######OpenITI# #META# 000.SortField :: JK_009324 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: ابن بطال #META# 010.AuthorNAME :: أبو الحسن علي بن خلف بن عبد الملك بن بطال البكري القرطبي #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 449 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: شرح صحيح البخاري #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: كتب الحديث النبوي الشريف وتراجم الرواة :: كتب الشروح #META# 022.BookVOLS :: NODATA #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: شرح صحيح البخاري لابن بطال #META# 030.LibURI :: JK_009324 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: NODATA #META# 031.LibURL :: NODATA #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: أبو تميم ياسر بن إبراهيم #META# 041.EdNUMBER :: الثانية #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: مكتبة الرشد #META# 044.EdPLACE :: السعودية / الرياض #META# 045.EdYEAR :: 1423هـ - 2003م #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # بسم الله الرحمن الرحيم { وما توفيقى إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب } ~~[ هود : 88 ] # | 1 - باب كيف كان بدء الوحى إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقول ~~الله عز وجل : { إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده } [ ~~النساء : 163 ] # / 1 - فيه : عمر بن الخطاب ، رضى الله عنه ، قال النبى - صلى الله عليه ~~وسلم - : تمت الأعمال بالنيات ، وإنما لكل امرئ ما نوى ، فمن كانت هجرته ~~إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله ، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها ~~، أو امرأة يتزوجها ، فهجرته إلى ما هاجر إليه - . قال المؤلف : قال لى أبو ~~القاسم المهلب بن أبى صفرة ، رحمه الله : معنى هذه الآية أن الله تعالى ~~أوحى إلى محمد ، عليه الصلاة والسلام ، كما أوحى إلى سائر الأنبياء ، عليهم ~~الصلاة والسلام ، قبله وحى رسالة ، لا وحى إلهام ، لأن الوحى ينقسم على ~~وجوه . قال : وإنما قدم البخارى ، رحمه الله ، حديث تمت الأعمال بالنيات - ~~فى أول كتابه ، ليعلم أنه قصد فى تأليفه وجه الله ، عز وجل ، ففائدة هذا ~~المعنى ، أن يكون تنبيها لكل من قرأ كتابه ، أن يقصد به وجه الله تعالى كما ~~قصده البخارى فى تأليفه . PageV01P031 وجعل هذا الحديث فى أول كتابه عوضا ~~من الخطبة التى يبدأ بها المؤلفون ، ولقد أحسن العوض من عوض من كلامه كلام ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الذى ما ينطق عن الهوى . وقال جماعة من ~~العلماء : إن هذا الحديث ثلث الإسلام ، وبه خطب النبى - صلى الله عليه وسلم ~~- حين وصل إلى دار الهجرة وشهر الإسلام . وقال أبو عبد الله بن الفخار : ~~إنما ذكر هذا الحديث فى هذا الباب ، لأنه متعلق بالآية التى فى الترجمة ، ~~والمعنى الجامع بينهما أن الله ، عز وجل ، أوحى إلى محمد - صلى الله عليه ~~وسلم - وإلى الأنبياء قبله أن الأعمال بالنيات ، والحجة لذلك قول الله ، عز ~~وجل : { وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ~~ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيمة } [ البينة : 5 ] . وقال تعالى : { شرع لكم ~~من الدين ما ms0001 وصى به نوحا والذى أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى ~~وعيسى أن أقيموا الدين } [ الشورى : 13 ] . وقال أبو العالية : فى هذه ~~الآية وصاهم بالإخلاص لله ، عز وجل ، وعبادته لا شريك له . وقال مجاهد فى ~~قول الله تعالى : { ما وصى به نوحا } ، قال : أوصاك به وأنبياءه كلهم دينا ~~واحدا . وقال أبو الزناد بن سراج : إنما خص المرأة بالذكر من بين سائر ~~PageV01P032 الأشياء فى هذا الحديث ، لأن العرب فى الجاهلية كانت لا تزوج ~~المولى العربية ، ولا يزوجون بناتهم إلا من الأكفاء فى النسب ، فلما جاء ~~الإسلام سوى بين المسلمين فى مناكحهم ، وصار كل واحد من المسلمين كفئا ~~لصاحبه ، فهاجر كثير من الناس إلى المدينة ، ليتزوج بها ، حتى سمى بعضهم ~~مهاجر أم قيس . / 2 - وفيه : عائشة ، رضى الله عنها ، أن الحارث بن هشام ، ~~سأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فقال : يا رسول الله كيف يأتيك ~~الوحى ؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : تمت أحيانا يأتينى مثل ~~صلصلة الجرس ، وهو أشده على ، فيفصم عنى ، وقد وعيت عنه ما قال ، وأحيانا ~~يتمثل لى الملك رجلا فيكلمنى ، فأعى ما يقول - . قالت عائشة : ولقد رأيته ~~ينزل عليه الوحى فى اليوم الشديد البرد ، فيفصم عنه ، وإن جبينه ليتفصد ~~عرقا . / 3 - وفيه : عائشة ، أنها قالت : أول ما بدئ به رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - من الوحى الرؤيا الصالحة فى النوم ، فكان لا يرى رؤيا ، ~~إلا جاءت مثل فلق الصبح ، ثم حبب إليه الخلاء ، وكان يخلو بغار حراء ، ~~فيتحنث فيه - وهو التعبد - الليالى ذوات العدد قبل أن ينزع إلى أهله ، ~~ويتزود لذلك ، ثم يرجع إلى خديجة ، ويتزود لمثلها ، حتى جاءه الحق ، وهو فى ~~غار حراء ، فجاءه الملك ، فقال : اقرأ ، قال : ما أنا بقارئ ، قال : فأخذنى ~~فغطنى حتى بلغ منى الجهد ، ثم أرسلنى ، فقال : اقرأ ، PageV01P033 قلت : ما ~~أنا بقارئ ، فأخذنى الثانية فغطنى حتى بلغ منى الجهد ، ثم أرسلنى ، فقال : ~~اقرأ ، فقلت : ما أنا بقارئ ، فأخذنى فغطنى الثالثة ، ثم أرسلنى ، فقال : { ~~اقرأ باسم ربك الذى خلق خلق الإنسان ms0002 من علق اقرأ وربك الأكرم الذى علم ~~بالقلم } [ العلق : 1 - 4 ] ، فرجع بها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~يرجف فؤاده ، فدخل على خديجة بنت خويلد ، فقال : تمت زملونى زملونى - ، ~~فزملوه حتى ذهب عنه الروع ، فقال لخديجة ، وأخبرها الخبر : تمت لقد خشيت ~~على نفسى - ، فقالت خديجة : كلا والله لا يخزيك الله أبدا ، إنك لتصل الرحم ~~، وتحمل الكل ، وتكسب المعدوم وتقرى الضيف ، وتعين على نوائب الحق ، ~~فانطلقت به خديجة حتى أتت به ورقة بن نوفل بن أسد بن عبدالعزى ابن عم خديجة ~~، وكان امرأ قد تنصر فى الجاهلية وكان يكتب الكتاب العبرانى ، فيكتب من ~~الإنجيل بالعبرانية ، ما شاء الله أن يكتب ، وكان شيخا كبيرا قد عمى ، ~~فقالت له خديجة : يا ابن عم اسمع من ابن أخيك ، فقال له ورقة : يا ابن أخى ~~ماذا ترى ؟ فأخبره رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بخبر ما رأى ، ~~PageV01P034 فقال له ورقة : هذا الناموس الذى نزل الله على موسى ، يا ليتنى ~~فيها جذعا ، يا ليتنى أكون حيا ، إذ يخرجك قومك . قال رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - : تمت أومخرجى هم - ؟ قال : نعم ، لم يأت رجل قط بمثل ما جئت ~~به إلا عودى ، وإن يدركنى يومك أنصرك نصرا مؤزرا ، ثم لم ينشب ورقة أن توفى ~~وفتر الوحى . وقال جابر فى حديثه عن فترة الوحى : قال : بينا أنا أمشى ، إذ ~~سمعت صوتا من السماء ، فرفعت بصرى ، فإذا الملك الذى جاءنى بحراء جالس على ~~كرسى بين السماء والأرض ، فرعبت منه ، فرجعت ، فقلت : زملونى زملونى ، ~~فأنزل الله تعالى : { يا أيها المدثر * قم فأنذر وثيابك فطهر والرجز فاهجر ~~} [ المدثر : 1 - 5 ] فحمى الوحى وتتابع . وقال يونس ومعمر : بوادره . / 4 ~~- وفيه : ابن عباس فى قول الله تعالى : { لا تحرك به لسانك لتعجل به } [ ~~القيامة : 16 ] قال : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يعالج من ~~التنزيل شدة ، وكان مما يحرك شفتيه ، فقال ابن عباس : فأنا أحركهما لكم كما ~~كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يحركهما ، فحرك شفتيه ، فأنزل الله ~~تعالى : { لا ms0003 تحرك به لسانك لتعجل به إن علينا جمعه وقرآنه } قال : جمعه لك ~~فى صدرك ، وتقرأه : { فإذا قرأناه فاتبع قرآنه } قال : واستمع له وأنصت { ~~ثم إن علينا بيانه } [ القيامة : 16 - 19 ] ثم إن علينا أن نقرأه ، ~~PageV01P035 فكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعد ذلك إذا أتاه جبريل ~~استمع ، فإذا انطلق جبريل قرأه النبى - صلى الله عليه وسلم - كما قرأ . قال ~~المهلب : قوله : تمت فى مثل صلصلة الجرس - ، يعنى قوة صوت الملك بالوحى ، ~~ليشغله عن أمور الدنيا ، ويفرغ حواسه للصوت الشديد ، فكان - صلى الله عليه ~~وسلم - ، يعى عنه ، لأنه لم يبق فى سمعه مكان لغير صوت الملك ولا فى قلبه . ~~قال المؤلف : وعلى هذه الصفة تتلقى الملائكة الوحى من الله ، عز وجل . ذكر ~~البخارى عن ابن مسعود ، قال : تمت إذا تكلم الله بالوحى ، سمع أهل السماوات ~~- . وقال أبو هريرة فى حديثه : تمت إذا قضى الله الأمر فى السماء ، ضربت ~~الملائكة بأجنحتها ، خضعانا لقوله ، كأنه سلسلة على صفوان ينفذهم ذلك ، قال ~~: فإذا فزع عن قلوبهم وسكت الصوت عرفوا أنه الحق ، وقالوا : ماذا قال ربكم ~~؟ قالوا الحق - . وقال أبو الزناد : إنما ذكر - صلى الله عليه وسلم - أنه ~~يأتيه الوحى فى مثل صلصلة الجرس ، ويتمثل له رجلا ولم يذكر الرؤيا ، وقد ~~أعلمنا - صلى الله عليه وسلم - أن رؤياه وحى ، وذلك أنه أخبرهم بما ينفرد ~~به دون الناس ، لأن الرؤيا الصالحة قد يشركه غيره فيها . وأما قول عائشة : ~~تمت أول ما بدء به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من الوحى الرؤيا ~~الصالحة ، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح - . قال المهلب : هى ~~تباشير النبوة وكيفية بدئها ، لأنه لم يقع فيها PageV01P036 ضغث ، فيتساوى ~~مع الناس فى ذلك ، بل خص بصدقها كلها ، وكذلك قال ابن عباس : رؤيا الأنبياء ~~وحى ، وقرأ : { إنى أرى فى المنام أنى أذبحك } [ الصافات : 102 ] فتمم الله ~~عليه النبوة ، بأن أرسل إليه الملك فى اليقظة ، وكشف له عن الحقيقة ، فكانت ~~الأولى فى النوم ، وصحة ما يوحى إليه فيه توشيحا للنبوة وابتدائها ms0004 حتى ~~أكملها الله له فى اليقظة تفضلا من الله تعالى ، وموهبة خصه بها ، والله ~~يعلم حيث يجعل رسالاته والله ذو الفضل العظيم . قال غيره : وتزوده - صلى ~~الله عليه وسلم - فى تحنثه يرد قول الصوفية : أن من أخلص لله أنزل الله ~~عليه طعاما . والرسول ، - صلى الله عليه وسلم - ، كان أولى بهذه المنزلة ، ~~لأنه أفضل البشر ، وكان يتزود . وقال المهلب : قوله : تمت فغطنى - فيه من ~~الفقه أن الإنسان يذكر وينبه إلى فعل الخير وإن كان عليه فيه مشقة . وقال ~~أبو الزناد : قوله : تمت فغطنى - ثلاث مرات ، فيه دليل على أن المستحب فى ~~مبالغة تكرير التنبيه والحض على التعليم ثلاث مرات . وقد روى عنه - صلى ~~الله عليه وسلم - : تمت أنه كان إذا قال شيئا أعاده ثلاثا - ، للإفهام ، ~~وقد استدل بعض الناس من هذا الحديث ، أن يؤمر المؤدب أن لا يضرب صبيا أكثر ~~من ثلاث ضربات . وقوله : { اقرأ باسم ربك } [ العلق : 1 ] يدل على أنها أول ~~ما نزل من القرآن . PageV01P037 وقال أبو الحسن بن القصار : فى هذا رد على ~~الشافعى فى قوله : { بسم الله الرحمن الرحيم } آية من كل سورة ، وهذه أول ~~سورة نزلت عليه ، ولم يذكر فيها { بسم الله الرحمن الرحيم } . قال غيره : ~~رجوع الرسول فزعا ، فقال : تمت زملونى - ، ولم يخبر بشىء حتى ذهب عنه الروع ~~، فيه دليل : أنه لا يحب أن يسأل الفازع عن شىء من أمره ما دام فى حالة ~~فزعه . وكذلك قال مالك وغيره : إن المذعور لا يلزمه بيع ولا إقرار ولا غيره ~~فى حال فزعه . وقوله : تمت لقد خشيت على نفسى - ، يدل أنه من نزلت به ملمة ~~أن له أن يشارك فيها من يثق بنصحه ورأيه . وقولها : تمت كلا والله ، ما ~~يخزيك الله أبدا ، إنك لتصل الرحم ، وتحمل الكل - إلى آخر الحديث إنما هو ~~قياس منها على العادات ، والأكثر فى الناس فى حسن عاقبة من فعل الخير ، ~~وفيه جواز تزكية الرجل فى وجهه بما فيه الخير ، وليس بمعارض لقوله - صلى ~~الله عليه وسلم - : تمت احثوا التراب فى وجوه المداحين ms0005 - . وإنما أراد بذلك ~~إذا مدحوه بالباطل ، وبما ليس فى الممدوح . وقول يونس ومعمر : تمت بوادره - ~~يعنى : ترجف بوادره مكان رواية من روى : تمت يرجف فؤاده - . PageV01P038 ~~وسيأتى تفسير ذلك فى آخر هذا الباب ، إن شاء الله تعالى . ومعنى أمره تعالى ~~نبيه لا يحرك بالقرآن لسانه ليعجل به : وعدته له أن يجمعه فى صدره ، لكى ~~يتدبره ويتفهمه ، وتبدو له عجائب القرآن وحكمته ، وتقع فى قلبه مواعظه ، ~~فيتذكر بذلك ، ولتتأسى به أمته فى تلاوته ، فينالوا بركته ، ولا يحرموا ~~حكمته . وقد ذكر الله هذا المعنى ، فقال : { ليدبروا آياته وليتذكر أولوا ~~الألباب } [ ص : 29 ] . وفيه : أن القرآن لا يحفظه أحد ، إلا بعون الله له ~~على حفظه وتيسيره ، ويشهد لهذا قوله تعالى : { ولقد يسرنا القرآن للذكر } [ ~~القمر : 17 ] . / 5 - وفيه : ابن عباس ، كان رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - أجود الناس ، وكان أجود ما يكون فى رمضان حين يلقاه جبريل ، وكان ~~يلقاه فى كل ليلة من رمضان ، فيدارسه القرآن ، فلرسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - أجود بالخير من الريح المرسلة . قال المهلب : معنى ذلك : أنه امتثل ~~، - صلى الله عليه وسلم - ، قول الله وأمره ، فى تقديم الصدقة بين يدى نجوى ~~الرسول ، الذى كان [ الله ] تعالى أمر به عباده ، فقال : { يا أيها الذين ~~آمنوا إذا ناجيتم الرسول فقدموا بين يدى نجواكم صدقة } [ المجادلة : 12 ] ، ~~ثم عفا عنهم لإشفاقهم منه ، فامتثل ذلك النبى عند مناجاة الملك ، وترداده ~~عليه فى رمضان . فإن قيل : هذا أمر منسوخ ، قيل : قد فعل النبى ، - صلى ~~الله عليه وسلم - ، فى خاصته أشياء منع منها أمته ، كالوصال فى الصيام ، ~~فإنه - صلى الله عليه وسلم - واصل ، ونهى عنه غيره ، وقال : تمت أيكم مثلى ~~- ؟ وكان يلتزم من طاعة ربه ما لا يقدر عليه غيره ، وكان يصلى حتى تتفطر ~~قدماه ، PageV01P039 ويقول : تمت أفلا أكون عبدا شكورا - ؟ وما كانت ~~مدارسته للقرآن إلا لتزيده رغبة فى الآخرة ، وتزهدا فى الدنيا . وفيه : ~~دليل أن الجليس الصالح ينتفع بمجالسته . فإن قيل : فما معنى مدارسة جبريل ~~للنبى - صلى الله عليه وسلم - القرآن وقد ضمن ms0006 الله لنبيه ألا ينساه بقوله : ~~{ سنقرؤك فلا تنسى } ؟ [ الأعلى : 6 ] فالجواب : أن الله تعالى إنما ضمن له ~~ألا ينساه بأن بقرئه إياه فى المستأنف ، لأن السين فى { سنقرؤك } دخلت ~~للاستئناف ، فأنجز له ذلك بإقراء جبريل ، ومدارسته له القرآن فى كل رمضان . ~~وخص رمضان بذلك ، لأن الله تعالى أنزل فيه القرآن إلى السماء الدنيا ، ~~ولتتأسى بذلك أمته فى كل أشهر رمضان ، فيكثروا فيه من قراءة القرآن ، ~~فيجتمع لهم فضل الصيام والتلاوة والقراءة والقيام . / 6 - وفيه : ابن عباس ~~: أن أبا سفيان بن حرب أخبره أن هرقل أرسل إليه فى ركب من قريش ، وكانوا ~~تجارا بالشأم ، فى المدة التى كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ماد ~~فيها أبا سفيان بن حرب وكفار قريش ، فأتوه وهم بإيلياء ، فدعاهم فى مجلسه ، ~~وحوله عظماء الروم ، ثم دعاهم ودعا بترجمانه ، فقال : أيكم أقرب نسبا بهذا ~~الرجل الذى يزعم أنه نبى ؟ فقال أبو سفيان : قلت : أنا أقربهم نسبا . فقال ~~: أدنوه منى ، وقربوا أصحابه ، فاجعلوهم عند ظهره ، ثم قال لترجمانه : قل ~~لهم : إنى سائل هذا عن هذا الرجل ، فإن كذبنى فكذبوه ، فوالله لولا الحياء ~~من أن يأثروا على كذبا لكذبت عنه ، ثم قال : أول ما سألنى عنه أن قال : كيف ~~نسبه فيكم ؟ قلت هو فينا ذو نسب ، PageV01P040 قال : فهل قال هذا القول ~~منكم أحد قط قبله ؟ قلت : لا ، قال : فهل كان من آبائه من ملك ؟ قلت : لا ، ~~قال : فأشراف الناس اتبعوه أم ضعفاؤهم ؟ فقلت : بل ضعفاؤهم ، قال : أيزيدون ~~أم ينقصون ؟ قلت : بل يزيدون ، قال : فهل يرتد أحد منهم سخطة لدينه بعد أن ~~يدخل فيه ؟ قلت : لا ، قال : فهل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال ؟ ~~قلت : لا . قال : فهل يغدر ؟ قلت : لا ، ونحن منه فى مدة لا ندرى ما هو ~~فاعل فيها ، قال : ولم تمكنى كلمة أدخل فيها شيئا غير هذه الكلمة ، قال : ~~فهل قاتلتموه ؟ قلت : نعم ، قال : كيف كان قتالكم إياه ؟ قلت : الحرب بيننا ~~وبينه سجال ، ينال منا وننال منه ، قال : ماذا يأمركم ؟ قلت : يقول : ~~اعبدوا ms0007 الله وحده ، ولا تشركوا به شيئا ، واتركوا ما يقول آباؤكم ، ويأمرنا ~~بالصلاة والزكاة ، والصدق والعفاف والصلة . فقال للترجمان : قل له : سألتك ~~عن نسبه ، فذكرت أنه فيكم ذو نسب ، فكذلك الرسل تبعث فى نسب قومها ، وسألتك ~~هل قال أحد منكم هذا القول ؟ فذكرت PageV01P041 أن لا ، فقلت : لو كان أحد ~~قال هذا القول قبله ، لقلت رجل يأتسى بقول قيل قبله ، وسألتك هل كان من ~~آبائه من ملك ؟ فذكرت أن لا ، فقلت : فلو كان من آبائه من ملك قلت : رجل ~~يطلب ملك أبيه ، وسألتك هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال ؟ فذكرت ~~أن لا ، فقد أعرف أنه لم يكن ليذر الكذب على الناس ويكذب على الله تعالى . ~~وسألتك أشراف الناس اتبعوه أم ضعفاؤهم ؟ فذكرت أن ضعفاءهم اتبعوه ، وهم ~~أتباع الرسل ، وسألتك أيزيدون أم ينقصون ؟ فذكرت أنهم يزيدون ، وكذلك أمر ~~الإيمان حتى يتم ، وسألتك أيرتد أحد سخطة لدينه بعد أن يدخل فيه ؟ فذكرت أن ~~لا ، وكذلك الإيمان حين تخالط بشاشته القلوب ، وسألتك هل يغدر ؟ فذكرت أن ~~لا ، وكذلك الرسل لا تغدر ، وسألتك بما يأمركم ؟ فذكرت أنه يأمركم أن ~~تعبدوا الله ، ولا تشركوا به شيئا ، وينهاكم عن عبادة الأوثان ، ويأمركم ~~بالصلاة والصدق والعفاف ، فإن كان ما تقول حقا فسيملك موضع قدمى هاتين ، ~~وقد كنت أعلم أنه خارج ، ولم أكن أظن أنه منكم ، فلو أنى أعلم أنى أخلص ~~إليه لتجشمت لقاءه ، ولو كنت عنده لغسلت عن قدميه . ثم دعا بكتاب رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - الذى بعث به دحية الكلبى إلى عظيم بصرى ، فدفعه إلى ~~هرقل ، فقرأه فإذا فيه : تمت بسم الله الرحمن الرحيم ، من محمد بن عبد الله ~~رسول الله إلى هرقل عظيم الروم ، سلام على من اتبع الهدى ، أما بعد ، فإنى ~~أدعوك بدعاية الإسلام ، أسلم تسلم ، يؤتك الله أجرك مرتين ، فإن توليت فإن ~~عليك إثم الأريسيين ، و { يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ~~PageV01P042 أن لا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا ~~أربابا من ms0008 دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون } - [ آل عمران : ~~64 ] . قال أبو سفيان : فلما قال ، ما قال وفرغ من قراءة الكتاب ، كثر عنده ~~الصخب ، وارتفعت الأصوات ، وأخرجنا . فقلت لأصحابى حين أخرجنا : لقد أمر ~~أمر ابن أبى كبشة ، إنه يخافه ملك بنى الأصفر ، فما زلت موقنا أنه سيظهر ، ~~حتى أدخل الله على الإسلام . وكان ابن الناظور صاحب إيلياء ، وهرقل أسقفا ~~على نصارى الشام ، يحدث أن هرقل حين قدم إيلياء أصبح يوما خبيث النفس ، ~~فقال بعض بطارقته : قد استنكرنا هيئتك ، قال ابن الناظور : وكان هرقل حزاء ~~ينظر فى النجوم ، فقال لهم حين سألوه : إني رأيت الليلة حين نظرت فى النجوم ~~ملك الختان قد ظهر فمن يختتن من هذه الأمة ؟ قالوا : ليس يختتن إلا اليهود ~~، فلا يهمنك شأنهم ، واكتب إلى مداين ملكك ، فيقتلوا من فيهم من اليهود ، ~~فبينما هم على أمرهم أتى هرقل برجل أرسل به ملك غسان ، يخبر عن خبر رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - فلما استخبره هرقل ، قال : اذهبوا ، فانظروا ، ~~مختتن هو أم لا ؟ فنظروا إليه ، فحدثوه أنه مختتن ، وسأله عن العرب ، فقال ~~: هم يختتنون ، فقال هرقل : هذا ملك هذه الأمة قد ظهر ، ثم كتب هرقل إلى ~~صاحب له برومية ، وكان هرقل نظيره فى العلم ، وسار هرقل إلى PageV01P043 ~~حمص ، فلم يرم حمص ، حتى أتاه كتاب من صاحبه ، يوافق رأى هرقل على خروج ~~الرسول ، وأنه نبى ، فأذن هرقل لعظماء الروم فى دسكرة له بحمص ، ثم أمر ~~بأبوابها فغلقت ، ثم اطلع ، فقال : يا معشر الروم ، هل لكم فى الفلاح ~~والرشد ، وأن يثبت ملككم فتبايعوا هذا النبى ؟ فحاصوا حيصة حمر الوحش إلى ~~الأبواب ، فوجدوها قد غلقت ، فلما رأى هرقل نفرتهم ، وأيس من الإيمان ، قال ~~: ردوهم على ، وقال : إنى قلت مقالتى آنفا أختبر بها شدتكم على دينكم ، فقد ~~رأيت ، فسجدوا له ، ورضوا عنه ، فكان ذلك آخر شأن هرقل . قال المهلب : ~~وقوله : تمت فى المدة التى ماد فيها رسول الله أبا سفيان وكفار قريش - ، ~~فإن أهل السير ذكروا أن الرسول - صلى الله عليه وسلم ms0009 - صالح أهل مكة سنة ست ~~، عام الحديبة ، عشر سنين ، ثم إن أهل مكة نقضوا العهد الذى كان بينهم وبين ~~الرسول بقتالهم خزاعة حلفاء النبى - صلى الله عليه وسلم - ، ثم سألو أبا ~~سفيان أن يجدد لهم العهد ، فامتنع النبى - صلى الله عليه وسلم - من ذلك ، ~~فأنزل الله تعالى : { ألا تقاتلون قوما نكثوا أيمانهم وهموا بإخراج الرسول ~~وهم بدؤوكم أول مرة } [ التوبة : 13 ] بعد أن قال تعالى : { وإن نكثوا ~~أيمانهم من بعد عهدهم وطعنوا في دينكم فقاتلوا أئمة الكفر } [ التوبة : 12 ~~] فأوجب قتالهم حين نكثوا أيمانهم . وغير جائز أن يترك النبى - صلى الله ~~عليه وسلم - ما أمر به من قتالهم بعد قوله : { قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ~~ويخزهم وينصركم عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين ويذهب غيظ قلوبهم } [ التوبة : ~~14 ، 15 ] فأمر بقتالهم وأخبر بما يكون من النصر والتشفى خبرا لا يجوز أن ~~ينقلب . PageV01P044 وفى سؤال هرقل : تمت أيكم أقرب نسبا بهذا الرجل ؟ - ~~دليل أن أقارب الإنسان أولى بالسؤال عنه من غيرهم من أجل أنه لا ينسب إلى ~~قريبه ما يلحقه به عار فى نسبه عند العداوة كما يفعل غير القريب . وقوله : ~~تمت قربوا أصحابه فاجعلوهم عند ظهره - ، خشى أن يستحى منه أصحابه عند نظرهم ~~إليه إن كذب فى قوله . وقال لهم : تمت كذبنى فكذبوه - وإن صدقنى فصدقوه . ~~وقوله : تمت فوالله لولا الحياء من أن يأثروا على كذابا لكذبت عليه - يدل ~~أن الكذب مهجور فى كل أمة ومعيبا فى كل ملة . وفيه : أن العدو لا يؤمن عليه ~~الكذب على عدوه ، وكذلك لا يجوز شهادته على عدوه . وفيه : أن الرسل لا ترسل ~~إلا من أكرم الأنساب ، لأن من شرف نسبه كان أبعد له من الانتحال لغير ~~الحقائق . وقوله : تمت فى نسب قومها - يعنى : أفضله وأشرفه . وكذلك الإمام ~~الذى هو خليفة الرسول ينبغى أن يكون من أشرف قومه . وفيه : أن الإمام ~~الكاشف وجهه فى الإمامة وكل من حاول مطلبا عظيما إذا لم يتأس بأحد تقدمه من ~~أهله ولا طلب رئاسة سلفه كان أبعد للمظنة به وأبرأ ms0010 لساحته . وفيه : أن من ~~أخبر بحديث وهو معروف بالصدق أنه يصدق فيه ، وإن كان معروفا بالكذب أنه لا ~~يقبل حديثه . وقوله : تمت أشراف الناس اتبعوه - فإن أشراف الناس هم الذين ~~يأنفون من الخصال التى شرف صاحبهم عليهم بها ، ويحط شرفهم إلى PageV01P045 ~~أن يكونوا تابعين فى أحوال الدنيا ، فلذلك قال : إن كان يعاديه أشراف الناس ~~فهى دلالة على نبوته ، وأما ضعفاؤهم الذين لا تتكبر نفوسهم عن اتباع الحق ~~حيث رأوه ولا يجد الشيطان السبيل إلى نفخ الكبرياء فى نفوسهم ، فهم متبعون ~~للحق حيث سمعوه لا يمنعم من ذلك طلب رئاسة ولا أنفة شرف ، وزيادتهم دليل ~~على صحة النبوة ، لأنهم يرون الحق كل يوم يتجدد ويتبين لهم ، فيدخل فيه كل ~~يوم طائفة . وأما سؤاله عن ارتدادهم ، فإن كل من لم يدخل على بصيره فى شىء ~~وعلى يقين منه فقريب رجوعه واضطرابه ، ومن دخل على بصيرة وصحة يقين فيمتنع ~~رجوعه . وأما سؤاله عن الغدر ، فإن من طلب الرئاسة والدنيا خاصة لم يسأل عن ~~أى طريق وصل إليها ، ومن طلب شرف الآخرة والدنيا لم يدخل فيما يعاب ولا ~~فيما يأثم فيه . وقوله : تمت ونحن منه فى مدة لا ندرى ما يكون منه - ، قال ~~: تمت ولم تمكنى كلمة أنتقصه فيها غير ما - فيه من الفقه : أن من شك فى ~~كمال أحوال النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، فهو مرتاب غير مؤمن به . ~~وسؤاله عن حربهم وقوله : تمت وكذلك الرسل تبتلى ، ثم تكون لهم العاقبة - ~~فتبتلى ليعظم لها الأجر ولمن اتبعها ، ولئلا يخرج الأمر عن العادة ، ولو ~~أراد الله إخراج الأمر عن العادات لجعل الناس كلهم له متبعين ، ولقذف فى ~~قلوبهم الإيمان به ، ولكن أجرى الأمور على العادة بحكمة بالغة ؛ ليكون فريق ~~فى الجنة ، وفريق فى السعير . وأما قوله لترجمانه : تمت قل له : إنى سألتك ~~عن نسبه - إلى آخر سؤاله ، فقال فى كل فصل منها : وكذلك الرسل تبعث فى مثل ~~هذا ، فإنما أخبر بذلك عن الكتب القديمة . PageV01P046 وأن ذلك كله نعت ~~للنبى - صلى الله عليه وسلم - مكتوبا ms0011 عندهم فى التوارة والإنجيل ، وكذلك ~~قوله : تمت قد كنت أعلم أنه خارج - إنما علم ذلك من التوارة والإنجيل . ~~وقول هرقل : تمت لو كنت أرجو أن أخلص إليه لتجشمت لقاءه - دون خلع من ملكه ~~، ولا اعتراض عليه فى شىء ، وهذا التجشم هى الهجرة ، وكانت فرضا على كل ~~مسلم قبل فتح مكة . فإن قيل : فإن النجاشى لم يهاجر قبل فتح مكة وهو مؤمن ~~فكيف سقط عنه فرض الهجرة ؟ . قيل له : هو فى أهل مملكته أعنى عن الله ، وعن ~~رسوله ، وعن جماعة المسلمين منه ، لو هاجر بنفسه فردا ؛ لأن أول عنائه حبسه ~~الحبشة كلهم من مقاتلة النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، والمسلمين مع ~~طوائف الكفار ، مع أنه كان ملجأ لمن أوذى من أصحاب النبى - صلى الله عليه ~~وسلم - وردءا لجماعة المسلمين ، وحكم الردء فى جميع أحكام الإسلام حكم ~~المقاتل ، وكذلك فى رد اللصوص والمحاربين عند مالك وأكثر الكوفيين يقتل ~~بقتلهم ، ويجب عليه ما يجب عليهم ، وإن كانوا لم يحضروا الفعل . ومثل تخلف ~~عثمان وطلحة وسعيد بن زيد عن بدر ، فضرب لهم رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - بسهامهم من غنيمة بدر ، وقالوا : وأجرنا يا رسول الله ؟ قال : تمت ~~وأجركم - . وقوله : تمت أسلم تسلم - هذا التجنيس فى غاية البلاغة ، وهو من ~~بديع الكلام ، ومثله فى كتاب الله : { وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين } ~~[ النمل : 44 ] . PageV01P047 وقوله : تمت يؤتك الله أجرك مرتين - أى : ~~بإيمانك بعيسى ، - صلى الله عليه وسلم - ، وإيمانك بى بعده . ودعاية ~~الإسلام هى توحيد الله ، عز وجل ، والإيمان برسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - . ولم يصح عندنا أن هرقل جهر بالإيمان وأعلن بالإسلام ، وإنما عندنا ~~أنه آثر ملكه على الجهر بكلمة الحق ، ولسنا نقنع بالاعتقاد للإسلام دون ~~الجهر به لقوله : تمت أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا : لا إله إلا الله ~~وأنى رسول الله - ، وقد أرخص الله لمن خاف ، وأكره على الكفر أن يضمر ~~الإيمان بقوله : { إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان } [ النحل : 106 ] ، ~~ولم يبلغنا أن هرقل أكره على شىء من ذلك ms0012 فيقوم له عذر وأمره إلى الله تعالى ~~. وأما بعثه - صلى الله عليه وسلم - إلى هرقل بكتاب فيه : بسم الله الرحمن ~~الرحيم ، وآية من القرآن ، وقد قال - صلى الله عليه وسلم - : تمت لا ~~تسافروا بالقرآن إلى أرض العدو - ، وقال العلماء : لا يمكن المشركون من ~~الدراهم التى فيها اسم الله تعالى . وإنما فعل ذلك ، والله أعلم ، لأنه فى ~~أول الإسلام ، ولم يكن بد من أن يدع الناس إلى دين الله كافة وتبليغهم ~~توحيده كما أمره الله تعالى . وقوله : تمت فإن عليك إثم الأريسيين - يريد ~~الرؤساء المتبوعين على الكفر ، وسيأتى اشتقاق هذه اللفظة فى آخر هذا الباب ~~إن شاء الله . قال أبو الزناد : فحذره - صلى الله عليه وسلم - ، إذ كان ~~رئيسا متبوعا مسموعا منه أن يكون عليه إثم الكفر ، وإثم من عمل به واتبعه ~~عليه ، وقد قال PageV01P048 - صلى الله عليه وسلم - : تمت من سن سنة سيئة ~~كان عليه إثمها وإثم من عمل بها إلى يوم القيامة - . قال المهلب : وأصله فى ~~كتاب الله : { وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم } [ العنكبوت : 13 ] . ~~وليس على البخارى فى إدخاله أحاديث عن أهل الكتاب ، هرقل وغيره ، ولا فى ~~قوله : تمت وكان حزاء ينظر فى النجوم - حرج ؛ لأنه إنما أخبر أنه كان فى ~~الإنجيل ذكر محمد ، - صلى الله عليه وسلم - ، وكان من يتعلق قبل الإسلام ~~بالنجامة ينذر بنبوته ؛ لأن علم النجامة كان مباحا ذلك الوقت ، فلما جاء ~~الإسلام منع منه ، فلا يجوز لأحد اليوم أن يقضى بشىء منه ، وكان علم النجوم ~~قبل الإسلام على التظنين والتبحيث يصيب مرة ويخطئ كثيرا ، فاشتغالهم بما ~~فيه الخطأ الغالب ضلال ، فبعث الله نبيه محمدا - صلى الله عليه وسلم - ~~بالوحى الصحيح ، ونسخ ذلك العناء الذى كانوا فيه من أمر النجوم ، وقال لهم ~~: نحن أمة أمية لا نحسب ولا نكتب . وقال أبو المعتز فى كتاب الأدب : لا ~~يصلح لذى عقل ودين تعاطى علم النجوم ؛ لأنه لا سبيل إلى إيصال الصواب منها ~~، والذى يشبه الصواب منها إنما يتهيأ بالاتفاق ، وكيف يرضى العاقل من نفسه ~~أن يكذب مرة ms0013 ويصدق أخرى ، وإنما عمر الإنسان كالساعة التى لا ينبغى أن ~~ينفقها إلا فى علم يزداد بالإيغال فيه بعدا من الباطل وقربا من الحق ، ولو ~~أمكن ألا يخطئ الناظر فى علم النجوم لكان فى ذلك تنغيص العيش ، وتكدير ~~لصفوه ، وتضييق لمتفسح الآمال التى بها قوت الأنفس وعمارة الدنيا ، ولم يف ~~ما يرجى من الخير بما يتوقع PageV01P049 من الشر ؛ لأن بعض الناس لو علم ~~أنه يموت إلى سنة لم ينتفع بشىء من دنياه ، وهذا لا يشبه بفضل الله وإحسانه ~~ورأفته بخلقه ، ولو علم الناظر فيها أنه يعيش مائة سنة فى صحة وغنى لبطر ~~وما انتهى عن فاحشة ولا تورع عن محرم ، ولا أتى حنقا هاجما ولزالت نعمه ، ~~ولفسدت الدنيا بإهمال الناس لو تركوا أمره ونهيه ولأكل الناس بعضهم بعضا ، ~~ولعل بعضهم كان يؤخر التوبة إلى يوم أو ساعة أو سنة قبل موته متحاذق على ~~ربه ، ويدخل الجنة بتوبته ، وليس هذا فى حكمة الله وصواب تدبيره ، ولا شك ~~أن الخير فيما اختاره الله لنا من طى ذلك عنا ، فلله الحمد على جميل صنعه ~~ولطيف إحسانه . وقال أبو الحسن الجرجانى النسابة فى معنى نسبة قريش رسول ~~الله إلى أبى كبشة قال : إنما كانت تدعوه بذلك وتغير اسمه ؛ عداوة له إذ لم ~~يمكنهم الطعن فى نسبه المهذب ، صلوات الله عليه ، وكان وهب بن عبد مناف بن ~~زهرة أبو آمنة أم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يدعى : أبا كبشة ، وكان ~~عمرو بن زيد بن أسد بن البخارى أبو سلمى أم عبد المطلب يدعى : أبا كبشة ، ~~وكان فى أجداده من قبل أمه أبو كبشة ، وجد ابن غالب بن الحارث وهو أبو قيلة ~~أم وهب بن عبد مناف أبى آمنة أم الرسول ، - صلى الله عليه وسلم - ، وكان ~~أبوه من الرضاعة يدعى : أبا كبشة وهو الحارث بن عبد العزى بن رفاعة السعدى ~~. وقال ابن قتيبة : إنما نسبه ، - صلى الله عليه وسلم - ، إلى أبى كبشة وهو ~~الحارث بعض أجداد أمه ؛ لأنه رجل عبد الشعرى ، ولم تعرف العرب عبادة الشعرى ms0014 ~~لأحد قبله ، وجعلوا فعله فى ذلك شذوذا فى PageV01P050 الدين ، فلما جاءهم ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بما لا يعرفونه من دينهم ودين آبائهم وشذ ~~عنهم فى ترك عبادة الأوثان ، ودعا إلى دين الله ودين إبراهيم ؛ شبهوه بأبى ~~كبشة فى شذوذه فى عبادة الشعرى . * * * # | ذكر ما فى كتاب بدء الوحى من غريب اللغة # قوله : تمت صلصلة الجرس - الصلصلة والصليل : الصوت . يقال : صلت أجواف ~~الإبل من العطش ، إذا يبست ثم شربت فسمعت للماء فى أجوافها صوتا ، والجرس ~~معروف ، وهو شبه الناقوس الصغير يوضع فى أعناق الإبل ، وأجرس بالجرس صوت به ~~، والجرس : الصوت . وقوله : تمت فيفصم عنى - . قال صاحب الأفعال : فصمت ~~الشىء فصما : صدعته من غير أن أبينه ، وفصم الشىء عنك : ذهب ، وفصمت العقدة ~~: حللتها . ومنه قوله تعالى : { لا انفصام لها } [ البقرة : 256 ] . وفيه ~~لغة أخرى . قال الأصمعى : يفصم : يقلع ، ومنه قولهم : أفصم المطر إذا أقلع ~~، فيقال : منه فعل وأفعل . وقوله : تمت يتفصد عرقا - يعنى : يسيل عرقا ، ~~ومنه الفصد : قطع العرق . وقول عائشة : تمت فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل ~~فلق الصبح - يعنى : ضوء الصبح ، والفلق : هو الصبح بعينه ، وقد قيل فى قوله ~~تعالى : { قل أعوذ برب الفلق } [ الفلق : 1 ] ، يعنى به الصبح ، وقيل : إن ~~الفلق اسم جب فى جهنم . PageV01P051 وقوله : تمت كان يتحنث - . قال ابن ~~قتيبة : التحنث تفعل من الحنث ، وليس بمعنى كسب الحنث ؛ إنما هو أن يلقيه ~~عن نفسه ، وجاءت ثلاثة أفعال مخالفة لسائر الأفعال يقال : تحنث ، وتحوب ، ~~وتأثم : إذا ألقى الحنث ، والحوب ، والإثم عن نفسه ، وغيرها من الأفعال ~~إنما يكون تفعل منها بمعنى تكسب . وقوله : تمت فغطنى - . قال صاحب العين : ~~غطه فى الماء يغطه ويغطه : غرقه . وقوله : تمت يرجف فؤاده - . يقال : رجف ~~الشىء يرجف رجفا : تحرك . وقول يونس ومعمر : ترجف بوادره . قال أبو عبيدة : ~~البادرة : اللحمة التى بين أصل العنق والمنكب الضاربة . وأنشد غيره : وجاءت ~~الخيل محمرا بوادرها وقوله : تمت الناموس الذى نزل الله على موسى - . قال ~~ابن دريد : ناموس الرجل : صاحب سره ، وكل شىء سترت فيه شيئا ms0015 فهو ناموس له . ~~وقال أبو عبيد : الناموس جبريل - صلى الله عليه وسلم - . وقوله : تمت نصرا ~~مؤزرا - أى : قويا ، مأخوذ من الأزر وهو القوة . ومنه قوله عز وجل : { أخى ~~اشدد به أزرى } [ طه : 30 ، 31 ] أى : قوتى ، وقيل : أزرى : ظهرى ، خص ~~الظهر ؛ لأن القوة فيه . وقوله : تمت ثم لم ينشب ورقة أن توفى وفتر الوحى - ~~أى : لم ينشب فى شىء من الأمور ، وكأن هذه اللفظة عند العرب عبارة عن ~~السرعة والعجلة . PageV01P052 وقوله : تمت فحمى الوحى - فتتابع هو ، كقوله ~~- صلى الله عليه وسلم - يوم حنين حين اشتدت الحرب وهاجت : تمت الآن حمى ~~الوطيس - والوطيس : النفور . وقال صاحب العين : حميت النار والشمس : اشتد ~~حرها وحمى الفرس إذا سخن وعرق ، وأحميت الحديد فى النار . وقوله : تمت فى ~~المدة التى ماد فيها كفار قريش - فهو صلح الحديبية ، و تمت ماد - : فاعل من ~~المدة التى اتفق معهم على الصلح مدة ما من الزمان ، تقول العرب : تماد ~~الغريمان والمتبايعان إذا اتفقا على أجل ومدة وهى مفاعلة من اثنين . وقوله ~~: تمت الحرب بيننا وبينه سجال - ، قال صاحب العين : الحرب سجال ، أى : مرة ~~فيها سجل على هؤلاء وسجل على هؤلاء ، والسجل مثل الدلو ، والمساجلة : ~~المناوأة فى العمل أيهما يغلب صاحبه . وأنشد : من يساجلنى يساجل ماجدا يملأ ~~الدلو إلى عقد الكرب وأصله من تساجلهما فى الاستقاء . قال المبرد : فضربته ~~العرب مثلا للمفاخرة والمساماة . وقوله : تمت وكذلك الإيمان حين تخالط ~~بشاشته القلوب - ، أصل البشاشة : اللطف والإقبال على الرجل ، يقال : بششت ~~بشا وبشاشة ، وقد تبشبشت ، عن صاحب العين ، فبشاشة الإيمان على هذا فرح قلب ~~المؤمن به وسروره . وقال الحربى فى تفسير تمت الأريسيين - عن بعض أهل اللغة ~~قال : الأريس الأمير ، والمؤرس الذى يستعمله الأمير وقد أرسه ، والأصل رأسه ~~، فقلب وغير فى النسب ، والنسب يغير له الكلام كثيرا . PageV01P053 قال ~~المؤلف : والصواب على هذا أن يقال : الإريسيين بكسر الهمزة وتشديد الراء . ~~وذكر المطرز ، عن ثعلب ، عن عمرو بن أبى عمرو ، عن أبيه ، قال : الأريس ~~الأكار ، والصخب الصياح ، صخب صخبا إذا صاح . وقوله : تمت أمر ms0016 أمر ابن أبى ~~كبشة - ، يقال : أمر الشىء إذا كثر . وقال ابن الأنبارى : وإنما قيل للروم ~~: بنو الأصفر ؛ لأن حبشيا غلب على ناحيتهم فى بعض الدهور فوطئ سبيا فولدن ~~أولادا فيهم من بياض الروم وسواد الحبشة فكن صفرا لعسا ، فنسبت الروم إلى ~~الأصفر بذلك . وقوله : تمت ابن الناطور - ، قال دريد : الناطور : حافظ ~~النخل والتمر ، وقد تكلمت به العرب وإن كان أعجميا . وقال أبو عبيد : هو ~~الناظور بالظاء المعجمة ، والنبط يجعلون الظاء طاء وإنما سمى الناظور من ~~النظر . قوله : تمت وكان حزاء - ، قال صاحب العين : حزا يحز حزوا : إذا كهن ~~، وحزى يحزى حزيا وتحذى تحذية . وقوله : تمت فلم يرم حمص - ، يعنى : لم ~~يبرح ، عن صاحب العين ، يقال : ما يريم بفعل كذا ، أى : ما يبرح . و تمت ~~الدسكرة - بناء كالقصر حوله بيوت . وقوله : تمت حاصوا حيصة حمر الوحش - ، ~~قال أبو عبيد : حاص يحيص وجاص يجيص بمعنى واحد : إذا عدل عن الطريق ، وقال ~~أبو زيد : حاص رجع ، وجاص : عدل . PageV01P054 * * * بسم الله الرحمن ~~الرحيم # | 2 - تفسير كتاب الإيمان # # | 1 - باب قول النبى - صلى الله عليه وسلم - بنى الإسلام على خمس # وهو قول وفعل ، ويزيد وينقص ، قال الله تعالى : { ليزدادوا إيمانا مع ~~إيمانهم } [ الفتح : 4 ] ، { وزدناهم هدى } [ الكهف : 13 ] ، { ويزيد الله ~~الذين اهتدوا هدى } [ مريم : 76 ] ، { والذين اهتدوا زادهم هدى } [ محمد : ~~17 ] ، { ويزداد الذين آمنوا إيمانا } [ المدثر : 31 ] ، { أيكم زادته هذه ~~إيمانا } [ التوبة : 124 ] { فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا } [ التوبة : ~~124 ] وقوله : { فزادهم إيمانا } [ آل عمران : 173 ] وقوله : { وما زادهم ~~إلا إيمانا وتسليما } [ الأحزاب : 22 ] والحب فى الله والبغض فى الله من ~~الإيمان . وكتب عمر بن عبدالعزيز إلى عدي : إن للإيمان فرائض وشرائع وحدودا ~~وسننا ، فمن استكملها استكمل الإيمان ، ومن لم يستكملها لم يستكمل الإيمان ~~، فإن أعش فسأبينها لكم حتى تعملوا بها ، وإن أمت فما أنا على صحبتكم بحريص ~~. وقال إبراهيم ، - صلى الله عليه وسلم - : { ولكن ليطمئن قلبى } [ البقرة ~~: 260 ] . وقال معاذ بن جبل : اجلس بنا نؤمن ساعة . وقال ابن مسعود : ~~PageV01P055 اليقين الإيمان . وقال ابن عمر ms0017 : لا يبلغ العبد حقيقة التقوى ~~حتى يدع ما حاك في الصدر . وقال مجاهد : { شرع لكم } [ الشورى : 13 ] ~~أوصيناك يا محمد وإياه دينا واحدا . وقال ابن عباس : { شرعة ومنهاجا } [ ~~المائدة : 48 ] سبيلا وسنة . 2 - باب دعاؤكم إيمانكم / 1 - وفيه : ابن عمر ~~: قال - صلى الله عليه وسلم - : تمت بنى الإسلام على خمس : شهادة أن لا إله ~~إلا الله وأن محمدا رسول الله ، وإقام الصلاة ، وإيتاء الزكاة ، والحج ، ~~وصوم رمضان - . قال المؤلف : مذهب جماعة أهل السنة من سلف الأمة وخلفها أن ~~الإيمان قول وعمل ، ويزيد وينقص ، والحجة على زيادته ونقصانه ما أورده ~~البخارى من كتاب الله من ذكر الزيادة فى الإيمان وبيان ذلك أنه من لم تحصل ~~له بذلك الزيادة ، فإيمانه أنقص من إيمان من حصلت له . فإن قيل : إن ~~الإيمان فى اللغة التصديق وبذلك نطق القرآن ، قال الله تعالى : { وما أنت ~~بمؤمن لنا ولو كنا صادقين } [ يوسف : 17 ] أى ما أنت بمصدق ، يعنى فى ~~إخبارهم عن أكل الذئب ليوسف فلا ينقص التصديق . قال المهلب : فالجواب فى ~~ذلك أن التصديق وإن كان يسمى إيمانا فى اللغة ، فإن التصديق يكمل بالطاعات ~~كلها ، فما ازداد المؤمن من أعمال البر كان من كمال إيمانه ، وبهذه الجملة ~~يزيد الإيمان ، وبنقصانها ينقص . PageV01P056 ألا ترى قول عمر بن عبد ~~العزيز : إن للإيمان فرائض وشرائع وحدودا وسننا ، فمن استكملها استكمل ~~الإيمان ، ومن لم يستكملها لم يستكمل الإيمان ، فمتى نقصت أعمال البر نقص ~~كمال الإيمان ، ومتى زادت زاد الإيمان كمالا ، هذا توسط القول فى الإيمان . ~~وأما التصديق بالله وبرسله فلا ينقص ، ولذلك توقف مالك فى بعض الروايات عنه ~~عن القول بالنقصان فيه ، إذ لا يجوز نقصان التصديق ، لأنه إن نقص صار شكا ، ~~وانتقل عن اسم الإيمان . وقال بعض العلماء : إنما توقف مالك عن القول ~~بنقصان الإيمان خشية أن يتأول عليه موافقة الخوارج الذين يكفرون أهل ~~المعاصى من المؤمنين بالذنوب ، وقد قال مالك بنقصان الإيمان مثل قول جماعة ~~أهل السنة ، ذكر أحمد بن خالد ، قال : حدثنا عبيد بن محمد ، بصنعاء ، قال : ~~حدثنا ms0018 مسلمة بن شبيب ، ومحمد بن يزيد ، قالا : سمعت عبد الرزاق يقول : سمعت ~~من أدركت من شيوخنا وأصحابنا سفيان الثورى ، ومالك بن أنس ، وعبد الله بن ~~عمر ، والأوزاعى ، ومعمر بن راشد ، وابن جريج ، وسفيان بن عيينة ، يقولون : ~~الإيمان قول وعمل يزيد وينقص . ومن غير رواية عبد الرزاق ، وهو قول ابن ~~مسعود وحذيفة والنخعى . وحكى الطبرى : أنه قول الحسن البصرى ، وعطاء ، ~~وطاوس ، ومجاهد ، وعبد الله بن المبارك . فإن قيل : قد تقدم من قولكم أن ~~الإيمان فى اللغة التصديق ، وأنه لا ينقص ، فكيف يكون الإيمان قولا وعملا ؟ ~~. PageV01P057 قيل : كذلك نقول : التصديق فى نفسه لا ينقص إلا أنه لا يتم ~~بغير عمل ، إلا لرجل أسلم ، ثم مات فى حين إسلامه قبل أن يدرك العمل فهذا ~~معذور ، لأنه لم يتوجه إليه فرض الأمر والنهى ولا لزمه . وأما من لزمه فرض ~~الأمر والنهى فلا يتم تصديقه لقوله إلا بفعله . قال الطبرى : ألا ترى أن من ~~وعد عدة ، ثم أنجز وعده وحقق بالفعل قوله ، أنه يقال : صدق فلان قوله بفعله ~~، فالتصديق يكون بالقلب وباللسان والجوارح ، والمعنى الذى يستحق به العبد ~~المدح والولاية من المؤمنين هو إتيانه بهذه المعانى الثلاثة ، وذلك أنه لا ~~خلاف بين الجميع أنه لو أقر وعمل على غير علم منه ومعرفة بربه أنه لا يستحق ~~اسم مؤمن ، ولو عرفه وعمل وجحد بلسانه وكذب ما عرف من توحيد ربه أنه غير ~~مستحق اسم مؤمن ، وكذلك لو أقر بالله وبرسله ولم يعمل الفرائض مؤمنا ~~بالإطلاق ، وإن كان فى كلام العرب قد يجوز أن يسمى بالتصديق مؤمنا ، فغير ~~مستحق ذلك فى حكم الله ، لقوله تعالى : { إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله ~~وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا وعلى ربهم يتوكلون الذين ~~يقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون أولئك هم المؤمنون حقا } [ الأنفال : 2 ~~- 4 ] ، فأخبر تعالى أن المؤمن على الحقيقة من كانت هذه صفته ، دون من قال ~~ولم يعمل وضيع ما أمر به وفرط ، والحجة لذلك من السنة أيضا ما رواه الطبرى ~~، قال : حدثنا محمد بن ms0019 أحمد بن يزيد المكى ، قال : حدثنا عبد السلام بن ~~صالح ، قال : حدثنا الرضا على بن موسى ، عن جعفر ، عن أبيه ، عن على بن ~~حسين ، عن أبيه ، عن على بن أبى طالب ، أن النبى - صلى الله عليه وسلم - ، ~~قال : تمت الإيمان معرفة بالقلب ، وإقرار باللسان ، وتصديق بالعمل - . ~~PageV01P058 وقوله - صلى الله عليه وسلم - : تمت بنى الإسلام على خمس . . . ~~. - إلى آخر الحديث . قال المهلب : فهذه الخمس هى دعائم الإسلام التى بها ~~ثباته ، وعليها اعتماده ، وبإدامتها يعصم الدم والمال ، ألا ترى قوله - صلى ~~الله عليه وسلم - : تمت أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا : لا إله إلا الله ~~وأن محمدا رسول الله ، ويقيموا الصلاة ، ويؤتوا الزكاة ، فإذا فعلوا ذلك ~~عصموا منى دماءهم وأموالهم إلا بحقها ، وحسابهم على الله - ، وبهذا احتج ~~الصديق حين قاتل أهل الردة حين منعهم الزكاة ، وقال : والله لأقاتلن من فرق ~~بين الصلاة والزكاة ، فإن الزكاة حق المال ، واتبعه على ذلك جميع الصحابة . ~~وكذلك ينبغى أن يقاس على فعل أبى بكر ، رضى الله عنه ، فنقتل من جحد فريضة ~~ومن ضيعها ، فيجب عليه قضاؤها ، فصح أن الإيمان قول وعمل . وقوله - صلى ~~الله عليه وسلم - : تمت بنى الإسلام على خمس - ، كان فى أول الإسلام قبل ~~فرض الجهاد ، والله أعلم . وأما قول عمر بن عبد العزيز : إن للإيمان فرائض ~~وشرائع ، فإن أعش فسأبينها لكم . إن قال قائل : كيف ظن عمر بأهل العراق ~~أنهم لا يعرفون شرائع الإسلام وعندهم علماء التابعين وكيف أخر تعريفهم بها ~~؟ . فالجواب : أن عمر إنما رأى واجبا على الإمام أن يتفقد ، رعيته ويتخولهم ~~أبدا بذكر أمور الدين ، وألا يدع ذلك على كل حال فيمن علم منهم أو جهل ، ~~وفيمن قرب منهم أو بعد ، فأراد عمر أن يخرج PageV01P059 نفسه مما لزمه من ~~ذلك ، وأن يعيد ذكره مرارا متى استطاع وأخر تعريفهم ، لأن تأخير البيان ~~جائز إذا لم تدع إليه ضرورة . وأما قول ابن عباس : تمت دعاؤكم إيمانكم - ، ~~فإن المفسرين اختلفوا فى تأويل قوله تعالى : { قل ما يعبأ بكم ربى لولا ~~دعاؤكم } [ الفرقان : 77 ] ، فعلى ms0020 قول ابن عباس يكون معناه : قل : ما يعبأ ~~بكم ربى لولا دعاؤكم الذى هو زيادة فى إيمانكم ، لأنه قد جاء فى الحديث أن ~~الدعاء أفضل العبادة . وقال مجاهد : المعنى ما يفعل بكم ربى لولا دعاؤه ~~إياكم لتعبدوه وتطيعوه ، قال : وهو مثل قوله تعالى : { ما يفعل الله ~~بعذابكم إن شكرتم وآمنتم } [ النساء : 147 ] وقال ابن قتيبة : المعنى ما ~~يعبأ بعذابكم ربى لولا دعاؤكم غيره ، أى : لولا عبادتكم غيره ، وقول ابن ~~عباس يوافق مذهب البخارى ، لأنه سمى الدعاء إيمانا ، والدعاء عمل . * * * # | 3 - باب أمور الإيمان قوله تعالى : { ليس البر أن تولوا وجوهكم . . . . ~~} إلى { المتقون } [ البقرة : 177 ] وقوله : { قد أفلح المؤمنون } [ ~~المؤمنون : 1 ] الآية . # / 2 - فيه أبو هريرة أن رسول الله قال : تمت الإيمان بضع وستون شعبة ، ~~والحياء شعبة من الإيمان - . PageV01P060 قال المؤلف : فقه هذا الباب كالذى ~~قبله ، أن كمال الإيمان بإقامة الفرائض والسنن والرغائب ، وأن الإيمان قول ~~وعمل بخلاف قول المرجئة . ومعنى قوله تعالى : { ليس البر } [ البقرة : 177 ~~] أى : ليس غاية البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ، ولكن غاية البر ~~وكماله بر من آمن بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة ، وآتى الزكاة ، إلى ~~سائر ما ذكره تعالى فى الآية ، فحذف الصفة وأقام الموصوف مقامه ، ومثله ~~قوله تعالى : { ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة } [ لقمان : 28 ] . قال ~~سيبويه : أراد كخلق نفس واحدة وبعثها . وبالمبالغة فى أفعال البر مدح الله ~~المؤمنين فى قوله : { قد أفلح المؤمنون الذين هم } إلى قوله : { الذين ~~يرثون الفردوس هم فيها خالدون } [ المؤمنون : 1 - 11 ] . وهذا المعنى مطابق ~~لقوله - صلى الله عليه وسلم - : تمت الإيمان بضع وسبعون شعبة - ، فجعله ~~أشياء كثيرة ، ثم قال : تمت الحياء شعبة من الإيمان - ، فدل الكتاب والسنة ~~على خلاف قول المرجئة . قال أبو الزناد : وقوله : تمت الحياء شعبة من ~~الإيمان - يريد ، والله أعلم ، أن الحياء يبعث على طاعة الله ويمنع من ~~ارتكاب المعاصى ، كما يمنع الإيمان ، وإن كان الحياء غريزة فالإيمان فعل ~~المؤمن ، فاشتبها من هذه الجهة . فإن قال قائل من المرجئة : كيف يجوز أن ms0021 ~~تسمى أفعال البر كلها إيمانا ، وقد تقدم من قولكم أن الإيمان هو التصديق ؟ ~~. PageV01P061 قيل : قد تقدم قول المهلب أن أعمال البر إذا انضافت إلى ~~التصديق كمل تصديق صاحبها بها على تصديق من عرى من أعمال البر ، وقد تقدم ~~قول الطبرى أن التصديق يكون بالفعل كما يكون بالقول . وقد أجاب أبو بكر بن ~~الطيب أيضا فى ذلك قال : إن الرسول إنما سمى أفعال البر كلها إيمانا على ~~معنى أنها من دلائل الإيمان وسجايا المؤمنين وأفعالهم ، لأنه - صلى الله ~~عليه وسلم - إنما مدح هذه الأفعال إذا وقعت من عارف بالله ، ومصدق به ، ولو ~~وقعت من غير عارف به لم تكن قربة ولا مدح فاعلها ، فلما لم تكن قربة دون ~~حصول المعرفة والإقرار بالقلب ، سميت إيمانا باسم الأصل الذى لا يتم الحكم ~~لها بأنها طاعة وقربة دون حصوله . * * * # | 4 - باب المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده # / 3 - فيه : عبدالله بن عمرو أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : تمت ~~المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده ، والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه - ~~. قال المهلب : يريد المسلم المستكمل لأمور الإسلام خلاف قول المرجئة . ~~والمراد بهذا الحديث الحض على ترك أذى المسلمين باللسان واليد والأذى كله ، ~~ولهذا قال الحسن البصرى : الأبرار هم الذين لا يؤذون الذر والنمل . وقوله : ~~تمت والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه - . قال أبو الزناد : لما انقطعت ~~الهجرة ، وفضلها حزن على فواتها من PageV01P062 لم يدركها من أصحاب الرسول ~~، - صلى الله عليه وسلم - ، فأعملهم أن المهاجر على الحقيقة من هجر ما نهى ~~الله عنه ، وقال غيره : أعلم المهاجرين أنه واجب عليهم أن يلتزموا هجر ما ~~نهى الله عنه ، ولا يتكلوا على الهجرة فقط . * * * # | 5 - باب أى الإسلام أفضل ؟ # / 4 - فيه : أبو موسى قال : قالوا : يا رسول الله ، أى الإسلام أفضل ؟ ~~قال : تمت من سلم المسلمون من لسانه ويده - . قال : هذا الجواب خرج على ~~سؤال سائل ، لأنه قد سئل ، - صلى الله عليه وسلم - ، مثل هذا السؤال ، ~~فأجاب بغير هذا الجواب ، وذلك ms0022 تمت أنه سئل : أى الإسلام خير ؟ قال : تطعم ~~الطعام ، وتقرأ السلام - . فدل اتفاق السؤال واختلاف الجواب أن ذلك كله منه ~~، - صلى الله عليه وسلم - ، فى أوقات مختلفة ، لقوم شتى ، فجاوب كل إنسان ~~بما به الحاجة إلى علمه ، وجعل إسلام من سلم المسلمون من لسانه ويده من ~~أفضل الإسلام ، وهو خلاف قول المرجئة . * * * # | 6 - باب إطعام الطعام من الإيمان # / 5 - فيه : عبدالله بن عمرو ، أن رجلا سأل النبى - صلى الله عليه وسلم - ~~أى الإسلام خير ؟ قال : تمت تطعم الطعام ، وتقرأ السلام على من عرفت ، ومن ~~لم تعرف - . قال أبو الزناد : فى هذا الحديث الحض على المواساة ، واستجلاب ~~PageV01P063 قلوب الناس بإطعام الطعام وبذل السلام ، لأنه ليس شىء أجلب ~~للمحبة وأثبت للمودة منهما ، وقد مدح الله المطعم للطعام ، فقال : { ~~ويطعمون الطعام على حبه } [ الإنسان : 8 ] الآية ، ثم ذكر الله جزيل ما ~~أثابهم عليه ، فقال : { فوقاهم الله شر ذلك اليوم ولقاهم نضرة وسرورا ~~وجزاهم بما صبروا جنة وحريرا } [ الإنسان : 11 ، 12 ] . قال المؤلف : وصف ~~تعالى من لم يطعمه بقوله تعالى فى صفة أهل النار : { ما سلككم فى سقر قالوا ~~لم نك من المصلين ولم نك نطعم المسكين } [ المدثر : 43 - 45 ] ، وعاب تعالى ~~من أراد أن يحرم طعامه أهل الحاجة إليه ، فذكر أهل الجنة : { إذ أقسموا ~~ليصرمنها مصبحين } إلى { كالصريم } [ القلم : 17 - 20 ] ، يعنى المقطوع ، ~~فأذهب تعالى ثمارهم ، وحرمهم إياها حين أملوا الاستئثار بها دون المساكين . ~~وفى قوله - صلى الله عليه وسلم - : تمت وتقرأ السلام على من عرفت ، ومن لم ~~تعرف - ندب إلى التواضع وترك الكبر ، قال المهلب : وهذا كما يظن العالم أن ~~السائل محتاج إلى علمه ، وهو من كمال الإيمان . ومعنى قوله : تمت تقرأ ~~السلام - أى تسلم عليه ، قال أبو زيد : أقرأنى خبرا ، أخبرنى به . وقال أبو ~~حاتم : يقال : اقرأ - صلى الله عليه وسلم - وأقرئه الكتاب ، ولا يقال : ~~أقرئه السلام إلا أن يكون مكتوبا فى كتاب ، ويقال : أقرئه إياه ، ولا يقال ~~: أقرئ السلام إلا فى لغة شنوءة . PageV01P064 # | 7 - باب من الإيمان أن يحب لأخيه ms0023 ما يحب لنفسه # / 6 - فيه : أنس ، قال - صلى الله عليه وسلم - : تمت لا يؤمن أحدكم حتى ~~يحب لأخيه ما يحب لنفسه - . قال المؤلف : معناه : لا يؤمن أحدكم الإيمان ~~التام ، حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه ، وقال أبو الزناد : ظاهره التساوى ~~وحقيقته التفضيل ، لأن الإنسان يحب أن يكون أفضل الناس ، فإذا أحب لأخيه ~~مثله ، فقد دخل هو فى جملة المفضولين ، ألا ترى أن الإنسان يجب أن ينتصف من ~~حقه ومظلمته ، فإذا كمل إيمانه وكانت لأخيه عنده مظلمة أو حق ، بادر إلى ~~إنصافه من نفسه ، وآثر الحق ، وإن كان عليه فيه بعض المشقة . وقد روى هذا ~~المعنى عن الفضيل بن عياض ، أنه قال لسفيان بن عيينة : إن كنت تريد أن يكون ~~الناس كلهم مثلك ، فما أديت لله النصيحة ، كيف وأنت تود أنهم دونك . وقال ~~بعض الناس : المراد بهذا الحديث كف الأذى والمكروه عن الناس ، ويشبه معناه ~~قول الأحنف بن قيس ، قال : كنت إذا كرهت شيئا من غيرى لم أفعل بأحد مثله . ~~* * * # | 8 - باب حب الرسول من الإيمان # / 7 - فيه : أبو هريرة قال - صلى الله عليه وسلم - : تمت والذى نفسى بيده ~~لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده - . / 8 - وقال أنس فى ~~حديثه : تمت والناس أجمعين - . PageV01P065 قال أبو الزناد : هذا من جوامع ~~الكلم الذى أوتيه - صلى الله عليه وسلم - ، لأنه قد جمع فى هذه الألفاظ ~~اليسيرة معانى كثيرة ، لأن أقسام المحبة ثلاثة : محبة إجلال وعظمة كمحبة ~~الوالد ، ومحبة شفقة ورحمة كمحبة الولد ، ومحبة استحسان ومشاكلة كمحبة سائر ~~الناس ، فحصر صنوف المحبة . ومعنى الحديث ، والله أعلم : أن من استكمل ~~الإيمان علم أن حق الرسول وفضله آكد عليه من حق أبيه وابنه والناس أجمعين ، ~~لأن بالرسول استنقذ الله أمته من النار وهداهم من الضلال ، فالمراد بهذا ~~الحديث بذل النفس دونه - صلى الله عليه وسلم - ، وقال الكسائى فى قوله ~~تعالى : { يا أيها النبى حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين } [ الأنفال : 64 ~~] أى حسبك الله ناصرا وكافيا ، وحسبك من اتبعك من المؤمنين ببذل أنفسهم ms0024 ~~دونك . * * * # | 9 - باب حلاوة الإيمان # / 9 - فيه : أنس ، قال - صلى الله عليه وسلم - : تمت ثلاث من كن فيه وجد ~~حلاوة الإيمان : أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما ، وأن يحب المرء ~~لا يحبه إلا لله ، وأن يكره أن يعود فى الكفر كما يكره أن يقذف فى النار - ~~. معنى وجود حلاوة الإيمان هو استلذاذ الطاعات وتحمل المشقات فيما يرضى ~~الله تعالى ، ورسوله - صلى الله عليه وسلم - ، وإيثار ذلك على عرض الدنيا ، ~~رغبة فى نعيم الآخرة ، الذى لا يبيد ولا يفنى . وروى عن عتبة الغلام أنه ~~قال : كابدت الصلاة عشرين سنة ، ثم تلذذت بها باقى عمرى . PageV01P066 ~~ومحبة العبد لخالقه هى التزام طاعته والانتهاء عن معاصيه لقوله تعالى : { ~~قل إن كنتم تحبون الله فاتبعونى يحببكم الله } [ آل عمران : 31 ] ، وكذلك ~~محبة رسول الله هى التزام شريعته واتباع طاعته ، ولما لم نصل إلى الإيمان ~~إلا بالرسول ، كانت محبته من الإيمان ، وقد سئل بعض الصالحين عن المحبة ما ~~هى ؟ فقال : مواطأة القلب لمراد الرب ، أن توافق الله ، عز وجل ، فتحب ما ~~أحب وتكره ما كره . ونظم محمود الوراق هذا المعنى فقال : تعصى الإله وأنت ~~تظهر حبه لو كان حبا صادقا لأطعته هذا لعمرى فى القياس بديع إن المحب لمن ~~يحب مطيع وقوله - صلى الله عليه وسلم - : تمت أن يحب المرء لا يحبه إلا لله ~~- ، فمن أجل أن الله قد جعل المؤمنين إخوة ، وأكد النبى ، - صلى الله عليه ~~وسلم - ، كلامه بقوله : تمت لو كنت متخذا خليلا لاتخذت أبا بكر ، ولكن خلة ~~الإسلام أفضل - وقال - صلى الله عليه وسلم - : تمت سبعة يظلهم الله فى ظله ~~يوم لا ظل إلا ظله - فعد منهم : تمت رجلين تحابا فى الله - ، والمراد ~~بالحديث : الحث على التحاب فى الله والتعاون على البر والتقوى ، وما يؤدى ~~إلى النعيم الدائم . قال الطبرى : فإن قيل : فهل حب المرء اكتساب للعبد أم ~~غريزة وجبلة ؟ فإن قلت : إن ذلك اكتساب للعبد ، إذا شاء أحب وإذا شاء أبغض ~~، قيل : فما وجه الخبر الوارد : تمت أن القلوب مجبولة ms0025 على حب من أحسن إليها ~~، وبغض من أساء إليها ؟ - وإن قلت : إن ذلك جبلة وغريزة ، فما وجه قوله - ~~صلى الله عليه وسلم - : تمت لا يجد حلاوة الإيمان حتى يحب المرء لا يحبه ~~إلا لله ؟ - فالجواب : أن الله PageV01P067 تعالى ، وإن كان هيأ القلوب ~~هيئة لا يمتنع معها حب من أحسن إليها وبغض من أساء إليها ، فإن العبد إنما ~~يلحقه الحمد والذم على ما كلف مما له السبيل إليه من تذكيرها إحسان المحسن ~~وإساءة المسىء إليها ، وتنبيها على ما أغفلته من سالف أيادى المحسن إليها ~~والمسىء ، فإلى العبد التنبيه والتذكر الذى هو بفعله مأمور إن كان لله ، ~~تعالى ، طاعة وعن التقدم عليه منهى إن كان له معصية ، وذلك أن الرجل إذا ~~تذكر سالف أيادى الله وأيادى رسوله ، - صلى الله عليه وسلم - ، وما من عليه ~~أن هداه للإسلام وأنقذه من الضلالة ، وعرفه الأسباب التى توخيه إلى النجاة ~~من عذاب الأبد والخلود فى جهنم ، وغير ذلك من النعم التى وصلت إليه به مما ~~لا كفاء لها ، ولا استحقها من الله لسابقة تقدمت منه إلا بفضله تعالى ، وجب ~~أن يخلص المحبة لله ولرسوله فوق كل شىء من جميع المحاب ، وكذلك إذا علم ما ~~فى حب المرء فى الله ، عز وجل ، من المنزلة عند الله آثرها على أسباب ~~الدنيا ، لينال ثوابها يوم القيامة ولم يحبه لأعراض الدنيا الفانية . قال ~~غيره : وقوله : تمت وأن يكره أن يعود فى الكفر كما يكره أن يقذف فى النار - ~~معناه : أن من وجد حلاوة الإيمان وخالط قلبه علم أن الكافر فى النار ، فكره ~~الكفر لكراهيته لدخول النار ، وقد ترجم له باب : من كره أن يعود فى الكفر ~~كما يكره أن يلقى فى النار . * * * # | 10 - باب علامة الإيمان حب الأنصار # / 10 - فيه : أنس ، قال - صلى الله عليه وسلم - : تمت آية الإيمان حب ~~الأنصار ، وآية النفاق بغض الأنصار - . PageV01P068 / 11 - وفيه : عبادة - ~~وكان قد شهد بدرا ، وهو أحد النقباء ليلة العقبة - أن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - قال وحوله عصابة من أصحابه : تمت ms0026 بايعونى على ألا تشركوا بالله ~~شيئا ، ولا تسرقوا ، ولا تزنوا ، ولا تقتلوا أولادكم ولا تأتوا ببهتان ~~تفترونه بين أيديكم وأرجلكم ، ولا تعصوا الله في معروف ، فمن وفى منكم ~~فأجره على الله ، ومن أصاب من ذلك شيئا ، فعوقب في الدنيا ، فهو كفارة ، ~~ومن أصاب من ذلك شيئا ثم ستره الله فهو إلى الله ، إن شاء عفا عنه ، وإن ~~شاء عاقبه - . فبايعناه على ذلك . قال المهلب : أما قوله : تمت علامة ~~الإيمان حب الأنصار - فهو بين فى حديث أنس . وأما حديث عبادة فإنما ذكره فى ~~الباب ؛ لأن الأنصار لهم من السبق إلى الإسلام بمبايعة الرسول - صلى الله ~~عليه وسلم - ما استحقوا به هذه الفضيلة ، وهذه أول بيعة عقدت على الإسلام ، ~~وهو بيعة العقبة الأولى بمكة ، ولم يشهدها غير اثنى عشر رجلا من الأنصار ، ~~ذكر ذلك ابن إسحاق . وكذلك قال عبادة : تمت وحوله عصابة من أصحابه - ، مع ~~أن المهاجرين بمكة قد كانوا أسلموا ولم يبايعوا مثل هذه البيعة ، فصح أن ~~الأنصار المبتدئون بالبيعة على إعلان توحيد الله وشريعته حتى يموتوا على ~~ذلك ؛ فحبهم علامة الإيمان ، ومجازاة لهم على حبهم من هاجر إليهم ، ~~ومواساتهم لهم فى أموالهم كما وصفهم الله ، تعالى ، واتباعا بحب الله لهم ~~بقوله : { قل إن كنتم تحبون الله فاتبعونى يحببكم الله } [ آل عمران : 31 ] ~~، فكان الأنصار ممن اتبعه أولا ، فوجبت لهم محبة الله ، ومن أحب الله وجب ~~على العباد حبه ، وقد مدح الله ، تعالى ، الذين يقولون : ربنا اغفر لنا ~~ولإخواننا الذين سبقونا PageV01P069 بالإيمان ؛ لأنهم سنوا لنا سنة حسنة ~~لهم أجرها وآجر من عمل بها إلى يوم القيامة . ذكر ابن إسحاق قال : حدثنى ~~يزيد بن أبى حبيب ، عن أبى الخير مرثد بن عبد الله اليزنى ، عن عبد الرحمن ~~بن عسيلة الصنابحى ، عن عبادة بن الصامت قال : تمت كنت فيمن حضر العقبة ~~الأولى وكنا اثنى عشر رجلا ، فبايعنا رسول الله بيعة النساء ، وذلك قبل أن ~~تفرض الحرب ، على ألا نشرك بالله شيئا ، ولا نسرق ، ولا نزنى ، ولا نقتل ~~أولادنا ، ولا نأتى ببهتان - وساق الحديث ms0027 على ما ذكره البخارى . وقوله : ~~تمت فمن أصاب من ذلك شيئا فعوقب فى الدنيا فهو كفارة - لفظه لفظ العموم ، ~~والمراد به الخصوص ، لأنا قد علمنا أن من أشرك فعوقب بشركه فى الدنيا فليس ~~ذلك بكفارة له ، فدل أنه أراد بقوله : تمت فمن أصاب من ذلك شيئا - ما سوى ~~الشرك ، ومثله فى القرآن كثير كقوله تعالى : { تدمر كل شىء } ، [ الأحقاف : ~~25 ] { وأوتيت من كل شيء } ، [ النمل : 23 ] ومعلوم أنها لم تدمر السموات ~~والأرض ولا جميع الأشياء ولا دمرت مساكنهم ، ألا ترى إلى قوله : { فأصبحوا ~~لا يرى إلا مساكنهم } ، وقوله : { وأوتيت من كل شىء } ، ومعلوم أن بلقيس لم ~~تؤت ملك سليمان . وقوله : تمت من أصاب من ذلك شيئا ثم ستره الله فهو إلى ~~الله ، إن شاء عفا عنه ، وإن شاء عاقبه - يرد قول من أنفذ الوعيد على ~~القاتل ، وعلى سائر المذنبين من الموحدين ، والحجة فى السنة لا فى قول من ~~PageV01P070 خالفها ، وسأذكر هذه المسألة فى كتاب الديات فى باب قوله تعالى ~~: { ومن يقتل مؤمنا متعمدا } [ النساء : 93 ] ، أو فى آخر كتاب الطب فى باب ~~: شرب السم ، إن شاء الله تعالى . # | 11 - باب من الدين الفرار من الفتن # / 12 - فيه : أبو سعيد الخدرى ، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ~~تمت يوشك أن يكون خير مال المسلم غنم يتبع بها شعف الجبال ، ومواقع القطر ~~يفر بدينه من الفتن - . قال المؤلف : هذا الحديث يدل على إباحة الانفراد ~~والاعتزال عند ظهور الفتن ، طلبا لإحراز السلامة فى الدين ، خشية أن تحل ~~عقوبة فتعم الكل ، وهذا كله من كمال الدين ، وقد جاء فى الحديث : تمت أنه ~~إذا فشا المنكر ، وكان بالناس قوة على تغييره ، فلم يغيروه امتحنهم الله ~~بعقوبة ، وبعث الصالحين على نياتهم ، وكان نقمة للفاسقين ، وتكفيرا ~~للمؤمنين - . وقد اعتزل سلمة بن الأكوع عند قتل عثمان ، وقال له الحجاج : ~~أرتددت على عقبيك ، تعربت ؟ قال : لا ، ولكن رسول الله أذن لى فى البدو . ~~وقال أبو الزناد : خص الغنم من بين سائر الأشياء حضا على التواضع وتنبيها ~~على إيثار ms0028 الخمول وترك الاستعلاء والظهور ، وقد رعاها الأنبياء والصالحون ، ~~وقال - صلى الله عليه وسلم - : تمت ما بعث الله نبيا إلا رعى الغنم - . ~~وأخبر أن السكينة فى أهل الغنم . PageV01P071 وشعف الجبال : رءوسها ، وشعفة ~~كل شىء أعلاه ، عن صاحب العين . * * * # | 12 - باب قول الرسول ، - صلى الله عليه وسلم - : أنا أعلمكم بالله - ، ~~وأن المعرفة فعل القلب لقوله تعالى : { ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم } [ ~~البقرة : 225 ] # / 13 - فيه : عائشة ، قالت : كان - صلى الله عليه وسلم - إذا أمرهم من ~~الأعمال بما يطيقون ، قالوا : لسنا كهيئتك يا رسول الله ، إن الله قد غفر ~~لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر ، فيغضب حتى يعرف الغضب فى وجهه ، ثم يقول : ~~تمت أنا أتقاكم وأعلمكم بالله - . قال المؤلف : قوله : { ولكن يؤاخذكم بما ~~كسبت قلوبكم } أى بما اعتقدته وأضمرته ، فسمى ذلك الإعتقاد فعلا للقلب ، ~~وأخبر أنه لا يؤاخذ عباده من الأعمال إلا بما اعتقدته قلوبهم ، فثبت بذلك ~~أن الإيمان من صفات القلوب ، خلاف قول الكرامية وبعض المرجئة : أن الإيمان ~~قول باللسان دون عقد بالقلب ، وإنما أمر أمته - صلى الله عليه وسلم - من ~~الأعمال بما يطيقون ليأخذوها بالنشاط ولا يتجاوزوا حدهم فيها فيضعفوا عنها ~~، لقوله - صلى الله عليه وسلم - : تمت إن المنبت لا أرضا قطع ، ولا ظهرا ~~أبقى - ضربه مثلا فى الأعمال . قال أبو الزناد : وقولهم : تمت لسنا كهيئتك ~~يا رسول الله ، إن الله قد غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر - ، فإنما ~~قالوا ذلك رغبة فى التزيد من الأعمال ، لما كانوا يعلمونه من اجتهاده فى ~~العبادة ، وهو PageV01P072 قد غفر له ما تقدم من ذنبه ، فعند ذلك غضب إذ ~~كان أولى منهم بالعمل ، لعلمه بما عند الله تعالى ، قال تعالى : { إنما ~~يخشى الله من عباده العلماء } [ فاطر : 28 ] ، وقد قال - صلى الله عليه ~~وسلم - : تمت أفلا أكون عبدا شكورا - ، وفى اجتهاده فى عمله ، وغضبه من ~~قولهم دليل أنه لا يجب أن يتكل العامل على عمله ، وأن يكون بين الرجاء ~~والخوف . قال المهلب : وفيه من الفقه : أن الرجل الصالح يلزمه من التقوى ms0029 ~~والخشية ما يلزم المذنب التائب ، لا يؤمن الصالح صلاحه ، ولا يوئس المذنب ~~ذنبه ويقنطه ، بل الكل خائف راج ، وكذلك أراد تعالى أن يكون عباده واقفين ~~تحت الخوف والرجاء اللذين ساس بهما خلقه سياسة حكمه لا انفكاك منها . وقوله ~~: تمت إن أتقاكم وأعلمكم بالله أنا - فيه من الفقه أن للإنسان أن يخبر عن ~~نفسه بما فيه من الفضل لضرورة تدعوه إلى ذلك ، لأن كلامه - صلى الله عليه ~~وسلم - بذلك وقع فى حال عتاب لأصحابه ، ولم يرد به الفخر ، كقوله : تمت أنا ~~سيد ولد آدم ولا فخر - . * * * # | 13 - باب تفاضل أهل الإيمان في الأعمال # / 14 - فيه : أبو سعيد الخدرى ، قال النبى ، - صلى الله عليه وسلم - : ~~تمت يدخل أهل الجنة ، الجنة ، وأهل النار النار ، ثم يقول الله تعالى : ~~أخرجوا من النار من كان فى قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان ، فيخرجون منها ~~قد اسودوا ، فيلقون في نهر الحيا - أو الحياة شك مالك - فينبتون كما تنبت ~~الحبة فى جانب السيل ، ألم تر أنها تخرج صفراء ملتوية ؟ - . PageV01P073 ~~وقال وهيب ، عن عمرو بن يحيى : تمت خردل من خير - . / 15 - وفيه : أبو سعيد ~~الخدرى ، قال - صلى الله عليه وسلم - : تمت بينا أنا نائم رأيت الناس ~~يعرضون على ، وعليهم قمص : فمنها ما يبلغ الثدى ، ومنها ما دون ذلك ، وعرض ~~على عمر بن الخطاب وعليه قميص يجره - ، قالوا : فما أولت ذلك يا رسول الله ~~؟ قال : تمت الدين - . قال المؤلف : تفاضل المؤمنين فى أعمالهم لا شك فيه ، ~~وأن الذى خرج من النار بما فى قلبه من مقدار حبة من خردل من إيمان معلوم ~~أنه كان ممن انتهك المحارم وارتكب الكبائر ، ولم تف طاعته لله عند الموازنة ~~بمعاصيه . ومن أطاع الله وقام بما وجب عليه وبرئ من مظالم العباد فلا شك أن ~~عمله أفضل من عمل الرجل المنتهك . وقد مثل ذلك - صلى الله عليه وسلم - ~~بالقمص التى كانت تبلغ الثدى ، وبقميص عمر الذى كان يجره ، ومعلوم أن عمل ~~عمر فى إيمانه أفضل من عمل من بلغ قميصه ثدييه . فإيمانه أفضل ms0030 من إيمانه ~~بما زاد عليه من العمل ، وتأويله - صلى الله عليه وسلم - ذلك بالدين يدل أن ~~الإيمان الواقع على العمل يسمى دينا ، كالإيمان الواقع على القول . وهذا ~~يرد قول أهل البدع الذين يزعمون أن إيمان المذنبين كإيمان جبريل ، وأنه لا ~~تفاضل فى الإيمان ، وقولهم غلط لا يخفى ، لأن الملائكة يسبحون الليل ~~والنهار لا يفترون ، وسائر الخلق يملون ويفترون . فكيف يبلغ أحد منهم ~~منزلتهم فى العمل ، وفى كتاب الله حجة PageV01P074 لتفاضل المؤمنين فى ~~الإيمان ، وذلك أن إبراهيم سأل ربه تعالى أن يريه كيف يحيى الموتى ، فطلب ~~المعاينة التى هى أعلى منازل العلم التى تسكن النفوس إليها ، وتقع ~~الطمأنينة بها ، ولا يجوز أن نظن بإبراهيم خليل الله ونبيه أنه حين سأل ~~المعاينة لم يكن مؤمنا ، أو أنه اعترضه شك فى إيمانه . والدليل على صحة هذا ~~قوله لربه حين قال له : { أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبى } [ البقرة : ~~260 ] ، فأوجب لنفسه الإيمان قبل أن يعاين ما طلب معاينته ، وعذره الله ~~تعالى فى طلب ذلك ، لأن المعاينة أشفى ويهجم على النفوس منها ما لا يهجم من ~~الخبر . ألا ترى أن موسى حين كلمه ربه لم يشك أن الله هو المتكلم له ، ولكن ~~طلب ما هو أرفع من ذلك وهى المعاينة ، فقال : { رب أرنى أنظر إليك } [ ~~الأعراف : 143 ] ، فأعلمه ربه أنه لا يجوز أن تقع عليه حاسة البصر ، وأنه ~~لا تدركه الأبصار بما أراه الله من الآيات فى الجبل الذى صار دكا بتجليه له ~~تعالى . ومما يشبه هذا المعنى أن الله تعالى أخبر موسى عن بنى إسرائيل ~~بعبادة العجل ، فلم يشك فى صدق خبره ، فلما رجع إلى قومه وعاين حالهم حدث ~~فى نفسه من الإنكار والتغيير ما لم يحدث بالخبر ، فألقى الألواح وأخذ برأس ~~أخيه يجره إليه . وقد نبه - صلى الله عليه وسلم - على ذلك ، فقال : تمت ليس ~~الخبر كالمعاينة - ، والحبة بذور البقل ، ويقال : هو نبت ينبت فى الحشيش ، ~~عن صاحب العين . PageV01P075 * * * # | 14 - باب الحياء من الإيمان # / 16 - فيه : ابن عمر ، أن النبى - صلى ms0031 الله عليه وسلم - مر على رجل ، ~~وهو يعظ أخاه فى الحياء ، فقال : تمت دعه فإن الحياء من الإيمان - . قال ~~ابن قتيبة : معنى هذا الحديث أن الحياء يمنع صاحبه من ارتكاب المعاصى كما ~~يمنع الإيمان ، فجاز أن يسمى إيمانا ، لأن العرب تسمى الشىء باسم ما قام ~~مقامه ، أو كان شبيها به ، ألا ترى أنهم يسمون الركوع والسجود صلاة ، وأصل ~~ذلك الدعاء ، فلما كان الدعاء يكون فى الصلاة سميت صلاة ، وكذلك الزكاة هى ~~تثمير المال ونماؤه ، فلما كان النماء يقع بإخراج الصدقة عن المال سمى زكاة ~~. قال غيره : وهذا الحديث يقتضى الحض على الامتناع من مقابح الأمور ~~ورذائلها ، وكل ما يحتاج إلى الاستحياء من فعله والاعتذار منه . * * * # | 15 - باب { فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم } [ ~~التوبة : 5 ] # / 17 - فيه : ابن عمر ، قال - صلى الله عليه وسلم - : تمت أمرت أن أقاتل ~~الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ، ويقيموا الصلاة ~~، ويؤتوا الزكاة ، فإذا فعلوا ذلك عصموا منى دماءهم وأموالهم إلا بحقها ، ~~وحسابهم على الله - . قال المؤلف : قال أنس بن مالك : هذه الآية من آخر ما ~~نزل من القرآن ، وتوبتهم خلع الأوثان ، وعبادتهم لربهم ، وإقام الصلاة ، ~~PageV01P076 وإيتاء الزكاة ، ثم قال فى آية أخرى : { فإن تابوا وأقاموا ~~الصلاة وآتوا الزكاة فإخوانكم فى الدين } [ التوبة : 11 ] ، فقام الدليل ~~الواضح من هاتين الآيتين أن من ترك الفرائض ، أو واحدة منها ، فلا يخلى ~~سبيله ، وليس بأخ فى الدين ، ولا يعصم دمه وماله ، ويشهد لذلك قوله - صلى ~~الله عليه وسلم - : تمت فإذا فعلوا ذلك عصموا منى دماءهم وأموالهم إلا ~~بحقها - ، وبهذا حكم أبو بكر الصديق فى أهل الردة ، وهذا يرد قول المرجئة ~~أن الإيمان غير مفتقر إلى الأعمال . وقولهم مخالف لدليل الكتاب والآثار ~~وإجماع أهل السنة . فمن ضيع فريضة من فرائض الله جاحدا لها فهو كافر ، فإن ~~تاب وإلا قتل ، ومن ضيع منها شيئا غير جاحد لها فأمره إلى الله ، ولا يقطع ~~عليه بكفر ، وسيأتى حكم تارك الصلاة فى كتاب المرتدين فى ms0032 باب قتل من أبى ~~قبول الفرائض ، وما نسبوها إلى الردة ، ويأتى فى باب دعاء الرسول - صلى ~~الله عليه وسلم - الناس إلى الإسلام والنبوة فى كتاب الجهاد ، زيادة فى ~~الكلام فى معنى هذا الحديث ، إن شاء الله . وقوله : تمت وحسابهم على الله - ~~يدل أن محاسبة العباد على سرائرهم وخفيان اعتقادهم إلى الله دون خلقه ، وأن ~~الذى جعل للنبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، وإلى الأئمة بعده ما ظهر من ~~أمورهم دون ما خفى يدل على ذلك حديث أبى سعيد أن الرسول - صلى الله عليه ~~وسلم - قسم ، فقال له رجل : اتق الله ، فقال له : تمت ويلك أو لست أحق أهل ~~الأرض أن يتقى الله - ؟ فقال خالد بن الوليد : يا رسول الله ، ألا أضرب ~~عنقه ؟ قال : تمت لا ، لعله أن يكون يصلى - ، قال خالد : وكم من مصل يقول ~~بلسانه PageV01P077 ما ليس فى قلبه ، فقال - صلى الله عليه وسلم - : تمت ~~إنى لم أؤمر أن أشق عن قلوب الناس ، ولا عن بطونهم - ، ذكره البخارى فى ~~المغازى فى باب بعثه على إلى اليمين . وفى هذا الحديث حجة لمن أجاز قبول ~~توبة الزنديق ، وسيأتى مذاهب العلماء فى ذلك فى الديات والحدود ، إن شاء ~~الله . * * * # | 16 - باب من قال : إن الإيمان هو العمل لقول الله تعالى : { وتلك الجنة ~~التى أورثتموها بما كنتم تعملون } [ الزخرف : 72 ] # وقال عدة من أهل العلم فى قوله تعالى : { فوربك لنسألنهم أجمعين عما ~~كانوا يعملون } [ الحجر : 92 ، 93 ] عن لا إله إلا الله ، وقال : { لمثل ~~هذا فليعمل العاملون } [ الصافات : 61 ] . / 18 - فيه : أبو هريرة سئل رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - أى العمل أفضل ؟ فقال : تمت إيمان بالله ~~ورسوله - ، قيل : ثم ماذا ؟ قال : تمت الجهاد فى سبيل الله - ، قيل : ثم ~~ماذا ؟ قال : تمت حج مبرور - . قال المؤلف : قوله تعالى : { وتلك الجنة ~~التى أورثتموها بما كنتم تعملون } [ الزخرف : 72 ] حجة فى أن العمل تنال به ~~درجات الجنة ، وأن الإيمان قول وعمل ويشهد لذلك قوله - صلى الله عليه وسلم ~~- حين سئل أى العمل أفضل ؟ فقال : تمت إيمان ms0033 بالله - ، ثم ذكر الأعمال معه ~~فى جواب السائل . فإن قيل : أليس قد تقدم من قولكم أن الإيمان هو التصديق ؟ ~~| PageV01P078 قيل : التصديق هو أول منازل الإيمان ، ويوجب للمصدق الدخول ~~فيه ، ولا يوجب له استكمال منازله ، ولا يقال له : مؤمنا مطلقا ، لأن الله ~~تعالى فرض على عباده فرائض وشرع شرائع ، لا يقبل تصديق من جحدها ، ولم يرض ~~من عباده المؤمنين بالتصديق والإقرار دون العمل لما تقدم بيانه فى غير موضع ~~من هذا الكتاب . هذا مذهب جماعة أهل السنة ، أن الإيمان قول وعمل . قال أبو ~~عبيد : وهو قول مالك والثورى والأوزاعى ومن بعدهم من أرباب العلم والسنة ~~الذين كانوا مصابيح الهدى ، وأئمة الدين من أهل الحجاز والعراق والشام ~~وغيرهم . وهذا المعنى أراد البخارى ، رحمه الله ، إثباته فى كتاب الإيمان ~~وعليه بوب أبوابه كلها ، فقال : باب أمور الإيمان ، وباب المسلم من سلم ~~المسلمون من لسانه ويده ، وباب إطعام الطعام من الإيمان ، وباب من الإيمان ~~أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه ، وباب حب الرسول - صلى الله عليه وسلم - من ~~الإيمان ، وباب الصلاة من الإيمان ، وباب الزكاة من الإيمان ، وباب الجهاد ~~من الإيمان وسائر أبوابه . وإنما أراد الرد على المرجئة ، لقولهم : إن ~~الإيمان قول بلا عمل ، وتبيين غلطهم وسوء اعتقادهم ومخالفتهم للكتاب والسنة ~~، ومذهب الأئمة . وقال المهلب فى حديث أبى هريرة : إنما اختلفت هذه ~~الأحاديث فى ذكر الفرائض ، لأنه - صلى الله عليه وسلم - أعلم كل قوم بما ~~لهم الحاجة إليه ، ألا تراه قد أسقط ذكر الصلاة والزكاة والصيام من جوابه ~~للسائل : أى العمل أفضل ، وهى آكد من الجهاد والحج ، وإنما ترك ذلك لعلمه ~~PageV01P079 أنهم كانوا يعرفون ذلك ويعملون به ، فأعلمهم ما لم يكن فى ~~علمهم حتى تمت دعائم الإسلام والحمد لله . * * * # | 17 - باب إذا لم يكن الإسلام على الحقيقة وكان على الاستسلام أو الخوف ~~من القتل لقوله تعالى : { قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا ~~أسلمنا } [ الحجرات : 14 ] وإذا كان على الحقيقة ، فهو على قوله : { إن ~~الدين عند الله الإسلام } [ آل عمران : 19 ] . # / 19 - فيه ms0034 : سعد أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أعطى رهطا وسعد ~~جالس ، فترك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رجلا ، هو أعجبهم إلى ، فقلت ~~: يا رسول الله ما لك عن فلان ؟ فوالله إنى لأراه مؤمنا ، قال : تمت أو ~~مسلما - ، فسكت قليلا ، ثم غلبنى ما أعلم منه ، فقلت ذلك ثلاثا ، وعاد - ~~صلى الله عليه وسلم - ، ثم قال : تمت يا سعد إنى لأعطى الرجل ، وغيره أحب ~~إلى منه ، خشية أن يكبه الله فى النار - . قال المهلب : الإسلام على ~~الحقيقة ، هو الإيمان الذى هو عقد القلب المصدق لإقرار اللسان ، الذى لا ~~ينفع عند الله غيره ، ألا ترى قول الله للأعراب الذين قالوا : آمنا ~~بألسنتهم دون تصديق قلوبهم : { قل لم تؤمنوا } ، فنفى عنهم الإيمان لما عرى ~~من عقد القلب بقوله : { ولما يدخل الإيمان فى قلوبكم } [ الحجرات : 14 ] ، ~~قال أبو بكر بن العربى : وهذه الآية حجة على الكرامية ومن وافقهم من ~~المرجئة فى قولهم : إن الإيمان إقرار باللسان دون عقد القلب ، وقد رد الله ~~قولهم فى موضع آخر من كتابه ، فقال : { أولئك كتب فى قلوبهم الإيمان } [ ~~المجادلة : 22 ] ، ولم يقل : كتب فى ألسنتهم . PageV01P080 ومن أقوى ما يرد ~~عليهم إجماع الأمة على إكفار المنافقين ، وإن كانوا قد أظهروا الشهادتين ، ~~قال تعالى : { ولا تصل على أحد منهم } إلى قوله : { وهم كافرون } [ التوبة ~~: 84 ] ، فجعلهم كفارا ، وقوله تعالى : { قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا } ~~يدل على أن الإسلام يكون بمعنى الاستسلام فيحقن به الدم ، ولا يكون بمعنى ~~الإيمان لقوله تعالى : { ولما يدخل الإيمان فى قلوبكم } [ الحجرات : 14 ] ، ~~فكل إيمان إسلام ، وليس كل إسلام إيمانا ، إلا الإسلام الحقيقى ، فهو إيمان ~~. قال المهلب : وقول سعد : تمت يا رسول الله ، مالك عن فلان ؟ فوالله إنى ~~لأراه مؤمنا - فيه التشفع للصديق والولى عند الأمراء والأئمة فيما ينتفعون ~~به ، وفيه مراجعة المسئول وتكرير السؤال فى المعنى الواحد ، وفيه رد العالم ~~على المتعلم أن يستثبت ولا يقطع على ما لا يعلم ، لأنه لا يعلم سرائر الناس ~~ولا يطلع عليها ، وهى من مغيبات الأمور التى ms0035 لا يجوز القطع فى مثلها ، ألا ~~ترى أن الرسول رد على امرأة الأنصارى ، وقال : تمت والله ما أدرى وأنا رسول ~~الله ما يفعل بى - ، فلا نشهد لأحد بالجنة إلا لمن شهد له الرسول - صلى ~~الله عليه وسلم - ، لأنه لا ينطق عن الهوى . قال المؤلف : وقوله : تمت خشية ~~أن يكبه الله فى النار - ، يريد من تعاصى على الإسلام ولم يدخل فيه إلا [ . ~~. . . . . ] } - { فى العطاء ، فإن منع أبى عن الإسلام ، كالمؤلفة قلوبهم : ~~عيينة بن حصن ، والأقرع بن حابس وأصحابه ، وسيأتى بيان ذلك فى كتاب الجهاد ~~. وقد اختلف الناس قديما واشتد تنازعهم فى قولهم : أنا مؤمن PageV01P081 ~~عند الله ، وكان أول ذلك أن صاحبا لمعاذ بن جبل قدم على ابن مسعود ، فقال ~~له أصحابه : أمؤمن أنت ؟ قال : نعم ، قالوا : من أهل الجنة ؟ قال : لا أدرى ~~لى ذنوب فلو أعلم أنها غفرت ، لقلت لكم : إنى مؤمن من أهل الجنة ، فتضاحك ~~القوم ، فلما خرج ابن مسعود ، قالوا له : ألا تعجب ؟ هذا يزعم أنه مؤمن ولا ~~يزعم أنه من أهل الجنة ، قال ابن مسعود : لو قلت إحداهما أتبعتها بالأخرى ، ~~فقال الرجل : رحم الله معاذا ، حذرنى زلة العالم ، وهذه زلة منك ، وما ~~الإيمان إلا أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله ، والجنة والنار ، والبعث ~~والميزان ، ولنا ذنوب لا ندرى ما يصنع الله فيها ، فلو نعلم أنها غفرت لنا ~~، لقلنا : إننا من أهل الجنة ، فقال ابن مسعود : صدقت يا أخى ، فوالله إن ~~كان منى لزلة . وذكر أبو عبيد فى كتاب الإيمان ، عن إبراهيم النخعى ، وابن ~~سيرين ، وطاوس ، قالوا : إذا قيل لك : أمؤمن أنت ؟ فقل : آمنت بالله ~~وملائكته وكتبه ورسله . قال النخعى : وقال رجل لعلقمة : أمؤمن أنت ؟ قال : ~~أرجو إن شاء الله . قال أبو عبيدة : وبهذا كان يأخذ سفيان ، قال وكيع : كان ~~سفيان إذا قيل له : أمؤمن أنت ؟ قال : نعم ، فإذا قيل له : عند الله ؟ قال ~~: أرجو . وجماعة يرون الاستثناء فيه ، وهو قول محمد بن عبد الحكم ، وابن ~~عبدوس ، وأحمد بن صالح الكوفى . قال أبو عبيد : وجماعة من العلماء يتسمون ~~به ms0036 بلا استثناء فيقولون : نحن مؤمنون ، منهم : أبو عبد الرحمن السلمى ، ~~وعطاء بن أبى PageV01P082 رباح ، وسعيد بن جبير ، وإبراهيم التيمى ، وعون ~~بن عبد الله ، ومن بعدهم مثل : عمر بن ذر ، والصلت بن بهرام ، ومسعر بن ~~كدام . قال أبو عبيد : وإنما ذكرت هذا عندهم على الدخول فى الإيمان لا على ~~الاستكمال ، ألا ترى أن الفرق بينهم وبين النخعى وطاوس وابن سيرين أن هؤلاء ~~كانوا لا يلفظون به أصلا . قال وكيع : وكان أبو حنيفة يقول : أنا مؤمن ~~هاهنا وعند الله ، قال أبو بكر بن الطيب : ووجه الاستثناء فى ذلك أنه لا ~~يعلم هل يثبت على الإيمان ويتمسك به باقى عمره أو يضل عنه ، ولهذا رغب ~~المسلمون كافة فى حسن العاقبة والخاتمة ، وأن يثبتهم الله بالقول الثابت ، ~~وأما وجه من قال : أنا مؤمن حقا ومؤمن عند الله ، وإنما يريد حال وجود ~~إيمانه ، لأنه مؤمن على الحقيقة فى تلك الحال ، وإلى هذا ذهب محمد بن سحنون ~~. قال أبو عبيد : لأن حكمه فى الدنيا حكم الإيمان فى الولاية والموارثة ~~وجميع سنن المؤمنين . قال أبو بكر بن الطيب : وكلا القولين له وجه . قال ~~أبو عبيد : وكان الأوزاعى يرى الاستثناء وتركه جميعا [ . . . . . ] ، من ~~قال : أنا مؤمن فحسن ، ومن قال : أنا مؤمن ، إن شاء الله فحسن ، لقوله : { ~~لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين } [ الفتح : 27 ] ، وقد علم أنهم ~~داخلون . PageV01P083 * * * # | 18 - باب السلام من الإسلام # وقال عمار : ثلاث من جمعهن جمع الإيمان : الإنصاف من نفسك ، وبذل السلام ~~للعالم ، والإنفاق من الإقتار . / 20 - فيه : ابن عمرو أن رجلا سأل رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - أى الإسلام خير ؟ قال : تمت تطعم الطعام ، ~~وتقرأ السلام على من عرفت ، ومن لم تعرف - . قال أبو الزناد : جمع عمار فى ~~هذه الألفاظ الثلاث الخير كله ، لأنك إذا أنصفته من نفسك ، فقد بلغت الغاية ~~بينك وبين خالقك ، وبينك وبين الناس ، ولم تضيع شيئا . وبذل السلام هو ~~كقوله - صلى الله عليه وسلم - : تمت وتقرأ السلام على من عرفت ، ومن لم ~~تعرف - ، وهذا حض على مكارم الأخلاق ms0037 واستئلاف النفوس . والإنفاق من الإقتار ~~هى الغاية فى الكرم ، وقد مدح الله من هذه صفته بقوله : { ويؤثرون على ~~أنفسهم ولو كان بهم خصاصة } [ الحشر : 9 ] وهذا عام فى نفقة الرجل على أهله ~~، وفى كل نفقة هى طاعة لله تعالى ، ودل ذلك أن نفقة المعسر على أهله أعظم ~~أجرا من نفقة الموسر ، وهذا كله من كمال الإيمان ، فقد تقدم حديث عبد الله ~~بن عمرو فى باب إطعام الطعام من الإيمان . PageV01P084 * * * # | 19 - باب المعاصى من أمر الجاهلية ولا يكفر صاحبها بارتكابها إلا ~~بالشرك بالله لقول - صلى الله عليه وسلم - : إنك امرؤ فيك جاهلية # - وفيه : { إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء } [ ~~النساء 48 ] . وقوله : { وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا } [ الحجرات : 9 ~~] فسماهم المؤمنين . / 21 - فيه : المعرور ، قال : لقيت أبا ذر بالربذة ، ~~وعليه حلة ، وعلى غلامه حلة ، فسألته عن ذلك ، فقال : إنى ساببت رجلا ~~فعيرته بأمه ، فقال - صلى الله عليه وسلم - : تمت يا أبا ذر ، أعيرته بأمه ~~؟ إنك امرؤ فيك جاهلية ، إخوانكم خولكم ، جعلهم الله تحت أيديكم ، فمن كان ~~أخوه تحت يده فليطعمه مما يأكل ، وليلبسه مما يلبس ، ولا تكلفوهم ما يغلبهم ~~، فإن كلفتموهم فأعينوهم - . / 22 - وفيه : الأحنف ، قال : ذهبت لأنصر هذا ~~الرجل ، يعنى عليا ، فلقينى أبو بكرة ، فقال : أين تريد ؟ قلت : أنصر هذا ~~الرجل ، قال : ارجع ، فإنى سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : ~~تمت إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول فى النار - ، فقلت : يا ~~رسول الله ، هذا القاتل فما بال المقتول ؟ قال : تمت إنه كان حريصا على قتل ~~صاحبه - . قال المؤلف : قوله : تمت إنك امرؤ فيك جاهلية - يريد إنك فى ~~تعييره بأمه على خلق من أخلاق الجاهلية ، لأنهم كانوا يتفاخرون بالأنساب ، ~~فجهلت وعصيت الله فى ذلك ، ولم تستحق بهذا أن تكون كأهل الجاهلية فى كفرهم ~~بالله تعالى . PageV01P085 وغرض البخارى فى هذا الباب الرد على الرافضية ~~والإباضية وبعض الخوارج فى قولهم : إن المذنبين من المؤمنين يخلدون فى ~~النار بذنوبهم ، وقد نطق القرآن بتكذيبهم فى غير ms0038 موضع منه ، فمنها قوله ~~تعالى : { إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء } [ ~~النساء : 48 ] ، والمراد بهذه الآية من مات على الذنوب ، ولو كان المراد من ~~تاب قبل الموت لم يكن للتفرقة بين الشرك وغيره معنى ، إذ التائب من الشرك ~~قبل الموت مغفور له ، وقوله : { وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا } [ ~~الحجرات : 9 ] ، فسماهم مؤمنين ، وإن وقع التقاتل ، واستحق أحد الطائفتين ~~اسم البغى ، فبان بهاتين الآيتين أن المؤمن لا يخرجه فسقه ومعاصيه من جملة ~~المؤمنين ، ولا يستحق بذلك التخليد فى النار مع الخالدين . وثبت أن حديث ~~أبى بكرة لا يرد به الإلزام والحتم بالنار لكل قاتل ومقتول من المسلمين ، ~~لأنه - صلى الله عليه وسلم - سماهما مسلمين وإن التقيا بسيفيهما وقتل ~~أحدهما صاحبه ، ولم يخرجهما بذلك من الإسلام ، وإنما يستحقان النار إن أنفذ ~~الله عليهما الوعيد ، ثم يخرجهما من النار بما فى قلوبهما من الإيمان وعلى ~~هذا مضى السلف الصالح . حدثنا أبو بكر الرازى ، قال : حدثنا الشيخ أبو نعيم ~~أحمد بن عبد الله بأصبهان ، قال : حدثنا أبو بكر الطلحى ، قال : حدثنا ~~عثمان بن عبيد الله الطلحى ، قال : حدثنا إسماعيل بن محمد الطلحى ، قال : ~~حدثنا سعيد بن سلام العبدى ، قال : سمعت أبا حنيفة يقول : لقيت عطاء بن أبى ~~رباح ، بمكة ، فسألته عن شىء ، فقال : من أين أنت ؟ قلت : من أهل الكوفة ، ~~قال : أنت من أهل القرية PageV01P086 الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا ؟ قلت ~~: نعم ، قال : فمن أى الأصناف أنت ؟ قلت : ممن لا يسب السلف ، ويؤمن بالقدر ~~، ولا يكفر أحدا بذنب ، قال لى عطاء : عرفت ، فالزم . وفى حديث أبى ذر ~~النهى عن سب العبيد وتعييرهم بآبائهم ، والحض على الإحسان إليهم ، وإلى كل ~~من يوافقهم فى المعنى ، ممن جعله الله تحت يد ابن آدم ، وأجرى عليه حكمه ، ~~فلا يجوز لأحد أن يعير عبده بشىء من المكروه يعرفه فى آبائه وخاصة نفسه ، ~~لقوله تعالى : { إنا خلقناكم من ذكر وأنثى } فلا فضل لأحد على غيره من جهة ~~الأبوة ، وإنما الفضل بالإسلام والتقى ، لقوله ms0039 تعالى : { إن أكرمكم عند ~~الله أتقاكم } [ الحجرات : 13 ] . وروى يونس ، عن الحسن ، أن النبى ، - صلى ~~الله عليه وسلم - ، قال لأبى ذر : تمت أعيرته بأمه ؟ ارفع رأسك ، فما كنت ~~بأفضل ممن ترى من الأحمر والأسود إلا أن تفضل فى دين - ، وقد جاء هذا ~~الحديث فى كتاب الأدب . وقال فيه : تمت كان بينى وبين رجل كلام ، وكانت أمه ~~أعجمية ، فنلت منها . . - وذكر الحديث . وقد روى سمرة بن جندب : أن بلالا ~~كان الذى عيره أبو ذر بأمه . روى الوليد بن مسلم ، عن أبى بكر ، عن ضمرة بن ~~حبيب ، قال : كان بين أبى ذر وبين بلال محاورة ، فعيره أبو ذر بسواد أمه ، ~~فانطلق بلال إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فشكى إليه تعييره بذلك ~~، فأمره رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يدعوه ، فلما جاءه أبو ذر ، ~~قال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : تمت شتمت بلالا وعيرته بسواد ~~أمه - ؟ قال : نعم ، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : تمت ما كنت ~~أحسب أنه بقى فى صدرك من كبر الجاهلية شىء - ، فألقى أبو PageV01P087 ذر ~~نفسه بالأرض ، ثم وضع خده على التراب ، وقال : والله لا أرفع خدى من التراب ~~حتى يطأ بلال خدى بقدمه ، فوطأ خده بقدمه . وسيأتى ما للعلماء فى إطعام ~~العبيد وكسوتهم فى كتاب العتق ، إن شاء الله . وقال أبو عبد الله بن أبى ~~صفرة فى حديث أبى بكرة : انظر حرص المقتول على قتل صاحبه ، وأنه لو بقى ~~لقتله وعوقب عليه ، عذب الله الذين تقاسموا بالله ، على صالح ، لنبيتنه ~~وأهله ، فأهلكهم كلهم . قال أبو الزناد : ليس هذا بشىء ، لأن الذين أرادوا ~~قتل صالح كانوا كفرة فعاقبهم الله بكفرهم ، وأن الذى كان حريصا على قتل ~~صاحبه أوجب له النبى - صلى الله عليه وسلم - النار بنيته ومباشرته للقتل ، ~~ولا يعارض هذا قوله - صلى الله عليه وسلم - : تمت من هم بسيئة فلم يعملها ~~كتبت له حسنة - ، لأن الذى لم يعمل السيئة ليس كمثل الذى شرع فى القتال مع ~~الإصرار ، وسأستقصى الكلام فى معنى قوله ms0040 - صلى الله عليه وسلم - : تمت إذا ~~التقى المسلمان بسيفيهما - ، فى كتاب الفتن ، إن شاء الله . * * * # | 20 - باب كفران العشير وكفر دون كفر # / 23 - فيه : ابن عباس ، قال - صلى الله عليه وسلم - : تمت أريت النار ~~فرأيت أكثر أهلها النساء ، يكفرن - ، قيل : أيكفرن بالله ؟ قال : تمت يكفرن ~~العشير ، ويكفرن الإحسان ، لو أحسنت إلى إحداهن الدهر ، ثم رأت منك شيئا ، ~~قالت : ما رأيت منك خيرا قط - . قال المهلب : قال : الكفر هاهنا هو كفر ~~الإحسان ، وكفر نعمة PageV01P088 العشير ، وهو الزوج ، وتسخط حاله ، وقد ~~أمر الله رسوله بشكر النعم ، وجاء فى الحديث : تمت لا يشكر الله من لا يشكر ~~الناس - ، وشكر نعمة الزوج هو من باب شكر نعمة الله ، لأن كل نعمة فضل بها ~~العشير أهله ، فهى من نعمة الله أجراها على يديه ، ومعنى هذا الباب كالذى ~~قبله : أن المعاصى تنقص الإيمان ولا تخرج إلى الكفر الذى يوجب الخلود فى ~~النار ، لأنهم حين سمعوا رسول الله قال : تمت يكفرن - ظنوا أنه كفر بالله ، ~~فقالو : يكفرن بالله ؟ قال : تمت يكفرن العشير ويكفرن الإحسان - . فبين لهم ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه أراد كفرهن حق أزواجهن ، وذلك لا ~~محالة ينقص من إيمانهم ، ودل ذلك أن إيمانهن يزيد بشكرهن العشير وبأفعل ~~البر كلها ، فثبت أن الأعمال من الإيمان ، وأنه قول وعمل ، إذ بالعمل ~~الصالح يزيد ، وبالعمل السيئ ينقص . وفيه : دليل أن المرء يعذب على الجحد ~~للفضل والإحسان وشكر المنعم ، وقيل : إن شكر المنعم فريضة . * * * # | 21 - باب ظلم دون ظلم # / 24 - فيه : ابن مسعود ، قال : لما نزلت : { الذين آمنوا ولم يلبسوا ~~إيمانهم بظلم } [ الأنعام : 82 ] قال أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- : أينا لم يظلم ؟ فأنزل الله : { إن الشرك لظلم عظيم } [ لقمان : 13 ] . ~~معنى هذا الباب كالذى قبله أن تمام الإيمان بالعمل ، وأن المعاصى ~~PageV01P089 ينقص بها الإيمان ، ولا يخرج صاحبها إلى الكفر ، والناس ~~مختلفون فى ذلك على قدر صغر المعاصى وكبرها . وفيه من الفقه : أن المفسر ~~يقضى على المجمل بخلاف قول أهل الظاهر ، ألا ترى أن أصحاب ms0041 النبى تأولوا ~~قوله : { ولم يلبسوا إيمانهم بظلم } على جميع أنواع الظلم ، فبين الله أن ~~مراده بذلك الظلم الشرك خاصة بقوله تعالى : { إن الشرك لظلم عظيم } ، فوجب ~~بهذا حكم المفسر على المجمل ، وهذا قول الجمهور ، وقد احتج بهذا الحديث من ~~قال : إن الكلام حكمه العموم ، حتى يأتى دليل الخصوص . * * * # | 22 - باب علامة المنافق # / 25 - فيه : أبو هريرة أن نبى الله - صلى الله عليه وسلم - قال : تمت ~~آية المنافق ثلاث : إذا حدث كذب ، وإذا وعد أخلف ، وإذا اؤتمن خان - . / 26 ~~- وفيه : عبدالله بن عمرو ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، قال : تمت ~~أربع من كن فيه كان منافقا خالصا ، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة ~~من النفاق ، حتى يدعها : إذا اؤتمن خان ، وإذا حدث كذب ، وإذا عاهد غدر ، ~~وإذا خاصم فجر - . تابعه شعبة ، عن الأعمش . معنى هذا الباب كالأبواب ~~المتقدمة قبله : أن تمام الإيمان بالأعمال ، وأنه يدخل على المؤمن النقص فى ~~إيمانه بالكذب ، وخلف الوعد ، وخيانة الأمانة ، والفجور فى الخصام ، كما ~~يزيد إيمانه بأفعال البر . PageV01P090 قال أبو الزناد : ولم يرد النبى - ~~صلى الله عليه وسلم - بالنفاق المذكور فى هذين الحديثين النفاق الذى صاحبه ~~فى الدرك الأسفل من النار ، الذى هو أشد الكفر ، وإنما أراد أنها خصال تشبه ~~معنى النفاق ، لأن النفاق فى اللغة أن يظهر المرء خلاف ما يبطن ، وهذا ~~المعنى موجود فى الكذب ، وخلف الوعد ، والخيانة . فإن قيل : قد قال - صلى ~~الله عليه وسلم - فى حديث عبد الله بن عمرو : تمت كان منافقا خالصا - . قيل ~~: معناه خالصا فى هذه الخلال المذكورة فى الحديث فقط ، لا فى غيرها ، لقوله ~~عز وجل : { إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء } [ ~~النساء : 48 ] . وقد ثبت عن الرسول أنه يخرج من النار من فى قلبه مثقال حبة ~~من خردل من إيمان . قال المهلب : والمراد بالحديث ، والله أعلم ، من يكون ~~الكذب غالبا على كلامه ، ومستوليا على حديثه ، والخيانة على أمانته ، ~~والخلف على مواعيده ، فإذا كان هذا شأنه قويت العلامة ms0042 والدلالة . وأما من ~~كان الكذب على حديثه نادرا فى خبره تافها ، والخيانة فى أمانته شاذة يدعى ~~العذر فيها ، والخلف فى أوعاده ، مثل ذلك معتذر بآفات منعته من الإنجاز فلا ~~يقضى عليه بالنادر اليسير ، إذ لا يمكن أن يسلم أحد من كذب . وقد سئل مالك ~~بن أنس ، عمن جرب عليه كذب ، قال : أى نوع من الكذب ، لعله إذا حدث ، عن ~~غضادة عيش سلف زاد فى وصفه PageV01P091 وأفرط فى ذكره ، أو أخبر عما رآه فى ~~سفره ، أعيا فى خبره وأسرف ، فهذا لا يضره ، وإنما يضر من حدث عن الأشياء ~~بخلاف ما هى عليه عامدا للكذب . وكذلك الخلف فى الوعد ، والخيانة فى ~~الأمانة إذا كانت شاذة يدعى فيها العذر . وذلك مغتفر له غير محكوم عليه فى ~~انفاق أو سوء معتقد ، وقد جرب على من سلف من الأئمة بعض ذلك ، فلم يضرهم ، ~~لأنه كان نادرا . هذا وجه الحديث إن شاء الله . ويشهد لذلك ما حدثنا به ~~أحمد بن محمد بن عفيف ، قال : حدثنا عبد الله بن محمد بن عثمان ، قال : ~~حدثنا محمد بن عمر بن لبابة ، حدثنا عثمان بن أيوب ، حدثنا محمد بن المثنى ~~، حدثنا عبد المجيد بن عبد العزيز بن أبى رواد ، عن أبيه ، قال : بلغنى أن ~~رجلا من أهل البصرة قدم مكة حاجا ، فجلس فى مجلس عطاء بن أبى رباح ، فقال ~~الرجل : سمعت الحسن يقول : من كان فيه ثلاث خصال لم أتحرج أن أقول فيه إنه ~~منافق : من إذا حدث كذب ، وإذا وعد أخلف ، وإذا أؤتمن خان ، فقال له عطاء : ~~أنت سمعت هذا من الحسن ؟ قال : نعم ، قال : إذا رجعت إلى الحسن ، فقل له : ~~إن عطاء بن أبى رباح يقرأ عليك السلام ، ويقول لك : ما تقول فى بنى يعقوب ~~بن إسحاق بن إبراهيم ، خليل الله ، إذ حدثوا فكذبوا ، ووعدوا فاخلفوا ، ~~وأؤتمنوا فخانوا ، فكانوا منافقين ؟ . PageV01P092 واعلم أنه لن يعدوا أهل ~~الإسلام أن تكون منهم الخيانة والخلف ، ونحن نرجو أن يعيذهم الله من النفاق ~~، وما استقر اسم النفاق قط إلا فى قلب جاحد ، وكذلك ms0043 يقول الله : { والله ~~يشهد إن المنافقين لكاذبون اتخذوا أيمانهم جنة فصدوا عن سبيل الله } إلى : ~~{ يفقهون } [ المنافقون : 1 - 3 ] . ألا ترى أن الإيمان زال عن قلوبهم ، ~~ونحن نرجو أن لا يكون عن قلوب المؤمنين زائلا ، وإن كان فيهم ما سميتهم به ~~، فسر بذلك الحسن ، وقال : جزاك الله خيرا ، ثم أقبل على أصحابه فقال لهم : ~~ما لكم لا تصنعون ما صنع أخوكم هذا ، إذ سمعتم منى حديثا حدثتم به العلماء ~~، فما كان منه صوابا فحسن ، وإن كان غير ذلك ردوا على صوابه . وقد روى عن ~~الرسول أن الحديث فى المنافقين ، حدثنا أحمد بن محمد بن عفيف ، حدثنا عبد ~~الله بن عثمان ، حدثنا أحمد بن خالد ، حدثنا عبيد بن محمد الكشورى ، حدثنا ~~أسوار بن محمد الصنعانى ، حدثنا المعتمر بن أبى المعتمر الجزرى ، عن مقاتل ~~بن حيان ، أنه سأل سعيد ابن جبير عن قوله ، - صلى الله عليه وسلم - : تمت ~~ثلاث من كن فيه فهو منافق ، وإن صام وصلى وزعم أنه مؤمن : من إذا حدث كذب ، ~~وإذا وعد أخلف ، وإذا أؤتمن خان ، ومن كانت فيه خصلة واحدة ففيه ثلث النفاق ~~حتى يدعها - . قال مقاتل : وهذه مسألة قد أفسدت على معيشتى ، لأنى أظن أنى ~~لا أسلم من هذه الثلاث ، أو من بعضهن ، ولن يسلم منهن كثير من PageV01P093 ~~الناس ، فضحك سعيد بن جبير ، ثم قال : أهمنى من هذا الحديث مثل الذى أهمك ، ~~فأتيت ابن عمر وابن عباس فقصصت عليهما فضحكا ، وقالا : أهمنا والله يا ابن ~~أخى من هذا الحديث مثل الذى أهمك ، فأتينا النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ~~، فسألناه عنه فضحك - صلى الله عليه وسلم - ، وقال : تمت ما لكم ولهن إنما ~~خصصت بهن المنافقين . أما قولى : إذا حدث كذب فذلك فيما أنزل الله على : { ~~إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله والله يعلم إنك لرسوله والله ~~يشهد إن المنافقين لكاذبون } ، [ المنافقون : 1 ] لا يستيقنون نبوتك فى ~~قلوبهم ، فأنتم كذلك ؟ قلنا : لا ، قال : لا عليكم ، أنتم من ذلك برآء . ~~أما قولى : إذا وعد أخلف ، فذلك فيما ms0044 أنزل الله على : { ومنهم من عاهد الله ~~لئن آتانا من فضله لنصدقن } ، إلى : { يكذبون } [ التوبة : 75 - 77 ] ، ~~أفأنتم كذلك ؟ قلنا : لا ، قال : فلا عليكم ، أنتم من ذلك برآء . أما قولى ~~: إذا اؤتمن خان ، فذلك فيما أنزل الله على : { إنا عرضنا الأمانة على ~~السماوات } إلى : { جهولا } [ الأحزاب : 72 ] ، فكل مؤتمن على دينه ، ~~فالمؤمن يغتسل من الجنابة فى السر والعلانية ، ويصوم ويصلى فى السر ~~والعلانية ، والمنافق لا يفعل ذلك إلا فى العلانية ، أفأنتم كذلك ؟ قلنا : ~~لا ، قال : لا عليكم ، أنتم من ذلك برآء - . * * * # | 23 - باب قيام ليلة القدر من الإيمان # / 27 - فيه : أبو هريرة ، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : تمت من ~~يقم ليلة القدر إيمانا PageV01P094 واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه ، ومن ~~قام رمضان وصامه إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه - . قال المؤلف : ~~هذا الحديث حجة أيضا أن الأعمال إيمان ؛ لأنه - صلى الله عليه وسلم - جعل ~~الصيام والقيام إيمانا ، ومعنى قوله : تمت إيمانا وإحتسابا - يعنى : مصدقا ~~بفرض صيامه ، ومصدقا بالثواب على قيامه وصيامه ومحتسبا مريدا بذلك وجه الله ~~، بريئا من الرياء والسمعة ، راجيا عليه ثوابه . * * * # | 24 - باب الجهاد من الإيمان # / 28 - فيه : أبو هريرة ، قال - صلى الله عليه وسلم - : تمت انتدب الله ~~لمن خرج في سبيله لا يخرجه إلا إيمان بي ، وتصديق برسلي أن أرجعه بما نال ~~من أجر ، أو غنيمة ، أو أدخله الجنة ، ولولا أن أشق على أمتي ما قعدت خلف ~~سرية ، ولوددت أني أقتل في سبيل الله ، ثم أحيا ، ثم أقتل ، ثم أحيا ، ثم ~~أقتل - . وهذا الباب كالأبواب المتقدمة حجة فى أن الأعمال إيمان ؛ لأنه لما ~~كان الإيمان بالله هو المخرج له فى سبيله ، كان الخروج إيمان بالله لا ~~محالة ، كما تسمى العرب الشىء باسم الشىء مما يكون من سببه فتقول للنبات : ~~نوء ؛ لأنه عن النوء يكون ، وتقول للمطر : سماء ؛ لأنه من السماء ينزل . ~~وسيأتى معنى هذا الحديث فى كتاب الجهاد . وقوله : تمت انتدب الله - يريد ~~أوجب الله وتفضل لمن أخلص النية لله فى جهاده ms0045 أن ينجزه ما وعده . ~~PageV01P095 ونبه - صلى الله عليه وسلم - بهذه الثلاثة الألفاظ أن المجاهد ~~لا يخلو من الشهادة إن قتل ، أو الغنيمة والأجر إن سلم . * * * # | 25 - باب الدين يسر وقوله : ( أحب الدين إلى الله الحنيفية السمحة ) # / 29 - فيه : أبو هريرة قال - صلى الله عليه وسلم - : تمت الدين يسر ، ~~ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه ، فسددوا ، وقاربوا ، وأبشروا ، واستعينوا ~~بالغدوة والروحة وشيء من الدلجة - . معنى هذا الباب أيضا أن الدين اسم واقع ~~على الأعمال لقوله - صلى الله عليه وسلم - : تمت الدين يسر - ، ثم بين ~~الطريقة التى يجب امتثالها من الدين بقوله : تمت فسددوا وقاربوا - إلى آخر ~~الحديث . وهذه كلها أعمال سماها - صلى الله عليه وسلم - دينا ، والدين ~~والإسلام والإيمان شىء واحد . قال أبو الزناد : والمراد بهذا الحديث الحض ~~على الرفق فى العمل ، وهو كقوله - صلى الله عليه وسلم - : تمت عليكم من ~~العمل ما تطيقون - ، وقال لعبد الله بن عمر : تمت وإذا فعلت هجمت عينك ~~ونقمت نفسك - . وقوله : تمت أبشروا - يعنى بالأجر والثواب على العمل ، و ~~تمت استعينوا بالغدوة والروحة وشىء من الدلجة - كأنه خاطب مسافرا يقطع ~~طريقه إلى مقصده فنبهه على أوقات نشاطه التى يزكو فيها عمله ؛ لأن الغدو ~~والرواح والدلج أفضل أوقات المسافر ، وقد حض الرسول المسافر على ~~PageV01P096 المشى بالليل ، وقال : إن الأرض تطوى بالليل ، وقال لعبد الله ~~بن عمر : تمت كن فى الدنيا كأنك غريب ، أو عابر سبيل - ، فشبه الإنسان فى ~~الدنيا بالمسافر ، وكذلك هو على الحقيقة ؛ لأن الدنيا دار نقلة وطريق إلى ~~الآخرة ، فنبه أمته أن يغتنموا أوقات فرصتهم وفراغهم ، والله الموفق . * * ~~* # | 26 - باب الصلاة من الإيمان وقوله : { وما كان الله ليضيع إيمانكم } [ ~~البقرة : 143 ] يعنى صلاتكم إلى بيت المقدس # / 30 - فيه : حديث البراء حين نسخت القبلة . قال : هذه الآية أقطع الحجج ~~للجهمية والمرجئة فى قولهم : إن الفرائض والأعمال لا تسمى إيمانا . وقولهم ~~خلاف نص التنزيل ؛ لأن الله سمى صلاتهم إلى بيت المقدس إيمانا ، ولا خلاف ~~بين أهل التفسير أن هذه الآية نزلت فى صلاتهم إلى بيت المقدس ms0046 ، ومثل هذه ~~الآية قوله : { إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت ~~عليهم آياته زادتهم إيمانا وعلى ربهم يتوكلون الذين يقيمون الصلاة ومما ~~رزقناهم ينفقون } [ الأنفال : 2 ، 3 ] ، حتى الزكاة ، وفى تسميته لهم ~~مؤمنين فإن كانوا للصلاة PageV01P097 عاملين وللزكاة مؤدين فما وجب به أن ~~تكون الصلاة والزكاة إيمانا ؛ لأن المسمى مؤمنا بعمله لشىء يوجب أن يسمى ~~ذلك الشىء إيمانا . ومثله أيضا قوله : { إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ~~ورسوله } [ النور : 62 ] ، فسماهم مؤمنين بإيمانهم بالله ورسوله ، وأن لا ~~يذهبوا إذا كانوا مع نبيهم حتى يستأذنوه ، واستئذانهم له عمل مفترض عليهم ~~سموا به مؤمنين كما سموا بإيمانهم بالله ورسوله . * * * # | 27 - باب حسن إسلام المرء # / 31 - فيه : أبو سعيد ، قال - صلى الله عليه وسلم - : تمت إذا أسلم ~~العبد فحسن إسلامه ، يكفر الله عنه كل سيئة كان زلفها ، وكان بعد ذلك ~~القصاص الحسنة بعشر أمثالها إلى سبع مائة ضعف ، والسيئة بمثلها إلا أن ~~يتجاوز الله عنها - . / 32 - وفيه : أبو هريرة ، قال - صلى الله عليه وسلم ~~- : تمت إذا أحسن أحدكم إسلامه ، فكل حسنة يعملها تكتب له بعشر أمثالها إلى ~~سبع مائة ضعف ، وكل سيئة يعملها تكتب له بمثلها - . قال المؤلف : قوله - ~~صلى الله عليه وسلم - : تمت فحسن إسلامه - قد فسره حين سئل ما الإحسان ؟ ~~فقال : تمت أن تعبد الله كأنك تراه - أراد مبالغة الإخلاص لله بالطاعة ~~والمراقبة له . وفى قوله : تمت إلا أن يتجاوز الله عنها - رد على من أنفذ ~~الوعيد PageV01P098 على العصاة المؤمنين ؛ لأن قوله : تمت إلا أن يتجاوز ~~الله عنها - يدل أنه قد يؤاخذ بها ، وقد يتجاوز عنها إذا شاء ، وهذا مذهب ~~أهل السنة . وأما حديث أبى سعيد فإن البخارى أسقط بعضه ، ولم يسنده ، وهو ~~حديث مشهور من رواية مالك فى غير الموطأ ، ونص الحديث : قال رسول الله : ~~تمت إذا أسلم الكافر فحسن إسلامه كتب الله له كل حسنة كان زلفها ، ومحى عنه ~~كل سيئة كان زلفها ، وكان عمله بعد الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف ، ~~والسيئة بمثلها إلا أن يتجاوز ms0047 الله - . ذكره الدارقطنى فى غريب حديث مالك ، ~~ورواه عنه من تسعة طرق ، وثبت فيها كلها ما أسقطه البخارى أن الكافر إذا ~~حسن إسلامه يكتب له فى الإسلام كل حسنة عملها فى الشرك ، ولله تعالى أن ~~يتفضل على عباده بما شاء لا اعتراض لأحد عليه ، وهو كقوله - صلى الله عليه ~~وسلم - لحكيم بن حزام : تمت أسلمت على ما سلف من خير - ، وهو مذكور فى كتاب ~~الزكاة ، وكتاب العتق . # | 28 - باب أحب الدين إلى الله أدومه # / 33 - فيه : عائشة أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - دخل عليها وعندها ~~امرأة ، قال : تمت من هذه ؟ - قالت : فلانة ، تذكر من صلاتها ، قال : تمت ~~مه ، عليكم بما تطيقون ، فوالله لا يمل الله حتى تملوا ، وكان أحب الدين ~~إليه مادام عليه صاحبه - . قال المؤلف : قول عائشة : تمت وكان أحب الدين ~~إلى الله ما دام - هو معنى الباب ؛ لأنها سمت الأعمال دينا بخلاف قول ~~المرجئة . PageV01P099 وقال المهلب وأبو الزناد : إنما قال ذلك - صلى الله ~~عليه وسلم - ، والله أعلم ، خشية الملال اللاحق بمن انقطع فى العبادة . وقد ~~ذم الله من التزم فعل البر ثم قطعه بقوله تعالى : { ورهبانية ابتدعوها ما ~~كتبناها عليهم إلا ابتغاء رضوان الله فما رعوها حق رعايتها } [ الحديد : 27 ~~] . ألا ترى أن عبد الله بن عمرو لما ضعف عن العمل ندم على مراجعته رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - فى التخفيف عنه ، وقال : ليتنى قبلت رخصة رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - ، ولم يقطع العمل الذى كان التزمه . قال ابن ~~قتيبة : وقوله : تمت فإن الله لا يمل حتى تملوا - ، معناه لا يمل إذا مللتم ~~. ومثال ذلك : قولهم فى الكلام : هذا الفرس لا يفتر حتى يفتر الخيل ، لا ~~يريد بذلك أنه يفتر إذا فترت الخيل ، ولو كان هذا المراد ما كان له فضيلة ~~عليها إذا فتر معها . ومثله : قولهم فى الرجل البليغ : لا ينقطع حتى ينقطع ~~خصومه ، يعنى لا ينقطع إذا انقطع خصومه ، ولا أراد أنه ينقطع إذا انقطعوا ~~لم يكن له فضل على غيره ولا وجبت ms0048 له به مدحة . قال الشاعر : صليت منا هذيل ~~بحرب لا نمل الشر حتى تملوا لم يرد أنهم يملون الشر إذا ملوا ، ولو أراد ~~ذلك ما كان لهم فيه مدح ، لأنهم حينئذ يكونون فيه سواء كلهم ، بل أراد أنهم ~~لا يملون الشر ، وإن مله خصومهم . PageV01P100 وقال ابن فورك : معناه إن من ~~شأنكم الملل ، وليس هو صفات الله تعالى ، لأن الملل صفة تقتضى تغيرا وحلول ~~الحوادث فى من حلت فيه ، وهذا غير جائز فى صفة الله تعالى . وذكر الخطابى ~~فيه وجها آخر ، وهو أن يكون معناه أن الله لا يسأم الثواب ما لم تسأموا ~~العمل ، أى لا يترك الثواب ما لم تتركوا العمل . وقوله : تمت مه - زجر وكف ~~. * * * # | 29 - باب زيادة الإيمان ونقصانه وقوله تعالى : { اليوم أكملت لكم دينكم ~~} [ المائدة : 3 ] فإذا ترك شيئا من الكمال فهو ناقص # / 34 - فيه : أنس قال - صلى الله عليه وسلم - : تمت يخرج من النار من قال ~~: لا إله إلا الله ، وفى قلبه وزن شعيرة من خير ، ويخرج من النار من قال : ~~لا إله إلا الله ، وفى قلبه وزن برة من خير ، ويخرج من النار من قال : لا ~~إله إلا الله ، وفى قلبه وزن ذرة من خير - . / 35 - وفيه : ابن عمر ، أن ~~رجلا من اليهود قال : يا أمير المؤمنين آية فى كتابكم ، لو علينا نزلت ~~لاتخذنا ذلك اليوم عيدا ، قال : أى آية ؟ قال : { اليوم أكملت لكم دينكم ~~وأتممت عليكم نعمتى ورضيت لكم الإسلام دينا } [ المائدة 3 ] ، وذكر الحديث ~~. قال المؤلف : قوله : { اليوم أكملت لكم دينكم } حجة فى PageV01P101 زيادة ~~الإيمان ونقصانه ، لأن هذه الآية نزلت يوم عرفة فى حجة الوداع يوم كملت ~~الفرائض والسنن واستقر الدين ، وأراد الله قبض نبيه ، فدلت هذه الآية ، أن ~~كمال الدين إنما حصل بتمام الشريعة ، فمن حافظ على التزامها فإيمانه أكمل ~~من إيمان من قصر فى ذلك وضيع . ولذلك قال البخارى : فإذا ترك شيئا من ~~الكمال فهو ناقص ، وقد تقدم فى أول كتاب الإيمان ، أن القول بزيادة الإيمان ~~ونقصانه هو مذهب أهل السنة ms0049 وجمهور الأمة . وقال المهلب : الذرة أقل ~~الموزونات ، وهى فى هذا الحديث التصديق الذى لا يجوز أن يدخله النقص ، وما ~~فى البرة والشعيرة من الزيادة على الذرة ، فإنما هى زيادة على الأعمال يكمل ~~التصديق بها ، وليست زيادة فى التصديق لما قدمنا أنه لا ينقص التصديق . فإن ~~قيل : فإنه لما أضاف هذه الأجزاء التى فى الشعيرة والبرة الزائدة على الذرة ~~إلى القلب دل أنها من زائدة التصديق ، لا من الأعمال . فالجواب : أنه لما ~~كان الإيمان التام إنما هو قول وعمل ، والعمل لا يكون إلا بنية وإخلاص من ~~القلب ، جاز أن ينسب العمل إلى القلب ، إذ تمامه بتصديق القلب ، وقد عبر عن ~~هذه الأجزاء من الأعمال مرة بالخير ومرة بالإيمان ، وكل سائغ واسع . وقوله ~~: تمت يخرج من النار من قال : لا إله إلا الله - يدل أن ما ذكر بعد هذا من ~~الذرة والبرة والشعيرة ، هى من الأعمال والطاعات ، إذ PageV01P102 الأمة ~~مجمعة على أن قول لا إله إلا الله هو صريح الإيمان والتصديق الذى شبه ~~بالذرة عمل القلب أيضا . وقال غير المهلب : ويحتمل أن تكون الذرة والشعيرة ~~والبرة التى فى القلب كلها من التصديق ، لأن قول : تمت لا إله إلا الله - ~~باللسان لا يتم إلا بتصديق القلب . والناس يتفاضلون فى التصديق على قدر ~~علمهم وجهلهم ، فمن قل علمه كان تصديقه مقدار ذرة ، والذى فوقه فى العلم ~~تصديقه بمقدار برة وشعيرة . إلا أن التصديق الحاصل فى قلب كل واحد من هؤلاء ~~فى أول مرة لا يجوز عليه النقصان ، ويجوز عليه الزيادة بزيادة العلم ~~والمعاينة . فأما زيادة التصديق بزيادة العلم ، فقوله تعالى عند نزول ~~السورة : { أيكم زادته هذه إيمانا } [ التوبة : 24 ] فهذه زيادة العلم . ~~وأما زيادة التصديق بالمعاينة ، فقول إبراهيم إذ طلب المعاينة ، قال له ربه ~~: { أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبى } [ البقرة : 260 ] ، فطلب ~~الطمأنينة بالمعاينة ، وهى زيادة فى اليقين ، وقد قال تعالى : { ثم لترونها ~~عين اليقين } [ التكاثر : 7 ] ، فجعل له مزية على علم اليقين ، وبالله ~~التوفيق . * * * # | 30 - باب الزكاة من الإسلام قوله تعالى ms0050 : { ويقيموا الصلاة ويؤتوا ~~الزكاة } [ البينة : 5 ] # PageV01P103 / 36 - فيه : طلحة بن عبيد الله ، جاء رجل إلى الرسول - صلى ~~الله عليه وسلم - من أهل نجد ، ثائر الرأس ، يسمع دوى صوته ، ولا يفقه ما ~~يقول ، حتى دنا ، فإذا هو يسأل عن الإسلام ، فقال له رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - : تمت خمس صلوات فى اليوم والليلة - ، فقال : هل على غيرها ؟ ~~قال : تمت لا ، إلا أن تطوع - ، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ~~تمت وصيام رمضان - ، قال : هل على غيره ؟ قال : تمت لا ، إلا أن تطوع - ، ~~قال : وذكر له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الزكاة ، قال : هل على ~~غيرها ؟ قال : تمت لا ، إلا أن تطوع - ، قال : فأدبر الرجل ، وهو يقول : ~~والله لا أزيد على هذا ولا أنقص ، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ~~تمت أفلح إن صدق - . قال المؤلف : هذا الحديث حجة أن الفرائض تسمى إسلاما ، ~~ودل قوله : تمت أفلح إن صدق - على أنه إن لم يصدق فى التزامها أنه ليس ~~بمفلح ، وهذا خلاف قول المرجئة . فإن قيل : إن هذا الحديث ليس فيه فرض ~~النهى عن المحارم ، وعن ركوب الكبائر ، وليس فيه الأمر باتباع النبى - صلى ~~الله عليه وسلم - فيما سنه لأمته ، فكيف يفلح من لم ينته عما نهاه الله ، ~~ولم يتبع ما سنه ، - صلى الله عليه وسلم - ، وقد توعد الله على مخالفة نبيه ~~- صلى الله عليه وسلم - ، بقوله : { فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن ~~تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم } [ النور : 63 ] . فالجواب : أنه يحتمل ~~أن يكون هذا الحديث فى أول الإسلام قبل ورود فرائض النهى . ويحتمل أن يكون ~~قوله : تمت أفلح إن صدق - راجعا إلى قوله : أنه لا ينقص منها شيئا ولم يزد ~~، أفلح إن صدق فى أن لا يزيد PageV01P104 عليها شيئا من الفرائض والسنن ، ~~ولا فرض الحج لم يأت فى هذا الحديث من طريق صحيح ، ولا يجوز أن يسقط فرض ~~الحج عمن استطاع إليه سبيلا ، كما لا يجوز أن تسقط عنه فرائض النهى كلها ، ~~وهى غير مذكورة فى ms0051 هذا الحديث ، ولا يجوز ترك اتباع النبى - صلى الله عليه ~~وسلم - والاقتداء به فى سنته ، لقوله تعالى : { وما آتاكم الرسول فخذوه وما ~~نهاكم عنه فانتهوا } [ الحشر : 7 ] ، فبان بهذا أن قوله : تمت أفلح إن صدق ~~- ليس على العموم . وفيه تأويل آخر : يحتمل أن يكون قوله : تمت والله لا ~~أزيد على هذا ولا أنقص - على معنى التأكيد فى المحافظة على الوفاء بالفرائض ~~المذكورة ، من غير نقصان شىء من حدودها ، كما يقول العبد لمولاه إذا أمره ~~بأمر مهم عنده : والله لا أزيد على ما أمرتنى به ولا أنقص ، أى أفعله على ~~حسب ما حددته لى ، لا أخل بشىء منه ، ولا أزيد فيه من عند نفسى غير ما ~~أمرتنى به ، ويكون الكلام إخبارا عن صدق الطاعة وصحيح الائتمار . ومن كان ~~فى المحافظة على ما أمر به بهذه المنزلة ، فإنه متى ورد عليه أمر لله تعالى ~~أو لرسوله فإنه يبادر إليه ، ولا يتوقف عنه ، فرضا كان أو سنة . فلا تعلق ~~فى هذا الحديث لمن احتج أن تارك السنن غير حرج ولا آثم ، لتوعد الله تعالى ~~على مخالفة أمر نبيه . وبهذا التأويل تتفق معانى الآثار والكتاب ، ولا ~~يتضاد شىء من ذلك . PageV01P105 وهذا الرجل النجدى ، هو ضمام بن ثعلبة ، من ~~بنى سعد بن بكر . وليس فى رواية مالك وإسماعيل بن جعفر فى هذا الحديث ذكر ~~الحج ، وقد رواه ابن إسحاق عن محمد بن الوليد بن نويفع ، عن كريب ، عن ابن ~~عباس ، ذكر فيه الحج . وحديث من لم يذكره أصح . وقد احتج برواية ابن إسحاق ~~من قال : إن فرض الحج على الفور . وقالوا : إنه وفد على الرسول سنة تسع ، ~~هذا قول ابن هشام فى السير عن أبى عبيدة ، وهو قول الطبرى . وقالت طائفة : ~~إن فرض الحج على التراخى . وقالوا : إن قدوم ضمام فى هذا الحديث على النبى ~~- صلى الله عليه وسلم - كان فى سنة خمس ، هذا قول الواقدى ، وسيأتى اختلاف ~~أهل العلم فى ذلك ، فى كتاب الحج ، إن شاء الله . ومن حجة الذين قالوا ~~بالتراخى ، قالوا : لو ms0052 صح أن فرض الحج نزل سنة تسع لم يكن فيه حجة لم قال ~~بالفور ، إلا أن يدعى أن نزوله كان فى آخر العام وقت الحج ، حيث لا يمكن ~~النبى - صلى الله عليه وسلم - أداءه تلك السنة ، ولا سبيل إلى إثبات ذلك . ~~فإن قيل : فلعل قوله : { فليحذر الذين يخالفون عن أمره } [ النور : 63 ] ~~أنزلت بعد حديث ضمام . قيل له : سواء نزلت قبله أو بعده لا يسوغ لأحد ~~مخالفة أمر الرسول ، فلا تعلق لأحد فى قوله : تمت أفلح إن صدق - . ~~PageV01P106 وقد قال مالك فى هذه الآية : نزلت يوم الخندق ، { وإذا كانوا ~~معه على أمر جامع لم يذهبوا حتى يستأذنوه } [ النور : 62 ] ، وقال : إن ~~الخندق كان سنة أربع . قال المؤلف : قوله تعالى : { فليحذر الذين يخالفون ~~عن أمره } [ النور : 63 ] نزلت قبل حديث ضمام على كلا القولين ممن قال : إن ~~فرض الحج نزل سنة تسع أو سنة خمس . وقوله - صلى الله عليه وسلم - : تمت إلا ~~أن يطوع - ندب إلى التطوع . وقوله : تمت أفلح إن صدق - ، أى فاز بالبقاء ~~الدائم فى الخير والنعيم الذى لا يبيد . والفلاح فى اللغة : البقاء ، وهو ~~معنى قول المؤذن : حى على الفلاح ، أى هلموا إلى العمل المؤدى إلى البقاء . ~~* * * # | 31 - باب اتباع الجنائز من الإيمان # / 37 - فيه : أبو هريرة قال - صلى الله عليه وسلم - : تمت من تبع جنازة ~~مسلم إيمانا واحتسابا ، وكان معها حتى يصلى عليها ويفرغ من دفنها ، فإنه ~~يرجع بقيراطين من الأجر ، كل قيراط مثل أحد ، ومن صلى عليها ثم رجع قبل أن ~~تدفن فإنه يرجع بقيراط - . وهذا الباب أيضا حجة لأهل السنة أن الأعمال ~~إيمان ، لأنه - صلى الله عليه وسلم - جعل اتباع الجنازة إيمانا بقوله : تمت ~~من تبع جنازة مسلم إيمانا واحتسابا - . PageV01P107 وقال أبو الزناد : حض - ~~صلى الله عليه وسلم - على التواصل فى الحياة وبعد الممات ، والذى حض عليه ~~فى الحياة قوله - صلى الله عليه وسلم - : تمت صل من قطعك وأعط من حرمك - ، ~~وقال : تمت لا تقاطعوا ولا تدابروا وكونوا عباد الله إخوانا - . والذى حض ~~عليه من ms0053 الصلة بعد الممات فهو تشييعه إلى قبره والدعاء له ، فهذا حق المؤمن ~~على المؤمن . * * * # | 32 - باب خوف المؤمن من أن يحبط عمله وهو لا يشعر # وقال إبراهيم التيمى : ما عرضت قولى على عملى إلا خشيت أن أكون مكذبا . ~~وقال ابن أبى مليكة : أدركت ثلاثين من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - كلهم يخاف النفاق على نفسه ، ما منهم أحد يقول : إنه على إيمان ~~جبريل وميكائيل . وذكر عن الحسن : ما خافه إلا مؤمن ، ولا أمنه إلا منافق ، ~~وما يحذر من الإصرار على النفاق والعصيان من غير توبة ، لقوله تعالى : { ~~ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون } [ آل عمران : 135 ] . / 38 - حدثنا ~~زبيد ، قال : سألت أبا وائل عن المرجئة ، فقال : حدثنى عبدالله أن النبى ، ~~- صلى الله عليه وسلم - ، قال : تمت سباب المسلم فسوق ، وقتاله كفر - . / ~~39 - وعن عبادة ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خرج يخبر بليلة ~~القدر ، فتلاحى رجلان PageV01P108 من المسلمين ، فقال : تمت إنى خرجت ~~لأخبركم بليلة القدر ، وإنه تلاحى فلان وفلان ، فرفعت ، وعسى أن يكون ، ~~خيرا لكم . . . - ، وذكر الحديث . معنى قول إبراهيم : ما عرضت قولى على ~~عملى إلا خشيت أن أكون مكذبا ، فإنما قال ذلك ، والله أعلم ، لأن الله ~~تعالى ذم من أمر بالمعروف ونهى عن المنكر وقصر فى عمله ، فقال : { يا أيها ~~الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا ~~تفعلون } [ الصف : 2 ، 3 ] فخشى أن يكون مكذبا ، إذ لم تمنيه الغاية من ~~العمل ، وأشفق من تقصيره . وهكذا ينبغى أن تغلب الخشية على المؤمن ، ألا ~~ترى قول الحسن : ما خافه إلا مؤمن وما أمنه إلا منافق . وقول ابن أبى مليكة ~~: أدركت ثلاثين من أصحاب الرسول - صلى الله عليه وسلم - كلهم يخاف النفاق ~~على نفسه ، وإنما هذا ، والله أعلم ، لأنها طالت أعمارهم حتى رأوا من ~~التغيير ما لم يعهدوه ، ولم يقدروا على إنكاره ، فخشوا على أنفسهم أن ~~يكونوا فى حيز من داهن ونافق . وقوله : ما منهم أحد يقول : إنه على إيمان ms0054 ~~جبريل وميكائيل ، هذا مذهب أهل السنة . ذكر الطبرى بإسناده عن أيوب ~~السختيانى ، عن ابن أبى مليكة ، عن عائشة ، قالت : ما كان رسول الله يبوح ~~بهذا الكلام ، يقول : تمت إيمانى كإيمان جبريل وميكائيل - . قال سعيد بن ~~عبد العزيز : هو إذا أقدم على هذه المقالة أقرب أن يكون إيمانه كإيمان ~~إبليس ، لأنه أقر بالربوبية وكفر بالعمل . PageV01P109 وقال الفضيل بن عياض ~~: يا سفيه ما أجهلك ، لا ترضى أن تقول : أنا مؤمن حتى تقول : أنا مستكمل ~~الإيمان ، لا والله ، لا يستكمل العبد الإيمان حتى يؤدى ما افترض الله عليه ~~، ويجتنب ما حرم الله عليه ، ويرضى بما قسم الله له ، ثم يخاف مع ذلك ألا ~~يتقبل منه . وذكر إسماعيل بن إسحاق بإسناده عن عائشة ، أنها قالت : سألت ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن قوله : { والذين يؤتون ما آتوا ~~وقلوبهم وجلة } [ المؤمنون : 60 ] قال : تمت هم الذين يصلون ويصومون ~~ويتصدقون ومفرقون أن لا يتقبل منهم - . قال بعض السلف فى قوله تعالى : { ~~وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون } [ الزمر : 47 ] قال : أعمال كانوا ~~يحسبونها حسنات بدت لهم سيئات ، وإنما لحقهم ذلك لعدم المراعاة وقلة ~~الإخلاص ، أو لتعديهم السنة وركوبهم بالتأويل وجوه الفتنة . وغرض البخارى ~~فى هذا الباب رد قول المرجئة : أن الله لا يعذب على شىء من المعاصى من قال ~~: لا إله إلا الله ، ولا يحبط عمله بشىء من الذنوب ، فأدخل فى صدر الباب ~~هذا أقوال أئمة التابعين ، وما نقلوه عن الصحابة أنهم مع اجتهادهم وفضلهم ~~يستقلون أعمالهم ، ويخافون ألا ينجون من عذاب ربهم . وبمثل هذا المعنى نزع ~~أبو وائل ، حين سئل عن المرجئة ، فقال : حدثنى عبد الله بن مسعود ، أن ~~النبى - صلى الله عليه وسلم - ، قال : تمت سباب المسلم فسوق ، وقتاله كفر - ~~، إنكارا لقول المرجئة ، فإنهم لا PageV01P110 يجعلون سباب المسلم فسوقا ، ~~ولا قتاله كفرا ، ولا يفسقون مرتكبى الذنوب ، وقولهم مخالف لقول النبى ، ~~وليس يريد بقوله : تمت وقتاله كفر - الكفر الذى هو الجحد لله ولرسله ، ~~وإنما يريد كفر حق المسلم على المسلم ، لأن الله ms0055 قد جعل المؤمنين إخوة ، ~~وأمر بالإصلاح بينهم ونصرتهم ، ونهاهم برسوله ، - صلى الله عليه وسلم - ، ~~عن التقاطع ، وقال : تمت المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا - ، فنهى عن ~~مقاتلة بعضهم بعضا ، وأخبر أن من فعل ذلك ، فقد كفر حق أخيه المسلم . وقد ~~ترجم لهذا الحديث فى كتاب الفتن ، باب قول الرسول : تمت لا ترجعوا بعدى ~~كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض - . وقد يحتمل قوله - صلى الله عليه وسلم - : ~~تمت وقتاله كفر - ، أن تكون المقاتلة بمعنى المشاركة والتناول له باليد ~~والتطاول عليه ، كما قال فى المار بين يدى المصلى : تمت فليدرأه ، فإن أبى ~~فليقاتله - ، ولم يرد - صلى الله عليه وسلم - قطع الصلاة ، واستباحة دمه ، ~~وإنما أراد دفعه بالشدة والقوة . على هذا يدل مساق الكلام لذكره معه السباب ~~، والعرب تسمى المشاركة مقاتلة . والدليل على صحة قولنا : إجماع أهل السنة ~~أن قتل المسلم للمسلم لا يخرجه من الإيمان إلى الكفر ، وإنما فيه القود . ~~فينبغى للمؤمن ترك السباب والمشاركة والملاحاة ، ألا ترى عظيم ما حرم الله ~~عباده من بركة علم ليلة القدر من أجل تلاحى PageV01P111 الرجلين بحضرة ~~النبى ، فكان ذلك عقوبة للمتلاحين ولمن يأتى بعدهم إلى يوم القيامة ، لأنهم ~~جمعوا مع التلاحى ترك أمر الله ، لتوقير الرسول وتعزيزه ، لقوله : { يا ~~أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبى ولا تجهروا له بالقول ~~كجهر بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون } [ الحجرات : 2 ] ، ولكن ~~قوله - صلى الله عليه وسلم - : تمت وعسى أن يكون خيرا - بعض التأنس لهم . ~~وقال أبو الزناد : إنما يحبط عمل المؤمن وهو لا يشعر ، إذا عد الذنب يسيرا ~~فاحتقره وكان عند الله عظيما ، وليس الحبط هاهنا بمخرج من الإيمان ، وإنما ~~هو نقصان منه ، ولا قوله : { أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون } يوجب أن ~~يكفر المؤمن وهو لا يعلم ، لأنه كما لا يكون الكافر مؤمنا إلا باختيار ~~الإيمان على الكفر ، والقصد إليه ، فكذلك لا يكون المؤمن كافرا من حيث لا ~~يقصد إلى الكفر ولا يختاره ، رحمة من الله لعباده ، والدليل على صحة هذا ~~قوله ms0056 : { وما كان الله ليضل قوما بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون } [ ~~التوبة : 115 ] . فإن قيل : فما أنت قائل فى حديث أبى بكر الصديق ، وأبى ~~موسى أن النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، قال : تمت الشرك أخفى فيكم من ~~دبيب النمل على الصفا - . وهذا يدل على أنه قد يخرج من الإيمان إلى الكفر ~~من حيث لا يعلم ، بخلاف ما قلت . قيل له : ليس كما ذكرت ، وليس هذا الحديث ~~بمخالف لما شرحناه ، بل هو مبين له وموضح لمعناه ، وذلك أنه قد ثبت عن ~~PageV01P112 الرسول ، - صلى الله عليه وسلم - ، أنه قال : تمت اتقوا الرياء ~~، فإنه الشرك الأصغر - . والرياء ينقسم قسمين : فإن كان الرياء فى عقد ~~الإيمان فهو كفر ونفاق ، وصاحبه فى الدرك الأسفل من النار ، فلا يصح أن ~~يخاطب بهذا الحديث . وإن كان الرياء لمن سلم له عقد الإيمان من الشرك ، ~~ولحقه شىء من الرياء فى بعض أعماله ، فليس ذلك بمخرج من الإيمان إلا أنه ~~مذموم فاعله ، لأنه أشرك فى بعض أعماله حمد المخلوقين مع حمد ربه ، فحرم ~~ثواب عمله ذلك . يدل على هذا حديث أبى سعيد الخدرى ، قال : تمت خرج علينا ~~رسول الله ونحن نتحدث عن الدجال ، فقال : إن أخوف عندى من ذلك الشرك الخفى ~~، أن يعمل الرجل لمكان الرجل ، فإذا دعا الله بالأعمال يوم القيامة ، قال : ~~هذا لى ، فما كان لى قبلته ، وما لم يكن لى تركته - ، رواه الطبرى . فلا ~~محالة أن هذا الضرب من الرياء ، لا يوجب الكفر ، وهذا المعنى فى الحديث . ~~قال - صلى الله عليه وسلم - : تمت الشرك أخفى فيكم من دبيب النمل - ، ثم ~~قال : تمت يا أبا بكر ، ألا أدلك على ما يذهب صغير ذلك وكبيره ، قل : اللهم ~~إنى أعوذ بك أن أشرك بك وأنا أعلم ، وأستغفرك لما لا أعلم - . وفى بعض ~~الطرق يقول ذلك ثلاث مرات . فبان بهذا الحديث أن من كان هذا القدر من ~~الرياء فيه خفيا كخفاء دبيب النمل على الصفا ، أن عقد الإيمان ثابت له ، ~~ولا يخرج بذلك PageV01P113 الخاطر الفاسد من الرياء ، الذى ms0057 زين له الشيطان ~~فيه محمدة المخلوقين إلى الشرك ، ولذلك علم النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ~~، أمته مداواة ذلك الخاطر بالاستعاذة ، مما يذهب صغير ذلك وكبيره ، وليست ~~هذه حالة المنافقين ولا صفات الكافرين ، وليس هذا بمخالف لما بينا ، والله ~~أعلم . * * * # | 33 - باب سؤال جبريل عن الإيمان والإسلام والإحسان وعلم الساعة وبيان ~~الرسول ثم قال : جاء جبريل يعلمكم دينكم - فجعل ذلك كله دينا ، وما بين ~~لوفد عبد قيس من الإيمان ، وقوله : { ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل ~~منه } [ آل عمران : 85 ] # . / 40 - فيه : أبو هريرة ، قال : كان ، - صلى الله عليه وسلم - ، بارزا ~~يوما للناس ، فأتاه رجل فقال : ما الإيمان ؟ قال : تمت الإيمان أن تؤمن ~~بالله وملائكته ، [ وكتبه ] وبلقائه ورسله وتؤمن بالبعث - ، قال : ما ~~الإسلام ؟ قال : تمت الإسلام أن تعبد الله ، ولا تشرك به شيئا ، وتقيم ~~الصلاة ، وتؤدى الزكاة المفروضة ، وتصوم رمضان - ، قال : ما الإحسان ؟ قال ~~: تمت أن تعبد الله كأنك تراه ، فإن لم تكن تراه ، فإنه يراك - ، قال : متى ~~الساعة ؟ قال : تمت ما المسئول عنها بأعلم من السائل ، وسأخبرك عن أشراطها ~~: إذا ولدت الأمة ربها ، وإذا تطاول رعاة الإبل البهم فى البنيان ، فى خمس ~~لا يعلمهن إلا الله - ، ثم تلا النبى - صلى الله عليه وسلم - : { إن الله ~~عنده علم الساعة } الآية [ لقمان : 34 ] ، ثم أدبر ، فقال : تمت ردوه - ، ~~فلم يروا شيئا ، فقال : تمت هذا جبريل جاء يعلم الناس دينهم - . قال أبو ~~عبد الله : جعل ذلك كله من الإيمان . / 41 - وفيه : قصة هرقل تمت قال له : ~~سألتك هل يزيدون أو ينقصون ؟ PageV01P114 فزعمت أنهم يزيدون ، فكذلك ~~الإيمان حتى يتم ، وسألتك هل يرتد أحد سخطة لدينه بعد أن يدخل فيه ؟ فزعمت ~~أن لا ، وكذلك الإيمان حين تخالط بشاشته القلوب لا يسخطه أحد - . قال ~~المؤلف : فيه من الفقه : سؤال العالم العالم عما لا يجهله السائل ليعلمه ~~السامعون ، وكل ما سأل عنه من الإسلام والإحسان ، فاسم الإيمان والدين واقع ~~عليه ، ألا ترى قوله فى حديث هرقل : هل يرتد أحد منهم سخطة لدينه ؟ فزعمت ~~أن لا ، وكذلك ms0058 الإيمان ، فسماه مرة بالدين ومرة بالإيمان ، فهى أسماء ~~متعاقبة لمعنى واحد بخلاف قول المرجئة . قال الطبرى : تمت وأشراط الساعة - ~~علاماتها ، واحدها شرط ، ولذلك سمى الشرط شرطا لإعلامهم أنفسهم علامات ~~يعرفون بها . قال أوس بن حجر : وأشرط فيها نفسه وهو معصم يعنى أعلم نفسه ~~للهلاك . وكان الأصمعى يقول : إن قول الناس أشرط فلان على فلان كذا فى بيعه ~~، معناه جعلوا بينهم علامات . وقوله : تمت إذا ولدت الأمة ربها - فهو أن ~~تلد سرية الرجل الشريف ذى الحسب ، منه ابنا أو ابنة ، فينسب إلى الأب ، وله ~~به من الشرف ما لأبيه ، وأمه أمة . وإنما قصد - صلى الله عليه وسلم - بذلك ~~: الخبر عن أن من أمارة قيام الساعة : ارتفاع الأسافل وغير ذوى الأخطار من ~~الرجال والنساء ، فأعلم أن من ارتفاع من لا خطر له من النساء ولا قدر ، ~~يحول بنات الإماء بولادة PageV01P115 أمهاتهن لهن من ساداتهن ربات أمثال ~~آبائهن ، ومن ارتفاع وضعاء الرجال ومن لا خطر له منهم يحول الذين كانوا ~~حفاة عراة عالة من الغنم رعاة أهل الشرف فى البنيان من الغنى وكثرة المال ~~من بعد العيلة والفاقة . وهذا نظير قوله - صلى الله عليه وسلم - : تمت لا ~~تقوم الساعة حتى يكون أسعد الناس بالدنيا لكع ابن لكع - يعنى العبيد ~~والسفلة من الناس . وقوله : تمت الإبل البهم - يعنى السود ، وهن أدون الإبل ~~وشرها ، لأن الكرام منها الصفر والبيض . ومن روى تمت البهم - بفتح الباء ~~فهو خطأ ، لأن البهمة ليست من صغار الإبل ، وإنما البهمة من ولد الضأن ~~والمعز بعد ما تولد بعشرين يوما ، وجمعها بهم . * * * # | 34 - باب فضل من استبرأ لدينه # / 42 - فيه : النعمان بن بشير يقول : سمعت رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - يقول : تمت الحلال بين ، والحرام بين ، وبينهما أمور مشتبهات لا ~~يعلمها كثير من الناس ، فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لعرضه ودينه ، ومن وقع ~~فى الشبهات كراع يرعى حول الحمى ، يوشك أن يواقعه ، ألا وإن لكل ملك حمى ، ~~ألا إن حمى الله فى أرضه محارمه ، ألا وإن فى الجسد مضغة إذا ms0059 صلحت صلح ~~الجسد كله ، وإذا فسدت فسد الجسد كله ، ألا وهى القلب - . PageV01P116 قال ~~المهلب ، رحمه الله : الوسائط التى بين الحلال والحرام يحتذ بها أصلان من ~~كل الطرفين ، فأيهما قام الدليل عليه أضيفت الوسيطة إليه ، وقد يقوم دليلان ~~من الطرفين فيقع الاشتباه ، ويعسر الترجيح ، فهذه الذى من اتقاها استبرأ ~~لعرضه ودينه كما قال - صلى الله عليه وسلم - ، وهى حمى الله الذى حماه ~~ليبعد عن محارمه ، ولئلا يتذرع إليها فتواقع . وهذا الحديث أصل فى القول ~~بحماية الذرائع ، وفيه دليل أن من لم يتق الشبهات المختلف فيها وانتهك ~~حرمتها فقد أوجد السبيل إلى عرضه ودينه ، وأنه يمكن أن ينال من عرضه بذلك ~~فى حديث رواه ، أو شهادة يشهد بها ، لقوله - صلى الله عليه وسلم - : تمت ~~فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لعرضه ودينه - . وفيه : أن الراسخين فى العلم ~~يمكن أن يعلموا بعض هذه الشبهات لقوله : تمت لا يعلمها كثير من الناس - فدل ~~أنه يعلمها قليل منهم ، كما قال تعالى : { لعلمه الذين يستنبطونه منهم } [ ~~النساء : 83 ] ، وسأتقصى فى الكلام على هذا الحديث فى أول كتاب البيوع ، إن ~~شاء الله . وفيه : أن العقل والفهم إنما هو فى القلب وموطنه ، وما فى الرأس ~~منه إنما هو عن القلب ومنه سببه . * * * # | 35 - باب أداء الخمس من الإيمان # / 43 - وفيه : ابن عباس ، إن وفد عبد القيس لما أتوا النبى - صلى الله ~~عليه وسلم - قال : تمت من PageV01P117 القوم ، أو من الوفد - ؟ قالوا : ~~ربيعة ، قال : تمت مرحبا بالقوم أو بالوفد ، غير خزايا ولا ندامى - ، ~~فقالوا : يا رسول الله ، إنا لا نستطيع أن نأتيك إلا فى الشهر الحرام ، ~~وبيننا وبينك هذا الحى من كفار مضر ، فمرنا بأمر فصل ، نخبر به من وراءنا ، ~~وندخل به الجنة ، وسألوه عن الأشربة ، فأمرهم بأربع ، ونهاهم عن أربع : ~~أمرهم بالإيمان بالله وحده ، قال : تمت أتدرون ما الإيمان بالله وحده - ؟ ~~قالوا : الله ورسوله أعلم ، قال : تمت شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا ~~رسول الله ، وإقام الصلاة ، وإيتاء الزكاة ، وصيام رمضان ، وأن تعطوا من ~~المغنم الخمس - ، ونهاهم ms0060 عن أربع : عن الحنتم ، والدباء ، والنقير ، ~~والمزفت ، وربما قال المقير ، وقال : تمت احفظوهن ، وأخبروا بهن من وراءكم ~~- . معنى هذا الحديث كالأبواب المتقدمة قبله : أن الإيمان واقع على الأعمال ~~، ألا ترى أنه أوقع اسم الإيمان على الإقرار بشهادة التوحيد ، وعلى إقام ~~الصلاة ، وإيتاء الزكاة ، وصيام رمضان ، وأداء الخمس ، على خلاف قول ~~المرجئة ، وإنما نهاهم عن الدباء والحنتم والنقير والمزفت ، لأنه سألوه عن ~~الأشربة ، وكانت كثيرة عندهم ، فأعلمهم بما يحتاجون إلى علمه . وكذلك ~~أعلمهم أن أداء الخمس من الإيمان ، لأنهم كانوا مجاورين لكفار مضر ، وكانوا ~~أهل جهاد ونكاية لهم . فإن قيل : فإنه جاء فى الحديث ، أنه أمرهم بأربع ، ~~وإنما أمرهم بخمس . PageV01P118 فالجواب : أنه - صلى الله عليه وسلم - ~~أمرهم بالأربع التى وعدهم بها ، ثم زادهم خامسة ، وهذا غير منكور ، لأنه ~~وفى لهم بوعده فى الأربع التى سألوه عنها ، ولم يجعل التوحيد ، ولا الإيمان ~~بالرسول من الأربع ، لعلمهم بذلك ، وإنما أمرهم بأربع لم تكن فى علمهم أنها ~~دعائم التوحيد وأصله . وفيه : تحريض العالم للناس أن يحفظوا العلم ، ~~ويعلموه . وفيه : أن للرجل أن يعلم أهل بيته ، لقوله - صلى الله عليه وسلم ~~- : تمت أخبروا بهن من وراءكم - . وقول ابن عباس لأبى جمرة : أقم عندى حتى ~~أجعل لك سهما من مالى ، فإنما قال ذلك ، لأن أبا جمرة كان يتكلم بالفارسية ~~، فأراد أن يجعله ترجمانا بينه وبين من لا يعرف بالعربية . وفيه : جواز أخذ ~~الأجرة على التعليم . * * * # | 36 - باب ما جاء إن الأعمال بالنية والحسبة ولكل امرئ ما نوى # فدخل فيه الإيمان والوضوء والصلاة والزكاة والحج والصوم والأحكام قال ~~الله تعالى : { قل كل يعمل على شاكلته } [ الإسراء : 84 ] على نيته ، وقد ~~قال - صلى الله عليه وسلم - : تمت ولكن جهاد ونية - . / 44 - فيه : عمر ، ~~قال - صلى الله عليه وسلم - : تمت الأعمال بالنية ، ولكل امرئ ما نوى ، ~~PageV01P119 فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله ، فهجرته إلى الله ورسوله ، ~~ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها ، أو امرأة يتزوجها ، فهجرته إلى ما هاجر إليه ~~- . / 45 - وفيه : ابن مسعود ، قال - صلى الله عليه وسلم - : تمت ms0061 إذا أنفق ~~الرجل على أهله وهو يحتسبها ، فهو له صدقة - . / 46 - وفيه : سعد بن أبى ~~وقاص ، قال - صلى الله عليه وسلم - : تمت إنك لن تنفق نفقة تبتغى بها وجه ~~الله ، إلا أجرت عليها ، حتى ما تجعل فى فم امرأتك - . قال المؤلف : غرضه ~~فى هذا الباب أيضا الرد على من زعم من المرجئة أن الإيمان قول باللسان دون ~~عقد بالقلب ؛ ألا ترى أنه - صلى الله عليه وسلم - لم يقتصر على قوله : تمت ~~الأعمال بالنيات ، ولكل امرئ ما نوى - ، وإن كان ذلك كافيا فى البيان عن أن ~~كل ما لم تصحبه نية من الأعمال فهو ساقط غير معتد به ، حتى أكد ذلك ببيان ~~آخر فقال : تمت من كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله ، ~~ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه - . ~~ومثله حديث ابن مسعود : تمت إذا أنفق الرجل على أهله وهو يحتسبها فهو له ~~صدقة - . وحديث سعد : تمت إنك لن تنفق نفقة تبتغى بها وجه الله إلا أجرت ~~عليها - ، ألا ترى أنه جعل الأجر فى هذين الحديثين المنفق على أهله بشرط ~~احتساب النفقة عليهن ، وإرادة وجه الله بذلك . وبهذا المعنى نطق التنزيل ، ~~قال تعالى : { وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين } [ البينة : 5 ~~] الآية . PageV01P120 وقال الطبرى : فى قوله - صلى الله عليه وسلم - : تمت ~~الأعمال بالنيات - فيه من الفقه تصحيح قول من قال : كل عامل عملا ، فإنه ~~بين العامل وبين ربه على ما صرفه إليه بنيته ونواه بقلبه ، لا على ما يبدو ~~لعين من يراه ، وبيان فساد قول من قال : إذا غسل الغاسل أعضاء الوضوء وهو ~~ينوى تعليم جاهل ، أو تبردا من حم أصابه ، أو تطهيرها من نجاسة ، لا يقصد ~~بغسلها أداء فرض الصلاة عليه ، أنه مؤد بذلك فرض الله الذى لزمه . وأن من ~~صام رمضان بنية قضاء نذر عليه ، أو نية تطوع ، أنه يجزيه عن فرض شهر رمضان ~~. وكذلك من حج عمن لم يحج قبل عن نفسه ، فنوى الحج عن غيره أن ms0062 يجزئه عن فرض ~~الحج عن نفسه ، إذ كان - صلى الله عليه وسلم - جعل عمل كل عامل مصروفا إلى ~~ما صرفه إليه بنيته ، وأراده بقلبه فيما بين وبين ربه . فإن كانت هجرته ~~هجرة رغبة فى الإسلام وبراءة من الكفر ، فهجرته هنالك لله ورسوله ، وإن ~~كانت هجرته طلب دنيا ، فليست بالهجرة التى أمر الله عباده . فكذلك الصائم ~~شهر رمضان بنية التطوع ، أو قضاء النذر ، وغاسل أعضاء الوضوء ، والمحرم ~~بالحج عن غيره ، كل واحد منهم غير فاعل ما عليه من فرض الله ، لأن عمله لما ~~نواه دون ما لم ينوه . وقال غير الطبرى : وقد زعم بعض الفقهاء أن النية غير ~~مفتقر إليها فى بعض الأعمال ، كقول زفر : إن صيام شهر رمضان لا يحتاج إلى ~~نية ، وغيره من الصيام يفتقر إلى نية إلا أن يكون الذى يدركه رمضان مسافرا ~~أو مريضا ، فإنه لا يصح إلا بالنية . PageV01P121 فأما الصحيح المقيم فلا ~~يفتقر إلى نية ، وهو قول عطاء ومجاهد ، واحتجوا أن النية إنما احتيج إليها ~~، لتمييز الفرض عن النفل ، وزمن رمضان لا يصح فيه النفل ، فلا معنى لاعتبار ~~النية فيه . وكقول الأوزاعى : إن الطهارة والغسل والتيمم لا يحتاج شىء منها ~~إلى نية ، ذكره ابن القصار ، وهو كقول الحسن بن حى . وكقول الثورى وأبى ~~حنيفة : إن الطهارة لا تفتقر إلى نية ، وناقضا فى التيمم فجعلاه يفتقر إلى ~~نية ، وسائر الفقهاء على خلافهم فتركوا قوله - صلى الله عليه وسلم - : تمت ~~الأعمال بالنيات - وسائر الأحاديث المشروط فيها النية . وزعم الثورى وأبو ~~حنيفة : أن التيمم مفارق للطهارة ، لأن الله تعالى قال فى الماء : { ~~فاغسلوا وجوهكم وأيديكم } [ المائدة : 6 ] ، ولم يذكر فيه نية ، وقال فى ~~التيمم : { فتيمموا } والتيمم : القصد فلا يجوز إلا بنية . قال ابن القصار ~~: فيقال لهم : لو سلمنا لكم أن الله نص على النية فى التيمم ، وأمسك عنها ~~فى الوضوء ، لجاز لنا القياس ، فنقيس المسكوت عنه على المنصوص عليه ، ولما ~~دخلت النية فى التيمم ، وهو أقل من الوضوء ، كان الوضوء أولى بدخول النية ~~فيه . واحتج الكوفيون أيضا أن النجاسات ms0063 يجوز غسلها بغير نية ، فكذلك الوضوء ~~، فيقال لهم : الفرق بين غسل النجاسات وبين الطهارة ، أن النجاسة قد انخفض ~~أمرها ، لأنه عفى عن اليسير منها يكون PageV01P122 فى الثوب والبدن مثل ~~الدم ، وسمح بموضع الاستنجاء ، وليس كذلك الطهارة ، لأنه لم يسمح بترك شىء ~~من الأعضاء فى الوضوء والغسل والتيمم . وفرق آخر : وهو أن الطهارة تجب عن ~~أى حدث كان فى الأربعة الأعضاء ، سواء كان الحدث غائطا أو بولا أو غيره ، ~~وليست كذلك النجاسة ، لأنه لو أصاب فخذه نجاسة لم يجب عليه غسل يده ورجله ، ~~ولو أصابت رجله لم يجب عليه غسل يده ، فسقط اعتراضهم أنه لما جاز غسل ~~النجاسة بغير نية أنه يجب مثله فى الوضوء . وقد سئل على بن أبى طالب عن رجل ~~اغتسل للجنابة ولم ينو ، قال : يعيد الغسل ، ولا يعرف له مخالف ، فصار ~~كالإجماع . وأما قول من قال : إن صيام رمضان لا يفتقر إلى نية ، فليس بشىء ~~، لأن قضاءه لا يصح إلا بنية ، فوجب أن يفتقر أداؤه إلى النية كالصلاة . ~~وقال بعض العلماء : قوله - صلى الله عليه وسلم - : تمت الأعمال بالنيات - ~~ليس على العموم ، وقد توجد أشياء تصح من غير نية ، وإن كانت يسيرة فمنها أن ~~مالكا والكوفيين والشافعى اتفقوا فى المرأة يغيب عنها زوجها مدة طويلة بموت ~~ولا تعلم بموته فيبلغها ذلك بعد عام ، أن عدتها من يوم الوفاة ، لا من يوم ~~بلغها موته ، وهذه عدة بغير نية . ومنها قول ابن القاسم : أنه إذا أعتق ~~الرجل عبده عن غيره فى PageV01P123 كفارة الظهار بغير علمه أن يجزئه من ~~كفارته ، والكفارة فرض عليه ، وإن كان قد أبى ذلك أبو حنيفة والشافعى وأشهب ~~، فقالوا : لا يعتق عنه بغير علمه ، لأنه فرض وجب عليه . ومما يجزئ بغير ~~نية ما قاله مالك : أن الخوارج إذا أخذوا الزكاة من الناس بالقهر والغلبة ~~أجزأت عمن أخذت منه . ومنها : أن أبا بكر الصديق وجماعة الصحابة أخذوا ~~الزكاة من أهل الردة بالغلبة والقهر ولو لم تجز عنهم ما أخذت منهم . واحتج ~~من خالفهم فى ذلك وجعل قوله ms0064 - صلى الله عليه وسلم - : تمت الأعمال بالنية - ~~على العموم فقال : العدة إنما جعلت للاستبراء ، وبراءة الرحم خوف الداخلة ~~فى النسب ، وهذه رحم قد حصل لها ما ابتغى من الاستبراء بمضى المدة ، وإن ~~كانت المرأة لم تعلم ذلك . وقد أجمعوا على أنها لو كانت حاملا لا تعلم ~~بوفاة زوجها أو طلاقه ، فوضعت حملها أن عدتها منقضية . وأما أخذ الخوارج ~~الزكاة من الناس فلا حجة فيه لمن قال : إنه عمل بغير نية ، لأن النية لا ~~تنفك عنها من غلبة الخوارج ، لأن معنى النية ذكره وقت أخذها منه أنه عن ~~الزكاة ، أخذها المتغلب عليه إذا لم يأخذها على غير وجه الزكاة ، فلا ينفك ~~علمه من ذلك ، وهو كالذاكر للصلاة فى وقت أدائها . وقد قال الله تعالى ~~لنبيه : { خذ من أموالهم صدقة } [ التوبة : 103 ] ، وقام الخلفاء بعده فى ~~أخذها مقامه ، وقام من بعدهم من فاسق وصالح . | PageV01P124 معناهم معنى ~~الظالم من الأمراء . ولم يختلف العلماء أن أخذ الظالم لها يجزئه ، فالخارجى ~~فى معنى الظالم . وأهل السنة مجمعون على أن المتغلب يقوم مقام الإمام العدل ~~فى إقامة الحدود وجهاد العدو ، وإقامة الجمعات والأعياد وإنكاح من لا ولى ~~لها ، فكذلك الخوارج ، لأنهم من أهل القبلة وشهادة التوحيد . وأما قوله : ~~إن الصديق أخذ الزكاة من أهل الردة بالغلبة فأجزأتهم فليس بشىء ، لأن ~~الصديق لم يقصد أخذ الزكاة بعينها منهم ، وإنما قصد إلى حربهم وغنيمة ~~أموالهم وسبيهم لكفرهم ، ولو قصد إلى أخذ الزكاة فقط لرد عليهم ما فضل عنها ~~من أموالهم . ونحن نقول : إنها لا تجب عليهم بعد كفرهم ، ولو أسلموا بعد ~~ذلك . وأما قول ابن القاسم فى الذى يعتق عبده عن غيره فى الظهار ، فقد قال ~~الأبهرى : القياس أنه لا يجزئه ، لأن المعتق عنه بغير أمره لم ينو عتقه ، ~~فالعتق فى الكفارات لا يجزئ بغير نية ، وليس ذلك بمنزلة العتق عن الميت فى ~~كفارة عليه ، لأن الميت معدوم النية وليس بواجب أن يعتق عنه إذا لم يوص ~~بذلك ، والحى غير معدوم النية ، ولا يجوز أن تنوب نية غيره ms0065 عنه ، وإلى هذه ~~المسألة رد ابن القاسم مسألة الظهار ، ولم يصب وجه القياس على قول مالك . ~~وقد قال أشهب وابن المواز : لا تجوز الكفارة بغير نية . وليس قول مالك ~~والكوفيين فيمن وقف بعرفة بغير نية مغمى PageV01P125 عليه أنه يجزئه مما ~~يعترض به فى هذا الباب ، لأن من وقف بعرفة مغمى عليه فهو كمن أغمى عليه بعد ~~الفجر فى يوم الصيام والإغماء : مرض ، والمرض لا يبطل الصوم إلا أن يفطر ~~فيه ، وليس فى الإغماء أكثر من عدم العلم بالصوم ، وعدم العلم به بعد ~~الدخول فيه لا يبطله دليله النوم والنسيان فهو باق على حكم صيامه ، وكذلك ~~من أحرم وهو صحيح فحدث له الإغماء فهو باق على حكم إحرامه . وقال أبو محمد ~~الأصيلى : النية والقصد عند الإحرام تجزئ كالإحرام للصلاة ، فإذا أحرم بنية ~~وقصد فإن غيرت النية تعد مع سائر الامتثال أجزأت الصلاة ، وكذلك الوقوف ~~بعرفة ، ولا يعترض بالصغيرة تجب عليها العدة ، وهى غير مخاطبة بالعبادة ، ~~لأنها قد تصح منها النية والقصد إلى القربة ، وإن لم تكن مكلفة فوليها مكلف ~~فى حملها عليها ، ألا ترى أن المرأة التى حجت بالصبى الصغير ، قالت : تمت ~~ألهذا حج يا رسول الله ؟ قال : نعم ، ولك أجر - يعنى فى إحجاج الصبى . ~~وكذلك من أوجب الزكاة فى مال الصغير ، جعل الزكاة طهرة للمال وحقا فيه ، ~~وجعل ولى الصغير مخاطبا فيه بدليل قوله : تمت ولك أجر - . قال الطبرى فى ~~قوله - صلى الله عليه وسلم - : تمت الأعمال بالنيات - : فى هذا بيان من ~~الرسول عن أعمال العباد التى يستوجبون عليها من ربهم الثواب والعقاب ، وما ~~منها لله تعالى وما منها لغير الله ، وإنما يقترف ذلك عند ابتدائه ، وفى ~~أول دخوله فيه ، فإذا كان ابتداؤها لله لم يضره ما عرض بعد ذلك فى نفسه ~~وخطر بقلبه من حديث النفس ووسواس PageV01P126 الشيطان ، ولا يزيله عن حكمه ~~إعجاب المرء باطلاع العباد عليه بعد مضيه فيه ولا سروره بذلك ، وهذا قول ~~عامة السلف . قال الحسن البصرى : ما عمل آدمى قط عملا إلا سار فى القلب ms0066 منه ~~سورتان ، فإذا كانت الأولى منهما لله لم تهده الأخرى ، وإنما المكروه أن ~~يبتدأه بالنية المكروه ابتداؤه بها أو بعمله غير خالص لله ، فذلك الذى ~~يستحق عامله عليه العقاب من ربه ، وبنحو ذلك قال السلف . وروى الأعمش ، عن ~~خيثمة ، عن الحارث بن قيس ، قال : إذا كنت تصلى فأتاك الشيطان ، فقال : إنك ~~ترائى ، فزدها طولا . وروى عن الحسن ، أن رجلا كان حسن الصوت بالقرآن فقال ~~له : يا أبا سعيد ، إنى أقوم الليل فيأتينى الشيطان إذا رفعت صوتى فيقول : ~~إنما تريد الناس ، فقال الحسن : لك نيتك إذا قمت من فراشك . وروى أبو داود ~~الطيالسى ، قال : حدثنى سعيد بن سنان ، عن حبيب بن أبى ثابت ، عن أبى صالح ~~، عن أبى هريرة ، أن رجلا قال : يا رسول الله ، الرجل يعمل العمل يسره ، ~~فإذا اطلع عليه أعجبه ؟ فقال - صلى الله عليه وسلم - : تمت لك أجران ، أجر ~~السر ، وأجر العلانية - . وقد قسم الطبرى هذه المسألة فى موضع آخر على ~~قسمين ، فقال : PageV01P127 ما كان من الأعمال التى يبتدأ بها لوجه الله ، ~~تعالى ، لها اتصال كصلاة التطوع التى أقلها ركعة ، وكالحج الذى إذا أحرم به ~~فى وقته لم يحل منه إلا وقت طلوع الفجر من يوم النحر برمى الجمرة ، والعمرة ~~التى لا يحل منها إلا بالطواف بالبيت والسعى بين الصفا والمروة ، وشبه ذلك ~~من الأعمال التى لها اتصال بابتداء وانقضاء ، فلا تفسد بالعارض فيها من ~~الوسواس من الرياء ، وكان عمله على ما ابتدأ من النية ، كما أنه لو حدث ~~نفسه بالخروج منها ، ولم يفعل فعلا يخرج به منه ، لم يكن خارجا منه ، وما ~~كان من الأعمال لا اتصال لها بأول متطاول كالصدقة على المساكين ، وتلاوة ~~القرآن ، وذكر الله ، والتسبيح ، وشبهه مما لا تطاول له باتصال ، فإن عليه ~~مع كل فعل يفعله من ذلك إحداث نية مجددة ، وإرادة منه بها وجه الله غير ~~النية التى سبقت منه للتى قبلها ، لأن كل فعلة من ذلك غير التى قبلها والتى ~~بعدها ، ولن تفسد الثانية إذا كانت صحيحة بفساد التى قبلها ، ولم ms0067 تصح فهى ~~فاسدة بصحة ما قبلها ، والصلاة تفسد الركعة منها بفساد الركعة الأخرى ، ~~وتصح بصحتها ، ويصح السجود فيها بصحة الركوع ، ويفسد بفساده فى بعض الأحوال ~~، وكذلك سائو الأعمال التى لها ابتداء وانقضاء ولها تطاول باتصال . * * * # | 37 - باب قول الرسول - صلى الله عليه وسلم - : - الدين النصيحة لله ~~ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم - وقوله تعالى : { إذا نصحوا لله ورسوله } ~~[ التوبة 91 ] # / 47 - فيه : جرير ، قال : تمت بايعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~على إقام الصلاة ، وإيتاء الزكاة ، والنصح لكل مسلم - . PageV01P128 / 48 - ~~فيه : أن جريرا قام يوم مات المغيرة بن شعبة فحمد الله وأثنى عليه ، وقال : ~~تمت عليكم باتقاء الله وحده لا شريك له ، والوقار والسكينة ، حتى يأتيكم ~~أمير ، فإنما يأتيكم الآن ، ثم قال : استعفوا لأميركم ، فإنه كان يحب العفو ~~، ثم قال : أما بعد فإني أتيت الرسول فقلت : أبايعك على الإسلام ، فشرط على ~~، والنصح لكل مسلم ، فبايعته على هذا ، ورب هذا المسجد إنى لناصح لكم ، ثم ~~استغفر ونزل - . معنى هذا الباب : أن النصيحة تسمى دينا وإسلاما ، وأن ~~الدين يقع على العمل كما يقع على القول ألا ترى أن رسول الله بايع جريرا ~~على النصح ، كما بايعه على الصلاة والزكاة ، سوى بينهما فى البيعة ؟ . وقد ~~جاء عن الرسول أنه سمى النصيحة دينا على لفظ الترجمة . رواه ابن عيينة ، عن ~~سهيل بن أبى صالح ، عن عطاء بن يزيد الليثى ، عن تميم الدارى ، قال : قال ~~رسول الله : تمت الدين النصيحة - قالها ثلاثا . قلنا : لمن يا رسول الله ؟ ~~قال : تمت لله ، عز وجل ، ولكتابه ولرسوله ، ولأئمة المسلمين وعامتهم - . ~~رواه ابن عجلان ، عن القعقاع بن حكيم ، عن أبى صالح ، عن أبى هريرة ، عن ~~النبى - صلى الله عليه وسلم - . والنصيحة فرض يجزئ فيه من قام به ، ويسقط ~~عن الباقين ، والنصيحة لازمة على قدر الطاقة إذا علم الناصح أنه يقبل نصحه ~~ويطاع أمره ، وأمن على نفسه المكروه . وأما إن خشى الأذى فهو فى سعة منها . ~~PageV01P129 قال أبو بكر الآجرى : ولا يكون ناصحا لله ولرسوله ولأئمة ~~المسلمين وعامتهم إلا من بدأ ms0068 بالنصيحة لنفسه ، واجتهد فى طلب العلم والفقه ~~، ليعرف به ما يجب عليه ، ويعلم عداوة الشيطان له وكيف الحذر منه ، ويعلم ~~قبيح ما تميل إليه النفس حتى يخالفها بعلم . وروى الثورى عن عبد العزيز بن ~~رفيع ، عن أبى ثمامة ، وكان يقرأ الكتب ، قال : قال الحواريون لعيسى ابن ~~مريم : من الناصح لله تعالى ؟ قال : الذى يبدأ بحق الله قبل حق الناس ، ~~فإذا عرض له أمران ، أمر دنيا وآخرة ، بدأ بعمل الآخرة ، فإذا فرغ من أمر ~~الآخرة تفرغ لأمر الدنيا . وقال الحسن البصرى : ما زال لله ناس ينصحون لله ~~فى عباده ، وينصحون لعباد الله فى حق الله عليهم ، ويعملون له فى الأرض ~~بالنصيحة ، أولئك خلفاء الله فى الأرض . وقال الآجرى : والنصيحة لرسول الله ~~على وجهين : فنصيحة من صاحبه وشاهده ، ونصيحة من لم يره . فأما صحابته ، ~~فإن الله شرط عليهم أن يعزروه ويوقروه وينصروه ، ويعادوا فيه القريب ~~والبعيد ، وأن يسمعوا له ويطيعوا ، وينصحوا كل مسلم ، فوفوا بذلك وأثنى ~~الله عليهم به . وأما نصيحة من لم يره : فأن يحفظوا سنته على أمته وينقلوها ~~ويعلموا الناس شريعته ودينه ويأمروهم بالمعروف وينهوهم عن المنكر ، فإذا ~~فعلوا ذلك فهم ورثة الأنبياء . PageV01P130 وأما النصيحة لأئمة المسلمين : ~~فهى على قدر الجاه والمنزلة عندهم ، فإذا أمن من ضرهم فعليه أن ينصحهم ، ~~فإذا خشى على نفسه فحسبه أن يغير بقلبه ، وإن علم أنه لا يقدر على نصحهم ~~فلا يدخل عليهم ، فإنه يغشهم ويزيدهم فتنة ويذهب دينه معهم . وقد قال ~~الفضيل بن عياض : ربما دخل العالم على الملك ومعه شىء من دينه فيخرج وليس ~~معه شىء ، قيل له : وكيف ذلك ؟ قال : يصدقه فى كذبه ، ويمدحه فى وجهه . وقد ~~روى الثورى ، عن أبى حصين ، عن الشعبى ، عن عاصم العدوى ، عن كعب بن عجرة ، ~~قال : خرج علينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : تمت إنه سيكون ~~بعدى أمراء فمن صدقهم بكذبهم وأعانهم على ظلمهم فليس منى ، ولست منه ، ومن ~~لم يصدقهم بكذبهم ولم يعنهم على ظلمهم فهو منى ، وأنا منه ، وسيرد على ~~الحوض - . وأما ms0069 نصيحة العامة بعضهم لبعض ، فواجب على البائع أن ينصح ~~للمشترى فيما يبيعه ، وعلى الوكيل والشريك والخازن أن ينصح لأخيه ، ولا يحب ~~له إلا ما يحب لنفسه . وروى ابن عجلان عن عون بن عبد الله ، قال : كان جرير ~~إذا أقام السلعة بصره عيوبها ، ثم خيره ، فقال : إن شئت فاشتر ، وإن شئت ~~فاترك ، فقيل له : إذا فعلت هذا لم ينفذ لك بيع ، فقال : إنا بايعنا رسول ~~الله على النصح لكل مسلم . وقال المهلب فى قول جرير : تمت عليكم بالسكينة ~~والوقار - دليل أنه يجب على العالم إذا رأى أمرا يخشى منه الفتنة على الناس ~~، أن يعظهم فى ذلك ويرغبهم فى الألفة وترك الفرقة . PageV01P131 وقوله : ~~تمت حتى يأتيكم أمير - يعنى ليقوم بأمركم وينظر فى مصالحكم . وقوله : تمت ~~استعفوا لأميركم ، فإنه كان يحب العفو - جعل الوسيلة له إلى عفو الله ~~بالدعاء بأغلب خلال الخير عليه ، وما كان يحبه فى حياته من العفو عن من ~~أذنب إليه ، وكذلك يجزى كل أحد يوم القيامة بأحسن خلقه وعمله فى الدنيا . ~~PageV01P132 * * * بسم الله الرحمن الرحيم # | كتاب العلم # قوله تعالى : { يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات } [ ~~المجادلة 11 ] وقوله : { وقل رب زدني علما } [ طه 114 ] . قال المؤلف : جاء ~~فى كثير من الآثار أن درجات العلماء تتلو درجات الأنبياء ، ودرجات أصحابهم ~~، والعلماء ورثة الأنبياء ، وإنما ورثوا العلم وبينوه للأمة ، وذبوا عنه ، ~~وحموه من تخريف الجاهلين وانتحال المبطلين . وروى ابن وهب ، عن مالك ، قال ~~: سمعت زيد بن أسلم يقول فى قوله تعالى : { نرفع درجات من نشاء } [ يوسف : ~~76 ] ، قال : بالعلم . وذكر عن الأوزاعى قال : جاء رجل إلى ابن مسعود فقال ~~: يا أبا عبد الرحمن ، أى الأعمال أفضل ؟ قال : العلم ، ثم سأله أى الأعمال ~~أفضل ؟ قال : العلم ، قال : أنا أسألك عن أفضل الأعمال ، وأنت تقول : العلم ~~؟ قال : ويحك ، إن مع العلم بالله ينفعك قليل العمل وكثيره ، ومع الجهل ~~بالله لا ينفعك قليل العمل ولا كثيره . وقال ابن عيينة فى قوله تعالى : { ~~وجعلنى مباركا أين ما كنت } [ مريم : 31 ] ، قال : معلما ms0070 للخير . وفى فضل ~~العلم آثار كثيرة ، ومن أحسنها ما حدثنى يونس بن عبد الله ، قال : حدثنا ~~أبو عيسى يحيى بن عبد الله ، قال : حدثنا سعيد بن PageV01P133 فحلون ، قال ~~: حدثنا أبو العلاء عبد الأعلى ابن معلى ، قال : حدثنا عثمان بن أيوب ، قال ~~: حدثنى يحيى بن يحيى ، قال : أول ما حدثنى مالك بن أنس حين أتيته طالبا ~~لما ألهمنى الله إليه فى أول يوم جلست إليه قال لى : اسمك ؟ قلت له : أكرمك ~~الله يحيى ، وكنت أحدث أصحابى سنا ، فقال لى : يا يحيى ، الله الله ، عليك ~~بالجد فى هذا الأمر ، وسأحدثك فى ذلك بحديث يرغبك فيه ، ويرهدك فى غيره ، ~~قال : قدم المدينة غلام من أهل الشام بحداثة سنك فكان معنا يجتهد ويطلب حتى ~~نزل به الموت ، فلقد رأيت على جنازته شيئا لم أر مثله على أحد من أهل بلدنا ~~، لا طالب ولا عالم ، فرأيت جميع العلماء يزدحمون على نعشه ، فلما رأى ذلك ~~الأمير أمسك عن الصلاة عليه ، وقال : قدموا منكم من أحببتم ، فقدم أهل ~~العلم ربيعة ، ثم نهض به إلى قبره ، قال مالك : فألحده فى قبره ربيعة ، ~~وزيد بن أسلم ، ويحيى بن سعيد ، وابن شهاب ، وأقرب الناس إليهم محمد بن ~~المنذر ، وصفون بن سليم ، وأبو حازم وأشباههم وبنى اللبن على لحده ربيعة ، ~~وهؤلاء كلهم يناولوه اللبن ، قال مالك : فلما كان اليوم الثالث من يوم دفنه ~~رآه رجل من خيار أهل بلدنا فى أحسن صورة غلام أمرد ، وعليه بياض ، متعمم ~~بعمامة خضراء ، وتحته فرس أشهب نازل من السماء فكأنه كان يأتيه قاصدا ويسلم ~~عليه ، ويقول : هذا بلغنى إليه العلم ، فقال له الرجل : وما الذى بلغك إليه ~~؟ فقال : أعطانى الله بكل باب تعلمته من العلم درجة فى الجنة ، فلم تبلغ بى ~~الدرجات إلى درجة أهل العلم ، فقال الله تعالى : زيدوا ورثة أنبيائى ، فقد ~~ضمنت على نفسى أنه من مات وهو عالم سنتى ، أو سنة أنبيائى ، أو طالب لذلك ~~أن أجمعهم PageV01P134 فى درجة واحدة فأعطانى ربى حتى بلغت إلى درجة أهل ~~العلم ، وليس بينى وبين رسول ms0071 الله - صلى الله عليه وسلم - إلا درجتان ، ~~درجة هو فيها جالس وحوله النبيون كلهم ، ودرجة فيها جميع أصحابه ، وجميع ~~أصحاب النبيين الذين اتبعوهم ، ودرجة من بعدهم فيها جميع أهل العلم وطلبته ~~، فسيرنى حتى استوسطتهم فقالوا لى : مرحبا ، مرحبا ، سوى ما لى عند الله من ~~المزيد ، فقال له الرجل : ومالك عند الله من المزيد ؟ فقال : وعدنى أن يحشر ~~النبيين كلهم كما رأيتهم فى زمرة واحدة ، فيقول : يا معشر العلماء ، هذه ~~جنتى قد أبحتها لكم ، وهذا رضوانى قد رضيت عنكم ، فلا تدخلوا الجنة حتى ~~تتمنوا وتشفعوا ، فأعطيكم ما شئتم ، وأشفعكم فيمن استشفعتم له ، ليرى عبادى ~~كرامتكم على ، ومنزلتكم عندى . فلما أصبح الرجل حدث أهل العلم ، وانتشر ~~خبره بالمدينة ، قال مالك : كان بالمدينة أقوام بدءوا معنا فى طلب هذا ~~الأمر ثم كفوا عنه حتى سمعوا هذا الحديث ، فلقد رجعوا إليه ، وأخذوا بالحزم ~~، وهم اليوم من علماء بلدنا ، الله الله يا يحيى جد فى هذا الأمر . قال ~~المؤلف : غير أن فضل العلم إنما هو لمن عمل به ، ونوى بطلبه وجه الله تعالى ~~. ذكر مالك أن عبد الله بن سلام قال لكعب : من أرباب العلم ؟ قال : هم أهله ~~الذين يعملون بعلمهم ، قال : صدقت ، قال : فما ينفى العلم من صدور العلماء ~~بعد إذ علموه ؟ قال : الطمع . وعن ابن عيينة عمن حدثه ، عن عبد الله بن ~~المسور ، قال : جاء PageV01P135 رجل إلى النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، ~~قال : أتيتك لتعلمنى من غرائب العلم ، فقال له النبى ، - صلى الله عليه ~~وسلم - : تمت ما صنعت فى رأس العلم ؟ - قال : وما رأس العلم ؟ قال : تمت هل ~~عرفت الرب ؟ - قال : نعم ، قال : تمت فما صنعت فى حقه ؟ - قال : ما شاء ~~الله ، قال : تمت هل عرفت الموت ؟ - قال : نعم ، قال : تمت فما أعددت له ؟ ~~- قال : ما شاء الله ، قال : تمت فاذهب فأحكم ما هناك ، ثم تعال أعلمك من ~~غرائب العلم - . وعن الحسن البصرى ، عن النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، ~~قال : تمت العلم علمان : علم على اللسان ، فتلك حجة الله على ابن آدم ، ~~وعلم ms0072 فى القلب فذلك العلم النافع - . وذكر ابن وهب ، عن أبى الدرداء أنه ~~كان يقول : لست أخاف أن يقال لى : يا عويمر ، ماذا علمت ؟ ولكن أخاف أن ~~يقال لى : يا عويمر ، ماذا عملت فيما علمت ؟ ولم يؤت الله أحدا علما فى ~~الدنيا إلا سأله يوم القيامة . ومن تعلم الحديث ليصرف به وجوه الرجال إليه ~~، صرف الله وجهه يوم القيامة إلى النار . وقال مسروق : بحسب المرء من العلم ~~أن يخشى الله ، وبحسبه من الجهل ألا يخشى الله . وقوله تعالى : : { وقل رب ~~زدنى علما } [ طه 114 ] ، قال قتادة : إن الشيطان لم يدع أحدكم حتى يأتيه ~~من كل وجه ، حتى يأتيه من باب العلم ، فيقول : ما تصنع بطلب العلم ؟ ليتك ~~تعمل بما قد سمعت ، ولو كان أحد مكتفيا لاكتفى موسى ، - صلى الله عليه وسلم ~~- ، حيث يقول : { هل أتبعك على أن تعلمن مما علمت رشدا } [ الكهف : 66 ] . ~~PageV01P136 وذكر الطبرانى عن ابن عباس : تمت أن موسى سأل ربه ، فقال : أى ~~رب ، أى عبادك أعلم ؟ قال : الذى يبتغى علم الناس إلى علمه عسى أن يصيب ~~كلمة تقربه إلى هدى أو ترده عن ردى - . * * * # | 2 - باب من سئل علما وهو مشتغل في حديثه ، فأتم الحديث ، ثم أجاب ~~السائل # / 1 - فيه : أبو هريرة ، قال : بينما رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~في مجلس يحدث القوم ، جاءه أعرابى فقال : متى الساعة ؟ فمضى رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - يحدث ، فقال بعض القوم : سمع ما قال ، فكره ما قال ، ~~وقال بعضهم : بل لم يسمع ، حتى إذا قضى حديثه ، قال : تمت أين السائل عن ~~الساعة ؟ - قال : ها أنا يا رسول الله ، قال : تمت فإذا ضيعت الأمانة ، ~~فانتظر الساعة - ، قال : كيف إضاعتها ؟ PageV01P137 قال : تمت إذا وسد ~~الأمر إلى غير أهله ، فانتظر الساعة - . قال المهلب : فيه : أن من أدب ~~المتعلم ألا يسأل العالم ما دام مشتغلا بحديث أو غيره ، لأن من حق القوم ~~الذين بدأ بحديثهم ألا يقطعه عنهم حتى يتمه . وفيه : الرفق بالمتعلم ، وإن ~~جفا فى سؤاله أو جهل ، لأن النبى - صلى الله ms0073 عليه وسلم - لم يوبخه على ~~سؤاله قبل كمال حديثه . وفيه : وجوب تعليم السائل والمتعلم ، لقوله النبى - ~~صلى الله عليه وسلم - : تمت أين السائل ؟ - ثم أخبره عن الذى سأله عنه . ~~وفيه : مراجعة العالم إذا لم يفهم السائل ، لقوله : كيف إضاعتها ؟ . وفيه : ~~جواز استماع العالم فى الجواب وأن ينتقى منه إذا كان ذلك لمعنى . وقوله : ~~تمت إذا وسد الأمر إلى غير أهله - معناه أن الأئمة قد ائتمنهم الله على ~~عباده ، وفرض عليهم النصيحة لهم ، لقوله ، - صلى الله عليه وسلم - : تمت ~~كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته - ، فينبغى لهم تولية أهل الدين والأمانة ~~للنظر فى أمر الأمة ، فإذا قلدوا غير أهل الدين ، واستعملوا من يعينهم على ~~الجور والظلم فقد ضيعوا الأمانة التى فرض الله عليهم . وقد جاء عن النبى ، ~~- صلى الله عليه وسلم - ، أنه قال : تمت لا تقوم الساعة حتى يؤتمن الخائن ~~ويستخون الأمين ، وهذا إنما يكون إذا غلب الجهل ، وضعف أهل الحق عن القيام ~~به ونصرته - . * * * # | 3 - باب من رفع صوته بالعلم # / 2 - فيه : عبدالله بن عمرو ، قال : تخلف عنا الرسول - صلى الله عليه ~~وسلم - في سفرة سافرناها ، فأدركنا وقد أرهقتنا الصلاة ونحن نتوضأ ، فجعلنا ~~نمسح على أرجلنا ، فنادى بأعلى صوته : تمت ويل للأعقاب من النار - . مرتين ~~أو ثلاثا . وهذا حجة فى جواز رفع الصوت فى المناظرة فى العلم وذكر ابن ~~عيينة قال : مررت بأبى حنيفة وهو مع أصحابه ، وقد ارتفعت أصواتهم بالعلم . ~~PageV01P138 وقال ابن السكيت : أرهقتنا الصلاة : استأخرنا عنها حتى دنا وقت ~~الأخرى ، وأرهقنا الليل : دنا منا ، وأرهقنا القوم : لحقونا . وقال المؤلف ~~: إنما ترك أصحاب الرسول - صلى الله عليه وسلم - الصلاة فى الوقت الفاضل ، ~~والله أعلم ، لأنهم كانوا على طمع من أن يأتى الرسول ليصلوا معه ، لفضل ~~الصلاة معه ، فلما ضاق عليهم الوقت وخشوا فواته توضئوا مستعجلين ، ولم ~~يبالغوا فى وضوئهم فأدركهم - صلى الله عليه وسلم - وهم على ذلك فزجرهم ، ~~وأنكر عليهم نقصهم للوضوء بقوله : تمت ويل للأعقاب من النار - . ففيه من ~~الفقه : أن للعالم أن ينكر ما رآه من التضييع ms0074 للفرائض والسنن ، وأن يغلظ ~~القول فى ذلك ، ويرفع صوته بالإنكار . وفيه : تكرار المسألة توكيدا لها ~~ومبالغة فى وجوبها . * * * # | 4 - باب قول المحدث : حدثنا وأخبرنا وأنبأنا # وقال الحميدى : كان عند ابن عيينة حدثنا وأخبرنا وأنبأنا وسمعت واحدا . ~~قال ابن مسعود : حدثنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو الصادق ~~المصدوق . وقال أيضا : سمعت من النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، كلمة . ~~وقال حذيفة : حدثنا رسول الله حديثين . وقال ابن عباس : عن النبى ، - صلى ~~الله عليه وسلم - ، فيما يروي عن ربه ، عز وجل . PageV01P139 وقال أنس وأبو ~~هريرة مثله . / 3 - وفيه : ابن عمر ، قال ، - صلى الله عليه وسلم - : تمت ~~إن من الشجر شجرة لا يسقط ورقها ، وإنها مثل المسلم ، فحدثونى ما هى ؟ . . ~~. - وذكر الحديث . اختلف العلماء فى هذا الباب ، فروى ابن وهب عن مالك أن ~~حدثنا وأخبرنا سواء ، وهو قول الكوفيين ، وذهبت طائفة إلى الفرق بينهما ، ~~وقالوا : حدثنا لا يكون إلا مشافهة ، وأخبرنا قد يكون مشافهة وكتابا ~~وتبليغا ، لأنك تقول : أخبرنا الله بكذا فى كتابه ، وأخبرنا رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - ، ولا تقول : حدثنا إلا أن يشافهك المخبر بذلك . فقال ~~الطحاوى : فنظرنا فى ذلك فلم نجد بين الخبر ، والحديث فرقا فى كتاب الله ، ~~ولا سنة رسول الله ، - صلى الله عليه وسلم - . فأما كتاب الله وقوله تعالى ~~: { الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها } [ الزمر : 23 ] ، وقوله : { ~~يومئذ تحدث أخبارها } [ الزلزلة : 4 ] فجعل الحديث والخبر واحدا . وقال ~~تعالى : { نبأنا الله من أخباركم } [ التوبة : 94 ] وهى الأشياء التى كانت ~~منهم . وقال تعالى : { هل أتاك حديث الجنود } [ البروج : 17 ] ، { ولا ~~يكتمون الله حديثا } [ النساء : 42 ] . قال أبو جعفر الطحاوى : وكأن المراد ~~فى هذا كله ، أن الخبر PageV01P140 والحديث واحد ، وقد قال - صلى الله عليه ~~وسلم - : تمت حدثونى عن شجرة مثلها مثل المؤمن - ، وقال : تمت ألا أخبركم ~~بخير دور الأنصار - ، وقال - صلى الله عليه وسلم - : تمت أخبرنى تميم ~~الدارى - ، فذكر قصة الدجال . * * * # | 5 - باب طرح الإمام المسألة على أصحابه ليختبر ما عندهم من العلم # / 4 - فيه : ابن عمر ، قال ms0075 - صلى الله عليه وسلم - : تمت إن من الشجر ~~شجرة لا يسقط ورقها ، وإنها مثل المسلم ، حدثونى ما هى - ؟ قال : فوقع ~~الناس فى شجر البوادى ، قال عبدالله : فوقع فى نفسى أنها النخلة ، فاستحييت ~~، ثم قالوا : حدثنا يا رسول الله ما هى ، قال : تمت هى النخلة - . قال ~~المهلب : معنى طرح المسائل على التلاميذ لترسخ فى القلوب وتثبت ، لأن ما ~~جرى منه فى المذاكرة لا يكاد ينسى . وفيه : ضرب الأمثال بالشجر وغيرها ، ~~وشبه - صلى الله عليه وسلم - النخلة بالمسلم ، كما شبهها الله فى كتابه ، ~~وضرب بها المثل للناس ، فقال : { ألم تر كيف ضرب الله مثلا كلمة طيبة كشجرة ~~طيبة أصلها ثابت وفرعها فى السماء } يعنى النخلة التى { تؤتى أكلها كل حين ~~} [ إبراهيم : 26 ] ، وكذلك المسلم يأتى الخير كل حين من الصلاة ، والصوم ، ~~وذكر الله تعالى ، فكأن الخير لا ينقطع منه ، فهو دائم كما تدوم أوراق ~~النخلة فيها ، ثم الثمر الكائن منها فى أوقاته . PageV01P141 * * * # | 6 - باب القراءة والعرض على المحدث # ، ورأى الحسن والثورى ومالك القراءة جائزة . واحتج بعضهم فى القراءة على ~~العالم بحديث ضمام بن ثعلبة قال للنبى - صلى الله عليه وسلم - آلله أمرك أن ~~تصلى الصلوات الخمس ؟ قال : تمت نعم - ، قال : فهذه قراءة على النبى - صلى ~~الله عليه وسلم - ، أخبر ضمام قومه بذلك فأجازوه . واحتج مالك بالصك ، يقرأ ~~على القوم ، فيقولون : أشهدنا فلان ، ويقرأ على المقرئ ، فيقول القارئ : ~~أقرأنى فلان . وقال : سفيان ومالك : القراءة على العالم وقراءته سواء . / 5 ~~- فيه : أنس ، دخل رجل على جمل فأناخه فى المسجد ، ثم عقله ، ثم قال لهم : ~~أيكم محمد ؟ - والنبى - صلى الله عليه وسلم - متكئ بين ظهرانيهم - فقلنا : ~~هذا الرجل الأبيض المتكئ ، فقال الرجل : يا ابن عبدالمطلب ، فقال له - صلى ~~الله عليه وسلم - : تمت قد أجبتك - ، فقال الرجل للنبى - صلى الله عليه ~~وسلم - : إنى سائلك ، فمشدد عليك فى المسألة ، فلا تجد على فى نفسك ، فقال ~~: تمت سل عما بدا لك - ، فقال : أسألك بربك ورب من قبلك ، آلله أرسلك إلى ~~الناس كلهم ؟ فقال : تمت اللهم نعم - ، PageV01P142 قال : أنشدك ms0076 بالله ، ~~آلله أمرك أن تصلى الصلوات الخمس فى اليوم والليلة ؟ قال : تمت اللهم نعم - ~~، قال : أنشدك بالله ، آلله أمرك أن تصوم هذا الشهر من السنة ؟ قال : تمت ~~اللهم نعم - ، قال : أنشدك بالله ، آلله أمرك أن تأخذ هذه الصدقة من ~~أغنيائنا ، فتقسمها على فقرائنا ؟ فقال النبى - صلى الله عليه وسلم - : تمت ~~اللهم نعم - ، فقال الرجل : آمنت بما جئت به ، وأنا رسول من ورائى من قومى ~~، وأنا ضمام بن ثعلبة ، أخو بنى سعد بن بكر . واختلف العلماء فى هذا الباب ~~، فذهب الجمهور إلى أن القراءة على العالم وقراءته سواء فى استباحة الرواية ~~وجوازها ، وهو قول مالك والكوفيين ، إلا أن مالكا استحب القراءة على العالم ~~. ذكر الدارقطنى فى كتاب الرواة عن مالك ، عن محمد بن المحبر بن على ~~الرعينى ، لما قدم هارون الرشيد المدينة ، حضر مالك بن أنس ، فسأله أن يسمع ~~منه محمد الأمين والمأمون ، فبعثوا إلى مالك فلم يحضر ، فبعث إليه أمير ~~المؤمنين ، فقال : العلم يؤتى أهله ويوقر ، فقال : صدق أبو عبد الله سيروا ~~إليه ، فساروا إليه هم ومؤدبهم ، فسألوه أن يقرأ هو عليهم فأبى ، وقال : إن ~~علماء هذا البلد ، قالوا : إنما يقرأ على العالم ويفتيهم مثل ما يقرأ ~~القرآن على المعلم ويرد . PageV01P143 سمعت ابن شهاب - بحر العلماء - يحكى ~~عن سعيد ، وأبى سلمة ، وعروة ، والقاسم ، وسالك أنهم كانوا يقرءون على ~~العلماء . وذكر الدارقطنى عن كادح بن رحمة ، قال : قال مالك بن أنس : العرض ~~خير من السماع وأثبت . وقالت طائفة : نقول فى العرض والقراءة على العالم : ~~أخبرنا ولا يجوز أن نقول : حدثنا ، إلا فى ما سمعت من لفظ العالم . وذهب ~~قوم فيما قرئ على العالم فأقر به أن يقول فيه : قرئ على فلان ، ولا يقول : ~~حدثنا ولا أخبرنا ، ولا وجه لهذين القولين ، والقول الأول هو الصحيح ، لأن ~~ضمام بن ثعلبة قرأ على النبى - صلى الله عليه وسلم - ، وأخبر بذلك قومه ~~فأجازوه . وما احتج مالك فى الصك يقرأ على القوم فيقولون : أشهدنا حجة ~~قاطعة ، لأن الإشهاد أقوى حالات الإخبار ، وكذلك القراءة على المقرئ . وفى ms0077 ~~حديث ضمام : قبول خبر الواحد ، لأن قومه لم يقولوا له : لا نقبل خبرك عن ~~النبى - صلى الله عليه وسلم - حتى يأتينا من طريق آخر . وفيه : جواز إدخال ~~البعير فى المسجد ، وعقله فيه ، وهو دليل على طهارة أبوال الإبل وأرواثها ، ~~إذا لا يؤمن ذلك فى البعير مدة كونه فى المسجد . وفيه : جواز تسمية الأدون ~~للأعلى دون أن يكنيه ، ويناديه بحطة إلا أن ذلك منسوخ فى الرسول لقوله : { ~~لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا } [ النور : 63 ] . ~~PageV01P144 قال أبو الزناد : وفيه جواز الاتكاء بين الناس فى المجالس . ~~وقال غيره : وقولهم : تمت هذا الأبيض - يجوز أن يعرف الرجل بصفته من البياض ~~والحمرة ، والطول والقصر . وقال أبو الزناد : وقوله : تمت إنى سائلك فمشدد ~~عليك - ، فيه من الفقه أن يقدم الإنسان بين يدى حديثه مقدمة يعتذر فيها ، ~~ليحسن موقع حديثه عند المحدث ويصبر له على ما يأتى منه ، وهو من حسن التوصل ~~. قال المهلب : وقوله : تمت أسألك بربك - فيه جواز الاستحلاف على الحق ~~ليحكم باليقين . وقد قال على : ما حدثنى أحد إلا استحلفته ، فإذا حلف لى ~~صدقته إلا أبو بكر ، وحدثنى أبو بكر ، وصدق أبو بكر . وقد جاء فى كتاب الله ~~الحلف على الخبر فى ثلاثة مواضع : قال الله : { ويستنبئونك أحق هو قل إى ~~وربى إنه لحق } [ يونس : 53 ] ، وقال : { وقال الذين كفروا لا تأتينا ~~الساعة قل بلى وربى لتأتينكم } [ سبأ : 3 ] ، وقال : { زعم الذين كفروا أن ~~لن يبعثوا قل بلى وربى لتبعثن } [ التغابن : 7 ] . قال المؤلف : فوافق هذا ~~الأعرابى مذهب على فى تصديقه من حلف له على خبره ، فكيف وقد كان النبى - ~~صلى الله عليه وسلم - عندهم فى الجاهلية معروفا بالصدق فى أحاديث الناس ، ~~فلم يكن ليذر الكذب على الناس ، ويكذب على الله كما قال هرقل لأبى سفيان ، ~~وجعل ذلك من دلائل نبوته ، فلذلك صدقه ضمام . * PageV01P145 * * # | 7 - باب ما يذكر فى المناولة وكتاب أهل العلم بالعلم إلى البلدان # وقال أنس : نسخ عثمان المصاحف ، فبعث بها إلى الآفاق . ورأى عبدالله بن ~~عمر ويحيى بن ms0078 سعيد ومالك بن أنس ذلك جائزا . واحتج بعض أهل الحجاز فى ~~المناولة بحديث النبى - صلى الله عليه وسلم - حيث كتب لأمير السرية كتابا ، ~~وقال : تمت لا تقرأه حتى تبلغ مكان كذا وكذا - . فلما بلغ ذلك المكان ، ~~قرأه على الناس ، وأخبرهم بأمر النبى - صلى الله عليه وسلم - . / 6 - فيه : ~~ابن عباس ، أن النبى - صلى الله عليه وسلم - بعث بكتابه رجلا ، وأمره أن ~~يدفعه إلى عظيم البحرين ، فدفعه عظيم البحرين إلى كسرى ، فلما قرأه مزقه ، ~~فحسبت [ أن ] ابن المسيب قال : فدعا عليهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- أن يمزقوا كل ممزق . / 7 - وفيه : أنس ، كتب النبى - صلى الله عليه وسلم ~~- كتابا - أو أراد أن يكتب - فقيل له : إنهم لا يقرءون كتابا إلا مختوما ، ~~فاتخذ خاتما من فضة نقشه : تمت محمد رسول الله - . قال المؤلف : فيه أن ~~المناولة تجرى مجرى الرواية ، ألا ترى أن أمير السرية ناوله كتابه ، وأمر ~~بقراءته على الناس ، وجاز له الإخبار بما فيه عن الرسول - صلى الله عليه ~~وسلم - . وفيه أن الذين قرئ عليهم الكتاب يجوز أن يرووه عن الرسول ، - صلى ~~الله عليه وسلم - ، لأن كتابه إليهم يقوم مقامه ، وجائز للرجل أن يقول : ~~حدثنى فلان إذا كتب إليه ، والمناولة فى معنى الإجازة ، واختلف العلماء فى ~~الإجازة ، فأجازها قوم ، وكرهها آخرون . PageV01P146 وذكر ابن أبى خيثمة ، ~~عن ابن معين ، قال : حدثنا ضمرة ، عن عبد الله بن عمر ، قال : كنت أرى ~~الزهرى يأتيه الرجل بالكتاب لم يقرأه عليه ، ولم يقرأ عليه ، فيقول له : ~~أروى عنك ؟ فيقول : نعم . وهذا معناه أنه كان يعرف ثقة صاحبه ، ويعرف أنه ~~من حديثه ، وإنما كره الإجازة من كرهها ، خشية أن يحدث الذى أجيز له عن ~~العالم بما ليس فى حديثه ، أو ينقص من إسناد الحديث أو يزيد فيه . وروى ابن ~~وهب ، وابن القاسم ، عن مالك أنه سئل عن الرجل يقول له العالم : هذا كتابى ~~فاحمله عنى ، وحدث بما فيه عنى ، قال : لا أرى هذا يجوز ، ولا يعجبنى ، لأن ~~هؤلاء إنما يريدون الحمل الكثير بالإقامة اليسيرة ، فلا ms0079 يعجبنى ذلك . وفى ~~حديث ابن عباس : أن النبى - صلى الله عليه وسلم - بعث بكتابه رجلا ، ففقه ~~ذلك : أن الرجل الواحد يجزئ حمله لكتاب الحاكم إلى حاكم آخر إذا لم يشك ~~الحاكم فى الكتاب ولا أنكره ، كما لم ينكر كسرى كتاب النبى - صلى الله عليه ~~وسلم - ، ولا شك فيه ، وليس من شرط ذلك أن يحمله شاهدان كما يصنع اليوم ~~القضاة والحكام ، وإنما حمل الحكام على شاهدين فى ذلك لما دخل الناس من ~~الفساد ، واستعمال الخطوط ، ونقوش الخواتم ، فاحتيط لتحصين الدماء والأموال ~~بشاهدين . وسيأتى زيادة على هذا المعنى فى باب الشهادة على الخط ، وكتاب ~~الحاكم إلى عامله ، وكتاب القاضى إلى القاضى فى كتاب الأحكام ، إن شاء الله ~~. وفى حديث ابن عباس : بركة دعوة الرسول ، لأنه استجيب فى كسرى وطائفته ، ~~فمزقوا كل ممزق . PageV01P147 وفى حديث أنس : أن ختم كتب السلطان والقضاة ~~والحكام ، سنة متبعة ، وإنما كانوا لا يقرءون كتابا إلا مختوما خوفا على ~~كشف أسرارهم ، وإذاعة تدبيرهم ، فصار الختم للكتاب سنة بفعل النبى ، - صلى ~~الله عليه وسلم - . وقيل فى قوله : { إنى ألقى إلى كتاب كريم } [ النمل : ~~29 ] إنه كان مختوما . * * * # | 8 - باب من قعد حيث ينتهى به المجلس ومن رأى فرجة فى الحلقة فجلس فيها # / 8 - فيه : أبو واقد الليثى أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بينما ~~هو جالس فى المسجد والناس معه ، إذ أقبل ثلاثة نفر ، فأقبل اثنان إلى رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - وذهب واحد ، قال : فوقفا على رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - ، فأما أحدهما فرأى فرجة فى الحلقة فجلس فيها ، وأما ~~الآخر فجلس خلفهم ، وأما الثالث فأدبر ذاهبا ، فلما فرغ رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - قال : تمت ألا أخبركم عن النفر الثلاثة ؟ أما أحدهم فأوى ~~إلى الله ، فآواه الله ، وأما الآخر فاستحيا ، فاستحيا الله منه ، وأما ~~الآخر فأعرض ، فأعرض الله عنه - . قال المهلب : فيه من الفقه : أن من جلس ~~إلى حلقة فيها علم - أو ذكر - أنه فى كنف الله وفى إيوائه ، وهو ممن تضع له ~~الملائكة ms0080 أجنحتها ، وكذلك يجب على العالم أن يؤوى من جلس إليه متعلما لقوله ~~: تمت فآواه الله - . وفيه من الفقه أن من قصد العلم ، ومجالسه ، فاستحيا ~~ممن قصده ، PageV01P148 ولم يمنعه الحياء من التعلم ، ومجالسة العلماء ، أن ~~الله يستحى منه فلا يعذبه جزاء استحيائه . وقد قالت عائشة : تمت نعم النساء ~~نساء الأنصار لم يمنعهن الحياء من التفقه فى الدين - ، فالحياء المذموم فى ~~العلم هو الذى يبعث على ترك التعلم . وفيه أيضا أن من قصد العلم ومجالسه ، ~~ثم أعرض عنها ، فإن الله يعرض عنه ، ومن أعرض الله عنه فقد تعرض لسخطه ، ~~ألا ترى قوله : { واتل عليهم نبأ الذى آتيناه آياتنا فانسلخ منها } [ ~~الأعراف : 175 ] ، وهذا انسلخ من إيواء الله بإعراضه عنه . * * * # | 9 - باب قول الرسول - صلى الله عليه وسلم - : رب مبلغ أوعى من سامع # - / 9 - فيه : أبو بكرة ، قعد النبى - صلى الله عليه وسلم - على بعيره ، ~~وأمسك إنسان بخطامه - أو بزمامه - قال : تمت أى يوم هذا - ؟ فسكتنا ، حتى ~~ظننا أنه سيسميه بغير اسمه ، قال : تمت أليس بيوم النحر - ؟ قلنا : بلى ، ~~قال : تمت فأى شهر هذا - ؟ فسكتنا ، حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه ، قال : ~~تمت أليس بذى الحجة - ؟ قلنا : بلى ، قال : تمت فأى بلد هذا - ؟ فسكتنا ، ~~حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه ، قال : تمت أليس البلدة - ؟ قلنا : بلى ، ~~قال : تمت فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم بينكم حرام ، كحرمة يومكم هذا ، فى ~~شهركم هذا ، فى بلدكم هذا ، ليبلغ الشاهد الغائب ، فإن الشاهد عسى أن يبلغ ~~من هو أوعى له منه - . PageV01P149 قال المهلب : فيه من الفقه : أن العالم ~~واجب عليه تبليغ العلم لمن لم يبلغه ، وتبيينه لمن لا يفهمه ، وهو الميثاق ~~الذى أخذه الله ، عز وجل ، على العلماء ليبيننه للناس ولا يكتمونه . قال ~~المؤلف : وسيأتى بعض شرح هذا المعنى فى باب قوله : ليبلغ الشاهد الغائب بعد ~~هذا ، إن شاء الله . قال المهلب : وفيه أنه قد يأتى فى آخر الزمان من يكون ~~له من الفهم فى العلم ما ليس لمن تقدمه ، إلا أن ذلك يكون فى الأقل ، لأن ~~تمت ms0081 رب - موضوعة للتقليل ، و تمت عسى - موضوعة للطمع ، و تمت ليست - لتحقيق ~~الشىء . وفيه : أن حامل الحديث والعلم يجوز أن يؤخذ عنه وإن كان جاهلا ~~معناه ، وهو مأجور فى تبليغه ، محسوب فى زمرة أهل العلم ، إن شاء الله . ~~وقال أبو الزناد : وفيه جواز القعود على ظهور الدواب ، إذا احتيج إلى ذلك ، ~~ولم يكن لأشر ، لقوله - صلى الله عليه وسلم - : تمت لا تتخذوا ظهور الدواب ~~مجالس - ، وإنما خطب على البعير ليسمع الناس ، وإنما أمسك إنسان بخطامه ~~ليتفرغ للحديث ، ولا يشتغل بإمساك البعير . قال المهلب : وفيه أن ما كان ~~حراما ، فيجب على العالم أن يؤكد حرمته ، ويغلظ فى التحظير عليه بأبلغ ما ~~يجد ، بالمعنى ، والمعنيين ، والثلاثة ، كما فعل - صلى الله عليه وسلم - فى ~~قوله : تمت كحرمة يومكم هذا فى شهركم هذا فى بلدكم هذا - . PageV01P150 * * ~~* # | 10 - باب العلم قبل القول والعمل # لقول الله : { فاعلم أنه لا إله إلا الله } [ محمد : 19 ] فبدأ بالعلم ~~وأن العلماء هم ورثة الأنبياء ، ورثوا العلم ، فمن أخذه أخذ بحظ وافر ، ومن ~~سلك طريقا يطلب به علما سهل الله له طريقا إلى الجنة . وقال : { إنما يخشى ~~الله من عباده العلماء } [ فاطر : 28 ] وقال : { وما يعقلها إلا العالمون } ~~[ العنكبوت : 43 ] { وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا فى أصحاب السعير } ~~[ الملك : 10 ] وقال : { هل يستوى الذين يعلمون والذين لا يعلمون } [ الزمر ~~: 9 ] . وقال - صلى الله عليه وسلم - : تمت من يرد الله به خيرا يفقهه فى ~~الدين - ، وإنما العلم بالتعلم . وقال أبو ذر : لو وضعتم الصمصامة على هذه ~~- وأشار إلى قفاه - ثم ظننت أنى أنفذ كلمة سمعتها من رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - قبل أن تجيزوا على لأنفذتها . وقال ابن عباس : { كونوا ربانيين ~~} [ آل عمران : 79 ] حلماء فقهاء . ويقال : الربانى الذى يربى الناس بصغار ~~العلم قبل كباره . قال المهلب : العمل لا يكون إلا مقصودا لله معنى متقدما ~~، وذلك المعنى هو علم ما وعد الله عليه من الثواب وإخلاص العمل لله تعالى ، ~~فحينئذ يكون العمل مرجو النفع إذ تقدمه العلم ms0082 ، ومتى خلا العمل من النية ، ~~ورجاء الثواب عليه ، وإخلاص العمل لله تعالى ، فليس بعمل ، وإنما هو كفعل ~~المجنون الذى رفع عنه القلم . وقد بين ذلك - صلى الله عليه وسلم - ، بقوله ~~: تمت الأعمال بالنيات - . PageV01P151 قال : وإنما سمى العلماء ورثة ~~الأنبياء ، لقوله تعالى : { ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا } [ فاطر : 32 ~~] . قال أبو الزناد : وقد قال - صلى الله عليه وسلم - : تمت أتيت بقدح لبن ~~فشربت ، ثم أعطيت فضلى عمر بن الخطاب - ، قالوا : فما أولته يا رسول الله ؟ ~~قال : تمت العلم - . وقول أبى ذر : تمت لو وضعتم الصمصامة على هذه ، ثم ~~ظننت أنى أنفذ كلمة سمعتها من النبى - صلى الله عليه وسلم - - فإنه يعنى ما ~~سمع من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من الفرائض ، والسنن ، وما ينتفع ~~الناس به فى دينهم مما أخذ الله به الميثاق على العلماء ليبيننه للناس ولا ~~يكتمونه ، وإنما أراد أبو ذر بقوله هذا الحض على العلم والاغتباط بفضله ، ~~حين سهل عليه قتل نفسه فى جنب ما يرجو من ثواب نشره وتبليغه . ففى هذا من ~~الفقه أنه يجوز للعالم أن يأخذ فى الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر بالشدة ~~، والعزيمة مع الناس ، ويحتسب ما يصيبه فى ذلك على الله تعالى ، ومباح له ~~أن يأخذ بالرخصة فى ذلك ، ويسكت إذا لم يطق على حمل الأذى فى الله ، كما ~~قال أبو هريرة : لو حدثتكم بكل ما سمعت من رسول الله لقطع هذا البلعوم . ~~وقال صاحب العين : تمت الربانى - نسبة إلى معرفة الربوبية . * * * ~~PageV01P152 # | 11 - باب ما كان - صلى الله عليه وسلم - يتخولهم بالموعظة والعلم كى لا ~~ينفروا # / 10 - فيه : ابن مسعود ، قال : تمت كان النبى - صلى الله عليه وسلم - ~~يتخولنا بالموعظة فى الأيام كراهية السآمة علينا - . / 11 - وفيه : أنس قال ~~- صلى الله عليه وسلم - : تمت يسروا ولا تعسروا ، وبشروا ولا تنفروا - . * ~~* * # | 12 - باب من جعل لأهل العلم أياما معلومة # / 12 - فيه : أبو وائل ، قال : كان عبدالله يذكر الناس فى كل خميس ، فقال ~~له رجل : يا أبا عبدالرحمن ، لوددنا أنك ذكرتنا فى كل يوم ms0083 . قال : أما إنه ~~يمنعنى من ذلك أنى أكره أن أملكم ، وإنى أتخولكم بالموعظة ، كما كان - صلى ~~الله عليه وسلم - يتخولنا بها مخافة السآمة علينا . قال ابن السكيت : معنى ~~قوله : تمت يتخولنا بالموعظة - أى يصلحنا ويقوم علينا بها ، ومنه قول العرب ~~: إنه لخال مال ، وخائل مال ، وقد خال المال يخوله : أحسن القيام عليه . ~~قال أبو الزناد : أراد - صلى الله عليه وسلم - الرفق بأمته ليأخذوا الأعمال ~~بنشاط وحرص عليها ، وقد وصفه الله بهذه الصفة ، فقال : { عزيز عليه ما عنتم ~~حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم } [ التوبة : 128 ] . PageV01P153 ومثل هذا ~~الحديث : أمره - صلى الله عليه وسلم - أن لا يصلى أحد وهو ضام بين وركيه ، ~~وقوله : تمت ابدءوا بالعشاء قبل الصلاة - ، لئلا يشتغل عن الإقبال على ~~الصلاة ، وإخلاص النية فيها . وفى حديث عبد الله : ما كان عليه الصحابة من ~~الاقتداء بالنبى - صلى الله عليه وسلم - والمحافظة على استعمال سننه على ~~حسب معاينتهم لها منه ، وتجنب مخالفته لعلمهم بما فى موافقته من عظيم الأجر ~~، وما فى مخالفته من شديد الوعيد والزجر . * * * # | 13 - باب من يرد الله به خيرا يفقهه فى الدين # / 13 - فيه : معاوية ، سمعت الرسول يقول : تمت من يرد الله به خيرا يفقهه ~~فى الدين ، وإنما أنا قاسم والله يعطى ، ولن تزال هذه الأمة قائمة على أمر ~~الله لا يضرهم من خالفهم ، حتى يأتى أمر الله - . فيه فضل العلماء على سائر ~~الناس . وفيه فضل الفقه فى الدين على سائر العلوم ، وإنما ثبت فضله ، لأنه ~~يقود إلى خشية الله ، والتزام طاعته ، وتجنب معاصيه ، قال الله تعالى : { ~~إنما يخشى الله من عباده العلماء } [ فاطر : 28 ] وقال ابن عمر - للذى قال ~~له : فقيه - : إنما الفقيه الزاهد فى الدنيا ، الراغب فى الآخرة . ولمعرفة ~~العلماء بما وعد الله به الطائعين ، وأوعد العاصين ، ولعظيم نعم الله على ~~عباده اشتدت خشيتهم . PageV01P154 وقوله : تمت إنما أنا قاسم - يدل على أنه ~~لم يستأثر من مال الله دونهم ، وكذلك قوله : تمت مالى مما أفاء الله عليكم ~~إلا الخمس ، والخمس مردود عليكم - ، وإنما قال : تمت إنما ms0084 أنا قاسم - ، ~~تطييبا لنفوسهم ، لمفاضلته فى العطاء . وقوله : تمت والله يعطى - ، أى ~~والله يعطيكم ما أقسمه عليكم لا أنا ، فمن قسمت له قليلا فذلك بقدر الله له ~~، ومن قسمت له كثيرا بقدر أيضا ، وبما سبق له فى أم الكتاب ، فلا يزاد أحد ~~فى رزقه ، كما لا يزاد أحد فى أجله . وقوله : تمت ولن تزال هذه الأمة قائمة ~~على أمر الله - ، يريد أن أمته آخر الأمم ، وأن عليها تقوم الساعة ، وإن ~~ظهرت أشراطها ، وضعف الدين ، فلابد أن يبقى من أمته من يقوم به ، والدليل ~~على ذلك قوله : تمت لا يضرهم من خالفهم - ، وفيه أن الإسلام لا يذل ، وإن ~~كثر مطالبوه . فإن قيل : فقد روى عبد الرزاق ، عن معمر ، عن ثابت ، عن أنس ~~، عن الرسول - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : تمت لا تقوم الساعة حتى لا ~~يقول أحد الله الله - ، وروى ابن مسعود ، أن النبى - صلى الله عليه وسلم - ~~، قال : تمت لا تقوم الساعة إلا على PageV01P155 شرار الناس - ، رواه شعبة ~~، عن على بن الأقمر ، عن أبى الأحوص ، عن عبد الله ، وهذه معارضة لحديث ~~معاوية . قال الطبرى : ولا معارضة بينهما بحمد الله ، بل يحقق بعضها بعضا ، ~~وذلك أن هذه الأحاديث خرج لفظها على العموم ، والمراد منها الخصوص ، ومعناه ~~لا تقوم الساعة على أحد يوحد الله إلا بموضع كذا ، فإن به طائفة على الحق ، ~~ولا تقوم الساعة إلا على شرار الناس بموضع كذا ، لأن حديث معاوية ثابت ، ~~ولا يجوز أن تكون الطائفة القائمة بالحق التى توحد الله التى هى شرار الناس ~~. فثبت أن الموصوفين بأنهم شرار الناس غير الموصوفين بأنهم على الحق مقيمون ~~. وقد جاء ذلك بينا فى حديث أبى أمامة الباهلى ، وحديث عمران بن حصين ، قال ~~الطبرى : حدثنا محمد بن الفرج ، حدثنا ضمرة بن ربيعة ، حدثنا يحيى بن أبى ~~عمرو الشيبانى ، عن عمرو بن عبد الله الحمصى ، عن أبى أمامة الباهلى ، أن ~~النبى - صلى الله عليه وسلم - ، قال : تمت لا تزال طائفة من أمتى ظاهرين ~~على الحق ، لا يضرهم من خالفهم - ، قيل ms0085 : فأين هى يا رسول الله ؟ قال : تمت ~~ببيت المقدس ، أو أكناف بيت المقدس - . وروى قتادة عن مطرف بن الشخير ، عن ~~عمران بن حصين ، عن الرسول - صلى الله عليه وسلم - ، قال : تمت لا تزال ~~طائفة من أمتى يقاتلون على الحق ظاهرين على من ناوأهم حتى يقاتل آخرهم ~~الدجال - . قال مطرف : وكانوا يرون أنهم أهل الشام . * * * # | 14 - باب الفهم فى العلم # / 14 - فيه : مجاهد ، قال : صحبت ابن عمر إلى المدينة ، فلم أسمعه يحدث ~~عن النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، إلا حديثا واحدا : كنا عند النبى - ~~صلى الله عليه وسلم - فأتى بجمار ، فقال : تمت إن من الشجر شجرة مثلها كمثل ~~المسلم - ، فأردت أن أقول هى النخلة ، فإذا أنا أصغر القوم ، فسكت ، فقال - ~~صلى الله عليه وسلم - : تمت هى النخلة - . PageV01P156 قال المؤلف : التفهم ~~للعلم هو التفقه فيه ، ولا يتم العلم إلا بالفهم ، وكذلك قال على : والله ~~ما عندنا إلا كتاب الله ، أو فهم أعطيه رجل مؤمن . فجعل الفهم درجة أخرى ~~بعد حفظ كتاب الله ، لأن بالفهم له تبين معانيه وأحكامه . وقد نفى - صلى ~~الله عليه وسلم - العلم عمن لا فهم له بقوله : تمت رب حامل فقه لا فقه له - ~~. وقال مالك : ليس العلم بكثرة الرواية ، وإنما هو نور يضعه الله فى القلوب ~~، يعنى بذلك فهم معانيه واستنباطه . فمن أراد التفهم فليحضر خاطره ، وبفرغ ~~ذهنه ، وينظر إلى نشاط الكلام ، ومخرج الخطاب ، ويتدبر اتصاله بما قبله ، ~~وانفصاله منه ، ثم يسأل ربه أن يلهمه إلى إصابة المعنى ، ولا يتم ذلك إلا ~~لمن علم كلام العرب ، ووقف على أغراضها فى تخاطبها وأيد بجودة قريحة ، ~~وثاقب ذهن ، ألا ترى أن عبد الله بن عمر فهم من نشاط الحديث فى نفس القصة ~~أن الشجرة هى النخلة ، لسؤاله - صلى الله عليه وسلم - لهم عنها حين أتى ~~بالجمار ، وقوى ذلك عنده بقوله : { ألم تر كيف ضرب الله مثلا كلمة طيبة ~~كشجرة طيبة } [ إبراهيم : 24 ] . وقال العلماء : هى النخلة ، شبهها الله ~~بالمؤمن . وقول مجاهد : تمت إنه صحب ابن عمر إلى المدينة ، فلم يحدث ms0086 ~~PageV01P157 إلا حديثا واحدا - ، فذلك ، والله أعلم ، لأنه كان متوقيا ~~للحديث عن النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، وقد كان علم قول أبيه ، رضى ~~الله عنهما : أقلو الحديث عن رسول الله ، وأنا شريككم . * * * # | 15 - باب الاغتباط فى العلم والحكمة # وقال عمر ، رضى الله عنه : تفقهوا قبل أن تسودوا / 15 - فيه : ابن مسعود ~~، قال النبى - صلى الله عليه وسلم - : تمت لا حسد إلا فى اثنتين : رجل آتاه ~~الله مالا فسلطه على هلكته فى الحق ، ورجل آتاه الله الحكمة ، فهو يقضى بها ~~ويعلمها - . قال المفسر : هذا الحسد الذى أباحه - صلى الله عليه وسلم - ليس ~~من جنس الحسد المذموم ، وقد بين - صلى الله عليه وسلم - ذلك فى بعض طرق هذا ~~الحديث ، فقال فيه : تمت فرآه رجل - يعنى ينفق المال ويتلو الحكمة ، فيقول ~~: ليتنى أوتيت مثل ما أوتى ففعلت مثل ما يفعل ، فلم يتمن أن يسلب صاحب ~~المال ماله ، أو صاحب الحكمة حكمته ، وإنما تمنى أن يصير فى مثل حاله ، من ~~تفعل الخير ، وتمنى الخير والصلاح جائز وقد تمنى ذلك الصالحون والأخيار ، ~~ولهذا المعنى ترجم البخارى لهذا الباب باب الاغتباط فى العلم والحكمة ، لأن ~~من أوتى مثل هذه الحال فينبغى أن يغتبط بها وينافس فيها . وفيه من الفقه أن ~~الغنى إذا قام بشروط المال ، وفعل فيه ما يرضى الله ، فهو أفضل من الفقير ~~الذى لا يقدر على مثل حاله . وقول عمر : تمت تفقهوا قبل أن تسودوا - ، فإن ~~من سوده الناس يستحيى أن يقعد مقعد المتعلم خوفا على رئاسته عند العامة . ~~PageV01P158 وقال مالك : كان الرجل إذا قام من مجلس ربيعة إلى خطبة أو حكم ~~، لم يرجع إليه بعدها . وقال يحيى بن معين : من عاجل الرئاسة فاته علم كثير ~~. * * * # | 16 - باب ما ذكر فى ذهاب موسى - صلى الله عليه وسلم - فى البحر إلى ~~الخضر # وقوله : { هل أتبعك على أن تعلمن مما علمت رشدا } [ الكهف : 66 ] / 16 - ~~وفيه : ابن عباس ، أنه تمارى هو والحر بن قيس بن حصن الفزارى فى صاحب موسى ~~، - صلى الله عليه وسلم - ، قال ابن عباس ms0087 : هو خضر ، فمر بهما أبى بن كعب ، ~~فدعاه ابن عباس ، فقال : إنى تماريت أنا وصاحبى هذا فى صاحب موسى الذى سأل ~~موسى السبيل إلى لقيه ، هل سمعت النبى - صلى الله عليه وسلم - يذكر شأنه ؟ ~~قال : نعم ، سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يذكر شأنه يقول : تمت ~~بينما موسى فى ملإ من بني إسرائيل ، إذ جاءه رجل ، فقال : هل تعلم أحدا ~~أعلم منك ؟ قال موسى : لا ، فأوحى الله عز وجل إلى موسى : بلى ، عبدنا خضر ~~. فسأل موسى السبيل إليه ، فجعل الله له الحوت آية ، وقيل له : إذا فقدت ~~الحوت فارجع ، فإنك ستلقاه - . وذكر الحديث . فيه : من الفقه السفر والرحلة ~~فى طلب العلم فى البر والبحر . وقد ترجم له بذلك ، وزاد فيه : تمت أن جابر ~~بن عبد الله رحل مسيرة شهر إلى عبد الله بن أنيس فى حديث واحد ، يعنى حديث ~~الستر على المسلم - . PageV01P159 وفيه : جواز التمارى فى العلم إذا كان كل ~~واحد يطلب الحقيقة ولم يكن متعنتا . وفيه : الرجوع إلى قول أهل العلم عند ~~التنازع . وفيه : أنه يجب على العالم الرغبة فى التزيد من العلم ، والحرص ~~عليه ، ولا يقنع بما عنده ، كما فعل موسى ولم يكتف بعلمه . وفيه : أنه يجب ~~على حامل العلم لزوم التواضع فى علمه ، وجميع أحواله ، لأن الله تعالى عتب ~~على موسى حين لم يرد العلم إليه ، وأراه من هو أعلم منه . وفيه : حمل الزاد ~~وإعداده فى السفر بخلاف قول الصوفية . * * * # | 17 - باب قول النبى - صلى الله عليه وسلم - اللهم علمه الكتاب # - / 17 - فيه : ابن عباس ، ضمنى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وقال ~~: تمت اللهم علمه الكتاب - . والكتاب هاهنا القرآن عند أهل التأويل ، قالوا ~~: كل موضع ذكر الله فيه الكتاب فالمراد به القرآن . وفيه : بركة دعوة النبى ~~، - صلى الله عليه وسلم - ، لأن ابن عباس كان من الأخيار الراسخين فى علم ~~القرآن والسنة ، أجيبت فيه الدعوة . وفيه : الحض على تعلم القرآن والدعاء ~~إلى الله فى ذلك . وروى البخارى هذا الحديث فى فضائل الصحابة ، وقال فيه : ~~تمت اللهم ms0088 علمه الحكمة - ، ووقع فى كتاب الوضوء : تمت اللهم فقه فى الدين - ~~، وتأول جماعة من الصحابة والتابعين فى قوله تعالى : PageV01P160 { يؤتى ~~الحكمة من يشاء ومن يؤت الحكمة فقد أوتى خيرا كثيرا } [ البقرة : 269 ] . ~~وتأولوا فى قوله : { ويعلمه الكتاب والحكمة } [ آل عمران : 48 ] أنها السنة ~~التى سنها الرسول بوحى من الله ، وكلا التأويلين صحيح ، وذلك أن القرآن ~~حكمة أحكم الله فيه لعباده حلاله وحرامه ، وبين لهم فيه أمره ونهيه ، فهو ~~كما وصفه تعالى فى قوله : { ولقد جاءهم من الأنباء ما فيه مزدجر حكمة بالغة ~~} [ القمر : 4 ، 5 ] وكذلك سنن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حكمة ، ~~فصل بها بين الحق والباطل ، وبين لهم مجمل القرآن ، ومعانى التنزيل ، ~~والفقه فى الدين ، فهو كتاب الله وسنة نبيه ، - صلى الله عليه وسلم - ، ~~فالمعنى واحد وإن اختلفت الألفاظ . * * * # | 18 - باب متى يصح سماع الصغير ؟ # / 18 - فيه : ابن عباس ، قال : تمت أقبلت راكبا على حمار أتان - وأنا ~~يومئذ قد ناهزت الاحتلام - ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلى بمنى ~~إلى غير جدار ، فمررت بين يدى بعض الصفوف ، وأرسلت الأتان ترتع ، فدخلت فى ~~الصف ، فلم ينكر ذلك على - . / 19 - وفيه : محمود بن الربيع ، قال : تمت ~~عقلت من النبى - صلى الله عليه وسلم - مجة مجها فى وجهى وأنا ابن خمس سنين ~~من دلو - . قال صاحب العين : مج الشراب من فيه : رمى به . PageV01P161 وقال ~~المهلب : فيه جواز سماع الصغير وضبطه للسنن . وفيه : جواز شهادة الصبيان ~~بعد أن يكبروا ، فيما علموه فى حال الصغر . وقال أبو عبد الله بن أبى صفرة ~~: أخرج البخارى فى هذا الباب حديث ابن عباس ، ومحمود بن الربيع ، وأصغر سنا ~~منهما عبد الله بن الزبير ، ولم يخرجه يوم رأى أباه يختلف إلى بنى قريظة فى ~~غزوة الخندق ، فقال لأبيه : يا أبتاه ، رأيتك تختلف إلى بنى قريظة ، فقال : ~~يا بنى إن النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، أمرنى أن آتيه بخبرهم ، ~~والخندق على أربع سنين من الهجرة ، وعبد الله أول مولود ولد فى الهجرة . ~~قال المهلب : فيه أن التقدم ms0089 إلى القعود لسماع الخطبة ، إذا لم يضر أحدا ، ~~والخطيب يخطب ، جائز بخلاف إذا تخطى رقابهم . وفيه : أن الصاحب إذا فعل بين ~~يدى الرسول شيئا ولم ينكره ، فهو حجة يحكم به . وفيه : جواز الركوب إلى ~~صلاة الجماعة والعيدين . وفيه : أن الإمام يجوز أن يصلى إلى غير سترة ، ~~وذلك يدل أن الصلاة لا يقطعها شىء . وسيأتى اختلاف العلماء فى المرور بين ~~يدى المصلى ، فى كتاب الصلاة ، إن شاء الله . PageV01P162 * * * # | 19 - باب فضل من علم وعلم # / 20 - فيه : أبو موسى ، قال - صلى الله عليه وسلم - : تمت مثل ما بعثنى ~~الله به من الهدى والعلم ، كمثل الغيث الكثير ، أصاب أرضا ، فكان منها نقية ~~قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير ، وكانت منها أجادب أمسكت الماء ~~فنفع الله بها الناس ، فشربوا وسقوا وزرعوا ، وأصابت منها طائفة أخرى إنما ~~هى قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ ، فذلك مثل من فقه فى دين الله ، ونفعه ~~ما بعثنى الله به ، فعلم وعلم ، ومثل من لم يرفع بذلك رأسا ، ولم يقبل هدى ~~الله الذى أرسلت به - . وقال إسحاق : تمت قيلت الماء - ، مكان تمت قبلت - . ~~قال المهلب : فيه ضرب الأمثال فى الدين ، والعلم ، والتعليم . وفيه : أنه ~~لا يقبل ما أنزل الله من الهدى والدين إلا من كان قبله نقيا من الإشراك ~~والشك . فالتى قبلت العلم والهدى كالأرض المتعطشة إليه ، فهى تنتفع به ~~فتحيا فتنبت . فكذلك هذه القلوب البريئة من الشك والشرك ، المتعطشة إلى ~~معالم الهدى والدين ، إذا وعت العلم حيت به ، فعملت وأنبتت بما تحيا به ~~أرماق الناس المحتاجين إلى مثل ما كانت القلوب الواعية تحتاج إليه . ومن ~~الناس من قلوبهم متهيئة لقبول العلم لكنها ليس لها رسوخ ، فهى تقبل وتمسك ~~حتى يأتى متعطش فيروى منها ويرد على PageV01P163 منهل يحيا به ، وتسقى به ~~أرض نقية فتنبت وتثمر ، وهذه حال من ينقل العلم ولا يعرفه ولا يفهمه . تمت ~~ومنها قيعان - يعنى قلوبا تسمع الكلام ، فلا تحفظه ، ولا تفهمه ، فهى لا ~~تنتفع به ، ولا تنبت شيئا ، كالسباخ المالحة التى لا تمسك الماء ms0090 ولا تنبت ~~كلأ . وكان يصلح أن يخرج تحت هذه الترجمة قوله - صلى الله عليه وسلم - : ~~تمت خيركم من تعلم القرآن وعلمه - . وقوله : تمت أجادب - جمع جدب على غير ~~لفظه ، وكان القياس أن يكون جمع تمت أجدب - لو قيل ، وقد جاء مثل هذا كثير ~~، قالوا : محاسن جمع حسن ، وكان القياس أن يكون جمع تمت محسن - لو قيل . ~~وقالوا : متشابه جمه تمت شبه - على غير لفظه ، وكان القياس أن يكون مشتبه . ~~وقول إسحاق : تمت قيلت الماء مكان قبلت - فهو تصحيف وليس بشىء . * * * # | 20 - باب رفع العلم وظهور الجهل # وقال ربيعة : لا ينبغى لأحد عنده شىء من العلم أن يضيع نفسه . / 21 - ~~وفيه : أنس ، قال : لأحدثنكم حديثا لا يحدثكم أحد بعدى ، سمعت رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - يقول : تمت إن من أشراط الساعة أن يقل العلم ، ويظهر ~~الجهل ، ويظهر الزنا ، وتكثر النساء ، ويقل الرجال ، حتى يكون لخمسين امرأة ~~القيم الواحد - . يحتمل PageV01P164 قول أنس : تمت لا يحدثكم أحد بعدى - ، ~~أن يكون لأجل طول عمره ، وأنه لم يبق من أصحاب النبى غيره ، ويمكن أن يكون ~~قاله لما رأى من التغيير ونقص العلم ، فوعظهم بما سمع من النبى ، - صلى ~~الله عليه وسلم - ، فى نقص العلم أنه من أشراط الساعة ، ليحضهم على طلب ~~العلم ، ثم أتى بالحديث على نصه . ومعنى قول ربيعة : أن من كان له قبول ~~للعلم وفهم له ، فقد لزمه من فرض طلب العلم ما لا يلزم غيره ، فينبغى له أن ~~يجتهد فيه ، ولا يضيع طلبه فيضيع نفسه . * * * # | 21 - باب فضل العلم # / 22 - فيه : ابن عمر ، قال : سمعت النبى ، - صلى الله عليه وسلم - يقول ~~: تمت بينما أنا نائم أتيت بقدح لبن فشربت ، حتى إنى لأرى الرى يخرج من ~~أظفارى ، ثم أعطيت فضلى عمر بن الخطاب ، قالوا : ما أولته يا رسول الله ؟ ~~قال : العلم - . وقد تقدم فى أول تمت كتاب العلم - من فضل العلم ما يرغب فى ~~طلبه ، وسيأتى الكلام فى هذا الحديث فى تمت كتاب الرؤيا - إن شاء الله . * ~~* * # | 22 - باب الفتيا وهو واقف ms0091 على الدابة وغيرها # / - فيه : عبدالله بن عمرو بن العاص ، تمت أن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - وقف في حجة الوداع بمنى للناس يسألونه ، فجاءه رجل ، فقال : لم أشعر ~~فحلقت قبل أن أذبح ، فقال : تمت اذبح ولا حرج . وجاء آخر . . . - الحديث . ~~PageV01P165 فيه من الفقه : أن العالم يجوز سؤاله راكبا وماشيا ، وواقفا ، ~~وعلى كل أحواله ، وقد تقدم أن الجلوس على الدابة للضرورة جائز ، كما كان ~~جلوسه - صلى الله عليه وسلم - عليها فى حجته ليشرف على الناس ، ولا يخفى ~~عليهم كلامه لهم . وترجم البخارى لهذا الحديث بعد هذا الباب . * * * 23 - ~~باب من أجاب الفتيا بإشارة اليد والرأس / 24 - وذكر : عن ابن عباس تمت أن ~~نبى الله سئل في حجته ، وزاد فيه ، فأومأ الرسول ، - صلى الله عليه وسلم - ~~، بيده ، وقال : ولا حرج - . / 25 - وذكر : حديث أبى هريرة أن النبي ، - ~~صلى الله عليه وسلم - ، قال : تمت يكثر الهرج - قيل : وما الهرج ؟ فقال ~~بيده فحرفها - كأنه يريد القتل . / 26 - وذكر : حديث أسماء فى الكسوف : ~~وأشارت برأسها ، أن نعم - وذكر الحديث . ففى حديث ابن عباس ، وأبى هريرة ~~الإشارة باليد عند الفتوى وفى حديث أسماء الإشارة بالرأس ، كما ترجم . قال ~~أبو الزناد فيه من الفقه : أن الرجل إذا أشار بيده أو برأسه ، أو بشىء يفهم ~~به إشارته أنه جائز عليه . وفيه : حجة لمالك فى إجازة لعان المرأة الصماء ~~البكماء ومبايعتها ونكاحها ، إذ الإشارة تقوم مقام الكلام ، ويفهم بها ~~المعنى المقصود ، وسيأتى فى كتاب الطلاق ، فى باب الإشارة فى الطلاق ~~والأمور ، اختلف الفقهاء فى ذلك ، ويأتى شىء منه أيضا فى باب اللعان ، إن ~~شاء الله . PageV01P166 وفى حديث أسماء أن المؤمنين فى قبورهم ، وفيه أن ~~الجنة والنار مخلوقتان ، لأنه لا يمثل به إلا مخلوق . * * * # | 24 - باب تحريض النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، وفد عبدالقيس على أن ~~يحفظوا الإيمان والعلم ويخبروا من وراءهم # وقال مالك بن الحويرث ، قال لنا النبى ، - صلى الله عليه وسلم - : تمت ~~ارجعوا إلى أهليكم فعلموهم - . / 27 - فيه : ابن عباس : تمت إن وفد عبد ~~القيس أتوا النبى ms0092 ، - صلى الله عليه وسلم - ، فقال : إنا لا نستطيع أن نصل ~~إليك إلا في الشهر الحرام ، فمرنا بأمر نخبر به من وراءنا ، ندخل به الجنة ~~، فأمرهم بأربع ، ونهاهم عن أربع . . . - ، وذكر الحديث ، وقال : تمت ~~احفظوه وأخبروا به من وراءكم - . فيه من الفقه : أن من علم علما يلزمه ~~تبليغه لمن لا يعلمه ، وهو اليوم من فروض الكفاية ، لظهور الإسلام وانتشاره ~~، وأما فى أول الإسلام فكان فرضا معينا على كل من علم علما أن يبلغه ، حتى ~~يكمل الإسلام ويظهر على جميع الأديان ، ويبلغ مشارق الأرض ومغاربها ، كما ~~أنذر به أمته - صلى الله عليه وسلم - ، فلزم العلماء فى بدء الإسلام من فرض ~~التبليغ فوق ما يلزمهم اليوم . وفيه : أنه يلزم المؤمن تعليم أهله الإيمان ~~، والفرائض لعموم قوله - صلى الله عليه وسلم - : تمت وأخبروا به من وراءكم ~~- ، ولقوله تعالى : { قوا أنفسكم وأهليكم نارا } [ التحريم : 6 ] ، ولأن ~~الرجل راع على أهله ومسئول PageV01P167 عنهم ، وقد تقدم الكلام فى حديث وفد ~~عبد القيس فى باب أداء الخمس من الإيمان فى آخر كتاب الإيمان فأغنى عن ~~إعادته ، وسيأتى شىء منه فى باب خبر الواحد إن شاء الله . * * * # | 25 - باب الرحلة فى المسألة النازلة ، وتعليم أهله # / 28 - فيه : عقبة بن الحارث ، أنه تزوج ابنة لأبى إهاب بن عزيز ، فأتته ~~امرأة ، فقالت : إنى قد أرضعت عقبة ، والتى تزوج بها ، فقال لها عقبة : ما ~~أعلم أنك أرضعتنى ، ولا أخبرتنى ، فركب إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- بالمدينة فسأله ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : تمت كيف وقد ~~قيل - ؟ ففارقها عقبة ، ونكحت زوجا غيره . فيه : الرحلة فى المسألة النازلة ~~، كما ترجم ، وهذا يدل على حرصهم على العلم ، وإيثارهم ما يقربهم إلى الله ~~تعالى والازدياد من طاعته عز وجل لأنهم إنما كانوا يرغبون فى العلم للعمل ~~به ، ولذلك شهد الله لهم أنهم خير أمة أخرجت للناس . وقال الشعبى : لو أن ~~رجلا سافر من أقصى الشام إلى أقصى اليمن لحفظ كلمة تنفعه فيما بقى من عمره ~~، لم أر سفره يضيع . فيه : فضل المدينة ms0093 ، وأنها معدن العلم ، وإليها كان ~~يفزع فى العلم من سائر البلاد . وسيأتى الكلام فى حديث عقبة فى كتاب الرضاع ~~، والبيوع وغيره ، إن شاء الله . PageV01P168 * * * # | 26 - باب التناوب فى العلم # / 29 - فيه : عمر ، قال : كنت أنا وجار لى من الأنصار فى بنى أمية بن زيد ~~، وهى من عوالى المدينة ، وكنا نتناوب النزول على رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - ، ينزل يوما وأنزل يوما ، فإذا نزلت جئته بخبر ذلك اليوم من ~~الوحى وغيره ، فإذا نزل فعل مثل ذلك . . - وذكر الحديث . فيه : الحرص على ~~طلب العلم . وفيه : أن لطالب العلم أن ينظر فى معيشته وما يستعين به على ~~طلب العلم . وفيه : قبول خبر الواحد . وفيه : أن الصحابة كان يخبر بعضهم ~~بعضا بما يسمع من الرسول - صلى الله عليه وسلم - ، ويقولون : قال رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - ، ويجعلون ذلك كالمسند ، إذ ليس فى الصحابة من يكذب ~~، ولا غير ثقة . هذا قول طائفة من العلماء ، وهو قول من أجاز العمل ~~بالمراسيل ، وبه قال أهل المدينة ، وأهل العراق . وقالت طائفة : لا نقبل ~~مرسل الصاحب ، لأنه مرسل عن صاحب مثله ، وقد يجوز أن يسمع ممن لا يضبط ~~كوافد وأعرابى لا صحبة له ، ولا تعرف عدالته ، ألا ترى أن عمر لما وقف أبا ~~هريرة على روايته عن النبى - صلى الله عليه وسلم - : تمت أنه من أصبح جنبا ~~فلا صوم له - ، قال : لا علم لى بذلك ، وإنما أخبرنيه مخبر ، هذا قول ~~الشافعى ، واختاره القاضى ابن الطيب . PageV01P169 * * * # | 27 - باب الغضب فى الموعظة والتعليم إذا رأى ما يكره # / 30 - فيه : أبو مسعود الأنصارى ، قال رجل : يا رسول الله ، لا أكاد ~~أدرك الصلاة مما يطول بنا فلان ، فما رأيت النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ~~، غضب فى موعظة أشد غضبا من يومئذ ، فقال : تمت أيها الناس ، إنكم منفرون ، ~~فمن صلى بالناس فليخفف ، فإن فيهم المريض والضعيف وذا الحاجة - . / 31 - ~~وفيه : زيد بن خالد ، أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - سأله رجل عن اللقطة ~~؟ فقال : تمت اعرف وكاءها ، أو قال : وعاءها وعفاصها ، ثم ms0094 عرفها سنة ، ثم ~~استمتع بها ، فإن جاء ربها فأدها إليه - ، قال : فضالة الإبل ؟ فغضب حتى ~~احمرت وجنتاه ، أو قال : وجهه ، وقال : تمت ما لك ولها ، معها سقاؤها ~~وحذاؤها ترد الماء ، وترعى الشجر ، فذرها حتى يلقاها ربها . . . - ، وذكر ~~الحديث . / 32 - وفيه : أبو موسى ، قال : سئل النبى ، - صلى الله عليه وسلم ~~- ، عن أشياء كرهها ، فلما أكثر عليه غضب ، ثم قال للناس : تمت سلونى عما ~~شئتم - ، قال رجل من أبى ؟ قال : تمت أبوك حذافة - ، فقام آخر فقال : من ~~أبى يا رسول الله ؟ فقال : تمت أبوك سالم مولى شيبة - ، فلما رأى عمر ما فى ~~وجهه ، قال : يا رسول الله ، إنا نتوب إلى الله تعالى . وترجم لهذا الحديث ~~: 28 - باب من برك على ركبتيه عند الإمام أو المحدث وذكر باقى الحديث . قال ~~أبو الزناد : قول الرجل : تمت لا أكاد أدرك الصلاة مما يطول بنا فلان - يدل ~~أنه كان رجلا مريضا أو ضعيفا ، فكان إذا طول به الإمام فى القيام لا يكاد ~~يبلغ الركوع والسجود ، إلا وقد زاد ضعفا عن PageV01P170 اتباعه ، فلا يكاد ~~يركع معه ولا يسجد ، وإنما غضب عليه ، لأنه كره التطويل فى الصلاة من أجل ~~أن فيهم المريض ، والضعيف وذا الحاجة ، فأراد الرفق والتيسير بأمته ، ولم ~~يكن نهيه - صلى الله عليه وسلم - عن الطول فى الصلاة من أجل أنه لا يجوز ~~ذلك ، لأنه كان - صلى الله عليه وسلم - يصلى فى مسجده ، ويقرأ بالسور ~~الطوال ، مثل سورة يوسف وغيرها ، وإنما كان يفعل هذا ، لأنه كان يصلى معه ~~جلة أصحابه ، ومن أكثر همه طلب العلم والصلاة ، وكذلك غضبه حين سئل عن ضالة ~~الإبل ، لأنه لا يخشى عليها ضياع ، ففارق المعنى الذى أبيح من أجله أخذ ~~اللقطة ، وهو خوف تلفها . وقول الرجل للرسول : تمت من أبى - ؟ فإنما سأله ~~عن ذلك ، والله أعلم ، لأنه كان نسب إلى غير أبيه إذا لاحى أحدا فنسبه ~~النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، إلى أبيه . وفيه : فهم عمر وفضل علمه ، ~~لأنه خشى أن يكون كثرة سؤالهم له كالتعنيت له ، والشك فى أمره - صلى ms0095 الله ~~عليه وسلم - ألا ترى قول عمر : رضينا بالله ربا ، وبالإسلام دينا ، وبمحمد ~~نبيا ، فخاف أن تحل بهم العقوبة ، لتعنيتهم له - صلى الله عليه وسلم - ~~ولقول الله تعالى : { لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم } [ المائدة : ~~101 ] . وقد جاء معنى هذا الحديث بينا عن ابن عباس ، قال : تمت كان قوم ~~يسألون رسول الله - صلى الله عليه وسلم - استهزاء ، فيقول الرجل : من أبى ؟ ~~ويقول الرجل يضل ناقته : أين ناقتى ؟ فنزلت هذه الآية : { يا أيها الذين ~~آمنوا لا تسألوا } الآية كلها ، ذكره البخارى فى تفسير القرآن . ~~PageV01P171 وفيه : أنه لا يجب أن يسأل العالم إلا فيما يحتاج إليه . وفى ~~بروك عمر عند النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، الاستجداء للعالم ، ~~والتواضع له ، وسيأتى حديث ابن حذافة فى باب التعوذ من الفتنة فى كتاب ~~الفتن ، و فى باب ما يكره من كثرة السؤال ، وتكلف ما لا يعنى فى كتاب ~~الاعتصام . فيه شىء من الكلام فى معناه . * * * # | 29 - باب من أعاد الحديث ثلاثا ليفهم عنه فقال : ألا وقول الزور فما ~~يزال يكررها # وقال ابن عمر : قال - صلى الله عليه وسلم - : تمت هل بلغت - ، ثلاثا . / ~~33 - فيه : أنس ، كان - صلى الله عليه وسلم - ، إذا تكلم بكلمة أعادها ~~ثلاثا ، حتى يفهم عنه ، فإذا أتى على قوم فسلم عليهم ، سلم عليهم ثلاثا . / ~~34 - وفيه : عبدالله بن عمرو ، قال : تخلف رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- فى سفر سافرناه ، فأدركنا ، وقد أرهقنا الصلاة ، صلاة العصر ، ونحن نتوضأ ~~، فجعلنا نمسح على أرجلنا ، فنادى بأعلى صوته : تمت ويل للأعقاب من النار - ~~، مرتين ، أو ثلاثا . قال أبو الزناد : إنما كان يكرر الكلام ثلاثا ، ~~والسلام ثلاثا PageV01P172 إذا خشى أن لا يفهم عنه ، أو لا يسمع سلامه ، أو ~~إذا أراد الإبلاغ فى التعليم ، أو الزجر فى الموعظة . وفيه : أن الثلاث ~~غاية ما يقع به البيان والإعذار به . * * * # | 30 - باب تعليم الرجل أمته وأهله # / 35 - فيه : أبو موسى ، قال رسول الله : تمت ثلاثة لهم أجران : رجل من ~~أهل الكتاب آمن بنبيه وآمن بمحمد - صلى الله ms0096 عليه وسلم - ، والعبد المملوك ~~إذا أدى حق الله وحق مواليه ، ورجل كانت عنده أمة يطأها فأدبها فأحسن ~~تأديبها ، وعلمها فأحسن تعليمها ، ثم أعتقها فتزوجها ، فله أجران - . ثم ~~قال الشعبى : أعطيناكها بغير شيء ، وقد كان يركب فيما دونها إلى المدينة . ~~قال المؤلف : قوله - صلى الله عليه وسلم - : تمت مؤمن أهل الكتاب يؤتى أجره ~~مرتين - هو كقوله : تمت إذا أسلم فحسن إسلامه كتبت له كل حسنة كان ذلفها - ~~، وكقوله لحكيم بن حزام : تمت أسلمت على ما سلف من خير - ، والعبد المملوك ~~له أجر عبادته لله ، تعالى ، وأجر طاعته لسيده ، وتحمله مضض العبودية ، ~~والإذعان لحقوق الرق ، والذى يعتق أمته فيتزوجها فله أجر العتق والتزويج ، ~~وأجر التأديب والتعليم . ومن فعل هذا فهو مفارق للكبر ، آخذ بحظ وافر من ~~التواضع ، وتارك للمباهاة بنكاح ذات شرف ومنصب . PageV01P173 وقول الشعبى : ~~تمت أعطيناكها بغير شىء - ، فيه أن للعالم أن يعرف المتعلم منه قدر ما ~~أفاده من العلم ، وما خصه به ، ليكون ذلك أدعى لحفظه ، وأجلب لحرصه . وقوله ~~: تمت وقد كان يرحل فى مثلها إلى المدينة - فيه إثبات فضل المدينة ، وأنها ~~معدن العلم وموطنه ، وإليها كان يرحل فى طلبه ويقصد فى التماسه . فإن احتج ~~بقوله - صلى الله عليه وسلم - : تمت ثم أعتقها فتزوجها - من قال : إن عتق ~~الأمة صداقها . فيقال له : إن الأمة لما عتقت لحقت بالحرائر . فكما لا يجوز ~~أن تتزوج حرة غير معتقة دون صداق ، كذلك لا يجوز أن تتزوج المعتقة بغير ~~صداق ، لأن الصداق من فرائض النكاح وإنما لم يذكر فى الحديث للعلم به . * * ~~* # | 31 - باب عظة الإمام النساء وتعليمهن # / 36 - فيه : ابن عباس ، قال : أشهد على النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ~~، أو قال عطاء : أشهد على ابن عباس ، أن الرسول خرج ومعه بلال فظن أنه لم ~~يسمع النساء ، فوعظهن وأمرهن بالصدقة ، فجعلت المرأة تلقي القرط والخاتم ، ~~وبلال يأخذ في طرف ثوبه . PageV01P174 فيه : أنه يجب على الإمام افتقاد ~~أمور رعيته ، وتعليمهم ووعظهم ، الرجال والنساء فى ذلك سواء ، لقوله - صلى ~~الله عليه وسلم - : تمت الإمام راع ومسئول ms0097 ، ثم عن رعيته - فدخل فى ذلك ~~الرجال والنساء ، وأمر النساء بالصدقة لما رآهن أكثر أهل النار ، ففيه دليل ~~أن الصدقة تنجى من النار . وقيل : إنما أمرهن بالصدقة ، لأنه كان وقت حاجة ~~إلى المواساة ، وكانت الصدقة يومئذ أفضل وجوه البر . # | 32 - باب الحرص على الحديث # / 37 - فيه : أبو هريرة ، قال : يا رسول الله ، من أسعد الناس بشفاعتك ~~يوم القيامة ؟ قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : تمت لقد ظننت يا أبا ~~هريرة أن لا يسألنى عن هذا الحديث أحد أول منك ، لما رأيت من حرصك على ~~الحديث ، أسعد الناس بشفاعتى يوم القيامة ، من قال لا إله إلا الله خالصا ~~من قلبه أو نفسه - . قال المهلب : فيه أن الحريص على الخير والعلم يبلغ ~~بحرصه إلى أن يسأل عن غامض المسائل ، ودقيق المعانى ، لأن المسائل الظاهرة ~~إلى الناس كافة يستوى الناس فى السؤال عنها ، لاعتراضها فى أفكارهم ، وما ~~غمض من المسائل ، ولطف من المعانى ، لا يسئل عنها إلا راسخ بحاث ، يبعثه ~~على ذلك الحرص ، فيكون ذلك سببا إلى إثارة فائدة يكون له أجرها ، وأجر من ~~عمل بها إلى يوم القيامة . PageV01P175 وفيه : أن للعالم أن يتفرس فى ~~متعلميه ، فيظن فى كل واحد مقدار تقدمه فى فهمه ، وأن ينبهه على تفرسه فيه ~~، ويعرفه ذلك ، ليبعثه على الاجتهاد فى العلم والحرص عليه . وفيه : أن ~~للعالم أن يسكت إذا لم يسأل عن العلم حتى يسأل عنه ، ولا يكون كاتما ، لأن ~~على الطالب أن يسأل ، قال تعالى : { فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون } ~~[ النحل : 43 ] ، وليس للعالم أن يسكت إذا رأى تغييرا فى الدين إذا علم أن ~~ذلك لا يضره ، ثم على العالم أن يبين إذا سئل ، فإن لم يبين بعد أن يسأل ~~فقد كتم ، إلا أن يكون له عذر فيعذر . وفيه : أن الشفاعة إنما تكون فى أهل ~~الإخلاص خاصة ، وهم أهل التصديق بوحدانية الله ، ورسله ، لقوله - صلى الله ~~عليه وسلم - : تمت خالصا من قلبه ، أو نفسه - . وقوله : تمت أول منك - يعنى ~~قبلك . وقال سيبويه : هى بمنزلة ms0098 أقدم منك . وقال السيرافى : يقال : هذا أول ~~منك ، ورأيت أول منك ، ومررت بأول منك ، فإذا حذفوا تمت منك - قالوا : هو ~~الأول ، ولا يقولوا : الأول منك ، لأن الألف واللام تعاقب منك . ~~PageV01P176 * * * # | 33 - باب كيف يقبض العلم ؟ # وكتب عمر بن عبدالعزيز إلى أبي بكر بن حزم : تمت انظر ما كان من حديث ~~رسول الله فاكتبه ، فإني خفت دروس العلم ، وذهاب العلماء ، ولا تقبل إلا ~~حديث النبي ، - صلى الله عليه وسلم - ، ولتفشوا العلم ، ولتجلسوا حتى يعلم ~~من لا يعلم ، فإن العلم لا يهلك حتى يكون سرا - . / 38 - فيه : عبدالله بن ~~عمرو ، قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : تمت إن الله لا يقبض العلم ~~انتزاعا ، ينتزعه من العباد ، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء ، حتى إذا لم ~~يبق عالما ، اتخذ الناس رءوسا جهالا ، فسئلوا ، فأفتوا بغير علم ، فضلوا ~~وأضلوا - . قال المؤلف : فى أمر عمر بن عبد العزيز بكتاب حديث النبى ، - ~~صلى الله عليه وسلم - ، خاصة ، وأن لا يقبل غيره الحض على اتباع السنن ~~وضبطها ، إذ هى الحجة عند الاختلاف ، وإليها يلجأ عند التنازع ، فإذا عدمت ~~السنن ساغ لأهل العلم النظر ، والاجتهاد على الأصول . وفيه : أنه ينبغى ~~للعلماء نشر العلم وإذاعته . وقوله - صلى الله عليه وسلم - : تمت إن الله ~~لا ينزع العلم من العباد - ، فمعنى ذلك أن الله لا يهب العلم لخلقه ، ثم ~~ينتزعه بعد أن تفضل به عليهم ، والله يتعالى أن يسترجع ما وهب لعباده من ~~علمه الذى يؤدى إلى معرفته والإيمان به وبرسله ، وإنما يكون قبض العلم ~~بتضييع التعلم فلا يوجد فيمن يبقى من يخلف من مضى ، وقد أنذر - صلى الله ~~عليه وسلم - بقبض الخير كله ، ولا ينطق عن الهوى . PageV01P177 * * * # | 34 - باب هل يجعل للنساء يوم على حدة في العلم # / 39 - فيه : أبو سعيد الخدرى ، قالت النساء : يا رسول الله غلبنا عليك ~~الرجال ، فاجعل لنا يوما من نفسك ، فوعدهن يوما لقيهن فيه ، فوعظهن ، ~~وأمرهن ، فكان فيما قال لهن : تمت ما منكن امرأة تقدم ثلاثة من ولدها إلا ~~كان لها حجابا من النار - ، فقالت امرأة ms0099 : واثنين ؟ قال : تمت واثنين - . ~~وقال أبو هريرة : تمت يبلغوا الحنث - . فيه : الترجمة . وفيه : سؤال النساء ~~عن أمر دينهن ، وجواز كلامهن مع الرجال فى ذلك ، فيما لهن الحاجة إليه . ~~وقد أخذ العلم عن أزواج النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، وعن غيرهن من ~~نساء السلف . وسيأتى الكلام فى هذا الحديث فى كتاب الجنائز فى باب فضل من ~~مات له ولد فاحتسبه ، إن شاء الله . * * * # | 35 - باب ليبلغ الشاهد الغائب # / 40 - فيه : أبو شريح ، أنه قال لعمرو بن سعيد ، وهو يبعث البعوث إلى ~~مكة : ائذن لى أيها الأمير أحدثك قولا قام به النبى ، - صلى الله عليه وسلم ~~- ، الغد من يوم الفتح ، سمعته أذناى ، ووعاه قلبى ، وأبصرته عيناى ، حين ~~تكلم به : حمد الله ، وأثنى عليه ، ثم قال : تمت إن مكة حرمها الله ، ~~PageV01P178 ولم يحرمها الناس ، فلا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن ~~يسفك بها دما ، ولا يعضد بها شجرة ، فإن أحد ترخص بقتال رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - فيها فقولوا : إن الله قد أذن لرسوله ، ولم يأذن لكم ، ~~وإنما أذن لى فيها ساعة من نهار ، ثم عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس ، ~~وليبلغ الشاهد الغائب - . فقيل لأبي شريح : ما قال عمرو ؟ قال : أنا أعلم ~~منك يا أبا شريح ، لا تعيذ عاصيا ولا فارا بدم ، ولا فارا بخربة . / 41 - ~~وفيه : أبو بكرة ، قال - صلى الله عليه وسلم - : تمت فإن دماءكم وأموالكم ~~وأعراضكم عليكم حرام ، كحرمة يومكم هذا ، فى شهركم هذا ، ألا ليبلغ الشاهد ~~منكم الغائب - . قال المؤلف : لما أخذ الله على أنبيائه الميثاق فى تبليغ ~~دينه ، وتبيينه لأمتهم ، وجعل العلماء ورثة الأنبياء ، وجب عليهم تبليغ ~~الدين ، ونشره حتى يظهر على جميع الأديان ، وقد بينا قبل هذا أن كل من ~~خاطبه - صلى الله عليه وسلم - بتبليغ العلم فيمن كان فى عصره فقد تعين عليه ~~فرض التبليغ ، وأما اليوم فهو من فروض الكفاية ، لانتشار الدين وعمومه . ~~وفى قول أبى شريح لعمرو حين رآه يبعث البعوث إلى مكة لقتال ابن الزبير : ~~تمت ائذن لى أحدثك - ، فيه من ms0100 الفقه : أنه يجب على العالم الإنكار على ~~الأمير إذا غير شيئا من الدين ، وإن لم يسأل العالم عن ذلك . واختلف أبو ~~شريح ، وعمرو بن سعيد فى تأويل هذا الحديث ، PageV01P179 فحمله أبو شريح ~~على العموم ، وحمله عمرو على الخصوص ، فكلاهما ذهب إلى غير مذهب صاحبه ، ~~فذهب أبو شريح إلى أن حرمة مكة ثابتة ، لا يجوز أن تستباح بفتنة ، ولا تنصب ~~عليها حرب لقتال أحد أبدا بعدما حرمها الله عز وجل ، لأنه أخبر - صلى الله ~~عليه وسلم - حين نصب الحرب عليها لقتال المشركين ، وفرغ من أمرهم أنها لله ~~حرم ، ولم تحل لأحد كان قبله ، ولا تحل لأحد بعده ، وإنما حلت له ساعة من ~~نهار ، وهى الساعة التى فتحها ، ثم عادت حرمتها كما كانت قبل ذلك . فاحتج ~~أبو شريح بالحديث على وجهه . ونهى عمرو بن سعيد عن بعث الخيل إلى قتال ابن ~~الزبير بمكة خشية أن تستباح حرمتها ، وابن الزبير عند علماء أهل السنة أولى ~~بالخلافة من يزيد ، وعبد الملك ، لأنه بويع لابن الزبير قبل هؤلاء ، وهو من ~~أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقد قال مالك : إن ابن الزبير أولى ~~من عبد الملك . وأما قول عمرو لأبى شريح : تمت أنا أعلم منك ، إن مكة لا ~~تعيذ عاصيا ، ولا فارا بدم ، ولا فارا بخربة - ، فليس هذا بجواب لأبى شريح ~~، لأنه لم يختلف معه فى أن من أصاب حدا فى غير الحرم ثم لجأ إلى الحرم هل ~~يجوز أن يقام عليه فى الحرم ، أم لا ؟ وإنما أنكر عليه أبو شريح بعثه الخيل ~~إلى مكة ، واستباحة حرمتها ، ونصب الحرب عليها ، فأحسن فى استدلاله ، وحاد ~~عمرو عن الجواب ، وجاوبه عن غير سؤاله ، وهو الرجل يصيب حدا فى غير الحرم ، ~~هل يعيذه الحرم ؟ وسيأتى اختلاف العلماء فى هذه المسألة فى كتاب الحج ، إن ~~شاء الله . PageV01P180 وأما قول عمرو بن سعيد لأبى شريح : تمت أنا أعلم ~~منك - ، فإن العلماء اخنلفوا فى الصاحب إذا روى الحديث عن الرسول - صلى ~~الله عليه وسلم - ، هل يكون أولى بتأويله ممن يأتى ms0101 بعده أم لا ؟ فقالت ~~طائفة : تأويل الصحابى أولى ، لأنه الراوى للحديث ، وهو أعلم بمخرجه وسببه ~~. وقالت طائفة : لا يلزم تأويل الصاحب إذا لم يصب التأويل واحتجوا بحديث ~~أبى القعيس فى تحريم لبن الفحل ، وقالوا : قد أفتت عائشة بخلافه ، وهى ~~راوية الحديث ، فكان يدخل عليها من أرضعته أخواتها ، ولا يدخل عليها من ~~أرضعه نساء إخوتها ، وهذا ترك منها للقول بما روته من تحريم لبن الفحل ، ~~فلم يلتفت مالك ولا الكوفويون ، والشافعى إلى تأويلها ، وأخذوا بحديثها . ~~وكذلك فعلوا فى حديث ابن عباس ، أن النبى - صلى الله عليه وسلم - خير بريرة ~~بعد أن اشترتها عائشة وأعتقتها . وكان ابن عباس يفتى بأن بيع الأمة طلاقها ~~، وحديثه هذا مخالف لفتواه ، لأنه لو كان بيعها طلاقها لم تخير وهى مطلقة ~~فى أن تطلق نفسها بعده . وذهب أئمة الفتوى إلى أن بيع الأمة ليس بطلاق لها ~~على ما جاء فى الحديث . وكذلك حديث عائشة : تمت فرضت الصلاة ركعتين ركعتين ~~- ، ترك الكوفيون ، وإسماعيل ابن إسحاق فتوى عائشة بخلاف روايتها ، وأخذوا ~~بالحديث ، وقالوا : القصر فى السفر فريضة ، ورواه أشهب ، عن مالك . ~~PageV01P181 وقالت طائفة : هو مخير بين القصر والإتمام ، وهو قول الشافعى ، ~~والأبهرى ، وابن القصار . وروى أبو مصعب عن مالك ، أنه قال : قصر الصلاة فى ~~السفر سنة . ومن روى فى حديث أبى شريح تمت بخربة - بضم الخاء ، فالخربة : ~~الفساد فى الدين ، عن صاحب العين . ومن رواه بفتح الخاء ، فمعناه السرقة ، ~~قال صاحب الأفعال : خرب الرجل خربا ، وخرابة : سرق الإبل . قال الأصمعى : ~~الخرابة : سرقة الإبل خاصة . * * * # | 36 - باب إثم من كذب على النبى - صلى الله عليه وسلم # - / 42 - فيه : على بن أبى طالب ، قال : قال النبى - صلى الله عليه وسلم ~~- : تمت لا تكذبوا على ، فإنه من كذب على فليلج النار - . / 43 - وفيه : ~~ابن الزبير أنه قال لأبيه : إنى لا أسمعك تحدث عن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - كما يحدث فلان وفلان ، قال : أما إنى لم أفارقه ، ولكن سمعته ~~يقول : تمت من كذب على فليتبوأ مقعده من النار - . PageV01P182 / 44 - وفيه ~~: أنس ms0102 ، قال : إنه ليمنعنى أن أحدثكم حديثا كثيرا أن النبى - صلى الله عليه ~~وسلم - قال : تمت من تعمد على كذبا فليتبوأ مقعده من النار - . / 45 - وفيه ~~: أبو هريرة ، قال - صلى الله عليه وسلم - : تمت من كذب على متعمدا ، ~~فليتبوأ مقعده من النار - . / 46 - وفيه : سلمة بن الأكوع ، قال - صلى الله ~~عليه وسلم - : تمت من تقول على ما لم أقل ، فليتبوأ مقعده من النار - . قال ~~الطبرى : إن قيل : معنى قول الرسول - صلى الله عليه وسلم - : تمت فليتبوأ ~~مقعده من النار - أهو إلى الكاذب بتبوء مقعده من النار فيؤمر بذلك ، أم ذلك ~~إلى الله ؟ فإن يكن ذلك إليه فلا شك أنه لا يبوء نفسه ذلك ، وله إلى تركه ~~سبيل . وإن يكن ذلك إلى الله ، فكيف أمر بتبوء المقعد ، وأمر العبد بما لا ~~سبيل إليه غير جائز ؟ . قيل : معنى ذلك غير ما ذكرت ، وهو بمعنى الدعاء منه ~~- صلى الله عليه وسلم - على من كذب عليه ، كأنه قال : من كذب على متعمدا ~~بوأه الله مقعده من النار ، ثم أخرج الدعاء عليه مخرج الأمر له به وذلك ~~كثير فى كلام العرب . فإن قيل : ذلك عام فى كل كذب فى أمر الدين ، وغيره أو ~~فى بعض الأمور ؟ . قيل : قد اختلف السلف فى ذلك ، فقال بعضهم : معناه ~~الخصوص ، والمراد : من كذب عليه فى الدين ، فنسب إليه تحريم حلال ، أو ~~تحليل حرام متعمدا . PageV01P183 وقال آخرون : بل كان ذلك منه - صلى الله ~~عليه وسلم - فى رجل بعينه كذب عليه فى حياته ، وادعى عند قوم أنه بعثه ~~إليهم ليحكم فى أموالهم ودمائهم . فأمر - صلى الله عليه وسلم - بقتله إن ~~وجد ، أو بإحراقه إن وجد ميتا . وقال آخرون : ذلك عام فيمن تعمد عليه كذبا ~~فى دين أو دنيا ، واحتجوا بتهيب الزبير ، وأنس كثرة الحديث عن رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - ، وبقول عمر : أقلوا الحديث عن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - وأنا شريككم . وقالوا : لو كان ذلك فى شخص بعينه لم يكن ~~لاتقائهم ما اتقوا من ذلك ، ولا لحذرهم ما حذروا ms0103 من الزلل فى الرواية ~~والخطأ وجه مفهوم ، والصواب فى ذلك أن قوله على العموم فى كل من تعمد عليه ~~كذبا فى دين أو دنيا ، لأنه - صلى الله عليه وسلم - كان ينهى عن معانى ~~الكذب كلها إلا ما رخص فيه من كذب الرجل لامرأته ، وكذلك فى الحرب ، ~~والإصلاح بين الناس ، وإذا كان الكذب لا يصلح فى شىء إلا فى هذه الثلاث ، ~~فالكذب على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أجدر ألا يصلح فى دين ولا ~~دنيا ، إذ الكذب عليه ليس كالكذب على غيره . وأن الدعاء الذى دعا على من ~~كذب عليه لأحق بمن كذب عليه فى كل شىء . وقال الشيخ أبو الحسن بن القابسى : ~~من أجل حديث على ، وحديث الزبير هاب من سمع الحديث أن يحدث الناس بما سمع ، ~~PageV01P184 وهو بين فى اعتذار الزبير من تركه الحديث ، لأنهما لم يذكرا عن ~~الرسول - صلى الله عليه وسلم - : تمت متعمدا - . ولقد دار بين الزهرى ~~وربيعة معاتبة ، فقال ربيعة للزهرى : أنا إنما أخبر الناس برأى إن شاءوا ~~أخذوا ، وإن شاءوا تركوا ، وأنت إنما تخبرهم عن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - ، فانظر ما تخبرهم به . وإنما امتنع الناس فى الرواية ، لما فى حديث ~~أبى هريرة : تمت من كذب على متعمدا - ، وكرهوا الإكثار لقول أنس : إنه ~~ليمنعنى أن أحدثكم حديثا كثيرا . وقد كره الإكثار من الرواية عمر بن الخطاب ~~، وقال : أقلوا الحديث عن رسول الله ، - صلى الله عليه وسلم - ، وأنا ~~شريككم . قال مالك : معناه وأنا أيضا أقل الحديث عن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - . رواه ابن وهب عنه . وإنما كره ذلك لما يخاف على المكثر من ~~دخول الوهم عليه ، فيكون متكلفا فى الإكثار ، فلا يعذر فى الوهم ، ولذلك ~~قال مالك لابنى أخته : إن أردتما أن ينفعكما الله بهذا العلم فأقلا منه ، ~~وتفقها . وقال شعبة لكتبة الحديث : إن هذا الحديث يصدكم عن ذكر الله ، وعن ~~الصلاة ، فهل أنتم منتهون ؟ وإنما يريد شعبة عيب الإكثار ، لما يدخل فى ذلك ~~من اختلاط الأحاديث . وقد سهل مالك فى ms0104 إصلاح الحرف الذى لا يشك فى سقوطه ، ~~مثل الألف والواو يسقط أحدهما من الهجاء ، وأما اللحن فى الحديث فهو شديد . ~~PageV01P185 وقال الشعبى : لا بأس أن يعرب الحديث إذا كان فيه اللحن . وقال ~~أحمد بن حنبل : يجب إعراب اللحن ، لأنهم لم يكونوا يلحنون ، وإنما جاء ~~اللحن بعدهم . وقال ابن القابسى : أخبرنى محمد بن هشام المصرى ، أنه سأل ~~أبا عبد الرحمن النسائى ، عن اللحن فى الحديث ، فقال : إن كان شيئا تقوله ~~العرب ، وإن كان فى غير لغة قريش فلا يغير ، لأن النبى - صلى الله عليه ~~وسلم - كان يكلم الناس بلسانهم ، وإن كان لا يوجد فى كلام العرب ، فرسول ~~الله لا يلحن . واختلفوا فى رواية الحديث على المعنى ، فقال أبو بكر بن ~~الطيب : ذهب كثير من السلف إلى أنه لا تجوز رواية الحديث على المعنى ، بل ~~يجب تأدية لفظه بعينه من غير تقديم ولا تأخير ، ولم يفصلوا بين العالم ~~بمعنى الحديث وغيره . وذهب مالك ، والكوفيون ، والشافعى إلى أنه يجوز ~~للعالم بمواقع الخطاب ، ومعانى الألفاظ ، رواية الحديث على المعنى . وليس ~~بين العلماء خلاف ، أنه لا يجوز ذلك للجاهل . وذهبت طائفة أخرى إلى أن ~~الواجب على المحدث ، أن يروى الحديث على لفظه إذا خاف وقوع لبس فيه متى غير ~~لفظه ، وذلك بأن يكون معناه غامضا محتملا للتأويل ، فأما إن كان معناه ~~ظاهرا معلوما فلا بأس أن يرويه على المعنى . * * * # | 37 - باب كتابة العلم # / 47 - فيه : أبو جحيفة ، قال : قلت لعلى : هل عندكم كتاب ؟ قال : لا ، ~~PageV01P186 إلا كتاب الله ، أو فهم أعطيه رجل مسلم ، أو ما فى هذه الصحيفة ~~، قال : قلت : وما فى هذه الصحيفة ؟ قال : العقل ، وفكاك الأسير ، ولا يقتل ~~مسلم بكافر . / 48 - وفيه : أبو هريرة ، أن خزاعة قتلوا رجلا من بنى ليث ~~عام فتح مكة بقتيل لهم قتلوه ، فأخبر بذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- ، فركب راحلته ، فخطب فقال : تمت إن الله حبس عن مكة الفيل ، أو القتل ، ~~وسلط عليهم رسوله والمؤمنين ، ألا وإنها لم تحل لأحد قبلى ، ولم تحل لأحد ~~بعدى - ، وذكر ms0105 الحديث . فجاء رجل من أهل اليمن ، فقال : اكتب لى يا رسول ~~الله ، فقال : تمت اكتبوا لأبى فلان - . / 49 - وفيه : أبو هريرة ، ما كان ~~من أصحاب النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، أحد أكثر حديثا عنه منى ، إلا ~~ما كان من عبدالله بن عمرو ، فإنه كان يكتب ولا أكتب . / 50 - وفيه : ابن ~~عباس ، قال : لما اشتد بالنبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، وجعه ، قال : تمت ~~ائتونى بكتاب أكتب لكم [ كتابا ] لا تضلوا بعده - ، قال عمر : إن النبى - ~~صلى الله عليه وسلم - غلبه الوجع ، وعندنا كتاب الله حسبنا ، فاختلفوا ، ~~وكثر اللغط ، قال : تمت قوموا عنى ، ولا ينبغى عندى التنازع - ، فقال ابن ~~عباس : إن الرزية كل الرزية ما حال بين رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~وبين كتابه . قال المؤلف : فى آثار هذا الباب إباحة كتابة العلم وتقييده ، ~~ألا ترى أن الرسول أمر بكتابه ؟ فقال : تمت اكتبوا لأبى فلان - ، وقد كتب ~~على الصحيفة التى قرنها بسيفه ، وكتب عبد الله بن عمرو . PageV01P187 وقد ~~كره قوم كتابة العلم ، واعتلوا بأن كتابة العلم سبب لضياع الحفظ . والقول ~~الأول أولى للآثار الثابته بكتابة العلم . ومن الحجة لذلك أيضا ما اتفقوا ~~عليه من كتاب المصحف الذى هو أصل العلم ، فكتبته الصحابة فى الصحف التى جمع ~~منها المصحف ، وكان للنبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، كتاب يكتبون الوحى . ~~وإنما كره كتابه من كرهه ، لأنهم كانوا حفاظا ، وليس كذلك من بعدهم ، فلو ~~لم يكتبوه ما بقى منه شىء لنبو طباعهم عن الحفظ ، ولذلك قال الشعبى : إذا ~~سمعت شيئا فاكتبه ولو فى الحائط . وقال المهلب : فى حديث على من الفقه ما ~~يقطع بدعة المتشيعة المدعين على على أنه الوصى ، وأنه المخصوص بعلم من عند ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يخص به غيره ، لقوله ويمينه : أن ما ~~عنده إلا ما عند الناس من كتاب الله تعالى ، ثم أحل على الفهم الذى الناس ~~فيه على درجاتهم ، ولم يخص نفسه بشىء غير ما هو ممكن فى غيره فصح بهذا وثبت ~~من إقراره على نفسه أنه ms0106 ليس بوصى للنبى - صلى الله عليه وسلم - ، وقد جاء ~~حديث أبى جحفة عند على لفظ العهد ، فقال له : هل عهد إليك رسول الله بشىء ~~لم يعهده إلى الناس ؟ فأجابه بالحديث . وحديث ابن عباس يشهد لهذا المعنى ، ~~لأنه - صلى الله عليه وسلم - رام أن PageV01P188 يعهد فى مرضه بقوله : تمت ~~ائتونى بكتاب أكتب لكم لا تضلوا بعده - فاختلفوا فترك ذلك ، فلو كان عند ~~على عهد منه أو وصية لأحال عليها ، وكشف أمرها . واحتج من قال : إن النبى - ~~صلى الله عليه وسلم - ، دخل مكة عنوة ، بقوله : تمت إن الله حبس عن مكة ~~الفيل وسلط عليهم رسوله والمؤمنين - ، وهو قول الجمهور ، وإنما خالفه فى ~~ذلك الشافعى وحده . وسيأتى ذكر ذلك فى كتاب الحج عند حديث ابن خطل إن شاء ~~الله . وفى قول عمر : حسبنا كتاب الله ، حين قال النبى - صلى الله عليه ~~وسلم - : تمت ائتونى بكتاب أكتب لكم - فيه من فقه عمر وفضله أنه خشى أن ~~يكتب النبى أمورا ربما عجز عنها فاستحق عليها العقوبة ، وإنما قال : حسبنا ~~كتاب الله ، لقوله : { ما فرطنا في الكتاب من شيء } [ الأنعام : 38 ] ، ~~فعلم أن الله تعالى لا يتوفى نبيه حتى يكمل لهم دينهم ، لقوله تعالى : { ~~اليوم أكملت لكم دينكم } [ المائدة : 3 ] ، فقنع عمر بهذا ، وأراد الترفيه ~~عن النبى - صلى الله عليه وسلم - ، لاشتداد مرضه وغلبة الوجع عليه . فعمر ~~أفقه من ابن عباس حين اكتفى بالقرآن الذى أكمل الله فيه الدين ، ولم يكتف ~~بذلك ابن عباس ، وسيأتى هذا المعنى أيضا فى باب النهى على التحريم إلا ما ~~يعرف إباحته ، فى كتاب الاعتصام ، إن شاء الله . وفى قوله : تمت ائتونى ~~بكتاب أكتب لكم - دليل على أن للإمام أن PageV01P189 يوصى عند موته بما ~~يراه نظرا للأمة ، وفى تركه الكتاب إباحة الاجتهاد ، لأنه أوكلهم إلى ~~أنفسهم واجتهادهم . * * * # | 38 - باب العلم والعظة بالليل # / 51 - فيه : أم سلمة ، قالت : استيقظ النبى - صلى الله عليه وسلم - ذات ~~ليلة فقال : تمت سبحان الله ماذا أنزل الليلة من الفتن ؟ وماذا فتح من ~~الخزائن ؟ أيقظوا صواحب الحجر ms0107 ، فرب كاسية في الدنيا عارية في الآخرة - . ~~قال المهلب : فيه دليل أن الفتن تكون فى المال ، وغيره لقوله : تمت ماذ ~~أنزل من الفتن ، وماذا فتح من الخزائن - ، وكذلك قال حذيفة لعمر : فتنة ~~الرجل فى أهله وماله تكفرها الصلاة والصدقة . وقوله : تمت أيقظوا صواحب ~~الحجر - يعنى أزواجه للصلاة والاستعاذة مما نزل ليكونوا أولى من استعاذ من ~~فتن الدنيا . وفيه : أن للرجل أن يوقظ أهله بالليل لذكر الله وللصلاة ، ولا ~~سيما عند آية تحدث ، أو مأثور رؤيا مخوفة ، وقد أمر رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - من رأى رؤيا مخوفة فكرها أن ينفث عن يساره ، ويستعيذ بالله من ~~شرها ، قال تعالى : { وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها } [ طه : 132 ] . ~~وقوله : تمت رب كاسية فى الدنيا عارية فى الآخرة - يحتمل أن تكون ~~PageV01P190 الكاسيات مما لا يسترهن من واصف الثياب ورقيقه ، فهى كاسية ~~عارية ، فربما عوقبت فى الآخرة بالتعرية والفضيحة التى كانت تبتغى فى ~~الدنيا ، ويحتمل أن تكون رب كاسية فى الدنيا لها المال تكتسى به رفيع ~~الثياب وتكون عارية من الحسنات فى الآخرة ، فندبهن إلى الصدقة ، وحضهن على ~~ترك السرف فى الدنيا ، بأن يأخذن منها بأقل الكفاية ويتصدقن بما سوى ذلك . ~~وسيأتى هذا المعنى فى كتاب الصلاة ، فى باب تحريض النبى - صلى الله عليه ~~وسلم - على صلاة الليل ، وفى كتاب الفتنة ، فى باب لا يأتى زمان إلا الذى ~~بعده شر منه بزيادة فيه ، إن شاء الله . * * * # | 39 - باب السمر في العلم # / 52 - فيه : ابن عمر ، صلى الرسول العشاء في آخر حياته ، فلما سلم قام ، ~~فقال : تمت أرأيتكم ليلتكم هذه ، فإن رأس مائة سنة لا يبقى ممن هو على ظهر ~~الأرض أحد - . / 53 - وفيه : ابن عباس ، قال : بت في بيت خالتى ميمونة بنت ~~الحارث زوج النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، وكان - صلى الله عليه وسلم - ~~عندها في ليلتها ، فصلى النبى العشاء ، ثم جاء إلى منزله ، فصلى أربع ركعات ~~، ثم نام ، ثم قام ، ثم قال : نام الغليم - أو كلمة تشبهها - ثم قام ، فقمت ~~عن يساره ، فجعلنى ms0108 عن يمينه ، فصلى خمس ركعات ، ثم صلى ركعتين ، ثم نام حتى ~~سمعت غطيطه ، أو خطيطه ، ثم خرج إلى الصلاة . PageV01P191 فيه : أن السمر ~~بالعلم والخير مباح ، ألا ترى أنه - صلى الله عليه وسلم - أخبرهم بعد ~~العشاء أنه لا يبقى ممن على ظهر الأرض أحد إلى رأس مائة سنة ، وإنما أراد - ~~والله أعلم - أنه هذه المدة تخترم الجيل الذى هم فيه ، فوعظهم بقصر أعمارهم ~~، وأعلمهم أنها ليست تطول أعمارهم كأعمار من تقدم من الأمم ليجتهدوا فى ~~العبادة . وقد سمر السلف الصالح فى مذاكرة العلم . وقد روى شريك ، عن ليث ، ~~عن أبى بردة ، عن أبى موسى الأشعرى ، قال : أتيت عمر أكلمه فى حاجة بعد ~~العشاء ، فقال : هذه الساعة ؟ فقلت : إنه شىء من الفقه ، قال : نعم ، ~~فكلمته ، فذهبت لأقوم فقال : اجلس ، فقلت : الصلاة ، فقال : إنا فى صلاة ، ~~فلم نزل جلوسا حتى طلع الفجر . حدثنا به محمد بن حسان ، قال : حدثنا محمد ~~بن معاوية القرشى ، قال : حدثنا ابن يحيى المروزى ، قال : حدثنا عاصم بن ~~علقمة ، عن شريك . واختلف قول مالك فى هذه المسألة ، فقال مرة : الصلاة أحب ~~إلى من مذاكرة العلم ، وقال فى موضع آخر : إن العناية بالعلم أفضل إذا صحت ~~النية . ويذكر عن سحنون أنه قال : يلتزم أثقلهما عليه . وقال أبو الزناد : ~~السامر فى بيت ميمونة ، كان ابن عباس . وفيه : من فضل ابن عباس ، وحدقه على ~~صغر سنه أنه رصد الرسول - صلى الله عليه وسلم - طول ليلته ، يدل على ذلك ~~قوله فى الحديث : تمت فصلى PageV01P192 أربع ركعات ، ثم نام ، ثم قام ، ثم ~~قال : نام الغليم ؟ - مستفهما لميمونة ، وذكر أنه عاين أفعال النبى - صلى ~~الله عليه وسلم - كلها طول ليلته ، وقد جاء هذا المعنى فى بعض طرق الحديث . ~~ذكر فى كتاب الدعاء ، فى باب الدعاء إذا انتبه من الليل ، عن ابن عباس ، ~~قال : نام النبى - صلى الله عليه وسلم - عند ميمونة ، ثم قام فتوضأ وضوءا ~~بين وضوئين لم يكثر ، وقد أبلغ فصلى فقمت فتمطيت كراهية أن يرى أنى كنت ~~أرصده ، فتوضأت فقمت عن يساره . . . وذكر ms0109 الحديث . وقيل : إن العباس كان ~~أوصاه بمراعاة النبى - صلى الله عليه وسلم - ، ليطلع على عمله بالليل . ~~وإنما يكره السمر إذا كان فى غير طاعة ، وأحبوا أن يجعلوا الصلاة آخر ~~أعمالهم بالليل ، وكرهوا الحديث بعد العتمة ، لأن النوم وفاة ، فأحبوا أن ~~يناموا على خير أعمالهم . وقد كان ابن عمر إذا تكلم أو قضى شيئا من أموره ~~قبل نومه قام فصلى ثم نام ، ولم يفعل بين نومه وصلاته شيئا . وقد ذكر ~~البخارى هذا الحديث فى كتاب الصلاة . و تمت الغطيط - صوت النائم ، قال صاحب ~~العين : غط النائم يغط غطيطا . وقال ابن دريد : غطيط النائم أعلى من النخير ~~، وكذلك المخنوق والمذبوح . وقوله : تمت أو خطيطه - شك من المحدث ، ولم ~~أجدها عند أهل اللغة بالخاء ، والله أعلم . PageV01P193 * * * # | 42 - باب حفظ العلم # / 54 - فيه : أبو هريرة ، قال : إن الناس يقولون : أكثر أبو هريرة ، ~~ولولا آيتان في كتاب الله ما حدثت حديثا ، ثم يتلو : { إن الذين يكتمون ما ~~أنزلنا من البينات والهدى } إلى قوله : { الرحيم } [ البقرة 159 - 160 ] إن ~~إخواننا من المهاجرين كان شغلهم الصفق بالأسواق ، وإن إخواننا من الأنصار ~~كان شغلهم العمل في أموالهم ، وإن أبا هريرة كان يلزم رسول الله لشبع بطنه ~~، ويحضر ما لا يحضرون ، ويحفظ ما لا يحفظون . ( 1 ) / 55 - وفيه : أبو ~~هريرة ، قلت : يا رسول الله ، إني أسمع منك حديثا كثيرا أنساه ، قال : تمت ~~ابسط رداءك - . فبسطته ، قال : فغرف بيديه ، ثم قال : تمت ضمه - . فضممته ~~فما نسيت شيئا بعده . ( 2 ) / 56 - وفيه : أبو هريرة ، قال : حفظت من النبى ~~- صلى الله عليه وسلم - وعاءين ، فأما أحدهما فبثثته ، وأما الآخر فلو ~~بثثته قطع هذا البلعوم . قال أبو الزناد : فيه حفظ العلم والدءوب عليه ، ~~والمواظبة على طلبه ، وهى فضيلة لأبى هريرة ، فضله - صلى الله عليه وسلم - ~~بها بأن قال له : تمت ابسط رداءك ، ثم قال : ضمه - ، فما نسى شيئا بعد . ~~وجاء هذا الحديث فى كتاب البيوع ، وقال فيه : تمت فما نسيت من مقالته تلك ~~من شىء - ، وهذا من بركة النبى - صلى الله عليه وسلم ms0110 - . وفيه : فضل التقلل ~~من الدنيا ، وإيثار طلب العلم على طلب المال . وفيه : أنه جائز للإنسان أن ~~يخبر عن نفسه بفضله إذا اضطر إلى PageV01P194 ذلك ، لاعتذار من شىء ، أو ~~لتبيين ما يلزمه تبيينه إذا لم يقصد بذلك الفخر . وقوله : تمت وأما الآخر ~~لو بثثته قطع هذا البلعوم - ، قال المهلب ، وأبو الزناد : يعنى أنها كانت ~~أحاديث أشراط الساعة ، وما عرف به - صلى الله عليه وسلم - من فساد الدين ، ~~وتغيير الأحوال ، والتضييع لحقوق الله تعالى ، كقوله - صلى الله عليه وسلم ~~- : تمت يكون فساد هذا الدين على يدى أغيلمة سفهاء من قريش - ، وكان أبو ~~هريرة يقول : لو شئت أن أسميهم بأسمائهم ، فخشى على نفسه ، فلم يصرح . ~~وكذلك ينبغى لكل من أمر بمعروف إذا خاف على نفسه فى التصريح أن يعرض . ولو ~~كانت الأحاديث التى لم يحدث بها من الحلال والحرام ما وسعه تركها ، لأنه ~~قال : لولا آيتان فى كتاب الله ما حدثتكم ، ثم يتلو : { إن الذين يكتمون ما ~~أنزلنا من البينات والهدى } [ البقرة : 159 ] . فإن قال قائل : قول أبى ~~هريرة : تمت حفظت من النبى - صلى الله عليه وسلم - وعاءين - ، يعارض قوله : ~~تمت ما كان أحد من أصحاب النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، أكثر حديثا منى ~~إلا ما كان من عبد الله بن عمرو ، فإنه كان يكتب ولا أكتب - ، فقوله : تمت ~~لا أكتب - ، خلاف قوله : تمت حفظت وعاءين - ، لأن الوعاء فى كلام العرب : ~~الظرف الذى يجمع فيه الشىء . قيل : لقوله هذا معنى صحيح لا يخالف بعضه بعضا ~~، وذلك أنه PageV01P195 يجوز أن يريد أبو هريرة أن الذى حفظ من النبى من ~~السنن التى حدث بها وحملت عنه لو كتبت لاحتملت أن يملأ منها وعاء ، وما كتم ~~من أحاديث الفتن لو حدث بها يخشى أن ينقطع منه البلعوم ، يحتمل أن تملأ ~~وعاء آخر ، ولهذا المعنى قال : وعاءين ، ولم يقل : وعاء واحدا ، لاختلاف ~~حكم المحفوظ فى الإعلام به والستر له . وقال ثابت : البلعوم هو الحلقوم ، ~~وهو مجرى النفس إلى الرئة . قال أبو عبيد : هو البلعم والبلعوم . قال ثابت ms0111 ~~: والمرىء مجرى الطعام والشراب إلى المعدة متصل بالحلقوم ، وهو المبتلع ~~والمسترط . * * * # | 41 - باب الإنصات للعلماء # / 57 - فيه : جرير أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، قال له في حجة ~~الوداع : تمت استنصت الناس - ، فقال : تمت لا ترجعوا بعدى كفارا يضرب بعضكم ~~رقاب بعض - . قال أبو الزناد : الإنصات للعلماء ، والتوقير لهم ، لازم ~~للمتعلمين ، لأن العلماء ورثة الأنبياء ، وقد أمر الله عباده المؤمنين ألا ~~يرفعوا أصواتهم فوق صوت النبى - صلى الله عليه وسلم - ، ولا يجهروا له ~~بالقول خوف حبوط أعمالهم ، وكان عبد الرحمن بن مهدى إذا قرأ حديث ~~PageV01P196 الرسول - صلى الله عليه وسلم - أمر الناس بالسكوت ، وقرأ : { ~~لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبى } [ الحجرات : 2 ] ، ويتأول أنه يجب من ~~الإنصات والتوقير عند قراءة حديث الرسول - صلى الله عليه وسلم - مثل ما يجب ~~له - صلى الله عليه وسلم - ، فكذلك يجب توقير العلماء والإنصات لهم ، لأنهم ~~الذين يحيون سنته ، ويقومون بشريعته . وقال شريك : كان الأعمش لا يتجاوز ~~صوته مجلسه إجلالا للعلم . وقال مطرف : كان مالك إذا أراد الحديث عن النبى ~~، - صلى الله عليه وسلم - ، اغتسل وتطيب ولبس ثيابا جددا ، ثم تحدث ، ~~إجلالا لحديثه - صلى الله عليه وسلم - . وروى عبد الرزاق ، عن معمر ، عن ~~قتادة ، قال : كان يستحب أن لا يقرأ أحاديث النبى إلا على وضوء . قال شعبة ~~: كان قتادة لا يحدث عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلا وهو على ~~طهارة . وحكى مالك عن جعفر بن محمد ، مثله . وكان الأعمش إذا أراد أن يحدث ~~، وهو على غير وضوء تيمم . وقال ابن أبى الزناد : ذكر سعيد بن المسيب حديثا ~~عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو مريض ، فقال : أجلسونى ، فإنى ~~أعظم أن أحدث حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأنا مضطجع . وقال ابن ~~أبى أويس : كان مالك إذا جلس للحديث يقول : ليلينى منكم ذووا الأحلام ~~والنهى ، فربما قعد الفعنبى عن يمينه ، وهذا كله من إجلال النبى - صلى الله ~~عليه وسلم - وتوقيره . PageV01P197 * * * # | 42 - باب ما يستحب للعالم إذا سئل أى الناس أعلم أن يكل ms0112 العلم إلى الله ~~تعالى # / 58 - فيه : ابن عباس : عن أبى بن كعب ، قال : قام موسى النبى ، - صلى ~~الله عليه وسلم - ، خطيبا فى بنى إسرائيل ، فسئل أى الناس أعلم ؟ فقال : ~~أنا أعلم ، فعتب الله عليه إذ لم يرد العلم إليه ، فأوحى الله إليه : أن ~~عبدا من عبادى بمجمع البحرين ، هو أعلم منك ، قال : يا رب كيف به ؟ فقيل له ~~: احمل حوتا فى مكتل ، فإذا فقدته فثم هو ، فانطلق وانطلق بفتاه يوشع ابن ~~نون ، وحملا حوتا فى مكتل ، حتى كانا عند الصخرة وضعا رءوسهما ، فناما ، ~~فانسل الحوت من المكتل فاتخذ سبيله فى البحر سربا - . قال المؤلف : روى عن ~~أبى بن كعب أنه قال : أعجب موسى بعلمه فعاقبه الله بما لقى مع الخضر ، وكان ~~ينبغى أن يقول : الله أعلم أى الناس أعلم ، لأنه لم يحط علما بكل عالم فى ~~الدنيا ، وقد قالت الملائكة : لا علم لنا إلا ما علمتنا . وسئل رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - عن الروح وغيره ، فقال : لا أدرى حتى أسأل الله تعالى ~~، وقد قال تعالى : { ولا تقف ما ليس لك به علم } [ الإسراء : 36 ] فيجب على ~~من سئل عما لا يعلم ، أن يقول : لا أعلم . وقد قال مالك : جنة العالم لا ~~أدرى ، فإذا أخطأها أصيبت مقاتله . قال مالك : وكان الصديق يسأل فيقول : لا ~~أدرى ، وأحدهم اليوم PageV01P198 يأنف أن يقول : لا أدرى ، فليس المجترئ ~~لحدود الإسلام كالذى يموج ويلعب . وقال مالك : سمعت ابن هرمز يقول : ينبغى ~~للعالم أن يورث جلساءه من بعده لا أدرى ، حتى يكون أصلا فى أيديهم . وقوله ~~تعالى : { نسيا حوتهما } [ الكهف : 61 ] إنما نسيه يوشع فتى موسى ومتعلمه ، ~~فأضيف النسيان إليهما جميعا ، والدليل على أن فتاه نسيه قوله : { فإنى نسيت ~~الحوت } [ الكهف : 63 ] كما قال تعالى : { يا معشر الجن والإنس ألم يأتكم ~~رسل منكم } [ الأنعام : 130 ] ، وإنما الرسل من الإنس . وقوله : { هل أتبعك ~~على أن تعلمن مما علمت رشدا } [ الكهف : 66 ] لم يسأله موسى عن شىء من دينه ~~، لأن الأنبياء لا تجهل شيئا من دينها الذى تعبدت ms0113 به أمتها ، وإنما سأله ~~عما لم يكن عنده علمه مما ذكر فى السورة . قال المهلب : وقوله : { لقيا ~~غلاما فقتله } [ الكهف : 74 ] روى عن النبى - صلى الله عليه وسلم - أنه قال ~~: تمت كان طبع الغلام كافرا ، ولو أدرك أبويه لأرهقهما طغيانا وكفرا - ، ~~وهو معنى قوله : { فخشينا أن يرهقهما طغيانا وكفرا } [ الكهف : 80 ] فدل ~~أنه لو بلغ لكان كذلك . فإن قيل : فقد روى البخارى عن ابن عباس أنه كان ~~يقرأ : وكان أبواه مؤمنين ، وكان كافرا فأوجب الله له الكفر فى الحال . ~~فالجواب : أنه إنما سماه كافرا لما يئول إليه أمره لو عاش ، وهذا ~~PageV01P199 جائز فى اللغة أن يسمى الشىء بما يئول إليه ، قال تعالى : { ~~إنى أرانى أعصر خمرا } [ يوسف : 36 ] ، وإنما يعصر العنب لا الخمر . ووجه ~~استباحة القتل لا يعلمه إلا الله تعالى ولله أن يميت من شاء من خلقه قبل ~~البلوغ وبعده ، ولا فرق بين قتله وموته ، كل ذلك لا اعتراض عليه فيه ، لا ~~يسأل عما يفعل . قال المؤلف : وفى قصة الخضر أصل عظيم من أصول الدين ، وذلك ~~أن ما تعبد الله به خلقه من شريعته ودينه ، يجب أن يكون حجة على العقول ، ~~ولا تكون العقول حجة عليه ، ألا ترى أن إنكار موسى على الخضر خرق السفينة ، ~~وقتل الغلام ، كان صوابا فى الظاهر ، وكان موسى غير ملوم فى ذلك ، فلما بين ~~الخضر وجه ذلك ومعناه ، صار الصواب الذى ظهر لموسى من إنكاره خطأ ، وصار ~~الخطأ الذى ظهر لموسى من فعل الخضر صوابا ، وهذا حجة قاطعة فى أنه يجب ~~التسليم لله فى دينه ، ولرسوله فى سنته ، وبيانه لكتاب ربه ، واتهام العقول ~~إذا قصرت عن إدراك وجه الحكمة فى شىء من ذلك ، فإن ذلك محنة من الله لعباده ~~، واختبار لهم ليتم البلوى عليهم . ولمخالفة هذا ضل أهل البدع حين حكموا ~~عقولهم وردوا إليها ما جهلوه من معانى القدر وشبهه ، وهذا خطأ منهم ، لأن ~~عقول العباد لها نهاية ، وعلم الله لا نهاية له ، قال الله عز وجل : { ولا ~~يحيطون بشىء من علمه إلا بما ms0114 شاء } [ البقرة : 255 ] ، فما أخفاه عنهم فهو ~~سر الله الذى استأثر به ، فلا يحل تعاطيه ، ولا يكلف طلبه ، فإن المصلحة ~~للعباد فى إخفائه منهم ، والحكمة فى طيه عنهم إلى يوم تبلى السرائر ، والله ~~هو PageV01P200 الحكيم العليم ، قال تعالى : { ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت ~~السماوات والأرض ومن فيهن } [ المؤمنون : 71 ] . وقوله : { وما فعلته عن ~~أمرى } [ الكهف : 82 ] يدل أنه فعله بوحى من الله بذلك إليه ، ويشهد لهذا ~~وجوه من نفس القصة ، منها : أنه لا يجوز لأحد أن يقتل نفسا لما يتوقع وقوعه ~~منها بعد حين مما يوجب عليها القتل ، لأن الحدود لا تجب إلا بعد وقوعها . ~~وأيضا فإنه لا يقطع على فعل أحد قبل بلوغه ، ولا يعلمه إلا الله ، لأن ذلك ~~إخبار عن الغيب . وكذلك الإخبار عن أخذ الملك السفينة غصبا ، والإخبار أيضا ~~عن بنيانه الجدار من أجل الكنز الذى تحته ليكون سببا إلى استخراج الغلامين ~~له إذا احتاجا إليه مراعاة لصلاح أبيهما ، وهذا كله لا يدرك إلا بوحى من ~~الله تعالى . وفى هذا الحديث : أن الخضر أقام الجدار بيده ، وفى كتاب ~~الأنبياء ، قال سفيان : فأومأ بيده ، وهذه آية عظيمة لا يقدر الناس على ~~مثلها ، وهى تشبه آية الأنبياء . وهذا كله حجة لمن قال بنبوة الخضر . وذكر ~~الطبرى عن ابن عباس ، قال : فكان قول موسى فى الجدار لنفسه ، ولطلب شىء من ~~الدنيا ، وكان قوله فى السفينة والغلام لله . قال المهلب : وهو حجة لمن قال ~~بنبوة الخضر . PageV01P201 وفى هذا الحديث من الفقه استخدام الصاحب لصاحبه ~~ومتعلمه إذا كان أصغر منه . وفيه : أن العالم قد يكرم ، بأن تقضى له حاجة ، ~~أو يوهب له شىء ، ويجوز له قبول ذلك ، لأن الخضر حمل بغير أجر وهذا إذا لم ~~يتعرض لذلك . وفيه : أنه يجوز للعالم ، والرجل الصالح أن يعيب شيئا لغيره ~~إذا علم أن لصاحبه فى ذلك مصلحة . وأما قول أبى بن كعب لنوف : تمت كذب عدو ~~الله - فإنما خرج ذلك على طريق الغضب ، والإبلاغ فى التقريع ، لأنه أراد ~~بذلك خروجه عن ولاية الله وعن الدين ms0115 ، وألفاظ الغضب يؤتى بها على غير طريق ~~الحقيقة فى الأكثر ، وكان نوف قاضيا . وذكر سعيد بن جبير : أن نوفا ابن أخى ~~كعب الأحبار . وقوله : بغير نول ، يرد بغير جعل ، والنول والنال ، والنالة ~~، كله الجعل ، فأما النيل والنوال فإنهما العطية ابتداء ، يقال : رجل نال ~~إذا كان كثير النول ، ورجلان نالان ، وقوم أنوال ، كما قالوا : رجل مال : ~~أى كثير المال ، وكبش صاف : كثير الصوف ، ويقال : نلت الرجل أنوله نولا ، ~~ونلت الشىء أناله نيلا ، عن الخطابى . وقال صاحب تمت العين - : أنلته ~~المعروف ونلته ونولته ، والاسم : النوال ، والنيل ، ويقال : نال ينال منالا ~~، وناله ، والنولة اسم للقبلة . PageV01P202 * * * # | 43 - باب من سأل وهو قائم عالما جالسا # / 59 - فيه : أبو موسى ، جاء رجل إلى النبى - صلى الله عليه وسلم - ، ~~فقال : يا رسول الله ، ما القتال فى سبيل الله ؟ ، فإن أحدنا يقاتل غضبا ، ~~ويقاتل حمية ، فرفع إليه رأسه ، قال : وما رفع إليه رأسه إلا أنه كان قائما ~~، قال : تمت من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا ، فهو في سبيل الله - . فيه ~~: جواز سؤال العالم وهو واقف ، كما ترجم ، لعذر ، أو لشغل ، ولا يكون ذلك ~~تركا لتوقير العالم ، ألا ترى أنه - صلى الله عليه وسلم - لم ينكر ذلك عليه ~~، ولا أمره بالجلوس . وجواب النبى - صلى الله عليه وسلم - ، بغير لفظ سؤاله ~~، والله أعلم ، من أجل أن الغضب والحمية قد يكونان لله عز وجل ، ولعرض ~~الدنيا ، وهو كلام مشترك ، فجاوبه النبى - صلى الله عليه وسلم - بالمعنى لا ~~بلفظ الذى سأله به السائل ، إرادة إفهامه وخشية التباس الجواب عليه لو قسم ~~له وجوه الغضب والحمية ، وهذا من جوامع الكلم الذى أوتيه - صلى الله عليه ~~وسلم - . * * * # | 44 - باب السؤال والفتوى عند رمى جمار العقبة # / 60 - فيه : عبد الله بن عمرو رأيت رسول الله عند الجمرة وهو يسأل ، ~~فقال رجل : يا رسول الله ، نحرت قبل أن أرمى ، قال : تمت ارم ولا حرج - ، ~~قال آخر : يا رسول الله ، حلقت قبل أن أنحر ، قال : تمت انحر ولا حرج - ، ~~فما سئل عن شيء قدم ولا أخر ms0116 إلا قال : تمت افعل ولا حرج - . PageV01P203 ~~ومعنى هذا الباب أنه يجوز أن يسأل العالم عن العلم ويجيب وهو مشتغل فى طاعة ~~الله ، لأنه لا يترك الطاعة التى هو فيها إلا إلى طاعة أخرى . * * * # | 45 - باب قول الله : { وما أوتيتم من العلم إلا قليلا } [ الإسراء 85 ] # / 61 - فيه : عبد الله قال : بينا أنا أمشي مع النبى - صلى الله عليه ~~وسلم - ، في خرب المدينة ، وهو يتوكأ على عسيب معه ، فمر بنفر من اليهود ، ~~فقال بعضهم لبعض : سلوه عن الروح ، وقال بعضهم : لا تسألوه ، لا يجيء فيه ~~بشيء تكرهونه ، فقال بعضهم : لنسألنه ، فقام رجل منهم ، فقال : يا أبا ~~القاسم ، ما الروح ؟ فسكت ، فقلت : إنه يوحى إليه ، فقمت ، فلما انجلى عنه ~~، قال : تمت { ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم ~~إلا قليلا } - [ الأسراء : 85 ] قال الأعمش : هكذا في قراءتنا . قال المهلب ~~: هذا يدل على أن من العلم أشياء لم يطلع الله عليها نبيا ، ولا غيره ، ~~أراد الله تعالى أن يختبر بها خلقه فيوقفهم على العجز عن علم ما لا يدركون ~~حتى يضطرهم إلى رد العلم إليه ، ألا تسمع قوله تعالى : { ولا يحيطون بشيء ~~من علمه إلا بما شاء } [ البقرة : 255 ] ، فعلم الروح مما لم يشأ تعالى أن ~~يطلع عليه أحد من خلقه . PageV01P204 * * * # | 46 - باب من ترك بعض الاختيار مخافة أن يقصر فهم بعض الناس فيقع فى أشد ~~منه # / 62 - فيه : عائشة ، قال - صلى الله عليه وسلم - : تمت لولا قومك حديث ~~عهدهم بكفر لنقضت الكعبة فجعلت لها بابين : باب يدخل الناس منه ، وباب ~~يخرجون - ففعله ابن الزبير . قال المهلب : فيه أنه قد يترك شيئا من الأمر ~~بالمعروف إذا خشى منه أن يكون سببا لفتنة قوم ينكرونه ويسرعون إلى خلافه ~~واستبشاعه . وفيه : أن النفوس تحب أن تساس بما تأنس إليه فى دين الله من ~~غير الفرائض ، بأن يترك ويرفع عن الناس ما ينكرون منها . قال أبو الزناد : ~~إنما خشى أن تنكره قلوب الناس لقرب عهدهم بالكفر ، ويظنون أنما يفعل ذلك ~~لينفرد ms0117 بالفخر دونهم . وقد روى أن قريشا حين بنت البيت فى الجاهلية تنازعت ~~فى من يجعل الحجر الأسود فى موضعه ، فحكموا أول رجل يطلع عليهم ، فطلع ~~النبى - صلى الله عليه وسلم - فرأى أن يجعل الحجر فى ثوب ، وأمر كل قبيلة ~~تأخذ بطرف الثوب ، فرضوا بذلك ، ولم يروا أن ينفرد بذلك واحد منهم خشية أن ~~ينفرد بالفخر . فلما ارتفعت الشبهة فعل ابن الزبير فيه ما فعل ، فجاء ~~الحجاج فرده كما كان ، فتركه من بعده خشية أن يتلاعب الناس بالبيت ، ويكثر ~~هدمه وبنيانه . PageV01P205 وقد استدل أبو محمد الأصيلى من هذا الحديث فى ~~مسألة من النكاح ، وذلك أن جارية يتيمة غنية كان لها ابن عم ، وكان فيه ميل ~~إلى الصبا فخطب ابنة عمه وخطبها رجل غنى ، فمال إليه الوصى وكانت اليتيمة ~~تحب ابن عمها ويحبها ، فأبى وصيها أن يزوجها منه ورفع ذلك إلى القاضى وشاور ~~فقهاء وقته فكلهم أفتى أن لا تزوج من ابن عمها ، وأفتى الأصيلى أن تزوج منه ~~، خشية أن يقعا فى المكروه ، استدلالا بهذا الحديث ، فزوجت منه . * * * # | 47 - باب من خص بالعلم قوما دون قوم كراهة ألا يفهموا # / 63 - وقال على : حدثوا الناس بما يعرفون ، أتحبون أن يكذب الله ورسوله ~~. / 64 - فيه : أنس ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - - قال لمعاذ - وهو ~~رديفه على الرحل ، فقال : تمت يا معاذ - ، قال : لبيك يا رسول الله وسعديك ~~، ثلاثا ، قال : تمت ما من أحد يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول ~~الله صادقا من قلبه إلا حرمه الله على النار - ، قال : يا رسول الله ، أفلا ~~أخبر به الناس فيستبشرون ؟ قال : تمت إذا يتكلوا - . وأخبر بها معاذ عند ~~موته تأثما . PageV01P206 ( 1 ) / 65 - وفيه : أنس ، قال : ذكر لي أن النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - ، قال لمعاذ : تمت من لقي الله لا يشرك به شيئا ، ~~دخل الجنة - ، قال : ألا أبشر الناس ؟ قال تمت لا ، إني أخاف أن يتكلوا - . ~~قال المهلب : فيه أنه يجب أن يخص بالعلم قوم لما فيهم من الضبط وصحة الفهم ~~، ولا يبذل ms0118 المعنى اللطيف لمن لا يستأهله من الطلبة ومن يخاف عليه الترخص ~~والاتكال لقصير فهمه ، كما فعل - صلى الله عليه وسلم - ، وقد قال مالك بن ~~أنس : تمت من إذالة العالم أن يجيب كل من سأله - ، وإنما أراد ألا يوضع ~~العلم إلا عند من يستحقه ويفهمه . وفيه : أن من علم علما - والناس على غيره ~~من أخذ بشدة ، أو ميل إلى رخصة - كان عليه أن يودعه مستأهله ومن يظن أنه ~~يضبطه كما فعل معاذ حين حدث به بعد أن نهاه النبى - صلى الله عليه وسلم - ~~عن أن يخبر به خوف الاتكال ، فأخبر به عند موته خشية أن يدركه الإثم فى ~~كتمانه . ومعنى قوله : تمت حرمه الله على النار - أى حرمه الله على الخلود ~~فى النار ، لثبوت قوله : تمت أخرجوا من النار من فى قلبه مثقال حبة خردل من ~~إيمان - ، ولإجماعهم أنه لا تسقط عنه مظالم العباد ، هذا تأويل أهل السنة ، ~~والحديث عندهم على الخصوص ، وهو خلاف مذهب الخوارج الذين يقولون بتخليد ~~المؤمنين بذنوبهم فى النار . وأما قوله - صلى الله عليه وسلم - : تمت من ~~لقى الله لا يشرك به شيئا دخل الجنة - PageV01P207 تمت ومن قال : لا إله ~~إلا الله دخل الجنة - فروى عن السلف فى تأويله ما ذكر الطبرى ، قال : حدثنا ~~محمد بن على بن الحسن ابن شقيق ، قال : سمعت أبى يقول : أخبرنا أبو حمزة ، ~~عن الحسين بن عمران ، عن الزهرى ، أنه سئل عن الحديث تمت من قال لا إله إلا ~~الله دخل الجنة - قال : حدثنى سعيد بن المسيب ، وسليمان بن يسار ، وعروة بن ~~الزبير ، أن ذلك كان قبل نزول الفرائض . وذكر أبو عبيد ، عن ابن أبى خيثمة ~~، قال : حدثنا أبى ، قال : حدثنا جرير بن عبد الحميد ، عن عطاء بن السائب ، ~~قال : سأل هشام بن عبد الملك ، الزهرى ، فقال : حدثنا بحديث النبى ، - صلى ~~الله عليه وسلم - : تمت من مات لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة ، وإن زنى وإن ~~سرق - ، فقال الزهرى : أين يذهب بك يا أمير المؤمنين ؟ كان هذا قبل الأمر ~~والنهى . وذكر الطبرى ms0119 ، حدثنا ابن حميد ، حدثنا حماد بن سلمة ، عن الحسن بن ~~عميرة ، قال : قيل للحسن : من قال : تمت لا إله إلا الله دخل الجنة ؟ - ~~فقال : من قال : لا إله إلا الله فأدى حقها وفريضتها دخل الجنة . وذكر أبو ~~عبيد ، عن عطاء بن أبى رباح أنه قيل له : إن فى المسجد عمر بن ذر ، ومسلم ~~النحات ، وسالم الأفطس يقولون : من زنى ، وسرق ، وقذف المحصنات ، وأكل ~~الربا ، وعمل بالمعاصى أنه مؤمن كإيمان البر التقى الذى لم يعص الله ، فقال ~~عطاء : أبلغهم ما حدثنى به أبو هريرة : أن النبى - صلى الله عليه وسلم - ، ~~قال : تمت لا يقتل المؤمن حين يقتل وهو مؤمن ، ولا يزنى الزانى حين يزنى ~~وهو مؤمن ، ولا يسرق حين يسرق وهو مؤمن ، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو ~~PageV01P208 مؤمن - فذكرت ذلك لسالم الأفطس وأصحابه ، فقالوا : أين حديث ~~أبى الدرداء تمت وإن زنى وإن سرق - فذكرت ذلك لعطاء ، فقال : كان هذا ثم ~~نزلت الحدود والأحكام بعد ، وقد قال - صلى الله عليه وسلم - : تمت لا إيمان ~~لمن لا أمانة له - و تمت لايفتك مؤمن . . . - . وذكر البخارى حديث أبى ~~الدرداء ، وحديث أبى ذر فى كتاب الاستئذان ، فى باب من أجاب بلبيك وسعديك ، ~~وذكر حديث أبى ذر أيضا فى كتاب اللباس ، فى باب الثياب البيض . قال أبو ذر ~~: قال - صلى الله عليه وسلم - : تمت ما من عبد قال : لا إله إلا الله ثم ~~مات على ذلك إلا دخل الجنة - قلت : وإن زنى وإن سرق ؟ قال : تمت وإن زنى ~~وإن سرق ، ثلاث مرات ، وإن رغم أنف أبى ذر - ، وفسره البخارى قال : هذا عند ~~الموت أو قبله إذا تاب وندم ، وقال : لا إله إلا الله غفر له . وقول ~~البخارى : تمت إذا تاب - يعنى إذا تحلل من مظالم العباد ، وتاب من ذنوبه ~~التى بينه وبين الله تعالى . والتأثم : إلغاء الإثم عن نفسه ، وقد تقدم فى ~~كتاب بدء الوحى ، وسيأتى ما للعلماء فى معنى قوله - صلى الله عليه وسلم - : ~~تمت لا يزنى الزانى وهو مؤمن - فى أول كتاب الحدود ms0120 ، إن شاء الله . ~~PageV01P209 * * * # | 48 - باب الحياء فى العلم # وقال مجاهد : لا يتعلم العلم مستحى ولا مستكبر . وقالت عائشة : نعم ~~النساء نساء الأنصار ، لم يمنعهن الحياء أن يتفقهن فى الدين . / 66 - فيه : ~~أم سلمة ، جاءت أم سليم إلى رسول الله فقالت : يا رسول الله ، إن الله لا ~~يستحيى من الحق ، فهل على المرأة من غسل إذا احتلمت ؟ قال النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - : تمت إذا رأت الماء - ، فغطت أم سلمة وجهها ، وقالت : يا رسول ~~الله ، أوتحتلم المرأة ؟ قال : تمت نعم ، تربت يمينك فبم يشبهها ولدها ؟ - ~~. / 67 - وفيه : ابن عمر ، أن رسول الله قال : تمت من الشجر شجرة لا يسقط ~~ورقها هى مثل المسلم حدثونى ما هي ؟ - فوقع الناس في شجر البادية ، ووقع في ~~نفسى أنها النخلة ، قال عبد الله : فحدثت أبى بما وقع في نفسى ، فقال : لأن ~~تكون قلتها أحب إلي من أن يكون لى كذا وكذا - . قال المؤلف : إنما أراد ~~البخارى بهذا الباب ليبين أن الحياء المانع من طلب العلم مذموم ، ولذلك بدأ ~~بقول مجاهد وعائشة ، وأما إذا كان الحياء على جهة التوقير والإجلال فهو حسن ~~كما فعلت أم سلمة حين غطت وجهها ، وقولها : إن الله لا يستحيى من الحق ، ~~فإن الاستحياء من الله غير الاستحياء من المخلوقين ، وهو من الله تعالى ~~الترك ، وكذا قال أهل التفسير فى قوله تعالى : { إن الله لا يستحيى أن يضرب ~~مثلا ما بعوضة } [ البقرة : 26 ] ، بمعنى لا يترك أن يضرب مثلا ، وإنما ~~قالوا ذلك ، PageV01P210 لأن الحياء هو الانقباض بتغيير الأحوال ، وحدوث ~~الحوادث فيمن يتغير به ، لا يجوز على الله . وقولها : تمت لا يستحيى من ~~الحق - يقتضى أن الحياء لا يمنع من طلب الحقائق . وفيه : أن المرأة تحتلم ، ~~غير أن ذلك نادر فى النساء ، ولذلك أنكرته أم سلمة . وقوله : تمت تربت ~~يمينك - هى كلمة تقولها العرب ولا تريد وقوع الفقر فيمن تخاطبه بها إذا لم ~~يكن أهلا لذلك ، كما يقول : قاتله الله ما أسعده ، وهو لا يريد قتله الله ، ~~وسيأتى تفسيرها لأهل اللغة فى كتاب ms0121 الأدب إن شاء الله . وقوله : تمت فبم ~~يشبهها ولدها - يعنى إذا غلب ماء المرأة ماء الرجل أشبهها الولد ، وكذلك ~~إذا غلب ماء الرجل أشبهه الولد ، ومن كان منه إنزال الماء عند الجماع أمكن ~~منه إنزال الماء عند الاحتلام . قال المهلب : فى تمنى عمر ، رضى الله عنه ، ~~أن يجاوب ابنه النبى - صلى الله عليه وسلم - ، بما وقع فى نفسه فيه من ~~الفقه أن الرجل مباح له الحرص على ظهور ابنه فى العلم على الشيوخ ، وسروره ~~بذلك . وقيل : إنما تمنى له عمر ذلك رجاء أن يسر النبى بإصابته ، فيدعو له ~~، فينفعه الله بدعائه . وقد كان عمر بن الخطاب يسأل ابن عباس ، وهو صغير مع ~~شيوخ الصحابة . وذكر ابن سلام أن الحطيئة أتى مجلس عمر بن الخطاب فنظر إلى ~~ابن عباس قد قرع الناس بلسانه ، فقال : من هذا الذى نزل عن القوم فى سنه ~~ومدته وتقدمهم فى قوله وعلمه . PageV01P211 وقالت العلماء : العالم كبير ~~وإن كان حدثا ، والجاهل صغير وإن كان شيخا . وفيه : أن الابن الموفق العالم ~~أفضل مكاسب الدنيا ، لقوله : تمت لأن كنت قلتها أحب إلى من كذا وكذا - . ~~وفى سماع أشهب ، عن مالك أنه سئل عن المصلى لله يقع فى نفسه أنه يجب أن ~~يعلم ، ويجب أن يلقى فى طريق المسجد ، ويكره أن يلقى فى طريق غيره ، فقال : ~~إذا كان أول فعله لله فلا أرى بذلك بأسا ، وإن المرء ليحب أن يكون صالحا ، ~~وإن هذا ليكون من الشيطان مصدق فيقول : إنك لتحب أن يعلم ليمنعه ذلك ، وهذا ~~أمر يكون فى القلب لا يملك ، فإذا كان أصله لله لم أر بذلك بأسا ، قد قال - ~~صلى الله عليه وسلم - : تمت ما شجرة لا يسقط ورقها - فقال ابن عمر : فوقع ~~فى نفسى أنها النخلة ، فقال عمر : لأن تكون قلتها أحب إلى من كذا وكذا ، ~~وقال تعالى : { وألقيت عليك محبة منى } [ طه : 39 ] ، وقال : { واجعل لي ~~لسان صدق في الآخرين } [ الشعراء : 84 ] . * * * # | 49 - باب من استحيا فأمر غيره بالسؤال # / 68 - فيه : على ، كنت رجلا مذاء ، فأمرت ms0122 المقداد يسأل رسول الله ، فقال ~~: تمت فيه الوضوء - . إنما استحيا على أن يسأل رسول الله لمكان ابنته ، ~~وهذا الحياء محمود ، لأنه لا يمتنع به من تعلم ما جهل وبعث من يقوم مقامه ~~فى ذلك ، ففيه : الحياء من الأصهار فى ذكر أمور الجماع وشبهه . PageV01P212 ~~وفيه : قبول خبر الواحد . * * * # | 50 - باب من أجاب السائل بأكثر مما سأله # / 69 - فيه : ابن عمر ، أن رجلا سأل النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، ما ~~يلبس المحرم ؟ فقال : تمت لا يلبس القميص ، ولا العمامة ، ولا السراويل ، ~~ولا البرنس ، ولا ثوبا مسه زعفران أو الورس ، فإن لم يجد النعلين ، فليلبس ~~الخفين ، وليقطعهما ، حتى يكونا تحت الكعبين - . قال المهلب : فيه من الفقه ~~أنه يجوز للعالم إذا سئل عن الشىء أن يجيب بخلافه ، إذا كان فى جوابه بيان ~~ما سئل عنه وتحديده ، ألا ترى أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - سئل عما ~~يلبس المحرم ، فأجاب بما لا يلبس ؟ إذ معلوم أن ما سوى ذلك مباح للمحرم ، ~~فأما الزيادة على سؤال السائل فقوله - صلى الله عليه وسلم - : تمت فإن لم ~~يجد نعلين فليلبس الخفين ، وليقطعهما أسفل من الكعبين - فهذه زيادة وإنما ~~زاده لعلمه بمشقة السفر وقلة وجود ما يحتاج إليه من الثياب فيه ، ولما يلحق ~~الناس من الحفى بالمشى ، رحمة لهم وتنبيها على منافعهم ، وكذلك يجب للعالم ~~أن ينبه الناس فى المسائل على ما ينتفعون به ، ويتسعون فيه ، ما لم يكن ~~ذريعة إلى ترخيص شىء من حدود الله . ونهيه له عن الورس والزعفران ، قطع ~~للذريعة إلى الطيب للمحرم لما فيهما من دواعى النساء ، وتحريك اللذة والله ~~الموفق . آخر كتاب العلم PageV01P213 * * * بسم الله الرحمن الرحيم # | 4 - كتاب الوضوء # # | 1 - باب ما جاء في الوضوء # وقول الله : { إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق ~~وامسحوا برءوسكم وأرجلكم إلى الكعبين } [ المائدة : 6 ] . قال أبو عبد الله ~~: وبين الرسول - صلى الله عليه وسلم - أن فرض الوضوء مرة مرة ، وتوضأ أيضا ~~مرتين مرتين ، وثلاثا وثلاثا ، ولم يزد على ثلاث ، وكره أهل العلم الإسراف ~~فيه ms0123 ، وأن يجاوزوا فعل النبى - صلى الله عليه وسلم - . قال المؤلف : قال ~~الطحاوى وغيره : اختلف أهل العلم فى القيام المذكور فى هذه الآية ، فقال ~~بعضهم : كل قائم إلى صلاة مكتوبة فقد وجب عليه الوضوء قبل قيامه إليها ، ~~قالوا : وهذا كقوله تعالى : { فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان ~~الرجيم } [ النحل : 98 ] ، أى إذا أردت أن تقرأ القرآن فاستعذ بالله . ~~ورووا ذلك عن على بن أبى طالب منقطعا . وروى شعبة ، عن مسعود بن على ، أن ~~على بن أبى طالب ، كان يتوضأ لكل صلاة ويتلو : { إذا قمتم إلى الصلاة ~~فاغسلوا } [ المائدة : 6 ] الآية . وممن كان يتوضأ لكل صلاة وإن كان طاهرا ~~: ابن عمر ، وعبيد بن عمير ، وعكرمة ، وابن سيرين . PageV01P214 وقال جمهور ~~أهل العلم : ليس على من أراد القيام إلى صلاة مكتوبة أن يتوضأ ، إلا أن ~~يكون محدثا فيتوضأ لحدثه ، لأنه إذا كان متوضئا للصلاة فلا معنى لتوضئه ~~وضوءا لا يخرجه من حدث إلى طهارة . وممن روى عنه الجمع بين صلوات بوضوء ~~واحد : سعد بن أبى وقاص ، وأبو موسى الأشعرى ، وأنس بن مالك ، وابن عباس . ~~إلا أن بعض قائلى هذه المقالة قالوا : إن الوضوء لكل صلاة نسخ بما رواه ~~الثورى عن علقمة بن مرثد ، عن سليمان بن بريدة ، عن أبيه ، قال : صلى رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - يوم فتح مكة خمس صلوات بوضوء واحد ، فقال له ~~عمر : ما هذا يا رسول الله ؟ فقال : تمت عمدا صنعته يا عمر - . وبما روى ~~ابن وهب ، عن ابن جريج ، عن محمد بن المنكدر ، عن جابر بن عبد الله ، أن ~~امرأة من الأنصار دعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى شاة مصلية ، ~~ومعه أصحابه ، فصلى الظهر والعصر بوضوء واحد . وقال أكثر أهل هذه المقالة : ~~إن جمع الرسول - صلى الله عليه وسلم - الصلوات بوضوء واحد يوم الفتح ، وعند ~~المرأة التى دعته للشاة المصلية ، لم يكن ناسخا لما تقدم من وضوئه - صلى ~~الله عليه وسلم - لكل صلاة ، وإنما بين بفعله يوم الفتح أن وضوءه لكل صلاة ~~كان من باب ms0124 الفضل والازدياد فى الأجر ، فمن اقتدى به فى ذلك فله فيه الأسوة ~~الحسنة . PageV01P215 قالوا : ومما يدل على صحة ذلك ما رواه ابن وهب ، عن ~~عبد الرحمن بن زياد ، عن أبى عطية الهذلى ، قال : صليت مع ابن عمر الظهر ~~والعصر والمغرب ، فتوضأ لكل صلاة ، فقلت له : ما هذا ؟ فقال : ليست بسنة ~~ولكنى سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : تمت من توضأ على طهر ~~كتب له عشر حسنات - . فبان بما ثبت عنه - صلى الله عليه وسلم - من سنته أن ~~الوضوء لا يجب إلى القيام للصلوات إلا عن الأحداث الموجبة للطهارة ، وهذا ~~قول مالك ، والثورى ، وأبى حنيفة ، وأصحابه ، والأوزاعى ، والشافعى ، وعامة ~~فقهاء الأمصار ، ومن بعدهم إلى وقتنا هذا . وقوله : تمت وبين رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - أن فرض الوضوء مرة مرة - ، وذلك أنه صلى به فعلم أنه ~~الفرض ، إذ لا ينقص - صلى الله عليه وسلم - من فرضه ، وهو المبين عن الله ~~لأمته دينهم . ووضوءه - صلى الله عليه وسلم - مرتين وثلاثا هو من باب الرفق ~~بأمته والتوسعة عليهم ليكون لمن قصر فى المرة الواحدة عن عموم غسل أعضاء ~~الوضوء أن يستدرك ذلك فى المرة الثانية والثالثة ، ومن أكمل أعضاءه فى ~~المرة الواحدة فهو مخير فى الاقتصار عليها أو الزيادة على المرة الواحدة . ~~وكان تنويع وضوئه - صلى الله عليه وسلم - من باب التخيير ، كما ورد التخيير ~~فى كفارات الأيمان بالله ، وعقوبة المحاربين . وقال أبو الحسن بن القصار : ~~نسق الأعضاء فى الآية بالواو بعضها على بعض دليل أن الرتبة غير واجبة فى ~~الوضوء ، لأن حقيقة الواو فى لسان العرب الجمع والاشتراك دون التعقيب ، ~~والتقديم ، والتأخير ، هذا قول سيبويه . PageV01P216 واختلف العلماء فى ذلك ~~. فروى عن على ، وابن مسعود ، وابن عباس ، أنهم قالوا : لا بأس أن تبدأ ~~برجليك قبل يديك فى الوضوء ، وهذا قول عطاء ، وسعيد بن المسيب ، والنخعى ، ~~وإليه ذهب مالك ، والليث ، والثورى ، وسائر الكوفيين ، والأوزاعى ، والمزنى ~~. وقال الشافعى ، وأحمد وإسحاق ، وأبو ثور : لا يجزئه الوضوء غير مرتب حتى ~~يغسل كلا فى موضعه ، واحتجوا ms0125 بأن الواو قد تكون للترتيب كقوله تعالى : { ~~اركعوا واسجدوا } [ الحج : 77 ] ، وقوله : { إن الصفا والمروة من شعآئر ~~الله } [ البقرة : 58 ] ، وقوله - صلى الله عليه وسلم - : تمت نبدأ بما بدأ ~~الله به - . فأجابهم أهل المقالة الأولى فقالوا : إنا لا ننكر إذا صحب ~~الواو بيان يدل على التقدمة أنها تصير إليه بدلالته ، وإلا فالظاهر أن ~~موضعها للجمع ، ولو كانت الواو توجب رتبة لما احتاج - صلى الله عليه وسلم - ~~إلى تبيين الابتداء بالصفا ، وإنما بين ذلك إعلاما لمراد الله من الواو فى ~~ذلك الموضع ، وليس وضوءه - صلى الله عليه وسلم - على نسق الآية أبدا بيانا ~~لمراد الله من آية الوضوء كبيانه لركعات الصلوات ، لأن آية الوضوء بينة ~~مستغنية عن البيان ، والصلوات مختلفة مفتقرة إليه ، ومما جاء فى القرآن مما ~~لا توجب الواو فيه النسق قوله تعالى : { وأتموا الحج والعمرة لله } [ ~~البقرة : 196 ] ، فبدأ بالحج قبل العمرة ، وجائز عند الجميع أن يعتمر الرجل ~~قبل الحج ، وكذلك قوله : { وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة } [ البقرة : 110 ] ~~جائز لمن وجب عليه إخراج زكاة فى حين صلاة أن يبدأ بالزكاة ، ثم يصلى ~~الصلاة فى وقتها عند الجميع ، وكذلك قوله PageV01P217 فى قتل الخطأ : { ~~فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله } [ النساء : 92 ] لا يختلف العلماء ~~أن من وجب عليه إعطاء الدية ، وتحرير الرقبة أن يعطى الدية قبل تحرير ~~الرقبة ، ومثله كثير فى القرآن وكلام العرب ، لو قال : أعط زيدا وعمرا ~~دينارا تبادر الفهم من ذلك : الجمع بينهما فى العطاء ، ولم يفهم منه تقديم ~~أحدهما على الآخر فى العطاء . * * * # | 2 - باب لا تقبل صلاة بغير طهور # / 1 - فيه : أبو هريرة قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : تمت لا ~~تقبل صلاة من أحدث حتى يتوضأ - . قال رجل من حضرموت : ما الحدث يا أبا ~~هريرة ؟ قال : فساء أو ضراط . أجمعت الأمة على أنه لا تجزئ صلاة إلا بطهارة ~~، على ما جاء فى الحديث . وأما قول أبى هريرة : تمت الحدث فساء أو ضراط - ، ~~فإنما اقتصر على بعض الأحداث ، لأنه أجاب سائلا سأله عن ms0126 المصلى يحدث فى ~~صلاته ، فخرج جوابه على ما يسبق المصلى من الإحداث فى صلاته ، لأن البول ، ~~والغائط ، والملامسة غير معهودة فى الصلاة ، وهو نحو قوله للمصلى إذ أمره ~~باستصحاب اليقين فى طهارته ، أى لا ينصرف حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا ، ولم ~~يقصد به إلى تعيين الأحداث وتعدادها ، والأحداث التى أجمع العلماء على أنها ~~تنقض PageV01P218 الوضوء سوى ما ذكره أبو هريرة : البول ، والغائط ، والمذى ~~، والودى ، والمباشرة ، وزوال العقل بأى حال زال ، والنوم الكثير . ~~والأحداث التى اختلف فى وجوب الوضوء منها : القبلة ، والجسة ، ومس الذكر ، ~~والرعاف ، ودم الفصد ، وما يخرج من السبيلين نادرا غير معتاد مثل سلس البول ~~، والمذى ، ودم الاستحاضة ، والدود يخرج من الدبر وليس عليه أذى . فممن ~~أوجب الوضوء فى القبلة : ابن عمر ، وهو قول مكحول ، وربيعة ، والأوزاعى ، ~~والشافعى . وذهب مالك إلى أنه إن قبلها بالشهوة انتقض وضوءه وهو قول الثورى ~~، وأحمد ، وإسحاق . وشرط أبو حنيفة ، وأبو يوسف فى القبلة للشهوة الانتشار ~~، وكذلك ينتقض عنده الوضوء ، فإن قبل لشهوة ولم ينتشر فلا وضوء عليه . وقال ~~محمد بن الحسن : لا وضوء عليه فى القبلة ، وإن انتشر حتى يمذى . وقال ابن ~~عباس ، وعطاء ، وطاوس ، والحسن : لا وضوء عليه فى القبلة . فأما مس المرأة ~~، فقال مالك ، والثورى : إن مسها لشهوة انتقض وضوءه . وقال أبو حنيفة ، ~~وأبو يوسف : لابد مع الشهوة من الانتشار ، وإلا فلا وضوء . PageV01P219 ~~وقال محمد بن الحسن : لابد أن يمذى مع الانتشار . وقال الشافعى : ينتقض ~~وضوءه بكل حال ، وبمسها بكل عضو من أعضائه إذا كان بغير حائل . وأما مس ~~الذكر ، فقال مالك فى المدونة : إذا مسه لشهوة من فوق ثوب ، أو تحته ، بيده ~~أو بسائر أعضائه انتقض وضوءه . وفى العتبية : قيل لمالك : إن مس ذكره على ~~غلالة خفيفة ؟ قال : لا وضوء عليه . ومن سماع أبى زيد : سئل مالك عن الوضوء ~~من مس الذكر ، فقال : حسن وليس بسنة ، وقال مرة أخرى : أحب إلى أن يتوضأ . ~~وذهب الثورى وأبو حنيفة وأصحابه إلى أنه لا ينتقض وضوءه على أى حال مسه . ~~وذهب الليث ms0127 ، والأوزاعى ، والشافعى إلى أنه إن مسه بباطن يده من غير حائل ~~ففيه الوضوء وإن مسه لغير شهوة ، وبه قال إسحاق ، وأبو ثور . وأما الأحداث ~~المختلف فيها ، فسيأتى مذاهب العلماء فيها فى مواضعها ، إن شاء الله . ~~PageV01P220 * * * # | 3 - باب فضل الوضوء والغر المحجلين من آثار الوضوء # / 2 - فيه : نعيم المجمر ، قال : رقيت مع أبى هريرة على ظهر المسجد ، ~~فتوضأ ، ثم قال : إنى سمعت النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، يقول : تمت إن ~~أمتى يدعون يوم القيامة غرا محجلين من آثار الوضوء ، فمن استطاع منكم أن ~~يطيل غرته ، فليفعل - . قال أبو محمد الأصيلى : هذا الحديث يدل أن هذه ~~الأمة مخصوصة بالوضوء من بين سائر الأمم . قال غيره : وإذا تقرر هذا بطل ما ~~روى عن النبى ، - صلى الله عليه وسلم - : أنه توضأ ثلاثا ثلاثا ، فقال : ~~تمت هذا وضوئى ووضوء الأنبياء قبلى - ، وهو حديث لا يصح سنده ، ومداره على ~~زيد العمى ، عن معاوية بن قرة ، عن ابن عمر ، وزيد ضعيف . وقوله : تمت فمن ~~استطاع منكم أن يطيل غرته فليفعل - ، تأوله أبو هريرة على الزيادة على حد ~~الوضوء ، فكان يتوضأ إلى نصف ساقيه ، وإلى منكبيه ، ويقول : إنى أحب أن ~~أطيل غرتى ، وربما قال : هذا موضع الحلية . وهذا شىء لم يتابع عليه أبو ~~هريرة ، والمسلمون مجمعون على أنه لا يتعدى بالوضوء ما حد الله ورسوله ، ~~وقد كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وهو أبدر الناس إلى الفضائل ، ~~وأرغبهم فيها ، لم يجاوز قط موضع الوضوء فيما بلغنا . PageV01P221 ويحتج ~~على أبى هريرة بقوله تعالى : { ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه } [ الطلاق ~~: 1 ] . وروى سفيان ، عن موسى بن أبى عائشة ، عن عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، ~~عن جده ، أن رجلا سأل النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، عن الوضوء ، فدعا ~~بماء فتوضأ ثلاثا ثلاثا ، وقال : تمت هكذا الطهور ، فمن زاد على هذا فقد ~~تعدى وظلم - . ويحمل قوله : تمت فمن استطاع منكم أن يطيل غرته - ، يعنى ~~يديمها ، فالطول والدوام بمعنى متقارب ، أى من استطاع أن يواظب على الوضوء ~~لكل صلاة فإنه ms0128 يطيل غرته ، أى يقوى نوره ، ويتضاعف بهاؤه ، فكنى بالغرة عن ~~نور الوجه يوم القيامة . وقال أبو الزناد : قوله : تمت فمن استطاع منكم أن ~~يطيل غرته - فإنه كنى بالغرة عن الحجلة ، لأن أبا هريرة كان يتوضأ إلى نصف ~~ساقيه ، والوجه فلا سبيل إلى الزيادة فى غسله ، فكأنه ، والله أعلم ، أراد ~~الحجلة فكنى بالغرة عنها . وفيه : جواز الوضوء على ظهر المسجد ، وهو من باب ~~الوضوء فى المسجد ، وقد كرهه قوم وأجازه الأكثر ، وإنما ذلك تنزيه للمسجد ، ~~كما ينزه عن البصاق والنخامة ، وحرمة أعلى المسجد ، كحرمة داخله ، وممن ~~أجاز الوضوء فى المسجد : ابن عباس ، وابن عمر ، وعطاء ، والنخعى ، وطاوس ، ~~وهو قول ابن القاسم صاحب مالك ، وأكثر العلماء . وكرهه ابن سيرين ، وهو قول ~~مالك ، وسحنون . PageV01P222 وقال ابن المنذر : إذا توضأ فى مكان من المسجد ~~يبله ويتأذى به الناس فإنى أكرهه ، وإن فحص عن الحصى ورده عليه ، فإنى لا ~~أكرهه ، وكذلك كان يفعل عطاء وطاوس . * * * # | 4 - باب من لا يتوضأ من الشك حتى يستيقن # ( 1 ) / 3 - فيه : عباد بن تميم ، عن عمه عبد الله بن زيد ، أنه شكا إلى ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الرجل الذى يخيل إليه أنه يجد الشىء فى ~~الصلاة ، فقال : تمت لا تنفتل - أو لا تنصرف - حتى تسمع صوتا ، أو تجد ريحا ~~- . على هذا جماعة من العلماء : أن الشك لا يزيل اليقين ، ولا حكم له ، ~~وأنه ملغى مع اليقين ، وقد اختلفوا فى ذلك ، فروى ابن القاسم ، عن مالك ، ~~أن من شك فى الحدث بعد تيقن الطهارة فعليه الوضوء . وروى عنه ابن وهب أنه ~~قال : أحب إلى أن يتوضأ . وروى ابن نافع ، عن مالك أنه لا وضوء عليه . وقال ~~الثورى ، وأبو حنيفة وأصحابه ، والشافعى : يبنى على يقينه ، هو على وضوء ~~بيقين ، قالوا : وكذلك يبنى على الأصل حدثا كان أو طهارة ، وحجتهم قوله - ~~صلى الله عليه وسلم - : تمت لا تنصرف حتى تسمع صوتا ، أو تجد ريحا - ، ولم ~~يفرق بين أول مرة أو بين ما يعتاده من ذلك . قالوا : والأصول مبينة على ~~اليقين ms0129 ، كقوله - صلى الله عليه وسلم - : تمت إذا شك أحدكم فى صلاته فلم ~~يدر أصلى ثلاثا ، أو أربعا ، فليبن على يقينه - ، وكذلك لو شك هل طلق أم لا ~~؟ لم يلزمه الطلاق ، لأنه على يقين PageV01P223 نكاحه ، وهكذا لو شك هل ~~أصاب ثوبه أو بدنه نجاسة أم لا ؟ فإنه يبنى على يقين طهارته . والحجة ~~لرواية ابن القاسم ، عن مالك أنه قال : قد تعبدنا بأداء الصلاة بيقين ~~الطهارة ، فإذا طرأ الشك عليها فقد أبطلها ، كالمتطهر إذا نام مضطجعا ، فإن ~~الطهارة واجبة عليه بإجماع ، وليس النوم فى نفسه حدثا ، وإنما هو من أسباب ~~الحدث الذى ربما كان ، وربما لم يكن ، وكذلك إذا شك فى الحدث ، فقد زال عنه ~~يقين الطهارة . وقال المهلب : لا حجة للكوفيين فى حديث عبد الله بن زيد هذا ~~، لأن الحديث إنما ورد فى المستنكح الذى يشك فى الحدث كثيرا ، ومن استنكحه ~~ذلك فلا وضوء عليه عند مالك وغيره ، والدليل على ذلك قوله فيه : تمت شكا ~~إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - - والشكوى لا تكون إلا من علة ، ~~ويؤيد هذا قوله : تمت إنه يخيل إلى - ، لأن التخييل لا يكون حقيقة ، وقد ~~بين ذلك حماد بن سلمة فى حديث عن سهيل بن أبى صالح ، عن أبيه ، عن أبى ~~هريرة ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، قال : تمت إذا كان أحدكم فى ~~الصلاة فوجد حركة فى دبره فأشكل عليه ، فلا ينصرف حتى يسمع صوتا ، أو يجد ~~ريحا - . قال أحمد بن خالد : هذا حديث جيد ذكر القصة كيف هى ، إنما هى فى ~~الشك ، لأن غيره اختصره ، فقال : لا وضوء إلا أن يسمع صوتا ، أو يجد ريحا ، ~~وإنما هذا إذا شك وهو فى الصلاة كما قال هاهنا ، لأنه PageV01P224 من ~~الشيطان . ومما يدل على ذلك أيضا ما رواه حماد بن سلمة ، عن على بن زيد ، ~~عن سعيد بن المسيب ، عن أبى سعيد الخدرى ، عن النبى - صلى الله عليه وسلم - ~~، قال : تمت إن الشيطان يأتى أحدكم فى صلاته ، فيأخذ شعرة من دبره فيرى أنه ~~قد أحدث ms0130 فلا ينصرف حتى يسمع صوتا ، أو يجد ريحا - . وقد قال بعض أهل العلم ~~: إن قوله - صلى الله عليه وسلم - : تمت فلا ينصرف حتى يسمع صوتا ، أو يجد ~~ريحا - معارض لقوله ، - صلى الله عليه وسلم - : تمت من شك فى صلاته فلم يدر ~~أصلى ثلاثا ، أم أربعا ، فليأت بركعة - ، لأنه حين أمره أن لا ينصرف من ~~صلاته حتى يسمع صوتا ، أو يجد ريحا ، فقد أمره بالحكم لليقين وإلغاء الشك ، ~~وفى حديث الشك فى الصلاة أمره بالحكم للشك وإلغاء اليقين حين أمره بالإتيان ~~بركعة . وليس كما ظنه بل الحديثان متفقان فى إلغاء الشك والحكم لليقين ، ~~وذلك أنه أمر الذى يخيل إليه أنه يجد الشىء فى الصلاة أن لا ينصرف حتى يسمع ~~صوتا أو يجد ريحا ، لأنه كان على يقين من الوضوء فأمره - صلى الله عليه ~~وسلم - بإطراح الشك ، وأن لا يترك يقينه إلا بيقين آخر ، وهو سماع الصوت ، ~~أو وجود الريح ، والذى يشك فى صلاته فلا يدرى أثلاثا صلى ، أو أربعا لم يكن ~~على يقين من الركعة الرابعة ، كما كان فى الحديث الآخر على يقين من الوضوء ~~، بل كان على يقين من ثلاث ركعات شاكا فى الرابعة ، فوجب أن يترك شكه فى ~~الرابعة ، ويرجع إلى يقين من الإتيان بها ، فصار حديث الشك فى الصلاة ~~مطابقا لحديث الشك فى الحدث ، مشبها له فى أن اليقين يقدح فى الشك ، ولا ~~يقدح الشك فى اليقين ، والحمد لله . PageV01P225 * * * # | 5 - باب التخفيف فى الوضوء # / 4 - فيه : ابن عباس ، بت عند خالتى ميمونة ليلة ، فقام النبى - صلى ~~الله عليه وسلم - ، من الليل ، فلما كان فى بعض الليل ، قام رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - ، فتوضأ من شن معلق وضوءا خفيفا - يخففه عمرو ويقلله ~~- وقام يصلى ، فتوضأت نحوا مما توضأ ، ثم جئت فقمت عن يساره - وربما قال ~~سفيان : عن شماله - فحولنى ، فجعلنى عن يمينه ، ثم صلى ما شاء الله ، ثم ~~اضطجع ، فنام حتى نفخ ، ثم أتاه المنادى ، فآذنه بالصلاة ، فقام معه إلى ~~الصلاة ، فصلى ، ولم يتوضأ . قلنا لعمرو : إن ناسا ms0131 يقولون : إن رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - تنام عينه ، ولا ينام قلبه ، قال عمرو : سمعت عبيد بن ~~عمير يقول : رؤيا الأنبياء وحى ، ثم قرأ : { إنى أرى فى المنام أنى أذبحك } ~~[ الصافات : 102 ] . قال المهلب : قوله : تمت وضوءا خفيفا - يريد تمام غسل ~~الأعضاء دون التكثر من إمرار اليد عليها ، وهو مرة سابغة ، وهو أدنى ما ~~تجزئ به الصلاة ، وإنما خففه المحدث لعلمه بأن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - كان يتوضأ ثلاثا ثلاثا للفضل ، والواحدة بالإضافة إلى الثلاث تخفيف ~~. وقد ذكر البخارى هذا الحديث فى كتاب التفسير وبينه ، فقال : تمت فقام إلى ~~شن معلقة فتوضأ منها فأحسن وضوءه - ، وذكره فى كتاب الدعاء ، وقال : تمت ~~فتوضأ وضوءا بين وضوئين لم يكثر وقد أبلغ - . فهذا كله يفسر قوله : تمت ~~وضوءا خفيفا - أنه وضوء تجوز به الصلاة . وقوله : تمت فنام حتى نفخ ، ثم ~~صلى - هو مما خص به - صلى الله عليه وسلم - من أنه تنام عينه ، ولا ينام ~~قلبه . PageV01P226 وفيه : دليل على أن من نام من سائر البشر حتى نفخ لا ~~يصلى حتى يتوضأ ، والنوم إنما يجب منه الوضوء إذا خامر القلب وغلب عليه ، ~~ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا ينام قلبه ، فلذلك لم يتوضأ . وفيه : ~~أنه توضأ بعد نوم نامه ، ثم نوما آخر ، ولم يتوضأ ، فدل ذلك على اختلاف ~~أحواله فى النوم ، فمرة يستثقل نوما ، ولا يعلم حاله ، ومرة يعلم حاله من ~~حدث وغيره . وفيه : جواز العمل الخفيف فى الصلاة . وفيه : رد على أبى حنيفة ~~فى قوله : إن الإمام إذا صلى مع رجل واحد إنه يقوم خلفه لا عن يمينه ، وهذا ~~مخالف لفعل النبى - صلى الله عليه وسلم - . * * * # | 6 - باب إسباغ الوضوء وقال ابن عمر : الإسباغ الإنقاء # . / 5 - فيه : أسامة ، قال : دفع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من ~~عرفة حتى إذا كان بالشعب نزل فبال ، ثم توضأ ولم يسبغ الوضوء ، فقلت : ~~الصلاة يا رسول الله ، فقال : تمت الصلاة أمامك - ، فركب ، فلما جاء ~~المزدلفة ، نزل فتوضأ ، فأسبغ الوضوء ، ثم أقيمت الصلاة ms0132 ، فصلى المغرب ، ثم ~~أناخ كل إنسان بعيره فى منزله ، ثم أقيمت العشاء ، فصلى ، ولم يصل بينهما . ~~قال المهلب : قوله : تمت فتوضأ ولم يسبغ الوضوء - ، يريد توضأ مرة ~~PageV01P227 سابغة ، وقد رواه إبراهيم ابن عقبة ، عن كريب ، قال : تمت ~~فتوضأ وضوءا ليس بالبالغ - ، وإنما فعل ذلك ، والله أعلم ، لأنه أعجله دفعه ~~الحاج إلى المزدلفة ، فأراد أن يتوضأ وضوءا يرفع به الحدث ، لأنه كان - صلى ~~الله عليه وسلم - لا يبقى بغير طهارة ، ذكره مسلم فى الحديث ، وقد جاء فى ~~باب الرجل يوضئ صاحبه هذا الحديث مبينا . قال أسامة : تمت إن رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - عدل إلى الشعب يقضى حاجته ، فجعلت أصب عليه ويتوضأ - ~~، ولا يجوز أن يصب عليه إلا وضوء الصلاة لا وضوء الاستنجاء كما زعم من فسر ~~قوله : تمت ولم يسبغ الوضوء - أنه استنجى فقط ، وهذا لا يجوز على رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - ، لأنه كان لا يقرب منه أحد ، وهو على حاجته ، ~~والدليل على صحة ما تأولناه قول أسامة لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~حين صب عليه الماء : تمت الصلاة يا رسول الله - ، لأنه محال أن يقول له : ~~الصلاة ، ولم يتوضأ وضوء الصلاة . وقوله : تمت الصلاة أمامك - ، أى سنة ~~الصلاة لمن دفع عن عرفة أن يصلى المغرب والعشاء بالمزدلفة ، وإن تأخر الأمر ~~عن العادة ، ولم يعلم أسامة أن سنة الصلاة بالمزدلفة ، إذ كان ذلك فى حجة ~~الوداع ، وهى أول سنة سنها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فى الجمع بين ~~الصلاتين بالمزدلفة ، فلما أتى المزدلفة أسبغ الوضوء أخذا بالأفضل والأكمل ~~على عادته فى سائر الأيام . وقال أبو الزناد : توضأ ولم يسبغ لذكر الله ~~تعالى ، لأنهم يكثرون ذكر الله عند الدفع من عرفة . وقال غيره : وقوله : ~~تمت الصلاة يا رسول الله - فيه من الفقه أن الأدون قد يذكر الأعلى ، وإنما ~~خشى أسامة أن ينسى الصلاة لما كان فيه PageV01P228 من الشغل ، فأجابه - صلى ~~الله عليه وسلم - : أن للصلاة تلك الليلة موضعا لا يتعدى إلا من ضرورة ، مع ~~أن ذلك ms0133 كان فى سفر ، ومن سنته - صلى الله عليه وسلم - أن يجمع بين صلاتى ~~ليله ، وصلاتى نهاره فى وقت إحداهما ، ولم يختلف العلماء أن الجمع بين ~~الصلاتين بالمزدلفة سنة مؤكدة لمن دفع مع الإمام أو بعده . قال المهلب : ~~وفيه اشتراك وقت صلاة المغرب والعشاء ، وأن وقتهما واحد . وقوله : تمت صلى ~~المغرب والعشاء ولم يصل بينهما - فيه حجة لمن لا ينتفل فى السفر ، وكذلك ~~قال ابن عمر : لو تنفلت لأتممت ، يعنى فى السفر . وقال غيره : ليس فى ترك ~~التنفل بين الصلاتين فى وقت جمعهما ما يدل على ترك النافلة فى السفر ، لأنه ~~إذا جمع بينهما فلا مدخل للنافلة هناك ، لأن الوقت بينهما لا يتسع لذلك ، ~~ألا ترى أن من أهل العلم من يقول : لا يحطون رواحلهم تلك الليل حتى يجمعوا ~~؟ ومنهم من يقول : يصلون الأولى ، ثم يحطون رواحلهم ، مع ما فى ترك الرواحل ~~بأوقارها مما نهى عنه من تعذيبها ؟ . وأما ترك التنفل فى السفر ، فإن ابن ~~عمر لم يتابع على قوله فى ذلك ، والفقهاء متفقون على اختيار التنفل فى ~~السفر ، وقد تنفل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - راجلا وراكبا . * * * ~~PageV01P229 # | 7 - باب التسمية على كل حال ، وعند الوقاع # / 6 - فيه : ابن عباس قال النبى ، - صلى الله عليه وسلم - : تمت لو أن ~~أحدكم إذا أتى أهله قال : باسم الله ، اللهم جنبنا الشيطان ، وجنب الشيطان ~~ما رزقتنا ، فقضى بينهما ولد لم يضره - . هذا الحديث مطابق لقوله تعالى ، ~~حاكيا عن مريم : { وإنى أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم } [ آل عمران ~~: 36 ] . وفى هذا الحديث حث وندب على ذكر الله فى كل وقت على حال طهارة ~~وغيرها ، ورد قول من أنكر ذلك ، وهو قول يروى عن ابن عمر أنه كان لا يذكر ~~الله إلا وهو طاهر ، وروى مثله عن أبى العالية والحسن . وروى عن ابن عباس ، ~~أنه كره أن يذكر الله على حالتين : على الخلاء ، والرجل يواقع أهله . وهو ~~قول عطاء ومجاهد ، قال مجاهد : يجتنب الملك الإنسان عند جماعه ، وعند غائطه ~~، وهذا الحديث خلاف قولهم . وفيه ms0134 : أن التسمية عند ابتداء كل عمل مستحبة ، ~~تبركا بها واستشعارا أن الله سبحانه هو الميسر لذلك العمل ، والمعين عليه . ~~وكذلك استحب مالك وعامة أئمة الفتوى التسمية عند الوضوء . وذهب بعض من زعم ~~أنه من أهل العلم إلى أن التسمية فرض فى PageV01P230 الوضوء ، وحجة الجماعة ~~قوله تعالى : { يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم ~~وأيديكم } [ المائدة : 6 ] الآية ، ولم يذكر تسمية ، فلا توجب غير ما ~~أوجبته الآية إلا بدليل . فإن قيل : فقد روى عن النبى - صلى الله عليه وسلم ~~- ، أنه قال : تمت لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه - . قيل : قد قال ~~أحمد بن حنبل : لا يصح فى ذلك حديث ، ولو صح لكان معناه لا وضوء كاملا كما ~~قال : تمت لا صلاة لجار المسجد إلا فى المسجد - . و تمت لا إيمان لمن لا ~~أمانة له - . وهذا الذى أوجب التسمية عند الوضوء لا يوجبها عند غسل الجنابة ~~والحيض ، وهذا مناقض لإجماع العلماء أن من اغتسل من الجنابة ، ولم يتوضأ ~~وصلى أن صلاته تامة . * * * # | 8 - باب غسل الوجه باليدين من غرفة واحدة # / 7 - فيه : ابن عباس ، تمت أنه توضأ فغسل وجهه ، أخذ غرفة من ماء ، ~~فتمضمض منها واستنشق ، ثم أخذ غرفة من ماء ، فجعل بها هكذا ، أضافها إلى ~~يده الأخرى ، فغسل بهما وجهه ، ثم أخذ غرفة من ماء ، فغسل بها يده اليمنى ، ~~ثم أخذ غرفة من ماء ، فغسل بها يده اليسرى ، ثم مسح برأسه . . . ، وذكر ~~الحديث . فيه : الوضوء مرة مرة . وفيه : أن الماء المستعمل فى الوضوء طاهر ~~مطهر ، وهو قول مالك ، PageV01P231 والثورى ، والحجة لذلك أن الأعضاء كلها ~~إذا غسلت مرة مرة ، فإن الماء إذا لاقى أول جزء من أجزاء العضو فقد صار ~~مستعملا ، ثم يمر به على كل جزء بعده ، وهو مستعمل فيجزئه ، فلو كان الوضوء ~~بالماء المستعمل لا يجوز لم يجز الوضوء مرة مرة ، ولما أجمعوا أنه جائز ~~استعماله فى العضو الواحد كان فى سائر الأعضاء كذلك ، وسنذكر اختلاف ~~العلماء فى هذه المسألة فى بابها بعد هذا ، إن ms0135 شاء الله . * * * # | 9 - باب ما يقول عند الخلاء # / 8 - فيه : أنس ، كان النبى - صلى الله عليه وسلم - إذا دخل الخلاء ، ~~قال : تمت اللهم إنى أعوذ بك من الخبث والخبائث - . ورواه غندر ، عن شعبة ، ~~وقال : تمت إذا أتى الخلاء - . وقال سعيد بن زيد : عن عبدالعزيز : تمت إذا ~~أراد أن يدخل الخلاء - . قال المؤلف : فيه جواز ذكر الله على الخلاء ، وهذا ~~مما اختلفت فيه الآثار فروى عن النبى ، - صلى الله عليه وسلم - : تمت أنه ~~أقبل من نحو بئر جمل ، فلقيه رجل فسلم عليه ، فلم يرد - صلى الله عليه وسلم ~~- حتى تيمم بالجدار - . واختلف فى ذلك أيضا العلماء ، فروى عن ابن عباس ، ~~أنه كره أن يذكر الله عند الخلاء ، وهو قول عطاء ، ومجاهد ، والشعبى ، ~~PageV01P232 وعكرمة ، وقال عكرمة : لا يذكر الله فى الخلاء بلسانه ، ولكن ~~بقلبه . وأجاز ذلك جماعة من العلماء ، وروى ابن وهب أن عبد الله بن عمرو بن ~~العاص ، كان يذكر الله فى المرحاض . وقال العرزمى : قلت للشعبى : أعطس وأنا ~~فى الخلاء ، أحمد الله ؟ قال : لا ، حتى تخرج ، فأتيت النخعى فسألته عن ذلك ~~، فقال لى : أحمد الله ، فأخبرته بقول الشعبى ، فقال النخعى : الحمد يصعد ~~ولا يهبط . وهو قول ابن سيرين ، ومالك بن أنس ، وهذا الحديث حجة لمن أجاز ~~ذلك . وذكر البخارى فى كتاب تمت خلق أفعال العباد - : قال عطاء فى الخاتم ~~فيه ذكر الله : لا بأس أن يدخل به الإنسان الكنيف ، أو يلم بأهله ، وهو فى ~~يده لا بأس به . وهو قول الحسن . وذكر وكيع ، عن سعيد بن المسيب مثله . قال ~~البخارى : وقال طاوس فى المنطقة تكون على الرجل تكون فيها الدراهم يقضى ~~حاجته : لا بأس بذلك . وقال إبراهيم : لابد للناس من نفقاتهم . وأحب بعض ~~التابعين ألا يدخل الخلاء بالخاتم فيه ذكر الله . قال البخارى : وهذا من ~~غير تحريم يصح . وذكر وكيع عن سعيد بن المسيب مثل قول عطاء . وأما اختلاف ~~ألفاظ الرواة فى قوله : تمت إذا دخل - ، و تمت إذا أراد أن PageV01P233 ~~يدخل - ، فالمعنى فيه متقارب ، ألا ترى قوله تعالى : { فإذا ms0136 قرأت القرآن ~~فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم } [ النحل : 98 ] ، والمراد إذا أردت أن ~~تقرأ ؟ غير أن الاستعاذة بالله متصلة بالقراءة ، لا زمان بينهما ، وكذلك ~~الاستعاذة بالله من الخبث والخبائث لمن أراد دخول الخلاء متصلة بالدخول ، ~~فلا يمنع من إتمامها فى الخلاء ، مع أن من روى عن النبى ، - صلى الله عليه ~~وسلم - ، أنه كان يقول ذلك إذا أتى الخلاء أولى من رواية من روى إذا أراد ~~أن يدخل الخلاء ، لأنها زيادة ، والأخذ بالزيادة أولى . وأما حديث بئر جمل ~~فإنما هو على الاختيار ، والأخذ بالفضل ، لأنه ليس من شرط رد السلام أن ~~يكون على وضوء ، قاله الطحاوى . وقال الطبرى : وأما حديث بئر جمل وشبهه ، ~~فإن ذلك كان منه - صلى الله عليه وسلم - على وجه التأديب للمسلم عليه ألا ~~يسلم بعضهم على بعض على حال كونهم على الحدث ، وذلك نظير نهيه وهم كذلك أن ~~يحدث بعضهم بعضا بقوله : تمت لا يتحدث المتغوطان على طوفهما ، فإن الله ~~يمقتهما - . وروى أبو عبيدة الباجى ، عن الحسن ، عن البراء ، أنه سلم على ~~الرسول - صلى الله عليه وسلم - وهو يتوضأ ، فلم يرد عليه شيئا حتى فرغ . ~~وفسر أبو عبيد تمت الخبث والخبائث - ، فقال : الخبث يعم الشر ، والخبائث ~~الشياطين . وقال أبو سليمان الخطابى : أصحاب الحديث يروونه : الخبث ، ساكنة ~~الباء ، وإنما هو الخبث ، مضموم الباء ، جمع خبائث ، والخبائث جمع خبيثة ، ~~استعاذ بالله من مردة الجن ذكورهم وإناثهم ، فأما الخبث ، ساكن الباء ، فهو ~~مصدر خبث الشىء يخبث خبثا ، وقد جعل اسما . PageV01P234 قال ابن الأعرابى : ~~وأصل الخبث فى كلام العرب المكروه ، فإن كان من الكلام فهو الشتم ، وإن كان ~~من الملل فهو الكفر ، وإن كان من الطعام فهو الحرام ، وإن كان من الشراب ~~فهو الضار . وقال الحسن : تمت إن هذه الحشوش محتضرة ، فإذا دخل أحدكم فليقل ~~: اللهم إنى أعوذ بك من الرجس ، والنجس ، الخبيث ، المخبث ، الشيطان الرجيم ~~- . وقال الحسن البصرى : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : تمت إذا ~~خرج أحدكم من الغائط ، فليقل : الحمد الله الذى عافانى ، وأذهب عنى الأذى - ~~. وقوله ms0137 : تمت طوفهما - ، يعنى حاجتهما . * * * # | 10 - باب وضع الماء عند الخلاء # / 9 - فيه : ابن عباس ، أن النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، دخل الخلاء ~~فوضعت له وضوءا ، فقال : تمت من وضع هذا - ؟ فأخبر ، فقال : تمت اللهم فقهه ~~فى الدين - . قال المؤلف : معلوم أن وضع الماء عند الخلاء إنما هو ~~للاستنجاء به عند الحدث . وفيه : رد قول من أنكر الاستنجاء بالماء ، وقال : ~~إنما ذلك وضوء النساء ، وقال : إنما كانوا يتمسحون بالحجارة . وقال المهلب ~~: فيه : خدمة العالم . قال أبو الزناد : دعا له النبى ، - صلى الله عليه ~~وسلم - ، أن يفقهه الله فى الدين ، سرورا منه بانتباهه إلى وضع الماء ، وهو ~~من أمور الدين . PageV01P235 وفيه : المكافأة بالدعاء لمن كان منه إحسان ، ~~أو عون ، أو معروف . * * * # | 11 - باب لا تستقبل القبلة بغائط أو بول إلا عند البناء ، جدارا أو ~~نحوه # / 10 - فيه : أبو أيوب ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ~~تمت إذا أتى أحدكم الغائط ، فلا يستقبل القبلة ، ولا يولها ظهره ، شرقوا أو ~~غربوا - . أما قوله فى الترجمة : تمت إلا عند البناء - فليس مأخوذا من ~~الحديث ، ولكنه لما علم فى حديث ابن عمر استثناء البيوت ، بوب فيه ، لأن ~~حديثه - صلى الله عليه وسلم - كله كأنه شىء واحد ، وإن اختلفت طرقه ، كما ~~أن القرآن كله كالآية الواحدة وإن كثر . قال المهلب : إنما نهى عن استقبال ~~القبلة ، واستدبارها بالغائط والبول فى الصحارى ، والله أعلم ، من أجل من ~~يصلى فيها من الملائكة ، فيؤذيهم بظهور عورته مستقبلا أو مستدبرا ، وأما فى ~~البيوت والمبانى ، وما يستتر فيه من الصحارى ، وعمن فيها فليس ذلك عليه ، ~~ويحتمل أن يكون النهى عن ذلك ، والله أعلم ، إكراما للقبلة ، وتنزيها لها ، ~~كما روى ابن جريج عن عطاء قال : يكره أن ينكشف الإنسان مستقبل القبلة يتخلى ~~، أو يبول ، أو يأتزر إلا أن يأتزر تحت ردائه أو قميصه . PageV01P236 * * * # | 12 - باب من تبرز على لبنتين # / 11 - فيه : ابن عمر ، إن ناسا يقولون : إذا قعدت على حاجتك ، فلا ~~تستقبل القبلة ولا بيت المقدس . فقال عبدالله بن عمر : لقد ارتقيت ms0138 يوما على ~~ظهر بيت لنا ، فرأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على لبنتين مستقبلا ~~بيت المقدس ، بحاجته ، وقال : لعلك من الذين يصلون على أوراكهم ؟ فقلت : لا ~~أدرى والله . قال المؤلف : أما قول ابن عمر : تمت إن ناسا يقولون : إذا ~~قعدت لحاجتك فلا تستقبل القبلة ، ولا بيت المقدس - ، فرواه سعيد بن أبى ~~مريم ، قال : ثنا دواد بن عبد الرحمن ، قال : ثنا عمرو ابن يحيى المازنى ، ~~قال : ثنا أبو زيد مولى بنى ثعلبة ، عن معقل بن أبى معقل الأسدى ، أن رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - نهى أن تستقبل القبلتان بغائط ، أو بول . ولم ~~يقل بهذا الحديث أحد من الفقهاء إلا النخعى ، وابن سيرين ، ومجاهد ، فإنهم ~~كرهوا أن يستقبل أحد القبلتين أو يستدبرهما بغائط ، أو بول ، الكعبة وبيت ~~المقدس . وهؤلاء غاب عنهم حديث ابن عمر ، وهو يدل على أن النهى إنما أريد ~~به الصحارى لا البيوت ، ولم يرو أحد عن النبى - صلى الله عليه وسلم - أنه ~~فعل ذلك فى الصحارى ، وإنما روى أنه فعله فى البيوت . وقال أحمد بن حنبل : ~~حديث ابن عمر ناسخ للنهى عن استقبال بيت المقدس ، واستدباره بالغائط والبول ~~، والدليل على هذا ما روى مروان الأصفر ، عن ابن عمر ، أنه أناخ راحلته ~~مستقبل بيت المقدس ، ثم PageV01P237 جلس يبول إليها ، فقلت : يا أبا عبد ~~الرحمن ، أليس قد نهى عن هذا ؟ قال : إنما نهى عن هذا فى الفضاء ، وأما إذا ~~كان بينك وبين القبلة شىء يسترك فلا بأس . وروى وكيع ، وعبيد الله بن موسى ~~، عن عيسى بن أبى عيسى الحناط ، قال : قلت للشعبى : إن أبا هريرة يقول : لا ~~تستقبلوا القبلة ولا تستدبروها . وقال ابن عمر : كانت منى التفاتة فرأيت ~~النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، فى كنيفه مستقبل القبلة . فقال الشعبى : ~~صدق ابن عمر ، وصدق أبو هريرة ، قول أبى هريرة فى البرية ، وقول ابن عمر فى ~~الكنيف ، وأما كنفكم هذه فلا قبلة لها . ودلت هذه الآثار على أن حديث أبى ~~أيوب مخصص بحديث ابن عمر لا منسوخ به ، وسيأتى اختلاف العلماء ms0139 فى هذه ~~الأحاديث فى أبواب القبلة فى كتاب الصلاة عند ذكر حديث أبى أيوب ، إن شاء ~~الله . وأما قوله : تمت إن ناسا يقولون كذا - ، ففيه دليل على أن الصحابة ~~كانوا يختلفون فى معانى السنن ، وكان كل واحد منهم يستعمل ما سمع على عمومه ~~، فمن هاهنا وقع بينهم الاختلاف . وقال ابن القصار : إن قيل : كيف جاز لابن ~~عمر أن ينظر إلى مقعد النبى - صلى الله عليه وسلم - ؟ فالجواب : أنه يجوز ~~أن تكون كانت منه التفاتة فرآه ، ولم يكن قاصدا لذلك ، فنقل ما رأى ، وقصد ~~ذلك لا يجوز كما لا يتعمد الشهود النظر إلى الزنا ، ثم قد يجوز أن تقع ~~أبصارهم عليه ، ويجوز أن يتحملوا الشهادة بعد ذلك ، وقد يجوز أن يكون ابن ~~عمر قصد لذلك ورأى رأسه دون ما عدا ذلك من بدنه ، ثم تأمل قعوده ، فعرف كيف ~~هو جالس ليستفيد فعله فنقل ما شاهد PageV01P238 . وقوله : تمت لعلك من ~~الذين يصلون على أوراكهم - يعنى الذى يسجد ولا يرتفع عن الأرض لاصقا بها . ~~* * * # | 13 - باب خروج النساء إلى البراز # / 12 - فيه : عائشة ، أن أزواج النبى - صلى الله عليه وسلم - كن يخرجن ~~بالليل إذا تبرزن إلى المناصع - وهو صعيد أفيح - فكان عمر يقول للنبى - صلى ~~الله عليه وسلم - : احجب نساءك ، فلم يكن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~يفعل ، فخرجت سودة بنت زمعة زوج النبى - صلى الله عليه وسلم - ليلة من ~~الليالى عشاء ، وكانت امرأة طويلة ، فناداها عمر ألا قد عرفناك يا سودة ، ~~حرصا على أن ينزل الحجاب ، فأنزل الله الحجاب . / 13 - وفيه : عائشة أن ~~النبى - صلى الله عليه وسلم - قال : تمت قد أذن أن تخرجن فى حاجتكن - . قال ~~هشام : يعنى البراز . قال المؤلف : البراز ، بفتح الباء ، فى اللغة ما برز ~~من الأرض واتسع ، كنى به عن الحدث ، كما كنى عن الغائط ، والغائط المطمئن ~~من الأرض . وقال المهلب : فيه مراجعة الأدون للأعلى فى الشىء يتبين للأدون ~~. وفيه : فضل المراجعة إذا لم يقصد به التعنيت ، وأنه قد تبين فيها من ~~العلم ما يخفى ، لأن ms0140 نزول الآية كان سببه المراجعة . وفيه : فضل عمر ، وهذه ~~من إحدى الثلاث الذى وافق فيها ربه . وفيه : كلام الرجال مع النساء فى ~~الطرق . PageV01P239 وفيه : جواز وعظ الرجل أمه فى البر ، لأن سودة من ~~أمهات المؤمنين . وفائدة هذا الباب أنه يجوز التصرف للنساء فيما بهن الحاجة ~~إليه ، لأن الله أذن لهن فى الخروج إلى البراز بعد نزول الحجاب ، فلما جاز ~~لهن ذلك جاز لهن الخروج إلى غيره من مصالحهن ، أو صلة أرحامهن التى أوجبها ~~الله عليهن ، وقد أمر الرسول - صلى الله عليه وسلم - النساء بالخروج إلى ~~العيدين . وفى قوله : تمت قد عرفناك يا سودة - دليل أنه قد يجوز الإغلاظ فى ~~القول والعتاب إذا كان قصده الخير . قال عبد الواحد : فى قول عمر : تمت ~~احجب نساءك - التزام النصحية لله ورسوله . * * * # | 14 - باب الاستنجاء بالماء # / 14 - فيه : أنس ، كان النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، إذا خرج لحاجته ~~أجىء أنا وغلام معنا إداوة من ماء ، يعنى يستنجي به . قال المهلب : قال أبو ~~محمد الأصيلى : الاستنجاء بالماء ليس بالبين فى هذا الحديث ، لأن قوله : ~~تمت يعنى يستنجى به - ، ليس من قول أنس ، وإنما هو من قول أبى الوليد ~~الطيالسى . وقد رواه سليمان بن حرب ، عن شعبة ، وقال شعبة : تمت تبعته أنا ~~PageV01P240 وغلام ، معنا إداوة من ماء - ، ولم يذكر : فيستنجى به ، فيحتمل ~~أن يكون الماء لطهوره أو لوضوئه ، فقال له أبو عبد الله بن أبى صفرة : قد ~~تابع أبا الوليد النضر ، وشاذان عن شعبة ، وقالا : تمت يستنجى بالماء - ، ~~فقال : تواترت الآثار عن أبى هريرة ، وأسامة وغيرهما من الصحابة على ~~الحجارة . قال المؤلف : وقد اختلف السلف فى الاستنجاء بالماء فأما ~~المهاجرون فكانوا يستنجون بالأحجار ، وأنكر الاستنجاء بالماء سعد بن أبى ~~وقاص ، وحذيفة ، وابن الزبير ، وسعيد بن المسيب ، وقال : إنما ذلك وضوء ~~النساء . وكان الحسن لا يغسل بالماء ، وقال عطاء : غسل الدبر محدث . وكان ~~الأنصار يستنجون بالماء ، وكان ابن عمر يرى الاستنجاء بالماء بعد أن لم يكن ~~يراه ، وهو مذهب رافع بن خديج ، وروى ذلك عن حذيفة ، وعن ms0141 أنس أنه كان ~~يستنجى بالخرص ، واحتج الطحاوى للاستنجاء بالماء ، فقال : قال الله تعالى : ~~{ إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين } [ البقرة : 222 ] ، فطلبنا تأويل ~~ذلك ، فوجدنا السلف قد تأولوا معنى الآية على قولين : فقال عطاء : إن الله ~~يحب التوابين ، يعنى من الذنوب ، والمتطهرين بالماء ، وروى عن على بن أبى ~~طالب مثله . وعن أبى الجوزاء : ففى هذا أن الطهارة التى أحب الله أهلها ~~عليها فى هذه الآية هى الطهارة بالماء . وقال أبو العالية : إن الله يحب ~~التوابين ، ويحب المتطهرين من الذنوب . PageV01P241 ولما اختلفوا فى ~~التأويل طلبنا الوجه فيه من كتاب الله ، فوجدنا الله قال : { فيه رجال ~~يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين } [ التوبة : 108 ] ، وقال الشعبى : ~~لما نزلت هذه الآية ، قال - صلى الله عليه وسلم - : تمت يا أهل قباء ، ما ~~هذا الثناء الذى أثنى الله عليكم - ؟ قالوا : ما منا أحد إلا وهو يستنجى ~~بالماء . وروى سفيان ، عن يونس بن خباب ، عن عبد الرحمن بن أبى الزناد ، عن ~~عبد الله بن خباب ، أن أهل قباء ذكروا للنبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، ~~الاستنجاء بالماء ، فقال : تمت إن الله قد أثنى عليكم فدوموا - . وقال محمد ~~بن عبد الله بن سلام : أما تجدوه مكتوبا علينا فى التوراة الاستنجاء بالماء ~~- ، فدل ذلك أن الطهارة المذكورة فى الآية الأولى هى هذه الطهارة . وقال ~~غيره : روت معاذة ، عن عائشة ، قالت : مرن أزواجكن أن يغسلوا أثر الغائط ~~والبول والماء ، فإن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يفعله . وروى ~~مالك فى موطأه ، عن عمر بن الخطاب ، أنه كان يتوضأ بالماء وضوءا لما تحت ~~إزاره . قال مالك : يريد الاستنجاء بالماء ، وترجم لحديث أنس باب من حمل ~~معه الماء لطهوره ، وباب حمل العنزة مع الماء فى الاستنجاء . قال المهلب : ~~معنى حمل العنزة ، والله أعلم ، أنه كان إذا استنجى توضأ ، وإذا توضأ صلى ، ~~فكانت العنزة لسترته فى الصلاة . وفيه : أن خدمة العالم ، وحمل ما يحتاج ~~إليه من إناء وغيره ، شرف للمتعلم ، ومستحب له ، ألا ترى قول أبى الدرداء : ~~أليس PageV01P242 فيكم صاحب النعلين والطهور ms0142 ، والوسادة . يعنى عبد الله بن ~~مسعود ، فأراد بذلك الثناء عليه والمدح له ، لخدمة النبى - صلى الله عليه ~~وسلم - . * * * # | 15 - باب النهى عن الاستنجاء باليمين # / 15 - فيه : ابن أبى قتادة ، عن أبيه ، قال : قال رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - : تمت إذا شرب أحدكم فلا يتنفس فى الإناء ، وإذا أتى الخلاء ~~فلا يمس ذكره بيمينه ، ولا يتمسح بيمينه - . قال المؤلف : التنفس فى الإناء ~~منهى عنه كما نهى عن النفخ فى الإناء ، وإنما السنة إراقة القذى من الإناء ~~لا النفخ فيه ، ولا التنفس ، لئلا يتقذره جلساؤه . وقوله : تمت لا يمس ذكره ~~بيمينه - ، فهو فى معنى النهى عن الاستنجاء باليمين ، لأن القبل والدبر ~~عورة ، وموضع الأذى ، وهذا إذا كان فى الخلاء ، وأما على الإطلاق على ما ~~روى عن عثمان أنه قال : ما تغنيت ، ولا تمنيت ، ولا مسست ذكرى بيمينى مذ ~~بايعت بها رسول الله ، - صلى الله عليه وسلم - . فهذا على إكرام اليمين ، ~~وإجلا النبى - صلى الله عليه وسلم - فى مباشرته ، وهذا كله عند الفقهاء نهى ~~أدب . قال المهلب : وفيه : فضل الميامن ، وقد قال على : يمينى لوجهى ، يعنى ~~للأكل وغيره ، وشمالى لحاجتى ، وقد نزع لهذا الكلام ابنه PageV01P243 الحسن ~~حين امتخط بيمينه عند معاوية ، فأنكر عليه معاوية ، وقال : بشمالك . وأما ~~الاستنجاء باليمين ، فمذهب مالك ، وأكثر الفقهاء أن من فعل ذلك فبئس ما فعل ~~ولا شىء عليه . وقال بعض أصحاب الشافعى ، وأهل الظاهر : لا يجزئه الاستنجاء ~~بيمينه لمطابقة النهى . والصواب فى ذلك قول الجمهور ، لأن النهى عن ~~الاستنجاء باليمين من باب الأدب ، كما أن النهى عن الأكل بالشمال من باب ~~أدب الأكل ، فمن أكل بشماله فقد عصى ، ولا يحرم عليه طعامه بذلك ، وكذلك من ~~استنجى بيمينه ، وأزل الغائط فقد خالف النهى ، ولم يقدح ذلك فى وضوئه ولا ~~صلاته ، ولم يأت حراما . وترجم الحديث ابن أبى قتادة باب لا يمس ذكره ~~بيمينه إذا بال ، وهذا كله من باب الأدب ، وتفضيل الميامن ، ألا ترى قول ~~عثمان : ولا مسست ذكرى بيمينى مذ بايعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم ms0143 - ، ~~فينبغى التأدب بأدب النبى - صلى الله عليه وسلم - ، وسلف الصحابة ، وتنزيه ~~اليمنى عن استعمالها فى الأقذار ومواضعها . * * * # | 16 - باب الاستنجاء بالحجارة # / 16 - فيه : أبو هريرة ، قال : - اتبعت النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ~~، وخرج لحاجته فكان لا يلتفت ، فدنوت منه ، فقال : تمت ابغنى أحجارا أستنفض ~~بها ، أو PageV01P244 نحوه ، ولا تأتنى بعظم ولا روث - ، فأتيته بأحجار ~~بطرف ثيابى ، فوضعتها إلى جنبه وأعرضت عنه ، فلما قضى أتبعه بهن . قال ~~المؤلف : الاستنجاء هو إزالة النجو من المخرج بالأحجار أو بالماء ، واختلف ~~العلماء فى ذلك هل هو فرض أو سنة ؟ فذهب مالك والكوفيون إلى أنه سنة ~~لاينبغى تركها ، فإن صلى كذلك فلا إعادة عليه ، إلا أن مالكا يستحب له ~~الإعادة فى الوقت ، وذهب الشافعى ، وأحمد ، وأبو ثور إلى أن الاستنجاء فرض ~~، ولا تجزئ صلاة من صلى بغير استنجاء بالأحجار أو بالماء ، واحتجوا بأن ~~النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، أمر بالاستنجاء بثلاثة أحجار ، فكل نجاسة ~~قرنت فى الشرع بعدد ، فإن إزالتها واجبة ، كولوغ الكلب ، وسيأتى الكلام على ~~من أوجب العدد فى أحجار الاستنجاء فى الباب بعد هذا ، إن شاء الله تعالى ، ~~فأما غسل الولوغ عند مالك وأصحابه فليس لنجاسة ، وسيأتى بعد هذا ، إن شاء ~~الله تعالى . والحجة لقول مالك ، والكوفيين أنه معلوم أن الحجر لا ينقى ~~إنقاء الماء ، فلما وجب أن يقتصر على الحجر فى ذلك مع بقاء أثر الغائط علم ~~أن إزالة النجاسة سنة ، وقد سئل ابن سيرين عن رجل صلى بغير استنجاء ، فقال ~~: لا أعلم به بأسا . وقيل لسعيد بن جبير : إزالة النجاسة فرض ؟ فقال : اتل ~~على به قرآنا . قال ابن القصار : فرأى أن الفرض لا يكون إلا بقرآن ، وقد ~~يكون ببيان الرسول - صلى الله عليه وسلم - لمجمل القرآن ، فأما ما يبتدئه - ~~صلى الله عليه وسلم - ، فليس بفرض . PageV01P245 ومن الاستنجاء بالأحجار ~~جعل أهل العراق أصلا أن مقدار الدرهم من النجاسات فما دون ، معفو عنه ، ~~قياسا على دود الدبر ، لأن الحجر لا يزيل أثر الغائط منه إزالة صحيحة . ~~واختلفوا هل يجوز الاستنجاء بكل ما يقوم ms0144 مقام الأحجار من الآجر والخزف ، ~~والتراب وقطع الخشب ؟ . فأجاز مالك ، وأبو حنيفة ، والشافعى الاستنجاء بكل ~~ما يقوم مقام الحجارة فى إزالة الأذى ما لم يكن مأكولا أو نجسا . وقال أهل ~~الظاهر : لا يجوز الاستنجاء بغير الأحجار ، قاله ابن القصار . وحجة الفقهاء ~~أنه - صلى الله عليه وسلم - لما نهى عن العظم والروث دل أن ما عداهما ~~بخلافهما ، وإلا لم يكن لتخصيصهما بالنهى فائدة . فإن قيل : إنما نص عليهما ~~تنبيها أن ما عداهما فى معناهما . قيل : هذا لا يجوز ، لأن التنبيه إنما ~~يفيد إذا كان فى المنبه عليه معنى المنبه له وزيادة . فأما أن يكون دونه فى ~~المعنى فلا يفيد كقوله تعالى : { فلا تقل لهما أف } [ الإسراء : 23 ] دخل ~~فيه الضرب ، لأن الضرب فيه أف ، وأبلغ منه ، ولو نص على الضرب لم يكن فيه ~~التنبيه على المنع من أف ، لأنه ليس فى أف معنى الضرب ، وقد قال تعالى : { ~~ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك ومنهم من إن تأمنه بدينار لا ~~يؤده إليك } [ آل عمران : 75 ] ، فعلم أن من أدى الأمانة فى القنطار كان ~~أولى أن يؤديها فى الدينار ، ومن لم يؤدها فى الدينار كان أولى ألا يؤديها ~~فى القنطار ، وكذلك ما عدا الروث PageV01P246 والرمة من الطاهرات ، لأنه ~~ليس فى الطاهرات معنى الروث والرمة ، فلم يقع التنبيه عليها ، بل وقع على ~~ما فى معناها من سائر النجاسات التى هى أعظم منها . * * * # | 17 - باب لا يستنجى بروث # / 17 - فيه : عبدالله يقول : أتى النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، ~~الغائط ، فأمرنى أن آتيه بثلاثة أحجار ، فوجدت حجرين والتمست الثالث ، فلم ~~أجده فأخذت روثة ، فأتيته بها فأخذ الحجرين ، وألقى الروثة ، وقال : تمت ~~هذا ركس - . واختلف العلماء فى عدد الأحجار ، فذهب مالك ، وأبو حنيفة إلى ~~أنه إن اقتصر على دون ثلاثة أحجار مع الإنقاء جاز . وقال الشافعى : لا يجوز ~~الاقتصار على دون ثلاثة أحجار وإن أنقى . قال الطحاوى : وفى هذا الحديث ~~دليل على أن عدد الأحجار ليس فرض ، وذلك أنه - صلى الله عليه وسلم - ، قعد ms0145 ~~للغائط فى مكان ليس فيه أحجار ، لقوله لعبد الله : تمت ناولنى ثلاثة أحجار ~~- ، ولو كان بحضرته من ذلك شىء لما احتاج أن يناوله من غير ذلك المكان ، ~~فلما أتاه عبد الله بحجرين وروثة فألقى الروثة ، وأخذ الحجرين دل ذلك على ~~أن الاستنجاء بهما يجزئ مما يجزئ منه الثلاثة ، لأنه لو لم يجز إلا الثلاثة ~~لما اكتفى بالحجرين ، ولأمر عبد الله أن يبغيه ثالثا . وقال ابن القصار : ~~وقد روى فى بعض الآثار التى لا تصح PageV01P247 أنه أتاه بثالث فأى الأمرين ~~كان فالاستدلال لنا به صحيح ، لأنه - صلى الله عليه وسلم - اقتصر للموضعين ~~على ثلاثة أحجار ، فحصل لكل واحد منهما أقل من ثلاثة ، لأنه لم يقتصر على ~~الاستنجاء لأحد الموضعين ويترك الآخر . قال : ويحتمل أن يكون أراد بذكر ~~الثلاثة أن الغالب وجود الاستنقاء بها كما ذكر فى المستيقظ من النوم أن ~~يغسل يده ثلاثا قبل إدخالها الإناء على غير وجه الشرط ، والدليل على أن ~~الثلاثة ليست بحد أنه لو لم ينق بها لزاد عليها ، فنستعمل الأخبار كلها ~~فنحمل أخبارنا على جواز الاقتصار على الثلاثة إذا أنقت ولا يقتصر عليها إذا ~~لم تنق ، فعلم أن الفرض الإنقاء . ويجوز أن تحمل الثلاثة على الاستحسان ، ~~وإن أنقى بما دونها ، لأن الاستنجاء مسح ، والمسح فى الشرع لا يوجب التكرار ~~، دليه مسح الرأس والخفين ، وأيضا فإنها نجاسة عفى عن أثرها ، فوجب ألا يجب ~~تكرار المسح فيها . وأيضا فإن الحجر الواحد لو كان له ثلاثة أحرف قام مقام ~~الثلاثة الأحجار فكذلك يقوم الحجر والحجران مقام الثلاثة إذا حصل بها قلع ~~النجاسة . وقوله : تمت هذا ركس - يمكن أن يريد معنى الرجس ، ولم أجد لأهل ~~النحو شرح هذه الكلمة والرسول - صلى الله عليه وسلم - أعظم الأمة فى اللغة ~~. PageV01P248 * * * # | 18 - باب الوضوء مرة مرة # / 18 - فيه : ابن عباس ، أن النبى - صلى الله عليه وسلم - توضأ مرة مرة . # | 19 - باب الوضوء مرتين مرتين # / 19 - فيه : عبدالله بن زيد ، أن النبى - صلى الله عليه وسلم - توضأ ~~مرتين مرتين . # | 20 - باب الوضوء ثلاثا ثلاثا ms0146 # / 20 - فيه : عثمان ، أنه توضأ ثلاثا ثلاثا ، ثم قال : قال رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - : تمت من توضأ نحو وضوئى هذا ، ثم صلى ركعتين لا يحدث ~~فيهما نفسه ، غفر له ما تقدم من ذنبه - . وقال مرة : لأحدثنكم حديثا لولا ~~آية فى كتاب الله ما حدثتكموه ، سمعت النبى - صلى الله عليه وسلم - يقول : ~~تمت لا يتوضأ رجل مسلم فيحسن وضوءه ويصلى الصلاة ، إلا غفر له ما بينه وبين ~~الصلاة حتى يصليها - . قال عروة الآية : { إن الذين يكتمون ما أنزل الله } ~~[ البقرة : 174 ] . قال الطحاوى : فى هذه الأحاديث دليل أن المفترض من ~~الوضوء هو مرة مرة ، وما زاد على ذلك فهو لإصابة الفضل لا الفرض ، وأن ~~المرتين والثلاثة من ذلك على الإباحة ، فمن شاء توضأ مرة ، ومن شاء مرتين ، ~~ومن شاء ثلاثا وهذا قول أهل العلم جميعا ، لا نعلم بينهم فى ذلك اختلافا . ~~PageV01P249 وقد تقدم هذا المعنى فى كتاب الوضوء والحمد لله . وفى حديث ~~عثمان من الفقه أنه فرض على العالم تبليغ ما عنده من العلم وبثه فى الناس ، ~~لأن الله قد توعد الذين يكتمون ما أنزل الله من البينات والهدى باللعنة من ~~الله وعباده ، وأخذ الميثاق على العلماء ليبيننه للناس ولا يكتمونه ، وهذه ~~الآية وإن كانت نزلت فى أهل الكتاب ، فقد دخل فيها كل من علم علما تعبد ~~الله العباد بمعرفته ، ولزمه من بثه وتبلغيه ما لزم أهل الكتاب من ذلك ، ~~والله الموفق . قال المهلب : فيه : أن الإخلاص لله فى العبادة ، وترك الشغل ~~بأسباب الدنيا يوجب الله عليه الغفران ، ويتقبله من عبده ، وإذا صح هذا وجب ~~أن يكون من لها فى صلاته عما هو فيه ، وشغل نفسه بالأمانى ، فقد أتلف أجر ~~عمله ، وقد وبخ الله بذلك أقواما : { لاهية قلوبهم } [ الأنبياء : 3 ] وقد ~~جاء أن الله لا يقبل الدعاء من قلب لاه . قال غيره : وأما من وسوس له ~~الشيطان وحدث نفسه فى صلاته بأشياء دون قصد منه لذلك ، فإنه يرجى أن تقبل ~~صلاته ، ولا تبطل ، وتكون دون صلاة الذى لم يحدث ms0147 نفسه ، بدليل أن النبى ، - ~~صلى الله عليه وسلم - ، قد اشتغل باله فى الصلاة حتى سها ، وهذا قل ما يسلم ~~منه أحد ، وقد قال - صلى الله عليه وسلم - : تمت إن الشيطان لا يزال بالمرء ~~فى صلاته يذكره ما لم يكن يذكر حتى لا يدرى كم صلى - . وقوله فى حديث عثمان ~~: تمت لا يحدث فيها نفسه - ، يدل على هذا المعنى ، لأنه ما ضمنه لمراعى ذلك ~~فى صلاته من الغفران يدل على أنه قل ما تسلم صلاته من حديث نفس . ~~PageV01P250 * * * # | 21 - باب الاستنثار فى الوضوء # / 21 - فيه : أبو هريرة ، قال - صلى الله عليه وسلم - : تمت من توضأ ~~فليستنثر ، ومن استجمر فليوتر - . الاستنثار هو دفع الماء الحاصل فى الأنف ~~بالاستنشاق ، ولا يكون الاستنثار إلا بعد الاستنشاق ، والاستنشاق هو أخذ ~~الماء بريح الأنف ، وإنما لم يذكر هاهنا الاستنشاق ، لأن ذكر الاستنثار ~~دليل عليه إذ لا يكون إلا منه ، وقد أوجب بعض العلماء الاستنثار بظاهر هذا ~~الحديث ، وحمل ذلك أكثر العلماء على الندب ، واستدلوا بأن غسل باطن الوجه ~~غير مأخوذ علينا فى الوضوء ، وسيأتى زيادة فى هذا المعنى فى باب المضمضة ~~بعد هذا ، إن شاء الله . * * * # | 22 - باب الاستجمار وترا # / 22 - فيه : أبو هريرة ، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : تمت ~~إذا توضأ أحدكم فليجعل فى أنفه ماء ثم لينثر ، ومن استجمر فليوتر ، وإذا ~~استيقظ أحدكم من نومه فليغسل يده قبل أن يدخلها فى وضوئه ، فإن أحدكم لا ~~يدرى أين باتت يده - . بعض الرواة يقول فى هذا الحديث : تمت فليجعل فى أنفه ~~ماء - ، وهو الاستنشاق ، وبعضهم لا يذكر ذلك ، والمعنى مفهوم فى رواية من ~~قصر عن ذلك . PageV01P251 وأما قوله - صلى الله عليه وسلم - : تمت من ~~استجمر فليوتر - فالاستجمار عند العرب : إزالة النجو من المخرج بالجمار ، ~~والجمار عندهم الحجارة الصغار ، واحتج الفقهاء بهذا الحديث أن عدة الأحجار ~~فى الاستجمار غير واجب . قال الطحاوى : والدليل على ذلك ما قال إبراهيم بن ~~مروان ، قال : حدثنا أبو عاصم ، عن ثور بن يزيد ، قال : حدثنا حصين ~~الحبرانى ، قال : حدثنا أبو ms0148 سعيد الخير ، عن أبى هريرة ، قال : قال رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - : تمت من استجمر فليوتر ، من فعل هذا فقد أحسن ~~، ومن لا فلا حرج - . فدل فى الحديث أن النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، ~~إنما أمر بالوتر فى الآثار الأولى استحبابا منه للوتر ، لا أن ذلك من طريق ~~الفرض الذى لا يجوز إلا هو . واختلف العلماء فى غسل اليد قبل إدخالها ~~الإناء للوضوء فذهب مالك والكوفيون ، والأوزاعى ، والشافعى إلى أن ذلك ~~مندوب إليه ، وليس بواجب . وقال أحمد : إن كان من نوم الليل دون النهار وجب ~~غسلهما . وذهب قوم إلى أنه واجب فى كل نوم لا لنجاسة ، فإن أدخلها قبل ~~غسلهما لم يفسد الماء . وقال الحسن البصرى : إن أدخلهما الإناء قبل غسلهما ~~نجس الماء PageV01P252 سواء كان على يده نجاسة أم لا . واحتج الذين أوجبوا ~~غسلهما بأن النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، أمر بغسلهما قبل إدخالهما ~~الإناء أمرا مطلقا . قال ابن القصار : فيقال لهم : الحديث يدل على أنه ~~استحباب ، لأن الرسول ، - صلى الله عليه وسلم - ، علل ونبه بقوله : تمت فإن ~~أحدكم لا يدرى أين باتت يده - . فعلمنا انه على طريق الاحتياط ، وأعلمنا ~~أنه ليس لأجل الحدث بالنوم ، لأنه لو كان ذلك لم يحتج إلى الاعتلال ، لأن ~~قائلا لو قال : اغسل ثوبك فإنك لا تدرى أى شىء حدث فيه ، وهل أصابه نجس أم ~~لا ؟ لعلم أن ذلك على الاحتياط ، ولم يجب غسله إلا أن تظهر فيه نجاسة . ~~وقال النخعى : كان أصحاب عبد الله إذا ذكر عندهم حديث أبى هريرة ، قالوا : ~~كيف يصنع أبو هريرة بالمهراس الذى بالمدينة ؟ . وقال أعمش : عن إسماعيل بن ~~رجاء ، عن أبيه ، عن البراء بن عازب ، أنه كان يدخل يده فى المطهرة قبل أن ~~يغسلها . * * * # | 23 - باب المضمضة والاستنشاق فى الوضوء # قاله ابن عباس ، وعبدالله بن زيد رضى الله عنهم ، عن النبى ، - صلى الله ~~عليه وسلم - . / 23 - فيه : عثمان ، أنه دعا بوضوء ، فأفرغ على يديه ~~فغسلهما ثلاث مرات ، ثم أدخل يمينه فى الوضوء ، ثم تمضمض ، واستنشق ، ~~واستنثر ، PageV01P253 ثم غسل ms0149 وجهه ثلاثا ، ويديه إلى المرفقين ثلاثا ، ~~ومسح برأسه ، ثم غسل كل رجل ثلاثا . . . ، الحديث . قال ابن القصار : ~~واختلف العلماء فى المضمضة والاستنشاق على أربعة مذاهب : فذهب ربيعة ، ~~ومالك ، والليث ، والأوزاعى ، والشافعى إلى أنهما سنتان فى الوضوء ، وفى ~~غسل الجنابة جميعا . وذهب إسحاق ، وابن أبى ليلى إلى أنهما واجبتان فى ~~الطهارتين جميعا : الوضوء وغسل الجنابة . وذهب الثورى ، وأبو حنيفة ، ~~وأصحابه إلى أنهما واجبتان فى غسل الجنابة ، وغير واجبتين فى الوضوء ، وهو ~~قول إسحاق وحماد بن أبى سليمان . وذهب أحمد ، وأبو ثور إلى أن الاستنشاق ~~واجب فيهما ، والمضمضة غير واجبة فيهما . وحجة القول الأول أنه لا فرض فى ~~الوضوء إلا ما ذكر الله تعالى فى القرآن ، وذكر غسل الوجه واليدين إلى ~~المرفقين ، ومسح الرأس ، وغسل الرجلين . قالوا : وما لم يوجبه الله فى ~~كتابه ، ولا أوجبه رسوله ، ولا اتفق الجميع عليه فليس بواجب ، والفرائض لا ~~تثبت إلا من هذه الوجوه ، وقالوا : الوجه ما ظهر لا ما بطن ، وقد أجمعوا ~~أنه ليس عليه غسل باطن عينيه ، فكذلك المضمضة والاستنشاق ، ورى عن ابن عمر ~~أنه كان يدخل الماء فى عينيه فى وضوئه ، ولم يتابع عليه . PageV01P254 وحجة ~~الكوفيين قوله - صلى الله عليه وسلم - : تمت تحت كل شعرة جنابة فبلوا الشعر ~~، وأنقوا البشرة - ، وفى الأنف ما فيه من الشعر ، ولا يوصل إلى غسل الأسنان ~~والشفتين إلا بالمضمضة ، وقد قال - صلى الله عليه وسلم - : تمت العينان ~~تزنيان والفم يزنى - . وحجة من أوجبهما فى الوضوء والغسل قوله تعالى : { ~~ولا جنبا إلا عابرى سبيل حتى تغتسلوا } [ النساء : 43 ] كما قال فى الوضوء ~~: { فاغسلوا وجوهكم } [ المائدة : 6 ] ، فما وجب فى الواحد من الغسل وجب فى ~~الآخر ، ولم يحفظ أحد عن النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، أنه ترك ذلك فى ~~وضوئه ولا غسله ، وهو المبين عن الله تعالى مراده . وحجة من فرق بين ~~المضمضة والاستنشاق أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - [ فعل ] المضمضة ولم ~~يأمر بها ، وفعل الاستنشاق وأمر به ، وأمره أقوى من فعله . * * * # | 24 - باب غسل الرجلين ، ولا يمسح على القدمين ms0150 # / 24 - فيه : عبدالله بن عمرو ، قال : تخلف النبى ، - صلى الله عليه وسلم ~~- ، عنا فى سفرة سافرناها ، فأدركنا وقد أرهقنا العصر ، فجعلنا نتوضأ ، ~~ونمسح على أرجلنا ، فنادى بأعلى صوته : تمت ويل للأعقاب من النار - ، مرتين ~~أو ثلاثا . هذا الحديث تفسير لقوله : { وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى ~~الكعبين } [ المائدة : 6 ] ، والمراد منه غسل الأرجل لا مسحها . قال ~~الطحاوى : وقد ذهب قوم من السلف إلى خلاف هذا ، وقالوا : الغرض فى الرجلين ~~هو المسح لا الغسل وقرءوا : تمت وأرجلكم - PageV01P255 بالخفض ، روى ذلك عن ~~الحسن البصرى ، ومجاهد ، وعكرمة ، والشعبى . وقال الشعبى : نزل القرآن ~~بالمسح والسنة الغسل ، واحتجوا من طريق النظر بالتيمم ، وقالوا : لما كان ~~حكم الوجه واليدين فى الوضوء الغسل ، وحكم الرأس المسح بإجماع ، كان التيمم ~~على الوجه واليدين المغسولين ، وسقط عن الرأس الممسوح ، كان حكم الرجلين ~~بحكم الرأس أشبه ، إذ سقط التيمم عنهما كما سقط عن الرأس . وقال أخرون : ~~تمت أرجلكم - بالنصب ، وقالوا : عاد إلى الغسل ، روى ذلك عن ابن مسعود ، ~~وابن عباس ، والتقدير : اغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق ، وأرجلكم إلى ~~الكعبين ، وامسحوا برءوسكم . قال غيره : والقراءتان صحيحتان ومعلوم أن ~~الغسل مخالف للمسح وغير جائز أن تبطل إحدى القراءتين بالأخرى ، فلم يبق إلا ~~أن يكون المعنى الغسل ، وقد وجدنا العرب تخفض بالجوار ، وإتباع اللفظ ، ~~والمراد عندهم المعنى ، كما قال امرؤ القيس : كبير أناس فى بجاد مزمل فخفض ~~بالجوار ، والمزمل الرجل ، وإعرابه الرفع ، ومثله كثير . وقد تقول العرب : ~~تمسحت للصلاة ، والمراد الغسل . وروى أشهب ، عن مالك أنه سئل عن قراءة من ~~قرأ : تمت وأرجلكم - بالخفض ؟ فقال : هو الغسل . PageV01P256 قال الطحاوى : ~~و إلى هذا ذهب أكثر أهل العلم ، وهو قول مالك ، والثورى ، وأبى حنيفة ، ~~وأصحابه ، والشافعى وغيرهم ، واحتجوا بحديث هذا الباب ، وقالوا : لما ~~توعدهم النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، على مسح أرجلهم علم أن الوعيد لا ~~يكون إلا فى ترك مفروض عليهم ، وأن المسح الذى كانوا يفعلونه لو كان هو ~~المراد بالآية ، على ما قال الشعبى لكان منسوخا بقوله : تمت ويل للأعقاب من ~~النار - ويدل على صحة ms0151 هذا أن كل من روى عن الرسول - صلى الله عليه وسلم - ~~صفة الوضوء روى أنه غسل رجليه ، لا أنه مسحهما ، وقد روى عنه - صلى الله ~~عليه وسلم - ما يدل على أن حكمهما الغسل . روى مالك عن سهيل بن أبى صالح ، ~~عن أبيه ، عن أبى هريرة ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : تمت ~~إذا توضأ العبد المسلم فغسل وجهه خرجت من وجهه كل خطيئة نظر إليها بعينه مع ~~الماء ، فإذا غسل يديه خرجت من يديه كل خطيئة بطشتها يداه مع الماء ، فإذا ~~غسل رجليه خرجت كل خطيئة مشتها رجلاه - . فهذا يدل على أن الرجلين فرضهما ~~الغسل ، لأن فرضهما لو كان المسح لم يكن فى غسلهما ثواب ، ألا ترى أن الرأس ~~الذى فرضه المسح لا ثواب فى غسله ، والحجة على من قال بالمسح ، ما أدخلوه ~~من طريق النظر ، أن يقال لهم : إنا رأينا أشياء يكون فرضها الغسل فى حال ~~وجود الماء ثم يسقط ذلك الفرض فى حال عدم الماء ، لا إلى فرض من ذلك الجنب ~~عليه أن يغسل سائر جسده بالماء ، فإذا PageV01P257 عدم الماء وجب عليه ~~التيمم فى وجهه ويديه ، وسقط حكم سائر بدنه بعد الوجه واليدين لا إلى بدل ، ~~فلم يدل ذلك أن ما سقط فرضه كان فرضه فى حال وجود الماء المسح فبطلت علة ~~المخالف إذ كان قد لزمه فى قوله مثل ما لزم خصمه ، وهذه معارضة صحيحة ، ~~قاله الطحاوى . * * * # | 25 - باب غسل الأعقاب # وكان ابن سيرين يغسل موضع الخاتم إذا توضأ . / 25 - فيه : أبو هريرة ، ~~أنه قال للناس ، وهم يتوضئون من المطهرة : أسبغوا الوضوء ، فإن أبا القاسم ~~- صلى الله عليه وسلم - قال : تمت ويل للأعقاب من النار - . قد تقدم القول ~~فى معنى هذا الحديث فى الباب الذى قبل هذا ، ونزيده بيانا ، وذلك أنه - صلى ~~الله عليه وسلم - لما أمرهم بإسباغ الوضوء دل أن فرض الرجلين الغسل ، لأنه ~~لما قال : تمت ويل للأعقاب من النار - ، والأعقاب غير ممسوحة عند من يقول ~~بالمسح كما لا تمسح من الخفين كان ms0152 دليلا أن فرض الرجلين غير المسح ، لأنه ~~لما قال لهم : أسبغوا الوضوء ، لما تركوا من أرجلهم دل أن الأرجل توضأ ، ~~ولا يكون ذلك إلا بالغسل ، ولما أراد منهم عموم الرجلين ، حتى لا يبقى منها ~~لمعة كان ذلك دليلا على الغسل لا على المسح ، قاله الطحاوى . واختلفوا فى ~~تحريك الخاتم فى الوضوء فممن روى عنه تحريكه على بن أبى طالب ، وعبد الله ~~بن عمرو بن العاص ، وهو قول PageV01P258 ابن سيرين ، والحسن ، وعروة ، ~~وميمون بن مهران ، وحماد الكوفى ، وإليه ذهب أبو ثور . ورخص فى ترك تحريكه ~~سالم ، وهو قول مالك ، والأوزاعى . وقال أحمد بن حنبل : إن كان ضيقا يخلله ~~، وإن كان سلسا يدعه ، وقاله عبد العزيز بن أبى سلمة . * * * # | 26 - باب غسل الرجلين فى النعلين ، ولا يمسح على النعلين # / 26 - فيه : ابن عمر ، أنه كان يصنع أربعا لم يكن أحد من أصحابه يصنعها ~~، قال : وأما النعال السبتية ، فإنى رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~يلبس النعل التى ليس فيها شعر ، ويتوضأ فيها ، فأنا أحب أن ألبسها . . . . ~~، وذكر باقى الحديث . فى ترجمة البخارى لهذا الباب رد لما روى عن الرسول - ~~صلى الله عليه وسلم - : تمت أنه كان يمسح على النعلين فى الوضوء - ، وروى ~~أيضا عن على بن أبى طالب أنه أجاز ذلك ، وعن أبى مسعود الأنصارى ، والبراء ~~مثله ، وروى أيضا عن النخعى . وحجة هذا القول ما روى حماد بن سلمة ، عن ~~يعلى بن عطاء ، عن أوس بن أبى أوس ، عن أبيه ، أنه كان فى سفر فمسح على ~~نعليه ، فقيل له : لم تفعل هذا ؟ قال : رأيت رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - يمسح على النعلين . فأراد البخارى أن يعرفك من حديث ابن عمر أن ~~PageV01P259 رواية من روى عن الرسول - صلى الله عليه وسلم - المسح على ~~النعلين كان وهما ، وأنه كان غسلا بدليل هذا الحديث ، ولم يصح عند البخارى ~~حديث المسح على النعلين . وأوس بن أبى أوس من الشيوخ الذين لا يوازون بعبيد ~~بن جريج ، عن ابن عمر . وبترك المسح على النعلين قال أئمة ms0153 الفتوى بالأمصار ~~. فإن قال قائل : فقد روى الثورى عن يحيى بن أبى حية ، عن أبى الجلاس ، عن ~~ابن عمر ، أنه كان يمسح على جوربيه ونعليه . فدل أن قوله فى حديث عبيد بن ~~جريج : تمت أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يتوضأ فى النعال ~~السبتية - أنه كان يمسح رجليه فى نعليه فى الوضوء لا أنه كان يغسلهما . قيل ~~له : ليس الأمر كما توهمت ، ولا يصح عن ابن عمر أنه كان يمسح على جوربيه ~~ونعليه ، لأن يحيى بن أبى حية ضعيف ، ولا حجة فى نقله ، والصحيح عن ابن عمر ~~بنقل الأئمة : تمت أنه كان يغسل رجليه ولا يمسح عليهما - . روى أبو عوانة ، ~~عن أبى بشر ، عن مجاهد أنه ذكر له المسح على القدمين ، فقال : تمت كان ابن ~~عمر يغسل رجليه غسلا ، وكنت أسكب عليه الماء سكبا - . وروى عبد العزيز بن ~~الماجشون ، عن عبد الله بن دينار ، عن ابن عمر مثله . وقال عطاء : لم ~~يبلغنى عن أحد من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه مسح على ~~نعليه . فهذا أبو هريرة مما روى عن ابن عمر أنه مسح على نعليه . ~~PageV01P260 قال الطحاوى : ونظرنا فى اختلاف هذه الآثار لنعلم صحيح الحكم ~~فى ذلك ، فرأينا الخفين الذين جوز المسح عليهما إذا تخرقا حتى بدت القدمان ~~منهما أو أكثرهما ، فكل قد أجمع أنه لا يمسح عليهما فلما كان المسح على ~~الخفين إنما يجوز إذا غيبا القدمين ، ويبطل إذا لم يغيبا القدمين ، وكانت ~~النعلان غير مغيبة للقدمين ثبت أنها كالخفين اللذين لا يغيبان القدمين ، ~~فلا يجوز المسح عليهما . والنعال السبتية هى التى لا شعر فيها . قال صحاب ~~العين : سبت رأسه إذا حلقه ، وسأزيد فى شرحه فى كتاب اللباس ، فى باب ~~النعال السبتية إن شاء الله . * * * # | 27 - باب التيمن فى الوضوء والغسل # / 27 - فيه : أم عطية أن النبى قال لهن فى غسل ابنته : تمت ابدأن ~~بميامنها ، ومواضع الوضوء منها - . / 28 - فيه : عائشة قالت : أن النبى كان ~~يعجبه التيمن في تنعله ، وترجله وطهوره وفي شأنه كله ms0154 . قال المهلب : فيه ~~فضل اليمين على الشمال ، ألا ترى قوله - صلى الله عليه وسلم - حاكيا عن ربه ~~: تمت وكلتا يديه يمين - ، وقال تعالى : { فأما من أوتى كتابه بيمينه } [ ~~الحاقة : 19 ] ، وهم أهل الجنة ، وقال - صلى الله عليه وسلم - : تمت لا ~~يبصق أحد فى المسجد عن يمينه - فهذا كله يدل على فضل الميامن . PageV01P261 ~~واستحب جماعة فقهاء الأمصار أن يبدأ المتوضئ بيمينه ، قبل يساره ، فإن بدأ ~~بيساره قبل يمينه فلا إعادة عليه . وقد روى عن على ، وابن مسعود أنهما قالا ~~: لا تبالى بأى يديك ابتدأت . وبدؤه - صلى الله عليه وسلم - بالميامن فى ~~شأنه كله ، والله أعلم ، هو على وجه التفاؤل من أهل اليمين باليمين ، لأنه ~~- صلى الله عليه وسلم - كان يعجبه الفأل الحسن . وقوله - صلى الله عليه ~~وسلم - : تمت وكلتا يديه يمين - ، أراد نفى النقص عنه ، عز وجل ، لأن ~~الشمال أنقص من اليمين . * * * # | 28 - باب التماس الوضوء إذا حانت الصلاة # وقالت عائشة : حضرت الصبح ، فالتمس الماء ، فلم يوجد ، فنزل التيمم . / ~~29 - فيه : أنس ، رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وحانت صلاة ~~العصر ، فالتمس الناس الوضوء فلم يجدوه ، وأتى رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - بوضوء ، فوضع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فى ذلك الإناء يده ، ~~وأمر الناس أن يتوضئوا منه ، قال : فرأيت الماء ينبع من تحت أصابعه حتى ~~توضئوا من عند آخرهم . قال : الصلاة لا تجب إلا بدخول الوقت بإجماع الأمة ، ~~وعند وجوبها يجب التماس الماء للوضوء لمن كان على غير طهارة ، والوضوء قبل ~~الوقت حسن ، لأنه من التأهب للصلاة ، ألا ترى أن PageV01P262 التأهب للعدو ~~قبل لقائه حسن ؟ وليس التيمم هكذا ، ولا يجوز عند أهل الحجاز التيمم للصلاة ~~قبل وقتها ، وأجازه أهل العراق ، ولهذا أجازوا صلوات كثيرة بتيمم واحد . ~~قال المهلب : وفيه أن الأملاك ترتفع عند الضرورة ، لأنه إذا أتى رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - بالماء لم يكن أحد أحق به من غيره بل كانوا فيه ~~سواء . فعرضته على بعض أهل العلم ، فقال : ليس فى الحديث ما يدل على ms0155 ارتفاع ~~مالك مالكه ، ولا فى الأصول ما يرفع الأملاك عن أربابها إلا برضى منهم ، ~~ولعله أراد أن المواساة لازمة عند الضرورة لمن كان فى مائه فضل عن وضوئه . ~~قال عبد الواحد : مما يدل على أن ليس فى إتيانهم بالماء ارتفاع ملك مالكه ~~أنه لو لم يكن فى ذلك الماء غير ما يفوت وضوء الآتى به لم يجز له أن يعطيه ~~لغيره ويتيمم ، لأنه كان يكون واجدا للماء ، فلا يجزئه التيمم إلا أن يكون ~~الرسول أو إمام المسلمين فينبغى أن يفضله به على نفسه ، لحاجة الإمام إلى ~~كمال الطهارة ، وأنها فيه أوكد من سائر الناس ، والماء الذى أتى به رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - لم يرتفع ملك أحد عنه ، لأن من أتى به فقد ~~توضأ به ، والماء الذى ينبع وعم الناس كان ببركة النبى ، - صلى الله عليه ~~وسلم - ، ومن أجله ، فلم يكن لأحد تملكه . وقال المزنى : ما أعطى رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - من هذه الآية العظيمة ، والعلم الجسيم فى نبع الماء ~~من بين أصابعه أعظم مما أوتيه موسى حين PageV01P263 ضرب بعصاه الحجر ، ~~فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا ، لأن الماء معهود أن تنفجر من الحجارة ، وليس ~~بمعهود أن يتفجر من بين أصابع أحد غير نبينا . وقال المهلب مثله ، وزاد : ~~أن الماء كان بمقدار وضوء رجل واحد ، وعم أهل العسكر أجمعين ببركته - صلى ~~الله عليه وسلم - . وهذا الحديث شهده جماعة كثيرة من أصحاب النبى ، - صلى ~~الله عليه وسلم - ، إلا أنه لم يرو إلا من طريق أنس ، وذلك ، والله أعلم ، ~~لطول عمره ، ولطلب الناس العلو فى السند . * * * # | 29 - باب الماء الذى يغسل به شعر الإنسان # وكان عطاء لا يرى به بأسا أن يتخذ منها الخيوط والحبال . وسؤر الكلاب ~~وممرها فى المسجد ، قال الزهرى : إذا ولغ فى إناء ليس له وضوء غيره يتوضأ ~~به . قال سفيان : هذا الفقه بعينه ، لقول الله عز وجل : { فلم تجدوا ماء ~~فتيمموا } [ المائدة : 6 ] وهذا ماء ، وفى النفس منه شىء يتوضأ به ويتيمم . ~~/ 30 - فيه : ابن سيرين ms0156 ، قلت لعبيدة : عندنا من شعر النبى ، - صلى الله ~~عليه وسلم - ، أصبناه من قبل أنس ، فقال : لأن تكون عندى شعرة منه أحب إلى ~~من الدنيا وما فيها . / 31 - وفيه : أنس ، أن النبى ، - صلى الله عليه وسلم ~~- ، لما حلق رأسه ، كان أبو طلحة أول من أخذ من شعره . PageV01P264 قال ~~المهلب : هذه الترجمة أراد بها البخارى رد قول الشافعى أن شعر الإنسان إذا ~~فارق الجسد نجس ، وإذا وقع فى الماء نجسه ، وذكر قول عطاء : أنه لا بأس ~~باتخاذ الخيوط منها والحبال ، ولو كان نجسا لما جاز اتخاذه . ولما جاز ~~اتخاز شعر النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، والتبرك به ، علم أنه طاهر ، ~~وعلى قول عطاء جمهور العلماء . قال المهلب : وفى حديث أنس دليل على أن ما ~~أخذ من جسد الإنسان من شعر أو ظفر أنه ليس بنجس ، وقد جعل خالد بن الوليد ~~فى قلنسوته من شعر النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، فكان يدخل بها فى ~~الحرب فسقطت له يوم اليمامة ، فاشتد عليها شدة أنكر عليه أصحاب النبى ، - ~~صلى الله عليه وسلم - ، لقتله من قتل فيها من المسلمين ، فقال : إنى لم ~~أفعل ذلك لقيمتها ، لكنى كرهت أن تقع بأيدى المشركين وفيها من شعر الرسول - ~~صلى الله عليه وسلم - . وأما قوله : تمت إن أبا طلحة أول من أخذ من شعر ~~النبى - ، فإنه - صلى الله عليه وسلم - ، لما حلق رأسه ناول أبا طلحة شعره ~~فقسمه بين الناس ، ذكر ذلك ابن المنذر . قال : ومن قول أصحابنا : أن من مس ~~عضوا من أعضاء زوجته أن عليه الوضوء ، وليس على من مس شعرها طهارة . وذكر ~~فى الباب أربعة أحاديث فى الكلب : / 32 - أولها : حديث أبى هريرة قال : قال ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : تمت إذا شرب الكلب فى إناء أحدكم ~~فليغسله سبعا - . PageV01P265 / 33 - وحديثه - صلى الله عليه وسلم - : تمت ~~أن رجلا رأى كلبا يأخذ الثرى من العطش ، فأخذ الرجل خفه ، فجعل يغرف له به ~~حتى أرواه ، فشكر الله له ، فأدخله الجنة - . / 34 - وحديث حمزة بن عبدالله ~~، عن أبيه ، قال ms0157 : كانت الكلاب تبول وتقبل وتدبر فى المسجد فى زمان النبى ، ~~- صلى الله عليه وسلم - ، فلم يكونوا يرشون شيئا من ذلك . / 35 - وحديث عدى ~~بن حاتم ، أن النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، قال : تمت إذا أرسلت كلبك ~~المعلم فقتل ، فكل - . وهذه الأحاديث معلقة بقوله فى الترجمة : وسؤر الكلاب ~~وممرها فى المسجد ، فتقدير الترجمة باب الماء الذى يغسل به شعر الإنسان ، ~~وباب سؤر الكلاب ، وغرضه فى ذلك إثبات طهارة الكلب وطهارة سؤره . واختلف ~~العلماء فى الماء الذى ولغ فيه الكلب : فقالت طائفة : الماء طاهر يتطهر به ~~للصلاة ويغتسل به إذا لم يجد غيره . هذا قول الزهرى ، ومالك والأوزاعى . ~~وقال الثورى ، وابن الماجشون ، وابن مسلمة من أصحاب مالك ، يتوضأ به ويتيمم ~~، جعلوه كالماء المشكوك فيه . وذهب أبو حنيفة ، وأصحابه ، والليث ، ~~والشافعى ، وأبو ثور إلى أن كل ما ولغ فيه الكلب نجس ، ذكره ابن المنذر . ~~PageV01P266 وحكى الطحاوى عن الأوزاعى : أن سؤر الكلب فى الإناء نجس ، وفى ~~الماء المستنقع ليس بنجس . قال ابن القصار : والدليل على طهارته أمره - صلى ~~الله عليه وسلم - بغسل الإناء سبعا ، ولو كان منه نجاسة لأمر بغسله مرة ~~واحدة ، إذا التعبد فى غسل النجاسة إزالتها لا بعدد من المرات ، وقد يجوز ~~أن يؤمر بغسل الطاهر مرارا لمعنى كغسل أعضاء الوضوء مرتين مرتين ، وثلاثا ~~ثلاثا ، والغرض منها مرة واحدة ، وقد قال مالك : إذا ولغ فى الطعام أكل ~~الطعام ، ويغسل الإناء سبعا ، اتباعا للحديث . قال ابن القصار : والدليل ~~على طهارة الكلب أيضا أنه قد ثبت فى الشرع أن الطاهر هو الذى أبيح لنا ~~الانتفاع به مع القدرة على الامتناع منه لا لضرورة ، والنجس ما نهى عن ~~الانتفاع به مع القدرة عليه ، وقد قامت الدلالة على جواز الانتفاع بالكلب ~~لا لضرورة كالصيد وشبهه ، وإنما أمر بغسل الإناء سبعا على وجه التغليظ ~~عليهم ، لأنهم نهوا عنها لترويعها الضيف ، والمجتاز كذلك . قال ابن عمر ، ~~والحسن البصرى : فلما لم ينتهوا ، غلظ عليهم فى الماء لقلة المياه عندهم فى ~~البادية حتى يشتد عليهم ، فيمتنعون من اقتنائها ، لا لنجاسة ms0158 . قال المهلب : ~~وأما حديث الذى سقى الكلب ، فغفر له ، ففيه دليل على طهارة سؤره ، لأن ~~الرجل ملأ خفه وسقاه به ، ولا شك أن سؤره بقى فيه واستباح لباسه فى الصلاة ~~وغيرها دون غسله ، إذا لم يذكر فى الحديث أنه غسله . PageV01P267 قال غيره ~~: وفيه وجه آخر ، وذلك قوله : تمت فجعل يغرف حتى أرواه - . وذلك يدل أنه ~~تكرر فعله فى تناوله الماء من البئر حتى أرواه مرة بعد أخرى ، ولو كان سؤره ~~نجسا لأفسد البئر بذلك . قال المهلب : وفى هذا الحديث دليل أن فى كل كبد ~~رطبة أجر ، كان مأمورا بقتله أو غير مأمور ، فكذلك يجب أن يكون فى الأسرى ~~من الكفار ، لأن التعطيش ، والتجويع تعذيب ، والله تعالى لا يريد أن يعذب ~~خلقه بل تمثل فيهم فضله من الإحسان على عصيانهم . وفى حديث حمزة أن الكلب ~~طاهر ، لأن إقبالها وإدبارها فى الأغلب أن تجر فيه أنوفها وتلحس فيه الماء ~~وفتات الطعام ، لأنه كان مبيت الغرباء والوفود ، وكانوا يأكلون فيه ، وكان ~~مسكن أهل الصفة ، ولو كان الكلب نجسا لمنع من دخول المسجد لاتفاق المسلمين ~~أن الأنجاس تجنب المساجد ، قال الله تعالى : { إنما المشركون نجس فلا ~~يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا } [ التوبة : 28 ] . وقوله : تمت تقبل ~~وتدبر - يدل على تكررها على ذلك ، وتركهم لها يدل على أنه لا نجاسة فيها ، ~~لأنه ليس فى حى نجاسة . وقد روى ابن وهب ، عن يونس ، عن ابن شهاب زيادة فى ~~هذا الحديث عن ابن عمر ، قال : تمت كانت الكلاب تبول ، وتقبل وتدبر فى ~~المسجد ، فلم يكونوا يرشون شيئا من ذلك - . ورواه أبو داود . وأما حديث عدى ~~، فهو أدل شىء على طهارة الكلب ولعابه ، وقد PageV01P268 احتج مالك على ~~طهارته بقوله تعالى : { فكلوا مما أمسكن عليكم } [ المائدة : 4 ] ، ومعلوم ~~أنه إذا أمسك علينا فلابد من وصول لعابه مع أسنانه إلى جسم الصيد ، ومعلوم ~~أنهم فى مواضع الصيد يسمطونه ويشوونه بغشل وبغير غسل ، ولو كان لعابه نجسا ~~لبين النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، لمن صاده فى مكان لا ماء فيه ms0159 أن لا ~~يحل له أكله ، فلما لم يأت فى هذا بيان منه ، علم أنه مباح أكله ، وإن لم ~~يغسل من لعاب الكلب ، إذ تداخله وغاص فيه . وقال ابن القصار : وأيضا فإن ~~الله تعالى جعل الكلب المعلم مذكيا للصيد ، ومحال أن يبيحنا تزكية نجس ~~العين ، وكل حى حصلت منه التذكية فهو طاهر العين كابن آدم . وقال محمد بن ~~الجهم ، ومحمد بن سحنون : اختلف قول مالك فى غسل الإناء من ولوغ الكلب ، ~~فقيل : إنه جعل معنى الحديث فى الكلب الذى لم يؤذن فى اتخاذه ، وقيل : إنه ~~جعله عاما فى كل كلب ، فالقول الأول هو قول محمد بن المعدل ، وغسله عند ~~مالك مسنون إذا أريد استعماله ، فإن لم يرد استعماله لم يجب غسله . قال ابن ~~القصار : وهذا مذهب الفقهاء إلا قواما من المتأخرين حكى عنهم أنه يجب غسله ~~سبعا سواء أريد استعماله أو لم يرد . قال المؤلف : ومن جعل سؤر الكلب نجسا ~~فغسل الإناء من ولوغه عنده فرض ، ولا يغسل الإناء عند مالك إذا ولغ فى لبن ~~، أو طعام يؤكل الطعام واللبن ، وإنما يغسل فى الماء وحده ، هذا قوله فى ~~PageV01P269 المدونة ، وذكر ابن حبيب عن مالك أن الإناء يغسل ، وإن ولغ فى ~~ماء أو لبن أو طعام . واختلفوا فى عدد غسل الإناء من ولوغه : فذهب ابن عباس ~~، وعروة ، وطاوس ، ومالك ، والأوزاعى ، والشافعى ، وأحمد ، وإسحاق ، وأبو ~~ثور إلى أن يغسل سبعا اتباعا لحديث أبى هريرة . وقال الحسن البصرى : يغسل ~~سبعا والثامنة بالتراب ، واحتج فى ذلك بما رواه شعبة عن أبى التياح ، عن ~~مطرف بن عبد الله ، عن عبد الله بن مغفل ، أن النبى ، - صلى الله عليه وسلم ~~- ، أمر بقتل الكلاب ، ثم قال : تمت ما لى وللكلاب - ، ثم قال : تمت إذا ~~ولغ الكلب فى إناء أحدكم فليغسله سبع مرات ، وعفروه الثامنة بالتراب - . ~~وروى عطاء عن أبى هريرة فى الإناء يلغ فيه الكلب ، قال : يغسل ثلاثا ، وهو ~~قول الزهرى . وقال عطاء : كلا ، قد سمعت : سبعا ، وخمسا ، وثلاث مرات . ~~وقال أبو حنيفة وأصحابه : يغسل من ولوغ الكلب ms0160 كما يغسل من سائر النجاسات ~~ولا عدد فى ذلك . وأولى ما قيل به فى هذا الباب حديث أبى هريرة فى الغسل ~~سبعا ، فهو أصح من حديث ابن مغفل ، ومن كل ما روى فى ذلك ، فقد اضطرب حديث ~~ابن مغفل ، فروى مرة عن شعبة ، عن أبى التياح ، عن مطرف ، عن ابن مغفل ، أن ~~النبى ، - صلى الله عليه وسلم - : تمت أمر بقتل الكلاب ، ورخص فى كلب الزرع ~~والصيد - . وروى مرة على خلاف هذا . PageV01P270 وروى أبو شهاب ، عن يونس ~~بن عبيد ، عن الحسن ، عن ابن مغفل ، قال : تمت لولا أن الكلاب أمة لأمرت ~~بقتلها ، فاقتلوا منها الأسود البهيم - . ومثل هذا الاضطراب يوجب سقوط ~~الحديث . * * * # | 30 - باب من لم ير الوضوء إلا من المخرجين من القبل والدبر # بقوله تعالى : { أو جاء أحد منكم من الغائط } [ المائدة : 6 ] . وقال ~~عطاء فيمن يخرج من دبره الدود ، أو من ذكره نحو القملة : يعيد الوضوء . ~~وقال جابر بن عبدالله : إذا ضحك فى الصلاة أعاد الصلاة ولم يعد الوضوء . ~~وقال الحسن : إن أخذ من شعره ، أو من أظفاره ، أو خلع خفيه ، فلا وضوء عليه ~~. وقال أبو هريرة : لا وضوء إلا من حدث . ويذكر عن جابر أن النبى ، - صلى ~~الله عليه وسلم - ، كان فى غزوة ذات الرقاع ، فرمى رجل بسهم ، فنزفه الدم ~~فركع ، وسجد ، ومضى فى صلاته . وقال الحسن : ما زال المسلمون يصلون فى ~~جراحاتهم . PageV01P271 وقال طاوس ومحمد بن على وعطاء وأهل الحجاز : ليس فى ~~الدم وضوء . وعصر ابن عمر بثرة ، فخرج منها دم ، ولم يتوضأ . وبزق ابن أبى ~~أوفى دما ، فمضى فى صلاته . وقال ابن عمر والحسن فيمن احتجم : ليس عليه إلا ~~غسل محاجمه . هكذا رواه المستملى وحده بإثبات تمت إلا - ، ورواه الكشميهنى ~~وأكثر الرواة بغير تمت إلا - ، فالمعروف عن ابن عمر ، والحسن أن عليا غسل ~~محاجمه ، ذكره ابن المنذر ، فرواية المستملى هى الصواب . / 36 - فيه : أبو ~~هريرة ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : تمت لا يزال العبد ~~فى صلاة ما دام فى المسجد ينتظر الصلاة ما ms0161 لم يحدث - . فقال رجل أعجمى : ما ~~الحدث يا أبا هريرة ؟ قال : الصوت ، يعنى الضرطة . / 37 - فيه : عبد الله ~~بن زيد ، قال - صلى الله عليه وسلم - : تمت لا تنصرف حتى تسمع صوتا أو تجد ~~ريحا - . / 38 - وفيه : المقداد ، أنه سأل النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ~~، عن المذى ، فقال : - فيه الوضوء - . / 39 - وفيه : عثمان ، عن النبى ، - ~~صلى الله عليه وسلم - : تمت إذا جامع ولم يمن ؟ يتوضأ كما يتوضأ للصلاة ، ~~ويغسل ذكره - . وقال ذلك : على ، وطلحة ، والزبير ، وأبى بن كعب . / 40 - ~~وفيه : أبو سعيد الخدرى ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أرسل إلى ~~رجل من PageV01P272 الأنصار ، فجاء ورأسه يقطر ، فقال - صلى الله عليه وسلم ~~- : تمت لعلنا أعجلناك - ؟ فقال : نعم ، فقال - صلى الله عليه وسلم - : تمت ~~إذا أعجلت ، أو أقحطت ، فعليك الوضوء - . قال المؤلف : أما المخرجان فعند ~~أبى حنيفة والشافعى أن كل ما يخرج منهما حدث ينقض الوضوء ، نادرا أو معتادا ~~، وعند مالك أن ما يخرج من المخرجين معتادا أنه ينقض الوضوء ، وما خرج ~~نادرا على وجه المرض لا ينقض الوضوء ، كالاستحاضة ، وسلس البول ، والمذى ، ~~والحجر ، والدود ، والدم ، وأما ما خرج من بدن الإنسان من الأنجاس من غير ~~المخرجين كالقىء والرعاف ، أو دم فصاد ، أو دمل فلا وضوء عليه فيه عند ~~جماعة العلماء ، لا وضوء فى الجشاء المتغير ، وهذا مذهب جماعة من الصحابة ، ~~وهو قول الحسن ، وربيعة ومكحول ، ومالك ، والشافعى ، وأبى ثور . وذهب أبو ~~حنيفة وأصحابه إلى أن الوضوء فيما سال من ذلك وكثر ، وإن لم يسل فلا وضوء ~~عليه فيه ، وكذلك القىء إن ملأ الفم ففيه الوضوء عنده ، وإن كان دون ذلك ~~فلا وضوء فيه ، وممن كان يوجب فى الدم الوضوء . قال مجاهد فى الخدش يخرج ~~منه الدم : يتوضأ وإن لم يسل . وقال سعيد بن جبير : لا يتوضأ حتى يسيل . ~~وممن أوجب الوضوء فى الرعاف : سعيد بن المسيب ، وعطاء ، والثورى ، وأبو ~~حنيفة ، وأحمد بن حنبل . وذكر ابن المنذر عن ابن عمر ، والحسن ، وعطاء ، ~~أنهم كانوا يرون من الحجامة الوضوء وغسل أثر المحاجم ms0162 ، وهو قول أبى حنيفة ~~وأصحابه وأحمد . PageV01P273 قال ابن المنذر : وقد روينا عن غير واحد أنهم ~~كانوا يغتسلون من الحجامة ، روى ذلك عن على ، وابن عباس ، ومجاهد ، وابن ~~سيرين . وذكر عن ابن عمر ، والحسن البصرى ، رواية أخرى : أنه لا وضوء من ~~الحجامة ، وإنما عليه غسل مواضعها فقط ، وهو قول مالك ، وأهل المدينة ، ~~والليث ، والشافعى ، وأبى ثور . وقال الليث : يجزئه أن يمسحه ويصلى ولا ~~يغسله . وعلى هذا الفصل بوب البخارى هذا الباب رادا عليه ، أن لا وضوء إلا ~~من المخرجين وذكر قول الصحابة والتابعين ، أنه لا وضوء من الدم ، ولا من ~~الحجامة ، واحتج بقوله تعالى : { أو جاء أحد منكم من الغائط } [ النساء : ~~43 ، المائدة : 6 ] ، وحديث الذى رمى بسهم فنزفه الدم ، ومضى فى صلاته حجة ~~فى أن الدم لا ينقض الوضوء . وسائر أحاديث الباب حجة فى أن لا وضوء إلا من ~~المخرجين . وقول عطاء فيمن خرج من دبره الدود ، ومن ذكره نحو القملة ، يعيد ~~الوضوء ، فهو مذهب أبى حنيفة والشافعى ، فأما مالك فلا يوجب فى شىء من ذلك ~~وضوءا إلا أن يخرج معهما شىء من حدث . وقول جابر : إذا ضحك فى الصلاة أعاد ~~الصلاة . فهو إجماع من العلماء ، وإنما الخلاف هل ينقض وضوءه أم لا ؟ . ~~فذهب مالك والليث والشافعى إلى أنه لا ينقض وضوءه . وذهب الحسن والنخعى إلى ~~أن الضحك فى الصلاة ينقض الوضوء ، وهو قول أبى حنيفة وأصحابه ، والثورى ، ~~والأوزاعى . PageV01P274 وحجة من لم ير الوضوء من الضحك : أنه لما لم يكن ~~حدثا فى غير الصلاة لم يكن حدثا فى الصلاة . وقول الحسن : من أخذ من شعره ~~أو أظفاره ، فلا وضوء عليه ، هو قول أهل الحجاز والعراق . وروى عن أبى ~~العالية ، والحكم ، ومجاهد ، وحماد إيجاب الوضوء فى ذلك . وقال عطاء ~~والشافعى والنخعى يمسه بالماء . وأما من خلع خفيه بعد المسح عليهما ففيهما ~~أربعة أقوال : قال مكحول ، والنخعى ، والزهرى ، وابن أبى ليلى ، والأوزاعى ~~، وأحمد وإسحاق : يستأنف الوضوء من أوله ، وهو قول الشافعى القديم . وقال ~~مالك والليث : يغسل رجليه مكانه ، فإن لم يغسل استأنف ms0163 الوضوء . وقال الثورى ~~، وأبو حنيفة ، والشافعى فى الجديد ، والمزنى ، وأبو ثور : يغسل رجليه إذا ~~أراد الصلاة ، ومن جعل الرتبة مستحبة فى الوضوء من أصحاب مالك يقول مثل هذا ~~. وقال الحسن البصرى : لا شىء عليه ويصلى كما هو ، وهو قول مالك ، وروى ~~مثله عن النخعى . وحديث الذى نزفه الدم من السهم ، ومضى فى صلاته ، يدل أن ~~الرعاف والدم لا ينقضان الوضوء ، وهو قول أهل الحجاز ، وهو رد على أبى ~~حنيفة . PageV01P275 وفى الحجامة عند أبى حنيفة وأصحابه : الوضوء ، وهو قول ~~أحمد بن حنبل . وعند ربيعة ، ومالك ، والليث ، وأهل المدينة : لا وضوء فى ~~الحجامة ، وهو قول الشافعى ، وأبى ثور ، وقالوا : ليس فى الحجامة إلا غسل ~~مواضعها فقط . وقال الليث : يجزئ أن يمسحه ويصلى ولا يغسله وسائر ما ذكره ~~البخارى فى هذا الباب من أقوال الصحابة والتابعين أنه لا وضوء من الدم ~~والحجامة مطابق للترجمة أنه لا وضوء فى غير المخرجين ، وكذلك أحاديث الباب ~~حجة فى ذلك أيضا . وقوله : تمت الحدث الضرطة ، ولا ينصرف حتى يسمع صوتا ، ~~أو يجد ريحا - ، هو إجماع من العلماء . وحديث المقداد فى المذى ، مجمع عليه ~~أن فيه الوضوء أظنه إلا أن يسلس منه عند مالك فهو مرض ، ولا يكون فيه ~~الوضوء ، وحجته فى مراعاة المعتاد من المخرجين قوله - صلى الله عليه وسلم - ~~فى دم الاستحاضة : تمت إنما ذلك عرق ، وليس بالحيض - ، فعلل - صلى الله ~~عليه وسلم - دم الاستحاضة بأنه عرق ، ودم العرق لا يوجب وضوءا ، وسيأتى هذا ~~المعنى مبينا فى مواضعه ، إن شاء الله . وأما حديث عثمان وأبى سعيد فأقل ~~أحوالهما حصول المذى لمن جامع ولم يمن ، فهما فى معنى حديث المقداد من وجه ~~إلا أن جماعة العلماء ، وأئمة الفتوى مجمعون على الغسل من مجاوزة الختان ، ~~لأمر PageV01P276 رسول الله ، - صلى الله عليه وسلم - ، بذلك ، وهو زيادة ~~بيان على حديث عثمان وأبى سعيد ، يجب الأخذ بها إذ الأغلب فى ذلك سبق الماء ~~للمولج وهو لا يشعر به لمغيب العضو ، إذ ذلك بدء اللذة ، وأول العسيلة ، ~~فالتزم المسلمون الغسل من مغيب ms0164 الحشفة بالسنة الثابتة فى ذلك ، وشذ عن ~~جماعتهم جاهل ، خرق الإجماع وخالف سبيل المؤمنين الذين أمرنا باتباعهم ، ~~فلا يلتفت إليه ولا يعد خلافا ، وسيأتى الكلام فى هذا المعنى مستوعبا فى ~~باب الغسل ، إن شاء الله . وقوله : تمت أو قحطت - هكذا وقع فى الأمهات وذكر ~~صاحب الأفعال قال : يقال : أقحط الرجل إذا أكسل فى الجماع عن الإنزال ، ولم ~~يذكر قحط ، والله أعلم . * * * # | 31 - باب الرجل يوضئ صاحبه # / 41 - فيه : ابن عباس ، عن أسامة ، أن النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، ~~لما أفاض من عرفة عدل إلى الشعب ، فقضى حاجته ، قال أسامة : فجعلت أصب عليه ~~، ويتوضأ ، فقلت : يا رسول الله ، أتصلى ؟ فقال : تمت المصلى أمامك - . / ~~42 - وفيه : المغيرة أنه كان مع النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، في سفر ~~وأنه ذهب لحاجته ، وأن المغيرة جعل يصب عليه ويتوضأ ، فغسل وجهه ويديه ، ~~ومسح برأسه ، ومسح على الخفين . قوله : تمت فجعلت أصب الماء عليه ويتوضأ - ~~، PageV01P277 فيه ما ترجم به وهو قول جماعة العلماء ، وهذا الباب رد لما ~~روى عن عمر ، وعلى ، أنهما نهيا أن يستقى لهما الماء لوضوئهما ، وقالا : ~~نكره أن يشركنا فى الوضوء أحد ، ورويا ذلك عن النبى ، - صلى الله عليه وسلم ~~- ، ولما روى عن ابن عمر أنه قال : ما أبالى أعاننى رجل على طهورى ، أو على ~~ركوعى وسجودى . وهذا كله مردود بآثار هذا الباب . قال الطبرى : وقد صح عن ~~ابن عمر أن ابن عباس صب على يدى عمر الوضوء بطريق مكة ، حين سأله عن ~~المرأتين اللتين تظاهرتا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وثبت عن ~~ابن عمر خلاف ما ذكر عنه ، وروى شعبة ، عن أبى بشير ، عن مجاهد أنه كان ~~يسكب على ابن عمر الماء ، فيغسل رجليه . وهذا أصح مما خالفه عن ابن عمر ، ~~لأن راويه أيفع ، وهو مجهول . والحديث عن على لا يصح ، لأن راويه النضر بن ~~ميمون ، عن أبى الجنوب ، عن على ، وهما غير حجة فى الدين ، فلا يعتد ~~بنقلهما ، ولو صح ذلك عن عمر لم يكن بالذى يبيح لابن عباس ms0165 صب الماء على ~~يديه للوضوء إذ ذاك أقرب للمعونة من استقاء الماء له ، ومحال أن يمنع عمر ~~استقاء الماء له ويبيح صب الماء عليه للوضوء مع سماعه من النبى ، - صلى ~~الله عليه وسلم - ، الكراهية لذلك . وممن كان يستعين على وضوئه بغيره من ~~السلف ، قال الحسن : رأيت عثمان أمير المؤمنين يصب عليه من إبريق ، وفعله ~~عبد الرحمن بن أبزى ، والضحاك بن مزاحم ، وقال أبو الضحى : لا بأس للمريض ~~أن توضئه الحائض . قال غيره : واستدل البخارى من صب الماء عليه عند الوضوء ~~أنه PageV01P278 يجوز للرجل أن يوضئه غيره ، لأن لما لزم المتوضئ اغتراف ~~الماء من الإناء لأعضائه وجاز له أن يكفيه ذلك غيره ، بدليل صب أسامة الماء ~~على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لوضوئه ، والاغتراف بعض عمل الوضوء ، ~~فكذلك يجوز سائر الوضوء ، وهذا من باب القربات التى يجوز أن يعملها الرجل ~~عن غيره بخلاف الصلاة . ولما أجمعوا أنه جائز للمريض أن يوضئه غيره وييممه ~~غيره إذا لم يستطع ، ولا يجوز أن يصلى عنه إذا لم يستطع ، دل أن حكم الوضوء ~~بخلاف حكم الصلاة . * * * # | 32 - باب قراءة القرآن بعد الحدث وغيره # قال إبراهيم : لا بأس بالقراءة فى الحمام ، وبكتب الرسالة على غير وضوء . ~~وقال إبراهيم : إن كان عليهم إزار فسلم ، وإلا فلا تسلم . / 43 - فيه : ابن ~~عباس ، أنه بات ليلة عند ميمونة زوج النبى - صلى الله عليه وسلم - - وهي ~~خالته - فاضطجعت فى عرض الوسادة ، واضطجع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~وأهله فى طولها ، فنام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، حتى إذا انتصف ~~الليل ، أو قبله بقليل ، أو بعده بقليل ، استيقظ رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - ، فجلس يمسح النوم عن وجهه بيده ، ثم قرأ العشر الآيات الخواتم من ~~سورة آل عمران ، ثم قام إلى شن معلقة ، فتوضأ منها فأحسن وضوءه . . . . ~~وذكر باقى الحديث . فى هذا الحديث من الفقه رد على من كره قراءة القرآن على ~~غير طهارة لمن لم يكن جنبا ، وهو الحجة الكافية فى ذلك ، لأنه - صلى الله ~~عليه ms0166 وسلم - قرأ العشر الآيات من آخر آل عمران بعد قيامه من نومه قبل ~~PageV01P279 وضوئه ، وقد قال عمر بن الخطاب لأبى مريم الحنفى ، حين قال له ~~: أتقرأ يا أمير المؤمنين على غير وضوء ؟ فقال له عمر : من أفتاك بهذا ~~أمسيلمة ؟ ! وحسبك بعمر فى جماعة الصحابة ، وهم القدوة الذين أمرنا ~~باتباعهم ، ومن الحجة لهذه المقالة أيضا أن الله لم يوجب فرض الطهارة على ~~عباده المؤمنين إلا إذا قاموا إلى الصلاة ، وقد صح عنه - صلى الله عليه ~~وسلم - أنه خرج من الخلاء فأتى بطعام ، فقيل له : ألا تتوضأ ، فقال : تمت ~~أريد أن أصلى فأتوضأ - ؟ فرأى - صلى الله عليه وسلم - تأخير الطهارة بعد ~~الحدث إلى حال إرادته الصلاة . وكره جمهور العلماء مس المصحف على غير وضوء ~~، وأجازه الشعبى ، ومحمد بن سيرين . واختلف العلماء فى قراءة الجنب للقرآن ~~، فروى عن جماعة من السلف أنه ممنوع من ذلك ، وأجاز ذلك آخرون ، وسيأتى ذكر ~~ذلك بعد هذا ، إن شاء الله . واختلفوا فى القراءة فى الحمام ، فأجازه ~~النخعى ومالك ، وكرهه أبو وائل ، والشعبى ومكحول ، والحسن . * * * # | 33 - باب من لم يتوضأ إلا من الغشى المثقل # / 44 - فيه : أسماء بنت أبى بكر ، أنها قالت : أتيت عائشة زوج النبى ، - ~~صلى الله عليه وسلم - ، حين كسفت الشمس ، فإذا الناس قيام يصلون ، وإذا هى ~~قائمة تصلى ، فقلت : ما للناس ؟ فأشارت بيدها نحو السماء ، فقالت : سبحان ~~الله ، PageV01P280 فقلت : آية ؟ فأشارت أن نعم ، فقمت حتى تجلانى الغشى ، ~~وجعلت أصب فوق رأسى ماء . . . . . وذكر باقى الحديث . قال عبد الواحد : ~~الغشى : مرض يعرض من طول التعب والوقوف ، يقال فيه : غشى عليه ، وهو ضرب من ~~الإغماء ، إلا أنه أخف منه إذا كان خفيفا ، ولا ينقض الوضوء ، ولا الصلاة ، ~~وإنما صبت أسماء الماء على رأسها مدافعة للغشى ، ولو كان كثيرا لقطعت ~~الصلاة ، لأنه إذا كثر صار كالإغماء ، ونقض الوضوء بإجماع . وقال صاحب ~~العين : غشى عليه : ذهب عقله ، وفى القرآن { كالذى يغشى عليه من الموت } [ ~~الأحزاب : 19 ] ، وقال : { فأغشيناهم فهم لا يبصرون } [ يس : 9 ] . * * * # | 34 - باب مسح الرأس كله لقول ms0167 الله تعالى : { وامسحوا برءوسكم } [ ~~المائدة : 6 ] # وقال ابن المسيب : المرأة بمنزلة الرجل تمسح على رأسها . وسئل مالك : ~~أيجزئ أن يمسح بعض رأسه ؟ فاحتج بحديث عبدالله بن زيد . / 45 - فيه : ~~عبدالله بن زيد أن رجلا قال له : أتستطيع أن ترينى كيف كان رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - يتوضأ ؟ فدعا بماء فأفرغ على يديه ، فغسل يديه مرتين ، ثم ~~مضمض واستنثر ثلاثا ، ثم غسل وجهه ثلاثا ، ثم غسل يديه إلى المرفقين مرتين ~~مرتين ، ثم مسح رأسه بيديه ، فأقبل بهما وأدبر ، بدأ بمقدم PageV01P281 ~~رأسه ثم ذهب بهما إلى قفاه ، ثم ردهما إلى المكان الذى بدأ منه ، ثم غسل ~~رجليه . اختلف أهل التأويل فى قوله تعالى : { وامسحوا برءوسكم } [ المائدة ~~: 6 ] . فقالت طائفة : المراد منه مسح جميع الرأس ، واحتجوا فى ذلك بحديث ~~عبد الله بن زيد ، قالوا : وهذا الحديث يدل على عموم الرأس بالمسح كعموم ما ~~سواه من الأعضاء بالغسل ، هذا قول مالك . وقال آخرون : بل الفرض مسح بعضه ، ~~واختلف أهل هذه المقالة فى مقدار الممسوح منه ، فقال أبو حنيفة وأصحابه : ~~إن مسح ربع رأسه أجزأه ، ويبدأ بمقدم رأسه . وقال الحسن بن حى : يبدأ بمؤخر ~~رأسه ، وقال محمد بن مسلمة صاحب مالك : يجزئه أن يمسح ثلثى رأسه . وقال ~~أشهب : إن اقتصر على ثلثه أجزأه . ذكره عنه ابن القصار ، وروى البرقى ، عن ~~أشهب فيمن مسح مقدم رأسه : يجزئه ، وهو قول الأوزاعى ، والليث . قال : وذكر ~~ابن القصار عن الثورى والشافعى : يجزئه مسح ما يقع عليه الاسم ، وقالوا : ~~المسح فى لسان العرب ليس من شأنه الاستيعاب ، واحتج الطحاوى لأصحابه ، قال ~~: لما احتمل قوله تعالى : { وامسحوا برءوسكم } [ المائدة : 6 ] مسح جميع ~~الرأس واحتمل مسح بعضه ، ودلت السنة فى حديث المغيرة أن بعضه يجزئ دل أن ~~ذلك هو الفرض . وروى حماد بن زيد ، عن أيوب ، عن ابن سيرين ، عن عمرو بن ~~PageV01P282 وهب الثقفى ، عن المغيرة ابن شعبة ، أن النبى ، - صلى الله ~~عليه وسلم - ، مسح بناصيته ، وعلى عمامته . ورواه ابن عون ، عن ابن سيرين ، ~~عن المغيرة . وقالوا فى حديث عبد الله ms0168 بن زيد ، أن النبى ، - صلى الله عليه ~~وسلم - ، مسح رأسه كله ، وليس فى ذلك ما يدل على أنه الفرض لأنا رأيناه - ~~صلى الله عليه وسلم - توضأ مرتين مرتين ، وثلاثا ثلاثا لا على أن ذلك هو ~~الفرض ، ولكن منه فرض ، ومنه فضل ، ولما اكتفى - صلى الله عليه وسلم - بمسح ~~الناصية عن مسح بقية الرأس ، دل أن الفرض فى مسحه هو مقدار الناصية وأن ما ~~فعله فى حديث عبد الله بن زيد وغيره مما جاوز به الناصية ، كان على الفضل ~~لا على الوجوب لا تتضاد الأحاديث . قالوا : ومن طريق النظر : أنا ومخالفونا ~~نمسح على الخفين ونجمع على أن المسح عليهما لا يعمهما ، لأن من كان منا ~~يمسح عليهما خطوطا بالأصابع يقول : لا يمسح جانبيهما ، ولا أعقابهما ، ولا ~~بطونهما ، ومن كان منا يمسح على ظهورهما ، وعلى بطونهما لا يمسح على ~~جوانبهما ، ولا على أعقابهما ، فدل ذلك على أن ما فرضه المسح لا يراد عمومه ~~، وإنما يراد بعضه . فأدخل عليهم الآخرون ، وقالوا : وجدنا المتيمم يعم ~~بالمسح الوجه واليدين ، فكذلك المسح فى الوضوء ، ينبغى أن يعم به العضو ~~الممسوح قياسا ونظرا ، ولأن الأمة مجمعة أن من مسح برأسه كله فهو مؤد لفرضه ~~، واختلفوا فيمن مسح بعضه ، فالواجب أن لا يؤدى فرض الوضوء إلا بيقين ، وهو ~~مسح الرأس كله . فكان من حجة الآخرين عليهم أن التيمم يشبه بعضه بعضا ، ~~ومنه التيمم على الوجه يعم به ، ومن التيمم على اليدين تعمان ، والوضوء ~~PageV01P283 ليس كذلك ، فمنه المسح على الخفين اللذين لا يعمان به ، والمسح ~~على الرأس الذى منه أشبه بالمسح على الخفين الذى منه ، من مسح التيمم الذى ~~ليس منه ، وقياس مسح الوضوء على مسح الوضوء أصح من قياسه على مسح التيمم ، ~~هذا قول الطحاوى . وقال غيره : ويقال لمن زعم أن مسح الوجه فى التيمم لا ~~يجزئ بعضه : فكذلك مسح الرأس ، لأن مسح الوجه فى التيمم بدل من عموم غسله ، ~~فلابد أن يأتى بالمسح على جميع مواضع الغسل منه ، ومسح الرأس أصل ، فهذا ~~فرق ما بينهما . واحتج الذين ms0169 قالوا بمسح جميع الرأس بأن الباء فى قوله : { ~~برءوسكم } [ المائدة : 6 ] للإلصاق لا للتبعيض ، وهو قول سيبويه وغيره ، لا ~~اختلاف فى ذلك بين بصرى وكوفى كقوله : { وليطوفوا بالبيت العتيق } [ الحج : ~~29 ] ، وقد أجمعوا أنه لا يجوز الطواف ببعضه ، فكذلك مسح الرأس . قال ابن ~~القصار : ويقال لمن احتج بأنه - صلى الله عليه وسلم - ، مسح بناصيته : ~~يحتمل أن يراد البعض ، وأن يرد الكل ، كقوله تعالى : { فيؤخذ بالنواصى ~~والأقدام } [ الرحمن : 41 ] ، فالنواصى هاهنا الرءوس ، ولا يجوز أن يراد ~~بعضها ، والحديث غير صحيح ، لأن راويه عن أنس معقل بن مسلم ، وصحيحه مرسل ~~عن المغيرة ، ولو صح كانت لنا فيه حجة ، لأن النبى ، - صلى الله عليه وسلم ~~- ، لما لم يقتصر على مسح الناصية حتى قرن إلى ذلك مسح العمامة علم أنه لا ~~يجوز الاقتصار على الناصية ، ويصرف مسحه على العمامة إلى العذر . ~~PageV01P284 وأيضا فإن الصحابة بأجمعها نقلت وضوء رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - قولا وفعلا أنه مسح رأسه كله ، وشذت رواية أنه مسح بناصيته ، ~~وحكت منه فعلة وقعت فى بعض الأوقات ، فكان حملها على العذر أولى ، لأنه لو ~~أراد أن يعلم الناس الواجب لبين ذلك ، كما قال لما توضأ مرة مرة : تمت هذا ~~صفة الوضوء الذى لا يقبل الله الصلاة إلا به - . قال عبد الواحد : ولا حجة ~~للحسن بن حى فى قوله فى الحديث : تمت فأقبل بهما وأدبر - على جواز أن يبدأ ~~بمؤخر رأسه بالمسح ، لأن قوله : تمت فأدبر بهما وأقبل - يحتمل التقديم ~~والتأخير ، إذ لا توجب الواو رتبة ، وقد خرج البخارى هذا الحديث فى باب ~~الوضوء من التور ، وقال فيه : تمت فأدبر بهما وأقبل - . وهذا نص أنه بدأ ~~بمقدم رأسه ، وقد بين ذلك ما رواه مالك فى حديث هذا الباب ، قال : تمت ~~فأقبل بهما وأدبر بمقدم رأسه ، ثم ذهب بهما إلى قفاه ، ثم ردهما حتى رجع ~~إلى المكان الذى بدأ منه - . وفى حديث هذا الباب جواز غسل بعض أعضاء الوضوء ~~مرتين ، وبعضهما ثلاثا فى وضوء واحد ، دليل على جواز غسل بعض أعضاء الوضوء ms0170 ~~مرة ، وبعضها أكثر من ذلك . وقوله : تمت ثم - فى جميع الحديث لم يرد بها ~~المهلة ، وإنما أراد بها الإخبار عن صفة الغسل ، و تمت ثم - هاهنا بمعنى ~~تمت الواو - . PageV01P285 * * * # | 35 - باب غسل الرجلين إلى الكعبين # / 46 - فيه : عبدالله بن زيد أنه توضأ لهم وضوء رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - ، فدعا بتور من ماء ، فأكفأ على يديه من التور ، وغسلهما ثلاثا ~~، ثم أدخل يده فى التور فمضمض واستنشق واستنثر ثلاثا ، ثم أدخل يده ، فغسل ~~وجهه ثلاثا ، ثم غسل يده اليمنى إلى المرفقين مرتين ، ثم مسح رأسه ، فأقبل ~~بهما وأدبر ، مرة واحدة ، ثم غسل رجليه إلى الكعبين . قد تقدم القول فى غسل ~~الرجلين ، وما للعلماء فى ذلك ، فأغنى عن إعادته ، ونذكر فى هذا الباب من ~~ذلك ما لم يتقدم ، وذلك قوله : تمت فغسل يديه إلى المرفقين وغسل رجليه إلى ~~الكعبين - . فذهب جمهور العلماء إلى أن المرفقين يدخلان فى غسل الذراعين فى ~~الوضوء ، وهو قول مالك فى رواية ابن القاسم ، وقول الكوفيين والشافعى وأحمد ~~وجماعة . وخالف زفر أصحابه ، وقال : لا يجب غسل المرفقين . وروى أشهب وابن ~~نافع ، عن مالك فى المجموع قال : ليس عليه مجاوزة المرفقين ولا الكعبين فى ~~الغسل ، وإنما عليه أن يبلغ إليهما . واحتج زفر بأن الله تعالى أمر بغسلهما ~~إلى المرافق وجعل المرافق حدا والحد لا يدخل فى المحدود ، كقوله تعالى : { ~~ثم أتموا الصيام إلى الليل } [ البقرة : 187 ] ، فجعل الليل حدا للصوم ، ~~ولم يدخل شىء من الليل فيه ، وكما نقول : دار فلان تنتهى إلى دار فلان ، ~~فتكون دار فلان حدا لها ، ولا تدخل دار فلان فى داره وكذلك هاهنا . وقال ~~الطبرى : كل غاية حدت ب تمت إلى - ، فقد تحتمل فى كلام PageV01P286 العرب ~~دخول الغاية فى الحد وخروجها منه ، وإذا احتمل ذلك لم يجز لأحد القضاء ~~بأنها داخلة فيها إلا لمن لا يجوز خلافه ، ولا حكم فى ذلك عندنا ممن يجب ~~التسليم لحكمه . وحجة الجماعة : أن قوله تعالى : { إلى المرافق } [ المائدة ~~: 6 ] بمعنى مع ، وبمعنى الواو وتقديره : فاغسلوا وجوهكم وأيديكم ms0171 والمرافق ~~، أو مع المرافق ، كما قال تعالى : { من أنصارى إلى الله } [ آل عمران : 52 ~~] ، أى مع الله { ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم } [ النساء : 2 ] ، أى مع ~~أموالكم . وقد قال بعض أهل الفقه : لا يحتاج إلى هذا التأويل ، ولو كما ~~تأوله لوجب غسل اليد من أطراف الأصابع إلى أصل الكتف ، ولا يجوز أن تخرج ~~تمت إلى - عن بابها ، وذلك لأنها بمعنى الغاية أبدا وجائز أن تكون بمعنى ~~الغاية ، وتدخل المرافق فى الغسل ، لأن الثانى إذا كان من الأول كان ما بعد ~~تمت إلى - داخلا فيما قبله ، فدخلت المرافق فى الغسل لأنها من اليدين ، ولم ~~يدخل الصيام فى الليل فى قوله : { ثم أتموا الصيام إلى الليل } [ البقرة : ~~117 ] ، لأن الليل ليس من النهار . قال ابن القصار : واليد يتناولها الاسم ~~إلى الإبط ، بدليل ما روى عن عمار أنه كان يتيمم إلى الإبط ، امتثالا لما ~~اقتضاه اسم اليد ، وعمار من وجوه أهل اللغة ، فما استثنى الله بعض ذلك ~~بقوله : { إلى المرافق } بقى المرفق مغسولا مع الذراعين نحو الاسم ، ومن ~~أوجب غسل المرفقين ، فقد أدى فرضه بيقين ، واليقين فى أداء الفرض واجب . ~~PageV01P287 والخلاف فى غسل الكعبين مع الرجلين كالخلاف فى غسل المرفقين مع ~~الذراعين والحجة فيها واحدة . وأما قول مالك فى ذلك ، فروى ابن القاسم عنه ~~أنه إن ذهب المرفقان مع الذراعين فى القطع لم يكن عليه غسل موضع القطع ، ~~وأما الأقطع الكعبين ، فلابد أن يغسل ما بقى منهما لأن الكعبين يبقيان فى ~~الساقين بعد القطع . واختلف العلماء فى حد الكعبين اللذين يجب إليهما ~~الوضوء ، فروى أشهب عن مالك ، قال : الكعب هو الملصق بالساق ، المحاذى ~~للعقب ، وهو قول الشافعى وأحمد . وقال أبو حنيفة : هو الشاخص فى ظهر القدم ~~، وأهل اللغة لا يعرفون ما قال . قال الأصمعى : الكعبان من الإنسان العظمان ~~الناشزان من جانبى القدم ، وأنكر قول العامة أنه الذى فى ظهر القدم . ~~والكعب عند العرب ما نشز واستدار . وقال أبو زيد : فى كل رجل كعبان ، وهما ~~عظما طرف الساق ملتقى القدمين ، يقال لهما : منجمان ، والدليل ms0172 على صحة هذا ~~قول النعمان بن بشير حين قال لهم النبى ، - صلى الله عليه وسلم - : تمت ~~أقيموا صفوفكم - ، قال النعمان : فلقد رأيت الرجل يلزق كعبه بكعب صاحبه ، ~~وهذا لا يصح إلا مع القول بأنهما الناتئان فى جانبى الساقين . PageV01P288 ~~* * * # | 36 - باب استعمال فضل وضوء الناس # وأمر جرير بن عبدالله أهله أن يتوضئوا بفضل سواكه . / 47 - فيه : أبو ~~جحيفة ، خرج علينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالهاجرة ، فأتى بوضوء ~~، فتوضأ ، فجعل الناس يأخذون من فضل وضوئه ، فيتمسحون به . وقال أبو موسى : ~~دعا النبى - صلى الله عليه وسلم - بقدح فيه ماء فغسل يديه ووجهه فيه ، ومج ~~فيه ، ثم قال لهما : تمت اشربا منه ، وأفرغا على وجوهكما ونحوركما - . / 48 ~~- وفيه : محمود بن الربيع ، أن الرسول الله - صلى الله عليه وسلم - مج فى ~~وجهه وهو غلام من بئرهم . / 49 - وفيه : المسور ، أن النبى - صلى الله عليه ~~وسلم - كان إذا توضأ يقتتلون على وضوئه . / 50 - وفيه : السائب قال : ذهبت ~~بى خالتى إلى النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، فقالت : يا رسول الله ، إن ~~ابن أختى وجع ، فمسح رأسى ، ودعا لى بالبركة ، ثم توضأ ، فشربت من وضوئه . ~~. . . . الحديث . قال المهلب : هذا الباب كله يقتضى طهارة فضل الوضوء ، وهو ~~الماء الذى يتطاير عن المتوضئ ويجمع بعدما غسل به أعضاء الوضوء . وفضل ~~السواك هو الماء الذى ينقع فيه السواك ليرطب ، وسواكهم الأراك وهو لا يغير ~~الماء . فأراد البخارى أن يعرفك أن كل ما لا يتغير ، فإنه يجوز الوضوء به ، ~~والماء المستعمل غير متغير فهو طاهر ، واختلف العلماء فى ذلك : PageV01P289 ~~فأجاز النخعى ، والحسن البصرى ، والزهرى الوضوء بالماء الذى قد توضئ به ، ~~وهو قول مالك ، والثورى ، وأبى ثور . وقال محمد بن الحسن ، والشافعى : هو ~~طاهر غير مطهر . وقال أبو حنيفة ، وأبو يوسف : هو نجس ، واحتجوا بأنه ماء ~~الذنوب . قال ابن القصار : فيقال لهم : هذا مثل ضربه النبى ، - صلى الله ~~عليه وسلم - ، أى كما يغسل الدرن من الثوب ، كذلك تتحات الذنوب بالغسل ، لا ~~أن الذنوب شىء ينماع فى الماء ولا يؤثر فى ms0173 حكمه ، ثم إننا نعلم أن الذنوب ~~تتحات من كل جزء عند أول جزء من الوجه ، أو اليد ثم كلما انحدر على جزء آخر ~~هو كذلك ، فينبغى أن لا يجزئه ما مر على الجزء الثانى لأنه ماء الذنوب . ~~ونقول : إن الإجماع حاصل على جواز استعمال الماء المستعمل ، وذلك أن الماء ~~إذا لاقى أول جزء من أجزاء العضو فقد صار مستعملا ، ثم يمره على كل جزء ~~بعده فيجزئه ، ولو لم يجز الوضوء بالماء المستعمل لم يجز إمراره على باقى ~~العضو ، ولوجب عليه أن يأخذ لكل جزء من العضو ماء جديدا . فإن قالوا : ~~الماء المستعمل عندنا هو إذا سقط عن جميع العضو ، فأما ما دام على العضو ~~فليس بمستعمل ، قيل : يلزمكم أن لا يكون مستعملا الأعضاء كلها ، لأنه لا ~~يصح أن تكون متوضئا بغسل بعض الأعضاء وترك البعض مع القدرة ، لأن الأعضاء ~~كلها كالعضو الواحد فى حكم الوضوء . PageV01P290 وقد أجمعوا أن الإنسان غير ~~مأخوذ عليه أن يوقى ثوبه ، أو بدنه مما يترشش عليه من الماء المستعمل ، وقد ~~أخذ عليه أن يتحرز من ترشش البول ، فلو كان نجسا لوجب التحرز منه . فصح أنه ~~طاهر ، لأنه ماء لم يتغير طعمه ولا لونه ولا ريحه ، ولم يؤثر الاستعمال فى ~~عينه ، فلم يؤثر فى حكمه ، وهو طاهر لاقى جسما طاهرا ، فجاز أن يسقط به ~~الفرض مرة أخرى كالماء الذى غسل به ثوب طاهر ، فمن أين تحدث فيه نجاسة ؟ . ~~وقد روى عن على ، وابن عمر ، وأبى أمامة ، وعطاء ، ومكحول ، والنخعى ، ~~والحسن أنهم قالوا فيمن نسى مسح رأسه فوجد فى لحيته بللا : يجزئه أن يمسحه ~~بذلك البلل ، فدل أنهم كانوا يرون استعمال الماء المستعمل . وقال غيره : ~~يقال لمن قال : إن ماء الذنوب نجس ، بل هو ماء طاهر مبارك ، لأنه الماء ~~الذى رفع الله بالغسل به الخطايا ، وقد رفع الله ما كانت فيه هذه البركة عن ~~النجاسة ، وبالله التوفيق . قال المهلب : ففى أحاديث هذا الباب دليل على أن ~~لعاب أحد من البشر ليس بنجس ولا بقية شربه ، وذلك يدل أن ms0174 نهيه ، - صلى الله ~~عليه وسلم - ، عن النفخ فى الطعام والشراب ليس على سبيل أن ما تطاير فيه من ~~اللعاب ينجسه ، وإنما هو خشية أن يتقذره الآكل منه ، فأمر بالتأديب فى ذلك ~~، وهذا التقذر الذى نهى عن النفخ من أجله مرتفع عن النبى ، - صلى الله عليه ~~وسلم - ، بل كانت نخامته أطيب عند المسلمين من المسك ، لأنهم كانوا ~~يتدافعون عليها ، ويدلكون بها وجوههم لبركتها PageV01P291 وطيبها ، وأنها ~~مخالفة لخلوف أفواه البشر ، وذلك لمناجاته الملائكة فطيب الله لهم نكهته ، ~~وخلوف فيه ، وجميع رائحته . وفى قصة محمود : ممازحة الطفل بما يصعب عليه ، ~~لأن مج الماء قد يصعب عليه ، وإن كان قد يستلذه . وحديث أبى موسى يحتمل أن ~~يكون أمر النبى - صلى الله عليه وسلم - بالشرب من وضوئه الذى مج فيه ، وأن ~~يفرغا منه على نحورهما ووجوهما من أجل مرض ، أو شىء أصابهما ، وهو حديث ~~مختصر لم يذكر فيه اللذان أمرهما بذلك . وفى حديث السائب : بركة الاسترقاء ~~. وقوله فى حديث السائب : تمت إن ابن أختى وقع - ، فمعناه أنه وقع فى المرض ~~، وإن كان روى وقع بكسر القاف ، وأهل اللغة يقولون : وقع الرجل ، إذا اشتكى ~~لحم قدمه ، قال الراجز : كل الحذاء يحتذى الحافى الوقع والمعروف عندنا وقع ~~بفتح القاف والعين . * * * # | 37 - باب من مضمض واستنشق من غرفة واحدة # / 51 - فيه : عبدالله بن زيد ، أنه غسل يديه ، ثم تمضمض ، واستنشق من كفة ~~واحدة ، ففعل ذلك ثلاثا ، ثم غسل يديه إلى المرفقين ، ومسح برأسه ما أقبل ~~وما أدبر ، وغسل رجليه إلى الكعبين ، ثم قال : هكذا وضوء رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - . PageV01P292 وترجم له : باب مسح الرأس مسحة واحدة / 52 ~~- وقال فيه : فمسح برأسه ، فأقبل بيده وأدبر بها . فى هذا الحديث أنه مضمض ~~واستنشق ثلاثا ، بخلاف ما رواه عثمان ، وابن عباس فى صفة وضوء النبى ، - ~~صلى الله عليه وسلم - ، ولم يذكرا مرتين ولا ثلاثا ، فدل أن المرة الواحدة ~~تجزئ فى ذلك ، وإنما اختلف فعله فى ذلك ليرى أمته التيسير فيه ، وأن الوضوء ~~لا حد فى المفروض منه والمسنون إلا ms0175 بالإسباغ . واختلف العلماء فى المستحب ~~والمسنون من مسح الرأس : فذهب جمهور العلماء أن مسح الرأس مسحة واحدة ، ~~وقال مالك : رد يديه من مؤخر رأسه إلى مقدمه مسنون ، لأن مسح جميع الرأس هو ~~أن يبدأ من مقدمه إلى مؤخره ، فرده يديه بعد ذلك إلى مقدمه مسنون ، ولو بدأ ~~بالمسح من مؤخر رأسه إلى مقدمه لكان المسنون أن يرد يديه من المقدم إلى ~~المؤخر . قال ابن القصار : وهذا مذهب ابن عمر ، والحسن البصرى ، وأحمد ، ~~وبه قال أبو حنيفة . وقال الشافعى : المسنون ثلاث مسحات لمن توضأ ثلاثا ~~ثلاثا . والحجة على الشافعى أن المستحب والمسنون يحتاجان إلى شرع . وفى ~~حديث عبد الله بن زيد ، وابن عباس أنه مسح ، - صلى الله عليه وسلم - ، رأسه ~~مرة واحدة . وفى حديث عثمان ، وإن كان فيه أنه توضأ ثلاثا ثلاثا ، فيه أنه ~~مسح برأسه مرتين : بدأ بمقدم رأسه ، ثم ذهب بهما إلى قفاه ثم ردهما إلى حيث ~~بدأ ، وهو خلاف قول الشافعى . PageV01P293 وقد توهم بعض الناس فى حديث عبد ~~الله بن زيد أن قوله فيه : تمت ثم مسح رأسه فأقبل بهما وأدبر - أنه بدأ من ~~مؤخر رأسه فأقبل بهما ، قاله الحسن بن حى . وتوهم غيره : أنه بدأ من وسط ~~رأسه فأقبل بيديه وأدبر ، وهذه كلها ظنون . وفى قوله : تمت بدأ بمقدم رأسه ~~- ما يرفع الإشكال ، وقد تقدم هذا المعنى فى باب مسح الرأس . وقوله : تمت ~~من كفة واحدة - أراد من غرفة واحدة أو حفنة واحدة فاشتق لذلك من اسم الكف ~~عبارة عن ذلك المعنى كما يسمى الشىء باسم ما كان منه سبب ، ولا يعرف فى ~~كلام العرب إلحاق هاء التأنيث فى الكف ، والله أعلم . * * * # | 38 - باب وضوء الرجل مع امرأته وفضل وضوء المرأة # وتوضأ عمر بالحميم ومن بيت نصرانية . / 53 - فيه : ابن عمر ، أنه قال : ~~كان الرجال والنساء يتوضئون جميعا فى زمن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~. قال ابن القصار : ذهب أئمة الفتوى بالأمصار إلى أنه لا بأس بالوضوء من ~~فضل الحائض والجنب ، مثل أن يفضل فى إنائهما ms0176 ماء بعد فراغهما من غسلهما ، ~~فيجوز للرجل أن يتوضأ بفضل وضوء المرأة وغسلها ، إلا أحمد بن حنبل ، فإنه ~~قال : لا يجوز أن يتوضأ من فضل | PageV01P294 ما توضأت به المرأة أو اغتسلت ~~به متفردة ، ووافقنا على أنه يجوز لها أن تتوضأ من فضل الرجل ، والرجل من ~~فضل الرجل ، والمرأة من فضل المرأة ، وكذلك إذا استعملاه جميعا جاز أن ~~يتوضأ الرجل منه . قال ابن القصار : وحديث ابن عمر يسقط مذهبه ، لأن الرجال ~~والنساء إذا توضئوا من ماء واحد فإن الرجل يكون مستعملا لفضل المرأة لا ~~محالة . قال غيره : وحديث ابن عمر هذا يعارض ما روى عن النبى ، - صلى الله ~~عليه وسلم - : تمت أنه نهى أن يتوضأ الرجل بفضل المرأة - . رواه شعبة عن ~~عاصم الأحول ، سمعت أبا حاجب يحدث عن الحكم الغفارى ، عن النبى ، - صلى ~~الله عليه وسلم - . ورواه عاصم الأحول ، عن عبد الله بن سرجس ، عن النبى - ~~صلى الله عليه وسلم - مثله . وأحاديث الإباحة أصح . وقد سئل ابن عباس عن ~~فضل وضوء المرأة ، فقال : هن ألطف منا بنانا ، وأطيب ريحا . وهو قول زيد بن ~~ثابت وجمهور الصحابة والتابعين ، إلا ابن عمر فإنه كره فضل وضوء الجنب ~~والحائض . وكره سعيد بن المسيب ، والحسن البصرى أن يتوضأ الرجل بفضل المرأة ~~. قال الطحاوى : فإن قيل : فإن حديث ابن عمر وعائشة ليس فيهما بيان لمن ~~أجاز للرجل الوضوء من فضل المرأة ، لأنه يجوز أن يكونا يغتسلان جميعا ، ~~وإنما التنازع بين الناس إذا ابتدأ أحدهما قبل الآخر . PageV01P295 فنظرنا ~~فى ذلك ، فحدثنا سليمان بن شعيب ، قال : حدثنا الحصيب ، حدثنا همام ، عن ~~هشام بن عروة ، عن عائشة ، أنها والنبى - صلى الله عليه وسلم - كانا ~~يغتسلان من إناء واحد يغترف قبلها وتغترف قبله . وروى حماد بن زيد ، عن ~~أفلح بن حميد ، عن القاسم ، عن عائشة ، قالت : كنت أغتسل أنا ورسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - من إناء واحد تختلف فيه أيدينا من الجنابة . ففى هذه ~~الآثار يتطهر كل واحد من الرجل والمرأة بسؤر صاحبه ، فضاد ذلك أحاديث النهى ~~، فوجب النظر ms0177 لنخرج به من المعنيين المتضادين معنى صحيحا ، فوجدنا الأصل ~~المتفق عليه أن الرجل والمرأة إذا أخذا بأيديهم الماء معا من إناء واحد أن ~~ذلك لا ينجس الماء ، ورأينا النجاسات كلها إذا وقعت فى الماء قبل أن يتوضأ ~~منه أو مع التوضؤ منه أن حكم ذلك سواء ، فلما كان ذلك كذلك ، وكان وضوء كل ~~واحد من الرجل والمرأة مع صاحبه لا ينجس الماء ، كان وضوءه بعده من سؤره فى ~~النظر أيضا كذلك . قال الطبرى : والحميم الماء الساخن ، وهو فعيل بمعنى ~~مفعول ، كما قيل : فتيل بمعنى مفتول ، ورأس خضيب بمعنى مخضوب ، ومن سمى ~~الحمام حماما لإسخانه من دخله ، وقيل للمحموم محموما لسخونة جسده بالحرارة ~~، ومنه قوله : { يطوفون بينها وبين حميم آن } [ الرحمن : 44 ] يراد به ماء ~~قد أسخن فأن حره ، واشتد حتى انتهى إلى غايته . قال ابن السكيت : الحميم : ~~ماء ساخن ، يقال : احم لنا الماء . PageV01P296 قال ابن المنذر : وأجمع أهل ~~الحجاز والعراق جميعا على الوضوء به غير مجاهد ، فإنه كره الوضوء بالماء ~~الساخن . وأما وضوء عمر من بيت نصرانية ، فإنه كان يرى سؤرها طاهرا . وممن ~~كان لا يرى بسؤر النصرانى بأسا : الأوزاعى ، والثورى ، وأبو حنيفة وأصحابه ~~، والشافعى ، وأبو ثور . قال ابن المنذر : ولا أعلم أحدا كره ذلك غيرأحمد ~~وإسحاق ، واختلف قول مالك فى ذلك ، فقال فى المدونة : لا يتوضأ بسؤر ~~النصرانى ، ولا بما أدخل يده فيه . وفى العتبية لابن القاسم ، عن مالك مرة ~~أجازه ، ومرة كرهه . والسؤر : بقية الماء فى الإناء عند العرب . * * * # | 39 - باب صب النبى - صلى الله عليه وسلم - وضوءه على المغمى عليه # / 54 - فيه : جابر ، قال : جاء الرسول - صلى الله عليه وسلم - يعودنى ، ~~وأنا مريض لا أعقل ، فتوضأ ، وصب على من وضوئه ، فعقلت . . . الحديث . قال ~~المهلب : فيه دليل على طهور الماء الذى توضأ به ، لأنه لو كان نجسا لم يصبه ~~عليه ، وقد أمر النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، الذى عان سهلا أن يتوضأ ~~له ، ويغسل داخلة إزاره ويصبه عليه ، ولو PageV01P297 كان نجسا لم يأمر ~~سهلا أن يغتسل منه ، بل ms0178 رجاء بركته ، وأن يحمل عنه شر العين . وفيه : رقية ~~الصالحين للماء ، ومباشرتهم إياه ، وذلك مما يرجى بركته . * * * # | 40 - باب الغسل والوضوء فى المخضب والقدح والخشب والحجارة # / 55 - فيه : أنس ، أتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بمخضب من حجارة ~~فيه ماء ، فصغر المخضب أن يبسط فيه كفه ، فتوضأ القوم كلهم ، قلنا : كم ~~كنتم ؟ قال : ثمانين وزيادة . / 56 - وفيه : أبو موسى ، أن النبى ، - صلى ~~الله عليه وسلم - ، دعا بقدح فيه ماء ، فغسل يديه ووجهه ، ومج . / 57 - ~~وفيه : عبدالله بن زيد ، أتانا النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، فأخرجنا ~~له ماء فى تور من صفر ، فتوضأ . / 58 - وفيه : عائشة ، لما ثقل النبى ، - ~~صلى الله عليه وسلم - ، استأذن أزواجه فى أن يمرض فى بيتى ، فأذن له ، فقال ~~: تمت أهريقوا على من سبع قرب لم تحلل أوكيتهن ، لعلى أعهد إلى الناس - ، ~~وأجلس فى مخضب لحفصة . الحديث . قال المؤلف : فائدة هذا الباب أن الأوانى ~~كلها من جواهر الأرض ونباتها طاهرة ، إذا لم يكن فيها نجاسة . والمخضب يكون ~~من حجارة ومن صفر ، والذى فى حديث أنس كان من حجارة ، وأما الذى فى حديث ~~عائشة كان من صفر . | PageV01P298 وروى عبد الرزاق ، عن معمر ، عن الزهرى ، ~~عن عروة ، أو غيره ، عن عائشة ، قالت : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- فى مرضه الذى مات فيه : تمت صبوا على من سبع قرب لم تحلل أوكيتهن ، لعلى ~~أستريح فأعهد إلى الناس - ، قالت عائشة : فأجلسناه فى مخضب لحفصة من نحاس . ~~. ، وذكر الحديث . قال ابن المنذر : روى عن على بن أبى طالب أنه توضأ فى ~~طست ، وعن أنس مثله . وقال الحسن البصرى : رأيت عثمان يصب عليه من إبريق ، ~~وهو يتوضأ . قال : وما علمت أحدا كره النحاس والرصاص وشبهه إلا ابن عمر ، ~~فإنه كره الوضوء فى الصفر ، وكان يتوضأ فى حجر ، أو فى خشب أو فى أدم . ~~وروى عن معاوية أنه كان يصلى بهم ، وقال : نهيت أن أتوضأ فى النحاس . ورسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - الأسوة الحسنة ، والحجة البالغة . وقال ابن ~~جريج : ذكرت ms0179 لعطاء كراهية ابن عمر للصفر ، فقال : أنا أتوضأ فى النحاس ، ~~وما يكره منه شىء إلا رائحته فقط . قال المؤلف : وقد وجدت عن ابن عمر أنه ~~توضأ فيه ، فهذه الرواية عنه أشبه بالصواب ، وما عليه الناس . وقال بعض ~~الناس : يحتمل أن تكون كراهية ابن عمر للنحاس ، PageV01P299 والله أعلم ، ~~لما كان جوهرا مسنخرجا من معادن الأرض ، شبهه بالذهب والفضة ، فكرهه لنهى ~~الرسول - صلى الله عليه وسلم - عن الشرب فى آنية الفضة . وقد روى عن جماعة ~~من العلماء أنهم أجازوا الوضوء فى آنية الفضة ، وهم يكرهون الأكل والشرب ~~فيها . وفى وضوء الثمانين رجلا من مخضب صفر لم يبسط النبى ، - صلى الله ~~عليه وسلم - ، كفه فيه علم كبير من أعلام النبوة . وقال المهلب : إنما أمر ~~، والله أعلم ، أن يهراق عليه من سبع قرب على وجه التداوى ، كما صب - صلى ~~الله عليه وسلم - وضوءه على المغمى عليه ، وكما أمر المعين أن يغتسل به ، ~~وليس كما ظن وغلط من زعم أن النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، اغتسل من ~~إغمائه . وذكر عبد الوهاب بن نصر ، عن الحسن البصرى ، أنه قال : على المغمى ~~عليه الغسل . وقال ابن حبيب : عليه الغسل إذا طال ذلك به . والعلماء متفقون ~~، غير هؤلاء ، أن من أغمى عليه فلا غسل عليه إلا أن يجنب . وقصده إلى سبع ~~قرب تبركا بهذا العدد ، لأن الله تعالى خلق كثيرا من مخلوقاته سبعا سبعا . ~~وترجم لحديث عبد الله بن زيد . PageV01P300 * * * # | 41 - باب الوضوء من التور # / 59 - وفيه : تمت فمسح رأسه ، فأقبل بيديه وأدبر . . . - ، وذكر الحديث ~~. / 60 - وفيه : أنس ، أن النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، دعا بإناء من ~~ماء ، فأتى بقدح رحراح فيه شىء من ماء ، فوضع أصابعه فيه ، فجعلت أنظر إلى ~~الماء ينبع من بين أصابعه . قال المؤلف : بهذا الحديث احتج الحسن بن حى ومن ~~أجاز أن يبدأ المتوضئ بمسح الرأس من مؤخره ، وليس كما ظن ، لأن الواو لا ~~توجب رتبة ، لأن قوله : تمت فأدبر بيديه وأقبل - يحتمل التقديم والتأخير ، ~~ولو بدأ - صلى الله عليه وسلم - فى مسح ms0180 رأسه بمؤخره - على ما جاء فى هذا ~~الحديث - لم يدل ذلك على أن سنة مسح الرأس أن يبدأ بمؤخره ، لأن هذه الفعلة ~~إنما كانت نادرة منه - صلى الله عليه وسلم - وفعلها ليرى أمته السعة فى ذلك ~~، وقد كان يفعل طوال دهره ما روى مالك فى حديث عبد الله بن زيد : أن رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - مسح رأسه فبدأ بمقدمه ، ثم ذهب بهما إلى قفاه ~~. وهذا يرفع الإشكال فى ذلك على ما بيناه . وقوله : تمت قد رحراح - هو ~~القصير الجدار القريب القعر . وقال ابن قتيبة : يقال إناء رحراح ورحرح إذا ~~كان واسعا . قال الحربى : ومنه الرحرح فى حافر الفرس ، وهو أن يتسع حافره ~~ويقل عمقه ، قال الأصمعى : ويكره فى الخيل . وقال أبو عبيد : المخضب مثل ~~الإجانة التى تغسل فيها الثياب ، وقد يقال لها : المركن أيضا . PageV01P301 ~~* * * # | 42 - باب الوضوء بالمد # / 61 - فيه : أنس ، كان - صلى الله عليه وسلم - يغتسل بالصاع إلى خمسة ~~أمداد ، ثم يتوضأ بالمد . قال أبو عبيد : اختلف أهل العراق ، وأهل الحجاز ~~فى مبلغ المد والصاع كم هو ؟ فذهب أهل العراق إلى أن الصاع : ثمانية أرطال ~~، والمد : رطلان ، واحتجوا بما رواه سهل ابن عبد الله بن عيسى ، عن عبد ~~الله بن حميد ، عن أنس بن مالك ، قال : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- يتوضأ برطلين ويغتسل بالصاع . قالوا : فإذا ثبت أن المد رطلان ثبت أن ~~الصاع ثمانية أرطال . وذهب أهل المدينة إلى أن المد ربع الصاع ، وهو رطل ~~وثلث ، والصاع خمسة أرطال وثلث . وهو قول أبى يوسف وإليه رجع حين ناظره ~~مالك فى زنة المد وأتاه بمد أبناء المهاجرين والأنصار وراثة عن النبى ، - ~~صلى الله عليه وسلم - ، بالمدينة . وهو قول إسحاق بن راهويه . وحديث أنس لا ~~حجة لأهل العراق فيه ، لأنه قد روى بخلاف ما ذكروه ، رواه شعبة عن عبد الله ~~بن عبد الله بن جبير أنه سمع أنس بن مالك يقول : كان رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - يتوضأ بالمكوك ويغتسل بخمسة مكاكى . وهذا بخلاف ما ms0181 رواه عن أنس ~~، والمكوك عندهم : نصف رطل إلى ثمانى أواقى . واختلفوا هل يجزئ الوضوء بأقل ~~من المد ، والغسل بأقل من الصاع ؟ . فقال قوم : لا يجزئ أقل من ذلك لورود ~~الخبر به ، هذا قول الثورى والكوفيون . PageV01P302 وقال آخرون : ليس المد ~~والصاع فى ذلك بحتم ، وإنما ذلك إخبار عن القدر الذى كان يكفيه - صلى الله ~~عليه وسلم - لا أنه حد لا يجزئ دونه ، وإنما قصد به التنبيه على فضيلة ~~الاقتصاد وترك السرف . والمستحب لمن يقدر على الإسباغ بالقليل أن يقلل ولا ~~يزيد على ذلك ، لأن السرف ممنوع فى الشريعة . وقد روى عنه - صلى الله عليه ~~وسلم - أنه قال : تمت سيكون فى هذه الأمة قوم يعتدون فى الطهور والدعاء - . ~~وإلى هذا ذهب مالك وطائفة من السلف ، وهو قول الشافعى ، وإسحاق . وقال سعيد ~~بن المسيب : إن لى ركوة ، أو قداحا ، يسع نصف المد ، أو نحوه وأنا أتوضأ ~~منه وربما فضل فضل . وعن سليمان بن يسار مثله . وتوضأ القاسم بن محمد بقدر ~~نصف المد وزيادة قليل . وقيل لأحمد بن حنبل : إن الناس فى الأسفار ربما ضاق ~~عليهم الماء أفيجزئ الرجل أن يتوضأ بأقل من المد ؟ فقال : إذا أحسن أن ~~يتوضأ به وغسل فلم يمسح يجزئه . وقال ابن أبى زيد : القليل من الماء مع ~~إحكام الوضوء سنة ، والإسراف فيه غلو وبدعة . وهذا كله رد على الإباضية ، ~~ومن رأى أن قليل الماء لا يجزئ ، والسنة حجة على من خالفها . PageV01P303 * ~~* * # | 43 - باب المسح على الخفين # / 62 - فيه : سعد بن أبى وقاص ، أن النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، مسح ~~على الخفين . وأن عبدالله بن عمر سأل أباه عن ذلك ؟ فقال : إذا حدثك سعد عن ~~النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، فلا تسأل عنه غيره . / 63 - وفيه : ~~المغيرة بن شعبة ، : أن النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، خرج لحاجته ، ~~فاتبعه المغيرة بإداوة فيها ماء ، فصب عليه حين فرغ من حاجته ، فتوضأ ، ~~ومسح على الخفين . / 64 - وفيه : عمرو بن أمية الضمرى ، أن أباه أخبره ، ~~أنه رأى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يمسح ms0182 على الخفين . رواه شيبان ، ~~وأبان ، وحرب ، عن يحيى بن أبى كثير . / 65 - ورواه : الأوزاعى ، عن يحيى ، ~~عن أبى سلمة ، عن جعفر بن عمرو بن أمية ، عن أبيه ، قال : رأيت النبى ، - ~~صلى الله عليه وسلم - ، يمسح على عمامته وخفيه . وتابعه معمر ، عن يحيى ، ~~عن أبى سلمة ، عن عمرو ، رأيت النبى ، - صلى الله عليه وسلم - . اتفق ~~العلماء على جواز المسح على الخفين ، ورويت فيه عن مالك روايات ، والذى ~~استقر عليه مذهبه جوازه . وقالت الخوارج : لا يجوز أصلا ، لأن القرآن لم ~~يرد به . PageV01P304 وقالت الشيعة : لا يجوز ، لأن عليا امتنع منه . وحجة ~~الجماعة ما روى فيه عن الرسول - صلى الله عليه وسلم - من الطرق التى اشتهرت ~~، وعن الصحابة الذين كانوا لا يفارقونه فى الحضر ، ولا فى السفر . فممن نقل ~~ذلك عنه - صلى الله عليه وسلم - : عمر بن الخطاب ، وعلى ، وسعد ، وابن ~~مسعود ، والمغيرة ، وخزيمة بن ثابت ، وابن عباس ، وجرير بن عبد الله ، وأنس ~~، وعمرو بن العاص ، وأبو أيوب ، وأبو أمامة الباهلى ، وسهل بن سعد ، وقيس ~~بن سعد ، وأبو موسى الأشعرى ، وجابر ، وأبو سعيد ، وحذيفة ، وعمار ، وأبو ~~مسعود الأنصارى ، وجابر بن سمرة ، والبراء بن عازب ، وأبو بكرة ، وبلال ، ~~وصفوان بن عسال ، وغيرهم حتى قال الحسن البصرى : حدثنى سبعون من أصحاب محمد ~~أنه مسح على الخفين ، فجرى مجرى التواتر . وحديث المغيرة كان فى غزوة تبوك ~~سنة تسع من الهجرة ، فسقط بهذا قول من يقول : آية الوضوء مدنية والمسح ~~منسوخ بها ، لأنه متقدم وغزوة تبوك آخر غزوة كانت بالمدينة ، والمائدة نزلت ~~بالمدينة قبل هذا . وقد تأول جماعة من الفقهاء قوله عز وجل : { وامسحوا ~~برؤوسكم وأرجلكم } [ النساء : 43 ، المائدة : 6 ] فى قراءة من خفض ، أراد ~~إذا كانا فى الخفين . ومما يدل أيضا أن المسح غير منسوخ : حديث جرير أنه : ~~رأى النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، مسح على الخفين ، وكان يعجبهم ، لأن ~~جريرا أسلم بعد المائدة فأعجبهم حين رأوا المسح عن النبى ، PageV01P305 - ~~صلى الله عليه وسلم - ، بعد نزول المائدة ، ولم يقل لهم النبى - صلى الله ~~عليه وسلم - عند ms0183 نزول المائدة أن هذه الآية قد نسخت المسح على الخفين . ~~وأيضا فإن حديث المغيرة فى المسح كان فى السفر ، فأعجبهم استعمال جرير له ~~فى الحضر ، وأنه لم ينسخه شىء ذكره البخارى فى كتاب الصلاة . ولم يرو عن ~~أحد من الصحابة إنكار المسح على الخفين إلا عن ابن عباس ، وقد روى عن على ، ~~وعائشة ، وأبى هريرة ، وأبى أيوب . فأما ابن عباس وأبو هريرة فقد روى عنهما ~~خلاف ذلك فى موافقة سائر أصحابه . وقيل لأحمد بن حنبل : ما تقول فيما روى ~~عن ابن عباس ، وعائشة ، وأبى أيوب فى إنكار المسح ؟ إنما روى عن أبى أيوب ~~أنه قال : حبب إلى الغسل . فإن ذهب ذاهب إلى مثل هذا القول ولم ينكر المسح ~~لم نعبه وصلينا خلفه . وقد كان مالك يذهب إلى ذلك ، ولم ينكر المسح ، وإن ~~ترك المسح ، ولم يره كما صنع أهل البدع ، فلا نصلى خلفه . وقال أبو محمد ~~الأصيلى : ذكر العمامة فى هذا الحديث من خطأ الأوزاعى ، لأن شيبان روى ~~الحديث عن يحيى بن أبى كثير ، ولم يذكر العمامة ، وتابعه حرب بن شداد ، ~~وأبان العطار ، فهؤلاء ثلاثة من رواة يحيى بن أبى كثير خالفوا الأوزاعى ، ~~فوجب تغليب الجماعة على الواحد ، وأما متابعة معمر للأوزاعى ، فهى مرسلة ، ~~وليس فيها ذكر العمامة . PageV01P306 روى عبد الرزاق ، عن معمر ، عن يحيى ~~بن أبى كثير ، عن أبى سلمة ، عن عمرو بن أمية ، قال : رأيت رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - يمسح على خفيه . هكذا وقع فى مصنف عبد الرزاق ، ولم يذكر ~~العمامة ، وأبو سلمة لم يسمع من عمرو ، وإنما سمع من ابنه جعفر ، فلا حجة ~~فيهما . وذكر ابن أبى خيثمة عن ابن معين أن حديث عمرو بن أمية فى المسح على ~~العمامة مرسل . واختلف العلماء فى المسح على العمامة ، فممن كان يمسح عليها ~~: أبو بكر الصديق ، وعمر بن الخطاب ، وأنس بن مالك ، وأبو أمامة ، وسعد بن ~~أبى وقاص ، وأبو الدرداء ، وبه قال الثورى ، والأوزاعى ، وأحمد ، وإسحاق ، ~~وأبو ثور . وممن كان لا يرى المسح عليها : على ، وابن عمر ms0184 ، وجابر . ومن ~~التابعين : عروة ، والنخعى ، والشعبى ، والقاسم ، وبه قال مالك ، وأبو ~~حنيفة ، والشافعى ، واحتجوا بقوله تعالى : { وامسحوا برؤوسكم } [ النساء : ~~43 ، المائدة : 6 ] ، ومن مسح على العمامة لم يمسح برأسه . وأجمعوا أنه لا ~~يجوز مسح الوجه فى التيمم على حائل دونه ، فكذلك الرأس . وقال ابن وهب ، عن ~~ابن جريج ، عن عطاء بلغنا : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يتوضأ ~~وعليه العمامة يؤخرها عن رأسه ولا يحلها ، ثم يمسح برأسه ، ثم يعيد عمامته ~~. PageV01P307 وقال ابن وهب : حدثنا معاوية بن صالح ، عن عبد العزيز بن ~~مسلم ، عن أبى معقل ، عن أنس بن مالك ، قال : رأيت النبى - صلى الله عليه ~~وسلم - يتوضأ وعليه عمامة قطرية ، فأدخل يده من تحت العمامة فمسح مقدم رأسه ~~، ولم ينقض العمامة . واختلف العلماء فى صفة المسح على الخفين ، فذهب ابن ~~عمر ، وسعد بن أبى وقاص إلى أن الكمال والسنة : مسح أعلاهما وأسفلهما ، وبه ~~قال مالك ، والشافعى . وقال ابن القاسم : لو مسح رجل ظاهر الخف ، ثم صلى ~~فأحب إلى أن يعيد فى الوقت ، لأن عروة كان لا يمسح بطونهما . فهذا يدل على ~~أنه إن اقتصر على الظهور دون البطون أنه يجزئه فى مذهب مالك . وقالت طائفة ~~: إن الممسوح أعلى الخف ، فإن أسفله ليس بمحل للمسح لا مسنونا ولا جائزا ، ~~وذكر أنه قول أنس بن مالك ، وهو مذهب الشعبى ، والنخعى ، والأوزاعى ، ~~والثورى ، وأبى حنيفة . واحتجوا بما رووه عن المغيرة : أن النبى - صلى الله ~~عليه وسلم - مسح على ظهور خفيه . والذى ذكر البخارى فى هذا الباب عن سعد ، ~~والمغيرة : أن النبى مسح على الخفين . دون ذكر أعلاهما أو أسفلهما ، وهذا ~~لفظ محتمل للتأويل أن يفعل فى الخف ما يسمى مسحا إلا أن الصحابة مجمعة أنه ~~إن مسح أسفله دون أعلاه لم يجزئه ، وهو قول فقهاء الأمصار . وذكر المزنى عن ~~الشافعى أنه يجوز الاقتصار على أسفل الخف دون أعلاه ، وذكره ابن عبد الحكم ~~، عن أشهب . PageV01P308 واختلفوا فى الخف المخرق يمسح عليه ؟ . فقال مالك ~~: يمسح إذا كان خرقا يسيرا لا يظهر منه ms0185 القدم . وقال بعض أصحابه : معناه أن ~~يكون الخرق لا يمنع من لبسه والانتفاع به . وهو قول الليث ، والشافعى . ~~وقال الثورى : يمسح وإن تفاحش خرقه ، وما دام يسمى خفا ، وقد كانت خفاف ~~المهاجرين والأنصار لا تسلم من الخرق ، وهو قول أبى ثور ، وإسحاق . وقال ~~الأوزاعى : يمسح الخف وما ظهر من القدم ، وهو قول الطبرى فى جواز المسح على ~~القدمين . وقال الحسن بن حى : يمسح على الخف إذا كان ما ظهر منه يغطيه ~~الجورب ، فإن ظهر شىء من القدم لم يمسح . وقال أبو حنيفة وأصحابه : يمسح ~~إذا ظهر من الرجل أقل من ثلاثة أصابع ، ولا يمسح إذا ظهر ثلاثة أصابع . * * ~~* # | 44 - باب إذا أدخل رجليه وهما طاهرتان # / 66 - فيه : المغيرة ، كنت مع النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، فى سفر ~~، فأهويت لأنزع خفيه ، فقال : تمت دعهما فإنى أدخلتهما طاهرتين - ، فمسح ~~عليهما . قال المؤلف : من هذا الحديث قال مالك وجميع الفقهاء أنه من لبس ~~خفيه على غير طهارة أنه لا يمسح عليهما ، لقوله : تمت دعهما ، فإنى ~~أدخلتهما طاهرتين ، ومسح عليهما - . وهذا تعليم منه - صلى الله عليه وسلم - ~~السبب الذى يبيح المسح على الخفين ، وهو إدخاله لرجليه وهما طاهرتان بطهر ~~الوضوء . PageV01P309 واختلفوا فيمن قدم غسل رجليه ولبس خفيه ، ثم أتم ~~وضوءه هل له أن يمسح عليهما إن أحدث ؟ . فقال مالك ، والشافعى ، وأحمد ، ~~وإسحاق : لا يجوز له أن يمسح عليهما حتى يكون طاهرا الطهارة التامة قبل ~~لبسهما ، أو لبس أحدهما ، وحجتهم ظاهر الحديث . وقال أبو حنيفة ، والثورى ، ~~والمزنى : يجوز له المسح عليهما ، وكذلك إذا غسل إحدى رجليه ولبس ، وهو قول ~~مطرف من أصحاب مالك . وحديث المغيرة يرد هذا القول ، لقوله : تمت دعهما ، ~~فإنى أدخلتهما طاهرتين - . فجعل العلة فى جواز المسح وجود اللبس والرجلان ~~طاهرتان بطهر الوضوء . واحتج الطحاوى للكوفيين ، فقال : يجوز أن يقال : إن ~~رجليه طاهرتان إذا غسلهما ، وإن لم يكمل الطهارة ، كما يقال : صلى ركعة ، ~~وإن لم تتم صلاته . وقال آخرون منهم : وإنما يراعى الحدث ، والحدث لا يرد ~~إلا على طهارة كاملة ، فهو كمن لم ms0186 يقدم رجليه . وحجة مالك أن من لبس خفيه ~~قبل كمال طهارته ، فكأنه لبسهما قبل غسل الرجلين بدليل الحديث . ومن هذه ~~المسألة تفرع الجواب ، فيمن لبس الخف اليمنى قبل أن يغسل الرجل اليسرى . ~~فعند مالك والشافعى ، وأحمد وإسحاق : لا يمسح ، لأنه لبس الخف الأولى قبل ~~تمام طهارته . PageV01P310 وقال الثورى ، وأبو حنيفة ، والمزنى : يجوز له ~~أن يمسح عليهما ، وهو قول مطرف . وقال سحنون : لا يمسح إلا أن يخلع اليمنى ~~فقط . وأجمعوا أنه لو نزع الخف الأولى ، ثم لبسهما بعد ، جاز له المسح . ~~واختلفوا فيمن نزع خفيه بعد المسح عليهما : فقال النخعى ، ومكحول ، ~~والأوزاعى فى رواية : يعيد الوضوء ، وهو قول أحمد ، وإسحاق . وقال الكوفيون ~~، والمزنى ، وأبو ثور : يغسل قدميه ، وعن الأوزاعى مثله . واختلف قول ~~الشافعى مثل قول الأوزاعى ، فمرة قال : يتوضأ ، ومرة قال : يغسل قدميه . ~~وقال مالك ، والليث : يغسل رجليه مكانه ، فإن تطاول أعاد الوضوء . وقال ~~الحسن البصرى ، وابن أبى ليلى ، وقتادة ، ورواية عن النخعى : إذا نزع خفيه ~~بعد المسح صلى ، وليس عليه شىء . وحجة هذا القول : الإجماع على أنه من مسح ~~برأسه فى الوضوء ، ثم حلقه أنه لا يستأنف مسحه فكذلك رجليه . وإن نزع أحد ~~خفيه بعد المسح ، فقال مالك والليث ، والكوفيون ، والأوزاعى ، والشافعى : ~~يغسل رجليه جميعا . وروى عن الثورى أنه قال : كان بعضهم يقول : يغسل إحدى ~~رجليه ، وهى رواية المعافري ، عن الثوري . PageV01P311 وروى أشهب ، عن مالك ~~: أنه يجزئه غسل تلك الرجل فقط ، وروى عيسى ، عن ابن القاسم مثله . قال ~~المهلب : وفيه المسح فى السفر بغير توقيت ، واختلف العلماء فى ذلك ، فقال ~~مالك ، والليث : لا وقت للمسح على الخفين ، وللمسافر والمقيم أن يمسح ما ~~بدا له ، وروى هذا عن عمر بن الخطاب ، وسعد بن أبى وقاص ، وعقبة بن عامر ، ~~وابن عمر ، وبه قال الحسن البصرى . وقال الكوفيون ، والثورى ، والأوزاعى ، ~~والشافعى ، وأحمد : يمسح المقيم يوما وليلة ، ويمسح المسافر ثلاثة أيام ~~ولياليهن ، ورووا فى ذلك آثارا كثيرة عن النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، ~~وصححها قوم ، ودفعها آخرون . وقال عبد الرحمن بن مهدى : حديثان لا ms0187 أصل لهما ~~: التوقيت فى المسح ، والتسليمتان . قال المهلب : فى حديث المغيرة خدمة ~~العالم ، وأن للخادم أن يقصد إلى ما يعرف من خدمته دون أن يؤمر بها ، لقوله ~~: تمت أهويت لأنزع خفيه - . قال غيره : وفيه إمكان الفهم عن الإشارة ، ورد ~~الجواب بالعلم على ما يفهم من الإشارة ، لأن المغيرة أهوى لينزع الخفين ، ~~ففهم عنه - صلى الله عليه وسلم - ما أراد فأفتاه بأنه يجزئه المسح . ~~PageV01P312 * * * # | 45 - باب من لم يتوضأ من لحم الشاة والسويق وأكل أبو بكر ، وعمر ، ~~وعثمان لحما ، ولم يتوضئوا # . / 67 - فيه : ابن عباس ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أكل كتف ~~شاة ، ثم صلى ، ولم يتوضأ . رواه عمرو بن أمية عن النبى - صلى الله عليه ~~وسلم - . واختلف السلف قديما فى هذه المسألة ، فذهب قوم إلى إيجاب الوضوء ~~من أكل ما غيرت النار وهم : عائشة وأم حبيبة زوجا النبى - صلى الله عليه ~~وسلم - ، وأبو هريرة ، وزيد بن ثابت ، وأبو موسى الأشعرى ، واختلف فى ذلك ~~عن ابن عمر ، وأبو طلحة ، وأنس ، وبه قال خارجة بن زيد ، وأبو بكر بن عبد ~~الرحمن ، وابن المنكدر ، وابن شهاب ، وعمر بن عبد العزيز ، وهؤلاء كلهم ~~مدنيون . وقال به أهل العرق : أبو قلابة ، والحسن البصرى ، وأبو مجلز ، ~~وذهبوا فى ذلك إلى ما روى ابن أبى ذئب ، عن الزهرى ، عن عبد الملك بن أبى ~~بكر ، عن خارجة بن زيد بن ثابت ، عن أبيه ، قال : قال رسول الله : تمت ~~توضئوا مما غيرت النار - . وبما رواه ابن شهاب ، عن سعيد بن خالد بن عمرو ~~بن عثمان أنه سأل عروة عن ذلك فقال : سمعت عائشة تقول : قال رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - : تمت توضئوا مما غيرت النار - . وقال آخرون : لا ~~يتوضأ مما مست النار ، وممن قال بذلك : أبو بكر الصديق ، وعمر بن الخطابن ~~وعثمان بن عفان ، وعلى بن أبى طالب ، وابن مسعود ، وابن عباس ، وأبو أمامة ~~، وأبى بن كعب ، وأبو الدرداء . PageV01P313 وهو قول مالك ، والثورى فى أهل ~~الكوفة ، والأوزاعى فى أهل الشام ، والشافعى ، وأحمد ، وأسحاق ، وأبى ثور ، ~~واحتجوا ms0188 بحديث هذا الباب أن النبى - صلى الله عليه وسلم - أكل كتف شاة ثم ~~صلى ولم يتوضأ ، وقالوا : هذا كان آخر الأمرين من رسول الله . قال الطحاوى ~~: والدليل على ذلك ما حدثنا أبو زرعة الدمشقى ، حدثنا على بن عياش ، حدثنا ~~سعيد بن أبى حمزة ، عن محمد بن المنكدر ، عن جابر بن عبد الله ، قال : كان ~~آخر الأمرين من رسول الله ترك الوضوء مما مست النار . وحدثنا ابن خزيمة ، ~~حدثنا حجاج ، حدثنا عبد العزيز بن مسلم ، عن سهيل بن أبى صالح ، عن أبيه ، ~~عن أبى هريرة ، أن النبى - صلى الله عليه وسلم - أكل ثور أقط يوما فتوضأ ، ~~ثم أكل كتفا فصلى ولم يتوضأ . فثبت أن آخر الأمرين منه - صلى الله عليه ~~وسلم - ترك الوضوء مما غيرت النار وأنه ناسخ لما قبله . وقال حماد بن زيد : ~~سمعت خالدا الحذاء يقول : كانوا يرون أن الناسخ من حديث رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - ما كان عليه أبو بكر وعمر . وقال حماد : سمعت أيوب ، قلت ~~لعثمان البتى : إذا سمعت أبدا اختلافا عن النبى - صلى الله عليه وسلم - ~~فانظر ما كان عليه أبو بكر وعمر فشد عليه يدك . PageV01P314 وروى محمد بن ~~الحسن ، عن مالك ، قال : إذا جاء عن النبى - صلى الله عليه وسلم - حديثان ~~مختلفان وبلغنا أن أبا بكر وعمر عملا بأحد الحديثين وتركا الآخر ، كان فى ~~ذلك دلالة على أن الحق فيما عملا به . وقال الأوزاعى : كان محكول يتوضأ مما ~~مست النار ، فلقى عطاء بن أبى رباح فأخبره أن أبا بكر الصديق أكل كتفا ثم ~~صلى ولم يتوضأ ، فترك مكحول الوضوء فقيل له : تركت الوضوء ؟ فقال : لأن يقع ~~أبو بكر من السماء إلى الأرض أحب إليه من أن يخالف رسول الله . وقد ذهب قوم ~~ممن تكلم فى غريب الحديث إلى أن قوله - صلى الله عليه وسلم - : تمت توضئوا ~~مما غيرت النار - أنه عنى به غسل اليد ، وهذا لا معنى له ، ولو كان كما ظن ~~لكان دسم ما لم تغيره النار وغيره لا تغسل منه اليد ms0189 ، وهذا يدل على قلة ~~علمه بما جاء عن السلف فى ذلك من التنازع فى إيجاب الوضوء واختلاف الآثار ~~فى ذلك عن النبى - صلى الله عليه وسلم - . وقال الطحاوى : والحجة فى ذلك من ~~جهة النظر أنا رأينا أن كل ما مسته النار أن أكلها قبل مماسة النار إياها ~~لا ينقض الوضوء ، فأردنا أن ننظر هل للنار حكم يجب فى الأشياء إذا مستها ~~النار فينقل حكمها إليها ؟ فرأينا الماء طاهرا يؤدى به الفرض ، ثم رأيناه ~~إذا سخن أن حكمه فى الطهارة على ما كان عليه قبل مماسة النار له ، فكان فى ~~النظر أن الطعام الطاهر الذى لا يكون أكله قبل مماسة النار حدثا ، إذا ~~PageV01P315 مسته النار لا تنقله عن حاله ولا تغير حكمه ، ويكون حكمه بعد ~~مسيس النار كحكمه قبل ذلك ، قياسا ونظرا . وفرق أحمد بن حنبل وإسحاق بين ~~أكل لحوم الإبل وغيرها ، فقالا : إن أكل لحوم الإبل نيئا أو مطبوخا فعليه ~~الوضوء . واحتج أحمد بما رواه سفيان ، عن سماك ، عن جعفر بن أبى ثور ، عن ~~جابر بن سمرة ، قال : سئل النبى - صلى الله عليه وسلم - أنتوضأ من لحوم ~~الإبل ؟ فقال : تمت نعم - فقيل : أفنتوضأ من لحوم الغنم ؟ قال : تمت لا - . ~~وهذا لو صح ، لكان منسوخا بما ذكرنا أن آخر الأمرين ترك الوضوء مما مست ~~النار . وقد يحتمل أن يكون الوضوء محمولا على الاستحباب والنظافة لشهوكة ~~الإبل لا على الإيجاب ، لأن تناول الأشياء النجسة مثل الميتة والدم ولحم ~~الخنزير لا ينقص الوضوء فلأن لا توجبه الأشياء الطاهرة أولى . * * * # | 46 - باب من مضمض من السويق ولم يتوضأ # / 68 - فيه : سويد بن النعمان أنه خرج مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- عام خيبر ، حتى إذا كانوا بالصهباء ، وهي أدنى خيبر ، فصلى العصر ، ثم ~~دعا بالأزواد ، فلم يؤت إلا بالسويق ، فأمر به فثرى ، فأكل منه رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - وأكلنا ، ثم قام إلى المغرب ، فمضمض ومضمضنا ، ثم صلى ~~، ولم يتوضأ . / 69 - وفيه : ابن عباس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أكل ~~عند ms0190 ميمونة كتفا ثم صلى ولم يتوضأ . PageV01P316 قال المهلب : فى حديث سويد ~~أن النبى - صلى الله عليه وسلم - مضمض من السويق ، وليس فى حديث ابن عباس ~~ذكر المضمضة ولا فى واحد من الحديثين ، أنه - صلى الله عليه وسلم - غسل يده ~~من ذلك ، فمباح للإنسان أن يغفل من ذلك ما شاء . قال : ومعنى المضمضة من ~~السويق ، وإن كان لا دسم له ، أنه تحتبس بقاياه بين الأسنان ونواحى الفم ، ~~فيشتغل تتبعه بلسانه المصلى عن صلاته . قال غيره : فى حديث سويد من الفقه ~~إباحة اتخاذ الزاد فى السفر ، وفى ذلك رد على الصوفية الذين يقولون : لا ~~يدخر لغده . وفيه من الفقه : نظر الإمام لأهل العسكر عن قلة الأزواد وجمعها ~~، ليقوت من لا زاد معه من أصحابه . وفيه : أن القوم إذا فنى أكثر زادهم ~~فوجب أن يتواسوا فى زاد من بقى من زاده شىء ، فإن أراد الذى بقى من زاده أن ~~يأخذ فيه الثمن فذلك له إن كان عند القوم ثمن ، وإن كان ثمنه قدرا اجتهد ~~فيه بلا بدل ، فإن لم يكن عندهم ثمن فواجب عليهم أن يتواسوا إلى أن يخرجوا ~~من سفرهم إلى موضع يجدون الزاد فيه ، لأن على المسلم أن يواسى أخاه ، وقد ~~جاء فى الحديث : تمت لا يحل لمسلم أن يعلم أن جاره طاو إلى جنبه وهو شبعان ~~لا يرفقه بما يمسك مهجته - . وفيه : أن للسلطان أن يأخذ المحتكرين بإخراج ~~الطعام إلى الأسواق عند قلته ، فيبيعونه من أهل الحاجة بسعر ذلك اليوم . ~~وقوله : تمت فثرى - يعنى بل بالماء ، لما كان لحقه من اليبس والقدم ، ~~PageV01P317 ومنه قيل للثرى : ثرى ، لرطوبته . وقال صاحب تمت الأفعال - ~~يقال : ثريت الأرض وأثرت إذا وصل ندى المطر إلى ثراها . * * * # | 47 - باب هل يمضمض من اللبن # / 70 - فيه : ابن عباس أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - شرب لبنا ، ~~فمضمض ، وقال : تمت إن له دسما - . قال : المهلب : تمت إن له دسما - قد بين ~~العلة التى من أجلها أمروا بالوضوء مما مست النار فى أول الإسلام ، وذلك ، ~~والله أعلم ، على ms0191 ما كانوا عليه من قلة التنظف فى الجاهلية ، فلما تقررت ~~النظافة وشاعت فى الإسلام ، نسخ الوضوء ، تيسيرا على المؤمنين . وفيه : أن ~~مضمضة الفم عند أكل الطعام من أدب الأكل . * * * # | 48 - باب الوضوء من النوم ومن لم ير من النعسة والنعستين أو الخفقة ~~وضوءا # / 71 - فيه عائشة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : تمت إذا نعس ~~أحدكم وهو يصلى فليرقد حتى يذهب عنه النوم ، فإن أحدكم إذا صلى وهو راقد ، ~~لعله يستغفر فيسب نفسه - . / 72 - وفيه : أنس أن النبى ، - صلى الله عليه ~~وسلم - ، قال : تمت إذا نعس أحدكم [ فى الصلاة ] ، فلينم ، حتى يعلم ما ~~يقرأ - . PageV01P318 قال المهلب : قوله - صلى الله عليه وسلم - : تمت إذا ~~نعس أحدكم فليرقد - ، هو فى صلاة الليل ، لأن صلوات الفرض ليست من نهاية ~~الطول ، ولا فى أوقات النوم فيحدث فيها مثل هذا ، وقد ذكر - صلى الله عليه ~~وسلم - العلة الموجبة لقطع الصلاة ، وذلك أنه خاف عليه إذا غلب عليه النوم ~~أن يخلط الاستغفار بالسب . قال المهلب : ومن صار فى مثل هذه الحال من ثقل ~~النوم فقد انتقض وضوءه بإجماع ، فأشبه من نهاه الله تعالى عن مقاربة الصلاة ~~فى حال السكر بقوله تعالى : { لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما ~~تقولون } [ النساء : 43 ] . وقد قال الضحاك فى تأويل قوله تعالى : { وأنتم ~~سكارى } أنه النوم . والأكثر أنها نزلت فى سكر الخمر ، وبين حديث عائشة ، ~~وحديث أنس فى هذا أن المعنى واحد ، لأن من أراد أن يستغفر ربه فيسب نفسه ، ~~فقد حصل من فقد العقل فى منزلة من لا يعلم ما يقول من سكر الخمر التى نهى ~~الله تعالى عن مقاربة الصلاة فيها ، ومن كان كذلك فلا تجوز صلاته ، لأنه ~~فقد عقله الذى خاطب الله أهله بالصلاة والفرائض ، ورفع الخطاب بذلك ~~والتكليف عمن عدمه . ودلت الآية على ما دل عليه الحديثان ، أنه لا ينبغى ~~للمصلى أن يقرب الصلاة مع شاغل له عنها ، أو حائل بينه وبينها ، لتكون همه ~~لا هم له غيرها ، وأن من استثقل نومه فعليه ms0192 الوضوء ، وهذا يدل أن النوم ~~اليسير بخلاف ذلك . PageV01P319 وأجمع الفقهاء على أن النوم القليل الذى لا ~~يزيل العقل لا ينقض الوضوء ، إلا المزنى وحده ، فإنه جعل قليل النوم وكثيره ~~حدثا ، وخرق الإجماع . وكذلك أجمعوا أن نوم المضطجع ينقض الوضوء . واختلفوا ~~فى هيئات النائمين ، فقال مالك : من نام قائما أو راكعا ، أو ساجدا فعليه ~~الوضوء . وفرق الشافعى بين نومه فى الصلاة وغيرها ، فقال : إن كان فى ~~الصلاة لا ينقض ، كما لا ينقض نوم القاعد ، وله قول آخر كقول مالك . وعند ~~الثورى وأبى حنيفة : لا ينقض الوضوء إلا نوم المضطجع فقط ، واحتجوا بما روى ~~أبو خالد الدالانى ، عن قتادة ، عن أبى العالية ، عن ابن عباس ، أن النبى ، ~~- صلى الله عليه وسلم - ، نام فى سجوده ونفخ ، فقيل له : يا رسول الله ، ~~نمت فى سجودك وصليت ، ولم تتوضأ ؟ فقال : تمت إنما الوضوء على من نام ~~مضطجعا - . وهذا حديث منكر ، قد ضعفه ابن حنبل وأبو داود ، وقال أحمد : ما ~~لأبى خالد يدخل نفسه فى أصحاب قتادة ، ولم يلقه ؟ . وأيضا لم يروه أحد من ~~أصحاب قتادة عنه ، وقيل : لم يسمع قتادة من أبى العالية إلا أربعة أحاديث ~~ليس هذا منها . والقائم والراكع والساجد يمكن خروج الريح منه ، لانفراج ~~موضع الحدث منه ، ولا يشبه القاعد المنضم الأطراف إلا أن يطول PageV01P320 ~~نومه جدا فى حال قعوده ، فعليه الوضوء عند مالك ، والأوزاعى ، وأحمد . ولم ~~يفرق أبو حنيفة والشافعى بين نوم الجالس فى القلة والكثرة ، وقالا : لا ~~ينتقض وضوءه وإن طال . ويرد قولهم : أنه إذا طال نومه جدا فى حال قعوده فهو ~~شاك فى الطهارة ، وقد أخذ عليه أن يدخل الصلاة بيقين طهارة ، وهذا قد زال ~~يقينه ، فعليه الوضوء ، وسيأتى إن شاء الله فى كتاب الصلاة ، فى باب النوم ~~قبل العشاء لمن غلب عليه شىء من معنى هذا الباب . قال عبد الواحد : فإن قال ~~قائل : فمن أين يخرج من هذا الباب قوله فى الترجمة : ومن لم ير من النعسة ~~والنعستين والخفقة وضوءا ؟ قيل له : يخرج من معنى الحديث ، لأنه لما ms0193 أوجب ، ~~- صلى الله عليه وسلم - ، قطع الصلاة بغلبة النوم والاستغراق فيه ، دل أنه ~~إذا كان النعاس أقل من ذلك ولم يغلب عليه أنه معفو عنه ، لا وضوء فيه ، على ~~ما يذهب إليه الجمهور . * * * # | 49 - باب الوضوء من غير حدث # / 73 - فيه : أنس ، كان النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، يتوضأ عند كل ~~صلاة ، قلت : كيف كنتم تصنعون ؟ قال : يجزئ أحدنا الوضوء ، ما لم يحدث . / ~~74 - وفيه : سويد بن النعمان ، أن النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، صلى ~~العصر يوم خيبر ، ثم صلى المغرب ، ولم يتوضأ . فيه : أن الوضوء من غير حدث ~~ليس بواجب ، وقد بين ذلك أنس بقوله : تمت يجزئ أحدنا الوضوء ما لم يحدث - . ~~وعليه الفقهاء PageV01P321 والناس ، ويشهد لصحة قول أنس فى ذلك صلاته - صلى ~~الله عليه وسلم - يوم خيبر العصر والمغرب بوضوء واحد فى حديث سويد ، وإنما ~~فعل ذلك ليرى أمته أن ما يلتزمه - صلى الله عليه وسلم - فى خاصته من الوضوء ~~لكل صلاة ليس بلازم ، وقد تقدم هذا المعنى فى أول كتاب الوضوء . وقال بعض ~~العلماء : الوضوء عن غير حدث نور على نور . فمن أراد الاقتداء به - صلى ~~الله عليه وسلم - فى جميع ذلك فمباح ، وكان ابن عمر يلتزم اتباعه - صلى ~~الله عليه وسلم - فى جميع أفعاله ، ويتوخى المواضع التى صلى فيها ، فيصلى ~~فيها حتى أنه كان يدير ناقته فى المواضع التى كان رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - يدير ناقته فيها ، حبا للاقتداء به ورغبة فى امتثال أفعاله - ~~صلى الله عليه وسلم - . * * * # | 50 - باب من الكبائر أن لا يستتر من بوله # / 75 - فيه : ابن عباس ، مر النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، بحائط من ~~حيطان المدينة ، أو مكة فسمع صوت إنسانين يعذبان فى قبورهما ، فقال - صلى ~~الله عليه وسلم - : تمت يعذبان ، وما يعذبان فى كبير - ، ثم قال : تمت بلى ~~، كان أحدهما لا يستتر من بوله ، وكان الآخر يمشى بالنميمة . . . . . - ~~الحديث . قال المهلب : قوله : تمت وما يعذبان فى كبير - ، يعنى عندكم ، وهو ~~كبير عند الله يدل على ذلك قوله : تمت ms0194 بلى - أى بلى إنه لكبير عند الله وهو ~~كقوله : تمت إن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله ما يظن أنها تبلغ حيث ما ~~بلغت ، يكتب له بها سخطه إلى يوم يلقاه - . ومصداق هذا المعنى فى كتاب الله ~~: { وتحسبونه هينا وهو عند الله عظيم } [ النور : 15 ] . PageV01P322 ~~واختلف أهل التأويل فى الكبائر التى تغفر الصغائر باجتنابها ، فقال بعضهم : ~~الكبائر سبع ، وقال آخرون : هى تسع ، وقال آخرون : كل ما نهى الله عنه فهو ~~كبير . وقيل : كل ما عصى الله به فهو كبير . هذا قول الأشعرية ، ويحتمل أن ~~يحتجوا بهذا الحديث ، لأن ترك التحرز من البول لم يتقدم فيه وعيد من الله ~~ولا من رسوله ، - صلى الله عليه وسلم - ، حتى أخبر عنه - صلى الله عليه ~~وسلم - أنه كبير ، وأن صاحبه يعذب عليه ، فكذلك يجوز أن يكون كثير من ~~الذنوب كبائر ، وإن لم يتقدم عليها وعيد . وخالفهم الفقهاء وأهل تأويل ~~القرآن فى ذلك ، وفرقوا بين الكبائر والصغائر . وقد تقصيت مذاهب العلماء ~~فيه ، وما نزع به كل فريق فى كتاب الأدب ، فهو أولى به . وروى هذا عن على ~~بن أبى طالب ، وعبيد بن عمير ، وعطاء ، واحتجوا بآثار عن النبى - صلى الله ~~عليه وسلم - فى ذلك . فقال بعضهم : الكبائر تسع ، روى هذا عن عبد الله بن ~~عمر . وقال آخرون : كل ذنب ختمه الله بنار ، أو لعنة ، أو غضب ، أو عذاب ، ~~فهو كبير . روى هذا عن ابن عباس . وروى عنه : كل ما نهى الله عنه فهو كبير ~~، قال : ومنها النظرة . وقال مرة : كل شىء عصى الله به فهو كبير . ~~PageV01P323 وقال طاوس : قيل لابن عباس : الكبائر سبع ؟ قال : هى إلى ~~السبعين أقرب . وقال سعيد بن جبير : قال رجل لابن عباس : الكبائر سبع ؟ قال ~~: هى إلى سبع مائة أقرب منها إلى سبع ، غير أنه لا كبيرة مع استغفار ، ولا ~~صغيرة مع إصرار . وذهب أهل التأويل إلى أن الصغائر تغفر باجتناب الكبائر ، ~~وخالفهم فى ذلك الأشعرية ، وسيأتى بيان قولهم وما نزع إليه كل فريق منهم فى ~~كتاب الأدب ، إن شاء الله ms0195 . إلا أن قوله : تمت يعذبان وما يعذبان فى كبير - ~~حجة لقول ابن عباس ، أن ما عصى الله به فهو كبير ، لأن ترك التحرز من البول ~~لم يتقدم فيه وعيد من الله ولا من رسوله - صلى الله عليه وسلم - حتى أخبر ~~أنه كبير ، وأن صاحبه يعذب عليه ، فكذلك يجوز أن يكون كثير من الذنوب كبائر ~~، وإن لم يتقدم عليها وعيد . قال أبو بكر الصديق : إن الله يغفر الكبير فلا ~~تيئسوا ، ويعذب على الصغير فلا تغتروا . وفى حديث ابن عباس : أن عذاب القبر ~~حق ، يجب الإيمان به والتسليم له ، وهو مذهب أهل السنة . وسيأتى فى كتاب ~~الجنائز شىء من معنى هذا الحديث ، إن شاء الله . PageV01P324 * * * # | 51 - باب ما جاء فى غسل البول # قال - صلى الله عليه وسلم - لصاحب القبر : تمت كان لا يستتر من بوله - ، ~~ولم يذكر سوى بول الناس . / 76 - فيه : أنس ، كان - صلى الله عليه وسلم - ~~إذا تبرز ، أتيته بماء ، فيغسل به . / 77 - وفيه : ابن عباس ، أن النبى ، - ~~صلى الله عليه وسلم - ، مر بقبرين ، فقال : تمت إنهما ليعذبان ، وما يعذبان ~~فى كبير ، أما أحدهما فكان لا يستتر من البول ، وأما الآخر فكان يمشى ~~بالنميمة . . . . - الحديث . أجمع الفقهاء على نجاسة البول والتنزه عنه . ~~وقوله : تمت كان لا يستتر من بوله - ، يعنى أنه كان لا يستر جسده ولا ثيابه ~~من مماسة البول ، فلما عذب على استخفافه لغسله والتحرز منه ، دل أنه من ترك ~~البول فى مخرجه ، ولم يغسله أنه حقيق بالعذاب . وقد روى غير البخارى فى ~~مكان تمت يستتر من بوله - : تمت يستبرئ من بوله - ، معنى لا يستبرئ : لا ~~يستفرغ البول جهده بعد فراغه منه ، فيخرج منه بعد وضوئه فيصل غير متطهر . ~~ذكر عبد الرزاق هذا الحديث وقال فيه : تمت أما أحدهما فكان لا يتنزه عن ~~البول - . ورواه أيضا : تمت أما هذا كان لا يتأذى ببوله - . هذه الروايات ~~كلها معناها متقارب ، واختلف الفقهاء فى إزالة النجاسة من الأبدان والثياب ~~، فقال مالك : إزالتها ليست بفرض . وقال بعض أصحابه : إزالتها فرض ، وهو ~~قول أبى ms0196 حنيفة ، والشافعى ، PageV01P325 إلا أن أبا حنيفة يعتبر فى ~~النجاسات ما زاد على مقدار الدرهم . وحجة من أوجب إزالة النجاسة : أنه أخبر ~~- صلى الله عليه وسلم - عن صاحب القبر : أنه يعذب بسب البول ، وذلك وعيد ~~وتحذير ، فثبت أن الإزالة فرض . واحتج ابن القصار بقول مالك ، فقال : يحتمل ~~صاحب القبر الذى عذب فى البول أنه كان يدع البول يسيل عليه ، فيصلى بغير ~~طهر ، لأن الوضوء لا يصح مع وجوده ، ومحتمل أن يفعله على عمد لغير عذر ، ~~لأنه قد روى تمت لا يستبرئ - ، و تمت لا يستنزه - ، وعندنا أن من تعمد ترك ~~سنن النبى - صلى الله عليه وسلم - بغير عذر ولا تأويل أنه متوعد مأثوم ، ~~فأما إذا لم يتعمد ذلك ، وتركها متأولا أو لعذر ، فصلاته صحيحة تامة . وقول ~~البخارى : تمت ولم يذكر سوى بول الناس - ، فإنه أراد أن يبين أن معنى ~~روايته فى هذا الباب : تمت أما أحدهما فكن لا يستتر من البول - ، أن المراد ~~بول الناس لا بول سائر الحيوان ، لأنه قد روى الحديث فى هذا الباب قبل هذا ~~وغيره تمت لا يستتر من بوله - ، فلا تعلق فى حديث هذا الباب لمن احتج به فى ~~نجاسة بول سائر الحيوان . PageV01P326 * * * # | 52 - باب ترك النبى - صلى الله عليه وسلم - والناس الأعرابى حتى فرغ من ~~بوله فى المسجد # / 78 - فيه : أنس ، أن النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، رأى أعرابيا ~~يبول فى المسجد ، فقال : تمت دعوه ، حتى إذا فرغ ، دعا بماء ، فصبه عليه - ~~. قال المهلب : فيه الرفق بالجاهل ، لأنه لو قطع عليه بوله لأصاب ثوبه ~~البول وتنجس ، وكذلك وصفه الله أنه بالمؤمنين رءوف رحيم ، وأنه على خلق ~~عظيم ، وقال - صلى الله عليه وسلم - : تمت إنما بعثتم ميسرين - ، وفعل ذلك ~~استئلافا للأعراب الذين أخبر الله عنهم أنهم أشد كفرا ونفاقا ، وأيضا فإن ~~ما جناه الأعرابى استدرك غسله بالماء . وفيه : تطهير المساجد من النجاسات ~~وتنزيهها عن الأقذار . * * * # | 53 - باب صب الماء على البول فى المسجد # / 79 - فيه : أبو هريرة ، قال : قام أعرابى ، فبال فى المسجد ، فتناوله ~~الناس ، فقال ms0197 لهم - صلى الله عليه وسلم - : تمت دعوه ، وهريقوا على بوله ~~سجلا من ماء ، أو ذنوبا من ماء ، فإنما بعثتم ميسرين ، ولم تبعثوا معسرين - ~~. / 80 - فيه : أنس ، عن النبى - صلى الله عليه وسلم - ، مثله . فى هذا ~~الحديث من الفقه : أن الماء إذا غلب على النجاسة ، ولم يظهر فيه شىء منها ~~فقد طهرها ، وأنه لا يضر ممازجة الماء لها إذا غلب عليها ، سواء كان الماء ~~قليلا ، أو كثيرا . PageV01P327 واختلف العلماء فى ذلك ، فذهب مالك فى ~~رواية المدنيين عنه : أن الماء الذى تحله النجاسة إذا لم يتغير طعمه ، أو ~~لونه ، أو ريحه ، فهو طاهر ، قليلا كان الماء ، أو كثيرا ، وبه قال النخعى ~~، والحسن ، وابن المسيب ، وربيعة ، وابن شهاب ، وفقهاء المدينة . وذهب ~~الكوفيون إلى أن النجاسة تفسد قليل الماء وكثيره ، إلا الماء المستبحر ~~الكثير الذى لا يقدر أحد على تحريك جميعه قياسا على البحر الذى قال فيه ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : تمت هو الطهور ماؤه الحل ميتته - . ~~وذهب الشافعى إلى أن الماء إن كان دون قلتين نجس ، وإن لم يتغير ، وإن كان ~~قلتين فصاعدا لم ينجس إلا بالتغير ، وبه قال أحمد ، وإسحاق . ولابن القاسم ~~، عن مالك أن قليل النجاسة يفسد قليل الماء ، وإن لم تغيره ، ولم يعتبر ~~القلتين . وحديث بول الأعرابى فى المسجد يرد حديث القلتين ، لأن الدلو أقل ~~من القلتين ، وقد طهر موضع بول الأعرابى ، ويرد أيضا على أبى حنيفة أصله فى ~~اعتباره الماء المستبحر . وقال النسائى : لا يثبت فى انتجاس الماء إلا حديث ~~بول الأعرابى فى المسجد ، إلا أن أصحاب الشافعى لما لزمتهم الحجة به فزعوا ~~إلى التفريق بين ورود الماء على النجاسة ، وبين ورود النجاسة على الماء ، ~~فراعوا فى ورودها عليه مقدار القلتين ، ولم يراعوا فى وروده عليها ذلك ~~المقدار . PageV01P328 قال ابن القصار : وهذا لا معنى له ، لأنه قد تقرر أن ~~الماء إذا ورد على النجاسة لم ينجس إلا أن يتغير ، فكذلك يجب إذا وردت ~~النجاسة على الماء لا ينجس إلا أن يتغير ، إذ لا فرق بين الموضعين . قال ms0198 : ~~ومما يرد اعتبار الكوفيين والشافعى ، أن النبى - صلى الله عليه وسلم - أمر ~~بصب الذنوب على بول الأعرابى فى المسجد ، وقد علمنا أنه إنما أراد تطهير ~~المكان بهذا المقدار من الماء ولا يطهر إلا بزوال النجاسة ولم تزل إلا ~~بغلبة الماء الذى هو دون المقدار الذى يعتبره أبو حنيفة ، والشافعى ، ~~ومعلوم أن هذا المقدار من الماء لا يزيل النجس إلا وقد حل فيه النجس أو ~~بعضه ، وإذا حصل فيه النجس لم يكن بد أن يحكم له بالطهارة ، لأنه لو لم ~~يطهر لكان نجسا ، ولو كان نجسا لما أزال النجاسة عن الموضع ، لأنه كلما ~~لاقى النجس الماء نجسه ، فأدى ذلك إلى أن لا تزول نجاسة ولا يطهر المكان . ~~واختلفوا فى تطهير الأرض من البول والنجاسة ، فقال مالك والشافعى وأبو ثور ~~: لا يطهرها إلا الماء ، واحتجوا بحديث بول الأعرابى . وروى عن أبى قلابة ، ~~والحسن البصرى ، وابن الحنفية ، أنهم قالوا : جفوف الأرض طهورها ، وهو قول ~~أبى حنيفة ، وأبى يوسف ، ومحمد ، قالوا : الشمس تزيل النجاسة ، فإذا ذهب ~~أثرها صل فيها ولا تتيمم . وقال الثورى : إذا جف فلا بأس بالصلاة عليه . ~~وعند مالك وزفر : لا يجزئه أن يصلى عليها إلا أن مالكا ، قال : يعيد فى ~~الوقت ، وكذلك قال إذا تيمم به . PageV01P329 قال الطحاوى : واختلفوا فيما ~~يجوز به إزالة النجاسة من الأبدان والثياب ، فقال مالك : لا يطهر ذلك إلا ~~الماء الذى يجوز به الوضوء . وهو قول زفر ، ومحمد بن الحسن ، والشافعى . ~~والحجة لهم قوله تعالى : { وأنزلنا من السماء ماء طهورا } [ الفرقان : 48 ] ~~، وأمره - صلى الله عليه وسلم - بصب الدلو على بول الأعرابى فى المسجد . ~~قالوا : فكذلك حكم الأبدان والثياب . وقال أبو حنيفة ، وأبو يوسف : تجوز ~~إزالة النجاسة بكل مائع ، وكل طاهر ، والنار ، والشمس ، ولو أن جلد الميتة ~~جف فى الشمس طهر من غير دباغ ، واحتجوا على إزالة النجاسات بالمائعات ، ~~فقالوا : الخمر إذا انقلبت خلا فقد طهرت هى والدن جميعا . ونحن نعلم أن ~~الخمر كانت نجسة ، والدن نجس ، ولم يطهره إلا الخل . قال ابن القصار : ~~فيقال لهم : إن ms0199 الدن جامد وكان طاهرا قبل حدوث الشدة فى الخمر ، وإنما حصلت ~~على وجهه أجزاء نجاسة من الخمر ، فإذا انقلبت الخمر خلا انقلبت تلك الأجزاء ~~خلا ، فلم تزل بالخل ، وإنما انقلبت كما انقلب نفس الخمر . ونظير مسألتنا ~~أن يصب الثوب نجاسة فتنقلب عينها فتصير طاهرة ، PageV01P330 فنقول : إن هذا ~~لا يحتاج إلى غسل ، ثم نقول : إن الدن لو كان إنما طهر بالخل على طريق ~~الغسل لوجب ألا يحكم بطهارته ولا بطهارة الخل ، ألا ترى لو أن إناء فيه بول ~~أو دم فصب عليه الخل حتى ملأ الدن ، فإن الخل ينجس ولا يطهر الإناء ؟ . ~~فعلمنا أن الدن لم يطهر يكون الخل فيه ، وإنما طهر بانقلاب عينه ، ومن ~~مذهبهم أن الماء الذى تغسل به النجاسة يكون نجسا ، فكيف بالخل ؟ ولو طهر ~~الدن بغسل الخل له لنجس الخل ، ألا ترى أنه لو كان الدن نجسا بالخمر ، ثم ~~غسل بخل آخر لم يطهر ولنجس الخل ؟ . وقال أبو حاتم : تمت السجل - ، مذكر ~~الدلو ملأى ماء ، ولا يقال لها وهى فارغة : سجل ، فإذا لم يكن فيها ماء فهى ~~دلو ، وثلاثة أسجل ، وهو السجال . ابن دريد : ودلو : سجل واسعة . يعقوب ، ~~عن ابن مهدى : دلو سجيلة ، والذنوب الدلو الملأى ، عن الخليل . * * * # | 54 - باب بول الصبيان # / 81 - فيه : عائشة ، قالت : أتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بصبى ~~فبال على ثوبه ، فدعا بماء فأتبعه إياه . / 82 - وفيه : أم قيس بنت محصن ، ~~أنها أتت بابن لها صغير ، لم يأكل الطعام إلى رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - ، فأجلسه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فى حجره ، فبال على ثوبه ~~فدعا بماء فنضحه ، ولم يغسله . PageV01P331 قال الأصيلى : انتهى آخر حديث ~~أم قيس إلى قوله : تمت فنضحه - ، وقوله : تمت فلم يغسله - من قول ابن شهاب ~~، وقد رواه معمر ، عن ابن شهاب ، فقال فيه : تمت فنضحه - ، ولم يزد ، وروى ~~ابن أبى شيبة ، عن ابن عيينة ، عن ابن شهاب ، فقال فيه : تمت فدعا بماء ~~فرشه - ، ولم يزد . واختلف العلماء فى بول الصبى ، فقالت طائفة : بوله طاهر ms0200 ~~قبل أن يأكل الطعام ، روى هذا عن على بن أبى طالب ، وأم سلمة ، وعطاء ، ~~والحسن ، والزهرى . وهو قول الأوزاعى ، وابن وهب صاحب مالك ، والشافعى ، ~~وأحمد ، وإسحاق . والحجة لهم قوله فى حديث أم قيس : تمت فنضحه ، ولم يغسله ~~- . وفرق هؤلاء الفقهاء بين بول الصبى والصبية ، فقالوا : بول الصبية نجس ، ~~وإن لم تأكل الطعام بخلاف بول الصبى . واحتجوا فى ذلك بما رواه هشام ، عن ~~قتادة ، عن أبى حرب بن أبى الأسود ، عن أبيه ، عن على بن أبى طالب ، عن ~~الرسول - صلى الله عليه وسلم - أنه قال فى الرضيع : تمت يغسل بول الجارية ، ~~وينضح بول الغلام - . وقالت طائفة أخرى : بول الصبى والصبية نجس ، سواء ~~أكلا الطعام أم لا ، هذا قول النخعى ، وإليه ذهب مالك ، والكوفيون ، وأبو ~~ثور . PageV01P332 واحتج لهم الطحاوى فقال : أراد بالنضح فى هذا الحديث ~~الغسل وصب الماء عليه ، وقد تسمى العرب ذلك نضحا ، ومنه قوله - صلى الله ~~عليه وسلم - : تمت إنى لأعرف مدينة يقال لها : عمان ينضح البحر بناحيتها لو ~~جاءهم رسولى ما رموه بحجر - . فلم يعن بذلك النضح ، الرش ، ولكنه أراد يلزق ~~بناحيتيها . والدليل على صحة هذا : أن عائشة روت حديث بول الصبى عن النبى ، ~~- صلى الله عليه وسلم - ، فقالت فيه : تمت فدعا بماء فأتبعه إياه - ، ولم ~~تقل : فلم يغسله . رواه مالك ، وأبو معاوية ، عن هشام بن عروة . وهكذا رواه ~~زائدة ، عن هشام بن عروة ، وقال فيه : تمت فدعا بماء ، فنضحه عليه - . قال ~~الطحاوى : وإتباع الماء حكمه حكم الغسل ، ألا ترى لو أن رجلا أصاب ثوبه ~~عذرة ، فأتبعها الماء حتى ذهب بها أن ثوبه قد طهر ؟ . قال ابن القصار : ~~والنضح فى معنى الغسل فى قوله - صلى الله عليه وسلم - للمقداد : تمت انضح ~~فرجك - ، وكما قال فى حديث أسماء فى غسل الدم : تمت انضحيه - ، فجعل النضح ~~عبارة عن الغسل . قال المهلب : والدليل على أن النضح يراد به كثرة الصب ~~والغسل ، قول العرب للجمل الذى يستخرج به الماء من الأرض : ناضح . قال ابن ~~القصار : وقد أجمع المسلمون على أنه لا فرق بين ms0201 بول الرجل ، وبول المرأة فى ~~نجاسته ، كذلك بول الغلام والجارية . قال المهلب : واللبن الذى قد رضعه ~~الصبى هو طعام ، وإنما قال فى الحديث : تمت لم يأكل الطعام - ، ليحكى القصة ~~كما وقعت ، لا للفرق بين اللبن والطعام . PageV01P333 وقال جماعة من ~~العلماء : حديث عائشة ، وحديث أم قيس أصل فى غسل البول من الثياب والجسد ~~وغيرهما . * * * # | 55 - باب البول قائما وقاعدا # / 83 - فيه : حذيفة ، قال : أتى النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، سباطة ~~قوم ، فبال قائما ، فدعا بماء ، فجئته بماء ، فتوضأ . فى نص الحديث جواز ~~البول قائما ، وأما البول قاعدا فمن دليل الحديث ، لأنه إذا جاز البول ~~قائما فقاعدا أجوز ، لأنه أمكن . واختلف العلماء فى البول قائما ، فروى عن ~~عمر بن الخطاب ، وعلى بن أبى طالب ، وزيد بن ثابت ، وابن عمر ، وسهل بن سعد ~~، وأنس بن مالك ، وأبى هريرة ، وسعد بن عبادة : أنهم بالوا قياما . وروى ~~مثله عن ابن المسيب ، وابن سيرين ، وعروة بن الزبير . وكرهت طائفة البول ~~قائما ، ذكر ابن أبى شيبة ، فى مصنفه إنكار عائشة أن يكون رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - بال قائما . وعن عمر بن الخطاب ، أنه قال : ما بلت قائما ~~منذ أسلمت . وعن مجاهد أنه قال : ما بال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~قائما قط إلا مرة فى كثيب أعجبه . وروى عن ابن مسعود أنه قال : من الجفاء ~~أن تبول وأنت قائم . وهو قول الشعبى . وكرهه الحسن ، وكان سعد بن إبراهيم ~~لا يجيز شهادة من بال قائما . PageV01P334 وفيه قول ثالث : أن البول إذا ~~كان فى مكان لا يتطاير عليه منه شىء فلا بأس به ، وإن كان فى مكان يتطاير ~~عليه ، فهو مكروه . هذا قول مالك ، وهو دليل الحديث ، لأنه - صلى الله عليه ~~وسلم - أتى سباطة قوم فبال قائما . والسباطة : المزبلة ، والبول فيها لا ~~يكاد يتطاير منه كبير شىء ، فلذلك بال قائما - صلى الله عليه وسلم - . ومن ~~كره البول قائما ، فإنما كرهه خشية ما يتطاير إليه من بوله ، ومن أجازه ~~قائما ، فإنما أجازه خوف ما يحدثه البائل جالسا ms0202 فى الأغلب من الصوت الخارج ~~عنه إذا لم يمكنه التباعد عمن يسمعه . وقد جاء عن عمر بن الخطاب أنه قال : ~~البول قائما أحصن للمدبر . وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا بال ~~قائما لم يبعد عن الناس ، ولا أبعدهم عن نفسه ، بل أمر حذيفة بالقرب منه إذ ~~بال قائما . وروى عنه - صلى الله عليه وسلم - من مرسل عطاء ، وعبيد بن عمير ~~، أنه بال جالسا ، فدنا منه رجل ، فقال : تمت تنح ، فإن كل بائلة تفيخ - . ~~ويروى : تمت تفيس - . وقال إسحاق بن راهويه : لا ينبغى لأحد يتقرب من الرجل ~~يتغوط أو يبول جالسا لقول النبى ، - صلى الله عليه وسلم - : تمت تنح ، فإن ~~كل بائلة تفيخ - . PageV01P335 * * * # | 56 - باب البول عند صاحبه والتستر بالحائط # / 84 - فيه : حذيفة ، رأيتنى أنا والنبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، ~~نتماشى ، فأتى سباطة قوم خلف حائط ، فقام ، كما يقوم أحدكم ، فبال ، ~~فانتبذت منه ، فأشار إلى فجئته ، فقمت عند عقبه ، حتى فرغ . قال المروزى : ~~من السنة أن يقرب من البائل إذا كان قائما ، لحديث حذيفة هذا ، إذا أمن أن ~~يرى منه عورة ، وأما إن كان قاعدا ، فالسنة أن تبتعد عنه لئلا يفيخ كما روى ~~عنه - صلى الله عليه وسلم - . وقوله : تمت فانتبذت منه - ، إنما فعل ذلك ~~حذيفة لئلا يسمع منه - صلى الله عليه وسلم - شيئا مما يجرى فى الحدث ، فلما ~~بال قائما ، وأمن عليه ما خشيه حذيفة أمره بالتقرب منه . وفى قوله : تمت ~~فأشار إلى فجئته - ، يدل أنه لم يبعد منه بحيث لا يراه ، وإنما بعد عنه ~~وعينه تراه ، لأنه كان يحرسه ، - صلى الله عليه وسلم - . وفيه : خدمة ~~العالم ، قاله المهلب . وفيه : أنه - صلى الله عليه وسلم - كان إذا أراد ~~قضاء حاجة الإنسان توارى عن أعين الناس بما يستره من حائط أو شجر ، وبذلك ~~كان يأمر أمته - صلى الله عليه وسلم - . * * * # | 57 - باب البول عند سباطة قوم # / 85 - فيه : أبو وائل ، قال : كان أبو موسى الأشعرى يشدد فى البول ، ~~ويقول : إن بنى إسرائيل كان إذا أصاب ثوب أحدهم قرضه ، PageV01P336 فقال ms0203 ~~حذيفة : ليته أمسك ، أتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سباطة قوم ، ~~فبال قائما . تمت السباطة - : المزبلة ، والبول قائما لا يكاد يسلم مما ~~يتطاير منه ، قال أبو عبيد : السباطة نحو الكناسة . ابن دريد : الكناسة : ~~ما كنس . واختلف العلماء فى مقدار رءوس الإبر تتطاير من البول ، فقال مالك ~~، والشافعى ، وأبو ثور : يغسل قليله وكثيره . وقال إسماعيل بن إسحاق : غسل ~~ذلك عند مالك على سبيل الاستحسان والتنزه . وقال الكوفيون : ليس مقدار رءوس ~~الإبر بشىء ، وسهلوا فى يسير النجاسة . وقال الثورى : كانوا يرخصون فى ~~القليل من البول . وقول حذيفة : تمت ليته أمسك - ، يرد عليه تشديده فى ~~البول ، وهو حجة لمن رخص فى يسيره ، لأن المعهود ممن بال قائما أن يتطاير ~~إليه مثل رءوس الإبر . وفيه : يسر وسماحة ، إذ كان من قبلنا يقرض ما أصاب ~~البول من ثوبه . وحديث حذيفة موافق لمذهب الكوفيين . PageV01P337 * * * # | 58 - باب غسل الدم # / 86 - فيه : أسماء ، قالت : جاءت امرأة إلى النبى ، - صلى الله عليه ~~وسلم - ، فقالت : أرأيت إحدانا تحيض فى الثوب ، كيف تصنع ؟ قال : تمت تحته ~~وتقرصه ، ثم تنضحه بالماء وتصلى فيه - . / 87 - وفيه : عائشة ، قالت : جاءت ~~فاطمة بنت أبى حبيش إلى النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، فقالت : يا رسول ~~الله ، إنى امرأة أستحاض ، فلا أطهر ، أفأدع الصلاة ، فقال رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - : تمت لا ، إنما ذلك عرق ، وليس بالحيض - ، إلى قوله : ~~تمت فاغسلى عنك الدم وصلى - . حديث أسماء أصل عند العلماء فى غسل النجاسات ~~من الثياب . وقوله : تمت تحت - يعنى تقرصه وتنقضه . قال أبو عبيد : وقوله : ~~تمت تقرصه - يعنى تقطعه بالماء ، وكل مقطع مقرص ، يقال منه : قرصت العجين ~~إذا قطعته . وقال غيره : والنضح فى هذا الحديث يراد به الغسل . وذلك معروف ~~فى لغة العرب على ما تقدم بيانه فى باب بول الصبيان ، والدليل على أن النضح ~~فيه يراد به الغسل ، قوله - صلى الله عليه وسلم - لفاطمة بنت أبى حبيش : ~~تمت فاغسلى عنك الدم وصلى - . وهذا الحديث محمول عند العلماء على الدم ~~الكثير ، لأن الله تعالى شرط فى ms0204 نجاسته أن يكون مسفوحا ، وكنى به عن الكثير ~~الجاري . PageV01P338 إلا أن الفقهاء اختلفوا فى مقدار ما يتجاوز عنه من ~~الدم ، فاعتبر الكوفيون فيه وفى سائر النجاسات : دون الدرهم فى الفرق بين ~~قليله وكثيره ، قياسا على دور المخرج فى الاستنجاء بالحجارة . وقال مالك : ~~قليل الدم معفو عنه ، ويغسل قليل سائر النجاسات . وروى عنه ابن وهب أن قليل ~~دم الحيض يغسل ككثيره ، كسائر الأنجاس ، بخلاف سائر الدماء . وقال أشهب : ~~لم يحد مالك فى الدم قدر الدرهم . وقال على بن زياد عنه : إن قدر الدرهم ~~ليس بواجب أن تعاد منه الصلاة ، ولكن الكثير الفاشى . وعند الشافعى : أن ~~يسير الدم يغسل كسائر النجاسات إلا دم البراغيث ، فإنه لا يمكن التحرز منه ~~. والحجة لقول مالك : أن يسير دم الحيض ككثيره قوله - صلى الله عليه وسلم - ~~لأسماء فى دم الحيض : تمت حتيه ثم اقرصيه بالماء - ، ولم يفرق بين قليله ~~وكثيره ، ولا سألها عن مقداره ، وقوله لفاطمة بنت أبى حبيش : تمت فاغسلى ~~عنك الدم وصلى - ، ولم يحد فيه مقدار درهم من غيره . ووجه الرواية الأخرى : ~~أن قليل الدم معفو عنه هو أن يسير الدم موضع ضرورة ، لأن الإنسان لا يخلو ~~فى غالب حاله من بثرة ، أو دمل ، أو برغوث ، أو ذباب ، فعفى عن القليل منه ~~، ولهذا حرم الله تعالى المسفوح منه ، فدل أن غيره ليس بمحرم ، ولم يستثن ~~فى سائر النجاسات غير الدم أن تكون مسفوحة . PageV01P339 وقالت عائشة : لو ~~حرم الله قليل الدم لتتبع الناس ما فى العروق ، ولقد كنا نطبخ اللحم ~~والبرمة تعلوها الصفرة . وليس الغالب من الناس كون الغائط ، والبول فى ~~ثيابهم ، وأبدانهم ، لأن التحرز يمكن منه . وقال مجاهد : كان أبو هريرة لا ~~يرى بالقطرة والقطرتين بأسا فى الصلاة . وتنخم ابن أبى أوفى دما فى صلاته . ~~وعصر ابن عمر بثرة فخرج منها دم وقيح ، فمسحه بيده ، وصلى ولم يتوضأ . وروى ~~ابن المبارك ، عن المبارك بن فضالة ، عن الحسن أن النبى ، - صلى الله عليه ~~وسلم - ، كان يقتل القملة فى الصلاة . ومعلوم أن فيها دما يسيرا . * * * # | 59 ms0205 - باب غسل المنى وفركه وغسل ما يصيب من المرأة # / 88 - فيه : عائشة ، قالت : كنت أغسل الجنابة من ثوب النبى ، - صلى الله ~~عليه وسلم - ، فيخرج إلى الصلاة ، وإن بقع الماء فى ثوبه . واختلف العلماء ~~فى المنى هل هو نجس أم طاهر ؟ . فذهب مالك ، والليث ، والأوزاعى ، والثورى ~~، وأبو حنيفة ، وأصحابه إلى أن المنى نجس . PageV01P340 إلا أن مالكا لا ~~يجزئ عنده فى رطبه ويابسه إلا الغسل ، والفرك عنده باطل . وعند أبى حنيفة ~~يغسل رطبه ، ويفرك يابسه . وقال الثورى : إن لم يفركه أجزأته صلاته . وقال ~~الشافعى ، وأحمد ، وإسحاق ، وأبو ثور : المنى طاهر ويفركه من ثوبه ، وإن لم ~~يفركه فلا بأس . وممن رأى فرك المنى : سعد بن أبى وقاص ، وابن عباس . قال ~~ابن عباس : امسحه بإذخر أو خرقة ، ولا تغسله إن شئت . قال الطحاوى : واحتج ~~الذين قالوا بنجاسته من قول عائشة : تمت كنت أغسل الجنابة من ثوب النبى ، - ~~صلى الله عليه وسلم - ، فيخرج إلى الصلاة ، وإن بقع الماء فى ثوبه . واحتج ~~الذين قالوا أنه طاهر بآثار عن عائشة مخالفة لهذا الحديث ، وذلك ما رواه ~~شعبة ، عن الحكم ، عن إبراهيم ، عن همام ، عن الحارث ، أنه نزل على عائشة ، ~~رضى الله عنها ، فاحتلم ، فرأته جارية لعائشة وهو يغسل أثر الجنابة من ثوبه ~~، فأخبرت بذلك عائشة ، فقالت عائشة : لقد رأيتنى مع النبى ، - صلى الله ~~عليه وسلم - ، وما أزيد على أن أفركه فى ثوب النبى - صلى الله عليه وسلم - ~~. وروى الأوزاعى ، عن يحيى بن سعيد ، عن عمرة ، عن عائشة ، قالت : كنت أفرك ~~المنى من ثوب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا كان يابسا ، وأغسله إذا ~~كان رطبا . وقال لهم أهل المقالة الأولى : لا حجة لكم فى هذه الآثار ، ~~لأنها PageV01P341 إنما جاءت فى ثياب ينام فيها ، ولم تأت فى ثياب يصلى ~~فيها ، وقد رأينا الثياب النجسة بالغائط والبول لا بأس بالنوم فيها ، ولا ~~تجوز الصلاة فيها ، وإنما تكون هذه الآثار حجة علينا لو كنا نقول : لا يصلح ~~النوم فى الثوب النجس ، فأما إذا كنا نبيح ذلك ونوافق ما رويتم ms0206 عن النبى ، ~~- صلى الله عليه وسلم - ، فيه ونقول من بعد : لا تصلح الصلاة فيها ، فلم ~~نخالف شيئا مما روى عن النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، فى ذلك ، وقد قالت ~~عائشة : تمت كنت أغسل المنى من ثوب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيخرج ~~إلى الصلاة ، وإن بقع الماء فى ثوبه - . فكانت تغسل المنى من ثوبه الذى ~~يصلى فيه وتفركه من ثوبه الذى لا يصلى فيه . واحتج عليهم الآخرون بما رواه ~~حماد بن سلمة ، عن حماد بن زيد ، عن إبراهيم ، عن الأسود ، عن عائشة ، قالت ~~: كنت أفركه من ثوب النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، ثم يصلى فيه . قالوا ~~: فدل ذلك على طهارته . قال الطحاوى : ولا يدل ذلك على طهارته كما زعموا ، ~~فقد يجوز أن يفعل ذلك النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، فيتطهر بذلك الثوب ~~. والمنى فى نفسه نجس كما روى فيما أصاب النعلين من الأذى . روى محمد بن ~~عجلان ، عن المغيرة ، عن أبى هريرة ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - : تمت إذا وطئ أحدكم الأذى بخفيه ، أو بنعليه ، فطهورهما التراب - . ~~فكان ذلك التراب يجزئ من غسلهما وليس ذلك دليل على طهارة PageV01P342 الأذى ~~فى نفسه ، فكذلك المنى يطهر الثوب بالفرك ، والمنى فى نفسه نجس . قال ابن ~~القصار : وأما دلائل القياس : فقد اتفقنا على نجاسة المذى ، فكذلك المنى ~~بعلة أنه خارج من مخرج البول . فإن قالوا : هو طاهر ، لأنه خلق منه حيوان ~~طاهر . قيل : قد يكون الشىء طاهرا ويكون متولدا عن نجس كاللبن ، فإنه يتولد ~~عن الدم . فإن قالوا : خلق منه الأنبياء فلا يجوز أن يكون نجسا . قيل : ~~وكذلك خلق منه الفراعنة والطغاة فوجب أن يكون نجسا ، يتولد عن الشهوة يجب ~~فيه الغسل . فإن قالوا : يعارض قياسكم بقياس آخر ، فتقول : اتفقنا على محة ~~البيضة أنها طاهرة ، فكذلك المنى بعلة أنه مائع خلق منه حيوان طاهر . قيل : ~~ذلك لا يلزم ، لأنا قد اتفقنا أنه يكون الشىء طاهرا ويكون متولدا عن نجس ~~كاللبن ، فإنه متولد عن الدم ، وقيل : إنه دم كما يكون طاهرا ms0207 ويستحيل إلى ~~النجس كالغذاء والماء فى جوف ابن آدم ، وقد قيل : إن العلقة المتولدة عن ~~المنى من دم نجس . فإن قالوا : خلق منه الأنبياء فلا يجوز أن يكون نجسا . ~~قيل : لو جاز أن يكون طاهرا ، لأن الأنبياء خلقوا منه لوجب أن يكون نجسا ، ~~لأن الفراعنة والطغاة خلقوا منه . فإن قيل : فإن الله خلق آدم من ماء وطين ~~، وهما طاهران فوجب أن يكون طاهرا . PageV01P343 قيل : هذا لا يلزم لأنه ~~لما لم يشاركه أحد فى ابتداء خلقه لم تجب مساواته له فيما ذكرتم ، لأن آدم ~~لم يتنقل فى رحم فيكون نطفة ثم علقة ، والعلقة دم حكم لها بالنجاسة إذا ~~انفصلت ، ووجدنا الخارجات من البدن على ضربين : فضرب مائع طاهر ليس خروجه ~~بحدث ولا ينقض الوضوء كاللبن ، والعرق ، والدموع ، والبصاق ، والمخاط . ~~وضرب آخر نجس وخروجه حدث ينقض الطهارة ويجب غسله ، كالبول ، والغائط ، ودم ~~الحيض ، والمذى . وثبت بالإجماع : أن المذى ينقض الطهر ويوجبه ، فكذلك ~~المنى . * * * # | 60 - باب إذا غسل الجنابة أو غيرها فلم يذهب أثره # / 89 - فيه : عائشة : كنت أغسل المنى من ثوب رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - ، ثم يخرج إلى الصلاة ، وأثر الغسل فيه بقع الماء . / 90 - وقال مرة ~~: إن عائشة كانت تغسل المنى من ثوب النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، ثم ~~أراه فيه بقعة أو بقعا . قوله : تمت وأثر الغسل - يحتمل معنيين : أحدهما : ~~أن يكون معناه : بلل الماء الذى غسل به الثوب ، والضمير راجع فيه إلى أثر ~~الماء ، فكأنه قال : وأثر الغسل بالماء بقع الماء فيه ، يعنى لا بقع ~~الجنابة . ويحتمل أن يكون معناه : وأثر الغسل يعنى أثر الجنابة التى ~~PageV01P344 غسلت بالماء فيه بقع الماء التى غسلت به الجنابة ، والضمير فيه ~~راجع إلى أثر الجنابة لا إلى أثر الماء . وكلا الوجهين جائز ، لكن قوله فى ~~الحديث الآخر : تمت أنها كانت تغسل المنى من ثوب رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - ثم أراه فيه بقعة أو بقعا . يدل أن تلك البقع كانت بقع المنى ، ~~وطبعه لا محالة ، لأن العرب أبدا ترد الضمير ms0208 إلى أقرب مذكور ، وضمير المنى ~~فى الحديث الآخر أقرب من ضمير الغسل . قال المهلب : وفيه من الفقه : أن أثر ~~النجاسات بعد الغسل لا يضر ، وأن تلك الآثار والطباع هى طبع النجاسة ، وذلك ~~باق فى الثوب ، وإذا ثبت هذا ، ثبت أن غسل النجاسات ليس بفرض ، لعدم ~~استئصال أثرها ، وسائر النجاسات فى ذلك حكمها حكم الجنابة ، وأنها إذا غسلت ~~أعيانها وبقيت آثارها لم يضر ذلك ، ولذلك قال البخارى : باب إذا غسل ~~الجنابة . أو غيرها لم يذهب أثرها ، قياسا لسائر النجاسات على الجنابة ، ~~ولا أعلم خلافا لهذا إلا ما يروى عن ابن عمر أنه كان إذا وجد دما فى ثوبه ، ~~فغسله فبقى أثره دعا بحلمين فقطعه . وقد روى عن عائشة أنها صلت فى ثوب كان ~~فيه دم فبقى أثره . وروى مثله عن علقمة ، وهو مذهب مالك ، والشافعى ، ~~وجماعة . وفيه : خدمة المرأة لزوجها فى غسل ثيابه وشبه ذلك . PageV01P345 * ~~* * # | 61 - باب أبوال الإبل والغنم والدواب ومرابضها # وصلى أبو موسى فى دار البريد ، والسرقين ، والبرية إلى جنبه ، فقال : ~~هاهنا ، وثم سواء . / 91 - فيه : أنس أن ناسا من عكل أو عرينة ، قدموا ~~المدينة فاجتووها ، فأمرهم النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، بلقاح وأن ~~يشربوا من أبوالها وألبانها . . . ، الحديث . / 92 - وفيه : أنس ، أن النبى ~~، - صلى الله عليه وسلم - ، كان يصلى فى مرابض الغنم قبل أن يبنى المسجد . ~~اختلف العلماء فى طهارة أبوال ما يؤكل لحمه : فذهب عطاء ، والنخعى ، ~~والزهرى ، وابن سيرين ، والحكم ، والشعبى إلى أنها طاهرة ، وهو قول مالك ، ~~والثورى ، والليث ، ومحمد بن الحسن ، وزفر ، والحسن بن صالح ، وأحمد ، ~~وإسحاق . وقال أبو حنيفة ، وأبو يوسف ، والشافعى ، وأبو ثور : الأبوال كلها ~~نجسة . وروى مثله عن ميمون بن مهران ، والحسن ، وحماد . وقال ابن القصار : ~~وحجة أهل المقالة الأولى : حديث أنس أن النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، ~~أباح للعرنيين شرب أبوال الإبل وألبانها ، فجعل ذلك بمنزلة اللبن ، فلو ~~كانت نجسة ما أباح لهم ذلك . وقال أهل المقالة الثانية : لا حجة لكم فى هذا ~~الحديث ، لأنه - صلى الله عليه وسلم - إنما أباح لهم ms0209 شرب البول للمرض ، ~~لأنهم استوخموا المدينة ، فأباحهم ذلك . PageV01P346 فعارضهم الأولون ، ~~فقالوا : محال أن يأمرهم - صلى الله عليه وسلم - بشرب أبوالها وهى نجسة ، ~~لأن الأنجاس محرمة علينا ، وقد سئل - صلى الله عليه وسلم - عن الاستشفاء ~~بالخمر ، فقال : تمت ذلك داء ، وليس بشفاء - . وقال ابن مسعود : ما كان ~~الله ليجعل فيما حرم شفاء . فثبت أن بول الإبل الذى جعله دواء ، أنه طاهر ~~غير محرم . قاله الطحاوى . وقال ابن القصار : ومن جهة النظر أنا قد اتفقنا ~~أن ريق ما يؤكل لحمه وعرقه طاهر ، والمعنى فيه أنه مائع مستحيل من حيوان ~~مأكول اللحم ليس بدم ولا قيح ، فكذلك بوله . وذهب ابن علية ، وأهل الظاهر ~~إلى أن بول كل حيوان ، وإن كان لا يؤكل لحمه طاهر غير ابن آدم . وروى مثله ~~عن الشعبى ، ورواية عن الحسن ، وخالفهم سائر العلماء . وقول البخارى فى ~~الترجمة : تمت باب أبوال الإبل والدواب - . وافق فيه أهل الظاهر ، وقاس ~~أبوال ما لا يؤكل لحمه على أبوال الإبل ولذلك قال : تمت وصلى أبو موسى فى ~~دار البريد ، والسرقين - ، ليدل على طهارة أرواث الدواب وأبوالها ، ولا حجة ~~له فيه بينة ، لأنه يمكن أن يصلى فى دار البريد على ثوب بسطه فيه ، أو فى ~~مكان يابس لا تعلق به نجاسة منه . وقد قال عامة الفقهاء : إن من بسط على ~~موضع نجس بساطا وصلى عليه أن صلاته جائزة . PageV01P347 ولو صلى على ~~السرقين بغير بساط لكان مذهبا له ، ولم تجز مخالفة الجماعة به . وذهب أبو ~~حنيفة ، وأبو يوسف ، ومحمد ، والشافعى ، إلى أن الأرواث كلها نجسة . وقال ~~مالك ، والثورى ، وزفر ، والحسن بن حى : ما أكل لحمه فروثه طاهر كبوله . ~~وقال الثورى فى خرو الدجاج : ليس فيه إعادة وغسله أحسن . تمت اجتووا ~~المدينة - واجتويت البلاد ، إذا كرهتها ، وإن كانت مرافقة لك فى بدنك . ~~واستوبلتها ، إذا لم توافقك فى بدنك وإن أحببتها . و تمت سمل - ، و تمت سمر ~~- بمعنى واحد . وقال صاحب الأفعال : سمر العين : فقأها . والسرقين ، ~~والسرجين : زبل الدواب . * * * # | 62 - باب ما يقع من النجاسات فى السمن والماء ms0210 # وقال الزهرى : لا بأس بالماء ما لم يغيره طعم ، أو ريح ، أو لون . وقال ~~حماد : لا بأس بريش الميتة . وقال الزهرى فى عظام الموتى نحو الفيل وغيره : ~~أدركت ناسا من سلف العلماء يمتشطون بها ، ويدهنون فيها ، لا يرون فيها بأسا ~~. وقال ابن سيرين وإبراهيم : ولا بأس بتجارة العاج . / 93 - فيه : ميمونة ، ~~أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سئل عن فأرة سقطت فى سمن ، فقال : تمت ~~ألقوها وما حولها ، وكلوا سمنكم - . PageV01P348 / 94 - وفيه : أبو هريرة ، ~~قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : تمت كل كلم يكلمه المسلم فى ~~سبيل الله يكون يوم القيامة كهيئتها إذ طعنت ، تفجر دما ، اللون لون الدم ، ~~والعرف عرف مسك - . قال المؤلف : قول الزهرى : لا بأس بالماء ما لم يغيره ~~لون ، أو طعم ، أو ريح . هو قول الحسن ، والنخعى ، والأوزاعى ، ومذهب أهل ~~المدينة ، وهى رواية أبى مصعب ، عن مالك . وقد روى عنه ابن القاسم أن قليل ~~الماء ينجس بقليل النجاسة ، وإن لم تطهر فيه ، وهو قول الشافعى . قال ~~المهلب : وهذا عند أصحاب مالك على سبيل الاستحسان والكراهية لعين النجاسة ، ~~وإن قلت ، وهذا القول يستنبط من حديث الفأرة تموت فى السمن ، لأنه - صلى ~~الله عليه وسلم - منع من أكل السمن لما خشى أن يكون يسرى شىء من الميتة ~~المحرمة ، وإن لم يتغير لون السمن ، أو ريحه ، أو طعمه بموت الفأرة فيه . ~~قال المؤلف : وأما رواية أبى مصعب عن مالك الذى هو مذهب أهل المدينة ، فإنه ~~يستنبط من حديث الدم ، ووجه الدلالة منه أنه لما انتقل حكم الدم بطيب ~~الرائحة من النجاسة إلى الطهارة حين حكم له فى الآخرة بحكم المسك الطاهر ، ~~وجب أن ينتقل الماء الطاهر بخبيث الرائحة إذا حلت فيه نجاسة من حكم الطهارة ~~إلى النجاسة . وإنما ذكر البخارى حديث الدم فى باب نجاسة الماء ، لأنه لم ~~يجد حديثا صحيح السند فى الماء ، فاستدل على حكم الماء المائع بحكم الدم ~~المائع ، إذ ذلك المعنى الجامع بينهما . PageV01P349 فإن قال قائل : لما ~~حكم للدم من النجاسة إلى ms0211 حكم الطهارة بطيب رائحته ، وحكم له فى الآخرة بحكم ~~المسك الطاهر ، إذ لا يوصف فيها بطيب الرائحة شىء نجس ، وجب أن يحكم للماء ~~إذا تغير ريحه ، أو لونه ، أو طعمه بنجس حل فيه بحكم النجاسة لانتقاله من ~~الطهارة إلى النجاسة ، وخروجه عن حكم الماء الذى أباح الله به الطهارة ، ~~وهو الماء الذى لا يخالطه شىء يغيره عن صفته . فإن قال قائل : إنه لما حكم ~~للدم بالطهارة بتغير ريحه إلى الطيب وبقى فيه اللون ، والطعم ، ولم يذكر ~~تغيرهما إلى الطيب ، وجب أن يكون الماء إذا تغير منه وصفان بالنجاسة ، وبقى ~~وصف واحد طاهر وجب أن يكون طاهرا يجوز الوضوء به . قيل : ليس كما توهمت ، ~~لأن ريح المسك حكم للدم بالطهارة ، فكان اللون ، والطعم تبعا للطاهر ، وهو ~~الريح الذى انقلب ريح مسك ، فكذلك الماء إذا تغير منه وصف واحد بنجاسة حلت ~~فيه ، كان الوصفان الباقيان تبعا للنجاسة ، وكان الماء بذلك خارجا عن حد ~~الطهارة لخروجه عن صفة الماء الذى جعله الله طهورا ، وهو الماء الذى لا ~~يخالطه شىء . وأما ريش الميتة وعظام الفيل ونحوه فهو طاهر عند أبى حنيفة ، ~~نجس عند مالك والشافعى ، لا يدهن فيها ، ولا يمتشط ، إلا أن مالكا قال : ~~إذا ذكى الفيل فعظمه طاهر ، والشافعى يقول : إن الذكاة لا تعمل فى السباع . ~~وقال الليث ، وابن وهب : إن غلى العظم فى ماء سخن فطبخ جاز الإدهان به ، ~~والامتشاط . PageV01P350 ورخص عروة فى بيع العاج . وقال ابن المواز : ونهى ~~مالك عن الانتفاع بعظم الميتة والفيل والإدهان به ، ولم يطلق تحريمها ، لأن ~~عروة ، وابن شهاب ، وربيعة أجازوا الامتشاط فيها . قال ابن حبيب : وأجاز ~~الليث ، وابن الماجشون ، ومطرف ، وابن وهب ، وأصبغ الامتشاط بها والإدهان ، ~~فأما بيعها فلم يرخص فيه إلا ابن وهب ، قال : إذا غليت جاز بيعها ، وجعلت ~~كالدباغ لجلد الميتة يدبغ أنه يباع . وقال مالك ، وأبو حنيفة : إن ذكى ~~الفيل فعظمه طاهر . والشافعى يقول : إن الذكاة لا تعمل فى السباع ، ومن ~~أجاز تجارة العاج فهو عنده طاهر . وأما ريش الميتة ، فطاهر عند أبى ms0212 حنيفة ~~فى عظام الفيل ، بناء على أصله ، أن لا روح فيها ، وعند مالك والشافعى نجسة ~~. وقال ابن حبيب : لا خير فى ريش الميتة ، لأنه له سنخ إلا ما لا سنخ له ~~مثل الزغب وشبهه ، فلا بأس به إذا غسل . * * * # | 63 - باب لا يبول فى الماء الدائم # / 95 - فيه : أبو هريرة ، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : تمت ~~نحن الآخرون السابقون - . / 96 - وبإسناده قال : تمت لا يبولن أحدكم فى ~~الماء الدائم الذى لا يجرى ، ثم يغتسل فيه - . PageV01P351 قال المهلب ~~وغيره : النهى عن البول فى الماء الدائم مردود إلى الأصول ، فإن كان الماء ~~كثيرا فالنهى عن ذلك على وجه التنزه لأن الماء على الطهارة حتى يتغير أحد ~~أوصافه ، فإن كان الماء قليلا فالنهى عن ذلك على الوجوب ، لفساد الماء ~~بالنجاسة المغيرة له . ولم يأخذ أحد من الفقهاء بظاهر هذا الحديث إلا رجل ~~جاهل نسب إلى العلم وليس من أهله ، اسمه داود بن على ، فقال : من بال فى ~~الماء الدائم فقد حرم عليه الوضوء به ، قليلا كان الماء أو كثيرا ، فإن بال ~~فى إناء وصبه فى الماء الدائم جاز له الوضوء به ، لأنه إنما نهى عن البول ~~فقط بزعمه ، وصبه للبول من الإناء ليس ببول فلم ينه عنه ، قال : ولو بال ~~خارجا من الماء الدائم فسال فيه جاز له أن يتوضأ به ، قال : ويجوز لغير ~~البائل أن يتوضأ فيما بال فيه غيره ، لأن النبى إنما نهى البائل ولم ينه ~~غيره ، وقال ما هو أشنع من هذا : أنه إذا تغوط فى الماء الدائم كان له ~~ولغير أن يتوضأ منه ، لأنه إنما ورد فى البول فقط ، ولم ينه عن الغائط . ~~وهذا غاية فى السقوط وإبطال المعقول ، ومن حمله طرد أصله فى إنكار القياس ~~إلى التزام مثل هذا النظر ، فلا يشك فى عناده وقلة ورعه ، نعوذ بالله من ~~الخذلان ، وقد فطر الله العقول السليمة على منافرة قوله هذا ومضادته . ~~PageV01P352 وإنما أتى الرجل من جهله بالأسباب التى خرج عليها معنى الخطاب ~~، والنبى - صلى الله عليه وسلم ms0213 - قد جمع فى هذا الخبر معانى : أحدها : ~~تحريم الوضوء بالماء النجس . والآخر : تأديبهم بأن يتنزهوا عن البول فى ~~الماء الذى لا يجرى فيحتاجون إلى الوضوء منه ، وهم على يقين من استقرار ~~البول فيه ، لأن من سنته - صلى الله عليه وسلم - النظافة وحسن الأدب ، فدعا ~~الناس إلى ذلك . والآخر : أنه زجرهم عن ذلك ، إذ لو أطاق لهم البول فى ~~الماء الدائم لأوشك أن يفسد الماء القيل ويتغير فيضيق وجود ماء طاهر على ~~كثير من الناس . فيقال له : خبرنا عن البائل فى البحر أو الحوض الكبير أو ~~الغدير الواسع الذى لا يتحرك بتحرك طرفه ، هل يجوز أن يتوضأ منه ؟ فإن قال ~~: لا ، قال : ما تعرف أن الحق فى خلافه ؟ وإن أجاز ذلك قيل له : فقد تركت ~~ظاهر الحديث ، وفى ضرورتك إلى تركك ظاهره ما يوجب عليك أن تقول ، إن معنى ~~الحديث ما ذكرنا ، قاله بعض أصحاب أبى حنيفة . وأما إدخال البخارى فى أول ~~الحديث : تمت نحن الآخرون السابقون يوم القيامة - فيمكن ، والله أعلم ، سمع ~~أبو هريرة ذلك من النبى فى نسق واحد فحدث بهما جميعا كما سمعهما . وقد ذكر ~~مثل ذلك فى كتاب الجهاد ، وفى كتاب العبارة ، وفى كتاب الأيمان والنذور ، ~~وفى كتاب قصص الأنبياء ، وفى كتاب الاعتصام ، ذكر فى أوائل الأحاديث كلها : ~~تمت نحن الآخرون السابقون يوم القيامة - ، ويمكن أن يكون همام سمع ذلك ، ~~لأنع سمع من أبى هريرة أحاديث ليست بكثيرة ، وفى أوائلها : PageV01P353 تمت ~~نحن الآخرون السابقون - ، فذكرها على الرتبة سمعها من أبى هريرة ، والله ~~أعلم . وقد روى مالك فى موطئه مثل هذا فى موضعين : أحدهما : قول عبد الكريم ~~بن أبى المخارق : وإن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى : تمت إذا لم ~~تستحى فاصنع ما شئت ، ووضع اليد اليمنى على اليسرى فى الصلاة - ، فحدث بهما ~~جميعا كما سمعهما . وفى الموضع الثانى : قول أبى هريرة ، عن النبى - صلى ~~الله عليه وسلم - : تمت بينما رجل يمشى بطريق إذ وجد غصن شوك فأخذه فشكر ~~الله له ، فغفر له - . قال : تمت الشهداء خمسة ms0214 : المطعون ، والمبطون ، ~~والغرق ، وصاحب الهدم ، والشهيد فى سبيل الله - . ورواه جماعة ، عن مالك ، ~~فزاد فيه : أن النبى - صلى الله عليه وسلم - ، قال : تمت لو يعلم الناس ما ~~فى النداء والصف الأول ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا عليه ، ~~ولو يعلمون ما فى التهجير لاستبقوا إليه ، ولو يعلمون ما فى العتمة والصبح ~~لأتوهما ولو حبوا - . قال - صلى الله عليه وسلم - : تمت بينما رجل يمشى ~~بطريق وجد غصن شوك - إلى آخر الحديث ، فى ذكر الشهداء ، وهى ثلاثة أحاديث ~~فى حديث واحد . PageV01P354 * * * # | 64 - باب إذا ألقى على ظهر المصلى قذر أو جيفة لم تفسد صلاته # قال : وكان ابن عمر إذا رأى في ثوبه دما ، وهو يصلى ، وضعه ، ومضى في ~~صلاته . وقال ابن المسيب والشعبي : إذا صلى ، وفى ثوبه دم أو جنابة ، أو ~~لغير القبلة ، أو تيمم وصلى ، ثم أدرك الماء في وقته لا يعيد . / 97 - وفيه ~~: ابن مسعود ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يصلي عند البيت ، وأبو ~~جهل وأصحابه جلوس ، إذ قال بعضهم لبعض : أيكم يجىء بسلا جزور بنى فلان ، ~~فيضعه على ظهر محمد إذا سجد ، فانبعث أشقى القوم فجاء به فنظر حتى إذا سجد ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - وضعه على ظهره بين كتفيه ، وأنا أنظر لا أغنى ~~شيئا ، لو كانت لى منعة ، فجعلوا يضحكون ويحيل بعضهم على بعض ، ورسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - ساجد لا يرفع رأسه حتى جاءته فاطمة فطرحته عن ظهره ~~، فرفع رأسه ، ثم قال : تمت اللهم عليك بقريش - ثلاث مرات ، فشق عليهم إذ ~~دعا عليهم . فذكر الحديث إلى قوله : فلقد رأيت الذين عد رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - صرعى فى قليب بدر . قال المهلب : إنما جعل السلا جيفة ، ~~لأنهم لم يكونوا أهل كتابن فتكون ذبائحهم طاهرة ، وإنما كانوا مشركين لا ~~كتاب لهم يذبحون به ، فكانت ذبائحهم ميتة . وأيضا لو كان السلا من ذبائح ~~المسلمين لكان نجسا ، لكثرة الدم فيه ، ذكره مبينا فى كتاب الصلاة ، فقال : ~~تمت أيكم يقوم إلى سلا جزور PageV01P355 آل ms0215 فلان فيعمد إلى فرثها ودمها ~~وسلاها ؟ فانبعث أشقى القوم - وذكر الحديث . ومعلوم أنهم كانوا مجوسا لا ~~كتاب لهم ، ففيه من الفقه : أن غسل النجاسات فى الصلاة سنة على ما قاله ~~مالك والأوزاعى وجماعة من التابعين . وقد ذكر البخارى بعضهم فى أول هذا ~~الباب ، ولو كانت فرضا ما تمادى النبى - صلى الله عليه وسلم - ، فى صلاته ~~والفرس والدم على ظهره ، ولقطع الصلاة . فإن قيل : فإن هذه الصلاة كانت فى ~~أول الإسلام ، ويحتمل أن تكون قبل أن تفرض عليه الصلاة ، وتكون نافلة فلم ~~يحتج إلى إعادتها . قيل : لا نعلم ما كانت ، ولو كانت نافلة لكان سبيلها ~~سبيل الفرائض ، وأى وقت كانت هذه الصلاة ، فلا شك أنها كانت بعد نزول قوله ~~تعالى : { وثيابك فطهر } [ المدثر : 4 ] لأن هذه الآية أول ما نزل عليه من ~~القرآن قبل كل صلاة فريضة أو نافلة ، وتأولها جمهور السلف أنها فى غير ~~الثياب ، وأن المراد بها طهارة القلب ونزاهة النفس عن الدناءة والآثام . ~~وقالوا : وقول ابن سيرين أنه أراد بذلك الثياب شذوذ ولم يقله غيره . وفى ~~هذا الحديث من الفقه : أن من صلى بثوب نجس وأمكنه طرحه فى الصلاة أنه ~~يتمادى فى صلاته ولا يقطعها ، على ما قاله الكوفيون ، وهى رواية ابن وهب ، ~~عن مالك . وسأذكر اختلاف قول مالك PageV01P356 وأصحابه فى هذه المسألة ، فى ~~كتاب الصلاة ، فى باب المرأة تطرح عن المصلى شيئا من الأذى ، إن شاء الله . ~~وقد روى عن أبى مجلز أنه سئل عن الدم يكون فى الثوب ، فقال : إذا كبرت ~~ودخلت فى الصلاة ولم تر شيئا ثم رأيته بعد فأتم الصلاة ، وعن أبى جعفر مثله ~~. واختلفوا فيمن صلى بثوب نجس ثم علم به بعد الصلاة . فقال ابن مسعود ، ~~وابن عمر ، وعطاء ، وابن المسيب ، وسالم ، والشعبى ، والنخعى ، ومجاهد ، ~~وطاوس ، والزهرى : لا إعادة عليه ، وهو قول الأوزاعى ، وإسحاق ، وأبى ثور . ~~وقال ربيعة ومالك : يعيد فى الوقت . وقال الشافعى وأحمد : يعيد أبدا . وأما ~~من تعمد الصلاة بالنجاسة فإنه يعيد أبدا عند مالك وكثير من العلماء ، ~~لاستخفافه بالصلاة إلا ms0216 أشهب فقال : لا يعيد المتعمد إلا فى الوقت فقط . قال ~~المهلب : وفيه أن من أوذى فله أن يدعو على من آذاه ، كما دعا النبى - صلى ~~الله عليه وسلم - على كفار قريش . قال المؤلف : هذا إذا كان الذى آذاه ~~كافرا ، فإن كان مسلما فالأحسن ألا يدعو عليه ، لقول النبى لعائشة حين دعت ~~على السارق : تمت لاتسبخى عنه بدعائك عليه - . ومعنى لا تسبخى عنه أى : لا ~~تخففى عنه . والتسبيخ : التخفيف ، PageV01P357 عن صاحب تمت العين - . وقال ~~المهلب : وفيه بركة دعوة النبى - صلى الله عليه وسلم - وأنها أجيبت فيمن ~~دعا عليه . وقال أبو عبيد : السلا : الجلدة التى يكون فيها الولد . قال ابن ~~دريد : وهى المشيمة . وقوله : تمت لو كانت لي منعة - يريد قوة أمتنع بها . ~~قال صاحب تمت العين - يقال : رجل منيع فى عز ومنعة ، وقد منع مناعة ومنعا . ~~وقوله : تمت ويحيل بعضهم على بعض - يعنى ينسب ذلك بعضهم إلى بعض من قولك : ~~أحلت الغريم إذا جعلت له أن يتقاضى ماله عليك من غيرك ، ويحتمل أن يكون من ~~قول العرب : حال الرجل على ظهر الدابة حولا ، وأحال : وثب . وفى الحديث أن ~~النبى - صلى الله عليه وسلم - لما صبح أهل خيبر غدوة فرآه أهلها ، أحالوا ~~إلى الحصن أى وثبوا إليه . و تمت القليب - البئر قبل أن تطوى . وإنما سميت ~~بدر بدرا ، ببدر بن قريش بن الحارث بن مخلد بن النضر بن كنانة ، وهو الذى ~~احتفرها ، فنسبت إليه عن الخشنى . * * * # | 65 - باب البصاق والمخاط ونحوه في الثوب # قال عروة عن المسور ومروان : خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - زمن ~~PageV01P358 الحديبية . فذكر الحديث . وما تنخم النبى - صلى الله عليه وسلم ~~- نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم فدلك بها وجهه وجلده . ( 1 ) / 98 - فيه : ~~أنس قال : بصق النبى - صلى الله عليه وسلم - فى ثوبه . هذا الباب يدل على ~~أن البزاق والمخاط طاهر ، وهو أمر مجمع عليه لا أعلم فيه اختلافا ، إلا ما ~~روى عن سليمان الفارسى صاحب رسول الله أنه جعله غير طاهر ، وأن الحسن بن ms0217 حى ~~كرهه فى الثوب وذكر الطحاوى ، عن الأوزاعى أنه كره أن يدخل سواكه فى وضوئه ~~. وما ثبت عن النبى - صلى الله عليه وسلم - من خلافهم هى السنة المتبعة ~~والحجة البالغة ، فلا معنى لقولهم وقد أمر النبى المصلى أن يبزق عن يساره ~~أو تحت قدمه ، ويبزق - صلى الله عليه وسلم - فى طرف ردائه ، ثم رد بعضه على ~~بعض وقال : تمت أو تفعل هكذا - . قال الطحاوى : وهذا حجة فى طهارته ، لأنه ~~لا يجوز أن يقوم المصلى على نجاسة ، ولا أن يصلى وفى ثوبه نجاسة . * * * # | 66 - باب لا يجوز الوضوء بالنبيذ ولا المسكر # وكرهه الحسن وأبو العالية . وقال عطاء : التيمم أحب إلي من الوضوء ~~بالنبيذ واللبن . / 99 - فيه : عائشة ، قال - صلى الله عليه وسلم - : تمت ~~كل شراب أسكر فهو حرام - . اختلف العلماء فى الوضوء بالنبيذ . PageV01P359 ~~فقال مالك وأبو يوسف والشافعى وأحمد : لا يجوز الوضوء بالنبيذ ، نيه ~~ومطبوخه ، مع عدم الماء ووجوده ، تمرا كان أو غيره ، فإن كان مع ذلك مشتدا ~~فهو نجس لا يجوز شربه ولا الوضوء به . وأجاز الحسن الوضوء بالنبيذ . قال ~~الأوزاعى : يجوز الوضوء بسائر الأنبذة ، وروى هذا عن على . قال أبو حنيفة : ~~لايجوز الوضوء به مع وجود الماء ، فإذا عدم فيجوز بمطبوخ التمر خاصة إذا ~~أسكر ، فاما النيئ والنقيع فلا يجوز الوضوء به . وقال محمد بن الحسن : ~~يتوضأ به ثم يتيمم . قال الطحاوى : واحتج الذين أجازوا الوضوء بالنبيذ بما ~~رواه ابن لهيعة ، عن قيس بن الحجاج ، عن حنش الصنعانى ، عن ابن عباس ، أن ~~ابن مسعود خرج ليلة الجن مع رسول الله ، فسأله رسول الله : تمت أمعك ماء ؟ ~~- قال : معى نبيذ فى إداوتى ، فقال رسول الله : تمت أصبب على - فتوضأ به ، ~~وقال : تمت شراب وطهور - . وبما رواه حماد بن سلمة ، عن على بن زيد بن ~~جدعان ، عن أبى رافع مولى ابن عمر ، عن ابن مسعود ، أنه كان مع رسول الله ~~ليلة الجن ، وأنه احتاج - صلى الله عليه وسلم - إلى ماء يتوضأ به ، ولم يكن ~~معه إلا النبيذ ، فقال : تمت تمرة طيبة ms0218 وماء طهور - وتوضأ به . PageV01P360 ~~واحتج عليهم مخالفوهم بأن هذه الآثار لا تثبتن ولا تقوم بها حجة . قال ~~الطحاوى : وقد روى عن ابن مسعود من الطرق الثابته أنه لم يشهد ليلة الجن مع ~~النبى ، حدثنا ربيع المؤذن ، حدثنا أسد ، حدثنا يحيى بن زكريان حدثنا ابن ~~ابى زائدة ، حدثنا داود بن أبى هند ، عن عامر ، عن علقمة ، قال : سألت ابن ~~مسعود هل كان مع النبى - صلى الله عليه وسلم - ليلة الجن أحد ؟ فقال : لم ~~يصحبه من أحد ، ولكن فقدناه تلك الليلة ، فقلنا استطير أو اغتيل ، فتفرقنا ~~فى الشعاب والأودية نلتمسه ، فقال : تمت إنى أتانى داعى الجن فذهبت أقرئهم ~~القرآن - فارانا آثارهم . وهذا الإسناد أصح من آثارهم . وأما من طريق النظر ~~فإنا رأينا الأصل المتفق عليه أنه لا يتوضأ بنبيذ الزبيب ولا الخل ، وكان ~~النظر على ذلك أن يكون نبيذ التمر كذلك . وأجمع العلماء أن نبيذ التمر إذا ~~كان موجودا مع الماء أنه لا يتوضأ به ، لأنه ليس بماء ، فلما كان خارجا من ~~حكم المياه فى حال وجود الماء كان خارجا من حكم المياه فى حال عدم الماء . ~~ووجه احتجاج البخارى رحمه الله فى هذا الباب بقوله - صلى الله عليه وسلم - ~~: تمت كل شراب أسكر فهو حرام - هو أنه إذا أسكر الشراب فقد وجب اجتنابه ~~لنجاسته ، وحرم استعماله فى كل حال ، ولم يحل شربه ، وما لم يحل شربه لا ~~يجوز الوضوء به ، لخروجه عن اسم الماء فى اللغة والشريعة ، وكذلك النبيذ ~~غير المسكر أيضا فهو فى معنى PageV01P361 المسكر من جهة أنه لا يقع عليه ~~اسم الماء ، ولو جاز أن يسمى النبيذ ماء لأن فيه ماء ، جاز أن يسمى الخل ~~ماء ، لأن فيه ماء . وهذا أبو عبيد وهو إمام فى اللغة يقول : النبيذ لا ~~يكون طهورا أبدا لأن الله شرط الطهور بشرطين ولم يجعل لهما ثالثا وهما : ~~الماء ، والصعيد ، والنبيذ ليس بواحد منهما . قال ابن المنذر : وما رواه عن ~~على فليس بثابت عنه . قال ابن القصار : ولو صح خبرهم لكان منسوخا ، لأن ~~ليلة الجن ms0219 كانت بمكة فى صدر الإسلام ، وقوله : { فلم تجدوا ماء } [ النساء ~~: 43 ، المائدة : 6 ] نزلت فى غزوة المريسيع ، حيث فقدت عائشة عقدها ~~بالمدينة . * * * # | 67 - باب غسل المرأة أباها الدم عن وجهه # وقال أبو العالية : امسحوا على رجلى فإنها مريضة . / 100 - وفيه : سهل بن ~~سعد سئل بأى شىء دووى جرح النبي - صلى الله عليه وسلم - ؟ فقال : ما بقي ~~أحد أعلم به منى كان على يجىء بترسه فيه ماء ، وفاطمة تغسل عن وجهه الدم ، ~~فأخذ حصير ، فأحرق ، فحشي به جرحه . فيه : غسل الدم من الجسد ، وهو إجماع . ~~قال المهلب : وفيه دليل على جواز مباشرة المرأة أباها وذوى محارمها ، ~~وإلطافها إياهم ، ومداواة أمراضهم . ولذلك قال أبو العالية لأهله : امسحوا ~~على رجلى ، فإنها مريضة PageV01P362 ولم يخص بعضهم دون بعض بل عمهم جميعا . ~~وفيه : إباحة التداوى ، لأن النبى - صلى الله عليه وسلم - قد داوى جرحه ~~بالحصير المحرق . * * * # | 68 - باب السواك # وقال ابن عباس : بت عند خالتى ميمونة فاستن رسول الله / 101 - فيه : أبو ~~موسى ، قال : أتيت النبى - صلى الله عليه وسلم - فوجدته يستن بسواك بيده ، ~~يقول : تمت أع أع - والسواك في يده ، كأنه يتهوع . / 102 - وفيه : حذيفة ، ~~قال : كان - صلى الله عليه وسلم - إذا قام من الليل يشوص فاه بالسواك . فيه ~~: أن السواك سنة مؤكدة لمواظبته عليه بالليل ، والليل لا يناجى فيه أحد من ~~الناس ، وإنما ذلك لمناجاة الملائكة ، وتلاوته القرآن . وقد جاء فى الحديث ~~تمت طيبوا طرق القرآن - يعنى بالسواك . وقد روى مالك : عن أبى الزناد ، عن ~~الأعرج ، عن أبى هريرة ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : تمت ~~لولا أن أشق على امتى لأمرتهم بالسواك مع كل وضوء - . وعن ابن شهاب ، عن ~~حميد بن عبد الرحمن ، عن أبى هريرة ، أنه قال : تمت لولا أن يشق على أمته ، ~~لأمرهم بالسواك مع كل وضوء - . وقال ابن عباس : ما زال رسول الله يأمرنا ~~بالسواك حتى ظننت أنه سينزل عليه فيه . PageV01P363 وقالت عائشة : كان - ~~صلى الله عليه وسلم - إذا دخل على أول ما يبدأ بالسواك . وقال : تمت ms0220 السواك ~~مطهرة للفم مرضاة للرب - . والعلماء كلهم يندبون إليه ، وليس بواجب عندهم ، ~~ولو كان واجبا عليهم لأمرهم به ، يشق عليهم أو لم يشق . وقوله : تمت يشوص ~~فاه - . قال ابن دريد الشوص : الاستياك من سفل إلى علو ، وبه سمى هذا الداء ~~الشوصة ، لأنه ريح يرفع القلب عن موضعه . * * * # | 69 - باب دفع السواك إلى الأكبر # / 103 - فيه : ابن عمر ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : تمت ~~أرانى أتسوك ، بسواك فجاءني رجلان أحدهما أكبر من الآخر ، فناولت السواك ~~الأصغر منهما ، فقيل لى : كبر ، فدفعته إلى الأكبر منهما - . فيه : تقديم ~~ذى السن فى السواك ، وكذلك ينبغى تقديم ذى السن فى الطعام والشراب والكلام ~~والمشى والكتاب وكل منزلة قياسا على السواك واستدلالا من قوله - صلى الله ~~عليه وسلم - لحويصة ومحيصة : تمت كبر كبر - يريد ليتكلم الأكبر ، وهذا من ~~باب أدب الإسلام . وقال المهلب : تقديم ذى السن أولى فى كل شى ما لم يترتب ~~القوم فى الجلوس ، فإذا ترتبوا فالسنة تقديم الأيمن فالأيمن من الرئيس أو ~~العالم ، على ما جاء فى حديث شرب اللبن . PageV01P364 * * * # | 70 - باب فضل من بات على الوضوء # / 104 - قال البراء بن عازب : قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : تمت ~~إذا أتيت مضجعك فتوضأ وضوءك للصلاة ، ثم اضطجع على شقك الأيمن ، ثم قل : ~~اللهم إنى أسلمت وجهي إليك ، وفوضت أمري إليك ، وألجأت ظهري إليك ، رغبة ~~ورهبة إليك ، لا ملجأ ولا منجا منك إلا إليك ، اللهم آمنت بكتابك الذي ~~أنزلت ، وبنبيك الذي أرسلت ، فإن مت من ليلتك ، فأنت على الفطرة ، واجعلهن ~~آخر ما تتكلم به - ، قال : فرددتها على النبي - صلى الله عليه وسلم - ، ~~فلما بلغت آمنت بكتابك الذي أنزلت ، قلت : ورسولك ، قال : تمت لا ، ونبيك ~~الذي أرسلت - . فيه : أن الوضوء عند النوم مندوب إليه مرغب فيهن وكذلك ~~الدعاء ، لأنه قد تقبض روحه فى نومه ، فيكون قد ختم عمله بالوضوء والدعاء ~~الذى هو أفضل الأعمال ، ولذلك كان ابن عمر يجعل آخر عمله الوضوء والدعاء ، ~~فإذا تكلم بعد ذلك استأنف الصلاة والدعاء ، ثم ينام على ms0221 ذلك اقتداء بالنبى ~~- صلى الله عليه وسلم - لقوله : تمت اجعلهن آخر ما تتكلم به - . وقوله : ~~تمت ونبيك الذى أرسلت - . حجة لمن قال : إنه لا يجوز نقل حديث النبى - صلى ~~الله عليه وسلم - ، على المعنى دون اللفظ ، وهو قول ابن سيرين ، ومالك ~~وجماعة من أصحاب الحديث . وقال المهلب : إنما لم تبدل ألفاظه - صلى الله ~~عليه وسلم - ، لأنها ينابيع الحكمة ، وجوامع الكلام ، فلو جوز أن يعبر عن ~~كلامه بكلام غيره سقطت فائدة النهاية فى البلاغة التى أعطيها - صلى الله ~~عليه وسلم - . PageV01P365 وقال بعض العلماء : لم يرد النبى برده على ~~البراء تحرى قوله فقط وإنما أراد بذلك ما فى قوله : تمت ونبيك الذى أرسلت - ~~من المعنى الذى ليس فى قوله : تمت ورسولك الذى أرسلت - وذلك أنه إذا قال : ~~ورسولك الذى أرسلت يدخل فيه جبريل وغيره من الملائكة الذين هم رسل الله إلى ~~أنبيائه وليسوا بأنبياء ، كما قال تعالى فى كتابه : { الله يصطفي من ~~الملائكة رسلا ومن الناس } [ الحج : 75 ] فأراد بقوله : تمت ونبيك الذى ~~أرسلت - تلخيص الكلام من اللبس أنه المراد - صلى الله عليه وسلم - بالتصديق ~~بنبوته بعد التصديق بكتابه الذى أوحى الله تعالى إليه وأمرهم بالإيمان به ، ~~وإن كان غيره من رسل الله أيضا واجب الإيمان بهم ، وهذه شهادة الإخلاص ~~والتوحيد الذى من مات عليها دخل الجنة ، ألا ترى قوله - صلى الله عليه وسلم ~~- : تمت فإن مت مت على الفطرة - يعنى فطرة الإيمان . كمل كتاب الوضوء بحمد ~~الله وعونه PageV01P366 * * * بسم الله الرحمن الرحيم عونك اللهم # | كتاب الغسل # # | 1 - باب الغسل وقوله تعالى : { وإن كنتم جنبا فاطهروا } [ المائدة : 6 ~~] { ولا جنبا إلا عابرى سبيل حتى تغتسلوا } [ النساء : 43 ] # اختلف العلماء فى صفة الغسل الذى عنى الله فى هاتين الآيتين ، فقالت ~~طائفة : يجزئ الجنب الانغماس فى الماء دون إمرار اليد على جسده ، هذا قول ~~الحسن ، وعطاء ، وسالم ، والنخعى ، والشعبى ، والزهرى ، وبه قال الثورى ، ~~والكوفيون ، والأوزاعى ، والشافعى ، وأحمد ، وإسحاق ، ومحمد بن عبد الحكم ، ~~وأبو الفرج المكى . وقالت طائفة : لا يجزئه حتى يمر يديه على جسده ms0222 ، هذا ~~قول القاسم ، وأبى العالية ، وميمون بن مهران ، وإليه ذهب مالك ، والمزنى . ~~واحتج أهل المقالة الأولى ، فقالوا : إن كل من صب عليه الماء ، فقد اغتسل ، ~~تقول العرب : غسلتنى السماء ، ولا مدخل فيه لإمرار اليد ، وقد وصفت عائشة ~~وميمونة غسل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من الجنابة ، ولم تذكرا ~~تدلكا . واحتج المزنى لصحة قول من أوجب التدلك ، فقال : إن الله ~~PageV01P367 تعالى أمر الجنب بالاغتسال ، كما أمر المتوضئ بغسل وجهه ويديه ~~إلى المرفقين ، ولم يكن بد للمتوضئ من إمرار يديه مع الماء على وجهه ويديه ~~، فكذلك جميع جسد الجنب ورأسه ، فى حكم وجه المتوضئ ويديه وهذا لازم . قال ~~غيره : ألا تراهم أجمعوا أن الوضوء للصلاة لا يجزئ فيه إلا إمرار اليد ، ~~وأجمعوا أن الوضوء فى الغسل من الجنابة ليس بفرض ؟ وإذا كان ذلك ، فإن ~~المغتسل من الجنابة الذى لا يقول بإمرار اليد إذا لم يتوضأ لاغتساله ، فقد ~~أوجب وضوءا للصلاة دون إمرار اليد ، وهو لا يقول بذلك فنقض قوله . * * * # | 2 - باب الوضوء قبل الغسل # / 1 - فيه عائشة ، كان النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، إذا اغتسل من ~~الجنابة بدأ فغسل يديه ، ثم يتوضأ كما يتوضأ للصلاة ، ثم يدخل أصابعه فى ~~الماء ، فيخلل بها أصول الشعر ، ثم يصب على رأسه ثلاث غرف بيده ، ثم يفيض ~~الماء على جلده كله . / 2 - وفيه : ميمونة زوج النبى ، - صلى الله عليه ~~وسلم - ، قالت : توضأ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وضوءه للصلاة غير ~~رجليه ، وغسل فرجه ، وما أصابه من الأذى ، ثم أفاض عليه الماء ، ثم نحى ~~رجليه فغسلهما ، هذه صفة غسله من الجنابة . قال المؤلف : العلماء مجمعون ~~على استحباب الوضوء قبل الغسل PageV01P368 تأسيا برسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - فى ذلك ، ويحتمل أن يكون قدم الوضوء قبل الغسل ، لفضل أعضاء ~~الوضوء ، أو لغير ذلك ، وأما الوضوء بعد الغسل ، فلا وجه له عند العلماء . ~~وروى نافع ، عن ابن عمر ، أنه سئل عن الوضوء بعد الغسل ، فقال : وأى وضوء ~~أعم من الغسل . وقد ذكر ابن أبى شيبة ، قال : حدثنا ms0223 معمر بن سليمان ، عن ~~أبيه ، عن عطاء بن السائب ، عن أبى البخترى ، أن عليا كان يتوضأ بعد الغسل ~~. وروى الزهرى ، عن سالم ، قال : كان أبى يغتسل ، ثم يتوضأ ، فأقول أما ~~يجزئك الغسل ؟ فقال : وأى وضوء أتم من الغسل للجنب ، ولكنى يخيل إلى أنه ~~يخرج من ذكرى شىء فأمسه فأتوضأ لذلك . وأما حديث على فهو مرسل ، لأن يحيى ~~بن معين ، قال : أبو البخترى الطائى اسمه سعيد ابن عبيد ثقة ، ولم يسمع من ~~على بن أبى طالب ، ولو ثبت عن على لكان إنما فعله لانتقاض وضوئه ، أو شك ~~فيه كما قال ابن عمر ، وروى أبو إسحاق السبيعى ، عن أبى الأسود بن يزيد ، ~~عن عائشة ، قالت : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا يتوضأ بعد ~~الغسل من الجنابة . # | 3 - باب غسل الرجل مع امرأته # / 3 - فيه : عائشة ، قالت : كنت أغتسل أنا والنبى - صلى الله عليه وسلم - ~~من إناء واحد من قدح يقال له : الفرق . فيه : دليل على جواز الغسل والوضوء ~~بفضل الجنب والحائض . PageV01P369 وقد تقدم اختلاف العلماء فى هذه المسألة ~~، وحجة كل فريق فى باب وضوء الرجل مع امرأته ، فأغنى عن إعادته ، وذكر ابن ~~أبى شيبة ، عن أبى هريرة أنه كان ينهى أن يغتسل الرجل والمرأة من إناء واحد ~~. وأظنه غاب عنه هذا الحديث ، والحجة فى السنة لا فيما خالفها . وقال ابن ~~جرير : الفرق بفتح الراء . وقال ابن يزيد الأنصارى : الفرق بفتح الراء ~~وإسكانها . وقال أبو عبيد : الفرق ثلاثة أصوع ، وهى ستة عشر رطلا ، فكان ~~لكل واحد منهما ثمانية أرطال ، وقال أبو داود : سمعت أحمد بن حنبل يقول : ~~الفرق ثلاثة أصوع ، وهى ستة عشر رطلا . وقال ابن مدين ، عن عيسى بن دينار ، ~~قال ابن القاسم ، وسفيان بن عيينة : الفرق ثلاثة أصوع ، وإذا كان الفرق ~~ثلاثة أصوع كما قال الأئمة ، نصفه صاع ونصف ، وذلك ثمانية أرطال فالصاع ~~ثلثها ، وهو خمسة أرطال وثلث ، كما ذهب إليه أهل المدينة . * * * # | 4 - باب الغسل بالصاع ونحوه # / 4 - فيه : أبو سلمة ، أنه دخل على عائشة مع أخيها ، فسألها ms0224 أخوها عن ~~غسل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فدعت بإناء نحو من الصاع ، فاغتسلت ~~، وأفاضت على رأسها ، قال أبو سلمة : وبيننا وبينها حجاب . / 5 - وفيه : ~~جابر أنه سئل عن الغسل ، فقال : يكفيك صاع . فقال رجل : ما يكفينى ، قال ~~جابر : قد كان يكفى من هو أوفى منك شعرا ، وخير منك ، ثم أمنا فى ثوب . ~~PageV01P370 / 6 - وفيه : ابن عباس ، أن النبى - صلى الله عليه وسلم - ~~وميمونة كانا يغتسلان من إناء واحد . اختلف أهل الحجاز ، وأهل العراق فى ~~مقدار الصاع الذى كان يغتسل به النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، فذهب أهل ~~الحجاز إلى أنه خمسة أرطال وثلث ، وذهب أهل العراق إلى أن وزنه ثمانية ~~أرطال ، واحتجوا بما رواه موسى بن الجهم الجهمى ، عن مجاهد ، قال : دخلنا ~~على عائشة واستسقى بعضنا ، فأتى بعس ، فقالت عائشة : كان رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - يغتسل مثل هذا . قال مجاهد : فحزرته ثمانية أرطال ، تسعة ~~أرطال ، عشرة أرطال . واحتج أهل المدينة بحديث عائشة المتقدم فى الباب قبل ~~هذا قالت : كنت أغتسل أنا والنبى - صلى الله عليه وسلم - من إناء واحد من ~~قدح يقال له : الفرق . وقد ذكرنا هنا أقوال العلماء ، أن الفرق ثلاثة أصوع ~~، وهى ستة عشر رطلا . وإذا صح ذلك فنصف الفرق صاع ونصف ، وذلك ثمانية أرطال ~~، ثبت أن الصاع ثلثها ، وذلك خمسة أرطال وثلث على ما قاله أهل المدينة ، ~~وقد رجع أبو يوسف القاضى إلى قول مالك فى ذلك حين قدم إلى المدينة ، فأخرج ~~إليه مالك صاعا ، وقال له : هذا صاع النبى - صلى الله عليه وسلم - ، قال ~~أبو يوسف : فقدرته فوجدته خمسة أرطال وثلث ، وأهل المدينة أعلم بمكيالهم ، ~~ولا يجوز أن يخفى عليهم قدره ، ويعلمه أهل العراق ، وإنما توارث أهل ~~المدينة مقداره خلفا عن السلف ، نقل ذلك عالمهم وجاهلهم ، إذ كانت الضرورة ~~بهم إليه فيما خصهم من أمر دينهم فى زكواتهم ، وكفاراتهم ، وبيوعهم ، ولا ~~يجوز أن يترك مثل نقل هؤلاء الذين لا يجوز عليهم التواطؤ والتشاعر إلى ~~رواية واحد تحتمل روايته التأويل ، وذلك أن قول ms0225 مجاهد : فحزرته فوجدته ~~ثمانية أرطال إلى PageV01P371 تسعة أرطال ، إلى عشرة أرطال . لم يقطع حزره ~~على حقيقة فى ذلك ، إذ الحزر لا يعصم من الغلط وتعصم منه الكافة التى نقلت ~~مقداره بالوزن لا بالحزر ، وأيضا فإن ذلك العس لو صح أن مقداره عشرة أرطال ~~، أو تسعة أرطال ، لم يكن لهم فى ذلك حجة ، إذ ليس فى الخبر مقدار الماء ~~الذى كان يكون فيه ، هل هو ملؤه ، أو أقل من ذلك ؟ فقد يجوز أن يغتسل هو - ~~صلى الله عليه وسلم - وحده بدون ملئه ، وقد يجوز أن يغتسل هو وهى بملئه ، ~~فيكون بينهما عشرة أرطال ، أو أقل ، فيوافق ما قاله أهل المدينة . فلما ~~احتمل هذا ولم يكن فى الخبر بيان يقطع به لا يجوز خلافه ، كان المصير إلى ~~ما نقل أهل المدينة ، خلفهم عن سلفهم ، أن الصاع وزنه خمسة أرطال وثلث ، مع ~~ما ثبت عن عائشة أنها كانت تغتسل هى ، وهو - صلى الله عليه وسلم - من قدح ~~يقال له : الفرق . وقد روى عن النخعى ، وهو إمام أهل الكوفة ، ما يخالف قول ~~الكوفيين ، ويوافق قول أهل المدينة . وذكر ابن أبى شيبة ، عن حسين بن على ، ~~عن زائدة ، عن منصور ، عن إبراهيم ، قال : كان يقال : يكفى الرجل لغسله ربع ~~الفرق ، قال غيره : وإنما احتيج إلى مقدار الماء الذى كان يغتسل به - صلى ~~الله عليه وسلم - ليرد به قول الإباضية فى الإكثار من الماء ، وهو مذهب ~~قديم ، وجملة الآثار المنقولة فى ذلك عن النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، ~~يدل على أنه لا توقيت فيما يكفى من الغسل والطهارة ، لذلك استحب السلف ذكر ~~المقدار من غير كيل . وروى عبد الرزاق ، عن ابن جريج ، قال : قلت لعطاء : ~~كم بلغك PageV01P372 أنه يكفى الجنب ؟ قال : صاع للغسل من غير أن يكال ، ~~قال ابن جريج : وسمعت عبيد بن عمير يقول مثله . روى القعنبى ، عن سليمان بن ~~بلال ، عن عبد الرحمن بن عطاء ، قال : إنه سمع سعيد بن المسيب ، وسأله رجل ~~من أهل العراق عما يكفى الإنسان فى غسل الجنابة ، فقال سعيد ms0226 : إن لى تورا ~~يسع مدين ماء ، أو نحوهما ، أغتسل به فيكفينى ويفضل منه فضل ، فقال الرجل : ~~والله إنى لأستنثر بمدين من ماء ، فقال سعيد : فما تأمن إن كان الشيطان ~~يلعب بك ، فقال له سعيد : ثلاثة أمداد ، فقال : آلله هو قليل ، فقال سعيد : ~~فصاع ، قال عبد الرحمن : فذكرته لسليمان بن يسار ، فقال مثله ، وذكرته لأبى ~~عبيدة بن محمد بن عمار بن ياسر ، فقال : هكذا سمعنا أصحاب رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - يقولون . * * * # | 5 - باب من أفاض على رأسه ثلاثا # / 7 - فيه : جبير بن مطعم ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~: تمت أما أنا فأفيض على رأسى ثلاثا ، وأشار بيديه كلتيهما - . / 8 - حدثنا ~~جابر ، كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يأخذ ثلاثة أكف ويفيضها على ~~رأسه ، ثم يفيض على سائر جسده . فقال لى الحسن : إنى رجل كثير الشعر ، فقلت ~~: كان النبى - صلى الله عليه وسلم - أكثر شعرا منك . فيه : غسل الرأس من ~~الجنابة ثلاثا ، والعدد فى ذلك مستحب عند العلماء ، وما أسبغ وعم فى ذلك ~~أجزأ ، وليس فى حديث هذا الباب الوضوء فى غسل الجنابة ، ولذلك قال جماعة ~~الفقهاء : إنه من سنن الغسل . PageV01P373 * * * # | 6 - باب الغسل مرة واحدة # / 9 - فيه : ابن عباس ، أن ميمونة وضعت للنبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، ~~ماء للغسل ، فغسل يده مرتين ، أو ثلاثا ، ثم أفرغ على شماله ، فغسل مذاكيره ~~، ثم مسح يده بالأرض ، ثم مضمض ، واستنشر ، وغسل وجهه ويديه ، ثم أفاض على ~~جسده ، ثم تحول من مكانه ، فغسل قدميه . فيه : الوضوء فى الغسل من الجنابة ~~، وموضع الترجمة من الحديث فى قوله : تمت ثم أفاض على جسده - ، ولم يذكر ~~مرة ولا مرتين ، فحمل على أقل ما يسمى غسلا وهو مرة واحدة ، والعلماء ~~مجمعون أنه ليس الشرط فى الغسل إلا العموم والإسباغ لا عددا من المرات . * ~~* * # | 7 - باب من بدأ بالحلاب أو الطيب عند الغسل # / 10 - فيه : عائشة ، كان النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، إذا اغتسل من ~~الجنابة دعا بشىء نحو الحلاب ، فأخذ بكفه ، فبدأ بشق ms0227 رأسه الأيمن ، ثم ~~الأيسر ، فقال بهما على وسط رأسه . قال أبو سليمان الخطابى : الحلاب : إناء ~~يسع حلبة ناقة ، وهو المحلب ، بكسر الميم ، فأما المحلب ، بفتح الميم ، فهو ~~الحب الطيب الريح . قال المؤلف : وأظن البخارى جعل الحلاب فى هذه الترجمة ~~ضربا من الطيب ، وإن كان ظن ذلك فقد وهم ، وإنما الحلاب : الإناء الذى كان ~~فيه طيب النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، الذى كان يستعمله عند الغسل . ~~PageV01P374 وفى الحديث : الحث على استعمال الطيب عند الغسل تأسيا بالنبى - ~~صلى الله عليه وسلم - . * * * # | 8 - باب المضمضة والاستنشاق من الجنابة # / 11 - فيه : ابن عباس ، عن ميمونة ، قالت : صببت للنبى ، - صلى الله ~~عليه وسلم - ، غسلا ، فأفرغ بيمينه على يساره ، فغسلهما ، ثم غسل فرجه ، ثم ~~قال بيده الأرض فمسحها بالتراب ، ثم غسلها ، ثم تمضمض واستنشق ، ثم غسل ~~وجهه ، وأفاض على رأسه ، ثم تنحى فغسل قدميه ، ثم أتى بمنديل ، فلم ينفض ~~بها . وترجم له : باب مسح اليد بالتراب ليكون أنقى . قد تقدم اختلاف ~~العلماء فى هذا الباب فى باب المضمضة فى الوضوء ، فأغنى عن إعادته ، ونزيد ~~بيانا ، وذلك أن العلماء مجمعون على سقوط الوضوء فى غسل الجنابة ، والمضمضة ~~والاستنشاق سنتان فى الوضوء ، فإذا سقط فرض الوضوء فى الجنابة سقطت توابعه ~~، فدل أن ما روته ميمونة فى ذلك فى غسله ، - صلى الله عليه وسلم - ، فهو ~~سنة ، لأنه كان يلتزم الكمال والأفضل فى جميع عباداته . قال المهلب : وقوله ~~: تمت ثم قال بيده إلى الأرض - سمى الفعل قولا ، كما سمى القول فعلا ، فى ~~حديث : تمت لا حسد إلا فى اثنتين - فى قوله فى الذى يتلو القرآن : تمت لو ~~أوتيت مثل ما أوتى لفعلت مثل ما فعل - . وفيه : أن الإشارة باليد والعمل قد ~~تسمى قولا ، فقول العرب : PageV01P375 قل لى برأسك أى : أمله ، وقالت ~~الناقة ، وقال البعير ، وقال الحائط ، وهذا كله مجاز . وتركه ، - صلى الله ~~عليه وسلم - ، للمنديل فإنه أراد ، والله أعلم ، إبقاء بركة الماء والتواضع ~~بذلك وسنذكر اختلاف العلماء فى المسح بالمنديل فى باب نقض اليدين من غسل ~~الجنابة ، بعد هذا ، إن ms0228 شاء الله . وقوله : تمت فقال بيده الأرض ، فمسحها ~~بالتراب - ، يدل ، والله أعلم ، أنه كان فيها أذى ، وإلا فلو لم يكن فيها ~~أذى ، لاكتفى بصب الماء وحده عليها كما فعل غير مرة . والغسل ، بضم الغين ، ~~الماء الذى يغتسل به ، والغسل ، بفتح الغين ، فعل المغتسل ، كالوضوء ~~والوضوء ، والوقود والوقود ، فالوضوء ، بضم الواو ، الماء الذى يتوضأ به ، ~~والوضوء ، بفتح الواو ، فعل المتوضئ ، والوقود ، بضم الواو ، التوقد ~~والتلهب ، والوقود ، بفتح الواو ، الحطب ، وكذلك السحور ، والسحور ، بضم ~~السين ، الطعام ، وبفتح السين ، الفعل . قال ابن الأنبارى : وأجاز النحويون ~~أن يكون الوضوء والسحور والوقود مصادر ، والأول هو الذى عليه أهل اللغة . * ~~* * # | 9 - باب هل يدخل الجنب يده فى الإناء قبل أن يغسلها ، إذا لم يكن على ~~يده قذر غير الجنابة ؟ # وأدخل ابن عمر والبراء بن عازب يده فى الطهور ، ولم يغسلها ، ثم توضأ . ~~ولم ير ابن عمر وابن عباس بأسا بما ينتضح من غسل الجنابة . PageV01P376 / ~~12 - فيه : عائشة ، قالت : كنت أغتسل أنا والنبى - صلى الله عليه وسلم - من ~~إناء واحد تختلف أيدينا فيه . / 13 - وقال : أبو بكر بن حفص ، عن عروة ، عن ~~عائشة ، قالت : كنت أغتسل أنا والنبى - صلى الله عليه وسلم - من إناء واحد ~~من جنابة . / 14 - وفيه : عائشة ، كان النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، ~~إذا اغتسل من الجنابة غسل يديه . / 15 - وفيه : أنس ، كان النبى ، - صلى ~~الله عليه وسلم - ، والمرأة من نسائه يغتسلان من إناء واحد من الجنابة . ~~قال المهلب : قوله فى الترجمة : تمت هل يدخل الجنب يده فى الإناء قبل أن ~~يغسلها إذا لم يكن على يديه قذر غير الجنابة - ، يريد إذا كانت يده طاهرة ~~من الجنابة ومن سائر النجاسات ، وهو جنب ، فإنه يجوز له أن يدخل يده فى ~~الإناء قبل أن يغسلها ، وليس شىء من أعضائه نجسا بسب حال الجنابة ، لقوله - ~~صلى الله عليه وسلم - : تمت المؤمن لا ينجس - . فإن قال قائل : فأين موضع ~~الترجمة من الأحاديث ، فأكثرها لا ذكر فيه لغسل اليد ، وإنما جاء ذكر اليد ~~فى حديث هشام بن عروة ، عن ms0229 أبيه ؟ . قيل له : حديث هشام بن عروة مفسر لمعنى ~~الباب ، والله أعلم ، وذلك أن البخارى حمل حديث غسل اليد قبل إدخالها فى ~~الماء الذى رواه هشام ، إذا خشى أن يكون قد علق بها شىء من أذى الجنابة ، ~~أو غيرها ، وما لا ذكر فيه لغسل اليد من الأحاديث ، حملها على يقين طهارة ~~اليد من أذى الجنابة أو غيرها ، فاستعمل من اختلاف الأحاديث فائدتين جمع ~~بهما بين معانيها ، وانتفى بذلك PageV01P377 التعارض عنها ، وقد روى هذا ~~المعنى عن ابن عمر ، ذكر ابن أبى شيبة ، عن محمد بن فضيل ، عن أبى سنان ~~ضرار ، عن محارب ، عن ابن عمر ، قال : من اغترف من ماء وهو جنب فما بقى منه ~~نجس . فهذا محمول من قوله على أنه كان بيده قذر الجنابة ، وإلا فهو معارض ~~لما روى البخارى عن ابن عمر ، وقد روى مثل هذا التأويل عن جماعة من السلف . ~~روى عبد الرزاق ، عن ابن جريج ، عن عطاء ، قال : إذا أمنت أن يكون بكفيك ~~قشب ، فما يضرك أن تدخلهما فى وضوئك قبل أن تغسلهما . وعن معمر ، عن قتادة ~~، أن ابن سيرين كان يخرج من الكنيف ، فيدخل يده فى وضوئه قبل أن يغسلها ، ~~فقيل له : ما هذا ؟ فقال : إنى لا أمس بها شيئا . وعن سالم ، وسعيد بن جبير ~~مثله . وممن كان يدخل يده فى غسل الجنابة قبل أن يغسلها سعد بن أبى وقاص ، ~~وسعيد بن المسيب . وقال الشعبى : كان أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- يدخلون أيديهم الماء قبل أن يغسلوها وهم جنب ، والنساء وهن حيض ، ولا ~~يفسد ذلك بعضهم على بعض ، وذكر ذلك كله ابن أبى شيبة ، وعبد الرزاق . وأما ~~قوله : تمت ولم ير ابن عمر ، وابن عباس بأسا بما ينتضح من غسل الجنابة - ، ~~فروى مثله عن أبى هريرة ، وابن سيرين ، والنخعى ، والحسن ، وقال الحسن : ~~ومن ذلك انتشار الماء ، إنا لنرجو من رحمة الله ما هو أوسع من هذا . ~~PageV01P378 * * * # | 10 - باب من أفرغ بيمينه على شماله فى الغسل # / 16 - فيه : ميمونة ، قالت : وضعت للنبى ، - صلى الله ms0230 عليه وسلم - ، ~~غسلا فسترته ، فصب على يده ، فغسلها مرة أو مرتين ، ثم أفرغ بيمينه على ~~شماله فغسل فرجه ، ثم دلك يده بالأرض أو بالحائط ، ثم مضمض واستنشق . . . . ~~وذكر تمام الغسل . هذا الحديث محمول عند البخارى على أنه كان فى يده أو فى ~~فرجه جنابة أو أذى ، فلذلك دلك يده بالأرض وغسلها قبل إدخالها فى وضوئه على ~~ما قدمنا ذكره فى هذا الباب قبل هذا ، والله أعلم . * * * # | 11 - باب تفريق الغسل والوضوء # ويذكر عن ابن عمر أنه غسل قدميه بعدما جف وضوءه . / 17 - فيه : ميمونة ~~قالت : وضعت للنبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، ماء يغتسل به . . . وذكر ~~الحديث إلى قوله : ثم أفرغ على جسده ، ثم تنحى من مغتسله ، فغسل قدميه . ~~اختلف العلماء فى تفريق الوضوء والغسل ، فممن أجاز ذلك : ابن عمر ، وابن ~~المسيب ، وعطاء ، وطاوس ، والنخعى ، والحسن ، والثورى ، وأبو حنيفة ، ~~والشافعى ، ومحمد بن عبد الله ابن عبد الحكم . وممن لم يجز تفرقته : عمر بن ~~الخطاب ، وهو قول قتادة ، وربيعة ، والأوزاعى ، والليث إذا فرقه حتى جف ، ~~وهو ظاهر مذهب مالك إذا فرقه حتى جف ، وإن فرقه يسيرا جاز ، وإن فرقه على ~~وجه PageV01P379 النسيان يجزئه وإن طال ، وأما إن تعمد ذلك ، فلا يجزئه . ~~هذا قول ابن القصار . قال : ومن أصحاب مالك من قال : الموالاة مستحبة ، ~~وروى ابن وهب ، عن مالك ، قال : ولو نزع خفيه ، وأقام طويلا لم يغسل رجليه ~~وأحب إلى أن يأتنف الوضوء ، وإن غسل رجليه وصلى أجزأه . وحجة من أجاز ~~تفرقته ، حديث ميمونة : تمت أن النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، تنحى عن ~~مقامه ، فغسل قدميه - ، وفعل ابن عمر ، ولو كان لا يجزئه ، لبينه - صلى ~~الله عليه وسلم - ، واحتجوا أيضا بأن الله تعالى أمر المتوضئ بغسل الأعضاء ~~، فمن أتى بغسل ما أمر به متفرقا ، فقد أدى ما أمر به ، و تمت الواو - فى ~~الآية لا تعطى الفور . وقال الطحاوى : جفوف الوضوء ليس بحدث فلا ينقض ، كما ~~أن جفوف سائر الأعضاء لا يبطل الطهارة . واحتج من لم يجز التفرقة ، بأن ~~التنحى فى حديث ميمونة ms0231 من موضع الغسل يقرب ويبعد ، واسم التنحى بالقرب أولى ~~، وأما جفوف الوضوء فى فعل ابن عمر فلا يكون إلا بالبعد ، لكن الذى مضى ~~عليه عمل النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، الموالاة ، وتواطأ على ذلك فعل ~~السلف ، واحتج أهل المقالة الأولى أيضا ، أنه لما جاز التفريق اليسير جاز ~~الكثير ، أصله الحج ، وعكسه الصلاة ، لأنه لو وقف بعرفة وطاف يوم النحر ~~أجزأه ، وهذا تفريق يسير ، ولو وقف وطاف بعد شهر أجزأه ، ولو طاف خمسة ~~أشواط ، وطاف شوطين فى وقت آخر أجزأه . فعارضهم أهل المقالة الثانية ، ~~فقالوا : أما قياسكم على التفريق اليسير فغلط ، لأن الأصول قد جوزت العمل ~~اليسير فى الصلاة ، PageV01P380 ومنعت من الكثير ، ولو تعمد قتل عقرب ، أو ~~دب ليسد الصف جاز ، ولو اشتغل بإخراج غريق وهو فى الصلاة بطلت الصلاة ، ~~والقياس على الصلاة أولى من القياس على الحج ، لأن الطهارة تراد للصلاة . * ~~* * # | 12 - باب إذا جامع ثم عاود ومن دار على نسائه بغسل واحد # ( 1 ) / 18 - فيه : عائشة ، كنت أطيب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~فيطوف على نسائه ، ثم يصبح محرما ، ينضح طيبا . / 19 - وفيه : أنس ، كان ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يدور على نسائه فى الساعة الواحدة من ~~الليل والنهار ، وهن إحدى عشرة امرأة ، قلت لأنس : أوكان يطيقه ؟ قال : كنا ~~نتحدث أنه أعطى قوة ثلاثين . وقال سعيد ، عن قتادة : عن أنس : تمت تسع نسوة ~~- . لم تختلف العلماء فى جواز وطء جماعة نساء فى غسل واحد على ما جاء فى ~~حديث عائشة ، وأنس . وروى ذلك عن ابن عباس ، وقاله عطاء ، ومالك ، ~~والأوزاعى . وإنما اختلفوا إذا وطئ جماعة نسائه فى غسل واحد ، هل عليه أن ~~يتوضأ وضوءه للصلاة عند وطء كل واحدة منهن أم لا ؟ فروى عن عمر بن الخطاب ، ~~وابن عمر أنه إذا أراد أن يعود توضأ وضوءه للصلاة ، وبه قال عطاء وعكرمة ، ~~وكان الحسن البصرى لا يرى بأسا أن يجامع الرجل امرأته ، ثم يعود قبل أن ~~يتوضأ ، وعن ابن سيرين مثله ، وبهذا قال مالك وأكثر الفقهاء أنه لا ms0232 وضوء ~~عليه . PageV01P381 وقال أحمد بن حنبل : إن توضأ أعجب إلى ، فإن لم يفعل ~~فأرجو ألا يكون به بأس . وبه قال إسحاق ، وقال : لابد من غسل الفرج إذا ~~أراد أن يعود . ويحتمل أن يكون دورانه - صلى الله عليه وسلم - عليهن فى يوم ~~واحد لمعان : أحدها : أن يكون ذلك عند إقباله من سفره ، حيث لا قسمة تلزمه ~~لنسائه ، لأنه كان إذا سافر أقرع بين نسائه فأيتهن أصابتها القرعة خرجت معه ~~، فإذا انصرف استأنف القسمة بعد ذلك ، ولم تكن واحدة منهن أولى بالابتداء ~~من صاحبتها ، فلما استوت حقوقهن ، جمعهن كلهن فى ليلة ، ثم استأنف القسمة ~~بعد ذلك . والوجه الثانى : يحتمل أن يكون استطاب أنفس أزواجه ، فاستأذنهن ~~فى ذلك كنحو استئذانهن أن يمرض فى بيت عائشة ، قاله أبو عبيد . والوجه ~~الثالث : قاله المهلب ، قال : يحتمل أن يكون دورانه عليهن فى يوم يفرغ من ~~القسمة بينهن ، فيقرع فى هذا اليوم لهن كلهن يجمعهن فيه ، ثم يستأنف بعد ~~ذلك القسمة ، والله أعلم . وفى هذا الحديث أن الإماء يعددن من نسائه ، ~~لقوله : تمت وهن إحدى عشرة امرأة - ، لأنه لم يحل له من الحرائر إلا تسع ، ~~وهو حجة لمالك فى قوله : إن من ظاهر من أمته لزمه الظهار ، لأنها من نسائه ~~، واحتج بظاهر قوله تعالى : { الذين يظاهرون منكم من نسائهم } [ المجادلة : ~~2 ] وسيأتى فى كتاب النكاح زيادة من الكلام فى هذا الحديث ، إن شاء الله عز ~~وجل . PageV01P382 وقد احتج بحديث عائشة من لا يوجب التدلك فى الغسل ، وقال ~~: لو تدلك - صلى الله عليه وسلم - لم ينتضح منه الطيب . قال الطحاوى : وقد ~~يجوز أن يكون دلك وقد غسله ، وهكذا الطيب إذا كان كثيرا ، ربما غسله ، فذهب ~~وبقى وبيصه . قال المؤلف : ومن روى هذا الحديث : تمت ينضخ طيبا - بالخاء ، ~~فالنضخ عند العرب كاللطخ ، يقال : نضخ ثوبه بالطيب ، هذا قول الخليل . وفى ~~كتاب الأفعال : نضخت العين بالماء نضخا إذا فارت ، واحتج بقوله الله تعالى ~~: { فيهما عينان نضاختان } [ الرحمن : 66 ] ، ومن رواه تمت ينضح - بالحاء ، ~~فقال صاحب العين : نضحت العين بالماء إذا ms0233 رأيتها تفور ، وكذلك العين ~~الناظرة ، إذا رأيتها تغرورق ، والوبيص : البريق واللمعان . * * * # | 13 - باب غسل المذى والوضوء منه # / 20 - فيه : على بن أبى طالب ، قال : كنت رجلا مذاء ، فأمرت رجلا أن ~~يسأل النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، لمكان ابنته ، فسأله ، فقال : تمت ~~توضأ واغسل ذكرك - . اختلف العلماء فى تأويل هذا الحديث ، فقالت طائفة : ~~يغسل الذكر كله من المذى ، ثم يتوضأ مثل وضوئه للصلاة ، روى هذا عن عمر بن ~~الخطاب ، وابن عباس ، وهو قول مالك فى المدونة ، وحجتهم قوله - صلى الله ~~عليه وسلم - : تمت توضأ واغسل ذكرك - ، وهذا ظاهره العموم . PageV01P383 ~~وقال آخرون : إنما يجب غسل موضع الأذى من الذكر فقط مع الوضوء ، لا غسل ~~الذكر كله ، وروى هذا عن ابن عباس أيضا ، وعن سعيد بن جبير ، وعطاء ، وهو ~~قول الكوفيين . وقال ابن أبى زيد : قال البغداديون من أصحاب مالك : إن معنى ~~غسل الذكر من المذى : غسل موضع الأذى فقط . واحتج الكوفيون بما رواه الأعمش ~~، عن حبيب بن أبى ثابت ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، قال : قال على : ~~كنت رجلا مذاء فأمرت رجلا فسأل النبى - صلى الله عليه وسلم - ، فقال : فيه ~~الوضوء . ورواه أبو حصين ، عن أبى عبد الرحمن ، عن على ، قال : كنت رجلا ~~مذاء ، فأرسلت رجلا إلى النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، فقال : تمت توضأ ~~واغسله - . واحتج أبو عبد الله بن الفخار لقول البغداديين من أصحاب مالك ، ~~قال الدليل على صحته : أن مالكا روى فى موطئه حديث المقداد فى غسل المذى ، ~~وفيه : تمت فليغسل فرجه وليتوضأ - ، هكذا رواه القعنبى ، وابن وهب ، وابن ~~بكير ، وجماعة . قال : والفرج فى اللغة : الشق بين الجبلين ، فحقيقة الفرج ~~إنما تقع على موضع مخرج البول والمذى فقط . وروى يحيى بن يحيى تمت فلينضح ~~فرجه - ، ومعناه الغسل . قال الطحاوى : وأما النظر فى هذا الباب ، فإنا ~~رأينا خروج المذي PageV01P384 حدثا ، فأردنا أن نعلم ما يجب فى خروج ~~الأحداث ، فكان خروج الغائط يجب فيه غسل ما أصاب البدن لا غسل ما سوى ذلك ، ~~إلا التطهر للصلاة ، فالنظر على ذلك ms0234 أن يكون خروج المذى كذلك لا يجب فيه ~~غسل غير الموضع الذى أصابه من البدن غير التطهر للصلاة . * * * # | 14 - باب من تطيب ثم اغتسل وبقى أثر الطيب # / 21 - فيه : عائشة ، أنه ذكر لها قول ابن عمر : ما أحب أن أصبح محرما ~~أنضح طيبا ، فقالت عائشة : أنا طيبت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، ثم ~~طاف فى نسائه ، ثم أصبح محرما . / 22 - وفيه : وقالت عائشة : كأنى أنظر إلى ~~وبيص الطيب فى مفرق النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، وهو محرم . قال ~~المهلب : فيه أن السنة اتخاذ الطيب للنساء والرجال عند الجماع ، فكان - صلى ~~الله عليه وسلم - أملك لأربه من سائر أمته ، فلذلك كان لا يتجنب الطيب فى ~~الإحرام ونهانا عنه ، لضعفنا عن ملك الشهوات ، إذ الطيب من أسباب الجماع ~~ودواعيه ، والجماع يفسد الحج ، فمنع فيه الطيب للذريعة . وسيأتى اختلاف ~~العلماء فى الطيب للمحرم فى كتاب الحج ، والوبيص : البريق واللمعان . وقد ~~احتج بحديث عائشة من لا يوجب التدلك فى الغسل ، وقالوا : لو تدلك فى غسله ~~لم ينضح الطيب منه . وقال الطحاوى : وقد يجوز أن يكون دلك وقد غسله ، وهكذا ~~الطيب إذا كان كثيرا ، ربما غسله فذهب وبقى وبيصه . PageV01P385 * * * # | 15 - باب تخليل الشعر حتى إذا ظن أنه قد أروى بشرته أفاض عليه # / 23 - فيه : عائشة ، قالت : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا ~~اغتسل من الجنابة ، غسل يديه ، وتوضأ وضوءه للصلاة ، ثم اغتسل ، ثم يخلل ~~بيده شعره ، حتى إذا ظن أنه قد أروى بشرته ، أفاض عليه الماء ثلاث غرفات ، ~~ثم غسل سائر جسده - . قال المؤلف : أما تخليل شعر الرأس فى غسل الجنابة ~~فالعلماء مجمعون عليه ، وعليه قاسوا شعر اللحية ، لأنه شعر مثله ، فحكمه ~~حكمه فى التخليل ، إلا أنهم اختلفوا فى تخليل اللحية ، فممن كان يخلل لحيته ~~: عثمان بن عفان ، وعلى بن أبى طالب ، وعمار بن ياسر ، وابن عباس ، وابن ~~عمر ، وأنس ، ومن التابعين أبو قلابة ، والنخعى ، وسعيد بن جبير ، وعطاء . ~~وممن رخص فى تخليلها : الشعبى ، وطاوس ، والقاسم ، والحسن ، وأبو العالية ، ~~ورواية عن النخعى ms0235 . واختلف قول مالك فى تخليلها ، فروى عنه ابن القاسم أنه ~~لا يجب تخليلها فى غسل الجنابة ، ولا فى الوضوء ، وروى عنه ابن نافع ، وابن ~~وهب فى المجموعة إيجاب تخليلها مطلقا ، ولم يذكرا غسلا ولا وضوءا ، وروى ~~عنه أشهب فى العتبية أن تخليلها فى الغسل واجب ، ولا يجب فى الوضوء ، وبه ~~قال أبو حنيفة ، والثورى ، والأوزاعى ، والليث ، وأحمد ، وإسحاق . وحكى ابن ~~القصار ، عن الشافعى أن التخليل مسنون ، وإيصال الماء إلى البشرة مفروض فى ~~الجنابة مثل أن يغلغل الماء فى شعره ، أو يبله PageV01P386 حتى يعلم أن ~~الماء قد وصل إلى البشرة ، وقال المزنى ، ومحمد بن عبد الحكم : تخليلها ~~واجب فى الوضوء والغسل جميعا . وحجة من قال بتخليلها فى الغسل حديث عائشة ~~أن النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، اغتسل وخلل شعره بيديه . فدخل فيه شعر ~~اللحية وغيرها . وأما تخليلها فى الوضوء ، فقال ابن القاسم ، عن مالك : ليس ~~هو من أمر الناس ، وعاب ذلك على من فعله ، وقال أبو قرة : يكفيها ما مر ~~عليها من الماء مع غسل الوجه ، واحتج بحديث عبد الله بن زيد فى الوضوء ، ~~ولم يذكر فيه تخليل اللحية ، وقال الطحاوى : التيمم فيه واجب مسح البشرة ~~قبل نبات اللحية ، ثم سقط بعدها عند جميعهم ، فكذلك الوضوء ، وحجة من لم ير ~~تخليل اللحية فى الجنابة ، أنا قد اتفقنا أن داخل العينين لا يجب غسله ، ~~بعلة أن درنه سائر من نفس الخلقة ، وأيضا فإن الأمرد الذى لا لحية له يجب ~~عليه غسل ذقنه فى الوضوء والجنابة ، ثم يسقط غسله فى الوضوء إذا غطاه الشعر ~~، فينبغى أن يسقط فى الجنابة . * * * # | 16 - باب من توضأ فى الجنابة ثم غسل سائر جسده ولم يعد غسل مواضع ~~الوضوء مرة أخرى # / 24 - فيه : ميمونة أنها وضعت للنبى - صلى الله عليه وسلم - وضوء ~~الجنابة ، فأكفأ بيمينه على بساره مرتين أو ثلاثا ، ثم غسل فرجه ، ثم أفاض ~~على رأسه الماء ، ثم غسل جسده . . . . - ، الحديث . أجمع العلماء على أن ~~الوضوء ليس بواجب فى غسل الجنابة ، PageV01P387 ولذلك قال ابن عمر : وأى ~~وضوء ms0236 أعم من الغسل ؟ فلما ناب غسل مواضع الوضوء وهى سنة فى الجنابة عن ~~غسلها فى الجنابة ، وغسل الجنابة فريضة ، صح بذلك قول مطرف ، وابن الماجشون ~~، وابن كنانة ، وابن وهب ، وابن نافع ، وأشهب : أن غسل الجمعة يجزئ عن غسل ~~الجنابة ، ورووه كلهم عن مالك ، وهى خلاف رواية ابن القاسم . قال المهلب : ~~ووجه ذلك أن النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، لما اجتزأ بغسل أعضاء الوضوء ~~عن أن يغسلها مرة أخرى للجنابة ، دل أن الطهارة إذا نوى بها رفع الحدث ~~أجزأت عن كل معنى يراد به استباحة الصلاة ، ولهذا الحديث ، والله أعلم ، ~~قال عطاء : إذا غسلت كفى قبل إدخالهما الإناء لم أغسلهما مع الذراعين فى ~~الوضوء . وفى هذا الحديث أيضا حجة لأحد قولى مالك فى رجل توضأ للظهر ، ثم ~~صلى ، ثم أراد أن يجدد الوضوء للعصر للفضل ، فلما صلى العصر ، ذكر أن ~~الوضوء الأول قد انتقض ، فقال مرة : تجزئه صلاته ، وقال مرة : إنها لا ~~تجزئه . والصواب أنها تجزئه ، لأن الوضوء عنده للسنن تجزئ به صلوات الفرائض ~~، ومثل هذه المسألة اختلاف ابن القاسم ، وابن الماجشون ، فيمن صلى فى بيته ~~، ثم صلى تلك الصلاة فى المسجد ، فذكر أنه كان صلى فى بيته على غير وضوء ، ~~فقال ابن القاسم : تجزئه . وقال ابن الماجشون : لا تجزئه . وقول ابن القاسم ~~الصواب بدليل هذا الحديث ، فإنه وإن كان صلاها على طريقة الفضيلة ، فإنه ~~نوى بها تلك الصلاة بعينها والقربة إلى الله بتأديتها ، كما نوى بغسل يديه ~~وغسل مواضع الوضوء القربة إلى الله ، ولم يحتج إلى إعادتها فى الغسل من ~~PageV01P388 الجنابة ، وقد قال ابن عمر للذى سأله عن الذى يصلى فى بيته ، ~~ثم يصلى تلك الصلاة فى المسجد تمت أيهما أجعل صلاتى ؟ فقال : أو ذلك إليك ؟ ~~هى إلى الله يجعل أيتهما شاء - . وقوله فى الحديث فى الباب قبل هذا : تمت ~~ثم غسل سائر جسده - كان أولى بهذه الترجمة ، وهو تبيين لرواية من روى فيه : ~~تمت ثم أفاض على جسده الماء ، وصب أو أفرغ على جسده - ، والمراد بذلك : ~~الغسل لما بقى ms0237 من الجسد دون أعضاء الوضوء بدليل قوله تعالى : { ولا جنبا ~~إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا } [ النساء : 43 ] ، وقد تقدم من الحجة فى هذه ~~المسألة فى أول كتاب الغسل ما فيه الكفاية . * * * # | 17 - باب إذا ذكر فى المسجد أنه جنب خرج كما هو ولا يتيمم # / 25 - فيه : أبو هريرة ، قال : أقيمت الصلاة ، وعدلت الصفوف قياما ، ~~فخرج إلينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فلما قام فى مصلاه ، ذكر ~~أنه جنب ، فقال لنا : تمت مكانكم - ، ثم رجع ، فاغتسل ، ثم خرج إلينا ، ~~ورأسه يقطر ، فكبر ، وصلينا معه . قال المؤلف : من التابعين من يقول : إن ~~الجنب إذا نسى ، فدخل المسجد فذكر أنه جنب يتيمم ، وكذلك يخرج ، وهو قول ~~الثورى ، وإسحاق ، وهذا الحديث يرد قولهم . وقال أبو حنيفة فى الجنب ~~المسافر يمر على مسجد فيه عين ماء : فإنه يتيمم ، ويدخل المسجد ، فيستقى ، ~~ثم يخرج الماء من المسجد ، وهذا الحديث يدل على خلاف قوله ، لأنه لما لم ~~يلزمه التيمم للخروج ، كذلك من اضطر إلى المرور فيه جنبا لا يحتاج إلى تيمم ~~. PageV01P389 وقد اختلف العلماء فى مرور الجنب فى المسجد ، فرخص فيه على ، ~~وابن مسعود ، وابن عباس ، وقال جابر : كان أحدنا يمر فى المسجد وهو جنب . ~~وممن روى عنه إجازة دخوله عابر سبيل : سعيد بن المسيب ، وعطاء ، والحسن ، ~~وسعيد بن جبير ، وهو قول الشافعى . ورخصت طائفة للجنب أن يدخل المسجد ويقعد ~~فيه ، قال زيد بن أسلم : كان أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~يحتبون فى المسجد وهم جنب . وكان أحمد بن حنبل يقول : يجلس الجنب فى المسجد ~~ويمر فيه إذا توضأ ، ذكره ابن المنذر . وقال مالك والكوفيون : لا يدخل فيه ~~الجنب ، ولا عابر سبيل ، وروى عن ابن مسعود أيضا أنه كره ذلك للجنب . وحجة ~~الذين رخصوا فى ذلك قوله تعالى : { لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى ~~تعلموا ما تقولون ولا جنبا إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا } [ النساء : 43 ] . ~~وأن المراد مكان الصلاة ، فتقديره : لا تقربوا مكان الصلاة جنبا إلا عابرى ~~سبيل ، قالوا : وقد سمى المسجد باسم ms0238 الصلاة فى قوله تعالى : { لهدمت صوامع ~~} [ الحج : 40 ] . وحجة الذين منعوا الجنب من دخول المسجد : أن المراد ~~بالآية نفس الصلاة وحملها على مكان الصلاة مجاز ، على أنا نحمله على عمومه ~~فنقول : لا تقربوا الصلاة ولا مكانها على هذه الحال إلا أن تكونوا مسافرين ~~فتيمموا واقربوا ذلك ، وصلوا ، ونكون بهذا أسعد منكم لأن فيه تعظيما لحرمة ~~المسجد ، ويمكن أن يستدل من هذه PageV01P390 الآية بقول الثورى ، وإسحاق ، ~~وذلك أن المسافر إذا عدم الماء منع دخول المسجد والصلاة فيه إلا بالتيمم ~~وذلك لضرورة ، وأنه لا يقدر على ماء ، فكذلك الذى يجنب فى المسجد ، فى ~~القياس ، لا يخرج إلا بعد التيمم ، لأنه مضطر لا ماء معه ، فأشبه المسافر ~~العابر سبيل المذكور فى الآية لولا ما يعارضه من حديث أبى هريرة المفسر ~~لمعنى الآية ، لجواز خروجه من المسجد دون تيمم ، ولا قياس لأحد مع مجئ ~~السنن ، وإنما يفزع إلى القياس عند عدمها ، والله الموفق . * * * # | 18 - باب نفض اليدين من غسل الجنابة # / 26 - فيه : ميمونة : تمت وضعت للنبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، غسلا . ~~. . - ، وذكر الحديث : تمت فناولته ثوبا ، فلم يأخذه فانطلق ، وهو ينفض ~~يديه - . اختلف العلماء فى المسح بالمنديل بعد الوضوء ، فكره ذلك جابر ، ~~وعطاء ، وابن أبى ليلى ، وابن المسيب ، والنخعى ، وأبو العالية ، وهو قول ~~الحسن بن حى . وكره ابن عباس أن يمسح بالمنديل من الوضوء ، ولم يكرهه من ~~الجنابة . وممن رخص فى ذلك عثمان بن عفان ، وعلى بن أبى طالب ، وابن عمر ، ~~وأنس بن مالك ، وبشير بن أبى مسعود ، والحسن ، والشعبى ، وابن سيرين ، ~~وعلقمة ، والأسود ، ومسروق ، وهو قول مالك ، والثورى ، وأبى حنيفة ، ~~والأوزاعى ، وأحمد ، وإسحاق . قال ابن المنذر : ذلك مباح كله . قال المهلب ~~: ويمكن أن يريد بترك المنديل إبقاء بركة بلل الماء PageV01P391 والتواضع ~~بذلك لله تعالى ، أو لشىء رآه فى المنديل من حرير ، أو وسخ ، أو لاستعجال ~~كان به ، والله أعلم . وقد روى ابن وهب ، عن زيد بن الحباب ، عن أبى معاذ ، ~~عن ابن شهاب ، عن عروة ، عن عائشة ، أن النبى ، - صلى الله عليه وسلم ms0239 - ، ~~كانت له خرقة يتنشف بها بعد الوضوء . * * * # | 19 - باب من اغتسل عريانا وحده فى الخلوة ومن تستر ، والتستر أفضل # وقال بهز بن حكيم ، عن أبيه ، عن جده ، عن النبى - صلى الله عليه وسلم - ~~: تمت إن الله أحق أن يستحيا منه من الناس - . / 27 - فيه : أبو هريرة ، عن ~~النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، قال : تمت كانت بنو إسرائيل يغتسلون عراة ~~، ينظر بعضهم إلى بعض ، وكان موسى يغتسل وحده ، فقالوا : والله ما يمنع ~~موسى أن يغتسل معنا إلا أنه آدر ، فذهب مرة يغتسل ، فوضع ثوبه على حجر ، ~~ففر الحجر بثوبه ، فخرج موسى فى إثره ، يقول : ثوبى يا حجر ، ثوبى يا حجر ، ~~ثوبى يا حجر ، حتى نظرت بنو إسرائيل إلى موسى ، وقالت : والله ما بموسى من ~~بأس ، وأخذ ثوبه ، وطفق بالحجر ضربا - . قال أبو هريرة : والله إنه لندب ~~بالحجر ستة ، أو سبعة ضربا بالحجر . / 28 - وعن أبى هريرة ، عن النبى - صلى ~~الله عليه وسلم - قال : تمت بينا أيوب يغتسل عريانا فخر عليه جراد من ذهب ، ~~فجعل أيوب يحتثى فى ثوبه ، فناداه ربه : يا أيوب ألم أكن أغنيك عما ترى ؟ ~~قال : بلى وعزتك ، ولكن لا غنى بى عن بركتك - . PageV01P392 قال المهلب : ~~فى حديث موسى ، وأيوب دليل على إباحة التعرى فى الخلوة للغسل وغيره ، بحيث ~~يأمن أعين الناس ، لأن أيوب وموسى من الذين أمرنا أن نهتدى بهداهم ، ألا ~~ترى أن الله عاتب أيوب على جمع الجراد ، ولم يعاتبه على غسله عريانا ، ولو ~~كلف الله عباده الاستتار فى الخلوة كان فى ذلك حرج على العباد ، إذ كان ~~المغتسل من الجنابة لا يجد بدا من التعرى والله تعالى لا يغيب عنه شىء من ~~خلقه ، عراة كانوا أو مكتسين ، وسيأتى شىء من هذا المعنى فى كتاب الصلاة ، ~~فى باب كراهية التعرى فى الصلاة وغيرها ، إن شاء الله ، إلا أن الاستتار فى ~~الخلوة من حسن الأدب . وقد روى ابن وهب ، عن ابن مهدى ، عن خالد بن حميد ، ~~عن بعض أهل الشام ، أن ابن عباس لم يكن يغتسل فى بحر ms0240 ولا نهر إلا وعليه ~~إزار ، فإذا سئل عن ذلك ، قال : إن له عامرا . وروى برد ، عن مكحول ، عن ~~عطية ، عن النبى - صلى الله عليه وسلم - ، قال : تمت من اغتسل بليل فى فضاء ~~فليتحاذر على عورته ، ومن لم يفعل ذلك فأصابه لمم فلا يلومن إلا نفسه - . ~~وفى مرسلات الزهرى ، عن النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، قال : تمت لا ~~تغتسلوا فى الصحراء إلا أن لا تجدوا متوارى ، فإن لم تجدوا متوارى فليخط ~~أحدكم كالدائرة ، ثم يسمى الله ويغتسل فيها - . وفى حديث موسى دليل على ~~إباحة النظر إلى العورة عند الضرورة الداعية إلى ذلك من مداواة ، أو براءة ~~مما رمى به من العيوب كالبرص وغيره من الأدواء التى يتحاكم الناس فيها مما ~~لابد فيها من PageV01P393 رؤية أهل النظر بها ، فلا بأس برؤية العورات ~~للبراءة من ذلك أو لإثبات العيوب فيه والمعالجة . وفيه : آية لموسى ، - صلى ~~الله عليه وسلم - ، فى مشى الحجر . وفيه : إجراء خلق الإنسان عند الضجر على ~~من يعقل ، ومن لا يعقل ، كما جرى من موسى فى ضربه للحجر ، وإن كان الحجر قد ~~جعل الله فيه قوة مشى بها فلذلك ضربه ، لأنه إذا أمكن أن يمشى بثوبه ، أمكن ~~أن يخشى الضرب ، ألا ترى قول أبى هريرة : والله إنه لندب بالحجر ، يعنى ~~آثار ضرب موسى ، - صلى الله عليه وسلم - ، بقيت فى الحجر آية لهم . وفيه : ~~جواز الحلف على الأخبار لحلف أبى هريرة أن موسى ضرب الحجر وأثر فيه ضربه . ~~وقوله : تمت إنه لندب بالحجر - ، قال صاحب العين : الندب أثر الجرح . وأما ~~غتسال بنى إسرائيل عراة ينظر بعضهم إلى بعض ، فيدل أنهم كانوا عصاة له فى ~~ذلك غير مقتدين بسنته إذ كان هو يغتسل حيث لا يراه أحد ، ويطلب الخلوة ، ~~فكان الواجب عليهم الاقتداء به فى ذلك ، ولو كان اغتسالهم عراة فى غير ~~الخلوة عن علم موسى وإقراره لذلك ، لم يلزمنا فعله ، لأن فى شريعتنا الأمر ~~بستر العورة عن أعين الآدميين ، وذلك فرض علينا ، وهو فى الخلاء حسن غير ~~واجب . وأما حديث بهز بن ms0241 حكيم : أن النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، قال : ~~PageV01P394 تمت إن الله أحق أن يستحى منه - ، فهو محمول عند الفقهاء على ~~الندب والاستحباب للتستر فى الخلوة لا على الإيجاب لما ذكرناه . وفى حديث ~~أيوب جواز الحرص على المال الحلال وفضل الغنى ، لأنه سماه بركة . * * * # | 20 - باب التستر فى الغسل عند الناس # / 29 - فيه : أم هانئ بنت أبى طالب ، قالت : ذهبت إلى رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - عام الفتح ، فوجدته يغتسل ، وفاطمة تستره ، فقال : تمت من ~~هذه - ؟ قلت : أنا أم هانئ . / 30 - وفيه : ميمونة ، قالت : سترت النبى - ~~صلى الله عليه وسلم - وهو يغتسل من الجنابة . . . الحديث . أجمع العلماء ~~على وجوب ستر العورة عن أعين الناظرين ، وأصل هذين الحديثين ومصداقهما فى ~~كتاب الله تعالى ، قال الله تعالى : { يا أيها الذين آمنوا ليستأذنكم الذين ~~ملكت أيمانكم } [ النور : 58 ] الآية . ثم قال : { ثلاث عورات لكم ليس ~~عليكم ولا عليهم جناح } [ النور : 58 ] ، وفى هذا دليل على أن الجناح غير ~~مرفوع فيهن ، وقوله : { ثلاث عورات لكم } أى إن هذه الأوقات أكثر ما يخلو ~~فيها الرجل بأهله للجماع ، حظر الله ذلك على الأطفال الذين لم يظهروا على ~~عورات النساء ، ولا جرت عليهم الأقلام ، يدل أنه واجب على غيرهم من الرجال ~~والنساء التستر الذى أراده الله . وقد قال PageV01P395 تعالى : { يا بنى ~~آدم قد أنزلنا عليكم لباسا يوارى سوءاتكم } [ الأعراف : 26 ] ، فعد علينا ~~نعمته فى ذلك . وقال تعالى : { قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا ~~فروجهم } [ النور : 30 ] ، فقرن غض الأبصار عن العورات بحفظ الفروج ، وقال ~~- صلى الله عليه وسلم - : تمت لا يطوفن بالبيت عريان - ، فكما لا يحل لأحد ~~أن يبدى عن فرجه لأحد من غير ضرورة مضطرة له إلى ذلك ، فكذلك لا يجب أن ~~ينظر إلى فرج أحد من غير ضرورة ، واتفق أئمة الفتوى على أنه من دخل الحمام ~~بغير مئزر أنه تسقط شهادته بذلك ، هذا قول مالك ، والثورى ، وأبى حنيفة ، ~~وأصحابه ، والشافعى . واختلفوا إذا نزع مئزره ، ثم دخل الحوض وبدت عورته ~~عند دخوله ، فقال مالك والشافعى : تسقط ms0242 شهادته بذلك أيضا . وقال أبو حنيفة ~~والثورى : لا تسقط شهادته بذلك ، وهذا يعذر به ، لأنه لا يمكن التحرز منه . ~~وروى بهز بن حكيم ، عن أبيه ، عن جده ، أن النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ~~، قال له : تمت احفظ عورتك واسترها إلا عن زوجتك وأمتك - . وأجمع العلماء ~~على أن للرجل أن يرى عورة أهله وترى عورته . * * * # | 21 - باب إذا احتلمت المرأة # / 31 - فيه : أم سلمة ، جاءت أم سليم امرأة أبى طلحة إلى رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - فقالت : يا رسول الله ، إن الله لا يستحيى من الحق ، هل ~~على المرأة من غسل ، إذا هى احتلمت ؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- : تمت نعم ، إذا رأت الماء - . PageV01P396 لا خلاف بين العلماء أن ~~النساء إذا احتلمن ورأين الماء ، أن عليهن الغسل وحكمهن حكم الرجال فى ذلك ~~، وفيه دليل أن ليس كل النساء يحتلمن ، لأن فى غير هذه الرواية أن أم سلمة ~~غطت وجهها استحياء من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وقالت لأم سليم : ~~وهل ترى ذلك المرأة ؟ . وكذلك أنكرت عائشة أيضا فى حديث مالك ، عن ابن شهاب ~~، عن عروة . وقد يفقد بعض الرجال الاحتلام ، فكذلك النساء . وفى قول أم ~~سليم : تمت إن الله لا يستحى من الحق - ، أنه يلزم كل من جهل شيئا من دينه ~~أن يسأل عنه العالمين به ، وأنه محمود بذلك ، ألا ترى قول عائشة ، رضى الله ~~عنها : تمت نعم النساء نساء الأنصار ، لم يمنعهن الحياء من التفقه فى الدين ~~- . وإنما يكون الحياء فيما تجد المرأة من ذكره بدا ، وأما ما يلزم السؤال ~~عنه ، فلا حياء فيه . وإنما اعتذرت أم سليم من مشافهة رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - فى ذلك ، إذ سؤالها له أثبت فى نفسها ، فلذلك قدمت بين يدى ~~قولها : تمت إن الله لا يستحى من الحق - . * * * # | 22 - باب عرق الجنب وأن المسلم لا ينجس # | / 32 - فيه : أبو هريرة ، أن النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، لقيه فى ~~بعض طرق المدينة ، وهو جنب ، فانبخست منه ، فذهب فاغتسل ، ثم ms0243 جاء ، فقال : ~~تمت أين كنت يا أبا هريرة - ؟ قال : كنت جنبا ، فكرهت أن أجالسك ، وأنا على ~~غير طهارة ، فقال : تمت سبحان الله ، إن المؤمن لا ينجس - . PageV01P397 ~~قال المهلب : هذا يدل على أن الجنابة إذا لم تكن عينا فى الأجسام ، فإن ~~المؤمن حينئذ طاهر الأعضاء ، بحال ما المؤمنون عليه من التطهر والنظافة ~~لأعضائهم ، بخلاف ما عليه المشركون من ترك التحفظ من النجاسات والأقذار ، ~~فحملت كل طائفة على خلقها وعادتها ، قال تعالى : { إنما المشركون نجس } [ ~~التوبة : 28 ] تغليبا للحال ، وقد قيل فى قوله الله : { إنما المشركون نجس ~~} ليس بمعنى نجاسة الأعضاء ، لكن بمعنى نجاسة الأفعال ، والكراهة لهم ، ~~والإبعاد عما قد بين الله من بقعة أو كتاب أو رجل صالح ، ولا خلاف بين ~~الفقهاء فى طهارة عرق الجنب والحائض . قال ابن المنذر : وكذلك عرق اليهودى ~~، والنصرانى ، والمجوسى عندى طاهر . وقال غيره : لما أباح الله نكاح نساء ~~أهل الكتاب ، ومعلوم أن عرقهن لا يسلم منه من ضاجعهن ، وأجمعت الأمة على ~~أنه لا غسل عليه من الكتابية إلا كما عليه من المسلمة ، دل ذلك على أن ابن ~~آدم ليس بنجس فى ذاته ، ما لم تعرض له نجاسة تحل به . وقوله : تمت فانبخست ~~منه - ، وهكذا وقعت هذه اللفظة تمت فانبخست منه - بالخاء ، وفى بعض النسخ ~~لابن السكن تمت فانبجست منه - بالجيم ، وأما بالخاء فلا أعرف له معنى ، ~~وأما بالجيم فيحتمل أن يكون من قوله تعالى : { فانبجست منه اثنتا عشرة عينا ~~} [ الأعراف : 16 ] أى انفجرت وجرت ، والأشبه أن يكون فانخسنت منه ، قال ~~صاحب العين : يقال : خنس من بين القوم يخنس خنوسا : إذا انقبض ، وخنوس ~~الكواكب اختفاؤها . PageV01P398 * * * # | 23 - باب الجنب يخرج ويمشى فى السوق وغيره # وقال عطاء : يحتجم الجنب ، ويقلم أظفاره ، ويحلق رأسه ، وإن لم يتوضأ . / ~~33 - فيه : أنس : كان - صلى الله عليه وسلم - يطوف على نسائه في الليلة ~~الواحدة ، وله يومئذ تسع نسوة . / 34 - وفيه : أبو هريرة لقينى النبى - صلى ~~الله عليه وسلم - وأنا جنب ، فأخذ بيدى ، فمشيت معه ، حتى قعد ، فانسللت ~~منه وأتيت الرحل فاغتسلت ، ثم ms0244 جئت وهو قاعد ، فقال : تمت أين كنت يا أبا ~~هريرة ؟ - فقلت له ، فقال : تمت سبحان الله ، إن المؤمن لا ينجس - . وإنما ~~أراد البخارى أن يريك أن الجنب لا ينجس بالسنة ، وأنه يجوز له التصرف فى ~~أموره كلها قبل الغسل ، ويرد قول طائفة من السلف أوجبت عليه الوضوء . روى ~~عن سعد بن أبى وقاص أنه كان إذا أجنب لا يخرج لحاجته حتى يتوضأ وضوءه ~~للصلاة ، وعن ابن عباس مثله ، وبه قال عطاء والحسن . ومنهم من قال : لا ~~يأكل ولا يشرب حتى يتوضأ للصلاة . روى ذلك عن على ، وابن عمر ، وعبد الله ~~بن عمرو ، وعطاء . والذى عليه الناس فى ذلك ما روى عن أبى الضحى أنه سئل ~~أيأكل الجنب ؟ قال : نعم ، ويمشى فى الأسواق ، ولم يذكر أنه توضأ قبل ذلك ~~وهذا قول مالك ، وأكثر الفقهاء ، أن الوضوء ليس بواجب عليه إذا أراد الخروج ~~فى حاجاته ، وليس فى حديث أنس أن النبى كان PageV01P399 يتوضأ حين كان يطوف ~~على كل امرأة من نسائه ، ولا فى حديث أبى هريرة أن المؤمن لا ينجس إذا كان ~~قد توضأ بعد الجنابة . وممن قال لا وضوء عليه إذا أراد أن يطعم : مالك ، ~~والكوفيون ، والأوزاعى ، والشافعى ، وأحمد ، وإسحاق ، وهو الذى يدل عليه ~~حديث أبى هريرة . وفى حديث أبى هريرة : جواز أخذ الإمام والعالم بيد تلميذه ~~ومن هو دونه ومشيه معه معتمدا عليه ومرتفقا به . وفيه : أن من حسن الأدب ~~لمن مشى معه معلمه أو رئيسه أن لا ينصرف عنه ولا يفارقه حتى يعلمه بذلك ، ~~ألا ترى قوله - صلى الله عليه وسلم - لأبى هريرة حين انصرف إليه : تمت أين ~~كنت يا أبا هريرة ؟ - فدل ذلك على أنه استحب له أن لا يفارقه حتى ينصرف معه ~~. * * * # | 24 - باب كينونة الجنب فى البيت # / 35 - فيه : عائشة قالت : كان النبى - صلى الله عليه وسلم - يرقد وهو ~~جنب ويتوضأ . / 36 - وفيه : عمر أنه سأل النبى - صلى الله عليه وسلم - ، ~~أيرقد أحدنا وهو جنب ؟ قال : تمت نعم ، إذا توضأ أحدكم فليرقد - وهو جنب . ~~/ 37 - وقال ms0245 له مرة : تمت توضأ واغسل ذكرك ، ثم نم - . / 38 - وفيه : عائشة ~~كان النبى إذا أراد أن ينام وهو جنب ، غسل فرجه ، وتوضأ للصلاة . واختلف ~~العلماء فى نوم الجنب ، فقالت طائفة : بظاهر خبر رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - ، أنه توضأ وضوءه للصلاة ، وكذلك ينام ، روى هذا عن على ، ~~PageV01P400 وابن عباس ، وعائشة ، وأبى سعيد الخدرى ، ومن التابعين : ~~النخعى ، وطاوس ، والحسن ، وبه قال : مالك ، والليث ، وأبو حنيفة ، ~~والشافعى ، وأحمد ، وإسحاق ، كلهم يستحبون الوضوء ، ويأمرون به . وشذ أهل ~~الظاهر ، فأوجبوا عليه الوضوء فرضا ، وهذا قول مهجور لم يتابعهم عليه أحد ، ~~فلا معنى له ، وروى عن سعيد بن المسيب أنه قال : إن شاء أن ينام قبل أن ~~يتوضأ ، وإليه ذهب أبو يوسف ، فقال : لا بأس أن ينام الجنب قبل أن يتوضأ ، ~~لأن الوضوء لا يخرجه من حال الجنابة إلى حال الطهارة ، ومن حجته ما رواه ~~الأعمش ، عن أبى إسحاق ، عن الأسود بن يزيد ، عن عائشة قالت : كان رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - يجنب ثم ينام ولا يمس ماء ، حتى يقوم بعد ذلك ~~فيغتسل . قال الطحاوى : هذا الحديث غلط ، اختصره أبو إسحاق من حديث طويل ~~فأخطأ فيه ، وذلك ما حدثنا فهد ، قال : حدثنا أبو غسان ، قال : حدثنا زهير ~~، قال : حدثنا أبو إسحاق ، قال : أتيت الأسود بن يزيد فقلت : حدثنى ما ~~حدثتك عائشة عن صلاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : قالت : كان ~~ينام أول الليل ، ويحيى آخره ، ثم إن كانت له حاجة ، قضى حاجته ، ثم ينام ~~PageV01P401 قبل أن يمس ماء ، فإذا كان عند النداء الأول ، أفاض عليه الماء ~~، وإن نام جنبا توضأ وضوء الرجل للصلاة ، فهذا الأسود بن يزيد قد بان فى ~~حديثه أنه كان إذا أراد أن ينام ، وهو جنب ، توضأ للصلاة ، وبان أن قولها : ~~ثم ينام قبل أن يمس ماء ، يعنى الغسل لا الوضوء ، والدليل على صحة ذلك ما ~~رواه البخارى عن عمر ، وعائشة ، وعلى هذا التأويل لا تتضاد الأخبار ، وقد ~~روى قبيصة بن ذؤيب ، عن زيد بن ثابت ، قال : إذا ms0246 توضأ قبل أن ينام ، كان ~~كمن اغتسل فى الثواب الذى يكتب لمن بات على طهر . وقالت عائشة : لا ينام ~~الجنب حتى يتوضأ للصلاة فإنه لا يدرى لعل نفسه تصاب فى نومه ، فيكون قد أخذ ~~بأى الطهارتين . فأما ما روى عن ابن عمر أنه كان يتوضأ ، ولا يغسل قدميه ، ~~فيدل ذلك أن محمل الحديث عندهم على الندب ، لا على الوجوب ، لأن ابن عمر ~~روى الحديث عن أبيه ، عن النبى وعلمه فلم يترك غسل قدميه ، إلا أنهم تلقوا ~~الحديث على أن الوضوء على غير الإيجاب . * * * # | 25 - باب إذا التقى الختانان # / 39 - فيه : أبو هريرة ، عن النبى - صلى الله عليه وسلم - قال : تمت إذا ~~جلس بين شعبها الأربع ، ثم جهدها ، فقد وجب الغسل - . ذهب جماعة فقهاء ~~الأمصار إلى وجوب الغسل إذا التقى الختانان ، وإن لم ينزلا ، على ما ثبت فى ~~هذا الحديث ، وقد روى مالك فى الموطأ عن عائشة أنها قالت : إذا جاوز الختان ~~الختان فقد وجب الغسل ، وهى أعلم بهذا ، لأنها شاهدت تطهر رسول الله حياته ~~وعاينته عملا ، فقولها أولى ممن لم يشاهد ذلك ، وروى عن على بن أبى طالب ~~خلافه . قال ابن القصار : وأجمع التابعون ومن بعدهم على القول بهذا الحديث ~~. PageV01P402 وإذا كان فى المسألة قولان بعد انقراض الصحابة ، ثم أجمع ~~العصر الثانى بعدهم على أحد القولين ، كان ذلك مسقطا للخلاف قبله ويصير ذلك ~~إجماعا ، وإجماع الأعصار عندنا حجة كإجماع الصحابة ، وسنتقصى الكلام فى هذه ~~المسألة فى الباب الذى بعد هذا إن شاء الله . وقوله : تمت جهدها - أى بلغ ~~مشقتها ، قال صاحب الأفعال : يقال : جهدته جهدا ، وأجهدته بلغت مشقته ، هذا ~~قول الأصمعى ، وقال الأعمش : جهدن لها مع إجهادها به وجهده المرض وأجهده ، ~~وجهد فى الأمر ، وأجهد : بلغ فيه الجهد ، وجهدت الفرس ، وأجهدته : استخرجت ~~جهده . وقال الحسن ، رحمه الله : إن الحق جهد الناس ولن يصبر عليه إلا من ~~رجا ثوابه عز وجل . * * * # | 26 - باب غسل ما يصيب من فرج المرأة # / 40 - فيه : زيد بن خالد أنه سأل عثمان بن عفان أرأيت إذا ms0247 جامع الرجل ~~امرأته فلم يمن ؟ قال عثمان : يتوضأ كما يتوضأ للصلاة ، ويغسل ذكره ، وقال ~~عثمان : سمعته من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فسألت عن ذلك على بن ~~أبى طالب ، والزبير بن العوام ، وطلحة ابن عبيد الله ، وأبى بن كعب ، ~~فأمروه بذلك . / 41 - وفيه : أبو أيوب الأنصارى أنه سمع ذلك من رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - . PageV01P403 / 42 - ورواه أبو أيوب ، مرة ، عن أبى ~~بن كعب ، عن النبى - صلى الله عليه وسلم - ، وقال : تمت يغسل ما مس المرأة ~~منه ، ثم يتوضأ ويصلى - . قال البخارى : الغسل أحوط ، وذاك الآخر وإنما ~~بيناه لاختلافهم . قال المؤلف : قال الأثرم : سألت أحمد بن حنبل عن حديث ~~عطاء بن يسار ، عن زيد بن خالد ، قال : سألت خمسة من أصحاب النبى - صلى ~~الله عليه وسلم - : عثمان ، وعلى ، وطلحة ، والزبير ، وأبى بن كعب ، فقالوا ~~: الماء من الماء ، فيه علة ؟ قال : نعم ، ما يروى من خلافه عنهم . وقال ~~يعقوب بن شيبة : سمعت على بن المدينى وسئل عن هذا الحديث ، فقال : إسناد ~~حسن ، ولكنه حديث شاذ ، فإن على بن زيد قد روى عن عثمان ، وعلى ، وأبى ~~بأسانيد حسان أنهم أفتوا بخلافه . قال يعقوب : وهو حديث منسوخ ، كانت هذه ~~الفتيا فى أول الإسلام ، ثم جاءت السنة بعد ذلك من رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - : تمت إذا جاوز الختان الختان ، فقد وجب الغسل - . وروى ابن ~~وهب عن عمرو بن الحارث ، عن ابن شهاب ، قال : حدثنى بعض من أرضى ، عن سهل ~~بن سعد ، عن أبى بن كعب أخبره ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جعل ~~الماء من الماء رخصة فى أول الإسلام ، ثم نهى عن ذلك ، وأمر بالغسل بعد ذلك ~~. وقال موسى بن هارون : رواه أبو حازم ، عن سهل بن سعد ، وأظن ابن شهاب ~~سمعه منه ، فهذا أبى يخبر أن هذا من الناسخ لقوله : تمت الماء من الماء - . ~~PageV01P404 وروى يحيى بن سعيد ، عن عبد الله بن كعب ، عن محمود بن لبيد ~~أنه سأل زيد بن ثابت عن الرجل يصيب أهله ثم ms0248 يكسل ولا ينزل ؟ فقال زيد : ~~يغتسل ، فقلت : إن أبى بن كعب كان لا يرى الغسل ، قال : إن أبى نزع عن ذلك ~~قبل أن يموت . فهذا أبى قد قال هذا ، وقد روى عن النبى - صلى الله عليه ~~وسلم - خلافه ، فلا يجوز أن يقول هذا إلا وقد ثبت عنده نسخ ذلك ، وأما رجوع ~~عثمان ، فرواه مالك ، عن ابن شهاب ، عن سعيد بن المسيب ، أن عمر وعثمان ~~وعائشة كانوا يقولون : إذا مس الختان الختان فقد وجب الغسل ، فلا يجوز أن ~~يقول هذا عثمان إلا وقد ثبت عنده النسخ . وأما رجوع على ، فرواه معمر ، عن ~~عبد الله بن محمد بن عقيل ، عن على ، قال : كما يجب الحد يجب الغسل ، ورواه ~~الثورى عن أبى جعفر ، عن على ، ثم قد كشف عن ذلك عمر بن الخطاب بحضرة أصحاب ~~رسول الله من المهاجرين والأنصار فلم يثبت عنده إلا الغسل ، فحمل الناس ~~عليه ، فسلموا لأمره ، فدل ذلك على رجوعهم إلى قوله . روى الليث ، عن يزيد ~~بن أبى حبيب ، عن معمر بن أبى حيية ، عن عبيد الله بن عدى بن الخيار قال : ~~تذاكر أصحاب رسول الله عند عمر بن الخطاب الغسل من الجنابة ، فقال بعضهم : ~~إذا جاوز الختان الختان فقد وجب الغسل ، وقال بعضهم : PageV01P405 الماء من ~~الماء . فقال عمر : قد اختلفتم وأنتم أهل بدر الأخيار ، فكيف بالناس بعدكم ~~؟ فقال على : يا أمير المؤمنين ، إن أردت أن تعلم ذلك ، فأرسل إلى أزواج ~~النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، فاسألهن عن ذلك ، فأرسل إلى عائشة ، ~~فقالت : إذا جاوز الختان الختان فقد وجب الغسل ، فقال عمر عند ذلك : لا ~~أسمع أحدا يقول : الما من الماء إلا جعلته نكالا ، فحمل الناس عليه ولم ~~ينكره عليه منكر . قال الطحاوى : فهذا وجه هذا الباب من طريق الآثار ، وأما ~~من طريق النظر ، فإنا رأيناهم لم يختلفوا أن الجماع فى الفرج الذى لا إنزال ~~معه حدث ، فقال قوم : هذا أغلظ الأحداث ، فأوجبوا فيه أغلظ الطهارات ، وهو ~~الغسل ، وقال قوم : هو كأخف الأحداث ، فأوجبوا فيه الوضوء ، فأردنا أن ننظر ms0249 ~~فى ذلك ، لنعلم الصواب فيه ، فوجدنا أشياء يوجبها الجماع ، وهو فساد الصيام ~~والحج ، فكان ذلك بالتقاء الختانين ، وإن لم يكن معه إنزال فيوجب ذلك فى ~~الحج : الدم وقضاء الحج ، ويوجب فى الصيام : القضاء والكفارة ، ولو جامع ~~فيما دون الفرج لوجب عليه فى الحج الدم فقط ، ولم يجب عليه فى الصيام شىء ~~إلا أن ينزل ، وكذلك لو زنا بامرأة وإن لم ينزل فعليه الحد ، ولو فعل ذلك ~~على وجه شبهة لسقط عنه الحد ، ووجب عليه المهر ، وكان لو جامعها فيما دون ~~الفرج لم يجب عليه حد ولا مهر ، ولكنه يعزر إن لم يكن هناك شبهة ، وكذلك من ~~تزوج امرأة فجامعها فى الفرج ، ثم طلقها كان عليه المهر أنزل أو لم ينزل ~~ووجبت عليها العدة ، وأحلها ذلك لزوجها الأول ، فإن جامعها فيما دون الفرج ~~لم يجب عليه شىء ، وكان عليه فى الطلاق نصف المهر PageV01P406 إن كان سمى ~~لها مهرا ، أو المتعة إن لم يكن سمى لها مهرا ، فلما وجب فى هذه الأشياء ~~التى لا إنزال معها ما يجب فى الجماع الذى معه الإنزال من الحد ، والمهر ، ~~وغير ذلك ، فالنظر على ذلك أن يكون فيه أغلظ مما يجب فى الأحداث وهو الغسل ~~. وحجة أخرى : وهو أنا رأينا هذه الأشياء التى وجبت بالتقاء الختانين إذا ~~كان بعدها الإنزال ، لم يجب للإنزال حكم ثان ، وإنما الحكم لالتقاء ~~الختانين ، ألا ترى لو أن رجلا زنا بامرأة والتقى ختاناهما ، وجب عليهما ~~الحد بذلك ، ولو أقام عليها حتى أنزل لم تجب عليه عقوبة غير الحد الذى وجب ~~عليه لالتقاء الختانين ، فكان الحكم فى ذلك هو لالتقاء الختانين لا للإنزال ~~الذى بعده ، فالنظر فى ذلك أن يكون الغسل لالتقاء الختانين لا للإنزال الذى ~~بعده ، قاله الطحاوي . PageV01P407 بسم الله الرحمن الرحيم # | 6 - كتاب الحيض # قال الله تعالى : { يسألونك عن المحيض قل هو أذى } إلى : { المتطهرين } [ ~~البقرة : 222 ] . اختلف العلماء فى تأويل هذه الآية ، فقالت طائفة : لا ~~يجوز وطء الحائض ، وإن انقطع دمها حتى تغتسل بالماء ، روى هذا عن الحسن ، ~~والنخعى ms0250 ، ومكحول ، وسليمان بن يسار ، وعكرمة ، ومجاهد ، وهو قول مالك ، ~~والليث ، والثورى ، والشافعى ، وأحمد ، وإسحاق ، وأبى ثور . واختلف العلماء ~~فى الحائض هل يجوز وطؤها إذا انقطع دمها قبل أن تغتسل أم لا ؟ فقال مالك ، ~~والليث ، والثورى ، والشافعى ، وأحمد ، وإسحاق ، وأبو ثور : لا توطأ حتى ~~تغتسل بالماء ، وهو قول الشعبى ، ومجاهد ، والحسن ، ومكحول ، وسليمان بن ~~يسار ، وعكرمة . وقال أبو حنيفة وأصحابه : إن انقطع دمها بعد عشرة أيام ، ~~الذى هو عنده أكثر الحيض ، جاز له أن يطأها قبل الغسل ، وإن انقطع دمها قبل ~~العشرة لم يجز حتى تغتسل أو يمر عليها وقت صلاة ، لأن الصلاة تجب عنده آخر ~~الوقت ، فإذا مضى عليها آخر الوقت ووجبت عليها الصلاة ، علم أن الحيض قد ~~زال ، لأن الحائض لا يجب عليها صلاة . وقال الأوزاعى : إن غسلت فرجها جاز ~~لزوجها وطؤها ، وإن PageV01P408 لم تغسله لم يجز ، وبه قالت طائفة من أصحاب ~~الحديث ، وروى مثله عن عطاء ، وطاوس ، وقتادة . واحنج أهل هذه المقالة ~~بقوله : { حتى يطهرن } [ البقرة : 222 ] أى حتى ينقطع دمهن ، فجعل تعالى ~~غاية منع قربها انقطاع دمها ، والدليل على ذلك أن الصوم قد حل لها بانقطاع ~~دمها ، فوجب أن يحل وطؤها قبل الغسل ، كالجنب يجوز مجامعتها قبل الغسل ، ~~قالوا : ولا يخلو بعد انقطاع الدم وقبل الغسل أن تكون طاهرا أو حائضا ، فإن ~~كانت حائضا فالغسل ساقط عنها ، وفى اتفاقهم أن الغسل عليها واجب بانقطاع ~~الدم دليل أنها قد طهرت من حيضتها ، والطاهر جائز وطؤها ، وقوله تعالى : { ~~فإذا تطهرن } [ البقرة : 222 ] إباحة ثانية ، وابتداء كلام غير الأول ، لأن ~~الطهر شىء والتطهير غيره ، مثال ذلك ، لو أن رجلا صائما قال لرجل : لا ~~تكلمنى حتى أفطر ، فإذا صليت المغرب كلمنى ، وإنما وقع التحريج فى المخاطبة ~~فى وقت الصوم ، لأن غاية التحريج كانت إلى الإفطار ، ثم إباحة أن يكلمه بعد ~~وجوب الإفطار وبعد أن يصلى المغربن كما أبيح وطء الحائض بعد الطهر ، وبعد ~~التطهير تأكيدا للتحليل ، غير أن قوله : { يحب التوابين ويحب المتطهرين } [ ~~البقرة : 222 ] دلالة أن الذى يأتى زوجته بعد ms0251 أن تنتظف بالماء أحمد عند ~~الله ، كمن توضأ ثلاثا ثلاثا كان أحمد ممن توضأ مرة مرة . واحتج أهل ~~المقالة الأولى ، فقالوا : الدليل على أن المراد بالآية التطهر بالماء قوله ~~تعالى : { فإذا تطهرن } [ البقرة : 222 ] فأضاف الفعل إليهن ، ولا يجوز أن ~~يعود إلى انقطاع الدم ، لأنه لا فعل لها فى قطعه ، فعلم أنه أراد التطهير ~~بالماء ، ألا ترى أنه تعالى أثنى على من فعل ذلك بقوله : PageV01P409 { إن ~~الله يحب التوابين ويحب المتطهرين } [ البقرة : 222 ] ، والثناء لا يقع إلا ~~على فعل يقع من جهتهن ، وتقدير الآية : لا تقربوهن حتى يطهرن ويتطهرن وهذا ~~كقولك : لا تعط زيدا شيئا حتى يدخل الدار ، فإذا دخل الدار وقعد فأعطه ، ~~فيقتضى ألا يستحق العطاء إلا بشرطين وهما : الدخول والقعود ، وقد يقع ~~التحريم بشىء ، ولا يزول بزواله بعلة أخرى ، كقوله فى المبتوتة : { فلا تحل ~~له من بعد حتى تنكح زوجا غيره } [ البقرة : 230 ] ، وليس بنكاح الزوج تحل ~~له حتى يطلقها الزوج ، وتعتد منه ، وكقوله - صلى الله عليه وسلم - : تمت لا ~~توطأ حامل حتى تضع ، ولا حائل حتى تحيض - ومعلوم أنها لا توطأ نفساء ولا ~~حائض حتى تطهر ، ولم تكن هاهنا تمت حتى - بمبيحة لما قام الدليل على خطره . ~~وقول أبى حنيفة لا وجه له ، وقد حكم أبو حنيفة وأصحابه للحائض بعد انقطاع ~~دمها بحكم الحائض فى العدة ، وقالوا : لزوجها عليها الرجعة ما لم تغتسل ، ~~فعلى قياس قولهم هذا لا يجب أن توطأ حتى تغتسل . قال إسماعيل بن إسحاق : ~~ولا أعلم أحدا ممن روى عنه العلم من التابعين ذكر فى ذلك وقت صلاة . ~~PageV01P410 * * * # | 1 - باب كيف كان بدء الحيض وقول الرسول : ( هذا شىء كتبه الله على بنات ~~آدم ) # وقال بعضهم : كان أول ما أرسل الحيض على بنى إسرائيل . وحديث النبى - صلى ~~الله عليه وسلم - أكثر . / 1 - فيه : عائشة خرجنا لا نرى إلا الحج ، فلما ~~كنا بسرف حضت ، فدخل على رسول الله وأنا أبكى ، قال : تمت ما لك أنفست ؟ - ~~قلت : نعم ، قال : تمت إن هذا شىء كتبه الله على بنات ms0252 آدم ، فاقضى ما يقضى ~~الحاج غير أن لا تطوفى بالبيت - الحديث . قال المؤلف : هذا الحديث يدل على ~~أن الحيض مكتوب على بنات آدم فمن بعدهن من البنات كما قال - صلى الله عليه ~~وسلم - ، وهو من أصل خلقتهن الذى فيه صلاحهن ، قال الله فى زكريا - صلى ~~الله عليه وسلم - : { فاستجبنا له ووهبنا له يحيى وأصلحنا له زوجه } [ ~~الأنبياء : 90 ] . قال أهل التأويل : يعنى رد الله إليها حيضها لتحمل ، وهو ~~من حكمة البارى الذى جعله سببا للنسل ، ألا ترى أن المرأة إذا ارتفع حيضها ~~لم تحمل ، هذه عادة لاتنخرم . قال غيره : وليس فيما أتى به من قصة زكريا ~~حجة ، لأن زكريا من أولاد بنى إسرائيل ، والحجة القاطعة فى ذلك ، قول الله ~~فى قصة إبراهيم حين بشر بالولد : { وامرأته قائمة فضحكت } [ هود : 71 ] . ~~قال قتادة : يعنى حاضت وهذا معروف فى اللغة ، يقال : ضحكت المرأة إذا حاضت ~~، وكذلك الأرنب . وإبراهيم PageV01P411 هو جد إسرائيل ، لأن إسرائيل هو ~~يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم ، ولم ينزل على بنى إسرائيل كتاب إلا على موسى ، ~~فدل ذلك على أن الحيض كان قبل بنى إسرائيل ، وحديث النبى يشهد لصحة هذا ~~التأويل ، وسيأتى تفسير قوله : تمت أنفست ؟ - فى باب من سمى النفاس حيضا ، ~~بعد هذا إن شاء الله . * * * # | 2 - باب غسل الحائض رأس زوجها وترجيله # / 2 - فيه : عائشة : كنت أرجل رأس رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأنا ~~حائض . / 3 - وفيه : عروة أنه سئل أتخدمنى الحائض ، أو تدنو منى المرأة وهي ~~جنب ؟ قال عروة : كل ذلك على هين ، وليس على أحد فى ذلك بأس ، أخبرتنى ~~عائشة ، أنها كانت ترجل رأس رسول الله وهى حائض ، ورسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - حينئذ مجاور فى المسجد ، يدنى لها رأسه ، وهى فى حجرتها . لا ~~اختلاف بين العلماء فى جواز غسل الحائض رأس زوجها وترجيله ، إلا شىء روى عن ~~ابن عباس فى ذلك . ذكر ابن أبى شيبة ، قال : حدثنا ابن عيينة ، عن منبوذ ، ~~عن أمه قالت : دخل ابن عباس على ميمونة ، فقالت : أى بنى ، مالى ms0253 أراك شعثا ~~رأسك ، قال : إن أم عمار مرجلتى حائض ، فقالت : أى بنى ، وأين الحيضة من ~~اليد ؟ كان رسول الله يضع رأسه فى حجر إحدانا وهى حائض . واستدلال عروة فى ~~ذلك حسن ، كاستدلال ميمونة ، وهو حجة فى PageV01P412 طهارة الحائض وجواز ~~مباشرتها ، وفيه دليل على أن المباشرة التى قال الله : { ولا تباشروهن ~~وأنتم عاكفون فى المساجد } [ البقرة : 187 ] لم يرد بها كل ما وقع عليه اسم ~~لمس ، وإنما أراد بها تعالى الجماع ، وما دونه من دواعى اللذة ، ألا ترى ~~أنه معتكفا فى المسجد ، ويدنى لها رأسه ترجله . تمت والجوار - هو الاعتكاف ~~. وفى الحديث حجة على الشافعى فى أن المباشرة الحقيقية مثل ما فى الحديث لا ~~تنقض الوضوء . وفيه : ترجيل الشعر للرجال وما فى معناه من الزينة . وفيه : ~~خدمة الحائض زوجها وتنظيفها له ، وقد قال - صلى الله عليه وسلم - حين طلب ~~منها الخمرة : تمت ليس حيضتك فى يدك - . وفيه : أن الحائض لا تدخل المسجد ~~تنزيها له وتعظيما . * * * # | 3 - باب قراءة الرجل في حجر امرأته وهى حائض # وكان أبو وائل يرسل خادمه وهي حائض إلى أبى رزين ، لتأتيه بالمصحف ، ~~فتمسكه بعلاقته . / 4 - فيه : عائشة قالت : كان رسول الله يتكئ فى حجرى ~~وأنا حائض ، ثم يقرأ القرآن . PageV01P413 قال المؤلف : غرض البخارى فى هذا ~~الباب أن يدل على جواز حمل الحائض المصحف ، وقراءتها للقرآن ، لأ المؤمن ~~الحافظ له أكبر أوعيته وها هو ذا - صلى الله عليه وسلم - أفضل المؤمنين ~~بنبوته وحرمة ما أودعه الله من طيب كلامه فى حجر حائض تاليا للقرآن . وقد ~~اختلف العلماء فى ذلك فمن رخص للحائض والجنب فى حمل المصحف بعلاقته ، الحكم ~~بن عيينة ، وعطاء بن أبى رباح ، وسعيد بن جبير ، وحماد بن أبى سليمان ، وهو ~~قول أهل الظاهر . واحتجوا بأن تأويل قوله : { لا يمسه إلا المطهرون } [ ~~الواقعة : 79 ] أنهم السفرة الكرام البررة ، ولو كان ذلك نهيا لقال تعالى : ~~لا يمسه . وقالوا أيضا : لما جاز للحائض والجنب حمل الدنانير والدراهم ~~وفيها ذكر الله فكذلك المصحف . واحتجوا بقوله - صلى الله عليه وسلم - : تمت ms0254 ~~المؤمن لا ينجس - ، وبكتابه - صلى الله عليه وسلم - إلى هرقل آية من القرآن ~~، ولو كان حراما ما كتب رسول الله بآى القرآن ، وهو يعلم أنهم يمسونه ~~بأيديهم وهم أنجاس ، قالوا : وقد قامت الدلالة بأن ذكر الله مطلق للجنب ~~والحائض ، وقراءة القرآن فى معنى ذكر الله ، ولا حجة تفرق بينهما . وذكر ~~ابن أبى شيبة أن سعيد بن جبير دفع المصحف بعلاقته إلى غلام له مجوسى ، ~~وأجاز الشعبى ، ومحمد بن سيرين مس المصحف على غير وضوء ، وقال جمهور ~~العلماء : لا يمس المصحف حائض PageV01P414 ولا جنب ، ولا يحمله إلا طاهر ~~غير محدث ، روى ذلك عن ابن عمر ، وهو قول مالك ، والأوزاعى ، والثورى ، ~~وأبى حنيفة ، والشافعى ، وأحمد ، وإسحاق ، وأبى ثور ، واحتج أكثرهم بقوله ~~تعالى : { لا يمسه إلا المطهرون } [ الواقعة : 79 ] ، قالوا : فلا يحمله ~~إلا طاهر ، إلا أن مالكا قال : لا بأس أن يحمله المسافر غير طاهر فى خرج أو ~~عيبة ، إذا لم يقصد لحمله ولا مسه ، ولا بأس أن يحمله اليهودي والنصرانى فى ~~القلم للضرورة ، وأرجو أن يكون إمساك الصبيان للمصاحف للتعليم على غير وضوء ~~خفيفا ، إن شاء الله . واحتج هؤلاء الذين لم يجيزوا حمل المصحف إلا للطاهر ~~بكتابه - صلى الله عليه وسلم - إلى عمرو بن حزم حين بعثه إلى اليمن : تمت ~~لا يمس المصحف إلا طاهر - وأن عائشة كانت تقرأ القرآن وهى حائض ويمسك لها ~~المصحف ولا تمسكه هى ، ولو كان إمساكها له وهى حائض كإمساك غيرها لما أمسكه ~~غيرها ، ولعرفها أحد من الصحابة أن قراءتها فيه جائز ، وسأذكر اختلافهم فى ~~قراءة الحائض ، وحجة كل فريق منهم فى باب تقضى الحائض المناسك كلها إلا ~~الطواف بالبيت ، بعد هذا إن شاء الله . * * * # | 112 - باب من سمى النفاس حيضا # / 5 - فيه : أم سلمة قالت : بينا أنا مع النبى مضطجعة في خميصة إذ حضت ~~فانسللت فأخذت ثياب حيضتى ، قال : تمت أنفست ؟ - قلت : نعم ، فدعانى ~~فاضطجعت معه فى الخميلة . PageV01P415 قال المهلب : كان حق الترجمة أن يقول ~~باب من سمى الحيض نفاسا ، فلما لم يجد البخارى للنبى نصا ms0255 فى النفساء ، وحكم ~~دمها فى المدة المختلفة ، وسمى الحيض نفاسا فى هذا الحديث ، فهم منه أن حكم ~~دم النفاس حكم دم الحيض فى ترك الصلاة ، لأنه إذا كان الحيض نفاسا وجب أن ~~يكون النفاس حيضا ، لاشتراكهما فى التسمية من جهة اللغة العربية أن الدم هو ~~النفس ، ولزم الحكم بما لم ينص عليه مما نص وحكم للنفساء بترك الصلاة ما ~~دان دمها موجودا . وقال أبو سليمان الخطابى : إنما هو تمت أنفست - بفتح ~~النون وكسر الفاء ، ومعناه حضت ، يقال : نفست المرأة إذا حاضت ونفست من ~~النفاس مضمومة النون . قال المؤلف : رواية أهل الحديث نفست بضم النون فى ~~الحيض صحيحة فى لغة العرب ، . ذكر أبو على ، عن أبى حاتم ، عن الأصمعى ، ~~قال : نفست المرأة تنفس ، فى الحيض والولادة ، وهى نفساء ونفساء . وفى كتاب ~~الأفعال : نفست ونفست لغتان من النفاس . * * * # | 5 - باب مباشرة الحائض # / 6 - فيه : عائشة قالت : كنت أغتسل أنا والنبى من إناء واحد كلانا جنب ، ~~وكان يأمرنى فأتزر ، فيباشرنى ، وأنا حائض . / 7 - وقالت مرة : كانت إحدانا ~~إذا كانت حائضا وأراد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يباشرها أمرها ~~أن تتزر فى ثوب حيضتها ، ثم يباشرها . قالت : وأيكم يملك إربه كما كان ~~النبى - صلى الله عليه وسلم - يملك إربه ؟ . PageV01P416 / 8 - وفيه : ~~ميمونة : كان رسول الله إذا أراد أن يباشر امرأة من نسائه أمرها فاتزرت ، ~~وهى حائض . اختلف العلماء فى مباشرة الحائض ، فقال مالك ، والأوزاعى ، وأبو ~~حنيفة ، وأبو يوسف ، والشافعى : له منها ما فوق الإزار ، ولا يقرب ما دون ~~الإزار ، وهو ما دون الركبة إلى الفرج ، وهو قول سعيد بن المسيب ، وسالم ، ~~والقاسم ، وطاوس ، وشريح ، وقتادة ، وسليمان ابن يسار . وحجة أهل هذه ~~المقالة ظاهر حديث عائشة وميمونة ، لأنه لو كان الممنوع منها موضع الدم فقط ~~لم يقل لها - صلى الله عليه وسلم - : تمت شدى عليك إزارك - لأنه لا يخاف ~~منه - صلى الله عليه وسلم - التعرض لمكان الدم الممنوع ، لملكه لإربه ، ~~ولكنه امتنع مما قارب الموضع الممنوع ، لأنه من دواعيه ، وقد جاء فى ~~الشريعة ms0256 المنع من دواعى الشىء المحرم لغلظه ، من ذلك : الخطبة فى العدة ، ~~ونكاح المحرم ، وتطيبه ، لأن ذلك يدعو إلى شهوة الجماع المفسد للحج ، وحكم ~~لما قرب من الفأرة من السمن بحكم الفأرة ، وقال - صلى الله عليه وسلم - : ~~تمت من رتع حول الحمى يوشك أن يواقعه - وقالت طائفة : يجوز له أن يستمع ~~منها بما دون الفرج ، روى هذا عن ابن عباس ، ومسروق ، والنخعى ، والشعبى ، ~~والحكم ، وعكرمة ، وهو قول الثورى ، ومحمد بن الحسن ، وبعض أصحاب الشافعى ، ~~وأحمد ، وإسحاق ، وأصبغ بن الفرج . واحتجوا بما رواه أيوب ، عن أبى معشر ، ~~عن النخعى ، عن مسروق ، قال : سألت عائشة ، رضى الله عنها ، ما يحل لى من ~~امرأتى وهى حائض ؟ قالت : كل شىء إلا الفرج . فلما منع من الإيلاج فى الفرج ~~لم يمنع مما قاربه . PageV01P417 واحتجوا أيضا بما رواه الأعمش ، عن ثابت ~~بن عبيد ، عن القاسم ، عن عاشة ، أن النبى قال لها : تمت ناولينى الخمرة - ~~قلت : إنى حائض ، قال : تمت إن حيضتك ليست فى يدك - فبان أن كل موضع لا ~~يكون موضعا للحيض لا يتعلق به حكم الحيض . وقال الطحاوى : لما كان الجماع ~~فى الفرج يوجب الحد ، والمهر والغسل ، ورأينا الجماع فى غيره لا يوجب شيئا ~~من ذلك ، دل أن الجماع فيما دون الفرج تحت الإزار أشبه بالجماع فوق الإزار ~~منه بالجماع فى الفرج ، وثبت أن ما دون الفرج مباح . وفى حديث عائشة ~~وميمونة من الفقه بيان قول الله : { فاعتزلوا النساء فى المحيض } [ البقرة ~~: 222 ] أن المراد به الجماع ، لا المؤاكلة ، ولا الاضطجاع فى ثوب واحد ~~وشبهه ، ورفع الله عنا الإصر الذى كان على بنى إسرائيل فى ذلك ، وذلك أن ~~المرأة منهن كانت إذا حاضت أخروها عن البيت ، ولم يؤاكلوها ، ولم يشاربوها ~~، فسئل عن ذلك النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، فأنزل الله تعالى : { ~~يسألونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء فى المحيض } [ البقرة : 222 ] ~~فقال النبى : تمت جالسوهن فى البيوت ، واصنعوا كل شىء إلا النكاح - . رواه ~~حماد بن سلمة ، عن ثابت ، عن أنس . * * * # | 6 - باب ترك الحائض ms0257 الصوم # / 9 - فيه : أبو سعيد ، قال : خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فى ~~أضحى ، أو فطر ، إلى المصلى ، فمر على النساء ، فقال : تمت يا معشر النساء ~~تصدقن فإنى PageV01P418 أريتكن أكثر أهل النار - قلن : ولم يا رسول الله ؟ ~~قال : تمت تكثرن اللعن ، وتكفرن العشير ، ما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهب ~~للب الرجل الحازم من إحداكن - ، قلن : وما نقصان ديننا وعقلنا يا رسول الله ~~؟ قال : تمت أليس شهادة المرأة مثل نصف شهادة الرجل ؟ - قلن : بلى ، قال : ~~تمت فذلك من نقصان عقلها - قال : تمت أليس إذا حاضت لم تصل ولم تصم ؟ - قلن ~~: بلى ، قال : تمت فذلك من نقصان دينها - . قال المؤلف : قوله - صلى الله ~~عليه وسلم - : تمت أليس إذا حاضت لم تصل ، ولم تصم - نص أن الحائض يسقط ~~عنها فرض الصلاة ، ولا يجوز لها الصوم فى أيام حيضها ، والأمة على ذلك ، ~~وأجمعوا أن عليها قضاء ما تركت من الصيام ، ولا قضاء عليها للصلاة ، إلا ~~طائفة من الخوارج يرون عليها قضاء الصلاة ، وعلماء الأمة من السلف والخلف ~~على خلافهم . وفيه : خروج النساء إلى العيدين . وفيه : الشفاعة للمساكين ~~وغيرهم أن يسأل لهم . وفيه : حجة على من كره السؤال لغيره . قال المهلب : ~~وفيه أن على الخطيب فى العيدين أن يفرد النساء باللقاء لهن والموعظة ، ~~ويخبرهن بما يخصهن من تقوى الله ، والنهى عن كفران العشير ، وما يلزمهن من ~~ذلك ، إذا لم يمكنه إسماعهن ، فحينئذ يمر بهن ويعظهن بالكلمة والكلمتين فى ~~موضعهن ، كما فعل النبى . وفيه : دليل أن الصدقة تكفر الذنوب التى بين ~~المخلوقين . PageV01P419 وفيه : دليل أن الكلام القبيح من اللعن والسخط مما ~~يعذب الله عليه . وفيه : أن للعالم أن يكلم من دونه من المتعلمين بكلام ~~يكون عليهم فيه بعض الشدة والتنقيص فى العقل . وقال غيره : مقابلة الجماعة ~~بالوعظ تسهل فيه الشدة ، لأنه يسليهم شموله لجماعتهم ، وكذلك فعل النبى ~~بالنساء ، لم يخص منهن واحدة ، وإنما قابل جماعتهن ، وكذلك الواعظ والخطيب ~~له أن يشتد فى وعظه للجماعة ، ولا يقابل واحدا بعينه بالشدة ، بل يلين له ~~ويرفق به ms0258 . وفى هذا الحديث ترك العتب للرجل أن تغلب محبة أهله عليه ، لأن ~~النبى - صلى الله عليه وسلم - قد عذره ، بقوله : تمت ما رأيت من ناقصات عقل ~~ودين أغلب للب الرجل الحازم منكن - فإذا كن يغلبن الحازم فما الظن بغيره . ~~* * * # | 7 - باب تقضى الحائض المناسك كلها إلا الطواف بالبيت # وقال إبراهيم : لا بأس أن تقرأ الآية ، ولم ير ابن عباس بالقراءة للجنب ~~بأسا . وكان الرسول يذكر الله على كل أحيانه ، وقالت أم عطية : كنا نؤمر أن ~~نخرج الحيض ، فيكبرن بتكبيرهم ويدعون ، وقال ابن عباس : أخبرنى أبو سفيان ~~أن هرقل دعا بكتاب النبى - PageV01P420 صلى الله عليه وسلم - فقرأ فإذا فيه ~~: بسم الله الرحمن الرحيم و : { قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة } [ آل ~~عمران : 64 ] الآية . قال عطاء عن جابر : حاضت عائشة ، فنسكت المناسك كلها ~~غير الطواف بالبيت ، ولا تصلى . وقال الحكم : إنى لأذبح وأنا جنب . وقال ~~الله : { ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه } [ الأنعام : 121 ] . / 10 ~~- فيه : عائشة : أنها حاضت بسرف ، فقال لها النبى - صلى الله عليه وسلم - : ~~تمت إن ذلك شىء كتبه الله على بنات آدم ، فافعلى ما يفعل الحاج غير أن لا ~~تطوفى بالبيت حتى تطهرى - . قال المؤلف : هذا الباب كله مبنى على مذهب من ~~إجاز للحائض والجنب تلاوة القرآن ، وهو قول حماد بن أبى سفيان ، والحكم بن ~~عتيبة ، وأهل الظاهر . وقال إبراهيم النخعى : لا بأس أن يقرأ الجنب والحائض ~~الآية ونحوها ، وأجاز عكرمة للجنب أن يقرأ ، وليس له أن يتم سورة كاملة ، ~~ذكره الطبرى . واختلف قول مالك فى قراءة الحائض ، فروى عنه ابن القاسم ~~وغيره إباحة الحائض أن تقرأ ما شاءت من القرآن ، وروى عنه ابن عبد الحكم ~~منعها من ذلك إلا الآية والآيتين . ومنعها أبو حنيفة ، والشافعى ، وأحمد ، ~~وأبو ثور من قليله PageV01P421 وكثيره ، وروى مثله عن جابر ابن عبد الله ، ~~وعن عطاء ، وأبى العالية ، وسعيد بن جبير ، والزهرى . وكذلك اختلف قول مالك ~~فى قراءة الجنب ، فروى عنه ابن القاسم أنه يقرأ الآية والاثنتين للارتباع ~~وشبهه ms0259 ، وذكر ابن شعبان ، عن مالك ، قال : إنه ليأخذ بنفسى أن يقرأ الجنب ~~القرآن . وقال الأوزاعى : لا يقرأ الجنب إلا آية الركوب ، وآية النزول : ~~تمت سبحان الذى سخر لنا هذا } [ الزخرف : 13 ] الآية ، { وقل رب أنزلنى ~~منزلا مباركا } [ المؤمنون : 29 ] الآية . وقال أبو حنيفة : لا يقرأ الجنب ~~إلا بعض آية ، ومنعه الشافعى قليله وكثيره . وأما اختلاف السلف فى ذلك فروى ~~عن جابر أن الحائض لا تقرأ القرآن ، وهو قول أبى العالية ، وعطاء ، وسعيد ~~بن جبير ، والزهرى ، وروى عن عمر بن الخطاب ، وعلى بن أبى طالب ، وجابر أنه ~~لا يقرأ الجنب القرآن ، وهو قول أبى وائل . وحجة الذين كرهوا ذلك ، ما رواه ~~موسى بن عقبة ، عن نافع ، عن ابن عمر أن النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، ~~قال : تمت لا يقرأ الجنب والحائض شيئا من القرآن - . واحتج من منع الجنب ~~بما رواه شعبة ، عن عمرو بن مرة ، عن عبد الله بن سلمة ، عن على ، قال : لم ~~يكن النبى - صلى الله عليه وسلم - يحجبه عن القرآن شىء غير الجنابة . ~~PageV01P422 واحتج الذين أجازوا ذلك بأن ابن عباس كان يقرأ ورده وهو جنب ، ~~فقيل له فى ذلك ، فقال : ما فى جوفى أكثر منه . وقال حماد : سألت ابن ~~المسيب أيقرأ الجنب القرآن ؟ قال : أليس فى جوفه ؟ . وبما رواه عبادة بن ~~نسى ، عن عبد الرحمن بن غنم أنه سأل معاذ بن جبل أيقرأ الجنب القرآن ؟ قال ~~: نعم ، إن شاء ، قلت : والحائض والنفساء ؟ قال : نعم ، لا يدعن أحد ذكر ~~الله ، وتلاوة كتابه على حال ، قلت : فإن الناس يكرهونه ، قال : من كرهه ~~فإنما كرهه تنزها ، ومن نهى عنه فإنما يقول بغير علم ، ما نهى رسول الله عن ~~شىء من ذلك . قال الطبرى : واعتلوا من طريق النظر بأن تلاوة القرآن قد ندب ~~إليها الناس كما ندبوا إلى ذكر الله والتسبيح والتهليل ، قالوا : وقد قامت ~~الدلالة بأن ذكر الله مطلق للجنب والحائض ، قالوا : وقراءة القرآن فى معنى ~~ذلك فى أنها مطلقة لهما ، إذ لا حجة تفرق بين ذلك . قال الطبرى : والصواب ~~عندنا ms0260 فى ذلك ما روى عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه كان يقرأ القرآن ما لم ~~يكن جنبا ، وخبر عائشة أنه - صلى الله عليه وسلم - كان يذكر الله على كل ~~أحيانه ، فإن قراءته القرآن طاهرا كان اختيارا منه لأفضل الحالتين ، والحال ~~التى كان يذكر الله فيها ويقرأ القرآن غير طاهر ، فإن ذلك كان تعليما منه ~~أن ذلك جائز لهم وغير محظور عليهم ذكر الله وتلاوة القرآن ، إذ بعثه الله ~~إلى خلقه معلما وهاديا ، غير أنى أستحب له أن يقرأ القرآن على أتم أحوال ~~الطهارة ، PageV01P423 وليس ذلك وإن أحببته بواجب ، لأن الله لم يوجب فرض ~~الطهارة على عبادة المؤمنين إلا إذا قاموا إلى الصلاة . قال المهلب : فى ~~شهود الحائض المناسك كلها وتكبيرها فى العيدين دليل على جواز قراءتها ~~للقرآن ، لأنه من السنة ذكر الله فى المناسك ، وفى كتابه إلى هرقل بآية من ~~القرآن دليل على ذلك ، وعلى جواز حمل الحائض والجنب القرآن ، لأنه لو كان ~~حراما لم يكتب النبى إليهم بآى من القرآن ، وهو يعلم أنه يمسونه بأيديهم ~~وهم أنجاس ، لكن القرآن وإن كان لا يلحقه أذى ، ولا تناله نجاسة ، فالواجب ~~تنزيهه وترفيعه عمن لم يكن على أكمل أحوال الطهارة ، لقوله تعالى : { فى ~~صحف مكرمة مرفوعة مطهرة } [ عبس : 13 ، 14 ] ، فلم يكن إطهاره تكريمه ~~وترفيعه ما ظهر ملك مكرم الصحف التى وصفها الله تعالى بالطهارة ، كما أراك ~~فى رواية القاسم أن قوله تعالى : { لا يمسه إلا المطهرون } [ الواقعة : 79 ~~] ليس بمعنى الإلزام والحتم بل بمعنى الأدب والتوقير ، وأباح للحائض قراءة ~~القرآن لطول أمرها ، وكرهه للجنب إلا الشىء اليسير ، لقرب أمره . * * * # | 8 - باب الاستحاضة # / 11 - فيه : عائشة أن فاطمة بنت أبى حبيش قالت : يا رسول الله ، إنى لا ~~أطهر ، أفأدع الصلاة ؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : تمت إنما ~~ذلك عرق وليس بالحيضة ، فإذا أقبلت الحيضة ، فاتركى الصلاة ، فإذا ذهب ~~قدرها ، فاغسلى عنك الدم وصلى - . PageV01P424 قال ابن القصار : فى هذا ~~الحديث حجة لمالك والشافعى فى أن المستحاضة إذا ميزت دم الحيض من ms0261 دم ~~الاستحاضة أنها تعتبر الدم وتعمل على إقباله وإدباره ، فإذا أقبلت الحيضة ~~تركت الصلاة ، وإذا أدبرت اغتسلت وصلت . وقال أبو حنيفة : إنما تعمل على ~~عدد الليالى والأيام ، واحتج بحديث أبى أسامة ، عن هشام بن عروة ، عن عائشة ~~، أن النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، قال لفاطمة بنت أبى حبيش : تمت إنما ~~ذلك عرق ، ولكن دعى الصلاة قدر الأيام التى كنت تحيضين فيها ، ثم اغتسلى ~~وصلى - . وقد روى : تمت دعى الصلاة قدر أقرائك - ، واحتج أيضا بحديث سليمان ~~بن يسار ، عن أم سلمة ، أن امرأة كانت تهراق الدماء على عهد رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - فاستفتت لها أم سلمة رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- ، فقال : تمت لتنظر عدد الليالى والأيام التى كانت تحيضهن من الشهر قبل ~~أن يصيبها الدم الذى أصابها ، فلتترك الصلاة قدر ذلك الشهر - . قالوا : ~~فردها - صلى الله عليه وسلم - إلى الأيام ، وتركوا حديث مالك ، عن هشام بن ~~عروة الذى فيه اعتبار الدم ، وهو يرد قولهم ، ويدل أن الأيام لا حكم لها ~~بمجردها ، وإنما لها حكم مع الدم ، فيجب أن يدار معه حيث دار ، لأنه لا ~~يقول لها : تمت إنما ذلك عرق ، وليس بالحيضة ، وإذا أقبلت الحيضة فدعى ~~الصلاة - ، إلا وهى عارقة بالحيضة ، فإذا ميزتها عملت على إقبال الدم ~~وإدباره ، وكذلك قوله - صلى الله عليه وسلم - لفاطمة : تمت دعى الصلاة أيام ~~أقرائك - ، الذى احتج به أبو حنيفة فى مراعاة الأيام PageV01P425 والليالى ~~، حجة عليه أيضا ، لأنه - صلى الله عليه وسلم - قال لها : تمت دعى الصلاة ~~أيام أقرائك - ، فدل أنها كانت مميزة ، فأحالها على أيام أقرائها التى ~~تعرفها مع وجود الدم الذى لا تعرفه ، لأنه لما قال : أيام حيضتك ، أو أيام ~~أقرائك ، فلابد أن تكون عرفت الحيض بلونه ورائحته ، وإلا كان مشكلا ، لأنها ~~سألت عن الزائد على دمها هل هو حيض أو غيره ، ولو أراد أيام حيضتك فيما مضى ~~، لكان أيضا مشكلا إن لم تكن تعرف دم الحيض وتميزه ، فإنما أحالها على حيض ~~تعرفه ، وقد يمكن أن تكون هذه المرأة لها ms0262 تمييز وظنت مع التمييز أنه إذا ~~انقطع عنها دم الحيض بعد أيامها وتغير أن حكمها واحد فى ترك الصلاة ، ~~فأعلمها أنه إذا تغير بعد تقضى أيامها التى كانت تحيضها أنها تغتسل وتصلى ، ~~وأنها إذا رأت الدم الذى تعرفه فى تلك الأيام أنها تترك الصلاة . هذا قول ~~ابن القصار ، قال : ويحتمل أن يكون قوله فى حديث مالك ، عن هشام بن عروة : ~~تمت إذا أقبلت الحيضة ، فدعى الصلاة - ، فى امرأة لها تمييز ، وقوله : تمت ~~لتنظر عدد الأيام والليالى - ، فى امرأة لا تمييز لها ، فيكون الحديثان فى ~~امرأتين مختلفتى الأحوال . قال المؤلف : وهذا يشبه قول الكوفيين ، لأن ~~الكوفيين يقولون : إذا لم تميز دم الحيض من دم الاستحاضة فإنها تترك الصلاة ~~عدد أيام حيضتها المعروفة إن كان لها أيام ، وإن لم تكن لها أيام فعدة عشرة ~~أيام ، الذى هو عند أبى حنيفة أكثر الحيض ، ثم تكون مستحاضة ، تصوم وتصلى ، ~~ويأتيها زوجها ، حتى تأتى على مثل أيامها من الشهر المستقبل ، فتترك الصلاة ~~عددها ، ثم هى مستحاضة ، ثم لا تزال تفعل ذلك فى كل شهر ، ولا تراعى تغير ~~الدم . وعند مالك إذا لم تميز إقبال الدم وإدباره ، فهى - قبل : تقضى أكثره ~~، تقعد إلى أكثر أيامها المعروفة إن كان لها أيام ، أو قعدت PageV01P426 ~~خمسة عشر يوما ، الذى هو أكثر الحيض - وبعد ذلك تصلى أبدا ، وإن طال ~~انتظارها لأن دمها دم عرق حتى يتغير إلى دم الحيض ، ولا تشك فيه فتعمل على ~~إقباله وإدباره ، وهذا قول الكوفيين الذين يراعون الأيام أيضا ، فيمن لم ~~تميز دم الحيض من دم الاستحاضة ، ولا يراعون الدم ، ووافقهم الشافعى ، وعند ~~مالك أنه لابد من مراعاة الدم مع مقدار الأيام سواء ميزت دم الحيض من دم ~~الاستحاضة أو لم تميزه ، فإن ميزته عملت على إقبال الدم وإدباره سواء كان ~~قبل تقضى مدة أكثر الحيض ، أو بعده ، فإن لم تميزه فهى قبل تقضى أكثره تقصد ~~إلى الكثرة ، وبعد ذلك تصلى أبدا حتى ترى دما لا شك فيه ، فتعمل على إقباله ~~وإدباره . والدليل على أن لفظ ms0263 الحديثين ، وإن كان مختلفا فهو فى امرأة ~~واحدة فى حالة واحدة ، أن فاطمة هذه سألت النبى - صلى الله عليه وسلم - لما ~~تمادى الدم بها وجاز أيام حيضتها المعروفة ، فقال لها : إن دمك ليس دم حيض ~~، وإنما هو دم عرق ، ودم العرق لا يوجب حكما ، فإذا أقبلت الحيضة وميزت ~~دمها بلونه ورائحته فدعى الصلاة ، لأنه لا يقول لها ذلك إلا وهى عارفة ~~بالحيضة ، وكذلك قوله : تمت إذا أدبرت - ، لا يقوله إلا للمميزة لدم ~~الاستحاضة من دم الحيضة ، ثم لما تمادى بها الدم ، سألته سؤالا ثانيا ، ~~ليزيدها شفاء فى مقدار جلوسها ، إذ لم يكن فى جوابها الآخر ، فى رواية مالك ~~عن هشام ، مقدار الأيام التى تجلسها ، وإنما كان فيه اعتبار الدم خاصة ، ~~فأرادت الاستثبات فى أمرها ، إذ قد يمكن أن يطول ذلك الدم بها ، فقال لها : ~~تمت دعى الصلاة قدر الأيام التى كنت تحيضين فيها - ، فأخبرها بمقدار مدة ~~الأيام ، PageV01P427 وقد كان أمرها مرة أخرى أن تعمل على إقبال دم الحيض ~~وإدباره ، فوجب اعتبار تغير الدم ، واعتبار قدر الأيام ، واستعمال الحديثين ~~جميعا إذ كان كل واحد منهما يبين معنى صاحبه ولا يخالفه . وإن قيل : كيف ~~يعتبر قدر الأيام ؟ . قيل : وجه ذلك ، والله أعلم ، لو أن امرأة كانت تحيض ~~عن رأس كل هلال ثمانية أيام ، فأطبق عليها الدم ولم ينقطع عنها ، فإنا نقول ~~لها : صلى حتى ترى دما تنكرينه ، فإن رأت الدم المنكر قبل رأس الهلال ~~بثلاثة أيام أو أربعة احتسبت بتلك الأيام ، وجلست عن الصلاة تمام ثمانية ~~أيام على ما كانت تعتاده ، وهكذا تفعل أيضا إن تغير الدم بعد رأس الهلال ~~بأيام ، فإن بقى الدم بحاله لم تترك الصلاة ، لأن دمها دم عرق ، وإنما ~~تعتبر أبدا تغير الدم مع مقدار الأيام . ومما يدل على صحة ما قلنا ، أن ~~الحديثين وإن اختلف لفظ الجواب فيهما عن النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، ~~فى امرأة واحدة وقصة واحدة أن حديث سليمان بن يسار ، عن أم سلمة ، أن امرأة ~~كانت تهراق الدماء فاستفتت لها أم سلمة رسول ms0264 الله - صلى الله عليه وسلم - . ~~إنما كان فى قصة فاطمة بنت أبى حبيش ، وأنها كانت تسأل عن حالها أبدا ~~بنفسها ، وتبعث غيرها على السؤال رغبة فى الاستثبات ، وتزيد اليقين فى ~~أمرها ويدل على ذلك ما رواه الحميدى عن سفيان بن عيينة ، قال : حدثنا أبو ~~أيوب السختيانى ، عن سليمان بن يسار ، أنه سمعه يحدث عن أم سلمة أنها قالت ~~: كانت فاطمة بنت أبى حبيش تستحاض ، فسألت النبى - صلى الله عليه وسلم - ، ~~فقال : تمت إنه ليس بالحيضة ، ولكنه عرق ، PageV01P428 وأمرها أن تدع ~~الصلاة قدر أقرائها ، أو قدر حيضتها ، ثم تغتسل . وهذا يدل أن قدر الدم أو ~~قدر أيام الدم واحد فى المعنى ، لأن القرء اسم للدم واسم للوقت ، وأن أم ~~سلمة فهمت ذلك فى جواب واحد ، فى مسألة واحدة . واختلفوا فى مقدار المدة ~~التى تترك فيها المستحاضة الصلاة ، فأما المبتدأة فى الحيض يتمادى بها الدم ~~، ففى رواية المدونة عن مالك أنها تقعد خمسة عشر يوما ثم تصلى ، وروى عن ~~على بن زياد عن مالك أنها تقعد أيام لداتها ، ثم هى مستحاضة . وحكى ابن ~~حبيب أن قول مالك اختلف فيها ، فقال مرة : تقعد خمسة عشر يوما ، وأخذ به ~~الأكابر من أصحابه : المغيرة ، وابن دينار ، وابن أبى حازم ، ومطرف ، وابن ~~الماجشون ، وابن نافع . وقال بعد مالك : تقعد قدر أيام لداتها ، وأخذ به : ~~ابن كنانة ، وابن وهب ، وابن القاسم ، وأشهب ، وابن عبد الحكم ، وأصبغ . ~~قال ابن حبيب : ثم اختلفوا فى الاستطهار على أيام لداتها ، فقال ابن كنانة ~~وأصبغ : تستطهر على أيام لداتها بثلاثة أيام ، وقال ابن القاسم : لا تستطهر ~~، والمعروف عن ابن القاسم خلاف ما حكاه ابن حبيب . وقد حكى أبو الفرج أن ~~ابن القاسم روى عن مالك فى المبتدأة بالدم أنها تقعد أيام لداتها ، ثم ~~تستطهر بثلاثة أيام كاستطهار التى لها أيام معروفة . PageV01P429 وقال ~~الكوفيون والشافعى : إذا استمر بالمبتدأة الدم تدع الصلاة عشرا ، ثم تغتسل ~~وتصلى عشرين يوما ، ولا تزال تفعل ذلك كل شهر حتى ينقطع عنها الدم ، ~~واحتجوا بما رواه الخالد ابن أيوب ms0265 ، عن أنس ، قال : أقل الحيض ثلاثة ، ~~وأكثره عشرة . وهذا لا حجة فيه لأن الخالد ابن أيوب مجهول ، ولا يعتد بنقله ~~. وقال الأوزاعى : تقعد كما تقعد نساؤها : أمها ، وخالتها ، وعمتها ، ثم هى ~~بعد ذلك مستحاضة ، فإن لم تعرف أقراء نسائها ، فلتقعد على أقراء النساء ~~سبعة أيام ، ثم تغتسل وتصلى وهى مستحاضة ، وبه قال أحمد ، وإسحاق ، وهو أحد ~~قولى الشافعى . فإن كانت المرأة ممن قد حاضت ، ولها أيام متفقة لم تختلف ، ~~فإن قول مالك اختلف فيها إذا تمادى بها الدم ، فكان أول قوله : أنها تقعد ~~خمسة عشر يوما ، وبه أخذ الأكابر من أصحابه الذين ذكرنا أولا ، ثم رجع فقال ~~: تستطهر على أيامها بثلاث ما لم تجاوز خمسة عشر يوما ، وأخذ به : ابن ~~كنانة ، وابن وهب ، وابن القاسم ، وأشهب ، وابن عبد الحكم ، وأصبغ . فإن ~~اختلفت أيامها ، فقال ابن القاسم ، ومن قال معه بالاستطهار : أنها تستطهر ~~على أكثر أيامها ، حاشا أصبغ ، فإنه قال : على أقلها . فإن أطبق عليها الدم ~~، ولم ينقطع عنها ، فإنها تغتسل بعد خمسة عشر يوما على قول مالك الأول من ~~بعد أيامها ، والاستطهار بثلاث على قوله الآخر ، ثم تصلى ، وتصوم ، ويأتيها ~~زوجها ، ودمها دم عرق حتى يتغير إلى دم الحيض . والنساء يعرفنه بلونه ~~ورائحته . فإذا تغير دم الاستحاضة إلى دم الحيض ، وتمادى بها الدم المتغير ~~، ففى المستخرجة روى عيسى ، عن ابن القاسم ، أنها تستطهر بثلاثة أيام على ~~مقدار أيامها المعهودة ، وقاله ابن الماجشون . PageV01P430 وروى أصبغ عن ~~ابن القاسم أنها تجلس مقدار أيامها المعهودة ولا تستطهر بشىء ، وفى العتبية ~~عن ابن القاسم أنها تستطهر مقدار أيامها إذا كان لون دمها متغيرا ، وأما إن ~~انقطع التغير قبل تمام أيام حيضتها المعهودة ، وعاد إلى دم الاستحاضة ، ~~فإنها تغتسل حينئذ ، ويكون بمنزلة من انقطع دمها ، وهو قول أصحاب مالك كلهم ~~إلا أصبغ ، فإن ابن مزين حكى عنه أنه إذا تغير دمها إلى الحيض قبل تمام ~~أيامها ، ثم عاد بعد ذلك إلى دم الاستحاضة ، فإنها تقعد مقدار أيامها تلفق ~~من أيام الاستحاضة مع أيام الدم المتغير ms0266 مقدار أيام حيضتها المعهودة ، وهذا ~~خلاف الحديث ، لأن النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، أمر فاطمة إذا أدبرت ~~الحيضة ، وأقبل دم الاستحاضة ، أنها تغتسل وتصلى . قال ابن حبيب : وإنما ~~انتهى فى أكثر الحيض إلى خمسة عشر يوما من أجل أنه يقال : أكثر ما تدع ~~المرأة الصلاة نصف عمرها ، أخبرنى بذلك مطرف ، وقد روى ذلك عن النبى - صلى ~~الله عليه وسلم - . ودفع الكوفيون والشافعى الاستطهار ، واحتجوا بقوله ~~لفاطمة : تمت دعى الصلاة عدد الأيام التى كنت تحيضين فيها ، ثم اغتسلى - . ~~فأمرها بالغسل بعد أيامها المعروفة ، ولم يأمرها بالاستطهار ، ولا بالزيادة ~~على أيام حيضتها ، قالوا : فالسنة تنفى الاستطهار ، لأن دمها جائز أن يكون ~~حيضة ، وجائز أن يكون استحاضة ، والصلاة فرض بيقين ، PageV01P431 فلا يجوز ~~أن تدعها حتى تتيقن أنها حائض ، قالوا : وقد قال مالك ما يدل على ذلك ، قال ~~: لأن تصلى المستحاضة وليست عليها ، خير من أن تدع الصلاة ، وهى واجبة ~~عليها . وروى ابن وهب عن مالك ، قال : إنا لنقول : تستطهر الحائض ، وما ~~ندرى أحق هو أم لا ، ذكره ابن المواز . واختلفوا فى المستحاضة تترك الصلاة ~~أيام استحاضتها جاهلة ، أو متأولة ، فروى أبو زيد عن ابن القاسم : إنها إذا ~~تركت الصلاة جاهلة ، أنها لا تعيدها ولو أعادتها كان أحب إلى . وقال ابن ~~شعبان : إذا تركت المستحاضة الصلاة شهرا تظنه حيضا أنه لا قضاء عليها ، ~~وكذلك النفساء لو طال بها الدم ثلاثة أشهر ، وظنت أنه دم نفاس . وأنكر ~~سحنون هذا من قول ابن القاسم ، وقال : عليها الإعادة ، وقال : لا يعذر أحد ~~فى الصلاة بالجهل ، وبهذا قال : أبو حنيفة ، والشافعى . واحتج أبو عبد الله ~~بن أبى صفرة لقول ابن القاسم أنه لا إعادة عليها بحديث فاطمة بنت أبى حبيش ~~، فقال : ألا ترى قولها : إنى لا أطهر ، أفأدع الصلاة ؟ . فدل ذلك أنه طال ~~انتظارها للدم حتى تفاحش عليها ، وهى فى ذلك تاركة الصلاة ، فقالت للنبى - ~~صلى الله عليه وسلم - : إنى لا أطهر ، أفأدع الصلاة ؟ فقال : تمت إنما ذلك ~~عرق - ، ولم يأمرها بإعادة ما تركته من الصلوات فى أول ms0267 انتظارها . وقال ~~غيره : بل حديث فاطمة هذا يدل أن عليها الإعادة ، لأنها إنما قالت للنبى - ~~صلى الله عليه وسلم - : إنى لا أطهر أفأدع الصلاة ؟ فدل أنها كانت مصلية ~~PageV01P432 تلك الأيام ، لأنها لا تقول : أفأدع الصلاة إلا من هى فاعلة ~~للصلاة وغير تاركة لها ، إلا أنه لما تمادى بها الدم ، خشيت أن يكون حيضا ، ~~فسألت النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، هل تتمادى على ما كانت عليه من ~~التزام الصلاة أم هل تتركها ؟ فأجابها - صلى الله عليه وسلم - بجواب دل على ~~أنها لو تركتها لكان عليها قضاؤها ، وذلك قوله : تمت ولكن دعى الصلاة قدر ~~الأيام التى كنت تحيضين فيها ، ثم اغتسلى وصلى - . فدل أنه لا تسقط الصلاة ~~عنها إلا فى مقدار أيام حيضتها خاصة . وأما قوله - صلى الله عليه وسلم - : ~~تمت فاغسلى عنك الدم وصلى - . فإن العلماء مجمعون على أن المستحاضة تغتسل ~~عند إدبار الحيضة ، ودل أيضا هذا الحديث أن المستحاضة لا يلزمها الوضوء عند ~~كل صلاة ، ولا يلزمها غير ذلك الغسل ، لأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- لم يأمرها بغيره ، ولو لزمها غيره لأمرها به ، وفى ذلك رد على من رأى ~~عليها الغسل لكل صلاة ، ولقول من رأى عليها أن تجمع بين صلاتى النهار بغسل ~~واحد ، وبين صلاتى الليل بغسل واحد ، وتغتسل للصبح ، لأن رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - لم يأمرها بشىء من ذلك كله فى حديث هشام بن عروة ، وهو ~~أصح ما فى هذا الباب . وأما مذاهب العلماء فى ذلك : فإن طائفة منهم ذهبت ~~إلى أنه يجب على المستحاضة الغسل لكل صلاة ، ورووا فى ذلك آثارا عن النبى ، ~~- صلى الله عليه وسلم - ، وروى هذا عن على ، وابن عباس ، وابن الزبير ، ~~وقالوا : لا يأتى عليها وقت صلاة إلا وهى شاكة هل هى طاهر ، أو حائض ؟ . ~~فوجب عليها الغسل لكل صلاة . PageV01P433 وعن سعيد بن جبير مثله ، وقال ~~آخرون : يجب عليها أن تغتسل للظهر والعصر غسلا واحدا ، وللمغرب والعشاء ~~غسلا واحدا ، وللصبح غسلا واحدا ، ورووا بذلك آثارا . وروى عن على ، وابن ms0268 ~~عباس مثل ذلك ، وهو قول النخعى ، وقال آخرون : تغتسل كل يوم مرة أى وقت ~~شاءت ، وروى ذلك عن على . وقال آخرون : تغتسل من طهر إلى طهر ، هذا قول ابن ~~عمر ، وأنس ، وعن الحسن ، وعطاء ، وسالم ، وسعيد بن المسيب مثله . وقد روى ~~عن ابن المسيب أنها لا تغتسل إلا من طهر إلى طهر ، وهو انقضاء أيام دمها ، ~~أو تمييز إقبال استحاضتها ، وهو قول مالك ، وسائر فقهاء الأمصار ، إلا أنهم ~~اختلفوا ، هل تتوضأ لكل صلاة بعد الغسل ؟ فذهب الثورى ، وأبو حنيفة ، ~~والليث ، والأوزاعى ، والشافعى ، إلى أنها تغتسل غسلا واحدا عند إدبار ~~حيضتها أو إقبال استحاضتها ، ثم تغسل عنها الدم ، وتتوضأ لكل صلاة . ~~واحتجوا بما رواه حماد بن سلمة ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة ، ~~فى حديث فاطمة بنت أبى حبيش ، أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - قال لها : ~~تمت فإذا ذهب قدرها فاغسلى عند الدم ، وتوضئ وصلى - . قالوا : وهذه زيادة ~~لحماد بن سلمة ، عن هشام بن عروة ، يجب قبولها ، وقد كانت عائشة تفتى ~~بالوضوء لكل صلاة ، وهى رواية الحديث ، فهى أعلم بمخرجه . وذهب عكرمة ، ~~وربيعة ، ومالك ، وأيوب ، وجماعة : إلى أنها PageV01P434 تغتسل عند إدبار ~~حيضتها ، وإقبال استحاضتها ، ولا تتوضأ إلا عند إيجاب الحدث ، على ما جاء ~~فى حديث هذا الباب . وقالوا : هكذا رواه مالك ، والليث ، وعمرو بن الحارث ، ~~عن هشام بن عروة وهم الحفاظ ، ولم يأمرها بالوضوء لكل صلاة ، وقد علل ذلك - ~~صلى الله عليه وسلم - بقوله : تمت إنما ذلك دم عرق ، وليس بالحيضة - . ودم ~~العروق لا يوجب وضوءا للصلاة كالفصاد . ولما كان دم الاستحاضة لا يفسد ~~الصلاة ، لم يوجب طهارة ، لأنا نجدها تصلى ، وإن قطر الدم على الحصير ، ولا ~~لجرح تتوضأ ، وحرمة الصلاة أوكد ، فوجب أن تكون فى غير الصلاة كذلك . * * * # | 9 - باب غسل دم الحيض # / 12 - فيه : أسماء بنت أبى بكر ، أن امرأة سألت رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - ، فقالت : يا رسول الله ، أرأيت إحدانا إذا أصاب ثوبها الدم من ~~الحيضة ، كيف تصنع ؟ فقال رسول الله - صلى الله ms0269 عليه وسلم - : تمت إذا أصاب ~~ثوب إحداكن الدم من الحيضة ، فلتقرضه ، ثم لتنضحه بماء ، ثم لتصلى فيه - . ~~/ 13 - وفيه : عائشة ، قالت : كانت إحدانا تحيض ، ثم تقترض الدم من ثوبها ~~عند طهرها فتغسله ، وتنضح على سائره ، ثم تصلى فيه . قد تقدم القول فى هذين ~~الحديثين فى باب غسل الدم فى كتاب الوضوء ، وحديث عائشة يفسر حديث أسماء ، ~~وأن ما روته من نضح الدم ، فمعناه الغسل كما قالت عائشة ، فأما نضحها على ~~سائره ، فهو رش لا غسل ، وإنما فعلت ذلك ، لتطيب نفسها لأنها لم تنضح ~~PageV01P435 على مكان فيه دم ، لأنه قد بان فى هذه الرواية أنها كانت تغسل ~~الدم ، فلا يجوز أن تغسل بعضه وتنضح بعضه ، وإنما نضحت ما لا دم فيه دفعا ~~للوسوسة ، وكذلك حكم الثوب إذا شك فيه هل أصابه نجاسة أم لا . فالنضح عند ~~الفقهاء لأن الأصل فى كل شىء طاهر أنه على طهارته ، حتى يتيقن حلول النجاسة ~~فيه . وقوله : تمت تقرضه - ، بمعنى تغسله بأطراف أصابعها ، ومنه قيل : قرضت ~~فلانا . وإنما أمر النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، بقرضه ، لأن الدم ~~وغيره مما يصيب الثوب إذا قرض بالغسل كان أحرى بأن يذهب أثره ، ينقى الثوب ~~منه من أن يعنف عليه ، ويغسل باليد كلها ، قاله ابن قتيبة . وفى كتاب العين ~~: قرضت الشىء قطعته . و تمت الحيضة - بكسر الحاء الاسم ، مثل القعدة ~~والجلسة والركبة اسم للقعود والجلوس والركوب ، والحيضة ، بفتح الحاء ، ~~الفعلة الواحدة . * * * # | 10 - باب اعتكاف المستحاضة # / 14 - فيه : عائشة ، أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - اعتكف معه بعض ~~نسائه ، وهى مستحاضة ترى الدم ، فربما وضعت الطست تحتها من الدم . وأن ~~عائشة رأت ماء ، العصفر . / 15 - وقالت مرة : فكانت ترى الدم والصفرة ، ~~والطست تحتها ، وهى تصلى . قال المهلب : فيه من الفقه أن المستحاضة حكمها ~~حكم الطاهر PageV01P436 واستحاضتها غير الحيض المتروك له الصلاة ، وهو عرق ~~كما قال - صلى الله عليه وسلم - ، ولذلك اعتكفت فى المسجد . والعلماء ~~مجمعون أن الحائض لا يجوز لها دخول المسجد ، ولا الاعتكاف فيه . قال عبد ~~الواحد : وفيه دليل على ms0270 إباحة الاعتكاف لمن به سلس البول ، أو المذى ، أو ~~به جرح يسيل قياسا على المستحاضة . * * * # | 11 - باب هل تصلى المرأة فى ثوب حاضت فيه ؟ # / 16 - فيه : عائشة قالت : ما كان لإحدانا إلا ثوب واحد ، تحيض فيه ، ~~فإذا أصابه شىء من الدم ، قالت بريقها ، فمصعته بظفرها . قال المهلب : من ~~لم تكن لها إلا ثوب واحد تحيض فيه فمعلوم أنها فيه تصلى عند انقطاع حيضتها ~~وتطهيرها لأثر الدم من ثوبها ، وقد جعل الله الماء طهورا لكل نجاسة ، وليس ~~هذا الحديث بمخالف لحديث عبد الرحمن بن القاسم ، عن أبيه ، عن عائشة ، أنها ~~قالت : كانت إحدانا تقرض الدم من ثوبها عند طهرها ، فتغسله . وإنما هو مبنى ~~عليه ومحمول على غسلها الدم الثابت عنها ، أو يكون هذا الدم الذى مصعته ~~قليلا معفوا عنه لا يجب عليها بغسله ، فلذلك لم تذكر أنها غسلته بالماء . ~~وقال صاحب العين : المصع : التحريك ، والدابة تمصع PageV01P437 بذنبها ، ~~ومصع الطائر بذرقه : رمى به ، وإنما أرادت فى الحديث أنها كانت تحكه وتحته ~~بظفرها وتقلعه . * * * # | 12 - باب الطيب للمرأة عند غسلها من المحيض # / 17 - فيه : أم عطية ، قالت : تمت كنا ننهى أن نحد على ميت فوق ثلاث ، ~~إلا على زوج أربعة أشهر وعشرا ، ولا نكتحل ، ولا نتطيب ، ولا نلبس ثوبا ~~مصبوغا إلا ثوب عصب ، وقد رخص لنا عند الطهور ، إذا اغتسلت إحدانا من ~~محيضها فى نبذة من كست أظفار ، وكنا ننهى عن اتباع الجنائز - . قال المهلب ~~: أبيح للحائض محدا كانت أو غير محد عند غسلها من المحيض أن تدرأ رائحة ~~الدم عن نفسها بالبخور بالقسط لما هى مستقبلة من الصلاة ومجالسة الملائكة ~~لئلا تؤذيهم برائحة الدم . وقولها : تمت نبذة من كست - ، يعنى ما تنبذه ~~وتطرحه فى النار مرة واحدة عند الطهى ، وإنما أرادت بذلك التقليل منه ~~بمقدار ما يقطع زفرة رائحة دم المحيض . وقولها فى الحديث : تمت كست أظفار - ~~، هكذا روى فيه ، وصوابه : كست ظفار ، منسوب إلى ظفار وهو ساحل من سواحل ~~عدن ، والكست والقسط لغتان . PageV01P438 * * * # | 13 - باب دلك المرأة نفسها إذا تطهرت من ms0271 المحيض ، وكيف تغتسل ، وتأخذ ~~فرصة ممسكة تتبع بها أثر الدم # / 18 - فيه : عائشة ، أن امرأة سألت النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، عن ~~غسلها من المحيض ، فأمرها كيف تغتسل ، فقال : تمت خذى فرصة من مسك فتطهرى ~~بها - ، قالت : كيف أتطهر ؟ قال : تمت تطهرى بها - ، قالت : كيف ؟ قال : ~~تمت سبحان الله ، تطهرى - ، فاجتبذتها إلى ، فقلت : تتبعى بها أثر الدم . ~~الفرصة : القطعة ، وفرصت الشىء فرصا قطعته ، ومن سمى المفراص : الحديدة ~~التى يقطع بها الجلد . وقال ابن قتيبة : اختلف الناس فى تأويل الفرصة ، ~~فذهب بعض الفقهاء إلى أنها المطيبة بالمسك ، وبعضهم يذهب إلى أنها المأخوذة ~~من مسك شاة وهو الجلد ، ولا أرى هذين التفسيرين صحيحين ، ومن كان منهم ~~يستطيع أن يمتهن بالمسك هذا الامتهان حتى تمسح به دم الحيضة ؟ ولا نعلم فى ~~الصوف لتتبع الدم معنى يخصه به دون القطن والخرق ، والذى عندى فى ذلك ، ~~والله أعلم ، أن الناس يقولون للحائض : احتملى معك كذا ، يريدون عالجى به ~~قبلك ، أو احتشى به ، أو أمسكى معك كذا وكذا يكنون به ، فيكون أحسن من ~~الإفصاح فقوله : خذى معك فرصة ، أى قطعة من صوف ، أو قطن ، أو خرقة . وقوله ~~: تمت ممسكة - ، يعنى متحملة ، يريد تحملينها معك تمسح القبل ، والعرب تقول ~~: مسكت كذا ، بمعنى أمسكت وتمسكت ، قال الله تعالى : { والذين يمسكون ~~بالكتاب } [ الأعراف : 170 ] ، فالكتاب على هذا ممسك . PageV01P439 وقال ~~غيره : هذا تأويل حسن ، وهو خارج على رواية من روى فى هذا الحديث : تمت ~~فرصه ممسكة - ، وهى رواية وهيب ، عن منصور ، وأما على رواية ابن عيينة ، عن ~~منصور : تمت خذى فرصة من مسك - ، فلا مسوغ أن تكون الفرصة إلا من مسك . قال ~~المهلب : وإنما يريد قطعة من جلد فيها صوفها لم تنتف ، وإذا كان كذلك منع ~~الجلد أن يصل بلل الصوف بالدم إلى يدها ، فتسلم يدها من زفرته ، ويكون أنظف ~~لها . وقوله : تمت تتبعى بها أثر الدم - ، يريد فى فرجها حيث كان الأذى ، ~~وليس ذلك بموجب لدلك الجسم كله ، إذا لم يكن فيه أذى ، وهكذا حكم النجاسات ~~الثابتة العرك والدلك ms0272 ، والمتابعة لصب الماء عليها . وفيه : أنه ليس على ~~المرأة عار أن تسأل عن أمر حيضتها وما تستبين به إذا كان من أمر دينها . ~~وفيه : أن العالم يجيب بالتعريض فى الأمور المستورة . وفيه : تكرير الجواب ~~لإفهام السائل دون أن يكشف . وفيه : مراجعة السائل إذا لم يفهم . وفيه : أن ~~السائل إذا لم يفهم وفهمه بعض من فى مجلس العالم والعالم يسمع ، أن ذلك ~~سماع من العالم يجوز أن يقول فيه حدثنى وأخبرنى . وترجم له باب غسل المحيض ~~، وذكر فيه حديث وهيب عن منصور : تمت خذى فرصة ممسكة - . PageV01P440 * * * # | 14 - باب امتشاط المرأة عند غسلها من المحيض # / 19 - فيه : عائشة ، قالت : أهللت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~فى حجة الوداع ، فكنت ممن تمتع ، ولم يسق الهدى ، فحاضت ، ولم تطهر ، حتى ~~دخلت ليلة عرفة ، فقال لها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : تمت انقضى ~~رأسك ، وامتشطى ، وأمسكى عن عمرتك - ، ففعلت ، فلما قضيت الحج ، أمر ~~عبدالرحمن ليلة الحصبة ، فأعمرنى من التنعيم ، مكان عمرتى التى نسكت . ~~وترجم له باب نقض المرأة شعرها عند غسل الحيض . اختلف العلماء فى نقض ~~المرأة شعرها للاغتسال ، فروى عن عبد الله بن عمرو أنه كان يأمر نساءه إذا ~~اغتسلن أن ينقضن رءوسهن . وروى همام ، عن حذيفة أنه قال لامرأته : خللى ~~رأسك بالماء لا تحله ، فإن قليل بقاؤه عليه . وقال النخعى : تنقض العروس ~~رأسها للغسل وحجتهم حديث عائشة . وقال طاوس : تنقض الحائض شعرها إذا اغتسلت ~~، فأما من الجنابة فلا . وقال ابن المنذر : لا فرق بين الحائض والجنابة . ~~وفيه قول آخر روى عن عائشة ، وأم سلمة ، وابن عمر ، وجابر ، أنهم قالوا : ~~ليس على المرأة نقض شعرها للاغتسال من الحيض ولا من الجنابة ، وهو قول ~~عكرمة ، وعطاء ، والزهرى ، والحكم ، PageV01P441 ومالك ، والكوفيين ، ~~والشافعى ، وعامة الفقهاء كلهم يقولون : أن المرأة بأى وجه أوصلت الماء إلى ~~أصول شعرها ، وعمته بالغسل ، أنها قد أدت ما عليها ، وحجتهم حديث أم سلمة ~~أنها قالت : يا رسول الله ، إنى امرأة أشد ضفر رأسى ، أفأنقضه للجنابة ؟ ~~قال : تمت لا ، إنما كان ms0273 يكفيك أن تحثى عليه ثلاث حثيات ، وتغمرى قرونك ، ~~فإذا أنت قد طهرت - . وحديث عائشة أصح إسنادا غير أن العمل عند الفقهاء على ~~حديث أم سلمة ، وقد قال حماد قولا جمع فيه بين الحديثين ، فقال : إن كانت ~~ترى أن الماء أصاب أصول شعرها أجزأ عنها ، وإن كانت ترى أن الماء لم يصب ، ~~فلتنقضه . وقد استدل الكوفيون بحديث عائشة ، وعلله المالكيون ودفعوه بما ~~سنورده فى رفض العمرة للحائض والمراهق ، وسنذكره فى كتاب الحج . * * * # | 15 - باب كيف تهل الحائض بالحج والعمرة # / 20 - فيه : عائشة ، خرجنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عام حجة ~~الوداع ، فمنا من أهل بعمرة ، ومنا من أهل بحج ، فقدمنا مكة ، فحضت ، فلم ~~أزل حائضا حتى كان يوم عرفة ، فأمرنى النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، أن ~~أنقض رأسى ، وأمتشط ، وأهل بحج ، وأترك العمرة . . . . الحديث . فيه : أن ~~الحائض تهل بالحج والعمرة ، وتبقى على حكم إحرامها ، وتفعل فعل الحج كله ~~غير الطواف بالبيت على ما روته عائشة عن النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، ~~فى كتاب الحج ، فإذا طهرت اغتسلت ، PageV01P442 وطافت بالبيت وأكملت حجها ، ~~ويحتمل أن يأمرها - صلى الله عليه وسلم - بالاغتسال ونقض رأسها عند إهلالها ~~بالحج ، وهى حائض لا أنه يجب الغسل عليها . قال بعض الناس : فأمره - صلى ~~الله عليه وسلم - أن تنقض شعرها ، وامتشاطها وهى حائض ، لا يجب ذلك عليها ، ~~وإنما ذلك ، والله أعلم ، لإهلالها بالحج ، لأن من سنة الحائض والنفساء أن ~~يغتسلا عند الميقات بالحج والإهلال ، كما أمر النبى ، - صلى الله عليه وسلم ~~- ، أسماء بنت عميس حين ولدت محمد بن أبى بكر بالبيداء بالاغتسال والإهلال ~~، وكان مذهب ابن عمر أن تغتسل لدخول مكة ولوقوف عشية عرفة ، فلما حاضت بسرف ~~، أمرها - صلى الله عليه وسلم - أن تغتسل لإهلالها بالحج ، فدل ذلك على أن ~~اغتسال الحائض والنفساء عند الإهلال سنة لهما ، ذلك على أن اغتسال الحائض ، ~~والنفساء عند الإهلال سنة لهما ، وسأزيد فى بيان ذلك فى كتاب الحج فى باب ~~كيف تهل الحائض والنفساء ، إن شاء الله ، حين أمرها أن تدع ms0274 العمرة وتهل ~~بالحج . * * * # | 16 - باب : مخلقة وغير مخلقة # / 21 - فيه : أنس ، عن النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، قال : تمت إن ~~الله وكل بالرحم ملكا ، يقول : يا رب نطفة ، يا رب علقة ، يا رب مضغة ، ~~فإذا أراد أن يقضى خلقه ، قال : أذكر أم أنثى ؟ شقى أم سعيد ؟ فما الرزق ؟ ~~وما الأجل ؟ فيكتب فى بطن أمه - . قال المهلب : فيه أن الله قد علم أحوال ~~خلقه قبل أن يخلقهم ، ووقت آجالهم ، وأرزاقهم ، وسبق علمه فيهم بالسعادة ، ~~أو الشقاء ، وهذا مذهب أئمة أهل السنة . PageV01P443 قال غيره : ويمكن أن ~~يكون أراد البخارى بهذا التبويب ، معنى ما روى عن علقمة فى تأويل هذه الآية ~~، قال علقمة : تمت إذا وقعت النطفة فى الرحم ، قال الملك : مخلقة أو غير ~~مخلقة ؟ فإن قال : غير مخلقة محت الرحم دما ، وإن قال : مخلقة ، قال : أذكر ~~، أو أنثى - ؟ فغرضه فى هذا الباب ، والله أعلم ، أن الحامل لا تحيض كما ~~ذهب إليه أهل الكوفة ، والأوزاعى ، وهو أحد قولى الشافعى ، قالوا : لأن ~~اشتمال الرحم على الدم منع خروج دم الحيض . وفى الآية تأويل ثان ، قيل : إن ~~معنى غير مخلقة أنها تكون أولا غير مخلقة وهى الحالة الثانية ، ثم تخلق بعد ~~ذلك ، والواو لا توجب الترتيب . وأجمع العلماء أن الأمة تكون أم ولد بما ~~أسقطته من ولد تام الخلق ، واختلفوا فيما لم يتم خلقه من المضغة والعلقة ، ~~فقال مالك ، والأوزاعى ، وجماعة : تكون بالمضغة أم ولد كانت مخلقة ، أو غير ~~مخلقة وتنقضى بها العدة ، وقال أبو حنيفة ، والشافعى ، وجماعة : إن كان قد ~~تبين فى المضغة شىء من الخلق أصبع ، أو عين ، أو غير ذلك ، فهى أم ولد ، ~~وكلا القولين تحتمله الآية ، والله أعلم بما أراد . * * * # | 17 - باب إقبال المحيض وإدباره # وكن نساء يبعثن إلى عائشة بالدرجة فيها الكرسف فيه الصفرة ، فتقول : لا ~~تعجلن حتى ترين القصة البيضاء ، تريد بذلك الطهر من الحيضة . PageV01P444 ~~وبلغ بنت زيد بن ثابت أن نساء يدعون بالمصابيح من جوف الليل ، ينظرن إلى ~~الطهر ، فقالت : ما كان النساء يصنعن هذا ، وعابت عليهن . / 22 ms0275 - فيه : ~~عائشة ، أن فاطمة بنت أبى حبيش كانت تستحاض ، فسألت النبى ، - صلى الله ~~عليه وسلم - ، - صلى الله عليه وسلم - فقال : تمت ذلك عرق وليست بالحيضة ، ~~فإذا أقبلت الحيضة ، فدعى الصلاة ، وإذا أدبرت فاغتسلى ، وصلى - . أما ~~إقبال المحيض فهو دفعة من دم ، فإذا رأتها المرأة أمسكت عن الصلاة ، وهذا ~~إجماع من العلماء ، إلا أن الدفعة من الدم لا تحسب قرء فى العدة عندهم . ~~وأما إدبار الحيض ، فهو إقبال الطهر ، وله علامتان : القصة البيضاء ، ~~والجفوف ، وهو أن تدخل الخرقة فتخرجها جافة . اختلف أصحاب مالك عنه فى ~~أيهما أبلغ براءة فى الرحم من الحيض ؟ فروى ابن القاسم عن مالك : أنه إذا ~~كانت ممن ترى القصة البيضاء ، فلا تطهر حتى تراها ، وإن كانت ممن لا تراها ~~فطهرها الجفوف ، وبه قال عيسى بن دينار ، أن القصة أبلغ من الجفوف . وممن ~~روى عنه ذلك من السلف : أسماء بنت أبى بكر ، ومكحول . وذكر ابن عبد الحكم ، ~~عن مالك : أنها تطهر بالجفوف ، وإن كانت ممن ترى القصة البيضاء ، لأن أول ~~الحيض دم ، ثم صفرة ، ثم كدرة ، ثم يكون رقيقا كالقصة ، ثم ينقطع ، فإذا ~~انقطع قبل هذه المنازل ، فقد برئت الرحم من الحيض ، لأنه ليس بعد الجفوف ~~انتظار شىء . وممن قال : إن الجفوف أبلغ : عمر ، وعطاء بن أبى رباح ، وهو ~~PageV01P445 قول عائشة : تمت لا تعجلن حتى ترين القصة البيضاء - ، يدل على ~~أنها آخر ما يكون من علامات الطهر ، وأنه لا علامة بعدها أبلغ منها ، ولو ~~كانت علامة أبلغ منها ، لقالت : حتى ترين القصة أو الجفوف . وفى قولها : ~~تمت لا تعجلن حتى ترين القصة - ، دليل أن الصفرة والكدرة فى أيام الحيض حيض ~~، لأنها فى حكم الحائض حتى ترى القصة البيضاء ، وقد ترى قبلها صفرة ، أو ~~كدرة . والقصة : الماء الأبيض الذى يدفعه الرحم عند انقطاع الحيض ، شبه ~~لبياضه بالقص ، وهو الجص ، وفى الحديث : تمت نهى رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - عن تقصيص القبور - ، ويروى : تمت عن تجصيص القبور - ، وهو تلييسها ~~بالجص . قال المهلب : فيه من الفقه أن العادة الرافعة للحرج ms0276 هى السنة ، ومن ~~خالفها بما يدخل الحرج ، فهو مذموم ، كما ذمته بنت زيد بن ثابت . قال غيره ~~: إنما أنكرت ابنة زيد افتقاد أمر الحيض فى غير أوقات الصلوات ، لأن جوف ~~الليل ليس بوقت صلاة ، وإنما على النساء افتقاد أحوالهن للصلاة ، فإن كن قد ~~طهرن تأهبن للغسل لها . واختلف الفقهاء فى الحائض تطهر قبل الفجر ، ولا ~~تغتسل حتى يطلع الفجر ، فقال مالك ، والثورى ، والشافعى ، وأحمد ، وإسحاق ، ~~وأبو ثور : هى بمنزلة الجنب تغتسل وتصوم ، ويجزئها صوم ذلك اليوم . وقال ~~الأوزاعى : تصومه ، وتقضيه . PageV01P446 وقال أبو حنيفة : إن كانت أيامها ~~أقل من عشرة صامته وقضت ، وإن كانت أكثر من عشرة صامته ولم تقضه . قال بعض ~~الناس : قد اتفق هؤلاء على صومه ، واختلفوا فى قضائه ، ولا حجة مع من أوجب ~~قضاءه إلا الرأى والدعوى ، والفرائض لا تثبت إلا من جهة التوقيف ، وقد قال ~~عبد الملك بن الماجشون : يومها ذلك يوم فطر ، ولا أدرى إن كان يرى صومه أم ~~لا ، فإن كان لا يراه فهو شذوذ لا يعرج عليه ، ولا معنى لمن اعتل به من أن ~~الحيض ينقض الصوم ، والاحتلام لا ينقضه ، لأن من طهرت من حيضتها ليست بحائض ~~، والغسل إنما يجب عليها إذا طهرت ، ولا يجب الغسل على حائض . وقوله : تمت ~~كن نساء يبعثن إلى عائشة بالدرجة فيها الكرسف - ، هكذا يرويه أصحاب الحديث ~~الدرجة ، بكسر الدال وتشديدها وفتح الراء ، يعنون بذلك جمع درج ، وهو الذى ~~يجعل فيه النساء الطيب ، وأهل اللغة ينكرون ذلك ، ويقولون : أما الذى كن ~~يبعثن به الخرق فيها القطن ، كن يمتحن بها أمور طهورهن ، واحدتها درجة ، ~~بضم الدال وسكون الراء . قال ابن الأعرابى : يقال للذى يدخل فى حياء الناقة ~~إذا أرادوا إرآمها الدرجة والدرج ، وجمعه أدراج ودرجة ودريج ، وقد أدرجت ~~الناقة ، واستدرجت المرأة . والكرسف : القطن . PageV01P447 * * * # | 18 - باب لا تقضى الحائض الصلاة # وقال جابر ، وأبو سعيد ، عن النبى - صلى الله عليه وسلم - : تمت تدع ~~الصلاة - . / 23 - فيه : معاذة ، أن امرأة قالت لعائشة : أتجزئ إحدانا ~~صلاتها ، إذا طهرت ؟ فقالت : أحرورية أنت ؟ كنا نحيض مع ms0277 النبى - صلى الله ~~عليه وسلم - فلا يأمرنا به ، أو قالت : فلا نفعله . قال المهلب : معنى ~~قولها : تمت أتجزئ إحدانا صلاتها ؟ - معناه أتقضى إحدانا صلاتها ؟ ولذلك ~~سمى يوم القيامة يوم الجزاء إذا جوزى الناس بأعمالهم يوم القضاء . وهذا ~~الحديث أصل إجماع المسلمين : أن الحائض لا تقضى الصلاة ، ولا خلاف فى ذلك ~~بين الخلف والسلف ، إلا طائفة من الخوارج يرون على الحائض قضاء الصلاة لا ~~يشتغل بهم ، ولا يعدون خلافا ، لشذوذهم عن سلف الأمة ، فلذلك قالت عائشة : ~~تمت أحرورية أنت ؟ - للمرأة التى سألت عن ذلك منكرة عليها ، إذ خشيت أن ~~تعتقد مذهب الحرورية فى ذلك ، ونزعت لها بالحجة التى لا يجوز خلافها ، وهو ~~قولها : تمت قد كنا نحيض مع النبى - صلى الله عليه وسلم - فلا يأمرنا به - ~~، تعنى بقضاء الصلوات أيام الحيض ، وقد سئل ابن عباس عن الحائض والنفساء ~~هلى يقضيان الصلاة ؟ فقال : هؤلاء نساء النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، ~~لو فعلن ذلك أمرنا نساءنا به . وقال معمر : قال الزهرى : تقضى الحائض الصوم ~~، ولا تقضى الصلاة . قلت : عمن ؟ قال : اجتمع الناس عليه ، وليس فى كل شىء ~~نجد الإسناد . قال ابن جريج : قلت لعطاء : أتقضى الصلاة ؟ قال : ذلك بدعة . ~~PageV01P448 وقال حذيفة : ليكونن فى آخر هذه الأمة قوم يكذبون أولهم ~~ويلعنونهم ، يقولون : جلدوا فى الخمر ، وليس فى كتاب الله ، ورجموا وليس فى ~~كتاب الله ، ومنعوا الحائض الصلاة ، وليس فى كتاب الله . * * * # | 19 - باب من اتخذ ثياب الحيض سوى ثياب الطهر # / 24 - فيه : أم سلمة ، قالت : بينا أنا مع النبى ، - صلى الله عليه وسلم ~~- ، مضطجعة في خميلة ، حضت ، فانسللت ، فأخذت ثياب حيضتى ، فقال : تمت ~~أنفست - ؟ فقلت : نعم ، فدعانى ، فاضطجعت معه فى الخميلة . قال المؤلف : إن ~~قيل : هذا الحديث يعارض قول عائشة : تمت ما كان لإحدانا إلا ثوب واحد تحيض ~~فيه - ، قيل : لا تعارض بينهما ، بحمد الله ، ويمكن أن يكون حديث عائشة فى ~~بدء الإسلام ، فإنهما كانوا حينئذ فى شدة وقلة ، قبل أن يفتح الله عليهم ~~الفتوح ، ويغنم الغنائم ، فلما فتح الله عليهم واتسعت أحوالهم ، اتخذ ms0278 ~~النساء ثيابا للحيض سوى ثياب لباسهن ، فأخبرت أم سلمة عن ذلك الوقت . ~~والخميلة والخملة : ثوب مخمل من الصوف . * * * # | 20 - باب شهود الحائض العيدين ، ودعوة المسلمين ، ويعتزلن المصلى # / 25 - فيه : حفصة ، قالت : كنا نمنع عواتقنا أن يخرجن فى العيدين ، ~~فقدمت امرأة ، فنزلت قصر بنى خلف ، فحدثت عن أختها ، وكان زوج PageV01P449 ~~أختها غزا مع النبى - صلى الله عليه وسلم - ثنتى عشرة غزوة ، وكانت أختى ~~معه فى ست ، قالت : كنا نداوى الكلمى ، ونقوم على المرضى ، فسألت أختى ~~النبى ، - صلى الله عليه وسلم - : أعلى إحدانا بأس إذا لم يكن لها جلباب ، ~~أن لا تخرج ؟ قال : تمت لتلبسها صاحبتها من جلبابها ، ولتشهد الخير ، ودعوة ~~المسلمين - ، فلما قدمت أم عطية سألتها : أسمعت النبى - صلى الله عليه وسلم ~~- ؟ قالت : بأبى نعم ، وكانت لا تذكره إلا قالت : بأبى ، سمعته يقول : تمت ~~يخرج العواتق وذوات الخدور ، أو العواتق ذوات الخدور والحيض ، وليشهدن ~~الخير ودعوة المسلمين ، ويعتزل الحيض المصلى - . قالت حفصة : قلت : الحيض ؟ ~~فقالت : أليس تشهد عرفة وكذا وكذا ؟ . قال المهلب : فيه جواز خروج النساء ~~الطاهرات والحيض إلى العيدين وشهود الجماعات ، ويعتزل الحيض المصلى ، ويكن ~~فيمن يدعو ، ويؤمن ، رجاء بركة المشهد الكريم ، وسأذكر اختلاف العلماء فى ~~ذلك فى كتاب العيدين ، إن شاء الله . وفيه : أن الحائض لا تقرب المسجد ، ~~وتقرب غيره من المواضع التى ليست بمساجد محظرة . وفيه : جواز استعارة ~~الثياب ، للخروج إلى الطاعات . وفيه : جواز اشتمال المرأتين فى ثوب واحد ، ~~لضرورة الخروج إلى طاعة الله . وفيه : غزو النساء المتجالات ومداواتهن ~~الجرحى ، وإن كن PageV01P450 غير ذى محارم منهم ، وأما إن كن غير متجالات ، ~~فيعالجن الجرحى ، وإن كن غير ذى محرم منهن بحائل بينهن وبينهم ، أو يأمرن ~~غيرهن بوضع الدواء عليهم . وفيه : قبول خبر المرأة . وفى قولها : تمت كنا ~~نداوى الكلمى - ، جواز نقل الأعمال فى زمن النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ~~، وإن كان الرسول - صلى الله عليه وسلم - لم يخبر بشىء من ذلك . وفيه : ~~جواز النقل عمن لا يعرف اسمه من الصحابة خاصة إذا بين مسكنه ودل عليه . ~~وقولها : تمت بأبأ ms0279 - تريد بأبى ، وهى لغة لبعض العرب قالت عمرة الخثعمية من ~~أبيات الحماسة : لقد زعموا أنى جزعت عليها وهل جزع أن قلت وا بأبأهما ؟ ~~تريد بأبى هما ، أى يفديان بأبى . وعن ابن الجنى : ويجوز أبيبابيا مخلصة ~~يريد أبا ، ثم يخفف الهمزة ، ويحذفها ، ويبقى فتحتها على الياء . * * * # | 21 - باب إذا حاضت فى الشهر ثلاث حيض وما تصدق النساء فى الحمل والحيض ~~فيما يمكن من الحيض ، لقول الله : { ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله فى ~~أرحامهن } [ البقرة : 228 ] # . ويذكر عن على وشريح ، إن [ امرأة ] جاءت ببينة من بطانة أهلها ، ممن ~~يرضى دينه ، أنها حاضت ثلاثا فى كل شهر ، صدقت . PageV01P451 وقال عطاء : ~~أقراؤها ما كانت ، وبه قال إبراهيم . وقال عطاء : الحيض يوم إلى خمس عشرة ~~ليلة . وقال معتمر ، عن أبيه : سألت : ابن سيرين عن المرأة ترى الدم بعد ~~قرئها بخمسة أيام ؟ قال : النساء أعلم بذلك . / 26 - فيه : عائشة ، أن ~~فاطمة بنت أبى حبيش سألت النبى - صلى الله عليه وسلم - قالت : إنى أستحاض ~~فلا أطهر ، أفأدع الصلاة ؟ فقال : تمت لا ، إن ذلك عرق ، ولكن دعى الصلاة ~~قدر الأيام التى كنت تحيضين فيها ، ثم اغتسلى ، وصلى - . قال ابن المنذر : ~~اختلف أهل العلم فى العدة التى تصدق فيها المرأة إذا ادعتها ، فروى عن على ~~، وشريح : أنها إذا ادعت أنها حاضت ثلاث حيض فى شهر ، أو خمس وثلاثين ليلة ~~، وجاءت ببينة من النساء العدول من بطانة أهلها صدقت ، وهو قول أحمد بن ~~حنبل . قال المؤلف : وقد روى مثله عن مالك ، قال فى كتاب إرخاء الستور من ~~المدونة ، قال : إذا قالت المطلقة : حضت ثلاث حيض فى شهر ، سئل النساء عن ~~ذلك ، فإن أمكن ذلك عندهن صدقت . وقالت طائفة : لا تصدق إذا ادعت أن عدتها ~~انقضت فى أقل من شهرين إذا كانت من ذوات الحيض ، قال : لأنه ليس فى العادة ~~أن تكون امرأة على أقل الطهر ، وأقل الحيض ، لأنه إذا كثر الحيض قل الطهر ، ~~وإذا قل الطهر كثر الحيض ، وهذا قول أبى حنيفة . وقالت طائفة : لا تصدق فى ms0280 ~~أقل من تسعة وثلاثين يوما ، وهو PageV01P452 قول الثورى ، وأبى يوسف ، ~~ومحمد ، وذلك لأن أقل الحيض عندهما ثلاثة أيام ، وأقل الطهر خمسة عشر يوما ~~. وقال أبو ثور : أقل ما يكون فى ذلك إذا طلقها فى أول الطهر سبعة وأربعون ~~يوما ، وذلك أن أقل الطهر خمسة عشر يوما ، وأقل الحيض يوم وذكر ابن أبى زيد ~~عن سحنون أن أقل العدة أربعون ليلة . وقال الشافعى : تصدق فى أكثر من اثنين ~~وثلاثين يوما ، وذلك أن يطلقها زوجها وقد بقى من الطهر ساعة ، فتحيض يوما ~~وتطهر خمسة عشر يوما ، ثم تحيض يوما وتطهر خمسة عشر يوما ، فإذا دخلت فى ~~الدم من الحيضة الثالثة ، فقد انقضت عدتها . وقال إسحاق ، وأبو عبيد : إن ~~كانت أقراؤها معلومة قبل أن تبتلى حتى عرفها بطانة أهلها مما يرضى دينهن ~~فإنها تصدق ، وإن لم تعرف ذلك ، وكان أول ما رأت الحيض أو الطهر ، فإنها لا ~~تصدق فى أقل من ثلاثة أشهر ، لأن الله جعل بدل كل حيضة شهرا فى اللائى يئسن ~~من المحيض ، واللائى لم تحضن ، فإذا أشكل على مسلم انقضاء عدة امرأة ردها ~~إلى الكتاب والسنة . ووجه الموافقة أنه ليس فى العادة أن تكون امرأة على ~~أقل الطهر وأقل الحيض ، لأن إذا كثر الحيض قل الطهر ، وإذا قل الحيض كثر ~~الطهر ، فجعل لما ينحصر الأكثر ، ولما لا ينحصر الأقل ، وبدأ بالحيض . وقال ~~أبو يوسف ، ومحمد : لا تصدق فى أقل من تسعة وثلاثين يوما وهو قول الثورى ، ~~ووجه الموافقة بين الحديثين والترجمة هو قوله - صلى الله عليه وسلم - : تمت ~~دعى الصلاة قدر الأيام التى كنت تحيضين فيها - ، فوكل PageV01P453 ذلك إلى ~~أمانتها وعادتها ، وقدر الأيام قد يقل ويكثر على قدر أحوال النساء فى ~~أسنانهن وبلدانهن إلا أنها إذا ادعت ما لا يكاد يعرف لم يقبل قولها إلا ~~ببينة . قال إسماعيل بن إسحاق : ألا ترى إلى قول على وشريح فى ذلك ، ولو ~~كان عندهما أن ثلاث حيض لا تكون فى شهر لما قبلا قول نسائها ، وهو معنى قول ~~عطاء وإبراهيم ، وقد فسر إسماعيل ms0281 بن إسحاق قول على وشريح بتفسير آخر ، قال ~~: وليس قولهما عندنا : تمت إن جاءت ببينة من بطانة أهلها - أنها قد حاضت ~~هذا الحيض ، وإنما هو فيما نرى ، والله أعلم ، أن تشهد نساء من نسائها أن ~~هذا يكون ، وقد كان فى نسائهن ، فإنه أحرى أن يوجد فيهن مثل ما فيها ، وأن ~~يقارب حيضهن وحيضها ، وأنه إن لم يوجد ما قالت من الحيض فى نسائها كانت هى ~~منه أبعد ، فعلى هذا معنى هذا الحديث ، وهو يقوى مذهب أهل المدينة أن العدة ~~إنما تحمل على المعروف من حيض النساء لا على المرأة والمرأتين الذى لا يكاد ~~يوجد ، ولا يعرف . قال غيره : والأشبه ما أراد على وشريح ، والله أعلم ، ~~بمعنى أن تكون حاضت ، لقولهما : إن جاءت ببينة من بطانة أهلها أنها حاضت ، ~~ولم يقولا : أن غيرها من النساء حاض كذلك . قال إسماعيل : وفى قول على ~~وشريح أن أقل الطهر لا يكون خمسة عشر يوما ، وأن أقل الحيض لا يكون ثلاثة ، ~~كما قال أبو حنيفة وأصحابه ، وليس فيه بيان لأقل الطهر ، وأقل الحيض كم هو ~~، غير أن فيه بيانا أنهما لم ينكرا ما زعمه النساء فى ذلك . قال غيره : ~~والمشهور عن مالك أنه لا حد عنده لأقل PageV01P454 الطهر ، ولا لأقل الحيض ~~إلا ما تثبته النساء ، وقد اختلف فى ذلك ، ففى المدونة ما يدل أن أقل الطهر ~~ثمانية أيام ، وهو قول سحنون ، وروى يحيى بن يحيى ، عن ابن القاسم ، عن ~~مالك : أن أقل الطهر عشرة أيام . وروى ابن الماجشون ، عن مالك : أن أقل ~~الطهر خمسة ، وأقل الحيض خمسة ، إلا أنه قال : هذا لا يكون فى حيض واحد ، ~~لأنه إذا قل الحيض كثر الطهر ، وإذا قل الطهر كثر الحيض . وقالت طائفة : ~~أقل الحيض يوم وليلة ، روى ذلك عن عطاء ، وهو قول الشافعى ، وأحمد ، وأبى ~~ثور . وقال الأوزاعى : عندنا امرأة تحيض غدوة وتطهر عشية ، وقال الأوزاعى : ~~يرون أنه جنس ، تدع له الصلاة . وقال محمد بن سلمة : أقل الحيض ثلاثة أيام ~~وأكثره خمسة عشر يوما ، وهو قول الشافعى فى ms0282 أكثر الحيض . وقال أبو حنيفة ، ~~والثورى : أقل الحيض ثلاثة ، وأكثره عشرة ، وهو قول الشافعى ، ومحمد بن ~~مسلمة فى أقل الطهر ، وهو الصحيح ، لأن الله تعالى جعل عدة ذوات الأقراء ~~ثلاثة قروء ، وجعل عدة من لا تحيض من صغر أو كبر ثلاثة أشهر ، فكان كل قرء ~~عوضا من شهر ، والشهر يجمع الطهر والحيض ، فإذا قل الطهر كثر الحيض ، وإذا ~~قل الحيض كثر الطهر ، فلما كان أكثر الحيض خمسة عشر يوما ، وجب أن يكون ~~بإزائه أقل الطهر خمسة عشر يوما ، ليكمل فى الشهر الواحد حيض وطهر ، وهو ~~المتعارف فى الأغلب من خلقة النساء ، أو جبلتهن مع دلائل القرآن والسنة . ~~PageV01P455 واحتج أهل العراق لقولهم : إن الأقراء الحيض ، بقوله - صلى ~~الله عليه وسلم - فى حديث فاطمة : تمت ولكن دعى الصلاة قدر الأيام التى كنت ~~تحيضين فيها - . قالوا : وهذا مثل قوله - صلى الله عليه وسلم - : تمت دعى ~~الصلاة أيام أقرائك - . ولا يجوز أن يأمرها - صلى الله عليه وسلم - بترك ~~الصلاة أيام طهرها ، وإنما أمرها أن تترك الصلاة أيام الحيض ، فيقال لهم : ~~ما أنكرتم أن يكون - صلى الله عليه وسلم - أمرها بترك الصلاة أيام أقرائها ~~التى هى فيهن حائض ، وأضاف الأيام إلى الأقراء والإطهار جميعا ، فكأنه قال ~~: تدع المستحاضة الصلاة الأيام التى كانت تحيضها من أقرائها ، وهذا سائغ فى ~~كلام العرب ، لأن الأقراء عندهم اسم للطهر واسم للحيض ، وسيأتى زيادة بيان ~~فى هذا المعنى فى كتاب الطلاق فى العدة ، إن شاء الله . * * * # | 22 - باب الصفرة والكدرة فى غير أيام الحيض # / 27 - فيه : أم عطية ، قالت : كنا لا نعد الصفرة والكدرة شيئا . ذهب ~~جمهور العلماء فى معنى الحديث إلى ما ذهب إليه البخارى فى ترجمته ، فقال ~~أكثرهم : الصفرة والكدرة حيض فى أيام الحيض خاصة ، وبعد أيام المحيض ليست ~~بشىء ، روى هذا عن على بن أبى طالب ، وبه قال سعيد بن المسيب ، وعطاء ، ~~والحسن ، وابن سيرين ، وإليه ذهب ربيعة ، والثورى ، والأوزاعى ، والليث ، ~~وأبو PageV01P456 حنيفة ، ومحمد ، والشافعى ، وأحمد ، وإسحاق ، وإليه أشار ~~البخارى فى هذا الباب . وفيه قول ثان : قال ms0283 أبو يوسف : لا تكون الصفرة ~~والكدرة قبل الحيض حيضا ، وهى فى آخر الحيض حيض ، وهو قول أبى ثور . قالوا ~~: وهذا ظاهر الحديث لقوله - صلى الله عليه وسلم - : تمت إذا أقبلت الحيضة ، ~~فدعى الصلاة - ، والكدرة والصفرة فى آخر أيام الدم من الدم حتى ترى النقاء ~~. وفيه قول ثالث : قال مالك فى المدونة : الكدرة والصفرة حيض فى أيام الحيض ~~وغيرها . وهذا خلاف للحديث ، ولا يوجد فى فتوى مالك أن الصفرة والكدرة ليست ~~بشىء ، على ما جاء فى الحديث ، إلا التى انطبق دم حيضتها مع دم استحاضتها ، ~~ولم تميزه ، فقال : إذا رأت دما أسود فهو حيض ، وإذا رأت صفرة أو كدرة ، أو ~~دما أحمر ، فهو طهر تصلى له وتصوم بعد أن تغتسل ، وأظنه لم يبلغه حديث أم ~~عطية ، والله أعلم . والحجة لأهل المقالة الأولى : أنهم قالوا : لا يجوز أن ~~يكون قول أم عطية : تمت كنا لا نعد الصفرة والكدرة شيئا - ، عاما فى أيام ~~الحيض وغيرها لا يعد شيئا لما قالته عائشة : تمت لا تعجلن حتى ترين القصة ~~البيضاء - . ومعلوم أن هؤلاء النساء كن يرين عند إدبار المحيض صفرة وكدرة ، ~~فأخبرتهن أنها من بقايا الحيض ، وأن حكم الصفرة والكدرة حكم الحيض ، قالوا ~~: فلم يبق بحديث أم عطية معنى غير أنا لا نعد الصفرة والكدرة شيئا فى غير ~~أيام المحيض ، وقد جاء هذا المعنى فى PageV01P457 حديث أم عطية مكشوفا ، ~~روى حماد بن سلمة ، عن قتادة ، عن أم الهذيل ، عن أم عطية أنها قالت : كنا ~~لا نعد الصفرة والكدرة بعد الغسل شيئا . * * * # | 23 - باب عرق الاستحاضة # / 28 - فيه : عائشة ، أن أم حبيبة استحيضت سبع سنين ، فسألت رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - عن ذلك ، فأمرها أن تغتسل ، فقال : تمت هذا عرق - ، ~~فكانت تغتسل لكل صلاة . قال المهلب : قوله : تمت فهذا عرق - يدل أن ~~المستحاضة لا تغتسل لكل صلاة كما زعم من أوجب ذلك ، واحتج بهذا الحديث ، ~~لأن دم العرق لا يوجب غسلا . وقوله : تمت فكانت تغتسل لكل صلاة - ، يريد ~~تغتسل من الدم الذى كان يصيب الفرج ms0284 ، لأن المشهور من قول عائشة أنها لا ترى ~~الغسل لكل صلاة للمستحاضة ، وقد ذكر الطحاوى عن يونس ، عن يحيى بن بكير ، ~~عن الليث ، عن ابن شهاب ، عن عروة ، عن عائشة : تمت أن أم حبيبة استحيضت . ~~. . . - وذكر الحديث ، قال الليث : لم يذكر ابن شهاب أن رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - أمر أم حبيبة أن تغتسل لكل صلاة ، وقال غيره : ومن ذكر ~~حديث أم حبيبة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمرها بالغسل لكل صلاة ~~، فليس بحجة على من سكت عنه ، لأن الحفاظ من PageV01P458 أصحاب ابن شهاب لا ~~يذكرونه ، وإيجاب الغسل عليها إيجاب فرض ، والفرائض لا تثبت إلا بيقين ، ~~ولا يقين هنا من بينة ثابتة ، ولا من إجماع ، وإنما الإجماع فى إيجاب الغسل ~~من الحيض . قال الطحاوى : وقد قيل : إن حديث أم حبيبة منسوخ بحديث فاطمة ~~بنت أبى حبيش ، لأن عائشة أفتت بحديث فاطمة بعد النبى ، - صلى الله عليه ~~وسلم - ، وخالفت حديث أم حبيبة ، وقد علمت ما خالفه وما وافقه من قوله - ~~صلى الله عليه وسلم - ، ولا يجوز عليها أن تدع الناسخ ، وتفتى بالمنسوخ ، ~~بل الأمر بضد ذلك ، فحديث فاطمة أول ما صير إليه فى هذا الباب ذكره الطحاوى ~~. وأما قوله : تمت إن أم حبيبة استحيضت سبع سنين - ، ففيه حجة لابن القاسم ~~فى قوله : إن من استحيضت ، فتركت الصلاة جاهلة ، وظنته حيضا أنه لا إعادة ~~عليها ، وذلك أنه - صلى الله عليه وسلم - لم يأمرها بإعادة صلوات السبعة ~~الأعوام ، ووجه ذلك أنها لما سألته فأمرها بالغسل ، علم أنها لم تغتسل قبل ~~، ولو اغتسلت لقالت : إنى قد اغتسلت ، فعلم أن فى السبعة الأعوام كانت عند ~~نفسها حائضا ، فأمرها بالغسل من ذلك الحيض ، ولم يأمرها بإعادة صلوات تلك ~~المدة . * * * # | 24 - باب المرأة تحيض بعد الإفاضة # / 29 - فيه : عائشة أن صفية قد حاضت ، فقال لها رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - : تمت لعلها تحبسنا ، ألم تكن قد طافت معكن - ؟ قالوا : بلى ، ~~قال : تمت فاخرجن - . PageV01P459 / 30 - وفيه : ابن عباس ، قال : رخص ~~للحائض أن تنفر . وكان ms0285 ابن عمر يقول فى أول أمره : إنها لا تنفر ، ثم سمعته ~~، يقول : تنفر . قوله : تمت ألم تكن طافت معكن - ، يريد يوم النحر ، وهو ~~طواف الإفاضة المفترض فى الحج . ففيه من الفقه أن طواف الإفاضة يغنى عن ~~طواف الوداع ، لأنه غير واجب ، ألا ترى أن النبى - صلى الله عليه وسلم - لم ~~يسأل إن كانت طافت لدخول مكة ، وإنما سأل إن كانت طافت يوم النحر ، فكما ~~يغنى طواف الإفاضة عن كل طواف قبله ، كذلك يغنى عن كل طواف بعده ، فدل هذا ~~على أن على الإنسان فى حجه كله طوافا واحدا ، وهو طواف الإفاضة . وقول ابن ~~عباس : تمت رخص للحائض أن تنفر - ، يعنى إذا طافت طواف الإفاضة ، وأما إذا ~~لم تطفه فلا تنفر ، ولا حج لها ، وسيأتى بيان هذا كله فى كتاب الحج ، إن ~~شاء الله . * * * # | 25 - باب إذا رأت المستحاضة الطهر # قال : ابن عباس تغتسل ، ولو ساعة وتصلى ، ويأتيها زوجها ، والصلاة أعظم . ~~PageV01P460 / 31 - فيه : عائشة ، قال النبى ، - صلى الله عليه وسلم - : ~~تمت إذا أقبلت الحيضة ، فدعى الصلاة ، وإذا أدبرت ، فاغسلى عنك الدم ، وصلى ~~- . قوله : تمت إذا رأت المستحاضة الطهر - ، يريد إذا أقبل دم الاستحاضة ~~الذى هو دم عرق ، الذى يوجب الغسل والصلاة ، وميزته من دم حيضتها فهو طهر ~~من الحيض ، فاستدل من هذا أن لزوجها وطؤها ، وجمهور الفقهاء وعامة العلماء ~~بالحجاز والعراق على جواز وطء المستحاضة . ومنع من ذلك قوم ، روى ذلك عن ~~عائشة ، قالت : تمت المستحاضة لا يأتيها زوجها - ، وهو قول النخعى ، والحكم ~~، وابن سيرين ، وسليمان بن يسار ، والزهرى ، قال الزهرى : إنما سمعنا ~~بالرخصة فى الصلاة . وحجة الجماعة : أن دم الاستحاضة ليس بأذى يمنع الصلاة ~~والصوم ، فوجب أن لا يمنع الوطء . وقول ابن عباس : تمت الصلاة أعظم من ~~الجماع - ، من أبين الحجة فى ذلك ، وقد نزع بمثلها سعيد بن جبير ، ولا ~~يحتاج إلى غير ما فى هذا الباب . * * * # | 26 - باب الصلاة على النفساء وسنتها # / 32 - فيه : سمرة بن جندب ، أن امرأة ماتت فى بطن ، فصلى عليها النبى ، ~~- صلى الله عليه وسلم ms0286 - ، فقام وسطها . يحتمل أنه قصد فى هذا الباب أن ~~النفساء ، وإن كانت لا تصلى أنها طاهر ، لها حكم غيرها من النساء ممن ليست ~~نفساء ، لأنه PageV01P461 - صلى الله عليه وسلم - إذا صلى عليها أوجب لها ~~حكم الطهارة ، وإنما امتناعها من الصلاة ما دام بها الدم ، عبادة لا على ~~طريق التنجيس ، وهذا يرد على من ذهب إلى أن ابن آدم ينجس بموته ، لأن ~~النفساء التى صلى عليها النبى - صلى الله عليه وسلم - ، وأبان لنا سنته ~~فيها جمعت الموت ، وحمل النجاسة بالدم اللازم لها ، فلما لم يضرها ذلك كان ~~الميت الطاهر الذى لا تسيل منه نجاسة أولى بإيقاع اسم الطهارة عليه . وأشار ~~إلى شىء من هذا المعنى ابن القصار ، وذكر أن لبعض أصحاب مالك فى العتبية : ~~أن ابن آدم طاهر إذا مات . قال : واختلف فيه قول الشافعى ، قال : والصواب ~~عندى أنه طاهر ، ونزع أن الصلاة عليه بعد موته تكرمة له وتعظيم ، فخرج بها ~~عن حكم الإنجاس . * * * # | 27 - باب # / 33 - فيه : ميمونة زوج النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، أنها كانت ~~تكون حائضا لا تصلى ، وهى مفترشة بحذاء مسجد رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - ، وهو يصلى على خمرته ، إذا سجد أصابنى بعض ثوبه . وهذا الباب كالذى ~~قبله يدل أن الحائض ليست بنجس ، لأنها لو كانت نجسا لما وقع ثوبه عليها وهو ~~يصلى ، ولا قربت من موضع مصلاه . وفيه : أن الحائض تقرب من المصلى ، ولا ~~يضر ذلك صلاته PageV01P462 ولا يقطعها ، لأنها كانت تقرب قبلته ، أنه لا ~~يصيبها بثوبه عند سجوده إلا وهى قريب منه . وأقولا ما يستدل به على طهارة ~~الحائض مباشرته - صلى الله عليه وسلم - لأزواجه وهن حيض فيما فوق المئزر ، ~~إلا أنها ، وإن كانت طاهرا ، فإنه لا يجوز لها دخول المسجد بإجماع ، لأمره ~~فى العيدين باعتزال الحيض المصلى . PageV01P463 * * * بسم الله الرحمن ~~الرحيم كتاب التيمم # | 1 - كتاب التيمم # قوله تعالى : { فلم تجدوا ماء ، فتيمموا صعيدا طيبا فامسحوا بوجوهكم ~~وأيديكم منه } [ المائدة : 6 ] . / 1 - فيه : عائشة زوج النبى - صلى الله ~~عليه وسلم - قالت : خرجنا مع ms0287 رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فى بعض ~~أسفاره ، حتى إذا كنا بالبيداء ، أو بذات الجيش ، انقطع عقد لى ، فأقام ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على التماسه ، وأقام الناس معه ، وليسوا ~~على ماء ، فأتى الناس إلى أبى بكر الصديق ، فقالوا : ألا ترى ما صنعت عائشة ~~؟ أقامت برسول الله - صلى الله عليه وسلم - والناس ، وليسوا على ماء ، وليس ~~معهم ماء ، فجاء أبو بكر ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - واضع رأسه على ~~فخذى ، قد نام ، فقال : حبست رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والناس ، ~~وليسوا على ماء ، وليس معهم ماء ؟ فقالت عائشة : فعاتبنى أبو بكر ، وقال ما ~~شاء الله أن يقول ، وجعل يطعننى بيده فى خاصرتى ، فلا يمنعنى من التحرك إلا ~~مكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على فخذى ، فقام رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - حين أصبح على غير ماء ، فأنزل الله تعالى آية التيمم ، ~~فتيمموا ، فقال أسيد بن الحضير : ما هى بأول بركتكم يا آل أبى بكر ؟ . قالت ~~: فبعثنا البعير الذى كنت عليه ، فأصبنا العقد تحته . / 2 - وفيه : جابر ، ~~قال النبى ، - صلى الله عليه وسلم - : تمت أعطيت خمسا ، لم يعطهن أحد قبلى ~~، نصرت بالرعب مسيرة شهر ، وجعلت لى الأرض مسجدا وطهورا ، فأيما رجل من ~~أمتى أدركته الصلاة ، فليصل ، وأحلت لى PageV01P464 الغنائم ، ولم تحل لأحد ~~قبلى ، وأعطيت الشفاعة ، وكان النبى يبعث إلى قومه خاصة ، وبعثت إلى الناس ~~عامة - . قال المؤلف : قوله تعالى : { فتيمموا صعيدا طيبا } [ المائدة : 6 ~~] يعنى اقصدوا وتعمدوا ، تقول العرب : يممت كذا إذا قصدته ، ومنه قوله ~~تعالى : { ولا آمين البيت الحرام } [ المائدة : 2 ] ، يعنى قاصدين . واختلف ~~أهل التأويل فى الصعيد ما هو ؟ . فقال قتادة : الصعيد الأرض التى ليس فيها ~~شجر ولا نبات ، وقال ابن دريد : الصعيد المستوى ، وقال غيره : الصعيد ~~التراب . وقوله : تمت طيبا - ، يعنى طاهرا ، واختلف الفقهاء فى الصعيد الذى ~~يجوز به التيمم ، فقالت طائفة : يجوز التيمم على كل أرض طاهرة ، سواء كانت ~~حجرا لا تراب عليها ، أو عليها تراب ، أو رمل ، أو زرنيخ ، أو ms0288 تورة ، أو ~~غير ذلك . هذا قول مالك ، وأبى حنيفة ، ومحمد . وقال أبو يوسف : لا يجوز ~~التيمم على صخر لا تراب عليه ، وهو قول الشافعى ، والتراب عندهما شرط فى ~~صحة التيمم . قال الطحاوى : ولما اختلفوا فى ذلك ، ولم نجد لما اختلفوا فيه ~~دليلا فى الكتاب التمسناه فى سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، ~~فوجدنا قوله - صلى الله عليه وسلم - : تمت جعلت لى الأرض مسجدا وطهورا - ، ~~فلما أخبر أن الله جعل له الأرض مسجدا وطهورا ، وكان المراد بالمسجد الصلاة ~~عليها ، والمراد PageV01P465 بالطهور التيمم بها كانت كل أرض جازت الصلاة ~~عليها جاز التيمم بها . قال ابن القصار : والدليل على أن المراد الأرض كلها ~~قوله - صلى الله عليه وسلم - : تمت فأيما رجل أدركته الصلاة ، فليصل - ، ~~ولم يخص موضعا منها دون موضع ، وقد يدركه فى موضع منها من الأرض لا تراب ~~عليه فيه رمل ، أو جص كما تدركه فى أرض عليها تراب . فإن قيل : قوله تعالى ~~: { فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه } [ المائدة : 6 ] شرط الممسوح به لأنه لا ~~يقال : مسح منه إلا إذا أخذ منه جزءا ، وهذه صفة التراب لا صفة الجبل الذى ~~لا يمكن الأخذ منه . فالجواب : أنه لا يجوز أن تكون تمت منه - صلة فى ~~الكلام كقوله : { وننزل من القرآن ما هو شفاء } [ الإسراء : 82 ] ، والقرآن ~~كله شفاء . ولو سلمنا أنه أراد غير الصلة لقلنا : إنه أراد ب تمت منه - ~~الموضع الطاهر من الصعيد الذى يجوز السجود عليه ، ولو أراد بالصعيد التراب ~~لقال تعالى : فامسحوا بوجوهكم وأيديكم به . ولم يقل : منه ، فلما قال : منه ~~، دل أنه أراد مما تصاعد من الأرض ، ولم يخص بعض ما تصاعد منها دون بعض . ~~وقال ابن الأعرابى : الصعيد اسم للأرض ، واسم للتراب ، واسم للطريق ، واسم ~~للقبر ، فإذا تناول كل واحد من هذه حقيقة ، فيجعل للعموم فى جميعها . فإن ~~قالوا : قد روى فى الحديث : تمت جعلت لى الأرض مسجدا PageV01P466 وتربتها ~~طهورا - ، وهذا نص فى التراب ، فدل أن غير التراب ليس بطهور ، والتراب ~~زيادة يجب قبولها ، والحديث رواه ابن أبى ms0289 شيبة ، عن محمد بن فضيل ، عن أبى ~~مالك الأشجعى ، عن ربعى بن حراش ، عن حذيفة ، عن النبى - صلى الله عليه ~~وسلم - . قال الأصيلى : انفرد أبو مالك الأشجعى بذكر التراب فى هذا الحديث ~~، ولا اعتداد بمن خالفه الناس ، فكذلك ما يذكرونه فى حديث أبى ذر : تمت ~~التراب كافيك ، ولو إلى عشر سنين - ، المشهور من رواية الثقات عن أبى قلابة ~~، وابن سيرين : تمت الصعيد كافيك ، ولو إلى عشر سنين - ، وكذلك فى حديث أبى ~~رجاء ، عن عمران بن حصين ، أن النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، قال له : ~~تمت عليك بالتراب ، فإنه كافيك - . وقولكم : إن التراب زيادة يجب قبولها ، ~~فإننا نقول بالزائد والمزيد عليه ، فيجوز الأمرين جميعا ، وهذه زيادة فى ~~الحكم لا محالة ، فهى أولى من الاقتصار على الزائد فقط . فإن قالوا : إن ~~الحجر والجص معدن من الأرض ، فلا يجوز التيمم به كالحديد والذهب والفضة ، ~~قيل : الصعيد عندنا هو الأرض نفسها ، فالتيمم يقع عليها سواء كانت جصية أو ~~رملية ، فأما على الجص مفردا ، أو الكحل مفردا ، أو الزرنيخ مفردا ، فلا ~~يجوز التيمم به ، وقد قال الله تعالى : { صعيدا زلقا } [ الكهف : 40 ] ، و ~~{ صعيدا جرزا } [ الكهف : 8 ] ، والجرز الأرض الغليظة التى لا تنبت شيئا . ~~PageV01P467 وقد جوز الشافعى التيمم على السباخ اليابسة ، ولا غبار عليها ~~يعلق باليد ، فكذلك ينبغى أن يجوز فى غيرها مما لا تراب عليه . وقال المهلب ~~: فى حديث عائشة من الفقه : السفر بالنساء . وفيه : النهى عن إضاعة المال ، ~~لأن النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، أقام على تفتيش العقد بالعسكر ليلة ، ~~وقد ذكر فى غير هذا الحديث أن العقد كان لأختها ، وكان ثمنه اثنى عشر درهما ~~. وفيه : شكوى المرأة إلى أبيها ، وإن كان لها زوج . وفيه : الإنصاف منها ، ~~وإن كان لها زوج . وفيه : أن للأب أن يدخل على ابنته وزوجها معها إذا علم ~~أنها معه فى غير خلوة مباشرة ، وأن له أن يعاتبها فى أمر الله ، وأن يضربها ~~عليه . وفيه : أنه يعاتب من نسب إلى ذنب أو جريمة ، كما عاتب أبو بكر ابنته ~~على ms0290 حبس النبى - صلى الله عليه وسلم - والناس بسببها . وفيه : نسبة الفعل ~~إلى من هو سببه ، وإن لم يفعله ، لقولهم : ألا ترى ما صنعت عائشة أقامت ~~برسول الله - صلى الله عليه وسلم - وبالناس ، وليسوا على ماء . فنسب الفعل ~~إليها إذ كانت سببه . قال غيره : وقولهم : تمت ليس معهم ماء - ، دليل أن ~~الوضوء قد كان لازما لهم قبل ذلك ، وأنهم لم يكونوا يصلون بغير وضوء قبل ~~نزول آية التيمم ، ألا ترى قوله : فأنزل الله آية التيمم ، وهى آية الوضوء ~~التى فى المائدة ، والآية التى فى النساء ، وليس التيمم مذكورا PageV01P468 ~~فى غير هاتين الآيتين ، وهما مدنيتان ، ومعلوم أن غسل الجنابة لم يفترض قبل ~~الوضوء ، كما أنه معلوم عند جميع أهل السير أن الصلاة فرضت بمكة ، والغسل ~~من الجنابة ، وأنه لم يصل قط إلا بوضوء مثل وضوئه بالمدينة ، ونزلت آية ~~الوضوء ، ليكون فرضها التقدم متلوا فى التنزيل ، فقولهم : تمت نزلت آية ~~التيمم - ، ولم يذكر الوضوء يدل أن الذى طرأ عليهم من العلم فى ذلك حكم ~~التيمم لا حكم الوضوء ، وذلك رفق من الله بعباده أن أباح لهم التيمم ~~بالصعيد عند عدم الماء ، وكذلك قال أسيد بن الحضير : تمت ما هى بأول بركتكم ~~يا آل أبى بكر - . قال المهلب : وقوله - صلى الله عليه وسلم - : تمت جعلت ~~لى الأرض مسجدا وطهورا - ، والذى خص به من ذلك - صلى الله عليه وسلم - أن ~~جعلت طهورا للتيمم ، ولم يكن ذلك للأنبياء قبله ، وأما كونها مسجدا ، فلم ~~يأت فى أثر أنها منعت من غيره ، وقد كان عيسى - صلى الله عليه وسلم - يسيح ~~فى الأرض ويصلى حيث أدركته الصلاة ، فكأنه قال - صلى الله عليه وسلم - : ~~جعلت لى الأرض مسجد وطهورا ، وجعلت لغيرى مسجدا ، ولم تجعل له طهورا . وفى ~~قوله : تمت فأيما رجل أدركته الصلاة ، فليصل - ، يعنى يتيمم ويصلى ، دليل ~~على تيمم الحضرى إذا عدم الماء ، وخاف فوت الصلاة . وفيه : ما خصه الله ~~تعالى به من الشفاعة ، ويدل أنه لا يشفع فى أحد يوم القيامة إلا شفع فيه . ~~PageV01P469 قوله فى حديث الشفاعة ms0291 : تمت قل يا محمد نسمع ، واشفع تشفع ، ~~وسل تعط - ، ولم يعط ذلك من قبله من الأنبياء ، ولا تكون الشفاعة إلا فى ~~المذنبين المستحقين للعقوبة ، لأن من لا يستحق العقوبة لا يحتاج إلى ~~الشفاعة . وقوله : تمت بعثت إلى الناس كافة - ، دليل أن الحجة تلزم بالخبر ~~، كما تلزم بالمشاهدة ، وذلك أن الآية المعجزة باقية مساعدة للخبر ، مبينة ~~له ، رافعة لما يخشى من آفات الأخبار ، وهى القرآن الباقى ، ولذلك خص الله ~~نبيه ببقاء آيته ، لبقاء دعوته ، ووجوبها على من بلغته إلى آخر الزمان . * ~~* * # | 2 - باب إذا لم يجد ماء ولا ترابا # / 3 - فيه : عائشة ، أنها استعارت من أسماء قلادة ، فهلكت ، فبعث رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - رجلا ، فوجدها ، فأدركتهم الصلاة ، وليس معهم ~~ماء ، فصلوا ، فشكوا ذلك إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فأنزل ~~الله آية التيمم ، فقال أسيد بن حضير لعائشة : جزاك الله خيرا ، فوالله ما ~~نزل بك أمر تكرهينه ، إلا جعل الله ذلك لك ، وللمسلمين فيه خيرا . قال ~~المؤلف : الذى لا يجد ماء ولا ترابا هو المكتوف والمحبوس والمهدوم عليه ~~والمعطوب ومن أشبههم تحضره الصلاة ، فاختلف العلماء فى ذلك ، فقالت طائفة : ~~يصلون إيماء بغير وضوء ولا تيمم ، كصلاة الطالبين للعدو ، ولا إعادة عليهم ~~. ذكر ابن أبى زيد أن هذا PageV01P470 قول ابن نافع وسحنون ، وحكاه ابن ~~القصار ، عن أشهب والمزنى ، وذكره ابن المنذر ، عن أبى ثور . وقالت طائفة : ~~يصلون وعليهم الإعادة ، هذا قول الثورى ، وابن القاسم ، وأكثر أصحاب مالك ، ~~وهو قول أبى يوسف ، ومحمد ، والشافعى . وقال ابن خويز منداد : روى المدنيون ~~عن مالك فيمن لا يقدر على الماء ، ولا على الصعيد حتى يخرج الوقت ، أنه لا ~~يصلى ولا إعادة عليه والصلاة عنه ساقطة ، قال : وهو الصحيح من مذهب مالك . ~~وروى معن بن عيسى عن مالك فى الذى يكتفه الوالى ويمنعه من الصلاة ، حتى ~~يخرج وقتها ، أنه لا إعادة عليه ، وهذا القول اختيار ابن القصار ، وحكى أنه ~~مذهب أبى حنيفة . ووجه القول الأول ، أنهم يصلون ولا قضاء عليهم ، أن النبى ~~- صلى الله ms0292 عليه وسلم - لم يأمر الذين طلبوا العقد حين صلوا بغير وضوء ولا ~~تيمم بالإعادة . قال المهلب : إن حكمنا فى عدم الشرعين ، الوضوء والتيمم ، ~~كحكمهم فى عدم الشرع الواحد ، وهو الوضوء الذى كان عليهم ، فلما ساغ لهم ~~الصلاة بالتيمم بغير وضوء ، ساغ لنا الصلاة بغير تيمم ولا وضوء . وقال أبو ~~ثور : القياس فيمن لم يقدر على الطهارة أن يصلى PageV01P471 ولا يعيد ، كمن ~~لم يقدر على الثوب وصلى عريانا الصلاة لازمة له ، يصلى على ما يقدر ، ويؤدى ~~ما عليه بقدر طاقته . وقال ابن القصار : كل من أدى فرضه على ما كلفه لم ~~يلزمه إعادة ، كالمستحاضة ، ومن به سلس البول ، والعاجز عن أركان الصلاة ~~يصلى على حسب حاله ، وكالمسايف ، والمسافر يحبس الماء خوفا على نفسه من ~~العطش ، يتيمم ويصلى ، كل هؤلاء إذا صلوا على حسب تمكنهم لم تجب عليهم ~~إعادة . ووجه قول من قال : يصلون وعليهم إعادة الصلاة : فإنهم احتاطوا ~~للصلاة فى الوقت على حسب الاستطاعة لاحتمال قوله - صلى الله عليه وسلم - : ~~تمت لا يقبل الله صلاة بغير طهور - ، لمن قدر عليه ، ولم يكونوا على يقين ~~من هذا التأويل فرأوا الإعادة واجبة مع وجود الطهارة ، إذ ليس فى الحديث أن ~~النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، لم يأمرهم بالإعادة ، وقد يحتمل أن يكون ~~أمرهم ولم ينقل ذلك ، والله أعلم . ووجه قول الذين قالوا : لا يصلون حتى ~~يجدوا ماء أو ترابا : أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - قال : تمت لا تقبل ~~الصلاة بغير طهور - ، وليس فرض الوقت بأوكد من فرض الطهور . وأما رواية معن ~~، عن مالك التى اختارها ابن القصار ، فإنه قال : وجه ذلك قوله - صلى الله ~~عليه وسلم - : تمت لا يقبل الله صلاة بغير طهور - ، قال : وهذا دليل على ~~سقوط حكمها إذا صلى بغير طهور ، فإذا سقط عنه أن يصلى بغير طهور ، ومعه ~~عقله لم يجب عليه قضاء كالحائض ، وأيضا فلو وجب عليه ابتداء الدخول فى ~~الصلاة لو كان طاهرا لوجب PageV01P472 أن يسقط فرضه ، فلما قالوا : لا يسقط ~~فرضه ، لم تجب عليه ، ولو وجب ms0293 عليه أن يبتدئ الصلاة حتى يتمها ويقضى ، ~~لأوجبنا عليه صلاتى فرض من جنس واحد فى يوم واحد ، وهذا لا يجوز . وأما ~~قوله : تمت فبعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رجلا فوجدها - ، فإنه ~~يعارض ما رواه القاسم ، عن أبيه ، عن عائشة ، قالت : تمت فبعثنا البعير ~~الذى كنت عليه ، فأصبنا العقد تحته - ، وقد حمل إسماعيل بن إسحاق على هشام ~~بن عروة ، وجعل حديثه مناقضا لحديث عبد الرحمن بن القاسم . قال أبو عبد ~~الله بن أبى صفرة : وليس بمناقض ، ويحتمل أن يكون قوله : تمت فبعث رجلا - ، ~~يعنى أسيدا ، فوجدها أسيد بعد رجوعه من طلبها ، ويحتمل أن يكون النبى - صلى ~~الله عليه وسلم - وجدها عند إثارة البعير بعد انصراف المبعوثين من موضع ~~طلبها ، ويتفق الحديثان بغير تعارض ، والحمد لله . * * * # | 3 - باب التيمم فى الحضر إذا لم يجد الماء ، وخاف فوت الصلاة # وبه قال عطاء . وقال الحسن ، فى المريض عنده الماء ، ولا يجد من يناوله : ~~يتيمم . وأقبل ابن عمر من أرضه بالجرف ، فحضرت العصر بمربد النعم ، فتيمم ، ~~ثم دخل المدينة والشمس مرتفعة فلم يعد . / 4 - فيه : أبو جهيم ، أقبل النبى ~~، - صلى الله عليه وسلم - ، من نحو بئر جمل ، فلقيه رجل ، فسلم عليه ، فلم ~~يرد عليه النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، حتى أقبل على الجدار ، فمسح ~~بوجهه ويديه ، ثم رد - صلى الله عليه وسلم - . PageV01P473 واختلف العلماء ~~فى الحضرى يخاف فوات الصلاة إن علاج الماء ، هل له أن يتيمم ؟ . فقال مالك ~~: يتيمم ويصلى ولا يعيد ، وهو قول الأوزاعى ، والثورى ، وأبى حنيفة ، ومحمد ~~. وروى عن مالك : أنه يصلى بالتيمم ويعيد الصلاة ، وهو قول الليث ، ~~والشافعى . وروى عن مالك أنه يعالج الماء ، وإن طلعت الشمس ، وهو قول أبى ~~يوسف ، وزفر ، قالا : لا يصلى أصلا ويتعلق الفرض بذمته إلى أن يقدر على ~~الماء ، لأنه لا يجوز التيمم عندهما فى الحضر ، واحتجا بأن الله جعل التيمم ~~رخصة للمريض والمسافر ، ولم يبحه إلا بشرط المرض والسفر ، فلا دخول للحاضر ~~ولا للصحيح فى ذلك ، لخروجهما من شرط الله . واحتج من قال : يتيمم ms0294 ويصلى ~~ويعيد ، قال : لأنا قد رأينا من يفعل ما أمر به ولا تسقط عنه الإعادة ، وهو ~~واقع موقع فساد ، مثل من أفسد حجه أو صومه المفترض عليه ، فإنه مأمور ~~بالمضى فيه فرض عليه ومع هذا فعليه الإعادة ، وأيضا فإن المسافر والمريض قد ~~أبيح لهما الفطر فى رمضان ، ففعلا المأمور به ولم يسقط عنهما القضاء ، كذلك ~~الحاضر إذا تيمم وصلى لا يسقط عنه القضاء . PageV01P474 واحتج عليه من قال ~~: يتيمم ويصلى ولا يعيد ، وهم أهل المقالة الأولى ، فقالوا : هذاسهو ، لأن ~~الفطر رخصة لهما ولم يفعلا الصوم ، والمتيمم فعل الواجب وفعل الصلاة ، فلو ~~رخص له فى الخروج من الصلاة كما رخص للمسافر فى الفطر لوجب عليه القضاء . ~~وأما من أفسد حجه أو صومه فإنما أمر بالمضى فيه عقوبة لإفساده له ، ثم وجب ~~عليه قضاؤه ، ليؤدى الفرض كما أمر به . والحاضر إذا تعذر عليه الماء ، وخاف ~~فوت الصلاة صار مطيعا بالتيمم والصلاة ابتداء ، ولم يفسد شيئا يجب معه عليه ~~القضاء . والحجة لأهل المقالة الأولى فى أنه لا إعادة عليه ما ذكره البخارى ~~عن ابن عمر أنه تيمم بمربد النعم وهو فى طرف المدينة ، لأنه خشى فوت الوقت ~~الفاضل ولم يجد ماء ، ثم صلى ، وهو حجة للحاضر يخاف فوت الوقت كله أنه يجوز ~~له التيمم ، لأنه لما جاز لابن عمر التيمم والصلاة ، ثم دخل المدينة وقد ~~بقى عليه من الوقت بقية ، ولم يعد الصلاة ، كمان أحرى أن يجوز التيمم ~~والصلاة للحضرى يخاف خروج الوقت كله . قال المهلب : وأما حديث بئر جمل ، ~~فإن فيه التيمم فى الحضر ، إلا إنه لا دليل فيه أنه رفع بذلك التيمم الحدث ~~رفعا استباح به الصلاة ، لأنه أراد أن يجعله تحية لرد السلام ، إذ كره أن ~~يذكر الله على غير طهارة ، هكذا رواه حماد بن سلمة فى مصنفه فى هذا الحديث ~~. قال المؤلف : فذكرت هذا لبعض أهل العلم ، فقال لى : وهو وإن كان كما ذكره ~~المهلب فإنه يستنبط منه جواز التيمم فى الحضر ، إذا لم يستطع الوصول إلى ~~الماء ، وخاف فوات ms0295 الصلاة ، لأنه لما تيمم فى الحضر لرد السلام ، وكان له ~~أن يرد - صلى الله عليه وسلم - قبل تيممه ، استدل منه أنه إذا خشى فوات ~~الصلاة فى الحضر أن له التيمم ، بل ذلك أوكد ، لأنه لا يجوز له الصلاة بغير ~~وضوء ولا تيمم ، ويجوز له أن PageV01P475 بغير وضوء ولا تيمم ، وأيضا فإن ~~التيمم إنما ورد فى المسافرين والمرضى لإدراك وقت الصلاة وخوف فوته ، فكل ~~من لم يجد الماء وخاف فوت الصلاة ، تيمم إن كان مسافرا أو مريضا بالنص ، ~~وإن كان حاضرا صحيحا بالمعنى ، وهذا دليل قاطع . وقد احتج الطحاوى بهذا ~~الحديث فى جواز التيمم للجنازة إذا خاف فوت الصلاة عليها . وهو قول ~~الكوفيين ، والليث ، والأوزاعى . قال الطحاوى : فتيمم - صلى الله عليه وسلم ~~- لرد السلام فى المصر وهو فرض لخوف الفوت ، لأنه لو فعل بعد التراخى لم ~~يكن جوابا . فإن قيل : ليست الطهارة شرطا فى صحة رد السلام ؟ قيل : قد ثبت ~~لهذه الطهارة حكم لولاه لم يفعلها النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، ولو لم ~~يكن ثبت حكم التيمم فى هذه الحالة لما فعله النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ~~، ومنع مالك ، والشافعى ، وأحمد بن حنبل ، الصلاة على الجنائز بالتيمم . ~~قال ابن القصار : وفى تيمم النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، بالجدار رد ~~على أبى يوسف ، والشافعى فى قولهما : إن التراب شرط فى صحة التيمم ، لأنه - ~~صلى الله عليه وسلم - تيمم بالجدار ، ومعلوم أنه لم يعلق بيده منه تراب إذ ~~لا تراب على الجدار ، وقد تقدم فى باب ما يقول عند الخلاء زيادة فى معنى ~~تركه - صلى الله عليه وسلم - لرد السلام حين تيمم بالجدار ، كرهنا تكراره ~~فتأمله هناك إن شاء الله . والمربد والجرين ، والبيدر الأندر . PageV01P476 ~~* * # | * 4 - باب هل ينفخ فيهما # / 5 - فيه : سعيد بن عبدالرحمن بن أبزى ، عن أبيه ، قال : جاء رجل إلى ~~عمر ابن الخطاب ، فقال : إنى أجنبت ، فلم أصب الماء ، فقال عمار بن ياسر ~~لعمر بن الخطاب : أما تذكر أنا كنا فى سفر أنا وأنت ، أما أنت فلم تصل ، ~~وأما أنا فتمعكت ms0296 ، فصليت ، فذكرت للنبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، فقال ~~النبى - صلى الله عليه وسلم - : تمت إنما كان يكفيك هكذا - ، فضرب النبى - ~~صلى الله عليه وسلم - بكفيه الأرض ، ونفخ فيهما ، ثم مسح بهما وجهه وكفيه . ~~اختلف العلماء فى نفض اليدين من التيمم فكان الشعبى يقول بنفضهما وهو قول ~~الكوفيين ، وقال مالك أيضا : نفضا خفيفا . وقال الشافعى : لا بأس أن ~~ينفضهما إذا بقى فى يديه غبار يماس الوجه وهو قول إسحاق . وقال أحمد : لا ~~يضر فعل أو لم يفعل وكان ابن عمر لا ينفض يديه . قال المهلب : فيه من الفقه ~~أن المتأول لا إعادة عليه ولا لوم ، ألا ترى أن عمارا قال : تمت أما أنا ~~فتمرغت فى التراب - ، لأنه تأول أن التيمم للوجه والكفين ، لا يجزئ فى ~~الجنابة ، كما يجزئ فى الوضوء وكان فى السفر ، فلم يأمره النبى ، - صلى ~~الله عليه وسلم - ، بإعادة التيمم PageV01P477 والصلاة لأنه عمل أكثر مما ~~كان يجب عليه فى التيمم ، بل أخبره أنه كان يجزئه ضربة للوجه والكفين عن ~~غسل الجنابة ، وسيأتى الخلاف فى تيمم الجنب بعد هذا ، إن شاء الله . * * * # | 5 - باب التيمم للوجه والكفين # / 6 - فيه : عمار قال لعمر : تمعكت ، فأتيت النبى ، - صلى الله عليه وسلم ~~- ، فقال : تمت يكفيك الوجه والكفين - . / 7 - وقال عمار مرة : فضرب النبى ~~- صلى الله عليه وسلم - بيده الأرض فمسح وجهه وكفيه . اختلف العلماء فى حد ~~مسح الكفين فى التيمم ، فقال قوم : هو إلى الكوعين روى هذا عن على بن أبى ~~طالب وسعيد بن المسيب ، والأعمش ، وعطاء ، وهو قول الأوزاعى ، وأحمد ، ~~وإسحاق . وروى ابن القاسم عن مالك أنه إن تيمم إلى الكوعين أعاد فى الوقت ~~وهذا يدل أن التيمم إلى المرفقين مستحب عنده . وقال قوم : التيمم إلى ~~المرفقين . روى هذا عن ابن عمر ، وجابر ، والنخعى ، والحسن ، وهو قول مالك ~~، وأبى حنيفة وأصحابه والثورى ، والليث ، والشافعى ، قالوا : لا يجزئه إلا ~~ضربتان ضربة للوجه ، وضربة لليدين إلى المرفقين ، ولا يجزئه دون المرفقين . ~~PageV01P478 وقال الزهرى : هو إلى الآباط . واحتج الزهرى بما رواه عن عبيد ~~الله بن ms0297 عبد الله ، عن أبيه ، عن عمار بن ياسر ، قال : تيممنا مع رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - ، إلى المناكب ، رواه جويرية ، عن مالك ، عن ابن ~~شهاب . وحجة من ذهب إلى أن المراد مسحهما إلى المرفقين فما رواه الثورى عن ~~سلمة بن كهيل ، عن أبى مالك ، عن عبد الرحمن بن أبزى ، عن عمار بن ياسر ، ~~عن النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، قال له : تمت إنما كان يكفيك هكذا ، ~~وضرب بيديه ، ثم نفخهما ومسحهما بوجهه وكفيه وذراعيه إلى نصفيهما - . ~~وأنصاف الذراعين عندهم هو نهاية المرفقين ، ومن جهة النظر أن التيمم بدل من ~~الوضوء ، ولما أجمعوا أن الوضوء إلى المرفقين ، وجب أن يكون التيمم كذلك . ~~وكان من حجة من ذهب إلى أن المسح إلى الكوعين قوله تعالى : { والسارق ~~والسارقة فاقطعوا أيديهما } [ المائدة : 38 ] ، قال ابن القصار : واسم اليد ~~تخصيص إلى الكوعين ، لقطع النبى - صلى الله عليه وسلم - ، والمسلمين بعده ~~من الكوع مع إطلاق اسم اليد فى الآية ، والحكم إذا تعلق بما هذه صفته تعلق ~~بأول الاسم وأخصه . واحتجوا من الآثر بقوله فى حديث عمار : تمت أن النبى ~~ضرب بيده PageV01P479 الأرض ، ثم مسح بهما وجهه وكفيه - . قالوا : وهذا ~~توقيف من النبى - صلى الله عليه وسلم - ، لعمار على المراد من قوله تعالى : ~~{ فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه } [ المائدة : 6 ] يرفع الإشكال . ويدل على ~~ذلك أيضا حديث أبى جهيم : تمت حين تيمم النبى - صلى الله عليه وسلم - ، على ~~الجدار فمسح وجهه ويديه - ، وما روى أنه مسح الذراعين إلى المرافق ، فنحمله ~~على الاستحباب ، وأما التيمم إلى المناكب ، فالأمة فى جميع الأمصار على ~~خلافه . قال الطحاوى : ولم يرو عن أحد من المتقدمين غير ابن شهاب ، وليس فى ~~حديث ابن شهاب ، عن عمار أن النبى - صلى الله عليه وسلم - ، أمرهم بالتيمم ~~إلى المناكب ، ولا أنه تيمم هو كذلك ، فيكون فيه حجة ، بل الآثار أنه تيمم ~~إلى الكوعين وإلى المرفقين . قال الطحاوى : وأما النظر فى ذلك ، فرأينا ~~التيمم قد أسقط عن بعض أعضاء الوضوء ، وهو الرأس والرجلان ، فكان التيمم ~~على بعض ms0298 ما عليه الوضوء ، فبطل بذلك قول من قال : إنه إلى المناكب ، لأنه ~~لما بطل على الرأس والرجلين ، وهم مما يتوضآن كان أحرى ألا يجب على ما لا ~~يتوضأ . | PageV01P480 * * * # | 6 - باب الصعيد الطيب وضوء المسلم ، يكفيه من الماء # وقال الحسن وابن عباس : يجزئه التيمم ما لم يحدث ، وأم ابن عباس وهو ~~متيمم . وقال يحيى بن سعيد : لا بأس بالصلاة على السبخة ، والتيمم بها . / ~~8 - فيه : عمران قال : كنا فى سفر مع النبي - صلى الله عليه وسلم - : وإنا ~~سرينا ، حتى كنا في آخر الليل ، وقعنا وقعة ، ولا وقعة أحلى عند المسافر ~~منها ، فما أيقظنا إلا حر الشمس ، وكان أول من استيقظ فلان ثم فلان ثم فلان ~~يسميهم أبو رجاء ، فنسى عوف ثم عمر بن الخطاب الرابع ، وكان النبي ، - صلى ~~الله عليه وسلم - ، إذا نام ، لم نوقظه حتى يكون هو المستيقظ ، لأنا لا ~~ندري ما يحدث له فى نومه ، فلما استيقظ عمر ورأى ما أصاب الناس ، وكان رجلا ~~جليدا ، فكبر ورفع صوته بالتكبير ، فما زال يكبر ، ويرفع صوته بالتكبير ، ~~حتى استيقظ لصوته النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، فلما استيقظ ، شكوا ~~إليه الذي أصابهم ، قال : تمت لا ضير ، أو لا يضير ، ارتحلوا - ، فارتحلوا ~~، فسار غير بعيد ، ثم نزل ، فدعا بالوضوء ، فتوضأ ونودي بالصلاة ، فصلى ~~بالناس ، فلما انفتل من صلاته ، إذ هو برجل معتزل لم يصل مع القوم ، فقال : ~~تمت ما منعك يا فلان أن تصلي مع القوم - ؟ قال : أصابتنى جنابة ، ولا ماء ، ~~قال : تمت عليك بالصعيد ، فإنه يكفيك - ، ثم سار - صلى الله عليه وسلم - ~~فاشتكى إليه الناس من العطش ، فنزل ، فدعا فلانا كان يسميه أبو رجاء ، نسيه ~~عوف ، ودعا عليا ، فقال : تمت اذهبا ، فابتغيا الماء - ، فانطلقا ، فتلقيا ~~امرأة بين مزادتين أو PageV01P481 سطيحتين من ماء على بعير لها ، فقالا لها ~~: أين الماء ؟ فقالت : عهدي بالماء أمس هذه الساعة ، ونفرنا خلوفا ، قالا ~~لها : انطلقي إذا ، قالت : إلى أين ؟ قالا : إلى رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - قالت : الذي يقال له الصابئ ؟ قالا : هو الذي تعنين ، فانطلقي ms0299 ، ~~فجاءا بها إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وحدثاه الحديث . قال : تمت ~~فاستنزلوها عن بعيرها - ، ودعا النبي - صلى الله عليه وسلم - بإناء ، ففرغ ~~فيه من أفواه المزادتين أو السطيحتين ، وأوكأ أفواههما ، وأطلق العزالي ، ~~ونودي في الناس استقوا واسقوا ، فسقى من سقى ، واستقى من شاء ، وكان آخر ~~ذاك أن أعطى الذي أصابته الجنابة إناء من ماء ، قال : تمت اذهب ، فأفرغه ~~عليك - ، وهي قائمة ، تنظر إلى ما يفعل بمائها ، وايم الله لقد أقلع عنها ، ~~وإنه ليخيل إلينا أنها أشد ملأة منها حين ابتدأ فيها ، قال النبى ، - صلى ~~الله عليه وسلم - : تمت اجمعوا لها - ، فجمع لها من بين عجوة ودقيقة وسويقة ~~حتى جمعوا لها طعاما ، فجعلوه في الثوب ، وحملوها على بعيرها ، ووضعوا ~~الثوب بين يديها ، قال لها : تمت تعلمين ما رزئنا من مائك شيئا ، ولكن الله ~~هو الذى أسقانا - ، فأتت أهلها ، وقد احتبست عنهم ، قالوا : ما حبسك يا ~~فلانة ؟ قالت : العجب لقينى رجلان ، فذهبا بى إلى هذا الرجل الذى يقال له ~~الصابئ ، ففعل كذا ، وكذا فوالله إنه لأسحر الناس من بين هذه ، وهذه ، ~~وقالت بإصبعيها الوسطى والسبابة ، فرفعتهما إلى السماء ، تعني السماء ~~والأرض ، أو إنه لرسول الله حقا ، فكان المسلمون بعد ذلك يغيرون على من ~~حولها من المشركين ، ولا يصيبون الصرم الذي هي منه ، فقالت يوما لقومها : ~~ما أرى أن هؤلاء القوم PageV01P482 يدعونكم عمدا ، فهل لكم في الإسلام ؟ ~~فأطاعوها ، فدخلوا في الإسلام . قال المهلب : قوله للجنب : تمت عليك ~~بالصعيد فإنه يكفيك من الماء - ، فيحتمل أن يكفيه ما لم يحدث إذا لم يجد ~~ماء كما يكفيه الوضوء ، وإنما قال أهل العلم : إنه يتيمم لكل صلاة خوفا أن ~~يضيع طلب الماء ويتكل على التيمم ويأنسوا إلى الأخف ، ويحتمل أن يكفيه لتلك ~~الصلاة وحدها ، لأنها هى التى يستباح فيها خوف فوات وقتها . واختلف العلماء ~~فى ذلك فقالت طائفة : يصلى بالتيمم ما لم يحدث جميع الصلوات وروى ذلك عن ~~عطاء ، والحسن البصرى ، والنخعى ، والزهرى ، والثورى ، والكوفيين . وقالت ~~طائفة : لا يصلى بالتيمم إلا صلاة واحدة ، وعليه أن ms0300 يتيمم لكل صلاة ، روى ~~ذلك عن على ، وابن عمر ، وعمرو بن العاص ، وابن عباس ، وسعيد بن المسيب ، ~~والشعبى ، ومكحول ، وربيعة ، وهو قول مالك ، والليث ، والشافعى ، وأحمد ، ~~وإسحاق . وفيها قول ثالث : أن من صلى الصلوات فى أوقاتهن يتيمم لكل صلاة ، ~~وإذا فاتته صلوات صلاها بتيمم واحد ، روى هذا عن مالك ، وهو قول أبى ثور . ~~واحتج الكوفيون فقالوا : التيمم مرتب على الوضوء ، فلما قامت الدلالة على ~~أنه يصلى صلوات كثيرة بوضوء واحد ، كان التيمم مثله . وحجة من أوجب التيمم ~~لكل صلاة ، قالوا : إن الله أوجب على PageV01P483 كل قائم إلى الصلاة طلب ~~الماء ، لقوله : { فلم تجدوا ماء فتيمموا } [ النساء : 43 ، المائدة : 6 ] ~~، وحقيقة هذا أنه لا يقال لمن لم يطلب الشىء لم يجده ، وأوجب عند عدمه ~~التيمم عند دخول وقت صلاة أخرى مثل ما عليه فى الأولى ، وليست الطهارة ~~بالصعيد مثل الطهارة بالماء ، وإنما هى طهارة ضرورة لاستباحة الصلاة قبل ~~خروج الوقت بدليل بطلانها بوجود الماء قبل الصلاة ، وأن الجنب يعود جنبا ~~بعدها إذا وجد الماء ، والوضوء بالماء لا يبطل ، فلذلك أمر من صلى ، به أن ~~يطلب الماء لصلاة أخرى . وقال إسماعيل بن إسحاق : المتيمم لا يشبه المتوضئ ~~، لأن المتوضئ له أن يتوضأ للصلاة قبل وقتها ، والمتيمم لا يجوز له ذلك ، ~~فإذا لم يجز له أن يتيمم للعصر حتى يدخل وقتها ، وجب ألا يكون التيمم للعصر ~~يجزئ للمغرب ، إذ كان متيمما لها قبل وقتها ، لأن العلة المانعة من المتيمم ~~للعصر قبل وقتها هى المانعة له من المغرب . وأما إمامة المتيمم للمتوضيئن ، ~~فهو قول مالك ، وأبى حنيفة ، وأبى يوسف ، وزفر ، والثورى ، والشافعى . وقال ~~الأوزاعى ، ومحمد بن الحسن : لا يؤم متيمم متوضئا ، وروى ذلك عن على ، ~~والنخعى . واحتج مالك فى ذلك ، فقال : من قام إلى الصلاة ، فلم يجد ماء ~~فتيمم ، فقد أطاع الله ، وليس الذى وجد الماء بأطهر منه ، ولا أتم صلاة ، ~~لأنهما أمرا جميعا ، فكل عمل بما أمره الله . PageV01P484 وحجة الأوزاعى : ~~أن شأن الإمامة الكمال ، ومعلوم أن الطهارة بالصعيد طهارة ضرورة كما تقدم ، ~~فأشبهت ms0301 صلاة القاعد المريض يؤم قياما ، والأمى يؤم من يحسن القراءة . وأما ~~التيمم بالسبخة فهو قول جماعة العلماء على ظاهر قوله - صلى الله عليه وسلم ~~- : تمت جعلت لى الأرض مسجدا وطهورا - ، فدخل فيه السبخة وغيرها . وخالف ~~ذلك إسحاق بن راهويه ، فقال : لا يجزئه التيمم بالسبخة . قال المهلب : فى ~~حديث المزادتين من الفقه : أن النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، قد ينام ~~كنوم البشر فى بعض الأوقات ، إلا أنه لا يجوز عليه الأضغاث ، لقوله : تمت ~~رؤيا الأنبياء وحى - . وفيه : أن الأمور يحكم فيها بالأعم ، لقوله : تمت ~~كنا لا نوقظ النبى - صلى الله عليه وسلم - ، لأنا لا نعلم ما يحدث له فى ~~نومه - ، وقد يحدث له وحى ، أو لا يحدث ، فحكموا بالأعم كما حكم على النائم ~~غيره بحكم الحدث ، وقد يكون الحدث ، أو لا يكون . وفيه : التأدب فى إيقاظ ~~السيد كما فعل عمر ، لأنه لم يوقظ النبى - صلى الله عليه وسلم - بالنداء بل ~~أيقظه بذكر الله إذ علم عمر أن أمر الله يحثه على القيام . وفيه : أن عمر ~~أجلد المسلمين كلهم ، وأصلبهم فى أمر الله . وفيه : أن من حلت به فتنة فى ~~بلد ، فليخرج عنه ، وليهرب من الفتنة بدينه كما فعل النبى ، - صلى الله ~~عليه وسلم - ، بارتحاله عن بطن الوادى الذى تشاءم به لما فتنهم فيه الشيطان ~~. PageV01P485 وفيه : أن من ذكر صلاة أن له أن يأخذ فيما يصلحه لصلاته طهور ~~ووضوء ، وانتقاء البقعة التى تطيب عليها نفسه للصلاة ، كما فعل الرسول - ~~صلى الله عليه وسلم - بعد أن ذكر الصلاة الفائتة فارتحل بعد الذكر ، ثم ~~توضأ وتوضأ الناس ، وهذا لا يتم إلا فى مهلة ، ثم أذن واجتمع الناس وصلوا . ~~وفيه : رد لقول عيسى بن دينار أن حديث الوادى هذا ، وتأخير الرسول - صلى ~~الله عليه وسلم - عن المبادرة بالصلاة فى الوادى قبل أن يرتحل منسوخ بقوله ~~: { أقم الصلاة لذكرى } [ طه : 14 ] ، لأنه - صلى الله عليه وسلم - لما خرج ~~عن الوادى وصلى ، خطبهم مؤنسا لهم مما عرض لهم ، فقال - صلى الله عليه وسلم ~~- : تمت إن الله قبض ms0302 أرواحنا ، ولو شاء لردها فى حين الصلاة ، ولكن من ~~فاتته صلاة ، أو نسيها ، فليصلها ، إذا ذكرها ، فإن الله يقول : { أقم ~~الصلاة لذكرى } - ، فاحتج النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، بالآية على ~~فعله ، وآنس القوم بذلك ، وأشار لهم إلى قوله تعالى المعروف عندهم ، فكيف ~~يكون ما نزل الله قبل ناسخا لما كان بعد ؟ إنما ينسخ الآخر الأول ، وهذه ~~الآية نزلت بمكة ، وهذه القصة عرضت بعد الهجرة . وفيه من الفقه : أن من ~~فاتتهم صلاة بمعنى واحد أن لهم أن يجمعوها إذا ذكروها بعد خروج وقتها ، وأن ~~تأخير المبادرة إليها لا يمنع الإنسان أن يكون ذاكرا لها ، وأن يعيدها . ~~وفيه : طلب الماء للشرب والوضوء ، والبعثة فيه . وفيه : أن الحاجة إلى ~~الماء إذا اشتدت أن يؤخذ حيث وجد ويعوض صاحبه منه ، كما عوضت المرأة . ~~PageV01P486 وفيه : من دلائل النبوة ومعجزات الرسول - صلى الله عليه وسلم - ~~أن توضأ أهل الجيش ، وشربوا واغتسل من كان جنبا مما سقط من العزالى ، وبقيت ~~المزادتان مملوءتين بركته وعظيم برهانه . وفيه : مراعاة ذمام الكافر ~~والمحافظة به كما حفظ النبى - صلى الله عليه وسلم - هذه المرأة فى قومها ~~وبلادها ، فراعى فى قومها ذمامها ، وإن كانت من صميمهم فهى من أدناهم ، ~~وكان ترك الغارة على قومها سببا لإسلامها ، وإسلامهم وسعادتهم . وفيه : ~~بيان مقدار الانتفاع بالاستئلاف على الإسلام ، لأن قعودهم عن الغارة على ~~قومها كان استئلافا لهم ، فعلم القوم قدر ذلك ، وبادروا إلى الإسلام رعاية ~~لذلك الحق . وقوله : تمت ونفرنا خلوف - قال الخطابى : يقال : الحى خلوف إذا ~~غابوا وخلفوا أثقالهم ، وخرجوا فى رعى ، أو سقى ، أو نحوه ، ويقال : أخلف ~~الرجل إذا استقى الماء واستخلف مثله ، وأنشد الفراء : وبهماء يستاف التراب ~~دليلها وليس بها إلا اليمانى مخلف يقول : إنهم إذا عطشوا بقروا بالسيوف ~~بطون الإبل ، فشربوا ما فى أكراشها ، ويقال للقطا : المخلفات ، لأنها تستقى ~~لأولادها الماء وتخلف . وقال أبو عبيد : الحى خلوف : غيب وحضور ، ومنه قوله ~~تعالى : { رضوا بأن يكونوا مع الخوالف } [ التوبة : 87 ، 93 ] أى النساء . ~~وأنشد فى العيب : PageV01P487 أصبح البيت بيت آل بيان مقشعرا ms0303 والحى حى خلوف ~~أى لم يبق منهم أحد . والعزالى جمع عزلاء ، والعزلاء فم المزادة الأسفل ، ~~عن أبى عبيد . قال صاحب العين : العزلاء مصب الماء من الراوية ، وكذلك ~~عزلاء القربة ، ولذلك سميت عزلاء السحاب . والصرم : النفر ينزلون بأهليهم ~~على الماء . يقال : هم أهل صرم والجمع أصرام . فأما الصرمه ، بالهاء ، ~~فالقطعة من الإبل نحو الثلاثين ، عن الخطابى . * * * # | 7 - باب إذا خاف الجنب على نفسه المرض أو الموت أو خاف العطش تيمم # ويذكر أن عمرو بن العاص أجنب فى ليلة باردة فتيمم وتلا : { ولا تقتلوا ~~أنفسكم إن الله كان بكم رحيما } [ النساء : 29 ] فذكر ذلك للنبى ، - صلى ~~الله عليه وسلم - ، فلم يعنف . / 9 - فيه : أبو موسى أنه قال لابن مسعود : ~~إذا لم تجد الماء لا تصلى ، قال عبدالله : لو رخصت لهم فى هذا كان إذا وجد ~~أحدهم البرد ، قال : PageV01P488 هكذا - يعنى تيمم - وصلى ، قال : قلت : ~~فأين قول عمار لعمر ؟ قال إنى لم أر عمر قنع بقول عمار . / 10 - وقال أبو ~~موسى مرة لابن مسعود : أرأيت يا أبا عبدالرحمن ، إذا أجنب ، فلم يجد ماء ، ~~كيف يصنع ؟ فقال عبدالله : لا يصلى ، حتى يجد الماء ، فقال أبو موسى : فكيف ~~تصنع بقول عمار حين قال له النبى - صلى الله عليه وسلم - : تمت كان يكفيك - ~~؟ قال : ألم تر عمر لم يقنع بقول عمار ، فقال أبو موسى : فدعنا من قول عمار ~~، كيف تصنع بهذه الآية ؟ فما درى عبدالله ما يقول ، فقال : إنا لو رخصنا ~~لهم فى هذا ، لأوشك إذا برد على أحدهم الماء أن يدعه ، ويتيمم ، قال الأعمش ~~: فقلت لشقيق : فإنما كره عبدالله لهذا ؟ فقال : نعم . قال ابن القصار : كل ~~من خاف التلف من استعمال الماء جاز له تركه وتيمم بلا خلاف بين فقهاء ~~الأمصار فى ذلك ، وأما إن خاف الزيادة فى مرضه ، ولم يخف التلف ، فقال مالك ~~: يجوز له التيمم ، وهو قول أبى حنيفة ، والثورى . واختلف قول الشافعى ، ~~فقال مثل قول مالك ، وقال : لا يعدل عن الماء إلا أن يخاف التلف ، وقد روى ~~عن مالك مثل هذا . وقال ms0304 عطاء ، والحسن البصرى ، فى رواية : لا يستباح ~~التيمم بالمرض أصلا ، وكرهه طاوس ، وإنما يجوز للمريض التيمم عند عدم الماء ~~، فأما مع وجوده فلا ، وهو قول أبى يوسف ، ومحمد . والدليل لجواز التيمم ، ~~وإن لم يخف التلف ما احتج به أبو موسى على ابن مسعود من قوله تعالى : { فلم ~~تجدوا ماء } [ النساء : 43 ، المائدة : 6 ] ، ولم يفرق PageV01P489 بين مرض ~~التلف ، أو مرض يخاف زيادته ، فهو عام فى كل مرض إلا أن يقوم دليل . وأما ~~قصة عمرو بن العاص : تمت فإن الرسول - صلى الله عليه وسلم - ولاه غزوة ذات ~~السلاسل ، فاحتلم فى ليلة باردة ، فقال : إن اغتسلت هلكت ، فتيمم وصلى ~~بالناس ، فأتى النبى - صلى الله عليه وسلم - ، فقال له : صليت بالناس وأنت ~~جنب ؟ فقال : سمعت الله يقول : { ولا تقلتوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما ~~} [ النساء : 29 ] ، فضحك النبى - صلى الله عليه وسلم - ولم يقل شيئا - . ~~ففى هذا الخبر فوائد : منها : جواز التيمم للخائف من استعمال الماء . ~~والثانية : جواز التيمم للجنب ، بخلاف ما روى عن عمر ، وابن PageV01P490 ~~مسعود . والثالثة : جواز التيمم لأهل البرد . والرابعة : أن المتيمم يصلى ~~بالمتطهرين . وأيضا فإن الرخص كلها تستباح بلحوق المشقة ، ولا تقف على خوف ~~التلف ، كالفطر ، وترك القيام فى الصلاة ، فإن المريض يفطر إذا شق عليه ~~الصوم ، ولا يقال له : لا تفطر حتى تخاف التلف ، وكذلك المضطر إلى أكل ~~الميتة ، إذا لحقه الجوع الشديد ، وإن لم يخف التلف . وأجمع الفقهاء أن ~~المسافر إذا كان معه ماء وخاف العطش أنه يبقى ماءه للشرب ويتيمم . وأجمعوا ~~أن الجنب يجوز له التيمم ، إلا ما روى عن عمر ، وابن مسعود أنهما لا يجيزان ~~التيمم للجنب ، لقوله تعالى : { وإن كنتم جنبا فاطهروا } [ المائدة : 6 ] ، ~~وقوله : { ولا جنبا إلا عابرى سبيل حتى تغتسلوا } [ النساء : 43 ] ، وقد ~~روى مثل هذا عن ابن عمر ، واختلف فيه عن على . وخفيت عليهم السنة فى ذلك من ~~رواية عمار ، وعمران ، وإنما استراب عمر عمارا فى ذلك ، لأنه كان حاضرا معه ~~، فلم يذكر القصة وأنسيها ، فارتاب ، ولم يقنع بقوله ، وكان ms0305 عمر وابن مسعود ~~لما كان من رأيهما أن الملامسة فى الآية هى ما دون الجماع ، وكان التيمم فى ~~الآية يعقب الملامسة منعا الجنب التيمم ، ورأيا أن التيمم إنما جعل بدلا من ~~الوضوء ، ولم يجعل بدلا من الغسل ، فكان من رأى ابن عباس ، وأبى موسى : أن ~~الملامسة فى الآية الجماع ، فأجازا للجنب التيمم ، ألا ترى أن أبا موسى حاج ~~ابن مسعود بالآية التى فى سورة النساء ، فإن الملامسة فيها الجماع ، فلم ~~يدفعه ابن مسعود عن ذلك ، ولا قدر أن يخالفه فى تأويله للآية فلجأ إلى قوله ~~أنه لو رخص لهم فى هذا كان أحدهم إذا برد عليه الماء تيمم ، وقد ذكر ابن ~~أبى شيبة قال : حدثنا سفيان بن عيينة ، عن أبى سنان ، عن الضحاك قال : رجع ~~عبد الله عن قوله فى تيمم الجنب ولم يتعلق أحد من فقهاء الأمصار ، من قال : ~~إن الملامسة الجماع ، ومن قال : إنها دون الجماع ، بقول عمر وابن مسعود ، ~~وصاروا إلى حديث عمار وعمران بن حصين فى ذلك ، إلا إنهم اختلفوا ، ثم ~~أجازوا للجنب التيمم ، فمن قال : الملامسة الجماع أوجب التيمم بالقرآن ، ~~وهو قول PageV01P491 الكوفيين ، ومن قال : الملامسة ما دون الجماع أوجب ~~التيمم للجنب بحديث عمار وعمران ، وهو قول مالك . قال المهلب : وفى قول أبى ~~موسى لابن مسعود : تمت فدعنا من قول عمار ، كيف تصنع فى هذه الآية ؟ - فيه ~~: الانتقال فى الحجاج مما فيه الخلاف إلى ما عليه الاتفاق ، وذلك أنه يجوز ~~للمناظرين عند تعجيل القطع والإفحام للخصم ، ألا ترى أن إبراهيم إذ قال : ~~ربى الذى يحيى ويميت ، قال له النمروذ : أنا أحيى وأميت ، لم يحتج أن يوقفه ~~على كيفية إحيائه وإماتته ، بل انتقل إلى مسكت من الحجاج فقال : إن الله ~~يأتى بالشمس من المشرق فائت بها من المغرب . * * * # | 8 - باب التيمم ضربة # / 11 - فيه : أبى موسى وعبد الله إلى قول النبى - صلى الله عليه وسلم - : ~~تمت إنما كان يكفيك أن تصنع هكذا - ، وضرب بكفه ضربة على الأرض ، ثم نفضها ~~، ثم مسح بها ظهر كفيه شماله ، أو ms0306 ظهر شماله بكفه ، ثم مسح بها وجهه - . ~~اختلف العلماء فى صفة التيمم ، فقالت طائفة : هو ضربتان : ضربة للوجه يمسح ~~بها وجهه ، وضربة لليدين يمسحهما إلى المرفقين اليمنى باليسرى ، واليسرى ~~باليمنى ، روى هذا عن ابن عمر ، والشعبى ، والحسن ، وسالم ، وهو قول مالك ، ~~والثورى ، والليث ، وأبى حنيفة وأصحابه ، والشافعى ، وذكره الطحاوى ، عن ~~الأوزاعى ، وهؤلاء كلهم لا يجزئه عندهم المسح دون المرفقين ، إلا مالك فإن ~~PageV01P492 الفرض عنده إلى الكوعين ، وروى عن على بن أبى طالب مثل هذا ، ~~ضربة للوجه وضربة لليدين إلى الكوعين . وقالت طائفة : التيمم ضربتان يمسح ~~بكل ضربة منهما وجهه وذراعيه إلى مرفقيه ، هذا قول ابن أبى ليلى والحسن بن ~~حى . وقالت طائفة : التيمم ضربة واحدة للوجه والكفين إلى الكوعين . روى هذا ~~عن عطاء ، ومكحول ، ورواية عن الشعبى ، وهو قول الأوزاعى ، وأحمد ، وإسحاق ~~، واختيار ابن المنذر . وروى ابن القاسم عن مالك : إن مسح وجهه ويديه بضربة ~~واحدة أرجو أن يجزئه ، ولا إعادة عليه ، والاختيار عنده ضربتان . فأما ~~الذين اختاروا ضربتين ضربة للوجه وضربة لليدين إلى المرفقين ، فإنهم قاسوا ~~ذلك على الوضوء ، واتبعوا فعل ابن عمر فى ذلك ، وقالوا : لما كان غسل الوجه ~~بالماء غير غسل اليدين ، فكذلك يجب أن تكون الضربة للوجه فى التيمم غير ~~الضربة لليدين . وأما قول ابن أبى ليلى والحسن بن حى فهو شذوذ لا سلف له ، ~~وأصح ما فى حديث عمار أنه ضرب ضربة واحدة لكفيه ووجهه ، رواه الثورى ، وأبو ~~معاوية ، وجماعة عن الأعمش ، عن أبى وائل ، وسائر أحاديث عمار مختلف فيها . ~~واحتج ابن القصار لهذا القول فقال : إذا ضرب بيديه إلى الأرض ، فبدأ بمسح ~~وجهه ، فإلى أن يبلغ حد الذقن لا يبقى فى يديه شىء من التراب ، فإذا جاز فى ~~بعض الوجه ذلك ولم يحتج أن يعيد PageV01P493 ضرب يديه على الأرض ، لم يحتج ~~أن يضرب بيديه ليديه ، لأنه ليس كالماء الذى من شرطه أن يماس كل جزء من ~~الأعضاء . قال غيره : وفيه جواز ترك الترتيب فى التيمم ، لأنه - صلى الله ~~عليه وسلم - مسح كفيه قبل وجهه ms0307 فى إحدى الروايات . * * * تم كتاب الطهارة ~~والحمد لله وصل الله على محمد وآله وصحبه ، وبه تم الجزء الأول ويليه بإذن ~~الله الجزء الثانى وأوله تمت كتاب الصلاة - . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . . . . . . . . . . . . PageV01P494 بسم الله الرحمن الرحيم # | كتاب الصلاة # كيف فرضت الصلاة في الإسراء وقال ابن عباس : حدثني أبو سفيان في حديث ~~هرقل ، فقال : يأمرنا - يعني النبي - صلى الله عليه وسلم - - بالصلاة ~~والصدق والعفاف . / 1 - فيه : أنس قال : كان أبو ذر يحدث : ( أن رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - قال : فرج عن سقف بيتي ، وأنا بمكة ، فنزل جبريل ~~ففرج صدري ، ثم غسله بماء زمزم ، ثم جاء بطست من ذهب ممتلئ حكمة وإيمانا ، ~~فأفرغه في صدري ، ثم أطبقه ، ثم أخذ بيدي ، فعرج بي إلى السماء الدنيا ، ~~فلما جئت إلى السماء الدنيا . . ) ، الحديث ، وذكر حديث الإسراء . قال - ~~صلى الله عليه وسلم - : ( ففرض الله عز وجل على أمتي خمسين صلاة ، فرجعت ~~بذلك ، حتى مررت على موسى ، فقال : ما فرض الله لك على أمتك ؟ قلت : فرض ~~خمسين صلاة ، قال : فارجع إلى ربك ، فإن أمتك لا تطيق ذلك ، فراجعت ، فوضع ~~شطرها ، فرجعت إلى موسى ، قلت : وضع شطرها ، فقال : راجع ربك ، فإن أمتك لا ~~تطيق ، فراجعت ، فوضع شطرها ، فرجعت إليه ، فقال : ارجع إلى ربك ، فإن أمتك ~~لا تطيق ذلك ، فراجعته ، فقال : هي خمس وهي خمسون ، لا يبدل القول لدي ، ~~فرجعت إلى موسى ، فقال : راجع ربك ، فقلت : استحييت من ربي ، ثم انطلق بي ، ~~حتى انتهى بي إلى سدرة المنتهى ، وغشيها ألوان لا أدري ما هي ، ثم أدخلت ~~الجنة ، فإذا فيها حبايل اللؤلؤ ، وإذا ترابها المسك ) . PageV02P005 / 2 - ~~وفيه : عائشة قالت : ( فرض الله الصلاة حين فرضها ركعتين ركعتين في الحضر ~~والسفر ، فأقرت صلاة السفر ، وزيد في صلاة الحضر ) . أجمع العلماء على أن ~~فرض الصلاة كان فى الإسراء ، واختلفوا فى تاريخ الإسراء ، فقال الذهبى فى ~~تاريخه : أسرى برسول الله بعد مبعثه بثمانية عشر شهرا . وقال أبو إسحاق ~~الحربى : أسرى بالنبى ليلة سبع وعشرين من ربيع الأول قبل الهجرة بسنة ، ~~وفرضت الصلاة عليه . وقال موسى بن عقبة ms0308 ، عن ابن شهاب : إن الإسراء كان قبل ~~الهجرة بسنة ، وروى يونس ابن بكير ، عن عثمان بن عبد الرحمن الوقاصى ، عن ~~ابن شهاب : أن الصلاة فرضت بمكة بعد ما أوحى إليه بخمس سنين . فعلى قول ~~موسى بن عقبة إذا كان الإسراء قبل الهجرة بسنة ، فهو بعد مبثعه بتسع سنين ، ~~أو باثنتى عشرة سنة على اختلافهم فى مقامه بمكة بعد مبعثه ، وقول الزهرى ~~أولى من قول الذهبى ؛ PageV02P006 لأن ابن إسحاق قال : أسرى برسول الله وقد ~~فشا الإسلام بمكة ، وفى القبائل كلها ، ورواية الوقاصى أولى من رواية موسى ~~بن عقبة ؛ لأنهم لا يختلفون أن خديجة صلت معه بعد فرض الصلاة عليه ، وتوفيت ~~قبل الهجرة بأعوام . قال ابن إسحاق : ثم إن جبريل أتى الرسول حين فرضت ~~الصلاة عليه فى الإسراء ، فهمز له بعقبه فى ناحية من الوادى فانفجرت عين ~~ماء مزن ، فتوضأ جبريل ومحمد ينظر ، فرجع رسول الله ، وقد أقر الله عينه ، ~~فأخذ بيد خديجة ، ثم أتى بها العين فتوضأ كما توضأ جبريل ، ثم صلى هو ~~وخديجة ركعتين كما صلى جبريل ، فهذا يدل أن الإسراء كان قبل الهجرة بأعوام ~~؛ لأن خديجة قيل : إنها توفيت قبل الهجرة بخمس سنين ، وقيل : بثلاث . وأما ~~قول ابن إسحاق أن جبريل نزل عليه بالوضوء ، فإنما أخذه ، والله أعلم ، من ~~حديث زيد بن حارثة ، رواه عقيل عن ابن شهاب ، عن عروة ، عن أسامة بن زيد ، ~~عن أبيه : ( أن النبى فى أول ما أوحى إليه أتاه جبريل فعلمه الوضوء ، فلما ~~فرغ من الوضوء أخذ غرفة من ماء فنضح فرجه ) . وقال نافع بن جبير : ( أصبح ~~النبى ليلة الإسراء ، فنزل عليه جبريل حين زاغت الشمس ، فصلى به ، ولذلك ~~سميت : الأولى ، وقال جماعة من العلماء : لم يكن على الرسول صلاة مفروضة ~~قبل الإسراء إلا ما كان أمر به من قيام الليل من غير تحديد ركعات معلومات ، ~~PageV02P007 ولا وقت محصور ، فكان يقوم أدنى من ثلثيه ونصفه وثلثه ، وقامه ~~المسلمون معه نحوا من حول حتى شق عليهم ، فأنزل الله التخفيف عنهم ونسخه . ~~وقال ابن عباس : لما ms0309 نزلت : { يا أيها المزمل } [ المزمل : 1 ] ، كانوا ~~يقومون نحوا من قيامهم فى رمضان ، حتى نزل آخرها ، وكان بين أولها وآخرها ~~حول . وفى حديث الإسراء إعلام فرض الصلاة كيف كان ، وتقدم . وإجماع الأمة ~~على عدد فرض الصلاة وأنها خمس صلوات وعددها وركوعها وسجودها غير أبى حنيفة ~~، فإنه شذ وزاد أن الوتر فرض وليس ذلك فى حديث الإسراء ، فأدخل البخارى ~~حديث عائشة فى هذا الباب ليبين أن فرض الصلاة كان ركعتين ركعتين ، وإن كان ~~السلف قد اختلفوا فى ذلك ، فروى عن ابن عباس ، ونافع بن جبير ابن مطعم ، ~~والحسن البصرى ، وابن جريج : أن الصلاة فرضت فى الحضر أربعا وفى السفر ~~ركعتين ، وأن جبريل نزل صبيحة ليلة الإسراء ، فأقام لرسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - الظهر أربعا ، والعصر أربعا ، والعشاء أربعا . وقال ميمون بن ~~مهران ، والشعبى ، وابن إسحاق ، وجمهور العلماء : بظاهر حديث عائشة أن ~~الصلاة فرضت ركعتين ركعتين فى الحضر والسفر ، على أن عائشة قد أفتت بخلاف ~~هذا الحديث ، فكانت تتم فى السفر ، وقد قال بعض من أنكر حديث عائشة : أنه ~~PageV02P008 معارض لكتاب الله ، عز وجل ، وهو قوله تعالى : { وإذا ضربتم فى ~~الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة } [ النساء : 101 ] ، وهذا يدل ~~أن صلاة السفر كانت كاملة ؛ لأنه لا يجوز أن يؤمروا بالقصر إلا من شىء تام ~~قبل القصر ، قال : ويدل على هذا ما رواه قتادة ، عن سليمان اليشكرى أنه سأل ~~جابر بن عبد الله عن إقصار الصلاة فى الخوف أى يوم أنزل ، وأين هو ؟ قال : ~~انطلقنا نتلقى عير قريش من الشام حتى إذا كنا بنخل ، جاء رجل إلى رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - فقال : يا محمد ، تخافنى ؟ قال : ( لا ) ؟ ، قال : ~~فمن يمنعك منى ، قال : ( الله ) قال : فسل السيف فتهدده القوم وأوعدوه ، ~~فنادى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالرحيل ، وأخذ السلاح ، ونودى ~~بالصلاة ، فصلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بطائفة من القوم ركعتين ، ~~وطائفة من القوم يحرسونهم ، ثم جاء الآخرون ، فصلى بهم ركعتين والآخرون ~~يحرسونهم ، فكان للنبى - صلى ms0310 الله عليه وسلم - أربع ركعات وللقوم ركعتان ~~ركعتان ، فيومئذ أنزل الله صلاة الخوف ) . فالجواب : أنه لا تعارض بين حديث ~~عائشة وبين كتاب الله ، تعالى ، وذلك أنه يجوز أن يكون فرض الصلاة كان ~~ركعتين ركعتين فى الحضر والسفر كما قالت عائشة ، فلما زيد فى صلاة الحضر ، ~~قيل لهم : إذا ضربتم فى الأرض ، فصلوا ركعتين مثل الفريضة الأولى ، ولا ~~جناح عليكم فى ذلك ، وقد جاء هذا المعنى بينا فى حديث عائشة ؛ روى داود بن ~~أبى هند عن الشعبى ، عن عائشة ، قالت : ( أول ما فرضت الصلاة ركعتين ركعتين ~~، فلما قدم النبى - صلى الله عليه وسلم - المدينة صلى إلى كل صلاة مثلها ~~غير المغرب ؛ فإنها وتر صلاة النهار ، وصلاة الصبح ؛ لطول PageV02P009 ~~قراءتها ، وكان إذا سافر عاد إلى صلاته الأولى ) ، رواه معمر عن الزهرى ، ~~عن عروة ، عن عائشة قالت : ( فرضت الصلاة ركعتين ركعتين ، ثم هاجر النبى - ~~صلى الله عليه وسلم - ، ففرضت أربعا ، وتركت صلاة السفر على الأولى ) ، [ . ~~. . ] هذا المعنى للطحاوى بل هو فى كتاب البخارى الذى شرحته بهذا الكتاب فى ~~باب : التأريخ بعد الهجرة . فإن قيل : فقد يكون قوله تعالى : { فليس عليكم ~~جناح أن تقصروا من الصلاة } [ النساء : 101 ] ، بعد إتمام الصلاة فى الحضر ~~، قلت : فما معنى ذكر الجناح فى ذلك ؟ . قيل : المعنى فى ذلك ، والله أعلم ~~، أن الله تعالى ، ذكر قصة الصلاة فى حال الخوف وسن النبى - صلى الله عليه ~~وسلم - من الرخصة فى هيئتها صفة مفارقة لجميع صلوات حال الأمن ، فوضع الله ~~الجناح عن عباده فى قصر عددها وتغيير هيئتها ، وجعل القصر فى السفر رفقا ~~بعباده وتخفيفا عنهم كما قال عمر بن الخطاب ، رضى الله عنه ، ليعلى بن أمية ~~حين قال له : ما لنا نقصر وقد أمنا ؟ قال : ( تلك صدقة تصدق الله عليكم ، ~~فاقبلوا صدقته ) ، فدل إتمام عائشة فى السفر أن القصر ليس بمعنى الحتم ولا ~~إلزام للمسافر ، إذ لو كان كذلك لم يجز أن تتم فى السفر ، وإنما أتمت لأنها ~~فهمت المعنى فى ذلك من النبى - صلى الله عليه وسلم - ، ويشهد لصحة ms0311 تأويلها ~~فى ذلك قول عمر ابن الخطاب ، رضى الله عنه ، تلك صدقة تصدق الله بها عليكم ~~فاقبلوا صدقته . وقد أجمعت الأمة أنه لا يلزم المتصدق عليه قبول الصدقة ~~فرضا وسأزيد فى هذا الباب بيانا فى أبواب قصر الصلاة فى السفر ، إن شاء ~~الله تعالى . قال إسماعيل بن إسحاق : وأما حديث قتادة عن سليمان اليشكرى ~~PageV02P010 فهو ضعيف ؛ لأن قتادة لم يسمع منه شيئا ، وسمعت على بن المدينى ~~يقول : مات سليمان اليشكرى قبل جابر ابن عبد الله ، وإنما كانت صحيفة ، ~~فكان قتادة وغيره يحدثون بما وجدوا فيها . وقد روى عن جابر خلاف حديث ~~سليمان اليشكرى ، روى شعبة عن الحكم ، عن يزيد الفقير ، عن جابر قال : ( ~~صلينا مع النبى - صلى الله عليه وسلم - صلاة الخوف فركع بالصف المقدم ركعة ~~وسجد سجدتين ، ثم تأخروا وتقدم الآخرون فركع بهم ركعة واحدة ) ، فهذا معارض ~~لحديث اليشكرى . قال المهلب : وقوله فى حديث الإسراء : ( ففرج صدرى ، ثم ~~غسله ، ثم جاء بطست من ذهب ممتلئ حكمة وإيمانا ، فأفرغه فى صدرى ) . فيه من ~~الفقه : أن أمور الله تعالى ، المعظمة لا بأس بتحليتها واستعمال الذهب ~~والفضة فيها بخلاف سائر أمور الدنيا التى نهى عن استعمال الذهب والفضة فيها ~~من أجل السرف ، ألا ترى أنه أبيح تحلية المصحف الذى فيه كلام الله عز وجل ~~كما جاءه جبريل بالحكمة والإيمان من عند الله ، عز وجل ، من طست من ذهب ، ~~وذكر أبو عبيد فى كتاب فضائل القرآن ، باب : تزيين المصاحف وحليتها بالذهب ~~والفضة ، وقال الأعمش : عن أبى وائل : كان ابن مسعود إذا مر عليه بمصحف وقد ~~زين بالذهب ، قال : ( إن أحسن ما زين به المصحف تلاوته ) . PageV02P011 وعن ~~ابن عباس أنه كان إذا رأى المصحف قد فضض أو أذهب قال : ( تغرون به السارق ، ~~وزينته فى جوفه ) ، وأجاز ابن سيرين تزيين المصحف وتحليته ، وكذلك أبيح ~~حلية السيف الذى هو من أمر الله تعالى ، وسلطانه على من كفر به ، والخاتم ~~الذى يطبع به عهود الله ، وعهود رسله النافذة إلى أقطار الأرض بالدين ، وما ~~سوى ذلك من متاع ms0312 الدنيا فممنوع من التحلية غير حلى النساء والمباح لهن ~~ليتزين به للرجال . وفيه : أن أرواح المؤمنين يصعد بها إلى السماء ؛ ألا ~~ترى أنه وجد آدم وموسى وعيسى وسائر الأنبياء فى السماء . وقوله فى آدم : ( ~~عن يمينه أسودة وعن يساره أسودة ، فإذا نظر عن يمينه ضحك ، وإذا نظر عن ~~شماله بكى ) ، فيه دليل على أن أعمال بنى آدم الصالحة تسر أباهم آدم ، عليه ~~السلام ، وأن أعمالهم السيئة تسوءه وتحزنه . وفيه : دليل أنه يجب أن يرحب ~~بكل أحد من الناس فى حسن لقائه بأكرم المنازل وأقرب القرابة ؛ ألا ترى أنه ~~لما كان محمد من ذريته قال : مرحبا بالابن الصالح ، ومن كان من غير ذريته ~~قال له : مرحبا بالأخ الصالح ، فكذلك يحب أن يلاقى المرء بأحسن صفاته ~~وأعمها بجميل الثناء عليه ؛ ألا ترى أن كلهم قال له : ( الصالح ) لشمول ~~الصلاح على سائر الخلال الممدوحة من الصدق ، والأمانة ، والعفاف ، والصلة ، ~~والفضل ولم يقل أحد : مرحبا بالنبى الصادق الأمين وما شاكله ؛ لشمول الصلاح ~~وعمومه لسائر خلال الخير . PageV02P012 وفيه : دليل أن أوامر الله تعالى ، ~~تكتب بأقلام شتى ؛ لقوله : ( أسمع صريف الأقلام ) ، ففى هذا أن العلم ينبغى ~~أن يكتب بأقلام كثيرة ، تلك سنة فى سماواته ، فكيف فى أرضه . وقوله : ( لا ~~يبدل القول لدى ) ، يعنى : ما قضاه وأحكمه من آثار معلومة ، وآجال مكتوبة ، ~~وأرزاق معدودة ، وشبه ذلك مما لا يبدل لديه ، وأما ما نسخه تعالى رفقا ~~بعباده ، فهو الذى قال فيه تعالى : { يمحو الله ما يشاء ويثبت } [ الرعد : ~~39 ] . وفيه : جواز النسخ قبل الفعل ؛ ألا ترى أنه عز وجل نسخ الخمسين صلاة ~~قبل أن تصلى بخمس صلوات تخفيفا عن عباده ، ثم تفضل عليهم بأن جعل ثواب ~~الخمس صلوات كثواب الخمسين ، أو جعل الحسنة عشرا . وفيه : جواز الاستشفاع ~~والمراجعة فى الشفاعة مرة بعد أخرى . وفيه : الاستحياء من التكثير فى ~~الحوائج ، خشية الضعف عن القيام بشكرها . وفيه : دليل أن الجنة فى السماء . ~~وفيه : ( ودخلت الجنة فإذا فيها جبايل اللؤلؤ ) ، هو تصحيف ، والله أعلم ، ~~والصواب : ( جنابذ اللؤلؤ ) ، كذلك فسره ثابت عن ms0313 ابن السكيت ، وقال : ( ~~الجنبذة ) ، ما ارتفع من البناء ، وبهذا اتضح معنى اللفظة ؛ لأنه عليه ~~السلام إنما وصف أرض الجنة وبنيانها ، فقال : ترابها مسك ، وبنيانها لؤلؤ ، ~~وقد ذكر البخارى هذه اللفظة فى كتاب الأنبياء عن عنبسة ، عن يونس ، عن ابن ~~شهاب ، كما فسرها أهل PageV02P013 اللغة : ( جنابذ اللؤلؤ ) ، وإنما جاء ~~الغلط فيها ، والله أعلم ، من قبل الليث عن يونس ، وقد ذكر الطبرى هذا ~~المعنى مبينا فى بعض طرق حديث الإسراء من طريق ميمون بن سياه ، عن أنس قال ~~فيه : ( ثم انطلق به إلى باب الجنة فإذا هو بنهر هو أشد بياضا من اللبن ~~وأحلى من العسل ، بجنبتيه قباب الدر ، قال : ما هذا يا جبريل ؟ قال : هذا ~~الكوثر الذى أعطاك الله ، وهذه مساكنك ، وأخذ جبريل بيده من تربته فإذا هو ~~مسك أذفر . . . . ) وذكر الحديث . وروى الأصيلى بإسناده ، عن محمد بن ~~العلاء الأيلى ، عن يونس الأيلى ، عن الزهرى ، وقال فيه : ( دخلت الجنة ~~فرأيت فيها جنابذ من اللؤلؤ ، وترابها المسك ، فقلت : لمن هذا يا جبريل ؟ ~~قال : للمؤذنين والأئمة من أمتك ) . وقوله : عن يساره أسودة فهو جمع سواد ، ~~والسواد الشخص كما قال الشاعر : يغشون حتى ما تهر كلابهم لا يسألون عن ~~السواد المقبل * * * # | 2 - باب وجوب الصلاة في الثياب وقوله تعالى : { خذوا زينتكم عند كل ~~مسجد } [ الأعراف 31 ] ومن صلى ملتحفا في ثوب واحد # ، ويذكر عن سلمة بن الأكوع أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : ( يزره ~~ولو بشوكة ) . في إسناده نظر ومن صلى في الثوب الذي يجامع فيه ما لم ير أذى ~~، وأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - ألا يطوف بالبيت عريان . PageV02P014 ~~/ 3 - فيه : أم عطية قالت : أمرنا أن نخرج الحيض يوم العيدين وذوات الخدور ~~، فيشهدن جماعة المسلمين ودعوتهم ، ويعتزل الحيض عن المصلى ، قالت امرأة : ~~يا رسول الله ، إحدانا ليس لها جلباب ؟ قال : لتلبسها صاحبتها من جلبابها ) ~~. الواجب من اللباس فى الصلاة ما يستر به العورة ، وأما غير ذلك من الثياب ~~فالتجمل بها فى الصلاة حسن ، والله أحق من تجمل له ، وأجمع أهل التأويل على ms0314 ~~أن قوله : { خذوا زينتكم عند كل مسجد } [ الأعراف : 31 ] ، نزلت من أجل ~~الذين كانوا يطوفون بالبيت عراة ، ولذلك أمر الرسول ألا يطوف بالبيت عريان ~~. وقوله : ( يزره ولو بشوكة ) ، و ( لتلبسها صاحبتها من جلبابها ) ، يدل ~~على وجوب ستر العورة فى الصلاة ؛ لأنه إذا زره أمن عند ركوعه وسجوده أن ~~تبدو عورته . قال ابن القصار : وقد اختلف الناس فى ستر العورة فى الصلاة ، ~~فبعض أصحاب مالك يقول : إن الستر من سنن الصلاة ، وإليه ذهب إسماعيل القاضى ~~، وأبو الفرج المالكى بعد أن ذكر أنه يجىء على مذهب مالك أن يكون فرضا ~~لقوله فى كفارة المساكين : إن كساهم وكانوا نساء ، فدرع درع وخمار ، وإن ~~كانوا رجالا فثوب ثوب ، وذلك أدنى ما تجزئ به الصلاة ، فدل أن الصلاة لا ~~تجزئ إلا بذلك . وكان أبو بكر الأبهرى يقول : إن ستر العورة فرض فى الجملة ~~، على الإنسان أن يسترها عن أعين المخلوقين فى الصلاة وغيرها ، PageV02P015 ~~والصلاة أوكد من غيرها ، وقال أبو حنيفة ، والشافعى : إنها من فرض الصلاة ، ~~فاحتج إسماعيل بأنه يجوز له ستر عورته قبل الدخول فى الصلاة بغير نية ، ~~وإنما هى آلة يؤتى بها قبل الصلاة ، فلو كانت فرضا لما صح الإتيان بها إلا ~~بنية كالطهارة . قال ابن القصار : فالجواب أن التوجه إلى القبلة مما تختص ~~به الصلاة ، ويجوز بغير نية ، ولا يدل ذلك على سقوط فرضه مع القدرة عليه ، ~~واحتج إسماعيل أيضا بأنه لو كان فرضا فى الصلاة لكان العريان لا يجوز له أن ~~يصلى ؛ لأن كل شىء من فروض الصلاة يجب الإتيان به مع القدرة عليه أو ببدله ~~مع عدمه كالعاجز عن القيام يصلى قاعدا ، وكالعاجز عن الركوع والسجود يومئ ، ~~أو كالتيمم مع عدم وجود الماء ، والذى صلى عريانا لم يفعل فى اللبس فعلا ~~يقوم مقام اللبس مع عدمه . وقد أجيب عن ذلك بأننا لا نقول : إن ستر العورة ~~يجب لأجل الصلاة ، فلا معنى لاعتباره بأفعال الصلاة ، وبما يجب لأجلها ~~كالوضوء الواقع إلى بدل ، وكالقبلة وغير ذلك مما تختص به الصلاة ، وإنما هو ~~فرض ms0315 فى الجملة ، ويتأكد حكم الصلاة فيه ، وليس كل شىء من فروض الصلاة يسقط ~~إلى بدل مع الضرورة ؛ لأن القراءة واجبة على المنفرد وتسقط عنه خلف الإمام ~~لا إلى بدل ، وكذلك الأمى الذى لا يحسن القراءة ولا التسبيح تصح صلاته من ~~غير بدل . فإن قيل : فعلى أى شىء يحمل قول مالك : إن الحرة إذا صلت بغير ~~خمار أنها تعيد فى الوقت ، ولو كان فرضا ؛ لوجب أن تعيد فى الوقت وبعده ؟ ~~قيل : يحمل على أنه يعفى عن القليل منها لاختلاف PageV02P016 الناس فى ذلك ~~، فلم يقل مالك : إنها لو صلت مكشوفة السوأة أنها تعيد فى الوقت مع قدرتها ~~على ستر ذلك ، ولو قال ذلك ، لم يمنع من كون الستر فرضا ؛ ألا ترى أن ~~الصلاة فى الدار المغصوبة وفى الثوب المغصوب والوضوء بالماء المغصوب فرض ~~عليه ألا يصلى بشىء من ذلك ، ولو صلى بجميع ذلك كان قد ترك الفرض وعصى ~~وعليه الإعادة فى الوقت ولا يعيد بعد الوقت ، وكذلك التسمية على الذبيحة . ~~فبعض الفروض إذا تركها عمدا أعاد فى الوقت ، وبعضها يختلف حكمها فى العمد ~~والنسيان ، وبعضها يتفق ، وإنما هو على حسب الأدلة فى قوة بعضه وانخفاض ~~بعضه ، وحديث سلمة بن الأكوع أصل فى هذه المسألة وهو قوله : ( يزره ولو ~~بشوكة ) ، ولو كان ستر العورة سنة لم يقل له ذلك ، وإنما قال البخارى : وفى ~~إسناده نظر ؛ لأن رواية الدراوردى عن موسى بن محمد بن إبراهيم ، عن أبيه ، ~~عن سلمة بن الأكوع ، قال : قلت : يا رسول الله ، إنى أعالج الصيد فأصلى فى ~~القميص الواحد ، قال : ( نعم ، وزره ولو بشوكة ) . وموسى بن محمد فى حديثه ~~مناكير ، قاله البخارى فى كتاب الضعفاء ، ورخص مالك فى الصلاة فى القميص ~~محلول الإزار ليس عليه سراويل ولا رداء ، وهو قول الكوفيين والشافعى وأبى ~~ثور ، إلا أنه إن رأى من جيبه عورته أعاد الصلاة عندهم . * * * # | 3 - باب عقد الإزار على القفا في الصلاة # وقال سهل بن سعد صلوا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - عاقدي أزرهم على ~~عواتقهم . / 4 - فيه : جابر ms0316 : أنه صلى في إزار قد عقده من قبل قفاه ، ~~وثيابه موضوعة PageV02P017 على المشجب ، فقال له قائل : تصلي في إزار واحد ~~؟ قال له : إنما صنعت ذلك ، ليراني أحمق مثلك ، وأينا كان له ثوبان على عهد ~~الرسول - صلى الله عليه وسلم - . / 5 - وقال جابر مرة : ( رأيت النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - يصلي في ثوب واحد ) . عقد الإزار على القفا فى الصلاة إذا ~~لم يكن مع الإزار سراويل ولا مئرز ، وهو معنى قوله - صلى الله عليه وسلم - ~~: ( زره ولو بشوكة ) ، وهذا كله تأكيد فى ستر العورة فى الصلاة ؛ لأنه إذا ~~عقد إزاره فى قفاه وركع لم تبد عورته ، فكذلك كان أصحاب الرسول يعقدون ~~أزرهم فى الصلاة إذا لم يكن تحتها ثوب آخر . وفى حديث جابر من الفقه أن ~~العالم قد يأخذ بأيسر الشىء وهو يقدر على أكثر منه توسعة على العامة ~~وليقتدى به ؛ ألا ترى أنه صلى فى ثوب واحد وثيابه على المشجب . ففى ذلك ~~جواز الصلاة فى الثوب الواحد لمن يقدر على أكثر منه ، وهو قول جماعة من ~~الفقهاء إلا أنه قد روى عن ابن عمر خلاف ذلك ، وروى عن ابن مسعود مثل قول ~~ابن عمر ، وسأذكره فى الباب بعد هذا ، إن شاء الله تعالى ، وروى ابن جريج ، ~~عن نافع أن ابن عمر كساه فدخل المسجد ، فوجده يصلى متوشحا ، فقال له : أليس ~~لك ثوبان ؟ قال : بلى ، قال : أرأيت لو استعنت بك وراء الدار كنت لابسهما ؟ ~~قال : نعم ، قال : فالله أحق أن تتزين له ، فأخبره عن النبى ، أو عن عمر ، ~~قال : لا يشتمل أحدكم فى الصلاة اشتمال اليهود ، ومن كان له ثوبان فليتزر ~~PageV02P018 وليرتد ، ومن لم يكن له ثوبان فليتزر ثم يصلى ، وقد رواه موسى ~~بن عقبة ، عن نافع ، عن ابن عمر ، عن الرسول من غير شك . قال الطحاوى : وقد ~~روى هذا الحديث عن ابن عمر غير نافع ، فذكره سالم لا عن الرسول ورواه الليث ~~، عن عقيل ، عن ابن شهاب ، عن ابن عمر ، عن أبيه . . . فذكره ، وسالم أثبت ~~من نافع وأحفظ ، ولم يذكر ms0317 فيه الرسول ورواه مالك ، عن نافع ، عن ابن عمر : ~~( أنه كسا نافعا ثوبين ، فقام يصلى فى ثوب واحد فعاب ذلك عليه ، وقال : ~~احذر ذلك ؛ فإن الله أحق من تجمل له ) ، لم يذكر فيه رسول الله ولا عمر . ~~وقد روى عن النبى : ( الصلاة فى ثوب واحد ) جماعة منهم : جابر ، وأبو هريرة ~~، وعمر ابن أبى سلمة ، وسلمة بن الأكوع ، وهذه أحاديث تضاد ما روى عن ابن ~~عمر فى منع الصلاة فى الثوب الواحد ، وبها أخذ الفقهاء ولم يتابع ابن عمر ~~على قوله فى ذلك . و ( المشجب ) عود ينصب فى البيوت تعلق فيه الثياب . وفى ~~قول جابر للذى أنكر عليه الصلاة فى ثوب واحد : ( إنما فعلت ذلك ليرانى أحمق ~~مثلك ) ، أنه لا بأس للعالم أن يصف بالحمق من جهل دينه ، وأنكر على العلماء ~~ما غاب عنه علمه من السنة ، وقد قال فى حديث آخر : ( أحببت أن يرانى الجهال ~~مثلكم ) ، فجعل الحمق كناية عن الجهل ، ذكره فى باب الصلاة بغير رداء . ~~PageV02P019 * * * # | 4 - باب الصلاة في الثوب الواحد ملتحفا به # قال الزهري في حديثه : الملتحف المتوشح ، وهو المخالف بين طرفيه على ~~عاتقيه ، وهو الاشتمال على منكبيه ، وقالت أم هانئ : التحف النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - بثوب وخالف بين طرفيه على عاتقيه . / 6 - فيه : عمر بن ~~أبى سلمة : أن نبى الله صلى في ثوب واحد قد خالف بين طرفيه . / 7 - وقال ~~مرة : ( رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي في ثوب واحد ، مشتملا ~~به في بيت أم سلمة ، واضعا طرفيه على عاتقيه ) . / 8 - وفيه : أم هانئ : ( ~~أنها رأت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عام الفتح يصلى ملتحفا في ثوب ~~واحد ) . / 9 - وفيه : أبو هريرة ( أن سائلا سأل رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - عن الصلاة في ثوب واحد ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ~~أولكلكم ثوبان ) ؟ قال المؤلف : التوشح هو نوع من الاشتمال تجوز الصلاة به ~~؛ لأن فيه مخالفة لطرفى الثوب على عاتقه كما قال - صلى الله عليه وسلم - : ~~( من صلى فى ثوب ms0318 واحد ، فليخالف بين طرفيه ) ، واشتمال الصماء المنهى عنه ~~بخلاف ذلك . وقال ابن السكيت : التوشيح هو أن يأخذ طرف الثوب الذى ألقاه ~~على منكبه الأيمن من تحت يده اليسرى ، ويأخذ طرفه الذى ألقاه على عاتقه ~~الأيسر من تحت يده اليمنى ، ثم يعقد طرفهما على صدره ، ومعنى مخالفته بين ~~طرفيه لئلا ينظر المصلى من عورة نفسه إذا ركع ، وقد تقدم فى الباب قبل هذا ~~أن الفقهاء مجمعون على جواز الصلاة فى ثوب واحد ، وقد روى عن ابن مسعود ~~خلاف ذلك ، كما روى عن ابن عمر . PageV02P020 ذكر عبد الرزاق ، عن ابن ~~عيينة ، عن عمرو ، عن الحسن قال : اختلف أبى بن كعب ، وابن مسعود فى الصلاة ~~فى الثوب الواحد ، فقال أبى : لا بأس به ، وقد صلى فيه النبى ، عليه السلام ~~، فالصلاة فيه اليوم جائزة ، وقال ابن مسعود : إنما كان ذلك إذ كان الناس ~~لا يجدون ثيابا ، فأما إذا وجدوها ، فالصلاة فى ثوبين ، فقام عمر على ~~المنبر ، فقال : الصواب ما قال أبى ، ولم يأل ابن مسعود . قال الطحاوى : ~~وقد تواترت الأخبار عن النبى - صلى الله عليه وسلم - بالصلاة فى الثوب ~~الواحد منتوشحا به فى حال وجود غيره ، وذلك أن السائل سأل النبى - صلى الله ~~عليه وسلم - فى حديث أبى هريرة : أيصلى أحدنا فى ثوب واحد ؟ فأجابه جوابا ~~مطلقا ، فقال : ( أو كلكم يجد ثوبين ) ، أى : لو كانت الصلاة مكروهة فى ~~الثوب الواحد لكرهت لمن لا يجد إلا ثوبا واحدا ، ودل جوابه ذلك أن حكم ~~الصلاة فى الثوب الواحد لمن يجد الثوبين كهو فى الصلاة فى الثوب الواحد لمن ~~لا يجد غيره . قال غيره : وفهم من قوله - صلى الله عليه وسلم - : ( أو ~~لكلكم ثوبان ) ، أن من صلى فى أكثر من ثوب واحد فقد أحسن ؛ ألا ترى قول عمر ~~: ( الصواب ما قال أبى ، ولم يأل ابن مسعود ) ، أى : لم يقصر فى الاجتهاد ، ~~وإن كان قد حكم لأبى بالصواب ، فهذا من قول عمر ، يوافق ما روى عن الرسول ~~من إجازته الصلاة فى ثوب واحد لمن وجد غيره ، وهو أولى ms0319 أن يؤخذ به مما روى ~~عن ابن عمر وغيره مما يخالف ذلك . PageV02P021 * * * # | 5 - باب إذا صلى في الثوب الواحد فليجعل على عاتقيه # / 10 - فيه : أبو هريرة قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( ~~لا يصلى أحدكم فى الثوب الواحد ليس على عاتقيه شىء ) . / 11 - وقال مرة : ~~سمعت الرسول يقول : ( من صلى في ثوب واحد ، فليخالف بين طرفيه ) . إنما أمر ~~الرسول من صلى فى ثوب واحد أن يجعله على عاتقيه إذا لم يكن متزرا ؛ لأنه ~~إذا لم يكن متزرا لم يأمن أن ينظر من عورة نفسه فى صلاته ، فإذا جعله على ~~عاتقيه وخالف بين طرفيه أمن من ذلك ، واستترت عورته ، على ما تقدم فى الباب ~~قبل هذا ، وإنما هذا فى الثوب إذا كان واسعا ، فحينئذ يجعله على عاتقيه ، ~~وأما إذا كان ضيقا ، فإنه يتزر به على ما يأتى فى الباب بعد هذا ، إن شاء ~~الله ، وهذا كله تأكيد فى ستر العورة فى الصلاة . * * * # | 6 - باب إذا كان الثوب ضيقا # / 12 - فيه : جابر أنه سئل عن الصلاة في الثوب الواحد ، فقال : ( خرجت مع ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - في بعض أسفاره ، فجئت ليلة لبعض أمري ، ~~فوجدته يصلي ، وعلي ثوب واحد ، فاشتملت به ، وصليت إلى جانبه ، فلما انصرف ~~، قال : ما السرى يا جابر ؟ فأخبرته بحاجتي ، فلما فرغت ، قال : ما هذا ~~الاشتمال الذي رأيت ؟ قلت : كان ثوب واحد قال : فإن كان واسعا ، فالتحف به ~~، وإن كان ضيقا فاتزر به ) . PageV02P022 / 13 - وفيه : سهل بن سعد قال : ( ~~كان رجال يصلون مع النبي - صلى الله عليه وسلم - عاقدي أزرهم على أعناقهم ، ~~كهيئة الصبيان ، ويقال للنساء : لا ترفعن رءوسكن حتى يستوي الرجال جلوسا ) ~~. قال المؤلف : حديث جابر هذا يفسر حديث أبى هريرة الذى فى الباب قبل هذا ~~أن النبى قال : ( لا يصلين أحدكم فى الثوب الواحد ليس على عاتقيه منه شىء ) ~~، أنه أراد الثوب الواسع الذى يمكن أن يشتمله ، وأما إذا كان ضيقا ولم ~~يمكنه أن يشتمله فليتزر به كما قال - صلى الله عليه وسلم - . فإن قيل ms0320 : ~~قوله : ( لا يصلين أحدكم فى الثوب الواحد ليس على عاتقيه منه شىء ) ، هو ~~نهى عن الصلاة فى الثوب الواحد متزرا به . فظاهره : يعارض قوله : ( فإن كان ~~ضيقا فليتزر به ) ، ويعارض حديث بريدة الأسلمى أن الرسول نهى أن يصلى الرجل ~~فى سراويل وحده ، رواه ابن وهب ، عن زيد بن الحباب ، عن أبى المنيب ، عن ~~عبد الله بن بريدة ، عن أبيه . قال الطحاوى : ومحمل النهى فى ذلك عندنا ~~للواجد للغيره ، وأما من لم يجد غيره فلا بأس بالصلاة فيه كما لا بأس ~~بالصلاة فى الثوب الضيق متزرا به فعلى هذا تتفق معانى الآثار ولا تتضاد . ~~قال المؤلف : ويشهد لصحة ما قال الطحاوى ، أن الذين كانوا يعقدون أزرهم على ~~أعناقهم لم يكن لهم غيرها ، والله أعلم ؛ إذ لو كان لهم غيرها للبسوها فى ~~الصلاة ، وما احتيج أن ينهى النساء عن رفع رءوسهن حتى يستوى الرجال جلوسا ، ~~وتختلف أحكامهم فى PageV02P023 الصلاة ، وذلك مخالف لقول الرسول فى الإمام ~~: ( فلا تختلفوا عليه ) ، ولقوله : ( فإذا رفع فارفعوا ) ، ألا ترى أن عمرو ~~بن سلمة حين كان يصلى بقومه ، وتنكشف عورته ، لم تكن له غير تلك الجبة ~~القصيرة ، فلما اشتريت له جبة سابغة تستره فى الصلاة ، قال : فما فرحت بشىء ~~فرحى بها . وفى حديث سهل أن الثوب إذا أمكن أن يشتمل به ، وإن لم يكن سابغا ~~أن الاشتمال أولى به من الاتزار ؛ لأن الاشتمال أستر للعورة من الاتزار ~~ولذلك لم يؤمر الذين عقدوا أزرهم على عواتقهم بالاتزار بها ، والله أعلم . ~~وإنما نهى النساء عن رفع رءوسهن خشية أن يلمحن شيئا من عورات الرجال عند ~~الرفع من السجود ، وهذا كله حماية من النظر إلى عورة المصلى ، ولا خلاف بين ~~العلماء أن المصلى إذا تقلص مئزره أو كشفت الريح ثوبه ، فظهرت عورته ، ثم ~~رجع الثوب فى حينه وفوره أنه لا يضر ذلك المصلى شيئا ، وكذلك المأموم إذا ~~رأى من العورة مثل ذلك لا تنتقض صلاته ؛ لأنه إنما يحرم النظر مع العمد ولا ~~يحرم النظر فجأة ، وإذا صحت صلاة الإمام فأحرى أن ms0321 تصح صلاة المأموم ، وقال ~~ابن القاسم فى العتبية : إن فرط فى رد إزاره ، فصلاته وصلاة من تأمل عورته ~~باطل . قال المهلب : والاشتمال الذى أنكره الرسول هو اشتمال الصماء المنهى ~~عنه ، وهو أن يجلل نفسه بثوبه ، لا يرفع شيئا من جوانبه ، ولا يمكنه إخراج ~~يديه إلا من أسفله ، فيخاف أن تبدو عورته عند ذلك ، PageV02P024 فلذلك قال ~~له النبى : ( إن كان واسعا فالتحف به ، وإن كان ضيقا فاتزر به ) . وقوله : ~~( ما السرى يا جابر ؟ ) ، إنما سأله عن سراه إذ علم أنه لا يأتيه أحد ليلا ~~إلا لحاجة ، فسأله عن ذلك ، يدل على ذلك قول جابر : فأخبرته بحاجتى ، وفيه ~~طلب الحوائج بالليل من السلطان لخلاء موضعه وسره . * * * # | 7 - باب الصلاة في الجبة الشامية # وقال الحسن : في الثياب ينسجها المجوس لم ير بها بأسا . وقال معمر : رأيت ~~الزهري يلبس من ثياب اليمن ما صبغ بالبول ، وصلى علي ابن أبي طالب في ثوب ~~غير مقصور . / 14 - فيه : المغيرة بن شعبة قال : ( كنت مع النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - في سفر فقال : يا مغيرة خذ الإداوة ، فأخذتها ، فانطلق رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - حتى توارى عني ، وقضى حاجته ، وعليه جبة شأمية ~~، فذهب ليخرج يده من كمها ، فضاقت ، فأخرج يده من أسفلها ، فصببت عليه ، ~~فتوضأ ، وضوءه للصلاة ، ومسح على خفيه ، ثم صلى ) . فيه من الفقه : إباحة ~~لبس ثياب المشركين ؛ لأن الشام كانت ذلك الوقت دار كفر ، وكان ذلك فى غزوة ~~تبوك سنة تسع من الهجرة ، وكانت ثياب المشركين ضيقة الأكمام . واختلف ~~العلماء فى الصلاة فى ثياب الكفار ، فذهب مالك وجمهور العلماء إلى أنه لا ~~بأس بالصلاة فيما نسجوه ، وكره مالك PageV02P025 الصلاة فى ما لبسوه ، وقال ~~: إن صلى فيه فيعيد فى الوقت ، وأجاز ذلك الكوفيون والثورى والشافعى ، ~~وقالوا : لا بأس بلباسها ، وإن لم تغسل حتى يتبين فيها النجاسة ، إلا أن ~~أبا حنيفة ، قال : أما السراويل ، والأزر فأكره أن يلبسها المسلم إلا بعد ~~الغسيل . وقال إسحاق : تطهر جميع ثيابهم ، وليس فى حديث الجبة الشامية ما ~~يقطع به ، وإن ms0322 كان النبى غسلها قبل لباسه أم لا ، فلا حجة فيه لواحد منهم ، ~~وأما صلاة الزهرى فى ثوب صبغ بالبول ، فمعلوم أنه لم يصل فيه إلا بعد غسله ~~وإنما على المرء أن يغسل ثوبه حتى يتيقن طهارته . وفيه : خدمة العالم فى ~~السفر ، وفيه إخراج اليد من أسفل الثوب إذا احتيج إلى ذلك . وفيه : لباس ~~الثياب الضيقة الأكمام فى السفر ، والثياب القصار كالأقبية وغيرها . * * * # | 8 - باب كراهية التعري في الصلاة وغيرها # / 15 - فيه : جابر : ( أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان ينقل ~~معهم الحجارة للكعبة ، وعليه إزاره ، فقال له العباس عمه : يا ابن أخي لو ~~حللت إزارك ، فجعلت على منكبيك دون الحجارة ، قال : فحله ، فجعله على ~~منكبيه ، فسقط مغشيا عليه ، فما رئي بعد ذلك عريانا - صلى الله عليه وسلم - ~~) . بنيان الكعبة كان والنبى غلام قبل البعثة بمدة ، وقيل : كان يومئذ ابن ~~خمسة عشر عاما ، وقد بعثه الله بالرسالة إلى خلقه ، وعلمه ما لم ~~PageV02P026 يكن يعلم ، وأنزل عليه فى القرآن ما حمله أن يأمر : ( ألا يطوف ~~بالبيت عريانا ) ، ونسخ بذلك ما كانوا عليه من جاهليتهم من مسامحتهم فى ~~النظر إلى العورات ، وكان قد جبله الله على جميل الأخلاق وشريف الطباع ، ~~ألا ترى أنه غشى عليه وما رئى بعد ذلك عريانا . وفائدة هذا الحديث قوله : ( ~~فما رئى بعد ذلك عريانا ) . ففيه أنه لا ينبغى التعرى للمرء بحيث تبدو ~~عورته لعين الناظر إليها ، والمشى عريانا بحيث لا يأمن أعين الآدميين إلا ~~ما رخص فيه من رؤية الحلائل لأزواجهن عراة . قال الطبرى : وقد حدثنا ابن ~~حميد ، عن هارون بن المغيرة ، عن سماك بن حرب ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، ~~عن العباس بن عبد المطلب ، وذكر الحديث وقال فيه : أنه لما سقط النبى - صلى ~~الله عليه وسلم - نظر إلى السماء وأخذ إزاره ، وقال : ( نهيت عن أن أمشى ~~عريانا ) ، فقلت : ( اكتمها الناس مخافة أن يقولوا مجنون ) . فدل هذا ~~الحديث أنه لا يجوز التعرى فى الخلوة ولا لأعين الناس . وقيل : إنما مخرج ~~القول منه لذلك الحال التى كان ms0323 عليها ، فحيث كانت قريش نساؤها ورجالها تنقل ~~معه الحجارة ، فقال : ( نهيت أن أمشى عريانا ) ، فى مثل هذه الحالة ولو كان ~~ذلك نهيا من الله له PageV02P027 عن التعرى فى كل مكان لكان قد نهاه عن ~~التعرى للغسل من الجنابة فى الموضع الذى قد أمن أن يراه فيه أحد إلا الله ، ~~إذ كان المغتسل لا يجد بدا من التعرى ، ولكنه نهى عن التعرى بحيث يراه أحد ~~. وفى نهيه عليه السلام ، عن المشى عريانا بيان أنه لا يجوز القعود عريانا ~~فى موضع يكون معناه معنى الموضع الذى نهى فيه عن المشى عريانا ، وذلك ~~القعود بحيث يراه من لا يحل له أن يرى عورته ؛ فكان القعود عريانا فى معنى ~~المشى عريانا ، ولذلك نهى النبى عن دخول الحمام بغير إزار . فإن قيل : فما ~~أنت قائل فى حديث القاسم ، عن أبى أمامة ، عن النبى - صلى الله عليه وسلم - ~~، أنه قال : ( لو استطيع أن أوارى عورتى من شعارى لواريتها ) ، وفى قول على ~~بن أبى طالب ، رضى الله عنه : ( إذا كشف الرجل عورته أعرض عنه الملك ) ، ~~وفى قول أبى مجلز قال : قال أبو موسى الأشعرى : ( إنى لأغتسل فى البيت ~~المظلم فما أقيم صلبى حياء من ربى ) . قال الطبرى : قيل له : حديث أبى ~~أمامة إن صح عن الرسول ، فهو منه محمول على وجه الاستحباب ، لاستعمال ~~السترة والندب لأمته إلى ذلك ؛ وكذلك كان ذلك من على وأبى موسى لا على ~~أنهما رأيا أن ذلك حرام ؛ لأن الله لا يغيب عنه شىء من خلقه عراة كانوا أو ~~عليهم ثياب ، فلا وجه لترك إقامة الصلب عند PageV02P028 الاغتسال ولو كان ~~العبد إذا لم يقم صلبه استتر من جسده عن ربه شىء كان ذلك معنى صحيحا ؛ فأما ~~وهو لو انطبق بعضه على بعض لم يغب شىء من أجزاء جسده عن عين ربه ، تعالى ~~ذكره ، فلا وجه لترك إقامة الصلب عند الاغتسال فى الخلوة حياء من الله ، ~~تعالى ، بل ذلك داعية إلى أن يكون سببا لتضييع غسل بعض جسده أقرب منه إلى ~~أن يكون حياء ms0324 من الله . * * * # | 9 - باب الصلاة في القميص والسراويل والتبان والقباء # / 16 - فيه : أبو هريرة : أن رجلا سأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~عن الصلاة في الثوب الواحد ، فقال : أوكلكم يجد ثوبين ) . ثم سأل رجل عمر ~~فقال : إذا وسع الله : فأوسعوا ، جمع رجل عليه ثيابه ، صلى رجل في إزار ~~ورداء ، في إزار وقميص ، في إزار وقباء ، في سراويل ورداء ، في سراويل ~~وقميص ، في سراويل وقباء ، في تبان وقباء ، في تبان وقميص ، قال : وأحسبه ~~قال : في تبان ورداء . / 17 - وفيه : ابن عمر : سأل رجل النبى - صلى الله ~~عليه وسلم - فقال : ما يلبس المحرم ؟ فقال : لا يلبس القميص ولا السراويل ~~ولا البرنس . . . ) الحديث . قال المهلب : اللازم من الثياب فى الصلاة ثوب ~~واحد ساتر للعورة ، وقول عمر : ( إذا أوسع الله عليكم فأوسعوا ، جمع رجل ~~عليه ثيابه . . . ) ، يدل على ذلك ، وجمع الثياب فى الصلاة اختيار واستحسان ~~وعليه جماعة الفقهاء ، والله أحق من تجمل له . وقول عمر : ( فى تبان ورداء ~~) ، يدل أن الرداء يشتمل فى الصلاة ؛ لأنه لا يكون الرداء مع التبان ~~والسراويل الكاملة إلا مشتملا به ، وقال الخليل : التبان يشبه سراويل صغير ~~، تذكره العرب . وقد اختلف أصحاب مالك فيمن صلى فى سراويل وهو قادر ~~PageV02P029 على التبان ؛ ففى المدونة : لا يعيد فى وقت ولا غيره ، وفى ~~المجموعة عن ابن القاسم مثله ، وعن أشهب : عليه الإعادة فى الوقت ؛ وعن ~~أشهب أيضا أن صلاته تامة إن كان صفيقا . وقول عمر : ( جمع رجل عليه ثيابه ) ~~، يعنى ليجمع عليه ثيابه وليصلى فيها ، فجاء بلفظ الفعل الماضى وهو يريد ~~المستقبل ، وذلك كثير فى التنزيل كقوله تعالى : { وإذ قال الله يا عيسى ابن ~~مريم أأنت قلت للناس } [ المائدة : 116 ] ، والمعنى : إذ يقول الله دل على ~~ذلك قول عيسى : { ما قلت لهم إلا ما أمرتنى به أن اعبدوا الله ربى وربكم ~~وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم فلما توفيتنى } [ المائدة : 117 ] ، فدل قوله ~~: { فلما توفيتنى } أن هذا الكلام إنما يكون بعد وفاة عيسى ومبعثه يوم ~~القيامة . * * * # | 10 - باب ما يستر من العورة ms0325 # / 18 - فيه : أبو سعيد وأبو هريرة : أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - ~~نهى عن اشتمال الصماء ، وأن يحتبي الرجل في ثوب واحد ، ليس على فرجه منه ~~شيء ) . / 19 - وفيه : أبو هريرة قال : ( بعثني الرسول - صلى الله عليه ~~وسلم - نؤذن يوم النحر بمنى : أن لا يطوف بالبيت عريان ) . قال أبو عبيد : ~~( اشتمال الصماء عند العرب : أن يشتمل الرجل بثوب فيجلل به جسده كله ، ولا ~~يرفع منه جانبا فيخرج منه يده ، قال : وربما اضطجع فيه على هذه الحال ، ~~كأنه يذهب إلى أنه لا يدرى لعله يصيبه شىء يريد الاحتراس منه والاتقاء ~~بيديه ، فلا يقدر ، لإدخالهما فى ثيابه ، فهذا كلام العرب ، وأما تفسير ~~الفقهاء فهو عندهم مثل PageV02P030 الاضطباع ، وهو أن يشتمل بثوب واحد ليس ~~عليه غيره ، ويرفعه من أحد جانبيه ، فيضعه على منكبيه ، فيبدو منه فرجه ) . ~~إلا أن الاضطباع أن يدخل الثوب تحت يده اليمنى ، ويبرز منكبه الأيمن ، وقد ~~ذكر البخارى فى كتاب اللباس فى حديث أبى هريرة ، وأبى سعيد عن النبى تفسير ~~اشتمال الصماء والاحتباء ؛ قال : ( الصماء أن يجعل ثوبه على أحد عاتقيه ~~فيبدو أحد شقيه ليس عليه ثوب ) ، وهو نحو ما حكاه أبو عبيد عن الفقهاء ؛ ~~واختلف قول مالك فى اشتمال الصماء إذا كان تحتها ثوب فمرة أجازها ومرة ~~كرهها . والاحتباء : هو أن يحتزم بالثوب على حقويه وركبتيه وفرجه باد ، ~~كانت العرب تفعله ؛ لأنه أرفق لها فى جلوسها ، وفى حديث أبى سعيد ، وأبى ~~هريرة فى اللباس قال : الاحتباء أن يحتبى فى ثوب وهو جالس ليس على فرجه منه ~~شىء . وقال الخطابى : الاحتباء أن يجمع ظهره ورجليه بثوب ، يقال : العمائم ~~تيجان العرب ، والحباء حيطانها ، يقال : حبوة ، وحبوة والكسر أعلى . ~~والاحتباء على ثوب جائز ؛ لأن رسول الله إنما نهى عنه إذا كان كاشفا عن ~~فرجه . وكره الصلاة محتبيا : ابن سيرين ، وأجازها الحسن ، والنخعى ، وعروة ~~، وسعيد بن المسيب ، وعبيد بن عمير ، وكان سعيد بن جبير يصلى محتبيا فإذا ~~أراد أن يركع حل حبوته ثم قام وركع ، وصلى التطوع محتبيا عطاء ، وعمر بن ~~عبد العزيز ms0326 . PageV02P031 واختلف العلماء فى حد العورة ، فقالت طائفة : لا ~~عورة من الرجال إلا القبل والدبر ، هذا قول ابن أبى ذئب وأهل الظاهر ، وعند ~~مالك حد العورة : ما بين السرة إلى الركبة وهو قول أبى حنيفة ، والأوزاعى ، ~~والشافعى ، وأبى ثور ، وليست السرة والركبة عندهم بعورة غير أبى حنيفة ، ~~فإن الركبة عنده عورة ، وهو قول عطاء ، وأحمد ، وعند بعض أصحاب الشافعى : ~~السرة عورة . وجه القول الأول : ( نهيه عن اشتمال الصماء ، وأن يحتبى فى ~~ثوب واحد ليس على فرجه منه شىء ) ، وقوله تعالى : { قد أنزلنا عليكم لباسا ~~يوارى سوءاتكم } [ الأعراف : 26 ] ، وقال : { فبدت لهما سوءاتهما } [ ~~الأعراف : 22 ] ، وقال : { يوارى سوءة أخيه } [ المائدة : 31 ] ، فدل أنه ~~لا عورة غير السوءة . وحجة من قال : ما بين السرة إلى الركبة عورة ، قوله - ~~صلى الله عليه وسلم - لجرهد : ( الفخذ عورة ) ، ومنعهم من كشف الفخذ كمنعهم ~~من الرعى حول الحمى . وحجة من قال : إن السرة ليست بعورة أن النبى قبل سرة ~~الحسن بن على ، وأن أبا هريرة سأل الحسن كشف سرته فقبلها ، وقال : أقبل منك ~~ما رأيت رسول الله يقبله ، ولو كانت عورة ما قبلها أبو هريرة ولا مكنه ~~الحسن منها ، وقال الآخرون : ليس هذا بحجة ؛ لأن عورات الصبيان ليست بمحرمة ~~؛ لأنه لا يلزمهم الأحكام والحدود . * * * # | 11 - باب الصلاة بغير رداء # / 20 - فيه : جابر ( أنه صلى فى ثوب واحد ورداؤه موضوع ، فلما انصرف ، ~~PageV02P032 قلنا يا أبا عبدالله ، تصلي ورداؤك موضوع ؟ قال : نعم ، أحببت ~~أن يراني الجهال مثلكم ، رأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - يصلي هكذا . كل ~~من صلى بغير رداء إذا كان عليه قميص ، فلا يكره له ذلك أحد من العلماء إلا ~~أن مالكا ذكر عنه ابن عبد الحكم أنه قال : لا يصلى إمام إلا برداء إلا من ~~ضرورة وهذا على الاستحسان فى كمال أحوال الأئمة ، ولو كان من جهة الوجوب ، ~~لكان الإمام والمأموم فيه سواء . * * * # | 12 - باب ما يذكر في الفخذ # قال أبو عبد الله : ويروى عن ابن عباس وجرهد ومحمد بن جحش عن النبي - صلى ~~الله عليه ms0327 وسلم - الفخذ عورة . وقال أنس بن مالك : حسر النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - عن فخذه ، وحديث أنس أسند ، وحديث جرهد أحوط ، حتى يخرج من ~~اختلافهم . وقال أبو موسى : غطى النبي - صلى الله عليه وسلم - ركبتيه حين ~~دخل عثمان ، وقال زيد بن ثابت : أنزل الله على رسوله - صلى الله عليه وسلم ~~- وفخذه ، على فخذي فثقلت علي حتى خفت أن ترض فخذي . / 21 - فيه : أنس : أن ~~نبى الله - صلى الله عليه وسلم - غزا خيبر ، فصلينا عندها صلاة الغداة بغلس ~~، فركب نبي الله - صلى الله عليه وسلم - وركب أبو طلحة ، وأنا رديف أبي ~~طلحة ، فأجرى نبي الله - صلى الله عليه وسلم - في زقاق خيبر ، وإن ركبتي ~~لتمس فخذ نبي الله - صلى الله عليه وسلم - ، ثم حسر الإزار عن فخذه ، حتى ~~إني أنظر إلى بياض فخذ نبي الله - صلى الله عليه وسلم - : فلما دخل القرية ~~، قال : الله أكبر ، خربت خيبر ) ، وذكر الحديث . قال المؤلف : احتج بحديث ~~أنس ، وحديث زيد بن ثابت من قال : إن الفخذ ليست بعورة ؛ لأنها لو كانت ~~عورة يجب سترها ما كشفها النبى يوم خيبر ، ولا تركها مكشوفة بحضرة أبى بكر ~~وعمر ، وقد قال الأوزاعى : ( الفخذ عورة وليست بعورة فى الحمام ) ، فدل ~~أنها لا تقوى عندهم قوة العورة ، وإن كانوا يأمرون بسترها . PageV02P033 ~~قال المهلب : وإنما ذلك خوف النظر إلى العورة والذريعة إليها ، فيكون معنى ~~قوله : ( الفخذ عورة ) ، على المقاربة والجوار ، وقد أجمعوا أن من صلى ~~منكشف القبل والدبر ، أن عليه الإعادة واختلفوا فيمن صلى منكشف الفخذ ، فدل ~~أن حكمه مخالف لحكم القبل والدبر لاختلاف المعنى فى ذلك . فإن قال قائل : ~~لم غطى النبى ركبته حين دخل عليه عثمان بن عفان ؟ . قيل : قد بين النبى ، ~~معنى ذلك بقوله : ( ألا أستحى ممن تستحيى منه ملائكة السماء ) ، وإنما كان ~~يخص كل واحد من أصحابه من الفضائل بما يتبين به عن غيره ، ويمتاز به عمن ~~سواه ، وإن كان قد شركه غيره من أصحابه فى معنى تلك الفضيلة ، وله النصيب ~~الوافر منها غير أنه عليه السلام ms0328 ، إنما كان يصف كل واحد من أصحابه بما هو ~~الغالب عليه من أخلاقه وهو مشهور فيه ؛ : فلما كان الحياء الغالب على عثمان ~~استحيا منه ، وغطى ركبته بحضرته ، وذكر أن الملائكة تستحيى منه فكانت ~~المجازاة له من جنس فعله . * * * # | 13 - باب في كم تصلي المرأة من الثياب ؟ # وقال عكرمة : لو وارت جسدها في ثوب جاز . / 22 - فيه : عائشة قالت : ( ~~لقد كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي الفجر ، فيشهد معه نساء من ~~المؤمنات متلفعات في مروطهن ، ثم يرجعن إلى بيوتهن ، ما يعرفهن أحد ) . | ~~PageV02P034 اختلف العلماء فى عدد ما تصلى فيه المرأة من اليثاب ، فقالت ~~طائفة : تصلى فى درع وخمار ، وروى ذلك عن ميمونة ، وعائشة ، وأم سلمة أزواج ~~الرسول ، وروى أيضا ذلك عن ابن عباس ، وهو قول مالك ، والليث ، والأوزاعى ، ~~والثورى ، وأبى حنيفة ، والشافعى ، وقالت طائفة : إنما تصلى فى ثلاثة أثواب ~~: درع ، وخمار ، وحقو ، وهو الإزار فى لغة الأنصار ، روى ذلك عن ابن عمر ، ~~وعبيدة ، وعطاء ، وقالت طائفة : تصلى فى أربعة أثواب وهو : الخمار ، والدرع ~~، والإزار ، والملحفة ، وروى ذلك عن مجاهد ، وابن سيرين . وقال ابن المنذر ~~: على المرأة أن تستر فى الصلاة جميع بدنها سوى وجهها وكفيها سواء سترته ~~بثوب واحد أو أكثر ، ولا أحسب ما روى عن المتقدمين فى ذلك من الأمر بثلاثة ~~أثواب أو أربعة إلا من طريق الاستحباب ، والله أعلم . قال غيره : لأن صلاة ~~النساء المتلفعات مع النبى يحتمل أن تكون بثوب واحد والمرأة كلها عورة ، ~~حاشا ما يجوز لها كشفه فى الصلاة والحج ، وذلك وجهها وكفاها فإن المرأة لا ~~تلبس القفازين محرمة ، ولا تنتقب فى الصلاة ولا تتبرقع فى الحج ، وأجمعوا ~~أنها لا تصلى منتقبة ولا متبرقعة ، وفى هذا أوضح دليل على أن وجهها وكفيها ~~ليس بعورة ، ولهذا يجوز النظر إلى وجهها فى الشهادة عليها ، وقال أبو بكر ~~بن عبد الرحمن : كل شىء من المرأة عورة حتى ظفرها ، وهذا قول لا نعلم أحدا ~~قاله إلا أحمد بن حنبل ، وقال مالك ، والشافعى : قدم المرأة عورة ، فإن صلت ~~وقدمها ms0329 مكشوفة أعادت فى الوقت عند مالك ، وكذلك إن صلت وشعرها مكشوف ، وعند ~~الشافعى تعيد أبدا ، وقال أبو حنيفة ، والثورى : قدم المرأة ليست بعورة ، ~~فإن صلت PageV02P035 وقدمها مكشوفة لم تعد ، واختلفوا فى تأويل قوله تعالى ~~: { ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها } [ النور : 31 ] ، فروى عن ابن عباس ~~، وابن عمر قالا : الوجه والكفان ، وعن ابن مسعود : التبان ، والقرط ، ~~والدملج ، والخلخال ، والقلادة ، وعلى قول ابن عباس ، وابن عمر جماعة ~~الفقهاء . والمروط : أكسية من صوف ، واحدها مرط . * * * # | 14 - باب إذا صلى في ثوب له أعلام ونظر إليها # / 23 - فيه : عائشة : ( أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى في خميصة ~~لها أعلام ، فنظر إلى أعلامها نظرة ، فلما انصرف ، قال : اذهبوا بخميصتي ~~هذه إلى أبي جهم ، وائتونى بأنبجانية أبي جهم ، فإنها ألهتني آنفا عن صلاتي ~~) ، وقال مرة : ( كنت أنظر إلى علمها وأنا في الصلاة ، فأخاف أن تفتننى ) . ~~قال المؤلف : النظر فى الصلاة إلى الشىء إذا لم يقدح فى الركوع والسجود لا ~~يفسد الصلاة ، وإن كان مكروها كل ما يشغل المصلى عن صلاته ويلهيه عن الخشوع ~~، فلما شغلته عليه السلام ، عن بعض خشوعه تشاءم بها وردها ، وقال سفيان بن ~~عيينة : إنما رد رسول الله الخميصة إلى أبى جهم ؛ لأنها كانت سبب غفلته ~~وشغله عن ذكر الله ، كما قال : ( اخرجوا عن هذا الوادى الذى أصابكم فيه ~~الغفلة ، فإنه واد به شيطان ) ، قال : ولم يكن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - ليبعث إلى غيره بشىء يكرهه لنفسه ؛ ألا ترى قوله عليه السلام ، ~~لعائشة فى الضب : ( إنا لا نتصدق بما لا نأكل ) ، وكان رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - أقوى PageV02P036 خلق الله على دفع الوسوسة ، ولكن كرهها ~~لدفع الوسوسة كما قال لعائشة : ( أميطى عنا قرامك ، فإنه لا تزال تصاويره ~~تعرض لى فى صلاتى ) . وفى رده - صلى الله عليه وسلم - الخميصة تنبيه منه ~~وإعلام أنه يجب على أبى جهم من اجتنابها فى الصلاة مثلما وجب على النبى ؛ ~~لأن أبا جهم أحرى أن يعرض له من الشغل بها أكثر مما خشى ms0330 الرسول ، ولم يرد ~~النبى برد الخميصة عليه منعه من تملكها ولباسها فى غير الصلاة ، وإنما ~~معناها كمعنى الحلة التى أهداها لعمر بن الخطاب ، وحرم عليه لباسها وأباح ~~له الانتقاع بها وبيعها . وفيه دليل : أن الواهب والمهدى إذا ردت عليه ~~هديته من غير أن يكون هو الراجع فيها ، فله أن يقبلها ؛ إذ لا عار عليه فى ~~قبولها . وفيه : أن النبى آنس أبا جهم ردها إليه بأن سأله ثوبا مكانها ~~يعلمه أنه لم يرد عليه هديته استخفافا به ، ولا كراهة لكسبه . وفيه : تكنية ~~الإمام والعالم لمن هو دونه . قال أبو عبيد : و ( الخميصة ) كساء مربع أسود ~~له علمان ، وقال ثعلب : ( أنبجانية ) ، بفتح الباء وكسرها ، كل ما كثف ~~والتف ، قالوا : شاة أنبجانية كثيرة الصوف ملتفة ، وقال الأصمعى : يقال : ~~كساء منبجانى منسوب إلى منبج ، ولا يقال : أنبجانى ، قال أبو حاتم : قلت : ~~لم فتحت الباء وإنما نسبت إلى منبج ، قال : خرج مخرج منظرانى ومخيرانى ألا ~~ترى أن الزيادة فيه ، والنسب مما يتغير له البناء . PageV02P037 * * * # | 15 - باب إن صلى في ثوب مصلب أو تصاوير هل تفسد صلاته وما ينهى عن ذلك # / 24 - فيه : أنس قال : ( كان قرام لعائشة سترت به جانب بيتها ، فقال ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - : أميطي عنا قرامك هذا ، فإنه لا تزال ~~تصاويره تعرض في صلاتى ) . فهذا الباب يشبه الذى قبله ؛ لأنه لما نهى عن ~~القرام الذى فيه التصاوير ، علم أن النهى عن لباسه أشد وأوكد ، وهذا كله ~~على الكراهية ، ومن صلى بذلك أو نظر إليه ، فصلاته مجزئة عند العلماء ؛ ~~لأنه - صلى الله عليه وسلم - لم يعد الصلاة . قال المهلب : وإنما أمر ~~باجتناب مثل هذا لإحضار الخشوع فى الصلاة وقطع دواعى الشغل ، والقرام : ثوب ~~صوف ملون ، عن الخليل . * * * # | 16 - باب من صلى في فروج حرير ثم نزعه # / 25 - فيه : عقبة بن عامر قال : ( أهدي إلى النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- فروج حرير ، فلبسه فصلى فيه ، ثم انصرف ، فنزعه نزعا شديدا كالكاره له ، ~~وقال : لا ينبغي هذا للمتقين ) . قال أبو عبيد : الفروج : القباء الذى ms0331 فيه ~~شق من خلفه ، وهو من لباس الأعاجم . اختلف العلماء فيمن صلى فى ثوب حرير ، ~~فقال الشافعى ، وأبو ثور : يجزئه ويكره ، وقال ابن القاسم ، عن مالك : من ~~صلى بثوب حرير يعيد فى الوقت إن وجد ثوبا غيره ، وعليه جل أصحابه ، وقال ~~أشهب فى كتاب ابن المواز : لا إعادة عليه فى وقت ولا غيره . PageV02P038 ~~وهو قول أصبغ ، ورواه عبد الملك بن الحسن ، عن ابن وهب فى العتبية ، واستحب ~~ابن الماجشون لباس الحرير فى الحرب والصلاة به للترهيب على العدو والمباهاة ~~؛ ذكره ابن حبيب ، وقال آخرون : إن صلى بثوب حرير ، وهو يعلم أن ذلك لا ~~يجوز أعاد الصلاة ، ومن أجاز الصلاة فيه احتج بأنه لم يرو عن الرسول أنه ~~أعاد الصلاة التى صلى فيه ، ومن لم يجز الصلاة فيه أخذ بعموم تحريمه عليه ~~السلام ، لباس الحرير للرجال . * * * # | 17 - باب الصلاة في الثوب الأحمر # / 26 - فيه : أبو جحيفة : رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في قبة ~~حمراء من أدم ، ورأيت بلالا أخذ وضوء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، ~~ورأيت الناس يبتدرون ذلك الوضوء ، فمن أصاب منه شيئا تمسح به ، ومن لم يصب ~~منه شيئا أخذ من بلل يد صاحبه ، ثم رأيت بلالا أخذ عنزة ، فركزها ، وخرج ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - في حلة حمراء ، مشمرا صلى إلى العنزة بالناس ~~ركعتين ، ورأيت الناس والدواب ، يمرون من بين يدي العنزة ) . قال المهلب : ~~فيه إباحة لباس الحمرة فى الثياب ، والرد على من كره ذلك وأنه يجوز لباس ~~الثياب الملونة للسيد الكبير والزاهد فى الدنيا ، والحمرة أشهر الملونات ~~وأجل الزينة فى الدنيا ، وقد قيل فى قوله تعالى : { فخرج على قومه فى زينته ~~} [ القصص : 79 ] ، أنه خرج فى ثياب حمر ، ويؤيد هذا قوله تعالى : { قل من ~~حرم زينة الله } [ الأعراف : 32 ] ، فدخل فيه كل PageV02P039 زينة مباحة ، ~~وسيأتى قول من كره لباس الثياب الحمر ، ومن أجازها فى كتاب اللباس إن شاء ~~الله . * * * # | 18 - باب الصلاة في السطوح والمنبر والخشب # قال أبو عبد الله : ولم ير الحسن بأسا ms0332 أن يصلى على الجمد والقناطر ، وإن ~~جرى تحتها بول أو فوقها أو أمامها ، إذا كان بينهما سترة . وصلى أبو هريرة ~~على ظهر المسجد بصلاة الإمام وصلى ابن عمر على الثلج . / 27 - فيه : أبو ~~حازم : سألوا سهل بن سعد من أي شيء المنبر ؟ فقال : ما بقي بالناس أعلم مني ~~، هو من أثل الغابة ، عمله فلان مولى فلانة لرسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - ، وقام عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين عمل ، ووضع ~~فاستقبل القبلة كبر ، وقام الناس خلفه ، فقرأ وركع وركع الناس خلفه ، ثم ~~رفع رأسه ، ثم رجع القهقرى ، فسجد على الأرض ، ثم عاد إلى المنبر ، ثم ركع ~~، ثم رفع رأسه ، ثم رجع القهقرى ، حتى سجد بالأرض ، فهذا شأنه . قال على بن ~~المدينى : سألنى أحمد بن حنبل ، عن هذا الحديث قال : فإنما أردت أن النبى ~~كان أعلى من الناس فلا بأس أن يكون الإمام أعلى من الناس لهذا الحديث ، قال ~~: فقلت : إن سفيان بن عيينة كان يسأل عن هذا كثيرا ، فلم تسمعه منه ؟ قال : ~~لا . / 28 - وفيه أنس : ( أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سقط عن فرس ~~، فجحشت ساقه أو كتفه ، وآلى من نسائه شهرا ، فجلس في مشربة له درجتها من ~~جذوع ، فأتاه أصحابه يعودونه ، فصلى بهم جالسا ، وهم قيام ) ، وذكر الحديث ~~. اختلف العلماء فى الإمام يصلى أرفع من المأمومين ، فأجاز ذلك PageV02P040 ~~الليث ، والشافعى ، واحتجا بهذا الحديث وزاد الشافعى : إذا أراد الإمام ~~تعليمهم ليقتدى به من وراءه ويسجد على الأرض . وفيه : فلما فرغ النبى أقبل ~~على الناس ، فقال : ( أيها الناس إنما صنعت هذا لتأتموا بى ولتعلموا صلاتى ~~) . ذكره البخارى فى صلاة الجمعة وكره ذلك أبو حنيفة ، وقال : صلاتهم تامة ~~. وقال الأوزاعى : لا يجزئ ذلك حتى يستوى معهم بالأرض ، وقال أبو يوسف : إن ~~كان موضع الإمام أرفع بقدر قامة فهو المكروه ، وإن كان أقل فليس بمكروه . ~~وقد قيل : إن المنبر الذى صلى عليه الرسول كان بثلاث درجات ، روى عن سهل بن ~~سعد ، وقال مالك : لا يعجبنى إن صلى إمام ms0333 على ظهر المسجد والناس أسفل منه ~~أو يصلى على شىء أرفع مما عليه أصحابه ، فإن فعل فعليهم الإعادة أبدا ؛ ~~لأنهم يعبثون إلا أن يكون ارتفاعا يسيرا فصلاتهم مجزئة . وقال ابن أبى زيد ~~: قال بعض أصحابنا : إن الشبر وعظم الذراع خفيف فى ذلك ، وقال فضل بن سلمة ~~: وقوله : يعبثون يدل أنما ذلك إذا كان الإمام يصلى بموضع واسع ويصلى ~~بصلاته ناس أسفل منه ، وهو يقدرون على أن يصلوا معه فى مكانه ، فأما إذا ~~كان الموضع قد ضاق بأهله فلا بأس أن يصلى بصلاة الإمام ناس أسفل منه ، وروى ~~أشهب عن مالك ، فيمن أتى مسجدا مغلقا قد امتلأ ، فله أن يصلى أسفل فى ~~الفضاء بصلاة الإمام ، وروى ابن وهب عن مالك أنه إذا صلى إمام القوم فى ~~السفينة وبعضهم فوقه وتحته ولم يجدوا بدا منه فلا بأس . PageV02P041 قال ~~ابن اللباد : إنما كره مالك هذا ؛ لأن بنى أمية فعلوه على وجه الكبر ~~والجبرية فرآه من العبث ومما يفسد الصلاة ، وقال غيره : لا معنى لقول من ~~قال : ( لا يجوز مثل هذا إلا إذا أراد أن يعلم الناس كما روى فى الحديث ) ؛ ~~لأن ذلك لو كان مفسدا للصلاة لم يجز أن يفعل مرة فما دونها ولا لتعليم ولا ~~غيره ، وإنما الاختيار أن لا يفعل ، فإن فعل لم تفسد صلاته بدليل فعله صلى ~~الله عليه مرة ، وأما تحديد القامة وغيرها فمحتاج إلى توقيف ، ولا بأس أن ~~يصلى المأموم على سطح والإمام أسفل المسجد عند الكوفيين ، وهو قول مالك فى ~~غير الجمعة . وقال الليث : لا بأس أن يصلى الجمعة ركعتين على ظهر المسجد ~~وفى الدور وعلى الدكاكين ، وفى الطرق إذا اتصلت الصفوف ، ورأى الناس بعضهم ~~بعضا حتى يصلون بصلاة الإمام ، وعن الشافعى مثله ، وصلى أبو هريرة الجمعة ~~فوق ظهر المسجد بصلاة الإمام . وإنما ذكر حديث المشربة فى هذا الباب وهى ~~الغرفة ؛ لأنه عليه السلام صلى بهم على ألواحها وخشبها ، وترجم ( باب ~~الصلاة على الخشب ) ، واختلف فى ذلك ؛ فذكر ابن أبى شيبة قال : كان حذيفة ~~مريضا ، فكان يصلى ms0334 قاعدا فجعل له وسادة وجعل له لوح عليها يسجد عليه ، وكره ~~قوم السجود على العود ، روى ذلك عن ابن عمر ، وابن مسعود . قال علقمة : دخل ~~عبد الله على أخيه عتبة يعوده فوجده يصلى على عود فطرحه ، وقال : إن هذا ~~شىء عرض به الشيطان ، ضع وجهك على الأرض ، وإن لم تستطع فأومئ إيماء ، ~~وكرهه الحسن وابن سيرين ، وأئمة الفتوى على جواز الصلاة عليه وحجتهم صلاته ~~عليه السلام ، على المشربة وعلى المنبر . PageV02P042 * * * # | 19 - باب إذا أصاب ثوب المصلي امرأته إذا سجد # / 29 - فيه : ميمونة قالت : ( كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي ~~، وأنا حذاءه ، وأنا حائض ، وربما أصابني ثوبه إذا سجد ، قالت : وكان يصلي ~~على الخمرة ) . وقد تقدم فى كتاب الوضوء جواز مباشرة الحائض للمصلى وغيره ~~وأنها محمولة على الطهارة فى جسمها وثيابها حتى يبدو خلاف ذلك . وترجم له ~~باب : الصلاة على الخمرة ، قال الطبرى : الخمرة : مصلى صغير ينسج من سعف ~~النخل ويزمل بالخيوط ويسجد عليه ، فإن كان كبيرا قدر طول الرجل أو أكبر ، ~~فإنه يقال له حينئذ : حصير ، ولا يقال له : خمرة ، وقال ابن دريد : هى ~~السجادة وجمعها خمر . ولا خلاف بين فقهاء الأمصار فى جواز الصلاة على ~~الخمرة إلا شىء روى عن عمر ابن عبدالعزيز أنه كان لا يصلى على الخمرة ، ~~ويؤتى بتراب فيوضع على الخمرة فى موضع سجوده ويسجد عليه ، وقال شعبة ، عن ~~حماد : رأيت فى بيت إبراهيم النخعى حصيرا ، فقلت : أتسجد عليه ؟ فقال : ~~الأرض أحب إلى ، وهذا منهما على جهة المبالغة فى الخشوع لا أنهما لم يريا ~~السجود على الخمرة ؛ لأن النبى - صلى الله عليه وسلم - قد صلى عليها ، وقال ~~سعيد بن المسيب : الصلاة على الخمرة سنة ، فلا يجوز لهما مخالفة سنته عليه ~~السلام ، وإنما فعلا ذلك على الاختيار ، إذ قد ثبت عنه عليه السلام ، أنه ~~كان يباشر الأرض بوجهه فى سجوده ، وقد انصرف من الصلاة وعلى جبهته وأنفه ~~أثر الماء والطين ؛ فذلك كله مباح بسنته عليه السلام . PageV02P043 * * * # | 20 - باب الصلاة على الحصير # وصلى جابر بن عبدالله ms0335 وأبو سعيد في السفينة قائما . وقال الحسن : ( تصلى ~~قائما ، ما لم تشق على أصحابك ، تدور معها ، وإلا فقاعدا ) . / 30 - فيه : ~~أنس : ( أن جدته مليكة دعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لطعام صنعته ~~له ، فأكل منه ، ثم قال : قوموا ، فلأصل لكم ، قال أنس : فقمت إلى حصير لنا ~~قد اسود من طول ما لبس ، فنضحته بماء ، فقام رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - : وصففت ، واليتيم وراءه ، والعجوز من ورائنا فصلى لنا رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - ركعتين ، ثم انصرف ) . لا خلاف بين الفقهاء فى جواز ~~الصلاة على الحصير على ما ذكرناه فى الباب قبل هذا . قال المهلب : وفيه أنه ~~ما يوطأ ويبسط فإنه ملبوس ، فمن حلف أن لا يلبس ثوبا وجلس عليه ، فهو حانث ~~إذا لم يخص وجها من اللباس . ونضح أنس للحصير إنما كان ليلين ، لا لنجاسة ~~كانت فيه ، هذا قول إسماعيل بن إسحاق ، وقال غيره : النضح طهارة لما شك فيه ~~فنضحه لتطيب النفس عليه ، وهذا كقول عمر : اغسل ما رأيت وانضح ما لم تر . ~~قال المهلب : وفيه الإمامة فى النافلة ، وفيه إجابة الطعام إلى غير الوليمة ~~، وفيه أن المرأة المتجالة الصالحة إذا دعت إلى طعام أجيبت ، وسيأتى بقية ~~الكلام فى هذا الحديث فى موضعه بعد هذا ، إن شاء الله . PageV02P044 وأما ~~الصلاة فى السفينة ، فأجاز قوم من السلف أن يصلوا فيها جلوسا وهو قول ~~الثورة وأبى حنيفة ، وقال مالك ، والشافعى : لا يجوز أن يصلى قاعدا من يقدر ~~على القيام فى سفينة ولا غيرها . * * * # | 22 - باب الصلاة على الفراش # وصلى أنس على فراشه . وقال كنا نصلي مع النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~فيسجد أحدنا على ثوبه . / 31 - فيه : عائشة أنها قالت : ( كنت أنام بين يدي ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ورجلاي في قبلته ، فإذا سجد غمزني ، ~~فقبضت رجلي ، فإذا قام بسطتهما ، قالت : والبيوت يومئذ ليس فيها مصابيح ) . ~~/ 32 - وقالت مرة : ( أن النبى كان يصلي - وهي بينه وبين القبلة - على فراش ~~أهله اعتراض الجنازة ) . / 33 - وقال عروة : ( أن النبي - صلى ms0336 الله عليه ~~وسلم - كان يصلي ، وعائشة - معترضة بينه وبين القبلة - على الفراش الذي ~~ينامان عليه ) . قال المؤلف : الصلاة جائزة على كل شىء طاهر فراشا كان أو ~~غيره . وقد اختلف العلماء فى اختيارهم بعض ما يصلى عليه دون غيره ، فروى عن ~~عمر بن الخطاب ، رضى الله عنه ، أنه صلى على عبقرى وهى الطنفسة ، وعن على ~~بن أبى طالب ، وابن عباس ، وابن مسعود ، وأنس أنهم صلوا على المسوح ، وصلى ~~ابن عباس ، وجابر بن عبد الله ، وأبو الدرداء ، والنخعى ، والحسن على طنفسة ~~. PageV02P045 وصلى قيس بن عبادة على لبد دابة ، وقال الثورى : يصلى على ~~البساط والطنفسة واللبد ، وهو قول أبى حنيفة ، والشافعى ، وروى عن ابن ~~مسعود أنه لا يسجد إلا على الأرض ، وعن عروة مثله ، وكرهت طائفة الصلاة إلا ~~على الأرض أو نباتها ، روى ذلك عن جابر بن زيد وقال : أكره الصلاة على كل ~~شىء من الحيوان ، وأستحب الصلاة على كل شىء من نبات الأرض ، وهو قول مجاهد ~~، وقال قتادة : قال سعيد بن المسيب : الصلاة على الطنفسة محدث ، وقاله ابن ~~سيرين أيضا ، وقال مالك فى بساط الصوف والشعر : إذا وضع المصلى جبهته ويديه ~~على الأرض فلا أرى بالقيام عليها بأسا ، وعن عطاء مثله . وقال مغيرة : قلت ~~لإبراهيم حين ذكر كراهية الصلاة على الطنفسة : إن أبا وائل يصلى عليها ، ~~قال : أما إنه خير منى . وفيه من الفقه : أن المرأة لا تبطل صلاة من صلى ~~إليها ولا من مرت بين يديه ، وهو قول جمهور الفقهاء ومعلوم أن اعتراضها بين ~~يديه أشد من مرورها . وقولها : ( ورجلاى فى قبلته فإذا سجد غمزنى ) ، فيه ~~دليل على أن الملامسة باليد لا تنقض الطهارة ؛ لأن الأصل فى الرجل أن تكون ~~بلا حائل ، وكذلك اليد حتى يثبت الحائل ، وزعم الشافعى أن غمز رسول الله ~~لها كان على ثوب وهو بعيد ؛ لأنه يقول : إن الملامسة تنقض الوضوء وإن لم ~~تكن معها لذة إذا أفضى بيده إلى جسم امرأته ، وقد تقدم اختلافهم فى ~~الملامسة فأغنى عن إعادته . وقول عائشة : ( والبيوت يومئذ ليس فيها مصابيح ms0337 ~~) ، يدل أنه إذ حدثت بهذا الحديث كانت المصابيح فى بيوتهم ؛ لأن الله فتح ~~عليهم الدنيا بعده - صلى الله عليه وسلم - فوسعوا على أنفسهم حين وسع الله ~~عليهم . PageV02P046 * * * # | 23 - باب السجود على الثوب في شدة الحر # وقال الحسن : كان القوم يسجدون على العمامة والقلنسوة ، ويداه في كمه . / ~~34 - فيه : أنس : ( كنا نصلي مع النبي - صلى الله عليه وسلم - فيضع أحدنا ~~طرف الثوب من شدة الحر في مكان السجود ) . واختلف العلماء فى السجود على ~~الثوب من شدة الحر والبرد ، فرخص فى ذلك عمر ابن الخطاب ، وعطاء ، وطاوس ، ~~والنخعى ، والشعبى ، والحسن ، وهو قول مالك ، والأوزاعى ، والكوفيين ، ~~وأحمد ، وإسحاق ، واحتجوا بهذا الحديث ، وقال الشافعى : لا يجزئه السجود ~~على الجبهة ودونها ثوب إلا أن يكون جريحا ، ورخص فى وضع اليدين على الثوب ~~من شدة الحر والبرد . واختلفوا فى السجود على كور العمامة ، فرخص فيه : ابن ~~أبى أوفى ، والحسن ، ومكحول ، وسعيد بن المسيب ، والزهرى ، وهو قول أبى ~~حنيفة ، والأوزاعى ، وقال مالك : أكرهه ويجوز ، وقال ابن حبيب : هذا فيما ~~خف من طاقاتها ، فأما ما كثر فهو كمن لم يسجد ، وكره على ، وابن عمر ، ~~وعبادة السجود عليها ، وعن النخعى ، وابن سيرين ، وعبيدة مثله . وقال ~~الشافعى : لا يجزئ السجود عليها ، وقال أحمد : لا يعجبنى إلا فى الحر ~~والبرد ، واحتج أصحاب الشافعى : بأنه لما لم يقم المسح على العمامة مقام ~~مسح الرأس وجب أن يكون السجود كذلك . قال ابن القصار : والجواب أن الفرض فى ~~السجود : التذلل PageV02P047 والخشوع ، فيكون العضو على الأرض وهو يحصل ~~بحائل وبغير حائل ، على أن اعتبارهم يفسده الرجلين ؛ لأنه يسجد عليهما فى ~~اللفافة والمسح عليهما لا يجوز ، وقد أجمعوا أنه يجوز السجود على الركبتين ~~والقدمان مستورة بالثياب ، وهى بعض الأعضاء التى أمر المصلى بالسجود عليها ~~، فكذلك سائر أعضاء السجود إلا ما أجمعوا عليه من كشف الوجه . فإن قالوا : ~~لو جوزنا السجود على كور العمامة على حصير لجوزنا الجمع بين بدلين أحدهما ~~الحصير الذى هو بدل الأرض والآخر العمامة التى هى بدل الجبهة ولا يصح الجمع ~~بين بدلين ms0338 فى موضع ، ألا ترى أن التيمم بدل الماء ومسح الخفين بدل الرجلين ~~، ولا يجوز الجمع بينهما ، قيل : هذا ساقط لأننا لا نقول : إن الحصير بدل ~~من الأرض ، وإن العمامة بدل من الجبهة ، بل هو مخير إن شاء باشر بجبهته ~~الأرض ، وإن شاء بحائل على جبهته وعلى الأرض ، والمسح على الخفين هو مخير ~~فيه أيضا إن شاء مسح ، وإن شاء غسل كالسجود ، وليس التيمم كذلك وليس بدلا ، ~~وكل حائل جاز السجود عليه منفصلا جاز متصلا ، دليله : الركبتان والقدمان . ~~وأجمع الفقهاء أنه يجوز السجود على اليدين فى الثياب ، وإنما كره ذلك ابن ~~عمر ، وسالم ، وبعض التابعين ، وسيأتى بعض هذا المعنى فى باب : لا يكف شعرا ~~ولا ثوبا فى الصلاة بعد هذا ، إن شاء الله . PageV02P048 * * * # | 23 - باب إذا لم يتم السجود # / 35 - فيه : حذيفة : ( أنه رأى رجلا لا يتم ركوعه ولا سجوده ، فلما قضى ~~صلاته قال له حذيفة : ما صليت ، قال : وأحسبه ، قال : لو مت مت على غير سنة ~~محمد ) . قال المهلب : قوله : ( ما صليت ) ، يعنى صلاة كاملة ، ونفى عنه ~~العمل ؛ لقلة التجويد فيه ، كما تقول للصانع إذا لم يجود : ما صنعت شيئا ، ~~يريدون الكمال ، ومثله قول الرسول للذى لم يحسن الصلاة : ( ارجع فصل فإنك ~~لم تصل ) ، وإنما نقص من صلاته الطمأنينة فى الركوع والسجود وهى من كمال ~~الصلاة . وقوله : ( لو مت مت على غير سنة محمد ) ، يدل أن الطمأنينة سنة ، ~~وسيأتى تمام هذا المعنى فى أبواب الركوع والسجود . * * * # | 24 - باب الصلاة في النعال # / 36 - فيه : أنس بن مالك قال : ( كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يصلي ~~في نعليه ) . قال المؤلف : معنى هذا الحديث عند العلماء إذا لم يكن فى ~~النعلين نجاسة فلا بأس بالصلاة فيهما ، فإن كان فيهما نجاسة فليمسحهما ~~وليصلى فيهما . وقد روى هذا المعنى عن النبى ، روى حماد بن سلمة قال : ~~حدثنا أبو نعامة السعدى ، عن أبى نضرة ، عن أبى سعيد الخدرى ، قال : ( ~~بينما رسول الله يصلى إذ خلع نعليه فوضعهما على يساره ، فلما رأى الناس ذلك ~~ألقوا نعالهم ، فلما ms0339 قضى رسول الله صلاته ، قال : ( ما حملكم على إلقائكم ~~نعالكم ؟ ) ، قالوا : رأيناك ألقيت PageV02P049 نعليك فألقينا ، قال : ( إن ~~جبريل أخبرنى أن فيهما أذى ، أو قذرا ، فألقيتهما فإذا جاء أحدكم إلى ~~المسجد فلينظر ، فإن كان فيهما أذى أو قذرا فليمسحه وليصل فيهما ) . واختلف ~~العلماء فى تطهير النعال والخفين من النجاسات ، فقالت طائفة : إذا وطئ ~~القذر الرطب يجزئه أن يمسحه بالتراب ويصلى فيه هذا قول الأوزاعى ، وأبى ثور ~~. وقال أحمد فى السيف يصيبه الدم ، فيمسحه وهو حار : يصلى فيه إذا لم يبق ~~فيه أثر ، وكان عروة ، والنخعى يمسحان الروث من نعالهما ويصليان فيها . ~~وقال الأعمش : رأيت يحيى بن وثاب ، وعبد الله بن عياش وغيرهما يخوضون الماء ~~قد خالطه السرقين والبول ، فإذا انتهوا إلى باب المسجد لم يزيدوا على أن ~~ينفضوا أقدامهم ثم يدخلون فى الصلاة . وقالت طائفة : لا يجزئه أن يطهر ~~القذر الرطب إلا بالماء ، وإن كان يابسا أجزأه حكه ، هذا قول مالك وأبى ~~حنيفة ، وقال محمد : لا يجزئه فى اليابس أيضا حتى يغسل موضعه من الخف ~~والنعل وغيره إلا المنى خاصة ، وقال الشافعى : لا يطهر النجاسات كلها إلا ~~الماء فى النعل والخف وغيره . واحتج أهل المقالة الأولى أيضا بحديث سعيد ~~المقبرى ، عن القعقاع بن حكيم ، عن عائشة قالت : ( سألت رسول الله عن الرجل ~~يطأ بنعليه PageV02P050 الأذى قال : ( التراب له طهور ) ، وحديث سعيد بن ~~أبى سعيد : أن امرأة سألت عائشة عن المرأة تجر ذيلها فى المكان القذر ، ~~قالت : ( يطهره ما بعده ) . وقال ابن أبى زيد : قال أبو بكر بن اللباد : ~~قال بعض أصحابنا : معنى قوله : ( يطهره ما بعده ) ، أنها تسحب ذيلها على ~~أرض ندية نجسة ، وقد رخص لها أن ترخيه بعد ذلك على أرض طاهرة فذلك له طهور ~~، قال مالك : معناه عندنا فى القشب اليابس الذى لا يتعلق منه شىء ، وقد سمح ~~فى الرطب من أرواث الدواب وأبوالها لما يلحق الناس من المضرة فى غسله فى كل ~~وقت ، إذ لا تخلو الطرق من أرواث الدواب وأبوالها . وقال الداودى : قال بعض ~~أصحاب مالك بظاهر ms0340 الحديث ، ورأى ذلك فى الرطب واليابس ، وذكر غير الداودى ~~أنه قول ابن وهب قال : وهذا قول أبى حنيفة وأصحابه ؛ لأنه يقول : إن ~~النجاسات يجوز إزالتها بكل ما أذهب عينها ، والماء وغيره فى ذلك سواء ، ~~واحتج من قال : إنه فى القذر الرطب : بأن قوله - صلى الله عليه وسلم - : ( ~~يطهره ما بعده ) ، يدل أنها جرته على رطب ، وإلا فنحن عالمون أنها إذا جرته ~~على يابس لم يعلق به شىء من النجس ، فكيف يخبر أنه قد طهر ما لم يحل فيه ~~نجاسة . * * * # | 25 - باب الصلاة في الخفاف # / 37 - فيه : جرير : ( أنه بال ، وتوضأ ، ومسح على خفيه ، ثم صلى ، فسئل ~~، فقال : PageV02P051 رأيت الرسول - صلى الله عليه وسلم - صنع مثل هذا ، ~~وكان يعجبهم ؛ لأن جريرا كان من آخر من أسلم ) . / 38 - وفيه : حديث ~~المغيرة : ( أن نبي الله مسح على خفيه ثم صلى ) . وهذا الباب كالذى قبله ~~إذا كانت الخفاف طاهرة من الأقذار والأذى ، فحينئذ يجوز المسح عليها ~~والصلاة فيها ، وإن كان فيها قذر فحكمها حكم النعلين المذكورة فى الباب قبل ~~هذا ، هذا مذهب العلماء فى ذلك . وأما إعجابهم بأن جريرا كان من آخر من ~~أسلم ؛ فلأن بعض الناس يزعم أن المسح على الخفين منسوخ بالغسل فى آية ~~الوضوء التى فى المائدة ، وقد روى فى حديث جرير أنه كان يعجبهم ؛ لأنه أسلم ~~بعد نزول المائدة ، فاستعمال جرير للمسح على الخفين بعد نزول المائدة يدل ~~على أن المسح غير منسوخ بل هو سنة ، وقد ذكرت هذا المعنى فى كتاب الوضوء فى ~~باب : المسح على الخفين . * * * # | 26 - فضل استقبال القبلة # / 39 - فيه : أنس : قال نبى الله : ( من صلى صلاتنا ، واستقبل قبلتنا ، ~~وأكل ذبيحتنا ، فذلك المسلم الذي له ذمة الله وذمة رسوله ، فلا تخفروا الله ~~في ذمته ) . / 40 - وقال : ( أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا : لا إله إلا ~~الله ، فإذا قالوها ، وصلوا صلاتنا ، واستقبلوا قبلتنا ، وذبحوا ذبيحتنا ، ~~فقد حرمت علينا دماؤهم وأموالهم إلا بحقها ، وحسابهم على الله ) . ~~PageV02P052 هذا يدل على تعظيم شأن القبلة وهى من فرائض الصلاة ، والصلاة ~~أعظم ms0341 قربات الدين ، ومن ترك القبلة متعمدا فلا صلاة له ، ومن لا صلاة له ~~فلا دين له . قال الطبرى : فإن قال قائل : ما وجه هذا الحديث وقد علمت أن ~~أجناسا من أهل الكفر أمرنا بقتالهم وهم يشهدون أن لا إله إلا الله . قيل : ~~قد جاء فى بعض طرق هذا الحديث : ( أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا : لا إله ~~إلا الله وأن محمدا رسول الله ) ، وحديث هذا الباب إنما قاله عليه السلام ، ~~فى حال قتاله لأهل الأوثان الذين كانوا لا يقرون بتوحيد الله ، وكانوا إذا ~~قيل لهم : لا إله إلا الله يستكبرون ، فدعاهم النبى - صلى الله عليه وسلم - ~~إلى الإقرار بالوحدانية وخلع ما دونه من الأوثان ، فمن أقر بذلك منهم كان ~~فى الظاهر داخلا فى صبغة الإسلام ، وقاتل آخرين من أهل الكفر كانوا يوحدون ~~الله غير أنهم كانوا ينكرون نبوة محمد فقال : ( أمرت أن أقاتل الناس حتى ~~يقولوا : لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ) ، وذلك أن كفرهم كان جحدا ~~بالنبوة فمن أقر بما عليه قوتل ، فقد حرم دمه وماله إلا بظهور نقض شرائط ما ~~أقر به بعد الإقرار بجملته ، وذلك هو الحق الذى قال - صلى الله عليه وسلم - ~~: ( إلا بحقها ) ، ولو أن أهل الأوثان وحد بعضهم وشهد أن لا إله إلا الله ، ~~وحكم له بحكم الإسلام فى منع نفسه وماله ، ثم عرضت عليه شرائع الإسلام بعد ~~ذلك ، فامتنع من الإقرار برسول الله كان لا شك بالله PageV02P053 كافرا ، ~~وعاد حربيا ، وكذلك الذى أقر بنبوة محمد لو أنكر شيئا من الفرائض حل دمه ~~وعاد حربيا كافرا . * * * # | 27 - باب قبلة أهل المدينة وأهل الشأم والمشرق ليس في المشرق ولا في ~~المغرب قبلة # ، لقول الرسول : ( لا تستقبلوا القبلة بغائط أو بول ، ولكن شرقوا أو ~~غربوا ) . / 41 - فيه : أبو أيوب الأنصارى أن نبى الله قال : ( إذا أتيتم ~~الغائط ، فلا تستقبلوا القبلة ، ولا تستدبروها ، ولكن شرقوا أو غربوا ) . ~~قال أبو أيوب : فقدمنا الشام ، فوجدنا مراحيض بنيت قبل القبلة ، فننحرف ، ~~ونستغفر الله . قال المؤلف : قوله : باب قبلة ms0342 أهل المدينة وأهل الشام ~~والمشرق ، يعنى : وقبلة مشرق الأرض كلها إلا ما قابل مشرق مكة من البلاد ~~التى تكون تحت الخط المار عليها من المشرق إلى المغرب ، فحكم مشرق الأرض ~~كلها كحكم مشرق أهل المدينة والشام فى الأمر بالانحراف عند الغائط ؛ لأنهم ~~إذا شرقوا أو غربوا لم يستقبلوا القبلة ولم يستدبروها ، وهؤلاء أمروا ~~بالتشريق والتغريب واستعمال هذا الحديث . وأما ما قابل مشرق مكة من البلاد ~~التى تكون تحت الخط المار عليها من مشرقها إلى مغربها ، فلا يجوز لهم ~~استعمال هذا الحديث ، ولا يصح لهم أن يشرقوا ولا أن يغربوا ؛ لأنهم إذا ~~شرقوا استدبروا القبلة وإذا غربوا استقبلوا ، وكذلك من كان موازيا لمغرب ~~مكة إن غرب استدبر القبلة وإن شرق استقبلها ، وإنما ينحرف إلى الجنوب أو ~~الشمال ، PageV02P054 فهذا هو تغريبه وتشريقه ، ولم يذكر البخارى مغرب ~~الأرض كلها ؛ إذ العلة فيها مشتركة مع المشرق فاكتفى بذكر المشرق عن المغرب ~~؛ لأن المشرق أكبر الأرض المعمورة وبلاد الإسلام فى جهة مغرب الشمس قليل . ~~وتقدير الترجمة : باب قبلة أهل المدينة وأهل الشام والمشرق والمغرب ، ليس ~~فى المشرق ولا فى المغرب يعنى أنهم عند الانحراف للتشريق والتغريب ليسوا ~~مواجهين القبلة ولا مستدبرين لها . فإن قال قائل : ( كيف يكون قوله : ليس ~~فى المشرق والمغرب ) ، بمعنى التشريق والتغريب ؟ . قيل : هذا صحيح فى لغة ~~العرب ومعروف عندهم . أنشد ثعلب فى المجالس : أبعد مغربهم نجدا وساحتها ~~أرجو من الدمع تغييضا وإقلاعا قال ثعلب : معناه أبعد تغريبهم . وحمل أبو ~~أيوب الحديث على العموم فى الصحارى وغيرها ، وخالفه غيره لحديث ابن عمر ، ~~وقد تقدم ما للعلماء فى ذلك فى كتاب الطهارة فأغنى عن إعادته . * * * # | 28 - باب قوله : { واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى } [ البقرة 125 ] # / 42 - فيه : ابن عمر : ( أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قدم إلى البيت ~~فطاف به سبعا ، وصلى خلف المقام ركعتين ) . / 43 - وفيه : أن بلالا قال : ( ~~صلى النبي ركعتين في الكعبة بين الساريتين اللتين على يساره ، إذا دخلت ، ~~ثم خرج ، فصلى في وجه الكعبة ركعتين ) . PageV02P055 / 44 - وفيه : ابن ~~عباس ms0343 : ( لما دخل الرسول البيت دعا في نواحيه كلها ، ولم يصل ، حتى خرج منه ~~، فلما خرج ، ركع ركعتين في قبل الكعبة ، وقال : هذه القبلة ) . اختلف أهل ~~التأويل فى قوله : { واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى } [ البقرة : 125 ] ، ~~فقال ابن عباس : الحج كله مقام إبراهيم ، وقال مجاهد : الحرم كله مقام ~~إبراهيم ، وقال عطاء : مقام إبراهيم : عرفة والمزدلفة ، والجدار ، والجمار ~~فى أخرى ، وقال السدى : هو الحجر بعينه الذى وقف عليه إبراهيم . واختلفوا ~~فى قوله : { مصلى } ، فقال مجاهد : مدعى ، كأنه أخذه من صليت بمعنى دعوت ، ~~وقال الحسن : قبلة ، وقال قتادة والسدى : أمروا أن يصلوا عنده . قال ~~الطحاوى : ولما اختلفوا فى تأويل هذه الآية ، واختلفت الآثار فى صلاته عليه ~~السلام ، فروى ابن عمر أنه عليه السلام ، صلى عند المقام ركعتين ، وقال ~~بلال : إنه صلى فى الكعبة ثم خرج فصلى فى وجه الكعبة ركعتين ، وقال ابن ~~عباس : إنه صلى ركعتين فى قبل الكعبة ، وقال : هذه القبلة ، أردنا أن نعلم ~~الصحيح من ذلك ، فوجدنا ابن عباس قال : الحج كله مقام إبراهيم ، وقال مجاهد ~~: الحرم كله ، ووجدنا من صلى إلى الكعبة من الجهات الثلاث التى لا تقابل ~~مقام إبراهيم ، فقج أدى فرضه علمنا أن الفرض فى القبلة إنما هو البيت لا ~~مقام إبراهيم ، ويشهد لذلك قول ابن عباس أنه صلى حين صلى PageV02P056 خارج ~~البيت قبل الكعبة ، وقال : هذه القبلة ، لم يستقبل المقام ، وكذلك حين صلى ~~فى البيت على ما رواه بلال لم يستقبل المقام ، وإنما يكون المقام قبلة إذا ~~جعله المصلى بينه وبين القبلة على ما جاء فى حديث ابن عمر ، وأجمع العلماء ~~أن الكعبة كلها قبلة من أى ناحية استقبلت . وأما اختلاف الآثار أنه صلى فى ~~البيت وأنه لم يصل ، فالآثار أنه صلى أكثر ، ولو تساوت فى الكثرة لكان ~~الأخذ بالمثبت أولى من النافى على ما يقوله العلماء فى الشهادات . فقد روى ~~أنه عليه السلام صلى فى البيت غير بلال جماعة منهم : أسامة بن زيد ، وعمر ~~ابن الخطاب ، وجابر ، وشيبة بن عثمان ، وعثمان بن طلحة ، من طرق حسان ms0344 ذكرها ~~الطحاوى كلها فى شرح معانى الآثار . وقال المهلب : ويحتمل أن يكون عليه ~~السلام دخل البيت مرتين ، فالمرة الواحدة صلى فيه ، والمرة الأخرى دعا ولم ~~يصل ، فلم تتضاد الأخبار فى ذلك . وقد اختلف العلماء فى الصلاة فى البيت ~~وعلى ظهر الكعبة ، فقال أبو حنيفة ، والشافعى : يصلى فيه الفريضة والنافلة ~~، وقال مالك : لا يصلى فيه الفريضة ولا ركعتى الطواف الواجب ، فإن صلى أعاد ~~فى الوقت ، ويجوز أن يصلى فيه النافلة ، وقال الطبرى : لا تصلى فيه فريضة ~~ولا نافلة ، وحجة مالك قوله تعالى : { وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره } [ ~~البقرة : 144 ، 150 ] ، وهى قبالته ، ومن صلى فى جوف الكعبة لم يقابل شطرها ~~؛ لأنه يحصل مستقبلا للبعض مستدبرا للبعض ولا تحصل كلها قبالته إلا أن يكون ~~خارجا منها . PageV02P057 وحجة أبى حنيفة ، والشافعى أنه من صلى خارجا منها ~~، فإنه يستقبل بعضها ، وصلاته جائزة بإجماع ؛ لأن ما عن يمين ما استقبل من ~~البيت وما عن يساره ليس هو مستقبله ، فلم يتعبد باستقبال كل جهاته ، فكان ~~النظر على ذلك أن كل من صلى فيه ، فقد استقبل إحدى جهاته وترك غيرها ، وما ~~ترك من ذلك فهو فى حكم ما كان عن يمينه وشماله إذا كان خارجا منه ، فثبت ~~قول من أجاز الصلاة فيها ، هذا قول أبى جعفر الطحاوى . * * * # | 29 - باب التوجه نحو القبلة حيث كان # وقال أبو هريرة قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : ( استقبل القبلة وكبر ~~) . / 45 - فيه : البراء : ( صلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نحو بيت ~~المقدس ستة عشر أو سبعة عشر شهرا ، وكان يحب أن يوجه إلى الكعبة ، فأنزل ~~الله : { قد نرى تقلب وجهك في السماء } [ البقرة 144 ] ، فتوجه نحو الكعبة ~~، وقال السفهاء من الناس - وهم اليهود - : { ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا ~~عليها } [ البقرة 142 ] الآية ، فصلى مع النبي رجل ، ثم خرج بعد ما صلى ، ~~فمر على قوم من الأنصار في صلاة العصر يصلون نحو بيت المقدس ، فقال : هو ~~يشهد أنه صلى مع رسول الله ، وأنه توجه نحو الكعبة فتحرف القوم ، حتى ms0345 ~~توجهوا نحو الكعبة ) . / 46 - وفيه : جابر قال : ( كان نبى الله يصلي على ~~راحلته حيث توجهت به ، فإذا أراد الفريضة ، نزل ، فاستقبل القبلة ) . / 47 ~~- وفيه : ابن مسعود قال : صلى النبى ، عليه السلام ، قال إبراهيم : ~~PageV02P058 لا أدري أزاد أو نقص - فلما سلم ، قيل له : يا رسول الله ، ~~أحدث في الصلاة شيء ؟ قال : ( وما ذاك ؟ ) قالوا : صليت كذا وكذا ، فثنى ~~رجليه ، واستقبل القبلة ، وسجد سجدتين ، ثم سلم ، فلما أقبل علينا بوجهه ، ~~قال : ( إنه ، لو حدث في الصلاة شيء لنبأتكم به ، ولكن إنما أنا بشر مثلكم ~~، أنسى كما تنسون ، فإذا نسيت فذكروني ، وإذا شك أحدكم في صلاته ، فليتحر ~~الصواب ، فليتم عليه ، ثم يسلم ، ثم ليسجد سجدتين ) . قال المؤلف : قال ابن ~~جريج : صلى نبى الله أول ما صلى إلى الكعبة ، ثم صرف إلى بيت المقدس ، فصلت ~~الأنصار إلى نحو بيت المقدس قبل قدومه المدينة بثلاث حجج ، وصلى بعد قدومه ~~ستة عشر شهرا ، ثم وجهه الله إلى الكعبة البيت الحرام . وروى أبو عوانة عن ~~سليمان ، عن مجاهد ، عن ابن عباس قال : ( صلى رسول الله نحو بيت المقدس وهو ~~بمكة والكعبة بين يديه ، وبعدما هاجر إلى المدينة ستة عشر شهرا ثم صرف إلى ~~الكعبة ) . وقال ابن إسحاق : ( كانت قبلة رسول الله بمكة إلى الشام ، وكانت ~~صلاته بين الركن اليمانى والركن الأسود ، ويجعل الكعبة بينه وبين الشام ) . ~~وقال على بن أبى طلحة ، عن ابن عباس : ( أول ما نسخ من القرآن القبلة ، ~~وذلك أن رسول الله لما هاجر إلى المدينة ، وكان أكثر أهلها اليهود ، أمره ~~الله أن يستقبل بيت المقدس ، ففرحت اليهود ، فاستقبلها رسول الله بضعة عشر ~~شهرا ، ثم انصرف إلى الكعبة ) . ففى خبر على بن أبى طلحة ، عن ابن عباس أنه ~~عليه السلام ، لم يصل إلى بيت المقدس إلا بالمدينة خلاف ما فى خبر مجاهد ~~عنه ، وخلاف PageV02P059 ما قال ابن جريج ، وخبر مجاهد أولى بالصواب ؛ لأن ~~ابن أبى طلحة لم يسمع من ابن عباس . وقال قتادة : كان نبى الله يقلب وجهه ~~إلى السماء ، يحب أن يصرفه الله إلى ms0346 الكعبة ، حتى صرفه الله إليها ، فأنزل ~~تعالى : { قد نرى تقلب وجهك فى السماء } إلى { المسجد الحرام } [ البقرة : ~~144 ] ، فارتاب اليهود ، وقالوا : { ما ولاهم عن قبلتهم التى كانوا عليها } ~~[ البقرة : 142 ] ، يعنون بيت المقدس ، فأنزل الله : { قل لله المشرق ~~والمغرب } [ البقرة : 142 ] ، { وما جعلنا القبلة التى كنت عليها } يعنى : ~~مكة ، { إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه } [ البقرة : 143 ] ~~. وأجمع العلماء أن المراد بقوله تعالى : { فول وجهك شطر المسجد الحرام } [ ~~البقرة : 149 ] ، أنه استقبال الكعبة ، وأن على المسلمين استقبالها فى ~~صلواتهم إذا كانوا يعاينوها ، والتوخى لاستقبالها وطلب الدلائل عليها إذا ~~كانوا غائبين عنها ، وسيأتى ما فى انحراف القوم فى الصلاة إلى الكعبة من ~~الفقه بعد هذا ، إن شاء الله . وأما قوله عليه السلام ، فى حديث ابن مسعود ~~: ( إذا شك أحدكم فى صلاته فليتحر الصواب فليتم عليه ) ، فإن العلماء ~~اختلفوا فى تأويله ، فذهبت طائفة إلى أنه يريد بالتحرى البناء على أكثر ظنه ~~، ومعنى ذلك عندهم أنه إن كان أكثر ظنه أنه صلى أربعا فى الأغلب يسلم ويسجد ~~، وإن كان لا يدرى أثلاثا صلى أم أربعا ، ولم يكن أحدهما أغلب فى قلبه من ~~الآخر بنى على الأقل ، وأتى بركعة حتى يعلم يقينا أنه أدى ما عليه ، وروى ~~هذا عن ابن مسعود ، وابن PageV02P060 عمر ، وأبى هريرة ، وأنس ، وأبى سعيد ~~الخدرى ، والنخعى ، وهو قول أبى حنيفة وأصحابه ، والأوزاعى ، إلا أن أبا ~~حنيفة قال : إن كان ذلك أول ما عرض له ، فليستأنف صلاته ولا يتحر ، وإن وقع ~~له كثيرا تحرى . وذهبت طائفة إلى أن معنى قوله : ( فليتحرى الصواب ) البناء ~~على اليقين كقوله - صلى الله عليه وسلم - فى حديث أبى سعيد الخدرى : ( إذا ~~شك أحدكم فلم يدر أصلى ثلاثا أم أربعا ، فليصل ركعة ، ثم يسجد سجدتين وهو ~~جالس ، فإن كانت تلك الركعة خامسة شفعها بالسجدتين ، وإن كانت رابعة كانتا ~~ترغيما للشيطان ) ، رواه سليمان بن بلال ، عن عطاء بن يسار ، عن أبى سعيد ~~الخدرى ، روى هذا القول عن على بن أبى طالب ، وابن عمر ، وعن سالم ms0347 ، ~~والقاسم ، والحسن ، ومكحول ، وهو قول مالك ، والشافعى . قال ابن القصار : ~~والحجة لهذا القول أن التحرى عندنا هو القصد إلى الصواب وطلبه حتى يكون ~~البناء على اليقين ، ألا تراه عليه السلام ، قال : ( لا يتحر أحدكم بصلاته ~~طلوع الشمس ولا غروبها ) ، أى : لا يقصد ذلك ، والتحرى رجوع إلى اليقين ؛ ~~ألا ترى أنه لو شك هل صلى أم لا رجع إلى يقينه وصلى ، ولو شك فى صلاة من ~~يوم وليلة لا يدرى أيما صلاة هى لم يجزئه التحرى ، ورجع إلى يقينه فصلى خمس ~~صلوات ، فكان النظر على هذا أن يكون كذلك فى كل شىء من صلاته وعليه أن يأتى ~~به ليؤدى صلاته بيقين ، فكان حديث أبى سعيد تفسيرا لحديث ابن مسعود . وقال ~~الكوفيون : قوله : ( فليتحر الصواب ) ، يوجب العمل بالتحرى وإلا انتفى ~~الحديث ، والواجب العمل بالأحاديث واستعمالها ، ووجه PageV02P061 استعمال ~~التحرى إذا كان له رأيان ، أحدهما أغلب فى قلبه من الآخر عمل به ويجزئ ذلك ~~، وإذا لم يكن له رأيان أحدهما أغلب عنده من الآخر ، وجب البناء على الأقل ~~على ما فى حديث أبى سعيد ، فصار كل واحد من الحديثين له معنى غير معنى ~~صاحبه ، وهكذا تستعمل الأحاديث ولا تتضاد . وقال محمد بن جرير : إن حديث ~~ابن مسعود فى التحرى ، وحديث البناء على اليقين لا يخالف واحد منهما صاحبه ~~، وذلك أن أمره عليه السلام بالبناء على اليقين ، والأخذ بالاحتياط ليس فيه ~~إعلام أنه من بنى على الأغلب عنده أنه قد صلى أنها لا تجزئه صلاته ، فإن ~~احتاط للشك ، فبنى على اليقين فهو أفضل وأسلم لدينه ، وإن بنى على أكثر ~~رأيه متحريا فى ذلك الأغلب عنده لم يكن مخطئا فى فعله ؛ لأن كل مصل إنما ~~كلف أن يعمل بما عنده من علمه ، لا على إحاطة العلم بيقينه ذلك ، فلو كلف ~~اليقين من العلم دون الظاهر لم يكن لأحد صلاة إذ لا سبيل لأحد إلى يقين ~~العلم بذلك . وذلك أن الله أمر عباده بالصلاة فى الثياب الطاهرة والتطهر ~~بالمياه الطاهرة ، ولا خلاف بين سلف الأمة وخلفها أنهم ms0348 لم يكلفوا فى شىء من ~~ذلك إحاطة العلم بيقينه ، فكذلك عدد الصلاة إنما كلف فى ذلك العلم الذى هو ~~عنده ، فإن بنى على العلم الظاهر الذى هو عنده أجزأه ، وإن أخذ بالاحتياط ~~فبنى على اليقين ، فهو أفضل له إذا كان له سبيل إلى الوصول إلى يقين ذلك ، ~~وإن لم يكن له سبيل إليه عمل على الأغلب من ظاهر علمه ، وكذلك القول فى ~~جميع أحكام الدين ، ومن أبى شيئا من ذلك سئل عن المصلى فى موضع لا يعلمه ~~طاهرا ولا نجسا إلا علما ظاهرا ، وعن من توضأ بماء لا يعلمه إلا ~~PageV02P062 كذلك ، فإن زعم أن عليه الإعادة خرج من قول جميع الأئمة ، وإن ~~قال : صلاته ماضية سئل أيفرق بينه وبين الشاك فى صلاته بإتمامها ، البانى ~~على الأغلب من علمه ؟ فلن يقول فى شىء من ذلك قولا إلا ألزم فى الآخر مثله ~~، هذا قول الطبرى . وفى أمر الرسول الشاك فى صلاته بإتمامها دليل أن ~~الزيادة فى الصلاة سهوا أو لإصلاحها لا تفسدها ؛ لأن الشاك إذا أمره ~~بالبناء على يقينه وهو يشك هل صلى واحدة أو اثنتين ، وممكن أن يكون صلى ~~اثنتين ، وقد حكمت السنة أن ذلك لا يضره فهذا يبطل قول من قال : إن من زاد ~~فى صلاته مثل نصفها ساهيا أن صلاته فاسدة ، وهو قول ابن القاسم ، وابن ~~كنانة ، وابن نافع . وقد أجمع العلماء أن من شك فى مثل ذلك فى صلاة الصبح ~~هل صلى واحدة أو اثنتين أن حكمه فى ذلك حكم من شك فى مثل ذلك من الظهر أو ~~العصر ، وقد صلى رسول الله الظهر خمسا ساهيا ، فسجد لسهوه ، وحكم الركعة ~~والركعتين فى ذلك سواء فى القياس والمعقول . وقال ابن حبيب عن مطرف : أنه ~~من صلى ستا أو ثمانيا سجد لسهوه وهو قول ابن عبد الحكم وأصبغ ، وحكى أبو ~~زيد ، عن ابن الماجشون مثله . وقد روى ابن القاسم عن مالك أن من صلى المغرب ~~خمسا ساهيا أنه يجزئه سجود السهو ، قال يحيى بن عمر : هذا يرد قول من قال ms0349 ~~فيمن زاد فى صلاته مثل نصفها . | PageV02P063 * * * # | 30 - باب ما جاء في القبلة ، ومن لم ير الإعادة على من سها ، وصلى إلى ~~غير القبلة وقد سلم نبي الله في ركعتي الظهر ، وأقبل على الناس بوجهه ، ثم ~~أتم ما بقي . # / 48 - فيه : أنس قال : قال عمر بن الخطاب : ( وافقت ربي في ثلاث ، قلت : ~~يا رسول الله لو اتخذنا من مقام إبراهيم مصلى ، فنزلت : { واتخذوا من مقام ~~إبراهيم مصلى } [ البقرة 125 ] الآية ) . / 49 - وفيه : ابن عمر : ( بينا ~~الناس بقباء فى صلاة الصبح إذ جاءهم آت فقال : إن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - قد أنزل عليه الليلة قرآن ، وقد أمر أن يستقبل الكعبة ~~فاستقبلوها ، وكانت وجوههم إلى الشام فاستداروا إلى الكعبة ) . / 50 - وفيه ~~: ابن مسعود : ( أن نبي الله صلى الظهر خمسا ، فقالوا : أزيد في الصلاة ؟ ~~قال : وما ذاك ؟ قالوا : صليت خمسا ، فثنى رجليه ، وسجد سجدتين ) . اختلف ~~العلماء فيمن اجتهد فى القبلة فاستدبرها أو شرق أو غرب ، فقال أبو حنيفة ، ~~وأصحابه ، والثورى : لا يعيد ، وهو قول عطاء ، والشعبى ، وسعيد بن المسيب ، ~~والنخعى ، وقال النخعى : إن كان قد صلى بعض صلاته لغير القبلة ، ثم عرف ذلك ~~فى الصلاة فاستقبل القبلة ببقية صلاته ، فإنه يحتسب بما كان صلى كما فعل ~~أصحاب النبى بقباء ، وهو قول الثورى ، وقال مالك : من اجتهد فى القبلة ~~فأخطأ ، فإنه يعيد فى الوقت استحبابا ، وهو قول الحسن ، والزهرى ، وقال ~~الشافعى : إن فرغ من صلاته ثم بان له أنه صلى إلى المغرب استأنف الصلاة ، ~~وإن لم يبن له ذلك إلا باجتهاده ، فلا إعادة عليه ، والذى ذهب إليه البخارى ~~فى هذا الباب قول من قال : لا يعيد . قال ابن القصار : لأن المجتهد فى ~~القبلة إنما أمر بالطلب ولم يكلف PageV02P064 الإصابة ، وإنما أمر الله ~~بإصابة عين القبلة من نظر إليها ، وأما من غاب عنها فلا سبيل إلى علم ~~حقيقتها ؛ لأنه إنما يعلم القبلة بغلبة الظن من مهب الرياح ومسير النجوم ، ~~وإذا كان كذلك فإنما يرجع من اجتهاد إلى اجتهاد ولا يرتفع حكم الاجتهاد ~~الأول ؛ كالحاكم ms0350 يحكم باجتهاده ، ثم تبين له اجتهاد آخر فلا يجوز له فسخ ~~الأول . وليس للشافعى أن يقول : إن مستدبر القبلة قد رجع من اجتهاده إلى ~~يقين ؛ لأنه لا يتيقن باستقباله نفس القبلة فى هذه الجهة ، وإنما يغلب ذلك ~~على ظنه ويبين ذلك الإجماع على جواز صلاة أهل الآفاق ومعلوم أن كل واحد ~~منهم غير محاذ للكعبة ، وإنما يحصل ذلك للأقل منهم ، وقد جازت صلاتهم لوقوع ~~ذلك بالاجتهاد ، والدليل على ذلك من حديث أهل قباء أنهم صلوا إلى غير ~~القبلة بعد الصلاة ، ثم لم يؤمروا بالإعادة ؛ لأنهم لم يمكنهم الوصول إلى ~~العلم بالجهة التى كانوا مأمورين بالصلاة إليها ، وإنما صلوا إلى قبلة ~~مفترضة عليهم كما المجتهد مصل عند نفسه إلى القبلة . وقال المهلب : وجه ~~احتجاج البخارى بحديث ابن عمر فى هذا الباب هو انحرافهم إلى القبلة التى ~~افترضت وهم فى انحرافهم مصلون إلى غير القبلة ، ولم يؤمروا بالإعادة بل ~~بنوا على ما كانوا صلوا فى حال الانحراف وقبله ، وكذلك المجتهد فى القبلة ~~لا يلزمه الإعادة . وقد أشار البخارى فى ترجمته إلى هذا الاستدلال من حديث ~~ابن مسعود فقال : وقد سلم النبى ، عليه السلام ، فى ركعتى الظهر وأقبل على ~~الناس بوجهه ، وذلك أن انصرافه وإقباله على الناس بوجهه بعد سلامه ، كان ~~وهو عند نفسه فى غير صلاة ، فلما بنى على صلاته بأنه كان فى وقت استدبار ~~القبلة فى حكم المصلى ؛ لأنه لو خرج من PageV02P065 الصلاة لم يجز له أن ~~يبنى على ما مضى منها عند أهل الحجاز ، فوجب بهذا أن من أخطأ القبلة أنه لا ~~يعيد . وقال الطحاوى : فى انحراف أهل قباء إلى الكعبة وهم فى إحرام الصلاة ~~التى دخلوا فيها بالتوجه إلى بيت المقدس دليل أنه من لم يعلم بفرض الله ولم ~~تبلغه الدعوة إليه ، ولم يمكنه استعلام ذلك من غيره ، فالفرض فى ذلك غير ~~لازم له ، وأن الحجة فيه غير قائمة عليه ، وإنما يجب عليه الفرض حين يعلمه ~~وتقوم عليه الحجة حين يمكنه استعماله ؛ ولهذا دعا رسول الله المشركين قبل ~~أن ms0351 يقاتلهم إلى الإسلام ، وبين لهم ذلك ، ثم ترك ذلك فى آخرين سواهم من بنى ~~المصطلق وغيرهم ، فقاتلوهم وهم غادون على الماء ؛ لأن الدعوة قد كانت ~~بلغتهم . فإن قال قائل : قد كان فرض استقبال الكعبة فى الصلاة وجب على أهل ~~قباء قبل دخولهم فى الصلاة ؛ لأن الآية التى أمر بذلك فيها نزلت ليلا ، ~~إنما انحرفوا إلى الكعبة فى الصلاة التى علموا بنزول الآية فيها وقد لحقهم ~~الفرض قبل دخولهم فى الصلاة ، وإنما عذروا فى صلاتهم إلى غير القبلة بالجهل ~~منهم بها . قيل له : وكيف يكون لله فرض على من لم يعلم بفرضه عليه ؟ ! لو ~~كان كذلك للحقت فرائضه المجانين الذين لا علم معهم ، فلما كان المجانين ~~بارتفاع العلم عنهم غير داخلين فى الفرض ؛ كذلك كان كل من لم يعلم بالفرض ~~غير واجب عليه الفرض . فإن قال : ما تقولون فى الرجل يسلم فى دار الحرب أو ~~دار PageV02P066 الإسلام ، ويمر عليه شهر رمضان لم يصمه ، وتمر عليه صلوات ~~ولم يصلها ، ولم يعلم أن الله فرض شيئا من ذلك على المسلمين ، ثم علم بعد ~~ذلك بأن هذا قد كان فرضا من الله على المسلمين ؟ . قيل له : للعلماء فى هذا ~~قولان : أحدهما : أنه إن كان فى دار الحرب حيث لا يجد من يستعلم ذلك منه ~~أنه لا يجب عليه قضاء شىء مما مر عليه من الفرائض ، وإن كان فى دار الإسلام ~~أو فى دار الحرب بحضرة من يمكنه استعلام ذلك منه من المسلمين أنه يجب عليه ~~قضاء ما مر عليه من فرض الصلاة والصوم ؛ لأنه قد كان يلزمه استعلام ذلك ممن ~~بحضرته من المسلمين ، وهذا قول أبى حنيفة . والقول الآخر : أنه يقضى ما مر ~~عليه من الصلوات والصيام ويستوى فى ذلك مروره عليه فى دار الحرب أو دار ~~السلام هذا قول أبى يوسف . قال المؤلف : وهو قول مالك والشافعى . قال ~~الطحاوى : القول الأول أولى وليس على أهل قباء من هذا شىء ؛ لأنهم كانوا ~~على حقائق فرض قد كان لله عليهم ، ولم يكن عليهم السؤال والاستعلام ms0352 عن ~~زواله عنهم ولا عن حدوث فرض غيره عليهم ، لفما لم يكن ذلك عليهم سقط عنهم ~~الفرض الحادث الذى لم يعلموا به ، وليس كذلك من سواهم ممن عليه السؤال ~~والاستعلام عن فرائض الله . وفى حديث ابن عمر : أن أفعال الرسول لازمة ~~كأقواله حتى يأتى دليل الخصوص . وفيه : أنه يجوز أن يفتح من ليس فى الصلاة ~~على من فى الصلاة PageV02P067 إذا عدم المصلى اليقين ؛ لأن الذى أخبرهم وهم ~~فى الصلاة بصلاة النبى إلى الكعبة كان حاضرا واقتدى بقوله . وفيه : قبول ~~خبر الواحد والعمل به ؛ لأن الصحابة قد استعملوه وقضوا به وتركوا قبلتهم ~~بخبر الواحد ، ولم ينكر ذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - . * * * # | 31 - باب حك البزاق باليد من المسجد # / 51 - فيه : أنس : ( أن نبي الله رأى نخامة في القبلة ، فشق ذلك عليه ، ~~حتى رئي في وجهه ، فقام ، فحكه بيده ، فقال : إن أحدكم إذا قام في الصلاة ، ~~فإنه يناجي ربه ، وإن ربه بينه وبين القبلة ، فلا يبزقن أحدكم قبل قبلته ، ~~ولكن عن يساره ، أو تحت قدمه ، ثم أخذ طرف ردائه ، فبزق فيه ، ثم رد بعضه ~~على بعض ، فقال : أو يفعل هكذا ) . قال المهلب : فيه إكرام القبلة وتنزيهها ~~؛ لأن المصلى يناجى ربه فواجب عليه أن يكرم القبلة مما يكرم منه المخلوقين ~~إذا ناجاهم واستقبلهم بوجهه ؛ بل قبلة الله تعالى أولى بالإكرام . وقال ~~طاوس ، رحمه الله : أكرموا قبلة الله لا تبزقوا فيها . وأبان - صلى الله ~~عليه وسلم - فى هذا الحديث أن معنى نهيه عن البزاق فى القبلة إنما هو من ~~أجل مناجاته لربه عند استقباله القبلة فى صلاته ، ومن أعظم الجفاء وسوء ~~الأدب أن تتوجه إلى رب الأرباب وملك الملوك وتتنخم فى توجهك ؛ وقد أعلمنا ~~الله تعالى ، بإقباله على من توجه إليه ومراعاته لحركاته . PageV02P068 ~~وفيه : طهارة البزاق ؛ لأنه لو كان غير طاهر ما بزق عليه السلام ، فى ثوبه ~~ولا أمر بذلك . وفيه : فضل الميمنة على الميسرة . * * * # | 32 - باب حك المخاط بالحصى من المسجد # / 52 - فيه : أبو هريرة ، وأبو سعيد : ( أن نبى الله - صلى ms0353 الله عليه ~~وسلم - رأى نخامة في جدار المسجد ، فتناول حصاة ، فحكها ، فقال : إذا تنخم ~~أحدكم فلا يتنخمن قبل وجهه ، ولا عن يمينه ، وليبصق عن يساره ، أو تحت قدمه ~~اليسرى ) . والذى يرى البزاق فى المسجد مخير فيه إن شاء حته بحصاة أو بيده ~~أو بما يزيله ، وفائدة هذه الأحاديث تنزيه المسجد وإكرام القبلة ، وقد ترجم ~~لحديث أبى هريرة : ( باب دفن النخامة فى المسجد ) ، وزاد فيه : ( ولا يبزق ~~عن يمينه ، فإن عن يمينه ملكا ) ، فذكر علة نهيه عن يمينه أنه من أجل كون ~~الملك عن يمينه إكراما له وتنزيها . وقال صاحب العين : حتت الشىء عن الثوب ~~، فركته ، والحتات : ما تحات منه ، أى : تساقط . * * * # | 33 - باب كفارة البزاق في المسجد # / 53 - فيه : أنس قال نبى الله : ( البزاق في المسجد خطيئة ، وكفارتها ~~دفنها ) . إنما كان البزاق فى المسجد خطيئة لنهيه عنها ، ومن فعل ما نهى ~~PageV02P069 عنه فقد أتى بخطيئة ، ثم إن النبى - صلى الله عليه وسلم - علم ~~أنه لا يكاد يسلم من ذلك ؛ فعرف أمته كفارة تلك الخطيئة ، وأمر المصلى أن ~~يبزق فى ثوبه ، أو تحت قدمه ليعركه ويغيره ، ولا تقع عليه عين أحد ، غير أن ~~ارتكاب الخطيئة لا يكون إلا بالقصد والعلم بالنهى عنها ، وأما من غلبته ~~النخامة فقد ندب إلى دفنها وحتها وإزالتها ، ومن فعل ما ندب إليه فمأجور . ~~وروى الطبرى قال : حدثنا عمرو بن على ، ثنا ابن أبى عدى ، عن محمد بن إسحاق ~~، عن عبد الله بن محمد بن أبى عتيق ، عن عامر بن سعد ، عن أبيه قال : سمعت ~~النبى يقول : ( إذا تنخم أحدكم فى المسجد فليغيب نخامته لا تصيب جلد مؤمن ~~أو ثوبه فتؤذيه ) . قال الطبرى : وفى هذا من الفقه ترخيص الرسول فى التفل ~~فى المسجد والتنخم فيه إذا دفنه ، وأبان عن معنى كراهته لذلك إذا لم تدفن ، ~~وذلك أن تصيب جلد مؤمن أو ثوبه فتؤذيه ، وإذا كان ذلك كذلك فبين أن متنخما ~~لو تنخم فى المسجد فى غير قبلته بحيث يأمن أن تصيب جلد مؤمن أو ثوبه ، فلا ~~حرج ms0354 عليه فيه واستحب له أن يدفنه ، وإن كان بموضع يأمن أن يصيب به أحدا ~~لقوله : ( البزاق فى المسجد خطيئة وكفارتها دفنها ) ، يعم بذلك المسجد كله ~~، ولم يخصص منه موضعا دون موضع ، فخبر سعد مفسر لما أجمل فى حديث أنس ، ~~وأبى هريرة ، وأمره بدفنها إنما هو فى الحال التى يخشى فيها أن تصيب جلد ~~مؤمن أو ثوبه . | PageV02P070 * * * # | 34 - باب عظة الإمام في إتمام الصلاة # / 54 - فيه : أبو هريرة : قال نبى الله : ( هل ترون قبلتي ها هنا ؟ ، ~~فوالله ما يخفى علي ركوعكم ولا خشوعكم ، إني لأراكم من وراء ظهري ) . فيه : ~~أنه ينبغى للإمام إذا رأى أحدا مقصرا فى شىء من أمر دينه أو ناقصا للكمال ~~منه أنه ينهاه عن فعله ، ويحضه على ما له فيه جزيل الحظ ؛ ألا ترى أن ~~الرسول وبخ من نقص كمال الركوع والسجود ووعظهم فى ذلك بأنه يراهم ، وقد أخذ ~~الله على المؤمنين ذلك إذا مكنهم فى الأرض بقوله تعالى : { الذين إن مكناهم ~~فى الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر } [ ~~الحج : 41 ] . قال المهلب : وقوله : ( إنى أراكم من وراء ظهرى ) ، يحتمل أن ~~يراهم بما يوحى إليه من أفعالهم وهيئاتهم فى الصلاة ؛ لأن الرؤية قد يعبر ~~بها عن العلم والاعتقاد ، ويحتمل أن يكون يراهم بما خص به أن زيد فى قوة ~~بصره حتى يرى من ورائه ، وقال أحمد بن حنبل فى هذا الحديث : إنه كان يرى من ~~وراءه كما يرى بعينه ، فالله أعلم بما أراد من ذلك . * * * # | 35 - باب هل يقال مسجد بني فلان # / 55 - فيه : ابن عمر : ( أن نبى الله سابق بين الخيل التي أضمرت من ~~الحفياء ، وأمدها ثنية الوداع ، وسابق بين الخيل التي لم تضمر من الثنية ~~إلى مسجد بني زريق ، وأن عبد الله بن عمر كان فيمن سابق بها ) . قال المؤلف ~~: المساجد بيوت الله ، وأهلها أهل الله ، وفى هذا PageV02P071 الحديث جواز ~~إضافتها إلى البانين لها ، والمصلى فيها ، وفى ذلك جواز إضافة أعمال البر ~~إلى أربابها ونسبتها إليهم ، وليس فى ذلك تزكية لهم ms0355 ، وليست إضافة المسجد ~~إلى بنى زريق إضافة ملك ، وإنما هى إضافة تمييز . وروى عن النخعى أنه كان ~~يكره أن يقال : مسجد بنى فلان ، ولا يرى بأسا أن يقال : مصلى بنى فلان ، ~~وهذا الحديث يرد قوله ، ولا فرق بين قوله : مصلى ، ومسجد ، والله الموفق . ~~* * * # | 36 - باب القسمة وتعليق القنو في المسجد # قال أبو عبد الله : القنو : العذق ، والاثنان قنوان ، والجماعة أيضا ~~قنوان ، مثل صنو وصنوان . وقال إبراهيم - يعني ابن طهمان - : عن عبدالعزيز ~~بن صهيب عن أنس ( أتي النبي - صلى الله عليه وسلم - بمال من البحرين : فقال ~~: انثروه في المسجد ، وكان أكثر مال أتي به رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- ، فخرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى الصلاة ، ولم يلتفت إليه ، ~~فلما قضى الصلاة ، جاء فجلس إليه ، فما كان يرى أحدا إلا أعطاه ، إذ جاءه ~~العباس ، فقال : يا رسول الله ، أعطني ، فإني فاديت نفسي ، وفاديت عقيلا ، ~~فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : خذ فحثا في ثوبه ، ثم ذهب ، ~~يقله ، فلم يستطع . فقال : يا رسول الله ، اؤمر بعضهم ، يرفعه إلي ، قال : ~~لا ، قال : فارفعه أنت علي ، قال : لا ، فنثر منه ، ثم ذهب ، يقله ، فقال : ~~يا رسول الله ، اؤمر بعضهم ، يرفعه علي ، قال : لا ، قال : فارفعه أنت علي ~~، قال : لا ، فنثر منه ، ثم احتمله ، فألقاه على كاهله ، ثم انطلق ، فما ~~زال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يتبعه بصره ، حتى خفي علينا ، عجبا ~~من حرصه ، فما قام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وثم منها درهم ) . ~~PageV02P072 قال المهلب : فيه وضع ما الناس مشتركون فيه من صدقة أو غيرها ~~فى المسجد ؛ لأن المسجد لا يحجب أحد من ذوى الحاجة من دخوله والناس فيه ~~سواء ، وكذلك أمور جماعة المسلمين يجب أن تعمل فى المسجد ، وليس فى هذا ~~الباب تعليق قنو فى المسجد وأغفله البخارى . وتعليق القنو فى المسجد أمر ~~مشهور ، ثم ذكر ابن قتيبة فى غريب الحديث أن نبى الله خرج ، فرأى أقناء ~~معلقة فى المسجد ، وذكر ثابت فى ( غريب الحديث ) أن ms0356 نبى الله أمر من كل ~~حائط بقنو ، يعنى للمسجد ، معنى ذلك أن ناسا كانوا يقدمون على رسول الله لا ~~شىء لهم ، فقالت الأنصار : ( يا رسول الله ، لو عجلنا قنوا من كل حائط ~~لهؤلاء ، قال : أجل فافعلوا ) ، فجرى ذلك إلى اليوم ، فهى الأقناء التى ~~تعلق فى المسجد فيعطاها المساكين ، وكان عليها على عهد رسول الله ، معاذ بن ~~جبل . قال ابن القاسم : قد سئل مالك عن أقناء تكون فى المسجد وشبه ذلك ، ~~فقال : لا بأس بها ، وسئل عن الماء الذى يسقى فى المسجد أترى أن يشرب منه ~~قال : نعم إنما يجعل للعطشى ، ولم يرد به أهل المسكنة ؛ فلا أرى أن يترك ~~شربه ، ولم يزل هذا من أمر الناس قال : وقد سقى سعد بن عبادة ، فقيل له : ~~فى المسجد ؟ قال : لا ، ولكن فى منزله الذى كان فيه ، وليس ما ذكره ثابت أن ~~الأقناء كانت تجعل فى المسجد للمساكين بخلاف لقول مالك ؛ لأن مالكا إذ سئل ~~عن الأقناء لم تكن تجعل حينئذ للمساكين خاصة ؛ لأن PageV02P073 زمان مالك ~~كان الناس فيه أوسع حالا منهم فى أول الإسلام ، فكان يجعل فى وقت مالك على ~~طريق التوسعة للناس لا يراد بها المساكين ، وإنما يراد بها كل من دخل ~~المسجد من غنى أو مسكين ، ألا ترى أن مالكا شبه ذلك بالماء الذى يجعل ~~للعطشان ولا يراد به المساكين . قال المهلب : وفيه من الفقه أن القسمة إلى ~~الإمام على قدر اجتهاده . وفيه : العطاء لأحد الأصناف الذين ذكرهم الله فى ~~كتابه دون غيرهم ؛ لأنه أعطى العباس لما شكا إليه من الغرم الذى فدحه ، ولم ~~يسوه فى القسمة مع الثمانية الأصناف ، ولو قسم ذلك على التساوى لما أعطى ~~العباس بغير مكيال ولا ميزان ، وإنما أعطاه بقدر استقلاله عن الأرض ، ولم ~~يعط لأحد غيره مثل ذلك . وفيه : أن السلطان إذا علم من الناس حاجة إلى ~~المال أنه لا يحل له أن يدخر منه شيئا كما فعل رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - . وفيه : كرم رسول الله وزهده فى الدنيا وأنه لم يمنع ms0357 شيئا سئله إذا ~~كان عنده . وفيه : أن للسلطان أن يرتفع عما يدعى إليه من المهنة والعمل ~~بيده ، وله أن يمتنع من تكليف ذلك غيره إذا لم يكن للسلطان فى ذلك حاجة ، ~~وإن كان فيه نفع لخاصة من الناس إذا كان فيه ضرر لعامتهم . قال المؤلف : ~~وإنما لم يأمر برفع المال على عنق العباس ، والله أعلم ، ليزجره ذلك عن ~~الاستكثار فى المال الذى ظهر منه ، وألا يأخذ من الدنيا فوق حاجته ويقتصر ~~على ما يبلغ منها المحل ، كما كان يفعله عليه السلام ، ولهذا لم يرفعه على ~~عنقه لئلا يعينه على ما لا يرضاه وما نهى عنه . PageV02P074 * * * # | 37 - باب من دعي لطعام في المسجد ومن أجاب فيه # / 56 - فيه : أنس : وجدت النبي - صلى الله عليه وسلم - في المسجد معه ناس ~~، فقمت ، قال لى : ( آرسلك أبو طلحة ؟ ، قلت : نعم ، فقال : لطعام ؟ قلت : ~~نعم ، فقال لمن حوله : قوموا ، فانطلقوا ، وانطلقت بين أيديهم ) . فيه : ~~الدعاء إلى الطعام وإن لم يكن طعام وليمة . وفيه : أن الدعاء إلى ذلك من ~~المسجد وغيره سواء ؛ لأن ذلك من أعمال البر وليس ثواب الجلوس فى المسجد ~~بأقل ثوابا من إطعام الناس الطعام ، وقد قال رجل : يا رسول الله ، أى ~~الإسلام خير ؟ قال : ( تطعم الطعام ، وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف ~~) ، وأيضا فإن النبى كان محتاجا إلى الأكل ، فقد جاء فى هذا الحديث أنه ~~إنما دعاه إليه ؛ لأنه سمع صوتا ضعيفا فعرف فيه الجوع . وفيه : دعاء ~~السلطان إلى الطعام القليل . وفيه : أن الرجل الكبير إذا دعى إلى طعام وعلم ~~أن صاحبه لا يكره أن يجلب معه غيره ، وأن الطعام يكفيهم أنه لا بأس أن يحمل ~~معه من حضره ، وإنما حملهم الرسول إلى طعام أبى طلحة ، وهو قليل ، لعلمه ~~أنه يكفى جميعهم ، وأنه لا ينقص منه شىء لبركته وما خصه الله به من كرامة ~~النبوة وفضيلتها ، وهذا من علامات نبوته عليه السلام ، وكذلك إذا علم ~~الرئيس المدعو إلى طعام أن صاحبه يسر بمن يأكل طعامه ، وأن طعامه لا يعجز ~~عنهم ms0358 لكثرته وجدة صاحبه أنه لا بأس أن يحمل غيره ، وسأزيد فى معنى هذا ~~الحديث فى كتاب الأطعمة ، إن شاء الله . PageV02P075 * * * # | 38 - باب القضاء واللعان في المسجد بين الرجال والنساء # / 57 - فيه : سهل بن سعد : ( أن رجلا قال : يا رسول الله ، أرأيت رجلا ~~وجد مع امرأته رجلا أيقتله ؟ فتلاعنا في المسجد وأنا شاهد ) . قال المؤلف : ~~القضاء جائز فى المسجد عند عامة العلماء ، وقال مالك : جلوس القاضى فى ~~المسجد للقضاء من الأمر القديم المعمول به ، وكان شريح ، وابن أبى ليلى ~~يقضيان فى المسجد ، وروى عن سعيد بن المسيب كراهية ذلك قال : لو كان لى من ~~الأمر شىء ما تركت اثنين يختصمان فى المسجد . وقد ترجم باب : ( من قضى ~~ولاعن فى المسجد ) ، فى كتاب الأحكام وفيه زيادة على ما فى هذا الحديث . ~~وفيه : أن اللعان يكون فى المساجد ويحضره الخلفاء أو من استخلفه الحاكم ، ~~وأن أيمان اللعان تكون فى الجوامع ؛ لأنها مقاطع الحقوق . * * * # | 39 - باب إذا دخل بيتا ، يصلي حيث شاء أو حيث أمر ، ولا يتجسس # / 58 - فيه : عتبان بن مالك : أن نبي الله أتاه في منزله ، فقال : ( أين ~~تحب أن أصلي من بيتك ؟ ) ، قال : فأشرت له إلى مكان ، فكبر النبي وصفنا ~~خلفه ، فصلى ركعتين . قال المهلب : قوله : ( يصلى حيث شاء أو حيث أمر ولا ~~يتجسس ) ، لا يقتضى لفظ الحديث أن يصلى حيث شاء ، وإنما يقتضى أن يصلى ~~PageV02P076 حيث أمر لقوله : ( أين تحب أن أصلى لك ؟ ) ويؤيد هذا قوله : ( ~~ولا يتجسس ) ، فكأنه قال : باب إذا دخل بيتا هل يصلى حيث شاء أو حيث أمر ؛ ~~لأنه - صلى الله عليه وسلم - استأذنه فى موضع الصلاة ، ولم يصل حيث شاء ، ~~فبطل حكم حيث شاء . * * * # | 40 - باب المساجد في البيوت # وصلى البراء بن عازب في مسجده في داره جماعة . / 59 - وذكر فيه حديث ~~عتبان بن مالك بطوله . قال المهلب : فيه اتخاذ المساجد فى البيوت والصلاة ~~بالأهل وغيرهم عند الضرورات ، ألا ترى أن عتبان قال لنبى الله - صلى الله ~~عليه وسلم - : ( إنى قد أنكرت بصرى وأنا أصلى لقومى ms0359 ، فإذا سال الوادى الذى ~~بينى وبينهم لم أستطع أن أتى مسجدهم ، وودت يا رسول الله أنك تأتينى ، ~~فتصلى فى بيتى فأتخذه مصلى ) ، ففعل ذلك نبى الله ، فبان بهذا أنه لولا ~~العذر لم يتخلف عن مسجد الجماعة . فيه من الفقه : التخلف عن الصلاة فى ~~الجماعة للعذر . وقال عبد الله بن أبى صفرة : ترك السنن للمشقة رخصة ، ومن ~~شاء أن يأخذ بالشدة أخذ ، كما خرج نبى الله - صلى الله عليه وسلم - يهادى ~~بين رجلين إلى الصلاة . قال المهلب : وفيه التبرك بمصلى الصالحين ومساجد ~~الفاضلين . وفيه : أنه من دعى من الصالحين إلى شىء يتبرك به منه ، فله أن ~~يجيب إذا أمن الفتنة من العجب . PageV02P077 وفيه : الوفاء بالعهد . وفيه : ~~صلاة النافلة فى جماعة بالنهار . وفيه : إكرام العالم إذا دعى إلى شىء ~~بالطعام وشبهه . وفيه : التنبيه على أهل الفسق والنفاق عند السلطان . وفيه ~~: أن السلطان يجب أن يستثبت فى أمر من يذكر عنده بفسق ويوجه له أجمل الوجوه ~~. وفيه : أن الجماعة إذا اجتمعت للصلاة وغاب أحدهم أن يسألوا عنه ، فإن كان ~~له عذر وإلا ظن به الشر ، وهو مفسر فى قوله : ( لقد هممت أن آمر بحطب ) . ~~وقوله : ( ثاب رجال ) ، قال صاحب العين : ثاب الحوض ، امتلأ ، والمثابة : ~~مجتمع الناس بعد تفرقهم ، ومنه قوله : { وإذ جعلنا البيت مثابة للناس } [ ~~البقرة : 125 ] . * * * # | 41 - باب التيمن في دخول المسجد وغيره # وكان ابن عمر يبدأ برجله اليمنى فإذا خرج بدأ برجله اليسرى . / 60 - فيه ~~: عائشة قالت : ( كان النبي يحب التيمن ما استطاع في شأنه كله في طهوره ، ~~وترجله ، وتنعله ) . وقد تقدم هذا فى كتاب الطهارة ، ونذكر هنا ما لم ينص ~~هناك . قال عطاء : قال عبد الله بن عمرو : خير المسجد المقام ، ثم ميامين ~~المسجد . PageV02P078 وكان ابن المسيب يصلى فى الشق الأيمن من المسجد . ~~وكان إبراهيم يعجبه أن يقوم عن يمين الإمام . وكان أنس بن مالك يصلى فى ~~الشق الأيسر من المسجد ، وعن الحسن ، وابن سيرين مثله . * * * # | 42 - باب هل تنبش قبور مشركي الجاهلية ، ويتخذ مكانها مساجد # ، لقول النبي - صلى الله ms0360 عليه وسلم - : لعن الله اليهود اتخذوا قبور ~~أنبيائهم مساجد ، وما يكره من الصلاة في القبور . ورأى عمر أنس بن مالك ~~يصلي عند قبر ، فقال : ( القبر ، القبر ، ولم يأمره بالإعادة ) . / 61 - ~~فيه : عائشة : أن أم حبيبة وأم سلمة ذكرتا كنيسة رأينها بالحبشة فيها ~~تصاوير ، فذكرتا ذلك للنبي - صلى الله عليه وسلم - فقال : ( إن أولئك إذا ~~كان فيهم الرجل الصالح فمات ، بنوا على قبره مسجدا ، وصوروا ، فيه تلك ~~الصور ، فأولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة ) . / 62 - وفيه : أنس قال ~~: ( قدم نبي الله المدينة ، فنزل أعلى المدينة في حي يقال لهم : بنو عمرو ~~بن عوف ، فأقام الرسول فيهم أربع عشرة ليلة ، ثم أرسل إلى بني النجار ، ~~فجاءوا متقلدين السيوف ، فكأني أنظر إلى نبي الله على راحلته ، وأبو بكر ~~ردفه ، وملأ بني النجار حوله ، حتى ألقى بفناء أبي أيوب ، وكان يحب أن يصلي ~~، حيث أدركته الصلاة ، ويصلي في مرابض الغنم ، وإنه أمر ببناء المسجد ، ~~فأرسل إلى ملأ بني النجار ، فقال : يا بني PageV02P079 النجار ، ثامنوني ~~بحائطكم هذا ، قالوا : لا ، والله لا نطلب ثمنه إلا إلى الله ، فقال أنس : ~~فكان فيه ما أقول لكم قبور المشركين ، وكان فيه خرب ، ونخل ، فأمر الرسول ~~بقبور المشركين فنبشت ، ثم بالخرب فسويت ، وبالنخل فقطع ، فصفوا النخل قبلة ~~المسجد ، وجعلوا عضادتيه الحجارة ، وجعلوا ينقلون الصخر ، وهم يرتجزون ، ~~والرسول معهم ، وهو يقول : اللهم لا خير إلا خير الآخره فاغفر للأنصار ~~والمهاجره قال المؤلف : أما نبش قبور المشركين ليتخذ مكانها مساجد ، فلم ~~أجد فيه نصا لأحد من العلماء ، غير أنى وجدت اختلافهم فى نبش قبورهم طلبا ~~للمال ، فأجاز ذلك الكوفيون والشافعى ، وقال الأوزاعى : لا يفعل ؛ لأن ~~الرسول لما مر بالحجر قال : ( لا تدخلوا بيوت الذين ظلموا إلا أن تكونوا ~~باكين مخافة أن يصيبكم مثل ما أصابهم ) ، فنهى أن ندخل عليهم بيوتهم فكيف ~~قبورهم . قال الطحاوى : وقد أباح دخولها على وجه البكاء ، واحتج من أجاز ~~ذلك بحديث أنس أن نبى الله أمر بقبور المشركين ، فنبشت عند بناء المسجد . ~~قال الطحاوى : واحتج من أجاز ms0361 ذلك أن نبى الله - صلى الله عليه وسلم - لما ~~خرج إلى الطائف قال : ( هذا قبر أبى رغال ) ، وهو أبو ثقيف ، وكان من ثمود ~~وكان بهذا الحرم يدفع عنه ، فلما خرج أصابته النقمة بهذا المكان ، وآية ذلك ~~أنه دفن معه غصن من ذهب ، فابتدره الناس ونبشوه ، PageV02P080 واستخرجوا ~~منه الغصن ، وإذا جاز نبشها لطلب المال ، فنبشها للانتفاع بمواضعها لبناء ~~مسجد أو غيره أولى . فإن قيل : فهل يجوز أن يبنى المسجد على قبور المسلمين ~~؟ وهل يدخل ذلك فى معنى لعنة اليهود لاتخاذهم قبور أنبيائهم مساجد ؟ . قيل ~~: لا يدخل فى ذلك لافتراق المعنى ؛ وذلك أنه عليه السلام ، أخبر أن اليهود ~~يتخذون قبور أنبيائهم مساجد ويقصدونها بعبادتهم ، وقد نسخ الله جميع ~~المعبودات بالإسلام والتوحيد ، وأمر بعبادته وحده لا شريك له . قال غيره : ~~والقبور التى أمر النبى بنبشها لبناء المسجد كانت قبورا لا حرمة لأهلها ؛ ~~لأن العرب هنالك لم يكونوا أهل كتاب ، فلم يكن لعظامهم حرمة ، ولو كانوا ~~أهل كتاب لم تنبش ؛ لأنهم ماتوا قبل الإسلام فهم على أديان أنبيائهم لهم ~~حرمة الإيمان بأنبيائهم ، وهم والمسلمون سواء ، وكذلك أهل الذمة اليوم من ~~اليهود والنصارى ، لا يجوز نبش قبورهم لاتخاذ مسجد ولا غيره ، فإن لم ~~يكونوا أهل ذمة ، وكانوا أهل حرب واحتيج إلى موضع قبورهم ، فلا بأس بنبشها ~~إن كانت قبرت بعد الإسلام ، وإن كانت قديمة قبل الإسلام ، فلا يجوز ذلك لما ~~قلنا إن لهم حرمة الإسلام بأنبيائهم ، إلا أن يعلم أنهم لم يكونوا أهل كتاب ~~. وأجاز أكثر الفقهاء نبش قبور المشركين طلبا للمال ، وهذا قول أشهب وقال : ~~ليس حرمتهم موتى بأعظم منها أحياء ، وهو مأجور فى فعل ذلك بالأحياء منهم . ~~وقال مالك فى المدونة : أكرهه وليس بحرام . وقال ابن القاسم : لو أن مقبرة ~~من مقابر المسلمين عفت ، فبنى قوم PageV02P081 عليها مسجدا لم أر بذلك بأسا ~~، وكذلك ما كان لله لا بأس أن يستعان ببعضه على بعض ، وينقل بعضه إلى بعض ، ~~فمعناه أن المقابر هى وقف من أوقاف المسلمين لدفن موتاهم لا يجوز لأحد ~~تملكها ، فإذا عفت ms0362 ودثرت واستغنى عن الدفن فيها جاز صرفها إلى المسجد ؛ لأن ~~المسجد أيضا وقف من أوقاف المسلمين لا يجوز تملكه لأحد كما لا يجوز تملك ~~المقبرة فنقلها إذا دثرت إلى المسجد معناهما واحد فى الحكم . وقوله : ( ~~فأولئك شرار الخلق عند الله ) ، فيه نهى عن اتخاذ القبور مساجد ، وعن فعل ~~التصاوير . قال المهلب : وإنما نهى عن ذلك ، والله أعلم ، قطعا للذريعة ~~ولقرب عبادتهم الأصنام واتخاذ القبور والصورة آلهة ، ولذلك نهى عمر أنسا عن ~~الصلاة إلى القبر ، وكان له مندوحة عن استقباله وكان يمكنه الانحراف عنه ~~يمنة أو يسرة ، ولما لم يأمره بإعادة الصلاة علم أن صلاته جائزة . * * * # | 43 - باب الصلاة في مرابض الغنم # / 63 - فيه : أنس قال : ( كان نبي الله يصلي في مرابض الغنم ، ثم سمعته ~~بعد يقول : كان يصلي في مرابض الغنم ، قبل أن يبنى المسجد ) . قال ابن ~~المنذر : أجمع كل من يحفظ عنه العلم على إباحة الصلاة فى مرابض الغنم إلا ~~الشافعى ، فإنه قال : لا أكره الصلاة فى مرابض الغنم إذا كان سليما من ~~أبوالها وأبعارها . وممن روينا عنه إجازة الصلاة فى مرابض الغنم : عبد الله ~~بن عمر ، وجابر بن سمرة ، ودخل أبو ذر زرب غنم ، فصلى فيه ، وعن الزبير ~~PageV02P082 أنه صلى فى مراح الغنم وهو يجد مكانا غيره ، وصلى ابن عمر فى ~~رتق ، فى أخرى : فى دمن الغنم ، وروى ذلك عن الحسن ، وابن سيرين ، وعطاء ، ~~وصلى النخعى فى دمنة الغنم ، وهذا الحديث مع ما ذكرنا من أقوال السلف حجة ~~على الشافعى ، ومن قال بقوله ؛ لأن قول أنس كان نبى الله - صلى الله عليه ~~وسلم - يصلى فى مرابض الغنم ، ولم يخص مكانا من مكان ، ومعلوم أن مرابضها ~~لا تسلم من أبعارها وأبوالها يدل أن الصلاة مباحة على ذلك ، ويدل أن ~~أبوالها وأبعارها طاهرة . قال ابن المنذر : والصلاة أيضا جائزة فى مراح ~~البقر استدلالا بقوله - صلى الله عليه وسلم - : ( أينما أدركتك الصلاة فصل ~~) ، وهو قول عطاء ، ومالك ، وجماعة . * * * # | 44 - باب الصلاة في مواضع الإبل # / 64 - فيه : ابن عمر : ( أنه كان يصلي ms0363 إلى بعيره ، فقال : رأيت الرسول - ~~صلى الله عليه وسلم - يفعله ) . اختلف العلماء فى هذا الباب ، فكره مالك ، ~~والشافعى الصلاة فى أعطان الإبل ، وقال ابن القاسم : لا بأس بالصلاة فيها ~~إن سلمت من مذاهب الناس ، وقال أصبغ : من صلى فيها أعاد فى الوقت . وقال ~~الطحاوى : ذهب قوم إلى أن الصلاة فى أعطان الإبل مكروهة حتى غلا بعضهم فى ~~ذلك فأفسد الصلاة ، واحتجوا بما رواه يونس عن الحسن ، عن عبد الله بن مغفل ~~أن نبى الله قال : ( صلوا PageV02P083 فى مرابض الغنم ، ولا تصلوا فى أعطان ~~الإبل ) ، وبما روى أبو معاوية ، عن الأعمش ، عن عبد الله بن عبد الله ، ~~مولى بنى هاشم ، وكان ثقة ، وكان الحكم يأخذ عنه ، عن عبد الرحمن بن أبى ~~ليلى ، عن البراء بن عازب ، عن النبى ، عليه السلام ، أنه قال : ( لا تصلوا ~~فى مبارك الإبل وصلوا فى مرابض الغنم ) ، وخالفهم آخرون فأجازوا الصلاة فى ~~أعطان الإبل ، واحتجوا بأن الآثار التى جاءت بالنهى عن الصلاة فى أعطان ~~الإبل قد تكلم الناس فى معناها ، والسبب الذى من أجله كان النهى ، فقال قوم ~~: إنما ذلك ؛ لأن من عادة أصحاب الإبل التغوط بقربها فتنجس أعطانها ، ومن ~~عادة أصحاب الغنم ترك التغوط بينها ، وروى عن شريك بن عبد الله أنه كان ~~يفسر الحديث بهذا . وقال يحيى بن آدم : ليس العلة عندى هذه ، وإنما هى لما ~~يخاف من وثوبها ، وعطب من تلاقى حينئذ ، ألا تراه يقول : ( فإنها جن خلقت ~~من جن ) ، وقال فى حديث رافع بن خديج : ( إن لهذه الإبل أوابد كأوابد الوحش ~~) ، وهذا غير مخوف من الغنم ، فأمر باجتناب الصلاة فى معاطن الإبل خوف ذلك ~~لا لنجاسة ، وقد ثبت حديث ابن عمر أن نبى الله - صلى الله عليه وسلم - : ( ~~كان يصلى إلى بعيره ) ، فعلم بذلك أنه لم ينه عن الصلاة فى أعطان الإبل ؛ ~~لأنه لا تجوز الصلاة بحذائها ، واحتمل أن تكون الكراهية لعلة ما يكون فى ~~معاطنها من أرواثها وأبوالها ، فنظرنا فى ذلك ، فرأينا مرابض الغنم كل قد ~~أجمع على جواز الصلاة فيها ، وكان ms0364 حكم أبوال الإبل وأرواثها كحكم أبوال ~~الغنم وأرواثها لا فرق بين ذلك فى نجاسة وطهارة ؛ لأن من جعل PageV02P084 ~~أبوال الإبل طاهرة جعل أبوال الغنم كذلك ، ومن جعل أبوال الإبل نجسة جعل ~~أبوال الغنم كذلك ، فلما أبيحت الصلاة فى مرابض الغنم فى الحديث الذى نهى ~~فيه عن الصلاة فى أعطان الإبل ثبت أن النهى عن ذلك ليس العلة نجاسة ما يكون ~~منها ، فإن كان لما قاله شريك ، فإن الصلاة مكروهة حيث يكون الغائط والبول ~~عطنا كان أو غيره ، وإن كان لما قاله يحيى ، فإن الصلاة مكروهة بحيث يخاف ~~على النفوس ، عطنا كان أو غيره ، فهذا وجه هذا الباب من طريق الآثار ، وأما ~~من طريق النظر ، فإنا رأيناهم لا يختلفون فى مرابض الغنم أن الصلاة فيها ~~جائزة ، وإنما اختلفوا فى الإبل ، فرأينا حكم لحمان الإبل كحكم لحمان الغنم ~~فى طهارتها ، ورأينا حكم أبوالها كحكم أبوالها فى طهارتها أو نجاستها ، ~~فكان يجىء فى حكم النظر أن يكون حكم الصلاة فى مواضع الإبل كهو فى مواضع ~~الغنم قياسا ونظرا ، وهذا قول أبى حنيفة ، وأبى يوسف ، ومحمد . * * * # | 45 - باب من صلى وقدامه تنور أو نار أو شيء مما يعبد ، فأراد به وجه ~~الله # وقال أنس قال الرسول - صلى الله عليه وسلم - : عرضت علي النار وأنا أصلي ~~. / 65 - فيه : ابن عباس : ( انكسفت الشمس ، فصلى نبى الله - صلى الله عليه ~~وسلم - ، ثم قال : أريت النار ، فلم أر منظرا كاليوم قط أفظع ) . الصلاة ~~جائزة إلى كل شىء إذا لم يقصد الصلاة إليه وقصد بها الله ، تعالى ، والسجود ~~لوجهه خالصا ، ولا يضره استقبال شىء من المعبودات وغيرها كما لم يضر الرسول ~~ما رآه فى قبلته من النار . PageV02P085 وقال أشهب فى المجموعة : وإن صلى ~~إلى قبلة فيها تماثيل لم يعد ، وهو مكروه . * * * # | 46 - باب كراهية الصلاة في المقابر # / 66 - فيه : ابن عمر : قال نبي الله - صلى الله عليه وسلم - : ( اجعلوا ~~من صلاتكم في بيوتكم ، ولا تتخذوها قبورا ) . اختلف العلماء فى الصلاة فى ~~المقبرة ، فروى عن عمر بن الخطاب ، وعلى بن ms0365 أبى طالب ، وابن عباس ، وعبد ~~الله بن عمرو أنهم كرهوا الصلاة فى المقبرة ، وروى عن عطاء ، والنخعى ، وبه ~~قال أبو حنيفة ، والثورى ، والأوزاعى ، والشافعى ، واختلف فيه قول مالك ~~فروى عنه أبو المصعب أنه قال : لا أحب ذلك ، وروى عنه ابن القاسم أنه قال : ~~لا بأس بالصلاة فيها . وكل من كره الصلاة من هؤلاء لا يرى على من صلى فيها ~~إعادة ، وقال أهل الظاهر : لا تجوز الصلاة فى المقبرة ، قال ابن المنذر : ~~وحجة الذين كرهوا ذلك قول الرسول : ( اجعلوا من صلاتكم فى بيوتكم ولا ~~تتخذوها قبورا ) ، وفى قوله هذا دليل على أن المقبرة ليست بموضع للصلاة ، ~~وسيأتى ما قيل فى هذا المعنى فى آخر كتاب الصلاة فى باب : التطوع فى البيت ~~، إن شاء الله . وحجة من أجاز الصلاة فيها قوله عليه السلام : ( جعلت لى ~~الأرض مسجدا وطهورا ؛ فأينما أدركتنى الصلاة صليت ) ، فلم يخص موضعا من ~~موضع ، فهو عام فى المقبرة وغيرها . PageV02P086 قال مالك : وقد بلغنى أن ~~بعض أصحاب رسول الله كان يصلى فى المقابر ، وحكى ابن المنذر أن واثلة بن ~~الأسقع كان يصلى فى المقبرة غير أنه كان لا يستتر بقبر ، وصلى الحسن البصرى ~~فى المقابر . * * * # | 47 - باب الصلاة في مواضع الخسف والعذاب # ويذكر أن عليا رضي الله عنه كره الصلاة بخسف بابل . / 67 - فيه : ابن عمر ~~: أن نبى الله - صلى الله عليه وسلم - قال : ( لا تدخلوا على هؤلاء ~~المعذبين إلا أن تكونوا باكين ، فإن لم تكونوا باكين ، فلا تدخلوا عليهم ، ~~لا يصيبكم ما أصابهم ) . قال المهلب : إنما هذا من جهة التشاؤم بالبقعة ~~التى نزل بها سخط الله يدل على ذلك قوله : { وسكنتم فى مساكن الذين ظلموا ~~أنفسهم وتبين لكم كيف فعلنا بهم وضربنا لكم الأمثال } [ إبراهيم : 45 ] ، ~~فوبخهم تعالى على ذلك ، وكذلك تشاءم عليه السلام ، بالبقعة التى نام فيها ~~عن الصلاة ورحل عنها ثم صلى ، فكراهية الصلاة فى موضع الخسف أولى ، إلا أن ~~إباحة الدخول فيه على وجه البكاء والاعتبار يدل أن من صلى هناك لا تفسد ~~صلاته ؛ لأن الصلاة ms0366 موضع بكاء وتضرع وخشوع واعتبار ، فإن صلى هناك غير باك ~~لم تبطل صلاته ، وذكر بعض أهل الظاهر أن من صلى فى الحجر ، بلاد ثمود ، وهو ~~غير باك ، فعليه سجود السهو إن كان ساهيا ، وإن تعمد ذلك بطلت صلاته ، ~~وكذلك من صلى فى موضع مسجد الضرار ، وهذا خلف PageV02P087 من القول لا خفاء ~~بسقوطه ، إن كان لا يجوز عنده فيه صلاة من تعمد ترك البكاء ، فكيف أجاز ~~صلاة الساهى بعد سجود السهو ، وإسقاط الواجبات لا تجبر بسجود السهو عند ~~العلماء ، وهو تخليط منه ، فقد بين الرسول - صلى الله عليه وسلم - فى ~~الحديث معنى نهيه عن دخول مواضع الخسف لغير الباكى وهو قوله : ( لا يصيبكم ~~مثل ما أصابهم ) ، وليس فى هذا ما يدل على فساد صلاة من لم يبك ، وإنما فيه ~~خوف نزول العذاب به ، وتسويته بين الصلاة فى موضع مسجد الضرار بالصلاة فى ~~موضع الخسف ليس فى هذا الحديث ، وهو قياس فاسد منه ، وهو لا يقول بالقياس ، ~~فقد تناقض . * * * # | 48 - باب الصلاة في البيعة # وقال عمر : إنا لا ندخل كنائسكم من أجل التماثيل التي فيها الصور . وكان ~~ابن عباس يصلي في البيعة ، إلا بيعة فيها تماثيل . / 68 - فيه : عائشة : أن ~~أم سلمة ذكرت لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - كنيسة رأتها بأرض الحبشة ، ~~يقال لها : مارية ، فذكرت له ما رأت فيها من الصور ، فقال رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - : ( أولئك قوم إذا مات فيهم العبد الصالح - أو الرجل ~~الصالح - بنوا على قبره مسجدا ، وصوروا فيه تلك الصور ، أولئك شرار الخلق ~~عند الله ) . / 69 - وفيه : عائشة ، وابن عباس : أن نبى الله - صلى الله ~~عليه وسلم - قال عند موته : ( لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور ~~أنبيائهم مساجد ، يحذر ما صنعوا ) . / 70 - وفيه : أبو هريرة بمثل معناه . ~~PageV02P088 اختلف العلماء فى الصلاة فى البيع والكنائس فكره عمر ، وابن ~~عباس الصلاة فيها من أجل الصور ، وروى عن عمر بن الخطاب قال : انضحوها بماء ~~وسدر وصلوا ، وهو قول مالك . ذكر إسماعيل بن إسحاق ، عن مالك قال : أكره ms0367 ~~الصلاة فى الكنائس لما يصيب فيها أهلها من لحم الخنازير والخمور ، وقلة ~~احتياطهم من النجس ، إلا أن يضطر إلى ذلك من شدة طين أو مطر ، إلا أن يتيقن ~~أنه لم يصبها نجس ، وكره الصلاة فيها الحسن ، وأجاز الصلاة فيها النخعى ، ~~والشعبى ، وعطاء ، وابن سيرين ؛ ورواية عن الحسن وهو قول الأوزاعى ، وصلى ~~أبو موسى الأشعرى فى كنيسة يوحنا بالشام . وقال المهلب : هذا الباب غير ~~معارض للباب الذى قبله باب : ( من صلى وقدامه نار أو تنور ) ، وقول عمر ، ~~وابن عباس : ( إنا لا ندخل كنائسكم من أجل الصور ) ، فإنما ذلك على ~~الاختيار والاستحسان دون ضرورة تدعوه إليه ، والاختيار أن لا يبتدئ فيها ~~الصلاة ولا إلى شىء من معبودات الكفار ؛ ألا ترى أن الرسول عينت له النار ~~فى صلاة الخسوف ولم يبتدئ الصلاة إليها وتمت صلاته . * * * # | 49 - باب قول النبي - صلى الله عليه وسلم - : جعلت لي الأرض مسجدا ~~وطهورا # / 71 - فيه : جابر قال نبى الله - صلى الله عليه وسلم - : ( جعلت لي ~~الأرض مسجدا وطهورا ، فأيما رجل من أمتي ، أدركته الصلاة ، فليصل ) . ~~الحديث يدل أن هذه الأبواب المتقدمة المكروه الصلاة فيها ليس ذلك على ~~التحريم والمنع ؛ لأن الأرض كلها مباحة الصلاة فيها بكونها له PageV02P089 ~~مسجدا ، فدخل فى عمومها الكنائس والمقابر ومرابض الإبل وغيرها إذا كانت ~~طاهرة ، وهذا مما خص به نبينا ، عليه السلام ، أن أباح الله له جملة الأرض ~~للصلاة ، والاختيار ألا يبدأ بهذه المواضع المكروهة إلا عن ضرورة ، فهو ~~أخلص للصلاة وأنزه لها من الخواطر . * * * # | 50 - باب نوم المرأة في المسجد # / 72 - فيه : عائشة : أن وليدة كانت سوداء لحي من العرب ، فأعتقوها ، ~~فكانت معهم ، قالت : فخرجت صبية لهم عليها وشاح أحمر من سيور ، قالت : ~~فوضعته ، أو وقع منها ، فمرت حدياة ، وهو ملقى ، فحسبته لحما ، فخطفته ، ~~قالت : فالتمسوه فلم يجدوه ، قالت : فاتهموني به ، قالت : فطفقوا يفتشون ~~حتى فتشوا قبلها ، قالت : والله إني لقائمة معهم ، إذ مرت الحدياة ، فألقته ~~، قالت : فوقع بينهم ، قالت : فقلت : هذا الذي اتهمتموني به - زعمتم - وأنا ~~منه بريئة ، وهو ذا هو ، قالت ms0368 : فجاءت إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- ، فأسلمت ، قالت عائشة : فكان لها خباء في المسجد ، أو حفش ، قالت : ~~فكانت تأتيني فتحدث عندي ، قالت : فلا تجلس عندي مجلسا إلا قالت : ويوم ~~الوشاح من تعاجيب ربنا ألا إنه من بلدة الكفر أنجاني قال المهلب : فيه أنه ~~من لم يكن له مسكن ولا مكان مبيت أنه يباح له المبيت فى المسجد واصطناع ~~الخيمة وشبهها للمسكن ، امرأة كانت أو رجلا . وفيه : أن السنة الخروج من ~~بلدة جرت فيها فتنة على الإنسان تشاؤما PageV02P090 بمكان المحن ، ودليل ~~هذا قوله تعالى : { ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها } [ النساء : 97 ~~] ، فالواجب على كل من أدركته ذلة أو جرت عليه محنة أن يخرج إلى ما وسع ~~الله عليه من الأرض ، فإن له فى ذلك خيره ، وربما كان الذى جرى عليه من ~~المحنة سببا أراد الله به إخراجه من تلك البلدة لخير قدره له فى غيرها كما ~~قدر لهذه السوداء ، ألا ترى تمثلها بهذا المعنى فى بيت الشعر الذى أنشدته ، ~~فجعلت المحنة والذلة فى يوم الوشاح هما الذى أنجياها من الكفر ؛ إذ كانا ~~سببا لذلك . والوشاح عند العرب خيطان من لؤلؤ مخالف بينهما تتوشح به المرأة ~~، والرجل يتوشح بثوبه تشبيها بالوشاح ، وشاة موشحة إذا كانت ذات خطتين ، ~~والسير : الشراك ، والجمع : سيور ، من العين . والحفش : البيت الصغير ، من ~~العين أيضا . * * * # | 51 - باب نوم الرجال في المسجد # وقال أنس : قدم رهط من عكل على النبي - صلى الله عليه وسلم - فكانوا في ~~الصفة . وقال عبدالرحمن بن أبي بكر الصديق : كان أصحاب الصفة الفقراء . / ~~73 - فيه : ابن عمر : أنه كان ينام ، وهو شاب أعزب ، لا أهل له ، في مسجد ~~النبي ، عليه السلام . / 74 - وفيه : سهل بن سعد : ( أن عليا غاضب فاطمة ، ~~فخرج ، ولم يقل عندها ، فجاء المسجد فرقد فيه ، فطلبه رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - ، فجاءه وهو PageV02P091 مضطجع ، وقد سقط رداؤه عن شقه ، ~~وأصابه تراب ، فجعل رسول الله يمسحه عنه ، ويقول : قم أبا تراب ) . قال ~~المهلب : فى هذا الباب من الفقه ms0369 : جواز سكنى الفقراء فى المسجد وجواز النوم ~~فيه لغير الفقراء . وقد اختلف العلماء فى ذلك ، فممن رخص النوم فى المسجد ~~ابن عمر ، وقال : كنا نبيت فيه ونقيل على عهد رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - ، وعن سعيد بن المسيب ، والحسن البصرى ، وعطاء ، وابن سيرين مثله ، ~~وهو قول الشافعى ، واختلف عن ابن عباس ، فروى عنه أنه قال : لا تتخذوا ~~المسجد مرقدا ، وروى عنه أنه قال : إن كنت تنام فيه لصلاة فلا بأس . وقال ~~مالك : لا أحب لمن له منزل أن يبيت فى المسجد ، وسهل فيه للضعيف ولمن لا ~~منزل له ، وهو قول أحمد وإسحاق ، وقال مالك : وقد كان أضياف الرسول يبيتون ~~فى المسجد ، وكره النوم فى المسجد : ابن مسعود ، وطاوس ، ومجاهد ، وهو قول ~~الأوزاعى . وقول من أجاز النوم فيه للغرباء وغيرهم أولى لأحاديث هذا الباب ~~، وقد سئل سعيد ابن المسيب ، وسليمان بن يسار عن النوم فى المسجد ، فقالا : ~~كيف تسألون عنها ، وقد كان أهل الصفة ينامون فيه وهم قوم كان مسكنهم المسجد ~~. وذكر الطبرى عن الحسن قال : رأيت عثمان بن عفان نائما فى المسجد ليس حوله ~~أحد ، وهو أمير المؤمنين ، قال : وقد نام فى المسجد جماعة من السلف ، قال ~~الطبرى : فغير محذور الانتفاع بالمساجد فى ما يحل : كالأكل والشرب والجلوس ~~وشبه النوم من الأعمال . PageV02P092 وقال الحربى : الصفة فى مسجد الرسول ~~موضع مظلل يأوى إليه المساكين . وفى حديث سهل من الفقه : الممازحة للغاضب ~~بالتكنية بغير كنيته إذا كان ذلك لا يغضبه ولا يكرهه ؛ بل يؤنسه من حرجه . ~~وفيه : مداراة الصهر وتسلية أمره من عتابه . وفيه : جواز التكنية بغير ~~الولد . وفيه : أن الملابس كلها يحاول بها ستر العورة وأنه لا ملبس لمن بدت ~~عورته . * * * # | 52 - باب إذا دخل أحدكم المسجد ، فليركع ركعتين # / 75 - فيه : أبو قتادة ، أن نبى الله - صلى الله عليه وسلم - قال : ( ~~إذا دخل أحدكم المسجد ، فليركع ركعتين ، قبل أن يجلس ) . اتفق جماعة أهل ~~الفتوى على أن تأويل هذا الحديث محمول على الندب والإرشاد مع استحبابهم ~~الركوع لكل من دخل المسجد ms0370 ، وهو طاهر ، فى وقت تجوز فيه النافلة . قال مالك ~~: ذلك حسن وليس بواجب . وأوجب ذلك أهل الظاهر فرضا على كل داخل فى وقت تجوز ~~فيه الصلاة ، وقال بعضهم : ذلك واجب فى كل وقت ؛ لأن فعل الخير لا يمنع منه ~~إلا بدليل لا معارض له . قال الطحاوى : وحجة الجماعة أن رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - أمر سليكا حين PageV02P093 جاء يوم الجمعة وهو يخطب أن ~~يركع ركعتين ، وأمر مرة أخرى رجلا رآه يتخطى رقاب الناس بالجلوس ولم يأمره ~~بالركوع ، حدثنا بحر بن نصر ، حدثنا عبد الله بن وهب ، عن معاوية بن صالح ، ~~عن أبى الزاهرية ، عن عبد الله بن بسر قال : ( جاء رجل يتخطى رقاب الناس فى ~~يوم الجمعة فقال له رسول الله : ( اجلس فقد آذيت وآنيت ) ، فهذا يخالف حديث ~~سليك ، واستعمال الأحاديث هو على ما تأولها عليه جماعة الفقهاء . قال ~~الطحاوى : وأما قول من قال من أهل الظاهر أن عليه أن يركع فى كل وقت دخل ~~المسجد فهو خطأ ؛ لنهيه عليه السلام عن الصلاة عند طلوع الشمس وعند غروبها ~~وغير ذلك من الأوقات المنهى عنها ، فمن دخل المسجد فى هذه الأوقات ، فليس ~~بداخل فى أمره بالركوع عند دخوله فى المسجد ، وإنما يدخل فى أمره بذلك كل ~~من لو كان فى المسجد قبل ذلك فأراد الصلاة ، كان له ذلك ، فأما من لو كان ~~فى المسجد قبل ذلك لم يكن له أن يصلى ، فليس بداخل فى ذلك . وقد روى عن ~~جماعة من السلف أنهم كانوا يمرون فى المسجد ولا يركعون ، فروى ابن أبى شيبة ~~عن عبد العزيز الدراوردى ، عن زيد بن أسلم قال : كان كبار أصحاب رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - يدخلون المسجد ثم يخرجون ولا يصلون . قال زيد : وقد ~~رأيت ابن عمر يفعله ، وذكر ذلك مالك عن زيد بن ثابت ، وسالم بن عبد الله ، ~~وكان القاسم بن محمد يدخل المسجد ، فيجلس فيه ولا يصلى وفعله الشعبى ، وقال ~~جابر بن زيد : إذا دخلت مسجدا فصل فيه ، فإن لم تصل فيه فاذكر ms0371 الله فكأنك ~~قد صليت . PageV02P094 * * * # | 53 - باب الحدث في المسجد # / 76 - فيه : أبو هريرة أن نبى الله - صلى الله عليه وسلم - قال : ( ~~الملائكة تصلي على أحدكم ما دام في مصلاه الذي صلى فيه ، ما لم يحدث ، تقول ~~: اللهم اغفر له ، اللهم ارحمه ) . قال المهلب : معنى هذا الباب أن الحدث ~~فى المسجد خطيئة يحرم بها المحدث استغفار الملائكة ودعاؤهم المرجو بركته ، ~~ويدل على ذلك قول الرسول : ( النخامة فى المسجد خطيئة وكفارتها دفنها ) ، ~~فلما كان للنخامة كفارة قيل للمتنخم : تمادى فى المسجد فى صلاتك وابق فيه ~~مدعوا لك ، ولما لم يكن للحدث فى المسجد كفارة ترفع أذاه كما رفع الدفن أذى ~~النخامة لم يتمادى الاستغفار له ولا الدعاء ، وجب زوال الملائكة عنه لما ~~آذاهم به من الرائحة الخبيثة ، والله أعلم . قال المؤلف : فمن كان كثير ~~الذنوب وأراد أن يحطها الله عنه بغير تعب فليغتنم ملازمة مكان مصلاه بعد ~~الصلاة ليستكثر من دعاء الملائكة واستغفارهم له ، فهو مرجو إجابته لقوله : ~~{ ولا يشفعون إلا لمن ارتضى } [ الأنبياء : 28 ] ، وقد أخبر عليه السلام ~~أنه من وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه ، وتأمين ~~الملائكة إنما هو مرة واحدة عند تأمين الإمام ودعاؤهم لمن قعد فى مصلاه ~~دائما أبدا ما دام قاعدا فيه ، فهو أحرى بالإجابة ، وقد شبه - صلى الله ~~عليه وسلم - انتظاهر الصلاة بعد الصلاة بالرباط وأكد ذلك بتكراره مرتين ~~بقوله : ( فذلكم الرباط ) ، فعلى كل مؤمن عاقل سمع هذه الفضائل الشريفة أن ~~يحرص على الأخذ بأوفر الحظ منها ولا تمر عنه صفحا . PageV02P095 وقد اختلف ~~السلف فى جلوس المحدث فى المسجد فروى عن أبى الدرداء أنه خرج من المسجد ~~فبال ، ثم دخل وتحدث مع أصحابه ولم يمس ماء ، وعن على بن أبى طالب مثله ، ~~وروى ذلك عن عطاء ، والنخعى ، وسعيد بن جبير . وكره أن يتعمد الجلوس فى ~~المسجد على غير وضوء سعيد بن المسيب ، والحسن البصرى وقالا : يمر مارا ولا ~~يجلس فيه . * * * # | 54 - باب بنيان المسجد # وقال أبو سعيد الخدرى : كان سقف المسجد من ms0372 جريد النخل . وأمر عمر ببناء ~~المسجد ، وقال : أكن الناس من المطر ، وإياك أن تحمر أو تصفر ، فتفتن الناس ~~. وقال أنس : يتباهون بها ، ثم لا يعمرونها إلا قليلا . وقال ابن عباس : ~~لتزخرفنها ، كما زخرفت اليهود والنصارى . / 77 - فيه : ابن عمر : ( أن ~~المسجد كان على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مبنيا باللبن ، وسقفه ~~الجريد ، وعمده خشب النخل ، فلم يزد فيه أبو بكر شيئا ، وزاد فيه عمر ، ~~وبناه على بنيانه في عهد رسول الله باللبن والجريد ، وأعاد عمده خشبا ، ثم ~~غيره عثمان فزاد فيه زيادة كثيرة وبنى جداره بالحجارة المنقوشة والقصة ، ~~وجعل عمده من حجارة منقوشة ، وسقفه بالساج ) . قال المؤلف : جاءت الآثار عن ~~الرسول ، وعن السلف الصالح بكراهية تشييد المساجد وتزيينها ، وروى حبيب بن ~~الشهيد ، عن الحسن قال : ( لما بنى المسجد قالوا : يا رسول الله ، كيف ~~نبنيه ؟ قال : ( ليس PageV02P096 رغبة عن أخى موسى ، عريش كعريش موسى ) ، ~~وروى سفيان عن أبى فزارة ، عن يزيد بن الأصم أن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - قال : ( ما أمرت بتشييد المساجد ) . وقال أبى : إذا زوقتم مساجدكم ~~وحليتم مصاحفكم ، فالدمار عليكم . وقال ابن عباس : أمرنا أن نبنى المساجد ~~حما والمدائن شرفا . وقال مجاهد : نهينا أن نصلى فى مسجد مشرف . وهذه ~~الآثار مع ما ذكر البخارى فى هذا الباب تدل أن السنة فى بنيان المساجد : ~~القصد ، وترك الغلو فى تشييدها خشية الفتنة والمباهاة ببنائها ؛ ألا ترى أن ~~عمر قال للذى أمره ببناء المسجد : ( أكن الناس من المطر ، وإياك أن تحمر أو ~~تصفر فتفتن الناس ) ، ويمكن أن يفهم هذا عمر من رد الرسول الخميصة إلى أبى ~~جهم حين نظر إلى أعلامها فى الصلاة ، وقال : ( أخاف أن تفتننى ) . وكان عمر ~~قد فتح الله الدنيا فى أيامه ومكنه من المال ، فلم يغير المسجد عن بنيانه ~~الذى كان عليه فى عهد النبى ، ثم جاء الأمر إلى عثمان ، والمال فى زمانه ~~أكثر ، فلم يزد أن جعل فى مكان اللبن حجارة وقصة ، وسقفه بالساج مكان ~~الجريد ، فلم يقصر هو وعمر عن البلوغ فى ms0373 تشييده إلى أبلغ الغايات إلا عن ~~علم منهما عن الرسول بكراهة PageV02P097 ذلك ، وليقتدى بهما فى الأخذ من ~~الدنيا بالقصد والكفاية ، والزهد فى معالى أمورها وإيثار البلغة منها . روى ~~برد أبو العلاء ، عن القاسم بن عبد الرحمن قال : ( جمعت الأنصار مالا ، ~~فقالوا : يا رسول الله ، ابن بهذا المسجد فقال : ( إذا يعجب ذلك المنافقين ~~) ، فدل هذا الحديث أن المؤمنين لا ينبغى أن يعجبهم ذلك . * * * # | 55 - باب التعاون في بناء المسجد وقول الله : { ما كان للمشركين أن ~~يعمروا مساجد الله } [ التوبة : 17 ] ، الآية # . / 78 - فيه : عكرمة : ( أن ابن عباس قال له ولابنه : انطلقا إلى أبي ~~سعيد فاسمعا من حديثه ، فانطلقنا ، فإذا هو في حائط يصلحه ، فأخذ رداءه ، ~~فاحتبى به ، ثم أنشأ فحدثنا ، حتى أتى على ذكر بناء المسجد ، فقال : كنا ~~نحمل لبنة لبنة ، وعمار لبنتين لبنتين ، فرآه نبي الله - صلى الله عليه ~~وسلم - ، فنفض التراب عنه ، ويقول : ويح عمار ، يدعوهم إلى الجنة ويدعونه ~~إلى النار ، قال : يقول عمار : أعوذ بالله من الفتن ) . التعاون فى بنيان ~~المسجد من أفضل الأعمال ؛ لأن ذلك مما يجرى للإنسان أجره بعد مماته ، ومثل ~~ذلك حفر الآبار وتحبيس الأموال التى يعم العامة نفعها . قال المهلب : وفى ~~هذا الحديث بيان ما اختلف فيه من قصة عمار وقوله : ( يدعوهم إلى الجنة ~~ويدعونه إلى النار ) ، إنما يصح ذلك فى الخوارج الذين بعث إليهم على عمارا ~~ليدعوهم إلى الجماعة ، وليس PageV02P098 يصح فى أحد من الصحابة ؛ لأنه لا ~~يجوز لأحد من المسلمين أن يتأول عليهم إلا أفضل التأويل ؛ لأنهم أصحاب رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - الذين أثنى الله عليهم وشهد لهم بالفضل ، فقال ~~تعالى : { كنتم خير أمة أخرجت للناس } [ آل عمران : 110 ] . قال المفسرون : ~~هم أصحاب رسول الله ، وقد صح أن عمارا بعثه على إلى الخوارج يدعوهم إلى ~~الجماعة التى فيها العصمة بشهادة الرسول ( لا تجتمع أمتى على ضلال ) . وفيه ~~: أن عمارا فهم عن الرسول أن هذه الفتنة فى الدين يستعاذ بالله منها ، وفى ~~الاستعاذة منها دليل أنه لا يدرى أحد فى الفتنة ms0374 أمأجور هو أم مأزور إلا ~~بغلبة الظن ، ولو كان مأجورا ما استعاذ بالله من الأجر ، وهذا يرد الحديث ~~الذى روى : ( لا تستعيذوا بالله من الفتنة ، فإنها حصاد المنافقين ) . وقول ~~عكرمة ، عن أبى سعيد : ( فأخذ رداءه فاحتبى به ، ثم أنشأ فحدثنا ) ، فيه أن ~~العالم له أن يتهيأ للحديث ويجلس له جلسته . وفيه : أن الرجل العالم يبعث ~~ابنه إلى عالم آخر ليتعلم منه ؛ لأن العلم لا يحوى جميعه أحد ولا يحيط به ~~مخلوق . وفيه : أن أفعال البر للإنسان أن يأخذ منها ما يشق عليه إن شاء كما ~~أخذ عمار لبنتين ، فاستحق بذلك كرامة من الرسول فى نفضه عنه الغبار ، وذكر ~~فضيلته التى تأتى فى الزمن الذى بعده . وفيه : علامة النبوة ؛ لأنه عليه ~~السلام ، أخبر بما يكون فكان كما قال . PageV02P099 * * * # | 56 - باب الاستعانة بالنجار والصناع في أعواد المنبر والمسجد # / 79 - فيه : سهل بن سعد قال : بعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى ~~امرأة قال : ( مري غلامك النجار ، يعمل لي أعوادا أجلس عليهن ) . / 80 - ~~وقال جابر : ( قالت امرأة : يا رسول الله ألا أجعل لك شيئا ، تقعد عليه ، ~~فإن لي غلاما نجارا ؟ قال : ( إن شئت ) ، فعملت المنبر ) . فيه : الاستعانة ~~بأهل الصناعات والمقدرة فى كل شىء يشمل المسلمين نفعه ، وأن المبادر إلى ~~ذلك مشكور له فعله . فإن قيل : فإن حديث سهل يخالف معنى حديث جابر ، وذلك ~~أن فى حديث سهل أن الرسول سأل المرأة أن تأمر عبدها بعمل المنبر ، وفى حديث ~~جابر أن المرأة سألت النبى - صلى الله عليه وسلم - ذلك . قيل : يحتمل أن ~~تكون المرأة بدأت النبى بالمسألة وتبرعت له بعمل المنبر ، فلما أباح لها ~~ذلك وقبل رغبتها ، أمكن أن يبطئ الغلام بعمله ، فتعلقت نفس الرسول به ~~فاستنجزها إتمامه وإكمال عدتها ، إذ علم عليه السلام طيب نفس المرأة بما ~~بذلته من صنعة غلامها ، وقد يمكن أن يكون إرساله عليه السلام ، إلى المرأة ~~ليعرفها بصفة ما يصنع الغلام فى الأعواد وأن يكون ذلك منبرا . وفيه : أنه ~~من وعد غيره بعدة أنه يجوز استنجازه فيها ، وتحريكه ms0375 فى إتمامها . ~~PageV02P100 * * * # | 57 - باب من بنى مسجدا # / 81 - فيه : عثمان أنه قال - عند قول الناس فيه حين بنى مسجد الرسول - : ~~إنكم أكثرتم ، وإني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : ( من بنى ~~مسجدا - قال بكير : حسبت أنه قال : يبتغي به وجه الله - بنى الله له مثله ~~في الجنة ) . المساجد بيوت الله وقد أضافها الله إلى نفسه بقوله : { إنما ~~يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر } [ التوبة : 18 ] ، حسبك بهذا ~~شرفا لها ، وقال : { فى بيوت أذن الله أن ترفع } [ النور : 36 ] ، الآية ~~فهى أفضل بيوت الدنيا وخير بقاع الأرض ، وقد تفضل الله على بانيها بأن بنى ~~له قصرا فى الجنة ، وأجر المسجد جار لمن بناه فى حياته وبعد مماته ما دام ~~يذكر الله فيه ويصلى فيه ، وهذا مما جازت المجازاة فيه من جنس الفعل . * * ~~* # | 58 - باب يأخذ بنصول النبل إذا مر في المسجد # / 82 - فيه : جابر قال : مر رجل في المسجد ، ومعه سهام ، فقال له رسول ~~الله : ( أمسك بنصالها ) . / 83 - وفيه : أبو بردة : قال نبى الله - صلى ~~الله عليه وسلم - : ( من مر في شيء من مساجدنا أو أسواقنا بنبل ، فليأخذ ~~على نصالها ، لا يعقر بكفه مسلما ) PageV02P101 . هذا من تأكيد حرمة المسلم ~~لئلا يروع بها أو يؤذى ؛ لأن المساجد مورودة بالخلق ، ولا سيما فى أوقات ~~الصلوات ، فخشى عليه السلام أن يؤذى بها أحد ، وهذا من كريم خلقه ، ورأفته ~~بالمؤمنين . والمراد بهذا الحديث : التعظيم لقليل الدم وكثيره . وفيه : أن ~~المسجد يجوز فيه إدخال السلاح ، وأما حيث جابر ، فإنه لا يظهر فيه الإسناد ~~؛ لأن سفيان قال لعمرو : أسمعت جابرا يقول : مر رجل فى المسجد ومعه سهام ، ~~فقال له رسول الله : ( أمسك بنصالها ) ، ولم ينقل أن عمرا ، قال له : نعم ، ~~وقد ذكره البخارى فى غير كتاب الصلاة ، عن على بن عبد الله ، عن سفيان قال ~~: قلت لعمرو : سمعت جابر بن عبد الله يقول : مر رجل بسهام فى المسجد ، فقال ~~له رسول الله : ( أمسك بنصالها ) ، فقال : نعم ، فبان بقوله : نعم ، إسناد ~~الحديث . * * * # | 59 - باب ms0376 إنشاد الشعر في المسجد # / 84 - فيه : أبو سلمة : أنه سمع حسان بن ثابت يستشهد أبا هريرة : أنشدك ~~الله ، هل سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : ( يا حسان ، أجب ~~عن رسول الله ، اللهم أيده بروح القدس ؟ ) قال أبو هريرة : نعم . قال ~~المؤلف : ليس فى حديث هذا الباب بيان أن حسان أنشد شعرا فى المسجد بحضرة ~~النبى ، وقد ذكر البخارى هذا الحديث فى كتاب بدء الخلق ، وبه يتم معنى هذا ~~الباب ، قال سعيد بن المسيب : PageV02P102 ( مر عمر فى المسجد وحسان ينشد ، ~~فقال : كنت أنشد فيه ، وفيه من هو خير منك ، ثم التفت إلى أبى هريرة فقال : ~~أنشدك بالله أسمعت النبى يقول : أجب عنى اللهم أيده بروح القدس ؟ قال : نعم ~~) ، يدل هذا أن قول الرسول لحسان : ( أجب عن رسول الله ) ، كان فى المسجد ، ~~وأنه أنشد فيه ما جاوب به المشركين . واختلف العلماء فى إنشاد الشعر فى ~~المسجد ، فأجازته طائفة إذا كان الشعر مما لا بأس بروايته ، قال ابن حبيب : ~~رأيت ابن الماجشون ، ومحمد بن سلام ينشدان فيه الشعر ويذكران أيام العرب ~~وقد كان اليربوع ، والضحاك بن عثمان ينشدان مالكا ويحدثانه بأخبار العرب ، ~~فيصغى إليهما ، وخالفهم فى ذلك آخرون ، فكرهوا إنشاد الشعر فى المسجد ، ~~واحتجوا بما رواه الليث ، عن ابن عجلان ، عن عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن ~~جده : ( أن الرسول كره أن ينشد الشعر فى المسجد ، وأن تباع فيه السلع ، وأن ~~يتحلق فيه قبل الصلاة ) . قال الطحاوى : وحجة أهل المقالة الأولى ما ذكره ~~البخارى فى بدء الخلق ، أن عمر مر فى المسجد وحسان ينشد فيه ، فزجره ، فقال ~~: كنت أنشد فيه ، وفيه من هو خير منك ، وكان ذلك بحضرة أصحاب الرسول - صلى ~~الله عليه وسلم - ، فلم ينكره أحد منهم ولا أنكره عمر أيضا ، فكأن الشعر ~~الذى نهى عن إنشاده فى المسجد : الشعر الذى فيه الخنا والزور ، ويجوز أن ~~يكون الشعر الذى يغلب على المسجد حتى يكون كل من فى المسجد متشاغلا به ، ~~كما تأول أبو عبيد فى قوله عليه السلام : ( لأن يمتلئ ms0377 جوف أحدكم قيحا حتى ~~يريه ، خير له من أن يمتلئ شعرا ) ، أنه الذى يغلب على صاحبه . PageV02P103 ~~* * * # | 65 - باب أصحاب الحراب في المسجد # / 85 - فيه : عائشة قالت : لقد رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~يوما على باب حجرتي ، والحبشة يلعبون في المسجد ، ورسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - يسترني بردائه ، أنظر إلى لعبهم ) . قال المهلب : المسجد موضوع ~~لأمر جماعة المسلمين ، فما كان من الأعمال مما يجمع منفعة الدين وأهله ، ~~فهو جائز فى المسجد ، واللعب بالحراب من تدريب الجوارح على معانى الحروب ، ~~وهو من الاشتداد للعدو ، والقوة على الحرب فهو جائز فى المسجد وغيره . وفيه ~~: جواز النظر إلى اللهو المباح وقد يمكن أن يكون ترك الرسول عائشة لتنظر ~~إلى اللعب بالحراب ؛ لتضبط السنة فى ذلك وتنقل بعض تلك الحركات المحكمة إلى ~~بعض من يأتى من أبناء المسلمين وتعرفهم بذلك . وفيه : من حسن خلق الرسول ~~وكريم معاشرته لأهله ما يلزم المسلم امتثاله والاقتداء به فيه ، ألا ترى ~~وقوفه عليه السلام وستره لعائشة وهى تنظر إلى اللعب ! . * * * # | 61 - باب ذكر البيع والشراء على المنبر في المسجد # / 86 - فيه : عائشة : أن بريرة أتتها تسألها كتابتها ، فقام رسول الله ~~على المنبر فقال : ( ما بال أقوام يشترطون شروطا ليست في كتاب الله ) . ~~وذكر الحديث . PageV02P104 قال المؤلف : المساجد إنما اتخذت لذكر الله ~~تعالى وتلاوة القرآن ، والصلاة ، وإنما يجوز فيها من البيع والشراء وسائر ~~أمور الدنيا ما يكون بمعنى تعليم الناس والتنبيه لهم على الاحتراس من ~~مواقعة الحرام ومخالفة السنن ، والموعظة فى ذلك ، وقد روى عن نبى الله - ~~صلى الله عليه وسلم - أنه نهى عن البيع والشراء فى المسجد ، وهو قول مالك ~~وجماعة من العلماء ، وروى الدراوردى ، عن يزيد بن الخصيفة ، عن محمد بن عبد ~~الرحمن بن ثوبان ، عن أبى هريرة أن الرسول قال : ( إذا رأيتم الرجل يبيع ~~ويشترى فى المسجد ، فقولوا : لا أربح الله تجارتك ، وإذا رأيتم الرجل ينشد ~~فيه الضالة ، فقولوا : لا رد الله عليك ) ، وذكر مالك ، عن عطاء بن يسار ~~أنه كان يقول لمن أراد ms0378 أن يبيع فى المسجد : عليك بسوق الدنيا ، فإنما هذا ~~سوق الآخرة . قال الطحاوى : ومعنى البيع الذى نهى عنه فى المسجد الذى يغلب ~~على المسجد ويعمه ، حتى يكون كالسوق ، فذلك مكروه ، وأما ما سوى ذلك فلا ~~بأس به ، وكذلك التحلق الذى نهى عنه قبل الصلاة إذا عم المسجد وغلبه ، فهو ~~مكروه ، وغير ذلك لا بأس به ، وقد أجمع العلماء أن ما عقد من البيع فى ~~المسجد أنه لا يجوز نقضه ، إلا أن المسجد ينبغى أن يجنب جميع أمور الدنيا ، ~~ولذلك بنى عمر بن الخطاب البطحاء خارج المسجد ، وقال : ( من أراد أن يلغط ، ~~فليخرج إليها ) ، فوجب تنزيه المسجد عما لم يكن من أمور الله تعالى . ~~PageV02P105 * * * # | 62 - باب التقاضي والملازمة في المسجد # / 87 - فيه : كعب بن مالك : أنه تقاضى ابن أبي حدرد دينا كان له عليه في ~~المسجد ، فارتفعت أصواتهما ، حتى سمعها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~وهو في بيته ، فخرج إليهما ، حتى كشف سجف حجرته ، فنادى : ( يا كعب ، قال : ~~لبيك يا رسول الله ، قال : ضع من دينك هذا ، وأومأ إليه ، أي الشطر ، قال : ~~قد فعلت يا رسول الله ، قال : قم فاقضه ) . قال المؤلف : فيه : المخاصمة فى ~~المسجد فى الحقوق والمطالبة بالديون ، وقال مالك : لا بأس أن يقضى الرجل ~~الرجل فيه ذهبا ، فأما بمعنى التجارة والصرف فلا أحبه . قال المهلب : وفيه ~~الحض على الوضع عن المعسر . وفيه : القضاء بالصالح إذا رآه السلطان صلاحا ~~ولم يشاور الموضوع عنه إن كان يقبل الوضيعة أم لا . وفيه : الحكم عليه ~~بالصالح إذا كان فيه رشده وصلاح له لقوله : ( قم فاقضه ) . وفيه : أن ~~الإشارة باليد تقوم مقام الإفصاح باللسان إذا فهم المراد بها . وفيه : ~~الملازمة فى الاقتضاء . وفيه : إنكار رفع الصوت بالمسجد بغير القراءة ، إلا ~~أنه عليه السلام ، لم يعنفهما على ذلك لما كان لابد لهما منه . * * * # | 63 - باب كنس المسجد والتقاط الخرق والقذى والعيدان # / 88 - فيه : أبو هريرة : أن رجلا أسود - أو امرأة سوداء - كان يقم ~~المسجد ، PageV02P106 فمات ، فسأل الرسول - صلى الله عليه وسلم - عنه ، ~~فقالوا ms0379 : مات ، قال : أفلا كنتم آذنتموني به ؟ دلوني على قبره - أو قال : ~~قبرها - فأتى قبرها ، فصلى عليها ) . وترجم له : باب الخدم للمسجد . قال ~~ابن عباس : قوله تعالى : { إنى نذرت لك ما فى بطنى محررا } [ آل عمران : 35 ~~] ، يعنى : محررا للمسجد . قال المؤلف : فيه الحض على كنس المساجد وتنظيفها ~~؛ لأنه عليه السلام ، إنما خصه بالصلاة عليه بعد دفنه لأجل ذلك ، وقد روى ~~عن الرسول - صلى الله عليه وسلم - أنه كنس المسجد ، ذكر ابن أبى شيبة ، عن ~~وكيع ، عن موسى بن عبيدة ، عن يعقوب بن زيد : ( أن الرسول كان يتبع غبار ~~المسجد بجريدة ) ، وعن وكيع ، قال : حدثنا كثير بن زيد ، عن المطلب بن عبد ~~الله بن حنطب : ( أن عمر أتى مسجد قباء على فرس له ، فصلى فيه ، ثم قال : ~~يا يرفأ ائتنى بجريدة فأتاه بها ، فاحتجز عمر بثوبه ، ثم كنسه ) . وفى حديث ~~أبى هريرة : خدمة الصالحين والتبرك بذلك . وفيه : السؤال عن الخادم والصديق ~~إذا غاب وافتقاده . وفيه : المكافأة بالدعاء والترحم على من أوقف نفسه على ~~نفع المسلمين ومصالحهم . وفيه : الرغبة فى شهود جنائز الصالحين . قال ابن ~~القصار : وفى صلاة الرسول على قبر السوداء بعد دفنها PageV02P107 دليل على ~~جواز الصلاة فى المقبرة ، وقال صاحب الأفعال : قم البيت قما : كنسه ، ~~والقمامة : الكناسة ، وقمت الشاة : رعت ، ويقال للمكنسة : المقمة . * * * # | 64 - باب تحريم تجارة الخمر في المسجد # / 89 - فيه : عائشة قالت : ( لما أنزلت الآيات من سورة البقرة في الربا ، ~~خرج النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فقرأهن على الناس ، ثم حرم تجارة الخمر ~~) . قال المؤلف : غرضه فى هذا الباب ، والله أعلم ، أن المسجد لما كان ~~مسجدا للصلاة ولذكر الله منزها عن ذكر الفواحش ، والخمر والربا من أكبر ~~الفواحش ، فلما ذكر الرسول تحريمها فى المسجد ، دل أنه لا بأس بذكر ~~المحرمات والأقذار فى المسجد على وجه النهى عنها والمنع منها . * * * # | 65 - باب الأسير أو الغريم يربط في المسجد # وكان شريح يأمر الغريم أن يحبس إلى سارية المسجد . / 90 - فيه : أبو ~~هريرة : قال الرسول : ( إن عفريتا من الجن تفلت علي ms0380 البارحة - أو كلمة ~~نحوها - ليقطع علي الصلاة ، فأمكنني الله منه ، فأردت أن أربطه إلى سارية ~~من سواري المسجد ، حتى تصبحوا ، وتنظروا إليه كلكم ، فذكرت قول أخي سليمان ~~: { رب اغفر لى وهب لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي } [ ص 53 ] ) قال روح : ~~فرده خاسئا . PageV02P108 وفى هذا الحديث إباحة ربط الأسير فى المسجد ، قال ~~المهلب : فيه ربط من خشى هروبه لحق عليه أو دين والتوثق منه فى المسجد ~~وغيره ، ورؤيته عليه السلام للعفريت هو ما خص به كما خص برؤية الملائكة ، ~~فقد أخبر أن جبريل له ستمائة جناح ، وأخبرنا الله بذلك بقوله : { لقد رأى ~~من آيات ربه الكبرى } [ النجم : 18 ] ، وبقوله : { ولقد رآه نزلة أخرى } [ ~~النجم : 13 ] ، وقد رآهم يوم انصرافهم عن الخندق ، ورأى الشيطان فى هذه ~~الليلة وأقدر عليه لتجسمه ؛ لأن الأجسام ممكن القدرة عليها ، ولكنه ألقى فى ~~روعه ما وهب سليمان ، فلم ينفذ ما قوى عليه من حبسه رغبة عما أراد سليمان ~~الانفراد به ، وحرصا على إجابة الله دعوته ، وأما غير الرسول - صلى الله ~~عليه وسلم - من الناس فلا يمكن من هذا ولا يرى أحد الشيطان على صورته غير ~~الرسول ؛ لأن الله يقول : { إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم } [ ~~الأعراف : 27 ] ، لكنه يراه سائر الناس إذا تشكل فى غير شكله ، وتصور فى ~~غير صورته ، كما تشكل الذى طعنه الأنصارى حين وجده فى بيته فى صورة حية ، ~~فقتله ، فمات الرجل به ، وبين الرسول ذلك فى قوله : ( إن بالمدينة جنا قد ~~أسلموا ) . وقوله : ( فرده خاسئا ) ، يقال : خسأ الكلب خسوءا : تباعدا ، ~~وخسأته قلت له : اخسأ . * * * # | 66 - باب : الاغتسال إذا أسلم # / 91 - فيه : أبو هريرة قال : ( بعث الرسول - صلى الله عليه وسلم - خيلا ~~قبل نجد ، فجاءت برجل من بني حنيفة ، يقال له : ثمامة بن أثال ، فربطوه ~~بسارية من سواري PageV02P109 المسجد ، فخرج إليه الرسول ، فقال : ( أطلقوا ~~ثمامة ) ، فانطلق إلى نخل قريب من المسجد ، فاغتسل ثم دخل المسجد ، فقال : ~~أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ) . اختلف العلماء هل على ms0381 من ~~أسلم غسل ؟ على ثلاثة أقوال ، واختلف فى ذلك قول مالك أيضا ، فقال فى ( ~~المدونة ) : إذا أسلم النصرانى فعليه الغسل ؛ لأنهم لا يتطهرون ، وممن أوجب ~~عليه الغسل أحمد بن حنبل ، وأبو ثور . والقول الثانى : روى ابن وهب ، وابن ~~أبى أويس ، عن مالك أنه سئل عن رجل أسلم هل يجب عليه غسل أم يكفيه الوضوء ؟ ~~قال : لم يبلغنا أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمر أحدا أسلم بالغسل ~~. والقول الثالث : قال ابن المنذر : قال الشافعى : أحب أن يغتسل ، فإن لم ~~يكن جنبا أجزأه أن يتوضأ ، ولابن القاسم فى ( العتبية ) مثله قال : من أسلم ~~فعليه أن يغتسل ، فإن توضأ وصلى ولم يغتسل أعاد أبدا إذا كان قد جامع أو ~~كان جنبا ، وهذا يدل من قوله : إن لم يكن جنبا أنه يجزئه الوضوء كما قال ~~الشافعى ، قال المهلب : وحديث ثمامة حجة لرواية ابن وهب ، وابن أبى أويس ؛ ~~لأن ثمامة حين انطلق فاغتسل ، ثم دخل المسجد ، ثم شهد بالإسلام ، وليس فى ~~الحديث أن نبى الله أمره بالاغتسال ، ولذلك قال مالك : لم يبلغنا أن رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - أمر أحدا أسلم بالغسل . قال أبو عبد الله بن ~~أبى صفرة : وأما قول مالك الآخر : ( عليه الغسل ؛ لأنهم لا يتطهرون ) ، فإن ~~معناه لا يتطهرون من النجاسة فى أبدانهم ، لا يجوز غير هذا ؛ لأنه يستحيل ~~عليهم التطهير من الجنابة وإن نووها ؛ لعدم الشرع ، فسقط قول الشافعى وابن ~~القاسم . قال PageV02P110 أبو عبد الله : فإن قيل : إذا كان عندك غير جنب ~~فلا يكون محدثا فأبيح له الصلاة بغير وضوء . فالجواب : أنه إذا أسلم وهو ~~غير جنب ولا متوضئ ، فوجب أن يتوضأ للصلاة إذا كان غير متوضئ ، كما لا ~~يغتسل لأنه غير جنب ، وإنما اغتساله سنة لما قال مالك أنهم لا يتطهرون من ~~النجاسة فى أبدانهم . * * * # | 67 - باب الخيمة في المسجد للمرضى وغيرهم # / 92 - فيه : عائشة قالت : ( أصيب سعد يوم الخندق في الأكحل ، فضرب ~~الرسول - صلى الله عليه وسلم - خيمة في المسجد ، ليعوده من قريب ، فلم ~~يرعهم ، وفي ms0382 المسجد خيمة من بني غفار ، إلا الدم يسيل إليها ، فقال : يا ~~أهل الخيمة ، ما هذا الذي يأتينا من قبلكم ؟ ) فإذا سعد يغذو جرحه دما ، ~~فمات منها . قال المهلب : فيه جواز سكنى المسجد للعذر . وفيه : أن السلطان ~~أو العالم إذا شق عليه النهوض إلى عيادة مريض يزوره ممن يهمه أمره ، أن ~~ينقل المريض إلى الموضع يخف عليه فيه زيارته ويقرب منه . وفيه : أن ~~النجاسات ليست إزالتها بفرض ، ولو كان فرضا لحيل بينها وبين الذريعة إليها ~~، ولما أجاز الرسول للجريح أن يسكن فى المسجد ، علمنا أن الأمر ليس على ~~الفرض ، وكذلك حين ترك الأعرابى يبول فى المسجد ، وقال : دعوه ، ولو كان ~~حراما فرضا ، ما قال : دعوه يستديم البول . وقال صاحب ( العين ) : غذا ~~العرق يغذو : إذا سال الدم . PageV02P111 * * * # | 68 - باب إدخال البعير في المسجد للعلة # وقال ابن عباس طاف النبي - صلى الله عليه وسلم - على بعير . / 93 - فيه : ~~أم سلمة قالت : ( شكوت إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أني أشتكي ، ~~قال : ( طوفي من وراء الناس ، وأنت راكبة ) ، فطفت ، ورسول الله يصلي إلى ~~جنب البيت ، يقرأ بالطور وكتاب مسطور ) . قال المهلب : فيه جواز دخول ~~الدواب التى تؤكل لحومها ، ولا ينجس بولها المسجد إذا احتيج إلى ذلك ، وأما ~~دخول سائر الدواب فلا يجوز وهو قول مالك ، وفيه أن راكب الدابة ينبغى له أن ~~يتجنب ممر الناس ما استطاع ، ولا يخالط الرجالة ، وكذلك ينبغى أن تخرج ~~النساء إلى حواشى الطرق ، وقد استنبط بعض العلماء من هذا الحديث طواف ~~النساء بالبيت من وراء الرجال لعلة التزاحم والتناطح ، قال غيره : طواف ~~النساء من وراء الرجال هى السنة ؛ لأن الطواف صلاة ومن سنة النساء فى ~~الصلاة أن يكن خلف الرجال ، فكذلك الطواف . وقوله : ( طوفى وأنت راكبة ) ~~فهو ضرورة ، وقد اختلف العلماء فى الصحيح يطوف راكبا على ما يأتى فى كتاب ~~الحج ، إن شاء الله . * * * # | 69 - باب # / 94 - فيه : أنس ، ( أن رجلين من أصحاب الرسول خرجا من عند الرسول في ~~ليلة مظلمة ، ومعهما مثل المصباحين ، يضيئان بين أيديهما ، فلما ms0383 افترقا ، ~~صار مع كل واحد ، منهما واحد حتى أتى أهله ) . قال المؤلف : إنما ذكر ~~البخارى هذا الحديث فى باب أحكام PageV02P112 المساجد ، والله أعلم ؛ لأن ~~الرجلين كانا مع الرسول وهو موضع جلوسه مع الصحابة ، فلما كان معه هذان ~~الرجلان فى علم ينشره أو فى صلاة ، أكرمهم الله ، تعالى ، بالنور فى الدنيا ~~ببركة الرسول وفضل مسجده وملازمته والرجلان هما عباد بن بشر ، وأسيد بن ~~حضير . قال المهلب : وتلك آية للنبى - صلى الله عليه وسلم - وكرامة له ، ~~وأنه خص فى الآيات بما لم يخص به من كان قبله ، أن أعطى أن يكرم أصحابه ~~بمثل هذا النور عند حاجتهم إليه ، وذلك من خرق العادات ، وكان يصلح أن ~~يترجم لهذا الحديث باب قوله تعالى : { ومن لم يجعل الله له نورا فما له من ~~نور } [ النور : 40 ] ، يشير إلى أن الآية عامة فيما يحتمل أن يستثبت منها ~~المعنى ، لا سيما وقد ذكر الله النور فى المشكاة والزجاجة { فى بيوت أذن ~~الله ترفع } [ النور : 36 ] الآية ، فاستدل أن الله تعالى ، يجعل لمن يسبح ~~فى تلك المساجد نورا فى قلوبهم ، ونورا فى جميع أعضائهم ونورا بين أيديهم ~~ومن خلفهم فى الدنيا والآخرة ، ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور ، ~~فلما خرجا من عند النبى فى الليلة المظلمة أراهم بركة نبيه وكرامته بما جعل ~~الله لهما من النور بين أيديهما يستضيئان به فى ممشاهما مع قوله : ( بشر ~~المشائين فى الظلم إلى المساجد بالنور التام يوم القيامة ) ، فجعل لهم منه ~~فى الدنيا ، ليزدادوا إيمانا بالنبى مع إيمانهم ، ويوقنا أن كذلك يكون ما ~~وعدهم الله من النور الذى يسعى بين أيديهم وبأيمانهم يوم القيامة ؛ برهانا ~~PageV02P113 لمحمد ، عليه السلام ، على صدق ما وعد به أهل الإيمان ~~الملازمين للبيوت التى أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه . * * * # | 70 - باب الخوخة والممر في المسجد # / 95 - فيه : أبو سعيد الخدرى قال : خطب الرسول - صلى الله عليه وسلم - ~~فقال : ( إن الله خير عبدا بين الدنيا وبين ما عنده ، فاختار ما عند الله ) ~~، فبكى ms0384 أبو بكر الصديق ، فقلت في نفسي : ما يبكي هذا الشيخ ؟ إن يكن الله ~~خير عبدا بين الدنيا وبين ما عنده ، فاختار ما عند الله ، فكان رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - هو العبد ، وكان أبو بكر أعلمنا ، قال : ( يا أبا بكر ~~لا تبكى إن أمن الناس علي في صحبته وماله أبو بكر ، ولو كنت متخذا من أمتي ~~خليلا ، لاتخذت أبا بكر ، ولكن أخوة الإسلام ومودته ، لا يبقين في المسجد ~~باب إلا سد إلا باب أبي بكر ) . / 96 - وفيه : ابن عباس ، أن نبى الله - ~~صلى الله عليه وسلم - قال في مرضه الذي مات فيه : ( ليس من الناس أحد أمن ~~علي في نفسه وماله . . . ) الحديث . قال المهلب : فيه التعريض بالعلم للناس ~~، وإن قل فهماؤه ، خشية أن يدخل عليهم مساءة أو حزن . وفيه : أنه لا يستحق ~~أحد العلم حقيقة إلا من فهم ، والحافظ لا يبلغ درجة الفهم ، وإنما يقال ~~للحافظ عالم بالنص لا بالمعنى والتأويل ؛ ألا ترى أن أبا سعيد جعل لأبى بكر ~~مزية بفهمه ، أوجب له بها العلم حقيقة وإن كان قد أوجب العلم للجماعة . ~~PageV02P114 وفيه : أن أبا بكر أعلم الصحابة ؛ لأن أبا سعيد شهد له بذلك ~~بحضرة جماعتهم ، ولم ينكر ذلك عليه أحد ، ويدل على صحة ذلك مقامه بعد موت ~~النبى - صلى الله عليه وسلم - ، ووقت ارتداد العرب على بديهة منه دون أن ~~يطيش له جنان ، أو يختلج له لسان ، وشدة نفسه وثبات قدمه ، ولذلك حلف أبو ~~هريرة بالله الذى لا إله إلا هو : لولا أبو بكر الصديق ما عبد الله ، ~~وسيأتى تمام هذا المعنى فى كتاب الزكاة . وفيه : الحض على اختيار ما عند ~~الله والزهد فى الدنيا والإعلام بمن اختار ذلك من الصالحين . وفيه : أن على ~~السلطان شكر من أحسن صحبته ومعونته بنفسه وماله ، والاعتراف له بالمنة ، ~~واختصاصه بالفضيلة التى لم يشارك فيها ، كما اختص هو أبا بكر بما لم يخص به ~~غيره ، وذلك أنه جعل بابه فى المسجد ؛ ليخلفه فى الإمامة ليخرج من بيته إلى ~~المسجد ، كما كان الرسول ms0385 يخرج ، ومنع الناس كلهم من ذلك دليل على خلافة أبى ~~بكر بعد الرسول ، ودليل على أن المرشح للخلافة يخص بكرامة تدل على ترشحه . ~~وفيه : دليل أن الخليل فوق الصديق والأخ . وفيه : استئلاف النفوس بقوله : ( ~~ولكن أخوة الإسلام أفضل ) ، فاستألفهم بأن حرمة الخلة بمعنى شامل لهم عنده ~~، وإن كان قد فضل أبا بكر بما دل على ترشحه للخلافة بعده ، وهكذا وقع فى ~~الحديث : ( ولكن خوة الإسلام أفضل ) ، ولا أعرف معناه وقد وجدت الحديث فى ~~الباب بعده : ( ولكن خلة الإسلام أفضل ) ، وهو الصواب ؛ لأنه عليه السلام ، ~~صرف الكلام على ما تقدمه من ذكر PageV02P115 ( الخلالة ) ، فأتى بلفظ مشتق ~~منها ، وهو ( الخلة ) ، ولم أجد ( خوة ) ، بمعنى ( خلة ) فى كلام العرب ، ~~وقال أبو سليمان الخطابى : قوله : ( أمن ) ، أسمح بماله وأبذل له ، ولم يرد ~~به معنى الامتنان ؛ لأن المنة تفسد الصنيعة ، ولا منة لأحد على رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - ، بل له المنة على الأمة قاطبة ، و ( المن ) فى كلام ~~العرب : الإحسان إلى من لا يستثيبه ، قال الله تعالى : { هذا عطاؤنا فامنن ~~أو أمسك بغير حساب } [ ص : 39 ] ، وقال : { ولا تمنن تستكثر } [ المدثر : 6 ~~] ، أى : لا تعط لتأخذ من المكافأة أكثر مما أعطيت . * * * # | 71 - باب الأبواب والغلق للكعبة والمساجد # قال ابن أبى مليكة لابن جريج : لو رأيت مساجد ابن عباس وأبوابها . / 97 - ~~فيه : ابن عمر : ( أن نبي الله قدم مكة ، فدعا عثمان بن طلحة ، ففتح الباب ~~، فدخل الرسول - صلى الله عليه وسلم - ، وبلال ، وأسامة بن زيد ، وعثمان بن ~~طلحة ، ثم أغلق الباب ، فلبث فيه ساعة ، ثم خرجوا ) . قال المؤلف : اتخاذ ~~الأبواب للمساجد واجب لتصان عن مكان الريب ، وتنزه عما لا يصلح فيها من غير ~~الطاعات . قال المهلب : وإدخال الرسول معه هؤلاء الثلاثة ، لمعان تخص كل ~~واحد منهم ، فأما دخول عثمان فلخدمته البيت فى الغلق والفتح والكنس ، ولو ~~لم يدخله لغلق بابها ؛ لتوهم الناس أنه عزله ، وأما بلال فمؤذنه وخادم أمر ~~صلاته ، وأما أسامة فمتولى خدمة ما يحتاج إليه وهم خاصته ؛ فللإمام أن ~~يستخص خاصته ببعض ms0386 ما يستتر به عن PageV02P116 الناس وأما غلق الباب ، والله ~~أعلم ، حين صلى فى البيت ؛ لئلا يظن الناس أن الصلاة فيه سنة ، فيلزمون ذلك ~~. * * * # | 72 - باب دخول المشرك المسجد # / 98 - فيه : أبو هريرة : ( بعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خيلا ~~قبل نجد ، فجاءت برجل من بني حنيفة يقال له : ثمامة بن أثال ، فربطوه ~~بسارية من سواري المسجد ) . اختلف الفقهاء فى دخول المشرك المسجد ، فأجازه ~~أبو حنيفة والشافعى ، إلا أن الشافعى قال : لا يدخل المسجد الحرام خاصة ، ~~ويدخل سائر المساجد ، وجوزه أبو حنيفة فى المسجد الحرام وسائر المساجد ، ~~وأجاز ابن محيريز ، ومجاهد دخول أهل الكتاب فى المسجد ، وقال أبو صالح : ~~ليس للمشركين أن يدخلوا المسجد الحرام إلا خائفين ، وقال مالك ، والمزنى : ~~لا يدخل المشرك كل مسجد أصلا . وروى مثله عن عمر بن عبد العزيز ، والحجة ~~لهم قوله تعالى : { ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب } [ الحج : ~~32 ] ، ومن تعظيم الشعائر منع الكافر دخول البيت والمساجد كلها ، وقد ~~اتفقنا على منع الجنب والحائض من دخول المسجد ؛ لمنعهما من القراءة ، ~~والكافر أولى بذلك ، وحجة من أجاز ذلك حديث ثمامة ، وأن الرسول - صلى الله ~~عليه وسلم - حبسه فى المسجد وهو مشرك . قال ابن المنذر : فى حديث ثمامة ~~دخول المشرك المسجد وإباحة دخول الجنب فيه ، وهو أولى بذلك ؛ لأن النبى ~~أخبر أن المسلم ليس بنجس ومما رواه ابن جريج ، عن عثمان بن أبى سليمان أن ~~مشركى PageV02P117 قريش حين أتوا النبى فى فداء من أسر منهم ببدر ، كانوا ~~يبيتون فى مسجد الرسول ، فمنهم : جبير بن مطعم ، فكان جبير يسمع قراءة ~~الرسول - صلى الله عليه وسلم - وجبير مشرك ، والحجة على أبى حنيفة فى جواز ~~دخوله فى المسجد الحرام ، قوله تعالى : { إنما المشركون نجس فلا يقربوا ~~المسجد الحرام بعد عامهم هذا } [ التوبة : 28 ] الآية ، وهذا خطاب للمؤمنين ~~أن يمنعوهم من المسجد الحرام ، وقال أبو حنيفة : معناه لا يقربوه للطواف ~~خاصة ، وقيل : هو عموم وظاهره أن لا يقربوه أصلا . فإن قال : هو موضع من ~~الحرم فأشبه سائر الحرم ms0387 فى جواز دخولهم فيه . قيل : يلزمكم هذا فى دخولهم ~~البيت ، فإن امتنعوا من البيت انتقض تعليلهم وإن جوزوه فهو قبيح جدا ، وقد ~~أمر الله تعالى بتعظيم شعائره وذلك يوجب منعهم منه . * * * # | 73 - باب رفع الصوت في المسجد # / 99 - فيه : السائب بم زيد قال : كنت قائما في المسجد ، فحصبني رجل ، ~~فنظرت فإذا عمر بن الخطاب ، فقال : اذهب ، ائتني بهذين ، فجئته بهما ، فقال ~~: من أنتما - أو من أين أنتما ؟ - قالا : من أهل الطائف ، قال : لو كنتما ~~من أهل البلد ، لأوجعتكما ، ترفعان أصواتكما في مسجد رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - . / 100 - وفيه : كعب : ( أنه تقاضى ابن أبي حدرد دينا له عليه ~~في عهد رسول الله في المسجد ، فارتفعت أصواتهما ، حتى سمعها رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - PageV02P118 وهو في بيته ، فخرج إليهما حتى كشف سجف ~~حجرته ، ونادى : ( يا كعب بن مالك ) ، قال : لبيك يا رسول الله ، فأشار ~~بيده أن ضع الشطر من دينك ، قال كعب : قد فعلت يا رسول الله ، قال رسول ~~الله : قم فاقضه ) . قال بعض الناس : أما إنكار عمر رفع الصوت فى المسجد ، ~~فيدل أنهم رفعوا أصواتهم فيما لا يحتاجون إليه من اللغط الذى لا يجوز فى ~~المسجد ، ولذلك بنى عمر البطحاء خارج المسجد ؛ لينزهه عن الخنا والرفث ، ~~فسألهم إن كانوا من أهل البلد ممن تقدم العلم إليهم بإنكار رفع الصوت فى ~~اللغط فيه ، فلما أخبراه أنهما من غير البلد عذرهما بالجهل . وأما ارتفاع ~~صوت كعب وابن أبى حدرد فى المسجد ، فلما كان على طلب حق واجب ، لم يغير ~~الرسول ذلك عليهم ، ولو كان لا يجوز رفع الصوت فيه فى حق ولا غيره لما ترك ~~النبى ، عليه السلام ، بيان ذلك إذ هو معلم ، وقد فرض الله ، تعالى ، عليه ~~ذلك . وأما مذاهب العلماء فى ذلك ، فذهب مالك وطائفة أنه لا يرفع الصوت فى ~~المسجد فى العلم ولا غيره ، قال مالك : ولقد أدركت الناس قديما يعيبون ذلك ~~على بعض من يكون ذلك محله ، وما للعلم ترفع فيه الأصوات ، إنى لأكره ذلك ، ~~ولا ms0388 أرى فيه خيرا رواه ابن عبد الحكم عنه ، وقال محمد بن مسلمة فى المبسوط ~~: لا بأس برفع الصوت فى المسجد فى الخبر يخبرونه والخصومة تكون بينهم ، ولا ~~بأس بالأحداث التى تكون بين الناس فيه من الشىء يعطونه ، وما يحتاجون إليه ~~؛ لأن المسجد مجتمع للناس فلابد لهم مما يحتاجون إليه من ذلك ، وأجاز أبو ~~حنيفة وأصحابه رفع الصوت فى المسجد . PageV02P119 ذكر ابن أبى خيثمة قال : ~~حدثنا إبراهيم بن بشار ، حدثنا سفيان بن عيينة قال : مررت بأبى حنيفة وهو ~~مع أصحابه فى المسجد ، وقد ارتفعت أصواتهم ، فقلت : يا أبا حنيفة هذا فى ~~المسجد والصوت لا ينبغى أن يرفع فيه ، فقال : دعهم ، فإنهم لا يفهمون إلا ~~بهذا . * * * # | 74 - باب الحلق والجلوس في المسجد # / 101 - فيه : ابن عمر قال : ( سأل رجل النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو ~~على المنبر ، ما ترى في صلاة الليل ؟ قال : ( مثنى مثنى ) . / 102 - وقال ~~مرة : أن رجلا نادى النبي وهو في المسجد . / 103 - وفيه : أبو واقد الليثي ~~: ( بينما الرسول في المسجد ، فأقبل ثلاثة نفر ، فأقبل اثنان إلى رسول الله ~~، وذهب واحد ، فأما أحدهما فرأى فرجة في الحلقة فجلس ، وأما الآخر فجلس ~~خلفهم ، فلما فرغ رسول الله قال : ألا أخبركم عن الثلاثة ؟ ، أما أحدهم ~~فأوى إلى الله فآواه الله ، وأما الآخر فاستحيى فاستحيى الله منه ، وأما ~~الآخر فأعرض فأعرض الله عنه ) . أجمع العلماء على جواز التحلق والجلوس فى ~~المسجد لذكر الله تعالى وللعلم . قال المهلب : وشبه البخارى فى حديث جلوس ~~الرجال فى المسجد حول الرسول - صلى الله عليه وسلم - وهو يخطب بالتحلق ~~والجلوس فى المسجد للعلم . وفيه : أن الخطيب إذا سئل عن أمر الدين أن له أن ~~يجاوب من سأله ولا يضر ذلك خطبته . PageV02P120 وفيه : فضل حلق الذكر ، ~~لقوله : ( أوى إلى الله ، فآواه الله ) . قال غيره : وفيه سد الفرج فى حلق ~~الذكر ، وقد جاء فى سدها فى صفوف الصلاة وفى الصف فى سبيل الله ، ترغيب ~~وآثار ، ومعلوم أن حلق الذكر من سبيل الله . وفيه : أن التزاحم بين يدى ~~العالم من ms0389 أفضل أعمال البر ، ألا ترى قول لقمان لابنه : ( يا بنى جالس ~~العلماء وزاحمهم بركبتك ، فإن الله يحيى القلوب بنور الحكمة ، كما يحيى ~~الأرض بوابل السماء ) . وفيه : من حسن الأدب أن يجلس المرء حيث انتهى به ~~مجلسه ، ولا يقيم أحدا ، وقد روى ذلك عن الرسول . وفيه : ابتداء العالم ~~جلساءه بالعلم قبل أن يسأل عنه . وفيه : مدح الحياء والثناء على صاحبه . ~~وفيه : ذم من زهد فى العلم واستجازة القول فيه ؛ لأنه لا يدبر أحد عن حلقة ~~رسول الله وفيه خير . وقوله : ( فأوى إلى الله ) ، غير ممدود ( فآواه الله ~~) ، بالمد يقال : أويت إلى الشىء بقصر الهمزة ، دخلت فيه ، قال الله تعالى ~~: { إذ أوى الفتية إلى الكهف } [ الكهف : 10 ] ، وآويت غيرك إذا ضممته إلى ~~نفسك ، بالمد ، قال الله تعالى : { ألم يجدك يتيما فآوى } [ الضحى : 6 ] . ~~PageV02P121 * * * # | 75 - باب الاستلقاء في المسجد # [ ومد الرجل ] ( 1 ) / 104 - فيه : عباد بن تميم ، عن عمه : ( أنه رأى ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مستلقيا في المسجد ، واضعا إحدى رجليه ~~على الأخرى ) . قال سعيد بن المسيب : وكان عمر وعثمان يفعلان ذلك . فيه أن ~~الاستلقاء وشبهه خفيف فعله فى المسجد ، وقد روى عن النبى - صلى الله عليه ~~وسلم - ما يعارض هذا الحديث ، روى حماد بن سلمة ، وابن جريج ، والليث بن ~~سعد ، عن أبى الزبير ، عن جابر بن عبد الله : ( أن الرسول نهى أن يضع الرجل ~~إحدى رجليه على الأخرى وهو مستلق على ظهره ) ، فنرى والله أعلم ، أن ~~البخارى أدخل حديث عبد الله بن زيد معارضا لحديث جابر ، ولذلك أردفه بما ~~رواه ابن المسيب أن عمر ، وعثمان كانا يفعلان ذلك ، قال الزهرى : وجاء ~~الناس بأمر عظيم فى إنكار ذلك ، فكأنه ذهب إلى أن حديث جابر منسوخ بهذا ~~الحديث ، واستدل على نسخه بعمل الخليفتين بعده ؛ إذ لا يجوز أن يخفى عليهما ~~الناسخ من المنسوخ من سنته عليه السلام . * * * # | 76 - باب المسجد يكون في الطريق ، من غير ضرر للناس فيه # وبه قال الحسن وأيوب ومالك . / 105 - فيه : عائشة : ( لم أعقل أبواي إلا ~~وهما يدينان ms0390 الدين ، ولم يمر علينا يوم إلا يأتينا فيه رسول الله طرفي ~~النهار بكرة وعشية ، ثم بدا لأبي بكر ، فابتنى مسجدا بفناء داره ، فكان ~~يصلي فيه ، ويقرأ القرآن ، فيقف عليه نساء المشركين وأبناؤهم ، يعجبون منه ~~، وينظرون إليه ، وكان أبو بكر PageV02P122 رجلا بكاء ، لا يملك عينيه ، ~~إذا قرأ القرآن ، فأفزع ذلك أشراف قريش من المشركين ) . قال المؤلف : أما ~~بناء المسجد فى الطريق ، فذكر ابن شعبان فى كتاب ( الزاهى ) قال : وينبغى ~~أن تجتنب الصلاة فى المساجد المبنية حيث لا يجوز بناؤها من الطرقات والفحوص ~~ومراسى السفن ؛ لأنها وضعت فى غير حقها ، فمن صلى فيها متأولا أنه يصلى فى ~~الطريق وحيث ما له منه مثل ما لغيره أجزأته صلاته ، قال : ولو كان مسجد فى ~~فحص واحد واسع ، فأراد الإمام أن يزيد فيه من الفحص ما لا يضر بالسالكين لم ~~يمنع عند مالك ، ومنع فى قول ربيعة وهو الأصح عندى ، وإنما اخترت قول ربيعة ~~؛ لأنه غير عائد إلى جميعهم ، قد ترتفق به الحائض والنفساء ، ومن لا يجب ~~عليه الصلاة من الأطفال ومن يسلكه من أهل الذمة . ووجه قول مالك : أن ~~الزيادة فى المسجد هى لهم وإليهم تعود ، قال غيره : والحجة لقول مالك ~~ابتناء أبى بكر مسجدا بفناء داره ، ووجه ذلك أن أفنية الدور ، وإن كان لا ~~ينبغى لأحد استحقاق شىء منها ، ولا الانفراد بمنافعها دون غيره من السالكين ~~، فإن المسجد بقعة لجماعة المسلمين ، ولا يجوز لأحد تملكه ، هو فى معنى ~~الطريق فى البقعة لجماعة المسلمين ، بل هو أكثر نفعا لإقامة الصلاة فيه ~~التى هى أعظم أمور الإسلام ، وأن الاحتياط فى إقامتها أفضل من الاحتياط فى ~~إرفاق الصبى والحائض والذمى فى سعة الطريق ، إذا بقى منه ما لا يضر بالمارة ~~والسالكين ، وإلى قول مالك ذهب البخارى فى ترجمته . PageV02P123 وفيه : من ~~فضل أبى بكر ما لا يشاركه فيه أحد ؛ لأنه قصد تبليغ كتاب الله وإظهاره مع ~~الخوف على نفسه ، ولا يبلغ أحد هذه المنزلة بعد الرسول . * * * # | 77 - باب الصلاة في مساجد السوق # وصلى ابن عون في مسجد ms0391 في دار يغلق عليهم الباب . / 106 - فيه : أبو هريرة ~~: ( صلاة الجميع تزيد على صلاته في بيته ، وصلاته في سوقه خمسا وعشرين درجة ~~) الحديث . قال المؤلف : فيه أن الأسواق مواضع للصلوات ، وإن كان قد جاء ~~فيها حديث عن النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( أن سائلا سأله عن شر البقاع ~~، فلم يكن عنده علم ذلك حتى جاء جبريل فقال : شر البقاع الأسواق ، وخيرها ~~المساجد ) ، رواه الآجرى فى كتبه ، وخشى البخارى أن يتوهم من رأى ذلك ~~الحديث أنه لا تجوز الصلاة فى الأسواق استدلالا به ، إذ كانت الأسواق شر ~~البقاع ، والمساجد خير البقاع فلا يجوز أن تعمل الصلاة فى شر البقاع ، فجاء ~~فى حديث أبى هريرة إجازة الصلاة فى السوق ، وأن الصلاة فيه للمنفرد درجة من ~~خمس وعشرين درجة كصلاة المنفرد فى بيته ، واستدل البخارى أنه إذا جازت ~~الصلاة فى السوق فرادى كان أولى أن يتخذ فيه مسجد للجماعات ، لفضل الجماعة ~~كما تتخذ المساجد فى البيوت عند الأعذار لفضل الجماعة ، والله أعلم . ~~PageV02P124 * * * # | 78 - باب تشبيك الأصابع في المسجد وغيره # / 107 - فيه : أبو موسى : قال عليه السلام : ( إن المؤمن للمؤمن كالبنيان ~~يشد بعضه بعضا ، وشبك أصابعه ) . / 108 - وفيه : أبو هريرة : ( صلى بنا ~~الرسول إحدى صلاتي العشاء جميعا ، صلى بنا ركعتين ، ثم قام إلى خشبة معروضة ~~في المسجد ، فاتكأ عليها ، ووضع يده اليمنى على اليسرى ، فاتكأ عليهما وشبك ~~بين أصابعه ) الحديث . اختلف العلماء فى تشبيك الأصابع فى المسجد ، وفى ~~الصلاة ، فرويت آثار مرسلة عن الرسول - صلى الله عليه وسلم - أنه نهى عن ~~تشبيك الأصابع فى المسجد من مراسيل ابن المسيب ، ومنها مسند من طرق غير ~~ثابتة . روى ابن أبى شيبة ، عن وكيع ، عن عبد الله بن عبد الرحمن بن موهب ، ~~عن عمه ، عن مولى لأبى سعيد : ( أنه كان مع أبى سعيد وهو مع رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - ، فدخل الرسول المسجد فرأى رجلا جالسا وسط الناس قد ~~شبك بين أصابعه يحدث نفسه ، فأومأ إليه الرسول فلم يفطن ، فالتفت إلى أبى ~~سعيد فقال : ( إذا صلى ms0392 أحدكم فلا يشبكن بين أصابعه ، فإن التشبيك من ~~الشيطان ، وإن أحدكم لا يزال فى صلاة ما دام فى المسجد حتى يخرج منه ) . ~~وهذه الآثار معارضة لحديثى هذا الباب وهى غير مقاومة لهما فى الصحة ولا ~~مساوية ، وكره إبراهيم تشبيك الأصابع فى الصلاة ، وهو قول مالك ، ورخص فى ~~ذلك ابن عمر ، وسالم بن عبد الله ، وكانا يشبكان بين أصابعهما فى الصلاة ، ~~PageV02P125 ذكرهما ابن أبى شيبة ، وكان الحسن البصرى يشبك بين أصابعه فى ~~المسجد ، وقال مالك : إنهم لينكرون تشبيك الأصابع فى المسجد ، وما به بأس ~~وإنما يكره فى الصلاة . * * * # | 79 - باب المساجد التي على طرق المدينة والمواضع التي صلى فيها الرسول ~~- صلى الله عليه وسلم - # / 109 - وكان سالم يتحرى أماكن من الطريق يصلي فيها ، وأن أباه كان يصلي ~~فيها ، وأنه رأى الرسول يصلي في تلك الأمكنة فى حديث طويل . قال المؤلف : ~~إنما كان يصلى ابن عمر فى المواضع التى صلى فيها النبى على وجه التبرك بتلك ~~الأمكنة ، والرغبة فى فضلها ، ولم يزل الناس يتبركون بمواضع الصالحين وأهل ~~الفضل ؛ ألا ترى أن عتبان بن مالك سأل نبى الله أن يصلى فى بيته ليتخذ ~~المكان مصلى ، فصلى فيه النبى - صلى الله عليه وسلم - . وقد جاء عن عمر بن ~~الخطاب خلاف فعل ابنه عبد الله ، روى شعبة ، عن سليمان التيمى ، عن المعرور ~~بن سويد ، قال : ( كان عمر بن الخطاب فى سفر فصلى الغداة ، ثم أتى على مكان ~~، فجعل الناس يأتونه ، ويقولون : صلى فيه النبى ، عليه السلام ، فقال عمر : ~~إنما هلك أهل الكتاب أنهم اتبعوا آثار أنبيائهم ، فاتخذوها كنائس ، وبيعا ، ~~فمن عرضت له الصلاة ، فليصل وإلا فليمض ) . إنما خشى عمر أن يلتزم الناس ~~الصلاة فى تلك المواضع حتى يشكل ذلك على من يأتى بعدهم ، ويرى ذلك واجبا ، ~~وكذلك ينبغى للعالم إذا رأى الناس يلتزمون النوافل والرغائب التزاما شديدا ~~، أن يترخص فيها فى بعض المرات ويتركها ليعلم بفعله ذلك أنها غير واجبة ، ~~كما PageV02P126 فعل ابن عباس وغيره فى ترك الأضحية ، وقد روى أشهب عن مالك ~~أنه سئل ms0393 عن الصلاة فى المواضع التى صلى فيها الرسول - صلى الله عليه وسلم - ~~، فقال : ما يعجبنى ذلك إلا مسجد قباء . قال المؤلف : وإنما قال ذلك مالك ؛ ~~لأن النبى - صلى الله عليه وسلم - كان يأتى قباء راكبا وراجلا ولم يكن يفعل ~~ذلك فى تلك الأمكنة ، والله أعلم . وفى هذا الحديث ألفاظ كثيرة من الغريب ~~قوله : ( فدحا فيه السيل ) ، يقال : دحا ، دفع ، ودحا المطر الحصى عن وجه ~~الأرض ، والدحو : البسط أيضا ، والكثيب : رمل أو تراب مجتمع ، والهضبة : ~~الصخرة الرأسية الضخمة ، والجمع هضاب ، والرضم : حجارة مرصوصة بعضها فوق ~~بعض ، والواحدة رضمة ، وبرذون مرضوم العصب : إذا صار فيه كالعقد ، من كتاب ~~العين ، والسلمة ، بفتح اللام ، الشجرة ، والسلمة ، بكسر اللام ، الصخرة . ~~والسرحة : الشجرة ، والجمع سرح . وهرشى : موضع . وقال ابن دريد : الغلوة : ~~أن ترمى بسهم حيثما ما بلغ ، وقد غلا وهو من الغلو : الارتفاع فى الشىء ~~ومجاوزة الحد فيه ، وكل مرتفع فقد تغلى والجمع غلاء ، والأكمة : التل ، ~~والجمع أكم ، وإكام ، وآكام ، وأكم ، والفرضة : مشرب الماء من النهر ، ~~والفرض : حز فى شبة القوس . PageV02P127 * * * # | 80 - باب سترة الإمام سترة من خلفه # / 110 - فيه : ابن عباس قال : ( أقبلت راكبا على حمار أتان ، وأنا يومئذ ~~قد ناهزت الاحتلام ، ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي بالناس بمنى ~~إلى غير جدار ، فمررت بين يدي بعض الصف ، فنزلت ، وأرسلت الأتان ترتع ، ~~ودخلت في الصف ، فلم ينكر ذلك علي أحد ) . / 111 - وفيه : ابن عمر : ( أن ~~نبى الله كان إذا خرج يوم العيد أمر بالحربة ، فتوضع بين يديه ، فيصلي ~~إليها والناس وراءه ، وكان يفعل ذلك في السفر ، فمن ثم اتخذها الأمراء ) . ~~/ 112 - وفيه : أبو جحيفة : ( أن الرسول صلى بهم بالبطحاء ، وبين يديه عنزة ~~، الظهر ركعتين ، والعصر ركعتين ، تمر بين يديه المرأة والحمار ) . قال بعض ~~العلماء : سترة الإمام سترة لمن خلفه بإجماع ، قابله المأموم أم لا ، فلا ~~يضر من مشى بين يدى الصفوف خلف الإمام ، والسترة عند العلماء سنة مندوب ~~إليها ، ملوم تاركها . واختلف أصحاب مالك فيمن صلى إلى غير سترة فى فضاء ~~يأمن من أن ms0394 يمر أحد بين يديه ، فقال ابن القاسم : يجوز له ذلك ولا حرج عليه ~~، وقال ابن الماجشون ، ومطرف : سنة الصلاة أن يصلى إلى سترة لابد منها ، ~~وحديث ابن عباس يشهد لقول ابن القاسم ، وروى عن جماعة من السلف منهم عطاء ، ~~وسالم ، والقاسم ، وعروة ، والشعبى ، والحسن أنهم كانوا يصلون فى الفضاء ~~إلى غير سترة . وقال ابن القصار فى قول ابن عباس : ( فمررت بين يدى بعض ~~PageV02P128 الصف ، فنزلت وأرسلت الأتان ترتع ) ، حجة لمن قال : إن الحمار ~~لا يقطع الصلاة ، ألا ترى قوله : ( فلم ينكر ذلك على أحد ) ، فدل أنه ~~المعروف عندهم ، وقد زعم من قال : إن الحمار يقطع الصلاة أنه لا حجة فى هذا ~~الحديث ، وقال : إن مرور الأتان كان خلف الإمام بين يدى بعض الصف ، والإمام ~~سترة لمن خلفه ، وهذا غير صحيح ؛ لأنه قد روى حديث ابن عباس بلفظ هو حجة ~~لأهل المقالة الأولى ، ذكر البزار ، قال : حدثنا بشر بن آدم ، قال : حدثنا ~~أبو عاصم ، عن ابن جريج قال : حدثنى عبد الكريم الجزرى أن مجاهدا أخبره عن ~~ابن عباس قال : ( أتيت أنا والفضل على أتان ، فمررنا بين يدى رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - بعرفة ، وهو يصلى المكتوبة ، ليس بشىء يستره يحول ~~بيننا وبينه ) . وروى شعبة ، عن الحكم ، عن يحيى بن الجزار ، عن صهيب ، عن ~~ابن عباس قال : ( مررت برسول الله وهو يصلى ، وأنا على حمار ، وغلام من بنى ~~هاشم فلم ينصرف ) . فبان أن مرور ابن عباس كان بين يدى الرسول . وفيه : ~~إجازة شهادة من علم الشىء صغيرا ، وأداه كبيرا ، وهذا لا خلاف فيه بين ~~العلماء ، وفى حديث ابن عمر جواز الصلاة إلى الحربة . وفى حديث أبى جحيفة : ~~أن المرأة والحمار لا يقطعان الصلاة . وفيه : أن سترة الإمام سترة لمن خلفه ~~، وقال صاحب الأفعال : ناهزت الاحتلام : قربت منه ، ونهزت الشىء : تناولته ~~، ونهزت إليه : نهضت . PageV02P129 * * * # | 81 - باب كم ينبغي أن يكون بين المصلي والسترة # / 113 - فيه : سهل قال : ( كان بين مصلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- وبين الجدار ممر الشاة ) . / 114 - وفيه ms0395 : سلمة قال : ( كان جدار المسجد ~~عند المنبر ، ما كادت الشاة أن تجوزها ) . قال المؤلف : هذا أقل ما يكون ~~بين المصلى وسترته ، وأكثر ذلك عند قوم من الفقهاء ، وقال آخرون : أقل ذلك ~~ثلاثة أذرع ؛ لحديث بلال أن رسول الله حين صلى فى الكعبة بينه وبين القبلة ~~قريبا من ثلاثة أذرع ، هذا قول عطاء ، وبه قال الشافعى ، وأحمد بن حنبل ، ~~ولم يحد مالك فى ذلك حدا ، وقال أبو إسحاق السبيعى : رأيت عبد الله بن مغفل ~~يصلى وبينه وبين القبلة ثلاثة أذرع ، وفى حديث آخر : فجوة وهى الفرجة ، ~~وهذا شذوذ عند الفقهاء ؛ لمخالفة الآثار الثابتة عن الرسول له ، منها ~~أحاديث هذا الباب ومنها ما رواه ابن عيينة ، عن صفوان بن سليم ، عن نافع بن ~~جبير ، عن سهل بن أبى حثمة قال : قال رسول الله : ( إذا صلى أحدكم إلى سترة ~~، فليدن منها لا يقطع الشيطان صلاته ) . * * * # | 82 - باب الصلاة إلى الحربة # / 115 - فيه : ابن عمر : ( أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - كان تركز له ~~الحربة ، فيصلي إليها ) . # | 83 - باب الصلاة إلى العنزة # / 116 - فيه : أبو جحيفة : ( أن نبى الله صلى وبين يديه عنزة . . . ) ، ~~الحديث . PageV02P130 / 117 - وفيه : أنس : ( أن الرسول - صلى الله عليه ~~وسلم - كان إذا خرج لحاجته ، تبعته أنا وغلام ، معنا عكازة أو عصا أو عنزة ~~، فإذا فرغ من حاجته ، ناولناه الإداوة ) . قال المهلب : الحربة والعنزة ، ~~إنما هما علم للناس على موضع صلاته ألا يحرفوه بالمشى بين يديه فى صلاته ، ~~ومعنى حمل العنزة والماء أن الرسول كان التزم أن لا يكون إلا على طهارة فى ~~أكثر أحواله ، وكان إذا توضأ صلى ما أمكنه بذلك الوضوء مذ أخبره بلال بما ~~أوجب الله له الجنة من أنه لم يتوضأ قط إلا صلى ، فلذلك كان يحمل الماء ~~والعنزة إلى موضع الخلاء والتبرز ، وقال أبو عبد الله بن أبى صفرة : انظر ~~مناولتهم الإداوة ، يدل أنه استنجى بالماء ؛ لأن العادة فى الوضوء أن يصبوا ~~على يديه ، وكذلك تأتى الأحاديث . قال المهلب : وفى حديث أنس خدمة السلطان ~~والعالم ، قال غيره ms0396 : وهكذا مذاهب الفقهاء متقاربة فى أقل ما يجزئ المصلى ~~من السترة ، فقال مالك : يجزئه غلظ الرمح والعصا وارتفاع ذلك قدر عظم ~~الذراع ، ولا تفسد صلاة من صلى إلى غير سترة ، وإن كان مكروها له ، وهو قول ~~الشافعى ، وقال الثورى ، وأبو حنيفة : أقل السترة قدر مؤخرة الرحل يكون ~~ارتفاعها ذراعا ، وهو قول عطاء ، وقال الأوزاعى مثله ، إلا أنه لم يحد ~~ذراعا ولا غيره ، وكل هؤلاء لا يجيزون الخط ، ولا أن تعرض العصا فى الأرض ~~فيصلى إليها غير الأوزاعى والشافعى فى أحد قوليه ، فإنهما قالا : إذا لم ~~يجد شيئا يقيمه بين يديه عرضه وصلى إليه ، وإن لم يجد خط خطا ، وروى ~~PageV02P131 مثله عن سعيد بن جبير ، وبه قال أحمد ، وأبو ثور ، واحتجوا ~~بحديث إسماعيل بن أمية ، عن أبى عمرو بن محمد بن حريث ، عن عمه ، عن أبى ~~هريرة ، عن النبى - صلى الله عليه وسلم - قال : ( إذا صلى أحدكم ، فليجعل ~~تلقاء وجهه شيئا ، فإن لم يجد فلينصب عصاه ، فإن لم يكن معه عصا فليخطط بين ~~يديه خطا ولا يضره من مر بين يديه ) . وقال الطحاوى : أبو عمرو وعمه ~~مجهولان ، وقال مالك ، والليث : الخط باطل وليس بشىء ، وأصح ما فى سترة ~~المصلى عن النبى - صلى الله عليه وسلم - حديث ابن عمر ، وحديث أبى جحيفة ، ~~وحديث أنس بن مالك . والله الموفق . * * * # | 84 - باب السترة بمكة وغيرها # / 118 - فيه : أبو جحيفة : ( خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~بالهاجرة ، فصلى بالبطحاء الظهر والعصر ركعتين ، ونصب بين يديه عنزة ، ~~وتوضأ ، فجعل الناس يتمسحون بوضوئه ) . والسترة للمصلى معناها : درء المار ~~بين يديه ، فكل من صلى فى مكان واسع ، فالمستحب له أن يصلى إلى سترة بمكة ~~كان أو غيرها ، إلا من صلى فى مسجد مكة بقرب القبلة حيث لا يمكن أحدا ~~المرور بينه وبينها ، فلا يحتاج إلى سترة إذ قبلة مكة سترة له ، فإن صلى فى ~~مؤخر المسجد بحيث يمكن المرور بين يديه أو فى سائر بقاع مكة إلى غير جدار ~~أو شجرة أو ما أشبههما ، فينبغى أن يجعل ms0397 أمامه ما يستره من المرور بين يديه ~~كما فعل الرسول حين صلى بالبطحاء إلى عنزة ، والبطحاء خارج مكة ، وكذلك حكم ~~أهل مكة إذا كان فضاء . PageV02P132 * * * # | 85 - باب الصلاة إلى الأسطوانة # وقال عمر : المصلون أحق بالسواري من المتحدثين إليها ، ورأى عمر رجلا ~~يصلي بين أسطوانتين ، فأدناه إلى سارية ، فقال : صل إليها . / 119 - فيه : ~~سلمة : أن كان يصلي عند الأسطوانة التي عند المصحف ، وقال : رأيت رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - يفعله ) . / 120 - وفيه : أنس قال : ( رأيت كبار ~~أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يبتدرون السواري عند المغرب حتى ~~يخرج الرسول ) . فلما كان رسول الله يستتر بالعنزة والرمح فى الصحراء ، ~~كانت الأسطوانة أولى بذلك ، ولما أجمعوا أنه يجزئ من السترة قدر مؤخرة ~~الرحل فى حلة الرمح ، علم أن الأسطوانة أشد سترة من ذلك . وفيه : أنه ينبغى ~~أن تكون الأسطوانة أمامه ، ولا تكون إلى جنبه ، لئلا يتخلل الصفوف شىء فلا ~~تكون له سترة . * * * # | 86 - باب الصلاة بين السواري في غير جماعة # / 121 - فيه : ابن عمر أن بلالا قال : ( صلى الرسول - صلى الله عليه وسلم ~~- بين العمودين المقدمين فى البيت ) . / 122 - وقال مرة : ( جعل عمودين عن ~~يمينه وعمودا عن يساره ، وثلاثة أعمدة وراءه ، وكان البيت يومئذ على ستة ~~أعمدة ، ثم صلى ) . / 123 - وقال ابن عمر : كان بينه وبين الجدار الذى قبل ~~وجهه قريب من ثلاثة أذرع . الصلاة بين السوارى جائزة ، وإنما يكره أن يكون ~~الصف يقطعه أسطوانة إذا صلوا جماعة ؛ خشية أن يمر أحد بين يديه ، وإن كان ~~PageV02P133 الإمام سترة لمن خلفه ، ويستحب أن تكون الأسطوانة خلف الصف أو ~~أمامه ، ليستتر بها المصلى فى الجماعة . اختلف السلف فى الصلاة بين السوارى ~~، فأجازه جماعة وكرهه جماعة ، فممن كرهه : أنس بن مالك ، وقال : كنا نتقيه ~~على عهد رسول الله ، وقال ابن مسعود : لا تصفوا بين الأساطين ، وكرهه حذيفة ~~، وإبراهيم ، وقال إبراهيم : لا تصلوا بين الأساطين وأتموا الصفوف ، وقال ~~معاوية بن قرة ، عن أبيه : رآنى عمر وأنا أصلى بين أسطوانتين ، فأخذ بقفاى ~~فأدنانى إلى سترة وقال ms0398 : صل إليها ، وأجازه الحسن وابن سيرين ، وكان سعيد ~~بن جبير ، وإبراهيم التيمى ، وسويد بن غفلة يؤمون قومهم بين أسطوانتين ، ~~وهو قول الكوفيين ، وقال مالك فى المدونة : لا بأس بالصلاة بين الأساطين ~~لضيق المسجد ، قال ابن حبيب : وليس النهى عن تقطيع الصفوف إذا ضاق المسجد ، ~~وإنما نهى عنه إذا كان المسجد واسعا . وفيه : أن أكثر ما وجد فى المسند من ~~المقدار الذى يكون بين المصلى وبين سترته ثلاثة أذرع إلا أن الذى واظب عليه ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فى مقدار ذلك ممر الشاة على ما تقدم من ~~الآثار ، وصلاته فى البيت كان مرة ، وقد تقدم أمره عليه السلام ، بالدنو من ~~السترة لئلا يتخلل الشيطان ذلك . * * * # | 87 - باب الصلاة إلى الراحلة والبعير والشجر والرحل # / 124 - فيه : ابن عمر ، ( أن نبي الله - صلى الله عليه وسلم - : كان ~~يعرض راحلته ، فيصلي إليها ، قلت : أرأيت إذا هبت الركاب ؟ قال : كان يأخذ ~~الرحل ، فيعدله ، فيصلي إلى آخرته ) . | PageV02P134 هذه الأشياء كلها جائز ~~الاستتار بها ، والصلاة إليها ، وكذلك تجوز الصلاة إلى كل شىء طاهر . وقوله ~~: ( كان يأخذ الرحل ) ، يعنى ينزله عن الناقة من أجل حركتها وزوالها عند ~~هبوب الركاب . وقوله : ( هبت الركاب ) : زالت عن مواضعها وذهبت ، تقول ~~العرب : هبت الناقة فى السير تهب هبا : تحركت ، وهب النائم من نومه يهب ~~هبوبا : قام ، والركاب : الإبل . * * * # | 88 - باب الصلاة إلى السرير # / 125 - فيه : عائشة قالت : ( أعدلتمونا بالكلب والحمار ، لقد رأيتني ~~مضطجعة على السرير ، فيجيء النبي فيتوسط السرير ، فيصلي ، فأكره أن أسنحه ، ~~فأنسل من قبل رجلي السرير ، حتى أنسل من لحافي ) . قال المهلب : هذا قول من ~~قال : إن المرأة لا تقطع الصلاة ؛ لأن انسلالها من لحافها كالمرور بين يدى ~~المصلى ، وسيأتى ما للعلماء فى ذلك بعد هذا ، إن شاء الله . وقال صاحب ( ~~العين ) : أسنحه : أظهر له ، وكل ما عرض لك فقد سنح ، والسانح : ما أتاك عن ~~يمينك من طائر أو غيره . * * * # | 89 - باب يرد المصلي من مر بين يديه # ورد ابن عمر فى التشهد وفى الركعة ، وقال : إن أبى ms0399 إلا أن تقاتله فقاتله ~~. / 126 - فيه : أبو سعيد : ( أنه كان يصلي يوم جمعة إلى سترة ، فأراد شاب ~~من PageV02P135 بني أبي معيط أن يجتاز بين يديه ، فدفع أبو سعيد في صدره ، ~~فنظر الشاب ، فلم يجد مساغا إلا بين يديه ، فعاد ليجتاز ، فدفعه أبو سعيد ~~أشد من الأولى ، فنال من أبي سعيد ، ثم دخل على مروان ، فشكا إليه ما لقي ~~من أبي سعيد ، ودخل أبو سعيد خلفه على مروان ، فقال : ما لك ولابن أخيك يا ~~أبا سعيد ؟ قال : سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول : إذا صلى أحدكم ~~إلى شيء يستره من الناس ، فأراد أحد أن يجتاز بين يديه ، فليدفعه ، فإن أبى ~~فليقاتله فإنما هو شيطان ) . قال بعض الفقهاء : واتفق العلماء على دفع ~~المار بين يدى المصلى إذا صلى إلى سترة ، وليس له إذا صلى إلى غير سترة أن ~~يدفع من مر بين يديه ؛ لأن الرسول جعل ما بينه وبين السترة من حقه الذى يجب ~~له منعه ما دام مصليا ، فأما إذا صلى إلى غير سترة ، فليس له أن يدرأ أحدا ~~؛ لأن التصرف والمشى مباح لغيره فى ذلك الموضع الذى يصلى فيه وهو وغيره ~~سواء ، فلم يستحق أن يمنع شيئا منه إلا ما قام الدليل عليه ، وهو السترة ~~التى وردت السنة بمنعها ، وقال مالك : لا يرده وهو ساجد فإنما استحق ~~المقاتلة ؛ لأنه لا عذر له بعد أن جعل له علما يمر من ورائه ، والمقاتلة ~~هاهنا : المدافعة فى لطف ، وأجمعوا أنه لا يقاتله بسيف ولا يخاطفه ، فى ~~أخرى : ولا يخاطبه ، ولا يبلغ به مبلغا يفسد صلاته ؛ لأنه إن فعل ذلك كان ~~أضر على نفسه من المار بين يديه . قال المؤلف : والفرق بين ما يدرأ فيه ~~المصلى من مر بين يديه وما لا يدرأ من المسافة ، هو المقدار الذى ينال ~~المصلى فيه المار بين يديه إذا مر ليدفه ، لإجماعهم أن المشى فى الصلاة لا ~~يجوز ولو أجزنا له المشى إليه باعا أو باعين من غير أثر لركبنا أكثر من ذلك ~~، وهذا لا يجوز PageV02P136 بإجماع ms0400 ، واتفق الفقهاء أنه إذا مر بين يديه ~~وفات ولم يدركه من مقامه أنه لا يمشى وراءه ولا يرده . واختلفوا إذا جاز ~~بين يديه وأدركه هل يرده أم لا ؟ فقال ابن مسعود : يرده ، وروى ذلك عن سالم ~~بن عبد الله ، والحسن البصرى ، وقال أشهب : يرده بإشارة ولا يمشى إليه ؛ ~~لأن مشيه إليه أشد من مروره بين يديه ، فإن مشى إليه ورده لم تفسد صلاته ، ~~وقال الشعبى : لا يرده إذا جاز بين يديه ؛ لأن رده مرور ثان ، ولا وجه له ~~وهو قول مالك ، والثورى ، وإسحاق . فإن دافعه فمات فاختلف فيه ، فقال اين ~~شعبان : عليه الدية فى ماله كاملة ، وقيل : الدية على عاقلته ، وقيل : هو ~~هدر على حسب ثنية العاض له ؛ لأنه فعل تولد من فعل أصله مباح ؛ فإنما هو ~~شيطان ، يريد أنه فعل فعل الشيطان فى أنه شغل قلب المصلى عن مناجاة ربه ~~والإخلاص له ، كما يخطر الشيطان بين المرء ونفسه فى الصلاة ، فيذكره ما لم ~~يذكر ليشغله عن مناجاة ربه ، ويخلط عليه صلاته . وفيه : أنه يجوز أن يقال ~~للرجل إذا فتن فى الدين : شيطان ، ولا عقوبة على من قال له ذلك . وفيه : أن ~~الحكم للمعانى لا للأسماء بخلاف ما يذهب إليه أهل الظاهر فى نفيهم القياس ؛ ~~لأنه يستحيل أن يصير المار بين يدى المصلى شيطانا لمروره ، فثبت أن الحكم ~~للمعانى لا للأسماء وهو قول جمهور الأمة . وقوله : ( فلم يجد مساغا ) يعنى ~~طريقا يمكنه المرور منها ، PageV02P137 يقال : ساغ الشراب فى الحلق سوغا : ~~سلس ، وساغ الشىء : طاب ، من كتاب ( الأفعال ) . * * * # | 90 - باب إثم المار بين يدي المصلي # / 127 - فيه : أبو جهيم : سمع الرسول - صلى الله عليه وسلم - يقول : ( لو ~~يعلم المار بين يدي المصلي ماذا عليه من الإثم ، لكان أن يقف أربعين خيرا ~~له من أن يمر بين يديه ) . قال أبو النضر : لا أدري ، أقال أربعين يوما أو ~~شهرا أو سنة . قال المؤلف : قد روى مائة عام ، ذكر ابن أبى شيبة حدثنا وكيع ~~، عن عبد الله بن عبد الرحمن بن موهب ، عن عمه ms0401 ، عن أبى هريرة ، قال : قال ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( لو يعلم أحدكم ما عليه فى أن يمر بين ~~يدى المصلى معترضا كان أن يقف مائة عام خير له من الخطوة التى خطاها ) . ~~فهذا الحديث يدل أن الأربعين التى فى حديث أبى جهيم هى أربعون عاما ، وقال ~~قتادة : قال عمر بن الخطاب : لو يعلم المار بين يدى المصلى ماذا عليه كان ~~يقوم حولا خير له من ذلك ، وقال كعب الأحبار : كان أن يخسف به خير من أن ~~يمر بين يديه . وقوله : ( يعلم المار ماذا عليه ) ، يدل أن الإثم إنما يكون ~~على من علم بالنهى وارتكبه مستخفا به ، ومتى لم يعلم بالنهى فلا إثم عليه . ~~PageV02P138 * * * # | 91 - استقبال الرجل الرجل وهو يصلي # وكره عثمان أن يستقبل الرجل ، وهو يصلي ، و [ إنما ] هذا إذا اشتغل به ، ~~فأما إذا لم يشتغل به ، فقد قال زيد بن ثابت : ما باليت ، إن الرجل لا يقطع ~~صلاة الرجل . / 128 - فيه : عائشة : ذكر عندها ما يقطع الصلاة ، فقالوا : ~~يقطعها الكلب والحمار والمرأة ، فقالت : ( لقد جعلتمونا كلابا ، لقد رأيت ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - يصلي ، وإني لبينه وبين القبلة ، وأنا مضطجعة ~~على السرير ، فتكون لي الحاجة ، فأكره أن أستقبله ، فأنسل انسلالا ) . ذهبت ~~طائفة من العلماء إلى أن الرجل يستر الرجل إذا صلى ، إلا أن أكثرهم كره أن ~~يستقبله بوجهه ، قال نافع : كان ابن عمر إذا لم يجد سبيلا إلى سارية من ~~سوارى المسجد قال لى : ولنى ظهرك ، وهو قول مالك ، وروى أشهب عنه أنه لا ~~بأس أن يصلى إلى ظهر رجل وأما إلى جنبه فلا ، وحققه مالك فى رواية ابن نافع ~~فى المجموعة ، وقال النخعى وقتادة : يستر الرجل الرجل فى الصلاة إذا كان ~~جالسا ، وقال الحسن : يستر المصلى ولم يشترط أن يكون جالسا ولا موليا ظهره ~~إلى المصلى . وأجاز الكوفيون ، والثورى ، والأوزاعى الصلاة خلف المتحدثين . ~~وقال ابن سيرين : لا يكون الرجل سترة للمصلى . ودليل هذا الحديث حجة لمن ~~أجاز ذلك ؛ لأن المرأة إذا كانت فى قبلة الرسول ، فالرجل ms0402 أولى بذلك والذين ~~كرهوا استقباله كرهوا ذلك لما يخشى عليه من استقباله بالنظر إليه عن صلاته ~~، ولهذا كره الصلاة إلى الحلق لما فيها من الكلام واللفظ المشغلين للمصلين ~~. PageV02P139 وروى عن مالك فى المجموعة قال : لا يصلى إلى المتحلقين ؛ لأن ~~بعضهم يستقبله ، وأرجو أن يكون واسعا . وكره الصلاة إلى المتحدثين ابن ~~مسعود . وكان ابن عمر لا يصلى خلف رجل يتكلم إلا يوم الجمعة . وقال سعيد بن ~~جبير : إذا كانوا يتحدثون بذكر الله فلا بأس أن يأتم بهم . * * * # | 92 - باب الصلاة خلف النائم # / 129 - فيه : عائشة قالت : ( كان الرسول - صلى الله عليه وسلم - يصلي ، ~~وأنا راقدة معترضة على فراشه ، فإذا أراد أن يوتر ، أيقظني فأوترت ) . ~~الصلاة خلف النائم جائزة إلا أن طائفة من العلماء كرهها خوف ما يحدث من ~~النائم فيشغل المصلى أو يضحكه ، فتفسد صلاته ، قال مالك : لا يصلى إلى ~~النائم إلا أن يكون دونه سترة ، وهو قول طاوس . وقال مجاهد : أصلى وراء ~~قاعد أحب إلى من أن أصلى وراء نائم ، والقول قول من أجاز ذلك للسنة الثابتة ~~بجوازه ، والله الموفق . * * * # | 93 - باب التطوع خلف المرأة # / 130 - فيه : ( كنت أنام بين يدي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~ورجلاي في قبلته ، فإذا سجد غمزني ، فقبضت رجلي ، فإذا قام بسطتها . . . ) ~~، الحديث . كره كثير من أهل العلم أن تكون المرأة سترة للمصلى ، قال مالك ~~فى المختصر : لا يستتر بالمرأة ، وأرجو أن يكون السترة بالصبى واسعا . ~~PageV02P140 وقال فى المجموعة : ولا يصلى وبين يديه امرأة وإن كانت أمه أو ~~أخته إلا أن يكون دونها سترة ، وقال الشافعى : لا يستتر بامرأة ولا دابة ~~ووجه كراهيتهم لذلك ، والله أعلم ؛ لأن الصلاة موضوعة للإخلاص والخشوع ، ~~والمصلى خلف المرأة الناظر إليها يخشى عليه الفتنة بها والاشتغال عن الصلاة ~~بنظره إليها ؛ لأن النفوس مجبولة على ذلك ، والناس لا يقدرون من ملك آرابهم ~~على مثل ما كان يقدر عليه الرسول ، فلذلك صلى هو خلف المرأة حين آمن شغل ~~باله بها ، ولم تشغله عن الصلاة . * * * # | 94 - باب من قال : لا يقطع الصلاة ms0403 شيء # / 131 - فيه : عائشة : أنه ذكر عندها ما يقطع الصلاة ؛ فقالوا : الكلب ~~والحمار والمرأة ، فقالت : ( شبهتمونا بالحمر والكلاب ، والله لقد رأيت ~~الرسول - صلى الله عليه وسلم - يصلي ، وإني على السرير بينه وبين القبلة ~~مضطجعة ، فتبدو لي الحاجة ، فأكره أن أجلس ، فأوذي الرسول ، فأنسل من بين ~~رجليه ) . ذهب جمهور أهل العلم إلى أن الصلاة لا يقطعها شىء روى ذلك عن ~~عثمان ، وعلى ، وحذيفة ، وابن عمر ، ومن التابعين : الشعبى ، وعروة ، وهو ~~قول مالك ، والثورى ، وأبى حنيفة ، والشافعى ، وأبى ثور ، وجماعة ، وقال ~~الطحاوى : زعم قوم أن مرور الحائض والكلب الأسود والحمار يقطع الصلاة ، ~~وروى هذا أنس ، والحسن البصرى ، وروى عن ابن عباس ، وعطاء أن الكلب الأسود ~~والحائض يقطعان الصلاة . PageV02P141 وقالت طائفة : لا يقطع الصلاة إلا ~~الكلب الأسود ، وبه قال أحمد واحتج هؤلاء بما رواه منصور عن حميد بن هلال ، ~~عن عبد الله بن الصامت ، عن أبى ذر قال : قال رسول الله : ( يقطع الصلاة ~~المرأة والحمار والكلب الأسود ) قلت : يا أبا ذر وما بال الكلب الأسود من ~~الأحمر والأبيض ؟ قال : سألت رسول الله عما سألتنى عنه فقال : ( الكلب ~~الأسود شيطان ) . وروى ابن أبى عروبة عن قتادة ، عن الحسن ، عن عبد الله بن ~~مغفل ، أن نبى الله - صلى الله عليه وسلم - قال : ( يقطع الصلاة الكلب ~~والحمار والمرأة ) . روى هشام ، عن يحيى ، عن عكرمة ، عن ابن عباس أحسبه ~~أسنده إلى الرسول - صلى الله عليه وسلم - قال : ( يقطع الصلاة الحائض ~~والحمارة والكلب الأسود واليهودى والنصرانى ) . واحتج أهل المقالة الأولى ~~بحديث عائشة أن الرسول كان يصلى وهى بينه وبين القبلة معترضة ، وبما رواه ~~شعبة ، عن الحكم ، عن يحيى بن الجزار ، عن صهيب ، عن ابن عباس قال : ( مررت ~~برسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو يصلى وأنا على حمار ومعى رجل من بنى ~~هاشم فلم ينصرف ) . فبان فى هذا الحديث أنهما مرا بين يدى الرسول ودل ذلك ~~أن مرور الحمار بين يدى الإمام لا يقطع الصلاة . وروى سفيان عن سماك ، عن ~~عكرمة ، عن ابن عباس ( أنه ذكر عنده ما ms0404 يقطع الصلاة ؟ فقال : الكلب والحمار ~~، قال ابن عباس : إليه يصعد الكلم الطيب وما يقطع هذا ، ولكنه يكره ) . ~~فهذا ابن PageV02P142 عباس قد قال بعد رسول الله : إن الحمار والكلب لا ~~يقطعان الصلاة ، فدل أن ما رواه عنه صهيب كان متأخرا عما رواه عنه عكرمة ، ~~وأنه ناسخ له ؛ لأنه لا يجوز أن يفتى بخلاف ما رواه عن الرسول - صلى الله ~~عليه وسلم - إلا بعد ثبوت نسخه عنده ، وبقى فى حديث أبى ذر أنه فصل بين ~~الكلب الأسود وغيره ، فجعل الأسود خاصة يقطع الصلاة ، وأن الرسول بين معنى ~~ذلك بأنه شيطان . قال الطحاوى : فأردنا أن ننظر هل عارض ذلك شىء ؟ فإذا أبو ~~سعيد قد روى عن الرسول أنه قال فى المار بين يدى المصلى : ( فليدرأه ما ~~استطاع ، فإن أبى فليقاتله فإنما هو شيطان ) ، وروى ابن عمر مثله ، ففى هذا ~~الحديث أن كل مار بين يدى المصلى شيطان ، وقد سوى فى هذا بين بنى آدم ~~والكلب الأسود فى المرور ، وقد أجمعوا على أن مرور بنى آدم بعضهم ببعض لا ~~يقطع الصلاة ، روى ذلك عن الرسول من غير وجه من حديث عائشة وأم سلمة ، ~~وميمونة أنه عليه السلام كان يصلى وكل واحدة منهن معترضة بينه وبين القبلة ~~، وكلها ثابتة من إخراج البخارى . وقد جعل عليه السلام فى حديث أبى سعيد ، ~~وحديث ابن عمر كل مار بين يدى المصلى شيطانا ، وأخبرنا أبو ذر أن الكلب ~~الأسود أيضا يقطع الصلاة ؛ لأنه شيطان ، وكانت العلة التى جعل لها قطع ~~الصلاة قد جعلت فى بنى آدم ، وقد ثبت عنه عليه السلام أنهم لا يقطعون ~~الصلاة ، فدل ذلك أن كل مار بين يدى المصلى مما سوى بنى آدم كذلك أيضا لا ~~يقطع الصلاة ، ومما يدل على ذلك أيضا فتيا ابن عمر أن الصلاة لا يقطعها شىء ~~، وقد روى عن الرسول درء المصلى من مر بين يديه ، فدل ذلك على ثبوت نسخ ما ~~رواه عنه ، عليه السلام ، وأنه على وجه الكراهة ، والله أعلم ، قاله ~~الطحاوى . PageV02P143 * * * # | 95 - باب إذا حمل جارية صغيرة ms0405 على عنقه في الصلاة # / 132 - فيه : أبو قتادة : ( أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان ~~يصلي ، وهو حامل أمامة بنت زينب بنت رسول الله ، ولأبي العاص بن ربيعة بن ~~عبد شمس ، فإذا سجد وضعها ، وإذا قام حملها ) . اختلف قول مالك فى تأوبل ~~هذا الحديث ، فروى عنه أشهب أن حمله أمامة كان فى النافلة ، وروى عنه أيضا ~~أشهب ، وابن نافع أنه سئل هل للناس الأخذ بهذا ؟ فقال : نعم عند الضرورة ~~إذا لم يجد من يكفيه ، فأما لحب الولد فلا أرى ذلك . وقد روى عن أبى قتادة ~~أن حمل الرسول لأمامة كان فى الفريضة ، روى الليث ، وابن عجلان ، وابن ~~إسحاق كلهم عن سعيد المقبرى ، عن عمرو بن سليم الزرقى ، عن أبى قتادة ، قال ~~: ( بينما نحن فى المسجد جلوس ننتظر الرسول - صلى الله عليه وسلم - خرج ~~علينا يحمل أمامة على عنقه ، فصلى ، فإذا ركع وضعها ، وإذا قام رفعها ) ، ~~وزاد ابن إسحاق : ( ننتظر الرسول فى الظهر أو العصر ) ، وذكره البخارى فى ~~حديث الليث فى كتاب الأدب فى باب ( رحمة الولد وتقبيله ) . وسئل أحمد بن ~~حنبل عن الرجل أيأخذ ولده وهو يصلى ؟ قال : نعم ، واحتج بحديث أبى قتادة فى ~~قصة أمامة ، وإنما أدخل البخارى هذا الحديث فى هذا الموضع ، والله أعلم ، ~~ليدل على أن حمل المصلى الجارية على عنقه فى الصلاة لا يضر صلاته ، وحملها ~~أشد من مرورها بين يديه ، فلما لم يضره حملها ، كذلك لا يضره مرورها بين ~~يديه . PageV02P144 وفيه : جواز العمل الخفيف فى الصلاة والعلماء مجمعون ~~على جوازه . * * * # | 96 - باب إذا صلى إلى فراش فيه حائض # / 133 - فيه : ميمونة قالت : ( كان فراشي حيال مصلى رسول الله ، فربما ~~وقع علي ثوبه ، وأنا على فراشي ) . / 134 - وقالت مرة : ( كان الرسول يصلي ~~، وأنا إلى جنبه نائمة ، فإذا سجد أصابتني ثيابه ، وأنا حائض ) . وهذا ~~الحديث حجة فى أن الحائض لا تقطع الصلاة ، وهذا الحديث وشبهه من الأحاديث ~~التى فيها اعتراض المرأة بين المصلى وقبلته فيها دليل أن النهى إنما هو عن ~~المرور خاصة لا عن القعود ms0406 بين يدى المصلى ، واستدل العلماء على أن المرور ~~لا يضر بدليل جواز القعود ، وحيال وحذاء وتجاه ووجاه كله بمعنى المقابلة ~~والموازاة عند العرب . * * * # | 97 - باب المرأة تطرح عن المصلي شيئا من الأذى # / 135 - فيه : ابن مسعود قال : ( بينما رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~قائم يصلي عند الكعبة ، وجمع قريش في مجالسهم ، إذ قال قائل منهم : ألا ~~تنظروا إلى هذا المرائي ؟ : أيكم يقوم إلى جزور آل فلان فيعمد إلى فرثها ~~ودمها وسلاها فيجيء به ، ثم يمهله حتى إذا سجد وضعه بين كتفيه ، فانبعث ~~أشقاهم ، فلما سجد الرسول وضعه بين كتفيه ، وثبت الرسول ساجدا ، فضحكوا ، ~~حتى مال بعضهم على بعض من الضحك ، فانطلق منطلق إلى فاطمة ، وهي جويرية ، ~~فأقبلت تسعى ، وثبت الرسول ساجدا ، حتى ألقته عنه ، وأقبلت عليهم تسبهم ، ~~فلما قضى رسول الله الصلاة ، قال : اللهم عليك PageV02P145 بقريش ، ثلاثا ، ~~ثم سمى : اللهم عليك بعمرو بن هشام ، وعتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة ~~والوليد بن عتبة ، وأمية بن خلف ، وعقبة بن أبي معيط ، وعمارة بن الوليد ) ~~. قال عبدالله : فوالله لقد رأيتهم صرعى يوم بدر ، ثم سحبوا إلى القليب ، ~~قليب بدر ، ثم قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( وأتبع أصحاب ~~القليب لعنة ) . قال المؤلف : هذه الترجمة قريبة من معنى الأبواب المتقدمة ~~قبلها ، وذلك أن المرأة إذا تناولت طرح ما على المصلى من الأذى ، فإنها لا ~~تقصد إلى أخذ ذلك من ورائه إلا كما تقصد إلى أخذه من أمامه ، بل تتناول ذلك ~~من أى جهات المصلى أمكنها تناوله وسهل عليها طرحه ، فإن لم يكن هذا المعنى ~~أشد من مرورها من بين يديه فليس بدونه ، ومن هذا الحديث استنبط العلماء حكم ~~المصلى إذا صلى بثوب نجس وأمكنه طرحه فى الصلاة فطرحه ، فذهب الكوفيون إلى ~~أنه يتمادى فى صلاته ولا يقطعها ، وروى ابن وهب عن مالك مثله ، وذكره فى ~~المبسوط ، وروى مثله عن ابن عمر ، والقاسم ، والنخعى ، والحسن البصرى ، ~~والحكم ، وحماد . ولمالك فى المدونة قول آخر قال : يقطع وينزع الثوب النجس ~~ويبتدئ صلاته ، قال إسماعيل ms0407 : وعلى مذهب عبد الملك يتم صلاته ولا يقطعها ، ~~ثم يعيد ، وهو قول الكوفيين ، ورواية ابن وهب عن مالك أشبه ، بدليل هذا ~~الحديث ، وقوله فى المدونة : يقطع وينزع الثوب النجس ويبتدئ صلاته ، هو ~~استحسان منه واحتياط للصلاة ، والأصل فى ذلك ما فعل الرسول من أنه لم يقطع ~~صلاته للسلا الذى وضع على ظهره ، بل تمادى فيها حتى أكملها والحجة فى السنة ~~PageV02P146 لا فيما خالفها ، وأما قول عبد الملك : يتم الصلاة ثم يعيد ؛ ~~فلا وجه له ؛ لأنه لا يخلو أن يجوز له التمادى فيها أو لا يجوز ، فإن جاز ~~له التمادى فلا معنى لإعادته ، وإن كان لا تجزئه صلاته فلا معنى لأمره ~~بالتمادى فى ما لا يجزئه . وهؤلاء الذين دعا عليهم رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - كانوا ممن لم ترج إجابتهم ورجوعهم إلى الإسلام ، فلذلك دعا ~~عليهم بالهلاك ، فأجاب الله دعاءه فيهم ، وهم الذين أخبره الله أنه كفاه ~~إياهم بقوله تعالى : { إنا كفيناك المستهزئين } [ الحجر : 95 ] ، وأما كل ~~من رجا منه الرسول الرجوع والتوبة عما هو عليه فلم يعجل بالدعاء عليه ، بل ~~دعا له بالهدى والتوبة فأجاب الله دعاءه فيهم . وفيه : الدعاء على أهل ~~الكفر إذا جنوا جنايات وآذوا المؤمنين . PageV02P147 * * * بسم الله الرحمن ~~الرحيم # | 9 - كتاب مواقيت الصلاة وفضلها # قوله تعالى : { إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا } [ النساء 103 ~~] موقتا وقته عليهم / 1 - فيه : ابن شهاب : ( أن عمر بن عبدالعزيز أخر ~~الصلاة يوما ، فدخل عليه عروة بن الزبير ، فأخبره أن المغيرة ابن شعبة أخر ~~الصلاة يوما ، وهو بالعراق ، فدخل عليه أبو مسعود الأنصاري ، فقال : ما هذا ~~يا مغيرة ؟ أليس قد علمت أن جبريل نزل فصلى ، فصلى رسول الله ، ثم نزل فصلى ~~فصلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خمس مرات ، ثم قال : ( بهذا أمرت ) ~~، فقال عمر لعروة : اعلم ما تحدث ، أو إن جبريل هو الذى أقام لرسول الله ~~وقت الصلاة ، قال عروة : كذلك كان بشير بن أبي مسعود يحدث عن أبيه ، قال ~~عروة : ولقد حدثتني عائشة أن رسول الله كان ms0408 يصلي العصر ، والشمس في حجرتها ~~، قبل أن تظهر ) . قال المهلب : تأخير عمر بن عبد العزيز الصلاة كان عن ~~الوقت المستحب المرغب فيه ، ولم يؤخرها حتى يخرج وقتها كله وغربت الشمس أو ~~قريب من ذلك ، وقد جاء فى بعض طرق هذا الحديث ما يدل على ذلك وهو قوله : ( ~~إن عمر بن عبد العزيز أخر الصلاة شيئا ) ، ولا يجوز على عمر بن عبد العزيز ~~على مكانته من العلم والفضل أن يؤخرها عن جميع وقتها ويصليها فى وقت غيره ، ~~وإنما أنكر عليه عروة PageV02P148 ترك الوقت الفاضل الذى صلى فيه جبريل ~~بالنبى - صلى الله عليه وسلم - وهو الوقت الذى عليه الناس ، هذا مفهوم ~~الحديث . ففى هذا من الفقه : المباكرة بالصلاة فى وقتها الفاضل . وقوله : ( ~~أخر الصلاة يوما ) يدل على أنه كان نادر من فعله ، وهذه الصلاة التى أخرها ~~عمر كانت صلاة العصر روى ذلك شعيب ، عن الزهرى فى المغازى من هذا الكتاب ، ~~ويدل على ذلك قوله : ( ولقد أخبرتنى عائشة أن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - كان يصلى العصر والشمس فى حجرتها قبل أن تظهر ) يريد تعجيل العصر ~~بخلاف ما صلاها عمر بن عبد العزيز ذلك اليوم . وفيه : من الفقه : دخول ~~العلماء على الأمراء إذا كانوا أئمة عدل . وفيه : إنكار العلماء على ~~الأمراء ما يخالف السنة . وفيه : جواز مراجعة العالم لطلب البيان . وفيه : ~~الرجوع عند التنازع إلى السنة وأنها الحجة والمقنع . وفيه : أن الحجة فى ~~الحديث المسند دون المقطوع لقوله : ( كذلك كان بشير بن أبى مسعود يحدث عن ~~أبيه ) ؛ لأن عروة قد كان أخبر أن جبريل أقام لرسول الله وقت الصلاة فلم ~~يقنع بذلك من قوله إذ لم يسند له ذلك ، فلما قاله له : ( اعلم ما تحدث به ) ~~، لجأ إلى الحجة القاطعة فقال : كذلك كان بشير بن أبى مسعود يحدث عن أبيه . ~~وهذا الحديث يعارض ما روى عن النبى - صلى الله عليه وسلم - من إمامة جبريل ~~له لكل صلاة فى وقتين فى يومين ؛ لأن محالا أن يحتج عروة على عمر بصلاة ~~جبريل بالنبى فى ms0409 وقت واحد ، وهو يعلم أن جبريل قد صلى به تلك PageV02P149 ~~الصلاة فى آخر وقتها مرة ثانية ، وهو الوقت الذى أخرها إليه عمر بن عبد ~~العزيز لو صح حديث الوقتين إذ كان من حق عمر أن يقول لعروة : لا معنى ~~لإنكارك على تأخير الصلاة إلى وقت إقامة جبريل للنبى عليه السلام ، وأم به ~~فيه ، فاحتجاج عروة على عمر بن عبد العزيز ، واحتجاج أبى مسعود على المغيرة ~~يدل أن صلاة جبريل بالرسول كانت فى وقت واحد فى يوم واحد ، ولو صلى به فى ~~يومين لما صح الاحتجاج لعروة ولا لأبى مسعود بهذا الحديث . فإن قيل : فقد ~~قال عليه السلام ، للذى سأله عن وقت الصبح : ( ما بين هذين وقت ) فأحاله ~~على وقت تجوز فيه الصلاة ، فصح حديث الوقتين . فالجواب : أن أبا محمد ~~الأصيلى قال : لا يجوز لنا أن نقول : قال رسول الله إلا فيما صح طريقه ، ~~وثبتت عدالة ناقليه ، فنقول : إن جبريل صلى بالرسول فى أول الوقت بحديث ~~بشير بن أبى مسعود لصحته ولا نقول : إن جبريل صلى به فى آخر الوقت إلا بسند ~~صحيح لقوله - صلى الله عليه وسلم - : ( من تقول على ما لم أقل ، فليتبوأ ~~مقعده من النار ) . قال غيره : وإنما قال الرسول للذى سأله عن صلاة الصبح : ~~( ما بين هذين وقت ) على طريق التعليم للأعرابى أن الصلاة تجوز فى آخر ~~الوقت لمن نسى أو كان له عذر ، إذ خشى منه عليه السلام ، أن يظن أن الصلاة ~~فى آخر الوقت لا تجزئ ، ولو كان جبريل قد صلى به فى أول الوقت وآخره وأعلمه ~~أنهما فى الفضل سواء ، لما التزم عليه السلام الصلاة فى أول الوقت ، ولصلى ~~مرة فى أول الوقت ، ومرة فى آخره ، وأعلم به الناس أنهم مخيرون بين ذلك ، ~~فدل لزومه الصلاة PageV02P150 فى أول الوقت دهره كله ، أنه الوقت الذى ~~أقامه له جبريل وأن قوله : ( ما بين هذين وقت ) ، على طريق التعليم لأهل ~~العذر وأشباههم ، ودل أن الوقت الفاضل أول الوقت ، وقد قال يحيى : إن الرجل ~~ليصلى الصلاة وما فاتته ms0410 ، ولما فاته من وقتها أعظم من أهله وماله ، فصح ما ~~قلناه والحمد لله . وقوله : ( والشمس فى حجرتها قبل أن تظهر ) ، إن قال ~~قائل : ما معنى قولها : ( قبل أن تظهر ) والشمس ظاهرة على كل شىء من أول ~~طلوعها إلى غروبها . فالجواب : أنها أرادت الفىء فى حجرتها قبل أن تعلو على ~~البيوت ، فكنت بالشمس عن الفىء ؛ لأن الفىء عن الشمس يكون ، كما يسمى العرب ~~النبت ندى ؛ لأنه بالمطر يكون ، وتسمى المطر سماء ؛ لأنه من السماء ينزل ، ~~وقد جاء هذا المعنى بينا فى بعض طرق الحديث ، روى الليث ، وابن عيينة ، عن ~~الزهرى ، عن عروة ، عن عائشة : ( أن رسول الله كان يصلى العصر والشمس فى ~~حجرتها لم تظهر الفىء ) ، اللفظ لابن عيينة ، ومعلوم أن الفىء أبدا ملازم ~~لأثر الشمس ، فإذا لم يظهر الفىء من الحجرة فلا شك أن الشمس فى قاعة الحجرة ~~، وقد روى هشام بن عروة ، عن عروة ، عن عائشة : ( والشمس لم تخرج من حجرتها ~~) ، وروى أبو أسامة ، عن هشام : ( من قعر حجرتها ) ، والشمس لا تكون إلا فى ~~قاعة الحجرة الصغيرة ، يعنى قبل أن تعلو على الجدر ويرتفع ظلها عن قاعة ~~الحجرة ، وكل شىء علا فقد ظهر ، قال الله تعالى : { فما اسطاعوا أن يظهروه ~~} [ الكهف : 97 ] ، يريد يعلونه ، والحجرة يومئذ كانت ضيقة والشمس ~~PageV02P151 لا تكون فى قاعة الحجرة الصغيرة إلا وهى مرتفعة قائمة فى وسط ~~السماء ، من قبل أن الجدر كانت قصيرة وأن الظل فى الحجاز هو أقصر منه فى ~~غيره ؛ لأنه وسط الأرض ، وهذا يدل على قصر بنيانهم واقتصادهم ، وقد قال ~~الحسن : كنت أدخل بيوت النبى وأنا محتلم وأنال سقفها بيدى ، وذلك فى خلافة ~~عثمان . * * * # | 2 - باب قوله تعالى : { منيبين إليه واتقوه وأقيموا الصلاة ولا تكونوا ~~من المشركين } [ الروم 31 ] # . / 2 - فيه : ابن عباس قال : ( قدم وفد عبدالقيس على رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - فقالوا : إنا هذا الحي من ربيعة ، ولسنا نصل إليك إلا في ~~الشهر الحرام ، فمرنا بشيء ، نأخذه عنك ، وندعو إليه من وراءنا ، فقال : ~~آمركم بأربع ، وأنهاكم عن أربع ms0411 : الإيمان بالله ، ثم فسرها لهم ، شهادة أن ~~لا إله إلا الله وأني رسول الله ، وإقام الصلاة ، وإيتاء الزكاة ، وأن ~~تؤدوا إلي خمس ما غنمتم ، وأنهى عن : الدباء ، والحنتم ، والنقير ، والمقير ~~) . قال المؤلف : قرن الله التقى ونفى الإشراك به تعالى بإقامة الصلاة ، ~~فهى أعظم دعائم الإسلام بعد التوحيد ، وأقرب الوسائل إلى الله تعالى ، ~~ومفهوم هذه الآية يدل أنه من لم يقم الصلاة فهو مشرك ، ولذلك قال عمر : ( ~~ولا حظ فى الإسلام لمن ترك الصلاة ) ، وسيأتى حكم ترك الصلاة ، واختلاف ~~العلماء فى ذلك فى كتاب المرتدين . وقد تقدم فى كتاب الإيمان معنى أمره ~~عليه السلام ، وفد عبد القيس بما أمرهم به ونهيه لهم عن الأشربة والظروف ، ~~وذلك أنه كان PageV02P152 يعلم كل قوم ما بهم الحاجة إليه ، وما الخوف ~~عليهم من قبله أشد ، وكان وفد عبد القيس يخاف منهم الغلول فى الفىء ، ~~وكانوا يكثرون الانتباذ فى هذه الأوعية ، فعرفهم ما بهم الحاجة إليه ، وما ~~يخشى منهم مواقعته ، وترك غير ذلك مما قد كثر وفشا عندهم . * * * # | 3 - باب البيعة على إقامه الصلاة # / 3 - فيه : جرير بن عبد الله قال : ( بايعت الرسول على إقام الصلاة ، ~~وإيتاء الزكاة ، والنصح لكل مسلم ) . قال المهلب : مبايعة الرسول جريرا على ~~إقام الصلاة وإيتاء الزكاة فهما دعامة الإسلام ، وهما أول الفرائض بعد ~~توحيد الله ، والإقرار برسوله وذكر النصح لكل مسلم بعدهما ، يدل أن قوم ~~جرير كانوا أهل غدر ، فعلمهم ما بهم إليه أشد حاجة ، كما أمر وفد عبد القيس ~~بالنهى عن الظروف ، ولم يذكر لهم النصح لكل مسلم ، إذ علم أنهم فى الأغلب ~~لا يخاف منهم من ترك النصح ما يخاف على قوم جرير ، وكان جرير وفد من اليمن ~~من عند قومه وفيه ، قال الرسول : ( إذا أتاكم كريم قوم فأكرموه ) ، فبايعه ~~بهذا ورجع إلى قومه معلما . * * * # | 4 - باب الصلاة كفارة # / 4 - فيه : حذيفة قال : ( كنا جلوسا عند عمر ، فقال : أيكم يحفظ قول ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الفتنة ؟ قلت : أنا ، كما قاله ، قال ~~: إنك عليه - أو PageV02P153 عليها - لجريء ms0412 قلت : فتنة الرجل في أهله وماله ~~وولده وجاره ، تكفرها الصلاة ، والصوم ، والصدقة ، والأمر ، والنهي ) ، ~~الحديث . / 5 - وفيه : ابن مسعود : ( أن رجلا أصاب من امرأة قبلة ، فأتى ~~الرسول - صلى الله عليه وسلم - ، فأخبره ، فأنزل الله عز وجل : { أقم ~~الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل إن الحسنات يذهبن السيئات } [ هود 114 ] ~~، فقال الرجل : ألي هذا يا رسول الله ؟ قال : لجميع أمتي كلهم ) . قوله : ( ~~فتنة الرجل فى أهله وماله ) يصدقه ، قوله تعالى : { إنما أموالكم وأولادكم ~~فتنة } [ التغابن : 15 ] ، والمعنى فى ذلك أن يأتى من أجلهم ما لا يحل له ~~من القول والعمل ما لم يبلغ كبيرة ، كالقبلة التى أصابها الرجل من المرأة ~~وشبهها ، فذلك الذى يكفرها الصلاة والصوم ، ومثله قوله عليه السلام : ( ~~الجمعة إلى الجمعة كفارة لما بينهما ما اجتنبت الكبائر ) . قال المهلب : ~~قوله : ( فتنة الرجل فى أهله وماله وولده وجاره ) ، يريد ما يعرض له معهم ~~من شر أو حزن وشبه ذلك ، وسأستقصى تفسير هذا الحديث وأزيد فى البيان عن ~~معنى الفتنة فيه فى كتاب الصيام فى باب الصوم كفارة ، إن شاء الله ، تعالى ~~. وإنما علم عمر أنه الباب ؛ لأن الرسول كان على حراء هو وأبو بكر ، وعمر ، ~~وعثمان ، فرجف بهم ، فقال النبى : ( اثبت حراء ، فإنما عليك نبى وصديق ~~وشهيدان ) ، وفهم ذلك ، رضى الله عنه ، من قول حذيفة حين قال : بل يكسر ~~الباب ، قال غيره : ويدل على ذلك قوله : ( إذا لا يغلق ) ؛ لأن الغلق إنما ~~يكون فى الصحيح ، وأما المنكسر فهو PageV02P154 هتك لا يجبر وفتق لا يرقع ، ~~وكذلك انخرق عليهم بقتل عثمان بعده من الفتن ما لا يغلق إلى يوم القيامة ، ~~وهى الدعوة التى لم يجب فيها عليه السلام فى أمته ، ولذلك قال : ( فلن يزال ~~الهرج إلى يوم القيامة ) . وأما حديث ابن مسعود ، فإن أهل التأويل ذهبوا ~~إلى قوله : { وأقم الصلاة طرفى النهار } [ هود : 114 ] ، الفجر وصلاة ~~العشاء ، هذا قول مجاهد ، والضحاك ، وقال الحسن ، وقتادة : طرفا النهار : ~~الفجر ، والعصر ، وزلفا من الليل : المغرب والعشاء ، { إن الحسنات يذهبن ~~السيئات } [ هود : 114 ] ، قالوا : الحسنات التى ms0413 ذكرهن الله هاهنا الصلوات ~~الخمس ، هذا قول ابن مسعود ، وابن عباس ، والحسن ، وقتادة ، وسعيد بن ~~المسيب وغيرهم ، فدلت هذه الآية أن الصلاة كفارة لصغائر الذنوب ، ودل هذا ~~الحديث أن القبلة وشبهها مما أصابه الرجل من المرأة غير الجماع كل ذلك من ~~الصغائر التى يغفرها الله باجتناب الكبائر ، والصغائر هى من اللمم التى وعد ~~الله مغفرتها لمجتنب الكبائر بقوله تعالى : { الذين يجتنبون كبائر الإثم ~~والفواحش إلا اللمم إن ربك واسع المغفرة } [ النجم : 32 ] ، وهذه الآية ~~تفسير قوله : { إن الحسنات يذهبن السيئات } [ هود : 114 ] . وأما الكبائر : ~~فأهل السنة مجمعون على أنه لابد فيها من التوبة والندم والإقلاع واعتقاد أن ~~لا عودة فيها ، روى سعيد بن بشير ، عن قتادة ، عن الحسن ، عن عمران بن حصين ~~، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( الصلوات الخمس كفارة لما ~~بينهن لمن اجتنب الكبائر ) . PageV02P155 وفى الآية تأويل آخر ، قال مجاهد ~~: الحسنات يذهبن السيئات هى سبحان الله ، والحمد لله ، ولا إله إلا الله ، ~~والله أكبر . قال الطبرى : والصواب قول من قال هى الصلوات الخمس ؛ لثبوت ~~الخبر عن الرسول أنه قال : ( مثل الصلوات الخمس كمثل نهر عذب ينغمس كل يوم ~~فيه خمس مرات ، فماذا يبقين من درنه ؟ ) ، وأن ذلك فى سياق أمر الله بإقام ~~الصلوات ، فالوعد على إقامتها جزيل الثواب عقبها أولى من الوعد على ما لم ~~يجر له ذكر من سائر صالحات الأعمال ، إذ خص بالقصد بذلك بعض دون بعض ، ~~وسأذكر مذاهب العلماء فى الصغائر والكبائر فى كتاب الأدب ، إن شاء الله . * ~~* * # | 5 - باب فضل الصلاة لوقتها # / 6 - فيه : عبدالله قال : ( سألت النبي - صلى الله عليه وسلم - أي ~~الأعمال أحب إلى الله ؟ قال : الصلاة على وقتها ، قال : ثم أي ؟ قال : ثم ~~بر الوالدين ، قال : ثم أي ؟ ، قال : الجهاد في سبيل الله ) قال : حدثني ~~بهن ، ولو استزدته لزادني . / 7 - وفيه : أبو هريرة ، قال الرسول - صلى ~~الله عليه وسلم - : ( أرأيتم لو أن نهرا بباب أحدكم يغتسل فيه كل يوم خمسا ~~، ما تقول ذلك ، يبقي من درنه ؟ قالوا : لا يبقي ms0414 من درنه شيئا ، قال : فذلك ~~مثل الصلوات الخمس ، يمحو الله بها الخطايا ) . / 8 - وفيه : أنس : أنه بكى ~~فقال ابن شهاب : ما يبكيك ؟ فقال : لا أعرف شيئا مما أدركت إلا هذه الصلاة ~~، وهذه الصلاة قد ضيعت . PageV02P156 قال المؤلف : فى حديث عبد الله أن ~~الصلاة لوقتها أحب إلى الله من كل عمل ، وذلك يدل أن تركها أبغض الأعمال ~~إلى الله بعد الشرك . وفيه : أن أعمال البر يفضل بعضها بعضا عند الله . ~~وفيه : فضل بر الوالدين ، ألا ترى أنه عليه السلام ، قرن ذلك بالصلاة ، كما ~~قرن الله شكرهما بشكره ، فقال : { أن اشكر لى ولوالديك } [ لقمان : 14 ] . ~~وفيه : أن البدار إلى الصلاة فى أول أوقاتها ، أفضل من التراخى فيها ؛ لأنه ~~إنما شرط فيها أن تكون أحب الأعمال إلى الله إذا أقيمت لوقتها المستحب ~~الفاضل ، وفى حديث أبى هريرة بيان أن صغائر الذنوب يغفرها بمحافظته على ~~الصلوات ؛ لأنه شبه الصغائر بالدرن ، والدرن ما لم يبلغ مبلغ الجراح . قال ~~المهلب : وقول أنس فى الصلاة : ( أليس قد ضيعت ) ، وفى حديث آخر : ( أليس ~~قد ضيعتم فيها ) ، يعنى تأخيرها عن الوقت المستحب لا أنهم أخرجوها عن وقتها ~~كله . وقد قيل فى قوله تعالى : { أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون ~~غيا } [ مريم : 59 ] ، قال : والله ما ضيعوها بأن تركوها ولو تركوها كانوا ~~كفارا ، ولكنهم أخروها عن أوقاتها . PageV02P157 * * * # | 6 - باب المصلي يناجي ربه عز # / 9 - فيه : أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - قال : ( إن أحدكم إذا صلى ~~يناجي ربه ، فلا يتفلن عن يمينه ، ولكن تحت قدمه اليسرى ) . فيه : فضل ~~الصلاة على سائر الأعمال ؛ لأن مناجاة الله لا تحصل للعبد إلا فى الصلاة ~~خاصة ، فينبغى له إحضار النية فيها وترك خواطر الاشتغال عنها ، ولزوم ~~الخشوع ولا يقدر على ذلك إلا بعون الله له . وقال بعض الصالحين : إذا قمت ~~إلى الصلاة فاعلم أن الله يقبل عليك ، فأقبل على من هو مقبل عليك ، واعلم ~~أنه قريب منك ، ناظر إليك ، فإذا ركعت فلا تأمل أنك ترفع ، وإذا رفعت فلا ~~تأمل أنك تضع ، ومثل الجنة عن ms0415 يمينك والنار عن شمالك والصراط تحت قدمك ، ~~فإذا فعلت كنت مصليا . * * * # | 7 - باب الإبراد بالظهر في شدة الحر # / 10 - فيه : أبو هريرة ، عن الرسول - صلى الله عليه وسلم - قال : ( إذا ~~اشتد الحر ، فأبردوا عن الصلاة ، فإن شدة الحر من فيح جهنم ) . / 11 - وزاد ~~، أبو هريرة : : ( واشتكت النار إلى ربها ، فقالت : يا رب أكل بعضي بعضا ، ~~فأذن لها بنفسين : نفس في الشتاء ، ونفس في الصيف ، أشد ما تجدون من الحر ، ~~وأشد ما تجدون من الزمهرير ) . / 12 - وفيه : أبو ذر قال : أذن مؤذن النبي ~~عليه السلام ، الظهر فقال : ( أبرد ، أبرد - أو قال : انتظر انتظر - وقال : ~~شدة الحر من فيح جهنم ، فإذا اشتد الحر ، فأبردوا عن الصلاة ، حتى رأينا ~~فيء التلول ) . PageV02P158 وترجم لحديث أبى ذر باب الإبراد بالظهر فى ~~السفر ، وقال أبو ذر : ( كنا مع النبى ، عليه السلام ، فى سفر . . . ) ، ~~وذكر الحديث . اختلف العلماء فى تأخير الظهر عند شدة الحر فذكر ابن أبى ~~شيبة ، وعبد الرزاق رواية عن عمر بن الخطاب ، أنه كان يبرد بها ، وعن أبى ~~هريرة ، وقيس بن أبى حازم مثله . وقال أبو الفرج : عن مالك ، أول الوقت ~~أفضل فى كل صلاة إلا الظهر فى شدة الحر ، ولمالك فى المدونة خلاف ما حكاه ~~عنه أبو الفرج ، وهو أنه استحب أن يصلى الظهر ، والعصر ، والعشاء ، بعد ~~تمكن الوقت وذهاب بعضه ، وبتأخير الظهر فى شدة الحر ، قال أبو حنيفة ، ~~وأصحابه ، وأحمد ، وإسحاق ، وقال الشافعى : يبرد بالظهر فى شدة الحر إذا ~~كان المسجد ينتاب من البعد ، فأما من صلاها فى بيته أو فى جماعة بفناء بيته ~~فيصليها فى أول وقتها . وذهبت طائفة إلى تعجيل الظهر فى الحر وغيره فى أول ~~وقتها ، ولم يقولوا بالإبراد ، وسأبين قول عمر فى الباب بعد هذا ، إن شاء ~~الله تعالى ، ومعنى قوله : فىء التلول يريد ظل كل شىء بارز على وجه الأرض ~~من حجر أو نبات أو غيره فهو تل . فإن قيل : إن أول النهار للتلول فىء أيضا ~~. قيل : إذا طلعت الشمس يكون ظل كل شىء ممدودا إلى جهة ms0416 المغرب ، فلا يزال ~~الظل يقصر حتى تقف الشمس فى وسط السماء ، فإذا وقفت قصر ظل كل شىء حذاء ~~وخاصة فى الحجاز فى زمن القيظ ، فليس لشىء فى ذلك الوقت ظل ، فلا تجوز ~~الصلاة حينئذ ، فإذا زالت الشمس ، وفاء الفىء PageV02P159 امتد كل شىء إلى ~~جهة المشرق ، وبدا للتلول فئ ولا يبدو لها فى الحجاز إلا بعد تمكن الوقت . ~~والفيح : سطوع الحر ، فى كتاب العين . * * * # | 8 - باب وقت الظهر عند الزوال # وقال جابر : كان الرسول - صلى الله عليه وسلم - يصلى الظهر بالهاجرة . / ~~13 - وفيه : أنس : ( أن الرسول خرج حين زاغت الشمس ، فصلى الظهر ، ثم قام ~~على المنبر ، فذكر الساعة ، فذكر أن فيها أمورا عظاما ، ثم قال : من أحب أن ~~يسأل عن شيء فليسأل ، ولا تسألوني عن شيء إلا أخبرتكم ما دمت في مقامي ، ~~فأكثر الناس في البكاء ، وأكثر أن يقول : سلوني ، فقام عبدالله بن حذافة ، ~~فقال : من أبي ؟ فقال : أبوك حذافة ، ثم أكثر أن يقول : سلوني ، فبرك عمر ~~على ركبتيه ، فقال : رضينا بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد نبيا . . . ) ، ~~الحديث . / 14 - وفيه : أبو برزة ( كان الرسول - صلى الله عليه وسلم - يصلي ~~الصبح ، وأحدنا يعرف جليسه ، والظهر إذا زالت الشمس . . . ) الحديث . / 15 ~~- وفيه : عن أنس : ( كنا إذا صلينا خلف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~بالظهائر ، سجدنا على ثيابنا اتقاء الحر ) . وأجمع العلماء على أن أول وقت ~~الظهر زوال الشمس وممن كان يصليها عند الزوال أبو بكر الصديق ، وعمر بن ~~الخطاب ، وعلى بن أبى طالب ، وابن مسعود ، وجابر بن عبد الله ، وروى ~~إبراهيم ، عن الأسود ، عن عائشة ، قالت : ما رأيت أحدا كان أشد تعجيلا ~~للظهر من الرسول ، وأبى بكر وعمر ، وكتب عمر إلى أبى موسى : أن PageV02P160 ~~صل الظهر حين تزيغ الشمس ، وقال إبراهيم : كنا نصلى الظهر مع علقمة أحيانا ~~نجد ظلا ، نجلس فيه ، وأحيانا لا نجد ظلا نجلس فيه ، وذكر ذلك كله ابن أبى ~~شيبة . وقال الطحاوى : ذهب قوم إلى تعجيل الظهر فى الزمان كله فى أول وقتها ~~، واحتجوا بهذه الآثار وخالفهم آخرون ، فقالوا ms0417 : أما فى الشتاء فيعجل بها ، ~~وأما فى الصيف ، فتؤخر حتى يتبرد بها ، وهو قول الكوفيين ، وأحمد ، وإسحاق ~~، ورواية أبى الفرج عن مالك . واحتجوا بالآثار المروية عن الرسول بالإبراد ~~، وقالوا : معلوم أن الإبراد لا يكون إلا فى الصيف ، وخالف ذلك الآثار التى ~~جاءت بتعجيل الظهر فى الحر ، فما دل على أن أحد الأمرين أولى من الآخر ؟ ~~قيل : لأنه روى أن تعجيل الظهر قد كان يفعل ، ثم نسخ ، حدثنا إبراهيم بن ~~أبى داود ، حدثنا يحيى بن معين ، حدثنا إسحاق بن يوسف ، حدثنا شريك ، عن ~~بيان ، عن قيس بن أبى حازم ، عن المغيرة بن شعبة ، قال : صلى بنا رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - صلاة الظهر بالهجير ، ثم قال : ( إن شدة الحر من ~~فيح جهنم ، فأبردوا عن الصلاة ) ، فأخبر المغيرة فى هذا الحديث أن أمر ~~النبى بالإبراد بالظهر بعد أن كان يصليها فى الوقت ، نسخ تعجيل الظهر فى ~~شدة الحر ، ووجب استعمال الإبراد فى شدة الحر . وقد روى عن أنس بن مالك ، ~~وابن مسعود ، عن النبى : أنه كان يعجلها فى الشتاء ، ويؤخرها فى الصيف ، من ~~طرق ثابتة ، ذكرها PageV02P161 الطحاوى ، فدل ذلك على أن حديث جابر ، وأنس ~~، وأبى برزة ، مفسر بحديث المغيرة . واحتج أهل المقالة الأولى ، فقالوا : ~~ليس الأمر بالإبراد ناسخا لتعجيل الظهر فى شدة الحر ، وحكم الظهر أن يعجل ~~فى سائر الزمان لمن أراد الأخذ بالأفضل ؛ لأن الرسول كان يعجلها فى أكثر ~~أمره ، وإنما أمرهم بالإبراد رخصة لهم لشدة الحر عندهم رفقا بهم ، وقد روى ~~عن سعيد بن أبى المليح ، عن ميمون بن مهران ، قال : لا بأس بالصلاة نصف ~~النهار ، وإنما كانوا يكرهون الصلاة نصف النهار ؛ لأنهم كانوا يصلون بمكة ، ~~وكانت شديدة الحر ، ولم يكن لهم ظلال ، فقال : أبردوا بها . وروى الأعمش ، ~~عن عبد الله بن مرة ، عن مسروق ، قال : صليت خلف عبد الله بن مسعود الظهر ~~حين زالت الشمس ، فقال : هذا والذى لا إله إلا هو وقت هذه الصلاة ، قالوا : ~~وهذا محمول على الزمان كله ، وبين هذا ما رواه الليث ، عن يزيد ms0418 بن أبى حبيب ~~، عن أسامة بن زيد ، عن الزهرى ، عن عروة ، عن بشير بن أبى مسعود ، عن أبيه ~~: ( أنه رأى رسول الله يصلى الظهر حين تزيغ الشمس ، وربما أخرها فى شدة ~~الحر ) ، فهذا يدل أنه لم يكن يبرد بالصلاة فى الحر كله ؛ لأن ( ربما ) تقع ~~للتقليل ، وإنما كان يفعل ذلك فى النادر ، وليدل أمته على أن ما أمرهم به ~~من الإبراد ، قد يفعله هو أيضا ، وإن كان أكثر دهره يعجل الصلاة ولا يبرد ~~بها ، وأنهم مخيرون بالأخذ بأى ذلك شاءوا . فمن أراد الأفضل ، كان له ~~التعجيل ، ومن أراد الأخذ بالرخصة كان له الإبراد ، وهذا المعنى فهم عمر بن ~~الخطاب ، فكتب إلى أبى PageV02P162 موسى الأشعرى : أن صل الظهر إذا زاغت ~~الشمس ، فدله على الأفضل فى خاصة نفسه لعلمه بفهم أبى موسى ، ومعرفته بأول ~~الوقت ، وأنه لا يشكل عليه ، ولعلمه بحرصه على الأخذ فى نفسه بالأفضل ، وإن ~~كان أشق عليه ، وكتب إلى عماله : أن صلوا الظهر إذا فاء الفىء ذراعا ، ولم ~~يخص بذلك صيفا من شتاء ، فحملهم على سعة الوقت ، وما يستوى عامة الناس فى ~~معرفته ، إذ لو حملهم على أول الوقت المحدود ، لأدخل عليهم الحرج ؛ إذ لا ~~يعرف أول الوقت على الحقيقة كل الناس ، ورأى أن الوقت الذى يشمل عامتهم ~~ويجتمعون فيه للصلاة يدركون فيه من فضل الجماعة ، أكثر مما فاتهم من ~~التعجيل بها لو صلوا منفردين بغير جماعة ، فهذا تأويل يجمع ما اختلف من ~~الآثار فى تعجيل الظهر والإبراد ، والله الموفق . واختلف العلماء فى الوقت ~~المختار من الظهر ، ففى المدونة عن مالك أنه استحب أن يصلى الظهر والعصر ، ~~والعشاء بعد تمكن الوقت عنده ، إذا فاء الفىء ذراعا على ما كتب به عمر إلى ~~عماله ، وهذه خلاف رواية أبى الفرج عن مالك ، واختلف أيضا عن أبى حنيفة فى ~~ذلك ، فحكى ابن القصار عن الكرخى عنه أن وجوب صلاة الظهر معلق بآخر الوقت ~~عنده ، وأن الصلاة فى أوله نفل ، فإن صلى إنسان عند الزوال ، ثم بقى إلى ~~آخر الوقت على حال سليمة ms0419 يصح معها أن يكون مخاطبا بها ، ناب ذلك الفعل عن ~~الواجب ، وإن مات أو جن أو أغمى عليه أو حاضت امرأة قبل بلوغ الوقت الآخر ، ~~كانت الصلاة التى صلى عند الزوال نفلا لا أداء PageV02P163 عن فرض لزمه ، ~~وحكى عنه أنه فى أول الوقت نفل على كل حال ، وحكى عنه أنه واجب موقوف ، فإن ~~بقى على حال تلزمه الصلاة آخر الوقت كان واجبا ، وإن كان على حال لا تلزمه ~~الصلاة كان نفلا . والفقهاء بأسرهم على خلاف قوله ، واحتج له الكرخى ، قال ~~: لو وجبت الصلاة بزوال الشمس ، فأخرها مؤخر ، كان عاصيا ، قال : وقد ~~أجمعوا أنه يؤخرها إلى آخر الوقت ، فلا يكون عاصيا . قال ابن القصار : وهذا ~~لا يلزم ؛ لأنا نقول وجوب الصلاة وجوبا موسعا ، حتى أنه مخير فى إيقاعها أى ~~وقت شاء بعد الزوال كالكفارات ، هو مخير فى أيها شاء . قال غيره : ومما يدل ~~على فساد قول أبى حنيفة ما ثبت من صلاة الرسول للظهر فى أحاديث هذا الباب ~~حين زاغت الشمس ، وإذا زالت الشمس ، وبالهاجرة ، وبالظهائر ، وإنما امتثل ~~عليه السلام ، فى ذلك ما وقت له جبريل حين صلى به ، وقال له : بهذا أمرت ، ~~فمحال أن يتعلق فرض الظهر بآخر الوقت ، ويخالف فى ذلك الرسول عليه السلام ، ~~ويصلى الظهر عند الزوال ، ويوقع فرضه فى غير وقته ، وهو المبين عن الله ~~لعباده ما فرض عليهم ، وهذا ما لا يجوز لأحد أن يظنه بالنبى ، وهذا من قول ~~أبى حنيفة تحديد لمخالفة السنة الثابتة ، والحجة فى السنة لا فى ما خالفها ~~. قال ابن القصار : والقول أنه واجب موقوف فاسد ؛ لأن وجوب الفعل لا يقف ~~على ما يحصل عنه حالة ثابتة ، وإنما يتعلق بشروط تحصل قبل وجوبه أو معه ، ~~فأما أن يتعلق بما يتأخر عنه PageV02P164 فهو محال ، فبطل أنه واجب موقوف ، ~~فلم يبق إلا أنه واجب مخير فيه ؛ لأنه إن قيل : إنه مضيق خرج عن اتفاقهم ~~على أنه لا يأثم من أخره إلى ’ آخر الوقت . واختلفوا فى آخر وقت الظهر ، ~~فقال مالك فى رواية ابن عبد ms0420 الحكم عنه : آخر وقت الظهر أن يصير ظل كل شىء ~~مثله ، بعد القدر الذى زالت عنه الشمس ، وهو أول وقت العصر بلا فصل ، وهو ~~قول الثورى ، وأبى يوسف ، ومحمد ، وأحمد ، وإسحاق . وقال الشافعى ، وأبو ~~ثور : بين آخر وقت الظهر وأول وقت العصر فاصلة ، لا تصلح للظهر ولا للعصر ~~فى الاختيار ، وهو أن يزيد الظل أدنى زيادة على المثل ، واحتجا بحديث عبد ~~الله بن عمرو أن الرسول قال : ( وقت الظهر ما لم تحضر العصر ) ، وهذا لا ~~حجة فيه لما سنبينه ، إن شاء الله . قال أبو حنيفة : آخر وقت الظهر أن يصير ~~ظل كل شىء مثليه ، فخالف الآثار والناس فى قوله فى المثلين فى آخر وقت ~~الظهر ، وخالفه أصحابه ، وذكر الطحاوى عنه رواية موافقة لقول الجماعة أن ~~آخر وقت الظهر حين يصير ظل كل شىء مثله ، إلا أنه قال : ولا يدخل وقتل ~~العصر ، حتى يصير ظل كل شىء مثليه ، فترك بين الظهر والعصر وقتا مفردا لا ~~يصلح لأحدهما ، وهذا لم يتابع عليه ، كما لم يتابع الشافعى على قوله أن بين ~~آخر القامة وأول القامتين وقت لا يصلح للظهر ولا للعصر فى الاختيار . وهذا ~~كله لا يتحصل ولا يفهم ؛ لأن ما بعد الحد فى جميع المحدودات إنما هو أول ~~آخر الشىء الذى يليه ، وليس هو من غيره ، وهذا يلزم أصحاب الشافعى ~~باحتجاجهم بقوله عليه السلام : ( آخر وقت الظهر ما لم تحضر العصر ) ، وأيضا ~~فإنه قد صح اشتراك وقت PageV02P165 الظهر والعصر بعرفة فى وقت واحد ، فلولا ~~أن الوقت مشترك بينهما لم يجز جمعه عليه السلام ، بينهما ، كما لم يجز ~~الجمع بين الصبح وغيرها من الصلوات . قال المهلب : وإنما خطب الرسول فى ~~حديث أنس بعد الصلاة ، وذكر الساعة ، وقال : ( سلونى ) ؛ لأنه بلغه أن قوما ~~من المنافقين ينالون منه ، ويعجزونه عن بعض ما يسألونه عنه ، فتغيظ عليهم ، ~~وقال : ( لا تسألونى عن شىء إلا أخبرتكم به ) ، وأما بكاء الناس ، فإنهم ~~خافوا نزول العذاب المعهود فى الأمم الخالية عند تكذيب الرسل ؛ لأنهم كانوا ~~إذا جاءتهم آية ، فلم يؤمنوا ms0421 لم يمطلهم العذاب ، قال تعالى : { ولو أنزلنا ~~ملكا لقضى الأمر } [ الأنعام : 8 ] ، و { لقضى إليهم أجلهم } [ يونس : 11 ] ~~، فبكوا إشفاقا من ذلك ألا ترى فهم عمر حين برك على ركبتيه ، وقال : رضينا ~~بالله ربا ، وبالإسلام دينا ، وبمحمد نبيا ، حين قال عليه السلام للسائل له ~~عن أبيه : ( أبوك حذافة ) ، وكان هذا الرجل لا يعرف أبوه حتى أخبر به ~~الرسول - صلى الله عليه وسلم - . وسأزيد فى الكلام فى معنى هذا الحديث فى ~~كتاب الفتن ، وفى كتاب الاعتصام فى باب ( ما يكره من كثرة السؤال وتكلف ما ~~لا يعنى ) ، إن شاء الله ، وقال أنس : ( كنا إذا صلينا خلف الرسول - صلى ~~الله عليه وسلم - بالظهائر ، سجدنا على أثوابنا إتقاء الحر ) ، فذلك ، ~~والله أعلم ؛ لأن الحجاز كثير الحر ، وليس هذا فى حين شدة الحر جدا الذى ~~أمر فيه الرسول بالإبراد ؛ لأنه - صلى الله عليه وسلم - كان جل أمره ~~المبادرة . قال غيره : ويجوز أن يبادر فى الحر بالظهر ، وقد أمر بالإبراد ~~وأخذ بالشدة على نفسه ، ولئلا يظن أحد أن الصلاة لا تجوز فى PageV02P166 ~~الوقت الذى أمر فيه بالإبراد ، فأراد تعليم أمته ، والتوسعة عليهم ، والله ~~أعلم . وفيه : جواز السجود على الثياب ، وعرض الشىء : جانبه ، يقال : نظرت ~~إليه عن عرض ، وعرض النهر والبحر : وسطهما ، عن الخليل . والظهائر : جمع ~~ظهيرة ، والظهيرة : شدة الحر . وقوله فى حديث أبى برزة : ( رجع والشمس حية ~~) ، يريد ثم يرجع والشمس حية . * * * # | 9 - باب تأخير الظهر إلى العصر # / 16 - فيه : ابن عباس : ( أن الرسول صلى بالمدينة سبعا وثمانيا الظهر ~~والعصر والمغرب والعشاء ) ، قال أيوب : لعله في ليلة مطيرة ؟ ، قال : عسى . ~~قوله : ( سبعا ) يريد المغرب والعشاء ، و ( ثمانيا ) الظهر والعصر ، وقد ~~تأول مالك فى هذا الحديث أنه كان فى مطر ، كما تأوله أيوب ، وهو قول ~~الشافعى ، وهذا الحديث حجة فى اشتراك أوقات الصلوات وهو يرد قول الشافعى أن ~~بين آخر وقت الظهر ، وأول وقت العصر فاصلة لا تصلح للظهر ولا للعصر ، وعلى ~~من قال : لا يدخل وقت العصر حتى يصير ظل كل شىء مثليه ، وهو أبو ms0422 حنيفة ؛ ~~لأن النبى لم يفصل بين الظهر والعصر ، ولو كان بينهما وقت لا يصلح لإحدى ~~الصلاتين لبينه النبى ، عليه السلام . واختلف العلماء فى جمع الصلاتين لعذر ~~المطر ، فقال مالك : يجوز أن يجمع بين المغرب والعشاء ليلة المطر ، ولايجمع ~~بين الظهر PageV02P167 والعصر فى المطر ، وهو قول ابن عمر ، وعروة ، وسعيد ~~بن المسيب ، والقاسم بن بن محمد ، وأبى بكر بن عبد الرحمن ، وأبى سلمة ، ~~وعمر بن عبد العزيز ، وبه قال أحمد وإسحاق ، وقال الشافعى : يجمع بين الظهر ~~والعصر ، وبين المغرب والعشاء ، إذا كان المطر دائما ولا يجمع فى غير حال ~~المطر ، وبه قال أبو ثور ، وقال مالك : يجمع بين المغرب والعشاء فى الطين ~~والظلمة ، وإن لم يكن مطر ، وكان عمر بن عبد العزيز يرى الجمع فى الريح ~~والظلمة . والجمع عند مالك أن يؤخر المغرب ، ثم يؤذن لها ويقيم ويصلى ، ثم ~~يؤذن فى المسجد للعشاء ويقيمون ويصلون وينصرفون قبل مغيب الشفق ، لينصرفوا ~~وعليهم إسفار . وقال محمد بن عبد الحكم : الجمع فى ليلة المطر فى وقت ~~المغرب ، ولا يؤخر المغرب ، وذكر أنه قول ابن وهب ، وأنه اختلف فيه قول ~~مالك . وروى البرقى عن أشهب مثل قول ابن وهب ، قال محمد : لأنه إن أخر ~~المغرب لم يصل واحدة منهما فى وقتها ؛ ولأن يصلى فى وقت إحداهما أولى . ~~وخالف أبو حنيفة وأصحابه هذا الحديث ، وقالوا : لا يجمع أحد بين الصلاتين ~~فى مطر ولا غيره ، وقالوا فى حديث ابن عباس : هذا ليس فيه صفة الجمع ، ~~وممكن أن يكون أخر الظهر إلى آخر وقتها ، وصلاها ، ثم صلى العصر فى أول ~~وقتها ، وصنع بالمغرب والعشاء كذلك ، قالوا : وهذا سمى جمعا ولا يجوز أن ~~تحال أوقات الحضر إلا بيقين ، وروى عن الليث مثله ، وقد تأول عمرو بن دينار ~~، وأبو الشعثاء فى هذا الحديث مثل تأويل أبى حنيفة . PageV02P168 وروى عمرو ~~بن دينار ، عن أبى الشعثاء جابر بن زيد ، عن ابن عباس ، قال : صلى الرسول ~~بالمدينة ثمانيا جميعا وسبعا جميعا ، قال عمرو : قلت لجابر : أظنه أخر ~~الظهر وعجل العصر ، وأخر المغرب وعجل ms0423 العشاء ، قال : وأنا أظنه ، وهذا ~~تأويل من لم ير الجمع ، وإلى هذا المعنى أشار البخارى فى ترجمته . وقد ذكر ~~ابن المواز ، عن ابن الماجشون مثله قال : لا بأس بتأخير الظهر إلى آخر ~~وقتها ، وتقديم العصر فى أول وقتها ، والجمع بينهما ، وهذا التأويل ليس ~~بشىء ؛ لأنه عليه السلام ، لما لم يجمع بين العصر والمغرب ، ولا بين العشاء ~~والصبح ، علمنا أنه جمع بين صلاتين فى وقت إحداهما وهو وقت الأخرى ، فصح أن ~~الظهر يشترك مع العصر ، والمغرب مع العشاء فى باب الإجزاء لا فى باب ~~الاختيار على رواية ابن وهب ، وعلى قول أشهب ، وهو قول ربيعة ، وابن سيرين ~~. ولو كان هذا الجمع كما زعم أبو حنيفة ، وأبو الشعثاء فى آخر وقت الأولى ~~وأول وقت الثانية ، لجاز الجمع بين العصر والمغرب ، وبين العشاء والصبح ، ~~ولما أجمعوا أن السنة إنما وردت فى الظهر والعصر ، والمغرب والعشاء ، علم ~~أن ذلك لاشتراك وقتيهما ، وأن ما تأولوه ليس بجمع ؛ إذ لو كان جمعا لجاز ~~مثله فى العصر والمغرب ، والعشاء ، والفجر ، فسقط قولهم . وقدر روى حديث ~~ابن عباس هذا على خلاف ما تأوله أيوب ومالك ، روى أبو داود عن أبى معاوية ، ~~عن الأعمش ، عن حبيب بن أبى ثابت ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، قال : ~~( جمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بين الظهر والعصر ، والمغرب ~~والعشاء فى المدينة فى غير خوف ولا مطر ، قيل لابن عباس : ما أراد بذلك ؟ ~~قال : أراد أن PageV02P169 لا يحرج أمته ) ، هكذا يقول حبيب بن أبى ثابت : ~~من غير خوف ولا مطر بالمدينة ، وإذا كان بالمدينة فلا معنى لذكر السفر فيه ~~. وقد روى صالح مولى التوأمة عن ابن عباس مثله : ( من غير خوف ولا مطر ) ، ~~وليست رواية من روى فى هذا الحديث : ( من غير خوف ولا سفر ) معارضة لرواية ~~من روى ( من غير خوف ولا مطر ) ؛ لأنه قد صح عن الرسول أن هذا الجمع كان ~~بالمدينة فى حضر ، فمن نفى المطر روى أنه كان بالمدينة ، وزاد على من نفى ~~السفر ؛ لأنه وافقه ms0424 أنه لم يكن فى سفر ، فهى زيادة يجب قبولها . ففيه من ~~الفقه : جواز الجمع بين الصلاتين فى الحضر ، وإن لم يكن مطر ، وقد أجاز ذلك ~~طائفة من العلماء إذا كان ذلك لعذر يحرج به صاحبه ويشق عليه ، على ما روى ~~حبيب بن أبى ثابت ، قال ابن سيرين : لا بأس بالجمع بين الصلاتين فى الحضر ~~إذا كانت حاجة أو شىء ما لم يتخذه عادة ، وأجاز ذلك ربيعة بن عبد الرحمن ، ~~وقال أشهب فى المجموعة : لا بأس بالجمع بين الصلاتين فى الحضر بغير مطر ولا ~~مرض ، وإن كانت الصلاة أول الوقت أفضل ، وروى ابن وهب ، عن مالك : من صلى ~~العصر أول وقت الظهر ، أنه يعيد ما دام فى الوقت استحبابا ، قال بعض أصحابه ~~: ومعنى ذلك أنه صلى بعد الزوال بقدر أربع ركعات للظهر . وذكر ابن المواز ، ~~عن ابن الماجشون أنه لا بأس بتأخير الظهر إلى آخر وقتها ، وتقديم العصر إلى ~~أول وقتها ، والجمع بينهما ، وقد سئل أحمد بن حنبل عن هذا الحديث فقال : ~~أليس قد قال ابن عباس : ( لئلا يحرج أمته ؟ ) وهذا الحديث رخصة للمريض ~~للجمع بين الصلاتين . وقال مالك : إذا خاف المريض أن يغلب على عقله جمع بين ~~الظهر PageV02P170 والعصر عند الزوال ، وجمع بين المغرب والعشاء عند الغروب ~~، فأما إن كان الجمع أرفق به ، ولم يخش أن يغلب على عقله ، فليجمع بينهما ~~فى وسط وقت الظهر ، وعند غيبوبة الشفق ، قال مالك : والمريض أولى بالجمع من ~~المسافر وغيره لشدة ذلك عليه ، وقال الليث : يجمع المريض ، وقال أبو حنيفة ~~: يجمع المريض كجمع المسافر عنده فى آخر وقت الأولى ، وأول وقت الثانية ، ~~فأما فى المطر فلا يجمع عنده بحال ، وقال الشافعى : لا يجمع المريض بين ~~الصلاتين . * * * # | 10 - باب وقت العصر # / 17 - فيه : عائشة : ( أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - كان يصلي العصر ~~، والشمس لم تخرج من حجرتها ) . / 18 - وقال مرة : ( لم يظهر الفيء من ~~حجرتها ) . / 19 - وفيه : أبو هريرة : ( أن النبي كان يصلي صلاة العصر ، ثم ~~يرفع أحدنا إلى رحله في أقصى المدينة ، والشمس ms0425 مرتفعة حية ) . / 20 - وفيه ~~: أنس : ( كنا نصلي العصر ، ثم يخرج الإنسان إلى بني عمرو بن عوف ، فنجدهم ~~يصلون العصر ) . / 21 - وفيه : أبو أمامة قال : ( صلينا مع عمر بن ~~عبدالعزيز الظهر ، ثم خرجنا ، حتى دخلنا على أنس بن مالك ، فوجدناه يصلي ~~العصر ، فقلت : يا عم ما هذه الصلاة التي صليت ؟ قال : العصر ، وهذه صلاة ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - التي كنا نصلي معه ) . / 22 - وفيه : أنس ~~قال : ( كنا نصلي العصر ، فيذهب الذاهب إلى قباء ، PageV02P171 فيأتيهم ~~والشمس مرتفعة ) . / 23 - وقال مرة : : ( كنا نصلي العصر ، والشمس مرتفعة ~~حية ، فيذهب الذاهب إلى العوالي ، فيأتيهم والشمس مرتفعة ، وبعض العوالي من ~~المدينة على أربعة أميال ، أو نحوه ) . هذا الباب كله يدل على تعجيل العصر ~~وأنه السنة ، واختلفوا فى أول وقت العصر ، فقال مالك ، والثورى ، وأبو يوسف ~~، ومحمد ، وأحمد ، وإسحاق ، وأبو ثور : أول وقت العصر إذا صار ظل كل شىء ~~مثله ، وقال الشافعى : أوله إذا جاوز ظل كل شىء مثله بشىء ما ، حتى ينفصل ~~من آخر وقت الظهر على ما تقدم فى الباب قبل هذا . وقال أبو حنيفة : أول وقت ~~العصر أن يصير ظل قامتين بعد الزوال ، ومن صلى العصر قبل ذلك لم يجز ، ~~فخالف الآثار ، وخالفه أصحابه ، ووقت القامتين آخر وقت العصر المختار عند ~~مالك فى رواية ابن عبد الحكم عنه ، وفى المدونة : لم يكن مالك يذكر ~~القامتين فى وقت العصر ولكنه كان يقول : والشمس بيضاء نقية . واختلفوا فى ~~التعجيل بصلاة العصر وتأخيرها ، فذهب أهل العراق إلى أن تأخيرها أفضل ، ~~واحتجوا بما روى عن ابن مسعود ، وأبى هريرة أنهم كانوا يؤخرونها حتى تصفر ~~الشمس ، وكان على يؤخرها حتى ترتفع الشمس على الحيطان ، وقال أبو قلابة ، ~~وابن شبرمة : إنما سميت العصر لتعتصر ، وهو قول النخعى ، وممن كان يعجل ~~العصر عمر بن الخطاب ، وكتب إلى عماله : أن صلوا العصر والشمس مرتفعة بيضاء ~~نقية ، قدر ما يسير الراكب فرسخين أو ثلاثة ، وكان ابنه عبد الله يصليها ~~والشمس بيضاء نقية ويعجلها مرة ، ويؤخرها أخرى . PageV02P172 وروى هشام بن ~~عروة قال ms0426 : قدم رجل على المغيرة بن شعبة ، وهو على الكوفة ، فرآه يؤخر ~~العصر ، فقال : لم تؤخر العصر ، وقد كنت أصليها مع النبى - صلى الله عليه ~~وسلم - ثم أرجع إلى أهلى إلى بنى عمرو بن عوف والشمس مرتفعة حية ؟ وأحاديث ~~هذا الباب تدل على تعجيل صلاة العصر ، ألا ترى قول عائشة أن النبى كان يصلى ~~العصر والشمس لم تخرج من حجرتها ، ولا تكون الشمس فى قصر الحجرة على قصر ~~حيطانها ، إلا فى أول وقت العصر ، وقول أنس ، وأبى برزة : كنا نصلى العصر ، ~~ثم يرجع أحدنا إلى رحله والشمس مرتفعة حية ، يدل على تعجيلها أيضا ؛ لأن ~~حياة الشمس أن تجد حرها ، وقول أنس : فيذهب الذاهب إلى العوالى والشمس ~~مرتفعة ، ولا يكون ذلك إلا فى أول وقتها . قال أبو سليمان الخطابى : حياتها ~~: صفاء لونها قبل أن تصفر أو تتغير . وقول أنس : ( كنا نصلى العصر فيذهب ~~الذاهب إلى قباء ، فيأتيهم والشمس مرتفعة ) ، فالصحيح فيه : العوالى ، ~~وكذلك رواه أصحاب ابن شهاب كلهم غير مالك فى الموطأ ، فإنه تفرد بذكر قباء ~~، قال البزار : والصواب ما اجتمعت عليه الجماعة ، وهو مما يعد على مالك أنه ~~وهم فيه . قال المؤلف : وقد روى خالد بن مخلد ، عن مالك : ( إلى ~~PageV02P173 العوالى ) كما رواه أصحاب ابن شهاب ، ذكره الدارقطنى ، فلم يهم ~~فيه مالك . والعوالى من المدينة على أربعة أميال ، ولا يأتونها بعد صلاتهم ~~العصر مع النبى - صلى الله عليه وسلم - ، ويجدون الشمس مرتفعة حية ، إلا ~~وقد صلاها الرسول بهم فى أول الوقت ، وهذا لا يكون إلا فى الصيف فى طول ~~النهار ، وهذا مستغنى عن الاحتجاج لوضوحه . وقول أبى أمامة : ( صلينا مع ~~عمر بن عبد العزيز الظهر ، ثم خرجنا حتى دخلنا على أنس بن مالك ، فوجدناه ~~يصلى العصر ) ، قال : هذا يدل على أن تأخير عمر الظهر عن وقتها المستحب ، ~~كما أخر صلاة العصر حين أنكر ذلك عليه عروة بن الزبير ، وروى أن بنى أمية ~~كانوا يؤخرون الصلاة عن أوائل الوقت وكان ذلك عادتهم . وقول أنس : ( هذه ~~صلاة رسول الله التى كنا نصليها معه ms0427 ) ، يدل على أن سنته تعجيل العصر فى ~~أول وقتها كما ثبت فى سائر أحاديث هذا الباب . وقوله : ( حين تدحض الشمس ) ~~، يعنى حين تزول الشمس ، وأصل الدحض : الزلق ، يقال : دحض يدحض دحضا : إذا ~~زلق ، والدحض : ما يكون عند الزلق ، من كتاب العين ، والتهجير ، والهاجرة : ~~وقت شدة الحر . قال أبو حنيفة : سميت الهاجرة هاجرة ، لهرب كل شىء منها . ~~PageV02P174 * * * # | 11 - باب إثم من فاتته صلاة العصر # / 24 - فيه : ابن عمر قال : قال رسول الله : ( الذي تفوته صلاة العصر ، ~~كأنما وتر أهله وماله ) . قال أبو عبد الله بن أبى صفرة : إنما وجب التعظيم ~~لصلاة العصر وقصدها بالخطاب دون غيرها ، وإن كانت داخلة فى قوله تعالى : { ~~حافظوا على الصلوات } [ البقرة : 238 ] ، لاجتماع المتعاقبين من الملائكة ~~فيها ، وإنما أراد عليه السلام فواتها فى الجماعة ، لا فواتها باصفرار ~~الشمس أو مغيبها ؛ لما يفوته من صلاتها فى الجماعة من حضور الملائكة فيها ، ~~فصار ما يفوته من هذا المشهد العظيم الذى يجتمع فيه ملائكة الليل ، وملائكة ~~النهار أعظم من ذهاب أهله وماله ، فكأنه قال : الذى يفوته هذا المشهد الذى ~~أوجب البركة للعصر كأنما وتر أهله وماله ، ولو كان فوات وقتها كله باصفرار ~~أو غيبوبة لبطل الاختصاص ؛ لأن ذهاب الوقت كله موجود فى كل صلاة بهذا ~~المعنى ، فسره ابن وهب ، وابن نافع ، وذكره ابن حبيب عن مالك ، وابن سحنون ~~عن أبيه ، قال ابن حبيب : وهو مثل حديث يحيى بن سعيد : ( إن الرجل ليصلى ~~الصلاة وما فاتته ، ولما فاته من وقتها أكثر من أهله وماله ) ، يريد أن ~~الرجل ليصلى الصلاة فى الوقت المفضول ولما فاته من وقتها الفاضل ، الذى مضى ~~عليه اختيار النبى ، وأبى بكر وكتب به عمر إلى عماله ، أفضل من أهله وماله ~~، وليس فى الإسلام حديث يقوم مقام هذا الحديث ؛ لأن الله تعالى ، قال : { ~~حافظوا على الصلوات } [ البقرة : 238 ] ، ولا يوجد حديث فيه تكييف المحافظة ~~غيره . PageV02P175 وقوله : ( وتر أهله وماله ) أى سلب ذلك ، قال صاحب ( ~~العين ) : الوتر والترة : الظلم فى الدم ، يقال منه : وتر الرجل وترا وترة ~~. فمعنى وتر ms0428 أهله وماله : أى سلب ذلك وحرمه ، فهو أشد لغمه وحزنه ؛ لأنه لو ~~مات أهله وذهب ماله بغير سلب لم تكن مصيبة ذلك عنده بمنزلة السلب ؛ لأنه ~~يجتمع عليه فى ذلك غمان : غم ذهابهم ، وغم الطلب بوترهم . وإنما مثله عليه ~~السلام فى ما يفوته من عظيم الثواب بالذى حرم أهله وماله ، فبقى لا أهل له ~~ولا مال ، وأصله من الوتر وهو الذحل ، يقال منه : وتره يتره وترا وترة ، و ~~( الوتر ) بكسر الواو اسم لا مصدر ، وقد يحتمل أن يكون عنى بقوله : ( ~~فكأنما وتر أهله وماله ) ، أى نقص ذلك وأفرد منه ، من قوله تعالى : { ولن ~~يتركم أعمالكم } [ محمد : 35 ] ، أى لن ينقصكم ، والقول الأول أشبه بمعنى ~~الحديث ، والله أعلم . * * * # | 12 - باب من ترك العصر # ( 1 ) / 25 - فيه : بريدة : أنه قال في يوم ذي غيم : ( بكروا بصلاة العصر ~~، فإن نبي الله قال : من ترك صلاة العصر ، فقد حبط عمله ) . قال المهلب ' : ~~معناه من تركها مضيعا لها ، متهاونا بفضل وقتها مع قدرته على أدائها ، فحبط ~~عمله فى الصلاة خاصة ، أى لا يحصل على أجر المصلى فى وقتها ولا يكون له عمل ~~ترفعه الملائكة . PageV02P176 قال الطبرى : فإن قيل : ما معنى قوله : ( ~~بكروا بصلاة العصر ) فى يوم الغيم ، ولا سبيل إلى كعرفة أوقات النهار ~~لارتفاع الأدلة على ذلك بالغيم الساتر عين الشمس ؟ قال : ذلك أمر منه عليه ~~السلام بالبكور بها على التحرى والأغلب عند المتحرى لا على إحاطة نفس العلم ~~بإصابة أول وقتها ؛ لأن أوقات الصلوات لا تدرك فى يوم الغيم إلا بالتحرى ~~والعلم الظاهر . * * * # | 13 - باب فضل صلاة العصر # / 26 - فيه : جرير : ( كنا عند الرسول - صلى الله عليه وسلم - فنظر إلى ~~القمر ليلة البدر فقال : ( إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر ، لا تضامون ~~في رؤيته ، فإن استطعتم أن لا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس ، وقبل ~~غروبها ، فافعلوا ) ، ثم قرأ : { وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل غروبها ~~} [ طه : 130 ] ، قال إسماعيل : افعلوا لا تفوتنكم ) . / 27 - وفيه : أبو ~~هريرة قال : قال رسول الله : ( يتعاقبون ms0429 فيكم ملائكة بالليل ، وملائكة ~~بالنهار ، ويجتمعون في صلاة الفجر وصلاة العصر ، ثم يعرج الذين باتوا فيكم ~~، فيسألهم ، وهو أعلم بهم : كيف تركتم عبادي ؟ فيقولون : تركناهم ، وهم ~~يصلون ، وأتيناهم وهم يصلون ) . قال المؤلف : ذكر ابن أبى خيثمة قال : ~~حدثنا الهيثم بن PageV02P177 خارجة ، حدثنا الوليد بن مسلم ، قال : سألت ~~الأوزاعى ، ومالك ، وسفيان الثورى ، والليث بن سعد عن الأحاديث التى فيها ~~ذكر الرؤية فقالوا : أمرها كيف جاءت بلا كيفية . قال المهلب : وقوله : ( ~~فإن استطعتم ألا تغلبوا على صلاة ) ، يعنى : على شهودها فى الجماعة ، فخص ~~هذين الوقتين لاجتماع الملائكة فيهما ولرفعهم أعمالهم فيها ، لئلا يفوتهم ~~هذا الفضل العظيم ، قال أبو عبد الله : وقد قال عليه السلام يوم الخندق : ( ~~شغلونا عن الصلاة الوسطى ، ملأ الله قبورهم وبيوتهم نارا ) ، فسمى العصر ~~وسطى . وممن ذهب إلى أن العصر هى الصلاة الوسطى على بن أبى طالب ، وعائشة ، ~~وأبو هريرة ، وابن عمر ، وأبو أيوب الأنصارى ، والحسن ، والزهرى ، وهو قول ~~أبى حنيفة ، والشافعى ، وأحمد ، وأكثر أهل الحديث ، واحتجوا بقوله يوم ~~الخندق . وقيل : إنها الصبح روى ذلك عن ابن عباس ، وابن عمر ، وأبى موسى ، ~~وأبى أمامة ، وجابر بن عبد الله ، ومن التابعين : عطاء ، وعكرمة ، وطاوس ، ~~ومجاهد ، وهو قول مالك ، وحكى مالك أنه بلغه عن على بن أبى طالب مثله . ~~وقيل : إنها الظهر روى ذلك عن : زيد بن ثابت ، وابن عمر ، وأبى سعيد الخدرى ~~، وعائشة ، وعروة بن الزبير ، وقال قبيصة بن ذؤيب : هى المغرب ، واحتج ~~الذين قالوا : إنها الظهر بما روى PageV02P178 الزهرى ، عن سعيد بن المسيب ~~، قال : كنت فى قوم فاختلفوا فى الصلاة الوسطى ، وأنا أصغر القوم ، فبعثونى ~~إلى زيد بن ثابت لأسأله عن ذلك ، فسألته قال : كان رسول الله يصلى بالهاجرة ~~والناس فى قائلتهم وأسواقهم ولم يكن يصلى وراء رسول الله إلا الصف والصفان ~~، فنزلت : { حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وقوموا لله قانتين } [ ~~البقرة : 238 ] ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( لينتهين قوم ~~أو لأحرقن بيوتهم ) . وأما الذين قالوا : إنها المغرب فقالوا : ليست بأقلها ~~ولا أكثرها ، ولا تقصر فى السفر ms0430 ، وأن رسول الله لم يؤخرها عن وقتها ولا ~~تعجلها . وأما حجة الذين قالوا : إنها الصبح ، فإن ابن عباس قد استدل على ~~ذلك بأنها تصلى فى سواد من الليل وبياض من النهار ، وقالوا : وهى أكثر ~~الصلوات تفوت الناس . قال إسماعيل بن إسحاق : ومن الحجة على ذلك قوله : { ~~وقرآن الفجر } [ الإسراء : 78 ] الآية ، فخصت بهذا النص وأنها مفردة لا ~~يشاركها فيه غيرها . قال أبو عبد الله بن أبى صفرة : وإنما سمى الرسول ~~العصر وسطى ، والله أعلم ، شبهها بالصبح لفضلها واجتماع الملائكة فيها فى ~~قوله : ( يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار ، ويجتمعون فى صلاة ~~الصبح وصلاة العصر ) . { وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا } [ الإسراء ~~: 78 ] ، فالصبح وسطى PageV02P179 بالكتاب والعصر وسطى بالسنة ؛ لأن الصبح ~~مذكورة بالكتاب بشهود الملائكة لها ، والعصر مذكورة بذلك فى السنة ، ألا ~~ترى أن عائشة وحفصة أمرتا أن يكتب لهما فى المصحف : ( حافظوا على الصلوات ، ~~والصلاة الوسطى وصلاة العصر ) ، فخصتا العصر بالمحافظة مع الوسطى ~~لاشتراكهما فى تعاقب الملائكة ، ولاشتباههما فى أن الصبح يغلب الناس النوم ~~عليها ، وأن العصر يغلبون عليها بالكسل والسآمة لما كانوا عليه من اشتغالهم ~~ونظرهم فى معاشهم ، فتزاحم الشغل والكسل فى وقتها ، والله أعلم . قال ~~المهلب : فى حديث أبى هريرة أن أهم ما يسأل عنه العبد عند ملاقاة ربه : ~~الصلاة ، وأن أهم الصلوات صلاة الصبح وصلاة العصر ؛ لاجتماع الملائكة فيهما ~~، وأن الله تعالى ، يسأل عما أكد المحافظة عليه منهما ، فلذلك عرفهم أنهم ~~ملاقوه وأنهم يرونه ، ويسألهم عن ذلك . وقوله : ( لا تضامون ) كأنه من ~~الضيم ، من رواه مخفف الميم معناه : لا يضيم بعضكم بعضا بأن يدفعه عنه أو ~~يستأثر به دونه . وقال بعض أهل اللغة : إنما هو تضامون ، بإدغام الميم ، ~~على تقدير تفاعلون ، وهو من الانضمام يريد أنكم لا تختلفون فيه حتى تجتمعوا ~~للنظر وينضم بعضكم إلى بعض ، فيقول واحد : هو ذاك ، ويقول آخر : ليس ، كذلك ~~فعل الناس عند النظر إلى الهلال أول ليلة من الشهر ، قاله ابن قتيبة . قال ~~: وكذلك فى رواية من روى : ( تضارون ) ، وهو من ms0431 الضير PageV02P180 أى لا ~~يضير بعضكم بعضا بأن يدفعه عنه ويستأثر به دونه ، وقال بعض أهل اللغة : ~~إنما هو تضارون من الضرار وهو أن يتضارر الرجلان عند الاختلاف ، يقال : ضار ~~الرجل الرجل مضارة وضرارا ، وقد وقع الضرار بينهما والاختلاف . * * * # | 14 - باب من أدرك ركعة من العصر قبل الغروب # / 28 - فيه : أبو هريرة قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( ~~إذا أدرك أحدكم سجدة من صلاة العصر قبل أن تغرب الشمس ، فليتم صلاته ، وإذا ~~أدرك سجدة من صلاة الصبح ، قبل أن تطلع الشمس ، فليتم صلاته ) . / 29 - ~~وفيه : ابن عمر قال : قال النبى : ( إنما بقاؤكم فيما سلف قبلكم من الأمم ~~كما بين صلاة العصر إلى غروب الشمس ، أوتي أهل التوراة التوراة ، فعملوا ~~حتى إذا انتصف النهار عجزوا ، فأعطوا قيراطا قيراطا ، ثم أوتي أهل الإنجيل ~~الإنجيل ، فعملوا إلى صلاة العصر ، ثم عجزوا ، فأعطوا قيراطا قيراطا ، ثم ~~أوتينا القرآن ، فعملنا إلى غروب الشمس ، فأعطينا قيراطين قيراطين ، فقال ~~أهل الكتابين : أي رب ، أعطيت هؤلاء قيراطين قيراطين ، وأعطيتنا قيراطا ~~قيراطا ، ونحن كنا أكثر عملا ، قال : قال الله : هل ظلمتكم من أجركم من شيء ~~؟ قالوا : لا ، قال : فهو فضلي أوتيه من أشاء ) . / 30 - وفيه : أبو موسى ~~قال الرسول - صلى الله عليه وسلم - : ( مثل المسلمين واليهود والنصارى كمثل ~~رجل استأجر قوما ، يعملون له عملا إلى الليل ، فعملوا إلى نصف PageV02P181 ~~النهار ، فقالوا : لا حاجة لنا إلى أجرك ، فاستأجر آخرين ، فقال : أكملوا ~~بقية يومكم ، ولكم الذي شرطت ، فعملوا حتى إذا كان وقت العصر ، قالوا : لك ~~ما عملنا ، فاستأجر قوما ، فعملوا بقية يومهم ، حتى غابت الشمس ، واستكملوا ~~أجر الفريقين ) . قوله - صلى الله عليه وسلم - : ( من أدرك سجدة ) يريد ~~ركعة ، فكنى بذكر السجدة عنها ؛ إذ لا يكون مدركا سجدة إلا بعد إدراك ركعة ~~، وقد جاء حديث أبى هريرة هذا بلفظ آخر عنه أنه قال : ( من أدرك ركعة من ~~صلاة الصبح قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح ، ومن أدرك ركعة من صلاة ~~العصر قبل أن تغرب الشمس ، فقد أدرك العصر ) . ومعلوم أن ms0432 الرسول لم يرد ~~الركوع خاصة حتى يكون معه سجود ، فمرة عبر بالسجود عن الركوع ، ومرة اقتصر ~~على ذكر الركوع . وأئمة الفتوى متفقون على أن من لم يدرك الركعة لم يدرك ~~السجدة ، وهذا الحديث عند الفقهاء خرج مخرج العموم ، ومعناه الخصوص ؛ لنهيه ~~عليه السلام ، أن يتحرى بالصلاة طلوع الشمس وغروبها ، فالمراد به أصحاب ~~الضرورات ؛ لأنهم لا يلزمهم صلاة إلا أن يدركوا منها ركعة ، أو يدركوا من ~~الصلاتين المشتركتين الأولى منهما ، وركعة من الثانية ، وهم : المغمى عليه ~~والمجنون يفيقان ، والحائض تطهر ، والكافر يسلم ، والصبى يبلغ ، كل هؤلاء ~~عند مالك يصلون الصلاة التى يدركون منها ركعة بسجدتيها فى آخر وقتها ، فإن ~~لم يدركوا منها ركعة بسجدتيها بعد الفراغ مما يلزمهم من الطهارة لم يجب ~~عليهم أن يصلوا ، وقال الشافعى مثله فى أحد قوليه ، واختلف قوله فيهم إذا ~~أدركوا ركعة من العصر ، فقال : يعيدون الظهر والعصر ، وكذلك لو PageV02P182 ~~أدركوا مقدار تكبيرة الإحرام من العصر ، فوافقه أبو حنيفة فى أنهم إن ~~أدركوا من وقت صلاة مقدار تكبيرة الإحرام فقد أدركوها . واحتج أصحاب ~~الشافعى فقالوا : إنما أراد الرسول بذكر الركعة البعض من الصلاة ، فكأنه ~~قال : من أدرك عمل بعض الصلاة فى الوقت ، والدليل على ذلك قوله : من أدرك ~~ركعة ، وقال مرة أخرى : من أدرك سجدة ، فدل أنه أراد البعض ، والتكبير بعض ~~الصلاة . وقال ابن القصار : فالجواب أن هذا ينقض عليه أصله فى الجمعة ؛ ~~لأنه يقول : من لم يدرك ركعة بسجدتيها من الجمعة ؛ فلم يدركها . والحجة ~~لقول مالك قوله عليه السلام : ( من أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس ~~فقد أدرك العصر ) ، فدل هذا الكلام أنه لا يكون مدركا بإدراك أقل من ركعة ؛ ~~إذ لو كان أقل من ركعة بمنزلتها لم يكن لتخصيصها بركعة معنى ، وتكبيرة ~~الإحرام لا تسمى ركعة ، ويبين صحة هذا قوله : ( من أدرك ركعة من الصلاة فقد ~~أدرك الصلاة ) ، وهذا يلزم من قال : إنه إن أدرك ركعة من العصر قبل غروب ~~الشمس وجب عليه أن يصلى الظهر والعصر ؛ لأنه عليه السلام إنما جعل ms0433 من أدرك ~~ركعة من العصر قبل غروب الشمس مدركا لصلاة واحدة وهى العصر ، فلا يجوز أن ~~يكون مدركا لغيرها ، ولا يجوز أن يجب عليه غير ما أوجبه الرسول ، وقد ~~اتفقنا أنه لو بلغ الصبى وأسلم الكافر ، وطهرت الحائض فى وقت المغرب لم ~~تلزمهم صلاة الصبح ، فكذلك صلاة الظهر ؛ لأنه لم يدرك من وقتها شيئا ، ~~وأيضا فإن الشافعى يقول : إن صلاة الظهر تفوت قبل دخول وقت العصر ، فإن ~~فاتت فلا قضاء لما فات وقته . PageV02P183 ويقول أبو حنيفة ، فيمن عدا ~~المغمى عليه ، أنهم إن أدركوا العصر فى وقتها لم يقضوا صلاة الظهر ؛ لأن ~~بينها وبين العصر وقتا تفوت فيه . وفى حديث أبى هريرة من الفقه حجة لما ذهب ~~إليه عامة الفقهاء أنه من نام عن صلاة الصبح أو نسيها ، فأدرك منها ركعة ~~قبل طلوع الشمس وركعة بعدها أنه يتمها ، وكذلك العصر ، هذا قول مالك ، ~~والثورى ، والأوزاعى ، والشافعى ، وعامة العلماء . وخالف بعض هذا الحديث ~~أبو حنيفة فقال : إن أدرك ركعة من العصر قبل مغيب الشمس أنه يتمها بعد مغيب ~~الشمس ، ولا يصلى غير عصر يومه فى ذلك الوقت ، ولا يجوز أن يقضى فيه صلاة ~~فائتة غيرها ، وإذا أدرك ركعة من الصبح قبل طلوع الشمس بطلت صلاته ، ~~واسقبلها بعد ارتفاع الشمس . وأصحاب الضرورات عنده إذا لم يدركوا إلا ذلك ~~الوقت لم يلزمهم شىء ، واحتج بأن العصر يقع آخرها فى وقت يصلح للإنسان أن ~~يبتدئ الصلاة فيه ، وليس هكذا طلوع الشمس ؛ لأنه ليس وقتا للصلاة ، وقالوا ~~: ألا ترى أن النبى - صلى الله عليه وسلم - قد أخر الصلاة حين نومه عن ~~الصبح من أجل انتباهه عند طلوع الشمس ، ولم يصلها حتى ارتفعت ، وهذا رد ~~لحديث أبى هريرة ؛ لأنه عليه السلام قال : ( من أدرك ركعة من صلاة العصر ~~قبل غروب الشمس فليتم صلاته ، ومن أدرك ركعة من صلاة الصبح قبل أن تطلع ~~الشمس فليتم صلاته ) ، فسوى بين العصر والصبح فى أن حكمهما واحد فى الإتمام ~~بعد غروب الشمس وبعد طلوعها ، وقد يجوز أن يبتدئ قضاء الفرض فى ms0434 وقت ~~PageV02P184 لا يجوز أن تؤخر الصلاة إليه ، فكذلك يجوز أن يقع آخر صلاته فى ~~وقت لا يجوز أن يبتدئ الصلاة فيه ، وعلتهم تقلب عليهم ؛ فيقال : إن العصر ~~قد ابتدأها فى وقت لا يجوز أن يفعلها فيه ، وصلاة الصبح ابتدأها فى وقتها ، ~~فإذا جاز ذلك فى العصر فالصبح أولى . قال المهلب : وإنما أدخل حديث ابن عمر ~~وأبى موسى فى هذا الباب بقوله : ( ثم أوتينا القرآن فعملنا إلى غروب الشمس ~~، فأعطينا قيراطين قيراطين ) ، ليدل على أنه قد يستحق بعمل البعض أجر الكل ~~، مثل الذى أعطى من العصر إلى الليل أجر النهار كله لمستأجريه أولى ، فمثل ~~هذا الذى أعطى على كل ركعة أدرك وقتها أجر الصلاة كلها فى آخر الوقت . وأما ~~احتجاجهم بأن الرسول أخر الصلاة فى الوادى حين انتبه حتى ارتفعت الشمس ، ~~فلا حجة لهم فيه ؛ لأنه قد ثبت أنهم لم يستيقظوا يومئذ حتى أيقظهم حر الشمس ~~، ولا يكون لها حرارة إلا والصلاة جائزة ذلك الوقت . * * * # | 15 - باب وقت المغرب # وقال عطاء : يجمع المريض بين المغرب والعشاء . / 31 - فيه : رافع بن خديج ~~قال : ( كنا نصلي المغرب مع النبي - صلى الله عليه وسلم - فينصرف أحدنا ~~وإنه ليبصر مواقع نبله ) . PageV02P185 / 32 - وفيه : جابر قال : ( كان ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - يصلي الظهر بالهاجرة ، والعصر والشمس بيضاء ~~نقية ، والمغرب إذا وجبت ، والعشاء أحيانا ، وأحيانا إذا رآهم اجتمعوا عجل ~~، وإذا رآهم أبطئوا أخر ، والصبح كانوا أو كان الرسول يصليها بغلس ) . / 33 ~~- وفيه : سلمة قال : ( كنا نصلي مع النبي - صلى الله عليه وسلم - المغرب ~~إذا توارت بالحجاب ) . / 34 - وفيه : ابن عباس قال : ( صلى النبي سبعا ~~جميعا ، وثمانيا جميعا ) . أجمع العلماء على أن وقت المغرب غروب الشمس ، ~~وذهب مالك والأوزاعى ، وأحد قولى الشافعى أن وقت المغرب غروب الشمس ، لا ~~يؤخر عنه فى الاختيار ، وذهب أبو حنيفة ، والثورى ، وأحمد ، وإسحاق إلى أن ~~لها وقتين . وقد قال مالك فى الموطأ ما يدل على هذا ، قال : إذا غاب الشفق ~~خرج وقت المغرب ودخل وقت العشاء ، وقال محمد بن مسلمة ، من أصحاب ms0435 مالك : ~~أول وقت المغرب غروب الشمس ، ولمن شاء تأخيرها إلى مغيب الشفق فذلك له ، ~~وهو منها فى وقت غيره أحسن منه ، واحتج الذين قالوا : إن لها وقتين بقوله ~~عليه السلام : ( إذا حضر العشاء وأقيمت الصلاة فابدوا بالعشاء ) ، وكل ذلك ~~يدل على سعة الوقتية قالوا : وقد قرأ فيها الرسول بالطور ، والصافات ، ~~والأعراف ، والحجة لمالك ومن وافقه أن الروايات لم تختلف فى PageV02P186 ~~صلاة جبريل بالنبى ؛ فإنه صلى به العشاء فى وقت واحد ، وكذلك أحاديث هذا ~~الباب كلها تدل على ذلك ، ألا ترى أن قول رافع بن خديج : ( كنا ننصرف من ~~المغرب مع رسول الله ، وأحدنا يبصر مواقع نبله ) ، وقال جابر : ( كان النبى ~~- صلى الله عليه وسلم - يصلى المغرب إذا وجبت الشمس ) ، وقال سلمة : ( إذا ~~توارت بالحجاب ) ، وهذا كله يدل على المبادرة بها عند غروب الشمس . وقال ~~ابن خواز بنداذ : إن الأمصار كلها بأسرها لم يزل المسلمون على تعجيل المغرب ~~فيها ، ولا نعلم أحدا أخر إقامتها فى مسجد جماعة عن غروب الشمس ، وفى هذا ~~ما يكفى مع العمل بالمدينة على تعجيلها ، ولو كان وقتها واسعا لعمل ~~المسلمون فيها كسائر الصلوات ، من أذان المؤذنين واحدا بعد واحد ، والركوع ~~بين الأذان والإقامة لها ، فتركهم ذلك دليل على المبادرة بها ، وكان عمر بن ~~الخطاب يكتب إلى عماله : ولا تنتظروا بصلاتكم اشتباك النجوم ، وصلوها ~~والفجاج مسفرة . وصلاها ابن مسعود حين غربت الشمس ، وقال : هذا والذى لا ~~إله إلا هو وقت هذه الصلاة ، ولم يرو عن أحد من الصحابة أنه أخر عن هذا ~~الوقت . وقوله : ( والصبح كانوا ، أو كان النبى - صلى الله عليه وسلم - ~~يصليها بغلس ) ، فالمعنى كانوا مع النبى مجتمعين أو لم يكونوا مجتمعين ، ~~فإنه - صلى الله عليه وسلم - كان يصليها بغلس ، ولا يصنع فيها كما كان يصنع ~~فى العشاء من تعجيلها إذا اجتمعوا أو تأخيرها إذا أبطئوا ، وإنما كان شأنه ~~التعجيل بها أبدا ، وهذا من أفصح الكلام . وفيه حذفان : حذف الخبر ( كانوا ~~) وهو جائز كحذف خبر المبتدأ PageV02P187 كقوله تعالى : { واللائى لم يحضن ~~} [ الطلاق : 4 ] ، فالمعنى : واللائى ms0436 لم يحضن فعدتهن ثلاثة أشهر ، فحذف ~~الجملة التى هى الخبر لدلالة ما تقدم عليه ، ويحذف خبر ( لكن ) أيضا كقول ~~الشاعر : فلو كنت ضبيا عرفت قرابتى ولكن زنجيا عظيم المشافر المعنى : ولكن ~~زنجيا عظيم المشافر لا يعرف قرابتى . وقوله : ( أو ) يعنى : لم يكونوا ~~مجتمعين ، حذف الجملة التى بعد ( أو ) مع كونها مقتضية لها كقول ذى الرمة : ~~فلما لبسن الليل أو حين نصبت له من خدى آذانها وهو جانح أراد : أو حين أقبل ~~الليل فحذف ( أقبل ) مع كون ( حين ) مقتضية له من حيث هى مضافة إليه ، فإذا ~~جاز حذف المضاف إليه مع كونه كالجزء من المضاف ، كان حذف ما بعد ( أو ) ~~أقرب ؛ لأنه ليس كالجزء منها . * * * # | 16 - باب من كره أن يقال للمغرب العشاء # / 35 - فيه : عبدالله بن مغفل أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - قال : ( ~~لا تغلبنكم الأعراب على اسم صلاتكم المغرب ، قال : وتقول الأعراب : هي ~~العشاء ) . قال المهلب : إنما كره أن يقال للمغرب العشاء ، والله أعلم ؛ ~~لأن التسمية من الله ورسوله لا تترك لرأى أحد لقوله تعالى : { وعلم آدم ~~الأسماء كلها ثم عرضهم } [ البقرة : 31 ] . قال غيره : وهذا يدل أنه لا يجب ~~أن يقال : للمغرب العشاء الأولى كما تقول العامة ، وينبغى أن تفرد كل صلاة ~~باسمها ، ليكون PageV02P188 أبعد لها من الإشكال إلا العتمة ؛ فإنها قد صحت ~~فى الآثار الثابتة لها اسمان : العتمة والعشاء . * * * # | 17 - باب ذكر العشاء والعتمة ومن رآه واسعا # فيه : أبو هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - : أثقل الصلاة على ~~المنافقين : العشاء والفجر ، وقال : لو يعلمون ما في العتمة والفجر . قال ~~أبو عبد الله : والاختيار أن يقال العشاء ، لقوله : { ومن بعد صلاة العشاء ~~} [ النور 58 ] . ويذكر عن أبي موسى قال : كنا نتناوب الرسول - صلى الله ~~عليه وسلم - عند صلاة العشاء ، فأعتم بها . وقال ابن عباس وعائشة : أعتم ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - بالعشاء . وقال بعضهم عن عائشة : أعتم النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - بالعتمة . وقال جابر : كان النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - يصلي العشاء ، وقال أبو برزة ms0437 ، كان النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~يؤخر العشاء . وقال أنس : أخر النبي - صلى الله عليه وسلم - العشاء الآخرة ~~، وقال ابن عمر وأبو أيوب وابن عباس : النبي - صلى الله عليه وسلم - المغرب ~~والعشاء . / 36 - فيه : ابن عمر قال : ( صلى لنا النبى - صلى الله عليه ~~وسلم - ليلة صلاة العشاء ، وهي التي يدعو الناس : العتمة ، ثم انصرف ، ~~فأقبل علينا ، فقال : أرأيتكم ليلتكم هذه ؟ ، فإن رأس مائة سنة منها لا ~~يبقى ممن هو على ظهر الأرض أحد ) . هذا يدل على أن العشاء لها اسمان فى ~~القرآن والسنة ، فأما PageV02P189 القرآن ، فقوله تعالى : { ومن بعد صلاة ~~العشاء } [ النور : 58 ] ، وأما السنة ، فقوله عليه السلام : ( لو تعلمون ~~ما فى العتمة والفجر ) ، وإن كان السلف قد اختلفوا فى ذلك ، فروى عن ابن ~~عمر أنه كره أن يقال لها : ( العتمة ) ، وعن سالم ، وابن سيرين مثله ، ~~وأجازه أبو بكر الصديق ، وابن عباس ، وذكر ذلك ابن أبى شيبة . قال الطبرى : ~~وأصل ذلك من استعتام النعم ، يقال : حلبها عتمة ، والعتمة بقية اللبن تغبق ~~بها الناقة بعد هوى من الليل ، فقيل لها : العتمة ؛ لأنها كانت تصلى حين ~~تغبق النعم ، وقيل لكل مبطئ بأمر : عتم بكذا : إذا أبطأ به ، وقد عتم هذا ~~الأمر وعتم فهو عاتم ومعتم : إذا أبطأ . قال المهلب : وقد احتج بهذا الحديث ~~من زعم أن الخضر ليس بحى ، ولو كان حيا حين قال الرسول هذا القول ، لم ~~يجاوز المائة السنة ، وقال تعالى : { وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد } [ ~~الأنبياء : 34 ] . * * * # | 18 - باب وقت العشاء إذا اجتمع الناس أو تأخروا # / 37 - فيه : جابر قال : ( كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يصلي الظهر ~~بالهاجرة ، والعصر والشمس حية ، والمغرب إذا وجبت ، والعشاء إذا كثر الناس ~~عجل ، وإذا قلوا أخر ، والصبح بغلس ) . وأما قوله : ( والعشاء إذا كثر ~~الناس عجل ) ، فتعجله بها كان بعد مغيب الشفق ، وقد أجمع العلماء أن وقت ~~العشاء الآخرة مغيب الشفق . PageV02P190 واختلفوا فى مغيب الشفق ، فروى عن ~~ابن عباس ، وابن عمر ، وعبادة بن الصامت ، أنها الحمرة التى تكون فى المغرب ~~بعد غروب ms0438 الشمس ، وهو قول مكحول ، وابن أبى ليلى ، ومالك ، والثورى ، ~~والأوزاعى ، وأبى يوسف ، ومحمد ، والشافعى ، وقال أبو حنيفة ، والمزنى : ~~الشفق : البياض الذى بعد الحمرة ، فإذا غاب ذلك البياض وجبت العشاء الآخرة ~~، وقد روى عن ابن عباس أيضا أنه البياض ، وعن أبى هريرة ، وأنس مثله ، وهو ~~قول عمر بن عبد العزيز . وذكر ابن شعبان ، عن مالك ، قال : إذا ذهبت الحمرة ~~وبقى البياض ، فأرجو أن تجزئ المصلى صلاته ، وما ذلك عنده باليقين ، وذهاب ~~البياض هو الذى لا شك فيه ، وفيه قول ثالث : أن الشفق اسم لمعنيين عند ~~العرب ، وهما الحمرة والبياض ، وكان على يصليها إذا غاب الشفق ، وقال عمر : ~~عجلوا العشاء قبل أن يكسل العامل وينام المريض . وأما تأخيرها فسيأتى فى ~~بابه ذكر الاختلاف فيه ، إن شاء الله ، وكان رسول الله يستحب تأخير العشاء ~~، ويكره ما يشق على أمته من طول انتظارها ؛ لأنه كان رءوفا بالمؤمنين ، ~~فلذلك كان يعجلها إذا اجتمعوا . ومن هذا الحديث استدل مالك ، والله أعلم ، ~~على أن صلاة الجماعة فى وسط الوقت أفضل من الصلاة فى أوله فرادى ، واستحب ~~مالك لمساجد الجماعات أن يؤخروا الصلاة حتى يجتمع الناس طلبا للفضل ؛ لأن ~~المنتظر للصلاة فى صلاة . PageV02P191 * * * # | 19 - باب فضل العشاء # / 38 - فيه : عائشة قالت : ( أعتم رسول الله ليلة بالعشاء ، وذلك قبل أن ~~يفشو الإسلام ، فلم يجىء حتى قال عمر : نام النساء والصبيان ، فخرج ، فقال ~~لأهل المسجد : ما ينتظرها أحد من أهل الأرض غيركم ) . / 39 - وفيه : أبي ~~موسى قال : اشتغل الرسول في بعض أمره ، فأعتم بالصلاة ، حتى ابهار الليل ، ~~ثم خرج فصلى بهم ، فلما قضى صلاته ، قال لمن حضره : ( على رسلكم أبشروا إنه ~~من نعمة الله عليكم ، أنه ليس أحد من الناس يصلي هذه الساعة غيركم ) . فيه ~~: إباحة العشاء إذا علم أن بالقوم قوة على انتظارها ؛ ليحصلوا على فضل ~~الانتظار ثم الصلاة ؛ لأن المنتظر للصلاة فى صلاة ، وهذا لا يصلح اليوم ~~لأئمتنا ؛ لأن الرسول لما أمر الأئمة بتخفيف الصلاة ، وقال : ( إن فيهم ~~الضعيف والسقيم وذا الحاجة ) ، كان ترك التطويل عليهم فى انتظارها ms0439 أولى . ~~وقد روى مجالد ، عن عامر ، عن جابر ، قال : ( أبطأ رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - ذات ليلة عن صلاة العشاء حتى ذهب هوى من الليل ، حتى نام بعض ~~من كان فى المسجد ، ثم خرج فقال : ( لولا ضعف الضعيف ، وبكاء الصغير ، ~~لأخرت العشاء إلى عتمة من الليل ) ، ذكره الطبرى . وتأخيره عليه السلام ، ~~الصلاة إلى هذا الوقت من الليل ، إنما كان من أجل الشغل الذى منعه منها ، ~~ولم يكن ذلك من فعله عادة ، وقد جاء فى بعض طرق هذا الحديث معنى شغله : ما ~~كان روى الأعمش ، عن أبى سفيان ، عن جابر قال : ( جهز رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - ذات ليلة جيشا حتى قرب نصف الليل ، أو ثلثه ، خرج إلينا رسول ~~الله فقال : PageV02P192 ( قد صلى الناس ورقدوا ، وأنتم تنتظرون الصلاة ، ~~أما إنكم لم تزالوا فى صلاة ما انتظرتموها ) . وروى زر بن حبيش ، عن ابن ~~مسعود ، قال : خرج علينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ونحن ننتظر ~~العشاء ، فقال لنا : ( ما على الأرض أحد من أهل الأديان ينتظر هذه الصلاة ~~فى هذا الوقت غيركم ) ، فنزلت : { ليسوا سواء من أهل الكتاب أمة قائمة ~~يتلون آيات الله أناء الليل وهم يسجدون } [ آل عمران : 113 ] ، وليسوا ~~كالمشركين الذين يجحدون ذلك كله ، ذكره الطبرى . وقوله : ( ابهار الليل ) : ~~انتصف ، عن ابن السكيت ، والبهرة : الوسط من الإنسان والدابة وغيرهما ، ~~يقال : ابهار النهار حين ترتفع الشمس ، ويقال : ابهار الليل : ذهب عامته ، ~~وبقى نحو من ثلثه ، وقد ابهار عليه الليل : أى طال . وقال سيبويه : لا ~~نتكلم بابهار إلا مزيدا وهو فى القمر . وقال أبو سعيد الضرير : قد يبهار ~~الليل قبل أن ينتصف ، وابهراره طلوع نجومه إذا تتامت ؛ لأن الليل إذا أقبل ~~أقبلت فحمته ، فإذا تطالعت نجومه واشتبكت ، ذهبت تلك الفحمة ، والباهر ~~الممتلئ نورا ، قال الأعشى : حكمتموه فقضى بينكم أبلج مثل القمر الباهر ~~وقال صاحب ( العين ) : أعتم القوم وعتموا : إذا صاروا فى العتمة أو وردوا . ~~PageV02P193 * * * # | 20 - باب ما يكره من النوم قبل العشاء # / 40 - فيه : أبو برزة ( أن نبى الله - صلى ms0440 الله عليه وسلم - كان يكره ~~النوم قبل العشاء ، والحديث بعدها ) . قال المهلب : إنما كره النوم قبل ~~العشاء لئلا يستغرق فى النوم ، فيفوته وقتها المستحب ، وربما فاته وقتها ~~كله ، فمنع من ذلك قطعا للذريعة . واختلف السلف فى النوم قبلها ، فكان ابن ~~عمر يكاد يسب الذى ينام قبل العشاء . وقال أنس : كنا نجتنب الفرش قبل صلاة ~~العشاء ، وكتب عمر ألا ينام قبل أن يصليها ، فمن نام فلا نامت عينه . وكره ~~ذلك : أبو هريرة ، وابن عباس ، وعن عطاء ، وطاوس ، وإبراهيم ، ومجاهد مثله ~~، وهو قول مالك ، والكوفيين . ورخصت فيه طائفة روى عن على بن أبى طالب أنه ~~كان ربما غفا قبل العشاء ، وكان ابن عمر ينام ويوكل من يوقظه ، وعن أبى ~~موسى ، وعبيدة مثله ، وعن عروة ، وابن سيرين والحكم أنهم كانوا ينامون نومة ~~قبل الصلاة ، وكان أصحاب عبد الله يفعلون ذلك ، وقال به بعض الكوفيين واحتج ~~لهم الطحاوى ، وقال : إنما كره النوم قبلها لمن خشى عليه فوت وقتها ، أو ~~فوت الجماعة فيها ، وأما من وكل لنفسه من يوقظه لوقتها ، فمباح له النوم ، ~~واحتجوا بفعل ابن عمر ، وأبى موسى ، وعبيدة ، فدل أن النهى عن النوم قبلها ~~ليس هو نهى تحريم لفعل الصحابة له ، لكن الأخذ بظاهر الحديث أنجى وأحوط . ~~PageV02P194 وقال الطحاوى : قال الليث : قول عمر بن الخطاب : فمن رقد بعد ~~المغرب فلا أرقد الله عينه ، أن ذلك بعد ثلث الليل الأول ، وقال الطحاوى : ~~تحمل الكراهة على أنها بعد دخول وقت العشاء ، والإباحة قبل دخول وقتها ، ~~وسيأتى بيان السمر المنهى عنه بعد العشاء ، والسمر المباح بعد هذا فى موضعه ~~، إن شاء الله . * * * # | 21 - باب النوم قبل العشاء لمن غلب # / 41 - فيه : عائشة قالت : ( أعتم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~بالعشاء ، حتى ناداه عمر : الصلاة ، نام النساء والصبيان ، فخرج ، فقال : ~~ما ينتظرها من أهل الأرض أحد غيركم ، قال : ولا يصلى يومئذ إلا بالمدينة ، ~~وكانوا يصلون فيما بين الشفق إلى ثلث الليل ) . / 42 - وفيه : ابن عمر ( أن ~~النبى - صلى الله عليه وسلم - شغل عنها ليلة ، فأخرها حتى ms0441 رقدنا في المسجد ~~، ثم استيقظنا ، ثم رقدنا ، ثم استيقظنا ، ثم خرج علينا عليه السلام ، ثم ~~قال : ( ليس أحد من أهل الأرض ينتظر الصلاة غيركم ) ، وكان ابن عمر لا ~~يبالي قدمها أم أخرها ، إذا كان لا يخشى أن يغلبه النوم عن وقتها ، وقد كان ~~يرقد قبلها ) . / 43 - وفيه : ابن عباس قال : أعتم رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - ليلة بالعشاء حتى رقد الناس ، واستيقظوا ، ورقدوا ، واستيقظوا ~~، فقام عمر بن الخطاب ، فقال : الصلاة ، فخرج الرسول ، وقال : ( لولا أن ~~أشق على أمتي لأمرتهم أن يصلوها هكذا ) . PageV02P195 النوم المذكور فى هذا ~~الحديث إنما هو نوم القاعد الذى يخفق برأسه لا نوم المضطحع ، والدليل على ~~ذلك أنه لم يكن يذكر أحد من الرواة أنهم توضئوا من ذلك النوم ، ولا يدل ~~قوله : ( ثم استيقظوا ) على النوم المستغرق الذى يزيل العقل وينقض الوضوء ؛ ~~لأن العرب تقول : استيقظ من سنته وغفلته ، وإلى هذا ذهب الشافعى فى أن نوم ~~الجالس لا ينقض الوضوء ، ويشبه أيضا مذهب مالك فى مراعاته النوم الخفيف فى ~~كل الأحوال ؛ لأنه ليس بحدث وهو رد على المزنى فى قوله : إن قليل النوم ~~وكثيره حدث ينقض الوضوء ؛ لأنه محال أن يذهب على أصحاب الرسول أن النوم حدث ~~ينقض الوضوء ، فيصلون بالنوم ، ولا يسألون رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- عن ذلك ، وقد روى عن ابن عمر ، وابن عباس ، وأبى أمامة ، وأبى هريرة أنهم ~~كانوا ينامون قعودا ، ولا يتوضئون ، فدل هذا أنه كان نوما خفيفا . فإن قال ~~قائل : فقد جاء عن أنس أنهم حين كانوا ينتظرون الصلاة مع النبى ، عليه ~~السلام ، ناموا مضطجعين ، ثم صلوا ولم يتوضئوا ، ذكره الطبرى ، عن شعبة ، ~~عن قتادة ، عن أنس ، قال : ( كان أصحاب رسول الله ينتظرون الصلاة مع الرسول ~~فيضعون جنوبهم ، ثم يقمون فيصلون ولا يتوضئون ) . ففى هذا حجة لمن لم ير من ~~النوم وضوءا أصلا ، وهو قول أبى موسى الأشعرى ، وأبى مجلز ، وعمرو بن دينار ~~، فهذا خلاف ما تأولت فى هذه الأحاديث ، أنهم كانوا ينامون نوما خفيفا . ~~قيل : قد جاء حديث ms0442 قتادة ، عن أنس بلفظ آخر ، وفيه ما يدل على ما قلناه وهو ~~قوله : ( ثم يقومون ) ، فمنهم من يتوضأ ومنهم من PageV02P196 لا يتوضأ ، ~~ذكره الطبرى ، فبان بهذا الحديث أن من استغرق فى نومه مضطجعا أو جالسا ، ~~فهم الذين كانوا يتوضئون ، ومن كان نومه خفيفا فهم الذين كانوا لا يتوضئون ~~كما قلنا ، وإجماع العلماء على أن النوم مزيل للعقل ينقض الوضوء ، يرد قول ~~من لم ير من النوم وضوءا أصلا . وأما نوم ابن عمر قبل العشاء ، فيدل ، ~~والله أعلم ، أنه كان منه نادرا إذا غلبه النوم ، فكان يوكل من يوقظه على ~~ما ذهب إليه بعض الكوفيين ، وروى معمر ، عن أيوب ، عن نافع : أن ابن عمر ~~كان ربما رقد من العشاء الآخرة ، ويأمر أن يوقظوه . وقوله : ( ربما ) ، يدل ~~أنه كان منه فى النادر ، فيحتمل أن يفعله إذا أراد أن يجمع بأهله ، أو لعذر ~~يمنعه من حضور الجماعة ، ثم يجمع بأهله ، والله أعلم . * * * # | 22 - باب وقت العشاء إلى نصف الليل # قال أبو برزة : كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يستحب تأخيرها . / 44 - ~~فيه : أنس : أخر النبي صلاة العشاء إلى نصف الليل ، ثم صلى ، ثم قال : ( قد ~~صلى الناس وناموا ، أما إنكم في صلاة ما انتظرتموها ) . اختلف العلماء فى ~~وقت عشاء الآخرة ، فروى عن عمر بن الخطاب ، وأبى هريرة أن آخر وقتها إلى ~~ثلث الليل ، وهو قول عمر بن PageV02P197 عبد العزيز ، ومكحول ، وإليه ذهب ~~مالك لغير أصحاب الضرورات ، واستحب لمساجد الجماعات ألا يعجلوها فى أول ~~وقتها إذا كان ذلك غير مضر بالناس ، وتأخيرها قليل أفضل عنده ، وعند ~~الشافعى وقتها إلى ثلث الليل أيضا ، وقال النخعى : آخر وقتها ربع الليل . ~~وذهب أبو حنيفة ، والثورى : إلى أن آخر وقتها نصف الليل ، وروى عن ابن عباس ~~أن آخر وقتها طلوع الفجر ، وقد روى ابن وهب ، عن مالك مثله ، وهذا لمن له ~~الاشتراك من أهل الضرورات . وحجة من قال : آخر وقتها ثلث الليل ، قول عائشة ~~فى الباب الذى قبل هذا : ( فكانوا يصلونها فيما بين أن يغيب الشفق إلى ثلث ms0443 ~~الليل ) . وحجة من قال : وقتها نصف الليل ، حديث أنس الذى فى هذا الباب ، ~~أن النبى - صلى الله عليه وسلم - أخر العشاء إلى نصف الليل . وقال بعض ~~العلماء : وهذا عندى على معنى التعليم لأمته بآخر الوقت المختار ، كما فعل ~~عليه السلام ، حين صلى الصبح حين طلع الفجر ثم صلاها فى اليوم الثانى حين ~~أسفر إعلاما منه بسعة الوقت ، ولذلك قال : ( ما بين هذين وقت ) . * * * # | 23 - باب فضل صلاة الفجر # / 45 - فيه : جرير : أن نبي الله إذ نظر إلى القمر ليلة البدر ، فقال : ( ~~أما إنكم سترون ربكم كما ترون هذا ، لا تضامون ، أو قال : لا تضاهون في ~~رؤيته ، فإن استطعتم ألا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وقبل PageV02P198 ~~غروبها ، فافعلوا ، ثم قال : { وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل غروبها } ~~[ طه : 130 ] . / 46 - وفيه : أبو موسى ، قال عليه السلام : ( من صلى ~~البردين ، دخل الجنة ) . فى حديث جرير فضل المبادرة والمحافظة على صلاة ~~الصبح والعصر ، وأن بذلك تناول رؤية الله تعالى ، يوم القيامة ، وإنما خصتا ~~بالذكر والتأكيد لفضلهما باجتماع ملائكة الليل ، وملائكة النهار فيها ، وهو ~~معنى قوله تعالى : { إن قرآن الفجر كان مشهودا } [ الإسراء : 78 ] . وأما ~~قوله عليه السلام : ( من صلى البردين دخل الجنة ) ، فإن أبا عبيدة قال : ~~المراد بذلك الصبح والعصر ، والعرب تقول للغداة والعشى : بردا النهار ~~وأبرداه ، قال الخطابى : وإنما قيل لهما : بردان ، وأبردان لطيب الهواء ، ~~وبرده فى هذين الوقتين ، وأنشد ثعلب : فلا الظل من برد الضحى تستطيعه ولا ~~الفىء من برد العشى تذوق قال : وأما قوله : ( إذا اشتد الحر ، فأبردوا عن ~~الصلاة ) ، فليس هذا من بردى النهار ؛ لأنه لا يجوز تأخير الظهر إلى ذلك ~~الوقت ، وإنما الإبراد : انكسار وهج الشمس بعد الزوال ، وسمى ذلك إبرادا ؛ ~~لأنه بالإضافة إلى حر الهاجرة برد ، وقد روى مثل هذا التفسير عن محمد بن ~~كعب القرظى . PageV02P199 * * * # | 24 - باب وقت الفجر # / 47 - فيه : زيد بن ثابت حدثهم : ( أنهم تسحروا مع النبي عليه السلام ، ~~ثم قاموا إلى الصلاة قلت : كم بينهما ؟ قال : قدر خمسين أو ستين آية ms0444 ) . / ~~48 - وفيه : سهل بن سعد يقول : ( كنت أتسحر في أهلي ، ثم يكون سرعة بي أن ~~أدرك صلاة الفجر مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ) . / 49 - وفيه : ~~عائشة : ( كن نساء المؤمنات يشهدن مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~صلاة الفجر متلفعات بمروطهن ، ثم ينقلبن إلى بيوتهن ، حين يقضين الصلاة ، ~~لا يعرفهن أحد من الغلس ) . أجمع العلماء على أن وقت صلاة الصبح طلوع الفجر ~~، وهو البياض المعترض فى الأفق الشرقى ، واختلفوا فى التغليس بها هل هو ~~أفضل أم الإسفار ، فممن كان يغلس بالفجر : أبو بكر ، وعمر ، وعثمان ، وأبو ~~موسى ، وابن الزبير ، وهو قول مالك ، والليث ، والأوزاعى ، والشافعى ، ~~وأحمد ، وإسحاق . وممن كان يسفر بالصبح : ابن مسعود ، وأبو الدرداء ، وعمر ~~بن عبد العزيز ، وأصحاب عبد الله . وقال ابن سيرين : كانوا يستحبون أن ~~ينصرفوا من الصبح ، وأحدهم يرى مواقع نبله ، وهو قول أبى حنيفة وأصحابه ، ~~والثورى ، واحتجوا لفضل الإسفار بما رواه شعبة ، عن أبى داود ، PageV02P200 ~~عن زيد بن أسلم ، عن محمود بن لبيد ، عن رافع بن خديج قال : قال رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - : ( أسفروا بالفجر ، فإنه أعظم للأجر ) . واحتج أهل ~~المقالة الأولى بمداومته عليه السلام ، ومداومة أصحابه على التغليس بها ، ~~ألا ترى قولها : ( كن نساء المؤمنات يشهدن مع رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - صلاة الفجر ، فينصرفن متلفعات لا يعرفهن أحد من الغلس ) ، وهذا ~~إخبار عن أنه كان يداوم على ذلك ، أو أنه أكثر فعله ، ولا تحصل المداومة ~~إلا على الأفضل . وزعم الطحاوى بأن آثار هذا الباب إنما تتفق بأن يكون ~~دخوله عليه السلام ، فى صلاة الصبح مغلسا ، ثم يطيل القراءة حتى ينصرف منها ~~مسفرا ، وهذا فاسد من قوله لمخالفته قول عائشة ؛ لأنها حكت أن انصرافهن من ~~الصلاة كان ولا يعرفن من الغلس . وروى حماد بن سلمة ، عن عبيد الله بن عمر ~~، عن عمرة ، عن عائشة قالت : ( كنا نصلى مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- صلاة الفجر فى مروطنا فننصرف ، وما يعرف بعضنا وجوه بعض ) . فبان بهذا ~~الحديث أن النساء ms0445 كن لا يعرفن أرجال هن أم نساء ؛ فإنهن كن يسرعن الانصراف ~~عند الفراغ من الصلاة ، ويدل أن الإمام لا يطيل القراءة جدا ، ولو أطالها ~~لما انصرفن إلا فى الإسفار البين . والذى يجمع بين حديث عائشة وبين قوله ~~عليه السلام : ( أسفروا بالفجر ) من التأويل ما قاله أحمد بن حنبل ، فإنه ~~قال : الإسفار الذى أراد عليه السلام ، هو أن يتضح الفجر ، فلا يشك أنه قد ~~طلع ، قال غيره : والإسفار فى اللغة : الكشف ، يقال : أسفرت المرأة عن ~~PageV02P201 وجهها إذا كشفته ، فكأنه قال عليه السلام : ( أسفروا بالفجر ) ~~، أى تبينوه ، ولا تغلسوا بالصلاة وأنتم تشكون فى طلوعه حرصا على طلب الفضل ~~بالتغليس ، فإن صلاتكم بعد تيقن طلوعه أعظم للأجر ، وعلى هذا التأويل لا ~~تتضاد الآثار ، ومما يشهد لصحة هذا التأويل حديث ابن مسعود أنه سأل الرسول ~~- صلى الله عليه وسلم - : ( أى الأعمال أفضل ، قال : الصلاة لأول وقتها ) ، ~~ومن جعل الإسفار تأخير الصلاة عن أول وقتها ، فهو محجوج بهذا الحديث ، وحمل ~~الآثار على ما ينفى التضاد عنها أولى ، والحمد لله . وفى حديث زيد بن ثابت ~~، وسهل بن سعد تأخير السحور ، وإنما كانوا يؤخرونه إلى الفجر الأول ، ~~وسيأتى معنى ذلك فى كتاب الصيام ، إن شاء الله تعالى . والمروط : أكسية من ~~صوف رقاق ، واحدها : مرط . ومتلفعات يعنى : مشتملات ، يقال : تلفع بثوبه ، ~~إذا اضطبع به ، وتلفع الرجل الشيب ، إذا شمله ، عن صاحب العين ، وقال صاحب ~~الأفعال : لفاع المرأة كالقناع . * * * # | 25 - باب من أدرك من الفجر ركعة # / 50 - فيه : أبي هريرة قال عليه السلام : ( من أدرك من الصبح ركعة قبل ~~أن تطلع الشمس ، فقد أدرك الصبح ، ومن أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب ~~الشمس ، فقد أدرك العصر ) . قد PageV02P202 تقدم الكلام فى معنى هذا الحديث ~~قبل هذا بما أغنى عن إعادته ، ونذكر هنا ما لم يمض هناك ، وفى هذا الحديث ~~دليل أن من لم يدرك من الوقت ركعة فلم يدرك منه شيئا ، ومن لم يدرك منه ~~شيئا ممن تلزمه الصلاة قبل الوقت فلا صلاة عليه ، وهذا يرد قول أبى حنيفة ms0446 ~~فى المغمى عليه أنه إذ أفاق لأقل من ركعة قبل غروب الشمس أنه يلزمه قضاء ~~خمس صلوات فدون ، ولا يلزمه أكثر من ذلك ؛ لأن من لم يدرك من الوقت إلا أقل ~~من ركعة لم تلزمه صلاة الوقت فكيف تلزمه غير صلاة الوقت . وذهب مالك ، ~~والشافعى إلى أن المغمى عليه لا يقضى إلا ما أدرك وقته بإدراك ركعة من ~~الصلاة . * * * # | 26 - باب من أدرك ركعة من الصلاة # / 51 - فيه : أبو هريرة أن النبى - صلى الله عليه وسلم - قال : ( من أدرك ~~ركعة من الصلاة ، فقد أدرك الصلاة ) . اختلف العلماء فى تأويل هذا الحديث ، ~~فقالت طائفة : معناه : من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك فضل الجماعة ، ~~واستدلوا على ذلك بأن الساعى إلى الصلاة ومنتظرها فى صلاة ، وبما روى عن ~~أبى هريرة أنه قال : إذا انتهى إلى القوم وهم قعود فى آخر صلاتهم ، فقد دخل ~~فى التضعيف ، وإذا انتهى إليهم وقد سلم الإمام ولم يتفرقوا فقد دخل فى ~~التضعيف ، يعنى الدرجات السبع وعشرين . وقال عطاء : كان يقال : إذا خرج من ~~بيته وهو ينويهم ، فقد دخل فى PageV02P203 التضعيف ، وعن أبى وائل ، وشريك ~~: من أدرك التشهد فقد أدرك فضلها ، والفضائل لا تدرك بقياس . وقال آخرون : ~~معنى هذا الحديث أن مدرك ركعة من الصلاة مدرك لحكمها كله ، وهو كمن أدرك ~~جميعها فيما يفوته من سهو الإمام وسجوده لسهوه وإن لم يدركه معه ، وأنه لو ~~أدرك وهو مسافر ركعة من صلاة مقيم لزمه حكم المقيم فى الإتمام ، وهذا قول ~~مالك وجماعة . والدليل على أنه أرد حكم الصلاة لا فضلها ، قوله : ( من فاته ~~التأمين ، فقد فاته خير كثير ) ، وهذا الحديث يدل أنه من لم يدرك ركعة من ~~الصلاة فلا مدخل له فى حكمها ، إلا أن العلماء اختلفوا فى دليل هذا الحديث ~~، فذهب مالك ، والثورى ، والأوزاعى ، والليث ، وزفر ، ومحمد ، والشافعى ، ~~وأحمد إلى أن من أدرك ركعة من الجمعة أضاف إليها أخرى ، وقال أبو حنيفة ، ~~وأبو يوسف : إذا أحرم فى الجمعة قبل سلام الإمام صلى ركعتين ، وهو قول ~~النخعى ، والحكم ، وحماد ms0447 ، واحتجوا بقوله عليه السلام : ( فما أدركتم فصلوا ~~، وما فاتكم فاقضوا ) . والذى فاته ركعتان لا أربع ، والقول الأول أولى ؛ ~~لأنه إذا لم يدرك ركعة من الجمعة لم يدرك شيئا منها ، ومن لم يدرك منها ~~شيئا صلى أربعا بإجماع ، وقد سئل ابن شهاب عن من أدرك التشهد يوم الجمعة ، ~~قال : يصلى أربعا ، واستهد بهذا الحديث ، وقال : هى السنة ، وفى دليل هذا ~~الحديث رد على عطاء ، ومكحول ، PageV02P204 وطاوس ، ومجاهد فى قولهم : أن ~~من فاتته الخطبة يوم الجمعة أنه يصلى أربعا ، وقالوا : إن الجمعة إنما قصرت ~~من أجل الخطبة ، وذهب مالك وجماعة من الفقهاء إلى أنه يصلى ركعتين مع ~~الإمام ؛ لأنه أدركها كلها ، واحتج الطحاوى لهذا القول ، فقال : لا يختلفون ~~أنه لو شهد الخطبة ، ثم أحدث فذهب يتوضأ ، ثم جاء وأدرك مع الإمام ركعة ، ~~أنه يصلى ركعتين ، فلما كان فوات الركعة لا يمنعه فعل الجمعة ، كانت الخطبة ~~أحرى بذلك ، فدل على بطلان قول عطاء . وفيه أيضا رد على أبى حنيفة ، ~~والثورى ، والأوزاعى ، والشافعى ، وأحمد فى قولهم : أنه من أدرك التشهد من ~~المسافرين خلف إمام مقيم لزمه الإتمام ، ومالك إنما راعى إدراك ركعة معه ، ~~بدليل هذا الحديث ، وهو قول النخعى ، والحسن ، وكذلك راعى مالك إدراك ~~الركعة فى وجوب سهو الإمام على المأموم ، ومذهبه فى ذلك أن سجدتى السهو إن ~~كانتا قبل السلام سجدهما معه ، وإن كانتا بعد السلام لم يسجدهما معه ~~وسجدهما إذا أتم صلاته ، وهو قول الأوزاعى ، والليث ، وقال أبو حنيفة ، ~~والشافعى : إذا أدرك التشهد وأحرم قبل سلام إمامه لزمه أن يسجد معه للسهو ، ~~ومالك أسعد الناس باستعمال نص هذا الحديث ودليله . ومن قول مالك أيضا : أنه ~~من لم يدرك ركعة من صلاة الجماعة ممن صلاها وحده فى بيته لم يعدها ، وقال ~~أيضا : من أدرك ركعة من صلاة الجماعة لم يصل تلك الصلاة فى جماعة . ~~PageV02P205 * * * # | 27 - باب الصلاة بعد الفجر حتى ترتفع الشمس # / 52 - فيه : عمر ( أن النبي عليه السلام ، نهى عن الصلاة بعد الصبح حتى ~~تشرق الشمس ، وبعد العصر حتى تغرب ) . / 53 - وفيه ms0448 : ابن عمر أن نبى الله - ~~صلى الله عليه وسلم - قال : ( لا تحروا بصلاتكم طلوع الشمس ولا غروبها ، ~~وإذا طلع حاجب الشمس ، فأخروا الصلاة حتى ترتفع ، وإذا غاب حاجب الشمس ، ~~فأخروا الصلاة حتى تغيب ) . / 54 - وفيه : أبو هريرة : ( أن النبى - صلى ~~الله عليه وسلم - نهى عن الصلاة بعد الفجر حتى تطلع الشمس ، وبعد العصر حتى ~~تغرب . . . ) الحديث . وترجم لحديث ابن عمر وأبى هريرة . * * * 28 - باب لا ~~تتحرى الصلاة قبل غروب الشمس / 55 - وزاد فيه : قال معاوية : إنكم لتصلون ~~صلاة لقد صحبنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فما رأيناه يصليهما ، ~~ولقد نهى عنهما ، يعنى الركعتين بعد العصر . اختلف العلماء فى تأويل نهيه ~~عليه السلام ، عن الصلاة بعد الصبح وبعد العصر ، فقال مالك : المراد بذلك ~~النافلة دون الفرض ، والفرائض الفائتة تصلى أى وقت ذكرت ؛ لقوله عليه ~~السلام : ( من أدرك ركعة من الصبح قبل أن تطلع الشمس ، وأدرك ركعة من العصر ~~قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك الصلاة ) ، ومعلوم أنه إذا أدرك ركعة ، فلا يقع ~~إتمام الصلاة إلا فى الوقت المنهى عنه ، فدل ذلك على ما قلناه ، وهو قول ~~أحمد ، وإسحاق . وقال الشافعى : المراد به النافلة المبتدأة ، وأما الصلوات ~~المفروضات والمسنونات ، أو ما كان يواظب عليه من النوافل فلا ، واحتج ~~بالإجماع على صلاة الجنازة ، وبحديث عائشة أن الرسول قضى الركعتين بعد ~~العصر . PageV02P206 وقال الكوفيون : المراد بذلك النوافل ، ويقضى الفرائض ~~فى هذين الوقتين ، وأما إذا برزت الشمس قبل أن ترتفع ، وإذا تدلت للغروب ~~قبل أن تغرب ، فلا يجوز أن يصلى فيه فريضة ، ولا نافلة ، ولا على جنازة إلا ~~عصر يومه خاصة ؛ لقوله عليه السلام : ( من أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب ~~الشمس . . . ) ، وقد تقدم الرد عليه فى أول هذا الباب مع قول مالك ، وفى ~~باب من أدرك ركعة من العصر قبل المغرب ، بما فيه كفاية . وقد روى عن جماعة ~~من السلف قول آخر ، قالوا : نهى الرسول عن الصلاة عند طلوع الشمس وعند ~~غروبها ، فأما ما لم يبد حاجب الشمس للطلوع ولم يتدل للغروب ms0449 فالصلاة جائزة ~~، وحجتهم حديث ابن عمر أن الرسول قال : ( لا يتحرى أحدكم فيصلى عند طلوع ~~الشمس ولا عند غروبها ) ، وقوله : ( إذا طلع حاجب الشمس فأخروا الصلاة حتى ~~ترتفع ، وإذا غاب حاجب الشمس فأخروا الصلاة حتى تغيب ) . وروى هذا القول عن ~~على بن أبى طالب ، وابن مسعود ، وبلال ، وأبى أيوب ، وأبى الدرداء ، وابن ~~عمر ، وابن عباس ، وعن أصحاب عبد الله مثله ، وتأولوا أن المراد بالنهى عن ~~الصلاة : هذان الوقتان خاصة ، ألا ترى قول ابن عمر : ( أصلى كما رأيت ~~أصحابى يصلون ، لا أنهى أحدا يصلى بليل أو نهار ما شاء ، غير ألا تحروا ~~بصلاتكم طلوع الشمس ولا غروبها ) . واحتج من أجاز صلاة الفرض فى هذين ~~الوقتين ، بقوله عليه السلام : ( لا تحروا بصلاتكم ) ، وهذا يقتضى من يبتدئ ~~صلاته ذلك PageV02P207 الوقت ويقصده ، وأما من انتبه من نومه أو ذكر من ~~نسيانه ، فلا يدخل فى النهى ؛ لأنه ليس بقاصد ولا متحر لذلك ، وقوله : ( من ~~نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها ) ، يعارض النهى ، ويبين أنه ليس ~~بمتحر لها من فاتته ، وإنما المتحرى القاصد إليها بتطوعه أو فرضه . قال ~~المهلب : ومعنى كراهية الصلاة فى هذين الوقتين أن قوما كانوا يتحرون طلوع ~~الشمس وغروبها ، فيسجدون لها عبادة من دون الله ، فنهى النبى ، عليه السلام ~~، عن مماثلتهم ، وعن أوقاتهم المعهودة . * * * # | 29 - باب من لم يكره الصلاة إلا بعد العصر والفجر # / 56 - فيه : ابن عمر قال : ( أصلي كما رأيت أصحابي يصلون ، لا أنهى أحدا ~~يصلي بليل أو نهار ما شاء ، غير ألا تحروا طلوع الشمس ولا غروبها ) . وقد ~~تقدم الكلام فى هذا الحديث فى الباب الذى قبل هذا ، ونذكر هاهنا ما لم يمض ~~هناك ، وغرض البخارى فى هذا الباب رد قول من منع الصلاة نصف النهار عند ~~استواء الشمس ؛ لأن قوله : ( لا أمنع أحدا يصلى بليل أو نهار ما شاء ، غير ~~ألا تحروا طلوع الشمس ولا غروبها ) ، يدل أنه لا بأس بالصلاة عند استواء ~~الشمس ، وهذا قول مالك ، والليث ، والأوزاعى . قال مالك : ما أدركت أهل ~~الفضل والعبادة إلا ms0450 وهم يهجرون ، ويصلون نصف النهار ، وعن الحسن وطاوس مثله ~~، والذين منعوا الصلاة نصف النهار : عمر بن الخطاب ، وابن مسعود ، والحكم . ~~وقال الكوفيون : لا يصلى نصف النهار لا فرض ولا نفل ، وقال PageV02P208 أبو ~~يوسف ، والشافعى : لا بأس بالتطوع نصف النهار يوم الجمعة خاصة ، ورووا فى ~~ذلك حديثا : أن جهنم لا تسجر يوم الجمعة . قال الطحاوى : وقد روى فى حديث ~~الصنابحى وغيره النهى عن الصلاة عند استواء الشمس بقوله عليه السلام : ( ~~فإذا استوت قارنها . . . ) ، فإنها أحاديث لا تصح ؛ لأن الصحابة كانوا ~~يتنفلون يوم الجمعة فى المسجد حتى يخرج عمر بن الخطاب ، وكان لا يخرج حتى ~~تزول الشمس بدليل طنفسة عقيل ، فكانت صلاتهم قبل خروج عمر فى حين استواء ~~الشمس ؛ إذ كان خروجه عند الزوال ، ولا يجوز على جماعة الصحابة جهل السنة ، ~~لو صحت تلك الأحاديث . وذكر ابن أبى شيبة ، قال : كان مسروق يصلى نصف ~~النهار ، فقيل له : إن الصلاة هذه الساعة تكره ، فقال : ولم ؟ قيل له : إن ~~أبواب جهنم تفتح نصف النهار ، قال : إن الصلاة أحق ما استعيذ به من جهنم ~~حين تفتح أبوابها ، وأجاز مكحول الصلاة نصف النهار للمسافر . * * * # | 30 - باب ما يصلى بعد العصر من الفوائت ونحوها # وقال كريب : عن أم سلمة قالت : ( صلى الرسول - صلى الله عليه وسلم - بعد ~~العصر ركعتين ، وقال : ( شغلنى ناس من عبد القيس عن الركعتين بعد الظهر ) . ~~/ 57 - وفيه : عائشة قلت : ( والذي ذهب به ، ما تركهما حتى لقي الله ، وما ~~لقي الله حتى ثقل عن الصلاة ، وكان يصلي كثيرا من صلاته قاعدا - يعني ~~الركعتين بعد العصر - وكان عليه السلام ، يصليهما ، ولا يصليهما ~~PageV02P209 في المسجد ، مخافة أن يثقل على أمته ، وكان يحب ما يخفف عنهم ) ~~. / 58 - وقالت مرة : ( ما ترك النبي عليه السلام ، السجدتين بعد العصر ~~عندي قط ) . / 59 - وقالت مرة : ( ركعتان لم يكن الرسول - صلى الله عليه ~~وسلم - يدعهما سرا ولا علانية : ركعتان قبل الصبح ، وركعتان بعد العصر ) . ~~فى قصة عبد القيس ، حجة للشافعى فى أنه يقضى المرء بعد الصبح والعصر ما ~~فاته من النوافل ms0451 المعتادة كالفرائض المنسية ، ولا يقول بذلك مالك ، وأبو ~~حنيفة ، إلا أن مالكا استحسن لمن لم يصل ركعتى الفجر أن يصليها بعد طلوع ~~الشمس ، واحتجوا على الشافعى فى ذلك بتواتر الآثار عن النبى أنه نهى عن ~~الصلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس ، وبعد العصر حتى تغرب ، وأن عمر كان يضرب ~~الناس على الصلاة بعد العصر بمحضر من الصحابة من غير نكير عليه ، فدل أن ~~صلاته عليه السلام ، الركعتين بعد العصر خصوص له دون أمته . قال الطحاوى : ~~ومما يدل على ذلك ما أخبرنا به على بن شيبة ، أخبرنا يزيد بن هارون ، قال : ~~ثنا حماد بن سلمة ، عن الأزرق بن قيس ، عن ذكوان ، عن أم سلمة قالت : صلى ~~الرسول العصر ، ثم دخل بيتى ، فصلى ركعتين ، فقلت : يا رسول الله ، صليت ~~صلاة لم تكن تصليها ! قال : ( قدم على مال ، فشغلنى عن ركعتين كنت أركعهما ~~بعد الظهر ، فصليتهما الآن ) ، قلت : يا رسول الله ، أفنقضيهما إذا فاتتانا ~~؟ قال : ( لا ) ، فنهى عليه السلام فى هذا الحديث أن يصليهما أحد بعد العصر ~~قضاء عما كان يصليه بعد الظهر ، PageV02P210 فدل ذلك على أن حكم غيره فيهما ~~إذا فاتتا خلاف حكمه عليه السلام ، فليس لأحد أن يصليهما بعد العصر ، ولا ~~أن يتطوع حينئذ أصلا ؛ لأن من فعل ذلك ، فهو متطوع فى غير وقت تطوع . وقال ~~أصحاب الشافعى : الأزرق بن قيس من الشيوخ ، ولو صح حديثه لاحتمل التأويل ، ~~وذلك أن نهيه عليه السلام ، عن قضائهما مما يدل أنه لا تجوز صلاتهما بعد ~~العصر ، وإنما نهى عن قضائهما على وجه الحتم والوجوب ، وأما من شاء أن ~~يتطوع بالصلاة ذلك الوقت رغبة فى الفضل ، فله فى صلاته عليه السلام ، بعد ~~العصر أفضل الأسوة . فإن قال قائل : إن أحاديث هذا الباب معارضة لنهيه عليه ~~السلام ، عن الصلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس ، وبعد العصر حتى تغرب الشمس ~~، فكيف السبيل إلى الجمع بينهما ؟ . قال الطبرى : لا تعارض بينهما بحمد ~~الله ، ولها معانى صحيحة ، وذلك أن للنهى وجوها : منها الكراهة ، ومنها ~~العزم والتحريم ، ولا سبيل لأمته ms0452 إلى علم مراده منها إلا ببيانه عليه ~~السلام ، ولما لم يذكر فى ظاهر نهيه عن الصلاة بعد العصر وبعد الصبح دلالة ~~لسامعه على معنى مراده منه ، كان غير جائز ترك بيانه ، فكانت صلاته التى ~~صلاها بعد العصر تبيينا منه لأمته أن نهيه على وجه الكراهة ، لا على وجه ~~التحريم ، كتحريمه عند بروز حاجب الشمس للطلوع ، وعند مغيب حاجبها للغروب ، ~~وإعلام منه لهم أن من صلى بعد العصر وبعد الصبح غير حرج ما لم يوافق وقت ~~الطلوع والغروب . وذلك نظير نهيه إياهم عن المزعفر بالزعفران واستعماله ، ~~وعن لبس PageV02P211 المعصفر والأرجوان ، ولبسه إياها إعلام منه لهم أنه ~~نهيه عن ذلك على وجه الكراهية لا على وجه التحريم ؛ لأنه لو كان على وجه ~~التحريم كان أبعدهم من فعله ؛ لأنه أتقاهم لله ، وأشدهم له خشية . فإن ظن ~~ظان أن ذلك كان خاصا له دون أمته ، فقد ظن خطأ ، وذلك أن ما خص الله به ~~رسوله فغير جائز أن يكون غير مبين لأمته إما بنص التنزيل ، أو بخبر يقطع ~~العذر أنه خاص له ؛ لأن الله قد ندب عباده إلى التأسى به ، ولو جاز أن يكون ~~فى أفعاله التى خص بها دون أمته ما لم يوقفهم عليه أنه خاص له ، لم يجز ~~لأحد التأسى به فى شىء من أفعاله حتى يأمرهم بها ، وإذا كان ذلك كذلك بان ~~صحة القول لمن نسى ركعتى الفجر ، ثم ذكرهما بعد صلاة الصبح ، أو نسى ركعتى ~~الظهر ، ثم ذكرهما بعدما صلى العصر ، أن له أن يصليهما ما لم يبد حاجب ~~الشمس للطلوع أو يتدلى للغروب ، وأن لمن طاف بالبيت بعد الصبح أن يركع ~~ركعتى الطواف ما لم يوافق الطلوع والغروب ، وكذلك صلاة الجنازة ، وصلاة ~~الكسوف ، وأن يجتنب فيما لم يخف فوته من ذلك تأخيره إلى غروبها أو طلوعها ، ~~وبذلك جاء الخبر عن الرسول - صلى الله عليه وسلم - أنه فعل ذلك فى ركعتى ~~الفجر ، إذ نام عنهما ، فقضاهما بعد ما طلعت الشمس ، ولم ينكر على من ~~فعلهما بعد طلوعها . * * * # | 31 - باب التبكير ms0453 بالصلاة في يوم غيم # / 60 - فيه : بريدة أنه قال في يوم غيم ، فقال : بكروا بالصلاة فإن ~~الرسول - صلى الله عليه وسلم - قال : ( من ترك صلاة العصر حبط عمله ) . ~~PageV02P212 قال ابن المنذر : روى عن عمر بن الخطاب ، أنه قال : إذا كان ~~يوم غيم ، فأخروا الظهر ، وعجلوا العصر ، وهو قول مالك . وقال الحسن البصرى ~~: أخروا الظهر والمغرب ، وعجلوا العصر والعشاء الآخر ، وهو قول الأوزاعى ، ~~وقال الكوفيون : يؤخر الظهر ويعجل العصر ، ويؤخر المغرب ويعجل العشاء ، ~~وروى مطرف عن مالك أنه استحب تعجيل العشاء فى الغيم ، وقال أشهب : لا بأس ~~بتأخيرها إلى ثلث الليل ، وفيها قول آخر قاله ابن مسعود : عجلوا الظهر ~~والعصر وأخروا المغرب . وقال المهلب : لا يصح التبكير فى الغيم إلا بصلاة ~~العصر والعشاء ؛ لأنهما وقتان مشتركان مع ما قبلهما ، ألا ترى أنهم ~~يجمعونها فى المطر فى وقت الأولى منهما وهى سنة من الرسول ، وقد مضى شىء من ~~معنى هذا الباب فى باب ( من ترك العصر ) . * * * # | 32 - باب الأذان بعد ذهاب الوقت # / 61 - فيه : أبو قتادة قال : ( سرنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- ليلة ، فقال بعض القوم : لو عرست بنا يا رسول الله ، قال : أخاف أن ~~تناموا عن الصلاة ، قال بلال : أنا أوقظكم ، فاضطجعوا ، وأسند بلال ظهره ~~إلى راحلته ، فغلبته عيناه فنام ، فاستيقظ النبي عليه السلام ، وقد طلع ~~حاجب الشمس ، فقال : يا بلال ، أين ما قلت ؟ قال : ما ألقيت علي نومة مثلها ~~قط ، قال : إن الله قبض أرواحكم حين شاء ، وردها عليكم حين شاء يا بلال ، ~~قم فأذن بالناس بالصلاة ، فتوضأ الناس ، فلما ارتفعت الشمس وابياضت ، قام ~~فصلى ) . PageV02P213 اختلف أهل العلم فى الأذان بعد ذهاب الوقت ، فذهب ~~أحمد بن حنبل ، وأبو ثور إلى جواز ذلك ، واحتجا بهذا الحديث ، وقال ~~الكوفيون : إذا نسى صلاة واحدة ، وأراد أن يقضيها من الغد ، يؤذن لها ويقيم ~~، فإن لم يفعل فصلاته تامة ، وقال الثورى : ليس عليه فى الفوائت أذان ولا ~~إقامة ، وقال محمد بن الحسن : إن أذن فى الفوائت فحسن ، وإن صلاهن بإقامة ~~إقامة كما ms0454 فعل الرسول يوم الخندق فحسن . وقال مالك ، والأوزاعى ، والشافعى ~~: يقيم للصلوات الفوائت ، ولم يذكروا أذانا ، واحتج هؤلاء بأن صلاته عليه ~~السلام ، يوم الخندق الفوائت كلها كان بغير أذان ، وإنما أذن للعشاء الآخرة ~~فقط ؛ لأنها صليت فى وقتها ، ولم تكن فائتة . وفيه من الفقه : أن النبى - ~~صلى الله عليه وسلم - كان ينام أحيانا كنوم الآدميين ، وذلك فى النادر من ~~حاله ، وسأبين حكم نومه عليه السلام ، عند قوله : ( إن عينى تنام ، ولا ~~ينام قلبى ) ، فى باب قيام الرسول بالليل فى رمضان وغيره . قال المهلب : ~~هذا الحديث يدل أن الصلاة الوسطى صلاة الصبح ، وإنما أكدت المحافظة عليها ~~لأجل هذه العارضة التى عرضت للنبى باستيلاء النوم عليه ، وعلى أهل عسكره ~~حتى فاته وقتها ، ويدل على أنها الوسطى : توكيله بلالا فى السفر والحضر ~~بمراقبة وقتها ، ولم يأمره بمراقبة غيرها ، ألا ترى أن النبى لم تفته صلاة ~~غيرها بغير عذر شغله عنها . قال غيره : وقوله : فاستيقظ وقد طلع حاجب الشمس ~~، وتركه للصلاة حتى ابيضت الشمس ، فإن الكوفيون قالوا : إنما أخر عليه ~~PageV02P214 السلام ، الصلاة ذلك الوقت لما تقدم من نهيه عن الصلاة عند ~~طلوع الشمس ، وقال أصحاب مالك ، والشافعى وغيرهم : إنما أخر صلاته بمقدار ~~ما توضأ الناس ، وتأهبوا للصلاة ، وفى ذلك المقدار ارتفعت الشمس . وقد جاء ~~هذا المعنى فى بعض طرق الحديث ، ذكره فى كتاب الاعتصام فى باب : المشيئة ~~والإرادة ، وقال فيه : ( فقضوا حوائجهم ، وتوضئوا إلى أن طلعت الشمس ، ~~وابيضت ، فقام فصلى ) ، وقد روى عطاء أن نبى الله إنما أمرهم بالخروج من ~~ذلك الوادى على طريق التشاؤم به ، وقال لهم : ( اخرجوا من الوادى الذى ~~أصابكم فيه الغفلة ) ، كما نهى عليه السلام ، عن الصلاة فى أرض بابل ، وحجر ~~ثمود ، وعن الوضوء بمائها ، وهو مثل قوله فى حديث مالك ، عن زيد بن سلم : ( ~~إن هذا واد به شيطان ) ، فكره الصلاة فى البقعة التى فيها الشيطان ؛ إذ كان ~~السبب لتأخير الصلاة عن وقتها ، وقد روى جبير بن مطعم فى حديث نومه عن ~~الصلاة ، أنهم لم يستيقظوا حتى ضربهم حر الشمس ms0455 . قال المهلب : وقد قال ابن ~~وهب ، وعيسى بن دينار : إن خروجهم من الوادى منسوخ بقوله : { وأقم الصلاة ~~لذكرى } [ طه : 14 ] ، وهذا خطأ ؛ لأن ( طه ) مكية ، وقصة نومه عن الصلاة ~~كان بالمدينة ، ومما يدل على ذلك قول ابن مسعود : بنو إسرائيل ، والكهف ، ~~ومريم ، وطه ، والأنبياء ، هن من العتق الأول ، وهن من تلادى ، يعنى أنهن ~~من أول ما حفظه من القرآن واستفاده ، و ( التلاد ) قديم ما يفيده الإنسان ~~من المال وغيره . PageV02P215 وفى هذا الحديث حجة لقول مالك أنه قال : من ~~فاتته صلاة الصبح ، أنه يصليها ، ولا يركع ركعتى الفجر قبلها ، قال أشهب : ~~وسئل مالك : هل ركع الرسول - صلى الله عليه وسلم - ركعتى الفجر حين نام عن ~~صلاة الصبح حتى طلعت الشمس ؟ قال : ما بلغنى ، وقال أشهب : بلغنى أنه - صلى ~~الله عليه وسلم - ركع ، وقال على بن زياد : وقاله غير مالك ، وهو أحب إلى ~~أن يركع ، وهو قول الكوفيين ، والثورى ، والشافعى قالوا : يصلى ركعتى الفجر ~~، ثم يصلى الفجر ، وقد قال مالك : إن أحب أن يركعهما من فاتته بعد طلوع ~~الشمس فعل . والتعريس : النزول بالليل . * * * # | 33 - باب من صلى بالناس جماعة بعد ذهاب الوقت # / 62 - فيه : جابر : أن عمر بن الخطاب جاء يوم الخندق بعد ما غربت الشمس ~~، فجعل يسب كفار قريش ، قال : يا رسول الله ، ما كدت أن أصلي العصر ، حتى ~~كادت الشمس تغرب ، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( والله ما ~~صليتها ) ، فقمنا إلى بطحان ، فتوضأ للصلاة ، وتوضأنا لها ، فصلى العصر بعد ~~ما غربت الشمس ، ثم صلى بعدها المغرب . قال بعض أهل العلم : لا أعلم خلافا ~~فى جواز جمع الصلاة بعد ذهاب الوقت ، لمن فاتته بعذر بين كالنوم وشبهه إلا ~~الليث بن سعد ، فإنه قال فى القوم يفوتهم الصلاة أنهم يصلون فرادى ، وهذا ~~الحديث خلاف قوله ، وحجة الجماعة . واختلف أصحاب مالك فيمن فاتته الجمعة ~~لعذر أو لغير عذر ، فقال ابن القاسم : كنت مع ابن وهب بالإسكندرية ، فلم ~~نأت الجمعة PageV02P216 لأمر خفناه ، ومعنا قوم ، فكرهت أن أجمع بهم ، وجمع ~~بهم ابن وهب ms0456 ، فسألنا مالكا عن ذلك فقال : لا يجمع إلا المسافرون ~~والمحبوسون والمرضى . وقال الكوفيون : لا يصلى الظهر جماعة فى المصر ، ~~وسواء كانوا مرضى أو محبوسين ، وهو قول الثورى ، وفى المجموعة عن ابن ~~القاسم : لا يجوز للمرضى والمسجونين الجمع ، وروى عنه يحيى بن يحيى فى ~~العتبية ، فيمن خلفهم المطر عن الجمعة ، فليجمعوا ظهرا إن كان أمرا غالبا ~~يعذرون به كالمرض ، وإن كان مطر ليس بمانع فجمعوا فليعيدوا ، وقال أصبغ : ~~إن جمع المتخلفون بغير عذر أساءوا ولا يعيدون . ولابن القاسم فى المجموعة ~~مثله ، وفيها لأشهب ، وابن نافع أن المتخلفين يصلون الجمعة جماعة ، وهو قول ~~الليث والشافعى ، وقال الليث : فى مسجد أو غيره ، ذكره الطحاوى ، ولا فرق ~~بين الجمعة وغيرها فى قياس ولا نظر إذا فاتت فى جواز جمعها بدليل هذا ~~الحديث . * * * # | 34 - باب من نسي صلاة فليصلها إذا ذكر ولا يعيد إلا تلك الصلاة # وقال إبراهيم : من نسى صلاة واحدة عشرين سنة لم يعد إلا تلك الصلاة ~~الواحدة . / 63 - وفيه : أنس قال : ( من نسي صلاة فليصل ، إذا ذكرها لا ~~كفارة لها إلا ذلك : { وأقم الصلاة لذكري } [ طه 14 ] ) . PageV02P217 ~~اختلف العلماء : إذا صلى صلاة ، ثم ذكر بعد ذلك صلاة من يوم آخر ، هل يعيد ~~الصلاة التى صلى إذا بقى من وقتها شىء بعد قضاء الفائتة أم لا ؟ فذكر ابن ~~المنذر ، عن طاوس ، والحسن البصرى ، والشافعى ، وأبى ثور ، أن من ذكر صلاة ~~وهو فى صلاة أخرى ، أنه يتم التى هو فيها ، ثم يصلى الفائتة ، ليس عليه غير ~~ذلك ، فقياس قوله : ( إن ذكرها بعد أن فرغ منها ) ، أنه ليس عليه شىء أيضا ~~إلا إعادة المنسية فقط . وقال مالك : يصلى التى نسى ، ثم يعيد ما كان فى ~~وقته مما كان قد صلاه ، واستدل أهل المقالة الأولى ، بقوله - صلى الله عليه ~~وسلم - : ( من نسى صلاة فليصل إذا ذكر ) ، ولم يقل : فليعد ما كان فى وقته ~~، واحتج أصحاب الشافعى لقولهم بأن الترتيب إنما يجب فى صلاة يوم بعينه وجوب ~~فرض وهذا إجماع ، وأما فى الفوائت فلا يجب ذلك ، استدلالا ms0457 بإجماع الأمة على ~~أن رتبة رمضان فرض ، فإذا أفطره أحد بمرض أو نسيان سقط عنه الترتيب ، ولهذا ~~نظائر كثيرة من القياس . والحجة لقول مالك قوله : { وأقم الصلاة لذكرى } [ ~~طه : 14 ] ، فدل هذا أن وقت الذكر وقت للصلاة المنسية ، وإذا اجتمعت صلاتان ~~فى وقت واحد فالواجب تقديم الأولى ، فاستدل مالك بآخر الحديث ، واستدل ~~الشافعى بأوله . PageV02P218 * * * # | 35 - باب قضاء الصلاة الأولى فالأولى # / 64 - فيه : جابر : جعل عمر يوم الخندق يسب كفارهم ، فقال : ما كدت أصلي ~~العصر حتى غربت ، قال : فنزلنا بطحان ، فصلى بعد ما غربت الشمس ، ثم صلى ~~المغرب . أجمع العلماء على الاستدلال بهذا الحديث ، فقالوا : من فاتته ~~صلوات كثيرة ، وأيقن أنه يقضيها ، ويصلى التى حضر وقتها قبل فواتها ، أنه ~~يبدأ بالأولى فالأولى ، واختلفوا : إذا خشى فوت وقت الحاضرة إن بدأ ~~بالمنسية ، فقالت طائفة : يبدأ بالتى ذكر فيصليها ، وإن فاتته هذه ، هذا ~~قول عطاء ، والزهرى ، ومالك ، والليث ، واتفق مالك وأصحابه على أن حكم أربع ~~صلوات فما دونه حكم صلاة واحدة يبدأ بهن ، وإن خرج وقت الحاضرة ، واختلفوا ~~فى خمس صلوات ، فحكى ابن حبيب ، عن مالك أن خمسا قليل يبدأ بهن وإن خرج وقت ~~الحاضرة ، وهو قول أبى حنيفة . وذكر ابن سحنون ، عن أبيه أن خمس صلوات ~~كثيرة ، يبدأ بالتى حضر وقتها ، وقالت طائفة : يبدأ بالتى نسى إلا أن يخاف ~~فوت التى حضر وقتها ، فإن خاف ذلك صلاها ، ثم صلى التى نسى ، هذا قول ابن ~~المسيب ، والحسن البصرى ، والأوزاعى ، والثورى ، والشافعى ، وأحمد ، وإسحاق ~~، وأبى ثور ، وعلة أهل هذا المقالة أنه إن بدأ بالمنسية ، وفاته وقت ~~الحاضرة ، فقد اجتمع عليه فوتان ، فوت الحاضرة مع فوت المنسية ، ففوت واحد ~~أحسن حالا من فوتين . ووجه القول : أنه يبدأ بالمنسية إن كانت خمسا فدون ، ~~وإن فات PageV02P219 وقت الحاضرة ؛ لأن المنسية عندهم واجبة قبل صلاة الوقت ~~، فإذا ذكرها اشتركت مع صلاة الوقت فى الوجوب ، ولها حق التقدمة ، فكأنها ~~ظهر وعصر اجتمعا فى يوم واحد ، فوجب أن يقدم الظهر وإن قدمت العصر وجب ~~إعادتها ؛ لأن الترتيب عندهم فى خمس ms0458 صلوات فدون من الفوائت وجوب سنة ، ~~وإنما لم يجب الترتيب عندهم فى أكثر من خمس صلوات ؛ لأنها مشتبهة بصلاة ~~اليوم بعينه ، ولو وجب فى أكثر من ذلك لوجب فى سنين كثيرة ، وذلك ما لا ~~يطاق عليه ؛ لأنه لا سبيل إلى أن يقضى صلاة سنة أو أكثر فى يومين ولا ثلاثة ~~، ولو تكلف ذلك أحد لترك أيام القضاء بغير صلوات ، وهذا جهل من قائله ، فلم ~~يكن بد من حد بين القليل والكثير فى ذلك . وفى هذا الحديث رد على جاهل ، ~~انتسب إلى العلم وهو منه برىء ، زعم أنه من ترك الصلاة عامدا أنه لا يلزمه ~~إعادتها . واحتج بأن الرسول - صلى الله عليه وسلم - قال : ( من نام عن صلاة ~~أو نسيها فليصلها إذا ذكرها ) ، ولم يذكر العامد ، فلم يلزمه القضاء ، ~~وإنما يقضيها الناسى والنائم فقط ، وهذا ساقط من القول يئول إلى إسقاط فرض ~~الصلاة عن العباد ، وقد ترك الرسول يوم الخندق صلاة الظهر والعصر قاصدا ~~لتركها لشغله بقتاله العدو ، ثم أعادها بعد المغرب . ويقال له : لما أوجب ~~النبى - صلى الله عليه وسلم - على الناسى النائم الإعادة ، كان العامد أولى ~~بذلك ؛ لأن أقل أحوال الناسى سقوط الإثم عنه ، وهو مأمور بإعادتها ، ~~والعامد لا يسقط عنه الإثم ، فكان أولى أن تلزمه إعادتها ، ولا يوجد فى شىء ~~من مسائل الشريعة مسألة : العامد فيها معذور ، بل الأمر بضد ذلك لقوله عليه ~~السلام : PageV02P220 ( إن الله تجاوز لأمتى عن الخطأ والنسيان ) ، فإذا ~~تجاوز الله عن الناسى إثم تضييعه ، وأمر بأداء الفرض ، فكان العامد المنتهك ~~لحدود الله غير ساقط عنه الإثم ، بل الوعيد الشديد متوجه عليه ، كان الفرض ~~أولى ألا يسقط عنه ويلزمه قضاؤه ، وقد أجمعت الأمة على أن من ترك يوما من ~~شهر رمضان عامدا من غير عذر أنه يلزمه قضاؤه ، فكذلك الصلاة ، ولا فرق بين ~~ذلك ، والله الموفق . * * * # | 36 - باب ما يكره من السمر بعد العشاء # / 65 - فيه : أبو برزة : أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - كان يكره ~~النوم قبل العشاء ، والحديث بعدها ، وكان ينفتل من صلاة ms0459 الغداة ، حين يعرف ~~أحدنا جليسه ) ، فى حديث طويل . قال المهلب : إنما كره عليه السلام ، السمر ~~بعد العشاء ، لئلا يزاحم بقية الليل بالنوم ، فتفوته صلاة الصبح فى جماعة ، ~~وقال خرشة بن الحر : رأيت عمر بن الخطاب يضرب الناس على الحديث بعد العشاء ~~، ويقول : أسمرا أول الليل ونوما آخره ؟ ! . وقال سلمان الفارسى : إياكم ~~وسمر أول الليل ، فإنه مهدمة لآخره ، فمن فعل ذلك فليصل ركعتين قبل أن يأوى ~~إلى فراشه . وكان إبراهيم ، وابن سيرين ، يكرهان الكلام بعد العشاء . وأما ~~السمر بالعلم والفقه ، وأفعال الخير فجائز ، قد فعله النبى - صلى الله عليه ~~وسلم - ، وأصحابه ، وسيأتى فى الباب بعد هذا إن شاء الله ، وقد تقدم ~~اختلافهم فى النوم قبل هذا فأغنى عن إعادته . PageV02P221 فإن قال قائل : ~~إن قول أبى برزة : ( وكان ينفتل من صلاة الغداة حين يعرف أحدنا جليسه ) ، ~~معارض لقول عائشة : ( إن النساء كن ينصرفن من صلاة الفجر مع رسول الله وكن ~~متلفعات بمروطهن لا يعرفن من الغلس ) . قيل : لا تعارض بينهما ، وذلك أن ~~تلفعهن وتسترهن بمروطهن مانع من معرفتهن ، وكان الرجال يصلون ووجوههم بادية ~~بخلاف زى النساء وهيئاتهن ، وذلك غير مانع للرجل من معرفة جليسه ، فلا ~~تعارض بين شىء من ذلك بحمد الله . * * * # | 37 - باب السمر في الفقه والخير بعد العشاء # / 66 - فيه : قرة بن خالد قال : انتظرنا الحسن ، وراث علينا حتى قربنا من ~~وقت قيامه ، فجاء فقال : دعانا جيراننا هؤلاء ، ثم قال : قال أنس : انتظرنا ~~الرسول - صلى الله عليه وسلم - ذات ليلة حتى كان شطر الليل يبلغه ، فجاء ~~فصلى لنا ، ثم خطبنا ، فقال : ( ألا إن الناس قد صلوا ، ثم رقدوا ، وإنكم ~~لم تزالوا في صلاة ما انتظرتم الصلاة ) . قال الحسن : وإن القوم لا يزالون ~~فى خير ما انتظروا الخير . / 67 - وفيه : عبدالله بن عمر قال : صلى النبي ~~عليه السلام ، صلاة العشاء في آخر حياته ، فلما سلم ، قام النبي فقال : ( ~~أرأيتكم ليلتكم هذه ، فإن رأس مائة سنة لا يبقى ممن هو اليوم على ظهر الأرض ~~PageV02P222 أحد ) ، فوهل الناس في مقالة النبى إلى ما ms0460 يتحدثون فى هذه ~~الأحاديث عن مائة سنة ، وإنما قال الرسول : ( لا يبقى ممن هو اليوم على ظهر ~~الأرض ، يريد بذلك أنها تخرم ذلك القرن ) . وهذه الآثار تدل على أن السمر ~~المنهى عنه بعد العشاء ، إنما هو فيما لا ينبغى من الباطل واللغو ، ألا ترى ~~استدلال الحسن البصرى حين سمر عند جيرانه لمدارسة العلم ، بسمر النبى إلى ~~قرب من شطر الليل فى شغله بتجهيز الجيش ، ثم خرج فصلى بالناس ، ثم خطبهم ~~مؤنسا لهم من طول انتظارهم ، ومعرفا لهم ما يستحقون عليه من جزيل الأجر ، ~~فقال : ( إنكم لن تزالوا فى صلاة ما انتظرتم الصلاة ) ، ومثل ذلك قوله : ( ~~إن رأس مائة سنة لا يبقى ممن هو اليوم على ظهر الأرض أحد ) ، فأبان بفعله ~~عليه السلام ، أن السمر فى العلم والخير مرغب فيه . وروى ابن أبى شيبة ، عن ~~أبى معاوية ، عن الأعمش ، عن إبراهيم ، عن علقمة ، عن عمر ، قال : ( كان ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يسمر عند أبى بكر فى الأمر من أمور ~~المسلمين ، وأنا معه ) ، وروى ابن بكير ، عن ابن لهيعة ، عن ابن هبيرة ، عن ~~عبد الله بن رزين : أن عليا صلى بهم ذات ليلة العتمة ، فقعدوا ، واستفتوه ~~حتى أذن بصلاة الصبح ، فقال : قوموا فأوتروا فإنا لم نوتر . وكان ابن سيرين ~~، والقاسم ، وأصحابه يتحدثون بعد العشاء . وقال مجاهد : يكره السمر بعد ~~العشاء إلا لمصل أو مسافر أو دارس علم . PageV02P223 وقوله عليه السلام : ( ~~إنكم لن تزالوا فى صلاة ما انتظرتموها ) : تعليم منه لهم للعلم ، وكذلك ~~إعلامه لهم أن رأس مائة سنة لا يبقى ممن هو على ظهر الأرض أحد ، إعلام منه ~~لهم أن أعمار أمته ليست بطول أعمار من تقدم من الأمم السالفة ، ليجتهدوا فى ~~العمل ، وقد بين ذلك فى حديث آخر ، فقال : ( أعمار أمتى من الستين إلى ~~السبعين وأقلهم من يجاوز ذلك ) . وأما قول أنس بن مالك : ( انتظرنا رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - حتى كان شطر الليل يبلغه ) ، فهكذا وقع هذا ~~الكلام فى جميع النسخ ، وقد روى جابر بن عبد الله ms0461 هذا الحديث بنحو هذا ~~المساق ، وكشف فيه صواب اللفظ ، وذكر فيه الشغل الذى منعه من الخروج إلى ~~الصلاة ، وهو أنه اشتغل بتجهيز جيش ، رواه الأعمش ، عن أبى سفيان ، عن جابر ~~، قال : ( جهز رسول الله ذات ليلة جيشا ، حتى قرب نصف الليل أو بلغه . . . ~~) ، وذكر هذا الحديث ، وقد ذكرته بتمامه فى باب فضل العشاء ، فأبان هذا ~~اللفظ معنى حديث أنس ، وتقدير الكلام فيه : حتى كان شطر الليل ، أو كاد فى ~~أخرى يبلغه ، والعرب قد تحذف ( كاد ) كثيرا من كلامها لدلالة الكلام عليه ، ~~كقولهم فى : أظلمت الشمس ، كادت تظلم . قال الشاعر : يتعارضون إذا التقوا ~~فى موطن نظرا يزيل مواطئ الأقدام فلم يقل يكاد يزيل ، ولكنه نواها فى نفسه ~~، ومنه قوله تعالى : { وبلغت القلوب الحناجر } [ الأحزاب : 10 ] ، أى كادت ~~من شدة الخوف تبلغ الحلوق ، ذكره ابن قتيبة . PageV02P224 وقوله : ( فوهل ~~الناس ) ، قال صاحب ( الأفعال ) : وهل إلى الشىء وهلا : ذهب وهمه إليه ، ~~ويقال : كلمت فلانا وما ذهب وهلى إلا إلى فلان ، وما وهلت إلا إليه ، من ~~العين . * * * # | 38 - باب السمر مع الأهل والضيف # / 68 - فيه : عبدالرحمن بن أبي بكر : أن أصحاب الصفة ، كانوا أناسا فقراء ~~، وأن الرسول - صلى الله عليه وسلم - قال : ( من كان عنده طعام اثنين ، ~~فليذهب بثالث ، وإن أربع فخامس أو سادس ) ، وإن أبا بكر جاء بثلاثة ، ~~فانطلق النبي عليه السلام ، بعشرة ، قال : فهو أنا ، وأبي ، وأمي ، ولا ~~أدري هل قال : وامرأتي ، وخادم بيننا وبين بيت أبي بكر ، ثم إن أبا بكر ~~تعشى عند الرسول ، ثم لبث حيث صليت العشاء ، ثم رجع فلبث حتى تعشى النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - ، فجاء بعد ما مضى من الليل ما شاء الله ، قالت له ~~امرأته : ما حبسك عن أضيافك - أو قالت : ضيفك - قال : أوما عشيتهم ، قالت : ~~أبوا ، حتى تجيء ، قد عرضوا فأبوا ، قال : فذهبت أنا ، فاختبأت ، فقال : يا ~~غنثر ، فجدع وسب ، وقال : كلوا لا هنيئا ، فقال : والله لا أطعمه أبدا ، ~~وأيم الله ، ما كنا نأخذ من لقمة إلا ربا من أسفلها أكثر منها ، قال : ~~فشبعوا ، وصارت ms0462 أكثر مما كانت قبل ذلك ، فنظر إليها أبو بكر فإذا هي كما هي ~~أو أكثر ، فقال لامرأته : يا أخت بني فراس ما هذا ؟ قالت : لا ، وقرة عيني ~~، لهي الآن أكثر منها قبل ذلك بثلاث مرات ، فأكل منها أبو بكر ، وقال : ~~إنما كان ذلك من الشيطان - يعني يمينه - ثم أكل منها لقمة ، ثم حملها إلى ~~النبي عليه السلام ، فأصبحت عنده ، PageV02P225 وكان بيننا وبين قوم عقد ، ~~فمضى الأجل ، ففرقنا اثنى عشر رجلا مع كل رجل ، منهم أناس ، الله أعلم كم ~~مع كل رجل ، فأكلوا منها أجمعون ، أو كما قال . فيه : السمر مع الأضياف ، ~~كما ترجم وهذا كما قدمنا من السمر فى المباح وطلب الفضيلة ؛ لأن تلك كانت ~~أخلاقهم وأحوالهم ، فلا يجوز السمر إلا فى مثل ذلك من طلب الأجر ، والمباح ~~. قال المهلب : وفيه أن للسلطان إذا رأى بقوم مسغبة أن يفرقهم على أهل ~~الوجود بقدر ما لا يجحف بهم ، ألا ترى أن من كان عنده طعام اثنين ذهب بثالث ~~. قال غيره : وهذا على سنته فى قوله ، عليه السلام : ( طعام الاثنين كافى ~~الثلاثة ) ، والكفاية غير الاتساع فى الشبع . قال المهلب : ومن هذا أخذ عمر ~~بن الخطاب فعله فى عام الرمادة ، إذ كان يلقى على أهل كل بيت مثلهم من ~~الفقراء ، ويقول : لن يهلك امرؤ على نصف قوته . قال غيره : وإنما فعله عمر ~~لأن الضرورة كانت عام الرمادة أشد ، وقد تأول سفيان بن عيينة فى المواساة ~~فى المساغب قوله تعالى : { إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن ~~لهم الجنة } [ التوبة : 111 ] ، ومعناه : أن المؤمنين تلزمهم القربة فى ~~أموالهم لله تعالى ، عند توجه الحاجة إليهم ، ولهذا قال كثير من العلماء : ~~إن فى المال حقوقا سوى الزكاة ، وإنما جعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- على الاثنين واحدا ، وعلى الأربعة واحدا ، وعلى الخمسة واحدا ، ولم يجعل ~~على الأربعة والخمسة بإزاء ما يجب PageV02P226 للاثنين مع الثالث ، والله ~~أعلم ؛ لأن صاحب العيال أولى أن يرفق به ، وضيق معيشة الواحد والاثنين أرفق ~~بهم من ضيق معيشة الجماعات . وفيه ms0463 : أكل الصديق عند صديقه ، وإن كان عنده ~~ضيف ، إذا كان فى داره من يقوم بخدمتهم ومؤنتهم . قال المهلب : وفيه أن ~~الولد والأهل يلزمهم من التحفل بأمور الضيف ، مثل ما يلزم صاحب المنزل . ~~وفيه : أن للرجل أن يسب أهله وولده على تقصيرهم ببر أضيافه وأن يغضب لذلك . ~~وفيه : أن الأضياف ، ينبغى لهم أن يتأدبوا ، وينتظروا صاحب الدار ، ولا ~~يتهافتوا على الطعام دونه . قال غيره : وفيه جواز أكل الأضياف دون صاحب ~~الدار إذا حان الطعام ؛ لأن تأنيب أبى بكر لأهله يدل أن الضيف أولى بذلك من ~~رب الدار . قال المهلب : وفيه أن من حلف على شىء ورأى غيره خيرا منه أنه ~~يحنث نفسه ، ويأتى الذى هو خير منه ، ويكفر يمينه ، ومن الخير : الأكل من ~~طعام ظهرت فيه البركة ، وقد نهى الرسول عن الأيمان فى ترك البر والتقوى ~~وفعل الخير ، فمن هاهنا حنث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والصالحون ~~أنفسهم ، وهو قوله تعالى : { ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم أن تبروا ~~وتتقوا وتصلحوا بين الناس } [ البقرة : 224 ] ، فحنث رسول الله نفسه فى ~~الشراب الذى شربه فى بيت زوجته ، وحنث أبو بكر أيضا نفسه فى قصة مسطح . ~~PageV02P227 وفيه : رفع ما يرجى بركته ، وإهداؤه لأهل الفضل ، كرفع أبى بكر ~~بقية الطعام المبارك إلى رسول الله وإلى من بحضرته . وفيه : أن آثار الرسول ~~- صلى الله عليه وسلم - قد تظهر على يدى غير النبى لبركة النبى عليه السلام ~~، فتصح المعجزة منها فى زمانه ، وتجوز فى غير زمانه من ذلك ما ليس بخرق ~~عادة . وقول أبى بكر : ( كلوا لا هنيئا ) إنما خاطب بذلك أهله لا أضيافه . ~~وفيه : أن الصديق الملاطف يجمل منه أن يهدى إلى الجليل من إخوانه يسير ~~الهدية . وقولها : ( قد عرضوا ) يريد أن خادم أبى بكر وابنه ومن رتب لخدمة ~~الأضياف عرضوا الطعام على أضيافهم ، فأبوا من أكله إلا بحضرة أبى بكر ، وقد ~~جاء هذا المعنى منصوصا فى بدء الخلق فى باب : علامات النبوة فى الإسلام فى ~~هذا الكتاب . وقوله : ( يا غنثر ) هو من قول العرب ms0464 : رجل أغثر : أحمق ، من ~~ابن دريد ، والغثراء : سفلة الناس وغوغاؤهم ، فبنى فنعلا من أغثر على ~~المبالغة فى السب من هذا المعنى ، وفنعل موجود فى اللغة ، كقولهم : جندب ~~وقنفذ ، عن الأخفش . وقال الخطابى : غنثر مأخوذ من الغثارة ، وهى الجهل ، ~~يقال : رجل غثر وأغثر إذا كان جاهلا ، وامرأة غثراء ، وفى فلان غثارة ، ~~والنون فى الغنثر زائدة ، وإنما سميت الضبع غثرا لحمقها ، وحكى بعض أهل ~~اللغة الغنثرة : شرب الماء من غير عطش ، رواه الخطابى من PageV02P228 طريق ~~محمد بن المثنى ، عن سالم بن نوح العطار ، عن الجريرى ، عن أبى عثمان ، عن ~~عبد الرحمن ابن أبى بكر : يا عنتر ، والعنتر : الذباب ، شبهه به تصغيرا له ~~وتحقيرا لقدره ، وحكى العنتر : الذباب ، ثعلب ، عن ابن الأعرابى ، وقال : ~~إنما سمى عنترا لصوته ، وقال غيره : العنتر : الأزرق من الذباب . قال ~~المؤلف : والمحفوظ عن الرواة : يا غنثر ، بالغين المعجمة بنقطة من فوقها ، ~~وقوله : ( فجدع ) ، يعنى تنقص وعاب أصل الجدع فى اللغة : القطع ، يقال : ~~جدعت الأنف وغيره قطعته . * * * # | 1 - باب بدء الأذان وقوله تعالى : { وإذا ناديتم إلى الصلاة اتخذوها } ~~[ المائدة 58 ] . وقوله : { إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة } [ الجمعة 9 ] ~~. # / 1 - فيه : أنس : قال : ذكروا النار والناقوس ، فذكروا اليهود والنصارى ~~، فأمر بلال أن يشفع الأذان ، وأن يوتر الإقامة . / 2 - وفيه : ابن عمر قال ~~: كان المسلمون حين قدموا المدينة يجتمعون ، فيتحينون الصلاة ، ليس ينادى ~~لها ، فتكلموا يوما في ذلك ، فقال بعضهم : اتخذوا ناقوسا مثل ناقوس النصارى ~~، وقال بعضهم : بل بوقا مثل قرن اليهود ، فقال عمر : أفلا تبعثون رجلا ~~ينادي بالصلاة ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( يا بلال قم ~~فناد بالصلاة ) . PageV02P229 اختلف العلماء فى وجوب الأذان ، فعند مالك ، ~~وأبى حنيفة ، والشافعى : الأذان سنة ، وقال عطاء ، ومجاهد : الأذان فرض ، ~~وهو قول الأوزاعى ، واحتجوا بأن النبى ، عليه السلام ، أمر بلالا أن يشفع ~~الأذان ويوتر الإقامة ، وأمره على الوجوب ، وحجة أهل المقالة الأولى أن أصل ~~الأذان إنما يكون عن رؤيا رآها عبد الله بن زيد ، فأصبح إلى النبى فأخبره ~~برؤياه ، فبينا هو يقصها إذ ms0465 جاء عمر فقال : والله لقد رأيته مثل الذى رأى ، ~~فقال عليه السلام لعبد الله ابن زيد : ( قم فألق على بلال فإنه أندى منك ~~صوتا ) ، من رواية أهل المدينة والكوفة . فأما رواية أهل المدينة فرواية ~~ابن إسحاق ، عن الزهرى ، عن سعيد بن المسيب ، عن عبد الله بن زيد ، عن أبيه ~~مثله ، وأما رواية أهل الكوفى فرواية شعبة ، عن عمرو بن مرة ، عن عبد ~~الرحمن بن أبى ليلى قال : حدثنا أصحاب محمد : أن عبد الله بن زيد أرى ~~الأذان فى المنام ، فأتى النبى عليه السلام ، فأخبره ، فقال : ( علمه بلالا ~~) . قال ابن القصار : فكان أصل الأذان عن رؤيا ومشورة ، ولو كان واجبا ~~لابتدأه الرسول ولم يأخذه عن منام أحد ، فإن قيل : فإن الأمر وإن جرى كذلك ~~فقد يحصل واجبا بعد ذلك ، ألا ترى أن نبى الله حكم سعدا فى سبى بنى قريظة ~~فكان حكمه واجبا بعد ذلك ، ألا ترى أن نبى الله حكم سعدا فى سبى بنى قريظة ~~فكان حكمه واجبا ، ومعاذا تبع الرسول فى صلاة ثم مضى ، فقال عليه السلام : ~~( سن لكم معاذ سنة فاتبعوها ) . قيل : إن معاذا وسعدا لا يجوز أن يفعلا ~~شيئا بين يدى النبى إلا عن أمر ظهر لهما من دينه عليه السلام ، بدلالة ~~نصبها لهما ، وليس كذلك الأذان إنما كان عن رؤيا ، وأما قوله : ( أمر بلال ~~أن يشفع الأذان ويوتر الإقامة ) ، فليس فى ظاهره إيجاب ولا ندب ، وإنما هو ~~للشفع PageV02P230 والوتر ، وهل الأصل واجب أم لا ؟ ، يحتاج إلى دلالة ، ~~والرسول قد يأمر بصفات فى السنة ، ولا يدل أنها واجبة ، بل إذا فعلت ودخل ~~فيها وجب أن تفعل بصفاتها . * * * # | 2 - باب الأذان مثنى مثنى # / 3 - فيه : أنس قال : ( أمر بلال أن يشفع الأذان ، وأن يوتر الإقامة ، ~~إلا الإقامة ) . / 4 - ورواه خالد الحذاء عن أبي قلابة عن أنس بن مالك ولم ~~يقل فيه إلا الإقامة . اختلف العلماء فى صفة الأذان ، فقال مالك ، والليث ، ~~وأبو يوسف : الأذان مثنى مثنى ، وأوله : ( الله أكبر ، الله أكبر ) ، مرتين ~~، وقال أبو حنيفة ، والثورى ، والشافعى : الأذان ms0466 مثنى مثنى ، وأوله : ( ~~الله أكبر ، الله أكبر ) ، أربع مرات ، واحتج هؤلاء بروايات رويت فى حديث ~~أبى محذورة ، وعبد الله بن زيد فيها : ( الله أكبر ، الله أكبر ) ، أربع ~~مرات ، قالوا : وهى زيادة يجب قبولها . واحتج أهل المقالة الأولى بأنه قد ~~روى من طرق صحاح فى أذان أبى محذورة وعبد الله ابن زيد : ( الله أكبر ) ~~مرتين ، وكذلك فى أذان سعد القرظ ، قالوا : فلما وردت الآثار على هذا ~~الاختلاف ، ورأينا أهل المدينة يعملون : خلفهم عن سلفهم على المرتين لا ~~يزيدون عليها ، وينقلونه نقلا متواترا يقطع العذر ، سقط معه حكم الزائد ، ~~وقول أنس : ( أمر بلال أن يشفع الأذان ويوتر الإقامة ) ، حجة فى ذلك أيضا ؛ ~~لأن شفع الأذان تثنية ، وإذا قال : الله أكبر أربع مرات ، فقد خالف الخبر ~~بذلك ، ولم يشفع الأذان كله ، ولم يكن هناك خبر PageV02P231 يعضد عملهم ، ~~فكان عملهم أقوى من كل شىء يرد من طريق خبر الواحد ؛ لأن الأذان مما يتكرر ~~كل يوم خمس كرات ، ولا يؤخذ قياسا ، علمنا أنهم علموا ذلك من جهة الرسول - ~~صلى الله عليه وسلم - ؛ فوجب الرجوع إلى ما هم عليه كما رجع من خالفهم إلى ~~صاعهم ومدهم . وقالت طائفة : الاختلاف فى هذه الآثار كلها يدل على الإباحة ~~، فمن شاء أن يؤذن بكل ما روى منها ؛ لأنه قد ثبت عن الرسول جميع ذلك ، كما ~~المتوضئ بالخيار ، إن شاء توضأ مرة مرة ، وإن شاء مرتين مرتين ، هذا قول ~~أحمد ، وإسحاق ، والطبرى . * * * # | 3 - باب الإقامة واحدة إلا قوله ( قد قامت الصلاة ) # / 5 - فيه : أنس قال : أمر بلال أن يشفع الأذان ، وأن يوتر الإقامة ، قال ~~إسماعيل : فذكرت لأيوب ، فقال : إلا الإقامة . اختلف العلماء فى الإقامة ~~فقال مالك ، وأهل الحجاز ، والأوزاعى : الإقامة فرادى ، وبه قال أحمد ، ~~وإسحاق ، وقال الشافعى : الإقامة فرادى إلا قوله : ( قد قامت الصلاة ) ، ~~فإنه يقولها مرتين ، وفى مختصر ابن شعبان مثله . قال الثورى ، وسائر ~~الكوفيين : الإقامة مثنى مثنى كلها مثل الأذان ، واحتجوا بما رواه هشام ، ~~عن عامر الأحول ، عن مكحول ، عن ابن محيريز ، عن أبى محذورة أن الإقامة ~~مثنى ms0467 مثنى ، قالوا : وهو قول على بن أبى طالب وأصحاب ابن مسعود . وحجة ~~الشافعى ما رواه أيوب من قوله : إلا الإقامة فهى شفع ، PageV02P232 قال : ~~ويبين ذلك ما رواه شعبة عن أبى جعفر الفراء ، عن مسلم ، مؤذن كان لأهل ~~الكوفة ، عن ابن عمر قال : ( كانت الإقامة على عهد الرسول - صلى الله عليه ~~وسلم - مرة مرة ، غير أنه إذا قال : قد قامت الصلاة ، قالها مرتين ) . ~~واحتج أهل المقالة الأولى بما رواه خالد الحذاء عن أبى قلابة ، عن أنس قال ~~: ( أمر بلال أن يشفع الأذان ويوتر الإقامة ) . قال أبو محمد الأصيلى : ~~وقوله : ( إلا الإقامة ) ، هو من قول أيوب وليس من الحديث ، قال ابن القصار ~~: وكذلك رواه ابن جريج ، عن عطاء ، عن أبى محذورة : ( أن الرسول علمه ~~الأذان شفعا والإقامة وترا ) ، ومثله فى رواية عبد الله بن زيد ، وسعد ~~القرظ ، فإن قال الشافعى : قول أيوب : إلا الإقامة زيادة فى الحديث ~~والزيادة يجب قبولها ، قيل : الزائد أولى ما لم يعارض ما هو أقوى منه ، ~~وذلك عمل أهل المدينة وإجماعهم خلف عن سلف على إفراد الإقامة ، ومحال أن ~~يذهب عليهم شىء من جهة الرسول - صلى الله عليه وسلم - مما يجرى فى اليوم ~~والليلة خمس مرات ويعلمه غيرهم ، ولو صحت زيادة أيوب وما رواه الكوفيون من ~~تثنية الإقامة ؛ لجاز أن يكون ذلك فى وقت ما ، ثم ترك لعمل أهل المدينة على ~~الآخر الذى استقر الأمر عليه ، ولا يجوز أن يظن بهم أنه خالفوا ولا قصدوا ~~العناد ، وبمثل هذا احتج ابن القصار على من خالف مالكا فى كثير من المسائل ~~، فاحتج بنقلهم وفعلهم فى ترك الزكاة فى الخضر والأجناس بالمد والصاع على ~~من خالفهم . * * * # | 4 - باب فضل التأذين # / 6 - فيه : أبو هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : ( إذا ~~نودي للصلاة أدبر الشيطان ، وله PageV02P233 ضراط ، حتى لا يسمع التأذين ، ~~فإذا قضى النداء ، أقبل ، حتى إذا ثوب بالصلاة ، أدبر ، حتى إذا قضى ~~التثويب أقبل ، حتى يخطر بين المرء ونفسه ، يقول : اذكر كذا ، اذكر كذا ، ~~لما لم يكن يذكر ms0468 ، حتى يظل الرجل لا يدري كم صلى ) . فى هذا الحديث عظم فضل ~~الأذان ، وأن الشيطان ينافره ما لا ينافر سائر الذكر ، ألا ترى أنه يقبل ~~عند قراءة القرآن ويدبر عند الأذان ، وقد روى عن عمر بن الخطاب أنه قال : ~~إذا تغولت لكم الغيلان فأذنوا . وحكى مالك أن زيد بن أسلم استعمل على معذر ~~من معاذر بنى سليم كان انقطع عمله لما يتخيل فيه من الجن ، فأمرهم زيد أن ~~يؤذنوا فيه ، ففعلوا ذلك فما تخيل لهم بعد ذلك جن ، قال مالك : وأعجبنى ذلك ~~من رأى زيد بن أسلم . فاختلف العلماء فى معنى هروبه عند الأذان ولا يهرب من ~~الصلاة وفيها قراءة القرآن ، فقال المهلب : إنما يهرب ، والله أعلم ، من ~~اتفاق الكل على الإعلان بشهادة التوحيد وإقامة الشريعة كما يفعل يوم عرفة ~~لما يرى من اتفاق الكل على شهادة التوحيد لله تعالى ، وتنزل الرحمة عليهم ، ~~وييئس أن يردهم عما أعلنوا به من ذلك ، وأيقن بالخيبة بما تفضل الله عليهم ~~من ثواب ذلك ، ويذكر معصية الله ومضادته أمره فلم يملك الحديث لما استولى ~~عليه من الخوف . وقال غيره : إنما ينفر عن التأذين لئلا يشهد لابن آدم ~~بشهادة التوحيد لقوله عليه السلام : ( لا يسمع مدى صوت المؤذن جن ولا إنس ~~ولا شىء إلا شهد له يوم القيامة ) ، وليس قول من قال : إنما ينفر من الأذان ~~لأنه دعا إلى الصلاة التى فيها السجود الذى أباه بشىء ؛ لأنه قد أخبر عليه ~~السلام ، أنه إذا قضى التثويب أقبل يذكره ما لم يذكر ، يخلط عليه صلاته ، ~~وكان فراره من الصلاة التى فيها السجود أولى لو كان كما زعموا . ~~PageV02P234 وروى ابن أبى شيبة ، عن أبى معاوية ، عن الأعمش ، عن أبى سفيان ~~، عن جابر قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( إذا نادى ~~المنادى بالأذان هرب الشيطان حتى يكون بالروحاء ، وهى ثلاثون ميلا من ~~المدينة ) ، وذكر ابن سفيان ، عن سعيد بن المسيب ، قال : بلغنا أنه إن خرج ~~من المسجد بين الأذان والإقامة أنه سيصاب بمصيبة . وذكر عن أبى هريرة ms0469 أنه ~~كان فى المسجد فأذن المؤذن فخرج رجل ، فقال أبو هريرة : ( أما هذا فقد عصى ~~الله ورسوله ، أمرنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا سمعنا الأذان ~~ألا نخرج حتى نصلى ) ، ويحتمل أن يكون معنى هذا النهى ، والله أعلم ، لئلا ~~يشبه فعل الشيطان فى هروبه لئلا يسمع النداء . وقال الطبرى : قوله : ( إذا ~~ثوب بالصلاة ) ، يعنى صرخ بالإقامة مرة بعد مرة أخرى ، ورجع ، وكل مردد ~~صوتا فهو مثوب ، ولذلك قيل للمرجع صوته فى الأذان بقوله : ( الصلاة خير من ~~النوم ) ، مثوب وأصله من ثاب يثوب ، إذا رجع إليه ، ومنه قوله تعالى : { ~~وإذ جعلنا البيت مثابة للناس } [ البقرة : 125 ] ، يعنى أنهم إذا انصرفوا ~~منه رجعوا إليه . وجمهور العلماء على أن الإقامة للصلاة سنة ، ولا خلاف ~~بينهم أن قول المؤذن فى نداء الصبح ( الصلاة خير من النوم ) ، يقال له : ~~تثويب ، وروى هشيم ، عن ابن عون ، عن محمد بن سيرين ، عن أنس قال : ما كان ~~التثويب إلا فى صلاة الغداة إذا قال المؤذن : حى على الفلاح ، قال : الصلاة ~~خير من النوم . PageV02P235 وقال ابن الأنبارى : إنما سمى ( الصلاة خير من ~~النوم ) تثويبا ؛ لأنه دعاء ثان إلى الصلاة وذلك أنه لما قال : حى على ~~الصلاة ، حى على الفلاح ، وكان هذا دعاء ثم عاد فقال : الصلاة خير من النوم ~~، دعا إليها مرة أخرى . وقال الطحاوى : الأصل فى التثويب أن الرجل إذا جاء ~~فزعا أو مستصرخا لوح بثوبه ، فكان ذلك كالدعاء والإيذان ، ثم كثر ذلك حتى ~~سمى الدعاء تثويبا ، قال ذو الرمة : وإن ثوب الداعى بها يال خندف والعامة ~~لا تعرف التثويب فى الأذان إلا قول المؤذن فى الفجر ( الصلاة خير من النوم ~~) ، وإنما سمى بذلك ؛ لأن المؤذن يرجع إليه مرة بعد أخرى ، يقال : ثابت إلى ~~المريض نفسه : رجعت إليه قوته ، وثاب إلى المرء عقله ، ومنه اشتق الثواب ~~وتأويله : ما يئول إليك من فضل الله وجزاء الأعمال الصالحة ، ومنه سميت ~~المرأة ثيبا ، أنها تثوب إلى أهلها من بيت زوجها . قال الطحاوى : وقد كره ~~قوم أن يقال فى نداء الصبح ms0470 : ( الصلاة خير من النوم ) ، واحتجوا بحديث عبد ~~الله بن زيد فى صفة الأذان وليس فيه ذلك ، وخالفهم جمهور الفقهاء واستحبوا ~~ذلك ، واحتجوا بما رواه ابن جريج قال : أخبرنى عثمان بن السائب ، عن أم عبد ~~الملك بن أبى محذورة ، عن أبى محذورة : ( أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - ~~علمه فى نداء الصبح : الصلاة خير من النوم مرتين ) ، ورواه أبو بكر بن عياش ~~، عن عبد العزيز بن رفيع ، عن أبى محذورة مثله ، وقد قال أنس ، وابن عمر : ~~إنه كان التثويب فى نداء الصبح : الصلاة خير من النوم مرتين بعد قوله : حى ~~على الفلاح . PageV02P236 قال المهلب : وقوله : ( اذكر كذا لما لم يكن يذكر ~~) ليسهيه عن صلاته . فيه من الفقه : أن من نسى شيئا وأراد أن يتذكره فليصل ~~ويجهد نفسه فيها من تخليص الوسوسة وأمور الدنيا ، فإن الشيطان لابد أن ~~يحاول تسهيته وإذكاره أمور الدنيا ؛ ليصده عن إخلاص نيته فى الصلاة . وقد ~~روى عن أبى حنيفة : أن رجلا دفن مالا ، ثم غاب عنه سنين كثيرة ، ثم قدم ~~فطلبه فلم يهتد لمكانه ، فقصد أبا حنيفة فأعلمه بما دار له فقال له : صل فى ~~جوف الليل وأخلص نيتك لله تعالى ، ولا تجد على قلبك شيئا من أمور الدنيا ، ~~ثم عرفنى بأمرك ، ففعل فذكر فى الصلاة مكان المال ، فلما أصبح أتى أبا ~~حنيفة فأعلمه بذلك ، فقال بعض جلسائه : من أين دللته على هذا ، يرحمك الله ~~؟ فقال : استدللت من هذا الحديث وعلمت أن الشيطان سيرضى أن يذكره موضع ماله ~~ويمنعه الإخلاص فى صلاته ، فعجب الناس من حسن انتزاعه واستدلاله . * * * # | 5 - باب رفع الصوت بالنداء # وقال عمر بن عبدالعزيز : أذن أذانا سمحا ، وإلا فاعتزلنا . / 7 - فيه : ~~أبو سعيد أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - قال له : ( إني أراك تحب الغنم ~~والبادية ، فإذا كنت في غنمك أو باديتك ، فأذنت بالصلاة ، فارفع صوتك ~~بالنداء ، فإنه لا يسمع مدى صوت المؤذن جن ولا إنس ولا شيء إلا شهد له يوم ~~القيامة ) . وفيه : أن الشغل بالبادية واتخاذ الغنم من فعل السلف الصالح ~~الذى ms0471 ينبغى لنا الاقتداء بهم ، وإن كان فى ذلك ترك للجماعات ففيه عزلة عن ~~الناس ، وبعد عن فتن الدنيا وزخرفها ، وقد جاء أن الاعتزال PageV02P237 ~~للناس عند تغير الزمان وفساد الأحوال مرغب فيه ، وروى عن الرسول - صلى الله ~~عليه وسلم - أنه قال : ( يوشك أن يكون خير مال المسلم غنما يتبع بها شعف ~~الجبال ومواضع القطر ، يفر بدينه من الفتن ) . قال المهلب : وفيه فضل ~~الإعلان بالسنن وإظهار أمور الدين ، وإنما أمره برفع صوته بالنداء ليسمعه ~~من بعد منه فيكثر الشهداء له يوم القيامة ، وقد اختلف فى قوله عليه السلام ~~: ( ولا شىء إلا شهد له يوم القيامة ) ، فقالت طائفة : الحديث على العموم ~~فى كل شىء ، وجعلوا الجمادات وغيرها سامعة وداخلة فى معنى هذا الحديث . ~~وقالت طائفة : لا يراد بالحديث إلا من يجوز سماعه من الجن والإنس والملائكة ~~وسائر الحيوان ، قالوا : والدليل على ذلك أنه لم يذكر إلا الجن والإنس ثم ~~قال : ( ولا شىء ) ، يريد من صنف الحيوان السامع والملائكة والحشرات ~~والدواب . ولا يمتنع أن الله ، تعالى ، يقدر يسمع الجمادات ، لكنا لا نقول ~~ذلك مع جوازه إلا بخبر لا يحتمل التأويل ، وليس فى هذا الحديث ما يقطع به ~~على هذا المعنى ، وقول عمر لمؤذنه : ( أذن أذانا سمحا وإلا فاعتزلنا ) ، ~~إنما نهاه عن التطريب فى أذانه والخروج عن الخشوع ، وروى ابن أبى شيبة قال ~~: حدثنا وكيع ، عن سفيان ، عن عمرو ، عن سعيد : ( أن مؤذنا أذن فطرب فى ~~أذانه فقال له عمر : أذن أذانا سمحا وإلا فاعتزلنا ) . وفيه : أن الأذان ~~للمنفرد مرغب فيه مندوب إليه ، وقد روى عن الرسول أنه قال : ( من أذن فى ~~أرض فلاة ، وأقام وحده ، صلى وراءه من الملائكة أمثال الجبال ) . ~~PageV02P238 * * * # | 6 - باب ما يحقن بالأذان من الدماء # / 8 - فيه : أنس بن مالك قال : ( أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - كان ~~إذا غزا بنا قوما لم يغز بنا حتى يصبح ، وينظر ، فإن سمع أذانا كف ، وإن لم ~~يسمع أذانا أغار عليهم ، فخرجنا إلى خيبر فانتهينا إليهم ليلا ، فلما أصبح ~~ولم يسمع أذانا ، ركب راحلته ms0472 . . . ) وذكر الحديث . قال المهلب : إنما يحقن ~~الدم بالأذان ؛ لأن فيه الشهادة بالتوحيد لله والإقرار بالرسول ، وقوله : ( ~~لم يغز حتى يصبح فإن سمع أذانا كف ) ، فهذا عند العلماء لمن قد بلغته ~~الدعوة ، وعلم ما الذى يدعو إليه داعى الإسلام ، فكان يمسك عن هؤلاء حتى ~~يسمع الأذان ؛ ليعلم إن كانوا مجيبين للدعوة أم لا ؛ لأن الله قد وعده ~~إظهار دينه على الدين كله ، فكان يطمع بإسلامهم ، وليس يلزم اليوم الأئمة ~~أن يكفوا عمن بلغته الدعوة لكى يسمعوا أذانا ؛ لأنه قد علم عناد أهل الحرب ~~وغائلتهم للمسلمين ، وينبغى أن تنتهز الفرصة فيهم . * * * # | 7 - باب ما يقول إذا سمع المنادي # / 9 - فيه : أبو سعيد الخدري أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - قال : ( ~~إذا سمعتم النداء ، فقولوا مثل ما يقول المؤذن ) . / 10 - وفيه : معاوية ~~مثله إلى قوله : ( وأشهد أن محمدا رسول الله ، وإذا قال : حي على الصلاة ، ~~قال : لا حول ولا قوة إلا بالله ) . اختلف العلماء فى تأويل هذا الحديث ، ~~فقالت طائفة : ينبغى لمن يسمع الأذان أن يقول مثلما يقول المؤذن حتى يفرغ ~~من أذانه كله على PageV02P239 عموم حديث أبى سعيد ، وإليه ذهب الشافعى ، ~~وقالت طائفة : إنما يقول مثلما يقول المؤذن فى التكبير الشهادتين ، ويقول ~~فى موضع قوله : حى على الصلاة ، حى على الفلاح : لا حول ولا قوة إلا بالله ~~، على ما جاء فى حديث معاوية ، قالوا : وهو مفسر لحديث أبى سعيد ، هذا قول ~~مالك ، والكوفيين ، ومن الحجة لهم أيضا ما رواه بشر بن المفضل ، عن عبد ~~الرحمن بن إسحاق ، عن الزهرى ، عن سعيد بن المسيب ، عن أبى هريرة ، عن ~~الرسول - صلى الله عليه وسلم - قال : ( إذا تشهد المؤذن فقولوا مثلما يقول ~~) . وقال المهلب : ما بعد الشهادتين إنما هو إعلام للناس ودعاء لهم إلى ~~الصلاة ، فإذا كان سرا لم يكن له معنى ؛ لأنه لا يسمع به أحد فيكون له فضل ~~الدعوة إلى الصلاة ، والسامع إنما يقول ذلك على وجه الذكر لا على وجه دعاء ~~الناس إلى الصلاة ، فينبغى أن يجعل مكان ذلك : لا حول ولا ms0473 قوة إلا بالله ، ~~كما روى معاوية فهى مفتاح من مفاتيح الجنة . واختلفوا فى المصلى يسمع ~~الأذان ، فقال مالك : يقول مثل قوله من التكبير والتشهد فى النافلة ولا ~~يقوله فى الفريضة ، قال : وهذا الذى يقع بنفسى أنه أريد بهذا الحديث ، وهو ~~قول الليث ، وقال ابن شعبان : روى أبو المصعب عن مالك أنه يقول فى الفريضة ~~والنافلة ، وهو قول ابن وهب واختاره ابن حبيب ؛ لأنه تهليل وتكبير ، جائز ~~أن يقوله وإن لم يسمع أذانا ، وفى المجموعة لابن عبدوس ، عن سحنون : لا ~~يقوله أحد فى فريضة ولا نافلة ، وروى أنه أريد بالحديث من ليس فى صلاة ، ~~وهو قول الشافعى ، وحجته أن المؤذنين يؤذنون يوم عرفة والإمام يخطب فلا ~~يقول مثل ما يقولون ويترك ما هو فيه ، فالمصلى أولى بذلك . PageV02P240 قال ~~الطحاوى : لم أجد لأصحابنا فى هذا نصا ، غير أن أبا يوسف قال : من أذن فى ~~صلاته إلى آخر الشهادتين لم تفسد صلاته إن أراد الأذان ، وفى قول أبى حنيفة ~~: لم تفسد صلاته ، فهذا يدل من قولهم أن من سمع الأذان فى الصلاة أنه لا ~~يقوله . وقل بعض العلماء : القياس أنه لا فرق بين المكتوبة والنافلة فى هذا ~~الباب ؛ لأن الكلام محرم فيهما ، وقوله : حى على الصلاة ، حتى على الفلاح : ~~كلام ، فلا يصلح فى شىء من الصلاة ، وقد قال ابن المواز : إنه من قاله فى ~~صلاته عامدا أو قال : الصلاة خير من النوم أنها تفسد صلاته ، قال ابن خويز ~~منداد ، عن مالك : هو مسىء ولا تبطل صلاته ، وأما سائر الأذان فمن الكلام ~~الذى يصلح فى الصلاة . وقال الطحاوى : وقد قال قوم : إن قول الرسول : ( إذا ~~سمعتم المؤذن فقولوا مثلما يقول ) على الوجوب ، وخالفهم آخرون وقالوا : هو ~~على الاستحباب والندب ، واحتجوا بما رواه قتادة عن أبى الأحوص ، عن علقمة ، ~~عن عبد الله قال : ( كنا مع الرسول فى بعض أسفاره ، فسمع مناديا وهو يقول : ~~الله أكبر ، الله أكبر ، فقال رسول الله : ( على الفطرة ) ، فقال : أشهد أن ~~لا إله إلا الله ، فقال رسول الله - صلى الله عليه ms0474 وسلم - : ( خرج من النار ~~) ، فابتدرناه ، فإذا هو صاحب ماشية أدركته الصلاة فصلى ) ، قال الطحاوى : ~~فهذا رسول الله سمع المنادى ، فقال غير ما قال ؛ فدل أن قوله عليه السلام : ~~( فقولوا مثلما يقول المؤذن ) على غير الإيجاب ، وأنه على الندب وإصابة ~~الفضل ، كما علمهم من الدعاء الذى أمرهم أن يقولوه عند إدبار الصلوات وشبه ~~ذلك . PageV02P241 * * * # | 8 - باب الدعاء عند النداء # / 11 - فيه : جابر بن عبدالله قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- : ( من قال حين يسمع النداء : اللهم رب هذه الدعوة التامة ، والصلاة ~~القائمة ، آت محمدا الوسيلة والفضيلة ، وابعثه مقاما محمودا الذي وعدته ، ~~حلت له شفاعتي يوم القيامة ) . قال الطحاوى : وقد روى عن الرسول - صلى الله ~~عليه وسلم - أنه كان يقول عند الأذان غير ما جاء فى الحديث ويأمر به ، وذلك ~~ما روى الليث عن حكيم بن عبد الله بن قيس ، عن عامر بن سعد ابن أبى وقاص ، ~~عن أبيه ، أن رسول الله قال : ( من قال حين يسمع المؤذن : وأنا أشهد أن لا ~~إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأن محمدا عبده ورسوله ، رضيت بالله ، عز ~~وجل ، ربا ، وبالإسلام دينا ؛ غفر له ) . وما رواه محمد بن فضيل ، عن عبد ~~الرحمن بن إسحاق ، عن حفصة بنت أبى كثير ، عن أمها ، عن أم سلمة قالت : ( ~~علمنى الرسول فقال : إذا كان عند أذان المغرب فقولى : اللهم هذا استقبال ~~ليلك وإدبار نهارك وأصوات دعاتك وحضور صلواتك ، اغفر لى ) . قال الطحاوى : ~~فهذه الآثار تدل على أنه أريد بها ما يقال عند الأذان من الذكر ، فكل ~~الأذان ذكر غير : حى على الصلاة ، حى على الفلاح ، فإنهما دعاء إلى الصلاة ~~، والذكر أولى أن يقال . وقال المهلب : فيه الحض على الدعاء فى أوقات ~~الصلوات حين تفتح أبواب السماء للرحمة ، وقد جاء فى الحديث : ( ساعتان لا ~~يرد فيهما الدعاء حضرة النداء بالصلاة ، وحضرة الصف فى سبيل الله ) ، فدلهم ~~عليه السلام على أوقات الإجابة وأن يدعى بمعنى ما فتح له أبواب السماء وهو ~~قوله : ( رب هذه الدعوة التامة ) ، يعنى الأذان ms0475 PageV02P242 المشتمل على ~~شهادة الإخلاص لله تعالى ، والإيمان بنبيه ، عليه السلام ، وبذلك تم ~~استحقاق الدخول فى الإسلام ، و ( الصلاة القائمة ) التى هى أول الفرائض بعد ~~الإيمان بالله ، فإذا دعا للنبى عليه السلام ، بالوسيلة والمقام المحمود ~~فقد دعا لنفسه ولجميع المسلمين ، وقوله : ( حلت له شفاعتى ) معناه غشيته ~~وحلت عليه ، لا أنها كانت حراما عليه قبل ذلك ، و ( اللام ) ، هاهنا بمعنى ~~( على ) ، وذلك موجود فى القرآن ، قال تعالى : { ويخرون للأذقان سجدا } [ ~~الإسراء : 109 ] ، يعنى على الأذقان سجدا ، وقوله : ( رب هذه الدعوة ) لا ~~حجة فيه للمعتزلة الذين يقولون بخلق الصفات ، تعالى الله عن قولهم ؛ لأن ~~الرب فى اللغة يقال لغير الخالق للشىء ، وهو على ضروب : فرب الشىء بمعنى ~~مالكه ومستحقه كما قال يوسف : { إنه ربى أحسن مثواى } [ يوسف : 23 ] ، أى ~~أنه مالكى ، والله تعالى ، وإن كان لا يجوز أن يوصف بأنه مالك لصفاته فهو ~~مستحق أن يوصف بها ؛ لأن الملك والاستحقاق معناهما واحد . * * * # | 9 - باب الاستهام في الأذان # ويذكر أن أقواما اختلفوا في الأذان ، فأقرع بينهم سعد . / 12 - فيه : أبو ~~هريرة : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( لو يعلم الناس ما في ~~النداء والصف الأول ، ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا ، ولو ~~يعلمون ما في التهجير لاستبقوا إليه ، ولو يعلمون ما في العتمة والصبح ، ~~لأتوهما ولو حبوا ) . PageV02P243 قال أبو جعفر الداودى : قوله عليه السلام ~~: ( لو يعلمون ما فى النداء والصف الأول ) ، يريد لو يعلمون ما فيه من عظم ~~الثواب لبادروا إليه جميعا ، فلا يبقى من يقيم لهم الجمعة ؛ لأن إمام ~~الجمعة لا يكون مؤذنا ، وإنما يؤذنون بين يديه إذا جلس على المنبر ، ولذلك ~~قال عمر : لولا الخلاف لأذنت . أما إقراع سعد بين الذين اختلفوا فى الأذان ~~فإن الطبرى ذكر أنه افتتحت القادسية صدر النهار واتبع الناس العدو ، فرجعوا ~~وقد حانت صلاة الظهر وأصيب المؤذن ؛ فتشاج الناس فى الأذان حتى كادوا ~~يجتلدون بالسيوف ، فأقرع بينهم سعد فخرج سهل رجل فأذن . فالقرعة أصل من ~~أصول الشريعة فى تبدية من استوت دعواهم فى الشىء ms0476 ، وفضل الصف الأول على ~~غيره لاستماع القرآن إذا جهر الإمام والتكبير عند تكبيره والتأمين عند ~~فراغه من فاتحة الكتاب ، وقد قيل : إن المراد بذكر الصف الأول المسابقة إلى ~~المسجد ؛ لأن من بكر إلى الصلاة وانتظرها وإن لم يصل فى الصف الأول أفضل ~~ممن تأخر وصلى فى الصف الأول ؛ لأن المنتظر للصلاة فى صلاة ، والتهجير : ~~السبق إلى المسجد فى الهواجر ، فمن ترك قائلته وقصد إلى المسجد ينتظر ~~الصلاة ، فهو من صلاة وهو فى رباط . وقوله : ( ولو يعلمون ما فى العتمة ~~والصبح لأتوهما ولو حبوا ) ، وإنما خاطب بذكر العتمة من لا يعرف العشاء إلا ~~بهذا الاسم فخاطبهم بما يعقلون ، ومن علم أن اسمها العشاء لم يخاطب إلا بما ~~فى القرآن قاله الداودى . قال الطبرى : وإنما خص العتمة والصبح دون سائر ~~الصلوات للزومها فى أثقل الأوقات ، العشاء وقت الدعة والسكون من كل تعب ، ~~PageV02P244 وقد جعل الله الليل سكنا ، وفيها تكلف الحركة فى ظلمة الليل مع ~~خوف الهوام الضارة فى الطريق ، وأما الفجر فوقت اشتداد النوم لمحبة الناس ~~استدامة الراحة ، فكان خروجا من الدعة إلى تعب الوضوء والمشى إلى المساجد ~~وليس كسائر الصلوات ، وبين ذلك قوله : ( أثقل الصلاة على المنافقين العشاء ~~والفجر ) ، وقال ابن عمر : كنا إذا فقدنا الرجل فى صلاة العشاء والصبح ~~أسأنا به الظن ، وقال عمر : إنى لأشهد الفجر فى جماعة أحب إلى من أن أقوم ~~ليلة ، وقال عثمان : من شهد العشاء فكأنما قام نصف ليلة ، ومن شهد الصبح ~~كأنما قام ليلة ، وقوله : ( ولو حبوا ) ، يعنى لأتاهما من لا يقدر على ~~المشى كالمقعد وشبهه . * * * # | 10 - باب الكلام في الأذان # وتكلم سليمان بن صرد في أذانه . وقال الحسن : لا بأس أن يضحك وهو يؤذن أو ~~يقيم . / 13 - وفيه : ابن عباس ( أنه خطبهم في يوم ردغ ، فلما بلغ المؤذن ~~حي على الصلاة ، أمره أن ينادي الصلاة في الرحال ، فنظر القوم بعضهم إلى ~~بعض ، فقال : فعل هذا من هو خير منه ، وإنها عزمة ) . قال المؤلف : رخص فى ~~الكلام فى الأذان عروة بن الزبير ، وعطاء وقتادة ms0477 ، وبه قال عبد العزيز بن ~~أبى سلمة وأحمد بن حنبل ، وكرهه النخعى ، وابن سيرين ، ومالك ، والثورى ، ~~والأوزاعى ، وأبو حنيفة ، وأصحابه ، والشافعى ، إلا أنه روى عن الكوفيين ~~أنه إن تكلم فى أذانه يجزئه ويبنى ، وقال ابن القاسم فى المجموعة : إذا خاف ~~على صبى أو أعمى أو دابة تقع فى بئر وشبهه تكلم وبنى ، وقال الزهرى : إن ~~تكلم فى الإقامة أعادها ، وهذا الحديث يدل أنه من PageV02P245 تكلم يبنى ~~ولا يبتدئ ؛ لأنه قد قال : الصلاة فى الرحال ، وتمادى فى أذانه وهو حجة على ~~من خالفه . قال المهلب : وقوله : ( الصلاة فى الرحال ) ، وأباح التخلف عن ~~الجمعة بعد أن قال : ( إنها عزمة ) يدل أنه صلى الجمعة وحدها ولم يصل بعدها ~~العصر ، فهو حجة لمالك أنه لا يجوز الجمع بين الظهر والعصر لعذر المطر . ~~وقال ابن دريد : الرزغة : الطين الذى يبل القدم ، وقد أرزغ المطر الأرض ، ~~وقال صاحب ( العين ) : الرزغة أشد من الردغة ، والرازغ المرتطم فيها . * * ~~* # | 11 - باب أذان الأعمى إذا كان له من يخبره # / 14 - فيه : ابن عمر أن النبى - صلى الله عليه وسلم - قال : ( إن بلالا ~~يؤذن بليل ، فكلوا ، واشربوا ، حتى ينادي ابن أم مكتوم ) ، قال : ( وكان ~~رجلا أعمى لا ينادي حتى يقال له : أصبحت أصبحت ) . قال المؤلف : اختلفوا فى ~~أذان الأعمى ، فكرهه ابن مسعود ، وابن الزبير ، وكره ابن عباس إقامته ~~وأجازه طائفة ، وروى أن مؤذن النخعى كان أعمى ، وأجازه مالك ، والكوفيون ، ~~والشافعى ، وأحمد إذا كان له من يعرفه الوقت ؛ لأن أذان ابن أم مكتوم إنما ~~كان يؤذن بعد أن يقال له : أصبحت أصبحت . قال المهلب : وفيه جواز شهادة ~~الأعمى على الصوت ؛ لأنه ميز صوت من علمه الوقت ممن يثق به ، فقام أذانه ~~على قوله مقام شهادة المخبر له ، وفيه : أيضا أنه يجوز أن يذكر الرجل بما ~~فيه من العاهات ؛ PageV02P246 ليستدل بذلك على ما يحتاج إليه ، وفيه : أن ~~ينسب الرجل إلى أمه إذا كان معروفا بذلك ، وفيه : تكنية المرأة ، وفيه : ~~تكرير اللفظ للتأكيد . * * * # | 12 - باب الأذان بعد الفجر # / 15 - فيه : حفصة ( أن رسول الله ms0478 - صلى الله عليه وسلم - كان إذا اعتكف ~~المؤذن للصبح ، وبدا الصبح ، صلى ركعتين خفيفتين ، قبل أن تقام الصلاة ) . ~~/ 16 - وفيه : عائشة أيضا قالت : ( كان الرسول - صلى الله عليه وسلم - يصلي ~~ركعتين خفيفتين بين النداء والإقامة من صلاة الصبح ) . / 17 - وفيه : ابن ~~عمر قال الرسول : ( إن بلالا ينادي بليل ، فكلوا ، واشربوا ، حتى ينادي ابن ~~أم مكتوم ) . الأذان بعد الفجر لا خلاف فيه بين الأئمة ، وإنما اختلفوا فى ~~جوازه قبل الفجر على ما يأتى ذكره فى الباب بعد هذا ، إن شاء الله ، وفيه ~~مواظبة رسول الله على ركعتى الفجر وتخفيفه لهما . قال المؤلف : وحديث حفصة ~~قد اختلفت ألفاظه ، فرواه عبد الله بن يوسف التنيسى عن مالك : ( أن رسول ~~الله . . . ) ، وخالفه سائر الرواة عن مالك : ( أن رسول الله كان إذا سكت ~~المؤذن عن الأذان بصلاة الصبح ) ، مكان ( اعتكف المؤذن ) ، وروى عن عائشة ~~مثل هذا اللفظ : ( إذا سكت المؤذن . . . ) ، وهو يوافق رواية الجماعة عن ~~مالك ، ذكره البخارى فى باب ( من انتظر الإقامة ) ، بعد هذا . PageV02P247 ~~فإن كانت رواية التنيسى عن مالك محفوظة ولم تكن غلطا ، فوجه موافقتها ~~للترجمة أن المؤذن كان يعتكف للصبح ، أى ينتظر الصبح لكى يؤذن ، والعكوف فى ~~اللغة : الإقامة ، فكان يرقب طلوع الفجر ليؤذن فى أوله ، فإذا طلع الفجر ~~أذن ، فحينئذ كان يركع الرسول ركعتى الفجر قبل أن تقام الصلاة ، ويشهد لصحة ~~هذا المعنى رواية الجماعة عن مالك : ( كان إذا سكت المؤذن صلى ركعتين ~~خفيفتين ) ، فدل أن ركوعه كان متصلا بأذانه ، ولا يجوز أن يكون ركوعه إلا ~~بعد الفجر ، فكذلك كان الأذان بعد الفجر ، وعلى هذا المعنى حمله البخارى ، ~~ولذلك ترجم له باب ( الأذان بعد الفجر ) ، وأردف عليه حديث عائشة : ( أن ~~النبى كان يصلى ركعتين خفيفتين بين النداء والإقامة من صلاة الصبح ) ، ليدل ~~أن هذا النداء كان بعد الفجر . فمن أنكر هذا لزمه أن يقول أن صلاة الصبح لم ~~يكن يؤذن لها بعد الفجر ، وهذا غير سائغ من القول . وأما أذان ابن أم مكتوم ~~فقد اختلف العلماء فى تأويله ، فقال ابن حبيب ms0479 : ليس معنى قوله : ( أصبحت ~~أصبحت ) إفصاحا بالصبح على معنى أن الصبح قد انفجر وظهر ، ولكنه على معنى ~~التحذير من إطلاعه والتحضير له على النداء بالأذان خيفة انفجاره ، ومثل هذا ~~قال أبو محمد الأصيلى ، وأبو جعفر الداودى ، وسائر المالكيين ، وقالوا : ~~معنى قوله : ( أصبحت أصبحت ) ، قارب الصباح كما قال تعالى : { فإذا بلغن ~~أجلهن } [ البقرة : 234 ] ، يريد إذا قارب ذلك ؛ لأنه إذا انقضى أجلها وتمت ~~عدتها فلا سبيل لزوجها إلى مراجعتها وقد انقضت عدتها ، قالوا : ولو كان ~~أذان ابن أم مكتوم بعد الفجر لم يجز أن يؤمر بالأكل إلى وقت أذانه ؛ ~~للإجماع أن الصيام واجب من أول الفجر . وأما مذهب البخارى فى هذا الحديث ~~على ما ترجم به فى هذا PageV02P248 الباب فأن أذانه كان بعد طلوع الفجر ، ~~والحجة له على ذلك نص ودليل ، فأما الدليل فقوله عليه السلام : ( إن بلالا ~~ينادى بليل فكلوا واشربوا حتى ينادى ابن أم مكتوم ) ، فلو كان أذان ابن أم ~~مكتوم قبل الفجر لم يكن لقوله : ( إن بلالا ينادى بليل ) معنى ؛ لأن أذان ~~ابن أم مكتوم أيضا كذلك هو فى الليل ، وإنما يصح الكلام أن يكون نداء ابن ~~أم مكتوم فى غير الليل فى وقت يحرم فيه الطعام والشراب اللذان كانا مباحين ~~فى وقت أذان بلال . وقد روى هذا المعنى نصا فى بعض طرق هذا الحديث ، ذكره ~~البخارى فى كتاب الصيام فى باب قول النبى ، عليه السلام : ( لا يمنعنكم من ~~سحوركم أذان بلال ) من رواية عائشة قالت : ( إن بلالا يؤذن بليل ، فقال ~~عليه السلام : كلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم ، فإنه لا يؤذن حتى يطلع ~~الفجر ) ، وهذا نص قاطع للخلاف . وأما على من اعتل أن أذانه لو كان بعد ~~الفجر لم يجز أن يؤمر بالأكل إلى وقت أذانه للإجماع أن الصيام واجب أول ~~الفجر ، فإنها علة لا توجب فساد معنى الصيام ، وإنما كان أذان ابن أم مكتوم ~~علامة لتحريم الأكل لا للتمادى فيه ، ولابد أنه كان له من يراعى له الوقت ~~ممن يقبل قوله ويثق بصحته من وكل ms0480 بذلك منه . وقد قال ابن القاسم : إنه من ~~طلع عليه الفجر وهو يأكل أو يجامع فليلق ما فى فيه ولينزل عن امرأته ، ولا ~~خلاف فى الأكل والشرب ، وإنما اختلفوا فى الوطء على ما يأتى ذكره فى كتاب ~~الصيام ، ولم يكن الصحابة ليخفى عليهم إيقاع الأكل فى غير وقته فيزاحمون به ~~أذان ابن أم مكتوم ، بل كانوا أحوط لدينهم وأشد تحرزا من ذلك ، وقد بين هذا ~~ما رواه شعبة ، عن خبيب بن عبد الرحمن ، عن عمته أنيسة ، وكانت قد خرجت مع ~~PageV02P249 الرسول ( أنه كان إذا نزل بلال وأراد ابن أم مكتوم أن يصعد ~~تعلقوا به ، وقالوا : كما أنت حتى نتسحر ) . * * * # | 13 - باب الأذان قبل الفجر # / 18 - فيه : ابن مسعود قال الرسول - صلى الله عليه وسلم - : ( لا يمنعن ~~أحدكم أذان بلال من سحوره ، فإنه يؤذن ، ليرجع قائمكم ، ولينبه نائمكم ، ~~وليس أن يقول الفجر ، أو الصبح ، وقال بأصابعه ، ورفعها إلى فوق ، وطأطأ ~~إلى أسفل ، حتى يقول : هكذا ) . ومد زهير بسبابتيه عن يمينه وشماله . / 19 ~~- وفيه : عائشة قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( إن بلالا يؤذن ~~بليل ، فكلوا ، واشربوا ، حتى يؤذن ابن أم مكتوم ) . واختلف العلماء فى ~~جواز الأذان للصبح قبل طلوع الفجر ، فأجاز ذلك طائفة ، وهو قول مالك ، ~~والأوزاعى ، وأبى يوسف ، والشافعى ، وأحمد ، وإسحاق ، وقال ابن حبيب : يؤذن ~~للصبح وحدها قبل الفجر ، وذلك واسع من نصف الليل ، وذلك آخر أوقات العشاء ~~إلى ما بعد ذلك . وقال ابن وهب : لا يؤذن لها قبل السدس الآخر من الليل ، ~~وقاله سحنون ، وقالت طائفة : لا يجوز الأذان لها إلا بعد الفجر ، وهو قول ~~الثورى ، وأبى حنيفة ، ومحمد ، واحتجوا بحديث ابن مسعود أنه قال عليه ~~السلام : ( لا يمنعنكم من سحوركم أذان بلال فإنه يؤذن بليل ليرجع قائمكم ، ~~ولينبه نائمكم ) . قال الطحاوى : فأخبر أن ذلك النداء من بلال لينبه النائم ~~ويرجع القائم لا للصلاة ، وبما رواه حماد بن سلمة ، عن أيوب ، عن نافع ، عن ~~ابن عمر ( أن بلالا أذن قبل طلوع الفجر ، فأمره النبى أن يرجع PageV02P250 ~~فينادى : ( ألا ms0481 إن العبد قد نام ) ، فهذا ابن عمر يروى هذا وهو قد روى أن ~~بلالا ينادى بليل ؛ فثبت أن ما كان من ندائه قبل طلوع الفجر إنما كان لغير ~~الصلاة ، وأن ما أنكره عليه إذ فعله كان للصلاة ، واحتج أهل المقالة الأولى ~~بقوله عليه السلام : ( إن بلالا ينادى بليل فكلوا واشربوا حتى ينادى ابن أم ~~مكتوم ) ، قال ابن القصار : فأخبر عليه السلام أن نداء بلال للصبح يقع فى ~~الوقت الذى يجوز لمن أراد الصوم أن يأكل ويشرب ، وهو قبل الفجر . وأما ~~قولهم : إن نداء بلال كان ليسحر الناس بأذانه ويستيقظ النائم وينام القائم ~~كما جاء فى الخبر ، فالجواب : أنه لو أراد به السحور فقط لقال حى على ~~السحور ، ولم يقل حى على الصلاة فيدعوهم ، وهو يريد أن يدعوهم إلى السحور ، ~~فشأنه يدعوهم إلى الصلاة ، وقد يكون لهما جميعا فيكون أذانه حضا على الصلاة ~~، وإن احتاج أحد إلى غسل اغتسل ، أو يكون فيهم من عادته صلاة الليل ذلك ~~الوقت ، أو يكون إنسانا قائما فيعرف أنه قد بقى عليه وقت يستريح فيه بنومه ~~كما كان يفعل الرسول ، عليه السلام ، فهذا معنى قوله : ( ليرجع قائمكم ~~ولينبه نائمكم ) ، وهذا يحتاج إليه فى شهر رمضان وغيره ممن يصوم درهه أو ~~عليه نذر ، وقوله : ( إن بلالا ينادى بليل ) ، أى إن من شأنه أن يؤذن بليل ~~الدهر كله ، فإذا جاء رمضان فلا يمنعنكم أذانه المعهود من سحوركم ، وفى ~~إجماع المسلمين على أن النافلة بالليل والنهار لا أذان لها دليل بين أن ~~أذانه كان لصلاة الصبح . قال المهلب : وفيه أن الإشارة تكون أقوى من الكلام ~~، وقوله : ( ليس الفجر هكذا ) يريد أن الفجر ليس هو هذا الفجر الأول ~~المعترض فى الأفق ، وذلك لا حكم له ، وإنما هو علامة للفجر الثانى الذى يحل ~~PageV02P251 ويحرم ، الطالع فى مشرق الشمس المستطير إلى المغرب ، ولذلك مد ~~زهير سبابتيه عن يمينه وشماله دلالة على طلوع الفجر وانتشاره . * * * # | 14 - باب كم بين الأذان والإقامة # / 20 - فيه : عبدالله بن مغفل أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم ms0482 - قال : ~~( بين كل أذانين صلاة ، ثلاثا ، لمن شاء ) . / 21 - وفيه : أنس قال : كان ~~المؤذن إذا أذن قام ناس من أصحاب النبي عليه السلام يبتدرون السواري ، حتى ~~يخرج الرسول ، وهم كذلك ، يصلون الركعتين قبل المغرب ، ولم يكن بين الأذان ~~والإقامة شيء ، قال شعبة : لم يكن بينهما إلا قليل . وترجم له : بين كل ~~أذانين صلاة لمن شاء . قال بعض الفقهاء : أما كم بين الأذان والإقامة فى ~~الصلوات كلها فلا حد فى ذلك أكثر من اجتماع الناس ، وتمكن دخول الوقت . ~~وأما قوله : ( بين كل أذانين صلاة ) ، فإنه يريد بين الأذان والإقامة موضع ~~صلاة لمن شاء ، لا خلاف فى ذلك بين العلماء إلا المغرب وحدها ، فإنهم ~~اختلفوا فى الركوع قبلها ، فأجازه أحمد وإسحاق ، واحتجا بهذا الحديث ، ~~وأباه سائر الفقهاء ، وسيأتى الكلام فى ذلك مستوعبا ، إن شاء الله . ~~PageV02P252 * * * # | 15 - باب من انتظر الإقامة # / 22 - فيه : عائشة قالت : ( كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا ~~سكت المؤذن بالأولى من صلاة الفجر ، قام فركع ركعتين خفيفتين قبل صلاة ~~الفجر ، بعد أن يستبين الفجر ، ثم اضطجع على شقه الأيمن ، حتى يأتيه المؤذن ~~للإقامة ) . قال المؤلف : فى هذا الحديث دليل على أن ما جاء فى الحض على ~~التهجير والترغيب فى الاستباق إلى المساجد ، إنما كان لمن هو على مسافة من ~~المسجد لا يسمع فيها الإقامة من بيته ، ويخشى إن لم يبكر أن يفوته فضل ~~انتظار الصلاة ، وأما من كان مجاور المسجد حيث يسمع الإقامة ولا تخفى عليه ~~، فانتظارها فى داره كانتظاره لها فى المسجد ، له أجر منتظر الصلاة ؛ لأنه ~~لا يجوز أن يترك الرسول الأفضل من الأعمال فى خاصته ويحض عليها أمته ، بل ~~كان يلتزم التشديد فى نفسه ، ويحب التخفيف على أمته ، ولو لم يكن له فى ~~بيته فضل الانتظار لخرج إلى المسجد قبل الإقامة ، ليأخذ بحظ من الفضل ، ~~والله أعلم . وقد قال أبو سليمان الخطابى : ( سكب ) المؤذن ، بالباء ، رواه ~~عن عبد العزيز بن محمد ، عن الجنيد ، قال سويد : عن ابن المبارك ، عن ~~الأوزاعى ، عن الزهرى ، عن عروة ms0483 ، عن عائشة ، قال سويد : سكب : يريد أذن ، ~~والسكب : الصب ، وأصله فى الماء يصب ، وقد يستعار فيستعمل فى القول والكلام ~~كقول القائل : أفرغ فى أذنى كلاما لم أسمع مثله ، وأنشد ابن دريد : ( لا ~~يفرغن فى أذنى PageV02P253 مثلها ) ، وفى الحديث : ( ويل لأقماع القول ) ، ~~وهم الذين يسمعون ولا يعملون به ، شبه آذانهم بالأقماع يصب فيها الكلام صب ~~الماء فى الإناء ، وهذا الذى رواه سويد ، عن ابن المبارك له وجه فى الصواب ~~، ولا يدفع ذلك رواية من روى ( سكت ) ، بالتاء ؛ لأنها بينة المعنى فى ~~الصواب ، وقد تأتى ( الباء ) بمعنى ( من ) ، و ( عن ) فى كلام العرب كقوله ~~تعالى : { الرحمن فاسأل به خبيرا } [ الفرقان : 59 ] ، أى عنه ، وقوله : { ~~عينا يشرب بها عباد الله } [ الإنسان : 6 ] ، أى يشرب منها ، وممكن أن يكون ~~، والله أعلم ، حمل الراوى لهذا الحديث على أن يرويه سكب بالباء ، دون ~~التاء ؛ لأن المشهور فى سكت أن تكون معلقة ( بعن ) ، أو ( من ) ، كقولهم : ~~سكت عن كذا ، أو سكت من كذا ، فلما وجد فى الحديث مكان ( من ) و ( عن ) ~~الباء ظن أنه ( سكب ) من أجل مجىء الباء بعدها ، وقد ذكرنا أن الباء تأتى ~~بمعنى ( عن ) و ( من ) ، وكل الروايتين خارج المعنى ، والله أعلم . * * * # | 16 - باب من قال يؤذن في السفر مؤذن واحد # / 23 - فيه : مالك بن الحويرث قال ( أتيت الرسول - صلى الله عليه وسلم - ~~في نفر من قومي ، فأقمنا عنده عشرين ليلة ، وكان رحيما شفيقا ، فلما رأى ~~شوقنا إلى أهالينا ، قال : ارجعوا ، فكونوا فيهم ، وعلموهم ، وصلوا ، فإذا ~~حضرت الصلاة ، فليؤذن لكم أحدكم ، وليؤمكم أكبركم ) . قال المؤلف : هكذا ~~روى هذا الحديث وهيب ، عن أيوب PageV02P254 ( وصلوا ) ، ورواه عبد الوهاب ، ~~عن أيوب فى كتاب خبر الواحد ( وصلوا كما رأيتمونى أصلى ) ، وقصر وهيب فى ~~هذه الزيادة ، وبها يتم الحديث . والمؤذن الواحد يجزئ فى السفر والحضر ، ~~وقد اختلفت الآثار ، كم كان يؤذن للنبى ؟ . فروى عبيد الله ، عن نافع ، عن ~~ابن عمر أنه كان لرسول الله مؤذنان : ابن أم مكتوم ، وبلال ، وقال السائب ~~ابن أخت نمر : ما كان للنبى عليه السلام ms0484 ، إلا مؤذن واحد يؤذن إذا قعد على ~~المنبر ويقيم إذا نزل ، ثم أبو بكر ، ثم عمر كذلك ، حتى كان عثمان وفشا ~~الناس وكثروا ، زاد النداء الثالث عند الزوراء . قال المهلب : وإنما اشترط ~~السن فى الإمامة لعلمه ، عليه السلام ، باستوائهم فى القراءة والفقه ، فطلب ~~الكمال بالسن وسيأتى الكلام فى هذا المعنى فى بابه ، إن شاء الله . * * * # | 17 - باب الأذان للمسافر إذا كانوا جماعة والإقامة # وكذلك بعرفة وجمع وقول المؤذن الصلاة في الرحال في الليلة الباردة أو ~~المطيرة . / 24 - فيه : أبو ذر قال : ( كنا مع رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - في سفر ، فأراد المؤذن أن يؤذن ، فقال له : أبرد ، ثم أراد أن يؤذن ~~، فقال له : أبرد ، ثم أراد أن يؤذن ، فقال له : أبرد ، حتى ساوى الظل ~~التلول ، فقال عليه السلام : ( إن شدة الحر من فيح جهنم ) . / 25 - وفيه : ~~مالك بن الحويرث قال : ( أتى رجلان النبي - صلى الله عليه وسلم - يريدان ~~السفر ، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : إذا أنتما خرجتما ، فأذنا ، ~~ثم أقيما ، ثم ليؤمكما أكبركما ) . PageV02P255 / 26 - وفيه : نافع عن ابن ~~عمر : أذن في ليلة باردة بضجنان ، ثم قال : صلوا في رحالكم ، فأخبرنا ( أن ~~النبى - صلى الله عليه وسلم - كان يأمر مؤذنا أن يؤذن ، ثم يقول على إثره : ~~ألا صلوا في الرحال في الليلة الباردة أو المطيرة في السفر ) . / 27 - وفيه ~~: أبو جحيفة قال : ( رأيت النبى - صلى الله عليه وسلم - بالأبطح ، فجاءه ~~بلال ، فآذنه بالصلاة ، وأخرج العنزة ، فركزها بين يدي رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - بالأبطح ، وأقام الصلاة ) . اختلف العلماء فى الأذان ~~والإقامة فى السفر ، فاستحب طائفة أن يؤذن المسافر ويقيم لكل صلاة ، روى ~~ذلك عن سلمان ، وعبد الله بن عمرو ، وعن سعيد بن المسيب مثله ، وهذا قول ~~الكوفيين ، والشافعى ، وأحمد ، وإسحاق ، وأبى ثور ، وقالت طائقة : هو ~~بالخيار إن شاء أذن ، وإن شاء أقام ، روى ذلك عن على بن أبى طالب ، وهو قول ~~عروة ، والثورى ، والنخعى ، وقالت طائفة : يجزئه إقامة ، روى ذلك عن مكحول ~~، والحسن البصرى ، والقاسم ، وكان ابن عمر ms0485 يقيم فى السفر لكل صلاة إلا ~~الصبح ، فإنه كان يؤذن لها ويقيم . وفى المختصر عن مالك : ولا أذان على ~~مسافر ، وإنما الأذان على من يجتمع إليه لأذانه ، وقال عطاء : إذا كنت فى ~~سفر فلم تؤذن ولم تقم فأعد الصلاة ، وقال مجاهد : إذا نسى الإقامة فى سفر ~~أعاد ، PageV02P256 والحجة لهما قوله عليه السلام ، للرجلين : ( أذنا ~~وأقيما ) ، قالا : وأمره على الوجوب ، والعلماء على خلاف قول عطاء ، ومجاهد ~~؛ لأن الإيجاب يحتاج إلى دليل لا منازع فيه ، وجمهور العلماء على أنه غير ~~واجب فى الحضر ، والسفر الذى قصرت فيه الصلاة عن هيئتها أولى بذلك . قال ~~ابن القصار : والجواب عن قوله للرجلين : ( أذنا وأقيما ) ، فإنه أراد الفضل ~~بدلالة قوله : ( أذنا ) ، والواحد يجزئ عندهم . وأحاديث هذا الباب محمولة ~~عند العلماء على استحباب الأذان والإقامة فى السفر ، وقد جاءت آثار فى ~~ترغيب الأذان والإقامة فى أرض فلاة ، وأنه من فعل ذلك يصلى وراءه من ~~الملائكة أمثال الجبال . * * * # | 18 - باب هل يتتبع المؤذن فاه هاهنا وهاهنا ، وهل يلتفت في الأذان # ويذكر عن بلال أنه جعل إصبعيه في أذنيه . وكان ابن عمر لا يجعل إصبعيه في ~~أذنيه . وقال إبراهيم : لا بأس أن يؤذن على غير وضوء . وقال عطاء : الوضوء ~~حق وسنة ، وقالت عائشة : كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يذكر الله على ~~كل أحيانه . / 28 - وفيه : أبو جحيفة أنه رأى بلالا يؤذن ، فجعلت أتتبع فاه ~~هاهنا وهاهنا بالأذان . قال المؤلف : إنما يتبع المؤذن فاه هاهنا وهاهنا ، ~~ليعم الناس باستماعه ، PageV02P257 وأما إدخاله أصبعيه فى أذنيه ، فذلك ~~ليتقوى على تأدية صوته ، وإسماعه الناس ، وهذا كله مباح عند العلماء ، فما ~~كان أندى لصوته ، كان له فعله . وقال ابن سيرين والحسن : لا بأس أن يدخل ~~أصبعيه فى أذنيه وهو قول الكوفيين ، والأوزاعى ، وأحمد ، وإسحاق ، وقال ~~مالك : ذلك واسع . وقال إبراهيم : يستقبل المؤذن بالأذان والشهادة والإقامة ~~القبلة ، فإذا قال : حى على الصلاة ، قال : بوجهه عن يمينه وشماله ، وهو ~~قول الحسن البصرى ، وكره ابن سيرين أن يستدير فى أذانه . وفى ( المدونة ) : ~~أنكر مالك الاستدارة إنكارا ms0486 شديدا ، قال ابن القاسم : وبلغنى عنه أنه قال : ~~إن كان يريد أن يسمع فلا بأس به . وحديث أبى جحيفة حجة على من أنكر ~~الاستدارة ؛ لأن قوله : ( جعلت أتتبع فاه هاهنا وهاهنا ) يدل على استدارته ~~، وقد روى ابن أبى شيبة هذا المعنى قال : حدثنا عباد ابن العوام ، عن حجاج ~~، عن عون بن أبى جحيفة ، عن أبيه : ( أن بلالا ركز العنزة ، وأذن ، فرأيته ~~يدور فى أذانه ) ، ولا يخلو فعل بلال أن يكون عن إعلام النبى له بذلك ، أو ~~رآه يفعله ، فلم ينكره ، فصار حجة وسنة . وقال مالك فى ( المختصر ) : لا ~~بأس أن يستدير عن يمينه وشماله وخلفه ، وليس عليه استقبال القبلة فى أذانه ~~، وفى ( المدونة ) لابن نافع : أرى أن يدور ويلتفت حتى يبلغ حى على الصلاة ~~، وكذلك ابن الماجشون ، ورآه من حد الأذان ، وقال الكوفيون ، والشافعى : إن ~~PageV02P258 زال ببدنه كله فى الأذان فهو مكروه ، ولا شىء عليه ، وهذا خلاف ~~ما رواه ابن أبى شيبة فى أذان بلال أنه كان يدور فيه . واختلفوا فى الأذان ~~على غير وضوء ، فممن أجازه سوى إبراهيم : قتادة ، والحسن ، وحماد ، ورواية ~~عن عطاء ، وهو قول مالك ، والثورى ، وأبو حنيفة ، وممن كرهه إلا على وضوء : ~~أبو هريرة ، قال : لا يؤذن إلا متوضئا ، وهو قول مجاهد ، ورواية عن عطاء ، ~~وبه قال الأوزاعى ، وإسحاق ، وكان الشافعى ، وأبو ثور يكرهان ذلك ، ويجزئه ~~إن فعل ، وقول عائشة : ( كان الرسول يذكر الله على كل أحيانه ) ، حجة لمن ~~لم يوجبه ، وقال أبو الفرج : لا بأس بأذان الجنب ، وأجازه سحنون فى غير ~~المسجد . وقال ابن القاسم : لا يؤذن الجنب ، وكرهه ابن وهب . * * * # | 19 - باب قول الرجل فاتتنا الصلاة # وكره ابن سيرين أن يقول : فاتتنا الصلاة ، ليقل : لم ندرك وقول الرسول - ~~صلى الله عليه وسلم - أصح / 29 - فيه : ابن أبي قتادة عن أبيه قال : ( ~~بينما نحن نصلي مع الرسول - صلى الله عليه وسلم - إذ سمع جلبة رجال ، فلما ~~صلى ، قال : ( ما شأنكم ) ؟ قالوا : استعجلنا إلى الصلاة ، قال : ( فلا ~~تفعلوا إذا أتيتم الصلاة فعليكم بالسكينة ، فما أدركتم فصلوا ms0487 ، وما فاتكم ~~فأتموا ) . قال المؤلف : قوله : ( وما فاتكم ، فأتموا ) ، يقتضى جواز قول ~~الرجل : فاتتنا الصلاة ، ولا وجه لقول ابن سيرين . وفيه : الأمر بالسكينة ~~فى الإقبال إلى الصلاة ، وترك الإسراع إليها . PageV02P259 وقد اختلف السلف ~~فى ذلك ، فروى عن أبى ذر أنه قال : إذا أقيمت الصلاة ، فامش إليها كما كنت ~~تمشى ، فصل ما أدركت ، واقض ما سبقت ، وعن أبى هريرة ، وزيد بن ثابت مثله ، ~~وروى أبو هريرة ، وأنس عن الرسول مثله . روى حماد بن سلمة ، عن أيوب ، عن ~~محمد بن سيرين ، عن أبى هريرة ، عن النبى عليه السلام ، قال : ( إذا أقيمت ~~الصلاة ، فليمش أحدكم نحو ما كان يمشى ، فليصل ما أدرك ، وليقض ما فاته ) ، ~~وحديث أنس رواه حماد ، عن ثابت ، وقتادة ، وحميد ، عن أنس ، عن الرسول نحوه ~~، وقال ابن مسعود : امشوا إلى الصلاة ، وقاربوا بين الخطا ، واذكروا الله . ~~وروى ابن أبى شيبة ، عن ابن عمر : أنه كان يمشى إلى الصلاة ، فلو مشت معه ~~نملة ، لرأيت ألا يسبقها ، وعن مجاهد مثله ، وهو قول أحمد بن حنبل على ظاهر ~~الحديث ، وقد رخصت طائفة فى الإسراع إلى الصلاة ، روى عن ابن مسعود خلاف ما ~~تقدم عنه ، أنه قال : أحق ما سعينا إليه الصلاة ، وكان ابن مسعود ، وسعيد ~~بن جبير يهرولان إلى الصلاة ، وروى مالك ، عن نافع ، عن ابن عمر أنه سمع ~~الإقامة فأسرع المشى ، وهذا يدل مع ما روى عنه أنه لا يسرع المشى إلى ~~الصلاة ، أنه حمل قوله ، عليه السلام : ( عليكم بالسكينة ) ، أن المراد به ~~من لم يخش فوات الصلاة ، وكان فى سعة من وقتها ، وقد روى عن مالك مثل قول ~~ابن عمر ، وروى عنه ابن القاسم أنه قال : لا بأس بالإسراع إذا أقيمت الصلاة ~~، ما لم يخب ، إذا خاف فوت الركعة ، وقال : لا بأس أن يحرك فرسه من سمع ~~مؤذن الحرم ليدرك الصلاة ، وقال إسحاق بن راهويه : إذا خاف فوت التكبيرة ~~الأولى ، فلا بأس أن يسعى . PageV02P260 * * * # | 20 - باب : ما أدركتم فصلوا ، وما فاتكم فأتموا # قاله أبو قتادة عن الرسول - صلى الله عليه وسلم ms0488 - / 30 - فيه : أبو هريرة ~~قال الرسول : ( إذا سمعتم الإقامة ، فامشوا إلى الصلاة ، وعليكم بالسكينة ~~والوقار ، ولا تسرعوا ، فما أدركتم فصلوا ، وما فاتكم فأتموا ) . قال ~~المهلب : معنى أمره بالسكينة فى السعى إلى الصلاة ، والله أعلم ، لئلا يبهر ~~الإنسان نفسه ، فلا يتمكن من ترتيل القرآن ، ولا من الوقار اللازم له فى ~~الخشوع . وقوله عليه السلام : ( إذا سمعتم الإقامة ، فامشوا إلى الصلاة ) ، ~~يرد ما فعله ابن عمر من إسراعه إلى الصلاة حين سمع الإقامة ، ويبين أن ~~الحديث على العموم ، وأن السكينة تلزم من سمع الإقامة ، كما تلزم من كان فى ~~سعة من الوقت . وقوله : ( ما أدركتم فصلوا ، وما فاتكم فأتموا ) ، فيه حجة ~~لمن قال : إن ما أدرك المأموم من صلاة الإمام ، فهو أول صلاته ، وقد اختلف ~~العلماء فى ذلك ، ففى المدونة ، عن مالك ، أن ما أدرك فهو أول صلاته ، إلا ~~أنه يقضى مثل الذى فاته من القراءة بأم القرآن وسورة ، ورواه ابن نافع ، عن ~~مالك ، وقال سحنون فى ( العتبية ) : هذا الذى لم نعرف خلافه ، وهو قول مالك ~~، أخبرنى به غير واحد ، وهو قول سعيد بن المسيب ، والحسن البصرى ، ومكحول ، ~~وعطاء ، والزهرى ، والأوزاعى ، والشافعى ، وأحمد ، وقالت طائفة : ما أدرك ~~مع الإمام ، فهو آخر صلاته والذى يقضيه أول صلاته ، روى ذلك عن ابن مسعود ، ~~وابن عمر ، والنخعى ، والشعبى ، وابن PageV02P261 سيرين ، وأبى قلابة ، ~~ورواه عيسى عن ابن القاسم ، عن مالك فى العتبية ، ورواه أشهب عنه ، وهو قول ~~أشهب ، وابن الماجشون ، واختاره ابن حبيب ، وقال : الذى يقضى هو أولها ؛ ~~لأنه لا يستطيع أن يخالف إمامه ، فتكون له أولى وللإمام ثانية أو ثالثة . ~~وحكى الطحاوى ، عن أبى حنيفة : أن الذى يدرك مع الإمام هو آخر صلاته وهو ~~عنده قول الثورى ، وحجة هذا القول رواية من روى هذا الحديث : وما فاتكم ~~فاقضوا ، والقضاء لا يكون إلا لفائت ، ومعلوم أن الفائت من صلاة المأموم ما ~~سبقه به إمامه ، وفى إجماعهم أنه يقضى بقية صلاته كما وردت السنة دليل على ~~أن الذى يقضيه فائت ، وأن الذى صلى مع الإمام ليس هو ms0489 الفائت . فإن قيل : ~~فلم تأمره إذا قضى الفائت بالتشهد ، وقد فعله قبل ذلك عندك فى موضعه . قيل ~~: لأنه لم يفعل التسليم ، ومن سنة التسليم أن يكون عقيب التشهد ، وحجة ~~القول الأول قوله عليه السلام : ( وما فاتكم فأتموا ) ، والتمام لا يكون ~~إلا للآخر ، ومستحيل أن يكون ما أدرك : آخر صلاته ، فعمله أولا ؛ لأنه لا ~~يكون آخرا إلا وقد تقدمه أول . فإن قال قائل : كيف يصح فى قول مالك أن يكون ~~ما أدرك أول صلاته ، ولا خلاف عنده أنه من أدرك من مع الإمام ركعتين أنه ~~يقرأ فيهما كما يقرأ الإمام بأم القرآن فى كل ركعة ، فإذا سلم ، قام فقرأ ~~فيما يقضى : بالحمد وسورة فى كل ركعة ؟ . قيل : جواب هذا السؤال اتفاق ~~الجميع على أن الإحرام لا يكون PageV02P262 إلا فى أول الصلاة ، والتشهد ~~والسلام لا يكون إلا فى آخرها ، فكان ما أدرك : أول صلاته ، وجواب آخر : ~~وهو قوله عليه السلام : ( وما فاتكم فاقضوا ) ، وذلك أن الذى فاته هو الذى ~~فعله إمامه ، وهى قراءة أم القرآن ، وسورة فى كل ركعة ، فوجب عليه قضاء ~~مثله ، وهذا المعنى بعينه يقتضى قوله عليه السلام : ( وما فاتكم فأتموا ) ؛ ~~لأن التمام فى اللغة إتمام شىء ناقص تقدمه ، ولا يكون تماما لشىء حتى يؤتى ~~بكل ما نقص منه ، وقد فسر أهل اللغة القضاء على غير ما احتج به الفقهاء ، ~~وقالوا : القضاء يكون لغير فائت ، قال صاحب ( الأفعال ) : قضى الشىء : صنعه ~~، قال تعالى : { فقضاهن سبع سماوات فى يومين } [ فصلت : 12 ] ، أى صنعهن ، ~~وقال : { فاقض ما أنت قاض } [ طه : 72 ] ، أى اصنع ما أنت صانع ، قال أبو ~~ذؤيب : وعليهما مسبرودتان قضاهما داود أو صنع السوابغ تبع أى صنعهما داود ، ~~قال : ويقال : قضيت الحق : خرجت منه ، وقضيت العمل والأمر : فرغت منهما ، ~~قال تعالى : { فإذا قضيت الصلاة فانتشروا فى الأرض } [ الجمعة : 10 ] ، ~~وهذا كله يدل على صحة قول من قال : إن ما أدرك فهو أول صلاته . وفى المسألة ~~قول ثالث قاله المزنى ، وإسحاق ، وأهل الظاهر قالوا : ما أدرك فهو أول ~~صلاته إلا أنه ms0490 يقرأ فيهما بالحمد وسورة مع الإمام ، وإذا قام للقضاء ، قضى ~~بالحمد وحدها ، فيما يقضى لنفسه ، كأنه آخر صلاته ، فهؤلاء طردوا قولهم على ~~أصولهم إلا أنه لا سلف لهم فيه ، فلا معنى له . PageV02P263 * * * # | 21 - باب متى يقوم الناس إذا رأوا الإمام عند الإقامة # / 31 - فيه : قال أبو قتادة : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( ~~إذا أقيمت الصلاة ، فلا تقوموا حتى تروني ) . وترجم له : باب لا يسعى إلى ~~الصلاة ، ولا يقم إليها مستعجلا ، وليقم إليها بالسكينة والوقار . / 32 - ~~وزاد فى الحديث : ( لا تقوموا حتى ترونى ، وعليكم بالسكينة والوقار ) . ~~فائدة هذا الحديث أن تكون الإقامة متصلة بالصلاة ، وألا يقام لها إلا بحضرة ~~الإمام ، وأمرهم ، عليه السلام ، ألا يطيعوا المؤذن فى ذلك خشية التراخى ~~والمهلة بين الإقامة والدخول فى الصلاة ، فينتظرونه قياما ؛ لأن شأن الدخول ~~فى الصلاة ، اتصاله بإقامة من غير فصل ، فلذلك نهاهن عن القيام قبل خروجه ، ~~والله أعلم . وقد اختلف السلف فى ذلك ، فقالت طائفة : إذا أقيمت الصلاة ، ~~فلا يقوم الناس حتى يأتى الإمام ، على ظاهر حديث أبى قتادة ، وروى ذلك عن ~~على بن أبى طالب ، وهو قول إبراهيم ، وقالوا : ينتظره الناس قعودا ، وهو ~~قول أبى حنيفة والشافعى ، وروى عن الحسن ، وعمر بن عبد العزيز أنهم ~~ينتظرونه قياما . واختلف فى قيام المأمومين إلى الصلاة إذا كان الإمام فى ~~المسجد ، فروى عن سالم ، وأبى قلابة ، والزهرى ، وعطاء أنهم كانوا يقومون ~~فى أول الإقامة ، وبه قال أحمد ، وإسحاق ، وقال أبو حنيفة ، ومحمد : يقومون ~~فى الصف إذا قال المؤذن : حى على الفلاح ، وإذا قال : قد قامت الصلاة كبر ~~الإمام ، وهو فعل أصحاب عبد الله ، والنخعى ، وقال أبو يوسف ، ومالك ، ~~والشافعى : لا يكبر الإمام PageV02P264 حتى يفرغ المؤذن من الإقامة ، وهو ~~قول الحسن البصرى ، وأحمد ، وإسحاق . قال ابن المنذر : وعلى هذا جل الأئمة ~~: مالك ، والشافعى ، والعمل فى أمصار المسلمين ، يعنى فى تكبير الإمام بعد ~~تمام الإقامة . قال المهلب : وقوله : ( لا تسع إلى الصلاة ، ولا تقم إليها ~~مستعجلا ) ، فذلك لأن السكينة تلزم عند الوقوف بين يدى الله ms0491 ، وفى القيام ~~إلى الصلاة استشعار بحال الوقوف بين يدى الله ، تعالى . * * * # | 22 - باب هل يخرج من المسجد لعلة # / 33 - فيه : أبو هريرة ( أن نبى الله - صلى الله عليه وسلم - خرج وقد ~~أقيمت الصلاة ، وعدلت الصفوف ، حتى إذا قام في مصلاه ، انتظرنا أن يكبر ، ~~انصرف ، قال : على مكانكم ، فمكثنا على هيئتنا ، حتى خرج إلينا ، ينطف رأسه ~~ماء ، وقد اغتسل ) . وترجم له : باب إذا قال الإمام : مكانكم حتى رجع ~~انتظروه . / 34 - وقال فيه : ( أقيمت الصلاة ، فسوى الناس صفوفهم ، فخرج ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فتقدم ، وهو جنب ، ثم قال : على مكانكم ~~. ) . وذكر الحديث . معنى هذا الباب : هل يخرج من المسجد إذا ذكر أنه جنب ~~دون أن يتيمم أم لا ؟ وقد تقدم هذا الباب فى كتاب الطهارة ، وذكرت هناك ~~اختلاف العلماء فى ذلك فأغنى عن إعادته . وقال المهلب : فيه أن يكون بين ~~الأذان والإقامة مهلة عند الضرورة بقدر اغتساله عليه السلام ، وانصرافه ~~إليهم . PageV02P265 فإن قال قائل : فإن هذا الحديث يعارض حديث أبى قتادة ، ~~أنه عليه السلام ، قال : ( إذا أقيمت الصلاة ، فلا تقوموا حتى ترونى ) . ~~قيل : يحتمل أن يكون حديث أبى قتادة على غير الإيجاب والحتم ، بل على وجه ~~الرفق بهم لئلا ينتظروه قياما . وفيه : جواز انتظار الجماعة لإمامها الفاضل ~~ما دام فى سعة من الوقت . وفيه : جواز انتظارهم له قياما ، وهذا مما يكون ~~فيما قرب . وفى هذا الحديث حجة لمالك وأبى حنيفة أن تكبير المأموم يقع بعد ~~تكبير الإمام ، وهو قول عامة الفقهاء ، ويرد قول الشافعى فى إجازته تكبير ~~المأموم قبل إمامه ؛ لأنه روى حديث أبى هريرة على ما رواه مالك ، عن ~~إسماعيل بن أبى حكيم ، عن عطاء بن يسار ، أن رسول الله كبر فى صلاة من ~~الصلوات ، ثم أشار إليهم أن امكثوا فذهب ، ثم رجع ، وعلى جلده أثر الماء ، ~~فاحتج به الشافعى فى ذلك ، ونقض أصله ؛ لأنه حديث مرسل ، وهو لا يقول ~~بالمراسيل . ومالك الذى ذكره فى موطئه تركه ، وأراد أن يعرفنا أنه رواه ، ~~ولم يقل به ؛ لأنه قد صح عنده ms0492 أنه عليه السلام ، لم يكن كبر حينئذ على ما ~~رواه أبو هريرة ، وهذا الحديث رواه يونس ، ومعمر ، والأوزاعى ، وصالح بن ~~كيسان ، عن الزهرى ، عن أبى سلمة ، عن هريرة ، وأنه عليه السلام لم يكن كبر ~~، وذهب فاغتسل ، ثم رجع ، فكبر ، ولو لم يكن يستأنف التكبير عند رجوعه لما ~~صحت صلاة من خلفه ؛ لأنه كان يقع تكبيره بعد تكبيرهم ، ولا يستحق الإمام ~~اسم الإمامة إلا بتقديم فعله فعل من يأتم به واتباعهم له ، ومن كبر قبل ~~إمامه فلم يأتم به ، ولا حصل متبعا له . PageV02P266 * * * # | 23 - باب قول الرجل ما صلينا # / 35 - فيه : جابر بن عبدالله ( أن النبي - صلى الله عليه وسلم - جاءه ~~عمر بن الخطاب يوم الخندق ، فقال : يا رسول الله ، والله ما كدت أن أصلي ~~حتى كادت الشمس تغرب ، فقال عليه السلام : والله ما صليت ، فنزل عليه ~~السلام إلى بطحان ، فتوضأ ، وصلى العصر بعد ما غربت الشمس ، ثم صلى بعدها ~~المغرب ) . فى هذا الحديث رد على قول من يقول ، إذا سئل : هل صليت ؛ وهو ~~منتظر للصلاة ، فيكره أن يقول : لم أصل ، وهو قول إبراهيم النخعى ، رواه ~~ابن أبى شيبة ، عن ابن مهدى ، عن سفيان ، عن أبى هاشم ، عن إبراهيم أنه كره ~~أن يقول الرجل : لم نصل ، ويقول : نصلى ، وقول الرسول : والله ما صلينا ، ~~خلاف قول إبراهيم ، ورد له ، فلا معنى له . * * * # | 24 - باب الإمام تعرض له الحاجة بعد الإقامة # / 36 - فيه : أنس قال : ( أقيمت الصلاة والنبي - صلى الله عليه وسلم - ~~يناجي رجلا في جانب المسجد ، فما قام إلى الصلاة حتى نام القوم ) . وترجم ~~له : باب الكلام إذا أقيمت الصلاة . فى هذا الحديث رد لقول الكوفيين أن ~~المؤذن إذا أخذ فى الإقامة ، وقال : قد قامت الصلاة ، وجب على الإمام ~~تكبيرة الإحرام ، ولو كان ما قالوه سنة الصلاة ، ما كان عليه السلام يدخل ~~بين الإقامة PageV02P267 وبين الدخول فى الصلاة عملا من غيرها ، ويدل على ~~صحة هذا القول عمل الخلفاء الراشدين به من بعد الرسول ، وأمرهم بتسوية ~~الصفوف بعد الإقامة ، فإذا أخبروا بذلك كبروا ms0493 ، وبهذا قال مالك ، وأهل ~~الحجاز ، ومحمد بن الحسن . وما تعلق به الكوفيون من قول أبى هريرة : لا ~~تفتنى بآمين ، فإنما كان نادرا منه ؛ لأن شأنه فى صلاته كما كان عمل ~~الخلفاء بعده . قال المهلب : وفى هذا الحديث دليل أن اتصال الإقامة بالصلاة ~~ليس من وكيد السنن ، وإنما هو من مستحبها ، وقد قال مالك : إذا بعدت ~~الإقامة من الإحرام رأيت أن تعاد الإقامة استحبابا ؛ لأن فعل الرسول فى هذا ~~الحديث يدل أنه ليس بلازم ، وإنما كان عند الحاجة التى يخاف فوتها من أمر ~~المسلمين . واختلف العلماء فى الكلام بعد الإقامة ، فأجازه الحسن البصرى ، ~~وقال أبو مجلز : أقيمت الصلاة ، وصفت الصفوف ، فابتدر رجل لعمر ، فكلمه ~~فأطالا القيام ، حتى ألقيا إلى الأرض والقوم صفوف . وكره الكلام بعد ~~الإقامة : النخعى ، والزهرى ، وهذا الحديث حجة عليهما . * * * بسم الله ~~الرحمن الرحيم أبواب صلاة الجماعة والإمامة # | 25 - باب وجوب صلاة الجماعة # وقال الحسن : إن منعته أمه عن العشاء في الجماعة شفقة لم يطعها . / 37 - ~~فيه : أبو هريرة ، قال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( والذي نفسي بيده ، ~~لقد هممت أن آمر بحطب ليحطب ، ثم آمر بالصلاة فيؤذن لها ، ثم آمر رجلا فيؤم ~~الناس ، ثم أخالف إلى رجال ، فأحرق عليهم بيوتهم ، والذي نفسي PageV02P268 ~~بيده ، لو يعلم أحدهم أنه يجد عرقا سمينا أو مرماتين حسنتين ، لشهد العشاء ~~) . وقوله : ( لقد هممت أن آمر بحطب ليحطب . . . ) ، دليل على تأكيد ~~الجماعة ، وعظيم أمرها ، وقد أمر الله تعالى بالمحافظة على الصلوات بقوله : ~~{ حافظوا على الصلوات } [ البقرة : 238 ] ، ومن تمام محافظتها صلاتها فى ~~جماعة . وأجمع الفقهاء أن الجماعة فى الصلوات سنة إلا أهل الظاهر ، فإنها ~~عندهم فريضة ، واحتجوا بهذا الحديث ، وقالوا : هى كل صلاة . واختلفوا فى ~~الصلاة التى هم النبى عليه السلام ، بأن يأمر فيحطب فيحرق رجل من تخلف عنها ~~، فقالت طائفة : هى صلاة العشاء ، واحتجوا بما رواه ابن وهب ، عن ابن أبى ~~ذئب ، عن عجلان مولى المشمعل ، عن أبى هريرة قال : قال رسول الله : ( ~~لينتهين رجال ممن حول المسجد لا يشهدون العشاء ، أو لأحرقن ms0494 حول بيوتهم ) ، ~~ويشهد لهذا القول قوله : ( لو يعلم أحدهم أنه يجد عظما سمينا ، لشهد العشاء ~~) ، هذا قول سعيد بن المسيب ، وقال آخرون : هى الجمعة ، رواه أبو إسحاق ، ~~عن أبى الأحوص ، عن عبد الله ، عن النبى - صلى الله عليه وسلم - ، قال : ( ~~هى الجمعة ) ، وهو قول الحسن البصرى ، وقاله يحيى بن معين : أن الحديث فى ~~الإحراق على من تخلف عن الرسول : يوم الجمعة لا فى غيرها . ومما يدل أن ~~صلاة الجماعة سنة ما روى عن ابن مسعود أنه قال : PageV02P269 ( عليكم ~~بالصلوات الخمس حيث ينادى بهن ، فإنهن من سنن نبيكم ، ولو تركتم سنته ~~لضللتم ، ولقد عهدتنا ، وإن الرجل ليهادى بين رجلين حتى يقام فى الصف ) ، ~~ومما يدل على أنها سنة أن نبى الله لم يقل لهم حين توعدهم بالإحراق عليهم ، ~~أنه من تخلف عن الجماعة ، فلا تجزئه صلاته ، ولو كانت فرضا ما سكت عن ذلك ؛ ~~لأن البيان منه لأمته فرض عليه . قال المهلب : وقد قيل إن هذا الحديث أريد ~~به المنافقون ، وإليهم توجه الوعيد فيه ، واحتج قائل ذلك بأن الرسول أقسم ~~أنه لو يعلم أحدهم أنه يجد عرقا سمينا أو مرماتين حسنتين لشهد العشاء ، ~~وليس هذا من صفات المؤمنين ، وقيل : إن الحديث فى المؤمنين والوعيد إليهم ~~متوجه ، والدليل على ذلك قصة كعب بن مالك وصاحبيه ، وأن الله سبحانه وبخهم ~~بذلك ولم يوبخ المنافقين ، ولا ذكرهم ، ولا عنى بإخراجهم إلى الصلاة ، ولا ~~التفت إلى شىء من أمرهم ، بل كان معرضا عنهم عالما بسوء طويتهم ، فكيف كان ~~يعنى بتأديبهم على ترك الصلاة فى الجماعة ، وهو يعلم أنه لا صلاة لهم ، ولا ~~يلزمه التهمم بأمرهم ، لما كان أطلعه الله عليه من فساد نياتهم . والعرق : ~~العظم إذا كان عليه لحم ، وقد تعرقت العظم واعترقته ، وعرقته ، وأعرقه عرقا ~~: أكلت ما عليه ، ورجل معروق ، ومعترق : خفيف اللحم ، فإذا كان العظم لا ~~لحم عليه فهو عراق ، من كتاب ( العين ) . PageV02P270 وفيه : العقوبة فى ~~الأموال على ترك السنن ؛ لأن نبى الله لم يهم من الإحراق إلا بما يجوز له ~~فعله ، وسيأتى هذا ms0495 الحديث فى أبواب الإشخاص والملازمة ، وفى كتاب الأحكام ، ~~وترجم له فيها : باب إخراج الخصوم وأهل الريب من البيوت ، وفيه شىء من ~~الكلام على حسب ما يقتضيه التبويب . وأما ضربه عليه السلام المثل بالعظم ~~السمين والمرماتين ، فإنه أراد الشىء الحقير ، وقال أبو عبيد : ( المرماتين ~~: ما بين ظلفى الشاة ، وهذا حرف لا أدرى ما وجهه ) . وقال الحربى : وهو قول ~~الخليل ، ولا أحسب هذا معنى الحديث ، ولكنه كما أخبرنى أبو نصر ، عن ~~الأصمعى قال : المرماة : سهم الهدف ، ويصدق هذا ما حدثنى به عبيد الله بن ~~عمر ، عن معاذ ، عن أبيه ، عن قتادة ، عن الحسن ، عن أبى رافع ، عن أبى ~~هريرة أن الرسول قال : ( لو أن أحدكم إذا شهد الصلاة معى كان له عظم من شاة ~~سمينة أو سهمان ، لفعل ) ، وقال أبو عمرو : مرماة ومرام ، وهى الدقاق من ~~السهام المستوية . * * * # | 26 - باب فضل صلاة الجماعة # وكان الأسود إذا فاتته الجماعة ذهب إلى مسجد آخر . وجاء أنس إلى مسجد قد ~~صلي فيه فأذن ، وأقام وصلى جماعة . / 38 - فيه : ابن عمر : أن الرسول قال : ~~( صلاة الجماعة ، تفضل صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة ) . PageV02P271 / 39 - ~~وفيه : أبو سعيد مثله . / 40 - وفيه : أبو هريرة قال : قال رسول الله : ( ~~صلاة الرجل في الجماعة تضعف على صلاته في بيته ، وفي سوقه : خمسا وعشرين ~~ضعفا ، وذلك أنه إذا توضأ فأحسن الوضوء ، ثم خرج إلى المسجد ، لا يخرجه إلا ~~الصلاة ، لم يخط خطوة إلا رفعت له بها درجة ، وحط عنه بها خطيئة ، فإذا صلى ~~، لم تزل الملائكة تصلي عليه ما دام في مصلاه : اللهم صل عليه ، اللهم ~~ارحمه ، ولا يزال أحدكم في صلاة ما انتظر الصلاة ) . قوله : بسبع وعشرين ~~درجة ، وخمس وعشرين ضعفا ، وخمس وعشرين جزءا ، يدل على تضعيف ثواب المصلى ~~فى جماعة على ثواب المصلى وحده بهذه الأجزاء وهذه الأوصاف المذكورة ، وقد ~~استدل قوم بهذا الحديث على أن الأفضل لكثير الجماعة على قليلها ، وبما عليه ~~أكثر العلماء فيمن صلى جماعة اثنين فما فوقهما ، أن لا يعيد فى جماعة أخرى ~~أكثر منها ، وقد ms0496 روينا آثار مرفوعة عن أبى بن كعب وغيره أن كلما كثرت ~~الجماعة كان ثواب المصلى أكثر ، وليست بالقوية ، ولا مدخل للقياس فى ~~الفضائل ، وإنما يقال لما صح التوقيف فيه . قال ابن القصار : وهذه الأحاديث ~~تدل على أن الصلاة فى جماعة سنة ، كما قال الفقهاء ، وخالف ذلك أهل الظاهر ~~، وقالوا : صلاة الجماعة فريضة ، والدلالة عليهم منها فى وجهين اثنين : ~~أحدهما : أنه أثبت صلاة الفذ وسماها صلاة ، وهم يقولون : ليست بصلاة ، ~~والثانى : أنه عليه السلام فاضل بينهما ، فأثبت للجماعة فضلا ، فدل أن ~~المنفردة فاضلة إلا أن مرتبتها أنقص . وهذه الدرجات والأجزاء التى تفضل بها ~~صلاة الجماعة ، منها فى حديث أبى هريرة : أربع ؛ لقوله : ( وذلك أنه إذا ~~توضأ ، ثم خرج PageV02P272 إلى المسجد ) ؛ لأن قوله : ( وذلك ) إشارة إلى ~~تفسير الجمل المذكورة فى أول الكلام ، فقوله : ( ثم خرج إلى المسجد لا ~~يخرجه إلا الصلاة ) ، هذه درجة وهى نية الصلاة فى جماعة ، وقوله : ( لم يخط ~~خطوة إلا رفعت له بها درجة ، وحطت عنه بها خطيئة ) ، فهذه درجة ثانية ، ~~وقوله : ( فإذا صلى لم تزل الملائكة تصلى عليه مادام فى مصلاه ) ، وهذه ~~درجة ثالثة ، والدرجة الرابعة قوله : ( إن أحدكم فى صلاة ما انتظر الصلاة ) ~~. وفى حديث آخر لأبى هريرة قال عليه السلام : ( لو يعلم الناس ما فى النداء ~~، والصف الأول ، ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا ) ، فهاتان ~~درجتان ، و ( لو يعلمون ما فى التهجير ، لاستبقوا إليه ) ، فهذه درجة ، ~~وقوله : ( لو يعلمون ما فى العتمة والصبح ) يريد فضل اجتماع ملائكة الليل ~~وملائكة النهار فى الصبح ، لقوله تعالى : { إن قرآن الفجر كان مشهودا } [ ~~الإسراء : 78 ] ، وقال عليه السلام : ( تجتمع فيكم ملائكة الليل وملائكة ~~النهار فى العصر والفجر ) ، فهاتان درجتان ، وتمام الدرجات الباقية من جنس ~~هذه المذكورة لا محالة ، فطلبنا فى الآثار والقرآن ، ما جانس هذه الدرجات ، ~~مما تختص به صلاة الجماعة ، وليست للفذ ، فوجدنا منها : إجابة النداء إلى ~~الصلاة ، لقوله تعالى : { أجيبوا داعى الله } [ الأحقاف : 31 ] ، ولقوله : ~~{ إذا نودى للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله } [ الجمعة ms0497 : 9 ] . ~~ومنها : لزوم الخشوع فى السير إلى المسجد ، لقوله عليه السلام : ( ائتوا ~~الصلاة وعليكم السكينة ) . ومنها : لزوم الذكر فى سيره ، وقد روى وكيع ، عن ~~فضيل بن مرزوق ، عن عطية ، عن أبى سعيد الخدرى ، قال : ( من PageV02P273 ~~قال إذا خرج إلى الصلاة : اللهم إنى أسألك بحق السائلين عليك ، وبحق ممشاى ~~هذا ، لم أخرجه أشرا ، ولا بطرا ، ولا رياء ، ولا سمعة ، خرجت اتقاء سخطك ، ~~واتباع مرضاتك ، أسألك أن تنقذنى من النار ، وأن تدخلنى الجنة ، وأن تغفر ~~لى ذنوبى ، فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت ؛ خرج معه سبعون ألف ملك يستغفرون ~~له ، وأقبل الله عليه بوجهه حتى يقضى صلاته ) . ومثل هذا لا يدرك بالرأى ، ~~ولا يكون إلا عن الرسول . ومنها : السلام على الرسول ، والدعاء عند دخوله ~~فى المسجد ، وعند خروجه ، فهاتان درجتان ، روى النسائى من حديث المقبرى ، ~~عن أبى هريرة ، عن النبى ، عليه السلام ، قال : ( إذا دخل أحدكم المسجد ، ~~فليسلم على النبى ، عليه السلام ، وليقل : اللهم افتح لى أبواب رحمتك ، ~~وإذا خرج فليسلم على النبى ، وليقل : اللهم اعصمنى من الشيطان ) . ومنها : ~~السلام عند دخوله فى المسجد ، إن كان خاليا ، فقد روى عن ابن عباس فى قوله ~~تعالى : { فسلموا على أنفسكم } [ النور : 61 ] ، قال : هو المسجد إذا دخلته ~~فقل : السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين . ومنها : الركوع فى المسجد ~~عند دخوله ، فقد أمر الرسول بذلك وهو تحية المسجد . ومنها : ترك الخوض فى ~~أمر الدنيا ؛ لحرمة المسجد والصلاة ، وذكر الله تعالى ، فيه لقوله تعالى : ~~{ فى بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه } [ النور : 36 ] ، وكان عمر ~~يضرب الناس على ذكر الدنيا فى المسجد ، واتخذ البطحاء لمن أراد اللغط فيه . ~~PageV02P274 ومنها : إجابة الدعاء بحضرة النداء للصلاة ، فقد قال عليه ~~السلام : ( ساعتان لا يرد فيهما الدعاء : حضرة النداء ، والصف فى سبيل الله ~~) . ومنها : اعتدال الصفوف ، وإقامتها ، والتراصص فيها ، وإلزاق المنكب ~~بالمنكب ، والقدم بالقدم ، فقد جاء فى الحديث أن ذلك من تمام الصلاة . ~~ومنها : استماع قراءة الإمام والتدبر لها ، وقد جاء فى قوله تعالى : { وإذا ~~قرئ القرآن فاستمعوا ms0498 له وأنصتوا } [ الأعراف : 204 ] ، أن ذلك فى الصلاة . ~~ومنها : قوله : ربنا ولك الحمد إذا قال الإمام : سمع الله لمن حمده ، كما ~~جاء فى الحديث . ومنها : شهادة الملائكة لمن حضر الجماعة ؛ لقوله عليه ~~السلام : ( أتيناهم وهم يصلون ، وتركناهم وهم يصلون ) . ومنها : تحرى ~~موافقة الإمام فى الجماعة ، فلا يختلف على الإمام فى القرآن والعمل ؛ لقوله ~~عليه السلام : ( إنما جعل الإمام ليؤتم به ، فلا تختلفوا عليه ) . ومنها : ~~فضل تسليمه على الإمام وعلى من بجنبه . ومنها : فضل دعاء الجماعة . ومنها : ~~الاعتصام بالجماعة من سهو الشيطان ؛ لقوله عليه السلام : ( أصدق ذو اليدين ~~) ، ولا يجوز على الجماعة كلها السهو ، فتمت سبعة وعشرين درجة . ~~PageV02P275 فإن قال قائل : فما معنى اختلاف الدرجات والأجزاء فى الآثار ، ~~فمرة قال : ( بسبع وعشرين درجة ) ، ومرة قال : ( بخمسة وعشرين جزءا ؟ ! ) . ~~فالجواب : أن الفضائل لا تدرك بالرأى ، وإنما تدرك بالتوقيف ، وهذا ~~الاختلاف له معنى صحيح يؤيد بعضه بعضا ، وذلك أنه يحتمل أن يكون عليه ~~السلام أعلمه الله عز وجل ، أن فضل صلاة الجماعة على صلاة الفذ بخمسة ~~وعشرين جزءا ، ثم زاد تعالى فى فضل الجماعة على صلاة الفذ ، فكمله سبعا ~~وعشرين ، ومثل هذا المعنى كثير فى شريعته عليه السلام . فقد أخبر عليه ~~السلام أنه من ( صلى عليه مائة من المؤمنين ، شفعوا فيه ) ، وفى حديث آخر : ~~( من صلى عليه أربعون ) . وفى حديث آخر : ( ما من مسلم يشهد له أربعة بخير ~~إلا أدخله الله الجنة ، فقيل : وثلاثة ؟ قال : وثلاثة ، قيل : واثنان ؟ قال ~~: واثنان ) . وهذا كله إنما كان ينزل على النبى فيه الوحى ، ويعلم بما لم ~~يعلم قبل ذلك ، كما قال له تعالى : { قل ما أدرى ما يفعل بى ولا بكم } [ ~~الأحقاف : 46 ] ، ثم أعلمه بعد ذلك أنه غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر ، ~~فكان يخبر أمته على حسب ما يوحى إليه ، ولم ينطق عن الهوى ، فكذلك تضعيف ~~ثواب صلاة الجماعة ، والله أعلم . وفيه وجه آخر يحتمل أن يكون السبع ~~والعشرون الدرجة للعشاء والصبح ، ويكون لسائر الصلوات خمس وعشرون درجة ، ~~وسأذكر وجه ذلك فى الباب ms0499 بعد هذا إن شاء الله . PageV02P276 وأما ما روى عن ~~الأسود أنه كان يتبع المساجد إذا فاتته الجماعة ، فقد روى ذلك عن حذيفة ، ~~وسعيد بن جبير ، وذكر الطحاوى ، عن الكوفيين ومالك : إن شاء صلى فى مسجده ~~وحده ، وإن شاء أتى مسجدا آخر فطلب فيه الجماعة ، إلا أن مالكا قال : إلا ~~أن يكون فى المسجد الحرام ، أو مسجد الرسول فلا يخرجوا منه ، ويصلوا فيه ~~وحدانا ؛ لأن هذين المسجدين للفذ أعظم أجرا ممن صلى فى جماعة . وقال الحسن ~~البصرى : ما رأينا المهاجرين يتبعون المساجد ، قال الطحاوى : والحجة لمالك ~~أن صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذ بخمس وعشرين درجة ، والصلاة فى المسجد ~~الحرام ، ومسجد الرسول أفضل من الصلاة فى غيرهما ؛ فلذلك لا يتركهما ابتغاء ~~الصلاة فى غيرهما ، وفى مختصر ابن شعبان عن مالك : أنه من صلى فى جماعة فلا ~~يعيد فى جماعة إلا فى مسجد مكة والمدينة . وأما صلاة اثنين جماعة فى مسجد ~~قد جمع فيه ، فإن العلماء اختلفوا فى ذلك ، فروى عن ابن مسعود أنه صلى ~~بعلقمة والأسود فى مسجد قد جمع فيه ، وهو قول عطاء ، والحسن البصرى فى ~~رواية ، وإليه ذهب أحمد ، وإسحاق ، وأشهب صاحب مالك . وروى ابن مزين عن ~~أصبغ قال : دخلت المسجد مع أشهب وقد صلى الإمام ، فقال : يا أصبغ ائتم بى ~~وتنحى إلى زاوية ، فائتممت به ، واحتج أحمد فى ذلك بقوله عليه السلام : ( ~~صلاة الجمع تزيد على صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة ) . وقالت طائفة : لا تجمع ~~فى مسجد مرتين ، روى ذلك عن سالم ، PageV02P277 والقاسم ، وأبى قلابة ، وهو ~~قول مالك ، والليث ، والثورى ، والأوزاعى ، وأبى حنيفة ، والشافعى . وقال ~~بعضهم : إنما كره ذلك خشية افتراق الكلمة ، وأن أهل البدع يتطرقون إلى ~~مخالفة الجماعة ، وقال مالك ، والشافعى : إذا كان مسجد على طريق ولا إمام ~~له ، أنه لا بأس أن يجمع فيه قوم بعد قوم . * * * # | 27 - باب فضل صلاة الفجر في جماعة # / 41 - فيه : أبو هريرة أن نبى الله قال : ( تفضل صلاة الجمع صلاة أحدكم ~~وحده بخمس وعشرين جزءا ، وتجتمع ملائكة الليل وملائكة النهار في ms0500 صلاة الفجر ~~) ، ثم يقول أبو هريرة : واقرءوا إن شئتم : { إن قرآن الفجر كان مشهودا } [ ~~الإسراء 78 ] . / 42 - وفيه : أبو الدرداء قال : ما أعرف من محمد عليه ~~السلام ، شيئا إلا أنهم يصلون جميعا . / 43 - وفيه : أبي موسى ، قال رسول ~~الله : ( أعظم الناس أجرا في الصلاة أبعدهم ممشى ) . قال المؤلف : قد بين ~~فى هذا الباب المعنى الذى أوجب التفضيل لشهود الفجر فى جماعة ، وهو اجتماع ~~ملائكة الليل ، والنهار PageV02P278 فيها ، ولقد قال عمر بن الخطاب : لأن ~~أشهد الفجر فى جماعة أحب إلى من أن أقوم ليلة ، وقد روى أبو هريرة عن ~~الرسول أن ملائكة الليل والنهار يجتمعون فى صلاة العصر أيضا . قال المهلب : ~~فلما خص الفجر بشهود الملائكة لها ، وكان مثل ذلك فى صلاة العصر ، وأشبهت ~~الفجر فى هذه الفضيلة ، أمر الرسول بالمحافظة على العصر ليكون من حضرهما ~~ترفع الملائكة عمله ، وتشفع له . قال المؤلف : ويمكن أن يكون اجتماع ~~الملائكة فى الفجر والعصر هما الدرجتان الزائدتان على الخمسة والعشرين جزءا ~~فى سائر الصلوات التى لا تجتمع الملائكة فيها ، والله أعلم ، وإنما قلت هذا ~~من قول أبى هريرة : سمعت الرسول يقول : ( تفضل صلاة الجماعة صلاة أحدكم ~~وحده بخمسة وعشرين جزءا ، وتجتمع ملائكة الليل وملائكة النهار فى صلاة ~~الفجر ) ، فذكر اجتماع الملائكة فى الفجر بواو فاصلة ، واستأنف الكلام ، ~~وقطعه من الجملة المتقدمة ، فدل ذلك على أن اجتماع الملائكة يوجب فضلا ~~ودرجة زائدة على الخمسة وعشرين ، فصارتا درجتين للفجر والعصر ، ليستا ~~لغيرهما من الصلوات . وقال المهلب : وفى حديث أبى الدرداء جواز الغضب عند ~~تغير الدين وتغير أحوال الناس فى معاشرتهم ، وإنكار المنكر بالغضب إذا لم ~~يستطع على أكثر من ذلك ، وهو أضعف الإيمان . وقوله : ( ما أعرف من محمد ~~شيئا ) ، يريد من : شريعة محمد شيئا لم يتغير عما كان عليه إلا الصلاة فى ~~جماعة ، فحذف المضاف لدلالة الكلام عليه . PageV02P279 وقوله : ( أعظم ~~الناس فى الصلاة أجرا أبعدهم ممشى ) ، فذلك لكثرة الخطا ، وقد روى هذا عن ~~الرسول . * * * # | 28 - باب فضل التهجير إلى الظهر # / 44 - فيه : أبو هريرة ، قال عليه ms0501 السلام : ( بينما رجل يمشي بطريق ، ~~وجد غصن شوك على الطريق فأخره ، فشكر الله له ، فغفر له ) ، ثم قال : ( ~~الشهداء خمس : المطعون ، والمبطون ، والغريق ، وصاحب الهدم ، والشهيد في ~~سبيل الله ) ، وقال : ( لو يعلم الناس ما في النداء ، والصف الأول ، ثم لم ~~يجدوا إلا أن يستهموا لاستهموا عليه ، ولو يعلمون ما في التهجير لاستبقوا ~~إليه ، ولو يعلمون ما في العتمة والصبح لأتوهما ولو حبوا ) . والتهجير : ~~السير فى الهاجرة ، وهى شدة الحر ، ويدخل فى معنى التهجير المسارعة إلى ~~الصلوات كلها قبل دخول أوقاتها ؛ ليحصل له فضل الانتظار قبل الصلاة . قال ~~المؤلف : قوله : ( ولو يعلمون ما فى التهجير لا ستبقوا إليه ) ، يدل أن ~~صلاة الظهر عند الزوال أفضل ، يدل على ذلك قوله عليه السلام ، حين سئل : أى ~~العمل أفضل ؟ قال : ( الصلاة لأول وقتها ) وقد تقدم أن الآثار التى وردت ~~بالإبراد ، ليست بمعارضة لهذا الحديث ، بل هى رخصة لفضل الجماعة ، وليتسع ~~الناس فى الاجتماع ، وهذا الحديث فيه ثلاثة أحاديث جمعها أبو هريرة فى مساق ~~واحد ، وقد يمكن أن يكون سمعها من الرسول فى وقت واحد ، والله أعلم ، فأتى ~~بها كما سمعها . PageV02P280 وفيه من الفقه : أن نزع الأذى من الطريق من ~~الأعمال الصالحة التى يرجى بها الغفران من الله تعالى ، وقد قال عليه ~~السلام : ( الإيمان بضع وسبعون شعبة ، أعلاها شهادة أن لا إله إلا الله ، ~~وأدناها إماطة الأذى من الطريق ) . * * * # | 29 - باب احتساب الآثار # وقال مجاهد : خطاكم آثار المشى فى الأرض بأرجلكم . / 45 - وفيه : أنس قال ~~: قال النبي عليه السلام : ( يا بني سلمة ، ألا تحتسبون آثاركم ) . قال ~~المؤلف : قوله : ( ألا تحتسبون آثاركم ) ، إنما قال لهم ذلك ؛ لأنهم كانوا ~~على بعد من مسجده عليه السلام ، فأرادوا أن يتحولوا بقرب المسجد فكره النبى ~~، عليه السلام ، أن يعرى المدينة . قال المهلب : فحضهم على البقاء واحتساب ~~الآثار ، واستشعارهم النية والإخلاص لله تعالى ، فى مشيهم ، ودخل فى معنى ~~ذلك كل ما يصنع لله تعالى من قليل أو كثير ، أن يراد به وجهه ، تعالى ، ~~ويخلص له فيه ، وهو الذى يزكوا ثوابه وأجره ms0502 ، وقال ابن عباس : فى الأنصار ~~نزلت حين أرادوا أن ينتقلوا : { ونكتب ما قدموا } أعمالهم ، { وآثارهم } [ ~~يس : 12 ] ، فيما مشوا أبعدهم مكانا . PageV02P281 قال الطبرى : وفيه من ~~الفقه صحة قول القائل : تفضل المقاربة بين الخطا فى المشى إلى الصلاة على ~~الإسراع إليها ، وذلك أن ابن عباس ذكر أن قول الله : { ونكتب ما قدموا ~~وآثارهم } [ يس : 12 ] ، نزلت إعلاما من الله تعالى نبيه أنه يكتب خطا ~~المشائين إلى الصلاة ، ويوجب لهم ثوابا ؛ حضا منه تعالى للذين أرادوا ~~النقلة إلى قرب مسجده على الثبات فى مواضعهم ، وإن نأت ، وترغيبا لهم فى ~~احتساب خطاهم ، ومشيهم إلى الصلاة ، وقد روى عن الرسول أن من بعد من المسجد ~~أفضل . وروى ابن أبى شيبة ، عن وكيع ، عن ابن أبى ذئب ، عن عبد الرحمن بن ~~مهران ، عن عبد الرحمن بن سعيد ، عن أبى هريرة قال : قال رسول الله : ( ~~الأبعد فالأبعد من المساجد أعظم أجرا ) . وروى عن أنس أنه كان يتجاوز ~~المساجد المحدثة إلى المساجد القديمة ، وفعله مجاهد وأبو وائل ، وقد روى عن ~~بعضهم خلاف هذا ، سئل الحسن : أيدع الرجل مسجد قومه ويأتى غيره ؟ قال : ~~كانوا يحبون أن يكثر الرجل قومه بنفسه . وسئل أبو عبد الله بن لبابة عن ~~الذى يدع مسجده ويصلى فى الجامع للفضل فى كثرة الناس فقال : لا يدع مسجده ، ~~وإنما فضل الجامع فى صلاة الجمعة فقط . * * * # | 30 - باب فضل العشاء في الجماعة # / 46 - فيه : أبو هريرة قال : قال رسول الله : ( ليس صلاة أثقل على ~~المنافقين من الفجر والعشاء ، ولو يعلمون ما فيهما ، لأتوهما ولو حبوا ، ~~ولقد PageV02P282 هممت أن آمر المؤذن فيقيم ، ثم آمر رجلا يؤم الناس ، ثم ~~آخذ شعلا من نار فأحرق على من لا يخرج إلى الصلاة بعد ) . قد تقدم الكلام ~~فى معنى هذا الحديث فى باب ( الاستهام للأذان ) ، فلا معنى لإعادته ، وبهذا ~~الحديث احتج من قال : إن الوعيد بالإحراق لمن تخلف عن صلاة الجماعة أريد به ~~المنافقون ؛ لذكرهم فى أول الحديث ، وهذا ليس ببين ؛ لأنه يحتمل أن يكون ~~عليه السلام ، أخبر المؤمنين أن من ms0503 شأن المنافقين ثقل الفجر والعشاء عليهم ~~فى الجماعة ، فحذر المؤمنين من التشبه بهم فى ذلك ، وامتثال طريقتهم ، ~~والله أعلم ، وإنما ثقلت صلاة العشاء على المنافقين للزومها فى وقت ثقيل ~~متصل بالنوم ، فأشبهت صلاة الفجر فى ذلك ، وقد قال عثمان بن عفان : من شهد ~~العشاء ، فكأنما قام نصف ليلة ، ومن شهد الصبح ، فكأنما قام ليلة ، وهو بين ~~فى ذلك . * * * # | 31 - باب اثنان فما فوقهما جماعة # / 47 - فيه : مالك بن الحويرث ، قال النبي عليه السلام : ( إذا حضرت ~~الصلاة ، فأذنا وأقيما ، ثم ليؤمكما أكبركما ) . اختلف العلماء فى أقل اسم ~~الجمع ، فذهب قوم إلى أن الاثنين جمع ، واستدلوا بهذا الحديث ، وقالوا : كل ~~جماعة قليلة كانت أو كثيرة ، فالمصلى فيها له سبع وعشرون درجة ، قال ~~إبراهيم النخعى : إذا صلى الرجل مع الرجل لهما أجر التضعيف خمس وعشرون درجة ~~، وهما جماعة . PageV02P283 وقالت طائفة : الثلاثة جماعة ، روى ذلك عن ~~الحسن البصرى ، وقال إسماعيل بن إسحاق : فى حديث أبى بن كعب ، أن النبى ، ~~عليه السلام ، قال : ( صلاة الرجل مع الرجل أزكى من صلاة الرجل وحده ) دليل ~~أن صلاة الرجل مع الرجل فى معنى الجماعة . * * * # | 32 - باب من جلس في المسجد ينتظر الصلاة وفضل المساجد # / 48 - فيه : أبو هريرة قال : قال رسول الله : ( الملائكة تصلي على أحدكم ~~ما دام في مصلاه ، ما لم يحدث : اللهم اغفر له ، اللهم ارحمه ، لا يزال ~~أحدكم في صلاة ، ما دامت الصلاة تحبسه ، لا يمنعه أن ينقلب إلى أهله إلا ~~الصلاة ) . / 49 - وفيه : أبو هريرة ، قال عليه السلام : ( سبعة يظلهم الله ~~في ظله يوم لا ظل إلا ظله ) ، وذكر منهم : ( رجل قلبه معلق بالمساجد ) . ~~قوله عليه السلام : ( الملائكة تصلى على أحدكم ما دام فى مصلاه ) ، تفسير ~~لقوله : { ويستغفرون للذين آمنوا } [ غافر : 7 ] ، يريد المصلين ، ~~والمنتظرين للصلاة ، ويدخل فى ذلك من أشبههم فى المعنى ، ممن حبس نفسه على ~~أفعال البر كلها ، والله أعلم . قال المهلب : فالصلاة من الملائكة استغفار ~~ودعاء ، وهى من الله رحمة ، وقد فسر أبو هريرة الحدث فقال : فساء أو ضراط ، ~~وقد روى ms0504 عنه : ( ما لم يحدث ) : ما لم يؤذ أحدا ، فتأول العلماء فى ذلك ~~الأذى أنه الغيبة وشبهها ، وإنما هو ، والله أعلم ، أذى الحدث ، يفسر ذلك ~~حديث النوم ، لكن النظر يدل أنه إذا آذى أحدا بلسانه أنه PageV02P284 ينقطع ~~عنه استغفار الملائكة ؛ لأن أذى السب والغيبة فوق أذى رائحة الحدث ، فإذا ~~انقطع عنه استغفار الملائكة بأذى الحدث ، فأولى أن ينقطع بأذى السب وشبهه . # | 33 - باب فضل من غدا إلى المسجد أو راح # / 50 - فيه : أبو هريرة ، قال نبي الله : ( من غدا إلى المسجد أو راح ، ~~أعد الله له نزله من الجنة كلما غدا أو راح ) . فيه : الحض على شهود ~~الجماعات ، ومواظبة المساجد للصلوات ؛ لأنه إذا أعد الله له نزله فى الجنة ~~بالغدو والرواح ، فما ظنك بما يعد له ويتفضل عليه بالصلاة فى الجماعة ~~واحتساب أجرها والإخلاص فيها لله تعالى . * * * # | 34 - باب إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة # / 51 - فيه : عبدالله بن بحينة : أن رسول الله رأى رجلا من الأزد ، وقد ~~أقيمت الصلاة يصلي ركعتين ، فلما انصرف رسول الله لاث به الناس ، فقال رسول ~~الله : ( الصبح أربعا ، الصبح أربعا ) . اختلف الناس فى تأويل هذا الحديث ، ~~فكرهت طائفة للرجل أن يركع ركعتى الفجر فى المسجد والإمام فى صلاة الفجر ، ~~واحتجوا بهذا الحديث ، روى هذا عن سعيد بن جبير ، وعروة بن الزبير ، وابن ~~سيرين ، وهو قول الشافعى ، وأحمد ، وإسحاق ، وأبى ثور . PageV02P285 وقالت ~~طائفة : لا بأس أن يصليها خارج المسجد ما تيقن أنه يدرك الركعة الأخيرة مع ~~الإمام ، هذا قول أبى حنيفة وأصحابه والأوزاعى ، إلا أن الأوزاعى أجاز أن ~~يركعهما فى المسجد . وقال الثورى : إن خشى فوت ركعة دخل معه ولم يصلهما ، ~~وإلا صلاهما فى المسجد . وقال مالك : إن خشى أن تفوته الركعة الأولى فلا ~~يصليهما ، وليدخل مع الإمام ، كقول الثورى ، إلا أنه قال : وإن لم يخف فوت ~~ركعة ، فليركعهما خارج المسجد فى غير أفنيته اللاصقة به . وحجة من أجاز أن ~~يصليهما فى المسجد ، ما روى عن ابن مسعود أنه دخل المسجد ، وقد أقيمت ~~الصلاة ، فصلى ms0505 إلى أسطوانة فى المسجد ركعتى الفجر ، وذلك بمحضر حذيفة وأبى ~~موسى ، وروى مثله عن عمر بن الخطاب ، وأبى الدرداء ، وابن عباس ، ذكره ~~الطحاوى . وحجة من قال : يصلى خارج المسجد ، ما روى عن ابن عمر أنه صلاهما ~~قبل أن يدخل فى المسجد فى الطريق ، ثم دخل المسجد فصلى الصبح مع الناس . ~~وأما حجة أهل المقالة الأولى من طريق النظر ، فقالوا : تشاغله بالفريضة ~~أولى من تشاغله بالتطوع . واحتج الآخرون فقالوا : قد أجمعوا أنه لو كان فى ~~منزله ، فعلم دخول الإمام فى صلاة الفجر ، أنه ينبغى له أن يركع ركعتى ~~الفجر ما لم يخف فوت صلاة الإمام ، ولم يجعلوا تشاغله بالسعى إلى الفريضة ~~أفضل من تشاغله بهما فى منزله . PageV02P286 قال الطحاوى : وقد روى أن ~~النبى ، عليه السلام ، مر بابن بحينة وهو يصلى بين يدى نداء الصبح ، فقال : ~~لا تجعلوا هذه الصلاة كصلاة الظهر وبعدها ، واجعلوا بينهما فصلا ، فأبان فى ~~هذا الحديث أن الذى كرهه رسول الله لابن بحينة هو وصله إياها بالفريضة فى ~~مكان واحد دون أن يفصل بينهما بشىء يسير ؛ لأنه كره له أن يصليهما فى ~~المسجد ، فإذا فرغ منهما تقدم إلى الصفوف فصلى الفريضة مع الناس ، وقد روى ~~مثل هذا المعنى فى غير هذا الحديث . روى ابن جريج ، عن عمر بن عطاء ، أن ~~نافع بن جبير أرسله إلى السائب بن يزيد يسأله : ماذا سمع من معاوية فى ~~الصلاة بعد الجمعة ؟ فقال : صليت معه فى المقصورة الجمعة ، فلما فرغت قمت ~~لأتطوع فأخذ بثوبى فقال : لا تفعل حتى تتقدم أو تكلم ؛ فإن رسول الله كان ~~يأمر بذلك . ولم يختلفوا أنه من لم يصل العشاء فدخل المسجد فوجدهم فى ~~الإشفاع أنه جائز أن يصلى العشاء ناحية من المسجد بحيث يأمن تخليط الإمام ~~عليه . وقال الطحاوى : يحتمل أن يكون النهى فى قوله : ( الصبح أربعا ) ؛ ~~لأنه جمع بين الصلاتين من الفرض والنفل فى مكان واحد ، كما نهى من صلى ~~الجمعة أن يصلى بعدها تطوعا فى مكان واحد حتى يتكلم أو يتقدم . وأما قوله ~~فى الترجمة : ( إذا ms0506 أقيمت الصلاة ، فلا صلاة إلا المكتوبة ) ، فقد روى هذا ~~اللفظ عن النبى ، عليه السلام ، رواه أبو عاصم ، عن زكريا بن إسحاق ، عن ~~عمرو بن دينار ، عن سليمان بن PageV02P287 يسار ، عن أبى هريرة ، عن الرسول ~~، إلا أن ابن عيينة ، وحماد بن زيد ، وحماد بن سلمة ، أوقفوه على أبى هريرة ~~، فلذلك تركه البخارى . وأجمعوا أن من عليه صلاة الظهر ، فدخل فى المسجد ~~ليصليها فأقيمت عليه العصر ، أنه لا يقطع صلاته ، ويكملها . قال مالك : ومن ~~أحرم بفريضة فى المسجد فأقيمت عليه تلك الفريضة ، فإن لم يركع قطع بسلام ، ~~ودخل مع الإمام ، وإن ركع صلى ثانية وسلم ودخل معه ، وإن صلى ثالثة صلى ~~رابعة ، ولا يجعلها نافلة ويسلم ويدخل معه ، وإن كانت المغرب قطع ، ودخل مع ~~الإمام ، عقد ركعة أم لا ، وإن صلى اثنتين أتمهما ثلاثا وخرج ، فهذا يدل أن ~~حديث مالك المرسل عن أبى سلمة أن الرسول قال : ( أصلاتان معا ؟ ! ) ، إنما ~~هو عندى فيمن اشتغل بنافلة عن فريضة ، ولو كان فيمن اشتغل بفريضة لأمره ~~بقطع الصلاة ، ولو كان فى الرابعة ، أو الثالثة من المغرب . قال الخطابى : ~~قوله : ( لاث به الناس ) ، معناه : أحاطوا به ، واجتمعوا عليه ، وكل شىء ~~اجتمع والتبس بعضه ببعض فهو لائث ، فقلب كما قال الله تعالى : { على شفا ~~جرف هار } [ التوبة : 109 ] ، أى هائر . وقال صاحب ( الأفعال ) : لاث الشجر ~~والنبات ، التف بعضه ببعض ، ولاق بغيره كذلك ، ومنه : لاث الإزار والعمامة ~~: إذا رد بعضها على بعض . PageV02P288 * * * # | 35 - باب حد المريض أن يشهد الجماعة # / 52 - فيه : عائشة ، أنه ذكر عندها المواظبة على الصلاة والتعظيم لها ، ~~فقالت : ( لما مرض النبى ، عليه السلام ، مرضه الذي مات فيه ، فحضرت الصلاة ~~، فأذن ، فقال : ( مروا أبا بكر ، فليصل بالناس ) ، فقلت له : إن أبا بكر ~~رجل أسيف ، إذا قام مقامك لم يستطع أن يصلي بالناس ، وأعاد ، فأعادوا له ، ~~فأعاد الثالثة ، فقال : ( إنكن صواحب يوسف ، مروا أبا بكر ، فليصل بالناس ) ~~، فخرج أبو بكر ، فصلى ، فوجد الرسول من نفسه خفة ، فخرج يهادى بين رجلين ، ~~كأني أنظر رجليه تخطان من الوجع ، فأراد ms0507 أبو بكر أن يتأخر ، فأومأ إليه ~~النبي أن مكانك ، ثم أتي به حتى جلس إلى جنبه ) . فقيل للأعمش : وكان النبي ~~يصلي ، وأبو بكر يصلي بصلاته ، والناس يصلون بصلاة أبي بكر ؟ ، فقال برأسه ~~: ( نعم ) . قال المؤلف : قوله : باب حد المريض أن يشهد الجماعة ، معناه : ~~باب حدة المريض وحرصه على شهود الجماعة ، كما قال عمر بن الخطاب فى أبى بكر ~~الصديق : وكنت أدارى منه بعض الحد ، يعنى بعض الحدة ، والمراد بهذا الحديث ~~الحض على شهود الجماعة والمحافظة عليها . قال أبو عبد الله بن أبى صفرة : ~~وفيه من الفقه : جواز الأخذ بالشدة لمن جازت له الرخصة ؛ لأن الرسول كان له ~~أن يتخلف عن الجماعة لعذر المرض ، فلما تحامل على نفسه وخرج بين رجلين ~~PageV02P289 تخط رجلاه الأرض ، دل على فضل الشدة على الرخصة ، ورغب أمته فى ~~شهود الجماعات ؛ لما لهم فيها من عظيم الأجر ، ولئلا يعذر أحد منهم نفسه فى ~~التخلف عنها ما أمكنه وقدر عليها ، إذ لم يعذر نفسه عليه السلام ، ولم يرخص ~~لها فى حال عجزه عن الاستقلال على قدميه مع علمه أن الله قد غفر له ما تقدم ~~من ذنبه وما تأخر ، وبذلك عمل السلف الصالحون ، فكان الربيع بن خثيم يخرج ~~إلى الصلاة يهادى بين رجلين ، وكان أصابه الفالج ، فيقال له : إنك لفى عذر ~~، فيقول : أجل ، ولكنى أسمع المؤذن يقول : حى على الصلاة ، حى على الفلاح ، ~~فمن سمعها فليأتها ولو حبوا . وكان أبو عبد الرحمن السلمى يحمل وهو مريض ~~إلى المسجد . وقال سفيان : كان سويد بن غفلة ابن ست وعشرين ومائة سنة يخرج ~~إلى الصلاة . وكان أبو إسحاق الهمدانى يهادى إلى المسجد ، فإذا فرغ من ~~صلاته لم يقدر أن ينهض حتى يقام . وقال سعيد بن المسيب : ما أذن المؤذن منذ ~~ثلاثين سنة إلا وأنا فى المسجد . وقول عائشة : ( إن أبا بكر رجل أسيف ) ، ~~يعنى : سريع الحزن والبكاء ، والأسف عند العرب : شدة الحزن والتندم ، يقال ~~منه : أسف فلان على كذا يأسف ، إذا اشتد حزنه ، وهو رجل أسيف وأسوف ، ومنه ~~قول يعقوب : { يا ms0508 أسفى على يوسف } [ يوسف : 84 ] ، يعنى : يا حزنا ويا جزعا ~~؛ توجعا لفقده وقيل : قال الخزاعى : PageV02P290 الأسيف ، الضعيف من الرجال ~~فى بطشه ، وأما الأسف ، فهو الغضبان المتلهف ، كما قال الله تعالى : { ولما ~~رجع موسى إلى قومه غضبان أسفا } [ الأعراف : 150 ] . * * * # | 36 - باب الرخصة في المطر والعلة أن يصلي في رحله # / 53 - فيه : ابن عمر : أنه أذن بالصلاة ، في ليلة ذات برد وريح ، ثم قال ~~: ألا صلوا في الرحال ، ثم قال : إن رسول الله كان يأمر المؤذن ، إذا كانت ~~ليلة ذات برد ومطر ، يقول : ( ألا صلوا في الرحال ) . / 54 - وفيه : عتبان ~~بن مالك : ( أنه كان يؤم قومه وهو أعمى ، وأنه قال لرسول الله : يا رسول ~~الله ، إنها تكون الظلمة والمطر والسيل ، وأنا رجل ضرير البصر ، فصل يا ~~رسول الله في بيتي ، مكانا أتخذه مصلى . . . ) الحديث . أجمع العلماء على ~~أن التخلف عن الجماعات فى شدة المطر والظلمة والريح ، وما أشبه ذلك مباح ~~بهذه الأحاديث ، ألا ترى أن عتبان بن مالك سأل النبى ، عليه السلام ، أن ~~يصلى فى بيته مكانا يتخذه مصلى إذا كان المطر والسيل ، ففعل ذلك ؛ فدل أن ~~شهود الجماعات سنة ؛ لأنه لما سقط عنه الإتيان إلى الجماعة ، وجاز له أن ~~يصليها فى بيته منفردا ، وبقوله : ( ألا صلوا فى الرحال ) علم أنها سنة ، ~~ولو كانت الصلاة لا تجوز فى البيوت إلا جماعة ، لما ترك الرسول بيانه لأمته ~~؛ لأن الله أخذ عليهم ميثاق البيان لهم ، ولقال لعتبان : لا تصح لك فى ~~مصلاك هذا صلاة منفردة حتى PageV02P291 يجتمع معك فيه غيرك ، فصح قول ~~الجماعة أن الجمع سنة ، وإذا وسع التخلف عن الجماعة للظلمة والمطر ، ~~فالتخلف لعذر المرض مثله ، وقد قال إبراهيم النخعى : ما كانوا يرخصون فى ~~ترك الجماعة إلا لخائف أو مريض . * * * # | 37 - باب هل يصلي الإمام بمن حضر ، وهل يخطب يوم الجمعة في المطر # / 55 - فيه : ابن عباس : أنه خطب في يوم ذي ردغ ، فأمر المؤذن لما بلغ ( ~~حي على الصلاة ) ، قال : قل : الصلاة في الرحال ، فنظر بعضهم إلى بعض ، ~~كأنهم أنكروا ، فقال ms0509 : كأنكم أنكرتم هذا ، إن هذا فعله من هو خير مني ، ~~يعني رسول الله ، إنها عزمة ، وإني كرهت أن أحرجكم . / 56 - وفيه : أبو ~~سعيد الخدري قال : ( جاءت سحابة فمطرت ، حتى سال السقف - وكان من جريد ~~النخل - فأقيمت الصلاة ، فرأيت رسول الله يسجد في الماء والطين ، حتى رأيت ~~أثر الطين في جبهته ) . / 57 - وفيه : أنس : قال رجل من الأنصار : إني لا ~~أستطيع الصلاة معك ، وكان رجلا ضخما ، فصنع للنبي طعاما ، فدعاه إلى منزله ~~، فبسط له حصيرا ، ونضح طرف الحصير ، فصلى عليه ركعتين . . . . الحديث . ~~فيه من الفقه : أن الجماعات تقام بمن حضرها فى المساجد وفى البيوت . وفيه : ~~أن المساجد لا تعطل فى المطر والطين ولا غيره . PageV02P292 وفيه : أن ~~الجمعة ليس لها عدد من الناس لا تجوز الصلاة دونهم . وأجمعوا أنه لا يخطب ~~يوم الجمعة على واحد ، ولا يصلى معه جمعة . واختلفوا فى الاثنين : فقال ~~الليث : يخطب الإمام باثنين ، وقاله أبو حنيفة . وقال بعض أصحابه : لا يخطب ~~إلا مع ثلاثة سوى الإمام . وفيه : أن الجمعة يتخلف عنها فى المطر ، كما ~~يتخلف عن سائر الصلوات ، وسيأتى ذلك فى كتاب الجمعة ، إن شاء الله . والدوس ~~: الدرس ، داست الخيل القتلى : إذا وطئتهم ، ودياس البقر مثله ، من كتاب ( ~~العين ) ، وقد تقدم تفسير الردغ فى باب الكلام فى الأذان . * * * # | 38 - باب إذا حضر الطعام وأقيمت الصلاة # وكان ابن عمر يبدأ بالعشاء . وقال أبو الدرداء : من فقه المرء إقباله على ~~حاجته حتى يقبل على صلاته وقلبه فارغ . / 58 - فيه : عائشة ، قال عليه ~~السلام : ( إذا وضع العشاء ، وأقيمت الصلاة ، فابدءوا بالعشاء ) . ~~PageV02P293 / 59 - وفيه : أن رسول الله قال : ( إذا قدم العشاء ، فابدءوا ~~به قبل أن تصلوا صلاة المغرب ، ولا تعجلوا عن عشائكم ) . / 60 - ورواه ابن ~~عمر ، عن النبى أيضا ، قال : فكان ابن عمر يوضع له الطعام ، وتقام الصلاة ، ~~فلا يأتيها حتى يفرغ منه ، وإنه ليسمع قراءة الإمام . وقال ابن عمر مرة : ~~قال رسول الله : ( إذا كان أحدكم على الطعام فلا يعجل ، حتى يقضي حاجته منه ~~، وإن أقيمت الصلاة ) . اختلف العلماء فى تأويل ms0510 هذا الحديث : فذكر ابن ~~المنذر أنه قال بظاهره : عمر بن الخطاب ، وابن عمر ، وهو قول الثورى ، ~~وأحمد ، وإسحاق . وقال الشافعى : يبدأ بالطعام إذا كانت نفسه شديدة التوقان ~~إليه ، فإن لم يكن كذلك ترك العشاء ، وإتيان الصلاة أحب إلى . وذكر ابن ~~حبيب مثل معناه . وقال ابن المنذر : عن مالك ، يبدأ بالصلاة ، إلا أن يكون ~~طعاما خفيفا . وقال أهل الظاهر : لا يجوز لأحد حضر طعامه بين يديه ، وسمع ~~الإقامة ، أن يبدأ بالصلاة قبل العشاء ، فإن فعل فصلاته باطلة . وحجة الذين ~~قالوا يبدأ بالصلاة ، أنهم حملوا قوله عليه السلام : ( فابدءوا بالعشاء ) ~~على الندب لما يخشى من شغل باله بالأكل فيفارقه الخشوع ، وربما نقص من حدود ~~الصلاة ، أو سها فيها ، وقد بين هذا المعنى أبو الدرداء فى قوله : ( من فقه ~~المرء إقباله على طعامه حتى يقبل على صلاته وقبله فارغ ) ، ولو كان إقباله ~~على طعامه هو الفرض عليه لم يقل فيه : من فقه المرء أن يبدأ به ، بل كان ~~يقول : من PageV02P294 الواجب عليه اللازم له أن يبدأ به ، فبين العلة فى ~~قوله عليه السلام : ( ابدءوا بالعشاء ) أنها لما يخاف من شغل البال ، وقد ~~رأينا شغل البال فى الصلاة لا يفسدها ؛ ألا ترى أن النبى صلى فى جبة لها ~~علم ، فقال : ( خذوها وائتونى بأنبجانية ) ، فأخبر أن قلبه اشتغل بالعلم ~~ولم تبطل صلاته . وقال عمر بن الخطاب : إنى لأجهز جيشى وأنا فى الصلاة . ~~وقال عليه السلام : ( لا يزال الشيطان يأتى أحدكم فيقول له : اذكر كذا ، ~~حتى يضل الرجل ، لا يدرى كم صلى ) ، ولم يأمرنا بإعادتها لذلك ، وإنما ~~استحب أن يكون المصلى فارغ البال من خواطر الدنيا ؛ ليتفرغ لمناجاة ربه . ~~وقد اشترط بعض الأنبياء على من يغزو معه أن لا يتبعه من ملك بضع امرأة ولم ~~يبن بها ، ولا من بنى دارا ولم يكملها ؛ ليتفرغ قلبه من شواغل الدنيا ، ~~فهذا فى الغزو ، فكيف فى الصلاة التى هى أفضل الأعمال ، والمصلى واقف بين ~~يدى الله . وقد احتج بهذا الحديث الكوفيون ، وأحمد ، وإسحاق ، فى أن وقت ~~المغرب واسع ، وقالوا ms0511 : لو كان لها وقت واحد ، ما كان لأحد أن يشتغل فيه ~~بالأكل حتى يفوت . PageV02P295 * * * # | 39 - باب إذا دعي الإمام إلى الصلاة وبيده ما يأكل # / 61 - فيه : عمرو بن أمية ، قال : ( رأيت النبى يأكل ذراعا يحتز منها ، ~~فدعي إلى الصلاة ، فقام ، فطرح السكين ، فصلى ، ولم يتوضأ ) . هذا الحديث ~~يفسر أمر الرسول أن يبدأ بالعشاء قبل الصلاة ، ويدل على أنه على الندب لا ~~على الوجوب ؛ لأنه قام إلى الصلاة وترك الأكل . وقد تأول أحمد بن حنبل من ~~هذا الحديث : أن من شرع فى الأكل ، ثم أقيمت الصلاة أنه يقوم إلى الصلاة ، ~~ولا يتمادى فى الأكل ؛ لأنه قد أخذ منه ما يمنعه من شغل البال ، وإنما الذى ~~أمر بالأكل قبل الصلاة من لم يكن بدأ به لئلا يشغل به باله . ويرد هذا ~~التأويل أن ابن عمر قد روى فى الباب قبل هذا أن الرسول قال : ( إذا كان ~~أحدكم على الطعام فلا يعجل حتى يقضى حاجته منه ) ، ومن كان على الطعام ~~يقتضى تقدم أكله منه قبل إقامة الصلاة ، وقد أمره الرسول ألا يعجل حتى يقضى ~~حاجته منه ، وهو خلاف ما تأوله أحمد بن حنبل . * * * # | 40 - باب فيمن كان في حاجة أهله فأقيمت الصلاة فخرج # / 62 - فيه : الأسود ، قال : سألت عائشة : ما كان الرسول يصنع في بيته ؟ ~~، قالت : ( كان يكون في مهنة أهله - يعنى فى خدمة أهله - فإذا حضرت الصلاة ~~خرج إليها ) . لما لم يكن يذكر فى هذا الحديث أنه أزاح عن نفسه هيئة مهنته ~~، PageV02P296 دل أن المرء له أن يصلى مشمرا ، وكيف كان من حالاته ؛ لأنه ~~إنما يكره له التشمير وكفت الشعر والثياب إذا كان يقصد بذلك الصلاة ، وكذلك ~~قال مالك : أنه لا بأس أن يقوم إلى الصلاة على هيئة جلوسه وبذلته . وفيه : ~~أن الأئمة والعلماء يتولون خدمة أمورهم بأنفسهم ، وأن ذلك من فعل الصالحين ~~. * * * # | 41 - باب من صلى بالناس ، وهو لا يريد إلا أن يعلمهم صلاة النبي وسنته # / 63 - فيه : مالك بن الحويرث : أنه قال في مسجد أبى قلابة : إني لأصلي ~~بكم ، وما ms0512 أريد الصلاة ، أصلي كيف رأيت النبي يصلي ، فقلت لأبي قلابة : كيف ~~كان يصلي ؟ قال : مثل شيخنا هذا ، وكان الشيخ يجلس إذا رفع رأسه من السجود ~~قبل أن ينهض في الركعة الأولى . قال المهلب : يجوز للإنسان من هذا الحديث ~~أن يعلم غيره الصلاة والوضوء عيانا وعملا ، كما فعل جبريل فى إمامته ~~بالرسول حين أراه كيفية الصلاة عيانا ، وبهذا الحديث أخذ الشافعى فى أن كل ~~من سجد السجدة الآخرة من الركعة الأولى أو الثانية ، أنه لا يقوم حتى يستوى ~~جالسا ، وهى صفة من صفات الصلاة ، وقد ثبتت صفة أخرى عن النبى قال بها مالك ~~وغيره : وستأتى فى موضعها ، إن شاء الله . PageV02P297 * * * # | 42 - باب أهل العلم والفضل أحق بالإمامة # / 64 - فيه : أبو موسى ، قال : مرض النبي فاشتد مرضه ، فقال : ( مروا أبا ~~بكر ، فليصل بالناس ) ، قالت عائشة : إنه رجل رقيق ، إذا قام مقامك لم ~~يستطع أن يصلي بالناس ، قال : ( مرى أبا بكر ، فليصل بالناس ) ، فعادت ، ~~فقال : ( مري أبا بكر ، فليصل بالناس ) ، فعادت ، فقال : ( مري أبا بكر ، ~~فليصل بالناس ، فإنكن صواحب يوسف ) ، فأتاه الرسول ، فصلى بالناس في حياة ~~الرسول . / 65 - روته عائشة . / 66 - وأنس . ( 1 ) / 67 - وحمزة الأسلمى ، ~~عن النبى عليه السلام . اختلف العلماء فى من أولى بالإمامة ، فقالت طائفة : ~~يؤم القوم أعلمهم وأفضلهم ، قال عطاء : يؤم القوم أفقههم ، فإن كانوا فى ~~الفقه سواء فأقرؤهم ، فإن كانوا فى الفقه والقراءة سواء فأسنهم . قال مالك ~~، والأزواعى ، والشافعى : يؤم القوم أفقههم ، وهو قول أبى ثور . وقال الليث ~~: يؤمهم أفضلهم وخيرهم . وقالت طائفة : القارئ أولى من الفقيه ، هذا قول ~~الثورى ، وأبى حنيفة ، وأحمد ، وإسحاق . واحتجوا بما رواه الأعمش ، وشعبة ، ~~عن إسماعيل بن رجاء ، عن أوس بن ضمعج ، عن أبى مسعود البدرى ، قال : قال ~~رسول الله : ( يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله ، فإن كانوا فى القراءة سواء ~~فأعلمهم بالسنة ، فإن كانوا فى السنة سواء فأقدمهم PageV02P298 هجرة ، فإن ~~كانوا فى الهجرة سواء ، فأقدمهم إسلاما ) ، وزاد فيه شعبة : ( ولا يؤم ~~الرجل فى أهله ، ولا فى سلطانه ، ولا يجلس على تكرمته إلا بإذنه ms0513 ) ، ~~والتكرمة : فراشه ، قاله إسماعيل بن رجاء ، وبما رواه ابن جريج ، عن نافع ، ~~عن ابن عمر ، قال : كان سالم مولى أبى حذيفة يؤم المهاجرين والأنصار فى ~~مسجد قباء حين أقبلوا من مكة ؛ لأنه كان أكثرهم قرآنا ، فيهم أبو سلمة بن ~~عبد الأسود ، وعمر بن الخطاب . قالوا : وحديث أبى مسعود معارض لقوله - صلى ~~الله عليه وسلم - : ( مروا أبا بكر يصلى بالناس ) ؛ لأنه كان فيهم من كان ~~أقرأ منه للقرآن . قيل : لا تعارض بينهما بحمد الله ، ويحتمل أن يكون النبى ~~- صلى الله عليه وسلم - قال : ( يؤم القوم أقرؤهم ) فى أول الإسلام حين كان ~~حفاظ القرآن قليلا وقت قدم عمرو بن سلمة ، وهو صبى ، للصلاة فى مسجد عشيرته ~~وفيه الشيوخ ، وكان تنكشف عورته عند السجود ، فدل أن إمامته بهم فى مثل هذه ~~الحال كانت لعدم من يقرأ من قومه ، ولهذا المعنى كان يؤم سالم المهاجرين ~~والأنصار فى مسجد قباء ، حين أقبلوا من مكة مهاجرين ، لعدم الحفاظ حينئذ . ~~فأما وقت قوله - صلى الله عليه وسلم - : ( مروا أبا بكر يصلى بالناس ) فقد ~~كان تقرر الإسلام وكثر حفاظ القرآن وتفقهوا فيه ، فلم يكن الصديق ، رضى ~~الله عنه ، على جلالته وثاقب فهمه ، وتقدمه فى كل خير ، يتأخر عن مساواة ~~القراء ، بل فضلهم بعلمه ، وتقدمهم فى أمره ، ألا ترى قول أبى سعيد : وكان ~~أبو بكر أعلمنا . وقال الطبرى : لما استخلف النبى - صلى الله عليه وسلم - ~~الصديق ، رضى الله عنه ، على الصلاة بعد إعلامه لأمته أن أحقهم بالإمامة ~~أقرؤهم لكتاب الله صح أنه PageV02P299 يوم قدمه للصلاة كان اقرأ أمته لكتاب ~~الله وأعلمهم وأفضلهم ؛ لأنهم كانوا لا يتعلمون شيئا من القرآن حتى يتعلموا ~~معانيه وما يراد به ، كما قال ابن مسعود : كان الرجل منا إذا تعلم عشر آيات ~~لم يجاوزهن حتى يتعلم معانيهن والعمل بهن . ولما كان النبى - صلى الله عليه ~~وسلم - لا يستحق أن يتقدمه أحد فى الصلاة وجعل ما كان إليه منها بمحضر جميع ~~الصحابة لأبى بكر ، رضى الله عنه ، كان جميع أمور الإسلام تبعا للصلاة ، ~~ولهذا قدمه رسول ms0514 الله - صلى الله عليه وسلم - للصلاة ، والصلاة لا يقوم بها ~~إلا الدعاة ومن إليه السياسة وعقد الخلافة ؛ كصلاة الجمع والأعياد التى لا ~~يصلح القيام بها إلا لمن إليه القيام بأمر الأمة وسياسة الرعية . وصح أنه ~~أفضل الأمة بعده لقيام الحجة بأن أولى البرية بعقد الخلافة أفضلهم وأقومهم ~~بالحق وأعدلهم وأوفرهم أمانة وأحسنهم على محجة الحق استقامة ، وكذلك كان ~~الصديق ، رضى الله عنه . قال المهلب : إن قال قائل : إن عمر أعلم من أبى ~~بكر ، واستدل بحديث الذنوب والذنوبين ، و ( فى نزعه ضعف ) ، قيل : إنه ليس ~~كما ظننت ، إنما الضعف فى المدة التى وليها أبو بكر ، لا فيه ولا فى علمه ، ~~إنما كان الضعف فى نشر السنن لقرب مدته وضعفها عن أن يتمكن بتثبيت ؛ لأنه ~~ابتلى بارتداد الناس ومقاتلة العرب . وأما مراجعة عائشة ، وحرصها أن يستخلف ~~غير أبى بكر ، فإنما خشيت أن يتشاءم الناس بإمامة أبى بكر فيقولون : مذ ~~أمنا هذا فقدنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وقد روى هذا عنها ، رضى ~~الله عنها . PageV02P300 * * * # | 43 - باب من قام إلى جنب الإمام لعلة # / 68 - فيه : عائشة قالت : ( أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أبا ~~بكر الصديق أن يصلي بالناس في مرضه ، فوجد من نفسه خفة ، فخرج ، فإذا أبو ~~بكر يؤم الناس ، فلما رآه أبو بكر استأخر ، فأومأ إليه أن كما أنت ، فجلس ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حذاء أبي بكر إلى جنبه ، فكان أبو بكر ~~يصلي بصلاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والناس يصلون بصلاة أبي بكر ) ~~. سنة الإمامة تقديم الإمام ، وتأخير الناس عنه ، ولا يجوز أن يكون أحد مع ~~الإمام فى صف إلا فى موضعين : أحدهما : العلة التى فى هذا الحديث وما كان ~~فى معناها ، مثل أن يضيق الموضع ، فلا يقدر على التقدم ، فيكون معهم فى صف ~~، ومثل العراة أيضا إذا أمن أن يرى بعضهم بعضا . والموضع الثانى : أن يكون ~~رجل واحد مع الإمام ، فإنه يصلى على يمينه فى الصف معه ، كما فعل النبى - ~~صلى الله عليه وسلم ms0515 - بابن عباس إذ أداره من خلفه إلى يمينه ، فإن صلى ~~الإمام فى صف المأمومين بغير عذر ، فقد أساء وخالف سنة الإمامة وصلاته تامة ~~. وقال الطبرى : إنما أقام النبى - صلى الله عليه وسلم - أبا بكر إلى جنبه ~~؛ ليعلم الناس تكبير ركوعه وسجوده ، إذ كان - صلى الله عليه وسلم - قاعدا ، ~~وفى القوم ممن يصلى بصلاته من لا يراه ولا يعلم ركوعه ولا سجوده ، فبان أن ~~الأئمة إذا كانوا بحيث لا يراهم من يأتم بهم ، أن يجعلوا بينهم وبين من ~~يأتم بهم علما يعلمون بتكبيره وركوعه ، تكبيرهم وركوعهم ، وأن لمن لا يرى ~~الإمام أن يركع بركوع المؤتم به ، ويسجد بسجوده ، وأن ذلك لا يضره ويجزئه ~~أن لا يرى الإمام فى كل ذلك إذا رأى من يصلى بصلاته . PageV02P301 وقوله : ~~( فلما رآه أبو بكر استأخر ) ، دليل واضح أنه لم يكن عنده مستنكرا أن يتقدم ~~الرجل عن مقامه الذى قام فيه فى صلاته ويتأخر ، وذلك عمل فى الصلاة من ~~غيرها ، فكل ما كان نظير ذلك ، فعله فاعل فى صلاته لأمر دعاه إليه ، فذلك ~~جائز . * * * # | 44 - باب من دخل ليؤم الناس فجاء الإمام الأول فتأخر الأول ، أو لم ~~يتأخر ، جازت صلاته # / 69 - فيه : سهل بن سعد الساعدي : ( أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- ذهب إلى بني عمرو ابن عوف ليصلح بينهم ، فحانت الصلاة ، فجاء المؤذن إلى ~~أبي بكر ، فقال : أتصلي للناس فأقيم ؟ قال : نعم ، فصلى أبو بكر ، فجاء ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والناس في الصلاة ، فتخلص حتى وقف في ~~الصف ، فصفق الناس ، وكان أبو بكر لا يلتفت في صلاته ، فلما أكثر الناس ~~التصفيق ، التفت فرأى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فأشار إليه رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - أن امكث مكانك ، فرفع أبو بكر يديه ، فحمد ~~الله على ما أمره به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من ذلك ، ثم استأخر ~~أبو بكر حتى استوى في الصف ، وتقدم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فصلى ~~، فلما انصرف ، قال : ( يا أبا بكر ما منعك ms0516 أن تثبت إذ أمرتك ؟ ) ، فقال ~~أبو بكر : ما كان لابن أبي قحافة أن يصلي بين يدي رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( ما لي أراكم ~~أكثرتم التصفيق ؟ ، من رابه شيء في صلاته ، فليسبح ، فإنه إذا سبح التفت ~~إليه ، وإنما التصفيق للنساء ) . فى هذا الحديث من الفقه الرد على الشافعى ~~، وأهل الظاهر فى إنكارهم استخلاف الإمام فى الصلاة ، إذا نابه فيها ما ~~يخرجه منها ، من يتم بهم صلاتهم ، وذلك أن النبى - صلى الله عليه وسلم - ، ~~جاء وقد صلى أبو بكر بالناس بعض الصلاة ، فتقدم النبى - صلى الله عليه وسلم ~~- ، وصار الإمام ، وصار أبو PageV02P302 بكر مأموما بعد أن كان إماما ، ~~وائتم القوم بالنبى - صلى الله عليه وسلم - بعد أن كانوا يأتمون بأبى بكر ، ~~وبنوا على صلاتهم ، فكذلك حكم الإمام إذا سبقه حدث أو رعاف فقدم رجلا ، أن ~~لهم أن يأتموا به بقية صلاتهم ، ولا يضرهم خروج الإمام من موضعه ، كما لم ~~يضر الناس الذين كانوا يأتمون بأبى بكر ، خروجهم من الائتمام به حين صار ~~النبى - صلى الله عليه وسلم - إمامهم دون أبى بكر ، قاله الطبرى . وممن قال ~~: يجوز الاستخلاف فى الصلاة : عمر ، وعلى ، ومن التابعين : علقمة ، وعطاء ، ~~والحسن ، والنخعى ، وهو قول مالك ، والثورى ، وأبى حنيفة ، وقال الشافعى : ~~الاختيار أن يصلى القوم فرادى ، فإن قدموا رجلا يصلى بهم أجزأهم ، وهذا ~~الحديث حجة عليه ، وهو الأصل فى جواز الاستخلاف . قال الطبرى : وفيه من ~~الفقه خطأ قول من زعم أنه لا يجوز لمن أحرم بصلاة المكتوبة وصلى بعضها ثم ~~أقيمت الصلاة أنه لا يجوز له أن يدخل مع الجماعة فى بقية صلاته حتى يخرج ~~منها بتسليم ، ثم يدخل معهم ، فإن دخل معهم دون الإسلام فسدت عليه ، ولزمه ~~قضاؤها . ودليل هذا الحديث خلاف لقوله ؛ وذلك أن النبى - صلى الله عليه ~~وسلم - ابتدأ صلاته التى كان صلى أبو بكر بعضها ، وائتم به أصحابه فى ~~بقيتها ، فكان النبى مبتدئا والقوم متممين ، فكذلك حكم الذى صلى بعض صلاته ~~، ثم أقيمت الصلاة ، فدخل ms0517 فيها مع الإمام يكون للإمام والذين أحرموا معه ~~ابتداء ، وتكون للرجل الذى دخل معه فيها بعد ما صلى بعضها تماما ، إذا أتم ~~بقيتها ، وخرج من الائتمام فيما ليس عمله منها . PageV02P303 قال المهلب : ~~وفيه أن الإمام المعهود إذا أتى والناس فى الصلاة أنه ليس له أن يخرج من ~~قدم إلا أن يأبى المستخلف أن يقيم فى الإمامة ، وقد علم بلحوق الأفضل ، كما ~~فعل أبو بكر ، ليستكمل فضل الرسول فى الإمامة . وقد قال كثير من العلماء : ~~هذا موضع خصوص للرسول ؛ لأنه لا يجوز التقدم بين يديه إلا أن يقر ذلك عليه ~~السلام ، فلا يعزل المستخلف حتى يتم صلاته ، إذ ليس من تباين الناس اليوم ~~فى الفضل من يجب أن يتأخر له . قال غيره : ولسنا نقول : إن أبا بكر لو ~~تمادى لم يجزه ذلك ، بل نقول : إنه كان جائزا له ؛ لإشارة النبى : أن امكث ~~مكانك . قال أبو عبد الله بن أبى صفرة : وقد روى عيسى ، عن ابن القاسم فى ~~الإمام يحدث فيستخلف ، ثم ينصرف ، فيأتى ، ثم يخرج المستخلف ، ويتم الأول ~~بالناس أن الصلاة تامة ، قال : فإذا تمت الصلاة ، فينبغى أن يشير إليهم حتى ~~يتم لنفسه ، ثم يسلم ويسلموا ، فيجوز التقدم والتأخر فى الصلاة ، وهذا ~~القول مطابق للحديث وبه ترجم البخارى ، وأكثر الفقهاء لا يقولون بإمامين ~~لغير عذر . قال المهلب : وقول مالك ذلك ؛ لأنه لا يجوز عندهم الاستخلاف فى ~~الصلاة إلا لعذر ، ولا الصلاة بإمامين لغير عذر . قال المهلب : وقول مالك : ~~إنه من أحرم قبل إمامه أنه لا تجوز صلاته ، وعليهم الإعادة ، فإنه إنما ~~أراد من ابتداء الصلاة بإمام واحد ، فأحرموا قبله ، ثم مضوا حتى أتموا ~~الصلاة ، وأما هذه الصلاة ، PageV02P304 فإن الرسول حين دخل فيها صاروا ~~كلهم محرمين قبله ، وتمت صلاته وصلاتهم . وقال ابن المنذر : فى هذا الحديث ~~دلالة على أن الرجل قد يكون فى بعض صلاته إماما ، ومأموما فى بعضها ، ويدل ~~على إجازة الائتمام بصلاة من تقدم افتتاح المأموم الصلاة قبله . قال الطبرى ~~: وفى هذا الحديث الدلالة الواضحة على أن من سبق إمامه ms0518 بتكبيرة الإحرام ، ~~ثم ائتم به فى صلاته ، أن صلاته تامة ، وبيان فساد قول من زعم أن صلاته لا ~~تجزئه ، وذلك أن أبا بكر كان قد صلى بهم بعض الصلاة ، وقد كانوا كبروا ~~للإحرام معه ، فلما أحرم رسول الله لنفسه للصلاة بتكبيرة الإحرام ، ولم ~~يستقبل القوم صلاتهم ، بل بنوا عليها مؤتمين به ، وقد كان تقدم تكبيرهم ~~للإحرام تكبيره . قال المؤلف : لا أعلم من يقول : إن من كبر قبل إمامه ~~فصلاته تامة إلا الشافعى ، بناء على أصل مذهبه أن صلاة المأموم غير مرتبطة ~~بصلاة الإمام ، وسائر الفقهاء لا يجيزون صلاة من كبر قبل إمامه ، وسيأتى ~~الحجة للجماعة فى ذلك فى باب : ( إنما جعل الإمام ليؤتم به ) ، إن شاء الله ~~، وأذكر هنا طرفا منها ، وذلك أن النبى ، عليه السلام ، وإن كان كبر بعد ~~تكبير أبى بكر ، وبعد تكبير الناس ، فإنه صار بمنزلة من استخلف ، وصار ~~تكبير القوم بعد تكبير الإمام الأول ، وهو أبو بكر ، والرسول الإمام الثانى ~~يقوم مقام الأول ، ألا ترى أنه بنى على صلاة أبى بكر ، ولم يبتدئها ، وإذا ~~صح القول بالاستخلاف صحت هذه المسألة ، ولم يلزم فيها أن يكون تكبير ~~المأموم قبل إمامه ، ولا يجوز أن يقضى بها على قوله عليه السلام : ( فإذا ~~كبر الإمام فكبروا ) . PageV02P305 قال غيره : وفيه من الفقه فضل أبى بكر ~~على سائر الصحابة وأنهم كانوا يؤهلونه فى حياة رسول الله لما صار إليه بعد ~~وفاته من الخلافة ، ولا يرون لذلك الموضع غيره . قال المهلب : وقول المؤذن ~~لأبى بكر : تصلى للناس ، دليل على أن المؤذن هو الذى يقدم للصلاة ؛ لأنه ~~يخدم أمر الإمامة ، وجماعة أهل المسجد ، وهى ولاية ليس لأحد أن يتقدم إلى ~~إمامة الجماعة إلا بأمره أو بأمر من ولى ذلك من المؤمنين . وفيه : أن ~~الإمام ينتظر ما لم يخش فوات الوقت الفاضل . قال المهلب : وفيه : جواز ~~إعلام المصلى بما يسره . قال غيره : وفيه : أن الالتفات فى الصلاة للحاجة ~~ومهم الأمر جائز . وفيه : شكر الله على الوجاهة فى الدين ، وأن ذلك من أعظم ~~النعم قال تعالى ms0519 فى عيسى : { وجيها فى الدنيا والآخرة ومن المقربين } [ آل ~~عمران : 45 ] . وقال مالك : أنه من أخبر فى صلاته بما يسره ، يحمد الله ~~عليه ، وله أن يتركه تواضعا وشكرا لله وللمنعم به . * * * # | 45 - باب إذا استووا في القراءة فليؤمهم أكبرهم # / 70 - فيه : مالك بن الحويرث قال : قدمنا على النبي ونحن شببة ، فلبثنا ~~عنده نحوا من عشرين ليلة ، وكان النبي رحيما ، فقال : ( لو رجعتم إلى ~~PageV02P306 بلادكم ، فعلمتموهم ، مروهم فليصلوا صلاة كذا في حين كذا ، ~~وصلاة كذا في حين كذا ، فإذا حضرت الصلاة ، فليؤذن لكم أحدكم ، وليؤمكم ~~أكبركم ) . قال المؤلف : لا خلاف بين العلماء أنهم إذا استووا فى القراءة ~~والفقه والفضل ، فالأسن أولى بالتقديم ، وموضع الدلالة من هذا الحديث على ~~التساوى فى القراءة ، وهو أن مالك بن الحويرث قال : قدمنا على الرسول ونحن ~~شببة ، فلبثنا عنده نحوا من عشرين ليلة ، فاستدل بتقاربهم فى السن وتساويهم ~~فى مدة التعليم ، وإن كان بعضهم أقبل لها وأسرع حفظا من غيره ، أنهم قد ~~تساووا فى تعليم ما تجزئهم الصلاة به ، ولذلك رق عليهم النبى وصرفهم إلى ~~أهليهم ، ولو لم يتعلموا ما يجزئهم فى الصلاة ما صرفهم حتى يتعلموه . وقوله ~~: ( فليؤمكم أكبركم ) ، فيه دليل أن الإمامة تستحق بالسن إذا كان معه علم ~~وفضل ، وأما إن تعرى السن من العلم والقراءة والفضل ، فلا حظ للكبير فى ~~الإمامة ، بدليل تقديم النبى عمرو بن سلمة وهو صبى فى مسجد عشيرته ، وفيهم ~~الشيوخ والكهول . * * * # | 46 - باب إذا زار الإمام قوما فأمهم # / 71 - فيه : عتبان بن مالك قال : ( استأذن النبي عليه السلام ، فأذنت له ~~، فقال : ( أين تحب أن أصلي من بيتك ؟ ) ، فأشرت له إلى المكان الذي أحب ، ~~فقام ، وصففنا خلفه ، ثم سلم فسلمنا ) . هذا الباب رد لما روى عن النبى أنه ~~قال : ( من زار قوما PageV02P307 فلا يؤمهم ) ، رواه وكيع عن أبان العطار ، ~~عن بديل بن ميسرة ، عن أبى عطية ، عن رجل منهم قال : كان مالك بن الحويرث ~~يأتينا فى مصلانا هذا ، فحضرت الصلاة ، فقلنا له : تقدم ، فقال : لا ، ~~ليتقدم بعضكم ، حتى أحدثكم لم ms0520 لا أتقدم ، سمعت رسول الله يقول : ( من زار ~~قوما فلا يؤمهم ، وليؤمهم رجل منهم ) ، وهذا إسناد ليس بقائم ؛ لأن أبا ~~عطية مجهول يرويه عن مجهول ، وصلاته عليه السلام فى بيت عتبان مخالف له ، ~~ويمكن الجمع بين الحديثين ، وذلك أنه يحمل قوله عليه السلام : ( من زار ~~قوما فلا يؤمهم ) ، لو صح ، أن يكون إعلاما منه أن صاحب الدار أولى ~~بالإمامة فيه من الداخلين عليه ، إلا أن يشاء صاحب الدار أن يقدم غيره ممن ~~هو أفضل منه ، فإنه يستحب له ذلك ، بدليل تقديم عتبان بن مالك فى بيته ~~للنبى عليه السلام ، وحمل الحديثين على فائدتين أولى من تضادهما . وقد روى ~~ابن القاسم ، عن مالك أنه : يستحب لصاحب المنزل إذا حضر فيه من هو أفضل منه ~~أن يقدمه للصلاة ، ولا خلاف بين العلماء فى أن صاحب الدار أولى بالإمامة ~~منه ، وقد روى عن أبى موسى الأشعرى ، أنه أم ابن مسعود وحذيفة فى داره ، ~~وفعله ابن عمر بمولى ، فصلى خلف الموالى . وقال عطاء : صاحب الدار يؤم من ~~جاءه ، وهو قول مالك ، والشافعى ، ولم أجد فيه خلافا . PageV02P308 * * * # | 47 - باب إنما جعل الإمام ليؤتم به # وصلى الرسول في مرضه الذي توفي فيه بالناس ، وهو جالس . وقال ابن مسعود : ~~إذا رفع قبل الإمام يعود ، فيمكث بقدر ما رفع ، ثم يتبع الإمام . وقال ~~الحسن : فيمن يركع مع الإمام ركعتين ، ولا يقدر على السجود ، يسجد للركعة ~~الآخرة سجدتين ، ثم يقضي الركعة الأولى بسجودها ، وفيمن نسي سجدة حتى قام : ~~يسجد . / 72 - فيه : عائشة قالت : لما مرض النبى عليه السلام ، قال : ( ~~ضعوا لي ماء في المخضب ) ، قالت : ففعلنا ، فاغتسل ، فذهب لينوء ، فأغمي ~~عليه ، ثم أفاق ، فقال : ( أصلى الناس ؟ ) ، قلنا : لا ، هم ينتظرونك يا ~~رسول الله ، قال : ( ضعوا لي ماء في المخضب ) ، قالت : فاغتسل ، ثم ذهب ~~لينوء ، فأغمي عليه ، ثم أفاق ثلاث مرات ، والناس عكوف في المسجد ، ينتظرون ~~النبي ، عليه السلام ، لصلاة العشاء الآخرة ، فأرسل رسول الله إلى أبي بكر ~~يصلي بالناس ، فأتاه الرسول ، فقال : إن رسول الله يأمرك أن تصلي بالناس ms0521 ، ~~فقال أبو بكر : يا عمر صل بالناس ، فقال له عمر : أنت أحق بذلك ، فصلى أبو ~~بكر تلك الأيام ، ثم إن الرسول وجد فى نفسه خفة ، فخرج بين رجلين ، أحدهما ~~العباس ، لصلاة الظهر ، وأبو بكر يصلي بالناس ، فلما رآه أبو بكر ذهب ~~ليتأخر ، فأومأ إليه الرسول بأن لا يتأخر ، قال : أجلساني إلى جنبه ، ~~فأجلساه إلى جنب أبي بكر ، فجعل أبو بكر يصلي ، وهو يأتم بصلاة رسول الله ، ~~والناس يصلون بصلاة أبي بكر ، والنبي قاعد . / 73 - وفيه : عائشة قالت : ~~صلى النبى ، عليه السلام ، وهو شاك في بيته ، فصلى جالسا ، وصلى وراءه قوم ~~قياما ، فأشار إليهم : أن اجلسوا ، PageV02P309 فلما انصرف ، قال : ( إنما ~~جعل الإمام ليؤتم به ، فإذا ركع فاركعوا ، وإذا رفع فارفعوا ، وإذا صلى ~~جالسا فصلوا جلوسا ) . / 74 - وفيه : أنس قال : ركب رسول الله فرسا ، فصرع ~~عنه ، فجحش شقه الأيمن ، فصلى صلاة من الصلوات ، وهو قاعد ، فصلينا وراءه ~~قعودا ، فلما انصرف ، قال : ( إنما جعل الإمام ليؤتم به ، فإذا صلى قائما ، ~~فصلوا قياما ، وإذا ركع فاركعوا ، وإذا رفع فارفعوا ، وإذا قال : سمع الله ~~لمن حمده ، فقولوا : ربنا ولك الحمد ، وإذا صلى جالسا فصلوا جلوسا أجمعون ) ~~. قال الحميدي : قوله : ( وإذا صلى جالسا ، فصلوا جلوسا ) ، هو في مرضه ~~القديم ، ثم صلى عليه السلام بعد ذلك جالسا ، والناس خلفه قياما ، ولم ~~يأمرهم بالقعود ، وإنما يؤخذ بالآخر فالآخر ، من فعله عليه السلام . قال ~~المؤلف : ( إنما جعل الإمام ليؤتم به ، فإذا ركع فاركعوا ، وإذا رفع ~~فارفعوا ) ، فإن العلماء اختلفوا هل يكون عمل المأموم والإمام معا أو بعده ~~، فقال ابن حبيب : قال مالك : ويفعل المأموم مع الإمام إلا فى الإحرام ~~والقيام من اثنتين والسلام ، فلا يفعله إلا بعده ، وقال أبو حنيفة ، وزفر ، ~~ومحمد ، والثورى : يكبر فى الإحرام مع الإمام . وروى سحنون ، عن ابن القاسم ~~فى العتبية : إن أحرم معه أجزأه ، وبعده أصوب ، وهو قول عبد العزيز بن أبى ~~سلمة . وفى المجموعة عن مالك : إن أحرم معه أو سلم يعيد الصلاة ، وقاله ~~أصبغ ، وحققه ابن عبد الحكم ، وقال أبو يوسف ، والشافعى ms0522 : لا يكبر المأموم ~~حتى يفرغ الإمام من التكبير ، وقال ابن أبى زيد فى PageV02P310 كتاب آخر : ~~والعمل بعده فى كل شىء أحسن ؛ لقوله عليه السلام : ( إذا كبر فكبروا ، وإذا ~~ركع فاركعوا ) ، وقاله أحمد بن حنبل وهو معنى قول الشافعى . وحجة هذا القول ~~، قوله عليه السلام : ( إنما جعل الإمام ليؤتم به ، فإذا ركع فاركعوا ) ، ~~فجعل فعلهم عقيب فعله ، فالفاء للتعقيب ، وإذا لم يتقدمه الإمام بالتكبير ، ~~والسلام ، فلا يصح الائتمام به ؛ لأنه محال أن يدخل المأموم فى صلاة لم ~~يدخل فيها إمامه ، ولا يدخل فيها الإمام إلا بالتكبير ، والإمام اشتق من ~~التقدم ، والمأموم من الاتباع ، فوجب أن يتبع فعل المأموم بعد إمامه . ووجه ~~قول ابن أبى سلمة ، وابن القاسم ، وابن عبد الحكم أنه يجزئه إحرامه معه ؛ ~~لأن الائتمام معناه الامتثال لفعل الإمام ، فهو إذا فعل مثل فعله ، فسواء ~~أوقعه معه أو بعده ، فقد حصل ممتثلا لفعله . واختلفوا فيمن ركع أو سجد قبل ~~إمامه ، فروى عن ابن عمر أنه قال : لا صلاة له ، وهو قول أهل الظاهر . وروى ~~عن عمر بن الخطاب أنه من رفع رأسه قبل الإمام فى ركوع أو سجود ، فليضع رأسه ~~بعد رفعه إياه ، كقول ابن مسعود ، قال الحسن والنخعى : إذا رفع من السجود ~~قبله يعود فى سجدته قبل أن يرفع الإمام رأسه ، وهو قول مالك ، وأحمد ، ~~وإسحاق . وقال الشافعى ، وأبو ثور : إذا ركع أو سجد قبله فأدركه الإمام وهو ~~راكع أو ساجد فقد أساء ، ويجزئه ، وقد شذ الشافعى فقال : إن كبر للإحرام ~~قبل إمامه ، فصلاته تامة . PageV02P311 وقال مالك والكوفيون : إن كبر قبل ~~إمامه كبر بعده ، وأجزأه وإن لم يستأنف التكبير بطلت صلاته . والحجة على ~~قول الشافعى قوله فى حديث أنس ، وأبى هريرة : ( إنما جعل الإمام ليؤتم به ، ~~فإذا كبر فكبروا ) ، ذكر ذلك البخارى فى باب ( إيجاب التكبير وافتتاح ~~الصلاة ) ، بعد هذا ، وقد تقدم قبل هذا أن الفاء للتعقيب ، ومن مذهب ~~الشافعى الاقتداء بالإمام فى الفعل والمقام ، وأن المأموم لو صلى قدام ~~إمامه لم تصح صلاته ، فيلزمهم فى تكبيرة الإحرام مثله ms0523 . فإن قالوا : لو وقع ~~منه سبق فى ركوعه لركوع الإمام لم تبطل صلاته ، فكذلك فى تكبيرة الإحرام . ~~قيل : الفرق بينهما صحيح ، وذلك أنه لا يجوز أن يتحلل بالسلام من الصلاة ~~قبل إمامه ، فكذلك لا يجوز أن يدخل فيها قبله ، وإذا أحرم بعده فلا يضره أن ~~يقع سبق فى بعضها ؛ لأن عقدها قد صح معه . وأما قول الحسن فيمن ركع ولا ~~يقدر على السجود ، فإن العلماء اختلفوا فى ذلك ، فقال الكوفيون : يستحب له ~~أن يتأخر حتى يرفع الرجل رأسه فيسجد بالأرض ، فإن لم يفعل وسجد على ظهر رجل ~~فقد أساء ، وتجزئه وهو قول الثورى ، والشافعى . وقال مالك : لا تجزئه ويعيد ~~. واحتج الكوفيون بما روى عن عمر قال : ( من أذاه الحر ، فليسجد على ثوبه ~~أو على ظهر أخيه ) ، ولا مخالف له فى الصحابة ، ذكره الطحاوى . PageV02P312 ~~وأما قوله عليه السلام : ( وإذا قال : سمع الله لمن حمده ، فقولوا : ربنا ~~ولك الحمد ) ، ففيه حجة لقول مالك ، والليث ، وأبى حنيفة أن المأموم يقتصر ~~على أن يقول : ربنا ولك الحمد ، دون أن يقول : سمع الله لمن حمده ، سيأتى ~~قول من خالف هذا فى بابه إن شاء الله ، وكذلك اختلفوا فيمن صلى أمام إمامه ~~، فقال الكوفيون ، والثورى ، والشافعى فى رواية البويطى : لا تجزئه . وقال ~~مالك ، والليث : تجزئه ، ذكره الطحاوى ، وقال ابن المنذر : إن قول إسحاق ، ~~وأبى ثور ، كقول مالك ، والليث ، واحتج ابن القصار لمالك بأن دار آل عمر بن ~~الخطاب كانت أمام المسجد ، وكانوا يصلون بصلاة الإمام فى المسجد ، ولا ~~مخالف فيه ، وحجة من خالف ذلك قوله - صلى الله عليه وسلم - : ( إنما جعل ~~الإمام ليؤتم به ) ، فإذا كان قدامه فقد خرج عن الموضوع . قيل له : إنما ~~قيل الإمام ؛ لأن أفعاله متقدمة لأفعالهم ، ولم يرد بذلك الموضع ؛ ألا ترى ~~أن المأموم قد يقف عن يمين الإمام ، فليس الإمام أمامه ، ولو وقف الإمام عن ~~ذراعين من الكعبة ، ووقف المؤتمون به عن ذراع منها ، لأجزأتهم صلاتهم ، ~~فثبت أن المراد اتباع أفعاله فى الصلاة ، حتى توقع أفعاله بعد أفعاله ، ~~والله الموفق . وأما ms0524 قوله عليه السلام : ( وإذا صلى جالسا ، فصلوا جلوسا ~~أجمعون ) ، فاختلف العلماء فى إمامة الجالس ، فقالت طائفة : يجوز أن يؤم ~~الجالس الجلوس إذا كان الإمام مريضا ، وإن كان من خلفه قادرين على القيام ، ~~روى هذا عن عطاء ، وهو قول الأوزاعى ، وأحمد ، وإسحاق . وقالت طائفة : يجوز ~~أن يصلى القيام خلف الإمام القاعد ، ولا يسقط عنهم فرض القيام ، لسقوطه عن ~~إمامهم ، هذا قول أبى حنيفة ، PageV02P313 وأبى يوسف ، والأوزاعى ، وزفر ، ~~والشافعى ، وأبى ثور ، روى مثله الوليد بن مسلم ، عن مالك ، فقال : أوجب ~~إلى أن يقوم إلى جنبه من يعلم الناس بصلاته ، كما فعل أبو بكر . وقالت ~~طائفة : لا يجوز أن يؤم أحد قاعدا ، هذا قول مالك ، والثورى ، ومحمد بن ~~الحسن ، قال محمد : وصلاته عليه السلام ، قاعدا فى مرضه خاص له ، لا يجوز ~~لأحد بعده ، واحتج ابن القاسم : بأن مالك حدثه عن ربيعة بأن أبا بكر كان ~~الإمام بالنبى ، ولا يجوز لأحد أن يؤم قاعدا فى فريضة ولا نافلة ، وإن عرض ~~له ما يمنعه استخلف . وحجة أهل المقالة الأولى : قوله عليه السلام : ( وإذا ~~صلى جالسا ، فصلوا جلوسا ) . وقال أحمد بن حنبل : وهذه سنة ثابتة ينبغى أن ~~يصلى القعود ، وإن كانوا لا علة بهم ، وراء المريض الجالس ، وقد فعل ذلك ~~أربعة من أصحاب النبى : جابر بن عبد الله ، وأبو هريرة ، وأسيد بن حضير ، ~~وقيس بن قهد ، فدل ذلك من فعلهم أنه ليس بخاص بالنبى ، عليه السلام ، ولا ~~منسوخ بفعله ؛ إذ لو كان هذا ، لعابه سائر الصحابة على هؤلاء الأربعة الذين ~~فعلوه ، وقد روى عبد الرزاق ، عن أنس بن مالك أنه فعل مثله . وأيضا فإن ~~صلاته عليه السلام ، فى مرضه لا تشبه الصلاة التى أمر فيها بالقعود ، حين ~~جحش شقه ؛ لأنها صلاة ابتدأ الإمام فيها PageV02P314 قاعدا ، فعليهم القعود ~~، لسنته عليه السلام ، وصلاته فى مرضه هى صلاة أبى بكر ابتدأ فيها القيام ، ~~فقاموا خلفه ثم جاء النبى ، عليه السلام ، بعد ذلك فقعد إلى جنبه ، وهو ~~مريض فالصلاة على ما ابتدئت ، فلا تشبه هذه هذه ، ولا تنسخ هذه هذه ms0525 ، ~~والأولى سنة على معناها ، والثانية سنة على معناها . وحجة أهل المقالة ~~الثانية : صلاته عليه السلام ، فى مرضه الأخير بالناس قاعدا وهم قيام ، ~~قالوا : وهو ناسخ لصلاته بالناس جالسا وهم جلوس . قال ابن شهاب : كانوا ~~يأخذون بالأحدث فالأحدث من أمر رسول الله كما قال الحميدى . قال الطحاوى : ~~واحتج أهل المقالة الثالثة وقالوا : لا حجة لكم فى هذا الحديث ؛ لأن رسول ~~الله كان فى تلك الصلاة مأموما ، وقد روى شعبة ، عن نعيم بن أبى هند ، عن ~~أبى وائل ، عن مسروق ، عن عائشة ، قالت : صلى النبى فى مرضه الذى مات فيه ~~خلف أبى بكر قاعدا . وروى ابن أبى مريم ، عن يحيى بن أيوب ، حدثنا حميد ، ~~عن ثابت البنانى ، عن أنس ابن مالك : ( أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- صلى خلف أبى بكر قاعدا فى ثوب واحد مخالف بين طرفيه ، فكانت آخر صلاة ~~صلاها ) . واحتج عليهم أهل المقالة الثانية بأنه إن كان روى هذا ، فإن ~~أفعال النبى فى صلاته تلك تدل على أنه كان إماما ، وذلك أن عائشة قالت فى ~~حديث الأسود عنها : ( فقعد رسول الله عن يسار أبى بكر ) ، PageV02P315 وذلك ~~قعود الإمام لا قعود المأموم ؛ لأنه لو كان أبو بكر إماما له ، لكان عليه ~~السلام يقعد عن يمينه ، فلما قعد عن يساره دل ذلك على ما قلناه ، ذكره ~~البخارى فى باب الرجل يأتم بالإمام ، ويأتم الناس بالمأموم بعد هذا . قال ~~الطحاوى : وحجة أخرى وهى أن ابن عباس روى أن نبى الله كان إماما ، وقال فى ~~حديثه ، فأخذ رسول الله فى القراءة من حيث انتهى أبو بكر ، ولولا أنه كان ~~عليه السلام الإمام ما قرأ ؛ لأن تلك الصلاة كانت صلاة يجهر فيها بالقراءة ~~، ولولا ذلك ما علم رسول الله بالموضع الذى انتهى إليه أبو بكر ، ولا خلاف ~~بين الناس أن المأموم لا يقرأ خلف الإمام ، كما يقرأ الإمام ، فهذا وجه هذا ~~الباب من طريق الآثار . وأما وجهه من طريق النظر ، فإنا رأينا الأصل ~~المجتمع عليه أن دخول المأموم فى صلاة الإمام قد يوجب ms0526 فرضا على المأموم لم ~~يكن عليه قبل دخوله ، ولم نره يسقط فرضا عليه قبل دخوله ، فمن ذلك أنا ~~رأينا المسافر يدخل فى صلاة المقيم ، فيجب عليه أن يصلى أربعا ولم يكن ذلك ~~واجبا عليه قبل دخوله معه ، وإنما أوجبه عليه دخوله معه ، ورأينا مقيما لو ~~دخل خلف مسافر فصلى بصلاته حتى فرغ أتى بتمام صلاة المقيم ، فالنظر على ذلك ~~أن يكون الصحيح الذى عليه فرض القيام إذا دخل مع المريض الذى سقط عنه فرض ~~القيام ألا يسقط عنه فرض كان عليه قبل دخوله فى الصلاة . قال غيره : وما ~~روى عن عائشة أن أبا بكر كان الإمام ، فالروايات الثابتة عنها من رواية ~~الأسود ، وعروة ، وعبيد الله بن عبد الله ، كلهم PageV02P316 عن عائشة أن ~~الرسول كان الإمام أكثر وأصح ، وهو الذى صححه البخارى ، ولو جعلنا ما روى ~~عن عائشة متعارضا ، لكانت رواية ابن عباس حجة كافية فى ذلك ، فلم يختلف عنه ~~أن النبى ، عليه السلام ، كان الإمام . وأما حديث ربيعة فلا يحتج بمثله ~~لانقطاعه ، وقد يحتمل أن يكون أبو بكر المتقدم فى صلاة من صلوات مرضه ؛ لأن ~~مرضه كان أياما ، وخرج فيها مرارا ، ولا خلاف فى جواز صلاة المريض الجالس ~~خلف القائم . وقوله : ( فذهب لينوء ) ، أى : تمايل ليتحامل على القيام ، ~~قال صاحب العين : ينوء بالدابة ، أى : يميل بها ، وكل ناهض بثقل كذلك ، وفى ~~القرآن : { إن مفاتحه لتنوء بالعصبة أولى القوة } [ القصص : 76 ] ، وناء ~~النجم ينوء : مال إلى السقوط . * * * # | 48 - باب متى يسجد من خلف الإمام # قال أنس : فإذا سجد فاسجدوا . / 75 - فيه : البراء قال : ( كان النبى ، ~~عليه السلام ، إذا قال : سمع الله لمن حمده ، لم يحن أحد منا ظهره ، حتى ~~يقع النبي ساجدا ، ثم نقع سجودا بعده ) . وهذا الحديث حجة لمن قال من ~~العلماء أن فعل المأموم يقع بعد فعل الإمام فى أفعال الصلاة كلها ، وقد ~~تقدم اختلافهم فى ذلك فى الباب قبل هذا . PageV02P317 وقال يحيى بن معين : ~~وقول أبى إسحاق : حدثنا عبد الله بن يزيد ، حدثنا البراء ، وهو غير كذوب ، ~~يريد ms0527 أن عبد الله بن يزيد كان غير كذوب ، ولا يقال للبراء : أنه غير كذوب ، ~~قال يحيى بن معين : وعبد الله بن يزيد هذا هو الخطمى ، وهو جد الأنصارى ~~الذى كان على الغارمين ، وكان عبد الله بن يزيد واليا لابن الزبير على ~~الكوفة . * * * # | 49 - باب إثم من رفع رأسه قبل الإمام # / 76 - فيه : أبو هريرة قال : قال النبي : ( أما يخشى أحدكم ، إذا رفع ~~رأسه قبل الإمام ، أن يجعل الله رأسه رأس حمار ، أو صورته صورة حمار ) . ~~معنى هذا الحديث الوعيد لمن خالف إمامه فى أفعال الصلاة ، ومن خالف الإمام ~~، فقد خالف سنة المأموم ، وأجزأته صلاته عند جمهور العلماء ؛ لأن النبى ، ~~عليه السلام ، لم يقل إن من فعل ذلك فصلاته فاسدة . وفى المجموعة لابن ~~القاسم ، عن مالك : أن من رفع قبل إمامه يظن أنه رفع ، فليرجع ساجدا أو ~~راكعا ، ولا يقف ينتظره ، فإن عجل الإمام فليتمادى ويجزئه ، وهو قول أكثر ~~العلماء ، وقد تقدم فى ( باب إنما جعل الإمام ليؤتم به ) ، من خالف هذا ~~وزيادة فيه . PageV02P318 * * * # | 50 - باب إمامة العبد والمولى # وكانت عائشة يؤمها عبدها ذكوان من المصحف ، وولد البغى ، والأعرابى ~~والغلام الذى لم يحتلم ، لقول النبى ، عليه السلام : ( يؤمهم أقرؤهم لكتاب ~~الله ) ، ولا يمنع العبد من الجماعة لغير علة . / 77 - فيه : ابن عمر قال : ~~لما قدم المهاجرون الأولون العصبة ، موضع بقباء ، قبل مقدم الرسول ، كان ~~يؤمهم سالم مولى أبي حذيفة ، وكان أكثرهم قرآنا . / 78 - وفيه : أنس ، قال ~~عليه السلام : ( اسمعوا وأطيعوا ، وإن استعمل حبشي ، كأن رأسه زبيبة ) . ~~قال المؤلف : أما العبد والمولى وولد البغى والأعرابى والصبى الذى لم يحتلم ~~فإمامتهم جائزة ؛ لأنهم كلهم دخلوا فى قوله : ( يؤم القوم أقرؤهم لكتاب ~~الله ) ، وهذا الحديث وإن كان أشار إليه البخارى ، واعتمد عليه ، فلم يخرجه ~~فى مصنفه هذا ، وقد ذكرته فى باب أهل العلم والفضل أحق بالإمامة وهو حديث ~~حسن أخرجه المصنفون ، وهو أصل فى معناه . وممن أجاز إمامة العبد غير عائشة ~~: أبو ذر ، وحذيفة ، وابن مسعود ، ومن التابعين : الحسن ، وابن سيرين ، ~~والنخعى ، والشعبى ، والحكم ms0528 ، ومن الفقهاء : الثورى ، وأبو حنيفة ، ~~والشافعى ، وأحمد ، وإسحاق . وكره إمامته أبو مجلز ، وقال مالك : لا يؤم ~~العبد الأحرار إلا أن يقرأ وهم لا يقرءون ، ولا يؤمهم فى عيد ولا جمعة ، ~~والحجة له أن إمامة سالم للمهاجرين إنما كانت لأنه كان فى أول الإسلام ، ~~وكان PageV02P319 أكثرهم قرآنا ، ولم تجز إمامته فى الجمعة ؛ لأنها لما ~~سقطت عنه شبهه بمن لا تجب عليه أصلا ، ومن أجاز إمامته فيها قال : إذا حضر ~~الجمعة صار من أهلها وأجزأت عنه الركعتان إذا كان مأموما ، فكذلك إذا كان ~~إماما . وأما قوله عليه السلام : ( اسمعوا وأطيعوا وإن استعمل عليكم حبشى ~~كأن رأسه زبيبة ) ، فقد رواه أنس عن النبى وقال فيه : عبد حبشى ، ذكره ~~البخارى فى كتاب الأحكام . ففيه حجة لمن أجاز إمامة العبد راتبا وفى الجمعة ~~وغيرها ؛ لأنه عليه السلام إذا أمر بطاعة العبد الحبشى ، فقد أمر بالصلاة ~~خلفه ، وقد قال النخعى : رب عبد خير من مولاه . وممن أجاز إمامة ولد الزنا ~~إذا كان مرضيا : النخعى ، والشعبى ، وعطاء ، والحسن ، وقالت عائشة : ليس ~~عليه من وزر أبويه شىء { ولا تزر وازرة وزر أخرى } [ الأنعام : 64 ] ، وهو ~~قول الثورى ، وأبو حنيفة ، والأوزاعى ، وأحمد ، وإسحاق . وكره إمامته : عمر ~~بن عبد العزيز ، ومجاهد ، وقال مالك : أكره أن يكون إماما راتبا ، وإنما ~~ذلك لما يناله من الألسنة وتأثم الناس . وأما الأعرابى ، فإن كان عالما فهو ~~والحضرى سواء ، ولكن الكلام خرج فيمن كره إمامته على الأغلب من جهلهم بحدود ~~الصلاة ، وممن كره إمامته : أبو مجلز ، ومالك بن أنس ، وقال : لا يؤم ~~الأعرابى PageV02P320 وإن كان أقرأهم ، لما ذكرنا من جهلهم بسنة الصلاة ، ~~وأجاز إمامته : الثورى ، وأبو حنيفة ، والشافعى ، وإسحاق . وأما إمامة ~~الصبى الذى لم يحتلم فأجازها : الحسن البصرى ، وهو قول الشافعى ، وإسحاق ، ~~وأبى ثور ، وكرهها : عطاء ، والشعبى ، وهو قول مالك ، والثورى ، وأبى حنيفة ~~. وأجاز الإمامة من المصحف : ابن سيرين ، والحكم بن عتيبة ، وعطاء ، والحسن ~~، وكان أنس يصلى وغلامه خلفه يمسك له المصحف ، فإذا تعايا فى آية فتح عليه ~~، وأجازه مالك فى قيام رمضان ، وكرهه النخعى ms0529 ، وسعيد بن المسيب ، والشعبى ، ~~ورواية عن الحسن ، وقال : هكذا يفعل النصارى . * * * # | 51 - باب إذا لم يتم الإمام وأتم من خلفه # / 79 - فيه : أبو هريرة : أن نبى الله قال : ( يصلون لكم ، فإن أصابوا ~~فلكم ، وإن أخطئوا فلكم وعليهم ) . قال المهلب : فيه جواز الصلاة خلف البر ~~والفاجر إذا خيف منه . وفيه : أن الإمام إذا نقص ركوعه وسجوده أنه لا تفسد ~~صلاة من خلفه ، إلا أن ينقص فرض الصلاة ، فلا يجوز اتباعه ، فإن خيف منه ~~صلى معه بعد أن يصلى فى بيته وتكون الصلاة نافلة ، وقال غيره : قوله : ( ~~فإن أصابوا فلكم ) ، أى : أصابوا الوقت ، وكذلك قوله : ( وإن أخطئوا ) ، ~~يعنى : الوقت ، وكذلك كان بنو أمية يؤخرون PageV02P321 الصلاة تأخيرا شديدا ~~، ويد على صحة هذا ما رواه أبو بكر بن عياش ، عن عاصم ، عن زر ، عن عبد ~~الله قال : قال رسول الله : ( لعلكم تدركون أقواما يصلون الصلاة لغير وقتها ~~، فإذا أدركتموهم فصلوا فى بيوتكم فى الوقت الذى تعرفون ، ثم صلوا معهم ، ~~واجعلوها سبحة ) ، ورواه ثوبان ، وأبو ذر ، عن نبى الله . فهذا الحديث يفسر ~~حديث أبى هريرة ، ويدل أن قوله عليه السلام : ( فإن أخطئوا فلكم ) ، يعنى : ~~صلاتكم فى بيوتكم فى الوقت ، وكذلك كان جماعة من السلف يفعلون ، روى عن ابن ~~عمر أن الحجاج لما أخر الصلاة بعرفة ، صلى ابن عمر فى رحله ، وثم الناس ، ~~ووقف ، قال : فأمر به الحجاج فحبس ، وكان الحجاج يؤخر الصلاة يوم الجمعة ، ~~وكان أبو وائل يأمرنا أن نصلى فى بيوتنا ، ثم نأتى المسجد ، وكان إبراهيم ~~يصلى فى بيته ، ثم يأتى الحجاج فيصلى معه ، وفعله مسروق مع زياد . وكان ~~عطاء وسعيد بن جبير فى زمن الوليد إذا أخر الصلاة أومأ فى مجالسهما ، ثم ~~صليا معه ، وفعله مكحول مع الوليد أيضا ، وهو مذهب مالك فى أئمة الجور إذا ~~أخروا الصلاة عن وقتها ، وقد روى عن بعض السلف أنهم كانوا لا يعيدون الصلاة ~~معهم . وروى ابن أبى شيبة ، عن وكيع قال : حدثنا بسام قال : سألت أبا جعفر ~~محمد بن على عن الصلاة خلف الأمراء ، فقال : صل ms0530 معهم ، قد كان الحسن ~~والحسين يعتدان الصلاة خلف مروان ، قلت : إن الناس كانوا يزعمون أن ذلك ~~تقية ، قال : وكيف إن كان الحسن بن على PageV02P322 ليسب مروان فى وجهه وهو ~~على المنبر حتى يولى ! ، وقيل لجعفر بن محمد : كان أبوك يصلى إذا رجع إلى ~~البيت ؟ فقال : لا والله ، ما كان يزيد على صلاة الأئمة ، وقال إبراهيم : ~~كان عبد الله يصلى معهم إذا أخروا عن الوقت قليلا ، ويرى أن مأثم ذلك عليهم ~~. * * * # | 52 - باب إمامة المفتون والمبتدع # وقال الحسن : صل وعليه بدعته . / 80 - فيه : عبيدالله بن عدي بن الخيار : ~~أنه دخل على عثمان ، وهو محصور ، فقال : إنك إمام عامة ، ونزل بك ما نرى ، ~~ويصلي لنا إمام فتنة ، ونتحرج ، فقال : الصلاة أحسن ما يعمل للناس ، فإذا ~~أحسن الناس فأحسن معهم ، وإن أساءوا ، فاجتنب إساءتهم . وقال الزهري : لا ~~نرى أن يصلى خلف المخنث إلا من ضرورة لابد منها . / 81 - وفيه : أنس قال : ~~قال النبي عليه السلام ، لأبي ذر : ( اسمع وأطع ، ولو لحبشي ، كأن رأسه ~~زبيبة ) . اختلف العلماء فى تأويل قوله : ( ويصلى لنا إمام فتنة ) ، فقال ~~ابن وضاح : إمام الفتنى عبد الرحمن بن عديس البلوى ، هو الذى أجلب على ~~عثمان بأهل مصر ، وروى ابن وهب ، عن ابن لهيعة ، عن يزيد بن عمرو المعافرى ~~أنه سمع أبا ثور الفهمى أنه رأى ابن عديس صلى لأهل المدينة الجمعة وطلع ~~منبر الرسول فخطب . PageV02P323 والقول الثانى : قال أبو جعفر الداودى : ~~معنى قوله : ( يصلى لنا إمام فتنة ) ، أن غير إمامهم يصلى لهم فى حين فتنة ~~، ليس أن ذلك الإمام يدعو إلى فتنة ويسعى فيها ويدل على ذلك قول عثمان : ( ~~الصلاة أحسن ما يعمل الناس ، فإذا أحسنوا فأحسن معهم ، وإذا أساءوا فاجتنب ~~إساءتهم ) ، ولم يذكر الذى أمهم بمكروه ، وذكر أن فعله من أحسن الأعمال ، ~~وحذره من الدخول فى الفتنة . وقال غيره : والدليل على صحة هذا التأويل أنه ~~قد صلى بالناس فى حصار عثمان جماعة من الفضلاء منهم : أبو أيوب ، وسهل بن ~~حنيف ، وابنه أبو أمامة ، ذكره عمر بن شبة بإسناد عن ms0531 هشام بن عروة ، عن ~~أبيه قال : صلى بالناس يوم الجمعة سهل بن حنيف . قال عمر بن شبة : حدثنا ~~موسى بن إسماعيل ، حدثنا يوسف بن الماجشون ، قال : أخبرنا عقبة بن مسلم ~~المزنى أن آخر خرجة عثمان يوم الجمعة ، وعليه حلة حمراء مصفرا رأسه ولحيته ~~بورس ، فما خلص إلى المنبر حتى ظن أن لن يخلص ، فلما استوى عليه حصبه الناس ~~، فقام رجل من بنى غفار ، فقال : والله لنغربنك إلى جبل الدخان ، فلما نزل ~~حيل بينه وبين الصلاة ، وصلى بالناس أبو أمامة بن سهل بن حنيف . فقال عمر ~~بن شبة : وحدثنا محمد بن جعفر ، حدثنا معمر ، عن الزهرى ، عن عروة ، عن ~~عبيد الله بن عدى بن خيار ، قال : دخلت على عثمان وهو محصور ، وعلى يصلى ~~بالناس فقلت : يا أمير المؤمنين ، إنى أتحرج الصلاة مع هؤلاء وأنت الإمام ، ~~فقال : إن الصلاة أحسن ما عمل به . . . . الحديث . وقال جويرية : عن نافع ، ~~لما كان يوم النحر جاء على ، فصلى PageV02P324 بالناس وعثمان محصور ، وقال ~~الزهرى : صلى سهل بن حنيف ، وعثمان محصور ، وصلى يوم العيد على بن أبى طالب ~~، وقال الحلوانى : حدثنا المسيب بن واضح ، قال : سمعت ابن المبارك يقول : ~~ما صلى على بالناس حين حوصر عثمان إلا صلاة العيد وحدها . قال يحيى بن آدم ~~: ولعلهم قد صلى بهم رجل بعد رجل ، قال الداودى : لم يكن فى القائمين على ~~عثمان أحد من الصحابة إنما كانت فرقتان : فرقة مصرية ، وفرقة كوفية ، فلم ~~يعتبوا عليه شيئا إلا خرج منه بريئا ، فطالبوه بعزل من استعمل من بنى أمية ~~فلم يستطع ذلك وهو على تلك الحالة ، ولم يخل بينهم وبينهم لئلا يتجاوزوا ~~فيهم القصد ، وصبر واحتسب . وروى عنه أنه رأى النبى ، عليه السلام ، تلك ~~الليلة فى المنام ، فقال له : ( قد قمصك الله قميصا ، فإن أرادوك على خلعه ~~فلا تخلعه ) ، يعنى الخلافة ، وكان قد أخبر عليه السلام أنه يموت شهيدا على ~~بلوى تصيبه ، فلذلك لم ينخلع من الخلافة ، وأخذ بالشدة على نفسه طلبا لعظيم ~~الأجر ، ولينال الشهادة التى بشره الرسول بها . قال الداودى ms0532 : فلما طال ~~الأمر صلى أبو أيوب الأنصارى بالناس مدة ؛ لأن الأنصار لم يكن منهم أحد ~~يدعى الخلافة ، ثم كف أبو أيوب وصلى أبو أمامة بن سهل بن حنيف ، وصلى بهم ~~صلاة العيد على بن أبى طالب ؛ لأنه لا يقيم الجمع والأعياد إلا الأئمة ومن ~~يستحق الإمامة ، وفعل ذلك على لئلا تضاع سنة ببلد الرسول . PageV02P325 ففى ~~هذا من الفقه : المحافظة على إقامة الصلوات ، والحض على شهود الجمعات فى ~~زمن الفتنة ؛ خشية انخراق الأمر وافتراق الكلمة وتأكيد الشتات والبغضة ، ~~وهذا خلاف قول بعض الكوفيين أن الجمعة بغير وال لا تجزئ . وقال محمد بن ~~الحسن : لو أن أهل مصر مات واليهم جاز لهم أن يقدموا رجلا منهم فيصلى بهم ~~حتى يقدم عليهم وال . وقال مالك ، والأوزاعى ، والشافعى : تجوز الجمعة بغير ~~سلطان كسائر الصلوات ، قال مالك : إن لله فرائض لا ينقصها أن وليها وال أو ~~لم يلها ، منها الجمعة . قال الطحاوى : فى صلاة على العيد بالناس وعثمان ~~محصور : هذا أصل فى كل سبب يخلف الإمام عن الحضور أن على المسلمين إقامة ~~رجل يقوم به ، وهذا كما فعل المسلمون يوم مؤتة ، لما قتل الأمراء اجتمعوا ~~على خالد بن الوليد ، وأيضا فإن المتغلب والخارج على الإمام تجوز الجمعة ~~خلفه ، فمن كان فى طاعة الإمام أحرى بجوازها خلفه . قال المهلب : فيه أن ~~الصلاة وراء من تكره الصلاة خلفه أولى من تفرق الجماعة ؛ لقول عثمان : فإذا ~~أحسنوا فأحسن معهم ، فغلب الإحسان فى جماعتهم على الإحسان فى التورع عن ~~الصلاة فى زمن الفتنة منفردا ، وأما الإساءة التى أمرنا باجتنابها ، فهى ~~المعاصى التى لا يلزم أحدا فيها طاعة مخلوق ، فإذا غلب عليها كان له أن ~~يأخذ بالرخصة أو يأخذ بالشدة ، فلا يجيب إليها ، وإن كان فى ذلك إتلافه . ~~واختلف العلماء فى الصلاة خلف الخوارج وأهل البدع ، فأجازت طائفة الصلاة ~~خلفهم ، روى عن ابن عمر أنه صلى خلف PageV02P326 الحجاج وصلى خلفه ابن أبى ~~ليلى ، وسعيد ابن جبير ، وخرج عليه ، وقال الحسن : لا يضر المؤمن صلاته خلف ~~المنافق ، ولا تنفع المنافق صلاة ms0533 المؤمن خلفه . وقال النخعى : كانوا يصلون ~~وراء الأمراء ما كانوا وكان أبو وائل يجمع مع المختار . وقال جعفر بن برقان ~~: سألت ميمون بن مهران عن الصلاة خلف رجل يذكر أنه من الخوارج فقال : أنت ~~لا تصلى له إنما تصلى لله ، قد كنا نصلى خلف الحجاج ، وكان حروريا أزرقيا ، ~~وأجاز الشافعى الصلاة خلف من أقام الصلاة ، وإن كان غير محمود فى دينه . ~~وكرهت طائفة الصلاة خلفهم ، وروى أشهب عن مالك قال : لا أحب الصلاة خلف ~~الإباضية ، والواصلية ، ولا السكنى معهم فى بلد . وقال عنه ابن نافع : وإن ~~كان المسجد إمامه قدريا ، فلا بأس أن يتقدمه إلى غيره . قال ابن القاسم : ~~رأيت مالكا إذا قيل له فى إعادة الصلاة خلف أهل البدع توقف ولا يجيب . قال ~~ابن القاسم : وأرى عليه الإعادة فى الوقت . وقال أصبغ : يعيد أبدا ، قال ~~ابن وضاح : قلت لسحنون : ابن القاسم يرى الإعادة فى الوقت ، وأصبغ يقول : ~~يعيد أبدا ، فما تقول أنت ؟ قال : لقد جاء الذى رأى عليه الإعادة أبدا ~~ببدعة أشد من صاحب البدعة ، قال سحنون : وإنما لم تجب عليه الإعادة ؛ لأن ~~صلاته لنفسه جائزة ، وليس بمنزلة النصرانى ؛ لأن صلاة النصرانى لنفسه لا ~~تجوز . وقال الثورى فى القدرى : لا تقدموه ، وقال أحمد : لا تصل خلف أحد من ~~أهل الأهواء إذا كان داعيا إلى هواه ، ومن صلى خلف الجهمى والرافضى يعيد ، ~~وكذلك القدرى إذا رد الأحاديث ، قال غيره : وقوله عليه السلام : ( اسمع ~~وأطع ) يدل على أن طاعة المتغلب PageV02P327 واجبة ؛ لأنه لما قال : ( حبشى ~~) ، وقد قال : ( الخلافة فى قريش ) ، دل أن الحبشى إنما يكون متغلبا ، ~~والفقهاء مجمعون على أن طاعة المتغلب واجبة ما أقام على الجمعات والأعياد ~~والجهاد وأنصف المظلوم فى الأغلب ، فإن طاعته خير من الخروج عليه ؛ لما فى ~~ذلك من تسكين الدهماء وحقن الدماء ، فضرب عليه السلام ، المثل بالحبشى إذ ~~هو غاية فى الذم ، وإذ أمر بطاعته لم يمنع من الصلاة خلفه ، فكذلك المذموم ~~ببدعة أو فسق . قال المهلب : قوله : اسمع وأطع لحبشى ، يريد فى المعروف لا ~~فى ms0534 المعاصى ، فتسمع له وتطيع فى الحق ، وتعفو عما يرتكب فى نفسه من المعاصى ~~ما لم يأمر بنقض شريعة ، ولا بهتك حرمة لله تعالى ، فإذا فعل ذلك فعلى ~~الناس الإنكار عليه بقدر الاستطاعة ، فإن لم يستطيعوا لزموا بيوتهم أو ~~خرجوا من البلدة إلى موضع الحق إن كان موجودا . وأما قول الزهرى : لا نصلى ~~خلف المخنث إلا من ضرورة ، فوجه ذلك أن الإمامة عند جميع العلماء موضع ~~للكمال واختيار أهل الفضل ، والمخنث مشبه بالنساء ، فهو ناقص عن رتبة من ~~يستحق الإمامة . وإنما ذكر البخارى هذه المسألة فى هذا الباب ، والله أعلم ~~؛ لأن المخنث مفتتن فى تشبهه بالنساء ، كما أن إمام الفتنة والمبتدع كل ~~واحد منهم مفتون فى طريقته فلما شملهم معنى الفتنة شملهم الحكم ، فكرهنا ~~إمامتهم إلا من ضرورة . PageV02P328 * * * # | 53 - باب من يقوم عن يمين الإمام بحذائه سواء إذا كانا اثنين # / 82 - فيه : ابن عباس : ( بت عند خالتي ميمونة ، فصلى رسول الله العشاء ~~، ثم جاء فصلى أربع ركعات ، ثم نام ، ثم قام ، فجئت فقمت عن يساره ، فجعلني ~~عن يمينه ، فصلى خمس ركعات ، ثم صلى ركعتين ، ثم نام حتى سمعت غطيطه ، أو ~~قال : خطيطه ، ثم قام إلى الصلاة ) . وترجم له : باب ( إذا قام عن يسار ~~الإمام فحوله إلى يمينه لم تفسد صلاته ) . اختلف العلماء فى الإمام إذا أم ~~واحدا ، أين يقيمه ؟ فقالت طائفة : يقيمه عن يمينه ، روى ذلك عن عمر بن ~~الخطاب ، وابن عمر ، وعروة بن الزبير ، وهو قول مالك ، والثورى ، والأوزاعى ~~، وأبى حنيفة ، والشافعى ، وإسحاق ، على ما جاء فى هذا الحديث . وفيها : ~~قول ثان روى عن سعيد بن المسيب أنه قال : يقيمه عن يساره وهذا خلاف الحديث ~~فلا معنى له . وفيها قول ثالث ، روى عن النخعى قال : إن كان خلفه رجل واحد ~~فليقم خلفه ما بينه وبين أن يركع ، فإن جاء أحد وإلا قام عن يمينه ، ذكره ~~ابن المنذر ، وهذا يدل أنه لا تجوز صلاة المنفرد خلف الصف وحده ، وسيأتى ~~الكلام فى ذلك مستوعبا فى باب إذا ركع دون الصف بعد هذا ms0535 ، إن شاء الله ، ~~ونذكر هاهنا منه طرفا . قال ابن القصار : وقولهم ناقض ؛ لأنه إذا صح عقده ~~للصلاة وحده خلف الصف ، فينبغى أن يجوز له فيه عمل الصلاة ؛ لأنه لا يخرجه ~~منها إلا حدث ينقض وضوءه ، وقد قام ابن عباس عن يسار PageV02P329 النبى ، ~~فأداره عن يمينه ، ولم يأمره بابتداء الصلاة ولا بإعادتها ، ولو لم يجزه ~~لأمره بالإعادة . وفيه : أن العمل اليسير فى الصلاة جائز . ويقال : غط ~~النائم غطيطا ، صوت فى نومه ، والخطيط ، بالخاء ، لا يعرف . * * * # | 54 - باب إذا لم ينو الإمام أن يؤم ثم جاء قوم فأمهم # / 83 - فيه : ابن عباس أنه قال : ( بت عند خالتي ميمونة ، فقام النبي ~~يصلي من الليل ، فقمت أصلي معه ، فقمت عن يساره ، فأخذ برأسي ، فأقامني عن ~~يمينه ) . اختلف العلماء فى هذا الباب ، فقال الثورى ، وإسحاق ، ورواية عن ~~أحمد : على المأموم الإعادة إذا لم ينو الإمام أن يؤتم به فى صلاته . وقال ~~أبو حنيفة : إذا نوى الإمام جاز أن يصلى خلفه الرجال وإن لم ينوهم ، ولا ~~يجوز للنساء أن يصلين خلفه إلا أن ينويهن . ولابن القاسم فى العتبية نحو ~~قول أبى حنيفة ، فيمن أم النساء ، سئل ابن القاسم عن إمام صلى برجال ونساء ~~، فقام الرجل عن يمينه والنساء خلفهما فأحدث الإمام ، فقدم صاحبه هل يصلى ~~بالنساء اللاتى خلفه ؟ قال : يصلى المستخلف بالنساء ، وإن لم يستخلفه ~~الإمام إذا نوى أن يكون إمامهن ، وقال مالك فى المدونة : ولا بأس أن تأتم ~~بمن لم ينو أن يؤمك فى الصلاة ، وهو قول الشافعى . PageV02P330 وذكر ~~الطحاوى أن قول زفر كقول مالك والشافعى : أنه يجوز للمرأة الائتمام بمن لم ~~ينو إمامتها . وقال ابن القصار : ولا إشكال فى أنه لا يحتاج إلى نية ~~الإمامة ، والمراعاة فى هذا نية المأموم أن يكون مأموما ؛ لأنه إذا كان ~~مأموما سقطت عنه القراءة والسهو ؛ لأن الذى قد دخل فى الصلاة وحده قد دخل ~~على أنه تلزمه القراءة والسهو ، وأن أحدا لا يتحملها عنه ، والمأموم يدخل ~~مقتديا بغيره ، فالقراءة والسهو عنه ساقطان ، فهو يحتاج إلى نية الائتمام ، ~~ولو ms0536 جاز أن يحتاج الإمام إلى نية الإمامة لجاز أن يقال : يحتاج إلى أن يعين ~~فى صلاته من يصلى خلفه من الرجال والنساء حتى لو جاء أحد ممن لم ينوه لم ~~يجز أن يصلى خلفه . وحديث ابن عباس حجة لمالك ومن وافقه ؛ لأن ابن عباس جاء ~~والنبى يصلى بالليل ، فجعله على يمينه ، فمن ادعى أن النبى نوى أن يؤم ابن ~~عباس فى تلك الصلاة فعليه الدليل ، وأما قول أبى حنيفة ، فلو قلبه عليه ~~قالب ، فقال : إن نوى أن يكون إماما جاز للنساء أن يصلين خلفه ولم يجز ~~للرجال ، لم يكن له فرق ولم تكن الحجة لهم إلا كالحجة عليهم ، وأيضا فإن ~~النساء كن يصلين خلف النبى ، عليه السلام ، ولم ينقل عنه أحد أنه عينهن ~~بالنية ، ولا حصل منه تعليم ذلك . * * * # | 55 - باب إذا طول الإمام ، وكان للرجل حاجة ، فخرج ، فصلى # ( 1 ) / 84 - فيه : جابر بن عبدالله : ( أن معاذ بن جبل كان يصلي مع ~~النبي ثم PageV02P331 يرجع فيؤم قومه ، فصلى العشاء ، فقرأ بالبقرة ، ~~فانصرف الرجل ، فكأن معاذ ينال منه ، فبلغ الرسول ، فقال : ( فتان ، فتان ، ~~فتان ) ، ثلاث مرات ، وأمره بسورتين من أوسط المفصل ) . قال عمرو : لا ~~أحفظهما . وترجم له : ( باب من شكا إمامه إذا طول ) . لما أمر الرسول ~~بالتخفيف كان من طول بالناس عاصيا ، ومخالفة العاصى جائزة ؛ لأنه لا طاعة ~~إلا فى المعروف . وقد احتج أصحاب الشافعى بأن النبى لم ينكر على الرجل الذى ~~خرج من صلاة معاذ ولا أمره بالإعادة ، قال ابن القصار : واختلفوا فيمن دخل ~~مع إمام فى صلاة فصلى بعضها هل يجوز له أن يخرج منها فيتم منفردا ؟ قال ~~الشافعى : يجوز له أن يخرج منها بعذر أو بغير عذر ، وقال أبو حنيفة : لا ~~يجوز له . والأمر عندى محتمل لأن مالكا قال فى الإمام : إذا أحدث وقد مضى ~~بعض صلاته أنه يستخلف من يتم بهم ، فإن لم يفعل قدموا من يتم بهم ، فإن لم ~~يفعلوا وصلوا وحدانا ، فإنه يجزئهم إلا فى الجمعة ؛ لأنها لا تكون إلا ~~بجماعة ، وهؤلاء ، فإن كان إمامهم ms0537 بدأ بالخروج ، فقد اختاروا ترك تمامها ~~بجماعة ، ويجوز أن لا يجزئه إذا خرج نفسه من غير عذر . ويكون الفرق بينهما ~~أنه إذا كان الإمام باقيا فى الصلاة ، فإن الصلاة متعلقة به ، فما دام ~~باقيا فقد تعلقت صلاتهم بصلاته فلم تجز مخالفته باختيار المأمومين الخروج ~~منها لغير عذر ؛ لأنه يؤدى إلى الشتات وإلى ترك ما ألزمه نفسه من الجماعة ~~التى هو مندوب إليها ، وإذا دخل الإنسان فى طاعة وجب عليه المضى فيها إلا ~~أن يطرأ عليه عذر . PageV02P332 ويجوز أن يستدل بهذا الحديث من رأى الخروج ~~من إمامة الإمام إذا فعل فى صلاته ما لا يجوز له كالمصلى خامسة أو رابعة فى ~~المغرب أو ثالثة فى الصبح ، فيسبح به قياما . قال ابن المواز : إن قعدوا ~~ينتظرونه حتى يتم الركعة بطلت صلاتهم ، وكذلك المسافر إن قام من اثنتين ~~فسبحوا به فتمادى سلموا وتركوه ، وهذه رواية ابن وهب ، وابن كنانة ، عن ~~مالك ؛ لأنهم إن انتظروه وهو جاهل أو عامد فسدت عليه وعليهم ، وإن كان ~~ساهيا لزمهم سجود السهو معه ، وهذه خير من رواية ابن القاسم عن مالك فى ~~المدونة أنهم ينتظرونه ويسلمون معه ويعيد هو فى الوقت ، قال ابن المواز : ~~إنما أمرهم بذلك مالك فى هذه الرواية لاختلاف الناس فى صلاة المسافر ، وأما ~~الحضرى فلو انتظروه لبطلت صلاتهم . * * * # | 56 - باب تخفيف الإمام في القيام وإتمام الركوع والسجود # / 85 - فيه : أبو مسعود : أن رجلا قال : والله يا رسول الله ، إني لأتأخر ~~عن صلاة الغداة من أجل فلان ، مما يطيل بنا ، فما رأيت رسول الله في موعظة ~~أشد غضبا منه يومئذ ، ثم قال : ( إن منكم منفرين ، فأيكم ما صلى بالناس ، ~~فليتجوز ، فإن فيهم الضعيف والكبير وذا الحاجة ) . وترجم له : ( باب إذا ~~صلى لنفسه ، فليطول ما شاء ) . وروى ذلك أبو هريرة عن الرسول . فيه : دليل ~~أن أئمة الجماعة يلزمهم التخفيف لأمر رسول الله لهم بذلك ، وقد بين فى هذا ~~الحديث العلة الموجبة للتخفيف ، وهى غير مأمونة على أحد من أئمة الجماعة ؛ ~~فإنه وإن علم قوة من خلفه ms0538 ، فإنه PageV02P333 لا يدرى ما يحدث بهم من ~~الآفات ، ولذلك قال : وإذا صلى لنفسه فليطول ما شاء ؛ لأنه يعلم من نفسه ما ~~لا يعلم من غيره ، وقد ذكر الله الأعذار التى من أجلها أسقط فرض قيام الليل ~~عن عباده ، فقال : { علم أن سيكون منكم مرضى وآخرون يضربون فى الأرض يبتغون ~~من فضل الله وآخرون يقاتلون فى سبيل الله } [ المزمل : 20 ] ، فينبغى ~~للأئمة التخفيف مع إكمال الركوع والسجود ؛ ألا ترى أنه عليه السلام ، قال ~~للذى لم يتم ركوعه ولا سجوده : ( ارجع فصل ، فإنك لم تصل ) ، وقال : ( لا ~~تجزئ صلاة الرجل حتى يقيم ظهره فى الركوع والسجود ) . وممن كان يخفف الصلاة ~~من السلف : أنس بن مالك ، قال ثابت : صليت معه العتمة ، فتجوز ما شاء الله ~~، وكان سعد إذا صلى فى المسجد خفف الركوع والسجود وتجوز ، وإذا صلى فى بيته ~~أطال الركوع والسجود والصلاة ، فقلت له ، فقال : إنا أئمة يقتدى بنا ، وصلى ~~الزبير بن العوام صلاة خفيفة ، فقيل له : أنتم أصحاب رسول الله أخف الناس ~~صلاة ، فقال : إنا نبادر هذا الوسواس ، وقال عمار : احذفوا هذه الصلاة قبل ~~وسوسة الشيطان ، وكان أبو هريرة يتم الركوع والسجود ويتجوز ، فقيل له : ~~هكذا كانت صلاة رسول الله ؟ فقال : نعم وأجوز ، وقال عمرو بن ميمون : لما ~~طعن عمر تقدم عبد الرحمن ابن عوف ، فقرأ بأقصر سورتين فى القرآن : إنا ~~أعطيناك الكوثر ، وإذا جاء نصر الله ، وكان إبراهيم يخفف الصلاة ، ~~PageV02P334 ويتم الركوع والسجود ، وقال أبو مجلز : كانوا يتمون ويوجزون ، ~~ويبادرون الوسوسة ، ذكر الآثار كلها ابن أبى شيبة فى مصنفه . * * * # | 57 - باب الإيجاز في الصلاة وإكمالها # / 86 - فيه : أنس قال : ( كان النبي عليه السلام ، يوجز الصلاة ويكملها ) ~~. وقد دخل الكلام فى معنى هذا الباب فى الباب الذى قبله ، فأغنى عن إعادته ~~. وروى الثورى ، عن أبى إسحاق ، عن عمرو بن ميمون الأودى قال : لو أن رجلا ~~أخذ شاة عزوزا لم يفرغ من لبنها حتى أصلى الصلوات الخمس أتم ركوعها وسجودها ~~. قال أبو عبد الله : وإنما أراد التجوز فى الصلاة ، قال أبو عبيد ms0539 : ~~والعزوز : الضيقة الإحليل ، يقال : عزت الشاة وتعززت : إذا صارت كذلك ، ~~وأما الواسعة الإحليل ، فإنها الثرور . * * * # | 58 - باب من أخف الصلاة عند بكاء الصبي # / 87 - فيه : أبو قتادة : أن نبي الله قال : ( إني لأقوم في الصلاة ، ~~فأريد أن أطول فيها ، فأسمع بكاء الصبي ، فأتجوز في صلاتي ، كراهية أن أشق ~~على أمه ) . PageV02P335 / 88 - وفيه : أنس قال : ما صليت وراء إمام قط ، ~~أخف صلاة ولا أتم من الرسول ، وإن كان ليسمع بكاء الصبي ، فيخفف مخافة أن ~~تفتن أمه . فيه : أنه كان يتجوز السجود فى الصلاة لأمور الدنيا خشية إدخال ~~المشقة على النفوس . وقد يجوز أن يحتج بهذا الحديث من قال : أنه جائز ~~للإمام إذا سمع خفق النعال ، وهو راكع أن يزيد فى ركوعه شيئا ليدركه ~~الداخلون فيها ؛ لأنه فى معنى تجوز النبى ، عليه السلام ، من أجل بكاء ~~الصبى ، وممن أجاز ذلك : الشعبى ، والحسن ، وعبد الرحمن ابن أبى ليلى ، ~~وقال آخرون : ينتظرهم ما لم يشق على أصحابه ، هذا قول أحمد ، وإسحاق ، وأبى ~~ثور ، وقال مالك : لا ينتظرهم ؛ لأنه يضر بمن خلفه ؛ لأنه لو فعل ذلك ، ~~ولعله يسمع آخر بعد ذلك فينتظره فيضر بمن معه ، وهذا قول الأوزاعى ، وأبى ~~حنيفة ، والشافعى ، وقالوا : يركع كما كان يركع . واستدل أهل المقالة ~~الأولى أنه لما كان تجوزه فى صلاته لا يخرجه منها ، دل أن الزيادة فيها ~~شيئا لا تخرجه من الصلاة ، ولما أجمعوا أنه جائز للإمام أن ينتظر الجماعة ~~ما لم يخف فوت الوقت جاز للراكع أيضا ذلك ما لم يخف فوت الوقت . * * * # | 59 - باب إذا صلى ثم أم قوما # / 89 - فيه : جابر قال : ( كان معاذ يصلي مع الرسول ، ثم يأتي قومه فيصلي ~~بهم ) . اختلف العلماء فى تأويل هذا الحديث ، فذهبت طائفة [ إلى ] أنه يجوز ~~PageV02P336 أن يصلى الرجل نافلة ، ويأتم به فيها من يصلى الفريضة ، هذا ~~قول عطاء ، وطاوس ، وبه قال الأوزاعى ، والشافعى ، وأحمد ، وأبو ثور ، ~~واحتجوا بظاهر هذا الحديث . وقالت طائفة : لا يجوز لأحد أن يصلى فريضة خلف ~~من يصلى نافلة ، ومن خالفت نيته نية الإمام فى ms0540 شىء من الصلاة لم يعتد بها ، ~~هذا قول الزهرى ، وربيعة ، ومالك ، والثورى ، وأبى حنيفة ، وأصحابه ، ~~واحتجوا بقوله : ( إنما جعل الإمام ليؤتم به ، فلا تختلفوا عليه ) ، ولا ~~اختلاف أكثر من اختلاف النيات التى عليها مدار الأعمال . قالوا : وأما حديث ~~معاذ فيحتمل أن يكون فى أول الإسلام وقت عدم القراء ، ووقت لا عوض للقوم من ~~معاذ ، فكانت حال ضرورة لا تجعل أصلا يقاس عليه ، قاله المهلب . وقال ~~الطحاوى : يحتمل أن يكون ذلك وقت كانت الفريضة تصلى مرتين ، فإن ذلك قد كان ~~يفعل فى أول الإسلام حتى نهىعنه عليه السلام ، حدثنا حسين بن نصر ، حدثنا ~~يزيد ابن هارون ، حدثنا حسين المعلم ، عن عمرو بن شعيب ، عن سليم مولى ~~ميمونة قالت : ( أتيت المسجد فرأيت ابن عمر جالسا والناس يصلون ، فقلت : ~~ألا تصلى مع الناس ؟ فقال : صليت فى رحلى ، إن رسول الله نهى أن تصلى فريضة ~~فى يوم مرتين ) ، والنهى لا يكون إلا بعد الإباحة ، فقد كان المسلمون فى ~~بدء الإسلام يصلون فى منازلهم ، ثم يأتون المسجد ، فيصلون تلك الصلاة على ~~أنها فريضة ، فنهاهم عن PageV02P337 ذلك ، وأمر بعد ذلك من جاء إلى المسجد ~~وأدرك تلك الصلاة أن يجعلها نافلة ، وترك ابن عمر الصلاة يحتمل أن يكون تلك ~~الصلاة لا تطوع بعدها ، فلم يجز أن يصليها ؛ إذ لا تطوع ذلك الوقت ؛ لأنه ~~قد روى عنه أنه سئل عمن صلى فى بيته ، ثم أدرك تلك الصلاة فى المسجد أيتهما ~~صلاته ؟ قال : الأولى . حدثنا أبو بكر ، حدثنا حبان ، عن همام ، عن قتادة ، ~~عن عامر الأحول ، عن عمرو بن شعيب ، عن خالد بن أيمن المعافرى قال : كان ~~أهل العوالى يصلون مع الرسول ، فنهاهم النبى أن يعيدوا الصلاة فى يوم مرتين ~~، قال عمرو : فذكرته لسعيد بن المسيب ، فقال : صدق . واحتج أهل المقالة ~~الأولى فقالوا : ما اعتللتم به من قوله عليه السلام : ( إنما جعل الإمام ~~ليؤتم به ) ، لا حجة لكم فيه ؛ لأنه إنما أمر بالائتمام فيما يظهر من أفعال ~~الإمام ، وأما النية فمغيبة عنه ، ومحال أن نؤمر باتباعه فيما يخفى علينا ms0541 ~~من أفعاله ، وفى الحديث نفسه دليل يدل على ما قلناه ، وذلك قوله : فإذا ركع ~~فاركعوا ، وإذا رفع فارفعوا . وروى قتيبة عن الليث ، عن ابن شهاب فى هذا ~~الحديث : ( فإذا كبر فكبروا ، وإذا سجد فاسجدوا ) ، فعرفهم عليه السلام بما ~~يقتدى فيه بالإمام ، وهو ما ظهر من أفعاله ، وأما معاذ فإنه كان يصلى مع ~~الرسول فرضه ، لا يجوز غير ذلك لقوله عليه السلام : ( إذا أقيمت الصلاة فلا ~~صلاة إلا المكتوبة ) ، فكيف يجوز أن ينويها نافلة فيخالف أمره ، عليه ~~السلام ، ويرغب عن أداء فرضه معه ، مع علمه بفضل صلاته PageV02P338 معه ، ~~وقد روى ابن جريج ، عن عمرو بن دينار قال : أخبرنى جابر أن معاذا كان يصلى ~~مع رسول الله العشاء ، ثم يرجع إلى قومه فيصلى بهم ، هى له تطوع ولهم فريضة ~~. قال الطحاوى : واحتج عليهم أهل المقالة الثانية بأن هذا الحديث قد رواه ~~ابن عيينة ، عن عمرو بن دينار ، ولم يذكر فيه : هى له تطوع ولهم فريضة ، ~~فيجوز أن يكون ذلك من قول ابن جريج ، أو من قول عمرو ، أو من قول جابر وأى ~~هذه الثلاثة كان فليس فى الحديث ما يدل على حقيقة فعل معاذ أنه كان بأمر ~~رسول الله ، ولا أن رسول الله لو أخبر به لأقره أو غيره ، وهذا عمر بن ~~الخطاب لما أخبره رفاعة بن رافع أنهم كانوا يجامعون على عهد رسول الله ولا ~~يغتسلون حتى ينزلوا ، قال عمر : فأخبرتم الرسول بذلك ، فرضيه لكم ؟ ! قال : ~~لا ، فلم يجعل عمر ذلك حجة ، وكذلك هذا الفعل لم يكن فيه دليل أن معاذا ~~فعله بأمر نبى الله . وقد روينا عن الرسول ما يدل على خلاف قولهم ، حدثنا ~~يحيى بن صالح الوحاظى ، حدثنا سليمان بن بلال ، عن عمرو بن يحيى المازنى ، ~~عن معاذ بن رفاعة الزرقى : ( أن رجلا من بنى سلمة يقال له : سليم ، لقى ~~النبى ، عليه السلام ، فقال : إنا نظل فى أعمالنا فنأتى حين نمسى ، فنصلى ~~مع معاذ ، فيطول علينا ، فقال عليه السلام : ( يا معاذ لا تكن فتانا ، إما ~~أن تصلى معى ، وإما ms0542 أن تخفف على قومك ) ، فقوله لمعاذ هذا يدل على أنه كان ~~عند رسول الله يفعل أحد الأمرين : إما الصلاة معه ، وإما الصلاة مع قومه ، ~~ولم يكن يجمعهما ؛ لأنه قال : إما أن تصلى معى ، ولا تصلى بقومك ، وإما أن ~~تخفف بقومك ، أى ولا تصلى معى ، فثبت بهذا PageV02P339 الأثر أنه لم يكن من ~~الرسول لمعاذ فى ذلك شىء متقدم ، ولو كان منه عليه السلام فى ذلك أمر كما ~~قال أهل المقالة الأولى ، لاحتمل أن يكون فى وقت كانت الفريضة تصلى مرتين . ~~فهذا وجه من طريق الآثار ، وأما من طريق النظر ، فإنا رأينا صلاة المأموم ~~مضمنة بصلاة الإمام فى صحتها وفسادها ؛ وذلك أن الإمام إذا سها وجب على من ~~خلفه لسهوه ما يجب عليه ، ولو سهوا هم ولم يسه هو لم يجب عليهم ما يجب عليه ~~إذا سها ، فلما ثبت أن المأمومين يجب عليهم حكم السهو بسهو الإمام ، وينتفى ~~عنهم حكم السهو بانتفائه عن الإمام ، ثبت أن حكمهم فى صلاتهم حكم الإمام فى ~~صلاته ، وأن صلاتهم مضمنة بصلاته ، وإذا كان كذلك لم يجز أن تكون صلاتهم ~~خلاف صلاته . * * * # | 60 - باب من أسمع الناس تكبير الإمام # / 90 - فيه : عائشة قالت : ( لما مرض الرسول مرضه الذي مات فيه ، وأمر ~~أبا بكر بالصلاة ، خرج النبي ، فلما رآه أبو بكر ، أراد أن يتأخر ، فأشار ~~إليه أن صل ، فتأخر أبو بكر ، وقعد الرسول إلى جنبه ، وأبو بكر يسمع الناس ~~التكبير ) . إنما قام الرسول أبا بكر ليسمع الناس تكبيره ، ويظهر إليهم ~~أفعاله ؛ لأنه كان ضعف عن إسماعهم ، فأقامه لهم ، ليقتدوا به فى حركاته ؛ ~~إذ كان جالسا وهم قيام ، ولم يمكنهم كلهم رؤيته . وفيه من الفقه : جواز رفع ~~المذكر صوته بالتكبير والتحميد فى الركوع PageV02P340 والسجود ليسمع الناس ~~إذا كثروا وبعدوا من الإمام فى الجمعات وغيرها ، وإذا جاز للإمام أن يجهر ~~بالتكبير ، جاز للمأموم مثل ذلك ، بدليل قوله عليه السلام : ( إن هذه ~~الصلاة لا يصلح فيها شىء من كلام الناس إنما هو التكبير والقراءة ) ، وإذا ~~لم يجز الكلام فى الصلاة سرا ms0543 لم يجز أن يجهر به ، ولما جاز فيها التكبير ~~سرا جاز أن يجهر به فيها . وذكر محمد بن حارث ، عن لقمان بن يوسف قال : ~~ذاكرنا حماس بن مروان فى رفع المذكر صوته بالتكبير فى الجمعات ، فقال : ~~صلاتهم باطل ، فقلت له : بل هى جائزة بدليل الحديث فى ذلك أن رجلا صلى خلف ~~النبى فقال : ربنا ولك الحمد حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه ، فسمعه الرسول ~~فلم يأمره بالإعادة . قال المؤلف : وأظن أبا حنيفة لا يجيز ذلك ، وستأتى ~~مذاهب العلماء فى الكلام فى الصلاة ، والتكبير ذكر الله وليس بكلام يفسد ~~الصلاة ، ومن أفسد الصلاة بذلك ، فلا شك فى خطئه ، وفى الواضحة : وما جاز ~~للرجل أن يتكلم به فى الصلاة من معنى الذكر والقراءة ، فرفع بذلك صوته ~~لينبه به رجلا أو يستوقفه فذلك جائز ، وقد استأذن رجل على ابن مسعود ، وهو ~~يصلى فقال له : { ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين } [ يوسف : 99 ] . ~~PageV02P341 * * * # | 61 - باب الرجل يأتم بالإمام ويأتم الناس بالمأموم # ويذكر عن الرسول : ائتموا بي وليأتم بكم من بعدكم . / 91 - فيه : عائشة : ~~فى حديث مرض النبى ، عليه السلام ، قالت : ( . . . فجاء الرسول فجلس عن ~~يسار أبي بكر ، فكان أبو بكر يصلي قائما ، وكان عليه السلام ، يصلي جالسا ، ~~يقتدي أبو بكر بصلاة رسول الله ، والناس يقتدون بصلاة أبي بكر ) . هذا ~~الباب موافق لقول الشعبى ، ومسروق ، وذلك أنهما قالا : إن الإمام يؤم ~~الصفوف ، والصفوف يؤم بعضها بعضا ، قال الشعبى : فإذا كثرت الجماعات فى ~~المسجد ، فدخل رجل وهم يصلون ، فأحرم قبل أن يرفع الصف الذى يليه رءوسهم من ~~الركعة ، فإنه قد أدركها ؛ لأن بعضهم أئمة لبعض ، ويجوز له الاستدلال من ~~هذا الحديث ، وأما سائر الفقهاء فإنهم يراعون رفع الإمام وحده ، وهو أحوط . ~~* * * # | 62 - باب هل يأخذ الإمام إذا شك بقول الناس # / 92 - فيه : أبو هريرة أن النبى ، عليه السلام ، انصرف من اثنتين ، فقال ~~له ذو اليدين : أقصرت الصلاة أم نسيت يا رسول الله ؟ فقال : ( أصدق ذو ~~اليدين ؟ ) ، فقال الناس : نعم ، فقام فصلى اثنتين . . . . ، الحديث . ~~اختلف العلماء فى الإمام ms0544 إذا شك فى صلاته ، فأخبره من خلفه من المأمومين ~~أنه ترك ركعة هل يرجع إلى قولهم ، ويدع يقينه أم لا ؟ فقال ابن القصار : ~~اختلفت الرواية عن مالك فى ذلك ، فقال مرة : يرجع إلى قولهم ، وهو قول أبى ~~حنيفة ؛ لأنهم يقولون : إنه يبنى PageV02P342 على غالب ظنه ، وقال مرة أخرى ~~: يعمل على يقينه ، ولا يرحع إلى قولهم ، وهو قول الشافعى ، قال ابن القصار ~~: فوجه قوله لا يرجع إلى قولهم ، فإنما هو عندى إذا كان على يقين من صلاته ~~، فلا يجوز أن يترك يقينه ، وقال الشافعى : رجوع الرسول يوم ذى اليدين إلى ~~قول من أخبره إنما كان ؛ لأنه ذكر بذلك فذكر وبنى على يقينه ، ووجه القول ~~الآخر أن يأخذ بقولهم فالذى يؤدى إلى اليقين أن يأتى بركعة ويقبل قولهم ؛ ~~لأن يقين الاثنين أكثر من يقين الواحد ، والذى يهمهم من أمر الصلاة مثل ~~الذى يهمه ، فينبغى أن يقبل منهم ؛ لأنه يشك كما يشكون ، غير أن الاثنين ~~إذا اتفقا كانوا أقوى من الواحد ، فكيف الجماعة ، ولا معنى لقول الشافعى : ~~أن النبى ، عليه السلام ، ذكر فذكر ؛ لأنه لو ذكر لقال قد ذكرت ، حتى لا ~~يظن أحد أنه عمل على قولهم ، فمن ادعى أنه ذكر بغير دلالة ، فهو بمنزلة من ~~قال : إن الحاكم إذا حكم بشهادة الشهود ، فإنه لم يحكم لأجل ما ثبت عنده من ~~الشهادة ، وإنما حكم لأنه علم ذلك . * * * # | 63 - باب بكاء الإمام في الصلاة # وقال عبدالله بن شداد : سمعت نشيج عمر ، وأنا في آخر الصفوف يقرأ : { ~~إنما أشكو بثي وحزني إلى الله } [ يوسف 86 ] . / 93 - فيه : عائشة فى حديث ~~مرض النبى قالت : ( . . . إن أبا بكر إذا قام في مقامك لم يسمع الناس من ~~البكاء . . . ) ، الحديث . أجاز العلماء البكاء فى الصلاة من خوف الله ~~واحتجوا بحديث PageV02P343 عائشة وبفعل عمر ، وقال أشهب : قال مالك : قرأ ~~عمر بن عبد العزيز فى الصلاة فلما بلغ : { فأنذرتكم نارا تلظى } [ الليل : ~~14 ] ، خنقته العبرة فسكت ، ثم قرأ فنابه ذلك ، ثم قرأ فنابه ذلك ، وتركها ~~وقرأ : ( والسماء والطارق ) ، واختلفوا فى الأنين ms0545 والتأوه ، فقال ابن ~~المبارك : إذا كان غالبا فلا بأس به ، وقال الشافعى ، وأبو ثور : لا بأس به ~~إلا أن يكون كلاما مفهوما ، وقالت طائفة : يعيد صلاته وهذا قول الشعبى ، ~~والنخعى ، والكوفيين . * * * # | 64 - باب تسوية الصفوف عند الإقامة وبعدها # / 94 - فيه : النعمان بن بشير : قال عليه السلام : ( لتسون صفوفكم ، أو ~~ليخالفن الله بين وجوهكم ) . / 95 - وفيه : أنس ، قال الرسول : ( أقيموا ~~الصفوف ، فإني أراكم من وراء ظهري ) . تسوية الصفوف من سنة الصلاة عند ~~العلماء ، وإنه ينبغى للإمام تعاهد ذلك من الناس ، وينبغى للناس تعاهد ذلك ~~من أنفسهم ، وقد كان لعمر وعثمان رجال يوكلونهم بتسوية الصفوف ، فإذا استوت ~~كبرا إلا أنه إن لم يقيموا صفوفهم لم تبطل بذلك صلاتهم . وفيه : الوعيد على ~~ترك التسوية ، وقال المهلب : توعد من لم يقم PageV02P344 الصفوف بعذاب من [ ~~] الذنب وهو المخالفة بين وجوههم ، لاختلافهم فى مقامهم كما أن من قتل نفسه ~~بحديدة عذب بها ، والمرأة التى قتلت الهرة جوعا عذبت بها . وقوله : ( إنى ~~لأراكم من وراء ظهرى ) ، خصوص له ، أعطاه الله من القوة أن يرى من خلفه كما ~~يرى من أمامه لا أنه يخبر عنهم بخبر ، ولو كان من طريق الخبر لقال عليه ~~السلام ، إنى لأعلم بحالكم من وراء ظهرى ، وقد تقدم هذا وزيادة فيه فى باب ~~( عظة الإمام فى إتمام الصلاة ) . * * * # | 65 - باب إقبال الإمام على الناس عند تسوية الصفوف # / 96 - فيه : أنس قال : ( أقيمت الصلاة ، فأقبل علينا رسول الله بوجهه ، ~~فقال : أقيموا صفوفكم ، وتراصوا ، فإني أراكم من وراء ظهري ) . وفيه : جواز ~~الكلام بين الإقامة والإحرام ، ولا بأس عند فقهاء الحجاز ، وهو رد على ~~الكوفيين ، وقد تقدم ذلك فى باب الإمام تعرض له حاجة بعد الإقامة فى أبواب ~~الأذان . وقوله : تراصوا فى الصلاة ، أى : انضموا ، قال صاحب ( العين ) : ~~رصصت البنيان رصا ، أى : ضممته ، وتراصوا فى الصفوف منه ، وقد ذكر الله ~~الذين يقاتلون فى سبيله صفا ، كأنهم بنيان مرصوص ، ومدحهم بذلك ، وقضى ~~بالمحبة للمصطفين فى طاعته ، فدل أن الصف فى الصلاة كالصف فى سبيل الله . ~~PageV02P345 وروى ابن أبى ms0546 شيبة قال : حدثنا ابن فضيل ، عن الوليد بن جميع ، ~~عمن حدثه ، عن ابن عباس أن نبى الله قال : ( راصوا صفوفكم ، فإن الشياطين ~~تتخللكم كأنها أولاد الحذف ) ، فذكر هذا الحديث معنى أمره عليه السلام ، ~~بالتراص فى الصلاة ، وقال صاحب ( العين ) : الحذف : غنم سود صغار ، ويقال : ~~هم أولاد الغنم . * * * # | 66 - باب الصف الأول # / 97 - فيه : أبو هريرة ، قال رسول الله : ( الشهداء خمسة ) إلى قوله : ( ~~ولو يعلمون ما في الصف المقدم لاستهموا ) . وقد تقدم الكلام فى هذا الحديث ~~فى باب الاستهام فى الأذان ، فأغنى عن إعادته ، ونذكر منه هاهنا طرفا ، ~~إنما فضل الصف الأول على غيره ، والله أعلم ، للقرب من سماع القرآن إذا جهر ~~الإمام والتكبير عند تكبيره والتأمين عند فراغه من فاتحة الكتاب ، وقد روى ~~نوح بن أبى مريم قال : حدثنا زيد العمى ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، ~~عن النبى ، عليه السلام ، أنه قال : ( من ترك الصف الأول مخافة أن يؤذى ~~مسلما أضعف الله له أجر الصف ) . * * * # | 67 - باب إقامة الصف من تمام الصلاة # / 98 - فيه : أبو هريرة ، قال عليه السلام : ( إنما جعل الإمام ليؤتم به ~~، فلا تختلفوا عليه . . . . ) ، الحديث ، ( وأقيموا الصف في الصلاة ، فإن ~~إقامة الصف من حسن الصلاة ) . PageV02P346 / 99 - وفيه : أنس ، قال النبي ، ~~عليه السلام : ( سووا صفوفكم ، فإن تسوية الصفوف من إقامة الصلاة ) . هذا ~~الحديث يدل أن إقامة الصفوف سنة مندوب إليها ، وليس بفرض ؛ لأنه لو كان ~~فرضا لم يقل ، عليه السلام ، فإن إقامة الصفوف من حسن الصلاة ؛ لأن حسن ~~الشىء زيادة على تمامه ، وذلك زيادة على الوجوب ، ودل هذا على أن قوله فى ~~حديث أنس : ( فإن تسوية الصفوف من إقامة الصلاة ) ، أن إقامة الصلاة قد تقع ~~على السنة كما تقع على الفريضة . * * * # | 68 - باب إثم من لم يتم الصفوف # / 100 - فيه : أنس : أنه قدم المدينة فقيل له : ما أنكرت منذ يوم عهدت ~~رسول الله ؟ فقال : ( ما أنكرت شيئا إلا أنكم لا تقيمون الصفوف ) . لما كان ~~تسوية الصف من السنة المندوب إليها التى يستحق فاعلها المدح عليها ، دل ms0547 ذلك ~~أن تاركها يستحق الذم والعتب كما قال أنس ، رحمة الله عليه ، غير أن من لم ~~يقم الصفوف لا إعادة عليه ؛ ألا ترى أن أنسا لم يأمرهم بإعادة الصلاة . * * ~~* # | 69 - باب إلزاق المنكب بالمنكب ، والقدم بالقدم في الصف # قال النعمان بن بشير : ورأيت الرجل منا يلزق كعبه بكعب صاحبه . / 101 - ~~فيه : أنس قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : ( أقيموا صفوفكم ، فإني ~~أراكم من وراء ظهري ، وكان أحدنا يلزق منكبه بمنكب صاحبه وقدمه بقدمه ) . ~~PageV02P347 هذه الأحاديث تفسر قوله عليه السلام : ( تراصوا فى الصف ) ، ~~وهذه هيئة التراص ، وفيه : أن الكعب هو العظم الناتئ فى أثر الساق ومؤخر ~~القدم ، كما قال أهل المدينة ؛ لأنه لو كان الكعب فى مقدم القدم كما قال ~~أهل الكوفة لما تمكن أن يلزق أحدهم كعبه بكعب صاحبه ، وهذا يدل على أن ~~الكعبين اللذين جعلهما الله غاية فى غسل القدمين هما المذكوران فى حديث ~~النعمان بن بشير ، وقد تقدم هذا فى كتاب الطهارة بزيادة . * * * # | 70 - باب المرأة وحدها تكون صفا # / 102 - فيه : أنس قال : ( صليت أنا ويتيم في بيتنا خلف النبي عليه ~~السلام ، وأمي خلفنا أم سليم ) . فى هذا الحديث من الفقه : أن سنة النساء ~~القيام خلف الرجال ، ولا يقمن معهم فى صف ؛ لأن الفتنة تخشى منهن . قال ~~المهلب : وكذلك إن كن عجائز أو ذوات محارم للرجال ، فلا يصطففن مع الرجال ، ~~وأن صفوفهن وراء صفوف الرجال ، إلا أنه إن صلت المرأة إلى جنب رجل تمت ~~صلاتهما عند مالك ، والشافعى ، والأوزاعى . وعند الكوفيين تمت صلاة المرأة ~~وفسدت صلاة الرجل ، واحتجوا بأنها وقفت فى غير محلها ، كما أن من صلى قدام ~~الإمام صلى فى PageV02P348 غير محله ، ففسدت صلاته ، فجاوبهم أهل المقالة ~~الأولى ، وقالوا : صلاته عندنا صحيحة إذا صلى قدام الإمام ، كما لو وقف على ~~يساره ، وعلى هذا الحساب كان ينبغى أن تبطل صلاة المرأة دون الرجل ؛ لأنها ~~وقفت فى غير محلها فلما قلتم أن صلاة المرأة صحيحة ، كانت صلاة الرجل أولى ~~أن تصح ؛ لأنه وقف فى محله ، ووقفت هى فى غير ms0548 محلها ، وهذا يرد قول أحمد ، ~~وإسحاق أن من صلى خلف الصف وحده بطلت صلاته ، وإن كانت امرأة صحت صلاتها ، ~~وذلك لأنه لما صحت صلاة أم أنس وحدها خلف الصف ، وكانت صفا كان الرجل أولى ~~بذلك ، وإلى هذا المعنى أشار البخارى فى ترجمته ، وفى هذا الحديث حجة على ~~الكوفيين . وقولهم : أنه إذا كان مع الإمام رجلان قام وسطهما ، وإن كانوا ~~ثلاثة قاموا خلفه ، واحتجوا بأن ابن مسعود صلى بعلقمة والأسود وقام بينهما ~~، وهذا الحديث بخلاف ذلك ؛ لأن أنسا ذكر أنه واليتيم صليا خلف النبى ، عليه ~~السلام ، وصلت أمه خلفهما ، والحجة فى السنة لا فيما خالفها ، وبهذا الحديث ~~قال سائر الفقهاء . قال المهلب : وفيه أن الصبى إذا عقل الصلاة يكون فى ~~الصف . وفيه : أن الصف من الرجال يكون من اثنين فصاعدا ، وأن الصف من ~~النساء إذا صلين مع الرجال يكون من امرأة واحدة . PageV02P349 * * * # | 71 - باب إذا كان بين الإمام وبين القوم حائط أو سترة # قال الحسن : لا بأس أن تصلي وبينك وبينه نهر . وقال أبو مجلز : يأتم ~~بالإمام ، وإن كان بينهما جدار أو طريق ، إذا سمع تكبير الإمام . / 103 - ~~فيه : عائشة قالت : كان رسول الله يصلي من الليل في حجرته ، وجدار الحجرة ~~قصير ، فرأى الناس شخص النبي عليه السلام ، فقام أناس يصلون بصلاته ، ~~فأصبحوا ، فتحدثوا بذلك ، فقام الليلة الثانية ، فقام معه ناس يصلون بصلاته ~~، صنعوا ذلك ليلتين أو ثلاثا ، حتى إذا كان بعد ذلك ، جلس رسول الله ، فلم ~~يخرج ، فلما أصبح ذكر ذلك الناس ، فقال : ( إني خشيت أن تكتب عليكم صلاة ~~الليل ) . / 104 - وفيه : زيد بن ثابت : أن رسول الله اتخذ حجرة - حسبت أنه ~~قال : من حصير - في رمضان ، فصلى فيها ليالي ، فصلى بصلاته ناس من أصحابه ، ~~فلما علم بهم ، جعل يقعد ، فخرج إليهم ، وقال : ( قد عرفت الذي رأيت من ~~صنيعكم ، فصلوا أيها الناس في بيوتكم ، فإن أفضل الصلاة صلاة المرء في بيته ~~إلا المكتوبة ) . قال المؤلف : اختلف العلماء فى الإمام بينه وبين القوم ~~طريق أو حائط ، فأجازته طائفة ، روى ذلك عن ms0549 أنس بن مالك ، وأبى هريرة ، ~~وسالم ، وابن سيرين ، وكان عروة يصلى بصلاة الإمام وهو فى دار بينها وبين ~~المسجد طريق ، وقال مالك : لا بأس أن يصلى وبينه وبينه طريق أو نهر صغير ، ~~وكذلك السفن المتقاربة يكون الإمام فى إحداها تجزئهم الصلاة معه . وقال ~~عطاء : لا بأس أن يصلى بصلاة الإمام من علمها . PageV02P350 وكرهت ذلك ~~طائفة روى عن عمر بن الخطاب إذا كان بينه وبين الإمام طريق أو نهر أو حائط ~~فليس معه ، وكره الشعبى وإبراهيم أن يكون بينهما طريق ، وزاد إبراهيم : أو ~~نساء . وقال الكوفيون : لا تجزئه إلا أن تكون الصفوف متصلة على الطريق ، ~~وهو قول الليث ، والأوزاعى ، وأشهب صاحب مالك ، وكذلك اختلفوا فيمن صلى فى ~~دار محجور عليها بصلاة الإمام ، فأجازه عطاء ، وأبو حنيفة فى الجمعة وغيرها ~~، وبه قال ابن نافع صاحب مالك ، وجوزه مالك إذا كان يسمع التكبير إلا فى ~~الجمعة خاصة ، فلا تصح صلاتها عنده فى موضع يمنع منه فى سائر الأوقات ، ولا ~~تجوز إلا فى الجامع ورحابه . وقال الشافعى : لا يجوز أن يصلى فى موضع محجور ~~عليه فى الجمعة وغيرها إلا أن تتصل الصفوف . وحجة من أجاز ذلك حديث عائشة ، ~~وزيد بن ثابت أنه عليه السلام ، صلى فى حجرته وصلى الناس بصلاته ، فلو لم ~~تجزئهم لأخبرهم بذلك لأنه بعث معلما . قال ابن القصار : وقد كان أزواج ~~الرسول يصلين فى حجرهن بصلاته ، وبعده بصلاة أصحابه إذا لم يمنع الحائل بين ~~الإمام والمأموم من تكبيرة الإحرام ولا استماع التكبير لم يقدح فى الصلاة ، ~~دليله : الأعمى ، ومن بينه وبين الإمام صفوف أو سارية ، فلا معنى للمنع من ~~ذلك . قال المهلب : وفى هذا الحديث جواز الائتمام بمن لم ينو أن يكون إماما ~~فى تلك الصلاة ؛ لأن الناس ائتموا برسول الله من وراء الحائط ولم يعتقد نية ~~معهم على الإمامة ، وهو قول مالك ، والشافعى وقد تقدم . PageV02P351 * * * # | 72 - باب إيجاب التكبير وافتتاح الصلاة # / 105 - فيه : أنس : ( أن رسول الله ركب فرسا ، فصرع عنه ، فجحش شقه . . ~~. ) ، إلى قوله : ( إنما جعل الإمام ليؤتم به ms0550 ، فإذا كبر فكبروا ، وإذا ركع ~~فاركعوا ، وإذا رفع فارفعوا ، وإذا قال : سمع الله لمن حمده ، فقولوا : ~~ربنا ولك الحمد ، وإذا سجد فاسجدوا ) . / 106 - وفيه : أبو هريرة : أن رسول ~~الله قال : ( إنما جعل الإمام ليؤتم به ، فإذا كبر فكبروا ، وإذا ركع ~~فاركعوا . . . ) الحديث . اختلف العلماء فى وجوب تكبيرة الإحرام ، فذهب ~~جمهور العلماء إلى وجوبه ، وذهبت طائفة إلى أنه سنة وممن روى ذلك عنه : ~~سعيد بن المسيب ، والحسن البصرى ، والحكم ، والزهرى ، والأوزاعى ، وقالوا : ~~إن تكبيرة الركوع تجزئه من تكبيرة الإحرام ، وروى عن مالك فى المأموم ما ~~يدل على أنه سنة ، قال فى ( الموطأ ) فى رجل دخل مع الإمام فنسى تكبيرة ~~الافتتاح وتكبيرة الركوع حتى صلى ركعة ، فذكر أنه لم يكن كبر للافتتاح ولا ~~للركوع ، وكبر فى الركعة الثانية ، فقال : يبتدئ صلاته أحب إلى . وروى عنه ~~ابن القاسم فى ( المدونة ) ، أن المأموم إن نسى تكبيرة الافتتاح وكبر ~~للركوع ينوى بها للإحرام ، أجزأه ، وإن لم ينو إحراما تمادى وأعاد احتياطا ~~للاختلاف ، وذلك أنها لا تجزئه عند ربيعة ، وتجزئه عند ابن المسيب ، فوجه ~~قوله فى الموطأ : يبتدئ أحب إلى ، يدل على ما قال فى المدونة : إذا تمادى ~~أجزأه ، غير أنه قال : يعيد احتياطا للصلاة ، ولم يختلف قوله فى المنفرد ~~والإمام أن تكبيرة الإحرام واجبة على كل واحد منهما ، وأن من نسيها منهم ~~يستأنف صلاته . PageV02P352 وحجة الذين أوجبوا تكبيرة الإحرام : قوله عليه ~~السلام : ( فإذا كبر فكبروا ) ، فذكر تكبير الإحرام دون غيره من سائر ~~التكبير ، وقد أجمعوا أن من ترك سائر التكبير غير تكبير الإحرام أن صلاته ~~جائزة ، فدل ذلك على أن سائر التكبير غير تكبيرة الإحرام ليس بلازم ، ~~واحتجوا أيضا على ذلك بما رواه الثورى ، عن عبد الله بن محمد بن عقيل ، عن ~~محمد بن الحنفية ، عن على أن رسول الله قال : ( تحريم الصلاة التكبير ~~وتحليلها التسليم ) ، وكان أحمد وإسحاق يحتجان بهذا الحديث . وحجة الذين ~~رأو تكبيرة الإحرام سنة : إجماعهم أن من ترك التكبير كله ما عدا الإحرام أن ~~صلاته تامة قالوا : وكذلك تكبير الإحرام مثل ms0551 تكبير سائر الصلوات فى القياس ~~؛ لأن التكبير معناه كله واحد فى أنه إذن بحركات الإمام وشعار الصلاة . ~~واختلفوا : هل يجزئ افتتاح الصلاة بالتسبيح والتهليل مكان التكبير ؟ فقال ~~مالك ، وأبو يوسف ، والشافعى ، وأحمد ، وإسحاق : لا يجزئ إلا ( الله أكبر ) ~~، وأجاز الشافعى ( الله أكبر ) . وقال الكوفيون : يجزئ من التكبير ما قام ~~مقامه من تعظيم الله وذكره . وحجة مالك ومن وافقه : قوله عليه السلام : ( ~~وإذا كبر فكبروا ) ، يدل أنه لابد من لفظة التكبير ، ومن زعم غير ذلك فعليه ~~الدليل . * * * # | 73 - باب رفع اليدين في التكبيرة الأولى فى الافتتاح سواء # / 107 - فيه : ابن عمر : ( أن رسول الله كان يرفع يديه حذو منكبيه إذا ~~افتتح الصلاة ، وإذا كبر للركوع ، وإذا رفع رأسه من الركوع ، رفعهما كذلك ~~PageV02P353 أيضا ، وقال : سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد ، وكان لا ~~يفعل ذلك في السجود ) . وترجم له : رفع اليدين إذا كبر وإذا ركع وإذا رفع . ~~وترجم له : إلى أين يرفع يديه . وقال أبو حميد : رفع النبى يديه حذو منكبيه ~~. اختلف العلماء فى رفع اليدين فى الصلاة ، فذهبت طائفة إلى رفع اليدين عند ~~تكبيرة الافتتاح خاصة ، روى ذلك عن عمر ، وعلى ، وابن مسعود ، وابن عباس ، ~~وهو قول الثورى ، وأبى حنيفة ، ورواه ابن القاسم عن مالك . وذهبت طائفة إلى ~~رفع اليدين عند كل رفع وخفض ، قال عطاء : رأيت أبا سعيد الخدرى ، وابن عمر ~~، وابن عباس ، وابن الزبير ، يرفعون أيديهم عند الافتتاح ، وعند الركوع ، ~~وعند رفع الرأس منه ، وكان أنس يفعله ، وفعله أبو حميد الساعدى فى عشرة من ~~الصحابة ، وهو قول الأوزاعى ، رواه ابن وهب ، وأبو مصعب عن مالك ، وإليه ~~ذهب الشافعى ، وأحمد ، وإسحاق ، وأبو ثور ، واحتجوا بحديث ابن عمر . واحتج ~~أهل المقالة الأولى بما رواه سفيان ، عن يزيد بن أبى زياد ، عن ابن أبى ~~ليلى ، عن البراء بن عازب قال : ( كان النبى ، عليه السلام ، إذا كبر ~~لافتتاح الصلاة رفع يديه ، ثم لا يعود ) ، وبما رواه سفيان ، عن عاصم بن ~~كليب ، عن عبد الرحمن بن الأسود ، عن علقمة ، عن عبد الله بن ms0552 مسعود ، ( أن ~~النبى ، عليه السلام ، كان يرفع يديه فى أول تكبيرة ثم لا يعود ) ، قالوا : ~~وقد خالف ابن عمر روايته فى ذلك عن الرسول . قال الطحاوى : وذلك ما حدثنا ~~ابن أبى PageV02P354 داود ، حدثنا أحمد بن يونس ، حدثنا أبو بكر ابن عياش ، ~~عن حصين ، عن مجاهد قال : ( صليت خلف ابن عمر ، فلم يكن يرفع يديه إلا فى ~~التكبيرة الأولى من الصلاة خاصة ) ، فلم يترك ابن عمر الرفع فى خفض ورفع ، ~~وقد رأى الرسول يفعله ، إلا وقد فهم أن ذلك من فعله على الإباحة والتخيير ، ~~يدل على ذلك ما روى مالك ، عن أبى جعفر القارئ ، ونعيم المجمر أنهما أخبراه ~~أن أبا هريرة كان يصلى بهم ، ويكبر كلما خفض ورفع ، وكان يرفع يديه حين ~~يفتتح الصلاة ، ويقول : والله إنى لأشبهكم صلاة برسول الله ، فلما روى ذلك ~~كله عن الرسول لم يكن فى ذلك شىء أولى من حمل الآثار على الإباحة إن لم ~~يثبت فيها النسخ . والدليل على ذلك أن من رفع لم ينكر عليه من لم يرفع ، ~~غير أنه يرجح القول بفعل الخليفتين بعد النبى ، عليه السلام ، عمر ، وعلى ~~بن أبى طالب ، وإن كان قد اختلف فيه عن على ، فلم يختلف فيه عن عمر ، قال ~~الطحاوى : بل قد ثبت ذلك عنه ، أفترى عمر خفى عليه أن نبى الله كان يرفع ~~يديه فى الركوع ، وعلم ذلك من هو دونه أو من هو معه يراه يفعل غير ما كان ~~رسول الله يفعله ولا ينكر ذلك عليه ؟ هذا محال ، فهذا وجهه من طريق الآثار ~~. قال الطحاوى : وأما وجهه من طريق النظر ، فإنهم أجمعوا أن تكبيرة ~~الافتتاح معها رفع ، وأن التكبير بين السجدتين لا رفع معه ، واختلفوا فى ~~تكبيرة النهوض وتكبيرة الرفع ، فقال قوم : حكمها حكم تكبيرة الافتتاح فى ~~الرفع ، وقال آخرون : حكمها حكم التكبير بين السجدتين فى أنه لا رفع فيهما ~~كما لا رفع فيها ، ورأينا تكبيرة الافتتاح PageV02P355 من صلب الصلاة ، ولا ~~تجزئ الصلاة إلا بإصابتها ، فرأينا التكبير بين السجدتين ليس كذلك ؛ لأنها ~~لو تركها تارك ms0553 لم تفسد صلاته ، فأشبه تكبير الركوع فى ذلك لإجماعهم أن من ~~ترك تكبير الركوع والسجود فصلاته تامة ، فكانتا كهى فى أنه لا رفع فيهما ~~كما لا رفع فيها . قال المهلب فى معنى رفع اليدين فى افتتاح الصلاة : إنما ~~هو علم للتكبير ؛ ليرى حركة اليدين من لم يسمع التكبير ، فيعرف أن الإمام ~~كبر ، فيوقع إحرامه بعد إمامه ، وأما غير ذلك من التكبير فهو بحركات فيستوى ~~الناس كلهم فيها . واختلفوا إلى أين يرفع المكبر يديه ، فقال مالك : ~~يرفعهما حذو منكبيه ، وهو قول الشافعى ، وأحمد ، وإسحاق ، واحتجوا بحديث ~~ابن عمر ، وقال أبو حنيفة : يرفع يديه حذو أذنيه ، واحتجوا بما رواه سفيان ~~، عن يزيد بن أبى زياد ، عن ابن أبى ليلى ، عن البراء بن عازب قال : ( كان ~~نبى الله إذا كبر للافتتاح رفع يديه حتى تكون إبهاماه قريبا من شحمتى أذنيه ~~) ، ورواه مالك بن الحويرث ، ووائل بن حجر عن الرسول . قال ابن القصار : ~~فيحمل حديث ابن عمر على الاختيار وحديث البراء على الجواز . وقال الطحاوى : ~~إنما كان الرفع إلى المنكبين فى حديث ابن عمر وقت كانت يداه فى ثيابه بدليل ~~ما رواه شريك ، عن عاصم بن كليب ، عن أبيه ، عن وائل بن حجر قال : ( أتيت ~~النبى ، عليه السلام ، فرأيته يرفع يديه حذاء أذنيه إذا كبر ، ثم أتيته من ~~العام المقبل وعليهم الأكسية والبرانس ، فكانوا يرفعون أيديهم فيها ، وأشار ~~شريك إلى صدره ) ، فأخبر وائل أن رفعهم إلى مناكبهم إنما كان لأن أيديهم ~~كانت فى ثيابهم ، وأن رفعهم أيديهم إلى آذانهم كان حين كانت PageV02P356 ~~أيديهم بادية ، ولم يجز أن يجعل حديث ابن عمر وما أشبهه ، الذى فيه الرفع ~~إلى المنكبين ، كان واليدان باديتان ، لئلا تتضاد الآثار ، وحملها على ~~الاتفاق أولى ، ويكون حديث وائل من رفعه إلى أذنيه فى غير حال البرد . * * ~~* # | 74 - باب رفع اليدين إذا قام من الركعتين # / 108 - فيه : ابن عمر : أنه كان إذا دخل في الصلاة كبر ورفع يديه ، وإذا ~~ركع رفع يديه ، وإذا قال : سمع الله لمن حمده رفع يديه ، وإذا قام ms0554 من ~~الركعتين رفع يديه ، ورفعه إلى النبي عليه السلام . ورواه عبيد الله وأيوب ~~وموسى بن عقبة عن نافع . والرفع عند القيام زيادة فى هذا الحديث على ما ~~رواه ابن شهاب ، عن سالم فيه ، يجب قبولها لمن يقول بالرفع ، وليس فى حديث ~~ابن شهاب ، ما يدفعها بل فيه ما يثبتها ، وهو قوله : وكان لا يفعل ذلك بين ~~السجدتين ، فدليله أنه كان يفعلها فى كل خفض ورفع ما عدا السجود ، وكان ~~أحمد بن حنبل لا يرفع بين السجدتين ، ولا عند القيام من الركعتين ، وهو ممن ~~يقول بالرفع فى كل خفض ورفع ، فيمكن أن يرد عليه البخارى بهذا الحديث . * * ~~* # | 75 - باب وضع اليمنى على اليسرى في الصلاة # / 109 - فيه : سهل بن سعد قال : كان الناس يؤمرون أن يضع الرجل اليد ~~اليمنى على ذراعه اليسرى في الصلاة . قال أبو حازم : لا أعلمه إلا ينمي ذلك ~~إلى رسول الله . PageV02P357 اختلف العلماء فى هذا الباب ، فممن روى عنه ~~وضع اليمنى على اليسرى فى الصلاة : أبو بكر الصديق ، وعلى بن أبى طالب ، ~~وهو قول الثورى والكوفيين ، وقال ابن حبيب : سألت مطرفا ، وابن الماجشون عن ~~ذلك فقالا : لا بأس به فى المكتوبة والنافلة ، وروياه عن مالك ، ورواه أشهب ~~، وابن نافع ، وابن وهب ، عن مالك أيضا ، وهو قول الشافعى ، وأحمد ، وإسحاق ~~، وهو من باب الخشوع . وقال عطاء : من شاء فعل ذلك ، ومن شاء تركه ، وهو ~~قول الأوزاعى . ورأت طائفة إرسال اليدين فى الصلاة ، روى ذلك عن ابن الزبير ~~، والحسن البصرى ، وسعيد بن المسيب ، ورأى سعيد بن جبير رجلا يصلى واضعا ~~يمينه على شماله ، فذهب ففرق بينهما . وروى ابن القاسم عن مالك قال : لا ~~أحبه فى المكتوبة ولا بأس به فى النوافل من طول القيام . وحجة أهل المقالة ~~الأولى حديث سهل بن سعد ، وقد روى ابن مسعود ، ووائل بن حجر ، ووالد قبيصة ~~، عن النبى ، عليه السلام ، مثل حديث سهل بن سعد ، وقال على بن أبى طالب : ~~ذلك من السنة ، وقال فى قوله تعالى : { فصل لربك وانحر } [ الكوثر : 2 ] ، ~~قال : وضع ms0555 اليمين على الشمال فى الصلاة تحت الصدور ، وروى أن ابن عمر كان ~~يفعله . قال ابن القصار : ووجه قول من كره ذلك أنه عمل فى الصلاة ، وربما ~~شغل صاحبه ، وربما دخله ضرب من الرياء ، وقد علم النبى ، PageV02P358 عليه ~~السلام ، الأعرابى الصلاة ولم يأمره بوضع اليد على اليد ، فإن قيل : إن ~~وضعها من الخشوع ، قيل : الخشوع لله ، تعالى ، الإقبال عليه والإخلاص فى ~~الصلاة . وقوله : ينمى يعنى يرفع . * * * # | 76 - باب الخشوع في الصلاة # / 110 - فيه : أبو هريرة ، أن رسول الله قال : ( هل ترون قبلتي ها هنا ؟ ~~، والله ما يخفى علي ركوعكم ، ولا خشوعكم ، وإني لأراكم من وراء ظهري ) . / ~~111 - وفيه : أنس ، قال النبي : ( أقيموا الركوع والسجود ، فوالله إني ~~لأراكم من بعدي - وربما قال من بعد ظهري - إذا ركعتم وسجدتم ) . قال المؤلف ~~: مدح الله تعالى ، من كان خاشعا فى صلاته مقبلا عليها بقلبه ، قال تعالى : ~~{ قد أفلح المؤمنون الذين هم فى صلاتهم خاشعون } [ المؤمنون : 1 ، 2 ] ، ~~وقال على بن أبى طالب : الخشوع فى القلب وأن لا تلتفت فى صلاتك ، وقال ابن ~~عباس : { الذين هم فى صلاتهم خاشعون } ، يعنى : خائفين ساكنين . فإن قال ~~قائل : الخشوع فرض فى الصلاة . قيل له : بحسب الإنسان أن يقبل على صلاته ~~بقلبه ونيته ويريد بذلك وجه الله ولا طاقة له فيما اعترض من الخاطر ، وقد ~~روى عن عمر بن الخطاب أنه قال : إنى لأجهز جيشى فى الصلاة ، رواه حفص بن ~~غياث ، عن عاصم ، عن أبى عثمان النهدى ، عن عمر . PageV02P359 وروى حفص عن ~~هشام بن عروة ، عن أبيه قال : قال عمر بن الخطاب : إنى لأحسب جزية البحرين ~~وأنا فى صلاتى . قال المهلب : وفى حديث هذا الباب النهى عن نقصان الركوع ~~والسجود لتوعد الرسول لهم على ذلك . وفيه : دليل أن الطمأنينة والاعتدال فى ~~الركوع والسجود من سنن الصلاة وليس من فروضها ؛ لأن الرسول لم يأمر هؤلاء ~~الذين قال لهم : ( لم يخف على ركوعكم ولا سجودكم ) ، بالإعادة ، ولو كان من ~~فروض الصلاة ما سكت عن إعلامهم بذلك ؛ لأن فرضا عليه البيان لأمته ، وسأذكر ms0556 ~~اختلاف العلماء فى ذلك فى باب أمر النبى الذى لا يتم ركوعه بالإعادة فى ~~أبواب الركوع بعد هذا ، إن شاء الله . * * * # | 77 - باب ما يقول بعد التكبير # / 112 - فيه : أنس : ( أن نبي الله ، وأبا بكر وعمر كانوا يفتتحون الصلاة ~~ب { الحمد لله رب العالمين } [ الفاتحة 2 ] ) . / 113 - وفيه : أبو هريرة ~~أن الرسول كان يسكت بين التكبير والقراءة إسكاتة - قال : أحسبه ، قال : ~~هنية - فقلت : بأبي أنت وأمي يا رسول الله ، إسكاتك بين التكبير والقراءة ، ~~ما تقول ؟ قال : ( أقول : اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين ~~المشرق والمغرب ، اللهم نقني من الخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس ، ~~اللهم اغسل خطاياي بالماء والثلج والبرد ) . قال المؤلف : حديث أنس حجة لمن ~~قال : لا يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم فى صلاة فى أول فاتحة الكتاب ، وهو ~~قول مالك والأوزاعى . PageV02P360 وقال ابن أبى ليلى ، وأبو حنيفة ، ~~وأصحابه ، والثورى ، والشافعى ، وأحمد ، وإسحاق ، وأبو ثور : هى آية من ~~فاتحة الكتاب . ومن حجة أهل المقالة الأولى : أن الطريق إلى إثبات آية من ~~السورة كالطريق إلى إثبات السورة بعينها ، وقد حصل لنا العلم الضرورى بنقل ~~الكافة أن الحمد سورة من القرآن ولم يقع لنا العلم الضرورى أن بسم الله ~~الرحمن الرحيم آية منها ، فلا يجوز إثبات قرآن إلا بنقل الكافة ، ووجدنا ~~أهل المدينة بأسرهم ينفون كونها من فاتحة الكتاب مع اتصال القارئ بقراءتها ~~فى كل صلاة ، وسائر الأئمة على إقامة الصلوات من لدن رسول الله إلى وقتنا ~~هذا وليس هذا مما ينسى أو يقع فيه قلة ضبط ؛ لأن هذا أشهر من الأجناس وزكاة ~~الخضر والمد والصاع الذى يحتج به مخالفنا فى هذه المسألة على مخالفته ؛ ألا ~~ترى قول أنس أن الرسول وأبا بكر وعمر كانوا يفتتحون الصلاة بالحمد لله رب ~~العالمين ، وقوله : كانوا يفتتحون إخبار عن فعل دائم ، وقد قال عروة بن ~~الزبير ، وعبد الرحمن الأعرج : أدركنا الأئمة وما يفتتحون الصلاة إلا ~~بالحمد لله رب العالمين . قال الطحاوى : وقد رأيناها مكتوبة فى فواتح السور ~~فى فاتحة الكتاب وفى ms0557 غيرها وكانت فى غير فاتحة الكتاب ليست بآية ، فثبت ~~أنها أيضا فى فاتحة الكتاب ليست بآية . وأما حديث السكتة فى حديث أبى هريرة ~~، فإن الأوزاعى ، والشافعى ، وأحمد بن حنبل يقولون بها ، وقال الشافعى : ~~أحب للإمام أن يكون له سكتة بين التكبير والقراءة ، ليقرأ فيها المأموم ~~بالحمد لله رب العالمين . وقال مالك والكوفيون : لا شىء بعد التكبير إلا ~~قراءة فاتحة الكتاب ، وحديث أبى هريرة يرد العلة التى علل بها الشافعى هذه ~~السكتة ؛ لأن أبا هريرة سأل الرسول عنها فقال : أقول : ( اللهم باعد ~~PageV02P361 بينى وبين خطاياى . . . ) ، الحديث ، ولو كانت ليقرأ من وراء ~~الإمام فيها لقال عليه السلام ، إنى أسكت لكى يقرأ من ورائى : ( الحمد لله ~~رب العالمين ) ، فبين عليه السلام أن السكتة لغير ما قال الشافعى ، واستحب ~~أبو حنيفة ، ومحمد أن يسبح بعد التكبير ، وقال أبو يوسف : يسبح ويقول : { ~~وجهت وجهى للذى فطر السموات والأرض } [ الأنعام : 79 ] الآية ، وقال ~~الشافعى : يقول : وجهت وجهى ولا يسبح . وقال مالك : إنما يجب التكبير ، ثم ~~القراءة ولو كانت هذه الإسكاتة مما واظب عليها النبى ، عليه السلام ، لم ~~يخف ذلك ، ولنقلها أهل المدينة عيانا وعملا ، فيحتمل أن يكون عليه السلام ، ~~فعلها فى وقت ثم تركها تخفيفا عن أمته ، فتركها واسع . والهنية : كل شىء ~~صغير ندر من شىء ، قال الفسوى : يقال : هن يهن من الدهر وهننى هنة . وقوله ~~: هنية من الدهر مصروف إلى هننى . قال ثعلب : هنية ، قال : وهو الأكثر فى ~~كلامهم ؛ لأنهم يؤقتون هذا الحد ، فيقولون : مضت برهة من الدهر وحقبة ، قال ~~الفسوى : وقد يجوز أن يكون هنيهة ، والأجود هنية ، فأما هنيئة فبالهمز . * ~~* * # | 78 - باب رفع البصر إلى الإمام في الصلاة # وقالت عائشة : قال رسول الله في صلاة الكسوف : ( فرأيت جهنم يحطم بعضها ~~بعضا حين رأيتموني تأخرت ) . PageV02P362 / 114 - فيه : خباب : ( كنا نعرف ~~قراءة رسول الله في الظهر والعصر باضطراب لحيته ) . / 115 - وفيه : البراء ~~: ( أنهم كانوا إذا صلوا مع الرسول ، فرفع رأسه من الركوع ، قاموا قياما ، ~~حتى يرونه قد سجد ) . / 116 - وفيه : ابن عباس : كسفت الشمس على عهد ms0558 رسول ~~الله فصلى ، فقلنا : يا رسول الله ، رأيناك تناولت شيئا في مقامك ، ثم ~~رأيناك تكعكعت ، قال : ( رأيت الجنة ، فتناولت منها عنقودا ، ولو أخذته ~~لأكلت منه ما بقيت الدنيا ) . اختلف العلماء أى موضع ينظر المصلى فى صلاته ~~، فقال الكوفيون ، والشافعى ، وإسحاق ، وأبو ثور : ينظر إلى موضع سجوده . ~~وروى ذلك عن إبراهيم ، وابن سيرين ، وقال الشافعى : هو أقرب إلى الخشوع ، ~~وقال مالك : ينظر إلى إمامه وليس عليه أن ينظر إلى موضع سجوده وهو قائم ، ~~ولا يحد فى موضع نظره حدا ، وأحاديث هذا الباب حجة لمالك . قال المهلب : ~~لأنهم لو لم ينظروا إليه عليه السلام ، ما رأوا تأخره حين عرضت عليه جهنم ، ~~ولا رأوا اضطراب لحيته ، ولا استدلوا بذلك على قراءته ، ولا نقلوا ذلك ، ~~ولا رأوا تناوله ما تناول فى قبلته حين مثلت له الجنة ، ومثل هذا الحديث ~~قوله : ( إنما جعل الإمام ليؤتم به ) ؛ لأن الائتمام به لا يكون إلا ~~بمراعاة حركاته فى خفضه ورفعه . قال غيره : وإنما لم يأخذ العنقود ، والله ~~أعلم ، لأنه كان من طعام الجنة ، وطعام الجنة لا يفنى ، ولا يجوز أن يؤكل ~~فى الدنيا إلا ما يفنى ؛ لأن الله خلقها للفناء ، فلا يكون فيها شىء من ~~أمور البقاء . PageV02P363 * * * # | 79 - باب رفع البصر إلى السماء في الصلاة # / 117 - فيه : أنس : قال رسول الله : ( ما بال أقوام يرفعون أبصارهم إلى ~~السماء في صلاتهم ، فاشتد قوله في ذلك ، حتى قال : لينتهين عن ذلك ، أو ~~لتخطفن أبصارهم ) . العلماء مجمعون على القول بهذا الحديث وعلى كراهية ~~النظر إلى السماء فى الصلاة ، وقال ابن سيرين : كان رسول الله مما ينظر إلى ~~السماء فى الصلاة ، فيرفع بصره حتى نزلت آية إن لم تكن هذه فما أدرى ما هى ~~: { الذين هم فى صلاتهم خاشعون } [ المؤمنون : 2 ] ، قال : فوضع النبى رأسه ~~. وقال شريح لرجل رآه رفع بصره ويده إلى السماء : اكفف يدك واخفض بصرك ، ~~فإنك لن تراه ، ولن تناله . وذكر الطبرى عن إبراهيم التيمى أنه قال : كان ~~يكره أن يرفع الرجل بصره إلى السماء فى الدعاء ، يعنى : فى ms0559 غير الصلاة . * ~~* * # | 80 - باب الالتفات في الصلاة # / 118 - فيه : عائشة قالت : سألت رسول الله عن الالتفات في الصلاة ، فقال ~~: ( هو اختلاس يختلسه الشيطان من صلاة العبد ) . / 119 - وفيه : عائشة أن ~~نبي الله صلى في خميصة لها أعلام ، فقال : ( شغلتني أعلام هذه ، اذهبوا بها ~~إلى أبي جهم ، وأتوني بأنبجانية ) . PageV02P364 الالتفات فى الصلاة مكروه ~~عند العلماء ، وذلك أنه إذا أوما ببصره وثنى عنقه يمينا وشمالا ترك الإقبال ~~على صلاته ، ومن فعل ذلك فقد فارق الخشوع المأمور به فى الصلاة ، ولذلك ~~جعله النبى اختلاسا للشيطان من الصلاة ، وأما إذا التفت لأمر يعن له من أمر ~~الصلاة أو غيرها فمباح له ذلك وليس من الشيطان ، والله أعلم . وقال المهلب ~~: قوله : ( هو اختلاس يختلسه الشيطان من صلاة العبد ) ، هو حض على إحضار ~~المصلى ذهنه ونيته لمناجاة ربه ، ولا يشتغل بأمر دنياه ، وذلك أن العبد لا ~~يستطيع أن يخلص صلاته من الفكر فى أمور دنياه ؛ لأن الرسول قد أخبر أن ~~الشيطان يأتى إليه فى صلاته ، فيقول له : اذكر كذا اذكر كذا ؛ لأن موكل به ~~فى ذلك ، وقد قال عليه السلام : ( من صلى ركعتين لا يحدث فيهما نفسه غفر له ~~) ، وهذا لمغالبته الإنسان ، فمن جاهد شيطانه ونفسه وجبت له الجنة ، وقد ~~نظر عليه السلام ، إلى أعلام الخميصة وقال : ( إنها شغلتنى ) ، فهذا مما لا ~~يستطاع على دفعه فى الأعم ، وقد اختلف السلف فى ذلك فممن كان لا يلتفت فى ~~الصلاة أبو بكر وعمر ، وقال ابن مسعود : إن الله لا يزال مقبلا على العبد ~~ما دام فى صلاته ما لم يحدث أو يلتفت . ونهى عنه أبو الدرداء ، وأبو هريرة ~~، وقال عمرو بن دينار : رأيت ابن الزبير يصلى فى الحجر ، فجاءه حجر قدامه ~~فذهب بطرف ثوبه ، فما التفت . وقال ابن أبى مليكة : إن ابن الزبير كان يصلى ~~بالناس ، فدخل سيل فى المسجد فما أنكر الناس من صلاته شيئا حتى فرغ منها . ~~وقال الحكم : من تأمل من يمينه أو شماله فى الصلاة PageV02P365 حتى يعرفه ~~فليست له صلاة ، وقال أبو ثور : إن ms0560 التفت ببدنه كله أفسد صلاته . وقال ~~الحسن البصرى : إذا استدبر الرجل القبلة استقبل صلاته ، وإن التفت عن يمينه ~~أو شماله مضى فى الصلاة . ورخصت فيه طائفة ، فقال ابن سيرين : رأيت أنس بن ~~مالك يشرف إلى الشىء فى صلاته ينظر إليه . وقال معاوية بن قرة : قيل لابن ~~عمر : إن ابن الزبير إذا قام فى الصلاة لم يتحرك ولم يلتفت فقال : لكنا ~~نتحرك ونلتفت ، وكان إبراهيم يلحظ يمينا وشمالا ، وكان ابن معقل يفعله . ~~وقال عطاء : الالتفات لا يقطع الصلاة ، وهو قول مالك ، والكوفيين ، ~~والأوزاعى . وقال ابن القاسم : وإن التفت بجميع جسده لا يقطع الصلاة . ~~والحجة لنا أن نبى الله لم يأمر منه بالإعادة حين أخبر أنه اختلاس من ~~الشيطان ، ولو وجبت فيه الإعادة لأمرنا بها ؛ لأنه بعث معلما ، كما أمر ~~الأعرابى بالإعادة مرة بعد أخرى . PageV02P366 * * * # | 81 - باب هل يلتفت لأمر ينزل به أو يرى شيئا أو بزاقا في القبلة # وقال سهل : التفت أبو بكر ، فرأى النبي عليه السلام . / 120 - فيه : ابن ~~عمر : رأى رسول الله نخامة في قبلة المسجد ، وهو يصلي بين يدي الناس ، ~~فحتها ، ثم قال حين انصرف : ( إن أحدكم ، إذا كان في الصلاة فإن الله قبل ~~وجهه ، فلا يتنخمن أحدكم قبل وجهه في الصلاة ) . / 121 - وفيه : أنس : ( ~~بينما المسلمون في صلاة الفجر لم يفجأهم إلا رسول الله كشف ستر حجرة عائشة ~~، فنظر إليهم ، وهم صفوف ، فتبسم يضحك ، ونكص أبو بكر على عقبيه ، ليصل له ~~الصف ، فظن أنه يريد الخروج ، وهم المسلمون أن يفتتنوا في الصلاة ، فأشار ~~إليهم ، أتموا صلاتكم ، وأرخى الستر ، وتوفي من آخر ذلك اليوم - صلى الله ~~عليه وسلم - ) . الالتفات فيما ينوب المصلى ويحتاج إليه إذا كان خفيفا لا ~~يضر الصلاة عند العلماء ، وقد قال النخعى : إذا دخل على الإمام السهو ، ~~فليلمح من خلفه ولينظر ما يصنع . وموضع الترجمة من حديث أنس هو أنهم ~~التفتوا إليه عليه السلام ، حين كشف الستر ونظر إليهم فى الصلاة ، والدليل ~~على التفاتهم إليه قول أنس : فأشار إليهم أن أتموا صلاتكم ، ولولا التفاتهم ~~إليه ms0561 ما رأوا إشارته . قال المهلب : وفى حديث ابن عمر أن النبى ، عليه ~~السلام ، حت النخامة فى الصلاة ، وتكلم بعد الصلاة ، وقد يأتى فى بعض ~~PageV02P367 الطرق ما يدل على أنه حتها بعد انقضاء الصلاة ، وكيف كان فإنه ~~عمل يسير يجوز فى الصلاة وهو كبزاقه فى ثوبه فى الصلاة ، ورد بعضه على بعض ~~، وكإباحته البصاق تحت قدمه وحكه ، وهو كله متقارب ، قال المهلب : وقد أخبر ~~عليه السلام ، بمعنى كراهية التنخم قبل الوجه وهو أن الله قبل وجهه ، فوجب ~~أن يكون التنخم قبل الوجه سوء أدب . * * * # | 82 - باب وجوب القراءة للإمام والمأموم في الصلوات كلها ، في الحضر ~~والسفر ، وما يجهر فيها بالقراءة وما يخافت # / 122 - فيه : جابر بن سمرة قال : شكا أهل الكوفة سعدا إلى عمر فعزله ، ~~واستعمل عليهم عمارا ، فشكوا ، حتى ذكروا أنه لا يحسن يصلي ، فأرسل إليه ، ~~فقال : يا أبا إسحاق ، إن هؤلاء يزعمون أنك لا تحسن تصلي ، فقال : أما أنا ~~والله ، فإني كنت أصلي بهم صلاة رسول الله ما أخرم عنها ، أصلي صلاة العشاء ~~، فأركد في الأوليين ، وأخفف في الأخريين ، قال : ذلك الظن بك ، فأرسل معه ~~رجلا أو رجالا إلى الكوفة ، يسأل عنه ، فلم يدع مسجدا إلا سأل عنه ، ويثنون ~~معروفا حتى دخل مسجدا لبني عبس ، فقام رجل منهم يقال له : أسامة بن قتادة ، ~~يكنى أبا سعدة ، فقال : أما إذ نشدتنا ، فإن سعدا كان لا يسير بالسرية ، ~~ولا يقسم بالسوية ، ولا يعدل في القضية ، فقال سعد : أما والله لأدعون ~~بثلاث : اللهم إن كان عبدك هذا كاذبا ، قام مقام رياء وسمعة ، PageV02P368 ~~فأطل عمره ، وأطل فقره ، وعرضه للفتن ، وكان بعد إذا سئل يقول : شيخ كبير ~~مفتون ، أصابتني دعوة سعد . قال عبدالملك بن عمير : فأنا رأيته بعد قد سقطت ~~حاجباه على عينيه من الكبر ، وإنه ليتعرض للجواري في الطرق فيغمزهن . / 123 ~~- وفيه : عبادة بن الصامت قال : قال رسول الله : ( لا صلاة لمن لم يقرأ ~~بفاتحة الكتاب ) . / 124 - وفيه : أبو هريرة أن رسول الله دخل المسجد ، ~~فدخل رجل ، فصلى ، فسلم على الرسول فرده ، وقال ms0562 : ( ارجع ، فصل ، فإنك لم ~~تصل ) ، قالها : ثلاثا ، ثم قال : والذي بعثك بالحق ما أحسن غيره ، فعلمني ~~، فقال : إذا قمت إلى الصلاة ، فكبر ، ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن . . . ~~، الحديث . اختلف العلماء فى وجوب القراءة فى الصلاة فقال مالك ، والشافعى ~~، وأحمد ، وإسحاق ، وجمهور الفقهاء : قراءة فاتحة الكتاب للإمام والمنفرد ~~واجبة لا تجزئ الصلاة إلا بها . وقال أبو حنيفة : الواجب فى القراءة فى ~~الصلاة ما تناوله اسم القرآن ، وذلك ثلاث آيات قصار أو آية طويلة كآية ~~الدين ، من أى سورة شاء ، واحتج بقوله عليه السلام للذى رده ثلاثا : ( اقرأ ~~ما تيسر معك من القرآن ) ، قال : ولم يخص سورة من غيرها ، فإذا قرأ ما تيسر ~~عليه فقد فعل الواجب ، وقال أصحابه : قوله : ( لا صلاة لمن يقرأ بفاتحة ~~الكتاب ) ، معناه : لا صلاة كاملة ، كقوله : ( لا صلاة لجار المسجد إلا فى ~~المسجد ) ؛ لإجماعهم أن صلاته جائزة فى داره أو حيث صلاها ، فنفى عنه ~~الكمال ، فكذلك هاهنا . PageV02P369 قالوا : وحديث عبادة ليس على العموم ؛ ~~لأن المأموم لا تجب عليه قراءة فيما جهر فيه الإمام عند مخالفنا ، ويحملها ~~الإمام عنه فيما أسر فيه إذا نسيها المأموم . وحجة من أوجبها قوله : ( لا ~~صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب ) ، فنفى أن تكون صلاة لمن لم يقرأ بها فهو ~~على ظاهره إلا ما خصته الدلالة . وأما قوله عليه السلام للذى رده ثلاثا : ( ~~اقرأ ما تيسر معك من القرآن ) ، فهو مجمل ، وحديث عبادة مفسر ، والمفسر قاض ~~على المجمل ، فكأنه قال : اقرأ ما تيسر معك من القرآن ، أى : اقرأ فاتحة ~~الكتاب التى قد أعلمت أنه لا صلاة إلا بها فهى ما تيسر من القرآن . ~~واختلفوا فى قوله عليه السلام : ( لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب ) ، ~~إن كان على العموم أو الخصوص ، فقالت طائفة : هو على العموم ، ويجب على ~~المرء فى كل ركعة قراءة فاتحة الكتاب صلاها منفردا أو مأموما ، أو إماما ~~فيما يجهر فيه الإمام أو يسر ، هذا مذهب الأوزاعى ، والشافعى ، وأبو ثور ، ~~وإلى هذا أشار البخارى فى قوله : وجوب القراءة ms0563 للإمام والمأموم . وقالت ~~طائفة : قوله : ( لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب ) ، على العموم إلا أن ~~يصلى خلف الإمام فيما يجهر فيه الإمام ويسمع قراءته ، فإنه لا يقرأ لقوله : ~~{ وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا } [ الأعراف : 204 ] ، ولا يختلف ~~أهل التأويل أن المراد بهذه الآية سماع القرآن فى الصلاة ، ومعلوم أن هذا ~~لا يكون إلا فى صلاة الجهر ؛ لأن السر لا يستمع إليه ولقوله عليه السلام : ~~( إنما جعل الإمام ليؤتم به ، فإذا كبر فكبروا ، وإذا قرأ فأنصتوا ) ، وقد ~~صححه أحمد بن حنبل ، هذا قول مالك ، وأحمد ، وإسحاق . PageV02P370 وقالت ~~طائفة : قوله : ( لا صلاة لمن لم يقرأ فيها بفاتحة الكتاب ) ، على الخصوص ، ~~وإنما خوطب بذلك من صلى وحده ، فأما من صلى مع الإمام فليس عليه أن يقرأ لا ~~فيما جهر ولا فيما أسر ، هذا قول الثورى ، والكوفيين . واختلفوا أيضا هل ~~القراءة واجبة فى الصلاة كلها أو فى بعضها ، فقال مالك : من ترك القراءة فى ~~ركعة من الصبح أو فى ركعتين أو أكثر من سائر الصلوات أعاد الصلاة وتجزئه فى ~~ترك القراءة فى ركعة من غير الصبح سجدتا السهو قبل السلام . وقال ابن ~~الماجشون : من ترك القراءة من ركعة من الصبح أو أى صلاة كانت تجزئه سجدتا ~~السهو . وقال ابن أبى زيد : روى عن المغيرة فيمن لم يقرأ فى الظهر إلا فى ~~ركعة منها تجزئه سجدتا السهو قبل السلام . وقال الشافعى ، وجماعة ، وأحمد : ~~القراءة واجبة على الإمام والمنفرد فى كل ركعة ، والشافعى يقول ذلك فى ~~المأموم أيضا . وقال أبو حنيفة ، والثورى : القراءة واجبة فى ركعتين من ~~الظهر والعصر والمغرب والعشاء الآخرة ، وليس واجبة فى باقيها ، واحتجوا بأن ~~القراءة لو كانت واجبة فى الأخريين لكان عليه أن يجمع بين فاتحة الكتاب ~~وسورة معها كالأوليين . والحجة عليهم قوله : ( لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة ~~الكتاب ) ، فهو على عمومه إلا ما قامت عليه الدلالة ، ولما كانت الركعة ~~الواحدة صلاة بإجماع أن الوتر ركعة وهى صلاة ، دل أن القراءة واجبة فى كل ~~PageV02P371 ركعة بفاتحة الكتاب ، وأيضا قول ms0564 جابر : كل ركعة لم يقرأ فيها ~~بفاتحة الكتاب فلم تصل إلا وراء إمام . وأما ذكر حديث سعد فى هذا الباب ~~فوجهه أنه لما قال : أركد فى الأوليين وأخفف فى الأخريين علم أنه أراد : ~~أطيل القراءة فى الأوليين وأقصرها فى الأخريين ؛ لأنه لا خلاف بين الأمة فى ~~وجوب القراءة فى الركعتين الأوليين . وقوله : ( أركد ) ، أى : أديم القيام ~~وأثبت فيها ، والركود : الثبوت والدوام عند أهل اللغة ، ومنه نهيه عن البول ~~فى الماء الراكد ، أى : الدائم . وقوله : ( أحذف فى الأخريين ) ، أى : ~~أقصرهما ، وأصل الحذف من الشىء النقص منه . وقوله : ( لا أخرم عنها ) ، أى ~~: لا أنقص صلاتى من صلاة رسول الله ، وأصل الخرم : قطع بعض وترة الأنف ، ~~يقال إذا قطع ذلك من الرجل : أخرم ، والمرأة : خرماء ، ثم يستعمل ذلك فى كل ~~منتقص منه . وفى حديث سعد من الفقه : أنه من شكى به من الولاة أنه يسأل عنه ~~الإمام فى موضع عمله أهل الفضل منهم ، ألا ترى أن عمر إنما كان يسأل عنه فى ~~المساجد عمارها وأهل ملازمة الصلاة فيها . وفيه : أن الوالى إذا شكى به أنه ~~يعزل إذا رأى ذلك الإمام صلاحا له ، ولمن شكا به وإن كذب عليه فى الشكاية ؛ ~~لأن سعدا أثنى عليه أهل الكوفة خيرا غير شيخ منهم ، فعزله عمر ورأى ذلك ~~صلاحا للرعية والسياسة لها ، لئلا يبقى عليهم أمير وفيهم من يكرهه ، فيتعذب ~~الكاره والمكروه ، وربما يؤدى ذلك إلى ما تسوء عاقبته ، وقول عمر لسعد : ( ~~ذلك الظن بك ) ، يدل أنه لم يقبل قول الشاكى PageV02P372 عليه ، وقد صرح ~~بذلك عمر حين طعنه العلج فقيل له : أوص يا أمير المؤمنين ، فقال لهم : ما ~~أحد أحق بهذا الأمر من النفر الذين توفى رسول الله وهو عنهم راض ، فسماهم ~~ثم قال : إن أدركت الإمارة سعدا فهو ذاك وإلا فليستعن به أيكم ما أمر ، ~~فإنى لم أعزله عن عجز ولا خيانة ، ذكره البخارى فى باب مناقب عثمان ، رضى ~~الله عنه . روى الطبرى عن سعد أن الرسول دخل عليه يعوده فى مرضه بمكة ، ~~فرقاه وقال : ( اللهم ms0565 أصح جسمه وقلبه واكشف سقمه ، وأجب دعوته ) . * * * # | 83 - باب القراءة في الظهر # / 125 - فيه : جابر بن سمرة : قال سعد : ( كنت أصلى بهم صلاة رسول الله ~~صلاتى العشى لا أخرم عنها ، بحيث أركد فى الأوليين وأحذف فى الأخريين ، قال ~~عمر : ذلك الظن بك ) . / 126 - وفيه : أبو قتادة قال : ( كان عليه السلام ، ~~يقرأ في الركعتين الأوليين من صلاة الظهر بفاتحة الكتاب وسورتين ، يطول في ~~الأولى ويقصر في الثانية ، يسمع الآية أحيانا ، وكان يقرأ في العصر بفاتحة ~~الكتاب وسورتين ، وكان يطول في الركعة الأولى من صلاة الصبح ، ويقصر في ~~الثانية ) . / 127 - وفيه : خباب قيل له : أكان رسول الله يقرأ في الظهر ~~والعصر ؟ قال : نعم ، قلنا : بأي شيء كنتم تعرفون ذلك ؟ قال : باضطراب ~~لحيته . قال المؤلف : إنما ساق البخارى هذه الآثار ؛ لأنه قد روى عن ابن ~~عباس ما يعارضها ، وذلك ما روى أبو ذر ، عن شعبة مولى PageV02P373 ابن عباس ~~، عن ابن عباس أنه سأله رجل أفى الظهر والعصر قراءة ؟ فقال : لا . وروى عنه ~~عكرمة قال : قرأ رسول الله فى صلوات وسكت ، فنقرأ فيما قرأ ونسكت فيما سكت ~~، فقيل له : فلعله كان يقرأ فى نفسه ، فغضب ، وقال : تتهم رسول الله ! . ~~قال الطحاوى : فذهب قوم إلى ما روى عن ابن عباس ، فقالوا : لا نرى لأحد أن ~~يقرأ فى الظهر والعصر البتة ، وهو قول سويد بن غفلة . وقال الطبرى ، قال ~~الآخرون : فى كل صلاة قراءة ، غير أنه يجزئ فيما أمر المصلى أن يخافت فيه ~~بالقراءة قراءته فى ركعتين منها ، وله أن يسبح فى باقيها ، وروى ذلك عن ابن ~~مسعود ، والنخعى ، فجعل أهل هذه المقالة سكوت رسول الله على الخصوص ، ~~وقالوا : إنما سكت عن القراءة فى الأخريين ، وأما الأوليين فإنه كان يقرأ ~~فيهما ؛ لأنه لا خلاف بين الجميع أنه كان يقرأ فيما يجهر فيه من الصلوات فى ~~الأوليين قالوا : فحكم ما خافت فيه الإمام بالقراءة حكم ما جهر فيه ، فى أن ~~فى الأوليين قراءة وترك القراءة فى الأخريين ، هذا قول الكوفيين . وقال ~~آخرون : لم يكن النبى ، عليه السلام ms0566 ، ترك القراءة فى شىء من صلاته ، ولكنه ~~كان يجهر فى بعض ويخافت فى بعض ، هذا قول أهل الحجاز ، وأحمد ، وإسحاق ، ~~وأنكروا قول ابن عباس ، وقالوا : قد روى عنه خلاف ذلك بإسناد أصح من إسناد ~~الخبر عنه بإنكار القراءة فى الظهر والعصر . وقال الطبرى : وذلك ما حدثنا ~~يعقوب بن إبراهيم ، حدثنا هشام ، عن حصين ، عن عكرمة ، عن ابن عباس قال : ( ~~قد علمت السنة كلها ، غير أنى لا أدرى PageV02P374 أكان رسول الله يقرأ فى ~~الظهر والعصر أم لا ) ، ولا يندفع العلم اليقين بغير علم . قال الطحاوى : ~~وقد روى عن ابن عباس من رأيه خلاف ما تقدم عنه ، روى إسماعيل ابن أبى خالد ~~، عن العيزار بن حريث ، عن ابن عباس قال : ( اقرأ خلف الإمام بفاتحة الكتاب ~~فى الظهر والعصر ) ، فهذا ابن عباس قد قال من رأيه : أن المأموم يقرأ خلف ~~الإمام فى الظهر والعصر ، وقد رأينا الإمام يحمل عن المأموم ولم نر المأموم ~~يحمل عن الإمام شيئا ، فإذا كان المأموم يقرأ فالإمام أحرى بذلك . وإذ قد ~~صح عنه أنه قال : لا أدرى أقرأ رسول الله أم لا ؟ ! فقد انتفى ما قال من ~~ذلك ؛ لأن غيره قد حقق قراءة رسول الله فيهما ، وهو نص حديث أبى قتادة ~~ودليل حديث خباب ، وسعد وقد روى عن يحيى فى حديث أبى قتادة : أن النبى كان ~~يقرأ فى الظهر فى الأوليين بأم القرآن وسورتين ، وفى الأخريين بأم الكتاب ، ~~وهو قاطع للخلاف ، ذكره البخارى فى باب يقرأ فى الأخريين بفاتحة الكتاب بعد ~~هذا . وروى سفيان عن ابن جريج ، عن عطاء ، عن أبى هريرة قال : ( فى كل ~~الصلاة قراءة فما أسمعنا رسول الله أسمعناكم ، وما أخفاه عنا أخفيناه عنكم ~~) . وروى شعبة ، عن سماك ، عن جابر بن سمرة قال : ( كان رسول الله يقرأ فى ~~الظهر بسبح اسم ربك الأعلى ) . وحماد بن سلمة ، عن سماك ، عن جابر بن سمرة ~~: ( أن نبى الله كان يقرأ فى الظهر والعصر بالسماء والطارق ، والسماء ذات ~~البروج ) . PageV02P375 وقال الطبرى : وليس فى خبر ابن عباس إنكاره القراءة ~~فى ms0567 الظهر والعصر خلاف فيما ثبته عن النبى ، عليه السلام ، أنه قرأ فيها ؛ ~~لأن ابن عباس لم يذكر أن النبى ، عليه السلام ، قال له : لا قراءة فى الظهر ~~والعصر ، وإنما أخبر أنه سكت فيهما ، وغير نكير أن يقول إذا لم يسمعه يقرأ ~~أنه سكت ، فيخبر بما كان من حاله عنده ، والذى أخبر ابن عباس أن النبى لم ~~يقرأ كان الحق عنده ، والذى أخبر أنه قرأ فإنه سمع قراءته . فمن سامع منه ~~الآية ومن سامع منه سورة ، ومن سامع منه أمره بالقراءة فى الصلاة ، فوجه ~~ذلك إلى أنه أمر بالقراءة فى جميع الصلاة ، ووجهه غيره إلى أنه أمر بذلك فى ~~بعض الصلاة ، ومن رآه يحرك شفتيه فى الظهر والعصر ، فوجهه إلى أنه لم ~~يحركهما إلا بقراءة القرآن ، فكل أخبر بما عنده ، وكل كان صادقا عند نفسه . ~~والمصيب عين الحق أخبر أنه كان يقرأ فى الظهر والعصر وذلك أن فى خبر أبى ~~قتادة أنه كان يسمعهم الآية أحيانا ، فالشاهد إنما يستحق أن يسمى شاهدا ~~فيما أخبر عن سماع أو رؤية . فأما من أخبر أنه لم يسمع ولم ير فغير جائز أن ~~يجعل خبره خلافا لخبر من قال : رأيت أو سمعت ؛ لأن من قال : رأيت أو سمعت ~~فهو الشاهد ، ومن قال : لم أسمع ، فقد أخبر عن نفسه أنه لا شهادة عنده فى ~~ذلك ، والنفى لا يكون شهادة فى قول أحد من أهل العلم . وقال الطحاوى : وأما ~~النظر فى ذلك ، فإنا رأينا القيام والركوع والسجود فرائض لا تجزئ الصلاة ~~إذا ترك شيئا منها ، وكان ذلك فى سائر الصلوات سواء ، فرأينا القعود الأول ~~سنة فى الصلوات كلها PageV02P376 سواء ، ورأينا القعود الآخر فيه اختلاف ~~بين الناس ، منهم من يقول : هو سنة ، ومنهم من يقول : هو فرض ، وكل فريق ~~منهم قد جعل ذلك فى كل الصلوات سواء ، فكانت هذه الأشياء ما كان منها فرضا ~~فى صلاة كان كذلك فى كل الصلوات ، فلما رأينا القراءة فى الصبح والمغرب ~~والعشاء واجبة فى قول المخالف لابد منها ، كان كذلك فى الظهر ms0568 والعصر ، وهذه ~~حجج قاطعة على من نفى القراءة فى الظهر والعصر ويراها فرضا فى غيرها . وفى ~~قول أبى قتادة : وكان يسمعنا الآية أحيانا : دليل أنه كان ذلك من فعله على ~~القصد إليه والمداومة عليه . وفيه حجة لقول ابن القاسم أنه من جهر فيما يسر ~~فيه أنه لا سجود عليه إذا كان يسيرا ، وروى عن مالك : إذا جهر الفذ فيما ~~يسر فيه جهرا خفيفا فلا بأس به ، وقد اختلف فيمن أسر فيما يجهر فيه عامدا ، ~~وروى أشهب عن مالك أن صلاته تامة ، وقال أصبغ فيمن أسر فيما يجهر فيه أو ~~جهر فى الإسرار عامدا : فليستغفر الله ولا إعادة عليه . وقال ابن القاسم : ~~يعيد لأنه عابث ، وقال الليث : إذا أسر فيما يجهر فيه فعليه سجود السهو ، ~~وقال الكوفيون : إذا أسر فى موضع الجهر أو جهر فى موضع السر وكان إماما سجد ~~لسهوه ، وإن كان وحده فلا شىء عليه ، وإن فعله عامدا فقد أساء وصلاته تامة ~~، وقال ابن أبى ليلى : يعيد بهم الصلاة إذا كان إماما ، وقال الشافعى : ليس ~~فى ترك الجهر والإسرار سجود . PageV02P377 قال المؤلف : ومن لم يوجب السجود ~~فى ذلك أشبه بدليل هذا الحديث ؛ لأنه لما كان السر والجهر من سنن الصلاة ~~وكان عليه السلام ، قد جهر فى بعض صلاة السر ولم يسجد لذلك كان كذلك حكم ~~الصلاة إذا جهر فيها ؛ لأنه لو اختلف الحكم فى ذلك لبينه عليه السلام ، ~~ووجب بالدليل الصحيح أن يكون إذا أسر فيما يجهر فيه أيضا لا يلزمه سجود ، ~~إذ السر والجهر فى المعنى سواء ، ولا وجه لتفريق الكوفيين بين حكم الإمام ~~والمنفرد فى ذلك ؛ إذ لا حجة لهم فى كتاب ولا سنة ولا نظر . وفيه : أن ~~الحكم فى السر أن يسمع الإنسان نفسه ، وفى حديث خباب الحكم بالدليل ؛ لأنهم ~~حكموا باضطراب لحيته عليه السلام ، أنه كان يقرأ . * * * # | 84 - باب القراءة في العصر # / 128 - فيه : حديث خباب ، وأبى قتادة المتقدمين فى الباب قبل هذا . وقد ~~تقدم الكلام فى معنى هذا الباب فأغنى عن إعادته ، غير أنا ms0569 نذكر فى هذا ~~الباب من قرأ فى الظهر والعصر من السلف . روى ذلك عن عمر بن الخطاب ، وعلى ~~، وابن مسعود ، وابن عمر ، وزيد بن ثابت ، وجابر بن عبد الله ، وأبى ~~الدرداء ، وخباب ، وعبد الله بن مغفل ، وعبد الله بن عمر ، وأبى هريرة ، ~~وعائشة ، رضى الله عنهم أجمعين . وقال أبو العالية : العصر على النصف من ~~الظهر ، وقال إبراهيم : تضاعف الظهر على العصر أربع مرات ، وقال الحسن ~~البصرى : القراءة فى الظهر والعصر سواء ، وقال حماد : القراءة فى الظهر ~~والصبح سواء . PageV02P378 * * * # | 85 - باب القراءة في المغرب # / 129 - فيه : ابن عباس : ( إن أم الفضل سمعته وهو يقرأ : { والمرسلات ~~عرفا } ، فقالت : يا بني ، والله لقد ذكرتني بقراءتك هذه السورة ، إنها ~~لآخر ما سمعت من رسول الله يقرأ بها في المغرب ) . / 130 - وفيه : مروان بن ~~الحكم : أن زيد بن ثابت قال له : ما لك تقرأ في المغرب بقصار المفصل ، وقد ~~سمعت الرسول يقرأ بطول الطوليين . وترجم له : ( باب الجهر فى المغرب ) . / ~~131 - فيه : جبير بن مطعم ، عن أبيه ، قال : ( سمعت رسول الله يقرأ في ~~المغرب بالطور ) . قال الطحاوى : ذهب قوم إلى الأخذ بحديث أم الفضل وجبير ~~بن مطعم ، وزيد بن ثابت وقلدوها ، وخالفهم فى ذلك آخرون وقالوا : لا ينبغى ~~أن يقرأ فى المغرب إلا بقصار المفصل ، وقالوا : قد يجوز أن يكون يريد بقوله ~~: قرأ بالطور ، قرأ ببعضها وذلك جائز فى اللغة ، يقال : فلان يقرأ : إذا ~~قرأ بشىء منه . والدليل على صحة ذلك ما روى هشيم عن الزهرى ، عن محمد بن ~~جبير بن مطعم ، عن أبيه قال : قدمت على النبى لأكلمه فى أسارى بدر فانتهيت ~~إليه ، وهو يصلى بأصحابه صلاة المغرب فسمعته يقول : { إن عذاب ربك لواقع ما ~~له من دافع } [ الطور : 7 ، 8 ] ، فكأنما صدع قلبى . PageV02P379 فبين هشيم ~~القصة على وجهها ، وأخبر أن الذى سمعه { إن عذاب ربك لواقع } لا أنه سمع ~~الطور كلها ، وكذلك قول زيد بن ثابت لمروان : لقد سمعت رسول الله يقرأ بطول ~~الطوليين ، يجوز أن يكون قرأ ببعضها ، والدليل على ذلك ما ms0570 رواه حماد عن أبى ~~الزبير ، عن جابر أنهم كانوا يصلون المغرب ثم ينتضلون . وروى حماد ، عن ~~ثابت ، عن أنس قال : ( كنا نصلى المغرب مع النبى ، عليه السلام ، ثم يرمى ~~أحدنا فيرى مواقع نبله ) ، فلما كان هذا وقت انصراف رسول الله من صلاة ~~المغرب استحال أن يكون ذلك ، وقد قرأ فيها الأعراف أو نصفها . قال المؤلف : ~~وقد جاء هذا بينا فى حديث عائشة أن الرسول قرأ فى صلاة المغرب بسورة ~~الأعراف فرقها فى ركعتين ، خرجه النسائى من حديث شعيب بن أبى حمزة ، عن ~~هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة . قال الطحاوى : وقد أنكر الرسول على ~~معاذ بن جبل حين صلى العشاء بالبقرة وقال له : ( أفتان أنت ، اقرأ بسورة ~~والليل إذا يغشى ، والسماء ذات البروج ، والسماء والطارق ، والشمس وضحاها ) ~~، وكره له أن يقرأ فى العشاء مع سعة وقتها ، فصلاة المغرب مع ضيق وقتها ~~أحرى بذلك . فإن قال قائل : فهل روى عنه عليه السلام أنه قرأ فى المغرب ~~بقصار المفصل ؟ . قيل : نعم ، روى ابن أبى شيبة عن زيد بن الحباب قال : ~~حدثنا الضحاك بن عثمان قال : حدثنا بكير بن الأشج ، عن سليمان PageV02P380 ~~بن يسار ، عن أبى هريرة ، قال : كان رسول الله يقرأ فى المغرب بقصار المفصل ~~. وروى الشعبى عن ابن عمر : أن رسول الله قرأ فى المغرب بالتين والزيتون ، ~~فهذا أبو هريرة يخبر عن النبى أنه كان يقرأ فى المغرب بقصار المفصل ، فلو ~~حملنا حديث ابن جبير ، وزيد بن ثابت على ما حمله المخالف لتضادت تلك الآثار ~~وحديث أبى هريرة هذا ، وإن حملناه على ما ذكرنا ائتلفت ، وأولى أن نحمل ~~الآثار على الاتفاق لا على التضاد ، فينبغى على هذا أن يقرأ فى المغرب ~~بقصار المفصل وهو قول مالك ، والكوفيين ، والشافعى ، وجمهور العلماء . وأما ~~طول الطوليين ، فإن العلماء قالوا : هى سورة الأعراف ، ذكر ذلك النسائى فى ~~حديث زيد بن ثابت من رواية ابن وهب ، ومن رواية ابن جريج . وقال أبو سليمان ~~الخطابى : طولى تأنيث أطول ، والطوليين تثنية الطولى يريد أنه كان يقرأ ~~فيها ms0571 بأطول السورتين يعنى الأنعام والأعراف . قال غيره : فإن قيل : هى ~~البقرة لأنها أطول السبع الطوال . قيل : لو أراد البقرة لقال : بطول الطول ~~، فلما لم يقل ذلك دل أنه أراد الأعراف ، وهى أطول السور بعد البقرة ، ~~ويحتمل أن يكون قرأها فى الركعتين من المغرب ؛ لأنه لم يذكر أنه قرأ معها ~~غيرها . وفى حديث جبير من الفقه : أن شهادة المشرك بعد إسلامه مقبولة فيما ~~علمه قبل إسلامه ؛ لأن جبيرا كان يوم سمع رسول الله مشركا ، قدم فى أسارى ~~بدر . PageV02P381 * * * # | 86 - باب الجهر في العشاء # / 132 - فيه : أبو هريرة : أنه قرأ فى العتمة : إذا السماء انشقت ، فسجد ~~، فقيل له : فقال : سجدت خلف أبي القاسم ، فلا أزال أسجد بها حتى ألقاه . / ~~133 - وفيه : البراء : ( أن الرسول كان في سفر ، فقرأ في العشاء في إحدى ~~الركعتين بالتين والزيتون ) . وترجم لحديث البراء : باب ( القراءة فى ~~العشاء بالسجدة ) ، وباب ( القراءة فى العشاء ) . سنة العشاء الجهر بها ~~كالمغرب سواء ، وقراءته عليه السلام ، فيها بإذا السماء انشقت ، وبالتين ~~والزيتون ، يدل أنه لا توقيت فى القراءة فى الصلوات لا يجزئ غيره ، إلا أنه ~~حين قرأ فى العشاء بالتين والزيتون كان فى سفر ، وأما فى الحضر فإنه كان ~~يقرأ : ( إذا السماء انشقت ) ، ونحوها ، وأطول منها ، وقد قرأ عمر بن ~~الخطاب فى إحدى الركعتين بالتين والزيتون ، وترجم لحديث البراء : باب ~~القراءة فى العشاء بالسجدة ، وكتب إلى أبى موسى الأشعرى : اقرأ بالناس فى ~~العشاء الآخرة بوسط المفصل ، روى سليمان بن يسار ، عن أبى هريرة ، عن ~~الرسول مثله ، وهو قول عمر بن عبد العزيز ، واختاره أشهب ، وقرأ فيها عثمان ~~بن عفان بالنجم ، وقرأ ابن عمر بالذين كفروا والفتح ، وهى أطول المفصل ، ~~وروى على بن زياد ، عن مالك قال : يقرأ فيها بالحاقة ونحوها . وأجاز ~~العلماء للمسافر إذا أعجله أصحابه أو استغيث به PageV02P382 لميت يموت أن ~~يقرأ سورة قصيرة ، كما قرأ الرسول بالتين والزيتون فى السفر ، وهو قول مالك ~~، وقد قرأ أبو هريرة فى العشاء بالعاديات ، ويحتمل أن يكون فى سفر أو يكون ~~أعجلته حاجة لذلك ms0572 ، والله أعلم . وأما القراءة بالسجدة فى العشاء وسائر ~~المكتوبات فأجازه من العلماء من قال بالسجود فى المفصل ، وقد اختلفت ~~الرواية عن مالك فى ذلك ، ففى المدونة : كره مالك للإمام ان يتعمد قراءة ~~سورة فيها سجدة ، لئلا يخلط على الناس ، فإن قرأها فليسجد ، وأكره أن ~~يتعمدها الفذ ، وروى عنه أشهب أنه إذا كان مع الإمام قليل من الناس لا يخاف ~~أن يخلط عليهم فلا بأس بذلك ، وروى عنه ابن وهب أنه قال : لا بأس أن يقرأ ~~الإمام بالسجدة فى الفريضة . * * * # | 87 - باب يطول في الأوليين ، ويحذف في الأخريين # / 134 - فيه : جابر بن سمرة قال : قال عمر لسعد : لقد شكوك في كل شيء حتى ~~الصلاة ، قال : أما أنا ، فأمد في الأوليين ، وأحذف في الأخريين ، ولا آلو ~~ما اقتديت به من صلاة رسول الله ، قال : صدقت ذاك الظن بك ، أو ظني بك . ~~قال الطبرى : فيه البيان أن السنة من الرسول مضت فى صلاة الفريضة أن تكون ~~الركعتان الأوليان أطول من الأخريين أو ركعته الآخرة إن كانت المغرب ، وذلك ~~أن سعدا أخبر عمر أنه يركد فى الأوليين PageV02P383 ويخفف فى الأخريين وأنه ~~مقتد برسول الله فى ذلك ، فإذا كان كذلك فالذى ينبغى لكل مصل مكتوبة أن ~~يفعل كذلك . فإن قيل : أفرأيت إن خالف ذلك فأطال فى ركعتيه الأخريين وخفف ~~فى الأوليين . قيل : نقول : إنه خالف فى ذلك سنة الصلاة غير أن صلاته ماضية ~~لا خلاف بين الجميع فى جوازها ، ولو لم يقرأ فى جميعها إلا فاتحة الكتاب ، ~~وذلك تسوية بين جميعها فى التخفيف ، فإذا كان ذلك غير مفسدها فالواجب أن ~~تكون المخالفة بينهما بإطالة الأخريين وتخفيف الأوليين غير مفسدها . وفى ( ~~المختصر ) ، عن مالك قال : لا بأس أن يقرأ فى الثانية بأطول من قراءته فى ~~الأولى ، وقال الطحاوى : ذهب الثورى ومحمد إلى أنه يطيل فى الركعة الأولى ~~من الصلوات كلها . وفى ( الواضحة ) قال : والصبح والظهر نظيرتان فى طول ~~القراءة ويستحب أن تكون الركعة الأولى أطول . وقال أبو حنيفة ، وأبو يوسف : ~~يطول الركعة الأولى من صلاة الفجر ms0573 على الثانية ، وركعتا الظهر سواء ، قال ~~الطحاوى : ولم نجد فى ذلك عن مالك نصا ، وتقدير القراءة يدل أنه كان يرى ~~التسوية دون التفضيل ، وحديث سعد يدل على تسوية الأوليين من الظهر والعصر ، ~~وقد ذكر البخارى فى باب ( القراءة فى الظهر ) ، حديث أبى قتادة أن نبى الله ~~كان يقرأ فى الركعتين الأوليين من صلاة الظهر بفاتحة الكتاب ، وسورتين يطول ~~فى الأولى ويقصر فى الثانية وهو فى العصر كذلك ، وهو الحجة للثورى ومحمد أن ~~الركعة الأولى فى كل الصلوات أطول PageV02P384 من الثانية ، وهو رد لقول ~~أبى حنيفة ، وأبى يوسف أن ركعتا الظهر سواء . وقوله : لا آلو : لا أقصر ، ~~تقول العرب : ما آليت فى حاجتك وما آلوتك نصحا : ما قصرت بك عن جهدى ، فى ~~كتاب الأفعال . * * * # | 88 - باب القراءة في الفجر # وقالت أم سلمة : قرأ رسول الله بالطور . / 135 - وفيه : أبو برزة الأسلمي ~~، قال : ( كان رسول الله يصلي الظهر حين تزول الشمس ، والعصر ، ويرجع الرجل ~~إلى أقصى المدينة ، والشمس حية ، ونسيت ما قال في المغرب ، ولا يبالي ~~بتأخير العشاء إلى ثلث الليل ، ولا يحب النوم قبلها ، ولا الحديث بعدها ، ~~ويصلي الصبح ، فينصرف الرجل ، فيبصر جليسه ، وكان يقرأ في الركعتين ، أو ~~إحداهما ، ما بين الستين إلى المائة ) . / 136 - وفيه : أبو هريرة قال : في ~~كل صلاة يقرأ ، فما أسمعنا رسول الله أسمعناكم ، وما أخفى عنا أخفيناه عنكم ~~، وإن لم تزد على أم القرآن أجزأت ، وإن زدت فهو خير . اتفق العلماء على أن ~~أطول الصلوات قراءة الفجر ، وبعدها الظهر إلا أن البخارى لم يدخل غير حديث ~~أبى برزة : أن نبى الله كان يقرأ فى الصبح ما بين الستين إلى المائة ، وذكر ~~عن أم سلمة : ( أن الرسول قرأ PageV02P385 بالطور ) ، وذكره فى الباب بعد ~~هذا ، وذكر فيه ابن عباس : ( أنه عليه السلام قرأ : قل أوحى ) ، وذكر ابن ~~أبى شيبة : سماك ، عن جابر بن سمرة : ( أن قراءة الرسول فى الفجر كانت ب ( ~~قاف ) ، ونحوها ) . واختلفت الآثار عن الصحابة فى ذلك ، فروى عن أبى بكر ~~الصديق أنه قرأ بسورة البقرة ms0574 فى الركعتين . وعن عمر بن الخطاب : أنه قرأ ~~بيونس وبهود ، وقرأ عثمان بيوسف وبالكهف ، وقرأ على بالأنبياء ، وقرأ عبد ~~الله بسورتين الآخرة منها بنو إسرائيل ، وقرأ معاذ بالنساء ، وقرأ عبيدة ~~بالرحمن ونحوها ، وقرأ إبراهيم بياسين وأشباهها ، وقرأ عمر بن عبد العزيز ~~بسورتين من طوال المفصل . فدل هذا الاختلاف عن السلف أنهم فهموا عن الرسول ~~إباحة التطويل والتقصير فى قراءة الفجر وأنه لا حد فى ذلك لا يجوز تعديه ، ~~ويمكن والله أعلم ، أن يكون من طول القراءة فيها من الصحابة علم حرص من ~~خلفهم على التطويل وأما اليوم فينبغى التزام التخفيف ؛ لأن فى الناس السقيم ~~والكبير وذا الحاجة كما قال عليه السلام ، لمعاذ ، ألا ترى قول أبو هريرة : ~~( إن لم تزد على أم القرآن أجزأت ، فإن زدت فهو خير ) ، فدل ذلك أنه لا حد ~~فى ذلك ، وقد قال مالك فى الرجل يبادر التجارة أو يستغاث به أو يدعى لميت ~~وهو فى الصبح والظهر : أن يقرأ بالسورة القصيرة وكذلك المسافر يعجله أصحابه ~~. * * * # | 89 - باب الجهر بالقراءة في صلاة الفجر # وقالت أم سلمة : طفت وراء الناس والنبي يصلي ، ويقرأ بالطور . ~~PageV02P386 / 137 - وفيه : ابن عباس قال : ( انطلق رسول الله في طائفة من ~~أصحابه عامدين إلى سوق عكاظ ، وقد حيل بين الشياطين وبين خبر السماء ، ~~وأرسلت عليهم الشهب ، فرجعت الشياطين إلى قومهم ، فقالوا : ما لكم ؟ قالوا ~~: حيل بيننا وبين خبر السماء ، وأرسلت علينا الشهب ، قالوا : ما حال بينكم ~~وبين خبر السماء إلا شيء حدث ، فاضربوا مشارق الأرض ومغاربها ، فانظروا ما ~~هذا الذي حال بينكم وبين خبر السماء ، فانصرف أولئك الذين توجهوا نحو تهامة ~~إلى النبي عليه السلام ، وهو بنخلة ، عامدين إلى سوق عكاظ ، وهو يصلي ~~بأصحابه صلاة الفجر ، فلما سمعوا القرآن استمعوا له ، فقالوا : هذا والله ~~الذي حال بينكم وبين خبر السماء ، فهنالك رجعوا إلى قومهم ، فقالوا يا ~~قومنا : { إنا سمعنا قرآنا عجبا يهدي إلى الرشد فآمنا به ولن نشرك بربنا ~~أحدا } [ الجن 1 ، 2 ] ، فأنزل الله على نبيه - صلى الله عليه وسلم - : { ~~قل أوحي ms0575 إلي } [ الجن 1 ] ، وإنما أوحي إليه قول الجن ) . / 138 - وفيه : ~~ابن عباس قال : ( قرأ الرسول فيما أمر ، وسكت فيما أمر : { وما كان ربك ~~نسيا } [ مريم 64 ] : و { لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة } [ الأحزاب ~~21 ] ) . الجهر فى الفجر هى السنة وقد تقدم فى الباب قبل هذا مذاهب العلماء ~~فى القراءة فى الفجر . فإن قال قائل : إن حديث ابن عباس يدل أن الشهب إنما ~~رميت فى أول الإسلام من أجل استراق الشياطين السمع . قيل : رمى الشهب لم ~~يزل قبل الإسلام وعلى مر الدهور ، وروى معمر وغيره عن الزهرى ، عن على بن ~~حسين ، عن ابن PageV02P387 عباس فى قوله تعالى : { يجد له شهابا رصدا } [ ~~الجن : 9 ] ، قال : ( بينا الرسول جالس فى نفر من أصحابه إذ رمى بنجم ~~فاستنار فقال : ( ما كنتم تقولون إذا كان مثل هذا فى الجاهلية ؟ ) قالوا : ~~كنا نقول : يموت عظيم أو يولد عظيم ، قال : ( فإنها لا يرمى بها لموت أحد ~~ولا لحياته ولكن ربنا تعالى ، إذا قضى أمرا سبح حملة العرش ، ثم سبح أهل ~~السماء الذين يلونهم ، حتى يبلغ التسبيح هذه السماء ، ثم يستخبر أهل السماء ~~حملة العرش ماذا قال ربكم ؟ فيخبرونهم ، ثم يستخبر أهل كل سماء حتى ينتهى ~~الخبر إلى السماء الدنيا ويخطف الجن السمع ، فما جاءوا به على وجهه فهو حق ~~، ولكنهم يزيدون فيه ) ، قلت للزهرى : أو كان يرمى بها فى الجاهلية ؟ قال : ~~نعم . قلت : أرأيت قوله تعالى : { وأنا كنا نقعد منها مقاعد للسمع فمن ~~يستمع الآن يجد له شهابا رصدا } [ الجن : 9 ] ، قال : غلظت وشدد أمرها حين ~~بعث الله النبى ، عليه السلام ) . وأما قول ابن عباس : ( سكت رسول الله ~~فيما أمر ) يريد أسر بما أمر ، بدليل قول خباب : أنهم كانوا يعرفون قراءة ~~رسول الله فيما أسر فيه باضطراب لحيته ، فسمى السر : سكوتا ، ولا يظن ~~بالرسول أنه سكت فى صلاة صلاها ؛ لأنه قد قال : ( لا صلاة لمن لم يقرأ ~~بفاتحة الكتاب ) . PageV02P388 * * * # | 90 - باب الجمع بين السورتين في الركعة ، والقراءة بالخواتيم ، وبسورة ~~قبل سورة ، وبأول سورة # ويذكر ms0576 عن عبدالله بن السائب : ( قرأ النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~المؤمنين في الصبح ، حتى إذا جاء ذكر موسى وهارون أو ذكر عيسى أخذته سعلة ، ~~فركع ) . وقرأ عمر في الركعة الأولى بمائة وعشرين آية من البقرة ، وفي ~~الثانية بسورة من المثاني . وقرأ الأحنف بالكهف في الأولى ، وفي الثانية ~~بيوسف أو يونس ، وذكر أنه صلى مع عمر الصبح بهما . وقرأ ابن مسعود بأربعين ~~آية من الأنفال ، وفي الثانية بسورة من المفصل . وقال قتادة فيمن يقرأ سورة ~~واحدة في ركعتين ، أو يردد سورة واحدة في ركعتين : كل كتاب الله . وقال ~~عبيد الله ، عن ثابت ، عن أنس : كان رجل من الأنصار يؤمهم في مسجد قباء ، ~~وكان كلما افتتح سورة يقرأ بها لهم في الصلاة مما يقرأ به ، افتتح ب : ( قل ~~هو الله أحد ) حتى يفرغ منها ، ثم يقرأ بسورة أخرى معها ، وكان يصنع ذلك في ~~كل ركعة ، فكلمه أصحابه ، فقالوا : إنك تفتتح بهذه السورة ، ثم لا نرى أنها ~~تجزئك حتى تقرأ بأخرى ، فإما تقرأ بها ، وإما أن تدعها ، وتقرأ بأخرى ، ~~فقال : ما أنا بتاركها ، فإن أحببتم أن أؤمكم بذلك فعلت ، وإن كرهتم تركتكم ~~، وكانوا يرون أنه من أفضلهم ، وكرهوا أن يؤمهم غيره ، فلما أتاهم النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - أخبروه الخبر ، فقال : ( يا فلان ، ما يمنعك أن تفعل ~~ما يأمرك به أصحابك ؟ ، وما يحملك على لزوم هذه السورة في كل ركعة ؟ ) فقال ~~: إني أحبها ، فقال : ( حبك إياها أدخلك الجنة ) . / 139 - فيه : أبو وائل ~~: جاء رجل إلى ابن مسعود قال : قرأت المفصل الليلة PageV02P389 في ركعة ، ~~فقال : هذا كهذ الشعر ، لقد عرفت النظائر التي كان رسول الله يقرن بينهن ، ~~فذكر عشرين سورة من المفصل ، سورتين في كل ركعة . اختلف العلماء فى جمع ~~السورتين فى كل ركعة ، فأجاز ذلك ابن عمر ، وكان يقرأ بثلاث سور فى ركعة ، ~~وقرأ عثمان بن عفان ، وتميم الدارى القرآن كله فى ركعة . وكان عطاء يقرأ ~~سورتين فى ركعة أو سورة فى ركعتين فى المكتوبة ، وقال مالك فى المختصر : لا ~~بأس بأن يقرأ ms0577 السورتين وثلاث فى ركعة ، وسورة أحب إلينا ولا يقرأ بسورة فى ~~ركعتين ، فإن فعل أجزأه ، وقال مالك فى المجموعة : لا بأس به وما هو من ~~الشأن ، وأجاز ذلك كله الكوفيون . وممن كره الجمع بين سورتين فى ركعة زيد ~~بن خالد الجهنى ، وأبو العالية ، وأبو بكر ابن عبد الرحمن بن الحارث ، وأبو ~~عبد الرحمن السلمى وقال : احظ كل سورة حظها من الركوع والسجود . وروى عن ~~ابن عمر أنه قال : إن الله فصل القرآن لتعطى كل سورة حظها من الركوع ~~والسجود ، ولو شاء لأنزله جملة واحدة ، والقول الأول أولى بالصواب لحديث ~~ابن مسعود : أن النبى ، عليه السلام ، كان يقرن بين سور المفصل سورتين فى ~~ركعة . قال الطحاوى : وقد قال عليه السلام : ( أفضل الصلاة طول القيام ) ، ~~فذلك حجة على من خالف ذلك ، ودليل واضح أن الأفضل من الصلوات ما أطلت فيه ~~القراءة ، ولا يكون ذلك إلا بالجمع بين السور الكثيرة فى ركعة وقد فعل ذلك ~~الصحابة والتابعون ، وثبت عن PageV02P390 ابن عمر أنه فعله بخلاف ما روى ~~عنه ، وأما من جهة النظر فإنا رأينا فاتحة الكتاب تقرأ هى وسورة غيرها فى ~~ركعة ، ولا بأس بذلك ، فالنظر على ذلك أن تكون كذلك سائر السور . وأما ~~القراءة بالخواتيم وبأول سورة ، فروى ابن القاسم وعلى عن مالك : إذا بدأ ~~بسورة وختم بأخرى فلا شىء عليه ، وقد كان بلال يقرأ من غير سورة ، وقد قرأ ~~، عليه السلام ، المؤمنين فى الصبح فأخذته سعلة فى ذكر عيسى فركع ، وقرأ ~~ابن مسعود بأربعين آية من الأنفال . وأما قراءة سورة قبل سورة ففى ( ~~المختصر ) عن مالك : أنه لا بأس أن يقرأ فى الثانية بسورة قبل التى قرأ فى ~~الأولى وقراءة التى بعدها أحب إلينا ، وروى عنه ابن القاسم ذلك كله سواء ~~ولم يزل ذلك من عمل الناس . وأما تردد سورة واحدة فى الركعتين ، ففى ( ~~الواضحة ) ، عن مالك : لا بأس به ، وروى ابن القاسم عن مالك فى ( العتبية ) ~~، أنه سئل عن تكرير ( قل هو الله أحد ) فى النافلة ، فكرهه وقال : هذا مما ~~أحدثوا ms0578 ، ومعنى كراهته لتكريرها يريد فى ركعة واحدة يكررها مرارا . وفى ~~حديث أنس حجة لمن أجاز تكريرها فى الفريضة فى كل ركعة ؛ لقوله عليه السلام ~~للذى كان يكررها : ( حبك إياها أدخلك الجنة ) ، فدل ذلك على جواز فعله ولو ~~لم يجز لبين له ذلك ؛ لأنه بعث PageV02P391 معلما ، وقد روى البخارى مثل ~~حديث أنس عن عائشة : ( أن الرسول بعث رجلا على سرية ، وكان يقرأ لأصحابه فى ~~صلاتهم فيختم : ب ( قل هو الله أحد ) ، فلما رجعوا ذكروا ذلك للنبى ، عليه ~~السلام ، فقال : سلوه لأى شىء يصنع ذلك ، فقال : لأنها صفة الرحمن ، فقال ~~عليه السلام : ( فأخبروه أن الله يحبه ) ، ذكره فى باب الاعتصام فى باب ~~دعاء النبى ، عليه السلام ، أمته إلى توحيد الله ، تعالى . وقد روى فى الذى ~~كان يقرأ : قل هو الله أحد ، أنه كان يرددها فى صلاة النافلة ولا يقرأ ~~غيرها رواه الدارقطنى من حديث مالك ، عن عبد الله بن أبى صعصعة ، عن أبيه ، ~~عن أبى سعيد الخدرى ، قال : ( وحدثنى أخى قتادة بن النعمان أن رجلا قام من ~~الليل يقرأ : قل هو الله أحد ، يرددها لا يزيد عليها ، فجاء رجل إلى الرسول ~~فأخبره ، وكان يتقالها ، فقال : ( إنها لتعدل ثلث القرآن ) . ففيه حجة لمن ~~أجاز تكرارها فى ركعة واحدة فى النافلة . وروى وكيع ، عن عبيد الله بن عبد ~~الرحمن بن موهب ، عن محمد بن كعب القرظى ، قال : من قرأ فى سبحة الضحى : قل ~~هو الله أحد ، عشر مرات بنى له بيت فى الجنة . قال المهلب : وأما إنكار ابن ~~مسعود على الرجل قراءة المفصل فى ركعة ، فإنما فعل ذلك ليحضه على تدبر ~~القرآن ؛ لقوله تعالى : { أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها } [ ~~محمد : 24 ] ، لا أنه لا تجوز قراءة المفصل فى ركعة ، فقد تجوز قراءة ~~القرآن بغير تدبر ، وقد جاء فى الحديث : PageV02P392 أن الله جعل فى كل حرف ~~منه عشر حسنات ، فإن تدبره أعظم لأجره إلى ما لا نهاية له من تفضل الله ~~تعالى . وقال أبو عبد الله بن أبى صفرة : قول ابن مسعود : ( لقد ms0579 عرفت ~~النظائر التى كان رسول الله يقرن بينهن ، فذكر عشرين سورة من المفصل سورتين ~~فى كل ركعة ) ، فدل أن صلاته بالليل عليه السلام ، كانت عشر ركعات ، وكان ~~يوتر بواحدة . وقوله : قرأ عمر بسورة من المثانى ، فقال شيبان النحوى : ~~المثانى : ما لم تبلغ مائة آية ، وقال طلحة بن مصرف : المثانى : عشرون سورة ~~، والمئون إحدى عشرة سورة ، وروى عن ابن مسعود مثله ، قال أهل اللغة : إنما ~~سميت مثانى ؛ لأنها ثنت المئين ، أى : أتت بعدها ، والمفصل سمى مفصلا لكثرة ~~السور فيه ، والفصول ، يعنى : بسم الله الرحمن الرحيم ، عن ابن عباس . * * ~~* # | 91 - باب يقرأ في الأخريين بفاتحة الكتاب # / 140 - فيه : أبو قتادة عن أبيه ، عن النبي عليه السلام : ( كان يقرأ في ~~الظهر في الأوليين بأم القرآن وسورتين ، وفي الركعتين الأخريين بأم القرآن ~~، ويسمعنا الآية ، ويطول في الركعة الأولى ، ما لا يطول في الركعة الثانية ~~، وهكذا في العصر ، وهكذا في الصبح ) . وقد تقدم معنى هذا الباب فى باب ~~القراءة فى الظهر ، ونزيده هاهنا بيانا وذلك أن حديث أبى قتادة هذا من ~~رواية همام بين PageV02P393 فى رد قول الكوفيين ومن وافقهم أن الركعتين ~~الأخريين إن شاء قرأ فيهما وإن شاء سبح ؛ لأن هماما بين فى روايته لهذا ~~الحديث أن النبى ، عليه السلام ، قرأ فى الركعتين الأخريين من الظهر بفاتحة ~~الكتاب ، وقال : إنه كان يسمعهم الآية أحيانا ، فثبت قول من أوجب القراءة ~~فى كل ركعة وسقط قول من قال بالتسبيح فى الأخريين من الظهر والعصر ؛ لأنه ~~مخصوص بالسنة الثابتة ، وأيضا فإنه عليه السلام قال : ( لا صلاة لمن لم ~~يقرأ بفاتحة الكتاب ) ، ولما كانت الركعة الواحدة صلاة ، بإجماع أن الوتر ~~ركعة وهى صلاة ، دل أن القراءة واجبة فى كل ركعة بفاتحة الكتاب . وفيه : أن ~~الركعتين الأوليين أطول من الأخريين فى كل صلاة ؛ لأنه إذا قرأ فى الأوليين ~~بأم القرآن وسورة ، وقرأ فى الأخريين بأم القرآن وحدها ، دل أن الأوليين ~~أطول من الأخريين . وترجم له : ( باب إذا أسمع الإمام الآية ) ، وقد تقدم ~~القول فيه . وترجم له : ( باب يطول فى ms0580 الركعة الأولى ) ، وذلك بين فى ~~الحديث . * * * # | 92 - باب جهر الإمام بالتأمين # وقال عطاء : آمين ، دعاء أمن ابن الزبير ، ومن وراءه حتى إن للمسجد للجة ~~. وكان أبو هريرة ينادي الإمام : لا تفتني بآمين . وقال نافع : كان ابن عمر ~~لا يدعه ، ويحضهم عليه ، وسمعت منه في ذلك خيرا . PageV02P394 / 141 - وفيه ~~: أبو هريرة أن النبي عليه السلام ، قال : ( إذا أمن الإمام ، فأمنوا ، ~~فإنه من وافق تأمينه تأمين الملائكة ، غفر له ما تقدم من ذنبه ) . وقال ابن ~~شهاب : وكان رسول الله يقول : ( آمين ) . اختلف العلماء فى الإمام يقول : ~~آمين ، فروى مطرف ، وابن الماجشون ، عن مالك أن الإمام يقول : آمين ~~كالمأموم على حديث أبى هريرة ، وهو قول أبى حنيفة ، والثورى ، والليث ، ~~والأوزاعى ، والشافعى ، وأحمد ، وإسحاق ، وأبى ثور . وقالت طائفة : لا يقول ~~الإمام : آمين ، وإنما يقول ذلك من خلفه ، وإن كان وحده قالها ، هذا قول ~~مالك فى المدونة ، وقاله المصريون من أصحابه . وحجة هذا القول قوله ، عليه ~~السلام : ( إذا قال الإمام : { غير المغضوب عليهم ولا الضالين } [ الفاتحة ~~: 7 ] ، فقولوا : آمين ) ، قالوا : فلو كان الإمام يقول آمين ، لقال عليه ~~السلام : إذا قال الإمام : آمين ، فقولوا : آمين ، ووجدنا فاتحة الكتاب ~~دعاء ، فالإمام داع والمأموم مؤمن ، وكذلك جرت العادة أن يدعو واحد ويؤمن ~~المستمع ، وقد قال تعالى فى قصة موسى وهارون : { قد أجيبت دعوتكما } [ يونس ~~: 89 ] ، فسماهما داعيين ، وإنما كان موسى يدعو وهارون يؤمن ، فدل ذلك أن ~~الإمام داع بما فى فاتحة الكتاب والمأموم مستجيب ؛ لأن معنى آمين فى اللغة ~~: استجب لنا . واحتج أهل المقالة الأولى بقوله عليه السلام : ( إذا أمن ~~الإمام فأمنوا ) ، قالوا : وذلك يدل أن الإمام يقول : آمين ، ومعلوم أن قول ~~المأموم هو : آمين فكذلك ينبغى أن يكون قول الإمام . PageV02P395 قالوا : ~~وكذلك قول أبى هريرة للإمام : لا تسبقنى بآمين يدل أن الإمام يقول : آمين ؛ ~~ألا ترى قول ابن شهاب : كان رسول الله يقول : ( آمين ) . واختلفوا فى الجهر ~~بها ، فذهب الشافعى ، وأحمد ، وإسحاق ، وأبو ثور إلى الجهر بها ، وروى ابن ~~وهب ، وأبو مصعب عن مالك أن الإمام يسر ms0581 بها وهو قول الكوفيين ، وروى ذلك عن ~~عمر ، وعلى ، وابن مسعود ، وعن النخعى ، والشعبى ، وابن أبى ليلى . وحجة من ~~جهر بها قوله عليه السلام : ( إذا أمن الإمام فأمنوا ) ، وها يدل أنه ينبغى ~~أن يكون قولهم بعد قوله كتكبيرهم بعد تكبيره ، فلو أن الإمام يسر بها لم ~~يمكن من وراءه أن يؤمنوا بتأمينه . وقد قال عطاء : كنت أسمع الأئمة يقولون ~~على إثر أم القرآن : آمين ، هم ومن وراءهم حتى إن للمسجد للجة . ووجه ~~الإخفاء بها قوله تعالى : { ادعوا ربكم تضرعا وخفية } [ الأعراف : 55 ] ، ~~وقد مدح الله زكريا بقوله : { إذ نادى ربه نداء خفيا } [ مريم : 3 ] ، وقال ~~ابن وهب : عن مالك لم أسمع فى الجهر بها للإمام إلا حديث ابن شهاب ، ولم ~~أره فى حديث غيره . واللجة : اختلاط الأصوات ، وألج القوم : إذا سمعت لهم ~~لجة ، أى : صوتا ، والتجت الأصوات : اختلطت ، من كتاب العين . قال المؤلف : ~~معنى قول أبى هريرة للإمام : لا تسبقنى بآمين ، أى : لا تحرم فى الصلاة حتى ~~أفرغ من الإقامة لئلا تسبقنى بقراءة أم القرآن PageV02P396 فيفوتنى التأمين ~~معك ، وهو حجة لمذهب الكوفيين لأنهم يقولون : إذا بلغ المؤذن فى الإقامة ~~إلى قوله : قد قامت الصلاة وجب على الإمام الإحرام ، والفقهاء على خلافهم ، ~~لا يرون إحرام الإمام إلا بعد تمام الإقامة وتسوية الصفوف ، وقد تقدم بيان ~~هذا فى باب الإمام تعرض له الحاجة بعد الإقامة فى أبواب الأذان . * * * # | 93 - باب فضل التأمين # / 142 - فيه : أبو هريرة : أن رسول الله قال : ( إذا قال أحدكم : آمين ، ~~وقالت الملائكة في السماء : آمين ، فوافقت إحداهما الأخرى ، غفر له ما تقدم ~~من ذنبه ) . وقال المهلب : كان أبو محمد الأصيلى يقول فى معنى الموافقة فى ~~هذا الحديث أن تقول الملائكة : آمين ، كما يقول المصلون ، ولا يراعى موافقة ~~المؤمن ؛ لأنه قد يقول القائل : وافقت فلانا على قول كذا إذا قال مثله ~~وسواء قاله قبله أو بعده ، وإنما يأجر الله تعالى ، على الاتفاق فى القول ~~والنية لا على وقوع الكلام فى زمن واحد . قال المهلب : والذى يشتق من ظاهر ~~هذا ms0582 الحديث أن يكون قول الملائكة وقول المصلين فى زمن واحد . قال غيره : ~~وتأمين الملائكة هو استغفارهم للمصلين ودعاؤهم أن يستجيب الله منهم كما قال ~~تعالى : { ويستغفرون للذين آمنوا ربنا وسعت كل شىء رحمة وعلما فاغفر للذين ~~تابوا } [ غافر : 7 ] الآية ، فإذا كان تأمين العبد مع تأمين الملائكة ~~يرتفعا إلى الله فى زمن PageV02P397 واحد ، وتأمين الملائكة مجاب وشفاعتهم ~~يوم القيامة مقبولة فيمن استشفعوا له ، فلا يجوز فى تفضل الله أن يجاب ~~الشفيع إلا وقد عم المشفوع له الغفران ، والله أعلم ، وهذا أولى بتأويل ~~الحديث . * * * # | 94 - باب جهر المأموم بالتأمين # / 143 - فيه : أبو هريرة : أن رسول الله قال : ( إذا قال الإمام : { غير ~~المغضوب عليهم ولا الضالين } [ الفاتحة 7 ] فقولوا : آمين ، فإنه من وافق ~~قوله قول الملائكة ، غفر له ما تقدم من ذنبه ) . اختلف العلماء فى تأويل ~~هذا الحديث ، فقالت طائفة : قوله : ( إذا قال الإمام : { غير المغضوب عليهم ~~ولا الضالين } ، فقولوا : آمين ) ، خطاب للمأمومين أن يقولوا : آمين ، دون ~~الإمام قالوا : وهذا ظاهر الحديث ولم يرو للإمام قول آمين ، وهى رواية ابن ~~القاسم عن مالك . وقالت طائفة أخرى : معناه : إذا بلغ الإمام موضع التأمين ~~وهو قوله : { غير المغضوب عليهم ولا الضالين } ، وقال : آمين ، فقولوا : ~~آمين . واحتجوا بما رواه معمر ، عن الزهرى ، عن سعيد بن المسيب ، عن أبى ~~هريرة قال : قال رسول الله : ( إذا قال الإمام : { غير المغضوب عليهم ولا ~~الضالين } ، فقولوا : آمين ، فإن الملائكة تقول : آمين ، وإن الإمام يقول : ~~آمين ، فمن وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه ) . وبما ~~رواه الليث ، عن خالد بن يزيد ، عن أبى هلال ، عن نعيم المجمر قال : صليت ~~وراء أبى هريرة فقرأ بأم القرآن ، فلما بلغ : { غير المغضوب عليهم ولا ~~الضالين } ، قال : PageV02P398 آمين ، وقال الناس : آمين ، فلما سلم قال : ~~والله إنى لأشبهكم صلاة برسول الله ، فهذا فعل أبى هريرة وهو راوى الحديث ~~عن الرسول ، وأقسم أنه أشبههم صلاة برسول الله ، فعلى هذا ينتفى التعارض من ~~هذا الحديث ، وبين قوله : إذا أمن الإمام فأمنوا . وقد جمع الطبرى ms0583 بين ~~الحديثين فقال : ليس فى أحدهما دفع لصاحبه ؛ لأن الحديثين كلاهما عن أبى ~~هريرة ، وذلك أن التأمين فى الصلاة ليس من الأمور التى لا يجوز تركها ، ~~وإنما المصلى مندوب إليه إماما كان أو مأموما ، فأخبر عليه السلام ، أن ~~المأموم إذا أمن بعد فراغ الإمام من فاتحة الكتاب فله من الأجر ما ذكر ، ~~وكذلك إذا أمن بعد تأمين الإمام فله من الأجر مثل ذلك ، وليس فى أحد ~~الحديثين معنى يدفع ما فى الآخر ، بل فى كل واحد منهما ما فى الآخر من وجه ~~، وفيه ما ليس فى الآخر من وجه ، فالذى فيه ما ليس فى الآخر أمر من خلف ~~الإمام بالتأمين إذا أمن القارئ ، والذى فى الآخر أمر لهم بالتأمين إذا قال ~~الإمام : { ولا الضالين } ، وإن لم يؤمن الإمام ، فذلك زيادة معنى على ما ~~فى الحديث الآخر ، وأما ما هما متفقان فيه ما لقائل ذلك من الثواب ، وهذا ~~المراد من الحديث سواء أمن الإمام أم لا . وأما جهر المأموم بالتأمين فليس ~~بينا فى الحديث ؛ لأن قوله عليه السلام : ( فقولوا آمين ) ، لا يقتضى الجهر ~~دون السر ، لكن لما كان الإمام يجهر بالتأمين ، ولولا ذلك ما سمعه المأموم ~~، وكانوا مأمورين باتباع الإمام فى فعله وجب على المأموم الجهر بها كما جهر ~~بها الإمام ، هذا وجه الترجمة . PageV02P399 وقد اختلف العلماء فى ذلك فقال ~~عطاء ، وعكرمة : لقد أتى علينا زمان إذا قال الإمام : { ولا الضالين } سمعت ~~لأهل المسجد رجة من قولهم : آمين . وقالت طائفة : يسر بها المأموم ، وقال ~~الطبرى : والخبر بالجهر بآمين والمخافتة بها صحيحان ، وقد عمل بكل واحد ~~منهما جماعة من علماء الأمة ، وذلك يدل أنه مما خيرهم رسول الله فى العمل ~~بأى ذلك شاءوا ، ولذلك لم ينكر بعضهم على بعض ما كان منهم فى ذلك ، وإن كنت ~~مختارا خفض الصوت بها ؛ إذ كان أكثر الصحابة والتابعين على ذلك . * * * # | 95 - باب إذا ركع دون الصف # / 144 - فيه : أبو بكرة : ( أنه انتهى إلى النبي عليه السلام ، وهو راكع ~~، فركع قبل أن يصل إلى الصف ، فذكر ms0584 ذلك للنبي عليه السلام ، فقال : زادك ~~الله حرصا ، ولا تعد ) . اختلف العلماء فيمن ركع دون الصف ، فروى عن زيد بن ~~ثابت ، وابن مسعود ، أنهما ركعا دون الصف ومشيا إلى الصف ركوعا ، وفعله ~~سعيد بن جبير ، وعروة بن الزبير ، وأبو سلمة ، وعطاء ، وقال مالك ، والليث ~~: لا بأس أن يركع الرجل وحده دون الصف ويمشى إلى الصف إذا كان قريبا قدر ما ~~يلحق به . وقال أبو حنيفة ، والثورى : يكره للواحد أن يركع دون الصف ~~PageV02P400 ثم يتقدم ، ولا يكره ذلك للجماعة ، ذكره الطحاوى ، قال : وأجاز ~~مالك ، والكوفيون ، والليث ، والشافعى صلاة المنفرد دون الصف وحده ، قال ~~مالك : ولا يجذب إليه رجلا ، وقال الأوزاعى ، وأحمد ، وإسحاق ، وأهل الظاهر ~~: إن ركع وحده دون الصف بطلت صلاته ، واحتجوا بقوله عليه السلام لأبى بكرة ~~: ( زادك الله حرصا ولا تعد ) ، فدل أن صلاته غير صحيحة . قالوا : وقد قال ~~أبو هريرة : لا تكبر حتى تأخذ مقامك من الصف . قال الطحاوى : وحجة أهل ~~المقالة الأولى أن أبا بكرة ركع دون الصف ، فلم يأمره النبى بإعادة الصلاة ~~، ولو كان من صلى خلف الصف وحده لا تجزئه صلاته لكان من دخل فى الصلاة خلف ~~الصف لا يكون داخلا فيها ، فلما كان دخول أبى بكرة فى الصلاة دون الصف ~~دخولا كانت صلاة المصلى كلها دون الصف صحيحة . فإن قيل : فما معنى قوله : ( ~~ولا تعد ؟ ) . قيل : له عندنا معنيان : أحدهما : لا تعد أن تركع دون الصف ~~حتى تقوم فى الصف كما روى ابن عجلان ، عن الأعرج ، عن أبى هريرة ، قال : ~~قال رسول الله : ( إذا أتى أحدكم إلى الصلاة فلا يركع دون الصف حتى يأخذ ~~مكانه منه ) . والثانى : لا تعد أن تسعى إلى الصلاة سعيا يحفزك فيه النفس ، ~~كما روى حماد بن سلمة ، عن زياد الأعلم ، عن الحسن ، عن أبى PageV02P401 ~~بكرة قال : ( جئت ورسول الله راكع ، وقد حفزنى النفس ، فركعت دون الصف . . ~~. ) ، وذكر الحديث . قال ابن القصار : فجاء يلهث وكان عليه السلام ، أمرهم ~~أن يأتوا الصلاة وعليهم السكينة . قال الطحاوى : ولا يختلفون فيمن صلى وراء ~~إمام ms0585 فى صف ، فخلا موضع رجل أمامه أنه ينبغى له أن يمشى إليه ، وفى تقدمه ~~من صف إلى صف هو فيما بين الصفين فى غير صف ، فلم يضره ذلك ولم يخرجه من ~~الصلاة . فلو كانت الصلاة لا تجزئ إلا لقائم فى صف لفسدت على هذا صلاته لما ~~صار فى غير صف ، وإن كان ذلك أقل القليل ، كما لو أن من وقف على موضع نجس ~~أقل القليل وهو يصلى أفسد ذلك عليه صلاته ، فلما أجمعوا أنهم يأمرون هذا ~~بالتقدم إلى ما قد خلا أمامه من الصف ، ولا يفسد ذلك عليه كونه فيما بين ~~الصفين فى غير صف ، دل ذلك أن من صلى دون الصف أن صلاته تجزئه . * * * # | 96 - باب إتمام التكبير في الركوع # قاله ابن عباس عن الرسول ، فيه مالك بن الحويرث . / 145 - فيه : عمران بن ~~الحصين : أنه صلى مع علي بالبصرة ، فقال : ذكرنا هذا الرجل صلاة كنا نصليها ~~مع رسول الله ، فذكر أنه كان يكبر كلما رفع ، وكلما وضع . PageV02P402 / ~~146 - وفيه : أبو هريرة أنه كان يصلي بهم فكبر ، كلما خفض ورفع ، فإذا ~~انصرف قال : إني لأشبهكم صلاة برسول الله . وترجم لحديث عمران : ( باب ~~إتمام التكبير فى السجود ) . / 147 - وزاد فيه : ( فكان إذا سجد كبر ، وإذا ~~رفع رأسه كبر ) . وترجم لحديث أبى هريرة : ( باب التكبير إذا قام من السجود ~~) . / 148 - وزاد فيه : عن أبى هريرة : ( أن النبى ، عليه السلام ، كان ~~يكبر إذا قام إلى الصلاة ، ثم يكبر حين يركع ، ثم يقول : سمع الله لمن حمده ~~حين يرفع صلبه من الركعة ، ثم يقول وهو قائم : ربنا ولك الحمد ، ثم يكبر ~~حين يهوي ، ثم يكبر حين يرفع رأسه ، ثم يفعل ذلك في الصلاة كلها ، ثم يكبر ~~حين يقوم من الثنتين بعد الجلوس ) . / 149 - وذكر فيه حديث عكرمة قال : ~~صليت خلف شيخ بمكة ، فكبر ثنتين وعشرين تكبيرة ، فقلت لابن عباس : إنه أحمق ~~، فقال : ثكلتك أمك ، سنة أبي القاسم . قال المؤلف : هذه الآثار تدل على أن ~~التكبير فى كل خفض ورفع لم يكن مستعملا عندهم ، ولولا ms0586 ذلك ما قال عمران : ~~ذكرنا على صلاة رسول الله ، ولا قال أبو هريرة : إنى لأشبهكم صلاة برسول ~~الله ، ولا أنكر عكرمة على الذى كبر اثنتين وعشرين تكبيرة ، ولا نسبه إلى ~~الحمق ، وهذا يدل أن التكبير فى غير الإحرام لم يتلقه السلف على أنه ركن من ~~أركان الصلاة ، وقد فعله جماعة من السلف وتركه جماعة ، ولم يقل أحد ممن ~~فعله للذى لم يفعله إن صلاتك لا تتم إلا به . فممن كان يتم التكبير ولا ~~ينقصه فى الصلاة فى كل خفض ورفع : أبو بكر ، وعمر ، وعثمان ، وعلى ، وابن ~~مسعود ، وابن عمر ، وجابر ، وأبو هريرة ، وابن الزبير ، ومن التابعين : ~~مكحول ، PageV02P403 والنخعى ، وهو قول مالك ، والأوزاعى ، والكوفيين ، ~~والشافعى ، وأبى ثور ، وعوام العلماء . وممن كان ينقص التكبير : ذكر الطبرى ~~قال : سئل أبو هريرة : من أول من ترك التكبير إذا رفع رأسه وإذا وضعه ؟ قال ~~: معاوية . وعن عمر بن عبد العزيز ، والقاسم ، وسالم ، وابن سيرين ، وسعيد ~~بن جبير مثله ، واحتجوا بما رواه شعبة عن الحسن بن عمران ، عن سعيد بن عبد ~~الرحمن بن أبزى ، عن أبيه قال : صليت خلف النبى فكان لا يتم التكبير ، وكان ~~ابن عمر ينقص التكبير ، قال مسعر : إذا انحط بعد الركوع للسجود لم يكبر ، ~~وإذا أراد أن يسجد الثانية من كل ركعة لم يكبر ، وقال سعيد بن جبير : إنما ~~هو شىء يزين به الرجل صلاته . وقال قوم من العلماء : التكبير إنما هو إذن ~~بحركة الإمام وليس بسنة إلا فى الجماعة ، فأما من صلى وحده فلا بأس عليه أن ~~لا يكبر . وقال أحمد بن حنبل : كان ابن عمر لا يكبر إذا صلى وحده ، واختلف ~~أصحاب مالك فيمن ترك التكبير فى الصلاة ، فقال ابن القاسم : من أسقط ثلاث ~~تكبيرات من الصلاة فما فوقها سجد للسهو قبل السلام ، فإن لم يسجد بطلت ~~صلاته ، وإن نسى تكبيرة واحدة أو اثنتين سجد السهو قبل السلام ، فإن لم ~~يفعل فلا شىء عليه . وروى عنه أن التكبيرة الواحدة لا سهو على من نسيها . ~~وقال عبد الله بن عبد الحكم ms0587 وأصبغ بن الفرج : ليس على من سها عن التكبير فى ~~الصلاة كلها شىء إذا كبر للإحرام إلا سجود السهو ، فإن لم يفعل حتى تباعد ~~فلا شىء عليه ، واختاره ابن المواز ، وابن حبيب ، وآثار هذا الباب تدل على ~~صحة هذا القول ، ولا سجود فيه PageV02P404 عند الشافعى ، قال ابن القصار : ~~وعلى أصل أبى حنيفة فيه السجود ، وحكى الطحاوى خلاف هذا القول قال : أجمعوا ~~أن من ترك تكبير الركوع والسجود فصلاته تامة . وقال الطبرى : الحسن بن ~~عمران مجهول ، ولا يجوز الاحتجاج به ، غير أنه وإن كان كذلك فإنا لا نرى ~~صلاة من ترك شيئا من التكبيرات سوى تكبيرة الإحرام فاسدة ، وإن كان مخطئا ~~سنته عليه السلام ، لإجماع سلف الأمة وخلفها أن صلاة من فعل ذلك غير فاسدة ~~. وفى تكبير أبى هريرة كلما خفض ورفع من الفقه أن التكبير ينبغى أن يكون من ~~الخفض والرفع من الفعل سواء ، لا يتقدمه ولا يتأخر عنه ، فهذا قول أكثر ~~العلماء ، ذكره الطحاوى عن الكوفيين ، والثورى ، والشافعى ، قالوا : ينحط ~~للركوع والسجود وهو مكبر ، وكذلك يفعل فى حال الرفع ، وفى حال القيام من ~~الجلسة الأولى ، يكبر فى حال القيام وكذلك قال مالك ، إلا فى حال القيام من ~~الجلسة الأولى فإنه يقول : لا يكبر حتى يعتدل قائما ، هذا قوله فى المدونة ~~، وفى ( المبسوط ) : روى ابن وهب عن مالك : إن كبر بعد استوائه فهو أحب إلى ~~، وإن كبر فى نهوضه بعد ما يفارق الأرض فأرجو أن يكون فى سعة . قال الطحاوى ~~: فأخبر فى هذا الحديث أن التكبير كان فى حال الخفض والرفع ، ولما اتفقوا ~~فى الخفض والرفع أن الذكر مفعول فيه وجب أن يكون كذلك حال القيام من الجلسة ~~الأولى . وسأذكر وجه قول مالك أنه لا يكبر حتى يعتدل قائما ، فى أبواب ~~السجود فى باب يكبر وهو ينهض بين السجدتين ، إن شاء الله . PageV02P405 * * ~~* # | 97 - باب وضع الأكف على الركب في الركوع # وقال أبو حميد في أصحابه : أمكن الرسول يديه من ركبتيه . / 150 - فيه : ~~مصعب بن سعد قال : صليت إلى جنب أبي ms0588 ، فطبقت بين كفي ، ثم وضعتهما بين فخذي ~~، فنهاني أبي ، وقال : كنا نفعله ، فنهينا عنه ، وأمرنا أن نضع أيدينا على ~~الركب . اتفق فقهاء الأمصار على القول بهذا الحديث ، وروى ذلك عن عمر بن ~~الخطاب ، وعلى بن أبى طالب ، وسعد بن أبى وقاص ، وابن عمر ، وجماعة من ~~التابعين ، وكان عبد الله بن مسعود ، والأسود بن يزيد ، وأبو عبيدة يضعون ~~أيديهم بين ركبهم إذا ركعوا ، وقال ابن مسعود : هكذا فعل النبى ، عليه ~~السلام . قال الطحاوى : وما روى عن ابن مسعود فى ذلك منسوخ بحديث سعد ؛ ألا ~~ترى قوله : كنا نفعله فنهينا عنه ، وروى شعبة عن أبى حصين ، عن أبى عبد ~~الرحمن قال : قال عمر : . . . ، فقد سنت لكم الركب ، قال الطحاوى : ثم ~~التمست ذلك من طريق النظر ، فرأيت التطبيق فيه التقاء اليدين ، ورأيت وضع ~~اليدين على الركبتين فيه تفرقهما ، فأردنا أن ننظر فى حكم ذلك كيف هو ؟ ! ~~فرأينا السنة جاءت عن الرسول بالتجافى فى الركوع والسجود ، وأجمع المسلمون ~~على ذلك ، وكان ذلك تفريق الأعضاء ، وكان من قام إلى الصلاة أمر أن يراوح ~~بين قدميه ، وقد روى ذلك عن ابن مسعود ، وهو الذى روى التطبيق ، فلما رأينا ~~تفريق الأعضاء أولى من إلزاق بعضها إلى بعض ، واختلفوا فى إلصاقها وتفريقها ~~فى الركوع كان النظر على ذلك أن PageV02P406 يكون ما اختلفوا فيه من ذلك ~~معطوفا على ما أجمعوا عليه ، ولما كانت السنة تفريق الأعضاء كان فيما ذكرنا ~~أيضا ، فثبت نسخ التطبيق ووجوب وضع اليدين على الركبتين . * * * # | 98 - باب إذا لم يتم الركوع # / 151 - فيه : حذيفة : أنه رأى رجلا لا يتم الركوع ولا السجود ، قال : ما ~~صليت ، ولو مت ، مت على غير الفطرة التي فطر الله محمدا - صلى الله عليه ~~وسلم - عليها . قد تقدم الكلام فى هذا الباب فى ( باب الخشوع فى الصلاة ) ، ~~فأغنى عن إعادته ، قال المهلب : نفى عنه الفعل بما انتفى عنه من التجويد ، ~~وهذا معروف فى لسان العرب ، كما قال - صلى الله عليه وسلم - : ( لا يزنى ~~الزانى وهو مؤمن ) ، نفى عنه بقلة التجويد للإيمان اسمه ms0589 ، وكذلك قول حذيفة ~~للرجل : ما صليت ، أى : صلاة كاملة ، ولو مت مت على غير فطرة محمد ، وسمى ~~الصلاة فطرة ؛ لأنها أكبر عرى الإيمان . وسأذكر اختلاف أهل العلم فيمن لم ~~يتم الركوع فى باب أمر الرسول الذى لا يتم ركوعه بالإعادة ، إن شاء الله ~~تعالى . * * * # | 99 - باب استواء الظهر في الركوع # وقال أبو حميد في أصحابه : ركع النبي عليه السلام ، ثم هصر ظهره . ~~PageV02P407 * * * # | 100 - باب حد إتمام الركوع والاعتدال فيه والطمأنينة # / 152 - فيه : البراء قال : كان ركوع النبي عليه السلام ، وسجوده وبين ~~السجدتين ، وإذا رفع رأسه من الركوع ، ما خلا القيام والقعود ، قريبا من ~~السواء . قال المهلب : هذه الصفة أكمل صفات صلاة الجماعة ، وأما صلاة الرجل ~~وحده ، فله أن يطول فى الركوع والسجود أضعاف ما يطول فى القيام بين ~~السجدتين وبين الركعة والسجدة ، وأما أقل ما يجزئ من ذلك فما قال ابن مسعود ~~، قال : إذا أمكن الرجل يديه من ركبتيه ، فقد أجزأه ، وكانت ابنة سعد تفرط ~~فى الركوع تطأطئا منكرا ، قال لها سعد : إنما يكفيك إذا وضعت يديك على ~~ركبتيك ، وقاله ابن سيرين ، وعطاء ، ومجاهد ، وهو قول عامة الفقهاء . وروى ~~أبو الجوزاء عن عائشة قالت : كان النبى ، عليه السلام ، إذا ركع لم يشخص ~~رأسه ولم يصوبه ، كان بين ذلك . وقال عبد الرحمن بن أبى ليلى : كان عليه ~~السلام ، لو صب بين كتفيه ماء لاستقر ، وقال أبو هريرة : اتق الحنوة فى ~~الركوع والحدبة ، وهذا هو هصر الظهر . وقال صاحب ( العين ) : هصرت الشىء : ~~إذا جذبته وكسرته إليك من غير بينونة ، وقال صاحب ( الأفعال ) : هصر الشىء ~~هصرا : أخذ بأعلاه ليميله إلى نفسه ، وهصر الأسد فريسته : كسرها . ~~PageV02P408 * * * # | 101 - باب أمر الرسول الذي لا يتم ركوعه بالإعادة # / 153 - فيه : أبو هريرة : أن النبي عليه السلام ، دخل المسجد ، فدخل رجل ~~، فصلى ، ثم جاء ، فسلم على النبي ، فرد النبي - صلى الله عليه وسلم - عليه ~~السلام ، فقال : ( ارجع ، فصل ، فإنك لم تصل ، فصلى ، ثم جاء إلى النبي ، ~~فقال : ارجع ، فصل ، فإنك لم تصل ، ثلاثا ، فقال : والذي بعثك بالحق فما ms0590 ~~أحسن غيره ، فعلمني ، قال : إذا قمت إلى الصلاة فكبر ، ثم اقرأ ما تيسر معك ~~من القرآن ، ثم اركع حتى تطمئن راكعا ، ثم ارفع حتى تعتدل قائما ، ثم اسجد ~~حتى تطمئن ساجدا ، ثم ارفع حتى تطمئن جالسا ، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدا ، ثم ~~افعل ذلك في صلاتك كلها ) . قال المؤلف : استدل بهذا الحديث جماعة من ~~الفقهاء ، فقالوا : الطمأنينة فى الركوع والسجود فرض ، لا تجزئ صلاة من لم ~~يرفع رأسه ، ويعتدل فى ركوعه وسجوده ثم يقيم صلبه ، وقالوا : ألا ترى أن ~~الرسول قال له : ( ارجع فصل فإنك لم تصل ) ، ثم علمه الصلاة وأمره ~~بالطمأنينة فى الركوع والسجود ، هذا قول الثورى ، وأبى يوسف ، والأوزاعى ، ~~والشافعى ، وأحمد ، وإسحاق ، وابن وهب صاحب مالك قال : من لم يعتدل قائما ~~من ركوعه حتى يسجد فلا يعتد بتلك الركعة . وفيها قول آخر ، روى ابن القاسم ~~عن مالك فى ( العتبية ) قال : من رفع رأسه من الركوع فلم يعتدل قائما حتى ~~يسجد يجزئه ولا يعود ، وقاله ابن القاسم فى كتاب سحنون ، وروى ابن وهب عن ~~مالك مثل ذلك فى ( العتبية ) . PageV02P409 وروى عيسى عن ابن القاسم فيمن ~~رفع رأسه من السجود ، فلم يعتدل جالسا حتى سجد : يستغفر الله ولا يعود . ~~وذكر ابن المواز عن ابن القاسم مثله ، وهو قول أبى حنيفة ، ومحمد . وكذلك ~~اختلفوا فيمن خر من ركوعه ساجدا ، ولم يرفع رأسه ، فروى عيسى عن ابن القاسم ~~أنه لا يعتد بتلك الركعة ، واستحب مالك أن يتمادى ويعيد الصلاة ، وفى ( ~~المجموعة ) روى على بن زياد ، عن مالك أن من فعل ذلك ساهيا ، فليسجد قبل ~~السلام وتجزئه تلك الركعة ، وفى ( الواضحة ) عن ابن كنانة : تجزئه تلك ~~الركعة ، واحتج أبو عبد الله بن أبى صفرة لهذا القول أن النبى ، عليه ~~السلام ، أمر هذا الرجل حين لم يكمل الركوع والسجود بالإعادة ، ولم يأمر ~~الذين نقصوا الركوع والسجود بالإعادة حين قال لهم : ( إنى أراكم من وراء ~~ظهرى ) ، فدل ذلك من فعله أن الطمأنينة لو كانت فريضة ، لما ترك الذين قال ~~لهم : لا يخفى على خشوعكم حتى ms0591 يبين لهم ذلك ؛ لأنه بعث معلما . قال المهلب ~~: والدليل على صحة هذا القول أنه لما أمر الذى لم يحسن صلاته بالإعادة مرة ~~بعد أخرى ، ولم يحسن قال له : والله ما أحسن غير هذا فعلمنى ، فوصف له عليه ~~السلام هيئة الصلاة ، ولم يأمره أن يعيد الصلاة التى نقصها مرة أخرى على ~~الصفة التى علمه ، ولم يقل له : لا يجزئك حتى تصلى هذه الصلاة على هذه ~~الصفة ، وإنما علمه كيف يصلى فيما يستقبل . PageV02P410 واحتج الرازى لأبى ~~حنيفة بحديث رفاعة بن رافع فى تعليم الأعرابى أن النبى ، عليه السلام ، قال ~~له : ( ثم ارفع فاعتدل قائما . . . ) ، وذكر الحديث قال : إذا صليت على هذا ~~فقد أتممتها ، وما أنقصت من ذلك فإنما تنقص من صلاتك ، فجعلها ناقصة يدل ~~على الجواز . PageV02P411 * * * # | 102 - باب الدعاء في الركوع # / 154 - فيه : عائشة قالت : كان عليه السلام ، يقول في ركوعه وسجوده : ( ~~سبحانك اللهم ربنا ولك الحمد ، اللهم اغفر لي ) . وترجم له : ( باب التسبيح ~~والدعاء فى السجود ) ، وزاد فيه بعد قوله : ( اللهم اغفر لى ) ، ( يتأول ~~القرآن به ) . قال الطحاوى : اختلف العلماء فيما يدعو به الرجل فى ركوعه ~~وسجوده ، فقالت طائفة : لا بأس أن يدعو الرجل بما أحب ، وليس عندهم فى ذلك ~~شىء موقت ، قالوا : وقد رويت آثار كثيرة عن الرسول أنه كان يدعو بها . منها ~~: حديث موسى بن عقبة ، عن عبد الله بن الفضل ، عن الأعرج ، عن عبيد الله بن ~~أبى رافع ، عن على بن أبى طالب قال : كان رسول الله يقول فى ركوعه : ( ~~اللهم لك ركعت ، وبك آمنت ، ولك أسلمت ، وأنت ربى ، خشع سمعى وبصرى ، ومخى ~~وعظمى ، وعصبى لله رب العالمين ) ، ويقول فى سجوده : ( اللهم لك سجدت ، ولك ~~أسلمت ، وأنت ربى ، سجد وجهى للذى خلقه وشق سمعه وبصره ، تبارك الله أحسن ~~الخالقين ) . ومنها : حديث يحيى بن سعيد ، عن عمرة ، عن عائشة قالت : فقدت ~~النبى ، عليه السلام ، ذات ليلة ، فظننت أنه أتى جاريته ، فالتمسته فوقعت ~~يدى على صدور قدميه وهو ساجد ، وهو يقول : ( اللهم إنى أعوذ برضاك من سخطك ~~، وأعوذ بعفوك من ms0592 عقوبتك ، وأعوذ بك منك ، لا أحصى ثناء عليك ، أنت كما ~~أثنيت على نفسك ) . إلا أن مالكا كره الدعاء فى الركوع ، ولم يكره فى ~~السجود ، واقتصر فى الركوع على تعظيم الله تعالى ، والثناء عليه ، أظنه ~~PageV02P412 ذهب إلى حديث على عن النبى ، عليه السلام ، قال : ( أما الركوع ~~فعظموا فيه الرب وأما السجود فاجتهدوا فيه فى الدعاء ) ، فجعل فى هذا ~~الحديث الركوع لتعظيم الله ، تعالى ، وإن كانت قراءة القرآن أفضل من ذكر ~~التعظيم ، فلذلك ينبغى أن يكون فى كل موضع ما جعل فيه ، وإن كان غيره أشرف ~~منه . ويؤيد هذا المعنى ما روى الأعمش عن النخعى قال : كان يقال إذا بدأ ~~الرجل بالثناء قبل الدعاء استوجب ، وإذا بدأ بالدعاء قبل الثناء كان على ~~الرجاء . وروى ابن عيينة عن منصور بن المعتمر ، عن مالك بن الحويرث ، قال : ~~( يقول الله : إذا شغل عبدى ثناؤه على عن مسألتى أعطيته أفضل ما أعطى ~~السائلين ) ، فلهذه الآثار كره مالك الدعاء فى الركوع ، واستحبه فى السجود ~~، والله أعلم . وقال أهل المقالة الأولى : تعظيم الرب والثناء عليه عند ~~العرب دعاء ، قاله ابن شهاب وهو حجة فى اللغة ، وقد ثبت فى حديث عائشة ~~المذكور فى هذا الباب الدعاء فى الركوع والسجود فلا معنى لمخالفة ذلك . ~~وقالت طائفة : ينبغى له أن يقول فى ركوعه : سبحانك ربى العظيم ثلاثا ، وفى ~~سجوده : سبحان ربى الأعلى ثلاثا ، واحتجوا بما رواه موسى بن أيوب عن عمه ~~إياس بن عامر ، عن عقبة بن عامر الجهنى ، قال : لما نزلت : { فسبح باسم ربك ~~العظيم } [ الواقعة : 74 ] ، قال عليه السلام : ( اجعلوها فى ركوعكم ) ، ~~ولما نزلت : { سبح اسم ربك الأعلى } [ الواقعة : 96 ] ، PageV02P413 قال : ~~( اجعلوها فى سجودكم ) . وروى مرة إياس بن عامر ، عن على بن أبى طالب ، ~~وذكر مثله ، هذا قول الكوفيين ، والأوزاعى ، والشافعى ، وأبى ثور ، إلا ~~أنهم لم يوجبوا ذلك ، وقالوا : من ترك التسبيح فى الركوع والسجود فصلاته ~~تامة ، وقال إسحاق ، وأهل الظاهر : إن ترك ذلك عليه الإعادة ، وقال : حديث ~~عقبة ورد مورد البيان فوجب امتثاله . فيل لهم : البيان إنما ورد ms0593 فى المجمل ~~، والركوع والسجود مفسر فلا يفتقر إلى بيان ، فحمل حديث عقبة على الاستحباب ~~بدليل تعليمه الأعرابى الصلاة وليس التسبيح منها ، فلو وجب فى الركوع ~~والسجود ذكر معين لا تجزئ الصلاة دونه لبين ذلك النبى لأمته ؛ لأنه قد بين ~~لهم فروض الصلاة وسننها ، ولأخبرهم أن ما كان روى عنه من ضروب الدعاء ~~والذكر فى الركوع منسوخ بحديث عقبة ، فلما لم يثبت ذلك سقط قول أهل الظاهر ~~وقول من شرط فى ذلك ذكرا معينا أيضا . قال ابن القصار : لو قال : سبحان ربى ~~الجليل ، أو الكبير ، أو القدير لكان معظما له ، وإذا ثبت أن نفس التسبيح ~~ليس بواجب ، فتعيينه والعدول عنه إلى ما فى معناه جائز . وقوله : يتأول ~~القرآن ، يعنى : يتأول قوله تعالى : { فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان ~~توابا } [ النصر : 3 ] ، حين أعلمه الله بانقضاء أجله . وقال الخطابى : ~~أخبرنى الحسن بن خلاد قال : سألت الزجاج عن PageV02P414 قوله : سبحانك ~~اللهم وبحمدك ، والعلة فى ظهور الواو ؟ قال : سألت عنه المبرد فقال : سألت ~~عنه المازنى ، فقال : المعنى : سبحانك اللهم بجميع آلائك ، وبحمدك سبحتك ، ~~وقال : ومعنى سبحانك : سبحتك ، وسبحان الله معناه : سبحت الله ونزهته عن كل ~~عيب ، ونصبه على المصدر . * * * # | 103 - باب القراءة فى الركوع والسجود وما يقول الإمام ومن خلفه إذا رفع ~~رأسه من الركوع # / 155 - فيه : أبو هريرة قال : ( كان النبي إذا قال : سمع الله لمن حمده ~~، قال : اللهم ربنا ولك الحمد ، وكان إذا ركع ، وإذا رفع رأسه يكبر ، وإذا ~~قام من السجدتين ، قال الله أكبر ) . ترجم له البخارى : ( باب القراءة فى ~~الركوع والسجود ) ، ولم يدخل فيه حديثا بجواز ذلك ولا بمنعه . وقد روى عن ~~النبى ، عليه السلام ، أنه نهى عن قراءة القرآن فى الركوع والسجود ، ذكره ~~الطبرى قال : أخبرنا عبد الله بن أبى زياد ، قال : حدثنا عثمان بن عمر ، ~~قال : حدثنا داود بن قيس ، عن إبراهيم بن جبير ، عن أبيه ، عن ابن عباس ، ~~عن على قال : ( نهانى حبيبى - صلى الله عليه وسلم - أن أقرأ راكعا وساجدا ) ~~. PageV02P415 واتفق فقهاء الأمصار على القول بهذا ms0594 الحديث ، وخالفه قوم من ~~السلف وأجازوه ، روى أبو إسحاق ، عن عمرو بن ميمون قال : سمعت أخى سليمان ~~بن ربيعة وهو ساجد ، وهو يقول : بسم الله الرحمن الرحيم ، ما لو شاء رجل ~~يذهب إلى أهله فيتوضأ ، ثم يجىء ، وهو ساجد لفعل ، وقال عطاء : رأيت عبيد ~~بن عمير يقرأ وهو راكع فى المكتوبة ، وأجازه الربيع بن خثيم ، وقال إبراهيم ~~النخعى فى الرجل ينسى الآية فيذكرها وهو راكع ، قال : يقرؤها وهو راكع . ~~قال الطبرى : وهؤلاء لم يبلغهم الحديث بالنهى عن ذلك عن الرسول ، أو بلغهم ~~فلم يروه صحيحا ، ورأوا قراءة القرآن حسنة فى كل حال ، قال الطبرى : والخبر ~~عندنا بذلك صحيح ، فلا ينبغى لمصل أن يقرأ فى ركوعه وسجوده من أجله ، وعلى ~~هذا جماعة أئمة الأمصار . واختلف العلماء فيما يقول الإمام ومن خلفه إذا ~~رفع رأسه من الركوع ، فذهبت طائفة إلى الأخذ بحديث سعيد المقبرى ، عن أبى ~~هريرة ، وقال : ينبغى للإمام أن يقول : سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد ، ~~يجمعهما جميعا ، ثم يقول المأموم : ربنا ولك الحمد خاصة ، هذا قول أبى يوسف ~~، ومحمد بن الحسن ، والشافعى ، وابن نافع صاحب مالك ، إلا أن الشافعى ~~خالفهم فى المأموم ، فقال : يقول : سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد ، ~~كالإمام سواء . وقالت طائفة : يقول الإمام : سمع الله لمن حمده دون المأموم ~~، PageV02P416 ويقول المأموم : ربنا ولك الحمد ، هذا قول مالك والليث وأبى ~~حنيفة ، واحتجوا لهذا القول بحديث مالك عن سمى ، عن أبى صالح ، عن أبى ~~هريرة : ( أن نبى الله قال : إذا قال الإمام : سمع الله لمن حمده ، فقولوا ~~: ربنا ولك الحمد ) . قال ابن القصار : فأفرد الإمام بغير ما أفرد به ~~المأمومين ، ولو كان الإمام يجمع الأمرين لقال عليه السلام : إذا قال ~~الإمام : ربنا ولك الحمد ، فقولوا : سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد ، ~~حتى يكون ابتداء قولهم بعد انتهاء قوله ، كما قال : وإذا كبر فكبروا ، ولم ~~يكن للفرق بينهما معنى ، وحديث أبى صالح قاض على حديث المقبرى ومبين له ، ~~ويحتمل أن يكون عليه السلام ، يقول : سمع الله ms0595 لمن حمده ربنا لك الحمد إذا ~~كان منفردا فى صلاته ، وإنما سقط سمع الله لمن حمده للمأموم لاختلاف حاله ~~وحال الإمام فى الصلاة ، وأن الإمام مجيب للدعاء ، كما قسم عليه السلام ~~الذكر بين العاطس والمشمت ، فكذلك قسم هذا الذكر بين الإمام والمأموم ، ~~وقول الإمام : سمع الله لمن حمده استجابة لدعاء داع ، وقول المأموم : ربنا ~~ولك الحمد على وجه المقابلة ؛ لأنه لا حامد له غير المؤتم به فى هذه الحال ~~، فلا يشرك أحدهما صاحبه . وقال أهل المقالة الأولى : ليس فى قوله عليه ~~السلام : ( وإذا قال الإمام : سمع الله لمن حمده ، فقولوا : ربنا ولك الحمد ~~) ، دليل على أن ذلك يقوله الإمام دون غيره ، ولو كان كذلك لاستحال أن ~~يقولها من ليس بمأموم ، فقد رأيناكم تجمعون على أن المصلى وحده يقولها مع ~~PageV02P417 قوله : سمع الله لمن حمده ، فلما قالها المنفرد ولم ينتف ما ~~ذكرنا من قوله عليه السلام ، كان الإمام كذلك يقولها أيضا ، ولا ينفى ما ~~قال رسول الله ، واحتجوا أيضا بما رواه ابن وهب ، عن يونس ، عن الزهرى ، عن ~~سعيد وأبى سلمة ، عن أبى هريرة قال : ( كان رسول الله يقول حين يفرغ من ~~صلاة الفجر من القراءة يكبر ويرفع رأسه يقول : سمع الله لمن حمده ربنا ولك ~~الحمد ، اللهم أنج الوليد بن الوليد . . . ) الحديث . وبه قال ابن شهاب ، ~~عن عروة ، عن عائشة ، قالت : ( خسفت الشمس فى حياة رسول الله فصلى بالناس ، ~~فلما رفع رأسه من الركوع قال : سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد ) . قال ~~الطحاوى : هذا من طريق الآثار ، وأما من طريق النظر ، فإنا قد رأيناهم ~~أجمعوا أن المنفرد يقول ذلك ، فأردنا أن ننظر فى الإمام هل حكمه حكم من ~~يصلى وحده أم لا ، فوجدنا الإمام يفعل فى صلاته كلها من التكبير والقراءة ~~مثل ما يفعله المنفرد ، ووجدنا أحكامه فيما يطرأ عليه كأحكامه ، وكان ~~المأموم فى ذلك بخلاف الإمام والمنفرد ، وثبت باتفاقهم أن المصلى وحده يقول ~~: سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد ثبت أن الإمام يقولها أيضا كذلك . * * ~~* # | 104 - باب ms0596 فضل اللهم ربنا لك الحمد # / 156 - فيه : أبي هريرة : قال رسول الله : ( إذا قال الإمام : سمع الله ~~لمن حمده ، PageV02P418 فقولوا : اللهم ربنا ولك الحمد ، فإنه من وافق قوله ~~قول الملائكة ، غفر له ما تقدم من ذنبه ) . / 157 - وقال أبو هريرة : ~~لأقربن صلاة رسول الله ، فكان يقنت في الركعة الآخرة من صلاة الظهر ، وصلاة ~~العشاء ، وصلاة الصبح ، بعد ما يقول : سمع الله لمن حمده ، فيدعو للمؤمنين ~~، ويلعن الكفار . / 158 - وفيه : رفاعة بن رافع قال : ( كنا يوما نصلي وراء ~~الرسول ، فلما رفع رأسه ، قال : سمع الله لمن حمده ، قال رجل وراءه : ربنا ~~ولك الحمد ، حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه ، فلما انصرف ، قال : من المتكلم ؟ ~~قال : أنا ، قال : رأيت بضعة وثلاثين ملكا يبتدرونها ، أيهم يكتبها أول ) . ~~وقد تقدم كلام العلماء فى حديث أبى هريرة فى الباب قبله ، فأغنى عن إعادته ~~. وفيه : أن القنوت كان فى صلاة الظهر وصلاة العشاء وصلاة الصبح ، ثم ترك ~~فى الظهر والعشاء . وفى حديث رفاعة : ثواب التحميد لله ، تعالى ، والذكر له ~~وما عند الله أكثر وأوسع ، قال الله تعالى : { فلا تعلم نفس ما أخفى لهم من ~~قرة أعين } [ السجدة : 17 ] . وفيه : دليل على جواز رفع المذكر صوته ~~بالتكبير والتحميد فى المساجد الكثيرة الجمع ليسمع الناس ، وليس ذلك بكلام ~~تفسد به الصلاة ، وكيف يفسدها ، رفع الصوت أم لم يرفع ، وهو مندوب إليه ~~فيها ، وكما لا يجوز لأحد أن يتكلم فى الصلاة بكلام الناس ، وإن لم يرفع ~~صوته ، فكذلك لا يضره رفع الصوت بالذكر ؛ يدل على ذلك حديث معاوية بن الحكم ~~عن الرسول أنه قال : ( إن PageV02P419 صلاتنا هذه لا يصلح فيها شىء من كلام ~~الناس ، وإنما هو التهليل والتكبير ، وقراءة القرآن ) ، فأطلق أنواع الذكر ~~فى الصلاة ، فلهذا قلنا : إن المذكر إذا رفع صوته ب ( ربنا ولك الحمد ) ، ~~وسائر التكبير لا يضره ، وقد خالف ذلك بعض المتأخرين بلا دليل ولا برهان ، ~~وقد تقدم ذكر ذلك فى باب من أسمع الناس تكبير الإمام قبل هذا . * * * # | 105 - باب الطمأنينة حين يرفع رأسه من الركوع ms0597 # وقال أبو حميد : رفع النبي عليه السلام ، رأسه حتى يعود كل فقار مكانه . ~~/ 159 - فيه : أنس : نعت صلاة رسول الله ، فكان يصلي : فإذا رفع رأسه من ~~الركوع ، قام ، حتى نقول : قد نسي . / 160 - وفيه : البراء قال : كان ركوع ~~الرسول وسجوده ، وإذا رفع من الركوع ، وبين السجدتين ، قريبا من السواء . / ~~161 - وفيه : مالك بن الحويرث : أنه أراهم صلاة رسول الله - وذلك في غير ~~وقت صلاة - فقام ، فأمكن القيام ، ثم ركع ، فأمكن الركوع ، ثم رفع رأسه ، ~~فأنصب هنيئة ، فصلى بنا صلاة شيخنا أبي يزيد . . . ، الحديث . قال المؤلف : ~~هذه الصفة فى الصلاة حسنة لمن التزمها فى خاصة نفسه ، غير أن فعل أنس ومالك ~~بن الحويرث ، ونعتهما صلاة رسول الله بهذه الصفة يدل أنهم كانوا لا يبالغون ~~فى الطمأنينة فى الرفع من الركوع ولا بين السجدتين مثل ما ذكر فى الحديث عن ~~PageV02P420 الرسول ، فأراهم أنس ومالك بن الحويرث ذلك ، ولم يقولا لهم : ~~إن صلاتكم هذه التى تقصرون فيها عن بلوغ هذا الحد من الطمأنينة لا تجوز ، ~~وإن كانت هذه الصفة أفضل لمن قدر عليها . وقد قال أبو أيوب فى باب المكث ~~بين السجدتين بعد ذلك : وقد كان أبو يزيد يفعل شيئا لم أرهم يفعلونه ، ~~وكذلك قال ثابت : عن أنس فى ذلك الباب أنه كان يصنع شيئا لم أراكم تصنعونه ~~: كان إذا رفع رأسه من الركوع قام حتى يقول القائل : قد نسى ، وبين ~~السجدتين كذلك ، فدل أن الذى كانوا يصنعونه فى ذلك من خلاف هذه الآثار جائز ~~أيضا ؛ إذ لا يجوز أن يتفق الصحابة على صفة من الصلاة إلا وهى جائزة . هذا ~~المفهوم من هذه الآثار ، وقد ترجم لحديث مالك بن الحويرث ، ولحديث البراء ، ~~ولحديث أنس : ( باب المكث بين السجدتين ) . * * * # | 106 - باب يهوي بالتكبير حين يسجد # وقال نافع : كان ابن عمر يضع يديه قبل ركبتيه . / 162 - فيه : أبو هريرة ~~: أنه كان يكبر في كل صلاة من المكتوبة وغيرها في رمضان وغيره ، فيكبر حين ~~يقوم ، ثم يكبر حين يركع ، ثم يقول : سمع الله لمن حمده ، ثم ms0598 يقول : ربنا ~~ولك الحمد قبل أن يسجد ، ثم يقول : الله أكبر ، حين يهوي ساجدا . . . ، ~~الحديث . PageV02P421 / 163 - وفيه : حديث أنس : أن النبى ، عليه السلام ، ~~ركب فرسا - فجحش شقه ، فصلى قاعدا . . . ، إلى قوله : ( وإذا سجد فاسجدوا ) ~~. وقد تقدم معنى هذا الباب : أن التكبير فى الصلاة كلها مع الخفض والرفع ، ~~فى ( باب إتمام التكبير فى الركوع ) ، فلا معنى لإعادة القول فيه ، ولا ~~خلاف فيه بين الفقهاء إلا فى تكبير القيام من ثنتين ، وسيأتى ذلك فى ( باب ~~يكبر وهو ينهض بين السجدتين ) ، إن شاء الله . واختلفوا فى وضع اليدين قبل ~~الركبتين فى السجود ، فذهب مالك ، والأوزاعى إلى ما روى فى ذلك عن ابن عمر ~~، رواه أبو مصعب عن مالك فى ( المبسوط ) ، قال : وهو أحسن فى سكينة الصلاة ~~ووقارها ، والحجة لذلك ما رواه أبو الزناد ، عن الأعرج ، عن أبى هريرة أن ~~النبى قال : ( إذا سجد أحدكم فليضع يديه على الأرض قبل ركبتيه ولا يبرك ~~بروك البعير ) ، ذكره إسماعيل بن إسحاق ، وروى ابن عبد الحكم عن مالك أنه ~~يضع أيهما شاء قبل صاحبه ، وذلك واسع ، ذكره ابن حبيب . وقالت طائفة : يضع ~~ركبتيه قبل يديه روى ذلك عن عمر بن الخطاب ، وهو قول الثورى والكوفيين ، ~~وذكر ابن شعبان عن مالك مثله ، وبه قال ابن وهب ، والشافعى ، وأحمد ، ~~وإسحاق . وحجتهم حديث وائل بن حجر : ( أن النبى ، عليه السلام ، بدأ فوضع ~~ركبتيه قبل يديه ) . قال الطحاوى : اتفقوا أنه يضع رأسه بعد يديه وركبتيه ، ~~ثم يرفعه قبلهما ، ثم كانت اليدان متقدمتين فى الرفع ، فوجب أن تكون ~~مؤخرتين فى الوضع . PageV02P422 * * * # | 107 - باب فضل السجود # / 164 - فيه : أبو هريرة : أن الناس قالوا : يا رسول الله ، هل نرى ربنا ~~يوم القيامة ؟ قال : ( هل تمارون في القمر ليلة البدر ، ليس دونه سحاب ؟ ) ~~، قالوا : لا ، يا رسول الله ، قال : ( فهل تمارون في الشمس ليس دونها سحاب ~~؟ ) ، قالوا : لا ، قال : ( فإنكم ترونه كذلك ، يحشر الناس يوم القيامة ، ~~فيقول : من كان يعبد شيئا ، فليتبعه ، فمنهم من يتبع الشمس ، ومنهم من يتبع ~~القمر ، ومنهم من يتبع الطواغيت ، وتبقى ms0599 هذه الأمة فيها منافقوها ، فيأتيهم ~~الله فيقول : أنا ربكم ، فيقولون : هذا مكاننا ، حتى يأتينا ربنا ، فإذا ~~جاء ربنا عرفناه ، فيأتيهم الله ، فيقول : أنا ربكم ، فيقولون : أنت ربنا ، ~~فيدعوهم ، ويضرب الصراط بين ظهراني جهنم ، فأكون أول من يجوز من الرسل ~~بأمته ، ولا يتكلم يومئذ أحد إلا الرسل ، وكلام الرسل يومئذ : اللهم سلم ، ~~سلم ، وفي جهنم كلاليب مثل شوك السعدان ، هل رأيتم شوك السعدان ؟ ) ، قالوا ~~: نعم ، قال : ( فإنها مثل شوك السعدان ، غير أنه لا يعلم قدر عظمها إلا ~~الله ، تخطف الناس بقدر بأعمالهم ، فمنهم من يوبق بعمله ، ومنهم من يخردل ، ~~ثم ينجو ، حتى إذا أراد الله رحمة من أراد من أهل النار ، أمر الملائكة أن ~~يخرجوا من كان يعبد الله ، فيخرجونهم ، ويعرفونهم بآثار السجود ، وحرم الله ~~على النار أن تأكل أثر السجود . . . ) ، وذكر باقى الحديث . قال المؤلف : ~~قوله عليه السلام : ( وحرم الله على النار أن تأكل أثر السجود ) ، يدل أن ~~الصلاة أفضل الأعمال لما فيها من الركوع والسجود ، وقد قال عليه السلام : ( ~~أقرب ما يكون العبد إلى الله إذا PageV02P423 سجد ) ، وقرأ : { واسجد ~~واقترب } [ العلق : 19 ] ، ولعن الله إبليس ، لإبائه عن السجود ، لعنة ، ~~أبلسه بها وأيأسه من رحمته إلى يوم القيامة . وقال ثوبان لرسول الله : دلنى ~~على عمل أكون به معك فى الجنة قال : ( أكثر من السجود ) . وقيل فى قوله ~~تعالى : { سيماهم فى وجوههم من أثر السجود } [ الفتح : 29 ] ، هو أثر السهر ~~والصفرة ، وقيل : الصلاة والخشوع والوقار ، وقيل : هو ما يتعلق من التراب ~~بموضع السجود ، وقيل فيها غير هذا وسأذكر ذلك فى الباب بعد هذا ، وأذكر فيه ~~من كره آثار السجود فى الوجه ومن رخص فيها . قال المهلب : وفيه إثبات ~~الرؤية لله ، تعالى ، نصا من كلام رسول الله ، وهو تفسير لقوله : { وجوه ~~يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة } [ القيامة : 22 ، 23 ] ، يعنى : مبصرة لله ~~تعالى ، ولو لم يكن هذا القول للنبى بالرؤيا نصا لكان لنا فى قوله تعالى ما ~~فيه كفاية لمن أنصف ، وذلك أن النظر إذا قرن بذكر الوجه لم يكن إلا نظر ms0600 ~~البصر ، وإذا قرن بذكر القلب كان بمعنى اليقين ، فلا يجوز أن ينقل حكم ~~الوجوه إلى حكم القلوب . فإن اعترض معترض علينا بقوله تعالى : { ولا تدركه ~~الأبصار } [ الأنعام : 103 ] ، وأن ذلك على العموم . قيل : يحتمل أن يكون ~~على العموم لولا ما خصه من قوله عليه السلام : ( إنكم ترون ربكم كما ترون ~~القمر والشمس وليس دونهما سحاب ) . PageV02P424 وقوله : ( فيها منافقوها ) ~~، يدل أن المنافقين يتبعون محمدا لما انكشف لهم من الحقيقة رجاء منهم أن ~~ينتفعوا بذلك ، ويلتزموا الرياء فى الآخرة كما التزموه فى الدنيا حتى ~~تبينهم الغرر والتحجيل من أثر الوضوء عند الحوض ، فيتبين حينئذ المنافق ؛ ~~إذ لا غرة له ولا تحجيل ، ويؤخذ بهم ذات الشمال فى جملة من ارتد بعده عليه ~~السلام فيقال : إنك لا تدرى ما أحدثوا بعدك ، فيقول : سحقا سحقا . وقوله : ~~( فيأتيهم الله ) ، الإتيان هاهنا إنما هو كشف الحجب التى بين أبصارنا وبين ~~رؤية الله ؛ لأن الحركة والانتقال لا تجوز على الله ؛ لأنها صفات الأجسام ~~المتناهية ، والله تعالى ، لا يوصف بشىء من ذلك ، فلم يبق من معنى الإتيان ~~إلا ظهوره تعالى إلى أبصار لم تكن تراه ولا تدركه . والضحك : هو صفة من ~~صفات الله ، ومعناه عند العلماء : الاستبشار والرضا ، لا ضحك بلهوات وتعجب ~~كما هو منا ، وسأستقصى القول فى رؤية الله تعالى ، وسائر معانى هذا الحديث ~~وتفسير اللغة والعربية فى ( كتاب الاعتصام ) ، فى ( باب قوله تعالى : { ~~وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة } [ القيامة : 22 ، 23 ] ، إن شاء الله . ~~تفسير الغريب : قوله : ( منهم الموبق بعمله ) ، قال صاحب ( الأفعال ) : وبق ~~الرجل : إذا هلك بذنوبه . وقوله : ( ومنهم من يخردل ) ، قال صاحب ( العين ) ~~: خردلت اللحم : فصلته ، وخردلت الطعام : أكلت خياره . وقال غيره : خردلته ~~: صرعته ، والجردلة بالجيم ، الإشراف على السقوط والهلكة . PageV02P425 ~~وقوله : ( قد امتحشوا ) ، المحش : إحراق الجلد ، من كتاب ( العين ) . وقوله ~~: ( قشبنى ريحها ) ، قال صاحب ( الأفعال ) : تقول العرب : قشبت الشىء : ~~قذرته ، وقشب الشىء ، بكسر الشين ، قشبا : قذر ، وقال ابن قتيبة : قشبنى ~~ريحها ، هو من القشيب ، والقشيب : السم ، كأنه قال : سمنى ريحها ، ويقال ~~لكل مسموم : قشيب ms0601 . وقال الخطابى : يقال : قشبه الدخان إذا ملأ خياشيمه ~~وأخذ بكظمه وكانت ريحه طيبة ، وأصل القشب خلط السم بالطعام ، يقال : قشبه : ~~إذا سمه ، وقشبتنا الدنيا : أى فتنتنا ، فصار حبها كالسم الضار ، ثم قيل ~~على هذا : قشبه الدخان ، وقشبته الريح الزكية : إذا بلغت منه الكظم . ومنه ~~حديث عمر أنه كان بمكة فوجد ريح طيب فقال : من قشبنا ؟ فقال معاوية : يا ~~أمير المؤمنين ، دخلت على أم حبيبة فطيبتنى . * * * # | 108 - باب يبدي ضبعيه ويجافي في السجود # / 165 - فيه : ابن بحينة ( أن رسول الله كان إذا صلى فرج بين يديه ، حتى ~~يبدو بياض إبطيه ) . وهذه صفة مستحسنة عند العلماء ، ومن تركها لم تبطل ~~PageV02P426 صلاته ، وقد اختلف السلف فى ذلك ، فممن روى عنه أنه كان يجافى ~~فى سجوده : على بن أبى طالب ، والبراء ، وأبو مسعود ، وأبو سعيد الخدرى ، ~~وابن عمر ، ذكره الطبرى ، وقال الحسن : حدثنى أحمر صاحب النبى ، قال : ( إن ~~كنا لنأوى لرسول الله مما يجافى بمرفقيه عن جنبيه ) ، وفعله الحسن ، وقال ~~النخعى : إذا سجد فليفرج بين فخذيه . وممن رخص أن يعتمد بمرفقيه ، قال ابن ~~مسعود : هيئت عظام ابن آدم للسجود فاسجدوا حتى المرافق . وأجاز ابن سيرين ~~أن يعتمد بمرفقيه على ركبتيه فى سجوده ، وقال نافع : كان ابن عمر يضم يديه ~~إلى جنبيه إذا سجد ، وسأله رجل : هل يضع مرفقيه على فخذيه إذا سجد ؟ قال : ~~اسجد كيف تيسر عليك . وقال أشعث بن أبى الشعثاء ، عن قيس بن سكن : كل ذلك ~~كانوا يفعلون ينضمون ويجافون ، كان بعضهم ينضم ، وبعضهم يجافى . وروى ابن ~~عيينة ، عن سمى ، عن النعمان بن أبى عياش ، قال : ( شكى إلى رسول الله ~~الإدغام والاعتماد فى الصلاة ، فرخص لهم أن يستعين الرجل بمرفقيه على ~~ركبتيه أو فخذيه ) ، ذكر هذا كله ابن أبى شيبة فى ( مصنفه ) . وإنما كان ~~يجافى عليه السلام ، فى سجوده ويفرج بين يديه حتى يبدى بياض إبطيه ، والله ~~أعلم ، ليخف على الأرض ولا يثقل PageV02P427 عليها ، كما ذكر أبو عبيد ، عن ~~عطاء بن أبى رباح ، أنه قال : خفوا على الأرض . قال أبو عبيد : وجهه ms0602 أنه ~~يريد ذلك فى السجود ، يقول : لا ترسل نفسك على الأرض إرسالا ثقيلا ، فيؤثر ~~فى جبهتك ، ويبين ذلك حديث مجاهد أن حبيب بن أبى ثابت سأله قال : إنى أخشى ~~أن يؤثر السجود فى جبهتى ؟ قال : إذا سجدت فتخاف ، يعنى : خفف نفسك وجبهتك ~~على الأرض ، وبعض الناس يقولون : فتجاف ، والمحفوظ عندى بالخاء . وقد ذكر ~~ابن أبى شيبة من كره ذلك ومن رخص فيه ، ذكر عن ابن عمر : أنه رأى رجلا قد ~~أثر السجود فى جبهته ، فقال : لا يشينن أحدكم وجهه ، وكرهه سعد بن أبى وقاص ~~، وأبو الدرداء ، والشعبى ، وعطاء . وممن رخص فى ذلك : قال أبو إسحاق ~~السبيعى : ما رأيت سجدة أعظم من سجدة ابن الزبير ، ورأيت أصحاب على ، ~~وأصحاب عبد الله وآثار السجود فى جباههم وأنوفهم ، وقال الحسن : رأيت ما ~~يلى الأرض من عامر بن عبد قيس مثل ثفن البعير . وقد روى عن سعيد بن جبير ، ~~وعكرمة فى تأويل قوله تعالى : { سيماهم فى وجوههم من أثر السجود } [ الفتح ~~: 29 ] ، قالا : هو التراب وكذا الطهور . وروى ابن وهب ، عن مطرف ، عن مالك ~~أنه ما تعلق بالجبهة من أثر الأرض وهذا يشبه الرخصة فى هذا الباب . وفى ~~الآية أقوال أخر قيل : صلاتهم تبدو فى وجوههم يوم القيامة ، عن ابن عباس . ~~PageV02P428 وقال عطية : مواضع السجود أشد بياضا يوم القيامة ، وهو قول ~~الحسن ومقاتل . وعن ابن عباس : هو السمت الحسن فى الدنيا ، وقال مجاهد : هو ~~سيما الإسلام وسمته وتواضعه . وقال الحسن : هو الصفرة التى تعلو الوجه من ~~السهر والتعب . والضبعان : العضدان ، واحدهما : ضبع ، ومنه الاضطباع فى ~~اللباس ، ويقال : ضبعت : إذا مددت يدى ومنه قول الشاعر : ولا صلح حتى ~~تضبعون ونضبعا أى : حتى تمدون أضباعكم إلينا بالسيوف ونمد أضباعنا ، عن ابن ~~قتيبة ، وفى كتاب العين : المضبعة : اللحمة التى تحت الإبط . وقوله : إن ~~كنا لنأوى لرسول الله ، قال صاحب العين : أويت له : رفقت له . * * * # | 109 - باب يستقبل بأطراف رجليه القبلة # قاله أبو حميد الساعدي عن النبي عليه السلام . لا يختلف العلماء فى ~~استحباب هذه الصفة فى السجود ms0603 ، وكذلك يستحبون أن يستقبل الساجد بأنامل يديه ~~القبلة فى سجوده ، وإن فعل غير ذلك فصلاته جائزة عندهم . PageV02P429 * * * # | 110 - باب إذا لم يتم سجوده # قد تقدم فى الجزء الأول من الصلاة ، فأغنى عن إعادته . * * * # | 111 - باب السجود على سبعة أعظم # / 166 - فيه : ابن عباس ( أمر الرسول أن يسجد على سبعة أعضاء ، ولا يكف ~~شعرا ، ولا ثوبا : الجبهة ، واليدين ، والرجلين ، والركبتين ) . / 167 - ~~ورواه عبد الله بن طاوس ، عن أبيه ، عن ابن عباس قال : قال رسول الله : ( ~~أمرت أن أسجد على سبعة أعظم : على الجبهة ، وأشار بيده ، على أنفه واليدين ~~والركبتين ، وأطراف القدمين ، ولا يكف الشعر والثياب ) . / 168 - وفيه : ~~البراء قال : ( كنا نصلي خلف الرسول ، فإذا قال : سمع الله لمن حمده ، لم ~~يحن أحد منا ظهره ، حتى يضع النبي جبهته على الأرض ) . اختلف العلماء فيما ~~يجزئ السجود عليه من الآراب السبعة بعد إجماعهم أن السجود على الوجه فريضة ~~، فقالت طائفة : إذا سجد على جبهته دون أنفه أجزأه ، روى ذلك عن ابن عمر ، ~~وعطاء ، وطاوس ، والحسن ، وابن سيرين ، والقاسم ، وسالم ، والشعبى ، ~~والزهرى ، وهو قول مالك ، وأبى يوسف ، ومحمد ، والشافعى فى أحد قوليه ، ~~وأبى ثور ، والمستحب عندهم أن يسجد على أنفه مع جبهته ، وقالت طائفة : ~~يجزئه أن يسجد على أنفه دون جبهته ، هذا PageV02P430 قول أبى حنيفة ، وروى ~~مثله عن طاوس ، وابن سيرين ، وذكر أبو الفرج ، عن ابن القاسم مثله . وأوجب ~~قوم من أهل الحديث السجود على الأنف والجبهة جميعا ، روى ذلك عن النخعى ، ~~وعكرمة ، وابن أبى ليلى ، وسعيد بن جبير ، وهو قول أحمد ، وطائفة ، وهو ~~مذهب ابن حبيب ، وقال ابن عباس : من لم يضع أنفه فى الأرض لم يصل . وقالت ~~طائفة : لا يجزئه إن ترك السجود على شىء من الأعضاء السبعة ، وهو أحد قولى ~~الشافعى ، وبه قال أحمد وإسحاق ، وهو مذهب ابن حبيب ، وأظن البخارى مال إلى ~~هذا القول ، وحجته حديث ابن عباس أن النبى ، عليه السلام ، أمر أن يسجد على ~~سبعة أعضاء ، فلا يجزئ السجود على بعضها إلا بدلالة . وحجة من أوجب السجود ~~على ms0604 الجبهة والأنف جميعا أنه قد روى فى بعض طرق هذا الحديث ، أمرت أن أسجد ~~على سبعة أعضاء ، منها الوجه ، فلا يخص بالجبهة دون الأنف . وبهذا الحديث ~~احتج أبو حنيفة فى أنه يجزئ السجود على الأنف خاصة ، وقال : ذكره للوجه يدل ~~على أنه أى شىء وضع منه أجزأه ، وإذا جاز عند من خالفنا الاقتصار على ~~الجبهة دون الأنف جاز الاقتصار على الأنف دون الجبهة ؛ لأنه إذا سجد على ~~أنفه ، قيل : قد سجد على وجهه ، كما إذا اقتصر على جبهته . وحجة أهل ~~المقالة الأولى أن الأحاديث إنما ذكر فيها الجبهة ولم يذكر الأنف ، فدل على ~~أن الجبهة تجزئ ، وأن الأنف تبع . PageV02P431 فإن قيل : فقد روى ابن طاوس ~~، عن أبيه فى هذا الحديث أنه عليه السلام قال : ( أمرت أن أسجد على سبعة ~~أعظم على الجبهة ، وأشار بيده على أنفه ) . قال المهلب : فالجواب أن الأنف ~~غير مشترط فى ذلك ؛ لأنه إنما أشار بيده على أنفه إلى جبهته ، فجعل الأنف ~~تبعا للجبهة ، ولم يقل إلى أنفه . قال ابن القصار : وإجماع الأعصار حجة ، ~~ووجدنا عصر التابعين على قولين : فمنهم من أوجب السجود على الجبهة والأنف ، ~~ومنهم من جوز الاقتصار على الجبهة ، فمن جوز الاقتصار على الأنف دون الجبهة ~~خرج عن إجماعهم ، قال : ويقال لمن أوجب السجود على الآراب السبعة : إن الله ~~ذكر السجود فى كتابه فى مواضع ، فلم يذكر فيها غير الوجه ، فقال : { يخرون ~~للأذقان يبكون } [ الإسراء : 109 ] ، وقال : { سيماهم فى وجوههم من أثر ~~السجود } [ الفتح : 29 ] . وقال عليه السلام : ( سجد وجهى للذى خلقه وشق ~~سمعه وبصره ) ، فلم يذكر غير الوجه ، وقال للأعرابى الذى علمه : ( مكن ~~جبهتك من الأرض ) ، ولم يذكر ركبتيه ولا رجليه ، ولو كان حكم السجود متعلقا ~~بذلك لكان مع العجز عنه ينتقل إلى الإيماء كالرأس ، فلما كان مع العجز يقع ~~الإيماء بالرأس حسب ، ولا يؤمى بالركبتين والقدمين واليدين ، علمنا أن ~~الحكم تعلق بالوجه حسب . فإن قيل : قد قال عليه السلام : ( أمرت أن أسجد ~~على سبعة أعضاء ) . PageV02P432 قيل : لا يمتنع أن يؤمر بفعل الشىء ms0605 ويكون ~~بعضه مفروضا وبعضه مسنونا ، ولا يكون وجوب بعضه دليلا على وجوب باقيه ، إلا ~~بدلالة الجمع بين ذلك ، وقد خصصناه بدلالة الكتاب والسنة . * * * # | 112 - باب السجود على الأنف فى الطين # / 169 - فيه : أبو سعيد الخدري قال : ( اعتكف رسول الله العشر الأول من ~~رمضان . . . ) ، وذكر الحديث إلى قوله : ( وإني رأيت كأني أسجد في طين وماء ~~، فصلى بنا النبي عليه السلام ، حتى رأيت أثر الماء والطين على جبهة رسول ~~الله وأرنبته ، تصديق رؤياه ) . قال المؤلف : فى هذا الحديث حجة لمن أوجب ~~السجود على الأنف والجبهة ، وقالوا : هذا الحديث مفسر لقوله : ( أمرت أن ~~أسجد على سبعة أعضاء ) ، فذكر منها الوجه ، وأبان فى هذا الحديث أن سجوده ~~كان على أنفه وجبهته . واحتج من قال : يجزئه السجود على جبهته ، بأن قال : ~~إنما أمر الساجد أن يمس من وجهه الأرض ما أمكنه إمساسه محاذيا به القبلة ، ~~ولا شىء من وجه ابن آدم يمكنه إمساسه منه غير جبهته وأنفه ، فإذا سجد على ~~جبهته وأنفه ، فقد فعل أكثر ما يقدر عليه ، فإن قصر عن ذلك وسجد على جبهته ~~دون أنفه ، فقد أدى فرضه ، وهذا إجماع من جمهور الأمة . وفى الحديث : أن ~~المصلى فى الطين يسجد عليه ، وهذا عند العلماء إذا كان يسيرا لا يمرث وجهه ~~ولا ثيابه ؛ ألا ترى أن وجهه كان سالما PageV02P433 من الطين ، وإنما كان ~~منه شىء على جبهته وأرنبته ، فإذا كان الطين كثيرا ، فالسنة فيه ما روى ~~يعلى بن أمية عن الرسول أنه صلى بإيماء على راحلته فى الماء والطين ، وبه ~~قال أكثر الفقهاء . واختلف قول مالك فى ذلك ، فروى أشهب عنه فى العتبية أنه ~~لا يجزئه إلا أن ينزل بالأرض ويسجد عليها على حسب ما يمكنه ؛ استدلالا ~~بحديث أبى سعيد ، وقال ابن حبيب : مذهب مالك أنه يؤمى ، إلا عبد الله بن ~~عبد الحكم ، فإنه كان يقول : يسجد عليه ويجلس فيه إذا كان لا يعم وجهه ولا ~~يمنعه من ذلك إلا إحراز ثيابه . قال ابن حبيب : وبالأول أقول ؛ لأنه أشبه ~~بيسر الله فى الدين ، وأنه ms0606 لا طاعة فى تلوث الثياب فى الطين ، وإنما يؤمى ~~فى الطين إذا كان لا يجد المصلى موضعا نقيا من الأرض يصلى عليه ، فإن طمع ~~أن يدرك موضعا نقيا قبل خروج الوقت لم يجزه الإيماء فى الطين . * * * # | 113 - باب عقد الثياب وشدها # قد تقدم فى أول ( كتاب الصلاة ) ، فأغنى عن الإعادة . * * * # | 114 - باب لا يكف شعرا ولا ثوبا في الصلاة # / 170 - فيه : ابن عباس : أن النبي عليه السلام ، قال : ( أمرت أن أسجد ~~على سبعة أعظم ، ولا نكف شعرا ولا ثوبا ) . قال الطبرى : فيه البيان أنه ~~غير جائز للمرء أن يصلى عاقصا شعره أو كافا ثوبه ، يرفع أسافله من الأرض أو ~~يشمر أكمامه ، فإن صلى PageV02P434 وهو عاقص شعره أو كاف ثوبه ، فقد أساء ~~ولا إعادة عليه لإجماع الأمة على ذلك ، ورواية عن الرسول على أنه لا إعادة ~~عليه ، وممن روى عنه ذلك من السلف : على ، وابن مسعود ، وحذيفة ، وابن عمر ~~، وأبو هريرة ، وكان ابن عباس إذا سجد يقع شعره على الأرض ، وقال ابن عمر ~~لرجل رآه يسجد معقوصا شعره : أرسله يسجد معك . وقال ابن المنذر : على هذا ~~قول أكثر أهل العلم غير الحسن البصرى ، فإنه قال : من صلى عاقصا شعره أو ~~كافا ثوبه ، فعليه إعادة الصلاة . وأجمع الفقهاء أنه يجوز السجود على ~~اليدين فى الثياب ، وإنما كره ذلك ابن عمر ، وسالم ، وبعض التابعين ، وحجة ~~الجماعة ما رواه يحيى بن أبى كثير ، عن أبى عبيدة بن عبد الله بن مسعود ، ~~عن أبيه : ( أن نبى الله نهى أن يكشف الثوب عن يده إذا سجد ) . وقال الحسن ~~: كان أصحاب الرسول يسجدون وأيديهم فى ثيابهم ، ذكره ابن أبى شيبة ، وإجماع ~~الأمة على جواز السجود على الركبتين مستورتين . وحجة من كره ذلك أن اليدين ~~حكمهما حكم الوجه لا حكم الركبتين ، وقياسا على أن اليدين من المرأة تبع ~~للوجه فى كشفهما فى الإحرام ، فكذلك اليدان تبع للوجه فى كشفهما فى السجود ~~، واحتج الطحاوى بهذا الحديث فى جواز السجود على كور العمامة فقال : قال ~~عليه السلام : ( أمرت أن أسجد ms0607 على سبعة آراب ) ، ولو سجد على ركبتيه ويديه ~~ورجليه وهى مستورة جاز ، وكذلك السجود على PageV02P435 الجبهة وهى مستورة ، ~~وقد تقدم اختلاف العلماء فى السجود على كور العمامة فى باب السجود على ~~الثوب فى شدة الحر فى أبواب اللباس فى الصلاة قبل هذا . وقوله : ولا أكف ~~شعرا ، ولا ثوبا ، يعنى : ولا أضمهما ، ويروى ولا أكفت ثوبا ، والمعنى واحد ~~، وفى الحديث : ( اكفتوا صبيانكم عند فحمة العشاء ، فإن للشيطان انتشارا ~~وخطفة بالليل ) ، ومنه قوله تعالى : { ألم نجعل الأرض كفاتا أحياء وأمواتا ~~} [ المرسلات : 25 ، 26 ] . * * * # | 115 - باب لا يفترش ذراعيه في السجود # وقال أبو حميد : سجد النبي عليه السلام ، ووضع يديه غير مفترش ولا ~~قابضهما . / 171 - فيه : أنس ، قال عليه السلام : ( اعتدلوا في السجود ، ~~ولا يبسط أحدكم ذراعيه انبساط الكلب ) . قال الطبرى : فيه أن الحق على ~~المصلى أن يجافى عن جنبيه ويعلى صدره عن الأرض ، ولا يفترش ذراعيه ، وذلك ~~أنه إذا افترشهما لم يبد وضح إبطيه كما كان يبدو من رسول الله على نحو ما ~~تقدم قبل هذا . فإن قال قائل : فما أنت قائل فيما حدثكم به ابن سنان ، عن ~~أبى عاصم ، عن ابن جريج ، عن نافع ، قال : كان ابن عمر يصلى فيضم يديه إلى ~~جنبيه . PageV02P436 قيل له : جائز لم يفعل ذلك ابن عمر إلا عند ازدحام ~~الناس وتضايق المكان حتى لا يقدر على التجافى فيه ؛ لأن المعروف عنه ما ~~حدثنا أبو كريب : حدثنا عمر بن عبيد الطنافسى ، عن آدم بن على قال : صليت ~~إلى جنب ابن عمر ، فافترشت ذراعى ، فقال لى : ( لا تفترش افتراش السبع ، ~~وادعم على راحتيك ، وأبد ضبعيك ، فإذا فعلت ذلك سجد كل عضو منك ) ، فإذا ~~كان ابن عمر قد روى عنه الوجهان ، فالحق أن يوجه كل واحد منهما إلى أولى ~~الأمور بها ، وأشبهها بالسنة ، وقد تقدم فى ( باب يبدى ضبعيه ويجافى فى ~~السجود ) ، إلا أنه لا إعادة عند جميع العلماء على من ترك ذلك لاختلاف ~~السلف فيه . * * * # | 116 - باب من استوى قاعدا في وتر من صلاته ثم نهض # / 172 - فيه ms0608 : مالك بن الحويرث ( أنه رأى النبي عليه السلام ، يصلي ، ~~فإذا كان في وتر من صلاته لم ينهض ، حتى يستوي جالسا ) . ذهب جمهور العلماء ~~إلى ترك الأخذ بهذا الحديث ، وقالوا : إذا رفع رأسه من السجدة الآخرة من ~~الركعة الأولى والركعة الثالثة ينهض على صدور قدميه ولا يجلس ، روى ذلك عن ~~ابن مسعود ، وابن عمر ، وابن عباس ، وقال النعمان بن أبى عياش : أدركت غير ~~واحد من أصحاب الرسول إذا رفع رأسه من السجدة فى الركعة PageV02P437 الأولى ~~والثالثة قام كما هو ولم يجلس ، وكان النخعى يسرع فى القيام فى ذلك ، وقال ~~الزهرى : كان أشياخنا يقولون ذلك . وقال أبو الزناد : تلك السنة ، وبه قال ~~مالك ، والثورى ، والكوفيون ، وأحمد ، وإسحاق ، وقال ابن حنبل : أكثر ~~الأحاديث على هذا ، وذكر عن عمر ، وعلى ، وعبد الله . وذهب الشافعى إلى ~~الأخذ بهذا الحديث فقال : يقعد فى وتر من صلاته ثم ينهض . قال الطحاوى : ~~وحجة الجماعة على الشافعى ما حدثنا على بن سعيد بن بشر قال : حدثنا أبو ~~همام الوليد بن شجاع ، حدثنا أبو خيثمة ، حدثنا حسن بن الحر ، حدثنى عيسى ~~بن عبد الله بن مالك ، عن محمد بن عمرو بن عطاء ، عن عباس بن سهل الساعدى : ~~كان فى مجلس فيه أبوه ، وكان من أصحاب الرسول وفى المجلس أبو هريرة ، وأبو ~~أسيد ، وأبو حميد الساعدى من الأنصار ، وأنهم تذاكروا الصلاة ، فقال أبو ~~حميد : أنا أعلمكم بصلاة رسول الله قالوا : فأرنا ، فقام يصلى ، فقام فكبر ~~ورفع يديه فى أول التكبير ، ثم ذكر حديثا طويلا فيه أنه لما رفع رأسه من ~~السجدة الثانية فى الركعة الأولى قام ولم يتورك . فلما جاء هذا الحديث كما ~~ذكرنا وخالف حديث مالك بن الحويرث احتمل أن PageV02P438 يكون ما فعله رسول ~~الله فيه لعلة كانت به فقعد من أجلها ، لا لأن ذلك من سنة الصلاة ، كما كان ~~ابن عمر يتربع فى الصلاة ، فلما سئل عن ذلك قال : إن رجلاى لا تحملانى ، ~~فكذلك احتمل أن يكون ما فعله رسول الله من القعود كان لعلة أصابته حتى لا ~~يضاد ms0609 حديث مالك ابن الحويرث ، وهذا أولى بنا من حمل ما روى عنه على التنافى ~~والتضاد . وحديث أبى حميد أيضا حكاه بحضرة جماعة من أصحاب الرسول فلم ينكر ~~عليه ذلك أحد منهم ، فدل أن ما عندهم فى ذلك غير مخالف لما حكاه لهم فى ~~حديث مالك ابن الحويرث من قول أيوب أن ما كان عمرو بن سلمة يفعله من ذلك لم ~~ير الناس يفعلونه ، وهو قد رأى جماعة من جلة التابعين ، فذلك حجة فى دفع ~~حديث مالك بن الحويرث أن تكون سنة . ثم النظر يوافق ما رواه أبو حميد ، ~~وذلك أنا رأينا الرجل إذا خرج فى صلاته من حال إلى حال استأنف ذكرا ، من ~~ذلك أنا رأيناه إذا أراد الركوع كبر وخر راكعا ، وإذا رفع رأسه من الركوع ~~قال : سمع الله لمن حمده ، وإذا خر من القيام إلى السجود قال : الله أكبر ، ~~وإذا رفع رأسه من السجود قال : الله أكبر ، وإذا عاد إلى السجود فعل ذلك ~~أيضا ، وإذا رفع رأسه لم يكبر من بعد رفعه رأسه إلى أن يستوى قائما غير ~~تكبيرة واحدة ، فدل ذلك أنه ليس بين سجوده وقيامه جلوس ، ولو كان بينهما ~~جلوس لاحتاج إلى أن يكون يكبر بعد رفعه رأسه من السجود للدخول فى ذلك ~~الجلوس ، ولاحتاج إلى تكبيرة أخرى إذا نهض للقيام ، فلما لم يؤمر بذلك ، ~~ثبت أن لا قعود بين الرفع من السجدة الآخرة والقيام إلى الركعة التى بعدها ~~؛ ليكون ذلك وحكم سائر الصلاة مؤتلفا غير مختلف . PageV02P439 * * * # | 117 - باب كيف يعتمد على الأرض إذا قام من الركعة # / 173 - فيه : أبو قلابة : جاءنا مالك بن الحويرث ، فصلى بنا ، وقال : ~~إني لأصلي بكم ، وما أريد الصلاة ، لكنى أريد أن أريكم كيف كان رسول الله ~~يصلي ، قال أيوب : قلت لأبي قلابة : كيف كانت صلاته ؟ قال : مثل صلاة شيخنا ~~هذا عمرو بن سلمة ، فقال أيوب : وكان ذلك الشيخ يتم التكبير ، وإذا رفع ~~رأسه من السجدة الثانية ، جلس واعتمد على الأرض ، ثم قام . اختلف العلماء ~~فى اعتماد الرجل على يديه عند ms0610 القيام ، فروى عن ابن عمر أنه كان يعتمد على ~~يديه إذا أراد القيام ، ويروى مثله عن مكحول ، وعطاء ، ومسروق ، والحسن ، ~~وهو قول الشافعى ، وأحمد ، والحجة لهم هذا الحديث ، وأجازه مالك فى العتبية ~~، ثم كرهه . ورأت طائفة أن لا يعتمد على يديه إلا أن يكون شيخا كبيرا أو ~~مريضا ، وروى ذلك عن على بن أبى طالب ، وبه قال النخعى ، والثورى ، وكره ~~الاعتماد ابن سيرين ، وقال الشافعى : كان عمر ، وعلى وأصحاب رسول الله ~~ينهضون فى الصلاة على صدور أقدامهم ، وعن ابن مسعود مثله . PageV02P440 * * ~~* # | 118 - باب يكبر ، وهو ينهض من السجدتين # وكان ابن الزبير يكبر في نهضته . / 174 - فيه : أبو سعيد : أنه صلى فجهر ~~بالتكبير حين رفع رأسه من السجود ، وحين سجد ، وحين رفع ، وحين قام من ~~الركعتين ، وقال : هكذا رأيت النبي فعل . / 175 - وفيه : مطرف قال : صليت ~~أنا وعمران خلف علي بن أبي طالب ، فكان إذا سجد كبر ، وإذا رفع كبر ، وإذا ~~نهض من الركعتين كبر ، فلما سلم قال عمران : لقد صلى بنا هذا صلاة رسول ~~الله . وقد تقدم فى ( باب إتمام التكبير فى الركوع ) ، أن مذهب أكثر ~~العلماء أن التكبير فى القيام من الركعتين مع قيامه كسائر تكبير الصلاة ، ~~التكبير فى حال الخفض والرفع على ما جاء فى حديث هذا الباب . واختلف فيه ~~قول مالك ، فروى ابن وهب عنه أنه قال : إن كبر بعد استوائه فهو أحب إلى ، ~~وإن كبر فى نهوضه بعد ما يفارق الأرض فهو فى سعة ، وذكر فى ( الموطأ ) عن ~~أبى هريرة ، وجابر ، وابن عمر : أنهم كانوا يكبرون فى حال قيامهم . وقال فى ~~( المدونة ) : لا يكبر حتى يستوى قائما ، ويحتمل أن يكون وجه هذه الرواية ~~إجماعهم على أن تكبير افتتاح الصلاة هو بعد القيام ، فشبه القيام إلى ~~الثنتين الباقيتين بالقيام فى أول الصلاة ، والله أعلم ، إذ كان فرض الصلاة ~~ركعتين ركعتين ، ثم زيد فيها ركعتان ، فجعل افتتاح الركعتين المزيدتين ~~كافتتاح المزيدة عليهما ، وقوله الذى وافق فيه الجماعة أولى وهو الذى تشهد ~~له الآثار . PageV02P441 * * * # | 119 - باب سنة الجلوس في ms0611 التشهد # وكانت أم الدرداء تجلس في صلاتها جلسة الرجل ، وكانت فقيهة . / 176 - ~~وفيه : ابن عمر : أنه تربع في الصلاة فى جلوسه ، ففعله ابنه عبد الله ، وهو ~~يومئذ حديث السن ، فنهاه ابن عمر ، وقال : إنما سنة الصلاة أن تنصب رجلك ~~اليمنى وتثني اليسرى ، فقلت : إنك تفعل ذلك ، فقال : إن رجلاي لا تحملاني . ~~/ 177 - وفيه : أبو حميد : أنه حكى صلاة رسول الله فى نفر من أصحابه ، وقال ~~: أنا أحفظكم لذلك ، رأيته عليه السلام ، إذا كبر جعل يديه حذو منكبيه ، ~~وإذا ركع مكن يديه من ركبتيه ، ثم هصر ظهره ، فإذا رفع رأسه استوى ، حتى ~~يعود كل فقار إلى مكانه ، فإذا سجد وضع يديه غير مفترش ولا قابضهما ، ~~واستقبل بأطراف أصابع رجليه القبلة ، وإذا جلس في الركعتين جلس على أصابع ~~رجله اليسرى ونصب اليمنى ، وإذا جلس في الركعة الآخرة قدم رجله اليسرى ونصب ~~الأخرى ، وقعد على مقعدته . اختلف العلماء فى صفة الجلوس فى الصلاة ، فذهب ~~قوم إلى حديث ابن عمر وقالوا : سنة الجلوس فى الصلاة كلها وبين السجدتين أن ~~ينصب رجله اليمنى ويثنى اليسرى ، ويقعد على وركه الأيسر حتى يستوى قاعدا ، ~~هذا قول مالك وروى عن النخعى ، وابن سيرين . وذهب آخرون إلى حديث أبى حميد ~~وقالوا : أما القعود فى آخر الصلاة ، فكما قال أهل المقالة الأولى ؛ لأن ~~الجلسة الآخرة فيه مقاربة لما قال ابن عمر ، وأما القعود فى الجلسة الأولى ~~فعلى الرجل اليسرى PageV02P442 على ما فى حديث أبى حميد ، هذا قول الشافعى ~~، وأحمد ، وإسحاق . وذهب الثورى ، والكوفيون فى الجلوس كله إلى الجلسة ~~الأولى من حديث أبى حميد ، وهو أن يجلس على رجله اليسرى مبسوطة تحته ، ~~وينصب قدمه اليمنى ، وحجة أهل المقالة الأولى ، قول ابن عمر : إن ذلك سنة ~~الصلاة والصاحب إذا ذكر السنة ، فلا تكون إلا سنة الرسول إما بقول منه أو ~~بفعل شاهده . وحجة أهل المقالة الثانية : أن أبا حميد أراهم صلاة النبى ، ~~عليه السلام ، فى نفر من الصحابة ولم ينكروا عليه ، فدل أن فعله سنة . ~~واحتج الكوفيون بحديث وائل بن حجر ، أن ms0612 النبى كان إذا جلس فى الصلاة فرش ~~رجله اليسرى ثم قعد عليها ، وقد قال بعض العلماء : إن هذه الصفات كلها يجوز ~~العمل بأيها شاء المصلى ؛ لأنها مروية عن النبى ، عليه السلام ، وقد روى عن ~~جماعة من السلف أنهم كانوا يقعدون متربعين فى الصلاة كما كان يفعل ابن عمر ~~، منهم ابن عباس ، وأنس ، وفعله سالم ، وعطاء ، وابن سيرين ، ومجاهد ، ~~وأجازه الحسن فى النافلة ، وكرهه ابن مسعود ، وقال : لأن أصلى على رضفتين ~~أحب إلى من أن أتربع فى الصلاة ، وكرهه الحسن ، والحكم . واختلفوا فى جلوس ~~المرأة فى الصلاة فرأت طائفة أن تقعد قعود الرجل كفعل أم الدرداء ، وهو قول ~~النخعى ، ومالك بن أنس . ورأت طائفة أن تقعد كيف شاءت إذا اجتمعت ، هذا قول ~~عطاء والشعبى ، وهو قول الكوفيين والشافعى ، وكانت صفية تصلى متربعة ، ~~PageV02P443 وكان نساء ابن عمر يفعلن ذلك ، وقال بعض السلف : كن النساء ~~يؤمرون أن يتربعن إذا جلسن فى الصلاة ، ولا يجلسن جلوس الرجال على أوراكهن ~~فيتقى أن يكون منهن الشىء . * * * # | 120 - باب من لم ير التشهد الأول واجبا لأن نبي الله قام من الركعتين ، ~~ولم يرجع . # / 178 - فيه : ابن بحينة : أن رسول الله صلى بهم الظهر ، فقام من ~~الركعتين الأوليين ولم يجلس ، فقام الناس معه ، حتى إذا قضى الصلاة ، انتظر ~~الناس تسليمه ، كبر ، وهو جالس ، فسجد سجدتين ، قبل أن يسلم ، ثم سلم . ~~وترجم له : ( باب التشهد فى الأولى ) . قال ابن القصار : أجمع فقهاء ~~الأمصار : مالك ، وأبو حنيفة ، والثورى ، والليث ، والشافعى ، وأبو ثور ، ~~وإسحاق على أن التشهد الأول ليس بواجب إلا أحمد بن حنبل ، فإنه قال : إنه ~~واجب وحجته أن النبى ، عليه السلام ، تشهد وعلمهم التشهد ، وروى عن عمر بن ~~الخطاب أنه قال : من لم يتشهد فلا صلاة له . والدليل على أنه غير واجب حديث ~~ابن بحينة : ( أن النبى ، عليه السلام ، صلى ركعتين فقام إلى الثالثة ، ولم ~~يجلس ، فلما تم أربعا PageV02P444 سجد للسهو قبل السلام ) ، فلو كان التشهد ~~واجبا لرجع إليه حين سبح به ، ولم ينب منابه سجود السهو ؛ لأنه لا ms0613 ينوب عن ~~الفرض ؛ ألا ترى أنه لو نسى تكبيرة الإحرام أو سجدة لم ينب عنها سجود السهو ~~، فثبت أنه غير واجب . وفيه من الفقه : أن الجلسة الأولى سنة ؛ لأن سجوده ~~عليه السلام ، للسهو ناب عن التشهد وعن الجلوس ، فدل أن الجلوس فيهما ~~كالتشهد ، وسيأتى تمام القول فى هذه المسألة فى أبواب السهو فى آخر كتاب ~~الصلاة ، إن شاء الله تعالى . * * * # | 121 - باب التشهد في الآخرة # / 179 - فيه : ابن مسعود قال : كنا إذا جلسنا خلف النبي عليه السلام ، ~~قلنا : السلام على جبريل وميكائيل ، السلام على فلان وفلان ، فالتفت إلينا ~~رسول الله فقال : إن الله هو السلام ، فإذا صلى أحدكم ، فليقل : التحيات ~~لله والصلوات والطيبات ، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته ، ~~السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين ، فإنكم إذا قلتموها أصابت كل عبد ~~لله صالح في السماء والأرض ، أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ~~ورسوله . قال المؤلف : ذهب مالك ، والأوزاعى ، والكوفيون إلى أن التشهد ~~الآخر ليس بفرض ، وقال الشافعى ، وأحمد بن حنبل : هو PageV02P445 فرض ، ~~واحتج الشافعى بقوله عليه السلام : ( فإذا صلى أحدكم فليقل : التحيات لله ) ~~، قالوا : وأمره على الوجوب ، فجاوبهم أهل المقالة الأولى فقالوا : ليس كل ~~أمره على الوجوب ؛ لأن الدلالة قد قامت على أن التكبير فى غير الإحرام ~~والتسبيح فى الركوع والسجود ليس بواجب ، وقد أمر به عليه السلام وفعله ، ~~وقال حين نزلت : { فسبح باسم ربك العظيم } [ الواقعة : 74 - 96 ] ، ( ~~اجعلوها فى ركوعكم ) ، ولما نزلت : { سبح اسم ربك الأعلى } [ الأعلى : 1 ] ~~، قال : ( اجعلوها فى سجودكم ) ، وتلقى العلماء والشافعى معهم هذا الأمر ~~على الندب ، ولم يقم عنده فرضه بفعله عليه السلام ، وأمره به ، فكذلك فعله ~~التشهد ، وأمره به ليس بفرض ؛ لأن كليهما عنده ذكر ليس من عمل بدن ، وقد ~~يأمر عليه السلام ، بالسنن كما يأمر بالفرائض ، وأيضا فإنه لما ناب سجود ~~السهو عن التشهد فى الأولى وعن الجلوس فيها ، فأحرى أن ينوب عن التشهد فى ~~الآخرة إذا جلس فيها وسها عن التشهد . فإن قيل : الجلسة الآخرة فريضة ms0614 ، ~~فكذلك ذكرها ، كما الجلسة الأولى سنة وذكرها مثلها . قيل : لا تكون الجلسة ~~الآخرة مقدرة بذكرها وإنما هى للسلام ، وقد روى جماعة من السلف أنه من رفع ~~رأسه من آخر سجدة ، فقد تمت صلاته ، روى ذلك عن على بن أبى طالب ، وعن سعيد ~~بن المسيب ، والحسن ، وإبراهيم ، وقال عطاء : من نسى التشهد فصلاته جائزة ، ~~وعن الحكم وحماد مثله . PageV02P446 وقال الطبرى ، والطحاوى : أجمع جميع ~~المتقدمين والمتأخرين من علماء الأمة على أن الصلاة على النبى ، عليه ~~السلام ، فى التشهد غير واجبة ، وشذ الشافعى فى ذلك فقال : من لم يصل على ~~النبى فى التشهد الأخير وقبل السلام فصلاته فاسدة ، وإن صلى عليه قبل ذلك ~~لم تجزه ، ولا سلف له فى هذا القول ولا سنة يتبعها ، وتشهد ابن مسعود الذى ~~علمه النبى ، عليه السلام ، فى هذا الباب ليس فيه الصلاة على النبى ، عليه ~~السلام ، وقد روى التشهد عن الرسول جماعة كرواية ابن مسعود منهم أبو هريرة ~~، وابن عمر ، وابن عباس ، وجابر بن عبد الله ، وقال ابن عباس ، وجابر : كان ~~النبى يعلمنا التشهد كما يعلمنا السورة من القرآن . وذكر جابر مثل حديث ابن ~~مسعود بزيادة كلمات ، وكذلك ذكر ابن عمر مثل حديث ابن مسعود ، وقال أبو ~~سعيد الخدرى : كنا نتعلم التشهد كما نتعلم السورة ، وذكر مثل حديث ابن ~~مسعود بخلاف كلمات ، رواه أبو موسى الأشعرى وعبد الله بن الزبير بزيادة ~~ألفاظ ونقصان أيضا ، وقال ابن عمر : كان أبو بكر يعلمنا التشهد على المنبر ~~كما تعلمون الصبيان فى الكتاب ، ثم ذكر مثل تشهد ابن مسعود . وقد علم عمر ~~بن الخطاب الناس على المنبر التشهد بحضرة المهاجرين والأنصار وليس فى شىء ~~من ذلك صلاة على النبى ، فلم ينكر ذلك عليه منكر ، فمن أوجب ذلك فقد رد ~~الآثار وما مضى عليه السلف ، وأجمع عليه الخلف ، وروته عن نبيها عليه ~~السلام ، فلا معنى لقوله . PageV02P447 وبتشهد ابن مسعود قال الكوفيون ~~وأكثر أهل الحديث ، وأحمد ، وإسحاق ، وأبو ثور ، وذهب مالك إلى تشهد عمر بن ~~الخطاب ، وهو : ( التحيات لله الزاكيات لله الطيبات الصلوات ms0615 لله السلام ~~عليك أيها النبى . . . ) ، إلى آخر تشهد ابن مسعود ، وذهب الشافعى إلى تشهد ~~ابن عباس ، وفيه : ( التحيات المباركات الصلوات الطيبات لله ) ، وكلها ~~قريبة بعضها من بعض ، ومعنى التحية : الملك لله ، والصلوات : هى الخمس ، ~~والطيبات : الأعمال الزاكية . * * * # | 122 - باب الدعاء قبل السلام # / 180 - فيه : عائشة : أن نبي الله كان يدعو في الصلاة : ( اللهم إني ~~أعوذ بك من عذاب القبر ، وأعوذ بك من فتنة المسيح الدجال ، وأعوذ بك من ~~فتنة المحيا ، والممات ، اللهم إني أعوذ بك من المأثم والمغرم ) ، فقال له ~~قائل : ما أكثر ما تستعيذ من المغرم ! فقال : ( إن الرجل إذا غرم ، حدث ~~فكذب ، ووعد فأخلف ) . / 181 - وفيه : أبي بكر الصديق : أنه قال لرسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - : علمني دعاء أدعو به في صلاتي ، قال : ( قل : ~~اللهم إني ظلمت نفسي ظلما كثيرا ، ولا يغفر الذنوب إلا أنت ، فاغفر لي ~~مغفرة من عندك ، وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم ) . * * * PageV02P448 # | 123 - باب ما يتخير من الدعاء بعد التشهد ، وليس بواجب # / 182 - فيه : تشهد ابن مسعود ، قال فى آخره : ( ثم ليتخير من الدعاء ~~أعجبه إليه ، فيدعو ) . اختلف العلماء فى هذا الباب فقال مالك ، والشافعى ، ~~وجماعة : لا بأس أن يدعو الرجل فى صلاته بما شاء من حوائج الدنيا ، وقال ~~أبو حنيفة : لا يجوز أن يدعو فى الصلاة إلا بما يوجد فى القرآن ، وهو قول ~~النخعى ، وطاوس ، واحتجوا بحديث معاوية بن الحكم لما شمت الرجل فى الصلاة ، ~~فقال له الرسول : ( إن صلاتنا هذه لا يصلح فيها شىء من كلام الآدميين إنما ~~هى تسبيح وقراءة ) . قالوا : ولا يجوز أن يريد جنس الكلام ؛ لأن جميع ما ~~يوجد فى الصلاة من الأذكار من جنس الكلام ، فوجب أن يكون المراد ما ~~يتخاطبون به فى العادة ، وقوله : ( يرحمك الله ) دعاء ، وقد نهى النبى عنه ~~، وهذا يمنع من فعل الدعاء بهذا الجنس . قال ابن القصار : فالجواب لأهل ~~المقالة الأولى أن هذا وشبهه لا يجوز عندنا ، وهو أن يوجه دعاءه إلى إنسان ~~يخاطبه به فى الصلاة ، وكأنه جواب عندنا على شىء كان ms0616 منه ، فأما أن يدعو ~~لنفسه ولغيره ابتداء من غير أن يخاطب فيه إنسانا فلا قضاء ، وقوله عليه ~~السلام : لا يصلح فيها شىء من خطاب الناس متوجه إلى هذا ، أى : لا يتخاطب ~~الناس فى الصلاة . ومن الحجة لهم قوله عليه السلام ، فى حديث ابن مسعود بعد ~~فراغه من التشهد : ( ثم ليتخير من الدعاء أعجبه ويدعو ) ، ولم يخص دعاء فى ~~القرآن من غيره ولو كان لا يجوز الدعاء إلا بما فى القرآن ما ترك عليه ~~السلام ، بيان ذلك ولقال : ثم ليدعو بما شاء مما فى القرآن ، فلما ~~PageV02P449 عم جميع الدعاء ، لم يخص بعضه إلا بدليل ، واستعاذته فى حديث ~~عائشة من عذاب القبر ، ومن فتنة المسيح الدجال ، ومن فتنة المحيا والممات ، ~~ومن المأثم والمغرم ليس شىء منه فى القرآن ، وقد روى عن جماعة من السلف مثل ~~ذلك ، روى عن ابن عمر أنه قال : إنى لأدعو فى صلاتى حتى لشعير حمارى وملح ~~بيتى ، وعن عروة بن الزبير مثله . وكان رسول الله يدعو فى الصلاة فيقول : ( ~~اللهم أنج الوليد بن الوليد ، وسلمة بن هشام والمستضعفين من المؤمنين ، ~~واشدد وطأتك على مضر ) . فإن قيل : يحتمل أن يكون هذا وقت إباحة الكلام فى ~~الصلاة ، ثم نسخ بعد ذلك . قيل : قد روى عن السلف استعمال الحديث ، ولا ~~يجوز أن يخفى عليهم نسخه لو نسخ ، فكان على بن أبى طالب يقنت فى صلاة على ~~قوم يسميهم ، وكان أبو الدرداء يدعو لسبعين رجلا فى صلاته ، وعن ابن الزبير ~~أنه كان يدعو للزبير فى صلاته ، فإذا انضاف قول هؤلاء إلى قول عروة ، وابن ~~عمر جرى مجرى الإجماع ؛ إذ لا مخالف لهم ، وقد كان عليه السلام يدعو فى ~~سجوده : ( أعوذ برضاك من سخطك ، وبمعافاتك من عقوبتك ، وبك منك ، لا أحصى ~~ثناء عليك ، أنت كما أثنيت على نفسك ) ، وهذا مما ليس فى القرآن ، فسقط قول ~~المخالف ، وروى عن ابن سيرين أنه قال : يجوز الدعاء فى المكتوبة بأمر ~~الآخرة ، فأما الدنيا فلا ، فقال ابن عون : أليس فى القرآن : { واسألوا ~~الله من فضله } [ النساء : 32 ms0617 ] ؟ ، فسكت . وترجم فى كتاب الدعاء : ( باب ~~الدعاء فى الصلاة ) ، وسيأتى فيه شىء من الكلام فى حديث أبى بكر ، إن شاء ~~الله . PageV02P450 * * * # | 124 - باب من لم يمسح جبهته وأنفه حتى صلى # قال أبو عبد الله : رأيت الحميدي يحتج بهذا الحديث ألا يمسح الجبهة في ~~الصلاة . / 183 - فيه : أبو سعيد : ( رأيت النبى ، عليه السلام ، يسجد في ~~الماء والطين ، حتى رأيت الطين في جبهته ) . استحب العلماء ترك مسح الوجه ~~حتى يفرغ من الصلاة ؛ لأنه من التواضع لله ، وخفف مالك مسحه فى الصلاة . * ~~* * # | 125 - باب التسليم # / 184 - فيه : أم سلمة قالت : ( كان رسول الله إذا سلم ، قام النساء حين ~~يقضي تسليمه ، ومكث يسيرا قبل أن يقوم ) . قال ابن شهاب : فأرى ، والله ~~أعلم ، أن مكثه لكي ينفذ النساء قبل أن يدركهن من انصرف من القوم . اختلف ~~العلماء فى وجوب التسليم ، فذهب جماعة من العلماء إلى أن التسليم فرض لا ~~يصح الخروج من الصلاة إلا به ، وممن أوجب ذلك ابن مسعود ، قال : مفتاح ~~الصلاة التكبير ، وانقضاؤها التسليم ، ذكره الطبرى ، وبه قال عطاء ، ~~والزهرى ، ومالك ، والشافعى ، وغيرهم . وذهب أبو حنيفة ، والثورى ، ~~والأوزاعى ، إلى أن السلام سنة ، وأن الصلاة يصح الخروج منها بغير سلام ، ~~واحتجوا بأن الرسول قال لابن مسعود حين علمه التشهد : ( فإذا فعلت ذلك فقد ~~تمت صلاتك ) . PageV02P451 قالوا : ولم يذكر له السلام ، قالوا : وروى عن ~~على بن أبى طالب أنه قال : إذا رفع رأسه من آخر سجدة ، ثم أحدث فقد تمت ~~صلاته ، وعن سعيد بن المسيب ، والنخعى مثله . واحتج عليهم أهل المقالة ~~الأولى بأن قوله عليه السلام ، لابن مسعود : ( فإذا فعلت ذلك فقد تمت صلاتك ~~) ، يحتمل أن يكون معناه : إذا سلمت ، بدليل سلامه عليه السلام فى كل ~~صلواته ، وتعليمه ذلك لأمته عملا ومعاينة . ويحتمل أن يكون معناه : قد ~~قاربت التمام ، كما قال تعالى فى المطلقات : { فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن ~~بمعروف } [ الطلاق : 2 ] ، وهذا معناه : قاربن بلوغ أجلهن ؛ لأنهن لو بلغن ~~الأجل بانقضاء العدة لم يكن لأزواجهن إمساكهن بالمراجعة لهن ، وقد انقضت ~~عدتهن . وقال الطبرى : السلام من ms0618 الأعمال التى علم الرسول أمته العمل به ~~كما علمهم التحريم فيها والقراءة ، فمن ضيع ذلك أو تركه عامدا فهو مفسد ؛ ~~لأنه ضيع ما قامت له الحجة بجواز الصلاة معه ، وقد روى الثورى ، عن عبد ~~الله بن محمد بن عقيل ، عن محمد ابن الحنفية ، عن على ، رضى الله عنه ، قال ~~: قال النبى عليه السلام : ( تحريم الصلاة التكبير ، وتحليلها التسليم ) ، ~~فكما لا يجوز الدخول فى الصلاة إلا بالإحرام ، فكذلك لا يجوز الخروج منها ~~إلا بالسلام . واختلفوا فى صفة السلام ، فقالت طائفة : يسلم تسليمتين عن ~~يمينه ، وعن يساره ، روى ذلك عن أبى بكر الصديق ، وعمر ، PageV02P452 وعلى ~~، وابن مسعود ، وعمار ، وروى ذلك عن الشعبى ، وعطاء ، وعلقمة ، والأسود ، ~~وهو قول الثورى ، وأبى حنيفة ، والشافعى ، وأحمد ، وإسحاق ، وأبى ثور ، ~~واحتجوا بآثار كثيرة رويت عن النبى ، عليه السلام ، بذلك منها : حديث ابن ~~مسعود ، وعمار ، وأبى موسى ، ووائل بن حجر ، وأبى حميد الساعدى ، وابن عمر ~~، وجابر ابن عبد الله ، وجابر بن سمرة ، والبراء بن عازب ، وقبيصة بن ذؤيب ~~، وعدى بن عميرة الحضرمى ، ويعقوب بن الحصين ، كلهم عن الرسول ، أسندها ~~الطبرى كلها . وقالت طائفة : يسلم تسليمة واحدة فقط ، روى ذلك عن ابن عمر ، ~~وأنس بن مالك ، وعائشة ، وسلمة بن الأكوع ، ومن التابعين : سليمان بن يسار ~~، وأبى وائل ، وسعيد بن جبير ، وابن سيرين ، والحسن ، وهو قول مالك ، ~~والليث ، والأوزاعى ، ودفعوا أحاديث التسليمتين . والحجة لهم ما ذكره محمد ~~بن عبد الحكم ، عن عبد الرحمن بن مهدى قال : أحاديث التسليمتين لا أصل لها ~~. وقال الأصيلى : حديث أم سلمة المذكور فى هذا الباب يقتضى تسليمة واحدة ، ~~وكذلك حديث ابن بحينة ، وحديث ذى اليدين ؛ لأن قول أم سلمة : ( كان الرسول ~~إذا سلم ) ، يقتضى ظاهره أن كل ما وقع عليه اسم السلام يتحلل به من الصلاة ~~. قال المهلب : لما كان السلام تحليلا من الصلاة ، وعلما على فراغها دلت ~~التسليمة الواحدة على ذلك ، وإن كان فى التسليمتين PageV02P453 كمالا ، فقد ~~مضى العمل بالمدينة فى مسجد رسول الله على تسليمة واحدة ، فلا يجب مخالفة ~~ذلك . وذكر الطبرى قال ms0619 : حدثنا محمد بن مرزوق ، قال : حدثنا الحجاج بن نصير ~~، أخبرنا أبو عبيدة ، حدثنا الحسن ومحمد بن سيرين ، قالا : حدثنا أنس ين ~~مالك قال : ( صليت خلف رسول الله ، وأبى بكر ، وعمر ، وعثمان ، فكانوا ~~يسلمون تسليمة واحدة ) ، وحدثنا محمد بن عبد الله الحجرى ، حدثنا يونس ، عن ~~جرير بن حازم ، عن أيوب ، عن أنس مثله . وقال عبد الرحمن بن أبى ليلى : ~~صليت خلف على بن أبى طالب فسلم واحدة ، ذكره ابن أبى شيبة . وقال الطبرى : ~~القول فى ذلك عندنا أن يقال كلا الخبرين الواردين عن الرسول أنه كان يسلم ~~واحدة ، وأنه كان يسلم تسليمتين صحيح ، وأنه من الأمر الذى كان يفعل هذا ~~مرة وهذا مرة ، معلم ذلك أمته أنهم مخيرون فى العمل بأى ذلك شاءوا ، كرفعه ~~عليه السلام يديه فى الركوع وإذا رفع رأسه منه ، وتركه ذلك مرة أخرى ، ~~وكجلوسه فى الصلاة على قدمه اليسرى ونصبه اليمنى فيها مرة ، وإفضائه بأليته ~~إلى الأرض ، وإدخاله قدمه اليسرى تحت فخذه اليمنى مرة فى أشباه لهذا كثيرة ~~. PageV02P454 * * * # | 126 - باب يسلم حين يسلم الإمام # وكان ابن عمر يستحب إذا سلم الإمام أن يسلم من خلفه . / 185 - فيه : ~~عتبان بن مالك قال : صلينا مع النبي عليه السلام ، فسلمنا حين سلم . قال ~~المؤلف : الكلام فى سلام الإمام والمأموم كالكلام فى إحرامهما ، وقد تقدم ~~فى باب إنما جعل الإمام ليؤتم به فى أبواب الإمامة اختلاف العلماء فى ذلك ، ~~فأغنى عن إعادته ، ونذكر هاهنا منه طرفا ، وذلك أنه لا يكون المصلى داخلا ~~فى الصلاة محرما بها إلا بتمام التكبير ، لا ينبغى للمأموم أن يدخل فى صلاة ~~لم يصح فيها دخول إمامه بعد ، والسلام كذلك ، ولا ينبغى أن يفعله المأموم ~~إلا بعد فعل إمامه ؛ لأنه تحليل ، أو بعد تقدمه ببعض لفظ السلام ، هذا حق ~~الائتمام فى اللغة أن يكون فعل المأموم تاليا لفعل الإمام ؛ ألا ترى قول ~~عتبان : ( صلينا مع الرسول فسلمنا حين سلم ) ، وهذا يقتضى أن سلامهم كان ~~بعد تمام سلامه عليه السلام ، وهو الذى كان يستحبه ابن عمر . * * * # | 127 - باب ms0620 من لم ير رد السلام على الإمام ، واكتفى بتسليم الصلاة # / 186 - فيه : عتبان بن مالك أنه قال : صلينا مع النبي عليه السلام ، ثم ~~سلم ، وسلمنا حين سلم . هذا الحديث حجة لمن قال : يسلم المأموم واحدة ؛ لأن ~~قول عتبان : ( وسلمنا حين سلم ) ، يقتضى أقل ما يقع عليه اسم سلام ، وذلك ~~تسليمة PageV02P455 واحدة ، وممن كان لا يرد على الإمام ، روى جرير بن حازم ~~، عن نافع ، عن ابن عمر أنه كان إذا سلم الإمام قال : السلام عليكم ، لم ~~يزد عليها إلا أن يسلم أحد عن يمينه وشماله يرد عليه ، فى مصنف حماد بن ~~سلمة . وقال ابن المنذر : قال عمار بن أبى عمار : كان مسجد المهاجرين ~~يسلمون تسليمة واحدة ، وكان مسجد الأنصار يسلمون تسليمتين ، فالمهاجرين لم ~~يكونوا يردون على الإمام . وفيها قول ثان روى النخعى قال : لا أعلم عليه ~~بأسا أن يرد وإن لم يرد ، وممن كان يرى أن يرد على الإمام : ذكر ابن أبى ~~شيبة عن ابن عمر أنه كان يرد السلام على الإمام وهو قول الشعبى ، وسالم ، ~~وسعيد بن المسيب ، وعطاء ، وقال مالك فى ( المدونة ) : يسلم المأموم عن ~~يمينه ، ثم يرد على الإمام فإن كان عن يساره أحد رد عليه ، وقد كان من قول ~~مالك فى المأموم : يسلم عن يمينه ثم عن يساره ، ثم يرد على الإمام ، ومن ~~قال بالرد على الإمام تأول فى ذلك أن الإمام يسلم عليهم ، فلزمهم الرد عليه ~~كسائر السلام . ومن قال بالتسليمتين من أهل الكوفة يجعلون التسليمة الثانية ~~ردا على الإمام ، وهو عندهم سنة ، والأولى هى الفريضة التى بها يخرج من ~~الصلاة . وأظن البخارى ، رحمه الله ، أراد بهذا الباب رد قول من أوجب ~~التسليمة الثانية ، ولا أعلم قال ذلك إلا الحسن بن صالح ، وحكى الأصيلى فى ~~الدلائل أنه قول أحمد بن حنبل . PageV02P456 وقال ابن المنذر : أجمع كل من ~~يحفظ عنه العلم على أن صلاة من اقتصر على تسليمة واحدة جائزة ، وقال مالك ~~فى المجموعة : كما يدخل فى الصلاة بتكبيرة واحدة كذلك يخرج منها بتسليمة ~~واحدة ، وعلى ذلك ms0621 كان الأمر فى القديم ، وإنما حدث تسليمتان مذ كان بنو ~~هاشم . * * * # | 128 - باب الذكر بعد الصلاة # / 187 - فيه : ابن عباس قال : كان رفع الصوت بالذكر حين ينصرف الناس من ~~المكتوبة ، على عهد رسول الله ، وقال ابن عباس : كنت أعلم إذا انصرفوا بذلك ~~إذا سمعته . / 188 - وقال ابن عباس مرة : كنت أعلم انقضاء صلاة الرسول ~~بالتكبير . / 189 - وفيه : أبو هريرة قال : جاء الفقراء إلى رسول الله ~~فقالوا : ذهب أهل الدثور من الأموال بالدرجات العلا والنعيم المقيم ، يصلون ~~كما نصلي ، ويصومون كما نصوم ، ولهم فضل من أموال يحجون بها ، ويجاهدون ، ~~ويعتمرون ، ويتصدقون ، قال : ( ألا أحدثكم إن أخذتم أدركتم ، ولم يدرككم ~~أحد إلا من عمل مثله ، تسبحون وتحمدون وتكبرون خلف كل صلاة ثلاثا وثلاثين ) ~~. / 190 - وفيه : المغيرة : أن النبي عليه السلام ، كان يقول في دبر كل ~~صلاة مكتوبة : ( لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، له الملك وله الحمد ، ~~وهو على كل شيء قدير ، اللهم لا مانع لما أعطيت ، ولا معطي لما منعت ، ولا ~~ينفع ذا الجد منك الجد ) . PageV02P457 قال الطبرى : فى حديث ابن عباس ~~الدلالة على صحة فعل من كان من الأمراء والولاة يكبر بعد فراغه من صلاة ~~المكتوبة فى جماعة ويكبر من وراءه من المصلين بصلاته . قال المؤلف : ولم ~~أجد من الفقهاء من يقول بشىء من هذا الحديث إلا ما ذكره ابن حبيب فى ~~الواضحة قال : يستحب التكبير فى العساكر والثغور بأثر صلاة الصبح ، والعشاء ~~تكبيرا عاليا ثلاث مرات ، وهو قديم من شأن الناس . وروى ابن القاسم عن مالك ~~فى العتبية قال : التكبير خلف الصلوات الخمس بأرض العدو محدث أحدثه المسودة ~~، وكذلك فى دبر الصبح ، والمغرب فى بعض البلدان . وقول ابن عباس : إن رفع ~~الصوت بالذكر كان حين ينصرف الناس من المكتوبة على عهد الرسول ، يدل أنه لم ~~يكن يفعل ذلك الصحابة حين حدث ابن عباس بهذا الحديث ؛ إذ لو كان يفعل ذلك ~~الوقت لم يكن لقوله كان يفعل على عهد رسول الله معنى ، وهذا كما كان أبو ~~هريرة يكبر ms0622 عند كل خفض ورفع يقول : أنا أشبهكم صلاة برسول الله ، فكان ~~التكبير بأثر الصلوات مثل هذا مما لم يواظب الرسول عليه طول حياته ، وفهم ~~أصحابه أن ذلك ليس بلازم فتركوه خشية أن يظن من قصر علمه أنه مما لا تتم ~~الصلاة إلا به ، فلذلك كرهه من الفقهاء من كرهه ، والله أعلم ، وقد روى عن ~~عبيدة أن ذلك بدعة . وفى حديث أبى هريرة ، وحديث المغيرة فضل الذكر بعد ~~الصلاة ، وأن ذلك من رغائب الخير وسبيل الصالحين ، وسأزيد هذا المعنى بيانا ~~، PageV02P458 وأبين اهل الذكر بعد الصلاة أفضل أم قراءة القرآن فى كتاب ~~الدعاء فى باب الدعاء بعد الصلاة ، إن شاء الله . قال المهلب : فى حديث أبى ~~هريرة فضل الغنى نصا لا تأويلا إذا استوت أعمالهم بما افترض الله عليهم ، ~~فللغنى حينئذ فضل أعمال البر من الصدقة وإحياء الأرماق ، وإعانة ابن السبيل ~~، وفك الأسير والجهاد وشبه ذلك ، مما لا سبيل للفقراء إليها ولا قدرة لهم ~~عليها ، فبهذا يفضل الغنى الفقير ، وإنما يفضل الفقير الغنى إذا فضل صاحبه ~~بالعمل ، وسيأتى تمام القول فى ذلك فى كتاب الرقائق ، إن شاء الله . وفيه : ~~أن العالم إذا سئل عن مسألة يقع فيها الخلاف بين الأمة أن يجيب بما يلحق به ~~المفضول درجة الفاضل ، ولا يجيبه بنفس التفاضل خوف وقوع الخلاف . وفى ( ~~الموطأ ) : عن عطاء بن يزيد ، عن أبى هريرة زيادة فى حديثه المذكور فى هذا ~~الباب وهو أنه قال : ( من سبح دبر كل صلاة ثلاثا وثلاثين ، وكبر ثلاثا ~~وثلاثين ، وحمد ثلاثا وثلاثين ، وختم المائة بلا إله إلا الله وحده لا شريك ~~له ، له الملك وله الحمد وهو على كل شىء قدير ، غفرت ذنوبه ولو كانت مثل ~~زبد البحر ) . وقوله : ( ولا ينفع ذا الجد منك الجد ) ، قال ابن السكيت : ~~الجد ، بفتح الجيم ، الحظ والبخت ، أى : من كان له جد فى الدنيا لم ينفع ~~ذلك عند الله فى الآخرة ، وكذلك فسره أبو عبيد وجميع أهل PageV02P459 اللغة ~~، وسأذكر قول الطبرى فى هذه الكلمة فى باب القدر فى باب لا مانع ms0623 لما أعطى ~~الله ، إن شاء الله . * * * # | 129 - باب يستقبل الإمام الناس إذا سلم # / 191 - فيه : سمرة بن جندب قال : ( كان عليه السلام ، إذا صلى صلاة أقبل ~~علينا بوجهه ) . / 192 - وفيه : زيد بن خالد أنه قال : صلى لنا رسول الله ~~صلاة الصبح بالحديبية على أثر سماء كانت من الليل ، فلما انصرف أقبل على ~~الناس . . . ، الحديث . / 193 - وفيه : أنس : ( أخر الرسول الصلاة إلى شطر ~~الليل ، ثم خرج ، فصلى ، فأقبل علينا بوجهه . . . ) ، الحديث . قال المهلب ~~: استقبال الرسول الناس بوجهه هو عوض من قيامه من مصلاه ؛ لأن قيامه إنما ~~هو ليعرف الناس بفراغ الصلاة ، ولذلك ترجح مالك ، يرحمه الله ، فقال فى ~~إمام مسجد القبائل والجماعات : لابد أن يقوم من موضعه ، ولا يقوم فى داره ~~وسفره إلا أن يشاء . وفى بقاء الإمام فى موضعه تخليط على الداخلين ، وأن ~~موضع الإمام موضع خطة وولاية ، فإذا قضى صلاته زال منه ، وكان على بن أبى ~~طالب إذا صلى استقبل القوم بوجهه ، وكان إبراهيم النخعى إذا سلم انحرف ~~واستقبل القوم . PageV02P460 * * * # | 130 - باب مكث الإمام في مصلاه بعد التسليم # وكان ابن عمر يصلي في مكانه الذي يصلى فيه الفريضة ، وفعله ابن القاسم ، ~~ويذكر عن أبي هريرة رفعه : لا يتطوع الإمام في مكانه ، ولم يصح . / 194 - ~~فيه : عن أم سلمة ( أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - كان إذا سلم يمكث في ~~مكانه يسيرا ) . قال ابن شهاب : فنرى ، والله أعلم لكي ينفذ من ينصرف من ~~النساء . وقالت مرة : فينصرف النساء ، فيدخلن بيوتهن قبل أن ينصرف رسول ~~الله . ذهب جمهور العلماء أن الإمام لا يتطوع فى مكانه الذى صلى فيه ~~الفريضة ، وذكر ابن أبى شيبة ، عن على قال : لا يتطوع الإمام حتى يتحول من ~~مكانه أو يفصل بينهما بكلام ، وكرهه ابن عمر للإمام ، ولم ير به بأسا لغيره ~~، وعن عبد الله بن عمرو مثله ، وروى موسى عن القاسم أن الإمام إذا سلم ~~فواسع أن ينتفل فى مكانه ، وهذا لم أجده لغيره من العلماء . وأما مكث ~~الإمام فى مصلاه بعد السلام ، فقد كرهه أكثر ms0624 العلماء إذا كان إماما راتبا ~~إلا أن يكون مكثه لعلة ، كما فعل عليه السلام من أجل انصراف النساء قبل أن ~~يدركهن الرجال ، هذا قول الشافعى ، وأحمد بن حنبل ، وقال مالك : يقوم ولا ~~يقعد فى الصلاة كلها إذا كان إمام مسجد جماعة ، وإن كان إماما فى سفر ، فإن ~~شاء قام وإن شاء قعد . PageV02P461 وقال أبو حنيفة : كل صلاة بعدها نافلة ~~فإنه يقوم لها ، وما لا نافلة بعدها كالعصر والفجر ، فإن شاء قام وإن شاء ~~قعد ، وهو قول أبى مجلز . وقال محمد : ينتقل فى الصلوات كلها ؛ ليتحقق ~~المأموم أنه لم يبق عليه شىء من الصلاة من سجود سهو ولا غيره . وذكر ابن ~~أبى شيبة ، عن ابن مسعود ، وعائشة قالا : ( كان عليه السلام إذا سلم لم ~~يقعد إلا بمقدار ما يقول : اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا ~~الجلال والإكرام ) . وقال ابن مسعود أيضا : كان الرسول إذا قضى الصلاة ~~انفتل سريعا ، فإما أن يقوم وإما أن ينحرف . وقال ابن جبير : شرق أو غرب ، ~~ولا تستقبل القبلة . وقال قتادة : كان أبو بكر إذا سلم كأنه على الرضف حتى ~~ينهض . وقال ابن عمر : الإمام إذا سلم قام . وقال مجاهد : قال عمر : جلوس ~~الإمام بعد السلام بدعة ، وذهب جماعة من الفقهاء إلى أن الإمام إذا سلم ، ~~فإن من صلى خلفه من المأمومين يجوز لهم القيام قبل قيامه إلا رواية عن ~~الحسن ، والزهرى ، ذكرها عبد الرزاق قال : لا ينصرفوا حتى يقوم الإمام ، ~~قال الزهرى : إنما جعل الإمام ليؤتم به ، وجماعة الناس على خلافهما . وروى ~~معمر ، عن أبى إسحاق ، عن أبى الأحوص ، عن ابن PageV02P462 مسعود قال : إذا ~~فرغ الإمام ولم يقم ولم ينحرف ، وكانت لك حاجة ، فاذهب ودعه فقد تمت صلاتك ~~. وفى حديث أم سلمة من الفقه : أن خروج النساء ينبغى أن يكون قبل خروج ~~الرجال . * * * # | 131 - باب من صلى بالناس فذكر حاجة فتخطاهم # / 195 - فيه : عقبة قال : صليت وراء الرسول بالمدينة العصر ، فسلم ، فقام ~~مسرعا ، فتخطى رقاب الناس إلى بعض حجر نسائه ، ففزع الناس من سرعته ms0625 ، فخرج ~~عليهم ، فرأى أنهم عجبوا من سرعته ، فقال : ( ذكرت شيئا من تبر عندنا ، ~~فكرهت أن يحبسني ، فأمرت بقسمته ) . قال المؤلف : مباح للإمام إذا سلم أن ~~ينصرف إن شاء قبل انصراف الناس . وفيه : أن التخطى بما لا غنى بالإنسان عنه ~~مباح فعله . وقال المهلب : التخطى لا يكون مكروها إلا فى موضع يشتغل الناس ~~فيه عن الصلاة أو عن الخطبة فحينئذ يكره التخطى من أجل شغل الناس بمن ~~تخطاهم عما هم فيه من الذكر والاستماع ، وقد تحضر الإنسان ضرورة حقن أو ذكر ~~حاجة يخشى فوتها ، فيستجاز التخطى فى ذلك كالراعف والمحدث يخرج من بين ~~الصفوف . وفيه : أن من حبس صدقة للمسلمين من وصية أو زكاة أو غيرها أنه ~~يخاف عليه أن يحبس بها يوم القيامة فى الموقف ، لقوله عليه السلام : ( كرهت ~~أن يحبسنى ) ، يعنى : فى الآخرة ، والله أعلم . PageV02P463 وفيه : أن من ~~وجب عليه فرض ، فإن الأفضل له مبادرته . * * * # | 132 - باب الانفتال والانصراف عن اليمين والشمال # وكان أنس بن مالك ينفتل عن يمينه وعن يساره ، ويعيب على من يتوخى أو من ~~يتعمد الانفتال عن يمينه . / 196 - فيه : عبدالله قال : لا يجعل أحدكم ~~للشيطان شيئا من صلاته ، يرى أن حقا عليه أن لا ينصرف إلا عن يمينه ، لقد ~~رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كثيرا ينصرف عن يساره . فالانفتال ~~والانصراف عن اليمين والشمال جائز عند العلماء لا يكرهونه لما ثبت عن ~~الرسول فى هذا الباب ، وإن كان انصرافه عليه السلام ، عن يمينه أكثر ؛ لأنه ~~كان يحب التيامن فى أمره كله ، وإنما نهى ابن مسعود عن التزام الانصراف من ~~جهة اليمين ؛ خشية أن يجعل ذلك من اللازم الذى لا يجوز غيره ، وقد روى ~~قبيصة بن ذؤيب ، عن أبيه ( أنه صلى مع الرسول فرآه ينصرف من شقيه ) . وقال ~~على : إذا قضيت الصلاة وأنت تريد حاجتك ، فإن كانت حاجتك عن يمينك أو عن ~~يسارك فخذ نحو حاجتك ، وكان على لا يبالى انصرف عن يمينه أو عن يساره ، وعن ~~ابن عمر مثله ، وهو قول النخعى ، واستحب الانصراف ms0626 عن اليمين : الحسن البصرى ~~، ورأى أبو عبيدة رجلا انصرف عن يساره فقال : أما هذا فقد أصاب السنة . | ~~PageV02P464 * * * # | 133 - باب ما جاء في الثوم النئ والبصل والكراث # وقول الرسول - صلى الله عليه وسلم - : ( من أكل الثوم أو البصل من الجوع ~~أو غيره فلا يقربن مسجدنا ) . / 197 - فيه : ابن عمر ، أن النبي عليه ~~السلام ، قال في غزوة خيبر : ( من أكل من هذه الشجرة - يعني الثوم - فلا ~~يغشانا في مسجدنا ) ، قلت : ما يعني به ؟ قال : ما أراه يعني إلا نيئه . / ~~198 - وفيه : جابر ، عن الرسول : ( ألا يغشانا في مساجدنا ) . / 199 - وفيه ~~: جابر ، أن النبي قال : ( من أكل ثوما أو بصلا فليعتزلنا - أو قال : ~~فليعتزل مسجدنا - وليقعد في بيته ، وأنه عليه السلام ، أتي بقدر فيه خضرات ~~من بقول ، فوجد لها ريحا ، فسأل ، فأخبر بما فيها من البقول ، فقال : ~~قربوها ، إلى بعض أصحابه ، فلما رآه كره أكلها ، قال : كل فإني أناجي من لا ~~تناجي ) . وقال ابن وهب : عن يونس ، عن الزهرى : أتي ببدر ، يعني طبقا فيه ~~خضرات . / 200 - وفيه : أنس ، قال عليه السلام : ( من أكل من هذه الشجرة ~~فلا يقربنا ، ولا يصلين معنا ) . فى هذا الحديث من الفقه إباحة أكل الثوم ؛ ~~لأن قوله : ( من أكل ) لفظ إباحة ، وفى ذلك دليل على أن شهود الجماعة ليس ~~بفريضة خلافا لأهل الظاهر الذين يوجبونها ، ويحرمون أكل الثوم من أجل ~~شهودها ، وقد أكل الثوم جماعة من السلف ، واختلف العلماء فى PageV02P465 ~~معان من هذا الحديث ، فقال بعضهم : إنما خرج النهى عن مسجد الرسول خاصة من ~~أجل ملائكة الوحى . وقال جمهور العلماء : حكم مسجد الرسول وحكم سائر ~~المساجد سواء ، وملائكة الوحى وغيرها سواء ؛ لأنه قد أخبر عليه السلام أنه ~~يتأذى منه بنو آدم ، وقال : ( يؤذينا بريح الثوم ) ، ولا يحل أذى الجليس ~~المسلم حيث كان . وروى ابن وهب عن مالك أنه قال : من أكل الثوم يوم الجمعة ~~لا أرى له أن يشهد الجمعة فى المسجد ولا رحابه ، وبئس ما صنع من أكل الثوم ~~وهو ممن تجب عليه الجمعة . وفيه : دليل أن كل ms0627 ما يتأذى به كالمجذوم وشبهه ~~يبعد عن المسجد وحلق الذكر ، وقد قال سحنون : لا أرى الجمعة تجب على ~~المجذوم ، واحتج بقوله عليه السلام : ( من أكل من هذه الشجرة فلا يقربن ~~مسجدنا ) . وأفتى أبو عمر أحمد بن عبد الملك بن هاشم فى رجل شكا جيرانه أنه ~~يؤذيهم فى المسجد بلسانه ، قال : يخرج عن المسجد ، ويبعد عنه ونزع بهذا ~~الحديث ، وقال : أذاه أكثر من أذى الثوم ، وهذا الحديث أصل فى نفى كل ما ~~يتأذى به . وفيه : أن الخضر كانت عندهم بالمدينة ، وفى إجماع أهلها على أنه ~~لا زكاة فيها دليل على أن رسول الله لم يأخذ منها الزكاة ، ولو أخذ منها لم ~~يخف على جميعهم ولنقل ذلك ، وهو قول مالك ، PageV02P466 والشافعى ، وجماعة ~~، وقال المهلب : فى قوله : ( أناجى من لا تناجى ) ، دليل أن الملائكة أفضل ~~من بنى آدم . وفيه : أن بنى آدم يلزم من بر بعضهم ما لا يلزم لجميعهم ؛ ألا ~~ترى أنه لم يؤمر آكل الثوم باجتناب أهل الأسواق ومهنة الناس وباعتهم . قال ~~مالك : ما سمعت فى أكل الثوم كراهية فى دخول السوق ، وإنما ذلك فى المسجد ، ~~ذكره ابن أبى زيد فى النوادر . وفيه : أنه من ترك طعاما لا يحبه أنه لا لوم ~~عليه كفعله عليه السلام ، فى الضب . وقال الخطابى : فسر ابن وهب البدر أنه ~~الطبق ، سمى بذلك لاستدارته واتساقه ، ولذلك سمى القمر عند اتساقه بدرا ، ~~ومنه عين بدرة إذا كانت واسعة مستديرة قال امرؤ القيس : وعين لها حدرة بدرة ~~شقت مآقيهما من أخر والبدرة : مسك السخلة ، وبه سميت بدرة المال . * ~~PageV02P467 * * # | 134 - باب وضوء الصبيان ، ومتى يجب عليهم الغسل والطهور وحضورهم ~~الجماعة والعيدين والجنائز وصفوفهم # / 201 - فيه : ابن عباس : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - مر على قبر ~~منبوذ ، فأمهم ، وصفوا عليه . / 202 - وفيه : أبو سعيد ، قال عليه السلام : ~~( الغسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم ) . / 203 - وفيه : ابن عباس : ( بت ~~عند خالتي ميمونة ، فنام النبي ، فلما كان في بعض الليل ، قام النبى - صلى ~~الله عليه وسلم - ، فتوضأ من شن معلق ms0628 وضوءا خفيفا ، ثم قام فصلي ، فقمت ، ~~فتوضأت نحوا مما توضأ ، ثم جئت فقمت عن يساره ، فحولني ، فجعلني عن يمينه ، ~~ثم صلى ما شاء الله . . . ) ، الحديث . / 204 - وفيه : أنس : ( أن جدته ~~مليكة دعت رسول الله لطعام صنعته ، فأكل منه ، فقال : قوموا فلأصلي بكم ، ~~فقمت إلى حصير لنا ، قد اسود من طول ما لبث ، فنضحته بماء ، فقام رسول الله ~~واليتيم معي والعجوز من ورائنا ، فصلى بنا ركعتين ) . / 205 - وفيه : ابن ~~عباس قال : أقبلت راكبا على حمار أتان ، وأنا يومئذ قد ناهزت الاحتلام ، ~~ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي بالناس بمنى إلى غير جدار ، فمررت ~~بين يدي بعض الصف ، فنزلت ، وأرسلت الأتان ترتع ، ودخلت في الصف ، فلم ينكر ~~ذلك علي أحد . / 206 - وفيه : عائشة : ( أعتم رسول الله بالعشاء ، حتى ~~ناداه عمر : قد نام النساء والصبيان ، فخرج رسول الله ، فقال : إنه ليس أحد ~~من أهل الأرض يصلي هذه الصلاة غيركم ، ولم يكن أحد يومئذ يصلي إلا أهل ~~المدينة ) . / 207 - وقال رجل لابن عباس : شهدت العيد مع رسول الله ؟ قال : ~~نعم ، ولولا مكاني منه ما شهدته . PageV02P468 قال المهلب : فى هذا الباب ~~وضوء الصبيان وصلاتهم ، وشهودهم الجماعات فى النوافل والفرائض ، وتدريبهم ~~عليها قبل وجوبها عليهم ليبلغوا إليها وقد اعتادوها وتمرنوا فيها ، وأحاديث ~~هذا الباب بينة فى ذلك ؛ لأن ابن عباس صلى مع الرسول على القبر المنبوذ ، ~~وإذ بات عند خالته ميمونة وصلى خلف النبى ، وإقباله على الأتان ، وحديث أنس ~~واليتيم ، كان ذلك كله فى حال الصغر ، يدل على ذلك قول ابن عباس : ولولا ~~مكانى من الصغر ما شهدته ، يريد بذلك حين أتى النساء ووعظهن وابن عباس معه ~~، وذكر البخارى فى فضائل القرآن أنه توفى الرسول وأنا ابن عشر سنين ، وذكر ~~ابن أبى شيبة عن الربيع ، حدثنا ابن معبد الجهنى ، عن أبيه ، عن جده قال : ~~قال رسول الله : ( إذا بلغ الغلام سبع سنين فأمروه بالصلاة ، فإذا بلغ عشرا ~~فاضربوه عليها ) . ورواه ابن شعيب عن أبيه ، عن جده ، عن النبى ، وقال به ~~مكحول ، ومالك ، والأوزاعى ، وأحمد ، وإسحاق ms0629 ، وجماعة ، وقد روى أشهب عن ~~مالك فى العتبية أنه يضرب على الصلاة لسبع ، وقال عروة : يؤمر بالصلاة إذا ~~عقلها ، وقال ابن عمر : يعلم الصبى الصلاة إذا عرف يمينه من شماله ، وهو ~~قول ابن سيرين . ولم يختلف العلماء أن الاحتلام أول وقت لزوم الفرائض ~~والحدود والأحكام ، واختلفوا إذا أتى عليه من السنين ما يحتلم فى مثلها ولم ~~يحتلم على أقوال سيأتى ذكرها فى موضعها من هذا الكتاب ، إن شاء الله تعالى ~~. PageV02P469 * * * # | 135 - باب خروج النساء إلى المساجد بالليل والغلس # / 208 - فيه : عائشة : ( أعتم النبى - صلى الله عليه وسلم - بالعتمة ، ~~حتى ناداه عمر : نام النساء . . . ) ، الحديث . / 209 - وفيه : ابن عمر ، ~~أن نبي الله قال : ( إذا استأذنكم نساؤكم بالليل ، فأذنوا لهن ) . / 210 - ~~وفيه : أم سلمة : أن النساء في عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا ~~سلمن من المكتوبة ، قمن ، وثبت رسول الله ومن صلى من الرجال ما شاء الله ، ~~فإذا قام رسول الله قام الرجال . / 211 - وفيه : عائشة قالت : إن كان رسول ~~الله ليصلي الصبح ، فينصرف النساء متلفعات بمروطهن ، ما يعرفن من الغلس . / ~~212 - وفيه : أبو قتادة قال رسول الله : ( إني لأقوم إلى الصلاة ، وأنا ~~أريد أن أطول فيها ، فأسمع بكاء الصبي ، فأتجوز في صلاتي كراهية أن أشق على ~~أمه ) . / 213 - وفيه : عائشة قالت : لو أدرك رسول الله ما أحدث النساء ~~لمنعهن المساجد ، كما منعت نساء بني إسرائيل . وقوله عليه السلام : ( إذا ~~استأذنكم بالليل ) ، فيه دليل أن النهار يخالف الليل ؛ لنصه على الليل ، ~~وهذا الحديث يقضى على قوله : ( لا تمنعوا إماء الله مساجد الله ) . قال ~~مالك : إنه بلغه عن ابن عمر ، عن نبى الله فكأنه قال : ( لا تمنعوا إماء ~~الله مساجد الله ) ، يعنى : فى الليل ، والغلس فيه معنى الليل ، ألا ترى ~~قول عائشة ما يعرفن من الغلس . PageV02P470 قال المهلب : أى لا يتميزن إن ~~كن نساء أو رجالا ، وقد جاء هذا المعنى بينا فى حديث قيلة ، قالت : ( قدمت ~~على الرسول وهو يصلى بالناس صلاة الغداة حين انشق الفجر ، فصففت مع الرجال ~~وأنا امرأة ms0630 حديثة عهد بجاهلية ، فقال لى الرجل الذى يلينى : امرأة أنت أم ~~رجل ؟ فقلت : امرأة ) . ففيه دليل أن المرأة لا تخرج إلى المسجد إلا بإذن ~~زوجها أو غيره من أوليائها ، وفيه دليل أنه ينبغى له أن يأذن لها ولا ~~يمنعها مما فيه منفعتها ، وذلك محمول على الأصول إذا لم يخف الفتنة عليها ~~ولا بها ؛ لأنه كان الأغلب من حال أهل ذلك الزمان ، وأما حديث عائشة ففيه ~~دليل لا ينبغى للنساء أن يخرجن إلى المساجد إذا حدث فى الناس الفساد . وهذا ~~عند مالك محمول على العجائز ، وروى عنه أشهب قال : وللمتجالة أن تخرج إلى ~~المسجد ولا تكثر الترداد ، وللشابة أن تخرج إليه المرة بعد المرة ، وتخرج ~~فى جنائز أهلها . وقال أبو حنيفة : أكره للنساء شهود الجمعة ، والصلاة ~~المكتوبة ، وأرخص للعجوز أن تشهد العشاء والفجر ، وأما غير ذلك فلا . وقال ~~أبو يوسف : لا بأس أن تخرج العجوز فى الصلوات كلها وأكرهه للشابة ، وقال ~~الثورى : ليس للمرأة خير من بيتها ، وإن كانت عجوزا ، وقال ابن مسعود : ~~المرأة عورة وأقرب ما تكون إلى الله فى قعر بيتها ، فإذا خرجت استشرفها ~~الشيطان . وكان ابن عمر يقوم بحصب النساء يوم الجمعة يخرجهن من PageV02P471 ~~المسجد ، وقال أبو عمرو الشيبانى : سمعت ابن مسعود حلف فبالغ فى اليمين : ~~ما صلت امرأة صلاة أحب إلى الله من صلاتها فى بيتها إلا فى حج أو عمرة إلا ~~امرأة قد يئست من البعولة . وقال ابن مسعود لامرأة سألته عن الصلاة فى ~~المسجد يوم الجمعة ، فقال : صلاتك فى مخدعك أفضل من صلاتك فى بيتك ، وصلاتك ~~فى بيتك أفضل من صلاتك فى حجرتك ، وصلاتك فى حجرتك أفضل من صلاتك فى مسجد ~~قومك . وكان إبراهيم يمنع نساءه الجمعة والجماعة ، وسئل الحسن البصرى عن ~~امرأة حلفت إن خرج زوجها من السجن تصلى فى كل مسجد يجمع فيه الصلاة بالبصرة ~~ركعتين ، فقال الحسن : تصلى فى مسجد قومها ؛ لأنها لا تطيق ذلك ، لو أدركها ~~عمر بن الخطاب لأوجع رأسها . * * * # | 136 - باب صلاة النساء خلف الرجال # / 214 - فيه : أم سلمة ms0631 قالت : كان عليه السلام ، إذا سلم ، قام النساء ~~حين يقضي تسليمه ، ويمكث هو في مقامه يسيرا قبل أن يقوم ، قال : نرى ، ~~والله أعلم ، أن ذلك كان لينصرف النساء ، قبل أن يدركهن الرجال . / 215 - ~~فيه : أنس : صلى الرسول في بيت أم سليم ، فقمت ويتيم خلفه وأم سليم خلفنا . ~~هكذا سنة صلاة النساء أن يقمن خلف الرجال ، وذلك والله أعلم ، خشية الفتنة ~~بهن ، واشتغال النفوس بما جبلت عليه من أمورهن عن الخشوع فى الصلاة ~~والإقبال عليها وإخلاص الفكر PageV02P472 فيها لله ؛ إذ النساء مزينات فى ~~القلوب ومقدمات على جميع الشهوات ، وهذا أصل فى قطع الذرائع ، وقد روى عن ~~الرسول أنه قال : ( خير صفوف الرجال أولها وشرها آخرها ، وخير صفوف النساء ~~آخرها وشرها أولها ) ، رواه سفيان عن ابن عجلان ، عن أبيه ، عن أبى هريرة ، ~~وروى أيضا من حديث جابر ، وروى ابن عباس أن امرأة جميلة دخلت المسجد فوقفت ~~فى الصف الأول من صفوف النساء ، فمن الناس من تقدم حتى لا يراها ، ومنهم من ~~تأخر فلاحظها ، فأنزل الله تعالى : { ولقد علمنا المستقدمين منكم ولقد ~~علمنا المستأخرين } [ الحجر : 24 ] . * * * # | 137 - باب سرعة انصراف النساء من الصبح ، وقلة مقامهن في المسجد # / 216 - فيه : عائشة : كان عليه السلام ، يصلي الصبح بغلس ، فتنصرف نساء ~~المؤمنين ، لا يعرفن من الغلس ، أو لا يعرف بعضهن بعضا . هذه السنة المعمول ~~بها أن تنصرف النساء فى الغلس قبل الرجال ليخفين أنفسهن ، ولا يتبين لمن ~~لقيهن من الرجال ، فهذا يدل أنهن لا يقمن فى المسجد بعد تمام الصلاة ، وهذا ~~كله من باب قطع الذرائع ، والتحظير على حدود الله ، والمباعدة بين الرجال ~~والنساء خوف الفتنة ودخول الحرج ، ومواقعة الإثم فى الاختلاط بهن . | ~~PageV02P473 * * * # | 138 - باب استئذان المرأة زوجها فى الخروج إلى المسجد # / 217 - فيه : ابن عمر : أن الرسول قال : ( إذا استأذنت امرأة أحدكم فلا ~~يمنعها ) . هذا الحديث معناه العموم ، وتقييده بزيادة من زاد فيه بالليل ~~لصلاتهن فى مساجد الجماعة ، ويخرج من هذا الحديث أن الرجل إذا استأذنته ~~امرأته إلى الحج لا يمنعها ، فيكون وجه نهيه عن ms0632 منعها المسجد الحرام لأداء ~~فريضة الحج نهى إيجاب ، وهو قول مالك ، والشافعى أن المرأة ليس لزوجها ~~منعها من الحج ، ويكون على الوجه الأول ، أعنى الصلوات الخمس فى المساجد ، ~~نهى أدب ؛ لأنه واجب عليه أن لا يمنعها . وقال الطبرى : فى إطلاقه عليه ~~السلام لهن الخروج إلى المساجد وذلك إباحة لا ندب ولا فرض ، دليل أن نظير ~~ذلك الإذن لهن فى كل ما كان مطلقا الخروج فيه نحو عيادة إحداهن بعض أهلها ، ~~وشهودها أعياد المسلمين أو زيارة قبر ميت لها ، وإذا كان حقا عليهم أن ~~يأذنوا لهن فيما هو مطلق لهن الخروج فيه ، فالإذن لهن فيما هو فرض عليهن أو ~~ندب الخروج إليه أولى ، كخروجهن لأداء شهادة لزمتهن ، أو لتعرف أسباب دينهن ~~، ولأداء فرض الحج وشبهه من الفرائض ، أو لزيارة أمهاتهن وآبائهن وذوى ~~محارمهن . PageV02P474 * * * # | 11 - كتاب الجمعة # # | 1 - باب فرض الجمعة ، لقول الله تعالى : { إذا نودي للصلاة من يوم ~~الجمعة } [ الجمعة 9 ] # / 1 - فيه : أبو هريرة : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( نحن ~~الآخرون السابقون يوم القيامة ، بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا ، ثم هذا ~~يومهم الذي فرض الله عليهم ، فاختلفوا فيه ، فهدانا الله له ، فالناس لنا ~~فيه تبع : اليهود غدا ، والنصارى بعد غد ) . قال المؤلف : قوله : ( نحن ~~الآخرون السابقون ) ، يريد عليه السلام آخر الأنبياء والرسل ، وهو خاتم ~~النبيين لا نبى بعده ، وقوله : ( السابقون ) ، يعنى أن أمته يسبقون سائر ~~الأمم بالدخول فى الجنة ، وهو الشافع ليقضى بين الخلائق يوم القيامة إذا ~~اشتد بالناس العرق ، وطال بهم الوقوف ، فيمشى حتى يأخذ حلقة الباب ، فيومئذ ~~يبعثه الله مقاما محمودا يحمده أهل الجمع كلهم . وأيضا فقد أخبر عليه ~~السلام أن أمته أعطوا أجر أهل الكتابين : التوراة ، والإنجيل ، فى حديث : ( ~~إنما مثلكم فيمن خلا من الأمم قبلكم ) . وقوله : ( هذا يومهم الذى فرض ~~عليهم فاختلفوا فيه ، فهدانا الله PageV02P475 له ) ، ليس فيه دليل أن يوم ~~الجمعة فرض عليهم بعينه فتركوه ؛ لأنه لا يجوز لأحد أن يترك فرض الله عليه ~~وهو مؤمن ، وإنما يدل والله أعلم ، أنه فرض ms0633 عليهم يوم من الجمعة وكل إلى ~~اختيارهم ليقيموا فيه شريعتهم ، فاختلفوا فى أى الأيام يكون ذلك اليوم ، ~~ولم يهدهم الله إلى يوم الجمعة ، وذخره لهذه الأمة ، وهداهم له تفضلا منه ~~عليها ؛ ففضلت به على سائر الأمم ؛ إذ هو خير يوم طلعت فيه الشمس وفضله ~~الله بساعة يستجاب فيها الدعاء . وقوله : ( بيد ) ، معناه : ( غير ) ، عند ~~الخليل . * * * # | 2 - باب فضل الغسل يوم الجمعة ، وهل على الصبي شهود يوم الجمعة أو على ~~النساء # / 2 - فيه : ابن عمر : أن رسول الله قال : ( إذا جاء أحدكم الجمعة ، ~~فليغتسل ) . / 3 - وفيه : ابن عمر : أن عمر بن الخطاب بينما هو قائم في ~~الخطبة يوم الجمعة ، إذ دخل رجل من المهاجرين الأولين من أصحاب رسول الله ، ~~فناداه عمر : أية ساعة هذه ؟ فقال : إني شغلت ، فلم أنقلب إلى أهلي حتى ~~سمعت التأذين ، فلم أزد أن توضأت ، فقال : والوضوء أيضا ! ، وقد علمت أن ~~رسول الله كان يأمر بالغسل . / 4 - وفيه : عن أبي سعيد ، أن رسول الله قال ~~: ( غسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم ) . PageV02P476 قال المؤلف : الغسل ~~يوم الجمعة مرغب فيه مندوب إليه ، وقد اختلف العلماء فى وجوبه ، فذهبت ~~طائفة إلى أنه ليس بواجب ، يروى ذلك عن عمر بن الخطاب ، وابن مسعود ، وابن ~~عباس ، وعائشة ، وهو قول مالك ، والأوزاعى ، والثورى ، وأبى حنيفة ، ~~والشافعى ، وأحمد ، وجمهور العلماء . وأوجب قوم الغسل فرضا ، روى ذلك عن ~~أبى هريرة ، وكعب ، وعن سعد وأبى قتادة ما يدل على ذلك ، وهو قول أهل ~~الظاهر ، واحتجوا بقوله : ( غسل الجمعة واجب على كل محتلم ) . وقال الطحاوى ~~: وحجة أهل المقالة الأولى : قول عمر لعثمان : ( والوضوء أيضا ! وقد علمت ~~أن رسول الله كان يأمر بالغسل ) ، فدل ذلك أن الغسل الذى كان أمر به لم يكن ~~عندهم على الوجوب ، وإنما كان لما ذكرت عائشة ، وابن عباس أن الناس كانوا ~~عمال أنفسهم يروحون بهيئتهم ، فيؤذى بعضهم بعضا بالروائح الكريهة ، فقيل ~~لهم : لو اغتسلتم ، فدل أن الأمر كان من رسول الله بالغسل لم يكن للوجوب ~~عليهم ، وإنما كان لعلة ، ثم ذهبت تلك العلة ms0634 ، فذهب الغسل ، ولولا ذلك لما ~~تركه عثمان ، ولا سكت عمر أن يأمره بالرجوع حتى يغتسل ، وذلك بحضرة أصحاب ~~النبى ، عليه السلام ، الذين سمعوا ذلك من النبى كما سمعه عمر ، وعلموا ~~معناه الذى أراده فلم ينكروا عليه من ذلك شيئا ، ولم يأمروا بخلافه ، ففى ~~هذا إجماع منهم على نفى وجوب الغسل . قال الطبرى : ودل ذلك أن أمره عليه ~~السلام ، بالغسل كان على وجه PageV02P477 الندب والإرشاد ، وقد جاءت روايات ~~عن النبى ، عليه السلام ، تدل على ذلك ، فروى شعبة ، عن قتادة ، عن الحسن ، ~~عن سمرة بن جندب أن النبى ، عليه السلام ، قال : ( من توضأ يوم الجمعة فبها ~~ونعمت ، ومن اغتسل فالغسل أفضل ) . ومعنى قوله عليه السلام : ( غسل يوم ~~الجمعة واجب على كل محتلم ) ، يعنى : واجب فى السنة وفى الأخلاق الكريمة ، ~~كما تقول : وجب حقك وبرك ، أى : فى كرم الأخلاق ، وقد تأتى لفظة على الوجوب ~~لغير الفرض كما جاء فى الحديث : ( الوتر واجب ) ، وجمهور الأمة أنه غير فرض ~~. وقوله : ( غسل الجمعة واجب على كل محتلم ) ، يدل أنه لا تجب الجمعة على ~~الصبى ، وهذا إجماع ، وكذلك أجمعوا أنه لا جمعة على النساء . وقال المهلب : ~~قول عمر لعثمان : ( والوضوء أيضا ! ) ، يدل على إباحة الكلام فى الخطبة ~~بالأمر بالمعروف والنهى عن المنكر ؛ لأنه من باب الخطبة . * * * # | 3 - باب الطيب للجمعة # / 5 - فيه : أبو سعيد ، أن النبى ، عليه السلام ، قال : ( الغسل يوم ~~الجمعة واجب على كل محتلم ، وأن يستن ، وأن يمس طيبا إن وجد ) . قال عمرو : ~~أما الغسل فأشهد أنه واجب ، وأما الاستنان والطيب فالله أعلم ، أواجب هو أم ~~لا ؟ ولكن هكذا في الحديث . قوله : ( أما الغسل فإنه واجب ) ، يعنى : وجوب ~~سنة على ما تقدم من الأدلة على ذلك ، قال الطبرى ، والطحاوى : لما قرن رسول ~~الله PageV02P478 الغسل بالطيب يوم الجمعة ، وأجمع الجميع على أن تارك ~~الطيب يومئذ غير حرج إذا لم تكن له رائحة مكروهة يؤذى لها أهل المسجد ، ~~فكذلك حكم تارك الغسل ؛ لأن مخرج الأمر من النبى ، عليه السلام ، بهما مخرج ~~واحد ، وكذلك أجمعوا أن أمره بالاستنان ms0635 غير فرض ، فكذلك الغسل والطيب ، وإن ~~كان العلماء يستحبون الطيب لمن قدر عليه ، كما يستحبون اللباس الحسن ، وكان ~~ابن عمر يجمر ثيابه كل يوم جمعة ، وقال معاوية بن قرة : أدركت ثلاثين من ~~مزينة كانوا يفعلون ذلك . * * * # | 4 - باب فضل الجمعة # / 6 - فيه : أبو هريرة ، قال النبى ، عليه السلام : ( من اغتسل يوم ~~الجمعة غسل الجنابة ، ثم راح ، فكأنما قرب بدنة ، ومن راح في الساعة ~~الثانية ، فكأنما قرب بقرة ، ومن راح في الساعة الثالثة ، فكأنما قرب كبشا ~~أقرن ، ومن راح في الساعة الرابعة ، فكأنما قرب دجاجة ، ومن راح في الساعة ~~الخامسة ، فكأنما قرب بيضة ، فإذا خرج الإمام حضرت الملائكة ، يستمعون ~~الذكر ) . / 7 - وفيه : أبو هريرة أن عمر بن الخطاب بينما هو يخطب يوم ~~الجمعة ، إذ دخل رجل ، فقال عمر : لم تحتبسون عن الصلاة ، فقال الرجل : ما ~~هو إلا أن سمعت النداء توضأت ، فقال : ألم تسمع النبي عليه السلام ، قال : ~~( إذا راح أحدكم إلى الجمعة فليغتسل ؟ ) . قال المؤلف : فيه الحض على ~~الاغتسال للجمعة والتبكير إليها ، PageV02P479 وقوله : ( كغسل الجنابة ) ، ~~فإنما يعنى : فى العموم والإسباغ لا فى الوجوب لما قدمناه قبل هذا . واختلف ~~العلماء فى الساعات المذكورة فى هذا الحديث التى يكون الرواح فيها ، فذهبت ~~طائفة إلى أنها من أول طلوع الشمس ، هذا قول الكوفيين ، والشافعى ، وأجاز ~~الشافعى البكور إليها قبل طلوع الشمس ، وقال مالك : لا يكون الرواح إلا بعد ~~الزوال ، والذى يقع فى قلبى أنه أراد عليه السلام ، ساعة واحدة فيها هذا ~~التفسير . قال الخطابى : وحجة مالك فى أن هذه الساعات كلها فى ساعة واحدة ~~قولهم : جئت من ساعة ، وقعدت عند فلان ساعة ، يريد به جزءا من الزمان غير ~~معلوم دون الساعات التى هى أوراد الليل والنهار وأقسامها . واختار ابن حبيب ~~القول الأول ، واحتج له بأن ابن عمر سئل متى أروح ؟ فقال : إذا صليت الغداة ~~فرح إن شئت ، قال ابن حبيب : وتأويل مالك محال وتحريف لوجه الحديث ، وذلك ~~أنه لا تكون ساعات فى ساعة واحدة ، والشمس إنما تزول فى الساعة السادسة من ~~النهار وهو ms0636 وقت الأذان وخروج الإمام إلى الخطبة . وقول ابن حبيب خطأ لا ~~خفاء به ؛ لأن أهل العلم بالأوقات والحساب لا يختلفون أن الشمس إنما تزول ~~فى أول الساعة السابعة ، وتقع الصلاة إذا فاء الفىء ذراعا وذلك فى الساعة ~~الثامنة بعد مسير خمسها فى زمن الصيف ، وبعد مسير نصفها فى زمن الشتاء . ~~قال المهلب : ومفهوم الرواح فى لسان العرب يرد قول ابن حبيب ؛ لأنهم لا ~~يسمون الرواح إلا عند الزوال والغدو فى أول النهار ، ولا يسمون PageV02P480 ~~الغدو رواحا ، قال الله تعالى : { غدوها شهر ورواحها شهر } [ سبأ : 12 ] ، ~~فدل أن الغدو خلاف الرواح ، والفرق بينهما مستفيض فى كلام الناس ، والآثار ~~الصحاح تشهد لقول مالك والفعل بالمدينة ؛ لأنه أمر متردد فى كل جمعة لا ~~يخفى على عامة العلماء ، وروى أشهب عن مالك قال : التهجير إلى الجمعة ليس ~~هو الغدو ، ولم يكن الصحابة يغدون هكذا . وروى الزهرى عن سعيد بن المسيب ، ~~عن أبى هريرة ، عن النبى ، عليه السلام ، قال : ( إذا كان يوم الجمعة قام ~~على كل باب من أبواب المسجد ملائكة يكتبون الأول فالأول ، فالمهجر إلى ~~الجمعة كالمهدى بدنة ، ثم الذى يليه كالمهدى بقرة ، ثم الذى يليه كالمهدى ~~كبشا . . . ) إلى آخر الحديث . والمهجر : مأخوذ من الهاجرة والهجير ، وذلك ~~وقت المسير إلى الجمعة ، ولا يجوز أن يسمى عند طلوع الشمس هاجرة ولا هجيرا ~~، وقال فى الحديث : ( ثم الذى يليه ) ، ولم يذكر الساعات ، فدل على صحة قول ~~مالك . قال المهلب : وفيه دليل على أن المسارع إلى طاعة الله والسابق إليها ~~أعظم أجرا ؛ ألا ترى أنه قد مثل ذلك بهدى البدنة ، ثم الرائح بعده كمهدى ~~البقرة إلى البيضة ، فأراد عليه السلام أن يرى فضل ما بين البقرة والبدنة ، ~~ويدل على تفاوت ما بين السابق والمسبوق فى الفضل ، وجعل الرواح إلى خروج ~~الإمام . وقوله : ( فإذا خرج الإمام طويت الصحف ) ، فدل على أنه ~~PageV02P481 من أتى والإمام فى الخطبة أن أجره أقل من أجر من أتى قبله ؛ ~~لأن الملائكة لم تكتبه فى صحفها ، وإنما يكون له أجر من أدرك الصلاة لا ms0637 أجر ~~المسارع . وقوله : ( حضرت الملائكة يستمعون الذكر ) ، يعنى : الخطبة ، وقد ~~بين ذلك فى حديث ابن المسيب ، عن أبى هريرة ، وقال : ( يستمعون الخطبة ) . ~~وقد احتج بهذا الحديث من فضل البدن على البقر ، والبقر على الضأن فى ~~الضحايا ، وهو قول الكوفيين والشافعى ، واحتجوا بالإجماع على أن أفضل ~~الهدايا : الإبل ، وقالوا : ما استيسر من الهدى : شاة ، فدل ذلك على نقصان ~~مرتبتها عما هو أعلى منها ، وذهب مالك إلى أن أفضل الضحايا : الضأن ، وقال ~~تعالى : { وفديناه بذبح عظيم } [ الصافات : 107 ] ، وهو كبش لا جمل ولا ~~بقرة ، وقال : لو علم الله حيوانا هو أفضل من الكبش لفدى به . وقوله : ( من ~~راح فى الساعة الرابعة كمن أهدى دجاجة ، وفى الساعة الخامسة كمن أهدى بيضة ~~) ، واسم الهدى لا يقع على الدجاجة والبيضة ، وأما الغنم فقد اختلف العلماء ~~فيها ، فقال بعضهم : ليست بهدى والأكثرون منهم يجعلونها هديا ، وثمرة هذا ~~الخلاف أن يوجب الرجل على نفسه هديا ، فإذا ذبح شاة أجزأه عن نذره فى قول ~~من رآها هديا ، ولا يجزئه فى قول الآخرين إلا بدنة أو بقرة ، ذكره الخطابى ~~. وقوله : ( أهدى دجاجة وبيضة ) ، فمن المحمول على حكم ما تقدمه من الكلام ~~كقوله : أكلت طعاما وشرابا ، والأكل إنما PageV02P482 يصرف إلى الطعام دون ~~الشراب ، إلا أنه لما عطف به على المذكور قبله حمل على حكمه كقولهم : ~~متقلدا سيفا ورمحا ، والرمح لا يتقلد إنما يحمل ، ومثله : زججن الحواجب ~~والعيونا ، أى : كحلن العيونا . * * * # | 5 - باب الدهن للجمعة # / 8 - فيه : سلمان الفارسي قال : قال النبي عليه السلام : ( لا يغتسل رجل ~~يوم الجمعة ، ويتطهر ما استطاع من الطهور ، ويدهن من دهنه ، ويمس من طيب ~~بيته ، ثم يخرج فلا يفرق بين اثنين ، ثم يصلي ما كتب له ، ثم ينصت إذا تكلم ~~الإمام إلا غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى ) . / 9 - وفيه : طاوس : قلت ~~لابن عباس : ذكروا أن النبي عليه السلام ، قال : ( اغتسلوا يوم الجمعة ~~واغسلوا رءوسكم ، وإن لم تكونوا جنبا ، وأصيبوا من الطيب ) ، قال ابن عباس ~~أما الغسل فنعم ، وأما الطيب فلا أدري . قال المؤلف ms0638 : الدهن يوم الجمعة ~~كالطيب لها ، وقد تقدم أن العلماء متفقون على استحبابه ، وروى فى حديث ~~سلمان أنه عليه السلام ، قال : ( إذا توضأ الرجل يوم الجمعة ولبس ثيابه ، ~~ثم أتى الجمعة وأنصت حتى تقضى الصلاة ؛ غفر له من الجمعة إلى الجمعة ) ، ~~فذكر مكان الغسل الوضوء رواه جرير بن حازم ، عن مغيرة ، عن إبراهيم ، عن ~~القرثع الضبى ، عن سلمان . قال الطبرى : وفيه البيان أن الثواب الذى وصفه ~~النبى ، عليه PageV02P483 السلام ، إنما هو أن يشهد الجمعة بالصفة التى ~~وصفها وأنصت لخطبة إمامه وقراءته فى صلاته دون من لم ينصت . فإن قيل : فإذا ~~كان كما وصفت ، فما أنت قائل فيمن كان بهذه الصفة وكان من الإمام بحيث لا ~~يبلغه صوته أو كان بحيث يبلغه صوته لو رفع ، غير أن الإمام خفض صوته ، فلم ~~يسمع خطبته ولا قراءته ، هل يستحق الثواب الذى ذكره النبى ، عليه السلام ، ~~أم لا ؟ . قيل : إذا كان بعض هذه العلل فالله تعالى ، أكرم من أن يحرم عبدا ~~له مطيعا ، انتهى فى أمره إلى ما أمر به ، ثواب عمله بسبب مانع منعه إلى ما ~~قصده وأراده . وقوله عليه السلام : ( اغتسلوا يوم الجمعة وإن لم تكونوا ~~جنبا ) ، فإنه محمول عند الفقهاء على الاستحباب والندب كما تقدم فى باب فضل ~~الغسل يوم الجمعة ، وقال ابن المنذر : أكثر من نحفظ عنه من أهل العلم ~~يقولون : يجزئ غسل واحد للجنابة والجمعة . وابن المنذر صاحب ( الإشراف ) ، ~~هو القائل : وروينا هذا عن ابن عمر ، ومجاهد ، ومكحول ، ومالك ، والثورى ، ~~والأوزاعى ، والشافعى ، وأبى ثور ، وقال أحمد : أرجو أن يجزئه ، وهو قول ~~ابن كنانة ، وأشهب ، وابن وهب ، ومطرف ، وابن الماجشون ، وابن نافع ، ورواه ~~عن مالك ، وهو قول المزنى . وقال آخرون : لا يجزئه غسل الجمعة عن غسل ~~الجنابة حتى ينويها ، هذا قول مالك فى المدونة وذكره ابن عبد الحكم ، وذكر ~~ابن المنذر عن بعض ولد أبى قتادة أنه قال : من اغتسل للجنابة يوم الجمعة ~~اغتسل للجمعة . وقال ابن حبيب : لم يختلف قول مالك ومن علمت من أصحابنا ، ~~فيمن اغتسل للجنابة وهو ناس ms0639 للجمعة أن ذلك لا يجزئه عن PageV02P484 غسل ~~الجمعة ، غير محمد بن عبد الحكم ، فإنه قال : غسل الجنابة يجزئ عن غسل ~~الجمعة ، ولا يجزئ غسل الجمعة عن غسل الجنابة ، وقال الأبهرى : إنما لم ~~يجزئ غسل الجمعة عن الجنابة ؛ لأن غسل الجنابة فرض ، وغسل الجمعة مندوب ~~إليه ليس بفرض وسيأتى معنى قوله : ( فلا يفرق بين اثنين ) فى بابه . * * * # | 6 - باب يلبس أحسن ما يجد # / 10 - فيه : ابن عمر : أن عمر بن الخطاب رأى حلة سيراء عند باب المسجد ، ~~فقال : يا رسول الله ، لو اشتريت هذه تلبسها يوم الجمعة وللوفد إذا قدموا ~~عليك ، فقال رسول الله : ( إنما يلبس هذه من لا خلاق له في الآخرة ) . ثم ~~جاءت رسول الله منها حلل ، فأعطى عمر بن الخطاب منها حلة ، فقال عمر : يا ~~رسول الله ، كسوتنيها ، وقد قلت في حلة عطارد ما قلت ، قال رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - : ( إني لم أكسكها لتلبسها ) ، فكساها عمر بن الخطاب أخا ~~له بمكة مشركا . قوله فى الحلة : ( فتلبسها للجمعة ) ، يدل أنه كان عندهم ~~معهود أن يلبس الرجل أفضل ثيابه وأحسنها لشهود الجمعة ، وقد روى عنه عليه ~~السلام ، أنه قال : ( ما على أحدكم لو اتخذ ثوبين لجمعته سوى ثوبى مهنته ) ~~، من بلاغات مالك عن يحيى بن سعيد . وذكر أهل السير : أن النبى عليه السلام ~~، كان يلبس برده الأحمر يوم الجمعة وأحسن ثيابه ، ويمس من الطيب ، وكذلك فى ~~العيدين . PageV02P485 قال عبد الرحمن بن أبى ليلى : أدركت أصحاب محمد من ~~أصحاب بدر ، وأصحاب الشجرة إذا كان يوم الجمعة لبسوا أحسن ثيابهم وإن كان ~~عندهم طيب مسوا منه ، ثم راحوا إلى الجمعة . والسيراء : ثياب يخالطها حرير ~~، يقال : سيرت الثوب والسهم : جعلت فيه خطوطا ، من كتاب ( العين ) . * * * # | 7 - باب السواك يوم الجمعة # / 11 - فيه : أبو هريرة قال النبى ، عليه السلام : ( لولا أن أشق على ~~أمتي ، أو على الناس ، لأمرتهم بالسواك مع كل صلاة ) . / 12 - وفيه : أنس ~~قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( أكثرت عليكم في السواك ) . ~~/ 13 - وفيه : حذيفة قال : ( كان ms0640 عليه السلام ، إذا قام من الليل يشوص فاه ~~) . قال المؤلف : إذا كانت الجمعة لها مزية فضيلة فى الغسل لها واللباس ~~والطيب ، وكان السواك مستحبا لكل صلاة مندوبا إليه ، كانت الجمعة أولى بذلك ~~. وقال المهلب : قوله : ( لولا أن أشق على أمتى ) ، يدل أن السنن والفضائل ~~ترتفع عن الناس إذا خشى منها الحرج عليهم ، وإنما أكد فى السواك لمناجاة ~~الله ولتلقى الملائكة لتلك المناجاة فلزم تطهير النكهة ، وتطييب الفم . ~~PageV02P486 * * * # | 8 - باب من تسوك بسواك غيره # / 14 - فيه : عائشة : دخل عبدالرحمن بن أبي بكر ، ومعه سواك يستن به ، ~~فنظر إليه رسول الله ، فقلت له : ( أعطني هذا السواك يا عبدالرحمن ) ، ~~فأعطانيه ، فقضمته ، ثم مضغته ، فأعطيته رسول الله فاستن به ، وهو مستند ~~إلى صدري . وفيه : الترجمة ، وفيه : طهارة ريق ابن آدم ، وقد تقدم فى كتاب ~~الطهارة . * * * # | 9 - باب ما يقرأ في صلاة الفجر يوم الجمعة # / 15 - فيه : أبو هريرة : ( كان النبي عليه السلام ، يقرأ في الفجر يوم ~~الجمعة { الم * تنزيل } ، و { هل أتى على الإنسان } [ الإنسان 1 ] ) . ذهب ~~العلماء إلى القول بهذا الحديث ، وأجازوا أن يقرأ سورة فيها سجدة فى الفجر ~~يوم الجمعة ، روى ذلك عن على بن أبى طالب ، وابن عباس واستحبه النخعى ، ~~وابن سيرين ، وهو قول الكوفيين ، والشافعى ، وأحمد ، وإسحاق ، وقالوا : هو ~~سنة ، واختلف قول مالك فى ذلك فروى ابن وهب عنه أنه لا بأس أن يقرأ الإمام ~~بالسجدة فى الفريضة ، وروى عنه أشهب أنه كره للإمام ذلك إلا أن يكون من ~~خلفه قليل لا يخاف أن يخلط عليهم . وقال المهلب : القراءة فى الصلاة كلها ~~محمولة على قوله تعالى : { فاقرءوا ما تيسر من القرآن } [ المزمل : 20 ] ، ~~وإنما كره ذلك مالك خشية التخليط PageV02P487 على الناس ، ولذلك ، والله ~~أعلم ، ترك النبى ، عليه السلام ، فى آخر فعله السجود فى المفصل ؛ لأنه ~~الذى يقرأ به فى الصلوات الخمس ، وستأتى زيادة فى هذا المعنى فى باب سجود ~~القرآن ، إن شاء الله تعالى . * * * # | 10 - باب الجمعة في القرى والمدن # / 16 - فيه : ابن عباس قال : ( أول جمعة جمعت ، بعد جمعة ms0641 في مسجد رسول ~~الله ، في مسجد عبدالقيس بجواثى من البحرين ) . / 17 - وكتب رزيق بن حكيم ~~إلى ابن شهاب ، وهو بوادي القرى : هل ترى أن أجمع ؟ ، ورزيق عامل على أرض ~~وفيها جماعة ، فكتب إليه ابن شهاب أن يجمع ، قال : وحدثنى سالم ، عن أبيه ، ~~أن النبى ، عليه السلام ، قال : ( كلكم راع ، وكلكم مسئول عن رعيته ) . ~~أجمع العلماء على وجوب الجمعة على أهل المدن ، واختلفوا فى وجوبها على أهل ~~القرى ، فقال مالك : كل قرية فيها مسجد أو سوق ، فالجمعة واجبة على أهلها ، ~~وبه قال الشافعى وجماعة ، وقال مالك ، والشافعى : لا تجب على أهل العمود ، ~~وإن كثروا ؛ لأنهم فى حكم المسافرين . وقال أبو حنيفة ، والثورى : لا تجب ~~الجمعة إلا على أهل الأمصار خاصة ، وأحاديث هذا الباب حجة لمن أوجب الجمعة ~~على أهل القرى . وفى احتجاج ابن شهاب أن الجمعة على أهل القرى بقوله عليه ~~السلام : ( كلكم راع ومسئول عن رعيته ) ، حجة للكوفيين فى أن PageV02P488 ~~الجمعة لا تقوم إلا بالأمراء أو من أذن له الأمراء ، وزعموا أن الإمام فيها ~~شرط ؛ لأن النبى ، عليه السلام ، صلى بهم يوم الجمعة وخلفاؤه بعده ، وقال ~~مالك ، والشافعى : تقوم الجمعة فى القرى والمدن بوال أو غيره . قال ابن ~~القصار : ولو جاز أن يقول إن إقامة الجمعة بالنبى وخلفائه شرط لجاز أن يقول ~~ذلك فى سائر الصلوات ؛ لأنه عليه السلام ، تولى سائر الصلوات بنفسه واستخلف ~~أبا بكر الصديق ، فكان يجب ألا تصلى صلاة إلا بسلطان أو إذنه ، والجمعة ~~لابد أن تفعل فى المسجد مع الأئمة ، والجماعات فى الجمعة كما هى فى الأعياد ~~والاستسقاء والخسوف والحج ، وهى أعلام من الشرائع بكثرة الاجتماع لها ، ~~فجرت عادة السلطان بحضورها لمقاماتها ، لا أن غير ذلك لا يجوز ، كما فعل ~~سائر الصلوات فى المسجد ، وتوعد على تركها معه فى المسجد ولم يقل أن غير ~~ذلك لا يجوز . * * * # | 11 - باب هل على من لم يشهد الجمعة غسل من النساء والصبيان وغيرهم # وقال ابن عمر : إنما الغسل على من تجب عليه الجمعة . / 18 - فيه : ابن ~~عمر قال النبى ms0642 ، عليه السلام : ( من جاء منكم الجمعة ، فليغتسل ) . / 19 - ~~وفيه : أبو سعيد الخدري قال : قال رسول الله : ( غسل يوم الجمعة واجب على ~~كل محتلم ) . / 20 - وفيه : أبو هريرة قال : قال رسول الله : ( . . . نحن ~~الآخرون السابقون . . . ) ، إلى قوله : ( حق على كل مسلم أن يغتسل في كل ~~سبعة أيام يوما ، يغسل فيه رأسه وجسده ) . PageV02P489 / 21 - وفيه : ابن ~~عمر ، قال النبي عليه السلام : ( ائذنوا للنساء بالليل إلى المساجد ) . / ~~22 - وفيه : ابن عمر قال : كانت امرأة لعمر تشهد صلاة الصبح والعشاء في ~~الجماعة في المسجد ، فقيل لها : لم تخرجين ، وقد تعلمين أن عمر يكره ذلك ~~ويغار ؟ قالت : فما يمنعه أن ينهاني ؟ ، قال : يمنعه قول رسول الله : ( لا ~~تمنعوا إماء الله مساجد الله ) . قال المؤلف : أما الصبيان فلا يلزمهم غسل ~~الجمعة حتى يحتلموا كما قال النبى ، عليه السلام ، وقد استحب مالك أن يغتسل ~~من حضر الجمعة من النساء والعبيد والصبيان ، وهو قول الشافعى فى غير ~~المحتلمين إذا شهدوا الجمعة ، وروى عن طاوس وأبى وائل أنهما كانا يأمران ~~نساءهما بالغسل يوم الجمعة ، وأجمع أئمة الفتوى أن الصبيان والنساء لا ~~تلزمهم الجمعة فسقط الغسل عنهم ، وكذلك أجمع أئمة الفتوى أن المسافرين لا ~~جمعة عليهم فلا غسل عليهم ، وقد روى عن طلحة بن عبيد الله أنه كان يغتسل ~~للجمعة فى السفر ، وعن طاوس ومجاهد مثله ، وقال أبو ثور : لا يجب ترك ذلك . ~~وقوله عليه السلام : ( من جاء منكم الجمعة فليغتسل ) ، يرد هذا كله ؛ لأنه ~~عليه السلام شرط الغسل بشهود الجمعة ، فمن لزمته الجمعة اغتسل ، ومن سقطت ~~الجمعة عنه سقط عنه الغسل كما قال ابن عمر ، وقوله عليه السلام : ( ائذنوا ~~للنساء بالليل إلى المساجد ) ، حجة فى أنه لا جمعة على النساء ؛ لأنه عليه ~~السلام جعل لأزواجهن الإذن لهم بالليل إلى المساجد ولا جمعة فى الليل ، ولو ~~لزمتهن الصلاة فى المساجد كما تلزم الرجال لما خص الليل دون النهار ، ولم ~~يخاطب PageV02P490 أزواجهن بالإذن لهن ؛ بل خاطبهن آمرا لهن بذلك ، وإن كان ~~إجماع أئمة الفتوى الذين هم الحجة على أن النساء والصبيان ms0643 لا جمعة عليهم ~~يغنى عن إقامة الدليل عليه . وكذلك حديث امرأة عمر أنها كانت تشهد العشاء ~~والصبح فى جماعة يدل أن الصحابة فهمت إذن النبى ، عليه السلام ، للنساء ~~بالصلاة فى الجماعة : إنما أريد به الليل والغلس ، على ما بوب له البخارى ~~قبل هذا ؛ فإن الجمعة لا إذن لهن فيها ، والله الموفق . واختلفوا فى وقت ~~غسل الجمعة ، وهل الغسل لأجل اليوم أو لأجل الصلاة ، فقال أبو يوسف : إذا ~~اغتسل بعد طلوع الفجر ثم أحدث فتوضأ ، ثم شهد الجمعة لم يكن كمن شهد الجمعة ~~على غسل ، قال أبو يوسف : إن كان الغسل لليوم فإن اغتسل بعد الفجر ، ثم ~~أحدث فصلى الجمعة بوضوء فغسله تام ، وإن كان الغسل للصلاة ، فإنما شهد ~~الجمعة على وضوء . وذكر ابن المنذر عن مجاهد ، والحسن البصرى ، والنخعى ، ~~والثورى ، والشافعى ، وأحمد ، وإسحاق ، وأبى ثور ، أنه من اغتسل بعد الفجر ~~للجمعة أنه يجزئه من غسل الجمعة ، وهو قول ابن وهب صاحب مالك ، وقال مالك : ~~لا يجزئه إلا أن يكون غسلا متصلا بالرواح ولا يجزئ فى أول النهار . وقال ~~الطحاوى : قوله عليه السلام : ( من جاء إلى الجمعة PageV02P491 فليغتسل ) ، ~~وروى ( من راح إلى الجمعة فليغتسل ) ، يدل أن الغسل للرواح وقوله : ( غسل ~~الجمعة واجب على كل محتلم ) ، و ( حق على كل مسلم أن يغتسل فى كل سبعة أيام ~~يوما ) ، يدل أن المقصود به اليوم لا الرواح ، والواجب حمل الأخبار على أن ~~المقصود به الصلاة لا اليوم ؛ لأن اليوم إنما ذكره لأن فيه الجمعة حتى تتفق ~~معانى الأخبار ؛ ولأنهم متفقون على أنه لو اغتسل يوم الجمعة بعد فوات ~~الجمعة أنه غير مصيب لغسل يوم الجمعة ، فدل أن المقصود بالغسل إلى الرواح ~~لا إلى اليوم . * * * # | 12 - باب الرخصة لمن لم يحضر الجمعة في المطر # / 23 - فيه : ابن عباس : أنه قال لمؤذنه في يوم مطير : إذا قلت : ( أشهد ~~أن لا إله إلا الله ، أشهد أن محمدا رسول الله ، فلا تقل : حي على الصلاة ، ~~قل : صلوا في بيوتكم ، فكأن الناس استنكروا ذلك ، فقال : فعله من كان خير ms0644 ~~مني ، إن الجمعة عزمة ، وإني كرهت أن أحرجكم ، فتمشون في الطين والدحض ) . ~~اختلف العلماء فى التخلف عن الجمعة للمطر ، فممن كان يتخلف عنها لذلك : ابن ~~سيرين ، وعبد الرحمن بن سمرة ، وهو قول أحمد وإسحاق ، واحتجوا بهذا الحديث ~~، وقالت طائفة : لا يتخلف عن الجمعة للمطر ، روى ابن نافع قال : قيل لمالك ~~: أيتخلف عن الجمعة فى اليوم المطير ، قال : ما سمعت ، قيل له : فالحديث ( ~~ألا صلوا فى الرحال ) ، قال : ذلك فى السفر . PageV02P492 وقد رخص فى ترك ~~الجمعة لأعذار أخر غير المطر ، روى ابن القاسم عن مالك أنه أجاز أن يتخلف ~~عن الجمعة لجنازة أخ من إخوانه لينظر فى أمره ، قال ابن حبيب عن مالك : ~~وكذلك إن كان له مريض يخشى عليه الموت ، وقد زار ابن عمر ابنا لسعيد بن زيد ~~ذكر له شكواه ، فأتاه إلى العقيق وترك الجمعة ، وهو مذهب عطاء ، والحسن ، ~~والأوزاعى ، وقاله الشافعى فى الولد والوالد إذا خاف فوات نفسه ، وقال عطاء ~~: إذا استصرخ على أبيك يوم الجمعة والإمام يخطب فقم إليه واترك الجمعة ، ~~وقال الحسن : يرخص فى الجمعة للخائف . وقال مالك فى ( الواضحة ) : ليس على ~~المريض والصحيح الفانى جمعة ، وقال أبو مجلز : إذا اشتكى بطنه لا يأتى ~~الجمعة ، وقال ابن حبيب : أرخص النبى ، عليه السلام ، فى التخلف عن الجمعة ~~لمن شهد الفطر والأضحى صبيحة ذلك اليوم من أهل القرى الخارجة عن المدينة ~~لما فى رجوعهم من المشقة لما أصابهم من شغل العيد ، وفعله عثمان لأهل ~~العوالى واختلف قول مالك فيه . * * * # | 13 - باب من أين تؤتى الجمعة ؟ وعلى من تجب ؟ لقول الله تعالى : { إذا ~~نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله } [ الجمعة 9 ] # وقال عطاء : إذا كنت في قرية جامعة ، فنودي بالصلاة من يوم الجمعة ، فحق ~~عليك أن تشهدها ، سمعت النداء أم لم تسمعه ، وكان أنس رضي الله عنه ، في ~~قصره أحيانا يجمع ، وأحيانا لا يجمع ، وهو بالزاوية على فرسخين . / 24 - ~~فيه : عائشة قالت : كان الناس ينتابون الجمعة من منازلهم والعوالي ، فيأتون ~~في الغبار ، يصيبهم الغبار والعرق ، فيخرج ms0645 منهم العرق ، PageV02P493 فأتى ~~رسول الله إنسان منهم ، وهو عندي ، فقال عليه السلام : ( لو أنكم تطهرتم ~~ليومكم هذا ) . اختلف العلماء فى هذا الباب ، فقالت طائفة : تجب الجمعة على ~~من آواه الليل إلى أهله ، روى ذلك عن أبى هريرة ، وابن عمر ، وهو قول عطاء ~~، والأوزاعى ، وأبى ثور ، وقال الزهرى : يجب على من كان على ستة أميال ، ~~وروى عنه أربعة أميال ، وهو قول ربيعة ، وقالت طائفة : تجب الجمعة على من ~~سمع النداء ، روى ذلك عن سعيد بن المسيب ، وهو قول مالك ، والشافعى ، وأحمد ~~، وإسحاق ، وقال مالك فى ( المجموعة ) : عزيمة الجمعة على كل من كان فى ~~موضع يسمع منه النداء ، وذلك على ثلاثة أميال ومن كان أبعد فهو فى سعة ، ~~وقال فى ( المختصر ) : من كان على ثلاثة أميال أو زيادة يسيرة لزمتهم ~~الجمعة ، وقال الكوفيون : لا تجب الجمعة إلا على أهل المصر ، ومن كان خارج ~~المصر فلا تجب عليه ، وإن سمع النداء ، وقال حذيفة : ليس على من على رأس ~~ميل جمعة . وقال المهلب : نص كتاب الله يدل على أن الجمعة تجب على من سمع ~~النداء ، وإن كان خارج المصر وهذا أصح الأقوال . قال ابن القصار : اعتل ~~الكوفيون لقولهم أن الجمعة لا تجب على من كان خارج المصر ، قالوا : لأن ~~الأذان علم لمن لم يحضر ، والأذان بعد دخول الوقت ، ومعلوم أن من يسمع على ~~أميال يأخذ فى المشى فلا يلحق ، فيقال لهم : معنى قوله تعالى : { إذا نودى ~~للصلاة } [ الجمعة : 9 ] ، أى : إذا قرب وقت النداء لها بمقدار ما يدركها ~~كل ساع إليها ، فاسعوا ، PageV02P494 وليس على أنه لا يجب السعى إليها إلا ~~حين ينادى لها ، والعرب قد تضع البلوغ بمعنى المقاربة كقوله : ( إن ابن أم ~~مكتوم لا ينادى حتى يقال له : أصبحت أصبحت ) ، أى : قارب الصباح ومثله : { ~~فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف } [ الطلاق : 2 ] ، يريد إذا قاربن البلوغ ~~؛ لأنه إذا بلغت آخر أجلها لم يكن له إمساكها ، وفى إجماع العلماء على أن ~~من كان فى طرف المصر العظيم ، وإن لم يسمع النداء يلزمه السعى دليل واضح ms0646 ~~أنه لم يرد بالسعى حين النداء خاصة ، وإنما أريد قربه ، وأما من كان خارج ~~المصر إذا سمع النداء فهو داخل فى عموم قوله تعالى : { إذا نودى للصلاة من ~~يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله } [ الجمعة : 9 ] ، ولم يخص من فى المصر أو ~~خارجه . وأما حديث عائشة : أن الناس كانوا ينتابون الجمعة من العوالى ، ~~ففيه رد لقول الكوفيين أن الجمعة لا تجب على من كان خارج المصر ؛ لأنها ~~أخبرت عنهم بفعل دائم أنهم كانوا ينتابون الجمعة ، فدل ذلك على لزومها ~~ووجوبها عليهم . قال محمد بن مسلمة : ومما يبين أن الجمعة لازمة لأهل ~~العوالى إذن عثمان لهم يوم العيد فى الانصراف ولولا وجوبها عليهم ما أذن ~~لهم . وما روى عن أنس أنه كان مرة يشهد الجمعة من الزاوية وهى على فرسخين ~~من البصرة ، ومرة كان لا يشهدها ، والفرسخ ثلاثة أميال ، ولو كان لازما ~~عنده شهودها لمن كان على ستة أميال لما تركها بعض المرات . PageV02P495 ~~واختلفوا فى عدد من تلزمهم الجمعة ، فروى عن أبى هريرة أنها لا تنعقد إلا ~~بأربعين نفسا ، هذا قول الشافعى ، وزعم أن النبى ، عليه السلام ، جمع ~~بأربعين ، وذكر ابن حبيب عن مطرف ، وابن الماجشون ، عن مالك أن ثلاثين بيتا ~~وما قاربهم جماعة . قال ابن القصار : ورأيت لمالك أنها لا تجب على الثلاثة ~~والأربعة ، ولكنها تنعقد بما دون الأربعين ، وعن ربيعة أنها تنعقد باثنى ~~عشر رجلا عدد الذين بقوا مع النبى يوم انفضوا إلى العير ، قال أبو حنيفة : ~~تنعقد بإمام وثلاثة أنفس ، وهو قول الأوزاعى ، والمزنى ، والثورى ، وقال ~~أبو يوسف : تنعقد بإمام ونفسين ، وقال الحسن : تنعقد بإمام وآخر معه . وقال ~~ابن القصار : هذا الخلاف كله معارض لقول الشافعى ، وليس أحد الأقوال أولى ~~من صاحبه ، فوجب الرجوع إلى صفة من خوطب فى الآية ، والذين أمر الله بالسعى ~~إليها فهم قوم لهم بيع وشراء ، فوجب طلب قوم هذه صفتهم ، ولسنا نعتبر عددا ~~حتى يصيروا به جماعة ، ولكنا نقول : كل قوم لهم مسجد وسوق ينطلق عليهم اسم ~~جماعة ، فالجمعة واجبة عليهم سواء كانوا ms0647 خمسة أو أربعين ؛ لأن المقادير ~~والتحديدات فى الشريعة لا تثبت إلا من طريق صحيح ، وقال المزنى : لا يصح عن ~~أصحاب الحديث ما احتج به الشافعى من أنه حين قدم المدينة جمع أربعين رجلا ؛ ~~لأنه معلوم أن النبى ، عليه السلام ، قدم المدينة وقد تكاثر المسلمون ~~وتوافروا فيجوز أن يكون جمع فى موضع نزوله قبل دخوله فى نفس المدينة ، ~~فاتفق له أربعون نفسا . PageV02P496 * * * # | 14 - باب وقت الجمعة إذا زالت الشمس وكذلك يذكر # عن عمر ، وعلي ، والنعمان بن بشير ، وعمرو بن حريث . / 25 - فيه : عائشة ~~قالت : كان الناس مهنة أنفسهم ، وكانوا إذا راحوا إلى الجمعة ، راحوا في ~~هيئتهم ، فقيل لهم : لو اغتسلتم . / 26 - وفيه : أنس : ( أن النبي عليه ~~السلام ، كان يصلي الجمعة حين تميل الشمس ) . / 27 - قال أنس : كنا نبكر ~~بالجمعة ، ونقيل بعد الجمعة . قال المؤلف : إنما ذكر البخارى الصحابة فى ~~صدر هذا الباب ؛ لأنه قد روى عن أبى بكر ، وعمر ، وعثمان أنهم كانوا يصلون ~~الجمعة قبل الزوال من طريق لا يثبت ، رواه وكيع عن جعفر بن برقان عن ثابت ~~بن الحجاج الكلابى ، عن عبد الله بن سيدان السلمى قال : شهدت الجمعة مع أبى ~~بكر الصديق ، فكانت خطبته وصلاته قبل نصف النهار ، ثم شهدتها مع عمر وعثمان ~~إلى أن أقول : انتصف النهار ، فما رأيت أحدا عاب ذلك ولا أنكره . وعبد الله ~~بن سيدان لا يعرف ، والصحيح عن الصحابة ما ذكره البخارى ، ونحوه ذكر عن ~~مالك عن عمر فى قصة طنفسة عقيل ، وأجمع الفقهاء على أن وقت الجمعة بعد زوال ~~الشمس إلا ما روى عن مجاهد أنه قال : جائز أن تصلى الجمعة فى وقت صلاة ~~العيد ؛ لأنها صلاة عيد ، وقال أحمد بن حنبل : تجوز صلاة PageV02P497 ~~الجمعة قبل الزوال ، وهذا القول يرده حديث أنس المذكور فى هذا الباب وعمل ~~الخلفاء بعده . وقال ابن القصار : لا تخلو الجمعة من أن تكون ظهرا فوقتها ~~لا يختلف ، أو بدلا من الظهر فيجب ألا يختلف أيضا ؛ لأن الأبدال لا تتقدم ~~مبدلاتها ، كالقصر فى السفر لا يخرج الصلاة عن أوقاتها ms0648 . وقوله : كنا نبكر ~~بالجمعة ، فإنما يريد أنهم كانوا يصلونها بعد الزوال فى أول الوقت وهو وقت ~~الرواح عند العرب . وقوله : ( نقيل بعد الجمعة ) ، يعنى أنهم كانوا يقيلون ~~بعد الصلاة بدلا من القائلة التى امتنعوا منها بسبب تبكيرهم إلى الجمعة ، ~~وقد ذكر ابن أبى شيبة فى حديث جابر بن عبد الله ، وسلمة بن الأكوع أنهما ~~قالا : كنا نصلى مع رسول الله الجمعة إذا زالت الشمس . * * * # | 15 - باب إذا اشتد الحر يوم الجمعة # / 28 - فيه : أنس قال : ( كان النبي عليه السلام ، إذا اشتد البرد بكر ~~بالصلاة ، وإذا اشتد الحر برد بالصلاة - يعني : الجمعة ) . وقال أبو خلدة : ~~( صلى بنا أميرنا الجمعة ، ثم قال لأنس : كيف كان النبي يصلي الظهر ؟ ) . ~~هذا الباب فى معنى الذى قبله أن الجمعة وقتها وقت الظهر ، وأنها تصلى بعد ~~الزوال يبرد بها فى شدة الحر ، ولا يكون الإبراد إلا بعد تمكن الوقت ، ~~ومدار هذا الباب على ذكر الظهر ؛ فإذا صح بهذا أن الجمعة هى الظهر لم يجز ~~أن تصلى قبل الزوال كما زعم مجاهد وأحمد بن حنبل . PageV02P498 * * * # | 16 - باب المشي إلى الجمعة وقول الله تعالى : { فاسعوا إلى ذكر الله } ~~[ الجمعة 9 ] # . ومن قال : السعي : العمل والذهاب ؛ لقول الله تعالى : { وسعى لها سعيها ~~} [ الإسراء 19 ] ، وقال ابن عباس : يحرم البيع حينئذ ، وقال عطاء : تحرم ~~الصناعات كلها ، وقال إبراهيم بن سعد عن الزهري : إذا أذن المؤذن يوم ~~الجمعة ، وهو مسافر فعليه أن يشهد . / 29 - فيه : عباية بن رفاعة قال : ~~أدركني أبو عبس ، وأنا أذهب إلى الجمعة ، فقال : سمعت رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - يقول : ( من اغبرت قدماه في سبيل الله ، حرمه الله على النار ) ~~. / 30 - وفيه : أبو هريرة قال : سمعت النبي عليه السلام ، يقول : ( إذا ~~أقيمت الصلاة فلا تأتوها وأنتم تسعون ، وائتوها تمشون ، عليكم السكينة ، ~~فما أدركتم فصلوا ، وما فاتكم فأتموا ) . / 31 - وقال أبو قتادة : قال عليه ~~السلام : ( لا تقوموا حتى تروني ، وعليكم السكينة ) . قال المؤلف : السعى ~~فى لسان العرب يصلح للإسراع فى المشى والاشتداد فيه ، ويصلح للعمل والترسل ~~فى ms0649 المشى دون السعى ، فمن السعى الذى هو بمعنى الإسراع قوله عليه السلام : ~~( إذا أقيمت الصلاة فلا تأتوها تسعون ، أى : تسرعون ، وائتوها تمشون عليكم ~~السكينة ) ، وممن كان يسعى إذا سمع النداء : أنس بن مالك . وأما السعى الذى ~~هو بمعنى العمل ، فقوله تعالى : { وسعى لها سعيها } [ الإسراء : 19 ] ، ~~يعنى : وعمل لها عملها ، وقوله : { وإذا تولى سعى فى PageV02P499 الأرض ~~ليفسد فيها } [ البقرة : 205 ] ، وقال : { وأما من جاءك يسعى } [ عبس : 8 ] ~~، هذه الآيات ، لما علم أن المراد بها غير الجرى ، على صحة هذا القول ، ~~وبأن قوله عليه السلام : ( إذا أقيمت الصلاة فلا تأتوها تسعون وائتوها ~~تمشون ، وعليكم السكينة ) ، أن المراد بقوله تعالى : { فاسعوا إلى ذكر الله ~~} [ الجمعة : 9 ] ، غير الجرى ، وكذلك قال الحسن فى تأويل هذه الآية : أما ~~والله ما هو بالسعى على الأقدام ، وقد نهوا أن يأتوا الصلاة إلا وعليهم ~~السكينة والوقار ، ولكن بالقلوب والنيات والخشوع . وإلى هذا ذهب مالك وأكثر ~~العلماء ، وهو مذهب البخارى ، وكان عمر وابن مسعود يقرأن : ( فامشوا إلى ~~ذكر الله ) ، وقال ابن مسعود : لو قرأتها ( فاسعوا ) لسعيت حتى يسقط ردائى ~~. واختلفوا فى وقت تحريم البيع والشراء ، فقالت طائفة : هو زوال الشمس ، ~~وروى ذلك عن عطاء ، والقاسم ، والحسن ، ومجاهد ، وقالت طائفة : هو عند ~~النداء الثانى والإمام على المنبر ، رواه ابن القاسم عن مالك ، وأنكر منع ~~الناس البيع قبل ذلك . واختلفوا فى البيع فروى ابن القاسم عن مالك أن البيع ~~مفسوخ ، وروى عنه ابن وهب ، وعلى بن زياد : بئس ما صنع ويستغفر الله ، وقال ~~عنه على : ولا أرى الربح فيه حراما . وقال ابن القاسم : لا يفسخ ما عقد ~~حينئذ من النكاح ، وإن لم يدخل ، ولا تفسخ الهبة ، والصدقة ، والرهن ، ~~والحمالة ، وقال أصبغ : يفسخ النكاح ، وقال أبو حنيفة ، والثورى ، والشافعى ~~: البيع صحيح ، وفاعله عاص لله ؛ لأن النهى لم يقع على البيع ، وإنما جرى ~~ذكر البيع ؛ لأنهم كانوا يشتغلون بالتجارة عن الجمعة ، والمعنى PageV02P500 ~~المقصود من ذلك كل ما يمنع من إثباتها ، وقد أجمع العلماء على أن المصلى لا ~~يحل له فى صلاته بيع ms0650 ولا شراء ، فلو قال رجل لآخر فى الصلاة : بعنى سلعتك ~~بكذا ، فأجابه المصلى بنعم ، أو بكلام ينعقد فيه البيع أن البيع جائز ، وإن ~~كان عاصيا ؛ لأن البيع معنى والصلاة غيره . وقال الزهرى : إذا سمع المؤذن ~~يوم الجمعة وهو مسافر ، فعليه أن يشهد ، قال ابن المنذر : وقد اختلف فيه ~~عنه ، وأكثر العلماء على أنه لا جمعة على مسافر . * * * # | 17 - باب لا يفرق بين اثنين يوم الجمعة # / 32 - فيه : سلمان الفارسي قال : قال رسول الله : ( من اغتسل يوم الجمعة ~~، وتطهر بما استطاع من طهر ، ثم ادهن ، أو مس من طيب ، ثم راح فلم يفرق بين ~~اثنين ، فصلى ما كتب له ، ثم إذا خرج الإمام أنصت ، غفر له ما بينه وبين ~~الجمعة الأخرى ) . وقوله : ( لا يفرق بين اثنين ) ، يعنى لا يتخطى رقابهما ~~، يدل على ذلك ما رواه ابن أبى خيثمة قال : حدثنا محمد بن بكار ، حدثنا ~~عباد بن عباد ، حدثنا هشام بن زياد ، عن عمار بن سعد ، عن عثمان بن أبى ~~الأرقم ، عن أبيه ، وكان من أصحاب النبى عليه السلام ، قال : ( الذى يتخطى ~~رقاب الناس يفرق بين الاثنين يوم الجمعة بعد خروج الإمام كالجار قصبه فى ~~النار ) . PageV02P501 وروى ابن وهب ، عن أسامة بن زيد ، عن عمرو بن شعيب ، ~~عن أبيه ، عن عبد الله ابن عمرو بن العاص أن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - قال : ( لا يحل لرجل أن يفرق بين اثنين إلا بإذنهما ) . وفى قوله : ~~( لا يفرق بين اثنين ) ، حض على التبكير إلى الجمعة ؛ ليصل إلى مكان مصلاه ~~دون تخط ولا تفريق بين اثنين . اختلف العلماء فى التخطى ، فكرهه أبو هريرة ~~، وسلمان ، وكعب ، ورواه ابن أبى شيبة عن أبى هريرة قال : لأن أصلى بالحرة ~~أحب إلى من أن أتخطى رقاب الناس يوم الجمعة ، وعن سعيد بن المسيب مثله ، ~~وقال كعب : لأن أدع الجمعة أحب إلى من أن أتخطى رقاب الناس يوم الجمعة ، ~~وقال سلمان : إياك والتخطى واجلس حيث بلغتك الجمعة ، وهو قول عطاء ، ~~والثورى ، وأحمد بن حنبل . وفيه قول ثان : قال قتادة ms0651 : يتخطاهم إلى مجلسه ، ~~وقال الأوزاعى : يتخطاهم إلى السعة ، وهذا يشبه قول الحسن البصرى قال : لا ~~بأس بالتخطى إذا كان فى المسجد سعة ، وقال الشافعى : أكره التخطى قبل دخول ~~الإمام وبعده إلا أن لا يجد السبيل إلى المصلى إلا بأن يتخطى فيسعه التخطى ~~. وفيها قول ثالث : روى عن أبى نضرة قال : يتخطاهم بإذنهم ، وكان مالك لا ~~يكره التخطى إلا إذا كان الإمام على المنبر ، ولا بأس به قبل ذلك إذا كان ~~بين يديه فرج ، وذكر الطحاوى عن الأوزاعى مثله ، قال : التخطى الذى جاء فيه ~~القول إنما هو والإمام يخطب ؛ لأن الآثار تدل على ذلك ؛ ألا ترى قوله عليه ~~السلام : ( الذى يتخطى رقاب الناس فيفرق بين الاثنين بعد خروج الإمام ~~كالجار قصبه فى النار ) ، وقوله للذى يتخطى وهو يخطب : ( آذيت وآنيت ) . ~~PageV02P502 * * * # | 18 - باب لا يقيم الرجل أخاه يوم الجمعة ويقعد في مكانه # / 33 - فيه : ابن عمر : نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يقيم ~~الرجل من مقعده ، ويجلس فيه ، قلت لنافع : الجمعة ؟ ، قال : الجمعة وغيرها ~~. قال المهلب : هذا على العموم كما قال نافع ، لا يجوز أن يقيم أحد أحدا من ~~مكانه ؛ لأنه من سبق إلى موضع من مواضع الجماعات التى يتساوى الناس فيها ~~فهو أحق به لبداره إليه . * * * # | 19 - باب الأذان يوم الجمعة # / 34 - فيه : السائب بن يزيد قال : كان النداء يوم الجمعة أوله إذا جلس ~~الإمام على المنبر على عهد رسول الله وأبي بكر وعمر ، فلما كان عثمان ، ~~وكثر الناس ، زاد النداء الثالث على الزوراء . وترجم له : ( باب المؤذن ~~الواحد يوم الجمعة ) ، وزاد فيه . / 35 - عن السائب قال : ولم يكن للنبي ~~عليه السلام ، مؤذن غير واحد ، وكان التأذين حين يجلس الإمام على المنبر . ~~اختلف معنى قول مالك فى صفة الأذان يوم الجمعة ، فروى عنه ابن عبد الحكم ~~قال : إذا جلس الإمام على المنبر ونادى المنادى منع الناس من البيع تلك ~~الساعة ، وهذا يدل أن النداء عنده واحد على ما فى هذا الحديث ، ونحوه عن ~~الشافعى ، وفى المدونة قال مالك : إذا ms0652 جلس الإمام على المنبر وأخذ المؤذنون ~~فى الأذان حرم البيع حينئذ ، فذكر المؤذنين بلفظ الجمع ، ونحوه عن الكوفيين ~~، وقال مالك فى المجموعة : إن هشام بن عبد الملك هو الذى أحدث الأذان بين ~~يديه وإنما الأذان على المنار واحدا بعد واحد إذا جلس الإمام على المنبر . ~~PageV02P503 واحتج الطحاوى بما رواه الزهرى عن ثعلبة بن أبى مالك القرظى ~~أنهم كانوا فى زمن عمر بن الخطاب يصلون حتى يخرج عمر ، فإذا خرج وجلس على ~~المنبر وأذن المؤذنون ، بلفظ الجمع ، وهذا كله يدل أنه إن أذن مؤذنون أو ~~مؤذن أجزأ فى ذلك ، ألا ترى قوله تعالى : { إذا نودى للصلاة من يوم الجمعة ~~} [ الجمعة : 9 ] ، أنه يدخل فى معناه أقل ما يقع عليه اسم نداء وهو مؤذن ~~واحد . فإن قال قائل : فإن كان مؤذنا واحدا على ما روى الزهرى عن السائب ~~فما معنى قوله فى آخر الحديث : ( فلما كان عثمان وكثر الناس زاد النداء ~~الثالث على الزوراء ) ، وهذا يدل أن ثم أذانا ثانيا ، وآخر الحديث مخالف ~~لأوله . قيل : لا اختلاف فيه ولا تناقض وإنما كان يؤذن المؤذن ثم يقيم ~~والإقامة تسمى أذانا ، وقد بين ذلك ابن أبى شيبة فى ( مصنفه ) من رواية ابن ~~أبى ذئب ، عن الزهرى ، عن السائب : ( أن النداء كان أوله على عهد النبى ، ~~عليه السلام ، وأبى بكر وعمر إذا خرج الإمام ، وإذا قامت الصلاة ، حتى إذا ~~كان زمن عثمان وكثر الناس فزاد النداء الثالث على الزوراء ، فثبت حتى ~~الساعة ) ، فبان بهذا الحديث أن الأذان الثانى المتوهم فى حديث السائب إنما ~~يعنى به : الإقامة ، ويشهد لصحة ذلك قوله عليه السلام : ( بين كل أذانين ~~صلاة لمن شاء ) ، يعنى بين كل أذان وإقامة صلاة ، وقد روى عقيل ، عن ابن ~~شهاب ، عن السائب : أن التأذين الثانى يوم الجمعة أمر به عثمان حين كثر ~~الناس ، ذكره البخارى فى PageV02P504 باب الجلوس على المنبر عند التأذين ~~بعد هذا فتكون الإقامة : الأذان الثالث على هذا القول . وقوله : ( كان ~~التأذين حين يجلس الإمام على المنبر ) ، قال المهلب : إنما جعل التأذين فى ms0653 ~~هذا الوقت ، والله أعلم ، ليعرف الناس بجلوس الإمام فينصتون له . والزوراء ~~: حجر كبير عند باب المسجد . * * * # | 20 - باب يجيب الإمام على المنبر إذا سمع النداء # / 36 - فيه : معاوية : ( أنه جلس على المنبر ، فأذن المؤذن ، فقال : الله ~~أكبر ، فقال معاوية : الله أكبر ، فقال : أشهد أن لا إله إلا الله ، فقال ~~معاوية : وأنا ، فلما قضى التأذين ، قال : يا أيها الناس ، إني سمعت رسول ~~الله على هذا المجلس حين أذن المؤذن ، يقول ما سمعتم مني ) . قال المؤلف : ~~فى هذا الحديث إباحة الكلام للإمام على المنبر قبل أن يدخل فى الخطبة بما ~~فيه تعليم الناس السنن ؛ لأن القول مثل ما يقول المؤذن قد حض عليه النبى ، ~~عليه السلام ، وقد تقدم فى أبواب الأذان اختلاف العلماء فيمن كان فى صلاة ~~هل يقول مثل ما يقول المؤذن ؟ . * * * # | 21 - باب الجلوس على المنبر عند التأذين # / 37 - فيه : السائب : أن التأذين الثاني يوم الجمعة أمر به عثمان ، حين ~~كثر أهل المسجد ، وكان التأذين يوم الجمعة حين يجلس الإمام ، رواه عقيل ~~PageV02P505 عن الزهري ، وروى يونس ، عن الزهري ، عن السائب : ( فلما كان ~~في خلافة عثمان وكثروا ، أمر بالأذان الثالث ، فأذن به على الزوراء ) . ~~الجلوس على المنبر إنما هو لمن يخطب عليه ، ومن خطب فى الأرض ، فإنما يجلس ~~عند التأذين فى موضع خطبته وهذه الجلسة قبل التأذين وضعت له ، وهى سنة عند ~~مالك ، والشافعى ، وأبى ثور ، ولذلك قال العلماء : لا جلوس فى العيد قبل ~~الخطبة ؛ لأن العيد لا أذان فيه ، وقال أبو حنيفة : لا يجلس الإمام قبل ~~الخطبة ، وخالف هذا الحديث . * * * # | 22 - باب الخطبة على المنبر # وقال أنس : خطب النبي عليه السلام ، على المنبر . / 38 - فيه سهل : أن ~~النبى ، عليه السلام ، قال لامرأة : ( مري غلامك النجار أن يعمل لي أعوادا ~~أجلس عليهن ، إذا كلمت الناس ، فعملته . . . ) ، الحديث . / 39 - وفيه : ~~جابر قال : كان جذع يقوم إليه النبي عليه السلام ، فلما وضع المنبر ، سمع ~~للجذع مثل أصوات العشار ، حتى نزل النبي عليه السلام ، فوضع يده عليه . / ~~40 - وفيه : ابن عمر : سمعت النبي عليه ms0654 السلام ، يخطب على المنبر . قال : ~~إذا كان الخليفة هو الذى يخطب ، فسنته أن يجلس على المنبر إذا خطب ، وإذا ~~خطب غير الخليفة قام إن شاء على المنبر ، وإن شاء على الأرض . PageV02P506 ~~قال مالك : ومن لا يرقى على المنبر عندنا ، فمنهم من يقوم عن يسار المنبر ، ~~ومنهم من يقوم عن يمينه وكل واسع ، وروى أن أبا بكر الصديق نزل بعد النبى ، ~~عليه السلام ، درجة من المنبر تواضعا منه ، ولم ير نفسه أهلا لموضع النبى ، ~~عليه السلام ، وكذلك فعل عمر نزل بعد أبى بكر ، فكان يخطب على الأولى ، ~~وكان المنبر من ثلاث درجات . وجماعة الفقهاء على أن الخطبة من شرط الجمعة ~~لا تصح إلا بها ، ومتى لم يخطب الإمام صلى أربعا ، وشذ الحسن البصرى فقال : ~~تجزئهم جمعتهم خطب الإمام أو لم يخطب ، ذكره ابن المنذر عنه ، وذكر عبد ~~الوهاب أنه قول أهل الظاهر . ويرد قولهم أن النبى ، عليه السلام ، لم يجمع ~~قط إلا بخطبة ، نقل ذلك الكافة عن الكافة ومن لا يجوز عليه السهو ، ولو ~~كانت الجمعة تجزئ بغير خطبة لبين ذلك لأمته ، وقد قال عمر بن الخطاب : إنما ~~قصرت الصلاة من أجل الخطبة ، وقال سعيد بن جبير : إن الخطبة جعلت مكان ~~الركعتين . وحديث جابر يعارض حديث سهل فى الظاهر ؛ لأنه قال عليه السلام ، ~~فى حديث سهل : ( مرى غلامك النجار يعمل لى أعوادا أجلس عليهن إذا كلمت ~~الناس ) ، فدل هذا أنه كان يخطب جالسا ، وقال جابر فى حديثه : ( كان جذع ~~يقوم إليه النبى ، عليه السلام ) ، فدل هذا أنه كان يخطب قائما ، والذى ~~يجمع بين الحديثين وينفى التعارض أنه لم يحفظ عنه ، عليه السلام ، أنه خطب ~~للجمعة قط إلا قائما ، وقد قال بعض العلماء فى قول الله تعالى : { وتركوك ~~PageV02P507 قائما } [ الجمعة : 11 ] ، قال : قائما يخطب ، فيمكن أن يكون ~~جلوسه فى حديث سهل إذا خطب الناس فى غير الجمعة لوعظ أو تعليم جلس على ~~المنبر ، وإذا خطب فى الجمعة قام ، ويؤيد هذا حديث ابن عمر ، وقد ترجم له ~~باب الخطبة قائما . وفى حديث جابر ms0655 علم عظيم من أعلام نبوته ، ودليل على صحة ~~رسالته ، عليه السلام ، وهو حنين الجماد إليه وذلك بأن الله تعالى ، جعل ~~للجذع حياة حن بها ، وهذا لا يجوز إلا أن يكون بفضل الله تعالى ، الذى يحيى ~~الموتى ، بقوله : { كن فيكون } . * * * # | 23 - باب الخطبة قائما # وقال أنس : بينا النبي عليه السلام ، يخطب قائما . / 41 - فيه : ابن عمر ~~: ( كان النبي عليه السلام ، يخطب قائما ، ثم يقعد ، ثم يقوم ، كما تفعلون ~~الآن ) . اختلف العلماء فى الخطبة قائما ، فقال مالك ، والشافعى : يخطب ~~قائما ، وقال أبو حنيفة : إن شاء خطب قائما أو جالسا ، ذكره ابن القصار عنه ~~. قال المؤلف : وحديث عبد الله بن عمر يدل على صحة قول مالك ؛ لأن قوله : ~~كان النبى ، عليه السلام ، يخطب قائما ، ثم يقعد ، ثم يقوم ، يدل على تكرار ~~فعله فى ذلك ودوامه ، وأنه لم يخالف ذلك ، ولا خطب جالسا ، وذكر ابن أبى ~~شيبة عن طاوس ، قال : خطب رسول الله قائما ، وأبو بكر قائما وعمر قائما ~~وعثمان قائما ، وأول من PageV02P508 جلس على المنبر معاوية بن أبى سفيان : ~~وقال الشعبى : إنما خطب معاوية قاعدا حين كثر شحم بطنه . قال المؤلف : رأيت ~~للشافعى أنه إذا خطب قاعدا ولم يعلموا أنه مريض حملوه على أنه معذور حتى ~~يستيقنوا ، فإن تبين لهم أنه خطب قاعدا من غير عذر بطلت صلاتهم جميعا ، ~~لقوله تعالى : { وتركوك قائما } [ الجمعة : 11 ] ، وأن النبى لم يخطب قط ~~إلا قائما . قال ابن القصار : والذى يقع فى نفسى أن القيام فى الخطبة واجب ~~وجوب سنة لا أنه إن تركه فسدت الخطبة ، ولا أنه مباح إن شاء فعله ، وإن شاء ~~تركه كما قال أبو حنيفة . * * * # | 24 باب استقبال الناس الإمام إذا خطب واستقبل ابن عمر وأنس الإمام # . ( 1 ) / 42 - فيه : أبو سعيد : ( أن النبي عليه السلام ، جلس ذات يوم ~~على المنبر ، وجلسنا حوله ) . واستقبال الإمام للناس سنة لكل من يقابله ، ~~ومن لا يقابله فيصرف إليه وجهه ، يدل على ذلك قول أبى سعيد : ( وجلسنا حوله ~~) ، ولا يكون جلوسهم حوله إلا وهم ينظرون إليه ، ومن ms0656 أدبر عنه ، فليس ~~بمستمع له ولا مقبل عليه . ومعنى استقبالهم له ، والله أعلم ، لكى يتفرغوا ~~لسماع موعظته وتدبر كلامه ولا يشتغلوا بغير ذلك ، وقال الشعبى : من السنة ~~أن PageV02P509 يستقبل الإمام يوم الجمعة ، وقال ابن المنذر : استقبال ~~الناس الإمام إذا خطب هو قول شريح ، وعطاء ، ومالك ، والثورى ، والكوفيين ، ~~والأوزاعى ، والشافعى ، وإسحاق ، وهو كالإجماع ، وروى وكيع عن أبان ابن عبد ~~الله البجلى ، عن عدى بن ثابت ، قال : ( كان النبى ، عليه السلام ، إذا خطب ~~استقبله أصحابه بوجوههم ) . * * * # | 25 - باب من قال في الخطبة بعد الثناء أما بعد # رواه عكرمة ، عن ابن عباس ، عن النبي عليه السلام . / 43 - فيه : أسماء ~~فى حديث الكسوف . / 44 - وفيه : عمرو بن تغلب . / 45 - وعائشة . / 46 - ~~وأبو حميد الساعدى . / 47 - والمسور بن مخرمة . / 48 - وحديث ابن عباس قال ~~: ( صعد النبي عليه السلام ، على المنبر ، وكان آخر مجلس جلسه ، متعطفا ~~بملحفة على منكبيه ، وقد عصب رأسه بعصابة دسمة . . . ) ، الحديث . وقال فى ~~هذه الأحاديث كلها بعد الثناء على الله : ( أما بعد ) . قال المؤلف : ( أما ~~بعد ) من فصيح الكلام ، وهو فصل بين الثناء على الله تعالى ، وبين ابتداء ~~الخبر الذى يريد الخطيب إعلام الناس به ، وقد قال بعض أهل التأويل فى قول ~~الله تعالى ، عن داود عليه السلام : { وآتيناه الحكمة وفصل الخطاب } [ ص : ~~20 ] ، أنه : أما بعد . وقد اختلف العلماء فيما يجزئ من الخطبة ، فذكر ابن ~~حبيب عن مطرف ، وابن الماجشون وأصبغ أنه تجزئه خطبة واحدة ، ورواه مطرف عن ~~مالك ، وهو قول الأوزاعى ، وأبى يوسف ، ومحمد ، وإسحاق ، PageV02P510 وأبى ~~ثور ، قال ابن حبيب : ولو لم يتم الأولى وتكلم بما خف من الثناء على الله ~~وعلى نبيه عليه السلام ، لأجزأه . وروى مطرف عن مالك فى مختصر ابن عبد ~~الحكم : إن سبح أو هلل وصلى على النبى ، عليه السلام ، فلا إعادة عليه ، ~~وقال الشعبى : يجزئه ما قل وكثر ، وقال أبو حنيفة : يجزئه إن خطب بتسبيحة ~~واحدة ، قال ابن حبيب : روى ابن القاسم عن مالك أنه إن لم يخطب من الثانية ~~ما له بال لم يجزئهم ms0657 وأعادوا ، ونحوه قال الشافعى إلا أنه قال : أقل ما ~~يجزئ من الخطبتين جميعا أن يحمد الله تعالى ، ويصلى على الرسول ، ويوصى ~~بتقوى الله ، ويقرأ آيات من القرآن فى الأولى ، ويحمد الله ويصلى على النبى ~~ويدعو فى الآخرة . وقوله : ( عصابة دسمة ) ، فذكر أبو عمر المطرز أنها ~~السوداء وذكره عن ثعلب ، عن ابن الأعرابى قال : ومنه حديث عثمان بن عفان ، ~~أنه مر ببعض طرقات المدينة فرأى صبيا ومعه حشمة فقال : دسموا نونته لكى لا ~~تصيبه العين ، معناه دسموا ذلك الموضع ليرد العين ، والنونة : النقبة التى ~~تكون فى ذقن الصبى الصغير ، وقال ابن دريد : الدسمة : غبرة فيها سواد ، ~~الذكر : أدسم ، والأنثى : دسماء ، وأنشد : إلى كل دسماء الذراعين والعقب ~~ذكر البخارى هذا الحديث فى كتاب اللباس وقال : عصابة دسماء ، وقال أبو عمرو ~~الشيبانى : العصابة : العمامة . PageV02P511 قال المؤلف : وإنما سميت ~~العمامة عصابة ؛ لأنها تعصب الرأس أى تربطه ؛ ألا ترى قول الحجاج : ~~لأعصبنكم عصب السلمة ، أى : لأربطنكم ربط الشجرة . * * * # | 26 - باب القعدة بين الخطبتين يوم الجمعة # / 49 - فيه : ابن عمر : ( كان النبي عليه السلام ، يخطب خطبتين يقعد ~~بينهما ) . اختلف العلماء فى الجلسة بين الخطبتين فعند مالك هى سنة ، وعند ~~الشافعى واجبة ، فإن لم يخطب خطبتين يجلس بينهما صلى الظهر أربعا ، وعند ~~أبى حنيفة إن شاء خطب قائما أو جالسا ، وروى عن المغيرة بن شعبة أنه كان لا ~~يجلس فى خطبته . وحجة من قال إنها سنة حديث ابن عمر : ( أن النبى ، عليه ~~السلام ، كان يجلس فى خطبته ) ، ولم يقل إنه لا تجزئه الخطبة إلا بالجلوس ~~فيها ؛ لأن عليه فرض البيان ، ومن قال : إنها فريضة فلا حجة له ؛ لأن ~~القعدة فصل بن الذكرين ، واستراحة للخطيب ، وليست من الخطبة فى شىء ، ~~والمفهوم من لسان العرب أن الخطبة اسم للكلام الذى يخطب به خاصة لا للجلوس ~~. قال الطحاوى : ولم يقل بقول الشافعى أحد غيره ، ولما كان لو خطب خطبتيه ~~جميعا قاعدا جازت الخطبة ، ولم يقع بينهما فصل ، كذلك تجوز إذا قام موضع ~~القعود . قال غيره : ولو كانت فريضة ما جهلها ms0658 المغيرة بن شعبة ، ولو ~~PageV02P512 جهلها ما ترك جماعة من بحضرته من الصحابة والتابعين تنبيهه ~~عليها وإعلامه بوجوبها ، وقد حصر عثمان عن الخطبة فتكلم ونزل ولم يجلس ، ~~ولم يخالفه أحد فصار كالإجماع ، ذكره ابن القصار . * * * # | 27 - باب الاستماع إلى الخطبة # / 50 - فيه : أبو هريرة قال : قال عليه السلام : ( إذا كان يوم الجمعة ~~وقفت الملائكة على باب المسجد يكتبون الأول فالأول ، ومثل المهجر ، كمثل ~~الذي يهدي بدنة ، ثم كالذي يهدي بقرة ، ثم كبشا ، ثم دجاجة ، ثم بيضة ، ~~فإذا خرج الإمام طووا صحفهم ، ويستمعون الذكر ) . استماع الخطبة واجب وجوب ~~سنة عند أكثر العلماء ، ومنهم من جعله فريضة ، روى عن مجاهد أنه قال : لا ~~يجب الإنصات للقرآن إلا فى موضعين فى الصلاة والخطبة . وفى استماع الملائكة ~~للخطبة حض على الاستماع إليها والإنصات لها ، وقال أكثر العلماء : الإنصات ~~واجب على من سمعها ومن لم يسمعها ، وهو قول مالك ، وقد قال عثمان بن عفان : ~~للمنصت الذى لا يسمع من الأجر مثل ما للمنصت الذى يسمع ، وكان عروة بن ~~الزبير لا يرى بأسا بالكلام إذا لم يسمع الخطبة ، ذكره ابن المنذر ، وقال ~~إبراهيم : إنى لأقرأ حزبى إذا لم أسمع الخطبة ، وقال أحمد : لا بأس أن يذكر ~~الله ويقرأ من لم يسمع الخطبة . واختلفوا فى وقت الإنصات ، فقال أبو حنيفة ~~: خروج الإمام يقطع الكلام والصلاة جميعا لقوله : ( فإذا خرج الإمام طووا ~~صحفهم ويستمعون الذكر ) ، وقالت طائفة : لا يجب الإنصات إلا عند ~~PageV02P513 ابتداء الخطبة ، ولا بأس بالكلام قبلها هذا قول مالك ، والثورى ~~، وأبى يوسف ، ومحمد ، والأوزاعى ، والشافعى ، وحجتهم قوله عليه السلام : ( ~~وينصت إذا تكلم الإمام ) ، ذكره فى باب الإنصات يوم الجمعة والإمام يخطب ~~بعد هذا . * * * # | 28 - باب إذا رأى الإمام رجلا جاء وهو يخطب ، أمره أن يصلي ركعتين # / 51 - فيه : جابر قال : ( جاء رجل والنبي عليه السلام ، يخطب الناس ، ~~قال : صليت يا فلان ؟ قال : لا ، قال : قم فاركع ) . وترجم له : ( باب من ~~جاء والإمام يخطب صلى ركعتين خفيفتين ) . / 52 - وقال فيه : فصل ركعتين . ~~اختلف العلماء فى معنى هذا الحديث ms0659 ، فقال قوم بظاهره وقالوا : من جاء ~~والإمام يخطب صلى ركعتين خفيفتين ، وذلك سنة معمول بها ، روى هذا عن الحسن ~~، ومكحول وبه قال الشافعى ، وأحمد ، وإسحاق ، وأبو ثور ، وطائفة من أهل ~~الحديث . وفيه : قول ثان : قال الأوزاعى : من ركعهما فى بيته ، ثم دخل ~~المسجد والإمام يخطب قعد ولم يركع ، وإن لم يكن ركعهما ركعهما فى المسجد ؛ ~~لأنه عليه السلام إنما أمره بالركوع حين ذكر له أنه لم يصل فى بيته . وفيها ~~قول ثالث : قال أبو مجلز : إن شئت فاركع وإن شئت فاجلس . وفيها قول رابع : ~~أنه يجلس ولا يركع وهو قول الجمهور ، ذكره PageV02P514 ابن أبى شيبة عن عمر ~~، وعثمان ، وعلى بن أبى طالب ، وابن عباس ، ومن التابعين عن عطاء ، والنخعى ~~، وابن سيرين ، وشريح ، وعروة ، وسعيد بن المسيب ، وهو قول مالك ، والليث ، ~~والكوفيين . واحتج بعض أهل هذه المقالة أن النبى ، عليه السلام ، إنما أمره ~~بالصلاة لبذاذة هيئته ؛ فأراد أن يفطن الناس له ويتصدقوا عليه ، وروى ذلك ~~ابن عجلان ، عن عياض بن عبد الله ، عن أبى سعيد الخدرى : ( أن رجلا دخل ~~المسجد ورسول الله على المنبر ، فأمره النبى ، عليه السلام ، أن يدنوا منه ~~، فأمره أن يركع ركعتين قبل أن يجلس وعليه خرقة خلق ، ثم صنع ذلك فى ~~الثانية ، فأمره بمثل ذلك ، ثم صنع مثل ذلك فى الجمعة الثالثة ، فأمره ~~النبى ، عليه السلام ، بمثل ذلك ، وقال للناس : تصدقوا ، فألقى الثياب ، ~~فأمره النبى ، عليه السلام ، فأخذ ثوبين ، فلما كان بعد ذلك أمر الناس أن ~~يتصدقوا ، فألقى الرجل أحد ثوبيه فغضب رسول الله ثم أمره أن يأخذ ثوبه ) . ~~قال الطحاوى : وقد يجوز أن يكون النبى ، عليه السلام ، أمر سليكا بالصلاة ~~فقطع خطبته ثم استأنف ، وقد يجوز أن يكون بنى عليها ، وكان ذلك قبل أن ينسخ ~~الكلام فى الصلاة ، ثم نسخ الكلام فى الصلاة فنسخ أيضا فى الخطبة ، وقد ~~يجوز أن يكون ما قال أهل المقالة الأولى ويكون سنة معمولا بها ، فنظرنا هل ~~روى شىء يخالف ذلك ؟ فإذا بحر ابن نصر ، حدثنا عن عبد الله بن وهب ms0660 قال : ~~سمعت معاوية بن صالح يحدث عن أبى الزاهرية ، عن عبد الله بن بسر قال : ( ~~جاء رجل فتخطى رقاب الناس يوم الجمعة ، فقال له رسول الله : اجلس فقد آذيت ~~) ، فأمره عليه السلام بالجلوس ولم يأمره بالصلاة ، وهذا PageV02P515 يخالف ~~حديث سليك ، وكذلك حديث أبى سعيد الخدرى يدل أن ذلك كان فى حال إباحة ~~الأفعال فى الخطبة قبل أن ينهى عنها ، وقد أجمع المسلمون أن نزع الرجل ثوبه ~~، والإمام يخطب مكروه وأن مسه الحصى ، وقوله لصاحبه : أنصت فى الخطبة مكروه ~~. قال الطحاوى : والدليل على أنه كان وقت إباحة الكلام فى الخطبة أنه ذكر ~~فى حديث أبى سعيد الخدرى : ( أن النبى ، عليه السلام ، أتى بالصدقة فأعطى ~~منها رجلا ثوبين ، فلما كانت الجمعة طرح الرجل أحد ثوبيه فصاح الرسول به ، ~~وقال : ( خذه ، ثم قال : انظروا إلى هذا جاء تلك الجمعة . . . ) ، وذكر ~~الحديث ، ولا نعلم خلافا أن مثل هذا الكلام محظور فى الخطبة لقوله عليه ~~السلام : ( إذا قلت لأخيك : أنصت والإمام يخطب فى الخطبة فقد لغوت ) . ومن ~~طريق النظر ، فقد رأيناهم لا يختلفون أن من كان فى المسجد قبل أن يخطب ~~الإمام ، فإن الخطبة تمنعه من الصلاة ، فالنظر على ذلك أن يكون كذلك من دخل ~~المسجد ، والإمام يخطب ألا يصلى ؛ لأنه داخل فى غير موضع صلاة ، والأصل ~~المتفق عليه أن الأوقات التى تمنع من الصلوات يستوى فيها من كان قبلها فى ~~المسجد ، ومن دخل فيها فى المسجد فى المنع من الصلاة . فإن قال قائل : إنما ~~أمره عليه السلام ، أن يركع لقوله عليه السلام : ( إذا دخل أحدكم المسجد ~~فليركع ركعتين قبل أن يجلس ) . قيل له : إنما هذا لمن دخل فى المسجد فى وقت ~~تحل فيه الصلاة ؛ ألا ترى أن من دخل المسجد عند طلوع الشمس وعند غروبها ، ~~وفى الأوقات المنهى عن الصلاة فيها أنه لا ينبغى له الصلاة ، وليس كمن أمره ~~النبى ، عليه السلام ، بالركوع لدخوله المسجد . PageV02P516 قال غيره : فى ~~حديث جابر حجة لمن أجاز للخطيب يوم الجمعة أن يتكلم فى خطبته بما عرض له من ms0661 ~~كلام من غير جنس الخطبة بما فيه نفع للناس وتعليم لهم ، وقد روى عن على بن ~~أبى طالب ذلك حين تخطى الأشعث بن قيس رقاب الناس ، ذكره الطبرى . وفى ( ~~المدونة ) : جائز أن يتكلم الإمام فى خطبته لأمر أو نهى ، ولا يكون لاغيا ، ~~ومن كلمه الإمام فرد عليه لم يكن لاغيا . * * * # | 29 - باب رفع اليدين في الخطبة # / 53 - فيه : أنس قال : ( بينما رسول الله يخطب يوم الجمعة ، إذ قام رجل ~~، فقال : يا رسول الله ، هلك الكراع ، هلك الشاء ، فادع الله أن يسقينا ، ~~فمد يديه ودعا ) . وترجم له : ( باب الاستسقاء في الخطبة يوم الجمعة ) . / ~~54 - وزاد فيه : ( حتى سال الوادي قناة شهرا ، ولم يجئ أحد من ناحية إلا ~~حدث بالجود ) . رفع اليدين فى الخطبة فى معنى الضراعة إلى الله والتذلل له ~~، وقد أخبر النبى ، عليه السلام ، أن العبد إذا دعا الله تعالى ، وبسط كفيه ~~أنه لا يردهما خائبين من فضله ، فلذلك رفع النبى عليه السلام ، يديه . وقد ~~أنكر بعض الناس ذلك ، فروى الأعمش ، عن عبد الله بن مرة عن مسروق قال : رفع ~~الإمام يوم الجمعة يديه على المنبر ، فرفع الناس أيديهم ، فقال مسروق : ما ~~لهم قطع الله أيديهم ، وقال الزهرى : رفع الأيدى يوم الجمعة محدث ، وقال ~~ابن سيرين : أول من رفع يديه يوم الجمعة عبيد الله بن عبد الله بن معمر . ~~PageV02P517 وكان مالك لا يرى رفع اليدين إلا فى خطبة الاستسقاء ، وسيأتى ~~هذا المعنى مستقصى فى كتاب الاستسقاء ، إن شاء الله تعالى ، ويأتى فيه ~~تفسير ( الجوبة ) . وقوله فى هذا الحديث : ( حتى سال الوادى قناة شهرا ) ، ~~فمعناه اسم الوادى ولم يصرفه ؛ لأنه معرفة بدل من معرفة ، وفى أبواب ~~الاستسقاء ( حتى سال وادى قناة ) غير مصروف أيضا ؛ لأن قناة معرفة ، وهى ~~اسم البقعة ، والجود : المطر الغزير ، يقال : جاد المطر جودا أو جودة : إذا ~~كثر ، وسيأتى حكم الاستسقاء فى خطبة الجمعة بعد هذا ، إن شاء الله تعالى . ~~* * * # | 30 - باب الإنصات يوم الجمعة والإمام يخطب ، وإذا قال لصاحبه أنصت فقد ~~لغا وقال سلمان عن النبي عليه ms0662 السلام : ( ينصت إذا تكلم الإمام ) # . / 55 - فيه : أبو هريرة أن النبى عليه السلام ، قال : ( إذا قلت لصاحبك ~~يوم الجمعة أنصت ، والإمام يخطب ، فقد لغوت ) . اللغو : كل شىء من الكلام ~~ليس بحسن ، عند أبى عبيدة . وقال قتادة فى قوله تعالى : { وإذا مروا باللغو ~~مروا كراما } [ الفرقان : 72 ] ، قال : لا يساعدون أهل الباطل على باطلهم . ~~وجماعة أئمة الفتوى على وجوب الإنصات للخطبة ، وفى حديث سلمان حجة لمن رأى ~~الإنصات عند ابتداء الخطبة وقد تقدم هذا ، PageV02P518 وقال ابن مسعود : ~~إذا رأيته يتكلم والإمام يخطب فأقرع رأسه بالعصا ، وروى عن عمر ، وابن عمر ~~، وابن عباس أنهم قالوا : من قال لصاحبه اسكت فلا جمعة له ، وقال ابن عباس ~~: الذى يتكلم والإمام يخطب ، فهو كمثل الحمار يحمل أسفارا ، ذكره ابن أبى ~~شيبة . وقوله : ( لا جمعة له ) ، أى لا جمعة كاملة مثل جمعة المنصت ؛ لأن ~~جماعة الفقهاء مجمعون أن جمعته مجزئة عنه ، ولا يصلى أربعا . وقال ابن وهب ~~: من لغا كانت صلاته ظهرا ولم تكن له جمعة وحرم فضلها . وقال ابن جريج : ~~قلت لعطاء : هل تعلم شيئا يقطع جمعة الإنسان حتى يجب عليه أن يصلى أربعا من ~~كلام أو تخطى رقاب الناس أو غير ذلك ؟ قال : لا . وقد رخص جماعة من ~~التابعين فى الكلام والإمام يخطب إذا كان من أئمة الجور أو أخذ فى خطبته فى ~~غير ذلك ، روى عن النخعى ، والشعبى ، وأبى بردة ، وسعيد بن جبير أنهم كانوا ~~يتكلمون والحجاج يخطب ، وقال بعضهم : إنا لم نؤمر أن ننصت لهذا ، وروى ابن ~~أبى شيبة أن إبراهيم كلم فى ذلك فقال : إنى كنت قد صليت ، ورأى الليث إذا ~~أخذ الإمام فى غير ذكر الخطبة والموعظة أن يتكلم ولا ينصت . وروى ابن وهب ، ~~وابن نافع ، وعلى بن زياد ، عن مالك أن الإمام إذا لغا وشتم الناس فعلى ~~الناس الإنصات ولا يتكلمون ، وروى عنه PageV02P519 إذا خطب فى أمر ليس من ~~الخطبة ، ولا من الصلاة من أمر كتاب يقرؤه أو نحو ذلك ، فليس على الناس ~~الإنصات . ورأى الليث إذا أخذ الإمام ms0663 فى غير ذكر الله والموعظة أن يتكلم ~~ولا ينصت . واختلفوا فى رد السلام وتشميت العاطس والإمام يخطب فرخص فى ذلك ~~النخعى ، والشعبى ، والحسن ، وهو قول الثورى ، والأوزاعى ، وأحمد ، وإسحاق ~~، وكره ذلك مالك والكوفيون ، والشافعى . * * * # | 31 - باب الساعة التي في يوم الجمعة # / 56 - فيه : أبو هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذكر يوم ~~الجمعة فقال : ( فيه ساعة لا يوافقها عبد مسلم ، وهو قائم يصلي يسأل الله ~~شيئا ، إلا أعطاه إياه ، وأشار بيده يقللها ) . اختلف السلف فى هذه الساعة ~~، فروى عن أبى هريرة قال : هى من بعد طلوع الفجر إلى طلوع الشمس ، وبعد ~~صلاة العصر إلى غروب الشمس . وقال الحسن ، وأبو العالية : هى عند زوال ~~الشمس ، وقال أبو ذر : هى ما بين أن تزيغ الشمس بشبر إلى ذراع ، وقالت ~~عائشة : هى إذا أذن المؤذن بالصلاة ، وقال ابن عمر : هى الساعة التى ~~PageV02P520 اختار الله فيها الصلاة ، وهو قول أبى بردة ، وابن سيرين ، ~~وقال أبو أمامة : إنى لأرجو أن تكون فى هذه الساعات : إذا أذن المؤذن ، أو ~~إذا جلس الإمام على المنبر ، أو عند الإقامة . قال الشعبى : هو ما بين أن ~~يحرم البيع إلى أن يحل ، وحجة هذا القول ما روى ابن وهب ، عن مخرمة بن بكير ~~، عن أبيه ، عن أبى بردة بن أبى موسى قال : ( قال لى عبد الله بن عمر : ~~سمعت أباك يحدث عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فى شأن ساعة الجمعة ؟ ~~قلت : نعم ، سمعته يقول : سمعت النبى ، عليه السلام ، يقول : ( هى ما بين ~~مجلس الإمام إلى تقضى الصلاة ) . وروى الأوزاعى عن من حدثه عن أبى الخير ، ~~عن على بن أبى طالب قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( إذا ~~زالت الأفياء وراحت الأرواح ، فاطلبوا إلى الله تعالى حوائجكم ، فإنها ساعة ~~الأوابين ، وإنه كان للأوابين غفورا ) . وقال عبد الله بن سلام : هى ما بين ~~العصر إلى أن تغرب الشمس ، وروى مثله عن ابن عباس ، وأبى هريرة ، ومجاهد ، ~~وطاوس . قال المهلب : وحجة من قال : إنها بعد العصر قوله ms0664 : ( يتعاقبون فيكم ~~ملائكة بالليل وملائكة بالنهار ، ويجتمعون فى صلاة العصر ، ثم يعرج الذين ~~باتوا فيكم ) ، فهو وقت العروج وعرض الأعمال على الله تعالى ، فيوجب الله ~~تعالى ، فيه مغفرته للمصلين من عباده ؛ ولذلك شدد النبى ، عليه السلام ، ~~على من حلف على سلعة بعد العصر لقد أعطى بها أكثر ؛ تعظيما للساعة ، وفيها ~~يكون اللعان والقسامة ، وقيل فى قوله تعالى : { تحبسونهما من بعد الصلاة } ~~[ المائدة : 106 ] ، أنها بعد العصر . PageV02P521 ومعنى قوله : ( وهو قائم ~~يصلى ) ، قد فسره عبد الله بن سلام لأبى هريرة فقال : ألم يقل رسول الله : ~~( من جلس ينتظر الصلاة فهو فى صلاة ) ، فقال أبو هريرة : بلى ، فقال : هو ~~ذاك . وروى ابن أبى أويس عن أخيه ، عن سليمان بن بلال ، عن الثقة ، عن ~~صفوان بن سليم ، عن أبى سلمة ، عن أبى سعيد الخدرى قال : قال النبى ، عليه ~~السلام : ( الساعة التى يستجاب فيها الدعاء يوم الجمعة بعد صلاة العصر إلى ~~غروب الشمس أغفل ما يكون الناس ) . * * * # | 32 - باب إذا نفر الناس عن الإمام في صلاة الجمعة ، فصلاة الإمام ومن ~~بقي جائزة # / 57 - فيه : جابر قال : ( بينما نحن نصلي مع النبي عليه السلام ، إذ ~~أقبلت عير تحمل طعاما ، فالتفتوا إليها ، حتى ما بقي مع النبي إلا اثنا عشر ~~رجلا ، فنزلت هذه الآية : { وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها وتركوك ~~قائما } [ الجمعة 11 ] ) . قال المؤلف : فى هذا الحديث أنهم كانوا فى ~~الصلاة حين أقبلت العير ، روى حماد ، عن يونس ، عن الحسن : أن النبى ، عليه ~~السلام ، كان يخطب يوم الجمعة ، فجاءت عير من الشام فابتدرها الناس ، وبقى ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فى نفر يسير ، فقال رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - : ( لو تتابعتم لسال بكم الوادى نارا ) ، ونزلت هذه الآية . ~~قال الأصيلى : وقد وصف الله تعالى ، أصحاب محمد بأنهم PageV02P522 { لا ~~تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله } [ النور : 37 ] ، إلا أن يكون هذا ~~الحديث قبل نزول هذه الآية . قال المهلب : يحتمل قول جابر : ( بينما نحن ~~نصلى مع النبى ، عليه السلام ) ، أن يكون فى ms0665 الخطبة كما قال الحسن ؛ لأن من ~~انتظر الصلاة فهو فى صلاة ، ولا يظن فى الصحابة إلا حسن الظن . واختلف ~~العلماء فى الإمام يفتتح صلاة الجمعة بالجماعة ، ثم يفترقون عنه ، فقال ~~الثورى : إذا ذهبوا إلا رجلين صلى ركعتين ، وإن بقى معه رجل واحد صلى أربعا ~~. وقال أبو ثور : إذا بقى معه واحد صلى الجمعة ؛ لأنه قد دخل فى صلاة هى له ~~ولهم جمعة ، ورآه الشافعى ، وقال أبو يوسف ، ومحمد : إذا افتتح الجمعة وكبر ~~للإحرام ، ثم نفروا كلهم صلى الجمعة وحده ، وقال أبو حنيفة : إذا نفر عنه ~~الناس قبل أن يركع ويسجد سجدة يستقبل الظهر ، وإذا نفروا عنه بعدما ركع ~~وسجد سجدة بنى على الجمعة . وقال ابن القصار مثله عن مالك ، وهو قول المزنى ~~، وقال زفر : إذا نفروا عنه قبل أن يجلس للتشهد بطلت صلاته ؛ لأنه يراعى ~~فيها الاجتماع إلى آخرها ، وعن الشافعى روايتان : إن بقى اثنان حتى تكون ~~صلاته صلاة جماعة أجزأهم ، والقول الآخر : لا تجزئهم حتى يكونوا أربعين ~~رجلا . وقال إسحاق : إن بقى معه اثنا عشر رجلا صلى الجمعة ركعتين على ظاهر ~~هذا الحديث ؛ لأن الذين بقوا مع النبى ، عليه السلام ، PageV02P523 كانوا ~~اثنى عشر رجلا ، وهذه المسألة فرع على اختلافهم فى عدد من تقوم بهم الجمعة ~~، وقد تقدم . والصحيح قول من قال : إن نفروا عنه بعد عقد ركعة يسجد فيها ~~أنه يصلى الجمعة ركعتين ، لقول النبى ، عليه السلام : ( من أدرك ركعة من ~~الصلاة فقد أدرك الصلاة ) ، فبان أن أدنى ما يقع به الاشتراك هو فعل الركعة ~~، ولا يجوز أن يعتبر فى جواز البناء الدخول فى الجمعة وحده ؛ لأن الإمام ~~متى كبر حصل دخوله فى الجمعة ، وإن لم يصح له البناء عليها إلا بمشاركة ~~المؤتمين ، يبين هذا أنهم لو نفروا عنه ، وقد كبر ولم يكبروا هم لم يصح أن ~~يبنى الإمام على جمعته ، فكذلك إذا نفروا بعد أن كبروا . فإن قيل : إن ~~الجمعة قد استقرت بدخولهم فيها ، فلا معتبر بعقد الركعة . قيل : إذا أدرك ~~التشهد من الجمعة هو مدرك لتكبيرة الإحرام ms0666 مع الإمام ولا يعتد بها ، ولا ~~يبنى عليها جمعة فسقط قولهم . واحتج الطحاوى لأصحابه قال : شرط صحة الجمعة ~~الإمام والمأموم ، فلما كان المأموم تصح له الجمعة ، بأن يدرك بعض الصلاة ~~مع الإمام وإن لم يدرك جميعها ، كذلك ينبغى أن يصح للإمام مشاركة المأمومين ~~له فى بعض صلاته . PageV02P524 * * * # | 33 - باب الصلاة بعد الجمعة وقبلها # / 58 - فيه : ابن عمر : ( أن النبى ، عليه السلام ، كان يصلي قبل الظهر ~~ركعتين ، وبعدها ركعتين ، وبعد المغرب ركعتين في بيته ، وبعد العشاء ركعتين ~~، وكان لا يصلي بعد الجمعة حتى ينصرف ، فيصلي ركعتين ) . اختلف العلماء فى ~~الصلاة بعد الجمعة فقالت طائفة : يصلى بعدها ركعتين فى بيته كالتطوع بعد ~~الظهر ، روى ذلك عن ابن عمر ، وعمران بن حصين ، والنخعى ، وقال مالك : إذا ~~صلى الإمام الجمعة فينبغى أن يدخل فى منزله ولا يركع فى المسجد ، لما روى ~~عن النبى ، عليه السلام ، أنه كان ينصرف بعد الجمعة ولم يركع فى المسجد ، ~~قال : ومن خلفه أيضا إذا سلموا فأحب إلى أن ينصرفوا ولا يركعوا فى المسجد ، ~~وإن ركعوا فذلك واسع . وقالت طائفة : يصلى بعدها ركعتين ثم أربعا ، روى ذلك ~~عن على ، وابن عمر ، وأبى موسى ، وهو قول عطاء ، والثورى ، وأبى يوسف ، إلا ~~أن أبا يوسف استحب أن يقدم الأربع قبل الركعتين ، وقال الشافعى : ما أكثر ~~المصلى بعد الجمعة من التطوع فهو أحب إلى . وقالت طائفة : يصلى بعدها أربعا ~~لا يفصل بينهن بسلام ، روى ذلك عن ابن مسعود ، وعن علقمة ، والنخعى ، وهو ~~قول أبى حنيفة ، وإسحاق . واحتج أهل المقالة الأولى بحديث ابن عمر : ( أن ~~النبى ، عليه السلام ، كان لا يصلى بعد الجمعة إلا ركعتين فى بيته ) ، قال ~~المهلب : وهما الركعتان اللتان تصلى بعد الظهر فى سائر الأيام . ~~PageV02P525 وكرر ابن عمر ذكرها من أجل أنه عليه السلام كان يصليها فى بيته ~~، ووجه ذلك ، والله أعلم ، أنه لما كانت الجمعة ركعتين لم يصل بعدها صلاة ~~مثلها خشية أن يظن أنها التى حذفت منها ، وأنها واجبة ، فلما زال عن موطن ~~القصد صلى فى بيته ، وقد روى ms0667 ابن جريج عن عمر بن عطاء بن أبى الخوار : ( أن ~~نافع بن جبير أرسله إلى السائب ابن أخت نمر يسأله عن شىء رآه منه معاوية فى ~~الصلاة ، فقال : نعم صليت معه الجمعة ، فلما سلم الإمام قمت فصليت ، فقال : ~~لا تعد لما فعلت ، إذا صليت الجمعة فلا تصلها بصلاة حتى تكلم أو تخرج ؛ فإن ~~النبى ، عليه السلام ، أمرنا أن لا نصل صلاة بصلاة حتى نتكلم أو نخرج ) . ~~وروى الأعمش ، عن أبى الضحى ، عن مسروق قال : كنا نقرأ فى المسجد فنقوم ~~فنصلى فى الصف ، فقال عبد الله : صلوا فى رحالكم لئلا يراكم الناس فيرونها ~~سنة ، وقد أجاز مالك الصلاة بعد الجمعة فى المسجد للناس ، ولم يجزه للأئمة ~~. وحجة أهل المقالة الثانية ما رواه أبو إسحاق عن عطاء قال : صليت مع ابن ~~عمر الجمعة ، فلما سلم قام فركع ركعتين ، ثم صلى أربع ركعات ثم انصرف ، وما ~~رواه سفيان ، عن أبى حصين ، عن أبى عبد الرحمن ، عن على بن أبى طالب ، أنه ~~قال : من كان مصليا بعد الجمعة فليصل ستا ، ووجه قول أبى يوسف ما رواه ~~PageV02P526 الأعمش ، عن إبراهيم ، عن سليمان بن مسهر ، عن خرشة بن الحر أن ~~عمر بن الخطاب كره أن يصلى بعد صلاة مثلها . ووجه أهل المقالة الثالثة ما ~~رواه ابن عيينة ، عن سهيل بن أبى صالح ، عن أبيه ، عن أبى هريرة قال : قال ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( من كان منكم مصليا بعد الجمعة فليصل ~~أربعا ) . وأما الصلاة قبل الجمعة فقد تقدم اختلاف العلماء فى الصلاة عند ~~استواء الشمس فى أبواب أوقات الصلوات ، فأغنى ذلك عن إعادته هنا ، والحمد ~~لله . * * * # | 34 - باب قول الله تعالى : { فإذا قضيت الصلاة } [ الجمعة 10 ] # / 59 - فيه : سهل قال : ( كانت فينا امرأة تحقل على أربعاء في مزرعة لها ~~سلقا ، فكانت إذا كان يوم جمعة ، تنزع أصول السلق ، فتجعله في قدر ، ثم ~~تجعل عليه قبضة من شعير تطحنها ، وكنا ننصرف من صلاة الجمعة ، فنسلم عليها ~~، فتقرب ذلك الطعام إلينا ، فنلعقه ، وكنا نتمنى يوم الجمعة لطعامها ms0668 ذلك ، ~~وما كنا نقيل ولا نتغدى إلا بعد الجمعة ) . وترجم له : ( باب القائلة بعد ~~الجمعة ) . / 60 - وزاد فيه : عن أنس قال : ( كنا نبكر إلى الجمعة ثم نقيل ~~) . والفقهاء متفقون على أن معنى قوله تعالى : { فإذا قضيت الصلاة ~~PageV02P527 فانتشروا فى الأرض } [ الجمعة 10 ] ، الإباحة ؛ لأنه ورد بعد ~~تقدم أمره بالسعى إلى الصلاة ، وترك البيع ؛ فأبان بقوله تعالى : { فإذا ~~قضيت الصلاة فانتشروا فى الأرض وابتغوا من فضل الله } [ الجمعة : 10 ] ، ~~زوال ما أوجب عليهم من السعى وترك البيع فى وقت الصلاة ، وهذا كقوله تعالى ~~: { وإذا حللتم فاصطادوا } [ المائدة : 2 ] . وموافقة الحديث للترجمة وهو ~~قوله : ( كنا ننصرف من الجمعة فنسلم عليها ، فتقرب إلينا ذلك الطعام ) ، ~~ألا ترى أن انصرافهم بعد الجمعة لم يكن واجبا عندهم ، وإنما كانوا ينصرفون ~~لما ذكره من الغداء ، ثم القائلة عوضا مما فاتهم من ذلك فى وقته ، وهذا ~~الحديث بين فى رد قول مجاهد ، وأحمد بن حنبل : أن الجمعة تصلى قبل الزوال ~~استدلالا ، بقوله : ( وما كنا نقيل إلا بعد الجمعة ) ، ولا يسمى بعد الجمعة ~~وقت الغداء ، قبان أن قائلتهم وغداءهم بعد الجمعة إنما كان عوضا مما فاتهم ~~فى وقته من أجل بدارهم بالسعى إلى الصلاة والتهجير إلى الجمعة ، وعلى هذا ~~التأويل جمهور الأئمة وعامة العلماء ، فلا معنى للاشتغال بما خالفهم ، وقد ~~تقدم ما للعلماء فى ذلك من الحجة فى باب وقت الجمعة إذا زالت الشمس . وقال ~~صاحب ( العين ) : الأربعاء الجداول واحدها ربيع . وقوله : ( تحقل ) مأخوذة ~~من الحقل ، والحقل : الزرع المتشعب الورق . PageV02P528 * * * # | 35 - باب صلاة الخوف وقول الله تعالى : { وإذا ضربتم في الأرض فليس ~~عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة } إلى قوله : { مهينا } [ النساء : 101 ، ~~102 ] # / 61 - فيه : ابن عمر قال : غزوت مع النبى عليه السلام قبل نجد ، فوازينا ~~العدو ، فصاففنا لهم ، فقام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي لنا ، ~~فقامت طائفة معه تصلي ، وأقبلت طائفة على العدو ، وركع رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - بمن معه ، وسجد سجدتين ، ثم انصرفوا مكان الطائفة التي لم ~~تصل ، فجاءوا فركع ، رسول ms0669 الله - صلى الله عليه وسلم - بهم ركعة وسجد ~~سجدتين ، ثم سلم ، فقام كل واحد منهم ، فركع لنفسه ركعة ، وسجد سجدتين ) . ~~قال المؤلف : لم يذكر البخارى فى أبواب صلاة الخوف غير حديث ابن عمر هذا ، ~~وذكر فى كتاب المغازى حديث مالك عن يزيد بن رومان ، عن صالح بن خوات ، عمن ~~شهد مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلاة الخوف يوم ذات الرقاع : ( أن ~~طائفة صلت معه وطائفة وجاه العدو ، فصلى النبى بمن معه ركعة ثم ثبت قائما ، ~~فأتموا لأنفسهم ، ثم انصرفوا وصفوا وجاه العدو ، وجاءت الطائفة الأخرى فصلى ~~بهم الركعة التى بقيت من صلاته ، ثم ثبت جالسا وأتموا لأنفسهم ، ثم سلم بهم ~~) . قال مالك : هذا أحسن ما سمعت فى صلاة الخوف ، هكذا رواه البخارى عن ~~قتيبة ، عن مالك ، وكذلك هو فى موطأ القعنبى ، وابن بكير ، وأبى مصعب ، قال ~~مالك : وحديث يزيد بن رومان أحب ما PageV02P529 سمعت إلى ، وفى موطأ يحيى ~~بن يحيى ، قال مالك : وحديث القاسم أحب ما سمعت إلى فى صلاة الخوف . وذكر ~~إسماعيل بن إسحاق ، عن ابن وهب ، عن مالك قال : حديث يزيد أحب إلى ، ثم رجع ~~فقال : يكون قضاؤهم بعد السلام أحب إلى على حديث القاسم ، وذكر البخارى فى ~~المغازى عن مسدد ، عن يحيى القطان ، عن يحيى بن سعيد ، عن القاسم بن محمد ، ~~عن صالح ابن خوات ، عن سهل بن أبى حثمة قال : يقوم الإمام مستقبل القبلة ~~وطائفة منهم معه ، وطائفة من قبل العدو ووجوههم إلى العدو فيصلى بالذين معه ~~ركعة ، ثم يقومون فيركعون لأنفسهم ركعة ويسجدون سجدتين فى مكانهم ، ثم يذهب ~~هؤلاء إلى مقام أولئك فيجىء أولئك فيركع بهم ركعة فله ثنتان ، ثم يركعون ~~ويسجدون سجدتين . هكذا رواه مسدد عن القطان ، عن يحيى بن سعيد لم يذكر فيه ~~سلام الطائفة الأولى إذا تمت صلاتها ، ولا ذكر سلام الرسول بالطائفة ~~الثانية قبل أن تتم لأنفسها ، وذكر مالك ذلك فى روايته عن يحيى بن سعيد ، ~~والزيادة من الحافظ مقبولة . وذكر البخارى فى المغازى حديث جابر إلا أنه لم ms0670 ~~يسنده قال : وقال أبان : حدثنا يحيى ابن أبى كثير ، عن أبى سلمة ، عن جابر ~~قال : ( كنا مع النبى - صلى الله عليه وسلم - بذات الرقاع فصلى بطائفة ~~ركعتين ، ثم تأخروا ، وصلى بالطائفة الأخرى ركعتين ، فكان للنبى أربع ركعات ~~وللقوم ركعتان ) . وهذه الأحاديث كلها قد قال بها قوم من الفقهاء ، وسأذكر ~~أقوالهم بعد ذكرى من قال بأحاديث ابن عمر المتقدمة فى هذا الباب . ~~PageV02P530 فى حديث ابن عمر أن الطائفة الأولى التى صلى بها النبى ، عليه ~~السلام ، ركعة لم تتم ركعتها الثانية إلا بعد سلام النبى ، أنهم كانوا فى ~~انصرافهم وجاه العدو فى حكم الصلاة ، كذلك الطائفة الثانية قضوا ركعتهم بعد ~~صلاة النبى أيضا . وقال بهذا أبو حنيفة ، وأشهب صاحب مالك ، والأوزاعى ، ثم ~~رجع فأخذ بحديث غزوة ذات الرقاع ، قاله سحنون ، إلا أن أبا حنيفة فرق بين ~~الطائفة الأولى والثانية فى القراءة فى الركعة الثانية التى تقضيها فقال : ~~لا تقرأ الطائفة الأولى فيها ؛ لأنها فى حكم صلاة الإمام حتى يصلى بالطائفة ~~الثانية تمام صلاته ، وقراءته فيها تسقط عنهم القراءة ، ثم يسلم وينصرف ، ~~والطائفة الثانية تقرأ لأنها تقضى بعد صلاة الإمام ، ولم يتحمل عنهم ~~القراءة ، ولم يكونوا فى حكمه . قالوا : وحديث ابن عمر تشهد له الأصول ~~المجتمع عليها فى سائر الصلوات أن المأموم لا يقضى إلا بعد سلام الإمام ، ~~وليس فى الأصول خروج المأموم قبل فراغ إمامه من صلاته التى افتتحها معه ، ~~وهم الطائفة الأولى على ما رواه مالك فى حديث ابن القاسم ، وذلك يوجب ~~انتظار الإمام فراغ المأمومين من صلاتهم ، فيصير الإمام تابعا لهم ، ولا ~~نظير لهذا فى الأصول . قال ابن القصار : فالجواب أن هذه الصلاة نفسها قد ~~خرجت عن الأصول عند أبى حنيفة وعندنا ؛ لأنه ليس فى الأصول أن المأموم ~~ينصرف بعد ركعة فيعمل أعمالا غير عمل الإمام ويذهب ويجىء ويستدبر القبلة ~~حتى يفرغ الإمام من صلاته ثم يجىء فيتم بهم ، ويقول إن الله تعالى ، أمر ~~نبيه أن يفرق الناس طائفتين ، ويجعل PageV02P531 لكل طائفة ركعتين ، فينبغى ~~أن يسوى بينهما ، فلما قلتم وقلنا ms0671 فى الطائفة الثانية أن ركعتها الثانية ~~تكون خارجة من صلاة الإمام ؛ وجب أن تكون الطائفة الأولى كذلك فتكون ركعتها ~~الثانية خارجة عن حكم صلاة الإمام . وقولنا : يؤدى إلى الاحتراز من العدو ؛ ~~لأن الطائفة الأولى إذا تمت صلاتها ومرت وجاه العدو واحتاجت إلى القتال ~~فعلته ، وهى فى غير صلاة وتمكنت بغير شغل قلب بالصلاة ، وعندكم إن رمى واحد ~~منهم بسهم أو قاتل بطلت صلاته ، وهذا أضر على المسلمين من قولنا ، وقد ~~يحترز من العدو بالصياح والكلام ليعلم المصلين ما طرق من الحوادث وهذا خارج ~~الصلاة أمكن ، وأما حديث يزيد بن رومان فى أن الطائفة الأولى إذا صلى بها ~~الإمام ركعة ، فإنها تتم لنفسها بقية صلاتها وتسلم ثم تنصرف وجاه العدو ، ~~ثم تأتى الطائفة الثانية فيصلى بها الإمام ركعة ، ثم يثبت الإمام حتى تقضى ~~ركعتها الثانية ويسلم بهم ، فقال به الشافعى ، واختاره أحمد بن حنبل ، وهو ~~الذى رجع عنه مالك . قال الشافعى : والمصير إليه أولى من حديث القاسم ؛ ~~لأنه موقوف وحديث يزيد أشبه بظاهر كتاب الله ، تعالى ، واحتج الشافعى بأن ~~الله تعالى ، ذكر استفتاح الإمام ببعضهم بقوله تعالى : { فلتقم طائفة منهم ~~معك } ، ثم قال : { فإذا سجدوا فليكونوا من ورائكم } [ النساء : 102 ] ، ~~وذكر انصراف الطائفتين والإمام من الصلاة معا بقوله : { فإذا قضيتم الصلاة ~~} [ النساء : 103 ] ، وذلك للجمع لا للتبعيض ، ولم يذكر أن PageV02P532 على ~~واحد منهم قضاء ، قال : وفى الآية دليل على أن الطائفة الثانية لا تدخل فى ~~الصلاة إلا بعد انصراف الطائفة الأولى لقوله تعالى : { ولتأت طائفة أخرى لم ~~يصلوا فليصلوا معك } [ النساء : 102 ] ، دليل على أن الطائفة الأولى تنصرف ~~، فلم يبق عليها من الصلاة شىء تفعله بعد الإمام . وقال ابن القصار : يقال ~~للشافعى كلما أمكن أن لا تخرج الصلاة من الأصول فهو أولى ، وفى الأصول سلام ~~الإمام قبل أن يقضى المأموم صلاته ، ولولا أن الضرورة دعت إلى أن تقضى ~~الطائفة الأولى ما بقى عليها قبل فراغ الإمام لما جوزنا لها ذلك ، ولا ~~ضرورة بنا إلى أن تقضى الثانية باقى صلاتها قبل إمامها ms0672 ، ومبادرة الإمام ~~أولى من بقائه لما يحدث ويشغل قلب صاحب الجيش أشد ممن يتبعه فيخفف عليه ~~بالمبادرة بالسلام ، وقوله : { فليصلوا معك } ، معناه ما بقى من صلاتك ، ~~ويقضون ما فاتهم ، فأما أن يصلوا معه ما لم يصله معهم فمحال ، وقوله : { ~~فإذا قضيتم الصلاة } لايقتضى أن يكون قضاء الجميع معا ، وإنما هو إخبار عما ~~أبيح لهم فعله بعد الصلاة من ذكر الله وغير ذلك كما قال : { فإذا قضيتم ~~مناسككم فاذكروا الله } [ البقرة : 200 ] ، ولم يقتض ذلك بأن يكون قضاء ~~مناسكهم معا ؛ لأن قضاء من تعجل فى يومين قبل قضاء من تأخر ، وقد خاطب الله ~~الجميع لا البعض . وأما حديث القاسم فقد قال به مالك ، وأحمد بن حنبل ، ~~وأبو ثور ، وفى رواية مالك أن سلام الطائفة الأولى إذا قضت ركعتها ، ~~وينصرفون إلى العدو وهم فى غير صلاة ، ثم تصلى الطائفة الثانية ركعتها ~~الأولى وراء الإمام ، ثم يسلم الإمام ويتمون لأنفسهم بعد سلامه ، وهو موافق ~~لحديث يزيد إلا فى سلام النبى قبل أن تتم الطائفة الثانية ركعتها الثانية . ~~PageV02P533 قال المهلب : وهذه الصفة ، أعنى حديث القاسم ، هى الموافقة ~~لكتاب الله تعالى ، قال الله تعالى : { وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة ~~فلتقم طائفة منهم معك وليأخذوا أسلحتهم } ، يعنى الباقين { فإذا سجدوا } ، ~~يعنى المصلين { فليكونوا من ورائكم } [ النساء : 102 ، 103 ] ، يعنى الذين ~~هم مواجهة العدو ، فاشترط الله تعالى ، أن تكون إحدى الطائفتين فى غير صلاة ~~مواجهين للعدو والثانية فى الصلاة ، وقوله : { ولتأت طائفة أخرى لم يصلوا ~~فليصلوا معك } ، يدل أن الأولى قد صلت تمام صلاتها ، وقوله تعالى : { ~~فليصلوا معك } ، يقتضى بقية صلاة النبى ، عليه السلام ، كلها وإذا اقتضى ~~ذلك وجب أن يسلم ؛ لأن آخر صلاته السلام . قال غيره : وهذا أشبه بالأصول ؛ ~~لأن المأموم أبدا إنما يقضى بعد فراغ إمامه وسلامه ، فهو أولى على ما بيناه ~~من حديث يزيد بن رومان . وأما حديث جابر فقد حكى عن الشافعى أنه قال به ، ~~وقال : صلاة الخوف يصلى الإمام بكل طائفة ركعتين ، وهو على أصله فى جواز ~~صلاة المفترض خلف المتنفل ms0673 . قال أصحابه : هذا إذا كان فى سفر وهو مخير عنده ~~فى السفر بين القصر والإتمام ، ولم يحفظ عن النبى ، عليه السلام ، أنه صلى ~~صلاة خوف قط فى حضر ولم يكن له حرب فى حضر إلا يوم الخندق ، ولم تكن نزلت ~~صلاة الخوف بعد . ودفع مالك ، وأبو حنيفة هذا التأويل وقال أصحابهما : إن ~~النبى ، عليه السلام ، كان فى حضر ببطن النخل على باب المدينة ، ولم يكن ~~مسافرا ، وإنما كان خوف فخرج منه محترسا ، ولم ينقل عنه عليه السلام ، سلام ~~فى ركعتين بهم . PageV02P534 قال ابن القصار : وكذلك نقول : إذا كان الخوف ~~فى حضر أن يصلى بكل طائفة ركعتين ، ولو ثبت أنه كان فى سفر فصلى بكل طائفة ~~ركعتين لكان هذا خاصا للنبى للفضيلة فى الصلاة خلفه . قال المهلب : لا يصح ~~أنه كان فى حضر ؛ لأن جابرا ذكر فى الحديث أنهم كانوا بذات الرقاع ، وقد ~~كانت صلاة الخوف نزلت . وقال الطحاوى : ولا حجة لمن قال بهذا الحديث ؛ لأنه ~~قد يجوز أن يكون ذلك من النبى ، والفريضة تصلى مرتين فتكون كل واحدة منهما ~~فريضة ، وقد كان ذلك يفعل فى أول الإسلام ثم نسخ ، وقد ذكرت الحديث بذلك فى ~~باب إذا صلى ثم أم قوما عند حديث معاذ فى أبواب الإمامة قبل هذا . قال ~~المؤلف : وقد روى عن جابر خلاف حديثه هذا المتقدم ، روى شعبة ، عن الحكم ، ~~عن يزيد الفقير ، عن جابر قال : ( صلينا مع النبى ، عليه السلام ، صلاة ~~الخوف فركع فى الصف المتقدم ركعة ، وسجد سجدتين ، ثم تأخروا ، ثم تقدم ~~الآخرون ، فركع بهم ركع واحدة ، وسجد سجدتين فكانت للنبى - صلى الله عليه ~~وسلم - ركعتين وللناس ركعة ركعة ) ، وقد يجوز أن يكون النبى ، عليه السلام ~~، صلى على ما روى جابر مرتين على صفتين . وقد قال أحمد بن حنبل : أحاديث ~~صلاة الخوف صحاح كلها ، ويجوز أن تكون فى مرات مختلفة على حسب شدة الخوف ، ~~ومن صلى بصفة منها فلا حرج عليه ، وهو قول الطبرى وطائفة من أهل الحديث . ~~قال ابن القصار : وحكى عن أبى يوسف والمزنى ms0674 أنهما قالا : صلاة الخوف منسوخة ~~ولا يجوز أن تصلى بعد النبى ، عليه السلام ، PageV02P535 وقالا : إنما خاطب ~~الله نبيه بذلك ، فهو خاص له لا يشاركه فيه غيره ؛ لأن فى صلاة الخوف تغيير ~~هيئات لا تجوز إلا خلف النبى - صلى الله عليه وسلم - ؛ لأن كونهم خلفه عوض ~~من تغيير الهيئات ، وكانت صلاة الخوف ثابتة فى الشريعة ، ثم نسخت بدلالة ~~تأخيره عليه السلام ، الصلاة يوم الخندق عن وقتها إلى هوى من الليل ثم ~~قضاها دفعة ، ثم قال : ( ملأ الله قبورهم وبيوتهم نارا ) ، فلو جازت صلاة ~~الخوف لم يكونوا يؤخرون الصلاة عن وقتها ، وهذا قول شاذ وجماعة الفقهاء على ~~خلافه . قال الطحاوى : ومما يرد هذا القول قوله تعالى : { خذ من أموالهم ~~صدقة تطهرهم } [ التوبة : 103 ] الآية ، فكان الخطاب هاهنا له ، وقد أجمعوا ~~أن ذلك معمول به من بعده ، كما كان يعمل به فى حياته . قال ابن القصار : ~~وما ذكروه من النسخ بدلالة تأخيره يوم الخندق فهو قول من لا يعرف السنن ، ~~وذلك أن الله تعالى ، أمر نبيه بصلاة الخوف بعد الخندق ؛ لأن يوم الخندق ~~كان سنة خمس وصلاة الخوف فى غزوة ذات الرقاع فى سنة سبع ، فكيف ينسخ الآخر ~~بالأول ! وإنما ينسخ الأول بالآخر ، والصحابة أعرف بالنسخ من غيرهم وقد ~~صلوا صلاة الخوف . فأما قولهم : إن فيها تغييرا وترك الركوع والقبلة ، ~~فيقال لهم : فى هذا ما أوجبه القرآن وفعله عليه السلام ، ثم إن استدراك ~~فضيلة الوقت مع تغيير الصفات أولى ؛ ألا ترى عادم الماء أخذ عليه أن يصلى ~~فى الوقت بالتيمم ، ولم يرخص له فى تأخيرها عن وقتها حتى يجد الماء ، فسقط ~~قولهم . PageV02P536 * * * # | 36 - باب صلاة الخوف رجالا وركبانا # / 62 - فيه : نافع ، عن ابن عمر ، نحوا من قول مجاهد : إذا اختلطوا قياما ~~، وزاد ابن عمر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - : ( وإن كانوا أكثر من ذلك ~~، فليصلوا قياما وركبانا ) . أما صلاة الخوف رجالا وركبانا ، فلا تكون إلا ~~إذا اشتد الخوف واختلطوا فى القتال ، وهذه الصلاة تسمى صلاة المسايفة ، ~~فيصلى إيماء وكيف تمكن ، وممن قال ms0675 بذلك ابن عمر ذكره عنه مالك فى الموطأ ، ~~إن كان خوفا شديدا صلوا قياما على إقدامهم أو ركبانا مستقبلى القبلة أو غير ~~مستقبليها ، وهو قول مجاهد ، وطاوس ، وإبراهيم ، والحسن ، والزهرى ، وطائفة ~~من التابعين ، روى ابن جريج عن مجاهد قال : إذا اختلطوا فإنما هو الذكر ~~والإشارة بالرأس . فمذهب مجاهد أنه يجزئه الإيماء عند شدة القتال كمذهب ابن ~~عمر ، وهو مذهب مالك ، والثورى ، والشافعى . وقول البخارى : وزاد ابن عمر ~~عن النبى ، عليه السلام : ( وإن كانوا أكثر فليصلوا قياما وركبانا ) ، ~~فإنما أراد أن ابن عمر رواه عن النبى ، عليه السلام ، وليس من رأيه ، وإنما ~~هو مسند ، وكذلك قال مالك . قال نافع : ولا أرى عبد الله ذكر ذلك إلا عن ~~النبى ، عليه السلام . وقول الشافعى فى ذلك : لا بأس أن يضرب فى الصلاة ~~الضربة الخفيفة ويطعن ، وإن تابع الطعن أو الضرب أو عمل عملا يطول بطلت ~~صلاته . PageV02P537 قال الطحاوى : وذهب قوم إلى أن الراكب لا يصلى الفريضة ~~على دابته ، وإن كان فى حال لا يمكنه فيها النزول ، قال : وذهب آخرون إلى ~~أن الراكب إن كان يقاتل فلا يصلى ، وإن كان راكبا لا يمكنه النزول ولا ~~يقاتل صلى . قالوا : وقد يجوز أن يكون النبى يوم الخندق لم يصل ؛ لأن ~~القتال عمل ، والصلاة لا يكون فيها عمل ، وذكر الطحاوى هذين القولين ، ورد ~~القول الأول بأن الرسول لم يكن صلى يوم الخندق ؛ لأن صلاة الخوف لم تكن ~~نزلت حينئذ ، قال : وروى ابن وهب ، عن ابن أبى ذئب ، عن سعيد المقبرى ، عن ~~عبد الرحمن بن أبى سعيد الخدرى ، عن أبيه قال : ( صلى النبى - صلى الله ~~عليه وسلم - الظهر والعصر والمغرب يوم الخندق بعد المغرب بهوى من الليل كما ~~كان يصليها فى وقتها ، وذلك قبل أن ينزل الله عليه فى صلاة الخوف { فرجالا ~~أو ركبانا } . قال الطحاوى : فأخبر أبو سعيد أن تركهم الصلاة يومئذ ركبانا ~~، إنما كان قبل أن يباح لهم ذلك ثم أبيح لهم بهذه الآية ، فثبت بذلك أن ~~الرجل إذا كان فى الخوف لا يمكنه النزول عن ms0676 دابته أن له أن يصلى عليها ~~إيماء ، وكذلك لو أن رجلا كان على الأرض خاف أن يفترسه سبع أو يضربه رجل ~~بسيف فله أن يصلى قاعدا إن كان يخاف ذلك فى القيام ، ويومئ إيماء ، وذلك ~~كله قول أبى حنيفة ، وأبى يوسف ، ومحمد . | PageV02P538 وقال ابن المنذر : ~~وكل ما فعله المصلى فى حال شدة الخوف مما لا يقدر على غيره ، فالصلاة مجزئة ~~عنه قياسا على ما وضع عنه من القيام والركوع والسجود لعلة ما هو فيه من ~~مطاردة العدو ، وهذا أشبه بظاهر الكتاب والسنة مع موافقته للنظر . وروى على ~~بن زياد عن مالك ، فيمن خاف أن ينزل عن دابته من لصوص أو سباع ، فإنه يصلى ~~عليها الفريضة حيث توجهت به ويومئ ، وقاله أشهب . * * * # | 37 - باب يحرس بعضهم بعضا في صلاة الخوف # / 63 - فيه : ابن عباس قال : قام النبي عليه السلام وقام الناس معه ، ~~فكبر وكبروا معه ، وركع وركع ناس منهم معه ، ثم سجد وسجدوا معه ، ثم قام ~~للثانية ، فقام الذين سجدوا ، وحرسوا إخوانهم ، وأتت الطائفة الأخرى ، ~~فركعوا وسجدوا معه ، والناس كلهم في صلاة ، ولكن يحرس بعضهم بعضا . قال ~~المؤلف : حديث ابن عباس هذا إذا كان العدو فى القبلة من المسلمين ، فإنه ~~يجعل الناس صفين خلفه ، فيركع بالصف الذى يليه ويسجد معه ، والصف الثانى ~~قائمون يحرسون ، فإذا قام من سجوده إلى الركعة الثانية تقدم الصف الثانى ~~وتأخر الأولون ، فركع النبى بهم وسجد ، والصف الثانى يحرسونهم ، وهم كلهم ~~فى صلاة ، وقد روى هذا الحديث سفيان ، عن أبى بكر بن أبى الجهم ، عن عبيد ~~الله ، عن ابن عباس : ( أن الرسول صلى بهم صلاة الخوف بذى قرد ، والمشركون ~~بينه وبين القبلة ) ، وقد روى نحوه عن أبى PageV02P539 عياش الزرقى ، وجابر ~~بن عبد الله ، عن النبى ، عليه السلام ، وبه قال ابن عباس : إذا كان العدو ~~فى القبلة أن يصلى على هذه الصفة ، وهو مذهب ابن أبى ليلى ، وحكى ابن ~~القصار عن الشافعى نحوه . وقال الطحاوى : ذهب أبو يوسف إلى أن العدو إذا ~~كان فى القبلة فالصلاة هكذا ، وإن ms0677 كانوا فى غير القبلة ، فالصلاة كما روى ~~ابن عمر وغيره ، قال : وبهذا تتفق الأحاديث ، قال : وليس هذا بخلاف للتنزيل ~~؛ لأنه قد يجوز أن يكون قوله تعالى : { ولتأت طائفة أخرى لم يصلوا فليصلوا ~~معك } [ النساء : 102 ] ، إذا كان العدو فى غير القبلة ، ثم أوحى إليه بعد ~~ذلك كيف حكم الصلاة إذا كانوا فى القبلة ، ففعل الفعلين جميعا كما جاء ~~الخبران . وترك مالك ، وأبو حنيفة العمل بهذا الحديث لمخالفته لكتاب الله ~~وهو قوله : { ولتأت طائفة أخرى لم يصلوا فليصلوا معك } [ النساء : 102 ] ، ~~والقرآن يدل على ما جاءت به الروايات فى صلاة الخوف عن ابن عمر وغيره ، من ~~دخول الطائفة الثانية فى الركعة الثانية ولم يكونوا صلوا قبل ذلك . وقال ~~أشهب وسحنون : إذا كان العدو فى القبلة لا أحب أن يصلى بالجيش أجمع ؛ لأنه ~~يتعرض أن يفتنه العدو ويشغلوه ، ويصلى بطائفتين سنة صلاة الخوف . * * * # | 38 - باب الصلاة عند مناهضة الحصون ولقاء العدو # وقال الأوزاعي : إن كان تهيأ الفتح ، ولم يقدروا على الصلاة ، صلوا إيماء ~~كل امرئ لنفسه ، فإن لم يقدروا على الإيماء ، أخروا الصلاة ، حتى ينكشف ~~القتال ، أو يأمنوا ، فيصلوا ركعتين ، فإن لم يقدروا PageV02P540 صلوا ركعة ~~وسجدتين ، فإن لم يقدروا ، لا يجزئهم التكبير ، ويؤخروها ، حتى يأمنوا ، ~~وبه قال مكحول . وقال أنس بن مالك : حضرت عند مناهضة حصن تستر عند إضاءة ~~الفجر ، واشتد اشتعال القتال ، فلم يقدروا على الصلاة ، فلم نصل إلا بعد ~~ارتفاع النهار ، فصليناها ونحن مع أبي موسى ، ففتح لنا . قال أنس : ما ~~يسرني بتلك الصلاة الدنيا وما فيها . / 64 - فيه : جابر قال : ( جاء عمر ~~يوم الخندق ، فجعل يسب كفار قريش ، ويقول : يا رسول الله ما صليت العصر حتى ~~كادت الشمس أن تغيب ، فقال النبي عليه السلام : وأنا والله ما صليتها بعد ، ~~قال : فنزل إلى بطحان ، فتوضأ ، وصلى العصر ، بعد ما غابت الشمس ، ثم صلى ~~المغرب بعدها ) . وأما الصلاة عند مناهضة الحصون ولقاء العدو فهى صلاة حال ~~المسايفة والقتال التى تقدم ذكرها فى باب صلاة الخوف رجالا وركبانا ، وحديث ~~جابر فى هذا ms0678 الباب هو حجة الأوزاعى ، ومكحول أنه من لم يقدر على الإيماء ~~أخر الصلاة حتى يصليها كاملة ولا يجزئ عنهم تسبيح ولا تهليل ؛ لأن رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - قد أخرها يوم الخندق ، وإن كان ذلك قبل نزول ~~صلاة الخوف ، فإن فيه من الاستدلال أن الله تعالى ، لم يعب تأخيره لها لما ~~كان فيه من شغل الحرب ، فكذلك الحال التى هى أشد من ذلك ، إلا أنه استدلال ~~ضعيف من أجل أن سنة صلاة الخوف لم تكن نزلت قبل ذلك . PageV02P541 فأما قول ~~الأوزاعى : فإن لم يقدروا صلوا ركع وسجدتين ، فقد روى مثله عن الحسن البصرى ~~وقتادة ، وهو قول مكحول ، ويحتمل أن يقولوا ذلك من حديث أبى عوانة ، عن ~~بكير بن الأخنس ، عن مجاهد ، عن ابن عباس قال : ( صلاة الخوف ركعة ) . قال ~~الطحاوى : وهذا الحديث يعارضه القرآن ، وذلك أن الله ، تعالى ، قال فى ~~كتابه : { وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة } إلى { فليصلوا معك } [ النساء ~~: 102 ] ، ففرض الله صلاة الخوف ونص فرضها فى كتابه هكذا ، وجعل صلاة ~~الطائفة الأخرى بعد تمام الركعة الأولى مع الإمام ، فثبت بهذا أن الإمام ~~يصليها فى حال الخوف ركعتين بخلاف هذا الحديث ، وقد روى عبيد الله عن ابن ~~عباس خلاف ما روى عنه مجاهد ، وهذا الحديث الذى فى الباب قبل هذا ، وأما ~~التكبير فقد روى عن مجاهد أنه قال : صلاة المسايفة بتكبيرة واحدة . وعن ~~سعيد بن جبير ، وأبى عبد الرحمن قال : الصلاة عند المسايفة تهليل وتسبيح ~~وتحميد وتكبير ، ذكره الفزارى فى السير ، وذكر ابن المنذر عن إسحاق : تجزئك ~~ركعة تومئ بها ، فإن لم تقدر فسجدة واحدة ، فإن لم تقدر فتكبيرة واحدة ؛ ~~لأنه ذكر لله . وقال الحسن بن حى : يكبر مكان كل ركعة تكبيرة . وأما أئمة ~~الفتوى بالأمصار فلا يجزئ عندهم التكبير من الركوع والسجود ؛ لأن التكبير ~~لا يسمى بركوع ولا سجود ، وإنما يجزئ الإتيان بأيسرهما ، وأقل الأفعال ~~الثابتة عنهما الإشارة والإيماء الدال على الخضوع لله فيهما . PageV02P542 ~~قال الأصيلى : ومعنى قول أنس : ( فلم يقدروا على الصلاة ) ، فإنهم لم يجدوا ms0679 ~~السبيل إلى الوضوء من شدة القتال ، فأخروا الصلاة إلى وجود الماء ، ويحتمل ~~أن يكون تأخير النبى ، عليه السلام ، الصلاة يوم الخندق حتى غربت الشمس ؛ ~~لأنه لم يجد السبيل إلى الوضوء ، والله أعلم . * * * # | 39 - باب صلاة الطالب والمطلوب راكبا وإيماء # قال الوليد : ذكرت للأوزاعي صلاة شرحبيل بن السمط وأصحابه على ظهر الدابة ~~، فقال : كذلك الأمر عندنا إذا تخوفنا الفوت . واحتج الوليد بقوله عليه ~~السلام : لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة . / 65 - فيه : ابن عمر ، ~~قال النبي - صلى الله عليه وسلم - لنا لما رجع من الأحزاب : ( لا يصلين أحد ~~العصر إلا في بني قريظة ) ، فأدرك بعضهم العصر في الطريق ، فقال بعضهم : لا ~~نصلي حتى نأتيها ، وقال بعضهم : بل نصلي ، لم يرد منا ذلك ، فذكر ذلك للنبي ~~- صلى الله عليه وسلم - فلم يعنف واحدا منهم ) . اختلف العلماء فى صلاة ~~الطالب على ظهر الدابة بعد اتفاقهم على جواز صلاة المطلوب راكبا ، فذهبت ~~طائفة إلى أن الطالب لا يصلى على دابته وينزل ويصلى بالأرض ، هذا قول عطاء ~~، والحسن ، وإليه ذهب الثورى ، والشافعى ، وأحمد ، وأبو ثور . وقال الشافعى ~~: إلا فى حالة واحدة ، وذلك أن يقطع الطالبون أصحابهم فيخافون عودة ~~المطلوبين إليهم ، فإذا كان هذا هكذا كان لهم الإيماء ركبانا . PageV02P543 ~~وذكر ابن حبيب عن ابن عبد الحكم قال : صلاة الطالب بالأرض أولى من الصلاة ~~على الدواب . وفيها قول ثان قال ابن حبيب : هو فى سعة ، وإن كان طالبا لا ~~ينزل ويصلى إيماء ؛ لأنه مع عدوه لم يصل إلى حقيقة أمن ، وقاله مالك وهو ~~مذهب الأوزاعى ، وشرحبيل . وذكر الفزارى عن الأوزاعى قال : إذا خاف ~~الطالبون إن نزلوا بالأرض فوت العدو صلوا حيث وجهوا على كل حال ؛ لأن ~~الحديث جاء أن النصر لا يرفع ما دام الطلب . قال المؤلف : وطلبت قصة شرحبيل ~~بن السمط بتمامها لأتبين هل كانوا طالبين أم لا ، فذكر الفزارى فى السير عن ~~ابن عون ، عن رجاء بن حيوة ، عن ثابت بن السمط ، أو السمط بن ثابت ، قال : ~~كانوا فى سفر فى خوف فصلوا ms0680 ركبانا ، فالتفت فرأى الأشتر قد نزل للصلاة ، ~~فقال : خالف خولف به ، فخرج الأشتر فى الفتنة . فبان بهذا الخبر أنهم كانوا ~~طالبين حين صلوا ركبانا ؛ لأن الإجماع حاصل على أن المطلوب لا يصلى إلا ~~راكبا ، وإنما اختلفوا فى الطالب . وأما استدلال الوليد بقصة بنى قريظة على ~~صلاة الطالب راكبا ، فلو وجد فى بعض طرق الحديث أن الذين صلوا فى الطريق ~~صلوا PageV02P544 ركبانا لكان بينا فى الاستدلال ، ولم يحتج إلى غيره ، ~~ولما لم يوجد ذلك احتمل أن يكون لما أمرهم النبى - صلى الله عليه وسلم - ~~بتأخير العصر إلى بنى قريظة ، وقد علم بالوحى أنهم لا يأتونها إلا بعد مغيب ~~الشمس ، ووقت العصر فرض ، فاستدل أنه كما ساغ للذين صلوا ببنى قريظة ترك ~~الوقت وهو فرض ولم يعنفهم النبى ، عليه السلام ، فكذلك سوغ للطالب أن يصلى ~~فى الوقت راكبا بالإيماء ، ويكون تركه للركوع والسجود المفترض كترك الذين ~~صلوا ببنى قريظة الوقت الذى هو فرض ، وكان ذلك قبل نزول صلاة الخوف ، قاله ~~المهلب . قال : وقوله عليه السلام : ( لا يصلين أحد العصر إلا فى بنى قريظة ~~) ، فإنه أراد إزعاج الناس إليها لما كان أخبره جبريل أنه لم يضع السلاح ~~بعد وأمره ببنى قريظة . * * * # | 40 - باب التبكير والغلس بالصبح والصلاة عند الإغارة والحرب # / 66 - فيه : أنس ( أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلى الصبح بغلس ~~، ثم ركب ، فقال : الله أكبر ، خربت خيبر . . . . . ) الحديث . السنة فى ~~صلاة الصبح : التغليس فى السفر كما فى الحضر . قال المهلب : وكانت عادته ~~عليه السلام ، التغليس بالصبح ولم يؤخرها عن ذلك إلا اليوم الذى علم ~~الأعرابى الذى سأله عن وقت الصلاة . وفيه : أن التكبير عند الإشراف على ~~المدن والقرى سنة ، وكذلك عند رؤية الهلال وولادة الغلام ؛ لأنه إعلام بما ~~ظهر . PageV02P545 وتفاءل عليه السلام ، لخبير بالخراب ، من اسمها ، على ~~أهلها فكان كذلك ، وكذلك كان يتفاءل بالأسماء التى يكون له فيها المحبوب ، ~~وكان يكره الطيرة ولم يكن هذا طيرة بالخراب ؛ لأن الخراب لخيبر من سعادة ~~النبى ، عليه السلام ، وأصحابه ، فهو من الفأل الحسن ms0681 . PageV02P546 * * * # | 12 - كتاب صلاة العيدين والتجمل فيهما # / 1 - فيه : ابن عمر : وجد عمر جبة من إستبرق تباع في السوق ، فقال : يا ~~رسول الله ، ابتع هذه تجمل بها للعيد والوفود ، فقال له رسول الله : ( إنما ~~هذه لباس من لا خلاق له . . . ) ، الحديث . التجمل فى العيدين بحسن الثياب ~~سنة مندوب إليها كل من يقدر عليها . قال المهلب : وكذلك التجمل فى الجماعات ~~والوفود بحسن الثياب مما جرى به العمل ، وترك عليه السلام ، لباس الجبة ~~زهدا فى الدنيا ، وأراد أن يؤخر طيبات الدنيا للآخرة التى لا انقضاء لها ، ~~ورأى أن تعجيل طيباته فى الدنيا المنقطعة وبيع الدائم بها ليس من الحزم ، ~~فزهد فى الدنيا للآخرة وأمر بذلك ، ونهى عن كل سرف وحرمه . * * * # | 1 - باب الحراب والدرق يوم العيد # / 2 - فيه : عائشة قالت : دخل علي النبى ، عليه السلام ، وعندي جاريتان ~~تغنيان بغناء بعاث ، فاضطجع على الفراش ، وحول وجهه ، ودخل أبو بكر ، ~~فانتهرني ، وقال : مزمارة الشيطان عند النبي عليه السلام ! ، فأقبل عليه ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فقال : ( دعهما ) ، فلما غفل ، غمزتهما ~~، فخرجتا ، وكان يوم عيد يلعب السودان بالدرق والحراب ، فإما سألت ~~PageV02P547 رسول الله ، وإما قال : ( تشتهين تنظرين ؟ ) ، فقلت : نعم ، ~~فأقامني وراءه ، خدي على خده ، وهو يقول : ( دونكم يا بني أرفدة ) حتى إذا ~~مللت ، قال : ( حسبك ) ، قلت : نعم ، قال : ( فاذهبي ) . حمل السلاح ~~والحراب يوم العيد لا مدخل له عند العلماء فى سنة العيد ، ولا فى هيئة ~~الخروج إليه ، ولا استحبه أحد من العلماء ، ولا ندب إليه ، ويمكن أن يكون ~~عليه السلام محاربا خائفا من بعض أعدائه ، فرأى الاستعداد والتأهب بالسلاح ~~، وإذا كان كذلك فهو جائز عند العلماء ، ولعب الحبشة ليس فيه أن الرسول خرج ~~بها فى العيد ، ولا أمر أصحابه بالتأهب بها ، ولم تكن الحبشة للنبى ، عليه ~~السلام ، حشدا ولا أنصارا ، وإنما هم قوم يلعبون . وفائدة هذا الحديث : ~~إباحة النظر إلى اللهو إذا كان فيه تدريب الجوارح على تقليب السلاح لتخف ~~الأيدى بها فى الحرب . وفيه : ما كان النبى ، عليه السلام ، عليه من الخلق ~~الحسن وما ms0682 ينبغى للمرء أن يمتثله مع أهله من إيثاره مسارهم فيما لا حرج ~~عليهم فيه . * * * # | 2 - باب سنة العيدين لأهل الإسلام # / 3 - فيه : البراء : سمعت النبي عليه السلام ، يخطب ، فقال : ( إن أول ~~ما نبدأ فى يومنا هذا أن نصلي ، ثم نرجع ، فننحر ، فمن فعل ، فقد أصاب ~~سنتنا ) . / 4 - وفيه عائشة : أن النبى ، عليه السلام ، دخل عليها ، وعندها ~~جاريتان PageV02P548 من جواري الأنصار تغنيان ، مما تقاولت به الأنصار يوم ~~بعاث ، قالت : وليستا بمغنيتين ، فقال أبو بكر : أمزامير الشيطان في بيت ~~رسول الله ! وذلك في يوم عيد ، فقال : ( يا أبا بكر إن لكل قوم عيدا ، وهذا ~~عيدنا ) . سنة العيدين : الصلاة ، قال مالك : وصلاة العيدين سنة لأهل ~~الآفاق لا تترك ، وروى ابن القاسم عنه فى القرية فيها عشرون رجلا : أرى أن ~~يصلوا العيدين ، وروى عنه ابن نافع ليس ذلك إلا على من تجب عليه الجمعة ، ~~وهو قول الليث وأكثر أهل العلم ، وقال ربيعة : كانوا يرون الفرسخ وهو ثلاثة ~~أميال ، وقال الأوزاعى : من آواه الليل إلى أهله فعليه الجمعة والعيد ، ~~وقال ابن القاسم ، وأشهب : إن شاء من لا تجب عليهم الجمعة أن يصلوها بإمام ~~فعلوا ، ولكن لا خطبة عليهم ، وإن خطب فحسن . وقوله : ( أول ما نبدأ به ~~الصلاة ) ، يدل أن الخطبة بعدها ، وقد جاء هذا منصوصا بعد هذا . وفيه : أن ~~النحر لا يكون إلا بعد الصلاة . قال المهلب : وفيه دليل أن العيد موضوع ~~للراحات وبسط النفوس إلى ما يحل من الدنيا والأخذ بطيبات الرزق وما أحل ~~الله من اللعب والأكل والشراب والجماع ؛ ألا ترى أنه أباح الغناء من أجل ~~عذر العيد قال : ( دعهما يا أبا بكر ، فإنها أيام عيد ) ، وكان أهل المدينة ~~على سيرة من أمر الغناء واللهو ، وكان النبى ، عليه السلام ، وأبو بكر على ~~خلاف ذلك ؛ ولذلك أنكر أبو بكر المغنيتين فى بيت PageV02P549 عائشة ؛ لأنه ~~لم يرهما قبل ذلك بحضرة النبى ، عليه السلام ، فرخص فى ذلك للعيد وفى ولائم ~~إعلان النكاح . وقوله : ( تغنيان بما تقاولت به الأنصار يوم بعاث ) ، تريد ~~ترفعان أصواتهما بالإنشاد ، وكل من ms0683 رفع صوته بشىء ووالى به مرة بعد مرة ، ~~فصوته عند العرب غناء ، وأكثره فيما شاق من صوت ، أو شجا من نغمة ولحن ، ~~ولهذا قالوا : غنت الحمامة ، ويغنى الطائر ، هذا قول الخطابى . وإنما كانتا ~~تنشدان المراثى التى تحزن وتبعث النفوس على الاتنقام من العدو ، وهى مراثى ~~من أصيب يوم بعاث ، فأباح النبى - صلى الله عليه وسلم - هذا النوع من ~~الغناء . وقولها : ( وليستا بمغنيتين ) ، تعنى الغناء الذى فيه ذكر الخنا ~~والتعريض بالفواحش وما يسميه المجان وأهل المعاصى غناء مما يكثر التنغيم ~~فيه . قال المهلب : وهذا الذى أنكره أبو بكر كثرة التنغيم وإخراج الإنشاد ~~عن وجهه إلى معنى التطريب بالألحان ؛ ألا ترى أنه لم ينكر الإنشاد وإنما ~~أنكر مشابهة الزمير ، فما كان من الغناء الذى يجرى هذا المجرى من اختلاف ~~النغمات وطلب الإطراب فهو الذى تخشى فتنته واستهواؤه للنفوس ، وقطع الذريعة ~~فيه أحسن ، وما كان دون ذلك من الإنشاد ورفع الصوت حتى لا يخفى معنى البيت ~~، وما أراده الشاعر بشعره فغير منهى عنه ، وقد روى عن عمر بن الخطاب أنه ~~رخص فى غناء الأعراب ، وهو صوت كالحداء يسمى النصب إلا أنه رقيق . وروى ~~النضر بن شميل ، عن محمد بن عمرو ، عن يحيى بن PageV02P550 عبد الرحمن ، عن ~~أبيه ، قال : خرجنا مع عمر فى الحج حتى إذا كنا بالروحاء كلم القوم رباح بن ~~المعترف ، وكان حسن الصوت بغناء الأعراب ، فقالوا : أسمعنا وقصر عنا المسير ~~فقال : إنى أفرق عمر ، فقام أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى ~~عمر فكلموه ، فقال : يا رباح ، أسمعهم وقصر عنهم المسير ، فإذا سحرت فارفع ~~قال : فرفع عقيرته وتغنى ) . فهذا وما أشبهه مما يدعى غناء لم ير به بأس ، ~~ولم ير فيه إثم ؛ لأنه حداء يحث المطى ويقصر المسير ويخفف السفر ، وتأتى ~~زيادة فى هذا الباب فى باب كل لهو باطل إذا شغل عن طاعة الله فى آخر كتاب ~~الاستئذان ، ويأتى فى فضائل القرآن عند قوله : ( ليس منا من لم يتغن ~~بالقرآن ) ، من أجاز سماع القرآن بالألحان ومن كرهه . * * * # | 3 - باب ms0684 الأكل يوم الفطر قبل الخروج # / 5 - فيه : أنس قال : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا يغدو يوم ~~الفطر حتى يأكل تمرات ، ويأكلهن وترا . الأكل عند الغدو إلى المصلى سنة ~~مستحبة عند العلماء تأسيا بالنبى ، عليه السلام ، وروى عن على ، وابن عباس ~~أنهما قالا : من السنة ألا تخرج يوم الفطر حتى تطعم ، وهو قول عامة العلماء ~~، وكان PageV02P551 بعض التابعين يأمرهم بالأكل فى الطريق ، وروى عن ابن ~~مسعود أنه قال : إن شاء أكل وإن شاء لم يأكل ، وعن النخعى مثله ، وقد روى ~~عن ابن عمر الرخصة فى ترك الأكل ، وذكر ابن أبى شيبة عن عبد الله ، عن نافع ~~، عن ابن عمر : أنه كان يخرج يوم العيد إلى المصلى ولا يطعم شيئا ، قال ابن ~~المنذر : والذى عليه الأكثر استحباب الأكل . قال المهلب : إنما كان يؤكل ~~يوم الفطر قبل الغدو إلى المصلى ، والله أعلم لئلا يظن ظان أن الصيام يلزم ~~يوم الفطر إلى أن تصلى صلاة العيد ، فخشى الذريعة إلى الزيادة فى حدود الله ~~، فاستبرأ ذلك بالأكل ، والدليل على ذلك أنه لم يكن يأمر بالأكل قبل الغدو ~~إلى المصلى فى الأضحى . ويجعلن وترا استشعارا للوحدانية ، وكذلك كان يفعل ~~فى جميع أموره . * * * # | 4 - باب الأكل يوم النحر # / 6 - فيه : أنس قال عليه السلام : ( من ذبح قبل الصلاة ، فليعد ) ، فقام ~~رجل ، فقال : هذا يوم يشتهى فيه اللحم ، وذكر من جيرانه ، فكأن النبي عليه ~~السلام صدقه ، فقال : وعندي جذعة أحب إلي من شاتي لحم ، فرخص له عليه ~~السلام . / 7 - وفيه : البراء : خطب النبي عليه السلام ، يوم الأضحى بعد ~~الصلاة ، فقال : ( من صلى صلاتنا ، ونسك نسكنا ، فقد أصاب النسك ، ومن نسك ~~قبل الصلاة ، فلا نسك له ) ، فقال أبو بردة بن نيار - خال البراء - : يا ~~رسول الله ، إني نسكت شاتي قبل الصلاة ، وعرفت أن اليوم يوم أكل وشرب ، ~~وأحببت أن تكون شاتي أول ما تذبح في بيتي ، وتغديت ، PageV02P552 قبل أن ~~آتي الصلاة ، قال : ( شاتك شاة لحم ؟ ) ، فقال : يا رسول الله ، فإن عندنا ~~عناقا لنا جذعة ، هي أحب ms0685 إلي من شاتين ، فتجزئ عني ؟ قال : ( نعم ، ولن ~~تجزئ عن أحد بعدك ) . وأما يوم النحر فهو يوم أكل كما قال أبو بردة ، إلا ~~أنه لا يستحب فيه الأكل قبل الغدو إلى الصلاة ، ولا ينهى عنه ؛ ألا ترى أن ~~النبى ، عليه السلام ، فى حديث البراء لم يحسن أكله ولا عنفه عليه ، وإنما ~~أجابه عما به الحاجة إليه من سنة الذبح وعذره فى الذبح لما قصده من إطعام ~~جيرانه لحاجتهم ، فلم ير عليه السلام ، أن يخيب فعلته الكريمة ، وأجاز له ~~أن يضحى بالجذعة وهى لا تجزئ فى الضحايا عن أحد غيره . فبين الفطر والأضحى ~~فى الأكل قبل الصلاة فرقان : الواحد ليفصل بين الصيام وبين الصلاة بالأكل ، ~~والثانى فى الأضحى مباح ، إن فعل فحسن وإن لم يفعل فحسن ؛ لأنه ليس قبله ~~صيام يحتاج إلى فصله . والعناق : الأنثى من المعز ، عن الخليل . * * * # | 5 - باب الخروج إلى المصلى بغير منبر # / 8 - فيه : أبو سعيد قال : ( كان النبى ، عليه السلام ، يخرج يوم الفطر ~~والأضحى إلى المصلى ، فأول شيء يبدأ به الصلاة ، ثم ينصرف ، فيقوم مقابل ~~الناس ، والناس جلوس على صفوفهم ، فيعظهم ، ويوصيهم ، ويأمرهم ، فإن كان ~~يريد أن يقطع ، بعثا قطعه ، أو يأمر بشيء أمر به ، ثم ينصرف ) ، فقال أبو ~~سعيد : فلم يزل الناس على ذلك ، حتى خرجت مع PageV02P553 مروان ، وهو أمير ~~المدينة ، في أضحى أو فطر ، فلما أتينا المصلى إذا منبر بناه كثير بن الصلت ~~، فإذا مروان يريد أن يرتقيه قبل أن يصلي ، فجبذت بثوبه ، فجبذني ، وارتفع ~~، يخطب قبل الصلاة ، قلت له : غيرتم والله ، قال : أبا سعيد ، قد ذهب ما ~~تعلم ، فقلت : ما أعلم والله خير مما لا أعلم ، فقال : إن الناس لم يكونوا ~~يجلسون لنا بعد الصلاة ، فجعلتها قبل الصلاة . قال المؤلف : قال أشهب فى ~~المجموعة : خروج المنبر إلى العيدين واسع إن شاء أخرج وإن شاء ترك . وقال ~~ابن حبيب : قال مالك : لا يخرج المنبر فى العيدين من شأنه أن يخطب إلى ~~جانبه ، فإنما يخطب عليه الخلفاء . قال المهلب : وبنيان كثير للمنبر يدل ~~على أنه ms0686 لم يكن قبل ذلك . وفيه : أن الصلاة قبل الخطبة ، وأن الخلفاء ~~الراشدين كانوا على ذلك . وفيه : مواجهة الخطيب للناس وأنهم بين يديه . ~~وفيه : البروز إلى المصلى والخروج إليها ، وأنه من سنتها وأنه لا يصلى فى ~~المسجد إلا من ضرورة ، روى ابن زياد عن مالك قال : السنة الخروج إليها إلى ~~المصلى إلا لأهل مكة ، فالسنة صلاتهم إياها فى المسجد . وقوله : ( غيرتم ~~والله ) ، فقد روى عن عثمان بن عفان أنه فعل ذلك فليس بتغيير . وقد اختلف ~~الناس فى أول من قدم الخطبة فى العيدين ، فروى ابن نافع عن مالك قال : أول ~~من فعل ذلك عثمان بن عفان ، وإنما صنع ذلك ليدرك الناس الصلاة ، وروى ابن ~~عيينة ، عن يحيى بن سعيد ، عن يوسف بن عبد الله بن سلام ، قال : أول من بدأ ~~PageV02P554 بالخطبة قبل الصلاة عثمان ، وروى ابن جريج عن ابن شهاب قال : ~~أول من قدم الخطبة قبل الصلاة معاوية ، وروى سفيان ، عن قيس بن مسلم ، عن ~~طارق بن شهاب قال : أول من بدأ بالخطبة قبل الصلاة يوم العيدين مروان . ~~وذكر مالك وغيره أن عثمان إنما فعل ذلك ليدرك الناس الصلاة ؛ لأنهم كانوا ~~يأتون بعد الصلاة . قال المهلب : وفى هذا من الفقه أنه يحدث للناس أمورا ~~بقدر الاجتهاد إذا كان صلاحا لهم ، والأصل فى ذلك أن النبى ، عليه السلام ، ~~خطب قبل الجمعة ، فترك عثمان وغيره الصلاة حتى خطبوا لعلة أوجبت ذلك من ~~افتراق الناس ؛ لسنته عليه السلام فى تقديمه الخطبة فى الجمعة ، فليس ~~بتغيير ، وإنما ترك فعل بفعل ، ولم يترك لغير فعل الرسول ، وإنما كانت ~~الخطبة فى الجمعة قبل الصلاة لقوله تعالى : { فإذا قضيت الصلاة فانتشروا فى ~~الأرض } [ الجمعة : 10 ] ، فعلم الرسول من هذه الآية أن ليس بعد صلاة ~~الجمعة جلوس لخطبة ولا لغيرها . * * * # | 6 - باب المشي والركوب إلى العيد والصلاة قبل الخطبة بغير أذان ولا ~~إقامة # / 9 - فيه : ابن عمر ( أن النبى ، عليه السلام ، كان يصلي في الأضحى ~~والفطر ، ثم يخطب بعد الصلاة ) . PageV02P555 / 10 - وفيه : جابر : ( إن ~~النبي عليه السلام ، خرج يوم ms0687 الفطر ، فبدأ بالصلاة قبل الخطبة ) . / 11 - ~~وأرسل ابن عباس إلى ابن الزبير في أول ما بويع له إنه لم يكن يؤذن للصلاة ~~يوم الفطر ، إنما الخطبة بعد الصلاة . / 12 - وقال جابر وابن عباس : لم يكن ~~يؤذن يوم الفطر ، ولا يوم الأضحى . وسنة الخروج إلى العيدين عند العلماء ~~المشى ؛ لأنه من التواضع ، والركوب مباح وليس فى أحاديث هذا الباب ما يدل ~~على الركوب ، وروى زر عن عمر بن الخطاب ، أنه خرج يوم فطر يمشى ، وعن على ~~بن أبى طالب أنه قال : من السنة أن يأتى العيد ماشيا ، واستحب ذلك مالك ، ~~والثورى ، والشافعى ، وأحمد ، وجماعة . وقال مالك : إنما نحن نمشى ومكاننا ~~قريب ، ومن بعد عليه فلا بأس أن يركب ، وكان الحسن يأتى العيد راكبا ، وكره ~~النخعى الركوب فى العيدين والجمعة . وأما الصلاة قبل الخطبة ، فهو إجماع من ~~العلماء قديما وحديثا إلا ما كان من بنى أمية من تقديم الخطبة وقد تقدم ذلك ~~، وروى عن ابن الزبير مثله . وفيه : أن سنة صلاة العيدين ألا يؤذن لها ولا ~~يقام ، وهو قول جماعة الفقهاء ، وقال الشعبى ، والحكم ، وابن سيرين : ~~الأذان يوم الأضحى ويوم الفطر بدعة . وقال سعيد بن المسيب : أول من أحدث ~~الأذان فى العيد معاوية ، وقال حصين : أول من أذن فى العيد زياد ، وقال ~~عطاء : سأل ابن PageV02P556 الزبير ابن عباس ، وكان الذى بينهما حسن ، فقال ~~: لا تؤذن ولا تقم ، فلما ساء ما بينهما أذن وأقام . * * * # | 7 - باب الخطبة بعد العيد # / 13 - فيه : ابن عباس : ( شهدت العيد مع النبى ، عليه السلام ، وأبي بكر ~~وعمر وعثمان ، فكلهم كانوا يصلون قبل الخطبة ) . / 14 - وفيه : ابن عمر قال ~~: ( كان عليه السلام ، وأبو بكر ، وعمر ، يصلون العيدين قبل الخطبة ) . / ~~15 - عن ابن عباس : ( أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى يوم الفطر ~~ركعتين ، لم يصل قبلها ولا بعدها ، ثم أتى النساء ، ومعه بلال ، فأمرهن ~~بالصدقة ، فجعلن يلقين ، تلقي المرأة خرصها وسخابها ) . / 16 - وفيه : ~~البراء أن النبي عليه السلام ، قال : ( أول ما نبدأ به في يومنا هذا أن ~~نصلي ، ونرجع ms0688 فننحر . . . ) الحديث . قد تقدم أن الصلاة قبل الخطبة هو ~~إجماع من العلماء ، وذكرنا من قدم الخطبة قبل الصلاة من السلف . وقال أشهب ~~فى ( المجموعة ) : من بدأ بالخطبة قبل الصلاة أعادها بعد الصلاة ، فإن لم ~~يفعل أجزأه وقد أساء ، قال مالك : والسنة تقديم الصلاة قبل الخطبة ، وبذلك ~~عمل رسول الله وأبى بكر ، وعمر ، وعثمان صدرا من ولايته . PageV02P557 وقد ~~غلط النسائى فى حديث البراء ، وترجم له باب الخطبة قبل الصلاة ، واستدل على ~~ذلك من قوله عليه السلام : ( أول ما نبدأ به فى يومنا هذا أن نصلى ثم ننحر ~~) ، وتأول أن قوله هذا كان قبل الصلاة ؛ لأنه كيف يقول أول ما نبدأ به أن ~~نصلى وهو قد صلى ، وهذا غلط ؛ لأن العرب قد تضع الفعل المستقبل مكان الماضى ~~؛ فكأنه قال عليه السلام : أول ما يكون الابتداء به فى هذا اليوم الصلاة ~~التى قدمنا فعلها وبدأنا بها ، وهو قوله تعالى : { وما نقموا منهم إلا أن ~~يؤمنوا بالله } [ البروج : 8 ] ، والمعنى : وما نقموا منهم إلا الإيمان ~~المتقدم منهم ، وقد بين ذلك فى باب استقبال الإمام الناس فى خطبة العيد ~~فقال : ( إن أول نسكنا فى يومنا هذا أن نبدأ بالصلاة ) . والسخاب : قلادة ~~من قرنفل وسك ليس فيها جوهر ، قال ابن دريد : والجمع سخب . * * * # | 8 - باب ما يكره من حمل السلاح في العيد والحرم # وقال الحسن : نهوا أن يحملوا السلاح يوم العيد ، إلا أن يخافوا عدوا . / ~~17 - فيه : سعيد بن جبير أنه قال : ( كنت مع ابن عمر حين أصابه سنان الرمح ~~في أخمص قدمه ، فلزقت قدمه بالركاب ، فنزلت ، فنزعتها ، وذلك بمنى ، فبلغ ~~الحجاج ، فجاء يعوده ، فقال الحجاج : لو نعلم من أصابك ؟ فقال ابن عمر : ~~أنت أصبتني ، قال : وكيف ؟ ! قال : حملت السلاح في يوم لم يكن يحمل فيه ، ~~وأدخلت السلاح فى الحرم ، ولم يكن السلاح يدخل الحرم ) . / 18 - ~~PageV02P558 وقال مرة : ( حملت السلاح في يوم لا يحل حمله فيه ) . قول ابن ~~عمر : ( حملت السلاح فى يوم لم يكن يحمل فيه ) ، يدل أن حملها ليس من شأن ~~العيد ، وحملها فى ms0689 المشاهد التى لا يحتاج إلى الحمل فيها مكروه ؛ لما يخشى ~~فيها من الأذى والعقر عند تزاحم الناس ، وقد قال عليه السلام للذى رآه يحمل ~~نبلا فى المسجد : ( أمسك بنصالها لا تعقرن بها مسلما ) . فإن خافوا عدوا ~~فمباح حملها كما قال الحسن . قال المهلب : وقد أباح الله حمل السلاح فى ~~الصلاة عند الخوف ، فقال تعالى : { خذوا حذركم وأسلحتكم } [ النساء : 71 ] ~~. وقوله : أمرت بحمل السلاح فى الحرم ولم يكن يدخل فيه ، إنما ذلك للأمن ~~الذى جعله الله لجماعة المسلمين فيه لقوله تعالى : { ومن دخله كان آمنا } [ ~~آل عمران : 97 ] . وقول ابن عمر : ( أنت أصبتنى ) ، دليل على قطع الذرائع ؛ ~~لأنه لامه على ما أداه إلى أذاه ، وإن كان لم يقصد الحجاج ذلك . | ~~PageV02P559 * * * # | 9 - باب التبكير للعيد # وقال عبدالله بن بسر : إن كنا فرغنا في هذه الساعة وذلك حين التسبيح . / ~~19 - فيه : البراء : خطبنا النبي عليه السلام ، يوم النحر فقال : ( إن أول ~~ما نبدأ به في يومنا هذا أن نصلي ، ثم نرجع فننحر ، فمن فعل ذلك فقد أصاب ~~سنتنا ، ومن ذبح قبل أن يصلي ، فإنما هو لحم عجله لأهله ، ليس من النسك في ~~شيء ) . أجمع الفقهاء أن العيد لا يصلى قبل طلوع الشمس ، ولا عند طلوعها ، ~~فإذا ارتفعت الشمس وابيضت وجازت صلاة النافلة ، فهو وقت العيد ؛ ألا ترى ~~قول عبد الله بن بسر : وذلك حين التسبيح ، أى : حين الصلاة ، فدل أن صلاة ~~العيد سبحة ذلك اليوم فلا تؤخر عن وقتها لقوله عليه السلام : ( أول ما نبدأ ~~به فى يومنا هذا الصلاة ) ، ودل ذلك على التبكير بصلاة العيد كما ترجم به ~~البخارى ، إلا أن مالكا قال : وقت صلاة العيد ممتد إلى الزوال . واختلفوا ~~فى وقت الغدو إلى العيد ، فكان عبد الله بن عمر يصلى الصبح ثم يغدو كما هو ~~إلى المصلى ، وفعله سعيد بن المسيب ، وقال إبراهيم : كانوا يصلون الفجر ~~وعليهم ثيابهم يوم العيد ، وعن أبى مجلز مثله . وفيها قول آخر روى عن رافع ~~بن خديج أنه كان يجلس فى المسجد مع بنيه ، فإذا طلعت ms0690 الشمس صلى ركعتين ، ثم ~~يذهبون إلى PageV02P560 الفطر والأضحى ، وكان عروة لا يأتى العيد حتى تستقل ~~الشمس ، وهو قول عطاء والشعبى . وفى ( المدونة ) عن مالك : يغدو من داره أو ~~من المسجد إذا طلعت الشمس . وقال على بن زياد عنه : ومن غدا إليها قبل طلوع ~~الشمس ، فلا بأس ولكن لا يكبر حتى تطلع الشمس ولا ينبغى للإمام أن يأتى ~~المصلى حتى تحين الصلاة . وقال الشافعى : يرى فى المصلى حين تبرز الشمس فى ~~الأضحى ، ويؤخر الغدو فى الفطر عن ذلك قليلا ، وحديث البراء دليل للقول ~~الأول . وقيل قوله : ( أول ما نبدأ به فى يومنا هذا أن نصلى ) ، يدل أنه لا ~~يجب أن يشتغل بشىء غير التأهب للعيد والخروج إليه ، وأن لا يفعل قبل صلاة ~~العيد شىء غيرها . * * * # | 10 - باب فضل العمل في أيام التشريق # وقال ابن عباس : { ويذكروا اسم الله في أيام معلومات } [ الحج : 28 ] ~~أيام العشر ، والأيام المعدودات : أيام التشريق ، وكان ابن عمر ، وأبو ~~هريرة يخرجان إلى السوق في أيام العشر يكبران ويكبر الناس بتكبيرهما ، وكبر ~~محمد بن علي خلف النافلة . / 20 - فيه : ابن عباس قال عليه السلام : ( ما ~~العمل في أيام أفضل منها في هذه ) ، قالوا : ولا الجهاد فى سبيل الله ؟ ، ~~قال : ( ولا الجهاد ، إلا رجل خرج يخاطر بنفسه وماله ، فلم يرجع بشيء ) . ~~وقال المهلب : العمل فى أيام التشريق هو التكبير المسنون ، وهو أفضل من ~~صلاة النافلة ؛ لأنه لو كان هذا الكلام حضا على الصلاة والصيام فى هذه ~~الأيام لعارض قوله عليه السلام : ( أيام أكل وشرب ) ، PageV02P561 وقد نهى ~~عن صيام هذه الأيام ، وهذا يدل على تفريغ هذه الأيام للأكل والشرب اللذة ، ~~فلم يبق تعارض إذا عنى بالعمل التكبير . وقوله : ( يخاطر بنفسه ) ، يعنى ~~يكافح العدو بنفسه وسلاحه وجواده ، فيسلم من القتل أو لا يسلم منه ، فهذه ~~المخاطرة ، وهذا العمل أفضل فى هذه الأيام وغيرها مع أن هذا العمل لا يمتنع ~~صاحبه من إتيان التكبير والإعلان به . قوله : ( فلم يرجع بشىء ) ، يحتمل أن ~~لا يرجع بشىء من ماله ويرجع هو ، ويحتمل أن لا ms0691 يرجع هو ولا ماله فيرزقه ~~الله الشهادة ، وقد وعد الله عليها الجنة . وقد اختلف العلماء فى الأيام ~~المعلومات فقال بقول ابن عباس : أنها أيام العشر : النخعى ، وبه قال ~~الشافعى وقال : وفيها يوم النحر ، وروى عن على ، وابن عمر أن المعلومات يوم ~~النحر ويومان بعده ، وبه قال مالك ، قال الطحاوى وإليه أذهب لقوله تعالى : ~~{ ويذكروا اسم الله فى أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام } [ ~~الحج : 28 ] ، وهى أيام النحر . قال المهلب : إنما سميت معلومات ؛ لأنها ~~عند الناس كلهم معلومة للذبح فيتوخى المساكين القصد فيها فيعطون . وأما ~~المعدودات فعامة العلماء على أنها أيام التشريق الثلاثة بعد يوم النحر كما ~~قال ابن عباس ، وإنما سميت معدودات ، والله أعلم ، لقول الله تعالى : { ~~واذكروا الله فى أيام معدودات فمن تعجل فى يومين فلا إثم عليه } [ البقرة : ~~203 ] ، يعنى فمن تعجل فى النفر من منى ، فنفر فى PageV02P562 يومين فلا ~~إثم عليه ، ومن تأخر فنفر فى اليوم الثالث فلا إثم عليه . وقيل : إنما سميت ~~أيام التشريق معدودات ؛ لأنه إذا زيد عليها فى البقاء كان حصرا لقوله عليه ~~السلام : ( لا يبقين مهاجر بمكة بعد قضاء نسكه فوق ثلاث ) . وأما خروج ابن ~~عمر ، وأبى هريرة إلى السوق وتكبير الناس بتكبيرهما ، فقالت طائفة به ، ~~والفقهاء لا يرون ذلك ، وإنما التكبير عندهم من وقف رمى الجمار ؛ لأن الناس ~~فيه تبع لأهل منى كما قال مالك . وأما تكبير محمد بن على خلف النافلة ، فهو ~~قول الشافعى ، وسائر الفقهاء لا يرون التكبير إلا خلف الفريضة . * * * # | 11 - باب التكبير أيام منى وإذا غدا إلى عرفة # وكان عمر يكبر في قبته بمنى ، فيسمعه أهل المسجد فيكبرون ، ويكبر أهل ~~الأسواق ، حتى ترتج منى تكبيرا ، وكان ابن عمر يكبر بمنى تلك الأيام ، وخلف ~~الصلاة وعلى فراشه وفي فسطاطه ومجلسه وممشاه وتلك الأيام جميعا ، وكانت ~~ميمونة تكبر يوم النحر ، وكان النساء يكبرن خلف أبان بن عثمان ، وعمر بن ~~عبد العزيز ليالي التشريق مع الرجال في المسجد . / 21 - فيه : ابن أبي بكر ~~الثقفي قال : سألت أنس بن ms0692 مالك ونحن غاديان من منى إلى عرفات عن التلبية ~~كيف كنتم تصنعون مع النبي PageV02P563 عليه السلام ؟ قال : كان يلبي الملبي ~~، لا ينكر عليه ، ويكبر المكبر لا ينكر عليه . / 22 - وفيه : أم عطية قالت ~~: كنا نؤمر أن نخرج يوم العيد ، حتى نخرج البكر من خدرها ، حتى نخرج الحيض ~~، فيكن خلف الناس فيكبرن بتكبيرهم ، ويدعون بدعائهم يرجون بركة ذلك اليوم ~~وطهرته . وترجم لحديث أم عطية : ( باب خروج الحيض إلى المصلى ) ، وباب ( ~~اعتزال الحيض المصلى ) . وقال المهلب : أيام منى هى أيام التشريق ، وتأول ~~العلماء فيها قوله تعالى : { ولتكبروا الله على ما هداكم } [ البقرة : 185 ~~] ، ومعنى التكبير فى هذا الفصل ، والله أعلم ، لأنه تصل الذبائح لله تعالى ~~. وكانت الجاهلية تذبح لطواغيتها ونصبها ، فجعل التكبير استشعارا للذبح لله ~~تعالى ، حتى لا يذكر فى أيام الذبح غيره ، ومعنى اشتراط التسمية على الذبح ~~لئلا يذكر غيره ، ويعلن بذكره حتى تنسى عبادة الجاهلية ، استحب العلماء ~~التكبير يوم العيد فى طريق المصلى ، وروى عن على ابن أبى طالب أنه كبر يوم ~~الأضحى حتى أتى الجبانة ، وعن أبى قتادة أنه كان يكبر يوم العيد حتى يبلغ ~~المصلى . وعن ابن عمر أنه كان يكبر فى العيد حتى يبلغ المصلى ، ويرفع صوته ~~بالتكبير ، وهو قول مالك والأوزاعى ، قال مالك : ويكبر فى المصلى إلى أن ~~يخرج الإمام ، فإذا خرج الإمام قطعه ولا يكبر إذا رجع . وقال الشافعى : أحب ~~إظهار التكبير ليلة الفطر وليلة النحر ، وإذا غدوا إلى المصلى حتى يخرج ~~الإمام ، وقال أبو حنيفة : يكبر يوم الأضحى يجهر فى ذهابه ولا يكبر يوم ~~الفطر . PageV02P564 وفيها قول آخر ، ذكر الطحاوى عن سفينة مولى ابن عباس ~~قال : كنت أقود ابن عباس إلى المصلى ، فيسمع الناس يكبرون ، فيقول : ما شأن ~~الناس أكبر الإمام ؟ فأقول : لا ، فيقول : مجانين الناس ! ، فأنكر التكبير ~~فى طريق المصلى ، وهذا يدل أن التكبير عنده الذى يكبر الإمام مما يصلح أن ~~يكبر الناس معه . قال المؤلف : ولم أجد أحدا من الفقهاء يقول بقول ابن عباس ~~. قال الطحاوى : ومن كبر يوم الفطر تأول قول ms0693 الله ، تعالى : { ولتكبروا ~~الله على ما هداكم } [ البقرة : 185 ] ، وتأول ذلك زيد بن أسلم ، قال ~~الطحاوى : ويحتمل قوله تعالى : { ولتكبروا الله على ما هداكم } [ البقرة : ~~185 ] ، تعظيم الله بالأفعال والأقوال كقوله تعالى : { وكبره تكبيرا } [ ~~الإسراء : 111 ] ، قال : والقياس أن يكبر فى العيدين جميعا ؛ لأن صلاة ~~العيدين لا يختلفان فى التكبير فيهما والخطبة بعدهما وسائر سننهما ، كذلك ~~التكبير فى الخروج إليهما . وقال ابن أبى عمران : إن السنة عند أصحاب أبى ~~حنيفة جميعا فى الفطر أن يكبر فى الطريق إلى المصلى ، ولم يعرفوا قول أبى ~~حنيفة . وفى حديث أم عطية : خروج النساء إلى المصلى كما ترجم ، وقد فسرت أم ~~عطية إخراج الحيض فقالت : ليشهدن الخير ودعوة المسلمين ، رجاء بركة ذلك ~~اليوم وطهرته ، ورغبة فى دعاء المسلمين فى الجماعات ؛ لأن البروز إلى الله ~~لا يكون إلا عن نية PageV02P565 وقصد ، فرجاء بركة القصد إلى الله والبروز ~~إليه والجماعة لا تخلو من فاضل من الناس ودعاؤهم مشترك . وقد اختلف الناس ~~فى خروج النساء إلى العيدين ، فروى عن أبى بكر وعلى أنهما قالا : على كل ~~ذات نطاق أن تخرج إلى العيدين ، وكان ابن عمر يخرج من استطاع من أهله فى ~~العيد ، وقال أبو قلابة : قالت عائشة : كانت الكواعب تخرج لرسول الله فى ~~الفطر والأضحى ، وكان علقمة والأسود يخرجان نساءهم فى العيد ويمنعانهن ~~الجمعة ، وروى ابن نافع عن مالك أنه لا بأس أن تخرج المتجالة إلى العيدين ~~والجمعة وليس بواجب ، وهو قول أبى يوسف . وكرهت ذلك طائفة ، روى عن عروة ~~أنه كان لا يدع امرأة من أهله تخرج إلى فطر أو أضحى ، وكان القاسم أشد شىء ~~على العواتق ، وقال النخعى ، ويحيى الأنصارى : لا يعرف خروج المرأة الشابة ~~فى العيد عندنا . واختلف قول أبى حنيفة فى ذلك ، فروى عنه أنه لم ير خروج ~~النساء فى شىء من الصلوات غير العيدين ، وقال مرة أخرى : كان يرخص للنساء ~~فى الخروج إلى العيدين ، فأما اليوم فأنا أكرهه ، وقول من رأى خروجهن أصح ~~لشهادة السنة الثابتة له . وفى حديث أم عطية حجة ms0694 لمالك والشافعى فى قولهما ~~: إن النساء يلزمهن التكبير فى عقيب الصلوات فى أيام التشريق ، وأبو حنيفة ~~لا يرى عليهن تكبيرا ، وخالفه أبو يوسف ومحمد قالا بقول مالك : إن التكبير ~~على النساء كما هو على الرجال . PageV02P566 وقد ذكر البخارى عن ميمونة زوج ~~النبى ، عليه السلام ، أنها كانت تكبر يوم النحر ، وأن النساء كن يكبرن خلف ~~أبان بن عثمان ، وعمر بن عبد العزيز ، وهذا أمر مستفيض . قال المهلب : ~~وإنما أمر الحيض باعتزال المصلى خشية الاختلاف ؛ أن يكون طائفة تصلى وطائفة ~~بينهم لا تصلى ، وخشية ما يحدث للحائض من خروج الدم الذى لا يؤمن ذلك منها ~~، فتؤذى من جاورها وتنجس موضع الصلاة . * * * # | 12 - باب الصلاة إلى الحربة يوم العيد # / 23 - فيه : ابن عمر ( أن النبي عليه السلام ، كان تركز الحربة قدامه ~~يوم الفطر والنحر ، ثم يصلي ) . وترجم له : باب حمل العنزة والحربة بين يدى ~~الإمام يوم العيد وقال فيه . / 24 - ابن عمر قال : ( أن نبي الله كان يغدو ~~إلى المصلى ، والعنزة بين يديه ) . حمل العنزة والحربة بين يديه لتكون له ~~سترة فى صلاته إذا كانت المصلى فى الصحراء ، ولم يكن فيها من البنيان ما ~~يستتر به ، ومن سنته عليه السلام ، أن لا يصلى المصلى إلا إلى سترة إماما ~~كان أو منفردا . فإن قيل : فقد صلى عليه السلام ، بمنى إلى غير جدار فى ~~حديث ابن عباس نزل من الأتان ومر بين يدى بعض الصف . قيل له : هذا يدل من ~~فعله عليه السلام ، أن السترة للمصلى ليست بفريضة وأنها سنة مستحبة ؛ لأن ~~صلاته بمنى إلى غير السترة كان PageV02P567 نادرا من فعله عليه السلام ، ~~والذى واظب عليه طول دهره الصلاة إلى سترة ، وقد تقدم ما للعلماء فى هذه ~~المسألة فى باب : سترة الإمام سترة لمن خلفه . * * * # | 13 - باب خروج الصبيان إلى المصلى # / 25 - فيه : ابن عباس ، قيل له : ( شهدت العيد مع النبى ، عليه السلام ؟ ~~قال : نعم ، لولا مكانى من الصغر ما شهدته ، ثم أتى النساء فوعظهن . . . ) ~~، الحديث . خروج الصبيان إلى المصلى إنما هو إذا كان الصبى ms0695 ممن يضبط نفسه ~~عن اللعب ، ويعقل الصلاة ، ويتحفظ مما يفسدها ، ألا ترى ضبط ابن عباس للقصة ~~، ولإتيانه عليه السلام ، النساء ووعظهن وأمرهن بالصدقة ، وأخذ بلال ذلك فى ~~ثوبه ، فدل ذلك على أنه كان ممن يعقل الصلاة وغيرها . وقال المهلب : وقوله ~~: ( ولولا مكانى من الصغر ما شهدته ) ، يريد حين أتى النساء فوعظن ، فذكر ~~أنه شهد بذلك معه ، وقد تقدم هذا المعنى قبل هذا وترجم له : باب موعظة ~~الإمام النساء يوم العيد ، وزاد فيه : عن ابن جريج قلت لعطاء : أترى حقا ~~على الإمام أن يأتيهن ويذكرهن ؟ قال : إنه لحق عليهم ومالهم لا يفعلونه . ~~قال المؤلف : أما إتيانه عليه السلام ، إلى النساء ووعظهن فهو خاص له عند ~~العلماء ؛ لأنه أب لهن ، وهم مجمعون أن الخطيب لا تلزمه خطبة أخرى للنساء ~~ولا يقطع خطبته ليتمها عند النساء ، وفائدة هذا الحديث الرخصة فى شهود ~~النساء والصبيان العيد . PageV02P568 والفتخ : خواتم بلا فصوص كأنها حلق ، ~~الواحدة : فتخة . * * * # | 14 - باب استقبال الإمام الناس في خطبة العيد # وقال أبو سعيد : قام النبي عليه السلام ، مقابل الناس . / 26 - فيه : ~~البراء : ( خرج النبي عليه السلام ، يوم الأضحى إلى البقيع ، فصلى ركعتين ، ~~ثم أقبل علينا بوجهه ، وقال : إن أول نسكنا في يومنا هذا أن نبدأ بالصلاة . ~~. . ) ، الحديث . السنة استقبال الإمام الناس فى خطبة العيد والجمعة وغيرها ~~؛ لأن كل من حضر الخطبة مأمور باستماعها ، ولا يكون المستمع إلا مقبلا ~~بوجهه على المسموع منه ليكون أوعى لموعظته . * * * # | 15 - باب إذا لم يكن لها جلباب في العيد # / 27 - فيه : حفصة بنت سيرين عن امرأة غزت مع رسول الله فقالت : كنا نقوم ~~على المرضى ونداوي الكلمى ، فقالت : يا رسول الله ، أعلى إحدانا بأس إذا لم ~~يكن لها جلباب ألا تخرج ؟ فقال : ( لتلبسها صاحبتها من جلبابها ، وليشهدن ~~الخير ودعوة المسلمين . . . . ) ، الحديث . هذا يدل على تأكيد خروج النساء ~~إلى العيدين ؛ لأنه إذا أمرت المرأة أن تلبس من لا جلباب لها ، فمن لها ~~جلباب أولى أن تخرج وتشهد دعوة المؤمنين رجاء بركة ذلك اليوم . وقال ~~الطحاوى : وأمره عليه السلام ms0696 ، أن تخرج الحيض وذوات PageV02P569 الخدور فى ~~العيد يحتمل أن يكون ذلك فى أول الإسلام والمسلمون قليل ، فأريد التكثير ~~بحضورهن إرهابا للعدو ، وأما اليوم فلا يحتاج إلى ذلك . قال المؤلف : وهذا ~~التأويل يحتاج إلى معرفة تاريخ الوقت الذى أمر فيه النبى ، عليه السلام ، ~~النساء بذلك ، ونسخ أمره لهن بالخروج إلى العيدين ، وهذا لا سبيل إليه ، ~~والحديث باق على عمومه لم ينسخه شىء ولا أحاله ، والنسخ لا يثبت إلا بيقين ~~، وأيضا فإن النساء ليس ممن يرهب بهن على العدو ، ولذلك لم يلزمهن فرض ~~الجهاد . والعواتق : جمع عاتق ، وقال ابن دريد : عتقت الجارية : صارت عاتقا ~~إذا أوشكت البلوغ ، وقال ابن السكيت : العاتق فيما بين أن تدرك إلى أن تعنس ~~ما لم تزوج ، والخدور : البيوت . فأمر الملازمات للبيوت المحتجبات بالبروز ~~إلى العيدين بخلاف قول أبى حنيفة . * * * # | 16 - باب النحر والذبح يوم النحر بالمصلى # / 28 - فيه : ابن عمر : ( أن النبي عليه السلام ، كان ينحر أو يذبح ~~بالمصلى ) . السنة ، والله أعلم ، بالذبح فى المصلى لئلا يتقدم الإمام ~~بالذبح ، ولما كانت أفعال العيدين والجماعات إلى الإمام وجب أن يكون متقدما ~~فى ذلك والناس له تبع ، ولهذا قال مالك : لا يذبح أحد حتى يذبح PageV02P570 ~~الإمام ، وروى مثل قول مالك أثر انفرد به ابن جريج ، وأكثر الآثار على ~~مراعاة الصلاة فقط ، ولم يختلفوا أن من رمى الجمرة ، فقد حل له الذبح ~~والحلق ، وإن لم يذبح الإمام إلا بعد ذلك ، فكذلك من صلى عندهم يوم النحر ~~أن المعنى المتعبد به : الوقت لا الفعل ، وقد أجمعوا أن الإمام لو لم يذبح ~~يوم النحر أصلا ، ودخل وقت الذبح أن الذبح حلال . قال المهلب : وإنما قال ~~مالك إنه من ذبح قبل الإمام أعاد ليكون للضعفاء وقت يقصدونه للصدقة ولا ~~يجيئون حتى يعم الناس الإفضال ، وتستوى بهم الحال ، ويكتفى الضعفاء بقية ~~يومهم . * * * # | 17 - باب كلام الإمام والناس في خطبة العيد ، وإذا سئل الإمام عن شيء ، ~~وهو يخطب # / 29 - فيه : البراء : خطبنا رسول الله يوم النحر بعد الصلاة ، فقال : ( ~~من صلى صلاتنا ، ونسك نسكنا ، فقد ms0697 أصاب النسك ، ومن نسك قبل الصلاة ، فتلك ~~شاة لحم . . . ) ، الحديث ، فقام أبو بردة بن نيار ، فقال : والله يا رسول ~~الله ، لقد نسكت قبل أن أخرج إلى الصلاة ، فقال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - : ( تلك شاة لحم ) ، قال : فإن عندي عناقا فهل تجزئ عني ؟ قال : ( ~~نعم ، ولن تجزئ عن أحد بعدك ) . والكلام فى الخطبة بما كان من أمر الدين ~~للسائل والمسئول جائز ، وقد قال عليه السلام ، للذين قتلوا ابن أبى الحقيق ~~حين دخلوا عليه يوم الجمعة ، وهو يخطب : ( أفلحت الوجوه ) ، وقال عمر وهو ~~على المنبر : PageV02P571 املكوا العجين ، فإنه أحد الريعين ، رواه هشام بن ~~عروة ، عن أبيه ، وقال هشام : أمرهم رحمه الله بما كان يأمر أهله ، ورأى أن ~~ذلك حق . وكره العلماء كلام الناس والإمام يخطب ، روى ذلك عن عطاء ، والحسن ~~، والنخعى ، وقال مالك : لينصت للخطبة ويستقبل ، وليس من تكلم فى ذلك كمن ~~تكلم فى خطبة الجمعة ، وقال شعبة : كلمنى الحكم بن عتيبة يوم عيد والإمام ~~يخطب . * * * # | 18 - باب من خالف الطريق إذا رجع يوم العيد # / 30 - فيه : جابر قال : ( كان النبي عليه السلام ، إذا كان يوم عيد خالف ~~الطريق ) . وجمهور العلماء يستحبون الرجوع يوم العيد من طريق أخرى ، وقال ~~أبو حنيفة : يستحب له ذلك ، فإن لم يفعل فلا حرج عليه . ورأيت للعلماء فى ~~معنى رجوعه عليه السلام ، من طريق أخرى تأويلات كثيرة ، وأولاها عندى ، ~~والله أعلم ، أن ذلك ليرى المشركين كثرة عدد المسلمين ، ويرهب بذلك عليهم . ~~* * * # | 19 - باب إذا فاته العيد يصلي ركعتين # وكذلك النساء ومن كان في البيوت والقرى ، لقوله عليه السلام : هذا عيدنا ~~أهل الإسلام ، وأمر أنس بن مالك مولاهم ابن أبي عتبة PageV02P572 بالزاوية ~~، فجمع أهله وبنيه ، فصلى كصلاة أهل المصر وتكبيرهم . وقال عكرمة : أهل ~~السواد يجتمعون في العيد ، يصلون ركعتين ، كما يصنع الإمام . وقال عطاء : ~~إذا فاته العيد صلى ركعتين . / 31 - فيه : عائشة : ( أن أبا بكر دخل عليها ~~، وعندها جاريتان في أيام منى ، تدففان وتضربان ، والنبي عليه السلام ، ~~متغش بثوبه ، فانتهرهما أبو بكر ، فكشف النبي - صلى الله ms0698 عليه وسلم - عن ~~وجهه ، فقال : دعهما يا أبا بكر ، فإنها أيام عيد ) . اختلف العلماء فيمن ~~فاتته صلاة العيد مع الإمام ، فقالت طائفة : يصلى ركعتين مثل صلاة الإمام ، ~~روى ذلك عن عطاء ، والنخعى ، والحسن ، وابن سيرين ، وهو قول مالك ، ~~والشافعى ، وأبى ثور ، إلا أن مالكا قال : يستحب له ذلك من غير إيجاب ، ~~وقال الأوزاعى : يصلى ركعتين ولا يجهر بالقراءة ولا يكبر تكبير الإمام وليس ~~بلازم . وقالت طائفة : يصليها إن شاء ؛ لأنها إنما تصلى ركعتين إذا صليت مع ~~الإمام بالبروز لها كما على من لم يحضر الجمعة مع الإمام أن يصلى أربعا ، ~~روى ذلك عن على ، وابن مسعود ، وبه قال الثورى وأحمد . وقال أبو حنيفة : إن ~~شاء صلى وإن شاء لم يصل ، فإن صلى صلى أربعا وإن شاء ركعتين ، وقال إسحاق : ~~إن صلى فى الجبان صلى كصلاة الإمام ، وإن لم يصل فى الجبان صلى أربعا ، ~~وأولى الأقوال بالصواب أن يصليها كما سنها رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- وهو الذى أشار إليه البخارى ، واستدل على ذلك بقوله عليه السلام : ( هذا ~~عيدنا أهل الإسلام ) ، و ( إنها أيام عيد ) ، وذلك إشارة إلى الصلاة ، وقد ~~أبان ذلك بقوله : ( أول نسكنا فى يومنا هذا أن نصلى ، ثم ننحر فمن فعل ذلك ~~، فقد أصاب سنتنا ) ، فمن صلى كصلاة الإمام فقد أصاب السنة . PageV02P573 ~~واتفق مالك ، والكوفيون ، والمزنى على أنه لا تصلى صلاة العيد فى غير يوم ~~العيد ، وقال الشافعى فى أحد قوليه : أنها تقضى من الغد ، واحتج عليه ~~المزنى ، فقال : لما كان ما بعد الزوال أقرب منها من اليوم الثانى ، ~~وأجمعوا أنها لا تصلى إلا قبل الزوال ، فأحرى ألا تصلى من الغد وأبعد . * * ~~* # | 20 - باب الصلاة قبل العيد وبعدها ، وكره ابن عباس الصلاة قبل العيد # / 32 - فيه : ابن عباس ( أن النبي عليه السلام ، خرج يوم الفطر ، فصلى ~~ركعتين لم يصل قبلها ولا بعدها ) . اختلف أهل العلم فى هذه المسألة على ~~ثلاثة أقوال ، فقالت طائفة بحديث ابن عباس هذا : لا يصلى قبل العيد ولا ~~بعدها فى المصلى ، روى ذلك ms0699 عن على ، وابن مسعود ، وحذيفة ، وجابر ، وابن ~~عمر ، والشعبى ، ومسروق ، والقاسم ، وسالم ، وهو قول مالك ، وأحمد بن حنبل ~~إلا أن مالكا قال : إذا صليت فى المسجد جاز التنفل قبلها وبعدها ، وقالت ~~طائفة : يصلى بعدها ولا يصلى قبلها ، روى ذلك عن أبى مسعود البدرى ، وبه ~~قال علقمة ، والأسود ، وابن أبى ليلى ، والنخعى ، والثورى ، والكوفيون ، ~~والأوزاعى . وقالت طائفة : يصلى قبلها وبعدها كما يصلى قبل الجمعة وبعدها ، ~~روى ذلك عن بريدة الأسلمى ، وأنس بن مالك ، والحسن ، وعروة ، وبه قال ~~الشافعى . إلا أن السنة الثابتة فى ذلك ما رواه ابن عباس فى هذا الباب أن ~~PageV02P574 النبى ، عليه السلام ، صلى ركعتين لم يصل قبلها ولا بعدها ، ~~فثبت أنها ليست كالجمعة ، واستخلف على أبا مسعود ، فخطب الناس وقال : لا ~~صلاة قبل الإمام يوم العيد ، ولم يرو عن غيره خلافه ، ومثل هذا لا يقال ~~بالرأى إنما طريقه التوقيف ، قاله الطحاوى . * * * أبواب الوتر # | 21 - باب ما جاء في الوتر # / 33 - فيه : ابن عمر أن النبى عليه السلام قال : ( صلاة الليل مثنى مثنى ~~، فإذا خشي أحدكم الصبح ، صلى ركعة واحدة ، توتر له ما قد صلى ) . وكان ابن ~~عمر يسلم بين الركعة والركعتين فى الوتر حتى يأمر ببعض حاجته . / 34 - وفيه ~~: ابن عباس ( أنه بات عند خالته ميمونة ، فقام النبى عليه السلام فصلى نصف ~~الليل اثنى عشرة ركعة ثم أوتر ثم اضطجع . قال القاسم : ورأينا أناسا منذ ~~أدركنا يوترون بثلاث ، وإن كلا لواسع أرجو ألا يكون بشىء منه بأس . / 35 - ~~وفيه : عائشة أخبرته ( أن النبى عليه السلام كان يصلي إحدى عشرة ركعة ، ~~كانت تلك صلاة الليل . اختلف العلماء فى صلاة الوتر ، فقالت طائفة : الوتر ~~ركعة ، روى ذلك عن ابن عمر ، وقال : كذلك أوتر النبى ، عليه السلام ، وأبو ~~بكر ، وعمر ، وروى عن عثمان أنه كان يحيى الليل بركعة يجمع فيها القرآن ~~يوتر بها ، وعن سعد بن أبى وقاص ، وابن عباس ، ومعاوية ، وأبى موسى ، وابن ~~الزبير ، وعائشة : الوتر ركعة ، وبه قال عطاء ، PageV02P575 ومالك ، ~~والشافعى ، وأحمد ، وإسحاق ، وأبو ثور ، إلا أن مالكا قال ms0700 : الوتر واحدة ، ~~ولا بد أن يكون قبلها شفع ليسلم بينهن فى الحضر والسفر ، وروى على عن مالك ~~: لا بأس أن يوتر المسافر بواحدة ، وأوتر سحنون فى مرضه بواحدة ، وقال ~~الأوزاعى : إن شاء فصل بينهما ، وإن شاء لم يفصل . وقالت طائفة : يوتر ~~بثلاث ركعات لا يفصل بينهن بسلام ، روى ذلك عن عمر ، وعلى ، وابن مسعود ، ~~وحذيفة ، وأبى بن كعب ، وابن عباس ، وأنس ، وأبى أمامة ، وبه قال عمر بن ~~عبد العزيز ، والفقهاء السبعة بالمدينة ، وقال سعيد بن المسيب : لا يسلم فى ~~الركعتين من الوتر ، وإليه ذهب الكوفيون ، والثورى ، وقال الأوزاعى : إن ~~شاء فصل بينهن بسلام ، وإن شاء لم يفصل . وتأول الكوفيون حديث ابن عباس حين ~~بات عند خالته ميمونة ، ورمق صلاته بالليل ، فذكر أنه عليه السلام صلى ~~ركعتين ثم ركعتين حتى عد ثنتى عشرة ركعة قال : ثم أوتر ، فيحتمل أن يكون ~~أوتر بواحدة مع اثنتين قد تقدمتاها ، فتكون مع الواحدة ثلاثا ، وكذلك ~~تأولوا فى حديث عائشة ، أن النبى ، عليه السلام ، كان يصلى بالليل إحدى ~~عشرة ركعة كانت تلك صلاته بالليل ، أن الوتر منها الركعة الأخيرة مع ركعتين ~~تقدمتها ، قالوا : ويدل على صحة حديث عائشة أن الرسول كان لا يزيد فى رمضان ~~ولا غيره على إحدى عشرة ركعة ، يصلى أربعا فلا تسأل عن حسنهن وطولهن ، ثم ~~يصلى أربعا كذلك ، ثم يصلى ثلاثا فدل أن الوتر ثلاث . وقال أهل المقاللة ~~الأولى : قوله عليه السلام : ( صلاة الليل مثنى PageV02P576 مثنى ) ، يفسر ~~حديث عائشة أنه كان يصلى أربعا ثم ثلاثا ، وهى زيادة يجب قبولها ، وقوله : ~~( فإذا خشيت الصبح ، فأوتر بواحدة توتر لك ما قد صليت ) ، دليل أن الوتر ~~واحدة ؛ لأنه عليه السلام ، قال فى الركعة : إنما هى التى توتر ما قبلها ، ~~والوتر فى لسان العرب هو الواحد ، فلذلك قال عليه السلام : ( إن الله وتر ) ~~، أى واحد لا شريك له ، والحكم يتعلق بأول الاسم كما أن الظاهر من قوله : ( ~~مثنى مثنى ) ، أى ثنتين مفردتين ، فدل ذلك أن الواحد هى الوتر دون غيرها ، ~~وإذا جازت الركعة بعد صلاة ركعتين ms0701 أو أكثر جازت دونها ؛ لأنها منفصلة ~~بالسلام منها . وكان مالك يكره الوتر بواحدة ليس قبلها نافلة ، ويقول : أى ~~شىء توتر له الركعة ؟ وقد قال عليه السلام : ( توتر له ما قد صلى ) ، ألا ~~ترى أنه لم يوتر قط ، عليه السلام ، إلا بعد عشر ركعات أو اثنتى عشرة ركعة ~~على اختلاف الأحاديث فى ذلك ، فلذلك استحب أن تكون للركعة الوتر نافلة ~~توترها ، وأقل ذلك ركعتان . وإنما ذكر البخارى عن ابن عمر أنه كان يسلم بين ~~الركعة والركعتين فى الوتر خلافا لأبى حنيفة ، وكل من روى عنه الفصل بين ~~الشفع ، وركعة الوتر بسلام ، يجيز الوتر بركعة واحدة ليس قبلها شىء ، وقال ~~الشعبى : كان آل سعد ، وآل عبد الله بن عمر يسلمون فى ركعتى الوتر ، ~~ويوترون بركعة . وقوله : ( فإذا خشى أحدكم الصبح صلى ركعة ) ، يدل أن آخر ~~PageV02P577 وقت الوتر انفجار الصبح ، فإذا انفجر الصبح ، فقد خرج وقت ~~الوتر ولا يعيدها من فاتته حينئذ ، روى هذا عن ابن عمر ، وعطاء ، والنخعى ، ~~وسعيد بن جبير . وقالت طائفة أخرى : وقت الوتر ما لم يصل الصبح ، روى ذلك ~~عن ابن مسعود ، وابن عباس وجماعة ، وهو قول مالك ، والشافعى ، وأحمد ، وقال ~~أبو حنيفة : عليه قضاء الوتر وإن صلى الصبح ، وعن الشعبى ، والحسن ، وطاوس ~~: يصلى الوتر ، وإن طلعت الشمس ، وبه قال الأوزاعى ، وأبو ثور ، وعن سعيد ~~بن جبير : يوتر من الليلة القابلة . * * * # | 22 - باب ساعات الوتر # قال أبو هريرة : أوصاني النبي - صلى الله عليه وسلم - بالوتر قبل النوم . ~~/ 36 - فيه : أنس بن سيرين : قلت لابن عمر : أرأيت الركعتين قبل صلاة ~~الغداة ، أطيل فيهما القراءة ؟ فقال : ( كان النبي عليه السلام يصلي من ~~الليل مثنى مثنى ويوتر بركعة ، ويصلي الركعتين قبل صلاة الغداة ، وكأن ~~الأذان بأذنيه ) . قال حماد : أي سرعة . / 37 - وفيه : عائشة قالت : ( كل ~~الليل أوتر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وانتهى وتره إلى السحر ) . ~~قال المهلب : ليس للوتر وقت مؤقت لا يجوز غيره ؛ لأنه عليه السلام ، قد ~~أوتر كل الليل ، كما قالت عائشة ، وقد اختلف السلف فى ذلك : عن ms0702 أبى بكر ~~الصديق ، وعثمان بن عفان ، وأبى هريرة ، PageV02P578 ورافع بن خديج ، أنهم ~~كانوا يوترون أول الليل ، وكان يوتر آخر الليل : عمر بن الخطاب ، وعلى بن ~~أبى طالب ، وابن مسعود ، وأبو الدرداء ، وابن عباس ، وابن عمر ، وجماعة من ~~التابعين ، واستحبه مالك ، والثورى ، والكوفيون ، وجمهور العلماء . وقال ~~الطبرى : فإن قال قائل : فإن كان جمهور العلماء على هذا فما وجه أمره عليه ~~السلام ، لأبى هريرة بالوتر قبل النوم وأمره واجب ، وقول عائشة : كل الليل ~~أوتر رسول الله ، خبر عن فعله ، وما لم يكن من فعله بيانا لمجمل القرآن ~~قلنا : الأخذ به وتركه ، والأمر ليس كذلك حتى يبينه أمر آخر أنه على غير ~~الوجوب . قيل : كلا الخبرين صحيح وأمره لأبى هريرة اختيار منه له حين خشى ~~أن يستولى عليه النوم فيقع وتره فى غير الليل ، فأمره بالأخذ بالثقة ، وأن ~~يوتر قبل نومه ، وبهذا وردت الأخبار عنه عليه السلام ، روى سفيان عن الأعمش ~~، عن جابر ، عن عائشة ، أن النبى ، عليه السلام ، قال : ( من خاف منكم ألا ~~يستيقظ آخر الليل فليوتر أول الليل ) ، ومن علم أنه يستيقظ آخر الليل ، فإن ~~صلاته آخر الليل محضورة وذلك أفضل ، وروى حماد بن سلمة ، عن ثابت البنانى ، ~~عن عبد الله بن رباح ، عن أبى قتادة ، قال : قال رسول الله : ( يا أبا بكر ~~، متى توتر ؟ قال : أول الليل ، وقال لعمر : متى توتر ؟ قال : آخر الليل ، ~~فقال عليه السلام لأبى بكر : أخذت بالحزم ، وقال لعمر : أخذت بالقوة ) . ~~قال المهلب : وقوله : ( كأن الأذان بأذنيه ) ، يعنى الإقامة يريد أنه كان ~~يسرع ركعتى الفجر قبل الإقامة من أجل تغليسه بالصبح . PageV02P579 * * * # | 23 - باب إيقاظ النبي - صلى الله عليه وسلم - أهله بالوتر # / 38 - فيه : عائشة قالت : ( كان النبي عليه السلام يصلي وأنا راقدة - ~~معترضة - على فراشه ، فإذا أراد أن يوتر ، أيقظني فأوترت ) . هذا امتثال ~~لقول الله تعالى : { وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها } [ طه : 132 ] . وفيه ~~: تأكيد الوتر والأمر به والمواظبة عليه . * * * # | 24 - باب ليجعل آخر صلاته وترا # / 39 - فيه : ابن عمر أن النبي عليه السلام قال : ( اجعلوا ms0703 آخر صلاتكم ~~بالليل وترا ) . اختلف السلف فى وجوب الوتر ، فروى عن على بن أبى طالب ، ~~وعبادة بن الصامت أنه سنة ، وعن سعيد بن المسيب ، والحسن ، والشعبى ، وابن ~~شهاب مثله ، هو قول مالك ، والثورى ، والليث ، وأبى يوسف ، ومحمد ، ~~والشافعى ، وعامة الفقهاء . وقالت طائفة : الوتر واجب على أهل القرآن دون ~~غيرهم ، لقوله عليه السلام : ( أوتروا يا أهل القرآن ) ، روى ذلك عن ابن ~~مسعود ، وحذيفة وهو قول النخعى ، وقالت طائفة : هو واجب لا يسوغ تركه ، روى ~~ذلك عن أبى يوسف الأنصارى ، وهو قول أبى حنيفة ، وهو أنه عليه السلام ، أمر ~~بالوتر وأمره على الوجوب ، وبقوله : ( الوتر حق ) ، و ( من لم يوتر فليس ~~منا ) . وقال الطبرى : الصواب قول من جعله سنة لإجماع الجميع PageV02P580 ~~أن عدة الصلوات المفروضات خمس ، لو كان الوتر فرضا لكانت ستا ، ولكان وتر ~~صلاة الليل إحدى الست كما وتر صلاة النهار ( المغرب ) ، إحدى الخمس ، فدل ~~على اختلاف حكم وتر صلاة الليل ، وحكم وتر صلاة النهار فى أن أحدهما فرض ~~والثانى نافلة . وقوله : ( الوتر حق ) ، معناه : حق فى السنة . وقوله : ( ~~من لم يوتر فليس منا ) ، يقتضى الترغيب فيه ، ومعناه : ليس بآخذ سنتنا ولا ~~مقتد بنا ، كما قال : ( ليس منا من لم يتغن بالقرآن ) ، ولم يرد إخراجه من ~~الإسلام . واختلف العلماء فيمن أوتر ثم نام ثم قام فصلى ، هل يجعل آخر ~~صلاته وترا أم لا ؟ فكان ابن عمر إذا عرض له ذلك صلى ركعة واحدة فى ابتداء ~~قيامه أضافها إلى تره ينقضه بها ، ثم يصلى مثنى مثنى ثم يوتر بواحدة ، روى ~~ذلك عن سعد وابن عباس ، وابن مسعود ، وبه قال إسحاق ، وممن روى عنه أنه ~~يشفع وتره : عثمان ، وعلى بن أبى طالب ، وعن عمرو بن ميمون ، وابن سيرين ~~مثله . وكانت طائفة لا ترى نقض الوتر ، روى عن أبى بكر الصديق أنه قال : ~~أما أنا ، فإنى أنام على وتر ، فإن استيقظت صليت شفعا حتى الصباح ، وروى ~~مثله عن عمار ، وسعد ، وابن عباس ، وقالت عائشة فى الذى ينقض وتره : هذا ~~يلعب بوتره ، وقال الشعبى : أمرنا ms0704 بالإبرام ولم نؤمر بالنقض ، وكان لا يرى ~~نقض الوتر : علقمة ، ومكحول ، والنخعى ، والحسن ، وهو قول مالك ، والأوزاعى ~~، والشافعى ، وأحمد ، وأبى ثور . PageV02P581 * * * # | 25 - باب الوتر على الدابة # / 40 - فيه : سعيد أنه قال : كنت أسير مع عبدالله بن عمر بطريق مكة ، ~~فلما خشيت الصبح ، نزلت فأوترت ، ثم لحقت ابن عمر ، فقال لى : أين كنت ؟ ~~فقلت : خشيت الصبح ، فنزلت فأوترت ، فقال لى ابن عمر : أليس لك في رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - إسوة حسنة ؟ فقلت : بلى ، والله ، قال : فإن ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يوتر على البعير . قال الطبرى : هذا ~~الحديث حجة على أبى حنيفة فى إيجابه الوتر ؛ لأنه لا خلاف بين الجميع أنه ~~غير جائز لأحد أن يصلى مكتوبة راكبا فى غير حال العذر ، ولو كان الوتر فرضا ~~ما صلاه الرسول راكبا بغير عذر . فإن قال قائل : فقد روى مجاهد أنه قال : ~~صحبت ابن عمر ، فكان لا يزيد فى السفر على ركعتى المكتوبة ، ويحيى الليل ~~صلاة على ظهر الدابة ، وينزل قبل الفجر فيوتر بالأرض ، وقال إبراهيم : ~~كانوا يصلون على إبلهم حيث كانت وجوههم إلا المكتوبة والوتر . قيل : لا حجة ~~فى فعل ابن عمر لأبى حنيفة ؛ لأنه يجوز أن ينزل للوتر طلبا للفضل لا أن ذلك ~~كان عنده الواجب ؛ لأنه قد صح عن ابن عمر أنه كان يوتر على بعيره ، ذكره ~~ابن المنذر عنه ، وهو معنى ما ذكره البخارى عنه ، وكان يفعل ذلك على ، وابن ~~عباس أيضا ، وعن عطاء مثله . فإن قيل : فما وجه نزول ابن عمر فى ذلك ؟ . ~~قيل : لما كان عند ابن عمر من صلاة التطوع ، وكان المتطوع بها PageV02P582 ~~مخيرا فى عملها إن شاء راكبا ، وإن شاء نازلا كان يوتر أحيانا بالأرض ، ~~وهذا وجه فعل ما ذكره النخعى عنه ، وهذا كله حجة على الكوفيين . قال ~~الطحاوى : ذكر عنهم أن الوتر لا يصلى على الراحلة ، وهو خلاف للسنة الثابت ~~، وقال مالك ، والثورى ، والأوزاعى ، والليث ، والشافعى ، وأحمد ، وأبو ثور ~~: يصلى الوتر على الراحلة اتباعا لهذا الحديث . * * * # | 26 - باب الوتر في ms0705 السفر # / 41 - فيه : ابن عمر قال : ( كان النبي عليه السلام يصلي في السفر على ~~راحلته ، حيث توجهت به ، يومئ إيماء صلاة الليل ، إلا الفرائض ، ويوتر على ~~راحلته ) . الوتر سنة مؤكدة فى الحضر والسفر ، والسنة لا يسقطها السفر إذا ~~كانت مؤكدة ، وقد روى عن ابن عباس ، وابن عمر أنهما قالا : الوتر فى السفر ~~سنة ، وهذا رد على الضحاك فى قوله : إن المسافر لا وتر عليه ، وأيضا فإن ~~ابن عمر ذكر أن النبى ، عليه السلام ، كان يتنفل فى السفر على راحلته حيث ~~توجهت به ، فالوتر أولى بذلك لأنه أوكد من النافلة . قال المهلب : وهذا ~~الحديث تفسير لقوله تعالى : { وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره } [ البقرة : ~~144 ] ، أن المراد به الصلوات المفروضات ، وأن PageV02P583 القبلة فرض فيها ~~، وبين أن القبلة فى النوافل سنة لصلاته ، عليه السلام ، لها فى السفر على ~~راحلته حيث ما توجهت به . * * * # | 27 - باب القنوت قبل الركوع وبعده # / 42 - فيه : ابن سيرين قال : سئل أنس : أقنت النبي عليه السلام في الصبح ~~؟ قال : نعم ، فقيل له : أوقنت قبل الركوع ؟ قال : بعد الركوع يسيرا . / 43 ~~- وقال عاصم : سألت أنس بن مالك عن القنوت ، فقال : قد كان القنوت ، قلت : ~~قبل الركوع أو بعده ؟ قال : قبله ، قال : فإن فلانا أخبرني عنك أنك قلت : ~~بعد الركوع ، فقال : كذب ، إنما قنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعد ~~الركوع شهرا ، أراه كان بعث قوما ، يقال لهم : القراء ، زهاء سبعين رجلا ~~إلى قوم من المشركين ، وكان بينهم وبين رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~عهد ، فقنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - شهرا ، يدعو عليهم . / 44 - ~~وقال أبو مجلز ، عن أنس : ( قنت النبي - صلى الله عليه وسلم - شهرا يدعو ~~على رعل وذكوان ) . / 45 - وقال أبو قلابة ، عن أنس : ( كان القنوت في ~~المغرب والفجر ) . وقال ابن المنذر : اختلف العلماء فى القنوت ، فقالت ~~طائفة بالقنوت قبل الركوع ، روى ذلك عن عمر ، وعلى ، وابن مسعود ، وأبى ~~موسى ، والبراء ، وأنس ، وابن عباس ، وابن أبى ليلى ، وبه قال إسحاق . ~~وقالت طائفة : القنوت بعد ms0706 الركوع روى ذلك عن أبى بكر ، وعمر ، وعثمان ، ~~وعلى ، وقال أنس : كل ذلك كان يفعله قبل وبعد ، PageV02P584 وبه قال أحمد ، ~~وفى ( المدونة ) : القنوت فى الصبح قبل الركوع وبعده واسع ، والذى يستحب ~~مالك فى خاصة نفسه قبل الركوع ، وهو حسن عند مالك ، وعند الشافعى سنة فى ~~الصبح ، وقال : يقنت فى الصلوات كلها عند حاجة المسلمين إلى الدعاء . قال ~~الطحاوى : لم يقل هذا أحد قبله ؛ لأن النبى ، عليه السلام ، لم يزل محاربا ~~للمشركين إلى أن توفاه الله ، ولم يقنت فى الصلوات . وقالت طائفة : لا قنوت ~~فى شىء من الصلوات المكتوبة ، روى ذلك عن عمر ، وابن مسعود ، وابن عمر ، ~~وابن عباس ، وابن الزبير ، وقال ابن عمر : هى بدعة ، وقال قتادة ، وإبراهيم ~~: لم يقنت أبو بكر ولا عمر حتى مضيا . وقال علقمة ، عن أبى الدرداء : لا ~~قنوت فى الفجر ، وعن طاوس مثله ، وهو قول الكوفيين والليث ، وقال الكوفيون ~~: إنما القنوت فى الوتر ، واحتج هؤلاء بما روى الطبرى ، عن أبى كريب ، ~~حدثنا ابن إدريس قال : سمعت سعد بن طارق أبا مالك الأشجعى قال : قلت لأبى : ~~صليت خلف رسول الله ، وأبى بكر ، وعمر ، وعثمان ، وعلى أكانوا يقنتون ؟ قال ~~: لا يا بنى ، محدثة . وقال الطبرى : والصواب فى ذلك أن يقال إن الخبر قد ~~صح عن الرسول أنه قنت على القراء إما شهرا أو أكثر فى كل صلاة مكتوبة ، ثم ~~PageV02P585 ترك ذلك ، وثبت قنوته فى الصبح ، وصح الخبر عنه أنه لم يزل ~~يقنت فى صلاة الصبح حتى فارق الدنيا ، حدثناه عمرو بن على قال : أخبرنا ~~خالد بن زيد ، قال : أخبرنا أبو جعفر الرازى عن الربيع قال : ( سئل أنس عن ~~قنوت النبى ، عليه السلام ، أنه قنت شهرا قال : لم يزل يقنت عليه السلام ، ~~حتى مات ) ، حديث أبى مالك صحيح عندنا أيضا ولا تعارض بينهما بحمد الله ، ~~فنقول : إذا نابت المسلمين نائبة نظيرة التى نزلت بالمسلمين بمصابهم بمن ~~قتل ببئر معونة ، فنرى القنوت فى ذلك حسنا على ما فعله النبى ، عليه السلام ~~، حتى يكشف عنهم ، وذلك أن أبا هريرة روى ms0707 أن النبى ، عليه السلام ، ترك ~~الدعاء عليهم إذ جاءوا تائبين ، وروى أنس أنه قنت شهرا . وذكر الطحاوى ~~بإسناده عن ابن شهاب ، عن سعيد بن المسيب ، وأبى سلمة ، عن أبى هريرة : ( ~~أن النبى ، عليه السلام ، كان إذا أراد أن يدعو لأحد أو يدعو على أحد قنت . ~~. . ) ، وذكر الحديث ، قال : روى حماد ، عن إبراهيم ، عن الأسود قال : كان ~~عمر إذا حارب قنت وإذا لم يحارب لم يقنت . قال الطبرى : ولسنا وإن كنا نرى ~~ذلك حسنا إذا نابت المسلمين نائبة بموجبين على من تركه إعادة لا سجود سهو ، ~~وإن تركه عامدا ، وذلك أن المسلمين مجمعون أن من ترك القنوت غير مفسد ~~لصلاته ، فإن قنت قانت فبفعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عمل ، وإن ~~ترك تارك فبرخصة رسول الله أخذ ، وذلك أنه كان يقنت أحيانا ، ويترك القنوت ~~أحيانا ، فأخبر أنس عنه أنه لم يزل يقنت على ما عهده من فعله ذلك بالقنوت ~~PageV02P586 فيها مرة وترك القنوت أخرى معلما بذلك أمته أنهم مخيرون فى ~~العمل بأى ذلك شاءوا من فعله . وأخبر طارق أنه صلى معه ، فلم يره قنت ، ~~وغير منكر أن يكون صلى معه فى الأوقات التى لم يقنت فيها ، فأخبر عنه بما ~~رأى وشاهد ، وليس قول : لم أر النبى - صلى الله عليه وسلم - قنت حجة يدفع ~~بها قول من قال : رأيته يقنت ، ولا سيما والقنوت أمر المصلى مخير فيه وفى ~~تركه ، ولو كان قول من قال : لم أره يقنت دافعا لقول من قال : رأيته قنت ~~وجب قول من قال : رأيته لا يرفع يديه عند الركوع ، وعند رفعه منه دافعا ~~لقول من قال : رأيته يرفع يديه عندهما . وكذلك كان يجب أن يكون كل ما حكى ~~عنه من اختلاف كان منه فى صلاته مما فعله تعليما لأمته فى أنهم مخيرون بين ~~العمل له وتركه غير جائز العمل بأحدهما ، وفى إجماع الأمة أن ذلك ليس كذلك ~~، وأن رفع اليدين فى حال الركوع والرفع منه غير مفسد لصلاة المصلى ، ولا ~~تركه بموجب عليه قضاء إذ كان من ms0708 العمل الذى عمله رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - أحيانا وتركه أحيانا ، فكذلك القنوت مثله سواء ، وكذلك القول عندنا ~~فيما روى عن أصحابه عليه السلام ، من الاختلاف فى ذلك ؛ لأن كلا شهد بما ~~رأى منه عليه السلام ، فى ذلك وكل محق صادق . قال المهلب : ووجه اختيار ~~مالك القنوت قبل الركوع ، والله أعلم ليدرك المستيقظون من النوم الركعة ~~التى بها تدرك الصلاة ، ولذلك كان الوقوف فى الصبح أطول من غيرها . قال ~~غيره : ووجه قول أنس للسائل : كذب ، يريد أنه كذب إن PageV02P587 كان قال ~~عنه : أن القنوت أبدا بعد الركوع ، وقد بين الثورى هذا المعنى فى سياقه ~~لهذا الحديث فروى الثورى ، عن عاصم ، عن أنس قال : ( إنما قنت رسول الله ~~بعد الركعة شهرا ، قلت : فكيف القنوت ؟ قال : قبل الركوع ) ، فبان بذلك أن ~~الذى دام عليه النبى - صلى الله عليه وسلم - من القنوت كان قبل الركوع كما ~~استحسنه مالك . قال المهلب : ولم يحفظ عن النبى ، عليه السلام ، أنه تمادى ~~على القنوت فى المغرب بل تركه تركا لا يكاد يثبت معه أنه لو قنت فيها لترك ~~الناس نقله ، إلا أنه روى عن أبى بكر الصديق أنه كان يدعو فى الثالثة من ~~المغرب بعد قراءته أم القرآن : { ربنا ولا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا } [ آل ~~عمران : 8 ] ، واستحبه الشافعى ، وقال مالك : ليس العمل عندنا على هذا ، ~~وإنما جاء أن الناس كانوا يلعنون الكفرة فى رمضان فى الوتر . وقال مالك فى ~~( المدونة ) : ليس العمل على القنوت بلعن الكفرة فى رمضان ، وقال ابن نافع ~~عنه : كانوا يلعنون الكفرة فى النصف من رمضان حتى ينسلخ ، وأرى ذلك واسعا ~~إن شاء فعل وإن شاء ترك . وقوله : زهاء سبعين : قال صاحب ( العين ) : ~~الزهاء : القدر فى العدد . | PageV02P588 # | 13 - كتاب الاستسقاء # # | 1 - باب خروج النبي - صلى الله عليه وسلم - في الاستسقاء # / 1 - فيه : عبدالله بن زيد ، قال : ( خرج النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~، يستسقي وحول رداءه ) . وترجم له : ( باب الاستسقاء فى المصلى ) ، وزاد ~~فيه : ( خرج النبي - صلى الله عليه وسلم - ، إلى المصلى ms0709 يستسقي ) . أجمع ~~المسلمون على جواز الخروج إلى الاستسقاء والبروز إليه فى المصلى عند إمساك ~~الغيث عنهم . واختلفوا فى الصلاة ، فقال أبو حنيفة : يبرز المسلمون للدعاء ~~والتضرع إلى الله فيما نزل بهم ، وإن خطب مذكر لهم ومخوف فحسن ، ولم يعرف ~~الصلاة فى الاستسقاء ، واحتج بهذا الحديث الذى لا ذكر للصلاة فيه ، وروى ~~مغيرة عن إبراهيم : أنه خرج مرة للاستسقاء فلما فرغوا قاموا يصلون ، فرجع ~~إبراهيم ولم يصل . وقال سائر الفقهاء ، وأبو يوسف ومحمد : إن صلاة ~~الاستسقاء سنة ركعتان ؛ لثبوت ذلك عن النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، ~~وليس تقصير من قصر عنها بحجة على من ذكرها بل الذى رواها أولى ؛ لأنها ~~زيادة يجب قبولها . * * * # | 2 - باب دعاء النبي - صلى الله عليه وسلم - اللهم اجعلها عليهم سنين ~~كسني يوسف # / 2 - فيه : أبو هريرة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، كان إذا رفع ~~رأسه من PageV03P005 الركعة الأخيرة يقول : اللهم أنج عياش بن أبي ربيعة ، ~~اللهم أنج سلمة بن هشام ، اللهم أنج الوليد بن الوليد ، اللهم أنج ~~المستضعفين من المؤمنين ، اللهم اشدد وطأتك على مضر ، اللهم اجعلها سنين ~~كسني يوسف ، وأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : ( غفار غفر الله لها ، ~~وأسلم سالمها الله ) ، هذا كله في الصبح . / 3 - فيه : عبدالله : أن النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - ، لما رأى من الناس إدبارا ، قال : ( اللهم سبع ~~كسبع يوسف ) ، فأخذتهم سنة حصت كل شيء ، حتى أكلوا الجلود والميتة والجيف ، ~~وينظر أحدهم إلى السماء ، فيرى الدخان من الجوع ، فأتاه أبو سفيان ، فقال : ~~يا محمد إنك تأمر بطاعة الله وبصلة الرحم ، وإن قومك هلكوا ، فادع الله لهم ~~، قال الله تعالى : { فارتقب يوم تأتي السماء بدخان مبين } إلى قوله : { ~~إنكم عائدون * يوم نبطش البطشة الكبرى } [ الدخان : 15 ، 16 ] ، فالبطشة ~~يوم بدر ، فقد مضت البطشة والدخان ، واللزام وآية الروم . فيه : جواز ~~الدعاء على الكفار بالجوع والجهد وغيره ، قال المهلب : وإنما دعا عليهم ~~بالسبع سنين ، والله أعلم ، إرادة أن يضعفهم بالجوع عن طغيانهم ؛ فإن نفس ~~الجائع أخشع لله وأقرب للانقياد والتذلل ، فأجاب ms0710 الله دعوته وأعلمه أنهم ~~سيعودون بعد أن يرغبوا فى رد العذاب عنهم . وفيه : الدعاء على الظالم ~~بالهلاك . وفيه : الدعاء لأسرى المؤمنين بالنجاة من أيدى العدو . وفيه : ~~جواز الدعاء فى صلاة الفريضة بما ليس فى القرآن بخلاف PageV03P006 الكوفيين ~~، وذكر أبو الزناد فى حديث أبى هريرة أن ذلك كان فى صلاة الصبح . وقال ~~المهلب : والدعاء على المشركين يختلف معناه ، فإذا كانوا منتهكين لحرم ~~الدين وحرم أهله ، فالدعاء عليهم واجب ، وعلى كل من سار بسيرهم من أهل ~~المعاصى والانتهاك ، فإن لم ينتهكوا حرمة الدين وأهله وجب أن يدعى لهم ~~بالتوبة كما قال - صلى الله عليه وسلم - ، حين سئل أن يدعوا على دوس فقال : ~~( اللهم اهد دوسا وائت بهم ) ، وقيل : إنما يجب أن يكون الدعاء على أهل ~~المعاصى فى حين انتهاكهم ، وأما عند تركهم وإدبارهم عن الانتهاك فيجب أن ~~يدعى لهم بالتوبة ، وروى أن أبا بكر الصديق وزوجته كانا يدعوان على عبد ~~الرحمن ابنهما يوم بدر بالهلاك إذ حمل على المسلمين ، وإذا أدبر يدعوان له ~~بالتوبة . وفى قوله : ( غفار غفر الله لها ، وأسلم سالمها الله ) ، الدعاء ~~للمؤمنين بالمغفرة ، تفاءل لهما - صلى الله عليه وسلم - ، من أسمائهما فألا ~~حسنا ، وكان يعجبه الفأل الحسن ، وقال الخطابى : وقوله : ( غفار غفر الله ~~لها ) ، فنرى ، والله أعلم ، إنما خصهم بالدعاء والمغفرة لمبادرتهم إلى ~~الإسلام وبحسن بلائهم فيه ، ودعا لأسلم ؛ لأن إسلامهم كان سلما من غير حرب ~~، ويقال : كان مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم حنين من أسلم ~~أربعمائة ومن غفار مثلها . وقوله : ( حصت كل شىء ) ، يعنى أذهبته قال صاحب ~~( العين ) ، يقال : الحص : السنة الجرداء ، والحص إذهاب الشعر ، والبيضة ~~PageV03P007 تحص رأس صاحبها ، ومن أمثال العرب : ( أفلت وانحص الذنب ) ، ~~يقال للذى تفلت من منتشب ، وأصله الطائر يفلت من يد الإنسان فيبقى فى يديه ~~من ريش ذنبه بقية . * * * # | 3 - باب سؤال الناس الإمام الاستسقاء إذا قحطوا # / 4 - فيه : ابن عمر قال : ( ربما ذكرت شعر أبي طالب وأنا أنظر إلى وجه ~~النبي ، - صلى الله عليه وسلم - ، يستسقي : وأبيض يستسقى الغمام بوجهه ms0711 ثمال ~~اليتامى عصمة للأرامل فما ينزل حتى يجيش كل ميزاب لك ميزاب ) . / 5 - وفيه ~~: أنس : أن عمر بن الخطاب كان إذا قحطوا استسقى بالعباس بن عبدالمطلب ، ~~فقال : اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا ، فتسقينا ، وإنا نتوسل إليك بعم ~~نبينا فاسقنا ، قال : فيسقون . فيه : أن الخروج إلى الاستسقاء والاجتماع ~~والبروز لا يكون إلا بإذن الإمام ، وهذه سنن الأمم السالفة قال الله تعالى ~~: { وأوحينا إلى موسى إذ استسقاه قومه } [ الأعراف : 160 ] ، وأما الدعاء ~~فى أعقاب الصلوات فى الاستسقاء فجائز بغير إذن الإمام . قال المهلب : وموضع ~~الترجمة من الحديث قول عمر : PageV03P008 اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا ~~وهو معنى قول أبى طالب : وأبيض يستسقى الغمام بوجهه ، وأما استسقاء عمر ~~بالعباس ، فإنما هو للرحم التى كانت بينه وبين النبى ، - صلى الله عليه ~~وسلم - ، فأراد عمر أن يصلها بمراعاة حقه ، ويتوسل إلى من أمر بصلة الأرحام ~~بما وصلوه من رحم العباس ، وأن يجعلوا ذلك السبب إلى رحمة الله تعالى . ~~والثمال : هو الذى يثمل القوم فيكفيهم أمرهم بإفضاله عليهم . * * * # | 4 - باب تحويل الرداء في الاستسقاء # / 6 - فيه : عبدالله بن زيد : ( أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، ~~استسقى وقلب رداءه ) . / 7 - وقال مرة : ( خرج النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- إلى المصلى ، فاستسقى ، فاستقبل القبلة ، وقلب رداءه ، وصلى ركعتين ) . ~~وكان ابن عيينة يقول : عبد الله بن زيد هو صاحب الأذان ، ولكنه وهم ؛ لأن ~~هذا هو عبدالله بن زيد بن عاصم المازني ، مازن الأنصار . وذهب مالك ، ~~والشافعى ، وأحمد ، وأبو ثور إلى أن الإمام يحول رداءه ويحول الناس أرديتهم ~~بتحويله ، وقال الليث ، وأبو يوسف ، ومحمد بن عبد الحكم يقلب الإمام وحده ~~رداءه ، وليس ذلك على من خلفه ، وقال محمد بن عبد الحكم : ليس فى الحديث أن ~~الناس حولوا أرديتهم ، وكذلك روى عيسى ، عن ابن وهب أنه كان لا يرى تحويل ~~الرداء إلا على الإمام وحده . PageV03P009 واحتج من قال : يحول الناس ~~بتحويل الإمام بقوله - صلى الله عليه وسلم - : ( إنما جعل الإمام ليؤتم به ~~) ، فما فعل الإمام واجب على المأموم فعله . واختلفوا ms0712 أيضا فى صفة تحويله ، ~~فروى ابن القاسم عن مالك قال : يحول ما على اليمين على اليسار ، وما على ~~اليسار على اليمين ، وروى عنه ابن عبد الحكم : إذا فرغ من خطبته استقبل ~~القبلة ، وحول رداءه ، ما على ظهره منه يلى السماء وما كان يلى السماء على ~~ظهره ، وبه قال أحمد ، وأبو ثور ، وقال الشافعى : ينكس أعلاه أسفله ، ~~وأسفله أعلاه . والقول الأول أولى لأنه قد روى سفيان ، عن المسعودى ، عن ~~أبى بكر بن محمد بن عمرو بن حزم ، عن عباد بن تميم ، عن عمه ( أن النبى ، - ~~صلى الله عليه وسلم - ، جعل اليمين على الشمال ) ، ذكره البخارى ، فى باب ~~الاستسقاء فى المصلى بعد هذا . قال المهلب : وتحويل الرداء إنما هو على وجه ~~التفاؤل بتحويل الحال عما هى عليه ، والله أعلم ، ألا ترى أن النبى ، - صلى ~~الله عليه وسلم - ، كان يعجبه الفأل الحسن إذا سمع من القول ، فكيف من ~~الفعل ؟ . وفيه : دليل على استعمال الفأل من الأمور ، وإن لم يقع بالموافقة ~~ووقع استعمالا . وقوله : ( صلى ركعتين ) ، هو حجة جمهور أهل العلم أن السنة ~~فى الاستسقاء أن يصلى ركعتين . * * * PageV03P010 # | 5 - باب الاستسقاء في المسجد الجامع # / 8 - فيه : أنس : أن رجلا دخل المسجد يوم الجمعة من باب كان وجاه المنبر ~~ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - قائم يخطب ، فاستقبل رسول الله قائما ، ~~فقال : يا رسول الله ، هلكت المواشي ، وانقطعت السبل ، فادع الله أن يغيثنا ~~، قال : فرفع رسول الله يديه ، فقال : ( اللهم اسقنا ، ثلاث مرات . . . ) ~~وذكر الحديث . وترجم له : ( باب الاستسقاء فى خطبة الجمعة غير مستقبل ~~القبلة ) ، وباب ( الاستسقاء على المنبر ) ، وباب ( من اكتفى بصلاة الجمعة ~~فى الاستسقاء ) . فيه : الاكتفاء بالاستسقاء فى المسجد الجامع دون بروز إلى ~~المصلى ؛ لأن الله تعالى ، أجاب دعوة نبيه - صلى الله عليه وسلم - وسقاهم . ~~وفيه : بركة دعائه - صلى الله عليه وسلم - ، ولم يختلف العلماء أنه إذا ~~استسقى فى خطبة الجمعة أنه لا يستقبل القبلة فى دعائه بالاستسقاء كما يصنع ~~إذا ربز ، ولا يحول رداءه فى خطبة الجمعة ، وإنما ذلك من سنة البروز ms0713 إليها ~~. وفيه : إن اجتزءوا بالاستسقاء فى كل جمعة فى المسجد الجامع جاز . وقد ~~أجاز قوم الاستسقاء بغير صلاة ، ذكره ابن المنذر عن قيس بن أبى حازم ، وأبى ~~حنيفة ، قال : ورأى ذلك الشافعى ، قال : وكان الثورى يكره ذلك . الإكام : ~~الكدى واحدتها أكمة ، ويقال : آكام ، وأكم عن PageV03P011 الخليل ، والظراب ~~: الجبال الصغار واحدها ظرب عن أبى عبيد ، وظرب عن الخليل ، والقزع : سحاب ~~صغار تتطاير فى السماء وهى من أحب السحاب إلى الناس ، عن أبى حنيفة . و ( ~~سلع ) جبل بقرب المدينة ، بإسكان اللام . * * * # | 6 - باب الدعاء إذا تقطعت السبل من كثرة المطر # / 9 - فيه : أنس : ( جاء رجل إلى النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، فقال ~~: يا رسول الله ، هلكت المواشي ، وانقطعت السبل ، فادع الله ، فدعا رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - ، فمطروا من جمعة إلى جمعة ، فجاء رجل إلى ~~رسول الله ، فقال : يا رسول الله ، تهدمت البيوت ، وأتقطعت السبل ، وهلكت ~~المواشي ، فقال رسول الله : اللهم على رءوس الجبال والآكام ، وبطون الأودية ~~، ومنابت الشجر ، فانجابت عن المدينة انجياب الثوب ) . وترجم له : ( باب ~~الدعاء إذا كثر المطر : حوالينا ولا علينا ) ، وزاد أنس هذا اللفظ فى حديثه ~~. قال المؤلف : فيه الدعاء إلى الله فى الاستصحاء كما يدعى فى الاستسقاء ؛ ~~لأن كل ذلك بلاء يفزع إلى الله فى كشفه ، وقد سمى الله كثرة المطر أذى فقال ~~: { إن كان بكم أذى من مطر } [ النساء : 102 ] ، ولا يحول الرداء فى ~~الاستصحاء إذ لا بروز فيه ولا صلاة تفرد له ، PageV03P012 وإنما يكون ~~الدعاء فى الاستصحاء فى خطبة الجمعة أو فى أوقات الصلوات وأدبارها . وفيه ~~من الفقه : استعمال أدب النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، المهذب وخلقه ~~العظيم ؛ لأنه لم يدع الله ليرفع الغيث جملة لئلا يرد على الله فضله وبركته ~~وما رغب إليه فيه ، وسأله إياه فقال : ( اللهم على رءوس الجبال والآكام ~~وبطون الأودية ومنابت الشجر ) ؛ لأن المطر لا يضر نزوله فى هذه الأماكن ~~وقال : ( اللهم حوالينا ولا علينا ) ، فيجب امتثال ذلك فى نعم الله إذا ~~كثرت ألا يسأل أحد قطعها وصرفها عن ms0714 العباد . وقوله : ( فانجابت ) ، تقول ~~العرب : جبت القميص قورت جيبه ، عن ابن قتيبة ، ومنه قوله تعالى : { جابوا ~~الصخر بالواد } [ الفجر : 9 ] ، قطعوه ونقبوه ونحتوه ، ومنه : جبت الرحى ~~إذا نقبت وسطها مثل جيب القميص ، فشبه انقطاع السحاب من المدينة بتدوير ~~انجياب الثوب إذا قور جيبه وفتح . * * * # | 7 - باب ما قيل إن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، لم يحول رداءه في ~~الاستسقاء يوم الجمعة # / 10 - فيه : أنس أن رجلا شكا إلى رسول الله هلاك المال ، وجهد العيال ، ~~فدعا الله أن يستسقي ، ولم يذكر أنه حول رداءه ، ولا استقبل القبلة . ~~PageV03P013 وقد تقدم أن تحويل الرداء واستقبال القبلة بالدعاء إنما يكون ~~من سنة صلاة الاستسقاء إذا برز لها ، وأما فى المساجد فلا يكون ذلك . * * * # | 8 - باب إذا استشفعوا إلى الإمام ليستسقي لهم لم يردهم # / 11 - فيه : أنس : ( أن رجل جاء إلى النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، ~~فقال : يا رسول الله ، هلكت المواشي ، وتقطعت السبل ، فادع الله ، فدعا ~~الله ، فمطرنا من الجمعة إلى الجمعة . . . ) الحديث . وفيه : أن على الإمام ~~إذا سئل الخروج إلى الاستسقاء أن يجيب إلى ذلك ، لما فيه من الضراعة إلى ~~الله فى صلاح أحوال عباده وأن يأمرهم بالخروج من المظالم والتوبة من الذنوب ~~، وإصلاح نياتهم ، ويعظهم ، وكذلك إذا سئل الإمام ما فيه صلاح أحوال الرعية ~~أن يجيبهم إلى ذلك أيضا ؛ لأن الإمام راع ومسئول عن رعيته ، فيلزمه حياطتهم ~~وتشفيعهم فيما سألوه مما لا بد لهم منه ، وكان - صلى الله عليه وسلم - لا ~~يرد من سأله حاجة . * * * # | 9 - باب إذا استشفع المشركون بالمسلمين عند القحط # / 12 فيه : ابن مسعود : ( أن قريشا أبطئوا عن الإسلام ، فدعا عليهم - صلى ~~الله عليه وسلم - ، فأخذتهم سنة ، حتى هلكوا فيها ، وأكلوا الميتة والعظام ~~، فجاءه أبو سفيان ، فقال : يا محمد ، جئت تأمر بصلة الرحم ، وإن قومك قد ~~هلكوا ، فادع الله فقرأ : { فارتقب يوم تأتي السماء بدخان مبين } [ الدخان ~~: 10 ] ، ثم عادوا إلى كفرهم فذلك قوله : { يوم نبطش البطشة الكبرى } [ ~~الدخان : 16 ] يوم بدر ) . PageV03P014 وزاد أسباط عن منصور : فدعا رسول ~~الله ms0715 - صلى الله عليه وسلم - ، فسقوا الغيث ، فأطبقت عليهم سبعا ، وشكا ~~الناس كثرة المطر ، قال : اللهم حوالينا ولا علينا ، فانحدر السحاب عن رأسه ~~، فسقوا الناس حولهم ) . قال المهلب : استشفاع المشركين بالمسلمين جائز إذا ~~رجى رجوعهم إلى الحق ، وكانت هذه القصة والنبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، ~~بمكة قبل الهجرة . وفيه : دليل أن الإمام إذا طمع بدار من دور الحرب أن ~~يسلم أهلها أن يرفق بهم ، ويأخذ عفوهم ، ويدعو لهم بالصلاح ، ويكف عن ~~ثمارهم وزروعهم ، وأما إن يئس من إنابتهم فلا يدعو لهم ؛ بل يدعو عليهم ، ~~ولا بأس حينئذ بقطع ثمارهم وزروعهم . وفيه : إقرار المشركين والمنافقين ~~بفضل النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، وقرب مكانه من ربه ، وأنه المستشفع ~~عنده فيما سأله إياه ، وأن تلك عادة من الله علموها ، ولولا ذلك ما لجئوا ~~إليه فى كشف ضرهم عند إشرافهم على الهلكة ، فسألوه أن يكون وسيلة إلى الله ~~فى إزالة ضرهم ، وذلك أدل الدليل على معرفتهم بصدقه ، ولكن حملهم الحسد ~~والأنفة على معاداته ومخالفته لما سبق فى أم الكتاب من كفرهم ، أعاذنا الله ~~من العناد ، ومكابرة العيان . * * * # | 10 - باب الدعاء في الاستسقاء قائما # / 13 - فيه : عبدالله بن يزيد الأنصاري : أنه خرج مع البراء ، وزيد بن ~~أرقم ، فاستسقى ، فقام على راحلته على غير منبر ، فاستغفر ، ثم صلى ركعتين ~~PageV03P015 يجهر بالقراءة ، ولم يؤذن ، ولم يقم ، قال أبو إسحاق السبيعى : ~~ورأى عبدالله بن يزيد النبي ، - صلى الله عليه وسلم - . / 14 - وفيه : عبد ~~الله بن يزيد : ( أن الرسول خرج بالناس يستسقي لهم ، فدعا الله قائما ، ثم ~~توجه قبل القبلة ، وحول رداءه ) . السنة فى الاستسقاء لمن برز إليها أن ~~يدعو الله قائما ؛ لأنه حال خشوع وإنابة وخضوع ، وكذلك لا خلاف بين العلماء ~~أنه لا أذان ، ولا إقامة لصلاة الاستسقاء . * * * # | 11 - باب الجهر بالقراءة في الاستسقاء # / 15 - فيه : عبد الله بن زيد : ( خرج النبي - صلى الله عليه وسلم - ، ~~يستسقي فتوجه نحو القبلة يدعو ، وحول رداءه ، ثم صلى ركعتين جهر فيهما ~~بالقراءة ) . السنة المجتمع عليها الجهر بالقراءة فى صلاة الاستسقاء ، ~~وإنما اختلف ms0716 فى قراءة صلاة الكسوف على ما يأتى بعد هذا فى موضعه ، إن شاء ~~الله تعالى . وهذا الحديث يدل أن الخطبة فى الاستسقاء قبل الصلاة ؛ لأنه ~~قال فيه أنه استسقى وتوجه إلى القبلة يدعو وحول رداءه وصلى ركعتين ، و ( ثم ~~) ، للترتيب فى كلام العرب ، ويدل أن الثانى بعد الأول . وممن روى عنه أن ~~الخطبة قبل الصلاة فى ذلك عمر بن الخطاب ، PageV03P016 وابن الزبير ، ~~والبراء ابن عازب ، وزيد بن أرقم ، وعمر بن عبد العزيز ، وهو قول الليث . ~~وقال مالك ، وأبو يوسف ، ومحمد ، والشافعى : يبدأ بالصلاة قبل الخطبة ، ~~وحجتهم ما رواه أبو بكر بن حزم ، عن عباد بن تميم ، عن عبد الله بن زيد : ( ~~أن النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، خرج يستسقى فصلى ركعتين وقلب رداءه ) ~~، ذكره البخارى فى باب الاستسقاء فى المصلى فذكر تقديم الصلاة على الخطبة ، ~~وفى هذا الحديث أبو بكر بن حزم ، وهو أضبط للقصة من ابنه عبد الله الذى ذكر ~~تقديم الخطبة قبل الصلاة . واحتجوا أيضا بما رواه النعمان بن راشد ، عن ~~الزهرى ، عن حميد بن عبد الرحمن ، عن أبى هريرة ، قال : ( خرج النبى ، - ~~صلى الله عليه وسلم - ، يستسقى فصلى بنا ركعتين بغير أذان ولا إقامة ، ثم ~~خطبنا ودعا وصلى ) ، والنعمان بن راشد ، وإن كان كثير الوهم على الزهرى ، ~~فإن رواية أبى بكر بن حزم تشهد لحديثه بالصحة . واحتج الطحاوى لأصحابه فى ~~ذلك فقال : لما اختلفت الآثار فى ذلك نظرنا فوجدنا الجمعة فيها خطبة ، وهى ~~قبل الصلاة ، ورأينا العيدين فيها خطبة ، وهى بعد الصلاة ، فأردنا أن ننظر ~~خطبة الاستسقاء بأى الخطبتين هى أشبه ، فرأينا خطبة الجمعة فريضة وصلاة ~~الجمعة بها مضمنة لا تجزئ إلا بها ، ورأينا خطبة العيدين ليست كذلك ؛ لأن ~~صلاة العيدين تجزئ أيضا وإن لم يكن معها خطبة ، ثم رأينا صلاة الاستسقاء ~~تجزىء أيضا وإن لم يخطب ، وإن كان قد أساء بترك الخطبة فيها ، فكانت بحكم ~~صلاة العيدين أشبه منها بخطبة الجمعة . PageV03P017 # | 12 - باب كيف حول النبي - صلى الله عليه وسلم - ، ظهره للناس # / 16 - فيه : عبد الله ms0717 بن زيد قال : رأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - ، ~~يوم خرج ليستسقي ، فحول إلى الناس ظهره ، واستقبل القبلة يدعو ، وحول رداءه ~~، يصلى . . . ) الحديث . وترجم له : ( باب استقبال القبلة فى الاستسقاء ) . ~~/ 17 - وزاد فيه : ( أنه لما دعا أو أراد أن يدعو اسقبل القبلة وحول رداءه ~~) . وسنة من برز إلى الاستسقاء أن يستقبل القبلة ببعض دعائه ، وسنة من خطب ~~الناس معلما لهم وواعظا أن يستقبلهم بوجهه أيضا ، ثم يعود عند دعاء ~~الاستسقاء فيستقبل القبلة ؛ لأن الدعاء مستقبل القبلة أفضل . وقوله : ( لما ~~دعا أو أراد أن يدعو استقبل القبلة وحول رداءه ) ، فإن قول مالك وأصحابه ~~اختلف فى وقت تحويل الإمام رداءه ، فروى ابن القاسم ، وابن عبد الحكم أنه ~~يحول رداءه إذا فرغ من الخطبة ، وروى عنه على بن زياد أنه يقلبه بين ظهرانى ~~خطبته ، وقال ابن الماجشون : يقلبه بعد صدر منها ، وقال أصبغ : إذا أشرف ~~على فراغ الخطبة قلب رداءه ، وهذه الأقوال كلها خارجة من هذا الحديث من أصل ~~شك المحدث فى تحويل الرداء إن كان بعد الدعاء أو قبله ، وبالله التوفيق . ~~قال الطحاوى : وقول عبد الله بن زيد أن النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، ~~خرج يستسقى فاستقبل القبلة يدعو وحول رداءه ثم صلى ركعتين ، ولم يذكر فيه ~~تكبيرا كتكبير العيدين ، وقول الشافعى : إن تكبير الاستسقاء كتكبير العيدين ~~، واحتج بما رواه هشام بن إسحاق عن أبيه ، PageV03P018 عن ابن عباس : ( أن ~~النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، خرج فى الاستسقاء متذللا متواضعا ، ودعا ~~وصلى ركعتين كما يصلى فى العيدين ) ، قال الطحاوى : وهشام بن إسحاق ، وأبوه ~~غير مشهورين بالعلم ولا تثبت بروايتهما حجة . وقوله : ( كصلاة العيدين ) ، ~~يحتمل أنه صلى ركعتين ، فكان التشبيه واقعا من جهة القدر لا من جهة التكبير ~~كما قال تعالى : { ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم } [ الأنعام : 38 ~~] ، ولم يكن المراد أنها أمم أمثالنا فى النطق والتعبد ، وإنما أراد أمم ~~كما نحن أمم . * * * # | 13 - باب الاستسقاء في المصلى # / 18 - فيه : سفيان ، عن المسعودى ، عن أبى بكر بن حزم ، عن عباد بن تميم ms0718 ~~: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، خرج إلى المصلى يستسقي ، واستقبل ~~القبلة ، فصلى ركعتين ، وقلب رداءه ، وجعل اليمين على الشمال . هذا الحديث ~~حجة لمالك ومن وافقه أن الصلاة فى الاستسقاء قبل الخطبة ؛ لأنه ذكر فيه أنه ~~صلى قبل قلبه رداءه ، والعلماء لا يختلفون أن قلب الرداء إنما يكون فى ~~الخطبة ، فمنهم من قال بعد تمامها ، ومنهم من قال بعد صدر منها ، ومنهم من ~~قال عند فراغها ، على ما تقدم فى الباب قبل هذا ، فإذا كانت الخطبة وقلب ~~الرداء بعد الصلاة فهو الذى ذهب إليه مالك أن الصلاة قبل الخطبة ، وهو نص ~~هذا الحديث . PageV03P019 وقوله : ( ثم جعل اليمين على الشمال ) ، قد تقدم ~~ما للعلماء فيه فأغنى عن إعادته . قال المهلب : وفيه دليل على أن النبى ، - ~~صلى الله عليه وسلم - ، كان يلبس الرداء على حسب لباسنا بالأندلس ولباس أهل ~~مصر وبغداد ، وهو غير الاشتمال به ؛ لأنه - صلى الله عليه وسلم - ، حول ما ~~على يمينه على يساره ، ولو كان لباسه اشتمالا لما صحت العبارة عنه إلا بأن ~~يقال قلب أسفله أعلاه ، أو حل رداءه فقلبه ، وهذا بين لا إشكال فيه . وفى ~~المدونة : أنه لا يخرج إليها بمنبر ، وقال أشهب فى المجموعة : واسع أن يخرج ~~إليها بالمنبر أو لا يخرج . * * * # | 14 - باب رفع الناس أيديهم مع الإمام في الاستسقاء # / 19 - فيه : أنس : ( جاء أعرابي إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~يوم الجمعة ، فقال : يا رسول الله ، هلكت الماشية ، هلك العيال ، هلك الناس ~~، فرفع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يديه يدعو ، ورفع الناس أيديهم مع ~~رسول الله يدعون ، قال : فما خرجنا من المسجد حتى مطرنا ، فما زلنا نمطر ~~حتى كانت الجمعة الأخرى ، فأتى الرجل إلى رسول الله فقال : يا رسول الله ، ~~بشق المسافر ومنع الطريق ) . وذكر بعد هذا حديث : / 20 - أنس قال : ( كان ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - ، لا يرفع يديه فى شىء من دعائه إلا فى ~~الاستسقاء ، وإنه يرفع يديه حتى يرى بياض إبطيه ) . PageV03P020 وترجم له : ~~( باب رفع الأيدى فى الاستسقاء ) . قال ms0719 المهلب : رفع اليدين فى الاستسقاء ~~وغيره مستحب ؛ لأنه خضوع وتذلل ، وتضرع إلى الله تعالى ، وروى عن النبى ، - ~~صلى الله عليه وسلم - ، أنه قال : ( إن الله حيى ، يستحيى إذا رفع العبد ~~إليه يديه أن يردهما صفرا ) . وذكر ابن حبيب قال : كان مالك يرى رفع اليدين ~~فى الاستسقاء للناس والإمام ، وبطونهما إلى الأرض ، وذلك العمل عند ~~الاستكانة والخوف والتضرع وهو الرهب ، وأما الرغبة والمسألة فتبسط الأيدى ، ~~وهو الرغب وهو معنى قول الله ، تعالى : { ويدعوننا رغبا ورهبا } [ الأنبياء ~~: 92 ] ، خوفا وطمعا ، وروى عن مالك فى المجموعة أنه استحسن رفع الأيدى فى ~~الاستسقاء والحجة له قول أنس : أن النبى - صلى الله عليه وسلم - لم يكن ~~يرفع يديه فى شىء من دعائه إلا فى الاستسقاء . وقال ابن القاسم فى ( ~~المدونة ) : يرفع يديه فى الاستسقاء ومواضع الدعاء ، ومن مواضع الدعاء : ~~الصفا والمروة ، وعند الجمرتين ، وبعرفات ، وبالمشعر الحرام رفعا خفيفا ولا ~~يمد يديه رافعا . وسيأتى اختلاف العلماء فى رفع اليدين فى الدعاء فى باب ~~رفع الأيدى بالدعاء فى كتاب الدعاء ، إن شاء الله تعالى . وذكر الرواة فى ~~هذا الحديث : ( بشق المسافر ) ، بالباء ولم أجد له فى اللغة معنى ، ووجدت ~~له فى : ( نوادر اللحيانى ) : ( نشق ) بالنون وكسر الشين وارتبق وانربق ، ~~بمعنى نشب وعلى هذا يصح المعنى لقوله PageV03P021 ومنع الطريق ، وقال كراع ~~: نشق الصيد فى الحبالة نشقا : نشب وكذلك فراشة القفل ، وأنشد ابن الأعرابى ~~لبعض بنى نمير : وإن حبلا لم ينشقا فى حبالة وإن يرصدا يوما يخب مرصداهما ~~وقال المطرز : النشقة : حبالة الصائد ، وقال أبو عبيد فى المصنف : الربقة ~~والنشقة : الحلقة التى تشد بها الغنم . * * * # | 15 - باب ما يقال إذا مطرت # وقال ابن عباس : { كصيب } [ البقرة 19 ] المطر ، وقال غيره : صاب وأصاب ~~يصوب . ( 1 ) / 21 - فيه : عائشة : ( أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~كان إذا رأى المطر ، قال : صيبا نافعا ) . فيه : الدعاء فى الازدياد من ~~الخير والبركة فيه والنفع به ، قال ابن عيينة : حفظناه سيبا . وقال الخطابى ~~: السيب العطاء ، والسيب مجرى الماء ، والجمع سيوب ، وقد ساب يسوب إذا ms0720 جرى ~~، فأما الصيب فأصله من صاب يصوب ، يقال : صاب المطر يصوب إذا نزل وقال ~~الشاعر : تحدر من جو السماء يصوب وقال المبرد : هو من صاب إذا قصد . وفى ~~كتاب ( الأفعال ) : صاب صوبا وصيبا فأصاب مطره ، ويقال : صاب الشىء : إذا ~~نزل من علو إلى سفل ، وصاب : إذا قصد . PageV03P022 # | 16 - باب من تمطر في المطر حتى تحادر على لحيته # / 22 - فيه : أنس : ( قدم أعرابي ، فقال : يا رسول الله ، هلك المال ، ~~وجاع العيال ، فادع الله أن يسقينا ، فرفع رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- يديه ، وما في السماء قزعة ، فثار السحاب أمثال الجبال ، ثم لم ينزل عن ~~منبره حتى رأيت المطر يتحادر على لحيته ، فمطرنا إلى الجمعة الأخرى ، فقام ~~ذلك الأعرابي أو غيره ، فقال : يا رسول الله ، تهدم البناء ، وغرق المال ، ~~فادع الله لنا ، فرفع رسول الله يديه ، فقال : ( اللهم حوالينا ، ولا علينا ~~) ، فما جعل يشير بيديه إلى ناحية من السماء ، إلا تفرجت ، وصارت المدينة ~~مثل الجوبة ، حتى سال الوادي ، وادي قناة شهرا ، قال : فلم يجئ أحد من ~~ناحية إلا حدث بالجود ) . فيه : دليل أنه يستزاد من المطر ، وإن كان نازلا ~~فى حين الاستزادة ، وأن يصبر للبلل ولا ينكر وقعه فى الثياب وغيرها عند ~~حاجة الناس إليه ، وكذلك فى كل نعمة وفضل يستزاد الله منه ويسأل وإن كان فى ~~حين الدعاء دارا موجودا . وفيه : بركة دعوة النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ~~. وتمطر للمطر معناه : تعرض ، وتفعل عند العرب تأتى بمعنى أخذك من الشىء ~~بعضا بعد بعض ، نحو : تحسيت الحشاء وتنقصته الأيام . وقوله : ( حتى صارت ~~المدينة مثل الجوبة ) ، قال ابن دريد : الجوبة الفجوة بين البيوت ، والجوبة ~~أيضا قطعة من الفضاء سهلة بين أرضين غلاظ ، فيحتمل أن يكون : حتى صارت فى ~~مثل الشىء المنقطع من PageV03P023 السحاب ، والجواب : القطع والشق ، ~~فالمعنى أن السحاب ينقطع حول المدينة مستديرا وأبيض ما عليها من السحاب ~~وصار كالردع فى بياضه وانقطاعه على قول الخليل ، وعلى قول ابن دريد : حتى ~~انكشف عن المدينة وباينت الأرضين المجاورة ، كمباينة الجوبة التى هى القطعة ms0721 ~~السهلة من الأرض لما حولها من الأرضين الغلاظ . وفى هذا الحديث : ( وادى ~~قناة ) ، على الإضافة غير مصروف ؛ لأنه معرفة ، وقد تقدم فى كتاب الجمعة : ~~( حتى سال الوادى قناة ) ، على البدل غير مصروف أيضا ؛ لأنه بدل من معرفة . ~~والجود : المطر الغزير . * * * # | 17 - باب إذا هبت الريح # / 23 - فيه : أنس قال : كانت الريح الشديدة إذا هبت ، عرف ذلك في وجه ~~النبي ، - صلى الله عليه وسلم - . وقال المهلب : كان - صلى الله عليه وسلم ~~- ، يخشى أن تصيبهم عقوبة ذنوب العامة كما أصاب الذين قالوا : { هذا عارض ~~ممطرنا } [ الأحقاف : 24 ] . وفيه : تذكر ما نسى الناس من عذاب الله للأمم ~~الخالية ، والتحذير من طريقهم فى العصيان خشية نزول ما حل بهم ، قال الله ~~PageV03P024 تعالى : { أفأمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا بياتا وهم نائمون } ~~إلى { الخاسرون } [ الأعراف : 97 - 99 ] . # | 18 - باب قول النبي - صلى الله عليه وسلم - ، نصرت بالصبا # / 24 - فيه : ابن عباس قال - صلى الله عليه وسلم - : ( نصرت بالصبا ، ~~وأهلكت عاد بالدبور ) . الصبا : هى الريح الشرقية ، وهى القبول أيضا ، ~~والريح الدبور : هى الغربية . وفيه : تفضيل المخلوقات بعضها على بعض . وفيه ~~: إخبار المرء عن نفسه بما خصه الله به على جهة التحدث بنعمة الله ، ~~والاعترافات بها والشكر له لا على الفخر . وفيه : الإخبار عن الأمم الماضية ~~وإهلاكها . * * * # | 19 - باب ما قيل في الزلازل والآيات # / 25 - فيه : أبو هريرة قال : قال - صلى الله عليه وسلم - : ( لا تقوم ~~الساعة حتى يقبض العلم ، وتكثر الزلازل ، ويتقارب الزمان ، وتظهر الفتن ، ~~ويكثر الهرج ، وهو القتل حتى يكثر فيكم المال ، فيفيض ) . / 26 - وفيه : ~~ابن عمر قال : ( اللهم بارك لنا في شامنا وفي يمننا ، قالوا : وفي نجدنا ، ~~قال : اللهم بارك لنا في شامنا وفي يمننا ، قالوا : وفي نجدنا ، قال : هناك ~~الزلازل والفتن ، وبها يطلع قرن الشيطان ) . PageV03P025 قال المهلب : ظهور ~~الزلازل والآيات أيضا وعيد من الله تعالى لأهل الأرض ، قال تعالى : { وما ~~نرسل بالآيات إلا تخويفا } [ الإسراء : 59 ] ، وكذلك قال - صلى الله عليه ~~وسلم - فى الرعد : ( إنه وعيد شديد لأهل الأرض ) ، والتخويف والوعيد بهذه ~~الآيات ms0722 إنما يكون عند المجاهرة بالمعاصى والإعلان بها ؛ ألا ترى قول عمر ~~حين زلزلت المدينة فى أيامه : يا أهل المدينة ، ما أسرع ما أحدثتم ، والله ~~لئن عادت لأخرجن من بين أظهركم . فخشى أن تصيبه العقوبة معهم ، كما قالت ~~عائشة : يا رسول الله ، أنهلك وفينا الصالحون ؟ قال : ( نعم إذا كثر الخبث ~~وإذا هلكت العامة بذنوب الخاصة بعض الله الصالحين على نياتهم ) . قال ابن ~~المنذر : اختلفوا فى الصلاة عند الزلزلة وسائر الآيات ، فقالت طائفة : يصلى ~~عندها كما يصلى عند الكسوف استدلالا بقوله - صلى الله عليه وسلم - : ( إن ~~الشمس والقمر آيتان من آيات الله ، عز وجل ) ، وكذلك الزلزلة والهاد وما ~~أشبه ذلك من آيات الله ، وروينا عن ابن عباس أنه صلى فى الزلزلة بالبصرة ، ~~وقال ابن مسعود : ( إذا سمعتم هادا من السماء فافزعوا إلى الصلاة ) ، وهو ~~قول أحمد ، وإسحاق ، وأبى ثور . وكان مالك ، والشافعى ، لا يريان ذلك . ~~وقال الكوفيون : الصلاة فى ذلك حسنة ، يعنى فى الظلمة والريح الشديدة . قال ~~المؤلف : وقوله فى هذا الحديث : ( فإذا رأيتم شيئا من ذلك ) ، تضم الزلازل ~~وجميع الآيات ، فهو حجة لمن رأى الصلاة عند جميعها ، وحجة مالك والشافعى ، ~~قوله - صلى الله عليه وسلم - : ( فإذا رأيتموهما PageV03P026 فصلوا ) ، ~~يعنى الشمس والقمر المذكورين فى أول الكلام وهما اللذان صلى فيهما - صلى ~~الله عليه وسلم - ، ونقل ذلك من فعله . وأما سائر الحديث فهى أشراط الساعة ~~وعلاماتها ، ونحن فى ذلك ؛ قد قبض العلم وظهرت الفتن وعمت وطبقت وكثر الهرج ~~وهو القتل ، وكثر المال ولاسيما عند أراذل الناس كما جاء فى الحديث عند ~~تقارب الزمان : ( يكون أسعد الناس فى الدنيا لكع بن لكع ، ويتطاول رعاة ~~الإبل البهم فى البنيان ) ، وقد شاهدناه عيانا ، أعاذنا الله من شر المنقلب ~~وختم أعمالنا بالسعادة والنجاة من الفتن ، وسيأتى تفسير قوله : ( ويتقارب ~~الزمان ) ، فى كتاب الفتن ، فى باب : ظهور الفتن ، فهو موضعه إن شاء الله ~~تعالى . قال أبو الحسن بن القابسى : سقط من حديث ابن عمر ( عن النبى ، - ~~صلى الله عليه وسلم - ) وهو لفظه - صلى الله عليه وسلم - ؛ لأن مثل ms0723 ذلك لا ~~يدرك بالرأى . وقال المهلب : إنما ترك الدعاء لأهل المشرق ، والله أعلم ، ~~ليضعفوا عن الشر الذى هو موضوع فى جهتهم ولاستيلاء الشيطان بالفتن فيها ، ~~كما دعا على أهل مكة بسبع كسبع يوسف ليؤدبهم بذلك ، وكذلك دعا أن تنقل ~~الحمى إلى الجحفة ، وذلك والله أعلم ، لما رآه من أرداف السوداء فى المنام ~~فتأول أنهم أحق بمثل هذا البلاء ليضعفوا عما كانوا عليه من أذى للناس . ~~PageV03P027 وقرن الشيطان : أمته وحزبه ، وروى معتمر عن ابن طاوس ، عن أبيه ~~، عن كعب ، قال : يخرج الدجال من العراق ، وقال : عن عبد الله بن عمرو بن ~~العاص قال : يخرج الدجال من كور من الكوفة . * * * # | 20 - باب قول الله تعالى : { وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون } [ الواقعة 82 ~~] # قال ابن عباس : شكركم . / 27 - فيه : زيد بن خالد قال : صلى لنا رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - صلاة الصبح بالحديبية ، على إثر سماء كانت من ~~الليل ، فلما انصرف - صلى الله عليه وسلم - ، أقبل على الناس ، قال : ( هل ~~تدرون ماذا قال ربكم ؟ ) ، قالوا : الله ورسوله أعلم ، قال : ( أصبح من ~~عبادي مؤمن بي وكافر ، فأما من قال : مطرنا بفضل الله ورحمته ، فذلك مؤمن ~~بي وكافر بالكوكب ، وأما من قال : بنوء كذا ، وكذا ، فذلك كافر بي مؤمن ~~بالكوكب ) . قال المهلب : تعليق الترجمة بهذا الحديث هو أنهم كانوا ينسبون ~~الأفعال إلى غير الله ، فيظنون أن النجوم تمطرهم وترزقهم ، فهذا تكذيبهم ، ~~فنهاهم الله عن نسبة الغيوث التى جعلها الله حياة لعباده وبلاده إلى ~~الأنواء ، وأمرهم أن ينسبوا ذلك إليه ؛ لأنه من نعمته وتفضله عليهم ، وأن ~~يفردوه بالشكر على ذلك والحمد على تفضله . قال الطبرى : فإن قال قائل : إن ~~كان كما وصفت من نهى الله ورسوله عن نسبة الغيوث إلى الأنواء ، فما أنت ~~قائل فيما PageV03P028 روى عن عمر بن الخطاب ، أنه حين استسقى قال للعباس : ~~يا عم كم بقى من نوء الثريا ، فقال العلماء : يزعمون أنها تعترض فى الأفق ~~بعد سقوطها سبعا ، قال : فما مضت سابعة حتى مطروا . قيل : إن ذلك من عمر لم ~~يكن على ms0724 المعنى المنهى عنه ، وذلك أن المعنى المنهى عنه إضافة ذلك إلى أنه ~~من فعل النوء لا من فعل الله ، فكان ذلك منهم بالله كفرا ، وأما ما كان من ~~عمر ، فإنه كان منه أنه من قبل الله تعالى ، عند نوء النجوم كما يقول ~~القائل : إذا كان الصيف كان الحر ، وإذا كان الشتاء كان البرد ، لا على أن ~~الشتاء والصيف يفعل شيئا من ذلك ؛ بل الذى يأتى بالشتاء والصيف والحر ~~والبرد : الله خالق كل ذلك ، ولكن ذلك من الناس على ما جرت عادتهم فيه ، ~~وتعارفوا معانى ذلك فى خطابهم ومرادهم ، لا على أن النجوم تحدث نفعا أو ضرا ~~بغير إذن الله لها بذلك . قال الطبرى : فإن قال قائل : كيف يكون الرزق ~~بمعنى الشكر ؟ . قيل : لذلك مخارج فى اللغة عند العرب : أحدها : أن يراد به ~~: وتجعلون ما جعله الله سببا لرزقكم من الغيوث أنكم تكذبون به ، ثم ترك ذكر ~~السبب ، وأقيم الرزق مكانه إذ كان مؤديا عنه كما قال تعالى : { إنما ذلكم ~~الشيطان يخوف أولياءه } [ آل عمران : 175 ] ، بمعنى يخوفكم بأوليائه ؛ إذ ~~كان معلوما أنه لا يخوف من كان له وليا ، وإنما يخوف من كان له عدوا فاكتفى ~~بذكر أوليائه . والثانى : أن يكون المراد وتجعلون رزقكم الذى رزقكم من ~~الغيث الذى به حياتكم ووجب به عليكم شكر ربكم تكذيبكم به ، فاكتفى ~~PageV03P029 بذكر الرزق من ذكر الشكر ؛ إذ كان معلوما أن من رزق إنسانا ، ~~فقد اصطنع إليه معروفا يستوجب به الشكر . والثالث : أن يكون الرزق اسما من ~~أسماء الشكر ، وحدثت عن الهيثم بن عدى أنه قال : من لغة أزد شنوءة : ما رزق ~~فلان فلانا بمعنى ما شكر . * * * # | 21 - باب لا يدري متى يجيء المطر إلا الله # وقال أبو هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - : ( خمس لا يعلمهن إلا ~~الله ) . / 28 - فيه : ابن عمر ، قال - صلى الله عليه وسلم - : ( مفاتح ~~الغيب خمس ، لا يعلمهن إلا الله : لا يعلم أحد ما يكون في غد ، ولا يعلم ~~أحد ما يكون في الأرحام ، ولا تعلم نفس ماذا ms0725 تكسب غدا ، وما تدري نفس بأي ~~أرض تموت ، ولا يدري أحد متى يجيء المطر ) . قوله - صلى الله عليه وسلم - : ~~( لا يدرى أحد متى يجىء المطر ) ، يدل على صحة التأويل المتقدم فى الباب ~~قبل هذا أن نسبة الغيث إلى الأنواء كفر ؛ لأن النبى قد أخبر أنه لا يدرى ~~متى يجىء المطر إلا الله ، ولو كان الغيث من قبل الأنواء لعلم متى يجىء ~~المطر على ما رسمه أهل الجاهلية فى الأنواء ، وقد وجدنا خلاف رسمهم فى ذلك ~~بالمشاهدة ، وذلك أنه من فعل الله وحده لا شريك له ، ومصداق هذا الحديث فى ~~قوله تعالى : { إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث } [ لقمان : 34 ] ، ~~الآية وهذه الآية مع هذا الحديث تبطل تخرص المنجمين فى تعاطيهم علم الغيب ، ~~فمن ادعى علم ما أخبر الله ورسوله أن الله منفرد بعلمه ، وأنه لا يعلمه ~~سواه فقد كذب الله ورسوله ، وذلك كفر من قائله . PageV03P030 # | 22 - باب الصلاة فى كسوف الشمس # / 29 فيه : أبو بكرة ، قال : كنا عند النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، ~~فانكسفت الشمس ، فقام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يجر رداءه حتى دخل ~~المسجد ، فدخلنا ، فصلى بنا ركعتين حتى انجلت الشمس ، فقال - صلى الله عليه ~~وسلم - : ( إن الشمس والقمر لا ينكسفان لموت أحد ، فإذا رأيتموها ، فصلوا ، ~~وادعوا حتى يكشف ما بكم ) . وروى أبو مسعود مثل معناه ، ورواه ابن عمر ، ~~المغيرة بن شعبة ، عن النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، وقالا : ( لموت أحد ~~ولا لحياته ) ، وقال المغيرة فى حديثه : ( كسفت الشمس يوم مات إبراهيم ، ~~فقال الناس : كسفت الشمس لموته ) . سنة صلاة الكسوف أن تصلى ركعتين فى ~~جماعة ، هذا قول جمهور العلماء إلا أن فى حديث عائشة وغيرها : فى كل ركعة ~~ركوعان ، وهى زيادة يجب قبولها . وخالف ذلك الكوفيون وقالوا : إنها ركعتان ~~كصلاة الصبح ، وظاهر حديث أبى بكرة حجة للكوفيين ؛ لأنه حديث مجمل لا ذكر ~~فيه لصفة الصلاة ، وإنما قال فيه عن النبى ، - صلى الله عليه وسلم - : ( ~~فصلى بنا ركعتين ) . وفيه : أنه ينبغى أن تطول صلاة الكسوف إلى أن ms0726 تنجلى ~~الشمس ، PageV03P031 فإن ظن الناس أنه قد قرب انجلاؤها لم يكن عليهم أن ~~يزيدوا ركعتين أخريين ، وعليهم الدعاء والتضرع إلى الله حتى تنجلى . وقد ~~استدل قوم من العلماء بقوله - صلى الله عليه وسلم - : ( إذا رأيتموها فصلوا ~~، وادعوا حتى يكشف ما بكم ) ، على أنه لا ينبغى أن تقطع صلاة الكسوف حتى ~~تنجلى الشمس . قال الطحاوى : فيقال لهم : قد جاء فى هذا الحديث ( فصلوا ~~وادعوا حتى تنجلى الشمس ) ، ذكره البخارى فى باب الدعاء فى الكسوف من حديث ~~المغيرة بن شعبة ، وروى أبو موسى عن النبى ، - صلى الله عليه وسلم - : ( ~~وإذا رأيتم شيئا من ذلك ، فافزعوا إلى ذكر الله ودعائه واستغفاره ) ، ذكره ~~البخارى فى باب الذكر فى الكسوف ، قال : فأمر رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - بالدعاء عندهما والاستغفار كما أمر بالصلاة ، فدل ذلك أنه لم يرد ~~منهم عند الكسوف الصلاة خاصة ، ولكن أريد منهم ما يتقربون به إلى الله من ~~الصلاة والدعاء والاستغفار وغيره . وقد اختلف بعض أصحاب مالك إن تجلت الشمس ~~قبل فراغ الصلاة ، فقال أصبغ فى ( العتبية ) : يتمها على ما بقى من سنتها ~~حتى يفرغ منها ولا ينصرف إلا على شفع ، وقال سحنون : يصلى ركعة واحدة ~~وسجدتين ، ثم ينصرف ولا يصلى باقى الصلاة على سنة الخوف . وقوله فى حديث ~~أبى بكرة : ( فقام النبى يجر رداءه ) ، فيه ما كان عليه النبى - صلى الله ~~عليه وسلم - من الخوف لله ، والبدار إلى طاعته ، ألا ترى أنه PageV03P032 ~~قام إلى الصلاة فزعا وجر رداءه شغلا بما نزل ، وهذا يدل أن جر الثوب لا يذم ~~إلا ممن قصد ذلك واعتمده . وفيه : إبطال ما كان عليه أهل الجاهلية من ~~اعتقادهم أن الشمس تنكسف لموت الرجل من عظمائهم ، فأعلمهم - صلى الله عليه ~~وسلم - ، أنها لا تنكسف لموت أحد ، ولا لحياته وإنما هو تخويف وتحذير . ~~وفيه : رد على من زعم أن النجوم تسقط عند موت أحد . * * * # | 23 - باب الصدقة فى الكسوف # / 30 - فيه : عائشة ، قالت : كسفت الشمس فى عهد رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - ، فصلى ثم انصرف ، وقد ms0727 انجلت الشمس ، فخطب الناس ، فحمد الله ~~وأثنى عليه ، ثم قال : ( فإذا رأيتم ذلك ، فادعوا الله ، وكبروا ، وصلوا ، ~~وتصدقوا ) ، ثم قال : ( يا أمة محمد ، والله ما من أحد أغير من الله أن ~~يزنى عبده ، أو تزنى أمته ، يا أمة محمد ، والله لو تعلمون ما أعلم لضحكتم ~~قليلا ، ولبكيتم كثيرا ) . فيه : أن الإمام يلزمه عند الآيات موعظته للناس ~~ويأمرهم بأعمال البر وينهاهم عن المعاصى ، ويذكرهم نقمات الله . وفيه : أن ~~الصدقة والصلاة والاستغفار تكشف النقم ، وترفع العذاب ، ألا ترى قوله - صلى ~~الله عليه وسلم - ، للنساء : ( تصدقن فإنى رأيتكن أكثر أهل النار ) . قال ~~المهلب : وفيه دليل أن أكثر ما تهدد - صلى الله عليه وسلم - ، فى ذلك الوقت ~~بالكسوف إنما كان من أجل الغناء ، وذلك عظيم فى عهد النبوة PageV03P033 ~~وطراوة الشريعة ، فلذلك قال - صلى الله عليه وسلم - ، هذا القول فى قوله : ~~( والله لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا ) ، دليل على أنهم ~~كانوا مقبلين على اللهو واللعب ، وكذلك كانت عادة الأنصار قديما يحبون ~~الغناء واللهو والضحك ؛ ألا ترى قول النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، ~~لعائشة فى إقبالها من عرس : ( هل كان عندكم لهو ، فإن الأنصار تحب اللهو ) ~~، فدل هذا أن اتباع اللهو من الذنوب التى يتوعد عليها بالآيات ، يشهد لذلك ~~حديث المعازف والقيان . * * * # | 24 - باب النداء بالصلاة جامعة فى الكسوف # / 31 - فيه : عبدالله بن عمر ، لما كسفت الشمس على عهد النبى - صلى الله ~~عليه وسلم - نودى : إن الصلاة جامعة . فيه : أن صلاة الكسوف لا أذان لها ~~ولا إقامة ، وإنما ينادى لها بالصلاة جامعة عند باب المسجد ، وكذلك سائر ~~الصلوات المسنونات لا أذان لها ولا إقامة ، وإنما ينادى لها : الصلاة جامعة ~~عند باب المسجد ولا خلاف فى ذلك بين العلماء . * * * # | 25 - باب خطبة الإمام فى الكسوف # وقالت عائشة وأسماء : خطب النبى - صلى الله عليه وسلم - . / 32 - فيه : ~~عائشة ، وانجلت الشمس قبل أن ينصرف ، ثم قام ، فأثنى على الله بما هو أهله ~~، ثم قال : ( هما آيتان من آيات الله ، لا يخسفان لموت أحد ولا لحياته . . ~~. . ) الحديث ms0728 . PageV03P034 اختلف العلماء فى الكسوف هل فيه خطبة أم لا ، ~~فقال الشافعى ، وإسحاق ، والطبرى : يخطب بعد الصلاة فى الكسوف كالعيدين ~~والاستسقاء ، واحتجوا بهذا الحديث . وقال مالك والكوفيون : لا خطبة فى كسوف ~~الشمس ، واحتجوا فى ذلك بأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إنما خطب ~~الناس ؛ لأنهم قالوا : إن الشمس والقمر كسفت لموت أحدهم ، وهو ابن النبى ، ~~- صلى الله عليه وسلم - ، فعرفهم أن الشمس والقمر لا ينكسفان لموت أحد ولا ~~لحياته ، وأمرهم بالصلاة والدعاء والصدقة . وقال القاضى أبو الطيب : إن قال ~~قائل : أليس رؤية الأهلة ، وحدوث الحر والبرد ، وكل ما قد أجرى الله العادة ~~بحدوثه على وتيرة واحدة آيات ، فما معنى قوله - صلى الله عليه وسلم - : ( ~~إنهما آيتان من آيات الله ) ، وأمر بالصلاة والذكر ، ولم يقل إن طلوع الشمس ~~والقمر وحدوث الحر والبرد آية من آيات الله ؟ . فالجواب : أن كل هذه ~~الحوادث آيات الله تعالى ، ودلالة على وجوده وقدمه ، غير أن النبى ، - صلى ~~الله عليه وسلم - ، إنما خص كسوفهما بأنهما آيتان لإخباره لهم عن ربه أن ~~القيامة تقوم وهما منكسفان وذاهبا النور ، فلما أعلمهم ذلك أمرهم عند رؤية ~~الكسوف بالصلاة والتوبة والإقلاع والشروع فى صالح الأعمال ؛ خوفا من أن ~~يكون الكسوف لقيام الساعة ، ليعدوا لها ، فهذا تأويل كونهما آيتان . قال ~~المهلب : وكان هذا قبل أن يعلمه الله بأشراط الساعة ، فإن أشراطها كثيرة ، ~~وسيأتى ذكرها فى كتاب الفتن . PageV03P035 # | 26 - باب هل يقال كسفت الشمس أو خسفت وقال الله تعالى : { وخسف القمر } ~~[ القيامة : 8 ] # / 33 - فيه : عائشة ، أن النبى - صلى الله عليه وسلم - صلى يوم خسفت ~~الشمس . . . ) الحديث . إنما أراد بهذا الباب رد قول من زعم من العلماء أن ~~الكسوف للشمس والخسوف للقمر لقوله تعالى : { وخسف القمر } [ القيامة : 8 ] ~~، روى ذلك عن عروة بن الزبير ، وفى الآثار الثابتة الكسوف والخسوف مقولان ~~فى الشمس والقمر أنهما : ( آيتان من آيات الله لا يخسفان . . . ) ، الحديث ~~. وروى ابن عباس ، وابن عمر ، وأبو بكرة مثل ذلك فى حديثهم عن النبى ، وروى ~~( لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته ) ، عن النبى ms0729 : المغيرة بن شعبة ، وأبو ~~مسعود الأنصارى ، ورواية عن أبى بكر فلا معنى لإنكار شىء من ذلك . * * * # | 27 - باب قول النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( يخوف الله عباده ~~بالكسوف ) # ، قاله أبو موسى : عن النبى - صلى الله عليه وسلم - . / 34 - فيه : أبو ~~بكرة ، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( إن الشمس والقمر آيتان من ~~آيات الله لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته ، ولكن يخوف بهما الله عباده ) . ~~قال المهلب : مصداق هذا الحديث فى قول الله تعالى : PageV03P036 { وما نرسل ~~بالآيات إلا تخويفا } [ الإسراء : 59 ] ، يدل ذلك أن الآيات تحذير للعباد ، ~~فينبغى عند نزولها مبادرة الصلاة والخشوع والإخلاص لله ، واستشعار التوبة ~~والإقلاع عن المعاصى ، ألا ترى أنه - صلى الله عليه وسلم - ، عرض عليه فى ~~مقامه الجنة والنار ؛ ليتوعد بالنار أهل المعاصى ، ويشوق بالجنة أهل الطاعة ~~، وأخبرهم أن الكسوف ليس كما زعم الجهال أنه من أجل موت ابنه إبراهيم ، ~~وإنما هو تخويف وتحذير . * * * # | 28 - باب التعوذ من عذاب القبر فى الكسوف # / 35 - فيه : عائشة ، أن يهودية جاءت تسألها ، فقالت : أعاذك الله من ~~عذاب القبر ، فسألت عائشة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أيعذب الناس فى ~~قبورهم ؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عائذا بالله من ذلك ، ثم ~~ركب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذات غداة مركبا ، فخسفت الشمس ، فرجع ~~ضحى ، فمر بين ظهرانى الحجر ، ثم قام يصلى . . . . . ، فذكر صلاة الكسوف ، ~~ثم انصرف ، فقال : ما شاء الله أن يقول ، ثم أمرهم : ( أن يتعوذوا من عذاب ~~القبر ) . وترجم له : ( باب صلاة الكسوف بالمسجد ) . قوله : ( فرجع ضحى ، ~~فمر بين ظهرانى الحجر ثم قام يصلى ) ، فإن العلماء اختلفوا فى وقتها ، فقال ~~مالك فى المدونة : إنها إنما تصلى ضحوة النهار ، ولا تصلى بعد الزوال ، ~~وروى على بن زياد ، عنه : لا تصلى بعد العصر ، ولكن يجتمع الناس فيدعون ~~ويتصدقون ويرغبون ، وروى عنه ابن وهب أنها تصلى فى وقت PageV03P037 صلاة ، ~~وإن كان بعد الزوال ، وقال ابن حبيب : وهكذا أخبرنى ابن الماجشون ، ومطرف ، ~~وأصبغ ، وابن عبد الحكم ، وأنكروا رواية ابن ms0730 القاسم ، وبهذا قال الكوفيون : ~~لا تصلى فى الأوقات المنهى عن الصلاة فيها لورود النهى بذلك وتصلى فى سائر ~~الأوقات ، وهو قول ابن أبى مليكة ، وعطاء ، وجماعة . وقال الشافعى : تصلى ~~فى كل وقت نصف النهار وبعد العصر ، وبعد الصبح ، وهو قول أبى ثور ، وقالوا ~~: نهيه - صلى الله عليه وسلم - عن الصلاة بعد الصبح والعصر إنما هو عن ~~النافلة المبتدأة لا عن المكتوبات والمسنونات . وعند أهل المقالة الأولى ~~النهى عن الصلاة المسنونة كنهيه عن النافلة المبتدأة . وفيه : أن عذاب ~~القبر حق ، وأهل السنة مجمعون على الإيمان به والتصديق ، ولا ينكره إلا ~~مبتدع . وأما صلاة الكسوف فى المسجد فهو الذى عليه العلماء ، وذكر ابن حبيب ~~أن للإمام إن شاء أن يصليها فى المسجد تحت سقفه أو فى صحنه ، وإن شاء خارجا ~~فى البراز ، وقاله أصبغ . * * * # | 29 - باب طول السجود فى الكسوف # / 36 - فيه : عبدالله بن عمرو ، أنه قال : ( لما كسفت الشمس على عهد رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - نودى إن الصلاة جامعة ، فركع النبى ، - صلى ~~الله عليه وسلم - ، ركعتين فى سجدة ، ثم قام فركع ركعتين فى سجدة ، ثم جلس ~~. . . . ) الحديث . PageV03P038 قالت عائشة : ما سجدت سجودا قط كان أطول ~~منها . اختلف العلماء فى هيئة السجود فى الكسوف ، ففى ( المدونة ) لابن ~~القاسم : أحب إلى أن يطيل السجود ، وهو قول جماعة من أهل الحديث ، روى ذلك ~~عن ابن عمر . وفى ( مختصر ابن عبد الحكم ) : ليس عليه أن يطيل السجود ، ~~ويسجد سجدتين تامتين ، وهو قول الشافعى ، وأحمد بن حنبل . وقول عائشة : ( ~~ما سجدت سجودا قط كان أطول منها ) ، حجة لمن رأى تطويل السجود . وقوله : ( ~~ركعتين فى سجدة ) ، يريد ركعتين فى ركعة ، وقد يعبر بالسجود عن الركعة . * ~~* * # | 30 - باب صلاة الكسوف جماعة # وصلى ابن عباس لهم فى صفة زمزم ، وجمع على بن عبدالله بن عباس ، وصلى ابن ~~عمر جماعة . / 37 - فيه : ابن عباس ، قال : خسفت الشمس على عهد رسول الله ، ~~فصلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقام قياما طويلا ، نحوا من قراءة ~~سورة البقرة ، ثم ركع ms0731 ركوعا طويلا ، ثم رفع ، فقام قياما طويلا ، وهو دون ~~القيام الأول ، ثم ركع ركوعا طويلا ، وهو دون الركوع PageV03P039 الأول ، ~~ثم سجد ، ثم قام قياما طويلا ، وهو دون القيام الأول ، ثم ركع ركوعا طويلا ~~، وهو دون الركوع الأول ، ثم رفع ، فقام قياما طويلا ، وهو دون القيام ~~الأول ، ثم ركع ركوعا طويلا ، وهو دون الركوع الأول ، ثم سجد ، ثم انصرف ، ~~وقد تجلت الشمس ، فقال - صلى الله عليه وسلم - : ( إن الشمس والقمر آيتان ~~من آيات الله لا يخسفان لموت أحد ولا لحياته ، فإذا رأيتم ذلك ، فاذكروا ~~الله ) ، قالوا : يا رسول الله ، رأيناك تناولت شيئا فى مقامك ، ثم رأيناك ~~تكعكعت ، فقال - صلى الله عليه وسلم - : ( إنى رأيت الجنة وتناولت عنقودا ، ~~ولو أصبته لأكلتم منه ما بقيت الدنيا ، ورأيت النار ، فلم أنظر منظرا ~~كاليوم قط أفظع ، ورأيت أكثر أهلها النساء . . . . ) ، الحديث . سنة صلاة ~~الكسوف أن تصلى جماعة فى المسجد كما فعل - صلى الله عليه وسلم - ، وإن تخلف ~~الإمام عنها فليقدموا من يجمع بهم ، هذا قول مالك ، والشافعى ، وأحمد ، ~~وأبى ثور ، وقد صلى عبد الرحمن بن أبى ليلى ، وسليمان التيمى كل واحد منهم ~~بأصحابه . وفى ( المدونة ) : يصليها أهل القرى والمسافرون بإمام إلا أن ~~يعجل بالمسافرين السير ويصليها المسافر وحده ، وتصليها المرأة فى بيتها . ~~وقال أشهب : ومن لم يقدر أن يصليها مع الإمام من النساء والضعفاء ، فإنهم ~~يصلونها أفذاذا أو بإمام . وكره أبو حنيفة ، والثورى أن يجمع النساء ، ~~وقالا : يصلين وحدانا ، ولا يجمعهن فيها رجل ، وقول من استحب الجماعة فيها ~~للنساء وغيرهن أولى ؛ لأن سنتها الجماعة لكل من صلاها فكذلك النساء . ~~واختلفوا فى صفة صلاة الكسوف ، فقال مالك ، والشافعى ، وأحمد ، وأبو ثور : ~~تصلى ركعتين فى ركعة على حديث ابن عباس ، وعائشة ، وعبد الله بن عمر . ~~PageV03P040 وقال أبو حنيفة ، وأصحابه : تصلى ركعتين كسائر النوافل ، إن ~~شاء أطال القراءة ، وإن شاء قصرها ، واحتج بحديث أبى بكرة . وقد رويت فى ~~صلاة الكسوف أحاديث مختلفة ، فقال بها قوم من الفقهاء ، وزعم بعضهم أن ~~القول بها كلها جائز ؛ لأن النبى ، - صلى الله ms0732 عليه وسلم - ، صلى الكسوف ~~مرات كثيرة وخير أمته فى العمل بأى ذلك شاءوا ، منها أنه - صلى الله عليه ~~وسلم - ، صلى ثلاث ركعات فى ركعة ، ومنها أربع ركعات فى ركعة ، ومنها خمس ~~ركعات فى ركعة ، ومنها ست ركعات فى ركعة ، ومنها ثمان ركعات فى ركعة ، ~~قالوا : لأنه - صلى الله عليه وسلم - ، كان يزيد فى الركوع إذا لم ير الشمس ~~تنجلى ، فإذا انجلت سجد ، فمن هاهنا زيادة الركعات . فيقال لهم : أكثر تلك ~~الأحاديث ضعاف ، وأصح ما فى أحاديث صلاة الخسوف ما ذكره البخارى ، وما رواه ~~فى موطئه ، وبه قال أهل المدينة عملا ، قرنا بعد قرن . واحتج الطحاوى ~~لأصحابه فقال : رأينا سائر الصلوات من التطوع والمكتوبات مع كل ركعة سجدتان ~~، فالنظر على ذلك أن تكون هذه الصلاة كذلك . قال ابن القصار : فالجواب أن ~~الصلوات قد خصت بهيئات وصفات تفارق سائرها ، كصلاة الخوف والعيدين والجنازة ~~، فصلاة الخوف يجوز فيها زيادة الأفعال من الذهاب والمجىء واستدبار القبلة ~~والقتال ، وصلاة العيدين زيد فيها التكبير ، وصلاة الجنازة حذف منها الركوع ~~والسجود ، ولم يكن هذا إلا لورود الشرع به ، فكذلك PageV03P041 صلاة الكسوف ~~زيد فى كل ركعة ركوع آخر ، لورود الشرع به ، ولا مدخل للنظر فى ذلك . وقوله ~~: ( فيقرأ نحوا من سورة البقرة ) يدل أن القراءة فى صلاة الكسوف سر ، ولو ~~كانت جهرا ما قال : نحوا من سورة البقرة ، وبالسر فيها قال مالك ، ~~والكوفيون ، والشافعى ، وسيأتى ذلك فى موضعه ، إن شاء الله تعالى . قوله - ~~صلى الله عليه وسلم - : ( إنى رأيت الجنة والنار ) ، فيحتمل أن يمثلا له ، ~~فينظر إليهما بعينيه كما مثل له بيت المقدس حين كذبه الكفار فى الإسراء ، ~~فنظر إليه فجعل يخبرهم عنه ، قال مجاهد فى قوله تعالى : { وكذلك نرى ~~إبراهيم ملكوت السموات والأرض } [ الأنعام : 75 ] ، قال : فرجت له السموات ~~حتى نظر إلى ما فيهن حتى انتهى بصره إلى العرش ، وفرجت له الأرضون السبع ~~فنظر إلى ما فيهن . وقوله : ( فتناولت منها عنقودا ولو أخذته لأكلتم منه ما ~~بقيت الدنيا ) ، فإن العرب تقول فى لو : أنها تجىء لامتناع الشىء ms0733 لامتناع ~~غيره ، كقوله - صلى الله عليه وسلم - : ( لو كان بعدى نبى لكان عمر ) ، ولا ~~سبيل أن يكون بعده نبى كما لا سبيل أن يكون عمر نبيا . ولو يأخذه - صلى ~~الله عليه وسلم - ، ولم يأكل منه فى الدنيا ؛ لأن طعام الجنة باق أبدا لا ~~يفنى ، ولا يجوز أن يكون شىء من دار البقاء فى دار الفناء ، وقد قدر الله ~~أن رزق الدنيا لا ينال إلا بالتعب فيه والنصب ، ولا يبدل القول لديه ، ~~وأيضا فإن طعام الجنة إنما شوق الله إليه عباده ، ووعدهم نيله جزاء ~~لأعمالهم الصالحة ، والدنيا ليست بدار جزاء ، ولذلك لم يصح لهم فى الدنيا ~~أخذه . PageV03P042 # | 31 - باب صلاة النساء مع الرجال فى الكسوف # / 38 - فيه : أسماء ، قالت : أتيت عائشة حين خسفت الشمس ، فإذا الناس ~~قيام يصلون ، وإذا هى قائمة تصلى ، فقلت : ما للناس ؟ فأشارت بيدها إلى ~~السماء ، وقالت : سبحان الله ، فقلت : آية ؟ فأشارت ، أى نعم ، قالت : فقمت ~~حتى تجلانى الغشى ، فجعلت أصب فوق رأسى الماء ، فلما انصرف رسول الله حمد ~~الله وأثنى عليه ، ثم قال : ( ما من شىء لم أره إلا قد رأيته فى مقامى هذا ~~حتى الجنة والنار ، ولقد أوحى إلى أنكم تفتنون في القبور مثل ، أو قريبا من ~~فتنة الدجال ) - لا أدرى أيتهما قالت أسماء - يؤتى أحدكم ، فيقال له : ما ~~علمك بهذا الرجل ؟ فأما المؤمن أو الموقن - لا أدرى أى ذلك قالت أسماء - ~~فيقول : محمد رسول الله جاءنا بالبينات والهدى ، فأجبنا وآمنا واتبعنا ، ~~فيقال له : نم صالحا قد علمنا إن كنت لمومنا ، وأما المنافق أو المرتاب - ~~لا أدرى أيهما قالت أسماء - فيقول : لا أدرى ، سمعت الناس يقولون شيئا ~~فقلته . فيه من الفقه : حضور النساء صلاة الكسوف مع الجماعة فى المساجد ، ~~ورخص مالك ، والكوفيون للعجائز فى ذلك وكرهه للشابة ، وقال الشافعى : لا ~~أكره لمن لا هيئة لها بارعة من النساء ولا للصبية شهود صلاة الكسوف مع ~~الإمام ، بل أحبه لهن ، وأحب لذات الهيئة أن تصليها فى بيتها ، ورأى إسحاق ~~أن يخرجن شبابا كن أو عجائز ، وإن كن حيضا ms0734 وتعتزل الحيض المسجد ويقربن منه ~~. PageV03P043 وفيه : جواز استماع المصلى إلى ما يخبره به من ليس فى صلاة . ~~وفيه : جواز إشارة المصلى بيده ورأسه لمن يسأله مرة بعد أخرى ؛ لأن أسماء ~~قالت : ( فقلت : آية ؟ ) ، فأشارت عائشة : ( أى نعم ) ، فإنما أشارت برأسها ~~وقد كانت أشارت قبل ذلك إلى السماء . وفيه : أن صلاة الكسوف قيامها طويل ~~لقولها : ( فقمت حتى تجلانى الغشى ) ، وهو حجة لمالك ، والشافعى على أبى ~~حنيفة فى قوله : إن صلاة الكسوف إن شاء قصرها كالنوافل . وقولها : ( فجعلت ~~أصب فوق رأسى الماء ) ، فيه دليل على جواز العمل اليسير فى الصلاة . وفيه : ~~أن تفكر المصلى ، ونظره إلى قبلته فى صلاته جائز ؛ لقوله - صلى الله عليه ~~وسلم - : ( ما من شىء كنت لم أره إلا قد رأيته فى مقامى هذا وأوحى إلى أنكم ~~تفتنون فى القبور ) ، وذلك كله فى الصلاة . وفيه : أن فتنة القبور حق كما ~~يقول أهل السنة . وفيه : أن من ارتاب فى تصديق النبى أو شك فى صحة رسالته ، ~~فهو كافر ، ألا ترى قول المنافق أو المرتاب : لا أدرى ، فهذا لم يؤمن ~~بالنبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، لما دخله من الارتياب والنفاق ، ومن لم ~~يدر فقد نفى عن نفسه التصديق ، ثم زاد شكه بيانا بقوله : ( سمعت الناس ~~يقولون شيئا فقلته ) ، فأخبر أنه إنما جرى تصديق النبى على لسانه من أجل ~~قول الناس ذلك لا من أجل اعتقاده لصحة ما جرى على لسانه وهذا هو حقيقة ~~الريب أن يقول اللسان ما لا يعتقد صحته القلب . وفيه : أن تمام الإيمان ~~وتمام العلم إنما هو المعرفة بالله ورسله ، ومعرفة PageV03P044 الدلالة على ~~ذلك ؛ ألا ترى أن الرسول نفى الإيمان عمن يقول إذا سئل عن نبيه يقول : ( لا ~~أدرى سمعت الناس يقولون شيئا فقلته ) . وفيه : ذم التقليد وأن المقلد لا ~~يستحق اسم العلم التام على الحقيقة . فإن قال قائل : كيف قلت : إن تمام ~~الإيمان ، وتمام العلم هو المعرفة بالله ورسوله ، ومعرفة الدلالة على ذلك ، ~~وقد روى عن السلف أنهم كانوا يقولون عليكم بدين العذارى ، والعذارى لا علم ~~عندهن ms0735 بالدلالة على الإيمان ، وإنما عليهن التقليد وأنت قد ذممت التقليد ؟ ~~. قيل : قد جاءت هذه الكلمة فى حديث عبيد الله بن عدى بن الخيار حين كلم ~~خاله عثمان بن عفان فى أخيه الوليد بن عقبة ، وقال له : ( قد أكثر الناس فى ~~شأن الوليد ، فحق عليك أن تقيم عليه الحد ، فقال : يا ابن أختى ، أدركت ~~رسول الله ؟ فقلت : لا ، ولكن قد خلص إلى من علمه ما خلص إلى العذارى فى ~~سترها . . . ) ، وذكر الحديث ، ذكره البخارى فى كتاب فضائل الصحابة فى باب ~~هجرة الحبشة . ومعنى قولهم : ( دين العذارى ) ، هو أن النبى ، - صلى الله ~~عليه وسلم - ، بلغ عن ربه دينه حتى وصل ذلك إلى العذارى فى خدورهن ، فعلمنه ~~خالصا لم يشب ، وقد ألزم الله المؤمنين أن يعلموا ذريتهم حقيقة الإيمان ~~بقوله : { قوا أنفسكم وأهليكم نارا } [ التحريم : 6 ] ، فكل مؤمن يعلم بنيه ~~فى الصغر خالص الإيمان ، وما يلزمه من فرائضه ، ولا يعلمه اعتراض الملحدين ~~ولا شبه الزائغين ؛ لأن الجدال فيه ربما أورث شكا ، PageV03P045 فإيمان ~~العذارى التصديق الخالص الذى لا ريب فيه ولا شك ، بخلاف أحوال المنافق ~~والمرتاب الذى قال : ( لا أدرى سمعت الناس يقولون شيئا فقلته ) . ولم يرد ~~بقوله : ( عليكم بدين العذارى ) ، ترك معرفة الاستدلال على حقائق الإيمان ~~والازدياد من العلم ، هذا إبراهيم خليل الرحمن سأل ربه أن يريه كيف يحيى ~~الموتى ، وإنما سأله تعالى زيادة فى العلم ليطمئن بها قلبه ، ولم يكن قبلها ~~شاكا . وهذه عائشة ترد على عبد الله بن عمر فى البكاء على الميت ، وغير ذلك ~~وتقول : رحم الله أبا عبد الرحمن إنما أراد رسول الله خلاف ما ذهب إليه ابن ~~عمر ، وترد على عروة بن الزبير تأويله فى الطواف بين الصفا والمروة ، وقالت ~~عائشة أيضا : نعم النساء نساء الأنصار لم يمنعهن الحياء من الفقه فى الدين ~~، فحكمت لهن بالفقه فى الدين ، والفقه فى لسان العرب هو معرفة الشىء ومعرفة ~~الدلالة على صحته ، فلا خلاف بين شىء من ذلك . وقوله : ( تكعكعت ) ، يعنى ~~تأخرت يقال : كع الرجل : إذا نكص على عقبيه . * * * # | 32 - باب ms0736 من أحب العتاقة فى كسوف الشمس # / 39 - فيه : أسماء قالت : لقد أمر النبى - صلى الله عليه وسلم - ، ~~بالعتاقة فى كسوف الشمس . إنما يخوف الله عباده بالآيات ليتقربوا إليه ~~بالأعمال الصالحة كالصلاة والعتق والصدقة ، وجاء أن العتق يفك المؤمن من ~~النار . PageV03P046 وقد قرن الله فى كتابه العتق بالصدقة ، فقال : { فلا ~~اقتحم العقبة وما أدراك ما العقبة فك رقبة أو إطعام فى يوم ذى مسغبة } [ ~~البلد : 11 - 14 ] ، وبأعمال البر كلها يدفع الله البلاء والنقم عن عباده . ~~* * * # | 33 - باب الذكر فى الكسوف # رواه ابن عباس . / 40 فيه : أبو موسى ، قال : خسفت الشمس ، فقام النبى - ~~صلى الله عليه وسلم - ، فزعا فخشى أن تكون الساعة ، فأتى المسجد فصلى بأطول ~~قيام وركوع وسجود رأيته قط يفعله ، وقال : ( هذه الآيات التى يرسل الله لا ~~تكون لموت أحد ولا لحياته ، ولكن : { يخوف الله به عباده } [ الزمر 16 ] ~~فإذا رأيتم شيئا من ذلك ، فافزعوا إلى ذكر الله ودعائه واستغفاره ) . وترجم ~~له : ( باب الدعاء فى الخسوف ) ، وقد تقدم أن السنة عند نزول الآيات : ~~الاستغفار والذكر والفزع إلى الله تعالى ، بالدعاء وإخلاص النيات بالتوبة ~~والإقلاع ، وبذلك يكشف الله تعالى ، ظاهر العذاب قال الله تعالى : { فلولا ~~إذ جاءهم بأسنا تضرعا ولكن قست قلوبهم وزين لهم الشيطان ما كانوا يعملون } ~~[ الأنعام : 43 ] . قال المهلب قوله : ( قام فزعا يخشى أن تقوم الساعة ) ، ~~يدل أن الكسوف كان بالشمس كلها ، ولم يعهد مثله قبل ذلك ، وكان ذلك قبل أن ~~يعلمه الله بأشراط الساعة ومقدماتها ، ولم يسرع انجلاؤه ولذلك أطال الصلاة ~~فيه . PageV03P047 # | 34 - باب قول الإمام فى خطبة الكسوف : أما بعد # / 41 - فيه : أسماء ، قالت : انصرف النبى - صلى الله عليه وسلم - ، وقد ~~تجلت الشمس فخطب فحمد الله بما هو أهله ، ثم قال : ( أما بعد ) . قد تقدم ~~هذا الباب فى أبواب الجمعة ، فأغنى عن إعادته . * * * # | 35 - باب الصلاة فى كسوف القمر # / 42 - فيه : أبو بكرة ، قال : كسفت الشمس على عهد رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - ، فصلى بهم ركعتين ، فانجلت الشمس ، فقال : ( إن الشمس والقمر ~~آيتان من ms0737 آيات الله ، وإنهما لا يخسفان لموت أحد ، فإذا رأيتم ذلك فصلوا ~~وادعوا . . ) الحديث . اختلف العلماء فى خسوف القمر هل يجمع له للصلاة ، ~~فذهبت طائفة إلى أنه يجمع فيه كما يجمع فى كسوف الشمس سواء ، روى ذلك عن ~~عثمان بن عفان ، وابن عباس ، وبه قال النخعى ، وعطاء ، والحسن ، وإليه ذهب ~~الشافعى ، وأحمد ، وإسحاق ، وأبو ثور ، وأهل الحديث ، واحتجوا بقوله - صلى ~~الله عليه وسلم - فى هذا الحديث : ( فإذا رأيتم ذلك فصلوا وادعوا ) ، قالوا ~~: قد عرفنا كيف الصلاة فى أحدهما ، فكان ذلك دليلا على الصلاة عند الأخرى ، ~~وإلى هذا المعنى أشار البخارى فى ترجمته ، ولذلك ذكر كسوف الشمس وترجم عليه ~~الصلاة فى كسوف القمر استغناء بذكر أحدهما عن الأخرى . وقال مالك ، ~~والكوفيون : لا يجمع فى كسوف القمر ، ولكن يصلى الناس فرادى ركعتين ركعتين ~~كسائر النوافل ، غير أن الليث قال : PageV03P048 هيئة الصلاة فيه كهيئة ~~الصلاة فى كسوف الشمس ، وهو قول عبد العزيز بن أبى سلمة . وحجة مالك ومن ~~وافقه أن النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، جمع فى كسوف الشمس ولم يجمع فى ~~كسوف القمر ، فعلم أن معنى قوله : ( فافزعوا إلى الصلاة ) ، فى كسوف القمر ~~: فرادى ، وفى كسوف الشمس : جماعة . قال ابن القصار : وأهل المدينة بأسرهم ~~على هذا ، والمعهود أن كسوف القمر يقع أبدا ولا يكاد يخلو منه عام ، وكسوف ~~الشمس نادر ، ومحال أن يكون كسوف القمر مألوفا ، والنبى - صلى الله عليه ~~وسلم - ، يجمع له مدة حياته فيهم ، ثم يخفى عليهم ذلك جملة ، وبقول مالك : ~~لم يبلغنا ولا أهل بلدنا أن النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، جمع لكسوف ~~القمر ، ولا نقل عن أحد من الأئمة بعد النبى أنه جمع فيه . قال المهلب : ~~ويمكن أن يكون مع تركه ، والله أعلم ، الجمع فى كسوف القمر رحمة للمؤمنين ~~لئلا تخلو بيوتهم بالليل ، فيحطمهم الناس ويسرقونهم ، يدل على ذلك قوله - ~~صلى الله عليه وسلم - ، لأم سلمة ، ليلة نزول التوبة على كعب بن مالك ~~وصاحبيه ، حين قالت له : ( ألا أبشر الناس ؟ فقال - صلى الله عليه وسلم - : ~~أخشى أن يحطمكم الناس ms0738 ) ، فى حديث آخر : ( أخشى أن يمنع الناس نومهم ) . ~~وقد قال تعالى : { ومن رحمته جعل لكم الليل والنهار لتسكنوا فيه } [ القصص ~~: 73 ] ، فجعل السكون فى الليل من النعم التى عددها على عباده ، وقد سمى ~~ذلك رحمة ، وقد أشار ابن القصار إلى نحو هذا المعنى PageV03P049 فقال : ~~خسوف القمر يتفق ليلا ، فيشق الاجتماع له ، وربما أدرك الناس نياما ، فيثقل ~~عليهم الخروج لها ، ولا ينبغى أن يقاس على كسوف الشمس ؛ لأنه يدرك الناس ~~مستيقظين منصرفين ، ولا يشق اجتماعهم كالعيدين والجمعة والاستسقاء ، ولم نر ~~صلاة جمعة ولا عيد ولا استسقاء جعلت بالليل . * * * # | 36 - باب الركعة الأولى فى الكسوف أطول # / 43 - فيه : عائشة أن النبى - صلى الله عليه وسلم - صلى بهم فى كسوف ~~الشمس أربع ركعات في سجدتين ، الأول الأول أطول . أجمع العلماء أن القيام ~~الثانى والركوع الثانى من الركوع الأول فى صلاة الكسوف أقصر من القيام ومن ~~الركوع الأول ؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم - : ( دون القيام الأول ودون ~~الركوع الأول ) ، وكذلك أجمعوا أن القيام ، والركوع الثانى من الركعة ~~الثانية أقصر من الأول منها . واختلف فى القيام والركوع الأول من الركعة ~~الثانية هل هو دون الثانى من الركعة الأولى أو مثله ، وهل يرجع قوله - صلى ~~الله عليه وسلم - : ( دون القيام الأول ) ، إلى الركعة الأولى ، أو إلى ~~الثانية منها ، فقال قوم : يرجع إلى الأولى من الركعة الأولى ، وقال قوم : ~~بل يرجع إلى القيام ، والركوع الثانى من الركعة الأولى ، وهذا قول مالك فى ~~المدونة : أن كل ركعة من الأربع أطول من التى تليها ، وقوله فى حديث عائشة ~~: ( الأولى الأولى أطول ) ، حجة لقول مالك ، وهذا كله حجة على أبى حنيفة فى ~~قوله : إنها ركعتان كسائر النافلة . PageV03P050 # | 37 - باب الجهر بالقراءة فى الكسوف # / 44 - فيه : الوليد ، عن ابن نمر ، عن ابن شهاب ، عن عروة ، عن عائشة ~~قالت : جهر النبى - صلى الله عليه وسلم - فى صلاة الكسوف بقراءته . . . ~~الحديث . وقال الأوزاعي وغيره : سمعت الزهري ، عن عروة ، عن عائشة ، أن ~~الشمس خسفت على عهد رسول الله ، فبعث مناديا أن الصلاة جامعة ، فتقدم ms0739 ، ~~فصلى أربع ركعات ، فى ركعتين وأربع سجدات ، قال : وأخبرني عبدالرحمن بن نمر ~~، سمع ابن شهاب مثله ، فقلت : ما صنع أخوك فى ذلك عبدالله بن الزبير ، ما ~~صلى إلا ركعتين مثل الصبح ؛ إذ صلى بالمدينة ، قال : أجل إنه أخطأ السنة . ~~تابعه سليمان بن كثير وسفيان بن حسين ، عن الزهرى فى الجهر . اختلف العلماء ~~فى القراءة فى صلاة الكسوف ، فقالت طائفة : يجهر بها ، روى ذلك عن على بن ~~أبى طالب ، وبه قال أبو يوسف ، ومحمد بن الحسن ، وأحمد ، وإسحاق ، واحتجوا ~~بحديث سفيان ، وابن نمر ، عن الزهرى . وقالت طائفة : يسر بالقراءة فيها ، ~~روى ذلك عن عثمان بن عفان ، وابن مسعود ، وابن عباس ، وهو قول مالك ، ~~والليث ، والكوفيين ، والشافعى ، واحتجوا بحديث ابن عباس : ( أنه صلى خلف ~~النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، فقرأ قراءة طويلة نحوا من سورة البقرة ) ~~، وقد تقدم فى باب PageV03P051 صلاة الكسوف جماعة ، ولو جهر بها لم يقل ~~نحوا من سورة البقرة ، وأما سفيان بن حسين ، وعبد الرحمن بن نمر ، وسليمان ~~بن كثير ، فكلهم ضعيف فى حديث الزهرى ، وفيما ساقه البخارى من رواية ~~الأوزاعى عن ابن شهاب ، ولم يذكر عنه الجهر ما يرد رواية الوليد عن ابن نمر ~~بالجهر ، فيبقى سليمان بن كثير ، وسفيان بن حسين ، وليسا بحجة فى القول عن ~~الزهرى لضعفهما ، وقد عارضهما حديث عائشة ، وابن عباس ، وسمرة . فأما حديث ~~عائشة فرواه ابن إسحاق عن هشام بن عروة ، وعبد الله بن أبى سلمة ، عن عروة ~~، عن عائشة قالت : ( كسفت الشمس على عهد الرسول ، فخرج فصلى بالناس فأطال ~~القيام ، فحزرت أنه قرأ سورة البقرة ، قالت : وسجد سجدتين ، ثم قام فحزرت ~~أنه قرأ سورة آل عمران ) . وأما حديث ابن عباس ، فرواه ابن لهيعة عن يزيد ~~بن أبى حبيب ، عن عكرمة ، عن ابن عباس قال : ( كنت إلى جنب النبى ، - صلى ~~الله عليه وسلم - ، فى صلاة الكسوف فما سمعت منه حرفا ) . وأما حديث سمرة ~~فرواه سفيان ، عن الأسود بن قيس ، عن ثعلبة بن عباد ، عن سمرة ابن جندب ، ~~قال : ( صلى بنا النبى ، - صلى الله ms0740 عليه وسلم - ، صلاة الكسوف لا نسمع له ~~صوتا ) . قال ابن القصار : ونقل السر فى صلاة الكسوف أهل المدينة خلف عن ~~سلف نقلا متصلا ، ولو تعارضت الأحاديث لبقى حديث ابن عباس وهو حجة . وقوله ~~: ( أخطأ السنة ) ، حجة لمالك والشافعى فى أن السنة أربع ركعات فى ركعتين . ~~PageV03P052 # | 38 - باب ما جاء فى سجود القرآن وسنتها # / 45 - فيه : عبدالله ، قال : قرأ النبى - صلى الله عليه وسلم - ، النجم ~~بمكة فسجد فيها ، وسجد من معه غير شيخ أخذ كفا من حصى أو تراب فرفعه إلى ~~جبهته ، وقال : يكفينى هذا ، فرأيته بعد ذلك قتل كافرا . اختلف العلماء فى ~~سجود النجم لاختلافهم فى سجود المفصل ، فروى عن عمر ، وعثمان ، وعلى ، وابن ~~مسعود ، وابن عمر ، وأبى هريرة أنهم كانوا يسجدون فى النجم والمفصل ، وهو ~~قول الثورى ، وأبو حنيفة ، والليث ، والشافعى ، وأحمد ، وإسحاق ، وابن وهب ~~، وابن حبيب من أصحاب مالك ، واحتجوا بهذا الحديث . وقالت طائفة : لا سجود ~~فى النجم ولا فى المفصل ، روى ذلك عن عمر بن الخطاب ، وأبى بن كعب ، وابن ~~عباس ، وأنس ، وعن سعيد بن المسيب ، والحسن ، وعطاء ، وطاوس ، ومجاهد ، ~~وقال يحيى بن سعيد : أدركت القراء لا يسجدون فى شىء من المفصل ، وهو قول ~~مالك ، واحتج من لم ير السجود فى النجم بما ذكره البخارى عن زيد بن ثابت : ~~( أنه قرأ الرسول والنجم ، فلم يسجد فيها ) ، وبما رواه قتادة عن عكرمة قال ~~: ( سجد رسول الله بمكة فى المفصل ، فلما هاجر ترك ) . واحتج الطبرى لأهل ~~المقالة الأولى ، فقال : يمكن أن يكون - صلى الله عليه وسلم - ، لم يسجد ~~فيها ؛ لأن زيدا لم يسجد فيها ، وإنما القارئ هو الذى يسجد فيسجد السامع ، ~~ويمكن أن يكون ترك السجود فيها ؛ ليدل أن سجود القرآن ليس منه شىء واجب ، ~~قال الطحاوى : ويمكن أن يكون قرأها فى وقت لا يحل فيه السجود أو لأنه كان ~~على غير وضوء . PageV03P053 واحتج ابن القصار لمذهب مالك فقال : إذا ~~اعتبرنا سجود النجم والمفصل وجدناه يخرج من طريق سائر السجدات ؛ لأن قوله ~~فى النجم : { فاسجدوا لله واعبدوا } [ النجم : 62 ms0741 ] ، إنما هو أمر بالسجود ~~، فوجب أن يتوجه إلى سجود الصلوات ، فقوله : ( اسجد ) ، أى : صل ، فلم يلزم ~~ما ذكروه . قال الطحاوى أيضا : والنظر على هذا أن يكون كل موضع اختلف فيه ~~هل هو سجود أم لا ، أن ينظر فيه ، فإن كان موضع أمر ، فإنما هو تعليم فلا ~~سجود فيه ، وكل موضع فيه خبر عن السجود فهو موضع سجود التلاوة . قال المهلب ~~: يمكن أن يكون اختيار من اختار من العلماء ترك السجود فى ( والنجم ) ، ~~والمفصل خشية أن يخلط على الناس صلاتهم ؛ لأن المفصل هو أكثر ما يقرأ فى ~~الصلوات ، وقد أشار مالك إلى هذا . وأما الذى أخذ كفا من حصى وترك السجود ~~مع الرسول ففيه أنه من خالف النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، استهزاء به : ~~كافر يعاقب فى الدنيا والآخرة ، كما قال تعالى : { فليحذر الذين يخالفون عن ~~أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم } [ النور : 63 ] ، فكذلك أصاب ~~هذا الشيخ فتنة وكفر ، ويصيبه فى الآخرة عذاب أليم ، وقيل : إنه الوليد ابن ~~المغيرة . # | 39 - باب سجدة تنزيل السجدة # / 46 - فيه : أبو هريرة ، قال : كان النبى - صلى الله عليه وسلم - ، يقرأ ~~فى الجمعة فى صلاة الفجر { الم تنزيل } [ السجدة 1 - 2 ] و { هل أتى على ~~الإنسان } [ الإنسان 1 ] . والفقهاء مجمعون على السجود فى سورة تنزيل . ~~PageV03P054 * * * # | 40 - باب سجدة ص # / 47 - فيه : ابن عباس ، قال : ( ص ) ليس من عزائم السجود ، وقد رأيت ~~الرسول يسجد فيها . اختلف العلماء فى السجود فى ص ، فقالت طائفة : لا سجود ~~فيها ، روى ذلك عن ابن مسعود ، وقال : هى توبة نبى ، وروى مثله عن عطاء ، ~~وبه قال الشافعى . وقالت طائفة بالسجود فيها ، روى ذلك عن عمر ، وعثمان ، ~~وابن عمر ، وعقبة بن عامر ، وعن سعيد بن المسيب ، والحسن ، وطاوس ، وبه قال ~~مالك ، وأبو حنيفة ، والثورى ، وقد روى عن ابن عباس مثله ، ذكره البخارى فى ~~كتاب الأنبياء عن مجاهد أنه سأل ابن عباس : أأسجد فى ص ؟ ، فقرأ : { ومن ~~ذريته داود وسليمان } حتى انتهى : { فبهداهم اقتده } [ الأنعام : 84 - 90 ] ~~، فقال : نبيكم ممن أمر ms0742 أن يقتدى بهم ، فاحتجاج ابن عباس بالقرآن أولى من ~~قوله : ليس ص من عزائم السجود . وقال مالك : إنها من عزائم السجود ، وقال ~~الطحاوى : والنظر عندنا أن يكون فى ص سجدة ؛ لأن موضع السجود منها موضع خبر ~~لا موضع أمر ، فينبغى أن يرد إلى حكم أشكاله من الأخبار ، فيكون فيها سجود ~~. واختلفوا فى عزائم السجود ، فقال على بن أبى طالب : عزائم السجود أربع : ~~( ألم تنزيل ، وحم تنزيل ، والنجم ، واقرأ باسم ربك ) . PageV03P055 وعن ~~ابن مسعود : ( العزائم خمسة : الأعراف ، وبنو إسرائيل ، والنجم ، واقرأ ~~باسم ربك ، وإذا السماء انشقت ) . وعن ابن جبير : عزائم السجود ثلاث : ألم ~~تنزيل ، والنجم ، واقرأ باسم ربك . وقال مالك : عزائم السجود إحدى عشرة ليس ~~فى المفصل منها شىء ، وليس فيها الثانية من الحج . وقال أبو يوسف : أربع ~~عشرة وليس فيها الأولى من الحج ، وقال الشافعى : أربع عشرة ليس فيها سجدة ص ~~؛ لأنها سجدة شكر ، وفى الحج سجدتان عنده . * * * # | 41 - باب سجود المسلمين مع المشركين والمشرك نجس ليس له وضوء ، وكان ~~ابن عمر يسجد على وضوء # . / 48 - فيه : ابن عباس ، أن النبى - صلى الله عليه وسلم - ، قرأ والنجم ~~فسجد ، وسجد معه المسلمون والمشركون والجن والإنس . ووقع فى نسخة الأصيلى : ~~( وكان ابن عمر يسجد على وضوء ) ، وكذلك عند أبى الهيثم عن الفربرى ، ووقع ~~فى بعض النسخ ( على غير وضوء ) ، وهكذا فى رواية ابن السكن بإثبات ( غير ) ~~والصواب : رواية ابن السكن بإثبات ( غير ) ؛ لأن المعروف عن ابن عمر أنه ~~كان يسجد على غير وضوء ، ذكره ابن أبى شيبة قال : حدثنا محمد بن بشر ، ثنا ~~زكريا بن أبى زائدة قال : حدثنا أبو الحسن ، يعنى عبيد بن الحسن ، عن رجل ~~زعم أنه كنفسه عن سعيد بن جبير قال : كان عبد الله بن عمر ينزل عن راحلته ~~فيهريق الماء ، ثم يركب فيقرأ السجدة فيسجد وما يتوضأ . PageV03P056 وذكر ~~وكيع ، عن زكريا ، عن الشعبى فى الرجل يقرأ السجدة وهو على غير وضوء قال : ~~يسجد حيث كان وجهه . وذهب فقهاء الأمصار إلى أنه لا يجوز سجود التلاوة إلا ~~على ms0743 وضوء ، فإن ذهب البخارى إلى الاحتجاج بقول ابن عمر ، والشعبى : نسجد مع ~~المشركين ، فلا حجة فيه ؛ لأن سجود المشركين لم يكن على وجه العبادة لله ~~والتعظيم له ، وإنما كان لما ألقى الشيطان على لسان الرسول من ذكر آلهتهم ~~من قوله : { أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى } [ النجم : 20 ، ~~21 ] ، فقال : تلك الغرانيق العلى ، وإن شفاعتهم لترتجى ، فسجدوا لما سمعوا ~~من تعظيم آلهتهم ، فلما علم الرسول ما ألقى الشيطان على لسانه من ذلك أشفق ~~وحزن له ، فأنزل الله عليه تأنيسا له وتسلية عما عرض له : { وما أرسلنا من ~~قبلك من رسول ولا نبى إلا إذا تمنى ألقى الشيطان فى أمنيته } إلى { حكيم } ~~[ الحج : 52 ] ، أى : إذا تلا ألقى الشيطان فى تلاوته ، فلا يستنبط من سجود ~~المشركين جواز السجود على غير وضوء ؛ لأن المشرك نجس لا يصح له وضوء ولا ~~سجود إلا بعد عقد الإسلام . وإن كان أراد البخارى الرد على ابن عمر ، ~~والشعبى بقوله : والمشرك نجس ليس له وضوء ، فهو أشبه بالصواب ، إن شاء الله ~~تعالى . PageV03P057 # | 42 - باب من قرأ السجدة ولم يسجد فيها # / 49 - فيه : زيد بن ثابت ، أنه قرأ على النبى - صلى الله عليه وسلم - { ~~والنجم } فلم يسجد فيها . هذا الحديث حجة لمالك والشافعى أن سجود القرآن ~~سنة ، ولو كان واجبا كما زعم الكوفيون لم يترك زيد السجود فيها ، ولا تركه ~~النبى - صلى الله عليه وسلم - ؛ لأنه بعث معلما ، وحديث زيد هذا يبين حديث ~~ابن مسعود أن النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، حين سجد فى ( والنجم ) ، ~~بمكة أن ذلك كان إعلاما منه لأمته أن قارئ السجدة بالخيار ، إن شاء سجد ~~فيها ، وإن شاء لم يسجد ، وكذلك فعل عمر فى ( النحل ) سجد فيها مرة ولم ~~يسجد فيها أخرى ؛ ليرى أن ذلك غير واجب ، وقال : إن الله لم يفرض السجود ~~إلا أن نشاء ، وسيأتى زيادة فى هذا المعنى فى بابه ، إن شاء الله تعالى . * ~~* * # | 43 - باب سجدة { إذا السماء انشقت } # / 50 - فيه : أبو هريرة أنه قرأ { إذا السماء انشقت } فسجد فيها ms0744 ، فقال ~~أبو سلمة : ألم أرك تسجد ؟ قال : لو لم أر رسول الله يسجد لم أسجد . من قال ~~بالسجود فى المفصل يرى السجود فى هذه السورة ، وقد تقدم الاختلاف فى ذلك ، ~~واحتج بهذا الحديث من قال بالسجود فى المفصل ، وقالوا هذا الحديث يرد ما ~~روى عن النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، أنه لم يسجد فى المفصل منذ تحول ~~إلى المدينة ؛ لأن أبا هريرة كان إسلامه بالمدينة ، وروى أن النبى ، - صلى ~~الله عليه وسلم - ، سجد فى ( إذا السماء انشقت ) ، فكيف يقال إنه بعدما ~~هاجر لم يسجد فى المفصل ؟ ، PageV03P058 واحتج الكوفيون وقالوا : النظر أن ~~يكون فى ( إذا السماء انشقت ) ، سجود ؛ لأن قوله تعالى : { فما لهم لا ~~يؤمنون وإذا قرئ عليهم القرآن لا يسجدون } [ الأنشقاق : 20 ، 21 ] ، إخبار ~~لا أمر ، وسجود التلاوة إنما هو فى موضع الإخبار ، وموضع الأمر إنما هو ~~تعليم فلا سجود فيه ، وهذا قول الطحاوى . واحتج من قال : لا سجود فى المفصل ~~فقالوا : معنى سجود التلاوة ما كان على وجه المدح والذم ، وسجدة ( إذا ~~السماء انشقت ) ، خارجة عن هذا المعنى ؛ لأن قوله تعالى : { فما لهم لا ~~يؤمنون وإذا قرئ عليهم القرآن لا يسجدون } [ الانشقاق : 20 ، 21 ] ، إنما ~~يعنى أى لا يسجدون بعد الإيمان السجود المذكور فى القرآن للصلاة ، وهذا ليس ~~بخطاب للمؤمنين ؛ لأنهم يسجدون مع الإيمان سجود الصلاة ، هذا قول ابن ~~القصار . قال المهلب : وأما قول أبى سلمة لأبى هريرة : ( ألم أرك تسجد ) ، ~~يعنى : ألم أرك تسجد فى سورة ما رأيت الناس يسجدون فيها ، هكذا رواه الليث ~~، عن ابن الهاد ، عن أبى سلمة ، فهذا يدل أنه لم يكن العمل عندهم على ~~السجود فى ( إذا السماء انشقت ) ، كما قال مالك وأهل المدينة ، فأنكر عليه ~~سجوده فيها ، ولا يجوز إنكار ما عليه العمل ، فهذا يدل أنها ليست من ~~العزائم . * * * # | 44 - باب من سجد لسجود القارئ # / 51 - فيه : ابن عمر ، قال : كان - صلى الله عليه وسلم - ، يقرأ علينا ~~السورة فيها السجدة فيسجد ، ونسجد حتى ما يجد أحدنا موضع جبهته . وترجم له ~~: ( باب ازدحام الناس ms0745 إذا قرأ الإمام السجدة ) . PageV03P059 أجمع فقهاء ~~الأمصار أن التالى إذا سجد فى تلاوته لزم الجالس إليه المستمع له أن يسجد ~~بسجوده ، وقال عثمان : إنما السجدة على من سمعها . واختلفوا فى التالى إذا ~~قرأ السجدة ولم يسجد فيها هل يسجد المستمع لقراءته أم لا ؟ ، فقال ابن ~~القاسم فى ( المدونة ) : على الذين جلسوا إليه أن يسجدوا وإن لم يسجد ، ~~وذكر ابن المنذر مثله عن الشافعى قال : إن أحب المستمع أن يسجد فليسجد . ~~وقال ابن حبيب : لم أر أحدا قال بقول ابن القاسم فى ذلك ، وسمعت مطرفا ، ~~وابن الماجشون ، وابن عبد الحكم ، وأصبغ يقولون : لا يسجدوا ؛ لأنه إمامهم ~~، قال : وهو الصواب ؛ لأن القارئ لو كان فى صلاة ولم يسجد لم يسجد من معه ، ~~فكذلك هذا . وفى المدونة : كره مالك أن يجلس قوم إلى قارئ يستمعون قراءته ؛ ~~ليسجدوا معه إذا سجد ، وأنكر ذلك إنكارا شديدا ، قال : وأرى أن يقام وينهى ~~ولا يجلس إليه . وقال ابن شعبان : قال مالك : فإن لم ينته وقرأ لهم فمر ~~بسجدة لم يسجد ولم يسجدوا ، وقد قال مالك أيضا : أرى أن يسجدوا معه . قال ~~المهلب : وقوله : ( فيسجد ونسجد معه حتى ما يجد أحدنا موضع جبهته ) ، فيه ~~الحرص على فعل الخير والتسابق إليه ، وفيه لزوم متابعة أفعال النبى - صلى ~~الله عليه وسلم - على كمالها ، ويحتمل أن يكون سجدوا عند ارتفاع الناس ~~وباشروا الأرض ، ويحتمل أن يسجد ببلوغ طاقتهم من الإيماء فى ذلك ، والله ~~أعلم . PageV03P060 # | 45 - باب من رأى أن الله لم يوجب السجود # وقيل لعمران بن حصين : الرجل يسمع السجدة ولم يجلس لها ؟ قال : أرأيت لو ~~قعد لها ، كأنه لا يوجبه عليه . وقال سلمان : ما لهذا غدونا . وقال عثمان : ~~إنما السجدة على من استمعها . وقال الزهرى : لا تسجد إلا أن وأنت طاهرا ، ~~فإذا سجدت ، وأنت فى حضر ، فاستقبل القبلة ، فإن كنت راكبا فلا عليك حيث ~~كان وجهك ، وكان السائب بن يزيد لا يسجد لسجود القاص . / 52 - وفيه : عمر ~~بن الخطاب ، أنه قرأ يوم الجمعة على المنبر بسورة النحل ، حتى إذا جاء ms0746 ~~السجدة نزل فسجد ، وسجد الناس ، حتى إذا كانت الجمعة القابلة ، قرأ بها حتى ~~إذا جاء السجدة ، قال : ( يا أيها الناس ، إنا نمر بالسجود ، فمن سجد فقد ~~أصاب ، ومن لم يسجد فلا إثم عليه ) ، ولم يسجد عمر . وزاد نافع عن ابن عمر ~~: إن الله لم يفرض السجود إلا أن نشاء . اختلف الفقهاء فى سجود القرآن ، ~~فقال مالك ، والليث ، والأوزاعى ، والشافعى : سجود القرآن سنة ، وقال أبو ~~حنيفة : هو واجب ، واحتج أصحابه لوجوبه بقوله تعالى : { وإذا قرئ عليهم ~~القرآن لا يسجدون } [ الانشقاق : 21 ] ، قالوا : والذم لا يتعلق إلا بترك ~~الواجبات ، وبقوله : { واسجد واقترب } [ العلق : 19 ] ، وقالوا : هذا أمر . ~~قال ابن القصار : فالجواب أن الذم هاهنا للكفار بأنهم لا يؤمنون ~~PageV03P061 وإذا قرئ عليهم القرآن لا يسجدون ، فعلق الذم بترك الجميع ؛ ~~لأنهم لو سجدوا ألف مرة فى النهار مع كونهم كفارا كان الذم لاحقا بهم ، ~~فعلمنا أن الذم لم يختص السجود ، ويزيد هذا بيانا قوله تعالى : { بل الذين ~~كفروا يكذبون } [ الانشقاق : 22 ] ، فلم يقع الوعيد إلا على التكذيب ، ~~وقوله : { واسجد واقترب } [ العلق : 19 ] ، هو أمر له بالصلاة وتعليم له ، ~~وقد تقدم أن سجود القرآن إنما هو ما جاء بلفظ الخبر ، وما جاء بلفظ الأمر ~~إنما هو إعلام له بالصلاة وأمر له بالسجود فيها . وما ذكره البخارى فى هذا ~~الباب عن الصحابة من تركهم السجود ولا مخالف لهم فهو حجة لمن لا يوجبه ؛ ~~لأن الفرض لا يجوز تركه ، ولا يجوز أن يكون عند بعضهم أنه واجب ويسكت عن ~~الإنكار على غيره فى قوله : ( ومن لم يسجد فلا إثم عليه ) ، ألا ترى قول ~~عمر : ( إن الله لم يفرض السجود إلا أن نشاء ) . قال المهلب : وفى فعل عمر ~~دليل على أن على العلماء أن يبينوا كيف لزوم السنن إن كانت على العزم أو ~~الندب والإباحة ، وكان عمر من أشد الناس تعليما للمسلمين كما تأول له رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - فى الرؤيا أنه استحالت الذنوب بيده غربا فتأول ~~له العلم ، ألا ترى إلى قول عمر حين رأى ms0747 أنه قد بلغ من تعليم الناس إلى ~~غاية رضيها قال : قد سنت لكم السنن ، وفرضت لكم الفرائض ، وتركتم على ~~الواضحة ، فأعلمنا بهذا القول أنه يجب أن يفصل بين السنن والفرائض . ~~PageV03P062 # | 46 - باب من قرأ السجدة فى الصلاة فسجد بها # / 53 - فيه : أبو رافع قال : صليت مع أبى هريرة العتمة ، فقرأ { إذا ~~السماء انشقت } فسجد فقلت : ما هذه ؟ قال : سجدت بها خلف أبى القاسم ، فلا ~~أزال أسجد بها حتى ألقاه . فى هذا الحديث حجة لقول الشافعى ، والثورى أنه ~~من قرأ سجدة فى صلاة مكتوبة أنه لا بأس أن يسجد فيها ، إلا الذين لا يرون ~~السجود فى المفصل لا يرون السجود فى هذه السورة ، فإن فعل فلا حرج عندهم فى ~~ذلك ، وقد كره مالك قراءة سجدة فى صلاة الفريضة فيما يجهر به كرة ، وفيما ~~لا يجهر به مرة ، وأجازه أخرى . وقال ابن حبيب : لا يقرأ الإمام السجدة ~~فيما يسر فيه ، ويقرأها فيما يجهر فيه ، وروى مثله عن أبى حنيفة ، ومنع ذلك ~~أبو مجلز ، ذكره الطبرى عنه أنه كان لا يرى السجود فى صلاة الفريضة ، وزعم ~~أن ذلك زيادة فى الصلاة ما ليس فيها ، ورأى أن السجود فيها غير الصلاة . ~~قال الطبرى : وحديث أبى هريرة شاهد بخلاف قول أبى مجلز ، ودليل كاف يقضى ~~بصحة قول الجماعة ، وبه عمل السلف من الصحابة وعلماء الأمة . روى عن عمر بن ~~الخطاب أنه صلى الصبح فقرأ : { والنجم } فسجد فيها ، وقرأ مرة فى الصبح : { ~~الحج } فسجد فيها سجدتين ، وقال ابن مسعود فى السورة يكون آخرها سجدة : إن ~~شئت سجدت بها ، ثم قمت فقرأت وركعت ، وإن شئت ركعت بها . PageV03P063 وقال ~~الطحاوى : إنما قرأ الرسول السجدة فى العتمة والصبح ، وهذا فيما جهر فيه ، ~~وإذا سجد فى قراءة السر لم يدر الناس لم سجد للتلاوة فى الصلاة أم غيرها أو ~~سجود شكر ، فيسجدون من غير علم لما سجدوا له . وفى حديث أبى هريرة حجة لمن ~~قال : إن سجدة : { إذا السماء انشقت } ليست من عزائم السجود ، لترك السلف ~~السجود فيها ، ولذلك أنكر ms0748 أبو رافع على أبى هريرة سجوده فيها كما أنكره ~~عليه أبو سلمة . وقول أبى هريرة : ( سجدت بها خلف أبى القاسم ، فلا أزال ~~أسجد بها ) يحتمل أن يكون سجد بها خلفه ، ولم يواظب - صلى الله عليه وسلم - ~~على السجود فيها ، ولذلك أجمع الناس على تركها ، ولو واظب عليه لم يخف ذلك ~~عليهم ولا تركوها . * * * # | 47 - باب من لم يجد موضعا للسجود مع الإمام من الزحام # / 54 - فيه : ابن عمر قال : كان النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، يقرأ ~~السورة التى فيها السجدة ، فيسجد ، ونسجد معه حتى ما يجد أحدنا مكانا لموضع ~~جبهته . قال المؤلف : لم أجد فى هذه المسألة نصا للعلماء ، ووجدت أقوالهم ~~فيمن لا يقدر على السجود على الأرض من الزحام فى صلاة الفريضة ، فكان عمر ~~بن الخطاب يقول : يسجد على ظهر أخيه ، وبه قال : الثورى ، والكوفيون ، ~~والشعبى ، وأحمد ، وإسحاق ، وأبو ثور . وقال نافعى ، مولى ابن عمر : يومئ ~~إيماء . وقال عطاء ، والزهرى : يمسك عن السجود فإذا رفعوا سجد . وهو قول ~~مالك وجميع PageV03P064 أصحابه ، وقال مالك : إن سجد على ظهر أخيه يعيد ~~الصلاة . وذكر ابن شعبان فى مختصره عن مالك قال : يعيد فى الوقت وبعده . ~~وقال أشهب : يعيد فى الوقت لقول عمر : اسجد ولو على ظهر أخيك . فعلى قول من ~~أجاز السجود فى صلاة الفريضة من الزحام على ظهر أخيه فهو أجوز عنده فى سجود ~~القرآن ، لأن السجود فى الصلاة فرض وليس سجود القرآن بفرض . وعلى قول عطاء ~~، والزهرى ، ومالك الذين لا يجيزون السجود فى الصلاة من الزحام وغيره إلا ~~على الأرض ، يحتمل أن يجوز عندهم سجود التلاوة فى الصلاة على ظهر رجل ~~وإيماء على غير الأرض ، كقول الجمهور ، لما قدمنا من الفرق بين سجود ~~التلاوة وبين سجود الصلاة ، ويحتمل خلافهم ، واحتمال وفاقهم أشبه بدليل ~~حديث ابن عمر ، وهو المقنع فى ذلك ، إن شاء الله تعالى . * * * بسم الله ~~الرحمن الرحيم # | أبواب تقصير الصلاة # # | 48 - باب ما جاء في التقصير ، وكم يقيم حتى يقصر ؟ # / 55 - فيه : ابن عباس ، قال : أقام الرسول تسعة عشر ms0749 يوما يقصر ، فنحن ~~إذا سافرنا تسعة عشر يوما قصرنا ، وإن زدنا أتممنا . / 56 - فيه : أنس ، ~~قال : خرجنا مع النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، من المدينة إلى مكة فكان ~~يصلى ركعتين ركعتين ، حتى رجعنا إلى المدينة ، قلت : أقمتم بمكة شيئا ؟ قال ~~: ( أقمنا بها عشرا ) . إنما أقام الرسول تسعة عشر يوما يقصر ، لأنه كان ~~محاصرا فى PageV03P065 حصار الطائف أو حرب هوازن ، فجعل ابن عباس هذه المدة ~~حدا بين القصر والإتمام ، لقوله : ( فنحن إذا سافرنا تسعة عشر يوما قصرنا ~~وإن زدنا أتممنا ) . قال المهلب : والفقهاء لا يتأولون هذا الحديث كما ~~تأوله ابن عباس ويقولون : إنه كان - صلى الله عليه وسلم - فى هذه المدة ~~التى ذكرها ابن عباس غير عازم على الاستقرار ، لأنه كان ينتظر الفتح ، ثم ~~يرحل بعد ذلك ، فظن ابن عباس أن التقصير لازم إلى تسعة عشر يوما ، ثم ما ~~بعد ذلك حضر تتم فيه الصلاة ، ولم يرع نيته فى ذلك . وقد روى جابر بن عبد ~~الله أن النبى - صلى الله عليه وسلم - أقام بتبوك عشرين ليلة يقصر الصلاة . ~~ذكره عبد الرزاق . وروى ابن عيينة عن ابن أبى نجيح أنه سأل سالم بن عبد ~~الله كيف كان ابن عمر يصنع ؟ قال : إذا أجمع المكث أتم ، وإذا قال : اليوم ~~وغدا قصر الصلاة ، وإن مكث عشرين ليلة . والعلماء مجمعون على هذا لا ~~يختلفون فيه ، وتأول الفقهاء فى حديث أنس أيضا أن إقامته - صلى الله عليه ~~وسلم - بمكة لا استيطانا لها لئلا يكون رجوعا فى الهجرة ، وقد روى عن ابن ~~عباس أيضا : أما من نوى إقامة عشر ليال أنه يتم الصلاة ، وهو قول له آخر ~~خلاف تأويله للحديث ، ولا أعلم أحدا من أئمة الفتوى قال بحديث ابن عباس ~~وجعل تسعة عشر يوما حدا للتقصير فهو مذهب له انفرد به ، وقد ذكر ابن أبى ~~شيبة عن حفص ، عن عاصم ، عن عكرمة ، عن ابن عباس أن نبى الله أقام سبع عشرة ~~يقصر الصلاة ؛ قال ابن عباس : PageV03P066 من أقام سبع عشرة قصر الصلاة ، ~~ومن أقام أكثر من ذلك ms0750 أتم ، وإنما جاء هذا الحديث ، والله أعلم ، من الرواة ~~، وروى عباد بن منصور ، عن عكرمة تسع عشرة ، كما روى البخارى ، ولم يقل سبع ~~عشرة أحد من الفقهاء أيضا إلا الشافعى ، فإنه قال : من أقام بدار الحرب ~~خاصة سبع عشرة ليلة قصر . وسأذكره فى هذا الباب ، إن شاء الله . وأما حديث ~~أنس فروى عن على ، وابن عباس أنه إذا نوى إقامة عشر ليال أتم الصلاة . ~~وسيأتى اختلاف العلماء فى هذه المسألة بعد هذا فى باب كم أقام النبى ، - ~~صلى الله عليه وسلم - ، فى حجته . وأذكر فيه طرفا من أقوالهم وحجتهم فى ذلك ~~. وتأويل الفقهاء فى حديث أنس أيضا أن إقامته - صلى الله عليه وسلم - بمكة ~~عشرا كانت بنية الرحيل ، وكانت العوائق تمنعه من ذلك ، فما كان على نية ~~الرحيل فإنه يقصر فيه وإن أقام مدة طويلة بإجماع العلماء . وفى حديث ابن ~~عباس من الفقه ما ذهب إليه مالك ، وأبو حنيفة وأحد قولى الشافعى : أنه من ~~كان فى أرض العدو من المسلمين ونوى الإقامة مدة يتم المسافر فى مثلها ~~الصلاة أنه يقصر الصلاة ، لأنه لا يدرى متى يرحل . قال ابن القصار : والقول ~~الثانى للشافعى الذى خالف فيه الفقهاء ، قال : إن كان المقيمون بدار الحرب ~~ينتظرون الرجوع كل يوم فإنه يجوز لهم أن يقصروا إلى سبعة عشر يوما أو ~~ثمانية عشر يوما ، فإذا جاوزوا هذا المقدار أتموا ، واحتج بأن الرسول أقام ~~بهوازن هذه المدة يقصر ، وقوله الأول الموافق للفقهاء أولى ، لأن إقامة من ~~كان بدار الحرب ليست بإقامة صحيحة ، وإنما هى موقوفة على ما يتفق لهم من ~~الفتح لأن أرض العدو ليست بدار إقامة للمسلمين . PageV03P067 وقد روى جابر ~~أن النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، أقام بتبوك عشرين يوما يقصر الصلاة ، ~~وأقام ابن عمر بأذربيجان ستة أشهر يحارب ويقصر ، وأقام أنس بنيسابور سنتين ~~يقصر الصلاة ، وفعله جماعة من الصحابة . * * * # | 49 - باب الصلاة بمنى # / 57 - فيه : ابن عمر ، قال : صليت مع النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، ~~بمنى ركعتين ، وأبى بكر وعمر ، ومع عثمان صدرا من ms0751 إمارته ، ثم أتمها . / 58 ~~- وفيه : حارثة بن وهب قال : صلى بنا النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، آمن ~~ما كنا بمنى ركعتين . / 59 - وفيه : عبد الرحمن بن يزيد قال : صلى بنا ~~عثمان بن عفان بمنى أربع ركعات ، فقيل ذلك لعبد الله بن مسعود فاسترجع ، ثم ~~قال : صليت مع رسول الله بمنى ركعتين ، وصليت مع أبى بكر بمنى ركعتين ، ~~وصليت مع عمر بن الخطاب بمنى ركعتين ، فليت حظى من أربع ركعات ركعتان ~~متقبلتان . اتفق العلماء على أن الحاج القادم مكة يقصر الصلاة بها وبمنى ~~وسائر المشاهد ، لأنه عندهم فى سفر ، إذ ليست مكة دار إقامة إلا لأهلها أو ~~لمن أراد الإقامة بها ، وكان المهاجرون قد فرض عليهم ترك المقام بها ، ~~فلذلك لم ينو رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الإقامة بمكة ولا بمنى . ~~واختلف الفقهاء فى صلاة المكى بمنى ، فقال مالك : يتم المكى بمكة ويقصر ~~بمنى ، وكذلك أهل منى يتمون بمنى ويقصرون بمكة PageV03P068 وعرفات ، وجعل ~~أن هذه المواضع مخصوصة بذلك ، لأن الرسول - صلى الله عليه وسلم - لما قصر ~~بعرفة لم يميز من وراءه ، ولم يقل : يا أهل مكة أتموا ، وهذا موضع بيان ، ~~وكذلك عمر بن الخطاب بعده قال لأهل مكة : يا أهل مكة ، أتموا صلاتكم فإنا ~~قوم سفر . وممن روى عنه أن المكى يقصر بمنى : ابن عمر ، وسالم ، والقاسم ، ~~وطاوس ، وبه قال الأوزاعى ، وإسحاق . وقالت طائفة : لا يقصر الصلاة أهل مكة ~~بمنى وعرفات ، لأنه ليس بينهما مسافة ما تقصر فيه الصلاة . روى ذلك عن عطاء ~~، والزهرى ، وهو قول الثورى ، والكوفيين ، والشافعى ، وأحمد ، وأبى ثور ، ~~قالوا : وفى قول عمر بن الخطاب لأهل مكة : أتموا صلاتكم ، ما أغنى أن يقول ~~ذلك بمنى . قال الطحاوى : ليس الحج موجبا للقصر ، لأن أهل منى وعرفات إذا ~~كانوا حجاجا أتموا ، وليس هو متعلقا بالموضع ، وإنما هو متعلق بالسفر ، ~~وأهل مكة مقيمون هناك فلا يقصرون ، ولما كان المعتمر لا يقصر لو خرج إلى ~~منى كذلك الحاج . واحتج أهل المقالة الأولى بحديث حارثة بن وهب ، قال : ( ~~صلى بنا النبى ، - صلى ms0752 الله عليه وسلم - ، ونحن أكثر ما كنا قط وآمن بمنى ~~ركعتين ) . وحارثة كانت أمه تحت عمر بن الخطاب ، فولدت له عبد الله ، وكانت ~~دار حارثة بمكة ، ولو لم يجز لأهل مكة القصر بمنى لقال حارثة : وأتممنا نحن ~~، أو قال لنا : أتموا ، لأنه - صلى الله عليه وسلم - يلزمه البيان لأمته ~~فثبت القصر بمنى لأهل مكة بالسنة . وأما إتمام الصلاة فى السفر ، فإن ~~العلماء والسلف اختلفوا فى ذلك ، فذهبت طائفة إلى أن ذلك سنة ، روى ذلك عن ~~عائشة ، وسعد بن أبى وقاص أنهما كانا يتمان فى السفر ، ذكره عطاء بن أبى ~~رباح عنهما ، وعن حذيفة مثله ، وروى مثله عن المسور بن مخرمة ، وعبد الرحمن ~~PageV03P069 ابن الأسود ، وعن سعيد بن المسيب ، وأبى قلابة ، وروى أبو مصعب ~~عن مالك ، قال : قصر الصلاة فى السفر سنة ، وهو قول الشافعى ، وأبى ثور ، ~~وذهب الشافعى إلى أنه مخير غير أن الإتمام أفضل ، وذهب بعض أصحاب مالك إلى ~~أنه مخير غير أن الاستحباب القصر . وقال ابن القصار : وهذا اختيار الأبهرى ~~، واختيارى . وذهبت طائفة إلى أن الواجب على المسافر ركعتان ، روى ذلك عن ~~عمر ، وابن عمر ، وابن عباس ، وهو قول الكوفيين ، ومحمد بن سحنون ، واختاره ~~إسماعيل بن إسحاق من أصحاب مالك . واحتج الكوفيون عن عائشة ، قالت : فرضت ~~الصلاة ركعتين فى الحضر ، والسفر . . . الحديث ، وقد تقدم فى أول كتاب ~~الصلاة شىء من معنى هذا الحديث ، ونزيده هاهنا بيانا وإيضاحا على حسب ما ~~يقتضيه هذا الباب ، فنقول : إن الفرض قد يأتى لغير الحتم والإيجاب كما نقول ~~: فرض القاضى النفقة ، يعنى قدرها وبينها ، وقد قال بعض المفسرين فى قوله ~~تعالى : { قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم } [ التحريم : 2 ] ، أى بين لكم ~~كيف تكفرون عنها . وقال الطبرى : يحتمل قول عائشة : ( فرضت الصلاة ركعتين ~~فى السفر ) ، يعنى إن اختار المسافر أن يكون فرضه ركعتين فله ذلك ، وإن ~~اختار أن يكون فرضه أربعا ، فله ذلك . فإن قيل : فهل يوجد فرض بهذه الصفة ~~يكون للمفروض عليه الخيار فى تركه إذا شاء ، والعمل به إذا شاء ؟ . قيل ms0753 : ~~نعم ، إنا وجدنا تأخر الحاج بمنى فى اليوم الثانى من أيام PageV03P070 ~~التشريق ، وتركه النفر فيه إلى اليوم الثالث ، فإنه إن اختار المقام به إلى ~~اليوم الثالث فعلى فرضه أقام ، وإن نفر فى اليوم الثانى وتعجل فيه فعلى ~~أداء فرضه نفر ، وأى ذلك فعل كان صوابا . وكذلك المسافر ، ولو كان فرض ~~المسافر الذى ليس له غيره الركعتين لم يكن له أن يجعلهما أربعا بوجه من ~~الوجوه ، كما ليس للمقيم أن يجعل ظهره مثنى وصلاة الفجر أربعا ، وقد اتفق ~~فقهاء الأمصار على أن المسافر إذا أدرك ركعة من صلاة المقيم لزمه الإتمام ، ~~فهذا يدل أنه ليس فرضه ركعتين إلا على التخيير ، وبان أن من صلى من ~~المسافرين الظهر أربعا ففرضه اختار ، وأن من صلاها ركعتين فعلى تمام فرضه ~~انصرف . وأما إتمام عثمان الصلاة بمنى فللعلماء فى ذلك أقوال ، روى أيوب عن ~~الزهرى ، قال : إنما صلى عثمان بمنى أربعا ، لأن الأعراب كانوا كثروا فى ~~ذلك العام ، فأحب أن يخبرهم أن الصلاة أربعا . وقال ابن جريج : إن أعرابيا ~~ناداه فى منى ، فقال : يا أمير المؤمنين ، مازلت أصليها مذ رأيتك عام أول ~~صليتها ركعتين ، فخشى عثمان أن يظن جهال الناس أن الصلاة ركعتان . وروى ~~معمر ، عن الزهرى وجها آخر قال : إنما صلى عثمان أربعا لأنه أزمع على ~~المقام بعد الحاج . وروى عن عبد الله بن الحارث بن أبى ذباب ، عن أبيه ، ~~وقد عمل الحارث لعمر بن الخطاب ، قال : صلى بنا عثمان أربع ركعات ، فلما ~~سلم أقبل على الناس ، فقال : إنى تأهلت بمكة ، وقد سمعت رسول الله ~~PageV03P071 - صلى الله عليه وسلم - يقول : ( من تأهل ببلدة فهو من أهلها ~~فليصل أربعا ) . وهذه الوجوه كلها ليست بشىء . قال الطحاوى : وذلك أن ~~الأعراب كانوا بأحكام الصلاة أجهل فى زمن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~، فلم يتم بهم لتلك العلة ، ولم يكن عثمان ليخاف عليهم ما لم يخفه رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - ، لأنه بهم رءوف رحيم . قال غيره : ألا ترى أن ~~الجمعة لما كان فرضها ركعتين لم ms0754 يعدل عنها ، وكان يحضرها الغوغاء والوفود ، ~~وقد يجوز أن صلاة الجمعة فى كل مكان ركعتان . وأما ما ذكر عنه أنه أزمع على ~~المقام بعد الحج فليس بشىء ، فإن المهاجرين فرض عليهم ترك المقام بمكة ، ~~وقد صح عن عثمان أنه كان لا يودع النساء إلا على راحلته ، ويسرع الخروج من ~~مكة خشية أن يرجع فى هجرته التى هاجرها الله . وما ذكر أنه اتخذ أهلا بمكة ~~النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، كان فى غزواته وحجه وأسفاره كلها يسافر ~~بأهله بعد أن يقرع بينهن ، وكان أولى أن يتأول ذلك ويفعله ، فلم يفعله وقصر ~~الصلاة ، وكذلك تأولوا فى إتمام عائشة أنها كانت أم المؤمنين ، فحيث ما حلت ~~فهو بيتها ، وهذا فى الضعف مثل الأول ، ألا ترى أن النبى ، - صلى الله عليه ~~وسلم - ، كان أبا للمؤمنين وهو أولى بهم من عائشة ، ولم يتأول ذلك . والوجه ~~الصحيح فى ذلك ، والله أعلم ، أن عثمان وعائشة إنما أتما فى السفر لأنهما ~~اعتقدا فى قصر الرسول - صلى الله عليه وسلم - أنه لما خير بين القصر ~~PageV03P072 والإتمام اختار الأيسر من ذلك على أمته ، وقالت عائشة : ما خير ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فى أمرين قط إلا أخذ بأيسرهما ما لم يكن ~~إثما . فأخذت هى وعثمان فى أنفسهما بالشدة وتركا الرخصة ، إذ كان ذلك مباحا ~~لهما فى حكم التخيير فيما أذن الله تعالى فيه ، ويدل على ذلك إنكار ابن ~~مسعود الإتمام على عثمان ، ثم صلى خلفه وأتم ، ثم كلم فى ذلك ، فقال : ~~الخلاف شر . ولو كان القصر فرضا لم يخف على عثمان ، ولم يجز له أن يتم ، ~~ولا أتم خلفه ابن مسعود ، ولا جماعة الصحابة بالحضرة دون نكير ، ولا يجوز ~~على جماعة الصحابة أن يعلموا أن فرضهم ركعتان ويصلوها مع عثمان أربعا ، كما ~~لا يجوز لو صلى بهم الظهر خمسا والفجر ثلاثا أن يتبعوه على ذلك . وإنما جاز ~~لهم اتباعه والانقياد له لعلم جميعهم أنه فعل مباحا جائزا ، وهذه حجة قاطعة ~~، وإنما قال ابن مسعود : الخلاف شر ، لأنه رأى أن ms0755 الخلاف على الإمام فيما ~~سبيله التخيير والإباحة شر . وقد روى ابن أبى شيبة ، عن ميمون بن مهران : ~~أنه سأل سعيد بن المسيب عن الصلاة فى السفر ، فقال : إن شئت ركعتين ، وإن ~~شئت أربعا . وذكر عن أبى قلابة أنه قال : ( إن صليت فى السفر ركعتين فالسنة ~~، وإن صليت أربعا فالسنة . * * * # | 50 - باب كم أقام الرسول - صلى الله عليه وسلم - فى حجته # ؟ / 60 - فيه : ابن عباس ، قال : قدم النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، ~~وأصحابه لصبح رابعة يلبون بالحج ، فأمرهم أن يجعلوها عمرة إلا من معه الهدى ~~. PageV03P073 وقال فى كتاب المغازى : باب إقامة المهاجر بمكة بعد قضاء ~~نسكه . / 61 - فيه : عمر بن عبدالعزيز أنه سأل السائب ابن أخت النمر : ما ~~سمعت فى سكنى مكة ؟ قال : سمعت العلاء بن الحضرمى ، قال : قال رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - : ( ثلاث للمهاجر بعد الصدر ) . وقال أحمد بن حنبل : ~~قدم الرسول - صلى الله عليه وسلم - مكة صبح رابعة من ذى الحجة ، فأقام ~~اليوم الرابع والخامس والسادس والسابع ، وهو فى ذلك كله يقصر الصلاة ، ثم ~~خرج إلى منى يوم التروية وهو اليوم الثامن فلم يزل مسافرا فى المناسك إلى ~~أن تم حجه . فجعل أحمد ابن حنبل أربعة أيام يقصر فيها الصلاة إذا نوى ~~إقامتها ، وإن قام أكثر من ذلك فهو حضر يتم فيه الصلاة ، واستدل بحديث ابن ~~عباس هذا . وقال أبو عبد الله بن أبى صفرة : هذا الحديث يدل أنه من أقام ~~عشرين صلاة يقصر الصلاة ، لأنه - صلى الله عليه وسلم - صلى فى الرابع الظهر ~~والعصر ، ثم صلى فى الخامس والسادس والسابع خمس عشرة صلاة ، ثم صلى الليلة ~~الثامنة المغرب والعشاء والصبح ، فذلك عشرون صلاة ، ولم يتم ، وهو حجة على ~~ابن الماجشون ، وسحنون فى قولهما أنه من أقام عشرين صلاة أنه يتم . وذهب ~~مالك ، والشافعى ، وأبو ثور إلى أنه من عزم على إقامة أربعة أيام بلياليها ~~أنه يتم الصلاة ولا يقصر ، وروى مثله عن عمر ، وعثمان . قال ابن القصار : ~~وحجة هذه المقالة حديث العلاء بن الحضرمى أن النبى ms0756 ، - صلى الله عليه وسلم ~~- ، جعل للمهاجر بعد قضاء نسكه [ ثلاثا ، ثم ] PageV03P074 يصدر ، وذلك أن ~~الله حرم على المهاجرين الإقامة بمكة ، الأرض التى هاجروا منها ، ولا ~~يستوطنوها ، ثم أباح رسول الله - صلى الله عليه وسلم - للمهاجر المسافر أن ~~يقيم بمكة بعد قضاء نسكه ثلاثة أيام . فبين - صلى الله عليه وسلم - أن ~~ثلاثة أيام سفر لا إقامة ، إذ لو كان ما فوق الثلاث سفرا لما منعهم من ذلك ~~، فدل أنه إقامة ، ووجب أن تكون الثلاث فصلا بين السفر والإقامة ، ولا وجه ~~لمن اعتبر مقام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فى حجته من حين دخوله مكة ~~إلى خروجه إلى منى ولا إلى صدره إلى المدينة ، لأن مكة ليست له بدار إقامة ~~ولا لأحد من المهاجرين ، لأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يزل ~~مسافرا منذ خرج من المدينة وقصر بذى الحليفة إلى أن انصرف إلى المدينة ، ~~ولم ينو فى شىء من ذلك إقامة ، وليس فى هذه المسألة اختلاف ، سوى ما تقدم ، ~~يقتضى الباب ذكره ، وذلك لأنه ذهب قوم إلى أنه إن نوى إقامة أكثر من خمسة ~~عشر يوما أتم الصلاة ، وإن نوى إقامة أقل قصر ، روى هذا عن ابن عمر ، وهذا ~~قول الكوفيين ، والثورى . وذهب قوم إلى أنه إذا نوى إقامة اثنتى عشرة أتم ~~الصلاة ، وإن نوى إقامة أقل قصر ، هذا قول ابن عمر ، أحد أقاويله ، وأخذ به ~~الأوزاعى ، وذهب قوم أنه إذا عزم على مقام عشر ليال أتم الصلاة ، روى ذلك ~~عن على ، وابن عباس ، وقد تقدم هذا القول فى حديث أنس فى أول أبواب التقصير ~~. وروى عن ربيعة قول شاذ أنه من نوى إقامة يوم وليلة أتم الصلاة . وحجة ~~الليث ما رواه ابن إسحاق ، عن الزهرى ، عن PageV03P075 عبيد الله ، عن عبد ~~الله بن عباس ، أن النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، أقام حيث فتح مكة خمسة ~~عشر يوما يقصر الصلاة حتى سار إلى خيبر . وحجة الكوفيين ما رواه مجاهد ، عن ~~ابن عمر ، وابن عباس ، أنهما قالا : إذا قدمت بلدا وأنت ms0757 مسافر ، وفى نفسك ~~أن تقيم خمس عشرة ليلة ، فأكمل الصلاة . ولا حجة لمن اعتبر اثنى عشر يوما ~~ولا لربيعة ، لأن النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، وأصحابه لم يتم واحد ~~منهم فى هذا المقدار . وأصح الأقوال فى هذه المسألة قول مالك ومن وافقه ، ~~وبيان ذلك من حديث ابن عباس مع الحديث الذى جاء أن يوم عرفة كان يوم الجمعة ~~، أن مقام النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، بمكة فى حجته كان عشرة أيام ~~كما قال أنس فى حديثه . وذكر أن النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، قدم مكة ~~صبح رابعة من ذى الحجة صبيحة يوم الأحد ، صلى الصبح بذى طوى ، واستهل ذو ~~الحجة ذلك العام ليلة الخميس ، فأقام الرسول - صلى الله عليه وسلم - بمكة ~~يوم الأحد والاثنين والثلاثاء والأربعاء وليلة الخميس ، ثم نهض يوم الخميس ~~ضحوة إلى منى ، فأقام بها باقى نهاره وليلة الجمعة ، ثم نهض يوم الجمعة إلى ~~عرفات ، فبقى بها نهاره ، ودفع منها بعد غروب الشمس من ليلة السبت إلى ~~المزدلفة ، فأقام بها باقى ليلته ، ثم نهض منها قبل طلوع PageV03P076 الشمس ~~من يوم السبت ، وهو يوم الأضحى والنفر إلى منى ، فرمى جمرة العقبة ضحوة ، ~~ثم نهض إلى مكة ذلك اليوم ، فطاف بالبيت قبل الظهر . ثم رجع فى يومه ذلك ~~إلى منى فأقام بها باقى يوم السبت ، ويوم الأحد ، ويوم الاثنين ، ويوم ~~الثلاثاء ، ثم نهض بعد الظهر من يوم الثلاثاء ، وهو آخر أيام التشريق إلى ~~المحصب ، فصلى به الظهر ، وبات فيه ليلة الأربعاء ، وفى تلك الليلة اعتمرت ~~عائشة من التنعيم ليلا ، ثم طاف النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، طواف ~~الوداع سحرا قبل صلاة الصبح من يوم الأربعاء ، وهى صبيحة رابعة عشرة ، ~~فأقام عشرة أيام كما قال أنس فى حديثه ، ثم نهض إلى المدينة ، وكان خروجه ~~من المدينة إلى حجة الوداع يوم السبت لأربع بقين من ذى القعدة ، وصلى الظهر ~~بذى الحليفة ، وأحرم بإثرها ، وهذا كله مستنبط من قوله : ( قدم النبى ، - ~~صلى الله عليه وسلم - ، صبيحة أربع من ذى الحجة ) ، ومن الحديث الذى ms0758 جاء أن ~~يوم عرفة كان يوم الجمعة ، وفيه نزلت : { اليوم أكملت لكم دينكم } [ ~~المائدة : 3 ] . * * * # | 51 - باب فى كم تقصر الصلاة ؟ # وسمى النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، السفر يوما وليلة ، وكان ابن عمر ~~وابن عباس يقصران ويفطران فى أربعة برد ، وهى ستة عشر فرسخا . / 62 - وفيه ~~: ابن عمر ، أن النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، قال : ( لا تسافر المرأة ~~ثلاثا إلا مع ذى محرم ) . / 63 - وفيه : أبو هريرة ، قال - صلى الله عليه ~~وسلم - : ( لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر مسيرة يوم ~~وليلة ليس معها حرمة ) . PageV03P077 اختلف العلماء فى قدر المسافة التى ~~يستباح فيها القصر فى الصلاة ، فكان مالك يقول : يقصر فى مسيرة يوم وليلة ، ~~ثم رجع فقال : يقصر فى أربعة برد ، وهى ثمانية وأربعون ميلا ، كقول ابن عمر ~~، وابن عباس ، وبه قال الليث ، والشافعى فى أحد أقواله ، وهو قول أحمد ، ~~وإسحاق . وروى أشهب ، عن مالك ، فيمن خرج إلى ضيعته ، وهى على رأس خمسة ~~وأربعين ميلا ، قال : يقصر . وروى أبو زيد ، عن ابن القاسم فيمن قصر فى ستة ~~وثلاثين ميلا ، قال : لا يعيد . وقال ابن حبيب : يقصر فى أربعين ميلا ، وهى ~~قريب من أربعة برد . وقال الأوزاعى : عامة العلماء يقولون : مسيرة يوم تام ~~، وبه نأخذ . وقالت طائفة : يقصر فى يومين ، روى هذا عن ابن عمر ، والحسن ~~البصرى ، والزهرى ، وذكر مثله عن الشافعى . وقالت طائفة : لا يقصر إلا من ~~سافر ثلاثة أيام ، روى هذا عن ابن مسعود ، وبه قال الثورى ، والكوفيون . ~~وقال الأوزاعى : كان أنس بن مالك يقصر الصلاة فى خمسة فراسخ ، وذلك خمسة ~~عشر ميلا . وحكى عمن لا يعتد بخلافه من أهل الظاهر أنه يجوز فى قليل السفر ~~، وكثيره إذا جاوز البنيان ولو قصد إلى بستانه ، وحكوه عن على بن أبى طالب ~~. قال ابن القصار : والحجة لقول مالك ، ومن وافقه حديث أبى هريرة أن النبى ~~، - صلى الله عليه وسلم - ، قال : ( لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم ~~PageV03P078 الآخر أن تسافر مسيرة يوم وليلة ليس معها حرمة ) . فجعل لليوم ~~والليلة حكما ms0759 خلاف حكم الحضر ، فعلمنا أنه الزمان الفاصل بين السفر يجوز ~~فيه القصر ، وبين السفر الذى لا يجوز فيه ، قال : وهذا قول ابن عمر ، وابن ~~عباس . واحتج الكوفيون بحديث ابن عمر ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- ، قال : ( لا تسافر المرأة ثلاثا إلا مع ذى محرم ) ، وقالوا : لما اختلفت ~~الآثار والعلماء فى المسافة التى تقصر فيها الصلاة ، وكان الأصل الإتمام لم ~~يجب أن ننتقل عنه إلا بيقين ، واليقين ما لا تنازع فيه ، وذلك ثلاثة أيام . ~~قال ابن القصار : والجواب أن النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، قد ذكر ~~اليوم والليلة ، ونص عليه فهو أولى من دليل خبركم أن ما كان دون الثلاث ~~فبخلافها ، والدليل إذا اجتمع مع النص قضى بالنص عليه . قال الأصيلى : ~~والدليل على أن المسافر يقصر فى يوم وليلة قوله تعالى : { فمن كان منكم ~~مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر } [ البقرة : 184 ] ، فما نقل الله ~~المسافر من حال الصيام إلى حال الإفطار فى سفر يوم ، كذلك يجب أن ينتقل من ~~التمام إلى القصر فى ذلك . وقال غيره : وأما اختلاف الآثار فى يوم وليلة ، ~~وفى ثلاثة أيام ، وقد روى فى يومين ، فالمعنى الذى تأتلف عليه هذه الأخبار ~~أنها كلها خرجت على جواب سائلين مختلفين ، كأن سائلا سأله - صلى الله عليه ~~وسلم - : هل تسافر المرأة يوما وليلة مع غير ذى محرم ؟ فقال : لا ، ثم سأله ~~آخر عن مثل ذلك فى يومين ، فقال : لا ، ثم سأله آخر عن PageV03P079 مثل ذلك ~~فى ثلاث ، فقال : لا ، فروى عنه - صلى الله عليه وسلم - كل واحد ما سمع ~~وليس بتعارض ولا نسخ ، لأن الأصل ألا تسافر المرأة أصلا ، ولا تخلو مع غير ~~ذى محرم ، لأن الداخلة عليها فى الليلة الواحدة كالداخلة عليها فى الثلاث ، ~~وهى علة المبيت والمغيب على المرأة فى ظلمة الليل ، واستيلاء النوم على ~~الرفقاء فيكون الشيطان ثالثهما ، فقويت الذريعة وظهرت الخشية على ناقصات ~~العقل والدين ، وقد قال - صلى الله عليه وسلم - : ( لا يخلون رجل بامرأة ~~ليست بذى محرم منه ) . وقال : ( إنها ms0760 صفية ) . واحتج الكوفيون بحديث ابن ~~عمر وأبى هريرة ، فقالوا : لا يحل للمرأة أن تخرج إلى الحج مع غير ذى محرم ~~، وجعلوا المحرم للمرأة سبيلا من سبل الحج . وقال مالك وغيره : تخرج فى ~~الرفقة المأمونة مع جماعة النساء ، وإن لم تكن لها محرم . وقال المهلب : ~~وقوله - صلى الله عليه وسلم - : ( لا تسافر المرأة يوما وليلة إلا مع ذى ~~محرم ) ، مبنى على فرض الله اللازم للنساء من وجوب الحج عليهن . وفى قوله : ~~( لا يحل لامرأة ) ، شاهد أنه إنما نهاها عن السفر الذى لا يلزمهن ولهن ~~استحلاله وتركه فمنعهن - صلى الله عليه وسلم - من الأسفار المختارة إلا ~~الضرورية الجماعية التى لا تعدم فيها المرافقة ، ألا ترى اشتراط مالك ~~خروجها للحج فى جماعة المرافقين بالغة الدين فى سفر الطاعة لله ، ~~واستشعارهم الخشية له ، ولذلك سن عليه السلام PageV03P080 الحج بأمير أو ~~سلطان محافظ ، وإمام معلم يحفظ الضيعة ، ويضم القاذة ويرد الشاذة ، ولا ~~ينفرد أحد عن الجماعة ، ولا تتفق الأعين كلها على الغفلة ، ولا تجتمع على ~~النوم فى وقت واحد ، فلابد من وجود المراقبة من الجماعة ، فضعف الخوف بحضور ~~الكثرة ، وسأزيد هذا المعنى بيانا فى باب حج النساء فى آخر كتاب الحج ، إن ~~شاء الله . وما حكاه الأوزاعى ، عن أنس ، وقول أهل الظاهر فالجماعة على ~~خلافه وفى بيان الحجة لمالك ما ينتظم الرد عليه ، لأن قوله - صلى الله عليه ~~وسلم - : ( لا تسافر امرأة يوما وليلة إلا مع ذى حرمة منها ) . قد أثبت ~~للسفر حرمة إذا كان يوما وليلة ، فدل أن ما دونه بخلافه ، وإذا لم يكن إلا ~~حضر ، أو سفر ، ولم يكن لما دون اليوم والليلة حرمة ، صح أنه فى معنى الحضر ~~. # | 52 - باب تقصير الصلاة إذا خرج من موضعه # وخرج على بن أبى طالب ، فقصر وهو يرى البيوت ، فلما رجع قيل له : هذه ~~الكوفة ، قال : لا ، حتى ندخلها . / 64 - وفيه : أنس ، قال : صليت الظهر مع ~~النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، بالمدينة أربعا ، وبذى الحليفة ركعتين . ~~/ 65 - وفيه : عائشة ، قالت : الصلاة أول ما فرضت ركعتين ، فأقرت ms0761 صلاة ~~PageV03P081 السفر ، وأتمت صلاة الحضر . قال الزهرى : فقلت لعروة : ما بال ~~عائشة تتم ؟ قال : تأولت ما تأول عثمان . أجمع فقهاء الأمصار أن المسافر لا ~~يقصر الصلاة حتى يبرز عن بيوت القرية التى يخرج منها ، واختلفت الرواية عن ~~مالك فى صفة ذلك ، ففى المدونة وكتاب ابن عبد الحكم ، عن مالك : لا حتى ~~يبرز عن بيوت القرية ، ثم لا يزال يقصر حتى يدنو منها راجعا ، كقول الجماعة ~~، وروى ابن وهب عن مالك فى المبسوط أنه قال : إذا خرج المسافر من المصر ~~الذى فيه أهله فلا أرى أن يقصر حتى يخرج من حد ما تجب فيه الجمعة ، وذلك ~~ثلاثة أميال . وروى ابن الماجشون ومطرف ، عن مالك : أنه استحب ذلك ، لأن ~~الثلاثة أميال مع المصر كفرسخ واحد ، وإذا رجع قصر إلى حده ذلك ، وإذا كانت ~~قرية لا يجمع أهلها قصر إذا جاوز بيوتها المتصلة بها ، ذكره ابن حبيب . ~~واختار قوم من السلف تقصير الصلاة قبل الخروج من بيوت القرية ، قال ابن ~~المنذر : روينا عن الحارث بن أبى ربيعة أنه أراد سفرا ، فصلى بهم ركعتين فى ~~منزله ، ومنهم الأسود بن يزيد ، وغير واحد من أصحاب عبد الله ، وروينا معنى ~~هذا القول عن عطاء ابن أبى رباح ، وسليمان بن موسى . وشذ مجاهد ، فقال : ~~إذا خرجت مسافرا ، فلا تقصر لو مكثت حتى الليل ، ولا أعلم أحدا وافقه عليه ~~. قال المهلب : إنما يقصر الصلاة من خرج من موضع إذا نوى سفرا يقصر الصلاة ~~فى مثله على ما تقدم من مذاهب العلماء فى ذلك ، لأن PageV03P082 مشقة السفر ~~لازمة له من حين خروجه من موضعه ، لكن لا يتم إلا بالمبيت والشغل بأمر ~~المعاش المتصل بمشقة السعى مع الاحتراس بالليل وغيره ، وكذلك تبقى على ~~الراجع المشقة حتى يحل عن نفسه بوصوله إلى منزله . ومن أجاز من التابعين ~~تقصير الصلاة قبل الخروج من البيوت فقوله مردود بفعله - صلى الله عليه وسلم ~~- حين أتم الظهر بالمدينة ، ثم خرج فقصر العصر بذى الحليفة ، وإنما لزم ~~التقصير إذا خرج من بيوت القرية لا قبل ذلك ms0762 ، لأن السفر يحتاج إلى عمل ونية ~~، وليس كالإقامة التى تصح بالنية دون العمل . وحديث أنس حجة لجماعة الفقهاء ~~أهل المقالة الأولى ، وذلك أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - حين أتم الظهر ~~بالمدينة ، وقصر العصر بذى الحليفة إنما فعل ذلك ، لأنه - صلى الله عليه ~~وسلم - كان متوجها إلى مكة ، ذكره البخارى فى بعض طرق الحديث لا أنه كان ~~سفره إلى ذى الحليفة فقط ، وبين المدينة وذى الحليفة من ستة أميال إلى سبعة ~~، فلا حجة لمن أجاز التقصير فى قليل السفر ، ولمن خرج إلى بستانه ، لأن ~~الحجة فى السنة لا فيما خالفها ، وإنما ترك على التقصير ، وهو يرى الكوفة ~~حتى يدخلها ، لأنه كان فى حكم المسافر فى ذلك الوقت ، فلو أراد أن يصلى ~~حينئذ لصلى صلاة سفر ، وكان له تأخير الصلاة إلى الكوفة إذا كان فى سعة من ~~الوقت ليصليها صلاة حضر ، فاختار ذلك أخذا بالأفضل واحتياطا للإتمام حين ~~طمع به وأمكنه . PageV03P083 وأما حديث عائشة ، فقد تقدم القول فيه قبل هذا ~~فلا معنى لتكريره ، وقد روى عن الرسول - صلى الله عليه وسلم - الإتمام مثل ~~فعل عائشة ، وعثمان . حدثنا المهلب ، قال : حدثنا أبو الحسن على بن بندار ~~الفربرى ، بمكة ، قال : حدثنا أبو الحسن الدارقطنى ، حدثنا المحاملى ، ~~حدثنا سعيد بن محمد بن ثواب ، حدثنا أبو عاصم ، حدثنا عمر بن سعيد ، عن ~~عطاء بن أبى رباح ، عن عائشة ، أن النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، كان ~~يقصر فى السفر ويتم ، ويصوم ويفطر . قال الدارقطنى : هذا إسناد صحيح . قال ~~الدارقطنى : وحدثنا أبو بكر النيسابورى ، حدثنا عبد الله بن محمد بن عمرو ، ~~حدثنا محمد بن يوسف الفريابى ، حدثنا العلاء بن زهير ، عن عبد الرحمن بن ~~الأسود ، عن أبيه ، عن عائشة ، قالت : خرجنا مع رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - فى عمرة فى رمضان ، فأفطر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وصمت ، ~~وقصر وأتممت ، فقال : ( أحسنت يا عائشة ) . قال الدارقطنى : وعبد الرحمن قد ~~أدرك عائشة ، ودخل عليها وهو مراهق . # | 53 - باب يصلى المغرب ثلاثا فى السفر # / 66 - فيه : ابن ms0763 عمر ، قال : رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا ~~أعجله السير فى السفر يؤخر المغرب حتى يجمع بينها وبين العشاء . قال سالم : ~~وكان عبدالله ، PageV03P084 يفعله إذا أعجله السير فى السفر يؤخر المغرب ~~حتى يجمع بينها وبين العشاء ، وكان ابن عمر يفعله . ( وأخر ابن عمر المغرب ~~، وكان استصرخ على امرأته صفية بنت أبى عبيد ، فقلت له : الصلاة ، فقال : ~~سر ، فقلت : الصلاة ، فقال : سر ، حتى سار ميلين ، أو ثلاثة ، ثم نزل فصلى ~~، ثم قال : هكذا رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلى إذا أعجله ~~السير . يقيم المغرب ، فيصليها ثلاثا ، ثم يسلم ، ثم قلما يلبث حتى يقيم ~~العشاء ، فيصليها ركعتين ، ثم يسلم ، ولا يسبح بعد العشاء حتى يقوم من جوف ~~الليل ) . أجمعت الأمة على أن المغرب يصلى ثلاثا فى السفر كما يصلى فى ~~الحضر ، وهذا يدل أن قول عائشة : ( فرضت الصلاة ركعتين ركعتين ، فأقرت صلاة ~~السفر ، وزيد فى صلاة الحضر ) ، ليس على عمومه فى الصلوات كلها ، للإجماع ~~أن المغرب ثلاثا لا يزاد فيها فى حضر ، ولا ينقص منها فى سفر ، وكذلك الصبح ~~ركعتان فى السفر والحضر . قال المهلب : ولم تقصر المغرب فى السفر عما كانت ~~عليه فى صلاة الفريضة لأنها وتر صلاة النهار ، ولم يزد فى الفجر لطول ~~قراءتها ، وقدر وى هذا عن عائشة ، رضى الله عنها . وفى تقصير ابن عمر حين ~~استصرخ على صفية امرأته من الفقه : أن التقصير فى السفر المباح غير الحج ~~والجهاد جائز على ما يذهب إليه جماعة الفقهاء ، ورد لقول أهل الظاهر الذين ~~لا يجيزون التقصير إلا فى سفر الحج والجهاد ، وذكر أنه مذهب ابن مسعود . ~~وابن عمر روى السنة فى ذلك عن النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، وفهم عنه ~~PageV03P085 معناها ، وأن ذلك جائز فى كل سفر مباح ، ألا ترى قول ابن عمر : ~~( هكذا رأيت النبى - صلى الله عليه وسلم - إذا أعجله السير فى السفر ) . ~~وهذا عام فى كل سفر ، فمن ادعى أن ذلك فى بعض الأسفار دون بعض فعليه الدليل ~~، ويقال لهم : إن الله قرن ms0764 بين أحوال المسافرين فى طلب الرزق ، والمسافرين ~~فى قتال العدو فى سقوط قيام الليل عنهم ، فقال : { فتاب عليكم } إلى قوله : ~~{ وآخرون يضربون فى الأرض يبتغون من فضل الله وآخرون يقاتلون فى سبيل الله ~~} [ المزمل : 20 ] ، فلما سوى بينهم تعالى فى سقوط قيام الليل وجبت التسوية ~~بينهم فى استباحة رخصة التقصير فى السفر ، وهذا دليل لازم . وفيه : دليل ~~على تأكيد قيام الليل ، لأنه - صلى الله عليه وسلم - كان لا يتركه فى السفر ~~، فالحضر أولى بذلك . * * * # | 54 - باب صلاة التطوع على الدابة وحيثما توجهت به # / 67 - فيه : عامر بن ربيعة ، قال : رأيت النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ~~، يصلى على ناقته حيث توجهت به . / 68 - وفيه حديث : أن النبى ، - صلى الله ~~عليه وسلم - ، كان يصلى التطوع ، وهو راكب فى غير القبلة . / 69 - وفيه : ~~ابن عمر ، أنه كان يصلى على راحلته ، ويوتر عليها ، يخبر أن رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - كان يفعله . قال المهلب : هذه الأحاديث تخص قوله ~~تعالى : { وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره } [ البقرة : 144 ، 150 ] ، ~~وتبين أن معناه فى المكتوبات ، وما كان من PageV03P086 النوافل فى الأرض ، ~~وتفسر قوله تعالى : { فأينما تولوا فثم وجه الله } [ البقرة : 115 ] أن ذلك ~~فى النافلة على الدابة . وقد روى عن ابن عمر أن هذه الآية نزلت فى قول ~~اليهود فى القبلة ، وذهب جماعة الفقهاء إلى الأخذ بهذه الأحاديث ، وأجازوا ~~التنفل على الدابة فى السفر إلى غير القبلة ، وممن روى ذلك عنه : على ، ~~وابن الزبير ، وأبو ذر ، وابن عمر ، وأنس ، وبه قال طاوس ، وعطاء ، وإليه ~~ذهب مالك ، والثورى ، والكوفيون ، والليث ، والأوزاعى ، والشافعى ، وأحمد ، ~~وأبو ثور ، غير أن أحمد وأبا ثور كانا يستحبان أن يستقبل القبلة بالتكبير . ~~واختلفوا فى الصلاة على الدابة فى السفر الذى لا تقصر فى مثله الصلاة ، ~~فقال الفقهاء الذين تقدم ذكرهم : يصلى فى قصير السفر وطويله ، غير مالك ~~فإنه قال : لا يصلى أحد على دابته فى سفر لا تقصر فى مثله الصلاة . والحجة ~~له أن الخبر إنما ورد عن رسول الله - صلى الله ms0765 عليه وسلم - أنه كان يصلى ~~على راحلته فى سفره إلى خيبر ، وجائز قصر الصلاة من المدينة إلى خيبر ، ولم ~~ينقل عنه أنه - صلى الله عليه وسلم - صلى على دابته إلا فى سفر تقصر الصلاة ~~فيه ، كذلك رواه مالك عن عمرو بن يحيى ، عن سعيد بن يسار ، عن ابن عمر ، ~~قال : رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلى على حمار وهو متوجه إلى ~~خيبر . وأيضا فإن ذلك رخصة فى السفر كالفطر والقصر ، فينبغى أن تكون هذه ~~الرخص كلها على طريقة واحدة ، وأيضا فإن القبلة آكد ، لأن الصلاة تقصر فى ~~السفر ، ولا يعدل فيها عن القبلة مع القدرة ، فلما كان فى السفر القصير لا ~~يقصر ، والقصر أضعف ، كان بألا يجوز ترك القبلة أولى . PageV03P087 وحجة ~~أهل المقالة الأولى الآثار الواردة بذلك ، ليس فيها تحديد سفر ، ولا تخصيص ~~مسافة ، فوجب حملها على العموم فى كل سفر قصير أو طويل . ومن طريق النظر أن ~~الله تعالى جعل التيمم رخصة للمريض والمسافر ، وقد أجمعت الأمة أن من كان ~~خارج المصر على ميل ، أو أقل ونيته العودة إلى منزله لا الشخوص إلى سفر ، ~~ولم يجد ماء أنه يجوز له التيمم ، ولا يقع عليه اسم مسافر ، فكما جاز له ~~التيمم فى هذا القدر جاز أن يتنفل على الدابة ، ولا فرق بين ذلك قاله ~~الطبرى ، قال : ولا أعلم من خالف هذا القول من المتقدمين إلا مالك بن أنس . ~~* * * # | 55 - باب الإيماء على الدابة # / 70 - فيه ابن عمر ، أنه كان يصلى فى السفر على دابته أينما توجهت به ، ~~يومئ ، وذكر أن النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، كان يفعله . قال المؤلف : ~~سنة الصلاة على الدابة الإيماء ، ويكون السجود أخفض من الركوع ، وروى أشهب ~~عن مالك فى الذى يصلى على الدابة ، أو المحمل لا يسجد بل يومئ ، لأن ذلك من ~~سنة الصلاة على الدابة . وقال ابن القاسم : يصلى فى المحمل متربعا إن لم ~~يشق عليه أن يثنى رجليه عند سجوده فليفعل ذلك . قال ابن حبيب : وإذا تنفل ~~على الدابة ، فلا ينحرف ms0766 إلى جهة القبلة ، وليتوجه لوجه دابته ، وله إمساك ~~عنانها وضربها وتحريك رجليه ، إلا أنه لا يتكلم ولا يلتفت ، ولا يسجد ~~الراكب على قربوس سرجه ، ولكن يومئ . PageV03P088 واستحب ابن حنبل ، وأبو ~~ثور أن يفتتح الصلاة فى توجهه إلى القبلة ، ثم لا يبالى حيث توجهت به . ~~والحجة لهم حديث الجارود بن أبى سبرة ، عن أنس بن مالك : أن النبى ، - صلى ~~الله عليه وسلم - ، كان إذا أراد أن يتنفل فى السفر استقبل بناقته القبلة ، ~~ثم صلى حيث توجهت ركابه . وليس فى حديث ابن عمر وعامر بن ربيعة وجابر ~~استقبال القبلة عند التكبير ، وهى أصح من حديث الجارود . وحجة من لم ير ~~استقبال القبلة عند التكبير ، وهو قول الجمهور أنه كما تجوز له سائر صلاته ~~إلى غير القبلة ، وهو عالم بذلك كذلك يجوز له افتتاحها إلى غير القبلة . ~~واختلف قول مالك فى التنفل فى السفينة إلى غير القبلة ، فقال فى الواضحة : ~~لا بأس به حيث ما توجهت به كالدابة ، وفى المختصر : لا يتنفل فيها إلا إلى ~~القبلة بخلاف الدابة . واختلف قوله أيضا فى المريض الذى لا يقدر على الصلاة ~~على الأرض إلا إيماء ، هل يصلى الفريضة على الدابة فى محمله ؟ وفى المدونة ~~أنه لا يصلى إلا بالأرض ، وروى أشهب أنه يصلى على المحمل كما يصلى على ~~الأرض ، ويوجه إلى القبلة ، وفى كتاب ابن عبد الحكم مثله . # | 56 - باب ينزل للمكتوبة # / 71 - فيه : عامر بن ربيعة ، قال : رأيت النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ~~، وهو على PageV03P089 الراحلة يسبح ، يومئ برأسه قبل أى وجه توجه ، ولم ~~يكن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصنع ذلك فى الصلاة المكتوبة . وروى ~~ابن عمر وجابر مثله . / 72 - وقال جابر : فإذا أراد أن يصلى المكتوبة نزل ، ~~فاستقبل القبلة . أجمع العلماء أنه لا يجوز أن يصلى أحد فريضة على الدابة ~~من غير عذر ، وإنه لا يجوز له ترك القبلة إلا فى شدة الخوف ، وفى النافلة ~~فى السفر على الدابة ، رخصة من الله لعباده ورفقا بهم . فثبت أن القبلة فرض ~~من الفرائض فى ms0767 الحضر والسفر ، وفى السنن لمن تنفل على الأرض . * * * # | 57 - باب صلاة التطوع على الحمار # / 73 - فيه : أنس ، أنه صلى على حمار ووجهه عن يسار القبلة بعين التمر ، ~~مقدمه من الشام ، فقال له أنس بن سيرين : رأيتك تصلى لغير القبلة ؟ فقال : ~~لولا أنى رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فعله لم أفعله . ولا فرق ~~بين التنفل فى السفر على الحمار والبغل ، والبعير ، وجميع الدواب عند جماعة ~~الفقهاء على ما تقدم من اختلافهم فى السفر الطويل والقصير ، وروى عن أبى ~~يوسف أنه أجاز أن يصلى فى المصر على الدابة بالإيماء ، لحديث يحيى بن سعيد ~~، عن أنس ، أنه صلى على حمار فى أزقة المدينة يومئ إيماء . وجماعة الفقهاء ~~على خلافه . PageV03P090 # | 58 - باب من لم يتطوع فى السفر # / 74 - فيه : ابن عمر ، قال : صحبت النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، فلم ~~أره يسبح فى السفر ، وقد قال تعالى : { لقد كان لكم فى رسول الله إسوة حسنة ~~} [ الأحزاب : 21 ] . / 75 - وقال : صحبت النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، ~~فكان لا يزيد فى السفر على ركعتين ، وأبا بكر وعمر وعثمان كذلك . قول ابن ~~عمر : ( لم أر النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، يسبح فى السفر ) يريد لم ~~أره يتطوع فى السفر قبل صلاة الفريضة ولا بعدها ، يعنى فى الأرض ، لأنه قد ~~روى ابن عمر عن النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، أنه كان يصلى على راحلته ~~فى السفر حيث توجهت به ، وأنه كان يتهجد بالليل فى السفر ، وعلى هذا ~~التأويل لا تتضاد الأخبار عن ابن عمر ، وقد جاء هذا المعنى بينا عنه . ذكر ~~البخارى فى ( صلاة المغرب ثلاثا فى السفر ) ، حديث ابن عمر حين استصرخ على ~~صفية زوجته ، وأنه جمع بين المغرب والعشاء ، وقال : هكذا رأيت رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - يصلى المغرب ثلاثا ، ثم يسلم ، ثم قلما يلبث حتى يقيم ~~العشاء فيصليها ركعتين ثم يسلم ، ولا يسبح بعد العشاء حتى يقوم من جوف ~~الليل . وذكر مالك فى الموطأ عن نافع ، عن ابن عمر ، أنه كان يصلى على ms0768 ~~الأرض وعلى راحلته حيث توجهت به . فبان أنه أراد بقوله لم أر رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - يسبح فى السفر ، التطوع فى الأرض ، المتصل بالفريضة ، ~~الذى حكمه حكمها فى استقبال القبلة PageV03P091 والركوع والسجود ، وكذلك ~~كان ابن عمر يقول : لو تنفلت لأتممت ، أى لو تنفلت التنفل الذى هو من جنس ~~الفريضة لجعلته فى الفريضة ولم أقصرها . وممن كان لا يتنفل فى السفر قبل ~~الصلاة ، ولا بعدها سوى ابن عمر : على بن الحسين ، وسعيد بن المسيب ، وسعيد ~~بن جبير ، وليس قول ابن عمر : لم أر النبى - صلى الله عليه وسلم - يسبح فى ~~السفر ، بحجة على من رآه - صلى الله عليه وسلم - ، لأن من نفى شيئا فليس ~~بشاهد ، وقد روى عن الرسول - صلى الله عليه وسلم - أنه تنفل فى السفر مع ~~صلاة الفريضة ، وهو قول عامة العلماء . قال الطبرى : يحتمل أن يكون تركه - ~~صلى الله عليه وسلم - التنفل فى السفر فى حديث ابن عمر تحريا منه - صلى ~~الله عليه وسلم - إعلام أمته أنهم فى أسفارهم بالخيار فى التنفل بالسنن ~~المؤكدة وتركها ، وقد بين ذلك أن النبى - صلى الله عليه وسلم - كان إذا جمع ~~فى السفر صلى المغرب ، ثم يدعو بعشائه ، فيتعشى ، ثم يرتحل ، وإذا جاز ~~الشغل بالعشاء بعد دخول وقت العشاء وبعد الفراغ من صلاة المغرب ، فالشغل ~~بالصلاة أحرى أن يجوز ، وسأذكر ذلك فى الباب الذى بعد هذا ، إن شاء الله ~~تعالى . # | 59 - باب من تطوع فى السفر # وركع النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، فى السفر ركعتى الفجر . ~~PageV03P092 / 76 - فيه : ابن أبى ليلى ، قال : ما أخبرنا أحد أن النبى - ~~صلى الله عليه وسلم - صلى الضحى غير أم هانئ ، ذكرت أن النبى ، - صلى الله ~~عليه وسلم - ، يوم فتح مكة اغتسل فى بيتها ، فصلى ثمانى ركعات ، فما رأيته ~~صلى صلاة أخف منها ، غير أنه يتم الركوع والسجود . / 77 - وفيه : عامر بن ~~ربيعة أنه رأى النبى - صلى الله عليه وسلم - صلى السبحة بالليل فى السفر ~~على ظهر راحلته حيث كان وجهه ، يومئ برأسه ، وكان ابن ms0769 عمر يفعله . قد تقدم ~~فى الباب قبل هذا من لم بتطوع فى السفر قبل الفريضة ، ولا بعدها ، ونذكر فى ~~هذا الباب من تطوع فيه . روى الليث ، عن صفوان بن سليم ، عن أبى سبرة ، عن ~~البراء بن عازب ، قال : سافرت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثمانى ~~عشرة سفرة ، فما رأيته ترك الركعتين قبل الظهر . وأما صلاته ، - صلى الله ~~عليه وسلم - ، الضحى يوم الفتح فإنه صلاها فى بيته بالأرض على غير راحلته ~~فدل ذلك على جواز التنفل فى السفر بالأرض ، لأنه لم تكن تلك صلاة الضحى ، ~~لقول ابن أبى ليلى : ما أخبرنا أحد أن النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، ~~صلى الضحى . فإنه قد صلاها بالأرض وإلى القبلة فى السفر بخلاف قول ابن عمر ~~، وكذلك صلاته ، - صلى الله عليه وسلم - ، ركعتى الفجر فى السفر وتنفله على ~~الراحلة بالليل والنهار فيه دليل على جواز التنفل على الأرض ، لأنه لما جاز ~~له التنفل على الراحلة كان فى الأرض أجوز ، وقد قال الحسن البصرى : كان ~~أصحاب النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، يسافرون ويتطوعون قبل المكتوبة ~~وبعدها ، وهو قول جماعة العلماء . PageV03P093 قال ابن المنذر : روينا ذلك ~~عن عمر ، وعلى ، وابن عباس ، وجابر ، وابن مسعود ، وأنس ، وأبى ذر ، وجماعة ~~من التابعين يكثر عددهم ، وهو قول مالك ، والكوفيين ، والشافعى ، وأحمد ، ~~وإسحاق ، وأبى ثور ، وهو الصحيح ، لأنه ثبت عن النبى ، - صلى الله عليه ~~وسلم - ، أنه كان يتنفل فى السفر من غير وجه وليس قول ابن أبى ليلى بحجة ~~تسقط صلاة الضحى ، لأن أكثر الأحاديث يرويها واحد عن النبى ، - صلى الله ~~عليه وسلم - ، يلجأ إليه فيها ، وتصير سنة معمولا بها ، وما فعله الرسول - ~~صلى الله عليه وسلم - مرة اكتفت الأمة بذلك ، فكيف وقد روى أبو هريرة ، ~~وأبو الدرداء ، عن النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، أنه أوصاهما بثلاث ، ~~منها ركعتا الضحى . * * * # | 60 - باب الجمع فى السفر بين المغرب والعشاء # / 78 - فيه : ابن عمر ، كان الرسول - صلى الله عليه وسلم - يجمع بين ~~المغرب والعشاء إذا جد به السير . / 79 - وفيه : ابن ms0770 عباس ، قال : كان رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - يجمع بين الظهر والعصر إذا كان على ظهر سير ، ~~ويجمع بين المغرب والعشاء . / 80 - فيه : أنس ، قال : كان النبى ، - صلى ~~الله عليه وسلم - ، يجمع بين صلاة المغرب والعشاء فى السفر . اختلف العلماء ~~فى جمع المسافر بين الصلاتين ، فذهب جمهور العلماء إلى أن المسافر يجوز له ~~الجمع بين الظهر والعصر ، وبين المغرب والعشاء ، روى ذلك عن سعد بن أبى ~~وقاص ، وسعيد بن زيد ، وأبى موسى الأشعرى ، وابن عمر ، وابن عباس ، وأسامة ~~PageV03P094 ابن زيد ، وهو قول مالك ، والليث ، والأوزاعى ، والثورى ، ~~والشافعى ، وأحمد ، وإسحاق ، وأبى ثور . وذهبت طائفة إلى أنه لا يجوز الحج ~~للمسافر إلا إذا جد به السير ، وهو قول مالك فى المدونة ، وقول الليث ، ~~واحتجوا بحديث ابن عمر أن النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، كان إذا جد به ~~السير جمع بين المغرب والعشاء . وبحديث ابن عباس أن النبى ، - صلى الله ~~عليه وسلم - ، كان يجمع بين الظهر والعصر إذا كان على ظهر سير . وكرهت ~~طائفة للمسافر الجمع إلا بعرفة والمزدلفة ، هذا قول النخعى ، والحسن ، وابن ~~سيرين ، وإليه ذهب أبو حنيفة وأصحابه ، واحتجوا بأن مواقيت الصلاة قد صحت ~~فلا تترك لأخبار الآحاد . قال ابن القصار : فيقال لهم : إن أوقات السفر لا ~~تعترض أوقات الحضر ، وقد روى جمعه - صلى الله عليه وسلم - بين الصلاتين فى ~~السفر من طريق تجرى مجرى الاستفاضة ، منها حديث ابن عمر ، وابن عباس ، ~~وحديث معاذ ، وقد اتفقنا على جواز جمع أهل مكة وعرفة بعرفة ، والمزدلفة ، ~~وهم مقيمون ، فكذلك يجوز أن يجمعوا بينهما إذا سافروا . وقال الطبرى : قد ~~تظاهرت الأخبار عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه كان يجمع بين الصلاتين فى ~~السفر فظاهرها أنه كان يجمع بين الظهر والعصر بعرفة ، وبين المغرب والعشاء ~~بالمزدلفة ، فهل بينك وبين من أنكر الجمع بعرفة والمزدلفة ، وأجازه فى ~~السفر بالأخبار الواردة عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه كان يجمع فى السفر ~~: فرق ، قالوا : ولو لم يأت عنه أنه جمع إلا بعرفة والمزدلفة فقط لكان ذلك ~~دليلا ms0771 على جواز الجمع للمسافر . وروى مالك ، عن ابن شهاب ، قال : سألت سالم ~~بن عبد الله PageV03P095 هل يجمع بين الظهر والعصر فى السفر ؟ قال : نعم ، ~~ألا ترى إلى صلاة الناس بعرفة . وفى حديث أنس جواز الجمع للمسافر من غير أن ~~يجد به السير كما قال جمهور العلماء ، وكلا الفعلين قد صح عن الرسول - صلى ~~الله عليه وسلم - ، جمع حين جد به السير ، وجمع دون ذلك ، وليس ذلك بتعارض ~~، بل كل واحد حكى عن الرسول - صلى الله عليه وسلم - ما رأى ، وكل سنة . وقد ~~قال ابن حبيب من أصحاب مالك : يجوز الجمع للمسافر جد به السير ، أو لم يجد ~~إلا لقطع السفر ، وإن لم يخف شيئا ، وهو قول ابن الماجشون ، وأصبغ بن الفرج ~~. وترجم لحديث ابن عمر ، وأنس باب : هل يؤذن أو يقيم إذا جمع بين المغرب ~~والعشاء . وذكر فيه قول سالم : كان ابن عمر إذا أعجله السير ، يقيم المغرب ~~، فيصليها ثلاثا ، ثم يسلم ، ثم يقيم العشاء ، فيصليها ركعتين ، ثم يسلم . ~~. . الحديث . قوله : ( يقيم المغرب ثم يقيم العشاء ) ، يحتمل أن يكون معناه ~~بما تقام به الصلوات فى أوقاتها من الأذان والإقامة ، ويحتمل أن يريد ~~الإقامة وحدها على ما جاء فى الجمع بعرفة والمزدلفة من الاختلاف فى إقامتها ~~، وقال ابن المنذر : يؤذن ويقيم ، فإن أقام ولم يؤذن أجزأه ، ولو ترك ~~الأذان والإقامة لم يكن عليه إعادة الصلاة ، وإن كان مسيئا بتركه ذلك ، وقد ~~تقدم اختلاف العلماء فى ذلك فى أبواب الأذان قبل هذا ، فأغنى عن إعادته . ~~PageV03P096 # | 61 - باب يؤخر الظهر إلى العصر إذا ارتحل قبل أن تزيغ الشمس # / 81 - فيه : أنس ، قال : كان النبى - صلى الله عليه وسلم - إذا ارتحل ~~قبل أن تزيغ الشمس أخر الظهر إلى وقت العصر ، ثم يجمع ، وإذا زاغت ، صلى ~~الظهر ، وركب . أجمع العلماء أنه إذا ارتحل قبل أن تزيغ الشمس ، فإنه يؤخر ~~الظهر إلى العصر ، كل على أصله من القول بالاشتراك ، أو يقدم ، واختلفوا فى ~~وقت جمع المسافر بين الصلاتين ، فذهبت طائفة إلى أنه يجمع بينهما فى وقت ms0772 ~~إحداهما ، هذا قول عطاء بن أبى رباح ، وسالم ، وجمهور علماء المدينة : أبى ~~الزناد وربيعة وغيرهم ، وحكى أبو الفرج عن مالك مثله ، وبه قال الشافعى ، ~~وإسحاق ، قالوا : إن شاء جمع بينهما فى وقت الأولى ، وإن شاء جمع فى وقت ~~الآخرة . وقالت طائفة : إذا أراد المسافر الجمع أخر الظهر وعجل العصر وأخر ~~المغرب ، وعجل العشاء ، وروى هذا عن سعد بن أبى وقاص ، وابن عمر ، وهو قول ~~مالك فى المزنية ، وإليه ذهب أحمد بن حنبل ، وقال : وجه الجمع أن يؤخر ~~الظهر حتى يدخل وقت العصر ، ثم ينزل فيجمع بينهما ويؤخر المغرب كذلك ، وإن ~~قدم فأرجو ألا يكون به بأس . وقال أبو حنيفة وأصحابه : يصلى الظهر فى آخر ~~وقتها ، ثم يمكث PageV03P097 قليلا ، ثم يصلى العصر فى أول وقتها ، ولا ~~يجوز الجمع بين الصلاتين فى وقت إحداهما إلا بعرفة والمزدلفة . وحجة أهل ~~المقالة نص ودليل ، أما الدليل فإن معنى حديث أنس عندهم أن النبى - صلى ~~الله عليه وسلم - كان إذا زاغت الشمس صلى الظهر ، ثم ركب ، أو صلى الظهر ~~والعصر ثم ركب ، لأنه إنما كان يؤخر الظهر إلى العصر إذا لم تزغ الشمس ، ~~فكذلك يقدم العصر إلى الظهر إذا زاغت الشمس وعلى ذلك تأولوا حديث ابن عباس ~~الذى فى الباب قبل هذا أن النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، كان يجمع بين ~~الظهر والعصر إذا كان على ظهر سير ، أن ذلك كان إذا زاغت الشمس . وأما النص ~~كحديث معاذ ذكره أبو داود من حديث الليث : أن النبى - صلى الله عليه وسلم - ~~كان إذا زاغت الشمس قبل أن يرتحل جمع بين الظهر والعصر . وأما من قال : إن ~~الجمع لا يكون إلا فى آخر وقت الظهر وأول وقت العصر ، فلم يؤخر النبى ، - ~~صلى الله عليه وسلم - ، الجمع إلى وقت العصر إلا إذا ارتحل قبل أن تزيغ ~~الشمس خاصة ، وأما إذا ارتحل بعد أن تزيغ الشمس فإنه كان يجمع فى أول وقت ~~الظهر ، ولا يؤخر الجمع إلى العصر ، فقولهم خلاف الحديث ، وكذلك قول ~~الكوفيين خلاف الآثار ، وأثبتها فى ذلك ms0773 حديث معاذ : أن النبى ، - صلى الله ~~عليه وسلم - ، كان فى غزوة تبوك ، إذا زاغت الشمس قبل أن يرتحل جمع بين ~~الظهر والعصر ، وإن ترحل قبل أن تزيغ الشمس أخر الظهر إلى العصر ، وفى ~~المغرب والعشاء كذلك . فكأنه - صلى الله عليه وسلم - كان يجمع بينهما مرة ~~PageV03P098 فى وقت الظهر ، ومرة فى وقت العصر ، والمغرب والعشاء ، مرة فى ~~وقت المغرب ، ومرة فى وقت العشاء ، بخلاف قول الكوفيين . وكذلك قال أنس : ~~إن النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، كان إذا ارتحل قبل أن تزيغ الشمس ، ~~أخر الظهر إلى وقت العصر ، ثم يجمع . مخالف لقولهم أنهم لا يجيزون صلاة ~~الظهر فى وقت العصر فى الجمع بين الصلوات . وحجة أخرى من طريق النظر ، لو ~~كان كما قالوا لكان ذلك أشد حرجا وضيقا من الإتيان بكل صلاة فى وقتها ، لأن ~~وقت كل صلاة واسع ، ومراعاته أمكن من مراعاة طرفى الوقتين ، ولو كان الجمع ~~كما قالوا لجاز الجمع بين العصر والمغرب ، وبين العشاء والفجر . ولما أجمع ~~العلماء أن الجمع بينهما لا يجوز علم أن المعنى فى الجمع بين الظهر والعصر ~~، والمغرب والعشاء أيضا ، وردت به السنة للرخصة فى اشتراك وقتيهما ، فإذا ~~صليت كل صلاة فى وقتها فلا يسمى جمعا . واحتج أبو الفرج المالكى بما ذكره ~~عن مالك أن له أن يجمع بينهما فى وقت إحداهما أن الرسول - صلى الله عليه ~~وسلم - قدم العصر إلى الظهر بعرفة ، وأخر المغرب إلى العشاء بالمزدلفة ، ~~وقال : هذا أصل هذا الباب ، لأن النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، سافر ~~فقصر وجمع بينهما ، والجمع للمسافر أيسر خطبا من التقصير . PageV03P099 # | 62 - باب إذا ارتحل بعد ما زاغت الشمس صلى الظهر ثم ركب # / 82 - فيه : أنس ، قال : كان النبى - صلى الله عليه وسلم - إذا ارتحل ~~قبل أن تزيغ الشمس ، أخر الظهر إلى وقت العصر ، ثم نزل ، فجمع بينهما ، فإن ~~زاغت [ الشمس ] قبل أن يرتحل ، صلى الظهر ، ثم ركب . وقد تقدم فى الباب قبل ~~هذا اختلافهم فى وقت الجمع بين الظهر والعصر ، فأغنى عن إعادته ، وليس فى ~~حديث ms0774 أنس تقديم العصر إلى الظهر إذا زاغت الشمس ، وذلك محفوظ فى حديث معاذ ~~، ذكره أبو داود ، قال : حدثنا يزيد بن خالد ، حدثنا المفضل بن فضالة ، ~~والليث ، عن هشام بن سعد ، عن أبى الزبير ، عن أبى الطفيل ، عن معاذ بن جبل ~~، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذ كان فى غزوة تبوك إذا زاغت الشمس ~~قبل أن يرتحل جمع بين الظهر والعصر ، وإذا ارتحل قبل أن تزيغ الشمس أخر ~~الظهر إلى العصر ، وفى المغرب والعشاء كذلك . فجاء فى هذا الحديث ما يقطع ~~الالتباس فى أن للمسافر أن يجمع بين الظهر والعصر إذا واغت الشمس ، نازلا ~~كان أو سائرا ، جد به السير أو لم يجد ، على خلاف ما تأوله أبو حنيفة ، وهى ~~حجة على من أجاز الجمع ، وإن لم يجد به السير ، وقد تقدم ذلك . PageV03P100 # | 63 - باب صلاة القاعد # / 83 - فيه : عائشة أنها قالت : صلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فى ~~بيته ، وهو شاك ، فصلى جالسا ، وصلى وراءه قوم قياما ، فأشار إليهم أن ~~اجلسوا ، فلما انصرف قال : ( إنما جعل الإمام ليؤتم به . . . . ) الحديث . ~~/ 84 - وفيه : أنس ، قال : سقط رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن فرس ، ~~فخدش - أو فجحش - شقه الأيمن ، فدخلنا عليه نعوده ، فحضرت الصلاة ، فصلى ~~قاعدا ، فصلينا قعودا . . . الحديث . / 85 - وفيه : عمران بن حصين ، وكان ~~مبسورا ، أنه سأل النبى - صلى الله عليه وسلم - عن صلاة الرجل قاعدا ، فقال ~~: ( إن صلى قائما فهو أفضل ، ومن صلى قاعدا فله نصف أجر القائم ، ومن صلى ~~نائما ، فله نصف أجر القاعد ) . وترجم له : ( باب صلاة القاعد بالإيماء ) . ~~أما حديث عائشة ففيه أنه من لم يقدر على صلاة الفريضة لعلة نزلت به ، فإن ~~فرضه الجلوس ، ألا ترى قولها : ( وهو شاك ) ، وكذلك فى حديث أنس أنه سقط - ~~صلى الله عليه وسلم - من الفرس فخدش ، أو فجحش ، شقه فصلى جالسا . فأراد ~~البخارى أن يدل أن الفريضة لا يصليها أحد جالسا إلا من شكا ما يمنعه القيام ~~. PageV03P101 والعلماء مجمعون أن فرض من لا يطيق القيام أن ms0775 يصلى الفريضة ~~جالسا ، وقد تقدم فى أبواب الإمامة فى باب إنما جعل الإمام ليؤتم به ~~اختلافهم فى إمامة القاعد ، فأغنى عن إعادته . وأما حديث عمران فإنما ورد ~~فى صلاة النافلة ، لأن المصلى فرضه جالسا لا يخلو أن يكون مطيقا على القيام ~~أو عاجزا عنه ، فإن كان مطيقا وصلى جالسا فلا تجزئه صلاته عند الجميع ، ~~وعليه إعادتها فكيف يكون له نصف فضل مصلى فإذا عجز عن القيام فقد سقط عنه ~~فرض القيام وانتقل فرضه إلى الجلوس ، فإذا صلى جالسا فليس المصلى قائما ~~أفضل منه . وأما قوله : ( من صلى بإيماء فله نصف أجر القاعد ) فلا يصح ~~معناه عند العلماء ، لأنهم مجمعون أن النافلة لا يصليها القادر على القيام ~~إيماء وإنما دخل الوهم على ناقل هذا الحديث فأدخل معنى الفرض فى لفظ ~~النافلة ، ألا ترى قوله : ( كان مبسورا ) وهذا يدل على أنه لم يكن يقدر على ~~أكثر مما أدى به فرضه وهذه صفة صلاة الفرض ، ولا خلاف بين العلماء أنه لا ~~يقال لمن لا يقدر على الشىء : لك نصف أجر القادر عليه ، بل الآثار الثابتة ~~عن النبى - صلى الله عليه وسلم - أنه من منعه الله وحبسه عن عمله بمرض أو ~~غيره ، فإنه يكتب له أجر عمله ، وهو صحيح ، ورواية عبد الوارث وروح بن ~~عبادة ، عن حسين PageV03P102 المعلم لحديث عمران هذا تدفعه الأصول ، والذى ~~يصح فيه رواية إبراهيم بن طهمان عن حسين المعلم على ما يأتى فى الباب بعد ~~هذا ، وهو فى صلاة الفريضة . وقد غلط النسائى فى حديث عمران بن حصين وصحفه ~~وترجم له باب صلاة النائم ، فظن أن قوله - صلى الله عليه وسلم - ، ومن صلى ~~بإيماء إنما هو ومن صلى نائما والغلط فيه ظاهر ، لأنه قد ثبت عن النبى - ~~صلى الله عليه وسلم - أن للمصلى إذا غلبه النوم أن يقطع الصلاة ، ثم بين - ~~صلى الله عليه وسلم - معنى ذلك ، قال : ( لعله يستغفر فيسب نفسه ) فكيف ~~يأمره بقطع الصلاة وهى مباحة له ، وله عليها : نصف أجر القاعد . والصلاة ~~لها ثلاثة أحوال : أولها القيام ms0776 ، فإن عجز عنه فالقعود ، ثم إن عجز عن ~~القعود فالإيماء ، وليس النوم من أحوال الصلاة . * * * # | 64 - باب إذا لم يطق قاعدا صلى على جنب # ، وقال عطاء : إذا لم يقدر أن يتحول إلى القبلة صلى حيث كان وجهه / 86 - ~~فيه : عمران بن حصين ، قال : كانت بى بواسير ، فسألت النبى ، - عليه ~~PageV03P103 السلام - ، عن الصلاة ، فقال : صل قائما ، فإن لم تستطع قائما ~~فقاعدا ، فإن لم تستطع فعلى جنب . هذا الحديث فى صلاة الفريضة ، والعلماء ~~مجمعون أنه يصليها كما يقدر حتى ينتهى به الأمر إلى الإيماء على ظهره أو ~~على جنبه كيفما تيسر عليه ، فإن صلى على جنبه كان وجهه إلى القبلة على حسب ~~دفن الميت ، وإن صلى على ظهره كانت رجلاه فى قبلته ويومئ برأسه إيماء . ~~ومساق إبراهيم بن طهمان لهذا الحديث ، ولم يذكر فيه : فله نصف أجر القائم ، ~~يدل أنه فى صلاة الفرض ، ويدل أن القيام لا يسقط فرضه إلا بعدم الاستطاعة ، ~~ثم كذلك القعود ، فإذا لم يقدر على القعود انتقل فرضه إلى الإيماء على جنب ~~أو كيف تهيا له ، حتى يسقط عنه ذلك عند عدم القدرة فيصير إلى حالة الإغماء ~~لا يلزمه شىء . وحديث عمران هذا تعضده الأصول ولا يختلف الفقهاء فى معناه ~~وهو أصح معنى من حديث روح بن عبادة وعبد الوارث عن حسين . * * * # | 65 - باب إذا صلى قاعدا ثم صح أو وجد خفة تمم ما بقى # وقال الحسن : إن شاء المريض صلى ركعتين قاعدا وركعتين قائما / 87 - فيه : ~~عائشة أخبرته : أنها لم تر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلى صلاة ~~الليل قاعدا قط حتى أسن ، فكان يقرأ قاعدا ، حتى إذا أراد أن يركع قام ، ~~فقرأ نحوا من ثلاثين أو أربعين آية ، ثم ركع . هذه الترجمة فى صلاة الفريضة ~~وأما هذا الحديث فهو فى النافلة ، PageV03P104 ووجه استنباط البخارى منه ~~حكم الفريضة هو أنه لما جاز فى النافلة القعود لغير علة مانعة من القيام ، ~~وكان - صلى الله عليه وسلم - يقوم فيها قبل الركوع ، كانت الفريضة التى لا ~~يجوز القعود فيها ms0777 إلا بعدم القدرة على القيام أولى أن يلزم القيام فيها إذا ~~ارتفعت العلة المانعة منه . وقد اختلف العلماء فى ذلك ، فقال ابن القاسم فى ~~المريض يصلى مضطجعا أو قاعدا ثم يخف عنه المرض فيجد قوة : أنه يقوم فيما ~~بقى من صلاته ، ويبنى على ما مضى منها ، وهو قول زفر والشافعى . وقال أبو ~~حنفية ، وأبو يوسف ، ومحمد : إن صلى ركعة مضطجعا ثم صح : أنه يستقبل الصلاة ~~ولو كان قاعدا يركع ويسجد ، بنى فى قول أبى حنيفة ، ولم يبن فى قول محمد بن ~~الحسن . وقال ابن القصار : الدليل على أنه يبنى أن للمصلى ثلاثة أحوال ، ~~أولها : القيام مع القدرة ، وثانيها : القعود إن عجز عن القيام ، وثالثها : ~~الإيماء إن عجز عن القعود ، فقدرته على القعود بعد الإيماء يوجب عليه ~~البناء ، فيجب أن تكون قدرته على القيام توجب عليه البناء ، لأنه أصل ~~كالقعود . فإن قيل : الفصل بين المومئ والقاعد أن القاعد يقدر على الركوع ~~والسجود ، والمومئ لا يقدر عليه ، والقاعد معه بدل القيام ، والمومئ لا بدل ~~معه منه . قيل : صلاته بالإيماء صحيحة كقدرته على القيام والقعود فقد استوت ~~أحواله ، فإذا كان عجزه عن فرض لا يبطل الفرض الآخر ويبنى معه ، فقدرته على ~~فرض لا تبطل الفرض الآخر ويبنى معه . PageV03P105 فإن قالوا : قد جوزنا ~~معكم إمامة القاعد ، ومنعنا إمامة المومئ فثبت الفرق بينهما ، لأن القاعد ~~بدل القيام والقعود جميعا ، وقد صح عقده لتكبيرة الإحرام كما تصح فى قيامه ~~وقعوده ، وأما التفرقة بينهما فى الإمامة فليس إذا أبطلنا حكم المأموم لعلة ~~فى الإمام ، وجب أن تبطل صلاة الإمام ، وصلاة المومئ فى نفسه صحيحة ، وإن ~~لم يصح الائتمام به ، كصلاة المرأة هى صحيحة وإن لم يصح الائتمام بها ، ~~والأمى بالقارئ . وكذلك اختلفوا فيمن افتتح الصلاة قائما وصلى ركعة ، ثم ~~عجز عن القيام وصار إلى حال الإيماء ، فعند مالك أنه يبنى عليها قاعدا وبه ~~قال أبو حنيفة ، والثورى ، والشافعى . وقال أبو يوسف ، ومحمد : تبطل صلاته ~~إلا أن يتمادى قائما ، والدلائل المتقدمة تلزمه ، لأن طرءان العجز بعد ~~القدرة كطرءان ms0778 القدرة بعد العجز ، وأن العجز عن الركن لا يبطل حكم الركن ~~المقدور عليه كما أن القدرة إذا طرأت لم تبطل حكم ما مضى . واختلفوا فى ~~النافلة يفتتحها قاعدا ، هل يجوز له أن يركع قائما ؟ قال الطحاوى : فكره ~~ذلك قوم ، واحتجوا بما رواه حماد بن زيد عن بديل بن ميسرة ، عن عبد الله بن ~~شقيق العقيلى ، عن عائشة قالت : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يكثر ~~الصلاة قائما وقاعدا فإذا صلى قائما ركع قائما ، وإذا صلى قاعدا ركع قاعدا ~~. وخالفهم آخرون فأجازوا لمن افتتح النافلة قاعدا أن يركع قائما واحتجوا ~~بحديث عائشة المذكور فى هذا الباب ، وهو قول أبى حنيفة ، وأبى يوسف ، ومحمد ~~، وهو قياس قول مالك ، وقاله أشهب . وقال الطحاوى : هذا الحديث أولى من ~~حديث ابن شقيق ، عن PageV03P106 عائشة ، لأن فى هذا الحديث أنه كان يركع ~~قائما بعدما افتتح الصلاة قاعدا ، وهو نص فى موضع الخلاف ، وتماديه على ~~الركوع فى حديث ابن شقيق حتى يركع قاعدا لا يدل أنه ليس له أن يقوم فيركع ~~قائما ، وقيامه من قعوده حتى يركع قائما يدل أن له أن يركع قائما بعد ما ~~افتتح قاعدا ، وهو حكم زائد ، والزيادة يجب الأخذ بها ، فلذلك جعلناه أولى ~~من حديث ابن شقيق . وقال مالك : من افتتح النافلة قائما ثم شاء الجلوس فله ~~ذلك . وخالفه أشهب فقال : إذا أحرم قائما فى نافلة فلا يجلس لغير عذر ، وقد ~~لزمه تمامها بما نوى فيها من القيام ، فإن فعل أعاد إلا أن يغلب فلا قضاء ~~عليه . # | 66 - باب التهجد بالليل وقوله : { ومن الليل فتهجد به نافلة لك } [ ~~الإسراء : 79 ] أى أسهر نافلة لك # / 88 - فيه : ابن عباس قال : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا ~~قام من الليل يتهجد ، قال : ( اللهم لك الحمد أنت قيم السموات والأرض ومن ~~فيهن ، ولك الحمد أنت نور السموات والأرض ومن فيهن ، ولك الحمد أنت ملك ~~السموات والأرض ومن فيهن ولك الحمد أنت الحق ، ووعدك الحق ، ولقاؤك حق ، ~~وقولك حق ، والجنة حق ، والنار حق ms0779 ، والنبيون حق ، ومحمد حق ، والساعة حق ، ~~اللهم لك أسلمت ، وبك آمنت ، وعليك توكلت ، وإليك أنبت ، وبك خاصمت ، وإليك ~~حاكمت ، فاغفر PageV03P107 لى ما قدمت وما أخرت ، وما أسررت وما أعلنت ، ~~أنت المقدم ، وأنت المؤخر ، لا إله إلا أنت ، أو لا إله غيرك ) . التهجد ~~عند العرب : التيقظ والسهر بعد نومة من الليل ، والهجود أيضا النوم ، يقال ~~تهجد : إذا سهر ، وهجد : إذا نام . وقوله : { نافلة لك } [ الإسراء : 79 ] ~~يعنى فضلا لك عن فرائضك . واختلف فى المعنى الذى من أجله خص بذلك رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - فقال بعضهم : إنما خص بذلك لأنها كانت عليه فريضة ~~ولغيره تطوع ، فقال : أقمها نافلة لك : عن ابن عباس . وقال مجاهد : إنما ~~قيل له ذلك لأنه لم يكن فعله ذلك يكفر عنه شيئا من الذنوب ، لأن الله كان ~~قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر فكان له نافلة فضل وزيادة ، فأما غيره ~~فهو كفارة له وليس له نافلة . وقال الطبرى : وقول ابن عباس أولى بالصواب ، ~~لأن النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، قد كان خصه الله بما فرضه عليه من ~~قيام الليل دون سائر أمته ، ولا معنى لقول مجاهد ، لأن النبى ، - صلى الله ~~عليه وسلم - ، كان أشد استغفارا لربه بعد نزول قوله : { ليغفر لك الله ما ~~تقدم من ذنبك وما تأخر } [ الفتح : 2 ] وذلك أن هذه السورة نزلت عليه بعد ~~منصرفه من الحديبية وأنزل عليه : { إذا جاء نصر الله والفتح } [ النصر : 1 ~~] عام قبض ، وقيل له فيها { فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا } [ ~~النصر : 3 ] فكان يعد استغفاره فى المجلس الواحد مائة مرة ، ومعلوم أن الله ~~تعالى ، لم يأمره أن يستغفره إلا بما يغفر له باستغفاره فبان فساد قول ~~مجاهد . PageV03P108 وقال قتادة نافلة لك : تطوعا وفضيلة . وفى حديث ابن ~~عباس تهجده - صلى الله عليه وسلم - وأنه كان يدعو عند قيامه ويخلص الثناء ~~على الله بما هو أهله والإقرار بوعده ووعيده وفيه الأسوة الحسنة . وقوله : ~~( أنت قيم السماوات والأرض ) فيه ثلاث لغات يقال : قيام وقيوم وقيم ms0780 . قال ~~مجاهد : القيوم القائم على كل شىء وكذلك قال أبو عبيد . وقوله : ( أنت نور ~~السموات والأرض ) أى بنورك يهتدى من فى السماوات ومن فى الأرض . وقوله : ( ~~أنت الحق ) فالحق اسم من أسمائه وصفة ومن صفاته . ( وقولك الحق ) يعنى قولك ~~الصدق والعدل . ( ووعدك حق ) يعنى لا تخلف الميعاد وتجزى الذين أساءوا بما ~~عملوا إلا ما تجاوز عنه ، وتجزى الذين أحسنوا بالحسنى . وقوله : ( ولقاؤك ~~حق ، والجنة حق ، والنار حق ) فيه الإقرار بالبعث بعد الموت ، والإقرار ~~بالجنة والنار ، والإقرار بالأنبياء عليهم السلام . وقوله : ( لك أسلمت ) ~~معناه : انقدت لحكمك وسلمت ورضيت . وقوله : ( وبك آمنت ) يعنى صدقت بك وبما ~~أنزلت ، والإيمان فى اللغة : التصديق . ( وعليك توكلت ) تبرأ إليه من الحول ~~والقوة وصرف أموره إليه . قال الفراء : الوكيل : الكافى . PageV03P109 ~~وقوله : ( إليك أنبت ) أى أطعت أمرك ، والمنيب المقبل بقلبه إلى الله ( وبك ~~خاصمت ) يقول : بما آتيتنى من البراهين احتججت . ( وإليك حاكمت ) يعنى إليك ~~احتكمت مع كل من أبى قبول الحق والإيمان ، وكان - صلى الله عليه وسلم - ~~يقول عند القتال : ( اللهم أنزل الحق ) ويستنصر . وقوله : ( اغفر لى ما ~~قدمت ، وأخرت ، وأسررت ، وأعلنت ) أمر الأنبياء وإن كانوا قد غفر لهم أن ~~يستغفروا الله ويدعوا الله ، ويرغبوا إليه ، ويرهبوا منه ، وكان - صلى الله ~~عليه وسلم - يقول : ( اللهم إنى أستغفرك من عمدى ، وخطئى ، وجهلى ، وظلمى ، ~~وكل ذلك عندى ) يقر على نفسه بالتقصير ، وكان يقول فى سجوده : ( اللهم باعد ~~بينى وبين خطاياى كما باعدت بين المشرق والمغرب ، اللهم نقنى من الذنوب كما ~~نقيت الثوب الأبيض من الدنس ) وبهذا رفع الله رسله وأنبياءه ، أنهم يجتهدون ~~فى الأعمال لمعرفتهم بعظمة من يعبدونه ، فأمتهم أحرى بذلك . قاله الداوودى ~~. قال المهلب : وقوله : ( أنت المقدم ، وأنت المؤخر ) يعنى أنه قدم فى ~~البعث إلى الناس على غيره - صلى الله عليه وسلم - ، بقوله : ( نحن الآخرون ~~السابقون ) ثم قدمه عليهم يوم القيامة بما فضله به على سائر الأنبياء ، ~~فسبق بذلك الرسل . * * * # | 67 - باب فضل قيام الليل # / 89 - فيه : ابن عمر كان الرجل منا فى زمن رسول الله - صلى الله عليه ms0781 ~~وسلم - إذا رأى رؤيا PageV03P110 قصها على رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- ، فتمنيت أن أرى رؤيا فأقصها على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، ~~وكنت غلاما شابا ، وكنت أنام في المسجد على عهد رسول الله ، فرأيت فى النوم ~~كأن ملكين أخذانى فذهبا بى إلى النار ، فإذا هى مطوية كطى البئر ، وإذا لها ~~قرنان ، وإذا فيها أناس قد عرفتهم ، فجعلت أقول : أعوذ بالله من النار ، ~~فلقينا ملك آخر ، فقال لى : لم ترع ، فقصصتها على حفصة ، فقصتها حفصة على ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فقال : ( نعم الرجل عبد الله ، لو كان ~~يصلى من الليل ) ، فكان بعد لا ينام من الليل إلا قليلا . قال المهلب : ~~إنما فسر الرسول هذه الرؤيا فى قيام الليل ، والله أعلم ، من أجل قول الملك ~~الآخر : لم ترع ، أى لم تعرض عليك لأنك مستحقها ، إنما ذكرت بها ، ثم نظر ~~رسول الله فى أحوال عبد الله فلم ير شيئا يغفل عنه من الفرائض فيذكر بالنار ~~، وعلم مبيته فى المسجد فعبر بذلك ، لأنه منبه على قيام الليل فيه بالقرآن ~~، ألا ترى أن النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، رأى الذى علمه القرآن ونام ~~عنه بالليل تشدخ رأسه إلى يوم القيامة فى رؤياه - صلى الله عليه وسلم - . ~~وفيه : أن قيام الليل ينجى من النار . وروى سنيد : حدثنا يوسف بن محمد بن ~~المنكدر ، عن أبيه ، عن جابر بن عبد الله ، قال : قال رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - : ( قالت أم سليمان لسليمان : يا بنى لا تكثر النوم بالليل فإن ~~كثرة النوم بالليل تدع الرجل فقيرا يوم القيامة ) . وذكر الطبرى ، قال : ~~حدثنا أحمد بن بشير ، حدثنا يزيد بن زريع ، حدثنا سعيد ، عن قتادة ، عن ~~محمد بن سيرين ، عن أبى هريرة ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- : ( الرؤيا ثلاث : فرؤيا حق ، ورؤيا يحدث بها PageV03P111 الرجل نفسه ، ~~ورؤيا تحزين من الشيطان ، فمن رأى ما يكره فليقم فليصل ) . فيه : تمنى ~~الخير والعلم والحرص عليه ، لأن الرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزءا من ~~النبوة ، وتفسير ms0782 النبى لها من العلم الذى يجب الرغبة فيه . * * * # | 68 - باب طول السجود فى قيام الليل # / 90 - فيه : عائشة ، أن الرسول كان يصلى إحدى عشرة ركعة ، كانت تلك ~~صلاته ، يسجد السجدة من ذلك قدر ما يقرأ أحدكم خمسين آية قبل أن يرفع رأسه ~~؛ الحديث . أما طول سجود النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، فى قيام الليل ~~فذلك ، والله أعلم لاجتهاده فيه بالدعاء والتضرع إلى الله ، وذلك أبلغ ~~أحوال التواضع والتذلل إلى الله تعالى ، وهو الذى أبى إبليس منه فاستحق ~~بذلك اللعنة إلى يوم الدين والخلود فى النار أبدا ، فكان - صلى الله عليه ~~وسلم - يطول فى السجود فى خلوته ومناجاته لله شكرا على ما أنعم به عليه ، ~~وقد كان غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر . وفيه : الأسوة الحسنة لمن لا ~~يعلم ما يفعل به أن يمتثل فعله - صلى الله عليه وسلم - فى صلاته بالليل ~~وجميع أفعاله ويلجأ إلى الله فى سؤال العفو والمغفرة ، فهو الميسر لذلك عز ~~وجهه ، وكان السلف PageV03P112 يفعلون ذلك ، قال أبو إسحاق : ما رأيت أحدا ~~أعظم سجدة من ابن الزبير . وقال يحيى بن وثاب : كان ابن الزبير يسجد حتى ~~تنزل العصافير على ظهره ، وما تحسبه إلا جرم حائط . * * * # | 69 - باب ترك القيام للمريض # / 91 - فيه : جندب ، اشتكى النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، فلم يقم ~~ليلة أو ليلتين . / 92 - وقال جندب : احتبس جبريل عن النبى ، - صلى الله ~~عليه وسلم - ، فقالت امرأة من قريش : أبطأ عليه شيطانه فنزلت : { والضحى ~~والليل إذا سجى ما ودعك ربك وما قلى وللآخرة خير لك من الأولى ولسوف يعطيك ~~ربك فترضى } [ الضحى : 1 ، 5 ] . قال المؤلف : روى عن النبى - صلى الله ~~عليه وسلم - أنه من كان له حظ من العبادة ومنعه الله منها بمرض ، فإن الله ~~عز وجل يتفضل عليه بهبة ثوابها . وروى أبو موسى عن النبى - صلى الله عليه ~~وسلم - أنه قال : ( إذا مرض العبد ، أو سافر يكتب له ما كان يعمل مقيما ~~صحيحا ) ، ذكره البخارى فى كتاب الجهاد . وروى عن النبى - صلى الله ms0783 عليه ~~وسلم - ، قال : ( ما من عبد يكون له صلاة يغلبه عليها نوم إلا كتب له أجر ~~صلاته ، وكان نومه عليه صدقة ) . قال المهلب : لما لم يقم النبى - صلى الله ~~عليه وسلم - وقت شكواه ، ولم تسمعه المرأة يصلى حينئذ ظنت هذا الظن والقصة ~~واحدة رواها جندب . وقد روى : أن خديجة قالت للنبى - صلى الله عليه وسلم - ~~حين أبطأ عنه الوحى : PageV03P113 إن ربك قد قلاك ، فنزلت : { والضحى ~~والليل إذا سجى ما ودعك ربك وما قلى وللآخرة خير لك من الأولى ولسوف يعطيك ~~ربك فترضى } [ الضحى : 1 ، 5 ] ، فأعطاه الله ألف قصر فى الجنة من لؤلؤ ~~ترابها المسك فى كل قصر ما ينبغى له . ذكره بقى بن مخلد فى التفسير . وقد ~~قيل فى هذا الحديث : من لم يرزء فى جسمه فليظن أن الله قد قلاه . لكن روى ~~عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : ( لا يحزن أحدكم ألا يرانى فى منامه ~~، إذا كان طالبا للعلم ، فله فى ذلك العوض ) . * * * # | 70 - باب تحريض النبى - صلى الله عليه وسلم - على قيام الليل والنوافل ~~من غير إيجاب وطرق الرسول - صلى الله عليه وسلم - فاطمة وعليا ليلا للصلاة # / 93 - فيه : أم سلمة ، أن النبى - صلى الله عليه وسلم - استيقظ ليلة ، ~~فقال : ( سبحان الله ماذا أنزل الليلة من الفتن ؟ ماذا أنزل من الخزائن ؟ ~~من يوقظ صواحب الحجرات ؟ يا رب كاسية فى الدنيا ، عارية فى الآخرة ) . / 94 ~~- وفيه : على ، أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - طرقه وفاطمة بنت النبى - ~~صلى الله عليه وسلم - ليلة ، فقال : ( ألا تصليان ) ؟ فقلت : يا رسول الله ~~، أنفسنا بيد الله فإذا شاء أن يبعثنا بعثنا ، فانصرف حين قلنا ذلك ، ولم ~~يرجع إلى شيئا ، ثم سمعته ، PageV03P114 وهو مول يضرب فخذه ، وهو يقول : { ~~وكان الإنسان أكثر شىء جدلا } [ الكهف : 54 ] . / 95 - وفيه : عائشة ، قالت ~~: إن كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليدع العمل ، وهو يحب أن يعمل ~~به ؛ خشية أن يعمل به الناس ، فيفرض عليهم . . . . . الحديث . / 96 - وقالت ~~عائشة : صلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم ms0784 - ذات ليلة فى المسجد ، فصلى ~~بصلاته ناس ، ثم صلى من القابلة ، فكثر الناس ، ثم اجتمعوا من الليلة ~~الثالثة أو الرابعة ، فلم يخرج إليهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~فلما أصبح ، قال : ( قد رأيت الذى صنعتم ، ولم يمنعنى من الخروج إليكم إلا ~~أننى خشيت أن يفرض عليكم وذلك فى رمضان ) . وفى حديث أم سلمة ، وحديث على ~~فضل صلاة الليل وإنباه النائمين من الأهل والقرابة ، قال الطبرى : وذلك أن ~~الرسول - صلى الله عليه وسلم - أيقظ لها عليا وبنته مرتين ، حثا لهما على ~~ذلك فى وقت جعله الله لخلقه سكنا ، لما علم عظيم ثواب الله عليها ، وشرفت ~~عنده منازل أصحابها ، اختار لهم إحراز فضلها على السكون والدعة . قال ~~المهلب : فى حديث على رجوع المرء عما ندب إليه ، إذا لم يوجب ذلك ، وأنه ~~ليس للإمام والعالم أن يشتد فى النوافل وقوله : ( أنفسنا بيد الله ) ، فهو ~~كلام صحيح قنع به النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، من العذر لترك النافلة ~~، ولا يعذر بمثل هذا PageV03P115 فى فريضة ، وقوله : ( أنفسنا بيد الله ) ، ~~كقول بلال : ( أخذ بنفسى الذى أخذ بنفسك ) ، وهو معنى قوله تعالى : { الله ~~يتوفى الأنفس حين موتها والتى لم تمت فى منامها فيمسك التى قضى عليها الموت ~~} [ الزمر : 42 ] ، أى أن نفس النائم ممسكة بيد الله ، وأن التى فى اليقظة ~~مرسلة إلى جسدها ، غير خارجة من قدرة الله تعالى ، فقنع بذلك النبى - صلى ~~الله عليه وسلم - وانصرف . وأما ضربه فخذه وقوله : { وكان الإنسان أكثر شىء ~~جدلا } [ الكهف : 54 ] ، فإنه يدل أنه ظن أنه أحرجهم وندم على إنباههم ، ~~وكذلك لا يحرج الناس إذا حضوا على النوافل ، ولا يضيق عليهم ، وإنما يذكروا ~~فى ذلك ويشار عليهم . وقوله : ( ماذا أنزل الليلة من الفتن ؟ وماذا أنزل من ~~الخزائن ) ؟ قال ذلك لما أعلمه الله من الوحى أنه يفتح على أمته من الغنى ~~والخزائن ، وعرفه أن الفتن مقرونة بها مخوفة على من فتحت عليه ، ولذلك آثر ~~كثير من السلف القلة على الغنى ، خوف التعرض لفتنة المال ، وقد استعاذ ~~النبى ، - صلى الله عليه ms0785 وسلم - ، من فتنة الغنى كما استعاذ من فتنة الفقر ~~. وقوله : ( من يوقظ صواحب الحجرات ) ، يريد أزواجه - صلى الله عليه وسلم - ~~، يعنى من يوقظهن للصلاة بالليل ، وهذا يدل أن الصلاة تنجى من شر الفتن ، ~~ويعتصم بها من المحن . وقوله : ( كاسية فى الدنيا عارية فى الآخرة ) ، يريد ~~كاسية بالثياب الواصفة لأجسامهن لغير أزواجهن ، ومن يحرم عليه النظر إلى ~~ذلك منهن ، وهن عاريات فى الحقيقة فربما عوقبت فى الآخرة بالتعرى ~~PageV03P116 الذى كانت إليه مائلة فى الدنيا ، مباهية بحسنها ، فعرف النبى ~~، - صلى الله عليه وسلم - ، أن الصلاة تعصم من شر ذلك ، وقد فسر مالك حديث ~~كاسيات عاريات أنهن لابسات رقيق الثياب ، وقد يحتمل أن يريد - صلى الله ~~عليه وسلم - بقوله : ( كاسية فى الدنيا عارية فى الآخرة ) النهى عن لباس ~~رقيق الثياب واصفا كان أو غير واصف خشية الفتنة ، وسيأتى هذا المعنى ~~مستوعبا فى كتاب الفتن فى باب لا يأتى زمان إلا الذى بعده شر منه . وأما ~~حديث عائشة ، فظاهره أن من الفرائض ما يفرض الله على العباد من أجل رغبتهم ~~فيها وحرصهم عليها ، والأصول ترد هذا التوهم ، وذلك أن الله فرض على عباده ~~الفرائض ، وهو عالم بثقلها وشدتها عليهم ، أراد محنتهم بذلك لتتم الحجة ~~عليهم ، فقال : { وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين } [ البقرة 45 ] ، وقال ~~موسى لمحمد ، - صلى الله عليه وسلم - ، ليلة الإسراء حين رده الله من خمسين ~~صلاة إلى خمس صلوات : ( راجع ربك ، فإن أمتك لا تطيق ذلك ) . ويحتمل حديث ~~عائشة ، والله أعلم ، معنيين : أحدهما أنه يمكن أن يكون هذا القول منه - ~~صلى الله عليه وسلم - فى وقت فرض قيام الليل عليه دون أمته ، لقوله فى ~~الحديث : ( لم يمنعنى من الخروج إليكم إلا أننى خشيت أن تفرض عليكم ) ، فدل ~~أنه كان فرضا عليه وحده . وقد روى عن ابن عباس أن قيام الليل كان فرضا على ~~النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، ذكره ابن الأدفوى ، فيكون معنى قول عائشة ~~: ( إن كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليدع العمل ) ، يعنى إن كان ~~يدع إظهار عمله لأمته ms0786 PageV03P117 ودعاءهم إلى فعله معه ، لا أنها أرادت ~~أنه كان يدع العمل أصلا ، وقد فرضه الله تعالى عليه ، أو ندبه إليه ، لأنه ~~كان أتقى أمته لله وأشدهم اجتهادا ، ألا ترى أنه لما اجتمع الناس من الليلة ~~الثالثة ، أو الرابعة لم يخرج إليهم ، ولا شك أنه صلى حزبه تلك الليلة فى ~~بيته . فخشى إن خرج إليهم والتزموا معه صلاة الليل أن يسوى الله تعالى ~~بينهم وبينه فى حكمها ، فيفرضها عليهم من أجل أنها فرض عليه ، إذ المعهود ~~فى الشريعة مساواة حال الإمام والمأموم فى الصلاة ، فما كان منها فريضة ~~فالإمام والمأموم فيها سواء ، وكذلك ما كان منها سنة أو نافلة . والمعنى ~~الثانى هو أن يكون خشى من مواظبتهم على صلاة الليل معه أن يضعفوا عنها ~~فيكون من تركها عاصيا لله فى مخالفته لنبيه وترك اتباعه ، متوعدا بالعقاب ~~على ذلك ، لأن الله تعالى فرض اتباعه ، فقال : { واتبعوه لعلكم تهتدون } [ ~~الأعراف : 158 ] ، وقال فى ترك اتباعه : { فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن ~~تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم } [ النور : 63 ] ، فخشى على تاركها أن ~~يكون كتارك ما فرض الله عليه ، لأن طاعة الرسول - صلى الله عليه وسلم - ~~كطاعة الله ، وكان - صلى الله عليه وسلم - رفيقا بالمؤمنين رحيما بهم . ~~وسيأتى فى باب ما يكره من كثرة السؤال وتكلف ما لا يعنى فى كتاب الاعتصام ~~زيادة فى هذا المعنى وبيانه ، إن شاء الله تعالى . وقال المهلب : فى حديث ~~عائشة أن قيام رمضان بإمام ومأمومين سنة ، لأنه - صلى الله عليه وسلم - صلى ~~بصلاته ناس ائتموا به ، وهذا خلاف قول من أزرى فقال : [ . . . . ] عمر . ~~ولم يتق الله فى مقالته ، PageV03P118 ولا صدق ، لأن الناس كانوا يصلون ~~لأنفسهم أفذاذا ، وإنما فعل عمر التخفيف عنهم ، فجمعهم على قارئ واحد ~~يكفيهم القراءة ويفرغهم للتدبر . وقد احتج قوم من الفقهاء بقعود النبى - ~~صلى الله عليه وسلم - عن الخروج إلى أصحابه الليلة الثالثة ، أو الرابعة ، ~~وقالوا : إن صلاة رمضان فى البيت للمنفرد أفضل من صلاتها فى المسجد ، منهم ~~مالك ، وأبو يوسف ، والشافعى ، وقال مالك ms0787 : كان ربيعة وغير واحد من علمائنا ~~ينصرفون ولا يقومون مع الناس ، وأنا أفعل ذلك ، وما قام رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - إلا فى بيته . وذكر ابن أبى شيبة ، عن ابن عمر ، وسالم ، ~~وعلقمة ، والأسود ، أنهم كانوا لا يقومون مع الناس فى رمضان . وقال الحسن ~~البصرى : لأن تفوه بالقرآن أحب إليك من أن يفاه به عليك . ومن الحجة لهم ~~أيضا حديث زيد بن ثابت : أن النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، حين لم يخرج ~~إليهم قال لهم : ( إنى خشيت أن بفرض عليكم ، فصلوا أيها الناس فى بيوتكم ، ~~فإن أفضل صلاة المرء فى بيته إلا المكتوبة ) . فأخبر أن التطوع فى البيت ~~أفضل منه فى المسجد لاسيما مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فى مسجده . ~~وخالفهم آخرون ، فقالوا : صلاتها فى الجماعة أفضل . قال الليث : لو أن ~~الناس فى رمضان قاموا لأنفسهم وأهليهم حتى تترك المساجد ، حتى لا يقوم فيها ~~أحد لكان ينبغى أن يخرجوا من بيوتهم إلى المسجد حتى يقوموا فيه ، لأن قيام ~~الناس فى رمضان الأمر الذى لا PageV03P119 ينبغى تركه ، وهو مما سن عمر بن ~~الخطاب للمسلمين وجمعهم عليه . ذكر ابن أبى شيبة ، عن عبد الله بن السائب ، ~~قال : كنت أصلى بالناس فى رمضان ، فبينا أنا أصلى إذ سمعت تكبير عمر على ~~باب المسجد قدم معتمرا ، فدخل فصلى خلفى . وكان ابن سيرين يصلى مع الجماعة ~~، وكان طاوس يصلى لنفسه ويركع ويسجد معهم ، وقال أحمد بن حنبل : كان جابر ~~يصليها فى جماعة . وروى عن على ، وابن مسعود مثل ذلك ، وهو قول محمد بن عبد ~~الحكم . قال الطحاوى : وممن قال إن الجماعة أفضل : عيسى بن أبان ، والمزنى ~~، وبكار بن قتيبة ، وأحمد بن أبى عمران ، واحتج أحمد فى ذلك بحديث أبى ذر : ~~أن النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، خرج لما بقى من الشهر سبع فصلى بهم ~~حتى مضى ثلث الليل ، ثم لم يصل بنا السادسة ، ثم خرج الليلة الخامسة ، فصلى ~~بنا حتى مضى شطر الليل ، فقلنا : يا رسول الله ، لو نفلتنا ، قال : ( إن ~~القوم ms0788 إذا صلوا مع الإمام حتى ينصرف كتب لهم قيام تلك الليلة ) ، ثم خرج ~~الليلة السابعة ، وخرجنا وخرج بأهله ، حتى خشينا أن يفوتنا الفلاح ، وهو ~~السحور . رواه ابن أبى شيبة ، عن محمد بن فضيل ، عن داود بن أبى هند ، عن ~~الوليد بن عبد الرحمن الجرشى ، عن جبير بن نفير ، عن أبى ذر . قال الطحاوى ~~: وكل من اختار التفرد ، فينبغى أن يكون ذلك على أن لا ينقطع معه القيام فى ~~المسجد ، فأما الذى ينقطع معه القيام فى المسجد فلا . قال : وقد أجمعوا على ~~أنه لا يجوز تعطيل PageV03P120 المساجد عن قيام رمضان ، فصار هذا القيام ~~واجبا على الكفاية فمن فعله كان أفضل ممن انفرد كالفروض التى على الكفاية . ~~قال ابن القصار : أما الذين لا يقدرون ولا يقوون على القيام ، فالأفضل لهم ~~حضورها ليسمعوا القرآن وتحصل لهم الصلاة ويقيموا السنة التى قد صارت علما . ~~* * * # | 71 - باب قيام الليل # قالت عائشة : قام النبى - صلى الله عليه وسلم - حتى تفطر قدماه . والفطور ~~: الشقوق ، انفطرت : انشقت . / 97 - فيه : المغيرة ، إن كان الرسول - صلى ~~الله عليه وسلم - ليقوم ؛ أو ليصلى حتى ترم قدماه ، أو ساقاه ، فيقال له ، ~~فيقول : ( أفلا أكون عبدا شكورا ) . قال المهلب : فيه أخذ الإنسان على نفسه ~~بالشدة فى العبادة ، وإن أضر ذلك ببدنه ، وذلك له حلال ، وله أن يأخذ ~~بالرخصة ويكلف نفسه ما عفت له به وسمحت ، إلا أن الأخذ بالشدة أفضل ، ألا ~~ترى قوله - صلى الله عليه وسلم - : ( أفلا أكون عبدا شكورا ) ، فكيف من لم ~~يعلم أنه استحق النار أم لا ؟ فمن وفق للأخذ بالشدة فله فى النبى ، - صلى ~~الله عليه وسلم - ، أفضل الأسوة . وإنما ألزم الأنبياء والصالحون أنفسهم ~~شدة الخوف ، وإن كانوا قد أمنوا ، لعلمهم بعظيم نعم الله عليهم ، وأنه ~~ابتدأهم بها قبل PageV03P121 استحقاقها ، فبذلوا مجهودهم فى شكره تعالى ~~بأكبر مما افترض عليهم فاستقلوا ذلك . ولهذا المعنى قال طلق بن حبيب : إن ~~حقوق الله أعظم من أن يقوم بها العباد ، ونعمه أكثر من أن تحصى ولكن أصبحوا ~~قانتين وأمسوا تائبين ، وهذا كله مفهوم ms0789 من قوله تعالى : { إنما يخشى الله ~~من عباده العلماء } [ فاطر : 28 ] . * * * # | 72 - باب من نام عند السحر # / 98 - فيه : عبدالله بن عمرو ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال ~~له : ( أحب الصلاة إلى الله صلاة داود ، وأحب الصيام إلى الله صيام داود ، ~~وكان ينام نصف الليل ، ويقوم ثلثه وينام سدسه ، ويصوم يوما ، ويفطر يوما ) ~~. / 99 - وفيه : عائشة ، كان أحب العمل إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- الدائم ، قلت : متى كان يقوم ؟ قالت : إذا سمع الصارخ ) . / 100 - وفيه : ~~عائشة ، قالت : ما ألفاه السحر عندى إلا نائما ، تعنى النبى ، - صلى الله ~~عليه وسلم - . قال المهلب : هذا يدل أن دواد كان يجم نفسه بنوم أول الليل ، ~~ثم يقوم فى الوقت الذى ينادى فيه الله تعالى : هل من سائل ؟ هل من مستغفر ؟ ~~هل من تائب ؟ ثم يستدرك من النوم ما يستريح فيه من نصب القيام فى بقية ~~الليل . وإنما صارت هذه الطريقة أحب إلى الله من أجل الأخذ بالرفق على ~~PageV03P122 النفوس التى يخشى منها السآمة والملل الذى هو سبب إلى ترك ~~العبادة ، والله يحب أن يديم فضله ، ويوالى إحسانه أبدا ، وقد قال - صلى ~~الله عليه وسلم - : ( إن الله لا يمل حتى تملوا ) . يعنى أن الله لا يقطع ~~المجازاة على العبادة حتى تقطعوا العمل . فأخرج اللفظ المجازاة بلفظ الفعل ~~، لأن الملل غير جائز على الله تعالى ، ولا هو من صفاته . وقول عائشة : ( ~~كان يقوم إذا سمع الصارخ ) ، فهو فى حدود ثلث الليل الآخر ، ليتحرى وقت ~~تنزل الله تعالى ، ثم يرجع إلى الاضطجاع للراحة من نصب القيام ، ولما ~~يستقبله من طول قيام صلاة الصبح ، فلذلك كان ينام عند السحر ، وهذا كان ~~يفعله - صلى الله عليه وسلم - فى الليالى الطوال ، وفى غير شهر رمضان ، ~~لأنه قد ثبت عنه تأخير السحور على ما يأتى فى الباب بعد هذا ، إن شاء الله ~~. * * * # | 73 - باب من تسحر ثم قام إلى الصلاة فلم ينم حتى الصبح # / 101 - فيه : أنس ، أن النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، وزيد بن ثابت ~~تسحرا ms0790 ، فلما فرغا من سحورهما ، قام نبى الله - صلى الله عليه وسلم - إلى ~~الصلاة ، فصليا قلت لأنس : كم كان بين فراغهما من سحورهما ودخولهما فى ~~الصلاة ؟ قال : كقدر ما يقرأ الرجل خمسين آية . فى هذا الحديث تأخير السحور ~~. وقوله : ( كم كان بين فراغهما ودخولهما فى الصلاة ) يريد صلاة الصبح ، ~~وقد ترجم البخارى لهذا الحديث فى كتاب الصيام ، باب قدر كم بين السحور ~~وصلاة الصبح . إلا أنه أول ما قام إليه PageV03P123 ركعتا الفجر ، لأنه حين ~~[ . . . . . ] الفجر ، وكان بين سحوره - صلى الله عليه وسلم - وصلاة الصبح ~~قدر خمسين آية [ . . . . ] تلك المدة التى تقدر بخمسين آية صلى ركعتى الفجر ~~، ثم قعد ينتظر الصبح . * * * # | 74 - باب طول القيام فى صلاة الليل # / 102 - فيه : عبدالله ، قال : صليت مع النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، ~~فلم يزل قائما حتى هممت بأمر سوء ، قلنا : وما هممت به ؟ قال : هممت أن ~~أقعد وأذر النبى - صلى الله عليه وسلم - . / 103 - وفيه : حذيفة ، أن النبى ~~، - صلى الله عليه وسلم - ، كان إذا قام للتهجد من الليل يشوص فاه بالسواك ~~. قال المهلب : فيه أن مخالفة الإمام أمر سوء كما قال ابن مسعود ، وقال ~~تعالى : { فليحذر الذين يخالفون أمره } [ النور : 63 ] الآية ، وكذلك قال - ~~صلى الله عليه وسلم - للذين صلوا خلفه قياما ، وهو جالس : ( إنما جعل ~~الإمام ليؤتم به ) ، إلى قوله : ( فإذا صلى جالسا ، فصلوا جلوسا أجمعون ) ، ~~فينبغى أن يكون ما خالف الإمام من أمر الصلاة وغيرها من سيئ الأعمال . وفى ~~حديث ابن مسعود دليل على طول القيام فى صلاة الليل ، لأن ابن مسعود أخبر أن ~~النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، لم يزل قائما حتى هم بالقعود ، وهذا لا ~~يكون إلا لطول القيام ، لأن ابن مسعود كان جلدا مقتديا بالرسول محافظا على ~~ذلك . PageV03P124 وقد اختلف العلماء : هل الأفضل فى صلاة التطوع طول ~~القيام ، أو كثرة الركوع والسجود ، فذهبت طائفة إلى أن كثرة الركوع والسجود ~~فيها أفضل ، وروى عن أبى ذر : أنه كان لا يطيل القيام ويكثر الركوع والسجود ~~، فسئل عن ذلك ، فقال : سمعت رسول الله ms0791 - صلى الله عليه وسلم - يقول : ( من ~~ركع ركعة وسجد سجدة رفعه الله بها درجة ، وحطت عنه بها خطيئة ) . وروى عن ~~ابن عمر ، أنه رأى فتى يصلى قد أطال صلاته ، فلما انصرف قال : من يعرف هذا ~~؟ قال رجل : أنا ، قال عبد الله : لو كنت أعرفه لأمرته أن يطيل الركوع ~~والسجود ، فإنى سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : ( إذا قام ~~العبد يصلى أتى بذنوبه فجعلت على رأسه وعاتقيه ، وكلما ركع وسجد تساقطت عنه ~~) . وقال يحيى بن رافع : كان يقال : لا تطل القراءة فى الصلاة ، فيعرض لك ~~الشيطان فيمنيك . وقال آخرون : طول القيام أفضل ، واحتجوا بما روى وكيع ، ~~عن الأعمش ، عن أبى سفيان ، عن جابر ، قال : سئل رسول الله ، أى الصلاة ~~أفضل ؟ قال : ( طول القنوت ) . وهو قول إبراهيم ، وأبى مجلز ، والحسن ~~البصرى . وإليه ذهب أبو حنيفة ، وأبو يوسف ، ومحمد ، وقال أشهب : هو أحب ~~إلى لكثرة القراءة ، على سعة ذلك كله . قال الطحاوى : وليس فى حديث أبى ذر ~~ما يخالف هذا الحديث ، لأنه قد يجوز أن يكون قوله - صلى الله عليه وسلم - : ~~( من ركع لله ركعة وسجد سجدة رفعه الله بها درجة وحط عنه خطيئة ) . وإن زاد ~~مع ذلك طول القيام كان أفضل ، وكان ما يعطيهم الله من الثواب أكثر ، ~~PageV03P125 هذا أولى ما حمل عليه معنى الحديث ، لئلا يضاد الأحاديث الأخر ~~، وكذلك حديث ابن عمر ليس فيه تفضيل الركوع والسجود على طول القيام ، وإنما ~~فيه ما يعطاه المصلى على الركوع والسجود من حط الذنوب عنه ، ولعله يعطى ~~بطول القيام أفضل من ذلك ، وحديث ابن مسعود يشهد بصحة هذا القول . قال ~~المؤلف : وأما حديث حذيفة فلا مدخل له فى هذا الباب ، لأن شوص الفم بالسواك ~~فى صلاة الليل لا يدل على طول الصلاة ، ولا قصرها ، كما لا يدل عليه قوله : ~~( لولا أن أشق على أمتى لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة ) ، أنه أراد طوال ~~الصلوات دون القصار ، وهذا الحديث يمكن أن يكون من غلط الناسخ ، فكتب فى ~~غير موضعه ، وإن لم يكن كذلك فإن ms0792 البخارى أعجلته المنية عن تهذيب كتابه ~~وتصفحه ، وله فيه مواضع مثل هذا تدل على أنه مات قبل تحرير الكتاب ، والله ~~أعلم . وفيه : أن السواك من الرغائب وهو من الفطرة ، وقال أبو زيد : الشوص ~~: الاستياك من سفل إلى علو ، وبه سمى هذا الداء ( شوصة ) لأنه ريح يرفع ~~القلب عن موضعه . وقال أبو حنيفة فى كتاب النيات : شاص فاه بالسواك شوصا ، ~~وماصه موصا . PageV03P126 # | 75 - باب كيف صلاة الليل ؟ وكم كان الرسول يصلى من الليل ؟ # / 104 - فيه : ابن عمر ، : إن رجلا قال : يا رسول الله ، كيف صلاة الليل ~~؟ قال : ( مثنى مثنى ، فإذا خفت الصبح فأوتر بواحدة ) . / 105 - وفيه : ابن ~~عباس ، قال : كانت صلاة النبى - صلى الله عليه وسلم - ثلاث عشرة ركعة ، ~~يعني بالليل . / 106 - وفيه : عائشة ، أن صلاة النبى بالليل ، سبع وتسع ~~وإحدى عشرة سوى ركعتى الفجر . / 107 - وقالت أيضا : كان النبى - صلى الله ~~عليه وسلم - يصلى من الليل ثلاث عشرة ركعة منها الوتر وركعتا الفجر . وذهب ~~أكثر العلماء إلى أن صلاته بالليل مثنى مثنى ، على حديث ابن عمر ، وقالوا : ~~قوله : ( مثنى مثنى ) يفيد التسليم فى كل ركعتين ليفصل بينها وبين صلاة ~~أربع ، وإلا فلا يفيد هذا الكلام ، لأنه على التقدير تكون صلاة الظهر ~~والعصر والعشاء مثنى مثنى ، فلما لم يقل لواحدة منها مثنى مثنى علم أن ~~المثنى يقتضى الفصل بالسلام ، وسأذكر اختلاف العلماء فى ذلك فى صلاة النهار ~~، وهل هى مثنى مثنى فى بابه بعد هذا ، إن شاء الله . وأما عدد صلاته - صلى ~~الله عليه وسلم - بالليل ، فإن الآثار اختلفت فى ذلك عن ابن عباس وعائشة ، ~~فروى أبو جمرة ، عن ابن عباس : أن النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، كان ~~يصلى ثلاث عشرة ركعة . ورواه مالك ، عن مخرمة بن سليمان ، عن كريب ، عن ابن ~~عباس ، أنه بات عند خالته ميمونة فذكر أنه صلى مع النبى ، - صلى الله عليه ~~وسلم - ، إحدى عشرة ركعة بالوتر . فهذا خلاف ما روى مالك ، عن مخرمة ، عن ~~PageV03P127 كريب ، ذكره النسائى ، وروى شريك ابن أبى نمر ، عن كريب ، عن ~~ابن ms0793 عباس ، أنه صلى مع النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، إحدى عشرة ركعة . ~~وعن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس مثله . وذكر الطحاوى ، عن على بن معبد ، ~~قال : حدثنا شبابة بن سوار ، حدثنا يونس بن أبى إسحاق ، عن المنهال بن عمر ~~، عن على بن عبد الله بن عباس ، عن أبيه ، قال : أمرنى العباس أن أبيت عند ~~النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، وقدم إلى ألا تنام حتى تحفظ لى صلاته ، ~~قال : فصليت معه إحدى عشرة ركعة بالوتر . وأما اختلاف الآثار ، عن عائشة ~~أيضا ، فروى مسروق ، والقاسم بن محمد ، وأبو سلمة ، عن عائشة : أن النبى ، ~~- صلى الله عليه وسلم - ، صلى إحدى عشرة ركعة سوى ركعتى الفجر . وروى عنها ~~خلاف ذلك من حديث مالك ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة ، قالت : ~~كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلى من الليل ثلاث عشرة ركعة ، ثم ~~يصلى إذا سمع النداء بالصبح ركعتين خفيفتين . وكذلك روى عن زيد بن خالد ~~الجهنى حين رمق صلاة النبى بالليل ثلاث عشرة ركعة بالوتر . وقد أكثر الناس ~~القول فى هذه الأحاديث ، فقال بعضهم : إن هذا الاختلاف جاء من قبل عائشة ، ~~وابن عباس ، لأن رواة هذه الأحاديث الثقات الحفاظ ، وكل ذلك قد عمل به رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - ليدل على التوسعة فى ذلك ، وأن صلاة الليل لا ~~حد فيها لا يجوز تجاوزه إلى غيره وكل سنة . PageV03P128 وقال آخرون : بل ~~جاء الاختلاف فيها من قبل الرواة ، وأن الصحيح منها إحدى عشرة ركعة بالوتر ~~. قالوا : وقد كشفت عائشة هذا المعنى ورفعت الإشكال فيه لقولها : ( ما كان ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يزيد فى رمضان ولا فى غيره على إحدى عشرة ~~ركعة ) ، وهى أعلم الناس بأفعاله لشدة مراعاتها له ، وهى أضبط لها من ابن ~~عباس ، لأنه إنما رمق صلاته مرة حين بعثه العباس ليحفظ صلاته بالليل ، ~~وعائشة رقبت ذلك دهرها كله . فما روى عنها مما خالف إحدى عشرة ركعة فهو وهم ~~، ويحتمل الغلط فى ذلك أن يقع من أجل ms0794 أنهم عدوا ركعتى الفجر مع الإحدى عشرة ~~ركعة ، فتمت بذلك ثلاث عشرة ركعة . وقد جاء هذا المعنى بيانا فى بعض طرق ~~الحديث ، روى عبد الرزاق ، عن الثورى ، عن سلمة بن كهيل ، عن كريب ، عن ابن ~~عباس ، قال : بت عند خالتى ميمونة ، فقام الرسول - صلى الله عليه وسلم - ~~يصلى ، فتمطيت كراهية أن يرانى أراقبه ، ثم قمت ففعلت مثل ما فعل فصلى ~~فتتامت صلاته ثلاث عشرة ركعة منها ركعتا الفجر ، ثم نام حتى نفخ ، فجاءه ~~بلال فآذنه بالصلاة ، فقام فصلى ولم يتوضأ . وروى ابن وهب ، عن ابن أبى ذئب ~~، ويونس ، وعمرو بن الحارث ، عن ابن شهاب ، أخبرهم عن عروة ، عن عائشة ، ~~قالت : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلى فيما بين أن يفرغ من ~~صلاة العشاء إلى الفجر إحدى عشرة ركعة ، يسلم بين كل ركعتين ، ويوتر بواحدة ~~، ويسجد سجدة قدر ما يقرأ أحدكم خمسين آية ، فإذا سكت المؤذن من أذان الفجر ~~وتبين له الفجر ركع ركعتين خفيفتين ، ثم اضطجع على شقه الأيمن حتى يأتيه ~~المؤذن للإقامة . PageV03P129 فكل ما خالف هذا عن ابن عباس ، وعائشة فهو ~~وهم . وقالوا : ومما يدل على صحة هذا التأويل قول ابن مسعود للرجل الذى قال ~~: قرأت المفصل فى ركعة فقال : هذا كهذ الشعر ، لقد عرفت النظائر التى كان ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقرن بينهما ، فذكر عشرين سورة من المفصل ~~، سورتين فى كل ركعة . فدل هذا أن حزبه بالليل عشر ركعات ، ثم يوتر بواحدة ~~، قاله المهلب ، وأخوه عبد الله . وقال آخرون : الذى تأتلف عليه أحاديث ~~النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، فى الصلاة بالليل وينفى التعارض عنها ، ~~والله أعلم ، أنه قد روى أبو هريرة ، وعائشة ، عن الرسول - صلى الله عليه ~~وسلم - أنه كان إذا قام من الليل يصلى افتتح صلاته بركعتين خفيفتين . فمن ~~جعل صلاته بالليل عشر ركعات والوتر واحدة لم يعتد بهاتين الركعتين فى صلاته ~~، ومن عدها جعلها ثلاث عشرة ركعة سوى ركعتى الفجر . وأما حديث أبى هريرة ، ~~فرواه ابن عيينة ، عن أيوب ، عن محمد بن ms0795 سيرين ، عن أبى هريرة ، قال : قال ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( إذا قام أحدكم من الليل يصلى فليصل ~~ركعتين خفيفتين يفتتح بهما صلاته ) . وحديث عائشة رواه ابن أبى شيبة ، عن ~~هشيم ، قال : حدثنا أبو حرة ، عن الحسن ، عن سعد PageV03P130 بن هشام ، عن ~~عائشة ، عن النبى مثله . وأما قول عائشة : ( إن صلاة النبى ، - صلى الله ~~عليه وسلم - ، بالليل سبع وتسع ) فقد روى الأسود عنها أنها قالت : كان رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - يصلى من الليل تسع ركعات ، فلما أسن صلى سبع ~~ركعات . وروى عنها أنه كان يصلى بعد السبع ركعتين وهو جالس ، وبعد التسع ~~كذلك . رواه معمر ، عن قتادة ، عن الحسن ، قال : أخبرنا سعد بن هشام ، أنه ~~سمع عائشة تقول : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوتر بتسع ركعات ~~وهو جالس ، فلما ضعف أوتر بسبع ركعات وهو جالس . قال المهلب : وإنما كان ~~يوتر بتسع ركعات ، والله أعلم ، حين يفاجئه الفجر ، وأما إذا اتسع له الليل ~~فما كان ينقص من عشر ركعات ، للمطابقة التى بينها وبين الفرائض التى ~~امتثلها - صلى الله عليه وسلم - فى نوافله وامتثلها فى الصلوات المسنونة . ~~* * * # | 76 - باب قيام النبى بالليل من نومه وما نسخ من قيام الليل وقوله تعالى ~~: { يا أيها المزمل قم الليل إلا قليلا } إلى قوله : { سبحا طويلا } [ ~~المزمل : 1 - 7 ] وقوله : { علم أن لن تحصوه فتاب عليكم } إلى قوله : { ~~غفور رحيم } [ المزمل : 20 ] # . قال ابن عباس : نشأ : قام بالحبشية : { وطاء } قال : مواطأة للقرآن أشد ~~موافقة لسمعه وبصره وقلبه . { ليواطئوا } : ليوافقوا . / 108 - وفيه : أنس ~~، قال : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يفطر من الشهر حتى نظن أن لا ~~يصوم منه ، ويصوم حتى نظن أن لا يفطر منه شيئا ، وكان لا تشاء أن تراه من ~~الليل مصليا إلا رأيته ، ولا نائما إلا رأيته . قال المؤلف : ذكر ابن ~~الأدفوى أن للعلماء فى قوله تعالى : { قم الليل إلا قليلا نصفه } [ المزمل ~~: 2 - 3 ] أقوالا منها : أن قوله : { قم الليل } ليس معناه الفرض ، يدل على ~~ذلك ms0796 أن بعده : { نصفه أو انقص منه قليلا أو زد عليه } [ المزمل : 3 - 4 ] ~~وليس كذا يكون الفرض وإنما هو ندب وحض . PageV03P131 وقيل : هو حتم . ~~والقول الثالث : أن يكون حتما وفرضا على النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، ~~وحده ، روى ذلك عن ابن عباس ، وحجة هذا القول قوله - صلى الله عليه وسلم - ~~: ( لم يمنعنى من الخروج إليكم إلا أنى خشيت أن يفرض عليكم ) فهذا يبين أنه ~~لم يكن فرضا عليهم . ويجوز أن يكون فرضا عليه وعلى أمته ، ثم نسخ بعد ذلك ~~بقوله : { فتاب عليكم } [ المزمل : 2 ] وعلى هذا جماعة من العلماء ، وحجتهم ~~ما روى النسائى ، قال : حدثنا إسماعيل بن مسعود ، قال : حدثنا خالد بن ~~الحارث ، قال : حدثنا سعيد ، عن قتادة ، عن زرارة بن أبى أوفى ، عن سعد بن ~~هشام ، قال : قلت لعائشة : أنبئينى عن قيام رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- ، قالت : إن الله افترض القيام فى أول { يا أيها المزمل } [ المزمل : 1 ] ~~على النبى وعلى أصحابه حتى انتفخت أقدامهم وأمسك الله خاتمتها اثنى عشر ~~شهرا ، ثم نزل التخفيف فى آخر هذه السورة فصار قيام الليل تطوعا بعد أن كان ~~فريضة ، وقال النحاس : هذا قول ابن عباس ، ومجاهد ، وزيد بن أسلم وجماعة . ~~وقال الحسن ، وابن سيرين : صلاة الليل فريضة على كل مسلم ولو قدر حلب شاة . ~~قال إسماعيل بن إسحاق : أحسبهما قالا ذلك لقوله تعالى : { فاقرءوا ما تيسر ~~من } [ المزمل : 20 ] . وقال الشافعى : سمعت بعض العلماء يقول : إن الله ، ~~تعالى ، أنزل فرضا فى الصلاة قبل فرض الصلوات الخمس ، فقال : { يا أيها ~~المزمل قم الليل إلا قليلا نصفه } [ المزمل : 1 - 3 ] الآية ، ثم نسخ هذا ~~بقوله : { فاقرءوا ما تيسر من } ثم احتمل قوله : { فاقرءوا ما تيسر من } أن ~~يكون فرضا ثابتا ، لقوله تعالى : { ومن الليل فتهجد به نافلة لك } [ ~~الإسراء : 79 ] ، PageV03P132 فوجب طلب الدليل عن السنة على أحد المعنيين ، ~~فوجدنا سنة الرسول تدل ألا واجب من الصلوات إلا خمس . وقوله تعالى : { قم ~~الليل إلا قليلا نصفه أو انقص منه قليلا أو زد عليه ms0797 } [ المزمل : 2 - 4 ] ~~التقدير ، والله أعلم ، أنه منصوب بإضمار فعل كأنه قال تعالى : قم نصف ~~الليل إلا قليلا ، فعلم تعالى أن هذا القليل يختلف الناس فى تقديره على قدر ~~أفهامهم وطاقتهم على القيام ، فقال : أو انقص من نصف الليل بعد إسقاط ذلك ~~القليل قليلا أو زد عليه ، وكأن هذا تخييرا من الله تعالى ، إرادة الرفق ~~بخلقه والتوسعة عليهم . { ورتل القرآن ترتيلا } [ المزمل : 4 ] أى اقرأه ~~على ترسل ، عن مجاهد . { قولا ثقيلا } [ المزمل : 5 ] حلاله وحرامه ، عن ~~مجاهد . وقيل : العمل به ، عن الحسن { ناشئة الليل } [ المزمل : 6 ] بعد ~~النوم ، أى ابتداء عمله شيئا بعد شىء وهو من نشأ إذا ابتدأ . ابن عباس ~~ومجاهد : هى الليل كله . ابن عمر وغيره : هى ما بين المغرب والعشاء . { أشد ~~وطئا } [ المزمل : 6 ] أى أمكن موقعا . الأخفش : أشد قياما . قتادة : أثبت ~~فى الخير ، وأشد للحفظ ، للتفرغ بالليل . وأصل الوطء الثقل ، ومن قولهم : ~~اشتدت وطأة الشيطان PageV03P133 ومن قرأ : ( وطاء ) فالمعنى أشد مهادا ~~للتصرف فى التفكر والتدبر ، عن مجاهد ، يواطئ السمع والبصر والقلب . { ~~وأقوم قيلا } [ المزمل : 6 ] أى أثبت للقراءة ، عن مجاهد . قال بعضهم : ~~ولهذا المعنى فرض الله صلاة الليل بالساعات جزءا من الليل لا جزءا من ~~القرآن ، إرادة التنبيه على تفقهه وتدبره والعمل بالقلب ، وأنه ليس بهذه ~~الحروف وجريه على اللسان ، وأن الثواب بمقدار تمام الساعات التى يقرأ فيها ~~. { سبحا طويلا } [ المزمل : 7 ] أى فراغا ، عن ابن عباس وغيره . قال ~~المهلب : وحديث أنس يدل أن أعمال التطوع ليست منوطة بأوقات معلومة ، وإنما ~~هى على قدر الإرادة لها والنشاط فيها . * * * # | 77 - باب عقد الشيطان على قافية الرأس إذا لم يصل بالليل # / 109 - فيه : أبو هريرة ، أن الرسول ، - صلى الله عليه وسلم - ، قال : ( ~~يعقد الشيطان على قافية رأس أحدكم إذا هو نام ثلاث عقد ، يضرب عند كل عقدة ~~عليك ليل طويل فارقد ، فإن استيقظ فذكر الله انحلت عقدة ، فإن توضأ انحلت ~~عقدة ، فإن صلى انحلت عقدة ، فأصبح نشيطا طيب النفس ، وإلا أصبح خبيث النفس ~~كسلان ) . / 110 - وفيه : سمرة بن ms0798 جندب عن الرسول فى الرؤيا قال : ( أما ~~الذى يثلغ رأسه بالحجر ، فإنه يأخذ القرآن فيرفضه وينام عن الصلاة المكتوبة ~~) . قال المهلب : قد فسر النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، معنى العقد وهو ~~قوله : ( عليك ليل طويل فارقد ) كأنه يقولها إذا أراد النائم الاستيقاظ إلى ~~حزبه فيعتقد فى نفسه أنه بقيت من الليل بقية طويلة حتى يروم PageV03P134 ~~بذلك إتلاف ساعات ليله وتفويت حزبه ، فإذا ذكر الله انحلت عقدة ، أى علم ~~أنه قد مر من الليل طويل وأنه لم يبق منه طويل ، فإذا قام وتوضأ استبان له ~~ذلك أيضا وانحل ما كان عقد فى نفسه من الغرور والاستدراج ، فإذا صلى ~~واستقبل القبلة انحلت العقدة الثالثة ، لأنه لم يصغ إلى قوله ، ويئس ~~الشيطان منه . والقافية : هى مؤخرة الرأس ، وفيه العقل والفهم ، فعقده فيه ~~إثباته فى فهمه أنه بقى عليه ليل طويل . ( فيصبح نشيطا طيب النفس ) ، لأنه ~~مسرور بما قدم ، مستبشر بما وعده الله من الثواب والغفران ، وإذا لم يصل ( ~~أصبح خبيث النفس ) ، أى مهموما بجواز كيد الشيطان عليه ، و ( كسلان ) ~~بتثبيط الشيطان له عما كان اعتاده من فعل الخير . قال المؤلف : ورأيت لبعض ~~من فسر هذا الحديث ، قال : العقد الثلاث هى : الأكل والشرب والنوم ، وقال : ~~ألا ترى أن من أكثر الأكل والشرب أنه يكثر نومه لذلك ، والله أعلم بصحة هذا ~~التأويل وبما أراد - صلى الله عليه وسلم - من ذلك . قال المهلب : وقوله فى ~~حديث سمرة : ( يأخذ القرآن فيرفضه ) ، يعنى يترك حفظ حروفه والعمل بمعانيه ~~، فأما إذا ترك حفظ حروفه وعمل بمعانيه فليس برافض له ، لكنه قد أتى فى ~~الحديث أنه يحشر يوم القيامة أجذم أى مقطوع الحجة ، والرافض له يثلغ رأسه ~~وذلك لعقد الشيطان فيه ، فوقعت العقوبة فى موضع المعصية . وقوله : ( ينام ~~عن الصلاة المكتوبة ) ، يعنى لخروج وقتها وفواته ، وهذا إنما يتوجه إلى ~~تضييع صلاة الصبح وحدها ، لأنها هى التى PageV03P135 تبطل بالنوم ، وهى ~~التى أكد الله المحافظة عليها ، وفيها تجتمع الملائكة ، وسائر الصلوات إذ ~~ضيعت فحملها محملها ، لكن لهذه الفضل . * * * # | 78 - باب إذا نام ms0799 ولم يصل بال الشيطان فى أذنه # / 111 - فيه : عبدالله ، قال : ذكر عند النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، ~~رجل ، فقال : ما زال نائما حتى أصبح ما قام إلى الصلاة ، فقال : ( بال ~~الشيطان فى أذنه ) . قال المهلب : قوله : ( بال الشيطان فى أذنه ) على سبيل ~~الإغياء من تحكم الشيطان فى العقد على رأسه بالنوم الطويل ، وقال ابن مسعود ~~: كفى لامرئ من الشر أن يبول الشيطان فى أذنه . قال ابن قتيبة : والعرب ~~تقول : بال فى كذا إذا أفسده ، قال الفرزدق : وإن الذى يسعى ليفسد زوجتى ~~كساع إلى أسد الشرى يستبيلها معناه : يطلب مفسدتها . * * * # | 79 - باب الدعاء فى الصلاة من آخر الليل وقال تعالى : { كانوا قليلا من ~~الليل ما يهجعون } [ الذاريات : 17 ] ينامون . # / 112 - فيه : أبو هريرة ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : ( ~~ينزل ربنا كل ليلة PageV03P136 إلى سماء الدنيا ، حين يبقى ثلث الليل الآخر ~~، يقول : من يدعونى فأستجيب له ، من يسألنى فأعطيه ، من يستغفرنى فأغفر له ~~) . قال ابن فورك : حجة أهل البدع هذا الحديث وشبهه ، وقالوا : لا يمكن حمل ~~شىء منه على تأويل صحيح من غير أن يكون فيه تشبيه ، أو تحديد ، أو وصف للرب ~~تعالى بما لا يليق به ، وقد ورد التنزيل ، بمعنى هذا الحديث وهو قوله : { ~~وجاء ربك والملك صفا صفا } [ الفجر : 22 ] ، و { هل ينظرون إلا أن يأتيهم ~~الله فى ظلل من الغمام والملائكة } [ البقرة : 21 ] ، و { أتى الله بنيانهم ~~من القواعد } [ النحل : 26 ] . ولا فرق بين الإتيان والمجئ والنزول إذا ~~أضيف جميع ذلك إلى الأجسام التى يجوز عليها الحركة والنقلة التى هى تفريغ ~~مكان زشغل غيره ، فإذا أضيف ذلك إلى من لا يليق به الانتقال والحركة كان ~~تأويل ذلك على حسب ما يليق بنعته وصفته عز وجل . فمن ذلك أنا وجدنا لفظة ~~النزول فى اللغة مستعملة على معان مختلفة ، فمنها النزول بمعنى الانتقال ~~والتحويل كقوله : { وأنزلنا من السماء ماء طهورا } [ الفرقان : 48 ] ، ~~ومنها النزول بمعنى الإعلام كقوله : { نزل به الروح الأمين } [ الشعراء : ~~193 ] ، أى أعلم به الروح الأمين ms0800 محمدا ، - صلى الله عليه وسلم - . ومنها ~~النزول بمعنى القول فى قوله تعالى : { سأنزل مثل ما أنزل الله } [ الأنعام ~~: 93 ] ، أى سأقول مثل ما قال ، ومنها النزول بمعنى الإقبال على الشىء ، ~~وذلك هو المستعمل فى كلامهم الجارى فى عرفهم ، وهو PageV03P137 أنهم يقولون ~~: نزل فلان من مكارم الأخلاق إلى دنيها ، أى أقبل إلى دنيها ، ونزل قدر ~~فلان عند فلان ، أى انخفض . ومنها النزول بمعنى نزول الحكم ، من ذلك قولهم ~~: كنا فى خير وعدل حتى نزل بنا بنو فلان ، أى حكمهم ، وكل ذلك متعارف عند ~~أهل اللغة ، وإذا كانت هذه اللفظة مشتركة المعنى فينبغى حمل ما وصف به الرب ~~تعالى من النزول على ما يليق به من بعض هذه المعانى . إما أن يراد به ~~إقباله على أهل الأرض بالرحمة والتنبيه الذى يلقى فى قلوب أهل الخير منهم ، ~~والزواجر التى تزعجهم إلى الإقبال على الطاعة ، ويحتمل أن يكون ذلك فعلا ~~يظهر بأمره ، فيضاف إليه ، كما يقال : ضرب الأمير اللص ، ونادى الأمير فى ~~البلد ، وإنما أمر بذلك ، فيضاف إليه الفعل على معنى أنه عن أمره ظهر ، ~~وإذا احتمل ذلك فى اللغة لم ينكر أن يكون لله ملائكة يأمرهم بالنزول إلى ~~السماء الدنيا بهذا النداء والدعاء ، فيضاف إلى الله . وقد روى هذا التأويل ~~فى بعض طرق هذا الحديث ، روى النسائى ، قال : حدثنا إبراهيم ابن يعقوب ، ~~حدثنا عمر بن حفص بن غياث ، حدثنا أبى ، عن الأعمش ، حدثنا أبو إسحاق ، ~~حدثنا أبو مسلم ، عن الأغر ، قال : سمعت أبا هريرة ، وأبا سعيد الخدرى ~~يقولان : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( إن الله يمهل حتى يمضى ~~شطر الليل الأول ، ثم يأمر مناديا ينادى يقول : هل من داع يستجاب له ، هل ~~من مستغفر يغفر له ، هل من سائل يعطى ) . وقد سئل الأوزاعى عن معنى هذا ~~الحديث ، فقال : يفعل الله ما يشاء . وهذه إشارة منه إلى أن ذلك فعل يظهر ~~منه تعالى . PageV03P138 وقد روى حبيب ، عن مالك ، أنه قال فى هذا الحديث : ~~ينزل أمره ورحمته ، وقد رواه غير حبيب عنه ، روى ms0801 محمد بن على البجلى ~~بالقيروان ، قال : حدثنا جامع بن سوادة ، قال : حدثنا مطرف ، عن مالك بن ~~أنس ، أنه سئل عن هذا الحديث ، فقال : ذلك تنزل أمره . وقد سئل بعض العلماء ~~عن حديث النزول ، فقال : تفسيره قول إبراهيم حين أفل النجم : { لا أحب ~~الآفلين } [ الأنعام : 76 ] فطلب ربا لا يجوز عليه الانتقال والحركات ، ولا ~~يتعاقب عليه النزول ، وقد مدحه الله بذلك وأثنى عليه فى كتابه ، فقال : { ~~وكذلك نرى إبراهيم ملكوت السموات والأرض وليكون من الموقنين } [ الأنعام : ~~75 ] ، فوصفه لأنه بقوله هذا ، موقن . وفى حديث أبى هريرة أن آخر الليل ~~أفضل للدعاء والاستغفار ، وقال تعالى : { وبالأسحار هم يستغفرون } [ ~~الذرايات : 18 ] وروى محارب بن دثار ، عن عمه : أنه كان يأتى المسجد فى ~~السحر فيمر بدار ابن مسعود فيسمعه : اللهم إنك أمرتنى فأطعت ، ودعوتنى ~~فأجبت ، وهذا السحر فاغفر لى . فسئل ابن مسعود عن ذلك ، فقال : إن يعقوب ~~أخر بنيه إلى السحر بقوله : { سوف أستغفر لكم ربى } [ يوسف : 98 ] . وروى ~~الجريرى : ( أن داود ، - صلى الله عليه وسلم - ، سأل جبريل أى الليل أسمع ؟ ~~فقال : لا أدرى ، غير أن العرش يهتز فى السحر ) . وقوله : ( أسمع ) يريد ~~أنها أوقع للسمع ، والمعنى : أنها أولى بالدعاء وأرجى للاستجابة ، وهذا ~~كقول ضماد حين عرض عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الإسلام ، فقال : ~~سمعت كلاما لم أسمع قط أسمع منه يريد أبلغ منه ، ولا أنجع فى القلب . عن ~~الخطابى . PageV03P139 وترجم لحديث التنزل فى كتاب الدعاء ، باب الدعاء نصف ~~الليل ، وسأذكر فيه معنى تخصيص الله ثلث الليل بإجابة الدعاء ، إن شاء الله ~~تعالى . * * * # | 80 - باب من نام أول الليل وأحيا آخره # وقال سلمان لأبى الدرداء : نم ، فلما كان من آخر الليل ، قال : قم ، قال ~~- صلى الله عليه وسلم - : ( صدق سلمان ) . / 113 - وفيه : الأسود ، قال : ~~سألت عائشة كيف كانت صلاة النبى - صلى الله عليه وسلم - بالليل ؟ قالت : ~~كان ينام أوله ، ويقوم آخره فيصلى ، ثم يرجع إلى فراشه ، فإذا أذن المؤذن ~~وثب ، فإن كانت به حاجة اغتسل وإلا توضأ وخرج . قال المهلب : إنما كان ms0802 يقوم ~~آخره من أجل حديث التنزل ، وهذا كان فعل السلف ، روى الزهرى ، عن عروة ، عن ~~عبد الرحمن بن عبد القارى ، قال : قال عمر بن الخطاب : الساعة التى تنامون ~~فيها أعجب إلى من الساعة التى تقومون فيها . وقال ابن عباس فى قيام رمضان : ~~ما تتركون منه أفضل مما تقومون فيه . وفيه : دليل أنه فى رجوعه من الصلاة ~~إلى فراشه قد كان يطأ ويصبح جنبا ، ثم يغتسل ، وقد كان لا يفعل ذلك . * * * # | 81 - باب قيام الرسول - صلى الله عليه وسلم - بالليل فى رمضان وغيره # / 114 - فيه : عائشة قالت : ما كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~يزيد فى رمضان ولا فى غيره على إحدى عشرة ركعة ، يصلى أربعا ، فلا تسل عن ~~حسنهن وطولهن ، ثم يصلى أربعا ، فلا تسل عن حسنهن وطولهن ، ثم يصلى ثلاثا ، ~~قالت PageV03P140 عائشة : فقلت : يا رسول الله أتنام قبل أن توتر ؟ فقال : ~~( يا عائشة ، إن عينى تنامان ، ولا ينام قلبى ) . / 115 - وفيه : عائشة ، ~~قالت : ما رأيت الرسول - صلى الله عليه وسلم - يقرأ فى شىء من صلاة الليل ~~جالسا ، حتى إذا كبر قرأ جالسا ، فإذا بقى عليه من السورة ثلاثون أو أربعون ~~آية ، قام فقرأهن ، ثم ركع . وقد تقدم اختلاف الآثار فى عدد صلاته - صلى ~~الله عليه وسلم - بالليل فى باب كيف كانت صلاته بالليل ، وكم كان يصلى ~~بالليل ، فأغنى عن إعادته . وقد اختلف السلف فى عدد الصلاة فى رمضان ، فذكر ~~ابن أبى شيبة ، قال : حدثنا يزيد ابن هارون ، قال : حدثنا إبراهيم بن عثمان ~~، عن الحكم ، عن مقسم ، عن ابن عباس ، أن النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، ~~كان يصلى فى رمضان عشرين ركعة والوتر ، وروى مثله عن عمر بن الخطاب ، وعلى ~~بن أبى طالب ، وأبى بن كعب ، وبه قال : الكوفيون والشافعى ، إلا أن إبراهيم ~~هذا هو جد بنى شيبة ، وهو ضعيف ، فلا حجة فى حديثه ، والمعروف القيام ~~بعشرين ركعة فى رمضان عن عمر وعلى . وقال عطاء : أدركت الناس يصلون ثلاثا ~~وعشرين ركعة ، الوتر منها ثلاثا . وروى ابن مهدى عن داود ms0803 بن قيس ، قال : ~~أدركت الناس بالمدينة فى زمن عمر بن عبد العزيز ، وأبان بن عثمان يصلون ستا ~~وثلاثين ركعة ، ويوترون بثلاث ، وهو قول مالك وأهل المدينة . PageV03P141 ~~وأما قول عائشة : يصلى أربعا فلا تسل عن حسنهن وطولهن ، ثم أربعا ، ثم ~~ثلاثا ، فقد تقدم فى أبواب الوتر أن ذلك مرتب على قوله - صلى الله عليه ~~وسلم - : ( صلاة الليل مثنى مثنى ) لأنه مفسر وقاض على المجمل ، وقد جاء ~~بيان هذا فى بعض طرق هذا الحديث ، روى ابن أبى ذئب ، عن ابن شهاب ، عن عروة ~~، عن عائشة ، قالت : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلى بالليل ~~إحدى عشرة ركعة بالوتر ، يسلم بين كل ركعتين . وقيل فى قولها : يصلى أربعا ~~، ثم أربعا ، أنه كان ينام بعد الأربع ، ثم يصلى ، ثم ينام بعد الأربع ، ثم ~~يقوم فيوتر بثلاث ، فاحتج من قال ذلك بحديث الليث ، عن ابن أبى مليكة ، عن ~~يعلى ، عن أم سلمة أنها وصفت صلاة رسول الله بالليل وقراءته فقالت : كان ~~يصلى ثم ينام قدر ما صلى ، ثم يصلى قدر ما نام ، ثم ينام قدر ما صلى ، ثم ~~يقوم فيوتر . وقال أبو الحسن القابسى : أما قول عائشة للنبى - صلى الله ~~عليه وسلم - : تنام قبل أن توتر ، فإنها توهمت أن الوتر بإثر العشاء لا ~~يكون غيره على ما رأت من أبيها ، لأنه كان يوتر بإثر العشاء ، فلما أتت ~~النبى ورأته يؤخر وتره إلى الوقت المرغب فيه رأت خلاف ما علمت من فعل أبيها ~~، فسألته - صلى الله عليه وسلم - عن ذلك فأخبرها أن عينيه تنامان ولا ينام ~~قلبه وليس ذلك لأبيها ، وهذه من أعلى مراتب الأنبياء ، عليهم السلام ، ~~ولذلك قال ابن عباس : ( رؤيا الأنبياء وحى ) لأنهم يفارقون سائر البشر فى ~~نوم القلب ويساوونهم فى نوم العين . روى أيوب ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، ~~أن النبى ، - عليه PageV03P142 السلام - ، نام حتى سمع غطيطه ، ثم صلى ولم ~~يتوضأ ، قال عكرمة : كان رسول الله محفوظا . فإن قيل : فإن رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - كان يتوضأ من النوم . قيل له ms0804 : كان يتوضأ لكل صلاة ، ولا ~~يبعد أن يتوضأ إذا خامر قلبه النوم واستولى عليه ، وذلك فى النادر كنومه فى ~~سفره عن صلاة الصبح ، ليسن لأمته أن الصلاة لا يسقطها خروج الوقت وإن كان ~~مغلوبا بنوم أو نسيان . وفى حديث عائشة الثانى قيامه - صلى الله عليه وسلم ~~- بالليل . قال المهلب : ومعنى قيامه بالليل عند الركوع ، والله أعلم ، ~~لئلا يخلى نفسه من فضل القيام فى آخر الركعة ، وليكون انحطاطه إلى الركوع ~~والسجود من القيام ، إذ هو أبلغ وأشد فى التذلل والخضوع لله ، عز وجل . * * ~~* # | 82 - باب فضل الصلاة بعد الطهور بالليل والنهار # / 116 - فيه : أبو هريرة ، أن النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، قال ~~لبلال : حدثنى بأرجى عمل عملته في الإسلام ، فإنى سمعت دف نعليك بين يدى في ~~الجنة ؟ ) قال : ما عملت عملا أرجى عندى أنى لم أتطهر طهورا في ساعة ليل أو ~~نهار إلا صليت بذلك الطهور ما كتب لى أن أصلى . قال المهلب : فيه دليل أن ~~الله يعظم المجازاة على ما ستر العبد بينه وبين ربه مما لا يطلع عليه أحد ، ~~ولذلك استحب العلماء أن يكون بين PageV03P143 العبد وبين ربه خبيئة عمل من ~~الطاعة يدخرها لنفسه عند ربه ، ويدل أنها كانت خبيئة بين بلال وبين ربه أن ~~النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، لم يعرفها حتى سأله عنها ، وفى سؤال ~~النبى عن ذلك دليل على سؤال الصالحين عما يهديهم الله إليه من الأعمال ~~المقتدى بهم فيها ، ويمتثل رجاء بركتها . وقوله : ( دف نعليك ) قال : وقال ~~صاحب العين : يقال : دف الطائر إذا حرك جناحيه ، ورجلاه فى الأرض . * * * # | 83 - باب ما يكره من التشديد في العبادة # / 117 - فيه : أنس ، دخل النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، فإذا حبل ~~ممدود بين ساريتين فقال : ( ما هذا الحبل ؟ ) قالوا : هذا حبل لزينب ، فإذا ~~فترت تعلقت به ، فقال : - صلى الله عليه وسلم - : ( لا حلوه ، ليصل أحدكم ~~نشاطه ، فإذا فتر فليقعد ) . / - فيه : عائشة قالت : كانت عندى امرأة من ~~بني أسد ، فدخل على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال : ( من هذه ms0805 ؟ ) ~~قلت : فلانة ، لا تنام بالليل ، تذكر من صلاتها ، فقال : ( مه ، عليكم ما ~~تطيقون من الأعمال ، فإن الله لا يمل حتى تملوا ) . إنما يكره التشديد فى ~~العبادة خشية الفتور وخوف الملل ، ألا ترى قوله : ( خير العمل ما دام عليه ~~صاحبه وإن قل ) وقد قال تعالى : { لا يكلف الله نفسا إلا وسعها } [ البقرة ~~: 286 ] وقال تعالى : { وما جعل PageV03P144 عليكم فى الدين من حرج } [ ~~الحج : 78 ] فكره - صلى الله عليه وسلم - الإفراط فى العبادة ، لئلا ينقطع ~~عنها المرء فيكون كأنه رجوع فيما بذله من نفسه لله ، تعالى ، وتطوع به ، ~~وقد تقدم معنى قوله : ( فإن الله لا يمل حتى تملوا ) فى كتاب العلم ، ونذكر ~~منه هاهنا طرفا ، والمعنى أن الله لا يقطع الثواب عنكم حتى تقطعوا أنتم ~~العمل به بالملل الذى هو من شأنكم ، لأن الملل لا يجوز على الله ولا هو من ~~صفاته ، وإنما أخبر بالملل عنه تعالى للمساواة بين قسمى الكلام ، كما قال ~~تعالى : { ومكروا ومكر الله } [ آل عمران : 54 ] . وقد اختلف السلف فى ~~التعلق بالحبل فى النافلة عند الفتور والكسل ، فذكر ابن أبى شيبة عن أبى ~~حازم : أن مولاته كانت فى أصحاب الصفة قالت : وكانت لنا حبال نتعلق بها إذا ~~فترنا ونعسنا فى الصلاة ، فأتانا أبو بكر فقال : اقطعوا هذه الحبال وافضوا ~~إلى الأرض . وقال حذيفة فى التعلق فى الصلاة : إنما يفعل ذلك اليهود ، ورخص ~~فى ذلك آخرون ، قال عراك بن مالك : أدركت الناس فى رمضان تربط لهم الحبال ~~يستمسكون بها من طول القيام . وفى باب استعانة اليد فى الصلاة بعد هذا من ~~كره الاعتماد على الشىء فى الصلاة ومن أجازه PageV03P145 # | 84 - باب ما يكره من ترك قيام الليل لمن كان يقومه # / 119 - فيه : عبد الله بن عمرو ، قال لى رسول الله : ( ألم أخبر أنك ~~تقوم بالليل وتصوم بالنهار ؟ ) ، قلت : إنى أفعل ذلك ، قال : ( فإنك إذا ~~فعلت ذلك هجمت عينك ، ونفهت نفسك ، وإن لنفسك حقا ، ولأهلك حقا ، فصم وأفطر ~~، وقم ونم ) . قال المهلب : فيه أن من دخل فى طاعة الله وقطعها ms0806 فإنه مذموم ~~، وقد عاب الله قوما بذلك فقال : { ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم } [ ~~الحديد : 27 ] فاستحقوا الذم حين لم يفوا بما تطوعوا به ، ولا رعوه حق ~~رعايته ، فصار رجوعا منهم عنه ، فلذلك لا ينبغى أن يدخل فى شىء من العبادة ~~ويرجع عنها ، بل ينبغى أن يرتقى المرء كل يوم فى درج الخير ، ويرغب إلى ~~الله أن يجعل خاتمة عمله خيرا من أوله ، ولذلك كان - صلى الله عليه وسلم - ~~لا يحب من العمل إلا ما دام عليه صاحبه وإن قل . فإن كان قطع العمل بمرض أو ~~شغل وضعف عنه فلا لوم عليه ، بل يرجى له من الله ألا يقطع أجره ، فقد جاء ~~عن النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، أن المريض يكتب له أجر ما كان يعمله ~~فى صحته ، وفى كتاب الله ما يشهد لذلك قوله : { ثم رددناه أسفل سافلين } [ ~~التين : 5 ] ، يعنى بالهرم والضعف { إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلهم ~~أجر غير ممنون } [ التين : 6 ] ، أى غير مقطوع وإن ضعفوا عن العمل يكتب لهم ~~أجر عملهم فى الشباب والصحة . وقوله : ( إن لنفسك عليك حقا ) يريد ما جعل ~~الله ، تعالى ، للإنسان من الراحة المباحة واللذة فى غير محرم ، فإن فى ذلك ~~قوة على طاعة الله ونشاطا إليها ، وكذلك للأهل حق على الزوج أن يوفيهم حقوق ~~الزوجية ، وأن ينظر لهم فيما لابد لهم من أمور الدنيا والآخرة . ~~PageV03P146 وقوله ( هجمت عينك ) : غارت ، عن أبى عمرو الشيبانى . وقال ~~الأصمعى : هجمت ونفهت : أعيت ، ويقال للمعيى : نافه ومنفه . * * * # | 85 - باب فضل من تعار من الليل فصلى # / 120 - فيه : عبادة ، قال النبى ، - صلى الله عليه وسلم - : ( من تعار ~~من الليل ، فقال : لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، له الملك ، وله الحمد ~~، وهو على كل شيء قدير ، الحمد لله ، وسبحان الله ، والله أكبر ، ولا حول ~~ولا قوة إلا بالله العلى العظيم ، ثم قال : اللهم اغفر لى ، أو دعا استجيب ~~له ، فإن توضأ وصلى ، قبلت صلاته ) . / 127 - فيه : أبو هريرة ، قال : قال ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم ms0807 - : ( إن أخا لكم لا يقول الرفث ) ، يعني ~~عبد الله ابن رواحة : وفينا رسول الله يتلو كتابه أرانا الهدى بعد العمى ~~فقلوبنا يبيت يجافى جنبه عن فراشه إذا انشق معروف من الفجر ساطع به موقنات ~~أن ما قال واقع إذا استثقلت بالمشركين المضاجع / - فيه : ابن عمر ، قال : ~~رأيت كأن بيدي قطعة استبرق فكأنى لا أريد مكانا من الجنة إلا طارت إليه ، ~~ورأيت وكأن اثنين أتيانى أرادا أن يذهبا بى إلى النار ، فتلقاهما ملك ، ~~فقال : لم ترع ، خليا عنه . وذكر الحديث . قال المؤلف : حديث عبادة شريف ~~عظيم القدر ، وفيه ما وعد الله PageV03P147 عباده على التيقظ من نومهم لهجة ~~ألسنتهم بشهادة التوحيد له والربوبية ، والإذعان له بالملك ، والاعتراف له ~~بالحمد على جزيل نعمه التى لا تحصى ، رطبة أفواهم بالإقرار له بالقدرة التى ~~لا تتناهى ، مطمئنة قلوبهم بحمده وتسبيحه وتنزيهه عما لا يليق بالإلهية من ~~صفات النقص ، والتسليم له بالعجز عن القدرة عن نيل شىء إلا به تعالى . فإنه ~~وعد بإجابة دعاء من بهذا دعاه ، وقبول صلاة من بعد ذلك صلى ، وهو تعالى لا ~~يخلف الميعاد ، وهو الكريم الوهاب فينبغى لكل مؤمن بلغه هذا الحديث أن ~~يغتنم العمل به ، ويخلص نيته لربه العظيم أن يرزقه حظا من قيام الليل ، فلا ~~عون إلا به ، ويسأله فكاك رقبته من النار ، وأن يوفقه لعمل الأبرار ، ~~ويتوفاه على الإسلام . قد سأل ذلك الأنبياء الذين هم خيرة الله وصفوه من ~~خلقه ، فمن رزقه الله حظا من قيام الليل فليكثر شكره على ذلك ، ويسأله أن ~~يديم له ما رزقه ، وأن يختم له بفوز العاقبة ، وجميل الخاتمة . وقوله : ( ~~إن أخا لكم لا يقول الرفث ) وذكر قول ابن رواحة يدل أن حسن الشعر محمود ~~كحسن الكلام ، وتبين أن قوله - صلى الله عليه وسلم - : ( لأن يمتلئ جوف ~~أحدكم قيحا حتى يريه خير له من أن يمتلئ شعرا ) أنه لا يراد به كل الشعر ، ~~وإنما المراد به الشعر الذى فيه الباطل والهجر من القول ، لأنه - صلى الله ~~عليه وسلم - قد نفى عن ابن رواحة ms0808 بقوله هذه الأبيات ، قول الرفث ، وإذا لم ~~تكن من الرفث فهى فى حيز الحق ، والحق مرغب فيه ، مأجور عليه صاحبه . وفى ~~حديث ابن عمر أن قيام الليل ينجى من النار ، وقد تقدم القول فيه فى باب فضل ~~قيام الليل ، وقال صاحب العين : PageV03P148 التعار : السهر والتقلب على ~~الفراش ليلا مع كلام ، أخذه من عرار الطير وهو صوته . # | 86 - باب المداومة على ركعتي الفجر # / 123 - فيه : عائشة ، قالت : صلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~العشاء ، ثم صلى ثمان ركعات ، وركعتين جالسا ، وركعتين بين النداءين ، ولم ~~يكن يدعهما أبدا . هذا الحديث يدل على فضل ركعتى الفجر وأنهما من أشرف ~~التطوع ، لمواظبته - صلى الله عليه وسلم - عليهما وملازمته لهما . روى ابن ~~جريج ، عن عطاء ، عن عبيد بن عمير ، عن عائشة ، قالت : ما رأيت رسول الله ~~يسرع إلى شىء من النوافل إسراعه إلى ركعتى الفجر ، ولا إلى غنيمة . وروى ~~قتادة ، عن زرارة بن أبى أوفى ، عن سعد بن هشام ، عن عائشة ، قالت : قال ~~رسول الله : ( ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها ) . وقال أبو هريرة : لا ~~تدع ركعتى الفجر ولو طرقتك الخيل . وقال عمر : هما أحب إلى من حمر النعم . ~~وقال إبراهيم : إذا صلى ركعتى الفجر ثم مات أجزأه من صلاة الفجر . وقال على ~~: سألت النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، عن إدبار النجوم ، فقال : ( ~~ركعتين بعد الفجر ) قال على وأدبار السجود : ركعتين بعد المغرب . وروى مثله ~~عن عمر ، وأبى هريرة . واختلف العلماء فى الوقت الذى يقضيهما فيه من فاتته ~~، فقالت PageV03P149 طائفة : يركعهما بعد صلاة الصبح ، هذا قول : عطاء ~~وطاوس ، ورواية عن ابن عمر ، ورواية المزنى ، عن الشافعى ، وأبى ذلك مالك ~~وأكثر العلماء ، لقوله - صلى الله عليه وسلم - : ( لا صلاة بعد الصبح حتى ~~تطلع الشمس ) . وقالت طائفة : يقضيهما بعد طلوع الشمس ، روى ذلك عن ابن عمر ~~، والقاسم بن محمد ، وهو قول : الأوزاعى ، وأحمد ، وإسحاق ، وأبى ثور ، ~~ورواية البويطى ، عن الشافعى ، وقال مالك ، ومحمد بن الحسن : يقضيهما بعد ~~طلوع الشمس إن أحب ، وقال أبو حنيفة ، وأبو ms0809 يوسف : لا يقضيهما من فاتته ، ~~وليسا بمنزلة الوتر . واختلفوا فيمن لم يصلهما وأدرك الإمام فى صلاة الصبح ~~أو أقيمت عليه ، فقالت طائفة : إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة ، ~~روى ذلك عن عمر وابن عمر ، وأبى هريرة ، وبه قال : الشافعى وأحمد وإسحاق ~~وأبو ثور . وفيه قول ثان : أنه يصليهما فى المسجد والإمام يصلى ، روى ذلك ~~عن ابن مسعود ، وبه قال الثورى والأوزاعى ، إلا أنهما قالا : إن خشى أن ~~تفوته الركعتان دخل مع الإمام ، وإن طمع بإدراك الركعة الثانية صلاهما ثم ~~دخل مع الإمام . وقال أبو حنيفة مثله ، إلا أنه قال : لا يركعهما فى المسجد ~~. وقال مالك : إن دخل المسجد فلا يركعهما وليدخل معه فى الصلاة ، وإن كان ~~خارج المسجد ولم يخف أن يفوته الإمام بركعة فليركعهما ، وإن خاف أن تفوته ~~الركعة الأولى فليدخل وليصل معه ، ثم يصليهما إن أحب بعد طلوع الشمس . ~~PageV03P150 # | 87 - باب الضجعة على الشق الأيمن بعد ركعتى الفجر # / 124 - فيه : عائشة ، قالت : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا ~~صلى ركعتى الفجر اضطجع على شقه الأيمن . ذهبت طائفة من العلماء إلى أن ~~الضجعة بعد ركعتى الفجر سنة يجب بها العمل وممن كان يفعلها : أبو موسى ~~الأشعرى ، ورافع بن خديج ، ورواية ضعيفة عن ابن عمر ذكرها ابن أبى شيبة ، ~~وروى مثله عن ابن سيرين وعروة . وذهب جمهور العلماء إلى أن هذه الضجعة إنما ~~كان يفعلها للراحة من تعب القيام ، وكرهوها ، وممن كرهها من السلف : ذكر ~~ابن أبى شيبة ، قال : قال أبو الصديق الناجى : رأى ابن عمر قوما قد اضطجعوا ~~بعد ركعتى الفجر ، فأرسل إليهم فنهاهم ، فقالوا : نريد بذلك السنة ، فقال ~~ابن عمر : ارجع إليهم فأخبرهم أنها بدعة . وعن ابن المسيب قال : رأى ابن ~~عمر رجلا اضطجع بعد الركعتين فقال : احصبوه . وقال أبو مجلز : سألت ابن عمر ~~عنها ، فقال : يتلعب بكم الشيطان . وقال ابن مسعود : ما بال أحدكم إذا صلى ~~الركعتين يتمعك كما يتمعك الحمار . وكرهها النخعى . وقال سعيد بن جبير : لا ~~تضطجع بعد الركعتين قبل الفجر ، واضطجع ms0810 بعد الوتر . قال المهلب : واضطجاعه ~~- صلى الله عليه وسلم - بعد الركعتين إنما PageV03P151 كان فى الغب ، لأنه ~~كان أكثر عمله أن يصليهما إذا جاءه المؤذن للإقامة . * * * # | 88 - باب من تحدث بعد ركعتى الفجر ولم يضطجع # / 125 - فيه : عائشة ، قالت : كان النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، إذا ~~صلى ، فإن كنت مستيقظة حدثنى ، وإلا اضطجع حتى يؤذن بالصلاة . قال المؤلف ، ~~رحمه الله : هذا الحديث يبين أن الضجعة ليست بسنة ، وأنها للراحة ، فمن شاء ~~فعلها ومن شاء تركها ، ألا ترى قول عائشة : فإن كنت مستيقظة حدثنى وإلا ~~اضطجع ، فدل أن اضطجاعه - صلى الله عليه وسلم - إنما كان يفعله إذا عدم ~~التحدث معها ليستريح من تعب القيام ، وفى سماع ابن وهب قيل : فمن ركع ركعتى ~~الفجر ، أيضطجع على شقه الأيمن ؟ قال : لا ، يريد لا يفعله استنانا ، لأن ~~النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، لم يجعله استنانا ، وكان ينتظر المؤذن ~~حتى يأتيه . فإن قيل : فما وجه تركه - صلى الله عليه وسلم - الاستغفار حين ~~كان يحدثها إذا كانت مستيقظة ، وقد مدح الله ، تعالى ، المستغفرين بالأسحار ~~؟ . فالجواب : أن السحر يقع على ما قبل الفجر كما يقع على ما بعده ومنه قيل ~~للسحور سحورا ، لأنه طعام فى السحر قبل الفجر ، وقد كان - صلى الله عليه ~~وسلم - أخذ بأوفر الحظ من قيام الليل والاستغفار ، وقد جاء فى حديث التنزيل ~~: ( أن الله ، تعالى ، ينزل إلى سماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر ~~فيقول : من يدعونى فأستجيب له ، من يسألنى PageV03P152 فأعطيه ، من ~~يستغفرنى فأغفر له ) فذكر أن الاستغفار المندوب إليه المرجو بركة إجابته ، ~~هو قبل الفجر ، وليس المستغفر ممنوعا من أن يتكلم فى حال استغفاره بما به ~~الحاجة إليه من إصلاح شأنه وعلم ينشره ، ولا يخرجه ذلك من أن يسمى مستغفرا ~~. واختلف السلف فى الكلام بعد ركعتى الفجر ، فقال نافع : كان ابن عمر ربما ~~تكلم بعد ركعتى الفجر ، وقال إبراهيم : لا بأس أن يسلم ويتكلم بالحاجة بعد ~~ركعتى الفجر ، وعن الحسن وابن سيرين مثله . وكره الكوفيون الكلام قبل صلاة ~~الفجر إلا بخير ، وكان ms0811 مالك يتكلم فى العلم بعد ركعتى الفجر ، فإذا سلم من ~~الصبح لم يتكلم مع أحد حتى تطلع الشمس ، قال مالك : لا يكره الكلام قبل ~~الفجر ، وإنما يكره بعدها إلى طلوع الشمس . وممن كان لا يرخص فى الكلام بعد ~~ركعتى الفجر ، قال مجاهد : رأى ابن مسعود رجلا يتكلم بعد ركعتى الفجر ، ~~فقال : إما أن تذكر الله وإما أن تسكت ، وعن سعيد بن جبير مثله . وقال ~~إبراهيم : كانوا يكرهون الكلام بعد ركعتى الفجر ، وهو قول عطاء ، وسئل جابر ~~ابن زيد : هل يفرق بين صلاة الفجر وبين الركعتين قبلها بكلام ؟ قال : لا ، ~~ألا أن يتكلم بحاجة إن شاء . ذكر هذه الآثار ابن أبى شيبة ، والقول الأول ~~أولى بشهادة السنة الثابتة له ، ولا قول لأحد مع السنة . واختلفوا فى ~~التنفل بعد طلوع الفجر ، فكرهت طائفة الصلاة بعد الفجر إلا ركعتى الفجر ، ~~روى ذلك عن ابن عمر ، وابن عباس ، وابن المسيب ، ورواية عن عطاء ، وحجتهم ~~حديث موسى بن عقبة ، PageV03P153 عن نافع ، عن ابن عمر ، أن النبى ، - صلى ~~الله عليه وسلم - ، قال : ( لا صلاة بعد طلوع الفجر إلا ركعتى الفجر ) ~~ويروى أيضا من مرسلات ابن المسيب عن النبى - صلى الله عليه وسلم - وأجاز ~~ذلك آخرون ، روى هذا عن طاوس والحسن البصرى ، ورواية عن عطاء ، قالوا : إذا ~~طلع الفجر فصل ما شئت ، ذكر هذا عبد الرزاق . * * * [ أبواب التطوع ] # | 89 - باب ما جاء في التطوع مثنى مثنى # ويذكر ذلك عن عمار ، وأبى ذر ، وأنس ، وجابر بن زيد ، وعكرمة ، والزهرى . ~~وقال يحيى بن سعيد الأنصارى : ما أدركت فقهاء أرضنا إلا يسلمون فى كل ~~اثنتين من النهار . / 126 - فيه : جابر ، قال : كان رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - يعلمنا الاستخارة فى الأمور كلها كما يعلمنا السورة من القرآن ~~، يقول : إذا هم أحدكم بالأمر فليركع ركعتين من غير الفريضة ، ثم ليقل : ~~اللهم إني أستخيرك بعلمك ، وأستقدرك بقدرتك ، وأسألك من فضلك العظيم ، فإنك ~~تقدر ولا أقدر ، وتعلم ولا أعلم ، وأنت علام الغيوب ، اللهم إن كنت تعلم أن ~~هذا الأمر خير لى فى ms0812 دينى ومعاشى وعاقبة أمري ، أو قال : عاجل أمرى وآجله ، ~~فاقدره لى ، ويسره لى ، ثم بارك لى فيه ، وإن كنت تعلم أن هذا الأمر شر لى ~~فى دينى ومعاشى وعاقبة أمرى ، أو قال : فى عاجل أمرى وآجله ، فاصرفه عنى ، ~~واصرفنى عنه ، واقدر لى الخير حيث كان ، ثم أرضنى ، قال : ويسمى حاجته . / ~~127 - وفيه : أبو قتادة ، قال : قال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( إذا ~~دخل أحدكم المسجد ، فلا يجلس حتى يصلى ركعتين ) . PageV03P154 / 128 - وفيه ~~: أنس ، صلى لنا رسول الله ركعتين ، ثم انصرف . / 129 - وفيه ابن عمر ، قال ~~: صليت مع النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، ركعتين قبل الظهر ، وركعتين ~~بعد الظهر ، وركعتين بعد الجمعة ، وركعتين بعد المغرب ، وركعتين بعد العشاء ~~. / 130 - وفيه : جابر ، قال - صلى الله عليه وسلم - وهو يخطب : ( إذا جاء ~~أحدكم والإمام يخطب ، أو قد خرج ، فليصل ركعتين ) . / 131 - وفيه : ابن عمر ~~، أن النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، صلى ركعتين فى وجه الكعبة . وقال ~~أبو هريرة : أوصانى النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، بركعتى الضحى . وقال ~~عتبان : صلى الرسول فى بيتى ركعتين . واختلف الفقهاء فى التطوع بالليل ~~والنهار كيف هو ؟ فقالت طائفة : هو مثنى مثنى ، هذا قول : ابن أبى ليلى ، ~~ومالك ، والليث ، والشافعى ، وأبى ثور ، وهو قول : أبى يوسف ، ومحمد فى ~~صلاة الليل . وقال أبو حنيفة : أما صلاة الليل فإن شئت صليت ركعتين وإن شئت ~~صليت أربعا ، وإن شئت صليت ستا ، وإن شئت ثمانيا ، وكره أن يزيد على ذلك ~~شيئا . قال أبو حنيفة ، وأبو يوسف ، ومحمد : أما صلاة النهار فإن شئت صليت ~~بتكبيرة ركعتين ، وإن شئت أربعا ، وكرهوا أن يزيد على ذلك شيئا ، وحجة أبى ~~حنيفة لقوله فى صلاة الليل حديث عائشة أنها قالت : كان - صلى الله عليه ~~وسلم - يصلى بالليل أربعا ، فلا تسأل عن حسنهن وطولهن ، ثم أربعا ، ثم ~~ثلاثا . فقال لهم أهل المقالة الأولى : ليس فى حديث عائشة يصلى أربعا ، ~~PageV03P155 أن الأربع بسلام واحد ، وإنما أرادت العدد فى قولها أربعا ، ثم ~~أربعا ، ثم ثلاثا ، بدليل قوله - صلى الله عليه وسلم ms0813 - : ( صلاة الليل مثنى ~~مثنى ) وهذا يقتضى ركعتين ركعتين بسلام بينهما على ما قدمناه فى باب كيف ~~كانت صلاة الليل . وقد رد الطحاوى على أبى حنيفة ، وقال : قد روى الزهرى ، ~~عن عروة ، عن عائشة ، أنه - صلى الله عليه وسلم - كان يسلم بين كل اثنتين ~~منهن ، قال : وهذا الباب إنما يؤخذ من جهة التوقيف والاتباع لما فعل رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - وأمر به ، وفعله أصحابه من بعده ، فلم نجد عنه ~~من قوله ، ولا من فعله أنه - صلى الله عليه وسلم - أباح أن يصلى بالليل ~~بتكبيرة أكثر من ركعتين ، وهذا أصح القولين عندنا . وأما صلاة النهار ~~فالحجة لأبى حنيفة ما رواه شعبة ، عن عبيدة ، عن إبراهيم ، عن سهم ابن ~~منجاب ، عن قزعة ، عن القرثع ، عن أبى أيوب الأنصارى ، عن الرسول ، قال : ( ~~أربع ركعات قبل الظهر لا تسليم فيهن تفتح لهن أبواب السماء ) وقال إبراهيم ~~: كان عبد الله يصلى قبل الجمعة أربعا ، وبعدها أربعا ، لا يفصل بينهن ~~بسلام . وروى عبيد الله ، عن نافع ، عن ابن عمر ، أنه كان يصلى بالليل ~~ركعتين وبالنهار أربعا . قال ابن القصار : فالجواب أن حديث أبى أيوب إنما ~~يدل على فضل الأربع إذا اتصلت وفعلت فى هذا الوقت ، ولا يدل على أن أكثر من ~~الأربع لا يكون أفضل منها إذا كانت منفصلة ، لأنه - صلى الله عليه وسلم - ~~قد يذكر فضل الشىء ويكون هناك ما لو قاله أو فعله لكان أفضل ، ألا ترى أنه ~~قال : ( اتقوا النار ولو بشق تمرة ) أفترى أن ليس رطل تمر PageV03P156 أفضل ~~من تمرة ، فإنما نبه بذكره على أربع ركعات على أن الأكثر يكون أفضل ، فلو ~~صلى عشرين ركعة يسلم فى كل ركعتين لكان أفضل من أربع متصلة ، فسقط قولهم . ~~قال غيره : وما أثبته البخارى من الروايات المتواترة عن الرسول فى صلاته ~~ركعتين من طرق فى الأوقات المختلفة ، منها قوله - صلى الله عليه وسلم - : ( ~~إذا دخل أحدكم المسجد فليركع ركعتين ) يدخل فى عمومه إذا دخل المسجد قبل ~~الظهر ، وفى جميع أوقات النهار والليل المباحة للتنفل ms0814 . وكذلك روى ابن عمر ~~، أن النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، كان يصلى قبل الظهر ركعتين ، وبعدها ~~ركعتين وبعد المغرب ركعتين ، وبعد العشاء ركعتين ، فهذا كله يفسر حديث أبى ~~أيوب أن الأربع التى حض عليهن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قبل الظهر ~~إنما أراد اتصالهن ذلك الوقت ، لا أنه لا سلام بينهن ، لما صح من صلاته - ~~صلى الله عليه وسلم - قبل الظهر وبعدها ركعتين ، فوجب رد ما خالف هذا ~~المعنى إليه ، والله الموفق . وأما حديث جابر أن الرسول ، قال : ( إذا جاء ~~أحدكم والإمام يخطب فليصل ركعتين ) فإنها قصة السليك . قال الأصيلى : وخالف ~~شعبة فيه أصحاب عمرو بن دينار سوى ابن جريج وحماد بن زيد وابن عيينة ، ~~فرووه عن عمرو ، عن جابر ، أن رجلا جاء إلى المسجد والنبى ، - صلى الله ~~عليه وسلم - ، يخطب قال له : ( أصليت ) ؟ قال : لا ، قال : ( قم فاركع ~~ركعتين ) قصة السليك ، وكذلك روى أبو الزبير عن جابر ، فانفرد شعبة بما لم ~~يتابع عليه ، ولم تكن زيادة زادها الحافظ على غيره ، بل هى قصة منقلبة عن ~~وجهها . وقال يحيى بن معين : أحق أصحاب عمرو بن دينار بحديثه سفيان بن ~~عيينة . PageV03P157 # | 90 - باب الحديث ، بعد ركعتى الفجر # قد تقدم هذا الباب فلا معنى لتكراره . # | 91 - باب تعاهد ركعتي الفجر ومن سماهما تطوعا # / 132 - فيه : عائشة ، قالت : لم يكن النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، ~~على شىء من النوافل أشد منه تعاهدا على ركعتى الفجر . العلماء متفقون على ~~تأكيد ركعتى الفجر ، إلا أنهم اختلفوا فى تسميتها ، فذكر ابن أبى شيبة عن ~~الحسن البصرى أنهما واجبتان ، وذهبت طائفة من العلماء إلى أنهما سنة ، هذا ~~قول أشهب ، والشافعى ، وأحمد ، وإسحاق ، وأبى ثور ، وأبى كثير منهم أن ~~يسميها سنة ، قال مالك فى المختصر : ليستا بسنة ، وقد عمل بها المسلمون فلا ~~ينبغى تركها ، وذكر ابن المواز عن ابن عبد الحكم وأصبغ أنهما ليستا بسنة ، ~~وهما من الرغائب . والحجة لمن أوجبهما : ما روى عن النبى ، - صلى الله عليه ~~وسلم - ، أنه قضاهما بعد طلوع الشمس يوم نام عن ms0815 الصلاة لما قضى الفريضة ولم ~~يأت عنه أنه قضى شيئا من السنن بعد خروج وقتها غيرهما ، PageV03P158 وحجة ~~من جعلهما سنة : مواظبة الرسول عليهما ، وشدة تعاهده لهما ، وأن النوافل ~~تصير سننا بذلك . وحجة من لم يسمهما سنة ، قول عائشة : لم يكن النبى ، - ~~صلى الله عليه وسلم - ، على شىء من النوافل أشد تعاهدا منه عليهما ، ~~فجعلتهما من جملة النوافل ، وقد روى ابن القاسم عن مالك : أن ابن عمر كان ~~لا يتركهما فى السفر . * * * # | 92 - باب ما يقرأ في ركعتى الفجر # / 133 - فيه : عائشة ، قالت : كان النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، يصلى ~~بالليل ثلاث عشرة ركعة ، ثم يصلى إذا سمع النداء ركعتين خفيفتين . / 134 - ~~وقالت عائشة : كان - صلى الله عليه وسلم - ، يخفف الركعتين اللتين قبل صلاة ~~الصبح ، حتى إنى لأقول : هل قرأ فيهما بأم الكتاب . اختلف العلماء فى ~~القراءة فى الفجر على أربعة مذاهب ، فقال الطحاوى : قال قوم : لا يقرأ فى ~~ركعتى الفجر . وقال آخرون : يخفف القراءة فيهما بأم القرآن خاصة . وروى هذا ~~عن عبد الله بن عمرو بن العاص . وهو قول مالك فى رواية ابن وهب ، وعلى بن ~~زياد ، قال : وهو الذى آخذ به فى خاصة نفسى . وقالت طائفة : يخفف فيهما ~~القراءة ، ولا بأس أن يقرأ مع أم القرآن سورة قصيرة ، رواه ابن القاسم ، عن ~~مالك فى المجموعة ، وهو قول الشافعى . وروى عن إبراهيم النخعى ومجاهد أنه ~~لا بأس أن يطيل القراءة فيهما ، ذكره ابن أبى شيبة . وقال أبو حنيفة : ربما ~~قرأت فى ركعتى الفجر حزبى من القرآن وهو قول أصحابه ، واحتج لهم الطحاوى ، ~~فقال : لما كانت ركعتا الفجر PageV03P159 من أشرف التطوع ، لقوله - صلى ~~الله عليه وسلم - : ( ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها ) كان أولى أن ~~يفعل فيها أشرف ما يفعل فى التطوع من إطالة القراءة فيهما ، وهو عندنا أفضل ~~من التقصير ، لأنه من طول القنوت الذى فضله رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- فى التطوع على غيره . وأما من قال : لا قراءة فيهما ، فإنه احتج بحديثى ~~هذا الباب ، والحجة عليه ms0816 ما رواه شعبة ، عن محمد بن عبد الرحمن ، قال : ~~سمعت عمتى عمرة تحدث عن عائشة ، أن رسول الله كان إذا طلع الفجر صلى ركعتين ~~، أقول : يقرأ فيهما بفاتحة الكتاب ؟ فهذا خلاف أحاديث عائشة الأخر ، لأنها ~~أثبتت فى هذا الحديث قراءة أم القرآن ، فذلك حجة على من نفى القراءة ، وهذا ~~الحديث حجة لمن قال : يقرأ فيهما بأم القرآن خاصة ، وقد يجوز أن يقرأ فيهما ~~بفاتحة الكتاب وغيرها ، ويخفف القراءة حتى يقال على التعجب من تخفيفه : هل ~~قرأ فيهما بفاتحة الكتاب ! . وحجة من قال : يقرأ فيهما بأم القرآن وسورة ~~قصيرة ، ما رواه أبو نعيم ، عن إسرائيل ، عن أبى إسحاق ، عن مجاهد ، عن ابن ~~عمر ، قال : رمقت النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، أربعا وعشرين مرة يقرأ ~~فى الركعتين قبل صلاة الغداة ، وفى الركعتين بعد المغرب : { قل يا أيها ~~الكافر } ، و { قل هو الله أحد } . وروى أبو وائل ، عن عبد الله مثله ، ~~وقال : ما أحصى ما سمعت النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، يقرأ بذلك ، وبه ~~كان يأخذ ابن مسعود وذكره ابن أبى شيبة ، وقد روى مثله من حديث قتادة عن ~~أنس ، ومن حديث جابر ، عن النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، فى ركعتى الفجر ~~خاصة . PageV03P160 قال المؤلف : وهذه الآثار حجة على أبى حنيفة ومن جوز ~~تطويل القراءة فيهما ، لأنه - صلى الله عليه وسلم - لم يحفظ عنه خلافها ، ~~ولا قياس لأحد مع وجود السنة الثابتة ، وقد ذكر لابن سيرين قول النخعى فقال ~~: ما أدرى ما هذا ! وكان أصحاب ابن مسعود يأخذون فى ذلك بحديث ابن عمر ، ~~وبحديث ابن مسعود من تخفيفه القراءة . قال المهلب : وتخفيفه لهما ، والله ~~أعلم ، لمزاحمة الإقامة ، لأنه كان لا يصليهما فى أكثر أحواله حتى يأتيه ~~المؤذن للإقامة ، وكان يغلس بصلاة الصبح . * * * # | 93 - باب التطوع بعد المكتوبة # / 135 - فيه : ابن عمر ، قال : صليت مع النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، ~~سجدتين قبل الظهر ، وسجدتين بعد الظهر ، وسجدتين بعد المغرب ، وسجدتين بعد ~~العشاء ، وسجدتين بعد الجمعة ، فأما المغرب والعشاء ، ففي بيته . وحدثتني ~~أختي حفصة أن ms0817 نبى الله كان يصلى ركعتين خفيفتين بعد ما يطلع الفجر ، وكانت ~~ساعة لا أدخل على النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، فيها . قال المهلب : ~~قوله : ( سجدتين قبل الظهر ) الحديث ، فإنه أراد ركعتين فعبر عن الركوع ~~بالسجود ، وهذا يبين ما روى فى صلاة الكسوف فى حديث عبد الله بن عمر ، أن ~~النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، صلى حين كسفت الشمس ركعتين فى سجدة ، ~~وإنما أراد ركعتين فى ركعة على ما روته عائشة فى ذلك . PageV03P161 قال ~~المهلب : وتطوعه - صلى الله عليه وسلم - بهذه النوافل قبل الفرائض وبعدها ، ~~لأن أفضل الأوقات أوقات صلوات الفريضة ، وفيها تفتح أبواب السماء للدعاء ، ~~ويقبل العمل الصالح فلذلك يحييها - صلى الله عليه وسلم - بالنوافل ، وليس ~~فى حديث ابن عمر التنفل قبل العصر . قال الطبرى : وقد روى على عن الرسول : ~~أنه كان يصلى قبل العصر أربع ركعات يفصل بينها بسلام ، وقد اختلف السلف فى ~~ذلك فكان بعضهم يصلى أربعا ، وبعضهم يصلى ركعتين ، وبعضهم لا يرى الصلاة ~~قبلها ، فممن كان يصلى أربعا : على بن أبى طالب ، وقال إبراهيم : كانوا ~~يحبون أربعا قبل العصر . وممن كان يصلى ركعتين : روى سفيان وجرير ، عن ~~منصور ، عن إبراهيم : قال كانوا يركعون الركعتين قبل العصر ، ولا يرونها من ~~السنة . وممن كان لا يصلى قبلها شيئا ، روى قتادة عن سعيد بن المسيب أنه ~~كان لا يصلى قبل العصر شيئا . وقتادة عن الحسن مثل ذلك وروى فضيل ، عن ~~منصور ، عن إبراهيم ، أنه رأى إنسانا يصلى قبل العصر فقال : إنما العصر ~~أربع . قال الطبرى : والصواب عندنا أن الفضل فى التنفل قبل العصر بأربع ~~ركعات ، لصحة الخبر بذلك عن على ، عن النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، ~~حدثنى به موسى بن عبد الرحمن ، قال : حدثنا عبد الحميد الحمانى ، عن مسعر ، ~~عن إبى إسحاق ، عن عاصم بن ضمرة ، عن على ، قال : رأيت النبى ، - صلى الله ~~عليه وسلم - ، صلى أربع ركعات قبل العصر . فأما قول ابن عمر : فأما ~~الركعتان بعد المغرب والعشاء ففى بيته ، فقد اختلف فى ذلك ، فروى عن قوم من ~~السلف ms0818 PageV03P162 منهم زيد بن ثابت ، وعبد الرحمن بن عوف أنهما كانا ~~يركعان الركعتين بعد المغرب فى بيوتهما . وقال العباس بن سهل بن سعد : لقد ~~أدركت عثمان ، وإنه ليسلم من المغرب فما أرى رجلا واحدا يصليهما فى المسجد ~~، كانوا يبتدرون أبواب المسجد فيصلونها فى بيوتهم . وقال ميمون بن مهران : ~~كانوا يستحبون تأخير الركعتين بعد المغرب إلى بيوتهم ، وكانوا يؤخرونها حتى ~~تشتبك النجوم . وروى عن طائفة أنهم كانوا يتنفلون النوافل كلها فى بيوتهم ~~دون المسجد ، روى عن عبيدة أنه كان لا يصلى بعد الفريضة شيئا حتى يأتى أهله ~~. وقال الأعمش : ما رأيت إبراهيم متطوعا حياته فى مسجد إلا مرة صلى بعد ~~الظهر ركعتين . وكانت طائفة لا تتنفل إلا فى المسجد ، روى عن عبيد الله ، ~~عن نافع ، عن ابن عمر ، أنه كان يصلى سبحته مكانه ، وكان أبو مجلز يصلى بين ~~الظهر والعصر فى المسجد الأعظم . وروى ابن القاسم ، عن مالك ، قال : التنفل ~~فى المسجد هو شأن الناس فى النهار ، وبالليل فى بيوتهم ، وهو قول الثورى . ~~وقال الطبرى به ، وقال : والحجة لهذا القول ما حدثنا به أحمد بن الحسن ~~الترمذى ، حدثنا محمد بن يوسف الفريابى ، حدثنا إسرائيل ، عن ميسرة بن حبيب ~~، عن المنهال ، عن زر ، عن حذيفة ، قال : صليت مع الرسول العشاء الآخرة ، ~~ثم صلى حتى لم يبق فى المسجد واحد ، وقال : حدثنا ابن حميد ، حدثنا يعقوب ، ~~PageV03P163 عن جعفر ، عن سعيد بن جبير ، قال : كان النبى ، - صلى الله ~~عليه وسلم - يصلى بعد المغرب ركعتين ، ويصليهما حتى يتصدع أهل المسجد ، ~~فإنما كره الصلاة فى المسجد لئلا يرى جاهل عالما يصليها فيه فيراها فريضة ، ~~أو كراهة أن يخلى منزله من الصلاة فيه ، أو حذرا على نفسه من رياء أو عارض ~~من خطرات الشيطان ، فإذا سلم من ذلك فإن الصلاة فى المسجد حسنة . وقد بين ~~بعضهم علة كراهية من كرهه ، من ذلك : سفيان عن الأعمش ، عن أبى الضحى ، عن ~~مسروق ، قال : كنا نقرأ فى المسجد فنقوم فنصلى فى الصف . قال عبد الله : ~~صلوا فى بيوتكم لا يرونكم الناس ms0819 فيرونها سنة . والذى يقول : إن حديث حذيفة ~~وما رواه سعيد بن جبير ، وقوله - صلى الله عليه وسلم - : ( صلاتكم فى ~~بيوتكم إلا المكتوبة ) فهى صحاح كلها لا يدفع شىء منها ، وذلك نظير ما ثبت ~~أن النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، كان يعمل العمل ليتأسى به فيه ، ثم ~~يعمل بخلافه فى حال أخرى ليعلم بذلك من فعله أن أمره بذلك على وجه الندب ، ~~وأنه غير واجب العمل به . * * * # | 94 - باب من لم يتطوع بعد المكتوبة # / 136 - فيه : ابن عباس ، قال : صليت مع النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ~~، ثمانيا جميعا ، وسبعا جميعا . قد تقدم الكلام فى هذا الحديث وفى اشتراط ~~الصلوات فيه ، وأما PageV03P164 تركه - عليه السلام - التنقل فيه فالسنة ~~عند جميع الصلوات ترك التنفل ، فأراد - صلى الله عليه وسلم - أن يعلم أمته ~~أن التطوع ليس بلازم ، لا يسع تركه ، ولذلك كان ابن عمر لا يتنفل فى السفر ~~. # | 95 - باب صلاة الضحى فى السفر # / 137 - فيه : مورق ، قلت لابن عمر : : تصلى الضحى ؟ قال : لا ، قلت : ~~فعمر ؟ قال : لا ، قلت : فأبو بكر ؟ قال : لا ، قلت فالنبى ، - صلى الله ~~عليه وسلم - ؟ قال : ( لا ، إخاله ) . / 138 - فيه : ابن أبى ليلى ، قال : ~~ما حدثنا أحد أنه رأى النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، يصلى الضحى غير أم ~~هانئ ، فإنها قالت : إن النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، دخل بيتها يوم ~~الفتح ، فتح مكة ، فاغتسل ، وصلى ثمانى ركعات ، فلم أر صلاة قط أخف منها ~~غير أنه يتم الركوع والسجود . قال المؤلف : أما حديث مورق عن ابن عمر فليس ~~من هذا الباب ، وإنما يصلح فى الباب الذى بعد هذا فيمن لم يصلى الضحى ، ~~وأظنه من غلط الناسخ ، والله أعلم . وأما قول ابن أبى ليلى : ما حدثنا أحد ~~أنه رأى الرسول يصلى الضحى غير أم هانئ فلا حجة فيه ترد ما روى عن النبى ، ~~- صلى الله عليه وسلم - ، أنه صلى الضحى وأمر بصلاتها من طرق جمة ، وسأذكر ~~منها فى هذا الباب ، وفى الباب الذى بعد هذا ، إن شاء الله . وقد يجوز أن ~~يذهب ms0820 علم مثل هذا عن كثير ، ويوجد عند الأقل ، ولما صلى رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - يوم الفتح ثمان ركعات فى وقت الضحى استدل البخارى من ذلك ~~على جواز صلاة الضحى فى السفر ، وقد PageV03P165 روى ذلك نصا لا دليلا ، ~~روى ابن وهب ، عن عمرو بن الحارث ، عن بكير بن عبد الله ، قال : حدثنى ~~الضحاك بن عبد الله القرشى ، عن أنس بن مالك ، قال : رأيت رسول الله فى ~~السفر صلى سبحة الضحى ثمان ركعات ، وإذا جازت صلاتها فى السفر فالحضر أولى ~~بذلك . وقد ذكر الطبرى آثارا مختلفة عن الرسول فى عدد صلاة الضحى ، فمنها ~~حديث أم هانئ ، وحديث أنس هذا ، وذكر أن سعد بن أبى وقاص ، وأم سلمة كانا ~~يصليان الضحى ثمانيا ، ومنها حديث ابن مسعود أن الرسول قال : ( من صلى ~~الضحى عشر ركعات بنى له بيت فى الجنة ) . ومنها حديث ثمامة عن أنس بن مالك ~~، أن النبى - صلى الله عليه وسلم - قال : ( من صلى الضحى ثنتى عشرة ركعة ~~بنى الله له بها قصرا من ذهب فى الجنة ) . ومنها : حديث حميد ، عن أنس ، أن ~~الرسول كان يصلى الضحى ست ركعات ، وحديث جابر مثله ، وروى عن عائشة أنها ~~كانت تصلى الضحى ست ركعات . ومنها : حديث على ، أنه - صلى الله عليه وسلم - ~~كان يصلى أربعا ، وعن عائشة مثله ، وبه كان يأخذ علقمة والنخعى ، وسعيد بن ~~المسيب . ومنها : حديث عتبان بن مالك ، أن النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ~~، صلى فى بيته سبحة الضحى ركعتين . ومنها : حديث أنس ، أن النبى ، - صلى ~~الله عليه وسلم - ، صلى فى بيت الرجل الضحى ركعتين . ومنها : حديث جابر ، ~~أن النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، أمره أن يصلى سبحة الضحى فصلى ركعتين ~~. ومنها : حديث أبى هريرة ، أن الرسول أوصاه بركعتى الضحى ، وقال : ( من ~~حافظ عليها غفر له ذنوبه وإن كانت PageV03P166 مثل زبد البحر ) . وعن عبد ~~الله بن عمر ، أنه كان يصلى الضحى ركعتين ، وعن الضحاك مثله . قال الطبرى : ~~وليس منها حديث يدفع صاحبه ، وذلك أنه من صلى الضحى أربعا جائز أن ms0821 يكون رآه ~~فى حال فعله ذلك ، ورآه غيره فى حال أخرى صلى ركعتين ، ورآه آخر فى حال ~~أخرى صلاها ثمانيا ، وسمعه آخر يحث على أن تصلى ستا ، وآخر يحث على ركعتين ~~، وآخر على عشر ، وآخر على اثنتى عشرة ، فأخبر كل واحد منهم عما رأى أو سمع ~~. ومن الدليل على صحة ما قلناه فى ذلك ما روى عن زيد بن أسلم ، قال : سمعت ~~عبد الله بن عمر يقول لأبى ذر : أوصنى يا عم ، فقال : سألت رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - عما سألتنى ، قال : ( من صلى الضحى ركعتين لم يكتب من ~~الغافلين ، ومن صلى أربعا كتب من العابدين ، ومن صلى ستا ، لم يلحقه ذلك ~~اليوم ذنب ، ومن صلى ثمانيا كتب من القانتين ، ومن صلى ثنتى عشرة ركعة بنى ~~الله له بيتا فى الجنة ) . وقال مجاهد : صلى رسول الله يوما الضحى ركعتين ، ~~ثم يوما أربعا ، ثم يوما ستا ، ثم يوما ثمانيا ، ثم ترك فأبان بهذا الخبر ~~عن صحة ما قلناه من احتمال خبر كل مخبر ممن تقدم قوله ، أن يكون إخباره بما ~~أخبر عنه - صلى الله عليه وسلم - فى صلاة الضحى كان على قدر ما شاهده ~~وعاينه . فالصواب إذا كان الأمر كذلك أن يصليها من أراد على ما شاء من ~~العدد ، وقد روى هذا عن قوم من السلف ، حدثنا ابن حميد ، حدثنا جرير ، عن ~~مغيرة ، عن إبراهيم ، قال : سأل رجل الأسود ، قال : كم أصلى الضحى ؟ قال : ~~كما شئت . PageV03P167 # | 96 - باب من لم يصل الضحى ورآه واسعا # / 139 - فيه : عائشة ، قالت : ما رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~يسبح سبحة الضحى ، وإنى لأسبحها . قال المؤلف : أما حديث مورق : قلت لابن ~~عمر : تصلى الضحى ؟ قال : لا ، قلت : فعمر ؟ قال : لا ، قلت : فأبو بكر ؟ ~~قال : لا ، قلت : فالنبى - صلى الله عليه وسلم - ؟ قال : لا ، إخاله ~~المذكور فى الباب قبل هذا ، فهذا موضعه ، ليس ذلك الباب ، وأخذ قوم من ~~السلف به وبحديث عائشة ، ولم يروا صلاة الضحى ، وقال بعضهم : بأنها بدعة . ~~روى الشعبى ، عن قيس ms0822 بن عباد ، قال : كنت أختلف إلى ابن مسعود السنة كلها ، ~~فما رأيته مصليا الضحى . وقال إبراهيم النخعى : حدثنى من رأى ابن مسعود صلى ~~الفجر ، ثم لم يقم لصلاة حتى أذن لصلاة الظهر ، فقام فصلى أربعا . روى شعبة ~~، عن سعد بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن عبد الرحمن بن عوف : أنه كان لا يصلى ~~الضحى . وعن مجاهد ، قال : دخلت أنا وعروة بن الزبير المسجد فإذا ابن عمر ~~جالس عند باب حجرة عائشة ، وإذا الناس يصلون فى المسجد صلاة الضحى ، ~~فسألناه عن صلاتهم ، فقال : بدعة ، وقال مرة : ونعمت البدعة . وقال الشعبى ~~: سمعت ابن عمر يقول : ما ابتدع المسلمون بدعة أفضل من صلاة الضحى ، وقد ~~سئل أنس عن صلاة الضحى ، فقال : الصلوات خمس . وقد قيل : إن صلاته - صلى ~~الله عليه وسلم - يوم الفتح ثمان ركعات لم تكن صلاة الضحى ، وإنما كانت من ~~أجل الفتح ، وأن سنة الفتح أن يصلى عنده ثمان ركعات ، ذكره الطبرى فى ~~التاريخ عن الشعبى ، قال : لما فتح خالد بن الوليد الحيرة صلى صلاة الفتح ~~ثمان ركعات ، ولم يسلم فيهن ، ثم انصرف . PageV03P168 قال المؤلف ، رحمه ~~الله : هذا تأويل لا يدفع صلاة الضحى لتواتر الروايات بها عن الرسول ، وفعل ~~السلف بعده . قال الطبرى : وذهب قوم من السلف أن صلاة الضحى تصلى فى بعض ~~الأيام دون بعض ، واحتجوا بما رواه الجريرى ، عن عبد الله بن شقيق قلت ~~لعائشة : أكان رسول الله يصلى الضحى ؟ قالت : لا ، إلا أن يجئ من مغيبه ، ~~وروى [ . . . . ] ، عن فضيل بن مرزوق ، عن عطية ، عن أبى سعيد ، قال : كان ~~رسول الله يصلى الضحى حتى نقول لا يدعها ، ويدعها حتى نقول لا يصليها . ذكر ~~من كان يفعل ذلك من السلف : روى شعبة عن حسين الشهيد ، عن عكرمة ، قال : ~~كان ابن عباس يصليها يوما ويدعها عشرة أيام ، يعنى صلاة الضحى . وشعبة ، عن ~~عبد الله بن دينار ، عن ابن عمر أنه كان لا يصلى الضحى ، فإذا أتى مسجد ~~قباء صلى وكان يأتيه كل سبت . وسفيان ، عن منصور ، عن إبراهيم ، قال : ~~كانوا يكرهون أن ms0823 يحافظوا عليها كالمكتوبة ، ويصلون ويدعون ، يعنى صلاة ~~الضحى . وعن سعيد بن جبير قال : إنى لأدع صلاة الضحى وأنا أشتهيها ، مخافة ~~أن أراها حتما على . قال الطبرى : وحديث عبد الله بن شقيق ، عن عائشة ، ~~وحديث أبى سعيد لا يضاد ما ثبت من الآثار عنه - صلى الله عليه وسلم - ، ~~بصلاة الضحى ، لأنه PageV03P169 يحتمل أن يكون كل مخبر إنما أخبر عنه - صلى ~~الله عليه وسلم - بما شاهده وعاينه من فعله . وليس فى قول من نفى صلاة ~~الضحى واحتج بقول عائشة : ما رأيت رسول الله يسبح سبحة الضحى قط ، حجة ~~لأنها أخبرت بما علمت لما خالفه ، لأن قول القائل : لم يصلها النبى ، - صلى ~~الله عليه وسلم - ، غير مخبر عنه أنه قال : ( لم أصلها ولا أصليها ) ، فكيف ~~وقد أخبر غير واحد عن عائشة ممن لا يتهم أن النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ~~، كان يصلى الضحى . وذلك ما حدثنا به محمد بن بشار ، قال : حدثنا معاذ بن ~~هشام ، حدثنى أبى ، عن قتادة ، عن معاذة ، عن عائشة ، أنها سألتها : أكان ~~النبى يصلى الضحى ؟ قالت : نعم ، ورواه شعبة عن يزيد الرشك ، عن معاذة ، عن ~~عائشة ، قالت : كان النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، يصلى الضحى أربعا ~~ويزيد ما شاء الله . قال الطبرى : فلو لم يدل على وهم الحديث عن عائشة ، أن ~~النبى لم يسبح سبحة الضحى ، إلا هذه الأخبار المدونة عنها أنه صلاها ، فكيف ~~وفى خبر عبد الله بن شقيق عنها أنه كان يصليها عند قدومه من مغيبه ؟ . قال ~~غيره : وقد يمكن الجمع بين أحاديث عائشة وغيرها ، فيحمل قولها : ما رأيت ~~رسول الله يسبح سبحة الضحى ، يعنى مواظبا عليها ومعلنا بها ، لأنه يجوز أن ~~يصليها بحيث لا تراه ، وقد روى عن عائشة أنها كانت تغلق على نفسها بابها ثم ~~تصلى الضحى . وقال مسروق : كنا نقرأ فى المسجد فنبقى بعد قيام ابن مسعود ، ~~ثم نقوم فنصلى الضحى ، فبلغ ابن مسعود ذلك ، فقال : لم تحملوا عباد الله ما ~~لم يحملهم الله ؟ إن كنتم لابد فاعلين ففى بيوتكم . وكان أبو مجلز يصلى ms0824 ~~الضحى فى منزله . وكان مذهب السلف الاستتار بها وترك إظهارها للعامة ، لئلا ~~يرونها واجبة . وفى قولها : ( وإننى لأسبحها ) دليل أنها صلاة مندوب إليها ~~PageV03P170 مرغب فيها ، وقد روى عنها أنها ، قالت : لو نشر لى أبواى من ~~قبرهما ما تركتهما ، فالتزامها لها لا يكون إلا عن علم عندها من النبى ، - ~~صلى الله عليه وسلم - . * * * # | 97 - باب صلاة الضحى في الحضر # قاله عتبان بن مالك عن النبى ، - صلى الله عليه وسلم - . / 140 - فيه : ~~أبو هريرة ، أوصانى الرسول بثلاث ، لا أدعهن حتى أموت ، صوم ثلاثة أيام من ~~كل شهر ، وصلاة الضحى ، ونوم على وتر . / 141 - وفيه : أنس أن رجل من ~~الأنصار ، وكان ضخما ، قال للنبي ، - صلى الله عليه وسلم - : إنى لا أستطيع ~~أصلى معك ، فصنع للنبى طعاما ، ودعاه إلى بيته ، ونضح له طرف حصير بماء ، ~~فصلى عليه ركعتين ، وقال : أنس ما رأيت صلاة الضحى ، غير ذلك اليوم . قال ~~المهلب : فى حديث أبى هريرة الترغيب فى صلاة الضحى والحض عليها ، لأنه لا ~~يوصيه النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، بالمحافظة على عمل إلا وله فى عمله ~~جزيل الأجر وعظيم الثواب . وقد ذكر الطبرى أحاديث كثيرة عن النبى ، - صلى ~~الله عليه وسلم - ، فى صلاة الضحى سوى هذه ، فمن أحسنها ما حدثه أبو كريب ، ~~حدثنا وكيع ، عن النهاس بن قهم ، عن شداد أبى عمار ، عن أبى هريرة ، قال : ~~قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( من حافظ على ركعتى الضحى غفر له ~~ذنوبه وإن كانت مثل زبد البحر ) . قال : وحدثنا ابن المثنى ، حدثنا حكيم بن ~~معاوية ، قال : حدثنا زياد بن عبد الله ، عن حميد الطويل ، عن أنس ، قال : ~~كان النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، يصلى الضحى ست ركعات . قال : وحدثنا ~~عيسى بن خالد ، عن أبى مسهر ، حدثنا إسماعيل بن PageV03P171 عياش ، عن بحير ~~ابن سعد ، عن خالد بن معدان ، عن جبير بن نفير ، عن أبى الدرداء ، وأبى ذر ~~قالا : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( يقول الله عز وجل : ابن ~~آدم ، صل أربع ركعات أول النهار أكفك آخره ms0825 ) . وحدثنا إبراهيم بن سعيد ~~الجوهرى ، حدثنا زيد بن الحباب ، حدثنى الحسين بن واقد ، عن عبد الله بن ~~بريدة ، عن أبيه ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( فى ~~الإنسان ثلاث مائة مفصل ، وستون مفصلا ففى كل مفصل صدقة ) . قالوا : يا ~~رسول الله ، ومن يطيق ذلك ؟ قال : ( أليس ينحى أحدكم الأذى من الطريق ، فإن ~~لم يطق ذلك ، فإن ركعتى الضحى تجزئ عنه ) . وحدثنا أبو كريب ، حدثنا ابن ~~فضيل ، حدثنا حصين بن عبد الرحمن ، عن عمرو بن مرة ، عن نافع بن جبير بن ~~مطعم ، عن أبيه ، قال : رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلى الضحى ~~. فى أحاديث كثيرة غير هذه تحقق رواية من روى عن النبى ، - صلى الله عليه ~~وسلم - ، أنه كان يصلى الضحى ، ويندب أمته إليها ، وبذلك عمل الصالحون ~~والسلف ، ذكر ابن أبى شيبة ، عن زيد بن أرقم ، قال : خرج رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - على أهل قباء وهم يصلون الضحى ، فقال : ( صلاة الأوابين ~~إذا رمضت الفصال من الضحى ) . وكان أبو ذر يصلى الضحى فيطيلها . وسأل رجل ~~الحسن البصرى هل كان أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلون الضحى ؟ ~~قال : نعم ، منهم من PageV03P172 كان يصلى أربعا ، ومنهم من كان يصلى ~~ركعتين ، ومنهم من كان يمد إلى نصف النهار . وقال ابن أبى مليكة : سئل ابن ~~عباس عن صلاة الضحى ، فقال : إنها فى كتاب الله ، لا يغوص عليها إلا غواص ، ~~ثم قرأها : { فى بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه يسبح له فيها ~~بالغدو والآصال } [ النور : 36 ] . ويروى عن عبد الله بن الحارث ، عن ابن ~~عباس ، أنه دخل على أم هانئ ، فأخبرته أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - ~~صلى الضحى فخرج وهو يقول : ( قرأت ما بين اللوحين فما عرفت صلاة الضحى إلا ~~الآن { يسبحن بالعشى والإشراق } [ ص : 18 ] ) ، وكنت أقول : وأين الإشراق ، ~~وهى هذه . * * * # | 98 - باب الركعتين قبل الظهر # / 142 - فيه : ابن عمر ، قال : حفظت من النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، ~~عشر ركعات : ركعتين قبل الظهر ، وركعتين بعدها ms0826 ، وركعتين بعد المغرب فى ~~بيته ، وركعتين بعد العشاء فى بيته ، وركعتين قبل صلاة الصبح ، وكانت ساعة ~~لا يدخل على النبى - صلى الله عليه وسلم - فيها . / 143 - وفيه : عائشة ، ~~كان النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، لا يدع أربعا قبل الظهر وركعتين قبل ~~الغداة . اختلفت الأحاديث فى التنفل قبل الظهر ، وفى حديث ابن عمر ، أن ~~النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، ركع ركعتين قبل الظهر ، وفى حديث عائشة ~~أنه ركع أربعا ، وقد روى مثل حديث عائشة : أبو إسحاق الهمدانى ، عن عمرو بن ~~أوس ، عن عنبسة بن أبى سيفان ، عن أم حبيبة ، عن النبى ، - صلى الله عليه ~~وسلم - ، وكان جماعة من السلف يفعلون ذلك . وروى PageV03P173 عن ابن مسعود ~~، وابن عمر ، والبراء ، وأبى أيوب أنهم كانوا يصلون قبل الظهر ، وعن ابن ~~المسيب مثله . وقال إبراهيم : من السنة أربع قبل الظهر ، وركعتان بعد الظهر ~~ببيته . وروى من حديث البراء مثل حديث ابن عمر ، رواه الليث ، عن صفوان بن ~~سليم ، عن أبى بسرة الغفارى ، عن البراء ، قال : سافرت مع النبى ، - صلى ~~الله عليه وسلم - ، ثمان عشرة سفرة ، وكان لا يدع ركعتين قبل الظهر . وقال ~~الطبرى : والصواب أن يقال : كلا الخبرين فى عدد صلاته قبل الظهر صحيح ، وهو ~~أنه إنما يكون من روى عنه أربعا رآه يفعل ذلك فى كثير من أحواله ، ورآه ابن ~~عمر وغيره يصلى ركعتين فى بعض الأحوال ، فرووا عنه ذلك ، وإذا كان ذلك كذلك ~~فللمرء أن يصلى قبل الظهر ما يشاء ، لأن ذلك تطوع ، وقد ندب الله المؤمنين ~~إلى التقرب إليه بما أطاقوا من فعل الخير ، والصلاة بعد الزوال وقبل الظهر ~~كانت تعدل بصلاة الليل فى الفضل ، روى هذا عن جماعة من السلف . # | 99 - باب الصلاة قبل المغرب # / 144 - فيه : عبدالله المزنى ، عن النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، قال ~~: ( صلوا قبل صلاة المغرب ، قال فى الثالثة : لمن شاء ) ؛ كراهية أن يتخذها ~~الناس سنة . / 145 - وفيه : مرثد اليزنى ، قال : أتيت عقبة بن عامر الجهنى ~~، فقلت : ألا أعجبك من أبى تميم ، يركع ركعتين قبل صلاة المغرب ms0827 ، فقال ~~PageV03P174 عقبة : إنا كنا نفعله على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- ، قلت : فما يمنعك الآن ؟ قال : الشغل . اختلف السلف فى التنفل قبل ~~المغرب ، فأجازته طائفة ، وكرهته طائفة ، فممن روى عنه أنه كان يفعله : أبى ~~بن كعب ، وعبد الرحمن بن عوف ، وسعد بن أبى وقاص ، وقال حميد ، عن أنس : ~~إذا أذن المؤذن يبتدرون السوارى فيصلون . قال عبد الرحمن بن أبى ليلى : ~~أدركت أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم - يصلون عند كل تأذين . وكان الحسن ~~، وابن سيرين يركعان قبل المغرب ، وهو قول أحمد وإسحاق . والحجة لهم من ~~حديث المزنى قوله - صلى الله عليه وسلم - : ( لمن شاء ) . وممن كان يصليها ~~، قال إبراهيم النخعى : لم يصل الركعتين قبل المغرب أبو بكر ، ولا عمر ، ~~ولا عثمان ، وقال إبراهيم : هما بدعة . قال : وكان خيار أصحاب رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - بالكوفة على ، وابن مسعود ، وحذيفة ، وعمار ، وأبو ~~مسعود ، فأخبرنى من رمقهم كلهم ، فما رأى أحدا منهم يصلى قبل المغرب ، وهو ~~قول مالك ، وأبى حنيفة ، والشافعى . قال المهلب : والحجة لهم أن هذا كان فى ~~أول الإسلام ليدل على أن وقت التحجير فى صلاة النافلة فى هذا الوقت قد ~~انقطع بمغيب الشمس ، وحلت النافلة والفريضة ، ثم التزم الناس مبادرة ~~الفريضة ، لئلا يتباطأ الناس بالصلاة عن الوقت الفاضل ، ويختلف أمر الناس ~~فى المبادرة بالصلاة ، إذ المغرب لا يشكل على العامة والخاصة ، وغيرها من ~~الصلوات يشكل عليهم دخول أوائل أوقاتها ، وفيها مهلة حتى يستحكم الوقت ، ~~فلذلك أبيح الركوع قبل غيرها من الصلوات . PageV03P175 # | 100 - باب صلاة النوافل جماعة # ذكره أنس وعائشة عن الرسول - صلى الله عليه وسلم - . / 146 - فيه : عتبان ~~بن مالك ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلى فى بيته ركعتين ، فكبر ~~وصففنا خلفه . . . الحديث بطوله . هذا الحديث يدل على جواز صلاة النوافل ~~جماعة ، قال ابن حبيب : ولا بأس أن يؤم النفر فى النافلة فى صلاة الضحى ~~وغيرها كالرجلين والثلاثة ، وأما أن يكون مشتهرا جدا ويجتمع له الناس فلا . ~~قاله مالك . قال ابن حبيب : إلا أن ms0828 يكون فى قيام رمضان ، لما فى ذلك من سنة ~~أصحاب رسول الله ، - صلى الله عليه وسلم - . * * * # | 101 - باب التطوع فى البيت # / 147 - فيه : ابن عمر ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( ~~اجعلوا فى بيوتكم من صلاتكم ، ولا تتخذوها قبورا ) . هذا من التمثيل البديع ~~، وذلك بتشبيهه - صلى الله عليه وسلم - البيت الذى لا يصلى فيه بالقبر الذى ~~لا يمكن الميت فيه عبادة ، وشبه النائم الليل كله بالميت الذى انقطع منه ~~فعل الخير ، وقد قال عمر بن الخطاب : صلاة المرء فى بيته نور فنوروا بيوتكم ~~. وللعلماء فى معنى هذا الحديث قولان : منهم من قال : إن الحديث ورد فى ~~النافلة دون الفريضة ، لأن النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، قد سن الصلوات ~~فى الجماعة ، ورغب فى ذلك ، وتوعد من تخلف عنها بغير عذر ، وقال : ( أفضل ~~الصلاة صلاة المرء فى بيته إلا المكتوبة ) . فبان أن الحديث ورد فى النافلة ~~، لأنها إذا كانت فى البيت كان أبرأ من الرياء والشغل بحديث الناس ، فحض - ~~صلى الله عليه وسلم - على النوافل فى PageV03P176 البيوت ، إذ السر فى ~~النوافل أفضل من الإعلان ، وعلى هذا التأويل تكون ( من ) زائدة كأنه قال : ~~اجعلوا صلاتكم النافلة فى بيوتكم ، كقوله : ما جاءنى من أحد ، وأنت تريد ما ~~جاءنى أحد ، وإلى هذا الوجه أشار البخارى ، وقد روى ما يدل عليه عن النبى ، ~~- صلى الله عليه وسلم - . روى الطبرى من حديث عبد الرحمن بن سابط ، عن أبيه ~~، عن النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، قال : ( نوروا بيوتكم بذكر الله ، ~~وأكثروا فيها تلاوة القرآن ، ولا تتخذوها قبورا كما اتخذها اليهود والنصارى ~~، فإن البيت الذى يقرأ فيه القرآن يتسع على أهله ، ويكثر خيره ، وتحضره ~~الملائكة ، ويدحض عنه الشيطان ، وإن البيت الذى لا يقرأ فيه القرآن يضيق ~~على أهله ، ويقل خيره ، وتنفر عنه الملائكة ، وتحضره الشياطين ) . وقد روى ~~عن جماعة من السلف أنهم كانوا لا يتطوعون فى المسجد ، روى ذلك عن حذيفة ، ~~وعن السائب بن يزيد ، والنخعى ، والربيع بن خثيم ، وعبيدة ، وسويد بن غفلة ~~. وقال آخرون : هذا الحديث ms0829 إنما ورد فى الفريضة ، و ( من ) للتبعيض ، كأنه ~~قال : اجعلوا بعض صلاتكم المكتوبة فى بيوتكم ليقتدى بكم أهلوكم ، ومن لا ~~يخرج إلى المسجد منهم ، ومن يلزمكم تعليمه لقوله تعالى : { قوا أنفسكم ~~وأهليكم نارا } [ التحريم : 6 ] ومن تخلف عن جماعة لجماعة ، وإن كانت أقل ~~منها فلم يتخلف عنها ، ومن صلى فى بيته جماعة فقد أصاب سنة الجماعة وفضلها ~~. روى حماد ، عن إبراهيم قال : إذا صلى الرجل مع الرجل فهما جماعة ، لهما ~~التضعيف خمسا وعشرين درجة . وروى أن أحمد بن حنبل ، وإسحاق ، وعلى بن ~~المدينى ، اجتمعوا فى دار أحمد فسمعوا النداء ، فقال أحدهم : PageV03P177 ~~اخرج بنا إلى المسجد ، فقال أحمد : خروجنا إنما هو للجماعة ، ونحن فى جماعة ~~، فأقاموا الصلاة وصلوا فى البيت . * * * # | 102 - باب فضل الصلاة فى مسجد مكة والمدينة # / 148 - فيه : أبو سعيد ، وأبو هريرة ، قال النبى ، - صلى الله عليه وسلم ~~- : ( لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد : المسجد الحرام ، ومسجد الرسول - ~~صلى الله عليه وسلم - ، والمسجد الأقصى ) . / 149 - وفيه : أبو هريرة ، قال ~~: قال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( صلاة فى مسجدى هذا خير من ألف صلاة ~~فيما سواه إلا المسجد الحرام ) . قال المؤلف : هذا الحديث فى النهى عن ~~إعمال المطى ، إنما هو عند العلماء فيمن نذر على نفسه الصلاة فى مسجد من ~~سائر المساجد غير الثلاثة المذكورة ، قال مالك : من نذر صلاة فى مسجد لا ~~يصل إليه إلا براحلة ، فإنه يصلى فى بلده ، إلا أن ينذر ذلك فى مسجد مكة أو ~~المدينة أو بيت المقدس ، فعليه السير إليها . وقال المؤلف : وأما من أراد ~~الصلاة فى مساجد الصالحين والتبرك بها متطوعا بذلك ، فمباح له قصدها بإعمال ~~المطى وغيره ، ولا يتوجه إليه النهى فى هذا الحديث . فإن قيل : فإن أبا ~~هريرة أعمل المطى إلى الطور ، فلما انصرف لقيه بصرة بن أبى بصرة ، فأنكر ~~عليه خروجه ، وقال له : لو أدركتك قبل أن تخرج ما خرجت ، سمعت PageV03P178 ~~الرسول يقول : ( لا تعمل المطى إلا إلى ثلاثة مساجد ) . فدل أن مذهب بصرة ~~حمل الحديث على العموم فى ms0830 النهى عن إعمال المطى إلى غير الثلاثة المساجد ~~على كل حال ، فدخل فيه الناذر والمتطوع . قيل له : ليس كما ظننت ، وإنما ~~أنكر بصرة على أبى هريرة خروجه إلى الطور ، لأن أبا هريرة كان من أهل ~~المدينة التى فيها أحد المساجد الثلاثة التى أمر بإعمال المطى إليها ، ومن ~~كان كذلك فمسجده أولى بالإتيان ، وليس فى الحديث أن أبا هريرة نذر السير ~~إلى الطور ، وإنما ظاهره أنه خرج متطوعا إليه ، وكان مسجده بالمدينة أولى ~~بالفضل من الطور ، لأن مسجد المدينة ، ومسجد بيت المقدس أفضل من الطور . ~~وقد اختلف العلماء فيمن كان بالمدينة ، فنذر المشى إلى بيت المقدس ، فقال ~~مالك : يمشى ويركب . وقال الأوزاعى : يمشى ويركب ويتصدق . وقال أبو حنيفة ~~وأصحابه : يصلى فى مسجد المدينة أو مكة . واحتج أبو يوسف فى ذلك بأن الصلاة ~~فى مكة والمدينة أفضل من الصلاة فى بيت المقدس ، فلذلك أجزأه . وقال سعيد ~~بن المسيب : من نذر أن يعتكف فى مسجد إيلياء ، فاعتكف فى مسجد النبى - صلى ~~الله عليه وسلم - أجزأ عنه ، ومن نذر أن يعتكف فى مسجد النبى - صلى الله ~~عليه وسلم - فاعتكف فى المسجد الحرام أجزأ عنه ، وقال الشافعى : يمشى إلى ~~مسجد المدينة ، ومسجد بيت المقدس ، إذا نذر ذلك ، ولا يتبين لى وجوبه عليه ~~، لأن البر بإتيان بيت الله ، عز وجل ، فرض ، والبر بإتيان هذين نافلة . ~~وقال ابن المنذر : من نذر المشى إلى مسجد الرسول - صلى الله عليه وسلم - ، ~~والمسجد الحرام ، وجب عليه ذلك ، لأن الوفاء به طاعة ، ومن نذر المشى إلى ~~بيت المقدس PageV03P179 كان بالخيار إن شاء مشى إليه ، وإن شاء مشى إلى ~~المسجد الحرام ، لحديث جابر : أن رجلا قال للنبى ، - صلى الله عليه وسلم - ~~: إنى نذرت إن فتح الله عليك مكة أن أصلى فى بيت المقدس ، قال : ( صلى ~~هاهنا ثلاثا ) . وقال أبو يوسف : إن نذر أن يصلى فى المسجد الحرام ، فصلى ~~فى بيت المقدس لم يجزئه ، لأنه صلى فى مكان ليس له من الفضل ما للمكان الذى ~~أوجب على نفسه فيه الصلاة . وحكى الطحاوى عن ms0831 أبى حنيفة ، ومحمد أنه من جعل ~~الله عليه أن يصلى فى مكان ، فصلى فى غيره أجزأه . واحتج لهم الطحاوى بأن ~~معنى قوله - صلى الله عليه وسلم - : ( صلاة فى مسجدى هذا خير من ألف صلاة ~~فيما سواه إلا المسجد الحرام ) . أن المراد به الفريضة لا النافلة ، لقوله ~~- صلى الله عليه وسلم - : ( خير صلاة المرء فى بيته إلا المكتوبة ) ، فثبت ~~فساد ما احتج به أبو يوسف ، وثبت أن من أوجب على نفسه صلاة فى مكان ، وصلى ~~فى غيره أجزأه . وأما قوله - صلى الله عليه وسلم - : ( صلاة فى مسجدى هذا ~~خير PageV03P180 من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام ) ، فإن العلماء ~~اختلفوا فى تفضيل مكة على المدينة ، أو المدينة على مكة ، فذهبت طائفة إلى ~~أن المدينة أفضل من مكة ، روى هذا عن عمر بن الخطاب ، وهو قول مالك ، وكثير ~~من أهل المدينة . وذهبت طائفة إلى تفضيل مكة ، هذا قول عطاء ، والمكيين ، ~~وأهل الكوفة ، والشافعى . وقال الشافعى : مكة أفضل البقاع . ذكره الساجى ، ~~وهو قول ابن وهب صاحب مالك ، وابن حبيب الأندلسى ، وكلا الطائفتين نزعت ~~بحديث أبى هريرة . قال المؤلف : وليس فى حديث أبى هريرة حجة لواحد منهما ، ~~وإنما يفهم من لفظ حديث أبى هريرة أن صلاة فى مسجد الرسول - صلى الله عليه ~~وسلم - خير من ألف صلاة فيما سواه من المساجد ، ثم استثنى المسجد الحرام ، ~~وحكم الاستثناء عند أهل اللسان إخراج الشىء مما دخل فيه هو وغيره بلفظ شامل ~~لهما ، وإدخاله فيما خرج منه هو وغيره بلفظ شامل لهما . وقد مثل بعض أهل ~~العلم بلسان العرب الاستثناء فى هذا الحديث بمثال بين فيه معناه ، فإذا قلت ~~: اليمن أفضل من جميع البلاد بألف درجة إلا العراق ، جاز أن يكون العراق ~~مساويا لليمن ، وجاز أن يكون فاضلا وأن يكون مفضولا ، فإن كان مساويا فقد ~~علم فضله ، وإن كان فاضلا أو مفضولا لم يقدر مقدار المفاضلة بينهما إلا ~~بدليل على عدة درجات ، إما زائدة على ذلك ، أو ناقصة عنها فيحتاج إلى ذكرها ~~. ومما احتج به أهل المقالة ms0832 الأولى على ذلك ما رواه ابن عيينة ، عن زياد بن ~~سعد ، سمع سليمان بن عتيق ، سمع ابن الزبير ، سمع عمر بن الخطاب ، يقول : ~~صلاة فى المسجد الحرام خير من مائة صلاة فيما سواه . قال أبو عبد الله بن ~~أبى صفرة : فقول عمر هذا يفسر قول النبى ، - صلى الله عليه وسلم - : ( صلاة ~~فى مسجدى هذا خير من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام ) . فإن مسجدى ~~خير من تسع مائة منه . ومثل هذا التأويل تأول عبد الله بن نافع صاحب مالك ~~حديث أبى هريرة ، فكان يقول : الصلاة فى مسجد الرسول - صلى الله عليه وسلم ~~- أفضل من الصلاة فى سائر المساجد بألف صلاة إلا المسجد الحرام ، فإن ~~الصلاة فى مسجد النبى - صلى الله عليه وسلم - أفضل من الصلاة فيه بدون ~~الألف . واحتج أهل المقالة الثانية بما رواه حماد بن زيد ، عن حبيب المعلم ~~، عن عطاء بن أبى رباح ، عن عبد الله بن الزبير ، قال : قال رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - : ( صلاة فى المسجد الحرام أفضل من الصلاة فى مسجدى ~~هذا بمائة صلاة ) . PageV03P181 واحتجوا من طريق النظر بأن الله تعالى فرض ~~على عباده قصد بيته الحرام مرة فى العمر ، ولم يفرض عليهم قصد مسجد المدينة ~~، قالوا : ومن قول مالك أن من نذر الصلاة فى مسجد الرسول - صلى الله عليه ~~وسلم - ، والمشى إليه ألا يلزمه المشى إليه ، وعليه أن يأتيه راكبا ، ومن ~~نذر المشى إلى مكة فإنه يمشى إليها ولا يركب . فدل هذا من قوله أن مكة أفضل ~~، لأنه لم يوجب المشى إليها إلا لتعظيم حرمتها وكبير فضلها . * * * # | 103 - باب مسجد قباء # / 150 - فيه : ابن عمر ، أنه كان لا يصلى الضحى إلا فى يومين : يوم يقدم ~~مكة ، فيطوف بالبيت ويصلى حول المقام ركعتين ، ويوم يأتى مسجد قباء ، فإنه ~~كان يأتيه كل سبت ، فإذا دخل المسجد كره أن يخرج منه حتى يصلى فيه ، وكان ~~يحدث أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - كان يزوره راكبا وماشيا ، ويقول : ~~إنما أصنع كما رأيت أصحابى يصنعون ، ولا أمنع ms0833 أحدا أن يصلى فى أى ساعة شاء ~~من ليل أو نهار ، غير أن لا تتحروا بصلاتكم طلوع الشمس ولا غروبها . وترجم ~~له باب من أتى مسجد قباء كل سبت . وقال ابن عمر : كان رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - يأتيه كل سبت ماشيا وراكبا . قال أبو جعفر الداودى : إتيان ~~النبى - صلى الله عليه وسلم - مسجد قباء يدل أن ما قرب من المساجد الفاضلة ~~التى فى المصر لا بأس أن يؤتى ماشيا وراكبا ، ولا يكون فيه ما نهى أن تعمل ~~المطى . وذكر ابن أبى شيبة من حديث أبى أمامة بن سهل ، عن أبيه ، عن النبى ~~، - صلى الله عليه وسلم - : ( إن صلاة فى مسجد قباء كعمرة ) . وروى عن سعد ~~بن أبى وقاص ، وابن عمر ، أنهما قالا : صلاة فيه كعمرة . وروى وكيع ، عن ~~ربيعة بن عثمان ، PageV03P182 قال : حدثنى عمران بن أبى أنس ، عن سهل بن ~~سعد ، قال : اختلف رجلان فى المسجد الذى أسس على التقوى ، فقال أحدهما : هو ~~مسجد المدينة ، وقال الآخر : هو مسجد قباء ، فأتوا النبى ، - صلى الله عليه ~~وسلم - ، فقال : ( هو مسجدى هذا ) . وروى وكيع ، عن أسامة بن زيد ، عن عبد ~~الرحمن بن أبى سعيد الخدرى ، عن أبيه ، عن النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ~~، مثله . وذكر الدارقطنى عن كثير بن الوليد ، عن مالك بن أنس ، عن أبى ~~الزناد ، عن خارجة ابن زيد بن ثابت ، عن أبيه ، عن النبى ، - صلى الله عليه ~~وسلم - ، مثله . وهو قول ابن عمر ، وسعيد بن المسيب ، ومالك بن أنس ، وقد ~~يجوز أن يكونا جميعا أسسا على التقوى . وقد اختلف فيمن نذر الصلاة فى مسجد ~~قباء من المدينة ، فذكر ابن حبيب ، عن ابن عباس أنه أوجبه فيه ، وفى كتاب ~~ابن المنذر : ومن نذر أن يصلى فى مسجد غير الثلاث مساجد فليصل موضعه ولا ~~يأتيه ، إلا أن يكون قريبا جدا ، فليأته فليصل فيه . قال ابن حبيب : قال ~~مالك : إن كان معه فى البلد مشى إليه ، وصلى فيه . # | 104 - باب فضل ما بين القبر والمنبر # / 151 - فيه : عبدالله بن زيد ms0834 ، أن النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، قال ~~: ( ما بين بيتى ومنبرى روضة من رياض الجنة ) . وعن أبى هريرة مثله ، وزاد ~~: ( ومنبرى على حوضى ) . قال الطبرى : وقوله : ( ما بين بيتى ومنبرى ) ~~يحتمل معنيين : أحدهما : بين بيتى الذى أسكنه ، وذلك أظهر معنييه ، لأن ~~المتعارف من كلام الناس بينهم إذا قال قائل : فلان فى بيته أنه يعنى به ~~بيته الذى يسكنه . وقد روى ( ما بين حجرتى ومنبرى ) ، وهذا بين . ~~PageV03P183 والوجه الثانى : قاله زيد بن أسلم ، قال : بيته فى هذا الحديث ~~هو قبره ، ويؤيد هذا القول رواية من روى ( ما بين قبرى ومنبرى ) . قال ~~الطبرى : إذا كان قبره فى بيت من بيوته ، كان معلوم بذلك أن الروايات وإن ~~اختلفت ألفاظها صحيحة ، لأن معانيها متفقة ، لأن بيته الذى فيه قبره هو ~~حجرة من حجره ، وبيت من بيوته ، وهو قبره أيضا ، وبيته بعد وفاته ، فبين ~~بيته الذى فيه قبره وحجرته التى فيها جدثه روضة من رياض الجنة ، والروضة فى ~~كلام العرب المكان المطمئن من الأرض فيه النبت والعشب . وإنما عنى - صلى ~~الله عليه وسلم - أن ذلك الموضع للمصلى فيه ، والذاكر الله عنده والعامل ~~بطاعته كالعامل فى روضة من رياض الجنة ، وأن ذلك يقود إلى الجنة ، وكذلك ما ~~كان يسمع فيه من النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، من الإيمان والدين يقود ~~إليها أيضا ، كما قال - صلى الله عليه وسلم - : ( ارتعوا فى رياض الجنة ) ، ~~قيل : ما رياض الجنة ؟ قال : ( مجالس الذكر ) . فجعل مجالس الذكر فى شرفها ~~وفضلها بمنزلة رياض الجنة ، وجعل ذاكر الله فيها كالراتع فى رياض الجنة . ~~وكما قال - صلى الله عليه وسلم - : ( الجنة تحت ظلال السيوف ) يعنى أنه عمل ~~يوصل به إلى الجنة ، وكما قال : ( الأم باب من أبواب الجنة ) ، يريد أن يره ~~بها ودعاءها له يوصله إلى الجنة ، وهذا معلوم فى لسان العرب ؛ تسمية الشىئ ~~بما يئول إليه ويتولد عنه . وقوله : ( ومنبرى على حوضى ) ، يحتمل معنين : ~~أحدهما : أن يكون الله تعالى يعيد المنبر بعينه ، ويرفعه فيكون على حوضه ، ~~PageV03P184 كأنه قال عليه السلام : ولى أيضا منبر ms0835 على حوضى أدعو الناس إلى ~~الحوض عليه . # | 105 - باب استعانة اليد فى الصلاة إذا كان من أمر الصلاة # وقال ابن عباس : يستعين الرجل فى صلاته من جسده بما شاء . ووضع أبو إسحاق ~~قلنسوته فى الصلاة ورفعها ، ووضع على كفه على رسغه الأيسر إلا أن يحك جلدا ~~أو يصلح ثوبا . / 152 - فيه : ابن عباس ، حين بات عند خالته ميمونة أم ~~المؤمنين ، فقام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلى فقمت إلى جنبه ، ~~فوضع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يده اليمنى على رأسى ، وأخذ بأذنى ~~اليمنى ففتلها بيده اليمنى . . الحديث . هذا الباب هو من باب العمل فى ~~الصلاة ، ويسيره معفو عنه عند العلماء ، والاستعانة باليد فى الصلاة فى هذا ~~الحديث هى وضع النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، يده على رأس ابن عباس ~~وفتله أذنه ، فاستنبط البخارى منه أنه لما جاز للمصلى أن يستعين بيده فى ~~صلاته فيما يحض به غيره على الصلاة ، ويعينه عليها ، وينشطه فيها ، كان ~~استعانته فى أمر نفسه ليتقوى بذلك على صلاته وينشط إليها إذا احتاج إلى ذلك ~~أولى . وقد اختلف السلف فى الاعتماد فى الصلاة والتوكؤ على الشىء ، فذكر ~~البخارى عن ابن عباس أنه لم ير بأسا أن يستعين فى الصلاة بما شاء من جسده ، ~~وعن على بن أبى طالب أنه وضع كفه على رسغه الأيسر . PageV03P185 وقالت ~~طائفة : لا بأس أن يستعين فى صلاته بما شاء من جسده وغيره ، ذكر ابن أبى ~~شيبة قال : كان أبو سعيد الخدرى يتوكأ على عصا ، وعن أبى ذر مثله . وقال ~~عطاء : كان أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم - يتوكئون على العصى فى الصلاة ~~. وأوتد عمرو بن ميمون وتدا فى حائط ، فكان إذا سئم القيام فى الصلاة ، أو ~~شق عليه أمسك الوتد يعتمد عليه ، وقال الشعبى : لا بأس أن يعتمد على الحائط ~~، وكرهت ذلك طائفة ، روى ابن أبى شيبة ، عن الحسن أنه كره أن يعتمد على ~~الحائط فى المكتوبة ، إلا من علة ، ولم ير به بأسا فى النافلة ونحوها . قال ~~مالك فى ms0836 المدونة : لا يتكئ على عصا أو حائط ، ولا بأس به فى النافلة لطول ~~القيام ، وكرهه ابن سيرين فى الفريضة والتطوع ، قال مجاهد : إذا توكأ على ~~الحائط ينقص من صلاته بقدر ذلك . وقد تقدم فى باب ما يكره من التشديد فى ~~العبادة زيادة فى هذا المعنى ، وقول البخارى : إلا أن يحك جلدا ، أو يصلح ~~ثوبا ، فلا حرج عليه فيه ، لأنه أمر عام لا يمكن الاحتراز عنه . * * * # | 106 - باب ما ينهى عنه من الكلام فى الصلاة # / 153 - فيه : عبدالله ، قال : ( كنا نسلم على النبى ، - صلى الله عليه ~~وسلم - ، وهو فى الصلاة ، فيرد علينا ، فلما رجعنا من عند النجاشى ، سلمنا ~~عليه ، فلم يرد علينا ، وقال : ( إن فى الصلاة شغلا ) . / 154 - وفيه : زيد ~~بن أرقم ، إن كنا لنتكلم فى الصلاة على عهد النبى - صلى الله عليه وسلم - ~~يكلم أحدنا صاحبه بحاجته حتى نزلت : { حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى ~~وقوموا لله قانتين } [ البقرة : 238 ] ، فأمرنا بالسكوت . PageV03P186 قال ~~المهلب : المصلى مناج لربه ، فواجب عليه ألا يقطع مناجاته بكلام مخلوق ، ~~وأن يقبل على ربه ، ويلتزم الخشوع ، ويعرض عما سوى ذلك ، ألا ترى قوله ، - ~~صلى الله عليه وسلم - : ( إن فى الصلاة شغلا ) . وقوله : { وقوموا لله ~~قانتين } والقنوت فى هذه الآية الطاعة والخشوع لله تعالى ، فينبغى ترك ~~الكلام المنافى للخشوع ، إلا أن يكون الكلام فى إصلاح الصلاة ، فإنه من ~~الخشوع ، لأنه فى تصحيح ما هو فيه من أمر صلاته . وقد أجاز الكلام فى ~~الصلاة عمدا وسهوا لمصلحتها طائفة ، منهم مالك والأوزاعى ، ومنع ذلك ~~الكوفيون وزعموا أن حديث ابن مسعود وزيد بن أرقم ناسخ لقصة ذى اليدين ، ~~وسأذكر اختلاف أهل العلم فى ذلك عند ذكر قصة ذى اليدين بعد هذا ، إن شاء ~~الله تعالى ، ونذكر هاهنا طرفا من ذلك فى رد قول الكوفيين ، وذلك أن الآثار ~~تواترت عن ابن مسعود أن قدومه من الحبشة على النبى ، - صلى الله عليه وسلم ~~- ، حين لم يرد النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، السلام ، وقال له : ( إن ~~فى الصلاة شغلا ) ، كان بمكة ، وإسلام أبى هريرة ms0837 كان بالمدينة عام خيبر ، ~~فكيف ينسخ الأول الآخر ، هذا محال ! . فإن قالوا : فحديث ابن أرقم ناسخ ~~لحديث أبى هريرة فى قصة ذى اليدين ، لأن زيدا كان من الأنصار ولم يصحب ~~النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، إلا بالمدينة ، وسورة البقرة مدنية . قيل ~~: لا تاريخ عندنا لأى حديث كان منهما قبل صاحبه ، غير أن زيدا أقدم إسلاما ~~من أبى هريرة ، وأبو هريرة أسلم عام خيبر ، وصحب النبى - صلى الله عليه ~~وسلم - خمسة أعوام ، وإذا لم يعلم أيهما قبل صاحبه ، لم يقض بالنسخ لواحد ~~منهما ، ويحتمل أن يكون معنى قول زيد ابن أرقم : PageV03P187 ( فأمرنا ~~بالسكوت ) ، يعنى إلا ما كان من أمر الكلام فى مصلحة الصلاة ، فهو غير داخل ~~فى النهى عن الكلام فى الصلاة ، ليوافق حديث أبى هريرة ، فلا يعارض واحد ~~منهما صاحبه . ودل حديث زيد على النوع المنهى عنه من الكلام فى الصلاة ، ~~وهو قوله : ( كنا نتكلم فى الصلاة ، يكلم أحدنا صاحبه بحاجته ) ، والأمة ~~مجمعة على تحريم هذا النوع من الكلام فى الصلاة ، وعلى مثل ذلك دل حديث ابن ~~مسعود أنهم كانوا يسلم بعضهم على بعض فى الصلاة فلما قدموا من الحبشة لم ~~يرد - صلى الله عليه وسلم - عليهم ، وقال : ( إن فى الصلاة شغلا ) فبان فى ~~الحديثين النوع المنهى عنه من الكلام فى الصلاة ، وهو ما ليس من أمر الصلاة ~~، وثبت بحديث ذى اليدين جواز الكلام فى الصلاة لمصلحتها ، وهذا التأويل ~~أولى لئلا تتضاد الأحاديث ، والله الموفق . * * * # | 107 - باب ما يجوز من التسبيح والحمد فى الصلاة للرجال # / 155 - فيه : سهل بن سعد ، قال : خرج النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، ~~يصلح بين بنى عمرو بن عوف بن الحارث ، وحانت الصلاة ، فجاء بلال لأبى بكر ، ~~فقال : حبس النبى - صلى الله عليه وسلم - فتؤم الناس ؟ قال : نعم إن شئتم ، ~~فأقام بلال الصلاة ، فتقدم أبو بكر فصلى ، فجاء النبى ، - صلى الله عليه ~~وسلم - ، يمشى فى الصفوف يشقها شقا ، حتى قام فى الصف الأول ، فأخذ الناس ~~فى التصفيح ، فقال سهل : هل تدرون ما التصفيح ؟ قال : هو التصفيق ms0838 ، وكان ~~أبو بكر لا يلتفت فى صلاته ، فلما أكثروا التفت ، فإذا النبى ، - صلى الله ~~عليه وسلم - ، فى الصف ، فأشار إليه : مكانك ، فرفع أبو بكر يديه فحمد الله ~~، ثم رجع القهقرى وراءه ، فتقدم النبى صلى الله عليه وسلم فصلى . ~~PageV03P188 قال المهلب : فيه من الفقه : أن الصلاة لا يجب تأخيرها عن ~~وقتها المختار ، وإن غاب الإمام الفاضل . وفيه : أنه لا يجب لأحد أن يتقدم ~~جماعة لصلاة ، ولا غيرها ، إلا عن رضا الجماعة ، لقول أبى بكر : نعم إن ~~شئتم ، وهو يعلم أنه أفضلهم بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - . وفيه : ~~أن الإقامة إلى المؤذن وهو أولى بها ، وقد اختلف فيها ، فقال بعضهم : من ~~أذن فهو يقيم ، وقال مالك والكوفيون : لا بأس بأذان المؤذن وإقامة غيره . ~~والذى ترجم له البخارى فهو [ . . . . . . ] فى هذا الحديث ، وقد تقدم فى ~~أبواب الإمامة فى حديث سهل هذا ، وهو أيضا فى باب رفع الأيدى فى الصلاة ~~لأمر ينزل به بعد هذا . وقوله - صلى الله عليه وسلم - : ( ما لى أراكم ~~أكثرتم التصفيق ، من نابه شىء فى صلاته فليسبح ، فإنه إذا سبح التفت إليه ) ~~، ففى هذا أن التسبيح جائز للرجال والنساء عندما ينزل بهم من حاجة تنوبهم ، ~~ألا ترى أن الناس أكثروا بالتصفيق لأبى بكر ليتأخر للنبى ، - صلى الله عليه ~~وسلم - ، وبهذا قال مالك والشافعى : أن من سبح فى صلاته لشىء ينوبه ، أو ~~أشار إلى إنسان ، فإنه لا تقطع صلاته . وخالف فى ذلك أبو حنيفة ، فقال : إن ~~سبح أو حمد الله جوابا لإنسان فهو كلام ، وإن كان منه ابتداء لم يقطع ، وإن ~~وطئ على حصاة ، أو لسعته عقرب ، فقال : بسم الله ، أراد بذلك الوجع فهو ~~كلام . وقال أبو يوسف فى الأمرين : ليس بكلام . PageV03P189 وقول أبى حنيفة ~~مخالف للحديث ، لأن الرسول ، قال : ( إذا سبح التفت إليه ) ، وفهم الصحابة ~~من هذا أنهم إذا سبحوا للإمام ولم يفهم عنهم أن يكثروا ذلك حتى يفهم ، ألا ~~ترى أنهم أكثروا التصفيق حتى التفت أبو بكر ، ولو لم يكن التسبيح على نية ~~إعلام الساهى ما رددوه ms0839 حتى فهم . وقد بين الرسول - صلى الله عليه وسلم - أن ~~الالتفات فى الصلاة إنما يكون من أجل التسبيح ، فهو مقصود بذلك . وفيه : أن ~~الالتفات فى الصلاة لا يقطعها . وفيه : أنه لا بأس بتخلل الصفوف والمشى إلى ~~الصف الأول لمن يليق به الصلاة فيه ، لأن شأن الصف الأول أن يقوم فيه أفضل ~~الناس علما ودينا ، لقوله - صلى الله عليه وسلم - : ( ليلينى منكم ذوو ~~الأحلام والنهى ) ، يعنى ، والله أعلم ، ليحفظوا عنه ويعوا ما كان منه فى ~~صلاته ، وكذلك يصلح أن يقوم فى الصف الأول من يصلح أن يلقن الإمام ما تعامى ~~عليه من القراءة ، ومن يصلح للاستخلاف فى الصلاة ، وقد تقدم كثير من معانى ~~هذا الحديث فى أبواب الإمامة ، فأغنى عن إعادته . وفيه : دليل على جواز ~~الفتح على الإمام وتلقينه إذا أخطأ ، وقد اختلف العلماء فى ذلك فأجازه ~~الأكثر ، وممن أجازه : على ، وعثمان ، وابن عمر ، وروى عن عطاء ، والحسن ، ~~وابن سيرين ، وهو قول مالك ، وأبى يوسف ، والشافعى ، وأحمد ، وإسحاق . ~~وكرهه طائفة ، روى ذلك عن ابن مسعود ، والشعبى ، والنخعى ، وكانوا يرونه ~~بمنزلة الكلام ، وهو قول الثورى والكوفيبن ، وروى عن أبى حنيفة : إن كان ~~التسبيح جوابا قطع الصلاة ، وإن كان من مرور إنسان بين يديه لم يقطع . وقال ~~أبو يوسف : لا يقطع وإن كان جوابا . PageV03P190 واعتل من كرهه ، فقالوا : ~~التلقين كلام لا قراءة للقرآن . والقول الأول أولى ، لأنه إذا جاز التسبيح ~~جازت التلاوة ، لأنه لو قرأ شيئا من القرآن غير قاصد تلقين أحد لم تفسد ~~بذلك صلاته عند الجميع ، فإذا كان كذلك لم يغير ذلك معناه ، قصد به تلقين ~~إمامه أو غيره ، كما لو قرأ ما أمر بقراءته فى صلاته وعمد بها إسماع من ~~بحضرته ليتعلمه لم تفسد بذلك صلاته ، قاله الطبرى . وقال الطحاوى : ولما ~~كان التسبيح لما ينوبه فى صلاته مباحا ، ففتحه على الإمام أحرى أن يكون ~~مباحا . وقال أبو على البغدادى : صفح الرجل تصفيحا : مثل صفق . * * * # | 108 - باب من سمى قوما أو سلم فى الصلاة على غيره مواجهة وهو لا يعلم # / 156 ms0840 - فيه : ابن مسعود ، قال : كنا نقول التحية فى الصلاة ، ونسمى ، ~~ويسلم بعضنا على بعض ، فسمعه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال : ( ~~قولوا التحيات لله ، والصلوات والطيبات ، السلام عليك أيها النبى ورحمة ~~الله وبركاته ، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين ، أشهد أن لا إله إلا ~~الله ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ، إذا قلتم ذلك ، فقد سلمتم على كل عبد ~~لله صالح فى السماء والأرض ) . معنى هذا الباب : أنه يجوز الكلام فى الصلاة ~~إذا كان من شأنها ، وهو مثل قوله ، - صلى الله عليه وسلم - ، فى الصلاة : ( ~~اللهم أنج المستضعفين من المؤمنين ) ، فهو من الكلام الذى يرجى نفعه ، وتعم ~~بركته ، وقوله : ( من سمى قوما ) يريد ما كانوا يفعلونه أولا من مواجهة ~~بعضهم بعضا ومخاطبتهم قبل أن يأمرهم النبى - صلى الله عليه وسلم - بهذا ~~التشهد ، فأراد البخارى يعرفك PageV03P191 أنه لما لم يأمرهم النبى بإعادة ~~تلك الصلاة التى سمى فيها بعضهم بعضا ، علم أنه من فعل هذا جاهلا أنه لا ~~تفسد صلاته ، وقال مالك والشافعى : إن من تكلم فى صلاته ساهيا لم تفسد ~~صلاته ، وقوله : ( أو يسلم فى الصلاة على غيره وهو لا يعلم ) ، يعنى لا ~~يعلم المسلم عليه ، ولا يسمع السلام عليه . قال المهلب : وأمره - صلى الله ~~عليه وسلم - بمخاطبته فى التحيات لقوله - صلى الله عليه وسلم - : ( السلام ~~عليك أيها النبى ) ، وهو أيضا خطاب فى الصلاة لغير المصلى ، لكن لما كان ~~خطاب النبى - صلى الله عليه وسلم - حيا وميتا من باب الخشوع ، ومن أسباب ~~الصلاة المرجو بركتها لم يكن بخطاب المصلى لغيره ، وفى هذا دليل أن ما كان ~~من الكلام عامدا فى أسباب الصلاة أنه جائز سائغ ، بخلاف قول أبى حنيفة ، ~~والشافعى . وإنما أنكر - صلى الله عليه وسلم - تسميتهم للناس بأسمائهم ، ~~لأن ذلك يطول على المصلى ويخرجه مما هو فيه من مناجاة ربه إلى مناجاة الناس ~~شخصا شخصا ، فجمع لهم هذا المعنى فى قوله - صلى الله عليه وسلم - : ( ~~السلام علينا ، وعلى عباد الله الصالحين ) ، فهو وإن خاطب نفسه فقد خاطب ~~أيضا غيره معه ms0841 ، لكنه مما يرجى بركته فيها ، فكأنه منها . * * * # | 109 - باب التصفيق للنساء # / 157 - فيه : أبو هريرة ، وسهل بن سعد ، أن النبى ، - صلى الله عليه ~~وسلم - ، قال : ( التسبيح للرجال ، والتصفيق للنساء ) . وترجم البخارى ~~لحديث سهل ، باب من صفق جاهلا من الرجال فى صلاته لم تفسد صلاته . ~~PageV03P192 أجمع العلماء أن سنة الرجال إذا نابهم شىء فى الصلاة التسبيح ، ~~واختلفوا فى حكم النساء ، فذهبت طائفة إلى أن إذن المرأة فى الصلاة التصفيق ~~، وإذن الرجل التسبيح على ظاهر الحديث ، وروى عن النخعى ، وهو قول الأوزاعى ~~، والشافعى ، وأحمد ، وإسحاق ، وأبى ثور . وقالت طائفة : التسبيح للرجال ~~والنساء جميعا ، هذا قول مالك ، وتأول أصحابه قوله - صلى الله عليه وسلم - ~~: ( إنما التصفيق للنساء ) أنه من شأنهن فى غير الصلاة ، فهو على وجه الذم ~~لذلك فلا تفعله فى الصلاة امرأة ولا رجل . وذكر ابن شعبان فى كتابه : اختلف ~~قول مالك فى ذلك ، فقال مرة : تسبح النساء ولا يصفقن ، لأن الحديث جاء ( من ~~نابه شىء فى صلاته فليسبح ) ، وقال مرة أخرى : التصفيح للنساء ، والتسبيح ~~للرجال ، كما جاء فى الحديث ، قال : والأول أحب إلينا . واحتج أهل المقالة ~~الأولى أن التسبيح إنما كره للنساء ، لأن صوت المرأة فتنة ، ولهذا منعت من ~~الأذان ، والإقامة ، والجهر بالقراءة فى الصلاة ، واحتجوا بما رواه حماد بن ~~زيد ، عن أبى حازم ، عن سهل بن سعد ، فى هذا الحديث أن النبى ، - صلى الله ~~عليه وسلم - ، قال : ( من نابه شىء فى صلاته فليسبح الرجال ، ولتصفح النساء ~~) . قالوا : وهذا نص لا تأويل لأحد معه . وقوله فى أول الباب : ( من صفق ~~جاهلا من الرجال لم تفسد صلاته ) ، إنما تأول ذلك ، لأن الرسول - صلى الله ~~عليه وسلم - لم يأمر الذين صفقوا بالإعادة ، ففيه جواز العمل اليسير فى ~~الصلاة . والتصفيق : الاضطراب وضرب اليد على اليد ، وفى كتاب الأفعال : صفق ~~رأسه صفقا : ضربه باليد ، وكذلك صفق عنقه . وقال PageV03P193 الأصمعى : ~~صفقت يده بالبيعة : إذا ضربت يدك على يده ، وصفق الطائر بجناحيه : ضرب بهما ~~. * * * # | 110 - باب من رجع القهقرى فى صلاته أو تقدم بأمر ينزل به # رواه ms0842 سهل بن سعد ، عن النبى ، - صلى الله عليه وسلم - . / 158 - وفيه : ~~أنس بن مالك ، أن المسلمين بينا هم فى الفجر يوم الاثنين ، وأبو بكر يصلى ~~بهم ، ففجئهم النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، قد كشف ستر حجرة عائشة ، ~~فنظر إليهم وهم صفوف ، فتبسم يضحك ، فنكص أبو بكر على عقبيه ، وظن أن رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - يريد أن يخرج إلى الصلاة ، وهم المسلمون أن ~~يفتتنوا فى صلاتهم فرحا بالنبى - صلى الله عليه وسلم - حين رأوه ، فأشار ~~بيده : أن أتموا ، ثم دخل الحجرة ، وأرخى الستر ، وتوفى ذلك اليوم . وهذا ~~الباب أيضا من باب العمل اليسير فى الصلاة . وفيه : أن التقدم والتأخر فى ~~الصلاة جائز لما ينزل بالمصلى . وفيه : تفسير لقوله - صلى الله عليه وسلم - ~~لأبى بكرة حين دب راكعا : ( زادك الله حرصا ولا تعد ) أنه لم يرد بقوله : ~~لا تجزئك صلاتك إذ لا فرق بين مشى القائم ومشى الراكع فى الصلاة ، فلما لم ~~تنتقض صلاة أبى بكر بتأخره وتقدمه ، علم أن الراكع إذا تقدم أو تأخر أيضا ~~لا تبطل صلاته . وفيه من الفقه : جواز مخاطبة من ليس فى صلاة لمن هو فى ~~صلاة ، وجواز استماع المصلى إلى ما يخبره به من ليس فى صلاة ألا ترى أنه - ~~صلى الله عليه وسلم - لما أشار إليهم بيده أن أتموا صلاتكم سمعوا منه ~~وأكملوا صلاتهم ، ولم يضرهم ذلك ، وهو قول مالك . PageV03P194 # | 111 - باب إذا دعت الأم ولدها فى الصلاة # / 159 - وقال الليث : حدثنى جعفر ، ، عن عبدالرحمن بن هرمز ، قال أبو ~~هريرة : : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( نادت امرأة ابنها ، ~~وهو فى صومعتة ، قالت : يا جريج ، قال : اللهم أمى وصلاتى ، ثلاثا ، قالت : ~~اللهم لا يموت جريج حتى ينظر فى وجوه المياميس ، وكانت تأوى إلى صومعته ~~راعية ترعى الغنم ، فولدت ، فقيل : لها ممن هذا الولد ؟ قالت : من جريج ، ~~قال جريج : أين هذه التى تزعم أن ولدها لى ؟ قال : يا بابوس من أبوك ؟ قال ~~: الراعى ) . البابوس : الصبى الرضيع بالفارسية . قال المؤلف : هذا الحديث ~~دليل أنه ms0843 لم يكن الكلام فى الصلاة ممنوعا فى شريعة جريج ، فلما لم يأت من ~~إجابتها بما هو مباح له ، استجيبت دعوة أمه فيه ، وقد كان الكلام فى ~~شريعتنا جائزا فى الصلاة إلى أن نزلت : { وقوموا لله قانتين } [ البقرة : ~~238 ] . وذكر البخارى عن أبى سعيد بن المعلى ، قال : كنت أصلى فى المسجد ، ~~فدعانى النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، فلم أجبه ، فقلت : يا رسول الله ، ~~كنت أصلى ، قال : ( ألم يقل الله : { استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما ~~يحييكم } [ الأنفال : 25 ] ) ، الحديث . ولا يجوز أن يوبخه النبى - صلى ~~الله عليه وسلم - على ترك الاستجابة إلا وقت إباحة الكلام فى الصلاة ، فلما ~~نسخ ذلك لم يجز للمصلى إذا دعته أمه ، أو غيرها أن يقطع صلاته ، لقوله - ~~صلى الله عليه وسلم - : ( لا طاعة لمخلوق فى معصية الخالق ) . وحق الله ~~تعالى الذى شرع فيه ألزم من حق الأبوين حتى يفرغ منه ، لكن العلماء يستحبون ~~له أن يخفف صلاته ويجيب أبويه . PageV03P195 وقد روى عن الرسول - صلى الله ~~عليه وسلم - حديث مرسل يخالف هذا رواه ابن أبى شيبة عن حفص ابن غياث ، عن ~~ابن أبى ذئب ، عن محمد بن المنكدر ، عن النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، ~~قال : ( إذا دعتك أمك فأجبها ، وإذا دعاك أبوك فلا تجبه ) ، وقال به مكحول ~~، رواه الأوزاعى عنه ، وقال العوام : سألت مجاهدا عن الرجل تقام عليه ~~الصلاة وتدعوه أمه أو والده ، قال : يجيبهما . وفى كتاب البر والصلة ، عن ~~الحسن فى الرجل تقول له أمه : أفطر ، قال : يفطر وليس عليه قضاء ، وله أجر ~~الصوم والبر ، وإذا قالت له : لا تخرج إلى الصلاة ، فليس لها فى هذا طاعة ، ~~هذه فريضة . فدل هذا أن قياس قوله إذا دعته فى الصلاة لا يجيبها ، وأما ~~مرسل ابن المنكدر فالفقهاء على خلافه ، ولا أعلم به قائلا غير مكحول ، ~~ويحتمل أن يكون معناه إذا دعته أمه فليجبها ، يعنى بالتسبيح وبما أبيح ~~للمصلى الاستجابة به ، كما ذكر ابن حبيب ، قال : من أتاه أبوه ليكلمه وهو ~~فى نافلة فليخفف ، وليسلم ويكلمه ، وإذا نادته أمه ms0844 فليبتدرها بالتسبيح ، ~~وليخفف وليسلم . وأما قول مجاهد : إذا أقميت عليه الصلاة ودعاه أبوه ، أو ~~أمه فليجبهما ، فيحتمل أن يكون أمره بإجابتهما إذا كان الوقت متسعا ، ولم ~~يدخل فى الصلاة ، فتجتمع له إجابة أبويه وقضاء الصلاة فى وقتها . وقال ~~المهلب : وفى حديث أبى هريرة دليل أنه من أخذ بالشدة فى أمور العبادات كان ~~أفضل إذا علم من نفسه قوة على ذلك ، لأن جريجا رعى حق الله فى التزام ~~الخشوع له فى صلاته ، وفضله على الاستجابة لأمه ، فعاقبه الله على ما ترك ~~من الاستجابة لها بما ابتلاه به PageV03P196 من دعوة المرأة عليه ، ثم أراه ~~فضل ما آثره به من مناجاة ربه ، والتزام الخشوع له ، أن جعل له آية معجزة ~~فى كلام الطفل ، فخلصه بها من محنة دعوة أمه عليه . وفى هذا الحديث إجابة ~~دعوة الوالدة فى السراء والضراء . وقوله : ( اللهم أمى وصلاتى ) ، إنما ~~سأله أن يلقى فى قلبه الأفضل ، ويحمله على أولى الأمرين به ، فحمله على ~~التزام مراعاة حق الله على حق أمه ، وقد يمكن أن يكون جريج نبيا ، لأنه كان ~~فى زمن يمكن فيه النبوة . فإن قال قائل : يحتمل أن يكون حديث أبى سعيد بن ~~المعلى قبل تحريم الكلام فى الصلاة كما قلت ، فكيف جاز له ترك مجاوبة النبى ~~- صلى الله عليه وسلم - إذا كان الكلام مباحا ؟ قيل : يمكن أن يتأول أبو ~~سعيد قوله : { استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم } [ الأنفال : 25 ~~] إذا كنتم فى غير الصلاة ، فعذره النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، بذلك ~~حين رأى التزام السكوت فى الصلاة تعظيما لشأنها ، كما تأول أصحاب الرسول - ~~صلى الله عليه وسلم - يوم الحديبية حين أمرهم بالحلاق ألا يحلقوا لما لم ~~يبلغ الهدى محله . فإن قيل : فيحتمل أن يدعوه الرسول - صلى الله عليه وسلم ~~- فى وقت تحريم الكلام فى الصلاة ، قيل : نعم ، يحتمل ذلك وتكون استجابته ~~له بالتسبيح فيوجز فى صلاته ، فتجتمع طاعة الله بإتمام الصلاة ، وطاعة ~~الرسول بالاستجابة له . وأظهر التأويلين أن يدعوه النبى ، - صلى الله عليه ~~وسلم - ، وقت إباحة الكلام ms0845 فى الصلاة ، وقد احتج قوم من أهل الظاهر بحديث ~~أبى سعيد بن المعلى ، وزعموا أن كلام الرسول - صلى الله عليه وسلم - يوم ذى ~~اليدين خصوص له ، وقالوا : لا يجوز لأحد أن يفعل ذلك بعد النبى ، - صلى ~~الله عليه وسلم - ، لأن الله تعالى قال : { استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم ~~} PageV03P197 فلا يتكلم أحد ، ولا يجيب غير الرسول - صلى الله عليه وسلم - ~~، ولا حجة لهم فيه ، لأن قوله : { استجيبوا لله وللرسول } معناه بما يستجيب ~~به المصلى من قوله : سبحان الله ، وإشارة تفهم عنه كما كان ، - صلى الله ~~عليه وسلم - ، يرد السلام على الأنصار إشارة حين دخلوا عليه فى مسجد قباء ، ~~وهو يصلى ، وكذلك قوله : ( من نابه شىء فى صلاته فليسبح ) . قال ابن السكيت ~~: المومس : البغى ، قال أبو عبيد : وهى المومسة أيضا . * * * # | 112 - باب مسح الحصا فى الصلاة # / 160 - فيه : معيقيب ، أن النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، قال فى ~~الرجل يسوى التراب حيث يسجد ، قال : ( إن كنت فاعلا فواحدة ) . قال المهلب ~~: هذا من باب العمل فى الصلاة ، وقد تقدم أن قليل ذلك معفو عنه فيها ، ~~وقوله : ( إن كنت فاعلا فواحدة ) ، يريد تقليل العمل فيها ، ووكل الأمر فى ~~ذلك إلى أمانة المصلى ، وقد روى عن جماعة من السلف أنهم كانوا يمسحون الحصى ~~لموضع سجودهم مرة واحدة ، وكرهوا ما زاد عليها . وروى ذلك عن ابن مسعود ، ~~وأبى ذر ، وأبى هريرة ، وروى مالك عن يحيى بن سعيد ، قال : إن أبا ذر كان ~~يقول : مسح الحصى مرة واحدة ، وتركها خير من حمر النعم . وهو قول الأوزاعى ~~، والكوفيين ، وروى عن ابن عمر أنه كان إذا أهوى ليسجد مسح الحصى مسحا ~~خفيفا . وكان مالك لا يرى بالشىء الخفيف منه بأسا ، وقال ابن جريج : قلت ~~لعطاء : أكانوا يشددون PageV03P198 فى مسح الحصى لموضع الجبين ما لا يشددون ~~فى مسح الوجه من التراب ؟ قال : أجل ، وإنما أبيح مسح الحصى مرة وهو يسير ، ~~لأن المصلى لا يجوز أن يعمل جوارحه فى غير الصلاة ، ومسح الحصى ليس من ~~الصلاة فلا ينبغى له ذلك ، ولا أن ms0846 يأخذ شيئا ، ولا أن يضعه ، فإن فعل لم ~~تنتقض صلاته ، ولا سهو عليه . * * * # | 113 - باب بسط الثوب فى الصلاة للسجود # / 161 - فيه : أنس ، قال : كنا نصلى مع الرسول - صلى الله عليه وسلم - فى ~~شدة الحر ، فإذا لم يستطع أحدنا أن يمكن وجهه من الأرض ، بسط ثوبه ، فسجد ~~عليه . قال المهلب : هذا الباب أيضا من باب العمل اليسير فى الصلاة ، وهو ~~مستجاز ، لأنه من أمور الصلاة ، وقد أمر النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، ~~بالإبراد من أجل الحر ، ولئلا يتعذب الناس بفيح النار ، ولا يتمكن من ~~السجود ، ولا المبالغة فيه فى زمن الحر ، إلا أن يتقيه بثوبه لشدة حر ~~الحجارة ، وقد ترجم لحديث أنس فى أبواب اللباس فى الصلاة ، باب السجود على ~~الثوب فى شدة الحر ، وذكرنا فيه اختلاف العلماء فى السجود على الثياب ، ~~فأغنى عن إعادته . * * * # | 114 - باب ما يجوز من العمل فى الصلاة # / 162 - فيه : عائشة ، قالت : كنت أمد رجلى فى قبلة الرسول - صلى الله ~~عليه وسلم - وهو يصلى فإذا سجد غمزنى ، فرفعتها فإذا قام مددتهما . / 163 - ~~وفيه : أبو هريرة ، أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - صلى صلاة ، فقال : ( ~~إن الشيطان عرض لي ، فشد على ، ليقطع الصلاة على فأمكننى الله منه ، فذعته ~~، ولقد PageV03P199 هممت أن أوثقه إلى سارية حتى تصبحوا ، فتنظروا إليه ، ~~فذكرت قول سليمان : { رب هب لى ملكا لا ينبغى لأحد من بعدى } [ ص : 35 ] ~~فرده الله خاسئا ) . استخف جماعة العلماء العمل اليسير فى الصلاة ، وأجمعوا ~~أن الكثير منه لا يجوز ، إلا أنهم لم يحدوا القليل ، ولا الكثير ، وإنما هو ~~اجتهاد واحتياط ، وغمزه ، - صلى الله عليه وسلم - ، رجل عائشة فى الصلاة هو ~~عمل يسير ، إلا أن تكرير ذلك ربما أخرجه عن حد القليل . وأما حديث الشيطان ~~الذى عرض للنبى - صلى الله عليه وسلم - فى الصلاة ، فقد رواه عبد الرزاق ~~مفسرا ، فقال : ( عرض لى فى صورة هر ) ، فهذا معنى قوله : ( فأمكننى الله ~~منه ) أى صوره لى فى صورة الهر مشخصا يمكنه أخذه ، فأراد ربطه ، ففى هذا ~~جواز العمل فى الصلاة ms0847 ، وربطه إلى سارية عمل كثير قد هم به الرسول ، - صلى ~~الله عليه وسلم - ، ولا يهم إلا بجائز . ومما استخف العلماء من العمل فى ~~الصلاة أخذ البرغوث والقملة ، ودفع المار بين يدى المصلى ، والإشارة ~~والالتفات الخفيف ، والمشى الخفيف ، وقتل الحية والعقرب ، وهذا كله إذا لم ~~يقصد المصلى بذلك العبث فى صلاته ولا التهاون بها ، وممن أجاز أخذ القملة ~~فى الصلاة وقتلها الكوفيون والأوزاعى . وقال أبو يوسف : قد أساء ، وصلاته ~~تامة ، وكره الليث قتلها فى المسجد ، ولو قتلها لم يكن عليه شىء ، وقال ~~مالك : لا يقتلها فى المسجد ولا يطرحها فيه ، ولا يدفنها فى الصلاة . وقال ~~الطحاوى : لو حك بدنه لم يكره ، كذلك أخذ القملة وطرحها . ورخص فى قتل ~~العقرب فى الصلاة : ابن عمر ، والحسن ، PageV03P200 والأوزاعى ، واختلف قول ~~مالك فى ذلك ، فمرة كرهه ، ومرة أجازه ، وقال : لا بأس بقتلها إذا آذته ~~وخففه ، وكذلك الحية والطير يرميه بحجر يتناوله من الأرض ، فإن لم يطل ذلك ~~لم تبطل صلاته . وأجاز قتل الحية والعقرب فى الصلاة : الكوفيون ، والشافعى ~~، وأحمد ، وإسحاق ، وكره قتل العقرب فى الصلاة : إبراهيم النخعى ، وسئل ~~مالك عمن يمسك عنان فرسه فى الصلاة ، ولا يتمكن من وضع يديه بالأرض ، قال : ~~أرجو أن يكون خفيفا ، ولا يتعمد ذلك . وروى على بن زياد ، عن مالك فى ~~المصلى يخاف على صبى بقرب نار فذهب ينحيه ، قال : إن انحرف عن القبلة ابتدأ ~~، وإن لم ينحرف بنى . وسئل أحمد بن حنبل ، عن رجل أمامه سترة فسقطت ، ~~فأخذها فأركزها ، قال : أرجو ألا يكون به بأس . فذكر له عن ابن المبارك أنه ~~أمر رجلا صنع ذلك بالإعادة ، قال : لا آمره بالإعادة ، وأرجو أن يكون خفيفا ~~. وأجاز مالك والشافعى حمل الصبى فى الصلاة المكتوبة ، وهو قول أبى ثور . ~~قال الخطابى : وقوله : ( فذعته ) رواه جماعة بالدال من الدع الذى هو الدفع ~~من قوله تعالى : { يدع اليتيم } [ الماعون : 2 ] والأصل فى دع : دعع ، فإذا ~~أسندت الفعل إلى نفسك قلت : دععته ، فإن قلت : دعته ، لم يجز فى العربية ؛ ~~لأنه لا يجوز فى العربية أن ms0848 تدغم العين فى التاء ، وإنما يدغم الحرف فى ~~مثله ، أو فيما قارب مخرجه مخرجه ، فبطل بذلك أن يكون بالدال . قال الخطابى ~~: والصواب فيه ما حدثنى الخيام عن PageV03P201 النسفى ، عن البخارى ( فذعته ~~) بالذال ، وحكى عن ثعلب ، عن الأصمعى ، قال : الذعت : الخنق : قالا : ~~والذعت أيضا أن تمعك الرجل فى التراب ، فإذا أسندت الفعل من ذعت إليك قلت : ~~ذعته ، أذعته ، وكان الأصل ذعته ، فأدغمت لام الفعل التى هى تاء المتكلم ~~كما تقول متته وسبته من قولك مت الحبل ، بمعنى مد ، وسبت رأسه : حلقه ، ~~وسبت شعره : أرسله . * * * # | 115 - باب إذا انفلتت الدابة فى الصلاة # قال قتادة : إن أخذ ثوبه يتبع السارق ، ويدع الصلاة . / 164 - فيه : ~~الأزرق بن قيس ، قال : كنا بالأهواز نقاتل الحرورية ، فبينا أنا على حرف ~~نهر إذا رجل يصلى ، وإذا لجام دابته بيده ، فجعلت الدابة تنازعه ، وجعل ~~يتبعها ، قال شعبة : هو أبو برزة الأسلمى ، فجعل رجل من الخوارج ، يقول : ~~اللهم افعل بهذا الشيخ ، فلما انصرف الشيخ ، قال : إنى سمعت قولكم ، وإنى ~~غزوت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ست غزوات ، أو سبع غزوات ، أو ~~ثمانى ، وشهدت تيسيره ، وإنى إن كنت أرجع مع دابتى ، أحب إلى من أن أدعها ~~ترجع إلى مألفها ، فيشق على . / 165 - وفيه : عائشة : خسفت الشمس ، فقام ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فقرأ سورة طويلة ، ثم ركع فأطال ، ثم ~~قال حين فرغ : ( لقد رأيت فى مقامى هذا كل شىء PageV03P202 وعدته ، حتى لقد ~~رأيت أريد أن آخذ قطفا من الجنة ، حين رأيتمونى جعلت أتقدم ، ولقد رأيت ~~جهنم يحطم بعضها بعضا ، حين رأيتمونى تأخرت ، ورأيت فيها عمرو بن لحى ، وهو ~~الذى سيب السوائب ) . لا خلاف بين الفقهاء أنه من أفلتت دابته وهو فى ~~الصلاة أنه يقطع الصلاة ويتبعها ، وقال مالك فى المختصر : من خشى على دابته ~~الهلاك ، أو على صبى رآه فى الموت فليقطع صلاته . وروى عنه ابن القاسم فى ~~مسافر انفلتت دابته وخاف عليها ، أو على صبى ، أو أعمى أن يقع فى بئر أو ~~نار ، أو ذكر متاعا يخاف ms0849 أن يتلف ، فذلك عذر يبيح له أن يستخلف ولا يفسد ~~على من خلفه شيئا . وقول أبى برزة للذى أنكر عليه قطع الصلاة واتباع دابته ~~: ( شهدت تيسير النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ) ، يعنى تيسيره على أمته ~~فى الصلاة وغيرها ، ولا يجوز أن يفعل هذا أبو برزة من رأيه دون أن يشاهده ~~من النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، قوله : ( وإنى إن كنت أرجع مع دابتى ~~أحب إلى ) إلى آخر قوله ، أخبر أن قطعه للصلاة واتباعه لدابته أفضل من ~~تركها ، وإن رجعت إلى مكان علفها ، وموضعها فى داره ، فكيف إن خشى عليها ~~أنها لا ترجع إلى داره ، فهذا أشد لقطعه للصلاة واتباعه لها . ففى هذا حجة ~~للفقهاء فى أن كل ما خشى تلفه من متاع ، أو مال ، أو غير ذلك من جميع ما ~~بالناس الحاجة إليه أنه يجوز قطع الصلاة وطلبه ، وذلك فى معنى قطع الصلاة ~~لهرب الدابة . وأما قوله - صلى الله عليه وسلم - فى حديث عائشة : ( لقد ~~رأيت أريد أن آخذ قطفا حين رأيتمونى جعلت أتقدم ) ، فهذا المشى عمل فى ~~الصلاة ، وكذلك ( حين رأيتمونى تأخرت ) عمل أيضا ، إلا أنه ليس فيه قطع ~~للصلاة ، ولا استدبار للقبلة ، ولا مشى كثير مثل ما يمشى من انفلتت ~~PageV03P203 دابته وبعدت عنه ، فدل هذا الحديث إن مشى إلى دابته خطى يسيرة ~~نحو تقدمه - صلى الله عليه وسلم - إلى القطف ، وكانت دابته قريبا منه فى ~~قبلته أنه لا يقطع صلاته . وقد سئل الحسن البصرى ، عن رجل صلى وأشفق أن ~~تذهب دابته قال : ينصرف ، قيل له : أفيتم على ما مضى ؟ قال : إذا ولى ظهره ~~القبلة استأنف الصلاة ، وسئل قتادة عن رجل دخلت الشاة فى بيته ، وهو يصلى ~~فيطأطئ رأسه ليأخذ القصبة يضربها ؟ قال : لا بأس به . * * * # | 116 - باب ما يجوز من النفخ فى الصلاة والبزاق # ويذكر عن عبدالله بن عمرو نفخ النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، فى سجوده ~~فى كسوف الشمس . / 166 - وفيه : ابن عمر ، أن النبى - صلى الله عليه وسلم - ~~رأى نخامة فى قبلة المسجد ، فتغيظ على أهل ms0850 المسجد ، وقال : ( إن الله قبل ~~أحدكم ، فإذا كان فى صلاته فلا يبزقن ، أو قال : لا يتنخمن ، ثم نزل ، ~~فحتها بيده ) . / 177 - وفيه : أنس ، قال النبى ، - صلى الله عليه وسلم - : ~~( إذا كان أحدكم فى الصلاة ، فإنه يناجى ربه ، فلا يبزقن بين يديه ، ولا عن ~~يمينه ، ولكن عن شماله ، تحت قدمه اليسرى ) . اختلف العلماء فى النفخ فى ~~الصلاة ، فكرهته طائفة ولم توجب على من نفخ إعادة ، روى ذلك عن ابن مسعود ، ~~وابن عباس ، والنخعى ، ورواية عن مالك ، قال على عن مالك : أكره النفخ فى ~~الصلاة ، ولا يقطعها كما يقطعها الكلام . وهو قول أبى يوسف ، PageV03P204 ~~وأشهب ، وأحمد ، وإسحاق . وقالت طائفة : هو بمنزلة الكلام يقطع الصلاة ، ~~روى عن سعيد بن جبير ، وهو قول مالك فى المدونة ، وفيه قول ثالث : أن النفخ ~~إن كان يسمع فهو بمنزلة الكلام ، ويقطع الصلاة ، هذا قول أبى حنيفة ، ~~والثورى ، ومحمد . والقول الأول أولى ، لما ذكره البخارى عن عبد الله بن ~~عمرو : ( أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - نفخ فى سجوده ) ، وذكر ابن أبى ~~شيبة لأبى صالح أن قريبا لأم سلمة صلى فنفخ ، فقالت أم سلمة : لا تفعل ، ~~فإن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال لغلام لنا أسود : ( يا رباح ، ~~ترب وجهك ) . وقال ابن بريدة : كان يقال : من الجفاء أن ينفخ الرجل فى ~~صلاته ، فدل هذا أن من كرهه إنما جعله من الجفاء وسوء الأدب ، لا أنه ~~بمنزلة الكلام عنده ، ألا ترى أن أم سلمة لم تأمر قريبها حين نفخ فى صلاته ~~بإعادتها ، ولو كان بمنزلة الكلام عندها ما تركت بيان ذلك ، ولا فعله رسوله ~~الله - صلى الله عليه وسلم - . ويدل على صحة هذا اتفاقهم على جواز التنخم ~~والبزاق فى الصلاة ، وليس فى النفخ من النطق بالفاء والهمزة أكثر مما فى ~~البزاق من النطق بالتاء والفاء اللتين من رمى البصاق ، ولما اتفقوا على ~~جواز البزاق فى الصلاة جاز النفخ فيها ، إذ ليس بينهما فرق فى أن كل واحد ~~منهما بحروف ، ولذلك ذكر البخارى حديث البزاق فى هذا الباب ليستدل ms0851 به على ~~جواز النفخ ، لأنه لم يسند حديث عبد الله بن عمرو ، أن النبى ، - صلى الله ~~عليه وسلم - ، نفخ فى سجوده ، واعتمد على الاستدلال من حديث النخامة ~~والبزاق ، وهو استدلال حسن ، وأما البزاق اليسير فإنه يحتمل فى الصلاة إذا ~~كان على اليسار ، أو تحت القدم ، كما جاء فى الحديث ، غير أنه ينبغى إرساله ~~بغير نطق بحرف PageV03P205 مثل التاء والفاء اللتين يفهمان من رمى البزاق ، ~~لأن ذلك من النطق ، وهو خلاف الخشوع فيها . * * * # | 117 - باب إذا قيل للمصلى تقدم أو انتظر ، فانتظر ، فلا بأس # / 168 - فيه : سهل بن سعد ، قال : كان الناس يصلون مع النبى - صلى الله ~~عليه وسلم - وهم عاقدو أزرهم من الصغر على رقابهم ، فقيل للنساء : لا ترفعن ~~رءوسكن حتى يستوى الرجال جلوسا . التقدم فى هذا الحديث هو تقدم الرجال ~~بالسجود النساء ، لأن النساء إذا لم يرفعن رءوسهن حتى يستوى الرجال جلوسا ، ~~فقد تقدمهن بذلك وصرن منتظرات لهم ، وفى هذا من الفقه جواز وقوع فعل ~~المأموم بعد الإمام بمدة ، ويصح ائتمامه ، كمن زحم ولم يقدر على الركوع ~~والسجود ، حتى قام الناس ، وفيه جواز سبق المأمومين بعضهم لبعض فى الأفعال ~~، ولا يضر ذلك ، وفيه إنصات المصلى لمخبر يخبره ، وفيه جواز الفتح على ~~المصلى ، وإن كان الذى يفتح عليه فى غير صلاة ، لأنه قد يجوز أن يكون ~~القائل للنساء ، لا ترفعن رءوسكن فى غير صلاة . * * * # | 118 - باب لا يرد السلام فى الصلاة # / 169 - فيه : عبدالله ، قال : كنت أسلم على النبى - صلى الله عليه وسلم ~~- وهو فى الصلاة ، فيرد على ، فلما رجعنا ، سلمت عليه ، فلم يرد على ، وقال ~~: ( إن فى الصلاة شغلا ) . / 170 - وفيه : جابر ، قال : بعثنى رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - فى حاجة له ، فانطلقت ، ثم رجعت ، وقد قضيتها ، فأتيت ~~النبى - صلى الله عليه وسلم - فسلمت عليه ، فلم يرد على ، فوقع فى قلبى ما ~~الله به أعلم ، فقلت فى نفسى : لعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وجد ~~على أنى أبطأت PageV03P206 عليه ، ثم سلمت عليه ، فرد على ، فقال : ( إنما ~~منعنى ms0852 أن أرد عليك أنى كنت أصلى ، وكان على راحلته متوجها إلى غير القبلة ) ~~. أجمع العلماء أن المصلى لا يرد السلام متكلما ، واختلفوا هل يرد بالإشارة ~~، فكرهته طائفة ، روى ذلك عن ابن عمر ، وابن عباس ، وهو قول أبى حنيفة ، ~~والشافعى ، وأحمد ، وإسحاق ، وأبى ثور ، واحتج الطحاوى لأصحابه بقوله : ( ~~فلم يرد على ، وقال : إن فى الصلاة شغلا ) ، واختلف فيه قول مالك ، فمرة ~~كرهه ، ومرة أجازه ، وقال : ليرد مشيرا بيده وبرأسه ، ورخصت فيه طائفة ، ~~روى ذلك عن سعيد بن المسيب ، وقتادة ، والحسن . وفيه قول ثالث : وهو أنه ~~يرد عليه إذا فرغ من الصلاة ، روى ذلك عن أبى ذر ، وأبى العالية ، وعطاء ، ~~والنخعى ، والثورى ، واحتج الذين رخصوا فى ذلك بما رواه ابن أبى شيبة ، عن ~~وكيع ، عن ابن عون ، عن ابن سيرين ، قال : لما قدم عبد الله من الحبشة ، ~~وأتى الرسول - صلى الله عليه وسلم - وهو يصلى ، فسلم عليه ، فأومأ وأشار ~~برأسه . قال : حدثنا ابن عيينة ، عن زيد بن أسلم ، عن ابن عمر ، قال : سألت ~~صهيبا ، كيف كان النبى - صلى الله عليه وسلم - يصنع حين يسلم عليه وهو يصلى ~~؟ قال : يشير بيده . وعن ابن عمر ، أن النبى - صلى الله عليه وسلم - أتى ~~قباء ، فجاء الأنصار يسلمون عليه ، وهو يصلى ، فأشار إليهم بيده . وقال ~~عطاء : سلم رجل على ابن عباس ، وهو يصلى ، فأخذ بيده فصافحه وغمزه . وقد ~~ثبتت الإشارة عن الرسول - صلى الله عليه وسلم - فى الصلاة فى آثار كثيرة ، ~~ذكرها البخارى فى آخر كتاب الصلاة ، فلا معنى لقول من أنكر رد السلام ~~بالإشارة . وكذلك اختلفوا فى السلام على المصلى ، فكره ذلك قوم ، وروى ~~PageV03P207 عن جابر بن عبد الله ، قال : لو دخلت على قوم وهم يصلون ما ~~سلمت عليهم . وقال أبو مجلز : السلام على المصلى عجز . وكرهه عطاء ، ~~والشعبى ، ورواه ابن وهب عن مالك ، وبه قال إسحاق . ورخصت فيه طائفة ، روى ~~ذلك عن ابن عمر ، وهو قول مالك فى المدونة ، وقال : لا يكره السلام على ~~المصلى فى فريضة ولا نافلة . وفعله أحمد بن حنبل . * * * # | 119 ms0853 - باب رفع الأيدى فى الصلاة لأمر ينزل به # / 171 - فيه : سهل بن سعد ، أن النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، جاء ~~وأبو بكر يصلى ، فأشار إليه النبى - صلى الله عليه وسلم - بأن يصلى ، فرفع ~~أبو بكر يده فحمد الله . . . الحديث . رفع الأيدى استسلام وخشوع لله تعالى ~~فى غير الصلاة ، فكيف فى الصلاة التى هى موضوعة للخشوع والضراعة إلى الله ~~تعالى ، والحجة فى هذا الحديث فى رفع أبى بكر يديه بحضرة الرسول - صلى الله ~~عليه وسلم - ، ولم ينكر ذلك عليه . * * * # | 120 - باب الخصر فى الصلاة # / 172 - فيه : أبو هريرة ، قال : نهى النبى - صلى الله عليه وسلم - أن ~~يصلى الرجل مختصرا . قال المهلب : إنما كره الخصر فى الصلاة ، لأنه يشبه ~~المختالين ، والخصر أن يضع الرجل يديه على خاصرتيه ، وفيه معنى الكبرياء ، ~~فلا يحل القليل منه ، فكيف فى الصلاة التى هى موضوعة للخشوع ، PageV03P208 ~~والخيلاء والكبر ينافيان الخشوع ، وكرهه ابن عباس ، وعائشة ، والنخعى ، وهو ~~قول مالك ، والأوزاعى ، والكوفيين . ورأى ابن عمر رجلا وضع يديه على ~~خاصرتيه فى الصلاة ، فقال : هذا الصلب فى الصلاة ، كان رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - ينهى عنه ، وقالت عائشة : هو من فعل اليهود ، وقالت مرة : ~~هكذا أهل النار فى النار . وقال مجاهد : وضع اليد على الحقو استراحة أهل ~~النار ، وقال الخطابى : المعنى أنه فعل اليهود فى صلاتهم ، وهم أهل النار ، ~~لا على أن لأهل النار المخلدين فيها راحة ، قال تعالى : { لا يفتر عنهم وهم ~~فيه مبلسون } [ الزخرف : 75 ] . وقال ابن عباس : الشيطان يخصر كذلك . قال ~~حميد بن هلال : إنما كره التخصر فى الصلاة ، لأن إبليس أهبط مختصرا . * * * # | 121 - باب يفكر الرجل الشيء في الصلاة # وقال عمر بن الخطاب : إنى لأجهز جيشى ، وأنا فى الصلاة . / 173 - فيه : ~~عقبة بن الحارث ، صليت مع النبى - صلى الله عليه وسلم - العصر فلما سلم ، ~~قام سريعا ، ثم دخل على بعض نسائه ، ثم خرج ، ورأى ما فى وجوه القوم من ~~تعجبهم لسرعته ، فقال : ( ذكرت وأنا فى الصلاة تبرا عندنا ، فكرهت أن يمسى ~~، أو يبيت ، عندنا ، فأمرت ms0854 بقسمته ) . / 174 - وفيه : أبو هريرة ، أن ~~الرسول - صلى الله عليه وسلم - ، قال : ( إذا أذن بالصلاة أدبر الشيطان ، ~~له ضراط حتى لا يسمع التأذين ، فإذا سكت المؤذن أقبل ، فلا يزال بالمرء ~~يقول له : اذكر ما لم يكن يذكر ، حتى لا يدرى كم صلى ( . / 175 - وفيه : ~~أبو هريرة قال : يقول الناس : أكثر أبو هريرة ، فلقيت رجلا ، PageV03P209 ~~فقلت : بما قرأ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - البارحة فى العتمة ؟ فقال ~~: لا أدرى ، قلت : لم تشهدها ، قال : بلى ، ققلت : لكن أنا أدرى ، قرأ ~~بسورة كذا وكذا . قال المهلب : الفكر فى الصلاة أمر غالب لا يمكن الاحتراز ~~من جميعه ، لما جعل الله للشيطان من السبيل إلى تذكيرنا ما يسهينا به عن ~~صلاتنا ، وخير ما يستعمل به الفكر فى الصلاة ما هو فيه من مناجاة ربه ، ثم ~~بعده الفكر فى إقامة حدود الله ، كالفكر فى تفريق الصدقة كما فعل النبى ، - ~~صلى الله عليه وسلم - ، أو فى تجييش جيش الله ، عز وجل ، على أعدائه ~~المشركين كما قال عمر . وروى هشام بن عروة ، عن أبيه ، قال : قال عمر : إنى ~~لأحسب جزية البحرين ، وأنا فى الصلاة . ولذلك قال - صلى الله عليه وسلم - : ~~( من صلى ركعتين لا يحدث فيهما نفسه ، غفر له ما تقدم من ذنبه ) ، ليحض على ~~الإقبال على الصلاة ، وليجاهدوا الشيطان فى ذلك بما رغبهم فيه ، وأعلمهم من ~~غفران الذنوب لمن أجهد نفسه فيه ، وهذا الانصراف من النبى ، - صلى الله ~~عليه وسلم - ، لا يدخل فى معنى التخطى ، لأن على الناس كلهم الانصراف بعد ~~الصلاة ، فمن بقى فى موضعه فهو مختار لذلك ، وإنما التخطى فى الدخول إلى ~~المسجد لا فى الخروج منه . وأما قوله - صلى الله عليه وسلم - : ( اذكر كذا ~~، اذكر كذا ) ، فإن أبا حنيفة أتاه رجل قد رفع مالا ، ثم غاب عن مكانه سنين ~~، فلما انصرف نسى الموضع الذى جعله فيه ، فذكر ذلك لأبى حنيفة تبركا برأيه ~~، ورغبة فى فضل دعائه ، فقال أبو حنيفة : توضأ هذه الليلة وصل ، وأخلص ~~النية فى صلاتك لله ، وفرغ قلبك من خواطر الدنيا ms0855 ومن كل عارض فيها ، فلما ~~جاء الليل فعل الرجل ما أمره به ، وأجهد أن لا يجرى على باله شىء من أمور ~~الدنيا ، فجاءه الشيطان فذكره بموضع المال ، فقصده من وقته فوجده فيه ، ~~فلما أصبح غدا إلى أبى حنيفة ، فأخبره بوجود المال ، فقال أبو حنيفة : قدرت ~~أن الشيطان سيرضى أن PageV03P210 يشغله عن إخلاص فكره فى صلاته لله تعالى ، ~~ويصالحه على ذلك بتذكيره بما فقده من ماله ، ليلهيه عن صلاته استدلالا بهذا ~~الحديث ، فعجب جلساؤه لجودة انتزاعه لهذا المعنى الغامض من هذا الحديث . ~~وقول الرجل لأبى هريرة : ( لا أدرى ما قرأ رسول الله ) ، يدل أنه كان مفكرا ~~فى صلاته ، فلذلك لم يدر ما قرأ به النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، وقول ~~أبى هريرة : ( يقول الناس : أكثر أبو هريرة ) ، ففيه أنه أكثر من يعلم ، ~~وكان حافظا له ضابطا ، لأن الإكثار ليس بعيب ، وإنما يكون عيبا فيه إذا خشى ~~قلة الضبط ، فقد يكون من الناس غير مكثر من العلم ولا ضابط له مثل هذا ~~الرجل الذى لم يحفظ ما قرأ به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فى العتمة ~~. وفيه : أنه يجوز أن ينفى فعل الشىء عمن لم يحكمه ، لأن أبا هريرة قال ~~للرجل : لم تشهدها ، يريد شهودا تاما ، فقال الرجل : بلى شهدتها ، كما يقال ~~للصانع إذا لم يحسن صنعته : ما صنعت شيئا ، يريدون الإتقان ، وللمتكلم : ما ~~قلت شيئا ، إذا لم يعلم ما يقول . وقوله - صلى الله عليه وسلم - : ( لا ~~صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب ) ، و ( لا صلاة لجار المسجد إلا فى المسجد ~~) ، يريد لا صلاة تامة . PageV03P211 # | 122 - باب ما جاء في السهو إذا قام من ركعتي الفرض # . / 176 - فيه : ابن بحينة ، أنه قال : صلى لنا رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - ركعتين من بعض الصلوات ، ثم قام فلم يجلس ، فقام الناس معه ، ~~فلما قضى صلاته ، ونظرنا تسليمه ، كبر قبل التسليم ، فسجد سجدتين ، وهو ~~جالس ثم سلم . ورواه يحيى بن سعيد ، عن الأعرج ، وذكر أنها كانت صلاة الظهر ~~. واختلف العلماء فيمن قام من ms0856 اثنتين ساهيا ، هل يرجع إلى الجلوس ؟ فقالت ~~طائفة بحديث ابن بحينة : إذا استتم قائما ، واستقل من الأرض فلا يرجع ، ~~وليمض فى صلاته ، وإن لم يستو قائما جلس ، وروى ذلك عن علقمة ، وقتادة ، ~~وعبد الرحمن بن أبى ليلى ، وهو قول الأوزاعى ، وابن القاسم فى المدونة ، ~~والشافعى . وقالت طائفة : إذا فارقت أليته الأرض ، وإن لم يعتدل ، فلا يرجع ~~ويتمادى ، ويسجد قبل السلام ، رواه ابن القاسم ، عن مالك فى المجموعة . ~~وقالت طائفة : يقعد وإن كان استتم قائما روى ذلك عن النعمان بن بشير ، ~~والنخعى ، والحسن البصرى ، إلا أن النخعى ، قال : يجلس ما لم يفتتح القراءة ~~، وقال الحسن : ما لم يركع . PageV03P212 وفى المدونة لابن القاسم ، قال : ~~إن أخطأ فرجع بعد أن قام سجد بعد السلام ، وقال أشهب وعلى بن زياد : قبل ~~السلام ، لأنه قد وجب عليه السجود فى حين قيامه ، ورجوعه إلى الجلوس زيادة ~~، وعلة الذين قالوا : يقعد ، وإن استتم قائما القياس على إجماع الجميع أن ~~المصلى لو نسى الركوع من صلاته وسجد ، ثم ذكر وهو ساجد أن عليه أن يقوم حتى ~~يركع ، فكذلك حكمه إذا نسى قعودا فى موضع قيام حتى قام أن عليه أن يعود له ~~إذا ذكره . قال الطبرى : والصواب قول من قال : إذا استوى قائما يمضى فى ~~صلاته ولا يقعد ، فإذا فرغ سجد سجدتى السهو ، لحديث ابن بحينة أن نبى الله ~~- صلى الله عليه وسلم - حين اعتدل قائما ، من أن يذكر بنفسه ، أو يذكره من ~~خلفه بالتسبيح ، وأى الحالين كان فلم ينصرف النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ~~، إلى الجلوس بعد قيامه ، وقد روى عن عمر بن الخطاب ، وابن مسعود ، ومعاوية ~~، وسعيد ، والمغيرة بن شعبة ، وعقبة بن عامر ، أنهم قاموا فى اثنتين ، فلما ~~ذكروا بعد القيام لم يجلسوا ، وقالوا : إن الرسول - صلى الله عليه وسلم - ~~كان يفعل ذلك . وفى قول أكثر العلماء : أنه من رجع إلى الجلوس بعد قيامه من ~~اثنتين أنه لا تفسد صلاته إلا ما ذكر ابن أبى زيد ، عن سحنون أنه قال : ~~أفسد الصلاة برجوعه ، والصواب قول الجماعة ms0857 ، لأن الأصل ما فعله ، وترك ~~الرجوع رخصة وتنبيه أن الجلسة الأولى لم تكن فريضة ، لأنها لو كانت فريضة ~~لرجع النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، وقد سجد عنها ، فلم يقضها ، ~~والفرائض لا ينوب عنها سجود ولا غيره ، ولابد من قضائها فى العمد والسهو . ~~PageV03P213 وقد شذت فرقة فأوجبت الأولى فرضا ، وقالوا : هى مخصوصة من بين ~~سائر فروض الصلاة بأن ينوب عنها سجود السهو كالعرايا من المزابنة ، ~~وكالوقوف بعد الإحرام لمن وجد الإمام راكعا ، لا يقاس عليها شىء من أعمال ~~البر فى الصلاة . ومنهم من قال : هى فرض ، وأوجب الرجوع إليها ما لم يعمل ~~المصلى بعدها ما يمنعه من الرجوع إليها ، وذلك عقد الركعة التى قام إليها ~~يرفع رأسه منها ، وقولهم مردود بحديث ابن بحينة ، فلا معنى للاشتغال به ، ~~وإنما ذكرته ليعرف فساده . وأجمع العلماء أن من ترك الجلسة الأولى عامدا أن ~~صلاته فاسدة وعليه إعادتها ، قالوا : وهى سنة على حيالها ، فحكم تركها عمدا ~~حكم الفرائض ، وأجمعوا أن الجلسة الأخيرة فريضة إلا ابن علية ، قال : ليست ~~بفرض قياسا على الجلسة الوسطى ، واحتج بحديث ابن بحينة فى القيام من ثنتين ~~. والجمهور حجة على من خالفهم لا يجوز عليهم جهل ما عليه الشاذ المنفرد ، ~~على أن ابن علية يوجب فساد صلاة من لم يأت بأعمال الصلاة كلها سننها ~~وفرائضها ، وقوله مردود بقوله ، ويرد أيضا قوله قوله - صلى الله عليه وسلم ~~- : ( وتحليلها التسليم ) ، والتسليم لا يكون إلا بجلوس فسقط قولهم . وفى ~~حديث ابن بحينة حجة لمن جعل سجود السهود فى النقص قبل السلام ، وقد اختلفوا ~~فى ذلك ، فذهبت فرقة إلى أن السجود كله قبل ، PageV03P214 روى هذا عن أبى ~~هريرة ومكحول ، وعن الزهرى ، وربيعة ، والأوزاعى ، والليث ، والشافعى ، ~~وقالت فرقة : السجود كله بعد السلام ، روى ذلك عن على ، وابن مسعود ، وعمار ~~، وسعد ، وابن عباس ، وأنس ، وهو قول النخعى ، والحسن ، والثورى ، ~~والكوفيين ، واحتجوا من طريق النظر بإجماعهم على أن حكم من سها فى صلاته أن ~~لا يسجد فى موضع سهوه ، وإنما يؤخر ذلك إلى آخر صلاته لتجمع له السجدتان ms0858 كل ~~سهو فى صلاته ، ومعلوم أن السلام قد يمكن فيه السهو أيضا ، فوجب أن يؤخر ~~السجدتان عن السلام أيضا كما يؤخر عن التشهد . وذهب مالك إلى أن سهوه إن ~~كان نقصانا من الصلاة فسجوده قبل السلام على حديث ابن بحينة ، وكل سهو كان ~~زيادة فى الصلاة ، فإن سجوده بعد السلام على حديث ذى اليدين ، وهو قول أبى ~~ثور ، ولا مدخل للنظر مع وجود السنن ، فلا معنى لقول الكوفيين . * * * # | 123 - باب إذا صلى خمسا # / 177 - فيه : ابن مسعود ، أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - صلى الظهر ~~خمسا ، فقيل له : أزيد فى الصلاة ؟ فقال ( وما ذاك ) ، قال : صليت خمسا ، ~~فسجد سجدتين ، بعد ما سلم . اختلف الفقهاء فى المصلى إذا قام إلى خامسة ، ~~فقالت طائفة بظاهر هذا الحديث : إن ذكر وهو فى الخامسة قبل كمالها ، رجع ~~وجلس وتشهد وسلم ، وإن لم يذكر إلا بعد فراغه من الخامسة ، فإنه يسلم ، ~~ويسجد للسهو ، وصلاته مجزئة عنه ، هذا قول عطاء ، والحسن ، والنخعى ، ~~والزهرى ، وإليه ذهب مالك ، والأوزاعى ، والليث ، والشافعى ، وأحمد ، ~~وإسحاق ، وأبو ثور . PageV03P215 وقال أبو حنيفة : إذا صلى الظهر خمسا ~~ساهيا نظر ، فإن لم يقعد فى الرابعة قدر التشهد ، فإن صلاته الفرض قد بطلت ~~، ويضيف إلى الخامسة سادسة ، وتكون نافلة ويعيد الفرض ، وإن جلس فى الرابعة ~~مقدار التشهد فصلاته مجزئة ويضيف إلى الخامسة سادسة ، وتكون الخامسة ~~والسادسة نفلا ، وإن ذكر وهو فى الخامسة قبل أن يسجد فيها ، ولم يكن جلس فى ~~الرابعة رجع إليها فأتمها كما نقول ، وسجد بعد السلام . قال ابن القصار : ~~فلا ينفك أصحاب أبى حنيفة فى هذا الحديث من أحد وجهين : إما أن يكون - صلى ~~الله عليه وسلم - قعد فى الرابعة قدر التشهد ، فإذا سجد ولم يزد على ~~الخامسة سادسة ، أو لم يقعد ، فإنه لم يعد الصلاة ، وهم يقولون : قد بطلت ~~صلاته ، ولو كانت باطلة لم يسجد - صلى الله عليه وسلم - للسهو ، ولأعاد ~~الصلاة . وقوله : ( فسجد سجدتين بعد ما سلم ) ، هو حجة لمالك فى أن سجود ~~السهو فى الزيادة بعد السلام ، وخلاف لقول ms0859 الشافعى فى أن سجود السهو فى ~~الزيادة قبل السلام ، وقول مالك يشهد له الحديث ، ومن طريق النظر أن سجود ~~النقص جبران ، والجبران يقع داخل الصلاة ، فيجعل زيادة فعل مكان ما سقط من ~~الفعل ، وتجعل الزيادة التى هى ترغيم للشيطان خارج الصلاة ، ولا تدخل زيادة ~~فعل على زيادة فعل ، فتكثر الزيادات . وقال المهلب : السجود فى الزيادة ~~إنما هو لأحد معنيين : ليشفع ما قد زاد إن كان زيادة كثيرة ، وقد روى عن ~~النبى - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : ( إذا وجد ذلك أحدكم ، فليسجد ~~سجدتين تشفع له ما تقدم ) ، وإن كانت زيادة PageV03P216 قليلة فالسجدتان ~~ترغيم للشيطان الذى أسهى وأشغل حتى زاد فى الصلاة ، فأغيظ الشيطان ~~بالسجدتين ، لأن السجود هو الذى استحق إبليس بتركه العذاب فى الآخرة ~~والخلود فى النار ، فلا شىء أرغم له منه . # | 124 - باب إذا سلم فى ركعتين أو فى ثلاث يسجد سجدتين مثل سجود الصلاة ~~أو أطول # / 178 - فيه : أبو هريرة ، قال : صلى لنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- الظهر أو العصر ، فسلم ، فقال له ذو اليدين : أقصرت الصلاة يا رسول الله ~~؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأصحابه : ( أحق ما يقول ) ؟ ~~قالوا : نعم ، فصلى ركعتين أخريين ، ثم سجد سجدتين . قال سعد : وصلى عروة ~~بن الزبير المغرب ركعتين ، ثم صلى ما بقى ، وسجد سجدتين ، وقال : هكذا فعل ~~الرسول - صلى الله عليه وسلم - . هذه الترجمة رد على أهل الظاهر فى قولهم : ~~أنه لا يسجد أحد من السهو إلا فى الخمسة المواضع التى سجد فيها رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - وهو : السلام من ثنتين على حديث ذى اليدين ، والقيام ~~من ثنتين على حديث ابن بحينة ، إلا أنه يجعل السجود فى ذلك بعد السلام ، أو ~~من صلى الظهر خمسا على حديث ابن مسعود ، وفى البناء على اليقين على حديث ~~أبى سعيد الخدرى ، وفى التحرى على حديث ابن مسعود . وجماعة الفقهاء يقولون ~~: إن من سلم فى ثلاث ركعات ، أو قام فى ثلاث ، أو نقص من صلاته ماله بال ، ~~أو زاد ms0860 فيها ، فعليه سجود السهو ، لأن النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، ~~علم الناس فى السلام من ثنتين ، PageV03P217 والقيام منها ، وزيادة خامسة ، ~~وفى البناء على اليقين ، والتحرى سجود السهو ، ليستعملوا ذلك فى كل سهو ~~يكون فى معناه . واحتجوا فى ذلك أيضا بحديث ابن مسعود أن النبى ، - صلى ~~الله عليه وسلم - ، قال : ( إذا شك أحدكم فى الصلاة ، فليتحر الصواب ، ~~وليتم عليه ، ثم ليسجد سجدتين ) ، فأمر بالسجود لكل سهو ، وهو عام إلا أن ~~يقوم دليل . وفى قصة ذى اليدين من الفقه أن اليقين لا يجب تركه للشك ، حتى ~~يأتى بيقين يزيله ، ألا ترى أن ذا اليدين كان على يقين من أن فرض صلاتهم ~~تلك أربع ركعات ، فلما أتى بها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على غير ~~تمامها ، وأمكن فى ذلك القصد من جهة الوحى ، وأمكن النسيان ، لزمه أن ~~يستفهم حتى يصير إلى يقين يقطع به الشك ، وفيه من الفقه أن من سلم ساهيا فى ~~صلاته وتكلم ، وهو يظن أنه قد أتمها ، فإنه لا يضره ذلك ويبنى على صلاته . ~~وقد اختلف قول العلماء فى كيفية رجوع المصلى إلى إصلاح صلاته ، فقال مالك ~~فى المدونة : كل من رجع إلى إصلاح ما بنى عليه من صلاته ، فليرجع بإحرام . ~~وروى ابن وهب عنه أنه قال : إن لم يكبر فلا يضره ذلك مع إمام كان أو وحده . ~~وقال ابن نافع : إن لم يدخل بإحرام أفسد صلاته على نفسه ، وعلى من خلفه إن ~~كان إماما . وقال الأصيلى : رواية ابن وهب هى القياس ، لأن رجوعه إلى صلاته ~~بنية تجزئه من ابتداء بإحرام ، كما فعل - صلى الله عليه وسلم - فى حديث ذى ~~اليدين ، وليس سلامه ساهيا مما يخرجه من صلاته . وقال غيره : إن لم يكبر فى ~~رجوعه فلا شىء عليه ، لأن التكبير PageV03P218 شعار حركات المصلى ، وأصل ~~التكبير فى غير الإحرام إنما كان للإمام ، ثم صار سنة بمواظبة النبى ، - ~~صلى الله عليه وسلم - ، عليه وتكبير الصلوات محصور فلا وجه للزيادة فيه ، ~~ألا ترى أن الذى يحبسه الإمام عن القيام لا يكبر إذا ms0861 قام لقضاء ما عليه ، ~~لأنها زيادة على تكبير الصلاة ، وسلامه ساهيا لا يخرجه عن الصلاة عند جمهور ~~العلماء ، وإذا كان فى صلاة بنى عليها ، فلا معنى للإحرام ، لأنه غير ~~مستأنف لصلاة بل هو متمم لها ، وإنما يؤمر بالتكبير من ابتدأ الصلاة ، أو ~~استأنفها . قال ابن القصار : وقول ذى اليدين لرسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - : ( أقصرت الصلاة أم نسيت يا رسول الله ؟ فقال رسول الله : لم تقصر ~~ولم أنس ) ، يدل أنه من تكلم ساهيا فى الصلاة لم يفسدها ، وهو قول مالك ~~والشافعى . والحجة لذلك أنه لما قال ذو اليدين : بل قد نسيت ، علمنا أنه لم ~~يكن القصر فى الصلاة ، وأن الرسول - صلى الله عليه وسلم - فعل ذلك ناسيا ، ~~فحصل كلامه - صلى الله عليه وسلم - فى حال نسيان الصلاة غير مفسد لها ، ولو ~~كان الكلام يفسدها لابتدأ - صلى الله عليه وسلم - الصلاة ولم يبن . هذا رد ~~على أبى حنيفة وأصحابه والثورى ، فإنهم زعموا أن من تكلم فى الصلاة ساهيا ، ~~أو عامدا لمصلحتها أنه قد أفسدها . وروى مثل قولهم عن النخعى ، وقتادة ، ~~وقاله ابن وهب ، وابن كنانة من أصحاب مالك . قال ابن وهب : إنما كان حديث ~~ذى اليدين فى بدء الإسلام ، ولا أرى لأحد أن يفعله اليوم . وقال ابن كنانة ~~: لا يجوز لأحد اليوم ما جاز لمن كان مع النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، ~~لأن ذا اليدين ظن أن التقصير نزل ، وقد علم الناس كلهم اليوم أن تقصير ~~الصلاة لا ينزل ، فعلى من تكلم الإعادة . قال عيسى PageV03P219 ابن دينار : ~~فقرأته على ابن القاسم ، فقال : ما أدرى ما هذه الحجة ، قد قال لهم النبى ، ~~- صلى الله عليه وسلم - : ( كل ذلك لم يكن ، قالوا : بلى قد كان بعض ذلك ) ~~. فقد كلموه عمدا بعد علمهم أنها لم تقصر وبنوا . وقال الشافعى : الكلام فى ~~مصلحة الصلاة عمدا لا يجوز . وقال مالك : الكلام فى مصلحتها عمدا لا يفسدها ~~، مثل أن يقول لإمامه : بقيت عليك ركعة أو تسليمة ، أو يسأله الإمام عن شىء ~~تركه فيجيبه . وقال الأوزاعى : إن ms0862 تكلم لفرض يجب عليه لم تقسد صلاته ، وإن ~~كان لغير ذلك بطلت ، والفرض عليه رد السلام ، أو أن يرى أعمى يقع فى بئر ، ~~فينهاه . واحتج الكوفيون ، فقالوا : حديث ذى اليدين منسوخ ، نسخه حديث ابن ~~مسعود ، وزيد بن أرقم فى النهى عن الكلام فى الصلاة ، وعللوا الحديث ، ~~فقالوا : أبو هريرة لم يشهد قصة ذى اليدين ، لأن ذا اليدين قتل يوم بدر ، ~~قالوا : ويدل على ذلك ما رواه الليث بن سعد ، عن نافع ، وابن وهب ، عن عبد ~~الله العمرى ، عن نافع ، عن ابن عمر أنه ذكر له حديث ذى اليدين ، فقال : ~~كان إسلام أبى هريرة بعد ما قتل ذو اليدين . فعلى هذا معنى قول أبو هريرة : ~~( صلى لنا رسول الله ) ، يعنى صلى بالمسلمين ، وهذا جائز فى اللغة ، كما ~~قال النزال بن سبرة : قال لنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( إنا ~~وإياكم كنا ندعى بنى عبد مناف ، وأنتم اليوم بنو عبد الله ، ونحن بنو عبد ~~الله ) ، يعنى لقوم النزال ، فهذا النزال يقول : قال لنا رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - ، وهو لم يره ، يريد بذلك قال لقومنا . PageV03P220 ومثله ~~قال طاوس : قدم علينا معاذ بن جبل ، فلم يأخذ من الخضروات شيئا ، وطاوس لم ~~يدرك معاذا ، إنما قدم اليمن فى عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، ~~ولم يولد طاوس يومئذ ، فمعنى قوله : قدم علينا ، قدم بلدنا ، وهذا الزهرى ~~على علمه بالسنن يقول : إن قصة ذى اليدين كانت قبل بدر . وما ادعاه ~~الكوفيون أن حديث ذى اليدين منسوخ بحديث ابن مسعود فغير مسلم لهم ، لما ~~قدمنا فى باب ما ينهى عنه من الكلام فى الصلاة أن حديث ابن مسعود فى تحريم ~~الكلام فى الصلاة كان بمكة ، وقت قدومه من الحبشة ، وإسلام أبى هريرة كان ~~عام خيبر ، وقد صح شهود أبى هريرة لقصة ذى اليدين ، وأنها لم تكن قبل بدر . ~~وقولهم : إن ذا اليدين قتل يوم بدر ، فغير صحيح ، وإنما المقتول يوم بدر ذو ~~الشمالين ، ذكر ذلك سعيد بن المسيب ، وجماعة من أهل السير : ابن ms0863 إسحاق ~~وغيره ، قالوا : وذو الشمالين هو عمير بن عمرو ، من خزاعة حليف لبنى زهرة ، ~~وذو اليدين غير ذى الشمالين المقتول ببدر ، وإن المتكلم كان من بنى سليم ، ~~ذكر ذلك يحيى بن أبى كثير ، عن أبى سلمة ، عن أبى هريرة . وقال عمران بن ~~حصين : رجل طويل اليدين يقال له : الخرباق ، وقال الأثرم : سمعت مسددا يقول ~~: الذى قتل ببدر هو ذو الشمالين بن عبد عمرو ، حليف بنى زهرة ، وذو اليدين ~~رجل من العرب كان يكون بالبادية ، فيجئ فيصلى مع النبى ، - صلى الله عليه ~~وسلم - ، وذكر ابن أبى خيثمة أن ذا اليدين عمر إلى زمن معاوية ، وتوفى بذى ~~خشب . PageV03P221 وقد اضطرب الزهرى فى رواية حديث ذى اليدين ، فجعله ذا ~~الشمالين المقتول ببدر ، وترك العلماء حديثه ، لأنه مرة يرويه عن أبى بكر ~~بن سليمان بن أبى حثمة ، قال : بلغنى أن النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، ~~وحدث عنه مالك ، عن سعيد وأبى سلمة ، أنه بلغهما : أن النبى ، - صلى الله ~~عليه وسلم - ، صلى ركعتين ثم سلم ، ولم يسجد للسهو . وقال مسلم بن الحجاج ~~فى كتاب التمييز : قول ابن شهاب أن النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، لم ~~يسجد يوم ذى اليدين خطأ وغلط ، وقد ثبت ذلك عنه - صلى الله عليه وسلم - . ~~قال ابن القصار : والدليل على أن كل من تكلم فى صلاته عمدا لمصلحتها أن ~~صلاته تامة ، أن ذا اليدين لما قال للرسول - صلى الله عليه وسلم - : قد كان ~~بعض ذلك ، علم أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - لم يقصر ، وأن النسيان ~~الجائز قد حصل منه فابتدأ عامدا فسأل الناس ، فأجابوه أيضا عامدين ، لأنهم ~~علموا أنها لم تقصر ، وأن النسيان قد وقع ، وبهذا احتج ابن القاسم . وقال ~~أبو الفرج : لو صح للمخالفين ما ادعوه من نسخ حديث ذى اليدين بتحريم الكلام ~~فى الصلاة ، لم يكن لهم فيه حجة ، لأنه قد نهى عن التسبيح فى الصلاة فى غير ~~موضعه ، وأبيح للتنبيه على غفلة المصلى فى صلاته ليستدركه ، فكذلك الكلام . ~~ويدخل على أبى حنيفة والشافعى التناقض فى قولهم فى ms0864 هذا الحديث ، لأنهم ~~يجيزون المشى فى الصلاة عامدا لإصلاحها ، كالراعف يخرج من المسجد يغسل الدم ~~وللوضوء ، ولا يجوز ذلك ، PageV03P222 عندهم فى غير إصلاح الصلاة ، فكذلك ~~الكلام يجوز منه لإصلاح الصلاة ما لا يجوز منه لغير ذلك . * * * # | 125 - باب من لم يتشهد في سجدتي السهو # وسلم أنس والحسن ولم يتشهدا . وقال قتادة : لا يتشهد . / 179 - فيه : أبو ~~هريرة ، أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - انصرف من اثنتين ، فقال له ذو ~~اليدين : أقصرت الصلاة أم نسيت يا رسول الله ؟ فقال رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - : ( أصدق ذو اليدين ) ؟ فقال الناس : نعم ، فقام رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - فصلى اثنتين أخريين ، ثم سلم ، ثم كبر فسجد مثل سجوده ~~، أو أطول ، ثم رفع . وقيل لابن سيرين : فى سجدتى السهو تشهد ؟ قال : ليس ~~فى حديث أبى هريرة . اختلف العلماء فى سجدتى السهو ، وهل فيهما تشهد وسلام ~~، فقالت طائفة : لا تشهد فيها ، ولا سلام . روى ذلك عن أنس ، وطاوس ، ~~والحسن ، والشعبى . وقالت طائفة : لا تشهد فيهما ، وفيهما سلام . روى ذلك ~~عن سعد بن أبى وقاص ، وعمار ، وابن أبى ليلى ، وابن سيرين . وقالت طائفة : ~~فيهما تشهد وسلام . روى ذلك عن ابن مسعود ، والنخعى ، والحكم ، ورواية عن ~~قتادة ، واستحسن ذلك الليث ، وقاله PageV03P223 مالك فى العتبية والمجموعة ~~، وهو قول الأوزاعى ، والثورى ، والكوفيين ، والشافعى ، ذكره ابن المنذر . ~~وحكى الطحاوى ، عن الأوزاعى ، والشافعى : ليس فيهما تشهد . وفيهما قول رابع ~~: إن سجد قبل السلام لم يتشهد ، وإن سجد بعد السلام تشهد ، رواه أشهب ، عن ~~مالك ، وهو قول ابن الماجشون ، وأحمد بن حنبل . قال المهلب : وليس فى حديث ~~ذى اليدين تشهد ، ولا تسليم ، ويحتمل ذلك وجهين : أحدهما : أن يكون النبى ، ~~- صلى الله عليه وسلم - ، تشهد فيهما وسلم ، ولم ينقل ذلك المحدث . والثانى ~~: أنه لم يتشهد فيهما ، ولا سلم ، وألحق المسلمون بهاتين السجدتين الصلاة ، ~~لما كانت صلاة كبر الرسول لهما ، فأضيف إليهما التشهد ، والسلام تأكيدا ~~لهما . وقال ابن المنذر : التسليم فى سجدتى السهو ثابت عن النبى ، - صلى ~~الله عليه وسلم - ، من غير ms0865 وجه ، وفى ثبوت التشهد عنه - صلى الله عليه وسلم ~~- فيهما نظر . وفى حديث ذى اليدين حجة لمالك على الشافعى فى قوله : إن سجود ~~السهو كله فى الزيادة قبل السلام ، لأنه - صلى الله عليه وسلم - زاد فى ~~حديث ذى اليدين السلام ، والكلام ، ثم أكمل صلاته وسجد للسهو بعد السلام . ~~PageV03P224 # | 126 - باب من يكبر فى سجدتى السهو # / 180 - فيه : أبو هريرة ، قال : صلى النبى - صلى الله عليه وسلم - إحدى ~~صلاتى العشى - قال محمد : وأكثر ظنى العصر - ركعتين ، ثم سلم ، ثم قام إلى ~~خشبة فى مقدم المسجد ، فوضع يده عليها ، وفيهم أبو بكر وعمر ، فهابا أن ~~يكلماه ، وخرج سرعان الناس ، فقالوا : أقصرت الصلاة ؟ ورجل يدعوه النبى - ~~صلى الله عليه وسلم - ذو اليدين ، فقال : أنسيت أم قصرت ؟ فقال : ( لم أنس ~~ولم تقصر ) ، قال : بلى ، قد نسيت ، فصلى ركعتين ، ثم سلم ، ثم كبر ، فسجد ~~مثل سجوده أو أطول ، ثم رفع رأسه وكبر ، ثم وضع رأسه فكبر ، وسجد مثل سجوده ~~أو أطول ، ثم رفع رأسه وكبر . / 181 - وفيه : ابن بحينة ، أن الرسول - صلى ~~الله عليه وسلم - قام فى صلاة الظهر ، وعليه جلوس ، فلما أتم صلاته سجد ~~سجدتين ، فكبر فى كل سجدة ، وهو جالس ، قبل أن يسلم ، وسجدهما الناس معه ~~مكان ما نسى من الجلوس . قال المهلب : التكبير فى سجود السهو ثابت عن النبى ~~، - صلى الله عليه وسلم - ، ولذلك ألحق المسلمون فيهما التشهد والسلام . ~~وفى هذا الحديث من الفقه أنه لو انحرف عن القبلة فى صلاته ساهيا أو مشى ~~قليلا ، أنه لا يخرجه ذلك عن صلاته ، لأن الرسول - صلى الله عليه وسلم - ~~قام إلى خشبة فى مقدم المسجد فوضع يده عليها ، وخرج السرعان ، وقالوا : إنه ~~قصرت الصلاة ، فلم ينقض ذلك صلاتهم ، لأنه كان سهوا ، فدل أن السهو لا ينقض ~~الصلاة ، ولا يستعمل اليوم مثل هذا من الخروج من المسجد والكلام [ . . . . ~~] إعادة الصلاة ، والعمل الكثير فى الصلاة مسقط لخشوعها ، فلذلك استحب ~~العلماء إعادتها من أولها إذا كثر العمل مثل هذا . واختلف العلماء فى الذى ~~يسهو مرارا فى الصلاة ms0866 ، فقال أكثر أهل العلم : يجزئه لجميع ذلك سجدتان ، ~~هذا قول النخعى ، وربيعة ، PageV03P225 ومالك ، والثورى ، والليث ، ~~والكوفيين ، والشافعى ، وأبى ثور ، ومنهم من قال : يسجد فى ذلك كله قبل ~~السلام ، ومنهم من قال : بعد السلام ، على حسب أقوالهم فى ذلك . وفيه قول ~~ثانى : أن على من سها سهوين مختلفين أربع سجدات ، هذا قول الأوزاعى . وقال ~~ابن أبى حازم ، وعبد العزيز بن أبى سلمة : إذا كان عليه سهوان فى صلاة ~~واحدة ، منه ما يسجد له قبل السلام ، ومن ما يسجد له بعد السلام ، فليسجد ~~قبل السلام ، وبعد السلام . قال ابن القصار : وحديث ذى اليدين حجة لأهل ~~المقالة الأولى ، وذلك أن النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، سلم وهذا يوجب ~~سجود السهو ، ثم مشى إلى خشبة معترضة فى المسجد فاتكأ عليها ، وهذا يوجب ~~سجود السهو ، ثم تكلم ، فقال : ( أصدق ذو اليدين ) ، وهذا يوجب سجود سهو ، ~~ثم سجد لجميع ذلك - صلى الله عليه وسلم - سجدتين ، وهذا حجة على من خالفه . ~~وقال مالك : إنه إذا اجتمع سهوان فى الصلاة بزيادة ونقصان فسجودهما قبل ~~السلام . أخذ فى الزيادة بحديث ذى اليدين ، وأخذ فى النقصان بحديث ابن ~~بحينة ، وبهذا يصح استعمال الخبرين جميعا ، واستعمال الأخبار أولى من ادعاء ~~النسخ فيها ، والفرق بين الزيادة والنقصان بين من طريق النظر ، لأن السجود ~~فى النقصان إصلاح وجبر ، ومحال أن يكون الجبر بعد الخروج من الصلاة والسجود ~~فى الزيادة ترغيم للشيطان ، وذلك ينبغى أن يكون بعد الفراغ من الصلاة . ~~وسرعان الناس : أوائلهم ، وكذلك سرعان الخيل . PageV03P226 # | 127 - باب إذا لم يدر كم صلى ثلاثا أو أربعا سجد سجدتين ، وهو جالس # / 182 - فيه : أبو هريرة ، قال : قال النبى ، - صلى الله عليه وسلم - : ( ~~إذا نودى بالصلاة أدبر الشيطان ، وله ضراط ، حتى لا يسمع الأذان ، فإذا قضى ~~الأذان أقبل ، فإذا ثوب بها أدبر ، فإذا قضى التثويب أقبل ، حتى يخطر بين ~~المرء ونفسه ، يقول : اذكر كذا وكذا ، ما لم يكن يذكر ، حتى يظل الرجل إن ~~يدرى كم صلى فإذا لم يدر أحدكم كم صلى ، ثلاثا أو أربعا ، فليسجد ms0867 سجدتين ، ~~وهو جالس ) . اختلف العلماء فى تأويل هذا الحديث ، فأخذ قوم بظاهره ، ~~وقالوا : من شك فى صلاته ، فلم يدر زاد أم نقص ، فليسجد سجدتين ، وهو جالس ~~ثم يسلم ، وليس عليه ذلك روى ذلك ، عن أنس ، وأبى هريرة ، وعن الحسن البصرى ~~. وقال آخرون : هذا الحديث إنما هو فى المستنكح الذى يكثر عليه السهو ~~ويلزمه حتى لا يدرى أسها أم لا ، فمن كانت هذه حاله أبدا أجزأه أن يسجد ~~سجدتى السهو دون أن يأتى بركعة ، وإنما يأتى بركعة الذى لا يعتريه ذلك ~~كثيرا ، قالوا : وبهذا التأويل تسلم الأحاديث من التعارض . وعلى هذا فسر ~~الليث بن سعد حديث أبى هريرة ، ذكره عنه ابن وهب ، وذكره ابن المواز عن ~~مالك ، ورواه عيسى عن ابن القاسم . ولمالك قول آخر فيمن كثر عليه السهو حتى ~~يظن أنه لا يتم صلاته : فليله عنه ولا شىء عليه . قال عنه ابن نافع : لا ~~يسجد له ، وقال ابن عبد الحكم : من كثر عليه السهو فلا يبنى على شكه ، ~~وليله عنه ، PageV03P227 ولو سجد بعد السلام كان أحب إلى ، ومن لا يعتريه ~~إلا غبا فليبن على يقينه ، ويسجد بعد السلام . وقال آخرون : حديث أبى هريرة ~~ناقص يفسره حديث أبى سعيد الخدرى ، وعبد الرحمن بن عوف ، فى البناء على ~~اليقين والإتيان بركعة للشاك ، وحديث أبى هريرة فيه مضمر قد ظهر فى حديث ~~غيره فلا يجزئ من شك فى صلاته أن يخرج منها إلا حتى يستيقن تمامها ، لأن ~~الفرض لازم عليه بيقين فلا يسقط عنه إلا بيقين . هذا قول ربيعة ، ومالك ، ~~والثورى ، والشافعى ، وأبى ثور ، وإسحاق . وقال آخرون : الحكم فى الشك أن ~~ينظر المصلى إلى أغلب ظنه فى ذلك ، فإن مال إلى أحد العددين بنى على الأقل ~~حتى يعلم يقينا أنه قد صلى ما عليه ، هذا قول أبى حنيفة وأصحابه . واحتجوا ~~فى ذلك بحديث ابن مسعود أن النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، قال : ( إذا ~~شك أحدكم فى صلاته فليتحر الصواب فليتم عليه ، ثم ليسلم ، ثم ليسجد سجدتين ~~) . وقد ذكرت طرفا من حجة من قال ms0868 بالبناء على اليقين ، ومن حجة من قال ~~بالتحرى فى حديث ابن مسعود فى باب التوجه إلى القبلة حيث كان فى أول كتاب ~~الصلاة ، فأغنى عن إعادته . وقال آخرون : إذا لم يدر كم صلى أعادها أبدا ~~حتى يحفظ . روى هذا عن ابن عباس ، وابن عمر ، وعن الشعبى ، وشريح ، وعطاء ، ~~وسعيد بن جبير ، وبه قال الأوزاعى ، وحكى عن عطاء ، وميمون بن مهران ، ~~وسعيد بن جبير قول آخر : أنهم إذا شكوا فى الصلاة أعادوها ثلاث مرات ، فإذا ~~كانت الرابعة لم يعيدوا . قال المؤلف : أما هذان القولان الآخران فمخالفان ~~للآثار كلها ، لحديث ابن مسعود فى التحرى ، ولحديث أبى سعيد ، وعبد الرحمن ~~بن عوف فى البناء على اليقين ، ولحديث أبى هريرة فى هذا الباب ، ~~PageV03P228 فلا أعلم له وجها إلا من جهة الاحتياط للصلاة ، غير أن من كثر ~~شكه ولم ينفك منه إن كلف أبدا ما ليس فى وسعه ، ولا معنى لمن حد فى ذلك ~~ثلاث مرات أيضا ، وكذلك لا أعلم وجها لرواية ابن نافع عن مالك ، أنه لا ~~سجود على من كثر شكه ، لأنها خلاف لحديث أبى هريرة . وقد احتج ابن القصار ~~لقول مالك فى الذى يكثر عليه السهو أنه ليس عليه غير السجود فقط ، فقال : ~~الذى يكثر عليه السهو ويعتاده لا يتوصل إلى أداء صلاته فى غالب الحال إلا ~~باجتهاد ، ولو ألزمناه البناء على اليقين كلما شك أدى إلى أن لا يخرج من ~~صلاته حتى يكثر العمل فيها ، وكلما عاد إلى ما عنده أنه يقينه عاوده الشك ، ~~فلحقته المشقة ، وأدى إلى خروج الوقت ، وفى هذا ما لا يخفى . فحكمه حكم ~~المستحاضة التى يخرج منها الدم ، لو أمرناها بالخروج من الصلاة وغسل الدم ، ~~والوضوء وهو لا ينقطع أدى إلى أن لا تصلى حتى يخرج الوقت ، ولعلها لا تصلى ~~أصلا ، فكذلك من عادته الشك ، وكثرة السهو ، فينبغى أن يمضى على صلاته ، ~~ويشبه هذا قول أبو حنيفة فإنه يقول : من شك فى صلاته فلم يدر كم صلى فإن ~~وقع له ذلك كثيرا بنى على اجتهاده وغالب ظنه ms0869 ، وإن كان ذلك أول ما عرض له ~~فليستأنف صلاته . فخالفنا فى الذى لا يقع منه السهو أبدا ، فنحن نقول : ~~يبنى ، وهو يقول : يبتدئ صلاته والحجة عليه فى هذا حديث ابن مسعود أن ~~الرسول - صلى الله عليه وسلم - ، قال : ( من شك فى صلاته فليتحر الصواب ، ~~وليتم عليه ) ، وأبو حنيفة يقول : لا يتم ويستأنف . وهو خلاف الحديث ، وقد ~~روى عن مكحول ، والأوزاعى أنه من بنى على اليقين PageV03P229 فليس عليه ~~سجدتان ، ومن لم يبن فليسجد . ذكره الطبرى ، وهو خلاف حديث ابن مسعود وغيره ~~فى السجود لمن بنى على اليقين ، وخلاف لقول الفقهاء . * * * # | 128 - باب السهو فى الفرض والتطوع وسجد ابن عباس سجدتين بعد وتره . # / 183 - وفيه : أبو هريرة ، أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - قال : ( إن ~~أحدكم إذا قام يصلى ، جاء الشيطان ، فلبس عليه حتى لا يدرى كم صلى ؟ فإذا ~~وجد ذلك أحدكم ، فليسجد سجدتين ، وهو جالس ) . الكلام فى هذا الحديث ~~كالكلام فى حديث الباب الذى قبله ، منهم من جعله مبينا على حديث البناء على ~~اليقين ، ومنهم من جعله فى المستنكح ومنهم من أخذ بظاهره فى المستنكح وغيره ~~، ولم يوجب الإتيان بركعة على حسب ما تقدم فى الباب قبل هذا ، وأما سجود ~~السهو فى التطوع فإن جمهور الفقهاء يوجبون ذلك عليه ، إلا ابن سيرين وقتادة ~~، فإنهما قالا : إذا سها فى التطوع فلا سجود عليه . والحجة للجماعة عليهما ~~، قوله - صلى الله عليه وسلم - : ( إن أحدكم إذا قام يصلى جاءه الشيطان ~~فلبس عليه حتى لا يدرى كم صلى ) . وقوله : ( قام يصلى ) تدخل فيه جميع ~~الصلوات فرضها ونفلها ، فهو عام فى كل ما يسمى صلاة ، وقد أوجب - صلى الله ~~عليه وسلم - السجود على الساهى ، والسنة حجة على من خالفها فصح قول الجماعة ~~. قال المهلب : وإذا كان الشيطان هو الذى يلبس عليه حتى ينسيه ، ~~PageV03P230 فليرغم أنفه بالسجود فى السهو ، فيرجع راغم الأنف خاسئا ~~بالسجود الذى حرمه الله فائدته ، وخيبه من رحمته بإبائه منه . * * * # | 129 - باب إذا كلم وهو يصلى فأشار بيده واستمع # / 184 - فيه : كريب ، أن ابن ms0870 عباس والمسور بن مخرمة وعبدالرحمن بن أزهر ، ~~أرسلوه إلى عائشة ، فقالوا : اقرأ عليها السلام منا جميعا ، وسلها عن ~~الركعتين بعد صلاة العصر ، وقل لها : إنا أخبرنا عنك أنك تصلينهما ، وقد ~~بلغنا أن نبى الله نهى عنها . وقال ابن عباس : وكنت أضرب الناس مع عمر بن ~~الخطاب عليها . قال كريب : فدخلت على عائشة ، فبلغتها ما أرسلونى ، فقالت : ~~سل أم سلمة ، فخرجت إليهم ، فأخبرتهم بقولها : فردونى إلى أم سلمة ، فقالت ~~: سمعت النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، ينهى عنها ، ثم رأيته يصليهما ، ~~حين صلى العصر ، ثم دخل على وعندى نسوة من بنى حرام ، فأرسلت إليه الجارية ~~، فقلت : قومى بجنبه ، فقولى له : تقول لك أم سلمة : يا رسول الله ، سمعتك ~~تنهى عن هاتين الركعتين ، ورأيتك تصليهما ، فإن أشار بيده ، فاستأخرى عنه ، ~~ففعلت الجارية ، فأشار بيده ، فاستأخرت عنه ، فلما انصرف ، قال : ( يا بنت ~~أبى أمية ، سألت عن الركعتين بعد العصر ، وإنه أتانى ناس من عبدالقيس ، ~~فشغلونى عن الركعتين اللتين بعد الظهر ، فهما هاتان ) . اختلف العلماء فى ~~الإشارة التى تفهم فى الصلاة ، فقال مالك والشافعى : لا تقطع الصلاة . وقال ~~أبو حنيفة وأصحابه : تقطع الصلاة ، وحكمها حكم الكلام . واحتجوا بما رواه ~~ابن إسحاق ، PageV03P231 عن يعقوب بن عتبة ، عن أبى غطفان بن طريف ، عن أبى ~~هريرة ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( التسبيح للرجال ، ~~والتصفيق للنساء ، ومن أشار فى صلاته إشارة ، تفهم عنه فليعد ) . واحتج أهل ~~المقالة الأولى بحديث هذا الباب ، وقالوا : قد جاء من طرق متواترة عن ~~الرسول - صلى الله عليه وسلم - بإشارة مفهومة ، فهو أولى من حديث أبى غطفان ~~عن أبى هريرة ، فليست الإشارة فى طريق النظر كالكلام ، لأن الإشارة إنما هى ~~حركة عضو ، وقد رأينا حركة سائر الأعضاء غير اليد فى الصلاة لا تفسدها ، ~~فكذلك حركة اليد . وفى حديث عائشة جواز استماع المصلى إلى ما يخبره به من ~~ليس فى الصلاة ، وقد روى موسى عن ابن القاسم ، أن من أخبر فى الصلاة بما ~~يسره ، فحمد الله ، أو بمصيبة فاسترجع ، أو يخبر بشىء فيقول ms0871 : الحمد لله ~~على كل حال ، أو الحمد لله الذى بنعمته تتم الصالحات ، فلا يعجبنى وصلاته ~~مجزئة . وقد تقدم فى باب ما يصلى بعد العصر من الفوائت ونحوها فى كتاب ~~أوقات الصلوات ، الجمع بين معنى هذا الحديث ، وبين نهيه - صلى الله عليه ~~وسلم - عن الصلاة بعد العصر للطبرى ، فاطلبه هناك . قال المهلب : وفيه من ~~الفقه أنه ينبغى أن يسأل أعلم الناس بالمسألة ، وأن العلماء إذا اختلفوا ~~رفعوا الأمر إلى من هو أعلم منهم وأفقه للمسألة لملازمة سبقت له ، ثم يقتدى ~~به ، وينتهى إلى فعله ، وفيه فضل عائشة وعلمها ، لأنهم اختصوها بالسؤال قبل ~~غيرها . PageV03P232 قال غيره : وإنما رفعت المسألة إلى أم سلمة ، والله ~~أعلم ، لأن عائشة كانت تصليهما بعد العصر ، وعلمت أن عند أم سلمة من علمها ~~مثل ما عندها ، وأنها قد رأت الرسول - صلى الله عليه وسلم - يصليهما فى ذلك ~~الوقت فى بيتها ، فأرادت عائشة أن تستظهر بأم سلمة تقوية لمذهبها من أجل ~~ظهور نهيه - صلى الله عليه وسلم - عنهما ، وخشية الإنكار لقولها منفردة ، ~~وقد حفظ عن عائشة أنها قالت : ( ما تركهما رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- فى بيتى سرا ولا جهرا ، تريد جهرا منها ، وكان لا يصليهما فى المسجد ~~مخافة أن يثقل على أمته ) . وأما الركعتان اللتان صلاهما النبى ، - صلى ~~الله عليه وسلم - ، ذلك اليوم فى بيت أم سلمة فهما غير اللتين كان يلتزم ~~صلاتهما فى بيت عائشة بعد العصر ، وإنما كانت الركعتان بعد الظهر على ما ~~جاء فى الحديث ، فأراد إعادتهما ذلك الوقت أخذا بالأفضل ، لا أن ذلك واجب ~~عليه فى سنته ، لأن السنن والنوافل إذا فاتت أوقاتها لم يلزم إعادتها ، ~~والله ولى التوفيق . * * * # | 130 - باب الإشارة في الصلاة # قاله كريب عن أم سلمة عن النبى - صلى الله عليه وسلم - . / 185 - فيه : ~~سهل بن سعد ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خرج يصلح بين بنى عمرو ~~بن عوف ، فجاء النبى - صلى الله عليه وسلم - وأبو بكر فى الصلاة ، فأشار ~~إليه الرسول - صلى الله عليه وسلم - يأمره أن ms0872 يصلى ، فرفع أبو بكر يديه ~~فحمد الله ، على ذلك . . . . / 186 - وفيه : أسماء ، دخلت على عائشة ، وهى ~~تصلى ، فقلت : ما شأن PageV03P233 الناس ؟ فأشارت برأسها إلى السماء ، فقلت ~~: آية ؟ فقالت : برأسها ، أى نعم . / 187 - وفيه : عائشة ، صلى الرسول - ~~صلى الله عليه وسلم - فى بيته ، وهو شاك جالسا ، وصلى وراءه قوم قياما ، ~~فأشار إليهم أن اجلسوا . . . الحديث . وهذا الباب كله كالذى قبله ، فيه ~~الإشارة المعهودة باليد ، والرأس ، وفيه جواز استفهام المصلى ، ورده الجواب ~~باليد والرأس خلافا لقول الكوفيين ، وروى ابن القاسم عن مالك من تكلم فى ~~الصلاة ، فأشار برأسه ، أو بيده ، فلا بأس بما خف ولا يكثر . وقال ابن وهب ~~: لا بأس أن يشير فى الصلاة ب ( لا ) ، و ( نعم ) ، وقد اختلف قول مالك إذا ~~تنحنح فى الصلاة لرجل يسمعه ، فقال فى المختصر : إن ذلك لكلام . وروى عنه ~~ابن القاسم أنه لا شىء عليه . قال الأبهرى : لأن التنحنح ليس بكلام ، وليس ~~له حروف هجاء . PageV03P234 # | كتاب الجنائز # # | 1 - باب من كان آخر كلامه لا إله إلا الله # وقيل لوهب بن منبه : أليس مفتاح الجنة لا إله إلا الله ؟ قال : بلى ، ~~ولكن ليس مفتاح إلا له أسنان ، فإن جئت بمفتاح له أسنان فتح لك ، وإلا لم ~~يفتح لك . / 1 - وفيه : أبو ذر ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- : ( أتانى آت من ربى فأخبرنى ، أو قال : بشرنى ، أنه من مات من أمتى لا ~~يشرك بالله شيئا دخل الجنة ) ، وقلت : وإن زنى وإن سرق ؟ قال : ( وإن زنى ~~وإن سرق ) . / 2 - وفيه : عبدالله ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - : ( من مات يشرك بالله دخل النار ) . وقلت أنا : من مات لا يشرك ~~بالله شيئا دخل الجنة . قال عبد الواحد : فإن قال قائل : ليس ظاهر هذين ~~الحديثين مما يوافق التبويب ، قيل له : قد ذكر البخارى حديث أبى ذر هذا فى ~~كتاب اللباس ، وقال فيه : إن النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، قال : ( ما ~~من عبد ، قال : لا إله إلا الله ثم مات على ذلك إلا دخل الجنة ms0873 ) . إلى قوله ~~: ( وإن زنا وإن سرق . . . . ) الحديث . وفسره بأن قال بأثره : قال أبو عبد ~~الله : هذا عند الموت أو قبله إذا تاب وندم ، وقال : لا إله إلا الله ، غفر ~~له ، فدل قوله هذا على أن من قال : لا إله إلا الله ، وإن بعد قوله لها عن ~~وقت موته ، ثم مات على اعتقادها أنه ممن آخر كلامه لا إله إلا الله ، وداخل ~~فى معنى التبويب إذا لم يقل بعدها خلافها حتى مات . قال المؤلف : وقد روى ~~ابن أبى الدنيا ، قال : حدثنا يعقوب بن عبيد ، PageV03P235 قال : حدثنا أبو ~~عاصم النبيل ، قال : حدثنا عبد الحميد بن جعفر ، عن صالح بن أبى عريب ، عن ~~كثير بن مرة ، عن معاذ بن جبل ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- : ( من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة ) ، على ظاهر الترجمة . ~~وروى ابن أبى شيبة ، حدثنا أبو خالد ، عن يزيد بن كيسان ، عن أبى حازم ، عن ~~أبى هريرة ، قال : ( لقنوا موتاكم لا إله إلا الله ) . قال المهلب : لا ~~خلاف بين أئمة المسلمين أنه من قال : لا إله إلا الله ، ومات عليها أنه ~~لابد له من الجنة ، ولكن بعد الفصل بين العباد ورد المظالم إلى أهلها . ~~وذكر ابن إسحاق ، قال : حدثنى عبد الله بن أبى بكر أنه حدث : أن الرسول - ~~صلى الله عليه وسلم - حين بعث معاذ ابن جبل إلى اليمن وأوصاه أن ييسر ولا ~~يعسر ، ويبشر ولا ينفر ، وقال : ( إنه سيقدم عليك قوم من أهل الكتاب ~~يسألونك ما مفتاح الجنة ؟ فقل : شهادة أن لا إله إلا الله ، وحده لا شريك ~~له ) . قال غيره : وفى حديث أبى ذر وقول ابن مسعود رد على الرافضة ~~والإباضية ، وأكثر الخوارج فى قولهم : إن أصحاب الكبائر والمذنبين من ~~المؤمنين يخلدون فى النار بذنوبهم ، وقد نطق القرآن أيضا بتكذيبهم . قال ~~تعالى : { إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء } [ ~~النساء : 48 ] . وقال أبو عثمان بن الحداد : والحجة عليهم فى أن الله تعالى ~~لا يخلد ms0874 فى النار من عمل عملا مقبولا منه ، إذ قبول العمل يوجب ثوابه ، ~~والتخليد فى العذاب يمنع ثواب الأعمال ، وقد أخبر الله تعالى فى كتابه ~~الصادق به { إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها } [ النساء : ~~40 ] ، وترك المثوبة على الإحسان ظلم ، تعالى الله عن ذلك . PageV03P236 ~~وقول وهب بن منبه : إن جئت بمفتاح له أسنان فتح لك . فإنما أراد بالأسنان ~~القواعد التى بنى الإسلام عليها ، التى هى كمال الإيمان ودعائمه ، خلاف قول ~~الغالية من المرجئة والجهمية الذين يقولون : إن الفرائض ليست إيمانا ، وقد ~~سماها الله إيمانا بقوله : { وما كان الله ليضيع إيمانكم } [ البقرة : 143 ~~] أى صلاتكم إلى بيت المقدس ، وقال : { إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ~~ورسوله وإذا كانوا معه على أمر جامع لم يذهبوا حتى يستأذنوه } [ النور : 62 ~~] واستئذانهم له عمل مفترض عليهم سموا به مؤمنين كما سموا بإيمانهم بالله ~~ورسوله . قال المؤلف : وقول ابن مسعود أصل فى القول بدليل الخطاب وإثبات ~~القياس ، والله الموفق للصواب . * * * # | 2 - باب الأمر باتباع الجنائز # / 3 - فيه : البراء ، قال : أمرنا النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، بسبع ~~ونهانا عن سبع : ( أمرنا باتباع الجنائز ، وعيادة المريض ، وإجابة الداعى ، ~~ونصر المظلوم ، وإبرار القسم ، ورد السلام ، وتشميت العاطس . ونهانا : عن ~~آنية الفضة ، وخاتم الذهب ، والحرير ، والديباج ، والقسى ، والإستبرق ) . / ~~4 - وفيه : أبو هريرة ، قال النبى ، - صلى الله عليه وسلم - : ( حق المسلم ~~على المسلم خمس : رد السلام ، وعيادة المريض ، واتباع الجنائز ، وإجابة ~~الدعوة ، وتشميت العاطس ) . قال المؤلف : اتباع الجنائز ودفنها والصلاة ~~عليها من فروض الكفاية عند جمهور العلماء ، واختلف أصحاب مالك فى ذلك ، ~~PageV03P237 فذكر ابن المواز ، قال عبد الملك : الصلاة على الميت فريضة ~~يحملها من قام بها . وحكى ابن سحنون عن أبيه مثله ، وقال أصبغ بن الفرج : ~~هى سنة ، وعيادة المرضى ندب وفضيلة . وأما إجابة الداعى فإن كانت الدعوة ~~إلى وليمة النكاح ، فجمهور العلماء يوجبونها فرضا ، ويوجبون الأكل فيها على ~~من لم يكن صائما إن كان الطعام طيبا ، ولم يكن فى الدعوة منكر ، وغير ذلك ~~من الدعوات يراه العلماء ms0875 حسنا من باب الألفة وحسن الصحبة . وأما نصر ~~المظلوم ففرض على من يقدر عليه ويطاع أمره ، وإبرار القسم ندب وحض إذا أقسم ~~الرجل على أخيه فى شىء لا مكروه فيه ولا يشق عليه ، فعليه أن يبر قسمه ، ~~وذلك من مكارم الأخلاق ، ورد السلام فرض على الكفاية عند مالك والشافعى ، ~~وعند الكوفيين فرض معين على كل واحد من الجماعة . وتشميت العاطس واجب وجوب ~~سنة ، والشرب فى آنية الفضة واستعمالها حرام على الرجال والنساء ، وكذلك ~~آنية الذهب ، والتختم بالذهب حرام على الرجال خاصة ، مباح للنساء ، والحرير ~~المصمت الذى لا يخالطه غيره لا يجوز لبسه للرجال ، إلا أنهم اختلفوا فى ~~لباسه للحرب ، وحال التداوى للجرب وشبهه ، وهو حلال للنساء . وسقط من حديث ~~البراء الخصلة السابعة المنهى عنها ، وهى ركوب المياثر ، وذكرها فى حديث ~~البراء فى كتاب الاستئذان ، وفى كتاب الأشربة . وقوله - صلى الله عليه وسلم ~~- : ( حقى المسلم على المسلم ) يعنى حق حرمته PageV03P238 عليه ، وجميل ~~صحبته له ما لم يكن فرضا فى الحديث كتشميت العاطس ، وعيادة المريض ، وإجابة ~~الدعوة ، وهو كقول أبو هريرة : حق على المسلم أن يغتسل كل جمعة ، وأن يستاك ~~ويمس من طيب أهله . وليس شىء من ذلك عنده فرضا ، وسيأتى القول فى هذا ~~الحديث مستوعبا فى كتاب الاستئذان والسلام فهو موضعه ، إن شاء الله تعالى ، ~~وفى كتاب النكاح فى إجابة دعوة الوليمة . * * * # | 3 - باب الدخول على الميت إذا أدرج فى أكفانه # / 5 - فيه : عائشة أن أبا بكر دخل على النبى - صلى الله عليه وسلم - وهو ~~مسجى ببرد حبرة ، فكشف عن وجهه ، ثم أكب عليه فقبله ، ثم بكى ، فقال : بأبى ~~أنت يا نبى الله ، لا يجمع الله عليك موتتين ، أما الموتة التى كتبت عليك ~~فقد متها . فخرج أبو بكر ، وعمر يكلم الناس ، فقال : اجلس ، فأبى ، فقال : ~~اجلس ، فأبى ، فتشهد أبو بكر ، فمال إليه الناس وتركوا عمر ، فقال : أما ~~بعد ، فمن كان منكم يعبد محمدا - صلى الله عليه وسلم - فإن محمدا - صلى ~~الله عليه وسلم - قد مات ، ومن كان يعبد الله فإن الله ms0876 حى لا يموت ، قال ~~الله تعالى : { وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل } إلى { الشاكرين } ~~[ آل عمران : 144 ] والله لكأن الناس لم يكونوا يعلمون أن الله أنزلها ، ~~حتى تلاها أبو بكر ، فتلقاها منه الناس ، فما سمع بشر إلا يتلوها . / 6 - ~~وفيه : أم العلاء ، بايعت النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، قالت اقتسم ~~المهاجرون قرعة ، فطار لنا عثمان بن مظعون ، فأنزلناه فى أبياتنا ، فوجع ~~وجعه الذى مات فيه ، فلما توفى ، وغسل وكفن فى أثوابه ، دخل رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - فقلت : رحمة الله عليك أبا السائب ، فشهادتى عليك ، ~~لقد PageV03P239 أكرمك الله ، فقال : النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( وما ~~يدريك أن الله قد أكرمه ؟ ) قلت : بأبى وأمى أنت يا رسول الله ، فمن يكرمه ~~الله ، فقال : ( أما هو فقد جاءه اليقين ، والله إنى لأرجو له الخير ، ~~والله ما أدرى - وأنا رسول الله - ما يفعل بى ) ، قالت : فوالله لا أزكى ~~أحدا بعده أبدا . / 7 - وفيه : جابر ، لما قتل أبى ، جعلت أكشف الثوب عن ~~وجهه ، أبكى ، وينهونى عنه ، والنبى - صلى الله عليه وسلم - لا ينهانى ~~فجعلت عمتى فاطمة تبكى ، فقال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( تبكين أو ~~لا تبكين ما زالت الملائكة تظله بأجنحتها حتى رفعتموه ) . قال المهلب : فيه ~~جواز كشف الثوب عن الميت إذا لم يبد منه أذى ، وفيه جواز تقبيل الميت عند ~~وداعه ، ونهى الرسول - صلى الله عليه وسلم - عن المكامعة ، إنما هى فى حال ~~الحياة ، فلما ارتفعت فى الميت جاز تقبيله ، وقد روى عبد الرزاق عن الثورى ~~، عن عاصم بن عبيد الله ، عن القاسم ابن محمد ، عن عائشة : أن رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - دخل على عثمان بن مظعون فأكب عليه فقبله ، ثم بكى ، ~~حتى رأيت الدموع تسيل على وجنتيه . وفيه جواز البكاء على الميت من غير نوح ~~، وكذلك فى قوله - صلى الله عليه وسلم - فى حديث جابر : ( تبكين أو لا ~~تبكين ) إباحة البكاء أيضا ، وسيأتى ذلك فى موضعه ، إن شاء الله . وأما قول ~~أبى بكر الصديق : لا يجمع ms0877 الله عليك موتتين ، فإنما قال ذلك ، والله أعلم ، ~~لأن عمر بن الخطاب وغيره قالوا : إن رسول الله لم يمت وسيبعث ويقطع أيدى ~~رجال وأرجلهم ، ذكرته عن عمر فى فضائل أبى بكر الصديق ، فأراد أنه لا يجمع ~~الله عليه ميتتين فى الدنيا ، بأن يميته هذه الميتة التى قد ماتها ثم يحييه ~~، ثم يميته ميتة أخرى . وليس قوله : لا يجمع الله عليك ميتتين ، بمعارض ~~لقوله تعالى : PageV03P240 { ربنا أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين } [ غافر : ~~11 ] ، لأن الميتة الأولى خلقه الله من تراب ومن نطفة ، لأن التراب والنطفة ~~موات ، والموات كله لم يمت نفسه ، وإنما أماته الله الذى خلقه ، والموت ~~الثانى الذى يموت الخلق ، وأما قوله : { وأحييتنا اثنتين } يعنى حياة ~~الدنيا والحياة فى الآخرة بعد الموت ، هذا قول ابن مسعود والسائب بن يزيد ~~وابن جريج ، فقوله : لا يجمع الله عليك ميتتين كقوله تعالى : { لا يذوقون ~~فيها الموت إلا الموتة الأولى } [ الدخان : 56 ] . وفى الآية قول آخر روى ~~عن الضحاك أنه قال : الميتة الأولى ميتته ، والثانية موته فى القبر بعد ~~الفتنة والمساءلة ، واحتج بأنه لا يجوز أن يقال للنطفة والتراب ميت ، وإنما ~~يقال : ميت لمن تقدمت له الحياة ، وهذا اعتراض فاسد ، قال الله تعالى : { ~~وآية لهم الأرض الميتة أحييناها } [ يس : 33 ] ولم يتقدم لها حياة قط ، ~~وإنما جعلها الله جمادا ومواتا ، وهذا من سعة كلام العرب ، والقول الأول هو ~~الذى عليه العلماء . وفيه أن أبا بكر الصديق أعلم من عمر ، وهذه إحدى ~~المسائل التى ظهر فيها ثاقب علم أبى بكر ، وفضل معرفته ، ورجاحة رأيه وبارع ~~فهمه ، وسرعة انتزاعه بالقرآن ، وثبات نفسه ، وكذلك مكانته عند الأمة لا ~~يساويه فيها أحد ، ألا ترى أنه حين تشهد وبدأ بالكلام مال الناس إليه ، ~~وتركوا عمر . ولم يكن ذلك إلا لعظيم منزلته فى نفوسهم على عمر ، وسمو محله ~~عندهم ، أخذوا ذلك رواية عن نبيهم ، - صلى الله عليه وسلم - ، وقد أقر بذلك ~~عمر بن الخطاب حين مات أبى بكر ، فقال : والله ما أحب أن PageV03P241 ألقى ~~الله بمثل عمل أحد إلا بمثل عمل ms0878 أبى بكر ، ولوددت أنى شعرة فى صدر أبى بكر ~~. وذكر الطبرى عن ابن عباس ، فقال : والله إنى لأمشى مع عمر فى خلافته ~~وبيده الدرة ، وهو يحدث نفسه ويضرب قدمه بدرته ما معه غيرى إذ قال لى : يا ~~ابن عباس ، هل تدرى ما حملنى على مقالتى التى قلت حين مات رسول الله ؟ قلت ~~: لا أدرى والله يا أمير المؤمنين . قال : ما حملنى على ذلك إلا قوله تعالى ~~: { وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم ~~شهيدا } [ البقرة : 143 ] فوالله إنى كنت لأظن أن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - سيبقى فى أمته حتى يشهد عليها بآخر أعمالها . وفى تأويل عمر ~~هذه الحجة لمالك فى قوله : فى الصحابة مخطئ ومصيب ، يعنى فى التأويل . وقال ~~المهلب : وفى حديث أم العلاء أنه لا يقطع على أحد من أهل القبلة بجنة ولا ~~نار ، ولكن يرجى للمحسن ، ويخاف على المسئ ، وأما قوله - صلى الله عليه ~~وسلم - : ( والله ما أدرى وأنا رسول الله ما يفعل بى ) ، فيحتمل أن يكون ~~قبل أن يعلمه الله بأنه قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر ، وقد روى فى ~~هذا الحديث ( ما يفعل به ) وهو الصواب ، لأن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - لا يعلم من ذلك إلا ما يوحى به إليه ، والله الموافق للصواب . وقال ~~عبد الواحد : فإن قيل : هذا المعنى يعارض قوله فى حديث جابر : ( ما زالت ~~الملائكة تظله بأجنحتها حتى رفعتموه ) ، قيل : لا تعارض بينهما ، وذلك أن ~~الرسول لا ينطق عن الهوى ، فأنكر على أم العلاء قطعها على ابن مظعون ، إذ ~~لم يعلم هو من أمره شيئا ، وفى قصة جابر قال بما علمه من طريق الوحى ، إذ ~~لا يجوز أن يقطع عليه السلام على مثل هذا إلا بوحى ، فسقط التعارض ~~PageV03P242 # | 4 - باب الرجل ينعى إلى أهل الميت بنفسه # / 8 - فيه : أبو هريرة ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نعى ~~النجاشى فى اليوم الذى مات فيه خرج إلى المصلى ، فصف بهم وكبر أربعا . / 9 ms0879 ~~- وفيه : أنس ، قال : قال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( أخذ الراية زيد ~~فأصيب ، ثم أخذها جعفر فأصيب ، ثم أخذها عبدالله بن رواحة فأصيب ، وإن عينى ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لتذرفان ، ثم أخذها خالد بن الوليد من ~~غير إمرة ، ففتح له ) . قال المهلب : هذا صواب الترجمة : باب الرجل ينعى ~~إلى الناس الميت بنفسه ، وإنما نعى - صلى الله عليه وسلم - النجاشى للناس ، ~~وخصه بالصلاة عليه ، وهو غائب ، لأنه كان عند الناس على غير الإسلام ، ~~فأراد أن يعلم الناس كلهم بإسلامه ، فيدعو له فى جملة المسلمين ليناله بركة ~~دعوتهم ، ويرفع عنه اللعن المتوجه إلى قومه . والدليل على ذلك أنه لم يصل - ~~صلى الله عليه وسلم - على أحد من المسلمين ومتقدمى المهاجرين والأنصار ~~الذين ماتوا فى أقطار البلدان ، وعلى هذا جرى عمل المسلمين بعد النبى - صلى ~~الله عليه وسلم - ، ولم يصل على أحد مات غائبا ، لأن الصلاة على الجنائز من ~~فروض الكفاية يقوم بها من صلى على الميت فى البلد التى يموت فيها ، ولم ~~يحضر النجاشى مسلم يصلى على جنازته ، فذلك خصوص للنجاشى ، بدليل إطباق ~~الأمة على ترك العمل بهذا الحديث . وقال بعض العلماء : إن روح النجاشى أحضر ~~بين يدى النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، فصلى عليه ، ورفعت له جنازته كما ~~كشف له عن بيت المقدس حين سألته قريش عن صفته ، وعلم يوم موته ونعاه ~~لأصحابه ، وخرج فأمهم فى الصلاة عليه قبل أن يوارى ، وهذه أدلة الخصوص ، ~~يدل على ذلك أيضا إطباق الأمة على ترك العمل بهذا الحديث ، ولم PageV03P243 ~~أجد لأحد من العلماء إجازة الصلاة على الغائب إلا ما ذكره ابن أبى زيد ، عن ~~عبد العزيز بن أبى سلمة ، فإنه قال : إذا استوقن أنه غرق ، أو قتل ، أو ~~أكلته السباع ، ولم يوجد منه شىء صلى عليه كما فعل - صلى الله عليه وسلم - ~~بالنجاشى ، وبه قال ابن حبيب . وفى نعى النبى للنجاشى ، وقوله : ( أخذ ~~الراية زيد فأصيب ) جواز نعى الميت للناس بخلاف قول من تأول نهى النبى ، - ~~صلى الله عليه وسلم - ، عن النعى ms0880 أنه الإعلام بموت الميت ، روى ذلك حذيفة : ~~( أنه كان إذا مات له ميت ، قال : لا تؤذنوا به أحدا ، فإننى أخاف أن يكون ~~نعيا ، فإنى سمعت رسول الله ينهى عن النعى ) ، وقال بذلك الربيع بن خثيم ، ~~وابن مسعود وعلقمة ، وحديث النجاشى أصح من حديث حذيفة ، وإنما الذى نهى عنه ~~- صلى الله عليه وسلم - فهو نعى الجاهلية وأفعالها ، وفيه علم من أعلام ~~النبوة بإخباره عن الغيب بخبر النجاشى ، وخبر زيد وأصحابه ، وسيأتى القول ~~فى معنى حديث أنس فى كتاب الجهاد ، إن شاء الله . * * * # | 5 - باب الإذن بالجنازة # وقال أبو هريرة : قال - صلى الله عليه وسلم - : ( ألا آذنتمونى ) . / 10 ~~- فيه : ابن عباس ، قال : مات إنسان كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~يعوده ، فمات بالليل فدفنوه ليلا ، فلما أصبح أخبروه ، فقال : ( ما منعكم ~~أن تعلمونى ؟ ) قالوا : كان الليل ، وكانت ظلمة ، فكرهنا أن نشق عليك ، ~~فأتى قبره ، فصلى عليه . الإذن بالجنازة والإعلام بها سنة بخلاف قول من كره ~~ذلك ، روى عن ابن عمر أنه كان إذا مات له ميت تحين غفلة الناس ، ثم خرج ~~PageV03P244 بجنازته . والحجة فى السنة لا فيما خالفها ، وقد روى عن ابن ~~عمر فى ذلك ما يوافق السنة ، وذلك أنه نعى له رافع بن خديج ، قال : كيف ~~تريدون أن تصنعوا به ؟ قالوا : نحبسه حتى نرسل إلى قباء وإلى قرى حول ~~المدينة ليشهدوا ، قال : نعم ما رأيتم . وكان أبو هريرة يمر بالمجالس ، ~~فيقول : إن أخاكم قد مات فاشهدوا جنازته . قال المهلب : وهذا الذى صلى عليه ~~الرسول - صلى الله عليه وسلم - بعد ما دفن إنما فعله لأنه كان يخدم المسجد ~~، وقد روى أبو هريرة فى هذا الحديث : ( أن أسود ، رجل أو امرأة ، كان يكون ~~فى المسجد يقمه فمات ) ، وروى مالك عن ابن شهاب ، عن أبى أمامة بن سهل بن ~~حنيف : أن مسكينة مرضت ، فأخبر رسول الله بمرضها ، وكان يعود المساكين ، ~~وقال : ( إذا ماتت فأذنونى ) ، فخرج بجنازتها ليلا . . . . وذكر الحديث ، ~~فإنما صلى على القبر ، لأنه - صلى الله عليه وسلم - كان وعد ليصلى عليه ~~ليكرمه ms0881 بذلك ، لإكرامه بيت الله تعالى ليحتمل المسلمون من تنزيه المساجد ما ~~ينالون به هذه الفضيلة ، وسيأتى اختلاف العلماء فى الصلاة على القبر بعد ما ~~يدفن فى بابه ، إن شاء الله تعالى . * * * # | 6 - باب فضل من مات له ولد فاحتسب وقول الله : { وبشر الصابرين } [ ~~البقرة : 155 ] # / 11 - فيه : أنس ، قال : قال - صلى الله عليه وسلم - : ( ما من الناس من ~~مسلم يتوفى له ثلاث ، لم يبلغوا الحنث ، إلا أدخله الله الجنة بفضل رحمته ~~إياهم ) . / 12 - وفيه : أبو سعيد ، أن النساء قلن للنبى - صلى الله عليه ~~وسلم - : اجعل لنا PageV03P245 يوما ، فوعظهن ، وقال : ( أيما امرأة مات ~~لها ثلاثة من الولد ، كانوا حجابا من النار ) ، قالت امرأة : واثنان ؟ قال ~~: ( واثنان ) . وقال أبو هريرة : ( لم يبلغوا الحنث ) . / 13 - وفيه : أبو ~~هريرة ، قال - صلى الله عليه وسلم - : ( لا يتوفى لمسلم ثلاثة من الولد ، ~~فيلج النار ، إلا تحلة القسم ) { وإن منكم إلا واردها } [ مريم : 71 ] . ~~قال المهلب : هذه الأحاديث تدل على أن أولاد المسلمين فى الجنة ، وهو قول ~~جمهور العلماء ، وشذت المجبرة فجعلوا الأطفال فى المشيئة ، وهو قول مهجور ~~مردود بالسنة وإجماع الجماعة الذين لا يجوز عليهم الغلط ، لأن يستحيل أن ~~يكون الله تعالى يغفر لآبائهم بفضل رحمته ، ولا يوجب الرحمة للأبناء ، وهذا ~~بين لا إشكال فيه . وسيأتى الكلام فى الأطفال بعد هذا فى موضعه ، إن شاء ~~الله تعالى ، وقد جاء أنه من مات له ولد واحد دخل الجنة ، روى عن الرسول - ~~صلى الله عليه وسلم - أنه قال : ( قال الله عز وجل : ما جزاء عبدى إذا قبضت ~~صفيه من الدنيا فيصبر ويحتسب إلا الجنة ) ، ولا صفى أصفى من الولد . قال ~~عبد الواحد : وقوله - صلى الله عليه وسلم - : ( واثنان ) بعد أن قال : ( ~~ثلاثة ) يحتمل أنه لما قالت له المرأة : أو اثنان ؟ نزل عليه الوحى فى ~~الحين أن يجبيها بقوله : ( واثنان ) ولا يمتنع نزول الوحى على النبى ، - ~~صلى الله عليه وسلم - ، فى أسرع من طرفة العين ، ويدل على ذلك ما ثبت عن ~~النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، أنه لما نزلت ms0882 عليه : { لا يستوى القاعدون ~~من المؤمنين } [ النساء : 95 ] قام إليه ابن أم مكتوم ، فقال : يا رسول ~~الله ، إنى رجل ضرير البصر ، فنزلت : { غير أولى الضرر } [ النساء : 95 ] ، ~~فألحقت بها . PageV03P246 وقوله عليه السلام : ( إلا تحلة القسم ) هو مخرج ~~فى التفسير المسند ، لأن القسم عند العلماء قوله تعالى : { وإن منكم إلا ~~واردها كان على ربك حتما مقضيا } [ مريم : 71 ] هذا قول أبى عبيد يقول : ~~فلا يردها إلا بقدر ما يبر الله قسمه . قال الخطابى : وعارضنا ابن قتيبة ، ~~فقال : هذا حسن من الاستخراج إن كان هذا قسما ، قال : وفيه وجه آخر ، وهو ~~أشبه بكلام العرب ومعانيهم ، وهو إذا أرادوا تقليل مكث الشىء وتقصير مدته ~~شبهوه بتحليل القسم ، وذلك أن يقول للرجل بعده : إن شاء الله فيقولون : ما ~~يقيم فلان عنه إلا تحلة القسم ، وما ينام العليل إلا كتحليل الألية ، مشهور ~~فى كلامهم ، قال : ومعناه أن النار لا تمسه إلا قليلا كتحليل اليمين ، ثم ~~ينجيه الله منها . قال : ولا إشكال أن المعنى ما ذهب إليه أبو عبيد ، إلا ~~أنه أغفل بيان موضع القسم ، فتوهم ابن قتيبة أنه ليس بقسم . وقد جاء ذلك فى ~~حديث مرفوع رواه زبان بن فائد ، عن سهل بن معاذ بن أنس الجهنى ، عن أبيه ، ~~قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( من حرس ليلة وراء عورة ~~المسلمين تطوعا لم ير النار تمسه إلا تحلة القسم ) ، قال الله تعالى : { ~~وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتما مقضيا } [ مريم : 71 ] وفى هذا ما ~~يقطع بصحة قول أبى عبيد . قال الخطابى : وموضع القسم مردود إلى قوله تعالى ~~: { فوربك لنحشرنهم والشياطين ثم لنحضرنهم حول جهنم جثيا } [ مريم : 68 ] ~~الآية ، وفيه وجه آخر وهو أن العرب تحلف وتضمر المقسم به كقوله تعالى : { ~~وإن منكم إلا واردها } المعنى : وإن منكم والله إلا واردها ، وقال الحسن ~~وقتادة : { حتما مقضيا } قسما واجبا ، وهو قول ابن مسعود . PageV03P247 ~~واختلف العلماء فى هذا الورود المذكور فى الآية ، فقال جابر بن عبد الله ~~وابن عباس : لا يبقى بر ولا فاجر ms0883 إلا دخلها ، فتكون على المؤمن بردا وسلاما ~~كما كانت على إبراهيم . وقال آخرون : الورود الممر على الصراط . وروى ذلك ~~عن ابن مسعود ، وكعب الأحبار ، ورواية عن ابن عباس . وقال آخرون : هو خطاب ~~للكفار ، روى ذلك عن ابن عباس ، قال : هو رد على الآيات التى قبلها فى ~~الكفار قوله تعالى : { فوربك لنحشرنهم والشياطين ثم لنحضرنهم حول جهنم جثيا ~~} إلى قوله : { وإن منكم إلا واردها } [ مريم : 68 ، 71 ] . وقال ابن ~~الأنبارى ، وغيره : جائز أن يرجع من مخاطبته الغائب إلى لفظ المواجهة ، ومن ~~المواجهة إلى الغائب ، قال تعالى : { وسقاهم ربهم شرابا طهورا إن هذا كان ~~لكم جزاء } [ الإنسان : 21 ، 22 ] فأبدل الكاف من الهاء ، فعلى هذا صلح أن ~~يكون خطابا للمؤمنين ، وقال مجاهد : الحمى حظ المؤمن من النار . ثم قرأ : { ~~وإن منكم إلا واردها } قال : الحمى فى الدنيا الورود ، فلا يردها فى الآخرة ~~. والحجة له ما رواه أبو أسامة ، عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر ، عن ~~إسماعيل بن عبد الله الأشعرى ، عن أبى هريرة ، قال : عاد رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - وأنا PageV03P248 معه مريضا كان يتوعك ، فقال : ( أبشر ~~فإن الله تعالى يقول : هى نارى أسلطها على عبدى المؤمن لتكون حظه من نار ~~الآخرة ) . وقال صاحب ( العين ) : بلغ الغلام الحنث إذا جرى عليه القلم ، ~~والحنث : الذنب العظيم . * * * # | 7 - باب قول الرجل للمرأة عند القبر اصبرى # / 14 - فيه : أنس ، قال : مر النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، بامرأة ~~عند قبر ، فقال : ( اتقى الله ، واصبرى ) . قال المؤلف : إنما أمرها بالصبر ~~لعظيم ما وعد الله عليه من جزيل الأجر . قال ابن عون : كل عمل له ثواب إلا ~~الصبر ، قال الله تعالى : { إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب } [ الزمر ~~: 10 ] ، فأراد - صلى الله عليه وسلم - ألا تجتمع عليها مصيبتان مصيبة ~~الهلاك ، ومصيبة فقد الأجر الذى يبطله الجزع ، فأمرها بالصبر الذى لابد ~~للجازع من الرجوع إليه بعد سقوط أجره ، وقد أحسن الحسن البصرى فى البيان عن ~~هذا المعنى ، فقال : الحمد لله الذى آجرنا على ما لابد لنا منه ms0884 ، وأثابنا ~~على ما لو تكلفنا سواه صرنا إلى معصيته . فلذلك قال - صلى الله عليه وسلم - ~~لها : ( اتقى الله واصبرى ) ، أى اتقى معصيته بلزوم الجزع الذى يحبط الأجر ~~، واستشعرى الصبر على المصيبة بما وعد الله على ذلك ، وقال بعض الحكماء ~~لرجل عزاه : إن كل مصيبة لم يذهب فرح ثوابها بألم حزنها لهى المصيبة ~~الدائمة ، والحزن الباقى . وفى هذا الحديث دليل على جواز زيارة القبور ، ~~لأن ذلك لو كان PageV03P249 لا يجوز لما ترك - صلى الله عليه وسلم - بيان ~~ذلك ، ولأنكر على المرأة جلوسها عند القبر ، وسيأتى بيان هذا المعنى فى ~~بابه ، إن شاء الله . * * * # | 8 - باب غسل الميت ووضوئه بالماء والسدر # وحنط ابن عمر ابنا لسعيد بن زيد ، وحمله وصلى ، ولم يتوضأ ، وقال ابن ~~عباس : المسلم لا ينجس حيا ولا ميتا . وقال سعد : لو كان نجسا ما مسسته . ~~وقال - صلى الله عليه وسلم - : ( المؤمن لا ينجس ) . / 15 - فيه : أم عطية ~~، دخل علينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين توفيت ابنته ، فقال : ( ~~اغسلنها ثلاثا ، أو خمسا ، أو أكثر من ذلك ، إن رأيتن ذلك بماء وسدر ، ~~واجعلن فى الآخرة كافورا ، أو شيئا من كافور ، فإذا فرغتن ، فآذننى ، فلما ~~فرغنا آذناه ، فأعطانا حقوه ، فقال : أشعرنها إياه ، تعنى إزاره ) . وترجم ~~له : ( باب يجعل الكافور فى آخره ) . قال ابن المنذر : السنة أن يغسل الميت ~~بالماء والسدر غسلا ، ولا معنى لطرح ورقات من السدر فى الماء كفعل العامة ، ~~لأن الغسل إنما يقع بالسدر المضروب بالماء ، وأنكر أحمد الورقات التى ~~يطرحها العامة فى الماء . جمهور العلماء على أن يغسل الميت الغسلة الأولى ~~بالماء ، والثانية بالماء والسدر ، والثالثة بماء فيه كافور ، وروى قتادة ~~عن ابن سيرين أنه كان يأخذ الغسل من أم عطية فيغسل بالماء والسدر مرتين ، ~~والثالثة بماء فيه كافور ، ومنهم من يذهب إلى أن الغسلات كلها بالماء ~~والسدر على ظاهر قوله - صلى الله عليه وسلم - : ( اغسلنها ثلاثا ، أو خمسا ~~، أو أكثر من ذلك بماء وسدر ) ، وهو قول أحمد ، ورووا فى حديث : ( أن النبى ~~، - صلى الله عليه وسلم ms0885 - ، غسل ثلاث غسلات كلهن بالماء والسدر ) . ~~PageV03P250 وكان إبراهيم النخعى لا يرى الكافور فى الغسلة الثالثة ، وإنما ~~الكافور عنده فى الحنوط ، وإليه ذهب أبو حنيفة وأصحابه ، ولا معنى لقولهم ، ~~لقوله - صلى الله عليه وسلم - : ( اجعلن فى الآخرة كافورا ) وعلى هذا أكثر ~~السلف . وقيل : إن الكافور بسبب الملائكة . وفى أمره - صلى الله عليه وسلم ~~- باستعمال الكافور دليل على جواز استعمال المسك ، وكل ما جانسه من الطيب ~~فى الحنوط ، وأجاز المسك أكثر العلماء ، وأمر على بن أبى طالب أن يجعل فى ~~حنوطه ، وقال : هو من أفضل حنوط النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، واستعمله ~~أنس ، وابن عمر ، وسعيد بن المسيب ، وهو قول مالك ، والشافعى ، وأحمد ، ~~وإسحاق . وكرهه عمر بن الخطاب ، وعطاء ، والحسن ، ومجاهد ، وقال عطاء ، ~~والحسن : إنه ميتة . وفى استعمال النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، له فى ~~حنوطه الحجة على من كرهه . واختلف الصحابة فى غسل من غسل ميتا ، فروى عن ~~على بن أبى طالب ، وأبى هريرة أن عليه الغسل . وهو قول ابن المسيب ، وابن ~~سيرين ، والزهرى ، وهى رواية ابن القاسم ، عن مالك فى ( العتبية ) ، قال : ~~وعليه أدركت الناس . ولم أره يأخذ بحديث أسماء بنت عميس . وقالت طائفة : لا ~~غسل عليه . روى ذلك عن ابن مسعود ، وسعد ، وابن عمر ، وابن عباس ، وجابر ، ~~ومن التابعين : القاسم ، وسالم ، والنخعى ، والحسن البصرى ، وهو قول أبى ~~حنيفة وأصحابه والليث ، وحكى ابن حبيب ، عن مالك أنه لا غسل عليه ، وبه قال ~~الشافعى ، وأحمد ، وإسحاق ، وأبو ثور ، واحتج ابن حبيب بحديث أسماء بنت ~~عميس : ( أنها غسلت أبا بكر الصديق بعد موته ، فلما فرغت من غسله سألت من ~~حضر من المهاجرين والأنصار هل عليها غسل ؟ قالوا : لا ) . قال ابن القصار : ~~واختلف العلماء فى ابن آدم إذا مات ، فقالت PageV03P251 طائفة : ينجس ~~بالموت . وقالت طائفة : لا ينجس . وليس لمالك فيه نص ، وقد رأيته لبعض ~~أصحابه أنه طاهر ، وهو الصواب ، واختلف فيه قول الشافعى ، والدليل على ~~طهارته أن النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، قبل عثمان بن مظعون لما مات ~~والدموع تسيل على خديه ، ولو ms0886 كان نجسا لم يجز أن يفعل الرسول - صلى الله ~~عليه وسلم - هذا ، وخاصة فإن الدموع إذا سالت عليه وهو نجس لم يجز أن ~~تلاصقها بشرة الحى ، لأنها تصير نجسة رطبة . وقد قال - صلى الله عليه وسلم ~~- : ( المؤمن لا ينجس ) ، وهو بعد موته مؤمن كما كان فى حياته ، فثبتت ~~طهارته كما قال ابن عباس . قال عبد الواحد : فإن قيل : فقد صح أن المؤمن لا ~~ينجس ، وأن المؤمن قد سقطت عنه العبادة بعد موته ، فما وجه غسل الميت الذى ~~ليس بنجس ولا متعبد ، وما معنى غسله ثلاثا ؟ قيل : يحتمل أن يكون معنى غسله ~~، والله أعلم ، أنه تنظيف لمباشرة الملائكة إياه ، وللقائه لله تعالى ، ~~ولذلك يجعل له الكافور ليلقاه طيب الرائحة ، وأمر أن يغسل ثلاثا ، أو خمسا ~~، وليس التحديد فى ذلك بواجب ، وإنما أريد بالغسل الإنقاء ، لقوله - صلى ~~الله عليه وسلم - : ( أو أكثر من ذلك إن رأيتن ) . فإن قيل : إن واحدة ~~تكفيه ، فما معنى الثلاث والخمس ؟ . قيل : للمبالغة فى غسله ، ليلقى الله ~~بأكمل الطهارات . فإن قيل : فماذا يطهر إذا لم يعلم به جنابة ، ولا حيض ~~بالمرأة ، ولا بجسدها نجاسة ؟ فالجواب : أنه يجوز أن يكون به جنابة لا ~~نعلمها من احتلام وغيره ، ويغشاه الموت فيموت جنبا ، أو يمس جسده فى مرضه ~~شىء من النجاسات ، ولا يعلم ذلك ، فوجب أن يؤخذ له بالوثيقة ويحتاط له ، ~~ليوقن له أنه لقى الله طاهرا ، والله أعلم . وقد قال سعيد بن المسيب ، ~~والحسن البصرى : إن كل ميت يجنب ، PageV03P252 ولو مات وهو طاهر من ذلك كله ~~لكان تطهيره حسنا ، إذ قد يكون به رائحة عرق ذفر من المرض ، أو مهنة ، ~~لبعده عن الغسل ، كما أمر الرسول ، - صلى الله عليه وسلم - ، بالغسل يوم ~~الجمعة لمن ليس بجنب ولا عليه نجاسة إلا زيادة فى التطهير لمناجاة ربه يوم ~~الجمعة ، فالميت أحوج إلى ذلك للقاء الله تعالى ، وللقاء الملائكة . * * * # | 9 - باب ما يستحب أن يغسل وترا # / 16 - فيه : أم عطية ، قالت : قال النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، ~~ونحن نغسل ابنته : اغسلنها ثلاثا ، أو ms0887 خمسا ، أو أكثر من ذلك بماء وسدر . . ~~. . ) الحديث . وفى حديث حفصة : ( اغسلنها وترا ، ثلاثا أو خمسا أو سبعا ) ~~. قال ابن المنذر : فى حديث أم عطية دليل على أن أقل ما يغسل الميت ثلاث ، ~~وعلى أن الغاسل إذا رأى غسله أكثر من ثلاث ألا يغسله إلا وترا ، ومعنى أمره ~~بالوتر ، والله أعلم ، ليستشعر المؤمن فى أعماله أن الله تعالى وحده لا ~~شريك له كما قال - صلى الله عليه وسلم - لسعد حين رآه يشير بأصبعين فى ~~دعائه : ( أحد أحد ) . ولا يحفظ ذكر السبع فى حديث أم عطية إلا من رواية ~~حفصة بنت سيرين عنها ، ولم يروا ذلك محمد بن سيرين عن أم عطية إلا أنه روى ~~هذه الألفاظ عن أخته ، عن أم عطية ، وروى سائر الحديث عن أم عطية . وقال ~~مالك ، والشافعى : يغسل الميت ثلاثا أو خمسا . وقال عطاء : أو سبعا ، وقال ~~أحمد : لا يزاد على سبع . وقال الشافعى : PageV03P253 لا يقتصر عن ثلاث . ~~وروى ابن وهب عن مالك أنه ليس لغسل الميت عندنا شىء موصوف ، ولكنه يغسل ~~ويطهر ، وأحب إلى أن يغسل ثلاثا ، أو خمسا ، كما قال - صلى الله عليه وسلم ~~- . وقال أبو حنيفة : إذا زاد على الثلاثة سقط الوتر . وهذا خلاف للحديث ، ~~وذهب الكوفيون ، والثورى ، ومالك ، والمزنى أنه إذا خرج منه حدث بعد تمام ~~غسله غسل ذلك الموضع ، ولم يعد غسله ، لأنها عبادة على الحى قد أداها ، ~~وليس على الميت عبادة . وقال الشافعى : إن خرج منه شىء بعد الغسلة الثالثة ~~أعيد غسله . وقال أحمد : يعاد غسله إذا خرج منه شىء إلى سبع غسلات ، ولا ~~يزاد عليها . والقول الأول أولى ، لأنه لو خرج من الحى بعد الغسل حدث لم ~~ينتقض غسله ، ولا يكون حكم الميت أكثر من حكم الحى . * * * # | 10 - باب يبدأ بميامن الميت ومواضع الوضوء # / 17 - فيه : أم عطية ، قال النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، فى غسل ~~ابنته : ( ابدأن بميامنها ، ومواضع الوضوء منها ) . واستحب العلماء أن يبدأ ~~بميامن الميت ، ومواضع الوضوء ، لفضل الميامن وفضل أعضاء الوضوء ، لأن ~~الغرر والتحجيل يكون فيها ms0888 ، وقال ابن سيرين : يبدأ بمواضع الوضوء ثم ~~بميامنه . وقال أبو قلابة : يبدأ بالرأس واللحية ، ثم الميامن . واختلف ~~الفقهاء فى وضوء الميت ، وفى غسله ، فقال مالك : إن وضئ فحسن . وقال أبو ~~حنيفة : لا يوضأ ، لأن العبادة ساقطة عنه والتكليف ، ولأن المضمضة أن يمج ~~ذلك من فيه ، والاستنشاق لمن له نفس يجذبه ، والميت لا يقدر على ذلك . وقال ~~الشافعى : يوضأ قبل غسله . PageV03P254 قال ابن القصار : والحجة لقول مالك ~~أنه قد ثبت وجوب غسله كالجنب ، فلما كان وضوء الجنب عند الغسل مستحبا ، ~~كذلك هذا ، ولما كان الحى يتوضأ فى غسله ليلقى ربه فى أعلى مراتب الطهارة ، ~~كان فى الميت الذى حصل فى أول منازل الآخرة أولى أن يلقى ربه فى أعلى مراتب ~~الطهارة أيضا . وقول الكوفيين : إن العبادة ساقطة عنه ، وقد تعبدنا نحن ~~بتطهيره ، والمضمضة للتنظيف ، ونحن نفعلها كما نغسل المواضع الغامضة منه ، ~~فإن ترك وضوؤه فلا بأس ، لأن الرسول - صلى الله عليه وسلم - قال : ( وأى ~~وضوء أعم من الغسل ) . * * * # | 11 - باب هل تكفن المرأة فى إزار الرجل # / 18 - فيه : أم عطية ، قالت : قال النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، فى ~~غسل ابنته : ( فإذا فرغتن ، فآذننى ) ، فلما فرغنا آذناه ، فنزع إزاره من ~~حقوه ، وقال : ( أشعرنها إياه ) . لا خلاف بين العلماء أنه يجوز أن تكفن ~~المرأة فى ثوب الرجل ، والرجل فى ثوب المرأة ، قال ابن المنذر : أكثر ~~العلماء يرى أن تكفن المرأة فى خمسة أثواب . وفى المجموعة قال ابن القاسم : ~~الوتر أحب إلى مالك فى الكفن ، وإن لم يوجد للمرأة إلا ثوبان لفت فيهما . ~~وقال أشهب : لا بأس بالأكفان فى ثوب الرجل والمرأة . وقال ابن شعبان : ~~المرأة فى عدد أثواب الأكفان أكثر من الرجل ، وأقله لها خمسة . وقال أبو ~~حنيفة وجماعة : أدنى ما تكفن فيه المرأة ثلاثة أثواب ، والسنة فيها خمسة . ~~وقال ابن المنذر : درع وخمار ولفافتان ، لفافة تحت الدرع تلف بها ، وأخرى ~~فوقه ، وثوب لطيف يشد على وسطها يجمع ثيابها . PageV03P255 وقوله : ( ~~أشعرنها إياه ) أى اجعلنه يلى جسدها ، والشعار الثوب الذى يلى الجسد عند ~~العرب ms0889 ، وسيأتى تفسير الحقو فى باب الإشعار للميت ، إن شاء الله تعالى . * ~~* * # | 12 - باب نقض شعر المرأة # وقال ابن سيرين : لا بأس أن ينقض شعر المرأة . / 19 - فيه : أم عطية ، ~~أنهن جعلن رأس بنت الرسول ثلاثة قرون ، نقضنه ، ثم غسلنه ، ثم جعلنه ثلاثة ~~قرون . ناصيتها وقرنيها . وترجم له باب : ( يجعل شعر المرأة ثلاثة قرون ) ، ~~وباب : ( يلقى شعر المرأة خلفها ) ، وزاد فيه : ( فضفرنا شعرها ثلاثة قرون ~~فألقيناه خلفها ) . معنى نقض شعر المرأة ، والله أعلم ، لكى يبلغ الماء ~~البشرة ، ويعم الماء جميع جسدها ، وتضفير شعرها بعد ذلك أحسن من استرساله ~~وانتشاره ، لأن التضفير يجمعه ويضمه . وقال الشافعى ، وأحمد : يضفر رأس ~~المرأة ثلاثة قرون : ناصيتها وقرنيها ، ثم يلقى خلفها على حديث أم عطية . ~~وهو قول ابن حبيب . وقال ابن القاسم فى العتبية : يلف شعر المرأة ، وأما ~~الضفر فلا أعرفه . وقال الكوفيون : يرسل من بين يديها من الجانبين جميعا ، ~~ثم يسدل الخمار عليه . وقال الأوزاعى : ليس مشط رأس الميتة بواجب ، ولكن ~~يفرق شعرها وترسله مع خديها . وقول من تابع الحديث أولى ، ولا حجة لمن ~~خالفه . PageV03P256 # | 13 - باب كيف الإشعار للميت ؟ # وقال الحسن : الخرقة الخامسة تشد بها الفخذين والوركين تحت الدرع . / 20 ~~- وفيه : أم عطية ، دخل علينا الرسول - صلى الله عليه وسلم - ونحن نغسل ~~ابنته ، فقال : ( اغسلنها ثلاثا ، أو خمسا ، أو أكثر من ذلك ، إن رأيتن ذلك ~~بماء وسدر ، واجعلن فى الآخرة كافورا ، فإذا فرغتن ، فآذننى ) ، قالت : ~~فلما فرغنا ، ألقى إلينا حقوه ، فقال : ( أشعرنها إياه ) . ولم يزد على ذلك ~~، ولا أدرى أى بناته . وزعم ابن سيرين أن الإشعار : الففنها فيه ، وكذلك ~~كان ابن سيرين يأمر بالمرأة أن تشعر ولا تؤزر . وقوله : ( أشعرنها إياه ) ، ~~فإنه أراد اجعلنه على جسدها ، ومنه قوله - صلى الله عليه وسلم - : ( ~~الأنصار شعار ، والناس دثار ) ، وقال ابن جريج : قلت لعطاء : ما معنى ~~أشعرنها إياه ، أتؤزر ؟ قال : لا أراه إلا : الففنها فيه . كقول ابن سيرين ~~. قال المؤلف : فإذا لفت فيه مما يلى جسمها منه فهو شعار لها ، وما فضل منه ~~فتكرير لفه عليها أستر ms0890 لها من أن تؤزر فيه مطلقا دون أن يلف عليها ما فضل ~~منه ، فلذلك فسر أن الإشعار أريد به لفها فى الإزار ، وكان ابن سيرين أعلم ~~التابعين ، بغسل الموتى ، هو وأيوب بعده . قال المهلب : وإنما أعطاها إزاره ~~تبركا بالنبى ، و ( الحقو ) فى اللغة موضع عقد الإزار من الرجل وهو الخصر ، ~~وقال صاحب العين : هو الكشح والجمع أحقاء ، والحقو أيضا الإزار . روى هذا ~~كله فى الحديث ، ففى هذا الحديث سمى الإزار حقوا . PageV03P257 وفى باب : ~~هل تكفن المرأة فى إزار الرجل ، سمى الحقو موضع عقد الإزار ، فقال : ( فنزع ~~من حقوه إزاره ) ، فهذا شاهد لأهل اللغة ، وقد استدل قوم من هذا الحديث أن ~~غسل النساء للمرأة أولى من غسل زوجها لها ، وهذا قول الشعبى ، وأبى حنيفة ، ~~والثورى . وقالوا : إنما لم يجز غسلها ، لأنه ليس فى عدة منها ، ولو ماتت ~~هى لم يمتنع من التزويج عقيب موتها ، ولو مات هو لمنعت من التزويج حتى تخرج ~~من عدتها . وقال مالك ، والأوزاعى ، والشافعى ، وأحمد ، وإسحاق : يغسل ~~الرجل امرأته إذا ماتت ، واحتجوا بأن فاطمة بنت النبى - صلى الله عليه وسلم ~~- أوصت إلى زوجها على أن يغسلها . وكان هذا بحضرة الصحابة ، ولم ينكره منهم ~~أحد ، فصار إجماعا . واعتل الكوفيون بأن لزوجها أن يتزوج أختها ، فلذلك لا ~~يغسلها ، لأنه إذا غسلها وقد تزوج أختها فقد جمع بينهما ، وهذا لا حجة فيه ~~، لأنها فى حكم الزوجة بدليل الموارثة ، لا فى حكم المبتوتة ، ويجوز لكل ~~واحد منهما من صاحبه من النظر والمباشرة ما لا يجوز لغيرهما . وقال ابن ~~القصار : والجمع بين الأختين إنما حرم منه الجمع بينهما بعقد النكاح والنظر ~~إلى كل واحدة منهما بعين الشهوة واللذة ، وهذا غير موجود فى مسألتنا ، وأما ~~إذا نظر إلى إحداهما على طريق الحرمة المتقدمة ، فهو جائز كمن ينظر إلى ~~أختيه من الرضاع ، وإلى أختين مملوكتين . وأما غسل المرأة زوجها فهو إجماع ~~لا خلاف فيه . وقول المحدث : لا أدرى أى بناته . فقد روى عبد الرزاق ، عن ~~هشام بن حسان ، عن حفصة بنت سيرين ، عن أم ms0891 عطية ، قالت : PageV03P258 توفيت ~~زينب بنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فقال رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - : ( اغسلنها ثلاثا ، أو خمسا ) ، وقال بعض أهل السير : هى أم ~~كلثوم . * * * # | 14 - باب الثياب البيض للكفن # / 21 - فيه : عائشة ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كفن فى ثلاثة ~~أثواب يمانية بيض سحولية من كرسف ، ليس فيها قميص ولا عمامة . وترجم له باب ~~: ( الكفن بغير قميص ) ، وباب : ( الكفن بغير عمامة ) . قال ابن المنذر : ~~وروى عن الرسول - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : ( خير ثيابكم البياض ، ~~فألبسوها أحياءكم ، وكفنوا بها موتاكم ) ، والسحولية : البيض ، والسحل : ~~الثوب الأبيض ، وقيل : إن ( سحول ) قرية باليمن تصنع ثياب القطن ، وتنسب ~~إليها ، والكرسف : القطن ، والفقهاء يستحبون فى الكفن ما فى هذا الحديث ، ~~ولا يرون فى الكفن شيئا واجبا لا يتعدى ، وما ستر العورة أجزأ عندهم . قال ~~مالك : ليس فى كفن الميت حد ، ويستحب الوتر ، وقال مرة : لا أحب أن يكفن فى ~~أقل من ثلاثة أثواب . وقال ابن القصار : لا يستحب القميص فى الكفن ، والسنة ~~تركه . وبه قال الشافعى . وروى يحيى عن ابن القاسم فى العتبية أنه لا يقمص ~~الميت ، ولا يعمم ، ويدرج فى ثلاثة أثواب بيض إدراجا ، كما فعل النبى ، - ~~صلى الله عليه وسلم - ، وكان جابر بن عبد الله ، وعطاء لا يعممان الميت . ~~وقالت طائفة : لا بأس بالقميص ، والعمامة فى الكفن . روى ذلك عن ابن عمر . ~~وقال ابن حبيب : استحب مالك للرجل خمسة أثواب يعد فيها PageV03P259 القميص ~~والعمامة والمئزر ، ويلف فى ثوبين ، وقال فى المدونة : من شأن الميت أن ~~يعمم عندنا . وقال أبو حنيفة : لا بأس أن يكفن فى قميص . قال أبو عبد الله ~~بن أبى صفرة : قوله : ( ليس فيها قميص ولا عمامة ) يدل أن القميص الذى غسل ~~فيه الرسول - صلى الله عليه وسلم - نزع عنه حين كفن ، لأنه إنما قيل : لا ~~تنزعوا القميص ليستر به ، ولا يكشف جسده ، فلما ستر بالكفن استغنى عن ~~القميص ، ولو لم ينزع القميص حين كفن لخرج عن حد الوتر الذى أمر به النبى ms0892 ، ~~- صلى الله عليه وسلم - ، واستحسنه فى غير ما شىء استشعارا للتوحيد ، وكانت ~~تكون أربعة بالثوب المبلول ، ويستبشع أن يكفن على قميص مبلول . فإن قيل : ~~فقد روى يزيد بن أبى زياد ، عن مقسم ، عن ابن عباس ، قال : ( كفن رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - فى ثلاثة أثواب : قميصه الذى مات فيه ، وحلة ~~نجرانية ) . قيل : هذا حديث انفرد به يزيد بن أبى زياد ، وهو لا يحتج به ~~لضعفه ، وحديث عائشة أصح ، الذى نفت عنه القميص . * * * # | 15 - باب الكفن فى ثوبين # / 22 - فيه : ابن عباس ، بينا رجل واقف بعرفة ؛ إذ وقع عن راحلته فوقصته ~~، قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : ( اغسلوه بماء وسدر ، وكفنوه فى ~~ثوبين ، ولا تحنطوه ، ولا تخمروا رأسه ، فإنه يبعث يوم القيامة ملبيا ) . ~~وترجم له باب : ( الحنوط للميت ) ، وقال فيه : ( فأقصعته ، أو قال : ~~فأقعصته ) ، وترجم له باب : ( كيف يكفن المحرم ) . قال المؤلف : قال مالك ، ~~وأبو حنيفة : لا أحب لأحد أن يكفن فى أقل من ثلاثة أثواب ، وإن كفن فى ~~ثوبين فحسن على ظاهر قوله PageV03P260 عليه السلام : ( كفنوه فى ثوبيه ، ~~ولا تمسوه طيبا ، ولا تخمروا رأسه ) ، وإنما ترجم له باب الحنوط للميت ، ~~لأنه لما قال فى هذا الحديث : ( لا تحنطوه ) ، وكان محرما استدل البخارى من ~~هذا أنه إذا لم يكن محرما أنه يحنط . واختلف العلماء كيف يكفن المحرم ، ~~فقال الشافعى ، وأحمد بن حنبل : يكفن المحرم ، ولا يغطى رأسه ، ولا يقرب ~~طيبا ، لأن حكم إحرامه باق . وهو قول على ، وابن عباس على ظاهر هذا الحديث ~~. وقال مالك ، وأبو حنيفة ، والأوزاعى : يفعل بالمحرم ما يفعل بالحلال . ~~وهو قول عثمان ، وعائشة ، وابن عمر . قال ابن القصار : والحجة لهذا القول ~~قوله - صلى الله عليه وسلم - : ( إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث . ~~. . . ) ، فدل أن بموته تنقطع العبادة ، وقد كفن ابن عمر ابنه ، وخمر رأسه ~~يوم مات ، وهو محرم ، وقال : لولا أنا حرم لطيبناه ، وهذا يدل أن الحديث ~~خاص فى ذلك الرجل بعينه . قوله - صلى الله عليه وسلم - : ( فإنه يبعث يوم ~~القيامة ملبيا ) ، كما ms0893 قال فى الشهداء ، فإن الشهيد يبعث يوم القيامة اللون ~~لون الدم ، والريح ريح مسك ، فأخبر عن حال كل من استحق الشهادة ، ثم خص ~~جعفر لما قطعت يداه ، فقال : ( له جناحان يطير بهما فى الجنة ) ، ولم يقل ~~ذلك فى غيره ممن قطعت يداه من الشهداء ، فلذلك خص ذلك المحرم الذى وقص دون ~~غيره . ويمكن أن يكون ذلك خصوصا له من أجل أن الله تقبل حجه ، ولا يعلم أحد ~~بعد الرسول هل تقبل الله حج غيره ممن يموت محرما ؟ PageV03P261 ولذلك غسل ~~ابن عمر ابنه بالجحفة ، وخمر رأسه ووجهه ، إذ لم يعلم هل تقبل الله حجه ؟ ~~ويدل على ذلك قوله - صلى الله عليه وسلم - : ( كل كلم يكلمه المسلم فى سبيل ~~الله ، والله أعلم بمن يكلم فى سبيله ) ، فأخبر أن ليس كل مكلوم يأتى جرحه ~~اللون لون دم والريح ريح مسك ، وإنما ذلك لمن خلصت نيته وجهاده لله ، لا ~~لجميع المكلومين . وقال ابن المنذر فى قوله : ( كفنوه فى ثوبيه ) دليل أن ~~الكفن من رأس المال . وقوله : ( فوقصته ) تقول للعرب : وقص الشىء وقصا كسر ~~. ولم أجد فى اللغة ( أوقصه ) اللفظة التى شك فيها المحدث ، والقصع : القتل ~~، والماء يقصع العطش ، أى يقتله وقصع القملة : قتلها ، والقعص : القتل ~~المعجل . * * * # | 16 - باب الكفن فى القميص الذى يكف أو لا يكف # / 23 - فيه : ابن عمر ، أن عبد الله بن أبى لما توفى جاء ابنه إلى النبى ~~- صلى الله عليه وسلم - ، فقال : أعطنى قميصك أكفنه فيه ، وصل عليه ، ~~واستغفر له ، فأعطاه قميصه ، فقال : آذنى أصلى عليه ، فآذنه ، فلما أراد أن ~~يصلى عليه ، جذبه عمر ، فقال : أليس الله نهاك أن تصلى على المنافقين ؟ ~~فقال : ( أنا بين خيرتين ) الحديث . / 24 - وفيه : جابر ، أتى النبى ، - ~~صلى الله عليه وسلم - ، عبدالله بن أبى بعد ما دفن ، فأخرجه ، فنفث فيه من ~~ريقه ، وألبسه قميصه . قال المؤلف : فى هذين الحديثين دليل على جواز الكفن ~~فى القميص على ما ذهب إليه أبو حنيفة ، واحتج أصحابه بقصة عبد الله ~~PageV03P262 ابن أبى هذه . وقال أصحاب مالك : إنما دفع النبى ms0894 ، - صلى الله ~~عليه وسلم - ، إليه القميص ، لأنه كانت لعبد الله بن أبى يد عند النبى - ~~صلى الله عليه وسلم - ، وذلك أن يوم بدر أتى بأسارى ، وكان العباس فى ~~جملتهم ، ولم يكن عليه ثوب ، فنظر النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، له ~~قميصا ، فوجدوا قميص عبد الله بن أبى يقدر عليه ، فكساه النبى إياه ، قال ~~ابن عيينة : فكافأه الرسول - صلى الله عليه وسلم - بأن كفنه فى قميصه رجاء ~~أن يخفف عنه من عذابه ما دام ذلك القميص عليه ، ورجاء أن يكون معتقدا لبعض ~~ما كان يظهره من الإسلام فينفعه الله بذلك ، ويدل على ذلك أن الله إنما ~~أعلمه بأمره ، ونهاه عن الصلاة عليه ، وعلى غيره بعدما صلى عليه ، وأما حين ~~صلى عليه لم يعلم حقيقة أمره ولا باطنه . قال المهلب : وقوله فى الترجمة : ~~الكفن فى القميص الذى يكف أولا يكف . إنما صوابه ( يكفى ) بإثبات الياء ، ~~ومعناه طويلا كان ذلك القميص أو قصيرا ، فإنه يجوز الكفن فيه ، وكان عبد ~~الله بن أبى طويلا ، ولذلك كسا العباس قميصه ، وكان العباس بائن الطول . * ~~* * # | 17 - باب الكفن من جميع المال # وبه قال عطاء والزهرى ، وعمرو بن دينار ، وقتادة ، وقال عمرو بن دينار : ~~الحنوط من جميع المال ، وقال إبراهيم : يبدأ بالكفن ، ثم بالدين ، ثم ~~بالوصية ، وقال سفيان : أجر القبر والغسل هو من الكفن . / 25 - فيه : أن ~~عبدالرحمن بن عوف أتى يوما بطعام ، فقال : قتل مصعب ابن عمير ، وكان خيرا ، ~~منى ، فلم نجد له ما يكفن فيه إلا بردة ، وقتل حمزة ، PageV03P263 أو رجل ~~آخر ، خير منى ، فلم يوجد له ما يكفن فيه إلا بردة ، لقد خشيت أن يكون قد ~~عجلت لنا طيباتنا فى حياتنا الدنيا ، ثم جعل يبكى . وترجم له باب ( إذا لم ~~يوجد إلا ثوب واحد ) . ذهب جمهور العلماء إلى أن الكفن من رأس المال ، ولا ~~يلتفت إلى شذوذ من شذ ، فقال : إنه من الثلث . يروى ذلك عن جلاس بن عمرو ، ~~وروى فيه عن طاوس شذوذ آخر ، قال : إن كان المال كثيرا فهو من رأس المال ، ~~وإن ms0895 كان يسيرا فهو من الثلث . وهذا الحكم لا دليل عليه . قال المهلب : ~~والحجة الواضحة للجماعة أن مصعب بن عمير ، وحمزة لم يوجد لكل واحد منهما ما ~~يكفن فيه ، إلا بردة قصيرة ، كفنه فيها رسول الله ، ولم يلتفت إلى غريم ولا ~~إلى وصية ، ولا وارث ، وبداه على ذلك كله ، فدل أنه من رأس المال ، وقاله ~~ابن المنذر . وفيه : جواز التكفين فى ثوب واحد عند عدم غيره كما ترجم له ، ~~والأصل فى ذلك ستر العورة ، وإنما استحب لهما النبى ، - صلى الله عليه وسلم ~~- ، التكفين فى تلك الثياب التى ليست بسابغة لأنهم فيها قتلوا ، وفيها ~~يبعثون إن شاء الله . واختلفوا فى كفن المرأة ذات الزوج تموت ، فقال الشعبى ~~، وأحمد بن حنبل : كفنها من مالها . وقال مالك : كفنها على زوجها إن لم يكن ~~لها مال . وقال ابن الماجشون : هو على الزوج ، وإن كان لها مال كالنفقة . ~~قال ابن حبيب ، عن مالك مثل قول ابن الماجشون . وقال أصبغ : لا يكفنها ~~فقيرة كانت أو ملية . PageV03P264 وفى حديث عبد الرحمن من الفقه أن العالم ~~ينبغى له أن يذكر بسير الصالحين ، وتقللهم من الدنيا لتقل رغبته فيها ، ~~ويبكى من تأخر لحاقه بالأخيار ويشفق من ذلك ، ألا ترى أنه بكى وترك الطعام ~~. وفيه : أنه ينبغى للمرء أيضا أن يذكر نعم الله عنده ، ويعترف بالتقصير عن ~~أداء شكرها ، ويتخوف أن يقاص بها فى الآخرة ، ويذهب سعيه فيها . وقال عبد ~~الواحد : إن قال قائل : لم بكى عبد الرحمن وقد ضمن له النبى الجنة ، وهو ~~أحد العشرة ؟ قيل له : كان الصحابة مشفقين خائفين من طول الحساب والوقوف له ~~، مستصغرين لأنفسهم ، راغبين فى إعلاء الدرجات ، وإن كانت الجنة قد ضمنت ~~لهم ، فلذلك كانوا يبكون خوفا من التأخر عن اللحاق بالدرجات العلى ، ومن ~~طول الحساب ، والله أعلم . * * * # | 18 - باب إذا لم يجد كفنا إلا ما يوارى به رأسه أو قدميه غطى رأسه # / 26 - فيه : خباب ، هاجرنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نلتمس ~~وجه الله ، فوقع أجرنا على الله ، فمنا من مات لم ms0896 يأكل من أجره شيئا ، منهم ~~مصعب بن عمير ، ومنا من أينعت له ثمرته ، فهو يهدبها ، قتل يوم أحد ، فلم ~~نجد ما نكفنه إلا بردا ، إذا غطينا بها رأسه خرجت رجلاه ، وإذا غطينا رجليه ~~خرج رأسه ، فأمرنا - صلى الله عليه وسلم - أن نغطى رأسه ، وأن نجعل على ~~رجليه من الإذخر . PageV03P265 قال ابن المنذر : وفيه دليل أن الثوب إذا ~~ضاق فتغطية رأس الميت أولى أن يبدأ به من رجليه . وقال المهلب : إنما أمره ~~- صلى الله عليه وسلم - بتغطية الأفضل إذا أمكن ذلك بعد ستر العورة ، ولو ~~ضاق الثوب عن تغطية رأسه وعورته لغطيت بذلك عورته ، وجعل على سائره من ~~الإذخر ، لأن ستر العورة واجب فى حال الموت والحياة ، والنظر إليها ~~ومباشرتها باليد تحرم إلا من أحل الله له ذلك من الزوجين . وفى هذا الحديث ~~ما كان عليه صدر هذه الأمة من الصدق فى وصف أحوالهم ، ألا ترى إلى قوله : ( ~~فمنا من لم يأكل من أجره شيئا ) ، يعنى يكسب من الدنيا شيئا ، ولا اقتناه ، ~~وقصر نفسه عن شهواتها لينالها متوفرة فى الآخرة ، و ( منا من أينعت له ~~ثمرته ) ، يعنى من كسب المال ، ونال من عرض الدنيا . وفى هذا الحديث أن ~~الصبر على مكابدة الفقر وصعوبته من منازل الأبرار ودرجات الأخيار . وقوله : ~~( يهدبها ) يقال : هدبت الثمرة : جنيتها ، وهدبت كل حلوبة : حلبتها بأطراف ~~الأصابع . * * * # | 19 - باب من استعد الكفن فى زمن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلم ~~ينكر عليه # / 27 - فيه : سهل بن سعد ، أن امرأة جاءت النبى - صلى الله عليه وسلم - ~~ببردة منسوجة فيها حاشيتها ، قالت : نسجتها بيدى ، فجئت لأكسوكها ، فأخذها ~~النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، محتاجا إليها ، فخرج إلينا وإنها إزاره ، ~~فحسنها فلان ، فقال : اكسنيها ، ما أحسنها ، قال القوم : ما أحسنت ، لبسها ~~النبى ، - عليه PageV03P266 السلام - ، محتاجا إليها ، ثم سألته ، وعلمت ~~أنه لا يرد قال : إنى والله ما سألته لألبسه ، إنما سألته لتكون كفنى . قال ~~سهل : فكانت كفنه . فيه من الفقه : جواز إعداد الشىء قبل الحاجة إليه ، وقد ~~حفر قوم من الصالحين قبورهم ms0897 بأيديهم ليمثلوا حلول الموت فيهم ، وأفضل ما ~~ينظر فيه فى وقت المهل وفسحة الأجل الاستعداد للمعاد ، وقد قال - صلى الله ~~عليه وسلم - : ( أفضل المؤمنين إيمانا أكثرهم للموت ذكرا ، وأحسنهم له ~~استعدادا ) . قال المهلب : وفيه قبول السلطان للهدية من الفقير . وفيه ترك ~~مكافأته عليها بخلاف قول من قال إن هدية الفقير للمكافأة . وفيه أنه يسأل ~~السلطان الفاضل والرجل العالم الشىء الذى له القيمة للتبرك به . * * * # | 20 - باب اتباع النساء الجنائز # / 28 - فيه : أم عطية ، نهينا عن اتباع الجنائز ، ولم يعزم علينا . قال ~~ابن المنذر : روينا عن ابن مسعود ، وابن عمر ، وأبى أمامة ، وعائشة أنهم ~~كرهوا للنساء اتباع الجنائز ، وكره ذلك أبو أمامة ، ومسروق ، والنخعى ، ~~والحسن ، ومحمد بن سيرين ، وهو قول الأوزاعى ، وأحمد ، وإسحاق ، وقال ~~الثورى : اتباع النساء الجنازة بدعة . وروى جواز اتباع النساء الجنازة عن ~~ابن عباس ، والقاسم ، وسالم ، وعن الزهرى ، وربيعة ، وأبى الزناد مثله ، ~~ورخص مالك فى ذلك ، وقال : قد خرج النساء قديما فى الجنائز ، وخرجت أسماء ~~تقود فرس الزبير ، وهى حامل ، وقال : ما أرى بخروجهن بأسا إلا PageV03P267 ~~فى الأمر المستنكر . قال ابن المنذر : وقد احتج من كره ذلك بحديث أم عطية . ~~قال المؤلف : واحتج به من أجاز ذلك أيضا . وقال المهلب : هذا الحديث يدل ~~على أن النهى من النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، على درجات ، فيه نهى ~~تحريم ، ونهى تنزيه ، ونهى كراهية ، وإنما قالت أم عطية : ( ولم يعزم علينا ~~) لأنها فهمت من النبى - صلى الله عليه وسلم - أن ذلك النهى إنما أراد به ~~ترك ما كانت الجاهلية تقوله من الهجر وزور الكلام وقبيحه ، ونسبة الأفعال ~~إلى الدهر ، فهى إذا تركت ذلك وبدلت منه الدعاء والترحم عليه كان خفيفا ، ~~فهذا يدل أن الأوامر تحتاج إلى معرفة تلقى الصحابة لها ، وينظر كيف تلقوها ~~. * * * # | 21 - باب إحداد المرأة على زوجها # / 29 - فيه : أم عطية ، توفي ابن لها ، فلما كان اليوم الثالث ، دعت ~~بصفرة ، فتمسحت به ، وقالت : نهينا أن نحد أكثر من ثلاث إلا بزوج . / 30 - ~~وفيه : زينب بنت أبى سلمة ، قالت : لما ms0898 جاء نعى أبى سفيان من الشأم ، دعت ~~أم حبيبة بصفرة ، فمسحت بعارضيها وذراعيها ، وقالت : إنى كنت عن هذا لغنية ~~، لولا أنى سمعت النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، يقول : ( لا يحل لامرأة ~~تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاث ، إلا على زوج ، فإنها ~~تحد عليه أربعة أشهر وعشرا ) . الإحداد : ترك المرأة الزينة كلها من اللباس ~~والطيب والحلى والكحل ، وكل ما كان من دواعى الجماع ، يقال : امرأة حاد ~~ومحد . وأباح النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، أن تحد المرأة على غير ~~زوجها من ذوى محارمها ثلاثة أيام ، لما يغلب من لوعة الحزن ، ويهجم من أليم ~~الوجد ، ولم يوجب ذلك عليها ، وهذا مذهب الفقهاء ، وحرم عليها من الإحداد ~~ما فوق ذلك . PageV03P268 ومما يدل على أن الإحداد فى الثلاثة أيام على غير ~~الزوج غير واجب إجماع العلماء على أن من مات أبوها ، أو ابنها ، وكانت ذات ~~زوج ، وطالبها زوجها بالجماع فى الثلاثة الأيام التى أبيح لها الإحداد فيها ~~أنه يقضى له عليها بالجماع فيها ، ونص التنزيل أن الإحداد على ذوات الأزواج ~~أربعة أشهر وعشرا واجب . * * * # | 22 - باب زيارة القبور # / 31 - فيه : أنس ، قال : مر النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، بامرأة ~~تبكى عند قبر ، فقال : ( اتقى الله ، واصبرى ) ، قالت : إليك عنى ، فإنك لم ~~تصب بمصيبتى ، ولم تعرفه ، فقيل لها : إنه النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ~~، فأتت باب الرسول فلم تجد عنده بوابين ، فقالت : لم أعرفك ، فقال : ( إنما ~~الصبر عند الصدمة الأولى ) . كره قوم زيارة القبور ، لأنه روى عن النبى ، - ~~صلى الله عليه وسلم - ، أحاديث فى النهى عنها ، وقال الشعبى : لولا أن رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - نهى عن زيارة القبور لزرت قبر ابنتى . قال ~~إبراهيم النخعى : كانوا يكرهون زيارة القبور . وعن ابن سيرين مثله . ثم ~~وردت أحاديث بنسخ النهى ، وإباحة زيارتها ، روى ابن أبى شيبة ، عن عبد ~~الرحيم ابن سليمان ، عن يحيى بن الحارث ، عن عمرو بن عامر ، عن أنس بن مالك ~~، نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن زيارة القبور ms0899 ، ثم قال : ( ~~زوروها ولا تقولوا هجرا ) . وروى معمر ، عن عطاء الخراسانى ، قال : حدثنى ~~عبد الله بن PageV03P269 بريدة عن أبيه ، قال : قال رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - : ( إنى كنت نهيتكم عن زيارة القبور ، فزوروها ، فإنها تذكر ~~الآخرة ) . وروى من حديث ابن مسعود عن النبى ، - صلى الله عليه وسلم - . ~~وحديث أنس فى هذا الباب يشهد لصحة أحاديث الإباحة ، لأن النبى ، - صلى الله ~~عليه وسلم - ، إنما عرض على المرأة الباكية الصبر ورغبها فيه ، ولم ينكر ~~عليها جلوسها عنده ، ولا نهاها عن زيارته ، لأنه - صلى الله عليه وسلم - لا ~~يترك أحدا يستبيح ما لا يجوز بحضرته ولا ينهاه ، لأن الله تعالى فرض عليه ~~التبليغ والبيان لأمته ، فحديث أنس وشبهه ناسخ لأحاديث النهى فى ذلك ، وأظن ~~الشعبى والنخعى لم تبلغهم أحاديث الإباحة ، والله أعلم . وكان النبى ، - ~~صلى الله عليه وسلم - ، يأتى قبور الشهداء عند رأس الحول ، فيقول : ( ~~السلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار ) . وكان أبو بكر ، وعمر ، وعثمان ~~يفعلون ذلك . وزار النبى - صلى الله عليه وسلم - قبر أمه يوم فتح مكة فى ~~ألف مقنع . ذكره ابن أبى الدنيا ، وذكر ابن أبى شيبة ، عن على ، وابن مسعود ~~، وأنس بن مالك ، إجازة زيارة القبور . وكانت فاطمة تزور قبر حمزة كل جمعة ~~. وكان ابن عمر يزور قبر أبيه ، فيقف عليه ويدعو له . وكانت عائشة تزور قبر ~~أخيها عبد الرحمن وقبره بمكة . ذكر ذلك كله عبد الرزاق . وقال ابن حبيب : ~~لا بأس بزيارة القبور والجلوس إليها ، والسلام عليها عند المرور بها ، وقد ~~فعل ذلك النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، وفى ( المجموعة ) : قال على بن ~~زياد : سئل مالك عن زيارة القبور ، فقال : PageV03P270 قد كان نهى / عليه ~~السلام ، ثم أذن فيه ، فلو فعل ذلك إنسان ، ولم يقل إلا خيرا ، لم أر بذلك ~~بأسا . وروى عنه أنه كان يضعف زيارتها ، وقوله الذى تعضده الآثار وعمل به ~~السلف أولى بالصواب ، والأمة مجمعة على زيارة قبر الرسول ، وأبى بكر ، وعمر ~~، ولا يجوز على الإجماع الخطأ ، قاله المهلب . وكان ابن عمر إذا قدم ms0900 من سفر ~~أتى قبر النبى - صلى الله عليه وسلم - ، فقال : السلام عليك يا رسول الله ، ~~السلام عليك يا أبا بكر ، السلام عليك يا أبتاه . رواه معمر ، عن أيوب ، عن ~~نافع . قال المهلب : ومعنى النهى عن زيارة القبور ، إنما كان فى أول ~~الإسلام عند قربهم بعبادة الأوثان ، واتخاذ القبور مساجد ، والله أعلم ، ~~فلما استحكم الإسلام ، وقوى فى قلوب الناس ، وأمنت عبادة القبور والصلاة ~~إليها ، نسخ النهى عن زيارتها ، لأنها تذكر الآخرة وتزهد فى الدنيا . وقد ~~حدثنا أبو المطرف القنازعى ، قال : حدثنا أبو محمد بن عثمان ، قال أبو عبد ~~الله الشبلى الزاهد : حدثنا محمد بن وضاح ، حدثنا موسى بن معاوية ، عن يحيى ~~بن يمان ، عن طاوس ، قال : كانوا يستحبون ألا يتفرقوا عن الميت سبعة أيام ، ~~لأنهم يفتنون ويحاسبون فى قبورهم سبعة أيام . وفى حديث أنس ما كان عليه ~~النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، من التواضع والرفق بالجاهل ، لأنه لم ~~ينهر المرأة حين قالت له : إليك عنى ، وعذرها بمصيبتها . وإنما لم يتخذ ~~بوابين ، لأن الله تعالى أعلمه أنه يعصمه من الناس . وفيه أنه من اعتذر ~~إليه بعذر لائح أنه يجب عليه قبوله . PageV03P271 # | 23 - باب قول الرسول - صلى الله عليه وسلم - : ( يعذب الميت ببكاء أهله ~~) # إذا كان النوح من سنته ، لقول الله تعالى : { قوا أنفسكم وأهليكم نارا } ~~[ التحريم : 6 ] . وقال - صلى الله عليه وسلم - : ( كلكم راع ومسئول عن ~~رعيته ) ، فإذا لم يكن من سنته ، فهو كما قالت عائشة : { لا تزر وازرة وزر ~~أخرى } [ الإسراء : 15 ] وهو كقوله تعالى : { وإن تدع مثقلة إلى حملها لا ~~يحمل منه شىء } [ فاطر : 18 ] وما يرخص من البكاء من غير نوح . وقال - صلى ~~الله عليه وسلم - : ( لا تقتل نفس ظلما إلا كان على ابن آدم الأول كفل من ~~دمها ، وذلك لأنه أول من سن القتل ) . / 32 - فيه : أسامة ، قال : أرسلت ~~ابنة النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، إليه إن ابنا لى قبض ، فأتنا ، ~~فأرسل يقرئ السلام ، ويقول : ( إن لله ما أخذ ، ولله ما أعطى ، وكل عنده ~~بأجل مسمى ، فلتصبر ، ولتحتسب ms0901 ) ، فأرسلت إليه تقسم عليه ليأتينها ، فقام ~~ومعه سعد بن عبادة ، ومعاذ بن جبل ، وزيد بن ثابت ، وأبى بن كعب ، ورجال ، ~~فرفع إلى النبى - صلى الله عليه وسلم - الصبى ، ونفسه تتقعقع - قال : حسبته ~~أنه قال : ( كأنها شن ) - ففاضت عيناه ، فقال سعد : يا رسول الله ما هذا ؟ ~~فقال : ( هذه رحمة جعلها الله فى قلوب عباده ، وإنما يرحم الله من عباده ~~الرحماء ) . / 33 - وفيه : أنس ، قال : شهدنا بنتا لرسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - ، قال : ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - جالس على القبر ، ~~قال : فرأيت عيناه تدمعان ، قال : فقال : ( هل منكم رجل لم يقارف الليلة ؟ ~~) ، فقال أبو طلحة : أنا ، قال : فانزل ، قال : فنزل فى قبرها . / 34 - ~~وفيه : ابن أبى مليكة ، قال : توفيت ابنة لعثمان بمكة ، وجئنا لنشهدها ، ~~وحضرها ابن عمر ، وابن عباس ، وإنى لجالس بينهما ، أو قال : جلست إلى ~~أحدهما ، ثم جاء الآخر فجلس إلى جنبى ، فقال عبدالله بن عمر ، لعمرو بن ~~عثمان : ألا تنهى عن البكاء ، فإن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : ~~( إن الميت PageV03P272 ليعذب ببكاء أهله عليه ) . قال ابن عباس : قد كان ~~عمر يقول : بعض ذلك ، ثم حدث ، قال : صدرت مع عمر من مكة حتى إذا كنا ~~بالبيداء ، إذا هو بركب تحت ظل سمرة ، فقال : ادعه لى ، فرجعت إلى صهيب ، ~~فقلت : ارتحل ، فالحق أمير المؤمنين ، فلما أصيب عمر ، دخل صهيب يبكى ، ~~يقول : وا أخاه ، وا صاحباه ، فقال عمر : يا صهيب أتبكى على ، وقد قال رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - : ( إن الميت يعذب ببكاء أهله عليه ) . قال ~~ابن عباس : فلما مات عمر ذكرت ذلك لعائشة ، فقالت : رحم الله عمر ، والله ~~ما حدث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : إن الله ليعذب المؤمن ببكاء ~~أهله عليه ، وقالت : حسبكم القرآن { ولا تزر وازرة وزر أخرى } قال ابن عباس ~~عند ذلك : والله { هو أضحك وأبكى } [ النجم : 43 ] . قال ابن أبى مليكة : ~~والله ما قال ابن عمر شيئا . قالت عائشة : إنما مر رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - على يهودية ، يبكى عليها ms0902 ، فقال : ( إنهم ليبكون عليها ، وإنها ~~لتعذب فى قبرها ) . / 35 - وفى كتاب المغازى : قالت عائشة : إنما قال رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - : ( إنه ليعذب بخطيئته وذنبه ، وإن أهله ~~ليبكون عليه ) . اختلف أهل العلم فى معنى قوله - صلى الله عليه وسلم - : ( ~~يعذب الميت ببكاء أهله عليه ) ، فقالت طائفة : معناه أن يوصى بذلك الميت ، ~~فيعذب حينئذ بفعل نفسه لا بفعل غيره ، وإليه ذهب البخارى فى قوله : إذا كان ~~النوح من سنته ، يعنى أن يوصى بذلك ، وهو قول أهل الظاهر ، وأنكروا قول ~~عائشة ، وأخذوا بحديث عمر ، وابن عمر ، والمغيرة أن الميت يعذب بما نيح . ~~وقال آخرون : معناه أن يمدح الميت فى ذلك البكاء بما كان يمدح به أهل ~~الجاهلية من الفتكات والغارات والقدرة على الظلم ، وغير ذلك PageV03P273 من ~~الأفعال التى هى عند الله ذنوب ، فهم يبكون لفقدها ويمدحونه بها ، وهو يعذب ~~من أجلها . وقال آخرون : معناه أن الميت ليعذب ويحزن ببكاء أهله عليه ، ~~ويسوؤه إتيان ما يكره ربه ، واحتجوا بحديث قيلة حين ذكر رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - أنها قالت : بكيت ثم قلت : والله يا رسول الله ، لقد ~~ولدته حراما ، فقاتل معك يوم الربذة ، ثم ذهب يمترى لى من خيبر فأصابته حمى ~~فمات . فقال - صلى الله عليه وسلم - : ( لو لم تكونى مسكينة لجررناك اليوم ~~على وجهك ، أتغلب إحداكن على أن تصاحب صويحبة فى الدنيا معروفا ، حتى إذا ~~حال بينه وبينه من هو أولى به ، استرجع ، فقال : رب أثبنى بما أمضيت ، ~~وأعنى على ما أبقيت ، والذى نفس محمد بيده ، إن إحداكن لتبكى فتستعين إليه ~~صويحبة ، فيا عباد الله ، لا تعذبوا أمواتكم ) . قال الطبرى : والدليل على ~~أن بكاء الحى على الميت تعذيب من الحى له ، لا تعذيب من الله ما رواه عوف ~~عن جلاس بن عمرو ، عن أبى هريرة ، قال : ( إن أعمالكم تعرض على أقربائكم من ~~موتاكم ، فإن رأوا خيرا فرحوا به ، وإن رأوا شرا كرهوه ، وإنهم ليستخبرون ~~الميت إذا أتاهم : من مات بعدهم ، حتى إن الرجل ليسأل عن امرأته هل تزوجت ~~أم لا ms0903 ) . وروى محمد بن بشار ، حدثنا غندر ، حدثنا شعبة ، عن أبى بشر ، عن ~~يوسف بن ماهك ، قال : كان ابن عمر فى جنازة رافع بن خديج بين قامتى السرير ~~، فقال : إن الميت ليعذب ببكاء الحى ، فقال PageV03P274 ابن عباس : إن ~~الميت لا يعذب ببكاء الحى . وذهبت عائشة إلى أن أحدا لا يعذب بفعل غيره ، ~~وهو أمر مجتمع عليه ، لقوله تعالى : { ولا تزر وازرة وزر أخرى } { ولا تكسب ~~كل نفس إلا عليها } [ الأنعام : 164 ] . وكل حديث أتى فيه النهى عن البكاء ~~فمعناه النياحة عند العلماء ، لأن الله تعالى أضحك وأبكى ، ولقوله - صلى ~~الله عليه وسلم - : ( تدمع العين ، ويحزن القلب ، ولا نقول ما يسخط الرب ) ~~. وقال الرسول لعمر إذ نهى النساء عن البكاء : ( دعهن يا عمر ، فإن النفس ~~مصابة ، والعين دامعة ، والعهد قريب ) . ونهى عن النياحة ، ولعن النائحة ~~والمشقة ، وهى عن شق الجيوب ، ولطم الخدود ، ودعوى الجاهلية . وفى حديث ~~أسامة ، وأنس فى هذا الباب جواز البكاء الخفيف بدمع العين ، قال الشافعى : ~~أرخص فى البكاء بلا ندبة ، ولا نياحة ، وما ذهبت إليه عائشة أشبه بدلائل ~~الكتاب ، وما زيد فى عذاب الكافر باستحقاقه لا بذنب غيره ، لأنه إذا بكى ~~عليه بذكر فتكاته وغاراته فهو مستحق للعذاب بذلك ، وأهله يعدون ذلك من ~~فضائله وهو يعذب من أجلها ، فإنما يعذب بفعله لا ببكاء أهله ، هذا معنى قول ~~عائشة : إن الله ليزيد الكافر عذابا ببكاء أهله عليه ، وهو موافق لقوله ~~تعالى : { ولا تزر وازرة وزر أخرى } وتصويب الشافعى لقول عائشة ، وإنكارها ~~على ابن عمر يشبه أن يكون مذهب مالك ، لدلالة ما فى موطئه عليه لأنه ذكر ~~حديث عائشة ، ولم يذكر خلافه عن أحد . وقوله : ( ونفسه تقعقع ) القعقعة : ~~حكاية أصوات الرعد والجلود اليابسة وما أشبه ذلك ، ورجل قعقاع وقعقعان ، ~~وهو الذى يسمع لمفاصل رجليه تقعقعا ، عن صاحب ( العين ) ، والشن : القربة ~~PageV03P275 اليابسة ، ومن أمثالهم : ألمثلى يقعقع بالشأن ، يريد أن مثلى ~~لا يفزع بذلك . # | 24 - باب ما يكره من النياحة على الميت # وقال عمر : دعهن يبكين على أبى سليمان ، ما لم يكن نقع ms0904 ، أو لقلقة ، ~~والنقع : التراب على الرأس ، واللقلقة : الصوت . / 36 - فيه : المغيرة ، ~~قال : سمعت النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، يقول : ( من نيح عليه ، يعذب ~~بما نيح عليه ) ، ورواه عمر عن الرسول . / 37 - وفيه : جابر ، قال : جىء ~~بأبى يوم أحد ، قد مثل به ، حتى وضع بين يدى رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - ، وقد سجى ثوبا ، فذهبت أريد أن أكشف عنه ، فنهانى قومى ، ثم ذهبت ~~أكشف عنه ، فنهانى قومى ، فأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فرفع ، ~~فسمع صوت صائحة ، فقال : ( من هذه ؟ ) فقالوا : ابنة عمرو ، أو أخت عمرو ، ~~قال : ( فلم تبكى ، أو لا تبكى ، فما زالت الملائكة تظله بأجنحتها حتى رفع ~~) . قال المؤلف : النوح محرم ، لأنه من دين الجاهلية ، ألا ترى أن النبى ، ~~- صلى الله عليه وسلم - ، كان يشترط على النساء فى مبايعتهن على الإسلام ~~ألا ينحن ، وهذا الباب يدل على أن النهى عن البكاء على الميت إنما هو إذا ~~كان فيه نوح ، ويدل على جواز البكاء بغير نوح قول عمر : دعهن يبكين ما لم ~~يكن نقع أو لقلقة ، فأباح لهن البكاء بغير نوح ، وحديث المغيرة حجة لذلك ، ~~لشرطه - صلى الله عليه وسلم - فيه أنه يعذب بما نيح عليه ، فدليله أن ~~البكاء بغير نوح لا عذاب فيه ، وحديث جابر نص فى ذلك ، لأن زوجة جابر بكت ~~عليه بحضرة الرسول ، فلم يزد على أكثر من تسليتها بقوله : ( إن الملائكة ~~أظلته بأجنحتها حتى رفع ) ، PageV03P276 فسلاها عن حزنها عليه بكرامة الله ~~له ، ولم يقل لها أنه يعذب ببكائك عليه . قال عبد الواحد : إن قيل : كيف ~~أباح عمر لنسوة خالد البكاء عليه ما لم يكن نقع ، أو لقلقة ، ونهى صهيبا عن ~~البكاء عليه فى الباب الذى قبل هذا ؟ فالجواب : إنما نهى صهيبا ، لرفعه ~~لصوته بقوله : وا أخاه ، وا صاحباه ، وخشى أن يكون رفعه لصوته من باب ما ~~نهى عنه . * * * # | 25 - باب ليس منا من شق الجيوب # / 38 - فيه : عن عبدالله ، قال - صلى الله عليه وسلم - : ( ليس منا من ~~لطم الخدود ، وشق الجيوب ، ودعا بدعوى الجاهلية ms0905 ) . وترجم له باب ( ليس منا ~~من ضرب الخدود ) ، وباب ( ما ينهى عنه من الويل ودعوى الجاهلية ) . قال ~~المهلب : قوله : ( ليس منا ) أى ليس متأسيا بسنتنا ، ولا مقتديا بنا ، ولا ~~ممتثلا لطريقتنا التى نحن عليها ، كما قال - صلى الله عليه وسلم - : ( ليس ~~منا من غشنا ) لأن لطم الخدود وشق الجيوب من أفعال الجاهلية . وقال الحسن ~~فى قوله تعالى : { ولا يعصينك فى معروف } [ الممتحنة : 12 ] ، قال : لا ~~ينحن ، ولا يشققن ، ولا يخمشن ، ولا ينشرن شعرا ، ولا يدعون ويلا . وقد نسخ ~~الله ذلك بشريعة الإسلام ، وأمر بالاقتصاد فى الحزن والفرح ، وترك الغلو فى ~~ذلك ، وحض على الصبر عند المصائب واحتساب أجرها على الله ، وتفويض الأمور ~~كلها PageV03P277 إليه ، فقال تعالى : { الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا ~~لله وإنا إليه راجعون } [ البقرة : 156 ] ، فحق على كل مسلم مؤمن علم سرعة ~~الفناء ووشك الرحيل إلى دار البقاء ألا يحزن على فائت من الدنيا ، وأن ~~يستشعر الصبر والرضا ، لينال هذه الدرجات الرفيعة من ربه ، وهى الصلاة ~~والرحمة والهدى ، وفى واحد من هذه المنازل سعادة الأبد ، وهبنا الله الصبر ~~والرضا بالقضاء إنه كريم وهاب . * * * # | 26 - باب رثاء النبى - صلى الله عليه وسلم - لسعد بن خولة # / 39 - فيه : سعد ، عادنى النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، فى حجة ~~الوداع من وجع اشتد بى . . . . الحديث إلى قوله : ( اللهم أمض لأصحابى ~~هجرتهم ، ولا تردهم على أعقابهم ، لكن البائس سعد بن خولة يرثى له رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - أن مات بمكة ) . قال أبو عبد الله بن أبى صفرة ~~: قوله : ( يرثى له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن مات بمكة ) من قول ~~سعد فى بعض الطرق ، وأكثر الطرق أنه من قول الزهرى ، وليس هو من قول الرسول ~~، وسعد بن خولة زوج سبيعة الأسلمية ، وإنما توجع له إذا مات بمكة فى الأرض ~~التى هاجر منها ، وكان يحب له أن يموت فى مهاجره المدينة ، ولذلك قال عمر : ~~اللهم ارزقنى شهادة فى سبيلك ، ووفاة ببلد رسولك . لأنه حرام على المهاجر ~~الرجوع إلى وطنه الذى ms0906 هجره لله ، ولذلك قال - صلى الله عليه وسلم - : ( لا ~~يبقين مهاجر بمكة بعد قضاء نسكه فوق ثلاث ) . وكان عثمان وغيره لا يطوفون ~~طواف الوداع ، إلا ورواحلهم قد PageV03P278 رحلت ، وذكر البخارى أن سعد بن ~~خولة شهد بدرا ، ثم انصرف إلى مكة ومات بها ، وأنه من المهاجرين ، خلاف قول ~~عيسى بن دينار الذى قال : إنه أسلم ولم يهاجر ، وكان من مهاجرة الحبشة ~~الهجرة الثانية ، وشهد بدرا ابن خمس وعشرين سنة ، وشهد أحدا ، والخندق ، ~~والحديبية ، وتوفى بمكة عند زوجته سبيعة الأسلمية فى حجة الوداع وهى حامل ، ~~ثم وضعت بعد موته بليال فتمت عدتها ، ذكره مسلم عن ابن شهاب ، عن عبيد الله ~~بن عبد الله بن عتبة ، وعن يحيى بن بكير ، عن الليث ، عن يزيد بن أبى حبيب ~~، قال : توفى سعد بن خولة فى حجة الوداع . وقال الطبرى : مات سعد بن خولة ~~بمكة سنة سبع فى الهدنة التى كانت بين رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~وبين أهل مكة عام الحديبية ، فخرج سعد بن خولة مجتازا لا لحج ولا لجهاد ، ~~لأنه لم يفرض حينئذ الحج ، وأما سعد بن أبى وقاص ، فإنما خرج إلى مكة حاجا ~~، ولو مات فيها لم يكن فى معنى سعد بن خولة الذى رثى له النبى ، - صلى الله ~~عليه وسلم - ، لأن من خرج لفرض وجب عليه وأدركه أجله فلا حرج عليه ، ولا ~~إثم ، ولا يقال له : بائس ، ولا يسمى تارك لدار هجرته . وروى عن الأعرج قال ~~: خلف النبى - صلى الله عليه وسلم - على سعد رجلا ، وقال : ( إن مات بمكة ~~فلا تدفنه بها ) . وقوله : ( اللهم امض لأصحابى هجرتهم ) ، أى تردهم إلى ~~المدينة دار الهجرة . وقوله : ( ولا تردهم على أعقابهم ) يقال : لكل من رجع ~~إلى حال دون ما كان عليه : رجع على عقبه وحار ، ومنه قوله : أعوذ بك من ~~الحور بعد الكور ، أى من النقصان بعد الزيادة . PageV03P279 # | 27 - باب ما ينهى من الحلق عند المصيبة # / 40 - فيه : أبو موسى ، إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - برئ من ~~الصالقة والحالقة والشاقة . قال المهلب ms0907 : قوله : ( برئ منه ) أى لم يرض ~~بفعله فهو منه برئ فى وقت ذلك الفعل ، لا أنه برئ من الإسلام ، وقال صاحب ( ~~الأفعال ) : حلقت المرأة عند المصيبة : ولولت ، والصلق : شدة الصوت ، وفى ~~الحديث : ( ليس منا من صلق ، أو حلق عند المصيبة ) . والحالق : التى تحلق ~~شعرها عند المصيبة ، والشاقة : التى تشق ثيابها . * * * # | 28 - باب من جلس عند المصيبة يعرف فيه الحزن # / 41 - فيه : عائشة ، لما قتل ابن حارثة ، وجعفر ، وابن رواحة ، جلس ~~النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، يعرف فيه الحزن ، وأنا أنظر من صائر ~~الباب - شق الباب - فأتاه رجل فقال : إن نساء جعفر ، وذكر بكاءهن ، فأمره ~~أن ينهاهن ، فذهب ، ثم أتاه الثانية ، لم يطعنه ، فقال : ( انههن ) ، فأتاه ~~الثالثة ، قال : والله لقد غلبننا يا رسول الله ، فزعمت أنه قال : ( فاحث ~~فى أفواههن التراب ) ، فقلت : أرغم الله أنفك ، لم تفعل ما أمرك رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - ، ولم تترك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من ~~العناء . / 42 - وفيه : أنس ، قنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - شهرا ~~حين قتل القراء ، فما رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حزن حزنا قط ~~أشد منه . قال الطبرى : إن قال قائل : إن أحوال الناس فى الصبر متفاوتة ، ~~فمنهم من يظهر حزنه على المصيبة فى وجهه بالتغير له ، وفى عينيه ، بانحدار ~~الدموع ، ولا ينطق بالسيئ من القول ، ومنهم من يظهر ذلك فى وجهه ، وينطق ~~بالهجر المنهى عنه ، ومنهم من يجمع ذلك كله ، PageV03P280 ويزيد عليه ~~إظهاره فى مطعمه وملبسه ، ومنهم من يكون حاله فى حال المصيبة ، وقبلها سواء ~~، فأيهم المستحق اسم الصبر ؟ . قيل : قد اختلف السلف قبلنا فى ذلك ، فقال ~~بعضهم : المستحق اسم الصبر الذى يكون فى حال المصيبة مثله قبلها ، ولا يظهر ~~عليه خرم فى جارحة ولا لسان . قال غيره : كما زعمت الصوفية ، أن الولى لا ~~تقم له الولاية إلا إذا تم له الرضا بالقدر ولا يحزن على شىء . والناس فى ~~هذا الحال مختلفون ، فمنهم من طبعه الجلد وقلة المبالاة بالمصائب ، ومنهم ~~من هو بخلاف ذلك ms0908 ، فالذى يكون فى طبعه الجزع ، ويملك نفسه ، ويستشعر الصبر ~~أعظم أجرا من الذى الجلد طبعه ، والله أعلم . قال الطبرى : كما روى عن ابن ~~مسعود أنه لما نعى إليه أخوه عتبة ، قال : لقد كان من أعز الناس على ، وما ~~يسرنى أنه بين أظهركم الآن حيا ، قالوا : وكيف وهو من أعز الناس عليك ؟ قال ~~: إنى لأؤجر فيه أحب إلى من أن يؤجر فى . وقال ثابت : إن صلة بن أشيم مات ~~أخوه فجاءه رجل ، وهو يطعم ، فقال : يا أبا الصبهاء ، إن أخاك مات . قال : ~~هلم فكل قد نعى إلينا إذن فكل . قال : والله ما سبقنى إليك أحد ممن نعاه . ~~قال : بقول الله : { إنك ميت وإنهم ميتون } [ الزمر : 30 ] . وقال الشعبى : ~~كان شريح يدفن جنائزه ليلا يغتنم ذلك ، فيأتيه الرجل حين يصبح فيسأله عن ~~المريض ، فيقول : هدأ ، لله الشكر ، وأرجو أن يكون مستريحا . أخذه من قصة ~~أم سليم . وكان ابن سيرين PageV03P281 يكون عند المصيبة كما هو قبلها ، ~~يتحدث ويضحك إلا يوم ماتت حفصة ، رحمها الله ، فإنه جعل يكشر ، وأنت تعرف ~~فى وجهه . وسئل ربيعة : ما منتهى الصبر ؟ قال : أن يكون يوم تصيبه المصيبة ~~مثله قبل أن تصيبه . وقال آخرون : الصبر المحمود هو ترك العبد عند حدوث ~~المكروه عليه وبثه للناس ، ورضاه بقضاء ربه ، وتسليمه لأمره ، فأما حزن ~~القلب ، وحزن النفس ، ودمع العين ، فإن ذلك لا يخرج العبد عن معانى ~~الصابرين إذا لم يتجاوزه إلى ما لا يجوز له فعله ، لأن نفوس بنى آدم مجبولة ~~على الجزع على المصائب . قالوا : وقد مدح الله الصابرين ، ووعدهم جزيل ~~الثواب عليه ، قالوا : وثواب الله عباده إنما هو على ما اكتسبوه من أعمال ~~الخير دون ما لا صنع لهم فيه ، وتغيير الأجساد عن هيئاتها ، ونقلها عن ~~طباعها التى جبلت عليه لا يقدر عليه إلا الذى أنشأها . والمحمود من الصبر ~~هو ما أمر الله به ، وليس فيما أمر به تغيير جبلة عما خلقت عليه ، والذى ~~أمر به عند نزول البلاء الرضا بقضائه ، والتسليم لحكمه ، وترك شكوى ربه ، ~~وكذلك فعل السلف ms0909 . قال ربيعة بن كلثوم : دخلنا على الحسن ، وهو يشكى ضرسه ، ~~فقال : رب مسنى الضر ، وأنت أرحم الراحمين ، وروى المقبرى عن أبى هريرة ، ~~عن النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، أنه قال : ( قال الله تعالى : إذا ~~ابتليت عبدى المؤمن فلم يشتك إلى عواده أنشطته من عقال ، وبدلته لحما خيرا ~~من لحمه ، ودما خيرا من دمه ، ويستأنف العمل ) . وقال طلحة بن مصرف : لا ~~تشك ضرك ولا مصيبتك . PageV03P282 قال : وأنبئت بأن يعقوب بن إسحاق ، ~~عليهما السلام ، دخل عليه جاره ، فقال : يا يعقوب ، ما لى أراك قد تهشمت ~~وفنيت ، ولم تبلغ من السن ما بلغ أبوك ، قال : هشمنى ما ابتلانى به من يوسف ~~، فأوحى الله إلى يعقوب : أتشكونى إلى خلقى ؟ قال : يا رب ، خطيئة فاغفرها ~~، قال : قد غفرتها لك . فكان إذا سئل بعد ذلك ، قال : { إنما أشكو بثى ~~وحزنى إلى الله } [ يوسف : 86 ] . وقد توجع الصالحون على فقد الرسول وحزنوا ~~له أشد الحزن ، قال طاوس : ما رأيت خلقا من خلق الله أشد تعظيما لمحارم ~~الله من ابن عباس ، وما ذكرته قط فشئت أن أبكى إلا بكيت ، ورأيت على خديه ~~مثل الشراكين من بكائه على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - . وقال أبو ~~عثمان : ورأيت عمر بن الخطاب لما جاءه نعى النعمان بن مقرن وضع يده على ~~رأسه وجعل يبكى . ولما مات سعيد بن أبى الحسن بكى عليه الحسن حولا ، فقيل ~~له : يا أبا سعيد ، تأمر بالصبر وتبكى ؟ قال : الحمد لله الذى جعل هذه ~~الرحمة فى قلوب المؤمنين يرحم بها بعضهم بعضا ، تدمع العين ، ويحزن القلب ، ~~وليس ذلك من الجزع ، إنما الجزع ما كان من اللسان واليد . وقال يحيى بن ~~سعيد : قلت لعروة : إن ابن عمر يشدد فى البكاء على الميت ، فقال : قد بكى ~~على أبيه . وبكى أبو وائل فى جنازة خيثمة . فهؤلاء معالم الدين لم يروا ~~إظهار الوجد على المصيبة بجوارح الجسم إذا لم يجاوزوا فيه المحذور خروجا من ~~معنى الصبر ، ولا دخولا فى معنى الجزع . وقد بكى - صلى الله عليه وسلم - ~~على ابنته زينب ms0910 ، وعلى ابنه إبراهيم ، PageV03P283 وفاضت عيناه ، وقال : ( ~~هذه رحمة جعلها الله فى قلوب عباده ) ، وبكى - صلى الله عليه وسلم - لقتل ~~جلة الإسلام وفضلاء الصحابة ، وتوجع لفقدهم ، فإذا كان المتبع به نرجو ~~الخلاص من ربنا ، وقد كان حزن بالمصيبة ، وأظهر ذلك بجوارحه ودمعه ، وأخبر ~~أن ذلك رحمة جعلها الله فى قلوب عباده ، فقد صح قول من وافق ذلك ، وسقط ما ~~خالفه . * * * # | 29 - باب من لم يظهر حزنه عند المصيبة # وقال محمد بن كعب : الحزن : القول السيئ والظن السيئ ، وقال يعقوب - صلى ~~الله عليه وسلم - : { إنما أشكو بثى وحزنى إلى الله } [ يوسف : 86 ] . / 43 ~~- فيه : أنس ، اشتكى ابن لأبى طلحة ، فمات ، وأبو طلحة خارج ، فلما رأت ~~امرأته أنه قد مات هيأت شيئا ، ونحته فى جانب البيت ، فلما جاء أبو طلحة ، ~~قال : كيف الغلام ؟ قالت : هدأ نفسه ، وأرجو أن يكون قد استراح ، فظن أبو ~~طلحة أنها صادقة ، قال : فبات ، فلما أصبح اغتسل ، فلما أراد أن يخرج ~~أعلمته أنه قد مات ، فصلى مع النبى - صلى الله عليه وسلم - ، ثم أخبر النبى ~~، - صلى الله عليه وسلم - ، بما كان منها ، فقال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - : ( لعل الله أن يبارك لكما فى ليلتكما ) . قال سفيان : فقال رجل من ~~الأنصار : فرأيت لهما تسعة أولاد كلهم قد قرأ القرآن . قال المؤلف : أما من ~~لم يظهر حزنه عند المصيبة ، وترك ما أبيح له من إظهار الحزن الذى لا إسخاط ~~فيه لله تعالى ، واختار الصبر كفعل أم سليم ، ومن قهر نفسه وغلبها على ~~الصبر ، ممن تقدم ذكره فى الباب قبل هذا ، فهو آخذ بأدب الرب فى قوله : { ~~ولئن صبرتم لهو خير للصابرين } [ النحل : 126 ] . PageV03P284 وفيه من ~~الفقه : جواز الأخذ بالشدة ، وترك الرخصة لمن قدر عليها ، وأن ذلك مما ينال ~~به العبد جزيل الثواب ورفيع الأجر . قال المهلب : فى قول أم سليم : ( هدأ ~~نفسه ، وأرجو أن يكون قد استراح ) التسلية عن المصائب بالتعريض من الكلام ~~الذى يحتمل معنيين ، فإنها أخبرت بكلام لم تكذب فيه ، ولكن ورت به عن ~~المعنى الذى كان ms0911 يحزنها ، ألا ترى أن نفسه قد هدأ كما قالت بالموت وانقطاع ~~النفس ، وأوهمته أنه استراح قلقه ، وإنما استراح من نصب الدنيا وهمها . ~~وفيه : أن المرأة تتزين لزوجها تعرضا للجماع ، لقوله : ( ثم هيأت شيئا ) ~~إنما أراد هيأت شيئا من حالها ، فقال - صلى الله عليه وسلم - : ( لعله أن ~~يبارك لهما ) ، فأجاب الله تعالى قوله . وفيه : أنه من ترك شيئا لله تعالى ~~وآثر ما ندب إليه وحض عليه من جميل الصبر أنه معوض خيرا فيما فاته ، ألا ~~ترى قوله : فرأيت تسعة أولاد كلهم قد قرأ القرآن . قال الشيخ أبو الحسن بن ~~القابسى : إنما حملت أم سليم حين مات الغلام بعبد الله بن أبى طلحة ، ~~والتسعة الذين قرءوا القرآن هم أولاد عبد الله هذا ، وروى معمر عن ثابت ، ~~عن أنس ، أنه لما جامعها قالت له : أرأيت لو أن رجلا أعارك عارية ، ثم بدا ~~له فأخذها ، أكنت تجزع ؟ قال : لا ، قالت : إن الله أعارك ابنك وقد أخذه ، ~~فالله أحق أن ترضى بفعله وتسلم إليه ، فغدا إلى الرسول فأخبره بقولها ، ~~فقال : ( اللهم بارك لهما فى ليلتهما ) ، فولدت غلاما كان اسمه عبد الله ، ~~وكان من خير أهل زمانه . PageV03P285 ولقد أخذت أم سليم فى الصبر إلى أبعد ~~غاية ، على أن النساء أرق أفئدة ، لأننا نقول : ما فى النساء ولا فى الجلة ~~من الرجال مثل أم سليم ، لأنها كانت تسبق الكثير من الشجعان إلى الجهاد ، ~~وتحتسب فى مداواة الجرحى ، وثبتت يوم حنين فى ميدان الحرب والأقدام قد زلت ~~، والصفوف قد انقضت ، والمنايا قد فغرت ، فالتفت إليها الرسول وفى يدها ~~خنجر ، فقالت : يا رسول الله ، اقتل هؤلاء الذين ينهزمون عنك كما تقتل ~~هؤلاء الذين يحاربونك ، فلبسوا بشر منهم . * * * # | 30 - باب الصبر عند الصدمة الأولى # وقال عمر : نعم العدلان ، ونعمت العلاوة : { الذين إذا أصابتهم مصيبة ~~قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون } [ البقرة : 156 ] الآية ، وقوله : { ~~واستعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين } [ البقرة : 45 ] ~~. / 44 - فيه : أنس ، قال - صلى الله عليه وسلم - : ( الصبر عند الصدمة ~~الأولى ) . إن قيل : قد علمت ms0912 أن العبد منهى عن الهجر وتسخط قضاء الرب فى كل ~~حال ، فما وجه خصوص نزول الأولى بالصبر فى حال حدوثها ؟ . قيل : وجه خصوص ~~ذلك أن للنفس عند هجوم الحادثة محرك على الجزع ، ليس فى غيرها مثله ، وتلك ~~حال يضعف عن ضبط النفس فيها كثير من الناس ، ثم يصبر كل جازع بعد ذلك إلى ~~السكون ونسيان المصيبة ، والأخذ بقهر الصابر نفسه ، وغلبته هواها عند صدمته ~~إيثارا لأمر الله على هوى نفسه ، ومنجزا لموعوده ، بل السالى عن مصابه لا ~~يستحق اسم الصبر على الحقيقة ، لأنه آثر السلو على الجزع واختاره . ~~PageV03P286 وإنما الصابر على الحقيقة من صبر نفسه ، وحبسها عن شهوتها ، ~~وقهرها عن الحزن والجزع والبكاء الذى فيه راحة النفس ، وإطفاء لنار الحزن ، ~~فإذا قابل سورة الحزن وهجومه بالصبر الجميل ، واسترجع عند ذلك ، وأشعر نفسه ~~أنه لله ملك ، لا خروج له عن قضائه ، وإليه راجع بعد الموت ويلقى حزنه بذلك ~~، انقمعت نفسه ، وذلك على الحق ، فاستحقت جزيل الأجر . قال المهلب : ( نعم ~~العدلان ، ونعمت العلاوة ) فقيل : العدلان : الصلوات والرحمة ، والعلاوة : ~~{ وأولئك هم المهتدون } [ البقرة : 157 ] ، وقيل : { إنا لله وإنا إليه ~~راجعون } [ البقرة : 156 ] والعلاوة : التى يثاب عليها . # | 31 - باب قول الرسول - صلى الله عليه وسلم - : ( إنا بك لمحزونون ) # وقال ابن عمر ، عن الرسول : ( تدمع العين ويحزن القلب ) . / 45 - فيه : ~~أنس ، دخلنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على أبى سيف القين ، وكان ~~ظئرا لإبراهيم ، فأخذ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إبراهيم فقبله وشمه ~~، ثم دخلنا عليه بعد ذلك ، وإبراهيم يجود بنفسه ، فجعلت عينا رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - تذرفان ، فقال له عبدالرحمن بن عوف : وأنت يا رسول ~~الله ؟ فقال : ( يا ابن عوف ، إنها رحمة ) ، ثم أتبعها بأخرى ، فقال - صلى ~~الله عليه وسلم - : ( إن العين تدمع ، والقلب يحزن ، ولا نقول إلا ما يرضى ~~ربنا ، وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون ) . قال المؤلف : قد تقدم فى ~~الأبواب قبل هذا بيان البكاء والحزن المباحين والمحرمين بما فيه كفاية ، ~~لكنا كرهنا أن نخلى هذا الباب من ms0913 شىء من الكلام فى هذا المعنى ، هذا البكاء ~~تفسير البكاء المباح والحزن الجائز ، وذلك ما كان بدمع العين ورقة النفس ، ~~ولم يكن تسخطا PageV03P287 لأمر الله ، إذ الفطر مجبولة على الحزن ، وقد ~~قال الحسن البصرى : العين لا يملكها أحد ، صبابة المرء بأخيه . وروى ابن ~~أبى شيبة من حديث أبى هريرة : أن النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، كان فى ~~جنازة مع عمر فرأى امرأة تبكى فصاح عليها عمر ، فقال النبى : ( دعها يا عمر ~~، فإن العين دامعة ، والنفس مصابة ، والعهد قريب ) . فعذرها - صلى الله ~~عليه وسلم - مع قرب العهد ، لأن بعده ربما يكون [ . . . . . . ] للثكل ، ~~وفتور فورة الحزن ، فإذا كان الحزن على الميت وفاء له ورقة عليه ، ولم يكن ~~سخطا للقضاء ولا تشكيا به ، فهو مباح كما تقدم قبل هذا ، لقوله : ( إنها ~~رحمة ) . وقال أبو الحسن بن القابسى : قول أنس فى أبى سيف القين : ( وكان ~~ظئرا لإبراهيم ) هو الذى يحتج فى أن اللبن للفحل ، وقيل : ( كان ظئرا ) أى ~~رضيعه وليس بشىء ، لأن أبا سيف كان كالربيب ، لأن فى نص الحديث ما يدل أن ~~إبراهيم كان عند زوج أبى سيف وهو مريض . فيه : شدة إغراق النساء فى الحزن ~~وجاوزهن الواجب فيه ، لنقصهن ، ومن رتع حول الحمى يوشك أن يواقعه ، وقد روى ~~معمر عن الزهرى ، قال : ثلاثة من أمر الجاهلية لا يدعها الناس أبدا : الطعن ~~فى الأحساب ، والنياحة ، والاستسقاء بالأنواء . وروى عن الحسن البصرى فى ~~قوله تعالى : { وجعل بينكم مودة ورحمة } [ الروم : 21 ] أن المودة : الجماع ~~، والرحمة : الولد ، ذكره ابن وهب . PageV03P288 # | 32 - باب البكاء عند المريض # / 46 - فيه : ابن عمر ، اشتكى سعد بن عبادة ، فأتاه الرسول يعوده مع ~~عبدالرحمن بن عوف ، وسعد بن أبى وقاص ، وعبدالله بن مسعود ، فوجده فى غاشية ~~أهله ، فقال : ( قد قضى ) ؟ قالوا : لا ، يا رسول الله ، فبكى النبى - صلى ~~الله عليه وسلم - ، فلما رأى القوم بكاء النبى - صلى الله عليه وسلم - بكوا ~~، فقال : ( ألا تسمعون إن الله لا يعذب بدمع العين ، ولا بحزن القلب ، ولكن ~~يعذب بهذا - وأشار إلى لسانه - أو يرحم ms0914 ، وإن الميت يعذب ببكاء أهله عليه ) ~~. وكان عمر يضرب فيه بالعصا ، ويرمى بالحجارة ، ويحثى التراب . قال المهلب ~~: فيه جواز البكاء عند المريض ، وليس ذلك من الجفاء عليه والتقريع له ، ~~وإنما هو إشفاق عليه ، ورقة وحرقة لحاله ، وقد بين فى هذا الحديث أنه لا ~~يعذب بدمع العين ، وحزن القلب ، وإنما يعذب بالقول السيئ ودعوى الجاهلية ، ~~وقوله : ( أو يرحم ) يحتمل معنيين : أحدهما : أو يرحم إن لم ينفذ الوعيد فى ~~ذلك ، والثانى : يريد أو يرحمه إذا قال خيرا ، واستسلم لقضاء الله تعالى . ~~* * * # | 33 - باب ما ينهى عنه من النوح والبكاء والزجر عن ذلك # / 47 - فيه : عائشة ، قتل جعفر ، وزيد بن حارثة . . . ) الحديث إلى قوله ~~: ( فزعمت أن النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، قال : ( فاحث فى أفواههن ~~التراب ) ، فقلت : أرغم الله أنفك ، فوالله ما أنت بفاعل ، وما تركت رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - من العناء . / 48 - وفيه : أم عطية ، قالت : ~~أخذ علينا النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، عند البيعة : أن لا ننوح ، فما ~~وفت منا امرأة غير خمس نسوة . . . . ) الحديث . قال المؤلف : قد تقدم معنى ~~هذا الباب ، وأن النوح والبكاء على PageV03P289 سنة الجاهلية حرام قد نسخه ~~الإسلام ، ألا ترى أن النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، كان يشترط على ~~النساء فى بيعة الإسلام ألا ينحن تأكيدا للنهى عنه ، وتحذيرا منه . وفيه : ~~أنه من نهى عما لا ينبغى له فعله ولم ينته ، أنه يجب أن يؤدب على ذلك ويزجر ~~، ألا ترى قوله - صلى الله عليه وسلم - للرجل : ( فاحث فى أفواههن التراب ) ~~، حين انصرف إليه المرة الثالثة ، وقال : إنهن غلبننا ، وهذا يدل أن بكاء ~~نساء جعفر ، وزيد الذى نهين عنه لم يكن من النوح المحرم ، لأنه لو كان من ~~النوح المحرم لزجرهن حتى ينتهين عنه ، لأن الله فرض عليه التبليغ والبيان ، ~~ولا يؤمن على النساء عند بكائهن الهائج لهن أن يضعف غيرهن ، فيصلن به نوحا ~~محرما ، فلذلك نهاهن - صلى الله عليه وسلم - قطعا للذريعة . وفيه من الفقه ~~: أن للعالم أن ينهى عن المباح إذا اتصل به فعل ms0915 محذور ، أو خيف مواقعته ، ~~لأن الراتع حول الحمى يوشك أن يواقعه ، وهذا الحديث يدل أن قوله - صلى الله ~~عليه وسلم - فى حديث ( الموطأ ) ، حين دخل الرسول على عبد الله بن الربيع ~~يعوده ، فصاح به فلم يجبه ، فاسترجع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، ~~وقال : ( غلبنا عليك أبا الربيع ) ، فصاح النسوة وبكين ، فجعل جابر يسكتهن ~~، فقال رسول الله : ( دعهن ، فإذا وجبت فلا تبكين باكية ) ، والوجوب : ~~الموت . فدل أن هذا الحديث على الندب لا على الإيجاب ، لأنه لو كان ترك ~~البكاء عليه فرضا بعد موته لما جاز لنساء جعفر أن يبكين بعد موته ، ولوجب ~~أن يقتصرن على السكوت ، فلما اعترضت عائشة لرسول الله حين قالت له : والله ~~ما أنت بفاعل . ومثله قوله - صلى الله عليه وسلم - : ( لكن حمزة لا بواكى ~~له ) ، فدل على جواز البكاء على الميت بعد موته . PageV03P290 وقول أم عطية ~~: ( أخذ علينا النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، ألا ننوح ) يبين أن النوح ~~بدعوى الجاهلية محرم ، لأنه لم يقع فى البيعة شىء غير فرض ، وقولها : ( فما ~~وفت منا امرأة غير خمس ) ، يصدق قول النبى فى النساء : ( إنهن ناقصات العقل ~~والدين ، وإنهن خلقن من ضلع أعوج ) ، ومن كان بهذه الصفة يعسر رجوعه إلى ~~الحق وانقياده إليه . وروى معمر ، عن الزهرى ، قال : ثلاثة من أمر الجاهلية ~~لا يدعها الناس أبدا : الطعن فى الأحساب ، والنياحة ، والاستسقاء بالأنواء ~~. * * * # | 34 - باب القيام للجنازة # / 49 - فيه : عامر بن ربيعة ، قال : قال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ~~( إذا رأيتم الجنازة فقوموا حتى تخلفكم أو توضع ) . قال المهلب : مضى ~~القيام للجنازة ، والله أعلم ، على التعظيم لأمر الموت ، والإجلال لأمر ~~الله ، لأن الموت فزع ، فيجب استقباله بالقيام له والجد ، وقد روى هذا ~~المعنى عن النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، وروى محمد بن كثير ، عن ~~الأوزاعى ، عن يحيى ، عن أبى سلمة ، عن أبى سعيد الخدرى ، قال : قال رسول ~~الله : ( الموت فزع ، فإذا رأيتم الجنازة فقوموا ) ، ذكره ابن أبى الدنيا ، ~~ورواه ابن أبى شيبة من حديث أبى هريرة ، عن النبى ، - صلى الله ms0916 عليه وسلم - ~~، وأخذ بظاهر حديث عامر بن ربيعة جماعة من الصحابة والتابعين والفقهاء ، ~~وسأذكرهم فى الباب بعد هذا ، إن شاء الله . PageV03P291 ورأت طائفة ألا ~~يقوم للجنازة إذا مرت به ، وقالوا : لمن تبعها أن يجلس ، وإن لم توضع ، ~~واحتجوا بحديث على بن أبى طالب : ( أن رسول الله كان يقوم فى الجنازة ، ثم ~~قعد بعد ذلك ) ، فدل هذا أن القيام منسوخ بالجلوس ، وإلى هذا ذهب سعيد بن ~~المسيب ، وعروة بن الزبير ، ومالك بن أنس ، وأبو حنيفة ، وأصحابه ، ~~والشافعى ، وأما حديث على فرواه مالك ، عن يحيى بن سعيد ، عن واقد بن عمرو ~~، عن نافع بن جبير ، عن مسعود بن الحكم ، عن على ابن أبى طالب ، قال : ( ~~قام رسول الله فى الجنائز ثم قعد ) . رواه شعبة عن محمد بن المنكدر ، عن ~~مسعود بن الحكم ، عن على بن أبى طالب ، قال : ( رأينا رسول الله قام فقمنا ~~، ورأيناه قعد فقعدنا ) ، فثبت نسخ الأخبار الأول بالقيام للجنازة . قال ~~الطحاوى : وحدثنا يونس ، حدثنا ابن وهب ، حدثنا أنس بن عياض ، عن أنيس ابن ~~أبى يحيى ، قال : سمعت أبى يقول : كان ابن عمر وأصحاب النبى يجلسون قبل أن ~~توضع الجنازة . فهذا ابن عمر يفعل هذا ، وقد روى عن عامر بن ربيعة ، عن ~~النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، خلاف ذلك ، فدل ذلك على ثبوت نسخ ما حدث ~~به عامر بن ربيعة . وحدثنا يونس ، حدثنا ابن وهب ، حدثنا عمرو بن الحارث ، ~~أن عبد الرحمن بن القاسم حدثه : أن القاسم كان يجلس قبل أن توضع الجنازة ، ~~ولا يقوم لها ، ويخبر عن عائشة أنها قالت : كان أهل الجاهلية يقومون لها ~~ويقولون : فى أهلك ما أنت فى أهلك . فهذه عائشة تنكر القيام أصلا ، وتخبر ~~أن ذلك كان من فعل الجاهلية ، PageV03P292 وستأتى زيادة فى هذا المعنى بعد ~~هذا ، إن شاء الله تعالى ، فى باب من قام لجنازة يهودى . # | 35 - باب متى يقعد إذا قام للجنازة # / 50 - فيه : عامر بن ربيعة ، قال : قال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ~~( إذا رأى أحدكم جنازة ، فإن لم يكن ماشيا معها ms0917 ، فليقم حتى يخلفها ، أو ~~تخلفه ، أو توضع من قبل أن تخلفه ) . / 51 - وفيه : أبو سعيد ، قال - صلى ~~الله عليه وسلم - : ( إذا رأيتم الجنازة فقوموا ، فمن تبعها فلا يقعد حتى ~~توضع ) . قال المؤلف : أخذ بظاهر هذا الحديث طائفة وكانوا يقومون للجنازة ~~إذا مرت بهم ، روى ذلك عن أبى مسعود البدرى ، وأبى سعيد الخدرى ، وقيس بن ~~سعد ، وسهل بن حنيف ، وسالم بن عبد الله ، وقال أحمد وإسحاق : إن قام فلم ~~أعبه ، وإن قعد فلا بأس ، ذكره ابن المنذر ، وقد تقدم فى الباب قبل هذا أن ~~هذا منسوخ ، فإن أئمة الفتوى على ترك القيام . قوله : ( فإن لم يكن ماشيا ~~معها ) دليل على أن الجنازة من فروض الكفاية . قال ابن المنذر : وممن رأى ~~ألا يجلس من تبع الجنازة حتى توضع عن مناكب الرجال : أبو هريرة ، وابن عمر ~~، وابن الزبير ، والحسن بن على ، والنخعى ، والشعبى ، والأوزاعى . ~~PageV03P293 # | 36 - باب من تبع جنازة فلا يقعد حتى توضع عن مناكب الرجال فإن قعد أمر ~~بالقيام # / 52 - فيه : أبو سعيد ، كنا فى جنازة ، فأخذ أبو هريرة بيد مروان ، ~~فجلسا قبل أن توضع ، فجاء أبو سعيد ، فأخذ بيد مروان ، فقال : قم ، فوالله ~~لقد علم هذا أن النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، نهانا عن ذلك ، فقال أبو ~~هريرة : صدق . قال ابن المنذر : وممن رأى ألا يجلس ممن تبع الجنازة حتى ~~توضع : الحسن بن على ، وأبو هريرة ، وابن عمر ، وابن الزبير ، والنخعى ، ~~والشعبى ، وبه قال الأوزاعى . قال المؤلف : وأما أمر أبى سعيد لمروان ~~بالقيام ، فلا أعلم من قال به ، وممن روى عنه القيام للجنازة إذا مرت بهم ~~ممن ذكرناهم فى الباب قبل هذا لم يحفظ عن أحد منهم مثل قول أبى سعيد . قال ~~المهلب : وقعود أبى هريرة ومروان دليل على أنهما علما أن القيام ليس بواجب ~~، وأنه أمر متروك ليس عليه العمل ، لأنه لا يجوز أن يكون العمل على القيام ~~عندهم ويجلسان ، ولو كان أمرا معمولا به ما خفى على مروان مثله ، لتكرر مثل ~~هذا الأمر وكثرة شهودهم للجنائز ، والعمل فى هذا ms0918 على ما روى ابن وهب ، عن ~~ابن عمر ، وأصحاب محمد ، أنهم كانوا يجلسون قبل أن توضع الجنائز . * * * # | 37 - باب من قام لجنازة يهودى # / 53 - فيه : جابر ، قال : مر بنا جنازة ، فقام لها النبى ، - صلى الله ~~عليه وسلم - ، وقمنا به ، فقلنا : يا رسول الله ، إنها جنازة يهودى ، قال : ~~( إذا رأيتم الجنازة فقوموا ) . PageV03P294 / 54 - وفيه : قيس بن سعد ، ~~وسهل بن حنيف ، إن النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، مرت به جنازة ، فقام ، ~~فقيل : إنها جنازة يهودى ، فقال : ( أليست نفسا ) . وكان أبو مسعود ، وقيس ~~يقومان . قال الطحاوى : قد ثبت نسخ هذه الآثار ، ومما يبين ذلك ما حدثنا ~~محمد بن بكر ، حدثنا أحمد بن داود ، ثنا مسدد ، حدثنا عبد الواحد بن زياد ، ~~حدثنا الليث بن أبى سليم ، عن مجاهد ، عن ابن سخبرة ، قال : كنا قعودا مع ~~على بن أبى طالب ننتظر جنازة ، فمرت أخرى فقمنا ، فقال على : ما هذا القيام ~~؟ فقال أبو موسى : قال رسول الله : ( إذا رأيتم جنازة مسلم ، أو يهودى ، أو ~~نصرانى فقوموا ، فإنكم لستم تقومون لها ، إنما تقومون لمن معها من الملائكة ~~) . فقال على : إنما صنع ذلك رسول الله مرة واحدة ، وكان يتشبه بأهل الكتاب ~~فى الشىء ، فإذا نهى عنه تركه . فأخر على فى هذا الحديث أن رسول الله إنما ~~كان يقوم على التشبيه بأهل الكتاب ، وعلى الاقتداء بمن كان قبله من ~~الأنبياء ، حتى أمر بالقعود . وحدثنا فهد ، حدثنا محمد بن سعيد الأصبهانى ، ~~حدثنا شريك ، عن عثمان بن أبى زرعة ، عن زيد بن وهب ، قال : تذاكرنا القيام ~~إلى الجنازة عند على ، فقال أبو سعيد : قد كنا نقوم ، فقال على : ذلك وأنتم ~~يهود . فمعنى هذا أنهم كانوا يقومون على PageV03P295 شريعتهم ، ثم نسخ ذلك ~~بشريعة الإسلام . وقد روى أن قيامه - صلى الله عليه وسلم - كان لمعنى آخر . ~~أخبرنا إبراهيم بن مرزوق ، أخبرنا أبو عاصم ، عن ابن جريج ، قال : سمعت ~~محمد بن عمرو يحدث عن الحسن ، وابن عباس ، أو عن أحدهما ، أن النبى ، - صلى ~~الله عليه وسلم - ، مرت به جنازة يهودى ، فقام ، فقال : ( آذانى نتن ms0919 ريحها ~~) . وذكر الطبرى عن الحسن بن على ، أن رسول الله إنما قام لجنازة يهودى حين ~~طلعت عليه ، كراهية أن تعلو على رأسه . * * * # | 38 - باب حمل الرجال الجنازة دون النساء # / 55 - فيه : أبو سعيد ، قال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( إذا وضعت ~~الجنازة ، واحتملها الرجال على أعناقهم ، فإن كانت صالحة ، قالت : قدمونى ، ~~قدمونى ، وإن كانت غير صالحة ، قالت : يا ويلها ، أين يذهبون بها ، يسمع ~~صوتها كل شىء إلا الإنسان ، ولو سمعه لصعق ) . وترجم له باب : ( قول الميت ~~وهو على الجنازة قدمونى ) . قال المؤلف : الترجمة تخرج من قوله - صلى الله ~~عليه وسلم - : ( واحتملها الرجال ) دليل أن النساء لا يحملنها ، لأنهن لا ~~يلزمهن ما يلزم الرجال من المؤن ، والقيام بالحقوق ، ونصرة الملهوف ، ~~وإعانة الضعيف ، وقد سقط عنهن كثير من الأحكام ، عذرهن الله بضعفهن ، فقال ~~: { إلا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان } [ النساء : 98 ] الآية ، ~~وقول بعض الناس فى قوله : ( يسمعها كل شىء إلا الإنسان ) إن قيل : ينبغى أن ~~يسمعها الحيوان الصامت بدليل هذا الحديث ، لأنه إنما PageV03P296 استثنى ~~الإنسان فقط . قيل : هذا مما لفظه العموم ، والمراد به الخصوص ، وإنما ~~معناه : يسمعها كل شىء مميز ، وهم الملائكة والجن ، وإنما يتكلم روح ~~الجنازة ، لأن الجنازة لا تتكلم بعد خروج الروح منها إلا أن يرده الله فيها ~~، فإنما يسمع الروح من هو مثله ويجانسه ، وهم الملائكة والجن ، والله أعلم ~~، وقد بين - صلى الله عليه وسلم - المعنى الذى من أجله منع الإنسان أن ~~يسمعها ، وهو أنه كان يصعق لو سمعها ، فأراد تعالى الإبقاء على عباده ، ~~والرفق بهم فى الدنيا ، لتعمر ويقع فيها البلوى والاختبار . * * * # | 39 - باب السرعة بالجنازة # وقال أنس : أنتم مشيعون ، فامشوا بين يديها وخلفها ، وعن يمينها وعن ~~شمالها ، وقال غيره : قريبا منها . / 56 - فيه : أبو هريرة ، قال - صلى ~~الله عليه وسلم - : ( أسرعوا بالجنازة فإن تكن صالحة ، فخير تقدمونها إليه ~~، وإن تك سوى ذلك فشر تضعونه عن رقابكم ) . قال الطحاوى : وقد روى شعبة ، ~~عن عيينة بن عبد الرحمن ، عن أبيه ، عن أبى هريرة ، أنهم كانوا معه فى ~~جنازة ms0920 فمشوا بها مشيا لينا ، فانتهرهم أبو هريرة ، وقال : كنا نرمل بها مع ~~رسول الله . فأخذ قوم بهذا ، وقالوا : السرعة بالجنازة أفضل . وخالفهم ~~آخرون ، وقالوا : المشى بها مشيا لينا أفضل . واحتجوا بما رواه شعبة ، عن ~~ليث ابن أبى سليم ، قال : سمعت أبا بردة يحدث عن أبيه : أن النبى ، - عليه ~~PageV03P297 السلام - ، مر عليه بجنازة وهم يسرعون بها ، فقال : ( لتكن ~~عليكم السكينة ) . وذكر ابن المنذر أنه مذهب ابن عباس . قال الطحاوى : فلم ~~يكن عندنا فى هذا الحديث حجة على أهل المقالة الأولى ، لأنه قد يجوز أن ~~يكون فى مشيهم ذلك عنف مجاوز ما أمروا به فى حديث أبى هريرة من السرعة ، ~~فنظرنا فى ذلك هل نجد دليلا على شىء من ذلك ، فروى زائدة ، عن ليث ، عن أبى ~~بردة ، عن أبيه ، قال : مر على النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، بجنازة ~~يسرعون بها فى المشى ، وهى تمخض مخض الزق ، فقال : ( عليكم بالقصد فى ~~جنائزكم ) . فيحتمل أن يكون أمرهم بالقصد ، لأن تلك السرعة يخاف منها أن ~~يكون من الميت فيها شىء ، فنهاهم عن ذلك ، وكان ما أمرهم به من السرعة فى ~~الآثار الأول هى أفضل من هذه السرعة ، فنظرنا فى ذلك أيضا هل روى فيها شىء ~~يدلنا على هذا المعنى ، فحدثنا أبو أمية ، قال : حدثنا عبيد الله بن موسى ، ~~قال : حدثنا الحسن بن صالح ، عن يحيى الجابر ، عن أبى ماجد ، عن ابن مسعود ~~، قال : سألنا نبينا ، - صلى الله عليه وسلم - ، عن السير بالجنازة ، فقال ~~: ( ما دون الخبب ، فإن يك مؤمنا فما عجل فخير ، وإن يك كافرا فبعدا لأهل ~~النار ) . فأخبر رسول الله فى هذا الحديث أن السير بالجنازة هو ما دون ~~الخبب ، مثل ما أمر به من السرعة فى حديث أبى هريرة ، هذا قول أبى حنيفة ، ~~وأبى يوسف ، ومحمد . وهو قول جمهور العلماء . وروى عن النخعى أنه قال : ~~انبسطوا بها ، ولا تدبوا دبيب اليهود والنصارى . PageV03P298 وقال ابن حبيب ~~: لا تمش بالجنازة الهوينا ، ولكن مشى الرجل الشاب فى حاجته ، وكذلك قال ~~الشافعى : يسرع بها إسراع سجية مشى ms0921 الناس . قال غيره : وقد تأول قوم فى ~~قوله - صلى الله عليه وسلم - : ( أسرعوا بالجنازة ) إنما أراد تعجيل الدفن ~~بعد استيقان الموت ، واحتجوا بحديث الحصين بن وحوح : ( أن طلحة بن البراء ~~مرض ، فأتاه الرسول يعوده ، فقال : ( إنى لا أرى طلحة إلا وقد حدث به الموت ~~، فآذنونى به وعجلوا ، فإنه لا ينبغى لجيفة مسلم أن تحبس بين ظهرانى أهله ) ~~. وكل ما احتمل فليس يبعد فى التأويل . وأما قول أنس : ( أنتم مشيعون ، ~~فامشوا بين يديها وخلفها ) اختلف فى ذلك على ثلاثة مذاهب ، فقالت طائفة : ~~يمشى أمامها وخلفها وحيث شاء . هذا قول أنس بن مالك ، ومعاوية بن قرة ، ~~وسعيد بن جبير ، وبه قال الثورى ، قال : الفضل فى المشى أمامها وخلفها سواء ~~. وقالت طائفة : المشى أمام الجنازة أفضل . روى ذلك عن ابن عمر ، عن النبى ~~، - صلى الله عليه وسلم - ، وعن أبى بكر ، وعمر ، وعثمان أنهم كانوا يمشون ~~أمام الجنازة ، وهو قول ابن عمر ، وابن عباس ، وطلحة ، والزبير ، وأبى ~~قتادة ، وأبى هريرة ، وإليه ذهب القاسم ، وسالم ، والفقهاء السبعة المدنيون ~~، والزهرى ، ومالك ، والشافعى ، وأحمد ، وقال الزهرى : المشى خلف الجنازة ~~من خطأ السنة . واحتج أحمد بتقديم عمر بن الخطاب الناس أمام جنازة زينب بنت ~~جحش ، وبحديث ابن عمر ، وبعمل الخلفاء الراشدين المهديين . وقال ابن شهاب : ~~ذلك عمل الخلفاء بعد النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، إلى هلم جرا . ~~PageV03P299 وقال أبو حنيفة وأصحابه والأوزاعى : المشى خلفها أفضل . وهو ~~قول على بن أبى طالب ، واحتجوا بما رواه أبو الأحوص ، عن أبى فروة الهمدانى ~~، عن زائدة بن خراش ، عن ابن أبزى ، عن أبيه ، قال : كنت أمشى فى جنازة ~~فيها أبو بكر ، وعمر ، وعلى ، رضى الله عنهم ، فكان أبو بكر ، وعمر يمشيان ~~أمامها ، وكان على يمشى خلفها ، فقال على : إن فضل الذى يمشى خلف الجنازة ~~على الذى يمشى أمامها كفضل صلاة الجماعة على صلاة الفذ ، وإنهما ليعلمان من ~~ذلك مثل الذى أعلم ، ولكنهما سهلان يسهلان على الناس . قالوا : ومثل هذا لا ~~يقال بالرأى ، وإنما يقال بما وقفهم عليه النبى ، - صلى الله عليه وسلم ms0922 - ، ~~قالوا : وقد روى عن ابن عمر مثل هذا ، روى أبو اليمان ، حدثنا أبو بكر بن ~~أبى مريم ، عن راشد بن سعد ، عن نافع ، قال : خرج عبد الله بن عمر إلى ~~جنازة فرأى معها نساء ، فوقف ، ثم قال : ردهن فإنهن فتنة الحى والميت ، ثم ~~مضى فمشى خلفها ، قلت : يا أبا عبد الرحمن ، كيف المشى فى الجنازة ، أمامها ~~أم خلفها ؟ فقال : أما ترانى أمشى خلفها . فهذا ابن عمر يفعل هذا ، وهو ~~الذى يروى عن النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، أنه كان يمشى أمامها ، فدل ~~ذلك أن رسول الله كان يفعله على جهة التخفيف على الناس ، لا لأن ذلك أفضل ~~من غيره . وقد روى مغيرة ، عن إبراهيم ، قال : كانوا يكرهون السير أمام ~~الجنازة ، وتأولوا فى تقديم عمر بن الخطاب للناس فى جنازة زينب زوج النبى ، ~~- صلى الله عليه وسلم - ، أمام الجنازة أن ذلك كان من أجل النساء اللاتى كن ~~خلفها ، فكره عمر للرجال مخالطتهن ، لا لأن المشى أمامها أفضل . ~~PageV03P300 وقد روى يونس ، عن ابن وهب أنه سمع من يقول ذلك ، قال إبراهيم ~~: كان الأسود إذا كان فى الجنازة نساء مشى أمامها ، وإذا لم يكن معها نساء ~~مشى خلفها . قال ابن المنذر : ومن تبع الجنازة حيثما مشى منها فليكثر ذكر ~~الموت ، والفكر فى صاحبهم ، وأنهم صائرون إلى ما صار إليه ، وليستعد للموت ~~وما بعده ، سهل الله لنا الاستعداد للقائه برحمته . وسمع أبو قلابة صوت قاص ~~، فقال : كانوا يعظمون الموت بالسكينة . وآلى ابن مسعود ألا يكلم رجلا رآه ~~يضحك فى جنازة . وقال مطرف بن عبد الله : كان الرجل يلقى الخاص من إخوانه ~~فى الجنازة له عهد عنده ، فما يزيده على التسليم ، ثم يعرض عنه كأن له عليه ~~موجدة ، اشتغالا بما هو فيه ، فإذا خرج من الجنازة سائله عن حاله . وفى ~~سماع أشهب : قال أسيد بن الحضير : لو كنت فى حالتى كلها مثلى فى ثلاث : إذا ~~ذكرت النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، وإذا قرأت سورة البقرة ، وما شهدت ~~جنازة قط فحدثت نفسى إلا بما يقول ويقال ms0923 له إذا انصرف . * * * # | 40 - باب من صف صفين أو ثلاثة على الجنازة خلف الإمام # / 57 - فيه : جابر ، أن النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، صلى على ~~النجاشى ، فكنت فى الصف الثانى أو الثالث . الصفوف على الجنازة من سنة ~~الصلاة عليها ، وقد روى مالك بن هبيرة ، أن النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ~~، قال : ( ما من مسلم يصلى عليه ثلاث صفوف من المسلمين إلا أوجب ) . ~~PageV03P301 قال الطبرى : فينبغى لأهل الميت إذا لم يخش عليه التغير أن ~~ينتظروا اجتماع قوم تقوم منهم ثلاث صفوف لخبر مالك بن هبيرة . وقد روى ~~الطبرى من حديث أبى هريرة ، وعائشة ، عن النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، ~~قال : ( ما من مسلم صلى عليه مائة من المسلمين إلا شفعوا فيه ) . وحديث ابن ~~عباس ، عن النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، قال : ( ما من رجل يقوم على ~~جنازته أربعون رجلا لا يشركون بالله شيئا إلا شفعهم الله ) . فإن قال قائل ~~: ما وجه اختلاف العدد فى هذه الأحاديث الواردة فيمن يصلى على الميت فيغفر ~~له بصلاتهم ؟ . قيل : وجه ذلك ، والله أعلم ، أنها وردت جوابا لسؤال سائلين ~~مختلفين ، لأنه - صلى الله عليه وسلم - لم يكن ينطق عن الهوى ، فكأن سائلا ~~سأله من صلى عليه مائة رجل هل يشفعون فيه ؟ قال : نعم ، وسأله آخر : من صلى ~~عليه أربعون رجلا ؟ فقال مثل ذلك . ولعله لو سئل عن أقل من أربعين لقال مثل ~~ذلك . وقد بينا فى حديث مالك بن هبيرة ما يدل على أقل من أربعين ، لأنه قد ~~يمكن أن تكون الثلاث صفوف أقل من أربعين ، كما يمكن أن تكون أكثر ، وإنما ~~عين المائة والأربعين فى الأحاديث المتقدمة وهو من حيز الكثرة ، لأن ~~الشفاعة كلما كثر المشفعون فيها كان أوكد لها ، ولا تخلو جماعة من المسلمين ~~لهم هذا المقدار أن يكون فيها فاضل لا ترد شفاعته ، أو يكون اجتماع هذا ~~العدد بالضراعة إلى الله شفيعا عنده . * * * # | 41 - باب الصفوف على الجنازة # / 58 - فيه : أبو هريرة ، قال : نعى النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، ~~إلى أصحابه النجاشى ، ثم ms0924 تقدم فصفوا خلفه ، فكبر أربعا . PageV03P302 / 59 ~~- وفيه : ابن عباس ، أن النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، أتى على قبر ~~منبوذ ، فصفهم ، فكبروا أربعا . / 60 - وفيه : جابر ، قال : قال النبى - ~~صلى الله عليه وسلم - : ( قد توفى اليوم رجل صالح من الحبش ، فهلم فصلوا ~~عليه ) ، [ قال : ] فصففنا ، فصلى النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، عليه ~~ونحن معه صفوف . قال المؤلف : يحتمل أن يترجم البخارى ، رحمه الله ، هذا ~~الباب والذى قبله خلافا لعطاء ، فإن ابن جريج ، قال : قلت لعطاء : أفحق على ~~الناس أن يسووا صفوفهم على الجنائز كما يسوونها فى الصلاة ؟ قال : لا ، ~~لأنهم قوم يكبرون ويستغفرون . وروى حميد ، عن أنس ، قال : لما جاءت وفاة ~~النجاشى للنبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، وصلى عليه ، قال بعض أصحابه : ~~صلى على علج ، فنزلت : { وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله وما أنزل إليكم ~~} [ آل عمران : 199 ] الآية . * * * # | 42 - باب صفوف الصبيان مع الرجال على الجنازة # / 61 - فيه : ابن عباس ، أن النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، مر بقبر قد ~~دفن ليلا ، فقال : ( متى دفن هذا ؟ ) قالوا : البارحة ، قال : ( أفلا ~~آذنتمونى ) ؟ قالوا : دفناه فى ظلمة الليل ، فكرهنا أن نوقظك ، فقام فصففنا ~~خلفه . قال ابن عباس : وأنا فيهم فصلى عليه . قال المؤلف : فيه صلاة ~~الصبيان مع الرجال على الجنائز ، لأن ابن عباس كان حينئذ صغيرا . وفيه من ~~الفقه : أنه ينبغى تدريب الصبيان على جميع شرائع الإسلام ، وحضورهم مع ~~الجماعات ليستأنسوا إليها ، وتكون لهم عادة إذا لزمتهم ، وإذا ندبوا إلى ~~صلاة الجنازة ، ليدربوا PageV03P303 عليها ، وهى من فروض الكفاية على ~~البالغين ، فأحرى أن يندبوا إلى صلاة الفريضة ، التى هى فرض عين على كل ~~بالغ ، وقد روى عن الرسول أنه قال : ( مروهم بالصلاة لسبع ، واضربوهم عليها ~~لعشرة ، وقد تقدم ذلك فى كتاب الصلاة . * * * # | 43 - باب سنة الصلاة على الجنازة # وقال الرسول : ( من صلى على الجنازة ) ، وقال : ( صلوا على صاحبكم ) ، ~~وقال : ( صلوا على النجاشى ) ، سماها صلاة ليس فيها ركوع ولا سجود ، ولا ~~يتكلم فيها ، وفيها تكبير وتسليم . وكان ابن عمر لا يصلى إلا طاهرا ، ولا ms0925 ~~يصلى عند طلوع الشمس ، ولا غروبها ، ويرفع يديه . قال الحسن : أدركت الناس ~~، وأحقهم بالصلاة على جنائزهم من رضوه لفرائضهم ، وإذا أحدث يوم العيد أو ~~عند الجنازة ، يطلب الماء ولا يتيمم ، وإذا انتهى إلى الجنازة ، وهم يصلون ~~يدخل معهم بتكبيرة . وقال ابن المسيب : يكبر بالليل والنهار ، والسفر ~~والحضر أربعا . وقال أنس : التكبيرة الواحدة استفتاح الصلاة . وقال تعالى : ~~{ ولا تصل على أحد منهم مات أبدا } [ التوبة : 84 ] ، وفيه صفوف وإمام . / ~~62 - وفيه : ابن عباس ، أن النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، صلى على قبر ~~منبوذ ، فأمنا ، فصففنا خلفه ، فقلنا : يا أبا عمرو ، من حدثك ؟ قال : ابن ~~عباس . PageV03P304 قال المؤلف : غرض البخارى الرد على الشعبى ، فإنه أجاز ~~الصلاة على الجنازة بغير طهارة ، قال : لأنها دعاء ليس فيها ركوع ولا سجود ~~، والفقهاء مجمعون من السلف والخلف على خلاف قوله ، فلا يلتفت إلى شذوذه . ~~وأجمعوا أنها لا تصلى إلا إلى القبلة ، ولو كانت دعاء كما زعم الشعبى لجازت ~~إلى غير القبلة ، واحتجاج البخارى فى هذا الباب يكفى بعضه ، وهو أن النبى ~~سماها صلاة ، وقول السلف الذين ذكرهم فى الباب أن حكمها عندهم حكم الصلاة ~~فى أن لا تصلى إلا بطهارة ، وفيها تكبير وسلام ، ولا تصلى عند طلوع الشمس ~~ولا غروبها ، وأن الرسول أمهم فيها وصلوا خلفه ، كما فعل فى الصلاة ، إلا ~~أنهم اختلفوا فى صلاتها إذا خشى فوتها بالتيمم ، فقال مالك ، والشافعى ، ~~وأحمد ، وأبو ثور : ولا تصلى إلا بطهارة ، ولا يجوز التيمم لها ، وأجاز ~~التيمم لها إذا خاف فوتها : عطاء ، وسالم ، والنخعى ، والزهرى ، وربيعة ، ~~والليث ، والثورى ، وأبو حنيفة ، والأوزاعى ، وابن وهب صاحب مالك . وقال ~~ابن حبيب : الأمر فى ذلك واسع . واحتج هؤلاء بأن صلاة الجنازة لها مزية على ~~سائر النوافل ، لأنه قد اختلف فيها ، فقيل : إنها فريضة على الكفاية ، وقيل ~~: إنها سنة مؤكدة ، فإذا خيف عليها الفوت جاز استدراك فضيلتها بالتيمم . ~~واحتج أهل المقالة الأولى ، فقالوا : أجمع أهل العلم على أن من خاف فوت ~~الجمعة ، أنه لا يجوز له التيمم مثل أن يدرك الإمام فى الركعة ms0926 الثانية ، ~~فإن تيمم أدركها مع الإمام ، وإن توضأ فاتته ، فكلهم قال : لا يتيمم وإن ~~فاتته الجمعة فالذى يخاف فوت الجنازة PageV03P305 أولى بذلك ، لأنها صلاة ~~تفتقد إلى القبلة مع القدرة ، وفيها تكبير وسلام ، والتيمم طهارة ضرورية ، ~~وصلاة الجنازة لا ضرورة إليها ، لأنه لا يخلو إما أن يكون وحده فيتوضأ ~~ويصلى ، أو يكون مع غيره ممن هو على وضوء ، وإن كان ذلك الغير إذا صلى ~~عليها كفى ، وسقطت عن غيره ، قال ابن القصار : وهذا لازم لها . واختلفوا فى ~~رفع اليدين فى تكبير الجنازة ، فقال مالك فى المدونة : لا يرفع يديه إلا فى ~~التكبيرة الأولى ، وروى مطرف وابن الماجشون مثله ، وإليه ذهب الكوفيون ~~والثورى . وروى ابن وهب عن مالك أنه يعجبه الرفع فى كل تكبيرة . وروى مثله ~~عن ابن عمر ، وسالم ، وعطاء ، والنخعى ، ومكحول ، والزهرى ، والأوزاعى ، ~~والشافعى ، وأحمد وإسحاق . وذكر ابن حبيب عن ابن القاسم أنه لم يكن يرى ~~الرفع فى الأولى ولا فى غيرها ، قال ابن أبى زيد : والمعروف عن ابن القاسم ~~الرفع فى الأولى ، خلاف ما ذكره عنه ابن حبيب . واختلفوا فى التسليم على ~~الجنازة ، فقال كثير من أهل العلم : يسلم واحدة ، روى ذلك عن على ، وابن ~~عباس ، وابن عمر ، وجابر ، وأبى هريرة ، وأبى أمامة بن سهل ، وأنس ، وجماعة ~~من التابعين ، وهو قول مالك ، وأحمد ، وإسحاق . وقال الكوفيون : يسلم ~~تسليمتين : واختلف قول الشافعى على القولين . وقال مالك فى ( المجموعة ) : ~~ليس عليهم رد السلام على الإمام ، وروى عنه ابن غانم قال : يرد على الإمام ~~من سمع كلامه . وكره أكثر العلماء الصلاة على الجنازة فى غير مواقيت الصلاة ~~، روى ذلك عن ابن عمر أنه كان يصلى عليها بعد العصر حتى تصفر الشمس ، وبعد ~~الصبح حتى يسفر ، ونحوه عن الأوزاعى ، والثورى ، والكوفيين ، وأحمد ، ~~وإسحاق ، وكرهوا الصلاة عليها عند الطلوع ، PageV03P306 وعند الغروب ، وعند ~~الزوال ، زادو وقتا ثالثا ، وخالفهم الشافعى ، فقال : لا بأس بالصلاة عليها ~~أى ساعة شاء من ليل أو نهار ، وقال : إنما ورد النهى فى التطوع ، لا فى ~~الواجب والمسنون من الصلوات . واحتج الكوفيون ms0927 بحديث عقبة بن عامر ، قال : ~~ثلاث ساعات نهانا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن نصلى فيها ، ونقبر ~~فيها موتانا : عند طلوع الشمس حتى تبيض ، وعند انتصاف النهار حتى تزول ، ~~وعند اصفرار الشمس حتى تغيب . وقول الحسن : ( أحق الناس بالصلاة على ~~جنائزهم من رضوه لفرائضهم ) . فإن أهل العلم اختلفوا من أحق بالصلاة عليها ~~الولى ، أو الوالى ؟ فقال أكثر أهل العلم : الوالى أحق من الولى ، روى عن ~~علقمة ، والأسود ، والحسن ، وجماعة ، وهو قول مالك ، وأبى حنيفة ، ~~والأوزاعى ، وأحمد ، وإسحاق . إلا أن مالكا قال فى الوالى والقاضى : إن ~~كانت الصلاة إليهم فهم أحق من الولى . وقال مطرف ، وابن عبد الحكم ، وأصبغ ~~: ليس ذلك إلى من إليه الصلاة من قاض ، أو صاحب شرطة ، أو خليفة الوالى ~~الأكبر ، وإنما ذلك إلى الوالى الأكبر الذى تؤدى إليه الطاعة . وقال أبو ~~يوسف ، والشافعى : الولى أحق من الوالى . واحتج أصحاب الشافعى بقوله : { ~~وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض } [ الأنفال : 75 ] فهم أولى من غيرهم فى كل ~~شىء إلا أن تقوم دلالة . وحجة القول الأول ما رواه الثورى ، عن أبى حازم ~~قال : شهدت الحسين بن على قدم سعيد بن العاص يوم مات الحسن بن على ، رضى ~~الله عنهما ، وقال له : تقدم ، فلولا السنة ما قدمتك ، PageV03P307 وسعيد ~~يومئذ أمير المدينة . وقال ابن المنذر : ليس فى هذا الباب أعلى من هذا ، ~~لأن جنازة الحسن شهدها عوام الناس من أصحاب الرسول ، والمهاجرون ، والأنصار ~~، فلم ينكر ذلك منهم أحد ، فدل أنه كان عندهم الصواب . # | 44 - باب فضل اتباع الجنائز # وقال زيد بن ثابت : إذا صليت فقد قضيت الذى عليك . وقال حميد بن هلال : ~~ما علمنا على الجنازة إذنا ، ولكن من صلى ثم رجع فله قيراط . / 63 - فيه : ~~ابن عمر أنه حدث أن أبا هريرة يقول : من تبع جنازة فله قيراط ، فقال : أكثر ~~أبو هريرة علينا ، فصدقت - يعنى عائشة - أبا هريرة ، وقالت : سمعت رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - يقوله . اختلف العلماء فى الانصراف من الجنازة ~~، هل يحتاج إلى أذن أم لا ؟ فروى عن ms0928 زيد ابن ثابت ، وجابر بن عبد الله ، ~~وعروة بن الزبير ، والقاسم بن محمد ، وقتادة ، وابن سيرين ، وأبى قلابة ~~أنهم كانوا ينصرفون إذا رويت الجنازة ، ولا يستأذنون ، وهو قول الشافعى ، ~~وجماعة من العلماء . ولمالك وأصحابه جواز الانصراف قبل الصلاة عليها ، ~~وبعدها دون إذن ، سأذكره فى الباب بعد هذا ، إن شاء الله تعالى . وقالت ~~طائفة : لابد من الإذن فى ذلك ، روى هذا عن عمر ، وابن مسعود ، وابن عمر ، ~~وأبى هريرة ، والمسور بن مخرمة ، والنخعى أنهم كانوا لا ينصرفون حتى ~~يستأذنوا . وروى ابن عبد الحكم عن مالك ، قال : لا يجب لمن شهد جنازة أن ~~ينصرف عنها حتى يؤذن له إلا أن يطول ذلك . PageV03P308 والقول الأول أولى ~~بالصواب بدليل قوله - صلى الله عليه وسلم - : ( من شهد جنازة فله قيراط ، ~~ومن شهد حتى تدفن كان له قيراطان ) لأن قوله : ( حتى تدفن ) لفظ حض وترغيب ~~، لا لفظ حتم ووجوب ، ألا ترى قول زيد بن ثابت : إذا صليت فقد قضيت الذى ~~عليك . # | 45 - باب من انتظر حتى تدفن # / 64 - فيه : أبو هريرة ، قال : قال - صلى الله عليه وسلم - : ( من شهد ~~الجنازة حتى يصلى فله قيراط ، ومن شهد حتى تدفن كان له قيراطان ) ، قيل : ~~وما القيراطان ؟ قال : ( مثل الجبلين العظيمين ) . قد قلنا أن الحديث يدل ~~على أنه لا يحتاج إلى أذن فى الانصراف من الجنازة ، لأنه أخبر - صلى الله ~~عليه وسلم - أن من شهد الصلاة فله قيراط ، ومن شهد الدفن فله قيراطان . ~~فوكله - صلى الله عليه وسلم - إلى اختياره أن يرجع بقيراط من الأجر إن أحب ~~، أو بقيراطين ، فدل على تساوى حكم انصرافه بعد الصلاة وبعد الدفن فى أنه ~~لا إذن عليه لأحد فيه ، حين رد الاختيار إليه فى ذلك ، هذا مفهوم الحديث . ~~وقد أجاز مالك وبعض أصحابه لمن شيع الجنازة أن ينصرف منها قبل أن يصلى ~~عليها ، فى سماع أشهب ، قال : سألت مالكا : هل يحمل الرجل الجنازة وينصرف ~~ولا يصلى عليها ؟ قال : لا بأس بذلك ، إن شاء الله . وروى عنه ابن القاسم ~~أنه لا ينصرف قبل الصلاة ms0929 إلا لحاجة أو علة . قال ابن القاسم : وذلك واسع ~~لحاجة أو غيرها ، وليست بفريضة ، يعنى : إذا بقى من يقوم بها . قال ابن ~~حبيب : لا بأس أن يمشى الرجل مع الجنازة ما أحب ، وينصرف عنها قبل أن يصلى ~~عليها . قاله جابر بن عبد الله . PageV03P309 # | 46 - باب الصلاة على الجنائز بالمصلى والمسجد # / 65 - فيه : أبو هريرة ، نعى لنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~النجاشى صاحب الحبشة ، اليوم الذى مات فيه ، فقال : ( استغفروا لأخيكم ) . ~~وقال أبو هريرة : أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - صف بهم بالمصلى ، فكبر ~~عليه أربعا . / 66 - وفيه : ابن عمر ، أن اليهود جاءوا إلى الرسول - صلى ~~الله عليه وسلم - برجل منهم وامرأة زنيا ، فأمر بهما فرجما قريبا من موضع ~~الجنائز عند المسجد . قال المؤلف : المصلى موضع يصلى فيه على الجنائز ، ~~وإنما ذكر المسجد فى هذه الترجمة لاتصاله بمصلى الجنائز ، فلذلك ترجم له . ~~قال ابن حبيب : إذا كان مصلى الجنائز قريبا من المسجد أو لاصقا به مثل مصلى ~~الجنائز بالمدينة ، فإنه لاصق بالمسجد من ناحية السوق ، فلا بأس بوضع ~~الجنائز فى المصلى خارجا من المسجد ، وتمتد الصفوف بالناس فى المسجد كذلك . ~~قال مالك : فلا يعجبنى أن يصلى على أحد فى المسجد . وهو قول ابن أبى ذئب ، ~~وأبى حنيفة ، وأصحابه ، وروى مثله عن ابن عباس . قال ابن حبيب : ولو فعل ~~ذلك فاعل ما كان ضيقا ، ولا مكروها ، فقد صلى رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - على سهيل بن بيضاء فى المسجد ، وصلى صهيب على عمر فى المسجد ، وهو ~~قول عائشة ، وقال ابن المنذر : صلى على أبى بكر ، وعمر فى المسجد ، وأجاز ~~الصلاة فى المسجد : الشافعى ، وأحمد ، وإسحاق . وقال إسماعيل بن إسحاق : لا ~~بأس بالصلاة على الجنازة فى المسجد إذا احتيج إلى ذلك . وحجة من لم ير ~~الصلاة فى المسجد ما رواه ابن أبى ذئب عن صالح مولى التوأمة ، عن أبى هريرة ~~، عن الرسول أنه قال : ( من صلى على جنازة فى المسجد فلا شىء له ) . ~~PageV03P310 قال الطحاوى : فلما اختلفت الآثار فى هذا ms0930 الباب ، احتجنا إلى ~~كشف ذلك لنعلم المتأخر ، فكان فى حديث عائشة دليل أنهم تركوا الصلاة على ~~الجنائز فى المسجد بعد أن كانت تفعل فيه حتى ارتفع ذلك من فعلهم ، وذهبت ~~معرفته على عامتهم . وفى إنكار من أنكر ذلك على عائشة ، وهم يومئذ أصحاب ~~رسول الله دليل أنهم قد كانوا علموا فى ذلك خلاف ما علمت ، وقال الذين ~~احتجوا بصلاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على سهيل بن بيضاء فى ~~المسجد : الحجة فى رسول الله ، وفيه الأسوة الحسنة ، ألا ترى قول عائشة : ~~ما أسرع ما نسى الناس . وليس من نسى علما بحجة على من ذكره وعلمه ، ولو كان ~~قولها خطأ عندهم لما سكتوا عن تبيينه لها . وقال إسماعيل بن إسحاق : وما ~~روى عن الرسول أنه قال : ( من صلى على ميت فى المسجد فلا شىء له ) ، ~~فإسناده ضعيف لا يثبت ، وقاله ابن المنذر أيضا . * * * # | 47 - باب ما يكره من اتخاذ المساجد على القبور # ولما مات الحسن بن الحسن بن علي ضربت امرأته القبة على قبره سنة ، ثم ~~رفعت ، فسمعوا صائحا يقول : ألا هل وجدوا ما فقدوا ؟ فأجابه الآخر : بل ~~يئسوا ، فانقلبوا . / 67 - فيه : عائشة ، قالت : قال ، - صلى الله عليه ~~وسلم - ، فى مرضه الذى مات فيه : ( لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور ~~أنبيائهم مساجد ) . قالت : ولولا ذلك لأبرزوا قبره ، غير أنى أخشى أن يتخذ ~~مسجدا . قال المهلب : هذا النهى من باب قطع الذريعة ، لئلا يعبد قبره ~~الجهال كما فعلت اليهود والنصارى بقبور أنبيائها . PageV03P311 روى ابن ~~القاسم عن مالك فى ( العتبية ) أنه كره المسجد على القبور ، فأما مقبرة ~~داثرة يبنى عليها مسجد يصلى فيه فلا بأس به . فى سماع أشهب قال مالك : أول ~~من ضرب على قبر فسطاطا عمر ، ضرب على قبر زينب بنت جحش زوج النبى ، - صلى ~~الله عليه وسلم - ، وأوصى أبو هريرة أهله عند موته ألا يضربوا عليه فسطاطا ~~، وهو قول أبى سعيد الخدرى ، وسعيد بن المسيب ، ذكره ابن وهب فى موطئه . ~~قال ابن حبيب : ضرب الفسطاط على قبر المرأة أجوز ms0931 منه على قبر الرجل ، فأجيز ~~وكره ، ومن كرهه فإنما كرهه من جهة السمعة ، وضربته عائشة على قبر أخيها ، ~~فنزعه ابن عمر ، وضربه محمد بن الحنفية على قبر ابن عباس ، فأقام عليه ~~ثلاثة أيام . ومعنى ضرب القبة على الحسن حين ضربت عليه : سكنت وصلى فيها ، ~~فصارت مسجدا على القبر ، وإنما أورد ذلك دليلا على الكراهية لقول الصائح : ~~( ألا هل وجدوا . . ) القصة . * * * # | 48 - باب الصلاة على النفساء إذا ماتت من نفاسها فقام وسطها # وترجم له باب : ( أين يقوم من المرأة والرجل ) ؟ . قال الطحاوى : ذهب قوم ~~إلى الأخذ بحديث سمرة ، وقالوا : هذا المقام الذى ينبغى أن يقومه المصلى ~~على الجنازة على المرأة والرجل ، روى ذلك عن النخعى ، وهو قول أبى حنيفة . ~~وخالفهم فى ذلك آخرون ، وقالوا : أما المرأة فهكذا يقام عند PageV03P312 ~~وسطها ، وأما الرجل فعند رأسه . روى هذا عن أبى يوسف ، وأحمد بن حنبل . ~~وروى ابن غانم ، عن مالك ، قال : يقوم عند وسط المرأة ولم يذكر الرجل . ~~والحجة لأبى يوسف ، وأحمد ما روى إبراهيم بن مرزوق ، قال : حدثنا يعقوب بن ~~إسحاق ، حدثنا هشام ، حدثنا أبو غالب ، قال : رأيت أنس بن مالك صلى على رجل ~~فقام عند رأسه ، وجىء بجنازة امرأة فقام عند وسطها ، فقال له العلاء بن ~~زياد : يا أبا حمزة ، هكذا كان يفعل رسول الله ؟ قال : نعم . قال الطحاوى : ~~فبين أنس فى هذا الحديث أن النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، كان يقوم من ~~المرأة عند وسطها على ما فى حديث سمرة ، وزاد عليه حكم الرجل فى القيام منه ~~للصلاة عند رأسه ، فهو أولى من حديث سمرة . وقال أبو يوسف : إنما يقوم من ~~المرأة عند وسطها ، لأنها مستورة بالنعش ، ومن الرجل حيال صدره ، لأنه إن ~~قام وسطه وقع بصره على فرجه ، ولعل ذلك أن يبدو . قال الطحاوى : وزعم زاعم ~~أن قيام المصلى عند وسط المرأة إنما كان لعلة أنه لم تكن نعوش ، فكان يقوم ~~بحيال عجيزتها يسترها عن القوم ، وذلك محال ، لأن النعوش قد اتخذت فى خلافة ~~أبى بكر ، وكان أول من اتخذت ms0932 له فاطمة بنت رسول الله ، لأنها قالت لهم عند ~~وفاتها : إنى امرأة ضئيلة يرانى الناس بعد وفاتى ، فأحب أن يستر نعشى ~~بالثياب . وقالت أم سليم ، وأسماء بنت عميس أنهما رأتا فى أرض الحبشة ~~النعوش ، وأنها للناس مغطاة ، فاتخذ لها نعش ، فاتخذت فيه وبقى الناس إلى ~~يومنا هذا على ذلك . وفى المسألة قول ثالث ذكره سحنون فى ( المدونة ) عن ~~ابن مسعود ، قال : يقوم عند وسط الرجل ، وفى المرأة عند منكبيها . وذكر ابن ~~المنذر عن PageV03P313 الحسن ، قال : لا يبالى أين قام من الرجل ومن المرأة ~~. وبه قال ابن شعبان ، وهذان القولان خلاف حديث سمرة وحديث أنس ، ولا حجة ~~لهما . * * * # | 49 - باب التكبير على الجنازة أربعا # قال حميد : صلى بنا أنس فكبر ثلاثا ، ثم سلم ، فقيل له : فاستقبل القبلة ~~، ثم كبر الرابعة ، ثم سلم . / 68 - فيه : أبو هريرة ، أن الرسول نعى ~~النجاشى فى اليوم الذى مات فيه ، وخرج بهم إلى المصلى ، فصف بهم ، وكبر ~~عليه أربع تكبيرات . وجمهور الفقهاء على أن تكبير الجنازة أربع ، روى ذلك ~~عن عمر بن الخطاب ، وزيد ابن ثابت ، وابن عمر ، وابن أبى أوفى ، والبراء بن ~~عازب ، وأبى هريرة ، وعقبة بن عامر ، وهو قول عطاء ، ومالك ، والثورى ، ~~والكوفيين ، والأوزاعى ، وأحمد ، والشافعى . واختلف الصحابة فيها من ثلاث ~~إلى تسع ، وما سوى الأربع شذوذ لا يلتفت إليه ، وقال النخعى : قبض رسول ~~الله والناس مختلفون ، فمنهم من يقول : كبر النبى أربعا ، ومنهم من يقول : ~~خمسا وسبعا ، فلما كان عمر جمع الصحابة ، فقال : انظروا أمرا تجتمعون عليه ~~، فأجمع رأيهم على أربع تكبيرات ، فيحتمل أن يكون ما روى عن الصحابة من ~~خلاف فى ذلك كان قبل اجتماع الناس على أربع ، وحديث النجاشى أصح ما روى فى ~~ذلك . وقد صلى أبو بكر الصديق على النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، فكبر ~~أربعا ، وصلى عمر على أبى بكر فكبر أربعا ، وصلى صهيب على عمر فكبر أربعا ، ~~وصلى الحسن بن على على على فكبر أربعا ، وصلى عثمان على جنازة فكبر أربعا ، ~~وعن ابن عباس وأبى هريرة والبراء مثله ms0933 ، فصار الإجماع منهم قولا وعملا ~~ناسخا لما خالفه ، وصار إجماعهم PageV03P314 حجة ، وإن كانوا فعلوا فى عهد ~~النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، خلافه لأنهم مأمونون على ما فعلوا كما هم ~~مأمونون على ما رووا . فإن قيل : فكيف يكون ذلك ناسخا ، وقد كبر على بعد ~~ذلك أكثر من أربع تكبيرات ، على سهل بن حنيف ستا ، وعلى أبى قتادة سبعا ؟ . ~~قيل له : إن عليا فعل ذلك لأن أهل بدر كان حكمهم فى الصلاة عليهم أن يزاد ~~فيها من التكبير على ما يكبر على غيرهم من سائر الناس ، والدليل على ذلك ما ~~رواه ابن أبى زياد ، عن عبد الله بن معقل ، قال : صليت مع على على جنازة ، ~~فكبر عليها خمسا ، ثم التفت ، فقال : إنه من أهل بدر ، ثم صليت مع على على ~~جنائز ، كل ذلك يكبر أربعا . قال الطحاوى : فكان هذا حكم الصلاة على أهل ~~بدر ، وقد حدثنى القاسم بن جعفر ، حدثنى زيد بن أخزم ، حدثنا يعلى بن عبيد ~~، حدثنا سليمان بن بشير ، قال : صليت خلف الأسود بن يزيد ، وهمام بن الحارث ~~، والنخعى ، فكانوا يكبرون أربعا أربعا ، قال همام : وجمع عمر بن الخطاب ~~الناس على أربع إلا على أهل بدر ، فإنهم كانوا يكبرون عليهم خمسا وستا ~~وسبعا . قال مالك : وإن صلى خلف من يكبر الخامسة ، فلا يسلم إلا بسلامه ، ~~ورواه عنه ابن الماجشون ، وقاله مطرف . وروى ابن القاسم عن مالك فى العتبية ~~أن المأموم يقطع بعد الرابعة ، وكذلك فى سماع ابن وهب ، وهو قول أبى حنيفة ~~. ولم يحفظ عن النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، أنه سلم على الجنازة من ~~طريق الرواية ، وأجمع الصحابة والتابعون ، وأئمة الفتوى بعده على ~~PageV03P315 السلام فيها ، إلا أن الفقهاء اختلفوا هل يسلم واحدة ، أو ~~اثنتين ، وأكثر السلف والخلف على أنها تسليمة واحدة ، وروى عن الشعبى أنه ~~يسلم تسليمتين ، وهو قول أبى حنيفة وأصحابه . وقال الثورى : واحدة عن يمينه ~~. * * * # | 50 - باب قراءة فاتحة الكتاب على الجنازة # وقال الحسن : يقرأ على الطفل بفاتحة الكتاب ، ويقول : اللهم اجعله لنا ~~سلفا وفرطا وأجرا . / 69 ms0934 - وفيه : طلحة بن عبدالله بن عوف ، قال : صليت خلف ~~ابن عباس على جنازة ، فقرأ بفاتحة الكتاب ، قال : لتعلموا أنها سنة . ~~واختلف العلماء فى القراءة بفاتحة الكتاب على الجنازة ، فروى عن ابن مسعود ~~، وابن الزبير ، وابن عباس ، وعثمان بن حبيب ، وأبى أمامة بن سهل بن حنيف ، ~~أنهم كانوا يقرءون فاتحة الكتاب على ظاهر حديث ابن عباس ، وهو قول مكحول ~~والحسن البصرى ، وبه قال الشافعى ، وأحمد ، وإسحاق ، وقالوا : ألا ترى قول ~~ابن عباس : لتعلموا أنها سنة ، والصاحب إذا قال سنة فإنما يريد سنة رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - . وذكر أبو عبيد فى ( فضائل القرآن ) عن مكحول ~~، قال : أم القرآن قراءة ومسألة ودعاء . وممن كان لا يقرأ على الجنازة ~~وينكر ذلك : عمر بن الخطاب ، وعلى بن أبى طالب ، وابن عمر ، وأبو هريرة ، ~~ومن التابعين : عطاء ، وطاوس ، وسعيد بن المسيب ، وابن سيرين ، وسعيد ابن ~~جبير ، والشعبى ، والحكم ، وبه قال مالك والثورى ، وأبو حنيفة وأصحابه ، ~~قال PageV03P316 مالك : الصلاة على الجنازة إنما هو دعاء ، وليس قراءة ~~فاتحة الكتاب معمولا بها ببلدنا . قال الطحاوى : يحتمل أن تكون قراءة من ~~قرأ فاتحة الكتاب من الصحابة على وجه الدعاء لا على وجه التلاوة ، وقالوا : ~~إنها سنة ، يحتمل أن الدعاء سنة ، لما روى عن جماعة من الصحابة والتابعين ~~أنهم أنكروا ذلك ، ولما لم يقرءوا بعد التكبيرة الثانية دل أنه لا يقرأ ~~فيما قبلها ، لأن كل تكبيرة قائمة مقام ركعة ، ولما لم يتشهد فى آخرها دل ~~أنه لا قراءة فيها . # | 51 - باب الصلاة على القبر بعد ما يدفن # / 70 - فيه : ابن عباس ، أن النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، مر على قبر ~~منبوذ فأمهم ، وصلوا خلفه . / 71 - وفيه : أبو هريرة ، أن أسود ، رجلا أو ~~امرأة ، كان يقم المسجد فمات ، ولم يعلم الرسول بموته ، فذكره ذات يوم ، ~~فقال : ( ما فعل ذلك ؟ ) قالوا : مات يا رسول الله ، قال : ( أفلا آذنتمونى ~~) ؟ فقالوا : كان كذا وكذا ، فحقروا شأنه ، فقال : ( فدلونى على قبره ) ، ~~فأتى قبره ، فصلى عليه . اختلف العلماء فيمن فاتته الصلاة على الجنازة ، هل ~~يصلى ms0935 على قبرها ؟ فروى عن على ، وابن مسعود ، وعائشة أنه أجازوا ذلك ، وبه ~~قال الأوزاعى ، والشافعى ، وأحمد ، وإسحاق ، واحتجوا بأحاديث هذا الباب ~~وغيرها ، وقالوا : لا يصلى على قبر إلا قرب ما يدفن ، وأكثر ما حدوا فيه ~~شهرا ، إلا إسحاق فإنه قال : يصلى الغائب من شهر إلى ستة أشهر ، والحاضر ~~إلى ثلاثة . PageV03P317 وكره قوم الصلاة على القبر ، وروى عن ابن عمر أنه ~~كان إذا انتهى إلى جنازة قد صلى عليها دعا وانصرف ولم يصل عليها ، وهو قول ~~النخعى ، والحسن البصرى ، ومالك ، والثورى ، وأبى حنيفة ، والليث . وقال ~~ابن القاسم : قلت لمالك : فالحديث الذى جاء عن النبى ، - صلى الله عليه ~~وسلم - ، أنه صلى على قبر امرأة ؟ قال : قد جاء هذا الحديث ليس عليه العمل ~~. وقال أبو الفرج : صلاة النبى على من دفن خاص له ، لا يجوز لغيره ، لقوله ~~- صلى الله عليه وسلم - : ( إن هذه القبور مملوءة ظلمة حتى أصلى عليها ) . ~~وقال أبو حنيفة : لا يصلى على قبر مرتين إلا أن يصلى عليها غير وليها ، ~~فيعيد وليها الصلاة عليها . وقال الطحاوى : يسقط الفرض بالصلاة الأولى إذا ~~صلى عليها الولى ، والصلاة الثانية لو فعلت لم تكن فرضا فلا يصلى عليها ، ~~لأنهم لا يختلفون أن الولى إذا صلى عليه لم يجز له إعادة الصلاة ثانية ~~لسقوط الفرض ، وكذلك غيره من الناس إلا أن يكون الذى صلى عليها غير الولى ، ~~فلا يسقط حق الولى ، لأن الولى كان إليه فعل فرض الصلاة على الميت . وما ~~روى عن الرسول فى إعادة الصلاة ، فلأنه كان إليه فعل فرض الصلاة ، فلم يكن ~~يسقطه فعل غيره ، وقد كان - صلى الله عليه وسلم - تقدم إليهم أن يعلموا ، ~~وقد قال - صلى الله عليه وسلم - : ( لا يموت منكم ميت ما دمت بين أظهركم ~~إلا آذنتمونى به ، فإن صلاتى عليه رحمة ) . وقد ذكر ابن القصار نحو هذه ~~الحجة سواء ، واحتج أيضا بالإجماع فى ترك الصلاة على قبر الرسول ، ولو جاز ~~ذلك لكان قبره أولى أن PageV03P318 يصلى عليه أبدا ، ثم كذلك أبو بكر وعمر ~~، فلما لم ينقل أن ms0936 أحدا صلى عليهم ، كان ذلك من أقوى الدلالة على أنه لا ~~يجوز . واختلفوا فيمن دفن ونسيت الصلاة عليه ، فقال أبو حنيفة ومحمد : يصلى ~~على القبر ما بينهم وبين ثلاث . وقال ابن وهب : إذا ذكروا ذلك عند انصرافهم ~~من دفنه ، فإنه لا ينبش وليصلوا على قبره ، سمعت هذا . وقاله يحيى بن يحيى ~~، وروى موسى وعيسى ، عن ابن القاسم أنه يخرج بحضرة ذلك ويصلى عليه ، وإن ~~خافوا أن يتغير . وقاله عيسى بن دينار ، وروى موسى ، عن ابن القاسم ، قال : ~~وكذلك إذا نسوا غسله مع الصلاة عليه . وفى المبسوط : روى ابن نافع عن مالك ~~إذا نسيت الصلاة حتى يفرغ من دفنه لا ينشره ، ولا يصلى على قبره ، ولكن ~~يدعون له ، وهو قول أشهب ، وسحنون ، ولم ير بالصلاة على القبر . وقوله : ( ~~يقم المسجد ) يعنى يكنسه ، يقال : قم فلان بيته يقمه ، إذا كنسه ، والقمامة ~~: الكناسة ، والمقمة المكنسة ، ومن قولهم : اقتم فلان ما على الخوان ، إذا ~~أكل [ . . . . ] كالبيت المكنوس ، والقميم يبس البقل ، وقمت الشاة : رعت ، ~~والإقمام : ضرب الفحل الإبل ، يقال : أقم الفحل الإبل إذا ضربها . وقال ~~الخطابى : حديث ابن عباس يروى على وجهين : أحدهما : أن يجعل المنبوذ نعتا ~~للقبر ومعناه أنه قبر منبوذ عن القبور ، والوجه الآخر : أن تكون الرواية ~~على إضافة القبر إلى المنبوذ ، معناه : PageV03P319 أنه مر بقبر لقيط فصلى ~~عليه ، والمنبوذ الملقوط ، وهو المزكوم أيضا ، يقال : زكمت به أمه فهو زكمة ~~فلان . * * * # | 52 - باب الميت يسمع خفق النعال # / 72 - فيه : أنس ، قال النبى ، - صلى الله عليه وسلم - : ( إذا وضع ~~العبد فى قبره ، وتولى وذهب أصحابه ، حتى إنه ليسمع قرع نعالهم ، أتاه ~~ملكان فأقعداه ، فيقولان له : ما كنت تقول فى هذا الرجل محمد - صلى الله ~~عليه وسلم - ؟ فيقول : أشهد أنه عبد الله ورسوله ، فيقال : انظر إلى مقعدك ~~من النار ، أبدلك الله به مقعدا من الجنة ) ، قال - صلى الله عليه وسلم - : ~~( فيراهما جميعا ، وأما الكافر والمنافق ، فيقول : لا أدرى ، كنت أقول ما ~~يقول الناس ، فيقال : لا دريت ولا تليت ، ثم يضرب بمطرقة من حديد ضربة بين ms0937 ~~أذنيه ، فيصيح صيحة يسمعها من يليه إلا الثقلين ) . قوله - صلى الله عليه ~~وسلم - فى الميت : ( إنه يسمع قرع نعالهم ) ، وكلامه مع الملكين يبين قوله ~~: { وما أنت بمسمع من فى القبور } [ فاطر : 22 ] أنه على غير العموم . قال ~~المهلب : ولا معارضة بين الآية والحديث ، لأن كل ما نسب إلى الموتى من ~~استماع النداء والنوح ، فهى فى هذا الوقت عند الفتنة أول ما يوضع الميت فى ~~قبره أو متى شاء الله أن يرد أرواح الموتى ردها إليهم لما شاء { لا يسأل ~~عما يفعل وهم يسألون } [ الأنبياء : 23 ] ، ثم قال بعد ذلك : لا يسمعون ، ~~كما قال تعالى : { إنك لا تسمع الموتى } [ النمل : 80 ] ، { وما أنت بمسمع ~~من فى القبور } . وفيه : أن فتنة القبر PageV03P320 حق ، وهو مذهب أهل ~~السنة ، وسيأتى الكلام فيه فى بابه ، إن شاء الله . وأما قوله : ( يسمعها ~~من يليه ) فالذى يليه هم الملائكة الذين يلون فتنته ومسألته فى قبره ، ~~والثقلان : الجن والإنس منعهم الله سماع صيحته إذا دفن فى قبره . فإن قال ~~قائل : الجن من الثقلين ، وقد منعهم الله سماع هذه الصيحة ، ولم يمنعهم ~~سماع كلام الميت إذا حمل ، وقال : قدمونى قدمونى ، فما الفرق بين ذلك ؟ قيل ~~: إن كلام الميت حين يحمل إلى قبره هو فى حكم الدنيا ، وليس فيه شىء من ~~الجزاء والعقوبة ، لأن الجزاء لا يكون إلا فى الآخرة ، وإنما كلامه اعتبار ~~لمن سمعه وموعظة ، فأسمعها الله الجن ، لأنه جعل فيهم قوة يثبتون بها عند ~~سماعه ، ولا يضعفون بخلاف الإنسان الذى كان يصعق لو سمعه ، وصيحة الميت فى ~~القبر عند فتنته هى عقوبة وجزاء ، فدخلت فى حكم الآخرة ، فمنع الله الثقلين ~~، اللذين هما فى دار الدنيا ، سماع عقوبته وجوابه فى الآخرة ، وأسمعه سائر ~~خلقه . وقوله : ( لا دريت ولا تليت ) الأصل فيه تلوت ، فردوه إلى الياء ~~ليزدوج الكلام ، هذا قول ثعلب . وقال ابن السكيت : ( تليت ) هاهنا اتباع ~~ولا معنى لها . وقال ابن الأنبارى : إنما قيل للجن والإنس : الثقلان ، ~~لأنهما كالثقل للأرض وعليها ، والثقل بمعنى الثقيل ، وجمعها : أثقال ، ~~ومجراهما مجرى قول ms0938 العرب مثل ومثيل ، وشبه وشبيه ، وكانت العرب تقول للرجل ~~الشجاع : ثقل على الأرض ، فإذا مات أو قتل : سقط ذلك عنها . قالت الخنساء ~~ترثى أخاها : أبعد ابن عمرو من الربذة حلت بها الأرض أثقالها PageV03P321 # | 53 - باب من أحب الدفن فى الأرض المقدسة أو نحوها # / 73 - فيه : أبو هريرة ، قال : ( أرسل ملك الموت إلى موسى ، فلما جاءه ~~صكه ، فرجع إلى ربه ، فقال : أرسلتنى إلى عبد لا يريد الموت ، فرد الله ~~إليه عينه ، فقال : ارجع ، فقل له : يضع يده على متن ثور ، فله بكل ما غطت ~~به يده بكل شعرة سنة ، قال : أى رب ، ثم ماذا ؟ قال : ثم الموت ، قال : ~~فالآن ، فسأل الله أن يدفنه من الأرض المقدسة رمية بحجر ) ، قال رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - : ( لو كنت ثم لأريتكم قبره إلى جانب الطريق عند ~~الكثيب الأحمر ) . قال أبو بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة : أنكر بعض أهل ~~البدع والجهمية هذا الحديث ودفعوه ، وقالوا : لا يخلو أن يكون موسى عرف ملك ~~الموت ، أو لم يعرفه ، فإن كان عرفه فقد ظلمه واستخف برسول الله ، ومن ~~استخف برسول الله فهو مستخف بالله ، وإن كان لم يعرفه فرواية من روى أنه ~~كان يأتى موسى عيانا لا معنى لها . قال الجهمى : وزعمت الحشوية أن الله لم ~~يقاصص الملك من اللطمة وفقء العين ، والله تعالى لا يظلم أحدا . قال ابن ~~خزيمة : وهذا اعتراض من أعمى الله بصيرته ، ولم يبصره رشده ، ومعنى الحديث ~~صحيح على غير ما ظنه الجهمى ، وذلك أن موسى - صلى الله عليه وسلم - لم يبعث ~~الله إليه ملك الموت ، وهو يريد قبض روحه حينئذ ، وإنما بعثه إليه اختبارا ~~وابتلاء ، كما أمر الله خليله إبراهيم بذبح ابنه ، ولم يرد تعالى إمضاء ~~الفعل ولا قتل ابنه ، ففداه بذبح عظيم { وناديناه أن يا إبراهيم قد صدقت ~~الرؤيا } [ الصافات : 104 ، 105 ] ولو أراد قبض روح موسى حين ألهم ملك ~~الموت لكان ما أراد ، لقوله تعالى : { إنما قولنا لشىء إذا أردناه أن نقول ~~له كن فيكون } [ النحل : 40 ] . PageV03P322 وكانت اللطمة ms0939 مباحة عند موسى ~~إذا رأى شخصا فى صورة آدمى قد دخل عنده لا يعلم أنه ملك الموت ، وقد أباح ~~الرسول فقء عين الناظر فى دار المسلم بغير إذن ، رواه بشير ابن نهيك ، عن ~~أبى هريرة أن النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، قال : ( من اطلع فى دار قوم ~~بغير إذن ، ففقأ عينه فلا دية ولا قصاص ) . ومحال أن يعلم موسى أنه ملك ~~الموت ويفقأ عينه ، وكذلك لا ينظره إلا بعلمه . وقد جاءت الملائكة خليل ~~الله إبراهيم ولم يعرفهم فى الابتداء حتى أعلموه أنهم رسل ربهم ، قال تعالى ~~: { ولما جاءت رسلنا إبراهيم بالبشرى قالوا سلاما قال سلام } إلى { خيفة } ~~[ هود : 69 ، 70 ] ولو علم إبراهيم فى الابتداء أنهم ملائكة الله لكان من ~~المحال أن يقدم إليهم عجلا ، لأن الملائكة لا تطعم ، فلما وجس منهم خيفة ، ~~قالوا : لا تخف إنا أرسلنا إلى قوم لوط ، وقد أخبر الله أن رسله جاءت لوطا ~~فسيئ بهم وضاق بهم ذرعا ، ومحال أن يعلم فى الابتداء أنهم رسل الله ويضيق ~~بهم ذرعا ، أو يسيئ بهم . وقد جاء الملك إلى مريم فلم تعرفه ، واستعاذت منه ~~، ولو علمت مريم فى الابتداء أنه ملك جاء يبشرها بغلام يبرئ الأكمه والأبرص ~~ويكون نبيا ما استعاذت منه . وقد دخل الملكان على داود فى شبه آدميين ~~يختصمان عنده ولم يعرفهما وإنما بعثهما الله ليتعظ بدعوى أحدهما على صاحبه ~~، ويعلم أن الذى فعله لم يكن صوابا فتاب إلى الله وندم ، قال تعالى : { وظن ~~داود أنما فتناه فاستغفر ربه وخر راكعا } [ ص : 24 ] ، فكيف يستنكر ألا ~~يعرف موسى ملك الموت حين دخل عليه . وقد جاء جبريل النبى - صلى الله عليه ~~وسلم - وسأله عن الإيمان والإسلام فى صورة لم يعرفه النبى ، - صلى الله ~~عليه وسلم - ، ولا أحد من أصحابه ، فلما PageV03P323 ولى أخبر النبى أنه ~~جبريل ، وقال : ( ما أتانى فى صورة قط إلا عرفته ، غير هذه المرة ) . وكان ~~يأتيه فى بعض الأوقات مرة فى صورة ، ومرة فى صورة أخرى ، وأخبر - صلى الله ~~عليه وسلم - أنه لم ير جبريل ms0940 فى صورته التى خلق عليها إلا مرتين . وأما قول ~~الجهمى : إن الله لم يقاصص ملك الموت من اللطمة ، فهو دليل على جهل قائله ، ~~ومن أخبره أن بين الملائكة وبين الآدميين قصاص . ومن أخبره أن ملك الموت ~~طلب القصاص من موسى ، فلم يقاصصه الله منه . وقد أخبرنا الله تعالى أن موسى ~~قتل نفسا ولم يقاصص الله منه لقتله . وقيل : إذا كانت اللطمة غير مباحة ~~يكون حكمها على كل الأحوال حكم العمد ، فيه القصاص ، أو تكون فى بعض ~~الأحوال خطأ تجب فيه الدية على العاقلة ، وما الدليل أن فقء عين ملك الموت ~~كان عمدا فيه القصاص دون أن يكون خطأ ، وهل ترك القصاص من موسى لملك الموت ~~لو كان فقأ عين الملك عمدا ، وكان حكم الملائكة مع بنى آدم القصاص كحم ~~الآدميين ، إلا كترك القصاص من موسى لقتيله ، وكترك القصاص من أحد بنى آدم ~~لأخيه . وقد يأمر النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، بالأمر على وجه ~~الاختبار والابتلاء ، لا على وجه الإمضاء لأمره ، كما أمر - صلى الله عليه ~~وسلم - بإقامة الحد على الرجل الذى زعمت المرأة أنه وطئها من غير إقرار ~~الرجل ، ولا إقامة بينة عليه ، فبان للنبى فى المتعفف من الوطء ، وصح عنده ~~أن الذى رمته به المرأة كان زنا ، وهذا كأمر سليمان بن داود بقطع الصبى ~~باثنين ، وإنما أراد أن يختبر من أم الصبى ، لأن الأم أحنى على ولدها وأشفق ~~، فلما رضيت إحداهما بقطع الصبى ، ورضيت الأخرى بدفعه PageV03P324 إلى ~~الثانية ، بان عنده وظهر أن أم الصبى اختارت حياة ابنها ، وكذلك بعث الله ~~ملك الموت إلى موسى للابتلاء والاختبار . وقد أخبرنا نبينا - صلى الله عليه ~~وسلم - أن الله تعالى لم يقبض نبيا قط حتى يريه مقعده من الجنة ويخيره ، ~~فلا يجوز أن يؤمر ملك الموت بقبض روحه قبل أن يريه مقعده من الجنة ، وقبل ~~أن يخيره ، والله ولى التوفيق . ومعنى سؤال موسى أن يدنيه من الأرض المقدسة ~~، والله أعلم ، لفضل من دفن فى الأرض المقدسة من الأنبياء والصالحين ، ~~فاستحب مجاورتهم فى الممات ms0941 ، كما يستحب جبرتهم فى المحيا ، ولأن الفضلاء ~~يقصدون المواضع الفاضلة ، ويزورون قبورها ويدعون لأهلها . قال المهلب : ~~إنما سأل الدنو من الأرض المقدسة ليسهل على نفسه ، وتسقط عنه المشقة التى ~~تكون على من هو بعيد منها من المشى وصعوبته عند البعث والحشر . قال غيره : ~~ومعنى بعده منها ( رمية بحجر ) ليعمى قبره ، لئلا يعبد قبره جهال أهل ملته ~~، ويقصدونه بالتعظيم ، والله أعلم ، لأن النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، ~~أخبر أن اليهود تفعل ذلك بقوله : ( لعن الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم ~~مساجد يحذر ذلك ) . * * * # | 54 - باب الدفن بالليل ودفن أبو بكر ليلا # / 74 - فيه : ابن عباس ، قال : صلى النبى - صلى الله عليه وسلم - على رجل ~~بعد ما دفن بليلة ، قام هو وأصحابه ، وكان يسأل عنه ، فقال : ( من هذا ؟ ) ~~فقالوا : فلان ، دفن البارحة ، فصلوا عليه . قال ابن المنذر : أجاز أكثر ~~العلماء الدفن بالليل ، فممن دفن بالليل أبو بكر الصديق ، دفنه عمر بن ~~الخطاب بعد صلاة العشاء ، ودفنت عائشة وعثمان بن عفان بالليل أيضا ، ودفن ~~على بن أبى طالب زوجته فاطمة ليلا ، فر بها من أبى بكر أن يصلى عليها ، كان ~~بينهما شىء ، PageV03P325 رواه ابن جريج عن عمرو بن دينار ، أن حسن بن محمد ~~أخبره بذلك ، وقال : أوصته فاطمة بذلك . ورخص فى ذلك عقبة بن عامر ، وسعيد ~~بن المسيب ، وعطاء ، وهو قول الزهرى ، والثورى ، والكوفيين ، وابن أبى حازم ~~، ومطرف بن عبد الله ، ذكره ابن حبيب ، وإليه ذهب الشافعى ، وأحمد ، وإسحاق ~~. وكان الحسن البصرى يكره الدفن بالليل ، والدفن بالليل مباح ، لأن الرسول ~~صلى على الذى دفن بالليل ، وعلى المسكينة ، ولم ينكر ذلك عليهم . وذكر ~~الطحاوى من حديث جابر ، وابن عمر ، أن النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، ~~نهى عن الدفن ليلا ، وقد يكون النهى عن ذلك ليس من طريق كراهية الدفن ~~بالليل ، أراد رسول الله أن يصلى على جميع موتى المسلمين لما لهم فى ذلك من ~~الفضل والخير ، وروى عن أبى هريرة ، أن النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، ~~دخل المقبرة فصلى على رجل بعد ما دفن ، فقال ms0942 : ( ملئت هذه القبور نورا بعد ~~أن كانت مظلمة عليهم ) . وقيل : إنما نهى عن ذلك لمعنى آخر رواه أشعث عن ~~الحسن ، أن قوما كانوا يسئون أكفان موتاهم ، فنهى رسول الله عن دفن الليل . ~~وأخبر الحسن أن النهى عن الدفن ليلا إنما كان لهذه العلة ، وقد روى جابر بن ~~عبد الله نحوا من ذلك . روى ابن لهيعة عن عبيد الله بن أبى جعفر ، عن أبى ~~الزبير ، عن جابر ، قال : خطب بنا النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، فذكر ~~رجلا من أصحابه قبض فكفن فى كفن غير طائل فدفن ليلا ، فزجر أن يقبر الرجل ~~ليلا لكى يصلى عليه ، إلا أن يضطر إلى ذلك ، وقال : ( إذا PageV03P326 وارى ~~أحدكم أخاه فليحسن كفنه ) . قال الطحاوى : فجمع فى هذا الحديث العلتين ~~اللتين قيل إن النهى كان من أجلهما . قال الطحاوى : وقد فعل ذلك رسول الله ~~، وروى ابن إسحاق ، عن فاطمة بنت محمد ، عن عمرة ، عن عائشة ، قالت : ما ~~علمنا بدفن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى سمعنا بصوت المساحى من ~~آخر الليل ليلة الأربعاء . وقال عقبة بن عامر : ( ثلاث ساعات كان رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - ينهانا أن نصلى فيهن وأن نقبر فيهن موتانا : حين ~~تطلع الشمس حتى ترتفع ، وحين يقوم قائم الظهيرة حتى تميل ، وحين تضيف الشمس ~~إلى الغروب حتى تغرب ) . فدل أن ما سوى هذه الأوقات بخلافها فى الصلاة على ~~الموتى ودفنهم . # | 55 - باب بناء المسجد على القبور # / 75 - فيه : عائشة ، قالت : لما اشتكى النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، ~~ذكرت بعض نسائه كنيسة رأينها بالحبشة ، يقال لها : مارية ، فذكر من حسنها ~~وتصاوير فيها ، فرفع رأسه ، فقال : ( أولئك إذا مات منهم الرجل الصالح بنوا ~~على قبره مسجدا ، ثم صوروا فيه تلك الصورة ، أولئك هم شرار الخلق ) . لأنهم ~~كانوا يعبدون تلك القبور ، ولذلك نهى - صلى الله عليه وسلم - أن يتخذوا ~~قبره مسجدا ، قطعا للذريعة فى ذلك لئلا يعبد الجهل قبره ، وقد تقدم هذا ~~المعنى فى باب ما يكره من اتخاذ المساجد على القبور . PageV03P327 # | 56 - باب من ms0943 يدخل قبر المرأة # / 76 - فيه : أنس ، قال : شهدنا بنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، ~~ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - جالس على القبر ، فرأيت عينيه تدمعان ، ~~فقال : ( هل فيكم من أحد لم يقارف الليلة ؟ ) فقال أبو طلحة : أنا ، قال : ~~( فانزل فى قبرها ) ، قال ابن مبارك : قال فليح أراه يعنى : الذنب . قوله - ~~صلى الله عليه وسلم - : ( يقارف الليلة ) أراد الجماع ، وليس كما قال فليح ~~أنه الذنب ، لأن المقارفة أيضا عند العرب : المجامعة . قال أبو عبيد : فى ~~حديث عائشة ( كان النبى - صلى الله عليه وسلم - يصبح جنبا فى رمضان من قراف ~~غير احتلام ، ثم يصوم ) . قال أبو عبيد : القراف هاهنا : الجماع ، وكل شىء ~~خالطته وواقعته فقد قارفته . وقد روى البخارى فى تاريخه ما يشهد لذلك ، قال ~~: حدثنا عبد الله بن محمد المسندى ، قال : حدثنا عفان ، قال : حدثنا حماد ، ~~عن ثابت ، عن أنس ، قال : لما ماتت رقية ، قال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - : ( لا يدخل القبر رجل قارف أهله الليلة ) ، فلم يدخل عثمان القبر . ~~قال البخارى : لا أدرى ما هذا والنبى - صلى الله عليه وسلم - لم يشهد رقية ~~، وقال الطبرى : روى أنس ، أن النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، لما نزلت ~~أم كلثوم بنت النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، فى قبرها ، قال : ( لا ينزل ~~فى قبرها أحد قارف الليلة ) . فذكر رقية فيه وهم ، والله أعلم . ولذلك ذكر ~~البخارى فى هذا الباب حديث أنس ، قال : ( شهدنا بنت النبى . . . . ) ، ولم ~~يذكر فيه رقية ، ولم يذكر حديث المسندى فى هذا ، وهذا يدل على صواب قول ~~الطبرى ، والله أعلم . وذكر البخارى أن أم كلثوم كانت تحت عثمان بن عفان ~~بعد رقية ابنة النبى - صلى الله عليه وسلم - . PageV03P328 وذهب العلماء ~~إلى أن زوج المرأة أولى بإلحادها من الأب والولد ، ولا خلاف بينهم أنه يجوز ~~للفاضل غير الولى أن يلحد المرأة إذا عدم الولى ، ولما كان النبى ، - صلى ~~الله عليه وسلم - ، أولى بالمؤمنين من أنفسهم ، ولم يجز لأحد التقدم بين ~~يديه فى شىء لقوله تعالى : { لا تقدموا بين ms0944 يدى الله ورسوله } [ الحجرات : ~~1 ] لم يكن لعثمان أن يتقدم بين يدى رسول الله فى إلحاد زوجته . وأما قوله ~~- صلى الله عليه وسلم - : ( هل فيكم أحد لم يقارف أهله الليلة ؟ ) فيحتمل ~~أن يستدل على معناه بقوله فى حديث المسندى : ( فلم يدخل عثمان القبر ) ودل ~~سكوت عثمان وتركه المشاحة فى إلحاد أهله أنه قد كان قارف تلك الليلة بعض ~~خدمه ، لأنه لو لم يقارف لقال : أنا لم أقارف فأتولى إلحاد أهلى ، بل كان ~~يحتسب خدمته فى ذلك من أزكى أعماله عند الله ، وكان أولى من أبى طلحة لو ~~ساواه فى ترك المقارفة . فأراد - صلى الله عليه وسلم - أن يمنعه إلحادها ~~حين لم يمنعه حزنه بموت ابنة رسول الله ، وانقطاع صهره منه ، عن المقارفة ~~تلك الليلة على طراوة حزنه وحادث مصابه لمن لا عوض منها ، وقد قال - صلى ~~الله عليه وسلم - : ( كل سبب ونسب ينقطع يوم القيامة إلا سببى ونسبى ) . ~~رواه عمر بن الخطاب ، وابن عباس ، وأبو رافع ، والمسور ، كلهم عن النبى ، - ~~صلى الله عليه وسلم - ، ذكرها كلها الطبرى . فعاقبه - صلى الله عليه وسلم - ~~بأن حرمه هذه الفضيلة ، وكان عثمان كثير الخدم والمال ، وفيه فضل عثمان ~~وإيثاره الصدق حتى لم يدع تلك الليلة ترك المقارفة ، وإن كان عليه بعض ~~الغضاضة فى إلحاد غيره لزوجته . PageV03P329 # | 57 - باب الصلاة على الشهيد # / 77 - فيه : جابر ، قال : كان - صلى الله عليه وسلم - يجمع بين الرجلين ~~من قتلى أحد ، ثم يقول : ( أيهم أكثر أخذا للقرآن ) ؟ فإذا أشير له إلى ~~أحدهما ، قدمه فى اللحد ، ولم يصل عليهم . / 78 - وفيه : عقبة بن عامر ، أن ~~النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، خرج يوما فصلى على أهل أحد صلاته على ~~الميت ، ثم انصرف إلى المنبر ، فقال : ( إنى فرط لكم ، وأنا شهيد عليكم ، ~~وإنى والله لأنظر إلى حوضى الآن ، وإنى أعطيت مفاتيح خزائن الأرض ، وإنى ~~والله ما أخاف عليكم أن تشركوا بعدى ، ولكن أخاف عليكم أن تنافسوا فيها ) . ~~وترجم لحديث جابر باب ( دفن الرجلين والثلاثة فى قبر واحد ) ، وباب ( من لم ~~ير غسل ms0945 الشهداء ) ، وباب ( من يقدم فى اللحد ) . اختلف العلماء فى هذا ~~الباب ، فقال مالك : الذى سمعته من أهل العلم والسنة أن الشهداء لا يغسلون ~~، ولا يصلى على أحد منهم ، ويدفنون فى ثيابهم التى قتلوا فيها ، وهو قول ~~عطاء ، والنخعى ، والحكم ، والليث ، والشافعى ، وأحمد . وقال أبو حنيفة ، ~~والثورى ، والأوزاعى : يصلى عليه ولا يغسل ، وهو قول مكحول . وقال عكرمة : ~~لا يغسل الشهيد ، لأن الله قد طيبه ، ولكن يصلى عليه . وقال سعيد بن المسيب ~~، والحسن البصرى : يغسل الشهيد ويصلى عليه ، لأن كل ميت يجنب . وحجة مالك ، ~~ومن وافقه حديث جابر أنهم لم يغسلوا ولم يصلى عليهم ، وأيضا فإن النبى - ~~صلى الله عليه وسلم - قال فى دم الشهيد : ( اللون لون دم ، والريح ريح ~~المسك ) . وقد روى فى الحديث : ( إذا كان يوم القيامة PageV03P330 وبعث ~~الله العباد ، قام الشهداء من قبورهم ، ووثبوا على خيولهم مستشفعين إلى ~~الله بذلك ) . فوجب ألا تغير أحوالهم أخذا بالسنة التى رواها جابر فى قتلى ~~أحد . قال ابن القصار : ويوم أحد قتل فيه سبعون نفسا ، فلا يجوز أن تخفى ~~الصلاة عليهم . وقوله - صلى الله عليه وسلم - : ( اللون لون دم والريح ريح ~~مسك ) نهى عن الصلاة عليه ، لأنه ميت لا يغسل فوجب ألا يصلى عليه ، دليله ~~السقط الذى لم يستهل ، وإذا سقط فرض الطهارة سقط فرض الصلاة ، قال الله ~~تعالى : { ولا تحسبن الذين قتلوا فى سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم ~~يرزقون } [ آل عمران : 169 ] وقال - صلى الله عليه وسلم - : ( صلوا على ~~موتاكم ) . وقد نفى الله عنهم الموت ، وأوجب لهم الحياة ، فلا تجب الصلاة ~~عليهم . واحتج أبو حنيفة ، ومن وافقه بحديث عقبة بن عامر : ( أن النبى ، - ~~صلى الله عليه وسلم - ، صلى على أهل أحد بعد ثمانى سنين صلاته على الميت ) ~~، وبما روى أنه صلى على حمزة سبعين صلاة ، قالوا : فلو لم تجز الصلاة على ~~الشهداء ما صلى عليهم ، روى ذلك من حديث ابن عباس ، وابن الزبير ، فأما ~~حديث ابن الزبير فرواه أحمد بن عبد الله بن يونس ، عن أبى بكر بن عياش ، عن ms0946 ~~يزيد بن أبى زياد ، عن مقسم ، عن ابن عباس ، ( أن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - كان يوضع بين يديه يوم أحد عشرة فيصلى عليهم وعلى حمزة ، ثم ~~يرفع العشرة ، وحمزة موضوع ، ثم يوضع عشرة فيصلى عليهم وعلى حمزة معهم ، ~~يكبر عليهم سبع تكبيرات ، حتى فرغ ) . وحديث ابن الزبير ذكره ابن إسحاق ، ~~عن يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير ، عن أبيه ، عن جده . وقال أهل ~~المقالة الأولى : يحتمل أن يكون حديث ابن عباس ، وابن PageV03P331 الزبير ~~أنه صلى على قتلى أحد على من حمل فعاش ، حتى تستعمل الأحاديث ، ويجوز أن ~~يكون صلى عليهم أى : دعا لهم ، وعلى هذا يتأول حديث عقبة أنه دعا لهم كما ~~يدعى للميت بالمغفرة والرحمة ، لأن الصلاة من النبى لأمته هى بمعنى الدعاء ~~لهم ، ألا ترى قوله تعالى : { وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم } [ التوبة : 103 ~~] أن المراد به الدعاء لهم . والدليل على صحة هذا التأويل حديث ابن إسحاق ، ~~عن عبد الله بن عمرو بن العاص ، قال : أخبرنى أبو مويهبة ، مولى النبى ، - ~~صلى الله عليه وسلم - ، قال : قال لى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( ~~إنى قد أمرت أن أستغفر لأهل البقيع ) ، فاستغفر لهم ثم انصرف ، فقال لى : ( ~~إن الله قد خيرنى فى مفاتيح خزائن الأرض ، والخلد فيها ثم الجنة ، أو لقاء ~~ربى ، فاخترت لقاء ربى ) . وأصبح رسول الله من ليلته تلك فبدأه وجعه الذى ~~مات فيه ، فكأن خروجه إلى البقيع كالمودع للأحياء والأموات ، حتى نعيت إليه ~~نفسه ، فهذا تفسير حديث ابن عباس ، وابن الزبير ، وحديث عقبة ، وأن الصلاة ~~فيها بمعنى الدعاء والاستغفار ، كما دل عليه كتاب الله . وأما صلاته على ~~حمزة فهو خصوص له ، لأنه كبر عليه سبع تكبيرت ، وهم لا يقولون بأكثر من ~~أربع ، وحمزة مخصوص بإعادة الصلاة عليه لو صح ذلك ، لإجماع العلماء أنه لا ~~يجوز أن يصلى على قبر لم يصل عليه إلا بحدثان ذلك ، وأكثر ما حد فى ذلك ستة ~~أشهر . PageV03P332 وقد عارض حديث ابن عباس ، وابن الزبير ، ما روى ms0947 أسامة ~~بن زيد ، عن الزهرى ، عن ابن عباس ، ( أن النبى لم يصل على أحد من قتلى أحد ~~غير حمزة ) . فصار مخصوصا بذلك ، لأنه وجده فى القتلى قد جرح ومثل به ، ~~فقال : ( لولا أن تجزع عليه صفية لتركته حتى يحشره الله من بطون الطير ~~والسباع ) ، فكفنه فى نمرة إذا خمر رأسه بدت رجلاه ، وإذا خمر رجليه بدا ~~رأسه ، ولم يصل على أحد غيره ، وقال : ( أنا شهيد عليكم اليوم ) . ويشهد ~~لهذا المعنى حديث جابر ، وهذا أولى ما قيل به فى هذا الباب ، لأنه أصح من ~~الأحاديث المعارضة له ، وقول سعيد بن المسيب ، والحسن مخالف للآثار ، فلا ~~وجه له . واختلف الفقهاء إذا جرح فى المعركة ، ثم عاش بعد ذلك ، أو قتل ~~ظلما بحديدة ، أو غيرها فعاش ، فقال مالك : يغسل ويصلى عليه . وبه قال ~~الشافعى . وقال أبو حنيفة : إن قتل ظلما فى المصر بحديدة لم يغسل ، وإن قتل ~~بغير الحديدة غسل . وحجة مالك ما رواه نافع ، عن ابن عمر ، أن عمر غسل وصلى ~~عليه ، لأنه عاش بعد طعنته وكان شهيدا . قال ابن القصار : ولم ينكر هذا أحد ~~من الصحابة . قال : وكذلك جرح على بن أبى طالب ، فعاش ثم مات من ذلك ، فغسل ~~وصلى عليه ، ولم ينكره أحد . قال الطبرى : وفيه من الفقه أن الموت إذا كثر ~~فى موضع بطاعون أو غيره ، أو كثر القتل فى معركة حتى تعظم المؤنة فى حفر ~~قبر لكل رجل منهم ، أن تدفن الجماعة منهم فى حفرة واحدة ، كالذى فعل - صلى ~~الله عليه وسلم - فى جمع مشركى بدر فى قليب واحد ، وهم سبعون رجلا . ~~واختلفوا فى دفن الاثنين والثلاثة فى قبر ، فكره ذلك الحسن البصرى ، وأجازه ~~غير واحد من أهل العلم ، فقالوا : لا بأس أن يدفن الرجل والمرأة فى القبر ~~الواحد ، وهو قول مالك ، وأبى حنيفة ، والشافعى ، وأحمد ، وإسحاق ، غير أن ~~الشافعى وأحمد ، قالوا ذلك فى موضع PageV03P333 الضرورات . وحجتهم حديث ~~جابر المتقدم ، وقال : يقدم أسنهم وأكثرهم أخذا للقرآن ، ويقدم الرجل أمام ~~المرأة . قال المهلب : وهذا خطاب للأحياء أن يتعلموا القرآن ms0948 ، ولا يغفلوه ~~حين أكرم الله حملته فى حياتهم وبعد مماتهم . والفرط : المتقدم . والنمرة : ~~كساء من شعر أو شقة من شعر . عن الطبرى . وقال ابن السكيت : إذا نسج الصوف ~~وجعل له هدب ، فهى نمرة وبرد وشملة . * * * # | 58 - باب الإذخر والحشيش فى القبر # / 79 - فيه : ابن عباس ، قال - صلى الله عليه وسلم - : ( حرم الله مكة ، ~~فلم تحل لأحد قبلى ولا تحل لأحد بعدى ، أحلت لى ساعة من نهار ، لا يختلى ~~خلاها ، ولا يعضد شجرها ، ولا ينفر صيدها ، ولا تلتقط لقطتها ، إلا لمعرف ) ~~، قال العباس : إلا الإذخر لصاغتنا وقبورنا ، فقال : ( إلا الإذخر ) . قال ~~المؤلف : اتفق العلماء على جواز قطع الإذخر خاصة من منبته بمكة ، وأن غيره ~~من النبات محرم قطعه ، وأما الحشيش فإنه الورق الساقط والعشب المنكسر ، ~~ويجوز عند العلماء استعماله ، وإنما يحرم قطعه من منبته فقط . وفى هذا ~~الحديث جواز استعمال الإذخر وما جانسه من الحشيش الطيب الرائحة فى قبور ~~الأموات ، وأهل مكة يستعملون من الإذخر دريره ويطيبون بها أكفان الموتى ، ~~ففهم البخارى أن ما كان من PageV03P334 النبات فى معنى الإذخر ، فهو داخل ~~فى الإباحة ، كما أن المسك وما جانسه من الطيب فى الحنوط داخل فى معنى ~~إباحة الكافور للميت ، وسيأتى معنى هذا الحديث فى آخر كتاب الحج فى أبواب ~~أحكام الحرم ، إن شاء الله تعالى . * * * # | 59 - باب هل يخرج الميت من القبر واللحد لعلة # / 80 - فيه : جابر ، أتى النبى - صلى الله عليه وسلم - عبدالله بن أبى ~~بعد ما أدخل حفرته ، فأمر به ، فأخرج ، فوضعه على ركبتيه ، ونفث عليه من ~~ريقه ، وألبسه قميصه ، فالله أعلم ، وكان كسا عباسا قميصا . وقال أبو هريرة ~~: وكان على النبى - صلى الله عليه وسلم - قميصان ، فقال له ابن عبدالله : ~~يا رسول الله ، ألبس أبى قميصك الذى يلى جسدك ، قال سفيان : فيرون أن النبى ~~، عليه الصلاة والسلام ، ألبس عبدالله قميصه مكافأة لما صنع . / 81 - وفيه ~~: جابر ، لما حضر أحد دعانى أبى من الليل ، فقال : ما أرانى إلا مقتولا فى ~~أول من يقتل من أصحاب رسول الله ، وإنى لا ms0949 أترك بعدى أعز على منك غير نفس ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فإن على دينا فاقض ، واستوص بأخواتك ~~خيرا ، فأصبحنا ، فكان أول قتيل ، ودفن معه آخر PageV03P335 فى قبره ، ثم ~~لم تطب نفسى أن أتركه مع آخر ، فاستخرجته بعد ستة أشهر ، فإذا هو كيوم ~~وضعته هنية غير أذنه . قال المهلب : فى هذا الحديث جواز إخراج الميت بعد ما ~~يدفن إذا كان لذلك معنى ، مثل أن ينسى غسله أو ما أشبه ذلك . قال ابن ~~المنذر : اختلف العلماء فى النبش عمن دفن ولم يغسل ، فكلهم يجيز إخراجه ~~وغسله ، هذا قول مالك ، والثورى ، والشافعى ، إلا أن مالكا ، قال : ما لم ~~يتغير ، فى رواية على بن زياد عنه . وقال أبو حنيفة وأصحابه : إذا وضع فى ~~اللحد وغطى بالتراب ، ولم يغسل ، لم ينبغ لهم أن ينبشوه من قبره ، وهو قول ~~أشهب ، والقول الأول أصح ، بدليل حديث جابر . ولذلك اختلفوا فيمن دفن بغير ~~صلاة ، قال ابن القاسم : يخرج بحدثان ذلك ما لم يتغير حتى يغسل ويصلى عليه ~~. وهو قول سحنون ، وقال أشهب : إن ذكروا ذلك قبل أن يهال عليه التراب ، ~~أخرج وصلى عليه ، وأن أهالوا عليه التراب ، فليترك ، وإن لم يصل عليه ، ~~وروى ابن نافع ، عن مالك فى ( المسبوط ) : إذا نسيت الصلاة على الميت حتى ~~يفرغ من دفنه ، لا أرى أن ينبشوه لذلك ، ولا يصلى على قبره ، ولكن يدعون له ~~. ومن كتاب ابن سحنون : وإذا نسوا فى القبر ثوبا ، أو كساء لرجل ، فإنه ~~ينبش ويخرج ، وفى العتبية ، قال سحنون : ولو ادعى رجل أن الثوب الذى على ~~الكفن له أو كان خاتما أو دينارا ، فإن كان ذلك يعرف ، أو أقر به أهل الميت ~~، ولم يدعوه لهم أو للميت ، جعل لهم سبيل إلى إخراج الميت . وفى سماع عيسى ~~عن ابن القاسم : إذا دفن PageV03P336 فى ثوب ليس له فلينبش لإخراجه لربه ، ~~إلا بأن يطول أو يروح الميت فلا أرى لذلك سبيلا . وفى قول جابر : ( نفث ~~عليه من ريقه ) حجة على من قال : إن ريق ابن آدم ونخامته نجس ، وهو ms0950 قول ~~يروى عن سلمان الفارسى ، والعلماء كلهم على خلافه ، والسنن وردت برده ، ~~ومعاذ الله أن يكون ريق النبى نجسا ، وينفثه على وجه التبرك به ، وهو صلى ~~الله عليه علمنا النظافة والطهارة ، وبه طهرنا الله من الأدناس . وجماعة ~~الفقهاء يقولون بطهارة ريق ابن آدم ونخامته على نص هذا الحديث ، وفيه أن ~~الشهداء لا تأكل الأرض لحومهم ، ويمكن أن يكون ذلك فى قتلى أحد خاصة ، ~~ويمكن أن يشركهم فى ذلك غيرهم ممن خصه الله بذلك من خيار خلقه ، ومثل هذا ~~الحديث ما روى مالك فى الموطأ ، عن عبد الرحمن بن أبى صعصعة ، أنه بلغه أن ~~عمرو بن الجموح ، وعبد الله بن عمرو الأنصاريين كانا قد حفر السيل قبريهما ~~، وهما ممن استشهد يوم أحد ، فحفر عنهما ليغيرا من مكانهما ، فوجدا لم ~~يتغيرا كأنهما ماتا بالأمس ، وكان أحدهما قد جرح فوضع يده على جرحه ، فدفن ~~وهو كذلك ، فأميطت يداه عن جرحه ، ثم أرسلت فرجعت كما كانت ، وكان بين أحد ~~وبين يوم حفر عنهما ست وأربعون سنة . وروى ابن عيينة ، عن أبى الزبير ، عن ~~جابر ، قال : لما أراد معاوية أن يجرى العين بأحد ، نودى بالمدينة : من كان ~~له قتيل فليأت . قال جابر : فأتيناهم فأخرجناهم رطابا يتثنون ، فأصابت ~~المسحاة أصبع PageV03P337 رجل منهم فانفطرت دما . وقال سفيان : بلغنى أنه ~~حمزة ابن عبد المطلب ، وهذا الوقت غير الوقت الذى أخرج فيه جابر أباه من ~~قبره . * * * # | 60 - باب الشق واللحد فى القبر # وسمى اللحد ، لأنه فى ناحية ملتحدا معتدلا ، ولو كان مستقيما لكان جرفا . ~~/ 82 - فيه : جابر ، كان النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، يجمع بين رجلين ~~من قتلى أحد ، ثم يقول : ( أيهم أكثر أخذا للقرآن ؟ ) فإذا أشير له إلى ~~أحدهما ، قدمه فى اللحد ، فقال : ( أنا شهيد على هؤلاء . . . . . . ) ~~الحديث . قال عيسى بن دينار : اللحد أحب إلى العلماء ، لأن النبى ، - صلى ~~الله عليه وسلم - ، لحد له ، ونصب على لحده اللبن ، ولحد - صلى الله عليه ~~وسلم - لابنه إبراهيم ونصب عليه اللبن ، ولحد لأبى بكر وعمر ، وأوصى عمر ~~أهله : إذا وضعتمونى فى ms0951 لحدى فأفضوا بخدى إلى الأرض . وأوصى ابن عمر أن ~~يلحد له ، واستحب ذلك النخعى ، ومالك ، وأبو حنيفة ، وأصحابه ، وإسحاق ، ~~وقالوا : هذا الذى اختار الله لنبيه . وقال عيسى بن دينار : اللحد : أن ~~يحفر له تحت الجرف فى حائط قبلة القبر . وفى سماع ابن غانم : اللحد والشق ~~كل واسع ، واللحد أحب إلى . وقال الشافعى : إن كانت أرضا شديدة لحد لهم ، ~~وإن كانت رقيقة شق لهم . وقد روى عن الرسول من حديث جرير وغيره PageV03P338 ~~أنه قال : ( اللحد لنا ، والشق لغيرنا ) ، ولهذا الحديث ، والله أعلم ، كره ~~الشق . # | 61 - باب إذا أسلم الصبى فمات هل يصلى عليه ؟ وهل يعرض على الصبى ~~الإسلام ؟ # وقال الحسن وشريح وإبراهيم وقتادة : إذا أسلم أحدهما ، فالولد مع المسلم ~~، وكان ابن عباس مع أمه من المستضعفين ، ولم يكن مع أبيه على دين قومه ، ~~وقال : الإسلام يعلو ولا يعلى . / 83 - فيه : ابن عمر ، قال : انطلق النبى ~~، - صلى الله عليه وسلم - ، فى رهط قبل ابن صياد ، حتى وجدوه يلعب مع ~~الصبيان ، عند أكم بنى مغالة ، وقد قارب ابن صياد الحلم ، فلم يشعر حتى ضرب ~~النبى - صلى الله عليه وسلم - بيده ، ثم قال لابن صياد : ( تشهد أنى رسول ~~الله ) ؟ فنظر إليه ابن صياد ، فقال : أشهد أنك رسول الأميين ، فقال ابن ~~صياد للنبى - صلى الله عليه وسلم - : أتشهد أنى رسول الله ؟ فرفضه ، وقال : ~~آمنت بالله وبرسله ، فقال له : ( ماذا ترى ؟ ) قال ابن صياد : يأتينى صادق ~~وكاذب ، فقال - صلى الله عليه وسلم - : ( خلط عليك الأمر ) ، ثم قال له ~~النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( إنى قد خبأت لك خبيئا ) ، فقال ابن صياد ~~: هو الدخ ، فقال : ( اخسأ ، فلن تعدو قدرك ) ، فقال عمر : يا رسول الله ~~دعنى أضرب عنقه ، فقال رسول الله : ( إن يكنه فلن تسلط عليه ، وإن لم يكنه ~~فلا خير لك فى قتله ) . وقال سالم ، عن ابن عمر : انطلق بعد ذلك النبى ، - ~~عليه السلام - ، PageV03P339 وأبى بن كعب إلى النخل التى فيها ابن صياد ، ~~وهو يختل أن يسمع من ابن صياد شيئا قبل أن يراه ابن صياد ، فرآه ms0952 النبى ، - ~~صلى الله عليه وسلم - ، وهو مضطجع - [ يعنى فى قطيفة ] له - فيها رمرمة ، ~~فرأت أم ابن صياد رسول الله ، فقالت لابن صياد : يا صاف - وهو اسم ابن صياد ~~- هذا محمد ، فثار ابن صياد ، فقال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( لو ~~تركته بين ) ، وقال شعيب : رمرمة فرصه . / 84 - وفيه : أنس ، قال : كان ~~غلام يهودى يخدم النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، فمرض ، فأتاه الرسول ~~يعوده ، فقعد عند رأسه فقال له : ( أسلم ) ، فنظر إلى أبيه ، وهو عنده ، ~~فقال له : أطع أبا القاسم ، فخرج النبى - صلى الله عليه وسلم - ، وهو يقول ~~: ( الحمد لله الذى أنقذه من النار ) . / 85 - وفيه : ابن عباس ، كنت أنا ~~وأمى من المستضعفين ، أنا من الولدان ، وأمى من النساء . قال ابن شهاب : ~~يصلى على كل مولود متوفى ، وإن كان لغية من أجل أنه ولد على فطرة الإسلام ، ~~يدعى أبواه الإسلام ، أو أبوه خاصة ، وإن كانت أمه على غير الإسلام ، إذا ~~استهل صارخا صلى عليه ، ولا يصلى على من لا يستهل ، من أجل أنه سقط ، وإن ~~أبا هريرة كان يحدث ، قال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( ما من مولود ~~إلا يولد على الفطرة ، فأبواه يهودانه ، أو ينصرانه ، أو يمجسانه ، كما ~~تنتج البهيمة بهيمة جمعاء ، هل تحسون فيها من جدعاء . . . . ) الحديث . قال ~~المهلب : يصلى على الصبى الصغير المولود فى الإسلام ، لأنه PageV03P340 كان ~~على دين أبويه ، وأما الصغير العجمى ، فإنه يعرض عليه الإسلام ، لعرض رسول ~~الله على ابن صياد بقوله : ( أتشهد أنى رسول الله ) ؟ ولعرضه الإسلام على ~~الصبى اليهودى الذى كان يخدمه . وقال ابن القاسم : إذا أسلم الصغير وقد عقل ~~الإسلام ، فله حكم المسلمين فى الصلاة عليه ، ويباع على النصرانى إن ملكه ، ~~لأن مالكا يقول : لو أسلم وقد عقل الإسلام ، ثم بلغ فرجع عنه أجبر عليه . ~~قال أشهب : وإن لم يعقله ثم أجبر الذمى على بيعه ، ولا يؤخذ الصبى بإسلامه ~~إن بلغ . وأجمع العلماء فى الطفل الحربى يسبى ومعه أبواه أن إسلام الأب ~~إسلام له ، واختلفوا إذا أسلمت الأم ، فذهب مالك إلى أنه على ms0953 دين أبيه ، ~~وحجته إجماع العلماء أنه ما دام مع أبويه لم يلحقه ، فحكمه حكم أبويه أبدا ~~حتى يبلغ ، فكذلك إذا سبى لا يغير السباء حكمه حتى يبلغ ، فيعبر عن نفسه ، ~~وكذلك إن مات لا يصلى عليه ، وهو قول الشعبى . وقال أبو حنيفة ، والثورى ، ~~والأوزاعى ، والشافعى ، وأحمد : إسلام الأم إسلام للابن ، كقول الحسن وشريح ~~، وهو قول ابن وهب صاحب مالك ، ويصلى عليه إن مات عندهم . وقال سحنون : ~~إنما يكون إسلام الأم إسلام له إذا لم يكن معه أبوه ، وهو على دين أمه . ~~قال عبد الواحد : وقول سحنون يعضده قوله - صلى الله عليه وسلم - : ( فأبواه ~~يهودانه ، أو ينصرانه ) ، فشرك بينهما فى ذلك ، فإذا انفراد أحدهما دخل فى ~~معنى الحديث ، وهذا معنى رواية معن عن مالك ومن وافقه . وإنما دعا النبى ، ~~- عليه السلام - ، اليهودى الذى خدمه إلى الإسلام PageV03P341 بحضرة أبيه ، ~~لأن الله تعالى أخذ عليه فرض التبليغ لعباده ، ولا يخاف فى الله لومة لائم ~~. واختلفوا إذا لم يكن معه أبواه ، ووقع فى المقاسم دونهما ، ثم مات فى ملك ~~مشتريه ، فقال مالك فى المدونة : لا يصلى عليه إلا أن يجيبه إلى الإسلام ~~بأمر يعرف أنه عفله ، وهو المشهور من مذهبه . وروى معن : إذا لم يكن معه ~~أحد من آبائه ولم يبلغ أن يتدين أو يدعى ، ونوى سيده الإسلام صلى عليه ، ~~وأحكامه أحكام المسلمين فى الدفن فى مقابر المسلمين والموارثة ، وهو قول ~~ابن الماجشون ، وابن دينار ، وأصبغ ، وإليه ذهب أبو حنيفة وأصحابه ، ~~والأوزاعى ، والشافعى . واتفق جمهور العلماء على أنه لا يصلى على السقط حتى ~~يستهل ، وهو قول مالك والكوفيين ، والأوزاعى ، والشافعى ، وروى عن ابن عمر ~~أنه يصلى عليه وإن لم يستهل ، وهو قول أحمد وإسحاق ، ذكره ابن المنذر ، ~~والصواب قول الجمهور ، لأن من لم يستهل لم تصح له حياة ، ولا يقال فيه أنه ~~ولد على الفطرة ، وإنما سن النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، الصلاة على من ~~مات ممن تقدمت له حياة ، لا من لم تصح له حياة . قال المهلب : وفى حديث ابن ~~صياد من الفقه ms0954 جواز التجسس على من يخشى منه فساد الدين والدنيا ، وهذا ~~الحديث يبين أن قوله تعالى : { ولا تجسسوا } [ الحجرات : 12 ] ليس على ~~العموم ، وإنما المراد به عن التجسس على من لم يخش منه القدح فى الدين ، ~~ولم يضمر الغل للمسلمين ، واستتر بقبائحه ، فهذا الذى حاله التوبة والإنابة ~~، وأما من خشى منه مثل ما خشى من ابن صياد ، أو من كعب بن الأشرف وأشباههما ~~ممن PageV03P342 كان يضمر الفتك بأهل الإسلام ، فجائز التجسس عليه ، وإعمال ~~الحيلة فى أمره إذا خشى منه . وقد ترجم لحديث ابن صياد فى كتاب الجهاد باب ~~( ما يجوز من الاحتيال والحذر على من تخشى معرته ) . وفيه من الفقه : أن ~~للإمام أو الرئيس أن يعمل نفسه فى أمور الدين ومصالح المسلمين ، وإن كان له ~~من يقوم فى ذلك مقامه . وفيه : أن للإمام أن يهتم بصغار الأمور ، ويبحث ~~عنها خشية ما يئول منها من الفساد . قال عبد الواحد : قوله : ( إن يكن هو ~~فلن تسلط عليه ) ، يعنى إن يكن الدجال فلن تسلط عليه ، لأنه لابد أن ينفذ ~~فيه قدر الله . وفيه : أنه يجب التثبت فى أصل التهم ، وأن لا تستباح الدماء ~~إلا بيقين ، لقوله : ( فإن لم يكن هو فلا خير لك فى قتله ) ، وقيل : إن ~~للإمام أن يصبر ويعفو إذا جنى عليه ، أو قوبل بما لا ينبغى ، لقول ابن صياد ~~للنبى : ( أشهد أنك رسول الأميين ) ، ولم يعاقبه . وفيه : أن للإمام ~~والرئيس أن يكلم الكاهن ، والمنجم على سبيل الاختبار لما عندهم ، والعيب ~~لما يدعونه ، والإبطال لما ينتحلونه . وقال صاحب ( العين ) : الدخ ، الدخان ~~، وقوله - صلى الله عليه وسلم - لابن صياد : ( اخسأ فلن تعدو قدرك ) أى لن ~~تعدو الكهانة ، وإنما أنت كاهن ودجال ، وقال صاحب ( العين ) : الزمزمة ، ~~أصوات العلوج عند الأكل ، والزمزمة من الرعد ما لم يفصح . * * * # | 62 - باب إذا قال المشرك عند الموت لا إله إلا الله # / 86 - فيه : سعيد بن المسيب ، عن أبيه ، قال : لما حضرت أبا طالب الوفاة ~~جاءه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فوجد عنده أبا جهل بن هشام ، ~~وعبدالله ms0955 بن أبى أمية بن المغيرة ، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~لأبى طالب : ( أى عم ، قل لا إله إلا الله ، كلمة أشهد لك PageV03P343 بها ~~عند الله ) ، قال أبو جهل ، وعبدالله بن أمية : يا أبا طالب ، أترغب عن ملة ~~عبد المطلب ؟ فلم يزل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يعرضها عليه ، ~~ويعودان بتلك المقالة ، حتى قال أبو طالب ، آخر ما كلمهم : هو على ملة عبد ~~المطلب ، وأبى أن يقول : لا إله إلا الله ، فقال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - : ( أما والله لأستغفرن لك ما لم أنه عنك ، فأنزل الله . . . ) . ~~قال المهلب : إنما تنفع كلمة التوحيد لمن قالها قبل المعاينة للملائكة التى ~~تقبض الأرواح ، فحينئذ تنفعه شهادة التوحيد ، وهو الذى يدل عليه كتاب الله ~~، قال تعالى : { وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم ~~الموت } [ النساء : 17 ] ، يعنى حضور ملك الموت ، وهى المعاينة لقبض روحه ، ~~ولا يراهم أحد إلا عند الانتقال من الدنيا إلى دار الآخرة فعلم ما انتقل ~~إليه حين أدركه الغرق ، بقوله : { آمنت أنه لا إله إلا الذى آمنت به بنو ~~إسرائيل وأنا من المسلمين } [ يونس : 90 ] فقيل له : { الآن وقد عصيت قبل } ~~[ يونس : 91 ] وجاء فى التفسير أنه لما عاين ملك الموت ، ومن معه من ~~الملائكة أيقن ، قال : آمنت أنه لا إله إلا الذى آمنت به بنو إسرائيل . حثا ~~جبريل فى فمه الحمأة ليمنعه استكمال التوحيد حنقا عليه ، ويدل على ذلك قوله ~~: { يوم يأتى بعض آيات ربك لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل } [ ~~الأنعام : 158 ] ، أى لما رأى الآية التى جعلها الله علامة لانقطاع التوبة ~~وقبولها ، لم ينفعه ما كان قبل ذلك كما لم ينفع الإيمان بعد رؤية ملك الموت ~~. قال المؤلف : وقد روى عن الرسول أنه قال لعمه عند الموت : ( قل لا إله ~~إلا الله ، أحاج إليك بها عند الله ) ، فإن قال قائل : فأى محاجة يحتاج ~~إليها من وافى ربه بما يدخله به الجنة ؟ . فالجواب : أنه PageV03P344 يحتمل ~~وجوها فى التأويل : أحدها : أن ms0956 يكون ظن - صلى الله عليه وسلم - أن عمه ~~اعتقد أن من آمن فى مثل حاله لا ينفعه إيمانه ، إذ لم يقارنه عمل سواه من ~~صلاة وصيام وزكاة وحج وشرائط الإسلام كلها ، فأعلمه - صلى الله عليه وسلم - ~~أن من قال : لا إله إلا الله ، عند موته أنه يدخل فى جملة المؤمنين ، وإن ~~تعرى من عمل سواها . ويحتمل وجها آخر ، وهو أن يكون أبو طالب قد عاين أمر ~~الآخرة ، وأيقن بالموت ، وصار فى حالة من لا ينتفع بالإيمان لو آمن ، وهو ~~الوقت الذى قال فيه : أنا على ملة عبد المطلب عند خروج نفسه ، فرجا له - ~~صلى الله عليه وسلم - إن قال : لا إله إلا الله ، وأيقن بنبوته أن يشفع له ~~بذلك ، ويحاج له عند الله فى أن يتجاوز عنه ، ويتقبل منه إيمانه فى تلك ~~الحال ، ويكون ذلك خاصا لأبى طالب وحده لمكانه من الحماية والمدافعة عن ~~النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، وقد روى مثل هذا المعنى عن ابن عباس . ~~قال المؤلف : ألا ترى أنه - صلى الله عليه وسلم - قد نفعه وإن كان مات على ~~غير الإسلام ، لأنه يكون أخف أهل النار عذابا ، فنفعه له لو شهد بشهادة ~~التوحيد ، وإن كان ذلك عند المعاينة ، أحرى بأن يكون ، ويحتمل وجها آخر ، ~~وهو أن أبا طالب كان ممن عاين براهين النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، ~~وصدق معجزاته ، ولم يشك فى صحة نبوته ، وإن كان ممن حملته الأنفة وحمية ~~الجاهلية على تكذيب النبى . وكان سائر المشركين ينظرون إلى رؤسائهم ويتبعون ~~ما يقولون ، فاستحق أبو طالب ونظراؤه على ذلك من عظيم الوزر وكبير الإثم أن ~~باءوا بإثمهم على تكذيب النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، فرجا له - صلى ~~الله عليه وسلم - المحاجة بكلمة الإخلاص عند الله ، حتى يسقط عنه إثم ~~العناد والتكذيب لما قد تبين حقيقته وإثم من اقتدى به فى ذلك ، وإن كان ~~الإسلام يهدم ما قبله لكن آنسه بقوله : ( أحاج لك بها عند الله ) لئلا ~~PageV03P345 يتردد فى الإيمان ، ولا يتوقف عليه لتماديه على خلاف ما تبين ms0957 ~~حقيقته ، وتورطه فى أنه كان مضلا لغيره . وقيل : إن قوله : ( أحاج لك بها ~~عند الله ) كقوله : ( أشهد لك بها عند الله ) لأن الشهادة المرجحة له فى ~~طلب حقه ، ولذلك ذكر البخارى هذا الحديث فى هذا الباب بلفظ ( الشهادة ) ~~لأنه أقرب للتأويل ، وذكر قوله : ( أحاج لك بها عند الله ) فى قصة أبى طالب ~~فى كتاب مبعث النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، لاحتمالها التأويل ، والله ~~الموفق . * * * # | 63 - باب الجريدة على القبر # وأوصى بريدة الأسلمي أن يجعل على قبره جريدان . ورأى ابن عمر فسطاطا على ~~قبر عبدالرحمن ، فقال : انزعه يا غلام ، فإنما يظله عمله . وقال خارجة بن ~~زيد : رأيتنى ونحن شبان فى زمن عثمان ، وإن أشدنا وثبة الذى يثب قبر عثمان ~~بن مظعون ، حتى يجاوزه . وقال عثمان بن حكيم : أخذ بيدى خارجة ، فأجلسنى ~~على قبر ، وأخبرنى عن عمه يزيد ابن ثابت ، قال : إنما كره ذلك لمن أحدث ~~عليه . وقال نافع : كان ابن عمر يجلس على القبور . / 87 - فيه : ابن عباس ، ~~مر النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، بقبرين يعذبان ، فقال : ( إنهما ~~يعذبان ، وما يعذبان فى كبير ، أما أحدهما فكان لا يستتر من البول ، وأما ~~الآخر فكان يمشى بالنميمة ) ، ثم أخذ جريدة رطبة ، فشقها نصفين ، ثم غرز فى ~~كل قبر واحدة ، فقالوا : يا رسول الله ، لم صنعت هذا ؟ فقال : ( لعله أن ~~يخفف عنهما ما لم ييبسا ) . وترجم له باب : ( عذاب القبر من الغيبة والبول ~~) . قال المؤلف : إنما خص الجريدتين للغرز على القبر من دون سائر النبات ~~والثمار ، والله أعلم ، لأنها أطول الثمار بقاء ، فتطول مدة PageV03P346 ~~التخفيف عنهما ، وهى شجرة شبهها - صلى الله عليه وسلم - بالمؤمن ، وقيل : ~~إنها خلقت من فضلة طينة آدم ، وإنما أوصى بريدة أن يجعل على قبره الجريدتان ~~تأسيا بالنبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، وتبركا بفعله ، ورجاء أن يخفف عنه ~~، وقوله : ( لعله أن يخفف عنهما ) ف ( لعل ) معناها عند العرب : الترجى ~~والطمع . ومعنى الحديث : الحض على ترك النميمة ، والتحرز من البول ، ~~والإيمان بعذاب القبر ، كما يرحم الله جماعة أهل السنة ، وإنما ترجم له ms0958 باب ~~( عذاب القبر من الغيبة والبول ) ، وفى نص الحديث : ( النميمة ) فإنه استدل ~~البخارى منه على أن تلك النميمة كان فيها شىء من الغيبة ، والنميمة والغيبة ~~محرمتان ، وهما فى النهى عنهما سواء . وأما الجلوس على القبور فقد رويت ~~أحاديث فى النهى عن القعود عليها ، روى عبد الرزاق ، عن ابن جريج ، قال : ~~أخبرنى أبو الزبير ، أنه سمع جابر بن عبد الله ، قال : سمعت النبى ، - صلى ~~الله عليه وسلم - ( ينهى أن يقعد على القبور ، أو يبنى أو يجصص عليها ) . ~~وعن أبى بكرة ، وابن مسعود : ( لأن أطأ على جمرة نار حتى تطفأ أحب إلى من ~~أن أطأ على قبر ) . وأخذ النخعى ، ومكحول ، والحسن ، وابن سيرين بهذه ~~الأحاديث ، وجعلوها على العموم ، وكرهوا المشى على القبور والقعود عليها ، ~~وأجاز مالك ، والكوفيون الجلوس على القبور ، وقالوا : إنما نهى عن القعود ~~عليها للمذاهب ، فيما نرى والله أعلم ، يريد حاجة الإنسان . واحتج بعضهم ~~بأن على بن أبى طالب كان يتوسد القبور ، ويضطجع عليها ، وروى أبو أمامة بن ~~سهل بن حنيف ، أن زيد PageV03P347 ابن ثابت ، قال : ( هلم يا ابن أختى ~~أخبرك ، إنما نهى رسول الله عن الجلوس على القبر لحدث بول أو غائط ) ، فبين ~~زيد فى هذا الحديث الجلوس المنهى عنه فى الآثار الأول ما هو ، وروى مثله عن ~~أبى هريرة ، ذكره ابن وهب فى موطئه . قال الطحاوى : فعلمنا أن المقصود ~~بالنهى هو الجلوس للبول والغائط لا ما سواهما ، وقد تقدم فى كتاب الطهارة ~~من معنى هذا الحديث ما تعلق بالباب ، وسيأتى منه أيضا فى كتاب الأدب ، إن ~~شاء الله تعالى . * * * # | 64 - باب موعظة المحدث عند القبر وقعود أصحابه حوله # / 88 - فيه : على كنا في جنازة في بقيع الغرقد ، فأتانا النبى - صلى الله ~~عليه وسلم - ، فقعد ، وقعدنا حوله ، ومعه مخصرة ، فنكس ، وجعل ينكت بمخصرته ~~، ثم قال : ( ما منكم من أحد ما من نفس منفوسة إلا كتب مكانها من الجنة ~~والنار ، وإلا قد كتبت شقية أو سعيدة ) ، فقال رجل لرسول الله : أفلا نتكل ~~على كتابنا ، وندع العمل ، فمن كان من أهل ms0959 السعادة فسيصير إلى عمل أهل ~~السعادة ، وأما من كان منا من أهل الشقاوة فسيصير إلى عمل أهل الشقاوة ، ~~قال : ( أما أهل السعادة فييسرون لعمل السعادة ، وأما أهل الشقاوة فييسرون ~~لعمل الشقاوة ، ثم قرأ : { فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى } الآية ) . ~~قال المؤلف : فيه جواز القعود عند القبور والتحدث عندها بالعلم والمواعظ . ~~قال المهلب : ونكته - صلى الله عليه وسلم - بالمخصرة فى الأرض هو أصل ما ~~أفتى به أهل العلم من تحريك الإصبع فى الصلاة للتشهد ، PageV03P348 ومعنى ~~النكت بالمخصرة هو إشارة إلى المعانى ، وتفصيل الكلام وإحضار القلب للفصول ~~، والمعنى ، والمخصرة : عصا ، وهذا الحديث أصل لأهل السنة فى أن السعادة ~~والشقاء خلق لله ، بخلاف قول القدرية الذين يقولون : إن الشر ليس بخلق لله ~~، وفيه رد على أهل الجبر ، لأن المجبر لا يأتى الشئ إلا وهو يكرهه ، ~~والتيسير ضد الجبر ، ألا ترى قول الرسول : ( إن الله تجاوز لى عن أمتى ما ~~استكرهوا عليه ) والتيسير هو أن يأتى الإنسان الشىء وهو يحبه ، وسيأتى بقية ~~الكلام فى هذا الحديث فى كتاب القدر ، إن شاء الله تعالى . * * * # | 65 - باب ما جاء فى قاتل النفس # / 89 - فيه : ثابت بن الضحاك ، قال : قال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ~~( من حلف بملة غير الإسلام كاذبا متعمدا ، فهو كما قال ، ومن قتل نفسه ~~بحديدة عذب بها فى نار جهنم ) . / 90 - وفيه : جندب ، عن الرسول ، قال : ( ~~كان برجل جراح فقتل نفسه ، فقال الله تعالى : بدرنى عبدى بنفسه ، حرمت عليه ~~الجنة ) . / 91 - وفيه : أبو هريرة ، قال - صلى الله عليه وسلم - : ( الذى ~~يخنق نفسه ، يخنقها فى النار ، والذى يطعنها ، يطعنها فى النار ) . أجمع ~~الفقهاء وأهل السنة أن من قتل نفسه أنه لا يخرج بذلك عن الإسلام ، وأنه ~~يصلى عليه ، وإثمه عليه كما قال مالك ، ويدفن فى مقابر المسلمين ، ولم يكره ~~الصلاة عليه إلا عمر بن عبد العزيز ، والأوزاعى فى خاصة أنفسهما ، والصواب ~~قول الجماعة ، لأن الرسول سن الصلاة على المسلمين ، ولم يستثن منهم أحدا ، ~~فيصلى على جميعهم الأخيار والأشرار إلا الشهداء الذين أكرمهم الله ms0960 بالشهادة ~~. PageV03P349 قال المهلب : وقوله - صلى الله عليه وسلم - : ( بدرنى عبدى ~~بنفسه ، حرمت عليه الجنة ) وسائر الأحاديث ، فحملها عند العلماء فى وقت دون ~~وقت إن أراد الله أن ينفذ عليه الوعيد ، لأن الله فى وعيده للمذنبين ~~بالخيار عند أهل السنة ، إن شاء عفا عنه ، وإن شاء عذبه ، فإن عذبه فإنما ~~يعذبه مدة ما ثم يخرجه بإيمانه إلى الجنة ، ويرفع عنه الخلود والتأبيد على ~~ما جاء فى نص القرآن وحديث الرسول ، فالقرآن قوله تعالى : { إن الله لا ~~يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء } [ النساء : 48 ، 116 ] ، ~~وقوله - صلى الله عليه وسلم - : ( من قال : لا إله إلا الله ، حرمه الله ~~على النار ) ، يعنى حرم خلوده على النار . وقوله : ( من حلف بملة غير ~~الإسلام كاذبا فهو كما قال ) كاذب لا كافر ، ولا يخرج بهذا القول من ~~الإسلام إلى الدين الذى حلف به ، لأنه لم يقل ما يعتقده ، ولذلك استحق اسم ~~الكذب ، فوجب أن يكون كما قال كاذبا لا كافرا . قال غيره : ومعنى الحديث ~~النهى عن الحلف بما حلف به من ذلك والزجر عنه ، وتقدير الكلام : من حلف ~~بملة غير الإسلام كاذبا متعمدا ، فهو كما قال ، يعنى فهو كاذب حقا ، لأنه ~~حين حلف بذلك ظن أن إثم الكذب واسمه ساقطان عنه لاعتقاده أنه لا حرمة لما ~~حلف به ، لكن لما تعمد ترك الصدق فى يمينه ، وعدل عن الحق فى ذلك ، لزمه ~~اسم الكذب ، وإثم الحلف ، فهو كاذب كذبتين : كاذب بإظهار تعظيم ما يعتقد ~~خلافه ، وكذب بنفيه ما يعلم إثباته أو بإثبات ما يعلم نفيه . فإن ظن ظان أن ~~فى هذا الحديث دليل على إباحة الحلف بملة غير PageV03P350 الإسلام صادقا ~~لاشتراطه فى الحديث أن يحلف به كاذبا ، قيل له : ليس كما توهمت ، لورود نهى ~~النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، عن الحلف بغير الله نهيا مطلقا ، فاستوى ~~فى ذلك الكاذب والصادق ، وفى النهى عنه ، وسيتكرر هذا الحديث فى كتاب ~~الأيمان والنذور ، وفى كتاب الأدب ، ويأتى هناك من الكلام ما يقتضيه ~~التبويب ، إن شاء ms0961 الله تعالى . * * * # | 66 - باب ما يكره من الصلاة على المنافقين والاستغفار للمشركين # / 92 - فيه : عمر بن الخطاب ، أنه قال : لما مات عبدالله بن أبى بن سلول ~~دعى له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليصلى عليه ، فلما قام رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - وثبت إليه ، فقلت : يا رسول الله ، أتصلى على ابن ~~أبى ، وقد قال يوم كذا وكذا ، كذا وكذا أعدد عليه ، فتبسم رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - ، وقال : ( أخر عنى يا عمر ) ، فلما أكثرت عليه ، قال : ( ~~إنى خيرت فاخترت ، لو أعلم أنى إن زدت على السبعين يغفر له لزدت عليها ) ، ~~قال : فصلى عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، ثم انصرف ، فلم يمكث ~~إلا يسيرا ، حتى نزلت الآيتان من براءة : { ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ~~} إلى قوله : { وهم فاسقون } [ التوبة : 84 ] ، قال : فتعجبت بعد من جرأتى ~~على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يومئذ ، والله ورسوله أعلم . قال ~~المؤلف : فرض على جميع المؤمنين ، متعين على كل واحد منهم ألا يدعو ~~للمشركين ، ولا يستغفر لهم إذا ماتوا على شركهم لقوله تعالى : { ما كان ~~للنبى والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين } إلى { الجحيم } [ التوبة : 113 ~~] ، فإن قيل : إن إبراهيم استغفر لأبيه وهو كافر ، PageV03P351 فالجواب : ~~أن الله قد بين عذره فى ذلك ، فقال : { وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا ~~عن موعدة وعدها إياه } [ التوبة : 114 ] ، فدعا له وهو يرجو إجابته ورجوعه ~~إلى الإيمان { فلما تبين له أنه عدو الله تبرأ منه } [ التوبة : 114 ] . ~~ففى هذا من الفقه : أنه جائز أن يدعى لكل من يرجى من الكفار إنابته ~~بالهداية ما دام حيا ، لأن النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، لما شمته أحد ~~المنافقين واليهود قال : ( يهديكم الله ويصلح بالكم ) ، وقد يعمل الرجل ~~بعمل أهل النار ، ويختم له بعمل أهل الجنة . وفيه : تصحيح القول بدليل ~~الخطاب ، لاستعمال الرسول له ، ذلك أن إخبار الله أنه لا يغفر له ولو ~~استغفر له سبعين مرة ، يحتمل أنه لو زاد على السبعين أنه يغفر له لكن ms0962 لما ~~شهد الله أنه كافر بقوله : { ذلك بأنهم كفروا بالله ورسوله } [ التوبة : 80 ~~] دلت هذه الآية على تغليب أحد الاحتمالين ، وهو أنه لا يغفر له لكفره ، ~~فلذلك أمسك - صلى الله عليه وسلم - عن الدعاء له . قال الطبرى : وفيه ~~الإبانة عن نهى الله ورسوله عن الصلاة على المنافقين ، لاعتقادهم وإن كانوا ~~يظهرون الإسلام اعتصاما به وحقنا لدمائهم ، فأما القيام على قبورهم فغير ~~محرم على غير رسول الله ، بل جائز لوليه القيام عليه لإصلاحه ودفنه ، وبذلك ~~صح الخبر عن الرسول ، وعمل به أهل العلم بعده ، فدل ذلك أن القيام على قبره ~~كان مخصوصا بتحريمه رسول الله . والدليل على صحة ذلك ما حدثنا إسماعيل بن ~~موسى ، حدثنا شريك بن عبد الله ، عن أبى إسحاق ، عن ناجية بن كعب ، عن على ~~، قال : لما مات أبو طالب أتيت النبى ، فقلت له : إن عمك PageV03P352 الضال ~~قد هلك ، قال : اذهب فواره ، ولا تحدثن شيئا ، فأتيته ، فأمرنى أن اغتسل ، ~~ودعا لى بدعوات ما يسرنى أن لى بها حمر النعم . وروى الثورى ، عن الشيبانى ~~، عن سعيد ابن جبير ، قال : مات رجل يهودى وله ابن مسلم ، فذكر ذلك لابن ~~عباس ، قال : كان ينبغى له أن يمشى معه ويدفنه ، ويدعو له بالصلاح ما دام ~~حيا ، فإذا مات وكله إلى شأنه ، ثم قرأ : { وما كان استغفار إبراهيم لأبيه ~~} [ التوبة : 114 ] الآية . قال النخعى : توفيت أم الحارث بن عبد الله بن ~~أبى ربيعة ، وهى نصرانية ، فاتبعها أصحاب رسول الله تكرمة للحارث ولم يصلوا ~~عليها . قال المؤلف : وفى إقدام عمر على مراجعة الرسول فى الصلاة عليه من ~~الفقه : أن الوزير الفاضل الناصح لا حرج عليه أن يخبر سلطانه بما عنده من ~~الرأى ، وإن كان مخالفا لرأيه ، وكان عليه فيه بعض الجفاء إذا علم فضل ~~الوزير وثقته وحسن مذهبه ، فإنه لا يلزمه اللوم على ما يؤديه اجتهاده إليه ~~، ولا يتوجه إليه سوء الظن ، وأن صبر السلطان على ذلك من تمام الفضل ، ألا ~~ترى سكوت النبى عن عمر ، وتركه الإنكار عليه ، وفى رسول الله أكبر الأسوة ms0963 . ~~* * * # | 67 - باب ثناء الناس على الميت # / 93 - فيه : أنس ، مروا بجنازة ، فأثنوا عليها خيرا ، فقال - صلى الله ~~عليه وسلم - : ( وجبت ) ، ثم مروا بأخرى ، فأثنوا عليها شرا ، فقال : ( ~~وجبت ) ، فقال عمر بن الخطاب : ما وجبت ؟ قال : ( هذا أثنيتم عليه خيرا ~~فوجبت له الجنة ، وهذا أثنيتم عليه شرا فوجبت له النار ، أنتم شهداء الله ~~فى الأرض ) . / 94 - وفيه : عمر بن الخطاب ، قال النبى - صلى الله عليه ~~وسلم - : ( أيما مسلم شهد PageV03P353 له أربعة بخير أدخله الله الجنة ) ، ~~فقلنا : وثلاثة ؟ قال : ( وثلاثة ) ، فقلنا : واثنان ؟ قال : ( واثنان ) ، ~~ثم لم نسأله عن الواحد . قال أبو جعفر الداودى : معنى هذا الحديث عند ~~الفقهاء إذا أثنى عليه أهل الفضل والصدق ، لأن الفسقة قد يثنون على الفاسق ~~، فلا يدخلون فى معنى هذا الحديث ، والمراد ، والله أعلم ، إذا كان الثناء ~~بالشر ممن ليس له بعدو ، لأنه قد يكون للرجل الصالح العدو ، فإذا مات عدوه ~~ذكر عند ذلك الرجل الصالح شرا ، فلا يدخل الميت فى معنى هذا ، لأن شهادته ~~كانت لا تجوز عليه فى الدنيا ، وإن كان عدلا ، للعداوة ، والبشر غير ~~معصومين . قال عبد الواحد : إن قال قائل : حديث أنس يعارضه قوله - صلى الله ~~عليه وسلم - فى باب ما ينهى عنه من سب الأموات : ( لا تسبوا الأموات ، ~~فإنهم قد أفضوا إلى ما قدموا ) . قيل له : حديث أنس هذا يجرى مجرى الغيبة ~~فى الأحياء ، فإن كان الرجل أغلب أحواله الخير ، وقد تكون منه الفلتة ، ~~فالاغتياب له محرم ، وإن كان فاسقا معلنا فلا غيبة فيه . فكذلك الميت إذا ~~كان أغلب أحواله الخير لم يجز ذكر ما فيه من شر ولا سبه به ، وإن كان أغلب ~~أحواله الشر فيباح ذكره منه ، وليس ذلك مما نهى عنه من سب الأموات ، ويؤيد ~~ذلك ما أجمع عليه أهل العلم من ذكر الكذابين وتجريح المجرحين . وفيه وجه ~~آخر : وهو أن حديث : ( لا تسبوا الأموات ) عام ، وسببه ما روى عنه - صلى ~~الله عليه وسلم - أنه قال : ( أمسكوا عن ذى قبر ) ، فيحتمل أن يكون - صلى ~~الله عليه وسلم - أباح ذكر ms0964 الميت بما فيه من غالب الشر عند موته ~~PageV03P354 خاصة ، ليتعظ بذلك فساق الأحياء ، فإذا صار الميت فى قبره وجب ~~الإمساك عنه لإفضائه إلى ما قدم كما قال - صلى الله عليه وسلم - ، فسقط ~~التعارض . فإن قيل : فلا حجة فى جواز تجريح المحدثين ، لأن الضرورة دعت إلى ~~ذلك حياطة لحديث النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، فجاز تخصيصهم للضرورة . ~~قيل له : هو مثل الذى غلب عليه الفسق ، فوجب ذكر فسقه تحذيرا من حاله ، وهو ~~من هذا الباب ، ومثله ، مما لا اعتراض لك فيه ، ذكره - صلى الله عليه وسلم ~~- للذى يعمل حسنة وهو مؤمن ، فبذلك غفر له ، فذكره بقبيح عمله إذا كان ~~الغالب على عمله الشر انتفع بخشية الله تعالى . قال المؤلف : فإن قال قائل ~~: فإن حديث أنس مخالف لحديث عمر ، لأنه لم يشترط فى الذين أثنوا على ~~الجنازة خيرا وشرا عددا من الناس لا يجزئ أقل منهم ، وأحال فى ذلك - صلى ~~الله عليه وسلم - ما يغلب على الرجل بعد موته عند جملة من الناس من ثناء ~~الخير والشر ، أنه المحكوم به له فى الآخرة ، وقد جاء بيان هذا فى حديث آخر ~~: ( إن الله إذا أحب عبدا أمر الملائكة أن تنادى فى السماء : ألا إن الله ~~يحب فلانا فأحبوه ، فيحبه أهل السماء ، ثم يجعل له القبول فى الأرض ، وإذا ~~أبغض عبدا . . . . ) كذلك فهو معنى قوله : ( أنتم شهداء الله فى الأرض ) ~~لأن المحبة والبغضة من عنده تعالى ، ويشهد لصحة هذا قوله تعالى : { وألقيت ~~عليك محبة منى } [ طه : 39 ] . فإن قيل : فهذا المعنى مخالف لحديث عمر ، ~~لأنه شرط فيه أربعة شهداء ، أو ثلاثة ، أو اثنين ، وفى الحديث الأول شرط ~~جملة كثيرة من المؤمنين ، وإن لم يحصرهم عدد . قيل : ليس كما توهمت ، وإنما ~~PageV03P355 اختلف العددان لاختلاف المعنيين ، وذلك أن الثناء قد يكون ~~بالسماع المتصل على الألسنة ، فاستحب فى ذلك التواتر والكثرة ، والشهادة لا ~~تكون إلا بالمعرفة والعلم بأحوال المشهود له ، فناب فى ذلك أربعة شهداء ، ~~وذلك على ما يكون من الشهادة ، لأن الله جعل فى الزنا أربعة ms0965 شهداء ، فإن ~~قصروا عن ذلك ناب فيه ثلاثة ، فإن قصروا عن ذلك ناب فيه اثنان ، وذلك أقل ~~ما يجزئ من الشهادة على سائر الحقوق ، رحمة من الله لعباده المؤمنين ، ~~وتجاوزا عنهم حين أجرى أموره فى الآخرة على ما أجراه فى الدنيا ، وقبل ~~شهادة رجلين من عباده المؤمنين بعضهم على بعض فى أحكام الآخرة . روى ابن ~~وضاح ، قال : حدثنا محمد بن مصفى ، حدثنا بقية ، قال : حدثنا الضحاك بن ~~حمرة ، عن صالح الأملوكى ، عن حميد ، عن أنس ، قال : قال رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - : ( ما من ميت يموت فيشهد له رجلان من جيرته الأدنيين ، ~~فيقولان : اللهم لا نعلم إلا خيرا ، إلا قال الله لملائكته : أشهدكم أننى ~~قد قبلت شهادتهم ، وغفرت له ما لا يعلمون ) . PageV03P356 # | 68 - باب ما جاء فى عذاب القبر وقوله : { ولو ترى إذ الظالمون فى غمرات ~~الموت } إلى { الهون } [ الأنعام : 93 ] # . قال أبو عبد الله : الهون هو الهوان ، والهون الرفق ، وقوله تعالى : { ~~سنعذبهم مرتين ثم يردون إلى عذاب عظيم } [ التوبة : 101 ] ، وقوله : { وحاق ~~بآل فرعون سوء العذاب } إلى { أشد العذاب } [ غافر : 45 ] . / 95 - فيه : ~~البراء بن عازب ، عن النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، قال : ( إذا أقعد ~~المؤمن فى قبره أتى ثم شهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ، فذلك ~~قوله : { يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت } ) [ إبراهيم : 27 ] . وقال ~~شعبة : نزلت فى عذاب القبر . / 96 - وفيه : ابن عمر ، اطلع النبى ، - صلى ~~الله عليه وسلم - ، على أهل القليب ، فقال : ( وجدتم ما وعد ربكم حقا ؟ ) ~~فقيل له : أتدعو أمواتا قد جيفوا ؟ فقال : ( ما أنتم بأسمع منهم ، ولكن لا ~~يجيبون ) . وقالت عائشة : إنما قال الرسول : ( إنهم ليعلمون الآن أن ما كنت ~~أقول لهم حق ) ، وقد قال الله تعالى : { إنك لا تسمع الموتى } [ النمل : 80 ~~] . وقد قالت عائشة : أن يهودية دخلت عليها ، فذكرت عذاب القبر ، ~~PageV03P357 فسألت عائشة النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، فقال : ( نعم ، ~~عذاب القبر حق ) ، فما صلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلاة إلا تعوذ ~~من عذاب ms0966 القبر . / 97 - وفيه : أسماء ، قام النبى خطيبا ، فذكر فتنة القبر ~~الذى يفتتن به المرء . / 98 - وفيه : أنس ، قال الرسول : ( إن العبد إذا ~~وضع فى قبره وتولى عنه أصحابه ، وإنه ليسمع قرع نعالهم ، أتاه ملكان ، ~~فيقعدانه فيقولان له : ما كنت تقول فى هذا الرجل . . . . ) ؟ الحديث ( ~~فيضرب بمطرقة من حديد ضربة ، فيصيح صيحة يسمعها من يليه إلا الثقلين ) . ~~قال أبو بكر بن مجاهد : أجمع أهل السنة أن عذاب القبر حق ، وأن الناس ~~يفتنون فى قبورهم بعد أن يحيوا فيها ويسألوا فيها ، ويثبت الله من أحب ~~تثبيته منهم . وقال أبو عثمان بن الحداد : وإنما أنكر عذاب القبر بشر ~~المريسى والأصم وضرار ، واحتجوا بقوله تعالى : { لا يذوقون فيها الموت إلا ~~الموتة الأولى } [ الدخان : 56 ] واحتجوا بمعارضة عائشة لابن عمر . قال ~~القاضى أبو بكر بن الطيب وغيره : قد ورد القرآن بتصديق الأخبار الواردة فى ~~عذاب القبر ، قال تعالى : { النار يعرضون عليها غدوا وعشيا } [ غافر : 46 ] ~~وقد اتفق المسلمون أنه لا غدوة ولا عشى فى الآخرة ، وإنما هما فى الدنيا ، ~~فهم يعرضون مماتهم على النار قبل يوم القيامة ، ويوم القيامة يدخلون أشد ~~العذاب ، قال تعالى : { ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب } [ ~~غافر : 46 ] ، فإذا جاز أن يكون المكلف بعد موته معروضا على النار غدوا ~~وعشيا ، جاز أن يسمع PageV03P358 الكلام ويمنع الجواب ، لأن اللذة والعذاب ~~تجىء بالإحساس ، فإذا كان كذلك وجب اعتقاد رد الحياة فى تلك الأجساد ، ~~وسماعهم للكلام ، والعقل لا يدفع هذا ، ولا يوجب حاجة إلى بلة ورطوبة ، ~~وإنما يقتضى حاجتها إلى المحل فقط ، فإذا صح رد الحياة إلى أجسامهم مع ما ~~هم عليه من نقص البنية ، وتقطع الأوصال ، صح أن يوجد فيهم سماع الكلام ، ~~والعجز عن رد الجواب . وقد ذكر البخارى فى غزوة بدر بعد قوله - صلى الله ~~عليه وسلم - : ( ما أنتم بأسمع لما أقول منهم ) ، قال قتادة : أحياهم الله ~~حتى أسمعهم ، توبيخا ونقمة وحسرة وندما . وعلى تأويل قتادة فقهاء الأئمة ~~وجماعة أهل السنة ، وعلى ذلك تأوله عبد الله بن عمر ، راوى الحديث ms0967 عن النبى ~~، - صلى الله عليه وسلم - . قال القاضى : وليس فى قول عائشة ما يعارض قول ~~ابن عمر ، لأنه يمكن - صلى الله عليه وسلم - أن يكون قد قال فى قتلى بدر ~~القولين جميعا ، ولم تحفظ عائشة إلا أحدهما ، لأن القولين غير متنافيين ، ~~أن ما دعوا الله لا ينفى رد الحياة إلى أجسامهم ، وسماعهم للنداء بعد موتهم ~~إذا عادوا أحياء . وقال الطبرى فى معنى قوله - صلى الله عليه وسلم - : ( ما ~~أنتم بأسمع منهم ولكن لا يجيبون ) ، اختلف السلف من العلماء فى تأويل هذا ~~الحديث ، فقالت جماعة يكثر تعدادهم بالعموم ، وقالت : إن الميت يسمع كلام ~~الأحياء ، ولذلك قال - صلى الله عليه وسلم - لأهل القليب ما قال ، وقال : ( ~~ما أنتم بأسمع منهم ) ، واحتجوا بأحاديث فى معنى قوله فى الميت : ( إنه ~~ليسمع قرع نعالهم ) . PageV03P359 ذكر من قال يسمعون كلام الأحياء ويتكلمون ~~، حدثنا محمد بن بشار ، حدثنا عبد الرحمن بن عوف ، حدثنا عوف ، عن جلاس ، ~~عن أبى هريرة ، قال : ( إن أعمالكم تعرض على أقربائكم من موتاكم ، فإن رأوا ~~خيرا فرحوا به ، وإن رأوا شرا كرهوه ، وإنهم يستخبرون الميت إذا أتاهم من ~~مات بعدهم ، حتى إن الرجل ليسأل عن امرأته أتزوجت أم لا ؟ وحتى إن الرجل ~~ليسأل عن الرجل ، فإذا قيل له : قد مات ، قالوا : هيهات ذهب ، فإن لم يحسوه ~~عندهم ، قالوا : إنا لله وإنا إليه راجعون ، ذهب به إلى أمه الهاوية ) . ~~وروى ابن وهب ، عن العطاف بن خالد ، عن خالته ، وكانت من العوابد ، أنها ~~كانت تأتى قبور الشهداء ، قالت : صليت يوما عند قبر حمزة بن عبد المطلب ، ~~فلما قمت ، قلت : السلام عليكم فسمعت أذناى رد السلام يخرج من تحت الأرض ، ~~أعرفه كما أعرف أن الله خلقنى ، وما فى الوادى داع ولا مجيب ، فاقشعرت كل ~~شعرة منى . وعن عامر بن سعد : أنه كان إذا خرج إلى قبور الشهداء يقول ~~لأصحابه : ألا تسلمون على الشهداء فيردون عليكم . وقال آخرون : معنى قوله - ~~صلى الله عليه وسلم - : ( ما أنتم بأسمع لما أقول منهم ) ما أنتم بأعلم أنه ~~حق منهم ، ورووا ms0968 ذلك عن النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، وذكروا قول عائشة ~~حين أنكرت على ابن عمر ، وقالت : إنما PageV03P360 قال عليه السلام : إنهم ~~ليعلمون الآن ما كنت أقول لهم الحق . قالوا : فخبر عائشة بين ما قلنا من ~~تأويل قوله - صلى الله عليه وسلم - : ما أنتم بأسمع لما أقول منهم . أنه ~~يراد به ما أنتم بأعلم لا أنه خبر عن أنهم يسمعون أصوات بنى آدم وكلامهم ، ~~قالوا : ولو كانوا يسمعون كلام الناس وهم موتى ، لم يكن لقوله : { إنك لا ~~تسمع الموتى } [ النمل : 80 ] { وما أنت بمسمع من فى القبور } [ فاطر : 22 ~~] معنى . قال الطبرى : والصواب من القول فى ذلك أن كلا الروايتين عن النبى ~~فى ذلك صحيح لعدالة نقلتها ، والواجب الإيمان بها ، والإقرار بأن الله يسمع ~~من يشاء من خلقه بعد موتهم ، ما شاء من كلام خلقه ، ويفهم ما يشاء منهم ما ~~يشاء ، وينعم من أحب منهم ، ويعذب فى قبره الكافر ، ومن استحق العذاب كيف ~~أراد ، على ما صحت به الأخبار عن النبى ، - صلى الله عليه وسلم - . وليس فى ~~قوله : { إن الله يسمع من يشاء وما أنت بمسمع من فى القبور } [ فاطر : 22 ] ~~، حجة فى دفع ما صحت به الآثار من قوله لأصحابه فى أهل القليب : ( ما أنتم ~~بأسمع منهم ) ، ولا فى إنكار من أنكر ما ثبت من قوله : ( إنه ليسمع قرع ~~نعالهم ) إذا كان قوله : { وما أنت بمسمع من فى القبور } [ فاطر : 22 ] ، و ~~{ إنك لا تسمع الموتى } [ النمل : 80 ] محتملا من التأويل وجها سوى ما ~~تأوله من زعم أن الميت لا يسمع كلام الأحياء ، وذلك أن يكون معناه : فإنك ~~لا تسمع الموتى بطاقتك وقدرتك ، إذ كان خالق السمع غيرك ، ولكن الله هو ~~الذى يسمعهم . PageV03P361 وذلك نظير قوله : { وما أنت بهاد العمى عن ~~ضلاتهم } [ النمل : 81 ] وذلك بالتوفيق والهداية بيد الله دون من سواه ، ~~فنفى عن نبيه أن يكون قادرا أن يسمع الموتى إلا بمشيئة ، كما نفى أن يكون ~~قادرا على هداية الضلال إلا بمشيئته ، وإنما أنت نذير ، فبلغ ما أرسلت به ms0969 . ~~والثانى : أن يكون المعنى : فإنك لا تسمع الموتى إسماعا ينتفعون به ، لأنهم ~~قد انقطعت عنهم الأعمال ، وخرجوا من دار العمل إلى دار الجزاء ، فلا ينفعهم ~~دعاؤك إياهم إلى الإيمان بالله وبطاعته ، فكذلك هؤلاء الذين كتب عليهم ربك ~~أنهم لا يؤمنون ، لا يسمعهم دعاؤك إياهم إسماعا ينتفعون به ، لأن الله قد ~~حتم عليهم ألا يؤمنوا ، كما حتم على أهل القبور من أهل الكفر أنهم لا ~~ينفعهم بعد كونهم فى القبور عمل ، لأن الآخرة ليست بدار امتحان ، وإنما هى ~~دار جزاء . وكذلك قوله : { إن الله يسمع من يشاء وما أنت بمسمع من فى ~~القبور } [ فاطر : 22 ] الجهال ، يريد أنك لا تقدر على إفهام من جعله الله ~~جاهلا ، ولا تقدر على إسماع من جعله الله أصم عن الهدى ، وفى صدر الآية ما ~~يدل على هذا ، لأنه قال : { وما يستوى الأعمى والبصير } [ فاطر : 19 ] يعنى ~~بالأعمى : الكافر ، والبصير : المؤمن { ولا الظلمات ولا النور } [ فاطر : ~~20 ] يعنى بالظلمات : الكفر ، والنور : الإيمان ، { ولا الظل ولا الحرور } ~~[ فاطر : 21 ] يعنى بالظل : الجنة ، وبالحرور : النار ، { وما يستوى ~~الأحياء ولا الأموات } [ فاطر : 22 ] يعنى بالأحياء : العقلاء ، وبالأموات ~~: الجهال ، ثم قال : { إن الله يسمع من يشاء وما أنت بمسمع من فى القبور } ~~يعنى : إنك لا تسمع الجهال الذين كأنهم PageV03P362 موتى فى القبور ، ولم ~~يرد بالموتى الذين ضربهم مثلا للجهال شهداء بدر ، فيحتج علينا بهم ، أولئك ~~أحياء كما نطق التنزيل . وقال أبو عثمان بن الحداد : وليس فى قوله تعالى : ~~{ لا يذقون فيها الموت إلا الموتة الأولى } [ الدخان : 56 ] ما يعارض ما ~~ثبت من عذاب القبر ، فقال : { ولا تحسبن الذين قتلوا فى سبيل الله أمواتا ~~بل أحياء عند ربهم يرزقون } [ آل عمران : 169 ] الآية ، فلما كانت حياة ~~الشهداء قبل محشرهم ليست برادة ، لقوله تعالى : { لا يذوقون فيها الموت إلا ~~الموتة الأولى } [ الدخان : 56 ] ومن أنكر حياة الشهداء بعد موتهم قبل محشر ~~الناس ، وادعى أن قوله تعالى : { أحياء عند ربهم يرزقون } [ آل عمران : 169 ~~] يوم القيامة أبطل ما اقتضاه قوله : { ويستبشرون بالذين لم ms0970 يلحقوا بهم من ~~خلفهم } [ آل عمران : 169 ] لأن الشهداء وغيرهم من جميع الناس يتوافون يوم ~~القيامة ، ويستحيل فيمن وافاه غيره أن يقال فى الذى وافاه أنه سيلحقه ، ~~ويقال فيه بأنه خلفه . قال غيره : والأخبار فى عذاب القبر صحيحة متواترة لا ~~يصح عليها التواطؤ ، وإن لم يصح مثلها لم يصح شىء من أمر الدين . واختلف ~~أهل التأويل فى قوله تعالى : { سنعذبهم مرتين } [ التوبة : 101 ] ، قال ~~الحسن ، وابن جريج : عذاب الدنيا وعذاب القبر ، وقال مجاهد : القتل والسباء ~~، وأما قوله : { فاليوم تجزون عذاب الهون } [ الأحقاف : 20 ] فى الآخرة . ~~وقال غيره : لما بعثوا وصاروا إلى النار قالت الملائكة : اليوم تجزون عذاب ~~الهون ، قال : الهوان . PageV03P363 # | 69 - باب التعوذ من عذاب القبر # / 99 - فيه : عن البراء بن عازب ، قال : خرج النبى - صلى الله عليه وسلم ~~- وقد وجبت الشمس ، فسمع صوتا ، فقال : ( يهود تعذب فى قبورها ) . / 100 - ~~وفيه : ابنة خالد أم سعيد بن العاص ، أنها سمعت النبى ، - صلى الله عليه ~~وسلم - ، وهو يتعوذ من عذاب القبر . / 101 - وفيه : أبو هريرة ، قال : كان ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يدعو : ( اللهم إنى أعوذ بك من عذاب ~~القبر ، ومن عذاب النار ، ومن فتنة المحيا والممات ، ومن فتنة المسيح ~~الدجال ) . قال المؤلف : هذه الآثار تشهد للآثار التى فى الباب قبل هذا ، ~~أن عذاب القبر حق على ما ذهب إليه أهل السنة ، ألا ترى الرسول استعاذ بالله ~~منه ، وقد عصمه الله وطهره ، وغفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر ، فينبغى ~~لكل من علم أنه غير معصوم ولا مطهر أن يكثر التعوذ مما استعاذ منه نبيه ، ~~ففى أكرم الأكرمين أسوة . فإن قيل : فإذا أخبر الله نبيه أنه قد غفر له ما ~~تقدم من ذنبه وما تأخر ، فما وجه استعاذته - صلى الله عليه وسلم - من شىء ~~قد علم أنه قد أعيذ منه ؟ . فالجواب : أن فى استعاذته - صلى الله عليه وسلم ~~- من كل ما استعاذ منه إظهارا للافتقار إلى الله ، وإقرارا بالنعم ، ~~واعترافا بما يتجدد من شكره عليها ما يكون كفا لها ألا ms0971 ترى أنه كان يصلى ~~حتى تتفطر قدماه فيقال له : يا رسول الله ، قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك ~~وما تأخر ، فيقول : ( أفلا أكون عبدا شكورا ) . فمن عظمت عليه نعم الله وجب ~~عليه أن يتلقاها بعظيم الشكر ، لاسيما أنبياءه وصفوته من خلقه الذين ~~اختارهم ، وخشية العباد لله PageV03P364 على قدر علمهم به . وفى استعاذته ~~مما أعيذ منه تعليم لأمته ، وتنبيه لهم على الاقتداء به واتباع سنته ~~وامتثال طريقته ، والله أعلم . * * * # | 70 - باب الميت يعرض عليه مقعده بالغداة والعشى # / 102 - فيه : ابن عمر ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : ( إن ~~أحدكم إذا مات عرض عليه مقعده بالغداة والعشى ، إن كان من أهل الجنة فمن ~~أهل الجنة ، وإن كان من أهل النار فمن أهل النار ، فيقال : هذا مقعدك حتى ~~يبعثك الله يوم القيامة ) . قال بعض أهل بلدنا : معنى العرض فى هذا الحديث ~~الإخبار بأن الله موضع أعمالكم ، والجزاء لها عند الله ، وأريد بالتكرير ~~بالغداة والعشى تذكارهم بذلك ، ولسنا نشك أن الأجساد بعد الموت والمساءلة ~~هى فى الذهاب وأكل التراب لها والفناء ، ولا يعرض شىء على فان ، فبان أن ~~العرض الذى يدوم إلى يوم القيامة إنما هو على الأرواح خاصة ، وذلك أن ~~الأرواح لا تفنى ، وأنها باقية إلى أن يصير العباد إلى الجنة أو النار . ~~وقال القاضى ابن الطيب : اتفق المسلمون أنه لا غدو ولا عشى فى الآخرة ، ~~وإنما هو فى الدنيا ، فهم معروضون بعد مماتهم على النار ، وقيل : يوم ~~القيامة ، ويوم القيامة يدخلون أشد العذاب ، فمن عرض عليه النار غدوا وعشيا ~~أحرى أن يسمع الكلام . قال غيره : واستدل بهذا الحديث من ذهب إلى أن ~~الأرواح على أفنية القبور ، وهو أصح ما ذهب إليه فى ذلك ، لأن الأحاديث ~~بذلك أثبت من غيرها . قال الداودى : ومما يدل على حياة الروح والنفس ، ~~وأنهما لا يفنيان قوله تعالى : { الله يتوفى الأنفس حين موتها } إلى { مسمى ~~} [ الزمر : 42 ] ، والإمساك لا يقع على الفانى . PageV03P365 # | 71 - باب كلام الميت على الجنازة # / 103 - فيه : أبو سعيد ، قال : قال ms0972 رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ~~( إذا وضعت الجنازة ، فاحتملها الرجال على أعناقهم ، فإن كانت صالحة ، قالت ~~: قدمونى ، قدمونى ، وإن كانت غير صالحة ، قالت : يا ويلها ، أين تذهبون ~~بها ؟ يسمع صوتها كل شىء إلا الإنسان ، ولو سمعها الإنسان لصعق ) . قال ~~المؤلف : فى هذا الحديث دليل أن روح الميت تتكلم بعد مفارقته لجسده ، وقبل ~~دخوله فى قبره ، والكلام لا يكون إلا من الروح ، وقد جاءت آثار تدل على ~~معرفة الميت من يحمله ويدخله فى قبره ، وروى الطبرى ، قال : حدثنا محمد بن ~~يزيد الأدمى ، حدثنا أبو عامر ، حدثنا عبد الملك بن الحسن الحارثى ، حدثنا ~~سعيد بن عمرو بن سليمان الزرقى ، قال : سمعت رجلا اسمه معاوية ، أو ابن ~~معاوية ، قال : سمعت من أبى سعيد الخدرى ، عن النبى ، - صلى الله عليه وسلم ~~- ، قال : ( إن الميت ليعرف من يحمله ومن يغسله ومن يدليه فى قبره ) . ~~وحدثنا محمد بن يزيد ، حدثنا محمد بن عثمان بن صفوان ، حدثنا حميد الأعرج ، ~~عن مجاهد ، قال : إذا مات الميت فملك قابض نفسه ، فما من شىء إلا وهو يراه ~~عند غسله ، وعند حمله حتى يصل إلى قبره . PageV03P366 قال عبد الواحد : إن ~~قال قائل : كيف ترجم البخارى باب ( كلام الميت على الجنازة ) وأدخل حديثا ~~يدل أن الجنازة : الميت ؟ قيل : إنما ترجم ذلك لمعرفته باللغة ، قال صاحب ~~العين : الجنازة ، بالفتح : الميت ، والجنازة ، بالكسر : خشب السرير الذى ~~يحمل عليه الميت ، فإنما أراد كلام الميت على النعش ، وبالله التوفيق . * * ~~* # | 72 - باب ما قيل فى أولاد المسلمين # وقال أبو هريرة ، عن النبى ، - صلى الله عليه وسلم - : ( من مات له ثلاثة ~~من الولد ، لم يبلغوا الحنث ، كان له حجابا من النار ، أو دخل الجنة ) . / ~~104 - وفيه : أنس ، قال : قال النبى ، - صلى الله عليه وسلم - : ( ما من ~~الناس مسلم يموت له ثلاثة ، لم يبلغوا الحنث ، إلا أدخله الله الجنة بفضل ~~رحمته إياهم ) . / 105 - وفيه : البراء ، قال رسول الله لما توفى إبراهيم : ~~( إن له مرضعا فى الجنة ) . وقال بعض العلماء : الثلاثة داخلة فى حيز ~~الكثير ، وقد يصاب المؤمن فيكون ms0973 فى إيمانه من القوة ما يصبر للمصيبة ، ولا ~~يصبر لتردادها عليه ، فلذلك صار من تكررت عليه المصائب فصبر ، أولى بجزيل ~~الثواب ، والولد من أجل ما يسر به الإنسان لقد يرضى أن يفديه بنفسه ، هذا ~~هو المعهود فى الناس والبهائم ، فلذلك قصد رسول الله إلى أعلى المصائب ~~والحض على الصبر عليها . وقد روى عنه أنه قال : ( لا يموت لأحد من المسلمين ~~ثلاثة من الولد فيحتسبهم إلا كانوا له جنة من النار ) ، ومعنى الحسبة : ~~الصبر لما ينزل به ، والاستسلام لقضاء الله عليه ، فإذا طابت نفسه على ~~الرضا عن PageV03P367 الله فى فعله ، استكمل جزيل الأجر ، وقد جاء أنه ليس ~~شىء من الأعمال يبلغ مبلغ الرضا عن الله فى جميع النوازل ، وهذا معنى قوله ~~: { رضى الله عنهم ورضوا عنه } [ المائدة : 119 ] يريد رضى أعمالهم ، ورضوا ~~عنه بما أجرى عليهم من قضائه ، وما أجزل لهم من عطائه . وقوله : ( لم ~~يبلغوا الحنث ) يريد لم يبلغوا أن تجرى عليهم الأقلام بالأعمال ، والحنث : ~~الذنب العظيم . وقوله - صلى الله عليه وسلم - فى حديث أنس : ( أدخله الله ~~الجنة بفضل رحمته إياهم ) ، هو دليل قاطع أن أولاد المسلمين فى الجنة ، ~~لأنه لا يجوز أن يرحم الله الآباء من أجل من ليس بمرحوم ، ويشهد لصحة هذا ~~قوله - صلى الله عليه وسلم - فى ابنه إبراهيم : ( إن له مرضعا فى الجنة ) ، ~~وعلى هذا القول جمهور علماء المسلمين أن أطفال المسلمين فى الجنة إلا ~~المجبرة ، فإنهم عندهم فى المشيئة ، وهو قول مجهول مردود بإجماع الحجة ~~الذين لا يجوز عليهم الغلط ، ولا يسوغ مخالفتهم . * * * # | 73 - باب أولاد المشركين # / 106 - فيه : ابن عباس ، وأبو هريرة ، أن النبى ، - صلى الله عليه وسلم ~~- ، سئل عن أولاد المشركين ، فقال : ( الله إذ خلقهم أعلم بما كانوا عاملين ~~) . / 107 - وفيه : أبو هريرة ، قال : قال النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ~~: ( كل مولود يولد على الفطرة ، فأبواه يهودانه ، أو ينصرانه ، أو يمجسانه ~~، كمثل البهيمة تنتج البهيمة ، هل ترى فيها جدعاء ) . PageV03P368 # | 74 - باب # / 108 - فيه : سمرة بن جندب ، كان النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، إذا ms0974 ~~صلى صلاة أقبل علينا بوجهه ، فقال : ( من رأى منكم الليلة رؤيا ؟ ) فإن رأى ~~أحد قصها ، فيقول : ( ما شاء الله ) ، فسألنا يوما ، فقال : ( هل رأى أحد ~~منكم رؤيا ؟ ) قلنا : لا ، قال : ( لكنى رأيت الليلة رجلين أتيانى ، فأخذا ~~بيدى ، فأخرجانى إلى الأرض المقدسة ، فإذا رجل جالس ، ورجل قائم بيده كلوب ~~من حديد - قال بعض أصحابنا عن موسى : كلوب من حديد يدخله فى شدقه - حتى ~~يبلغ قفاه ، ثم يفعل بشدقه الآخر مثل ذلك ، ويلتئم شدقه هذا ، فيعود فيصنع ~~مثله ، قلت : ما هذا ؟ قالا : انطلق ، فانطلقنا حتى أتينا على رجل مضطجع ~~على قفاه ، ورجل قائم على رأسه بفهر ، أو صخرة ، فيشدخ به رأسه ، فإذا ضربه ~~تدهده الحجر ، فانطلق إليه ليأخذه ، فلا يرجع إلى هذا حتى يلتئم رأسه ، ~~وعاد رأسه كما هو ، وعاد إليه فضربه ، قلت : من هذا ؟ قالا : انطلق ، ~~فانطلقنا إلى ثقب مثل التنور ، أعلاه ضيق وأسفله واسع ، يتوقد تحته نارا ، ~~فإذا اقترب ارتفعوا حتى كادوا أن يخرجوا ، فإذا خمدت رجعوا فيها ، وفيها ~~رجال ونساء عراة ، فقلت : ما هذا ؟ قالا : انطلق ، فانطلقنا حتى أتينا على ~~نهر من دم ، فيه رجل قائم على وسط النهر - قال يزيد ووهب بن جرير عن جرير ~~بن حازم : وعلى شط النهر - رجل بين يديه حجارة ، فأقبل الرجل الذى فى النهر ~~، فإذا أراد أن يخرج ، رمى الرجل بحجر فى فيه ، فرده حيث كان ، فجعل كلما ~~جاء ليخرج ، رمى فى فيه بحجر ، فيرجع PageV03P369 كما كان ، فقلت : ما هذا ~~؟ قالا : انطلق ، فانطلقنا حتى انتهينا إلى روضة خضراء ، فيها شجرة عظيمة ، ~~وفى أصلها شيخ وصبيان ، وإذا رجل قريب من الشجرة بين يديه نار يوقدها ، ~~فصعدا بى فى الشجرة ، وأدخلانى دارا لم أر قط أحسن منها ، فيها رجال شيوخ ~~وشباب ونساء وصبيان ، ثم أخرجانى منها ، فصعدا بى الشجرة فأدخلانى دارا هى ~~أحسن وأفضل ، فيها شيوخ وشباب ، قلت : طوفتمانى الليلة ، فأخبرانى عما رأيت ~~، قالا : نعم ، أما الذى رأيته يشق شدقه ، فكذاب يحدث بالكذب ، فتحمل عنه ~~حتى تبلغ الآفاق ، فيصنع به إلى يوم القيامة ، والذى رأيته ms0975 يشدخ رأسه ، ~~فرجل علمه الله القرآن ، فنام عنه بالليل ، ولم يعمل بما فيه بالنهار ، ~~يفعل به إلى يوم القيامة ، والذي رأيته فى الثقب فهم الزناة ، والذى رأيته ~~فى النهر آكلوا الربا ، والشيخ فى أصل الشجرة إبراهيم ، والصبيان حوله ~~أولاد الناس ، والذى يوقد النار مالك خازن النار ، والدار الأولى التى ~~دخلتها دار عامة المؤمنين ، وأما هذه الدار فدار الشهداء ، وأنا جبريل ، ~~وهذا ميكائيل ، فارفع رأسك ، فرفعت رأسى ، فإذا فوقى مثل السحاب ، قالا : ~~ذاك منزلك ، قلت : دعانى أدخل منزلى ، قالا : إنه بقى لك عمر لم تستكمله ، ~~فلو استكملت أتيت منزلك ) . قال بعض العلماء : جهل قوم معنى الفطرة فى هذا ~~الحديث ، وقالوا : إنها الإسلام ، فتأولوا فى قوله : { فطرت الله التى فطر ~~الناس عليها } [ الروم : 30 ] يعنى دين الإسلام ، روى هذا عن أبى هريرة ~~وعكرمة ، والحسن ، وإبراهيم ، والضحاك ، وقتادة ، والزهرى ، وقال جماعة من ~~العلماء وأهل اللغة : الفطرة فى هذا الحديث : الخلقة التى خلق عليها ~~المولود المضطرة إلى الإفداء يريد كأنه قال - عليه السلام - : كل ~~PageV03P370 مولود يولد على خلقة يعرف بها ربه إذا بلغ مبلغ المعرفة ، يريد ~~خلقة مخالفة لخلقة البهائم التى لا تصل بخلقتها إلى معرفة ، واحتجوا على أن ~~الفطرة : الخلقة بقوله تعالى : { فاطر السموات والأرض } [ الأنعام : 14 ] ~~يعنى خالقهن ، وبقوله : { وما لى لا أعبد الذى فطرنى } [ يس : 22 ] أى ~~خلقنى ، وقال : المراد بقوله : { فطرت الله التى فطر الناس عليها } [ الروم ~~: 30 ] الخلقة ، بدليل قوله : { لا تبديل لخلق الله } [ الروم : 30 ] يعنى ~~لا تبديل لخلقته عما خلقه عليه . وقد ثبت عن الرسول قال : ( لما خلق الله ~~آدم مسح ظهره بيمينه ، وكلتا يديه يمين ، ثم قال : خلقت هؤلاء للجنة ، ~~وبعمل أهل الجنة يعملون ، ثم مسح الأخرى ، وقال : خلقت هؤلاء للنار ، وبعمل ~~أهل النار يعملون ) ، فلما صح عندنا هذا الحديث مع تصديق الله له بقوله : { ~~وإذ أخذ ربك من بنى آدم } إلى { بلى } [ الأعراف : 172 ] علمنا أن أخذه لهم ~~من ظهر آدم إنما كان للإشهاد عليهم ، وكان هذا الأخذ هو الاختراع الأول فى ~~إخراجهم من العدم ms0976 إلى الوجود ، ثم ردهم فى ظهور آبائهم على ما جاء فى الخبر ~~. فبان أن هذه الفطرة هى الخلقة الأولى التى فطر الناس عليها لا تبديل لها ~~، وقد جاء فى الأخبار أنه حين أشهدهم على أنفسهم أو جميعهم على أنفسهم ~~بالعبودية ولله تعالى بالربوبية ، لكنه كان إقرار أصحاب اليمين بألسنتهم ، ~~وقلوبهم ليتم علم الله بهم ، ومراده فيهم ، وإقرار الآخرين بألسنتهم دون ~~قلوبهم خذلانا من الله ليتم مراده ، وعلمه فيهم أنهم من أهل النار . فإذا ~~صاروا فى بطون أمهاتهم ظهر فيهم بعض علم الله السابق PageV03P371 فيسأل ~~الملك الله عن خلقه : الأنثى والذكر ، والسعادة والشقاوة ، والرزق والأجل ، ~~فيكتب ذلك فى بطن أمه ، فبان أن الفطرة التى يولد عليها هى الخلقة الأولى ~~التى سبقت له ، التى لا يجوز تبديلها ، فإن كان فى الفطرة الأولى مؤمنا ولد ~~مؤمنا ، وإن كان فيها كافرا ولد كافرا على ما سبق له فى علم الله ، يصدق ~~ذلك قوله تعالى : { لا تبديل لخلق الله } [ الروم : 30 ] لكن لا يظهر عليه ~~شىء من ذلك فى حال ولادته ، وإنما يظهر عليه إذا ظهر عمله بالقول والجوارح ~~. فإن قيل : فما معنى قوله - صلى الله عليه وسلم - : ( فأبواه يهودانه ، أو ~~ينصرانه . . . ) الحديث ، فينبغى أن يكون سالما من اليهودية ، أو النصرانية ~~حين تلده أمه ، ألا ترى قوله : ( كما تنتج الإبل من بهيمة جمعاء ، هل ترى ~~فيها جدعاء ) . قيل له : فى قوله : ( كل مولود يولد على الفطرة ) بيان أن ~~الفطرة الإيمان العام ، وإنما فيه أنه يولد على تلك الخلقة التى لم يظهر ~~منها إيمان ولا كفر ، لكن لما حملهم آباؤهم على دينهم ظهر منهم ما حملوهم ~~عليه من يهودية أو نصرانية ، ثم أراد الله إمضاء ما علمه وقدره فى كل واحد ~~منهم بما أجرى له فى بد الأمر من كفر ، أو إيمان ، ختم لهم به . يدل على ~~ذلك حديث ابن مسعود أن النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، قال : ( إن الرجل ~~ليعمل بعمل أهل النار ، حتى لا يكون بينها وبينه إلا ذراع ، أو قيد ذراع ، ~~فيسبق عليه ms0977 الكتاب الأول فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها ) . وقال فى أهل ~~النار مثل ذلك . فبان أن الكتاب الأول هو المعمول عليه الذى لا يجوز تبديله ~~، ولو كانت الفطرة : الإسلام لما جاز أن يكون أحد كافرا لقوله تعالى : { لا ~~تبديل لخلق الله } [ الروم : 30 ] لأنه لا يجوز أن يكفر من خلقه الله ~~للإيمان . PageV03P372 وقد اختلف العلماء فى أطفال المشركين ، فقال أكثرهم ~~: هم فى المشيئة ، وتأولوا فى قوله تعالى : { إلا أصحاب اليمين } [ المدثر ~~: 39 ] ، قال : هم أطفال المؤمنين ، وقيل : هم أصحاب الملائكة ، وقال آخرون ~~: حكم الأطفال حكم آبائهم فى الدنيا والآخرة ، وهم مؤمنون بإيمانهم ، ~~وكافرون بكفرهم ، واحتجوا بقوله - صلى الله عليه وسلم - فى أطفال المشركين ~~يصابون فى الحرب : ( هم من آبائهم ) . وقال آخرون : أولاد الكفار يمتحنون ~~فى الآخرة . وقال آخرون : أولاد المشركين فى الجنة مع أولاد المسلمين ، ~~واحتجوا بحديث سمرة ابن جندب ، ذكره البخارى فى كتاب التعبير : ( وأما ~~الرجل الطويل الذى فى الروضة فإنه إبراهيم ، وأما الولدان الذين حوله فكل ~~مولود مات على الفطرة ، قال بعض المسلمين : يا رسول الله ، فأولاد المشركين ~~؟ فقال رسول الله : وأولاد المشركين ) . وهذه الحجة قاطعة ، وهذه الرواية ~~يفسرها ما جاء فى حديث هذا الباب أن الشيخ إبراهيم والصبيان حوله أولاد ~~الناس ، لأن هذا اللفظ يقتضى عمومه لجميع الناس مؤمنهم وكافرهم ، وهذا ~~القول أصح ما فى هذا الباب من طريق الآثار وصحيح الاعتبار . فإن قيل : فإذا ~~صح هذا القول فى أطفال المشركين ، فما معنى قوله : ( الله أعلم بما كانوا ~~عاملين ؟ ) وهذا يعارض حديث سمرة الذى بين فيه حكمهم ، أنهم فى الجنة مع ~~أولاد المسلمين . قيل : هذا يحتمل وجوها من التأويل : أحدها : أن يكون قوله ~~: ( الله أعلم بما كانوا عاملين ) ، قيل : أن يعلمه الله أنهم فى الجنة مع ~~أولاد المسلمين ، لأنه لم يكن ينطق عن الهوى ، وإنما ينطق عن الوحى . ~~ويحتمل قوله : ( الله أعلم بما كانوا عاملين ) أى على أى دين PageV03P373 ~~كان يميتهم لو عاشوا فبلغوا العمل ، فأما إذ عدم منهم العمل ، فهم فى رحمة ~~الله التى ينالها من لا ms0978 ذنب له . وقيل : قوله : ( الله أعلم بما كانوا ~~عاملين ) مجمل يفسره قوله : { وإذ أخذ ربك من بنى آدم من ظهورهم } [ ~~الأعراف : 172 ] الآية ، فهذا إقرار عام يدخل فيه أولاد المشركين والمسلمين ~~، فمن مات منهم قبل بلوغ الحنث ممن أقر الإقرار أولاد الناس كلهم ، فهو على ~~إقراره المتقدم لا يقضى له بغيره ، لأنه لم يدخل عليه ما ينقضه إلى أن يبلغ ~~الحنث ، فسقطت المعارضة بين الآثار ، فهذه الوجوه المحتملة . وأما من قال : ~~حكمهم حكم آبائهم ، فهو مردود بقوله تعالى : { ولا تزر وازرة وزر أخرى } [ ~~الأنعام : 164 ] وإنما حكم لهم بحكمهم فى الدنيا لا فى أحكام الآخرة ، أى ~~أنهم إن أصيبوا فى التبييت والغارة لا قود فيهم ولا دية ، وقد نهى رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - عن قتل النساء والصبيان فى الحرب . وأما من ~~قال : إنهم يمتحنون فى الآخرة ، فهو قول لا يصح ، لأن الآثار الواردة بذلك ~~ضعيفة لا تقوم بها حجة ، والآخرة دار جزاء ليست دار عمل وابتلاء . وقوله : ~~( كما تناتج الإبل من بهيمة جمعاء ) مجتمعة الخلق صحيحة ( هل تحس فيها من ~~جدعاء ) يقول : هل ترى فيها من جدع ؟ أى نقصان حين تنتج ، وإنما يصيبها ~~الجدع والنقصان بعد ذلك ، فكذلك يهود هؤلاء أبناءهم وينصرونهم بعد أن كانوا ~~على الفطرة كما أن المنتوج من الإبل لولا أن هؤلاء قطعوا أذنه لكان صحيحا ، ~~وذلك كله بقدر الله . وقوله : ( بيده كلوب ) والكلاب : خشبة فى رأسها عقافة ~~، PageV03P374 وقوله : ( تدهده ) يقال : دهدهت الحجر ، ودهديته إذا دحرجته ~~، أدهدهه وأدهديه دهدهة ودهاها ودهدا . * * * # | 75 - باب موت يوم الاثنين # / 109 - فيه : عائشة ، قالت : دخلت على أبى بكر الصديق ، فقال : فى كم ~~كفنتم النبى - صلى الله عليه وسلم - ؟ قالت : فى ثلاثة أثواب بيض سحولية ، ~~ليس فيها قميص ولا عمامة ، فقال لها : فى أى يوم توفى ؟ قالت : يوم الاثنين ~~، قال : فأى يوم هذا ؟ قالت : يوم الإثنين ، قال : أرجو فيما بينى وبين ~~الليل ، فنظر إلى ثوب كان يمرض فيه ، به ردع من زعفران ، فقال : اغسلوا ~~ثوبى هذا ، وزيدوا عليه ثوبين ، وكفنونى ms0979 فيهما ، قلت : إن هذا خلق ، قال : ~~إن الحى أحق بالجديد من الميت ، إنما هو للمهلة ، فلم يتوف حتى أمسى من ~~ليلة الثلاثاء ، ودفن قبل أن يصبح . قال المؤلف : إنما سأل أبو بكر الصديق ~~ابنته عن أى يوم توفى فيه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - طمعا أن يوافق ~~ذلك اليوم تبركا به ، وقديما أحب الناس التبرك بأثواب الصالحين ، وموافقتهم ~~فى المحيا والممات ، رغبة فى الخير ، وحرصا عليه ، كفعل ابن عمر فى كثير من ~~حركات النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، وآثاره التى ليست بسنن ، فكان يقف ~~فى الموضع الذى وقف النبى ويدور بناقته فى المكان الذى أدار فيه النبى ~~ناقته ، وهذا كله وإن لم يوجب فضلا ، فإن ابن عمر إنما فعل ذلك محبة فى ~~النبى ، ومحافظة على اقتفاء آثاره ، ومن اقتدى به - صلى الله عليه وسلم - ~~فيما لا يلزم من حركاته كان أحرص على الاقتداء به فيما يلزم اتباعه فيه . ~~وقد اتفق أهل السنة أن النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، ولد يوم الاثنين ، ~~PageV03P375 وأنزل عليه يوم الاثنين ، وبعث يوم الاثنين ، ودخل المدينة يوم ~~الاثنين ، وتوفى يوم الاثنين ، وكان يصوم يوم الاثنين والخميس ، وذكر مالك ~~فى الموطأ ، عن أبى هريرة ، أنه قال : ( تعرض أعمال الناس كل جمعة مرتين : ~~يوم الاثنين والخميس ، فيغفر لكل عبد مؤمن إلا عبدا كانت بينه وبين أخيه ~~شحناء ) ، فهذه فضيلة يوم الاثنين والخميس . وقد روى عن النبى ، - صلى الله ~~عليه وسلم - ، فيمن مات يوم الجمعة فضيلة ، ذكرها ابن أبى الدنيا ، قال : ~~حدثنا أحمد بن الفرج الحمصى ، قال : حدثنا بقية بن الوليد ، حدثنا معاوية ~~ابن سعيد ، عن أبى قبيل ، عن عبد الله بن عمرو بن العاص ، قال : سمعت النبى ~~، - صلى الله عليه وسلم - ، يقول : ( من مات يوم الجمعة أو ليلة الجمعة ~~وقاه الله فتان القبر ) . وروى ابن وهب ، عن الليث بن سعد ، عن أبى عثمان ~~الوليد بن الوليد ، أن أبا عبيدة بن عقبة ، قال : ( من مات يوم الجمعة أمن ~~فتنة القبر ) ، وقال : إنى ذكرته للقاسم بن محمد ، فقال : صدق ms0980 أبو عبيدة . ~~وقوله : ( ردع من زعفران ) أى لطخ ، قال أبو على : يقال : بدا من الزعفران ~~ردعه أى ملتطخه . قال أبو عبيدة : وقوله : ( الحى أحوج إلى الجديد ) خلاف ~~قول من يقول : يتزاورون فى أكفانهم ، فيجب تحسينها ، ألا تراه يقول : ( ~~فإنما هو للمهلة ) ويشهد لذلك قول حذيفة حين أتى بكفنه ريطتين ، فقال : لا ~~تغالوا بكفنى ، الحى أحوج إلى الجديد من الميت ، أى لا ألبث إلا يسيرا حتى ~~أبدل منهما PageV03P376 خيرا منهما ، أو شرا منهما ، ومنه قول ابن الحنفية ~~: ليس للميت من الكفن شىء ، وإنما هو تكرمة للحى . وأما من خالف هذا ورأى ~~تحسين الأكفان ، فروى عن عمر بن الخطاب ، أنه قال : أحسنوا أكفان موتاكم ، ~~فإنهم يبعثون فيها يوم القيامة . وعن معاذ بن جبل مثله ، وأوصى ابن مسعود ~~أن يكفن فى حلة بمائتى درهم . وروى روح ، عن زكريا بن إسحاق ، قال : حدثنا ~~أبو الزبير ، عن جابر ، أن النبى - صلى الله عليه وسلم - قال : ( إذا ولى ~~أحدكم أخاه فليحسن كفنه ) . قال ابن المنذر : وبحديث جابر قال الحسن وابن ~~سيرين ، وكان إسحاق يقول : يغالى بالكفن إذا كان موسرا ، وإن كان فقيرا فلا ~~يغال به . وقوله : ( إنما هو للمهلة ) قال أبو عبيد : المهل فى هذا الحديث ~~: الصديد والقيح ، والمهل فى غير هذا : كل فلز أذيب كالذهب والفضة والنحاس ~~. وقال أبو عمرو : المهل فى حديث أبى بكر الصديق : القيح ، وفى غيره : دردى ~~الزيت . وقال الأصمعى : حدثنى رجل ، وكان فصيحا ، أن أبا بكر قال : إنما هو ~~للمهلة والتراب . وقال بعضهم : بكسر الميم يقال للمهلة . وقال ابن دريد : ~~فى هذا الحديث : ( إنما هو للمهلة ) قال : المهلة : صديد الميت ، زعموا ، ~~والمهلة : ضرب من القطران ، والمهلة : ما سلخت من الحرة من رماد أو غيره . ~~PageV03P377 # | 76 - باب موت الفجأة بغتة # / 110 - فيه : عائشة ، أن رجلا قال للنبى - صلى الله عليه وسلم - : إن ~~أمى افتلتت نفسها ، وأظنها لو تكلمت تصدقت ، فهل لها أجر إن تصدقت عنها ؟ ~~قال : ( نعم ) . قال المؤلف : الافتلات عند العرب : المباغتة ، يقول : ماتت ~~بغتة ، وإنما هو مأخوذ من الفلتة . وروى ms0981 وكيع عن عبد الله بن الوليد ، عن ~~عبد الله بن عبيد بن عمير ، عن عائشة ، قالت : سألت رسول الله عن موت ~~الفجأة ، قال : ( راحة على المؤمن ، وأسف على الفاجر ) والأسف : الغضب ، ~~ويحتمل أن يكون ذلك ، والله أعلم ، لما فى موت الفجأة من خوف حرمان الوصية ~~، وترك الإعداد للمعاد ، والاغترار الكاذبة ، والتسويف بالتوبة . وقد روى ~~من حديث يزيد الرقاشى ، عن أنس بن مالك ، قال : كنا نمشى مع الرسول فجاء ~~رجل ، فقال : يا رسول الله ، مات فلان ، فقال : ( أليس كان معنا آنفا ) ؟ ~~قالوا : بلى ، قال : ( سبحان الله ، كأنه أخذه على غصب ، المحروم من حرم ~~وصيته ) . ذكر هذين الحديثين ابن أبى الدنيا ، قال : حدثنا إبراهيم بن ~~إسحاق ، قال : حدثنا مسلم بن إبراهيم ، قال : حدثنا يزيد بن كعب الأزدى ، ~~قال : حدثنا ابن كريز ، عن أنس بن مالك ، قال : من أشراط الساعة حفز الموت ~~، قيل : يا أبا حمزة ، ما حفز الموت ؟ قال : موت الفجأة . وقوله : ( فهل ~~لها من أجر إن تصدقت عنها ؟ قال : نعم ) هو كقوله - صلى الله عليه وسلم - : ~~( ينقطع عمل ابن آدم بعد موته إلا من ثلاث : صدقة تجرى بعده ، أو علم علمه ~~يعمل به ، أو ابن صالح يدعو له ) . PageV03P378 77 - باب ما جاء فى قبر ~~النبى - صلى الله عليه وسلم - وأبى بكر وعمر / 111 - فيه : عائشة ، أن ~~الرسول كان يتفقد فى مرضه : ( أين أنا اليوم ؟ أين أنا غدا ) ، استبطاء ~~ليوم عائشة ، فلما كان يومى قبضه الله بين سحرى ونحرى ، ودفن فى بيتى . ~~وقالت عائشة : قال - صلى الله عليه وسلم - فى مرضه الذى توفى فيه : ( لعن ~~الله اليهود والنصارى ، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد ، لولا ذلك لأبرز قبره ~~غير أنه خشىأن يتخذ مسجدا ) . وقال سفيان التمار : أنه رأى قبر النبى ، - ~~صلى الله عليه وسلم - ، مسنما . وقال عروة : لما سقط عليهم الحائط فى زمان ~~الوليد بن عبد الملك أخذوا فى بنائه ، فبدت لهم قدم ، ففزعوا ، وظنوا أنها ~~قدم النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، فما وجدوا أحدا يعلم ذلك حتى قال لهم ~~عروة : لا والله ما ms0982 هى قدم النبى ما هى إلا قدم عمر . وأوصت عائشة ابن ~~الزبير : لا تدفنى معهم ، وادفنى مع صواحبى بالبقيع ، لا أزكى به أبدا . / ~~112 - وفيه : عمر ، أنه قال لابنه عبد الله : اذهب إلى عائشة ، أم المؤمنين ~~، فقل : يقرأ عمر عليك السلام ، ثم سلها أن أدفن مع صاحبى ، قالت : كنت ~~أريده لنفسى فلأوثرنه اليوم على نفسى ، فلما أقبل قال له : ما لديك ؟ قال : ~~أذنت لك يا أمير المؤمنين ، قال : ما كان شىء أهم إلى من ذلك المضجع ، فإذا ~~قبضت ، فاحملونى ، ثم سلموا ، ثم قل : يستأذن عمر بن الخطاب ، فإن أذنت لى ~~فادفنونى ، وإلا فردونى إلى مقابر المسلمين ، إنى لا أعلم أحدا أحق بهذا ~~الأمر من هؤلاء النفر الذين توفى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو ~~عنهم راض ، فمن استخلفوا بعدى ، فهو الخليفة ، فاسمعوا له وأطيعوا ، فسمى ~~عثمان وعليا وطلحة والزبير وعبدالرحمن بن عوف وسعد بن أبى وقاص ، وولج عليه ~~شاب من الأنصار ، فقال : أبشر يا أمير PageV03P379 المؤمنين ، ببشرى الله ، ~~كان لك من القدم فى الإسلام ما قد علمت ، ثم استخلفت فعدلت ، ثم الشهادة ~~بعد هذا كله ، فقال : ليتنى يا ابن أخى ، وذلك كفافا لا على ولا لى ، أوصي ~~الخليفة من بعدى بالمهاجرين الأولين خيرا ، أن يعرف لهم حقهم ، وأن يحفظ ~~لهم حرمتهم ، وأوصيه بالأنصار خيرا : { الذين تبوءوا الدار والإيمان } أن ~~يقبل من محسنهم ، ويعفى عن مسيئهم ، وأوصيه بذمة الله ، وذمة رسوله ، أن ~~يوفى لهم بعهدهم ، وأن يقاتل من ورائهم ، وأن لا يكلفوا فوق طاقتهم . قال ~~المؤلف : غرض البخارى فى هذا الحديث ، والله أعلم ، أن يبين فضل أبى بكر ~~وعمر بما لا يشركهما فيه أحد ، وذلك أنهما كانا وزيرى رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - فى حياته ، وعادا ضجيعيه بعد مماته ، فضيلة خصهما الله بها ، ~~وكرامة حباهما بها ، لم تحصل لأحد ، ألا ترى وصية عائشة إلى ابن الزبير أن ~~لا يدفنها معهم خشية أن تزكى بذلك ، وهذا من تواضعها وإقرارها بالحق لأهله ~~وإيثارها به على نفسها من هو أفضل منها ، ولم ms0983 تر أن تزكى بدفنها مع الرسول ~~، ورأت عمر بن الخطاب لذلك أهلا . وإنما استأذنها عمر فى ذلك ورغب إليها ~~فيه ، لأن الموضع كان بيتها ، وكان لها فيه حق ، وكان لها أن تؤثر به نفسها ~~لذلك ، فآثرت به عمر ، وقد كانت عائشة رأت رؤيا دلتها على ما فعلت حين رأت ~~ثلاثة أقمار سقطن فى حجرها ، فقصتها على أبى بكر الصديق ، فلما توفى رسول ~~الله ، ودفن فى بيتها قال أبو بكر : هذا أحد أقمارك ، وهو خيرها . فيه من ~~الفقه : الحرص على مجاورة الموتى الصالحين فى القبور طمعا أن تنزل عليهم ~~رحمة فتصيب جيرانهم ، أو رغبة أن ينالهم دعاء من يزورهم فى قبورهم من ~~الصالحين . PageV03P380 وقول عمر : ( فإذا قبضت فاحملونى ، ثم قل : يستأذن ~~عمر ) ، ففبه من الفقه : أن من وعد أنه يجوز له الرجوع فيها ، ولا يقضى ~~عليه بالوفاء بها ، لأن عمر لو علم أنه لا يجوز لعائشة الرجوع فى عدتها ، ~~لما قال ذلك ، وسيأتى فى كتاب الهبة ما يلزم من العدة وما لا يلزم منها ، ~~واختلاف الناس فيها ، إن شاء الله . وفيه من الفقه : أنه من بعث رسولا فى ~~حاجة مهمة أن له أن يسأل الرسول قبل وصوله إليه ، وقبل إيراده الرسالة عليه ~~، ولا يعد ذلك من قلة الصبر ، ولا يذم فاعله بل هو من الحرص على الخير ، ~~لقوله لابنه وهو مقبل : ما لديك . وفيه : أن الخليفة مباح له أن لا يستخلف ~~على المسلمين غيره ، لأن رسول الله لم يستخلف أحدا ، وأن للإمام أن يترك ~~الأمر شورى بين الأمة إذا علم أن فى الناس بعده من يحسن الاختيار للأمة . ~~وفيه : إنصاف عمر وإقراره بفضل أصحابه . وفيه : أن المدح فى الوجه بالحق لا ~~يذم المادح به ، لأن عمر لم ينه الأنصارى حين ذكر فضائله ، فبان بهذا أن ~~المدح فى الوجه المنهى عنه إنما هو المدح بالباطل . وفيه : أن الرجل الفاضل ~~ينبغى له أن يخاف على نفسه ولا يثق بعمله ، ويكون الغالب عليه الخشية ، ~~ويصغر نفسه ، لقوله : ليتنى تخلصت من ذلك كفافا ، وقد سئلت ms0984 عائشة عن قول ~~الله تعالى : { والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة } [ المؤمنون : 60 ] ، ~~فقالت : نعم ، الذين يعملون الأعمال الصالحة ويخافون ألا تتقبل منهم ، وعلى ~~هذا مضى خيار السلف ، كانوا من عبادة ربهم فى الغاية القصوى ، ويعدون ~~PageV03P381 أنفسهم فى الغاية السفلى خوفا على أنفسهم ، ويستقلون لربهم ما ~~يستكثره أهل الاغترار . فقد ثبت عن عمر أنه تناول تبنة من الأرض ، فقال : ~~يا ليتنى هذه التبنة ، يا ليتنى لم أك شيئا ، يا ليت أمى لم تلدنى ، يا ~~ليتنى كنت نسيا منسيا ، وقال : لو كانت لى الدنيا لافتديت بها من النار ولم ~~أرها . وقال قتادة : قال أبو بكر الصديق : وددت أنى كنت خضرة تأكلنى الدواب ~~. وقالت عائشة عند موتها : وددت أنى كنت نسيا منسيا . وقال أبو عبيدة : ~~وددت أنى كبش يذبحنى أهلى يأكلون لحمى ويحسون مرقى . وقال عمران بن حصين : ~~وددت أنى رماد على أكمة تسفينى الرياح فى يوم عاصف . ذكر ذلك كله الطبرى ، ~~وسيأتى فى كتاب الزهد والرقائق ، باب ( الخوف من الله ) زيادة فى هذا ~~المعنى ، إن شاء الله . وفيه : أن الرجل الفاضل والعالم ينبغى له نصح ~~الخليفة ، وأن يوصيه بالعدل وحسن السيرة فيمن ولاه الله رقابهم من الأمة ، ~~وأن يحضه على مراعاة أمور المسلمين وتفقد أحوالهم ، وأن يعرف الحق لأهله . ~~وفيه من الفقه : أن الرجل الفاضل ينبغى أن [ . . . . . . ] . وفى استبطاء ~~النبى - صلى الله عليه وسلم - يوم عائشة من الفقه : أنه يجوز للرجل الفاضل ~~الميل بالمحبة إلى بعض أهله أكثر من بعض ، وأنه لا إثم عليه فى ذلك إذا عدل ~~بينهن فى القسمة والنفقة . وقول سفيان : أنه رأى قبر النبى - صلى الله عليه ~~وسلم - مسنما ، فقد روى ذلك عن غيره . قال الطحاوى : وقد قال إبراهيم ~~النخعى : أخبرنى من رأى قبر النبى - صلى الله عليه وسلم - PageV03P382 ~~وصاحبيه مسنمة ناشزة من الأرض عليها مرمر أبيض . وقال الليث : حدثنى يزيد ~~بن أبى حبيب أنه يستحب أن يسنم القبر ، ولا يرفع ، ولا يكون عليه تراب كثير ~~. وهو قول الكوفيين والثورى أن القبور تسنم ، وإن رفع فلا بأس ms0985 . وقال ابن ~~حبيب مثله . وقال طاوس : كان يعجبهم أن يرفع القبر شيئا حتى يعلم أنه قبر . ~~وقال الشافعى : تسطح القبور ولا تبنى ولا ترفع ، تكون على وجه الأرض نحوا ~~من شبر ، قال : وبلغنا أن النبى - صلى الله عليه وسلم - سطح قبر ابنه ~~إبراهيم ، وأن مقبرة المهاجرين والأنصار مسطحة قبورهم . وقال أبو مجلز : ~~تسوية القبور من السنة . واحتج أيضا بحديث القاسم بن محمد ، وأنه رأى قبر ~~النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، وصاحبيه لاطية بالأرض مسطوحة بالبطحاء ، ~~وقد بينت عائشة العلة فى البناء على قبره وتحظيره وذلك خشية أن يتخذ مسجدا ~~. * * * # | 78 - باب ما ينهى عنه من سب الأموات # / 113 - فيه : عائشة ، قالت : قال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( لا ~~تسبوا الأموات ، فإنهم قد أفضوا إلى ما قدموا ) . قال المؤلف : هذا الحديث ~~مثل قول عائشة : كفوا عن ذى قبر . قال بعض العلماء : معناه من أهل الإيمان ~~، وقد ذكرت عائشة فى هذا الحديث علة الإمساك عن ذى قبر ، وهو قولها : فإنهم ~~قد أفضوا إلى ما قدموا ، يعنى إلى ما عملوه من حسن أو قبيح ، وقد أحصاه ~~الله ونسوه ، وقد ختم الله لأهل المعاصى من المؤمنين بخاتمة حسنة تخفى عن ~~الناس ، فمن سبهم فقد أثم ، وقد جاء أنه لا يجب القطع على أحد بجنة ولا نار ~~، وقد قال - صلى الله عليه وسلم - فى الميت الذى شهد له PageV03P383 بالجنة ~~: ( والله ما أدرى وأنا رسول الله ما يفعل بى ) . فلهذا وجب الإمساك عن ~~الموتى ، والله أعلم . قال عبد الواحد : إن قيل : قد ذكر الله عز وجل ، ~~فلتات خطايا الأنبياء فى كتابه وهم أموات ، وجعلها قراءة تتلى . قيل : لا ~~معارضة لك بذلك ؛ لأن الله تعالى إنما ذكر خطاياهم موعظة لخلقه ، ليرى ~~المذنبين أنه قد عاتب أنبياءه وأصفياءه على الفلتة من الذنوب ، ليحذر الناس ~~المعاصى وليعلموا أنهم أحق بالعقاب من الأنبياء ليزدجروا ، وأيضا فإن لوم ~~تلك الذنوب قد سقط عن الأنبياء بإعلام الله لنا فى كتابه بتوبتهم منها ، ~~وغفرانه إياها لهم ، وأيضا فإنه تعالى جعل عقابهم على تلك ms0986 الفلتات فى ~~الدنيا رحمة لهم ، ليلقوه مطهرين من تلك الذنوب ، وموتانا بخلاف ذلك لا ~~نعلم ما أفضوا إليه ، فلذلك نهينا عن ذكرهم بذنوبهم ، وقد تقدم فى باب ( ~~ثناء الناس على الميت ) إشباع القول فيمن يجب ذكره بذنبه ، ومن يجب الإمساك ~~عنه ، وبالله التوفيق . * * * # | 79 - باب ذكر شرار الموتى # / 114 - فيه : ابن عباس ، قال أبو لهب للنبى - صلى الله عليه وسلم - : ~~تبا لك سائر اليوم ، فنزلت : { تبت يدا أبى لهب وتب } [ المسد : 1 ] . قال ~~المؤلف : ذكر شرار الموتى من أهل الشرك خاصة جائز ، لأنهم لا شك أنه مقطوع ~~عليهم بالخلود فى النار ، فذكر شرارهم أيسر من حالهم التى صاروا إليها ، مع ~~أن فى الإعلان بقبيح أفعالهم مقبحا PageV03P384 لأحوالهم وذما لهم ، لينتهى ~~الأحياء عن مثل أفعالهم ويحذروها ، جنبنا الله أفعال الكفار ، وأجارنا من ~~النار . قال عبد الواحد : عجبا من البخارى فى تخريجه لهذا الحديث فى هذا ~~الباب ، وإن كان تبويبه له يدل على أنه أراد به العموم فى شرار المؤمنين ~~والكافرين ، وأظنه نسى الحديث الذى أورده فى باب ( ثناء الناس على الميت ) ~~فكان أولى بهذا ، وهو حديث أنس : ( أنهم مروا بجنازة فأثنوا عليها خيرا ، ~~فقال : وجبت . . . . ) الحديث ، فترك النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، ~~نهيهم عن ثناء الشر ، ثم أخبر أنه بذلك الثناء الشر وجبت له النار ، وقال : ~~( أنتم شهداء الله فى الأرض ) ، فدل ذلك أن للناس أن يذكروا الميت بما فيه ~~من شر إذا كان شره مشهورا ، وكان مما لا غيبة فيه لشهرة شره ، وقد تقدم فى ~~باب ( ثناء الناس على الميت ) الكلام فى الجمع بين هذا الحديث وبين قوله : ~~( لا تسبوا الأموات ) ، وبالله التوفيق . وقال صاحب ( العين ) : تب الإنسان ~~: ضعف وخسر ، قال الراجز : أحسن بها من صفقة لم تستقل تبت يدا صافقها ماذا ~~فعل وتب : هلك ، وفى القرآن : { وما كيد الكافرين إلا فى تباب } [ غافر : ~~37 ] ، وتب الإنسان : شاخ . PageV03P385 صفحة فارغة PageV03P386 الجزء ~~الثاني من كتاب شرح البخاري تأليف الشيخ الإمام العالم الفاضل أبي الحسن ~~علي ابن خلف بن عبد الملك بن ms0987 بطال يعرف بابن اللحام من أهل قرطبة رضي الله ~~عنه PageV03P387 صفحة فارغة PageV03P388 بسم الله الرحمن الرحيم وبه توفيقى ~~وعليه أتوكل # | 15 - كتاب الزكاة # # | 1 - وجوب الزكاة # وقول الله تعالى : { وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة } [ البقرة : 43 ] . ~~وقال ابن عباس : حدثنى أبو سفيان بن حرب فذكر حديث النبى - صلى الله عليه ~~وسلم - قال : ( يأمر بالصلاة ، والزكاة ، والصلة ، والعفاف ) . / 1 - فيه : ~~ابن عباس أن النبى - صلى الله عليه وسلم - بعث معاذا إلى اليمن ، فقال : ( ~~ادعوهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله ، وأنى رسول الله ، فإن هم أطاعوا ~~لذلك ، فأعلمهم أن الله قد افترض عليهم خمس صلوات فى كل يوم وليلة ، فإن هم ~~أطاعوا لذلك ، فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة فى أموالهم ، تؤخذ من ~~أغنيائهم ، وترد فى فقرائهم ) . / 2 - وفيه : أبو أيوب ، أن رجلا قال للنبى ~~- صلى الله عليه وسلم - : أخبرنى بعمل يدخلنى PageV03P389 الجنة ؟ قال : ( ~~ما له ، ما له ) ، وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : ( أرب ما له ، تعبد ~~الله ، ولا تشرك به شيئا ، وتقيم الصلاة ، وتؤتي الزكاة ، وتصل الرحم ) . / ~~3 - وفيه : أبو هريرة ، أن أعرابيا أتى النبى - صلى الله عليه وسلم - فقال ~~: دلنى على عمل إذا عملته دخلت الجنة ، قال : ( تعبد الله لا تشرك به شيئا ~~، وتقيم الصلاة المكتوبة ، وتؤدى الزكاة المفروضة ، وتصوم رمضان ) ، قال : ~~والذى نفسى بيده لا أزيد على هذا ، فلما ولى قال النبى - صلى الله عليه ~~وسلم - : ( من سره أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة ، فلينظر إلى هذا ) . / 4 ~~- وفيه : ابن عباس ، قدم وفد عبد القيس على النبى - صلى الله عليه وسلم - ، ~~فقالوا : مرنا بشىء نأخذه عنك ، وندعو إليه من وراءنا ، قال : ( آمركم ~~بأربع : الإيمان بالله ، وشهادة أن لا إله إلا الله ، وإقام الصلاة ، ~~وإيتاء الزكاة . . . ) الحديث . / 5 - وفيه : أبو هريرة ، لما توفى رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - وكان أبو بكر ، وكفر من كفر من العرب ، فقال ~~عمر : كيف تقاتل الناس ، وقد قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( ~~أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا : لا ms0988 إله إلا الله ، فمن قالها فقد عصم منى ~~ماله ونفسه إلا بحقه ، وحسابه على الله ؟ ) فقال : والله لأقاتلن من فرق ~~بين الصلاة والزكاة ، فإن الزكاة حق المال ، والله لو منعوني عناقا كانوا ~~يؤدونها إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، لقاتلتهم على منعها . قال ~~عمر : فوالله ما هو إلا أن رأيت أن الله قد شرح الله صدر أبى بكر ، فعرفت ~~أنه الحق . PageV03P390 قال المؤلف : فرض الله تعالى الزكاة ، بقوله : { ~~أقيموا الصلاة وآتوا الزكاة } [ البقرة : 43 ] وهذه الآية تشهد لصحة هذه ~~الأحاديث . والزكاة الركن الثالث من أركان الإسلام الخمسة ، قال عليه ~~الصلاة والسلام : ( بنى الإسلام على خمس : شهادة أن لا إله إلا الله ، ~~وإقام الصلاة ، وإيتاء الزكاة ، وصوم رمضان ، وحج البيت ) فهذه دعائم ~~الإسلام وقواعده ، لا يتم إسلام من جحد واحدة منها ألا ترى فهم أبى بكر ~~الصديق ، رضى الله عنه ، لهذا المعنى وقوله : ( والله لأقاتلن من فرق بين ~~الصلاة والزكاة ، فإن الزكاة حق المال ) وأجمع العلماء على أن مانع الزكاة ~~تؤخذ من ماله قهرا ، وإن نصب الحرب دونها قوتل اقتداء بأبى بكر الصديق ، ~~رضى الله عنه ، فى أهل الردة . وكانت الردة على ثلاثة أنواع : قوم كفروا ~~وعادوا إلى ما كانوا عليه من عبادة الأوثان ، وقوم آمنوا بمسيلمة وهم أهل ~~اليمامة ، وطائفة منعوا الزكاة وقالوا : ما رجعنا عن ديننا ، ولكن شححنا ~~على أموالنا ، فرأى أبو بكر ، رضى الله عنه ، قتال الجميع ، ووافقه على ذلك ~~جميع الصحابة بعد أن خالفه عمر فى ذلك ، ثم بان له صواب قوله ، فرجع إليه ، ~~فسبى أبو بكر ، رضى اله عنه ، نساءهم ، وأموالهم اجتهادا منه ، فلما ولى ~~عمر ، رضى الله عنه ، بعده ، رأى أن يرد ذراريهم ونساءهم إلى PageV03P391 ~~عشائرهم ، وفداهم ، وأطلق سبيلهم ، وذلك أيضا بمحضر الصحابة من غير نكير ، ~~والذى رد منهم عمر لم يأب أحد منهم الإسلام ، وعذر أبا بكر فى اجتهاده ، ~~وهذا أصل فى أن كل مجتهد مصيب . وقال بعض العلماء : حكم أبو بكر فى أهل ~~الردة بالسبى ، وأخذ المال وجعلهم كالناقضين ، وحكم فيهم عمر ms0989 بحكم المرتدين ~~، فرد النساء والصغار من الرق إلى عشائرهم كذرية من ارتد فله حكم الإسلام ~~إلا من تمادى بعد بلوغه ، والذين ردهم عمر لم يأب أحد منهم الإسلام ، وعلى ~~هذا الفقهاء ، وبه قال ربيعة الرأى ، وابن الماجشون ، وابن القاسم ، وذهب ~~أصبغ بن الفرج إلى فعل أبى بكر ، رضى الله عنه ، أنهم كالناقضين ، وتأويل ~~أبى بكر مستنبط من قوله تعالى ، فى الكفار : { فإن تابوا وأقاموا الصلاة ~~وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم } [ التوبة : 5 ] فجعل من لم يلتزم ذلك كله ~~كافرا يحل دمه وأهله وماله ، ولذلك قال : ( والله لأقاتلن من فرق بين ~~الصلاة والزكاة ) . وقال أبو جعفر الداودى : قال أبو هريرة : والله الذى لا ~~إله إلا هو ، لولا أبو بكر ما عبد الله ، قيل له : اتق الله يا أبا هريرة ، ~~فكرر اليمين ، وقال : لما توفى رسول الله ارتدت العرب ، وكثرت أطماع الناس ~~فى المدينة وأرادته الصحابة على إمساكه بجيش PageV03P392 أسامة ، والكف عمن ~~منع الزكاة ، فقال : والله لو لم يتبعنى أحد لجاهدتهم بنفسى حتى يعز الله ~~دينه أو تنفرد سالفتى . فاشتد عزم الصحابة حينئذ ، وقمع الله أهل المطامع ~~عما أرادوه . قال المؤلف : وهذا كله يشهد لتقدم أبى بكر الصديق ، رضى الله ~~عنه ، فى العلم ورسوخه فيه ، وأن مكانه من العلم ونصرة الإسلام لا يوازيه ~~فيه أحد ، ألا ترى رجوع جماعة الصحابة إلى رأيه فى قتال أهل الردة ، ولا ~~يجوز عليهم اتباعه تقليدا له دون تبيين الحق لهم ، وذلك أنه احتج عليهم أن ~~الزكاة قرينة الصلاة ، وأنها من حق المال ، وأن من جحد فريضة فقد كفر ، ولم ~~يعصم دمه ولا ماله ، وأنه لا يعصم ذلك إلا بالوفاء بشرائع الإسلام ، ولذلك ~~قال عمر رضى الله عنه : ( فوالله ما هو إلا أن رأيت أن الله شرح صدر أبى ~~بكر للقتال فعرفت أنه الحق ) ، أى عرفت أنه على الحق بما بينه أبو بكر من ~~استدلاله على ذلك ، فبان لعمر وللجماعة الحق فى قوله ، فلذلك اتبعوه . وأما ~~قوله : ( لو منعونى عناقا ) فإنما خرج كلامه على التقليل و [ . . . . ] لأن ~~العناق ms0990 عند أهل اللغة : الجدية إذا قويت على الرعى PageV03P393 قبل أن يأتى ~~عليها حول ، ولا تؤخذ فى الصدقة عند أكثر أهل العلم ، ولو كانت عناقا كلها ~~. ومن روى ( عقالا ) فاختلف أهل اللغة فى تأويله ، فقال أبو عبيد : العقال ~~: صدقة عام . وقال ابن الكلبى : كان معاوية قد بعث عمرو بن عتبة ابن أخيه ~~مصدقا ، فجار عليهم ، فقال : سعى عقالا فلم يترك لنا سبدا فكيف لو قد سعى ~~عمرو عقالين قال أبو عبيد : فهذا كلام العرب ، وقد قيل : هو عقال الناقة ، ~~وكان الواقدى يزعم أن هذا رأى مالك بن أنس ، وابن أبى ذئب . قال أبو عبيد : ~~والأول أشبه عندنا بالمعنى ، والشواهد فى كلام العرب عليه أكثر ، وقد روى ~~ابن وهب ، عن مالك أن العقال : الفريضة من الإبل . قال أبو سليمان الخطابى ~~: قد خولف أبو عبيد فى هذا التفسير . وذهب غير واحد من العلماء إلى تفسيره ~~على غير هذا الوجه ، أنكر العبدى ما ذهب إليه أبو عبيد ، وقال : إنما يضرب ~~المثل فى هذا بالأقل فما فوقه ، كما يقول الرجل للرجل إذا منعه الكثير من ~~المال : لا أعطيك ولا درهما منه . وليس بالسائغ أن يقول : لا أعطيك ولا ~~مائة ألف . وقال : ليس بسائغ فى كلامهم أن العقال صدقة عام . والبيت الذى ~~احتج به ليس بالبيت الذى يحتج به ، قال : وأيضا فإن العرب لم تقل له : لا ~~أعطيك إلا عاما واحدا . وإنما منعوا الصدقات على الأبد ، فكيف يقول العقال ~~الذى منعوه : صدقة عام ، وهم يتأولون أنهم كانوا مأمورين بأدائها إلى النبى ~~- صلى الله عليه وسلم - دون القائم بعده ؟ . PageV03P394 وسمعت ابن عائشة ~~يقول : العقال : الحبل . وذلك أن الصدقة كانت إذا هبط بها إلى رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - عقل بكل عقال بعيران ، ولذلك سمى الحبل الذى يقرن به ~~بين البعير : القرن ، بفتح الراء ، والقرن أيضا : البعير المقرون إلى آخر . ~~وفيه قول آخر ، قاله النضر بن شميل ، قال : العرب تقول : أفرضت إبلكم : إذا ~~وجبت فيها الفريضة وأشنقت ، والشنق أن يكون فى خمس من الإبل شاة ، وفى عشر ms0991 ~~شاتان إلى خمس وعشرين ، فإذا وجبت فيها ابنة مخاض فهى العقال . وهذا يشبه ~~رواية ابن وهب . وفيه قول آخر ، قاله أبو سعيد الضرير ، قال : العقال : كل ~~ما آخذ من الأصناف من الإبل ، والبقر ، والغنم ، والثمار التى يؤخذ منها ~~العشر ، ونصف العشر ، فهذا كله عقال فى صنفه ، وسمى عقالا : لأن المؤدى ~~إليه قد عقل عنه طلبة السلاطين وتبعته ، وعقل عنه الإثم الذى يطلبه الله به ~~إذا منع الزكاة ، ولذلك سميت العاقلة التى تؤدى دية الخطأ ، لأنها إذا فعلت ~~عقلت عن وليها تبعة أولياء المقتول . وفيه قول آخر ، قاله المبرد ، قال : ~~إذا أخذ المصدق من الصدقة ما فيها ، ولم يأخذ ثمنها قالوا : أخذ عقالا ، ~~فإذا أخذ الثمن ، قالوا : أخذ نقدا . وأنشد : أتانا أبو الخطاب يضرب طبله ~~فرد ولم يأخذ عقالا ولا نقدا PageV03P395 وفى أكثر الروايات : ( لو منعونى ~~عناقا ) وهو مشاكل لما ذهب إليه العبدى فى معنى العقال ، وفى رواية أخرى ~~ذكرها ابن الأعرابى : ( والله لو منعونى جديا أذوط لقاتلتهم عليه ) ، قال : ~~والذوط : الصغير الفك والذقن . وأما قوله - صلى الله عليه وسلم - لمعاذ : ( ~~ادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأنى رسول الله ، فإن هم أطاعوا لذلك ~~فأعلمهم أن الله فرض عليهم الصلاة ، والزكاة . . . ) إلى آخر الحديث ، ~~فإنما أمره أن يدعو إلى الشهادة من لم يكن أسلم من أهل الكتاب ، وقد جاء ~~هذا بينا فى حديث معاذ فى باب : لا تؤخذ كرائم أموال الناس بعد هذا فى ~~الصدقة : ( أن النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، قال لمعاذ : إنك تأتى أهل ~~كتاب فليكن أول ما تدعوهم إليه عبادة الله ، فإذا عرفوا الله ، فأخبرهم أن ~~الله فرض عليهم خمس صلوات ) ، وقد تقدم معنى قول الرجل : ( والله لا أزيد ~~على هذا ) فى كتاب الإيمان ، فأغنى عن إعادته ، وقد تقدم فيه معنى حديث وفد ~~عبد القيس أيضا . وقوله - صلى الله عليه وسلم - فى حديث أبى أيوب : ( أرب ~~ما له ) ، فإنه يروى بكسر الراء ، وفتح الباء ، ويروى : ( أرب ما له ) بفتح ~~الراء وضم الباء وتنوينها ، وفسر ابن قتيبة ms0992 الرواية بكسر الراء وفتح الباء ~~، فقال : هو من الأراب مأخوذ ، والأراب : الأعضاء ، واحدها : أرب ، ومنه ~~قيل : قطعته أربا أربا ، أى عضوا عضوا ، قال : ومعنى قوله : ( أرب ما له ) ~~أى سقطت أعضاؤه وأصيبت ، وهى PageV03P396 كلمة مقولة لا يراد بها إذا قيلت ~~وقوع الأمر ، كقولهم : عقرى حلقى ، أى عقرها الله وحلقها ، أى أصابها بوجع ~~فى حلقها ، وكقولهم : قاتله الله ، وتربت يداك ، وأشباه هذا كثير . ومن ~~رواه ( أرب ما له ) فمعناه نحو معنى قوله : فى حديث سعد بن الأخرم حين أخذ ~~بزمام ناقته - صلى الله عليه وسلم - بعرفة ، وهو يريد أن يسأله ، فصاح به ~~الناس من أصحابه ، فقال : ( دعوه ، فأرب ما جاء به ، فقال : يا رسول الله ، ~~دلنى على عمل يقربنى من الجنة ، ويباعدنى من النار ، فقال : إن كنت أوجزت ~~فى الخطبة ، فقد أعظمت وأطولت ، فقال : تعبد الله ، ولا تشرك به شيئا ، ~~وتقيم الصلاة ، وتؤتى الزكاة ، وتصوم رمضان ، وتحب للناس ما تحب أن يؤتى ~~إليك ، وما كرهت أن يؤتى إليك فدع الناس منه ، خل عن زمام الناقة ) . رواه ~~الأعمش ، عن شمر ، عن المغيرة بن سعد بن الأخرم ، عن أبيه ، أو عن عمه ، عن ~~النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، ويمكن أن تكون هذه القصة هى التى روى أبو ~~أيوب فى حديثه ، لأنه - صلى الله عليه وسلم - لم يكرر قوله : ( ما له ما له ~~) إلا أنه أنكر عليه حبسه زمام ناقته أو غير ذلك مما لم يكن له فعله ، ~~والله أعلم ، PageV03P397 وفسر الطبرى قوله : ( فأرب ما جاء به ) ، وقال ~~معناه : فحاجة ما جاءت به ، والأرب : الحاجة ، و ( ما ) التى فى قوله : ( ~~ما جاء به ) صلة فى الكلام ، كما قال تعالى : { فبما نقضهم ميثاقهم } [ ~~النساء : 155 ] ، والمعنى فأرب جاء به . قال المؤلف : وعلى هذا التقدير ~~تكون ( ما ) التى فى حديث أبى أيوب فى قوله : ( أرب ما له ) زائدة ، كأنه ~~قال : أرب له ، هذا أحسن من قول ابن قتيبة . قال عبد الواحد : وقوله فى ~~حديث ابن أخرم : ( إن كنت أوجزت فى الخطبة ) ولم تكن هناك خطبة ، فإن ms0993 العرب ~~تسمى كل كلام وسؤال : خطبة ، لأنه مشتق من الخطاب . قال المهلب : وقوله فى ~~حديث أبى أيوب : ( وتصل الرحم ) بعد الصلاة والزكاة ، يدل أن السائل كان ~~محتاجا إلى التنبيه على ذلك ، لأنه - صلى الله عليه وسلم - كان يقدم تعريف ~~أمته بما هم إليه أحوج . * * * # | 2 - باب البيعة على إيتاء الزكاة # وقوله : { فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فإخوانكم في الدين } [ ~~التوبة : 11 ] / 6 - PageV03P398 فيه : جرير ، بايعنا النبى ، - صلى الله ~~عليه وسلم - ، على إقام الصلاة ، وإيتاء الزكاة ، والنصح لكل مسلم . قال ~~المؤلف : هذا الباب فى معنى الذى قبله ، وقد أخبر الله تعالى فى هذه الآية ~~أن الأخوة فى الدين إنما تستحق بإقام الصلاة ، وإيتاء الزكاة ، ودل ذلك أنه ~~من لم يقمها فليس بأخ فى الدين ، وفى هذه الآية حجة لأبى بكر الصديق ، رضى ~~الله عنه ، فى قتاله لأهل الردة حين منعوا الزكاة ، وقد أجمع العلماء فى ~~الرجل يقضى عليه القاضى بحق لغيره فيمتنع من أدائه أن واجبا على القاضى أن ~~يأخذه من ماله ، فإن نصب الحرب دونه وامتنع ، قاتله حتى يأخذه منه ، فإن ~~أتى القاتل على نفسه فشر قتيل ، فحق الله الذى أوجبه للمساكين أولى بذلك ~~وذكر النصح لكل مسلم فى البيعة مع الصلاة والزكاة يدل على حاجة جرير وقومه ~~إلى ذلك ، وكان جرير رئيس قومه . * * * # | 3 - باب إثم مانع الزكاة # وقوله تعالى : { والذين يكنزون الذهب والفضة } إلى قوله : { فذوقوا ما ~~كنتم تكنزون } [ التوبة : 34 - 35 ] . / 7 - وفيه : أبو هريرة ، قال - صلى ~~الله عليه وسلم - : ( تأتى الإبل على صاحبها على خير ما كانت ، إذا هو لم ~~يعط فيها حقها ، تطؤه بأخفافها ، وتأتى الغنم PageV03P399 على صاحبها على ~~خير ما كانت ، إذا لم يعط فيها حقها ، تطؤه بأظلافها وتنطحه بقرونها ) ، ~~قال : ( ومن حقها أن تحلب على الماء ) ، قال : ( ولا يأتى أحدكم يوم ~~القيامة بشاة يحملها على رقبته لها ثغاء ، فيقول : يا محمد ، فأقول : لا ~~أملك لك شيئا ، قد بلغت ، ولا يأتى ببعير يحمله على رقبته له رغاء ، فيقول ~~: يا محمد ، فأقول : لا أملك ms0994 لك من الله شيئا ، قد بلغت ) . / 8 - وفيه : ~~أبو هريرة ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( من آتاه الله ~~مالا فلم يؤد زكاته ، مثل له ماله يوم القيامة شجاعا أقرع له زبيبتان ، ~~يطوقه يوم القيامة ، ثم يأخذ بلهزمتيه - يعنى بشدقيه - ثم يقول : أنا مالك ~~، أنا كنزك ، ثم تلا النبى : { لا يحسبن الذين يبخلون } [ آل عمران : 180 ] ~~الآية ) . قال المؤلف : تأول العلماء أن قوله : { والذين يكنزون الذهب ~~والفضة } [ التوبة : 34 ] الآية ، وعيد لمن منع الزماة ، ومن أدى زكاة ماله ~~فليس بداخل فى هذه الآية . قال المهلب : فى هذه الآية فرض زكاة الذهب ، ولم ~~ينقل عن النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، فرض زكاة الذهب من طريق الخبر ~~كما نقل عنه زكاة الفضة ، وهو قوله : ( فى الرقة ربع العشر ، وليس فيما دون ~~PageV03P400 خمس أواق من الورق صدقة ) ، إلا أن قوله - صلى الله عليه وسلم ~~- : ( من آتاه الله مالا فلم يؤد زكاته ) يدخل فى عمومه الذهب والفضة ~~بالدليل ، وإنما لم ترو زكاة الذهب من طريق النص عن النبى ، - صلى الله ~~عليه وسلم - ، والله أعلم ، لكثرة الدراهم بأيديهم ، وأن بها كان تجارتهم ، ~~ولقلة الذهب عندهم ، وكان صرف الدينار حينئذ عشرة دراهم ، فعدل المسلمون ~~بخمس أواق من الفضة عشرين مثقالا ، وجعلوه نصاب زكاة الذهب وتواتر العمل به ~~وعليه جماعة العلماء أن الذهب إذا كانت عشرين مثقالا وقيمتها مائتا درهم أن ~~فيها الزكاة نصف دينار إلا ما اختلف فيه عن الحسن أنه قال : ليس فيما دون ~~أربعين دينارا زكاة وهو شذوذ لا يلتفت إليه . وذهبت طائفة إلى أن الذهب إذا ~~بلغت قيمتها مائتى درهم ففيها ربع العشر ، وإن كان أقل من عشرين مثقالا ، ~~وهذا قول عطاء وطاوس والزهرى . واختلفوا فى تأويل قوله - صلى الله عليه ~~وسلم - فى الإبل : ( ومن حقها أن تحلب على الماء ) فذهبت طائفة إلى أن فى ~~المال حقا سوى الزكاة . وقال أبو هريرة : ( حق الإبل أن تنحر السمينة ، ~~وتمنح الغزيرة ، وتقعد الظهر ، ويضرب الفحل ، ويسقى اللبن ، وتأولوا فى ~~قوله تعالى : { والذين فى ms0995 أموالهم حق معلوم للسائل والمحروم } [ المعارج : ~~24 ، 25 ] ، فقالوا : مثل فك العانى ، وإطعام الجائع الذى يخاف ذهاب نفسه ، ~~والمواساة فى المسغبة PageV03P401 والعسرة . وهو قول الحسن البصرى ، ~~والشعبى ، وعطاء ، وطاوس ، وتأول مسروق فى قوله تعالى : { سيطوقون ما بخلوا ~~به يوم القيامة } قال : هو الرجل يرزقه الله المال ، فيمنع قرابته صلته ، ~~فيجعل حية طوقها ، وأكثر العلماء على أن ذلك كله فى الزكاة المفروضة ، ولا ~~حق عندهم فى المال سوى الزكاة ، وتأولوا قوله - صلى الله عليه وسلم - : ( ~~ومن حقها أن تحلب على الماء ) ، أن ذلك حق فى كرم المواساة ، وشريف الأخلاق ~~لا أن ذلك فرض ، والحجة لهم قوله - صلى الله عليه وسلم - : ( من كان له مال ~~، فلم يؤد زكاته مثل له . . . ) والزكاة لا يفهم منها إلا زكاة الفرض ، وقد ~~بين النبى - صلى الله عليه وسلم - قوله : { سيطوقون ما بخلوا به يوم ~~القيامة } أنه جاء فى مانع الزكاة ، وفى هذا الحديث خلاف تأويل مسروق ، وقد ~~انتزع ابن مسعود بهذه الآية فى مانع الزكاة أيضا . قال إسماعيل بن إسحاق : ~~الحق المفترض هو الموصوف المحدود ، وقد تحدث أمور لا تحد ولا يحد لها وقت ~~فتجب بها المواساة للضرورة التى تنزل من ضيف مضطر ، أو جائع يعلم أنه مضطر ~~، أو غاز مثله أو ميت ليس له من يواريه فيجب حينئذ على من يمكنه المواساة ~~التى يزول بها حد الضرورة . والشجاع : الحية الذى يقوم على ذنبه ، وربما ~~بلغ رأس الفارس ، والزبيبتان نقطتان منتفختان فى شدقيه كالرغوة ، يقال : ~~إنهما PageV03P402 يبرزان حين يهج ويغضب . وقيل : إنهما سوداوان على عينيه ~~، وهى علامة الحية الذكر المؤذى . وقيل : الأقرع الذى أبيض رأسه من كثرة ~~السم . وقوله : ( لها يعار ) قال صاحب الأفعال : اليعار : صوت المعزى ، وقد ~~يعرت تيعر ، واليعر : الجدى ، واليعور : الشاة التى تبول على حالبها وتبعر ~~فيفسد اللبن . وثغت الشاة تثغو ثغاء ، ورغاء البعير رغاء : صاح . * * * # | 4 - باب ما أدى زكاته فليس بكنز لقول الرسول : ( ليس فيما دون خمسة ~~أواق صدقة ) # / 9 - فيه : ابن عمر ، أنه قال له أعرابى : أخبرنى عن قول الله ms0996 تعالى : { ~~والذين يكنزون الذهب والفضة } [ التوبة : 34 ] قال ابن عمر : من كنزها فلم ~~يؤد زكاتها ، فويل له ، إنما كان هذا قبل أن تنزل الزكاة ، فلما أنزلت ~~جعلها الله طهرا للأموال . / 10 - وفيه : أبو سعيد ، قال - صلى الله عليه ~~وسلم - : ( ليس فيما دون خمس أواق صدقة ، وليس فيما دون خمس ذود صدقة ، ~~وليس فيما دون خمس أوسق صدقة ) . / 11 - وفيه : زيد بن وهب ، مررت بالربذة ~~، فإذا أنا بأبى ذر ، فقلت : ما أنزلك منزلك هذا ؟ قال : كنت بالشأم ~~فاختلفت أنا ومعاوية فى هذه PageV03P403 الآية : { والذين يكنزون الذهب ~~والفضة ولا ينفقونها فى سبيل الله } قال معاوية : نزلت فى أهل الكتاب ، ~~فقلت : نزلت فينا وفيهم ، فكان بينى وبينه فى ذاك ، وكتب إلى عثمان يشكونى ~~، فكتب إلى عثمان أن اقدم المدينة ، فقدمتها فكثر على الناس ، حتى كأنهم لم ~~يرونى قبل ذلك ، فذكرت ذاك لعثمان ، فقال : إن شئت تنحيت ، فكنت قريبا ، ~~فذاك [ الذى ] أنزلنى هذا المنزل ، ولو أمروا على حبشيا لسمعت وأطعت . / 12 ~~- وفيه : الأحنف ، قال : جلست إلى ملإ من قريش فجاء رجل خشن الشعر والثياب ~~والهيئة ، حتى قام عليهم ، فسلم ، ثم قال : بشر الكانزين برضف يحمى عليهم ~~فى نار جهنم ، ثم يوضع على حلمة ثدى أحدهم حتى يخرج من نغض كتفه ، فيتزلزل ~~، ثم ولى ، فجلس إلى سارية ، وتبعته وجلست إليه ، ولا أدرى من هو ، قلت : ~~لا أرى القوم إلا قد كرهوا مقالتك ، قال : إنهم لا يعقلون شيئا ، قال لى ~~خليلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( يا أبا ذر ، أتبصر أحدا ؟ ) ~~قال : فنظرت إلى الشمس ما بقى من النهار ، وأنا أرى أن النبى ، - صلى الله ~~عليه وسلم - ، يرسلنى فى حاجة ، قلت : نعم ، قال : ( ما أحب أن لى مثل أحد ~~ذهبا أنفقه كله إلا ثلاثة دنانير ) ، وإن هؤلاء لا يعقلون ، إنما يجمعون ~~الدنيا ، لا والله لا أسألهم دنيا ، ولا أستفتيهم عن دين حتى ألقى الله . ~~قال الطبرى : الكنز فى كلام العرب كل شىء مجموع بعضه إلى بعض فى بطن الأرض ~~كان أو على ظهرها ، ولذلك تقول ms0997 العرب للشىء المجتمع : مكتنز لانضمام بعضه ~~إلى بعض ، ومنه قول الهذلى : PageV03P404 لا در درى إن أطعمت نازلكم قرف ~~الحتى وعندى البر مكنوز الحتى : سويق المقل . واختلف السلف فى معنى الكنز ، ~~فقال بعضهم : هو كل مال وجبت فيه الزكاة فلم تؤد زكاته ، وقالوا : معنى ~~قوله تعالى : { ولا ينفقونها فى سبيل الله } [ التوبة : 34 ] لا يؤدون ~~زكاتها ، وهذا قول عمر ، وابن عمر ، وابن عباس ، وعبيد بن عمير ، وجماعة . ~~وقال آخرون : الكنز ما زاد على أربعة آلاف درهم فهو كنز ، وإن أديت زكاته . ~~رواه جعدة بن هبيرة ، عن على بن أبى طالب ، قال : أربعة آلاف فما دونها ~~نفقة ، وما كان أكثر من ذلك فهو كنز ، وقال غيره : الكنز ما فضل عن حاجة ~~صاحبه إليه . وهذا مذهب أبى ذر . روى أن نصل سيف أبى هريرة كان من فضة ~~فنهاه عنه أبو ذر ، قال : إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، قال : ( ~~من ترك صفراء أو بيضاء كوى بها ) . واتفق أئمة الفتوى على قول عمر ، وابن ~~عمر ، وابن عباس ، واحتج له الطبرى بنحو ما نزع به البخارى ، فقال : الدليل ~~على أن كل ما رأيت زكاته فليس بكنز إيجاب الله تعالى على لسان رسوله فى خمس ~~أواق ربع عشرها ، فإذا كان ذلك فرض الله تعالى على لسان رسوله ، فمعلوم أن ~~الكثير PageV03P405 من المال ، وإن بلغ ألوفا إذا أديت زكاته فليس بكنز ، ~~ولا يحرم على صاحبه اكتنازه ، لأنه لم يتوعد الله عليه بالعقاب ، وإنما ~~توعد الله بالعقاب على كل مال لم تؤد زكاته ، وليس فى القرآن بيان كم ذلك ~~القدر من الذهب والفضة الذى إذا جمع بعضه إلى بعض استحق جامعة الوعيد ، ~~فكان معلوما أن بيان ذلك إنما يؤخذ من وقف رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- وهو ما بيناه أنه المال الذى لم يؤد حق الله منه من الزكاة دون غيره من ~~المال . قال غيره : وإنما كتب معاوية إلى عثمان يشكو أبا ذر ، لأنه كان ~~كثير الاعتراض عليه والمنازعة له ، وكان وقع فى جيشه تشتيت من ms0998 ميل بعضهم ~~إلى قول أبى ذر ، فلذلك أقدمه عثمان إلى المدينة ، إذ خشى الفتنة فى الشام ~~ببقائه ، لأنه كان رجلا شديدا لا يخاف فى الله لومة لائم . قال المهلب : ~~وكان هذا توقيرا من معاوية لأبى ذر حين كتب إلى السلطان الأعلى يستجلبه ، ~~وصانه معاوية من أن يخرجه فتكون عليه وصمة . وقد ذكر الطبرى : أنه حين كثر ~~الناس عليه بالمدينة يسألونه عن سبب خروجه من الشام ، خشى عثمان من التشتيت ~~بالمدينة ما خشيه معاوية بالشام ، فقال له : تنح قريبا . فقال : إنى والله ~~لن أدع ما كنت أقوله فسار إلى الربذة ، وبينها وبين المدينة ثلاثة أيام . ~~PageV03P406 وفى هذا من الفقه : أنه جائز للإنسان الأخذ بالشدة فى الأمر ~~بالمعروف والنهى عن المنكر ، وإن أدى ذلك إلى فراق وطنه . وفيه : أنه جائز ~~للإمام أن يخرج من توقع ببقائه وقوع فتنة بين الناس . وفيه : ترك الخروج ~~على الأئمة ، والانقياد لهم ، وإن كان الصواب فى خلافهم . وفيه : جواز ~~الاختلاف والاجتهاد فى الآراء ، ألا ترى أن عثمان ومن كان بحضرته من ~~الصحابة لم يردوا أبا ذر عن مذهبه ، ولا قالوا له : إنه لا يجوز لك اعتقاد ~~قولك ، لأن أبا ذر نزع بحديث النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، واستشهد به ~~، وذلك قوله - صلى الله عليه وسلم - : ( ما أحب أن لى مثل أحد ذهبا أنفقه ~~كله إلا ثلاثة دنانير ) ، وكذلك حين أنكر على أبى هريرة نصل سيفه استشهد ~~على ذلك بقوله ، - صلى الله عليه وسلم - : ( من ترك صفراء ، أو بيضاء كوى ~~بها ) . وهذا حجة فى أن الاختلاف فى العلم باق إلى يوم القيامة ، لا يرتفع ~~إلا بإجماع . وقد روى ابن أبى شيبة ، عن محمد بن بشر ، حدثنا سفيان ، عن ~~المغيرة بن النعمان ، عن عبد الله بن الأقنع الباهلى ، عن الأحنف بن قيس ، ~~قال : كنت جالسا فى مسجد المدينة فأقبل رجل لا تراه حلقة إلا فروا منه حتى ~~انتهى إلى الحلقة التى كنت فيها ، فثبت وفروا ، فقلت : على ما يفر الناس ~~منك ؟ قال : إنى أنهاهم عن الكنوز ، قلت : إن أعطياتنا ms0999 قد ارتفعت وكثرت ~~فتخاف علينا منها ؟ قال : أما اليوم فلا ، ولكنها توشك أن تكون أثمان دينكم ~~، فدعوهم وإياها . وقال PageV03P407 المهلب : وفى قوله : ( بشر الكانزين ~~برضف ) وجوب مبادرة إخراج الزكاة عند حولها والتحذير من تأخيرها . وقوله : ~~( فنظرت إلى الشمس ما بقى من النهار ) فهو مثل لتعجيل الزكاة ، يريد ما أحب ~~أن أحبس ما أوجبه الله وحل وقته بقدر ما بقى من النهار . والرضف : الحجارة ~~المحماة . والنغض : الغضروف من الكتف . الخطابى : نغض الكتف : فرغه ، وسمى ~~نغضا ، لأنه ينغض من الإنسان إذا أسرع ، أى يتحرك . ومنه يقال : نغض الرجل ~~رأسه ، إذا حركه . ومنه قوله تعالى : { فسينغضون إليك رءوسهم } ] الإسراء : ~~51 ] . * * * # | 5 - باب إنفاق المال فى حقه # / 13 - فيه : ابن مسعود ، قال : سمعت النبى - صلى الله عليه وسلم - يقول ~~: ( لا حسد إلا فى اثنتين رجل آتاه الله مالا ، فسلطه على هلكته فى الحق ، ~~ورجل آتاه الله حكمة ، فهو يقضى بها ويعلمها ) . قال بعض أهل العلم : إنفاق ~~المال فى حقه ينقسم ثلاثة أقسام : فالأول أن ينفق على نفسه ، وأهله ، ومن ~~تلزمه نفقته غير مقتر عما يجب لهم ، ولا مسرف فى ذلك ، كما قال تعالى : ~~PageV03P408 { والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما ~~} [ الفرقان : 67 ] ، وهذه النفقة أفضل من الصدقة ، ومن جميع النفقات ، ~~لقوله - صلى الله عليه وسلم - : ( إنك لن تنفق نفقة تبتغى بها وجه الله إلا ~~أجرت عليها حتى اللقمة تضعها فى فى امرأتك ) . وقسم ثان : وهو أداء الزكاة ~~، وإخراج حق الله تعالى لمن وجب له . وقد قيل : من أدى الزكاة فقد سقط عنه ~~اسم البخل . وقسم ثالث : وهو صلة الأهل البعداء ومواساة الصديق ، وإطعام ~~الجائع ، وصدقة التطوع كلها فهذه نفقة مندوب إليها مأجور عليها ، لقوله - ~~صلى الله عليه وسلم - : ( الساعى على الأرملة واليتيم كالمجاهد فى سبيل ~~الله ) . فمن أنفق فى هذه الوجوه الثلاثة فقد وضع المال فى موضعه ، وأنفقه ~~فى حقه ، ووجب حسده ، وكذلك من آتاه الله حكمته فعلمها فهو وارث منزلة ~~النبوة ، لأنه يموت ويبقى له أجر من علمه ، وعمل ms1000 بعلمه إلى يوم القيامة ، ~~فينبغى لكل مؤمن أن يحسد من هذه حاله ، والله يؤتى فضله من يشاء . * * * # | 6 - باب الرياء فى الصدقة # لقوله تعالى : { يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى } [ ~~البقرة : 264 ] الآية . وقال ابن عباس : { صلدا } ليس عليه شىء . والرياء ~~يبطل الصدقة وجميع الأعمال ، لأن المرائى إنما يعمل من PageV03P409 أجل ~~الناس ليحمدوه على عمله ، فلم يحمده الله تعالى حين رضى بحمد الناس عوضا عن ~~حمد الله وثوابه ، وراقب الناس دون ربه ، ولذلك قال - صلى الله عليه وسلم - ~~عن الله عز وجل : ( من عمل عملا أشرك فيه معى غيرى فهو له ، وأنا أغنى ~~الشركاء عن الشرك ) . وجاء فى الحديث أن الرياء الشرك الأصغر . وكذلك المن ~~والأذى يبطلان الصدقة ، لأن المنان بها لم يتق الله فيها ، ولا أخلصها ~~لوجهه تعالى ، ولا ينفع عمل بغير نية ، لقوله - صلى الله عليه وسلم - : ( ~~إنما الأعمال بالنيات وإنما لامرئ ما نوى ) ، وكذلك المؤذى لمن تصدق عليه ~~يبطل إثم الأذى أجر الصدقة ، وقد نهى الله تعالى عن انتهار السائل ، فما ~~فوق ذلك من الأذى أدخل فى النهى ، والله أعلم . قال عبد الواحد : كان ينبغى ~~للبخارى ، رحمه الله ، أن يخرج فى هذا الباب قوله - صلى الله عليه وسلم - : ~~( إنك لن تنفق نفقة تبتغى بها وجه الله إلا أجرت عليها . . . ) الحديث . ~~فهو يشبه التبويب ، لأن من ابتغى وجه الله يسلم من الرياء ، وابتغاء غير ~~وجه الله هو عين الرياء . * * * # | 7 - باب لا يقبل الله صدقة من غلول ولا يقبل إلا من كسب طيب # لقوله تعالى : { قول معروف ومغفرة خير من صدقة يتبعها أذى } [ البقرة : ~~263 ] الآية . PageV03P410 استدلال البخارى بهذه الآية صحيح وذلك أنه لما ~~كان حرمان السائل ، والقول المعروف والاستغفار له خيرا من صدقة يتبعها أذى ~~، صح وثبت أن الصدقة إذا كانت من غلول أنها غير متقبلة ، لأن الأذى ~~للمسلمين فى الغلول أشد عند الله من أذى المتصدق عليه وحده . قال عبد ~~الواحد : كان ينبغى للبخارى أن يخرج فى هذا الباب قوله تعالى : { أنفقوا من ms1001 ~~طيبات ما كسبتم ومما أخرجنا لكم من الأرض ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون } [ ~~البقرة : 267 ] فهو أليق بالترجمة ، والحديث الذى خرجه فى الباب بعد هذا ~~وهو قوله - صلى الله عليه وسلم - : ( من تصدق بصدقة من كسب طيب . . . . ) ~~يصلح فيه . * * * # | 8 - باب الصدقة من كسب طيب # لقوله تعالى : { ويربى الصدقات } [ البقرة : 276 ] الآية . / 14 - فيه : ~~أبو هريرة ، قال - صلى الله عليه وسلم - : ( من تصدق بعدل تمرة من كسب طيب ~~- ولا يقبل الله إلا الطيب - فإن الله يتقبلها بيمينه ، ثم يربيها لصاحبها ~~، كما يربى أحدكم فلوه ، أو فصيله ، حتى تكون مثل الجبل ) . قوله تعالى : { ~~ويربى الصدقات } يعنى يضعف أجرها لربها وينميها ، ألا ترى قوله - عليه ~~السلام - : ( ثم يربيها كما يربى PageV03P411 أحدكم فلوه ، أو فصيله ) ، ~~ولما كان الربا قد أخبر الله أنه يمحقه ، لأنه حرام دلت الآية أن الصدقة ~~التى تربو وتتقبل لا تكون إلا من غير جنس الممحوق ، وذلك الحلال ، وقد بين ~~ذلك - صلى الله عليه وسلم - بقوله : ( ولا يقبل الله إلا الطيب ) . وقال ~~ابن الأنبارى : الزكاة فى اللغة أصلها الزيادة ، سميت بذلك لأنها تزيد فى ~~المال الذى يخرج منه . يقال : زكا الشىء زكاة ، إذا زاد ، والزكا بالقصر ~~معناه : زوجان ذكر وأنثى ، أو شيئان مصطحبان يجريان مجرى الذكر والأنثى ، ~~والمراد بذكر اليمين فى هذا الحديث : التحفى بالصدقة ، والرضا عنها ، والحض ~~عليها ، والله تعالى لا يوصف بالجوارح فيكون له يمين وشمال . قال أبو بكر ~~بن فورك : المراد بوصف الله تعالى باليمين أنه لما وصف باليدين ، ويد ~~الجارحة تكون إحداهما يمينا ، والأخرى شمالا ، واليسرى تنقص أبدا فى الغالب ~~عن اليمين فى القوة ، والبطش عرفنا النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، بقوله ~~: ( وكلتا يديه يمين ) كمال صفة الله تعالى أنه لا نقص فيها ، وأن ما وصف ~~به من اليدين ليس كما يوصف به ذو الجارحة التى تنقص مياسره عن ميامنه . ~~PageV03P412 # | 9 - باب الصدقة قبل الرد # / 15 - فيه : حارثة بن وهب ، قال : سمعت النبى - صلى الله عليه وسلم - ~~يقول : ( تصدقوا فإنه يأتى عليكم زمان يمشى الرجل بصدقته ms1002 فلا يجد من يقبلها ~~، فيقول الرجل : لو جئت بها بالأمس لقبلتها ، فأما اليوم فلا حاجة لى بها ) ~~. / 16 - وفيه : أبو هريرة ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ~~( لا تقوم الساعة حتى يكثر فيكم المال ، فيفيض حتى يهم رب المال من يقبل ~~صدقته ، وحتى يعرضه فيقول الذى يعرضه عليه : لا أرب لى فيه ) . / 17 - وفيه ~~: عدى بن حاتم يقول : كنت عند النبى - صلى الله عليه وسلم - فجاءه رجلان ~~أحدهما يشكو العيلة ، والآخر يشكو قطع السبيل ، فقال رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - : ( أما قطع السبيل ، فإنه لا يأتى عليك إلا قليل حتى تخرج ~~العير إلى مكة بغير خفير ، وأما العيلة ، فإن الساعة لا تقوم حتى يطوف ~~أحدكم بصدقته فلا يجد من يقبلها منه ، ثم ليقفن أحدكم بين يدى الله ليس ~~بينه وبينه حجاب ولا ترجمان يترجم له ، ثم ليقولن له : ألم أوتك مالا ، ~~فليقولن : بلى ، ثم ليقولن : ألم أرسل إليك رسولا ؟ فليقولن : بلى ، فينظر ~~عن يمينه فلا يرى إلا النار ، ثم ينظر عن شماله فلا يرى إلا النار ، ~~فليتقين أحدكم النار ، ولو بشق تمرة ، فإن لم يجد فبكلمة طيبة ) . / 18 - ~~وفيه : أبو موسى ، قال : قال - صلى الله عليه وسلم - : ( ليأتين على الناس ~~زمان يطوف الرجل فيه بالصدقة من الذهب ، فلا يجد من يقبلها ، ويرى الرجل ~~الواحد يتبعه أربعون امرأة يلذن به من قلة الرجال وكثرة النساء ) . ~~PageV03P413 ففى هذا الباب : الحض على الصدقة ، والترغيب فيها ما وجد أهلها ~~المستحقون لها ، خشية أن يأتى الزمان الذى لا يوجد فيه من يأخذ الصدقة ، ~~وهو زمان كثرة المال وفيضه ، قرب الساعة . وفى قوله : ( فليتقين أحدكم ~~النار ولو بشق تمرة ) حض على القليل من الصدقة . وقوله : ( فإن لم يجد ~~فبكلمة طيبة ) حض أيضا على أن لا يحقر شيئا من الخير بالقول والفعل ، وإن ~~قل ذلك ، وإذا كانت الكلمة الطيبة يتقى بها النار ، فالكلمة الخبيثة يستوجب ~~بها النار . وقوله - صلى الله عليه وسلم - : ( يرى الرجل الواحد يتبعه ~~أربعون امرأة يلذن به من قلة الرجال ، وكثرة ms1003 النساء ) ، فهذا والله أعلم ~~يكون عند ظهور الفتن ، وكثرة القتل فى الناس ، وهذا كله من أشراط الساعة . ~~قال المهلب : وقوله - صلى الله عليه وسلم - فى حديث عدى : ( ليقفن أحدكم ~~بين يدى الله ليس بينه وبينه حجاب ) ، فإنما هذا على جهة التمثيل ليفهم ~~الخطاب لأن الله تعالى لا يحيط به شىء ، ولا يحجبه حجاب ، تعالى الله عن ~~ذلك ، وإنما يستتر تعالى عن أبصارنا بما وضع فينا من الحجب ، والضعف عن ~~الإدراك لنوره فى الدنيا ، فإذا كان فى الآخرة ، وكشف تلك الحجب عن أبصارنا ~~فقواها حتى تدرك معاينة ذاته كما قال - صلى الله عليه وسلم - : ( ترون ربكم ~~كما ترون القمر ليلة البدر ) . PageV03P414 وقوله : ( حتى يهم رب المال من ~~يقبل صدقته ) ، قال صاحب العين : يقال : أهمنى الأمر مثل أغمنى ، وهمنى هما ~~: رابنى . وقوله : ( بغير خفير ) فالخفير : المجير ، والخفارة : الذمة . * ~~* * # | 10 - باب اتقوا النار ولو بشق تمرة والقليل من الصدقة # { ومثل الذين ينفقون أموالهم } إلى قوله : { فيها من كل الثمرات } [ ~~البقرة : 265 ، 266 ] / 19 - فيه : أبو مسعود ، قال : لما نزلت آية الصدقة ~~كنا نحامل ، فجاء رجل فتصدق بشىء كثير ، فقالوا : مرائى ، وجاء رجل فتصدق ~~بصاع ، فقالوا : إن الله لغنى عن صاع هذا ، فنزلت : { الذين يلمزون ~~المطوعين من المؤمنين فى الصدقات } [ التوبة : 79 ] . قال أبو مسعود : كان ~~النبى - صلى الله عليه وسلم - إذا أمرنا بالصدقة انطلق أحدنا إلى السوق ، ~~فيحامل ، فيصيب المد ، وإن لبعضهم اليوم لمائة ألف . / 20 - وفيه : عدى ، ~~سمعت النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، يقول : ( اتقوا النار ولو بشق تمرة ~~) . / 21 - وفيه : عائشة ، دخلت امرأة ومعها ابنتان لها تسأل ، فلم تجد ~~عندى PageV03P415 شيئا غير تمرة ، فأعطيتها إياها فقسمتها بين ابنتيها ، ~~ولم تأكل منها ، ثم قامت فخرجت ، فدخل النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، ~~علينا ، فأخبرته ، فقال : ( من ابتلى من هذه البنات بشىء كن له سترا من ~~النار ) . قال المؤلف : قوله : ( اتقوا النار ولو بشق تمرة ) حض على الصدقة ~~بالقليل ، وقد تصدقت عائشة بتمرة ، وتصدقت بحبة عنب ، وقالت : كم فيها من ~~مثاقيل الذر . ومثله قوله ms1004 - صلى الله عليه وسلم - لأبى تميمة الهجيمى : ( ~~لا تحقرن شيئا من المعروف ولو أن تضع من دلوك فى إناء المستقى ) . وفى حديث ~~أبى مسعود ما كان عليه السلف من التواضع ، والحرص على الخير واستعمالهم ~~أنفسهم فى المهن والخدمة رغبة منهم فى الوقوف عند حدود الله ، والاقتداء ~~بكتابه ، وكانوا لا يتعلمون شيئا من القرآن إلا للعمل به ، فكانوا يحملون ~~على ظهورهم للناس ويتصدقون بالثمن لعدم المال عندهم حينئذ ، وقوله : ( ~~نحامل ) يعنى نحمل لغيرنا ، ونحامل وزنه ، تفاعل ، والمفاعلة لا تكون إلا ~~من اثنين كالمبايعة والمعاملة ، ألا ترى أنه حين نزلت { يا أيها الذين ~~آمنوا إذا ناجيتم الرسول فقدموا بين يدى نجواكم صدقة } [ المجادلة : 12 ] ~~شق عليهم العمل بها ، فنسخت عنهم بقوله : { فإذا لم تفعلوا وتاب الله عليكم ~~فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة } [ المجادلة : 13 ] . وقال على بن أبى طالب : ~~إن فى كتاب الله آية ما عمل بها أحد قبلى ، ولا يعمل بها أحد بعدى ، كان لى ~~دينار فصرفته ، فكنت إذا ناجيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تصدقت ~~بدرهم حتى نفذ ، ثم نسخت . PageV03P416 وفى حديث عائشة أن النفقة على ~~البنات ، والسعى عليهن من أفضل أعمال البر ، وأن ذلك ينجى من النار . * * * # | 11 - باب فضل صدقة الصحيح الشحيح # لقول الله تعالى : { يا أيها الذين آمنوا أنفقوا مما رزقناكم من قبل أن ~~يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلة } [ البقرة : 254 ] { وأنفقوا مما رزقناكم من ~~قبل أن يأتى أحدكم الموت فيقول رب لولا أخرتنى إلى أجل قريب فأصدق وأكن من ~~الصالحين } [ المنافقون : 10 ] . / 22 - فيه : أبو هريرة ، قال : جاء رجل ~~إلى النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، فقال : يا رسول الله ، أى الصدقة ~~أعظم أجرا ؟ قال : ( أن تصدق ، وأنت صحيح شحيح ، تخشى الفقر ، وتأمل الغنى ~~، ولا تمهل حتى إذا بلغت الحلقوم ) ، قلت : لفلان كذا ولفلان كذا ، وقد كان ~~لفلان . فيه : أن أعمال البر كلما صعبت كان أجرها أعظم ، لأن الصحيح الشحيح ~~إذا خشى الفقر ، وأمل الغنى صعبت عليه النفقة ، وسول له الشيطان طول العمر ~~، وحلول الفقر ms1005 به ، فمن تصدق فى هذه الحال ، فهو مؤثر لثواب الله على هوى ~~نفسه ، وأما إذا تصدق عند خروج نفسه فيخشى عليه الضرار بميراثه والجوار فى ~~فعله ، ولذلك قال ميمون بن مهران حين قيل له : إن رقية امرأة هشام ~~PageV03P417 ماتت ، وأعتقت كل مملوك لها ، فقال ميمون : يعصون الله فى ~~أموالهم مرتين ، يبخلون بها ، وهى فى أيديهم ، فإذا صارت لغيرهم أسرفوا ~~فيها . # | 12 - باب # / 23 - فيه : عائشة ، أن بعض أزواج النبى - صلى الله عليه وسلم - قلن ~~للنبى - صلى الله عليه وسلم - : أينا أسرع لحوقا بك ؟ قال : ( أطولكن يدا ) ~~، فأخذوا قصبة يذرعونها ، فكانت سودة أطولهن يدا ، فعلمنا بعد أنما كانت ~~طول يدها الصدقة ، وكانت أسرعنا لحوقا به ، وكانت تحب الصدقة . هذا الحديث ~~سقط منه ذكر زينب ، لأنه لا خلاف بين أهل الأثر والسير أن زينب أول من مات ~~من أزواج النبى ، - صلى الله عليه وسلم - . وروى ابن عيينة ، عن إسماعيل بن ~~أبى خالد ، عن الشعبى ، عن عبد الرحمن بن أبزى ، قال : صليت مع عمر بن ~~الخطاب على أم المؤمنين زينب بنت جحش ، وكانت أول نساء رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - توفيت بعده . وروى ابن أبى خيثمة ، قال : حدثنا معاوية بن ~~عمرو ، قال : حدثنا المسعودى ، قال : حدثنا القاسم بن معن ، قال : كانت ~~زينب بنت جحش أول نساء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لحوقا به . وروى ~~مسلم فى كتابه حديث عائشة على خلاف ما ذكره البخارى ، فقال : حدثنا محمود ~~بن غيلان ، حدثنا الفضل بن موسى السينانى ، قال : حدثنا طلحة بن يحيى بن ~~طلحة ، عن عائشة أم المؤمنين ، قالت : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- : PageV03P418 ( أسرعكن لحاقا بى أطولكن يدا ) ، قالت : فكن يتطاولن ~~أيتهن أطول يدا ، فكانت أطولنا يدا زينب ، لأنها كانت تعمل بيدها وتتصدق . ~~وذكر مسلم الحديث الطويل الذى فيه إرسال أزواج النبى لفاطمة إلى النبى - ~~صلى الله عليه وسلم - يسألنه العدل فى بنت أبى قحافة ، قالت عائشة : فأرسل ~~أزواج النبى - صلى الله عليه وسلم - زينب ، وهى التى كانت تسامينى منهن فى ms1006 ~~المنزلة عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولم أر امرأة قط خيرا فى ~~الدين من زينب وأتقى لله ، وأصدق حديثا ، وأوصل للرحم ، وأعظم صدقة ، وأشد ~~ابتذالا لنفسها فى العمل الذى تتصدق به ، وتتقرب به إلى الله عز وجل . وقال ~~المهلب : اليد فى هذا الحديث : الإنعام والإفضال ، وفيه : أن الحكم للمعانى ~~لا للألفاظ ، بخلاف قول أهل الظاهر ، ألا ترى أن أزواج النبى ، - صلى الله ~~عليه وسلم - ، سبق إليهن أنه أراد طول اليد التى هى الجارحة ، فلما لم تتوف ~~سودة التى كانت أطولهن يد الجارحة ، وتوفيت زينب قبلهن علمن أنه - صلى الله ~~عليه وسلم - لم يرد طول العضو ، وإنما أراد بذلك كثرة الصدقة ، لأن زينب هى ~~التى كانت تحب الصدقة . PageV03P419 # | 13 - باب صدقة العلانية # { الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سرا وعلانية } [ البقرة : 274 ] ~~اختلف العلماء فى المعنى الذى نزلت فيه هذه الآية ، فروى مجاهد عن ابن عباس ~~، أنها نزلت فى على بن أبى طالب ، كانت معه أربعة دراهم ، فأنفق بالليل ~~درهما ، وبالنهار درهما ، وسرا درهما ، وعلانية درهما . وقال الأوزاعى : ~~نزلت فى الذين يرتبطون الخيل خاصة فى سبيل الله ، ينفقون عليها بالليل ~~والنهار . وروى عن قتادة قول ثالث : أنها نزلت فيمن أنفق ماله فى سبيل الله ~~، لقول الرسول ، - صلى الله عليه وسلم - : ( إن المكثرين هم الأقلون يوم ~~القيامة إلا من قال بالمال هكذا ، وهكذا عن يمينه ، وعن شماله ، وقليل ما ~~هم ) هؤلاء قوم أنفقوا أموالهم فى سبيل الله الذى افترض وارتضى من غير سرف ~~ولا إملاق ، ولا تبذير ، ولا فساد . ولا خلاف بين أئمة العلم أن إعلان صدقة ~~الفريضة أفضل من إسرارها ، وأن إسرار صدقة النافلة أفضل من إعلانها على ما ~~يأتى ذكره فى الباب بعد هذا ، إن شاء الله . * * * # | 14 - باب صدقة السر # وقال الرسول ، - صلى الله عليه وسلم - : ( ورجل تصدق بصدقة فأخفاها ، حتى ~~لا تعلم شماله ما صنعت يمينه ) . وقوله : { إن تبدوا الصدقات فنعما هى وإن ~~تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم } [ البقرة : 271 ] الآية . ~~PageV03P420 عند كافة العلماء أن صدقة ms1007 السر فى التطوع أفضل من العلانية ، ~~وتأولوا قوله ، - صلى الله عليه وسلم - : ( فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما ~~تنفق يمينه ) . أن المراد بذلك صدقة التطوع ، وروى عن ابن عباس فى قوله : { ~~إن تبدوا الصدقات فنعما هى } [ البقرة : 271 ] الآية . قال : جعل الله ~~تعالى صدقة التطوع فى السر تفضل علانيتها بسبعين ضعفا ، وجعل صدقة الفرض ~~علانيتها أفضل من سرها بخمسة وعشرين ضعفا ، وكذلك جميع الفرائض ، والنوافل ~~فى الأشياء كلها . وقال سفيان : { إن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم } ~~قال : سوى الزكاة ، وهذا قول كالإجماع . وقوله : ( حتى لا تعلم شماله ما ~~تنفق يمينه ) مثل ضربه فى المبالغة بالاستتار بالصدقة ، لقرب الشمال من ~~اليمين ، وإنما أراد بذلك أن لو قدر أن لا يعلم من يكون عن شماله من الناس ~~ما تتصدق به يمينه لشدة استتاره ، وهذا على المجاز كقوله تعالى : { واسأل ~~القرية } [ يوسف : 82 ] لأن الشمال لا توصف بالعلم . وقوله تعالى : { والله ~~بما تعملون خبير } [ البقرة : 271 ] أى والله بما تعملون فى صدقاتكم من ~~إخفائها وإعلانها ، وفى غير ذلك من أموركم ذو خبرة وعلم لا يخفى عليه شىء ~~منه ، فهو محيط به محص له على أهله حتى يوفيهم جزاء قليله وكثيره . ~~PageV03P421 # | 15 - باب إذا تصدق على غنى وهو لا يعلم # / 24 - فيه : أبو هريرة ، أن النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، قال : ( ~~قال رجل : لأتصدقن بصدقة ، فخرج بصدقته فوضعها فى يد سارق ، فأصبحوا ~~يتحدثون ، تصدق على سارق ، فقال : اللهم لك الحمد لأتصدقن بصدقة ، فخرج ~~بصدقته فوضعها في يدي زانية ، فأصبحوا يتحدثون ، تصدق الليلة على زانية ، ~~فقال : اللهم لك الحمد على زانية ، لأتصدقن بصدقة ، فخرج بصدقته فوضعها فى ~~يدي غنى ، فأصبحوا يتحدثون تصدق على غنى ، فقال : اللهم لك الحمد على سارق ~~، وعلى زانية ، وعلى غنى ، فأتى ، فقيل له : أما صدقتك على سارق فلعله أن ~~يستعف عن سرقته ، وأما الزانية فلعلها أن تستعف عن زناها ، وأما الغنى ~~فلعله يعتبر فينفق مما أعطاه الله ) . قال المهلب : قوله فى الحديث : ( ~~فأتى فقيل له : أما صدقتك على سارق . . . ) إلى ms1008 آخر الحديث ، يعنى أنه أرى ~~ذلك فى المنام ، والرؤيا حق . وقوله : ( فلعله أن يستعف عن سرقته ) ، فإن ~~لعل من الله على معنى القطع والحتم ، ودل ذلك أن صدقة الرجل على السارق ~~والزانية والغنى قد تقبلها الله ، لأنها إذا كانت سببا إلى ما يرضى الله ~~فلا شك فى فضلها وقبولها . واختلف العلماء فى الذى يعطى الفقير من الزكاة ~~على ظاهر فقره ثم تبين غناه ، فقال الحسن البصرى : إنها تجزئه . وهو قول ~~أبى حنيفة ، ومحمد ، قالوا : لأنه قد اجتهد ، وأعطى فقيرا عنده ، ~~PageV03P422 وليس عليه إلا الاجتهاد . وأيضا فإن الصدقة إذا خرجت من مال ~~المتصدق على نية الصدقة أنها جازية عنه حيث وقعت ممن بسط إليها إذا كان ~~مسلما بدليل هذا الحديث قاله المهلب . وقال أبو يوسف ، والثورى ، والحسن بن ~~حى ، والشافعى : لا تجزئه ، لأنه لم يضع الصدقة موضعها ، وقد أخطأ فى ~~اجتهاده كما أنه لو نسى الماء فى رحله ، وتيمم لصلاته لم تجزئه صلاته . ~~واختلف قول ابن القاسم : هل تجزئه أم لا ، فقال ابن القصار : وقول مالك يدل ~~على هذا ، لأنه نص فى كفارة اليمين إن أطعم الأغنياء أنه لا يجزئه ، وإن ~~كان قد اجتهد فالزكاة أولى . وأما الصدقة على السارق والزانية ، فإن ~~العلماء متفقون أنهما إن كانا فقيرين فهما ممن تجوز له الزكاة . * * * # | 16 - باب إذا تصدق على ابنه وهو لا يشعر # / 25 - فيه : معن بن يزيد ، بايعت النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، أنا ~~وأبى وجدى وخطب على فأنكحنى ، وخاصمت إليه ، وكان أبى يزيد أخرج دنانير ~~يتصدق بها ، فوضعها عند رجل فى المسجد ، فجئت فأخذتها ، فأتيته بها ، فقال ~~: والله ما إياك أردت ، فخاصمته إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال ~~: ( لك ما نويت يا يزيد ، ولك ما أخذت يا معن ) . اتفق العلماء على أنه لا ~~يجوز دفع الزكاة إلى الابن ، ولا إلى الأب ، إذا كانا ممن تلزم المزكى ~~نفقتهما لأنها وقاية لماله ، PageV03P423 ولم يختلفوا أنه يجوز له أن ~~يعطيهما ما شاء من صدقة تطوع أو غيرها . والمراد بهذا الحديث عندهم ms1009 صدقة ~~التطوع . واختلفوا فى دفع الزكاة إلى سائر القرابات المحتاجين الذين لا ~~تلزم النفقة عليهم ، فروى عن ابن عباس أنه يجزئه ، وهو قول عطاء ، والقاسم ~~، وسعيد بن المسيب ، وأبى حنيفة ، والثورى ، والشافعى ، وأحمد ، وقالوا : ~~هى لهم صلة وصدقة . وقال ابن المسيب : أولى الناس بزكاة مالى يتيمى ومن كان ~~منى . وروى مطرف عن مالك أنه لا بأس أن يعطى قرابته من زكاته إذا لم يعط من ~~يعول ، فقال : رأيت مالكا يعطى قرابته من زكاته ، وهو قول أشهب . وقال ~~الحسن البصرى وطاوس : لا يعطى ذوى قرابته من الزكاة شيئا . وذكر ابن المواز ~~، عن مالك أنه كره أن يخص قرابته بزكاته ، وإن لم تلزمه نفقتهم . قال ~~المهلب : وفيه أن للابن أن يخاصم أباه ، وليس بعقوق إذا كان ذلك فى حق ، ~~على أن مالكا قد كره ذلك ، ولم يجعله من باب البر . وفيه : أن ما خرج إلى ~~الابن من مال الأب على وجه الصدقة ، أو الصلة أو الهبة لله ، وحازه الابن ~~أنه لا رجوع للأب فيه ، بخلاف الهبة التى للأب أن يعتصرها ولم يكن له أن ~~يقبض PageV03P424 الصدقة وكل هبة وصدقة وعطية لله تعالى ، فليس له أن ~~يقبضها لقوله - صلى الله عليه وسلم - : ( العائد فى صدقته كالكلب يعود فى ~~قيئه ) . وسيأتى حكم الرجوع فى الهبات ، ثم الاختلاف فى ذلك فى كتاب الهبة ~~، إن شاء الله . * * * # | 17 - باب الصدقة باليمين # / 26 - فيه : أبو هريرة ، قال : قال النبى ، - صلى الله عليه وسلم - : ( ~~سبعة يظلهم الله تعالى فى ظله يوم لا ظل إلا ظله . . . . . ورجل تصدق بصدقة ~~، فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه . . . . . . . . . . ) الحديث . ~~لما كانت اليمين أفضل من الشمال ، وكانت الصدقة يراد بها وجه الله ، استحب ~~فيها أن تناول بأشرف الأعضاء ، وأفضل الجوارح . وقد تقدم فى باب صدقة السر ~~أن إخفاء النوافل والاستتار بها أفضل عند الله من إظهارها ، بخلاف الفرائض ~~. قال عبد الواحد : وقوله - صلى الله عليه وسلم - : ( حتى لا تعلم شماله ما ~~تنفق يمينه ) مثل ضربه بالاستتار بالصدقة لقرب الشمال من اليمين ms1010 ، وإنما ~~أراد بذلك أن لو قدر ألا يعلم من يكون عن شماله من الناس ما تصدق به يمينه ~~لشدة استتاره ، وهذا على المجاز كقوله تعالى : { واسأل القرية } [ يوسف : ~~82 ] لأن الشمال لا توصف بالعلم ، وبالله التوفيق . PageV03P425 # | 18 - باب من أمر خادمه بالصدقة ولم يناول بنفسه # وقال أبو موسى ، عن النبى ، - صلى الله عليه وسلم - : ( هو أحد المتصدقين ~~) . / 27 - فيه : عائشة ، قالت : قال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( إذا ~~أنفقت المرأة من طعام بيتها غير مفسدة ، كان لها أجرها بما أنفقت ، ولزوجها ~~أجره بما كسب ، وللخازن مثل ذلك لا ينقص بعضهم أجر بعض شيئا ) . وترجم له ~~باب ( أجر المرأة إذا تصدقت أو أطعمت من بيت زوجها غير مفسدة ) . وترجم له ~~باب ( أجر الخادم إذا تصدق بأمر صاحبه غير مفسد ) وزاد : عن أبى موسى ، قال ~~النبى ، - صلى الله عليه وسلم - : ( الخازن المسلم الأمين الذى ينفق ما أمر ~~به كاملا موفرا طيبا نفسه ، فيدفعه إلى الذى أمر له به أحد المصدقين ) . ~~قال الله تعالى : { وتعاونوا على البر والتقوى } [ المائدة : 2 ] ، فدلت ~~هذه الآية على اشتراك المتعاونين على الخير فى الأجر ، وجاء هذا المعنى فى ~~هذه الأحاديث ، إلا أنه لا يجوز لأحد أن يتصدق من مال أحد غيره بغير إذنه ، ~~لكن لما كانت امرأة الرجل لها حق فى ماله ، وكان لها النظر فى بيتها جاز ~~لها الصدقة بما لا يكون إضاعة للمال ، ولا إسرافا ، لكن بمقدار العرف ~~والعادة ، وما تعلم أنه لا يؤلم زوجها ، وتطيب به نفسه . فأخبر - صلى الله ~~عليه وسلم - أنها تؤجر على ذلك ، ويؤجر زوجها بما كسب ، ويؤجر الخادم ~~الممسك لذلك ، وهو الخازن المذكور فى الحديث ، إلا أن مقدار أجر كل واحد ~~منهم لا يعلمه إلا الله ، غير أن الأظهر أن الكاسب أعظم أجرا . PageV03P426 ~~وقوله : باب من أمر خادمه بالصدقة ، ولم يناول بنفسه ينفك من قوله فى ~~الحديث : ( وللخادم مثل ذلك ) ، لأن الخادم لا يجوز أن يتصدق من مال مولاه ~~إلا بما أمره بالصدقة به ، بخلاف الزوجة ، لأن الخادم ليس له ms1011 فى متاع مولاه ~~تصرف ، ولا حكم ، وإنما هو خازن عليه فقط ، ألا ترى أن النبى ، - صلى الله ~~عليه وسلم - ، شرط فى الخازن أن يؤدى الذى أمر به موفرا طيبا به نفسه ، ~~وكذلك يصح له الأجر ، لأن من لم تطب نفسه على فعل الخير فلا نية له فيه ، ~~لأنه لا عمل إلا بنية ، وكذلك إذا نقص المسكين مما أمر له به فقد خانه ، ~~فنقص أجره وخشى عليه الإثم . * * * # | 19 - باب لا صدقة إلا عن ظهر غنى # ومن تصدق وهو محتاج ، أو أهله محتاج ، أو عليه دين فالدين أحق أن يقضى من ~~الصدقة ، والعتق ، والهبة ، وهو رد عليه ، ليس له أن يتلف أموال الناس . ~~قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( من أخذ أموال الناس يريد إتلافها ~~أتلفه الله ) ، إلا أن يكون معروفا بالصبر فيؤثر على نفسه ، ولو كان به ~~خصاصة ، كفعل أبى بكر حين تصدق بماله ، وكذلك آثر الأنصار المهاجرين . ونهى ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن إضاعة المال ، فليس له أن يضيع أموال ~~الناس بعلة الصدقة . وقال كعب : قلت : يا رسول الله ، إن من توبتى ~~PageV03P427 أن أنخلع من مالى صدقة إلى الله تعالى وإلى رسوله - صلى الله ~~عليه وسلم - قال : ( أمسك عليك بعض مالك ، فهو خير لك ) ، قلت : فإنى أمسك ~~سهمى الذى بخيبر . / 28 - وفيه : أبو هريرة ، قال : النبى ، - صلى الله ~~عليه وسلم - : ( خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى ، وابدأ بمن تعول ) . / 29 - ~~وفيه : حكيم ، قال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( اليد العليا خير من ~~اليد السفلى ، وابدأ بمن تعول ، وخير الصدقة عن ظهر غنى ، ومن يستعفف يعفه ~~الله ، ومن يستغن يغنه الله ) . واليد العليا المنفقة ، والسفلى السائلة . ~~قال بعض أهل العلم : فى قوله - صلى الله عليه وسلم - : ( خير الصدقة ما كان ~~عن ظهر غنى ، وابدأ بمن تعول ) دليل على أن النفقة على الأهل أفضل من ~~الصدقة ، لأن الصدقة تطوع ، والنفقة على الأهل فريضة . وقوله : ( لا صدقة ~~إلا عن ظهر غنى ) أى لا صدقة إلا بعد إحراز قوته ms1012 وقوت أهله ، لأن الابتداء ~~بالفرائض قبل النوافل أولى ، وليس لأحد إتلاف نفسه ، وإتلاف أهله بإحياء ~~غيره ، وإنما عليه إحياء غيره بعد إحياء نفسه ، وأهله ، إذ حق نفسه وحق ~~أهله أوجب عليه من حق سائر الناس ، ولذلك قال : ( وابدأ بمن تعول ) ، وقال ~~لكعب : ( أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك ) . قال الطبرى : فإن قيل : هذا ~~المعنى يعارض فعل أبى بكر الصديق ، رضى الله عنه ، حين تصدق بماله كله ، ~~وأمضاه النبى - صلى الله عليه وسلم - . قيل : قد اختلف العلماء فيمن تصدق ~~بماله كله فى صحة بدنه PageV03P428 وعقله ، فقالت طائفة : ذلك جائز إذا كان ~~فى صحته . واعتلوا بخبر أبى بكر حين تصدق بماله كله ، وأن النبى - صلى الله ~~عليه وسلم - قبل ذلك ولم ينكره ولا رده ، وهو قول مالك ، والكوفيين ، ~~والشافعى ، والجمهور . وقال آخرون : ذلك كله مردود ، ولا يجوز شىء منه . ~~روى ذلك عن عمر بن الخطاب أنه رد على غيلان بن سلمة نساءه ، وكان طلقهن ، ~~وقسم ماله على بنيه ، فرد عمر ذلك كله . وقال آخرون : الجائز من ذلك الثلث ~~، ويرد الثلثان واعتلوا بحديث كعب بن مالك ، وأن النبى - صلى الله عليه ~~وسلم - رد صدقته إلى الثلث . هذا قول مكحول ، والأوزاعى . وقال آخرون : كل ~~عطية تزيد على النصف ترد إلى النصف . روى ذلك عن مكحول . قال الطبرى : ~~والصواب فى ذلك عندنا أن صدقة المتصدق بماله كله فى صحة بدنه وعقله جائزة ، ~~لإجازة النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، صدقة أبى بكر بماله كله ، وإن كنت ~~لا أرى أن يتصدق بماله كله ، ولا يجحف بماله ولا بعياله ، وأن يستعمل فى ~~ذلك أدب الله تعالى لنبيه ، - صلى الله عليه وسلم - ، بقوله : { ولا تجعل ~~يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوما محسورا } [ الإسراء : ~~29 ] وأن يجعل من ذلك الثلث كما أمر الرسول كعب بن مالك وأبا لبابة . وأما ~~إجازته لأبى بكر الصديق ، رضى الله عنه ، الصدقة بماله كله ، فهو إعلام منه ~~أمته أن ذلك جائز غير مذموم ورده على PageV03P429 كعب ، وأبى لبابة ما رد ms1013 ، ~~وأمره لهما بإخراج الثلث إعلام منه بموضع الاستحباب والاختيار ، لا حظرا ~~منه للصدقة بجميع المال ، والدليل على ذلك إجماع الجميع على أن لكل مالك ~~مالا إنفاق جميعه فى حاجاته ، وصرفه فيما لا يحرم عليه من شهواته ، فمثله ~~إنفاق جميعه فيما فيه القربة إلى الله ، إذ إنفاقه فى ذلك أولى من إنفاقه ~~فى شهواته ، ولذاته . قال غيره : وأما قوله : وأما من تصدق وعليه دين ، ~~فالدين أحق أن يقضى من الصدقة والعتق والهبة ، وهو رد عليه . فهو إجماع من ~~العلماء لا خلاف بينهم فيه . وقوله : إلا أن يكون معروفا بالصبر ، فيؤثر ~~على نفسه . فإنما يرجع هذا الاستثناء إلى قوله : من تصدق وهو محتاج . ولا ~~يرجع إلى قوله : أو عليه دين ، للإجماع الذى ذكرنا ، ومن بلغ منزلة الإيثار ~~على نفسه ، وعلم أنه يصبر على الفقر ، ويصبر أهله عليه ، فمباح له أن يؤثر ~~على نفسه ، ولو كان بهم خصاصة ، وجائز له أن يتصدق وهو محتاج ، ويأخذ ~~بالشدة كما فعل الأنصار بالمهاجرين ، وكما فعل أبو بكر الصديق ، رضى الله ~~عنه ، وإن عرف أنه لا طاقة له ولا لأهله على مقارعة الفقر والحاجة ، ~~فإمساكه لماله أفضل ، لقوله - صلى الله عليه وسلم - : ( أمسك عليك بعض مالك ~~فهو خير لك ) وقوله : ( وابدأ بمن تعول ) وقد روى عباد بن العوام عن عبد ~~الملك بن عمير ، عن عطاء ، عن أبى هريرة ، عن النبى ، - صلى الله عليه وسلم ~~- ، قال : ( لا صدقة إلا عن ظهر غنى ) لفظ الترجمة وهو معنى قوله : ( خير ~~الصدقة ما كان عن ظهر غنى ) . PageV03P430 اليد العليا خير من اليد السفلى ~~) . فيه ندب إلى التعفف عن المسألة ، وحض على معالى الأمور ، وترك دنيئها ، ~~والله يحب معالى الأمور ، وفيه : حض على الصدقة أيضا . لأن العليا يد ~~المتصدق ، والسفلى يد السائل ، والمعطى مفضل على المعطى ، والمفضل خير من ~~المفضل عليه ، ولم يرد - صلى الله عليه وسلم - أن المفضل فى الدنيا خير فى ~~الدين ، وإنما أراد فى الإفضال والإعطاء . قال الخطابى : وتفسيره فى هذا ~~الحديث : اليد العليا المنفقة ، والسفلى السائلة تفسير حسن ms1014 ، وفيه وجه آخر ~~أشبه بمعنى الحديث ، وهو أن تكون العليا هى المتعففة ، وقد روى ذلك مرفوعا ~~: حدثونا عن على بن عبد العزيز ، حدثنا عارم ، حدثنا حماد بن زيد ، عن أيوب ~~، عن نافع ، عن ابن عمر ، قال : سمعت النبى - صلى الله عليه وسلم - يخطب ~~يقول : ( اليد العليا خير من اليد السفلى ، اليد العليا المتعففة ) . ورواه ~~ابن المبارك ، عن موسى بن عقبة ، عن نافع ، عن ابن عمر ، قال : قال رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - : ( اليد العليا المنفقة ، واليد السفلى ~~السائلة ) . قال أبو داود : ورواه عبد الوارث ، عن أيوب ، عن نافع ، عن ابن ~~عمر مثله ، ويؤكد هذا ما روى عبد الرزاق ، عن معمر ، عن الزهرى ، عن عروة ، ~~وسعيد بن المسيب ، أن النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، أعطى حكيم بن حزام ~~دون ما أعطى أصحابه ، فقال حكيم : ما كنت أظن يا رسول الله PageV03P431 [ ~~أن ] تقصر بى دون أحد . فزاده حتى رضى ، فقال النبى - صلى الله عليه وسلم - ~~: ( اليد العليا خير من اليد السفلى ) ، قال : ومنك يا رسول الله ؟ قال : ( ~~ومنى ) ، قال : والذى بعثك بالحق لا أرزأ أحدا بعدك شيئا ، فلم يقبل عطاء ~~ولا ديوانا حتى مات . قال أبو سليمان : فلو كانت اليد العليا المعطية ، ~~لكان حكيم قد توهم أن يدا خير من يد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~لقوله : ( ومنك يا رسول الله ) يريد أن التعفف من مسألتك كهو من مسألة غيرك ~~، فقال - صلى الله عليه وسلم - : ( نعم ) ، فكان بعد ذلك لا يقبل العطاء من ~~أحد . وروى فى وجه ثالث عن الحسن ، قال : اليد العليا المعطية ، واليد ~~السفلى المانعة . قال المؤلف : وحديث عروة وسعيد مرسل ، والمسند أقطع فى ~~الحجة عند التنازع . * * * # | 20 - باب المنان بما أعطى # لقوله تعالى : { الذين ينفقون أموالهم فى سبيل الله ثم لا يتبعون ما ~~أنفقوا منا ولا أذى } الآية [ البقرة : 262 ] ذكر أهل التفسير أن هذه الآية ~~نزلت فى الذى يعطى ماله المجاهدين فى سبيل الله معونة لهم على جهاد العدو ، ~~ثم يمن عليهم بأنه قد صنع إليهم ms1015 معروفا إما بلسان أو بفعل ، والأذى أن يقول ~~: إنهم لم PageV03P432 يقوموا بالواجب عليهم فى الجهاد . وشبه ذلك من القول ~~، ومن أخرج شيئا لله لم ينبغ أن يمن به على أحد ، لأن ثوابه على الله تعالى ~~. وروى أبو ذر ، عن النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، أنه قال : ( ثلاثة لا ~~يكلمهم الله يوم القيامة : المنان الذى لا يعطى شيئا إلا منه ، والمنفقة ~~سلعته بالحلف ، والمسبل إزاره ) . ذكره مسلم من حديث سفيان ، عن الأعمش ، ~~عن سليمان ابن مسهر ، عن خراشة بن الحر ، عن أبى ذر . * * * # | 21 - باب من أحب تعجيل الصدقة من يومها # / 30 - فيه : عقبة بن الحارث ، أن النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، صلى ~~العصر فأسرع ، ثم دخل البيت ، فلم يلبث أن خرج ، فقلت - أو قيل له - فقال : ~~( كنت خلفت فى البيت تبرا من الصدقة ، فكرهت أن أبيته فقسمته ) . فى هذا ~~الحديث : حض وندب على تعجيل الصدقات وأفعال البر كلها إذا وجبت ، وإنما عجل ~~- صلى الله عليه وسلم - تلك الصدقة ، لأنه خشى أن يكون محتاجا من وجب له حق ~~فى ذلك التبر فيحبس عنه حقه تلك الليلة ، وكان بالمؤمنين رءوفا رحيما فبين ~~لأمته ، ليقتدوا به - صلى الله عليه وسلم - . PageV03P433 # | 22 - باب التحريض على الصدقة والشفاعة فيها # / 31 - فيه : ابن عباس ، قال : خرج النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، يوم ~~عيد فصلى ركعتين ، لم يصل قبل ولا بعد ، ثم مال على النساء ، وبلال معه ، ~~فوعظهن ، وأمرهن أن يتصدقن ، فجعلت المرأة تلقى القلب والخرص . / 32 - وفيه ~~: أبو موسى ، قال : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا جاءه السائل ~~أو طلبت إليه حاجة قال : ( اشفعوا ، تؤجروا ، ويقضى الله على لسان نبيه ما ~~شاء ) . / 33 - وفيه : أسماء ، قالت : قال لى النبى ، - صلى الله عليه وسلم ~~- : ( لا توكى ، فيوكى الله عليك ولا تحصى فيحصى الله عليك ) . وترجم لحديث ~~أسماء باب ( الصدقة فيما استطاع ) ، وزاد فى آخره : ( ارضخى ما استطعت ) . ~~قال المؤلف : الشفاعة فى الصدقة وسائر أفعال البر ، مرغب فيها ، مندوب ~~إليها ، ألا ترى قوله - صلى الله عليه ms1016 وسلم - : ( اشفعوا تؤجروا ) ، فندب ~~أمته إلى السعى فى حوائج الناس ، وشرط الأجر على ذلك ، ودل قوله - صلى الله ~~عليه وسلم - : ( ويقضى الله على لسان نبيه ما شاء ) أن الساعى مأجور على كل ~~حال ، وإن خاب سعيه ولم تنجح طلبته ، وقد قال - صلى الله عليه وسلم - : ( ~~الله فى عون العبد ما كان العبد فى عون أخيه ) . وقد احتج أبو حنيفة ~~والثورى بحديث ابن عباس ، فأوجبوا الزكاة فى الحلى للباس ، وقال مالك : لا ~~زكاة فى الحلى ، وهو مذهب ابن عمر ، وابن عباس ، وجابر ، وأنس ، وعائشة ، ~~وأسماء . PageV03P434 قال ابن القصار ، والمهلب : ولا حجة فى حديث ابن عباس ~~لمن أوجب الزكاة فى الحلى ، لأنه - صلى الله عليه وسلم - إنما حضهن على ~~صدقة التطوع لقوله - صلى الله عليه وسلم - : ( تصدقن ولو من حليكن ) ، ولو ~~كان ذلك واجبا ، لما قال : ( ولو من حليكن ) . قال عبد الواحد : ومما يرد ~~قول أبى حنيفة أن لو كان ذلك من باب الزكاة لأعطينه بوزن ومقدار ، فدل أنه ~~تطوع . قال أبو عبيد : الحلى الذى يكون زينة النساء ومتاعا هو كالأثاث ، ~~وليس كالرقة التى وردت السنة بأخذ ربع العشر منها . والرقة عند العرب الورق ~~ذات السكة السائرة بين الناس ، وعلى هذا جرى العمل بالمدينة لا خلاف عندهم ~~أنه لا زكاة فيه ، وذكر مالك ، عن عائشة ، أنها كانت تحلى بنات أخيها يتامى ~~كن فى حجرها بالحلى فلا تخرج منه الزكاة ، وكان يفعله ابن عمر . وأما قوله ~~- صلى الله عليه وسلم - فى حديث أسماء : ( لا توكى فيوكى الله عليك ) ، ~~فإنما سألته عن الصدقة ، وقالت له : يا رسول الله ، ما لى إلا ما يدخل على ~~الزبير ، أفأتصدق ؟ قال : ( تصدقى ولا توكى فيوكى الله عليك ) . وروى حماد ~~بن سلمة ، عن أيوب ، عن ابن أبى مليكة ، أن عائشة قالت لخادمها : ما أعطيت ~~السائل ؟ فقال لها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( لا تحصى فيحصى ~~الله عليك ) ، ومعنى قوله : ( لا توكى فيوكى الله عليك ) ، أى لا توكى مالك ~~عن الصدقة ، فلا تتصدقى PageV03P435 خشية نفاده ، فيوكى الله عليك ، أى ms1017 ~~يمنعك كما منعت السائل . دل هذا الحديث أن الصدقة قد تنمى المال ، وتكون ~~سببا إلى البركة والزيادة فيه ، وأن من شح ولم يتصدق ، فإن الله يوكى عليه ~~، ويمنعه من البركة فى ماله والنماء فيه . وقوله - صلى الله عليه وسلم - : ~~( ارضخى ما استطعت ) ، أى تصدقى ما استطعت . والعرب تقول : رضخ له من ماله ~~رضخا ، أى أعطاه قليلا من كثير ، عن صاحب الأفعال ، وقال صاحب العين : ~~القلب من الأسورة ما كان قلدا واحدا . والقلب : الحية البيضاء ، والخرص ~~حلقة فى الأذن ، عن غيره . * * * # | 23 - باب الصدقة تكفر الخطيئة # / 34 - فيه : حذيفة ، قال : قال عمر : أيكم يحفظ قول رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - فى الفتنة ؟ قلت : أنا أحفظه كما قال ، قال : إنك عليه ~~لجرىء ، فكيف قال ؟ قلت : ( فتنة الرجل فى أهله وولده وجاره ، تكفرها ~~الصلاة والصدقة والمعروف ) . قال سليمان : قد كان يقول : ( الصلاة والصدقة ~~، والأمر بالمعروف ، والنهى عن المنكر ) الحديث . قوله : ( فتنة الرجل فى ~~أهله وولده وجاره ) يريد ما يفتتن به من صغار الذنوب التى تكفرها الصلاة ~~والصدقة وما جاء منه ، وسأشبع القول فى تفسير هذا الحديث فى كتاب الصيام ، ~~فى باب الصوم كفارة ، إن شاء الله تعالى . قال المهلب : وفيه : ضرب الأمثال ~~فى العلم . وفيه : حجة لما PageV03P436 يتكلم به أهل العلم من قطع الذرائع ~~، ويعبرون عنه بغلق الباب وبفتحه كما عبر عنه حذيفة وعمر ، وأن ذلك من ~~المتعارف من الكلام . وفيه : أنه قد يكون عند الصغير من العلم ما ليس عند ~~العالم المبرز . وفيه : أن العلم قد يرمز به رمزا ليفهم المرموز له دون ~~غيره ، لأنه ليس كل العلم تجب إباحته إلى من ليس بمتفهم له ، ولا عالم ~~بمعناه . وفيه : أن الكلام فى الحدثان مباح إذا كان فى ذلك أثر عن النبوة ، ~~وما سوى ذلك ممنوع ، لأنه لا يصدق منه إلا أقل من عشر العشر ، وذلك الجزء ~~إنما هو على غلبة الظن ، لقوله - صلى الله عليه وسلم - : ( تلك الكلمة من ~~الحق يخطفها الجنى فيزيد إليها أكثر من مائة كذبة ) . * * * # | 24 - باب من ms1018 تصدق فى الشرك ثم أسلم # / 35 - فيه : حكيم بن حزام ، قال : قلت : يا رسول الله ، أرأيت أشياء كنت ~~أتحنث بها فى الجاهلية من صدقة ، أو عتاقة ، أو صلة رحم ، فهل فيها من أجر ~~؟ فقال - صلى الله عليه وسلم - : ( أسلمت على ما سلف من خير ) . قال بعض ~~أهل العلم : معنى هذا الحديث : أن كل مشرك أسلم أنه يكتب له أجر كل خير ~~عمله قبل إسلامه ، ولا يكتب عليه بشىء من سيئاته ، لأن الإسلام يهدم ما ~~قبله من الشرك ، وإنما كتب له الخير ، لأنه إنما أراد به وجه الله ، لأنهم ~~كانوا مقرين بالله إلا أن علمهم كان مردودا عليهم لو ماتوا على شركهم ، ~~فلما PageV03P437 أسلموا تفضل الله عليهم ، فكتب لهم الحسنات ، ومحا عنهم ~~السيئات ، كما قال - صلى الله عليه وسلم - : ( ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين ، ~~رجل من أهل الكتاب آمن بنبيه ، وآمن بمحمد ) . ومما يدل على صحة ذلك ما ~~رواه عبد الله بن وهب ، قال : حدثنا مالك ، عن زيد بن أسلم ، عن عطاء بن ~~يسار ، عن أبى سعيد الخدرى ، عن النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، قال : ( ~~إذا أسلم الكافر فحسن إسلامه ، كتب الله كل حسنة كان زلفها ، ومحا عنه كل ~~سيئة كان زلفها ، وكان عمله بعد الحسنة بعشر أمثالها إلى سبع مائة ضعف ، ~~والسيئة بمثلها إلا أن يتجاوز الله ) . قال المهلب : ولعل حكيما لو مات على ~~جاهليته أن يكون ممن يخفف عنه من عذاب النار ، كما جاء فى أبى طالب أنه أخف ~~أهل النار عذابا ، ومثل ذلك ما روى عبد الرزاق ، عن معمر ، عن الزهرى ، أن ~~أبا لهب أعتق جارية يقال لها : ثويبة ، وكانت قد أرضعت النبى ، - صلى الله ~~عليه وسلم - ، فرأى أبا لهب بعض أهله فى النوم ، فسأله فقال : ما وجدت ~~بعدكم من راحة غير أنى سقيت فى هذه ، وأشار إلى النقرة التى تحت إبهامه ، ~~بعتقى ثويبة ) . وسيأتى فى كتاب العتق فى باب عتق المشرك ، اختلاف أهل ~~العلم فى عتق المشرك ، إن شاء الله . PageV03P438 # | 25 - باب قوله تعالى : { فأما من أعطى واتقى ms1019 } إلى { للعسرى } [ الليل ~~: 5 - 10 ] # / 36 - فيه : أبو هريرة ، قال : قال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( ما ~~من يوم يصبح العباد فيه إلا ملكان ينزلان ، فيقول أحدهما : اللهم أعط منفقا ~~خلفا ، ويقول الآخر : اللهم أعط ممسكا تلفا ) . قال المؤلف : معنى هذا ~~الحديث : الحض على الإنفاق فى الواجبات ، كالنفقة على الأهل وصلة الرحم ، ~~ويدخل فيه صدقة التطوع ، والفرض ، ومعلوم أن دعاء الملائكة مجاب ، بدليل ~~قوله : ( فمن وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه ) ومصداق ~~الحديث قوله تعالى : { وما أنفقتم من شىء فهو يخلفه } [ سبأ : 39 ] يعنى ما ~~أنفقتم فى طاعة الله ، وقوله - صلى الله عليه وسلم - : ( ابن آدم ، أنفق ~~أنفق عليك ) . واختلف العلماء فى تأويل هذه الآية ، فقال ابن عباس : قوله : ~~{ وصدق بالحسنى } [ الليل : 6 ] صدق بالخلف من الله تعالى . وقال الضحاك : ~~صدق بلا إله إلا الله . وروى عن ابن عباس أيضا . وقال مجاهد : صدق بالجنة . ~~وقال قتادة : صدق بموعود الله على نفسه ، فعمل به . قال ابن الأدفوى : ~~وأشبه الأقوال عندى قول من قال : وصدق بالخلف من الله تعالى لنفقته ، يدل ~~على ذلك قوله تعالى : { فأما من أعطى واتقى } فكان أولى المعانى به أن يكون ~~عقيبه الخبر بتصديقه بوعد الله بالخلف ، ويؤيد ما قلناه حديث أبى هريرة ، ~~وقول الملائكة : ( اللهم أعط منفقا خلفا ، وأعط ممسكا PageV03P439 تلفا ) ، ~~وأنزل الله تعالى فى القرآن { فأما من أعطى واتقى } الآية . وقال ابن إسحاق ~~: نزلت هذه الآية فى أبى بكر الصديق ، روى أنه اشترى تسعة كانوا فى أيدى ~~المشركين لله ، فأنزل الله هذه الآية . وروى أنها نزلت فى رجل ابتاع نخلة ~~كانت على حائط أيتام ، فكان يمنعهم أكل ما سقط منها ، فابتاعها رجل منه ، ~~وتصدق بها عليهم . وقوله تعالى : { فسنيسره لليسرى } [ الليل : 7 ] يريد ~~الحالة اليسرى ، وهى العمل بما يرضاه الله تعالى منه فى الدنيا ليوجب له به ~~الجنة فى الآخرة . وقالوا فى قوله تعالى : { وكذب بالحسنى } [ الليل : 9 ] ~~وكذب بالخلف ، عن ابن عباس ، وروى عنه أيضا : كذب بلا إله إلا الله . وقال ms1020 ~~قتادة : كذب بموعود الله تعالى . وقال مجاهد : { وكذب بالحسنى } الجنة { ~~فسنيسره للعسرى } أى للعمل بالمعاصى . ودلت هذه الآية أن الله تعالى الموفق ~~للأعمال الحسنة والسيئة ، كما قال - صلى الله عليه وسلم - : ( اعملوا فكل ~~ميسر لما خلق له أما أهل السعادة فييسرون لعمل السعادة ، وأما أهل الشقاء ~~فييسرون لعمل الشقاء ، ثم قرأ : { فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى } [ ~~الليل : 5 ، 6 ] الآية ) . وقال الضحاك : العسرى : النار . فإن قيل : ~~التيسير إنما يكون للحسنى فكيف جاء للعسرى ؟ . فالجواب : أنه مثل قوله ~~تعالى : { فبشرهم بعذاب أليم } [ آل عمران : 21 ] أى أن ذلك يقوم لهم مقام ~~البشارة . PageV03P440 وأنشد سيبويه : تحية بينهم ضرب وجيع وقال الفراء : ~~إذا اجتمع خير وشر ، فوقع للخير تيسير ، جاز أن يقع للشر مثله . * * * # | 26 - باب مثل البخيل والمتصدق # / 37 - فيه : أبو هريرة ، قال : قال النبى ، - صلى الله عليه وسلم - : ( ~~مثل البخيل والمتصدق كمثل رجلين عليهما جبتان من حديد ، من ثديهما إلى ~~تراقيهما ، فأما المنفق ، فلا ينفق إلا سبغت ، أو وفرت على جلده ، حتى تخفى ~~بنانه ، وتعفو أثره ، وأما البخيل ، فلا يريد أن ينفق شيئا إلا لزقت كل ~~حلقة مكانها ، فهو يوسعها ، ولا تتسع ) . قال المهلب : فيه أن الله تعالى ~~ينمى مال المتصدق ، ويستره ببركة نفقته بالنماء فى ماله ، ألا ترى ضربه - ~~صلى الله عليه وسلم - المثل بالجبتين ، فإن المنفق يستره الله بنفقته من ~~قرنه إلى قدمه ، وجميع عوراته بالفعل فى الدنيا وبالأجر فى الآخرة ، فماله ~~لا يشتد عليه ، وأما البخيل فيظن أن ستره فى إمساك ماله ، فماله لا يمتد ~~عليه فلا يستر من عوراته شيئا حتى تبدو للناس فيبقى منكشفا كمن يلبس جبة ~~تبلغ إلى ثدييه ، ولا تجاوز قلبه الذى يأمره بالإمساك ، فهو يفتضح فى ~~الدنيا ، ويؤزر فى الآخرة . PageV03P441 # | 27 - باب صدقة الكسب والتجارة # لقوله تعالى : { يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم ومما ~~أخرجنا لكم من الأرض } الآية [ البقرة : 267 ] . قال المؤلف : روى عن ابن ~~عباس فى قوله : { يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم } قال ms1021 : من ~~أطيب أموالكم وأنفسها . وقال على بن أبى طالب : من الذهب والفضة . وقال ~~مجاهد : من التجارة الحلال . وقال عبيدة السلمانى : سألت على بن أبى طالب ~~عن هذه الآية ، فقال : نزلت فى الزكاة المفروضة ، كان الرجل يعمد إلى التمر ~~فيصرمه فيعزل الجيد ناحية ، فإذا جاء صاحب الصدقة أعطاه الردئ ، فأنزل الله ~~تعالى : { ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون } [ البقرة : 267 ] وروى هذا القول ~~عن قتادة ، والحسن ، وعطاء ، ومجاهد . وقال آخرون : معنى قوله : { ولا ~~تيمموا الخبيث } من الحرام { منه تنفقون } وتدعوا أن تنفقوا الحلال الطيب . ~~هذا قول ابن زيد ، والتأويل هو قول الصحابة والعلماء . * * * # | 28 - باب على كل مسلم صدقة فمن لم يجد فليعمل بالمعروف # / 38 - فيه : أبو موسى ، قال النبى ، - صلى الله عليه وسلم - : ( على كل ~~مسلم صدقة ) ، فقالوا : يا رسول الله ، فمن لم يجد ؟ قال : ( يعمل بيده ، ~~فينفع PageV03P442 نفسه ويتصدق ) ، قالوا : فإن لم يجد ؟ قال : ( يعين ذا ~~الحاجة الملهوف ) ، قالوا : فإن لم يجد ؟ قال : ( فليعمل بالمعروف ، وليمسك ~~عن الشر ، فإنها له صدقة ) . محمل هذا الحديث عند الفقهاء على الحض والندب ~~على الصدقة ، وأفعال الخير كلها ، وهو مثل قوله - صلى الله عليه وسلم - : ( ~~على كل سلامى من الناس صدقة ) ، أى أنهم مندوبون إلى ذلك ، فإن قيل : كيف ~~يكون إمساكه عن الشر صدقة ؟ قيل : إذا أمسك شره عن غيره ، فكأنه قد تصدق ~~عليه بالسلامة منه ، وإن كان شرا لا يعدو نفسه ، فقد تصدق على نفسه بأن ~~منعها من الإثم . * * * # | 29 - باب قدر كم يعطى من الزكاة والصدقة ومن أعطى شاة # / 39 - فيه : أم عطية ، قالت : بعث إلى نسيبة الأنصارية بشاة ، فأرسلت ~~إلى عائشة منها ، فقال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( عندكم شىء ) ، ~~فقلت : لا ، إلا ما أرسلت به نسيبة من تلك الشاة ، فقال : ( هات ، فقد بلغت ~~محلها ) . اختلف العلماء فى قدر ما يجوز أن يعطى الإنسان من الزكاة ، فذكر ~~ابن القصار عن مالك أنه قال : يعطى الفقير من الزكاة قدر كفايته وكفاية ~~عياله ، ولم يبين مقدار ذلك لمدة معلومة . وعندى أنه يجوز أن ms1022 يعطيه ما ~~يغنيه حتى يجب عليه ما يزكى . PageV03P443 قال المهلب : قد بين المدة فى ~~رواية على ، وابن نافع فى المجموعة ، قال مالك : يعطى الفقير قوت سنته ، ثم ~~يزيده للكسوة بقدر ما يرى من حاجته . وقال أبو حنيفة : أكره أن يعطى إنسان ~~واحد من الزكاة مائتى درهم ، فإن أعطيته أجزأك . وقال المغيرة : لا بأس أن ~~يعطيه من الزكاة أقل مما تجب فيه الزكاة ، ولا يعطى ما تجب فيه الزكاة . ~~وقال الثورى ، وأحمد بن حنبل : لا يعطى الرجل من الزكاة أكثر من خمسين ~~درهما إلا أن يكون غارما . وقال الشافعى : يعطى من الزكاة حتى يغنى ، ويزول ~~عنه اسم المسكنة ، ولا بأس أن يعطى الفقير الألف ، وأكثر من ذلك ، لأنه لا ~~تجب عليه الزكاة إلا بمرور الحول . وهو قول أبى ثور . وقال ابن حبيب : لا ~~بأس أن يعطى من زكاة غنمه للرجل شاة ولأهل البيت الشاتين ، والثلاث ، وإذا ~~كثرت الحاجة فلا بأس أن يجمع النفر فى الشاة . وقوله - صلى الله عليه وسلم ~~- : ( هات فقد بلغت محلها ) أى قد صارت حلالا بانتقالها من باب الصدقة إلى ~~باب الهدية ، وهو مثل قوله فى لحم بريرة الذى أهدته لعائشة : ( هو عليها ~~صدقة ، ولنا هدية ) . وقد ترجم لهذا الحديث بعد هذا باب إذا تحولت الصدقة . ~~PageV03P444 # | 30 - باب زكاة الورق # / 40 - فيه : أبو سعيد ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( ~~ليس فيما دون خمسة ذود من الإبل صدقة ، وليس فيما دون خمس أواق من الورق ~~صدقة ، وليس فيما دون خمسة أوسق صدقة . . . ) الحديث . قال أبو عبيد : ~~الأوقية اسم لوزن مبلغه أربعون درهما كيلا . ولم يجز أن تكون الأوقية على ~~عهد النبى - صلى الله عليه وسلم - مجهولة القدر ، ثم توجب الزكاة فيها ، ~~ولا يعلم مقدار وزنها . قال : وكانت الدراهم غير معلومة إلى زمن عبد الملك ~~بن مروان ، فجمعها وجعل كل عشرة دراهم وزن سبعة مثاقيل . وقوله : ( كانت ~~الدراهم غير معلومة ) يريد لم يكن عليها نقش ، وإنما كانت قطع فضة غير ~~مضروبة ودراهم من ضرب الروم ، فكره عبد ms1023 الملك ضرب الروم وردها إلى ضرب ~~الإسلام . فى قوله : ( ليس فيما دون خمس أواق صدقة ) فائدتان : إحداهما : ~~نفى الزكاة عما دون خمس أواق . والثانية : إيجابها فى ذلك المقدار ، وما ~~زاد عليه بحسابه هذا يوجبه ظاهر الحديث ، لعدم النص على العفو فيما بعد ~~الخمس الأواق حتى يبلغ مقدارا ما ، فلما عدم النص فى ذلك وجب القول ~~بإيجابها فى القليل والكثير . روى هذا القول عن على بن أبى طالب ، وابن عمر ~~، وهذا قول النخعى ، وعمر بن عبد العزيز ، PageV03P445 وابن أبى ليلى ، ~~ومالك ، والليث ، والثورى ، وأبى يوسف ، ومحمد ، والشافعى ، وأحمد ، وإسحاق ~~، وأبى ثور . وقالت طائفة : لا شىء فيما زاد على الخمس الأواق حتى تبلغ ~~الزيادة أربعين درهما ، فإذا بلغتها كان فيها درهم . روى هذا القول عن عمر ~~بن الخطاب ، رواه الليث ، عن يحيى بن أيوب ، عن حميد ، عن ابن عمر ، وبه ~~قال سعيد بن المسيب ، والحسن البصرى ، وطاوس ، وعطاء ، والشعبى ، ومكحول ، ~~وابن شهاب ، وإليه ذهب أبو حنيفة . قال ابن القصار : واحتجوا بما رواه ~~عبادة بن نسى عن معاذ بن جبل ، أن رسول الله ، - صلى الله عليه وسلم - ، ~~أمره حين بعثه إلى اليمن أن لا يأخذ من الكسور شيئا ، إذا بلغ الورق مائتى ~~درهم ، أخذ منه خمسة دراهم ، ولا يأخذ مما زاد حتى تبلغ أربعين . قال ~~الطبرى : وعلتهم من طريق النظر القياس على أوقاص البقر ، وما بين الفريضتين ~~فى الإبل والغنم أنه لا شىء فى ذلك ، فالواجب أن يكون كذلك كل مال وجبت فيه ~~الصدقة أن لا يكون بين الفريضتين غير الفرض الأول . واحتج أهل المقالة ~~الأولى بأن قالوا : إن عبادة بن نسى لم يسمع من معاذ شيئا ، وراويه : أبو ~~العطوف وهو متروك الحديث ، فلا تجوز الحجة به ، وعلتهم من طريق النظر ~~القياس على الحبوب والثمار وأن الذهب والفضة معينان مستخرجان من الأرض ~~بكلفة ومؤنة ، ولا خلاف بين الجميع أن ما زاد على خمسة أوسق من الحب ، وما ~~توصل إليه بمثل ذلك من التمر PageV03P446 والزبيب ، فيه من الصدقة بحساب ~~ذلك ، فالواجب قياسا أن يكون ms1024 مثله كل ما وجبت فيه الصدقة مما استخرج من ~~الأرض بكلفة ومؤنة ، وهذا القول هو الصواب . قال ابن القصار : ونقول : إن ~~الأموال تختلف بعد إخراج النصاب الأول ، فما كان إخراج الزكاة من زيادته لا ~~يشق ويمكن أن يخرج منفصلا لم يجعل له عفو فيما زاد على النصاب ، وما لا ~~يمكن إخراج الحق منه منفصلا ، أو فى وجوب الحق فيه مشقة ، لأنه يؤدى إلى ~~الإضرار وسوء المشاركة ، ولم يمكن استخلاص حق الفقراء منه إلا بهذه المشقة ~~أخر حتى يمكن أخذه منفصلا ، فجعل له نصاب آخر بعد الأول ، وأما الدراهم ~~والدنانير والحبوب ، فيمكن الأخذ من القليل والكثير منها من غير ضرر للشركة ~~، لاحتمال التجزئة والتبعيض ، فاختلف حكمها ، وحكم المواشى من هذا الوجه ، ~~وقياسهم فاسد ، فيما روى عن أبى حنيفة ، فى خمسين من البقر مسنة وربع . * * ~~* # | 31 - باب العرض فى الزكاة # قال طاوس : قال معاذ لأهل اليمن : ائتونى بعرض ثياب خميص ، أو لبيس فى ~~الصدقة مكان الشعير والذرة ، أهون عليكم وخير لأصحاب النبى ، - صلى الله ~~عليه وسلم - ، بالمدينة . وقال - صلى الله عليه وسلم - : ( وأما خالد ، فقد ~~احتبس أدراعه وأعتده فى سبيل الله ) . وقال - صلى الله عليه وسلم - : ( ~~تصدقن ولو من حليكن ) ، فلم يستثن صدقة PageV03P447 الفرض من غيرها ، فجعلت ~~المرأة تلقى خرصها وسخابها ، فلم يخص الذهب والفضة من العروض . / 41 - فيه ~~: ثمامة ، عن أنس ، أن أبا بكر كتب له التى أمر الله رسوله - صلى الله عليه ~~وسلم - : ( ومن بلغت صدقته بنت مخاض وليست عنده ، وعنده بنت لبون ، فإنها ~~تقبل منه ، ويعطيه المصدق عشرين درهما أو شاتين ، فإن لم يكن عنده بنت مخاض ~~على وجهها ، وعنده ابن لبون ، فإنه يقبل منه ، وليس معه شىء ) . / 42 - ~~وفيه : ابن عباس ، أن النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، خرج إلى النساء ، ~~فوعظهن ، وأمرهن بالصدقة . . . . . ) الحديث . اختلف العلماء فى أخذ العروض ~~والقيم فى الزكاة ، فقال مالك والشافعى : لا يجوز ذلك . وجوزه أبو حنيفة ، ~~واحتج أصحابه بما ذكر البخارى من أخذ معاذ للعروض فى الزكاة ، وبحديث أنس ~~عن أبى بكر ، وقال ms1025 : وكان معاذ ينقل الصدقات إلى المدينة ، فيتولى رسول ~~الله قسمتها ، فإن كانت هذه الصدقة نقلها إلى المدينة فى حياة النبى ، - ~~صلى الله عليه وسلم - ، فقسمها بين فقراء المدينة ، فلا محالة أنه قد أقره ~~على جواز أخذ البدل فى الزكوات ، لأنه قد علم - صلى الله عليه وسلم - أن ~~الزكوات ليس فيها ما هو من جنس الثياب ، وأنها لا تؤخذ إلا على وجه البدل ، ~~فصار إقراره له على فعله دلالة على الجواز ، PageV03P448 وإن كان بعد موته ~~فقد وضعها أبو بكر بحضرة الصحابة فى مواضعها مع علمهم أن الثياب لا تجب فى ~~الزكاة ، فصار ذلك إقرارا منهم على جواز أخذ القيم ، فتحصل للمسألة اتفاق ~~بين الصحابة ، قالوا : وكذلك أمره - صلى الله عليه وسلم - بإخراج بنت لبون ~~، عن بنت مخاض ، ويزيد المصدق عشرين درهما أو شاتين ، وهذا على طريق القيمة ~~، قالوا : وإذا جاز أن يخرج عن خمس من الإبل شاة وهو من غير الجنس ، جاز أن ~~يخرج دينارا عن الشاة . واحتجوا بما روى عن عمر بن الخطاب ، أنه كان يأخذ ~~العروض فى الزكاة ويجعلها فى صنف واحد من الناس ، ذكره عبد الرزاق ، عن ~~الثورى ، عن ليث ، عن رجل حدثه عن عمر ، ولهذا المذهب احتج البخارى ، على ~~كثرة مخالفته لأبى حنيفة ، لكن اتباع الأحاديث قاده إلى موافقته . وقول ~~البخارى : فجعلت المرأة تلقى خرصها وسخابها فلم يخص الذهب والفضة من العروض ~~. وموضع الحجة منه أن السخاب ليست من فضة ولا ذهب . قال ابن دريد : السخاب ~~: قلادة من قرنفل أو غيره ، والجمع : سخب . ومن حلى النساء : الوقف ، وهو ~~من عاج وذبل ، ما لم يكن من فضة ولا ذهب ، فهو من العروض . فأراد البخارى ~~أنه - صلى الله عليه وسلم - أخذ ذلك كله ، وسيأتى شىء من هذا المعنى فى باب ~~من بلغت صدقته بنت مخاض وليست عنده . واحتج المخالفون لهذا المذهب بأن ~~قالوا : حديث معاذ خاص له لحاجة علمها بالمدينة ، رأى أن المصلحة فى ذلك ، ~~وقامت الدلالة على أن غيره لا يجوز له أخذها ، قالوا : وكذلك أخذ عمر ~~العروض ms1026 PageV03P449 على وجه التطوع لا على صدقة الفريضة ، وقالوا فى حديث ~~أنس : أنه لم يعمل به أهل المدينة ، ولا أمر أبو بكر ولا عمر به السعاة ، ~~فوجب تركه لمعنى علموه . واحتج بحديث معاذ من أجاز نقل الصدقة إلى بلد آخر ~~غير البلد الذى جبيت فيه وستأتى هذه المسألة بعد هذا فى باب ( أخذ الصدقة ~~من الأغنياء وترد فى الفقراء ) ، إن شاء الله . ووقع فى هذا الباب فى قول ~~معاذ : ائتونى بعرض ثياب خميص بالصاد ، والصواب فيه بالسين ، كذلك فسره أبو ~~عبيد ، وأهل اللغة . قال صاحب العين : الخميس والمخموس : ثوب طوله خمسة ~~أذرع . وذكره أبو عبيد ، عن الأصمعى ، وقال : عن أبى عمرو الشيبانى إنما ~~قيل له : خميس ، لأن أول من أمر بعمله ملك من ملوك اليمن يقال له : الخمس . ~~فنسب إليه ، واستشهد بقول أعشى بن قيس يصف نبات الأرض : يوما تراها كشبه ~~أردية ال خمس ويوما أديمها نغلا وقال الطبرى : فى قولهم : ( مخموس ) يدل ~~أنه مما جاء مجىء ما يصرف من الأشياء التى أصلها مفعول إلى فعيل مثل جريج ~~أصله : مجروح ، وقتيل أصله : مقتول . PageV03P450 # | 32 - باب لا يجمع بين متفرق ولا يفرق بين مجتمع # ويذكر عن سالم ، عن ابن عمر ، عن النبى - صلى الله عليه وسلم - مثله . / ~~43 - فيه : ثمامة ، أن أنسا حدثه أن أبا بكر ، كتب له التى فرض رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - : ( ولا يجمع بين متفرق ، ولا يفرق بين مجتمع خشية ~~الصدقة ) . واختلف العلماء فى تأويل هذا الحديث ، فقال مالك فى الموطأ : ~~تفسير قوله - صلى الله عليه وسلم - : ( لا يجمع بين متفرق ) وهو أن يكون ~~النفر الثلاثة لكل واحد منهم أربعون شاة ، قد وجب على كل واحد منهم فى غنمه ~~الصدقة ، فإذا أظلهم المصدق جمعوها لئلا يكون عليهم فيها إلا شاة واحدة ، ~~فنهوا عن ذلك ، وتفسير قوله : ( ولا يفرق بين مجتمع ) أن الخليطين يكون لكل ~~واحد منهم مائة شاة وشاة ، فيكون عليهما فيها ثلاث شياه ، فإذا أظلهما ~~المصدق ، فرقا غنمهما ، فلم يكن على كل واحد منهما إلا شاة ms1027 فنهوا عن ذلك . ~~فقيل : لا يجمع بين مفترق ، ولا يفرق بين مجتمع خشية الصدقة ، وإنما يعنى ~~بذلك أصحاب المواشى . وهو قول الثورى ، وكذلك قال الأوزاعى : هو خطاب لرب ~~المال ، وذلك أن يفترق الخلطاء عند قدوم المصدق ، يريدون به بخس الصدقة . ~~قال : ويصلح أن يراد به الساعى يجمع بين مفترق ليأخذ PageV03P451 منهم أكثر ~~مما عليهم اعتداء ، وهو قول الشافعى ، وأبى ثور ، قالا : المراد به رب ~~المال والساعى ، فإذا كان لرجل مائة وعشرون شاة ، فلا يفرقها أربعين أربعين ~~، ليأخذ ثلاث شياه منها ، لأن فيها مجتمعة شاة واحدة ، فنهى الساعى عن ذلك ~~. ( ولا يجمع بين متفرق ) رجل له مائة شاة وشاة ، وآخر له مثلها ، فإذا ~~تركا على افتراقهما ، كان فيها شاتان ، وإذا جمعا كان فيها ثلاث شياه ، ~~وكذلك أصحاب الماشية يكون لرجلين أربعون شاة ، فإذا جاء المصدق فرقاها على ~~نفسين أو ثلاثة ، فلا يكون فيها شىء ، ولو تركت كان فيها شاة ، أو يكون ~~لثلاثة أربعون أربعون فإذا جاء المصدق جمعوها فتصير لواحد ، فيأخذ منها شاة ~~، فهذا لا يحل لرب المال ، ولا للساعى . قال الشافعى : والخشية : خشية ~~الساعى أن تقل الصدقة ، وخشية رب المال أن تكثر الصدقة ، وليس واحد منهما ~~أولى بالخشية من الآخر ، فأمر أن يقر كل على حاله إن كان مجتمعا صدق مجتمعا ~~، وإن كان مفترقا صدق مفترقا . وقال أبو حنيفة : معنى قوله : ( لا يجمع بين ~~متفرق ) أن يكون بين الرجلين أربعون شاة ، فإن جمعاها صارت فيها شاة واحدة ~~، ولو فرقاها عشرين عشرين لم يكن فيها شىء . قالوا : ولو كانا شريكين ~~متفاوضين لم يجمع بين أغنامهما . قال : ومعنى قوله : ( لا يفرق بين مجتمع ) ~~أن يكون PageV03P452 للرجل مائة وعشرون شاة ، ففيها شاة واحدة ، فإن فرقها ~~المصدق فجعلها أربعين أربعين ففيهما ثلاث شياه ، فنهى عن ذلك . وقال أبو ~~يوسف : معنى قوله : ( لا يجمع بين متفرق ) أن يكون للرجل ثمانون شاة ، فإذا ~~جاء المصدق ، قال : هى بينى وبين إخوتى لكل واحد منا عشرون فلا زكاة فيها ، ~~أو يكون له أربعون ولإخوته أربعون أربعون ، فيقول : هذه ms1028 كلها لى ، وليس ~~فيها إلا شاة واحدة ، فهذه خشية الصدقة ، لأن الذى يؤخذ منه يخشى الصدقة . ~~قال : ويكون وجه آخر أن يجىء المصدق إلى ثلاثة إخوة ، لواحد منهم عشرون ~~ومائة شاة فعليه شاة فيقول : هذه بينكم ، لكل واحد أربعون فأنا آخذ منها ~~ثلاث شياه لكل أربعين شاة ، أو يكون لهم جميعا أربعون شاة ، فلا يكون عليهم ~~زكاة ، فيقول المصدق : هذه لواحد منكم فأنا آخذ منها شاة . وقال أبو حنيفة ~~وأصحابه : الخلطاء فى الصدقة كغير الخلطاء ، لا يجب على كل واحد منهما فيما ~~يملك إلا مثل الذى يجب عليه لو لم يكن خليطا كالذهب والفضة والزرع ، ولا ~~يغير سنة الزكاة خلط أرباب المواشى بعضها ببعض . قال الطبرى وغيره : وما ~~تأوله أبو حنيفة وأصحابه تسقط معه فائدة الحديث ، لأن نهيه - صلى الله عليه ~~وسلم - أن يجمع بين مفترق ويفرق بين مجتمع ، إنما أراد به : لا يجمع أرباب ~~المواشى ولا المصدق بين المواشى المفترقة بإفراق الأرباب ، ولا يفرقوا بين ~~المواشى المجتمعة بخلط أربابها بينها ، وأراد - صلى الله عليه وسلم - إقرار ~~الأموال المفترقة PageV03P453 والمختلطة على ما كانت عليه قبل لحوق الساعى ~~، ولا يتحيل بإسقاط صدقة بتفريق ولا جمع ، ولو كان تفريقها مثل جمعها فى ~~الحكم ما أفاد ذلك فائدة ولا نهى عنه ، وإنما نهى عن أمر لو فعله كانت فيه ~~فائدة قبل النهى عنه ، ولولا أن ذلك معناه لما كان لتراجع الخليطين ~~بالتسوية بينهما معنى معقول ، لأنهما إذا كانا يصدقان وهما خليطان صدقة ~~المفردين لم يجب لأحدهما قبل صاحبه بسبب ما أخذ منه من الصدقة تباعة ولا ~~تراجع ، فلا يجوز أن يخاطب النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، أمته خطابا لا ~~يفيدهم معنى . وفى أمره - صلى الله عليه وسلم - الخليطين بالتراجع بينهما ~~بالسوية صحة القول بأن صدقة الخلطة صدقة الواحد ، ولولا ذلك ما انتفعا ~~بالخلطة . قال ابن القصار : وقوله : ( يتراجعان بينهما ) يقتضى أن يكونا ~~اثنين ، وهذا لا يجىء على مذهب أبى حنيفة بوجه . قال الخطابى : قوله : ( ~~التى فرض رسول الله ) معناه : قدرها وبينها ، وأصل الفرض ms1029 : القطع ، ومنه ~~أخذ فرض النفقات ، وهو بيان مقدارها ، وكذلك فرض المهر . قال الله تعالى : ~~{ أو تفرضوا لهن فريضة } [ البقرة : 236 ] ، ومثله فرض الجند ، وهو ما يقطع ~~لهم من العطاء . قال : وإنما تأولناه على فرض التقدير دون فرض الإيجاب ~~والإلزام ؛ لأن فرض الزكاة قد لزم بالكتاب فوقعت به الكفاية ، وإنما ورد عن ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيها ما هو بيان لها . PageV03P454 # | 33 - باب ما كان من خليطين فإنهما يتراجعان بينهما بالسوية # قال طاوس وعطاء : إذا علم الخليطان أموالهما فلا يجمع مالهما . وقال ~~سفيان : لا يجب حتى يتم لهذا أربعون شاة ، ولهذا أربعون شاة . / 44 - فيه : ~~قال ثمامة ، عن أنس ، أن أبا بكر كتب له التى فرض رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - : ( وما كان من خليطين فإنهما يتراجعان بينهما بالسوية ) . قال ~~ابن أبى زيد : قال بعض العلماء من أصحابنا : الخليط فى الغنم الذى لا يشارك ~~صاحبه فى الرقاب ويخالطه فى الاجتماع والتعاون ، والشريك المشارك فى الرقاب ~~، فكل شريك خليط ، وليس كل خليط شريكا . قال الله تعالى فى الخلطاء من غير ~~شركة : { وإن كثيرا من الخلطاء ليبغى بعضهم على بعض } [ ص : 24 ] الآية . ~~وفى أول القصة : { إن هذا أخى له تسع وتسعون نعجة ولى نعجة واحدة } [ ص : ~~23 ] . ومن المجموعة ، وكتاب ابن المواز وغيره عن مالك : الخليط الذى غنمه ~~من غنم صاحبه ، والذى لا يعرف غنمه هو الشريك ، وله حكم الخليط فى الزكاة . ~~وقال الشافعى : الذى لا أشك فيه أن الخليطين الشريكان إذا لم يقتسما ~~الماشية . قال ابن المنذر : وأما قول طاوس وعطاء : ( إذا علم الخليطان ~~مالهما فلا يجمع مالهما ) ، فهى غفلة منهما ، إذ غير جائز أن يتراجعا ~~بالسوية والمال بينهما لا يعرف أحدهما ماله من مال صاحبه . واختلفوا فى ما ~~يوجب الخلطة ، فقال مالك : إذا كان الراعى واحدا والفحل واحدا والمراح ~~واحدا فهم خلطاء ، وإن PageV03P455 افترقوا فى المبيت والحلاب ، قال ابن ~~القصار : فذكر مالك ثلاثة أوصاف ، وقال مالك فى كتاب ابن المواز : إذا كان ~~الفحل واحدا ، والراعى واحدا ، والمراح ms1030 واحدا فهم خلطاء . وإن كان بعض هذه ~~يجزئ من بعض . قال أشهب : ما لم يفترقا فى الأكثر . وقاله ابن القاسم . قال ~~ابن القصار : وكان الأبهرى يقول : إن اجتمع وصفان أيهما كان صحت الخلطة . ~~وحكى عن بعض شيوخه أنه كان يراعى وصفا واحدا وهو الراعى ، قال : لأنه ~~كالإمام الذى يتميز به حكم الجماعة من حكم الانفراد . وقال أشهب فى ~~المجموعة : لا تكون خلطة بوصف واحد . وعند الشافعى : لا يكونان خليطين إلا ~~بأربعة أوصاف : المسرح ، والمبيت ، والحوض ، والفحل ، فمتى أخل بشرط من هذا ~~لم تكن خلطة ، وزكى كل واحد زكاة نفسه . قال ابن القصار : والصحيح عندى أن ~~الخلطة تصح بشرطين ، ولكن يراعى فيها أكثر ما يدخل الرفق والترفيه على ~~الخليطين ، وإذا كان الراعى واحدا ترفها فى الأجرة ، فليس من يرعى لواحد ~~كمن يرعى لاثنين ، وإذا كان الفحل واحدا فكذلك ، وإذا كان السقى من حوض ، ~~أو بئر يحتاج إلى من يعالجه فكذلك ، ففى الغالب أن الأغنام إذا خرجت إلى ~~المسرح لا تكاد تخلو من الاجتماع فى وصف ما ، فإذا زاد عليه وصف آخر فيه ~~رفق ، وترفيه حصلت الخلطة . وعند أبى حنيفة وأصحابه أن الخلطة لا تغير حكم ~~الانفراد فلم تراع أوصافها ، وإنما دفع أبو حنيفة الخلطة ، والله أعلم ~~PageV03P456 السلام : ( ليس فيما دون خمس ذود صدقة ) ، وقوله : ( ولا فيما ~~دون أربعين من الغنم شىء ) ورأوا أن الخلطة تغير هذا الأصل ، فلم يقولوا ~~بها ، ولم يراع مالك مرور الحول كله على الخلطاء ، فإذا خالطه قبل حلول ~~الحول بشهر ، أو بشهرين فهو عنده خليط . والشافعى يراعى مرور الحول كله ~~عليهما . قال ابن القصار : وعلة مالك أن الرفاهية بالخلطة قد حصلت ، ونقصان ~~الزكاة وزيادتها يعتبر بآخر الحول . وقبل ذلك لم يكن من أهل الزكاة . وقال ~~مالك : فى الخليطين لا يزكيان وكاة الواحد حتى يكون لكل واحد منهما نصاب ، ~~فحينئذ يترادان على كثرة الغنم وقلتها ، فإن كان لأحدهما دون النصاب لم ~~يؤخذ منه شىء ، ولم يرجع عليه صاحبه بشىء . وهو قول الثورى ، والكوفيين ، ~~وأبى ثور . وقال الليث ، والشافعى ms1031 ، وأحمد : عليهما الزكاة ، ولو لم يكن ~~لكل واحد منهما نصاب . واحتج الشافعى فقال : لما لم أعلم خلافا إذا كان ~~ثلاثة خلطاء لهم مائة وعشرون شاة أن عليهم فيها شاة واحدة وأنهم يصدقون ~~صدقة الواحد فنقصوا المساكين شاتين من مال الخلطاء ، لو تفرق كل واحد منهم ~~لم يجز إلا أن يقال : لو كانت أربعون بين ثلاثة رجال كان عليهم شاة ، لأنه ~~لما غيرت الخلطة أصل الفريضة فوجب فى الأربعين ثلث شاة وجب أن يغير النصاب ~~، فيكون النصاب بينهم نصاب الواحد كما تكون زكاة الواحد ، قال : وبهذا أقول ~~فى الزرع أيضا ، فلو أن حائطا كان حبسا PageV03P457 على مائة إنسان لم يخرج ~~إلا عشرة أوسق أخذت منه صدقة كصدقة الواحد ، واحتج مالك بقوله : ( ليس فيما ~~دون خمس ذود صدقة ) وقول عمر فى سائمة الغنم : ( إذا بلغت أربعين ففيها شاة ~~) . قال الطبرى : فغير جائز أن يوجب فيما نفى النبى أن تكون فيه الصدقة ~~صدقة ، لأن ذلك لو جاز جاز لآخر أن يبطل الصدقة فيما أوجبها فيه فأبطلنا ~~الصدقة فيما أبطلها فيه - صلى الله عليه وسلم - ، وجعلنا حكم الخليطين حكم ~~الواحد فيما لم تبطل فيه الصدقة ، وإنما الخليطان اللذان عناهما النبى ، - ~~صلى الله عليه وسلم - ، من كان فى غنمه ما تجب فيه الزكاة . قال مالك فى ~~كتاب ابن المواز : وإنما يتراد الخليطان بقدر العدد لا بقدر ما يلزم الواحد ~~فى الانفراد ، ولولا ذلك ما انتفعا بالخلطة . قال غيره : وذلك أن يكون ~~لأحدهما أربعون شاة وللآخر ثمانون ، فعلى صاحب الثمانين ثلثا شاة ، وعلى ~~صاحب الأربعين ثلث شاة ، ولو كان لأحدهما خمسون وللآخر أربعون ، لكان على ~~صاحب الخمسين خمسة أتساع شاة ، وعلى الآخر أربعة أتساعها . * * * # | 34 - باب زكاة الإبل # ذكره أبو بكر ، وأبو ذر ، وأبو هريرة ، عن النبى ، - صلى الله عليه وسلم ~~- . / 45 - فيه : أبو سعيد ، أن أعرابيا سأل النبى - صلى الله عليه وسلم - ~~عن الهجرة ، فقال : ( ويحك ، إن شأنها شديد ، فهل لك من إبل تؤدى صدقتها ؟ ~~) قال : نعم ، قال : ( فاعمل من وراء البحار ، فإن الله لن ms1032 يترك من عملك ~~شيئا ) . PageV03P458 قال المهلب : كان هذا القول منه - صلى الله عليه وسلم ~~- قبل فتح مكة ، لأنه لو كان بعده لقال له : لا هجرة بعد الفتح ، ولكنه - ~~صلى الله عليه وسلم - علم أن الأعراب قلما تصبر على المدينة لشدتها ~~ولأوائها ووبائها ، ألا ترى قلة صبر الأعرابى الذى استقاله بيعته حين مسته ~~حمى المدينة ، فقال للذى سأله عن الهجرة : إذا أديت الزكاة ، التى هى أكبر ~~شىء على الأعراب ، ثم منحت منها وجبتها يوم ردها من ينتظرها من المساكين ، ~~فقد أديت المعروف ، من حقوقها فرضا وفضلا ، فاعمل من وراء البحار ، فهو أقل ~~لفتنتك كما افتتن المستقيل للبيعة ، لأنه قد شرط عليه ما يخشى من منع العرب ~~الزكاة التى بها افتتنوا بعد النبى ، - صلى الله عليه وسلم - . وقد ذكر ~~البخارى هذا الحديث فى كتاب الهبات فى باب المنحة ، فقال فيه : ( فهل تمنح ~~منها ؟ قال : نعم ، قال : فهل تحلبها يوم وردها ؟ فقال : نعم ) . وقال بعض ~~العلماء : كانت الهجرة على غير أهل مكة من الرغائب ولم تكن فرضا . والدليل ~~على ذلك قوله - صلى الله عليه وسلم - للذى سأله عن الهجرة : ( إن شأنها ~~لشديد ، فهل لك من إبل ) ؟ ولم يوجب عليه الهجرة . قال أبو عبيد فى كتاب ~~الأموال : كانت الهجرة على أهل الحاضرة ، ولم تكن على أهل البادية . ~~PageV03P459 وسيأتى شىء من الكلام فى الهجرة فى باب لا هجرة بعد الفتح فى ~~كتاب الجهاد ، إن شاء الله تعالى . قال الخطابى : قوله : ( لن يترك ) يعنى ~~لن ينقصك ، يقال : وتره يتره ترة ، قال تعالى : { ولن يتركم أعمالكم } [ ~~محمد : 35 ] ومثله : { لا يلتكم من أعمالكم شيئا } [ الحجرات : 14 ] يعنى ~~لن ينقصكم . وفيه لغتان : ألت يألت ألتا ، ولات يليت ليتا ، عن اليزيدى . # | 35 - باب من بلغت صدقتة بنت مخاض وليست عنده # / 46 - فيه : ثمامة ، عن أنس ، أن أبا بكر كتب له فريضة الصدقة التى أمر ~~الله رسوله - صلى الله عليه وسلم - : ( من بلغت عنده من الإبل صدقة الجذعة ~~، وليست عنده جذعة ، وعنده حقة ، فإنها تقبل منه الحقة ، ويجعل معها شاتين ms1033 ~~إن استيسرتا له أو عشرين درهما ، ومن بلغت عنده صدقة الحقة ، وليست عنده ~~الحقة ، وعنده الجذعة ، فإنها تقبل منه الجذعة ، ويعطيه المصدق عشرين درهما ~~أو شاتين ، ومن بلغت عنده صدقة الحقة ، وليست عنده إلا بنت لبون ، فإنها ~~تقبل منه بنت لبون ، ويعطى شاتين أو عشرين درهما ، ومن بلغت عنده صدقة بنت ~~لبون ، وعنده حقة ، فإنها تقبل منه الحقة ، ويعطيه المصدق عشرين درهما أو ~~شاتين ، ومن بلغت صدقته بنت لبون ، وليست عنده ، وعنده بنت مخاض ، فإنها ~~تقبل منه بنت مخاض ، ويعطى معها عشرين درهما أو شاتين ) . قال المؤلف : أما ~~قوله : ( من بلغت صدقته بنت مخاض وليست عنده ) ، فلم يأت ذكره فى هذا ~~الحديث ، وذكر فى باب PageV03P460 العرض فى الزكاة ، وهذه غفلة من البخارى ~~، رحمه الله ، قال فيه : ( ومن بلغت صدقته ابنة مخاض ، وليست عنده ، وعند ~~ابنة لبون ، فإنها تقبل منه ، ويعطيه المصدق عشرين درهما أو شاتين ، فإن لم ~~يكن عنده ابنة مخاض ، وعنده ابن لبون ، فإنه يقبل منه ، وليس معه شىء ) . ~~قال ابن المنذر : اختلف العلماء فى المال الذى لا توجد فيه السن التى تجب ، ~~ويوجد دونها أو فوقها ، فكان النخعى يقول بظاهر هذا الحديث : إذا أخذ سنا ~~فوق سن رد عليهم عشرين درهما ، أو شاتين ، وإذا أخذ سنا دون سن ردوا عليه ~~عشرين درهما أو شاتين . وهو قول الشافعى ، وأبى ثور . وفيها قول ثان ، روى ~~عن على بن أبى طالب : أن يرد عشرة دراهم أو شاتين . وهو قول الثورى . وفيها ~~قول ثالث : وهو أن تؤخذ قيمة السن التى تجب عليه . وهو قول مكحول ، ~~والأوزاعى . وفيها قول رابع : قال أبو حنيفة : تؤخذ قيمة السن الذى وجب ~~عليه ، وإن شاء أخذ الفضل منها ورد عليهم فيه دراهم ، وإن شاء أخذ دونها ، ~~وأخذ الفضل دراهم ، ولم يعين عشرين درهما ولا غيرها وجوز أخذ ابن اللبون مع ~~وجود بنت المخاض إذا كانت قيمتهما واحدة . وقال مالك : على رب المال أن ~~يبتاع للمصدق السن التى تجب عليه ولا ضير فى أن يعطيه بنت مخاض عن ms1034 بنت لبون ~~، ويزيد ثمنا ، أو يعطى بنت لبون عن بنت مخاض ، ويأخذ ثمنا . وقال ~~PageV03P461 ابن القاسم فى المجموعة : لا ينبغى أن يعطى أفضل ، ويأخذ ثمنا ~~، أو أدنى ويؤدى ثمنا ، فإن ترك أجزأه . وقال ابن المواز : قال ابن القاسم ~~، عن مالك فيمن عليه شاة فى خمس ذود فدفع فيها دراهم ، قال : لولا خوفى أن ~~يدخل فيه الظلم لم أر به بأسا ، ثم رجع فقال : لا يدفع إلا شاة ، فإن دفع ~~دراهم أجزأه ، وبه أخذ ابن القاسم ، وقاله سحنون . قال أشهب فيمن أدى قيمة ~~صدقته أو أجبره المصدق على ذلك : أنه يجزئه إذا تعجله ، للخلاف فيه . وحجة ~~مالك فى منعه أخذ القيم فى الزكاة أنه من ابتياع الصدقة عنده . قال ابن ~~القصار : أخذ مالك فى ذلك بكتاب عمر بن الخطاب فى الصدقة ، وفيه : ( فى خمس ~~وعشرين إلى خمس وثلاثين : بنت مخاض ، فإن لم توجد فابن لبون ذكر ، وفيما ~~فوق ذلك إلى خمس وأربعين : ابنة لبون ، وفيما فوق ذلك إلى ستين : حقة طروقة ~~الفحل ، وفيما فوق ذلك إلى خمس وسبعين : جذعة ، وفيما فوق ذلك إلى تسعين : ~~ابنتا لبون ، وفيما فوق ذلك إلى عشرين ومائة : حقتان طروقتا الفحل ، فإن ~~زاد على ذلك ففى كل أربعين : ابنة لبون ، وفى كل خمسين حقة ) . ولم يأخذ ~~مالك بحديث أنس ، عن أبى بكر ، ولا وجد العمل عليه بالمدينة ، وأخذ بكتاب ~~عمر فى الصدقة ، وهو معروف مشهور عندهم بالمدينة . قال عبد الواحد : ومن ~~منع أخذ القيم فى الزكاة فاحتج بأن ذلك من ابتياع الصدقة فليست بحجة ، لأن ~~النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، قد أجاز للمعرى ابتياع عريته ، وهى صدقة ~~تمر إلى الجداد ، PageV03P462 فاجتمع فى هذا إجازة ابتياع الصدقة وبيع ~~التمر بالتمر نسيئة إذ لم يكن بد من ذلك للضرر الداخل على المعرى ، فكذلك ~~أخذ القيم جائز ، وهى أخف من العرية لضرورة استهلاك حق المساكين فى ماله . ~~وقال المهلب : إذا لم يجد السن ، وأخذ غيرها ، وجعل معها شاتين أو عشرين ~~درهما ، فليس ذلك من ابتياع الصدقة ، لأن الصدقة لم تتعين ms1035 فيبتاعها ، وإنما ~~هى معدومة مستهلكة ، فعليه قيمة المستهلك فى إبله من جنس إبله أو غير جنسها ~~، ألا ترى أن النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، أوجب فى خمس من الإبل شاة ~~وليست من جنسها ، وقال فى الخليطين : فإنهما يتراجعان بينهما بالسوية ، ~~والتراجع لا يكون إلا بالتقويم وأخذ العوض . وقال الطبرى : لما جعل النبى ، ~~- صلى الله عليه وسلم - ، للمصدق إذا وجبت فى الإبل سن ، ولم يجدها ووجد ~~دونها أن يأخذ ما وجد ويلزمه دراهم أو غيرها ، وإن وجد عنده فوق السن أن ~~يأخذها ، ويرد عليه قيمة ذلك دراهم أو غنما ، وهذا لا شك أخذ عوض وبدل من ~~الواجب على رب المال ، وإنه إن لم يكن بيعا وشراء فنظير للبيع والشراء ، ~~وذلك لأن البيع إنما هو إزالة ملك مالك إلى غيره بعوض ، فكذلك المعطى ابنة ~~مخاض وعشرين درهما ، PageV03P463 أو شاتين مكان ابنة لبون لا شك أنه يعتاض ~~بدراهمه فضل ما بين ابنة مخاض ، وابنة لبون ، التى هى صدقة ماله ، وأكثر ~~العلماء على القول بحديث أنس ، أو بعضه ، ولم أجد من خالفه كله غير مالك ~~ابن أنس . # | 36 - باب زكاة الغنم # / 47 - فيه : ثمامة ، عن أنس ، أن أبا بكر كتب له هذا الكتاب لما وجهه ~~إلى البحرين : ( بسم الله الرحمن الرحيم ، هذه فريضة الصدقة التى فرض رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - على المسلمين ، والتى أمر الله بها رسوله ، ~~فمن سئلها من المسلمين على وجهها ، فليعطها ، ومن سئل فوقها فلا يعط ، فى ~~أربع وعشرين من الإبل فما دونها من الغنم من كل خمس شاة ، إذا بلغت خمسا ~~وعشرين إلى خمس وثلاثين ، ففيها بنت مخاض أنثى ، فإذا بلغت ستا وثلاثين إلى ~~خمس وأربعين ، ففيها بنت لبون أنثى ، فإذا بلغت ستا وأربعين إلى ستين ، ~~ففيها حقة طروقة الجمل ، فإذا بلغت واحدة وستين إلى خمس وسبعين ، ففيها ~~جذعة ، فإذا بلغت - يعنى ستا وسبعين إلى تسعين - ففيها بنتا لبون ، فإذا ~~بلغت إحدى وتسعين إلى عشرين ومائة ، ففيها حقتان طروقتا الجمل ، فإذا زادت ~~على عشرين ومائة ، ففي كل أربعين ms1036 بنت لبون ، وفى كل خمسين حقة ، ومن لم يكن ~~معه إلا أربع من الإبل ، فليس فيها صدقة ، إلا أن يشاء ربها ، فإذا بلغت ~~خمسا من الإبل ، ففيها شاة ، وفي صدقة الغنم فى PageV03P464 سائمتها ، إذا ~~كانت أربعين إلى عشرين ومائة شاة ، فإذا زادت على عشرين ومائة إلى مائتين ~~شاتان ، فإذا زادت على مائتين إلى ثلاث مائة ، ففيها ثلاث شياه ، فإذا زادت ~~على ثلاث مائة ، ففى كل مائة شاة ، فإذا كانت سائمة الرجل ناقصة من أربعين ~~شاة واحدة فليس فيها صدقة ، إلا أن يشاء ربها ، وفى الرقة ربع العشر ، فإن ~~لم تكن إلا تسعين ومائة فليس فيها شىء إلا أن يشاء ربها ) . قال المهلب : ~~قوله فى الحديث : ( فما دونها من الغنم ) يريد أن من الغنم يصير أخذ الزكاة ~~إلى أربع وعشرين ، وليس فى شىء من زكاة الإبل خلاف بين العلماء إلا فى قوله ~~: ( فإذا زادت واحدة على عشرين ومائة ) ، فإن مالكا اختلفت الرواية عنه ، ~~فروى عنه ابن القاسم ، وابن عبد الحكم أن الساعى بالخيار بين أن يأخذ ثلاث ~~بنات لبون ، أو يأخذ حقتين على ما يراه صلاحا للفقراء ، وهو قول مطرف ، ~~وابن أبى حازم ، وابن دينار ، وأصبغ ، وقال ابن القاسم : فيها ثلاث بنات ~~لبون ، ولا يخير الساعى ، إلا أن تبلغ ثلاثين ومائة ، فيكون فيها حقة ، ~~وابنتا لبون . وهذا قول الزهرى ، والأوزاعى ، والشافعى ، وأبى ثور . وروى ~~عبد الملك ، وأشهب ، وابن نافع ، عن مالك أن الفريضة لا تتغير عن الحقتين ~~بزيادة واحدة حتى تزيد عشرا فيكون فيها بنتا لبون وحقة ، وهو مذهب أحمد ، ~~قال عبد الملك عن مالك : إنما يعنى بقوله فى الحديث فيما زاد PageV03P465 ~~على عشرين ومائة ، يريد زيادة تحيل الأسنان ، ولا تزول عن الحقتين إلى ~~ثلاثين ومائة . وقال أبو حنيفة وأصحابه والثورى : إذا زادت الإبل على عشرين ~~ومائة استؤنفت الفريضة ، فيكون فى خمس شاة ، وفى عشر شاتان ، فإذا صارت ~~مائة وأربعين من الإبل ففيها حقتان وأربع شياه ، فإذا بلغت مائة وخمسة ~~وأربعين ففيها حقتان ، وبنت مخاض كما كان فى ابتداء الإبل ، فإذا ms1037 بلغت مائة ~~وخمسين ففيها ثلاث حقاق ، فإذا زادت استأنفت الفرائض كما استأنفت فى أولها ~~. وأما وجه قول مالك فى أن الساعى بالخيار ، فلأن النبى ، - صلى الله عليه ~~وسلم - ، لما قال : ( فإذا زادت الإبل على عشرين ومائة ، ففى كل خمسين حقة ~~) كان فى المائة حقتان بإجماع ، فللمصدق أخذها من رب الماشية إذا كانت ~~الزيادة على ذلك قبل أن تبلغ خمسا وعشرين لا شىء فيها بإجماع ، وله أيضا أن ~~يأخذ ثلاث بنات لبون لقوله - صلى الله عليه وسلم - : ( فإذا زادت على عشرين ~~ومائة ، ففى كل أربعين بنت لبون ، وفى كل خمسين حقة ) كان فى المائة حقتان ~~، فله إذا كان ذلك أن يتخير أفضل المنزلتين لأهل الحاجة . قاله الطبرى . ~~قال غيره : ووجه قول ابن شهاب الذى اختاره ابن القاسم ، فلأن أصل العبادات ~~لما كانت مبنية على الاحتياط ، وكان اسم الزيادة يقع على الواحد كان من ~~الاحتياط للزكاة أن يتغير الحكم فى العشرين ومائة إذا زادت واحدة فتنتقل عن ~~حكم الحقتين إلى حكم الثلاث بنات لبون ، وهذا أحوط ، ويعضده رواية الزهرى ، ~~عن سالم ، عن أبيه ، قال : إذا زادت واحدة ففيها ثلاث بنات لبون . ~~PageV03P466 وكذلك فى كتاب الصدقات لعمرو بن حزم ، وقول مالك أقيس ، لأن ~~الواحدة من الإبل لا تغير حكم الزكاة فى الأحوال التى تقع زكاتها منها ، ~~وإنما هو لغو ، ولو غيرت حكمها ، ونقلتها من حال إلى حال لوجب أن تؤخذ ~~الزكاة من الواحدة الزائدة كما تؤخذ من العشرين ومائة ، فيكون فى كل أربعين ~~وثلث ابنه لبون ، ولا يؤخذ من ستين ومائة أربع بنات لبون ، لأنها لا تبلغ ~~أربعين وثلثا ، فلما أجمعوا أن هذا لا يجوز دل أن قوله - صلى الله عليه ~~وسلم - : ( ففى كل أربعين بنت لبون ، وفى كل خمسين حقة ) إنما أراد الزيادة ~~التى تجمع بحلولها فى المال الحقة وبنات اللبون ، لا ما سواها . قال ابن ~~القصار : ووجه رواية عبد الملك عن مالك ما رواه محمد بن عبد الرحمن ~~الأنصارى ، أن عمر بن عبد العزيز طلب كتاب النبى ، - صلى الله عليه وسلم ms1038 - ~~، وكتاب عمر فى الصدقة ، وفيه : ( فإذا بلغت عشرين ومائة فليس فيما زاد ~~فيها مما دون العشرة شىء حتى تبلغ ثلاثين ومائة ، ففيها بنتا لبون وحقة إلى ~~أن تبلغ أربعين ومائة ، ففيها حقتان وبنت لبون ) . فهذا الخبر مفسر ، وفى ~~خبر أنس زيادة مبهمة ومحتملة للواحدة والعشر ، ولا ينتقل عن الحقتين إلا ~~بدليل ، وفى زيادة العشر تنتقل بيقين ، لأن فى ظاهر الخبر ذكر السنين لقوله ~~- صلى الله عليه وسلم - : ( فى كل خمسين حقة ، وفى كل أربعين بنت لبون ) ، ~~فيحتاج إلى فريضة تجمع الأمرين جميعا . وقال الطبرى : اختلفت الأخبار فى ~~ذلك ، فروى ما يوافق كل طائفة فمن شاء أخذ بقول من شاء منهم . قال ابن ~~القصار : أما قول أبى حنيفة أن الفريضة تستأنف ، فهو PageV03P467 خلاف حديث ~~أنس عن أبى بكر ، وهو المعول عليه فى هذا الباب ، وفيه : ( فإذا زادت على ~~عشرين ومائة ففى كل أربعين بنت لبون ، وفى كل خمسين حقة ) ولم يخص زيادة من ~~زيادة ، ولا ذكر استئناف الغنم ، وكذلك فى رواية الزهرى عن سالم ، عن أبيه ~~، وفى كتاب عمر بن الخطاب ، وهذه جملة الأخبار المعمول عليها ، وهى مخالفة ~~لقول أبى حنيفة ، قال : وأما صدقة الغنم ، فلا شىء فيها حتى تبلغ أربعين ~~إلى عشرين ومائة ، ففيها شاة ، وفيما فوق ذلك إلى مائتين شاتان ، وهذا ~~إجماع ، وإذا زادت واحدة على مائتين ففيها ثلاث شياه إلى ثلاثمائة ، فإذا ~~زادت على ثلاثمائة ففى كل مائة شاة ، وهذا قول مالك ، وأبى حنيفة ، والثورى ~~، والأوزاعى ، والشافعى ، وأحمد ، وجماعة أهل الأثر ، وهو قول على ، وابن ~~مسعود ، وروى عن النخعى أنه قال : إذا كانت الغنم ثلاثمائة وشاة ، ففيها ~~أربع شياه ، وإذا كانت أربع مائة شاة ، ففيها خمس شياه ، وبه قال الحسن بن ~~صالح ، وهذا القول مخالف للآثار المرفوعة فى ذلك ، فلا وجه له . وأجمعوا ~~على أن الزكاة فى السائمة من الإبل والبقر والغنم . والسائمة : هى الراعية ~~، واحتج مالك على ذلك بقول الله تعالى : { ومن شجر فيه تسيمون } [ النحل : ~~10 ] يقول : فيه ترعون . واختلفوا فى العوامل ، فقال مالك والليث : فى ms1039 ~~العوامل والمعلوفة الزكاة كهى فى السوائم ، وهو قول مكحول ، وعمر بن عبد ~~العزيز ، والزهرى ، وروى عن على ومعاذ أنه لا زكاة فيها ، وهو قول أبى ~~حنيفة ، والثورى ، والشافعى ، وأحمد ، وإسحاق ، وأبى ثور ، وعلة قائل هذه ~~المقالة القياس على إجماع الجميع ألا صدقة فى PageV03P468 العروض التى هى ~~لغير التجارة ، لأن أهلها اتخذوها للزينة والجمال لا لطلب الربح فيها ~~بالتجارة ، فكذلك حكم عوامل المواشى مثلها لا صدقة فيها ، وإنما تجب الصدقة ~~فيما يتخذ منها للنتاج والنسل وارتفع عن أهلها مئونة علفها بالسوم . وفى ~~حديث أنس : ( فى سائمة الغنم الصدقة ) ، وكذلك فى كتاب عمر بن الخطاب فى ( ~~الموطأ ) ، فدليله أن غير السائمة لا شىء فيها ، فكذلك سائمة الإبل والبقر ~~. قال ابن القصار : والحجة لمالك قوله - صلى الله عليه وسلم - : ( فى كل ~~خمس ذود من الإبل شاة ) ، ولم يخص سائمة من عاملة ، وكذلك قال فى الغنم فى ~~كتاب عمرو بن حزم فى الصدقة : ( فى كل أربعين شاة ) ولم يخص ، وأيضا فإن ~~العوامل سائمة فى طبعها وخلقتها ، وسواء رعت ، أو أمسكت عن الرعى ، السوم ~~صفة لازمة لها ، كما يقال : ما جاءنى من إنسان ناطق ، والنطق من حد الإنسان ~~اللازم له سواء سكت أو نطق ، قال : وأيضا فإن المؤنة التى تلزم فى المعلوفة ~~لا مدخل لها فى إسقاط الزكاة أصلا ، وإنما لها مدخل فى التخفيف والتثقيل ، ~~كالعشر ونصف العشر فى زكاة الحرث ، فإذا لم يدخل التخفيف فى العوامل لأجل ~~المؤنة بقيت الزكاة على ما كانت عليه ، لأن النماء موجود فى السائمة من ~~الدر والنسل والوبر والحمل على ظهورها ، وقد قال يحيى بن سعيد وربيعة : لم ~~تزل إبل الكراء تزكى عندنا بالمدينة . فإن قيل : إن عاصم بن ضمرة قد روى عن ~~الحارث ، عن على أن PageV03P469 النبى ، - عليه السلام - ، قال : ( ليس فى ~~العوامل شىء ) ، ومن حديث عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن جده ، قيل : عاصم ~~والحارث ضعيفان ، وعمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن جده ، مرسل ، وأصحاب ~~الشافعى لا يقولون بالمراسيل . وقال الخطابى : وقوله : ( ومن سئل فوقها فلا ~~يعط ms1040 ) يتأول على وجهين : أحدهما ألا يعطى الزيادة ، والآخر ألا يعطى شيئا ~~من الصدقة ، لأنه إذا طلب فوق الواجب كان خائنا ، فإذا ظهرت خيانته سقطت ~~طاعته . قال المؤلف : وقوله : ( وفى الرقة ربع العشر ، فإن لم يكن إلا ~~تسعين ومائة ، فليس فيها شىء ) يعنى تسعين ومائة درهم ، لأن نصاب الورق ~~الذى تجب فيه الزكاة خمس أواق ، وهو مائتا درهم ، لأن الأوقية أربعون درهما ~~، وقد تقدم بيان ذلك . * * * # | 37 - باب لا تؤخذ فى الصدقة هرمة ولا ذات عوار ولا تيس إلا ما شاء ~~المصدق # / 48 - فيه : ثمامة ، عن أنس ، أن أبا بكر كتب له الصدقة التى أمر الله ~~رسوله - صلى الله عليه وسلم - : ( ولا يخرج فى الصدقة هرمة ، ولا ذات عوار ~~، ولا تيس إلا ما شاء المصدق ) . | PageV03P470 عامة الفقهاء على العمل ~~بهذا الحديث ، ويذهبون إلى أن المأخوذ فى الصدقات العدل كما قال عمر بن ~~الخطاب ، وذلك عدل بين غثاء المال وخياره ، قال مالك فى المجموعة : والتيس ~~من ذوات العوار وهو دون الفحل . وقوله : ( إلا أن يشاء المصدق ) فمعناه عند ~~مالك والشافعى : أن تكون الهرمة ، وذوات العوار ، والتيس خيرا للمساكين فى ~~سمنها ، أو ثمنها من التى أخرج إليه صاحب الغنم ، فأخذ ذلك باجتهاده ، ~~والعوار بفتح العين : العيب كله ، والعوار بضم العين : ذهاب العين الواحدة ~~. وقال الطبرى : جعل النبى المشيئة إلى المصدق فى أخذ ذلك وتركه ، فالواجب ~~عليه أن يعمل بما فيه الصلاح لأهل الصدقة ورب الماشية بما يكون عدلا ~~للفريقين ، فيأخذ ذلك إذا كان فى تركه ، وتكليف رب الماشية غيرها مضرة عليه ~~، وذلك أن تكون الغنم كلها هرمة ، أو جرباء ، أو تيوسا ، ويكون فى تكليفه ~~صاحبها غيرها مضرة عليه ، فيأخذ منها أو يترك أخذ ذلك إذا كانت الماشية ~~فتية سليمة إناثا كلها أو أكثرها ، فيأخذ منها السليمة من العيوب ، وذلك ~~عدل ، إن شاء الله ، على الفريقين . قال المؤلف : وقد اختلف قول مالك إذا ~~كانت عجافا كلها أو معيبة أو جرباء أو تيوسا ، فقال فى المدونة : لا يأخذ ~~منها ويلزم صاحبها أن يأتى بما يجوز ms1041 صحيحة غير معيبة . وذكر ابن المواز أن ~~عثمان بن الحكم سأل مالكا عن الساعى يجدها عجافا كلها ؟ قال : يأخذ منها ~~ولو كانت ذات عوار كلها ، أو تيوسا فليأت بغيرها . PageV03P471 وروى ابن ~~وهب عن مالك ، قال : لا تؤخر الصدقة ، وإن عجفت الغنم ، قال سحنون ، وهو ~~قول المخزومى ، وابن الماجشون ، ومطرف ، وذكر ابن المنذر ، عن أبى يوسف ، ~~ومحمد بن الحسن ، والشافعى : إذا كانت جرباء كلها أخذ منها ، قال الشافعى : ~~لأنى إذا كلفته صحيحة فقد أوجبت عليه أكثر مما وجب عليه ، ولم توضع الصدقة ~~إلا رفقا بالمساكين من حيث لا يضر بأرباب الأموال . وروى عن أبى حنيفة فى ~~المعيبة أنها تؤخذ . وقد اختلف أهل العلم فيما عدا ما ذكر فى هذا الحديث ~~مما لا يجوز للمصدق أخذه ، فروى عن عمر بن الخطاب أنه قال للساعى : عد ~~عليهم البهيمة ، حتى تعد السخلة يحملها الراعى على يده ولا يأخذها . وهو ~~قول مالك فى المدونة . وجماعة من العلماء لا يجوزون أخذ السخال وذوات ~~العيوب والهرمة ما وجدوا فى الغنم الثنية والجذعة ، وسأذكر اختلافهم فى ذلك ~~فى الباب بعد هذا ، إن شاء الله ، وقال أبو عبيد : غرا الإبل السخال الصغر ~~، واحدها : غرى . قال غيره : هو ولد الضائنة إذا وضعته أمه ذكرا كان أو ~~أنثى ، وهو بهمة وبهم أيضا . # | 38 - باب أخذ العناق فى الصدقة # / 49 - فيه : أبو هريرة ، قال أبو بكر : والله لو منعونى عناقا كانوا ~~يؤدونها إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لقاتلتهم على منعها ، قال ~~عمر : فما هو إلا أن رأيت أن الله شرح صدر أبى بكر بالقتال ، فعرفت أنه ~~الحق . PageV03P472 قال أهل اللغة : العناق : ولد الماعز إذا أتى عليه ~~أربعة أشهر وفصل عن أمه وقوى على الرعى فهو جدى ، والأنثى : عناق ، والجمع ~~: عنوق وعنق ، فإذا أتى عليه الحول فالذكر تيس ، والأنثى عنز ، ثم يكون ~~التيس جذعا فى السنة الثانية ، ثم ثنيا فى الثالثة . وقال أشهب وابن نافع : ~~الجذع فى الضأن والمعز ابن سنة ، وهو الذى يجوز فى الصدقة . وعلى هذا جماعة ~~العلماء إلا ms1042 النخعى والحسن ، والكوفيين ، فإنهم قالوا : لا تؤخذ الجذعة فى ~~الصدقة . واختلف أهل العلم فى أخذ العناق فى الصدقة والسخال والبهم إذا ~~كانت الغنم كذلك كلها ، أو كانت الإبل فصلانا والبقر عجولا كلها . قال مالك ~~: عليه فى الغنم شاة جذعة ، أو ثنية ، وعليه فى الإبل والبقر ما فى الكبار ~~منها . وهو قول زفر ، وأبى ثور . وقال أبو يوسف ، والأوزاعى ، والشافعى ، ~~وإسحاق : يؤخذ منها إذا كانت صغارا من كل صنف واحد منها . وقال أبو حنيفة ، ~~والثورى ، ومحمد : لا شىء فى الفصلان ، ولا فى العجول ، ولا فى صغار الغنم ~~لا منها ، ولا من غيرها ، ذكره ابن المنذر ، وذكر عنهم خلافه فقال : كان ~~أبو حنيفة ، وأصحابه ، والثورى ، ويعقوب ، ومحمد ، والشافعى ، وأحمد بن ~~حنبل ، يقولون : فى أربعين عجلا مسنة . وعلى هذا القول هم موافقون لقول ~~مالك . قال ابن القصار : والحجة لمالك قوله - صلى الله عليه وسلم - : ( فى ~~PageV03P473 كل أربعين شاة شاة ) ، والشاة : اسم يختص بالكبير فى غالب ~~العرف ، فدل أن الواجب فيها شاة لا سخلة ، وأيضا قول عمر بن الخطاب : اعدد ~~عليهم بالسخلة ، ولا تأخذها منهم . وهذا يدل أنها تعد ، كانت أمهاتها باقية ~~، أو قد عدمت . ومن الحجة لأبى حنيفة فى قوله للذى لم يوجب فى الصغار شيئا ~~: إذ لم يجز أخذ السخلة من أربعين شاة ، كذلك لا يؤخذ من أربعين سخلة شىء ~~فيقال له : هذا لا يلزم لأننا لا نأخذ سخلة من الكبار ولا من الصغار ، ~~وإنما نأخذ السن المجعول ، فكما نأخذ شاة من أربعين كبارا ، كذلك نأخذ شاة ~~من أربعين صغارا . فإن احتج من أجاز أخذ الصغار إذا كانت صغارا كلها بقول ~~الصديق : ( والله لو منعونى عناقا كانوا يؤدونها إلى رسول الله ) ، فدل ~~أنها تؤخذ فى الصدقة ، قيل : تأويل قوله : ( يؤدونها ) أى يؤدون عنها ما ~~يجوز أداؤه ويشهد لصحة هذا قول عمر : ( اعدد عليهم السخلة ولا تأخذها ) ، ~~وإنما خرج قول الصديق على التقليل و [ . . . . . . ] ، ألا ترى أنه روى : ( ~~لو منعونى عقالا ) وقد اختلف فى تفسيره على ما تقدم فى أول كتاب الزكاة . ~~ومذهب ms1043 مالك أن نصاب الغنم يكمل بأولادها كربح المال سواء ، وذلك مخالف عنده ~~لما أفاد منها بشراء أو هبة ، أو ميراث لا يكمل منه النصاب ، ويستأنف به ~~حولا ، وإن كان عنده نصاب ، ثم استفاد بغير PageV03P474 ولادة زكاة مع ~~النصاب ، وهو قول أبى حنيفة ، وقال الشافعى : لا يضم نتاج الماشية إلا إلى ~~النصاب ، ولا يكمل به النصاب . # | 39 - باب لا تؤخذ كرائم أموال الناس فى الصدقة # / 50 - فيه : ابن عباس ، أن النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، لما بعث ~~معاذا إلى اليمن ، قال : ( إنك تقدم على قوم أهل كتاب ، فليكن أول ما ~~تدعوهم إليه عبادة الله ، فإذا عرفوا الله ، فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم ~~خمس صلوات فى يومهم وليلتهم ، فإذا فعلوا فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم ~~زكاة من أموالهم ، تؤخذ من أغنيائهم وترد على فقرائهم ، فإذا أطاعوا بها ~~فخذ منهم ، وتوق كرائم أموال الناس ) . وقد تقدم القول فى هذا الحديث فى ~~أول كتاب الزكاة ، وقد احتج أصحاب الشافعى لمذهبه فى أن السخال يؤخذ منها ~~ما يؤخذ فى الكبار بقوله - صلى الله عليه وسلم - : ( وتوق كرائم أموال ~~الناس ) ، قال : فإذا لم يملك كريم مال فلا يكلف سواه . قال ابن القصار : ~~ويقال له : وكذلك أيضا نهى عن أخذ الدون ، وكلف الوسط ، وليس إذا كلف الوسط ~~كلف كريم ماله ، ألا ترى أنا نرفه رب المال إذا كانت غنمه كراما كلها ربى ~~مواخض ولوابن ، وشاة اللحم ، والفحل ، فلا نأخذ منها ، فكذلك نرفه الفقراء ~~بأن لا نأخذ الصغيرة ، ونأخذ السن المجعول ، وهذا هو العدل بينهم وبين ~~أرباب المواشى ، كما قال عمر ، رضى الله عنه . PageV03P475 # | 40 - باب ليس فيما دون خمس ذود صدقة # / 51 - فيه : أبو سعيد ، قال - صلى الله عليه وسلم - : ( ليس فيما دون ~~خمسة أوسق من التمر صدقة ، وليس فيما دون خمس أواق من الورق صدقة ، وليس ~~فيما دون خمس ذود من الإبل صدقة ) . قال ابن قتيبة : ذهب قوم إلى أن الذود ~~جمل واحد ، وإلى أنه جمع ، والذى عندى أن الذود ما بين الثلاث إلى ms1044 العشر ، ~~وهو أول اسم جماعات الإبل ، ولو كان الذود واحدا ما جاز أن يقال : خمس ذود ~~، كما لا يقال : خمس ثوب ، وخمس درهم ، ولكان الوجه أن يقال : خمسة أذواد و ~~: خمسة أثواب . وقال أبو حاتم السجستانى : قالوا تاركين لقياس الجميع : ~~ثلاث ذود لثلاث من الإبل ، وأربع ذود ، كما قالوا : ثلاثمائة وأربعمائة إلى ~~تسعمائة والقياس ثلاث مئين ، أو مئات . وقد قالوا : أذواد كثيرة فى العشر ، ~~ولا يكادون يقولون : ثلاث مئين ، والفقهاء يقولون : الذود جمل واحد ، ولا ~~يعرف ذلك أهل اللغة وقد سمى الله الزكاة صدقة ، فقال تعالى : { خذ من ~~أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها } [ التوبة : 103 ] . وأجمع أهل العلم على ~~أن ما دون خمس ذود من الإبل لا صدقة فيها ، وأن فى خمس من الإبل شاة ، وفى ~~عشر شاتان ، وفى خمس عشرة ثلاث شباه ، وفى عشرين أربع شياه ، وفى خمس عشرين ~~بنت مخاض ، وهذا أول نصاب يؤخذ فيه من الإبل على ما جاء فى PageV03P476 ~~كتاب أبى بكر عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فى الصدقة ، وقد تقدم فى ~~زكاة الورق ، وستأتى صدقة الحبوب والطعام فى موضعها ، إن شاء الله . # | 41 - باب زكاة البقر # وقال أبو حميد : قال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( لأعرفن ما جاء ~~الله رجل ببقرة لها خوار ) . / 52 - فيه : أبو ذر ، انتهيت إلى النبى ، - ~~صلى الله عليه وسلم - ، قال : ( والذى نفسى بيده ، أو والذى لا إله غيره ، ~~أو كما حلف ، ما من رجل تكون له إبل أو بقر أو غنم لا يؤدى حقها إلا أتى ~~بها يوم القيامة أعظم ما تكون وأسمنه تطؤه بأخفافها ، وتنطحه بقرونها ، ~~كلما جازت أخراها ردت عليه أولاها حتى يقضى بين الناس ) . فى هذا الحديث ~~دليل على وجوب زكاة البقر ، وسائر الأنعام من أجل الوعيد الذى جاء فيمن لم ~~يؤد زكاتها . أما مقدار نصاب زكاة البقر ، ومقدار ما يؤخذ منها فهو فى حديث ~~معاذ بن جبل ، وهو متصل مسند من رواية معمر والثورى ، عن الأعمش ، عن أبى ~~وائل ، عن مسروق ، عن معاذ بن ms1045 جبل ، أن النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، ~~بعثه إلى اليمن ، فأمره أن يأخذ من كل ثلاثين بقرة تبيعا ، ومن كل أربعين ~~مسنة ) ، وكذلك فى كتاب النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، لعمرو بن حزم ، ~~وفى كتاب الصدقات لأبى بكر ، وعمر ، وعلى ذلك مضى الخلفاء ، وعليه عامة ~~الفقهاء . PageV03P477 قال ابن المنذر : ولا أعلم الناس يختلفون فيه اليوم ~~، وفى ذلك شذوذ لا يلتفت إليه ، روى عن ابن المسيب ، والزهرى ، وأبى قلابة ~~فى كل خمس من البقر شاة ، وفى عشر شاتان ، وفى خمس عشرة ثلاث شياه ، وفى ~~عشرين أربع شياه ، وفى خمس وعشرين بقرة إلى خمس وسبعين ، فإذا جاوزت ~~فبقرتان إلى عشرين ومائة ، فإذا جاوزت ففى كل أربعين بقرة بقرة . وروى عن ~~أبى قلابة أنه قال : فى كل خمس شاة إلى أن تبلغ ثلاثين ، فإذا بلغت ثلاثين ~~ففيها تبيع ، واعتل قائلوا هذه المقالة بحديث لا أصل له رواه حبيب بن حبيب ~~، عن عمرو بن هرم ، أنه فى كتاب عمرو بن حزم ، وحجتهم من طريق النظر أن ~~النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، قد عدلها بالإبل ، إذ جعل الواحدة منها ~~تجزئ عن سبعة فى الهدايا والضحايا كما تجزئ الإبل ، فإذا كانت تعادلها ~~فزكاتها زكاة الإبل . قالوا : وخبر معاذ منسوخ بكتاب النبى - صلى الله عليه ~~وسلم - إلى عماله الذى رواه عمرو بن هرم . قال الطبرى : وحديث عمرو بن هرم ~~واه غير متصل ، ولا يجوز الاحتجاج بمثله فى الدين والمعروف فى كتاب النبى - ~~صلى الله عليه وسلم - فى الصدقة لآل عمرو بن حزم خلاف ذلك ، وجماعة الفقهاء ~~على أنه لا شىء فيما زاد على الأربعين حتى تبلغ ستين ، فإذا بلغت ~~PageV03P478 ستين ففيها تبيعان ، فإذا بلغت سبعين ففيها تبيع ومسنة ، وبهذا ~~قال أبو يوسف ، ومحمد ، وسئل أبو حنيفة ، فقال : ما زاد على الأربعين من ~~البقر فبحسابه ، ففى خمسة وأربعين مسنة وثمن ، وفى خمسين مسنة وربع ، وعلى ~~هذا كل ما زاد أقل أو كثر ، هذا هو المشهور عن أبى حنيفة ، وقد روى أسد بن ~~عمرو ، عن أبى حنيفة مثل قول ms1046 الجماعة ، ولا نقول إلا قولهم ، لأنهم الحجة ~~على من خالفهم ، وفى حديث معاذ أنه قال : ( لم يأمرنى رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - فى الأوقاص بشىء ) # | . 42 - باب فضل الزكاة على الأقارب # وقال - صلى الله عليه وسلم - : ( له أجران : أجر القرابة والصدقة ) . / ~~53 - فيه : أنس ، كان أبو طلحة أكثر الأنصار بالمدينة مالا من نخل ، وكان ~~أحب أمواله إليه بيرحاء ، وكانت مستقبلة المسجد ، وكان رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - يدخلها ويشرب من ماء فيها طيب ، قال أنس : فلما نزلت هذه ~~الآية : { لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون } [ آل عمران : 92 ] قام ~~أبو طلحة إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال : يا رسول الله ، إن ~~الله يقول : { لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون } وإن أحب أموالى إلى ~~بيرحاء وإنها صدقة لله أرجو برها وذخرها عند الله ، فضعها يا رسول الله حيث ~~أراك الله ، فقال النبى ، - صلى الله عليه وسلم - : ( بخ ، ذلك مال رابح ، ~~ذلك مال رابح ، وقد سمعت ما قلت ، وإنى أرى أن تجعلها فى الأقربين ) ، فقال ~~أبو طلحة : أفعل يا رسول الله ، فقسمها أبو طلحة فى أقاربه وبنى عمه . ~~PageV03P479 / 54 - وفيه : أبو سعيد ، خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- فى أضحى ، أو فطر إلى المصلى ، ثم انصرف ، فوعظ الناس وأمرهم بالصدقة ، ~~فلما صار إلى منزله ، جاءت زينب امرأة ابن مسعود ، تستأذن عليه ، فقالت : ~~يا رسول الله ، إنك أمرت اليوم بالصدقة ، وكان عندى حلى لى ، فأردت أن ~~أتصدق به ، فزعم ابن مسعود أنه وولده أحق من تصدقت به عليهم ، فقال - صلى ~~الله عليه وسلم - : ( صدق ابن مسعود ، زوجك وولدك أحق من تصدقت به عليهم ) ~~. قال المؤلف : من روى مال رايح بالياء فمعناه : يروح عليه أجره كلما أطعمت ~~الثمار ، ومن روى رابح بالباء ، فمعناه : ذو ربح ، وذلك أن صاحبه وضعه موضح ~~الربح يوم القيامة ، وقال الخطابى : وقوله : رابح ، أى ذو ربح ، كقولك : ~~ناصب ، أى ذو نصب . قال النابغة : كلينى لهم يا أميمة ناصب والرايح : ~~القريب المسافة ، الذى يروح ms1047 خيره ، ولا يعزب نفعه . وقوله : ( بخ ) كلمة ~~إعجاب ، وقد تخفف وتثقل ، فإذا كررت فالاختيار أن تنون الأول وتسكن الثانى ~~، وهكذا هو فى كل كلام مثنى ، كقولهم : صه صه ، وطاب طاب ، ونحوهما ، وقال ~~الأحمر : فى بخ أربع لغات : الجزم ، والخفض ، والتشديد ، والتخفيف . ~~PageV03P480 وقوله : ( وإن أحب أموالى إلى بيرحاء ) فيه من الفقه : حب ~~الرجل الصالح للمال ، وقد قال أبو بكر لعائشة : ما أحد أحب إلى غنى منك ، ~~ولا أعز على فقرا منك . وفيه : إباحة دخول أجنة الإخوان ، والشرب من مائها ~~، والأكل من ثمارها بغير إذنهم إذا علم أن أنفس أصحابها تطيب بذلك ، وكان ~~مما لا يتشاح فيه . قال المهلب : وفيه أن الصدقة إذا كانت جزلة أن صاحبها ~~يمدح بها ويغبط لقول النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( بخ ، ذلك مال رابح ) ~~فسلاه - صلى الله عليه وسلم - بما يناله من ربح الآخرة ، وما عوضه الله ~~فيها عما عجله فى الدنيا الفانية . وفيه : أن ما فوته الرجل من حميم ماله ، ~~وغبيط عقاره عن ورثته بالصدقة أنه يستحب له أن يرده إلى أقاربه غير الورثة ~~، لئلا يفقد أهله نفع ما خوله الله ، عز وجل ، وفى كتاب الله ما يؤيد هذا ، ~~قال تعالى : { وإذا حضر القسمة أولو القربى واليتامى والمساكين فارزقوهم ~~منه } [ النساء : 8 ] فثبت بهذا المعنى أن الصدقة على الأقارب وضعفاء ~~الأهلين أفضل منها على سائر الناس إذا كانت صدقة تطوع ، ودل على ذلك حديث ~~زينب امرأة ابن مسعود . وقوله - صلى الله عليه وسلم - لها : ( لك أجران : ~~أجر القرابة والصدقة ) وقال لميمونة حين أعتقت جارية لها : ( أما إنك لو ~~أعطيتها لأخوالك كان PageV03P481 أعظم لأجرك ) واستعمل الفقهاء الصدقة ~~الفريضة فى غير الأقارب لئلا يصرفوها فى ما يجرى بين الأهلين من الحقوق ~~والصلات والمرافق ، لأنهم إذا جعلوا الصدقة الفريضة فى هذا المعتاد بين ~~الأهلين ، فكأنهم لم يخرجوها من أموالهم إلا لانتفاعهم بها ، وتوقير تلك ~~الصلات بها ، فإذا زال هذا المعنى جازت الزكاة للأقارب الذين لا تلزمهم ~~نفقتهم . وقد تقدم اختلاف العلماء فى الزكاة على الأقارب فى باب إذا ms1048 تصدق ~~على ابنه وهو لا يشعر فأغنى عن إعادته ، ولم يختلف العلماء أن قوله : ( فى ~~أقاربه وبنى عمه ) أنهم أقارب أبى طلحة لا أقارب النبى - صلى الله عليه ~~وسلم - . وقد روى ذلك الثقات ، حدثنا بعض مشايخنا ، قال : حدثنا أبو عمرو ~~الباجى ، قال : حدثنا أبى ، قال : حدثنا محمد بن فطيس ، حدثنا إبراهيم بن ~~مرزوق ، حدثنا محمد بن عبد الله الأنصارى ، حدثنا أبى ، حدثنا ثمامة بن عبد ~~الله ، عن أنس أنه قال : ( كانت لأبى طلحة أرض فجعلها لله ، فأتى النبى ، - ~~صلى الله عليه وسلم - ، فقال له : ( اجعلها فى أقاربك ، فجعلها لحسان ، ~~وأبى بن كعب ، قال أنس : وكانا أقرب إليه منى ) . وفيه : استعمال عموم ~~اللفظ ، ألا ترى إلى فهم الصحابة لذلك ، وأنهم لم يتوقفوا حتى يتبين لهم ~~بآية أخرى ، أو بسنة مبينة لمراد الله تعالى فى الشىء الذى يجب أن ينفقه ~~عباده ، لأنهم يحبون أشياء كثيرة ، فبدر كل واحد منهم إلى نفقة أحب أمواله ~~إليه ، فتصدق PageV03P482 أبو طلحة بحائطه ، وكذلك فعل زيد بن حارثة ، وروى ~~ابن عيينة ، عن ابن المنكدر ، قال : ( لما نزلت : { لن تنالوا البر حتى ~~تنفقوا مما تحبون } [ آل عمران : 92 ] ، قال زيد : اللهم إنك تعلم أنه ليس ~~لى مال أحب إلى من فرسى هذه ، وكان له فرس ، فجاء به إلى النبى ، - صلى ~~الله عليه وسلم - ، فقال : هذا فى سبيل الله . فقال لأسامة بن زيد : ( ~~اقبضها منه ) ، فكأن زيدا وجد فى نفسه من ذلك ، فقال رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - : ( إن الله قد قبلها منك ) . وفعل مثل ذلك ابن عمر ، روى أنه ~~كانت له جارية جميلة كان يحبها فأعتقها لهذه الآية ، ثم اتبعتها نفسه ، ~~فأراد أن يتزوجها فمنعه بنوه ، فكان بعد ذلك يقرب بنيها من غيره لمكانها من ~~نفسه ، روى الثورى أن أم ولد الربيع بن خثيم ، قالت : كان إذا جاءنا السائل ~~يقول لى : يا فلانة ، أعط السائل سكرا ؛ فإن الربيع يحب السكر . قال سفيان ~~: يتأول { لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون } ، وفى هذا الحديث فقه من ~~معانى الصدقات ms1049 والهبات ، سيأتى فى موضعه ، إن شاء الله . # | 43 - باب ليس على المسلم فى فرسه صدقة # / 55 - فيه : أبو هريرة ، قال : قال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( ~~ليس على المسلم فى فرسه وغلامه صدقة ) . وترجم له باب ( ليس على المسلم فى ~~عبده صدقة ) ، وقال أبو هريرة فيه : ( فى عبده ) . PageV03P483 اتفق جمهور ~~العلماء على أنه لا زكاة فى الخيل ، روى ذلك عن على بن أبى طالب ، وابن عمر ~~، وهو قول الشعبى ، والنخعى ، وسعيد بن المسيب ، وعطاء ، والحسن البصرى ، ~~والحكم ، والثورى ، ومالك ، والأوزاعى ، والليث ، وأبى يوسف ، ومحمد ، ~~والشافعى ، وأحمد ، وأبى ثور ، وخالف الجماعة أبو حنيفة وزفر ، فقالا : فى ~~كل فرس دينار إذا كانت سائمة ، وإن شاء قومها ، وأعطى من كل مائتى درهم ~~خمسة دراهم . ومن حجتهما ما رواه جويرية ، عن مالك ، عن الزهرى ، أن السائب ~~بن يزيد أخبره ، قال : لقد رأيت أبى يقوم الخيل ، ثم يدفع صدقتها إلى عمر . ~~واحتجوا بحديث أبى هريرة ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذكر الخيل ~~، فقال : ( هى لثلاثة : لرجل أجر ، ولرجل ستر ، وعلى رجل وزر ، فأما التى ~~هى له ستر فالرجل يتخذها تكرما وتجملا ، ولم ينس حق الله فى ظهورها وبطونها ~~فى عسرها ويسرها ) . رواه سهيل ، عن أبيه ، عن أبى هريرة . فاحتج عليهم أهل ~~المقالة الأولى ، فقالوا : لا حجة لكم فى رواية جويرية ، لأن عمر لم يأخذ ~~ذلك منهم على أنه واجب عليهم ، وقد بين السبب فى ذلك ما رواه مالك فى ~~الموطأ أن أهل الشام ، قالوا لأبى عبيدة بن الجراح : خذ من خيلنا ورقيقنا ~~صدقة فأبى ذلك ، ثم كتب إلى عمر بن الخطاب بذلك فأبى ، ثم كلموه أيضا ، ~~فكتب إلى عمر بذلك ، فكتب إليه عمر : إن أحبوا فخذها منهم ، وارددها عليهم ~~، وارزق رقيقهم ، وفى إباء عمر ، وأبى PageV03P484 عبيدة من أخذ الزكاة ~~منهم دليل واضح أنه لا زكاة فيها ، ولو كانت واجبة ما امتنعا من أخذ مال ~~أوجبه الله تعالى لأهله ووضعه فيهم . وروى معمر عن أبى إسحاق أنه قال : لما ~~ألحوا على أبى عبيدة وألح ms1050 أبو عبيدة على عمر ، قال : هذا شىء لم يفعله ~~اللذان كانا قبلى ، ولكن انتظروا حتى أشاور المسلمين ، فشاور عمر الصحابة ~~فى ذلك ، فقال له على بن أبى طالب : لا بأس بذلك إن لم تصر بعدك جزية ~~يؤخذون بها ، فأخذها لبذلهم لها ، وطوعهم بها ، لا بوجوبها عليهم . قال ~~الطحاوى : فدل هذا الحديث أن ما أخذ عمر منهم لم يكن زكاة ، ألا ترى قوله : ~~إن للذين كانا قبلى ، يعنى رسول الله ، وأبا بكر ، لم يأخذا من الخيل صدقة ~~، ولم ينكر على عمر ما قال من ذلك أحد من أصحاب النبى ، - صلى الله عليه ~~وسلم - ، ودل قول على لعمر : لا بأس بذلك إن لم تصر بعدك جزية يؤخذون بها ، ~~أن عمر إنما أخذ ذلك لسؤالهم إياه ، وأن لهم منع ذلك متى أحبوا ، ثم سلك ~~عمر بالعبيد فى ذلك مسلك الخيل ، ولم يدل ذلك أن العبيد الذين لغير التجارة ~~يجب فيهم الصدقة ، وإنما كان ذلك على التبرع من مواليهم بإعطاء ذلك ، ~~والأمة مجمعة أنه لا زكاة فى العبيد غير زكاة الفطر إذا كانوا للقنية ، فإن ~~كانوا للتجارة فالزكاة فى أثمانهم ، ويلزم تقويمهم كسائر العروض التى ~~للتجارة . وأما قوله - صلى الله عليه وسلم - : ( ولم ينس حق الله فى ظهورها ~~) ، فإنه يجوز أن يكون ذلك الحق حقا سوى الزكاة ، فإنه روى ذلك عن ~~PageV03P485 رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : حدثنا ربيع المؤذن ، حدثنا ~~أسد ، حدثنا شريك بن عبد الله ، عن أبى حمزة ، عن عامر ، عن فاطمة بنت قيس ~~، عن النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، أنه قال : ( فى المال حق سوى الزكاة ~~) ، وتلا : { ليس البر أن تولوا وجوهكم } [ البقرة : 177 ] إلى آخر الآية ، ~~فلما رأينا المال قد جعل الله فيه حقا سوى الزكاة ، احتمل أن يكون ذلك الحق ~~هو الذى فى الخيل أيضا ، وحجة أخرى أن الزكاة فى الحديث الذى روى عن أبى ~~هريرة إنما هو فى الخيل المرتبطة لا فى الخيل السائمة ، وحجة أخرى أنا ~~رأينا رسول الله ذكر الإبل السائمة أيضا ، فقال : ( فيها حق أيضا ms1051 ، فسئل عن ~~ذلك الحق ما هو ؟ فقال : إطراق فحلها ، وإعارة دلوها ، ومنيحة سمينها ) . ~~حدثنا بذلك إبراهيم بن مرزوق ، حدثنا أبو حذيفة ، حدثنا سفيان ، عن أبى ~~الزبير ، عن جابر ، عن النبى ، - صلى الله عليه وسلم - . فلما كانت الإبل ~~فيها حق سوى الزكاة احتمل أن يكون كذلك فى الخيل ، وحديث أبى هريرة أنه - ~~صلى الله عليه وسلم - قال : ( ليس على المسلم فى عبده ولا فرسه صدقة ) ~~الحجة القاطعة فى ذلك . فهذا وجه هذا الباب من طريق الآثار ، وأما وجهه من ~~طريق النظر ، فإنا رأينا الذين يوجبون فيها الزكاة لا يوجبونها حتى تكون ~~ذكورا وإناثا ، ويلتمس صاحبها نسلها ، ولا تجب الزكاة فى ذكورها خاصة ، ولا ~~فى إناثها خاصة ، وكانت الزكوات المتفق عليها فى المواشى السائمة تجب فى ~~الإبل والبقر والغنم ذكورا كانت كلها أو إناثا ، فلما استوى حكم الذكور فى ~~ذلك خاصة ، وحكم الإناث خاصة ، وحكم الذكور والإناث ، وكانت الذكور من ~~الخيل خاصة ، والإناث منها PageV03P486 خاصة ، لا تجب فيها زكاة كان كذلك ~~فى النظر الذكور منها والإناث إذا اجتمعت لا تجب فيها زكاة . وقال الطحاوى ~~، والطبرى : والنظر أن الخيل فى معنى البغال والحمير التى قد أجمع الجميع ~~ألا صدقة فيها ، ورد المختلف فيه إلى المتفق عليه إذا اتفقا فى المعنى أولى ~~. # | 44 - باب الصدقة على اليتامى # / 56 - فيه : أبو سعيد ، أن النبى - صلى الله عليه وسلم - ، جلس ذات يوم ~~على المنبر ، وجلسنا حوله ، فقال : ( إن مما أخاف عليكم من بعدى ما يفتح ~~عليكم من زهرة الدنيا وزينتها ) ، فقال رجل : يا رسول الله ، أويأتى الخير ~~بالشر ؟ فسكت النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، فقيل له : ما شأنك تكلم ~~النبى - صلى الله عليه وسلم - ولا يكلمك ؟ فرأينا أنه ينزل عليه ، قال : ~~فمسح عنه الرحضاء ، فقال : ( أين السائل ) ؟ فكأنه حمده ، فقال : ( إنه لا ~~يأتى الخير بالشر ، وإن مما ينبت الربيع يقتل حنطا ، أو يلم إلا آكلة ~~الخضراء ، أكلت حتى إذا امتدت خاصرتاها استقبلت عين الشمس ، فثلطت ، وبالت ~~، ورتعت ، وإن هذا المال خضرة حلوة ، فنعم صاحب المسلم ما ms1052 أعطى منه المسكين ~~واليتيم وابن السبيل - أو كما قال النبى ، - صلى الله عليه وسلم - - وإنه ~~PageV03P487 من يأخذه بغير حقه كالذى يأكل ولا يشبع ، ويكون شهيدا عليه يوم ~~القيامة ) . قال المهلب : احتج قوم بهذا الحديث فى تفضيل الفقر على الغنى ، ~~وليس كما تأولوه ، بل هو حجة عليهم ، لأن النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، ~~لم يخش عليهم ما يفتح عليهم من زهرة الدنيا إلا إذا ضيعوا ما أمرهم الله به ~~من إنفاقه فى حقه ، وإذا كسبوه من غير وجهه . وقوله - صلى الله عليه وسلم - ~~: ( لا يأتى الخير بالشر ) يعنى المال إذا كسب من وجهه وفعل به ما أمرهم ~~الله ، ثم ضرب لهم مثلا بقوله : ( وإن مما ينبت الربيع يقتل أو يلم ) يعنى ~~أن الاستكثار من المال والخروج من حد الاقتصاد فيه ضار ، كما أن الاستكثار ~~من المأكل مسقم ، ضرب هذا مثلا للحريص على جمع المال ، المانع له من حقه ، ~~والربيع تنبت فيه أحرار الشعب التى تحلوليها الماشية فتستكثر منها حتى ~~تنتفخ بطونها فتهلك . وقوله : ( أو يلم ) يعنى يقرب من الهلاك ، يقال : ألم ~~الشىء : قرب ، والرحضاء : عرق الحمى ، وقد رحض ورحضت الثوب : غسلته ، وقوله ~~: ( إلا آكلة الخضر ) يعنى التى تخرج مما جمعت منه ورعت ما ينفعها إخراجه ~~من البراز والبول ، فهذا لا يقتلها ما رعت ، فضرب هذا - صلى الله عليه وسلم ~~- مثلا لمن تصدق ، وأخرج من ماله ما ينفعه إخراجه مما لو أمسكه لضره إثمه ~~كما يضر PageV03P488 التى رعت لو أمسكت البول والغائط ولم تخرجه ، وبين هذا ~~المعنى قوله - صلى الله عليه وسلم - فى المال : ( فنعم صاحب المسلم ما أعطى ~~منه المسكين وابن السبيل ) ، وفى هذا تفضيل للمال . وقال الخطابى : الخضر ~~ليس من أحرار البقول التى تسكثر منها الماشية فتنهكه أكلا ، ولكن من الجنبة ~~التى ترعاها بعد هيج الشعب ويبسه ، وأكثر ما رأيت العرب تقول : الخضر لما ~~اخضر من الكلأ الذى لم يصفر ، والماشية من الإبل ترتع منه سنا سنا ، فلا ~~تستكثر منه فلا تحبط بطونها عليه ، وقد ذكره طرفة ، وبين أنه ينبت ms1053 فى الصيف ~~فقال : كبنات المخر يمأدن إذا أنبت الصيف عساليج الخضر والخضر من كلأ الصيف ~~، وليس من أحرار بقول الربيع ، والنعم لا تستوبله ، ولا تحبط بطونها عليه ، ~~وأما قوله : ( وإن هذا المال خضرة ) ، فإن العرب تسمى الشىء الحسن المشرق ~~خضرا تشبيها بالنبات الأخضر الغض ، قال تعالى : { فأخرجنا منه خضرا } [ ~~الأنعام : 99 ] ومنه قولهم : اختضر الرجل ، إذا مات شابا ، لأنه يؤخذ فى ~~وقت الحسن والإشراق ، يقول : إن المال يعجب الناظرين إليه ، ويحلو فى ~~أعينهم ، فيدعوهم حسنه إلى الاستكثار منه ، فإذا فعلوا ذلك تضرروا به ~~كالماشية إذا استكثرت فى المرعى ثلطت والثلط : السلح الرقيق . قال ابن ~~الأنبارى : قوله - عليه السلام - : ( إن هذا المال خضرة PageV03P489 حلوة ) ~~يدل أن المال يؤنث ، وقال غيره : ليس بتأنيث ، لأن قوله : ( خضرة حلوة ) لم ~~يأت على الصفة ، وإنما أتى على التمثيل والتشبيه ، كأنه قال : إن هذا المال ~~كالبقلة الخضرة الحلوة ، ونقول : إن هذا السجود حسنة ، والسجود مذكر ، ~~فكأنه قال : السجود فعلة حسنة . قال المهلب : وفيه : جواز ضرب الأمثال فى ~~الحكمة ، وإن كان لفظها بالبراز والبول والكلام الوضيع ، وفيه : جواز ~~اعتراض التلميذ على العالم فى الأشياء المجملة حتى يفسر له ما يبين معناها ~~، وفيه : دليل على أن الاعتراض إذا لم يكن موضعه بينا أنه منكر على المعترض ~~به ، ألا تراهم أنكروا على السائل ، وقالوا له : تكلم النبى ، ولا يكلمك ؟ ~~إلا أن قوله : ( أين السائل ) ؟ فكأنه حمده ، يدل أن من سأل العالم وباحثه ~~عما ينتفع به ، ويفيد حكمه أنه محمود من فعله . وفيه : أن للعالم إذا سئل ~~أن يمطل بالجواب حتى يتيقن أو يطلع المسألة عند من فوقه من العلماء ، كما ~~فعل النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، فى سكوته عنه حتى استطلعها من قبل ~~الوحى ، وفيه : أن المكتسب للمال من غير حله غير مبارك له فيه ، لقوله : ( ~~كالذى يأكل ولا يشبع ) لأن الله تعالى قد رفع عنه البركة ، وألقى فى قلوب ~~آكليه ومكتسبيه الفاقة ، وقلة القناعة ، ويشهد لهذا قوله تعالى : { يمحق ~~الله الربا ويربى الصدقات } [ البقرة : 276 ] فالمحق أبدا فى ms1054 المال المكتسب ~~من غير الواجب . PageV03P490 قوله : ( يكون شهيدا عليه يوم القيامة ) يعنى ~~، والله أعلم ، أنه يمثل له ماله شجاعا أقرع ، ويأتيه فى صورة تشهد عليه ~~بالخيانة ، لأنه آية معجزة ، ولا أكبر شهادة من المعجزات ، وفيه : أن ~~للعالم أن يحذر من يجالسه من فتنة المال وغيره ، وينبههم على مواضع الخوف ~~من الافتتان به ، كما قال - صلى الله عليه وسلم - : ( إن مما أخشى عليكم ) ~~فوصف لهم ما يخاف عليهم ، ثم عرفهم بمداواة تلك الفتنة ، وهى إطعام المسكين ~~واليتيم وابن السبيل ، وقد جاء عن النبى أن الصدقة على اليتيم تذهب قساوة ~~القلب ، وسأذكره فى باب فضل من يعول يتيما ، فى كتاب الأدب ، إن شاء الله . # | 45 - باب الزكاة على الزوج والأيتام فى الحجر # قاله أبو سعيد عن النبى - صلى الله عليه وسلم - . / 57 - فيه : زينب ~~امرأة ابن مسعود ، أنها كانت تنفق على عبدالله وأيتام فى حجرها ، فقالت ~~لعبدالله : سل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أيجزى عنى أن أنفق عليك ، ~~وعلى أيتام فى حجرى من الصدقة ؟ فقال : سلى أنت رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - ، فانطلقت إلى النبى - صلى الله عليه وسلم - فوجدت امرأة من الأنصار ~~على الباب حاجتها مثل حاجتى ، فمر علينا بلال ، فقلنا : سل النبى - صلى ~~الله عليه وسلم - : أيجزى عنى أن أنفق على زوجى ، وأيتام لى فى حجرى ؟ قال ~~: ( نعم ، لها أجران : أجر القرابة ، وأجر الصدقة ) . PageV03P491 / 58 - ~~وفيه : أم سلمة ، قالت : قلت : يا رسول الله ، ألى أجر أن أنفق على بنى أبى ~~سلمة ، إنما هم بنى ، فقال : ( أنفقى عليهم ، فلك أجر ما أنفقت عليهم ) . ~~قال ابن المنذر : أجمع العلماء أن الرجل لا يعطى زوجته من الزكاة ، لأن ~~نفقتها تجب عليه ، وهى غنية بغناه ، واختلفوا فى المرأة هل تعطى زوجها من ~~الزكاة ؟ فأجاز ذلك أبو يوسف ، ومحمد ، والشافعى ، وأبو ثور ، وأبو عبيد ، ~~وجوزه أشهب إذا لم يرجع إليها شىء من ذلك ، ولا جعلته وقاية لمالها فيما ~~يلزم نفسها من مواساته ، وتأدية حقه ، فإن رجع إليها شىء من ذلك لم يجزئها ~~. وقال ms1055 مالك : لا تعطى المرأة زوجها من زكاة مالها . وهو قول أبى حنيفة . ~~واحتج من جوز ذلك بحديث زينب امرأة ابن مسعود ، وقالوا : جائز أن تعطيه من ~~الزكاة ، لأنه داخل فى جملة الفقراء الذين تحل لهم الصدقة ، وأيضا فإن كل ~~من لا يلزم الإنسان نفقته فجائز أن يضع فيه الزكاة ، والمرأة لا يلزمها ~~النفقة على زوجها ، ولا على بنيه قال المهلب : والدليل على أن المرأة لا ~~تلزمها النفقة على بنيها قوله تعالى : { وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن ~~بالمعروف } [ البقرة : 233 ] . قال الطحاوى : واحتج عليهم أهل المقالة ~~الثانية ، فقالوا : إن تلك الصدقة التى فى حديث زينب إنما كانت من غير ~~الزكاة ، وقد بين ذلك ما رواه الليث عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، ~~PageV03P492 عن عبيد الله بن عبد الله ، عن رائطة بنت عبد الله امرأة عبد ~~الله بن مسعود ، وكانت امرأة صناع وليس لعبد الله بن مسعود مال ، فكانت ~~تنفق عليه ، وعلى ولده منها ، فقالت : لقد شغلتنى والله أنت وولدك عن ~~الصدقة ، فما أستطيع أن أتصدق معكم بشىء ، فسألت رسول الله هى وهو ، فقالت ~~: يا رسول الله ، إنى امرأة ذات صنعة ، أبيع منها ، وليس لزوجى ولا لولدى ~~شىء ، فشغلونى فلا أتصدق ، فهل لى فيهم أجر ؟ فقال : ( لك فى ذلك أجر ما ~~أنفقت عليهم ، فأنفقى عليهم ) . قال الطحاوى : ففى هذا الحديث أن تلك ~~الصدقة لم تكن زكاة ، ورائطة هذه هى زينب امرأة عبد الله ، لا نعلم أن عبد ~~الله كانت له امرأة غيرها فى زمن رسول الله ، فكانت تنفق عليه وعلى ولده من ~~عمل يدها ، وقد أجمعوا أنه لا يجوز أن تنفق على ولدها من زكاتها ، فلما كان ~~ما أنفقت على ولدها ليس من الزكاة ، فكذلك ما أنفقت على زوجها ليس من ~~الزكاة ، وقد روى أبو هريرة عن النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، مثل ذلك ، ~~حدثنا فهد ، حدثنا على بن معبد ، حدثنا إسماعيل بن أبى كثير الأنصارى ، عن ~~عمر بن نبيه الكعبى ، عن المقبرى ، عن أبى هريرة ، أن رسول الله - صلى الله ~~عليه ms1056 وسلم - انصرف من صلاة الصبح يوما ، فأتى على النساء فى المسجد ، فقال ~~: ( يا معشر النساء ، ما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهب بعقول ذوى الألباب ~~PageV03P493 منكن ، إنى رأيتكن أكثر أهل النار ، فتقربن إلى الله ما ~~استطعتن ) . وكان فى النساء امرأة ابن مسعود ، فانصرفت إلى ابن مسعود ، ~~فأخبرته بما سمعت من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وأخذت حليا لها ، ~~فقال ابن مسعود : أين تذهبين بهذا الحلى ؟ فقالت : أتقرب به إلى الله وإلى ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، لعل الله أن لا يجعلنى من أهل النار . ~~قال : هلمى ويلك ، تصدقى به على وعلى ولدى . فقالت : لا والله حتى أذهب به ~~إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فذهبت به فسألته ، فقال : ( تصدقى ~~به عليه ، وعلى بنيه ، فإنهم له موضع ) . فبين رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - أنه أراد بقوله : ( تصدقى ) صدقة التطوع التى تكفر بها الذنوب ، ~~لأنه أمرها بالصدقة بكل الحلى ، وذلك من التطوع لا من الزكاة ، لأن الزكاة ~~لا توجب الصدقة بكل المال ، وإنما توجب الصدقة بجزء منه ، وهذا دليل على ~~فساد تأويل أبى يوسف ، ومن ذهب مذهبه فقد بطل بما ذكرنا أن يكون فى حديث ~~زينب ما يدل أن المرأة تعطى زوجها من زكاة مالها إذا كان فقيرا . * * * # | 46 - باب قول الله تعالى : { وفى الرقاب والغارمين وفى سبيل الله } [ ~~التوبة : 60 ] # ويذكر عن ابن عباس يعتق من زكاة ماله ويعطى فى الحج . وقال الحسن : إن ~~اشترى أباه من الزكاة جاز ويعطى فى المجاهدين ، والذى لم يحج ثم تلا : { ~~إنما الصدقات } [ التوبة : 60 ] الآية ، فى أيها أعطيت PageV03P494 أجزأت . ~~وقال - صلى الله عليه وسلم - : ( إن خالدا احتبس أدراعه فى سبيل الله ) ، ~~ويذكر عن أبى لاس حملنا النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، على إبل الصدقة ~~للحج . / 59 - وفيه : أبو هريرة ، أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~بالصدقة ، فقيل : منع ابن جميل وخالد بن الوليد ، وعباس بن عبد المطلب ، ~~فقال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( ما ينقم ابن جميل إلا أنه ms1057 كان فقيرا ~~فأغناه الله ورسوله ، وأما خالد فإنكم تظلمون خالدا ، قد احتبس أدراعه ~~وأعبده فى سبيل الله ، وأما العباس بن عبد المطلب فعم رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - فهى عليه صدقة ، ومثلها معها ) . اختلف أهل العلم فى تأويل ~~قوله تعالى : { وفى الرقاب } قال ابن عباس : يجوز أن يشترى من الصدقة رقابا ~~فيعتقهم ، وهو قول الحسن ومالك فى المدونة ، وبه قال أحمد ، وإسحاق ، وأبى ~~ثور ، وقال مالك : لا يشترى إلا مؤمنا ويكون ولاؤهم لجماعة المسلمين ، قال ~~: ولا يعطيها المكاتبين ، لأن المكاتب عبد ما بقى عليه درهم ، فربما عجز ~~فصار عبدا ، وقال أبو حنيفة ، والليث ، والشافعى : لا يجزئ أن يعتق من ~~الزكاة رقبة كاملة ، ومعنى قول الله تعالى : { وفى الرقاب } هم المكاتبون ، ~~وهو قول النخعى ، وروى ابن القاسم ومطرف ، عن مالك لا بأس أن يعطى المكاتب ~~ما تتم به كتابته . PageV03P495 واحتج المخالفون لمالك بأن كل صنف أعطاهم ~~الله الصدقة على سبيل التمليك ، فكذلك الرقاب يجب أن يكون المراد به من ~~تملك الصدقة ، والعبد لا يملك الصدقة وأيضا ، فإن الله ذكر الأصناف ~~الثمانية ، وجمع بين كل صنفين متقاربين فى المعنى ، فجمع بين الفقراء ~~والمساكين ، وجمع بين العاملين والمؤلفة قلوبهم ، لأنهما يستعان بهما إما ~~فى جباية الصدقة ، وإما فى معاونة المسلمين ، وجمع بين ابن السبيل وسبيل ~~الله ، لتقاربهما فى المعنى وهو قطع المسافة ، وجمع بين الرقاب والغارمين ، ~~فأخذ المكاتب لغرم كتابته كأخذ الغارمين للديون . قال ابن القصار : والحجة ~~لمالك عموم قوله تعالى : { وفى الرقاب } وإطلاق الرقاب يقتضى عتق الرقاب فى ~~كل موضع أطلق ذكرها ، مثل كفارة الظهار ، قال تعالى فيها : { فتحرير رقبة } ~~وكذلك فى اليمين ، ولم يرد بذلك المكاتبين ، وإنما أراد العبيد ، ولو أراد ~~المكاتبين لكان يكفى بذكر الغارمين ، لأن المكاتب غارم ، فهو داخل فيهم ، ~~وشراء العبد أولا أولى من المكاتب ، لأن المكاتب قد حصل له سبب العتق ~~بمكاتبة سيده له ، والعبد لم يحصل له سبب عتق ، وأيضا فلو أعطينا المكاتب ، ~~فإن تم عتقه كان الولاء لسيده فيحصل له المال والولاء ، وإذا اشترينا ms1058 عبدا ~~فأعتقناه كان ولاؤه للمسلمين ، فكان أولى وأليق بظاهر الآية . قال غيره : ~~وأما قول الحسن : إن اشترى أباه من الزكاة جاز ، فينبغى أن يجوز على أصل ~~مالك ، لأنه يجيز عتق الرقاب من PageV03P496 الزكاة ، إلا أنه يكرهه لما ~~فيه من انتفاعه بالثناء عليه بأنه ابن حر ، ولا يجوز عند أبى حنيفة ~~والشافعى . واختلفوا فى قوله تعالى : { وفى سبيل الله } فقال مالك ، وأبو ~~حنيفة ، والشافعى ، وأبو ثور ، وإسحاق : هم الغزاة ، إلا أن أبا حنيفة ~~وأصحابه ، قالوا : لا يعطى الغازى إلا أن يكون محتاجا ، وقال مالك والشافعى ~~: يعطى وإن كان غنيا . وقال ابن عباس ، وابن عمر : { فى سبيل الله } الحجاج ~~، ولا بأس أن يأخذوا من الزكاة . وقال محمد بن الحسن : من أوصى بثلث ماله ~~فى سبيل الله ، فللوصى أن يجعله فى الحاج المنقطع به . واحتج بأن رجلا وقف ~~ناقة له فى سبيل الله ، فأرادت امرأته أن تحج وتركبها ، فسألت النبى ، - ~~صلى الله عليه وسلم - ، فقال : ( اركبيها ، فإن الحج من سبيل الله ) فدل أن ~~سبل الله كلها داخلة فى عموم اللفظ ، رواه شعبة عن إبراهيم بن مهاجر ، عن ~~أبى بكر بن عبد الرحمن ، قال : أرسل مروان إلى أم معقل يسألها عن هذا ~~الحديث ، وإلى هذا ذهب البخارى ، ولذلك ذكر حديث أبى لاس : أن النبى ، - ~~صلى الله عليه وسلم - ، حملهم على إبل الصدقة للحج . وتأول قوله : إن خالدا ~~قد احتبس أدراعه وأعبده فى سبيل الله ) أنه يجوز أن يدخل فيه كل سبل الله : ~~الحج ، والجهاد ، وغيره ، وذكر قول الحسن أنه أجاز أن يعتق أباه من الزكاة ~~، ويعطى فى المجاهدين والذى لم يحج ، وتلا : { إنما الصدقات } [ التوبة : ~~60 ] الآية ، قال : فى أيها أعطيت أجزأت . قال ابن القصار : وحجة من قال هم ~~الغزاة ، أن كل موضع ذكر فيه سبيل الله ، فالمراد منه الغزو والجهاد ، قال ~~الله تعالى : PageV03P497 { الذين يقاتلون فى سبيله صفا } [ الصف : 4 ] ~~وقال : { الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا فى سبيل الله } [ التوبة : 20 ] ، ~~فكذلك آية الصدقات . وقال أبو عبيد : لا أعلم أحدا أفتى بأن تصرف الزكاة ms1059 ~~إلى الحج ، وقال ابن المنذر : لا يعطى منها فى الحج ، لأن الله قد بين من ~~يعطاها ، إلا أن يثبت حديث أبى لاس ، فإن ثبت وجب القول به فى مثل ما جاء ~~الحديث خاصة ، رواه ابن إسحاق ، عن محمد بن إبراهيم ، عن عمر بن الحكم بن ~~ثوبان ، عن أبى لاس الخزاعى . وأما قول أبى حنيفة : لا يعطى المجاهد من ~~الزكاة إلا أن يكون محتاجا ، فهو خلاف ظاهر الكتاب والسنة ، فأما الكتاب ~~فقوله تعالى : { وفى سبيل الله } فإذا غزا الغنى فأعطى كان ذلك فى سبيل ~~الله ، وأما السنة فروى عبد الرزاق ، عن معمر ، عن زيد بن أسلم ، عن عطاء ~~بن يسار ، عن أبى سعيد الخدرى ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- : ( لا تحل الصدقة لغنى إلا لخمسة : لعامل عليها ، أو رجل اشتراها بماله ~~، أو غارم ، أو غاز فى سبيل الله ، أو مسكين تصدق عليه منها فأهدى منها ~~للغنى ) . قال المهلب : وفى حديث أبى هريرة معان منها : أن ابن جميل كان ~~منافقا فمنع الزكاة تربصا ، فاستتابه الله عز وجل فى كتابه ، فقال : { وما ~~نقموا إلا أن أغناهم الله ورسوله من فضله فإن يتوبوا يك خيرا لهم } [ ~~التوبة : 74 ] ، فقال : استتابنى ربى . فتاب وصلحت حاله ، وأما العباس فإنه ~~كان استدان فى مفاداة نفسه ومفاداة عقيل ، فكان من الغارمين الذين لا ~~تلزمهم الصدقة . وقال أبو عبيد فى قوله : ( فإنها عليه ومثلها معها ) نراه ~~، PageV03P498 والله أعلم ، أنه كان أخر عنه الصدقة عامين من أجل حاجة ~~العباس ، فإنه يجوز للإمام أن يؤخرها على وجه النظر ، ثم يأخذها منه بعد ، ~~كما أخر عمر بن الخطاب صدقة عام الرمادة ، فلما حيى الناس فى العام المقبل ~~أخذ منهم صدقة عامين . وأما الحديث الذى يروى أن النبى - صلى الله عليه ~~وسلم - قال : ( إنا قد تعجلنا من العباس صدقة عامين ) فهو عندى من هذا أيضا ~~، إنما تعجل منه أنه أوجبها عليه وضمنه إياها ، ولو لم يقبضها منه ، فكانت ~~دينا على العباس ، ألا ترى قوله : ( فإنها عليه ، ومثلها معها ) ، وقد روى ms1060 ~~حجية عن على أن العباس سأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يعجل صدقته ~~للمساكين قبل محلها ، فأذن له . فيكون معنى قوله فهى عليه صدقة ، أى فهى ~~عليه واجبة ( فأداها قبل محلها ، ومثلها معها ) أى قد أداها أيضا لعام آخر ~~، لأنه قد روى أنها كانت صدقة عامين ، وهذا أيضا معنى رواية من روى ( فهى ~~عليه ) ، ولم يذكر ( صدقة ) . وروى عبد الرزاق ، عن ابن جريج ، قال : ~~أخبرنى يزيد بن خالد ، أن عمر بن الخطاب ، قال للعباس لابان الزكاة : وأد ~~زكاة مالك ، وكان الرسول ، - صلى الله عليه وسلم - ، أمره بذلك ، فقال : ~~أديتها قبل ذلك . فذكر ذلك عمر للنبى - صلى الله عليه وسلم - ، فقال : ( ~~صدق قد أداها قبل ) ، وروى ورقاء ، عن أبى الزناد : ( فهى على ) فالمعنى ~~أنه - صلى الله عليه وسلم - أراد أن يؤديها عنه برا به ، لقوله فى الحديث : ~~( أما علمت أن عم الرجل صنو أبيه ) . PageV03P499 ( وأما خالد فإنه احتبس ~~أدراعه وأعبده فى سبيل الله ) ، فحسب له النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، ~~ذلك عوضا من الصدقة التى وجبت عليه وخاصه بها ، هذا على من جعل هذه الصدقة ~~صدقة الفريضة ، وقد روى عبد الرزاق ، عن ابن جريج ، قال : حدثت حديثا عن ~~الأعرج ، عن أبى هريرة ، أن رسول الله ندب الناس فى الصدقة . وذكر الحديث ، ~~فيكون على هذا معنى قوله : ( فهى عليه صدقة ومثلها معها ) يريد أنه سيتصدق ~~بها وبمثلها ، لأنه لا يمتنع من شىء ألزمه إياه من التطوع ، بل هو يعده ~~كاللازم . قال ابن القصار : وهذا أليق بالقصة ، لأنه قد أمر بصدقة فنكرها ، ~~وأما عذر خالد فإنه واضح ، لأنه من أخرج أكثر ماله وأوقفه فى سبيل الله ، ~~لا تحتمل حاله صدقات التطوع ، ويكون ابن جميل شح فى التطوع الذى لا يلزمه ، ~~ولا يظن بواحد منهم منع الواجب . وقد احتج من جعل الصدقة فى حديث العباس ~~صدقة الفريضة بهذا الحديث ، فأجاز تعجيل الزكاة قبل محلها ، وهو قول النخعى ~~، وقتادة ، والحسن ، وسعيد بن جبير ، والزهرى ، وأبى حنيفة ، والأوزاعى ، ~~والشافعى ، وأحمد ، وإسحاق ، وأبى ثور ، وخالفهم ms1061 آخرون ، وقالوا : لا يجوز ~~تعجيل الزكاة قبل محلها ، روى ذلك عن عائشة ، وابن سيرين ، وهو قول مالك ~~والليث ، وقالوا : هو كالذى يصلى PageV03P500 ويصوم قبل الوقت ، وروى ابن ~~القاسم ، عن مالك : أنه لا يجوز تعجيلها قبل الحول إلا بيسير ، وقال ابن ~~حبيب : قال من لقيت من أصحاب مالك : لا تجزئه إلا فيما قرب مثل الخمسة أيام ~~أو العشرة قبل الحول ، وقال ابن القاسم : الشهر قريب على تزحيف وكره ذلك . ~~قال الطبرى : والذى شبه الزكاة بالصيام والصلاة فليس بمشبه ، وذلك أنه لا ~~خلاف بين جميع السلف والخلف فى أن الصدقة لو وجبت فى ماشية رجل فهرب بها من ~~المصدق فظهر عليه المصدق ، فأخذ زكاتها وربها كاره ، أنها تجزئ عنه ، ولا ~~خلاف بينهم أنه لو امتنع من أداء صلاة مكتوبة فأخذ بأدائها كرها فصلاها ، ~~وهو غير مريد قضائها أنها غير مجزئة عنه ، فبان بذلك أن الصلاة مخالفة ~~للزكاة فى تعجيلها إذ كانت الصلاة لا تجزئ من لزمته إلا بعمل ببدنه ونيته ~~متقربا بها إلى الله تعالى . والعجب ممن زعم فى الزكاة أنها لا تجزئ عمن ~~قدمها قبل محلها ، لأنه متطوع بإعطائها والتطوع لا يجزئ عن الفرائض ، وليس ~~كما ظن ، لأن الذى يعجله لا يعطيه بمعنى الزكاة ، وإنما يعطيه من يعطيه ~~دينا له عليه على أن يحتسبه عند محله زكاة من ماله ، وعلى هذا الوجه كان ~~استسلاف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من العباس صدقته قبل وجوبها فى ~~ماله ، فإن ظن ظان أنه غير جائز له احتسابها من زكاته بعد وجوبها عليه ، ~~كما غير جائز له أن يصلى الظهر قبل PageV03P501 وقتها على أن يحتسبها ظهرا ~~إذا دخل وقتها ، وأن يصوم شعبان على أن يحتسبه من رمضان بعد دخول رمضان ، ~~فقد أفحش الخطأ ، وذلك لأن الصلاة والصيام من الفروض التى على من وجبت عليه ~~عملها ببدنه ، وليست كذلك الزكاة ، لأن الزكاة حق أوجبها الله لأهل الصدقات ~~، فهم شركاء لأرباب الأموال فيها إذا وجبت لهم ، فإذا وصلت إليهم حقوقهم ~~منها فقد برئ أربابها سواء أدوا ms1062 ذلك بأنفسهم ، أو أداه عنهم مؤد بأمرهم ، ~~أو أخذه منهم آخذ أباح الله له أخذه لأهل السهمان برضى رب المال كان أخذه ~~أو بغير رضاه ، والدليل على ذلك مال المعتوه واليتيم يؤدى عنه وليه الزكاة ~~، فيجزئ عنه . فإن قيل : فإن حديث أبى هريرة كان فى جواز تقديم صدقة التطوع ~~، لأنه قال فى الحديث : ( إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمر بصدقة ) ~~فنكرها . وقال ابن جريج فى الحديث : ( إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~ندب الناس فى الصدقة ) . قيل : قد صح الخبر عن على : أن العباس سأل النبى - ~~صلى الله عليه وسلم - فى تعجيل صدقته قبل وجوبها عليه ، فرخص له فى ذلك . ~~حدثناه أحمد بن منصور ، حدثنا سعيد بن منصور ، حدثنا إسماعيل بن زكريا ، عن ~~حجاج بن دينار ، عن الحكم ، عن حجية ، عن على ، ولا يقال فى التطوع منع إلا ~~من منع صدقة الفريضة . وقد اختلفت الرواية فى قوله : ( أدراعه وأعبده ) ~~فروت طائفة PageV03P502 ( أعبده ) بالباء ، جمع عبد ، وروى أبو ذر ( أعتده ~~) بالتاء ، جمع عتد ، وهو الفرس ، وفى كتاب مسلم ، وأبى داود ( أعتاده ) ~~بالألف ، وهذا شاهد بصحة رواية من روى ( أعتده ) بالتاء ، لأنه لا يقال فى ~~جمع أعبد : أعباد ، والمعروف من عادة الناس فى كل زمن تحبيس الخيل والسلاح ~~فى سبيل الله لا تحبيس العبيد ، وقال صاحب العين : فرس عتد وعتيد ، أى معد ~~للركوب ، وكذلك سميت عتيدة الطيب ، وقال غيره : الذكر والأنثى فيه سواء ، ~~قال سلامة بن جندل : بكل مجنب كالسيد نهد وكل طوالة عتيد نزاق ومما يدل أنه ~~عتد بفتح التاء مجيئه للذكر والأنثى بلفظ واحد ، وهذا حكم المصادر . * * * # | 47 - باب الاستعفاف عن المسألة # / 60 - فيه : أبو سعيد ، أن ناسا من الأنصار سألوا رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - فأعطاهم ، ثم سألوه فأعطاهم ، ثم سألوه فأعطاهم ، حتى نفد ما ~~عنده ، فقال : ( ما يكون عندى من خير فلن أدخره عنكم ، ومن يستعفف يعفه ~~الله ، ومن يستغن يغنه الله ، ومن يتصبر يصبره الله ، وما أعطى أحد عطاء ~~خيرا وأوسع من الصبر ms1063 ) . / 61 - وفيه : أبو هريرة ، قال : قال رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - : ( والذى نفسى بيده لأن يأخذ أحدكم حبله ، فيحتطب ~~على ظهره ، خير له من أن يأتى رجلا فيسأله ، أعطاه أو منعه ) . PageV03P503 ~~/ 62 - وفيه : حكيم بن حزام ، سألت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~فأعطانى ، ثم سألته فأعطانى ، ثم سألته فأعطانى ، ثم قال : ( يا حكيم ، إن ~~هذا المال خضرة حلوة ، فمن أخذه بسخاوة نفس بورك له فيه ، ومن أخذه بإشراف ~~نفس لم يبارك له فيه ، كالذى يأكل ولا يشبع ، اليد العليا خير من اليد ~~السفلى ) ، قال حكيم : فقلت : يا رسول الله ، والذى بعثك بالحق ، لا أرزأ ~~أحدا بعدك شيئا حتى أفارق الدنيا . فكان أبو بكر يدعو حكيما إلى العطاء ، ~~فيأبى أن يقبله منه ، ثم إن عمر دعاه ليعطيه ، فأبى أن يقبل منه شيئا ، ~~فقال عمر : إنى أشهدكم يا معشر المسلمين على حكيم ، أنى أعرض عليه حقه من ~~هذا الفىء ، فيأبى أن يأخذه ، فلم يرزأ حكيم أحدا من الناس بعد رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - حتى توفى . فى حديث أبى سعيد من الفقه : إعطاء السائل ~~مرتين من مال واحد . وفيه : حجة لمن يعطى الفقير باسم الفقر ، وباسم ابن ~~السبيل من مال واحد ، كذلك سائر سهام الصدقات وقياسه عندهم الوصايا ، ~~يجيزون لمن أوصى له بشى إذا قبضه أن يعطى مع المساكين إن كان ذلك الشىء لا ~~يخرجه عن حد المسكنة ، وأبى من ذلك ابن القاسم ، وطائفة من الكوفيين . وفيه ~~: ما كان عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من الكرم والسخاء والإيثار ~~على نفسه . وفيه : الاعتذار للسائل إذا لم يجد ما يعطيه . وفيه : الحض على ~~الاستغناء عن الناس بالصبر ، والتوكل على الله ، وانتظار رزق الله ، ~~PageV03P504 وأن الصبر أفضل ما أعطيه المؤمن ، ولذلك الجزاء عليه غير مقدر ~~، ولا محدود ، قال تعالى : { إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب } [ الزمر ~~: 10 ] . وفى حديث أبى هريرة : الحض على التعفف عن المسألة والتنزه عنها ، ~~وأن يمتهن المرء نفسه فى طلب الرزق وإن ركب المشقة فى ذلك ms1064 ، ولا يكون عيالا ~~على الناس ولا كلا ، وذلك لما يدخل على السائل من الذل فى سؤاله ، وفى الرد ~~إذا رد خائبا ، ولما يدخل على المسئول من الضيق فى ماله إن هو أعطى لكل ~~سائل ، ولهذا المعنى قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( اليد العليا ~~خير من اليد السفلى ) ، وكان مالك يرى ترك ما أعطى الرجل على جهة الصدقة ~~أحب إليه من أخذه ، وإن لم يسأله . قال المهلب : فى حديث حكيم من الفقه : ~~أن سؤال السلطان الأعلى ليس بعار ، وفيه : أن السائل إذا ألحف لا بأس برده ~~وتخييبه وموعظته ، وأمره بالتعفف وترك الحرص على الأخذ كما فعل النبى ، - ~~صلى الله عليه وسلم - ، بالأنصار وبحكيم حين ألحفوا فى مسألته مرة بعد أخرى ~~، كلما أعطاهم سألوه ، فأنجح الله موعظته ومحا بها حرص حكيم ، فلم يرزأ ~~أحدا بعده . وقوله : ( فمن أخذه بسخاوة نفس بورك له فيه ) يدل أن القناعة ~~وطلب الكفاية والإجمال فى الطلب مقرون بالبركة ، وأن من طلب المال بالشره ~~والحرص ، فلم يأخذه من حقه لم يبارك له فيه ، وعوقب بأن حرم بركة ما جمع . ~~وفى قوله : ( اليد العليا خير من اليد السفلى ) فضل المال والغنى ~~PageV03P505 إذا أنفق فى طاعة الله ، وفيه : بيان أن لا يسأله الإنسان شيئا ~~إلا عند الحاجة والضرورة ، لأنه إذا كانت يده سفلى مع إباحة المسألة فهو ~~أحرى أن يمتنع من ذلك عند غير الضرورة . وفيه من الفقه : أن من كان له عند ~~أحد حق من تعامل أو غيره ، فإنه يجبر على أخذه إذا أبى ، فإن كان مما لا ~~يستحقه أن لا يبسط اليد إليه ، فلا يجبر على أخذه خلاف قول مالك ، وإنما ~~أشهد عمر على إباء حكيم ، لأنه خشى سوء التأويل عليه ، فأراد أن يبرئ ساحته ~~بالإشهاد عليه . وفيه : أنه لا يستحق أخذ شىء من بيت المال إلا بعد أن ~~يعطيه الإمام إياه ، وأما قبل ذلك فليس ذلك مستحق له ، ولو كان ذلك مستحقا ~~لقضى على حكيم بأخذه ، وعلى ذلك يدل نص القرآن قال تعالى ، حين ذكر ms1065 قسم ~~الصدقات وفى أى الأصناف تقسم : { كى لا يكون دولة بين الأغنياء منكم وما ~~آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا } [ الحشر : 7 ] ، فإنما هو لمن ~~أوتيه لا لغيره ، وإنما قال العلماء فى أسباب الحقوق فى بيت المال تشددا ~~على غير المرضى من السلاطين ليغلقوا باب الامتداد منهم إلى أموال المسلمين ~~، والتسبب إليها بالباطل ، ويدل على ذلك فتيا مالك فيمن سرق من بيت المال ~~أنه يقطع ، ومن رب الجارية من الفىء أنه يحد ، ولو استحقه فى بيت المال أو ~~فى الفىء شيئا على الحقيقة قبل إعطاء السلطان له ذلك لكانت شبهة يدرأ عنه ~~الحد بها ، وجمهور الأمة على أن للمسلمين حق فى بيت المال والفىء ، ويقسمه ~~الإمام على اجتهاده ، وسيأتى ذلك فى كتاب الجهاد ، إن شاء الله . ~~PageV03P506 # | 48 - باب من أعطاه الله شيئا من غير مسألة ولا إشراف نفس # / 63 - فيه : عمر ، قال : كان النبى - صلى الله عليه وسلم - يعطينى ~~العطاء ، فأقول : أعطه من هو أفقر إليه منى ، فقال : ( خذه إذا جاءك من هذا ~~المال شىء وأنت غير مشرف ، ولا سائل ، فخذه ، وما لا فلا تتبعه نفسك ) . ~~قال الطحاوى : ليس معنى هذا الحديث فى الصدقات ، وإنما هو فى الأموال التى ~~يقسمها الإمام على أغنياء المسلمين وفقرائهم ، فكانت تلك الأموال يعطاها ~~الناس لا من جهة الفقر ، ولكن بحقوقهم فيها ، فكره رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - لعمر حين أعطاه قوله : ( أعطه من هو أفقر إليه منى ) لأنه إنما ~~أعطاه لمعنى غير الفقر ، ثم قال له : ( خذه فتموله ) ، هكذا رواه شعيب عن ~~الزهرى ، فدل أن ذلك ليس من أموال الصدقات ، لأن الفقير لا ينبغى له أن ~~يأخذ من الصدقات ما ينبغى له أن يتخذه مالا ، كان عن مسألة أو غير مسألة ، ~~ثم قال : ( إذا جاءك من هذا المال ) الذى هذا حكمه ( فخذه ) . قال الطبرى : ~~اختلف العلماء فى معنى قوله - صلى الله عليه وسلم - لعمر : ( ما جاءك من ~~هذا المال فخذه ) بعد إجماعهم على أنه أمر ندب وإرشاد ، فقال بعضهم : هو ~~ندب من ms1066 النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، لكل من أعطى عطية إلى قبولها ~~كائنا من كان معطيها ، سلطانا أو عاميا ، صالحا أو فاسقا ، بعد أن يكون ممن ~~تجوز عطيته . ذكر من قال ذلك : روى عن أبى هريرة أنه قال : ( ما أحد يهدى ~~إلى هدية إلا قبلتها ، فأما أن أسأل فلا ) . وعن أبى الدرداء مثله ، ~~PageV03P507 وقبلت عائشة من معاوية ، وقال حبيب بن أبى ثابت : رأيت هدايا ~~المختار تأتى ابن عمر ، وابن عباس فيقبلانها ، وقال عثمان بن عفان : جوائز ~~السلطان لحم ظبى ذكى ، وبعث سعيد بن العاص إلى على بن أبى طالب هدايا ~~فقبلها ، وقال : خذ ما أعطوك ، وأجاز معاوية الحسين بأربعمائة ألف ، وسئل ~~أبو جعفر محمد بن على بن حسين عن هدايا السلطان ، فقال : إن علمت أنه من ~~غصب أو سحت فلا تقبله ، وإن لم تعرف ذلك فاقبله ، فإن بريرة تصدق عليها ~~بلحم فأهدته لآل النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، فقال : ( هو عليها صدقة ~~، ولنا هدية ) ، وقال : ( ما كان من مأثم فهو عليهم ، وما كان من مهنأ فهو ~~لك ) . وقبلها علقمة ، والأسود ، والنخعى ، والحسن البصرى ، والشعبى . وقال ~~آخرون : بل ذلك ندب من النبى - صلى الله عليه وسلم - أمته إلى قبول عطية ~~غير ذى سلطان ، فأما السلطان فإن بعضهم كان يقول : حرام قبول عطيته ، ~~وبعضهم كرهها . ذكر من قال ذلك : روى أن خالد بن أسيد أعطى مسروقا ثلاثين ~~ألفا ، فأبى أن يقبلها ، فقيل له : لو أخذتها فوصلت بها رحمك ، فقال : ~~أرأيت لو أن لصا نقب بيتا ما أبالى أخذتها أم أخذت ذلك . ولم يقبل ابن ~~سيرين ولا أبو رزين ولا ابن محيريز من السلطان ، وقال هشام بن عروة : بعث ~~إلى عبد الله بن الزبير ، وإلى أخى بخمسمائة دينار ، فقال أخى : ردها فما ~~أكلها أحد وهو غنى عنها إلا أحوجه الله إليها . وقال ابن المنذر : كره ~~جوائز السلطان : محمد بن واسع ، والثورى ، وابن المبارك ، وأحمد ابن حنبل ، ~~وجماعة . PageV03P508 وقال آخرون : بل ذلك ندب إلى قبول هدية السلطان دون ~~غيره . وروى عن عكرمة أنه قال : إنا ms1067 لا نقبل إلا من الأمراء . قال الطبرى : ~~والصواب عندى أنه ندب منه - صلى الله عليه وسلم - أمته إلى قبول عطية كل ~~معط جائز عطيته ، سلطانا كان أو رعية ، وذلك أن الرسول قال لعمر : ( ما ~~آتاك الله من هذا المال وأنت غير مشرف ولا سائل فاقبله ) ، فندبه - صلى ~~الله عليه وسلم - إلى قبول كل ما آتاه الله من المال من جميع وجوهه من غير ~~تخصيص وجه من الوجوه دون غيره ، سوى ما استثناه - صلى الله عليه وسلم - ، ~~وذلك ما جاء من وجه حرام عليه ، فلا يحل له قبوله ، كالذى يغصب رجلا مسلما ~~ماله ثم يعطيه بعينه آخر ، والذى يعطاه يعلم غصبه ، أو سرقته ، أو خيانته ، ~~فإن قبله كان واجبا عليه رده . فإن قال قائل : فإن كان الأمر كما وصفت من ~~أنه لا يحرم على امرئ قبول عطية أحد يجوز حكمه فى ماله إلا عطية حرم الله ~~قبولها ، فما وجه فعل من رد عطايا السلاطين ، وامتنع من قبول هدايا الأمراء ~~، وقد ندب - صلى الله عليه وسلم - إلى قبول عطية كل أحد ؟ . قيل له : إن من ~~رد من ذلك شيئا إنما كان على من كان الأغلب من أمره أنه لا يأخذ المال من ~~وجهه ، فرأى أن الأسلم لدينه والأبرأ لعرضه ترك قبوله إذ كان الأمر بالقبول ~~غير حتم واجب ، وإنما هو ندب إلى قبول ما لا شك فى حله ، فإذا كان فيه لبس ~~فالحق ترك قبوله ، وما لم يكن حلالا يقينا فلم يدخل فى أمره - صلى الله ~~عليه وسلم - عمر بقبوله ، فأحله محل الشبهات التى من واقعها لم يؤمن منه ~~مواقعة الحرام . PageV03P509 فإن قيل : فما تقول فيمن قبل ممن لم يتبين من ~~أين أخذ المال ولا فيما وضعه ؟ . قيل : ذلك ينقسم إلى ثلاثة أقسام : فما ~~علمت يقينا أنه حلال فلا أستحب رده ، وما علمت يقينا أنه حرام فلا أستحل ~~قبوله وما لم أعلم وجه مصيره ولا سبب وصوله إليه ، فذلك ما قد وضع عنى تكلف ~~البحث عن أسبابه ، وألزمنى فى الظاهر الحكم بأنه ms1068 أولى به من غيره ، ما لم ~~يستحقه عليه مستحق ، كما أحكم بما فى يد أعدل العدول أنه أولى بما فى يده ~~ما لم يستحقه عليه مستحق ، فسوى عز وجل بين حكم أفضل خلقه فى ذلك وأفجرهم ، ~~فالواجب على التسوية فى قبول عطية كل واحد منهما وردها من جهة ما يحل ويحرم ~~، وإن اختلفا فى أن البر أحق بأن يسر بقبول عطيته من الفاجر . فإن قيل : ~~يجوز على هذا مبايعة من يخالط ، ماله الحرام وقبول هداياه ؟ . قيل : قد كره ~~ذلك قوم وأجازه آخرون ، فممن كرهه : عبد الله بن يزيد ، وأبو وائل ، ~~والقاسم ، وسالم ، وروى أنه توفيت مولاة لسالم كانت تبيع الخمر بمصر فترك ~~ميراثها ، وكانت تبيع مولاة للقاسم الفضة بالفضة متفاضلة فترك ميراثها أيضا ~~، وقال مالك : قال عبد الله بن يزيد بن هرمز : إنى لأعجب ممن يرزق الحلال ~~فيرغب فى الربح فيه الشىء اليسير من الحرام فيفسد المال كله ، وكره الثورى ~~المال الذى يخالطه الحرام . وأما الذين أجازوا ذلك ، فروى عن ابن مسعود أن ~~رجلا سأله فقال : إن لى جارا لا يتورع من أكل الربا ، ولا من أخذ ما لا ~~يصلح ، وهو يدعونا إلى طعامه ، وتكون PageV03P510 لنا الحاجة فنستقرضه ؟ ~~فقال : أجبه إلى طعامه واستقرضه ، فلك المهنأ وعليه المأثم ، وسئل ابن عمر ~~عن أكل طعام من يأكل الربا فأجازه ، وسئل النخعى عن الرجل يرث الميراث منه ~~الحلال والحرام ، قال : لا يحرم عليه إلا حرام بعينه ، وعن سعيد بن جبير ~~أنه مر بالعشارين وفى أيديهم شماريخ ، فقال : ناولونا من سحتكم هذا ، إنه ~~عليكم حرام ولنا حلال ، وأجاز الحسن البصرى أكل طعام العشار والصراف ~~والعامل ، وعن مكحول والزهرى ، إذا اختلط المال الحلال والحرام فلا بأس به ~~، وإنما يكره من ذلك الشىء يعرف بعينه ، وأجاز ذلك ابن أبى ذئب ، قال ابن ~~المنذر : واحتج من رخص فى ذلك بأن الله تعالى ذكر اليهود فقال : { سماعون ~~للكذب أكالون للسحت } [ المائدة : 42 ] وقد رهن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - درعه عند يهودى . وقال الطبرى : وفى إباحة الله ms1069 أخذ الجزية من أهل ~~الكتاب مع علمه بأن أكثر أموالهم أثمان الخمور والخنازير ، وهم يتعاملون ~~بالربا ، أبين الدلالة على أن من كان من أهل الإسلام بيده مال لا يدرى أمن ~~حرام كسبه أم من حلال ، فإنه لا يحرم قبوله لمن أعطيه ، وإن كان لا يبالى ~~اكتسبه من غير حله بعد أن لا يعلمه حراما بعينه ، وبنحو ذلك قالت الأئمة من ~~الصحابة والتابعين ، ومن كرهه فإنما ركب فى ذلك طريق الورع ، وتجنب الشبهات ~~، والاستبراء لدينه ، لأن الحرام لا يكون إلا بينا غير مشكل ، والله ~~الموافق . وقوله : ( غير مشرف ) يعنى : غير متعرض ولا حريص عليه بشره وطمع ~~، وأصله من قولهم : أشرف فلان على كذا ، إذا تطاول له PageV03P511 ورماه ~~ببصره ، ومنه قيل للمكان المرتفع : شرف ، وللشريف من الرجال شريف لا رتفاعه ~~عمن هو دونه بمكارم الأخلاق . قال المهلب : وفى حديث عمر من الفقه أن ~~للإمام أن يعطى الرجل العطاء وغيره أحوج إليه منه ، إذا رأى لذلك وجها ~~لسابقة أو لخير ، أو لغناء عن المسلمين ، وفيه أن ما جاء من المال الطيب ~~الحلال من غير مسألة ، فإن أخذه خير من تركه إذا كان ممن يجمل الأخذ منه ، ~~وفيه أن رد عطاء الإمام ليس من الأدب ، لأنه داخل تحت عموم قوله تعالى : { ~~وما آتاكم الرسول فخذوه } [ الحشر : 7 ] فإذا لم يأخذه فكأنه لم يأتمر لله ~~، فكأنه من سوء الأدب . * * * # | 49 - باب من سأل الناس تكثرا # / 64 - فيه : ابن عمر ، قال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( ما يزال ~~الرجل يسأل الناس حتى يأتى يوم القيامة ليس فى وجهه مزعة لحم ) . وقال : ( ~~إن الشمس تدنو يوم القيامة حتى يبلغ العرق نصف الأذن ) . قال المهلب : فيه ~~ذم السؤال وتقبيحه ، وفهم البخارى ، رحمه الله ، أن الذى يأتى يوم القيامة ~~لا لحم فى وجهه من كثرة السؤال أنه السائل تكثرا بغير ضرورة إلى السؤال ، ~~ومن سأل تكثرا فهو غنى لا تحل له الصدقة ، فعوقب فى الآخرة . قال عبد ~~الواحد : عوقب فى وجهه بأن جاء لا لحم فيه ، فجازاه الله من ms1070 جنس ذنبه حين ~~بذل وجهه وعنده كفاية . قال المهلب : والمزعة : القطعة من اللحم ، فإذا جاء ~~لا لحم فى PageV03P512 وجهه فتؤذيه الشمس فى وجهه أكثر من غيره ، ألا ترى ~~قوله فى الحديث : ( إن الشمس تدنو يوم القيامة حتى يبلغ العرق نصف الأذن ) ~~فحذر - صلى الله عليه وسلم - من الإلحاف فى المسألة لغير حاجة إليها ، وأما ~~من سأل مضطرا فقيرا فمباح له المسألة ، ويرجى له أن يؤجر عليها إذا لم يجد ~~عنها بدا ، ورضى بما قسم الله لهن ولم يتسخط قدره . قال الخطابى : معنى ~~الحديث أنه يأتى يوم القيامة ذليلا ساقط القدر ، لا وجه له عند الله ، فهذا ~~التأويل على المجاز ، والأول على الحقيقة . وروى شعبة ، عن عبد الملك بن ~~عمير ، عن زيد بن عقبة الفزارى ، عن سمرة بن جندب ، عن النبى ، - صلى الله ~~عليه وسلم - ، قال : ( للسائل كدوح يكدح بها الرجل وجهه ، فمن شاء أبقى على ~~وجهه ، ومن شاء ترك إلا أن يسأل الرجل ذا سلطان ، أو فى أمر لا يجد منه بدا ~~) . * * * # | 54 - باب قوله تعالى : { لا يسألون الناس إلحافا } [ البقرة : 273 ] ~~وكم الغنى ، وقول النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( ولا يجد غنى يغنيه ) ، ~~يقول الله تعالى : { للفقراء الذين أحصروا فى سبيل الله لا يستطيعون ضربا } ~~[ البقرة : 273 ] # / 65 - وفيه : أبو هريرة ، قال : قال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( ~~ليس المسكين الذى ترده الأكلة والأكلتان ، ولكن المسكين الذي ليس له غنى ~~ويستحيى ، أو لا يسأل الناس إلحافا ) . PageV03P513 / 66 - وفيه : أبو ~~هريرة قال : قال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( ليس المسكين الذى يطوف ~~على الناس ترده اللقمة واللقمتان ، والتمرة والتمرتان ، ولكن المسكين الذي ~~لا يجد غنى يغنيه ، ولا يفطن به ، فيتصدق عليه ، ولا يقوم فيسأل الناس ) . ~~/ 67 - وفيه : المغيرة أن النبى - صلى الله عليه وسلم - ، كره لكم ثلاثا ، ~~قيل وقال ، وإضاعة المال ، وكثرة السؤال . / 68 - فيه : سعد ، أعطى رسول ~~الله رهطا ، وأنا جالس فيهم ، فترك رسول الله فيهم رجلا لم يعطه ، وهو ~~أعجبهم إلى ، فقمت إلى رسول الله فساررته ، فقلت : ما ms1071 لك عن فلان ؟ والله ~~إنى لأراه مؤمنا ، قال : ( أو مسلما ) ، قال : فسكت قليلا ، ثم غلبنى ما ~~أعلم فيه . . الحديث . قال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( إنى لأعطى ~~الرجل وغيره أحب إلى منه خشية أن يكب فى النار على وجهه ) . / 69 - فيه : ~~أبو هريرة ، قال - صلى الله عليه وسلم - : ( لأن يأخذ أحدكم حبله ، ثم يغدو ~~- أحسبه قال : إلى الجبل - فيحتطب ، فيبيع فيأكل ، ويتصدق خير له من أن ~~يسأل الناس ) . قال المؤلف : قال مجاهد فى قوله تعالى : { للفقراء الذين ~~أحصروا فى سبيل الله } [ البقرة : 73 ] هم فقراء المهاجرين بالمدينة خاصة ~~مع النبى - صلى الله عليه وسلم - ، أمر بالصدقة عليهم ، وقيل : حصروا ~~أنفسهم للغزو ومنعهم فرض الجهاد من التصرف ، وقيل : إنها كانت الأرض كلها ~~كفرا بها وحربا على أهل البلد وكانوا PageV03P514 لا يتوجهون جهة إلا لهم ~~فيها عدو ، فلا يستطيعون تصرفا فى البلاد ابتغاء المعاشر فيستغنوا به عن ~~الصدقة رهبة للعدو وخوفا على أنفسهم . وقوله : { لا يسألون الناس إلحافا } ~~[ البقرة : 273 ] اختلف المفسرون فى تأويله ، فقيل : يسألون ولا يلحفون فى ~~المسألة ، وقيل : إنهم لا يسألون الناس أصلا ، قال ابن الأدفوى : أى لا ~~يكون منهم سؤال فيكون منهم إلحاف كما قال امرؤ القيس : على لاحب لا يهتدى ~~لمناره أى : ليس له منار يهتدى بها ، والدليل على أنهم لا يسألون وصف لله ~~لهم بالتعفف ، ولو كانوا أهل مسألة لما كان التعفف من صفتهم . قال المؤلف : ~~ويشهد لهذ التأويل قوله - صلى الله عليه وسلم - : ( ليس المسكين الذى يطوف ~~على الناس ترده اللقمة واللقمتان ، ولكن المسكين الذى لا يفطن له فيتصدق ~~عليه ، ولا يقوم فيسأل الناس ) ، واحتج من أوجب لهم السؤال ، ونفى عنهم ~~الإلحاف بقوله فى الحديث الأول : ( ولكن المسكين الذى ليس له غنى ويستحى ، ~~أو لا يسأل الناس إلحافا ) . قالوا : والمسألة بغير إلحاف مباحة إلى المضطر ~~إليها ، يدل على ذلك ما رواه مالك ، عن زيد بن أسلم ، عن عطاء بن يسار ، عن ~~رجل من بنى أسد ، عن رسول الله قال : ( من يسأل الناس وله أوقية أو ms1072 عدلها ، ~~فقد سأل إلحافا ) فدل هذا الحديث أن من لم يكن له أوقية فهو غير ملحف ولا ~~ملوم فى المسألة ، ومن لم يكن ملوما فى مسألته ، فهو ممن يليق به اسم ~~التعفف ، وليس قول من قال : لو كانوا أهل مسألة لما كان التعفف من صفتهم ~~بصحيح ، لأن PageV03P515 السؤال المذموم إنما هو لمن كان غنيا عنه لوجود ~~أوقية أو عدلها . فالحديثان مختلفان فى المعنى لا ختلاف ظاهرهما ، فالحديث ~~الأول : نفى فيه الإلحاف ، ودل على السؤال ، والحديث الثانى : نفى فيه ~~السؤال أصلا ، وانتفى فيه الإلحاف بنفى السؤال ، وإنما اختلف الحديثان لا ~~ختلاف أحوال السائلين ، لأن الناس يختلفون فى هذا المعنى ، فمنهم من يصبر ~~عن السؤال عند الحاجة ويتعفف ، ويدافع حاله ، وينتظر الفرج من الله تعالى ، ~~ومنهم من لا يصبر ويسأل بحسب حاجته وكفايته ، ومنهم من يسأل وهو يجد ~~للاستكثار ، وهذا هو الملحف الذي لا ينبغى له المسألة ، وقد يحتمل أن يكون ~~الحديثنا معناهما واحد فى نفى السؤال أصلا ، ويحتمل أن يكونا جميعا حقيقى ~~المعنى فى إثبات السؤال ، ونفى الإلحفاف . فإن قيل : كيف وقد قال فى الحديث ~~الواحد : ( لا يقوم فيسأل الناس ؟ ) قيل : فى أكثر أمره وغالب حاله ، ويلزم ~~نفسه التعفف عن المسألة حتى تغلبه الحاجة والفقر ، ويقع سؤاله فى النادر ~~والشاذ ، كما قال - صلى الله عليه وسلم - : ( لا يضع عصاه عن عاتقه ) ~~ومعلوم أنه أراد فى بعض الأوقات ، وكما قال : ( لا تحل الصدقة لغنى ولا لذى ~~مرة سوى ) وقد يحل له فى بعض الأوقات ، ومن كان سؤاله عند الضرورة وفى ~~النادر ، فليس بملحف فى المسألة ، واسم التعفف أولى به ، لدليل حديث عطاء ~~بن يسار . وقوله : ( ليس المسكين الذى ترده اللقمة واللقمتان ) يريد ليس ~~المسكين المتكامل أسباب المسكنة ، لأنه بمسألته يأتيه الكفاف والزيادة عليه ~~، فيزول عنه اسم المبالغة فى المسكنة ، وإنما PageV03P516 المسكين المتكامل ~~أسباب المسكنة من لا يجد غنى ولا يتصدق عليه كقوله تعالى : { ليس البر أن ~~تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب } [ البقرة : 177 ] أى : ليس ذلك غاية ~~البر ، لأنه لا يبلغ بر ms1073 من آمن بالله واليوم الآخر الآية . واختلف أهل ~~اللغة والفقهاء فى الفقير والمسكين ، من هو أسوأ حالا منهما ؟ فقال ابن ~~السكيت وابن قتيبة : المسكين أسوأ حالا من الفقير ، لأن المسكين الذى قد ~~سكن وخشع ، والفقير له بعض ما يغنيه واحتجوا بقول الشاعر : أما الفقير الذى ~~كانت حلوبته وفق العيال فلم يترك له سبد فذكر أنه كانت له حلوبة ، وجعلها ~~وفقا لعياله ، أى قدر قوتهم ، وحكى ابن القصار أنه هذا قول أصحاب مالك وقول ~~أبى حنيفة . وقال طائفة : الفقير أسوأ حالا من المسكين ، هذا قول الأصمعى ~~وابن الأنبارى ، وهو قو الشافعى ، واحتجوا بقوله تعالى : { للفقراء الذين ~~أحصروا فى سبيل الله لا يستطيعون ضربا فى الأرض } [ البقرة : 273 ] الآية ، ~~وبقوله : { أما السفينة فكانت لمساكين يعملون فى البحر } [ الكهف : 79 ] ~~فأخبر أن المسكين يملك بعض السفينة . قالوا : والفقر هو استئصال الشىء ، ~~يقال : فقرتهم الفاقرة ، إذا أصابتهم داهية أهلكتهم ، والفقير عند العرب ~~الذى قد انكسر فقار ظهره ، ومن صار هكذا فقد حل به الموت ، وقد يقال : ~~مسكين لغير الفقير ، ولكن لما نقصت حالته عن الكمال فى بعض الأمور كما قال ~~- صلى الله عليه وسلم - : ( مسكين مسكين من لا زوجة له ) وقال لقيلة : ( يا ~~PageV03P517 مسكينة عليك بالسكينة ) قالوا : وقد قال - صلى الله عليه وسلم ~~- : ( اللهم أحينى مسكينا ، وأمتنى مسكينا ، واحشرنى فى زمرة المساكين ) ~~وتعوذ بالله من الفقر ، فعلم أنه أسوأ حالا وأشد من المسكنة . وقد قالت ~~طائفة من السلف : الفقير الذى لا يسأل ، والمسكين الذى يسأل ، روى هذا عن ~~ابن عباس ، ومجاهد ، وعكرمة ، وجابر بن زيد ، والزهرى ، وروى عن على بن ~~زياد عن مالك أنه قال : الفقير الذى لا غنى له ويتعفف عن المسألة ، ~~والمسكين الذى لا غنى له ويسأل . واختلفوا أيضا كم الغنى الذى لا يجوز ~~لصاحبه أخذ الصدقة ، وتحرم عليه المسألة ؟ فقال بعضهم : هو بوجود المرء قوت ~~يومه لغدائه وعشائه ، وهذا قول بعض المتصوفة الذين زعموا أنه ليس لأحد ~~ادخار شىء لغد ، قولهم مردود بما ثبت عن النبى وأصحابه أنهم كانوا يدخرون . ~~وقال ms1074 آخرون : لا تجوز المسألة إلا عند الضرورة ، وأحلوا ذلك محل الميتة ~~للمضطر ، وقال آخرون : لا تحل المسألة بكل حال ، واحتجوا بما روى عنه - صلى ~~الله عليه وسلم - أنه قال لأبى ذر : ( لا تسأل الناس شيئا ) وجعلوا ذلك ~~نهيا عاما عن كل مسألة ، وبما رواه ابن أبى ذئب عن محمد بن قيس ، عن عبد ~~الرحمن بن يزيد بن معاوية ، عن ثوبان مولى رسول الله أنه قال - صلى الله ~~عليه وسلم - : ( من تكفل لى بواحدة تكفلت له بالجنة ) ، قال ثوبان : أنا ، ~~قال : ( لا تسأل الناس شيئا ، فكان سوطه يقع فما يقول لأحد ناولنيه فينزل ~~فيأخذه ) . وقال قيس بن عاصم لبنيه : إياكم والمسألة فإنها آخر كسب المرء ، ~~فإن أحدا لن يسأل إلا ترك كسبه . وقالت طائفة : لا يأخذ الصدقة PageV03P518 ~~من له أربعون درهما لقول النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( من سأل وله ~~أوقية أو عدلها فقد سأل إلحافا ) ، وممن قال بذلك أبو عبيد روى عن مالك أنه ~~قال : يعطى من له أربعون درهما إذا كان له عيال . وقالت طائفة : لا تحل ~~الصدقة لمن له خمسون درهما ، هذا قول النخعى ، والثورى ، وأحمد ، وإسحاق ، ~~واحتجوا بحديث يروى عن ابن مسعود عن النبى بذلك ، وعلله يحيى ابن سعيد ~~وشعبة فقالا : يرويه حكيم بن جبير ، وهو ضعيف . وقالت طائفة : من ملك مائتى ~~درهم تحرم عليه الصدقة المفروضة . وهذا قول أبى حنيفة وأصحابه ، ورواه ~~المغيرة المخزومى عن مالك ، وقال المغيرة : لا بأس أن يعطى أقل مما تجب فيه ~~الزكاة ولا يعطى ما تجب فيه الزكاة واحتج أصحاب أبى حنيفة بقوله - صلى الله ~~عليه وسلم - : ( أمرت أن آخذ الصدقة من أغنيائكم وأردها فى فقرائكم ) فجعل ~~المأخوذ منه الزكاة غير المردود عليه ، ومن معه مائتا درهم تؤخذ منه الزكاة ~~، فلم يجز أن ترد عليه لما فيه من إبطال الفرق بين الجنسين بين الغنى ~~والفقير . قال الطحاوى : وقوله - صلى الله عليه وسلم - : ( من سأل وله ~~أوقية أو عدلها ) منسوخ بقوله - صلى الله عليه وسلم - : ( من سأل وله خمس ~~أواق ، فقد سأل ms1075 إلحافا ) فجعل هذا حدا لمن لا تحل له الصدقة . قال بعض ~~العلماء : وكل من حد من الفقهاء فى الغنى حدا أو لم يحد ، فإنما هو بعد ما ~~لا غنى عنه من دار تحمله ولا تفضل عنه ، وخادم هو محتاج إليها ، ولا فضل له ~~من مال يتصرف فيه ، ومن كان هكذا فأجمع الفقهاء أنه يجوز له أن يأخذ من ~~الصدقة ما يحتاج إليه . PageV03P519 قال الطبرى : والصواب عندنا فى ذلك أن ~~المسألة مكروهة لكل أحد إلا المضطر يخاف على نفسه التلف بتركها ، ومن بلغ ~~حد الخوف على نفسه من الجوع ولا سبيل له إلى ما يرد به رمقه ويقيم به نفسه ~~إلا بالمسألة ، فالمسألة عليه فرض واجب ، لأنه لا يحل له إتلاف نفسه وهو ~~يجد السبيل إلى إحيائها بما أباح الله له إحياءها به والمسألة مباحة لمن ~~كان ذا فاقة وإن كرهناها له ما وجد عنها مندوحة بما يقيم به رمقه من عيش ~~وإن خاف ، وإنما كرهناها له لقوله - صلى الله عليه وسلم - : ( اليد العليا ~~خير من اليد السفلى ) ولقوله : ( لأن يأخذ أحدكم حبلة فيحتطب خير له من أن ~~يسأل الناس ) ولا مأثم عليه إلا على سائل سأل من غنى متكثرا بها ماله ~~فالمسألة عليه حرام . قال المهلب : وفى حديث سعد من الفقه الشفاعة للرجل من ~~غير أن يسألها ثلاثا فى الصدقات وغيرها ، وفيه النهى عن القطع لأحد من ~~الناس بحقيقة الإيمان ، وقد تقدم فى كتاب الإيمان . وفيه : أن العالم يجب ~~أن يدعو الناس إلى ما عنده وإلى الحق والعلم بكل شى حتى بالعطاء ، وفيه : ~~أن الحرص على هداية غير المهتدى آكد من الإحسان إلى المهتدى ، وفيه أنه قد ~~يعطى من المال أهل النفاق ومن على غير حقيقة الإسلام على وجه التألف إذا ~~طمع بإسلامه ، وفى أحاديث هذا الباب كله الأمر بالتعفف والاستغناء وترك ~~السؤال . وقال المؤلف : وفى دليل قوله : { للفقراء الذين أحصروا ~~PageV03P520 فى سبيل الله } [ البقرة : 273 ] ودليل قوله - صلى الله عليه ~~وسلم - : ( لأن يأخذ أحدكم حبله فيحتطب خير له من ms1076 أن يسأله الناس ) بيان ما ~~روى عنه - صلى الله عليه وسلم - من قوله : ( لا تحل الصدقة لذى مرة سوى ) ~~أن معناه الخصوص ؛ لأن قوله تعالى : { للفقراء الذين أحصروا فى سبيل الله ~~لا يستطيعون ضربا فى الأرض } يدل أنه لو زال عنهم الإحصار لقدروا على الضرب ~~فى الأرض ، ودل ذلك على أنهم ذو مرة أقوياء ، وقد أباح لهم تعالى أخذ ~~الصدقة بالفقر خاصة ، وكذلك قوله : ( لأن يأخذ أحدكم حبله فيحتطب ) يدل على ~~هذا المعنى ؛ لأنه لا يقدر على ذلك إلا ذو المرة السوى ، ولم تحرم عليه ~~المسألة . قال الطحاوى : وقوله - صلى الله عليه وسلم - : ( لا تحل الصدقة ~~لغنى ولا لذى مرة سوى ) رواه سفيان عن سعد بن إبراهيم ، عن ريحان بن يزيد ، ~~عن عبد الله بن عمرو ، عن النبى - صلى الله عليه وسلم - ، ورواه أبو بكر ~~ابن عياش ، عن أبى حصين ، عن سالم بن أبى الجعد ، عن أبى هريرة ، عن النبى ~~- صلى الله عليه وسلم - ، فذهب قوم إلى الأخذ بهذا الحديث ، وقالوا : لا ~~تحل الصدقة لذى مرة سوى ، وجعلوه كالغنى . هذا قول الشافعى ، وإسحاق ، وأبى ~~ثور ، وأبى عبيد ، ذكره ابن المنذر ، وذكر ابن القصار أنه قول عبد الله بن ~~عمرو ، راوى الحديث عن النبى - صلى الله عليه وسلم - . وخالفهم آخرون ~~فقالوا : كل فقير من قوى وزمن فالصدقة له حلال ، وتأولوا قوله : ( لا تحل ~~الصدقة لغنى ولا لذى مرة سوى ) لأن معناه الخصوص ، هذا قول الطبرى ، قال : ~~إنه لا خلاف بين جميع علماء الأمة أن الصدقة المحرمة التى يكون أصلها ~~محبوسا PageV03P521 وغلتها صدقة على الغنى والفقير أنه يجوز للأغنياء أخذها ~~وتملكها ، فمعلوم بذلك أن الصدقات التطوع لم تدخل فى هذا الحديث ، وإنما ~~عنى بها الصدقات المفروضة للفقراء فى بعض الأحوال ، ولذلك أجمعوا على أن ~~غنيا فى بلده لو كان فى سفر فذهبت نفقته ، فلم يجد ما يتحمل به إلى بلده أن ~~له أن يأخذ من الصدقة المفروضة ما يتحمل به إلى موضع ماله ، فمعلوم بذلك أن ~~الحديث معناه الخصوص ، وأنه معنى به ms1077 من الصدقة المفروضة بعضها لما ذكرناه ، ~~ولأن الله قد جعل فى الصدقة المفروضة حقا لصنوف من الأغنياء وهم المجاهدون ~~فى سبيل الله ، والعاملون عليها ، وأبناء السبيل الذين لهم ببلدهم غنى ، ~~وهم منقطع بهم فى سفرهم ، فكذلك ذو المرة السوى فى حال تعذر الكسب عليه ، ~~جاز له الصدقة المفروضة ، فأما التطوع منها ففى كل الأحوال . وقال الطحاوى ~~: لا تحرم الصدقة بالصحة إذا أراد بها سد فقره ، وإنما تحرم عليه إذا أراد ~~بها التكثر والاستغناء ، يدل على ذلك ما رواه شعبة عن عبد الملك بن عمير ، ~~عن زيد بن عقبة ، قال : سمعت سمرة بن جندب ، عن النبى - صلى الله عليه وسلم ~~- ، قال : ( المسائل كدوح يكدح بها الرجل وجهه ، فمن شاء أبقى على وجهه ، ~~ومن شاء تركه ، إلا أن يسأل ذا سلطان أو فى أمر لا يجد منه بدا ) قد أباح ~~فى هذا الحديث المسألة فى كل أمر لابد من المسألة فيه ، وذلك إباحة المسألة ~~بالحاجة لا بالزمانة . وروى يحيى بن سعيد عن مجالد ، عن الشعبى ، عن وهب ين ~~خنبش ، قال : جاء رجل إلى النبى - عليه السلام - ، وهو PageV03P522 واقف ~~بعرفة فسأله رداءه ، فأعطاه إياه ، فذهب به ثم قال النبى : ( إن المسألة لا ~~تحل إلا من فقر مدقع أو غرم مفظع ، ومن سأل الناس ليثرى به ، فإنه خموش فى ~~وجهه ، ورضف يأكله من جهنم ، إن قليل فقليل ، وإن كثير فكثير ) ، فأخبر - ~~صلى الله عليه وسلم - فى هذا الحديث أن المسألة تحل بالفقر والغرم ، ولا ~~يختلف فى ذلك حال الزمن والصحيح . وكانت المسألة التى أباحها النبى - صلى ~~الله عليه وسلم - ، هى للفقر لا لغيره وكان تصحيح الأخبار عندنا يوجب أن من ~~قصد إليه النبى - صلى الله عليه وسلم - ، بقوله : ( لا تحل الصدقة لذى مرة ~~سوى ) هو غير من استثناه فى هذه الأحاديث ، وأن الذى تحرم عليه الصدقة من ~~الأصحاء ، هو الذى يريد أن يكثر ماله بالصدقة ، حتى تصح هذه الآثار وتتفق ~~معانيها ، ولا تتضاد ، وتوافق معنى الآية المحكمة ، وهى قوله تعالى : { ~~إنما الصدقات للفقراء والمساكين ms1078 } [ التوبة : 60 ] الآية ؛ لأن كل من وقع ~~عليه اسم صنف من تلك الأصناف فهو من أهل الصدقة التى جعلها الله لهم فى ~~كتابه وسنة رسوله زمنا كان أو صحيحا ، وهذا الذى حملنا عليه وجوه هذه ~~الآثار هو قول أبى حنيفة وأبى يوسف ومحمد . قال المؤلف : وهو قول مالك أيضا ~~، وروى المغيرة عنه أنه يعطى القوى البدن من الزكاة ولا يمنع لقوة بدنه ، ~~من ( المجموعة ) . * * * # | 51 - باب خرص التمر # / 70 - فيه : أبو حميد ، غزونا مع رسول الله غزوة تبوك ، فلما جاء وادى ~~القرى إذا امرأة فى حديقة لها ، فقال - صلى الله عليه وسلم - لأصحابه : ~~PageV03P523 ( اخرصوا ) ، وخرص رسول الله عشرة أوسق ، فقال لها : ( أحصى ما ~~يخرج منها ) ، فلما أتينا تبوك ، قال : ( أما إنها ستهب الليلة ريح شديدة ، ~~فلا يقومن أحد ، ومن كان معه بعير فليعقله ) ، فعقلناها وهبت ريح شديدة ، ~~فقام رجل فألقته بجبل طىء ، وأهدى ملك أيلة للنبى - صلى الله عليه وسلم - ، ~~بغلة بيضاء ، وكساه بردا وكتب له ببحرهم ، فلما أتى وادى القرى ، قال ~~للمرأة : ( كم جاء حديقتك ) ؟ قالت : عشرة أوسق ، خرص رسول الله ، فقال - ~~صلى الله عليه وسلم - : ( إني متعجل إلى المدينة ، فمن أراد منكم أن يتعجل ~~معى فليتعجل ) ، فلما قال ابن بكار : كلمة معناها : أشرف على المدينة ، قال ~~: ( هذه طابة ) ، فلما رأى أحدا ، قال : ( هذا جبيل يحبنا ونحبه ، ألا ~~أخبركم بخير دور الأنصار ) ؟ قالوا : بلى ، قال : ( دور بنى النجار ، ثم ~~دور بنى عبدالأشهل ، ثم دور بنى ساعدة ، أو دور بنى الحارث ابن الخزرج ، ~~وفي كل دور الأنصار ، يعنى خيرا ) . قال الطحاوى : ذهب قوم إلى أن الثمرة ~~التى يجب فيها العشر تخرص وهى رطب تمرا فيعلم مقدارها فتسلم إلى أربابها ~~ويملك بذلك حق الله فيها ويكون عليه مثلها مكيلة ذلك تمرا ، وكذلك يفعل ~~بالعنب ، واحتجوا بحديث أبى حميد ، وفيه أن النبى - صلى الله عليه وسلم - ، ~~خرصها وقال لأصحابه : ( اخرصوا ) ، وأنه بعث عبد الله بن رواحة إلى خيبر ~~فخرص عليهم النخل أول ما يطيب الثمر . PageV03P524 قال ابن المنذر : ممن ~~كان يرى الخرص ms1079 : عمر بن الخطاب ، والقاسم بن محمد ، والحسن البصرى ، وعطاء ~~، والزهرى ، ومالك ، والشافعى ، وأبو ثور ، وعامة أهل العلم ، وخالف ذلك ~~أبو حنيفة وأصحابه ، وقالوا : ليس فى شىء من الآثار المروية بالخرص أن ~~الثمرة كانت رطبا فى وقت ما خرصت ، وكيف يجوز أن تكون رطبا ، فيجعل لصاحبها ~~فيها حق الله بمكيلة ذلك تمرا يكون عليه نسيئة ، وقد نهى رسول الله عن ذلك ~~. قال الطحاوى : ووجه الخرص عندنا إنما أريد بخرص ابن رواحة ليعلم مقدار ما ~~فى أيدى كل قوم من الثمار ، فيؤخذ منه بقدره وقت الصرام لا أنهم يملكون ~~شيئا مما يجب لله ببدل ، لا يؤخذ منهم ذلك الوقت ، ويدل على ذلك حديث أبى ~~حميد الساعدى ، وهو قوله : ( فخرصها رسول الله وخرصناها عشرة أوسق ، وقال : ~~أحصها حتى نرجع إليك ، إن شاء الله ) ، فدل هذا أنها لم تملك بخرصهم إياها ~~ما لم تكن مالكة له قبل ذلك ، وإنما أرادوا أن يعلموا مقدار ما فى نخلها ، ~~ثم يأخذون منها الزكاة وقت الصرام على حسب ما يجب فيها ، هذا معنى الخرص ~~عندنا . قالوا : وقد قيل فى الخرص أنه كان فى أول الزمان على ما قال أهل ~~المقالة الأولى من تمليك الخراص أصحاب الثمار حق الله فيها ، وهى رطب ، ~~ببدل يأخذونه منهم تمرا ، ثم نسخ ذلك بنسخ الربا والمزابنة ، قال غيره : ~~وقالوا : إن الخرص لا يوجب العلم والإحاطة ، وقد يختلف فهو كالتبخيت والظن ~~اللذين لا يجوز الحكم بهما . قال ابن القصار : وما هرب منه أبو حنيفة من ~~تضمين أرباب PageV03P525 الأموال حق الفقراء ، فإن أصحاب مالك ، وأصحاب ~~الشافعى لا يضمنون أرباب الأموال ، لأن الثمرة لو تلفت بعد الخرص لم يضمنهم ~~شيئا . قال ابن المنذر : أجمع من يحفظ عنه العلم أن الخارص إذا خرص التمر ، ~~ثم أصابته جائحة لا شىء عليه إذا كان ذلك قبل الجداد . قال ابن القصار : ~~لأننا نخرصها حتى يتصرف أصحاب الثمار بالأكل والبيع وغير ذلك إن اختاروا ، ~~فحينئذ يضمنون حق الفقراء ، لأننا لو منعناهم من التصرف لحقتهم المشقة ~~والضرر ، ولو أبحنا لهم التصرف نقص ms1080 حق الفقراء ، فكان الحظ فى خرصها عليهم ~~ليعلم مقدار ما يجب للفقراء ، فإن سلمت أخذنا القدر الذى يجب لهم ، إلا أن ~~يتصرفوا فيها فحينئذ يضمنون . ومن الحجة لنا أن النبى ، - صلى الله عليه ~~وسلم - ، نهى عن المزابنة ، وأرخص فى العرايا أن تباع بخرصها ، فأجاز البيع ~~إذا لم يقصد به المزابنة فى الخرص ليعلم حظ المساكين ويحفظ عليهم وليس ببيع ~~، والخرص أولى أن يجوز ، وقد ثبت ذلك عن عائشة ، فقالت : ( خرص النبى ، - ~~صلى الله عليه وسلم - ، لئلا يتلف حق المساكين ، وليحصى الزكاة قبل أن تؤكل ~~) ، لأنه لو منع رب المال من الاستمتاع بماله لأدى ذلك الإضرار به ، فكان ~~فى الخرص رفق برب المال والفقراء . وأما قولهم : فإن الخرص منسوخ بنسخ ~~الربا ، فالجواب : أن بعض آية الربا منسوخة بالخرص ومخصوصة به كما خصت ~~الحوالة من بيع الدين بالدين ، والقرض من بيع الذهب والفضة بمثلهما إلى ~~PageV03P526 أجل ، والإقالة والشركة من بيع الطعام قبل قبضه ، وكذلك العرية ~~وبيعها من جملة المزابنة حين لم يقصد بها المغابنة والمكايسة ، والخرص ليس ~~بربا لأنه لا نبيع شيئا بأكثر منه ، وإنما هو ليعرف حق المساكين ، وقد أنفذ ~~الأئمة بعد النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، الخراص ، وجرى العمل بذلك ، ~~فهى سنة معمول بها . وأما قولهم : فإن الخرص ظن ، فإن الحكم قد ورد فى ~~الشريعة بغالب الظن كثيرا مع جواز وقوع الاختلاف فيه ، وعدم الإحاطة ، ألا ~~ترى أن الحكم بقيم المتلفات إنما هو بالاجتهاد ، وكذلك أمور الديانات ~~المستدل عليها من العقليات والشرعيات قد صار أكثرها معرضا للخلاف ومنازعة ~~العقلاء ، ولم يجب مع ذلك بطلان الاستدلال ، ولأن اختلاف المستدلين إنما هو ~~لخطأ فى الاستدلال ، وكذلك حكم الحاكم قد يجوز مع الخطأ ، ولم يجب لذلك ~~بطلان حكمه . وأما خرص العنب فإنما هو بحديث عتاب بن أسيد ، رواه عبد ~~الرحمن بن إسحاق ، وابن عيينة ، عن الزهرى ، عن سعيد بن المسيب ، مرسل عن ~~عتاب بن أسيد ، قال : أمرنى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن أخرص ~~العنب وآخذ زكاته زبيبا ، كما تؤخذ زكاة النخيل ms1081 تمرا . وأجمعوا أن الخرص فى ~~أول ما يطيب الثمر ويزهى بصفرة أو حمرة ، وكذلك العنب إذا جرى فيه الماء ~~وصلح للأكل ، واختلفوا فيما يأكله الرجل من ثمره وزرعه قبل الحصاد والجداد ~~، هل يحسب PageV03P527 عليه أم لا ؟ فقال مالك ، والثورى ، وأبو حنيفة ، ~~وزفر : يحسب عليه ذلك ، وقال الليث ، والشافعى : لا يحسب عليه ، ويترك له ~~الخارص ما يأكله أهله رطبا ولا يخرصه ، والحجة لهما ما رواه الثورى عن يحيى ~~بن سعيد ، عن بشير بن يسار ، قال : كان عمر بن الخطاب يأمر الخراص أن ~~يخففوا ، وأن يرفعوا عنهم قدر ما يأكلون . قال الشافعى : قوله تعالى : { ~~وآتوا حقه يوم حصاده } [ الأنعام : 141 ] يدل أنه لا يحتسب بالمأكول قبل ~~الحصاد ، وحمل مالك ومن وافقه قوله تعالى : { وآتوا حقه يوم حصاده } على ~~العموم ، أى آتوا حق جميع المأكول والباقى . قال المهلب : فيه من الفقه : ~~أن الإمام يدرب أصحابه ويعلمهم أمور الدنيا كما يعلمهم أمور الآخرة ، وفيه ~~: من علامات النبوة ، لأنه أخبر - صلى الله عليه وسلم - عن الريح التى هبت ~~قبل كونها ، وهذا لا يعلم إلا بالوحى ، وفيه : جواز قبول هدايا المشركين ، ~~وسيأتى مذاهب العلماء فى ذلك فى كتاب الهبة ، إن شاء الله . وقوله : ( جبل ~~يحبنا ونحبه ) يعنى أهل الجبل ، لقوله تعالى : { واسأل القرية التى كنا ~~فيها } [ يوسف : 82 ] يريد أهلها ، قال الخطابى : فحمل الكلام على عمومه ~~وحقيقته أولى من حمله على المجاز وتخصيصه من غير دليل ، وقد ثبت ( أن رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - ارتج حراء تحته ، فقال : اثبت ، فليس عليك إلا ~~نبى أو . . . . . فسكن ) . وأخبره اللحم المسموم أنه مسموم ، فلم ينكر حب ~~الجبل . PageV03P528 # | 52 - باب العشر فيما يسقى من ماء السماء والماء الجارى ولم ير عمر بن ~~عبد العزيز فى العسل شيئا # / 71 - فيه : ابن عمر ، قال - صلى الله عليه وسلم - : ( فيما سقت السماء ~~والعيون ، وكان عثريا العشر ، وفيما سقى بالنضح نصف العشر ) . قال أبو عبيد ~~: العثرى والعذى ما سقته السماء ، وما سقته الأنهار والعيون فهو سيح وغيل ، ~~والبعل : ما شرب بعروقه من الأرض ms1082 من غير سقى سماء ولا غيرها ، والنضح ما ~~سقى بالسواقى ، وقال غيره : وأجمع العلماء على القول بظاهر هذا الحديث فى ~~المقدار المأخوذ ، وذلك العشر فى البعل وفيما سقت العيون والأنهار ، لأن ~~المؤنة فيه قليلة ، وما سقى بالدلو فنصف العشر فى الحبوب والثمار التى تجب ~~فيها الزكاة على ما نذكره ، إن شاء الله ، فأما مقدار المأخوذ منه فهو فى ~~قوله - صلى الله عليه وسلم - : ( ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة ) . واتفق ~~جمهور العلماء بالحجاز والعراق والشام على أن التأويل عندهم فى قوله - صلى ~~الله عليه وسلم - : ( فيما سقت السماء والعيون العشر ، وفيما سقى بالنضح ~~نصف العشر ) إذا كان الذى سقته السماء خمسة أوسق ، وهو مثل قوله : ( فى ~~الرقة ربع العشر ) مع قوله : ( ليس فيما دون خمس أواق صدقة ) ، لأنا نقضى ~~بالخاص على العام ، والعام قوله : ( فيما سقت السماء العشر ) ، وقوله : ( ~~وفى الرقة ربع العشر ) ، والخاص قوله - صلى الله عليه وسلم - : ( ليس فيما ~~دون خمسة أوسق PageV03P529 صدقة ، وليس فيما دون خمس أواق صدقة ) هذا قول ~~مالك ، والثورى ، والأوزاعى ، والليث ، وأبى يوسف ، ومحمد ، والشافعى ، ~~وأحمد ، وإسحاق ، وأبى ثور ، وقال النخعى وأبو حنيفة وزفر : الزكاة فى كل ~~ما أخرجت الأرض من قليل ذلك وكثيره العشر ، أو نصف العشر ، ولم يعتبروا ~~خمسة أوسق فى مقدار المأخوذ منه ، وهذا خلاف السنة والعلماء ، وقد تناقض ~~أبو حنيفة فى هذه المسألة ، لأنه استعمل المجمل والمفسر فى قوله - صلى الله ~~عليه وسلم - : ( فى الرقة ربع العشر ) مع قوله : ( ليس فيما دون خمس أواق ~~صدقة ) ولم يستعمله فى قوله - صلى الله عليه وسلم - : ( فيما سقت السماء ~~العشر ) مع قوله : ( ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة ) وكان يلزمه القول به . ~~ولا زكاة فى العسل عند مالك والشافعى ، وهو مذهب ابن عمر ، وقال أبو حنيفة ~~: فيه العشر ، وقال ابن المنذر : وليس فى وجوب الزكاة فيه خبر يثبت عن ~~النبى ، ولا إجماع ، فلا زكاة فيه . * * * # | 53 - باب ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة # / 72 - فيه : أبو سعيد ، قال النبى - صلى الله عليه وسلم ms1083 - : ( ليس فيما ~~أقل من خمسة أوسق صدقة ، ولا فى أقل من خمسة من الإبل صدقة ، ولا فى أقل من ~~خمس أواق من الورق صدقة ) . قال أبو عبد الله ، البخارى : هذا تفسير الأول ~~؛ لأنه لم يوقت فى الأول ، يعنى حديث ابن عمر : ( . فيما سقت السماء العشر ~~) ، PageV03P530 وبين فى هذا ووقت ، فالزيادة مقبولة ، والمفسر يقضى على ~~المجمل إذا رواه أهل الثبت ، كما روى الفضل بن عباس ، أن النبى ، - صلى ~~الله عليه وسلم - ، لم يصل فى الكعبة . وقال بلال : قد ( صلى ) فأخذ بقول ~~بلال ، وترك قول الفضل . قال المؤلف : هذا الذى رواه البخارى عليه أئمة ~~الفتوى بالأمصار ، وأن الخمسة الأوسق هو بيان المقدار المأخوذ منه العشر ، ~~أو نصف العشر ، وشذ أبو حنيفة وزفر فى ذلك ، وقيل : أنهما خالفا الإجماع ، ~~فأوجبا العشر أو نصف العشر فى قليل ما تخرجه الأرض وكثيره ، وخالفه صاحباه ~~فى ذلك . وقال ابن القصار : الحجة عليه أن ما طريقه المواساة فى الصدقات ~~يقتضى أوله حدا ونصابا كالذهب والفضة والماشية ، والنصاب إنما وضع فى المال ~~لمبلغ الحد الذى يحمل المواساة من غير إجحاف لرب المال ، ولا تعذر عليه ، ~~وخالف أيضا أبو حنيفة معنى آخر من هذا الحديث ، فأوجب العشر أو نصف العشر ~~فى البقول والرياحين والفواكه ، وما لا يوسق كالرمان والتفاح والخوخ وشبه ~~ذلك ، والجمهور على خلافه لا يوجبون الزكاة إلا فيما يوسق ويقتات ويدخر ، ~~قال مالك : السنة عندنا فى الحبوب التى يدخرها الناس ويأكلونها ، أن يؤخذ ~~منها العشر ، أو نصف العشر إذا بلغ ذلك خمسة أوسق والوسق : ستون صاعا ، ~~والصاع : أربعة أمداد بمد النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، وما زاد على ~~خمسة أوسق ففيه الزكاة بحساب ذلك ، قال : والحبوب التى فيها الزكاة : ~~الحنطة والشعير ، والسلت ، PageV03P531 والذرة ، والدخن ، والأرز ، والحمص ~~، والعدس ، والجلبان ، واللوبيا ، والفول ، والجلجلان ، وما أشبه ذلك من ~~الحبوب التى تصير طعاما يؤخذ منها الزكاة بعد أن يصير حبا ويحصد ، والناس ~~مصدقون فيما رفعوه من ذلك ، ولا زكاة فى البقول والخضر كلها والتوابل . قال ~~ابن القصار : لم ينقل عن النبى ms1084 ، - صلى الله عليه وسلم - ، أحد بالحجاز أنه ~~أخذ من البقول والفواكه الزكاة ، ومعلوم أنها كانت عندهم بالمدينة ، وأهل ~~المدينة متفقون على ذلك عاملون به إلى وقتنا هذا ومحال أن يكون فى ذلك زكاة ~~، ولا تؤخذ مع وجود هذه الأشياء عندهم وحاجتهم إليها ، ولو أخذ منها مرة ~~واحدة لم يجز أن يذهب عليهم حتى يطبقوا على خلافه إلى هذه الغاية . * * * ~~54 - باب أخذ صدقة التمر عند صرام النخل وهل يترك الصبى فيمس تمر الصدقة ؟ ~~/ 73 - فيه : أبو هريرة ، قال : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يؤتى ~~بالتمر عند صرام النخل ، فيجىء هذا بتمره ، وهذا بتمره ، حتى يصير عنده ~~كوما من تمر ، فجعل الحسن والحسين يلعبان بذلك التمر ، فأخذ أحدهما تمرة ~~فجعلها فى فيه ، فنظر إليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأخرجها من ~~فيه ، فقال : ( أو ما علمت أن آل محمد - صلى الله عليه وسلم - لا يأكلون ~~الصدقة ) . قال بعض أهل العلم : سنة أخذ صدقة التمر عند جداده ، لقوله ~~تعالى : { وآتوا حقه يوم حصاده } [ الأنعام : 141 ] ، فإن أخرجها عند محلها ~~فسرقت PageV03P532 أو سقطت فقال مالك وأبو حنيفة : يجزئ عنه ، وهو قول ~~الحسن البصرى ، وقال الزهرى ، والثورى ، وأحمد : هو ضامن لها حتى يضعها ~~مواضعها . وقال الشافعى : إن كان بقى له من ماله ما فيه زكاة زكاه ، وحجة ~~القول الأول أن إخراجها موكول إليه ، وهو مؤتمن على إخراجها ، فإذا أخرجها ~~من ماله وجعلت فى يده جعلت يده كيد الساعى ، وقد اتفقنا أن يد الساعى يد ~~أمانة ، فإذا قبض الزكاة ولم يفرط فى دفعها وتلفت بغير صنعه لم يضمن ، ~~فكذلك رب المال ، لأن الزكاة ليست متعلقة بذمته ، وإنما تجب فى ماله ، وإذا ~~أخر إخراج الزكاة ، حتى هلكت ، فقال مالك ، وأبو حنيفة ، والشافعى : إذا ~~أمكن الأداء بعد حلول الحول وفرط حتى هلك المال فعليه الضمان . قال المهلب ~~: وفيه من الفقه : دفع الصدقات إلى السلطان ، وفيه : أن المسجد قد ينتفع به ~~فى أمر جماعة المسلمين لغير الصلاة ، ألا ترى أن رسول الله - صلى الله عليه ms1085 ~~وسلم - جمع فيه الصدقات وجعله مخزنا لها ، وكذلك أمر أن يوضع فيه مال ~~البحرين وأن يبات عليه حتى قسمه فيه ، وكذلك كان يقعد فيه للوفود والحكم ~~بين الناس ، ومثل ذلك مما هو أبين منه لعب الحبشة بالحراب ، وتعلم المثاقفة ~~، وكل ذلك إذا كان شاملا لجماعة المسلمين ، وإذا كان العمل لخاصة الناس ~~فيكره مثل الخياطة والجزارة ، وقد كره قوم التأديب فى المسجد ، لأنه خاص ، ~~ورخص فيه آخرون لما يرجى من نفع تعلم القرآن فيه ، وفيه : جواز دخول ~~الأطفال فى المسجد واللعب فيه بغير ما يسقط حرمته إذا PageV03P533 كان ~~الأطفال ممن إذا نهوا انتهوا ، وفيه : أنه ينبغى أن يجنب الأطفال ما يجنب ~~الكبار من المحرمات ، وفيه : أن الأطفال إذا نهوا عن الشىء يجب أن يعرفوا ~~لأى شىء نهوا عنه ، ليكبروا على العلم ليأتى عليهم وقت التكليف وهم على علم ~~من الشريعة . وقال الطبرى : وفيه الدليل على أن لأولياء الصغار المعاتبة ~~وتجنيبهم التقدم على ما يجب على الأصحاء البالغين الانزجار عنه ، والحول ~~بينهم وبين ما حرم الله على عباده فعله ، وذلك أن النبى ، - صلى الله عليه ~~وسلم - ، استخرج التمرة من الصدقة من فى الحسن ، وهو طفل لا تلزمه الفرائض ~~، ولم تجر عليه الأقلام ، ولا شك أنه لو أكل تمر جميع الصدقات لم تلزمه ~~تبعة عند الله ، وإن لزم ماله غرمه ، فلم يخله رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - يأكل لا من أجل ما كان يلزمه من ضمن ذلك ، ولكن من أجل أنه كان مما ~~حرم الله على أهل التكليف من أهل بيته ، فبان بذلك أن الواجب على ولى الطفل ~~والمعتوه إن رآه قد تناول خمرا يشربها ، أو لحم خنزير يأكله ، أو مالا ~~لغيره ليتلفه أن يمنعه من فعله ، ويحول بينه وبين ذلك . وفيه : الدليل ~~الواضح على صحة قول القائلين أن على ولى الصغيرة المتوفى عنها زوجها أن ~~يجنبها الطيب والزينة والمبيت عن المسكن الذى تسكنه والنكاح ، وجميع ما يجب ~~على البوالغ المعتدات اجتنابه ، وخطأ قول من قال : ليس ذلك على الصغيرة ~~اعتلالا منهم ms1086 أنها غير متعبدة بشىء من الفرائض ، لأن الحسن كان لا تلزمه ~~الفرائض ، فلم يكن لإخراج التمرة من فيه معنى إلا من أجل ما كان على النبى ~~من منعه ما على المكلفين الامتناع منه من أجل أنه وليه . PageV03P534 # | 55 - باب من باع ثماره أو نخله أو أرضه أو زرعه وقد وجب فيه العشر أو ~~الصدقة فأدى الزكاة من غيره أو باع ثماره ولم تجب فيه الصدقة وقول النبى - ~~صلى الله عليه وسلم - : ( لا تبيعوا الثمرة حتى يبدو صلاحها ) ، فلم يحظر ~~البيع بعد الصلاح على أحد ولم يخص من وجبت عليه الزكاة ممن لم تجب . # / 74 - وفيه : ابن عمر ، نهى النبى - صلى الله عليه وسلم - عن بيع الثمرة ~~حتى يبدو صلاحها ، وكان إذا سئل عن صلاحها ، قال : ( حتى تذهب عاهتها ) . / ~~75 - وفيه : أنس ، أن النبى - صلى الله عليه وسلم - نهى عن بيع الثمار حتى ~~تزهى قال : وما تزهى ؟ قال : حتى تحمار . اختلف العلماء فى هذه المسألة ، ~~فقال مالك : من باع أصل حائطه أو أرضه ، وفى ذلك زرع أو ثمر قد بدا صلاحه ~~وحل بيعه ، فزكاة ذلك التمر على البائع إلا أن يشترطها على المبتاع ، ووجه ~~قوله أن المراعاة فى الزكاة إنما تجب بطيب الثمرة ، فإذا باعها ربها وقد ~~طاب أولها فقد باع ماله ، وحصة المساكين معه ، فيحمل على أنه قد ضمن ذلك ~~ويلزمه . وقال أبو حنيفة : المشترى بالخيار بين إنفاذ البيع ورده ، فالعشر ~~مأخوذ من الثمرة من يد المشترى ، ويرجع على البائع بقدر ذلك ، ووجه قوله فى ~~العشر مأخوذ من الثمرة ، لأن سنة الساعى أن يأخذ الزكاة من كل ثمرة يجدها ، ~~فوجب الرجوع على البائع بقدر ذلك ، كالعيب الذى يرجع بقيمته ، وقال الشافعى ~~فى أحد قوليه : إن البيع فاسد ، لأنه باع ما يملك وما لا يملك ، وهو نصيب ~~المساكين PageV03P535 ففسدت الصفقة ، وعلى هذا القول رد البخارى بقوله فى ~~هذا الباب فلم يحظر البيع بعد الصلاح على أحد ، ولم يخص من وجبت عليه ~~الزكاة ممن لم تجب ، والشافعى منع البيع بعد الصلاح فخالف ms1087 إباحة النبى ، - ~~صلى الله عليه وسلم - ، لبيع الثمار إذا بدا صلاحها ، واتفق مالك وأبو ~~حنيفة والشافعى أنه إذا باع أصل الثمرة وفيها ثمر لم يبد صلاحه أن البيع ~~جائز ، والزكاة على المشترى لقوله تعالى : { وآتوا حقه يوم حصاده } [ ~~الأنعام : 141 ] وأما الذى ورد فيه نهى النبى عن بيع الثمرة حتى يبدو ~~صلاحها هو بيع الثمرة خاصة دون الأصل ، لأنه يخشى عليه أن لا تتم الثمرة ، ~~فيذهب مال المشترى فى غير عوض ، وإن ابتاع رقبة الثمرة ، وإن كان فيها ثمر ~~لم يبد صلاحه ، فهو جائز ، لأن البيع إنما وقع على الرقبة لا ثمرتها التى ~~لم تظهر بعد ، فهذا الفرق بينهما . * * * # | 56 - باب هل يشترى الرجل صدقته ؟ ولا بأس أن يشترى صدقه غيره لأن النبى ~~- صلى الله عليه وسلم - إنما نهى المتصدق خاصة عن الشراء ولم ينه غيره # / 76 - فيه : ابن عمر ، أن عمر تصدق بفرس فى سبيل الله ، فوجده يباع ، ~~فأراد أن يشتريه ، ثم أتى النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، فاستأمره ، ~~فقال : PageV03P536 ( لا تعد فى صدقتك ) ، فبذلك كان ابن عمر لا يترك أن ~~يبتاع شيئا تصدق به إلا جعله صدقة . وقال عمر : حملت على فرس فى سبيل الله ~~، فأضاعه الذى كان عنده ، فأردت أن أشتريه ، وظننت أنه يبيعه برخص ، فسألت ~~النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، فقال : ( لا تشتره ، ولا تعد فى صدقتك ، ~~وإن أعطاكه بدرهم ، فإن العائد فى صدقته كالعائد فى قيئه ) . كره أكثر ~~العلماء شراء الرجل صدقته لحديث عمر فى الفرس ، وهو قول مالك ، والليث ، ~~والكوفيين ، والشافعى ، وسواء عندهم صدقة الفرض أو التطوع ، فإن اشترى أحد ~~صدقته لم يفسخ بيعه ، والأولى به التنزه عنها ، وكذلك قولهم فيما يخرجه ~~المكفر عن كفارة اليمين مثل الصدقة سواء . قال ابن المنذر : ورخص فى شراء ~~الصدقة : الحسن ، وعكرمة ، وربيعة ، والأوزاعى ، وقال ابن القصار : قال قوم ~~: لا يجوز لأحد أن يشترى صدقته ، ويفسخ البيع ، ولم يذكر قائلى ذلك ، ويشبه ~~أن يكونوا أهل الظاهر ، وحجة من لم يفسخ البيع أن الصدقة راجعة إليه بمعنى ~~غير معنى ms1088 الصدقة ، كما خرج لحم بريرة ، وانتقل عن معنى الصدقة المحرمة على ~~النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، إلى معنى الهدية المباحة له . قال ابن ~~القصار : وقد قال - صلى الله عليه وسلم - : ( لا تحل الصدقة لغنى إلا لخمسة ~~) وذكر منهم من اشتراها بماله ، ولم يفرق بين أن يكون المشترى لها صاحبها ~~أو غيره ، ورواه أبو سعيد الخدرى ، وقد تقدم فى باب قوله تعالى : { وفى ~~الرقاب } [ البقرة : 177 ] قبل هذا . PageV03P537 وأجمعوا أن من تصدق بصدقة ~~ثم ورثها أنه حلال له ، وروى سفيان ، عن عبد الله ابن عطاء ، عن ابن بريدة ~~، عن أبيه ، أن امرأة جاءت إلى النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، فقالت : ~~يا رسول الله ، إنى تصدقت على أمى بجارية وإنها ماتت ، قال : ( وجب أجرك ، ~~وردها عليك الميراث ) ، فإن قيل : فلم كرهتم شراءه إياها ؟ . قيل : لئلا ~~يحابيه الذى تصدق عليه بها فيصير عائدا فى بعض صدقته ، لأن العادة أن الذى ~~تصدق عليه بها يسامحه إذا باعها ، وقد أخبر النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ~~، فى لحم بريرة أنه إذا كانت الجهة التى يأخذ بها الإنسان غير جهة الصدقة ~~جاز ذلك ، ومن ملكها بماله لم يأخذها من جهة الصدقة ، فدل هذا المعنى أن ~~النهى فى حديث عمر فى الفرس محمول على وجه التنزه لا على التحريم ، لأن ~~المتصدق عليه بالفرس لما ملك بيعه من سائر الأجانب ، وجب أن يملكه من ~~المتصدق عليه ، دليله إن وهب له جاز أن يشتريه الواهب . وقال الطبرى : معنى ~~حديث عمر فى النهى عن شراء صدقة التطوع خاصة ، لأنه لا صدقة فى الخيل ، ~~فيقال : إن الفرس الذى تصدق به عمر كان من الصدقة الواجبة ، وصح أنه لم يكن ~~حبيسا لأنه لو كان حبيسا لم يكن ليباع ، فعلم أنه كان مما تطوع به عمر . ~~قال غير الطبرى : ولا يكون الحبس إلا لينفق عليه المحبس من ماله ، وإذا خرج ~~خارج إلى العدو دفعه إليه مع نفقته ، على أن يغزو به ويصرفه إليه ، فيكون ~~موقوفا على مثل ذلك ، فهذا لا يجوز بيعه بإجماع ، وأما ms1089 إذا جعله فى سبيل ~~الله وملكه الذى دفعه إليه ، فهذا يجوز بيعه . PageV03P538 قال الطبرى : ~~والدليل على جواز شراء صدقة الفرض وصحة البيع فيها ما ثبت عن الرسول فيمن ~~وجبت عليه سن من الإبل فلم تكن عنده ، وكان عنده دونها أو فوقها أن يأخذ ما ~~وجد ويرد دراهم أو غنما ، إن كان أخذ أفضل من الذى له ، وإن كان الذى وجد ~~عنده دون ، أن يأخذه ويلزمه دراهم ، أو غنما وهذا لا شك أخذ عوض وبدل من ~~الواجب على رب المال ، وإذا جاز تملك الصدقة بالشراء قبل خروجها من يد ~~المتصدق بعوض ، فحكمها بعد القبض كذلك ، وبنحو ذلك قال جماعة من العلماء ، ~~حدثنا محمد ابن بزيع ، حدثنا بشر بن مفضل ، عن الأشعث ، أن الحسن حدثهم أن ~~عمر بن الخطاب كان لا يكره أن يشترى الرجل صدقته إذا خرجت من يد صاحبها إلى ~~غيره ، وهو قول الحسن ، وابن سيرين ، فأما إن رجعت إلى المتصدق صدقته ~~بميراث ، أو هبة من المتصدق عليه ، أو غيره فإنه لا يكره له تملكها ، ولا ~~يكون عائدا فى صدقته لحديث بريرة ، وسيأتى الكلام فى حديث عمر فى كتاب ~~الجهاد باب إذا حمل على فرس فى سبيل الله فرآها تباع ، وفى كتاب الأوقاف ، ~~وفى آخر كتاب الهبات على حسب ما يقتضيه التبويب ، إن شاء الله . * * * # | 57 - باب ما يذكر فى الصدقة للنبي - صلى الله عليه وسلم - # / 77 - فيه : أبو هريرة ، قال : أخذ الحسن بن على تمرة من تمر الصدقة ، ~~فجعلها فى فيه ، فقال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( كخ كخ ) ، ليطرحها ~~، ثم قال : ( أما شعرت أنا لا نأكل الصدقة ) . PageV03P539 قال المؤلف : ~~اختلف العلماء فى الصدقة المحرمة على آل النبى ، فقال الطحاوى : قال أبو ~~يوسف ومحمد : يحرم على بنى هاشم صدقة الفريضة والتطوع ، وكره أصبغ بن الفرج ~~لهم فيما بينهم وبين الله أن يأخذوا من التطوع . وقال الطحاوى : اختلف فى ~~ذلك قول أبى حنيفة ، فروى عنه مثل هذا القول ، وروى عنه أن صدقة الفريضة ، ~~وسائر الصدقات حلال لبنى هاشم ، وقال مالك ms1090 : الصدقة المحرمة عليهم هى ~~الزكاة لا التطوع ، وذكر الطبرى عن أبى يوسف أنه يحل لبنى هاشم الصدقة ~~بعضهم من بعض ، ولا يحل لهم من غيرهم ، وذكر الطحاوى أن علة أبى حنيفة فى ~~ذلك أن الصدقات إنما كانت محرمة عليهم من أجل ما جعل لهم فى الخمس من سهم ~~ذوى القربى ، فلما انقطع عنهم ذلك ورجع إلى غيرهم بموت رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - حل بذلك لهم ما كان حرم عليهم . قال المؤلف : فأما أهل ~~المقالة الأولى فإنهم أخذوا بعموم النهى ، فكرهوا جميع أنواع الصدقات ، ولا ~~يصح تأويلهم ، لأن هذه التمرة التى أخرج النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، ~~من فى الحسن بن على كان من تمر الصدقة المفروضة التى كان يقسمها النبى ، - ~~صلى الله عليه وسلم - . قال الطحاوى : وإنما حرم على بنى هاشم من الصدقات ~~لقرابتهم مثل ما حرم على الأغنياء لأموالهم ، فأما الصدقة التى يراد بها ~~طريق الهبات ، وإن سميت صدقات فلا تدخل فى التحريم ، ألا ترى لو أن رجلا ~~أوقف داره على غنى أن ذلك جائز ، ولا يمنعه ذلك غناه ، وحكم ذلك خلاف حكم ~~سائر الصدقات من الزكوات والكفارات ، PageV03P540 وكذلك من كان من بنى هاشم ~~فذلك حلال ، وقد روى الطبرى عن النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، أنه حرم ~~الصدقة المفروضة على بنى هاشم وهذا نص قاطع ، قال الطبرى : وفى إخراج النبى ~~، - صلى الله عليه وسلم - ، التمرة من فى الحسن فساد قول من زعم أن الصدقة ~~المفروضة حلال لآل النبى ، وفساد قول من زعم أنها تحرم عليهم من غيرهم ، ~~وأنها حلال لبعضهم من بعض ، وذلك أن الأخبار وردت أن الصدقة محرمة عليه ~~وعلى أهل بيته ، وبذلك نطق القرآن ، وذلك لقوله تعالى : { قل لا أسألكم ~~عليه أجرا إلا المودة فى القربى } [ الشورى : 23 ] ، وذلك أنه لو حلت له ~~الصدقة فأخذها منهم ، وجد القوم السبيل أن يقولوا : إنما تدعونا إلى ما ~~تدعونا إليه لتأخذ أموالنا وتعطيها إلى أهل بينك ولا تدعونا إلى سبيل ~~الرشاد ، ولكنه أمر - صلى الله عليه وسلم - بأخذها ms1091 من أغنياء كل قبيلة ~~وردها فى فقرائهم ، ليعلموا أنه إنما يدعوهم إلى مصلحتهم دون عوض يأخذه ~~منهم ، وبذلك بعثت الرسل من قبله ، فقال نوح إذ كذبه قومه ، وقال هود إذ ~~كذبته عاد ، وقال صالح إذ كذبته ثمود : { وما أسألكم عليه من أجر } [ ~~الشعراء : 145 ] وإنما سألوا الأجر من الله تعالى . قال المهلب : وإنما ~~حرمت الصدقة عليه وعلى آله ، لأنها أوساخ الناس ، ولأن أخذ الصدقة منزلة ذل ~~وضعة ، لقوله - صلى الله عليه وسلم - : ( اليد العليا خير من اليد السفلى ) ~~، فجعل يد الذى يأخذ السفلى ، والأنبياء وآلهم منزهون عن الذل ، والضعة ، ~~والخضوع ، والافتقار إلى غير الله . PageV03P541 وقد فرض الله عليه وعلى ~~الأنبياء قبله ألا يطلبوا على شىء من الرسالة أجرا ، فلو أخذ الصدقة لكانت ~~كالأجرة ، وكذلك لو أخذها الذين تلزمهم صلته لكان ذلك كالواصل إليه ، فلذلك ~~حرمها عليهم ، قال الطبرى : وأما الذين حظروا على بنى هاشم أخذ الصدقة ~~المفروضة من غيرهم ، وأباحوا أخذها من بعضهم لبعض ، فإنهم لا القياس فى ذلك ~~أصابوا ، ولا خبر الرسول اتبعوا ، وذلك أن كل صدقة وزكاة أوساخ الناس ، ~~وغسالة ذنوب من أخذت منه هاشمبا كان أو نبطيا ، ولم يفرق الله ولا رسوله ~~بين شىء منها بافتراق حال المأخوذ ذلك منه ، وصاحبهم أشد قولا منهم ، لأنه ~~لزم ظاهر التنزيل ، وهو قوله تعالى : { إنما الصدقات للفقراء والمساكين } [ ~~التوبة : 60 ] وأنكر الأخبار الواردة بتحريم الصدقة على بنى هاشم ، فلا ~~ظاهر التنزيل لزموا ، ولا بالخبر عنه - صلى الله عليه وسلم - قالوا . قال ~~المهلب : وفى هذا الحديث أن قليل الصدقة لا يحل لآل محمد بخلاف اللقطة التى ~~لا يحرم منها ما لا قيمة له ، لقوله - صلى الله عليه وسلم - فى التمرة ~~الملقاة : ( لولا أنى أخشى أن تكون من الصدقة لأكلتها ) . قال المؤلف : ~~واختلف العلماء فى آل النبى - صلى الله عليه وسلم - من هم ؟ فقال مالك : هم ~~بنو هاشم خاصة . قال ابن حبيب : ولا يدخل فى آل محمد من كان فوق بنى هاشم ~~من بنى عبد مناف ، أو بنى قصى ، أو غيرهم ، وهكذا ms1092 فسر ابن الماجشون ومطرف ، ~~وحكاه الطحاوى عن أبى حنيفة ، وذكر عبد الرزاق عن الثورى ، عن يزيد بن حيان ~~التيمى ، PageV03P542 قال : سمعت زيد بن أرقم ، وقيل له : من آل محمد الذين ~~لا تحل لهم الصدقة ؟ قال : آل على بن أبى طالب ، وآل عقيل ، وآل جعفر ، وآل ~~العباس ، وقال الشافعى : آل محمد بنو هاشم ، وبنو عبد المطلب ، أخى هاشم ~~أيضا ممن لا تحل لهم الصدقة . وقال أصبغ بن الفرج : آل محمد الذين لا تحل ~~لهم الصدقة عشيرته الأقربون ، الذين ناداهم حين أنزل عليه : { وأنذر عشيرتك ~~الأقربين } [ الشعراء : 214 ] وهم آل عبد المطلب ، وآل هاشم ، وآل عبد مناف ~~، وقصى ، وقال أصبغ : وقد قيل : قريش كلها . وقوله : ( كخ كخ ) ، قال أبو ~~على البغدادى : يقال للصبى إذا زجروه عن الشىء يريد أكله . كخ كخ بكسر ~~الكاف مرتين . * * * # | 58 - باب الصدقة على موالي أزواج النبى - عليه السلام - # / 78 - فيه : ابن عباس ، وجد النبى - صلى الله عليه وسلم - شاة ميتة ~~أعطيتها مولاة لميمونة ، فقال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( هلا ~~انتفعتم بجلدها ) ، قالوا : إنها ميتة ، قال : ( إنما حرم أكلها ) . / 79 - ~~وفيه : عائشة ، ( أنها أرادت أن تشترى بريرة للعتق ، وأراد مواليها أن ~~يشترطوا ولاءها . . . . ) الحديث . ( وأتى النبى - صلى الله عليه وسلم - ~~بلحم ، فقلت : هذا ما تصدق به على بريرة ، فقال النبى : هو لها صدقة ، ولنا ~~هدية ) . قال المؤلف : اتفق كافة الفقهاء على أن أزواج النبى ، - عليه ~~السلام - ، PageV03P543 لا يدخلن فى آله الذين تحرم عليهم الصدقة ، ~~فمواليهن أحرى بالصدقة على ما ثبت فى شاة ميمونة ولحم بريرة . وإنما اختلف ~~العلماء فى موالى بنى هاشم خاصة إن كان لهم حكم بنى هاشم فى تحريم الصدقة ~~عليهم أم لا فذهب الكوفيون ، والثورى ، وابن الماجشون ، ومطرف ، وابن نافع ~~إلى أن الصدقة محرمة على موالى بنى هاشم كتحريمها على بنى هاشم ، واحتجوا ~~بحديث أبى رافع أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : ( إنا آل محمد ~~لا نأكل الصدقة ، وموالى القوم منهم ) . وذهب مالك ، وابن القاسم ، ~~والشافعى ، إلى أن موالى بنى هاشم تحل ms1093 لهم الصدقات وتأولوا قوله - صلى الله ~~عليه وسلم - : ( موالى القوم منهم ) على الخصوص ، قال ابن القاسم : ومثل ~~الحديث الذى جاء ( ابن أخت القوم منهم ) قال أصبغ : وتفسير مولى القوم منهم ~~يريد فى الحرمة والبر منهم به ، كما جاء فى الحديث : ( أنت ومالك لأبيك ) ~~يريد فى البر والمطاوعة لا فى اللازم ولا فى القضاء . * * * # | 59 - باب إذا تحولت الصدقة # / 80 - فيه : أم عطية الأنصارية ، قالت : دخل النبى ، - صلى الله عليه ~~وسلم - ، على عائشة ، فقال : ( هل عندكم شىء ) ؟ فقالت : لا ، إلا شىء بعثت ~~به إلينا نسيبة من الشاة التى بعثت بها من الصدقة ، فقال : ( إنها قد بلغت ~~محلها ) . / 81 - وفيه : أنس ، أن النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، أتى ~~بلحم تصدق به على بريرة ، فقال : ( هو عليها صدقة ، وهو لنا هدية ) . ~~PageV03P544 قال بعض العلماء : لما كانت الصدقة يجوز فيها التصرف للفقير ~~بالبيع والهبة ، لصحة ملكه لها ، وأهدتها نسيبة وبريرة إلى عائشة ، حكم لها ~~بحكم الهبة ، وتحولت عن معنى الصدقة بملك المتصدق عليه بها ، وانتقلت إلى ~~معنى الهدية الحلال للنبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، وإنما كان يأكل ~~الهدية ، ولا يأكل الصدقة ، لما فى الهدية من تألف القلوب والدعاء إلى ~~المحبة . وجائز أن يثبت عليها بمثلها وأفضل منها فترتفع المنة والذلة ، ولا ~~يجوز ذلك فى الصدقة ، فافترق حكمهما لافتراق المعنى فيهما ، وقال سحنون : ~~لا بأس أن يشترى الرجل كسور السؤال منهم ، واستدل على ذلك بقول الرسول فى ~~لحم بريرة : ( هو لها صدقة ولنا هدية ) . وقال الطحاوى : فى حديث أم عطية ، ~~وحديث بريرة دليل على أنه يجوز للهاشمى أن يستعمل على الصدقة ، ويأخذ جعله ~~على ذلك ، وقد كان أبو يوسف يكره ذلك إذا كانت جعالتهم منها . قال : لأن ~~الصدقة تخرج من ملك المتصدق إلى غير الأصناف التى سماها الله ، فيملك ~~المصدق بعضها ، وهى لا تحل له ، واحتج بحديث أبى رافع ، أن رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - بعث رجلا من بنى مخزوم على الصدقة ، فقال لأبى رافع : ~~اصحبنى كيما تصيب منها ، فقال : لا حتى أستأذن رسول ms1094 الله - صلى الله عليه ~~وسلم - فأتاها فذكر ذلك له ، فقال : إن آل محمد لا تحل لهم الصدقة ، وموالى ~~القوم من أنفسهم . وخالف أبا يوسف فى ذلك آخرون ، فقالوا : لا بأس أن يجتعل ~~منها PageV03P545 الهاشمى ، لأنه إنما يجتعل على عمله ، وذلك قد يحل ~~للأغنياء ، فلما كان هذا لا يحرم على الأغنياء يحرم عليهم غناهم الصدقة ، ~~كان ذلك أيضا فى النظر لا يحرم على بنى هاشم الذى يحرم عليهم نسبهم الصدقة ~~. وقال الطحاوى : فلما كان ما تصدق به على بريرة جائزا للنبى ، - صلى الله ~~عليه وسلم - ، أكله ، لأنه إنما ملكه بالهدية ، جاز أيضا للهاشمى أن يجتعل ~~من الصدقة ، لأنه إنما تملكها بعمله لا بالصدقة ، هذا هو النظر عندنا ، وهو ~~أصح مما ذهب إليه أبو يوسف . * * * # | 60 - باب أخذ الصدقة من الأغنياء وترد فى الفقراء حيث كانوا # / 82 - فيه : ابن عباس ، قال : قال النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، ~~لمعاذ بن جبل حين بعثه إلى اليمن : ( إنك ستأتى قوما أهل كتاب فإذا جئتهم ، ~~فادعهم إلى أن يشهدوا أن لا إله إلا الله ، وأن محمدا رسول الله ، فإن هم ~~أطاعوا لك بذلك ، فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم خمس صلوات فى كل يوم وليلة ~~، فإن هم أطاعوا لك بذلك ، فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم صدقة تؤخذ من ~~أغنيائهم ، فترد على فقرائهم ، فإن هم أطاعوا لك بذلك ، فإياك وكرائم ~~أموالهم ، واتق دعوة المظلوم ، فإنه ليس بينها وبين الله حجاب ) . ~~PageV03P546 قال المؤلف : قال الله تعالى : { إنما الصدقات للفقراء ~~والمساكين والعاملين عليها } إلى { وابن السبيل } [ التوبة : 60 ] ، واختلف ~~العلماء فى الصدقات ، هل هى مقسومة على من سمى الله تعالى فى هذه الآية ؟ ~~فقال مالك ، والثورى ، وأبو حنيفة ، وأصحابه : يجوز أن توضع الصدقة فى صنف ~~واحد من الأصناف المذكورة فى الآية على قدر اجتهاد الإمام ، وهو قول عطاء ، ~~والنخعى ، والحسن البصرى ، وقال الشافعى : هى مقسومة على ثمانية أصناف لا ~~يصرف منها سهم عن أهله ما وجدوا ، وهو قول عكرمة ، وأخذ بظاهر الآية ، قال ~~: وأجمعوا لو أن رجلا أوصى ms1095 بثلثه لثمانية أصناف لم يجز أن يجعل ذلك فى صنف ~~واحد ، فكان ما أمر الله بقسمته على ثمانية أصناف أولى أن لا يجعل فى واحد ~~، ومعنى الآية عند مالك والكوفيين : إعلام من الله تعالى لمن تحل له الصدقة ~~، بدليل إجماع العلماء أن العامل عليها لا يستحق ثمنها ، وإنما له بقدر ~~عمالته ، فدل ذلك أنها ليست مقسومة على ثمانية أصناف بالسوية ، واحتجوا بما ~~روى عن حذيفة ، وابن عباس أنهما قالا : إذا وضعتها فى صنف واحد أجزأك ، ولا ~~مخالف لهما من الصحابة ، فهو كالإجماع ، وقال مالك والكوفيون : المؤلفة ~~قلوبهم قد سقطوا ولا مؤلفة اليوم ، وليس لأهل الذمة فى بيت المال حق ، وقال ~~الشافعى : المؤلفة قلوبهم من دخل فى الإسلام ، ولا يعطى مشرك يتألف على ~~الإسلام . واختلفوا فى نقل الصدقة من بلد إلى بلد ، فقال الشافعى : لا يجوز ~~نقلها من بلد إلى بلد آخر ، وقال مالك : إذا وجد المستحقون PageV03P547 ~~للزكاة فى البلد الذى تؤخذ فيه لم تنقل عنه إلى بلد آخر ، وذكر ابن المواز ~~، عن مالك لو أن رجلا بالشام أنفذ زكاته إلى المدينة كان صوابا ، ولو ~~أنفذها إلى العراق لم أر به بأسا ، وقال أبو حنيفة : يجوز نقلها إلى بلد ~~آخر مع وجود الفقراء فى البلد الذى تؤخذ فيه ، وإن كنا نكرهه ، واحتج ~~الشافعى بحديث معاذ حين بعث إلى اليمن فأمره أن يأخذ الزكاة من أغنيائهم ~~فيردها فى فقرائهم ، فأخبر أنها ترد فى فقراء اليمن إذا أخذت من أغنيائهم . ~~واحتج من أجاز نقلها إلى بلد آخر بما روى عن معاذ أنه قال لأهل اليمن : ~~ائتونى بعرض ثياب خميس ، أو لبيس فى الصدقة ، فإنها أنفع لأهل المدينة ، ~~فأعلمهم أنه ينقلها إلى المدينة ، وكان عدى بن حاتم ينقل صدقة قومه إلى أبى ~~بكر بالمدينة ، فلم ينكر ذلك عليه أحد من الصحابة . وقوله : ( واتق دعوة ~~المظلوم ، فإنه ليس بينها وبين الله حجاب ) . فيه : أن للإمام أن يعظ من ~~ولاه النظر فى أمور رعيته ، ويأمره بالعدل بينهم ، ويخوفه عاقبة الظلم ، ~~ويحذره وباله ، قال الله تعالى : { ألا ms1096 لعنة الله على الظالمين } ولعنة ~~الله الإبعاد من رحمته . والظلم محرم فى كل أمة ، وقد جاء فى الحديث : أن ~~دعوة المظلوم لا ترد وإن كانت من كافر ، ومعنى ذلك أن الله تعالى لا يرض ~~ظلم الكافر كما لا يرضى ظلم المؤمن ، وأخبر تعالى أنه لا يظلم الناس شيئا ، ~~فدخل فى عموم هذا اللفظ جميع الناس من مؤمن وكافر . PageV03P548 # | 61 - باب صلاة الإمام ودعائه لصاحب الصدقة وقوله تعالى : { خذ من ~~أموالهم صدقة } إلى قوله : { سكن لهم } [ التوبة : 103 ] # / 83 - فيه : ابن أبى أوفى ، قال : كان النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، ~~إذا أتاه قوم بصدقتهم ، قال : ( اللهم صل على آل فلان ) ، فأتاه أبى بصدقته ~~، فقال : ( اللهم صل على آل أبى أوفى ) . قال أهل الظاهر : إذا أخذ الإمام ~~الصدقة من صاحبها وجب عليه أن يدعو له ، وقال جميع الفقهاء : إن ذلك غير ~~واجب ، واحتج أهل الظاهر بقوله تعالى : { وصل عليهم } [ التوبة : 103 ] ~~قالوا : والأمر يقتضى الوجوب ، والنبى - صلى الله عليه وسلم - قد دعا لآل ~~أبى أوفى ، وفعله ممتثل ، والاقتداء به واجب . قال ابن القصار : حجة ~~الجماعة أنه لا يخلو أن يكون الأمر إذا لم يدع له أن تجزئه الزكاة أم لا ؟ ~~فإن قالوا : لا تجزئه دللنا بقوله تعالى : { وآتوا الزكاة } وهذا قد أعطاها ~~، فإن قالوا : تجزئه ، دللنا أن الإمام لا يجب عليه شىء بقوله - صلى الله ~~عليه وسلم - : خذ الصدقة من أغنيائهم وردها فى فقرائهم ، ولم يقل : ادع لهم ~~، ولو كان مأمورا بالدعاء لذكره ، ليعلم كما علمنا وجوب الزكاة ، ولأمر به ~~السعاة ، ولم ينقل أحد أنه أمرهم بذلك . وأما قوله تعالى : { وصل عليهم إن ~~صلاتك سكن لهم } فإنما أراد إذا ماتوا ، هكذا يقتضى إطلاق الصلاة فى ~~الشريعة ، ولو ثبت أنه أراد الدعاء لكان خصوصا للنبى ، - صلى الله عليه ~~وسلم - ، لقوله : { إن صلاتك سكن لهم } فلا يعلم هذا فى غير النبى ، ويجوز ~~أن يحمل على الاستحباب بدليل أن كل حق لله أو للآدميين استوفاه الإمام فلا ~~يجب عليه الدعاء لمن استوفاه منه كالحدود والكفارات ms1097 والديون . PageV03P549 # | 62 - باب ما يستخرج من البحر # وقال ابن عباس : ليس العنبر بركاز هو شىء دسره البحر . وقال الحسن : فى ~~العنبر واللؤلؤ الخمس ، فإنما جعل النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، فى ~~الركاز الخمس ليس فى الذى يصاب فى الماء . / 84 - فيه : أبو هريرة ، قال ~~النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( أن رجلا من بنى إسرائيل سأل بعض بنى ~~إسرائيل بأن يسلفه ألف دينار ، فدفعها إليه ، فخرج فى البحر ، فلم يجد ~~مركبا ، فأخذ خشبة ، فنقرها ، فأدخل فيها ألف دينار ، فرمى بها فى البحر ، ~~فخرج الرجل الذى كان أسلفه ، فإذا بالخشبة فأخذها لأهله حطبا . . . . . ) ، ~~فذكر الحديث ، ( فلما نشرها وجد المال ) . اختلف العلماء فى العنبر واللؤلؤ ~~حين يخرجان من البحر هل فيهما خمس أم لا ؟ فجمهور العلماء على ألا شىء ~~فيهما ، وأنهما كسائر العروض ، وهذا قول أهل المدينة ، والكوفيين ، والليث ~~، والشافعى ، وأحمد ، وأبى ثور ، وقال أبو يوسف : فى اللؤلؤ والعنبر وكل ~~حلية تخرج من البحر خمس . وهو قول عمر بن عبد العزيز ، والحسن البصرى ، ~~وابن شهاب . قال ابن القصار : وهذا غلط ، لأن النبى - صلى الله عليه وسلم - ~~قال : ( وفى الركاز الخمس ) فدل أن غير الركاز لا خمس فيه ، والبحر لا ~~ينطلق عليه اسم ركاز ، واللؤلؤ والعنبر متولدان من حيوان البحر فأشبها ~~السمك والصدف . قال غيره : وحجة أخرى أن الله فرض الزكاة ، فقال : { خذ من ~~PageV03P550 أموالهم صدقة } فأخذ الرسول من بعض الأموال دون بعض ، فعلمنا ~~أن الله تعالى لم يرد جميع الأموال ، فلا سبيل إلى إيجاب زكاة إلا فيما ~~أخذه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ووقف عليه أصحابه . قال المهلب : فى ~~أخذ الرجل الخشبة حطبا لأهله دليل أن ما يوجد فى البحر من متاع البحر وغيره ~~أنه لا شىء فيه ، وهو لمن وجده حتى يستحق ما ليس من متاع البحر من الأموال ~~كالدنانير والثياب وشبه ذلك ، فإذا استحق رد إلى مستحقه ، وما ليس له طالب ~~ولم تكن له كبير قيمة ، وحكم بغلبة الظن بانقطاعه كان لمن وجده ينتفع به ، ~~ولا يلزمه فيه تعريف إلا ms1098 أن يوجد فيه دليل يستدل به على مالكه كاسم رجل ~~معلوم ، أو علامة ، فيجتهد فيه الفقهاء فى أمر التعريف له . وفيه : أن الله ~~تعالى متكفل بعون من أراد الأمانة ومعينه على ذلك . وفيه : أن الله يجازى ~~على الإرفاق بالمال بحفظه عليهم مع الأجر المدخر لهم فى الآخرة ، كما حفظه ~~على المسلف حين رده الله إليه ، وهذان فضلان كبيران لأهل المواساة والثقة ~~بالله والحرص على أداء الأمانة . وفيه : دليل على جواز ركوب البحر بأموال ~~الناس والتجارة فيه . * * * # | 63 - باب فى الركاز الخمس # وقال مالك وابن إدريس : الركاز دفن الجاهلية فى قليله وكثيره الخمس ، ~~وليس المعدن بركاز . وقال - صلى الله عليه وسلم - : ( المعدن PageV03P551 ~~جبار ، وفى الركاز الخمس ) ، وأخذ عمر بن عبد العزيز من المعادن من كل ~~مائتين خمسة . وقال الحسن : ما كان من ركاز فى أرض الحرب ففيه الخمس ، وما ~~كان من أرض السلم ففيه الزكاة ، وإن وجدت اللقطة فى أرض العدو فعرفها ، وإن ~~كانت من العدو ففيها الخمس . وقال بعض الناس : المعدن ركاز مثل دفن ~~الجاهلية ؛ لأنه يقال : أركز المعدن ، إذا خرج منه شىء ، فقد يقال لمن وهب ~~له الشىء أو ربح ربحا كثيرا أو كثر ثمره : أركزت ثم ناقض ، وقال : لا بأس ~~أن يكتمه ، ولا يؤدى الخمس . / 85 - فيه : أبو هريرة ، أن رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - قال : ( العجماء جبار ، والبئر جبار ، والمعدن جبار ، وفى ~~الركاز الخمس ) . قال ابن حبيب : الركاز دفن الجاهلية خاصة ، والكنز دفن ~~الإسلام ، فدفن الإسلام فيه التعريف ودفن الجاهلية فيه الخمس فى قليله ~~وكثيره ، وباقية لمن وجده سواء كان فى أرض العرب ، أو أرض عنوة ، أو صلح ، ~~قاله مطرف ، وابن الماجشون ، وابن نافع ، وأصبغ ، ورواه ابن وهب ، عن على ~~بن أبى طالب ، وعمر بن عبد العزيز ، ومكحول ، والليث ، وهو قول أبى حنيفة ، ~~والشافعى ، وروى ابن القاسم عن مالك فى العتبية أنه فرق بين أرض العنوة ، ~~والصلح فى ذلك ، فقال : من أصابه ببلد العنوة فليس لمن وجده ، وفيه الخمس ~~وأربعة أخماسه لمن افتتح تلك البلاد ، ولورثتهم ms1099 إن هلكوا ، ويتصدق به عنهم ~~إن لم يعرفوا . PageV03P552 وقد رد عمر السفطين اللذين وجدا بعد الفتح ~~وسكنى البلاد ، قال : وإن كانت أرض فهو كله لهم ، لا خمس فيه إذا عرف أنه ~~من أموالهم ، وإن عرف أنه ليس من أموال أهل تلك الذمة ولم يرثه عنهم أهل ~~هذه الذمة ، فهو لمن وجده وكذلك إن وجده رجل فى دار صلح من صالح عليها ، ~~فهو لرب الدار لا شىء فيه ، لأن من ملك شيئا من أرض الصلح ملك ما تحتها . ~~قال سحنون : فإن لم تعرف أعنوة هى الأرض أو صلح ، فهو لمن أصابه بعد أن ~~يخمسه ، قال الأبهرى : وإنما جعل فى الركاز الخمس ، لأنه مال كافر لم يملكه ~~مسلم ، فأنزل واجده بمنزلة الغانم مال الكافر ، فكان له أربعة أخماسه ، ~~واحتج الطحاوى ، فقال : لا فرق بين أرض العنوة وأرض الصلح ، لأن الغانمين ~~لم يملكوا الركاز كما أن من ملك أرض العرب لا يملك ما فيها من الركاز ، وهو ~~للواجد دون المالك بإجماع ، فوجب رد ما اختلفوا فيه من أرض الصلح إلى ما ~~أجمعوا عليه من أرض العرب . قال ابن المواز : واختلف قول مالك فيما وجد من ~~دفنهم سوى العين من جوهر وحديد ونحاس ومسك وعنبر ، فقال : ليس بركاز ، ثم ~~رجع فقال : له حكم الركاز ، وأخذ ابن القاسم بالقول الأول أنه ليس بركاز ، ~~قال ابن أبى زيد : وهو أبين ، لأنه لا خمس إلا فيما أوجف عليه ، وإنما أخذ ~~من الذهب والفضة ، لأنه الركاز نفسه الذى جاء فيه النص ، وقال مطرف ، وابن ~~الماجشون ، PageV03P553 وابن نافع : إنه ركاز . وبه قال أشهب إلا النحاس ، ~~والرصاص ، ومن جعل ذلك كل ركازا شبهه بالغنيمة يؤخذ منها الخمس ، سواء كانت ~~عينا أو عرضا ، واختلفوا فى من وجد ركازا فى منزل اشتراه ، فروى على بن ~~زياد ، عن مالك أنه لرب الدار دون من أصابه ، وفيه الخمس ، وهو قول أبى ~~حنيفة ومحمد ، وقال ابن نافع : هم لمن وجده دون صاحب المنزل ، وهو قول ~~الثورى ، وأبى يوسف . وقال ابن المنذر : لا خلاف بين العلماء ms1100 أن فى الركاز ~~الخمس ، ولا نعلم أحدا خالف ذلك إلا الحسن البصرى فأوجب فيه الخمس إذا وجد ~~فى أرض الحرب ، وأوجب الزكاة فيه إذا وجد فى أرض العرب ، قال غيره : وهذا ~~غلط ، لأن النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، قال : ( وفى الركاز الخمس ) ، ~~وهذا عموم فى كل ركاز سواء كان فى أرض العرب أو غيرها ، لأن النبى ، - صلى ~~الله عليه وسلم - ، لم يخص أرضا دون أرض . واختلفوا فى المعدن ، فعند مالك ~~، والليث أن المعادن مخالفة للركاز ، لأنه لا ينال شىء منها إلا بالعمل ، ~~بخلاف الركاز ، وفيها الزكاة إذا حصل له نصاب ولا يستأنف له الحول ، وبه ~~قال أحمد ، وإسحاق ، وأبو ثور ، قال مالك : لما كان ما يخرج من المعدن ~~يعتمل وينبت كالزرع ، كان مثله فى تعجيل زكاته يوم حصاده ، كما قال الله فى ~~الزرع ، ولا يسقط الدين زكاة المعدن كالزرع ، وما كان فى المعدن من الندرة ~~يؤخذ بغير تعب ولا عمل فهو ركاز ، وفيه الخمس . PageV03P554 وعند الشافعى ~~فى المعدن الزكاة ، إلا أنه اختلف قوله ، فقال مرة : الزكاة فى قليله ~~وكثيره ، وقال مرة : لا زكاة فيه حتى يبلغ نصابا ، وكذلك اختلف قوله فى ~~الندرة توجد فيه ، فمرة قال فيها الخمس ، كقول مالك ، ومرة قال فيها : ~~الزكاة ربع العشر على كل حال ، وذهب أبو حنيفة والثورى ، والأوزاعى إلى أن ~~المعدن كالركاز ، وفيه الخمس فى قليله وكثيره على ظاهر قوله - صلى الله ~~عليه وسلم - : ( وفى الركاز الخمس ) واحتج أبو حنيفة بقول العرب : أركز ~~الرجل إذا أصاب ركازا ، وهو قطع من الذهب تخرج من المعادن ، هذا قول صاحب ~~العين . وذكر ابن المنذر ، عن الزهرى ، وأبى عبيد أن الركاز : المال ~~المدفون والمعدن جميعا ، وفيهما الخمس كقول أبى حنيفة ، وهما إمامان فى ~~اللغة ومن حجة مالك قوله - صلى الله عليه وسلم - : ( المعدن جبار ، وفى ~~الركاز الخمس ) ووجه حجته أنه - صلى الله عليه وسلم - فرق بين المعدن ~~والركاز بواو فاصلة ، فصح أن الركاز ليس بمعدن من جهة الاسم ، وأنهما ~~مختلفان فى المعنى فدل ذلك أن الخمس فى الركاز ms1101 لا فى المعدن ، وما ألزمه ~~البخارى أبا حنيفة ، من قوله : قد يقال لمن وهب له الشىء أو ربح ربحا كثيرا ~~، أو كثر ثمره أركزت ، فهى حجة قاطعة لأنه لا يدل اشتراك المسميات فى ~~الأسماء على اشتراكهما فى المعانى والأحكام ، إلا أن يوجب ذلك ما يوجب ~~التسليم له . وقد أجمعوا على أن من وهب له مال أو أكثر ربحه أو ثمره فإنما ~~يلزمه فى ذلك الزكاة خاصة على سنتها ، ولا يلزمه فى شىء منه PageV03P555 ~~الخمس ، وإن كان يقال فيه أركز ، كما يلزمه فى الركاز الذى هو دفن الجاهلية ~~إذا أصابه ، فاختلف الحكم ، وإن اتفقت التسمية . ومما يدل على ذلك حديث ~~مالك بن ربيعة ( أن رسول الله أقطع بلال بن الحارث معادن القبلية ) ولا ~~يؤخذ منها إلى اليوم إلا الزكاة ، فلما ثبت أنه لم يؤخذ منها غير الزكاة فى ~~عصر النبى وعصر الصحابة ، علم أن الذى يجب فى المعادن هو الزكاة ، وأما قول ~~البخارى عن أبى حنيفة ، ثم ناقض ، فقال : لا بأس أن يكتمه ولا يؤدى الخمس ، ~~فهو تعسف منه ، وليس بمناقضة ، لأن الطحاوى حكى عن أبى حنيفة أنه قال : من ~~وجد ركازا فلا بأس أن يعطى الخمس للمساكين ، وإن كان محتاجا جاز له أن ~~يأخذه لنفسه ، وإنما أراد أبو حنيفة أنه تأول أن له حقا فى بيت المال ، وله ~~نصيب فى الفىء ، فذلك جاز أن يأخذ الخمس لنفسه عوضا من ذلك ، لأن أبا حنيفة ~~أسقط الخمس من المعدن بعد ما أوجبه فيه ، فتأول عليه البخارى غير ما أراده ~~، وبالله التوفيق . * * * # | 64 - باب قول الله تعالى : { والعاملين عليها } [ التوبة : 60 ] ~~ومحاسبة المصدقين مع الإمام # / 86 - فيه : أبو حميد ، قال : استعمل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~رجلا من الأسد على صدقات بنى سليم ، يدعى ابن اللتبية ، فلما جاء حاسبه . ~~اتفق العلماء أن العاملين عليها هم السعاة المتولون لقبض الصدقة ، واتفقوا ~~أنهم لا يستحقون على قبضها جزءا منها معلوما سبعا أو ثمنا ، وإنما للعامل ~~بقدر عمالته على حسب اجتهاد PageV03P556 الإمام ، ودلت هذه الآية ms1102 على أن ~~لمن شغل بشىء من أعمال المسلمين أخذ الرزق على عمله ذلك كالولاة والقضاة ~~وشبههم ، وسيأتى قول من كره ذلك من السلف فى كتاب الأحكام فى باب رزق ~~الحكام والعاملين عليها ، إن شاء الله . قال المهلب : وفى هذا الحديث من ~~الفقه : جواز محاسبة المؤتمن ، وأن المحاسبة تصحح أمانته . قال غيره : وهذا ~~الحديث هو أصل فعل عمر بن الخطاب فى مقاسمته العمال ، وإنما فعل ذلك لما ~~رأى ما نالوه من كثرة الأرباح ، وعلم أن ذلك من أجل سلطانهم ، وسلطانهم ~~إنما كان بالمسلمين ، فرأى مقاسمة أموالهم نظرا للمسلمين واقتداء بقول ~~النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( أفلا جلس فى بيت أبيه ، وأمه فيرى أيهدى ~~له شىء أم لا ) . ومعناه أنه لولا الإمارة لم يهد إليه شىء ، وهذا اجتهاد ~~من عمر ، وإنما أخذ منهم ما أخذ لبيت مال المسلمين لا لنفسه ، وسيأتى فى ~~باب احتيال العامل ليهدى له فى آخر كتاب ترك الحيل زيادة فى هذا المعنى ، ~~إن شاء الله ، قال المهلب : وفيه من الفقه : أن العالم إذا رأى متأولا قد ~~أخطأ فى تأويله خطأ يعم الناس ضرره أن يعلم الناس كافة بموضع خطئه ، ~~ويعرفهم بالحجة القاطعة لتأويله كما فعل النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، ~~بابن اللتبية فى خطبته للناس . وفيه : جواز توبيخ المخطئ . وفيه : جواز ~~تقديم الأدون إلى الإمارة والأمانة والعمل وثم من هو أعلى منه وأفقه ، لأن ~~النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، قدم ابن اللتبية وثم من صحابته من هو ~~أفضل منه . PageV03P557 # | 65 - باب استعمال إبل الصدقة وألبانها لأبناء السبيل # / 87 - فيه : أنس ، أن ناسا من عرينة اجتووا المدينة ، فرخص لهم رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - أن يأتوا إبل الصدقة . . . . . الحديث . قال ~~المؤلف : غرضه فى هذا الباب ، والله أعلم ، إثبات وضع الصدقات فى صنف واحد ~~ممن ذكر فى آية الصدقة خلافا للشافعى الذى لا يجوز عنده قسمة الصدقات إلا ~~على ثمانية أسهم ، والحجة بهذا الحديث قاطعة ، لأن النبى ، - صلى الله عليه ~~وسلم - ، أفرد أبناء السبيل بالانتفاع بإبل الصدقة وألبانها دون ms1103 غيرهم ، ~~وقد تقدم هذا المعنى ، قال صاحب العين : اجتويت الأرض إذا لم توافقك . وقال ~~الطبرى : افتعلت من الجوى ، والجوى أصله فساد يكون فى الجوف يقال منه : قد ~~جوى الرجل يجوى جوى شديدا ، فلذلك كره العرنيون المدينة لما أصابهم من ~~الداء فى أجوافهم . وقال ابن قتيبة : اجتويت البلاد ، إذا كرهتها وإن كانت ~~موافقة لك فى بدنك استوبأتها إذا لم توافقك فى بدنك ، وإن أحببتها ، وقول ~~صاحب العين أشبه بهذا الحديث ، وسيأتى ما فيه من غريب اللغة بعد هذا . * * ~~* # | 66 - باب وسم الإمام إبل الصدقة بيده # / 88 - فيه : أنس ، قال : غدوت إلى النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، ~~بعبدالله بن أبى طلحة ، ليحنكه ، فوافيته فى يده الميسم يسم إبل الصدقة . ~~قال المهلب : فيه من الفقه : أن للإمام أن يتناول أمور المسلمين بنفسه ~~PageV03P558 ويلى أمر الصدقة بيده ، وفيه : جواز إيلام الحيوان وبنى آدم ، ~~إذا كان فى ذلك منفعة ، وكان ألما لا يجحف بهم . قال الطبرى : وقد تظاهرت ~~الأخبار عن الصحابة والتابعين أنهم وسموا البهائم ، وروى يحيى بن سعيد ، عن ~~ابن جريج ، عن أبى الزبير ، عن جابر ، عن النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( ~~أنه نهى عن الوسم فى الوجه ) . وروى ابن عباس ، عن النبى - صلى الله عليه ~~وسلم - أنه لعن من يسم فى الوجه . قال الطبرى : فغير جائز لأحد عرف نهى ~~النبى ، - صلى الله عليه وسلم - عن الوسم فى الوجه أن يسم بهيمة فى وجهها ، ~~فإن قال : فأى المواضع يجوز الوسم فيه ؟ قيل : حيث شاء ربها إذا عدا به ~~وجهها ، وإن كان أحب الأماكن أن يسم من الإبل والبغال والحمير جاعرتها ، ~~ومن الغنم آذانها ، وقد روى شعبة ، عن هشام بن زيد ، قال : سمعت أنس بن ~~مالك يقول : غدوت إلى النبى بعبد الله بن أبى طلحة ليحنكه ، فإذا النبى يسم ~~غنما . قال شعبة : وأكبر علمى أنه قال : فى آذانها ، وروى عن عمر بن عبد ~~العزيز أنه وسم الخيل التى حمل عليها فى سبيل الله فى أفخاذها ، وروى عنه - ~~صلى الله عليه وسلم - خبر فى إسناده نظر ms1104 أنه أمر بوسم الإبل فى أفخاذها . ~~قال المهلب : وفيه : أن للإمام أن يتخذ ميسما لخيله ولخيل السبيل ، ليميز ~~بعضها من بعض ، وليس للناس أن يتخذوا مثل خاتمه وميسمه ، لينفرد السلطان ~~بعلامة لا يشارك فيها ، وفيه : أن الطفل إذا ولد حسن أن يقصد به أهل الفضل ~~والصلاح ليحنكوه ويدعوا له بالبركة ، وتلك كانت عادة الناس بأبنائهم فى زمن ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تبركا بريقه ودعوته ويده - عليه السلام - ~~. PageV03P559 # | 67 - باب فرض صدقة الفطر ورأى أبو العالية وعطاء وابن سيرين صدقة الفطر ~~فريضة # / 89 - فيه : ابن عمر ، أنه قال : فرض رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~زكاة الفطر صاعا من تمر ، أو صاعا من شعير على الحر والعبد ، والذكر ~~والأنثى ، والصغير والكبير من المسلمين ، وأمر بها أن تؤدى قبل خروج الناس ~~إلى الصلاة . قال المؤلف : ذهب جماعة الفقهاء إلى أن صدقة الفطر فريضة ~~فرضها رسول الله ، وقال مالك : هى داخلة فى جملة قوله تعالى : { وآتوا ~~الزكاة } واختلف أصحابه فى وجوبها ، فقال بعضهم : هى فريضة ، وقال بعضهم : ~~هى سنة مؤكدة ، وذكر ابن المواز ، عن أشهب ، قال : لا أرى أن تبدأ الزكاة ~~على العتق المعين ، ولا تبدأ إلا على الوصايا ، وتبدأ على زكاة الفطر ، ~~لأنها فرض وزكاة الفطر سنة ، وزكاة الفطر بعد زكاة الأموال ، وقال أبو ~~حنيفة : هى واجبة ، وليست بفريضة ، وكل فرض عنده واجب ، وليس كل واجب فرضا ~~، بل الفرض آكد من الواجب . قال بعض أهل العراق : هى منسوخة بالزكاة وروى ~~عن قيس بن سعد بن عبادة ، أنه قال : ( كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- يأمر بها قبل نزول الزكاة ، فلما نزلت آية الزكاة لم يأمر بها ، ولم ينه ~~عنها ، ونحن نفعله ) ، وتأول قول ابن عمر : ( فرض رسول الله ) بمعنى أنه ~~قدر ذلك كما يقال : فرض القاضى النفقة ، أى قدرها قالوا : ألا ترى قوله ~~تعالى فى آية الصدقات بعد ذكر الأصناف الثمانية : { فريضة من الله } [ ~~التوبة : 60 ] قالوا : وأهل المدينة وأهل العراق PageV03P560 متفقون على أن ~~قوله تعالى : { فريضة من الله ms1105 } لا يراد بها الفرض ، فكذلك قول ابن عمر . ~~قال عبد الواحد : ومما يدل أنها ليست بفريضة إجماع الأمة على أن الرجل ~~يلزمه الأداء عن زوجته وخادمه وولده الفقراء ، وقد أجمعوا أن لا زكاة على ~~الفقراء ، فدل هذا أن صدقة الفطر خارجة عن باب الفرض ، ومن جعلها خارجة من ~~آية الزكاة ، يرد قوله حديثه - صلى الله عليه وسلم - : ( أمرت أن آخذ ~~الصدقة من أغنيائكم ) وصدقة الفطر تجب على غير الأغنياء . واحتج من قال ~~أنها فريضة بظاهر قول ابن عمر : ( فرض رسول الله ) ، واسم الفرض لا يقع إلا ~~على الواجب ، ولا يجوز للراوى أن يعبر بالفرض عن السنة ويترك العبارة التى ~~تختص بالسنة مع علمه بالفرق بينهما إلا والمراد اللزوم . واختلف العلماء فى ~~وجوبها على الفقير ، واختلف فى ذلك قول مالك ، فقال فى المدونة : تجب زكاة ~~الفطر على من يحل له أخذها ، وقد قال قبل ذلك : من له أن يأخذها فلا تجب ~~عليه ، وهو قول ابن الماجشون ، وأبى حنيفة ، وروى عنه أشهب : من لم يكن له ~~شىء فلا شىء عليه ، وروى عنه ابن وهب : إن وجد من يسلفه فليستسلف ، قال ابن ~~المواز : ليس عليه أن يستسلف ، وليس هو ممن تجب عليه ، وهو قول ابن حبيب . ~~وفى العتبية عن مالك إذا أدى الفقير زكاة الفطر ، فلا أرى أن يأخذ منها ، ~~ثم رجع فأجازه إن كان محتاجا ، وقال الشافعى : إذا PageV03P561 فضل عن قوت ~~المرء وقوت عياله مقدار زكاة الفطر ، فعليه أن يؤدى ، وهو قول أحمد ، وقال ~~أبو حنيفة وأصحابه : ليس على من تحل له صدقة الفطر إخراجها حتى يملك مائتى ~~درهم ، واحتج بقوله - صلى الله عليه وسلم - : ( أمرت أن آخذ الصدقة من ~~أغنيائكم وأردها فى فقرائكم ) ، وهذا فقير فوجب أن تصرف إليه الزكاة ، ولا ~~تؤخذ منه ، وقال - صلى الله عليه وسلم - : ( خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى ~~) ، فثبت بهذا نفيها عن الفقير . قال ابن القصار : وحجة القول الأول قول ~~ابن عمر : ( فرض رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صدقة الفطر على كل حر ms1106 ~~وعبد ، وذكر وأنثى من المسلمين ) ، ولم يخص من له نصاب ممن لا نصاب له ، ~~فهو عام . وقال - صلى الله عليه وسلم - : ( أغنوهم عن طواف هذا اليوم ) ~~والمخاطب غنى بقوت يومه ، ولم يفرق بين أن يكون المأمور غنيا أو فقيرا ، ~~وأيضا فإن زكاة الفطر حق فى المال لا تزداد بزيادة المال ، ولا تفتقر إلى ~~نصاب أصله الكفارة . * * * # | 68 - باب صدقة الفطر على العبد وغيره من المسلمين # / 90 - فيه : ابن عمر ، أن النبى - صلى الله عليه وسلم - فرض زكاة الفطر ~~صاعا من تمر ، أو صاعا من شعير على كل حر أو عبد ، ذكر أو أنثى من المسلمين ~~. قال ابن القصار : لم يختلف علماء الأمصار أن على السيد أن يخرج زكاة ~~الفطر عن عبيده المسلمين ، وقال أهل الظاهر : إن زكاة الفطر تلزم العبد فى ~~نفسه ، وعلى السيد تمكينه من اكتساب PageV03P562 ذلك وإخراجه عن نفسه ، ~~واستدلوا بقوله : ( على كل حر وعبد ) وإلى هذا القول ذهب البخارى فى هذا ~~الباب ، والدليل للجماعة قول نافع : فكان ابن عمر يعطى عن الصغير والكبير ~~حتى إن كان ليعطى عن بنى . فهذا يدل أن قوله - صلى الله عليه وسلم - : ( ~~على العبد ) إنما معناه على سيد العبد ، والخطاب للعبد ، والمراد مالكه ~~المحتمل لها عنه ، لأن العبد لا يملك شيئا ، ألا ترى أن العبد لا تلزمه ~~زكاة ماله ، لأن ملكه غير مستقر ، ونفقته واجبة على سيده ، وإن كان له مال ~~، فإذا أذن له سيده أن ينفق على نفسه من المال ويزكى زكاة الفطر جاز ، لأنه ~~يكون كأن سيده انتزع منه ذلك المقدار ، و ( على ) بمعنى ( عن ) لغة مشهورة ~~للعرب ، قال القحيف : إذا رضيت على بنو قشير لعمر الله أعجبنى رضاها أى ~~رضيت عنى ، وقال أبو عبد الله بن أبى صفرة : لما فرضت على المملوك كان ~~السيد الغارم عنه ، لأنه عبد مملوك لا يقدر على شىء ، فكذلك إذا جنى كان ~~الغرم على سيده . واختلفوا فى إخراج صدقة الفطر عن العبد الكافر ، فقال ~~سعيد بن المسيب والحسن : لا يؤدى إلا عمن صام وصلى ms1107 . وهو قول مالك ، ~~والشافعى ، وأحمد ، وأبى ثور ، وحجتهم قوله فى حديث ابن عمر : ( من ~~المسلمين ) فدل أن الكفار بخلاف ذلك . وقال آخرون : يجب على السيد أن يخرج ~~عن عبده الكافر ، هذا قول عطاء ، ومجاهد ، والنخعى ، وسعيد بن جبير ، وعمر ~~بن عبد العزيز ، وبه قال الثورى ، وسائر الكوفيين ، وإسحاق ، واحتج لهم ~~الطحاوى بأن قوله - صلى الله عليه وسلم - : ( من المسلمين ) خطاب متوجه ~~معناه إلى السادة ، PageV03P563 يريد أن من يلزمه إخراج الزكاة عن نفسه ، ~~وعن عبده لا يكون إلا مسلما ، وأما العبد فإنه لم يدخل فى هذا الحديث ، ~~لأنه لا يملك شيئا ولا يفرض عليه شىء ، وإنما أريد بالحديث مالك العبد ، ~~ألا ترى إجماعهم فى العبد يعتق قبل أن يؤدى عنه مولاه صدقة الفطر أنه لا ~~يلزمه إذا ملك بعد ذلك مالا إخراجها عن نفسه ، كما يلزمه إخراج كفارة ما ~~حنث فيه من الأيمان وهو عبد ، فإنه لا يكفرها بصيام ، ولو لزمته صدقة الفطر ~~لأداها عن نفسه بعد عتقه ، وقال ابن المنذر : القول الأول أصح ، لأنها طهرة ~~للمسلمين وتزكية ، والكافر لا يتزكى ، فلا وجه لأدائها عنه ، وحجة هذا ~~القول ما رواه أبو داود بإسناده ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، قال : فرض رسول ~~الله زكاة الفطر طهرة للصائم من اللغو والرفث ، وطعمة للمساكين . فدل هذا ~~الحديث أن زكاة الفطر لا تكون إلا عن مسلم ، والله أعلم . * * * # | 69 - باب صدقة الفطر صاع من طعام # / - فيه : أبو سعيد الخدرى ، كنا نخرج زكاة الفطر صاعا من طعام ، أو صاعا ~~من شعير ، أو صاعا من تمر ، أو صاعا من أقط ، أو صاعا من زبيب . لم يختلف ~~العلماء أن الطعام المذكور فى هذا الحديث هو البر ، واختلفوا فى مكيلته فى ~~صدقة الفطر ، فروى عن الحسن البصرى ، وأبى العالية ، وجابر بن زيد ، أنه لا ~~يجزئ من البر إلا صاع ، وهو قول مالك ، والشافعى ، وأحمد ، وإسحاق ، وروى ~~عن جماعة من الصحابة والتابعين أنهم قالوا : يجزئ من البر نصف صاع ، ~~PageV03P564 ولا يجزئ مما ذكر فى الحديث إلا صاع ، وهو قول أبى ms1108 حنيفة ، ~~والثورى . قال ابن المنذر : وروى عن أبى بكر وعثمان ، ولا يثبت عنهما ، ~~وروى عن على بن أبى طالب ، وابن عباس ، وابن مسعود ، وجابر ، وأبى هريرة ، ~~وابن الزبير ، ومعاوية ، وأسماء واختلف عن على ، وابن عباس ، فروى عنهما ~~القولان جميعا واحتج الكوفيون بقول ابن عمر : فعدل الناس بالتمر والشعير ~~نصف صاع من بر ، والناس فى ذلك الزمان كبار الصحابة . وحجة من أوجب صاعا من ~~بر حديث أبى سعيد ، وأنه ذكر فيه صاعا من طعام وصاعا من سائر الحبوب ، ولم ~~يفصل بين واحد منهما فى المكيلة ، فوجب أن لا يتعدى هذا المقدار . قال أشهب ~~: سمعت مالكا سئل عمن يقول : مدين من بر ، فقال : القول ما قال رسول الله : ~~( صاع ) ، فذكر له الأحاديث التى تروى عن رسول الله فى المدين من الحنطة ~~فأنكرها . قال ابن القصار : وأيضا فإن اعتبار القيمة لا وجه له ، وذلك أن ~~قيمة التمر والشعير تختلف ، ثم لم ينظر إلى ذلك واعتبرت المكيلة ومقدارها ، ~~فكذلك البر ، وعندنا أن البر والشعير جنس واحد فى تحريم التفاضل بينهما ، ~~وجمعهما فى الزكاة لتقاربهما فى المنفعة ، ولكونهما قوتا يستغنى به الفقير ~~عن قوت يومه ، فلا ينبغى أن يفترق حكمهما . قال ابن القاسم : ويخرج أهل كل ~~بلد من جل عيشهم ، فالتمر عيش أهل المدينة ، ولا يخرج أهل مصر إلا البر ، ~~إلا أن يغلو سعرهم ، PageV03P565 ويصير جل عيشهم الشعير فيجزئهم ، وذكر عبد ~~الرزاق ، عن ابن عباس ، قال : من أدى زبيبا قبل منه ، ومن أدى تمرا قبل منه ~~، ومن أدى شعيرا قبل منه ، ومن أدى سلتا قبل منه صاع صاع . * * * # | 70 - باب الصدقة قبل العيد # / 92 - فيه : ابن عمر ، أن النبى - صلى الله عليه وسلم - أمر بزكاة الفطر ~~قبل خروج الناس إلى الصلاة . وفيه : أبو سعيد ، كنا نخرج فى عهد النبى - ~~صلى الله عليه وسلم - يوم الفطر صاعا من طعام ، وكان طعامنا الشعير والزبيب ~~والأقط والتمر . قال أبو سعيد : فلما جاء معاوية وجاءت السمراء ، قال : أرى ~~مدا من هذا يعدل مدين . قال المؤلف : السنة إخراج زكاة الفطر ms1109 قبل خروج ~~الناس إلى الصلاة ، لأمر النبى بذلك ، وروى هذا عن ابن عباس ، وابن عمر ~~وعطاء ، وهو قول مالك والكوفيين . وقال سعيد بن المسيب وعمر بن عبد العزيز ~~فى قوله : { قد أفلح من تزكى وذكر اسم ربه فصلى } [ الأعلى : 14 ، 15 ] ، ~~قالا : هى صدقة الفطر . وقال ابن مسعود : من أراد الخروج إلى الصلاة تصدق ~~بشىء ، وقال عطاء : الصدقات كلها . وقال ابن عباس : { قد أفلح من تزكى } من ~~الشرك { وذكر اسم ربه } قال : وحد الله سبحانه فصلى الصلوات الخمس ، قال ~~عكرمة : { قد أفلح } من قال : لا إله إلا الله . وقول أبى سعيد : كنا نخرج ~~يوم الفطر ، هو مجمل يحتمل أن يكون قبل الصلاة ، ويحتمل أن يكون بعد الصلاة ~~، وإذا كانت صدقة الفطر لإغناء السؤال عن المسألة ذلك اليوم جاز إخراجها ~~بعد الصلاة ؛ PageV03P566 لأن ذلك كله يوم الفطر وفى المدونة ، إن أداها ~~بعد الصلاة فواسع ، وقد رخص قوم فى تأخيرها عن يوم الفطر ، روى ذلك عن ~~النخعى وابن سيرين ، وقال أحمد بن حنبل : أرجو ألا يكون به بأس ، وروى عن ~~ابن شهاب أنه لا بأس أن تؤدى زكاة الفطر قبله بيوم أو بيومين أو بعده بيوم ~~أو يومين ، وكان يخرجها هو قبل أن يغدو . وقال ابن القاسم فى المدونة : إن ~~أداها قبل الفطر بيوم أو يومين أجزأه ، وقال أصبغ : لا بأس أن يخرجها قبل ~~الفطر بيومين أو ثلاثة وتجزئه ، قال ابن المواز : ولو هلكت ضمنها ، واختلف ~~قول مالك فى وقت وجوب صدقة الفطر ، فروى عنه أشهب أنها تجب بغروب الشمس من ~~ليلة الفطر ، وبه قال أشهب والشافعى وروى عنه ابن القاسم ، وعبد الملك ~~ومطرف أنها تجب بطلوع الفجر من يوم الفطر وبه قالوا وإليه ذهب أبو حنيفة ~~وأصحابه . قال ابن القصار : والحجة لرواية أشهب قول ابن عمر : فرض رسول ~~الله صدقة الفطر من رمضان وأول فطر يقع من رمضان هو ليلة العيد ، ووجه ~~الرواية الأخرى أن النبى - صلى الله عليه وسلم - قال : ( أغنوهم عن المسألة ~~فى هذا اليوم ) أمر بأدائها يوم الفطر ms1110 فدل أنه أول أحوال الوجوب . * * * # | 71 - باب صدقة الفطر على الحر والمملوك وقال الزهرى فى المملوكين ~~للتجارة : يزكى فى التجارة ، ويزكى فى الفطر # / 93 - فيه : ابن عمر قال : فرض النبى صدقة الفطر ، أو قال : ( رمضان على ~~الذكر والأنثى ، والحر والمملوك ، صاعا من تمر ، أو صاعا من شعير ، ~~PageV03P567 فعدل الناس به نصف صاع من بر ) ، قال نافع : فكان ابن عمر يعطى ~~التمر ، فأعوز أهل المدينة من التمر ، فأعطى شعيرا ، فكان ابن عمر يعطى عن ~~الصغير والكبير حتى إن كان يعطي عن بنى ، وكان ابن عمر يعطيها الذين ~~يقبلونها ، وكانوا يعطون قبل الفطر بيوم أو يومين . وترجم له باب صدقة ~~الفطر عن الصغير ، قال مالك : أحسن ما سمعت أن الرجل تلزمه زكاة الفطر عمن ~~تلزمه نفقته ، ولابد له من أن ينفق عليه ، وعن مكاتبه ومدبريه ورقيقه ~~غائبهم وشاهدهم ، للتجارة كانوا أو غير تجارة إذا كان مسلما ، وهو قول ~~جمهور العلماء . وقال أبو حنيفة والثورى : لا تلزمه زكاة الفطر عن عبيد ~~التجارة ، وهو قول عطاء والنخعى ، وحجة من أوجب الزكاة قوله : ( فرض النبى ~~صدقة الفطر على الحر والمملوك ) وهو على عمومه فى كل العبيد ، لأنه - صلى ~~الله عليه وسلم - لم يخص عبد الخدمة من عبد التجارة ، وكذلك خالف أبو حنيفة ~~والثورى الجمهور فقالا : ليس على الزوج أن يؤدى عن زوجته ولا خادمها صدقة ~~الفطر . قال ابن القصار : والحجة للجمهور أن على بمعنى عن فقوله فى الحديث ~~: ( على الذكر والأنثى ) معناه : عمن يلزم الرجل نفقته ، وقد روى عن نافع ~~ستة نفر : عن كل حر وعبد ، ويدل على صحة هذا قول نافع : فكان ابن عمر يعطى ~~عن الصغير والكبير ، وأيضا فإن زكاة الفطر تتبع النفقة لإجماعهم أن نفقة ~~الصغير PageV03P568 المعسر على أبيه ففطرته عليه ، وإذا أيسر سقطت عنه ~~نفقته وفطرته ، ولما وجبت نفقة الزوجة على زوجها وجبت فطرتها عليه . فإن ~~قيل : العبد تجب عليه نفقة امرأته ، ولا تلزمه فطرتها ، قيل : ليس للعبد أن ~~ينفق عليها من مكاسبه إلا بإذن السيد ، فإذا أذن له قلنا له ms1111 : زك عنها زكاة ~~الفطر ، ولست أعرفه منصوصا ، واختلفوا فى الولد الصغير إذا كان موسرا ، ~~فذهب مالك ، وأبو حنيفة ، والشافعى وأحمد إلى أن نفقته فى ماله ، فكذلك ~~زكاة الفطر ، وذهب محمد بن الحسن إلى أن نفقته فى ماله ، وزكاة الفطر على ~~أبيه ، وهذا غلط ، لأن كل من لا تلزمه نفقته لا تلزمه عنه زكاة الفطر ، ~~دليله الأجنبى والأب إذا كان موسرا ، قوله : ( فأعوز أهل المدينة من التمر ~~فأعطى شعيرا ) يدل أنه لا يجوز أن يعطى فى زكاة الفطر إلا من قوته ، لأن ~~التمر كان من جل عيشهم بالمدينة ، فأعطى شعيرا حين لم يجد التمر ، وقوله : ~~( وكان ابن عمر يعطيها الذين يقبلونها قبل الفطر بيومين ) يريد الذين تجتمع ~~عندهم ويتولون تفرقتها صبيحة يوم العيد لأنها السنة ، وكان ابن عمر كثير ~~الاتباع ولا يخالف السنة . وروى ابن جريج قال : أخبرنى عبيد الله بن عمر ~~قال : أدركت سالم بن عبد الله وغيره من علمائنا وأشياخنا فلم يكونوا ~~يخرجونها إلا حين يغدون ، وقال عكرمة وأبو سلمة : كانوا يخرجون زكاتهم ~~ويأكلون قبل أن يخرجوا إلى المصلى . تم كتاب الزكاة [ والحمد لله رب ~~العالمين ، يتلوه كتاب الصيام - إن شاء الله ] . | . . . . . . . . . . . ~~PageV03P569 بسم الله الرحمن الرحيم # | 16 - كتاب الصيام # # | 1 - باب وجوب صوم رمضان # وقول الله : { يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام } [ البقرة 183 ] ~~الآية / 1 - فيه : طلحة بن عبيدالله ، أن أعرابيا جاء إلى رسول الله ، ثائر ~~الرأس ، فقال : يا رسول الله ، أخبرنى ماذا فرض الله على من الصلاة ؟ قال : ~~( الصلوات الخمس ، إلا أن تطوع شيئا ) ، قال : أخبرنى ما فرض الله على من ~~الصيام ؟ قال : ( شهر رمضان ، إلا أن تطوع شيئا ) ، قال : أخبرنى بما فرض ~~الله على من الزكاة ؟ فأخبره رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بشرائع ~~الإسلام ، قال : والذى أكرمك ، بالحق لا أتطوع شيئا ، ولا أنقص مما فرض ~~الله على شيئا ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( أفلح إن صدق ، ~~أو دخل الجنة إن صدق ) . وفيه : ابن عمر : صام النبى عاشوراء وأمر بصيامه ، ~~فلما فرض رمضان ms1112 ترك ، وكان عبد الله بن عمر لا يصومه إلا أن يوافق صومه . ~~وفيه : عائشة : أن قريشا كانت تصوم عاشوراء فى الجاهلية ، ثم أمر رسول الله ~~بصيامه حتى فرض رمضان ، وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( من شاء ~~فليصمه ، ومن شاء فليفطره ) . PageV04P005 وقال المؤلف : قوله تعالى : { ~~كتب عليكم الصيام } [ البقرة : 183 ] ، أى فرض عليكم كما فرض على الذين من ~~قبلكم ، والكتاب فى اللغة بمعنى الوجوب والفرض ، قال الله تعالى : { كتب ~~عليكم القصاص } [ البقرة : 178 ] بمعنى فر ض ، وقال ابن عباس فى هذه الآية ~~: كان كتاب الصيام على أصحاب محمد ، أن الرجل كان يأكل ويشرب وينكح ما بينه ~~وبين أن يصلى العتمة أو يرقد ، فإذا صلى العتمة أو رقد ، منع من ذلك إلى ~~مثلها من القابلة ، فنسختها هذه الآية : { أحل لكم ليلة الصيام الرفث } [ ~~البقرة : 187 ] الآية . وروى : أن صرمة بن مالك كان شيخا كبيرا جاء إلى ~~أهله وهو صائم ، فدعا بعشائه ، فقالوا : امهل حتى نجعل لك طعاما سخنا تفطر ~~عليه ، فوضع الشيخ رأسه فنام ، فجاءوا بطعامه ، فقال : قد كنت نمت ، فلم ~~يطعم ، فبات ليلته يتسلق ظهرا لبطن ، فلما أصبح أتى النبى ، عليه السلام ، ~~فنزلت هذه الآية : { وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط ~~الأسود } [ البقرة : 187 ] الآية . وجاء عمر بن الخطاب فأراد أهله ، فقالت ~~: إنها قد كانت نامت ، فظن أنها اعتلت عليه ، فواقعها ، وفعل مثل ذلك كعب ~~بن مالك ، فذكر ذلك للنبى ، عليه السلام ، فنزلت : { علم الله أنكم كنتم ~~تختانون أنفسكم } ، إلى قوله : { ثم أتموا الصيام إلى الليل } [ البقرة : ~~187 ] ، وقد تقدم الكلام فى قوله : والله لا أزيد على هذا ولا أنقص ، وقوله ~~عليه السلام : ( أفلح إن تصدق ) ، فى كتاب الإيمان ، فأغنى عن إعادته هاهنا ~~. PageV04P006 قال المهلب : وفيه أن أداء الفرائض يوجب الجنة ، وأن عمل ~~السنن والرغائب يوجب الزيادة فى الجنة . قال الطبرى : وأما الآثار فى صيام ~~عاشوراء ، فإن أهل العلم اختلفوا فى حكم صومه اليوم ، هل هو فى فضله وعيظ ~~ثوابه على مثل ذلك الذى كان عليه ms1113 قبل أن يفرض رمضان ؟ فقالت طائفة : كان ~~ذلك يوما تصومه اليهود شكرا لله على أن نجى موسى وبنى إسرائيل من البحر ~~وأغرق فرعون ، فصامه رسول الله وأمر بصومه ، فلما فرض رمضان لم يأمر بصومه ~~ولم ينه عنه ، فمن شاء صامه ومن شاء تركه . وقال آخرون : لم يزل رسول الله ~~يصومه ويحث أمته على صومه حتى مضى بسبيله ، عليه السلام ، روى هذا عن ابن ~~عباس ، قال : ما رأيت رسول الله يوما يتحرى فضله إلا يوم عاشوراء وشهر ~~رمضان . فإن قيل : فما وجه كراهية ابن عمر صومه ؟ . قيل : نظير كراهية من ~~كره صوم رجب ، إذ كان شهرا تعظمه الجاهلية ، فكره أن يعظم فى الإسلام ما ~~كان يعظم فى الجاهلية ، من غير تحريم صومه على من صامه ، ولا مؤيسه من ~~الثواب الذى وعد الله صائمه على لسان رسوله إذا صامه مبتغيا بصومه ثواب ~~الله ، لا مريدا به إحياء سنة أهل الشرك ، وكذلك صوم رجب ، وسيأتى بقية ~~القول فى هذا المعنى فى باب صوم عاشوراء بعد هذا إن شاء الله . PageV04P007 # | 2 - باب فضل الصوم # / 2 - فيه : أبو هريرة : قال النبى ، عليه السلام : ( الصيام جنة ، فلا ~~يرفث ، ولا يجهل ، فإن امرؤ قاتله أو شاتمه ، فليقل : إنى صائم ، مرتين ، ~~والذى نفسى بيده ، لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك ، يترك ~~طعامه وشرابه وشهوته من أجلى ، الصيام لى وأنا أجزى به ، والحسنة بعشر ~~أمثالها ) . قوله : ( الصيام جنة ) ، أى ستر من النار ، ومنه قيل للترس : ~~مجن ؛ لأن صاحبه يستتر به . وقوله : ( فلا يرفث ) ، فالرفث هاهنا الفحش ~~والخنا ، والجهل ما لا يصلح من القول والفعل ، قال الشاعر : فنجهل فوق جهل ~~الجاهلينا ألا لا يجهلن أحد علينا والجهل : السفه . قال المهلب : واختلف ~~أهل العلم فى معنى قوله : ( فليقل : إنى صائم ) ، فقيل : يقول : إنى صائم ، ~~للذى يشاتمه ، ليكف عن شتمه ، واستدل بعضهم بقول مريم : { إنى نذرت للرحمن ~~صوما فلن أكلم اليوم إنسيا } [ مريم : 26 ] ، فكان حكم الصيام عند مريم ~~وأهل زمانها أن لا يتكلموا فيه ، وكان هذا متعارفا عندهم ms1114 . وقال ابن جريج : ~~قلت لعطاء : أبلغك أنه يؤمر الإنسان إذا دعى إلى طعام أن يقول : إنى صائم ؟ ~~قال : سمعنا أبا هريرة يقول : إذا كنت صائما ، فلا تساب ولا تجهل ، فإن جهل ~~عليك فقل : إنى صائم . وروى عن ابن مسعود : إذا دعى أحدكم إلى طعام وهو ~~صائم ، فليقل : إنى صائم ، وقاله قتادة ، والزهرى . وقال طائفة : معنى قوله ~~: ( فليقل : إنى صائم ) ، أى يذكر نفسه بذلك ، ولا يجهر به ، ولا يراجع به ~~PageV04P008 من سبه ؛ لأنه إذا تكلم به ، فقد أظهر نيته ، وربما دخل فيه ~~الرياء ، قال ثابت : ومعنى القول هاهنا : العلم . قال الشاعر : خلوت ولكن ~~قل على رقيب إذا ما خلوت الدهر يوما فلا تقل ومثله قول مجاهد فى قوله تعالى ~~: { إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكورا } [ الإنسان : 9 ] ~~قال : أما إنهم لم يتكلموا به ، ولكن علمه الله من قلوبهم ، فأثنى عليهم به ~~؛ ليرغب فى ذلك راغب ، وعلى هذا المعنى يدل قوله فى الحديث : ( الصيام لى ~~وأنا أجزى به ) ، ولا يكون لله خالصا إلا بانفراده بعلمه دون الناس . وقوله ~~: ( الصيام لى وأنا أجزى به ) ، فالصيام وجميع الأعمال لله ، لكن لما كانت ~~الأعمال الظاهرة يشرك فيها الشطان بالرياء وغيره ، وكان الصيام لا يطلع ~~عليه أحد إلا الله ، فيثيبه عليه على قدر خلوصه لوجهه ، جاز أن يضيفه تعالى ~~إلى نفسه . قال الطبرى : ألا ترى قوله فى الحديث : ( يدع طعامه وشرابه ~~وشهوته من أجلى ) ، وكان ابن عيينة يقول فى قوله : ( ألا الصوم فإنه لى ) ، ~~قال : لأن الصوم هو الصبر ، يصبر الإنسان نفسه عن المطعم والمشرب والمنكح ، ~~ثم قرأ : { إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب } [ الزمر : 10 ] وهذا كله ~~إنما يكون فيما خلص لله من الرياء قال عبد الواحد أيضا قوله عليه السلام عن ~~الله تعالى أنه قال : ( من عمل عملا أشرك فيه غيرى فهو له ، وأنا أغنى ~~الشركاء عن PageV04P009 الشرك ) فجعل عمل الرياء لغيره ، وجعل ما خلص من ~~الرياء له تعالى ، وقال آخرون : إنما خص الصوم بأن يكون هو الذى يتولى ~~جزاءه ms1115 ، لأن الصوم لا يظهر من ابن آدم بلسان ، ولا فعل فتكتبه الحفظة ، ~~إنما هو نية فى القلب ، وإمساك عن المطعم والمشرب ، فيقول : أنا أتولى ~~جزاءه على ما أحب من التضعيف ، وليس على كتاب كتب ، وهذا القول ذكره أبو ~~عبيد . قال الطبرى : والصواب عندى القول الأول ، وأما معنى قوله : ( وأنا ~~أجزى به ) ، فأنا المنفرد بجزائه على عمله ذلك لى بما لا يعلم كنه مبلغه ~~غيرى ، إذ كان غير الصيام من أعمال الطاعة قد علم غيرى بإعلامى إياه أن ~~الحسنة فيها بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف . قال المؤلف : وقد روى يحيى بن ~~بكير عن مالك فى هذا الحديث بعد قوله : ( الحسنة بعشر أمثالها ) ، فقال : ( ~~كل حسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلا الصيام فهو لى وأنا أجزى به ) . ~~فخص الصيام بالتضعيف على سبعمائة ضعف فى هذا الحديث ، وقد نطق التنزيل ~~بتضعيف النفقة فى سبيل الله أيضا كتضعيف الصيام ، فقال عز وجل : { مثل ~~الذين ينفقون أموالهم فى سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل فى كل سنبلة ~~مئة حبة والله يضاعف لمن يشاء } [ البقرة : 261 ] وجاء فى ثواب الصبر مثل ~~ذلك وأكثر ، فقال تعالى : { إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب } [ الزمر ~~: 10 ] فيحتمل والله أعلم أن تكون هاتان الآيتان نزلتا على النبى عليه ~~السلام ، بعد ما أعلمه الله PageV04P010 ثواب الصيام ، لأنه لا ينطق عن ~~الهوى ، والفضائل إنما تدرك من طريق الوحى . وقال عبد الواحد : أما قول من ~~قال : كل عمل تكتبه الحفظة إلا الصيام فإنما هو نية فى القلب ، وإمساك عن ~~المطعم والمشرب فلا يكتب فغير صحيح ، لأن الحفظة تعلم الإمساك عن الأكل ، ~~وهو حقيقة إذا اطعلت على الإمساك عن الأكل فى خلوته فقد علمت صيامه ، لأنه ~~ليس يرائى أحد الحفظة ، ولا ينتفع بالرياء إلا إذا أكل فى الباطن ، فإذا كف ~~عن الأكل فى الباطن وتمادى على ذلك فقد علمت صيامه ، وليس أيضا قول من تأول ~~فى قوله : { إنى نذرت للرحمن صوما } [ مريم : 26 ] ، أن مريم كانت صائمة فى ~~ذلك الوقت صواب ، بدليل ms1116 قوله تعالى فى الآية : { وهزى إليك بجذع النخلة ~~تساقط عليك رطبا جنيا فكلى واشربى وقرى عينا فإما ترين من البشر أحدا فقولى ~~إنى نذرت للرحمن صوما فلن أكلم اليوم إنسيا } [ مريم : 25 ، 26 ] ، فأخبر ~~أن ذلك كان بعد أكلها وشربها ، ويشهد لذلك أنها كانت نفساء ، والنفساء لا ~~تصوم ، وإنما معنى قولها : { إنى نذرت للرحمن صوما } [ مريم : 26 ] ، أى ~~إمساكا عن الكلام ، والعرب تقول : صام ، إذا أمسك عن الكلام ، فإن قيل : ~~فكيف نذرت أن تمسك عن الكلام وقد قيل لها : { فقولى } ؟ قيل : المراد هاهنا ~~: تقول بالإشارة بدليل قوله بعد هذا : { فأشارت إليه } [ مريم : 29 ] الآية ~~، وقال زيد بن أسلم : كانت بنو إسرائيل يصومون من الكلام كما يصومون من ~~الطعام ولا يتكلمون إلا بذكر الله . وقوله : ( لخلوت فم الصائم ) بضم الخاء ~~، هو مصدر خلف PageV04P011 فمه يخلف يعنى تغير رائحته فى آخر النهار ، لأن ~~الفم يتغير بترك الطعام ، قال أبو عبيد : خلف اللبن وغيره : تغير ريحه ~~وطعمه ، وقال صاحب العين الخالف : اللحم المتغير الريح ، قال الخطابى : ~~فأما الخلوف بفتح الخاء ، فهو الذى يعد ثم يخلف ، قال النمر بن تولب : جزى ~~الله عنى جمرة ابنة نوفل جزاء خلوف بالخلافة كاذب وقوله : ( أطيب عند الله ~~من ريح المسك ) ، يريد أزكى عند الله الواحد : ومعنى قوله : ( عند الله ) ~~يريد فى الآخرة ، أى يجازيه يوم القيامة بتطييب نكهته الكريهة فى الدنيا ~~حتنى تكون كريح المسك ، والدليل على أنه أراد الآخرة بقوله : ( عند الله ) ~~قوله تعالى : { وإن يوما عند ربك } [ الحج : 47 ] يريد أيام الآخرة ، ومن ~~هذا الباب قوله عليه السلام فى الشهيد : ( أنه يأتى يوم القيامة وجرحه يثعب ~~دما اللون لون الدم والريح ريح المكسك ) ، فأخبر أنه يجازى الشهيد فى ~~الآخرة بأن يجعل رائحة دمه الكريهة فى الدنيا كريح المسك فى الآخرة . ~~PageV04P012 # | 3 - باب الصوم كفارة # / 3 - فيه : حذيفة : قال عمر من يحفظ حديث النبى ، عليه السلام ، فى ~~الفتنة ؟ قال حذيفة : أنا سمعته يقول : ( فتنة الرجل فى أهله وماله وجاره ، ~~تكفرها الصلاة والصيام والصدقة ) ، قال : ليس أسأل ms1117 عن ذه ، إنما أسأل عن ~~التى تموج كما يموج البحر الحديث . الفتنة عند العرب : الابتلاء والاختبار ~~، وهى فى هذا الحديث شدة حب الرجل لأهله ، وشغفه بهن ، كما روى عبد الله بن ~~بريدة ، عن أبيه ، قال : ( رأيت رسول الله يخطب ، فجاء الحسن والحسين ~~عليهما قميصان أحمران يعثران ويقومان ، فنزل رسول الله فرفعهما ووضعهما فى ~~حجره ، ثم قال : صدق الله { إنما أموالكم وأولادكم فتنة } [ التغابن : 15 ] ~~رأيت هذين فلم أصبر ، ثم أخذ فقال له : أتدعو الله ألا يرزقك مالا وولدا ! ~~فاستعذ بالله من مضلات الفتن . وقال ابن مسعود : لا يقل أحدكم : اللهم إنى ~~أعوذ بك من الفتنة ، فليبس أحد إلا وهو مشتمل على فتنة ، لأن الله يقول : { ~~إنما أموالكم وأولادكم فتنة } [ التغابن : 15 ] فأيكم استعاذ فليستعذ بالله ~~من مضلات الفتن . ومن فتنة الأهل أيضا الإسراف والغلو فى النفقة عليهن ، ~~والشغل بأمورهن عن كثير من النوافل ، وفتنته فى ماله أن يشتد سروره به حتى ~~يغلب عليه ، وهذا مذموم ، ألا ترى أن النبى لما نظر إلى علم الخميصة فى ~~الصلاة ردها إلى أبى جهم وقال : ( كاد يفتننى ) فتبرأ ممال خشى منه الفتنة ~~، وكذلك عرض لأبى طلحة حين كان يصلى فى حائطه فطار دبسى فأعجبه فأتبعه بصره ~~ثم رجع إلى صلاته PageV04P013 فلم يدر كم صلى ، لقد لحقنى فى مالى هذا فتنة ~~، فجاء إلى النبى فذكر ذلك له فقال : هو صدقة يا رسول الله فضعه حيث شئت ، ~~ومن فتنة المال أيضا ألا يصل منه أقاربه ، ويمنع معروفه أجانبه ، وفتنته فى ~~جاره أن يكون أكثر مالا منه وحالا ، فيتمنى مثل حله ، وهو معنى قوله تعالى ~~: { وجعلنا بعضكم لبعض فتنة أتصبرون } [ الفرقان : 20 ] فهذه الأنواع وما ~~شابهها مما يكون من الصغائر فدونها تكفرها أعمال البر ، ومصداق ذلك فى قوله ~~تعالى : { إن الحسنات يذهبن السيئات } [ هود : 114 ] قال أهل التفسير : ~~الحسنات هاهنا : الصلوات الخمس ، والسيئات : الصغائر . * * * # | 4 - باب الريان للصائمين # / 4 - فيه : سهل قال : قال النبى عليه السلام : ( إن فى الجنة بابا ، ~~يقال : له الريان ، يدخل منه الصائمون يوم ms1118 القيامة ، لا يدخل أحد منه غيرهم ~~، يقال : أين الصائمون ؟ فيقومون ، لا يدخل أحد غيرهم ، فإذا دخلوا ، أغلق ~~فلم يدخل منه أحد ) . / 5 - وفيه : أبو هريرة قال : قال النبى عليه السلام ~~: ( من أنفق زوجين فى سبيل الله ، نودى من أبواب الجنة يا عبد الله ، هذا ~~خير ، فمن كان من أهل الصلاة دعى من باب الصلاة ، ومن كان من أهل الجهاد ~~دعى من باب الجهاد ، ومن كان من أهل الصيام دعى من باب الريان ، ومن كان من ~~أهل الصدقة دعى من باب الصدقة ) ، قال أبو بكر : بأبى أنت وأمى يا رسول ~~الله ، ما على من يدعى من تلك الأبواب من ضرورة ، PageV04P014 فهل يدعى أحد ~~من تلك الأبواب كلها ، قال : ( نعم ، وأرجو أن تكون منهم ) . قال المهلب : ~~إنما أفرد الصائمين بهذا الباب ليسارعوا إلى الرى من عطش الصيام فى الدنيا ~~إكراما لهم واختصاصا ، وليكون دخولهم فى الجنة هينا غير متزاحم عليهم عند ~~أبوابها ، كما خص النبى أبا بكر الصديق بباب فى المسجد يقرب منه خروجه إلى ~~الصلاة ولا يزاحمه أحد ، وأغلق سائرها إكراها له وتفضيلا . ومعنى قوله : ( ~~زوجين ) أى شيئين ، كدينارين أو ثوبين ، وشبه ذلك ، والحجة لذلك ما رواه ~~حماد بن سلمة ، عن يونس بن عبيد ، وحميد ، عن الحسن ، عن صعصعة بن معاوية ، ~~عن أبى ذر ، أن النبى عليه السلام ، قال : ( من أنفق زوجين من ماله ابتدرته ~~حجبة الجنة ) ، ثم قال : ( بعيرين ، شاتين ، حمارين ، درهمين ) ، قال حماد ~~: أحسبه قال : ( خفين ) . , وروى أسد بن موسى ، نا مبارك بن فضالة ، عن ~~الحسن ، عن صعصعة ، قال : لقيت أبا ذر بالربذة ، وهو يسوق بعيرا له عليه ~~مزادتان ، قال : سمعت النبى عليه السلام يقول : ( ما من مسلم ينفق من كل ~~ماله زوجين فى سبيل الله إلا استقبلته حجبة الجنة كلهم يدعوه إلى ما عنده ) ~~، قلت : زوجين من ماذا ؟ قال : إن كان صاحب خيل ففرسين ، وإكان صاحب إبل ~~فبعيرين ، وإن كان صاحب بقر فبقرتين ) ، حتى عد أصناف المال . فإن قال قائل ~~: إن النفقة إنما تسوغ فى باب الجهاد وباب ms1119 الصدقة ، فكيف تكوت فى باب ~~الصلاة والصيام ؟ . PageV04P015 قال عبد الواحد : معنى زوجين أراد نفسه ~~وماله ، والله أعلم ، قال المؤلف : والعرب تسمى ما يبذله الإنسان من نفسه ~~واجتهاده نفقة فيقول أحدهم فيما تعلم من العلم أو صنعة من سائر الأعمال : ~~أنفقت فى هذا عمرى ، وبذلت فيه نفسى ، قال حبيب بن أوس ، كم بين قوم إنما ~~نفقاتهم مال وقوم ينفقون نفوسا . قال المهلب : فتكون النفقة على هذا الوجه ~~فى باب الصلاة والصيام من الجسم بإتعابه له ، فإن قيل : كيف تكون النفقة فى ~~زوجين ، وإنما نجحد الفعل فى هذا الباب نفقة الجسم لا غير ؟ فالجواب : أن ~~نفقة المال مقترنة بنفقة الجسم فى ذلك ، لأنه لابد للمصلى والصائم من قوت ~~يقيم رمقه ، وثوب يستره ، وذلك من فروض الصلاة ، ويستعين بذلك على طاعة ~~الله تعالى ، فقد صار منفقا لزوجين : لنفسه وماله ، وقد تكون النفقة فى باب ~~الصلاة ، أن يبنى لله مسجدا للمصلين ، لدلالة قوله : ( من بنى لله مسجدا ~~بنى الله له بيتا فى الجنة ) ، والنفقة فى الصيام إذا فطر صائما فكأنما صام ~~يوما ويعضده قوله تعالى : { وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين } [ البقرة ~~: 184 ] ، فجعل الإطعام للمسكين عوضا من صيام يوم ، وأبواب الجنة ثمانية ، ~~وإنما ذكر منها فى الحديث أربعة . وروى عن النبى - صلى الله عليه وسلم - : ~~( إن من أبواب الجنة أبواب الواطئين ) . ذكر إسماعيل بن أبى خالد ، عن يونس ~~بن خباب ، قال : أخبرت أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : ( إن ~~للجنة ثمانية أبواب منها : باب للصائمين ، وباب للمجاهدين ، وباب للمتصدقين ~~، وباب للواطئين ، وليس أحد من هذه الأصناف يمر بخزنة الجنة إلا كلهم يدعوه ~~: هلم إلينا يا PageV04P016 عبد الله ) ، ومن أبواب الجنة باب الكاظمين ~~الغيظ والعافين عن الناس . وذكر ابن البراء فى كتاب الروضة ، عن أحمد بن ~~حنبل ، قال : حدثنا روح ، عن أشعث ، عن الحسن ، قال : إن الله فى الجنة ~~بابا لا يدخله إلا من عفا عن مظلمة ، فقال أحمد لابنه : يا بنى ما خرجت من ~~دار أبى إسحاق حتى أحللته ومن معه ms1120 إلا رجلين : ابن أبى دؤاد ، وعبد الرحمن ~~بن إسحاق فإنهما طلبا دمى ، وأنا أهون على الله من أن يعذب فى أحدا ، أشهدك ~~أنهم فى حل . ومنها : باب التوبة ، روى عن ابن مسعود أنه سأله رجل عن ذنب ~~ألم به ، هل له من توبة ؟ فأعرض عنه ابن مسعود ، ثم التفت فرأى عينيه ~~تذرقان ، فقال : إن للجنة ثمانية أبواب كلها تفتح وتغلق إلا باب التوبة فإن ~~عليه ملكا موكلا به لا يغلق ، فاعمل ولا تيأس . ووجه الإنفاق فى ذلك ما ~~يتقوى به على طاعة الله ، ويتحلل من المحارم التى سلفت منه ، ويؤدى المظالم ~~إلى أهلها ، ويمكن أن يكون الباب الباقى ، باب المتوكلين الذين يدخلون ~~الجنة فى سبعين ألفا من باب واحد ، لا يدخل أولهم حتى يدخل آخرهم ، وجوههم ~~كالبدر : الذين لا يسترقون ، ولا يكتوون ، ولا يتطيرون ، وعلى ربهم يتوكلون ~~، ووجه الإنفاق فى ذلك أنهم ينفقون على أنفسهم فى حال المرض المانع لهم من ~~التصرف فى طلب المعاش ، صابرين على ما أصابهم ، وينفقون على من أصابه ذلك ~~البلاء من غيرهم . ومنها : باب الصابرين لله على المصائب ، المحتسبين الذين ~~يقولون عند PageV04P017 نزولها : { إنا لله وإنا إليه راجعون } [ البقرة : ~~156 ] الآية ، ومنها : باب الحافظين فروجهم والحافظات المستعفين بالحلال عن ~~الحرام ، وغير المتبعين للشهوات ، ووجه الإنفاق فى ذلك : الصداق والوليمة ~~والإطعام حتى اللقمة يضعها فى فى امرأته والله أعلم بحقيقة الثلاثة الأبواب ~~. فإن قيل : فإذا جاز أن يسمى استعمال الجسم فى طاعة الله نفقة ، فيجوز أن ~~يدخل فى معنى الحديث ( من أنفق نفسه فى سبيل الله فاستشهد وأنفق كريم ماله ~~) ؟ قيل : نعم وهو أعظم أجرا من الأول . ويدل على ذلك ما رواه سفيان ، عن ~~الأعمش ، عن أبى سفيان ، عن جابر ، قال : قال رجل : يا رسول الله ، أى ~~الجهاد أفضل ؟ قال : ( أن يعقر جوادك ويهراق دمك ) . قال عبد الواحد : فإن ~~قيل : هل يدخل فى ذلك صائم رمضان ، والمزكى لماله ، ومؤدى الفرائض ؟ قيل : ~~المراد بالحديث النوافل وملازمتها والتكثير منها ، فذلك الذى يستحق أن يدعى ~~من أبوابها لقوله : ( فمن ms1121 كان من أهل كذا ) . قال المهلب : قول أبى بكر : ~~ما على أحد يدعى من تلك الأبواب من ضرورة ، يريد أنه من لم يكن إلا من أهل ~~خصلة واحدة من هذه الخصال ، ودعى من باب تلك الخصلة ، فإنه لا ضرورة عليه ، ~~لأن الغاية المطلوبة دخول الجنة . وقوله : ( هل يدعى أحد من تلك الأبواب ~~كلها ؟ قال : نعم ) ، يريد أن من كان من أهل الصلاة والجهاد والصيام ~~والصدقة أنه يدعى منها كلها ، فلا ضرورة عليه فى دخوله من أى باب شاء ، ~~لاستحالة دخوله منها كلها معا ، ولا يصح دخوله إلا من باب واحد ، ونداؤه ~~منها كامل إنما هو على سبيل الإكرام والتخيير له فى الدخول من أيها شاء . ~~PageV04P018 قال عبد الواحد : وفيه أن أعمال البر كلها يجوز أن يقال فيها ~~فى سبيل الله ولا يخص بذلك الجهاد وحده . * * * # | 5 - باب هل يقال رمضان ، أو شهر رمضان # ، ومن رأى كله واسعا وقال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( من صام رمضان ~~) ، وقال : ( لا تقدموا رمضان ) . / 6 - فيه : أبو هريرة قال : قال النبى ~~عليه السلام : ( إذا جاء رمضان ، فتحت أبواب السماء ، وغلقت أبواب جهنم ، ~~وسلسلت الشياطين ) . / 7 - وفيه : ابن عمر قال : قال النبى عليه السلام : ( ~~إذا رأيتموه فصوموا ، وإذا رأيتموه فأفطروا ، فإن غم عليكم فاقدروا له ) . ~~يعنى هلال رمضان . قال ابن النحاس : قال ابن النحاس : كان عطاء ومجاهد ~~يكرهان أن يقال : رمضان ، قالا : وإنما نقول ما قال الله تعالى : { شهر ~~رمضان } [ البقرة : 185 ] ، لأنا لا ندرى لعل رمضان اسم من أسماء الله . ~~قال : وهذا قول ضعيف ، لأنا وجدنا النبى ، عليه السلام ، قال : ( رمضان ) ، ~~بغير شهر ، فقال : ( من صام رمضان ) ، ولا تقدموا رمضان ، والأحاديث كثيرة ~~فى ذلك . وأبواب السماء فى هذا الحديث يراد بها أبواب الجنة بدليل قوله فى ~~الحديث : ( وغلقت أبواب جهنم ) ، وقد تبين هذا المعنى فى رواية مالك عن عمه ~~أبى سهيل بن مالك ، عن أبيه ، عن أبى هريرة أنه قال : PageV04P019 ( رمضان ~~فتحت أبواب الجنة ، وغلقت أبواب النار ، وصفدت الشياطين ) ، وهذا حجة فى أن ~~الجنة ms1122 فى السماء ، وتأول العلماء فى قوله : ( فتحت أبواب الجنة وسلسلت ~~الشياطين ) ، معنيين . أحدهما : أنهم يسلسلون على الحقيقة ، فيقل أذاهم ~~ووسوستهم ولا يكون ذلك منهم كما هو فى غير رمضان ، وفتح أبواب الجنة على ~~ظاهر الحديث . والثانى : على المجاز ، ويكون المعنى فى فتح أبواب الجنة ما ~~فتح الله على العياد فيه من الأعمال المستوجب بها الجنة من الصلاة والصيام ~~وتلاوة القر آن ، وأن الطريق إلى الجنة فى رمضان أسهل والأعمال فيه أرع إلى ~~القبول ، وكذلك أبواب النار تغلق بما قطع عنهم من المعاصى ، وترك الأعمال ~~المستوجب بها النار ، ولقلة ما يؤاخذ الله العباد بأعمالهم السيئة ، يستنفذ ~~منها ببركة الشهر أقواما ويهب المسئ للمحسن ، ويتجاوز عن السيئات فهذا معنى ~~الغلق ، وكذلك قوله : ( سلسلت الشياطين ) ، يعنى : أن الله يعصم فيه ~~المسلمين أو أكثرهم فى الأغلب عن المعاصى والميل إلى وسوسة الشياطين ~~وغرورهم ، ذكره الداودى والمهلب . واحتج المهلب لقول من جعل المعنى على ~~الحقيقة فقال : ويدل على ذلك ما يذكر من تغليل الشيباطين ومردتهم بدخول أهل ~~المعاصى كلها فى رمضان فى طاعة الله ، والتعفف عما كانوا عليه من الشهوات ، ~~وذلك دليل بين . PageV04P020 # | 6 - باب من صام رمضان إيمانا واحتسابا ونية وقالت عائشة عن النبى : ( ~~يبعثون على نياتهم ) # . / 8 - فيه : أبو هريرة ، عن النبى ، عليه السلام : ( من قام ليلة القدر ~~إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه ، ومن صام رمضان إيمانا واحتسابا ~~غفر له ما تقدم من ذنبه ) . قوله : ( إيمانا ) ، يريد تصديقا بفرضه ~~وبالثواب من الله تعالى ، على صيامه وقيامه ، وقوله : ( احتسابا ) ، يريد ~~بذلك يحتسب الثواب على الله ، وينوى بصيامه وجه الله ، وهذا الحديث دليل ~~بين أن الأعمال الصالحة لا تزكو ولا تتقبل إلا مع الاحتساب وصدق النيات ، ~~كما قال عليه السلام : ( الأعمال بالنيات ، ولكل امرئ ما نوى ) ، وهذا يرد ~~قول زفر ، فإنه زعم أنه يجزئ صوم رمضان بغير نية ، وقوله مردود بهذه الآثار ~~، وإذا صح أنه لا عمل إلا بنية ، صح أنه لا يجزئ صوم رمضان إلا بنية من ~~الليل ، كما ذهب إليه ms1123 الجمهور . وخالف ذلك أبو حنيفة ، والأوزاعى ، وإسحاق ~~، وقالوا : يجزئه التبييت قبل الزوال ، ولا سلف لهم فى ذلك ، والنية إنما ~~ينبغى أن تكون متقدمة قبل العمل ، وحقيقة التبييت فى اللغة يقتضى زمن الليل ~~، وروى هذا عن ابن عمر ، وحفصة ، وعائشة ، ولا مخالف لهم ، وقد تقدم ما ~~للعلماء فى قوله عليه السلام : ( الأعمال بالنيات ) ، فى آخر كتاب الإيمان ~~، فى باب : ما جاء أن الأعمال بالنية والحسبة . PageV04P021 # | 7 - باب أجود ما كان النبى عليه السلام يكون فى رمضان # / 9 - فيه : ابن عباس قال : ( كان النبى ، عليه السلام ، أجود الناس ~~بالخير ، وكان أجود ما يكون فى رمضان حين يلقاه جبريل ، وكان جبريل يلقاه ~~كل ليلة فى رمضان حتى ينسلخ ، يعرض النبى ، عليه السلام ، عليه القرآن ، ~~فإذا لقيه جبريل كان أجود بالخير من الريح المرسلة ) . قال المهلب : وامتثل ~~النبى ، عليه السلام ، فى هذا قول الله تعالى : وأمره بتقديم الصدقة بين ~~يدى نجوى الرسول الذى كان أمر به تعالى عباده ، ثم عفا عنهم ، لإشفاقهم من ~~ذلك ، فامتثل عليه السلام ذلك عند مناجاته جبريل صلى الله عليه وعلى جميع ~~الملائكة ، وقد تقدم هذا المعنى فى كتاب بدء الوحى . قال المهلب : وفيه ~~بركة مجالسة الصالحين ، وأن فيها تذكار لفعل الخير ، وتنبيها على الازديار ~~من العمل الصالح ، ولذلك أمر عليه السلام بمجالسة العلماء ، ولزوم حلق ~~الذكر ، وشبه الجليس الصالح بالعطار إن لم يصبك من متاعه لم تعدم طيب ريحه ~~. ألا ترى قول لقمان لابنه : يا بنى جالس العلماء ، وزاحمهم بركبتيك ، فإن ~~الله يحيى القلوب بنور الحكمة ، كما يحيى الأرض الميتة بوابل السماء ، وقال ~~مرة أخرى : فلعل أن تصضيبهم رحمة فتنالك معهم ، فهذه ثمرة مجالسة أهل الفضل ~~ولقائهم . وفيه : بركة أعمال الخير ، وأن بعضها يفتح بعضا ، ويعين على بعض ~~، ألا ترى أن بركة الصيام ، ولقاء جبريل وعرضه القرآن عليه زاد PageV04P022 ~~فى وجود النبى ، عليه السلام ، وصدقته حتى كان أجود من الريح المرسله . قال ~~عبد الواحد : ونزول جبريل فى رمضان للتلاوة دليل عظيم لفضل تلاوة القرآن ~~فيه ، وهذا أصل تلاوة الناس ms1124 للقرآن فى كل رمضان ، تأسيا به - صلى الله عليه ~~وسلم - ، ومعنى مدارسة جبريل للنبى ، عليه السلام ، فيه ، لأنه الشهر الذى ~~أنزل فيه القرآن ، كما نص الله تعالى . وفيه : أن المؤمن كلما ازداد عملا ~~صالحا وفتح له باب من الخير فإنه ينبغى له أن يطلب بابا آخر ، وتكون عينه ~~ممتدة فى الخير إلى فوق عمله ، ويكون خائفا وجلا ، غير معجب بعمله ، طالبا ~~للارتقاء فى درجات الزيادة . * * * # | 8 - باب من لم يدع قول الزور والعمل به فى الصوم # / 10 - فيه : أبو هريرة ، قال : قال النبى ، عليه السلام : ( من لم يدع ~~قول الزور ، والعمل به ، فليس لله حاجة فى أن يدع طعامه وشرابه ) . قال ~~المهلب : فيه دليل أن حكم الصيام الإمساك عن الرفث وقول الزور ، كما يمسك ~~عن الطعام والشراب ، وإن لم يمسك عن ذلك فقد تنقص صيامه وتعرض لسخط ربه ~~وترك قبوله منه . وقال غيره : وليس معناه أن يؤمر بأن يدع صيامه إذا لم يدع ~~قول الزور ، وإنما معناه التحذير من قول الزور ، وهذا كقوله ، عليه السلام ~~: ( من باع الخمر فليشقص الخنازير ) ، يريد أى يذبحها ، ولم يأمره بشقصها ، ~~ولكنه على التحذير والتعظيم لإثم شارب الخمر ، فكذلك حذر الصائم من قول ~~الزور والعمل به ليتم أجر صيامه ، فإن قيل : PageV04P023 فما معنى قوله : ( ~~فليس لله حاجة ) ، والله لا يحتاج إلى شئ ؟ قيل معناه : فليس لله إرادة فى ~~صيامه فوضع الحاجة موضع الإرادة . * * * # | 9 - باب هل يقول إنى صائم إذا شتم # / 11 - فيه : أبو هريرة ، قال : قال النبى ، عليه السلام : ( كل عمل ابن ~~آدم له إلا الصيام ، فإنه لى ، وأنا أجزى به ، والصيام جنة ، وإذا كان يوم ~~صوم أحدكم ، فلا يرفث ولا يصخب ، فإن سابه أحد أو قاتله فليقل : إنى امرؤ ~~صائم ، والذى نفس محمد بيده لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك ، ~~للصائم فرحتان يفرحهما : إذا أفطر فرح ، وإذا لقى ربه فرح بصومه ) . قال ~~الداودى : تخصيصه فى هذا الحديث ألا يرفث ولا يجهل ، وذلك لا يحل فى غير ~~الصيام ، وإنما هو تأكيد ms1125 لحرمة الصوم عن الرفث والجهل ، كما قال تعالى : { ~~قد أفلح المؤمنون الذين هم فى صلاتهم خاشعون } [ المؤمنون : 1 ، 2 ] ، ~~والخشوع فى الصلاة أوكد منه فى غيرها ، وقال فى الأشهر الحرم : { فلا ~~تظلموا فيهن أنفسكم } [ التوبة : 36 ] ، فأكد حرمة الأشهر الحرم ، وجعل ~~الظلم فيها آكد من غيرها ، فينبغى للصائم أن يعظم من شهر رمضان ما عظم الله ~~ورسوله ، ويعرف ما لزمه من حرمة الصيام . قال غيره : واتفق جمهور العلماء ~~على أن الصائم لا يفطره السب والشتم والغيبة ، وإن كان مأمورا أن ينزه ~~صيامه عن اللفظ PageV04P024 القبيح ، وقال الأوزاعى : إنه يفطر بالسب ~~والغيبة ، واحتج بما روى أن الغيبة تفطر الصائم . قال ابن القصار : معناه ~~أنه يصير فى معنى المفطر فى سقوط الأجر لا أنه يفطر فى الحقيقة ، كقوله ~~تعالى : { ولا يغتب بعضكم بعضا أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا } [ ~~الحجرات : 12 ] ، ومن اغتاب فلم يكن آكلا لحم أخيه ميتا فى الحقيقة ، وإنما ~~يصير فى معناه ويجوز أن يكون فى معنى التغليظ ، كما قال : الكذب مجانب ~~للإيمان ، فإن قيل : فما معنى قوله : ( فليقل إنى صائم ) ، والمندوب إليه ~~أن يستتر بعمله ليكثر ثوابه ؟ قيل : إذا قال : إنى صائم ، ارتدع وعلم أنه ~~إذا اجترأ عليه فى صوم كان أعظم فى الإثم ، فليعلم أيضا أن الصوم يمنع من ~~الرد عليه ، ومثل هذا لا يكره إذا كان لعذر ، وقيل معناه : أن يقول ذلك ~~لنفسه ، وقد تقدم هذا المعنى فى باب : فضل الصوم . * * * # | 10 - باب الصوم لمن خاف على نفسه العزوبة # / 12 - فيه : ابن مسعود قال : كنا مع النبى ، عليه السلام ، فقال : ( من ~~استطاع الباءة فليتزوج ، فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج ، ومن لم يستطع فعليه ~~بالصوم ، فإنه له وجاء ) . قال المؤلف : ندب النبى ، عليه السلام ، لأمته ~~النكاح ، ليكونوا على كمال من أمر دينهم ، وصيانة لأنفسهم فى غض أبصارهم ~~PageV04P025 وحفظ فروجهم لما يخشى على من زين الله فى قلبه حب أعظم الشهوات ~~، ثم عليه السلام ، أن الناس كلهم لا يجدون طولا إلى النساء ، وربما خافوا ~~العنت بفقد النكاح ms1126 فعوضهم منه ما يدافعون به سورة شهواتهم ، وهو الصيام . ~~فإنه وجاء ، والوجاء : القطع ، يعنى : أنه مقطعة للانتشار وحركة العروق ~~التى تتحرك عند شهوة الجماع ، وأصل الوجاء عند العرب أن ترض البيضتان ، ~~يقال : وجأ فلان الكبش ، وهو كبش موجوء ، فإذا سلت البيضتان ، فهو الخصى ، ~~وفى كتاب العين : وجأت الرجل ضربته . والباءة فى كلام العرب : الجماع ، ~~وتجمع بآء ، كما تجمع الراءة رآء . * * * # | 11 - باب قول النبى عليه السلام : ( إذا رأيتم الهلال فصوموا وإذا ~~رأيتموه فأفطروا ) # وقال عمار : من صام يوم الشك ، فقد عصى أبا القاسم . / 13 - فيه : ابن ~~عمر قال عليه السلام : ( لا تصوموا حتى تروا الهلال ، ولا تفطروا حتى تروه ~~، فإن غم عليكم فاقدروا له ) . / 14 - وقال بن عمر : قال النبى ، عليه ~~السلام : ( الشهر تسع وعشرون ليلة ، فلا تصوموا حتى تروه الهلال ، فإن غم ~~عليكم ، فأكملوا العدة ثلاثين ) . PageV04P026 / 15 - وقال أبا هريرة : قال ~~النبى ، عليه السلام : ( صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته ، فإن غمى عليكم ~~فأكملوا عدة شعبان ثلاثين ) . ذهب كافة الفقهاء إلى أن معنى قوله عليه ~~السلام : ( فاقدروا له ) ، مجمل يفسره قوله : ( فأكملوا العدة ثلاثين يوما ~~) ، ولذلك جعل مالك فى الموطأ ( فأكملوا العدة ثلاثين يوما ) ، بعد قوله : ~~( فاقدروا له ) ، كما صنع البخارى ، لأنه مفسر ومبين لمعنى قوله : ( ~~فاقدروا له ) ، وحكى محمد بن سيرين أن بعض التابعين كان يذهب فى معنى قوله ~~عليه السلام : ( فاقدروا له ) ، إلى اعتباره بالنجوم ، ومنازل القمر ، ~~وطريق الحساب ، ويقال : إنه مطرف بن الشخير . وقوله عليه السلام : ( فإن غم ~~عليكم فأكملوا العدة ثلاثين يوما ) ، نص فى أنه عليه السلام لم يرد اعتبار ~~ذلك بالنجوم والمنازل ، لأنه لو كلف ذلك أمته لشق عليه ، لأنه لا يعرف ~~النجوم والمنازل إلا قليل من الناس ، ولم يجعل الله تعالى فى الدين من حرج ~~، وإنما أحال عليه السلام على إكمال ثلاثين يوما ، وهو شىء يستوى فى معرفته ~~الكل ، وقد انضاف إلى أمره باعتبار العدد ثلاثين عند عدم الرؤية فعله فى ~~نفسه . فروى عن عائشة أنها قالت : ( كان رسول الله يتحفظ من شعبان ما لا ms1127 ~~يتحفظ من سائر الشهور ، فإذا رأى هلال رمضان صام ، وإن غم عليه عد شعبان ~~ثلاثين يوما وصام ) ، ولو كن هاهنا علم آخر لكان يفعله أو يأمر به . وجمهور ~~الفقهاء على أنه لا يصام رمضان إلا بيقين من خروج PageV04P027 شعبان ، إما ~~برؤية الهلال أو إكمال شعبان ثلاثين يوما ، وكذلك لا يقضى بخروج رمضان إلا ~~بيقين مثله ، لأنه ممكن فى الشهر أن يكون تسعة وعشرين يوما ، فالرؤية تصحح ~~ذلك وتوجب اليقين كإكمال العدة ثلاثين يقينا ، هذا معنى قوله : ( فاقدروا ~~له ) ، عند العلماء ، ولابن عمر فيه تأويل شاذ لم يتابع عليه وسنذكره فى ~~باب نهى النبى عن صيام يوم الشك ، إن شاء الله . وقال الطبرى : أما حديث ~~ابن عمر أن النبى ، عليه السلام ، قال : ( الشهر تسع وعشرون ليلة ) ، فإن ~~معناه : الشهر الذى نحن فيه والذى قد علمتم إخبارى عنه ، لأن الألف واللام ~~إنما تدخلهما العرب فى الأسماء إما لمعهود قد عرفه المخبر والمخبر ، وإما ~~للجنس العام من المشهور ومعلوم أن النبى ، عليه السلام ، لم يقصد بذلك ~~الخبر عن الجنس ، لأنه لو كان كذلك لم يقل : ( صوموا لرؤيته ، وأفطروا ~~لرؤيته ) ، فأحال على الرؤية ، ونحن نرى الشهر يكون مرة ثلاثين ومرة تسعة ~~وعشرين فعلم أن قوله : ( الشهر تسع وعشرون ) ، أن ذلك قد يكون فى بعض ~~الأحوال ، وقد جاء هذا عن ابن عمر ، عن النبى ، عليه السلام ، بينا فى قوله ~~: ( إنا أمة مية لا نكتب ولا نحسب ، الشهر هكذا ، وهكذا يعنى : مرة تسعا ~~وعشرين ، ومرة ثلاثين ) . وروى عن عروة ، عن عائشة نها أنكرت قول من قال أن ~~النبى ، عليه السلام ، قال : ( الشهر تسع وعشرون ) ، وقالت لا والله ~~PageV04P028 ما قال كذلك ، إنما قال حين هجرنا : لأهجرنكم شهرا ، وأقسم على ~~ذلك ، فجاءنا حين ذهب تسع وعشرون ليلة ، فقلت : يا رسول الله إنك أقسمت ~~شهرا ! فقال : ( إن الشهر كان تسعا وعشرين ليلة ) . * * * # | 12 - باب شهرا عيد لا ينقصان # / 16 - فيه : أبو بكرة ، قال النبى ، عليه السلام : ( شهرا عيد لا ينقصان ~~: رمضان ، وذو الحجة ) . اختلف العلماء فى تأويل هذا الحديث ms1128 على وجهين ، ~~فذكر أحمد بن عمرو البزار أن معناه : لا ينقصان جميعا فى سنة واحدة . قال ~~المهلب : وقد روى زيد بن عقبة ، عن سمرة بن جندب ، عن النبى ، عليه السلام ~~، أنه قال : ( شهرا عيد لا يكونان ثمانية وخمسين يوما ) . والوجه الثانى ~~قال المهلب : معناه : أنه لا ينقص عند الله ، تعالى أجر العاملين فيهما ، ~~وإن كانا ناقصيبن فى العدد . قال الطحاوى : وقد دفع قوم التأويل الأول ~~بالعيان ، قالوا : لأنا قد وجدناهما ينقصان فى أعوام ، ويجتمع ذلك فى كل ~~واحد منهما ، فدفعوا ذلك بهذا ، وبحديث رسول الله أنه قال : ( صوموا لرؤيته ~~، وأفطروا لرؤيته ، فإن غم عليكم فعدوا ثلاثين ) ، وبقوله : ( إن الشهر قد ~~يكون تسعا وعشرين ويكون ثلاثين ) ، فأخبر أن ذلك جائز فى كل شهر من الشهور ~~، إذ لم يخص بذلك شهرا من سائر الشهور ، فدل على أن شهر رمضان وذى الحجة ~~وما PageV04P029 سواهما قد يكونان تسعا وعشرين ، وقد يكونان ثلاثين ، فثبت ~~بذلك أن معنى قوله : ( شهرا عيد لا ينقصان ) ، ليس على نقصان العدد ، ولكنه ~~على نقصان الأحكام ، والوجه عندنا أنهما لا ينقصان ، وإن كانا تسعا وعشرين ~~فهما شهران كاملان ، لأن فى أحدهما الصيام ، وفى الآخر الحج ، والأحكام فى ~~ذلك متكاملة غير ناقصة ، ويدل على ذلك قوله عليه السلام : ( من صام رمضان ~~إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه ) ، فمن صامه ناقصا أو تاما كان ~~أجره واحدا . قال المؤلف : فإن قال قائل : إن كان أراد بقوله عليه السلام : ~~( لا ينقصان ) : من الأجر والحكم وإن كانا ناقصين فى العدد ، فإنا نجد ~~رمضان يصام كله ، فيكون مرة تاما ومرة ناقصا ، ونقصانه فى آخره ، وذو الحجة ~~إنما يقع الحج فى العشر الأول منه ، فلا حرج على أحد فى نقصانه ولا تمامه ، ~~لأن العبادة منه فى أوله خاصة . قيل : قد يكون فى أيام الحج من النقصان ~~والإغماء مثل ما يكون فى آخر رمضان ، وذلك أنه قد يغمى هلال ذى القعدة ويقع ~~فيه غلط بزيادة يوم أو نقصان يوم ، فإذا كان ذلك ، وقع وقوف الناس بعرفة ~~مرة ms1129 اليوم الثامن من ذى الحجة ، ومرة اليوم العاشر منه ، وقد اختلف العلماء ~~فى ذلك ، فقالت طائفة : من وقف بعرفة بخطأ شامل لجميع أهل الموقف فى يوم ~~قبل يوم عرفة أو بعده أنه مجزئ عنه ، لأنهما لا ينقصان عند الله من أجر ~~المتعبدين بالاجتهاد ، كما لا ينقص أجر رمضان الناقص ، وهو قول عطاء ، ~~والحسن ، وأبى حنيفة ، والشافعى . واحتج أصحاب الشافعى على جواز ذلك بصيام ~~من التبست عليه الشهور أنه جائز أن يقع صيامه قبل رمضان أو بعده ، قالوا : ~~كما PageV04P030 يجزئ حج من وقف بعرفة قبل يوم عرفة أو بعده ، وروى يحيى بن ~~يحيى ، عن ابن القاسم أنهم إن أخطئوا ووقفوا بعد يوم عرفة يوم النحر أنه ~~يجزئهم ، وإن قدموا الوقوف يوم التروية لم يجزئهم ، وأعادوا الوقوف من الغد ~~، وهذا يخرج على أصل مالك فيمن التبست عليه الشهور فصام رمضان ثم تبين له ~~أنه أوقعه بعد رمضان أنه يجزئه ، ولا يجزئه إذا أوقعه قبل رمضان ، كمن ~~اجتهد وصلى قبل الوقت أنه لا يجزئه . وقد قال بعض العلماء : إنه لا يقع ~~وقوف الناس اليوم الثامن أصلا ، لأنه لا يخلو من أن يكون الوقوف برؤية أو ~~إعماء ، فإن كان برؤية وقفوا اليوم التاسع ، وإن كان بإغماء وقفوا اليوم ~~العاشر . * * * # | 13 - باب قول النبى عليه السلام : ( لا نكتب ولا نحسب ) # / 13 - فيه : ابن عمر قال : قال النبى ، عليه السلام : ( إنا أمة أمية لا ~~نكتب ولا نحسب الشهر هكذا وهكذا ، يعنى مرة تسعة وعشرين ومرة ثلاثين ) . ~~قال المؤلف : فيه بيان ، لقوله عليه السلام : ( فاقدروا له ) ، أن معناه ~~إكمال العدد ثلاثين يوما ، كما تأول الفقهاء ، PageV04P031 ولا اعتبار فى ~~ذلك بالنجوم والحساب ، وهذا الحديث ناسخ لراعاة النجوم بقوانين التعديل ، ~~وإنما المعول على الرؤية فى الأهلة التى جعلها الله مواقيت للناس فى الصيام ~~والحج والعدد والديون ، وإنما لنا أن ننظر من علم الحساب ما يكون عيانا أو ~~كالعيان ، وأما ما غمض حتى لا يدرك إلا بالظنون وتكييف الهيئات الغائبة عن ~~الأبصار فقد نهينا عنه ، وعن تكلفه . وعلة ذلك أن ms1130 رسول الله إنما بعث إلى ~~الأميين الذين لا يقرءون الكتاب ، ولا يحسبون بالقوانين الغائبة ، وإنما ~~يحسبون الموجودات عيانا . * * * # | 14 - باب لا يتقدم رمضان بصوم يوم أو يومين # / 18 - فيه : أبو هريرة ، قال قال : النبى ، عليه السلام : ( لا يتقدمن ~~أحدكم رمضان بصوم يوم أو يومين إلا أن يكون رجل كان يصوم صومه ، فليصم ذلك ~~اليوم ) . قال المؤلف : ذهبت طائفة إلى أنه لا يجوز أن يصام آخر يوم من ~~شعبان تطوعا إلا أن يوافق صوما كان يصومه ، وأخذوا بظاهر هذا الحديث ، وروى ~~ذلك عن عمر ، وعلى ، وعمار ، وحذيفة ، وابن مسعود ، ومن التابعين سعيد بن ~~المسيب ، والشعبى ، والنخعى ، والحسن ، وابن سيرين ، وهو قول الشافعى ، ~~وكان ابن عباس ، وأبو هريرة يأمران أن يفصل بين شعبان ورمضان بفطر يوم أو ~~يومين ، كما استحبوا أن يفصلوا بين صلاة الفريضة والنافلة بكلام أو قيام و ~~تقدم أو تأخر ، وقال عكرمة : ( من صام يوم الشك فقد عصى الله ورسوله ) . ~~PageV04P032 وأجازت طائفة صومه تطوعا ، روى عن عائشة ، وأسماء أختها أنهما ~~كانتا تصومان يوم الشك ، وقالت عائشة : ( لئن أصوم آخر يوم من شعبان أحب ~~إلى من أن أفطر يوما من رمضان ) ، وهو قول مالك ، والأوزاعى ، وأبى حنيفة ، ~~وأحمد ، وإصحاق . قال ابن القصار : وحجة هذا القول أنا إنما نكره صوم يوم ~~الشك قطعا أن يكون من رمضان أو على وجه المراعاة خوفا أن يكون من رمضان ، ~~فليحق بالفرض ما ليس من جنسه ، فأما إذا أخلص النية للتطوع ، فلم يحصل فيه ~~معنى الشك ، فإنما نيته أنه من شعبان ، فهو كما يصومه عن نذر أو قضاء رمضان ~~، وإنما النهى عن أن يصومه على أنه إن كان من رمضان فذاك وإلا فهو تطوع . ~~واختلفوا إذا صامه على أنه من رمضان ، قال مالك : سمعت أهل العلم ينهون عن ~~أن يصام اليوم الذى يشك فيه من شعبان إذا نوى به رمضان ، ويروى أنه من صامه ~~على غير رؤية ، ثم جاء الثبت أنه من رمضان أن عليه قضاءه ، قال مالك : وعلى ~~هذا الأمر عندنا . وفيه قول آخر ms1131 ، ذكر ابن المنذر ، عن عطاء ، وعمر بن عبد ~~العزيز ، والحسن أنه إذا نوى صومه من الليل على أنه من رمضان ثم علم ~~بالهلال أول النهار أو آخره نه يجزئه ، وهو قول الثورى ، والأوزاعى ، وأبى ~~حنيفة ، وأصحابه ، وذهب ابن عمر إلى أنه يجوز صيامه إذا حال دون منظر ~~الهلال ليلة ثلاثين من شعبان غيم وسحاب ويجزئهم من رمضان ، وإن ثبت بعد ذلك ~~أن شعبان من تسع PageV04P033 وعشرين وبه قال أحمد بن حنبل : وهو قول شاذ ، ~~وهذا صوم يوم الشك ، وهو خلاف للحديث فلا معنى له ، وقول أهل المدينة أولى ~~لنهيه عليه السلام أن يتقدم صوم رمضان ، ولقول عكرمة ، وعمار : من صام يوم ~~الشك فقد عصى أبا القاسم . * * * # | 15 - باب قول الله تعالى : { أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم } [ ~~البقرة : 187 ] الآية # / 19 - فيه : البراء : كان أصحاب النبى ، عليه السلام ، إذا كان الرجل ~~صائما ، فحضر الإفطار ، فنام قبل أن يفطر ، لم يأكل ليلته ولا يومه حتى ~~يمسي ، وإن قيس بن صرمة كان صائما ، فأتى امرأته ، للإفطار ، فقال لها : ~~أعندك طعام ، قالت : لا ، ولكن أنطلق فأطلب لك ، وكان يومه يعمل فغلبته ~~عيناه ، فجاءته امرأته فلما رأته قالت : خيبة لك ، فلما انتصف النهار غشى ~~عليه ، فذكر ذلك للنبى ، عليه السلام ، فنزلت هذه الآية : { أحل لكم ليلة ~~الصيام الرفث } [ البقرة : 187 ] الآية ففرحوا بها فرحا شديدا ونزلت : { ~~وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض } [ البقرة : 187 ] . قال المؤلف ~~: ذكر إسماعيل بن إسحاق ، عن زيد بن أسلم ، وإبراهيم التينى ، فالا : كان ~~المسلمون فى أول الإسلام يفعلون كما يفعل أهل الكتاب ، إذا نام أحدهم لم ~~يطعم حتى تكون القابلة ، فنسخ الله ذلك ، وقال مجاهد : كان رجال من ~~المسلمين يختانون أنفسهم فى ذلك ، فعفا الله عنهم ، وأحل لهم الأكل والشرب ~~والجماع بعد PageV04P034 الرقاد ، وقبله فى الليل كله ، وقال ابن عباس : ~~الرفث ، الجماع ، وقال : { وابتغوا ما كتب الله لكم } [ البقرة : 187 ] ~~الولد ، وهو قول مجاهد ، والحسن ، والضحاك وجماعة ، وقال زيد بن أسلم { ~~وابتغوا ما كتب الله لكم } [ البقرة ms1132 : 187 ] الجماع ، وقد روى أبو الجوزاء ~~عن ابن عباس أنه قال : ابتغوا ليلة القدر ، قال إسماعيل : وقولهم أنه ~~الجماع ، فهو مذهب حسن ، لأن الذى كتب لهم يدل على أنه شىء لهم فى خاصة ~~أنفسهم ، وأنه شىء قد وجب لهم ، فكان المعنى ، والله أعلم { فالآن باشروهن ~~} [ البقرة : 187 ] أى : جامعوهن { وابتغوا ما كتب الله لكم } [ البقرة : ~~187 ] أى : ما أحل الله لكم من ذلك بعد أن كان محضورا عليكم ، فهو شىء أوجب ~~لهم ، والولد ليس بشىء أوجب لهم ولا كتب لهم لأنه قد يولد لرجل ولا يولد ~~لآخر . وأما رواية أبى الجوزاء عن ابن عباس فى ليلة القدر فهو مما كتب ~~للمسلمين ، وهو شىء لا يدفع ، غير أن الكلام قد سيق فى معنى الجماع ، والله ~~أعلم . * * * # | 16 - باب قول الله تعالى : { وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض ~~} [ البقرة : 187 ] الآية # / 20 - فيه : البراء عن النبى عليه السلام . قال عدى : لما نزلت : { حتى ~~يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر } [ البقرة 187 ] عمدت ~~إلى عقال أبيض ، وإلى عقال أسود ، PageV04P035 فجعلتهما تحت وسادتى ، فجعلت ~~أنظر فى الليل ، فلا يستبين لى ، فغدوت على رسول الله فذكرت ذلك له ، فقال ~~: ( إنما ذلك سواد الليل وبياض النهار ) . / 21 - وفيه : سهل قال : أنزلت { ~~وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود } ولم ينزل : { ~~من الفجر } [ البقرة : 187 ] وكان رجال إذا أرادوا الصوم ، ربط أحدهم فى ~~رجله الخيط الأبيض والخيط الأسود ، ولا يزل يأكل ويشرب حتى يتبين له ~~رؤيتهما ، فأنزل الله بعد : { من الفجر } فعلموا أنه إنما يعنى الليل ~~والنهار . قال المؤلف : قال أبو عبيد : الخيط الأبيض هو الصبح المصدق ، ~~والخيط الأسود هو الليل ، والخيط هو النور ، قال ابن المذر : اختلف العلماء ~~فى الوقت الذى يحرم فيه الطعام والشراب على من يريد الصوم ، فذهب مالك ، ~~وأبو حنيفة ، والشافعى ، وأبو ثور إلى أنه يحرم الطعام والشراب عند اعتراض ~~الفجر الآخر فى الأفق ، وروى معنى هذا عن عمر بن الخطاب ، وابن عباس ، وهو ~~قول عطاء ms1133 ، وعوام علماء الأمصار . وفيه قول ثان رويناه ، عن أبى بكر الصديق ~~، وعلى ، وحذيفة ، وابن مسعود وغيرهم ، فروينا عن سالم بن عبيد ، أن أبا ~~بكر الصديق نظر إلى الفجر مرتين ثم تسحر فى الثالثة ، ثم قام فصلى ركعتين ، ~~ثم أقام بلال الصلاة ، وعن على أنه قال حين صلى الفجر : الآن حين يتبين لكم ~~الخيط الأبيض من الخيط الأسود ، وروينا عن حذيفة : أنه لما طلع الفجر تسحر ~~ثم صلى ، وروينا عن ابن مسعود مثله . PageV04P036 قال المؤلف : وزاد ~~الطحاوى : فلما صلى حذيفة قال : هكذا فعل رسول الله غير أن الشمس لم تطلع ، ~~وروى حماد ، عن أبى هريرة أنه سمع النداء والإناء على يده فقال : أحرزتها ~~ورب الكعبة ، وقال هشام بن عروة : كان عروة يأمرنا بهذا ، يعنى إذا سمع ~~النداء والإناء على يده فلا يضعه حتى يقضى حاجته منه ، ورواه الحسن عن ~~النبى ، عليه السلام ، مرسلا . وقال مسروق : لم يكونوا يعدون الفجر فجركم ، ~~إنما كانوا يعدون الفجر الذى يملأ الطرق والبيوت ، قال ابن المنذر : فتأول ~~بعضهم قوله فى حديث عدى بن حاتم : ( إنما ذلك سواد الليل وبياض النهار ) ، ~~قال : فبياض النهار أن ينتشر فى الطرق والسكك ، والبيوت ، وقت صلاة ~~المسفرين بصلاة الصبح ، وذكر إسحاق بن راهويه عن وكيع أنه سمع الأعمش يقول ~~: لولا الشهرة لصليت الغداة ثم تسحرت . قال إسحاق : بعد أن ذكر ما ذكرناه ~~عن أبى بكر وعلى وحذيفة : هؤلاء لم يروا فرقا بين الأكل وبين الصلاة ~~المكتوبة ، رأوا أن تصلى المكتوبة بعد طلوع الفجر المعترض ورأوا الأكل بعد ~~طلوع الفجر المعترض صباحا حتى يتبين بياض النهار من سواد الليل ، ومال ~~إسحاق إلى القول الأول ، ثم قال : من غير أن يطعن على هؤلاء الذين تأولوا ~~الرخصة فى الوقت : فمن أكل فى ذلك الوقت فلا قضاء عليه ولا كفارة إذا كان ~~متأولا . واحتج أصحاب مالك للقول الأول فقالوا : الصائم يلزمه اغتراف طرفى ~~النهار ، وذلك لا يكون إلا بتقدم شىء وإن قل من السحر ، وأخذ شىء من الليل ~~، لأن عليه أن يدخل فى إمساك أول ms1134 جزء من PageV04P037 اليوم بيقين ، كما أن ~~عليه أن يدخل فى أول رمضان بيقين ، والأكل مناف لأول جزء من الإمساك ، ~~فينبغى له أن يقدم الإمساك ليتحقق له أنه حصل فى طلوع الفجر ممسكا ، ومن ~~أكل حتى يتبين له الفجر ويعلمه فقد حصل أكلا فى أول اليوم . وذكر الطحاوى ~~حديث حذيفة ، ولم يذكر حديث أبى بكر ، ولا على ، ولا فعل أبى هريرة ، وابن ~~مسعود ، ثم قال : فدل حديث حذيفة على أن أول وقت الصيام طلوع الشمس ، وأن ~~ما قيل طلوع الشمس ففى حكم الليل ، وهذا يحتمل عندنا أن يكون بعد ما أنزل ~~الله : { وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود } [ ~~البقرة : 187 ] قبل أن ينزل : { من الفجر } على مكا فى حديث سهل ، ثم أنزل ~~الله بعد ذلك : { من الفجر } وذهب علم ذلك على حذيفة ، وعلمه غيره ، فعمل ~~حذيفة بما علم إذ لم يعلم الناسخ ، وعلم غيره ، الناسخ فصار إليه ، ومن علم ~~شيئا أولى ممن لم يعلمه فدل ما ذركناه على أن الدخول فى الصيام من طلوع ~~الفجر ، وعلى أن الخروج منه بدخول الليل ، ثم كان قوله تعالى : { ثم أتموا ~~الصيام إلى الليل } غاية لم يدخلها فى الصيام . قال المؤلف : فكما لم يدخل ~~أول الليل فى الصيام ، فكذلك لا يدخل أول النهار فى الإفطار . واختلفوا ~~فيمن أكل وهو شاك فى طلوع الفجر ، فقالت طائفة : الأكل والشرب مباح حتى ~~يتيقن طلوع الفجر الآخر . وروى سفيان ، عن أبان ، عن أنس بن مالك ، عن أبى ~~بكر الصديق قال : ( إذا PageV04P038 نظر الرجلان إلى الفجر فقال أحدهما : ~~طلع ، وقال الآخر : لم يطلع فليأكلا حتى يتبين لهما ) ، وعن ابن عباس قال : ~~أحل الله الأكل والشرب ما شككت . وروى وكيع ، عن عمارة بن زاذان ، عن مكحول ~~قال : رأيت عمر أخذ دلوا من زمزم ثم قال لرجلين : أطلع الفجر ؟ فقال أحدهما ~~: لا ، وقال الآخر : نعم فشرب ، ومكحول هذا ليس بالشامى ، وهو قول عطاء ، ~~وأبى حنيفة ، والأوزاعى ، والشافعى ، وأحمد ، وأبى ثور ، كلهم قال : لا ~~قضاء عليه ، وليس كمن يأكل ms1135 ، وهو يشك فى غروب الشمس . وقال مالك : من أكل ~~وهو شاك فى الفجر فعليه القضاء . وقال ابن حبيب : والقضاء عنده استحباب ، ~~إلا أن يعلم أنه أكل بعد الفجر فيصير واجبا كمن أفطر وظن أنه قد أمسى ثم ~~ظهرت الشمس ، واحتج ابن حبيب لقول من أباح الأكل بالشك قال : هو القياس ، ~~لقول الله : { وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض } [ البقرة : 187 ~~] ، قال ابن الماجشون : وهو العلم به ، وليس الشك علما به ، ولكن الاحتياط ~~أن لا يأكل فى الشك . ومن حجة العراقيين فى سقوط القضاء قالوا : إذا شك فى ~~طلوعه فالأصل بقاء الليل ، وقد قال تعالى : { وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم ~~الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر } فلم يمنعهم من الأكل حتى يستبين ~~لهم الفجر ، قاله الثورى ، وهذا قد أكل قبل أن يتبين له ، فلا معنى للقضاء ~~. قالوا : ومذهب العلماء البناء على اليقين ، ولا يوجب الشىء بالشك ، ~~والليل عنده يقينى ، فلا يزال إلا بيقين ، وبهذا وردت السنة فى PageV04P039 ~~قوله عليه السلام : ( من شك فى صلاته فلم يدر أثلاثا صلى أم أربعا ، فليبن ~~على اليقين ) ، ومن شك هل زالت الشمس لم تلزمه الصلاة . قالوا : وقد اتفقنا ~~أنه إذا أكل يوم الشك أنه لا قضاء عليه إذا لم يتبين أنه من رمضان ، ~~ومسألتنا كذلك ، وقد أكل فى زمن يجوز أن يكون من الليل ، ويجوز أن يكون من ~~النهار ، فلم يلتفت إلى التجويز مع استصحاب حكم الليل ، كما لم يوجب ~~الإعادة فى يوم الشك مع استصحاب حكم شعبان . قالوا : وهذه المسألة مبنية ~~على أصولنا فيمن تيقن بالطهارة ثم شك فى الحديث . واحتج أصحاب مالك لإيجاب ~~فقالوا : الطعام والشراب يحرم عند اعتراض الفجر الآخر ، وصوم رمضان عليه ~~بيقين ، ولا يسقط حكم الصوم إلا بيقين ، ومن شك هل أكل بعد الفجر أو قبله ~~فليس يتيقن دخوله فى الإمساك ، وهو كمن شك فى غروب الشمس فأكل ، وكمن شك فى ~~زوال الشمس فلا تجزئه الصلاة ، لأن الوقت عليه بيقين ، وكذلك لو شك فى دخول ~~رمضان فصام على ms1136 الشك لم يجزئه عن رمضان ، وكذلك لو شك هل كبر للإحترام لم ~~يجزئه ، لأن عليه الدخول فى الصلاة بيقين كما يدخل فى وقتها بيقين ، كذلك ~~عليه أن يدخل فى أول جزء من اليوم بيقين ، كما عليه أن يدخل فى أول رمضان ~~بيقين ، أعنى باعتقاد صحيح ، قاله ابن القصار . وقد فرق ابن حبيب بين من ~~أكل وهو شاك فى الفجر ، وبين من أكل وهو شاك فى غروب الشمس ، وسنذكر ذلك فى ~~باب إذا أفطر فى رمضان ثم طلعت عليه الشمس ، إن شاء الله . PageV04P040 ~~واختلف أصحاب مالك فيمن طلع عليه الفجر ، وهو يأكل أو يطأ ، فقال ابن ~~القاسم : فليلق ما فى فمه ، ولينزل عن امرأته ، ولم يفرق بين الأكل والوطء ~~، وقال ابن الماجشون : ليس الأكل كالجماع ، لأن إزالته لفرجه جماع بعد ~~الفجر ، ولكن لم يبتدئه ولم يتعمده ، فعليه القضاء إذا تنحى مكانه ، فإن ~~عاد أو خضخض فعليه القضاء والكفار ، وهو قول الشافعى . وقال أبو حنيفة ~~والمزنى : لا كفارة عليه ، واحتجوا بأنه إذا أولج ثم قال : إن جامعتك فأنت ~~طلق ، فلبث فإنه لا حنث عليه ولا مهر ، فلم يجعلوا اللبث كالإيلاج فى وجوب ~~المهر والحد ، وجعلتم اللبث هاهنا كايلاج فى وجوب الكفار ، وفى حديث عدى ~~وسهل أن الحكم للمعانى لا للألفاظ ، بخلاف قول أهل الظاهر . وقوله : ( ~~فعلموا : إنما يعنى الليل والنهار ) ، حجة فى أن النهار من طلوع الفجر ، ~~وذكر البخارى فى التفسير زيادة فى حديث عدى بن حاتم ، قال : ( إنك لعريض ~~القفا إن أبصرت الخيطين ) ، قال الخطابى : وعريض القفا يفسر على وجهين : ~~أحدهما أن يكون كناية عن العبارة أو سلامة الصدر ، يقال للرجل الغبى : إنك ~~لعريض القفا . والوجه الآخر : أن يكون أراد إنك غليظ الرقبة وافر اللحم ، ~~لأن من أكل بعد الفجر لم ينهكه الصوم ولم يبن له أثر فيه . * * * # | 17 - باب قول النبى : ( لا يمنعنكم من سحوركم أذان بلال ) # / 22 - فيه : عائشة : أن بلالا كان يؤذن بليل ، فقال رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - : ( كلوا واشربوا PageV04P041 حتى يؤذن ابن أم مكتوم ، ~~فإنه ms1137 لا يؤذن حتى يطلع الفجر ) ، قال القاسم : ( ولم يكن بين أذانهما إلا ~~أن يرقى ذا وينزل ذا ) . معنى حديث عائشة ، ومعنى لفظ الترجمة واحد وإن ~~اختلف اللفظ ، ولم يصح عند البخارى عن النبى ، عليه السلام ، حديث لفظ ~~الترجمة ، واستخرج معناه من حديث عائشة ، ولفظ الترجمة رواه ، وكيع عن أبى ~~هلال ، عن سوادة بن حنظلة ، عن سمرة بن جندب ، قال : قال رسول الله : ( لا ~~يمنعنكم من سحوركم أذان بلال ، ولا الفجر المستطيل ، ولكن الفجر المستطير ~~فى الأفق ) ، وقال الترمذى : وهو حديث حسن . قال المهلب : والذى يفهم من ~~اختلاف ألفاظ هذا الحديث أن بلالا كانت رتبته وخطئه أن يؤذن بليل على ما ~~أمره به النبى ، عليه السلام ، من الوقت ، ليرجع القائم وينبه النائم ، ~~وليدرك السحور منهم من لم يتسحر ، وقد روى هذا كله ابن مسعود عن النبى ، ~~عليه السلام ، فكانوا يتسحرون بعد أذانه . وقال الطحاوى : فى هذا الحديث ~~قرب أذان ابن أم مكنوم من ذانن بلال الذى كان يؤذنه بالليل . قال الداودى : ~~قوله : لم يكن بين أذانيهما إلا أن ينزل ذا ويرقى ذا ، وقد قيل له : أصبحت ~~أصبحت ، دليل أن ابن أم مكتوم كان يراعى قرب طلوع الفجر أو طلوعه ، لأنه لم ~~يكن يكتفى بأذان بلال فى عمل الوقت ، لأن بلالا فيما يدل عليه الحديث كان ~~تختلف أوقاته ، وإنما حكى من قال : ينزل ذا ويطلع ذا ، ما شاهد فى بعض ~~الأوقات ، ولو كان فعله لا يختلف اكتفى به النبى ، عليه السلام ، ~~PageV04P042 ولم يقل : ( كلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم ) ، ولقال : ~~فإذا فرغ بلال فكفوا ، ولكنه جعل أول أذا ابن أم مكتوم علامة للكف ، ويحتمل ~~أن يكون لابن أم مكتوم من يراعى له الوقت ، ولولا ذلك لكان ربما خفى عنه ~~الوقت ، ويبين ذلك ما روى ابن وهب ، عن يونس ، عن ابن شهاب ، عن سالم قال : ~~كان ابن أم مكتوم ضرير البصر ، ولم يكن يؤذن حتى يقول له الناس حين ينظرون ~~إلى فروع الفجر : أذن ، وقد روى الطحاوى عن على بن معبد ، عن ms1138 روح ، عن شعبة ~~، قال : سمعت خبيب بن عبد الرحمن يحدث عن عمته أنيسة ، وكانت قد حجت مع ~~النبى أنها قالت : كان إذا نزل بلال وأراد أن يصعد ابن أم مكتوم تعلقوا به ~~وقالوا : كما أنت حتى نتسحر . * * * # | 18 - باب تعجيل السحور # / 23 - فيه : سهل قال : ( كنت أتسحر فى أهلى ، ثم تكون سرعتى أن أدرك ~~السجود مع النبى ، عليه السلام ) . قال المهلب : قوله : تعجيل السحور ، ~~إنما يريد تعجيل الأكل فيه ، لمراهقتهم بالأكل والشرب لآخر الليل ابتغاء ~~القوة على الصوم ، ولبيان علم الصبح بالفجر الأول ولم يحتج أن يجعل له حريم ~~مع العلم عليه ، وروى مالك عن عبد الله بن أبى بكر ، قال : سمعت أبى يقول : ~~( كنا ننصرف فى رمضان فنستعجل الخدم بالطعام مخافة PageV04P043 الفجر ) ، ~~وكان رسول الله يغلس بالصبح ليتمكن من طول القراءة وترتيلها ، ليدرك ~~المتفهم التفهم والتدبر ، وليمتثل قول الله فى الترتيل والتدبير ، ولو ترجم ~~له باب : تأخير السحور لكان حسنا . * * * # | 19 - باب قدر كم بين السحور وصلاة الفجر # / 24 - فيه : زيد ابن ثابت ، قال : ( تسحرنا مع النبى ، عليه السلام ، ثم ~~قام إلى الصلاة ، قلت : كم كان بين الأذان والسحور ؟ قال : قدر خمسين آية ) ~~. قال المهلب : هذا يدل على تأخير السحور ليتقوى به على الصوم ، وإنما كان ~~يؤخره إلى الفجر الأول الذى هو البياض المعترض فى الأفق ، ولذلك جعل الله ~~الفجر الأول حدا للأكل بقدر ما يتم أكله ويطلع الفجر الثانى ، ولولا هذا ~~الفجر الأول لصعب ضبط هذا الوقت على الناس ، فقيل لهم : إذا رأيتم الفجر ~~الأول فهو نذير بالثانى ، وهو بأثره بقدر ما يتعجل الأكل وينهض إلى الصلاة ~~. وفيه : دليل على تقدير الأوقات بأعمال الأبدان ، والاستدلال على المغيب ~~بالعادة فى العمل ، ألا ترى فى حديث طلوع الشمس من مغربها أنه لا يعرف تلك ~~الليلة التى تطلع من صبيحتها إلا المتهجدون بتقدير الليل بمقدار صلاتهم ~~وقراءتهم المعتادة ، والعرب تقدر الأوقات بالأعمال ، فيقولون : قدر حلب شاة ~~، وفواق ناقة . PageV04P044 # | 20 - باب بركة السحور من غير إيجاب ؛ لأن النبى ، عليه السلام ، ~~وأصحابه واصلوا ms1139 ولم يذكر السحور # / 25 - فيه : ابن عمر : أن النبى ، عليه السلام ، واصل فواصل الناس ، فشق ~~عليهم فنهاهم ، قالوا : إنك تواصل قال : ( لست كهيئتكم ، إنى أظل أطعم ~~وأسقى ) . / 26 - وفيه : أنس ، قال : قال النبى ، عليه السلام : ( تسحروا ، ~~فإن فى السحور بركة ) . قال ابن المنذر : أجمع العلماء أن السحور مندوب ~~إليه مستحب ، ولا مأثم على من تركه ، وحض أمته عليه السلام ، عليه ليكون ~~قوة لهم على صيامهم ، وروى ابن عباس عن النبى ، عليه السلام ، أنه قال : ( ~~استعينوا بأكل السحر على صيام النهار ، وبقائلة النهار على قيام الليل ) ، ~~وقد سماه عليه السلام الغداء المبارك من حديث العرباض بن سارية ، وروى عمرو ~~بن العاص عن النبى ، عليه السلام ، أنه قال : ( فصل ما بين صيامنا وصيام ~~أهل الكتاب أكلة السحر ) ، ذكر هذه الآثار ابن المنذر . وقول البخارى فى ~~هذه الترجمة أن الرسول وأصحابه واصلوا ، ولم يذكر سحوره غفلة منه ، لأنه قد ~~خرج فى باب الوصال حديث أبى سعيد أن الرسول قال لأصحابه : ( أيكم أراد أن ~~يواصل فليواصل حتى السحر ) ، وفهم من ذلك أنه ، عليه السلام ، أراد قطع ~~الوصال بالأكل فى السحر فحديث أبى سعيد مفسر يقضى على المجمل الذى لم يذكر ~~فيه سحور ، وقد ترجم له البخارى باب : الوصال إلى السحر . PageV04P045 # | 21 - باب إذا نوى بالنهار صوما # وقالت أم الدرداء : كان أبو الدرداء يقول : عندكم طعام ؟ فإن قلنا : لا ، ~~قال : إنى صائم يومى هذا ، وفعله أبو طلحة ، وأبو هريرة ، وابن عباس ، ~~وحذيفة . / 27 - فيه : سلمة بن الأكوع : أن النبى ، عليه السلام ، بعث رجلا ~~ينادى فى الناس يوم عاشوراء : ( إن من أكل فليتم ، أو فليصم ، ومن لم يأكل ~~فلا يأكل ) . قال المؤلف : عرض البخارى فى هذا الباب إجازة صوم النافلة ~~بغير تبييت ، وذكر ذلك عن بعض الصحابة ، وقد روى عن ابن مسعود ، وأبى أيوب ~~الأنصارى أيضا إجازة ذلك ، وذكره الطحاوى عن عثمان بن عفان ، وهو قول أبى ~~حنيفة ، والثورى ، والشافعى ، وأحمد ، وإسحاق ، وأبى ثور ، كلهم يجيز أن ~~ينوى النافلة بالنهار ، واحتجوا بحديث سلمة بن الأكوع هذا ms1140 وبحديث عائشة بنت ~~طلحة عن عائشة أن النبى ، عليه السلام ، كان يدخل على بعض أزواجه فيقول : ( ~~هل عنكم من غداء ؟ فإذا قالوا : لا ، قال : فإنى إذا صائم ) ، وقال ~~الكوفيون ، والشافعى : يجزئه أن ينوى صوم النافلة بعد الزوال . وذهب مالك ، ~~وابن أبى ذئب ، والليث ، والمزنى إلى أنه لا يصح صيام التطوع إلا بنية من ~~الليل كالفرضسواء ، وهو مذهب ابن عمر ، وعائشة وحفصة ، وحجتهم ما رواه ~~الليث عن يحيى بن أيوب ، عن عبد الله بن أبى بكر ، عن الزهرى ، عن سالم ، ~~عن أبيه ، عن PageV04P046 حفصة ، عن النبى ، عليه السلام ، أنه قال : ( من ~~لم يبيت الصيام قبل الفجر فلا صيام له ) قال النسائى : الصواب فى هذا ~~الحديث أنه موقوف ، لأن يحيى بن أيوب ليس بالقوى . واحتج ابن القصار بعموم ~~هذا القول ، ولم يفرق بين فريضة ولا نافلة ، واحتج أيضا بقوله : ( الأعمال ~~بالنيات ) ، وكل جزء من النهار الإمساك فيه عمل ، فلا يصح بغير نية فى ~~الشرع ، ولنا أن نقيس الصيام على الصلاة ، لأنه لم يختلف فرضها ونفلها فى ~~باب النية . قالوا فى حديث سلمة بن الأكوع : إن صوم عاشوراء منسوخ فنسخت ~~شرائطه ، فلا يجوز رد غيره إليه ، وحديث عائشة رواه طلحة بن يحيى ، واضطرب ~~فى إسناده ، فرواه عنه طائفة عن مجاهد ، عن عائشة ، وروته طائفة عنه عن ~~عائشة بنت طلحة ، عن عائشة أم المؤمنين ومنهم من لا يقول فيه : ( إذا ) ~~ويقول : ( إنى صائم ) . قال ابن القصار : يحتمل أن يكون معناه أن يسألهم ~~عليه السلام عن الغداء ليعلم هل عندهم شىء ، وهم يظنون أنه يتغدى ، وهو ~~ينوى الصوم ليقول لهم : اجعلوه للإفطار ، فتسكن نفسه إليه ، فلا يتكلف ما ~~يفطر عليه ، فلما قالوا له : ( لا ) قال : ( إنى صائم إذا ) ، أى أنى كما ~~كنت ، أو إنى بمنزلة الصائم ، ويحتمل أن يكون عزم على الفطر لعذر وجده ، ~~فلما قيل له : ليس عندنا شىء ، تمم الصوم ، وقال : إنى صائم كما كنت ، وإذا ~~احتمل هذا كله لم تخص الظواهر به ، والأصول تشهد لما قلنا . PageV04P047 ~~واحتج الكوفيون بحديث سلمة بن الأكوع ms1141 ، وقالوا : هو حجة لنا فى أن كل صوم ~~فرض فى وقت معين فإنه لا يحتاج إلى تبييت من الليل كالنذر المعين ، ويجوز ~~أن ينوى له بالنهار قبل الزوال ، وكل صوم واجب فى الذمة ولا يتعلق بوقت ~~معين فلابد فيه من النية فى الليل ، قالوا : ألا ترى أن النبى ، عليه ~~السلام ، أمر الناس بيوم عاشوراء بعد ما أصبحوا أن يصوموا ، وهو يومئذ ~~عليهم فرض كما صار صوم رمضان بعد ذلك على الناس فرضا ، وكان تصحيح هذه ~~الأخبار أن يحمل حديث عاشوراء فى صوم الفرض فى اليوم المعين ، لأن عاشوراء ~~فرض فى يوم معين كرمضان فرض فى أيام معينة ، فلما كان يجزئ صوم عاشوراء من ~~نوى صومه بعد ما أصبح ، كذلك شهر رمضان . وقال الأوزاعى : كقول أبى حنيفة ، ~~وذهب مالك ، والليث ، والشافعى ، وأحمد إلى أنه لابد فى صوم الفرض من نية ~~متقدمة فى الليل ، واحتج ابن القاصر لهم فقال : إنا لا نسلم استدلال من ~~خالفنا بحديث سلمة بن الأكوع أن صوم عاشوراء كان واجبا ، بدليل قوله فيه : ~~( من أكل فليصم ) ، فأمر من كان آكلا بالإمساك ، ولم يأمره بالقضاء ، ولو ~~كان واجبا لأمره بقضائه ، وقوله عليه السلام : ( نحن أحق بصيامه ) ، يدل ~~أنه كان على وجه التطوع حين نسخ برمضان ، فزال حكمه ، ولو قلنا : إن صومه ~~كان واجبا ، لقلنا : إن صومه إنما وجب فى الوقت الذى أمر به ، وقد زال ذلك ~~بزواله ، فحصلت النية متقدمة عليه ، ولا يقاس عليه وسأتقصى الكلام فى صوم ~~عاشوراء فى بابه بعد هذا ، إن شاء الله . PageV04P048 # | 22 - باب الصائم يصبح جنبا # / 28 - فيه : عائشة وأم سلمة : ( أن النبى ، عليه السلام ، كان يدركه ~~الفجر ، وهو جنب من أهله ، ثم يغتسل ويصوم ) ، وقال مروان لعبد الرحمن بن ~~الحارث : أقسم بالله لتقرعن بها أبا هريرة ، ومروان يومئذ على المدينة ، ~~فقال أبو بكر : فكره ذلك عبدالرحمن ، ثم قدر لنا أن نجتمع بذى الحليفة ، ~~وكانت لأبى هريرة هناك أرض ، فقال عبدالرحمن لأبى هريرة : إنى ذاكر لك أمرا ~~ولولا مروان أقسم على فيه لم أذكره ms1142 لك ، فذكر قول عائشة وأم سلمة فقال : ~~كذلك حدثنى الفضل بن عباس ، وهن أعلم ، وقال همام ، وابن عبدالله بن عمر ، ~~عن أبى هريرة : ( كان النبى ، عليه السلام ، يأمر بالفطر ) والأول أسند . ~~وأجمع فقهاء الأمصار على الأخذ بحديث عائشة ، وأم سلمة فى من أصبح جنبا أنه ~~يغتسل ويتم صومه ، وقال ابن المنذر : وروى عن الحسن البصرى فى أحد قوليه ~~أنه يتم صومه ويقضيه ، وعن سالم بن عبد الله مثله ، واختلف فيه عن أبى ~~هريرة ، فأشهر قوليه عند أهل العلم : أنه لا صوم له ، وفيه قول ثالث عن أبى ~~هريرة ، قال : إذا علم بجنابته ثم نام حتى يصبح فهو مفطر ، وإن لم يعلم حتى ~~يصبح فهو صائم . وروى ذلك عن طاوس ، وعروة بن الزبير ، وعن النخعى قول رابع ~~: وهو أن ذلك يجزئه فى التطوع ، ولا يجزئه فى الفرض ، واحتجوا بحديث أبى ~~هريرة أن النبى ، عليه السلام ، قال : ( من أصبح جنبا أفطر ذلك اليوم ) ، ~~ولم يقل أحد به من فقهاء الأمصار غير الحسن بن صالح . PageV04P049 واحتج ~~ربيعة بن أبى عبد الرحمن لجماعة الفقهاء بقوله تعالى : { فالآن باشروهن ~~وابتغوا ما كتب الله لكم وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من ~~الخيط الأسود من الفجر } [ البقرة : 187 ] فأباح لنا الأكل والجماع إلى ~~طلوع الفجر ، فوجب أن يقع الغسل بعد طلوع الفجر ، ولولا أن الغسل إذا وقع ~~بعد طلوع الفجر أجزأ الصوم لما أباح الجماع إلى وقت طلوعه ، ذكره ابن ~~القصار . وقال الطحاوى : وحجة الجماعة حديث عائشة وأم سلمة ، وأيضا فإن أبا ~~هريرة الذى روى حديث الفضل قد رجع عن فتياه إلى قول عائشة وأم سلمة ، ورأى ~~ذلك أولى مما حدثه به الفضل عن النبى ، عليه السلام ، وروى منصور عن مجاهد ~~، عن أبى بكر بن عبد الرحمن ، أن أنا هريرة رجع عن ذلك لحديث عائشة ، وروى ~~محمد بن عمرو ، عن أبى سلمة ، عن أبى هريرة أنه نزع عن ذلك أيضا . قال ~~الطحاوى : والنظر فى ذلك أنا رأيناهم قد أجمعوا أن صائما لو نام نهارا ~~فأجنب ms1143 أن ذلك لا يخرجه عن صومه ، فأردنا أن ننظر هل يكون حكم الجنابة إذا ~~طرأت على الصوم خلاف حكم الصوم إذا طرأ عليها ؟ فرأينا الأشياء التى تمنع ~~من الدخول فى الصوم من الحيض والنفاس إذا طرأ ذلك على الصوم ، أو طرأ عليه ~~الصوم فهو سواء ، ألا ترى أنه ليس لحائض أن تدخل فى الصوم وهى حائض ، وأنها ~~لو دخلت فى الصوم طاهرا ثم طرأ عليها الحيض فى ذلك اليوم أنها PageV04P050 ~~بذلك خارجة من الصوم ، وكان حكم الجنابة إذا طرأت على الصوم لم تبطله ~~بإجماعهم ، فالنظر على ذلك أن يكون كذلك إذا طرأ عليها الصوم لم تمنع من ~~الدخول فيه . وفى حديث الباب من الفقه أن الشىء إذا نوزع فيه وجب رده إلى ~~من يظن علمه عنده ، لأن أزواج النبى أعلم الناس بهذا المعنى ، وفيه : أن ~~الحجة القاطعة عند الاختلاف فيما لا نص فيه سنة رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - ، وفيه اعتراف العالم بالحق وإنصافه إذا سمع الحجة ، وقد ثبت أن أبا ~~هريرة لم يسمع ذلك من النبى ، عليه السلام ، ففى رواية الزهرى ، عن أبى بكر ~~بن عبد الرحمن ، عن أبى هريرة أنه قال : حدثنيه الفضل بن عباس ، وفى رواية ~~المقبرى ، عن أبى هريرة ، قال : حدثنيه ابن عباس ، وفى رواية عمر بن أبى ~~بكر بن عبد الرحمن ، عن أبيه ، عن جده ، عن أبى هريرة ، قال : هن أعلم ~~برسول الله منا حدثنيه أسامة بن زيد . ذكره النسائى . * * * # | 23 - باب المباشرة للصائم وقالت عائشة يحرم عليه فرجها . # / 29 - فيه : عائشة : ( كان النبى ، عليه السلام ، يقبل ويباشر ، وهو ~~صائم ، وكان أملككم لإربه ) ، قال ابن عباس : مآرب : حاجة ، قال طاوس : ~~أولى الإربة : الأحمق لا حاجة له فى النساء . وقال جابر بن زيد : إن نظر ~~فأمنى يتم صومه . والمباشرة والقبلة للصائم حكمهما واحد ، وقال أشهب : ~~PageV04P051 القبلة أيسر من المباشرة ، وقال ابن حبيب : المباشرة والملاعبة ~~، والقبلة ، وإدامة النظر ، والمحادثة تنقص أجر الصائم ، وإن لم تفطره . ~~واختلفوا فى المباشرة ، فكرهها قوم من السلف ، وروى ابن وهب عن ms1144 ابن أبى ذئب ~~، أن شعبة مولى ابن عباس حدثه أن ابن عباس كان ينهى الصائم عن القبلة ، ~~والمباشرة ، قال : وأخبرنى رجال من أهل العلم عن ابن عمر مثله ، وروى حماد ~~بن سلمة ، عن عائشة أنها كرهت ذلك ، وروى مثله عن ابن المسيب ، وعطاء ، ~~والزهرى ، ورخص فيه آخرون ، روى عن ابن مسعود أنه كان يباشر امرأته نصف ~~النهار ، وهو صائم ، وعن سعد بن أبى وقاص مثله ، وروى أبو قلابة عن مسروق ~~أنه سأل عائشة : ما يحل للرجل من امرأته وهو صائم ؟ قالت : كل شىء إلا ~~الجماع ، وكان عكرمة يقول : لا بأس بالمباشرة للصائم ، لأن الله أحل له أن ~~يأخذ بيدها وأدنى جسدها ولا يأخذ بأقصاه . قال المهلب : وكل من رخص فى ~~المباشرة للصائم فإنما ذلك بشرط السلام مما يخاف عليه من دواعى اللذة ~~والشهوة ، ألا ترى قول عائشة عن النبى ، عليه السلام : ( وكان أملككم لإربه ~~) . ولهذا المعنى كرهها من كرهها ، وروى حماد عن إبراهيم ، عن الأسيود : ( ~~أنه سأل عائشة عن المباشرة للصائم ، فكرهتها ، فقلت : بلغنى أن النبى ، ~~عليه السلام ، كان يباشر وهو صائم ، فقالت : أجل ، إن رسول الله كان أملك ~~لإربه من الناس أجمعين ) . وحماد عن داود ، عن سعيد ، عن ابن عباس أن رجلا ~~قال PageV04P052 له : إنى تزوجت ابنة عم لى جميلة فبنيت فى رمضان ، فهل لى ~~إن قبلتها من سبيل ؟ قال : هل تملك نفسك ؟ قال : نعم . قال : قبل . قال : ~~فهل لى إلى مباشرتها من سبيل ؟ قال : هل تملك نفسك ؟ قال : نعم . قال : ~~فباشر . قال : فهل لى أن أضرب بيدى على فرجها من سبيل ؟ قال : هل تملك نفسك ~~؟ قال : نعم . قال : فاضرب . وقال مالك فى المختصر : لا أحب للصائم فى فرض ~~أو تطوع أن يباشر أو يقبل ، فإن فعل ولم يمذ فلا شىء عليه ، فإن أمذى فعليه ~~القضاء ، وهو قول مطرف ، وابن الماجشون ، وأحمد بن حنبل ، وقال بعض ~~البغداديين من أصحاب مالك : القضاء فى ذلك عندنا استحباب ، وروى عيسى عن ~~ابن القاسم أنه إن أنعظ وإن لم يمذ فإنه يقضى ، وأنكره ms1145 سحنون ، وهو خلاف ~~قول مالك ، وقال أبو حنيفة ، والأوزاعى ، والشافعى ، وأبو ثور : لا شىء ~~عليه إذا أمذى ، وهو قول الحسن والشعبى ، وحجتهم أن اسم المباشرة ليس على ~~ظاهره ، وإنما هو كناية عن الجماع ، ولم يختلف العلماء أن قوله تعالى : { ~~فالآن باشروهن } يراد به الجماع ، فكل مباشرة اختلفوا فيها فالواجب ردها ~~إلى ما أجمعواعليه منها . واختلفوا إذا باشر أو جامع دون الفرج فأمنى ، ~~فقال أبو حنيفة والثورى والشافعى : عليه القضاء فقط ، لأن الكفارة إنما تجب ~~عندهم بالإيلاج فى الفرج والجماع التام ، وقال عطاء : عليه القضاء مع ~~الكفارة ، وهو قول الحسن البصرى ، وابن شهاب ، ومالك ، وابن PageV04P053 ~~المبارك ، وأبى ثور ، وإسحاق ، وحجة هذا القول أنه إذا باشر أو جامع دون ~~الفرج فأنزل فقد حصل المعنى المقصود من الجماع ، لأن الإنزال أقصى ما يطلب ~~من الالتذاذ ، وهو من جنس الجماع التام فى إفساد الصوم ، فقد وجبت فيه ~~الكفارة . * * * # | 24 - باب القبلة للصائم # وقال جابر بن زيد : إن نظر فأمنى يتم صومه . / 30 - فيه : عائشة قالت : ( ~~إن كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليقبل بعض أزواجه وهو صائم ، ثم ~~ضحكت ) . / 31 - فيه : أم سلمة قالت : ( بينا أنا مع رسول الله ، عليه ~~السلام ، فى الخميلة ؛ إذ حضت فانسللت ، فأخذت ثياب حيضتى ، فقال : ( ما لك ~~أنفست ) ؟ قلت : نعم ، فدخلت معه فى الخميلة ، وكانت هى ورسول الله يغتسلان ~~من إناء واحد ، وكان يقبلها وهو صائم ) . قال ابن المنذر : اختلف العلماء ~~فى القبلة للصائم ، فرخص فيها جماعة ، روى ذلك عن عمر بن الخطاب ، وأبى ~~هريرة ، وابن عباس ، وعائشة ، وبه قال عطاء ، والشعبى ، والحسن ، وهو قول ~~أحمد ، وإسحاق ، وقال ابن مسعود : إن قبل وهو صائم صام يوما مكانه ، قال ~~الثورى : وهذا لا يؤخذ به ، وكره ابن عمر القبلة للصائم ، ونهى عنها ، وقال ~~عروة : لم أر القبلة للصائم تدعو إلى خير ، وذكر الطحاوى عن شعبة ، عن ~~عمران بن PageV04P054 مسلم ، عن زاذان ، عن عمر بن الخطاب قال : لأن أعض ~~على جمرة أحب إلى من أن أقبل وأنا صائم ، وروى الثورى عن ms1146 عمران بن مسلم ، ~~عن زاذان ، عن ابن عمر مثله ، وذكر عن سعيد بن المسيب ، قال : الذى يقبل ~~امرأته وهو صائم ينقض صومه ، وكره مالك القبلة للشيخ والشاب ، وأخذ بقول ~~ابن عمر ، وأباحتها فرقة للشيخ وحظرتها على الشاب ، روى ذلك عن ابن عباس ، ~~ورواه مورق عن ابن عمر ، وهو قول أبى حنيفة ، والثورى ، والأوزاعى ، ~~والشافعى . قال الطحاوى : فأما ما روى عن ابن مسعود فقد روى عنه خلافه ، ~~روى إسرائيل عن طارق ، عن حكيم بن جابر ، عن ابن مسعود أنه كان يباشر ~~امرأته وهو صائم ، وما ذكره من قول سعيد أنه ينقض صومه فإن ما روى عن رسول ~~الله أنه كان يقبل وهو صائم ، أولى من قول سعيد ، فلو قال قائل : إنما خص ~~به رسول الله ، ألا ترى قول عائشة : ( وأيكم كان أملك لإربه من رسول الله ) ~~قيل : إن قولها هذا إنما هو على أنها لا تأمن عليهم ، ولا يأمنون على ~~أنفسهم ما كان رسول الله يأمن على نفسه ، لأنه محفوظ ، والدليل على أن ~~القبلة عندها لا تفظر الصائك ما قد رويناه عنها أنها قالت : ( ربما قبلنى ~~رسول الله وباشرنى وهو صائم ، وأما أنتم فلا بأس للشيخ الكبير الضعيف ) ، ~~رواه عمرو بن حريث ، عن الشعبى ، عن مسروق ، عنها ، أرادت به أنه لا يخاف ~~من إربه ، فدل ذلك أن من لم يخف من القبلة شيئا وأمن على نفسه أنها له ~~مباحة ، وقالت مرة أخرى حين سئلت عن القبلة للصائم ، فقالت جوابا لذلك : ( ~~كان PageV04P055 رسول الله يقبل وهو صائم ) ، فلو كان حكم رسول الله عندها ~~فى ذلك بخلاف حكم غيره من الناس ، لما كان ما علمته من فعل رسول الله جوابا ~~لما سئلت عنه من فعل غيره . ويبين ذلك ما رواه مالك عن زيد بن أسلم ، عن ~~عطاء بن يسار : أن رجلا قبل امرأته وهو صائم ، فوجد من ذلك وجدا شديدا ، ~~فأرسل امرأته تسأل له عن ذلك ، فدخلت على أم سلمة زوج النبى فذكرت ذلك لها ~~، فأخبرتها أم سلمة أن رسول الله كان يقبل ms1147 وهو صائم ، فرجعت فأخبرت ذلك ~~زوجها ، فزاده شرا ، وقال : لسنا مثل رسول الله ، يحل الله لرسوله ما شاء ، ~~ثم رجعت المرأة إلى أم سلمة فوجدت رسول الله فأخبرته ، فغضب رسول الله ، ~~وقال : والله إنى لأتقاكم لله ، وأعلمكم بحدوده ) . فدل هذا المعنى استواء ~~حكم رسول الله وسائر الناس فى حكم القبلة إا لم يكن معها الخوف على ما ~~بعدها مما تدعو إليه ، ولهذا المعنى كرهها من كرهها ، وقال : لا أراها تدعو ~~إلى خير ، يريد إذا لم يأمن على نفسه ، ليس لأنها حرام عليه ، ولكن لا يأمن ~~إذا فعلها أن تغلبه شهوته فيقع فيما يحرم عليه ، فإذا ارتفع هذا المعنى ~~كانت مباحة . وقال أبو حنيفة والثورى والأوزاعى والشافعى : إن من قبل فأمذى ~~فلا قضاء عليه ، وإن نظر فأمنى لم ينقض صومه ، وإن قبل أو لمس فأمنى أفطر ~~ولا كفارة عليه ، لأن الكفارة عندهم لا تجب إلا على من أولج فأنزل ، وقال ~~مالك : إن قبل فأنزل فعليه القضاء والكفارة ، وكذلك إن نظر فتابع النظر ، ~~لأن الإنزال هو المبتغى من الجماع ، PageV04P056 وسواء أكان بإيلاج أو غيره ~~، قال : فإن قبل فأمذى ، أو نظر فأمذى فعليه القضاء ، ولا كفارة عليه ولا ~~قضاء فى ذلك عند الكوفيين ، والأوزاعى ، والشافعى على ما تقدم فى الباب قبل ~~هذا . # | 25 - باب اغتسال الصائم # وبل ابن عمر ثوبا فألقاه عليه ، وهو صائم ، ودخل الشعبى الحمام وهو صائم ~~. وقال ابن عباس : لا بأس أن يتطعم القدر أو الشيء . وقال الحسن : لا بأس ~~بالمضمضة والتبرد للصائم . وقال ابن مسعود : إذا كان يوم صوم أحدكم فليصبح ~~دهينا مترجلا . وقال أنس : إن لى أبزن أتقحم فيه وأنا صائم ، وقال ابن عمر ~~: يستاك أول النهار وآخره . وقال ابن سيرين : لا بأس بالسواك الرطب ، قيل ~~له طعم ! قال : والماء له طعم ، وأنت تتمضمض به ، ولم ير أنس والحسن ~~وإبراهيم بالكحل للصائم بأسا . / 32 - فيه : عائشة وأم سلمة : ( كان النبى ~~، عليه السلام ، يدركه الفجر فى رمضان جنبا من غير حلم ، فيغتسل ويصوم ) . ~~وذكر الطحاوى عن الكوفيين أن الصائم ms1148 لا يفطره الانغماس فى PageV04P057 ~~الماء ، ولم يذكروا كراهية ، وقال الليث والشافعى : لا بأس به ، وذكر ~~الطحاوى عن مالك أنه كرهه ، وروى ابن القاسم عن مالك فى المجموعة أنه لا ~~بأس أن يغتسل الصائم ويتمضمض من العطش خلاف ما ذكره الطحاوى . وقال الحسن ~~بن حى : يكره الانغماس فيه إذا صب على رأسه وبدنه ، ولا يكره أن يستنقع فيه ~~، وحديث عائشة وأم سلمة حجة على من كره ذلك ، وروى مالك : عن سمى مولى أبى ~~بكر ، عن أبى بكر بن عبد الرحمن ، عن بعض أصحاب النبى ، عليه السلام : ( أن ~~النبى خرج فى رمضان يوم الفتح صائما ، فلما أتى العرج شق عليه الصيام ، ~~فكان يصب على رأسه الماء وهو صائم ) . وقال الحسن : رأيت عثمان بن أبى ~~العاص بعرفة وهو صائم يمج الماء ويصب على رأسه . وأما ذوق الطعام للصائم ، ~~فقال الكوفيون : إذا لم يدخل حلقه لا يفطره وصومه تام ، وهو قول الأوزاعى ، ~~وقال مالك : أكرهه ولا يفطره إن لم يدخل حلقه ، وهو قول الشافعى ، وقال ابن ~~عباس : لا بأس أن تمضغ الصائمة لصبيها الطعام ، وهو قول الحسن البصرى ، ~~والنخعى ، وكره ذلك مالك ، والثورى ، والكوفيون ، وقال الكوفيون : إلا لمن ~~لم تجد بدا من ذلك . وأما الدهن للصائم فاستحبته طائفة ، روى عن قتادة أنه ~~قال : يستحب للصائم أن يدهن حتى تذهب عنه غبرة الصوم ، وأحازة الكوفيون ~~والشافعى ، وقال : لا بأس أن يدهن الصائم شاربه ، وممن أجازة الدهن للصائم ~~مطرف : وابن عبد الحكم وأصبغ ، ذكره ابن حبيب ، وكرهه ابن أبى ليلى . ~~PageV04P058 واختلفوا فى الكحل للصائم ، فرخص فيه ابن أبى أوفى ، وعطاء ، ~~والشعبى ، والزهرى ، وهو قول أبى حنيفة ، والأوزاعى ، والليث ، والشافعى ، ~~وأبى ثور ، وحكاه ابن حبيب عن مطرف ، وابن عبد الحكم ، وأصبغ ، وقال ابن ~~الماجشون : لا بأس بالكحل بالإثمد للصائم ، وليس ذلك مما يصام منه ، ولو ~~كان ذلك لذكروه كما ذكروا فى المحرم ، وأما الكحل الذى يعمل بالعقاقير ، ~~ويوجد طعمه ، ويخرق إلى الجوف فأكرهه ، والإثمد لا يوجد طعمه وإن كان ممسكا ~~، وإنما يوجد من المسك طعم ريحه لا ms1149 طعم ذوقه . ورخص فى الإثمد قتادة ، وقال ~~ابن أبى ليلى وابن شبرمة : إن اكتحل الصائم قضى يوما مكانه ، وكرهه الثورى ~~وأحمد وإسحاق ، وفى المدونة : لا يكتحل الصائم ، فإن اكتحل بإثمد أو صبر أو ~~غيره فوصل إلى حلقه يقضى يوما مكانه ، وكره قتادة الاكتحال بالصبر ، وأجازه ~~عطاء والنخعى ، وسيأتى اختلاف العلماء فى السواك الرطب واليابس فى بابه بعد ~~هذا ، إن شاء الله ، ويأتى اختلافهم فى المضمضة والاستنشاق للصائم إذا دخل ~~الماء إلى حلقه فى بابه بعد هذا إن شاء الله . * * * # | 26 - باب الصائم إذا أكل أو شرب ناسيا # قال عطاء : إن استنثر ، فدخل الماء فى حلقه فلا بأس إن لم يملك . وقال ~~الحسن : إن دخل حلقه الذباب فلا شيء عليه . وقال الحسن ومجاهد : إن جامع ~~ناسيا فلا شيء عليه . PageV04P059 / 33 - وفيه : أبو هريرة ، قال النبى ، ~~عليه السلام : ( إذا نسى فأكل وشرب ، فليتم صومه ، فإنما أطعمه الله وسقاه ~~) . قال ابن المنذر : اختلف العلماء فى الصائم إذا أكل أو شرب ناسيا ، ~~فقالت طائفة : فلا شىء عليه ، روينا هذا القول عن على ، وابن عمر ، وأبى ~~هريرة ، وعطاء ، وطاوس ، والنخعى ، وبه قال أبو حنيفة وأصحابه ، والثورى ، ~~والأوزاعى ، والشافعى ، وأبو ثور ، وأحمد ، وإسحاق واحتجوا بهذا الحديث ~~وقالت طائفة : عليه القضاء ، هذا قول ربيعة ، ومالك ، وسعيد بن عبد العزيز ~~، واحتج له ربيعة فقال : ما نعلم ناسيا لشىء من حقوق الله إلا وهو عائد له ~~. قال ابن القصار : والأكل مناف للصوم ، وقد تقرر أنه لو أكل وعنده أن ~~الفجر لم يطلع ، وكان قد طلع إن عليه القضاء ، كذلك إذا وقع فى خلاف الصوم ~~، ولا فرق بين أن يظن أنه يأكل قبل الفجر أو يظن أنه يأكل فى يوم من شعبان ~~أو شوال أن عليه القضاء ، واحتج مالك لذلك بقول عمر بن الخطاب : الخطب يسير ~~وقد اجتهدنا . قال مالك : ولا شك أن عمر قضى ذلك اليوم ، وذكره ابن وهب ، ~~قال ابن المنذر : وحجة القول الأولقوله عليه السلام فىلا من أكل أو شرب ~~ناسيا أنه يتم صومه ، وغير جائز أن ms1150 يأمر من هذه صفته أن يتم صومه فيتمه ~~ويكون غير تام ، هذا يستحيل وإذا أتمه فهو صوم تام ولا شىء على من صومه تام ~~. قال المؤلف : فعارض هذا أهل المقالة الثانية وقالوا : أما قوله : ( فليتم ~~صومه ) ، فمعناه أنه لما كان قبل أكله داخلا فى PageV04P060 صوم جاز أن ~~يقال له : تتم صومك الذى كنت دخلت فيه ، وعليك القضاء ، لأنك مفطر قاله ابن ~~القصار ، وقال المهلب : معنى قوله ( فإن الله أطعمه وسقاه ) ، إثبات عذر ~~الناسى وعلة لسقوط الكفارة عنه ، وأن النسيان ، لا يرفع نية الصوم التى ~~بيتها ، فأمره عليه السلام بإتمام العمل على النية ، وأسقط عنه الكفارة ، ~~لأنه ليس كالمنتهك العامد ، ووجب عليه القضاء بنص كتاب الله تعالى وهو قوله ~~: { فعدة من أيام أخر } [ البقرة : 185 ] ، فإن قيل : إنه لم ينقل فى ~~الحديث القضاء ، فلا قضاء عليه ، قيل : يجوز ألا يشكل القضاء على السائل أو ~~ذكره ، ولم ينقل كما لم ينقل فى حديث الذى وطئ أهله فى رمضان القضاء عليه ~~ولا على امرأته ، فلا تعلق لهم بهذا . قال ابن القصار : وليس معكم أن قوله ~~عليه السلام : ( فإن الله أطعمه وسقاه ) كان فى رمضان ، فيحمل الحديث على ~~صوم التطوع ، وأنه يكون بذلك مفطرا ، ولا قضاء عليه . وكذلك اختلفوا فيمن ~~جامع ناسيا فى شهر رمضان ، فقالت طائفة : لا شىء عليه . قال ابن المنذر : ~~روينا هذا عن الحسن ، ومجاهد ، وبه قال الثورى ، وأبو حنيفة ، والشافعى ، ~~وإسحاق ، وأبو ثور ، وقالت طائفة : عليه القضاء ، روينا هذا عن ابن عباس ، ~~وعطاء ، وهو قول مالك والليث ، والأوزاعى ، وفيه قول ثالث : وهو أن عليه ~~القضاء والكفارة ، وهو قول ابن الماجشون ، وأحمد بن حنبل ، ورواية ابن نافع ~~عن مالك ، واحتج ابن الماجشون بأن الذى قال للنبى ، عليه السلام : ( وطئت ~~أهلى ) لم يذكر عمدا ولا سهوا ، فالناسى PageV04P061 والعامد سواء ، ~~واختاره ابن حبيب . قال ابن القصار : واستدلاله بهذا على وجوب الكفارة خطأ ~~، لأنه عليه السلام ، أوجب عليه الكفارة لعمده ، ألا ترى أنه قال له : ( ~~هلكت ) فلحقه المأثم ، والناسى لا يكون هالكا ، لأنه لا ms1151 مأثم عليه ، وهذا ~~خلاف الإجماع فلا يعتد به ، وكفارة رمضان إنما تتعلق بالمأثم ، بدلالة ~~سقوطها عن الحائض والمسافر والمريض ، والناسى أعذر منهم . وقال ابن المنذر ~~: فى قول الرجل للنبى ، عليه السلام : ( احترقت ) ، وترك النبى إنكار ذلك ~~عليه أبين البيان أنه كان عامدا ، لإجماعهم على سقوط المأثم عمن جامع ناسيا ~~، ويدل على ذلك قول الرسول : ( أين المحترق ؟ ) وغير جائز أن توجب السنة ~~على من وطئ ناسيا مأثما ، وإجماع الناس على ارتفاع المأثم عنه . وأما ~~الذباب يدخل حلق الصائم ، فروى عن ابن عباس أنه لا شىء عليه ، وهو قول مالك ~~، وأبى حنيفة ، والشافعى ، وأحمد ، وإسحاق . قال ابن المنذر : ولم يحفظ عن ~~غيرهم خلافهم . قال ابن القصار : سبق الذباب إلى الحلق لا يمكن التحرز منه ~~، وهو كغبار الطريق والدقيق فلم يكلفه . قال ابن المنذر : وهذا يلزم مالكا ~~حين أوجب على المرأة توطأ مستكرهة القضاء والكفارة ويلزم من أوجب عليها ~~القضاء ، ومن أسقط القضاء عمن دخل حلقه الذباب مغلوبا عليه لزمه أن يقول ~~مثله فى المرأة التى يستكرهها زوجها أو يأتيها وهى نائمة . PageV04P062 # | 27 - باب السواك الرطب واليابس للصائم # ويذكر عن عامر بن ربيعة : ( رأيت النبى ، عليه السلام ، يستاك وهو صائم ~~ما لا أحصى ، أو أعد . وقالت عائشة عن النبى : ( السواك مطهرة للفم ، مرضاة ~~للرب ) . وقال عطاء وقتادة : يبتلع ريقه . وقال أبو هريرة عن النبى - صلى ~~الله عليه وسلم - : ( لولا أن أشق على أمتى لأمرتهم بالسواك عند كل وضوء ) ~~، ويروى نحوه عن جابر ، وزيد بن خالد عن النبى ، عليه السلام ، ولم يخص ~~الصائم من غيره . / 34 - وفيه : ( عثمان أنه توضأ ، فأفرغ على يديه ثلاثا ، ~~ثم تمضمض واستنثر ) الحديث . واختلف العلماء فى السواك للصائم فى كل وقت من ~~النهار ، فأجازه الجمهور ، قال مالك أنه سمع أهل العلم لا يكرهون السواك ~~للصائم فى أى ساعات النهار شاء غدوة وعشية ، ولم يسمع أحدا من أهل العلم ~~يكره ذلك ولا ينهى عنه ، وقد روى ذلك عن عائشة ، وابن عمر ، وابن عباس ، ~~وبه قال النخعى ، وابن سيرين ، وعروة ، والحسن ms1152 ، وإليه ذهب أبو حنيفة ~~وأصحابه ، وقال عطاء : أكرهه بعد الزوال إلى آخر النهار من أجل الحديث فى ~~خلوف فم الصائم ، وهو قول مجاهد ، وإليهخ ذهب الشافعى ، وأحمد ، ~~PageV04P063 وإسحاق ، وأبو ثور ، وحجة القول الأول ما نزعه البخارى من قوله ~~عليه السلام : ( لولا أن أشق على أمتى لأمرتهم بالسواك عند كل وضوء ) ، ~~وهذا يقتضى إباحته فى كل وقت ، وعلى كل حال ، لأنه لم يخص الصائم من غيره ، ~~وهذا احتجاج حسن لا مزيد عليه . واحتج ابن المنذر بهذا الحديث فى إباحة ~~السواك للمحرم ، وقال : هو داخل فى عموم هذا الحديث ، قال : ولا أعلم أحدا ~~من أهل العلم منع المحرم من السواك واختلفوا فى السواك بالعود الرطب للصائم ~~، فرخصت فيه طائفة ، روى ذلك عن ابن عمر ، وإبراهيم ، وابن سيرين ، وعروة ، ~~وهو قول أبى حنيفة ، والثورى ، والأوزاعى ، والشافعى ، وأبى ثور ، وكرهت ~~طائفة السواك الرطب ، روى ذلك عن الشعبى ، وقتادة ، والحكم ، وهو قول مالك ~~، وأحمد ، وإسحاق ، والحجة لمن أجاز الرطب أمره عليه السلام ، بالسواك عند ~~كل وضوء ، كما لم يخص الصائم من غيره بالإباحة ، كذلك لم يخص السواك الرطب ~~من غيره بالإباحة ، فدخل فى عموم الإباحة كل جنس من السواك رطبا أو يابسا ، ~~ولو افترق حكم الرطب واليابس فى ذلك لبينه عليه السلام ، لأن الله فرض عليه ~~البيان لأمته ، وحديث عثمان فى الوضوء حجة واضحة فى ذلك وهو انتزاع ابن ~~سيرين حين قال : لا بأس بالسواك الرطب ، قيل : له طعم . قال : والماء له ~~طعم ، وأنت تتمضمض به ، وهذا لا انفكاك منه ، لأن الماء أرق من ريق المتسوك ~~وقد أباح PageV04P064 الله المضمضة بالماء فى الوضوء للصائم ، وإنما كرهه ~~من كرهه خشية من ألا يعرف أن يحترس من ازدراد ريقه ، قال ابن حبيب : من ~~استاك بالأخضر ومج من فيه ما اجتمع فى فيه ، فلا شىء عليه ، ولا بأس به ~~للعالم الذى يعرف كيف يتقى ذلك ، ومن وصل من ريقه إلى حلقه شىء فعليه ~~القضاء . * * * # | 28 - باب قول النبى عليه السلام : ( إذا توضأ فليستنشق بمنخره الماء ) ~~، ولم يميز بين ms1153 الصائم وغيره # وقال الحسن : لا بأس بالسعوط للصائم ، إن لم يصل إلى حلقه ويكتحل . وقال ~~عطاء : إن تمضمض ثم أفرغ ما فى فيه من الماء لا يضره ، إن لم يزدرد ريقه ~~وماذا بقى فى فيه ، ولا يمضغ العلك فإن ازدرد ريق العلك لا أقول أنه يفطر ، ~~ولكن ينهى عنه . اختلف العلماء فى الصائم يتمضمض أو يستنشق أو يستنثر فيدخل ~~الماء فى حلقه ، فقالت طائفة : صومه تام ولا شىء عليه ، هذا قول عطاء ~~وقتادة فى الاستنثار ، وبه قال أحمد وإسحاق ، وقال الحسن : لا شىء عليه إن ~~مضمض فدخل الماء فى حلقه . وهو قول الأوزاعى ، وكان الشافعى يقول : لو أعاد ~~احتياطا ، ولا يلزمه أن يعيد . وقال أبو ثور : لا شىء عليه فى المضمضة ~~والاستنشاق . وإلى هذا ذهب البخارى ، وقالت طائفة : يقضى يوما مكانه . وهذا ~~قول مالك والثورى ، وقال أبو حنيفة وأصحابه فى المضمضة : إن كان ذاكرا ~~لصومه قضى ، وإن كان ناسيا فلا شىء عليه . وفرق آخرون PageV04P065 بين ~~المضمضة للصلاة المكتوبة والنافلة ، فأوجبوا القضاء فى النافلة وأسقطوه فى ~~المكتوبة ، روى هذا عن ابن عباس ، والنخعى ، وابن أبى ليلى ، قال ابن ~~القصار : وحجة من أوجب القضاء أنه ليس المضمضة والاستنشاق هما الموصلان ~~الماء إلى جوفه ، وإنما توصله المبالغة ، والاحتراز منها ممكن فى العادة ، ~~وإن لم يبالغ فالمضمضة سبب ذلك أيضا ، وهذا بمنزلة القبيلة إذا حصل معها ~~الإنزال سواء كانت القبلة مباحة أو غير مباحة ، لأنه لما كانت القبلة مع ~~الإنزال تفطر ، كذلك المضمضة مع الازدراد ، وأظن أبا حنيفة إنما فرق بين ~~الذاكر لصومه والناسى على أصله فى كل من أكل ناسيا فى رمضان أنه لا شىء ~~عليه ، وقد تقدم ذلك فى باب الصائم إذا أكل أو شرب ناسيا ، فأغنى عن إعادته ~~، ولا معنى لقول من فرق بين الوضوء للمكتوبة والنافلة بغير دليل ولا حجة . ~~وأما السعوط للصائم فذهب الثورى ، وأبو حنيفة ، وأصحابه ، والأوزاعى ، ~~وإسحاق إلى أنه إذا استعط فعليه القضاء ، يعنون إذا احتاج إليه للتداوى ، ~~وقال مالك : إذا وصل ذلك إلى فمه لضرورته إلى ms1154 التداوى به فعليه القضاء . ~~وقال الشافعى : إذا وصل طعم ذلك إلى دماغه عليه القضاء ، غير أن أل الشافعى ~~أنه لا كفارة على من أكل عمدا ، قال إسحاق : إن دخل حلقه عليه القضاء ~~والكفارة ، قال ابن المنذر : وقال قائل : لا قضاء عليه ، وقد روينا عن ~~النخعى روايتين : إحداهما كراهية السعود ، والأخرى الرخصة فيه . قال المؤلف ~~: والحجة المتقدمة لمن أوجب القضاء فى المضمضة إذا PageV04P066 أوصل الماء ~~منها إلى الجوف ، هى الحجة فى إيجاب القضاء عن السعود إذا وصل ذلك فمه أو ~~جوفه . قال ابن المنذر : وحجة من لم ير القضاء فى ذلك أن القضاء إلزام فرض ~~، ولا يجب ذلك إلا بسنة أو إجماع ، وذلك غير موجود ، وما حكاه البخارى عن ~~عطاء أنه إن مضمض ثم أفرغ ما فى فيه لم يضره أن يزدرد ريقه وما بقى فى فيه ~~، فلا يوهم هذا أن عطاء يبيح أن يزدرد ما بقى فى فيه من الماء الذى تمضمض ~~به ، وإنما أراد أنه إذا مضمض ثم أفرغ ما فى فيه من الماء أنه لا يضره أن ~~يزدرد ريقه خاصة ، لأنه لا ماء فى فيه بعد تفريغه له ، قال عطاء : وماذا ~~بقى فى فيه ؟ هكذا رواه عبد الرزاق عن ابن جريج ، عن عطاء ، وأظنه سقط ( ذا ~~) للناسخ ، والله أعلم . قال ابن المنذر : وأجمعوا أنه لا شىء على الصائم ~~فى ما يزدرده مما يجرى مع الريق مما بين أسنانه من فضل سحور أو غيره مما لا ~~يقدر على إخراجه وطرحه ، وكان أبو حنيفة يقول : إذا كان بين أسنانه لحم ~~فأكله متعمدا فلا قضاء عليه ولا كفارة ، وفى قول سائر أهل العلم إما عليه ~~القضاء والكفارة أو القضاء على حسب اختلافهم فيمن أكل عامدا فى الصيام ، ~~قال ابن المنذر : هو بمنزلة الأكل فى الصوم فعليه القضاء . واختلفوا فى مضغ ~~العلك للصائم ، فرخصت فيه طائفة ، روى ذلك عن عائشة وعطاء ، وقال مجاهد : ~~كانت عائشة ترخص فى الغار وحده ، وكرهت ذلك طائفة ، روى ذلك عن النخعى ، ~~PageV04P067 والشعبى ، وعطاء ، والكوفيين ، والشافعى ، وأشهب ، وأحمد ms1155 ، ~~وإسحاق ، إلا أنه لا يفطر ذلك عند الكوفيين والشافعى ، وإسحاق ، ولم يذكر ~~عنهم ابن المنذر الفرق بين مجه وازدراده ، وعند أصحاب مالك إن مجه فلا شىء ~~عليه ، وإن ازدرده فقد أفطر . # | 29 - باب إذا جامع فى رمضان # ويذكر عن أبى هريرة رفعه : ( من أفطر يوما من رمضان من غير عذر ولا مرض ، ~~لم يقضه صيام الدهر وإن صامه ) . وبه قال ابن مسعود ، وقال سعيد بن المسيب ~~، والشعبى ، وابن جبير ، وإبراهيم ، وقتادة ، وحماد : يقضى يوما مكانه . / ~~35 - فيه : عائشة : ( إن رجلا أتى النبى ، عليه السلام ، فى رمضان ، فقال ~~له إنه احترق ، قال : ( ما لك ) ؟ قال : أصبت أهلى فى رمضان ، فأتى النبى ، ~~عليه السلام ، بمكتل يدعى العرق ، فقال : ( أين المحترق ) ؟ قال : أنا ، ~~قال : ( تصدق بهذا ) . اختلف العلماء فيما يجب على الواطىء عامدا فى نهار ~~من شهر رمضان ، فذكر البخارى عن جماعة من التابعين أن على من أفطر القضاء ~~فقط بغير كفارة ، قال المؤلف : فنظرت أقوال التابعين الذين ذكرهم البخارى ~~فى صدر هذا الباب فى المصنفات ، فلم أر PageV04P068 قولهم بسقوط الكفارة ~~إلا فى المفطر بالأكل لا فى المجامع ، فيحتمل أن يكون عندهم الآكل والمجامع ~~سواء فى سقوط الكفارة ، إذ كل ما أفسد الصيام من أكل وشرب أو جماعة فاسم ~~فطر يقع عليه ، وفاعله مفطر بذلك من صيامه ، وقد قال عليه السلام ، فى ثواب ~~الصائم : ( قال الله تعالى : يدع طعامه وشرابه ، وشهوته من أجلى ) ، فدخلت ~~فى ذلك أعظم الشهوات ، وهى شهوة الجماع . وذكر عبد الرزاق عن سعيد بن ~~المسيب : ن كل من أكل فى شهر رمضان عامدا عليه صيام شهر ، وذكر عن ابن ~~سيرين : عليه صيام يوم ، وأوجب جمهور الفقهاء على المجامع عامدا الكفارة ~~والقضاء ، هذا قول مالك ، وعطاء ، والثورى ، وأبى حنيفة ، وأصحابه ، ~~والشافعى ، وأحمد ، وإسحاق ، واحتجوا بإعطاء النبى للمحترق المكتل ليتصدق ~~به ، قالوا : فثبت بهذا الخبر الكفارة على المجامع ، ولا وجه لقول من لم ير ~~الكفارة فى ذلك لخلافهم السنة الثابتة والجمهور ، وقد تقدم فى ( باب : من ~~أكل وشرب ناسيا ) ، أن فى قول ms1156 الرجل : إنه احترق ، دليلا أنه كان عامدا ~~منتهكا فى وطئه ، لأن الله قد رفع الحرج عن السهو والخطأ ، ويؤيد هذا قوله ~~عليه السلام : ( أين المحترق ؟ ) فأثبت له حكم العمد بهذا ، لأنه لا ينطق ~~عن الهوى . وذكر الطحاوى فى ( شرح معانى الآثار ) ، قال : ذهب قوم إلى أن ~~من وقع بأهله فى رمضان فعليه أن يتصدق ، ولا يجب عليه من الكفارة غير ذلك ، ~~واحتجوا بهذا الحديث . ولم يسم القائلين بذلك PageV04P069 وحديث أبى هريرة ~~أول منه ، لأنه قد كان قبل الذى فى حديث عائشة شىء حفظه أبو هريرة ولم ~~تحفظه عائشة ، فهو ألو لما زاد فى الحديث من العتق والصيام ، فأما قول ~~البخارى : ويذكر عن أبى هريرة : ( من أفطر يوما من رمضان متعمدا لم يقضه ~~صيام الدهر ) ، فرواه الثورى عن حبيب بن أبى ثابت ، عن ابن المطوس ، عن ~~أبيه ، عن أبى هريرة ، عن النبى ، عليه السلام ، وهو حديث ضعيف لا يحتج ~~بمثله ، وقد صضحت الكفارة بأسانيد صحاح ، ولا تعارض بمثل هذا الحديث ، وقال ~~البخارى فى التاريخ : تفرد أبو المطوس بهذا الحديث ، ولا نعرف له غيره ، ~~ولا أدرى سمع أبوه من أبى هريرة أم لا ، واسمه : يزيد بن المطوس . واختلفوا ~~فيمن أكل عامدا فى رمضان ، فقال مالك : وأبو حنيفة ، والثورى ، والأوزاعى ، ~~وأبو ثور ، وإسحاق : عليه ما على المجامع من الكفارة مع القضاء ، وهو قول ~~عطاء ، والحسن ، والزهرى ، وقال الشافعى ، وأحمد بن حنبل : عليه القضاء دون ~~الكفارة ، وهو قول النخعى ، وابن سيرين ، وقالوا : إن الكفارة إنما وردت فى ~~المجامع خاصة ، وليس الآكل مثله بدليل قوله عليه السلام : ( من استقاء ~~فعليه القضاء ) ، وهو مفطر عمدا ، وكذلك مزدرد الحصى عمدا عليه القضاء ، ~~وحجة من أوجب الكفارة أن الأكل والشرب فى القياس كالجماع سواء ، وأن الصوم ~~فى الشريعة الامتناع من الأكل والشرب والجماع ، فإذا ثبت فى الشريعة فى وجه ~~واحد منهما حكم فسبيل نظيره فى ذلك الحكم سبيله ، لأن المعنى الجامع بينهما ~~انتهاك حرمة الشهر بما يفسد الصوم عمدا ، وذلك أن الأكل PageV04P070 ~~والجماع كانا محرمين فى ليل الصوم ms1157 بعد النوم ، فنسخ الله ذلك رفقا بعباده ، ~~وأباح الجماع والأكل إلى الفجر ، وقال تعالى : { ثم أتموا الصيام إلى الليل ~~} [ البقرة : 187 ] ، فبقى الأكل والجماع بالنهار محرمين ، وأوجب عليه ~~السلام على الواطئ فى رمضان الكفارة ، فوجب أن يكون حكم الأكل فى الكفارة ~~مثله ، إذ هما فى التحريم سواء . وأما قوله عليه السلام : ( من استقاء ~~فعليه القضاء ) ، فقد ثبت بقوله : عليه القضاء أنه مفطر ، فإن كان استقاء ~~لحاجة دعته إلى ذلك ، فهو كالعليل الذى يحتاج إلى شرب الدواء ، وهو مفطر ~~غير مأثوم ولا ممنوع ، فلا كفارة عليه ، وإن كان لغير حاجة فهو منتهك لحركة ~~الصوم ، فعليه الكفارة ، وقد أوجب عطاء على المستقىء عمدا لغير عذر القضاء ~~والكفارة ، وهو قول أبى ثور ، ويدخل على الشافعى التناقض فى قياسه الأكل ~~على القىء ، لأنه فرق بين الأكل والقىء فى المكره ، فقال : إذا أكره على ~~الأكل فعليه القضاء ، وإن أكره على القىء فلا قضاء عليه ، فيلزمه أن يفرق ~~فى الصيام بين القىء والأكل والجماع ، ولا يجمع بينها . وقد اختلف الفقهاء ~~فى قضاء ذلك اليوم مع الكفارة ، قال مالك : عليه قضاء ذلك اليوم مع الكفارة ~~، وهو قول أبى حنيفة وأصحابه ، والثورى ، وأبى ثور ، وأحمد ، وإسحاق ، وقال ~~الأوزاعى : إن كفر بالعتق أو الإطعام صام يوا مكان ذلك اليوم الذى أفطر ، ~~وإن صام شهرين متتابعين دخل فيهما قضاء ذلك اليوم ، وقال الشافعى : يحتمل ~~أن تكون الكفارة بدلا من الصيام ، ويحتمل أن يكون الصيام مع الكفارة ، وأحب ~~إلى أن يكفر PageV04P071 ويصوم ، وحجة من أوجب صوم اليوم مع الكفارة أن ~~الكفارة عقوبة للذنب الذى ركبه ، والقضاء بدل من اليوم الذى أفسده ، فكما ~~لا يسقط عن المفسد حجه بالوطء إذا أهدى البدن ، فكذلك قضاء اليوم ، والله ~~أعلم . واعتل من لم ير مع الكفارة صيام اليوم بأنه ليس فى حديث عائشة ولا ~~خبر أبى هريرة فى نقل الحفاظ ذكر القضاء ، وإنما فيهما الكفارة فقط ، فيقال ~~له : قد روى عمرو بن شعيب عن أبيه ، عن جده : ( أن أعرابيا جاء ينتف شعره ، ~~وقال : يا رسول ms1158 الله ، وقعت على امرأتى فى رمضان ، فأمره رسول الله أن يقضى ~~يوما مكانه ) ، وهو من مرسلات سعيد بن المسيب ، وهى حجة عند الفقهاء ، ~~وكتاب الله يشهد بصحته ، وهو قوله تعالى : { فعدة من أيام أخر } [ البقرة : ~~185 ] ولا تبرأ الذمة إلا بيقين الأداء وهو قضاء اليوم مع الكفارة . ~~واختلفوا فى مقدار الكفارة ، فقال مالك والشافعى : الإطعام فى ذلك مد لكل ~~مسكين بمد النبى ، عليه السلام ، وقال أبو حنيفة : إن أخرج من البر فنصف ~~صاع لكل مسكين ، ومن التمر والشعير صاع ، والحجة لمالك أن العرق الذى فى ~~الحديث مبلغه خمسة عشر صاعا ، وذلك ستون مدا . وروى ابن المنذر عن مؤمل بن ~~إسماعيل ، حدثنا سفيان ، عن منصور ، عن الزهرى ، عن حميد بن عبد الرحمن ، ~~عن أبى هريرة : أن رجلا أتى النبى فقال : يا رسول الله ، إنى وقعت على ~~امرأتى فى رمضان ؟ فقال : ( أعتق رقبة ) ، PageV04P072 قال : لا أجد ، قال ~~: ( صم شهرين متتابعين ) ، قال : لا أستطيع ، قال : ( أطعم ستين مسكينا ) ، ~~قال : لا أجد ، فأتى النبى ، عليه السلام ، بمكتل فيه خمسة عشر صاعا ، قال ~~: ( خذ هذا فأطعمه عنك ) الحديث . قال ابن المنذر : فقد أمر النبى ، عليه ~~السلام ، الواقع على أهله فى رمضان بعد أن أعلمه أن الذى يجب على من لا يجد ~~الرقبة إطعام ستين مسكينا أن يتصدق بخمسه عشر صاعا من تمر ، وذلك مد لكل ~~مسكين ، وفى إعطاء الرسول للرجل الصاع ليتصدق به حجة لمالك فى اختياره ~~الإطعام فى كفارة المفطر فى رمضان ، لأنه يشبه البدل من الصيام ، ألا ترى ~~أن الحامل والمرضع والشيخ الكبير والمفرط فى قضاء رمضان حتى يدخل عليه ~~رمضان آخر لا يؤمر بالإطعام وهذا مأخوذ من قوله تعالى : { وعلى الذين ~~يطيقونه فدية طعام مسكين } [ البقرة : 184 ] ، وذكر أبو عبيد عن الأصمعى ، ~~قال : أصل العرق : السقيفة المنسوجة من الخوص قبل أن يجعل منها زبيل ، فسمى ~~الزبيل عرقا بذلك ، زعم الأخفش أنه سمى عرقا ، لأنه يعمل عرقة عرقة ثم تضم ~~، والعرقة الطريقة ، ولذلك سميت درة الكتاب عرقة لعرضها واصطفافها ، يقال : ~~عرقة وعرق ، كما ms1159 يقال : علقة وعلق . PageV04P073 # | 30 - باب إذا جامع فى رمضان ولم يكن له شيء فتصدق عليه فليكفر # / 36 - فيه : أبو هريرة : جاء إلى النبى ، عليه السلام ، رجل ، فقال : يا ~~رسول الله ، هلكت ، قال : ( ما لك ) ؟ قال : وقعت على امرأتى ، وأنا صائم ، ~~فقال رسول الله : ( هل تجد رقبة تعتقها ) ؟ قال : لا ، قال : ( فهل تستطيع ~~أن تصوم شهرين متتابعين ) ؟ قال : لا ، قال : ( فهل تجد إطعام ستين مسكينا ~~) ؟ قال : لا ، قال : فمكث النبى ، عليه السلام ، فبينا نحن على ذلك ، أتى ~~النبى ، عليه السلام بعرق فيه تمر ، والعرق المكتل ، قال : ( أين السائل ) ~~؟ فقال : أنا ، قال : ( خذ هذا فتصدق به ) ، قال الرجل : أعلى أفقر منى يا ~~رسول الله ، فوالله ما بين لابتيها أهل بيت أفقر من أهل بيتى ، فضحك النبى ~~حتى بدت أنيابه ، ثم قال : ( أطعمه أهلك ) . وترجم له باب : ( المجامع فى ~~رمضان هل يطعم أهله من الكفارة إذا كانوا محاويج ) ، وفيه : أن الرجل قال ~~للنبى : ( إن الأخر وقع على امرأته فى رمضان ) . اختلف العلماء فى الواطئ ~~فى رمضان إذا وجب عليه التكفير بالإطعام دون غيره ، ولم يجد ما يطعم كالرجل ~~الذى ورد فى هذا الحديث ، قال ابن شهاب : إباحة النبى لذلك الرجل أكل ~~الكفارة لعسرته رخصة له وخصوص ، وقال : لو أن رجلا فعل ذلك اليوم لم يكن له ~~بد من التكفير ، وزعم الطبرى أن قياس قول أبى حنيفة ، والثورى ، وأبى ثور ~~أن الكفارة دين عليه لا يسقطها عنه عسرته كسائر الكفارات ، وقال عيسى بن ~~دينار : الكفارة على المعسر واجبة ، فإذا أيسر أداها ، وقال الأوزاعى : ~~الكفارة ساقطة عن ذمته إذا كان PageV04P074 محتاجا ، لأنه لما جاز للمكفر ~~أن يطعم أهله الكفارة علم أنها ساقطة عن ذمته ، قيل للأوزاعى : أنسأل فى ~~الكفارة ؟ قال : لا ، رد رسول الله كفارة المفطر عليه وعلى أهله ، فليستغفر ~~الله ولا يعد ، ولم ير عليه شيئا ، وهو قول أحمد بن حنبل . وقال الشافعى : ~~يحتمل أن تكون الكفارة دينا عليه متى أطاقها أداها ، وإن كان ذلك ليس فى ~~الخبر ، وهو أحب إلينا وأقرب إلى الاحتياط ms1160 وله احتمالات أخر ، هذا الوجه ~~الذى أستحب ، سأوردها فى هذا الذى بعد هذا ، وأرد فيه قول من جعل الكفارة ~~ساقطة عن المعسر خلاف من ذكرت قوله فى هذا الباب ، إن شاء الله . ويحتمل ~~أنه لما كان فى الوقت الذى أصاب فيه أهله ليس ممن يقدر على واحدة من ~~الكفارات ، تطوع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بأن قال له فى شىء أتى ~~به : ( كفر ) . فلما ذكر الحاجة ولم يكن الرجل قبضه . قال له : ( كله ~~وأطعمه أهلك ) ، وجعل التمليك له حينئذ مع القبض ، ويحتمل أن يكون لما ملكه ~~وهو محتاج ، وكان إنما تجب عليه الكفارة إذا كان عنده فضل ، ولم يكن عنده ~~فضل ، قال له كله ، هو وأهله ، لحاجته ويحتمل إذا كان لا يقدر على شىء من ~~الكفارات ، وكان لغيره أن يكفر عنه ، كان لغيره أن يتصدق عليه وعلى بيته ~~بتلك الكفارة إذا كانوا محتاجين ، وتجزئ عنه ويحتمل أن تسقط عنه الكفارة ~~لعدمه ، كما سقطت الكفارة عن المغمى عليه إذا كان مغلوبا . قال المهلب : ~~قوله عليه السلام : ( كله ) دليل على أنه إذا وجبت على معسر كفارة إطعام ، ~~وكان محتاجا إلى إبقاء رمق PageV04P075 نفسه وأهله أن يؤثرها بذلك الإطعام ~~، ويكون ذلك مجزئا عنه على قول من رأى سقوط الكفارة عنه بالعسرة ، وعلى ~~مذهب الآخرين يكون فى ذمته إلى الميسرة ، ورد ابن القصار على من رأى سقوط ~~الكفارة عنه بالعسرة فقال : أما إباحته عليه السلام للواطئ أكل الكفارة ، ~~فلا يمتنع من بقاء حكم الكفارة فى ذمته ، لأنه لما أخبر عن حاجته أباح له ~~الانتفاع بما أعطاه ، ولم يتعرض لحكم ما فى ذمته ، فبقى ذلك بحاله . وقال ~~غيره : فإن احتج محتج فى سقوط الكفارة بقوله عليه السلام : ( أطعمه أهلك ) ~~. ولم يقل له : وتؤديها إذا أيسرت ، لأنها لو كانت واجبة لم يسكت حتى يبين ~~ذلك ، قيل له : ولا قال له رسول الله : إنها ساقطة عنك لعسرك بعد أن كان ~~أخبره بوجوبها عليه وكل ما وجب عليه أداؤه فى اليسار لزم الذمة إلى الميسرة ~~. قال المهلب ms1161 : وفيه أن الصدقة على أهل الفقير واجبة بهذا الحديث واحتج ~~بهذا الحديث من جعل كفارة المفطر فى رمضان مرتبة على ما جاء فى هذا الحديث ~~، أولها بالعتق ، فإن لم يجد صام ، فإن لم يقدر أطعم ، هذا قول أبى حنيفة ~~وأصحابه ، والثورى ، والأوزاعى ، والشافعى ، وأحمد ، وأبى ثور ، وفى ~~المدونة قال ابن القاسم : لا يعرف مالك فى الكفارة إلا الإطعام ، لا عتقا ~~ولا صوما ، وقال فى كتاب الظهار : ما للعتق وماله ! قال تعالى : { وعلى ~~الذين يطيقونه فدية طعام مسكين } [ البقرة : 184 ] ، قال المؤلف : ~~PageV04P076 وأمر المحترق بالصدقة ، وروى عن مالك أنه مخير بين العتق أو ~~الصيام أو الإطعام ، ذكره ابن القصار ، والحجة له حديثه عن الزهرى ، عن ~~حميد ، عن أبى هريرة ( أن رجلا أفطر فى رمضان ، فأمره النبى أن يعتق أو ~~يصوم أو يطعم ) ، و ( أو ) موضعها فى كلام العرب للتخيير ، ولا توجب ~~الترتيب ، ويجوز أن يكون أبو هريرة قد حفظ الفتيا من الرسول فى مرتين فرواه ~~مرة على التخيير ، ومرة على الترتيب ، ليعلمنا الجواز فى التخيير أو الندب ~~إلى تقديم العتق ، ولا يكون أحدهم ناسخا للآخر . وقال الطحاوى : إنما أمره ~~النبى ، عليه السلام ، بكل صنف من أصناف الكفارة الثلاثة لما لم يكن واجدا ~~للصنف الذى ذكر له قبله على ما ثبت فى حديث هذا الباب ، وقال بعض العراقيين ~~: القصة واحدة ، والراوى واحد وهو الزهرى ، وقد نقل التخيير والترتيب ، ولا ~~يجوز أن يكون خيره ورتبه ، فلابيد من المصير إلى أحد الروايتين ، فالمصير ~~إلى الترتيب أولى من وجوه : أحدها : كثرة ناقليها ، والثانى : أن من نقل ~~الترتيب فإنما نقل لفظه عليه السلام ، ومن نقل التخيير فإنما نقل لفظا لراو ~~، وإن كانا فى الحجة سواء ، وإذا تعارضا كان المصير إلى من نقل لفظه عليه ~~السلام أولى . والثالث : أن من نقل الترتيب نقل الخبر مفسرا ، لأنه قال له ~~: ( أعتق ، قال : لا أجد ، قال : فصم ) ، ومن نقل التخيير لم يذكر أنه أمره ~~بالصيام والإطعام بعد أن ذكر الأعرابى عجزه ، وهذه زيادة ، و PageV04P077 ~~الرابع : أن فيه احتياطا ، لأنها إن ms1162 كانت على التخيير أجزأه إذا رتب ، وإن ~~كانت على الترتيب لم يجزئه ما دونه . واختلفوا فى المرأة إذا وطئها طائعة ~~فى رمضان ، فقال مالك : عليها مثل ما على الرجل من الكفارة ، وهو قول أبى ~~حنيفة ، وأبى ثور ، وقال الشافعى : تجزئ الكفارة التى كفرها الرجل عنهما ، ~~وفيه قول ثالث : أن الكفارة الواحدة تجزئهما إلا الصيام ، فإنه عليهما ، ~~يصوم كل واحد منهما شهرين متتابعين ، وإن أكرهها فالصوم عليه وحده . ~~واختلفوا إذا وطئها مكرهة ، فقال مالك : عليهخ كفارتان عنه وعنها ، وكذلك ~~إن وطئ أمته كفر كفارتين ، وقال أبو حنيفة : عليه كفارة واحدة ولا شىء ~~عليها ، وقال الشافعى : ليس عليها كفارة سواء طاوعته أو أكرهها ، واحتج بأن ~~النبى إنما أجاب السائل بكفارة واحدة ولم يسأله هل طاوعته أم أكرهها ، ولو ~~اختلف الحكم لم يترك النبى تبيين ذلك ، وحجة من أوجب عليها الكفارة إن ~~طاوعته القياس على قضاء ذلك اليوم ، فلما وجب عليها قضاء ذلك اليوم ، وجب ~~عليها الكفارة عنه ، وأما وجوب الكفارة عليه عنها إذا أذكرهها ، فلأنه سبب ~~إفساد صومها بتعديه الذى أوجب الكفارة عليه عن نفسه ، ، فوجب أن يكفر عنها ~~، وهذا مبنى على أصولهم إذا أكرهها ، وأفسد حجها بالوطء ، فعليه أن يحجها ~~من ماله ، ويهدى عنها ، وكذلك إذا حلق رأس محرم نائم ، فإنه ينسك عنه ، ~~لأنه أدخل ذلك عليه بتعديه من غير اختيار من المفعول به ذلك ، ولا يلزم على ~~هذا الناسى ، PageV04P078 والحائض ، والمريض وغيرهم من المعذورين إذا ~~أفطروا ، لأن السبب أتاهم من قبل الله تعالى ، وفى مسألتنا الفطر أتى من ~~قبل الواطئ ، والكفارة تتعلق بالذمة ، لأن ماله لو تلف لم تسقط . وقوله : ( ~~إن الأخر وقع على امرأته ) قال ثابت : الأخر على مثال فعل هو الأبعد ، وقال ~~بعضهم : الأخير الأبعد ، والآخر الغائب ، وقال قيس بن عاصم لبنيه : يا بنى ~~، إياكم ومسألة الناس ، فإنها آخر كسب المرء يعنى : أرذله وأوسخه . * * * # | 31 - باب الحجامة والقيء للصائم # يروى عن أبى هريرة : إذا قاء فلا يفطر ، إنما يخرج ولا يولج ، ويذكر عن ~~أبى هريرة أنه يفطر ، والأول ms1163 أصح . وقال ابن عباس وعكرمة : الفطر مما دخل ~~وليس مما خرج ، وكان ابن عمر يحتجم وهو صائم ، ثم تركه فكان يحتجم بالليل ، ~~واحتجم أبو موسى ليلا ، ويذكر عن سعد وزيد ابن أرقم وأم سلمة احتجموا صياما ~~، وقال بكير عن أم علقمة : كنا نحتجم عند عائشة فلا تنهى ، ويروى عن الحسن ~~عن غير واحد مرفوعا : ( أفطر الحاجم والمحجوم ) ، قيل له : عن النبى ، عليه ~~السلام ، قال : نعم ، ثم قال : الله أعلم . / 37 - فيه : ابن عباس ( أن ~~النبى ، عليه السلام ، احتجم وهو محرم ، PageV04P079 واحتجم وهو صائم ، قيل ~~لأنس : أكنتم تكرهون الحجامة للصائم ؟ قال : لا ، إلا من أجل الضعف ) . قال ~~المؤلف : أما قول أبى هريرة : ( إذا قاء فلا يفطر ) ، فقد روى مرفوعا من ~~حديث عيسى بن يونس ، عن هشام بن حسان ، عن محمد بن سيرين ، عن أبى هريرة ، ~~قال : قال رسول الله : ( من استقاء فعليه القضاء ، ومن ذرعه القىء فلا قضاء ~~عليه ) ، وهذا الحديث انفرد به عيسى بن يونس ، عن هشام بن حسان ، وعيسى ثقة ~~، إلا أن أهل الحديث أنكروه عليه ، ووهم عندهم فيه ، وقال البخارى : لا ~~يعرف إلا من هذا الطريق ، ولا أراه محفوظا وروى معاوية بن سلام عن يحيى بن ~~أبى كثير ، قال : أخبرنى عمر بن الحكم بن ثوبان أنه سمع أبا هريرة يقول : ~~إذا قاء أحدكم فلا يفطر ، فإنما يخرج ولا يدخل . وهذا عندهم أصح موقوفا على ~~أبى هريرة . وأجمع الفقهاء أن من ذرعه القىء فلا قضاء عليه ، واختلفوا فى ~~من استقاء ، فقال مالك ، والليث ، والثورى ، وأبو حنيفة ، والشافعى ، وأحمد ~~: من استقاء عامدا فعليه القضاء ، وعليه الجمهور ، روى ذلك عن على ، وابن ~~عمر ، وأبى هريرة . وقال الأوزاعى وأبو ثور : عليه القضاء والكفارة مثل ~~كفارة الآكل عامدا فى رمضان ، وهو قول عطاء ، واحتجوا بحديث الأوزاعى عن ~~يعيش بن الوليد بن هشام أن أباه حدثه قال : حدثنا معدان بن طلحة أن أبا ~~الدرداء حدثه : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قاء فأفطر ، قالوا : ~~وإذا كان القيىء يفطر الصائم فعلى من تعمده ما ms1164 على من تعمد الأكل والشرب ~~والجماع القضاء PageV04P080 والكفارة ، وتأول الفقهاء هذا الحديث قالوا : ~~معنى قاء أى استقاء ، قال الطحاوى : ويجوز أن يكون قوله : ( قاء فأفطر ) أى ~~: قاء فضعف فأفطر ، وقد يجوز هذا فى اللغة ، وقد روى هذا المعنى محمد بن ~~إسحاق ، عن يزيد بن أبى حبيب ، عن أبى مرزوق ، عن فضالة بن عبيد : أن رسول ~~الله دعا بإناء فشرب ، فقيل : يا رسول الله ، هذا يوم كنت تصومه ، قال : ( ~~أجل ، إنى قئت فأفطرت ) ، وهذا معناه ولكنى قئت فضعفت عن الصيام فأفطرت ، ~~وليس فى هذين الحديثين دليلا أن القىء كان مفطرا له ، إنما فيهما أنه قاء ~~فأفطر بعد ذلك . وأما الحجامة للصائم : فجمهور الصحابة والتابعين والفقهاء ~~على أنه لا تفطره ، وروى عن على بن أبى طالب أنها تفطر الصائم ، وهو قول ~~الأوزاعى ، وأحمد ، وإسحاق ، واحتجوا بأحاديث ( أفطر الحاجم والمحجوم ) ، ~~وقد صحح على بن المدينى ، والبخارى منها حديث شداد وثوبان . قال ابن القصار ~~: وحجة الجماعة ما رواه ابن عباس : أن النبى ، عليه السلام ، احتجم وهو ~~صائم ، واحتجم وهو محرم . فإن صح حديثهم ، فحديث ابن عباس ناسخ له ، لأن فى ~~حديث شداد بن أوس أن النبى ، عليه السلام ، قال عام الفتح فى رمضان لرجل ~~كان يحتجم : ( أفطر الحاجم والمحجوم ) ، والفتح كان فى سنة ثمان ، وحجة ~~الوداع سنة عشر ، فخبر ابن عباس متأخر ينسخ المتقدم ، فإن قيل : لا حجة فى ~~هذا ، لأن النبى لم يكن محرما إلا وهو مسافر ، لأنه خرج إلى مكة وأحرم ~~ودخلها وهو مسافر ، وللمسافر أن يفطر PageV04P081 بالحجامة وغيرها ، وهذا ~~سؤال لهم جيد ، فنقول : إن الخبر لم ينقل إلا لفائدة ، فهذا يقتضى أنه وجد ~~منه كمال الحجامة وهو صائم لم يتحلل من صومه فأفطر بعد ذلك إذ الراوى لم ~~يقل : احتجم فأفطر ، وعندكم أن الفطر يقع بأول خروج الدم ، ولا يبقى صائما ~~إلى أن تتم الحجامة ، والخبر يقتضى أن يكون صائما فى حال حجامته وبعد ~~الفراغ ، والحجامة كالفصاد وهو لا يفطر الصائم ، قال الطحاوى : وليس ما ~~رووه من قوله عليه السلام : ( أفطر ms1165 الحاجم والمحجوم ) ، ما يدل أن ذلك ~~الفطر كان لأجل الحجامة ، وإنما كان بمعنى آخر كانا يفعلانه ، كما يقال : ~~فسق القاسم ، ليس بأنه فسق بقيامه ، ولكنه فسق بمعنى آخر غير القيام . وروى ~~يزيد بن ربيعة الدمشقى عن أبى الأشعث الصنعانى قال : إنما قال رسول الله : ~~( أفطر الحاجم والمحجوم ) ، لأنهما كانا يغتابان ، وليس إفطارهما ذلك ~~كالإفطار بالأكل والشرب والجماع ، لكن حبط أجرهما باغتيابهما ، فصار بذلك ~~مفطرين ، لا أنه إفطار يوجب عليهما القضاء ، كما قالوا : الكذب يفطر الصائم ~~، إنما هو بمعنى حبوط الأجر ، وقد روى عن جماعة من الصحابة فى ذلك معنى آخر ~~، روى قتادة عن أبى المتوكل الناجى ، عن أبى سعيد الخدرى قال : إنما كرهت ~~الحجامة للصائم ، من أجل الضعف ، وعن ابن عباس ، وأنس بن مالك مثله ، فدلت ~~هذه الآثار على أن المكروه من أجل الحجامة فى الصيام هو الضعف الذى يصيب ~~الصائم فيفطر من أجله بالأكل والشرب ، وقد روى هذا المعنى عن أبى العالية ، ~~وأبى قلابة ، وسالم ، والنخعى ، والشعبى ، والحسين PageV04P082 ابن على ، ~~وقال القاسم بن محمد فى ما يذكر من قول الناس ( أفطر الحاجم والمحجوم ) ، ~~فقال : لو أن رجلا حجم يده أو بعض جسده لم يفطره ذلك ، قال الطحاوى ، ~~وتأويل أبى الأشعث أشبه بالصواب ، لأن الضعف لو كان هو المقصود بالنهى لما ~~كان الحاجم داخلا فى ذلك ، فإذا كان الحاجم والمحجوم قد جمعا فى ذلك أشبه ~~أن يكون ذلك لمعنى واحد هما فيه سواء ، مثل الغيبة التى هما فيها سواء ، ~~كما قال أبو الأشعث . وحديث ابن عباس المقنع فى هذا الباب . قال الطحاوى : ~~وأما طريق النظر فرأينا خروج الدم أغلظ أحواله أن يكون حدثا تنتقض به ~~الطهارة . وقد رأينا الغائط والبول خروجهما حدث تنتقض به الطهارة ، ولا ~~ينقض الصيام ، فالنظر على ذلك أن يكون الدم كذلك ، ورأينا لا يفطره فصد ~~العروق فالحجامة فى النظر كذلك ، وبالله التوفيق . * * * # | 32 - باب الصوم فى السفر والإفطار # / 38 - فيه : ابن أبى أوفى : كنا مع النبى ، عليه السلام ، فى سفر ، فقال ~~لرجل : ( انزل فاجدح لي ) ، فقال ms1166 : يا رسول الله ، الشمس ، قال : ( انزل ~~فاجدح لي ) ، قال : يا رسول الله ، الشمس ، قال : ( انزل فاجدح لي ) ، قال ~~: يا رسول الله ، الشمس ، قال : ( انزل فاجدح لي ) ، فنزل فجدح له ، فشرب ، ~~ثم رمى بيده هاهنا ، ثم قال : ( إذا رأيتم الليل أقبل من هاهنا ، فقد أفطر ~~الصائم ) . PageV04P083 / 39 - وفيه : حمزة بن عمرو ، قال : ( يا رسول الله ~~، إنى أسرد الصوم أأصوم فى السفر ) ؟ وكان كثير الصيام ، فقال : ( إن شئت ~~فصم ، وإن شئت فأفطر ) . قال ابن المنذر : فى هذا الحديث من الفقه تخيير ~~الصائم فى الصيام فى السفر أو الفطر ، وفيه دليل أن أمره تعالى للمسافر ~~بعدة من أيام أخر ، إنما هو لمن أفطر ، لا أن عليه أن يفطر ويقضى ، وممن ~~روى عنه تخيير المسافر فى الصيام ابن عباس ، وذكر أنس وأبو سعيد ذلك عن ~~أصحاب الرسول ، وبه قال سعيد بن المسيب ، وعطاء ، وسعيد بن جبير ، والحسن ، ~~والنخعى ، ومجاهد ، والأوزاعى ، والليث . واختلفوا فى الأفضل من ذلك لمن ~~قدر عليه ، فروى عن عثمان بن أبى العاصى ، وأنس ابن مالك صاحبى النبى أن ~~الصوم أفضل ، وهو قول النخعى ، وسعيد بن جبير ، والأسود بن يزيد ، وإليه ~~ذهب أبو حنيفة وأصحابه ، وقال مالك ، والثورى ، والشافعى ، وأبو ثور : ~~الصوم أحب إلينا ، وروى عن ابن عمر ، وابن عباس ، وسعيد بن المسيب ، ~~والشعبى ، أن الفطر أفضل ، لأنه رخصة وصدقة تصدق الله بها فيجب قبولها ، ~~وهو قول الأوزاعى ، وأحمد ، وإسحاق ، وروى عن عمر بن الخطاب ، وأبى هريرة ، ~~وابن عمر ، وابن عباس إن صام فى السفر لم يجزئه ، وعليه أن يصوم فى الحضر ، ~~وعن عبد الرحمن PageV04P084 ابن عوف ، قال : الصائم فى السفر كالمفطر فى ~~الحضر ، وذكر هذا كله ابن المنضر ، وبهذا قال أهل الظاهر ، وقد صح التخيير ~~فى الصيام فى السفر أو الفطر عن النبى ، عليه السلام ، من حديث حمزة ابن ~~عمرو ، وحديث أنس ، وابن عباس ، وأبى سعيد الخدرى ، وأن النبى ، عليه ~~السلام ، وأصحابه صاموا مرة فى السفر ، وأفطروا أخرى ، فلم يعب بعضهم ذلك ~~على بعض ، فلا يلتفت إلى من خالف ذلك ، لأن ms1167 الحجة فى السنة . وقوله : ( يا ~~رسول الله ، الشمس ) ، إنما أراد أن نور الشمس باق ، وظن أن ذلك يمنعه من ~~الإفطار ، فأجابه النبى ، عليه السلام ، أن ذلك لا يضر إذا أقبل الليل ، ~~وسيأتى الكلام فى حديث ابن أبى أوفى فى باب : ( متى يحل فطر الصائم ) . ~~قوله : ( اجدح لى ) ، قال أبو عبيد : المجدح : الشراب المخوض بالمجدح ، ~~وقال صاحب ( العين ) : المجدح : خشبة فى رأسها خشبتان معترضتان . * * * # | 33 - باب إذا صام أياما من رمضان ثم سافر # / 40 - فيه : ابن عباس : ( أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خرج إلى ~~مكة فى رمضان فصام ، حتى بلغ الكديد أفطر ، فأفطر الناس ) . والكديد : ماء ~~بين عسفان وقديد . / 41 - فيه : أبو الدرداء ، قال : ( خرجنا مع النبى ، ~~عليه السلام ، فى بعض PageV04P085 أسفاره فى يوم حار حتى يضع الرجل يده على ~~رأسه من شدة الحر ، وما فينا صائم إلا ما كان من النبى ، عليه السلام ، ~~وابن رواحة ) . فى حديث ابن عباس إباحة السفر فى رمضان والفطر فيه ، وهو رد ~~لما روى عن على بن أبى طالب أنه قال : ( من استهل عليه هلال رمضان مقيما صم ~~سافر أنه ليس له أن يفطر لقول الله تعالى : { فمن شهد منكم الشهر فليصمه } ~~[ البقرة : 185 ] . والمعنى عنده : من أدرك رمضان وهو مسافر فعدة من أيام ~~أخر ، ومن أدركه حاضرا فليصمه ، وهو قول عبيدة السلمانى وسويد بن غفلة ، ~~وأبى مجلز ، وهذا القول مردود لسفر النبى ، عليه السلام ، فى رمضان ، ~~وإفطاره فيه فى الكديد ، وجمهور الأمة على خلاف هذا القول ، لثبوت السنة ~~بالتخيير فى الصيام أو الفطر فى السفر ، ولصيامه عليه السلام فى سفره . قال ~~ابن المنذر : وإنما أمر من شهد الشهر كله أن يصوم ، ولا يقال لمن شهد بعض ~~الشهر أنه شهد الشهر كله ، لأن النبى أنزل عليه الكتاب ، وأوجب عليه بيان ~~ما أنزل عليه ، سافر فى رمضان وأفطر فى سفره . قال المؤلف : ومعنى حديث أبى ~~الدرداء فى هذا الباب هو أنه عليه السلام كان صائما ، وابن رواحة ، وسائر ~~أصحابه مفطرون ، فلو لم يجز الفطر ms1168 فى رمضان لمن سافر فيه ما ترك النبى ~~أصحابه مفطرين فيه ، ولا سوغهم ذلك . وفى حديث ابن عباس وأبى الدرداء رد ~~لقول من قال : إن الصيام فى السفر لا يجزئ ، لأن الفطر عزيمة من الله وصدقة ~~، ألا ترى صيامه عليه السلام فى السفر فى اليوم الشديد الحر ، وقول أبى ~~الدرداء : ( وما فينا صائم إلا النبى ، عليه السلام ، PageV04P086 وابن ~~رواحة ) فلو كان الفطر عزمة من الله تعالى ، لم يتحمل النبى مشقة الصيام فى ~~شدة الحر ، وإنما أراد أن يسن لأمته ليقتدوا به ، وقد روى على بن معبد ، عن ~~عبيد الله بن عمرو ، عن عبد الكريم بن مالك ، عن طاوس ، عن ابن عباس ، قال ~~: ( إنما أراد النبى بالفطر فى السفر التيسير عليكم ، فمن يسر عليه الصيام ~~فليصم ، ومن يسر عليه الفطر فليفطر ) . فهذا ابن عباس لم يجعل إفطار النبى ~~فى السفر بعد صيامه فيه ناسخا للصوم فى السفر ، ولكنه جعله على جهة التيسير ~~. * * * # | 34 - باب قول النبى عليه السلام لمن ظلل عليه واشتد الحر : ( ليس من ~~البر الصوم فى السفر ) # / 42 - فيه : جابر : كان النبى - صلى الله عليه وسلم - فى سفر فرأى رجلا ~~قد ظلل عليه ، فقال : ما هذا ؟ فقالوا : صائم ، فقال : ( ليس من البر الصوم ~~فى السفر ) . احتج محتج من أهل الظاهر بهذا الحديث ، وقال : ما لم يكن من ~~البر فهو من الإثم ، فدل ذلك أن صوم رمضان لا يجزئ فى السفر . قال الطحاوى ~~: قيل له هذا الحديث خرج لفظه على شخص معين ، وهو رجل رآه رسول الله وهو ~~صائم قد ظلل عليه ، وهو يجود بنفسه فقال ذلك القول ، ومعناه ليس البر أن ~~يبلغ الإنسان بنفسه هذا المبلغ ، والله قد رخص فى الفطر ، والدليل على صحة ~~هذا التأويل صوم رسول الله فى السفر فى شدة الحر ، ولو كان إثما لكان رسول ~~الله PageV04P087 أبعد الناس منه ، ومعنى قول النبى ، عليه السلام : ( ليس ~~من البر الصوم فى السفر ) . أى ليس هو أبر البر ، لأنه قد يكون الإفطار أبر ~~منه إذا كان فى حج ms1169 أو جهاد ليقوى عليه ، وهذا كقوله : ( ليس المسكين ~~بالطواف الذى ترده التمرة والتمرتان ) ، ومعلوم أن الطواف مسكين ، وأنه من ~~أهل الصدقة ، وإنما أراد المسكين الشديد المسكنة الذى لا يسأل ولا يتصدق ~~عليه . # | 35 - باب لم يعب أصحاب النبى ، عليه السلام ، بعضهم على بعض فى الصوم ~~والإفطار # / 43 - فيه : أنس ، قال : ( كنا نسافر مع النبى فلم يعب الصائم على ~~المفطر ، ولا المفطر على الصائم ) . هذا حجة على من رغم أن الصائم فى السفر ~~لا يجزئه صومه ، لأن تركهم لإنكار الصوم والفطر يدل أن ذلك عندهم من ~~المتعارف المشهور الذى تجب الحجة به ، ولا حجة مع أحد فى خلاف السنة ~~الثابتة ، فقد ثبت أنه عليه السلام صام فى السفر ، ولم يعب على من صام ، ~~ولا على من أفطر فوجب التسليم له . # | 36 - باب من أفطر ليراه الناس # / 44 - فيه : ابن عباس ، قال : ( خرج رسول الله من المدينة إلى مكة فصام ~~حتى بلغ عسفان ، ثم دعا بماء فرفعه إلى فيه ، ليريه الناس ، فأفطر حتى ~~PageV04P088 قدم مكة ، وذلك فى رمضان ، فكان ابن عباس يقول : قد صام رسول ~~الله وأفطر ، فمن شاء صام ، ومن شاء أفطر . اختلف العلماء فى الفطر المذكور ~~فى هذا الحديث ، فقال قوم : معناه أنه أصبح مفطرا قد نوى الفطر فى ليلته ، ~~وهذا جائز بإجماع العلماء أن يبيت المسافر الفطر إن اختاره ، وقال آخرون : ~~معناه أنه أفطر فى نهاره بعد أن قد مضى صدر منه ، وأن الصائم جائز له أن ~~يفعل ذلك فى سفره ، لأن النبى صنع ذلك رفقا بأمته ، وقد جاء هذا مبينا فى ~~حديث جعفر بن محمد ، عن أبيه ، عن جابر : ( أن رسول الله خرج إلى مكة عام ~~الفتح فى رمضان ، فصام حتى بلغ كراع الغميم ، فصام الناس وهم مشاة وركبان ، ~~فقيل له : إن الناس قد شق عليهم الصوم ، وإنما ينظرون إلى ما فعلت ، فدعا ~~بقدح من ماء فرفعه حتى نظر الناس إليه ، وصام بعض ، فقيل للنبى ، عليه ~~السلام : إن بعضهم قد صام ، فقال : ( أولئك العصاة ) . قال المؤلف : وهذا ~~الحديث ms1170 يبين معنى الترجمة ، وأنه عليه السلام ، إنما أفطر ليراه الناس ~~فيقتدوا به ويفطرون ، لأن الصيام قد نهكهم وأضر بهم ، فأراد الرفق بهم ~~والتيسير عليهم أخذا بقوله تعالى : { يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم ~~العسر } [ البقرة : 185 ] ، فأخبر تعالى أنه أطلق الإفطار فى السفر إرادة ~~التيسير على عباده ، فمن أراد رخصة الله فأفطر فى سفره أو مرضه لم يكن ~~معنفا ، ومن اختار الصوم ، وهو يسير عليه فهو له أفضل لصحة الخبر عن النبى ~~أنه صام حين شخص من المدينة متوجها إلى مكة حتى بلغ عسفان أو الكديد ، وصام ~~معه أصحابه إذ PageV04P089 كان ذلك يسيرا عليهم ، وأفطر وأمر أصحابه لما ~~دنا من عدوه ، فصار الصوم عسيرا ، إذ كان لا يؤمن عليهم الضعف والوهن فى ~~حربهم لو كانوا صياما عند لقاء عدوهم ، فكان الإفطار حينئذ أولى بهم من ~~الصوم ، وأفضل عند الله لما يرجون من القوة على العدو وإعلاء كلمة الدين ~~بالإفطار ، قاله الطبرى ، وروى شعبة عن عمرو بن دينار ، عن عبيد بن عمير : ~~( أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمر أصحابه يوم فتح مكة ، فقال : ~~أفطروا فإنه يوم قتال ) . وروى حماد ، عن الجريرى ، عن أبى نضرة ، عن جابر ~~: ( أن النبى ، عليه السلام ، كان فى سفر فأتى على غدير فقال للقوم : ( ~~اشربوا ) ، فقالوا : يا رسول الله ، أنشرب ولا تشرب ؟ فقال : ( إنى أيسركم ~~، إنى أركب وأنتم مشاة ، فشرب وشربوا ) . واختلف الفقهاء فى من اختار الصوم ~~فى السرف وأصبح صائما ثم أفطر نهارا من غير عذر ، فقال مالك : عليه القضاء ~~والكفارة ، لأنه كان مخيرا فى الصوم والفطر ، فلما اختار الصوم لزمه ولم ~~يكن له الفطر ، وقد روى عنه أنه لا كفارة عليه ، وهو قول أصحابه إلا عبد ~~الملك فإنه قال : إن أفطر بجماع كفر ، لأنه لا يقوى بذلك على سفره ولا عذر ~~له ، وقال سائر الفقهاء بالحجاز والعراق : أنه لا كفارة عليه ، والحجة فى ~~سقوط الكفارة واضحة بحديث ابن عباس وجابر ، ومن جهة النظر أيضا ، لأنه ~~متأول غير هاتك لحرمة صومه عند نفسه ms1171 ، وهو مسافر قد دخل فى عموم إباحة ~~الفطر ، وقال ابن القابسى : هذا الحديث لم يسمعه ابن عباس من النبى ، ولكنه ~~يعد من جملة المسند ، لأنه لم يروه إلا عن صاحب ، وقد انفرد الصحابة بتسليم ~~هذا PageV04P090 المعنى لهم وليس لغيرهم ، ويذكر عن أنس أنه قال عن الصحابة ~~: ( يروى بعضنا عن بعض ، وليس فينا من يكذب ) . * * * # | 37 - باب : قوله تعالى : { وعلى الذين يطيقونه فدية } [ البقرة 184 ] # وقال ابن عمر وسلمة بن الأكوع نسختها : { شهر رمضان الذى أنزل فيه القرآن ~~} إلى { تشكرون } [ البقرة 185 ] . وقال ابن أبى ليلى : حدثنا أصحاب محمد : ~~نزل رمضان فشق عليهم ، فكان من أطعم كل يوم مسكينا ترك الصوم ممن يطيقه ، ~~ورخص لهم فى ذلك فنسختها : { وأن تصوموا خير لكم } [ البقرة : 184 ] ، ~~فأمروا بالصوم . / 45 - فيه : ابن عمر قرأ : { فدية طعام مساكين } [ البقرة ~~: 184 ] ، قال : هى منسوخة . اختلف العلماء فى تأويل هذه الآية ، فروى عن ~~ابن عباس ، وعكرمة ، وسعيد بن جبير ، ومجاهد أنهم قرءوها : { وعلى الذين ~~يطيقونه } ، قال : الذين يحملونه ولا يطيقونه فدية ، فعلى هذا تكون الآية ~~محكمة غير منسوخة يعنى فى الشيخ والحامل والمرضوع ، قال أبو عبيد : وهو قول ~~حسن ، ولكن الناس ليسوا عليه ، لأن الذين ثبت بين اللوحين فى مصاحف أهل ~~الحجاز والشام والعراق { وعلى الذين يطيقونه } ، ولا تكون الآية على هذا ~~اللفظ إلا منسوخة ، روى ذلك عن ابن عباس وسلمة بن الأكوع ، وابن عمر ، وابن ~~أبى ليلى ، وعلقمة ، وابن شهاب ، فتفرق الناس فى ناسخ PageV04P091 هذه ~~الآية ومنسوخها على أربع منازل ، لكل واحدة منهن حكم سوى حكم الأخرى ، ~~فالفرقة الأولى منهم : وهم الأصحاء ففرضهم الصيام لا يجزئهم غيره ، لزمهم ~~ذلك بالآية المحكمة ، وهى قوله : { فمن شهد منكم الشهر فليصمه } [ البقرة : ~~185 ] . والثانية : هم مخيرون بين الإفطار والصيام ، ثم عليهم القضاء بعد ~~ذلك ولا إطعام عليهم ، وهم المسافرون والمرضى بقوله : { فمن كان منكم مريضا ~~أو على سفر فعدة من أيام أخر } [ البقرة : 184 ] . والثالثة : هم الذين لهم ~~الرخصة فى الإطعام ولا قضاء عليهم ، وهم الشيوخ الذين لا يطيقون ms1172 الصيام . ~~والرابعة : هم الذين اختلف العلماء فيهم بين القضاء والإطعام . وبكل ذلك قد ~~جاء تأويل القرآن ، وأفتت به الفقهاء ، فذهب القاسم ، وسالم ، وربيعة ، ~~ومكحول ، ومالك ، وأبو ثور إلى أن الشيخ إن استطاع الصوم صام ، وإلا فليس ~~عليه شىء لقوله تعالى : { لا يكلف الله نفسا إلا وسعها } [ البقرة : 286 ] ~~إلا أن مالكا يستحب له الإطعام عن كل يوم مدا ، وحجة هذا القول أن الله ~~تعالى ، إنما أوجب الفدية قبل النسخ على المطيقين دون غيرهم ، وخيرهم فيه ~~بين أن يصوموا بقوله : { وعلى الذين يطيقونه فدية } ثم نسخ ذلك وألزمهم ~~الصوم حتما ، وسكت عمن لا يطيق فلم يذكره فى الآية ، فصار فرض الصيام زائلا ~~عنهم كما زال فرض الزكاة والحج عن المعدمين الذين لا يجدون إليها سبيلا ، ~~وأبى ذلك أهل العراق ، والثورى ، وأوجبوا الفدية على الشيخ ، وقالوا : إن ~~الزكاة والحج لا يشبهان الصيام ، لأن الكتاب والسنة فرق بينهما ، وذلك أن ~~الله تعالى ، جعل من الصوم PageV04P092 بدلا أوجبه على كل من حيل بينه وبين ~~الصيام وهو الفدية ، كما جعل التيمم بدلا من الطهور واجبا على كل من أعوزه ~~الماء ، وكما جعل الإيماء بدلا من الركوع والسجود لمن لا يقدر عليهما ، ولم ~~يجعل من الزكاة والحج بدلا لمن لا يقدر عليهما ، وإلى هذا ذهب الكوفيون ، ~~والأوزاعى ، والشافعى . وأما الفرقة الرابعة : فالحوامل والمراضع ، وفيهن ~~اختلف الناس قديما وحديثا ، فقال بعض العلماء : إذا ضعفن عن الصيام وخافت ~~على نفسها وولدها أفطرت وأطعمت عن كل يوم مسكينا ، فإذا فطمت ولدها قضته ، ~~وهو قول مجاهد ، وبه قال الشافعى وأحمد ، وقال آخرون : عليهما الإطعام ولا ~~قضاء ، وهو قول ابن عباس ، وابن عمر ، وسعيد بن جبير ، وقال آخرون : عليهما ~~القضاء ولا إطعام عليهما ، وجعلوهما بمنزلة المريض ، وهو قول عطاء ، ~~والنخعى ، والحسن ، والزهرى ، وربيعة ، والأوزاعى ، وأبى حنيفة ، والثورى ، ~~وروى ابن عبد الحكم عن مالك مثله ، ذكره ابن القصار ، وهو قول أشهب ، وفرقة ~~رابعة فرقت بين الحبلى ، والمرضع فقال فى الحبلى : هى بمنزلة المريض تفطر ~~وتقضى ولا إطعام عليها ، والمرضع تفطر وتطعم وتقضى ms1173 ، هذا قول مالك فى ~~المدونة ، وهو قول الليث . قال أبو عبيد : وكل هؤلاء إنما تأولوا قوله ~~تعالى : { وعلى الذين يطيقونه فدية } فمن أوجب القضاء والإطعام معا ذهب إلى ~~أن الله حكم فى تارك الصوم من عذر بحكمين ، فجعل الفدية فى آية والقضاء فى ~~أخرى ، فلما لم يجد ذكر الحامل والمرضع مسمى فى واحدة منهما جمعهما جميعا ~~عليهما احتياطا لهما وأخذا PageV04P093 بالثقة ، وأما الذين رأوا أن يطعما ~~ولا يقضيا فإنهم أرادوا أنهما ليستا من السفر ولا من المرضى الذين فرهم ~~القضاء ، ولكنهما ممن كلف الصيام وطوقه وليس بمطيق ، فهم من أهل الفدية لا ~~يلزمهم سواها لقوله تعالى : { وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين } [ ~~البقرة : 248 ] ، وهى قراءة ابن عباس وفتياه ، وقد يجوز هذا القول على ~~قراءة من قرأ : { وعلى الذين يطيقونه فدية } أى يطيقونه بجهد ومشقة ، ويكون ~~معنى القراءتين واحدا . قاله غير أبى عبيد . وأما الذين أوجبوا عليهما ~~القضاء بلا طعام ذهبوا إلى أن الحمل والرضاع علتان من العلل ، لأنه يخاف ~~فيهما من التلف على الأنفس ما يخاف من المرض ، قال أبو عبيد ، وقد وجدنا ~~شاهدا لهذا القول ودليلا عليه ، حدثنا إسماعيل بن إبراهيم ، حدثنا أيوب ، ~~قال : حدثنى أبو قلابة ، عن أنس بن مالك قال : ( أتيت النبى ، عليه السلام ~~، فى إبل لجار لى ، أخذت ، فوافقته يأكل فدعانى إلى طعامه فقلت : إنى صائم ~~، قال : ادن أخبرك عن ذلك ، إن الله وضع عن المسافر الصوم وشطر الصلاة ، ~~وعن الحامل والمرضع ) ، قال أبو عبيد : فقرن رسول الله الحامل والمرضع ~~بالمسافر ، وجعلهما معا فى معنى واحد ، فصار حكمهما كحكمه ، فهل على ~~المسافر إلا القضاء لا يعدوه إلى غيره . PageV04P094 # | 38 - باب متى يقضى قضاء رمضان # وقال ابن عباس : لا بأس أن يفرق لقول الله تعالى : { فعدة من أيام أخر } ~~. وقال ابن المسيب فى صوم العشر : لا يصلح حتى يبدأ بصوم برمضان . وقال ~~إبراهيم : إذا فرط حتى جاء رمضان آخر يصومهما ، ولم ير عليه طعاما ، ويذكر ~~عن أبى هريرة مرسلا وابن عباس : أنه يطعم ، ولم يذكر الله ms1174 الإطعام ، إنما ~~قال : { فعدة من أيام أخر } . / 46 - فيه : عائشة : ( كان يكون على الصوم ~~من رمضان ، فما أستطيع أن أقضى إلا فى شعبان ) ، قال يحيى : الشغل من النبى ~~، عليه السلام ، أو بالنبى . إنما حمل عائشة على قضاء رمضان فى شعبان الأخذ ~~بالرخصة والتوسعة ، لأن ما بين رمضان عامها ورمضان العام المقبل وقت للقضاء ~~، كما أن وقت الصلاة له طرفان ، ومثله قوله عليه السلام : ( ليس التفريط فى ~~النوم ، إنما التفريط فى اليقظة ) ، على من لم يصل الصلاة حتى يدخل وقت ~~الأخرى ، وأجمع أهل العلم على أن من قضى ما عليه من رمضان فى شعبان بعده ~~أنه مؤد لفرضه غير مفرط . واختلفوا هل يجوز أن يقضى رمضان متفرقا فقال ~~طائفة : لا يقضيه إلا متتابعا ، روى ذلك عن على بن أبى طالب ، وابن عمر ، ~~وعائشة ، وهو قول الحسن البصرى ، والنخعى ، وعروة بن الزبير ، وهو قول أهل ~~الظاهر ، وقالت طائفة : يجوز أن يقضى PageV04P095 متفرقا ، روى ذلك عن ابن ~~عباس ، وأبى هريرة ، وأنس بن مالك ، ومعاذ ، وحذيفة ، وهو قول جماعة أئمة ~~الأمصار ، قال ابن القصار : وحجة الجماعة ظاهر قوله تعالى : { فعدة من أيام ~~أخر } ولم يخص ، فعلى أى وجه قضاه جاز ، هذا مقتضى اللفظ ، فإن قيل : فإن ~~عائشة قالت : نزلت { فعدة من أيام أخر } متتابعات ، فسقطت متتابعات ، قيل : ~~قد أخبرت أنها ساقطة ، فلا حكم لها حتى تثبت القراءة ، وهذه حجة لنا . ~~واختلفوا فى المسافر والمريض إذا فرطا فى قضاء رمضان حتى جاء رمضان آخر ، ~~فروى عن أبى هريرة ، وابن عباس أنه يصوم الذى حصل فيه ، فإذا خرج قضى ما ~~كان عليه وعليه الفدية ، وهو قول عطاء ، والقاسم ، والزهرى ، ومالك ، ~~والأوزاعى ، والثورى ، والشافعى ، وأحمد ، وإسحاق ، وقال أبو حنيفة وأصحابه ~~: ليس عليه إلا القضاء فقط ولا إطعام عليه ، وحجة من قال بالإطعام ما حكاه ~~الطحاوى عن يحيى بن أكثم قال : فتشت عن أقاويل الصحابة فى هذه المسألة ~~فوجدت عن ستة منهم قالوا : عليه القضاء والفدية ، ولم أجد لهم مخالفا ، فإن ~~قيل : فقد قال عليه السلام للواطئ فى ms1175 رمضان : ( اقض يوما مكانه ) ، ولم ~~يذكر له حدا ، قيل : قد قامت الدلالة على الحد من تأخير عائشة له إلى شعبان ~~، فعلم أنه الوقت المضيق ، فإذا ثبت أن للقضاء وقتا يؤدى فيه ويفوت ، ثبتت ~~الفدية ، لأنه يشبه الحج الذى يفوت وقته ، ألا ترى أن حجة القضاء إذا دخل ~~وقتها وفاتت وجب الدم ، فكذلك إا فات الصوم وجبت الفدية . واختلفوا فيما ~~يجب عليه إن لم يصح من مرضه حتى دخل رمضان PageV04P096 المقبل ، فقال ابن ~~عباس ، وابن عمر ، وسعيد بن جبير : يصوم الثانى ويطعم عن الأول ولا قضاء ~~عليه ، وقال الحسن ، والنخعى ، وطاوس ، ومالك ، والأوزاعى ، وأبو حنيفة ، ~~والثورى ، والشافعى ، وأحمد ، وإسحاق : يصوم الثانى ، ويقضى الأول ، ولا ~~فدية عليه ، لأنه لم يفرط . * * * # | 39 - باب الحائض تترك الصوم والصلاة # وقال أبو الزناد : إن السنن ووجوه الحق لتأتى كثيرا على خلاف الرأي ، فلا ~~يجد المسلمون بدا من اتباعها ، من ذلك : أن الحائض تقضى الصيام ، ولا تقضى ~~الصلاة . / 47 - فيه : أبو سعيد قال النبى ، عليه السلام : ( أليس إذا حاضت ~~لم تصل ولم تصم ، فذلك نقصان دينها ) . قال المهلب : هذا الحديث أصل لترك ~~الحائض الصوم والصلاة ، وفيه من الفقه أن للمريض ترك الصيام ، وإن كان فيه ~~بعض القوة إذا كان يدخل عليه المشقة والخوف ، ألا ترى أن الحائض ليست تضعف ~~عن الصيام ضعفا واحدا ، وإنما يشق عليها بعض المشقة من أجل نزف دمها ، وضعف ~~النفس عند خروج الدم معلوم ذلك من عادة اليسير فغلبت على كل النساء ، وفى ~~جميع الأحوال ، رحمة من الله ، ورعفا لقليل الحرج وكثيره ، وأمرت بإعادة ~~PageV04P097 الصيام من قول الله تعالى : { فمن كان منكم مريضا } ونزف الدم ~~مرض { فعدة من أيام أخر } ، ولم تؤمر بإعادة الصلاة ، لأنها أكبر الفرائض ~~وأكثرها ترددا ، ولما يلزم من المحافظة على وضوئها والقيام إليها ، وإحضار ~~النية للمناجاة ، كما شهد الله تعالى لذلك بقوله : { وإنها لكبيرة إلا على ~~الخاشعين } [ البقرة : 45 ] ، وهى التى حطها الله فى أصل الفرض من خمسين ~~إلأى خمس ، فلو أمرت بإعادة الصلوات لتضاعف عليها الفرض ، إذ المرأة ms1176 نصف ~~دهرها أو نحوه حائض ، فكان الناس يصلون صلاة واحدة وتصلى هى فى كل صلاة ~~صلاتين ، فتختلف أحوال النساء والرجال ، والله أعلم . واختلفوا فى المرأة ~~تطهر من حيضتها فى بعض النهار ، والمسافر يقدم ، والمريض يبرأ ، فقال أبو ~~حنيفة والأوزاعى ، وأحمد ، وإسحاق : يلزمهم كلهم الإمساك بقية النهار ، وإن ~~قدم المسافر مفطرا فلا يطأ زوجته لتعظيم حرمة الشهر ، وقال مالك ، والشافعى ~~، وأبو ثور : يأكلون بقية يومهم ، وللمسافر المفطر يقدم أن يطأ زوجته إذا ~~وجدها قد طهرت من حيضتها ، واحتج الأولون بقوله عليه السلام ، يوم عاشوراء ~~: ( من أكل فليمسك بقية نهاره ) . فأمرهم بالإمساك مع الفطر ، وهذا المعنى ~~موجود فى الإقامة الطارئة فى بعض النهار قال ابن القصار : والحجة لمالك ، ~~والشافعى قوله تعالى : { فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر } ~~[ البقرة : 184 ] ، وهؤلاء قد أفطروا فحكم الإفطار لهم باق ، والفطر رخصة ~~للمسافر ، ومن تمام الرخصة ألا يجب عليه أكثر من يوم ، فلو أمرناه أن يمسك ~~بعد ذلك ثم يصوم يوما آخر مكانه ، PageV04P098 كنا قد منعناه من الرخصة ، ~~وأوجبنا عليه فى ترك اليوم أكثر من يوم والله إنما قال : { فعدة من أيام ~~أخر } ، وكذلك الحائض كان يلزمها أكثر من يوم ، وإنما يلزم الصيام من يصح ~~منه الصيام الذى لا يجب معه قضاء ، وأما صوم يوم عاشوراء فإنما لزمهم صومه ~~من الوقت الذى خوطبوا فيه ، ولم يجب عليهم الابتداء ، لأنهم لم يعلموا ذلك ~~إلا وقت قيل لهم ، وأيضا فإنهم متطوعون ، وأمره بالإمساك لهم كان مستحبا ، ~~فلا يلزم الاعتراض به . * * * # | 40 - باب من مات وعليه صوم # وقال الحسن : إن صام عنه ثلاثون رجلا يوما واحدا جاز . / 48 - وفيه : ~~عائشة أن النبى ، عليه السلام ، قال : ( من مات وعليه صوم صام عنه وليه ) . ~~/ 49 - وفيه : ابن عباس : جاء رجل إلى النبى ، عليه السلام ، فقال : يا ~~رسول الله ، إن أمى ماتت ، وعليها صوم شهر ، أفأقضيه عنها ؟ قال : ( نعم ، ~~فدين الله أحق أن يقضى ) . وروى عن ابن عباس : ( أن امرأة جاءت إلى النبى ، ~~عليه السلام ، فقالت : إن ms1177 أختى ماتت ) . وقال أيضا : ( إن أمى ماتت وعليها ~~صوم نذر ) . قال أيضا : ( إن أمى ماتت وعليها صوم خمسة عشر يوما ) . اختلف ~~العلماء فيمن عليه صوم من شهر رمضان فمات قبل أن PageV04P099 يقضيه ، فقالت ~~طائفة : جائز أن يصام عن الميت ، وهو قول طاوس ، والحسن ، والزهرى ، وقتادة ~~، وبه قال أبو ثور ، وأهل الظاهر ، واحتجوا بهذه الأحاديث التى ذكرها ~~البخارى . وقال أحمد بن حنبل : يصوم عنه وليه فى النذر ، ويطعم عنه فى قضاء ~~رمضان ، وذكر ابن وهب عن الليث أنه يصوم عنه وليه فى النذر ، وقال ابن عمر ~~، وابن عباس ، وعائشة : لا يصوم أحد عن أحد ، وهو قول مالك ، وأبى حنيفة ، ~~والشافعى ، وحجة هؤلاء أن ابن عباس لم يخالف بفتواه ما رواه إلا لنسخ علمه ~~، وكذلك روى عبد العزيز بن رفيع ، عن عمرة ، عن عائشة أنها قالت : ( يطعم ~~عنه فى قضاء رمضان ولا يصام عنه ) ولهذا قال أحمد بن حنبل : إن معنى حديث ~~ابن عباس فى النذر دون قضاء رمضان من أجل فتيا ابن عباس ، وقد ذكر ذلك ~~البخارى فى بعض طرق الحديث فى هذا الباب ، وقال أبو داود فى حديث عائشة : ~~معناه فى النذر . قال ابن القصار : ومعنى الأحاديث التى احتجوا بها عندنا ~~أن يفعل عنه وليه ما يقوم مقام الصيام ، وهو الإطعام ، ويستحب لهم فيصيرون ~~كأنهم صاموا عنه . قال المهلب : ولو جاز أن يقضى عمل البدن عن ميت قد فاته ~~لجاز أن يصلى الناس عن الناس ، ويؤمنون عنهم ولو كان سائغا لكان رسول الله ~~أحرص الناس أن يؤمن عن عمه أبى طالب لحرصه على إدخاله فى الإسلام ، ~~والإيمان من عمل القلب ، PageV04P100 والقلب عضو من أعضاء البدن اللازم لها ~~الأعمال ، وقد أجمعت الأمة على أنه لا يؤمن أحد عن أحد ، ولا يصلى أحد عن ~~أحد . واختلفوا فى الصوم والحج ، فيجب أن يرد حكم ما اختلف فيه إلى ما اتفق ~~عليه ، قال ابن القصار : ولما لم يجز الصيام عن الشيخ الكبير فى حياته كان ~~بعد الموت أولى من أن لا يجوز ، وذهب الكوفيون ms1178 والشافعى ، وأحمد ، وإسحاق ، ~~وأبو ثور إلى أنه واجب أن يطعم عنه من رأس ماله وإن لم يوص ، إلا أبا حنيفة ~~فإنه قال : يسقط عنه ذلك الموت ، وقال مالك : الإطعام غير واجب على الورثة ~~إلا أن يوصى بذلك إليهم فيكون فى ثلثه ، فإن قال من أوجب الإطعام أن النبى ~~، عليه السلام ، شبهه بالدين قيل : هو حجة لنا ، لأنه قال : ( أفأقضيه عنها ~~؟ ) ونحن نقول : قضاؤه أن يطعم عن كل يوم مسكينا . وقوله : ( أرأيت لو كان ~~عليها دين أكنت قاضيه ؟ ) ، إنما سأله هل كنت تفعل ذلك تطوعا ، لأنه لا يجب ~~عليه أن يقضى دين أمه إذا لم يكنه لها تركة . * * * # | 41 - باب متى يحل فطر الصائم # وأفطر أبو سعيد الخدرى حين غاب قرص الشمس . / 50 - فيه : عمر ، قال : قال ~~عليه السلام : ( إذا أقبل الليل من هاهنا ، وأدبر النهار من هاهنا ، وغربت ~~الشمس ، فقد أفطر الصائم ) . / 51 - وفيه : ابن أبى أوفى : كنا مع النبى فى ~~سفر ، وهو صائم فلما غربت الشمس ، قال لبعض القوم : ( يا فلان ، قم فاجدح ~~لنا ) ، فقال : يا رسول الله ، PageV04P101 لو أمسيت ، قالها ثلاثا ، فنزل ~~فجدح له ، فشرب ثم قال : ( إذا رأيتم الليل قد أقبل من هاهنا ، فقد أفطر ~~الصائم ) . وترجم لحديث ابن أبى أوفى قال : يفطر بما تيسر بالماء وغيره . ~~وقال المؤلف : أجمع العلماء أنه إذا غربت الشمس فقد حل فطر الصائم ، وذلك ~~آخر النهار وأول أوقات الليل ، قال الطبرى : إن قال قائل : قوله : ( فقد ~~أفطر الصائم ) أعزم من النبى على الصائم أن يفطر عند إقبال الليل أم ندب ؟ ~~قيل : هو عزم عليه أن يكون معتقدا أنه مفطر وأن وقت صومه قد انقضى ، غير ~~عزم عليه أن يأكل أو يشرب . فإن قال قائل : وما الدليل على ذلك ؟ قيل : ~~إجماع الجميع من أهل العلم على أن المرء قد يكون مفطرا بترك العزم على ~~الصوم من الليل مع تركه نية الصوم نهاره أجمع ، وإن لم يأكل ولم يشرب ، ~~وكان معلوما بذلك أن اعتقاد المعتقد بعد انقضاء وقت الصوم للإفطار وترك ~~الصوم . وإن ms1179 لم يفعل شيئا مما أبيح للمفطر فعله ، موجب له اسم المفطر ، إذا ~~كان ذلك كذلك ، وكان الجميع مجمعين على أن الأكل والشرب غير فرض على الصائم ~~فى ذلك الوقت مع إجماعهم أن وقت الصوم قد انقضى بمجىء الليل وإدبار النهار ~~، كان بينا أن معنى أمره بالإفطار فى تلك الحال إنما هو أمر عزم منه على ما ~~وصفنا . فإن قيل : فإذا كان كما ذكرت من أنه معنى به العزم على اعتقاد ~~الإفطار وترك العزم على الصوم ، فما أنت قائل فى ما روى عنه عليه السلام ~~أنه كان يواصل ؟ قيل : كان وصاله من السحر إلى السحر ، PageV04P102 ولعله ~~كان ذلك توخيا منه للنشاط على قيام الليل ، فإنه كان إذا دخل العشر شد ~~مئزره ، ورفع فراشه ، لأن الطعام مثقل للبدن ، مفتر عن الصلاة ، مجتلب ~~للنوم ، فكان يؤخر الإصابة من الطعام إلى السحر ، إذ كان الله قد أعطاه من ~~القوة على تأخير ذلك إلى ذلك الوقت والصبر عنه ما لم يعط غيره من أمته ، ~~وقد بين لهم ذلك بقوله : ( إنى لست كهيئتكم إنى أظل يطعمنى ربى ويسقينى ) . ~~فأما الصوم ليلا فلا معنى له ، لأنه غير وقت للصوم ، لقوله : ( إذا غربت ~~الشمس فقد أفطر الصائم ) ، أى حل وقت فطره على ما تقدم ، وسيأتى فى باب ( ~~الوصال ) من فعله من السلف ، ومن كرهه ، وتمام الكلام فيه ، إن شاء الله . ~~قال المؤلف : وقوله عليه السلام : ( فاجدح لنا ، قال : يا رسول الله لو ~~أمسيت ، ثلاثا ) ، فيه من الفقه أن الناس سراع إلى إنكار ما يجهلون ، كما ~~فعل خادم النبى ، عليه السلام ، حين توقف عن إنقاذ أمره لما جهله من الدليل ~~الذى علمه النبى ، عليه السلام ، وفيه أن الجاهل بالشىء ينبغى أن يسمح له ~~فيه المرة والثانية ، وتكون الثالثة فاصلة بينه وبين معلمه ، كما فعل النبى ~~، عليه السلام ، حين دعا عليه بالويل لكثرة التغيير ، وكذلك فعل الخضر ~~بموسى فى الثالثة قال له : { هذا فراق بينى وبينك } [ الكهف : 78 ] ، وذلك ~~كان شرط موسى لنفسه بقوله : { إن سألتك عن شىء بعدها فلا ms1180 تصاحبنى } [ الكهف ~~: 76 ] . PageV04P103 # | 42 - باب تعجيل الإفطار # / 52 - فيه : سهل ، قال عليه السلام : ( لا يزال الناس بخير ما عجلوا ~~الفطر ) . / 53 - وفيه : ابن أبى أوفى ، قال : ( كنت مع النبى ، عليه ~~السلام ، فى سفر ، فصام حتى أمسى ، قال لرجل : ( انزل فاجدح لي ) ، قال : ~~لو انتظرت حتى نمسي ، قال : ( فانزل فاجدح لى ، إذا رأيت الليل قد أقبل من ~~هاهنا ، فقد أفطر الصائم ) . قال المهلب : إنما حض عليه السلام على تعجيل ~~الفطر لئلا يزاد فى النهار ساعة من الليل ، فيكون ذلك زيادة فى فروض الله ، ~~ولأن ذلك أرفق بالصائم وأقوى له على الصيام ، وقد روى محمد بن عمرو ، عن ~~أبى سلمة ، عن أبى هريرة ، قال : قال رسول الله : ( لا يزال الدين ظاهرا ما ~~عجل الناس الفطر لأن اليهود يؤخرون ) . وقال عمرو بن ميمون الأودى : كان ~~أصحاب محمد أسرع الناس فطرا ، وأبطأهم سحورا . وقال سعيد بن المسيب : كتب ~~عمر إلى أمراء الأجناد : لا تكونوا مسبوقين بفطركم ، ولا منتظرين لصلاتكم ~~اشتباك النجوم ، وروى عبد الرزاق عن ابن جريج ، قال : ( سمعت عروة بن عياض ~~يخبر عبد العزيز بن عبد الله أنه يؤمر أن يفطر قبل أن يصلى ولو على حسوة ) ~~. وروى أيضا عبد الرزاق عن صاحب له ، عن عوف ، عن أبى رجاء قال : ( كنت ~~أشهد ابن عباس عند الفطر فى رمضان ، فكان يوضع له طعامه ، ثم يأمر مراقبا ~~يراقب الشمس ، فإذا قال : قد وجبت ، قال : كلوا ، ثم قال : كنا نفطر قبل ~~الصلاة ) ، وليس ما رواه مالك فى الموطأ ، عن ابن شهاب ، عن حميد بن عبد ~~الرحمن : ( أن عمر وعثمان كانا يصليان المغرب حين ينظران إلى الليل الأسود ~~قبل أن يفطرا ، ويفطران بعد الصلاة ) ، PageV04P104 بمخالف لما روى من ~~تعجيل الفطر ، لأنهما إنما كانا يراعيان أمر الصلاة ، وكانا يعجلان الفطر ~~بعدها من غير كثرة تنقل ، لما جاء من تعجيل الفطر ، ذكره الداودى . # | 43 - باب إذا أفطر فى رمضان ثم طلعت الشمس # / 54 - فيه : أسماء ، قالت : ( أفطرنا على عهد رسول الله يوم غيم ، ثم ~~طلعت الشمس ) ، قيل لهشام بن ms1181 عروة : فأمروا بالقضاء ؟ قال : بد من القضاء ؟ ~~وقال معمر : سمعت هشاما ، لا أدرى أقضوا أم لا . جمهور العلماء يقولون ~~بالقضاء فى هذه المسألة ، وقد روى ذلك عن عمر بن الخطاب من رواية أهل ~~الحجاز وأهل العراق ، فأما رواية أهل الحجاز ، فروى ابن جريج ، عن زيد بن ~~أسلم ، عن أبيه قال : ( أفطر الناس فى شهر رمضان فى يوم غيم ثم طلعت الشمس ~~، فقال عمر : الخطب يسير وقد اجتهدنا ، نقضى يوما ) ، هكذا قال ابن جريج عن ~~زيد بن أسلم ، عن أبيه ، وهو متصل . ورواية مالك فى الموطأ عن زيد بن أسلم ~~، عن أخيه أن عمر . وهى مرسلة ، لأن خالد ابن أسلم أخا زيد لم يدرك عمر ، ~~وأما رواية أهل العراق ، فروى الثورى ، عن جبلة بن سحيم بن حنظلة ، عن أبيه ~~أنه شهد عمر ، فذكر القصة ، وقال : ( يا هؤلاء ، من كان أفطر فإن قضاء يوم ~~يسير ) ، وجاء رواية أخرى عن عمر أنه قال : ( لا قضاء عليه ) . روى معمر ، ~~عن الأعمش ، عن زيد بن أسلم قال : ' أفطر الناس في زمن عمر ، فطلعت ، فطلعت ~~الشمس فشق ذلك على ) الناس فقالوا : PageV04P105 نقضي هذا اليوم ؟ [ فقال ~~عمر ] : ولم نقضي ؟ ! والله ما تجانفنا الإثم ' . والرواية الأولى أولى ~~بالصواب ، وقد روى القضاء عن ابن عباس ومعاوية ، وهو قول عطاء ، ومجاهد ، ~~والزهرى ، ومالك ، والثورى ، وأبى حنيفة ، والشافعى ، وأحمد ، وأبى ثور ، ~~وقال الحسن البصرى : لا قضاء عليه كالناسى ، وهو قول إسحاق وأهل الظاهر . ~~وحجة من أوجب القضاء إجماع العلماء أنه لو غم هلال رمضان فأفطروا ، ثم قامت ~~البينة برؤية الهلال أن عليهم القضاء بعد إتمام صيام يومهم ، وقال المهلب : ~~ومن حجتهم أيضا قول الله تعالى : { ثم أتموا الصيام إلى الليل } [ البقرة : ~~187 ] ، ومن أفطر ثم طلعت الشمس فلم يتم الصيام إلى الليل كما أمره الله ~~فعليه القضاء من أيام أخر بنص كتاب الله . قال ابن القصار : يحتمل ما روى ~~عن عمر أنه قال : ( لا نقضى ، والله ما تجانفنا الإثم ) ، أن يكون ترك ~~القضاء إذا لم يعلم ووقع الفطر على الشك ، وتكون ms1182 الرواية عنه بثبوت القضاء ~~إذا وقع الفطر فى النهار بغير شك . قال المؤلف : وقد ذكرنا فى مسألة الذى ~~يأكل وهو يشك فى الفجر من جعله بمنزلة من أكل وهو يشك فى غروب الشمس ، ومن ~~فرق بين ذلك فى باب قوله تعالى : { وكلوا واشربوا } [ البقرة : 187 ] الآية ~~، وفرق ابن حبيب بين من أكل وهو يشك فى الفجر وبين من أكل وهو يشك فى غروب ~~الشمس ، وأوجب القضاء للشاك فى غروب الشمس ، واحتج بأن الأصل بقاء النهار ، ~~فلا يأكل حتى يوقن بالغروب ، والأصل فى الفجر بقاء الليل ، فلا يمسك عن ~~الأكل حتى يوقن بالنهار ، وبهذا قال المخالفون لمالك فى هذا الباب . ~~PageV04P106 # | 44 - باب صوم الصبيان # وقال عمر لنشوان فى رمضان : ويلك ، صبياننا صيام ، فضربه . / 55 - فيه : ~~الربيع بنت معوذ ، قالت : أرسل النبى ، عليه السلام ، غداة عاشوراء إلى قرى ~~الأنصار : ( من أصبح مفطرا فليتم بقية يومه ، ومن أصبح صائما فليصم ، قالت ~~: فكنا نصومه بعد ، ونصوم صبياننا ، ونجعل لهم اللعبة من العهن ، فإذا بكى ~~أحدهم على الطعام أعطيناه ذاك حتى يكون عند الإفطار ) . أجمع العلماء أنه ~~لا تلزم العبادات والفرائض إلا عند البلوغ ، إلا أن كثيرا من العلماء ~~استحبوا أن يدرب الصبيان على الصيام والعبادات رجاء بركتها لهم ، ~~وليعتادوها ، وتسهل عليهم إذا لزمتهم ، قال المهلب : وفى هذا الحديث من ~~الفقه أن من حمل صبيا على طاعة الله ودربه على التزام شرائعه فإنه مأجور ~~بذلك ، وأن المشقة التى تلزم الصبيان فى ذلك غير محاسب بها من حملهم عليها ~~. قال ابن المنذر : واختلفوا فى الوقت الذى يؤمر فيه الصبيان بالصيام ، ~~فكان الحسن ، وابن سيرين ، وعروة ، وعطاء ، والزهرى ، وقتادة ، والشافعى ~~يقولون : يؤمر به إذا أطاقه ، وقال الأوزاعى : إذا أطاق صوم ثلاثة أيام ~~تباعا لا يخور فيهن ولا يضعف حمل على صوم رمضان ، واحتج بحديث ابن أبى ~~لبيبة عن أبيه ، عن جده ، عن النبى ، عليه السلام ، أنه قال : ( إذا صام ~~الغلام ثلاثة أيام PageV04P107 متتابعة فقد وجب عليه صيام شهر رمضان ) ، ~~وقال إسحاق : إذا بلغ ثنتى عشرة سنة أحببت ms1183 له أن يتكلف الصيام للعادة ، ~~وقال ابن الماجشون : إذا أطاقوا الصيام ألزموه ، فإن أفطروا لغير عذر ولا ~~علة فعليهم القضاء . وقال أشهب : يستحب لهم إذا أطاقوه . # | 45 - باب الوصال ومن قال : ليس فى الليل صيام لقوله تعالى : { ثم أتموا ~~الصيام إلى الليل } [ البقرة 187 ] ونهى النبى ، عليه السلام ، رحمة لهم ~~وإبقاء عليهم ، وما يكره من التعمق # . / 56 - فيه : أنس : قال عليه السلام : ( لا تواصلوا ، قالوا : إنك ~~تواصل ، قال : لست كأحد منكم ، إنى أطعم وأسقى ) ، أو إنى أبيت أطعم وأسقى ~~. / 57 - وفيه : أبو سعيد : قال عليه السلام : ( لا تواصلوا ، فأيكم أراد ~~أن يواصل ، فليواصل حتى السحر . . . ) الحديث . وترجم له باب الوصال إلى ~~السحر ، اختلف العلماء فى تأويل أحاديث الوصال ، فقال قائلون : إنما هى ~~رسول الله عن الوصال رحمة لأمته وإبقاء عليهم ، فمن قدر عليه فلا حرج ، ~~لأنه لله تعالى ، يدع طعامه وشرابه ، وقد واصل جماعة من السلف ، ذكر الطبرى ~~بإسناده عن ابن الزبير أنه كان يواصل سبعة أيام حتى تيبس أمعاؤه ، فإذا كان ~~اليوم السابع أتى بسمن و [ . . . . . . . ] فتحساه PageV04P108 حتى يفتق ~~الأمعاء ، وعن عبد الرحمن بن أبى نعم أنه كان لا يفطر فى رمضان كله إلا ~~مرتين ، وحكى مالك عن عامر بن عبد الله بن الزبير : ( أنه كان يواصل ليلة ~~ست عشرة وليلة سبع عشرة من رمضان ، لا يفرق بينهما ، فقيل له : ماذا تجده ~~يقوتك فى وصالك ؟ قال : السمن أشربه ، أجده يبل عروقى ، فأما الماء فإنه ~~يخرج من جسدى ) . وأجاز ابن وهب ، وأحمد بن حنبل ، وإسحاق الوصال من سحر ~~إلأى سحر ، واحتجوا بحديث أبى سعيد أن النبى ، عليه السلام ، قال : ( لا ~~تواوصلوا ، وأيكم أراد أن يواصل فليواصل حتى السحر ) . فأذن فى ذلك لمن ~~أطاقه من أمته على النحو الذى يجوز ، وذلك تأخير الأكل إلى السحر ، ونهى ~~عنه من كان له غير مطيق بقوله : ( فاكلفوا من العمل ما تطيقون ) بعد أن بين ~~لهم أنه قد أعطى من القوة على الوصال ما لم يعط غيره بقوله : ( إنى لست ~~كهيئتكم ، إنى أبيت يطعمنى ربى ms1184 ويسقينى ) . فأما الصوم ليلا فلا معنى له ، ~~لأن ذلك غير وقت للصوم ، كما شعبان غير وقت لصوم شهر رمضان ، وكذلك لا معنى ~~لتأخير الأكل إلى السحر لمن كان صائما فى رمضان إذا لم يكن تأخيره ذلك طلبا ~~للنشاط على قيام الليل ، لأن فاعل ذلك إن لم يفعله لما ذكرناه فإنه مجيع ~~نفسه فى غير ما فيه لله رضا ، فلا معنى لتركه الأكل بعد مغيب الشمس لقوله ~~عليه السلام : ( إذا غربت الشمس فقد أفطر الصائم ) ، وكره مالك ، والثورى ، ~~وأبو حنيفة ، والشافعى ، وجماعة الوصال على كل حال لمن قدر عليه ، ولم ~~يجيزوه لأحد ، واحتجوا أنه عليه السلام نهى عنه وقال : ( إذا نهيتكم عن شىء ~~فانتهوا ) . قالوا : ولما PageV04P109 قال : ( لست كهيئتكم ) ، أعلمهم أن ~~الوصال لا يجوز لغيره ، واحتجوا بقوله عليه السلام : ( إذا غربت الشمس فقد ~~أفطر الصائم ) . قالوا : فهذا يدل أن الوصال للنبى ، عليه السلام ، خصوص ، ~~وأن المواصل لا ينتفع بوصاله ، لأن الليل ليس موضعا للصوم بدليل هذا الحديث ~~، وبقوله : { ثم أتموا الصيام إلى الليل } [ البقرة : 187 ] . قال الطبرى : ~~وأما ما روى عن بعض الصحابة وغيرهم من تركهم الأكل الأيام ذوات العدد ليلا ~~ونهارا ، فإن ذلك كان منهم على أنحاء شتى ، فمنهم من كان ذلك منه لقدرته ~~عليه ، فيصرف فطره ، إذ لم يكن يمنعه تركه من أداء فرائض الله الواجبة عليه ~~إلى أهل الفقر والحاجة ، طلب ثواب الله وابتغاء وجهه ، مثل ما روى عن الحسن ~~أنه قال : لقد أدركنا أقواما ، وصحبنا طوائف ، إن أحدهم يمسى وما عنده من ~~العشاء إلا قدر ما يكفيه ، ولو شاء لأتى عليه ، فيقول : ما أنا بآكله حتى ~~أجعل لله منه ، ومنهم من كان يفعله استغناء عنه إذا كانت نفسه قد مرنت عليه ~~واعتادته ، كما حدثنى أبو كريب عن أبى بكر بن عياش ، عن الأعمش ، عن ~~إبراهيم التيمى قال : ربما لبثت ثلاثين يوما ما أطعم من غير صوم إلا الحبة ~~، وما يمنعنى ذلك من حوائجى ، قال الأعمش : وكان إبراهيم التيمى يمكث شهرين ~~لا يأكل ، ولكنه كان يشرب شربة نبيذ ms1185 ، ومنهم من كان يفعله منعا لنفسه ~~شهوتها ما لم تدعه إلأيه الضرورة ، ولا خاف العجز عن أداء الواجب لله عليه ~~، إرادة منه قهرها ، وحملها على الأفضل ، كالذى روينا عن مجاهد أنه قال : ( ~~لو أكلت كل ما أشتهى ما سويت حشفة ) . فما روى عن السلف أنهم كانوا يواصلون ~~الأيام الكثيرة فإنه على بعض هذه الوجوه التى ذكرت ، لا أنه كان يصوم الليل ~~، أو على أنه PageV04P110 كان يرى أن تركه الأكل والشرب فيه كصوم النهار ~~ولو كان ذلك صوما ، كان لمن شاء أن يفرد الليل بالصوم دون النهار ، والنهار ~~دون الليل ويقرنهما إذا شاء ، وفى إجماع من تقدم وتأخر ممن أجاز الوصال ، ~~وممن كرهه ، على أن إفراد الليل بالصوم إذا لم يتقدمه صوم نهار تلك الليلة ~~غير جائز ، أدل الدليل على أن صومه غير جائز ، وإن كان تقدمه صوم نهار تلك ~~الليلة . وقوله : ( إنى أبيت أطعم وأسقى ) ، فيه تأويلان : أحدهما : على ~~ظاهر الحديث يطعمه الله ويسقيه . والثانى : على الاستعارة . والمعنى أن ~~الله تعالى ، يرزقه قوة على الصيام كقوة من أكل وشرب ، والدليل على صحة هذا ~~القول الآخر أنه لو أطعم وأسقى على الحقيقة لم يكن مواصلا ، ولكان مفطرا . ~~* * * # | 46 - باب التنكيل لمن أكثر الوصال # رواه أنس عن النبى ، عليه السلام . / 58 - فيه : أبو هريرة ، قال : نهى ~~رسول الله عن الوصال فى الصوم ، فقال له رجل من المسلمين : إنك تواصل يا ~~رسول الله ، قال : ( وأيكم مثلى ، إنى أبيت يطعمنى ربى ويسقين ) ، فلما ~~أبوا أن ينتهوا عن الوصال ، واصل بهم يوما ، ثم يوما ، ثم رأوا الهلال ، ~~فقال : ( لو تأخر لزدتكم ) ، كالتنكيل لهم حين أبوا أن ينتهوا . قال المهلب ~~: لما نهاهم عليه السلام عن الوصال فلم ينتهوا ، بين لهم أنه مخصوص بالقوة ~~بقوله : ( إنى لست كهيئتكم ) ، لأن الله يطعمه ويسقيه ، فأرادوا تحمل ~~المشقة فى الاستنان به ، والاقتداء PageV04P111 به ، فواصل بهم كالمنكل لهم ~~على تركهم ما أمرهم به من الرخصة ، فبان بهذا أن الوصال ليس بحرام ، لأنه ~~لو كان حراما ما واصل بهم ، ولا أتى معهم ms1186 الحرام الذى نهاهم عنه . * * * # | 47 - باب من أقسم على أخيه ليفطر فى التطوع ولم ير عليه قضاء إذا كان ~~أوفق له # / 59 - فيه : أبو جحيفة ، قال : آخى النبى ، عليه السلام ، بين سلمان ~~وأبى الدرداء ، فزار سلمان أبا الدرداء ، فرأى أم الدرداء متبذلة ، فقال ~~لها : ما شأنك ؟ قالت : أخوك أبو الدرداء ليس له حاجة فى النساء فى الدنيا ~~، فجاء أبو الدرداء : فصنع له طعاما ، فقال : كل فإنى صائم ، قال : ما أنا ~~بآكل حتى تأكل ، قال : فأكل ، فلما كان الليل ذهب أبو الدرداء يقوم ، فقال ~~: نم ، فنام ، ثم ذهب يقوم ، فقال : نم ، فلما كان من آخر الليل ، قال ~~سلمان : قم الآن ، فصليا ، قال سلمان : إن لربك عليك حقا ، ولنفسك عليك حقا ~~، ولأهلك عليك حقا ، فأعط كل ذى حق حقه ، فأتى النبى ، عليه السلام ، فذكر ~~ذلك له ، فقال : ( صدق سلمان ) . اختلف العلماء فيمن دخل فى صلاة أو صيام ~~تطوع فقطعه عامدا ، فروى عن على بن أبى طالب ، وابن عباس ، وجابر بن عبد ~~الله نه لا قضاء عليه ، وبه قال الثورى ، والشافعى ، وأحمد ، وإسحاق ، ~~واحتجوا بحديث أبى جحيفة وقالوا : ألا ترى سلمان لما أمر بالفطر ~~PageV04P112 جوزه النبى ، عليه السلام ، وجعله أفقه منه ، واحتج ابن عباس ~~لذلك فقال : ( مثل ذلك كمثل رجل طاف سبعا ثم قطعه فلم يوفه ، فله ما احتسب ~~، أو صلى ركعة ثم انصرف ولم يصل أخرى ، فله ما احتسب ، أو ذهب بمال يتصدق ~~به فرجع ولم يتصدق ، أو تصدق ببعضه وأمسك بعضا ) ، فكره ابن عمر ذلك وقال : ~~( المفطر متعمدا فى صوم التطوع ذلك اللاعب بدينه ) ، وكره النخعى ، والحسن ~~البصرى ، ومكحول الفطر فى التطوع ، وقالوا : يقضيه ، وذكر ابن القصار عن ~~مالك أمنه من أفطر فى التطوع لغير عذر فعليه القضاء ، وإن أفطره لعذر فلا ~~قضاء عليه ، وقال أ [ و حنيفة وأصحابه : عليه القضاء وإن أفطر لعذر . واحتج ~~مالك لمذهبه بما رواه فى ( الموطأ ) ، عن ابن شهاب أن عائشة ، وحفصة زوجى ~~النبى ، عليه السلام ، أصبحتا صائمتين متطوعتين ، فأهدى لهما طعام ، ~~فأفطرتا عليه ، فدخل عليهما ms1187 رسول الله فأخبرتاه بذلك فقال رسول الله : ( ~~اقضيا مكانه يوما آخر ) . فكان معنى هذا الحديث عند مالك أنهما أفطرتا بغير ~~عذر ، فلذلك أمرهما بالقضاء ، ومن حجته أيضا قوله تعالى : { ولا تبطلوا ~~أعمالكم } [ محمد : 33 ] ، ومن أفطر متعمدا بعد دخوله فى الصوم فقد أبطل ~~عمله ، وقوله تعالى : { وأتموا الحج والعمرة } [ البقرة : 196 ] ، وأجمع ~~المسلمون أن المفسد لحجة التطوع وعمرته أن عليه القضاء ، فالقياس على هذا ~~الإجماع يوجب القضاء على مفسد صومه عامدا ، فإن قيل : فقد روى عن النبى ، ~~عليه السلام ، أنه قال : ( اقضيا إن شئتما يوما مكانه ) قيل : لا يصح ، ولو ~~صح لكان معناه أنهما أفطرتا لعذر ، فقال لهما : ( اقضيا إن شئتما ) . ~~وأفطرتا فى حال أخرى لغير PageV04P113 عذر ، فأمرهما بالقضاء حتى لا تتنافى ~~الأحاديث ، عن ابن القصار . ومن حجة أبى حنيفة ظاهر حديث مالك أن النبى ، ~~عليه السلام ، قال لعائشة وحفصة : ( اقضيا يوما مكانه ) ، ولم يشترط ذلك ~~لعذر ولا غيره ، فدل أنه موجب للقضاء فى جميع الأحوال . قال الطحاوى : ~~والنظر فى ذلك أنا رأينا أشياء تجب على العباد بإيجابهم لها على أنفسهم ، ~~منها الصلاة والصدقة والحج والعمرة والصيام ، فكان من أوجب شيئا من ذلك على ~~نفسه فقال : لله على كذا ، وجب الوفاء عليه بذلك ، وكان من دخل فى حج أو ~~عمرة تطوعا ثم أراد الخروج منهما لم يكن له ذلك ، وكان بدخوله فيهما فى حكم ~~من قال : لله على حج أو عمرة ، فعليه الوفاء بهما ، وإن خرج منهما بعذر أو ~~بغير عذر فعليه قضاؤهما ، والصلاة والصيام فى النظر كذلك . قال المهلب : ~~وفى حديث أبى جحيفة حجة لمالك أن من أفطر لعذر أنه لا قضاء عليه ، لأن فطر ~~أبى الدرداء إنما كان لوجه من أوجه الاجتهاد فى السنة وسلوك السبيل الوسطى ~~، ولم يكن إفطاره منتهكا ولا متهاونا فيجب عليه القضاء ، وإنما يجب القضاء ~~على من أفطر متهاونا بحرمة الصيام لغير عذر ولا وجه من أوجه الصواب . ألا ~~ترى أن ابن عمر لم يجد ما يصفه به إلا أن قال : ذلك المتلاعب بدينه ms1188 ، فإذا ~~لم يكن متلاعبا وكان لإفطاره وجه لم يكن عليه قضاء ، وفيه النهى عن التعمق ~~والغلو فى العبادة . واحتج الشافعى على من احتج عليه بالإجماع فى الحج ~~التطوع والعمرة أنه ليس لأحد الخروج منهما ، ومن خرج منهما قضاهما ، فإن ~~الصيام قياس على ذلك ، فقال : الفرق بين ذلك أن من أفسد PageV04P114 صلاته ~~أو صيامه أو طوافه كان عاصيا لو تمادى فى ذلك فاسدا ، وهو فى الحج مأمور ~~بالتمادى فيه فاسدا ، ولا يجوز له الخروج منه حتى يتمه على فساده ، ثم ~~يقضيه ، وليس كذلك الصوم والصلاة . * * * # | 48 - باب صوم شعبان # / 60 - فيه : عائشة ، قالت : ( كان عليه السلام ، يصوم حتى نقول لا يفطر ~~، ويفطر حتى نقول لا يصوم ، فما رأيت النبى استكمل صيام شهر إلا رمضان ، ~~وما رأيته أكثر صياما منه فى شعبان ) . وقالت أيضا : ( لم يكن النبى ، عليه ~~السلام ، يصوم شهرا أكثر من شعبان ، فإنه كان يصوم شعبان كله ، وكان يقول : ~~خذوا من العمل ما تطيقون ، فإن الله لا يمل حتى تملوا . . . ) الحديث . قال ~~المهلب : فيه من الفقه أن أعمال التطوع ليست منوطة بأوقات معلومة ، وإنما ~~هى على قدر الإرادة لها والنشاط فيها ، وقد روى فى بعض الحديث أن هذا ~~الصيام الذى كان يصوم فى شعبان كان لأنه عليه السلام يلتزم صوم ثلاثة أيام ~~من كل شهر كما قال لعبد الله بن عمرو ، لأن الحسنة بعشر أمثالها ، فذلك ~~صيام الدهر فكان يلتزم ذلك ، فربما شغل عن الصيام أشهرا فيجمع ذلك كله فى ~~شعبان ليدركه قبل صيام الفرض ، وفيه وجه آخر ، ذكر الطحاوى ، وابن أبى شيبة ~~من حديث يزيد بن هارون ، عن صدقة بن موسى ، عن ثابت ، عن أنس ، قال : سئل ~~رسول الله أى الصوم أفضل ؟ قال : ( صوم شعبان تعظيما لرمضان ) . ~~PageV04P115 وفيه وجه آخر ، ذكر الطحاوى من حديث ابن مهدى ، قال : حدثنا ~~ثابت بن قيس أبو الغصن ، عن أبى سعيد المقبرى ، عن أسامة بن زيد ، قال : ~~كان رسول الله يصوم يومين من كل جمعة لا يدعهما : يوم الاثنين والخمس ، ~~فقال عليه السلام : ( هذان ms1189 يومان تعرض فيهما الأعمال على رب العالمين ، ~~فأحب أن يعرض عملى وأنا صائم ) ، قال : وما رأيت رسول الله يصوم من شهر ما ~~يصوم من شعبان ، فسألته عن ذلك . فقال : ( هو شهر ترفع فيه الأعمال لرب ~~العالمين ، فأحب أن يرفع عملى وأنا صائم ) . وقول عائشة فى حديث يحيى عن ~~أبى سلمة بأنه كان يصوم شعبان كله ، فليس على ظاهره وعمومه ، والمراد أكثره ~~لا جميعه ، وقد جاء ذلك عنها مفسرا ، روى ابن وهب عن أسامة بن زيد ، قال : ~~حدثنى محمد بن إبراهيم ، عن أبى سلمة ، قال : ( سألت عائشة عن صيام رسول ~~الله فقالت كان يصوم حتى نقول لا يفطر ، ويفطر حتى نقول لا يصوم ، وكان ~~يصوم شعبان ، أو عامة شعبان ) . وروى عبد الرزاق عن ابن عيينة ، عن ابن أبى ~~لبيد ، عن أبى سلمة ، قال : سألت عائشة عن صيام رسول الله . . . ) فذكرت ~~الحديث ، وقالت : ( ما رأيت رسول الله أكثر صياما منه فى شعبان ، فإنه كان ~~يصومه كله إلا قليلا ) . وهذه الآثار تشهد لصحتها رواية أبى النضر عن أبى ~~سلمة ، عن عائشة : ( أنه ما استكمل صيام شهر قط إلا رمضان ) ، ومنها حديث ~~ابن عباس الذى فى الباب بعد هذا ، فهى أولى من رواية يحيى عن أبى سلمة . ~~وقوله : ( فإن الله لا يمل حتى تملوا ) ، فإن الله تعالى لا يجوز ~~PageV04P116 عليه الملل ، ولا هو من صفاته ، وإنما سمى المجازاة باسم الفعل ~~، وهذا هو أعلى طبقات الكلام ، وقد تقدم بيان هذا بزيادة فيه فى كتاب ~~الإيمان فى باب : أحب الدين إلى الله أدومه ، وفى آخر كتاب الصلاة فى باب : ~~ما يكره من التشديد فى العبادة . * * * # | 49 - باب ما يذكر من صوم النبى ، عليه السلام ، وإفطاره # / 61 - فيه : ابن عباس ، قال : ( ما صام النبى ، عليه السلام ، شهرا ~~كاملا قط غير رمضان ، ويصوم حتى يقول القائل : لا والله لا يفطر ، ويفطر ~~حتى يقول : لا والله لا يصوم ) . / 62 - وفيه : أنس : ( كان رسول الله يفطر ~~من الشهر حتى نظن ألا يصوم منه ، ويصوم حتى نظن ألا يفطر منه شيئا ms1190 ، وكان ~~لا تشاء تراه من الليل مصليا إلا رأيته ، ولا نائما إلا رأيته . . . ) ~~الحديث . قال المهلب : فى هذه الأحاديث من الفقه أن النوافل ليس لها أوقات ~~معلومة ، وإنما يراعى فيها وقت النشاط لها والحرص عليها . وفيه أن النبى ، ~~عليه السلام ، لم يلزم سرد الصيام الدهر كله ، ولا سرد الصلاة الليل كله ، ~~رفقا بنفسه وأمته لئلا يقتدى به فى ذلك فيجحف ، وإن كان قد أعطى عليه ~~السلام من القوة فى أمر الله ما لو التزم الصعب منه لم ينقطع عنه فركب من ~~العبادة الطريقة الوسطى ، فصام وأفطر ، وقام ونام ، وبهذا أوصى عبد الله بن ~~عمرو حين أراد التشديد على نفسه فى العبادة فقال : ( إنك لا تستطيع ذلك ، ~~فصم وأفطر ، وقم ونم ) ، فكان إذ كبر يقول : يا ليتنى قبلت رخصة رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - ) . PageV04P117 وقوله : ( ما مست حريرة ألين من كف ~~رسول الله ) . فهذا يدل على كمال فضائل رسول الله خلقا وخلقا ، وأما طيب ~~رائحته فإنما طيبها الله لمباشرته الملائكة ومناجاته لهم ، وقول ابن عباس : ~~( إن النبى ، عليه السلام ، ما صام شهرا كاملا قط غير رمضان ) ، يشهد لحديث ~~أبى النضر عن أبى سلمة ، عن عائشة بالصحة ، وهما مبينان لرواية يحيى بن أبى ~~كثير عن أبى سلمة ، عن عائشة ( أنه عليه السلام كان يصوم شعبان كله ) ، أن ~~المراد بذلك أكثره على ما جاء فى حديث محمد بن إبراهيم ، وابن أبى لبيد ~~جميعا عن أبى سلمة المذكورين فى الباب قبل هذا . # | 50 - باب حق الضيف فى الصوم # / 63 - فيه : عبدالله بن عمرو بن العاص ، قال : ( دخل على رسول الله . . ~~. ) فذكر الحديث إلى قوله : ( إن لزورك عليك حقا . . . ) إلى آخره . وقد ~~جاء عن النبى ، عليه السلام ، إكرام الضيف وبره ، وذلك من سنن المرسلين ، ~~ألا ترى ما صنع إبراهيم بضيفه حين جاءهم بعجل سمين ، وقال عليه السلام : ( ~~من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه ) ، ومن إكرام الضيف أن تأكل ~~معه ، ولا توحشه بأن يأكل وحده ، وهو معنى قوله عليه السلام : ( إن لضيفك ~~عليك ms1191 حقا ) ، يريد أن تطعمه أفضل ما عندك ، وتأكل معه ، ألا ترى أن أبا ~~PageV04P118 الدرداء كان صائما فزاره سلمان ، فلما قرب إلأيه الطعام قال : ~~لا آكل حتى تأكل ، فأفطر أبو الدرداء من أجله وأكل معه . والزور : الضيف ، ~~والرجل يأتيه زائرا الواحد والاثنان والثلاثة . والمذكر والمؤنث فى ذلك ~~بلفظ واحد ، يقال : هذا رجل زور ، ورجلان زور ، وقوم زور ، فيوحد فى كل ~~موضع ، لأنه مصدر وضع موضع الأسماء ، مثل ذلك هم قوم صوم وفطر وعدل فى أن ~~المذكر والمؤنث بلفظ واحد . * * * # | 51 - باب حق الجسم فى الصوم # / 64 - فيه : عبدالله بن عمرو ، قال لى رسول الله : ( يا عبدالله ، ألم ~~أخبر أنك تصوم النهار وتقوم الليل ؟ ! فقلت : بلى يا رسول الله ، قال : ( ~~فلا تفعل ، صم وأفطر ، وقم ونم ، فإن لجسدك عليك حقا ، وإن لعينك عليك حقا ~~، وإن لزوجك عليك حقا ، وإن لزورك عليك حقا ، وإن بحسبك أن تصوم كل شهر ~~ثلاثة أيام ، فإن لك بكل حسنة عشر أمثالها ، فإذا ذلك صيام الدهر كله ) ، ~~فشددت فشدد على ، قلت : يا رسول الله إنى أجد قوة ، قال : ( فصم صيام أخى ~~داود ، ولا تزد عليه ) ، قلت : وما صيام داود نبى الله ؟ قال : ( نصف الدهر ~~) ، فكان عبدالله يقول : بعد ما كبر : يا ليتنى قبلت رخصة رسول الله ) . ~~قال المهلب : وحق الجسم أن يترك فيه من القوة ما يستديم به العمل ، لأنه ~~إذا أجهد نفسه قطعها عن العبادة وفترت ، وقد جاء فى PageV04P119 الحديث ( ~~أن المنبت لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى ) ، وقال عليه السلام : ( أحب العمل ~~إلى الله ما داوم عليه صاحبه وإن قل ) ، وقال : ( اكلفوا من العمل ما ~~تطيقون ) ، فنهى عليه السلام عن التعمق فى العبادة وإجهاد النفس فى العمل ~~خشية الانقطاع ، ومتى دخل أحد فى شىء من العبادة لم يصلح له الانصراف عنها ~~. وقد ذم الله من فعل ذلك بقوله : { ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها } [ ~~الحديد : 27 ] الآية ، فوبخهم على ترك التمادى فيما دخلوا فيه ، ولهذا قال ~~عبد الله بن عمرو حين ضعف عن القيام بما كان التزمه : ( ليتنى ms1192 قبلت رخصة ~~رسول الله ) . * * * # | 52 - باب صوم الدهر # / 65 - فيه : عبدالله بن عمرو : أخبر رسول الله أنى أقول : والله لأصومن ~~النهار ، ولأقومن الليل ما عشت ، فقلت له : قد قلته بأبى أنت وأمى ، قال : ~~( فإنك لا تستطيع ذلك ، فصم وأفطر ، وقم ونم ، وصم من الشهر ثلاثة أيام ، ~~فإن الحسنة بعشر أمثالها ، وذلك مثل صيام الدهر ) ، قلت : فإنى أطيق أفضل ~~من ذلك ، قال : ( فصم يوما وأفطر يومين ) ، قلت : إنى أطيق أفضل من ذلك ، ~~قال : ( فصم يوما وأفطر يوما ، فذلك صيام داود وهو أفضل الصيام ) ، فقلت : ~~إنى أطيق أفضل من ذلك ، فقال عليه السلام : ( لا أفضل من ذلك ) . ~~PageV04P120 قال المهلب : فيه من الفقه أن التألى على الله فى أمر لا يجد ~~منه سعة ولا إلى غيره سبيلا منهى عنه ، كما نهى النبى ، عليه السلام ، عبد ~~الله بن عمرو عن ما تألى فيه من قيام الليل وصيام النهار ، وكذلك من حلف ~~ألا يتزوج ولا يأكل ولا يشرب ، فهذا كله غير لازم عند أهل العلم لقوله ~~تعالى : { يا أيها النبى لم تحرم ما أحل الله لك } [ التحريم : 1 ] وللذى ~~حلف ألا ينكح أن ينكح ، وكذلك سائر المحرجات الشاملة مباح له إتيان ما حلف ~~عليه وعليه كفارة اليمين بالله . وفيه : أن التعمق فى العبادة والإجهاد ~~للنفس مكروه لقلة صبر الشر على التزامها لا سيما فى الصيام الذى هو إضعاف ~~للجسم ، وقد رخص الله فيه فى السفر ، لإدخال الضعف على من تكلف مشقة الحل ~~والترحال ، فكيف إذا انضاف ذلك إلى من كلفه الله قتال أعدائه الكافرين حتى ~~تكون كلمة الله هى العليا ، ألا ترى أن النبى ، عليه السلام ، قال ذلك فى ~~هذا الحديث عن داود : ( وكان لا يفر إذا لاقى ) ، فإنه أبقى لنفسه قوة ، ~~لئلا تضعف نفسه عند المدافعة واللقاء . وقد كره قوم من السلف صوم الدهر ، ~~روى ذلك عن عمر ، وابن مسعود ، وأبى ذر ، وسلمان ، وعن مسروق ، وابن أبى ~~ليلى ، وعبد الله بن شداد ، وعمرو بن ميمون ، واعتلوا بقوله عليه السلام فى ~~صيام داود : ( لا أفضل ms1193 من ذلك ) . وقوله : ( لا صام من صام الأبد ، مرتين ) ~~، وقالوا : إنما نهى عن صيام الأبد لما فى ذلك من الإضرار بالنفس ، والحمل ~~عليها ، ومنعها من الغذاء الذى هو قوامها PageV04P121 وقوتها على ما هو ~~أفضل من الصوم كالصلاة النافلة وقراءة القرآن والجهاد وقضاء حق الزور ~~والضعيف ، وقد أخبر عليه السلام بقوله فى صوم داود : ( وكان لا يفر إذا ~~لاقى ) ، أن من فضل صومه على غيره إنما كان من أجل أنه كان لا يضعف عن ~~القيام بالأعمال التى هى الأفضل من الصوم ، وذلك ثبوته لحرب أعداء الله عند ~~التقاء الزحوف ، وتركه الفرار منهم ، فكان عليه السلاك إذ قضى بصوم داود ~~بالفضل على غيره من معانى الصيام قد بين أن كل من كان صومه لا يورثه ضعفا ~~عن أداء فرائض الله ، وعن ما هو أفضل من صومه ، وذلك من نفل الأعمال ، وهو ~~صحيح الجسم ، فغير مكروه له صومه ذلك . وكل من أضعفه صومه النفل عن أداء ~~شىء من فرائض الله فغير جائز له صومه ، بل هو محظور عليه ، فإن لم يضعفه عن ~~الفرائض ، وأضعفه عما هو أفضل منه من النوافل فإن صومه مكروه ، وإن كان غير ~~آثم ، وكان ابن مسعود يقل الصوم فقيل له فى ذلك ، فقال : إنى إذا صمت ضعفت ~~عن الصلاة ، والصلاة أحب إلى من الصوم ، وكان أبو طلحة لا يكاد يصوم على ~~عهد النبى من أجل الغزو ، فلما توفى النبى ، عليه السلام ، ما رأيته يفطر ~~إلا يوم فطر أو أضحى ، وقد سرد ابن عمر الصيام قبل موته بسنتين ، وسرد ~~الصيام أيضا أبو الدرداء ، وأبو أمامة الباهلى ، وعبد الله بن عمرو ، وحمزة ~~بن عمرو ، وعائشة ، وأم سلمة زوجا النبى ، وأسماء بنت أبى بكر ، وعبد الله ~~وعروة ابنا الزبير ، وأبو بكر بن عبد الرحمن ، وابن سيرين ، PageV04P122 ~~وقالوا : من أفطر الأيام التبى نهى رسول الله عن صيامها ، فليس بداخل فى ما ~~نهى عنه من صوم الدهر ، وقال مالك فى ( المجموعة ) : لا بأس بصيام الدهر ~~إذا أفطر يوم الفطر ، ويوم النحر ، وأيام منى ، وقد ms1194 قيل : إن رسول الله ~~إنما قال إذ سئل عن صوم الدهر : ( لا صام ولا أفطر ) ، لمن صام حتى هلك من ~~صومه ، حدثنى بذلك يعقوب بن إبراهيم ، حدثنا ابن علية ، عن خالد الحذاء ، ~~عن أبى قلابة : أن امرأة صامت حتى ماتت فقال النبى ، عليه السلام : ( لا ~~صامت ولا أفطرت ) ، ومن صام حتى بلغ به الصوم هذا الحد فلا شك أنه بصومه ~~ذلك آثم ، قاله الطبرى . * * * # | 53 - باب حق الأهل فى الصوم # / 66 - فيه : عبدالله بن عمرو : بلغ النبى أنى أسرد الصوم ، وأصلى الليل ~~، فقال : ( صم وأفطر ، وقم ونم ، فإن لعينيك عليك حظا ، ولنفسك وأهلك عليك ~~حظا ) ، قلت : إنى لأقوى لذلك ، يا رسول الله ، قال : ( فصم صيام داود ، ~~وكان يصوم يوما ، ويفطر يوما ، ولا يفر إذا لاقى ) ، قال : من لى بهذه يا ~~رسول الله . وقال : ( لا صام من صام الأبد مرتين ) . وترجم له باب : ( صوم ~~يوم وإفطار يوم ) ، وباب : ( صوم نبى الله داود ) . حق الأهل أن يبقى فى ~~نفسه قوة يمكنه معها جماعها ، فإنه حق يجب للمرأة المطالبة به لزوجها عند ~~بعض أهل العلم ، كما لها المطالبة بالنفقة عليها ، فإن عجز عن واحدة منهما ~~طلقت عليه بعد PageV04P123 الأجل فى ذلك ، هذا قول أبى ثور ، وحكاه عن أهل ~~الأثر ، ذكره ابن المنذر وجماعة الفقهاء على خلافه فى الطلاق إذا عجز عن ~~الوطء ، وسيأتى الكلام فى أحكام ذلك فى موضعه من كتاب النكاح ، إن شاء الله ~~. * * * # | 54 - باب صيام الأيام البيض ثلاث عشرة ، وأربع عشرة ، وخمس عشرة # / 67 - فيه : أبو هريرة : أوصانى النبى ، عليه السلام ، بثلاث : ( صيام ~~ثلاثة أيام من كل شهر ، وركعتى الضحى ، وأن أوتر قبل أن أنام ) . قال ~~المؤلف : ليس فى حديث أبى هريرة أن الثلاثة الأيام التى أوصاه بها من كل ~~شهر هى الأيام البيض كما ترجم به البخارى ، وهى موجودة فى حديث آخر ، روى ~~الطبرى ، قال : حدثنا مخلد بن الحسن ، حدثنا عبيد الله بن عمرو الرقى ، عن ~~زيد بن أبى أنيسة ، عن أبى إسحاق السبيعى ، عن جرير بن عبد الله ms1195 البجلى ، ~~عن النبى ، عليه السلام ، أنه قال : ( صيام ثلاثة أيام من كل شهر صيام ~~الدهر ، أيام البيض : صبيحة ثلاث عشرة وأربع عشرة وخمس عشرة ) ، وروى شعبة ~~، عن أنس بن سيرين ، عن عبد الملك بن المنهال ، عن أبيه ، قال : ( أمرنى ~~النبى ، عليه السلام ، بالأيام البيض ، وقال : هو صوم الشهر ) . وروى من ~~حديث عمر ، وأبى ذر عن النبى ، عليه السلام : أنه قال لأعرابى ذكر له أنه ~~صائم قال : ( أين أنت عن العز البيض : ثلاث عشرة وأربع عشرة وخمس عشرة ) . ~~PageV04P124 رواه ابن عيينة عن محمد بن عبد الرحمن مولى آل طلحة ، عن موسى ~~بن طلحة ، عن رجل من بنى تميم يقال له : ابن الحوتكية عن عمرو ، وأبى ذر . ~~وممن كان يصوم الأيام البيض من السلف : عمر بن الخطاب ، وابن مسعود ، وأ [ ~~و ذر ، ومن التابعين الحسن البصرى ، والنخعى ، وسئل الحسن البصرى لم صام ~~الناس الأيام البيض وأعرابى يسمع ، فقال الأعرابى : لأنه لا يكون الكسوف ~~إلآ فيها ، ويحب الله ألا تكون فى السماء آية إلا كانت فى الأرض عبادة . ~~قال الطبرى : فاختار هؤلاء صيام هذه الأيام البيض لهذه الآثار ، واختار قوم ~~من السلف صيام ثلاثة أيام من كل شهر غير معينة على ظاهر حديث أ [ ى هريرة ~~المذكور فى هذا الباب ، وروى معمر عن الجريرى ، عن أبى العلاء بن الشخير أن ~~أعرابيا سمع النبى ، عليه السلام ، قال : ( صوم شهر الصبر وثلاثة أيام من ~~كل شهر يذهبن كثيرا من وغر الصدر ) . قال مجاهد : وغر الصدر : هو غشه . ~~وممن كان يصوم ثلاثة أيام من كل شهر ويأمر بهن : على بن أبى طالب ، ومعاذ ~~بن جبل ، وأبو ذر ، وأبو هريرة ، وكان بعض السلف يختار الثلاثة من أول ~~الشهر ، وهو الحسن البصرى ، وكان بعضهم يختار الاثنين والخميس ، وهى أم ~~سلمة زوج النبى ، عليه السلام ، وقالت إنه أمرها بذلك ، وكان بعضهم يختار ~~السبت والأحد والاثنين ، ومن الشهر الذى يليه الثلاثاء والأربعاء والخميس ، ~~ومن الشهر الذى PageV04P125 يليه كذلك ، وهى عائشة أم المؤمنين ، ومنهم من ~~كان يصوم آخر الشهر ، وهو النخعى ms1196 ويقول : هو كفارة لما مضى ، فأما الذين ~~اختاروا صوم الاثنين والخميس فلحديث أم سلمة وأخبار أخر رويت عن النبى ، ~~عليه السلام ، أن الأعمال تعرض على الله فى الاثنين والخميس ، فأحبوا أن ~~تعرض أعمالهم على الله وهم صيام ، وأما الذين اختاروا ما اختارت عائشة ~~فلئلا يكون يوم من أيام السنة إلا قد صامه ، وأما الذين اختاروا ذلك من أول ~~الشهر فلما رواه شيبان عن عاصم بن بهدلة ، عن زر عن عبد الله بن مسعود ، ~~قال : ( كان النبى ، عليه السلام ، يصوم من غرة كل شهر ثلاثة أيام ) . قال ~~الطبرى : والصواب عندى فى ذلك أن جميع الأخبار عن النبى ، عليه السلام ، ~~صحاح ، ولكن لما صح عنه أنه اختار لمن أراد صوم الثلاثة الأيام من كل شهر ~~الأيام البيض ، فالصواب اختيار ما اختار عليه السلام ، وإن كان غير محظور ~~عليه أن يجعل صوم ذلك ما شاء من أيام الشهر ، إذ كان ذلك نفلا لا فرضا . ~~فإن قيل : أو ليس قد قلت أن النبى ، عليه السلام ، كان يصوم الاثنين ~~والخميس ، ويصوم الثلاثة من غرة الشهر ؟ . قيل : نعم ، ولا يدل على أن الذى ~~اختار للأعرابى من أيام البيض ليس كما اختار وأن ذلك من فعله دليل على أن ~~أمره للأعرابى ليس بالواجب ، وإنما هو أمر ندب وإرشاد ، وأن لمن أراد من ~~أمته صوم ثلاثة أيام من كل شهر تخير ما أحب من أيام الشهر ، فيجعل صومه ~~فيما اختار من PageV04P126 ذلك كما كان الرسول يفعله ، فيصوم مرة الأيام ~~البيض ، ومرة غرة الهلال ، ومرة الاثنين والخميس ، إذ كان لأمته الاستنان ~~به فيما لم يعلمهم أنه له خاص دونهم ، روى ابن القاسم عن مالك فى العتبية ~~أنه كره تعمد صوم الأيام البيض ، وقال : ما هذا ببلدنا ، وقال : الأيام ~~كلها لله ، وكره أن يجعل على نفسه صوم يوم يؤقته أو شهر ، قال عنه ابن وهب ~~: فإنه لعظيم أن يجعل على نفسه صوم يوم يؤقته أو شهر كالفرض ، ولكن يصوم ~~إذا شاء ، ويفطر إذا شاء . قال ابن حبيب : وبلغنى أن صوم ms1197 مالك بن أنس أول ~~يوم من الشهر واليوم العاشر واليوم العشرون . * * * # | 55 - باب من زار قوما فلم يفطر عندهم # / 68 - فيه : أنس : دخل النبى ، عليه السلام ، على أم سليم ، فأتته بتمر ~~وسمن ، فقال : ( أعيدوا سمنكم فى سقائه ، وتمركم فى وعائه ، فإنى صائم ) ، ~~ثم قام إلى ناحية من البيت ، فصلى غير المكتوبة ، فدعا لأم سليم ، وأهل ~~بيتها ، فقالت أم سليم : يا رسول الله ، إن لى خويصة ، قال : ( ما هي ) ؟ ~~قالت : خادمك أنس ، فما ترك خير آخرة ولا دنيا إلا دعا لى به ، قال : ( ~~اللهم ارزقه مالا وولدا وبارك له فيه ) ، فإنى لمن أكثر الأنصار مالا ، ~~وحدثتنى ابنتى أمينة أنه دفن لصلبى مقدم الحجاج البصرة بضع وعشرون ومائة . ~~فى هذا الحديث حجة لمالك والكوفيين أن الصائم المتطوع لا ينبغى له أن يفطر ~~بغير عذر ولا سبب موجب للإفطار ، وليس هذا الحديث بمعارض لإفطار أبى ~~الدرداء حين زاره سلمان وامتنع من الأكل إن لم PageV04P127 يأكل معه ، وهذه ~~توجب الإفطار ، لأن للضيف حقا كما قال عليه السلام . قال المهلب : وفيه أن ~~الصائم إذا دعى إلى طعام فليدع لأهله بالبركة يؤنسهم بذلك ويسرهم ، وفيه ~~وجوب الإخبار عن نعم الله عند الإنسان والإعلان بمواهبه ، وأن لا يجحد نعمه ~~، وبذلك أمر الله ، تعالى ، فى كتابه فقال : { وأما بنعمة ربك فحدث } [ ~~الضحى : 11 ] ، وفيه أن تصغير اسم الرجل على معنى التعطف له ، والترحم عليه ~~، والمودة له ، لا ينقصه ولا يحطه ، وفيه دليل على جواز رد الهدية والطعام ~~المبذول إذا لم يكن فى ذلك سوء أدب على باذله ومهديه ، ولا نقيصة عليه ، ~~ويخص الطعام من ذلاك أنه إذا لم يعلم من الناس حاجة فحينئذ يجمل رده ، وإذا ~~علم منهم حاجة فلا يرده ويبذله لأهله ، كما فعل عليه السلام بأم سليم فى ~~غير هذا الحديث حين بعث هو وأبو طلحة أنسا إلأيها لتعد الطعام لرسول الله ~~وأصحابه . * * * # | 56 - باب الصوم من آخر الشهر # / 69 - فيه : عمران قال النبى ، عليه السلام : ( يا فلان ، أما صمت سرر ~~هذا الشهر ) ؟ قال : أظنه ، قال ms1198 : يعنى رمضان ، قال الرجل : لا ، ~~PageV04P128 يا رسول الله ، قال : ( فإذا أفطرت ، فصم يومين ) ، لم يقل ~~الصلت : أظنه يعنى رمضان . وقال ثابت : عن مطرف ، عن عمران ، عن النبى ، ~~عليه السلام : ( من سرر شعبان ) . قال أبو عبيد : السرار آخر الشهر إذا ~~استسر الهلال ، قال ابن قتيبة : ربما استسر القمر ليلة أو ليلتين ، قال : ~~ويقال : سرر الشهر وسراره وسره ، وسرار أجود ، قال الخطابى : وفيه لغات ~~يقال : سرر الشهر وسراره وسره . قال الطبرى : فالذين اختاروا صيام الثلاثة ~~الأيام من آخر الشهر فإنهم تأولوا أن يكون ذلك كفارة لما مضى من ذنوبهم ، ~~ويجوز أن يكون معنى قوله : ( سرر هذا الشهر ) أى من وسطه ، لأنها الأيام ~~الغر التى كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يأمر بصيامها ، وسرارة كل ~~شىء وسطه وأفضله . قال ذو الرمة يصف حمارا : كأنه عن سرار الأرض محجوم يريد ~~عن وسطها ، وهو موضع الكلأ منها ، وقال ابن السكيت : سرار الأرض أكرمه ~~وأفضله ، وقال الخطابى : قد كان بعض أهل العلم يقول إن سؤاله عليه السلام ~~فى هذا الحديث سؤال زجر وإنكار ، لأنه قد نهى أن يستقبل الشهر بيوم أو ~~يومين ، ويشبه أن يكون هذا PageV04P129 الرجل قد كان أوجبهما على نفسه ~~فاستحب له الوفاء بهما ، وأن يجعل قضاؤهما فى شوال . * * * # | 57 - باب صوم يوم الجمعة # وإذا أصبح صائما يوم الجمعة فعليه أن يفطر ، يعنى إذا لم يصم قبله ، ولا ~~يريد أن يصوم بعده . / 70 - فيه : جابر ، نهى النبى ، عليه السلام ، عن صوم ~~يوم الجمعة ؟ قال : نعم . / 71 - وفيه : أبو هريرة ، قال : سمعت النبى ، ~~عليه السلام ، يقول : ( لا يصومن أحدكم يوم الجمعة إلا يوما قبله أو بعده ) ~~. / 72 - وفيه : أبو أيوب دخل النبى ، عليه السلام ، على جويرية يوم الجمعة ~~وهى صائمة ، فقال : ( أصمت أمس ) ؟ قالت : لا ، قال : ( تريدين أن تصومى ~~غدا ) ؟ قالت : لا ، قال : ( فأفطرى ) ، فأمرها فأفطرت . اختلف العلماء فى ~~صيام يوم الجمعة ، فنهت طائفة عن صومه إلا أن يصام قبله أو بعده على ما جاء ~~فى هذه الآثار ، روى هذا القول عن أبى هريرة ms1199 وسلمان ، وروى عن أبى ذر ، ~~وعلى بن أبى طالب أنهما قالا : إنه يوم عيد وطعام وشراب ، فلا ينبغى صيامه ~~، وهذا PageV04P130 قول ابن سيرين والزهرى ، وبه قال أحمد وإسحاق ، ومنهم ~~من قال : يفطر ليقوى على الصلاة فى ذلك اليوم ، وروى ذلك عن النخعى ، كما ~~قال ابن عمر : لا صيام يوم عرفة بعرفة من أجل الدعاء ، وأجازت طائفة صيامه ~~، روى عن ابن عباس أنه كان يصوم يوم الجمعة ويواظب عليه ، وقال مالك : لم ~~أسمع أحدا من أهل العلم والفقه ممن يقتدى به ينهى عن صيام يوم الجمعة ، ~~وصيامه حسن ، وقد رأيت بعض أهل العلم يصومه ، وأراه كان يتحراه ، وقيل : ~~إنه ابن المنكدر . وقال الشافعى : لا يبين لى أنه نهى عن صيام يوم الجمعة ~~إلا على الاختيار ، وقد روى عن ابن مسعود أنه قال : ( ما رأيت النبى عليه ~~السلام يفطر يوم الجمعة ) رواه شيبان عن عاصم ، عن زر ، عن عبد الله . ~~ورواه شعبة عن عاصم فلم يرفعه ، فهى علة فيه . وروى ليث ابن أبى سليم ، عن ~~عمير بن أبى عمير ، عن ابن عمر أنه قال : ( ما رأيت رسول الله مفطرا يوم ~~الجمعة قط ) وليث ضعيف ، وأحاديث النهى أصح . وأكثر الفقهاء على الأخذ ~~بأحاديث الإباحة ؛ لأن الصوم عمل بر ، فوجب ألا يمنع عنه بدليل لا معارض له ~~. قال المهلب : ويحتمل أن يكون نهيه عن صيام يوم الجمعة والله أعلم خشية أن ~~يستمر الناس الناس على صومه فيفرض عليهم ، كما خشى من صلاة الليل ، فقطعه ~~لذلك ، وخشى أن يلتزم الناس من تعظيم يوم الجمعة ما التزمه اليهود والنصارى ~~فى يوم السبت والأحد من ترك العمل والتعظيم ، فأمر بإفطاره ، ورأى أن قطع ~~الذرائع أعظم أجرا من إتمام ما نوى صومه لله . وذكر الطحاوى قال : روى ابن ~~وهب عن معاوية بن صالح ، عن أبى بشر ، عن عامر ابن لدين الأشعرى أنه سأل ~~أبا هريرة عن صيام PageV04P131 يوم الجمعة فقال : على الخبير وقعت ، سمعت ~~رسول الله يقول : إن يوم الجمعة عيدكم ، فلا تجعلوا يوم عيدكم يوم صيامكم ~~إلا ms1200 أن تصوموا قبله أو بعده ) . فكره رسول الله أن يقصد إليه بعينه بصوم ~~للتفرقة بينه وبين شهر رمضان وسائر الأيام ؛ لأن فريضة الله فى رمضان بعينه ~~وليس كذلك سائر الأيام والله أعلم . # | 58 - باب هل يخص من الأيام شيئا # / 73 - وفيه : علقمة ، قلت لعائشة : هل كان النبى ، عليه السلام ، يخص من ~~الأيام شيئا ؟ قالت : لا ، كان عمله ديمة ، وأيكم يطيق ما كان رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - يطيق . معناه : أنه كان لا يخص شيئا من الأيام دائما ~~ولا راتبا ، إلا إنه قد عنه عليه السلام أنه كان أكثر صيامه فى شعبان ، وقد ~~حض عليه السلام على صيام الاثنين والخميس ، ذكره عبد الرزاق وغيره ، لكن ~~كان صيامه عليه السلام على حسب نشاطه ، فربما وافق الأيام التى رغب فيها ، ~~وربما لم يوافقها ، وقد روى الطحاوى عن على بن شيبة ، حدثنا روح ، حدثنا ~~شعبة قال : حدثنا يزيد الرشك ، عن معاذة ، عن عائشة ( أنها سئلت أكان رسول ~~الله يصوم ثلاثة أيام من كل شهر ؟ قالت : نعم ، فقيل لها من أيه ؟ قالت : ~~ما كان يبالى من أى الشهر صامها ) . PageV04P132 # | 59 - باب صوم يوم عرفة # / 74 - فيه : أم الفضل أن الناس تماروا عندها يوم عرفة فى صوم النبى ، ~~عليه السلام ، فأرسلت إليه بقدح لبن ، وهو واقف على بعيره ، فشربه . / 75 - ~~وفيه : ميمونة ، أن الناس شكوا فى صيام النبى - صلى الله عليه وسلم - يوم ~~عرفة ، فأرسلت إليه بحلاب ، وهو واقف فى الموقف ، فشرب منه ، والناس ينظرون ~~. قال ابن المنذر : ثبت أن النبى عليه السلام أفطر يوم عرفة ، وروى عنه أن ~~صوم عرفة يكفر سنتين ، رواه الثورى عن منصور ، عن مجاهد ، عن حرملة بن إياس ~~الشيبانى ، عن أبى قتادة : ( أن رسول الله سئل عن صيام يوم عرفة فقال : ( ~~يكفر سنتين : سنة ماضية ، وسنة مستأخرة ) ، ورواه شعبة عن غيلان بن جرير ، ~~عن عبد الله بن معبد الزمانى ، عن أبى قتادة . واختلفوا فى صوم يوم عرفة ~~بعرفة فقال ابن عمر : لم يصمه النبى عليه السلام ولا أبو بكر ، ولا ms1201 عمر ، ~~ولا عثمان ، وأنا لا أصومه . وقال ابن عباس يوم عرفة : لا يصحبنا أحد يريد ~~الصيام ، فإنه يوم تكبير وأكل وشرب ، واختار مالك ، وأبو حنيفة ، والثورى ~~الفطر ، وقال عطاء : من أفطر يوم عرفة ليتقوى به على الذكر كان له مثل أجر ~~الصائم ، وكان ابن الزبير وعائشة يصومان يوم عرفة ، وكان الحسن يعجبه صوم ~~يوم عرفة ، ويأمر به الحاج ، وقال : رأيت عثمان بعرفة فى يوم شديد الحر وهو ~~صائم وهم يروحون عنه ، وكان PageV04P133 أسامة بن زيد ، وعورة بن الزبير ، ~~والقاسم بن محمد ، وسعيد بن جبير يصومون بعرفة ، وقال قتادة : لا بأس بذلك ~~إذا لم يضعف عن الدعاء ، وقال الشافعى : أحب صيام يوم عرفة لغير الحاج ، ~~فأما من حج فأحب أن يفطر ليقوى به على الدعاء ، وقال عطاء : أصومه فى ~~الشتاء ، ولا أصومه فى الصيف . قال الطبرى : وإنما أفطر عليه السلام بعرفة ~~ليدل على أن الاختيار فى ذلك الموضع للحاج الإفطار دون الصوم ؛ كيلا يضعف ~~عن الدعاء ، وقضاء ما لزمه من مناسك الحج ، وكذلك من كره صومه من السلف ~~فإنما كان لما بيناه من إيثرهم الأفضل من نفل الأعمال على ما دونه ، وإبقاء ~~على نفسه ليتقوى بالإفطار على الاجتهاد فى العبادة ، ومن آثر صومه أراد أن ~~يفوز بثواب صومه لقوله عليه السلام : ( للجنة باب يدعى الريان ، لا يدخل ~~منه إلا الصائمون ) . وقال المهلب : فى شربه عليه السلام اللبن يوم عرفة أن ~~العيان أقطع الحجج وأنه فوق الخبر ، وقد قال عليه السلام : ( ليس الخبر ~~كالمعاينة ) . وفيه أن الأكل والشرب فى المحافل مباح إذا كان لتبيين معنى ، ~~أو دعت إليه ضرورة ، كما فعل يوم الكديد إذا علم بما يريد بيانه من سنته ~~عليه السلام ، وفيه جواز قبول الهدية من النساء ، ولم يسألها إن كان من ~~مالها أو من مال زوجها ، إذا كان هذا المقدار لا يتشاح الناس فيه . ~~PageV04P134 # | 60 - باب صوم يوم الفطر # / 76 - فيه : عمر بن الخطاب ، قال : هذان يومان نهى رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - عن صيامهما ، يوم فطركم من صيامكم ms1202 ، واليوم الآخر تأكلون فيه ~~من نسككم . / 77 - وفيه : أبو سعيد ، نهى النبى ، عليه السلام ، عن صوم يوم ~~الفطر والنحر . قال الطبرى : إن قال قائل : إنك تكره صوم اليوم الذى يشك ~~فيه أنه من رمضان ، وصوم أيام التشريق نحو الذى تكره من صوم هذين اليومين ، ~~ويروى عن النبى عليه السلام من النهى عن صيامها نظير روايتك عنه النهى عن ~~صومهما ، ثم تجيز صوم أيام التشريق قضاء من واجب ، وتبيح صوم الشك تطوعا ، ~~فما بال يوم الفطر والأضحى خالفا حكم ذلك ، وهل اتفق حكم جميع ذلك كما اتفق ~~النهى عن صوم جميعها . قيل : لم نخالف بين حكم شىء من ذلك إلا لمخالفة الله ~~تعالى بين ذلك ، وذلك أن الأمة مجمعة وارثة عن نبيها أن صوم اليومين غير ~~جائز تطوعا ولا فريضة ، وهما يوما عيد ، وصحت الأخبار عن النبى عليه السلام ~~أنه كان يصوم شعبان فوصله برمضان ، وقيام الحجة بأن لم يجد من المتمتعين ~~هديا صوم أيام منى ، فذلك الدليل الثابت على افتراق أحكام ذلك . ~~PageV04P135 # | 61 - باب الصوم يوم النحر # / 78 - وفيه : أبو هريرة ، وأبو سعيد ، نهى النبى ، عليه السلام ، عن ~~صيامين الفطر والنحر . وجاء رجل إلى ابن عمر ، فقال : رجل نذر أن يصوم يوما ~~، قال : أظنه : قال : الاثنين ، فوافق ذلك يوم عيد ، فقال ابن عمر : أمر ~~الله بوفاء النذر ، ونهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن صوم هذا ~~اليوم . قد تقدم أن الأمة مجمعة على أنه لا يجوز صيام يوم الفطر والنحر ، ~~ولو نذر ناذر صيام يوم بعينه فوافق ذلك يوم فطر أو أضحى ، فأجمعوا أنه لا ~~يصومها . واختلفوا فى قضائهما ، فروى عن مالك فى ذلك ثلاثة أقوال ، روى ابن ~~وهب عنه أنه لا يقضيهما ، وروى ابن القاسم ، وابن وهب عنه أنه يقضيهما إلا ~~أن يكون نوى ألا يقضيهما ، وبه قال الأوزاعى ، وروينا عنه أنه لا يقضيهما ~~إلا أن يكون نوى أن يصومهما ، قال ابن القاسم : وقوله : لا قضاء عليه إلا ~~أن ينوى أن يقضيه ، أحب إلى ، وقال أبو حنيفة وصاحباه ms1203 : يقضيهما ، واختلف ~~قول الشافعى ، فمرة قال : يقضيهما ، ومرة قال : لا يقضيهما ، قال غيره : ~~والقياس ألا قضاء فى ذلك ؛ لأنه من نذر صوم يوم بعينه أنه لا يخلو أن يدخل ~~فيه صوم يوم الفطر والأضحى أو لا يدخل ، فإن دخل فى نذره فلا يلزمه ؛ لأن ~~من قصد إلى نذر صومه لم يلزمه ، ونذره باطل ، وإن لم يدخل فى نذره فهو أبعد ~~من أن يجب عليه قضاؤه . PageV04P136 # | 62 - باب صوم أيام التشريق # / 79 - فيه : عائشة ، أنها كانت تصوم أيام منى ، وكان أبوها يصومها . / ~~80 - وفيه : عائشة ، وابن عمر : الصيام لمن تمتع بالعمرة إلى الحج إلى يوم ~~عرفة ، فإن لم يجد هديا ولم يصم ، صام أيام منى . قال المؤلف : أيام ~~التشريق هى أيام منى ، وهى الأيام المعدودات ، وهى الحادى عشر والثانى عشر ~~والثالث عشر من ذى الحجة . قال ابن المنذر : واختلف العلماء فى صيامها ، ~~فروى عن ابن الزبير أنه كان يصومها ، وعن الأسود بن يزيد مثله ، وقال أنس : ~~كان أبو طلحة قل ما رأيته يفطر إلا يوم فطر أو أضحى ، وكذلك كان ابن سيرين ~~يصوم الدهر غير هذين اليومين ، وكان مالك والشافعى يكرهان صوم أيام التشريق ~~إلا للمتمتع الذى لا يجد الهدى ، فيصوم هذه الثلاثة الأيام ؛ لأنها فى الحج ~~إذا لم يصمها فى العشر على ما جاء عن عائشة وابن عمر ، وروى ذلك عن عبيد ~~ابن عمير وعروة ، وهو قول الأوزاعى وإسحاق ، ذكره ابن المنذر . وذكر ~~الطحاوى أن هؤلاء أباحوا صيام أيام التشريق للمتمتع والقارن والمحصر إذا لم ~~يجد هديا ولم يكونوا صاموا قبل ذلك ، ومنعوا منها من سواهم ، وخالفهم آخرون ~~فقالوا : ليس هؤلاء ولا لغيرهم من الناس أن صوموا هذه الأيام عن شىء من ذلك ~~، ولا عن كفارة ، ولا فى تطوع ؛ لنهى النبى عليه السلام عن ذلك ، ولكن على ~~المتمتع والقارن الهدى لتمتعهما وقرانهما ، وهدى آخر ؛ لأنهما حلا بغير صوم ~~، هذا قول الكوفيين ، وهو أحد قولى الشافعى ، وذكر ابن المنذر عن على بن ~~أبى طالب أن المتمتع إذا لم يجد الهدى ، ولم ms1204 PageV04P137 يصم الثلاثة ~~الأيام فى العشر ، يصومها بعد أيام التشريق ، وهو قول الحسن وعطاء ، واحتج ~~الكوفيون بما روى إسماعيل بن محمد بن سعد بن أبى وقاص ، عن أبيه ، عن جده ~~قال : ( أمرنى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن أنادى أيام منى أنها ~~أيام أكل وشرب ، ولا صوم فيها ) يعنى أيام التشريق ، وروته عائشة ، وعمرو ~~بن العاص ، وعبد الله بن حذافة ، وأبو هريرة كلهم عن النبى عليه السلام ~~فلما تواترت هذه الآثار بالنهى عن صيام أيام التشريق ، وكان نهيه عن ذلك ~~بمنى والحاج مقيمون بها ، وفيهم المتمتعون والقارنون ولم يستثن منهم أحدا ، ~~دخل فى ذلك المتمتعون والقارنون وغيرهم ، قال ابن القصار : ومن حجة مالك ~~قوله تعالى : { فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدى فمن لم يجد ~~فصيام ثلاثة أيام فى الحج } [ البقرة : 196 ] ، ولا خلاف بين العلماء أن ~~هذه الآية نزلت يوم التروية ، وهو الثامن من ذى الحجة ، فعلم أنه أباح لهم ~~صومها ، وأنهم صاموا فيها ؛ لأن الذى بقى من العشر الثامن والتاسع ، ~~والثامن الذى نزلت فيه الآية لا يصح صومه ؛ لأنه يحتاج إلى تبييت من الليل ~~، والعاشر يوم النحر ، والإجماع أنه لا يصام ، فعلم أنهم صاموا بعد ذلك . ~~وقول ابن عمر وعائشة : ( لم يرخص فى أيام التشريق أن يصمن إلا لمن لم يجد ~~الهدى ) يرفع الإشكال فى ذلك ، قال المهلب : ومن حجة مالك أيضا قول عمر بن ~~الخطاب فى يوم الفطر والنحر : ( هذان يومان نهى رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - عن صيامهما : يوم فطركم من صيامكم ، PageV04P138 والآخر يوم تاكلون ~~فيه من نسككم ) ، فخص اليومين بالنهى ، وبقيت أيام التشريق مباحة ، فأما ~~قوله عليه السلام : ( فإنها أيام أكل وشرب ) فإنما يختص بذلك من لم يكن ~~عليه صوم واجب ، فعلى هذا تتفق الأحاديث ، وفى إباحة صيامها للمتمتع حجة ~~لمالك فيما ترجح قوله فيه فيمن يبتدئ صوم الظهار فى ذى القعدة ، وقال : عسى ~~أن يجزئه إن نسى أو غفل إذا أفطر يوم النحر وصام أيام التشريق ، ثم وصل ~~اليوم الذى أفطره ms1205 ، رجوت أن يجزئه ، ويبتدئه أحب إلى ، وإنما قال ذلك ؛ لأن ~~صوم المتمع صوم واجب ، وإنما ينهى عن صيامها من ليس عليه صوم واجب ، وقال ~~غير واحد عن مالك : إن اليوم الرابع لم يختلف قوله فيه ، ولا يصام تطوعا ، ~~وقال ابن المنذر : مذهب ابن عمر فى صيام هذه الثلاثة الأيام من حين يحرم ~~بالحج وآخرها يوم عرفة ، وهذا معنى قول البخارى عن ابن عمر : ( الصيام لمن ~~تمتع بالعمرة إلى الحج إلى يوم عرفة ) . قال ابن المنذر : وجماعة الفقهاء ~~لا يختلفون فى جواز صيامها بعد الإجرام بالحج ، إلا عطاء فإنه قال : إن ~~صامهن حلالا أجزأه ، وهو قول أحمد بن حنبل ، قال أبو بكر : لا يجب الصوم ~~على المتمتع إلا بعد الإحرام ، فمن صام قبل ذلك كان تطوعا ، ولا يجزئه عن ~~فرضه ، وفى قوله تعالى : { فصيام ثلاثة أيام فى الحج } [ البقرة : 296 ] ~~أبين البيان أنه لا يجزئه صيامها فى غير الحج ، وهذا يرد أيضا ما روى عن ~~على والحسن وعطاء . PageV04P139 # | 63 - باب صيام يوم عاشوراء وإذا أصبح ولم ينو الصيام ثم صام # / 81 - فيه : ابن عمر ، قال النبى ، عليه السلام ، يوم عاشوراء : ( إن ~~شاء صام وإن شاء فطر ) . / 82 - وفيه : عائشة ، كان النبى ، عليه السلام ، ~~أمر بصيام يوم عاشوراء ، فلما فرض رمضان كان من شاء صام ، ومن شاء أفطر . ~~وقال معاوية : يا أهل المدينة أين علماؤكم ؟ سمعت النبى ، عليه السلام ، ~~يقول : ( هذا يوم عاشوراء ، ولم يكتب الله عليكم صيامه ، وأنا صائم فمن شاء ~~فليصم ، ومن شاء فليفطر ) . / 83 - وفيه : ابن عباس ، قال : قدم النبى ، ~~عليه السلام ، المدينة ، فرأى اليهود تصوم يوم عاشوراء ، فقال : ( ما هذا ) ~~؟ قالوا : هذا يوم صالح ، هذا يوم نجى الله بنى إسرائيل من عدوهم ، فصامه ~~موسى ، قال : ( فأنا أحق بموسى منكم ، فصامه وأمر بصيامه ) . وقال ابن عباس ~~: ما رأيت النبى ، عليه السلام ، يتحرى صيام يوم فضله على غيره إلا هذا ~~اليوم ، يوم عاشوراء ، وهذا الشهر ، يعنى شهر رمضان . / 84 - وفيه : سلمة ، ~~قال : أمر النبى ، عليه السلام ، رجلا من أسلم أن ms1206 أذن فى الناس : ( أن من ~~كان أكل فليصم بقية يومه ، ومن لم يكن أكل فليصم ، فإن اليوم يوم عاشوراء ) ~~. PageV04P140 اختلفت الآثار فى صوم يوم عاشوراء ، فدل حديث عائشة على أن ~~صومه كان واجبا قبل أن يفرض رمضان ، ودل أيضا أن صومه قد رد إلى التطوع بعد ~~أن كان فرضا ، ودل حديث سلمة أيضا على وجوبه . قال الطحاوى : وفى أمر النبى ~~عليه السلام إياهم بصومه بعد أن أصبحوا دليل على أن من كان فى يوم عليه ~~صومه بعينه ، ولم يكن نوى صومه من الليل أنه يجوز أن ينوى صومه بعد ما أصبح ~~إذا كان ذلك قبل الزوال . قال المؤلف : قد تقدمت هذه المسألة والخلاف فيها ~~فى باب ( إذا نوى بالنهار صوما ) . قال الطحاوى : ورويت عن الرسول آثار أخر ~~دليل على أن صومه اختيار لا فرض ، منها : حديث ابن عباس وذلك أنه أخبر ~~بالعلة التى من أجلها صامه النبى عليه السلام وأنه إنما صامه شكرا لله فى ~~إظهاره موسى على فرعون ، فدل ذلك على الاختيار لا على الفرض ، وعلى مثل ذلك ~~دل حديث ابن عمر ومعاوية . واختلفت الآثار أى يوم هو يوم عاشوراء ، فروى فى ~~حديث الحكم بن الأعرج أنه سأل ابن عباس عنه فقال : ( إذا أصبحت من تاسعه ~~فأصبح صائما ، قلت : كذلك كان يصوم النبى عليه السلام ؟ قال : نعم ) . قال ~~المؤلف : وهذا يدل أنه عنده اليوم التاسع ، وقد بين ذلك حماد ابن سلمة ، عن ~~على بن زيد ، عن عمار ابن أبى عمار ، عن ابن عباس قال : هو اليوم التاسع . ~~قال الطحاوى : وقد جاء فى حديث الحكم بن الأعرج أنه اليوم العاشر ، ذكر عبد ~~الرزاق ، عن إسماعيل بن عبد الله ، أخبرنى يونس بن عبيد ، PageV04P141 عن ~~الحكم بن الأعرج ، عن ابن عباس قال : ( إذا أصبحت فعد تسعا وعشرين يوما ، ~~ثم أصبح صائما فهو يوم عاشوراء ، يعنى عد من بعد يوم النحر ) وكذلك قال ~~الحسن البصرى ، وسعيد ابن المسيب : هو اليوم العاشر . وقالت طائفة : يصوم ~~التاسع والعاشر ، روى ذلك عن ابن عباس وأبى رافع ms1207 أصحاب أبى هريرة ، وابن ~~سيرين ، وهو قول الشافعى وأحمد وإسحاق ، هذا قول ابن المنذر ، وقال صاحب ~~العين : عاشوراء اليوم العاشر من المحرم ، وقيل هو التاسع ، قال الطحاوى : ~~وقد روى ابن أبى ذئب عن القاسم بن عباس ، عن عبد الله بن عمير ، عن ابن ~~عباس ، عن النبى عليه السلام أنه قال : ( لئن عشت للعام القابل لأصومن يوم ~~التاسع ، عاشوراء ) . وقال ابن أبى ذئب مرة فى حديثه ( لأصومن عاشوراء ، ~~يوم التاسع ) خلاف قوله : ( لأصومن يوم التاسع ) ؛ لأن قوله : ( لأصومن ~~عاشوراء ، يوم التاسع ) إخبار منه أنه يكون ذلك اليوم يوم عاشوراء ، وقوله ~~: ( لأصومن التاسع ) يحتمل لأصومنه مع العاشر لئلا أقصد بصومى إلى يوم ~~عاشوراء بعينه كما تفعل اليهود ، ولكنى أخلطه بغيره فأكون قد صمته بخلاف ما ~~تصومه اليهود ، وقد روى عن ابن عباس ما دل على هذا المعنى ، روى ابن جريح ~~عن عطاء ، عن ابن عباس قال : ( خالفوا اليهود ، صوموا يوم التاسع والعاشر ) ~~فدل ذلك على أن ابن عباس صرف تأويل قوله : ( لأصومن يوم التاسع ) إلى ما ~~صرفناه إليه ، وقد جاء ذلك عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، روى ابن ~~أبى ليلى عن داود بن على ، عن أبيه ، عن جده ابن عباس ، عن النبى ~~PageV04P142 عليه السلام فى صوم يوم عاشوراء : ( صوموه وصوموا قبله يوما أو ~~بعده ، ولا تشبهوا باليهود ) فثبت بهذا الحديث أن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - أراد بصوم يوم التاسع أن يدخل صوم يوم عاشوراء فى غيره من ~~الصيام حتى لا يكون مقصودا بعينه كما جاء عنه فى صيام يوم الجمعة ، روى ~~سعيد بن أبى عروبة ، عن قتادة ، عن سعيد بن المسيب ، عن عبد الله ابن عمرو ~~قال : ( دخل النبى عليه السلام على جويرية يوم جمعة وهى صائمة ، فقال لها : ~~( أصمت أمس ؟ ) قالت : لا ، قال : ( وتصومين غدا ؟ ) قالت : لا ، قال : ( ~~فأفطرى إذا ) قال الطحاوى : ووجه كراهيته إفراد هذه الأيام بالصيام التفرقة ~~بين شهر رمضان وبين سائر ما يصوم الناس غيره ؛ لأن شهر رمضان مقصود إليه ~~بعينه لفرضه بعينه ، وغيره ms1208 من الشهور ليس كذلك ، وبهذا كان يأخذ ابن عمر ~~فكان لا يصوم عاشوراء إلا أن يوافق صومه . وقال الطبرى : كراهية ابن عمر ~~لصيامه نظير كراهية من كره صوم رجب إذ كان شهر تعظمه الجاهلية ، فكره أن ~~يعظم فى الإسلام ما كان يعظمه أهل الجاهلية من غير تحريم صومه إذا ابتغى ~~بصومه ثواب الله عز وجل لا مريدا به إحياء سنة أهل الشرك . وقد جاء فى فضل ~~يوم عاشوراء ما روى شعبة عن غيلان بن جرير ، عن عبد الله بن معبد ، عن أبى ~~قتادة ، عن النبى عليه السلام قال فى صوم يوم عاشوراء : ( إنى أحتسب على ~~الله أن يكفر السنة التى قبله ) ، وكان يصومه من السلف : على بن أبى طالب ، ~~وأبو موسى ، وعبد الرحمن بن عوف ، وابن مسعود ، وابن عباس ، وأمر بصومه أبو ~~بكر وعمر . فإن قيل : فقد رخص فى صيام أيام بعينها مقصودة بالصوم ، وهى ~~PageV04P143 الأيام البيض ، فهذا دليل أنه لا بأس بالقصد بالصوم إلى يوم ~~بعينه . قال الطحاوى : قيل له : إنه قد قيل إن الأيام البيض إنما أمر ~~بصومها ؛ لأن الكسوف يكون فيها ، ولا يكون فى غيرها ، وقد أمر بالتقرب إلى ~~الله بالصلاة والعتاق وغير ذلك من أعمال البر عند الكسوف ، فأمر بصيام هذه ~~الأيام ، ليكون ذلك برا مفعولا بعقب الكسوف ، فذلك صيام غير مقصود به إلى ~~يوم لعلته فى نفسه ، ولكنه مقصود به فى وقت شكره لله لعرض كان فيه ، فلا ~~بأس بذلك ، فكذلك صيام يوم الجمعة إذا صامه رجل لعارض من كسوف شمس أو قمر ~~أو شكر الله لمعنى فلا بأس بذلك وإن لم يصم قبله يوما ولا بعده يوما . ~~وعاشوراء وزنه : فاعولا ، وهو من أبنية المؤنث ، وهو صفة لليلة ، واليوم ~~مضاف إليها ، وعلى ما حكاه الخليل أنه اليوم التاسع يكون عاشوراء صفة لليوم ~~، فيقال : سوم عاشوراء ، وينبغى ألا يضاف إلى اليوم ؛ لأن فيه إضافة الشىء ~~إلى نفسه ، ومن جعل عاشوراء صفة لليلة فهو أصح فى اللغة ، وهو قول من يرى ~~أنه اليوم العاشر ، وقال الداودى : قول ms1209 معاوية : ( أين علماؤكم ؟ ) . يدل ~~أنه سمع شيئا أنكره ، إما أن سمع قول من لا يرى بصومه فضلا ، أو سمع قول من ~~يقول إنه فرض ، فذكر ما روى فيه . وليوم عاشوراء فضائل منها : ما ذكر فى ~~الحديث أن الله فرق فيه البحر لموسى بن عمران ، وغرق فرعون وجنوده ، ومنها ~~ما روى معمر عن قتادة قال : ركب نوح فى السفينة فى رجب فى عشر بقين منه ، ~~ونزل من السفينة يوم عاشوراء . وقال عكرمة : هو يوم تاب الله PageV04P144 ~~فيه على آدم . وقال ابن حبيب : وفيه أخرج يوسف من الجب ، وفيه نجى الله ~~يونس من بطن الحوت ، وفيه تاب الله على قوم يونس ، وفيه ولد عيسى بن مريم ، ~~وفيه تكسى الكعبة البيت الحرام فى كل عام . وروى شعبة ، عن أبى الزبير ، عن ~~جابر ، عن النبى - صلى الله عليه وسلم - قال : ( من وسع على نفسه وأهله يوم ~~عاشوراء ، وسع الله عليه سائر السنة ) قال جابر وأبو الزبير وشعبة : جربناه ~~فوجدناه كذلك ، وقاله يحيى بن سعيد وابن عيينة أيضا . * * * # | 64 - باب فضل من قام رمضان # / 85 - فيه : أبو هريرة ، قال : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~يقول لرمضان : ( من قامه إيمانا واحتسابا ، غفر له ما تقدم من ذنبه ) . قال ~~ابن شهاب : فتوفى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والأمر على ذلك ، ثم ~~كان الأمر على ذلك فى خلافة أبى بكر وصدرا من خلافة عمر . / 86 - وفيه : ~~ابن عبدالقارى ، خرجت مع عمر ليلة فى رمضان إلى المسجد ، فإذا الناس أوزاع ~~متفرقون ، يصلى الرجل لنفسه ، ويصلى الرجل فيصلى بصلاته الرهط ، فقال عمر : ~~إنى أرى لو جمعت هؤلاء على قارئ واحد لكان أمثل ، ثم عزم ، فجمعهم على أبى ~~بن كعب ، ثم خرجت معه ليلة أخرى ، والناس يصلون بصلاة قارئهم ، قال عمر : ~~نعم البدعة هذه ، والتى ينامون عنها أفضل من التى يقومون ، يريد آخر الليل ~~، وكان الناس يقومون أوله . PageV04P145 / 87 - وفيه : عائشة ، أن النبى ، ~~عليه السلام ، خرج ليلة من جوف الليل ، فصلى فى المسجد ، وصلى رجال بصلاته ~~، فأصبح الناس ms1210 فتحدثوا ، فاجتمع أكثر منهم ، فصلى فصلوا معه ، فأصبح الناس ~~فتحدثوا ، فكثر أهل المسجد من الليلة الثالثة ، فخرج رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - فصلى فصلوا بصلاته ، فلما كانت الليلة الرابعة عجز المسجد عن ~~أهله حتى خرج لصلاة الصبح ، فلما قضى الفجر أقبل على الناس ، فتشهد ثم قال ~~: ( أما بعد ، فإنه لم يخف على مكانكم ، ولكنى خشيت أن تفترض عليكم فتعجزوا ~~عنها ) ، فتوفى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والأمر على ذلك . / 88 - ~~وفيه : عائشة ، قالت : لم يكن رسول الله يزيد فى رمضان ولا فى غيره على ~~إحدى عشرة ركعة ، يصلى أربعا ، فلا تسل عن حسنهن وطولهن ، ثم أربعا ، ثم ~~ثلاثا . . . الحديث . قوله : ( من قام رمضان إيمانا ) يعنى مصدقا بما وعد ~~الله من الثواب عليه ، وقوله : ( احتسابا ) يعنى يفعل ذلك ابتغاء وجه الله ~~تعالى . وفى جمع عمر الناس على قارئ واحد دليل على نظر الإمام لرعيته فى ~~جمع كلمتهم وصلاح دينهم ، قال المهلب : وفيه أن اجتهاد الإمام ورأيه فى ~~السنن مسموع منه مؤتمر له فيه ، كما ائتمر الصحابة لعمر فى جمعهم على قارئ ~~واحد ؛ لأن طاعتهم لاجتهاده واستنباطه طاعة لله تعالى لقوله : { ولو ردوه ~~إلى الرسول وإلى أولى الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم } [ النساء : ~~83 ] ، PageV04P146 وفيه جواز الاجتماع لصلاة النوافل ، وفيه أن الجماعة ~~المتفقة فى عمل الطاعة مرجو بركتها ، إذ دعاء كل واحد منهم يشمل جماعتهم ، ~~فلذلك صارت صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة ، فيجب أن تكون ~~النافلة كذلك ، وفيه أن قيام رمضان سنة لأن عمر لم يسن منه إلا ما كان رسول ~~الله يحبه ، وقد أخبر عليه السلام بالعلة التى منعته من الخروج إليهم ، وهى ~~خشية أن يفترض عليهم ، وكان بالمؤمنين رحيما ، فلما أمن عمر أن تفترض عليهم ~~فى زمانه لانقطاع الوحى ؛ أقام هذه السنة وأحياها ، وذلك سنة أربع عشرة من ~~الهجرة فى صدر خلافته . قال المهلب : وفيه أن الأعمال إذا تركت لعلة ، ~~وزالت العلة أنه لا بأس بأعادة العمل ، كما أمر عمر صلاة الليل فى رمضان ms1211 ~~بالجماعة ، وفيه أنه يجب أن يؤم القوم أقرؤهم ، فلذلك قال عمر : أبى أقرؤنا ~~، فلذلك قدمه عمر ، وهذا على الاختيار إذا أمكن ؛ لأن عمر قدم أيضا تميما ~~الدارى ، ومعلوم أن كثيرا من الصحابة أقرأ منه ، فدل هذا أن قوله عليه ~~السلام : ( يؤم القوم أقرؤهم ) إنما هو على الاختيار ، قول عمر : ( نعم ~~البدعة ) فالبدعة اختراع ما لم يكن قبل ، فما خالف السنة فهو بدعة ضلالة ، ~~وما وافقها فهو بدعة هدى ، وقد سئل ابن عمر عن صلاة الضحى فقال : بدعة ، ~~ونعم البدعة . وقوله : ( والتى ينامون عنها أفضل ) يعنى القيام آخر الليل ~~لحديث التنزل واستجابة الرب تعالى فى ذلك الوقت لمن دعاه ، PageV04P147 وقد ~~تقدم معنى قوله عليه السلام : ( خشيت أن يفترض عليكم ) فى باب ( تحريض ~~الرسول على صلاة الليل والنوافل من غير إيجاب ) فى آخر كتاب الصلاة ، فأغنى ~~عن إعادته ، وكذلك تقدم فى باب ( قيام النبى بالليل فى رمضان وغيره ) ~~واختلافهم فى عدد القيام فى رمضان ، ونذكر منه هنا طرفا لم يمض هناك ، وهو ~~أن قول عائشة : ( لم يكن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يزيد فى رمضان ~~ولا غيره على إحدى عشرة ركعة ) . فهذه الرواية مطابقة لما روى مالك عن محمد ~~ابن يوسف ، عن السائب بن يزيد قال : أمر عمر ، رضى الله عنه ، أبى بن كعب ~~وتميما الدارى أن يقوما للناس بإحدى عشرة ركعة . وقال الداودى وغيره : ~~وليست رواية مالك عن السائب بمعارضة برواية من روى عن السائب ثلاثا وعشرين ~~ركعة ، ولا ما روى مالك عن يزيد ابن رومان قال : ( كان الناس يقومون فى ~~رمضان بثلاث وعشرين ركعة ) معارضة لروايته عن السائب ؛ لأن عمر جعل الناس ~~يقومون فى أول أمره بإحدى عشرة ركعة كما فعل النبى عليه السلام وكانوا ~~يقرؤن بالمئين ويطولون القراءة ، ثم زاد عمر بعد ذلك فجعلها ثلاثا وعشرين ~~ركعة على ما رواه يزيد بن رومان ، وبهذا قال الثورى ، والكوفيون ، والشافعى ~~، وأحمد ، فكان الأمر على ذلك إلى زمن معاوية ، فشق على الناس طول القيام ~~لطول القراءة ، فخففوا القراءة وكثروا من الركوع ms1212 ، وكانوا يصلون تسعا ~~وثلاثين ركعة ، فالوتر منها ثلاث ركعات ، فاستقر الأمر على ذلك وتواطأ عليه ~~الناس ، وبهذا قال مالك ، فليس ما جاء من اختلاف أحاديث قيام PageV04P148 ~~رمضان يتناقض ، وإنما ذلك فى زمان بعد زمان ، والله الموفق ، وقد تقدم ~~اختلافهم فى تأويل قولها : ( يصلى أربعا ثم أربعا ) فى أبواب صلاة الليل فى ~~كتاب الصلاة ، وأن ذلك مرتب على قوله : ( صلاة الليل مثنى مثنى ) ، وأنه ~~سلم من الأربع ، والرد على من أنكر ذلك ، وكذلك تقدم فى باب ( تحريض النبى ~~على صلاة الليل والنوافل من غير إيجاب ) اختلافهم فى صلاة رمضان ، هل هى ~~أفضل فى البيت أو مع الإمام ؟ وقوله : ( فإذا الناس أوزاع ) قال صاحب ( ~~العين ) : أوزاع الناس : ضروبهم منهم ، والتوزيع : القسمة . * * * # | 65 - باب فضل ليلة القدر # قال تعالى : { إنا أنزلناه فى ليلة القدر } [ القدر : 1 ] إلى آخر السورة ~~. وقال ابن عيينة : ما كان فى القرآن : { وما أدراك } فقد أعلمه ، وما قال ~~: { وما يدريك } فإنه لم يعلمه . / 89 - فيه : أبو هريرة ، قال النبى - صلى ~~الله عليه وسلم - : ( من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه ~~. . . ) الحديث . قال ابن المنذر : معنى قوله : ( إيمانا ) يعنى : تصديقا ~~أن الله فرض عليه الصوم ، واحتسابا لثواب الله عليه ، وقد تقدم هذا المعنى ~~. وقوله : ( غفر له ما تقدم من ذنبه ) قول عام يرجى لمن PageV04P149 فعل ما ~~ذكره فى الحديث أن يغفر له جميع الذنوب : صغيرها وكبيرها ؛ لأنه لم يستثن ~~ذنبا دون ذنب ، وفى الخبر أن القيام فى ليلة القدر أرجى منه فى غيرها من ~~الليالى . وقوله : { إنا أنزلناه فى ليلة القدر } روى سعيد بن جبير ، عن ~~ابن عباس قال : نزل القرآن جملة واحدة فى ليلة القدر فى شهر رمضان إلى ~~السماء الدنيا ، فجعل فى بيت العزة ، ثم نزل على النبى - صلى الله عليه ~~وسلم - فى عشرين سنة . وقال ابن عباس أيضا : أنزل الله القرآن جملة واحدة ~~فى ليلة القدر إلى السماء الدنيا ، فكان يمواقع النجوم ، فكان الله ينزله ~~على رسوله بعضه فى إثر بعض ، فقالوا : { لولا ms1213 نزل عليه القرآن جملة واحدة ~~كذلك لنثبت به فؤادك ورتلناه ترتيلا } [ الفرقان : 32 ] . وذكر ابن وهب ، ~~عن مسلمة بن على ، عن عروة قال : ( ذكر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~أربعة من بنى إسرائيل فقال : اعبدوا الله ولم يعصوه طرفة عين ، فذكر أيوب ، ~~وزكريا ، وحزقيل ، ويوشع بن نون ، فعجب أصحاب النبى - صلى الله عليه وسلم - ~~من ذلك ، فأتاه جبريل فقال : يا محمد ، عجبت أمتك من عبادة هؤلاء النفر ~~ثمانين سنة لم يعصوا الله طرفة عين ، فقد أنزل الله عليك خيرا من ذلك ، ثم ~~قال : { إنا أنزلناه فى ليلة القدر } هذا أفضل مما عجبت منه أنت وأمتك ، ~~فسر بذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والناس معه ) . قال مالك : ~~وبلغنى عن سعيد بن المسيب أنه كان يقول : من شهد العشاء ليلة القدر فقد أخذ ~~بحظه منها . وقال ابن عباس : { فيها يفرق كل أمر حكيم } [ الدخان : 4 ] قال ~~: يكتب فى أم الكتاب فى ليلة القدر ما يكون من السنة إلى السنة . وقال ~~مجاهد : ليلة القدر PageV04P150 ليلة الحكم . وقال غيره : كأنه تقدر فيها ~~الأشياء . وقال قتادة : { سلام هى } قال : خير هى { حتى مطلع الفجر } . * * ~~* # | 66 - باب التمسوا ليلة القدر فى السبع الأواخر # / 90 - فيه : ابن عمر ، أن رجالا من أصحاب النبى ، عليه السلام ، أروا ~~ليلة القدر فى المنام فى السبع الأواخر ، فقال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - : ( أرى رؤياكم قد تواطأت فى السبع الأواخر ، فمن كان متحريها ، ~~فليتحرها فى السبع الأواخر ) . / 91 - وفيه : أبو سعيد ، اعتكفنا مع رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - العشر الأوسط من رمضان ، فخرج صبيحة عشرين ~~فخطبنا ، وقال : ( إنى أريت ليلة القدر ، ثم أنسيتها ، أو نسيتها ، ~~فالتمسوها فى العشر الأواخر فى الوتر ، وإنى رأيت أنى أسجد فى ماء وطين ، ~~فمن كان اعتكف مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فليرجع ) ، فرجعنا ، ~~وما نرى فى السماء قزعة ، فجاءت سحابة ، فمطرت حتى سال سقف المسجد ، وكان ~~من جريد النخل ، وأقيمت الصلاة ، فرأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~يسجد فى ms1214 الماء والطين حتى رأيت أثر الطين فى جبهته . قوله فى حديث ابن عمر ~~: ( فمن كان متحريها فليتحراها فى السبع الأواخر ) يريد فى ذلك العام الذى ~~تواطأت فيه الرؤيا على ذلك ، وهى ليلة ثلاث وعشرين ؛ لأنه قال فى حديث أبى ~~سعيد : PageV04P151 ( فالتمسوها فى العشر الأواخر فى الوتر ، وإنى رأيت أنى ~~أسجد فى ماء وطين فمطرنا فى ليلة إحدى وعشرين ) ، وكانت ليلة القدر فى حديث ~~أبى سعيد فى ذلك العام فى غير السبع الأواخر . قال الطحاوى : وعلى هذا ~~التأويل لا تتضاد الأخبار ، وفى حديث أبى سعيد زيادة معنى أنها تكون فى ~~الوتر ، وقد جاء فى حديث عبد الله بن أنيس أنه عليه السلام قال : ( ~~التمسوها الليلة ) ، وكانت ليلة ثلاث وعشرين ، فقال رجل : هذا أول ثمان ، ~~فقال : بل أول سبع ؛ لأن الشهر لا يتم ) فثبت بهذا أنها فى السبع الأواخر ، ~~وأنه قصد ليلة ثلاث وعشرين ؛ لأن ذلك الشهر كان ناقصا ، فدل هذا أنها قد ~~تكون فى غيرها من السنين بخلاف ذلك . قال المؤلف : وقد روى الثورى عن عاصم ~~بن أبى النجود ، عن زر بن حبيش قال : ( قلت لأبى بن كعب : أخبرنى عن ليلة ~~القدر ؛ فإن ابن مسعود قال : من يقم الحول يصبها . فقال : يرحمه الله ، لقد ~~علم أنها فى رمضان ، ولكن عمى على الناس لئلا يتكلوا ، والذى أنزل الكتاب ~~على محمد ، إنها فى رمضان ، وإنها ليلة سبع وعشرين ) . قال المهلب : ومن ~~ذهب إلى قول ابن مسعود وتأول منه أنها فى سائر السنة فلا دليل له إلا الظن ~~من دوران الزمان بالزيادة والنقصان فى الأهلة ، وذلك ظن فاسد ؛ لأنه محال ~~أن يكون تعليقها بليلة فى غير شهر رمضان كما لم يعلق PageV04P152 صيامها ~~بأيام معلومة تدور فى العام كله بالزيادة والنقصان فى الأهلة فيكون صوم ~~رمضان فى غير رمضان ، فكذلك لا يجب أن تكون ليلة القدر فى غير رمضان . قال ~~الطحاوى : وفى كتاب الله ما يدل أنها فى شهر رمضان خاصة ، وهو قول : { إنا ~~أنزلناه فى ليلة مباركة إنا كنا منذرين فيها يفرق كل أمر ms1215 حكيم } [ الدخان : ~~3 ، 4 ] ، فأخبر تعالى أن الليلة التى يفرق فيها كل أمر حكيم هى ليلة القدر ~~، وهى الليلة التى أنزل الله فيها القرآن فقال تعالى : { شهر رمضان الذى ~~أنزل فيه القرآن } [ البقرة : 185 ] فثبت بذلك أن تلك الليلة فى شهر رمضان ~~. والقزع : قطع من سحاب دقاق ، عن صاحب العين ، وقوله : ( من كان متحريها ) ~~يعنى : من كان قاصدا لها ، يقال : تحريت الشئ ، إذا قصدته وتعمدته ، وقوله ~~: ( إنى أرى رؤياكم قد تواطت ) فإن المحدثين يرونه كذلك ، وإنما هو تواطأت ~~بالهمز من قوله تعالى : { ليواطؤوا عدة ما حرم الله } [ التوبة : 37 ] ، ~~ومن قوله : { إن ناشئة الليل هى أشد وطءا } [ المزمل : 6 ] ، ولكنه يجوز فى ~~كلام كثير من العرب حذف الهمز ، ومعنى ( تواطت ) : اتفقت واجتمعت على شىء ~~واحد ، والتوطئة : التلبين يقال : وطأت لفلان هذا الأمر ، إذا سهلته ولينته ~~. # | 67 - باب تحرى ليلة القدر فى الوتر من العشر الأواخر فى رمضان # / 92 - فيه : عائشة ، قال ، عليه السلام : ( تحروا ليلة القدر فى الوتر ~~من العشر الأواخر من رمضان ) . PageV04P153 / 93 - وفيه : أبو سعيد الخدرى ~~، وقال النبى ، عليه السلام : ( وقد أريت هذه الليلة ثم أنسيتها ، فابتغوها ~~فى العشر الأواخر ، وابتغوها فى كل وتر ، وقد رأيتنى أسجد فى ماء وطين ) ، ~~فاستهلت السماء فى تلك الليلة ، فأمطرت فوكف المسجد فى مصلى النبى - صلى ~~الله عليه وسلم - ليلة إحدى وعشرين ، فبصرت عينى رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - ، فنظرت إليه انصرف من الصبح ووجهه ممتلئ طينا وماء . / 94 - وفيه : ~~ابن عباس ، قال النبى ، عليه السلام : ( التمسوها فى العشر الأواخر من ~~رمضان ، ليلة القدر فى تاسعة تبقى ، فى سابعة تبقى ، فى خامسة تبقى ) . ~~وقال ابن عباس ، عن النبى - صلى الله عليه وسلم - أيضا : ( هى فى العشر ~~الأواخر ، فى تسع يمضين ، أو فى سبع يبقين ) . وقال : ابن عباس : التمسوا ~~فى أربع وعشرين . قال الطبرى : اختلف الصحابة والتابعون لهم بإحسان فى ~~تحديد ليلة القدر بعينها ، مع اختلافهم عن النبى عليه السلام حدها ، قال ~~ابن مسعود : هى ليلة عشرة من رمضان . وقال على وابن ms1216 مسعود وزيد بن ثابت : ~~هى ليلة تسع عشرة . وقال بعضهم : ليلة إحدى وعشرين على حديث أبى سعيد ، روى ~~ذلك أيضا عن على وابن مسعود ، وقال آخرون : ليلة ثلاث وعشرين على حديث ابن ~~عمر ، وابن عباس . وروى ذلك عن ابن عباس وعائشة وبلال ، وقاله مكحول ، وقال ~~ابن عباس وبلال : هى ليلة أربع وعشرين ، وهو قول الحسن وقتادة ، وأحسب ~~الذين قالوا هذه PageV04P154 المقالة ذهبوا إلى قوله عليه السلام : ( ~~التمسوها لسبع بقين ) أن السابعة هى أول الليالى السبع البواقى ، وهى ليلة ~~أربع وعشرين إذا كان الشهر كاملا ، وقال على ، وابن عباس ، وأبى بن الكعب ، ~~ومعاوية : هى ليلة سبع وعشرين . وروى عن بن عمر أنه قال : هى فى رمضان كله ~~، وروى عبد الله بن بريدة عن معاوية ، عن النبى عليه السلام ( أنها آخر ~~ليلة ) . وقال أيوب عن أبى قلابة : إنها تجول فى ليالى العشر كلها . قال ~~الطبرى : والآثار المروية فى ذلك عن النبى عليه السلام صحاح ، وهى متفقة ~~غير مختلفة ، وذلك أن جميعها ينبئ عنه عليه السلام أنها فى العشر الأواخر ، ~~وغير منكر أن تتجول فى كل سنة فى ليلة من ليالى العشر كما قال أبو قلابة ، ~~وكان معلوما أنه عليه السلام إنما قال فى كل ليلة من الليالى التى أمر ~~أصحابه بطلبتها فيها أنها كانت عنده فى ذلك العام فى تلك اليلة ، فالصواب ~~أنها فى شهر رمضان دون شهور السنة ؛ لإجماع الجميع وراثة عن النبى عليه ~~السلام أنه قال : ( هى فى العشر الأواخر فى وتر منها ) ثم لا حد فى ذلك خاص ~~لليلة بعينها لا يعدوها إلى غيرها ؛ لأن ذلك لو كان محصورا على ليلة بعينها ~~لكان أولى الناس بمعرفتها النبى عليه السلام مع جده فى أمرها ليعرفها أمته ~~، فلم يعرفهم منها إلا الدلالة عليها أنها ليلة طلقة ، لا حارة ولا باردة ، ~~وأن الشمس تطلع فى صبيحتها بيضاء لا شعاع لها ، ولأن فى دلالته أمته عليها ~~بالآيات دون توقيفه على ليلة بعينها دليل واضح على كذب من زعم أنها تظهر فى ~~PageV04P155 تلك اليلة ms1217 للعيون ما لا يظهر فى سائر السنة من سقوط الأشجار ~~إلى الأرض ، ثم رجوعها قائمة إلى أماكنها ؛ إذ لو كان ذلك حقا ، لم يخفف عن ~~بصر من يقوم ليال السنة كلها ، فكيف ليالى شهر رمضان ، وأما الذى خصت به ~~هذه الليلة من دون سائر الليالى فإنها خير من ألف شهر ، يعنى بذلك أن عملا ~~فيها بما يرضى الله ويحبه من صلاة ودعاء وشبهه خير من عمل فى ألف شهر ليس ~~فيها ليلة القدر ، وأنه يستجاب فيها الدعاء ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم ، ~~وقال مالك فى قوله عليه السلام : ( التمسوها فى تاسعة تبقى ) هى ليلة إحدى ~~وعشرين و ( سابعة تبقى ) ليلة ثلاث وعشرين ، و ( خامسة تبقى ) ليلة خمس ~~وعشرين . قال المؤلف : وإنما يصح معناه وتوافق ليلة القدر وترا من الليالى ~~على ما ذكر فى الحديث إذا كان الشهر ناقصا ، فأما إن كان كاملا فإنها لا ~~تكون إلا فى شفع فتكون التاسعة الباقية ليلة ثنتين وعشرين ، والخامسة ~~الباقية ليلة ست وعشرين ، والسابعة الباقية ليلة أربع وعشرين على ما ذكره ~~البخارى عن ابن عباس ، فلا تصادف واحدة منهن وترا ، وهذا يدل على انتقال ~~ليلة القدر كل سنة فى العشر الأواخر من وتر إلى شفع ، ومن شفع إلى وتر ؛ ~~لأن النبى عليه السلام لم يأمر أمته بالتماسها فى شهر كامل دون ناقص ، بل ~~أطلق على طلبها فى جميع شهور رمضان التى قد رتبها الله مرة على التمام ، ~~ومرة على النقصان ، فثبت انتقالها فى العشر الأواخر كلها ما قاله أبو قلابة ~~. وقول ابن عباس فى حديثه : ( هى فى تسع يمضين أو فى سبع يبقين ) هو شك منه ~~أو من غيره فى أى اللفظين قال عليه السلام ، PageV04P156 ودل قوله فى ~~الحديث الآخر : ( فى سابعة تبقى ) أن الصحيح من لفظ الشك قوله : ( فى سبع ~~يبقين ) على طريقة العرب فى التأريخ إذا جازوا نصف الشهر فإنما يؤرخوا ~~بالباقى منه لا بالماضى ، ولهذا المنى عدوا تاسعة تبقى ليلة إحدى وعشرين ، ~~ولم يعدوها ليلة تسع وعشرين ، وعدوا سابعة ms1218 تبقى ليلة أربع وعشرين ، ولم ~~يعدوها ليلة سبع وعشرين لما لم يأخذوا العدد من أول العشر ، وإنما كان يكون ~~ذلك لو قال عليه السلام : ( فى تاسعة تمضى ) ولما قال عليه السلام : ( ~~التمسوها فى التاسعة والخامسة ) وكان كلاما مجملا يحتمل معانى ، وخشى عليه ~~السلام التباس معناه على أمته ، بين الوجه المراد منه فقال : ( فى تاسعة ~~تبقى ، وفى سابعة تبقى ، وفى خامسة تبقى ) ليزول الإشكال فى ذلك والله أعلم ~~. وقوله : ( فوكف المسجد ) قال صاحب الأفعال : يقال : وكف المطر والدمع ~~والبيت وكوفا ووكيفا ووكفانا : سال . * * * # | 68 - باب رفع معرفة ليلة القدر بتلاحى الناس # / 98 - وفيه : عبادة ، خرج النبى ، عليه السلام ، ليخبرنا بليلة القدر ، ~~فتلاحى رجلان من المسلمين ، فقال : ( خرجت لأخبركم بليلة القدر ، فتلاحى ~~فلان وفلان ، فرفعت ، وعسى أن يكون خيرا لكم ، فالتمسوها فى التاسعة ~~والسابعة والخامسة ) . وقوله : ( فرفعت ) يعنى رفع علمها عنه بسبب تلاحى ~~الرجلين ، PageV04P157 فحرموا به بركة ليلة القدر ، والتلاحى : التجادل ~~والتخاصم ، يقال : تلاحى فلان وفلان تلاحيا ، ولاحى فلان فلانا ملاحاة ~~ولحاء بالمد ، وهذا يدل أن الملاحاة والخلاف يصرف فضائل كثير من الدين ، ~~ويحرم أجرا عظيما ؛ لأن الله تعالى لم يرد التفرق من عباده ، وإنما أراد ~~الاعتصام بحبله ، وجعل الرحمة مقرونة بالاعتصام بالجماعة لقوله تعالى : { ~~ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك } [ هود : 118 ، 119 ] ، وروى عن الرسول ~~وجه آخر فى رفع معرفتها ، روى ابن وهب عن يونس ، عن ابن شهاب ، عن أبى سلمة ~~، عن أبى هريرة ، أن رسول الله قال : ( أريت ليلة القدر ، ثم أيقظنى بعض ~~أهلى فنسيتها ، فالتمسوها فى العشر الغوابر ) . قال الطحاوى : وهذا خلاف ~~حديث عبادة ، إلا أنه قد يجوز أن يكون ذلك كان فى عامين ، فرأى رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - فى أحدهما ما ذكره عنه أبو هريرة قبل كون الليلة التى ~~هى ليلة القدر ، وذلك لا ينفى أن يكون فيما بعد ذلك العام فيما قبل ذلك من ~~الشهر ، ويكون ما ذكره عبادة على أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقف ~~على ليلة القدر بعينها ، ثم ms1219 خرج ليخبرهم بها فرفعت ، ثم أمر بالتماسها فيما ~~بعد ذلك العام فى التاسعة والسابعة والخامسة ، وذلك كله على التحرى لا على ~~اليقين ، فدل ذلك على انتقالها . وقوله : ( عسى أن يكون خيرا لكم ) يريد أن ~~البحث عنها والطلب لها بكثير من العمل ، هو خير من هذه الجهة ، والغوابر : ~~البواقى فى آخر الشهر ، ومنه قوله تعالى : { إلا عجوزا فى الغابرين } [ ~~الشعراء : 171 ] يعنى الباقين الذين أتت عليهم الأزمنة ، وقد تجعله العرب ~~بمعنى الماضى أحيانا ، وهو من الأضداد ، عن الطبرى . PageV04P158 # | 69 - باب العمل فى العشر الأواخر من رمضان # / 96 - فيه : عائشة ، قالت : ( كان النبى ، عليه السلام ، إذا دخل العشر ~~الأواخر شد مئزره ، وأحيا ليله ، وأيقظ أهله ) . إنما فعل ذلك عليه السلام ~~؛ لأنه أخبر أن ليلة القدر فى العشر الأواخر ، فسن لأمته الأخذ بالأحوط فى ~~طلبها فى العشر كله لئلا تفوت ، إذ يمكن أن يكون الشهر ناقصا وأن يكون ~~كاملا ، فمن أحيا ليال العشر كلها لم يفته منها شفع ولا وتر ، ولو أعلم ~~الله عباده أن فى ليالى السنة كلها مثل هذه الليلة لوجب عليهم أن يحيوا ~~الليالى كلها فى طلبها ، فذلك يسير فى جنب طلب غفرانه ، والنجاة من عذابه ، ~~فرفق تعالى بعباده وجعل هذه الليلة الشريفة موجودة فى عشر ليال ؛ ليدركها ~~أهل الضعف وأهل الفتور فى العمل منا من الله ورحمة . وقال سفيان الثورى : ~~قوله : ( شد مئزره ) فى هذا الحديث يعنى : لم يقرب النساء ، وفى قوله : ( ~~أيقظ أهله ) من الفقه أن للرجل أن يحض أهله على عمل النوافل ، ويأمرهم بغير ~~الفرائض من أعمال البر ، ويحملهم عليها . كمل ( كتاب الصيام ) بحمد الله ~~وحسن عونه وتأييده ، وصلى الله على محمد رسوله ، خير خلقه ، وصفوة عبيده ~~PageV04P159 بسم الله الرحمن الرحيم # | 17 - كتاب الاعتكاف # # | 1 - باب الاعتكاف فى العشر الأواخر # الاعتكاف فى المساجد كلها لقوله تعالى : { ولا تباشروهن وأنتم عاكفون فى ~~المساجد } [ البقرة : 187 ] الآية . / 1 - فيه : ابن عمر ، وعائشة ، أن ~~النبى ، عليه السلام ، كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان ، زادت عائشة : ~~حتى توفاه الله ، ثم اعتكف ms1220 أزواجه من بعده . / 2 - وفيه : أبو سعيد ، أن ~~النبى ، عليه السلام ، كان يعتكف فى العشر الأوسط من رمضان ، فاعتكف عاما ~~حتى إذا كان ليلة إحدى وعشرين ، وهى الليلة التى يخرج من صبيحتها من ~~اعتكافه ، قال : ( من كان اعتكف معى فليعتكف العشر الأواخر ، وقد أريت هذه ~~الليلة ثم أنسيتها ، وقد رأيتنى أسجد فى ماء وطين من صبيحتها ، فالتمسوها ~~فى العشر الأواخر ، والتمسوها فى كل وتر . . . ) الحديث . العكوف فى اللغة ~~: اللزوم للشىء والمقام عليه ، وقال عطاء : قال يعلى بن أمية : إنى لأمكث ~~فى المسجد الساعة ، وما أمكث إلا لأعتكف . قال عطاء : وهو اعتكاف ما مكث ~~فيه ، وإن جلس فى المسجد احتساب الخير فهو معتكف وإلا فلا . PageV04P160 ~~وأجمع العلماء أن الاعتكاف لا يكون إلا فى المساجد لقوله تعالى : { وأنتم ~~عاكفون فى المساجد } [ البقرة : 187 ] . وقال حذيفة : لا اعتكاف إلا فى ~~مسجد مكة أو المدينة أو بيت المقدس . وقال سعيد بن المسيب : لا اعتكاف إلا ~~فى مسجد نبى ، وذهب هؤلاء إلى أن الآية خرجت على نوع من المساجد ، وهو ما ~~بناه نبى ؛ لأن الآية نزلت على النبى عليه السلام وهو معتكف فى مسجده ، ~~فكان القصد والإشارة إلى نوع تلك المساجد مما بناه نبى ، وذهبت طائفة إلى ~~أنه لا اعتكاف إلا فى مسجد تجمع فيه الجمعة ، روى هذا القول عن على ، وابن ~~مسعود ، وعروة ، وعطاء ، والحسن ، وابن شهاب ، وهو قول مالك فى ( المدونة ) ~~، قال : أما من تلزمه الجمعة فلا يعتكف إلا فى الجامع ، قال : وأقل ~~الاعتكاف عشرة أيام ، وروى عنه ابن القاسم فى العتبية : لا بأس بالاعتكاف ~~يوما أو يومين ، وقد روى أن أقله يوم وليلة ، وقال فى المدونة : لا أرى أن ~~يعتكف أقل من عشرة أيام ، فإن نذر دونها لزمه . وقالت طائفة : الاعتكاف فى ~~كل مسجد جائز ، روى ذلك عن النخعى ، وأبى سلمة والشعبى ، وهو قول أبى حنيفة ~~، والثورى ، والشافعى ، وأحمد ، وهو قول مالك فى ( الموطأ ) ، قال : لا ~~أراه كره الاعتكاف فى المساجد التى لا يجمع فيها ، إلا كراهية أن يخرج ~~المعتكف من مسجده ms1221 الذى اعتكف فيه إلى الجمعة ، فإن كان PageV04P161 مسجدا ~~لا يجمع فيه ، ولا يجب على صاحبه إتيان الجمعة فى مسجد سواه ، فلا أرى بأسا ~~بالاعتكاف فيه ؛ لأن الله تعالى قال : { ولا تباشروهن وأنتم عاكفون فى ~~المساجد } [ البقرة : 187 ] فعم المساجد كلها ولم يخص منها شيئا ، ونحوه ~~قال الشافعى : المسجد الجامع أحب إلى ، وإن اعتكف فى غيره فمن الجمعة إلى ~~الجمعة . قال المهلب : وقول أبى سعيد فى هذا الحديث : ( حتى إذا كان ليلة ~~إحدى وعشرين ، وهى الليلة التى يخرج من صبيحتها من اعتكافه ) فليس معارضا ~~لما روى فى حديث أبى سعيد ( أن النبى عليه السلام خرج صبيحة عشرين فخطبهم ) ~~والمعنى واحد ، وذلك أنه قد روى جماعة هذا الحديث وقالوا فيه : وهى الليلة ~~التى يخرج فيها من اعتكافه . وهذا هو الصحيح ؛ لأن يوم عشرين معتكف فيه ، ~~وبه تتم العشرة الأيام ؛ لأنه دخل فى أول الليل فيخرج فى أوله ، فيكون معنى ~~قوله : ( فى ليلة إحدى وعشرين ، وهى الليلة التى يخرج من صبيحتها ) يريد ~~الصبيحة التى قبل ليلة إحدى وعشرين ، وأضافها إلى الليلة كما تضاف أيضا ~~الصبيحة التى بعدها إلى الليلة ، وكل متصل بشىء فهو مضاف إليه ، سواء كان ~~فيه أو بعده ، وإن كانت العادة فى نسبة الصبيحة إلى الليلة التى قبلها ؛ ~~لتقديم الليل على النهار ، فإن نسبة الشىء إلى ما بعده جائز بدليل قوله ~~تعالى : { لم يلبثوا إلا عشية أو ضحاها } [ النازعات : 46 ] فنسب الضحى إلى ~~ما بعده ، ويبين ذلك رواية من روى عن أبى سعيد ( فخرجنا صبيحة عشرين ) فلا ~~إشكال فى هذا بعد بيان أبى سعيد أنها صبيحة عشرين وبعد قول من روى : ( فى ~~ليلة إحدى وعشرين ، وهى الليلة التى يخرج فيها PageV04P162 من الاعتكاف ) ، ~~وسيأتى حكم خروج المعتكف فى بابه إن شاء الله . وقوله : ( وكان المسجد على ~~عريش ) قال صاحب ( العين ) : العريش شبه الهودج ، وعريش البيت سقفه ، وقال ~~الداودى : كان الجريد قد بسط فوق الجذوع بلا طين ، فكان المطر يسقط داخل ~~المسجد ، وكان عليه السلام قال لبنى النجار : ( ثامنونى بحائطكم هذا . ~~فقالوا : لا ms1222 نطلب ثمنه إلا إلى الله . فأخرج قبور المشركين ، وقطع النخل ~~التى كانت فيه ، فجعل منها سوارى وجذوعا وألقى الجريد عليها ، فقيل له بعد ~~ذلك : يا رسول الله ، ألا تبنيه ؟ قال : بل عريش كعريش موسى ) . * * * # | 2 - باب الحائض ترجل المعتكف # / 3 - فيه : عائشة ، قالت : كان النبى - صلى الله عليه وسلم - يصغى إلى ~~رأسه ، وهو مجاور فى المسجد ، فأرجله وأنا حائض . قولها : ( كان يصغى إلى ~~رأسه ) يعنى أنه كان يدخل رأسه وكتفيه إل الحجرة فترجله ، لئلا يخرج من ~~المسجد ما وجد المقام فيه ؛ لأن الحائض لا تدخل المسجد ، وقد ترجم له باب ( ~~المعتكف يدخل رأسه البيت للغسل ) ، وقال فيه : ( كانت عائشة ترجل النبى ~~عليه السلام وهى حائض ، وهو معتكف فى المسجد ، وهى فى PageV04P163 حجرتها ~~يناولها رأسه ) ، وفيه جواز ترجيل رأس المعتكف ، وفى ذلك دليل على أن ~~اليدين من المرأة ليستا بعورة ، ولو كانتا عروة ما باشرته بهما فى اعتكافه ~~، ويشهد لذلك أن المرأة تنهى عن لبس القفارين فى الإحرام ، وتؤمر بستر ما ~~عدا وجهها وكفيها ، وهكذا حكمهما فى الصلاة ، وفيه من الفقه أن الحائض طاهر ~~إلا موضع النجاسة منها ، والجوار والاعتكاف سواء عند مالك ، حكمهما واحد ~~إلا من جاور نهارا بمكة ، وانقلب ليلا إلى أهله فلا صوم فيه ، وله أن يطأ ~~أهله ، قال : وجوار مكة أمر يتقرب به إلى الله كالرباط والصيام . وقال عمرو ~~بن دينار : الاعتكاف والجوار واحد . وقال عطاء : هما مختلفان ، كانت بيوت ~~النبى عليه السلام فى المسجد ، فلما اعتكف فى شهر رمضان خرج من بيوته إلى ~~بطن المسجد فاعتكف فيه ، والجوار بخلاف ذلك إن شاء الله جاور بباب المسجد ~~أو فى جوفه إن شاء . وقال مجاهد : الحرم كله مسجد يعتكف فى أيه شاء ، وإن ~~شاء فى منزله ، إلا أنه لا يصلى إلا فى جماعة . # | 3 - باب لا يدخل البيت إلا لحاجة # / 4 - فيه : عائشة ، قالت : وإن كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~ليدخل على رأسه ، وهو فى المسجد فأرجله ، وكان PageV04P164 لا يدخل البيت ~~إلا لحاجة إذا كان معتكفا ms1223 . قولها : ( وكان يدخل البيت إلا لحاجة ) تريد ~~الغائط والبول ، وهكذا فسره الزهرى وهو راوى الحديث ، ورواه مالك عن ابن ~~شهاب ، عن عروة ، عن عمرة ، عن عائشة وقال فيه : ( وكان لا يدخل البيت إلا ~~لحاجة الإنسان ) . وقال أبو داود : لم يتابع أحد مالكا فى هذا الحديث على ~~ذكره عمرة ، واضطرب فيه أصحاب ابن شهاب ، فقالت طائفة عنه عن عروة ، عن ~~عائشة وكذلك رواه ابن مهدى عن مالك ، وقالت طائفة : عن عروة وعمرة جميعا عن ~~عائشة . وكذلك رواه ابن وهب عن مالك ، وأكثر الرواة عن مالك عن عروة ، عن ~~عمرة ، فخطؤه فى ذكر عمرة . قال المؤلف : ولهذه العلة والله أعلم لم يدخل ~~البخارى حديث مالك ، وإن كان فيه زيادة تفسير ، لكنه ترجم للحديث بتلك ~~الزيادة إذ كان ذلك عنده معنى الحديث . وقولها : ( وكان لا يدخل البيت إلا ~~لحاجة الإنسان ) يدل أن المعتكف لا يشتغل بغير ملازمة المسجد للصلوات ~~وتلاوة القرن وذكر الله ، ولا يخرج إلا لما له إليه حاجة ، وفى معنى ترجيل ~~رأس رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جواز استعمال الإنسان كل ما فيه صلاح ~~بدنه من الغذاء وغيره ، ومن جهة النظر أن المعتكف ناذر جاعل على نفسه ~~المقام فى المسجد لطاعة الله ، فواجب عليه الوفاء بذلك ، وألا يشتغل عنه ~~بما يلهيه ، ولا يخرج إلا لضرورة كالمرض البين ، والحيض فى النساء ، وهذا ~~فى معنى خروجه لحاجة الإنسان . واختلفوا فى خروجه لما سوى ذلك ، فروى عن ~~النخعى والحسن البصرى وابن جبير أن له أن يشهد الجمعة ، ويعود المرضى ، ~~ويتبع الجنائز ، وذكر ابن الجهم عن مالك أنه يخرج إلى الجمعة ، ويتم ~~اعتكافه فى الجامع . وقال عبد الملك : إن خرج إلى الجمعة فسد اعتكافه . ~~ومنعت طائفة خروجه لعيادة المريض والجنائز ، وهو قول PageV04P165 عطاء ، ~~وعروة ، والزهرى ، ومالك ، وأبى حنيفة ، والشافعى ، وأبى ثور . وقال أبو ~~حنيفة وأصحابه : لا يخرج المعتكف إلا إلى الجمعة ، والبول والغائط خاصة . ~~وقال مالك : إن خرج المعتكف لعذر ضرورة مثل أن يموت أبوه أو ابنه ، ولا ~~يكون له من يقوم به ، فإنه ms1224 يبتدئ اعتكافه ، والذين منعوا خروجه لغير حاجة ~~الإنسان أسعد باتباع الحديث . قال ابن المنذر : قولها : ( وكان لا يدخل ~~البيت إلا لحاجة الإنسان ) فيه دلالة على منع المعتكف من العشاء فى بيته ، ~~والخروج من موضعه إلا لحاجة الإنسان لبول أو لغائط ، قال ابن المنذر : ~~واختلفوا فى ذلك ، فكان الحسن وقتادة يقولان : له أن يشترط العشاء فى منزله ~~. وبه قال أحمد بن حنبل ، وقال الشافعى : إن كان المعتكف فى بيته فلا شىء ~~عليه . وقال أبو مجلز : ليس له ذلك ، وهو يشبه مذهب المدنين ، وبه نقول ؛ ~~لأنه موافق للسنة ، وذلك قول عائشة : ( وكان لا يدخل البيت إلا لحاجة ~~الإنسان ) . وفى العتبية لابن القاسم عن مالك فى الرجل يأتيه الطعام من ~~منزله ليأكله فى المسجد ، قال : أرجو أن يكون خفيفا ، قال ابن المنذر : ~~وفيه دليل على أن من حلف لا يدخل دارا ، فأدخل بعض بدنه أنه غير حانث ؛ لأن ~~المعتكف ممنوع من الخروج من المسجد ، ففى إدخاله رأسه لترجله عائشة دليل ~~على إباحة ذلك ، وعلى إباحة غسل المعتكف رأسه ، ولو أراد المعتكف حلق رأسه ~~فأخرجه إلى الحلاق ليحلقه ، كان ذلك عندى فى معنى هذا ، والله أعلم . ~~PageV04P166 # | 4 - باب غسل المعتكف # / 5 - فيه : عائشة ، كان النبى ، عليه السلام ، يباشرنى ، وأنا حائض ، ~~وكان يخرج رأسه من المسجد ، وهو معتكف ، فأغسله وأنا حائض . غسل رأس ~~المعتكف جائز كترجيله على نص هذا الحديث ، وغسل جسده فى معنى غسله رأسه ، ~~ولا أعلم فى ذلك خلافا ، وروى ابن وهب عن مالك قال : لا بأس أن يخرج إلى ~~غسل الجمعة إلى الموضع الذى يتوضأ فيه ، ولا بأس أن يخرج يغتسل للحر يصيبه ~~. وقولها : ( كان يباشرنى وأنا حائض ) تريد غير معتكف ؛ لأن المعتكف لا ~~تجوز به المباشرة لقوله تعالى : { ولا تباشروهن وأنتم عاكفون فى المساجد } ~~[ البقرة : 187 ] ، وإنما ذكرت المباشرة فى هذا الحديث لتدل على جواز غسلها ~~لرأسه وهى حائض ، ويدل على طهارة بدن الحائض . * * * # | 5 - باب الاعتكاف ليلا # / 6 - فيه : ابن عمر ، أن عمر سأل النبى ، عليه السلام ، قال : كنت نذرت ms1225 ~~فى الجاهلية أن أعتكف ليلة فى المسجد الحرام ؟ قال : ( فأوف بنذرك ) . ~~وترجم له باب : ( إذا نذر فى الجاهلية أن يعتكف ثم أسلم ) ، وباب : ( من ~~أجاز الاعتكاف بغير صيام ) ، فقياس قوله أن يجيزه ليلا ، وسيأتى اختلاف ~~العلماء فى ذلك فى بابه إن شاء الله . وقال PageV04P167 مالك : من نذر ~~اعتكاف ليلة لزمه يوم وليلة . وقال سحنون : لا شىء عليه إن نذر اعتكاف ليلة ~~؛ لأنه لا صيام فى الليل ، قال : ومن نذر اعتكاف يوم لزمه يوم وليلة ، ~~ويدخل اعتكافه قبل غروب الشمس من ليلته ، وإن دخل قبل الفجر لم يجزه ، وإن ~~أضاف إليه الليلة المستقبلة . وقوله عليه السلام : ( أوف بنذرك ) محمول عند ~~الفقهاء على الحض والندب لا على الوجوب ؛ بدلالة أن الإسلام يهدم ما قبله ، ~~وقد حمل الطبرى قوله عليه السلام : ( أوف بنذرك ) على الوجوب وقال : إنما ~~أمر النبى عليه السلام عمر بالوفاء فى الإسلام بنذر كان نذره فى الجاهلية ~~إذ كان ذلك لله برا فى الإسلام ، فالواجب أن يكون نظيره كل نذر نذره فى حال ~~كفره مما هو طاعة فى الإسلام أن عليه الوفاء لله به فى حال إسلامه قياسا ~~على أمره عليه السلام عمر أن يفى بنذره الذى كان نذره فى الجاهلية فى حال ~~إسلامه ، وسيأتى فى ( كتاب الأيمان والنذور ) من حمل ذلك على الوجوب ، ومن ~~حمله على الندب من العلماء ، وبيان أقوالهم ، إن شاء الله . قال المهلب : ~~وفيه دليل على تأكيد الوفاء بالوعد ؛ ألا ترى أنه أمره بالوفاء به وقد خرج ~~من حال الجاهلية إلى حالة الإسلام ، وإن كان عند الفقهاء أن ما كان فى ~~الجاهلية من أيمان وطلاق وجميع العقود ، فإن الإسلام يهدمها ، ويسقط حرمتها ~~. PageV04P168 # | 6 - باب اعتكاف النساء # / 7 - فيه : عائشة ، قالت : كان النبى ، عليه السلام ، يعتكف فى العشر ~~الأواخر من رمضان ، فكنت أضرب له خباء فيصلى الصبح ، ثم يدخله ، فاستأذنت ~~حفصة عائشة أن تضرب خباء ، فأذنت لها ، فضربت خباء فلما رأته زينب ابنة جحش ~~، ضربت خباء آخر ، فلما أصبح النبى - صلى الله عليه وسلم - رأى الأخبية ، ~~فقال ms1226 : ( ما هذا ) ؟ فأخبر ، فقال ، عليه السلام : ( أالبر تقولون بهن ) ؟ ~~فترك الاعتكاف ذلك الشهر ، ثم اعتكف عشرا من شوال . اختلف العلماء فى ~~اعتكاف النساء ، فقال مالك : تعتكف المرأة فى مسجد الجماعة ، ولا يعجبه أن ~~تعتكف فى مسجد بيتها . وقال الشافعى : تعتكف المرأة والعبد والمسافر حيث ~~شاءوا ؛ لأنه لا جمعة عليهم . وقال الكوفيون : لا تعتكف المرأة إلا فى مسجد ~~بيتها ، ولا تعتكف فى مسجد الجماعة ، وذلك مكروه . واحتجوا بأن النبى عليه ~~السلام نقض اعتكافه إذ تبعه نساؤه ، وهذا إنكار منه عليهن ، قالوا : وقد ~~قال عليه السلام : ( صلاة المرأة فى بيتها أفضل ) فإذا منعت المرأة من ~~المكتوبة فى المسجد مع وجوبها ، فلأن تكون ممنوعة من اعتكاف هو نفل أولى ، ~~ولما كانت صلاة الرجل فى المسجد أفضل ، كان اعتكافه فيه أفضل . قال ابن ~~القصار : وحجة مالك أن النبى عليه السلام لما أراد الاعتكاف أذن لعائشة ~~وحفصة فى ذلك ، وقد جاء هذا مبينا فى باب : ( من أراد أن يعتكف ثم بدا له ~~أن يخرج ) ، ولو كان المسجد غير موضع اعتكافهن لما أباح ذلك لهن معه ، ولا ~~يجوز أن يظن به عليه السلام أنه نقض اعتكافه ، ولكنه أخره تطييبا لقلوبهن ~~لئلا يحصل معتكفا وهن غير معتكفات ، وإنما فعل ذلك لأنه كره أن يكن مع ~~الرجال فى مسجده عليه السلام ؛ PageV04P169 لأنه موضع الاجتماع ، والوفود ~~ترد عليه فيه ، وهذا كما يستحب لهن أن يتعمدن الطواف فى الأوقاف الخالية ، ~~وكما يكره للشابات منهن الخروج للجمع والعياد ، فإذا أردن أن يصلين الجمع ~~لم يجز إلا فى الجامع مع الرجال . وقال ابن المنذر : فى هذا الحديث إباحة ~~اعتكاف النساء ؛ لأنه عليه السلام أذن لعائشة وحفصة فى ذلك . وفيه : دليل ~~أن المرأة إذا أرادت اعتكافا لم تعتكف حتى تستأذن زوجها ، ويدل على أن ~~الأفضل والأعلى للنساء لزوم منازلهن ، وترك الاعتكاف مع إباحته لهن ؛ لأن ~~ردهن ومنعهن منه يدل على أن لزوم منازلهن أفضل من الاعتكاف . * * * # | 7 - باب الأخبية فى المسجد # / 8 - وذكر حديث عمرة ، أن النبى ، عليه السلام ، أراد أن يعتكف ، فلما ms1227 ~~انصرف إلى المكان الذى أراد أن يعتكف ، إذا أخبية : خباء عائشة ، وخباء ~~حفصة ، وخباء زينب . . . الحديث . قال المهلب : فيه من الفقه أن المعتكف ~~يجب أن يجعل لنفسه فى المسجد مكانا لمبيته ، بحيث لا يضيق على المسلمين ، ~~كما فعل الرسول - صلى الله عليه وسلم - فى الصحن إذا ضرب فيه خباءه ، وفيه ~~من الفقه أن المعتكف إذا أراد أن ينام فى المسجد أن يتنحى عن الناس ؛ خوف ~~أن يكون منه ما يؤذيهم من آفات البشر . وقال ابن المنذر : وفيه دليل على ~~إباحة ضرب الأخبية فى المسجد للمعتكفين . وقال مالك فى المجموعة : وليعتكف ~~فى عجز المسجد ورحابه ، فذلك الشأن فيه . وقال الخطابى : وقوله : ( آلبر ~~تقولون بهن ؟ ) معناه : آلبر تظنون بهن ؟ قال الشاعر : PageV04P170 متى ~~تقول القلص الرواسما يلحقن أم عاصم وعاصما أى : متى تظن القلص يلحقهما ، ~~ولذلك نصب القلص ، قال الفراء : والعرب تجعل ما بعد القول مرفوعا على ~~الحكاية فتقول : عبد الله ذاهب ، وقلت : إنك قائم ، هذا فى جميع القول إلا ~~فى أتقول وحدها فى حروف الاستفهام ، فإنهم ينزلونها منزلة أتظن ، فيقولون : ~~أتقول إنك خارج ، ومتى تقول : إن عبد الله منطلق وأنشد : أما الرحيل فدون ~~بعد غد فمتى تقول الدار تجمعنا بنصب الدار كأنه يقول : فمتى تظن الدار ~~تجمعنا ، وأجاز سيبويه الرفع فى قوله : الدار تجمعنا على الحكاية . * * * # | 8 - باب هل يخرج المعتكف لحوائجه إلى باب المسجد # / 9 - فيه : صفية ، أنها جاءت إلى النبى - صلى الله عليه وسلم - تزوره فى ~~اعتكافه فى المسجد فى العشر الأواخر من رمضان ، فتحدثت عنده ساعة ، ثم قامت ~~تنقلب ، فقام النبى ، عليه السلام ، معها يقلبها ، حتى إذا بلغت باب المسجد ~~عند باب أم سلمة مر رجلان من الأنصار ، فسلما على النبى ، عليه السلام ، ~~فقال لهما النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( على رسلكما إنما هى صفية بنت ~~حيى ) ، فقالا : سبحان الله يا رسول الله ، وكبر عليهما ، فقال ، عليه ~~السلام : ( إن الشيطان يبلغ من الإنسان مبلغ الدم ، وإنى خشيت أن يقذف فى ~~قلوبكما شيئا ) . PageV04P171 وترجم له باب : ( زيارة المرأة زوجها فى ms1228 ~~اعتكافه ) ، وذكر أن بيت صفية كان فى دار أسامة خارج المسجد ، فخرج النبى ~~عليه السلام معها . لا خلاف فى جواز خروج المعتكف فيما لا غنى به عنه ، ~~وإنما اختلفوا فى المعتكف يدخل لحاجته تحت سقف ، فأجاز ذلك الزهرى ، ومالك ~~، وأبو حنيفة ، والشافعى ، وروى عن ابن عمر ، والنخعى ، وعطاء أنه لا يدخل ~~تحت سقف ، وهو قول إسحاق ، وقال الثورى والحسن بن حيى : إن دخل بيتا غير ~~المسجد بطل اعتكافه ، إلا أن يكون ممره فيه . وكذلك اختلفوا فى اشتغاله ~~بالأمور المباحة ، فقال مالك فى الموطأ : لا يأتى المعتكف حاجة ولا يخرج ~~لها ، ولا يعين أحدا عليها ، ولا يشتغل بتجارة ، ولا بأس أن يأمر أهله ببيع ~~ماله وصلاح ضيعته . وقال أبو حنيفة والشافعى : له أن يتحدث ويبيع ويشترى فى ~~المسجد ، ويتشاغل بما لا يأثم فيه ، وليس عليه صمت . وقال مالك : لا يشترى ~~إلا ما لا غنى له عنه من طعامه إذا لم يكن له من يكفيه . وكره مالك والليث ~~للمؤذن الصعود على المنارة قالا : ولا يصعد على ظهر المسجد ، وأجاز ذلك أبو ~~حنيفة والشافعى ، قالا : ولو كانت المنارة خارج المسجد . وكذلك اختلفوا فى ~~حضوره مجالس العلم ، فرخص فى ذلك كثير من العلماء ، روى ذلك عن عطاء ~~والأوزاعى والليث والشافعى . وقال مالك : لا يشتغل فى مجالس العلم ، وكره ~~أن PageV04P172 يكتب العلم . وقال ابن المنذر : طلب العلم من أفضل العمال ~~بعد أداء الفرائض لانتشار الجهل ونقصان العلم ، وذلك إذا أراد الله به ~~طالبه ، وعمل البر لا ينافى الاعتكاف . وقال غيره : مجالس العلم شاغلة له ~~عن اعتكافه ، ومالك أسعد بأصله ؛ لأنهم يوافقونه فى أن المعتكف لا يعود ~~مريضا ولا يشهد جنازة ، وذلك من عمل البر ، واحتج الطحاوى على جواز اشتغال ~~المعتكف بالمباح من الأفعال بشغله عليه السلام فى اعتكافه بمحادثة صفية ~~ومشيه معها إلى باب المسجد . قال المهلب : وفيه من الفقه أنه لا بأس بزيارة ~~أهل المعتكف له فى اعتكافه ، وفيه أنه لا بأس أن يعمل فى اعتكافه بعض العمل ~~الذى ليس من الاعتكاف من تشييع ms1229 قاصد ، وبر زائر ، وإكرام مفتقر ، وما كان ~~فى معناه مما لا ينقطع به عن اعتكافه . # | 9 - باب الاعتكاف وخروج النبى - صلى الله عليه وسلم - صبيحة عشرين # / 10 - فيه : أبو سعيد ، اعتكفنا مع النبى ، عليه السلام ، العشر الأوسط ~~من رمضان ، قال : فخرجنا صبيحة عشرين ، قال : فخطبنا النبى ، عليه السلام ، ~~صبيحة عشرين ، فقال : ( إنى أريت ليلة القدر . . . ) الحديث . قد تقدم فى ~~أول ( كتاب الاعتكاف ) أن قول أبى سعيد فى هذا PageV04P173 الحديث : ( ~~فخرجنا صبيحة عشرين ) أنه بيان للرواية التى فيها ( حتى إذا كان ليلة إحدى ~~وعشرين ، وهى الليلة التى يخرج من صبيحتها من اعتكافه ) أنه يريد الصبيحة ~~التى قبل ليلة إحدى وعشرين ، إذ قد يجوز إضافة الشىء إلى ما قبله وما بعده ~~، وسيأتى حكم خروج المعتكف فى بابه بعد إن شاء الله . * * * # | 10 - باب اعتكاف المستحاضة # / 11 - فيه : عائشة ، قالت : اعتكفت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~امرأة من أزواجه مستحاضة ، فكانت ترى الحمرة والصفرة ، فربما وضعنا الطست ~~تحتها ، وهى تصلى . حكم المستحاضة كحكم الطاهر ، ولا خلاف بين العلماء فى ~~جواز اعتكافها ، وفيه أنه لا بأس أن تعتكف مع الرجل زوجته إذا كان لها موضع ~~تستتر فيه ، وأما المعتكفة تحيض ، فقال الزهرى ، وربيعة ، ومالك ، ~~والأوزاعى ، وأبو حنيفة ، والشافعى : تخرج إلى دارها ، فإذا طهرت فلترجع ثم ~~تبنى على ما مضى من اعتكافها ، وقال أبو قلابة : تضرب خباءها على باب ~~المسجد إذا حاضت . * * * # | 11 - باب هل يدرأ المعتكف عن نفسه # / 12 - فيه : صفية أنها أتت النبى ، عليه السلام ، وهو معتكف ، فلما رجعت ~~مشى معها ، فأبصره رجل من الأنصار ، فلما أبصره دعاه ، فقال : ( تعال ، هى ~~صفية ، وربما قال سفيان : هذه صفية ، فإن الشيطان يجرى PageV04P174 من ابن ~~آدم مجرى الدم ) . قلت لسفيان : أتته ليلا ؟ قال : وهل هو إلا ليل ؟ . قال ~~المهلب : فيه من الفقه تجنب مواضه التهم ، وأن الإنسان إذا خشى أن يسبق ~~إليه بظن سوء أن يكشف معنى ذلك الظن ، ويبرئ نفسه من نزغات الشيطان الذى ~~يوسوس بالشر فى القلوب ، وإنما خشى عليه السلام أن ms1230 يحدث على الرجل من سوء ~~الظن فتنة ، وربما زاغ بها فيأثم أو يرتد ، وإن كان النبى عليه السلام ~~منزها عند المؤمنين من مواضع التهم ، ففى قول النبى - صلى الله عليه وسلم - ~~: ( إنها صفية ) السنة الحسنة لأمته ، أن يتمثلوا فعله ذلك فى البعد عن ~~التهم ومواقف الريب ، وكما جاز أن يدرأ المعتكف عن نفسه بالقول ، كذلك يجوز ~~أن يدرأ عن نفسه بالفعل من يريد أذاه ، وليس المعتكف أكثر من المصلى ، وقد ~~أبيح له أن يدرأ عن نفسه فى صلاته من يمر بين يديه فكذلك المعتكف . * * * # | 12 - باب من خرج من اعتكافه عند الصبح # / 13 - فيه : أبو سعيد ، اعتكفنا مع النبى ، عليه السلام ، العشر الأوسط ~~، فلما كان صبيحة عشرين نقلنا متاعنا ، فأتانا رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - قال : ( من كان اعتكف فليرجع إلى معتكفه ، فإنى رأيت هذه الليلة . . ~~. ) الحديث . قال المهلب : ترجم البخارى لما سبق من ظاهر الأحاديث فى خروج ~~المعتكف فى صبيحة عشرين ، وبين لك أن الذى يظنه الناس من ظاهر الحديث من ~~خروجه صبيحة عشرين ، أنه ليس PageV04P175 بخروج من الاعتكاف ، وإنما خو ~~خروج بالمتاع الذى كانوا يبيتون فيه ، ويأكلون ويشربون فيه ، إذ لا حاجة ~~لهم بشىء من ذلك فى يوم عشرين الذى به ينقضى اعتكافهم للعشر الأوسط ، فإذا ~~انقضى اليوم بمغيب الشمس خرجوا ليلة إحدى وعشرين إلى بيوتهم خفافا من ~~أثقالهم ، وقد بين ذلك أبو سعيد بقوله : ( فلما كان صبيحة عشرين نقلنا ~~متاعنا ) ولم يقل : خرجنا من اعتكافنا ، فأخبر الله تعالى نبيه أن الذى ~~تطلب أمامك ، فقال : ( من كان اعتكف معى فليعتكف العشر الأواخر فإنى أريت ~~هذه الليلة . . ) الحديث . قال غيره : وأجمع العلماء أنه من اعتكف العشر ~~الأول أو الأوسط أنه يخرج إذا غابت الشمس من آخر يوم من اعتكافه ، وفى ~~إجماعهم على ذلك ما يوهن رواية من روى فى ليلة إحدى وعشرين أنه يخرج من ~~صبحها أو فى صبيحتها ، وأن الصواب رواية من روى يخرج فيها من اعتكافه ، ~~يعنى بعد الغروب ، وإجماعهم يقضى على ما اختلفوا فيه من ms1231 الخروج لمن اعتكف ~~العشر الأواخر . قال النخعى : كانوا يستحبون للمعتكف أن يبيت ليلة الفطر ~~حتى يكون غدوه منه إلى العيد ، وهو قول أبى قلابة وأبى مجلز ، وبه قال مالك ~~، وحكاه عن أهل الفضل ، وهو قول أحمد بن حنبل ، وذكر ابن وهب عن الليث ، عن ~~عقيل ، أن ابن شهاب كان لا يرى بأسا أن ينصرف المعتكف إلى أهله إذا غابت ~~الشمس ليلة الفطر ، وهو قول الليث ، والأوزاعى ، والشافعى ، وروى ابن ~~القاسم عن مالك فى العتبية : إن خرج من معتكفه ليلة الفطر أنه لا شىء عليه ~~، وهذا PageV04P176 هو الصحيح ؛ لأن ليلة العيد ويم العيد ليس بموضع اعتكاف ~~، والعشر يزول بزوال الشمس ، والعشر يزول بزوال الشهر ، والشهر ينقضى بغروب ~~الشمس من آخر يوم من رمضان ، فدل هذا أن قول مالك الأول أنه استحباب ليتصل ~~له نسك بنسك ، لا أنه واجب . * * * # | 13 - باب الاعتكاف فى شوال # / 14 - فيه : عائشة ، قالت : كان النبى ، عليه السلام ، يعتكف فى كل ~~رمضان ، فإذا صلى الغداة دخل مكانه الذى اعتكف فيه ، قال : فاستأذنته عائشة ~~أن تعتكف ، فأذن لها فضربت فيه قبة ، فسمعت بها حفصة فضربت قبة ، فسمعت ~~زينب بها فضربت قبة ، فلما انصرف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من ~~الغداة رآها ، فأمر بنزعها ، فلم يعتكف فى رمضان حتى اعتكف فى آخر العشر من ~~شوال . قال المؤلف : الاعتكاف فى شوال وسائر السنة مباح لمن أراده . وقال ~~المهلب : هذا الحديث الذى جاء بدخول المعتكف إلى اعتكافه إذا صلى الصبح ~~يوهم أنه كان يدخل ذلك الحين الاعتكاف ، وليس ذلك على ما يوهم ظاهره ؛ لأنه ~~عليه السلام إنما كان يدخل الخباء الذى يضرب له لينظر كيف ترتيب مكان نومه ~~ومصلاه وحوائجه ، ثم يخرج فى حوائجه ، فإذا صلى المغرب دخل معتكفه ، ولا ~~يمكن أن يدخل بنية الاعتكاف ثم ينصرف عنه ؛ لأنه لا يحل قطع الاعتكاف البتة ~~بعد أن يدخل فيه ، ولا يجوز أيضا أن يقطع اعتكاف غيره لا سيما وقد كان عليه ~~السلام أذن لعائشة وحفصة فى ذلك ، ودليل آخر وهو أنه إن ms1232 PageV04P177 كان ~~دخل للاعتكاف بعد صلاة الصبح فقد دخل فى بعض النهار ، ولا يجزئه ذلك من ~~اعتكافه حتى يثبت أنه دخل الخباء قبل انصداع الفجر بنية الاعتكاف ، وذلك ~~معدوم فى الروايات . وقال غيره : ويمكن أن يكون دخوله صبيحة عشرين متطوعا ~~بذلك ، وكان اعتكافه كله تطوعا ، ومن زاد فى التطوع فهو أفضل ، وإنما يقع ~~التحريم فى النذر ، ولو أن امرأ نذر اعتكاف العشر الأواخر ما لزمه أن يدخل ~~إلا ليلة إحدى وعشرين عند الغروب ، ويخرج صبيحة ثلاثين عند الغروب . واتفق ~~مالك ، وأبو حنيفة ، والشافعى ، وأحمد أن المعتكف إذا أوجب على نفسه اعتكاف ~~شهر أنه لا يدخل إلا عند غروب الشمس ، وهو قول النخعى ، وقال الأوزاعى ~~بظاهر الحديث يصلى الصبح ثم يقوم إلى معتكفه ، وما ذكرناه فى هذا الباب يرد ~~قوله . واختلفوا إذا نذره يوما أو أياما ، فقال مالك : يدخل قبل غروب الشمس ~~من ليلة ذلك اليوم ، وقال الشافعى : إذا أراد اعتكاف يوم دخل قبل طلوع ~~الفجر ، وخرج بعد غروب الشمس ، خلاف قوله فى الشهر . وقال أبو ثور : إذا ~~أراد أن يعتكف عشرة أيام دخل فى اعتكافه قبل طلوع الفجر ، واليوم والشهر ~~عندهم سواء ، ذهب هؤلاء إلى أن الليل لا يدخل فى الاعتكاف إلا أن يتقدمه ~~اعتكاف النهار ، وليس الليل بموضع للاعتكاف فلا يصح الابتداء به ، وذهب ~~الأولون إلى أن النهار تبع لليل على كل حال ، فلذلك بدءوا بالليل ، وهذا هو ~~PageV04P178 الصحيح فى هذه المسألة ؛ لأن المعروف عند جميع الأمة تقدم ~~الليل للنهار بكون الأهلة مواقيت للناس فى الشهور والعدد وغير ذلك ، فأول ~~الشهر ليلة ، فكذلك كل عدد من الأيام وإن قل فإن أوله ليلة ، ولا حجة لمن ~~خالف هذا والله أعلم . * * * # | 14 - باب من لم ير عليه صوما إذا اعتكف # / 15 - فيه : ابن عمر ، أن عمر ، قال : يا رسول الله ، إنى نذرت فى ~~الجاهلية أن أعتكف ليلة فى المسجد الحرام ؟ فقال له النبى ، عليه السلام : ~~( أوف نذرك فاعتكف ليلة ) . قال المؤلف : احتج بهذا الحديث من أجاز ~~الاعتكاف بغير صوم ، وروى ذلك عن ms1233 على وابن مسعود قالا : إن شاء صام المعتكف ~~، وإن شاء لم يصم . وقالت طائفة : الصوم لا يجب على المعتكف فرضا ؛ لأن ~~الله لم يوجبه فى كتابه ولا رسوله ، فلا يجب على المعتكف الصوم إلا أن ~~يوجبه نذرا ، فيجب الوفاء بالنذر ، وممن قال بهذا القول : الحسن البصرى ، ~~وإليه ذهب الشافعى وأبو ثور والمزنى ، واحتج المزنى بهذا الحديث وقال : إن ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمره أن يوفى بنذره ، وليس الليل موضع ~~صيام ، وأيضا فإن رمضان لا يجوز أن ينوى به رمضان وغيره معا ، وذهبت طائفة ~~إلى أن الاعتكاف من شرطه الصوم ، روى ذلك عن ابن عمر ، وابن عباس ، وعائشة ~~، وبه قال القاسم وعروة وابن شهاب ، وهو قول مالك ، والثورى ، وأبى حنيفة ، ~~والأوزاعى ، واحتج مالك فى الموطأ بقول القاسم ونافع PageV04P179 قالا : لا ~~اعتكاف إلا بصوم لقول الله تعالى : { وكلوا واشربوا حتى يتبين } إلى { ~~المساجد } [ البقرة : 187 ] فإنما ذكر الله الاعتكاف مع الصيام ، قال مالك ~~: وعلى ذلك الأمر عندنا ، واحتج أهل المقالة الأولى فقالوا : لو كان ~~الاعتكاف لا يصح إلا بصوم ؛ لم يكن لنهيه تعهالى عن المباشرة لأجل الاعتكاف ~~معنى . قال ابن القصار : فالجواب أن الله تعالى لما ذكر الوطء فى أول الآية ~~وعلق حظره بالصوم فى النهار ، عطف عليه حكم الاعتكاف ، وذكر حظر الوطء معه ~~؛ لأنه قد يصح فى وقت لا يصح فيه الصوم وهو زمن الليل . ولو وطئ ليلا فسد ~~اعتكافه فهذه فائدة ذكره للوطء بعد تقدم ذكره ، وأما احتجاجهم بأن النبى - ~~صلى الله عليه وسلم - قال لعمر فى الليلة : ( أوف بنذرك ) . فالمعنى أنه ~~أراد ليلة بيومها ، وقد يعبر عن اليوم بالليلة كما قال تعالى : { وواعدنا ~~موسى ثلاثين ليلة وأتممناها بعشر } [ الأعراف : 142 ] فأراد تعالى الليالى ~~بأيامها ، وقد روى عمرو بن دينار عن ابن عمر : ( أن عمر قال للنبى عليه ~~السلام بالجعرانة : إنى نذرت أن أعتكف يوما وليلة ) . فهذا أصل الحديث ، ~~فنقل بعض الرواة ذكر الليلة وحدها ، ويجوز للراوى نقل بعض ما سمع . * * * # | 15 - باب الاعتكاف فى العشر الأوسط من ms1234 رمضان # / 16 - فيه : أبو هريرة ، قال : كان ، عليه السلام ، يعتكف فى كل شهر ~~رمضان عشرة أيام ، فلما كان العام الذى قبض فيه اعتكف عشرين . PageV04P180 ~~يحتمل أن يكون إنما ضاعف اعتكافه فى العام الذى قبض فيه من أجل أنه علم ~~بانقضاء أجله ، فأراد أن يستكثر من عمل الخير ؛ ليسن لأمته الاجتهاد فى ~~العمل إذا بلغوا انقضاء العمر ليلقوا الله على خير أحوالهم . وقد روى ابن ~~المنذر حديثا دل على غير هذا المعنى قال : حدثنا محمد بن إسماعيل ، حدثنا ~~عفان ، حدثنا حماد ، حدثنا ثابت ، عن أبى رافع ، عن أبى بن كعب ( أن النبى ~~عليه السلام كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان ، فسافر عاما فلم يعتكف ، ~~فلما كان العام المقبل اعتكف عشرين ليلة ) . وقوله : ( كان رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - يعتكف فى كل رمضان ) فهذا يدل على أن الاعتكاف من السنن ~~المؤكدة ؛ لأنه مما واظب عليه النبى عليه السلام فينبغى للمؤمنين الاقتداء ~~فى ذلك بنبيهم ، وذكر ابن المنذر عن ابن شهاب أنه كان يقول : عجبا للمسلمين ~~تركوا الاعتكاف ، وإن النبى عليه السلام لم يتركه منذ دخل المدينة كل عام ~~فى العشر الأواخر حتى قبضه الله . وروى ابن نافع عن مالك قال : ما زلت أفكر ~~فى ترك الصحابة الاعتكاف ، وقد اعتكف النبى حتى قبضه الله تعالى وهم أتبع ~~الناس بآثاره ، حتى أخذ بنفسى أنه كالوصال المنهى عنه ، وأراهم إنما تركوه ~~لشدته ، وأن ليله ونهاره سواء ، قال مالك : ولم يبلغنى أن أحدا من السلف ~~اعتكف إلا أبو بكر بن عبد الرحمن . واسمه المغيرة ، وهو ابن أخى أبى جهل ، ~~وهو أحد فقهاء تابعى المدينة . قال ابن المنذر : روينا عن عطاء الخرسانى ~~أنه قال : كان يقال : PageV04P181 مثل المعتكف كمثل عبد ألقى نفسه بين يدى ~~ربه ثم قال : رب لا أبرح حتى تغفر لى ، رب لا أبرح حتى ترحمنى . * * * # | 16 - باب من أراد أن يعتكف ثم بدا له أن يخرج # / 17 - فيه : عائشة ، أن النبى ، عليه السلام ، ذكر أن يعتكف العشر ~~الأواخر من رمضان ، فاستأذنته عائشة ، فأذن ms1235 لها ، وسألت حفصة عائشة أن ~~تستأذن لها ، ففعلت ، فلما رأت ذلك زينب أمرت ببناء فبنى لها ، وكان رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - إذا صلى انصرف إلى بنائه فبصر بالأبنية ، فقال ~~: ( ما هذا ) ؟ قالوا : بناء عائشة وحفصة وزينب ، فقال ، عليه السلام : ( ~~أالبر أردن بهذا ؟ ما أنا بمعتكف ) ، فرجع ، فلما أفطر اعتكف عشرا من شوال ~~. قال المؤلف : يحتمل أن يكون النبى عليه السلام قد كان شرع فى الاعتكاف ~~ودخل فيه ، فلذلك قضاه لقول عائشة : ( إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~كان إذا صلى انصرف إلى بنائه ) . فإن كان هذا فيكون قضاؤه واجبا عليه . ~~وأهل العلم متفقون أنه لا يجب قضاء الاعتكاف إلا على من نواه وشرع فى عمله ~~ثم قطعه لعذر ، ويحتمل أن يكون عليه السلام لم يكن شرع فى الاعتكاف ولا بدأ ~~به ، وإنما كان انصرافه إلى بنائه بعد صلاة الصبح مطلعا لأموره ، والنظر فى ~~إصلاحها غير معتقد الدخول فى الاعتكاف ، ومن كان هكذا فله أن يرجع عن إمضاء ~~نيته لأمر يراه ، وقد قال العلماء : إن من نوى اعتكافا فله تركه ~~PageV04P182 قبل أن يدخل فيه ، وعلى هذا الوجه تأوله البخارى ، وترجم له ~~باب من أراد أن يعتكف ثم بدا له أن يخرج ، وعلى هذا يكون قضاؤه له تطوعا . ~~قال المهلب : وفيه من الفقه أن من نوى شيئا من الطاعات ، ولم يبدأ بعد ~~بالعمل فيه أن له تركه إن شاء تركا واحدا ، وإن شاء تركا مؤخرا إلى وقت ~~غيره ، وقال غيره : واعتكافه عليه السلام وإن كان تطوعا فغير نكير أن يكون ~~قضاه فى شوال من أجل أنه كان قد نوى أن يعلمه وإن لم يدخل فيه ؛ لأنه كان ~~أوفى الناس بما عاهد عليه ، ذكر سنيد قال : حدثنا معتمر بن سليمان ، عن ~~كهمس ، عن معبد ابن ثابت فى قوله تعالى : { ومنهم من عاهد الله لئن آتانا ~~من فضله } [ التوبة : 75 ] الآية . قال : إنما هو شىء نووه فى أنفسهم ولم ~~يتكلموا به ، ألم تسمع إلى قوله فى الآية : { ألم يعلموا أن الله ms1236 يعلم سرهم ~~ونجواهم وأن الله علام الغيوب } [ التوبة : 78 ] . قال المهلب : فى قوله ~~عليه السلام : ( آلبر ترون بهن ) من الفقه أن من علم منه الرياء فى شىء من ~~الطاعات فلا بأس أن يقطع عليه فيه ومنعه منه ، ألا ترى قوله عليه السلام : ~~( آلبر ترون بهن ) . يعنى أنهن إنما أردن الحظوة والمنزلة منه عليه السلام ~~، فلذلك قطع عليهن ما أردنه وأخر ما أراده لنفسه . PageV04P183 وفيه من ~~الفقه : أن للرجل منع زوجته وأمته وعبده من الاعتكاف فى الابتداء ، كما منع ~~نساءه الذين ضربوا الأبنية ، وهو قول مالك والكوفيين والشافعى . واختلفوا ~~إذا أذن لهم فى ذلك فقال مالك : لا يمنعهم ، وقال الكوفيون : لا يمنع زوجته ~~إن أذن لها ، ويمنع عبده إن أذن له ، وقال الشافعى : له منعهما جميعا ، ~~وقال ابن شعبان كقول الشافعى : له أن يمنعهما جميعا ، وأن أذن لهما ما لم ~~يدخلا فيه ، وهذا الحديث يدل على صحة هذا القول ؛ لأن النبى عليه السلام قد ~~كان أذن لعائشة وحفصة فى الاعتكاف ثم منعهما منه حين رأى ذلك ، وفيه من ~~الفقه : أنه قد يستر عن الضرائر تفصيل بعضهن على بعض ولو بترك طاعة لله ~~تستدرلاك بعد حين . تم كتاب الاعتكاف والحمد لله رب العالمين يتلوه كتاب ~~الحج إن شاء الله والله المعين PageV04P184 بسم الله الرحمن الرحيم # | 18 - كتاب الحج # # | وجوب الحج وفضله وقول الله تعالى : { ولله على الناس حج البيت من ~~استطاع إليه سبيلا ومن كفر فإن الله غنى عن العالمين } [ آل عمران : 97 ] . # / 1 - فيه : ابن عباس ، قال : كان الفضل بن عباس رديف رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - ، فجاءت امرأة من خثعم ، فجعل الفضل ينظر إليها ، وتنظر ~~إليه ، وجعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصرف وجه الفضل إلى الشق ~~الآخر ، فقالت : يا رسول الله ، إن فريضة الله على عباده فى الحج أدركت أبى ~~شيخا كبيرا لا يثبت على الراحلة ، أفأحج عنه ؟ قال : ( نعم ) ، وذلك فى حجة ~~الوداع . أجمع العلماء على أن على المرء فى عمره حجة واحدة ، حجة الإسلام ~~إذا ms1237 كان مستطيعا . واختلفوا فى الاستطاعة ، فذهبت طائفة إلى أن من قدر على ~~الوصول إلى البيت ببدنه فقد لزمه فرض الحج وإن لم يجد راحلة ، وهو بمنزلة ~~من يجد الراحلة ولا يقدر على المشى ، وهو قول ابن الزبير وعكرمة والضحاك ، ~~وبه قال مالك ، وذهب الحسن البصرى ومجاهد وسعيد بن جبير إلى أن الاستطاعة : ~~الزاد والراحلة ، وبه قال أبو حنيفة والثورى والشافعى وأحمد وإسحاق . ~~PageV04P185 قال المهلب : فى هذا الحديث أن الاستطاعة لا تكون الزاد ~~والراحلة ؛ ألا ترى أن ما اعتذرت به هذه المرأة عن أبيها ليس بزاد ولا ~~راحلة ، وإنما كان ضعف جسمه ، فثبت أن الاستطاعة شائعة كيفما وقعت وتمكنت . ~~قال ابن القصار : والاستطاعة فى لسان العرب القدرة ، فإن جعلناها فى كل ~~قادر جاز ، سواء قدر ببدنه ، أو ببدنه وماله ، أو بماله ، إلا أن تقوم ~~دلالة . وإن قلنا : إن حقيقة الاستطاعة أن تكون صفة قائمة فى المستطيع ~~كالقدرة والكلام والقيام والقعود ، فينبغى أن تكون الاستطاعة صفة فيه تختصه ~~وهذا لا يكون إلا لمن هو مستطيع ببدنه دون ماله . فإن احتجوا بما روى عن ~~الرسول أنه قال : ( السبيل : الزاد والراحلة ) فإن ابن معين وغيره قالوا : ~~روايه إبراهيم الخوزى ، وهو ضعيف . وقال ابن المنذر : لا يثبت الحديث الذى ~~فيه ذكر الزاد والراحلة ، وليس بمتصل ، والآية عامة ليست مجملة ولا تفتقر ~~إلى بيان ، فكأنه تعالى كلف كل مستطيع على أى وجه قدر بمال أو ببدن ، ~~والدليل على ذلك قوله عليه السلام : ( لا تحل الصدقة لغنى ، ولا لذى مرة ~~سوى ) فجعل صحة الجسم مساوية للغنى ، فسقط قول من اعتبر الراحلة . وقال ~~إسماعيل بن إسحاق : لو أن رجلا كان فى موضع يمكنه المشى إلى الحج ، وهو لا ~~يملك راحلة لوجب عليه الحج ؛ لأنه مستطيع إليه سبيلا . وما روى عن السلف فى ~~ذلك أن السبيل : الزاد والراحلة : فإنما أرادوا التغليظ على من ملك هذا ~~المقدار ولم يحج ؛ لأنهم ذكروا أقل الأملاك التى يبلغ بها الإنسان إلى الحج ~~، فإن قيل : فإنها عبادة تتعلق PageV04P186 بقطع مسافة بعيدة فوجبت فيها ~~الراحلة ms1238 ، أصله الجهاد ، قيل : لا فرق بينهما ، وعندنا أن من تعين عليه فرض ~~الجهاد وهو قادر ببدنه على المشى ، فليست الراحلة شرطا فى وجوبه عليه ؛ ~~لأنه منكسر بالهجرة ، وسيأتى بعض معانى هذا الحديث فى باب : الحج عمن لا ~~يستطيع الثبوت على الراحلة من هذا الكتاب إن شاء الله . قال المهلب : وفيه ~~من الفقه جواز الارتداف لسادة الناس ورؤسائهم ، ولا سيما فى الحج لتزاحم ~~الناس ، ومشقة الرجالة ، ولأن الراكب فيه أفضل ، ولا خلاف بين العلماء فى ~~جواز ركوب نفسين على دابة إذا أطاقت الدابة ذلك ، وفى نظر الفضل إلى المرأة ~~مغالبة طباع البشر لابن آدم وضعفه عما ركب فيه من شهوات النساء ، وفيه أن ~~على العالم أن يغير من المنكر ما يمكنه إذا رآه ، وسيأتى بقية القول فى قصة ~~الفضل بن عباس فى كتاب الاستئذان فى باب قوله : { يا أيها الذين آمنوا لا ~~تدخلوا بيوتا غير بيوتكم } [ النور : 27 ] . وذكر ابن المنذر قال : حدثنا ~~محمد بن إسماعيل الصايغ ، حدثنا عفان ، حدثنا سكين بن عبد العزيز قال : ~~حدثنى أبى قال : سمعت ابن عباس يقول : ( كان الفضل رديف رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - يوم عرفة ، فجعل الفتى يلاحظ النساء وينظر إليهن ، فقال : ~~يا ابن أخى هذا يوم من ملك فيه سمعه وبصره ولسانه غفر له ) . وقال عكرمة ~~والضحاك ومجاهد فى قوله تعالى : { ومن كفر فإن الله غنى عن العالمين } [ آل ~~عمران : 97 ] قالوا : من كفر بالله واليوم الآخر . وقال الحسن : من كفر ~~بالحج فلم يره واجبا ، وقال سعيد بن جبير : قال عمر بن PageV04P187 الخطاب ~~: لو أن الناس تركوا الحج لقاتلتهم عليه كما نقاتلهم على الصلاة والزكاة . ~~* * * # | 2 - باب قول الله تعالى : { يأتوك رجالا وعلى كل ضامر يأتين من كل فج ~~عميق } [ الحج : 27 ] { فجاجا } : الطرق الواسعة # . / 2 - فيه : ابن عمر ، رأيت النبى ، عليه السلام ، يركب راحلته بذى ~~الحليفة ، ثم يهل حتى تستوى به قائمة . / 3 - وفيه : جابر ، أن إهلال رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - من ذى الحليفة حين استوت به راحلته . ورواه ms1239 ~~أنس وابن عباس . ذكر ابن المنذر عن ابن عباس فى هذه الآية : هم المشاة ~~والركبان على كل ضامر من الإبل ، وروى محمد بن كعب عن ابن عباس قال : ما ~~فاتنى شىء أشد على إلا أن أكون حججت ماشيا ؛ لأن الله تعالى يقول : { يأتوك ~~رجالا وعلى كل ضامر } [ الحج : 27 ] فبدأ بالرجال قبل الركبان ، وذكر ~~إسماعيل بن إسحاق عن مجاهد قال : أهبط آدم بالهند ، فحج على قدميه البيت ~~أربعين حجة ، وعن ابن أبى نجيح ، عن مجاهد أن إبراهيم وإسماعيل ، عليهما ~~السلام ، حجا ماشيين ، وحج النبى عليه السلام راكبا ، ولذلك ذكر حديث ابن ~~عمر وجابر فى هذا الباب ، وذلك كله مباح ، وقد قال تعالى : { ومن يعظم ~~حرمات الله فهو خير له عند ربه } [ الحج : 30 ] . قال ابن القصار : فى قوله ~~: { يأتوك رجالا } دليل قاطع لمالك أن الراحلة ليست من شرط السبيل ، ~~والمخالفون يزعمون أن الحج لا يجب على الرجالة ، وهذا خلاف الآية . ~~PageV04P188 واختلفوا فى تأويل قوله تعالى : { ليشهدوا منافع لهم } [ الحج ~~: 28 ] فروى عن ابن عباس وسعيد بن جبير ومجاهد أنها التجارة ، وزاد مجاهد : ~~وما يرضاه الله من أمر الدنيا والآخرة ، وقال أبو جعفر : هى المغفرة ، ~~واختاره إسماعيل بن إسحاق ، وسيأتى الاختلاف فى بدء إهلال رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - بعد هذا فى موضعه إن شاء الله . * * * # | 3 - باب الحج على الرحل # وقالت عائشة : أن النبى ، عليه السلام ، بعث معها أخاها عبدالرحمن ، ~~فأعمرها من التنعيم ، وحملها على قتب . / 4 - وقال عمر : شدوا الرحال فى ~~الحج ، فإنه أحد الجهادين . وحج أنس على رحل ، ولم يكن شحيحا ، وحدث أن ~~النبى ، عليه السلام ، حج على رحل ، وكانت زاملته . / 5 - فيه : عائشة ، ~~أنها قالت : يا رسول الله ، اعتمرتم ولم أعتمر ، فقال : ( يا عبدالرحمن ، ~~اذهب بأختك ، فأعمرها من التنعيم ) ، فأحقبها على ناقة ، فاعتمرت . فى هذا ~~الباب : فضل الحج على الرواحل ، قال ابن المنذر : اختلف العلماء هل المشى ~~فى الحج أفضل أو الركوب ، فقال مالك : الركوب أحب إلى من المشى ، وبه قال ~~الشافعى ؛ لأن النبى عليه السلام ms1240 حج راكبا ، ولفضل النفقة فى الحج ، ولأنه ~~إذا كان مستريحا كان أقوى له على الدعاء والابتهال والتضرع ، وروى عبد الله ~~بن بريدة عن أبيه ، أن النبى عليه السلام قال : ( النفقة فى الحج كالنفقة ~~فى PageV04P189 سبيل الله سبعمائة ضعف ) . وكان حسين بن على يمشى فى الحج ، ~~وفعل ذلك ابن جريج والثورى ، وقال إسحاق : المشى أفضل ، وهو محجوج بفعل ~~النبى عليه السلام . # | 4 - باب فضل الحج المبرور # / 6 - فيه : أبو هريرة ، سئل النبى ، عليه السلام ، أى الأعمال أفضل ؟ ~~قال : ( إيمان بالله ورسوله ) ، قيل : ثم ماذا ؟ قال : ( جهاد فى سبيل الله ~~) ، قيل : ثم ماذا ؟ قال : ( حج مبرور ) . / 7 - وفيه : عائشة ، قالت : يا ~~رسول الله ، نرى الجهاد أفضل العمل ، أفلا نجاهد ؟ قال : ( لا ، لكن أفضل ~~الجهاد حج مبرور ) . / 8 - وفيه : أبو هريرة ، قال النبي ، عليه السلام : ( ~~من حج لله فلم يرفث ، ولم يفسق ، رجع كيوم ولدته أمه ) . قال المؤلف : إنما ~~جعل الجهاد فى هذا الحديث أفضل من الحج ؛ لأن ذلك كان فى أول الإسلام وقلته ~~، وكان الجهاد فرضا متعينا على كل أحد ، فأما إذ ظهر الإسلام وفشا ، وصار ~~الجهاد من فروض الكفاية على من قام به ، فالحج حينئذ أفضل ؛ ألا ترى قوله ~~لعائشة : ( إن أفضل جهادكن الحج ) لما لم يكن من أهل القتال والجهاد ~~للمشركين ، فإن حل العدو ببلدة واحتيج إلى دفعه ، وكان له ظهور وقوة وخيف ~~منه ؛ توجه فرض الجهاد على العيان ، وكان أفضل من الحج والله أعلم . ~~PageV04P190 وقال المهلب : وقوله : ( لكن أفضل الجهاد حج مبرور ) . يفسر ~~قوله تعالى : { وقرن فى بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى } [ الأحزاب ~~: 33 ] أنه ليس على الفرض لملازمة البيوت ، كما زعم من أراد تنقص عائشة فى ~~خروجها إلى العراق للإصلاح بين المسلمين ، وهذا الحديث يخرج الآية عما ~~تأولوها ؛ لأنه قال : ( لكن أفضل الجهاد حج مبرور ) فدل هذا أن لهن جهادا ~~غير جهاد الحج ، والحج أفضل منه . فإن قيل : إن النساء لا يحل لهن الجهاد ، ~~قيل : قد قالت حفصة : ( قدمت علينا امرأة غزت مع النبى عليه السلام ست ms1241 ~~غزوات ، وقالت : كنا نداوى الكلمى ، ونقوم على المرضى ، وكان رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - إذا أراد الغزو أسهم بين نسائه ، فأيتهن خرج سهمها ~~غزا بها ) . * * * # | 5 - باب فرض مواقيت الحج والعمرة # / 9 - فيه : زيد بن جبير ، أنه أتى عبدالله بن عمر فى منزله ، وله فسطاط ~~وسرادق ، فسألته من أين يجوز أن أعتمر ؟ قال : فرضها رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - لأهل نجد قرنا ، ولأهل المدينة ذا الحليفة ، ولأهل الشأم ~~الجحفة . أجمع أئمة الفتوى أن المواقيت فى الحج والعمرة سنة واجبة ، ~~PageV04P191 وقالوا : هى توسعة ورخصة يتمتع المرء يحلها حتى يبلغها ، ولا ~~أعلم أحدا قال : إن المواقيت من فروض الحج . وقول ابن عمر : ( فرضها رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - ) يريد وقتها وبينها ، وهذا الباب رد على عطاء ~~والنخعى والحسن ، فإنهم زعموا أنه لا شىء على من ترك الميقات ولم يحرم وهو ~~يريد الحج والعمرة ، وهذا شذوذ من القول ، وقال مالك وأبو حنيفة والشافعى : ~~إنه يرجع من مكة إلى الميقات ، واختلفوا إذا رجع هل عليه دم أم لا ؟ فقال ~~مالك ، ورواية عن الثورى : لا يسقط عنه الدم برجوعه إليه محرما ، وهو قول ~~ابن المبارك . وقال أبو حنيفة : إن رجع إليه فلبى فلا دم عليه ، وإن لم يلب ~~فعليه الدم ، وقال الثورى وأبو يوسف ومحمد والشافعى : لا دم عليه إذا رجع ~~إل الميقات بعد إحرامه على كل وجه . * * * # | 6 - باب قول الله تعالى : { وتزودوا فإن خير الزاد التقوى } [ البقرة : ~~197 ] # / 10 - فيه : ابن عباس ، قال : كان أهل اليمن يحجون ولا يتزودون ، ~~ويقولون : نحن المتوكلون ، فإذا قدموا مكة سألوا الناس ، فأنزل الله : { ~~وتزودوا فإن خير الزاد التقوى } . قال المهلب : فيه من الفقه أن ترك سؤال ~~الناس من التقوى ؛ ألا ترى أن الله مدح قوما فقال : { لا يسألون الناس ~~إلحافا } [ البقرة : 273 ] ، وكذلك معنى قوله تعالى : { وتزودوا فإن خير ~~الزاد التقوى } [ البقرة : 197 ] أى تزودوا فلا تؤذوا الناس بسؤالكم إياهم ~~، واتقوا الإثم فى أذاهم بذلك . وفيه : أن التوكل لا يكون مع السؤال ، ~~وإنما التوكل ms1242 على الله PageV04P192 دون استعانة بأحد فى شئ ، ويبين ذلك ~~قوله عليه السلام : ( يدخل الجنة سبعون ألفا بغير حساب ، وهم الذين لا ~~يسترقون ، ولا يكتتوون ، ولا يتطيرون ، وعلى ربهم يتوكلون ) . فهذه أسباب ~~التوكل وصفاته . وقال الطحاوى : لما كان التزود فيه ترك المسألة النهى عنها ~~فى غير الحج ، وكانت حراما على الأغنياء قبل الحج ؛ كانت فى الحج أوكد حرمة ~~، وقال سعيد بن جبير فى قوله تعالى : { وتزودوا } قال : الكعك والسويق ، ~~وليس هذا من سعيد على أن هذه الأصناف من الأزواد هى التى أبيحت فى الحج دون ~~ما سواها ، ولكنه على إفهام السائل أن المراد هو الزاد الذى هو قوام ~~الأبدان ، لا على التزود من الأعمال ، ثم أتبع ذلك بقوله : { فإن خير الزاد ~~التقوى } فكان هذا والله أعلم أن من التقوى ترك التعرض لحال من الأحوال ~~التى يخرج أهلها إلى المسألة المحرمة عليهم . * * * # | 7 - باب مهل أهل مكة للحج والعمرة # / 11 - فيه : ابن عباس ، إن النبى - صلى الله عليه وسلم - وقت لأهل ~~المدينة ذا الحليفة ، ولأهل الشأم الجحفة ، ولأهل نجد قرن المنازل ، ولأهل ~~اليمن يلملم ، هن لهن ولمن أتى عليهن من غيرهن ممن أراد الحج والعمرة ، ومن ~~كان دون ذلك ، فمن حيث أنشأ حتى أهل مكة من مكة . وترجم له باب : ( مهل أهل ~~الشام ) ، وباب : ( مهل من كان دون المواقيت ) ، وباب : ( مهل أهل اليمن ) ~~. قال ابن المنذر : والعلماء متفقون على أن مهل مكة للحج من PageV04P193 ~~مكة ، كما وقت لهم النبى عليه السلام فاللازم على ظاهر هذا الخبر أن لا ~~يخرج أهل مكة عن بيوت مكة إلا محرمين ، وسنتهم ألا طواف ولا سعى عليهم ، ~~وإنما ذلك على من يقدم مكة من غير أهلها . قال ابن المنذر : يجمع هذا ~~الحديث أبوابا من السنن ، منها : أن هذه المواقيت لكل من أتى عليها من غير ~~اهلها ، فإذا جاء المدنى من الشام على طريق الساحل أحرم من الجحفة ، وإذا ~~أتى اليمانى على ذى الحليفة احرم منها ، وإذا أتى النجدى من تهامة أحرم من ~~يلملم ، وكل من مر بميقات ms1243 بلدة احرم منه ، ومنها : أن ميقات كل من منزله ~~دون الميقات مما يلى مكة من منزله ذلك . ومنها : أن أهل مكة ميقاتهم مكة ، ~~ومنها : أن هذه المواقيت إنما يلزم منها ومن يريد حجا أو عمرة ، ولا يلزم ~~الإحرام منها من لا يريد الحج والعمرة ، ولو مر مدنى بذى الحليفة ولا يريد ~~حجا ولا عمرة فسار حتى قرب من الحرم أراد الحج والعمرة فإنه يحرم من حيث ~~حضرته نية الحج أو العمرة ، ولا يجب عليه ما وجب على من مر بميقاته وهو ~~يريد الحج والعمرة ولم يحرم منه ، واحرم من وراء ذلك مما يلى مكة . وعلى ~~هذا عامة العلماء إلا أحمد وإسحاق فإنهما قالا : يرجع إلى ذى الحليفة ويحرم ~~، والقول الأول أبين ؛ لدلالة حديث ابن عباس على ذلك ؛ ولأن ابن عمر أحرم ~~من الفرع ، وهو بعد الميقات ، وهو راوى حديث المواقيت ، ومحال أن يتعدى ذلك ~~مع علمه به ويوجب على نفسه دما ، هذا ما لا يظنه عالم . PageV04P194 وقال ~~الشافعى : يحمل فعل ابن عمر أنه مر بميقاته لا يريد إحراما ، ثم بدا له أو ~~جاء إلى الفرع من مكة أو غيرها ، ثم بدا له فى الإحرام . واختلفوا إذا مر ~~بذى الحليفة وهو يريد الحج والعمرة ولم يحرم منها ، وأحرم من الجحفة ، فقال ~~مالك : عليه دم ، وهو قول الليث والثورى والشافعى ، واختلف فى ذلك أصحاب ~~مالك ، فمنهم من أوجب الدم ، ومنهم من لم يوجبه ، ورخص فى ذلك الكوفيون ~~والأوزاعى ، وأحمد ، وإسحاق ، وأبو ثور ، وقالوا : لا شىء عليه . وروى عن ~~عائشة انها كانت إذا أرادت العمرة أحرمت من الجحفة ، وإن أرادت الحج أحرمت ~~من ذى الحليفة . قال ابن المواز : ويدل امر النبى عليه السلام عائشة أن ~~تخرج من الحرم وتحرم بعمرة ، على أن مكة ليست بميقات يحرم منها للعمرة ، ~~فبان بهذا أن معنى قوله عليه السلام فى حديث ابن عباس : ( حتى أهل مكة ~~يهلون من مكة ) أنه أراد الإحرام بالحج فقط ، دون الإحرام بالعمرة ؛ إذ لو ~~كان على ظاهر الحديث لكان ميقات أهل مكة ms1244 للحج والعمرة مكة ، كما كان لأهل ~~المواقيت ولمن دونها مما يلى الحرم الإحرام من مواقيتهم ، فلما امر عائشة ~~أن تحرم من التنعيم دل أن إهلال أهل مكة من مكة إنما هو بالحج دون العمرة . ~~قال غيره : وأئمة الفتيا متفقون على أن المكى إذا أراد العمرة أنه لابد له ~~من الخروج إلى الحل يهل منه ؛ لأنه لابد له فى عمرته من PageV04P195 الجمع ~~بين الحل والحرم ، وليس ذلك على الحاج المكى ؛ لأنه خارج فى حجه إلى عرفات ~~، وهى الحل ، وشذ ابن الماجشون فى مسألة من هذا الباب فقال : لا يقرن المكى ~~من مكة قياسا على المعتمر ، وخالفه مالك وجميع أصحابه فقالوا : إنه يقرن من ~~مكة ؛ لأنه خارج فى حجه إلى الحل عرفات ، وقد ذكر ابن المواز عن مالك أنه ~~لا يقرن المكى إلا بمكة ؛ لأنه خارج فى حجه من الحل ، كقول ابن الماجشون . ~~فإن اعتمر من مكة ولم يخرج إلى الحل للإحرام حتى طاف وسعى ، ففيها قولان : ~~أحدهما : أن عليه دما لترك الميقات ، وعمرته تامة ، وهذا قول الكوفيين وأبى ~~ثور ، وأحد قول الشافعى ، والقول الثانى : أن ذلك لا يجزئه حتى يخرج من ~~الحرم ثم يطوف ويسعى ، ويقصر أو يحلق ، ولا شىء عليه ، ولو كان حلق أهراق ~~دما ، هذا قول الشافعى الآخر ، وهو قول مالك وأصحابه . قال مالك : وما رأيت ~~أحدا أحرم بعمرة من الحرم ، ولا يحرم أحد بعمرة من مكة ، ولا تصح العمرة ~~عند جميع العلماء إلا فى الحل المكى أو غيره . قال ابن المنذر : وهذا أشبه ~~. وحكى الثورى عن عطاء أنه من أهل بعمرة أنه لا شىء عليه ، قال سفيان : ~~ونحن نقول : إذا أهل بها لزمته ويخرج إلى الميقات ، وقال ابن المنذر : ~~المحرم بعمرة من مكة تارك لميقاته ، فعليه أن يخرج من الحرم ليكون قد رجع ~~إلى ميقاته ، كما نأمر من جاز ميقاته أن يرجع ما لم يطف بالبيت ، فإن لم ~~يخرج إلى الحل حتى يفرغ من نسكه فعليه دم ، كما يكون ذلك على من ترك ميقاته ~~حتى فرغ من نسكه ms1245 ، وأما إذا كان منزل الرجل PageV04P196 بين مكة والمواقيت ~~، فجمهور الفقهاء قائلون بحديث ابن عباس أنه يحجرم من موضعه بالحج ، وهو ~~ميقاته ، وإن لم يحرم منه فهو كمن ترك ميقاته ، فعليه أن يرجع ، فإن لم ~~يفعل فعليه دم ، قال مجاهد : ميقاته من مكة . وهذا خلاف قوله عليه السلام : ~~( ومن كان دون ذلك فمن حيث أنشأ ) قال ابن المنذر : وفى حديث ابن عباس ~~إثباته عليه السلام يلملم ميقاتا لأهل اليمن ؛ لأن ابن عمر قال : ( ويزعمون ~~أن النبى عليه السلام قال : وهل أعل اليمن من يلملم ) فأسنده ابن عباس . * ~~* * # | 8 - باب ميقات أهل المدينة ولا يهلوا قبل ذى الحليفة # / 12 - فيه : ابن عمر ، قال النبى ، عليه السلام : ( يهل أهل المدينة من ~~ذى الحليفة ، ويهل أهل الشأم من الجحفة ، وأهل نجد من قرن ) . قال عبدالله ~~: وبلغنى أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : ( ويهل أهل اليمن من ~~يلملم ) . وترجم له باب : ( مهل أهل نجد ) . قال ابن المنذر : أمر النبى ~~عليه السلام أهل المدينة وأهل الشام وأهل نجد واليمن أن يهلوا من المواضع ~~التى حدها ، وأحرم عليه السلام من الميقات الذى بينه لأهل المدينة ، وترك ~~أن يحرم من منزله ، وعمل بذلك أصحابه وعوام أهل العلم ، وغير جائز أن يكون ~~فعل أعلى من فعله ، أو عمل أفضل من عمله ، ولقد سئل مالك عن هذه المسألة ~~فتلا قوله تعالى : { فليحذر الذين يخالفون عن أمره } [ النور : 63 ] الآية ~~. وقد أجمع أهل العلم على أنه من أحرم قبل أن يأتى الميقات PageV04P197 أنه ~~محرم ، غير أن طائفة من السلف كرهت ذلك ، واستحبه آخرون ، فممن رأى ذلك ابن ~~عمر أحرم من إيلياء ، وسئل على وابن مسعود عن قوله تعالى : { وأتموا الحج ~~والعمرة لله } [ البقرة : 196 ] فقالا : أن تحرم من دوبرة أهلك . وأجاز ذلك ~~علقمة والأسود ، وهو قول أبى حنيفة ، والثورى ، والشافعى . وكره الإحرام ~~قبل المواقيت عمر بن الخطاب ، وأنكر على عمران بن حصين إحرامه من البصرة ، ~~وأنكر عثمان بن عفان على عبد الله بن عامر إحرامه قبل الميقات ، وهو قول ms1246 ~~عطاء ، والحسن ، ومالك ، وأحمد ، وإسحاق ، وقال أحمد : المواقيت أفضل ؛ ~~لأنها سنة النبى عليه السلام قال إسماعيل القاضى : وإنما كرهوا ذلك والله ~~أعلم لئلا يضيق المرء على نفسه ما وسع الله عليه ، وأن يتعرض لما لا يؤمن ~~أن يحدث فى إحرامه ، وكلهم ألزمه الإحرام فإنه زاد ولم ينقص . قال الطحاوى ~~: وأخذ قوم بحديث ابن عمر وابن عباس ، وذهبوا إلى أن أهل البعراق لا ميقات ~~لهم فى الإحرام كميقات سائر أهل البلدان ؛ وإنما يلهون من حيث مروا عليه من ~~هذه المواقيت المؤقتة فى حديث ابن عباس وابن عمر . قال المؤلف : وسأذكر فى ~~الباب بعد هذا اختلاف الناس فى ميقات أهل العراق إن شاء الله . * * * # | 9 - باب ذات عرق لأهل العراق # / 13 - فيه : ابن عمر ، قال : لما فتح هذان المصران ، أتوا عمر ، فقالوا ~~: يا أمير المؤمنين ، إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حد لأهل نجد ~~قرنا ، وهو جور عن PageV04P198 طريقنا ، وإنا إن أردنا قرنا شق ذلك علينا ، ~~قال : ( فانظروا حذوها من طريقكم ، فحد لهم ذات عرق ) . اختلف العلماء فى ~~ميقات أهل العراق ، فقال مالك والكوفيون ، وأحمد ، وإسحاق ، وأبو ثور : ~~ميقاتهم ذات عرق ، وقالت طائفة : ميقاتهم العقيق ، روى ذلك عن أنس بن مالك ~~، واستحبه الشافعى . قال ابن المنذر : والإحرام من العقيق أفضل ، ومن ذات ~~عرق يجزئ ، وكان القاسم بن عبد الرحمن ، وخصيف يحرمان من الربذة ، وهو قول ~~الحسن بن صالح ، ولولا سنة عمر لكان هذا أشبه بالنظر ؛ لأن المعنى عندهم فى ~~ذات عرق أنه بإزاء قرن ، والربذة بإزاء ذى الحليفة ، غير أن عمر لما سن ذات ~~عرق وتبعه عليه من حج من أهل العراق ، فمر بذلك العمل من أصحاب رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - والتابعين وعوام أهل العلم إلى اليوم كان أولى ~~بالاتباع . واختلفوا فيمن وقت لهم ذات عرق ، فقالت طائفة : وقته عمر بن ~~الخطاب ، واحتجوا بهذا الحديث ، وهو قول ابن عباس وابن عمر وعطاء ، وقال ~~آخرون : بل وقت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لهم العقيق وذات عرق ، ~~كما وقت لأهل ms1247 الشام بالجحفة ، والشام كلها يومئذ دار كفر كما كانت العراق ، ~~فوقت المواقيت لأهل النواحى ؛ لأنه علم أنه سيفتح الله على أمته الشام ~~والعراق وغيرها من البلاد لقوله عليه السلام : ( وسيبلغ ملك أمتى ما زوى لى ~~منها ) . واحتجوا بما رواه أبو داود قال : حدثنا هشام بن بهرام ، حدثنا ~~المعافى ، حدثنا أفلح بن حميد ، عن القاسم ، عن عائشة قالت : ( وقت رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - لأهل العراق ذات PageV04P199 عرق ) . وهو قول ~~جابر بن عبد الله ، وروى الثورى عن يزيد بن أبى زياد ، عن محمد بن على ، عن ~~ابن عباس قال : ( وقت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأهل المشرق العقيق ~~) . وهذا اختلاف ، قال ابن المنذر : ولا يثبت فى ذلك عن الرسول سنة . قال ~~المهلب : وفى قول عمر : ( فانظروا حذوها من طريقكم ) إباحة القياس على ~~السنن المعروفة الحكم بالتشبيه والتمثيل ، يدل على ذلك ما رواه عبد العزيز ~~بن أبى رواد ، عن نافع ، عن ابن عمر أنه قال : لما وقت قرن لأهل نجد ، قال ~~عمر : قيسوا من نحو العراق كنحو قرن . فاختلفوا فى القياس ، فقال بعضهم : ~~ذات عرق ، وقال بعضهم : بطن العقيق ، قال ابن عمر : فقاس الناس ذلك . ~~والناس حينئذ هم علماء الصحابة الذين هم حجة على من خالفهم . وقولهم لعمر : ~~( وهو جور عن طريقنا ) يعنون هو منحرف ومنعدل عنه ، ومنه قوله تعالى : { ~~وعلى الله قصد السبيل ومنها جآئر } [ النحل : 9 ] يعنى غير قاصد . قال ~~الراجز : فجار عن نهج الطريق القاصد ومنه جار السلطان إذا عدل فى حكمه عن ~~الحق إلى الباطل . PageV04P200 # | 10 - باب الصلاة بذى الحليفة # / 14 - فيه : ابن عمر ، أن النبى ، عليه السلام ، أناخ بالبطحاء بذى ~~الحليفة ، فصلى بها . وكان عبدالله بن عمر يفعل ذلك . الصلاة بذى الحليفة ~~ليست من سنن الحج ، وإنما هو موضع الإهلال لأهل المدينة ، وقد أرى النبى ~~عليه السلام فى النوم وهو يعرس فيها قيل له : إنك ببطحاء مباركة ، فلذلك ~~كان عليه السلام يصلى فيها تبركا بها ، ويجعلها عند رجوعه من مكة موضع ~~مبيته ليبكر منها إلى ms1248 المدينة ، ويدخلها فى صدر النهار والله أعلم . # | 11 - باب خروج النبى ، عليه السلام ، على طريق الشجرة # / 15 - فيه : ابن عمر ، أن النبى ، عليه السلام ، كان يخرج من طريق ~~الشجرة ، ويدخل من طريق المعرس ، وأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان ~~إذا خرج إلى مكة يصلى فى مسجد الشجرة ، وإذا رجع صلى بذى الحليفة ببطن ~~الوادى ، وبات حتى يصبح . وقال المؤلف : ليس خروجه على طريق الشجرة ورجوعه ~~من طريق المعرس من سنن الحج . قال المهلب : وإنما فعل ذلك والله أعلم ليكثر ~~عدد المسلمين فى أعين المنافقين وأهل الشرك كما فعل فى العيدين ، ومبيته ~~عليه السلام بذى الحليفة عند رجوعه من الحج على قرب من الوطن لتتقدم أخبار ~~القادمين على أهليهم ، فتأخذ المرأة على نفسها ، وهو فى معنى كراهيته عليه ~~السلام للرجل أن يطرق أهله ليلا من سفره والله أعلم . PageV04P201 # | 12 - باب قول النبى عليه السلام : ( العقيق واد مبارك ) # / 16 - فيه : عمر ، سمعت النبى ، عليه السلام ، بوادى العقيق يقول : ( ~~أتانى الليلة آت من ربى ، فقال : صل فى هذا الوادى المبارك ، وقل : عمرة فى ~~حجة ) . / 17 - وفيه : ابن عمر ، أن النبى ، عليه السلام ، رئى وهو فى معرس ~~بذى الحليفة ببطن الوادى ، قيل له : إنك ببطحاء مباركة ، وقد أناخ بنا سالم ~~، يتوخى بالمناخ الذى كان عبدالله ينيخ ، يتحرى معرس رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - وهو أسفل من المسجد الذى ببطن الوادى ، بينهم وبين الطريق وسط ~~من ذلك . قال المهلب : بهذه الرؤيا حكم النبى عليه السلام بنسخ ما كان فى ~~الجاهلية من تحريم العمرة فى أشهر الحج ؛ لأن رؤيا الأنبياء وحى ، فأمر ~~أصحابه الذين أهلوا بالحج من ذى الحليفة ممن لم يكن معه هدى أن يفسخوه فى ~~عمرة ، فعظم ذلك عليهم لبقائه هو على حجه من أجل ما كان ساق من الهدى ، وما ~~كان استشعره من التلبيد لرأسه ، وفيه أن السنن والفرائض قد يخبر عنها بخبر ~~واحد فيما اتفقا فيه ، وإن كان حكمها يختلف فى غيره ، فلما كان الإحرام ~~بالحج والعمرة واحدا أخبر ms1249 الله عنها فى هذه الرؤيا بذلك فقال : ( عمرة فى ~~حجة ) أى إحرامكم تدخل فيه العمرة والحجة متتاليا ومفترقا . PageV04P202 ~~قال ابن القصار : وقد احتج الكوفيون للقران أنه أفضل من الإفراد ، وأنه ~~الذى أمر به النبى عليه السلام أن نفعله بقوله عليه السلام : ( وقل عمرة فى ~~حجة ) . فالجواب أنه يحتمل أن يريد أحد أمرين : إما أن يحرم بالعمرة إذا ~~فرغ من حجته قبل أن يرجع إلى منزله ، فكأنه قال : إذا خرجت وحججت فقل : ~~لبيك بعمرة ، وتكون فى حجتك التى تحج فيها . قال المؤلف : ويؤيد هذا ~~التأويل ما رواه البخارى فى هذا الحديث فى كتاب الاعتصام ( وقل : عمرة وحجة ~~) ففصل بينهما بالواو . قال ابن القصار : ويحتمل أن يريد أن أفعال العمرة ~~هى بعض أفعال الحج ، فكأنه أوقع أفعال العمرة فى فعل هو بعض أفعال الحج ، ~~وقال غيره : معناه : ( قل : عمرة فى حجة ) أى قل ذلك لأصحابك ، أى أعلمهم ~~أن القران جائز ، وأنه من سنن الحج . قال الطبرى : وهذا نظير قوله عليه ~~السلام : ( دخلت العمرة فى الحج إلى يوم القيامة ) . قال : ومعنى قوله عليه ~~السلام : ( أتانى آت من ربى فقال : صل فى هذا الوادى المبارك ) . فهو إعلام ~~منه عليه السلام بفضل المكان لا إيجاب الصلاة فيه ؛ لأن الأمة مجمعة أن ~~الصلاة بوادى العقيق غير فرض ، فبان بهذا أن أمره عليه السلام بالصلاة فيه ~~نظير حثه لأمته على الصلاة فى مسجده ومسجد قباء والله الموفق . PageV04P203 # | 13 - باب غسل الخلوق ثلاث مرات من الثياب # / 18 - فيه : يعلى أنه قال لعمر : أرنى النبى - صلى الله عليه وسلم - حين ~~يوحى إليه ، قال : فبينما النبى ، عليه السلام ، بالجعرانة ومعه نفر من ~~أصحابه ، جاءه رجل ، فقال : يا رسول الله ، كيف ترى فى رجل أحرم بعمرة ، ~~وهو متضمخ بطيب ، فسكت ، عليه السلام ، ساعة ، فجاءه الوحى ، فأشار عمر إلى ~~يعلى ، فجاء يعلى ، وعلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثوب قد أظل به ، ~~فأدخل رأسه ، فإذا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - محمر الوجه وهو يغط ، ~~ثم سرى عنه ، فقال : ( أين الذى ms1250 سأل عن العمرة ) ؟ فأتى برجل ، فقال : ( ~~اغسل الطيب الذى بك ثلاث مرات ، وانزع عنك الجبة ، واصنع فى عمرتك كما تصنع ~~فى حجتك ) ، قلت لعطاء : أراد الإنقاء حين أمره أن يغسل ثلاث مرات ؟ قال : ~~نعم . كان هذا الحديث بالجعرانة فى منصراف النبى عليه السلام من غزوة حنين ~~، وفى ذلك الموضع قسم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - غنائم حنين ، وقال ~~الطحاوى : ذهب قوم إلى هذا الحديث ، فكرهوا التطيب عند الإحرام ، وهو قول ~~عمر ، وعثمان ، وابن عمر ، وعثمان بن أبى العاص ، وعطاء ، والزهرى ، ومالك ~~، ومحمد بن الحسن ، وخالفهم فى ذلك آخرون ، فأجازوا الطيب عند الإحرام . ~~قال المؤلف : وسأذكرهم فى الباب بعد هذا إن شاء الله ، وقالوا : لا حجة فى ~~حديث يعلى لمن خالفنا ؛ لأن ذلك الطيب الذى كان على الرجل إنما كان صفرة ~~خلوق ، وذلك مكروه للرجال فى حال الإحلال والإحرام ، وإنما نبيح من الطيب ~~عند الإحرام ما هو حلال فى حال الإحلال ، وقد بين ذلك ما رواه همام عن عطاء ~~، عن صفوان بن يعلى ، عن أبيه ، عن النبى عليه السلام PageV04P204 أنه قال ~~له : ( اغسل عنك أثر الخلوق أو الصفرة ) فأمره بغسله لما ثبت من نهيه عليه ~~السلام أن يتزعفر الرجل فى حال الإحلال والإحرام ؛ لأنه من طيب النساء ، لا ~~لأنه طيب تطيب به بعد الإحرام ، وليس فى ذلك دليل على حكم من أراد الإحرام ~~: هل له أن يتطيب بطيب يبقى عليه بعد الإحرام أم لا ؟ قالوا : وقد ثبت عن ~~عائشة أنها كانت تطيب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عند إحرامه بأطيب ~~ما تجد . قال المؤلف : وسيأتى الجواب عن حديث عائشة لمن لم يجز الطيب عند ~~الإحرام فى الباب بعد هذا إن شاء الله . واحتج الطحاوى لمحمد بن الحسن فى ~~رد هذا التأويل المتقدم . فقال : الحجة لمنع الطيب عند الإحرام من طريق ~~النظر أن الإحرام يمنع من لبس الثياب كلها ، ويمنع من الطيب ، ومن قتل ~~الصيد وإمساكه ، فلما أجمعوا أن الرجل إذا لبس قميصا قبل أن يحرم ثم أحرم ~~وهو عليه ms1251 ؛ أنه يؤمر بنزعه ، وإن لم ينزعه وتركه بعد إحرامه كان كمن لبسه ~~بعد إحرامه لبسا مستقبلا ، وتجب عليه الفدية ، وكذلك لو اصطاد وهو حلال ~~فأمسكه بيده ثم أحرم أمر بتخليته ، وإلا كان كابتداء الصيد فى إحرامه ، ~~فلما صح ما ذكرناه وكان التطيب محرما على المحرم بعد إحرامه كحرمة هذه ~~الأشياء ، كان ثبوت الطيب عليه بعد إحرامه ، وإن كان قد تطيب به قبل إحرامه ~~كتطيبه به بعد إحرامه قياسا ونظرا ، وبه يأخذ الطحاوى . PageV04P205 قال ~~المؤلف : وأما قول من أباح الطيب قبل الإحرام أن الخلوق والصفوة نهى عن ~~الرجال فى حال الإحلال والإحرام ، فليس كذلك عند من منع الطيب للإحرام ، ~~وإن نهى النبى عليه السلام أن يتزعفر الرجل إنما هو محمول عند أهل المدينة ~~على أن المراد به حال الإحرام فقط ، وأنه مباح فى الإحلال ، ولهم فى ذلك ~~حجج سأذكرها فى كتاب اللباس والزينة عند نهيه عليه السلام أن يتزعفر الرجل ~~إن شاء الله . قال المهلب : وفيه من الفقه أن السنن قد تكون بوحى من الله ~~كما كان غسل الطيب فى هذا الحديث بالوحى ، ولم يقل أحد أنه فرض ، وفيه وجوب ~~التثبت للعالم فيما يسئل عنه ، وإن لم يعرفه سأل من فوقه كما فعل النبى ~~عليه السلام ، وفيه أن غسل الطيب عند الإحرام ينبغى أن يبالغ فى إزالته ؛ ~~ألا ترى أنه أمره بغسله ثلاث مرات . وقوله : ( اصنع فى عمرتك ما تصنع فى ~~حجتك ) : يعنى اجتنب فى عمرتك كل ما تجتنب فى حجتك ؛ ألا ترى قول ابن عمر : ~~ما أمرهما إلا واحد . يعنى فى الإحرام والحرمة ، وكذلك كل ما يستحسن من ~~الدعاء والتلبية فى الحج فهو مستحسن فى العمرة . قال ابن المنذر : وقد احتج ~~بعض من أسقط الفدية عمن جهل ، فلبس فى إحرامه ما ليس له لبسه ، وجعل الناسى ~~فى معناه ، بحديث الجبة ؛ لأن النبى عليه السلام أمره بنزعها ولم يأمره ~~بالفدية ، وهو قول عطاء ، والثورى ، والشافعى ، وأحمد ، وإسحاق ، وقال مالك ~~: من ابتاع خفين فجربهما فى رجليه ، فإن كان شيئا PageV04P206 خفيفا فلا ~~شىء ms1252 عليه ، وإن تركهما حتى منعه ذلك من حر أو برد أو مطر افتدى ، وقال أبو ~~حنيفة وأصحابه : إن غطى المحرم وجهه ورأسه متعمدا أو ناسيا يوما إلى الليل ~~فعليه دم ، وإن كان أقل من ذلك فعليه صدقة يتصدق بها . * * * # | 14 - باب الطيب عند الإحرام وما يلبس إذا أراد أن يحرم ويترجل ويدهن # قال ابن عباس : يشم المحرم الريحان ، وينظر فى المرآة ، ويتداوى بما يأكل ~~الزيت والسمن . وقال عطاء : يتختم ويلبس الهميان . وطاف ابن عمر وهو محرم ~~وقد حزم على بطنه بثوب ، ولم تر عائشة بالتبان بأسا للذين يرحلون هودجها . ~~/ 19 - فيه : ابن عمر ، أنه كان يدهن بالزيت ، قال سعيد بن جبير : فذكرته ~~لإبراهيم ، فقال : ما تصنع بقوله : حدثنى الأسود عن عائشة ، قالت : كأنى ~~أنظر إلى وبيص الطيب فى مفارق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو محرم . ~~/ 20 - فيه : عائشة ، كنت أطيب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لإحرامه ~~حين يحرم ، ولحله قبل أن يطوف بالبيت . أجاز الطيب قبل الإحرام من الصحابة ~~: سعد بن أبى وقاص ، وابن عباس ، وأبو سعيد الخدرى ، وابن الزبير ، وعائشة ~~، وأم حبيبة ، ومن التابعين : عروة ، والقاسم بن محمد ، والشعبى ، والنخعى ~~، وبه قال أبو حنيفة ، وأبو يوسف ، والثورى ، والأوزاعى ، والشافعى ، وأحمد ~~، وإسحاق ، وأبو ثور ، واحتجوا بحديث عائشة أنها كانت تطيب رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - لإحرامه قبل أن يحرم . PageV04P207 واعتل الذين لم يجيزوا ~~الطيب للإحرام ، الذين ذكرتهم فى الباب قبل هذا ، بأن قالوا : يحتمل أن ~~يكون عليه السلام مخصوصا بالطيب ؛ لأنه أملك لإربه من سائر أمته ، وأن ~~الطيب إنما منع فى الإحرام ؛ لأنه داعية إلى الجماع ويذكر النساء ، فكان ~~أملك لإربه ، فلذلك تطيب ، قاله ابن القصار والمهلب ، وزاد المهلب معنى آخر ~~أنه خص عليه السلام بالطيب عند الإحرام لمباشرته الملائكة بالوحى وغيره . ~~واعتل الطحاوى فى دفع حديث عائشة بما رواه شعبة وسفيان ومسعر ، عن إبراهيم ~~بن محمد بن المنتشر ، عن أبيه قال : ( سألت ابن عمر عن الطيب عند الإحرام ~~فقال : لأن أطلى بقطران أحب إلى من ms1253 أن أصبح محرما ينضح منى ريح الطيب ، قال ~~: فدخلت على عائشة فأخبرتها بقول ابن عمر فقالت : يرحم الله أبا عبد الرحمن ~~، طيبت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فطاف على نسائه ثم أصبح محرما ) . ~~قال : فقد بان بهذا الحديث أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - طاف على ~~نسائه بعد التطيب ، وإذا طاف على نسائه اغتسل لا محالة ، فكان بين إحرامه ~~وتطييبه غسل ، قال : فكأن عائشة إنما أرادت بهذا الحديث الاحتجاج على من ~~كره أن يوجد من المحرم بعد إحرامه ريح الطيب كما كره ذلك ابن عمر ، وأما ~~بقاء نفس الطيب على بدن المحرم بعدما أحرم فإن كان إنما تطيب به قبل ~~الإحرام فلا ، فتفهم هذا الحديث فإن PageV04P208 معناه معنى لطيف . فإن قيل ~~: قد قالت عائشة : ( كنت أرى وبيص الطيب فى مفارق رسول الله بعدما أحرم ) ، ~~والوبيص عند العرب : البريق ، قيل : يجوز أن يكون ذلك وقد غسله ، وهكذا ~~الطيب ربما غسله الرجل عن وجهه فيذهب ويبقى وبيصه . وأما الطيب للحل بعد ~~رمى جمرة العقبة ، فرخص فيه ابن عباس ، وابن الزبير ، وعائشة ، والنخعى ، ~~وخارجة ابن زيد ، وهو قول الكوفيين ، والشافعى ، وأحمد ، وأبى ثور على ظاهر ~~حديث عائشة ، وكرهه سالم ، وهو قول مالك . قيل لابن القاسم : فإن فعل أفترى ~~عليه الفدية ؟ قال : لا أرى عليه شيئا لما جاء فى ذلك ، رواها أبو ثابت عنه ~~. وقال ابن المنذر : أجمع عوام العلماء أن للمحرم أن يأكل الزيت والسمن ~~والشيرج ، وأن له أن يستعمل ذلك فى جميع بدنه سوى رأسه ولحيته ، فإن ~~استعمله فى رأسه ولحيته افتدى . وأجمعوا أن الطيب لا يجوز له استعماله فى ~~بدنه ، ففرقوا بين الطيب والزيت فى هذا الوجه ، فقياس هذا أن يكون المحرم ~~ممنوعا من استعمال الطيب فى رأسه كما منع فى بدنه ، وأن يجب له استعمال ~~السمن والزيت فى رأسه كما أبيح له فى بدنه ، وكلهم أوجب فى دهن البنفسج ~~الفدية إلا الشافعى فإنه قال : ليس بطيب ، وإنما يستعمل للمنفعة . وأجمع ~~عوام العلماء على أن للمحرم أن يعقد الهيمان ms1254 على وسطه ، روى ذلك عن ابن ~~عباس ، وسعيد بن المسيب ، والقاسم ، وعطاء ، PageV04P209 وطاوس ، والنخعى ، ~~وهو قول مالك والكووفيين والشافعى ، وأحمد ، وأبى ثور ، غير إسحاق فقال : ~~لا يعقده ، ولكن يدخل السيور بعضها فى بعض ، وسئلت عائشة عن المنطقة ، ~~فقالت : أوثق عليك نفقتك ، وقال ابن علية : قد أجمعوا أن للمحرم أن يعقد ~~الهيمان والإزار على وسطه ، والمنطقة كذلك . وقول إسحاق لا يعد خلافا ولا ~~حظ له فى النظر ؛ لأن الأصل النهى عن لباس المخيط ، وليس هذا مثله ، فارتفع ~~أن يكون له حكمه . واختلفوا فى الرداء الذى يلتحف به على مئزره ، فكان مالك ~~لا يرى عقده ، وتلزمه الفدية إن انتفع به ، ونهى عنه ابن عمر ، وعطاء ، ~~وعروة ، ورخص فيه سعيد بن المسيب ، وكرهه الكوفيون وأبو ثور وقالوا : لا ~~شىء عليه إن فعل ، وحكى عن مالك أنه رخص للعامل أن يحزم الثوب على بطنه ، ~~وكرهه لغيره . وأجاز شم الريحان للمحرم سوى ابن عباس : الحسن ، ومجاهد ، ~~وهو قول إسحاق ، وكرهه مالك والكوفيون قالوا : لا شىء عليه إن شمه ، وكرهه ~~الشافعى وأبو ثور ، وأوجبوا عليه الفدية . وأجاز جمهور العلماء النظر فى ~~المرآة ، وكان أبو هريرة يفعله ، وقال مالك : لا يفعل ذلك إلا من ضرورة . ~~قال المؤلف : وقول النخعى لسعيد بن جبير : ( ما تصنع بقوله ) فيه حجة أن ~~المفزع فى النوازل إلى السنن ، وإنها مستغنية عن آراء PageV04P210 الرجال ، ~~وفيها المقنع والحجة البالغة ، وأن ممن نزع بها عند الإختلاف فقد أفلح وغلب ~~خصمه . * * * # | 15 - باب من أهل ملبدا # / 21 - فيه : ابن عمر ، قال : سمعت الرسول - صلى الله عليه وسلم - يهل ~~ملبدا . التلبيد عند الإحرام مستحب ، فمن شاء فعله ، ومن شاء تركه ، ون لبد ~~فعليه الحلاق ؛ لأن النبى عليه السلام حلق ، وستأتى أقوال العلماء فى هذه ~~المسألة بعد هذا إن شاء الله . وقال ابن قتيبة : الملبد الذى لبد رأسه ~~بلزوق يجعله فيه . * * * # | 16 - باب الإهلال عند مسجد ذى الحليفة # / 22 - فيه : ابن عمر ، ما أهل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلا من ~~عند المسجد ، يعنى مسجد ذى الحليفة ms1255 . اختلف العلماء فى المواضع الذى أحرم ~~منه رسول الله ، فقال قوم : إنه أهل من مسجد ذى الحليفة ، وقال آخرون : لم ~~يهل إلا من بعد أن استوت به راحلته بعد خروجه من المسجد ، روى ذلك عن ابن ~~عمر أيضا ، وعن أنس ، وابن عباس ، وجابر ، وقال آخرون : بل أحرم حين أطل ~~على البيداء . قال الطحاوى : وقد قال من خالفهم : قد يجوز أن يكون عليه ~~السلام أحرم منها ، لا لأنه قصد أن يكون إحرامه منها أفضل فى PageV04P211 ~~الإحرام منها على الإحرام مما سواها ، وقد رأيناه فعل فى حجته أشياء فى ~~مواضع لا لفضلها ، كنزوله عليه السلام بالمحصب من منى ، لم يكن ذلك لأنه ~~سنة ، ولكن لمعنى آخر ، فلما حصب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، ولم ~~يكن ذلك لأنه سنة ، فكذلك أحرم حين صار على البيداء ، لا لأن ذلك سنة ، وقد ~~أنكر قوم أن يكون رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أحرم من البيداء ، روى ~~مالك عن موسى بن عقبة ، عن سالم ، عن أبيه أنه قال : ( بيداؤكم هذه التى ~~تكذبون على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيها ، ما أهل رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - إلا من مسجد ذى الحليفة ، قالوا : وإنما كان ذلك ~~بعدما ركب راحلته ) . واحتجوا بما رواه أبى ذئب عن الزهرى ، عن نافع ، عن ~~ابن عمر ، عن النبى عليه السلام : ( أنه كان يهل إذا استوت به راحلته قائمة ~~) . وكان ابن عمر يفعله ، قالوا : وينبغى أن يكون ذلك بعدما تنبعث به ~~راحلته ، واحتجوا بما رواه مالك عن سعيد المقبرى ، عن عبيد بن جريج ، عن ~~ابن عمر قال : ( لم أر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يهل حتى تنبعث به ~~راحلته ) . فلما اختلفوا فى ذلك أردنا أن ننظر من أين جاء اختلافهم ، فذكر ~~ابن إسحاق قال : حدثنى خصيف ، عن سعيد بن جبير قال : قلت لابن عباس : عجبت ~~لاختلاف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فى إهلاله فى حجته ، فقال : إنى ~~لأعلم الناس بذلك ، خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حاجا ms1256 ، فلما صلى ~~فى مسجد ذى الحليفة أهل بالحج ، فسمع ذلك قوم فحفظوا عنه ، ثم ركب فلما ~~استقلت به ناقته أهل ، وأدرك ذلك منه أقوام لم يشهدوه فى المرة الأولى ؛ ~~لأن الناس قد كانوا PageV04P212 يأتون أرسالا ، فسمعوه حين استقلت به ناقته ~~يهل ، ثم مضى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلما وقف على شرف البيداء ~~أهل ، وأدرك ذلك منه أقوام لم يشهدوه فى المرتين فنقل كل واحد منهم ما سمع ~~، فإنما كان إهلال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فى مصلاه حين فرغ من ~~صلاته ) . فبين ابن عباس الوجه الذى منه جاء اختلافهم وأن إهلال النبى - ~~صلى الله عليه وسلم - الذى ابتدأ الحج به كان فى مصلاه ، فينبغى لمن أراد ~~الإحرام أن يصلى ركعتين ثم يحرم فى دبرهما كما فعل النبى عليه السلام ، وهو ~~قول جمهور العلماء . قال ابن المنذر : وإن أحرم من غير صلاة تتقدم إحرامه ~~أجزأه لأمر النبى عليه السلام أسماء بنت عميس وهى نفساء بالاغتسال والإحرام ~~، والنفساء غير طاهر ، ومحال أن تصلى فى تلك الحال ، وقد أخبر عليه السلام ~~أنه لا تقبل صلاة بغير طهور ، وسأذكر فى باب : ( من أهل حين استوت به ~~راحلته ) وجها آخر غير ما قاله ابن عباس فى معنى اختلاف الروايات فى ابتداء ~~إهلال النبى عليه السلام عن سعد بن أبى وقاص إن شاء الله . * * * # | 17 - باب ما لا يلبس المحرم من الثياب # / 23 - فيه : ابن عمر ، أن رجلا قال : يا رسول الله ، ما يلبس المحرم من ~~الثياب ؟ قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( لا يلبس القمص ، ولا ~~العمائم ، ولا السراويلات ، ولا البرانس ، ولا الخفاف ، إلا أحد لا يجد ~~نعلين ، PageV04P213 فليلبس خفين ، وليقطعهما أسفل من الكعبين ، ولا تلبسوا ~~من الثياب شيئا مسه الزعفران أو ورس ) . كل ما ذكر فى هذا الحديث فمجمع ~~عليه أنه لا يلبسه المحرم ، ويدخل فى عنى ما ذكر من القمص والسراويلات ~~المخيط كله ، فلا يجوز لباس شىء منه عند جميع الأمة . وأجمعوا أن المراد ~~بالخطاب المذكور فى اللباس فى ms1257 هذا الحديث الرجال دون النساء ، أنه لا بأس ~~بلباس المخيط والخفاف للنساء ، وأجمعوا أن إحرام الرجل فى رأسه ، وأنه ليس ~~له أن يغطيه لنهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن لبس البرانس ~~والعمائم ، وعند مالك إحرام الرجل فى رأسه ووجهه ، واختلفوا فى تخمير وجهه ~~، وسنذكره بعد هذا إن شاء الله ، ونذكر اختلافهم فى من لبس خفين غير ~~مقطوعين وهو غير واجد للنعلين ، أو من لبسهما مقطوعين وهو واجد للنعلين فى ~~آخر كتاب الحج إن شاء الله . وأجمعت الأمة على أن المحرم لا يلبس ثوبا مسه ~~ورس أو زعفران ، والورس : نبات باليمن صبغه بين الحمرة والصفرة ورائحته ~~طيبة ، فإن غسل ذلك الثوب حتى يذهب منه ريح الروس أو الزعفران فلا بأس به ~~عند جميعهم ، وكرهه مالك للمحرم إلا أن لا يجد غيره . وقال أبو عبد الله بن ~~أبى صفرة : قوله : ( ولا تلبسوا شيئا مسه زعفران أو روس ) دليل أن قول ~~عائشة : ( طيبت رسول الله لإحرامه ) خصوص له ؛ لأنه تطيب ونهى عن الطيب فى ~~هذا الحديث ، وإنما اختص بذلك ؛ لأن الطيب من دواعى الجماع ، وهو أملك ~~PageV04P214 لإربه ، كما نهى المحرم عن النكاح ، وعقد هو نكاح ميمونة وهو ~~محرم ؛ لأنه أملك لإربه . * * * # | 18 - باب الركوب والارتداف فى الحج # / 24 - فيه : ابن عباس ، أن أسامة كان ردف الرسول - صلى الله عليه وسلم - ~~من عرفة إلى المزدلفة ، ثم أردف الفضل من المزدلفة إلى منى ، قال : فكلاهما ~~، قال : لم يزل النبى - صلى الله عليه وسلم - يلبى حتى رمى جمرة العقبة . ~~قال المهلب : فيه أن الحج راكبا أفضل منه على الرجلة ، وقد تقدم هذا القول ~~، ومن خالفه فى باب الحج على الرحل ، وفيه ارتداف العالم من يخدمه ، وفيه ~~التواضع بالإرداف للرجل الكبير والسلطان الجليل ، وقد تقدم هذا المعنى فى ~~أول كتاب الحج ، وسيأتى ذكر قطع التلبية فى موضعه إن شاء الله . * * * # | 19 - باب ما يلبس المحرم من الثياب والأردية والأزر # ولبست عائشة الثياب المعصفرة ، وقالت : لا تلثم ، ولا تتنقب ، ولا تلبس ~~ثوبا بورس ، أو زعفران . وقال ms1258 جابر : لا أرى المعصفر طيبا ، ولم تر عائشة ~~بأسا بالحلى ، والثوب الأسود ، والمورد ، والخف للمرأة . وقال إبراهيم : لا ~~بأس أن يبدل ثيابه . / 25 - فيه : ابن عباس ، انطلق النبى ، عليه السلام ، ~~من المدينة بعد ما ترجل ، PageV04P215 وادهن ، ولبس إزاره ورداءه هو ~~وأصحابه ، فلم ينه عن شيء من الأردية والأزر تلبس إلا المزعفرة التى تردع ~~على الجلد ، فأصبح بذى الحليفة ركب راحلته حتى استوى على البيداء أهل هو ~~وأصحابه ، وقلد بدنته ، وذلك لخمس بقين من ذى القعدة فقدم مكة لأربع ليال ~~خلون من ذى الحجة ، فطاف بالبيت ، وسعى بين الصفا والمروة ، ولم يحل من أجل ~~بدنه ؛ لأنه قلدها ، ثم نزل بأعلى مكة عند الحجون ، وهو مهل بالحج ، ولم ~~يقرب الكعبة بعد طوافه بها حتى رجع من عرفة ، فأمر أصحابه أن يطوفوا بالبيت ~~، وبين الصفا والمروة ، ثم يقصروا من رءوسهم ، ثم يحلوا ، وذلك لمن لم يكن ~~معه بدنة قلدها ، ومن كانت معه امرأته فهى له حلال والطيب والثياب . قال ~~المهلب : أجمع المسلمون أن المحرم لا يلبس إلا الأرز والأردية وما ليس ~~بمخيط ، لأن لبس المخيط من الترفه ، فأراد الله عز وجل أن يأتوه شعثا غبرا ~~آثار الذلة والخشوع ، فلذلك نهى عليه السلام المحرم أن يلبس ثوبا مصبوغا ~~بورس أو زعفران ؛ لأن ذلك طيب ، ولا خلاف بين العلماء أن لبس المحرم ذلك لا ~~يجوز . واختلفوا فى الثوب المعصفر للمحرم ، فأجازه جابر ، وابن عمر ، ~~وعائشة ، وأسماء بنت أبى بكر ، وهو قول القاسم وعطاء وربيعة . وقال مالك : ~~العصفر ليس بطيب ، وكرهه للمحرم ؛ لأنه ينتفض على جلده ، فإن فعل فقد أساء ~~ولا فدية عليه ، وهو قول الشافعى ، وقال أبو ثور : إنما كرهنا المعصفر ؛ ~~لأن النبى عليه السلام نهى عنه ، لا أنه طيب ، وكره عمر بن الخطاب لباس ~~الثياب المصبغة . وقال أبو حنيفة والثورى : العصفر طيب وفيه الفدية ، ~~PageV04P216 وقال ابن المنذر : إنما نهى عن المصبغة فى الإحرام تأديبا ، ~~ولئلا يلبسه من يقتدى به ، فيغتر به الجاهل ولا يميز بينه وبين الثوب ~~المزعفر ، فيكون ذريعة للجهال إلى لبس ما ms1259 نهى عنه المحرم من الورس ~~والزعفران . والدليل على ذلك : أن عمر رأى على طلحة بن عبيد الله ثوبا ~~مصبوغا فقال له : ما هذا يا طلحة ؟ قال : يا أمير المؤمنين إنما هو مدر ، ~~فقال عمر : ( إنكم أيها الرهط أئمة يقتدى بكم ، لو أن رجلا جاهلا رأى هذا ~~الثوب قال : رأيت طلحة يلبس المصبغة فى الإحرام ) . وإن كان أراد به ~~التحريم فقد خالفه غيره من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والصواب ~~عند اختلافهم أن ينظر إلى أولاهم قولا فيقال به ، وإطلاق ذلك أولى من ~~تحريمه ؛ لأن الأشياء كانت على الإباحة قبل الإحرام ، فلا يجب التحريم إلا ~~بيقين ، وقد روينا أن عمر لما أنكر على عقيل لبسه الموردتين ، وأنكر على ~~عبد الله بن جعفر ثوبين مضرجين قال على لعمر : دعنا منك ، فإنه ليس أحد ~~يعلمنا السنة ، قال عمر : صدقت . قال ابن المنذر : ورخصت عائشة فى الحلى ~~للمحرمة ، وهو قول أبى حنيفة وأحمد ، وكره ذلك عطاء ، والثورى ، وأبو ثور ، ~~وأجمع العلماء أن المرأة تلبس المخيط كله والخمر والخفاف ، وأن إحرامها فى ~~وجهها ، وأن لها أن تغطى رأسها وتستر شعرها ، وتسدل الثوب على وجهها سدلا ~~خفيفا تستتر به عن نظر الرجال ، ولم يجيزوا لها تغطية وجهها إلا ما روى عن ~~فاطمة بنت المنذر . قالت : PageV04P217 كنا نخمر وجوهنا ونحن محرمات مع ~~أسماء بنت أبى بكر . قال ابن المنذر : على أن يكون كنحو ما روى عن عائشة ~~قالت : ( كنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ونحن محرمات ، فإذا مر ~~بنا ركب سدلنا الثوب من قبل رءوسنا ، فإذا جاوزنا رفعناه ) . ولا يكون ذلك ~~خلافا ، وثبت كراهية النقاب عن سعد ، وابن عباس ، وابن عمر ، وعائشة ، ولا ~~نعلم أحدا من أصحاب النبى عليه السلام رخص فيه ، وكان ابن عمر ينهى عن ~~القفازين ، وهو قول النخعى . وقال مالك : إن لبست البرقع والقفازين افتدت ~~كفدية الرجل ؛ لأن إحرام المرأة عنده فى وجهها ويديها ، وكرهت عائشة اللثام ~~والنقاب للمرأة ، وأباحت لها القفازين ، وهو قول عطاء . واختلفوا فى تخمير ~~وجه المحرم ms1260 ، فقال ابن عمر : لا يخمر وجهه . وكرهه مالك ومحمد ابن الحسن ، ~~قيل لابن القاسم : أترى عليه الفدية ؟ قال : لا أرى عليه فدية لما جاء عن ~~عثمان . وقال فى المدونة فى موضع آخر : إن غطى وجهه ونزعه مكانه فلا شىء ~~عليه ، وإن لم ينزعه حتى انتفع افتدى وكذلك المرأة إلا إذا أرادت سترا . ~~وروى عن ابن عباس ، وابن الزبير ، وزيد بن ثابت ، وسعد بن أبى وقاص ، وعبد ~~الرحمن بن عوف ، وجابر أنهم أجازوا للمحرم تغطية وجهه خلاف ابن عمر ، وبه ~~قال الثورى ، والشافعى ، وأحمد ، وإسحاق ، وأبو ثور ، وهذا يخرج على أن ~~يكون إحرام الرجل عندهم فى رأسه خاصة لا فى وجهه . قال المهلب : فى حديث ~~ابن عباس إفراد النبى عليه السلام للحج ، وفسخ الحج لمن لم يكن معه هدى ، ~~والبقاء على الإحرام PageV04P218 الأول لمن كان معه هدى ؛ لأن من قلد هديه ~~فلابد من أن يوقعه موقعه بعرفة لقوله تعالى : { حتى يبلغ الهدى محله } [ ~~البقرة : 196 ] ، وسيأتى معنى ذلك فى بابه إن شاء الله . قال المؤلف : من ~~روى فى هذا الحديث ( التى تردع على الجلد ) بالعين فهو معنى معروف . تقول ~~العرب : ارتدع وتردع : التطخ بالطيب ، والردع أثر الطيب ، وردع به الطيب : ~~إذا التزق بجلده ويده منه ( ردعة ) ، ومن رواه ( تردغ ) بالغين المنقوطة ~~فهو من قولهم : أردغت الأرض : كثرت رداغها ، وهى مناقع المياه ، ومثله ~~أرزغت الأرض بالزاى : كثرت رزاغها ، جمع رزغة كالردغة ، ذكره صاحب كتاب ~~الأفعال وذكر أردغ وأرزغ فى باب أفعل خاصة . * * * # | 20 - باب من بات بذى الحليفة حتى أصبح قاله ابن عمر ، عن النبى ، عليه ~~السلام # . / 26 - فيه : أنس ، صلى النبى ، عليه السلام ، بالمدينة الظهر أربعا ، ~~وبذى الحليفة العصر ركعتين ، ثم بات حتى أصبح بذى الحليفة ، فلما ركب ~~راحلته واستوت به أهل . قال المؤلف : ليسس مبيته عليه السلام بذى الحليفة ~~عند خروجه من المدينة من سنن الحج ، وإنما هو من جهة الرفق بأمته ليلحق به ~~من تأخر عنه فى السير ، ويدركه من لم يمكنه الخروج معه . قال المهلب : وفيه ~~تقصير الصلاة ms1261 بنية السفر ، وإن لم يبلغ إلى موضع المشقة منه ؛ لأنه قصر بذى ~~الحليفة ، وهو حجة لمالك ومن PageV04P219 وافقه أن المسافر إذا خرج عن بيوت ~~المصر لزمه تقصير الصلاة ، وفيه أن سنة افهلال أن يكون بعد صلاة ، وكان ابن ~~عمر يحرم فى دبر صلاة مكتوبة ، وهو قول ابن عباس ، واستحب ذلك عطاء ، ~~والثورى ، وطاوس ، والشافعى ، وأحمد ، وإسحاق ، وأبو ثور ، واستحب مالك أن ~~يكون بإثر صلاة نافلة ، فإن كان فى وقت لا يتنفل فيه كوقت الصبح أو العصر ~~أجزأه أن يكون بإثر الفريضة ، قال ابن المنذر : وإن أحرم ولم يكن صلى أجزأه ~~، وقد تقدمت حجة هذه المقالة فى باب الإهلال عند مسجد ذى الحليفة . * * * # | 21 - باب رفع الصوت بالإهلال # / 27 - فيه : أنس ، صلى النبى - صلى الله عليه وسلم - بالمدينة الظهر ~~أربعا ، والعصر بذى الحليفة ركعتين ، وسمعتهم يصرخون بهما جميعا . قال ~~الطبرى : الإهلال رفع الصوت بالتلبية ، ومنه استهلال المولود ، وهو صياحه ~~إذا سقط من بطن أمه ، ومنه قوله تعالى : { وما أهل به لغير الله } [ البقرة ~~: 173 ] يعنى ما رفع به الصوت عند ذبحه للآلهة ، وكل رافع صوته بشىء فهو ~~يهل به ، ومنه استهلال المطر والدمع ، وهو صوت وقعه بالأرض ، ويقال : أهل ~~القوم الهلال ، إذا رأوه . وأرى أن ذلك إنما هو من الإهلال الذى هو الصوت ؛ ~~لأنه كان يرفع عند رؤيته الأصوات إما بدعاء أو غيره ، وأوجب أهل الظاهر رفع ~~الصوت بالإهلال ، وخالفهم فى ذلك ، وهو عندهم مستحب . فروى عن ابن عباس أنه ~~كان يرفع صوته بالتلبية ويقول : هى زينة PageV04P220 الحج ، وكان ابن عمر ~~يرفع بها صوته ، وقال أبو حازم : كان أصحاب النبى عليه السلام لا يبلغون ~~الروحاء حتى تبح حلوقهم من التلبية . وبه قال أبو حنيفة والثورى والشافعى . ~~واختلف الرواية عن مالك فروى ابن القاسم عنه أنه لا ترفع الأصوات بالتلبية ~~إلا فى المسجد الحرام ومسجد منى ، وزاد فى الموطأ : ولا يرفع صوته فى مساجد ~~الجماعات ، وروى ابن نافع عنه أنه يرفع صوته فى المساجد التى بين مكة ~~والمدينة . واحتج إسماعيل للقولين فقال ms1262 : وجه القول الأول أن مساجد ~~الجماعات إنما بنيت للصلاة خاصة ، فكره رفع الصوت فيها ، وليس كذلك المسجد ~~الحرام ومسجد منى ؛ لأن المسجد الحرام جعل للحاج وغيره ، وكان المبلى إنما ~~يقصد إليه فكان له فيه من الخصوص ما ليس فى غيره ، ومسجد منى فهو للحاج ~~خاصة ، ووجه رواية ابن نافع أن المساجد التى بين مكة والمدينة إنما جعلت ~~للمجتازين ، وأكثرهم المحرمون فهم من النحو الذى وصفنا . وأجمعوا أن المرأة ~~لا ترفع صوتها بالتلبية ، وإنما عليها أن تسمع نفسها . قال المهلب : وقول ~~أنس : ( وسمعتهم يصرخون بهما ) إنما سمع الذين قرنوا خاصة لثبوت الإفراد ، ~~وليس فى حديث أنس أنه سمع الرسول - صلى الله عليه وسلم - يصرخ بالحج ~~والعمرة ، وإنما أخبر ذلك عن قوم فعلوه ، وقد يمكن أن يسمع قوما يصرخون بحج ~~وقوما يصرخون بعمرة ، وقد روى أنس عن الرسول - صلى الله عليه وسلم - ما يرد ~~روايته هذه ، وهو قوله عليه السلام : PageV04P221 ( لولا أن معى الهدى ~~لأحللت ) . وسيأتى بيان ذلك فى باب التمتع والقران والإفراد بالحج بعد هذا ~~إن شاء الله . وفيه : رد قول أهل الظاهر فى إجازتهم تقصير الصلاة فى مقدار ~~ما بين المدينة وذى الحليفة وفى أقل من ذلك ؛ لأنه إنما قصر الصلاة بذى ~~الحليفة ؛ لأنه كان خارجا إلى مكة فلذلك قصر العصر بذى الحليفة ، بدليل ~~قوله : ( وسمعتهم يصرخون بهما جميعا ) يعنى بالحج والعمرة ، وبين المدينة ~~وذى الحليفة ستة أميال . * * * # | 22 - باب التلبية # / 28 - فيه : ابن عمر ، أن تلبية رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( ~~لبيك اللهم لبيك ، لبيك لا شريك لك لبيك ، إن الحمد والنعمة لك والملك ، لا ~~شريك لك ) . وعن عائشة مثله . قال المهلب : معنى التلبية ، إجابة دعوة ~~إبراهيم بالحج إذ أمره الله بالأذان به ، وهو من المواعيد المنتجزة ؛ لأن ~~تعالى وعده أن يأتوه رجالا وعلى كل ضامر ، وروى عن ابن عباس أنه قال : ( ~~لما فرغ إبراهيم من بناء البيت قيل له : أذن فى الناس بالحج ، قال : يا رب ~~، وما يبلغ صوتى ؟ قال : أذن وعلى البلاغ ، فنادى إبراهيم : أيها الناس ms1263 ، ~~كتب عليكم الحج إلى البيت العتيق ، فسمعه من بين السماء والأرض ، ألا ترى ~~الناس يجيئون من أقطار الأرض يلبون ) . وقال أهل اللغة : معنى لبيك لبيك : ~~إجابة بعد إجابة ، من قولهم : ألب بالمكان ، إذا أقام به ، فكأنه قال : أنا ~~مقيم على طاعتك PageV04P222 وإرادتك ، وكذلك قولهم : سعديك ، أى إسعادا لك ~~بعد إسعاد ، أى أنا مساعد لك ومتابع لإرادتك . واختلف العلماء بتأويل ~~القرآن فى قوله تعالى : { فمن فرض فيهن الحج } [ البقرة : 197 ] فقال ابن ~~عباس وعكرمة وعطاء وطاوس : الفرض الإهلال ، وهو التلبية . قال ابن مسعود ~~وابن الزبير : الفرض : الإحرام . وعند الثورى وأبى حنيفة أن التلبية ركن من ~~أركان الحج ، ولا تنوب النية عنها ، كالدخول فى الصلاة لا يصح إلا بالنية ~~والتكبير جميعا ، إلا أن أبا حنيفة ينوب عنده سائر الذكر عن التلبية ~~كالتكبير والتسبيح والتهليل ، كما يقول فى الإحرام بالصلاة . وعند مالك ~~والشافعى النية فى الإحرام تجزئه عن الكلام ، وكان مالك يرى على من ترك ~~التلبية الدم ، ولا يراه الشافعى ، والحجة لمالك أن التلبية نسك ، ومن ترك ~~من نسكه شيئا أهراق دما ، وقال إسماعيل بن إسحاق : ليس الإهلال للإحرام ~~بمنزلة التكبير للصلاة ؛ لأن الرجل لا يكون داخلا فى الصلاة إلا بالتكبير ، ~~ويكون داخلا فى الإحرام بالتلبية وغيرها من الأعمال التى يوجب بها الإحرام ~~على نفسه ، مثل أن يقول : قد أحرمت بالعمرة أو الحج أو يشعر البدن ، وهو ~~يريد بذلك الإحرام ، أو يتوجه نحو البيت وهو يريد بذلك الإحرام ، فيكون ~~بذلك كله محرما . وأجمع العلماء على القول بهذه التلبية ، واختلفوا فى ~~الزيادة عليها ، فذكر ابن القصار عن الشافعى قال : الأفضل الاقتصار على ~~تلبية رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلا أن يزيد عليها شيئين : ( لبيك ~~إله الحق ) لأن PageV04P223 أبا هريرة رواه عن النبى عليه السلام . والثانى ~~: أن يقول إذا رأى شيئا فأعجبه : ( لبيك إن العيش عيش الآخرة ) . كما فعل ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين رأى الناس يزدحمون فى الطواف ، وإذا ~~زاد هذين كان كمن اقتصر على تلبية رسول الله - صلى الله عليه ms1264 وسلم - ، ~~واحتج بأن سعد بن أبى وقاص سمع رجلا يقول : ( لبيك ذا المعارج ) ، فقال : ~~ما كنا نقول هذا على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - . وقال مالك : ~~إن اقتصر على تلبية رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فحسن ، وإن زاد عليها ~~فحسن ، وهو قول أبى حنيفة والثورى وأحمد وأبى ثور ، وقالوا : يزيد عليها ما ~~شاء ، واحتجوا بما رواه مالك عن نافع ، عن ابن عمر أنه كان يزيد فيها : ( ~~لبيك وسعديك ، والخير بيديك ، والرغباء إليك والعمل ) . وروى القطان عن ~~جعفر بن محمد ، عن أبيه ، عن جابر قال : ( أهل رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - . . ) . فذكر مثل الحديث ابن عمر فى التلبية قال : ( والناس يزيدون ~~لبيك ذا المعارج ونحوه من الكلام ، والنبى عليه السلام يسمع فلا يقول لهم ~~شيئا ) ، وأن عمر كان يقول بعد التلبية : لبيك ذا النعماء والفضل والثناء ~~الحسن ، لبيك مرهوبا منك ومرغوبا إليك . وكان أنس يقول فى تلبيته : لبيك ~~حقا حقا ورقا . PageV04P224 # | 23 - باب التحميد والتسبيح والتكبير قبل الإهلال عند الركوب على الدابة # / 29 - فيه : أنس ، قال : صلى النبى ، عليه السلام ، ونحن معه بالمدينة ~~الظهر أربعا ، والعصر بذى الحليفة ركعتين ، ثم بات بها حتى أصبح ، ثم ركب ~~حتى استوت به على البيداء ، حمد الله وسبح وكبر ، ثم أهل بحج وعمرة ، وأهل ~~الناس بهما ، فلما قدمنا أمر الناس فحلوا ، حتى كان يوم التروية أهلوا ~~بالحج ، قال : ونحر النبى ، عليه السلام ، بدنات بيده قياما ، وذبح رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - بالمدينة كبشين أملحين . قال المؤلف : غرض ~~البخارى بهذه الترجمة والله أعلم الرد على أبى حنيفة فى قوله : إن من سبح ~~أو كبر أو هلل أجزأه من إهلاله ، فأثبت البخارى أن التسبيح والتحميد من ~~النبى عليه السلام إنما كان قبل الإهلال ؛ لقوله فى الحديث بعد أن سبح وكبر ~~: ( ثم أهل بالحج ) . ويمكن أن يكون فعل تكبيره وتحميده عليه السلام عند ~~ركوبه أخذا بقول الله تعالى : { ثم تذكروا نعمة ربكم إذا استويتم عليه } [ ~~الزخرف : 13 ] ويمكن أن يكون يعلمنا عليه السلام ms1265 جواز الذكر والدعاء مع ~~الإهلال ، وأن الزيادة عليه مستحبة بخلاف قول الشافعى . قال المهلب : وقوله ~~: ( ثم أهل بحج وعمرة ) فقد رد عليه ابن عمر هذا القول وقال : كان أنس ~~حينئذ يدخل على النساء وهن متكشفات ، ينسب إليه الصغر وقلة الضبط حين نسب ~~إلى النبى عليه السلام الإهلال بالقران . PageV04P225 قال المؤلف : ومما ~~يدل على قلة ضبط أنس للقصة قوله فى الحديث : ( فلما قدمنا أمر الناس فحلوا ~~حتى إذا كان يوم التروية أهلوا بالحج ) . وهذا لا معنى له ، ولا يفهم إن ~~كان النبى عليه السلام وأصحابه قارنين كما زعم أنس ؛ لأن الأمة متفقة على ~~أن القارن لا يجوز له الإحلال حتى يفرغ من عمل الحج كله كان معه هدى أو لم ~~يكن ، فلذلك أنكر عليه ابن عمر ، وإنما حل من كان أفرد الحج وفسخه فى عمرة ~~ثم تمتع . والأملح : الأبيض الذى يشوبه شىء من سواد ، من كتاب العين . * * ~~* # | 24 - باب من أهل حين استوت به راحلته # / 30 - فيه : ابن عمر ، أهل النبى ، عليه السلام ، حين استوت به راحلته ~~قائمة . قال الطبرى : روى ابن إسحاق عن أبى الزناد ، عن عائشة ابنة سعد بن ~~أبى وقاص قالت : قال سعد : ( كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا أخذ ~~طريق الفرع أهل حين استقلت به راحلته ، وإذا أخذ طريق أحد أهل إذا علا على ~~شرف البيداء ) . قال الطبرى : جعل الله ذا الحليفة ميقاتا لهل المدينة ، ~~ومن مر بها من سائر الناس ، فسوى فى جواز الإحرام من أى مكان أحرم منها : ~~من المسجد ، أو من فنائه بعدما استقلت به راحلته ، أو قبل أن تنهض به قائمة ~~بعدما علا على شرف البيداء ، أو قبل ، ما لم يجاوز ذا PageV04P226 الحليفة ~~، إذ كل ذلك قد روى عن النبى أنه فعله ، وليس شىء من ذلك بخلاف لغيره ، وقد ~~يمكن أن يكون فعل ذلك عليه السلام فى عمرته التى اعتمر ، إذ ذلك كله ميقات ~~، وممكن أن يكون ذلك على ما قاله ابن عباس ، وقد ذكرناه فى باب الإهلال من ~~عند مسجد ms1266 ذى الحليفة . # | 25 - باب الإهلال مستقبل القبلة الغداة بذى الحليفة # وكان ابن عمر إذا صلى بالغداة بذى الحليفة أمر براحلته فرحلت ، ثم ركب ، ~~فإذا استوت به استقبل القبلة قائما ، ثم يلبى حتى يبلغ الحرم ، ثم يمسك حتى ~~إذا جاء ذا طوى بات به حتى يصبح ، فإذا صلى الغداة اغتسل ، وزعم أن رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - فعل ذلك . / 31 - فيه : ابن عمر ، أنه إذا ~~أراد الخروج إلى مكة ادهن بدهن ، ليس له رائحة طيبة ، ثم يأتى مسجد ذى ~~الحليفة ، فيصلى ، ثم يركب ، فإذا استوت به راحلته قائمة أحرم ، ثم قال : ~~هكذا رأيت النبى - صلى الله عليه وسلم - يفعل . قال المهلب : أما تلبية ابن ~~عمر إذا ركب راحلته فأراد به غجابة لقوله تعالى : { وعلى كل ضامر } [ الحج ~~: 27 ] . وأما استقباله القبلة لتلبيته فلاستقبال دعوة إبراهيم لمكة ، ~~فلذلك يلبى الداعى أبدا بعد أن يستقبل بالوجه ؛ لأنه لا يصلح أن يولى ~~المجيب ظهره من يدعوه ثم يلبيه ؛ بل يستقبله بالتلبية فى موضعه الذى دعا ~~منه . وقوله : ( ثم يلبى حتى يبلغ الحرم ) فمعلوم من مذهبه أنه كان ~~PageV04P227 لا يلبى فى طوافه ، وكره مالك التلبية فى الطواف ، وقال ابن ~~عيينة : ما رأيت أحدا يقتدى به يلبى حول البيت إلا عطاء بن السائب ، وسيأتى ~~من أجاز ذلك ومن كرهه فى باب الاغتسال عند دخول مكة إن شاء الله ، وإنما ~~كان يدهن بغير طيب ليمنع بذلك الدواب والقمل . # | 26 - باب التلبية إذا انحدر فى الوادى # / 32 - فيه : ابن عباس ، ذكروا الدجال ، أنه مكتوب بين عينيه كافر ، فقال ~~ابن عباس : لم أسمعه ، ولكنه قال : ( أما موسى كأنى أنظر إليه إذ انحدر فى ~~الوادى يلبى ) . قال المهلب : أما قوله فى هذا الحديث : ( أما موسى ) فهو ~~وهم من الرواة والله أعلم لأنه لم يأت خبر ولا أثر عن موسى أنه حى ، وأنه ~~سيحج ، وإنما أتى ذلك عن عيسى ، عليهما السلام ، فاختلط على الراوى فجعل ~~فعل عيسى لموسى ، وذلك على رواية من روى ( إذا انحدر ) لأنه إخبار عما يكون ~~، وأما ms1267 من روى إذا انحدر يحكى عما مضى ، فيصح عن موسى أن يراه النبى عليه ~~السلام فى منام ، أو يوحى إليه بذلك والله أعلم وفيه من الفقه أن التلبية ~~فى بطن المسيل من سنن المرسلين . PageV04P228 # | 27 - باب كيف تهل الحائض والنفساء ؟ # أهل : تكلم به ، واستهللنا وأهللنا الهلال : كله من الظهور ، واستهل ~~المطر : خرج من السحاب ، { وما أهل لغير الله به } [ المائدة : 3 ] وهو من ~~استهلال الصبى . / 33 - فيه : عائشة ، خرجنا مع النبى - صلى الله عليه وسلم ~~- فى حجة الوداع ، فأهللنا بعمرة ، ثم قال النبى ، عليه السلام : ( من كان ~~معه هدى فليهل بالحج مع العمرة ، ثم لا يحل حتى يحل منهما جميعا ) ، فقدمت ~~مكة وأنا حائض ، ولم أطف بالبيت ولا بين الصفا والمروة ، فشكوت ذلك إلى ~~النبى ، عليه السلام ، فقال : ( انقضى رأسك ، وامتشطى ، وأهلى بالحج ، ودعى ~~العمرة ) ، ففعلت فلما قضينا الحج ، أرسلنى رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- مع عبدالرحمن بن أبى بكر ، فاعتمرت ، فقال : ( هذه مكان عمرتك . . . ) ، ~~الحديث . قال المهلب : قولها : ( فأهللنا بعمرة ) يعارضه رواية عمرة عن ~~عائشة أنها قالت : ( خرجنا لخمس بقين من ذى القعدة ، ولا نرى إلا أنه الحج ~~) . وقال أبو نعيم فى حديث ( مهلين بالحج ، قالت عمرة : فلما دنونا من مكة ~~قال النبى عليه السلام لأصحابه : ( من لم يكن معه هدى فأحب أن يجعلها عمرة ~~فليفعل ، ومن كان معه هدى فلا ) والتوفيق بين الحديثين أن يكون معنى قولها ~~: ( فاهللنا بعمرة ) تريد حين دنونا من مكة حين أمر النبى عليه السلام من ~~لم يسق الهدى بفسخ الحج فى العمرة ، فأهلوا بها ، وبينت عمرة عن عائشة ~~ابتداء القصة من اولها ، وعروة إنما ذكر ما آل إليه أمرهم حين دنوا من مكة ~~وفسخوا الحج فى العمرة ، إلا من كان ساق الهدى من المفردين PageV04P229 ~~فإنه مضى على إحرامه من أجل هديه ، ولم يفسخه فى عمرة لقول الله : { لا ~~تحلوا شعآئر الله ولا الشهر الحرام ولا الهدى } [ المائدة : 2 ] . وقولها : ~~( فقدمت مكة وأنا حائض ، ولم أطف بالبيت ولا بين الصفا والمروة ) . فلا ~~خلاف ms1268 بين العلماء أن الحائض لا تطوف بالبيت ، ولا تسعى بين الصفا والمروة ؛ ~~لأن السعى بينهما موصول بالطواف ، والطواف موصول بالصلاة ، ولا تجوز صلاة ~~بغير طهارة . وقوله عليه السلام : ( انقضى رأسك وامتشطى ، وأهلى بالحج ودعى ~~العمرة ) احتج به الكوفيون فقالوا : إن المعتمرة إذا حاضت قبل الطواف ، ~~وضاق عليها وقت الحج رفضت عمرتها وألقتها واستهلت بالحج ، وعليها لرفض ~~عمرتها دم ، ثم تقضى عمرة بعد ، قالوا : وقوله : ( انقضى رأسك وامتشطى ) ~~دليل على رفض العمرة ؛ لأن القارنة لا تمتشط ولا تنفض رأسها ، فجاوبهم ~~مخالفوهم بأن ابن وهب روى عن مالك أنه قال : حديث عروة عن عائشة ليس عليه ~~العمل عندنا قديما ولا حديثا وأظنه وهما . يعنى ليس عليه العمل فى رفض ~~الدعوة ؛ لأن الله تعالى أمر بإتمام الحج والعمرة لمن دخل فيهما ، وقال : { ~~ولا تبطلوا أعمالكم } [ محمد : 33 ] ورفضها قبل إتمامها هو إبطالها . قال ~~ابن القصار : وكذلك لو احرمت بالحج ثم حاضت قبل الطواف لم ترفضه ، فكذلك ~~العمرة ، بعلة أنه نسك يجب المضى فى فاسده فلا يجوز تركه قبل إتمامه مع ~~القدرة عليه . والذى عليه العمل عند مالك ، والأوزاعى ، والشافعى ، وأبى ~~PageV04P230 ثور فى المعتمرة تحيض قبل أن تطوف بالبيت وتخشى فوات عرفة وهى ~~حائض ، أنها تهل بالحج وتكون كمن قرن بين الحج والعمرة ابتداء ، وعليها دم ~~القران ، ولا يعرفون رفض العمرة ولا رفض الحج لأحد دخل فيهما أو فى أحدهما ~~، قالوا : وكذلك المعتمر يخاف فوات عرفة قبل أن يطوف ، لا يكون إهلاله رفضا ~~للعمرة ؛ بل يكون قارنا لإدخاله الحج على العمرة . ودفعوا حديث عروة عن ~~عائشة بضروب من الاعتلال منها : أن القاسم والأسود وعمرة رووا عن عائشة ما ~~دل أنها كانت محرمة بحج ، فكيف يجوز أن يقال لها : دعى العمرة ، وقال ~~إسماعيل بن إسحاق : رواية عروة غلط ؛ لأن الثلاثة خالفوه ، وقال غيره : أقل ~~الأحوال فى ذلك سقوط الاحتجاج بما صح فيه التعارض والرجوع إلى قوله : { ~~وأتموا الحج والعمرة لله } [ البقرة : 196 ] . وأجمعوا فى غير الخائف لفوت ~~عرفة أنه لا يحل له رفض العمرة ، فكذلك ms1269 من خاف فوات عرفة ؛ لأنه يمكنه ~~إدخال الحج على العمرة ويكون قارنا ، فلا وجه لرفض العمرة فى شىء من النظر ~~. قال أبو عبد الله بن أبى صفرة : ولو ثبت قوله عليه السلام : ( دعى العمرة ~~) لكان له تأويل سائغ ، فيكون معنى قوله : ( أهلى بالحج ) أنه الذى أنت فيه ~~، أى استديمى ما أنت عليه ودعى العمرة التى أردت أن يفسخ حجك فيها ؛ لأنها ~~إنما طهرت بمنى ، وقد رهقها الوقوف بعرفة ، وهذا أصل فى المراهق أن له ~~تأخير طواف الورود ، ومما يوهن رواية عروة ما رواه حماد بن زيد عن هشام بن ~~عروة ، عن أبيه PageV04P231 قال : حدثنى غير واحد أن النبى عليه السلام قال ~~لها : ( دعى عمرتك ) فدل أن عروة لم يسمعه من عائشة ، ولو ثبت قوله : ( ~~انقضى رأسك وامتشطى ) لما نافى ذلك إحرامها ولجبرته بالفدية كما أمر عليه ~~السلام كعب بن عجرة بالحلق والفدية لما بلغ به أذى القمل ، فيكون أمره لها ~~بنقضها رأسها وامتشاطها لضرورة كانت بها مع الفدية ، هذا سائغ ومحتمل فلا ~~تعارض به الأصول ، وقد يمكن أن يكون أمرها بغسل رأسها وإن كانت حائضا لا ~~يجب عليها غسله ولا نقضه لغسل الإهلال بالحج ؛ لأن من سنة الحائض والنفساء ~~أن يغتسلا عند الميقات والإهلال بالحج ، كما امر عليه السلام أسماء بنت ~~عميس حين ولدت محمد بن أبى بكر بالبيداء بالاغتسال والإهلال ، ولو أمر عليه ~~السلام عائشة بنقض رأسها والاغتسال لوجوب الغسل عليها ، لكانت قد طهرت ~~فتطوف للعمرة التى قد تركت . وقوله عليه السلام لها : ( غير ألا تطوفى ~~بالبيت ) يدل أنها لم تنقض رأسها إلا لمرض كان بها أو لإهلال كما ذكرنا . * ~~* * # | 28 - باب من أهل فى زمن النبى ، عليه السلام كإهلال النبى ، عليه ~~السلام قاله ابن عمر ، عن النبى ، عليه السلام # . / 34 - فيه : جابر ، أمر النبى ، عليه السلام ، عليا أن يقيم على ~~إحرامه ، وذكر قول سراقة . وقال ، عليه السلام : ( بما أهللت يا على ؟ ) ~~قال : بما أهل به نبى الله ، قال : ( فأهد ، وامكث حراما كما أنت ) . / 35 ~~- وفيه : مروان الأصفر ، عن ms1270 أنس ، قدم على على النبى ، عليه السلام ، ~~PageV04P232 من اليمن ، فقال : ( بما أهللت ) ؟ قال : بما أهل به النبى - ~~صلى الله عليه وسلم - ، فقال : ( لولا أن معى الهدى لأحللت ) . / 36 - وفيه ~~: أبو موسى ، بعثنى النبى ، عليه السلام ، إلى قوم باليمن فجئت ، وهو ~~بالبطحاء ، فقال : ( بما أهللت ) ؟ قلت : أهللت كإهلال النبى - صلى الله ~~عليه وسلم - ، قال : ( هل معك من هدى ) ؟ قلت : لا ، فأمرنى فطفت بالبيت ~~وبالصفا والمروة ، ثم أمرنى فأحللت فأتيت امرأة من قومى فمشطتنى ، أو غسلت ~~رأسى ، فقدم عمر ، فقال : إن نأخذ بكتاب الله ، فإنه يأمرنا بالتمام ، قال ~~تعالى : { وأتموا الحج والعمرة لله } [ البقرة : 196 ] وإن نأخذ بسنة ~~الرسول - صلى الله عليه وسلم - فإنه لم يحل حتى نحر الهدى . قصة على وحديث ~~أبى موسى لم يقل بهما مالك ولا الكوفيون ، وقال بهما الشافعى ، فذهب إلى أن ~~الحج ينعقد بإحرام من غير تعيين إفراد أو قران أو تمتع ، وله عنده أن يمضى ~~فى ذلك الإحرام ثم يجعله أى وجه شاء من الأوجه الثلاثة ، وله عنده أيضا أن ~~ينقله من وجه إلى وجه ، إلا أن يكون قارنا فليس له أن ينقض إحرامه ؛ لأنه ~~يخرج مما أوجب على نفسه من الحج والعمرة ، واحتج فى ذلك بقوله عليه السلام ~~لعلى : ( بم أهللت ؟ قال : بإهلال كإهلال النبى - صلى الله عليه وسلم - ) ~~فأخبره عليه السلام بما أهل به ، وهو قوله : ( إنى سقت الهدى ) . واحتج ~~الطبرى فقال : والدليل على صحة هذا أن أبا موسى لما أهل لم يعلم بما أهل به ~~النبى عليه السلام فى وقت ابتدائه الإهلال ؛ لأنه كان باليمن عام حج النبى ~~عليه السلام بالناس ، فلما بلغه خروج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~بالناس للحج خرج من اليمن حتى قدم على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~فلبى من ميقات أهل اليمن وقال : لبيك بإهلال كإهلال النبى PageV04P233 عليه ~~السلام ولبى بمثل تلبيته على بن أبى طالب ، وكان أقبل معه من اليمن ، فأمر ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أبا موسى أن يجعل إحرامه عمرة إذ لم ms1271 يكن ~~ساق معه هديا ، وأخذ مالك وأبو حنيفة بظاهر قوله عليه السلام : ( الأعمال ~~بالنيات ) . وقالوا : لابد أن ينوى المحرم حجا أو عمرة عند دخوله فيه ، ~~وقالوا : إذا نوى بحجته التطوع وعليه حجة الإسلام أنه لا يجزئه عنها ، وبه ~~قال الثورى ، وإسحاق ، وقال الشافعى : بجزئه من حجة الإسلام وتعود النافلة ~~فرضا لمن لم يؤد فرضه فى الحج خاصة ، كما يعود الإحرام بالحج قبل وقته ، ~~وإن نوى به الفريضة تطوعا . فيقال : له : قد أجمعوا أن من صلى قبل الزوال ~~أربعا إن نوى بها الظهر أنه لا يجزئه ، وهى تطوع ، فكذلك الحج . قال المهلب ~~: وحديث مروان الأصفر عن أنس موافق لرأى الجماعة فى إفراد النبى عليه ~~السلام ويرد وهم أنس أن النبى عليه السلام قرن ، واتفاقه مع الجماعة أولى ~~بالاتباع مما انفرد به وخالفهم فيه ، وقال أبو عبد الله أخوه : فتسويغ ~~النبى عليه السلام الإحلال لنفسه لولا الهدى يدل أنه كان منفردا الحج غير ~~قارن ؛ لأنه لا يجوز للقارن الإحلال كان معه هدى أو لم يكن حتى يفرغ من عمل ~~الحج . فإن قيل : كيف قال عليه السلام : ( لولا أنى سقت الهدى لأحللت ) وهو ~~مفرد ، والمفرد لا يجوز له اليوم الإحلال كان معه هدى أو لمن يكن ؟ فالجواب ~~: أن قوله : ( لأحللت ) : أى لفسخت الحج فى العمرة ؛ لأن الفسخ كان مباحا ~~حينئذ لمن لا هدى له ، فجاز لهم PageV04P234 الإحلال ووطء النساء قبل ~~الشروع فى عمل العمرة فى وقت فسخهم الحج ، فأما من كان معه هدى فلم يكن ~~يفسخ لقوله تعالى : { حتى يبلغ الهدى محله } [ البقرة : 196 ] . قال المهلب ~~: وقول أبى موسى : ( فقدم عمر ) يعنى إذ حج بالناس فى خلافته فقال : ( إن ~~نأخذ بكتاب الله فإنه أمر بالتمام ) يعنى أن من أهل بشىء فليتم ما بدأ فيه ~~ولا يفسخه ، وإن نأخذ بسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فإنه لم يفسخ ~~ما كان أهل به أولا من الحج من أجل الهدى تعظيما لحرمات الله ، وإنما أباح ~~عليه السلام الفسخ ردا لقول الجاهلية : إن العمرة فى الحج ms1272 من أفجر الفجور . ~~* * * # | 29 - باب قوله تعالى : { الحج أشهر معلومات فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ~~ولا فسوق ولا جدال فى الحج } [ البقرة : 197 ] ، وقوله : { يسألونك عن ~~الأهلة قل هى مواقيت للناس والحج } [ البقرة : 189 ] . # وقال ابن عمر : أشهر الحج : شوال ، وذو القعدة ، وعشر من ذى الحجة . وقال ~~ابن عباس : من السنة أن لا يحرم بالحج إلا فى أشهر الحج ، وكره عثمان أن ~~يحرم من خراسان أو كرمان . / 37 - فيه : القاسم ، عن عائشة ، قالت : خرجنا ~~مع النبى ، عليه السلام ، فى أشهر الحج وليالى الحج وحرم الحج ، فنزلنا ~~بسرف ، قالت : فخرج إلى أصحابه ، فقال : ( من لم يكن منكم معه هدى فأحب أن ~~يجعلها عمرة فليفعل ، ومن كان معه الهدى فلا ) ، قالت : فالآخذ بها والتارك ~~لها من أصحابه ، قالت : فأما رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ورجال من ~~أصحابه ، فكانوا أهل قوة ، وكان PageV04P235 معهم الهدى ، فلم يقدروا على ~~العمرة ، قالت : فدخل على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وأنا أبكى ، ~~فقال : ( ما يبكيك يا هنتاه ) ؟ قلت : سمعت قولك لأصحابك فمنعت العمرة ، ~~قال : ( وما شأنك ) ؟ قلت : لا أصلى ، قال : ( فلا يضيرك إنما أنت امرأة من ~~بنات آدم ، كتب الله عليك ما كتب عليهن ، فكونى فى حجتك فعسى الله أن ~~يرزقكيها ) ، قالت : فخرجنا فى حجته حتى قدمنا منى ، فطهرت ، ثم خرجت من ~~منى ، فأفضت بالبيت ، قالت : ثم خرجت معه فى النفر الآخر حتى نزل المحصب ، ~~ونزلنا معه ، فدعا عبدالرحمن بن أبى بكر ، فقال : ( اخرج بأختك من الحرم ، ~~فلتهل بعمرة ، ثم افرغا ، ثم ائتيا هاهنا ، فإنى أنظركما حتى تأتيانى ) ، ~~قالت : فخرجنا حتى إذا فرغت ، وفرغت من الطواف ، ثم جئته بسحر ، فقال : ( ~~هل فرغتم ) ؟ قلت : نعم ، فآذن بالرحيل فى أصحابه ، فارتحل الناس فمر ~~متوجها إلى المدينة . قال ابن المنذر : اختلف العلماء فى معنى قوله : { ~~الحج أشهر معلومات } [ البقرة : 197 ] فقالت طائفة : شوال ، وذو القعدة ، ~~وعشر من ذى الحجة ، وهو قول ابن مسعود ، وابن عباس ، وابن الزبير ، وروى عن ~~الشعبى ، والنخعى ، وعطاء ، والثورى ، وأبى حنيفة ، والأوزاعى ، الشافعى ms1273 ، ~~وأبى ثور . قال ابن القصار : وقد روى مثله عن مالك ، والمشهور عن مالك أنها ~~ثلاثة : شوال وذو القعدة وذو الحجة كله . قال ابن المنذر : واختلف عن ابن ~~عباس وابن عمر فى ذلك ، فروى PageV04P236 عنهما كما قال ابن مسعود ، وروى ~~عنهما كقول مالك ، وكان الفراء يقول : { الحج أشهر معلومات } [ البقرة : ~~197 ] قال : الأشهر رفع ومعناه : وقت الحج أشهر معلومات ، وقال غيره : ~~تاويله أن الحج فى أشهر معلومات . واختلف العلماء فى من أحرم بالحج فى غير ~~أشهر الحج . فقال ابن عباس : لا ينبغى لأحد أن يهل بالحج فى غير أشهر الحج ~~لقول الله تعالى : { فمن فرض فيهن الحج } [ محمد : 33 ] وهو قول جابر بن ~~عبد الله ، وقال الشافعى وأبو ثور : لا ينعقد إحرامه بالحج ؛ لكنه ينعقد ~~بعمرة ، وهو مذهب عطاء وطاوس ، وبه قال الأوزاعى وأحمد وإسحاق ، واحتجوا ~~بقوله : { الحج أشهر معلومات } [ البقرة : 197 ] وقالوا : لو انعقد الإحرام ~~فى غيرها لم يكن لتخصيصها فائدة ، واحتجوا أيضا بقول عائشة : ( خرجنا مع ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فى أشهر الحج وليالى الحج وحرم الحج ) . ~~وقال آخرون : من أحرم فى غير أشهر الحج لزمه ، روى هذا عن النخعى ، وهو قول ~~أهل المدينة والثورى والكوفيين ، إلا أن المستحب عند مالك ألا يحرم فى غير ~~أشهر الحج ، فإن فعل لزمه ، وهو حرام حتى يحج . وقالوا : إن ذكر الله فى ~~الحج : الأشهر المعلومات ، إنما معناه عندهم عل التوسعة والرفق بالناس ، ~~وافعلام بالوقت الذى فيه يتأدى الحج ، فأخبرهم تعالى بما يقرب من ذلك الوقت ~~، وبين ذلك بقوله عليه السلام : ( الحج عرفات ) وبنحره يوم النحر ، ورميه ~~الجمار فى ذلك اليوم وما بعده ، فمن ضيق على نفسه وأحرم بالحج قبل أشهر ~~الحج فهو فى معنى من أحرم بالحج من بلده قبل الميقات ، ويعضد هذا قوله ~~تعالى : { ولا تبطلوا أعمالكم } [ محمد : 33 ] وقوله : { وأتموا الحج ~~والعمرة } [ البقرة : 196 ] ولم يخص محرما من محرم . PageV04P237 قال ابن ~~القصار : ولا يمتنع أن يجعل الله الأشهر كلها وقتا لجواز الإحرام فيها ، ~~ويجعل شهور الحج وقت الاختيار ms1274 ، وهذا سائغ فى الشريعة . قال المهلب : وقول ~~عائشة : ( نزلنا بسرف ) فإنما ذكرت المآل ؛ لأن سرف هو أول حدود مكة ، ولم ~~تذكر ما كانوا أحرموا به ميقات ذى الحليفة ؛ ولأن فى الحديث دليل على ما ~~كانوا أحرموا به أولا ؛ لأنه قال : ( من لم يكن معه هدى فليجعلها عمرة ) . ~~وهذا يدل أنها كانت حجة مفردة ، ولو كانت قرنا لقال : فليجعلهما عمرة ، ~~وإنما أمر بالفسخ من أفرد ، لا من قرن ولا من أهل بعمرة ، لأنهم أمرهم كلهم ~~أن يجعلوها عمرة ليتمتعوا بالعمرة إلى الحج . وقولها : ( حتى قدمنا منى ~~فطهرت ) تريد ثانى يوم النحر ؛ لأن أيام منى ثلاثة أيام بعد يوم النحر ، ~~وسيأتى اختلاف الناس فى الرفث والفسوق فى الجزء الثانى من الحج إن شاء الله ~~. وقوله : ( يا هنتاه ) هى كلمة يكنى بها عن اسم الإنسان يقال للمرأة : يا ~~هنتاه ، أى يا مرأة ، وللرجل يا هناه ، أى يا رجل ، ولا يستعمل فى غير ~~النداء ، ذكره سيبويه وقال : هو مثل قولهم : يا غدار ويا لكاع ويا فساق ، ~~ولا يستعمل ذلك إلا فى النداء خاصة . PageV04P238 # | 30 - باب التمتع والإقران والإفراد بالحج وفسخ الحج لمن لم يكن معه هدى # / 38 - فيه : الأسود ، عن عائشة ، خرجنا مع الرسول - صلى الله عليه وسلم ~~- ولا نرى إلا أنه الحج ، فلما قدمنا تطوفنا بالبيت ، فأمر النبى - صلى ~~الله عليه وسلم - من لم يكن ساق الهدى أن يحل ، فحل من لم يكن ساق الهدي ، ~~ونساؤه لم يسقن فأحللن ، قالت عائشة : فحضت ، فلم أطف بالبيت ، فلما كانت ~~ليلة الحصبة ، قلت : يا رسول الله ، يرجع الناس بعمرة وحجة ، وأرجع أنا ~~بحجة ، قال : ( وما طفت ليالى قدمنا مكة ) ؟ قلت : لا ، قال : ( فاذهبى مع ~~أخيك إلى التنعيم ، فأهلى بعمرة ، ثم موعدك كذا وكذا ) ، قالت صفية : ما ~~أرانى إلا حابستهم ، قال : ( عقرى حلقى أو ما طفت يوم النحر ) ؟ قالت : قلت ~~: بلى ، قال : ( لا بأس ، انفرى ) . / 39 - وفيه : عروة ، عن عائشة ، خرجنا ~~مع النبى ، عليه السلام ، عام حجة الوداع ، فمنا من أهل بعمرة ، [ ومنا من ~~أهل بحجة وعمرة ms1275 ] ، ومنا من أهل بالحج ، وأهل رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - بالحج ، فأما من أهل بالحج ، أو جمع الحج والعمرة ، لم يحلوا حتى ~~كان يوم النحر . / 40 - وفيه : مروان ، قال : شهدت عثمان وعليا ، وعثمان ~~ينهى عن المتعة ، وأن يجمع بينهما ، فلما رأى على أهل بهما ، لبيك بعمرة ~~وحجة ، قال : ما كنت لأدع سنة النبى ، عليه السلام ، لقول أحد . / 41 - ~~وفيه : ابن عباس ، قال : كانوا يرون أن العمرة فى أشهر الحج أفجر ~~PageV04P239 الفجور فى الأرض ، ويجعلون المحرم صفرا ، ويقولون : إذا برا ~~الدبر ، وعفا الأثر ، وانسلخ صفر ، حلت العمرة لمن اعتمر ، قدم النبى ، ~~عليه السلام ، وأصحابه صبيحة رابعة مهلين بالحج ، فأمرهم أن يجعلوها عمرة ، ~~فتعاظم ذلك عندهم ، فقالوا : يا رسول الله ، أى الحل ؟ قال : ( حل كله ) . ~~/ 42 - وفيه : أبو موسى ، قال : قدمت على النبى ، عليه السلام ، فأمره ~~بالحل . / 43 - وفيه : حفصة ، أنها قالت : يا رسول الله ، ما شأن الناس ~~حلوا بعمرة ولم تحلل أنت من عمرتك ؟ قال : ( إنى لبدت رأسى ، وقلدت هديى ، ~~فلا أحل حتى أنحر ) . / 44 - وفيه : أبو جمرة نصر بن عمران الضبعى ، قال : ~~تمتعت ، فنهانى ناس ، فسألت ابن عباس فأمرنى ، فرأيت فى المنام ، كأن رجلا ~~يقول لى : حج مبرور وعمرة متقبلة ، فأخبرت ابن عباس ، فقال : سنة النبى ، ~~عليه السلام ، فقال : لى أقم عندى ، فأجعل لك سهما من مالى ، قال شعبة : ~~فقلت : لم ؟ فقال : للرؤيا التى رأيت . / 45 - وفيه : أبو شهاب عبد ربه بن ~~نافع ، قدمت متمتعا مكة بعمرة ، فدخلنا قبل التروية بثلاثة أيام ، فقال لى ~~أناس من أهل مكة : تصير حجتك الآن مكية ، فدخلت على عطاء أستفتيه ، فقال : ~~حدثنى جابر بن عبدالله ، أنه حج مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم ~~ساق البدن معه ، وقد أهلوا بالحج مفردا ، فقال لهم : ( أحلوا من إحرامكم ~~بطواف البيت وبين الصفا PageV04P240 والمروة ، وقصروا ، ثم أقيموا حلالا ~~حتى إذا كان يوم التروية ، فأهلوا بالحج ، واجعلوا التى قدمتم بها متعة ) ، ~~فقالوا : كيف نجعلها متعة وقد سمينا الحج ؟ فقال : ( افعلوا ما أمرتكم ، ~~فلولا أنى سقت الهدى ms1276 لفعلت مثل الذى أمرتكم ، ولكن لا يحل منى حرام حتى ~~يبلغ الهدى محله ) ، ففعلوا . قال المهلب : أشكلت أحاديث الحج على الأئمة ~~صعب تخليصها ونفى التعارض عنها ، وكل ركب فى توجيهها غير مذهب صاحبه ، ~~واختلفوا فى الإفراد والتمتع والقران أيها أفضل ، وفى الذى كان به النبى ~~عليه السلام محرما من ذلك . فذهبت طائفة إلى أن إفراد الحج أفضل ، هذا قول ~~مالك وعبد العزيز ابن أبى سلمة والأوزاعى وعبيد الله بن الحسن ، وهو أحد ~~قولى الشافعى ، وبه قال أبو ثور ، وممن روى أن النبى عليه السلام أفرد الحج ~~جابر وابن عباس وعائشة ، وبهذا عمل أبو بكر الصديق ، وعمر بن الخطاب ، ~~وعثمان بن عفان ، وعائشة ، وابن مسعود بعد النبى عليه السلام . وقال أبو ~~حنيفة والثورى : القران أفضل ، وبه عمل النبى عليه السلام واحتجوا بحديث ~~أنس أن النبى عليه السلام لما استوت به راحلته على البيداء أهل بحج وعمرة ، ~~وهو مذهب على بن أبى طالب ، وطائفة من أهل الحديث ، واختاره الطبى ، وقال ~~أحمد ابن حنبل : لا شك أن الرسول كان قارنا ، قال : والتمتع أحب إلى ، لقول ~~النبى عليه السلام : ( لو استقبلت من أمرى ما استدبرت ما PageV04P241 سقت ~~الهدى ، ولجعلتها عمرة ) . وقال آخرون : التمتع أفضل ، وهو قول ابن عمر ~~وابن عباس وابن الزبير ، وبه قال عطاء ، وهو أحد قولى الشافعى ، وإليه ذهب ~~أحمد بن حنبل ، واحتجوا بحديث ابن عمر أن النبى عليه السلام تمتع فى حجة ~~الوداع ، وبقول حفصة : ما شأن الناس حلوا ولم تحل من عمرتك . قال المؤلف : ~~وأما ما جاء من اختلاف ألفاظ حديث عائشة مما يوهم القران والتمتع فليس ذلك ~~بموهن الإفراد ؛ لأن رواة حديث الحج عنها : الأسود ، وعمرة ، والقاسم ، ~~وعروة ، فأما الأسود وعمرة فقالا عنها : ( خرجنا لا نرى إلا الحج ) ، وقال ~~أبو نعيم فى حديثه : ( مهلين بالحج ) . وقال القاسم عنها : ( خرجنا فى أشهر ~~الحج وليالى الحج وحرم الحج ) . وفى رواية مالك فى الموطأ عن القاسم ، عن ~~عروة ، عن عائشة : ( أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أفرد الحج ) ، ~~وكذلك صرح عروة ms1277 عنها أنه عليه السلام أفرد الحج ، ويشهد لصحة روايتها ~~بالإفراد أن جابرا وابن عباس رويا الإفراد عن النبى عليه السلام ، فوجب رد ~~ما خالف الإفراد من حديث عائشة إلى معنى الإفراد لتواتر الرواية به عن ~~النبى عليه السلام . قال الطحاوى : وقد روى عبد العزيز بن عبد الله ، وحماد ~~بن سلمة ، ومالك بن أنس ، وعمرو بن الحارث ، ومحمد بن مسلم الطائفى عن عبد ~~الرحمن بن القاسم ، عن أبيه ، عن عائشة فى إحرامها الذى كانت مع النبى عليه ~~السلام فيه أنه كان حجة ، وأنها قدمت مكة على النبى - صلى الله عليه وسلم - ~~على ذلك ، وزاد عمرو وابن أبى PageV04P242 سلمة ، وحماد بن سلمة ، ومحمد بن ~~مسلم على مالك ( أن النبى عليه السلام وأصحابه كانوا أيضا فى حجة حتى قدموا ~~مكة فأمرهم أن يجعلوها عمرة ) . وكذلك فى رواية عمرة والأسود موافقة القاسم ~~عن عائشة بالإفراد . وقولها : ( لا نرى إلا الحج ) إنما هو على معنى لا ~~نعرف إلا الحج ؛ لأنهم لم يكونوا يعرفون العمرة فى أشهر الحج ، فخرجوا ~~محرمين بالذى لا يعرفون غيره ، قال : والأشبه عندى أن يكون إحرام النبى ~~عليه السلام كان بالحج خاصة لا بالحج والعمرة ؛ لأنه قد أمرهم بفسخ الحج ~~إلى العمرة ، ولا يجوز أن يكون أمرهم بذلك وهم فى حرمة عمرة أخرى ؛ لأنهم ~~يرجعون بذلك إلى أن يصيروا فى حرمة عمرتين ، وقد أجمع المسلمون على المنع ~~من ذلك ، ومحال عندنا أن يجمعوا على خلاف ما كان من أمر رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - ، ما لم يكن مخصوصا به ، وما لم ينسخ بعد فعله إياه . قال ~~المهلب : وقد أشكل حديث عائشة على أئمة الفتوى ، فمنهم من أوقف الاضطراب ~~فيه عليها ، ومنهم من جعل ذلك من قبيل ضبط الرواة عنها ، ومعناه يصح إن شاء ~~الله بترتيبه على موطنه ووقت إخبارها عنه فى المواقيت التى ابتدأ الإحرام ~~منها ، ثم أعقب حين دنا من مكة بما أمر من لم يسق الهدى بالفسخ . فأما حديث ~~الأسود عن عائشة فإنها ذكرت فيه البداءة وأنها أهلت بحجة ms1278 مفردة بذى الحليفة ~~، وأهل الناس كذلك ، ثم لما دنوا من مكة أمر النبى - صلى الله عليه وسلم - ~~من لم يكن ساق الهدى أن يجعلها عمرة ، إذ PageV04P243 أوحى الله إليه ~~بتجويز الاعتمار فى أشهر الحج فسخة منه تعالى لهذه الأمة ورحمة لهم بإسقاط ~~أحد السفرين عنهم ، وأمر من لم يكن معه هدى بالإحلال بعمرة ؛ ليرى أمته ~~جوازها ، ويعرفهم بنعمة الله عليهم عيانا وعملا بحضرة النبى عليه السلام . ~~وفى حديث عروة عن عائشة ذكرت أنهم كانوا فى إهلالهم على ضروب : من مهل بحج ~~، ومن مهل بعمرة ، وجامع بينهما ، فأخبرت عمال آل أمر المحرمين ، واختصرت ~~ما أهلوا به فى ابتداء إحرامهم ، ولم تأت بالحديث على تمامه كما جاء فى ~~حديث عمرة عنها ، فإنها ذكرت إحرامهم فى الموطنين ، ولذلك قال القاسم : ~~أتتك بالحديث على وجهه . يريد أنها ذكرت الابتداء بالإحرام والانتهاء إلى ~~مكة ، وأول حدودها ( سرف ) ، وما أمر به من الفسخ بعمرة . قال الطحاوى : ~~ودل حديث عروة أنهم عرفوا العمرة فى أشهر الحج بما عرفهم به رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - ، وأمرهم به بعد قدومه مكة . قال المؤلف : واحتج من ~~قال بالإفراد بقول مالك : إذا جاء عن النبى عليه السلام حديثان مختلفان ~~وبلغنا أن أبا بكر وعمر عملا بأحد الحديثين وتركا الآخر ، فإن فى ذلك دلالة ~~على أن الحق فى ما عملا به . وقال الزهرى : بلغنا أن عمر بن الخطاب قال فى ~~قوله تعالى : { وأتموا الحج والعمرة لله } [ البقرة : 196 ] ، قال : من ~~تمامها أن تفرد كل واحدة من الأخرى . وقال ابن حبيب : أخبرنى ابن الماجشون ~~قال : حدثنى الثقات من علماء المدينة وغيرهم أن أول ما أقيم للناس الحج سنة ~~ثمان مرجع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من حنين ، فاستخلف رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - على مكة عتاب بن أسيد فأفرد الحج ، ثم حج أبو بكر ~~بالناس سنة تسع فأفرد الحج ، PageV04P244 ثم قبض رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - فاستخلف أبو بكر فأفرد الحج خلافته سنتين ، ثم ولى عمر بن الخطاب ~~فلم ms1279 يشك أحد أن عمر أفرد الحج عشر سنين ، وولى عثمان فأفرد الحج اثنتى عشرة ~~سنة . قال ابن الماجشون : وحدثنى ابن أبى حازم ، عن جعفر بن محمد ، عن أبيه ~~، عن جابر أن عليا أفرد الحج ، وأفرد ابن عمر ثلاثين سنة متوالية ، ما تمتع ~~ولا قرن إلا عاما واحدا ، وأفردت عائشة كل عام حتى توفيت ، قال ابن ~~الماجشون : فعلمنا أن الإفراد هو الذى فعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- كاليقين ؛ لأنا نعلم بفعل أصحابه بعده ، وهم بطانته ، أنهم لا يتركون ما ~~فعل ، وهكذا قال لى المدنيون والمصريون من أصحاب مالك . وأما نهى عثمان عن ~~المتعة والقران وإهلال على بهما ، فإن عثمان اختار ما أخذ به النبى عليه ~~السلام فى خاصة نفسه وما أخذ به أبو بكر وعمر ، ورأى أن الإفراد أفضل عنده ~~من القران والتمتع . والقران عند جماعة من العلماء من معنى التمتع ~~لاتفاقهما فى المعنى ، وذلك أن القارن يتمتع بسقوط سفره الثانى من بلده كما ~~يصنع المتمتع الذى يحل من عمرته ، وكذلك يتفقان فى الهدى والصوم لمن لم يجد ~~هديا عند أكثر العلماء . قال المهلب : وأما قول من اختار القران ؛ لأنه ~~الذى فعل النبى عليه السلام فإنه يفسد من وجهين : أحدهما : توهين قول أنس ~~بما رواه مروان الأصفر عن أنس نفسه أن النبى - صلى الله عليه وسلم - قال ~~لعلى : ( لولا أن معى الهدى لأحللت ) فبان بهذا أن النبى عليه السلام لم ~~يكن قارنا ؛ PageV04P245 لأن القارن لا يجوز له الإحلال ، كان معه هدى أو ~~لم يكن ، وهذا إجماع . والوجه الآخر : أن التمتع والقران رخصتان ، والإفراد ~~أصل ، ومحال أن تكون الرخصة أفضل من الأصل ؛ لأن الدم الذى يدخل فى التمتع ~~والقران جبران ، وهو يجب لإسقاط أحد السفرين أو لترك شىء من الميقات ؛ لأنه ~~لو لم يقرن وأتى بكل واحدة منهما مفردة بعد ألا تكون العمرة فعلت فى شهور ~~الحج ، وأتى بكل واحدة من ميقاتها ، لما وجب عليه دم . وقد أنكر القران على ~~أنس : عائشة وابن عمر وجعلاه من وهمه ، وقالا : كان أنس ms1280 يدخل على النساء ~~وهن منكشفات يصفانه بصغر السن وقلة الضبط لما خالف فيه الجماعة ، هذا قول ~~المهلب ، قال : وأما حجة من قال بالتمتع وأن النبى عليه السلام كان متمتعا ~~بحديث ابن عمر ، فهى مردودة بما رواه البخارى فى حديث ابن عمر مما يرد به ~~على نفسه ، وهو حديث مسدد ، قال : حدثنا بشر ابن المفضل ، حدثنا حميد ~~الطويل ، حدثنا بكر أنه ذكر لابن عمر أن أنسا حدثهم ( أن النبى عليه السلام ~~أهل بعمرة وحجة ، فقال ابن عمر : أهل الرسول - صلى الله عليه وسلم - بالحج ~~وأهللنا به ، فلما قدمنا مكة قال النبى عليه السلام : من لم يكن معه الهدى ~~فليجعلها عمرة ، وكان معه النبى عليه السلام هدى . . . ) . وذكر الحديث . ~~ذكره البخارى فى المغازى فى باب : ( بعثه عليا وخالد بن الوليد PageV04P246 ~~إلى اليمن قبل حجة الوداع ) ، وأيضا قوله فى حديث عائشة : ( لو استقبلت من ~~أمرى ما استدبرت ما سقت الهدى ، ولجعلتها عمرة ) وهذا نص قاطع أنه عليه ~~السلام لم يهل بعمرة ، وليس فى قوله : ( لو استقبلت من أمرى ما استدبرت ، ~~ما سقت الهدى ، ولجعلتها عمرة ) دليل أن التمتع أفض من القران كما زعم أحمد ~~بن حنبل ، وإنما قال ذلك من أجل ما كبر عليهم مخالفة فعله لفعلهم حين بقى ~~على إحرامه ولم يحل معهم حين أمرهم بفسخ الحج والإحلال وإصابة النساء ، فشق ~~ذلك عليهم وقالوا : لما لم يكن بيننا وبين عرفة إلا خمس ، أمرنا أن نحل إلى ~~نسائنا فنأتى عرفة تقطر مذاكرنا المنى ، فآنستهم النبى عليه السلام وقال ~~لهم : ( قد علمتم أنى أصدقكم لله وأبركم ، ولولا هدبى لتحللت كما تحلون ) ~~فسكنوا إلى قوله وطابت نفوسهم ، وسأذكر ما روى عن عروة ، عن عائشة مما يوهم ~~أن النبى عليه السلام تمتع ، فى باب : من ساق الهدى معه إن شاء الله وأبين ~~الشبهة فيه . وأما قول أهل مكة لأبى شهاب حين قدم مكة متمتعا : تصير حجتك ~~الآن مكية ، فمعنى ذلك أنه ينشئ حجة من مكة إذا فرغ من تمتعه كما ينشئ أهل ~~مكة الحج من مكة ms1281 ؛ لأنها ميقاتهم للحج ؛ لأن غير أهل مكة إن أحلوا من ~~العمرة فى أشهر الحج ، وأنشئوا الحج من عامهم دون أن يرجعوا إلى أفقهم أو ~~أفق مثل أفقهم فى البعد ، فعليهم فى ترك ذلك الدم . ولو خرج إلى الميقات ~~بعد تمام العمرة ليهل بالحج منه لم يسقط ذلك عنه الدم عند مالك وأصحابه إلا ~~أن يكون الميقات أفقه أو مثل PageV04P247 أفقه ، وأما حديث حفصة وقولها : ( ~~ما شأن الناس حلوا ولم تحل من عمرتك ) فإنه يوهم أنه عليه السلام أهل بعمرة ~~وأنه تمتع ؛ لأن الإحلال كان لمن تمتع ، فهو توهم فاسد ، وذكر ( عمرتك ) فى ~~هذا الحديث وتركها سواء ؛ لأن المأمورين بالحل هم المحرمون بالحج ليفسخوه ~~فى عمرة ، ويستحيل أن يأمر بذلك المحرمين بعمرة ؛ لأن المعتمر يحل بالطواف ~~والسعى والحلاق ، لا شك فى ذلك عندهم ، وقد اعتمروا مع رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - عمرا ، وعرفوا حكم العمرة فى الشريعة ، فلم يكن يعرفهم ~~بشىء فى علمهم ، بل عرفهم بما أحل الله لهم فى عامهم ذلك من فسخ الحج فى ~~عمرة لما أنكروه من جواز العمرة فى زمن الحج . وللعلماء فى قول حفصة : ( ما ~~شأن الناس حلوا ولم تحل من عمرتك ؟ ) ضروب من التاويل ، فقال بعضهم : إنما ~~قالت له ذلك لأنها ظنت أنه عليه السلام كان فسخ حجه فى عمرة كما أمر بذلك ~~من لا هدى معه من أصحابه وهم الأكثر ، فذكر لها عليه السلام العلة المانعة ~~من الفسخ ، وهى سوقه للهدى ، فبان أن الأمر ليس كما ظننته . وقيل : معناه ~~ما شأن الناس حلوا من إحرامهم ، ولم تحل أنت من إحرامك الذى ابتدأته معهم ~~بنية واحدة ، بدليل قوله : ( لو استقبلت من أمرى ما استدبرت ما سقت الهدى ، ~~ولجعلتها عمرة ) . فعلم بهذا أنه لم يحرم بعمرة ، هذا قول ابن القصار . ~~وقيل : معناه : لم لم تحل من حجك بعمرة كما أمرت أصحابك ؟ وقالوا : قد تأتى ~~( من ) بمعنى ( الباء ) ، كما قال تعالى : PageV04P248 { يحفظونه من أمر ~~الله } [ الرعد : 11 ] أى بأمر الله ، تريد لم تحل أنت بعمرة من ms1282 إحرامك ~~الذى جئت به مفردا فى حجتك . وأما قول ابن عباس لأبى جمرة فى المتعة : هى ~~السنة ، فمعنى ذلك أن كل ما فى أمر النبى - صلى الله عليه وسلم - بفعله فهو ~~سنة ، وكذلك معنى قول على لعثمان فى القران : ما كنت لأدع سنة النبى عليه ~~السلام لقول أحد ، يعنى : سنته التى أمر بها ؛ لأن النبى - صلى الله عليه ~~وسلم - فعل فى خاصته غيرها وهو الإفراد . وأما فسخ الحج فى عمرة فهو فى ~~حديث عائشة وابن عباس وجابر وغيرهم ، فالجمهور على تركه ، وأنه لا يجوز ~~فعله بعد النبى عليه السلام وليس لأحد دخل فى حجة أن يخرج منها إلا بتمامها ~~، ولا يحله منها شىء قبل يوم النحر من طواف ولا غيره ، وإنما أمر به أصحابه ~~ليفسخ ما كان عليه أهل الجاهلية من تحريم العمرة فى أشهر الحج ؛ لأنه خشى ~~عليه السلام حلول أجله قبل حجة أخرى فيجعلها عمرة فى أشهر الحج . فلما لم ~~يتسع له العمر بما استدل عليه من كتاب الله ومن قرب أجله ، أمرهم بالفسخ ~~وأحل لهم ما كانت الجاهلية تحرمه من ذلك ، وقد قال أبو ذر : ما كان لأحد ~~بعده أن يحرم بالحج ثم يفسخه فى عمرة . رواه الأعمش عن إبراهيم التيمى ، عن ~~أبيه ، عن أبى ذر ، ورواه الليث عن المرقع بن صيفى الأسدى ، عن أبى ذر ، ~~وروى ذلك عن عثمان بن عفان ، رواه أبو عوانة عن معاوية بن إسحاق ، عن ~~إبراهيم PageV04P249 التيمى ، عن أبيه ، عن عثمان ، عن عمر بن الخطاب أنه ~~قال : ( إن الله تعالى كان يخص نبيه بما شاء ، وإنه قد مات فأتموا الحج ~~والعمرة لله تعالى ) . وقال جابر : ( المتعتان فعلناهما على عهد رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - ، نهى عمر عنهما فلن نعود إليهما ) يعنى : فسخ الحج ~~ومتعة النساء . وروى ربيعة بن عبد الرحمن عن الحارث بن بلال بن الحارث ~~المزنى ، عن أبيه قال : قلت : يا رسول الله ، أفسخ الحج لنا خاصة أم لمن ~~بعدنا ؟ قال - صلى الله عليه وسلم - : ( بل لنا خاصة ) . قال الطحاوى ms1283 : ولا ~~يجوز للصحابة أن يقولوا هذا بآرائهم ، وإنما قالوه من جهة ما وقفوا عليه ؛ ~~لأنهم لا يجوز لهم ترك ما فعلوه مع النبى عليه السلام من الفسخ إلا بتوقيف ~~منه إياهم على الخصوصية بذلك ، ومنع من سواهم منه ، فثبت أن الناس جميعا ~~بعدهم ممنوعون من الخروج من الحج إلا بتمامه إلا أن يصدوا . ووجه ذلك من ~~طريق النظر أنه من أحرم بعمرة فطاف لها وسهى أنه قد فرغ منها ، وله أن يحلق ~~ويحل ، هذا إذا لم يكن ساق هديا ، ورأيناه إذا ساق الهدى لمتعته ، فطاف ~~لعمرته وسعى لم يحل حتى جاء يوم النحر فيحل منها ومن حجته إحلالا واحدا ، ~~فكان الهدى الذى ساقه لمتعته التى لا يكون عليه فيها هدى إلا بأن يحج ؛ ~~يمنعه من أن يحل بالطواف إلا يوم النحر ؛ لأن عقد إحرامه هكذا ؛ كان أن ~~يدخل فى عمرة فيتمها ، فلا يحل منها حتى يحرم بحجة ثم يحل منها ومن العمرة ~~التى قدمها قبلهما معا . وكانت العمرة لو أحرم بها منفردة حل منها بعد ~~فراغه منها إذا حلق PageV04P250 ولم ينتظر يوم النحر ، وكان إذا ساق الهدى ~~لحجه يحرم بها بعد فراغه من تلك العمرة بقى على إحرامه إلى يوم النحر ، ~~فلما كان الهدى الذى هو من سبب الحج يمنعه الإحلال بالطواف بالبيت قبل يوم ~~النحر ، كان دخوله فى الحج أحرى أن يمنعه من ذلك إلى يوم النحر . قال ~~المؤلف : ولم يجز فسخ الحج أحد من الصحابة إلا ابن عباس ، وتابعه أحمد بن ~~حنبل وأهل الظاهر ، وهو شذوذ من القول ، والجمهور الذين لا يجوز عليهم ~~تحريف التاويل هم الحجة التى يلزم اتباعها . قال المهلب : فى حديث عائشة ~~الأول فى قولها : ( فلما قدمنا تطوفنا بالبيت ) تفسير لقول من قال فى ~~العمرة : ( صنعناها مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ) يعنى : أنه عليه ~~السلام صنعها أمرا لا فعلا ؛ لأنه معلوم أن عائشة لم تطف لأنها كانت حائضا ~~، وإنما حكت عمن طاف . وقوله : ( ما طفت ليالى قدمنا مكة ) يعنى لم تحلى من ~~حجتك ms1284 بعمرة كما حل الناس بالطواف بالبيت والسعى ، قالت : ( لا ، فأمر أخاها ~~فأعمرها إذ لم تعتمر قبل ) . وقول صفية : ( ما أرانى إلا حابستهم ) أى حتى ~~أطهر من حيضتى وأطوف طواف الوداع ؛ لأنها قد كانت طافت طواف الإفاضة ~~المفترض وهى طاهر ، قال مالك : والمرأة إذا حاضت بعد الإفاضة فلتنصرف إلى ~~بلدها ، فإنه قد بلغنا فى ذلك رخصة من النبى - صلى الله عليه وسلم - للحائض ~~، يعنى حديث صفية ، وستأتى مذاهب العلماء فى من ترك طواف الوداع فى باب : ~~إذا حاضت المرأة بعدما أفاضت إن شاء الله . قال المهلب : وأما قوله فى حديث ~~ابن عباس : ( كانوا يجعلون المحرم صفر ) فهو النسئ الذى قال الله تعالى ~~يحلون الشهر PageV04P251 الحرام أعنى المحرم ، ويحرمون الحلال : صفر ، أى ~~يؤخرون حرمة الحرام إلى الحلال صفر . قوله : ( فتعاظم ذلك ) أى تعاظم ~~مخالفة العادة التى كانوا عليها من تأخيرالعمرة عن أشهر الحج ، فسألوه عن ~~الإحلال فقالوا : ( أى الحل ؟ ) إحلال الطيب والمخيط كما يحل من رمى جمرة ~~العقبة وطاف للإفاضة أم غيره ، فأخبرهم أنه الحل كله بإصابة النساء . وقول ~~أبى موسى : ( قدمت على النبى عليه السلام فأمره بالحل ) يريد أنه أمره ~~بالفسخ لما لم يكن معه هدى ، كما أمر أصحابه الذين لا هدى لهم ، وأما أبو ~~جمرة فإنه خشى من التمتع حبوط الأجر ونقصان الثواب للجمع بينهما فى سفر ~~واحد وإحرام واحد ، وكان الذين أمروه بالإفراد إنما أمروه بفعل النبى عليه ~~السلام فى خاصة نفسه لينفرد الحج وحده ، ويخلص عمله من الاشتراك فيه ، ~~فأراه الله الرؤيا ليعرفه أن حجه مبرور وعمرته متقلبة فى حال الاشتراك ، ~~ولذلك قال له ابن عباس : ( أقم عندى ) ليقص على الناس هذه الرؤيا المثبتة ~~لحل التمتع ، وفى هذا دليل أن الرؤيا الصادقة شاهد على أمور اليقظة . وفى ~~قوله : ( أجعل لك سهما من مالى ) أن العالم يجوز له أخذ الأجرة على العلم ~~والله أعلم . وقوله : ( عقرى حلقى ) دعاء عليها ، وقد اختلف فى معناه ، ~~فقيل : معناه : عقرها الله وأصابها بوجع فى حلقها ، وقيل : هو من ~~PageV04P252 حلق الرأس ، وسأذكر أقوال أهل ms1285 اللغة فى هذه الكلمة وأتقصاه فى ~~كتاب الدب فإنه بوب لها بابا إن شاء الله . * * * # | 31 - باب من لبى بالحج وسماه # / 46 - فيه : جابر ، قدمنا مع النبى ، عليه السلام ، ونحن نقول : لبيك ~~اللهم ، لبيك بالحج ، فأمرنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فجعلناها ~~عمرة . / 47 - وفيه : عمران ، تمتعنا على عهد رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - ونزل القرآن ، قال رجل برأيه ما شاء . قال المؤلف : السنة لمن أراد ~~الحج أن ينويه ويسميه عند التلبية به ، وكذلك فى التمتع والقران ، وعلى هذا ~~جمهور الفقهاء ؛ لقوله عليه السلام : ( الأعمال بالنيات ) وهذا الباب خلاف ~~على الشافعى ، فإنه يجيز أن ينعقد الحج بإحرام من غير تعيين إفراد أو قران ~~أو تمتع ، وقد تقدم هذا مستقصى فى باب : من أهل فى زمن النبى عليه السلام ~~كإهلال النبى . ومعنى حديث عمران فى هذا الباب كمعنى حديث جابر فى التلبية ~~بالحج والتسمية له ، ووجه ذلك أن عمران لم يكن ليقدم على القول عن نفسه وعن ~~أصحابه أنهم تمتعوا على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلا وأنهم قد ~~أسمع بعضهم بعضا تلبيتهم للحج وتسميتهم له ، ولولا ما تقدم لهم قبل تمتعهم ~~من تسمية الحج والإهلال به لم يعلم عمران إن كانوا قصدوا مكة بحج أو عمرة ، ~~إذ عملهما واحد إلى موضع الفسخ ، والفسخ لم يكن حينئذ إلا للمفردين بالحج ، ~~وهو الذين تمتعوا بالعمرة ثم حلوا ثم أحرموا بالحج ، فدل هذا كله على أنه ~~لابد PageV04P253 من تعيين الحج أو العمرة عند الإهلال ، وإن كان ذلك ~~مفتقرا إلى النية عند الدخول فيه . قال المهلب : وقول عمران : ( تمتعنا على ~~عهد النبى عليه السلام ونزل القرآن ) فإنه يريد أن التمتع والقران معمول به ~~على عهد الرسول - صلى الله عليه وسلم - لم ينسخه شئ ، ونزل القرآن بإباحة ~~العمرة فى أشهر الحج فى قوله تعالى : { فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما ~~استيسر من الهدى } [ البقرة : 196 ] وقوله : ( قال رجل برأيه ما شاء ) يعنى ~~: من تركه والأخذ به ، وأن الرأى بعد النبى عليه ms1286 السلام باختيار الإفراد لا ~~ينسخ ما سنه من التمتع والقران . * * * # | 32 - باب قول الله تعالى : { ذلك لمن لم يكن أهله حاضرى المسجد الحرام ~~} [ البقرة : 196 ] # / 48 - فيه : ابن عباس ، أنه سئل عن متعة الحج ، فقال : أهل المهاجرون ~~والأنصار وأزواج النبى - صلى الله عليه وسلم - فى حجة الوداع وأهللنا ، ~~فلما قدمنا مكة قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( اجعلوا إهلالكم ~~بالحج عمرة إلا من قلد الهدى ) ، فطفنا بالبيت وبالصفا والمروة ، وأتينا ~~النساء ، ولبسنا الثياب ، وقال : ( من قلد الهدى ، فإنه لا يحل له : { حتى ~~يبلغ الهدى محله } ) ، ثم أمرنا عشية التروية أن نهل بالحج ، فإذا فرغنا من ~~المناسك جئنا فطفنا بالبيت وبالصفا والمروة ، فقد تم حجنا وعلينا الهدى كما ~~قال تعالى : { فما استيسر من الهدى فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام فى الحج ~~وسبعة إذا رجعتم } إلى أمصاركم ، الشاة تجزى ، فجمعوا نسكين فى عام بين ~~الحج والعمرة ، فإن الله تعالى أنزله فى كتابه وسنه نبيه ، وأباحه للناس ~~غير أهل مكة ، قال : PageV04P254 { ذلك لمن لم يكن أهله حاضرى المسجد ~~الحرام } وأشهر الحج التى ذكر الله : شوال ، وذو القعدة ، وذو الحجة ، فمن ~~تمتع فى هذه الأشهر فعليه دم أو صوم ، والرفث : الجماع ، والفسوق : المعاصى ~~، والجدال : المراء . اختلف العلماء : فى حاضرى المسجد الحرام من هم ؟ فذهب ~~طاوس ومجاهد إلى أنهم أهل الحرم ، وقالت طائفة : هم أهل مكة بعينها ، روى ~~هذا عن نافع مولى ابن عمر ، وعن عبد الرحمن الأعرج ، وهو قول مالك ، قال : ~~هم أهل مكة ، ذى طوى وشبهها ، وأما أهل منى وعرفة والمناهل مثل قديد وعسفان ~~ومر الظهران فعليهم الدم . وذهب أبو حنيفة إلى أنهم أهل المواقيت فمن دونهم ~~إلى مكة ، وقال مكحول : من كان منزله دون المواقيت إلى مكة فهو من حاضرى ~~المسجد الحرام ، وأما أهل المواقيت فهم كسائر أهل الآفاق ، روى هذا عن عطاء ~~، وبه قال الشافعى بالعراق ، وقال الشافعى : من كان من الحرم على مسافة لا ~~يقصر فى مثلها الصلاة ، فهو من حاضرى المسجد الحرام . قال الطحاوى : ولما ~~اختلفوا فى ms1287 ذلك نظرنا فوجدنا أصحابنا الكوفيين يقولون : لكل من كان من ~~حاضرى المسجد الحرام دخول مكة بغير إحرام ، إذ كانوا قد جعلوا المكان الذى ~~هم من أهله كمكة ، واحتجوا فيه بما روى مالك عن نافع ، عن ابن عمر : ( أنه ~~أقبل من مكة حتى إذا كان بقديد بلغه خبر من المدينة ، فرجع فدخل ~~PageV04P255 مكة حلالا ) ؛ فدل هذا على أن أهل قديد كأهل مكة ، وقد روى عن ~~ابن عباس خلاف هذا ، وروى عنه عطاء أنه كان يقول : لا يدخل أحد مكة إلا ~~محرما ، وقال ابن عباس : ( لا عمرة على المكى إلا أن يخرج من الحرم فلا ~~يدخله إلا حراما وإن خرج قريبا من مكة ) ، فهذا ابن عباس قد منع الناس ~~جميعا من دخول مكة بغير إحرام ، فدل هذا أن من كان غير أهل مكة فهو عنده ~~مخالف لحكم أهل مكة ، ويدل على صحة هذا المعنى قوله عليه السلام : ( إن ~~الله حرم مكة يوم خلق السموات والأرض ، ولم تحل لأحد قبلى ، ولم تحل لى إلا ~~ساعة من نهار ) . أو لا ترى أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قصد ~~بالحرمة إلى مكة دون ما سواها ، فدل ذلك أن سائر الناس سوى أهلها فى حرمة ~~دخولهم إياها سواء ، فثبت بذلك قول ابن عباس ، وفى ثبوت ذلك ما يجب به أن ~~حاضرى المسجد الحرام هم أهل مكة خاصة ، كما قال نافع والأعرج ، لا كما قال ~~أبو حنيفة وأصحابه . قال إسماعيل بن إسحاق : ومن الحجة لمالك أن حاضرى ~~المسجد الحرام أهل القرية التى فيها المسجد الحرام خاصة ، وليس أهل الحرم ~~كذلك ؛ لأنه لو كان كذلك لما جاز لأهل مكة إذا أرادوا سفرا أن يقصروا ~~الصلاة حتى يخرجوا عن الحرم كله ، فلما جاز لهم قصر الصلاة إذا خرجوا عن ~~بيوت مكة ، دل ذلك على أن حاضرى المسجد الحرام هم اهل مكة دون الحرم ، قاله ~~الأبهرى . قال إسماعيل : وأما قول من قال : من كان أهله دون المواقيت ، فإن ~~المواقيت ليس من هذا الباب فى شئ ؛ لأنها لم تجعل للناس ms1288 ؛ لأنها حاضرة ~~المسجد ؛ ألا ترى أن بعض المواقيت بينها وبين مكة مسيرة PageV04P256 ثمان ~~ليال ، وبين بعضها وبين مكة مسيرة ليلتين ، فيكون من كان دون ذى الحليفة ~~إلى مكة من حاضرى المسجد الحرام وبينه وبين مكة ثمان ليال ، ومن كان منزله ~~من وراء قرن مما يلى نجد ألا يكون من حاضرى المسجد الحرام ، وإنما بينه ~~وبين مكة مسيرة ليلتين وبعض أخرى ، وإنما الحاضر للشىء من كان معه ، فكيف ~~يجعل من هو أبعد حاضرا ومن هو أقرب ليس بحاضر ؟ ودليل آخر : وهو قوله تعالى ~~: { هم الذين كفروا وصدوكم عن المسجد الحرام والهدى معكوفا أن يبلغ محله } ~~[ الفتح : 25 ] فهذا يدل أنه المسجد الحرام نفسه ، وإنما صد المشركون النبى ~~- صلى الله عليه وسلم - عن المسجد وعن البيت ، فأما الحرم فقد كان غير ~~ممنوع منه ؛ لأن الحديبية تلى الحرم ، وهذا قاطع لطاوس ومجاهد . قال المؤلف ~~: وأما قول ابن عباس فى التمتع : ( فإن الله أنزله فى كتابه وسنة نبيه ، ~~وأباحه للناس غير أهل مكة ) فإن مذهبه أن أهل مكة لا متعة لهم ، وذلك والله ~~أعلم لأن العمرة لابد فى الإحرام بها من الخروج إلى الحل ، ومن كان من أهل ~~مكة فهى داره لا يمكنه الخروج منها ، وهى ميقاته فى الإحرام بالحج ، وقد ~~صرح بذلك ابن عباس فقال : ( يا أهل مكة ، لا متعة لكم ، إنما يجعل أحدكم ~~بينه وبين مكة بطن واد ، ويهل ) . وهذا مذهب أبى حنيفة وأصحابه ، قالوا : ~~ليس لأهل مكة تمتع ولا قران ، فإن فعلوا فعليهم الدم ، وأوجب ابن الماجشون ~~الدم للقران ولم يوجبه للتمتع ، واعتل ابن الماجشون بأن القارن قارن من ~~حيثما حج ، والمتمتع إنما هو المعتمر من بلده فى أشهر الحج المقيم ~~PageV04P257 بمكة حتى يحج ، ومن كان أهلها فهى داره لا يمكنه الخروج منها ~~إلى غير داره ، وقد وضع الله ذلك عنه ، ولم يذكر القارن . قال ابن القصار : ~~وهذا خطأ ؛ لأنه إذا جاز التمتع لأهل مكة فقد جاز لهم القران ؛ لأنه لا فرق ~~بينهما ، واحتج أبو حنيفة بأن الاستثناء عنده فى الآية ms1289 راجع إلى الجملة لا ~~إلى الدم ، قال : ولو رجع إلى الدم لقال : ( ذلك على من لم يكن أهله ) ، ~~وقول القائل : إن لفلان كذا يفيد نفى الإيجاب عليه ، ولهذا لا يقال : له ~~الصلاة والصوم ، وإنما يقال : عليه الصلاة والصوم . قال ابن القصار محتجا ~~لمالك : قوله تعالى : { فمن تمتع } لفظ يقتضى إباحة التمتع ، ثم علق عليه ~~حكما وهو الهدى ، ثم استثنى فى آخرها أهل مكة ، والاستثناء إذا وقع بعد فعل ~~قد علق عليه حكم انصرف إلى الحكم المعلق على الفعل لا إلى الفعل نفسه ، ~~فأهل مكة وغيرهم فى إباحة التمتع الذى هو الفعل سواء ، والفرق بينهم فى ~~الاستثناء يعود إلى الدم ؛ لأنه الحكم المعلق على التمتع ، وهذا بمنزلة ~~قوله عليه السلام : ( من دخل دار أبى سفيان فهو آمن ، ومن دخل منزله فهو ~~آمن ) فلو وصله بقوله : ذلك لمن لم يكن من أهل القينتين أو لغير ابن خطل لم ~~يكن ذلك الاستثناء عائدا إلا إلى الأمر ، لا إلى الدخول ، ولا يكون سائر ~~الناس ممنوعين من دخول منازلهم ومنزل أبى سفيان ، بل إن دخلوا فلهم الأمان ~~كلهم إلا ابن خطل والقينتين ومن استثنى معهم . PageV04P258 وقوله : { فمن ~~تمتع بالعمرة إلى الحج } لو تجرد من تمامه لم يعد كقوله : زيد لا يفيد ~~بانفراده حتى يخبر عنه بقائم أو قاعد أو غيره ، فكذلك قوله : { فمن تمتع ~~بالعمرة إلى الحج } لا يفيد شيئا حتى يخبر عن حكمه ، قوله : { فما استيسر ~~من الهدى } هو الحكم الذى به تتم الفائدة . والفوائد إنما هى فى الأحكام ~~المعلقة على أفعال العباد لا على أسمائهم ، ومثله : { فسجد الملآئكة كلهم ~~أجمعون إلا إبليس } [ الحجر : 30 ، 31 ] معناه : فإنه لم يسجد فلم تكن ~~الفائدة فى الاستثناء راجعة إلا إلى نفى السجود الذى به يتم الكلام . قال ~~غيره : فإنما أوجب الله الدم على المتمتع غير المكى ؛ لأنه كان عليه أن ~~يأتى محرما بالحج من داره فى سفر ، وبالعمرة فى سفر ثان ، فلما تمتع بإسقاط ~~أحد السفرين أوجب الله عليه الهدى ، فكذلك القارن هو فى معنى المتمتع ms1290 ~~لإسقاط أحد السفرين ، ودلت الآية على أن أهل مكة بخلاف هذا المعنى ؛ لأن ~~إهلالهم بالحج خاصة من مكة ، ولا خروج لهم إلى الحل للإهلال إلا بالعمرة ~~خاصة ، فإذا فعلوا ذلك لم يسقطوا سفرا لزمهم فلا دم عليهم ، ففارقوا سائر ~~أهل الآفاق فى هذا ، وقد تقدم اختلافهم فيمن أحرم من مكة بالعمرة ولم يخرج ~~إلى الحل للإحرام فى باب : مهل أهل مكة للحج والعمرة . PageV04P259 # | 33 - باب الاغتسال عند دخول مكة # / 49 - فيه : ابن عمر ، أنه كان إذا دخل [ أدنى ] الحرم أمسك عن التلبية ~~، ثم يبيت بذى طوى ، ثم يصلى به الصبح ، ويغتسل ، ويحدث أن نبى الله - صلى ~~الله عليه وسلم - كان يفعل ذلك . قال ابن المنذر : الاغتسال لدخول مكة ~~مستحب عند جميع العلماء ، إلا أنه ليس فى تركه عامدا عندهم فدية ، وقال ~~أكثرهم : الوضوء يجزئ منه ، وكان ابن عمر يتوضأ أحيانا ويغتسل أحيانا ، ~~وروى ابن نافع عن مالك أنه استحب الأخذ بقول ابن عمر فى الغسل للإهلال بذى ~~الحليفة ، وبذى طوى لدخول مكة ، وعند الرواح إلى عرفة . قال : ولو تركه ~~تارك من عذر لم أر عليه شيئا ، وقال ابن القاسم عن مالك : إن اغتسل ~~بالمدينة وهو يريد الإحرام ثم مضى من فوره إلى ذى الحليفة فأحرم ، فإن غسله ~~يجزئ عنه ، قال : وإن اغتسل بالمدينة غدوة وأقام إلى العشى ثم راح إلى ذى ~~الحليفة فلا يجزئه ، وأوجبه أهل الظاهر فرضا على من أراد أن يحرم وإن كان ~~طاهرا ، والأمة على خلافهم ، وروى عن الحسن : إذا نسى الغسل للإحرام يغتسل ~~إذا ذكر ، واختلف فيه عن عطاء ، فقال مرة : يكفى منه الوضوء ، وقال مرة غير ~~ذلك . قال المهلب : وإنما أمسك ابن عمر عن التلبية فى أول الحرم ؛ لأنه ~~تأول أنه قد بلغ إلى الموضع الذى دعى إليه ، ورأى أن يكبر الله ويعظمه ~~ويسبحه ؛ إذ قد سقط عنه معنى التلبية بالبلوغ ، وكره مالك التلبية حول ~~البيت ، وقال ابن عيينة : ما رأيت أحدا يقتدى به PageV04P260 يلبى حول ~~البيت إلا عطاء بن السائب . وروى عن سالم أنه ms1291 كان يلبى فى طوافه ، وبه قال ~~ربيعة والشافعى وأحمد وإسحاق ، فكل واسع . * * * # | 34 - باب دخول مكة نهارا وليلا # / 50 - فيه : ابن عمر ، قال : بات النبى ، عليه السلام ، بذى طوى حتى ~~أصبح ، ثم دخل مكة . وكان ابن عمر يفعله . ذو طوى بضم الطاء : موضع بمكة ، ~~مقصور ، وذو طوى بفتح الطاء : موضع باليمن ، ممدود ، قاله بعض أهل اللغة ، ~~وليس دخوله عليه السلام مكة إذا أصبح بأمر لازم لا يجوز تركه ، ودخولها فى ~~كل وقت واسع . * * * # | 35 - باب من أين يدخل مكة # / 51 - فيه : ابن عمر ، كان النبى - صلى الله عليه وسلم - يدخل من الثنية ~~العليا ، ويخرج من الثنية السفلى . * * * # | 36 - باب من أين يخرج من مكة ؟ # / 52 - فيه : ابن عمر ، أن النبى ، عليه السلام ، دخل مكة من كداء من ~~الثنية العليا التى بالبطحاء ، وخرج من كداء من الثنية السفلى . / 53 - ~~وفيه : عائشة ، أن النبى ، عليه السلام ، لما جاء إلى دخل مكة من أعلاها ، ~~PageV04P261 وخرج من أسفلها . وقالت مرة : دخل ، عليه السلام ، من كداء ، ~~وخرج من كدا من أعلى مكة . وكان عروة يدخل على كلتيهما ، وأكثر ما يدخل من ~~كداء ، وكانت أقربهما إلى منزله . قال المهلب : أما دخوله عليه السلام مرة ~~من أعلى مكة ومرة من أسفلها ، فإنما فعله ليعلم الناس السعة فى ذلك ، وأن ~~ما يمكن لهم منه فمجزئ عنهم والله أعلم ألا ترى أن عروة كان يفعل ذلك ، ~~وإذا فتحت الكاف من كداء مددت ، وإذا ضممتها قصرت ، وقد قيل : كدى بالضم هو ~~أعلى مكة ، وقيل : بل كداء بفتح الكاف أعلى مكة ، وهو أصح . * * * # | 37 - باب فضل مكة وبنيانها # وقوله تعالى : { وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمنا } إلى قوله : { إنك ~~أنت التواب الرحيم } [ البقرة : 125 - 128 ] . / 54 - فيه : جابر ، لما ~~بنيت الكعبة ذهب النبى ، عليه السلام ، وعباس ينقلان الحجارة ، فقال العباس ~~للنبى ، عليه السلام : اجعل إزارك على رقبتك ، فخر إلى الأرض ، وطمحت عيناه ~~إلى السماء ، فقال : ( أرنى إزارى ، فشده عليه ) . / 55 - وفيه : عائشة ، ~~أن النبى ، عليه السلام ، قال لها : ( ألم تري أن ms1292 قومك لما بنوا الكعبة ~~اقتصروا على قواعد إبراهيم ) ؟ فقلت : يا رسول الله ، ألا تردها على قواعد ~~إبراهيم ، قال : ( لولا حدثان قومك بالكفر لفعلت ) ، فقال عبدالله : لئن ~~كانت عائشة سمعت هذا من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما أرى ~~PageV04P262 رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ترك استلام الركنين اللذين ~~يليان الحجر إلا أن البيت لم يتمم على قواعد إبراهيم . / 56 - وفيه : عائشة ~~، سألت النبى ، عليه السلام ، عن الجدر أمن البيت هو ؟ قال : ( نعم ) ، قلت ~~: فما لهم لم يدخلوه فى البيت ؟ قال : ( إن قومك قصرت بهم النفقة ) ، قلت : ~~فما شأن بابه مرتفعا ؟ قال : ( فعل ذلك قومك ليدخلوا من شاءوا ، ويمنعوا من ~~شاءوا ، ولولا أن قومك حديث عهدهم بالجاهلية ، فأخاف أن تنكر قلوبهم أن ~~أدخل الجدر فى البيت وأن ألصق بابه بالأرض ) . / 57 - وقالت : قال عليه ~~السلام : ( لأمرت بالبيت فهدم ، فأدخلت فيه ما أخرج منه ، وألزقته بالأرض ، ~~وجعلت له بابين بابا شرقيا ، وبابا غربيا ، فبلغت به أساس إبراهيم ) . فذلك ~~الذى حمل ابن الزبير على هدمه . قال يزيد : وشهدت ابن الزبير حين هدمه ~~وبناه وأدخل فيه من الحجر ، وقد رأيت أساس إبراهيم حجارة كأسنمة الإبل . ~~قال جرير : فقلت له : أين موضعه ؟ قال : أريكه الآن ، فدخلت معه الحجر ، ~~فأشار إلى مكان ، فقال : هاهنا ، قال جرير : فحزرت من الحجر ستة أذرع أو ~~نحوها . قال المؤلف : قد ذكر الله فضل مكة فى غير موضع من كتابه ، ومن أعظم ~~فضلها أنه تعالى فرض على عباده حجها ، وألزمهم قصدها ، ولم يقبل من أحد إلا ~~باستقبالها ، وهى قبلة أهل دينه أحياء وأمواتا . PageV04P263 وفى حديث ~~عائشة معرفة بنيان قريش الكعبة ، وقد بناها إبراهيم عليه السلام قبل ذلك ، ~~وقيل : إن آدم خط البيت قبل إبراهيم ، وقد نقل فيه النبى عليه السلام ~~الحجارة مع عمه العباس وقريش فى الجاهلية . وذكر أهل السير أن قريشا لما ~~بنت الكعبة وبلغت موضع الركن اختصمت فى الركن ، أى القبائل يلى رفعه ، ~~فقالوا : تعالوا نحكم أول رجل يطلع علينا ، فطلع النبى عليه السلام فحكموه ~~وسموه الأمين ، وكان ms1293 ذلك الوقت ابن خمس وثلاثين سنة فيما ذكر ابن إسحاق ، ~~فأمر بالركن فوضع فى ثوب ، ثم أمر سيد كل قبيلة فأعطاه ناحية من الثوب ، ثم ~~ارتقى هو فرفعوا إليه الركن فوضعه عليه السلام بيده ، فعجبت قريش من سداد ~~رأيه . وكان الذى أشار بتحكيم أول رجل يطلع عليهم أبو أمية ابن المغيرة ، ~~والد أم سلمة زوج النبى عليه السلام ، وكان عامئذ أسن قريش كلها ، وقد ذكر ~~الرسول - صلى الله عليه وسلم - أنه إنما امتنع من رده على قواعد إبراهيم ~~خشية إنكار قريش لذلك . وفى هذا من الفقه أنه يجب اجتناب ما يسرع الناس إلى ~~إنكاره وإن كان صوابا ، وقد روى أن هارون الرشيد ذكر لمالك بن أنس أنه يريد ~~هدم ما بناه الحجاج من الكعبة ، وأن يرده إلى بنيان ابن الزبير ، فقال له : ~~ناشدتك الله يا أمير المؤمنين أن لا تجعل هذا البيت ملعبة للملوك ، لا يشاء ~~أحد منهم إلا نقض البيت وبناه ، فتذهب هيبته من صدور الناس . وفى الحديث ~~دليل أن الحجر من البيت ، وإذا كان ذلك فإدخاله واجب فى الطواف . ~~PageV04P264 واختلف العلماء فيمن سلك الحجر فى طوافه ، فكان عطاء ، ومالك ، ~~والشافعى ، وأحمد ، وأبو ثور يقولون : يقضى ما طاف قبل أن يسلك فيه ، ولا ~~يعتد بما طاف فى الحجر ، وقال أبو حنيفة : إن كان بمكة قضى ما بقى عليه ، ~~وإن رجع إلى بلده فعليه دم ، واحتج المهلب وأخوه لهذا القول فقالا : إنما ~~عليه أن يطوف بما بنى من البيت ؛ لأن الحكم للبنيان لا للبقعة ، لقوله ~~تعالى : { وليطوفوا بالبيت العتيق } [ الحج : 29 ] أشار إلى البناء ، ~~والبقعة دون البناء لا تسمى بيتا ، والنبى عليه السلام إنما طاف بالبيت ولم ~~يكن على الحجر علامة ، وإنما علمها عمر إرادة استكمال البيت . ذكر ذلك عبيد ~~الله بن أبى يزيد وعمرو بن دينار فى باب بنيان الكعبة فى آخر مناقب الصحابة ~~فى هذا الديوان ، قالا : ( لم يكن حول البيت حائط ، إنما كانوا يصلون حول ~~البيت ، حتى كان عمر فبنى حوله حائطا جدره قصير ، فبناه ابن الزبير ms1294 ) وكذلك ~~كان الطواف قبل تحجير عمر حول البيت الذى قصرته قريش عن القواعد كما قال ~~تعالى : { وطهر بيتى للطائفين } [ الحج : 26 ] ، والطواف فرضه البيت المبنى ~~ولو كان ذراعا منه ، وقد حج الناس من زمن النبى عليه السلام إلى زمن عمر ~~فلم يؤمر أحد بالرجوع من بلده إلى استكمال . وقد قال مالك : من حلف لا يدخل ~~دار فلان ، فهدمت فدخلها أنه لا يحنث ، فهذا يدل أن الدار والبيت إنما يخص ~~بالبنيان لا بالبقعة . قال المهلب : ومعنى قول عبيد الله بن أبى يزيد وعمرو ~~: PageV04P265 ( ولم يكن حول البيت حائط ) أى حائط يحجر الحجر من سائر ~~المسجد حتى حجره عمر بالبنيان ، ولم يبنه على الجدر الذى كان علامة أساس ~~إبراهيم عليه السلام بل زاد ووسع قطعا للشك أن الجدر هو آخر قواعد إبراهيم ~~، فلما لم يكن عند عمر أن ذلك الجدر هو آخر قواعد البيت التى رفعها إبراهيم ~~وإسماعيل ، عليهما السلام ، على يقين ، ونقل كافة ، مع معرفته أن قريشا ~~كانت قد هدمت البيت وبنته على غير القواعد ، خشى أن يكون الجدر من بنيان ~~قريش القديم ، فزاد فى الفسحة استبراء للشك ، ووسع الحجر حتى صار الجدر فى ~~داخل التحجير ، وقد بان هذا فى حديث جرير وهو قوله : ( فحزرت من الحجر ستة ~~أذرع أو نحوها ) . والحائط الذى بناه عمر حول الحجر ليس بحائط مرتفع ، وهو ~~من ناحية الحجر نحو ذراعين ، ومن الجرف خارجه نحو أربعة أذرع إلى صدر ~~الواقف من خارجه ، ولم يكن الجدر الذى ظهر من أساس إبراهيم مرتفعا ، إنما ~~كان علامة كالنجم والهدف لا بنيانا . قال ابن القصار : والحجة لقول مالك ~~إخبار الرسول - صلى الله عليه وسلم - أن البيت قصر به عن قواعد إبراهيم ولم ~~يتم عليها ، فمن طاف فى الحجر حصل طائفا ببعضه ؛ لأن البيت ما خطه آدم ~~وبناه إبراهيم ، وقد قال عمر وابنه عبد الله : لولا أن الحجر من البيت ما ~~طيف به . قال ابن عباس : الحجر من البيت ، قال تعالى : { وليطوفوا بالبيت ~~العتيق } ، ورأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم ms1295 - طاف من وراء الحجر ، ~~فدل أنه إجماع ، ومن لم يستوف الطواف بالبيت وجب ألا يجزئه ، كما لو فتح ~~PageV04P266 بابا فى البيت فطاف وخرج منه ، والباء عند سيبويه فى قوله ~~تعالى : { بالبيت العتيق } للامتزاج والاختلاط لا للتبعيض ، وسيأتى ذكر ~~استلام الأركان فى موضعه إن شاء الله . والجدر : واحد الجدور ، وهى الحواجز ~~التى بين السواقى التى تمسك الماء ، وذكر عبد الرزاق عن ابن جريج قال : ~~سمعت الوليد بن عطاء يحدث عن الحارث ابن عبد الله بن أبى ربيعة ، عن عائشة ~~، أن النبى عليه السلام قال لها : ( وهل تدرين لم كان قومك رفعوا بابها ؟ ~~قالت : لا ، قال : تعززا لئلا يدخلها إلا من أرادوا ، فكان الرجل إذا كرهوا ~~أن يدخلها يدعوه يرتقى حتى إذا كاد أن يدخلها دفعوه فسقط ) . * * * # | 38 - باب فضل الحرم # وقوله تعالى : { إنما أمرت أن أعبد رب هذه البلدة } الآية [ النمل : 91 ] ~~، وقوله : { أولم نمكن لهم حرما آمنا } الآية [ القصص : 57 ] . / 58 - فيه ~~: ابن عباس ، قال : قال النبى ، عليه السلام ، يوم فتح مكة : ( إن هذا ~~البلد حرمه الله ، لا يعضد شوكه ، ولا ينفر صيده ، ولا يلتقط لقطته إلا من ~~عرفها ) . فيه : التصريح بتحريم الله تعالى مكة والحرم وتخصيصها بذلك من ~~بين البلاد ، قال القاضى أبو بكر بن الطيب : وقد اعترض تحريم الله لمكة ~~وأنه جعلها حرما آمنا قوم من أهل البدع وقالوا : قد قتل خلق بالحرم والبيت ~~من الأفاضل كعبد الله بن الزبير ومن جرى مجراه ، وهو تكذيب للخبر ، زعموا . ~~PageV04P267 قال القاضى : ولا تعلق لهم بذلك ؛ لأن هذا القول خرج مخرج ~~الخبر ، والمراد به الأمر بأمان من دخل البيت وألا يقتل ، ولم يرد الإخبار ~~عن أن كل داخل إليه آمن ، فعلى مثل هذا خرج قول الرسول عليه السلام : ( من ~~ألقى سلاحه فهو آمن ، ومن دخل الكعبة ودخل دار أبى سفيان فهو آمن ) . إنما ~~قصد الأمر بأمان من ألقى سلاحه ودخل فى هذه المواضع ، ولم يرد بذلك الخبر ، ~~ومثل هذا قوله تعالى : { والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء } [ البقرة : ~~228 ] يعنى بذلك الأمر ms1296 لهن بالتربص دون الخبر عن تربص كل مطلقة ؛ لأنها قد ~~تعصى الله ولا تتربص ، فكذلك قال : { ومن دخله كان آمنا } [ آل عمران : 97 ~~] ، أى أمنوا من دخله . وهو على صفة من يجب أن يؤمن ، فمن لم يفعل ذلك عصى ~~الله تعالى وخالف ، ومتى جعل هذا القول أمرا بطل تمويههم ، وقد يجوز أن ~~يكون أراد تعالى : ومن دخله كان آمنا يوم الفتح وقت قوله عليه السلام : ( ~~من ألقى سلاحه فهو آمن ومن دخل دار أبى سفيان كان آمنا ، ومن اعتصم بالكعبة ~~كان آمنا ) فلا يناقض عدم الأمن فى غير ذلك الوقت وجوده فيه ، فيكون قوله ~~أن من دخل البلد الحرام كان آمنا فى بعض الأوقات دون بعضها ، وسيأتى فى باب ~~: ( لا يحل القتال بمكة ) من كتاب الحج زيادة فى بيان هذا المعنى والله ~~الموفق . PageV04P268 # | 39 - باب توريث دور مكة وبيعها وشرائها وأن الناس فى المسجد الحرام ~~سواء خاصة ، لقوله تعالى : { إن الذين كفروا ويصدون عن سبيل الله والمسجد ~~الحرام الذى جعلناه للناس سواء العاكف فيه والباد } [ الحج : 25 ] . # / 59 - فيه : أسامة ، أنه قال : يا رسول الله ، أين تنزل فى دارك بمكة ؟ ~~فقال : ( وهل ترك عقيل من رباع أو دور ) ، وكان عقيل ورث أبا طالب ، هو ~~وطالب ، ولم يرثه جعفر ولا على شيئا لأنهما كانا مسلمين ، وكان عقيل وطالب ~~كافرين ، فكان عمر بن الخطاب يقول : لا يرث المؤمن الكافر . وقال ابن شهاب ~~: وكانوا يتأولون قول الله : { إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا بأموالهم ~~وأنفسهم فى سبيل الله والذين آووا ونصروا أولئك بعضهم أولياء بعض } الآية [ ~~الأنفال : 72 ] . اختلف السلف فى تأويل قوله تعالى : { سواء العاكف فيه ~~والباد } [ الحج : 25 ] فروى عن عطاء أنه قال : الناس فى البيت سواء ليس ~~أحد أحق به من أحد ، وروى نحوه عن ابن عباس ، وقال مجاهد : أهل مكة وغيرهم ~~فى المنازل سواء . قال الطحاوى : وقد اختلف العلماء فى بيعها وكرائها ، ~~فذكر عن عطاء ومجاهد أنه لا يحل بيع أرض مكة ولا كرائها ، وهو قول أبى ~~حنيفة والثورى ومحمد ms1297 ، وكره مالك بيعها وكراءها . وخالفهم آخرون فقالوا : ~~لا بأس ببيع أرضها وإجازتها ، وجعلوها كسائر البلدان ، هذا قول أبى يوسف ، ~~وذكر ابن المنذر عن الشافعى وطاوس إباحة الكرى ، وكان أحمد بن حنبل يتوقى ~~الكراء فى الموسم ، ولا يرى بأسا بالشراء ، واحتج بأن عمر اشترى دار السجن ~~بأربعة آلاف . PageV04P269 قال الطحاوى : واحتج من أجاز بيعها وكراءها ~~بحديث أسامة ؛ لأنه ذكر فيه ميراث عقيل وطالب لما تركه أبو طالب فيها من ~~رباع ودور ، قال الشافعى : فأضاف الملك إليه وإلى من ابتاعها منه . قال ~~الطحاوى : واعتبرنا ذلك فرأينا المسجد الحرام الذى كل الناس فيه سواء لا ~~يجوز لأحد أن يبتنى فيه بناء ، ولا يحتجز منه موضعا ، وكذلك حكم جميع ~~المواضع التى لا يقع لأحد فيها ملك وجميع الناس فيها سواء ؛ ألا ترى أن ~~عرفة لو أراد رجل أن يبتنى فى المكان الذى يقف الناس فيه منها بناء لم يكن ~~له ذلك ، وكذلك نى لو أراد أن يبتنى فيها دارا كان من ذلك ممنوعا . وكذلك ~~جاء الأثر عن النبى عليه السلام روى إبراهيم بن مهاجر عن يوسف بن ماهك ، عن ~~أمه ، عن عائشة أنها قالت : ( يا رسول الله ، ألا تتخذ لك بمنى شيئا تستظل ~~فيه ؟ قال : ( يا عائشة ، إنها مناخ لمن سبق ) وكانت أم يوسف بن ماهك تخدم ~~عائشة فسألت مكان عائشة بعدما توفى النبى عليه السلام أن تعطيها إياه فقالت ~~لها عائشة : لا أحل لك ولا لأحد من أهل بيتى أن يستحل هذا المكان ) ، تعنى ~~منى ، فهذا حكم المواضع التى الناس فيها سواء ولا ملك لأحد عليها . ورأينا ~~مكة على غير ذلك ، قد أجيز البناء فيها ، وقال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - يوم دخلها : ( من دخل دار أبى سفيان فهو آمن ، ومن أغلق بابه فهو ~~آمن ) . فأثبت لهم أملاكهم ، فلما كانت مما يغلق عليه الأبواب ومما يبنى ~~فيها المنازل كانت صفتها صفة المواضع التى تجرى عليها الأملاك وتقع فيها ~~المواريث . PageV04P270 وقال غيره : ألا ترى أن عمر اشترى دار السجن من ~~صفوان ، ومحال أن ms1298 يشترى منه ما لا يجوز له ملكه ، وقد ثبت عن الصحابة أنهم ~~كانت لهم الدور بمكة ، منهم أبو بكر الصديق ، والزبير بن العوام ، وحكيم بن ~~حزام ، وعمرو بن العاص ، وصفوان بن أمية وغيرهم ، وتبايع أهل مكة لدورهم ~~قديما أشهر من أن يخفى . واحتج الذين كرهوا بيع دور مكة وكراءها بحديث ~~علقمة بن نضلة قال : ( توفى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبو بكر ~~وعمر وما ترعى رباع مكة إلا السوائب ) . وبما رواه نافع ، عن ابن عمر أن ~~عمر كان ينهى أن تغلق دور مكة فى زمن الحاج . وقال إسماعيل بن إسحاق : وما ~~تأول مجاهد فى الآية فظاهر القرآن يدل على أنه المسجد الذى يكون فيه النسك ~~والصلاة ، لا سائر دور مكة ، قال الله : { إن الذين كفروا ويصدون عن سبيل ~~الله والمسجد الحرام } [ الحج : 25 ] أى : ويصدون عن المسجد الحرام ، فدل ~~ذلك كله على أن الذى كان المشركون يفعلونه هو التملك على المسجد الحرام ~~وادعاؤهم أنهم أربابه وولائه ، وأنهم منعوا منه ومن أرادوا ظلما ، وأن ~~الناس كلهم فيه سواء ، فأما المنازل والدور فلم تزل لأهل مكة غير أن ~~المواساة تجب إذ كانت الضرورة ، ولعل عمر فعل ذلك على طريق المواساة عند ~~الحاجة والله أعلم . وقال أبو عبد الله بن أبى صفرة : وحديث أسامة حجة فى ~~أن من PageV04P271 خرج من بلده مسلما وبقى أهله وولده فى دار الكفر ثم غزا ~~مع المسلمين بلده ؛ أن أهله وماله وولده على حكم البلد كما كانت دار النبى ~~عليه السلام على حكم البلد وملكه ، ولم ير نفسه أحق بها ، وهذا قول مالك فى ~~( المدونة ) ، وبه قال الليث ، وسيأتى اختلاف العلماء فى هذه المسألة فى ~~كتاب الجهاد فى باب : ( إذا غنم المشركون مال المسلم ثم وجده المسلم ) إن ~~شاء الله ، وبيان مذاهبهم فيها ، وفى حديث أسامة أن المسلم لا يرث الكافر ، ~~وسيأتى بيان ذلك أيضا فى كتاب الفرائض إن شاء الله . * * * # | 40 - باب نزول النبى عليه السلام مكة # / 60 - فيه : أبو هريرة ، قال : قال النبى ، عليه السلام ms1299 ، حين أراد قدوم ~~مكة وهو بمنى الغد من يوم النحر : ( منزلنا غدا إن شاء الله بخيف بنى كنانة ~~حيث تقاسموا على الكفر ) . يعنى ذلك المحصب ، وذلك أن قريشا وكنانة تحالفت ~~على بنى هاشم ، وبنى عبدالمطلب ، أو بنى المطلب ، أن لا يناكحوهم ولا ~~يبايعوهم حتى يسلموا إليهم النبى ، عليه السلام . قال أبو عبد الله : بنى ~~المطلب أشبه . قال المؤلف : قد فسر ابن عباس أن نزول النبى عليه السلام ~~بالمحصب لم يكن سنة ، وقال : المحصب ليس بشئ ، فإنما هو منزل نزله رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - ليكون أسمح لخروجه ، يعنى : إلى المدينة . ~~وذكر أهل السير أنهم بقوا ثلاث سنين فى الشعب وكان المشركون كتبوا صحيفة ~~لبنى هاشم وبنى المطلب بالتبرؤ منهم ، وألا يقبلوا منهم صلحا PageV04P272 ~~أبدا ، ولا يدخلوا إليهم طعاما ، وعلقوا الصحيفة فى الكعبة ، فاشتد عليهم ~~البلاء فى الشعب . وكان قوم من قصى ممن ولدتهم بنو هاشم قد أجمعوا على نقض ~~ما تعاهدوا عليه من الغدر والبراءة ، فبعث الله عند ذلك الأرضة على الصحيفة ~~، فلحست كل ما كان فيها من عهد وميثاق لهم ، ولم تترك فيها اسما من أسماء ~~الله عز وجل إلا لحسته وبقى ما كان فيها من شرك أو ظلم أو قطيعة رحم ، ~~فأطلع الله رسوله على ذلك ، فذكر ذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~لأبى طالب فقال أبو طالب : لا والثواقب ما كذبتنى ، فانطلق فى عصابة من بنى ~~عبد المطلب حتى أتوا المسجد وهم خائفون لقريش ، فلما رأتهم قريش أنكروهم ، ~~وظنوا أنهم خرجوا من شدة البلاء ليسلموا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~برمته إليهم . فقال أبو طالب : جرت بيننا وبينكم أمور لم نذكرها لكم ، ~~فائتوا بصحيفتكم التى فيها مواثيقكم فلعله أن يكون بيننا صلح ، وإنما قال ~~ذلك أبو طالب خشية أن ينظروا فى الصحيفة قبل أن يأتوا بها ، فأتوا بها ~~معجبين لا يشكون أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يدفع إليهم . فلما ~~وضعوها قال أبو طالب : إنما أتيناكم فى أمر هو نصف بيننا وبينكم ، إن ms1300 ابن ~~أخى لم يكذبنى ، إن هذه الصحيفة قد بعث الله عليها دابة لم تترك فيها اسما ~~لله إلا لحسته ، وتركت فيها غدركم وظلمكم لنا ، فإن كان الحديث كما يقول ~~فلا والله لا نسلمه حتى نموت ، وإن كان باطلا دفعنا إليكم صاحبكم فقتلتم أو ~~استحييتم ، فقالوا : رضينا ، ففتحوا الصحيفة فوجدوا الصادق المصدوق عليه ~~السلام قد أخبر بالحق ، قالوا : هذا سحر ابن أخيك ، وزادهم ذلك بغيا ~~وعدوانا . PageV04P273 قال ابن شهاب : فلما أفسد الله صحيفة مكرهم خرج رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - ورهطه ، فعاشوا وخالطوا الناس ، ثم أذن رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - بالهجرة إلى المدينة ، وكان الذى كتب الصحيفة ~~منصور بن عكرمة بن هاشم بن عبد العزى ، وذكر أنه شلت يده بعد ذلك ، عن ابن ~~إسحاق . قال الخطابى : الخيف : ما انحدر عن الجبل ، وارتفع عن المسيل ، وبه ~~سمى مسجد الخيف . * * * # | 41 - باب قول الله تعالى : { وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا البلد آمنا ~~واجنبنى وبنى أن نعبد الأصنام } الآيات [ إبراهيم : 35 - 37 ] # وقوله : { جعل الله الكعبة البيت الحرام قياما للناس } الآية [ المائدة : ~~97 ] . / 61 - فيه : أبو هريرة ، قال النبى ، عليه السلام : ( يخرب الكعبة ~~ذو السويقتين من الحبشة ) . / 62 - وفيه : عائشة ، كانوا يصومون عاشوراء ~~قبل أن يفرض رمضان ، وكان يوما تستر فيه الكعبة ، فلما فرض الله رمضان قال ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( من شاء أن يصومه فليصمه ، ومن شاء ~~فليتركه ) . / 63 - وفيه : أبو سعيد ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - : ( ليحجن البيت وليعتمرن بعد خروج يأجوج ومأجوج ) . وروى شعبة ، عن ~~قتادة : ( لا تقوم الساعة حتى لا يحج البيت ) ، والأول أكثر . اختلف السلف ~~فى تأويل قوله تعالى : { قياما للناس } PageV04P274 فقال سعيد بن جبير : ~~قواما لدينهم وعصمة لهم ، وقال عطاء : { قياما للناس } : لو تركوه عاما لم ~~ينظروا أن يهلكوا . وأما حديث عائشة فهو مصدق للآية ، ومعناه : أن المشركين ~~كانوا يعظمون الكعبة قديما بالستور والكسوة ويقومون إليها كما يفعل ~~المسلمون ، وأما حديث أبى هريرة أن ذا السويقتين يخرب الكعبة ، فهو ms1301 مبين ~~لقوله تعالى عن إبراهيم عليه السلام : { رب اجعل هذا البلد آمنا } [ ~~إبراهيم : 53 ] أن معناه الخصوص ، وأن الله تعالى جعلها حرما آمنا غير وقت ~~تخريب ذى السويقتين لها ؛ لأن ذلك لا يكون إلا باستباحته حرمتها وتغلبه ~~عليها ، ثم تعود حرمتها ويعود الحج إليها كما أخبر الله نبيه و خليله ~~إبراهيم فقال له : { وأذن فى الناس بالحج يأتوك رجالا وعلى كل ضامر يأتين ~~من كل فج عميق } [ الحج : 27 ] فهذا شرط الله لا ينخرم ولا يحول ، وإن كان ~~فى خلاله وقت يكون فيه خوف فلا يدوم ولابد من ارتفاعه ورجوع حرمتها وأمنها ~~وحج العباد إليها ، كما كان قبل إجابته لدعوة إبراهيم خليله ، يدل على ذلك ~~حديث أبى سعيد الخدرى أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : ( ليحججن ~~البيت وليعتمرن بعد خروج يأجوج ومأجوج ) . وعلى هذا التأويل لا تتضاد ~~الآثار ولا معنى الآية ، ولو صح ما ذكره قتادة لكان ذلك وقتا من الدهر ، ~~ويحتمل أن يكون ذلك وقت تخريب ذى السويقين لها بدليل حديث أبى سعيد . ~~PageV04P275 # | 42 - باب كسوة الكعبة # / 64 - فيه : عمر ، أنه جلس على الكرسى فى الكعبة ، فقال : لقد هممت أن ~~لا أدع فيها صفراء ولا بيضاء إلا قسمته ، قلت : إن صاحبيك لم يفعلا ، قال : ~~هما المرءان أقتدى بهما . قال ابن جريج : زعم بعض علمائنا أن أول من كسا ~~الكعبة إسماعيل ، عليه السلام . قال ابن جريج : وبلغنى أن تبعا أول من ~~كساها ، ولم تزل الملوك فى كل زمان يكسونها بالثياب الرفيعة ، ويقومون بما ~~تحتاج إليه من المؤنة تبركا بذلك ، فرأى عمر أن ما فيها من الذهب والفضة لا ~~تحتاج إليه الكعبة لكثرته ، فأراد أن يصرفه فى منافع المسلمين نظرا لهم ~~وحيطة عليهم ، فلما أخبره شيبة بأن النبى - صلى الله عليه وسلم - وأبا بكر ~~لم يتعرضا لذلك وتركاه أمسك وصوب فعلهما ، وإنما ترك ذلك والله أعلم لأن ما ~~جعل فى الكعبة وسبل لها يجرى مجرى الأوقاف ، ولا يجوز تغيير الأوقاف عن ~~وجوهها ولا صرفها عن طرقها ، وفى ذلك أيضا ms1302 تعظيم للإسلام وحرمانه ، وترهيب ~~على العدو ، وقد روى ابن عيينة عن عمرو ، وعن الحسن قال : قال عمر ابن ~~الخطاب : ( لو أخذنا ما فى هذا البيت ، يعنى الكعبة ، فقسماه ، فقال له أبى ~~بن كعب : والله ما ذلك لك ، قال : ولم ؟ قال : لأن الله بين موضع كل مال ، ~~وأقره رسول الله - صلى الله عليه وسلم - . قال : صدقت ) . فإن قال قائل : ~~ما وجه ترجمة هذا الباب بباب كسوة الكعبة ولا ذكر فيه لكسوة ؟ قيل له : ~~معنى الترجمة صحيح ، ووجهها أنه معلوم أن الملوك فى كل زمان كانوا يتفاخرون ~~بكسوة الكعبة برفيع الثياب المنسوجة بالذهب وغيره ، كما يتفاخرون بتسبيل ~~الأموال PageV04P276 إليها ، فأراك البخارى أن عمر لما رأى قسمة الذهب ~~والفضة الموقفين بهما على أهل الحاجة صوابا ، كان حكم الكسوة حكم المال ، ~~تجوز قسمتها ، بل ما فضل من كسوتها أولى بالقسمة على أهل الحاجة من قسمة ~~المال ، إذ قد يكون نفقة المال فيما تحتاج إليه الكعبة فى إصلاح ما يهى ~~منها ، وفى [ . . . . . . ] وأجرة قيم ، والكسوة لا تدعو إليها ضرورة وبكفى ~~منها بعضها . وفى هذا حجة لمن قال : إنه يجوز صرف ما فضل فى سبيل من سبل ~~الله فى سبيل آخر من سبل الله إذا كان ذلك صوابا ، وفى فعل النبى - صلى ~~الله عليه وسلم - وفعل أبى بكر حجة لمن رأى إبقاء الأموال على ما سبلت عليه ~~، وترك تغييرها عما جعلت له ، وفى قوله : ( هما المرآن أقتدى بهما ) من ~~الفقه ترك خلاف كبار الأئمة وفضل الاقتداء بهما ، وأن ذلك فعل السلف . # | 43 - باب هدم الكعبة # / 65 - فيه : عائشة : قال عليه السلام : ( يغزو جيش الكعبة فيخسف بهم ) . ~~/ 66 - وفيه : ابن عباس ، قال النبى ، عليه السلام : ( كأنى به أسود أفحج ، ~~يقلعها حجرا حجرا ) . PageV04P277 / 67 - وفيه : أبو هريرة ، قال : قال ، ~~عليه السلام : ( يخرب الكعبة ذو السويقتين من الحبشة ) . فى هذه الآثار ~~إخبار عما يكون من الحدثان والأشراط ، وذلك يكون فى أوقات مختلفة ، فحديث ~~عائشة أن الجيش الذى يغزو الكعبة يخسف بهم هو فى وقت غير وقت هدم ذى ~~السويقتين ms1303 لها ، ويمكن أن يكون هدمه لها عند اقتراب الساعة والله أعلم ، ~~ولا يدل ذلك أن الحج ينقطع ؛ فقد أخبر عليه السلام أن البيت يحج بعد خروج ~~يأجوج ومأجوج ، وأن عيسى ابن مريم يحج ويعتمر بعد ذلك ، وقال صاحب العين : ~~الفحج : تباعد ما بين أوساط الساقين ، والنعت : أفحج . * * * # | 44 - باب ما ذكر فى الحجر الأسود # / 68 - فيه : عمر ، أنه جاء إلى الحجر الأسود ، فقبله ، فقال : إنى أعلم ~~أنك حجر لا تضر ولا تنفع ، ولولا أنى رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- يقبلك ما قبلتك . قال الطبرى : إنما قال ذلك عمر والله أعلم ؛ لأن الناس ~~كانوا حديث عهد بعبادة الأصنام ، فخشى عمر أن يظن الجهال أن استلام الحجر ~~هو مثل ما كانت العرب تفعله فى الجاهلية ، فأراد عمر أن يعلم أن استلامه لا ~~يقصد به إلا تعظيم الله تعالى والوقوف عند أمر نبيه عليه السلام إذ ذلك من ~~شعائر الحج التى أمر الله بتعظيمها ، وأن استلامه مخالف لفعل أهل الجاهلية ~~فى عبادتهم الأصنام ؛ لأنهم كانوا يعتقدون أنها تقربهم إلى الله زلفى ، ~~فنبه عمر على مجانبة هذا الإعتقاد ، وأنه لا ينبغى أن يعبد إلا من يملك ~~الضر والنفع ، وهو الله تعالى . وقال المهلب : حديث عمر هذا يرد قول من قال ~~: إن الحجر PageV04P278 يمين الله فى الأرض ، يصافح بها عباده ، ومعاذ الله ~~أن يكون لله جارحة مجسمة بائنة عن ذاته ، وإنما شرع النبى عليه السلام ~~تقبيله على ما كانت شريعة إبراهيم عليه مع أن معناه التذلل لله والخضوع ، ~~والائتمار لما امر به على لسان نبى من أنبيائه ، وليعلم عيانا ومشاهدة طاعة ~~من أطاع أمره ، وعصيان من أبى من امتثاله ، وهى شبيهة بقصة إبليس فيما أمر ~~به من السجود لآدم اختبارا له . وروى عن ابن عباس أن استلام الحجر مبايعة ~~الله عز وجل . وقال مالك فى المجموعة : إذا استقبل الركن حمد الله وكبر . ~~وقيل : أيرفع يديه عنده ؟ قال : ما سمعت ، ولا عند رؤية البيت . وقال مكحول ~~: كان عليه السلام إذا رأى البيت رفع يديه ms1304 وقال : اللهم زد هذا البيت ~~تشريفا وتعظيما ومهابة ، وزد من شرفه وكرمه من حج إليه واعتمر تشريفا ~~وتعظيما وتكريما ، ويقال عند استلام الركن : بسم الله ، والله أكبر ، اللهم ~~إيمانا بك وتصديقا بما جاء به محمد نبيك . * * * # | 45 - باب إغلاق البيت ويصلى فى أى نواحى البيت شاء # / 69 - فيه : ابن عمر ، قال : دخل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هو ~~وأسامة بن زيد ، وبلال ، وعثمان بن طلحة البيت ، فأغلقوا عليهم ، فلما ~~فتحوا كنت أول من ولج ، فلقيت بلالا فسألته هل صلى فيه رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - ؟ قال : نعم ، بين العمودين اليمانيين . قال المؤلف : قال ~~الشافعى : من صلى فى جوف الكعبة مستقبلا PageV04P279 حائطا من حيطانها ~~فصلاته جائزة ، فإن صلى نحو الباب والباب مفتوح فصلاته باطل ؛ لأنه لم ~~يستقبل شيئا منها ، فكأنه استدل على ذلك بغلق النبى عليه السلام الباب عل ~~نفسه حين صلى ، فيقال له : لم يغلق النبى - صلى الله عليه وسلم - على نفسه ~~الباب حين صلى فى الكعبة إلا لئلا يكثر الناس عليه فيه فيصلوا بصلاته ، ~~ويكون ذلك عندهم من مناسك الحج ، كما فعل النبى عليه السلام فى صلاة الليل ~~حين لم يخرج إليهم خشية أن يكتب عليهم ، ولو كان غلق الباب من أجل أنه لا ~~تجوز الصلاة فى البيت نحو الباب وهو مفتوح لبينه عليه السلام لأمته ؛ لأنه ~~قد علم أنهم لابد لهم من دخول البيت والصلاة فيه ، فلا معنى لقول الشافعى . ~~قال ابن القصار : ويقال : إنه من صلى فى جوفها نحو الباب وهو مفتوح فقد ~~استقبل بعض أرض الكعبة واستدبر الباقى منها ، فكان يجب أن تجزئه عنده ؛ ~~لأنه لو انهدمت حيطان الكعبة صلى فى أرضها وأجزأه ذلك عنده . * * * # | 46 - باب الصلاة فى الكعبة # / 70 - فيه : ابن عمر ، أنه كان إذا دخل الكعبة مشى قبل الوجه حين يدخلها ~~، ويجعل الباب قبل الظهر ، يمشى حتى يكون بينه وبين الجدار الذى قبل وجهه ~~قريبا من ثلاث أذرع ، فيصلى يتوخى المكان الذى أخبره بلال أن رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم ms1305 - صلى فيه ، وليس على أحد بأس أن يصلى فى أى نواحى ~~البيت شاء . PageV04P280 وقد تقدمت مذاهب العلماء فى الصلاة فى الكعبة فى ~~أبواب القبلة فى كتاب الصلاة فى باب قوله تعالى : { واتخذوا من مقام ~~إبراهيم مصلى } [ البقرة : 125 ] فأغنى عن إعادته . وقال ابن المنذر : ~~اختلف بلال وأسامة فى صلاة النبى - صلى الله عليه وسلم - فى الكعبة ، فحكم ~~أهل العلم لبلال على أسامة ؛ لأنه شاهد ، وأسامة ناف غير شاهد ، وكذلك ~~الفضل أيضا ناف ، والشاهد أولى من النافى ؛ لأن الشاهد يحكى فعلا حفظه ، ~~والنافى غير حافظ لشىء يؤديه ، وقد روينا حديثا هو كالدليل فى هذا الباب ~~على أن أسامة كان يغيب عن النبى عليه السلام فيحتمل أن يكون صلى فى غيبته . ~~حدثنا على بن عبد العزيز ، حدثنا عاصم بن على قال : حدثنى ابن أبى ذئب ، عن ~~عبد الرحمن بن مهران ، عن عمير مولى ابن عباس ، عن أسامة بن زيد قال : ( ~~رأى النبى عليه السلام صورا فى الكعبة ، قال : فكنت آتية بماء فى الدلو ~~ويضرب به الصور ، وقال : قاتل الله قوما يصورون ما لا يخلقون ) . وروى موسى ~~بن عقبة عن سالم بن عبد الله أن عائشة كانت تقول : ( عجبا لمن يدخل فى ~~الكعبة كيف يرفع رأسه إعظاما لله وإجلالا ، دخل رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - الكعبة فما خلف بصره موضع سجوده ) . PageV04P281 # | 47 - باب من لم يدخل الكعبة # وكان ابن عمر يحج كثيرا ولا يدخل . / 71 - فيه : ابن أبى أوفى ، قال : ~~اعتمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فطاف بالبيت ، وصلى خلف المقام ~~ركعتين ، ومعه من يستره من الناس ، فقال له رجل : أدخل رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - الكعبة ؟ قال : لا . ليس دخول الكعبة من مناسك الحج ؛ ألا ~~ترى أن النبى عليه السلام لم يدخلها حين اعتمر ، فمن دخلها فهو حسن ، ومن ~~لم يدخلها فلا شىء عليه ، وروى عن ابن عباس أنه قال : دخول الكعبة ليس من ~~نسككم . * * * # | 48 - باب من كبر فى نواحى الكعبة # / 72 - فيه : ابن عباس ، إن رسول الله ms1306 - صلى الله عليه وسلم - لما قدم ~~أبى أن يدخل البيت وفيه الآلهة ، فأمر بها فأخرجت ، فأخرجوا صورة إبراهيم ~~وإسماعيل فى أيديهما الأزلام ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( ~~قاتلهم الله ، أما والله لقد علموا أنهما لم يستقسما بها قط ، فدخل البيت ~~فكبر فى نواحيه ، ولم يصل فيه ) . قد تقدم فى باب الصلاة فى الكعبة ، وفى ~~كتاب الصلاة أن الناس تركوا رواية ابن عباس وأسامة ، وأخذوا بقول بلال : ( ~~أنه عليه السلام صلى فى الكعبة ) وقد روى عن ابن عباس فى هذه المسألة أنه ~~قال : فترك الناس قولى ، وأخذوا بقول بلال . فهذا يدل على أن العمل على ~~الحكم للمثبت وترك النافى ، وعليه جمهور الفقهاء . PageV04P282 وفى هذا ~~الحديث من الفقه : أنه يجب على العالم والرجل الفاضل اجتناب مواضع الباطل ، ~~وأن لا يشهد مجالس الزور ، وينزه نفسه عن ذلك . قال الطبرى : وفيه من الفقه ~~الإبانة عن كراهة دخول النبى - صلى الله عليه وسلم - بيتا فيه صورة ، وذلك ~~لأن الآلهة التى كانت فى البيت يومئذ إنما كانت تماثيل وصورا ، وقد تظاهرت ~~الأخبار عنه عليه السلام أنه كان يكره دخول بيت فيه صورة ، فإن قال قائل : ~~الإحرام دخول البيت الذى فيه التماثيل والصور ؟ قيل : لا ، ولكنه مكروه ، ~~وسأتقصى الكلام فى ذلك فى كتاب اللباس والزينة فى باب : من كره القعود على ~~الصور ، وفى باب : لا تدخل الملائكة بيتا فيه صورة إن شاء الله . قال ~~الطبرى : والأزلام جمع زلم ، ويقال : زلم ، وهى قداح كانت الجاهلية ~~يتخذونها يكتبون على بعضها : نهانى ربى ، وعلى بعضها : أمرنى ربى ، وعلى ~~بعضها : نعم ، وعلى بعضها : لا ، فإذا أراد أحدهم سفرا أو غير ذلك ، دفعوها ~~إلى بعضهم حتى يقبضها ، فإن خرج القدح الذى عليه أمرنى ربى مضى ، وإن خرج ~~الذى مكتوب نهانى ربى كف عن الذى أراد من العمل . والاستقسام : الاستفعال ~~من قسم الرزق والحاجات ، وذلك طلب أحدهم بالأزلام على ما قسم له فى حاجته ~~التى يلتمسها من نجاح أو حرمان ، فأبطل الله ذلك من فعلهم وأخبر أنه فسق ، ~~وإنما جعله فسقا ms1307 ؛ لأنهم كانوا يستقسمون عند آلهتهم التى يعبدونها ~~PageV04P283 ويقولون : يا إلهنا ، أخرج الحق فى ذلك ، ثم يعلمون بما خرج ~~فيه ، فكان ذلك كفرا بالله ، لإضافتهم ما يكون من ذلك من صواب أو خطأ إلى ~~أنه من قسم آلهتهم ، فأخبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن إبراهيم ~~وإسماعيل أنهما لم يكونا يستقسمان بالأزلام ، وإنما كانا يفوضان أمرهما إلى ~~الله الذى لا يخفى عليه علم ما كان وما هو كائن ؛ لأن الآلهة لا تضر ولا ~~تنفع . * * * # | 49 - باب كيف كان بدء الرمل ؟ # / 73 - فيه : ابن عباس ، قدم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه ، ~~فقال المشركون : إنه يقدم عليكم ، وقد وهنهم حمى يثرب ، فأمرهم النبى ، ~~عليه السلام أن يرملوا الأشواط الثلاثة ، وأن يمشوا ما بين الركنين ، ولم ~~يمنعه أن يأمرهم أن يرملوا الأشواط كلها إلا الإبقاء عليهم . ذكر ابن أبى ~~شيبة قال : حدثنا عبد الأعلى ، عن الجريرى ، عن أبى الطفيل قال : قلت لابن ~~عباس : ( ألا تحدثنى عن الرمل ، فإن قومك زعموا أنه سنة ، قال : صدقوا ~~وكذبوا ، قلت : ما صدقوا وكذبوا ؟ ! قال : قدم رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - مكة فقال أهل مكة : إن محمدا وأصحابه لا يستطعون أن يطوفوا من الهزل ~~، وأهل مكة ناس حسد ، فبلغ ذلك النبى عليه السلام فاشتد عليه فقال : أروهم ~~اليوم منكم ما يكرهون ، قال : فرمل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~وأصحابه الثلاثة الأشواط ، ومشوا الأربعة ) . وروى فطر عن أبى الطفيل ، عن ~~ابن عباس ( فكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يرمل من الحجر الأسود ~~إلى الركن اليمانى ، فإذا توارى عنهم مشى ) . ففى هذا الحديث أن الرمل كان ~~من أجلهم ، لا لأنه سنة . PageV04P284 قال المهلب : وفيه من الفقه أن إظهار ~~القوة للعدو فى الجسام والعدة والسلاح ، ومفارقة الهدوء والوقار فى ذلك من ~~السنة ، كما أمر النبى عليه السلام بالخب فى الثلاثة الأشواط ، ومثله ~~إباحته عليه السلام للحبشة اللعب فى المسجد بالحراب لهذا المعنى ، والمسجد ~~ليس بموضع لعب ، بل هو موضع وقار وخشوع لله تعالى ، لكن لما كان ms1308 من باب ~~القوة والعدة والرهبة على المنافقين وأهل الكتاب المجاورين لهم أباحه فى ~~المسجد ؛ لأنه أمر من امر جماعة المسلمين ، والمسجد الجماعة المسلمين ، ~~وقال صاحب الأفعال : رمل رملا : أسرع فى المشى ، وقال صاحب العين : الرمل : ~~ضرب من المشى ، والشوط : جرى مرة إلى الغاية ، والجمع أشواط ، وقال الطبرى ~~: يقال : شاط يشوط شوطا ، إذا عدا غلوة بعيدة . * * * # | 50 - باب استلام الحجر الأسود حين يقدم مكة أول ما يطوف ويرمل ثلاثا # / 74 - فيه : ابن عمر ، رأيت النبى ، عليه السلام ، حين يقدم مكة إذا ~~استلم الركن الأسود أول ما يطوف يخب ثلاثة أشواط من السبع . سنة الطواف أن ~~يبدأ الداخل مكة بالحجر الأسود فيقبله إن استطاع ، PageV04P285 أو يمسحه ~~بيمينه ويقبلها بعد أن يضعها عليه ، فإن لم يقدر قام بحذائه فكبر ثم أخذ فى ~~طوافه ، ثم مضى على يمينه على باب الكعبة إلى الركن الذى لا يستلم ، ثم إلى ~~الذى يليه مثله ، ثم إلى الركن الثالث ، وهو اليمانى الذى يستلم ، ثم إلى ~~الركن الأسود ، وهذه طوفة واحدة ، يفعل ذلك ثلاثة أطواف يرمل فيها ، ثم ~~أربعة لا يرمل فيها ، وهذا إجماع من العلماء أنه من فعل هذا فقد فعل ما ~~ينبغى ، فإن لم يطف كما وصفنا ، وجعل البيت عن يمينه ومضى من الركن الأسود ~~على يساره فقد نكس طوافه ، ولم يجزئه عند مالك والشافعى وأبى ثور ، وعليه ~~أن يرجع من بلاده ويطوف ؛ لأنه كمن لم يطف ، لخلافه سنة النبى عليه السلام ~~فى طوافه ، ومن خالفه ففعله رد ، والمردود غير مقبول . وقال أبو حنيفة ~~وأصحابه : يعيد الطواف ما كان بمكة ، فإذا بلغ الكوفة أو أبعد كان عليه دم ~~ويجزئه ، واحتجوا بقوله تعالى : { وليطوفوا بالبيت العتيق } [ الحج : 29 ] ~~. قالوا : ولم يفرق بين طواف منكوس أو غيره ، فوجب أن يجزئه ، والخب : ضرب ~~من العدو ، يقال : خبت الدابة تخب خبا ، إذا أسرعت المشى وراوحت بين قدميها ~~، وكذلك تقول العرب للخيل إذا وصفتها بسرعة السير : مراوحة بين أيديها ، ~~فأما إذا رفعت أيديها معا ووضعتها كذلك فذلك التقرين لا الخبب . ~~PageV04P286 # | 51 - باب ms1309 الرمل فى الحج والعمرة # / 75 - فيه : ابن عمر ، سعى النبى ، عليه السلام ، ثلاثة أشواط ، ومشى ~~أربعة فى الحج والعمرة . / 76 - وفيه : عمر ، أنه قال للركن : أما والله ~~إنى لأعلم أنك حجر ، لا تضر ولا تنفع ، ولولا أنى رأيت النبى - صلى الله ~~عليه وسلم - استلمك ما استلمتك ، فاستلمه ، ثم قال : فما لنا وللرمل إنما ~~كنا راءينا به المشركين وقد أهلكهم الله ، ثم قال : شىء صنعه رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - فلا نحب أن نتركه . / 77 - وفيه : ابن عمر ، قال : ما ~~تركت استلام هذين الركنين فى شدة ولا رخاء منذ رأيت رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - يستلمهما ، قلت لنافع : أكان ابن عمر يمشى بين الركنين ؟ قال : ~~إنما كان يمشى ، ليكون أيسر لاستلامه . واختلف أهل العلم فى الرمل هل هو ~~سنة لا يجب تركها فى الحج والعمرة أو لا ؟ فروى عن أبى بكر الصديق ، وعمر ~~بن الخطاب ، وابن مسعود ، وابن عمر أن الرمل سنة لكل قادم مكة فى الثلاثة ~~الأطواف الول ، وهو قول مالك ، وأبى حنيفة ، والثورى ، والشافعى ، وأحمد ، ~~وإسحاق . وقال آخرون : ليس الرمل سنة ، ومن شاء فعله ، ومن شاء تركه ، روى ~~ذلك عن ابن عباس ، وعطاء ، وطاوس ، والحسن ، والقاسم ، وسالم . واختلفوا ~~فيما يجب على من تركه ، فروى عن ابن عباس وهو المشهور عنه أنه لا شىء عليه ~~، وبه قال عطاء ، ورواه ابن وهب عن مالك ، وهو قول أبى حنيفة ، والأوزاعى ، ~~والشافعى ، وأحمد ، وإسحاق ، وأبى ثور . PageV04P287 وقال الحسن البصرى : ~~عليه دم ، وهو قول الثورى ، ورواه معن عن مالك ، وقال ابن القاسم : رجع عن ~~ذلك مالك ، وذكر ابن حبيب عن مطرف وابن الماجشون وابن القاسم أن عليه الدم ~~فى قليل ذلك وكثيره ، واحتج بقول ابن عباس : من ترك من نسكه شيئا فعليه دم ~~. وهذا الاستدلال خطأ ؛ لأن الأشهر عن ابن عباس أن من شاء رمل ، ومن شاء لم ~~يرمل ، ومذهبه أن من ترك الرمل فلا شىء عليه . وقال الطبرى : قد ثبت أن ~~النبى عليه السلام رمل ولا مشرك يومئذ بمكة يرائى بالرمل ms1310 ، فكان معلوما أنه ~~من مناسك الحج ، غير أنا لا نرى على من تركه عامدا ولا ساهيا قضاء ولا فدية ~~؛ لأن من تركه فليس بتارك لعمل ، وإنما هو تارك منه لهيئة وصفة ، كالتلبية ~~التى من سنة النبى عليه السلام فيها العج ورفع الصوت ، فإن خفض الصوت بها ~~كان غير مضيع للتلبية ولا تاركها ، وإنما ضيع صفة من صفاتها ، ولا يلزمه ~~بترك العج ورفع الصوت قضاء ولا فدية . وأجمعوا أنه لا رمل على النساء فى ~~طوافهن بالبيت ولا هرولة فى سعيهن بين الصفا والمروة ، وكذلك أجمعوا أنه لا ~~رمل على من أحرم بالحج من مكة من غير أهلها ؛ لأنهم رملوا فى حين دخولهم ~~مكة حين طافوا للقدوم . واختلفوا فى اهل مكة هل عليهم رمل ؟ فكان ابن عمر ~~لا يراه عليهم ، واستحبه مالك والشافعى للمكى . وعلة من لم ير الرمل للمكى ~~أنه من سنة القادم ، وليس المكى PageV04P288 بقادم ، وعلة من استحبه للمكى ~~فى طواف الإفاضة ؛ لأنه طواف ينوب عن طواف القدوم وطواف الإفاضة ، فاستحب ~~له الرمل ليأتى بسنة هى فى أحد الطوافين ، فتتم له السنة فى ذلك ، كما أنه ~~يسعى بين الصفا والمروة فى طواف الإفاضة ، وغير المكى لا يسعى بين الصفا ~~والمروة إلا مع طواف الدخول . * * * # | 52 - باب استلام الركن بالمحجن # / 78 - فيه : ابن عباس ، طاف النبى ، عليه السلام ، فى حجة الوداع على ~~بعير ، يستلم الركن بمحجن . يحتمل أن يكون استلامه الركن بمحجنه لشكوى كان ~~به ، وقد روى ذلك أبو داود فى مصنفه ، وروى فى ذلك وجه آخر ، وروى الطبرى ~~من حديث هشام بن عروة عن أبيه ، عن عائشة قالت : ( طاف رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - حول البيت على بعير يستلم الركن بمحجنه ، كراهية أن يصرف ~~الناس عنه ) . فترك الرسول - صلى الله عليه وسلم - استلامه بيده إما لشكواه ~~، وإما كراهة أن يضيق على الطائفين ويزاحمهم ببعيره ، فيؤذيهم بذلك ، أو ~~لهما جميعا ، فركب راحلته وأشار بالمحجن ، وقد روى فى ذلك وجه ثالث سأذكره ~~فى باب : التكبير عند الركن إن شاء الله . قال ms1311 المهلب : واستلام الرسول - ~~صلى الله عليه وسلم - الركن بمحجنه يدل على أن استلام الركن ليس بفرض ، ~~وإنما هو سنة من النبى - صلى الله عليه وسلم - ؛ ألا ترى قول PageV04P289 ~~عمر : ( لولا أنى رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قبلك ما قبلتك ) ، ~~وسيأتى الطواف على الدابة بعد هذا فى موضعه إن شاء الله . وقال أبو عبيد : ~~قال الأصمعى : المحجن : العصا المعوجة الرأس . وقال صاحب العين : هى عصا ~~يجتذب بها العامل ما نأى عنه من [ . . . . . . ] معوجة الرأس . قال الطبرى ~~: ومنه قولهم : احتجن فلان كذا ، إذا أخذه ، وأصله إمالته إلى نفسه ، ~~كالمحجن الذى أميل طرفه إلى معظمه وعطف عليه . قال الطبرى : وقوله : ( ~~يستلم ) يعنى : يصيب السلام ، والسلام هو الحجر ، وإنما يستلم يستفعل منه ، ~~فمعنى الكلام : طاف النبى - صلى الله عليه وسلم - على راحلته يومئ بالمحجن ~~الذى معه إلى الحجر الأسود حتى يصيبه ويكبر ، ثم يقبل من محجنه الموضع الذى ~~أصاب الحجر منه . * * * # | 53 - باب من لم يستلم إلا الركنين اليمانيين # / 79 - فيه : جابر بن زيد ، قال : ومن يتقى شيئا من البيت ؟ وكان معاوية ~~يستلم الأركان ، فقال له ابن عباس : إنه لا يستلم هذان الركنان ، فقال : ~~ليس شىء من البيت مهجورا ، وكان ابن الزبير يستلمهن كلهن . PageV04P290 / ~~80 - وفيه : ابن عمر ، لم أر النبى ، عليه السلام ، يستلم من البيت إلا ~~الركنين اليمانيين . قال الطحاوى : إنما لم يستلم النبى - صلى الله عليه ~~وسلم - إلا الركنين اليمانيين ، لأنهما مبنيان على منتهى البيت مما يليهما ~~، والآخران ليسا كذلك ؛ لأن الحجر وراءهما وهو من البيت ، وذلك أن قريشا ~~قصرت بهم النفقة عن قواعد إبراهيم فتركت منه فى الحجر ستة أذرع ، وقد ~~أجمعوا أن ما بين الركنين اليمانيين لا يستلم ؛ لأنه ليس من قواعد إبراهيم ~~، فكان يجئ فى النظر أن يكون كذلك الركنان الآخران لا يستلمان ؛ لأنهما ~~ليسا من قواعد إبراهيم ، فليسا بركنين لبيت . قال الطحاوى : وقد نزع ابن ~~عمر بمثل ما نزعنا به فى ذلك ، وذلك لأنه لما أخبرت عائشة بقول النبى - صلى ~~الله عليه وسلم - لها : ( ألم ترى ms1312 أن قومك حين بنوا الكعبة اقتصروا عن ~~قواعد إبراهيم قالت : قلت : يا رسول الله ، ألا تردها على قواعد إبراهيم . ~~. ) وذكر الحديث ، قال ابن عمر : لو كانت عائشة سمعت هذا من رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - ، ما أرى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ترك ~~استلام الركنين اللذين يليان الحجر ، إلا أن البيت لم يتم على قواعد ~~إبراهيم . وجمهور العلماء على استلام الركنين اليمانين ، وهو قول مالك ، ~~وأبى حنيفة ، والشافعى ، وأحمد ، وإسحاق ، وقد روى عن أنس وجابر ومعاوية ~~وابن الزبير وعروة أنهم كانوا يستلمون الأركان PageV04P291 كلها ، والحجة ~~عند الاختلاف فى السنة ، وكذلك قال ابن عباس لمعاوية حين قال له معاوية : ~~ليس شىء من البيت مهجورا ، فقال ابن عباس : { لقد كان لكم فى رسول الله ~~أسوة حسنة } [ الأحزاب : 21 ] . * * * # | 54 - باب تقبيل الحجر # / 81 - فيه : عمر أنه قبل الحجر ، وقال : لولا أنى رأيت رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - قبلك ما قبلتك . / 82 - وفيه : ابن عمر ، أنه سأل رجل عن ~~استلام الحجر ، فقال : رأيت النبى - صلى الله عليه وسلم - يستلمه ويقبله ، ~~قال : أرأيت إن زحمت ، أرأيت إن غلبت ؟ قال : اجعل أرأيت باليمن ، رأيت ~~النبى - صلى الله عليه وسلم - يستلمه ويقبله . لا يختلف العلماء أن تقبيل ~~الحجر الأسود فى الطواف من سنن الحج لمن قدر عليه ، فإن لم يقدر عليه وضع ~~يده عليه مستلما ثم رفعها إلى فيه ، فإن لم يقدر قام بحذائه وكبر ، فإن لم ~~يفعل فلا أعلم أحدا أوجب عليه فدية ولا دما . قال المهلب : وقول عمر : ( ~~لولا أنى رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقبلك ما قبلتك ) . إنما ~~قاله دفعا لأمر الجاهلية وما كانوا يعبدونه من الأحجار ، فأعلم الناس أن ~~تقبيله للحجر ليست عبادة له ، إنما هى عبادة لله باتباع سنة رسوله ، والحجر ~~لا يضر ولا ينفع ، إنما ينفع الاستتان برسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~فى تقبيله ، وقد تقدم هذا المعنى للطبرى ، PageV04P292 وروى ابن المنذر عن ~~إبراهيم بن مرزوق قال : حدثنا عفان ، حدثنا حماد بن سلمة ، عن ms1313 عبد الله بن ~~عثمان بن خثيم ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس أن نبى الله - صلى الله ~~عليه وسلم - قال : ( ليبعثن الله الحجر يوم القيامة له عينان ولسان ، يشهد ~~لمن استلمه بحق ) . * * * # | 55 - باب التكبير عند الركن # / 83 - فيه : ابن عباس ، قال : طاف النبى ، عليه السلام ، بالبيت على ~~بعير ، كلما أتى الركن أشار إليه بشىء كان عنده وكبر . قد تقدم أن التكبير ~~عند الركن دون استلام لا يفعل اختيارا ، وإنما يفعل لعذر مرض أو زحام الناس ~~عند الحجر . واختلفوا فى الطواف راكبا أو محمولا ، فقال الشافعى : لا أحب ~~لمن أطاق الطواف ماشيا أن يركب ، فإن طاف راكبا أو محمولا من عذر أو غيره ~~فلا دم عليه ، واحتج بحديث ابن عباس هذا أن النبى عليه السلام طاف على ~~راحلته ، وبما رواه ابن جريج عن أبى الزبير ، عن جابر ( أن النبى عليه ~~السلام طاف فى حجة الوداع بالبيت وبين الصفا والمروة على راحلته ليراه ~~الناس ، وليشرف لهم وليسألوه ؛ لأن الناس غشوه ) . وذهب مالك والليث وأبو ~~حنيفة إلى أن من طاف بالبيت راكبا أو محمولا فإن كان من عذر أجزأه ، وإن ~~كان من غير عذر فعليه أن يعيد PageV04P293 إن كان بمكة ، وإن رجع إلى بلاده ~~فعليه دم ، وحجتهم ما رواه أبو داود قال : حدثنا مسدد ، حدثنا خالد بن عبد ~~الله ، حدثنا يزيد بن أبى زياد ، عن عكرمة ، عن ابن عباس : ( أن رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - قدم مكة وهو يشتكى ، فطاف على راحلته ، كلما أتى ~~الركن استلمه بمحجن ، فلما فرغ من طوافه أناخ فصلى ) . قالوا : فدل أن ~~طوافه راكبا كان لشكوى كانت به . * * * # | 56 - باب من طاف بالبيت إذا قدم مكة قبل أن يرجع إلى بيته ، ثم صلى ~~ركعتين ، ثم خرج إلى الصفا # / 84 - فيه : عائشة ، أن النبى ، عليه السلام ، أول شىء بدأ به حين قدم ~~أنه توضأ ، ثم طاف ، ثم لم تكن عمرة ، ثم حج أبو بكر وعمر مثله ، ثم حججت ~~مع أبى الزبير ابن العوام ، فأول شىء بدأ به ms1314 الطواف ، ثم رأيت المهاجرين ~~والأنصار يفعلونه ، وقد أخبرتنى أمى أنها أهلت هى وأختها والزبير وفلان ~~وفلان بعمرة ، فلما مسحوا الركن حلوا . / 85 - وفيه : ابن عمر ، كان ، عليه ~~السلام ، إذا طاف فى الحج أو العمرة أول ما يقدم سعى ثلاثة أطواف ، ومشى ~~أربعة ، ثم يسجد سجدتين ، ثم يطوف بين الصفا والمروة . وكان يسعى فى بطن ~~المسيل . غرضه فى هذا الباب أن يبين سنة من قدم مكة حاجا أو معتمرا أن يطوف ~~بالبيت ويسعى بين الصفا والمروة ، فإن كان معتمرا حلق PageV04P294 وحل ، ~~وإن كان حاجا ثبت على إحرامه حتى يخرج إلى منى يوم التروية لعمل حجه ، ~~ولذلك قال مالك : إذا دخلت المسجد فلا تبدأ بالركوع ، ولكن تستلم الركن ~~وتطوف ، وكذلك فعل النبى عليه السلام . وقوله : ( ثم لم تكن عمرة ) يعنى أن ~~النبى - صلى الله عليه وسلم - طاف بالبيت ثم لم يحل من حجه بعمرة من أجل ~~الهدى ، وكذلك فعل أبو بكر وعمر أفردا الحج . وقال ابن المنذر : سن رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - للقادمين المحرمين بالحج تعجيل الطواف والسعى ~~بين الصفا والمروة عند دخولهم ، وفعل هو ذلك على ما روته عائشة عنه ، وأمر ~~من حل من أصحابه أن يحرموا إذا انطلقوا إلى منى ، فإذا أحرم من هو منطلق ~~إلى منى فغير جائز أن يكون طائفا وهو منطلق إلى منى . فدل هذا الحديث على ~~أن من أحرم من مكة من أهلها أو غيرهم أن السنة أن يؤخروا طوافهم وسعيهم إلى ~~يوم النحر ، خلاف فعل القادمين ؛ لتفريق السنة بين الفريقين ، وأيضا فإن ~~أهل العلم سموا هذا الطواف : طواف الورود ، وليس من أنشأ الحج من مكة واردا ~~بحجه عليها ، فسقط بذلك عنهم تعجيله . وكان ابن عباس يقول : يا أهل مكة ، ~~إنما طوافكم بالبيت وبين الصفا والمروة يوم النحر ، وأما أهل الأمصار فإذا ~~قدموا ، وكان يقول : لا أرى لأهل مكة أن يحرموا بالحج حتى يخرجوا ، ولا أن ~~يطوفوا بين الصفا والمروة حتى يرجعوا ، هذا قول ابن عمر وجابر ، وقالوا : ~~من أنشأ الحج من مكة فحكمه ms1315 حكم أهل مكة . قال ابن المنذر : وهذا قول مالك ~~وأهل المدينة وطاوس ، وبه قال PageV04P295 أحمد وإسحاق ، واختلف قول مالك ~~فيمن طاف وسعى قبل خروجه فكان يقول : يعيد إذا رجع ولا يجزئه طوافه الأول ~~ولا سعيه ، وقال أيضا : إن رجع إلى بلاده قبل أن يعيد فعليه دم . ورخصت ~~طائفة فى ذلك ، ورأت المكى ومن دخل مكة إن طفا وسعيا قبل خروجهما أن ذلك ~~جائز ، هذا قول عطاء والشافعى ، غير أن عطاء كان يرى تأخيره أفضل ، وقد فعل ~~ذلك ابن الزبير ، أهل لما أهل هلال ذى الحجة ، ثم طاف وسعى وخرج ، وأجازه ~~القاسم بن محمد ، وقال عطاء : منزلة من جاور بمنزلة أهل مكة ، إن أحرم أول ~~العشر طاف حين يحرم ، وإن أحرم يوم التروية أخر الطواف إلى يوم النحر . ~~واختلفوا فيمن قدم مكة فلم يطف حتى أتى منى ، فقالت طائفة : عليه دم ، هذا ~~قول أبى ثور ، واحتج بقول ابن عباس : ( من ترك من نسكه شيئا فليهرق لذلك ~~دما ) . وحكى أبو ثور عن مالك : يجزئه طواف الزيارة لطواف الدخول والزيارة ~~والصدر ، وحكى غيره عن مالك أنه إن كان مراهقا فلا شىء عليه ، فإن دخل غير ~~مراهق فلم يطف حتى مضى إلى عرفات فإنه يهريق دما ؛ لأنه فرط فى الطواف حين ~~قدم حتى أتى إلى عرفات ، وقال أبو حنيفة ، والشافعى ، وأشهب : لا شىء عليه ~~إن ترك طواف القدوم . قال ابن المنذر : أجمع أهل العلم على أن من ترك طواف ~~القدوم وطاف للزيارة ثم رجع إلى بلده أن حجه تام ، ولم يوجبوا عليه الرجوع ~~كما أوجبوه عليه فى طواف الإفاضة ، فدل إجماعهم PageV04P296 على ذلك أن ~~طواف القدوم ليس بفرض ، وكان ابن عمر وسعيد بن جبير ومجاهد والقاسم بن محمد ~~لا يرون بأسا إذا طاف الرجل أول النهار أنه يؤخر السعى حتى يبرد ، وكذلك ~~قال أحمد وإسحاق إذا كانت به علة ، وقال الثورى : لا بأس إذا طاف أن يدخل ~~الكعبة ، فإذا خرج سعى . وقوله : ( فلما مسحوا الركن حلوا ) . يريد بعد أن ~~سعوا بين الصفا والمروة ؛ لأن ms1316 العمرة إنما هى الطواف بالبيت والسعى بين ~~الصفا والمروة ، ولا يحل من قدم مكة بأقل من هذا ، فخشى البخارى أن يتوهم ~~متوهم أن قوله : ( فلما مسحوا الركن حلوا ) أن العمرة إنما هى الطواف ~~بالبيت فقط ، وأن المعتمر يحل من عمرته بالطواف بالبيت ، ولا يحتاج إلى سعى ~~بين الصفا والمروة ، وهو مذهب ابن عباس ، وروى عنه أنه قال : إن العمرة ~~الطواف . وقال به إسحاق ابن راهويه ، ويمكن أن يحتج من قال بهذا بقراءة ابن ~~مسعود : ( وأتموا الحج والعمرة إلى البيت ) . أى أن العمرة لا يجاوز بها ~~البيت . فأراد البخارى بيان فساد هذا التأويل بما أردف فى آخر الباب من ~~حديث ابن عمر : ( أن النبى عليه السلام كان إذا قدم مكة للحج أو العمرة طاف ~~بالبيت ، ثم سعى بين الصفا والمروة ) . وعلى هذا جماعة فقهاء الأمصار . ~~PageV04P297 # | 57 - باب طواف النساء مع الرجال # / 86 - فيه : عطاء أنه قال لابن هشام إذ منع النساء الطواف مع الرجال : ~~قال : كيف يمنعهن وقد طاف نساء النبى ، عليه السلام ، مع الرجال ؟ قال : ~~أبعد الحجاب أم قبل ؟ قال : لقد أدركته بعد الحجاب ، قلت : كيف يخالطن ~~الرجال ؟ قال : لم يكن يخالطن ، كانت عائشة تطوف حجرة من الرجال لا تخالطهم ~~، فقالت امرأة : انطلقى نستلم يا أم المؤمنين ، قالت : انطلقى عنك وأبت ، ~~يخرجن متنكرات بالليل فيطفن مع الرجال ، ولكنهن كن إذا دخلن البيت قمن حتى ~~يدخلن ، وأخرج الرجال وكنت آتى عائشة أنا وعبيد بن عمير ، وهى مجاورة فى ~~جوف ثبير ، قلت : وما حجابها ؟ قال : هى فى قبة تركية لها غشاء ، وما بيننا ~~وبينها غير ذلك ، ورأيت عليها درعا موردا . / 87 - فيه : أم سلمة ، قالت : ~~شكوت إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنى أشتكى ، فقال : ( طوفى من ~~وراء الناس ، وأنت راكبة ) ، فطفت ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - حينئذ ~~يصلى إلى جنب البيت ، وهو يقرأ : { والطور وكتاب مسطور } . قال المهلب : ~~قول عطاء : قد طاف الرجال مع النساء ، يريد أنهم PageV04P298 طافوا فى وقت ~~واحد غير مختلطات بالرجال ؛ لأن سنتهن أن يطفن ويصلين ms1317 وراء الرجال ويستترن ~~عنهم ؛ لقوله عليه السلام : ( طوفى من وراء الناس وأنت راكبة ) . وفيه : أن ~~السنة إذا أراد النساء دخول البيت أن يخرج الرجال عنه ، بخلاف الطواف حول ~~البيت ، وفيه المجاورة بمكة وهو نوع من الاعتكاف ، وهو على ضربين : مجاورة ~~بالليل والنهار ، فهو الاعتكاف ، ومجاورة بالنهار وانصراف بالليل على حسب ~~نيته وشرطه فيها . وفيه : جواز المجاورة فى الحرم كله ، وإن لم يكن فى ~~المسجد الحرام ؛ لأن ثبيرا خارج عن مكة ، وهو فى طريق منى ، وقراءة رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - بالطور كانت فى صلاة الفجر ، كذلك بوب له ~~البخارى فى كتاب الصلاة ، وذكره بعد هذا فى باب : من صلى ركعتى الطواف ~~خارجا من المسجد : أن النبى عليه السلام قال لأم سلمة : ( إذا أقيمت صلاة ~~الصبح فطوفى على بعيرك والناس يصلون ) . وابن جرير هو راوى الحديث عن عطاء ~~، وهو السائل له عن هذه القصة ، وبينهما جرى الخطاب ، وعطاء هو القائل : ~~وكنت آتى عائشة أنا وعبيد بن عمير وهى مجاورة فى جوف ثبير ، قال : ورأيت ~~عليها درعا موردا وأنا صبى ، وروى عبد الرزاق هذا الحديث عن ابن جريج أتم ~~من رواية البخارى ، وقال فيه : فأبت أن تستلم ، قال : PageV04P299 وكن ~~يخرجن متنكرات بالليل ، وقال فيه أيضا : ( كن إذا دخلن البيت سترن حين ~~يدخلن ) ، مكان : ( قمن حتى يدخلن ) . وقوله : حجرة ، يعنى ناحية من الناس ~~معتزلة ، وقال عبد الرزاق : يعنى محجوزا بينها وبين الرجال بثوب ، والتركية ~~: قبة صغيرة من لبود . * * * # | 58 - باب الكلام فى الطواف # / 88 - فيه : ابن عباس ، أن النبى ، عليه السلام ، مر ، وهو يطوف بالكعبة ~~بإنسان ربط يده إلى إنسان بسير أو بخيط أو بشىء غير ذلك ، فقطعه النبى ، ~~عليه السلام ، بيده ، ثم قال : ( قده بيده ) . وترجم له باب إذا رأى سيرا ~~أو شيئا يكره فى الطواف قطعه . قال ابن المنذر : أولى ما شغل المرء به نفسه ~~فى الطواف ذكر الله وقراءة القرآن ، ولا يشتغل فيه بما لا يجدى عليه منفعة ~~فى الآخرة ، مع أنا لا نحرم الكلام المباح فيه ، غير أن ms1318 الذكر فيه أسلم ؛ ~~لأن من تخطى الذكر إلى غيره لم يأمن أن يخرجه ذلك إلى ما لا تحمد عاقبته ، ~~وقد قال ابن عباس : ( الطواف صلاة ، ولكن قد أذن الله لكم فيه PageV04P300 ~~بالكلام ، فمن نطق فلا ينطق إلا بخير ) . وقال عطاء : كانوا يطوفون ~~ويتحدثون . وقال مالك : لا بأس بالكلام فيه ، فأما الحديث فأكرهه . ~~واختلفوا فى قراءة القرآن ، فكان ابن المبارك يقول : ليس شىء أفضل من قراءة ~~القرآن . وكان مجاهد يقرأ عليه القرآن فى الطواف ، واستحبه الشافعى وأبو ~~ثور ، وقال الكوفيون : إذا قرأ فى نفسه . وكرهت طائفة قراءة القرآن ، وروى ~~ذلك عن عروة والحسن البصرى ومالك ابن أنس ، وقال مالك : وما القراءة فيه من ~~عمل الناس القديم ، ولا بأس به إذا أخفاه ، ولا يكثر منه . قال عطاء : ~~قراءة القرآن فى الطواف محدث . وقال ابن المنذر : والقراءة أحب إلى من ~~التسبيح ، وكل حسن ، ومن أباح قراءة القرآن فى الطرق والبوادى ومنعه الطائف ~~متحكم مدع لا حجة له . وينبغى أن يفتتح الطواف بتوحيد الله كما يفتتح ~~الصلاة بالتكبير ، ويخشع لربه ، ويعقل ببيت من يطوف ، ولمعروف من يتعرض ، ~~وليسأل غفران ذنوبه والتجاوز عن سيئاته ، ويشغل نفسه بذلك وخواطره ، ويترك ~~أمور الدنيا ، كما فعل ابن عمر حين خطب إليه عروة بن الزبير ابنته فى ~~الطواف ، فلم يرد عليه كلاما ، فلما جاء إلى المدينة لقيه عروة فقال له ابن ~~عمر : ( أدركتنى فى الطواف ونحن نتراءى الله بين أعيننا ، فذاك الذى منعنى ~~أن أرد عليك ، ثم زوجه ) ، والذى سأل عروة باب من أبواب المباح ، فأبى ابن ~~عمر أن يجيبه تعظيما لله تعالى إذ هو طائف ببيته الحرام . وفى قطعه عليه ~~السلام السير من يد الطائف من الفقه أنه يجوز PageV04P301 للطائف فعل ما خف ~~من الأفعال ، وأنه إذا رأى منكرا فله أن يغيره بيده ، وإنما قطعه والله ~~أعلم لأن القود بالأزمة إنما يفعل بالبهائم ، وهو مثلة ، وقد روى ابن جريج ~~عن سليمان الأحول ، عن طاوس ، عن ابن عباس ( أن الرسول مر وهو يطوف بالبيت ~~بإنسان يقوده إنسان بخزامة فى ms1319 أنفه ، فقطعه عليه السلام وأمره أن يقوده ~~بيده ) . * * * # | 59 - باب لا يطوف بالبيت عريان ولا يحج مشرك # / 89 - فيه : أبو هريرة ، أن أبا بكر الصديق بعثه فى الحجة التى أمره ~~عليها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قبل حجة الوداع يوم النحر فى رهط ~~يؤذن فى الناس : ( ألا لا يحج بعد العام مشرك ، ولا يطوف بالبيت عريان ) . ~~قال المهلب : أراد عليه السلام أن ينظف له البيت من المشركين والعراة ، ~~ويكون حجه بهم عليه السلام على نظافة البيت من هاتين الطائفتين ، وقد اختلف ~~الناس فى حجة أبى بكر هذه إن كانت حجة الإسلام بعد نزول فرضه لقوله تعالى : ~~{ ولله على الناس حج البيت } [ آل عمران : 97 ] أو إن كانت على حج الجاهلية ~~ومواسمها ، والذى يعطى النظر أن حجة أبى بكر بالناس كانت حجة الإسلام وبعد ~~نزول فرضه ؛ لأن وقوفه كان بعرفة مع الناس كافة ، وإنما كان الحمس وهم قريش ~~يقفون بالمشعر الحرام ، فلما خالف أبو بكر العادة بقريش ، وأخرجهم من الحرم ~~إلى عرفات ، دل أنه إنما وقف بأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فإن ~~النبى - صلى الله عليه وسلم - إنما امتثل قوله تعالى : { ثم أفيضوا من حيث ~~أفاض الناس } [ البقرة : 199 ] يعنى العرب كافة ، وقوله تعالى هذا هو متقدم ~~بفرض الحج ووصف شرايعه كلها . PageV04P302 فثبت بهذا أن حجة أبى بكر على حج ~~الإسلام ، مع أنه أيضا حج فى ذى الحجة ، وكانت العرب لا تتوخى بحجها إلا ما ~~كانت عليه من النسئ ، يحلونه عاما ثم يحرمونه عاما آخر ، ودليل آخر أنه حج ~~حجة الإسلام بعد نزول فرضه ؛ بعثته عليه السلام لعلى فى أثره لينادى ~~المشركين ببراءة ، ولينبذ إليهم عهدهم بكتاب الله ، وكذلك أمره ألا يطوف ~~عريان ولا يحج مشرك ؛ لقوله تعالى : { إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد ~~الحرام بعد عامهم هذا } [ التوبة : 28 ] وفى هذه السورة ذكر النسئ وذكر ~~شرائع الحج ، وهذا يدل أن الحج لازم للمسلمين ، ليس على الفور ولا على وقت ~~معين كالصلاة والزكاة والصيام ، بل فى العمر كله ms1320 مرة متى وجد إليه سبيلا ، ~~لا يتعلق بوقت دون وقت ؛ لأن الرسول - صلى الله عليه وسلم - لم يحج بعد فور ~~نزول فرض الحج عليه ، بل أخر ذلك إلى عام آخر . قال ابن خواز بنداد : وقد ~~اختلف فى هذه المسألة أصحاب مالك : وأصحاب أبى حنيفة ، وأصحاب الشافعى على ~~قولين ، فقال مالك : إذا كانت المرأة صرورة أجبر الزوج على الإذن لها فى ~~الحج ولا تعجل عليه وتؤخر عاما بعد عام . قال : وسئل سحنون عن الرجل يجد ما ~~يحج به فيؤخر ذلك سنين كثيرة مع قدرته على الحج ، هل يفسق بتأخيره الحج ~~وترد شهادته ؟ قال : لا يفسق وإن مضى من عمره ستون سنة يؤخر فيها الحج وهو ~~قادر على فعله ، فإذا جاوز الستين سنة فسق وردت شهادته ، قال : وتحصيل ~~مذهبنا أن الحج تأخيره مع القدرة عليه ، ورأينا أصحابنا العراقيين من ~~المالكيين يقولون : هو على الفور ، ولا يجوز تأخيره مع القدرة ، وهو قول ~~أبى يوسف والمزنى ، وروى عن محمد بن الحسن أنه على التراخى ، وكذلك روى عن ~~أصحاب الشافعى القولان جميعا . PageV04P303 # | 60 - باب إذا وقف فى الطواف # وقال عطاء : فيمن يطوف فتقام الصلاة أو يدفع عن مكانه : إذا سلم يرجع إلى ~~حيث قطع عليه فيبنى ، ويذكر نحوه عن ابن عمر ، وعبدالرحمن بن أبى بكر . * * ~~* 61 - باب صلى النبى ، عليه السلام ، لسبوعه ركعتين وقال نافع : كان ابن ~~عمر يصلى لكل سبوع ركعتين . وقال إسماعيل بن أمية : قلت للزهرى : إن عطاء ~~يقول : تجزئه المكتوبة من ركعتى الطواف ، فقال : السنة أفضل ، لم يطف النبى ~~- صلى الله عليه وسلم - سبوعا قط إلا صلى ركعتين . / 90 - فيه : عمرو ، ~~سألنا ابن عمر أيقع الرجل على امرأته فى العمرة قبل أن يطوف بين الصفا ~~والمروة ؟ قال : قدم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فطاف بالبيت سبعا ، ~~ثم صلى خلف المقام ركعتين ، وطاف بين الصفا والمروة وقال : { لقد كان لكم ~~فى رسول الله إسوة حسنة } ، وسألت جابر بن عبدالله ، فقال : لا يقرب امرأته ~~حتى يطوف بين الصفا والمروة . وترجم له : ( باب من ms1321 صلى ركعتى الطواف خلف ~~المقام ) . PageV04P304 قال المؤلف : قال مالك : لا ينبغى الوقوف ولا ~~الجلوس فى الطواف ، فإن فعل منه شيئا بنى فيما خف ولم يتطاول وأجزأه . وقال ~~نافع : ما رأيت ابن عمر قائما قط إلا عند استلام الركن ، وقال عمرو بن ~~دينار : رأيت ابن الزبير يطوف فيسرع ، قال نافع : ويقال : القيام فى الطواف ~~بدعة ، وطاف ابن عمر فى يوم حار ثم قعد فى الحجر ، ثم استراح ، ثم أتى ما ~~بقى ، وأجاز عطاء أن يجلس ويستريح فى الطواف ، فإن قيل : فما معنى ذكره أن ~~النبى عليه السلام طاف لسبوعه وصلى ركعتين فى باب إذا وقف فى الطواف ؟ قيل ~~: معناه والله أعلم أنه - صلى الله عليه وسلم - حين طاف و ركع بأثره ركعتين ~~لم يحفظ عنه أنه وقف ولا جلس فى طوافه . ولذلك قال نافع : إن القيام فيه ~~بدعة إلا أن يضعف فلا بأس بالوقوف والقعود اليسير فيه للراحة ، ويبنى عليه ~~، وإنما كره العلماء القعود فيه والوقوف لغير عذر والله أعلم لأن من أجاب ~~دعوة أبيه إبراهيم على بعد الشقة وشدة المشقة لا يصلح إذا بلغ إلى العمل أن ~~يتوانى فيه بوقوف أو قعود لغير عذر ، ولهذا المعنى والله أعلم كان ابن ~~الزبير يسرع فى طوافه . وجمهور العلماء يرون لمن أقيمت عليه الصلاة البناء ~~على طوافه إذا فرغ من صلاته ، روى ذلك عن ابن عمر ، وعطاء ، والنخعى ، وابن ~~المسيب ، وطاوس ، وبه قال مالك ، وأبو حنيفة ، والشافعى ، وأحمد ، وإسحاق ، ~~وأبو ثور إلا الحسن البصرى فإنه قال : يبتدئ الطواف . قال ابن المنذر : ~~وحجة الجماعة أن الخارج إلى الصلاة المكتوبة PageV04P305 معذور قد حيل بينه ~~وبين أن يتم طوافه ، فإذا فرغ ووجد السبيل إلى إكماله أكمله ، وغير جائز أن ~~يبطل عمل الطائف بغير حجة . وفى المسألة خلاف آخر ذكره عبد الرزاق عن أبى ~~الشعثاء ، أنه أقيمت عليه الصلاة وطاف خمسة أطواف فلم يتم ما بقى ، وعن ~~سعيد بن جبير مثله ، وعن عطاء : إن كان الطواف تطوعا وخرج فى وتر فإنه يجزئ ~~عنه ، وكذلك إن عرضت له ms1322 حاجة فخرج فيها . وعن ابن عباس : من بدت له حاجة ~~فخرج لها فليخرج على وتر من طوافه ، ويركع ركعتين ولا يعد لبقيته . وقال ~~مالك : من طاف بعض طوافه ثم خرج لصلاة على جنازة ، أو خرج لنفقة نسيها ، ~~فليستأنف الطواف ولا يبنى ، ولا يخرج من طوافه لشىء إلا الصلاة الفريضة ، ~~وهو قول الشافعى وأبى ثور ، وقال أشهب : يبنى إذا صلى على جنازة ، وهو قول ~~أبى حنيفة ، وقال ابن المنذر : لا يخرج من بر هو فيه إلى بر ، وليتم طوافه ~~. واختلف العلماء فيمن طاف سبوعا ثم وافق صلاة مكتوبة هل تجزئه من ركعتى ~~الطواف ؟ فروى عن ابن عمر أنه أجاز ذلك خلاف ما ذكره البخارى عنه أنه كان ~~يفعله ، وروى مثله عن سالم وعطاء وأبى الشعثاء ، قال أبو الشعثاء : ولو طاف ~~خمسة . وقال الزهرى ومالك وأبو حنيفة : لا يجزئه . قال ابن المنذر : ويشبه ~~مذهب الشافعى ، وهو قول أبى ثور ، واحتجاج ابن شهاب على عطاء فى هذا الباب ~~بأن النبى عليه السلام لم يطف سبعا قط إلا صلى ركعتين فى أنه لا تجزئه ~~المكتوبة من ركعتى الطواف ؛ مغن عن غيره ، وكان طاوس يصلى لكل سبوع أربع ~~ركعات ، فذكر ذلك لابن جريج فقال : حدثنا عطاء أن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - PageV04P306 كان يصلى على كل سبوع ركعتين . وعلى هذا مذهب ~~الفقهاء . قال ابن المنذر : ثبت أن النبى - صلى الله عليه وسلم - طاف ~~بالبيت سبعا وصلى ركعتين . وأجمعوا أن من فعل فعله عليه السلام فهو متبع ~~للسنة ، ورخصت طائفة أن يجمع أسابيع ثم يركع لها كلها ، روى ذلك عن عائشة ~~وعطاء وطاوس ، وبه قال أبو يوسف وأحمد وإسحاق ، وكره ذلك ابن عمر والحسن ~~البصرى وعروة والزهرى ، وهو قول مالك والكوفيين وأبى ثور ، وهذا القول أولى ~~؛ لأن فاعله متبع للسنة . قال ابن المنذر : وأرجو أن يجزئ القول الأول ، ~~وهو كمن صلى وعليه صلاة قبلها ، أو طاف وعليه صلاة ثم صلاها بعد طوافه ، ~~قال : وثبت أن النبى عليه السلام صلى ركعتى الطواف عند المقام . وأجمع ~~العلماء ms1323 أن الطائف يجوز أن يركعهما حيث شاء إلا مالكا فإنه كره أن يركعهما ~~فى الحجر ، وقد صلى ابن عمر ركعتى الطواف فى البيت ، وصلاهما ابن الزبير فى ~~الحجر ، قال مالك : ومن صلى ركعتى الطواف والمروة ، وإن لم يركعهما حتى ~~يبلغ بلده أهراق دما ولا إعادة عليه . قال ابن المنذر : ولا يخلو من صلى فى ~~الحجر ركوع الطواف أن يكون قد صلاهما ، فلا إعادة عليه ، أو يكون فى معنى ~~من لم يصلهما فعليه أن يعيد أبدا ، فأما أن يكون بمكة فى معنى من لم يصلهما ~~وإن رجع إلى بلاده فى معنى من قد صلاهما ، فلا أعلم لقائله حجة فى التفريق ~~بين ذلك ، ولا أعلم الدم يجب فى شىء من أبواب الطواف . PageV04P307 # | 62 - باب من لم يقرب الكعبة ولم يطف حتى يخرج إلى عرفات ويرجع بعد ~~الطواف الأول # / 91 - فيه : ابن عباس ، قدم النبى ، عليه السلام ، مكة فطاف وسعى بين ~~الصفا والمروة ، ولم يقرب الكعبة بعد طوافه بها ، حتى رجع من عرفة . قال ~~المهلب : معنى قوله : من لم يقرب الكعبة ، يريد من لم يطف طوافا آخر تطوعا ~~غير طواف الورود ؛ لأن الحاج لا طواف عليه غير طواف الورود حتى يخرج إلى ~~عرفات وينصرف ويرمى جمرة العقبة ، وكذلك يطوف طواف الإفاضة الذى هو الفرض ، ~~وهذا معنى حديث ابن عباس ، وهو اختيار مالك لا ينتقل بطواف بعد طواف الورود ~~حتى يتم حجه ، وقد جعل الله فى ذلك توسعة ، فمن أراد أن يطوف بعد طواف ~~الورود فله ما شاء من ذلك ليلا ونهارا ، ولا سيما إن كان من أقاصى البلدان ~~، ومن لا عهد به بالطواف بالبيت فقد قال مالك : إن الطواف بالبيت أفضل من ~~صلاة النافلة لمن كان من أهل البلاد البعيدة ؛ لقلة وجود السبيل إلى البيت ~~. وروى عن عطاء والحسن قالا : إذا أقام الغريب بمكة أربعين يوما كانت ~~الصلاة أفضل له من الطواف ، وقال أنس : الصلاة للغرباء أفضل . * * * # | 63 - باب من صلى ركعتى الطواف خارجا من المسجد وصلى عمر خارجا من الحرم ~~. # / 92 - فيه ms1324 : أم سلمة ، أن نبى الله - صلى الله عليه وسلم - ، قال وهو ~~بمكة وأراد الخروج ولم تكن طافت بالبيت وأرادت الخروج : ( إذا أقيمت صلاة ~~الصبح فطوفى PageV04P308 على بعيرك ، والناس يصلون ) ، ففعلت ذلك ، فلم تصل ~~حتى خرجت . قال ابن المنذر : واختلفوا فى من نسى ركعتى الطواف حتى خرج من ~~الحرم أو رجع إلى بلاده ، فقال عطاء والحسن البصرى : يركعهما حيثما ذكر من ~~حل أو حرم ، وبهذا قال أبو حنيفة والشافعى ، وهو موافق لحديث أم سلمة ؛ ~~لأنه ليس فى الحديث أنها صلتها فى الحرم أو فى الحل ، وقال الثورى : ~~يركعهما حيث شاء ما لم يخرج من الحرم . قال مالك : إن لم يركعهما حتى تباعد ~~أو رجع إلى بلاده عليه دم . وقال فى المدونة : من طاف فى غير إبان صلاة أخر ~~الركعتين ، وإن خرج إلى الحل ركعهما فيه ويجزئانه ما لم ينتقض وضوءه ، فإن ~~انتقض قبل أن يركعهما وكان طوافه ذلك واجبا رجع فابتدأ بالطواف بالبيت وركع ~~؛ لأن الركعتين من الطواف توصلا به إلا أن يتباعد ، فليركعهما ويهدى ولا ~~يرجع . قال ابن المنذر : ليس ذلك أكثر من صلاة المكتوبة ، وليس على من ~~تركها إلا قضاؤها حيث ذكرها . PageV04P309 # | 64 - باب الطواف بعد الصبح والعصر # وكان ابن عمر يصلى ركعتى الطواف ما لم تطلع الشمس ، وطاف عمر بعد صلاة ~~الصبح ، فركب حتى صلى الركعتين بذى طوى ، يعنى بعد طلوع الشمس . / 93 - فيه ~~: عائشة ، أن ناسا طافوا بالبيت بعد صلاة الصبح ، ثم قعدوا إلى المذكر ، ~~حتى إذا طلعت الشمس قاموا يصلون . / 94 - وفيه : ابن عمر ، سمعت النبى ، ~~عليه السلام ، ينهى عن الصلاة عند طلوع الشمس وعند غروبها . / 95 - قال ~~عبدالعزيز بن رفيع : رأيت ابن الزبير ، يطوف بعد الفجر ، ويصلى ركعتين ، ~~ويخبر عن عائشة أن النبى ، عليه السلام ، لم يدخل بيتها قط إلا صلاهما . ~~قال المؤلف : قد ذكر البخارى الخلاف فى هذه المسألة عن الصحابة ، وكان ابن ~~عمر يصلى بعد الصبح والعصر ركعتى الطواف ، وهو قول عطاء ، وطاوس ، والقاسم ~~، وعروة ، وإليه ذهب الشافعى ، وأحمد ، وإسحاق ، وأبو ثور ، وحجتهم ms1325 حديث ~~ابن عيينة عن أبى الزبير ، عن عبد الله بن بابيه ، عن جبير بن مطعم : أن ~~النبى عليه السلام قال : ( يا بنى عبد مناف ، لا تمنعن أحدا طاف بهذا البيت ~~وصلى أى ساعة شاء من ليل أو نهار ) . فعم الأوقات كلها . وروى عن أبى سعيد ~~الخدرى مثل قول عمر بن الخطاب : لا بأس بالطواف بعد الصبح والعصر ، ويؤخر ~~الركعتين إلى بعد طلوع الشمس وبعد غروبها رواه سفيان عن الزهرى ، عن عروة ، ~~PageV04P310 عن عبد الرحمن بن عبد القارى قال : طاف عمر بالبيت بعد الصبح ~~فلم يركع ، فلما صار بذى طوى وطلعت الشمس صلى ركعتين ، وهو قول مالك وأبى ~~حنيفة والثورى . قال الطحاوى : فهذا عمر ، رضى الله عنه ، لم يركع حين طاف ~~؛ لأنه لم يكن عنده وقت صلاة ، وأخر ذلك إلى أن دخل عليه وقت الصلاة ، وهذا ~~بحضرة جماعة من أصحاب النبى عليه السلام فلم ينكره عليه منهم أحد ، ولو كان ~~ذلك الوقت عنده وقت صلاة الطواف لصلى ، ولما أخر ذلك ؛ لأنه لا ينبغى لأحد ~~طاف بالبيت إلا أن يصلى حينئذ إلا من عذر . وقد روى ذلك عن معاذ بن عفراء ، ~~وعن ابن عمر ، حدثنا ابن خزيمة ، حدثنا حجاج ، حدثنا همام ، حدثنا نافع : ~~أن ابن عمر قدم عند صلاة الصبح فطاف ولم يصل إلا بعد ما طلعت الشمس ، فهذا ~~قول آخر عن ابن عمر فى المسألة غير ما ذكره عنه البخارى . قال المهلب : وما ~~ذكره البخارى عن ابن عمر أنه كان يركع ركعتى الطواف ما لم تطلع الشمس ، وهو ~~يروى نهى النبى عليه السلام عن الصلاة عند طلوع الشمس وعند غروبها ، فيدل ~~والله أعلم أن النهى عنده عن ذلك إنما هو عند موافقة الطلوع والغروب ، فأما ~~إذا أمن أن يوافق ذلك فله أن يصلى ركعتى الطواف ؛ لأن الوقت لهما واسع ، ~~ومن سنتهما الاتصال بالطواف . وقد بين ذلك ما رواه الطحاوى قال : حدثنا ~~أحمد بن داود قال : نا يعقوب بن حميد ، حدثنا ابن أبى غنية ، عن عمر بن ~~PageV04P311 ذر ، عن مجاهد قال : كان ms1326 ابن عمر يطوف بعد العصر ويصلى ما كانت ~~الشمس بيضاء حية ، فإذا اصفرت وتغيرت طاف طوافا واحدا حتى يصلى المغرب ، ثم ~~يصلى ويطوف بعد الصبح ما كان فى غلس ، فإذا أسفر طاف طوافا واحدا ثم يجلس ~~حتى ترتفع الشمس ويمكن الركوع ، وهذا قول مجاهد والنخعى وعطاء ، وهو قول ~~ثالث فى المسألة ذكره الطحاوى . # | 65 - باب المريض يطوف راكبا # / 96 - فيه : ابن عباس ، أن النبى ، عليه السلام ، طاف بالبيت وهو على ~~بعير ، كلما أتى على الركن أشار إليه بشىء فى يده وكبر . / 97 - وفيه : أم ~~سلمة ، قالت : شكوت إلى النبى - صلى الله عليه وسلم - أنى أشتكى ، فقال : ( ~~طوفى من وراء الناس ، وأنت راكبة ) ، فطفت ورسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- يصلى إلى جنب البيت ، وهو يقرأ ب : { الطور وكتاب مسطور } . قد تقدم فى ( ~~باب : التكبير عند الركن ) حديث مسدد عن ابن عباس من رواية أبى داود : ( أن ~~نبى الله كان مريضا ) ولذلك طاف راكبا ، وعلى هذا تأوله البخارى ، ولذلك ~~ترجم لحديث ابن عباس باب : المريض يطوف راكبا ، وذكر معه حديث أم سلمة ، ~~وأنه عليه السلام إنما أباح لها الطواف راكبة لشكواها . قال ابن المنذر : ~~وأجمع أهل العلم على جواز طواف المريض على الدابة ومحمولا ، إلا عطاء روى ~~عنه فيها قولان : أحدهما : أن يطاف به ، والآخر : أن يستأجر من يطوف عنه ، ~~وقد تقدم قول PageV04P312 من أجاز طواف الصحيح راكبا لغير عذر فى باب ~~التكبير عند الركن ، واختلافهم فى الطواف راكبا لغير عذر . قال المهلب : ~~وفيه أنه لا يجب أن يطوف أحد بالبيت فى وقت صلاة الجماعة إلا من وراء الناس ~~، ولا يطوف بين المصلين وبين البيت فيشغل الإمام والناس ويؤذيهم ، وفيه : ~~أن ترك أذى المسلم أفضل من صلاة الجماعة ، ومثله قوله عليه السلام : ( من ~~أكل من هذه الشجرة فلا يقربن مسجدنا ) . # | 66 - باب سقاية الحاج # / 98 - فيه : ابن عمر ، استأذن العباس رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~أن يبيت بمكة ليالى منى من أجل سقايته ، فأذن له . / 99 - وفيه : ابن عباس ~~، أن ms1327 النبى ، عليه السلام ، جاء إلى السقاية فاستسقى ، فقال العباس : يا ~~فضل ، اذهب إلى أمك فأت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بشراب من عندها ، ~~فقال : ( اسقنى ) ، قال : يا رسول الله ، إنهم يجعلون أيديهم فيه ، قال : ( ~~اسقنى ) ، فشرب منه ، ثم أتى زمزم ، وهم يسقون ويعملون فيها ، فقال : ( ~~اعملوا فإنكم على عمل صالح ) ، ثم قال : ( لولا أن تغلبوا لنزلت حتى أضع ~~الحبل على هذه ، يعنى عاتقه ) . قال جماعة من أهل السير : كانت السقاية ~~للعباس مكرمة ، يسقى الناس نبيذ التمر ، فأقرها النبى عليه السلام فى ~~الإسلام ، وروى عن طاوس قال : شرب نبيذ السقاية من تمام الحج ، وقال عطاء : ~~لقد أدركت هذا الشراب ، وإن الرجل ليشربه فتلتزق شفتاه من حلاوته ، فلما ~~ذهب الخزنة ووليه العبيد تهاونوا بالشراب PageV04P313 واستخفوا به ، وروى ~~ابن جريج عن نافع ، أن ابن عمر لم يكن يشرب من النبيذ فى الحج . وروى ~~الطبرى حديث ابن عباس فى قصة السقاية أتم مما ذكرها البخارى فقال : حدثنا ~~أبو كريب ، حدثنا أبو بكر بن عياش ، عن يزيد بن أبى زياد ، عن عكرمة ، عن ~~ابن عباس قال : ( لما طاف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أتى العباس وهو ~~فى السقاية فقال : ( اسقونى ) ، قال العباس : إن هذا قد مرث ، أفلا نسقيك ~~مما فى بيوتنا ؟ قال : ( لا ، ولكن اسقونى مما شرب الناس ) ، فأتى به فذاقه ~~فقطب ، ثم دعا بماء فكسره ، ثم قال : ( إذا اشتد نبيذكم فاكسروه بالماء ) . ~~فاستدل أهل الكوفة بهذا الخبر على جواز شرب المسكر ، قالوا : وقد روى عن ~~عمر وعلى مثل ذلك . قال الطبرى : فيقال لهم : إن تقطيبه منه لم يكن لأجل ~~أنه كان مسكرا ، ولا أن قوله : ( إذا اشتد نبيذكم فاكسروا بالماء ) أن ~~معناه : إذا اشتد فصار يسكر شرب كثيره ؛ لأن ذلك لو كان معناه لكان ذلك ~~إباحة منه عليه السلام شرب الخمر إذا صب عليه الماء ؛ لأن الخمر لا تصير ~~حلالا بصب الماء عليها ، بل تفسد الماء الذى يخالطها ويزول عن حد الطهارة . ~~فدل أن تقطيبه منه عليه السلام إنما كان من حموضته ms1328 لا من إسكاره ، وأن قوله ~~: ( إذا رابكم منه شىء ) . يعنى إذا خفتم تغييره إما إلى حموضة ، وإما إلى ~~إسكار ، فاكسروه قبل تغييره إلى ذلك ؛ كى لا يفسد عليكم ، وهذا من أدل ~~الدليل على تحريم شرب ما PageV04P314 أسكر كثيره ؛ لأنه أمر بكسره بالماء ~~إذا صار إلى حد يريب شاربه ، فلو حل شربه بعدما يصير مسكرا لم يأمر بعلاجه ~~بالماء قبل مصيره مسكرا ، بل كان يقول عليه السلام : إذا رابكم منه شىء ~~فانتفعوا به واشربوه ، ولا تكسروه . وإنما أمر بكسره ؛ لأنه كان قد بدت فيه ~~الاستحالة إلى الخلية بما حدث فيه من الفساد والحموضة ، وذلك موجود فى ~~الأشربة التى تنتقل إلى الحموضة قبل دخول الحال التى تصير بها خمرا ، فكسره ~~بالماء ليهون عليه شربه ، ومثل هذا المعنى ما روى عن عمر وعلى فى ذلك ، ~~حدثنا الربيع بن سليمان ، حدثنا ابن وهب ، عن أسامة بن زيد ، أنه سمع نافعا ~~يقول : إن عمر قال ليرفأ : اذهب إلى إخواننا الثقفيين فالتمس لنا عندهم ~~شرابا ، فأتاهم فقالوا : ما عندنا إلا هذه الإداوة وقد تغيرت ، فدعا بها ~~عمر فذاقها ، فقبض وجهه ، ثم دعا بالماء فصب عليه فشرب . قال نافع : والله ~~ما قبض وجهه إلا أنها تخللت . قال ابن وهب : وحدثنا عمرو بن الحارث ، أن ~~سلام بن حفص أخبره ، أن زيد بن أسلم ، أخبره أن أصحاب النبى عليه السلام ~~كانوا إذا حمض عليهم النبيذ كسروه بالماء . وروى إسماعيل بن أبى خالد عن ~~قيس قال : حدثنا عتبة بن فرقد قال : دعا عمر بعس من نبيذ قد كاد يكون خلا ، ~~فقال لى : اشرب ، فأخذته فجعلت لا أستطيع شربه ، فأخذه من يدى فشرب حتى قضى ~~حاجته . قال المهلب : وإنما أذن النبى - صلى الله عليه وسلم - للعباس فى ~~المبيت عن منى ، ولم يوجب عليه الهدى من أجل السقاية ؛ لأنها عمل من أعمال ~~الحج ، PageV04P315 ألا ترى قوله عليه السلام إذ ورد زمزم وهم يسقون : ( ~~اعملوا فإنكم على عمل صالح ) وقوله عليه السلام : ( لولا أن تغلبوا لنزلت ) ~~يعنى : لنزلت لاستقاء الماء ، فهذه ولاية من ms1329 النبى عليه السلام للعباس وآله ~~السقاية ، وإنما خشى أن تتخذها الملوك سنة يغلبون عليها من وليها من ذرية ~~العباس . * * * # | 67 - باب ما جاء فى زمزم # / 100 - فيه : أبو ذر ، قال ، عليه السلام : ( فرج سقفى ، وأنا بمكة ، ~~فنزل جبريل ، ففرج صدرى ، ثم غسله بماء زمزم ، ثم جاء بطست من ذهب ممتلئ ~~حكمة وإيمانا ، فأفرغها فى صدرى ، ثم أطبقه ، ثم أخذ بيدى ، فعرج إلى ~~السماء الدنيا . . . ) الحديث . / 101 - وفيه : ابن عباس ، قال : سقيت رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - من زمزم ، فشرب وهو قائم . فحلف عكرمة ما كان ~~يومئذ إلا على بعير . قال المهلب : فيه أن شرب ماء زمزم من سنن الحج لفضله ~~وبركته ، وقد قال ابن عباس : إن ماء زمزم لما شرب له ، وقال مجاهد : إن ~~شربته تريد الشفاء شفاك الله ، وإن شربته تريد أن تقطع ظمأك قطعه الله ، ~~وإن شربته تريد أن يشبعك أشبعك الله ، وهى هزمة جبريل ، وسقيا الله إسماعيل ~~. وقال وهب بن منبه : تجدها فى كتاب الله . يعنى : زمزم شراب الأبرار ، ~~وطعام طعم ، وشفاء من سقم ، ولا تنزح ولا تذم ، من شرب منها حتى يتضلع ~~أحدثت له شفاء ، وأخرجت منه داء . PageV04P316 وروى ابن جريج عن نافع عن ~~ابن عمر أنه كان لا يشرب منها فى الحج ، ومعنى ذلك أنه كان قد شرب منه ولم ~~يواظب على شربه ؛ لئلا يظن به أنه كان يرى شربه من الفرض اللازم ، ولا يجوز ~~أن يتأول عليه ترك شيئا فعله النبى عليه السلام لأنه لم يكن أحد أتبع منه ~~لآثار رسول الله - صلى الله عليه وسلم - . قال ابن عباس : ينبغى أن يأخذ ~~الدلو ، ويستقبل القبلة ، ويدعو الله ، ثم يشرب ويتنفس ثلاث مرات ، ويتضلع ~~منها ، فإنى سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : ( إن آية ما ~~بيننا وبين المنافقين أنهم لا يتضلعون من زمزم ) . قال معمر عن الزهرى : إن ~~عبد المطلب لما انبط ماء زمزم بنى عليها حوضا ، فطفق هو وابنه الحارث ~~ينزعان ، فيملآن ذلك الحوض فيشرب فيه الحاج ، فيكسره أناس من حسدة ms1330 قريش ~~بالليل ، ويصلحه عبد المطلب حين يصبح ، فلما أكثروا إفساده دعا عبد المطلب ~~ربه ، فأرى فى المنام فقيل له : قل : اللهم إنى لا أحلها لمغتسل ، ولكن هى ~~لشارب حل وبل ، ثم كفيتهم . فقام فنادى بالذى أرى فلم يكن أحد يفسد عليه ~~حوضه بالليل إلا رمى بداء فى جسده ، ثم تركوا له حوضه وسقايته ، قال سفيان ~~: حل بل محل . * * * # | 68 - باب طواف القارن # / 102 - فيه : عائشة ، خرجنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فى حجة ~~الوداع ، فأهللنا بعمرة ، ثم قال : ( من كان معه هدى فليهل بالحج والعمرة ، ~~ثم لا يحل حتى PageV04P317 يحل منهما ) ، فقدمت مكة وأنا حائض ، فلما قضينا ~~حجنا ، أرسلنى مع عبدالرحمن إلى التنعيم ، فاعتمرت ، فقال - صلى الله عليه ~~وسلم - : ( هذه مكان عمرتك ) ، فطاف الذين أهلوا بالعمرة ، ثم حلوا ثم ~~طافوا طوافا آخر بعد أن رجعوا من منى ، وأما الذين جمعوا بين الحج والعمرة ~~، فإنما طافوا طوافا واحدا . / 103 - وفيه : ابن عمر ، إن حيل بينى وبين ~~البيت أفعل كما فعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، ثم قال : ( أشهدكم ~~أنى قد أوجبت مع عمرتى حجا ) ، ثم قدم ، فطاف لهما طوافا واحدا . / 104 - ~~وفيه : خبر آخر عن ابن عمر ، وأهدى هديا ، ولم يزد على ذلك ، فلم ينحر ولم ~~يحل من شىء حرم منه ، ولم يحلق ، ولم يقصر ، حتى كان يوم النحر فنحر ، وحلق ~~، ورأى أن قد قضى طواف الحج والعمرة بطوافه الأول ، ثم قام لهما طوافا ~~واحدا . اختلف العلماء فى طواف القارن ، فروى عن ابن عمر وجابر بن عبد الله ~~أنه يجزئه طواف واحد وسعى واحد ، وروى ذلك عن عطاء وطاوس والحسن ، وهو قول ~~مالك والشافعى وأحمد وإسحاق وأبى ثور ، وحجتهم أحاديث هذا الباب . وقالت ~~طائفة : على القارن طوافان وسعيان . روى ذلك عن على وابن مسعود ، وعن ~~الشعبى وابن أبى ليلى ، وإليه ذهب الثورى وأبو حنيفة والأوزاعى ، واحتجوا ~~بأن العمرة إذا أفردها لزمته أفعالها ، فلم يكن ضمها إلى الحج بموجب لسقوط ~~جميع أفعالها ، دليله التمتع . PageV04P318 قال ابن القصار : فيقال لهم ms1331 : ~~هذا ينتقض بالحلق ؛ لأن المتمتع لما كان عليه حلاقان ، كان عليه طوافان ، ~~ولما كان القارن يكفيه حلق واحد كفاه طواف واحد ، فإن قالوا : قياسكم ~~الطواف على الحلق لا يسلم ؛ لأن المستحق فى الحلق عن كل إحرام مقدار الربع ~~فمتى حلق جميع رأسه بعد الحلق ، فيقوم مقام الحلق الآخر عند العجز ، فيقال ~~لهم : ما تقولون إن اقتصر القارن على حلق ربع رأسه ولم يتجاوزه ، ولم يجر ~~الموسى على رأسه ، هل يجزئه أو يحتاج إلى زيادة ربع آخر ، فإن قلتم هذا ، ~~فليس هو مذهبكم ، وإن كفاه واحد ، فقد ثبت ما قلناه ، وأيضا فإن القارن إن ~~قتل صيدا واحدا فعليه جزاء واحد . قال غيره : والحجة للكوفيين لازمة بحديث ~~عائشة وابن عمر ؛ لأنهم يأخذون بحديث عائشة فى رفض العمرة مع احتماله فى ~~ذلك للتأويل ، ويتركونه فى طواف القارن ، وهو لا يحتمل التأويل ، قال ابن ~~المنذر : والرواية عن على لا تثبت ؛ لأن راويها أبو نصر عن على ، وأبو نصر ~~مجهول ، ولو كان ثابتا لكانت سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أولى . ~~وذكر عبد الرازق عن جعفر بن محمد ، عن أبيه ، عن على قال : ( القارن يجزئه ~~طواف واحد وسعى واحد ) بخلاف رواية أهل العراق عنه ، وقول ابن عمر : ( إذا ~~أصنع كما صنع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ) يعنى : حين صد عليه ~~السلام عام الحديبية ، فحلق ونحر وحل ، فلم يصد ابن عمر فقران الحج إلى ~~العمرة ، وكان عمله لهما واحدا PageV04P319 وطوافا واحدا ، وقد احتج أبو ~~ثور لذلك فقال : لما لم يجز أن يجمع بين عملين إلا الحج والعمرة فأجزنا ومن ~~خالفنا لهما سفرا واحدا ، وإحراما واحدا ، وكذلك التلبية ؛ كان كذلك يجزئ ~~عنهما طواف واحد وسعى واحد . * * * # | 69 - باب الطواف على وضوء # / 105 - فيه : عروة ، عن عائشة ، حج النبى ، عليه السلام ، فأول شىء بدأ ~~به حين قدم أنه توضأ ، ثم طاف بالبيت ، ثم لم تكن عمرة ، ثم حج أبو بكر ، ~~فكان أول شىء بدأ به الطواف بالبيت ، ثم لم تكن عمرة ، ثم عمر كذلك . . . ~~وذكر الحديث ms1332 . هذا الحديث حجة لمن اختار الإفراد بالحج وأن ذلك كان عمل ~~النبى عليه السلام وأصحابه بعده ، لم يعدل أحد منهم إلى تمتع ولا قران ؛ ~~لقولها : ( ثم لم تكن عمرة ) . وفيه ما ترجم به أن سنة الطواف أن يكون على ~~طهارة ، واتفق جمهور العلماء على أنه لا يجزئ بغير طهارة كالصلاة ، وخالف ~~ذلك أبو حنيفة فقال : إن طاف بغير طهارة ، فإن أمكنه إعادة الطواف أعاده ، ~~وإن رجع إلى بلاده جبره بالدم . قال ابن القصار : والحجة للجماعة قول عائشة ~~: ( أول شىء بدأ به النبى عليه السلام أنه توضأ ثم طاف بالبيت ) وفعله على ~~الوجوب إلا أن تقوم دلالة ، وأيضا فإن فعله خرج مخرج البيان لقوله تعالى : ~~{ وليطوفوا بالبيت العتيق } [ الحج : 29 ] ؛ لأن الطواف مجمل يحتاج إلى ~~بيان صفته ؛ لأنه يقتضى طوفة واحدة . PageV04P320 وقد قال ابن عباس : ( إن ~~الطواف بالبيت صلاة ، إلا أن الله تعالى أباح فيه المنطق ) وقد يكون فى ~~الشرع صلاة لا ركوع فيها ولا سجود كصلاة الجنازة ، فإن قيل : فينبغى أن ~~يكون لها تحريم وتسليم ، قيل : ليس كل ما كان صلاة يحتاج إلى ذلك ؛ لأن ~~كثيرا من الناس من يقول فى سجود السهو أنه صلاة ولا يحتاج إلى ذلك ، وكذلك ~~سجود التلاوة ، ولنا أن نستدل بحديث صفية لما حاضت فقال : ( أحابستنا هى ؟ ~~فلما قيل : إنها قد أفاضت ، قال : فلا إذا ) . فلو كان الدم ينوب مناب ~~طوافها بغير طهارة لكان عليه السلام لا يحتاج أن يقيم هو وأصحابه إلى أن ~~تطهر ثم تطوفه ، فإن قيل : إن الطواف ركن لا يصح الحج إلا به فلا يحتاج إلى ~~طهارة كالوقوف بعرفة ، قيل : لما كان يعقب كل أسبوع من الطواف ركعتان ، لا ~~فصل بينه وبينهما ، وجب أن يكون الطائف متوضئا لتتصل صلاته بطوافه ، ~~والوقوف بعرفة لا صلاة بأثره ، فافترقا . واختلفوا فيمن انتقض وضوءه وهو فى ~~الطواف ، فقال عطاء ومالك : يتوضأ ويستأنف الطواف ، قال مالك : وهو بخلاف ~~السعى بين الصفا والمروة لا يقطع عليه ذلك ما أصابه من انتقاض وضوئه ، وقال ~~النخعى : يبنى . وهو قول ms1333 الشافعى وأحمد وإسحاق ، إلا أن الشافعى قال : إن ~~تطاول استأنف . وقال مالك : إن كان تطوعا فأراد إتمامه توضأ واستأنف ، وإن ~~لم يرد إتمامه تركه . وقد تقدم بعض ما فى هذا الحديث فى باب : من طاف ~~بالبيت إذا قدم مكة ، وسيأتى شىء منه فى باب : متى يحل المعتمر بعد هذا إن ~~شاء الله . PageV04P321 # | 70 - باب وجوب الصفا والمروة وجعل من شعائر الله # / 106 - فيه : عروة : سألت عائشة أرأيت قول الله تعالى : { إن الصفا ~~والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما } ~~[ البقرة : 158 ] ، فوالله ما على أحد جناح أن لا يطوف بالصفا والمروة ، ~~قالت : بئس ما قلت يا ابن أختى ، إن هذه لو كانت كما أولتها عليه كانت لا ~~جناح عليه أن لا يتطوف بهما ، ولكنها أنزلت فى الأنصار كانوا قبل أن يسلموا ~~يهلون لمناة الطاغية التى كانوا يعبدونها عند المشلل ، فكان من أهل يتحرج ~~أن يطوف بالصفا والمروة ، فلما أسلموا سألوا رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - عن ذلك ، قالوا : يا رسول الله ، إنا كنا نتحرج أن نطوف بين الصفا ~~والمروة فأنزل الله تعالى : { إن الصفا والمروة من شعائر الله } الآية ، ~~قالت عائشة : وقد سن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الطواف بينهما ، ~~فليس لأحد أن يترك الطواف بينهما ، ثم أخبرت أبا بكر بن عبدالرحمن ، فقال : ~~إن هذا لعلم ما كنت سمعته ، ولقد سمعت رجالا من أهل العلم يذكرون أن الناس ~~إلا من ذكرت عائشة ممن كان يهل بمناة ، كانوا يطوفون كلهم بالصفا والمروة ، ~~فلما ذكر الله تعالى الطواف بالبيت ، ولم يذكر الصفا والمروة فى القرآن ، ~~قالوا : يا رسول الله ، كنا نطوف بالصفا والمروة ، وإن الله أنزل الطواف ~~بالبيت فلم يذكر الصفا ، فهل علينا من حرج أن نطوف بالصفا والمروة ؟ فأنزل ~~الله تعالى : { إن الصفا والمروة من شعائر الله } الآية ، قال أبو بكر : ~~فأسمع هذه الآية PageV04P322 نزلت فى الفريقين كليهما فى الذين كانوا ~~يتحرجون أن يطوفوا بالجاهلية بالصفا والمروة ، والذين يطوفون ، ثم تحرجوا ms1334 ~~أن يطوفوا بهما فى الإسلام من أجل أن الله أمر بالطواف بالبيت ، ولم يذكر ~~الصفا حتى ذكر ذلك بعد ما ذكر الطواف بالبيت . قال المؤلف : ذكر إسماعيل بن ~~إسحاق عن الشعبى قال : كان على الصفا وثن يقال له : ( يساف ) ، وعلى المروة ~~وثن يقال له : ( نائلة ) ، فكان المشركون يطوفون بينهما ، فلما كان الإسلام ~~قال ناس : ( يا رسول الله ، إن أهل الجاهلية كانوا يطوفون بين الصفا ~~والمروة للوثنين الذين كان عليهما ، وليسا من شعائر الله . فنزلت هذه الآية ~~) . واختلف العلماء فى وجوب السعى بين الصفا والمروة ، فروى عن ابن مسعود ، ~~وأبى بن كعب ، وابن عباس أنه غير واجب ، وقال أنس ابن مالك وابن الزبير : ~~هو تطوع . وروى مثله عن ابن سيرين ، وقال الثورى والكوفيون : هو واجب إلا ~~أنه ينوب عند الدم . وروى مثله عن عطاء والحسن وقتادة ، وقالت عائشة : هو ~~فرض . وبه قال مالك والشافعى وأحمد وإسحاق وأبو ثور ، ويأمرون من بقى عليه ~~منه شىء بالرجوع إليه من بلده ، فإن كان وطأ النساء قبل أن يرجع كان عليه ~~إتمام حجه أو عمرته ، وحج قابل والهدى . واحتج من لم يره واجبا بقراءة من ~~قرأ : ( فلا جناح عليه ألا يطوف بهما ) قالوا : فعلى هذه القراءة لا جناح ~~عليه فى ترك السعى كما قالت عائشة : واحتج بعض أهل هذه المقالة أيضا بقراءة ~~الجماعة PageV04P323 وقالوا : قوله تعالى : { فلا جناح عليه أن يطوف بهما } ~~[ البقرة : 158 ] يقتضى أن يكون السعى مباحا لا واجبا ، كقوله : { فليس ~~عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة } [ النساء : 101 ] ، والقصر مباح لا واجب ~~، واحتجوا بقول عائشة فى هذا الحديث : ( وقد سن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - الطواف بينهما ) فمن قال : إن السعى فرض ، فقد خالف ما تقتضيه الآية ~~، وخالف لفظ الحديث : وما سمى سنة فليس بفريضة ، فهى سنة مؤكدة لا ينبغى ~~تركها . قال ابن القصار : فيقال لهم : إن عائشة قد ردت على عروة تاويل ~~المخالف فى الآية وقالت : بئس ما قلت يا ابن أختى ، إن هذه لو كانت كما ~~تأولتها ، لكانت : ( فلا ms1335 جناح عليه ألا يطوف بهما ) . وإنما نزلت فى ~~الأنصار الذين كانوا يتحرجون فى الجاهلية أن يطوفوا بينهما ، وفى الذين ~~كانوا يطوفون فى الجاهلية ثم تحرجوا أن يطوفوا فى الإسلام ، وهذا يبطل ~~تأويلهم ؛ لأن عائشة علمت سبب الآية وضبطت هذا المعنى الجليل ، والصاحب إذا ~~روى القصة مفسرة فلا تفسير لأحد معه . وقال غيره : لا حجة لمن تعلق بقول ~~عائشة ( وقد سن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الطواف بينهما ) ؛ لأنه ~~قد صح من مذهبها أن ذلك فريضة ، والفرائض تثبت بالسنة كما تثبت بالقرآن ؛ ~~لأن الله قد فرض طاعة رسوله ، فكل ما جاء عن الرسول - صلى الله عليه وسلم - ~~من فرض أو سنة فسائغ أن يقال فيه : سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ؛ ~~لأنه فرض علم من طريق السنة ، وأما قراءة من قرأ : ( فلا جناح عليه ألا ~~يطوف بهما ) فلا حجة فيها لشذوذها ، وأنه لم يقرأ بها أحد من أئمة القراء . ~~PageV04P324 قال الطحاوى : وقد يجوز أن يرجع معنى القراءتين جميعا إلى معنى ~~واحد ؛ لأن العرب قد تصل ب ( لا ) وتزيدها كقوله تعالى : { لا أقسم بيوم ~~القيامة ولا أقسم بالنفس اللوامة } [ القيامة : 1 ، 2 ] ، وكقوله : { فلا ~~أقسم بمواقع النجوم } [ الواقعة : 75 ] ، و { فلا أقسم برب المشارق ~~والمغارب } [ المعارج : 40 ] فى معنى أقسم بيوم القيامة ، وأقسم بكل ما ذكر ~~، و { ما منعك ألا تسجد } [ الأعراف : 12 ] أى : ما منعك أن تسجد ، فيحتمل ~~قول عائشة لعروة : كلا لو كانت كما تقول لكانت : ( فلا جناح عليه ألا يطوف ~~بهما ) على معنى الصلة التى يرجع بها إلى معنى قوله : { فلا جناح عليه أن ~~يطوف بهما } [ البقرة : 158 ] وفى حديث عائشة أن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - سن الطواف بينهما ، وأن قوله : { فلا جناح عليه أن يطوف بهما } إنما ~~هو على إباحة الطواف بينهما الذى كانوا يتحرجونه ، ثم سن رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - الطواف بينهما ، فصار من سنته التى ليس لأحد التخلف عنها ~~مع ما تقدم من قوله تعالى فيهما أن جعلهما من شعائره ms1336 ، والشعائر : العلامات ~~، وقد قال تعالى : { ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب } [ الحج : ~~32 ] . وقال عليه السلام حين طاف بهما : ( نبدأ بما بدأ الله به ) . وقال : ~~( خذوا عنى مناسككم ، لا أدرى لعلى لا ألقاكم بعد عامى هذا ) . وطاف بينهما ~~، ودل حديث حماد بن سلمة عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة أنها قالت : ~~( ما تمت حجة أحد ولا عمرته لم يطف بين الصفا والمروة ) أن ذلك مما لا يكون ~~مأخوذا من جهة الرأى ، وإنما PageV04P325 يؤخذ من جهة التوقيف ، وقولها ذلك ~~يدل على وجوب الصفا والمروة فى الحج والعمرة جميعا . * * * # | 71 - باب ما جاء فى السعى بين الصفا والمروة # وقال ابن عمر : السعى من دار بنى عباد إلى زقاق بنى أبى حسين . / 107 - ~~فيه : ابن عمر ، كان ، عليه السلام ، إذا طاف الطواف الأول ، خب ثلاثا ومشى ~~أربعا ، وكان يسعى بطن المسيل إذا طاف بين الصفا والمروة ، فقلت لنافع : ~~أكان عبدالله يمشى إذا بلغ الركن اليمانى ؟ قال : لا ، إلا أن يزاحم على ~~الركن ، فإنه كان لا يدعه حتى يستلمه . / 108 - وسئل ابن عمر ، عن رجل طاف ~~بالبيت فى عمرته ، ولم يطف بين الصفا والمروة ، أيأتى امرأته ؟ فقال : قدم ~~النبى ، عليه السلام ، فطاف بالبيت سبعا ، وصلى خلف المقام ركعتين ، وطاف ~~بين الصفا والمروة سبعا : { لقد كان لكم فى رسول الله أسوة حسنة } وقال ~~جابر كذلك ، فقال : لا يقربنها حتى يطوف بين الصفا والمروة . وقال أيضا ابن ~~عمر : إن النبى - صلى الله عليه وسلم - سعى بين الصفا والمروة . / 109 - ~~وفيه : عاصم ، قال : قلت لأنس : أكنتم تكرهون السعى بين الصفا والمروة ؟ ~~قال : نعم ، لأنها كانت من شعائر الجاهلية حتى أنزل الله : { إن الصفا ~~والمروة من شعائر الله } الآية . / 110 - وفيه : ابن عباس ، إنما سعى ~~الرسول - صلى الله عليه وسلم - بالبيت وبين الصفا والمروة ؛ ليرى المشركين ~~قوته . PageV04P326 قال المؤلف : معنى هذا الباب كالذى قبله ، وفيه بيان ~~صفة السعى وأنه شىء معمول به غير مرخص فيه ؛ ألا ترى أن ابن عمر حين ذكره ~~قال : ( وقد ms1337 كان لكم فى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أسوة حسنة ) وذكر ~~ابن عباس فى حديث هذا الباب علة السعى فى الطواف بالبيت وبين الصفا والمروة ~~، وأن النبى عليه السلام فعله ليرى المشركين قوته ؛ لأنهم قالوا : إن حمى ~~يثرب أنهكتهم ، فكان عليه السلام يرمل فى طوافه بالبيت مقابل المسجد ومقابل ~~السوق موضع جلوسهم وأنديتهم ، فإذا توارى عنهم مشى ، ذكره أهل السير ، وقد ~~ذكرته فى باب : كيف كان بدء الرمل ، فالسنة التزام الخب فى الثلاثة أشواط ~~فى الطواف بالبيت ، تبركا بفعله عليه السلام وسنته ، وإن كانت العلة قد ~~ارتفعت فذلك من تعظيم شعائر الله . وقد ذكر البخارى فى ( كتاب الأنبياء ) ~~عن ابن عباس علة أخرى للسعى والهرولة بين الصفا والمروة ؛ فقال ابن عباس : ~~( انطلقت أم إسماعيل إلى الصفا فوجدته أقرب جبل فى الأرض إليها ، فقامت ~~عليه تنظر هل ترى أحدا ، فلم تر ، فهبطت من الصفا حتى إذا بلغت الوادى رفعت ~~طرف درعها ، فسعت سعى المجهود حتى جاوزت الوادى ، ثم أتت المروة فقامت ~~عليها ونظرت هل ترى أحدا ، فلم تره ، ففعلت ذلك سبع مرات ، قال ابن عباس : ~~قال النبى عليه السلام : ( فلذلك سعى الناس بينهما ) . فبين فى هذا الحديث ~~أن سبب كونها سبعة أطواف ، وسبب السعى فيها فعل أم إسماعيل عليهم السلام ~~ذلك . وذكر ابن أبى شيبة قال : حدثنا عبد العلى ، عن الجريرى ، عن أبى ~~الطفيل قال : قلت لابن عباس : ( ألا تحدثنى عن الطواف راكبا PageV04P327 ~~بين الصفا والمروة ، فإنهم يزعمون أنه سنة . فقال : صدقوا وكذبوا ، فقلت : ~~وما صدقوا وكذبوا ؟ ! قال : صدقوا ، إن الطواف بين الصفا والمروة سنة ، ~~وكذبوا فى أن الركوب فيه سنة ، أتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الصفا ~~والمروة فلما سمع به أهل مكة خرجوا ينظرون إليه ، حتى خرجت العواتق ، وكان ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا يدفع أحدا عنه ، فأكبوا عليه ، فلما ~~رأى ذلك دعا براحلته فركب ثم طاف على بعيره ليسمعوا كلامه ، ولا تناله ~~أيديهم ، ويروا مكانه ) . واختلفوا فى ذلك ، فكانت عائشة تكره السعى بينهما ~~راكبا ms1338 ، وكرهه عروة بين الزبير ، وهو قول أحمد وإسحاق ، وقال أبو ثور : لا ~~يجزئه وعليه أن يعيد . وقال الكوفيون : إن كان بمكة أعاد ولا دم عليه ، وإن ~~رجع إلى الكوفة فعليه دم . ورخصت فيه طائفة ، روى عن أنس بن مالك أنه طاف ~~على حمار ، وعن عطاء ومجاهد مثله . وقال الشافعى : يجزئه ولا إعادة عليه إن ~~فعل ، وحجة من أجاز ذلك فعل النبى عليه السلام وحجة من كرهه أنه ينبغى ~~امتثال فعل أم إسماعيل فى ذلك ، وأن ركوب النبى عليه السلام راحلته فيه كان ~~للعلة التى ذكرها ابن عباس فى الحديث . قال الطحاوى : وأما قول أنس : إنهم ~~كانوا يكرهون الطواف بهما لأنهما من شعائر الجاهلية حتى نزلت الآية ، فقد ~~كان ما سواهما من الوقوف بعرفة والمزدلفة والطواف بالبيت من شعائر الحج فى ~~الجاهلية أيضا ، فلما جاء الإسلام ذكر الله ذلك فى كتابه ، فصار من شعائر ~~الحج فى الإسلام . PageV04P328 فإن قال قائل : فإن الله قال بعقب قوله : { ~~فلا جناح عليه أن يطوف بهما } [ البقرة : 158 ] { ومن تطوع خيرا فإن الله ~~شاكر عليم } . فدل أن الطواف بهما فى الحج والعمرة تطوع ، قيل له : لو كان ~~كما وصفت لكان الطواف بينهما قربة ، وكان للناس أن يتطوعوا بالطواف بينهما ~~، وإن لم يكونوا حاجين ولا معتمرين ، وقد أجمع المسلمون على أن الطواف ~~بينهما فى غير الحج والعمرة ليس مما يتقرب به العباد إلى الله ولا يتطوعون ~~به ، وأن الطواف بينهما لا قربة فيه إلا فى حج أو عمرة ، فدل ذلك على أن ~~قوله : { ومن تطوع خيرا } لا يرجع إلى الطواف بين الصفا والمروة ، وإنما ~~يرجع إلى قوله تعالى : { فمن حج البيت أو اعتمر } [ البقرة : 158 ] ، أى من ~~تطوع بحج أو عمرة فإن الله شاكر عليم . * * * # | 72 - باب تقضى الحائض المناسك كلها إلا الطواف بالبيت وإذا سعى على غير ~~وضوء بين الصفا والمروة # / 111 - فيه : عائشة ، قالت : قدمت مكة ، وأنا حائض ، ولم أطف بالبيت ولا ~~بين الصفا والمروة ، قالت : فشكوت ذلك إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم ms1339 ~~- ، قال : ( افعلى كما يفعل الحاج غير أن لا تطوفى بالبيت حتى تطهر ) . / ~~112 - وفيه : جابر ، أهل الرسول - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه بالحج ، ~~وليس مع أحد منهم هدى غير النبى ، عليه السلام ، وطلحة ، وقدم على من اليمن ~~، ومعه هدى . . . الحديث ، وحاضت عائشة ، فنسكت المناسك كلها غير أنها لم ~~تطف بالبيت ، فلما طهرت طافت بالبيت . / 113 - وفيه : حفصة ، كنا نمنع ~~عواتقنا أن يخرجن ، فقدمت امرأة ، فنزلت قصر بنى خلف . . . الحديث ، وقالت ~~: سمعت النبى - صلى الله عليه وسلم - يقول : ( لتخرج PageV04P329 العواتق ~~وذوات الخدور ، فيشهدن الخير ودعوة المؤمنين ، وتعتزل الحائض المصلى ) ، ~~فقلت : أالحائض ؟ فقالت : أوليس تشهد عرفة وتشهد كذا وكذا . العلماء مجمعون ~~على أن الحائض تشهد المناسك كلها غير الطواف بالبيت لقوله عليه السلام ~~لعائشة : ( افعلى ما يفعل الحاج غير ألا تطوفى بالبيت حتى تطهرى ) . فكان ~~فى حكم الحائض كل من ليس على طهارة من جنب وغير متوضئ ؛ لأن ركوع الطواف ~~متصل به لا فصل بينه وبينه ، هذه سنته . قال المهلب : وإنما منعت الحائض ~~الطواف على غير طهارة ؛ تنزيها للمسجد من النجاسات لقوله عز وجل : { إنما ~~المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام } [ التوبة : 28 ] ولأمره عليه ~~السلام الحيض فى العيدين بالاعتزال للمصلى ، فوجب تنزيهه عن الحائض والجنب ~~، ومن عليه نجاسة ، وأما السعى بين الصفا والمروة فلا أعلم أحدا شرط فيه ~~الطهارة إلا الحسن البصرة فقال : إن ذكر أنه سعى على غير طهارة قبل أن يحل ~~فليعد ، وإن ذكر ذلك بعدما حل فلا شىء عليه . وذكر ابن وهب عن ابن عمر أنه ~~كان يكره السعى بينهما على غير طهارة . قال ابن المنذر : قوله عليه السلام ~~لعائشة : ( لفعلى ما يفعل الحاج غير ألا تطوفى بالبيت ) يبين أن ذلك جائز ؛ ~~لأنه أباح لها السعى بين الصفا والمروة بعرفة وجميع المناسك على غير طهارة ~~، غير الطواف بالبيت خاصة . PageV04P330 # | 73 - باب الإهلال من البطحاء وغيرها للمكى وللحاج إذا خرج إلى منى # وسئل عطاء ، عن المجاور يلبى بالحج ، قال : وكان ابن عمر يلبى يوم ~~التروية ، إذا صلى الظهر واستوى ms1340 على راحلته ، وقال جابر : قدمنا مع رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - فأحللنا حتى يوم التروية ، وجعلنا مكة بظهر ~~لبينا بالحج ، وقال أبو الزبير عن جابر : أهللنا من البطحاء . وقال عبيد بن ~~جريج لابن عمر : رأيتك إذا كنت بمكة أهل الناس إذا رأوا الهلال ، ولم تهل ~~أنت حتى يوم التروية ، فقال : لم أر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يهل ~~حتى تنبعث به راحلته . قال المهلب : من أنشأ الحج من مكة فله أن يهل من ~~بيته أو من المسجد الحرام أو من البطحاء ، وهى طرف مكة ، أو من حيث أحب مما ~~دون عرفة ، ذلك كله واسع ؛ لأن ميقات أهل مكة منها ، وليس عليه أن يخرج إلى ~~الحل ؛ لأنه خارج فى حجته إلى عرفة ، فيحصل له بذلك الجمع بين الحل والحرم ~~، وهو بخلاف منشئ العمرة من مكة ، وقد ذكرنا حكمه فى باب قبل هذا . ويستحب ~~للمكى وللمتمتع إذا أنشأ الحج من مكة أن يهلا من حيث أهل ابن عمر ويوم ~~التروية من البطحاء ، وكذلك قال جابر . قال غيره : وأما وجه احتجاج ابن عمر ~~بإهلال النبى عليه السلام بذى الحليفة ، وهو غير مكى على من أنشأ الحج من ~~مكة أنه يجب أن يهل يوم التروية ، وهى قصة أخرى ، فوجه ذلك أن النبى ~~PageV04P331 عليه السلام أهل من ميقاته فى حين ابتدائه فى عمل حجته ، واتصل ~~به عمله ، ولم يكن بينهما مكث ينقطع به العمل ، فكذلك المكى لا يهل إلا يوم ~~التروية الذى هو أول عمله للحج ، ليتصل له عمله تأسيا برسول الله فى ذلك - ~~صلى الله عليه وسلم - . وقد تابع ابن عمر على ذلك ابن عباس قال : لا يهل ~~أحد من أهل مكة بالحج حتى يريد الرواح إلى منى . وبه قال عطاء ، واحتج بأن ~~أصحاب النبى عليه السلام إذ دخلوا فى حجتهم مع النبى أهلوا عشية التروية ، ~~حين توجهوا إلى منى ، قال : وأخبرنى أبو الزبير عن جابر أن النبى عليه ~~السلام قال لهم فى حجته : ( إذا أردتم أن تنطلقوا إلى منى فأهلوا ، قال ms1341 : ~~فأهللنا من البطحاء ) . وأما قول عبيد بن جريح لابن عمر : إن أهل مكة يهلون ~~إذا رأوا الهلال ، فهو مذهب عمر بن الخطاب وابن الزبير ، روى مالك ، عن عبد ~~الرحمن بن القاسم عن أبيه أن عمر بن الخطاب قال : ( يا أهل مكة ، ما بال ~~الناس يأتون شعثا وأنتم مدهنون ، أهلوا إذا رأيتم الهلال ) فهو على وجه ~~الاستحباب ، لأن الإهلال إنما يجب على من يتصل عمله ، وليس من السنة أن ~~يقيم المحرم فى أهله ، وقد روى عن ابن عمر ما يوافق مذهب عمر . ذكر مالك فى ~~( الموطا ) : أن ابن عمر كان يهل لهلال ذى الحجة ، ويؤخر الطواف بالبيت ~~والسعى بين الصفا والمروة حتى يرجع من منى ، قال نافع : أهل ابن عمر مرة ~~بالحج حين رأى الهلال ، ومرة أخرى بعد الهلال من جوف الكعبة ، ومرة أخرى ~~حين راح إلى منى . قال PageV04P332 مجاهد : فقلت لابن عمر : أهللت فينا ~~إهلالا مختلفا ! قال : أما أول عام فأخذت بأخذ أهل بلدى ، يعنى : المدينة ، ~~ثم نظرت فإذا أنا أدخل على أهلى حراما ، وأخرج حراما ، وليس كذلك نصنع ، ~~إنما كنا نهل ثم نقبل على شأننا ، قلت : فبأى شىء نأخذ ؟ قال : تحرم يوم ~~التروية . * * * # | 74 - باب أين يصلى الظهر يوم التروية ؟ # / 114 - فيه : عبدالعزيز بن رفيع ، عن أنس بن مالك ، أخبرنى بشىء عقلته ~~عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أين صلى الظهر والعصر يوم التروية ؟ ~~قال : بمنى ، قلت : فأين صلى العصر يوم النفر ؟ قال : بالأبطح ، ثم قال : ~~افعل كما يفعل أمراؤك . وقال مرة : خرجت إلى منى يوم التروية ، فلقيت أنسا ~~ذاهبا على حمار ، فقلت : أين صلى النبى ، عليه السلام ، اليوم الظهر ؟ فقال ~~: انظر حيث يصلى أمراؤك فصل . قال المهلب : الناس فى سعة من هذا ، يخرجون ~~متى أحبوا ويصلون حيث أمكنهم ، ولذلك قال أنس : صل حيث تصل أمراؤك . ~~والمستحب من ذلك ما فعله رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، صلى الظهر ~~والعصر بمنى ، وهو قول مالك ، والثورى ، وأبى حنيفة ، والشافعى ، وأحمد ، ~~وإسحاق ، وأبى ثور ، وعادة أهل مكة أن يخرجوا إلى ms1342 منى بعد صلاة العشاء ، ~~وكانت عائشة تخرج ثلث الليل . وهذا يدل على التوسعة ، وكذلك المبيت عن منى ~~ليلة عرفة ليس فيه حرج إذا وافى عرفة الوقت الذى يجب ، ولا فيه جبر ، كما ~~يجبر ترك المبيت بها بعد الوقوف أيام رمى الجمار ، وبه قال مالك وأبو حنيفة ~~والشافعى وأبو ثور . PageV04P333 والمستحب فى ذلك أن يصلى الظهر والعصر ~~بمنى ، ثم يصلى المغرب والعشاء والصبح بها ، ثم يدفع بعد طلوع الشمس إلى ~~عرفة فيصلى فيها الظهر والعصر ، ثم يطلع إلى جبال الرحمة يدعو إلى أن تغرب ~~الشمس ، فإذا غربت دفع مع الإمام فيصلى المغرب والعشاء بالمزدلفة يجمع ~~بينهما ، ثم يبيت بالمزدلفة ، فإن أخذ مننها حصى الجمار فحسن ، ثم يصلى ~~الصبح بها ، ثم يدفع من المزدلفة قبل طلوع الشمس إلى منى لرمى جمرة العقبة ~~يرميها يوم النحر إلى وقت الزوال ، ثم يحل له وكل شىء إلا النساء والطيب ، ~~والصيد عند مالك ، وعند غيره إلا النساء ، فإن أراد استعجال تمام الحل كله ~~نهض إلى مكة فطاف طواف الإفاضة ، وحل حلا كاملا ، ثم يرجع يوم النحر إلى ~~منى فيبيت بها ويرمى الجمار فى الثلاثة الأيام من منى بعد الزوال ، إلا أن ~~يتعجل فى يومين وقد تم حجه . وحد منى من محسر إلى العقبة ، وكان منزل ~~الرسول عليه السلام من منى بالخيف . # | 75 - باب الصلاة بمنى # / 115 - فيه : ابن عمر ، صلى النبى ، عليه السلام ، بمنى ركعتين ، وأبو ~~بكر وعمر وعثمان صدرا من خلافته . / 116 - وقال حارثة بن وهب : صلى بنا ~~النبى ، عليه السلام ، ونحن أكثر ما كنا قط وآمنه بمنى ركعتين . / 117 - ~~وقال عبد الله : صليت مع الرسول - صلى الله عليه وسلم - ركعتين ، وأبى بكر ~~مثله ، PageV04P334 وعمر مثله ، ثم تفرقت بكم الطرق ، فيا ليت حظى من أربع ~~ركعتان متقبلتان . قد تقدم هذا الباب فى كتاب الصلاة فى أبواب قصر المسافر ~~الصلاة وقد تقدم فيه اختلاف العلماء فيمن يلزمه قصر الصلاة بمنى ، وما نزع ~~فيه كل فريق منهم ، ونذكر منه هنا طرفا . ذهب مالك والأوزاعى وإسحاق إلى أن ms1343 ~~أهل مكة ومن أقام بها من غيرها يقصرون الصلاة بمنى وعرفة ، وأن القصر سنة ~~الموضع ، وإنما يتم بمنى وعرفة من كان مقيما فيها ، وذهب الثورى ، وأبو ~~حنيفة ، والشافعى ، وأحمد ، وأبو ثور ، إلى أنهم يتمون الصلاة بها وقالوا : ~~إن من لم يكن سفره سفرا تقصر فيه الصلاة فحكمه حكم المقيم ، وكذلك قد تقدم ~~هناك معنى إتمام عثمان وعائشة الصلاة فى السفر وما للعلماء فى ذلك من ~~الوجوه . * * * # | 76 - باب صوم يوم عرفة # / 118 - فيه : أم الفضل ، شك الناس يوم عرفة فى صوم النبى ، عليه السلام ~~، فبعثت إلى النبى - صلى الله عليه وسلم - بشراب فشربه . قد تقدم هذا الباب ~~فى ( كتاب الصيام ) ، وذكرت فيه قول استحب صوم يوم عرفة بعرفة وغيرها ، ومن ~~كرهه ، وذكرت الأثر الوارد عن النبى عليه السلام فى فضل صيامه ، وأن ذلك ~~كفارة سنتين ، وما للعلماء فى صومه من المذاهب ، فأغنى عن إعادته فتأمله ~~هناك . PageV04P335 قال المهلب : وفيه قبول الهدية من المطعم والمشرب ، ~~وفيه الشرب فى المحافل للعالم والسلطان . * * * # | 77 - باب التلبية والتكبير إذا غدا من منى إلى عرفات # / 119 - فيه : محمد بن أبى بكر الثقفى ، أنه سأل أنس بن مالك ، وهما ~~غاديان من منى إلى عرفة ، كيف كنتم تصنعون فى هذا اليوم مع رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - ؟ فقال : كان يهل منا المهل ، فلا ينكر عليه ، ويكبر منا ~~المكبر ، فلا ينكر عليه . قال أبو عبد الله بن صفرة : فى هذا الحديث ابتداء ~~قطع التلبية من الغدو من منى ، وآخرها رمى جمرة العقبة فى حديث الفضل ~~وأسامة وابن مسعود عن النبى عليه السلام والذى مضى عليه جمهور العلماء من ~~أصحاب النبى - صلى الله عليه وسلم - وأهل المدينة اختيار قطعها عند الرواح ~~إلى عرفة ؛ لأنهم فهموا أن تعجيل قطعها وتأخيره على الإباحة ، يدل على ذلك ~~ترك إنكار بعضهم على بعض ، وهم فهموا السنن وتلقوها ، فوجب الاقتداء بهم فى ~~اختيارهم ؛ لأنا أمرنا باتباعهم . قال الطحاوى : لا حجة لكم فى هذا الحديث ~~؛ لأن فيه أن بعضهم كان يهل ، وبعضهم كان يكبر ms1344 ، ولا يمنع أن يكونوا فعلوا ~~ذلك ولهم أن يلبوا لأن للحاج فيما قبل يوم عرفة أن يكبر ، وله أن يهل ، وله ~~أن يلبى ، فلم يكن تكبيره وإهلاله يمنعانه من التلبية . وقال المهلب : وجه ~~قطع التلبية عند الرواح إلى الموقف من عرفة ؛ PageV04P336 لأنه آخر السفر ، ~~وإليه منتهى الحاج ، وما بعد ذلك فهو رجوع فالتكبير فيه أولى لقوله تعالى : ~~{ فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام } [ البقرة : 198 ] ~~، وقال : { ولتكبروا الله على ما هداكم } [ البقرة : 185 ] فدل هذا على أن ~~التكبير والدعاء لله عند المشعر الحرام وأيام منى أولى من التلبية ؛ لأن ~~معنى التلبية الإجابة ، وإذا بلغ موضع النداء قطع التلبية ، وأخذ فى الدعاء ~~، وسأل الله حاجاته ، وسأذكر اختلافهم فى قطع التلبية فى حديث الفضل وأسامة ~~بعد هذا إن شاء الله . * * * # | 78 - باب التهجير بالرواح يوم عرفة # / 120 - فيه : سالم ، قال : كتب عبدالملك إلى الحجاج أن لا يخالف ابن عمر ~~فى الحج ، فجاء ابن عمر وأنا معه يوم عرفة حين زالت الشمس ، فصاح عند سرادق ~~الحجاج ، فخرج وعليه ملحفة معصفرة ، فقال : ما لك يا أبا عبدالرحمن ؟ فقال ~~: الرواح إن كنت تريد السنة ، قال : هذه الساعة ؟ قال : نعم ، قال : ~~فأنظرنى حتى أفيض على رأسى ، ثم أخرج ، فنزل حتى خرج الحجاج ، فسار بينى ~~وبين أبى ، فقلت : إن كنت تريد السنة فاقصر الخطبة وعجل الوقوف ، فجعل ينظر ~~إلى عبدالله ، فلما رأى ذلك عبدالله ، قال : صدق . هذا الحديث يخرج فى ~~المسندات لقول عبد الله للحجاج : إن كنت تريد السنة ؛ لأن السنة سنة رسول ~~الله . وقال معمر : إن الزهرى سمع هذا الحديث من ابن عمر ؛ لأنه شهد تلك ~~الحجة وحضر القصة ، وسمع منه حديثا آخر ، وفيه أن تعجيل الرواح للإمام ~~للجمع بين الظهر والعصر فى مسجد عرفة فى أول وقت الظهر سنة ، وقد ~~PageV04P337 روى عن مالك فى هذا الحديث : ( وعجل الصلاة ) مكان : ( وعجل ~~الوقوف ) ابن القاسم ، وابن وهب ، ومطرف ، ويحيى بن يحيى ، وهو صحيح المعنى ~~؛ لأن تعجيل الرواح إنما يراد لتعجيل الصلاتين والجمع بينهما ، فدل ms1345 أن ~~تعجيل الصلاة بعرفة سنة . وروى القعنبى وأشهب عن مالك : ( وعجل الوقوف ) ، ~~كما رواه البخارى وهو صحيح المعنى أيضا ؛ لأن تعجيل الوقوف بعرفة بعد ~~الصلاة سنة أيضا ، وفيه : الغسل للوقوف بعرفة ، لقول الحجاج لعبد الله : ~~أنظرنى حتى أفيض على ماء . وأهل العلم يستحبونه . قال الطحاوى : وفيه خروج ~~الحجاج وهو محرم وعليه ملحفة معصفرة ، ولم ينكر ذلك عليه ابن عمر ، ففيه ~~حجة لمن أجاز المعصفر للمحرم ، وقد تقدم ذكر ذلك فى بابه . وقال المهلب : ~~فى حديث ابن عمر من الفقه جواز تأمير الأدون على الأفضل والأعلم ، وفيه أن ~~إقامة الحج إلى الحلفاء ومن جعلوا ذلك إليه ، وفيه أن الأمير يجب أن يعمل ~~فى الدين بقول أهل العلم ويصير إلى رأيهم ، وفيه مداخلة العلماء السلاطين ~~وأنه لا نقيصة على العلماء فى ذلك ، وفيه : فتوى التلميذ بحضرة معلمه عند ~~السلطان وغيره ، وفيه ابتداء العالم بالفتيا قبل أن يسأل عنها ، وفيه الفهم ~~بالإشارة والنظر ، وفيه أن اتباع الرسول - صلى الله عليه وسلم - هى السنة ~~وإن كان فى المسألة أوجه جائزة غيرها . PageV04P338 # | 79 - باب الوقوف على الدابة بعرفة # / 121 - فيه : أم الفضل ، أن ناسا اختلفوا عندها يوم عرفة فى صوم الرسول ~~- صلى الله عليه وسلم - ، فأرسلت إليه بقدح لبن ، وهو واقف على بعيره ، ~~فشربه . الوقوف على الدابة بعرفة أفضل من الوقوف راجلا ؛ لأن النبى عليه ~~السلام لا يفعل إلا الأفضل ، مع أن فى ذلك قوة على الدعاء والتضرع وتعظيما ~~لشعائر الله ، وهو الذى اختار مالك والشافعى وجماعة ، وقد تقدم ، وفيه أن ~~الوقوف على ظهر الدواب مباح إذا كان بالمعروف ولم يجحف بالدابة ، وأن النهى ~~الذى ورد ألا تتخذ ظهورها مجالس ، فإن معناه فى الأغلب والأكثر بدليل هذا ~~الحديث . # | 80 - باب الجمع بين الصلاتين بعرفة # وكان ابن عمر إذا فاتته الصلاة مع الإمام جمع بينهما . / 122 - فيه : ~~سالم ، أن الحجاج بن يوسف حين نزل بابن الزبير ، سأل عبدالله كيف تصنع فى ~~الموقف يوم عرفة ؟ فقال سالم : إن كنت تريد السنة ، فهجر بالصلاة يوم عرفة ~~، فقال عبدالله ms1346 ابن عمر : صدق ، إنهم كانوا يجمعون بين الظهر والعصر فى ~~السنة . قال المهلب : إنما كان جمع الصلاتين فى أول الوقت لاشتراك الوقتين ~~من أول الزوال إلى غروب الشمس فى أصل السنة ، وبمفهوم كتاب الله ليجعلوا ~~الوقوف وينفردوا فيه الدعاء ؛ لأنه موقف يقصد إليه من أطراف الأرض ، فكأنهم ~~أرادوا الاستكثار من الدعاء فى بقية النهار ؛ لأنهم يدفعون من عرفة إلى ~~المزدلفة عند سقوط الشمس . PageV04P339 واختلفوا فى الوقت الذى يؤذن فيه ~~المؤذن بعرفة للظهر والعصر ، واختلف قول مالك فى ذلك ، فحكى ابن نافع عنه ~~أنه قال : الأذان بعرفة بعد جلوس الإمام للخطبة ، وحكى آخر عنه أنه يؤذن ~~بعدما يخطب الإمام صدرا من خطبته ، حتى يفرغ من خطبته مع فراغ المؤذن ويقيم ~~، ونحوه قال الشافعى ، قال : يأتى الإمام المسجد إذا زالت الشمس فيجلس على ~~المنبر فيخطب الخطبة الأولى ، فإذا خطب أخذ المؤذون فى الأذان ، وأخذ هو فى ~~الكلام وخفف الكلام الآخر حتى ينزل بقدر فراغ المؤذن من الأذان ويقيم . ~~واختلفوا فى الأذان والإقامة لهما ، فقال مالك : يصليهما بأذانين وإقامتين ~~. وقال أبو حنيفة والشافعى : يصليهما بأذان واحد وإقامتين ، وهو قول أبى ~~ثور ، وقال أحمد وإسحاق : يجمع بينهما بإقامة إقامة أو بأذان وإقامتين إن ~~شاء . قال الطبرى : وجائز العمل فى ذلك بكل ما جاءت به الآثار . واختلفوا ~~فيمن فاتته الصلاة بعرفة مع الإمام ، فكان ابن عمر يجمع بينهما ، وهو قول ~~عطاء ومالك وأحمد وإسحاق وأبى ثور ، وحكاه أبو ثور عن يعقوب ومحمد والشافعى ~~، وقال النخعى وأبو حنيفة والثورى : إذا فاتته مع الإمام صلى كل صلاة ~~لوقتها ، ولا يجوز له الجمع إلا مع الإمام ؛ لأن النبى عليه السلام بين ~~أوقات الصلوات ، فلا يجوز الخروج عن وقتها إلا بدلالة ، وقد قامت الدلالة ~~على أنه جمع بين الظهر والعصر بعرفة ، فلا يجوز الجمع إلا بإمام كما فعل ~~النبى عليه السلام . PageV04P340 قال المؤلف : ووجه الدلالة على الكوفيين ~~من حديث ابن عمكر قول سالم للحجاج : إن كنت تريد السنة فهجر بالصلاة يوم ~~عرفة . وهذا خطاب يتوجه إلى كل أحد مأموما ms1347 كان أو منفردا أن سنة الصلاة ذلك ~~الوقت ، وكذلك قول ابن عمر : ( كانوا يجمعون بينهما فى السنة ) لفظ عام ~~يدخل فيه كل مصل ، فمن زعم أنه لبعض المصلين فعليه الدليل . وقال الطحاوى : ~~قد روى عن ابن عمر وعائشة مثل قول أبى يوسف ومحمد من غير خلاف من الصحابة . ~~وقال ابن القصار : وقول الكوفيين ليس بشىء لقول الرسول - صلى الله عليه ~~وسلم - : ( صلوا كما رأيتمونى أصلى ) . وهذا خطاب لكل أحد فى نفسه أن يصلى ~~الصلاتين فى وقت أحدهما بعرفة كما فعل النبى عليه السلام لأن الخطاب إنما ~~يتوجه إلى هيئة الصلاة ووقتها لا إلى الإمامة . واتفق مالك وأبو حنيفة ~~والشافعى على أنه إذا وافق يوم عرفة يوم الجمعة لم يصل بهم الإمام الجمعة ، ~~وكذلك قال الطحاوى ، قال أبو حنيفة والشافعى : لا يجمع ، وإنما يصلى بعرفة ~~الظهر ركعتين لا يجهر فيهما بالقراءة ، هذا إذا كان الإمام من غير أهل عرفة ~~. وقال أبو يوسف : يصلى الجمعة بعرفة . وسأل أبو يوسف مالكا عن هذه المسألة ~~بحضرة الرشيد فقال مالك : سقاياتنا بالمدينة يعلمون ألا جمعة بعرفة ، وعلى ~~هذا أهل الحرمين : مكة والمدينة ، وهم أعلم بذلك من غيرهم . وقد جمع الرسول ~~- صلى الله عليه وسلم - بين الصلاتين بعرفة وصادف ذلك يوم جمعة ، ولم ينقل ~~أنه جهر بالقراءة ، فدل أنه صلى الظهر بغير جهر ، ولو جهر لنقل ، وأيضا فإن ~~من شرط الجمعة الاستيطان ، وليست عرفة بموطن PageV04P341 لأهل مكة ، فلم ~~يجز لهم أن يصلوا الجمعة ، وروى ابن وهب عن مالك أنه إذا وافق يوم جمعة يوم ~~التروية ، أو يوم عرفة ، أو يوم النحر ، أو أيام التشريق قال : لا جمعة ~~عليهم ، من كان من أهل مكة أو من أهل الآفاق ، قال : ولا صلاة عيد يوم ~~النحر بمنى . * * * # | 81 - باب قصر الخطبة بعرفة # ذكر فيه حديث ابن عمر ، وقد تقدم فى باب التهجير بالرواح يوم عرفة قصر ~~الخطبة بعرفة أو بغيرها سنة ، وقد أخرج مسلم فى كتابه عن أبى وائل ، عن ~~عمار ، أن النبى عليه السلام قال : ( طول صلاة الرجل ms1348 وقصر خطبته مئنة من ~~فقهه ) . وقد أجمعوا أن الإمام لو صلى بغير خطبة بعرفة أن صلاته جائزة ، ~~وقال أبو زيد : مئنة ، كقولك : مخلقة ومجدرة ومحراة ولذلك قال أبو عبيد : ~~يعنى أن هذا مما يعرف به فقه الرجل ، ويستدل به عليه ، وكذلك كل شىء دلك ~~على شىء فهو مئنة . * * * # | 82 - باب الوقوف بعرفة # / 123 - فيه : جبير بن مطعم ، عن أبيه ، كنت أطلب بعيرا لى ، يوم عرفة ~~كنت أضللته ، فرأيت النبى - صلى الله عليه وسلم - واقفا بعرفة ، فقلت : هذا ~~والله من الحمس ، فما شأنه هاهنا . PageV04P342 / 124 - وقال عروة : كان ~~الناس يطوفون فى الجاهلية عراة إلا الحمس ، والحمس قريش وما ولدت ، وكانت ~~الحمس يحتسبون على الناس ، يعطى الرجل الرجل الثياب يطوف فيها ، وتعطى ~~المرأة المرأة الثياب تطوف فيها ، فمن لم يعطه الحمس ، طاف بالبيت عريانا ، ~~وكان يفيض جماعة الناس من عرفات ، ويفيض الحمس من جمع ، قال : وأخبرنى أبى ~~عن عائشة أن هذه الآية نزلت فى الحمس : { ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس } [ ~~البقرة : 199 ] ، قال : كانوا يفيضون من جمع ، فدفعوا إلى عرفات . قال ~~المهلب : إنما كان وقوف قريش وهم الحمس عند المشعر الحرام من أجل أنها كانت ~~عزتهافى الجاهلية بالحرم ، وسكناها فيه ، وتقول : نحن جيران الله ، فكانوا ~~لا يرون الخروج عنه إلى الحل عند وقوفهم فى الحج ، ويقولون : لا نفارق عزنا ~~، وما حرم الله به أموالنا ودماءنا ، وكانت طوائف العرب تقف فى موقف ~~إبراهيم عليه السلام من عرفة ، وكان وقوف النبى عليه السلام مع طوائف العرب ~~بعرفة ليدعوهم إلى الإسلام ، وما افترض الله عليه من تبليغ الدعوة ، وإفشاء ~~الرسالة ، وأمر الناس كلهم بالإفاضة من حيث أفاض الناس من عرفة . وقال ~~إسماعيل بن إسحاق : قال الضحاك : الناس فى هذه الآية هو إبراهيم عليه ~~السلام . وقال الطحاوى : قال تعالى : { فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله ~~عند المشعر الحرام } [ البقرة : 198 ] الآية . فكان ظاهر الآية على أن ~~الإفاضة الأولى من عرفة ، وعلى أن الإفاضة الثانية PageV04P343 من المشعر ~~الحرام ؛ لأنه قال تعالى : { فاذكروا الله عند المشعر الحرام ms1349 } إلى { ثم ~~أفيضوا من حيث أفاض الناس } غير أنا وجدنا أهل العلم تأولوا ذلك على إفاضة ~~واحدة ، وكانت هذه الآية عندهم من المحكم المتفق على المراد به ، وجعلوا ~~قوله : { ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس } فى معنى وأفيضوا ، وقالوا : قد ~~تجعل ثم فى موضع الواو ، كما قال الله تعالى : { وإما نرينك بعض الذى نعدهم ~~أو نتوفينك فإلينا مرجعهم ثم الله شهيد على ما يفعلون } [ يونس : 46 ] فكان ~~قوله : { ثم الله شهيد على ما يفعلون } فى معنى : والله شهيد ، وفى قوله : ~~{ فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام } الآية ، دليل على ~~أنه قد أمرهم بوقوف عرفة قبل إفاضتهم منها . غير أنا لم نجده تعالى ذكر لنا ~~ابتداء ذلك الوقوف أى وقت هو فى كتابه ، وبينه لنا فعل رسوله فى حديث جابر ~~وحديث ابن عمر ، حين قال للحجاج يوم عرفة حين زالت الشمس : ( الرواح إن كنت ~~تريد السنة ) . فدل أن دفع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى عرفة كان ~~بعد زوال الشمس يوم عرفة . قال المؤلف : ولم يختلفوا أن النبى عليه السلام ~~صلى الظهر والعصر جميعا بعرفة ، ثم ارتفع فوقف بجبالها داعيا الله إلى غروب ~~الشمس ، فما غربت دفع منها إلى المزدلفة . واختلفوا إذا دفع من عرفة قبل ~~غروب الشمس ولم يقف فيها ليلا ، فذهب مالك إلى أن الاعتماد فى الوقوف بعرفة ~~على الليل من ليلة النحر ، والنهار من يوم عرفة تبع ، فإن وقف جزءا من ~~النهار PageV04P344 وحده ودفع قبل غروب الشمس لم تجزئه ، وإن وقف جزءا من ~~الليل ، أى جزء كان ، قبل طلوع الفجر من يوم النحر أجزأه ، وأخذ فى ذلك بما ~~رواه عن نافع ، عن ابن عمر أنه قال : من لم يقف بعرفة ليلة المزدلفة قبل أن ~~يطلع الفجر فقد فاته الحج ، وعن عروة بن الزبير مثله . وقال أبو حنيفة ~~والثورى والشافعى : الاعتماد على النهار من يوم عرفة من وقت الزوال ، ~~والليل كله تبع ، فإن وقف جزءا من النهار أجزأه ، وإن وقف جزءا من الليل ~~أجزأه إلا ms1350 أنهم يقولون : إن وقف جزءا من النهار بعد الزوال دون الليل كان ~~عليه دم ، وإن وقف جزءا من الليل دون النهار لم يجب عليه دم ، وأخذوا بحديث ~~عروة ابن مضرس ، إلا فى إيجاب الدم لمن وقف نهارا دون الليل ، وتفريقهم فى ~~وقوف النهار بين بعد الزوال وقبله ، فإنه ليس فى حديث عروة بن مضرس ، وذهب ~~أحمد بن حنبل إلى أن وقت الوقوف من حين طلوع الفجر من يوم عرفة إلى طلوع ~~الفجر من ليلة النحر ، فسوى بين أجزاء النهار وأجزاء الليل ، فأخذ فى ذلك ~~بنص حديث عروة بن مضرس قال : أتيت النبى عليه السلام وهو بمزدلفة فقلت : يا ~~رسول الله ، إنى أكللت ناقتى وأتعبت نفسى ، وما من جبل إلا وقفت عليه ، فهل ~~لى من حج ؟ فقال عليه السلام : ( من صلى معنا هذه الصلاة ، يعنى : بجمع ، ~~وكان قد وقف بعرفة ليلا أو نهارا فقد تم حجه ) . فلم يفرق بين النهار ~~والنهار ، رواه شعبة عن عبد الله بن أبى السفر ، عن الشعبى سمعته يقول : ~~حدثنى عروة بن مضرس ، عن النبى عليه السلام . PageV04P345 وقال ابن القصار ~~: أما قوله فى حديث عروة : ( وكان قد وقف بعرفة ليلا أو نهارا ) فنحن نعلم ~~أنه عليه السلام وقف وقفة واحدة بعرفة جمع فيها بين الليل والنهار ، فصار ~~معناه : من ليل ونهار ، واستفدنا من فعله عليه السلام أن المقصود آخر ~~النهار ، وهو الوقت الذى وقفه ، وعقلنا بذلك أن المراد جزء من النهار مع ~~جزء من الليل ؛ لأنه لم يقتصر عليه السلام على جزء من النهار دون الليل ، ~~ولو تحرر هذا من فعله عليه السلام لجاز أن تكون ( أو ) بمعنى : ( الواو ) ، ~~كقوله تعالى : { ولا تطع منهم آثما أو كفورا } [ الإنسان : 24 ] معناه : ~~وكفورا ، فإن قيل : وأنتم لا توجبون الجمع بين النهار والليل فى الوقوف ، ~~قيل : لما قال : ( فقد تم حجه ) علمنا أن التمام يقتضى الكمال والفضل ، ~~فيجمع فيه بين السنة والفرض ، والسنة الوقوف بالنهار ، والفرض هو الليل ؛ ~~لأنه هو انتهاء الوقوف ، فهو الوقت المقصود ، وهو أخص به من النهار ms1351 ؛ لأنه ~~لو انفرد وقوفه فى هذا الجزء لأجزأه بإجماع ، ولووقف هذا القدر من النهار ~~لكان فيه خلاف ووجب عليه الدم ، فكيف يكون النهار أخص به من الليل . والحمس ~~: قريش وما ولدت من العرب ، والتحمس : التشدد ، وذلك أن قريشا أحدثت هذا ~~الدين فقالت : لا نطوف بالبيت عراة ، ولا تسلى نساؤنا سمنا ، ولا تغزل وبرا ~~، ولا تخرج إلى عرفات ، ولا نزايل حرمنا ، ولا نعظم غيره ، ولا نطوف بين ~~الصفا والمروة ، وكانوا يقفون بالمزدلفة ، ومن سواهم من العرب يقال لهم : ~~PageV04P346 الحلة ، كانوا إذا حجوا طافوا بالبيت عراة ، ورموا ثيابهم التى ~~قدموا فيها وقالوا : نكرم البيت أن نطوف به فى ثيابنا التى جرحنا فيها ~~الآثام ، فما طرحوا من ثوب لم يمسه أحد ، وسمى : النسئ واللقى والحريم ، ~~ذكره ابن الكلبى . * * * # | 83 - باب السير إذا دفع من عرفة # / 125 - فيه : [ عروة ] أنه سئل [ أسامة بن زيد ] كيف كان رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - يسير فى حجة الوداع حين دفع ؟ قال : كان يسير العنق ، ~~فإذا وجد فجوة نص ، قال هشام : والنص فوق العنق . قال المؤلف : تعجيل الدفع ~~من عرفة والله أعلم إنما هو لضيق الوقت ؛ لأنهم إنما يدفعون من عرفة إلى ~~المزدلفة عند سقوط الشمس ، وبين عرفة والمزدلفة نحو ثلاثة أميال ، وعليهم ~~أن يجمعوا المغرب والعشاء بالمزدلفة ، وتلك سنتها ، فتعجلوا فى السير ~~لاستعجال الصلاة . قال الطبرى : وبهذا قال العلماء فى صفة سيره عليه السلام ~~من عرفة إلى المزدلفة ، ومن المزدلفة إلى منى أنه كان يسير العنق ، وبذلك ~~عمل السلف ، قال الأسود : شهدت مع عمر الإفاضتين PageV04P347 جميعا لا يزيد ~~على العنق ، لم يوضع فى واحدة منهما ، وكان ابن عمر سيره : العنق ، وعن ابن ~~عباس مثله . وقال آخرون : الإفاضة من عرفات وجمع الإيضاع دون العنق ، وروى ~~شعبة عن إسماعيل بن رجاء قال : سمعت معرورا قال : رأيت عمر بن الخطاب رجلا ~~أصلع على بعير يقول : أيها الناس ، أوضعوا فإنا وجدنا الإفاضة الإيضاع ، ~~وروى ابن عيينة عن ابن المنكدر ، عن سعيد بن عبد الرحمن بن يربوع ، عن جبير ~~بن الحويرث ms1352 ، أن أبا بكر الصديق وقف على قزح وقال : أيها الناس ، أصبحوا ~~أصبحوا ، ثم دفع فكأنى أنظر إلى فخذه قد انكشف مما يخرش بعيره بمحجنه . قال ~~الطبرى : والصواب فى صفة السير فى الإفاضتين جميعا ما صحت به الآثار أنه ~~عليه السلام كان يسير العنق إلا فى وادى محسر ، فإنه يوضع فيه لصحة الخبر ~~عن النبى عليه السلام بذلك ، ولو أوضع أحد فى الموضع الذى ينبغى أن يعنق ~~فيه ، أو أعنق فى الموضع الذى ينبغى أن يوضع فيه لم يلزمه شئ ؛ لإجماع ~~الجميع على ذلك ، غير أنه يكون مخطئا سبيل الصواب وأدب رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - . والعنق : سير فوق المشى ، والنص : أرفع السير ، ومن ذلك ~~قيل لمنصة العروس : منصة ؛ لارتفاعها ، فإذا ارتفع عن ذلك فصار إلى العدو ~~فهو الخبب ، فإذا ارتفع عن ذلك فهو الوضع والإيضاع ، والفجوة : الفرجة ~~والسعة ، ومنه قوله : { وهم فى فجوة منه } [ الكهف : 17 ] ويخرش بعيره يعنى ~~: يخرشه بالمحجن ، ومنه تخارش السنانير والكلاب . PageV04P348 # | 84 - باب النزول بين عرفة وجمع # / 126 - فيه : أسامة ، أن النبى ، عليه السلام ، حيث أفاض من عرفة ، مال ~~إلى الشعب ، فقضى حاجته فتوضأ ، فقلت : يا رسول الله أتصلى ؟ فقال : ( ~~الصلاة أمامك ؟ ) . / 127 - وفيه : نافع ، وكان ابن عمر يجمع بين المغرب ~~والعشاء بجمع ، غير أنه يمر بالشعب الذى أخذه رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - ، فيدخل ، فينتفض ويتوضأ ، ولا يصلى حتى يصلى بجمع . نزوله - صلى ~~الله عليه وسلم - بالشعب إنما كان نزول حاجة للبول ، وليس ذلك من سنن الحج ~~، وهو مباح لمن أراد امتثال أفعاله عليه السلام مثل ابن عمر ، فإنه كان يقف ~~فى المواضع التى وقف فيها النبى عليه السلام ويدير ناقته حيث أدار فيها ~~ناقته ، ويقتفى آثاره وحركاته ، وليس ذلك بلازم إلا فيما تعلق منها ~~بالشريعة . * * * # | 85 - باب أمر النبى ، عليه السلام ، بالسكينة عند الإفاضة وإشارته ~~إليهم بالسوط # / 128 - فيه : ابن عباس ، دفع مع النبى - صلى الله عليه وسلم - يوم عرفة ~~، فسمع النبى ، عليه السلام ، وراءه زجرا شديدا ، وضربا للإبل ، فأشار ~~بسوطه إليهم ms1353 ، وقال ، عليه السلام : ( أيها الناس ، عليكم بالسكينة ، فإن ~~البر ليس بالإيضاع ) . قال المهلب : إنما نهاهم عن الإيضاع والجرى إبقاء ~~عليهم ، ولئلا يجحفوا بأنفسهم بالتسابق من أجل بعد المسافة ، لأنها كانت ~~PageV04P349 تبهرهم فيفشلوا وتذهب ريحهم ، فقد نهى عن البلوغ إلى مثل هذه ~~الحال . قال ابن المنذر : فكان فى معنى قوله : ( عليكم بالسكينة ) إلا فى ~~بطن وادى محسر ، فقد كان ابن مسعود ، وابن عباس ، وابن عمر ، وابن الزبير ~~يوضعون فى وادى محسر ، وتبعهم على ذلك كثير من العلماء ، وقال النخعى : لما ~~رأى عمر سرعة الناس فى الإفاضة من عرفة وجمع قال : ( واللله إنى لأعلم أن ~~البر ليس برفعها أذرعها ، ولكن البر شىء تصبر عليه القلوب ) . وقال عكرمة : ~~سأل رجل ابن عباس عن الإيجاف ، فقال : إن حل حل يشعل عن ذكر الله ، ويوطئ ~~ويؤذى . قال ابن المنذر : وحديث أسامة يدل أن أمره بالسكينة إنما كان فى ~~الوقت الذى لم يجد فجوة ، وأنه حين وجد فجوة سار يسيرا فوق ذلك ، وإنما ~~أراد بالسكينة فى وقت الزحام . وقالعمر بن عبد العزيز فى خطبته يوم عرفة : ~~إنكم شخصتم من القريب والبعيد ، وتكلفتم من المؤنة ما شاء الله ، وليس ~~السابق من سبق بعيره وفرسه ، ولكن السابق من غفر له . * * * # | 86 - باب الجمع بين الصلاتين بالمزدلفة # / 129 - فيه : أسامة ، قال : دفع النبى - صلى الله عليه وسلم - من عرفة ، ~~فنزل الشعب فبال ، ثم توضأ ولم يسبغ الوضوء ، فقلت له : الصلاة ، قال : ( ~~الصلاة PageV04P350 أمامك ) ؟ فجاء المزدلفة ، فتوضأ فأسبغ ، ثم أقيمت ~~الصلاة فصلى المغرب ، ثم أناخ كل إنسان بعيره فى منزله ، ثم أقيمت الصلاة ~~فصلى ، ولم يصل بينهما . قال الطحاوى : معنى قوله : ( الصلاة أمامك ) أى : ~~المصلى الذى تصلى فيه المغرب والعشاء أمامك . وقال الطبرى : فيه البيان أن ~~السنة فى إمام الحاج ألا يصلى ليلة يوم النحر المغرب والعشاء إلا بالمزدلفة ~~. قال ابن المنذر : وأجمع العلماء على ذلك ، ثم اختلفوا فيمن صلاهما قبل أن ~~يأتى المزدلفة ، فروى عن جابر بن عبد الله أنه قال : لا صلاة إلا بجمع ، ~~وإليه ذهب أبو حنيفة ms1354 ومحمد والثورى وقالوا : إن صلاهما قبل المزدلفة فعليه ~~عليه السلام : ( الصلاة أمامك ) فمن صلاهما دون المزدلفة فقد صلاهما فى غير ~~وقتهما ، ومن صلى صلاة فى غير وقتها فعليه إعادتها بعد دخول وقتها . وقال ~~مالك : لا يصليهما أحد قبل جمع إلا من عذر به أو بدابته ، فإن صلاهما بعذر ~~لم يجمع بينهما حتى يغيب الشفق . وفيها قول ثالث : إن صلاهما قبل جمع أجزأه ~~، إمام الحاج كان أو غيره ، وروى ذلك عن عمر بن الخطاب ، وابن عباس ، وابن ~~الزبير ، وعن عطاء ، وعروة ، والقاسم ، وبه قال الأوزاعى ، وأبو يوسف ، ~~والشافعى ، وأحمد ، وإسحاق ، وأبو ثور ، وحجة من أجاز الصلاة أن النبى عليه ~~السلام جعل وقت هاتين الصلاتين من حين تغيب PageV04P351 الشمس إلى آخر وقت ~~العشاء الآخرة ، وجعل له إن شاء أن يصليهما فى أول وقتهما ، وإن شاء فى ~~آخره ، فأوقات الصلوات إنما هى محدودة بالساعات والزمان ، فمن صلاهما بعد ~~غروب الشمس بعرفة أو دون المزدلفة فقد أصاب الوقت وإن ترك الاختيار لنفسه ~~فى الموضع ، والصلاة لا تبطل بالخطأ فى الموضع إذا لم يكن نجسا ؛ ألا ترى ~~أن من صلاهما بعد خروج وقتهما بالمزدلفة ممن لم يصل إلى المزدلفة إلا بعد ~~طلوع الفجر أنه قد فاته وقتهما ، فلا اعتبار بالمكان ، ويشبه هذا المعنى ~~قوله عليه السلام : ( لا يصلين أحدكم العصر إلا فى بنى قريظة ) . وأدرك وقت ~~العصر القوم فى بعض الطريق ، فمنهم من صلى ، ومنهم من أخر إلى بنى قريظة ، ~~فلم يعنف النبى - صلى الله عليه وسلم - أحدا منهم . واحتج الطحاوى لابن ~~يوسف فقال : لا يختلفون فى الصلاتين اللتين تصليان بعرفة أنهما لو صليتا ~~دونها كل واحدة منهما فى وقتها فى سائر الأيام كانتا مجزئتين ، فالصلاتان ~~بمزدلفة أحرى أن تكونا كذلك ؛ لأن أمر عرفة لما كان أوكد من أمر مزدلفة ، ~~كان ما يفعل فى عرفة أوكد مما يفعل فى مزدلفة ، فثبت ما قال أبو يوسف ، ~~وانتفى ما قاله الآخرون . قال المهلب : وقوله : ( وتوضأ ولم يسبغ الوضوء ) ~~يريد أنه خفف الوضوء ، وهو أدنى ما تجزئ الصلاة ms1355 به دون تكرار إمداد إمرار ~~اليد عليه ليخص كل صلاة بوضوء على حسب عادته ، وقد جاء ذلك PageV04P352 ~~مبينا فى الحديث ، وقد تقدم بيان ذلك فى كتاب الوضوء ، والحمد لله . قال ~~الخطابى : وسميت المزدلفة لاقترابهم إلى منى بعد الإفاضة من عرفات ، يقال : ~~ازدلف القوم ، إذا اقتربوا ، ويقال : بل سميت مزدلفة ؛ لأنها منزلة وقربة ~~من الله ، وهو قول ثعلب ، قال : ومنه قوله تعالى : { فلما رأوه زلفة } [ ~~الملك : 27 ] ، أى رأوا العذاب قرب ، ومنه قوله تعالى : { وأزلفنا ثم ~~الآخرين } [ الشعراء : 64 ] أى : قربناهم من الهلاك ، وقال الطبرى : إنما ~~سميت مزدلفة لازدلاف آدم إلى حواء بها ، وكان كل واحد منهما حين أهبط إلى ~~الأرض أهبط إلى مكان غير مكان صاحبه ، فازدلف كل واحد منهما إلى صاحبه ، ~~فتلاقيا بالمزدلفة ، فسميت البقعة بذلك . والشعب : الطريق فى الجبل بكسر ~~الشين ، والشعب بفتح الشين : الجمع بين الشيئين ، يقال : شعب فلان الشئ ، ~~إذا جمعه ولامه ، ومنه قول الطرماح . شت شعب القوم بعد التئام وقال الطبرى ~~: واختلفوا فى السبب الذى من أجله سميت عرفة . فقال على بن أبى طالب وغيره ~~: إنما قيل لها ذلك ؛ لأن الله بعث جبريل إلى إبراهيم فحج به ، فلما أتى ~~عرفة قال : قد عرفت ، وكان قد أتاها مرة قبل ذلك . وقال جماعة أخرى : إنما ~~قيل لها : عرفات ؛ لأن جبريل كان يقول PageV04P353 لإبراهيم : هذا موضع كذا ~~، وهذا موضع كذا ، فيقول : قد عرفت قد عرفت . * * * # | 87 - باب من جمع بينهما ولم يتطوع # / 130 - فيه : ابن عمر ، جمع النبى ، عليه السلام ، بين المغرب والعشاء ~~بجمع كل واحدة منهما بإقامة ، ولم يسبح بينهما ولا على إثر كل واحدة منهما ~~. / 131 - وفيه : أبو أيوب ، أن النبى ، عليه السلام ، جمع بين المغرب ~~والعشاء بالمزدلفة فى حجة الوداع . قال المؤلف : وروى مالك عن ابن شهاب ~~حديث ابن عمر هذا ولم يذكر فيه أنه أقام لكل صلاة ، وزاد الإقامة فى هذا ~~الحديث عن ابن شهاب : ابن أبى ذئب والليث ، وهما ثقتان حافظان ، وزيادة ~~الحافظ مقبولة ، وإنما لم يتطوع بينهما والله أعلم لأنه لم يكن ms1356 بينهما أذان ~~، ففرغ من صلاة المغرب ثم قام إلى العشاء ، ولم يكن بينهما مهملة فى الوقت ~~يمكن فيها التنفل ، وأما من رأى أن يؤذن لكل صلاة ، فإنه لا يمنع التنفل ~~لمن أراد ، وقد فعل ذلك ابن مسعود ، وإن كان قد روى ابن نافع عن مالك أنه ~~لا يتنفل بين الصلاتين عند جمعهما . وكل ذلك واسع لا حرج فيه ، قال الطبرى ~~: لأنهما صلاتان تصليان لأوقاتهما ، ولن يفوت وقتهما للحاج حتى يطلع الفجر ~~، وفى هذا الحديث حجة للشافعى أن صلاة المغرب والعشاء بالمزدلفة بإقامة ~~إقامة ، وكذلك فى حديث أسامة حين نزل صلى بالشعب إقامة إقامة . PageV04P354 # | 88 - باب من أذن وأقام لكل واحدة منهما # / 132 - فيه : عبدالله بن مسعود ، أنه حج فأتى المزدلفة حين الأذان ~~بالعتمة ، أو قريبا منه ، فأمر رجلا فأذن وأقام ، ثم صلى المغرب ، وصلى ~~بعدها ركعتين ، ثم دعا بعشائه فتعشى ، ثم أمر ، أرى ، فأذن وأقام ، قال ~~عمرو : لا أعلم الشك إلا من زهير ، ثم صلى العشاء ركعتين ، فلما طلع الفجر ~~، قال : إن النبى ، عليه السلام ، كان لا يصلى هذه الساعة إلا هذه الصلاة ~~فى هذا المكان من هذا اليوم ، قال عبدالله : هما صلاتان تحولان عن وقتهما : ~~صلاة المغرب بعد ما يأتى الناس المزدلفة ، والفجر حين يبزغ الفجر ، قال : ~~رأيت النبى ، عليه السلام ، يفعله . اختلف العلماء فى الأذان والإقامة ~~لهاتين الصلاتين ، فروى ابن القاسم عن مالك أنه يؤذن ويقيم لكل صلاة على ~~ظاهر حديث ابن مسعود ، وقد روى مثله عن عمر بن الخطاب وابن مسعود . وذهب ~~ابن الماجشون وأحمد بن حنبل وأبو ثور إلى أنه يجمع بينهما بأذان واحد ~~وإقامتين ، واختاره الطحاوى ، وذكر عن أبى حنيفة وأبى يوسف ومحمد بأذان ~~واحد وإقامة واحدة ، خلاف قولهم فى الجمع بين الظهر والعصر بعرفة . ~~PageV04P355 وذهبت طائفة إلى أنه يصليهما بإقامة إقامة ، روى ذلك عن ابن ~~عمر وعن القاسم وسالم ، وإليه ذهب الشافعى وإسحاق وأحمد فى أحد قوليه ، ~~وذهب الثورى إلى أنه يصليهما بإقامة واحدة لا أذان معها ، واحتج الطحاوى ~~بحديث حاتم بن إسماعيل ، عن ms1357 جعفر بن محمد ، عن أبيه ، عن جابر : ( أن ~~الرسول - صلى الله عليه وسلم - جمع بينهما بأذان واحد وإقامتين ) . قال ~~الطحاوى : وأجمعوا أن الأولى من الصلاتين اللتين يجمعان بعرفة يؤذن لها ~~ويقام ، فالنظر على ذلك أن يكون كذلك حكم الأولى من الصلاتين بجمع . وأخذ ~~الطحاوى بحديث أهل المدينة . والحجة لأبى حنيفة ما رواه شعبة عن الحكم ، عن ~~سعيد بن جبير ، عن ابن عمر : ( أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أذن ~~للمغرب بجمع فأقام ، ثم صلى العشاء بالإقامة الأولى ) . وحجة الشافعى حديث ~~ابن شهاب ، عن سالم ، عن أبيه : ( أن النبى عليه السلام جمع بينهما بإقامة ~~إقامة ) رواه الليث وابن أبى ذئب عن الزهرى ، ولم يذكره مالك فى حديثه ، ~~وذكره البخارى فى الباب قبل هذا ، وهذه الرواية أصح عن ابن عمر مما خالفها ~~، واحتج أيضا بحديث ابن عباس عن أسامة بن زيد : ( أن النبى عليه السلام عدل ~~إلى الشعب فتوضأ . . . ) وذكر الحديث ، وفيه أنه أقام لكل واحدة منهما ، ~~واحتج الثورى بما رواه عن سلمة بن كهيل ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عمر قال ~~: ( جمع النبى عليه السلام بين المغرب والعشاء بالمزدلفة بإقامة واحدة ) ~~وكان أحمد ابن حنبل يعجب من مالك إذا أخذ بحديث ابن مسعود PageV04P356 ولم ~~يروه ، وهو من رواية أهل الكوفة ، وترك ما روى أهل المدينة فى ذلك من غير ~~ما طريق ، وكذلك أخذ أهل الكوفة بما رواه أهل المدينة فى ذلك وتركوا ~~روايتهم عن ابن مسعود . وفى فعل ابن مسعود من الفقه جواز التنفل بين ~~الصلاتين إذا جمعتا ، وإنما تعشى بين الصلاتين على سبيل السعة فى ذلك ، لا ~~على أن يدخل بين المغرب والعشاء عملا أو شغلا . وقد قال أصبغ : إذا صلى أهل ~~المسجد المغرب ، فوقع مطر شديد وهم يتنفلون ، فأرادوا أن يعجلوا العشاء قبل ~~وقتها ، فلا بأس بذلك . قال المهلب : وقوله : ( وهما صلاتان تحولان عن ~~وقتهما ) إنما هو تحويل عن الوقت المستحب المعتاد إلى ما قبله من الوقت ، ~~لا أن تحويلهما قبل دخول أوقاتهما المحدودة فى كتاب الله ms1358 عز وجل . # | 89 - باب من قدم ضعفة أهله بليل فيقفون بالمزدلفة ويدعون # / 133 - فيه : ابن عمر ، أنه كان يقدم ضعفة أهله ، فيقفون عند المشعر ~~الحرام بالمزدلفة بليل ، فيذكرون الله ما بدا لهم ، ثم يرجعون قبل أن يقف ~~الإمام ، وقبل أن يدفع ، فمنهم من يقدم منى لصلاة الفجر ، ومنهم من يقدم ~~بعد ذلك ، فإذا قدموا رموا الجمرة ، وكان ابن عمر يقول : ( أرخص فى أولئك ~~رسول الله ) . / 134 - وفيه : ابن عباس ، بعثنى النبى - صلى الله عليه وسلم ~~- من جمع بليل فى ضعفة أهله . PageV04P357 / 135 - وفيه : عبدالله ، عن ~~أسماء ، أنها نزلت ليلة جمع عند المزدلفة ، فقامت تصلى ، فصلت ساعة ، ثم ~~قالت : يا بنى هل غاب القمر ؟ قلت : لا ، فصلت ساعة ، ثم قالت : يا بنى هل ~~غاب القمر ؟ قلت : نعم ، قالت : فارتحلوا ، فارتحلنا ومضينا ، حتى رمت ~~الجمرة ، ثم رجعت فصلت الصبح فى منزلها ، فقلت لها : يا هنتاه ، ما أرانا ~~إلا قد غلسنا ، قالت : يا بنى إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أذن ~~للظعن . / 136 - وفيه : عائشة ، استأذنت سودة النبى ، عليه السلام ، ليلة ~~جمع ، وكانت ثقيلة ثبطة ، فأذن لها . / 137 - وفيه : عنها نزلنا المزدلفة ، ~~فاستأذنت النبى ، عليه السلام ، سودة أن تدفع قبل حطمة الناس ، وكانت امرأة ~~بطيئة ، فأذن لها ، فدفعت قبل حطمة الناس ، وأقمنا حتى أصبحنا نحن ، ثم ~~دفعنا بدفعه ، فلأن أكون استأذنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كما ~~استأذنت سودة أحب إلى من مفروح به . قال المهلب : إنما قدم النبى عليه ~~السلام ضعفة أهله خشية تزاحم الناس عليهم عند الدفع من المزدلفة إلى منى ، ~~فأرخص لهم أن يدفعوا قبل الفجر ، وأن يرموا الجمرة قبل طلوع الشمس لخوف ~~الازدحام عليهم ، والوقت المستحب لرمى جمرة العقبة يوم النحر طلوع الشمس ؛ ~~لرميه عليه السلام ذلك الوقت . واختلفوا هل يجوز رميها قبل ذلك ، فقال مالك ~~وأبو حنيفة وأحمد وإسحاق : يجوز رميها بعد طلوع الفجر قبل طلوع الشمس ، وإن ~~رماها قبل الفجر أعاد . ورخصت طائفة فى الرمى قبل طلوع الفجر ، PageV04P358 ~~روى ذلك عن عطاء وطاوس والشعبى ، وبه ms1359 قال الشافعى وشرط إذا كان الرمى بعد ~~نصف الليل . وقال النخعى ومجاهد : لا يرميها حتى تطلع الشمس . وبه قال ~~الثورى وأبو ثور وإسحاق ، والحجة لمالك والكوفيين حديث ابن عمر ؛ لأنه قال ~~فيه : ( فمنهم من يقدم منى لصلاة الفجر ، ومنهم من يقدم بعد ذلك ، فإذا ~~قدموا رموا الجمرة ) ، واحتج الشافعى بحديث عبد الله مولى أسماء أنه قال : ~~( رحلنا مع أسماء من جمع لما غاب القمر ، وأتينا منى ورمينا ، ورجعت فصلت ~~الصبح فى دارها ، فقلت لها : رمينا قبل الفجرفقالت : هكذا كنا نفعل مع رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - ) . ولم يرو البخارى حديث أسماء على هذا النسق ~~، ولا ذكر فيه : ( رمينا قبل الفجر ) وإنما ذكر فيه أن مولاها قال لها : ( ~~يا هنتاه غلسنا ) وغلسنا لفظة محتملة للتأويل لا يقطع بها ؛ لأنه يجوز أن ~~يسمى ما بعد الفجر غلسا . قال ابن القصار : ولو صح قوله : ( رمينا قبل ~~الفجر ) لكان ظنا منه ؛ لأنه لما رآها صلت الصبح فى دارها ظن أن الرمى كان ~~قبل الفجر ، والرمى كان بعد الفجر ، فأخرت صلاة الصبح إلى دارها . وقولها : ~~( هكذا كنا نفعل ) إشارة إلى فعلها ، وفعلها يجوز أن يكون بعد الفجر ؛ ~~لأنها لم تقل هى : رمينا قبل الفجر ولا قالت : كنا نرمى معه قبل الفجر ؛ ~~لأنه لم ينقل أحد عن النبى عليه السلام أنه رمى قبل الفجر ، واحتج الشافعى ~~أيضا PageV04P359 بحديث أم سلمة أن النبى عليه السلام أمرها أن تصبح بمكة ~~يوم النحر ، وهذا لا يكون إلا وقد رميت الجمرة بمنى ليلا قبل الفجر ، قال : ~~لأنه غير جائز أن يوافى أحد صلاة الصبح بمكة وقد رمى جمرة العقبة إلا وقد ~~رماها ليلا ؛ لأن من أصبح بمنى فكان بها بعد طلوع الفجر ، فإنه لا يمكنه ~~إدراك صلاة الصبح بمكة . وقد ضعف أحمد بن حنبل حديث أم سلمة ودفعه وقال : ~~لا يصح ، رواه أبو معاوية عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن زينب بنت أبى ~~سلمة ، عن أم سلمة ( أن النبى عليه السلام أمرها أن توافى معه صلاة الصبح ~~يوم ms1360 النحر بمكة ) . قال : ولم يسنده غيره ، وهو خطأ ، وقال وكيع عن هشام ، ~~عن أبيه مرسل : ( أن النبى عليه السلام أمرها أن توافى صلاة الصبح يوم ~~النحر بمكة ) . قال أحمد : وهذا أيضا عجب ، وما يصنع يوم النحر بمكة ، ينكر ~~ذلك ، فجئت إلى يحيى بن سعيد فسألته فقال : عن هشام ، عن أبيه ( أن النبى - ~~صلى الله عليه وسلم - أمرها أن توافى ) وليس أن توافيه ، قال : وبين هذين ~~فرق ، يوم النحر صلاة الصبح بالأبطح ، وقال لى يحيى بن سعيد : سل عبد ~~الرحمن بن مهدى ، فسألته فقال : هكذا قال سفيان : عن هشام ، عن أبيه ( ~~توافى ) وقال أحمد : رحم الله يحيى ما كان أضبطه وأشد تفقده . واحتج الثورى ~~بحديث ابن عباس ( أن النبى عليه السلام قدم أغيلمة بنى عبد المطلب وضعفتهم ~~وقال لهم : يا بنى ، لا ترموا الجمرة حتى تطلع الشمس ) . PageV04P360 رواه ~~شعبة والأعمش عن الحكم ، عن مقسم ، عن ابن عباس ، ورواه سفيان ومسعر عن ~~سلمة بن كهيل ، عن الحسن العرنى ، عن ابن عباس : قدمنا من المزدلفة بليل ~~فقال عليه السلام : ( أى بنية عبد المطلب ، لا ترموا جمرة العقبة حتى تطلع ~~الشمس ) . وهذا إسناد وإن كان ظاهره حسنا ، فإن حديث ابن عمر وأسماء ~~يعارضانه ، فلذلك لم يخرجه البخارى والله أعلم ، مع أنه قد روى مولى ابن ~~عباس عن ابن عباس قال : ( بعثنى النبى عليه السلام مع أهله وأمرنى أن أرمى ~~مع الفجر ) . فخالف حديث مقسم عن ابن عباس . قال الطبرى : والصواب عندنا ~~قول من قال : إن وقت رمى جمرة العقبة طلوع الفجر من يوم النحر ؛ لأن حينئذ ~~يحل الحاج ، وذلك أن بطلوع الفجر من تلك الليلة انقضى وقت الحج ، وفى ~~انقضائه انقضاء وقت التلبية ودخول وقت رمى جمرة العقبة ، غير أنه لا ينبغى ~~لمن كان محرما أن يلبس أو يتطيب أو يعمل شيئا مما كان حراما عليه قبل طلوع ~~الفجر من يوم النحر حتى يرمى جمرة العقبة استحبابا واتباعا فى ذلك سنة ~~النبى عليه السلام فإذا رمى الجمرة فقد حل من كل شىء حرم عليه ms1361 إلا جماع ~~النساء حتى يطوف طواف الإفاضة . قال ابن المنذر : السنة أن لا يرمى إلا بعد ~~طلوع الشمس كما فعل عليه السلام ، ولا يجزئ الرمى قبل طلوع الفجر بحال ؛ إذ ~~PageV04P361 فاعله مخالف لسنة النبى عليه السلام ومن رماها بعد طلوع الفجر ~~قبل طلوع الشمس فلا إعادة عليه ، إذ لا أعلم أحدا قال لا يجزئه ، وقال ~~الطبرى : وفيه الدليل الواضح أن لأهل الضعف فى أبدانهم أن يتقدموا إلى منى ~~ليلة النحر من جمع ، وأنه مرخص لهم فى ترك الوقوف بالمشعر غداة النحر . وقد ~~اختلف السلف فى ذلك فقالت طائفة : جائز التقدم من جمع بليل قبل الوقوف بها ~~غداة النحر وصلاة الصبح بها لضعفة الناس خاصة والنساء والصبيان دون أهل ~~القوة والجلد ، وقالوا : إنما أذن فى ذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~لضعفة الناس خاصة ، واحتجوا بحديث ابن عباس ، قالوا : فمن تقدم من جمع بليل ~~من أهل القوة فلم يقف بها مع الإمام ، فقد ضيع نسكا وعليه إراقة دم . وهو ~~قول مجاهد ، وعطاء ، وقتادة ، والزهرى ، وأبى حنيفة ، وأحمد ، وإسحاق ، ~~وأبى ثور . وكان مالك يقول : إن مر بها فلم ينزل بها فعليه دم ومن نزل بها ~~ثم دفع منها بعدما نزل بها وكان دفعه منها فى أول الليل أو وسطه أو آخره ~~ولم يقف مع الإمام ، فقد أجزأه ولا دم عليه . وهو قول النخعى ، وحجة هذا ~~القول أن النبى عليه السلام بات بها حين حج بالناس وعلمهم مناسكهم ، فمن ~~ضيع من ذلك شيئا فعليه دم ، وإنما أجزنا له التقدم بالليل إلى منى إذا بات ~~بها ؛ لتقديم النبى - صلى الله عليه وسلم - أهله من جمع بليل ، فكان ذلك ~~رخصة لكل أحد بات بها . وقال الشافعى : إن خرج منها بعد نصف الليل فلا شىء ~~عليه ، وإن خرج منها قبل نصف الليل فلم يعد إلى المزدلفة افتدى ، والفدية ~~شاة . PageV04P362 وقال آخرون : جائز ذلك لكل أحد : للضعيف والقوى ، وكانوا ~~يقولون : إنما جمع منزل نزله رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كبعض منازل ~~السفر ، فمن شاء طواه ms1362 فلم ينزل به ، ومن شاء نزله فله أن يرتحل منه متى شاء ~~من ليل أو نهار ، ولا شىء عليه ، روى ذلك عن عطاء ، وهو قول الأوزاعى ، ~~واحتجوا بما حدثنا أبو كريب قال : حدثنا خالد بن مخلد ، عن محمد بن عبد ~~الله ، عن عطاء ، عن عبد الله بن عمرو بن العاص ، عن النبى - صلى الله عليه ~~وسلم - قال : ( إنما جمع منزل لدلج المسلمين ) . وقال الطحاوى : ذهب قوم ~~إلى أن الوقوف بالمزدلفة فرض لا يجوز الحج إلا بإصابته ، واحتجوا فى ذلك ~~بقوله تعالى : { فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام } [ ~~البقرة : 198 ] فذكر الله المشعر الحرام كما ذكر عرفات ، وذكر ذلك رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - فى حديث عروة بن مضرس ، فحكهما واحد لا يجزئ ~~الحج إلا بإصابته . قال ابن المنذر : وهذا قول علقمة والشعبى والنخعى ، ~~قالوا : فمن لم يقف بجمع فقد فاته الحج ، ويجعل إحرامه عمرة . قال الطحاوى ~~: والحجة عليهم أن قوله تعالى : { فاذكروا الله عند المشعر الحرام } ليس ~~فيد دليل أن ذلك على الوجوب ، ولأن الله إنما ذكر الذكر ، ولم يذكر الوقوف ~~، وكل قد أجمع أنه لو وقف بمزدلفة ولم يذكر الله تعالى أن حجة تام ، فإذا ~~كان الذكر المذكور فى الكتاب ليس من صلب الحج ، فالموطن الذى يكون ذلك ~~الذكر فيه الذى لم يذكر فى الكتاب أحرى ألا يكون فرضا ، وقد ذكر الله أشياء ~~فى كتابه فى الحج لم يرد بذكرها إيجابها فى قول أحد من الأمة ، من ~~PageV04P363 ذلك قوله تعالى : { إن الصفا والمروة من شعآئر الله فمن حج ~~البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما } [ البقرة : 158 ] وكل قد أجمع ~~النظر أنه لو حج ولم يطف بين الصفا والمروة أن حجه قد تم ، وعليه دم مكان ~~ما ترك من ذلك ، فكذلك ذكر الله فى المشعر الحرام فى كتابه لا يدل على ~~إيجابه ، وأما قوله عليه السلام فى حديث عروة بن مضرس : ( من شهد معنا صلاة ~~الفجر بالمزدلفة وكان قد وقف قبل ذلك بعرفة ms1363 ليلا أو نهارا فقد تم حجه ) فلا ~~حجه فيه ؛ لإجماعهم أنه لو بات بها ووقف ونام عن الصلاة فلم يصلها مع ~~الإمام حتى فاتته أن حجة تام ، فلما كان حضور الصلاة مع الإمام ليس من صلب ~~الحج الذى لا يجزئ إلا به ، كان الموطن الذى تكون فيه تلك الصلاة التى لم ~~يذكر فى الحديث أحرى ألا يكون كذلك ، فلم يتحقق بهذا الحديث ذكر الفرض إلا ~~بعرفة . قال الطحاوى : وفى حديث سودة ترك الوقوف بالمزدلفة أصلا ، وكذلك فى ~~حديث ابن عباس وأسماء ، وفى إباحة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لهم ~~ذلك للضعيف دليل أن الوقوف بها ليس من صلب الحج الذى لا يجزئ إلا به ~~كالوقوف بعرفة ؛ ألا ترى أن رجلا لو ضعف عن الوقوف بعرفة ، فترك ذلك لضعفه ~~حتى طلع الفجر من يوم النحر أن حجه قد فسد ، ولو وقف بها بعد الزوال ثم نفر ~~منها قبل غروب الشمس أن أهل العلم مجمعون أنه غير معذور بالضعف الذى به ، ~~وأن طائفة منهم تقول : إن عليه دم لتركه بقية الوقوف بعرفة ، وطائفة منهم ~~تقول : قد فسد حجه ، ومزدلفة ليست كذلك ؛ لأن الذين أوجبوا الوقوف بها ~~يجيزون النفور عنها بعد وقوفه بها قبل فراغ وقتها ، PageV04P364 وهو قبل ~~طلوع الشمس من يوم النحر لعذر الضعف ، فلما ثبت أن عرفة لا يسقط فرض الوقوف ~~بها للعذر ، ولا يحل النفور منها قبل وقته بالعذر ، وكانت مزدلفة مما يباح ~~ذلك منها بالعذر ثبت أن حكم مزدلفة ليس فى حكم عرفة ؛ لأن الذى يسقط للعذر ~~ليس بواجب ، والذى لا يسقط للعذر هو الواجب . وقال الخطابى : الثبطة : ~~البطيئة ، وقد ثبطت الرجل عن أمره ، ومنه قوله تعالى : { ولكن كره الله ~~انبعاثهم فثبطهم } [ التوبة : 46 ] ، وقد تقدم تفسير قوله : ( يا هنتاه ) ~~فى باب قوله : { الحج أشهر معلومات } فأغنى عن إعادته . * * * # | 90 - باب متى يصلى الفجر بجمع # / 138 - فيه : عبدالله ، قال : ما رأيت النبى ، عليه السلام ، صلى صلاة ~~بغير ميقاتها إلا صلاتين ، جمع بين المغرب والعشاء ، وصلى الفجر قبل ~~ميقاتها ms1364 . / 139 - وقال مرة : صلى الفجر حين طلع الفجر ، وقائل يقول : طلع ~~الفجر ، وقائل يقول : لم يطلع ، ثم قال : إن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - قال : إن هاتين الصلاتين حولتا عن وقتهما فى هذا المكان : المغرب ~~والعشاء ، فلا يقدم الناس جمعا حتى يعتموا ، وصلاة الفجر فى هذه الساعة ، ~~ثم وقف حتى أسفر ، ثم قال : لو أن أمير المؤمنين أفاض الآن أصاب السنة ، ~~فما أدرى أقوله كان أسرع أم دفع عثمان ، فلم يزل يلبى حتى رمى جمرة العقبة ~~يوم النحر . قال ابن المنذر : ثبت أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلى ~~الفجر بالمزدلفة حين تبين PageV04P365 له الصبح بأذان وإقامة . قال المهلب ~~: وقول ابن مسعود : ( ما رأيت الرسول - صلى الله عليه وسلم - صلى صلاة لغير ~~ميقاتها ) فإنه لا يريد بذلك أنه صلاها فى الوقت الذى لا يحل ، وإنما أراد ~~غير ميقاتها المعهود المستحب للجماعات بعد دخول الوقت وتمكنه ، بيين ذلك ~~قوله : ( قائل يقول : طلع الفجر ، وقائل يقول : لم يطلع ) يريد أنه بادر ~~الفجر أول طلوعه فى الوقت الذى لا يتبينه كل أحد ، ولم يتأن حتى يتبين ~~طلوعه لكل أحد ، كما كانت عادته أن يصلى قبل ذلك ، ولا يجوز أن يتأول عليه ~~غير هذا التأويل . * * * # | 91 - باب متى يدفع من جمع # / 140 - فيه : عمرو بن ميمون يقول : شهدت عمر صلى بجمع الصبح ، ثم وقف ، ~~فقال : إن المشركين كانوا لا يفيضون حتى تطلع الشمس ، ويقولون : أشرق ثبير ~~، وأن الرسول - صلى الله عليه وسلم - خالفهم ، ثم أفاض قبل أن تطلع الشمس . ~~قال الطبرى : فيه من الفقه بيان وقت الوقوف الذى أوجبه الله تعالى على حجاج ~~بيته بالمشعر الحرام ، لقوله تعالى : { فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله ~~عند المشعر الحرام } [ البقرة : 198 ] فمن وقف بالمشعر الحرام ذاكرا له فى ~~الوقت الذى وقف به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أو فى بعضه ، فقد ~~ادركه وأدى ما ألزم الله من ذكره به ، وذلك حين صلاة الفجر بعد طلوع الفجر ~~الثانى إلى أن يدفع الإمام منه قبل ms1365 طلوع PageV04P366 الشمس يوم النحر ، ومن ~~لم يدرك ذلك حتى تطلع الشمس فقد فاته الوقوف فيه بإجماع . وقال ابن المنذر ~~: ثبت أن النبى عليه السلام أفاض من جمع قبل طلوع الشمس حين أسفر جدا ، ~~وأخذ بهذا ابن مسعود وابن عمر ، وقال بذلك عامة العلماء أصحاب الرأى ~~والشافعى ، غير مالك فإنه كان يرى أن يدفع قبل طلوع الشمس وقبل الإسفار . ~~قال المهلب : فإنما عجل النبى عليه السلام الصلاة ، وزاحم بها أول وقتها ~~ليدفع قبل إشراق الشمس على جبل ثبير ليخالف أمر المشركين ، فكلما بعد دفعه ~~من طلوع الشمس كان أفضل ، فلهذا والله أعلم اختار هذا مالك . قال الطبرى : ~~وقوله : ( لا يفيضون ) يعنى : لا يرجعون من المشعر الحرام إلى حيث بدأ ~~المصير إليه من منى حتى تطلع الشمس ، وكذلك تقول العرب لكل راجع من موضع ~~آخر إلى الموضع الذى بدا منه : أفاض فلان من موضع كذا . وكان الأصمعى يقول ~~: الإفاضة : الدفعة ، وكل دفعة إفاضة ، ومنه قيل : أفاض القوم فى الحديث ، ~~إذا دفعوا فيه . وأفاض دمعه يفيضه ، فأما إذا سالت دموع العين ، فإنما يقال ~~: فاضت عينه بالدموع . قال ابن قتيبة : وقولهم : أشرق ثبير ، هو من شروق ~~الشمس ، وشروقها : طلوعها ، يقال : شرقت الشمس شروقا ، إذا هى طلعت ، ~~وأشرقت : إذا أضاءت ، وإنما يريدون : أدخل أيها الجبل فى PageV04P367 ~~الشروق كما يقال : أشمل القوم : إذا دخلوا فى ريح الشمال ، وأجنبوا : إذا ~~دخلوا فى الجنوب ، وأراحوا : إذا دخلوا فى الريح ، وأربعوا : إذا دخلوا فى ~~الربيع ، فإذا أردت أن شيئا من هذا أصابهم ، قلت : شمل القوم وجنبوا وريحوا ~~وربعوا وشرقوا ، وغيثوا إذا أصابهم الغيث . وقوله : ( كيما نغير ) يريد ~~كيما ندفع للنحر ، قال الطبرى : وهو من قولهم : أغار الفرس إغارة الثعلب ، ~~وذلك إذا دفع وأسرع فى عدوه . # | 92 - باب التلبية والتكبير غداة النحر حتى يرمى جمرة العقبة والارتداف ~~فى السير # / 141 - فيه : ابن عباس أن النبى ، عليه السلام ، أردف الفضل ، فأخبر ~~الفضل أنه لم يزل يلبى حتى رمى الجمرة . وقال أسامة : لم يزل ردف رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - من ms1366 عرفة إلى المزدلفة ، ثم أردف الفضل من المزدلفة ~~إلى منى ، قال : فكلاهما ، قالا : لم يزل الرسول - صلى الله عليه وسلم - ~~يلبى حتى رمى جمرة العقبة . اختلف السلف فى الوقت الذى يقطع الحاج فيه ~~التلبية ، فذهبت PageV04P368 طائفة إلى حديث الفضل وأسامة وقالوا : يلبى ~~الحاج حتى يرمى جمرة العقبة . روى هذا عن ابن مسعود وابن عباس ، وبه قال ~~عطاء ، وطاوس ، والنخعى ، وابن أبى ليلى ، والثورى ، وأبو حنيفة ، والشافعى ~~، وأحمد ، وإسحاق ، وقالوا : يقطعها مع أول حصاة يرميها من جمرة العقبة ، ~~إلا أحمد وإسحاق فإنه يقطعها عندهما إذا رمى الجمرة بأسرها ، على ظاهر ~~الحديث . وروى عن على بن أبى طالب أنه كان يلبى فى الحج ، فإذا زاغت الشمس ~~من يوم عرفة قطع التلبية ، قال مالك : وذلك الأمر الذى لم يزل عليه أهل ~~العلم ببلدنا . وقال ابن شهاب : وفعل ذلك الأئمة أبو بكر ، وعمر ، وعثمان ، ~~وعائشة ، وابن المسيب ، وذكر ابن المنذر عن سعيد مثله ، وذكره الطحاوى عن ~~مكحول ، وكان ابن الزبير يقول : أفضل الدعاء يوم عرفة التكبير . وروى معناه ~~عن جابر بن عبد الله . واحتج ابن القصار لمالك وأهل المدينة فقال فى حديث ~~ابن عباس وأسامة : لو فعل ذلك النبى عليه السلام على أنه المستحب عنده لم ~~تخالفه الصحابة بعده ، فيحتمل أنه أراد ألا يقطع التلبية عند زوال الشمس ؛ ~~لأن الناس كانوا يتلاحقون به يوم عرفة حتى لا يبقى أحد إلا سمع تلبيته ؛ ~~لأنه صاحب الشرع ، فأعلمهم أنها تجوز إلى هذا الوقت ، ويكون المستحب لنا ~~عند الزوال بعرفة لما قد تقرر من اختيار الصحابه له ، وهم الذين أمرنا ~~بالاقتداء بهم ؛ لأنهم المبلغون للسنن ، والمفسرون لها ، فوجب اتباع سبيلهم ~~واختيار ما اختاروه ، والرغبة عما رغبوا عنه . وتأول الطحاوي في قطع ~~الصحابة للتلبية عند الرواح إلى عرفة أن ذلك لم يكن على أن وقت التلبية قد ~~انقطع ، ولكن لأنهم كانوا | PageV04P369 يأخذون فيما سواها من الذكر ~~والتكبير والتهليل ، كما لهم أن يفعلوا ذلك قبل يوم عرفة أيضا ، وقد تقدم ~~فى باب : التلبية ولا يكبر إذا غدا من منى ms1367 إلى عرفة ، أن التلبية هى ~~الإجابة لما دعى إليه ، فإذا بلغ عرفة فقد بلغ غاية ما يدرك الحاج بإدراكه ~~، ويفوت بفوته ، فلذلك يقطع التلبية عند بلوغ النهاية ، وقد تقدم ذكر ~~الارتداف فى السير فى أول كتاب الحج . وقال ابن المنذر : ثبت أن النبى عليه ~~السلام رمى الجمرة يوم النحر على راحلته ، وقال به مالك فرأى أن يرمى جمرة ~~العقبة يوم النحر راكبا ؛ اقتداء بالنبى عليه السلام وفى غير يوم النحر ~~ماشيا ، وكره مالك أن يركب إلى شىء من الجمار إلا من ضرورة ، وكان ابن عمر ~~وابن الزبير وسالم يرمون الجمار إلا من ضرورة ، وكان ابن عمر وابن الزبير ~~وسالم يرمون الجمار وهم مشاة ، واستحب ذلك أحمد وإسحاق ، قال الطبرى : ~~وإنما قيل لها : جمرة ؛ لأنها حجارة مجتمعة ، وكل شىء مجتمع فهو عند العرب ~~جمرة وجمار ، ومنه قولهم : أجمر السلطان جيشه فى الثغر ، بمعنى : جمعهم فيه ~~، ومنه قيل لأحياء من العرب تجمعت : جمار وجمرات . * * * # | 93 - باب قول الله تعالى : { فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من ~~الهدى } إلى قوله : { حاضرى المسجد الحرام } [ البقرة : 196 ] # / 142 - فيه : أبو جمرة ، سألت ابن عباس عن المتعة ، فأمرنى بها ، وسألته ~~عن الهدى ، فقال : فيها جزور أو بقرة أو شاة أو شرك فى دم ، وكأن ناسا ~~كرهوها ، فنمت ، فرأيت فى المنام كأن إنسانا ينادى حج مبرور ومتعة متقبلة ، ~~فأتيت ابن عباس فحدثته ، فقال : الله أكبر سنة أبى القاسم - صلى الله عليه ~~وسلم - . PageV04P370 قال آدم ، ووهب بن جرير ، وغندر ، عن شعبة : عمرة ~~متقبلة ، وحج مبرور . قال الطحاوى : إن قال قائل : إنما أطلق الله فى كتابه ~~المتعة للمححصرين بالحج ، ولم يذكر معهم من لم يحصر ، فكيف أبحتم العمرة ~~فيمن لم يحصر ؟ فالجواب : إن فى الآية ما يدل على أن غير المحصرين قد دخلوا ~~فيها بما أجمعوا عليه ، وهو قوله : { ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدى ~~محله فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك } ~~[ البقرة : 196 ] . فلم يختلف أهل العلم ms1368 فى المحرم بالحج والعمرة ممن لم ~~يحصر أنه إذا أصابه أذى فى رأسه ، أو أصابه مرض أنه يحلق وأن عليه الفدية ~~المذكورة فى الآية التى تليها ، وأن القصد بها إلى المحصرين لا يمنع أن ~~يدخل فيها من سواهم من المحرمين غير المحصرين ، فكذلك قوله : { فمن تمتع ~~بالعمرة إلى الحج } لا يمنع أن يكون غير المحصرين فى ذلك كالمحصرين ، بل ~~هذا أولى بما ذكرنا من المعنى الأول الذى فى الآية ؛ لأنه قال فى المعنى ~~الأول : { فمن كان منكم } . ولم يقل ذلك فى المعنى الثانى منها . واختلف ~~العلماء فيما استيسر من الهدى ، فقالت طائفة : شاة ، روى ذلك عن على وابن ~~عباس ، وهو قول مالك وجمهور العلماء ، وروى عن ابن عمر وعائشة أن ما استيسر ~~من الهدى من الإبل والبقر خاصة . قال إسماعيل : وأحسب هؤلاء ذهبوا إلى ذلك ~~من أجل قوله : { والبدن جعلناها لكم من شعائر الله } [ الحج : 36 ] فذهبوا ~~إلى أن الهدى ما وقع عليه اسم بدن . ويرد هذا التأويل قوله تعالى : { فجزاء ~~مثل ما PageV04P371 قتل من النعم } [ المائدة : 95 ] إلى قوله : { هديا ~~بالغ الكعبة } [ المائدة : 95 ] وقد حكم المسلمون فى الظبى بشاة ، فوقع ~~عليها اسم هدى . وروى عن ابن عمر وأنس أنه يجزئ فى المتعة والقران شرك فى ~~دم . وروى عن عطاء وطاوس والحسن مثله ، وهو قول أبى حنيفة ، والثورى ، ~~والأوزاعى ، والشافعى ، وأحمد ، وإسحاق ، وأبى ثور ، ولا تجزئ عندهم البدنة ~~أو البقرة عن أكثر من سبعة على حديث جابر ، ولا تجزئ عندهم الشاة عن أكثر ~~من واحد . قال المؤلف : ولا تعلق لهم فى حديث أبى جمرة عن ابن عباس ، قال ~~إسماعيل : وأبو جمرة وإن كان من صالحى الشيوخ فإنه شيخ ، وقد روى ثقات ~~أصحاب ابن عباس عنه أن { فما استيسر من الهدى } [ البقرة : 196 ] شاة ، وأن ~~المعتمد فى العلم على الثقات المعروفين بالعلم ، وقد روى ليث بن أبى سشليم ~~عن طاوس ، عن ابن عباس مثل رواية أبى جمرة ، وليث ضعيف ، فلا يتعنى بالكلام ~~فيه ، وقد روى حماد ابن زيد ، عن أيوب ms1369 ، عن محمد ، عن ابن عباس قال : ما ~~كنت أدرى أن دما واحدا يقتضى عن أكثر من واحد . وأما ما روى عن جابر أنه ~~قال : ( نحرنا يوم الحديبية البدنة عن سبعة والبقرة عن سبعة ) فلا حجة فيه ~~؛ لأن الحديبية لم يكن فيها تمتع ، وإنما كان عليه السلام أحرم بالعمرة من ~~ذى الحليفة وساق الهدى ، فلما صده المشركون نحروا الهدى ، وهو تطوع ليس فيه ~~تمتع ولا غيره مما يوجب هديا ، وهذا كما روى عنه عليه السلام أنه ضحى عن ~~أمته ، وكما روى عن أبى أيوب أن الرجل يضحى بالشاة الواحدة عنه وعن أهل ~~بيته ، وروى ابن عبد الحكم عن مالك أنه قال : تفسير PageV04P372 حديث جابر ~~فى التطوع ، والعمرة تطوع لا بأس بذلك . وروى عنه ابن القاسم أنه لا يشترك ~~فى هدى واجب ولا تطوع . فإن قيل : إن الهدى كان عليهم لأنهم حصروا ، قيل : ~~الهدى قد كان أشعر وأوجب هديا بعد الحصر . وما روى عن أنس أنهم كانوا ~~يشتركون السبعة فى البدنة والبقرة ، فإنما يعنى به الأضاحى ، وليس المراد ~~به أنهم يشتركون فى الأضحية ، على أن لكل واحد منهم سهما من ملكها ، وإنما ~~يعنى به أن أهل البيت يضحون بالجزور أو البقرة عن جماعة منهم ، وهذا جائز ~~عندنا ولو كان أكثر من سبعة إذا كان ملكها لرجل واحد ، وضحى بها عن نفسه ~~وأهله ، وقد تقدم فى كتاب الصيام الاختلاف فى صوم التمتع الثلاثة الأيام فى ~~الحج ، فأغنى عن إعادته . * * * # | 94 - باب ركوب البدن # وقوله : { والبدن جعلناها لكم من شعائر الله لكم فيها خير } إلى قوله : { ~~وبشر المحسنين } [ الحج : 36 ] . قال مجاهد : سميت البدن لبدنها . / 143 - ~~فيه : أبو هريرة ، أن النبى ، عليه السلام ، رأى رجلا يسوق بدنة ، فقال : ( ~~اركبها ) ، فقال : إنها بدنة ، فقال : ( اركبها ، ويلك ، فى الثانية أو فى ~~الثالثة ) . قال المهلب : فيه من الفقه استعمال بعض ما وجه لله تعالى إذا ~~احتيج إليه ، على خلاف ما كانت الجاهلية عليه من أمر البحيرة والسائبة ~~والوصيلة والحام ، فأعلم الرسول - صلى الله عليه وسلم - إنما أهل ms1370 به لله ~~إنما هو PageV04P373 دماؤها ، وأما لحومها والانتفاع بها قبل نحرها وبعده ~~فغير ممنوع ، بل هو مباح بخلاف سنن الجاهلية . واختلف العلماء فى ركوب ~~الهدى الواجب والتطوع ، فذهب أهل الظاهر إلى أن ذلك جائز من غير ضرورة ، ~~وبه قال أحمد وإسحاق ، وبعضهم أوجب ذلك ، واحتجوا بحديث أبى هريرة وأنس ، ~~وكره مالك وأبو حنيفة والشافعى ركوبها من غير ضرورة ، وكرهوا شرب لبن ~~الناقة بعد رى فصيلها ، وقال أبو حنيفة والشافعى : إن نقصها الركوب والشرب ~~فعليه قيمة ذلك ، واحتجوا أن ما خرج لله فغير جائز الرجوع فى شىء منه ~~والانتفاع به إلا عند الضرورة . وقال الطحاوى : احتمل أن يكون النبى - صلى ~~الله عليه وسلم - أمر بركوب البدنة لغير ضرورة ، واحتمل أن يكون أمر بذلك ~~لضرورة ، فنظرنا فى ذلك فإذا نصر بن مرزوق ، حدثنا عن ابن معبد ، حدثنا ~~إسماعيل بن جعفر ، عن حميد ، عن أنس ( أن النبى عليه السلام رأى رجلا يسوق ~~بدنة ، وقد جهد ، فقال : اركبها ، فقال : يا رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - ، إنها بدنة ، قال اركبها ) . وروى ابن أبى شيبة حدثنا أبو خالد ~~الأحمر ، عن ابن جريج ، عن أبى الزبير ، عن جابر فى ركوب البدن قال : سمعت ~~النبى عليه السلام يقول : ( اركبها بالمعروف إذا لم تجد ظهرا ) . فأباح ~~عليه السلام ركوبها فى حال الضرورة ، فثبت أن حكم الهدى أن يركب للضرورة . ~~وقد روى عن ابن عمر ما يدل على هذا المعنى ، روى هشيم عن الحجاج ، عن نافع ~~، عن ابن عمر ( أنه كان يقال للرجل إذا ساق بدنة وأعيا : اركبها ، وما أنتم ~~بمستنين سنة هى أهدى من سنة محمد ) . PageV04P374 ثم اعتبرنا ذلك من طريق ~~النظر ، فرأينا ما الملك فيه متكامل كالعبد الذى لم يدبره مولاه ، والأمة ~~التى لم تلد ، والبدنة التى لم يوجبها صاحبها ، كل ذلك جائز بيعه ، ~~والانتفاع به وجائز تمليك منافعه ببدل وبغير بدل ، ورأينا البدنة إذا ~~أوجبها ربها ، فكل قد أجمع أنه لا يجوز أن يؤاجرها ، ولا يجوز أن يبيع ~~منافعها ، كان كذلك ليس له أن ينتفع بها ms1371 ، ولا يجوز له الانتفاع إلا بشىء ~~له التعوض بمنافعه وأخد البدل فيها ، وروى عن مجاهد فى قوله : { لكم فيها ~~منافع إلى أجل مسمى } [ الحج : 33 ] قال : فى طهورها وألبانها وأصوافها ~~وأوبارها حتى تصير بدنا ، وبه قال النخعى وعروة . قال المهلب : وفيه من ~~الفقه تكرير العالم الفتوى ، وفيه توبيخ الذى لا يأتمر بالفتوى والدعاء ~~عليه بالويل وشبهه ، مما عادة العرب أن تدعوا به ، وقيل : هذا مما لا يراد ~~به الوقوع ، وإنما هو على سبيل التحضيض ، وقد قال عليه السلام : ( إنما أنا ~~بشر أغضب كما تغضبون ، فمن سببتته فاجعل ذلك له كفارة وأجرا ) . فهذا دليل ~~أنه عليه السلام لم يرد بشىء من دعائه على من وبخه الوقوع . * * * # | 95 - باب من ساق الهدى معه # / 144 - فيه : ابن عمر ، قال : تمتع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فى ~~حجة الوداع بالعمرة إلى الحج ، وأهدى فساق معه الهدى من ذى الحليفة ، وبدأ ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأهل بالعمرة ، ثم أهل بالحج ، فتمتع ~~الناس مع النبى ، عليه السلام ، بالعمرة إلى الحج ، فكان من الناس من أهدى ~~، فساق الهدي ، ومنهم من لم يهد ، فلما قدم النبى ، عليه السلام ، مكة ، ~~قال للناس : ( من كان منكم أهدى ، PageV04P375 فإنه لا يحل لشيء حرم منه ~~حتى يقضى حجه ، ومن لم يكن منكم أهدى ، فليطف بالبيت وبالصفا والمروة ، ~~وليقصر ، وليحلل ، ثم ليهل بالحج ، فمن لم يجد هديا ، فليصم ثلاثة أيام فى ~~الحج ، وسبعة إذا رجع إلى أهله ) ، فطاف حين قدم مكة ، واستلم الركن أول ~~شىء ، ثم خب ثلاثة أطواف ومشى أربعا ، فركع حين قضى طوافه بالبيت عند ~~المقام ركعتين ، ثم سلم ، فانصرف فأتى الصفا ، فطاف بالصفا والمروة سبعة ~~أطواف ، ثم لم يحلل من شىء حرم منه حتى قضى حجه ، ونحر هديه يوم النحر ، ~~وأفاض فطاف بالبيت ، ثم حل من كل شىء حرم منه ، وفعل مثل ما فعل رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - من أهدى ، وساق الهدى من الناس . وقال ابن شهاب : ~~عن عروة ، أن عائشة أخبرته ، عن النبى ، عليه ms1372 السلام ، فى تمتعه بالعمرة ~~إلى الحج ، فتمتع الناس معه ، مثل حديث ابن عمر عن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - . قال المهلب : قول ابن عمر : ( تمتع رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - ) يعنى أنه أمر بذلك كما يقال : رجم رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - ولم يرجم ، وكتب ولم يكتب ، بل أمر بذلك وقوله : ( فى حجة الوداع ) ~~دليل أن النبى عليه السلام لم يتمتع فى خاصة نفسه ، بل كانت حجة مفردة ، ~~وسميت حجة الوداع ، وقوله : ( فبدأ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأهل ~~بالعمرة ) إنما يريد أنه بدأ حين أمرهم بالتمتع أن يهلوا بالعمرة أولا ، ~~ويقدموها قبل الحج ، أو ينشئوا الحج بعد العمرة إذا حلوا منها ، وقوله : ( ~~فتمتع الناس مع النبى عليه السلام ) معناه : تمتعوا بحضرته ، ومثل هذا فى ~~الكلام مشهور كما جاء فى الحديث : ( أن فلانا قتل مع النبى - صلى الله عليه ~~وسلم - فى بعض غزواته ) معناه : قتل بحضرة النبى عليه السلام . وقوله للناس ~~: ( من كان منكم أهدى فلا يحل من شئ ) دليل على أنه عليه السلام لم يتمتع ؛ ~~لأنه ساق الهدى ، ولم يحل كما PageV04P376 حل من لم يسق الهدى ، وما فى آخر ~~الحديث من تعليم الناس يفسر ما فى أوله من إشكال قوله : ( أنه تمتع ) لأن ~~المفسر يقضى على المجمل ، وقد صح عن ابن عمر أنه رد قول أنس : ( أن النبى ~~عليه السلام تمتع ) وقال : ( أهل النبى عليه السلام بالحج وأهللنا به ، ~~فلما قدمنا مكة ، قال : من لم يكن معه هدى فليجعلها عمرة ، وكان مع النبى ~~عليه السلام هدى ) ذكره البخارى عن مسدد فى كتاب المغازى ، وقد ذكرناه فى ~~باب : التمتع والقران والإفراد وفسخ الحج ، فكيف ينكر ابن عمر على أنس أن ~~النبى عليه السلام أهل بعمرة وحجة ؟ ! هذا ما لا يتوهمه عاقل ، فصح أن ~~تأويل قول ابن عمر فى هذا الباب : ( تمتع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~) أنه أمر بذلك ، لا أنه فعله عليه السلام فى خاصة نفسه ، وهذا التأويل ~~ينفى التناقض عن الخبرين ، ويجمع بين ms1373 المتضادين . وأما قوله فى حديث عروة : ~~أن عائشة أخبرته عن النبى عليه السلام فى تمتعه بالعمرة إلى الحج بمثل حديث ~~سالم عن أبيه ، فنعم هو مثله فى الوهم ؛ لأن أحاديث عائشة كلها من رواية ~~عروة والأسود والقاسم وعمرة مسقطة لهذا الوهم ؛ لأنهم يروون عنها أنها قالت ~~: ( خرجنا مع النبى عليه السلام ولا نرى إلا أنه الحج ) مخالفة لرواية ابن ~~شهاب عن عروة ، عن عائشة فى تمتعه بالعمرة التى فى آخر هذا الباب ، وموافقة ~~لرواية الجماعة عن عائشة ، وأما قوله فى الترجمة : باب من ساق البدن فإنما ~~أراد أن يعرف أن السنة فى الهدى أن يساق من الحل إلى الحرم . واختلف ~~العلماء فى ذلك . فقال مالك : من اشترى هديه بمكة أو بمنى ، ونحره ولم يقف ~~به بعرفة فى الحل فعليه بدله ، وهو مذهب ابن عمر وسعيد بن جبير ، وبه قال ~~الليث ، وروى عن القاسم أنه PageV04P377 أجازه إن لم يوقف به عرفة ، وقاله ~~أبو حنيفة والثورى والشافعى وأبو ثور ، قال الشافعى : وقف الهدى بعرفة سنة ~~لمن شاء إذا لم يسقه من الحل . وقال أبو حنيفة : ليس بسنة ؛ لأن النبى عليه ~~السلام إنما ساق الهدى من الحل ؛ لأن مسكنه كان خارج الحرم ، والحجة لمالك ~~أن النبى عليه السلام ساق الهدى من الحل إلى الحرم ، وقال : ( خذوا عنى ~~مناسككم ) . وأفعاله على الوجوب . * * * # | 96 - باب من اشترى الهدى من الطريق # / 145 - فيه : عبدالله بن عبدالله بن عمر ، أنه قال لأبيه : أقم فإنى لا ~~آمنها أن تصد عن البيت ، قال : إذا أفعل كما فعل رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - ، وقال : { لقد كان لكم فى رسول الله أسوة حسنة } [ الأحزاب : 21 ] ~~فأنا أشهدكم أنى قد أوجبت على نفسى العمرة ، فأهل بالعمرة من الدار ، قال : ~~ثم خرج حتى إذا كان بالبيداء أهل بالحج والعمرة ، وقال : ما شأن الحج ~~والعمرة إلا واحد ، ثم اشترى الهدى من قديد ، ثم قدم فطاف لهما طوافا واحدا ~~، فلم يحل حتى حل منهما جميعا . وقوله : ( إذا أفعل كما فعل رسول الله - ~~صلى الله ms1374 عليه وسلم - ) يعنى : من الإحلال حين صد بالحديبية على ما يأتى ~~ذكره فى باب : الحصر بعد إن شاء الله ، ولم يصد ابن عمر وأهل بعمرة من ~~المدينة ، فلما خرج إلى الميقات أردف الحج على العمرة وقال : ( ما شأنهما ~~إلا واحد ) يعنى فى العمل ، لأن القارن لا يطوف عنده إلا طوافا واحدا وسعيا ~~واحدا . وأجمع العلماء أن من أهل بعمرة فى أشهر الحج أن له أن يدخل عليها ~~الحج ما لم يفسخ الطواف بالبيت ، والحجة لهم أن أصحاب PageV04P378 النبى ~~عليه السلام أهلوا بعمرة فى حجة الوداع ، ثم قال لهم رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - : ( من كان معه هدى فليهل بالحج مع العمرة ، ثم لا يحل حتى يحل ~~منها جميعا ) . وبهذا احتج مالك فى الموطأ . واختلفوا فى إدخال الحج على ~~العمرة إذا افتتح الطواف ، فقال مالك : يلزمه ذلك ويصير قارنا ، وحكى أبو ~~ثور أنه قول الكوفيين ، وقال الشافعى : لا يكون قارنا ، وذكر أنه قول عطاء ~~، وبه قال أبو ثور . وأما إدخال العمرة على الحج ، فمنع منه مالك ، وهو قول ~~إسحاق وأبى ثور ، وأجازه الكوفيون وقالوا : يصير قارنا ، وقد أساء فيما فعل ~~، واختلف قول الشافعى على القولين ، وإنما أجاز مالك إرداف الحج على العمرة ~~، ولم يجز إرداف العمرة على الحج ؛ لأن عمل الحج يستغرق عمل العمرة ويزيد ~~عليها ، فإذا أدخل العمرة على الحج فلم يأت بزيادة فى العمل ، ولا أفاد ~~فائدة ، فلم يكن لإدخالهما على الحج معنى ، والقياس عند أبى حنيفة لا يمنع ~~إدخال عمرة على حجة ، ومن أصله أن على القارن طوافين وسعيين . وأما قول ~~البخارى : باب من اشترى الهدى من الطريق ، فإنما أراد أن يبين مذهب ابن عمر ~~أن الهدى ما أدخل من الحل إلى الحرم ؛ لأن قديدا حيث اشتراه ابن عمر من ~~الحل فى نصف طريق مكة ، وقد روى مالك عن نافع ، عن ابن عمر أنه كان يقول : ~~الهدى ما قلد وأشعر ، ووقف به بعرفة ، وكذلك فعل النبى عليه السلام فلا ~~معنى لقول من خالف هذا . وقوله : ( لا أيمنها ms1375 ) قال سيبويه : من العرب من ~~يكسر زوائد كل فعل مضارع ، ماضيه فعل ، ومستقبله يفعل ، إلى الياء ، ~~فيقولون : أنا PageV04P379 أعلم ، وأنت تعلم ، ونحن نعلم ، وهو يعلم بفتح ~~الياء ؛ كراهية الكسرة فيها لثقلها ، على هذا جاء : ( لا أيمنها ) لأنهم ~~يقولون : أيمن . * * * # | 97 - باب من أشعر وقلد بذى الحليفة ثم أحرم # وكان ابن عمر إذا أهدى من المدينة قلده وأشعره بذى الحليفة ، يطعن فى شق ~~سنامه الأيمن بالشفرة ، ووجهها إلى القبلة باركة . / 146 - فيه : مروان ، ~~والمسور ، قالا : خرج النبى ، عليه السلام ، زمن الحديبية من المدينة فى ~~بضع عشرة مائة من أصحابه ، حتى إذا كانوا بذى الحليفة ، قلد النبى ، عليه ~~السلام ، الهدى ، وأشعر ، وأحرم بالعمرة . / 147 - وفيه : عائشة ، قالت : ~~فتلت قلائد بدن رسول الله ، عليه السلام ، بيدى ، ثم قلدها وأشعرها وأهداها ~~، فما حرم عليه شىء كان أحل له . عرض البخارى فى هذا الباب أن يبين أن من ~~أراد أن يحرم بالحج أو العمرة ، وساق معه هديا ، فإن المستحب له أن لا يشعر ~~هديه ، ولا يقلده إلا من ميقات بلده ، وكذلك يستحب له أيضا أن لا يحرم إلا ~~بذلك الميقات على ما عمل النبى عليه السلام بالحديبية وفى حجته أيضا ، ~~وكذلك من أراد أن يبعث بهدى إلى البيت ولم يرد الحج والعمرة ، وأقام فى ~~بلده فإنه يجوز له أن يقلده وأن يشعره فى بلده ، ثم يبعث به كما فعل النبى ~~عليه السلام إذ بعث بهديه مع أبى بكر سنة تسع ، ولم يوجب ذلك على النبى - ~~صلى الله عليه وسلم - إحراما ولا تجردا من ثيابه ولا غير ذلك ، وعلى هذا ~~جماعة أئمة الفتوى ، منهم مالك ، والليث ، والأوزاعى ، PageV04P380 والثورى ~~، وأبو حنيفة ، والشافعى ، وأحمد ، وإسحاق ، وأبو ثور ، كلهم احتج بحديث ~~عائشة أن تقليد الهدى لا يوجب الإحرام على من لم ينوه ، وردوا قول ابن عباس ~~، فإنه كان يرى أن من بعث بهدى إلى الكعبة ، لزمه إذا قلده : الإحرام ، ~~وتجنب كل ما يتجنب الحاج حتى ينحر هديه ، وتابع ابن عباس على ذلك ابن عمر ، ~~وبه قال عطاء ، وهم محجوجون ms1376 بالسنة الثابتة فى حديث عائشة ، وليس أحد بحجة ~~على السنة . قال الطحاوى : وقد رأى ربيعة بن الهدير رجلا متجردا بالعراق ، ~~فسأل الناس عنه ، فقالوا : أمر بهديه أن يقلد ، فلذلك تجرد ، فذكر ذلك لابن ~~الزبير ، فقال : بدعة ورب الكعبة . فلا يجوز أن يكون ابن الزبير حلف على ~~ذلك أنه بدعة إلا وقد علم أن السنة خلاف ذلك . * * * # | 98 - باب فتل القلائد للبدن والبقر # / 148 - فيه : حفصة ، قالت : قلت : يا رسول الله ، ما شأن الناس حلوا ولم ~~تحلل أنت ؟ قال : ( إنى لبدت رأسى ، وقلدت هديى ، فلا أحل حتى أحل من الحج ~~) . / 149 - وفيه : عائشة ، كان النبى ، عليه السلام ، يهدى من المدينة ، ~~فأفتل قلائد هديه ، ثم لا يجتنب شيئا مما يجتنبه المحرم . فيه من الفقه : ~~أيما عمل لله من الأعمال فإنه يجب إتقانها وتحسينها ؛ ألا ترى عائشة لم ~~تقنع فى القلائد إلا بفتلها وإحكامها . وأجمع العلماء على تقليد الهدى ، ~~والتقليد إنما هو علامة للهدى ، كأنه إشهاد أنه أخرجه من ملكه لله تعالى ~~وليعلم الناس الذين يبتغون أكله فيشهدون نحره ، وفيه عمل أزواج النبى عليه ~~السلام PageV04P381 بأيديهن ، وخدمتهن فى بيوتهن ، وقد كان النبى عليه ~~السلام يخدم فى بيته . * * * # | 99 - باب إشعار البدن # قال المسور : قلد النبى ، عليه السلام ، الهدى وأشعره وأحرم بالعمرة . / ~~150 - فيه : عائشة ، قالت : فتلت قلائد هدى النبى ، عليه السلام ، ثم ~~أشعرها وقلدها ، أو قلدتها ، ثم بعث بها إلى البيت ، وأقام بالمدينة ، فما ~~حرم عليه شىء كان له حل . جمهور العلماء يرون إشعار البدن ؛ لأنه سنة ثابتة ~~، وممن رأى ذلك عمر بن الخطاب ، وابن عمر ، والحسن البصرى ، والقاسم ، ~~وسالم ، وعطاء ، وبه قال مالك ، وأبو يوسف ، ومحمد ، والشافعى ، وأحمد ، ~~وإسحاق ، وأبو ثور . وأنكر الإشعار أبو حنيفة وقال : إنما كان ذلك قبل ~~النهى عن المثلة ، وهذا تحكم لا دليل عليه وسوء ظن ، ولا تترك السنن ~~بالظنون ، وقد روى الإشعار عن النبى عليه السلام جماعة . قال ابن قصار : ~~فإن قيل : فقد روى عن عائشة : ( إن شئت فأشعر ، وإن شئت فلا ، فإنما أشعر ~~ليعلم أنها بدنة ms1377 إذا ضلت ) فدل أنه علامة ليس بنسك ، وقد روى مثل ذلك عن ~~ابن عباس ، قيل : إن ابن عباس وعائشة إنما أعلما أن الإشعار ليس بواجب ، ~~وبذلك نقول ، غير أن فعله أفضل من تركه ؛ لأن ابن عمر قال : لا هدى ~~PageV04P382 إلا ما قلد أو أشعر . أى لا هدى كامل ، ولا نقول إن الإشعار ~~نسك يجب فى تركه دم ، واستحب مالك الإشعار فى الشق الأيسر على ما رواه نافع ~~عن ابن عمر أنه ربما فعل هذا ، وربما فعل هذا . واستحب أبو يوسف ، ومحمد ، ~~والشافعى ، وأحمد ، وإسحاق الإشعار فى الشق الأيمن ، رواه معمر عن الزهرى ، ~~عن سالم ، عن أبيه أنه كان يفعله . واختلفوا فى إشعار البقر ، فكان ابن عمر ~~يقول : نشعر البقر فى أسنمتها ، وقال عطاء والشعبى : يقلد ويشعر . وهو قول ~~أبى ثور . وقال مالك : تشعر التى لها سنام وتقلد ، ولا تشعر التى لا سنام ~~لها وتقلد . وقال سعيد ابن جبير : تقلد ولا تشعر . # | 100 - باب من قلد القلائد بيده # / 151 - فيه : زياد بن أبى سفيان ، كتب إلى عائشة إن ابن عباس ، قال : من ~~أهدى هديا حرم عليه ما يحرم على الحاج حتى ينحر هديه ، قالت عائشة : ليس ~~كما قال ابن عباس ، أنا فتلت قلائد هدى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~بيدى ، ثم قلدها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بيديه ، ثم بعث بها مع ~~أبى ، فلم يحرم على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - شىء أحله الله له حتى ~~نحر الهدى . فيه من الفقه : جواز امتهان الخليفة فى الخدمة ، وتناول بعض ~~الأمور بنفسه ، وإن كان له من يكفيه ، ولا سيما فيما يكون من إقامة الشرائع ~~وأمور الديانة ، وفيه إنكار عائشة على ابن عباس أن من بعث بهدى فقد وجب ~~عليه الإحرام ، واحتجاجها عليه بفعل النبى PageV04P383 عليه السلام أنه بعث ~~مع أبى بكر سنة تسع بهدى ، وقعد عن الحج ، ولم يحرم عليه شئ ، وهذه حجة ~~قاطعة ، وقد تقدمت هذه المسألة فى باب : من أشعر وقلد الهدى بذى الحليفة ثم ~~أحرم . # | 101 - باب ms1378 تقليد الغنم # / 152 - فيه : عائشة ، قالت : أهدى الرسول - صلى الله عليه وسلم - مرة ~~غنما . / 153 - وقالت مرة : كنت أفتل القلائد للنبى - صلى الله عليه وسلم - ~~فيقلد الغنم ، ويقيم فى أهله حلالا . اختلف العلماء فى تقليد الغنم ، فممن ~~رأى تقليدها أخذا بهذا الحديث : عائشة أم المؤمنين ، وهو قول عطاء ، وبه ~~قال الشافعى ، وأحمد ، وإسحاق ، وأبو ثور . وقال مالك وأبو حنيفة : لا يقلد ~~الغنم ، وأظنه لم يبلغهم الحديث . # | 102 - باب القلائد من العهن # / 154 - فيه : عائشة ، قالت : فتلت قلائدها من عهن كان عندى . العهن : ~~الصوف ، وأكثر ما يكون مصبوغا ليكون أبلغ فى العلامة . # | 103 - باب تقليد النعل # / 155 - فيه : أبو هريرة ، رأى النبى ، عليه السلام ، رأى رجلا يسوق بدنة ~~، قال : ( اركبها ) ، قال : إنها بدنة ، فلقد رأيته راكبها يساير النبى ، ~~عليه السلام ، والنعل فى عنقها . قال ابن عمر : يقلد الهدى نعلين ، وبه قال ~~الثورى والشافعى ، وقال مالك : تجزئ النعل الواحدة ، وهو قول الزهرى ، وقال ~~الثورى : فم القربة تجزئ ونعلان أفضل لمن وجدهما . PageV04P384 # | 104 - باب الجلال للبدن # وكان ابن عمر لا يشق من الجلال إلا موضع السنام ، وإذا نحرها نزع جلالها ~~مخافة أن يفسدها الدم ، ثم يتصدق بها . / 156 - فيه : علي ، رضى الله عنه ، ~~قال : أمرنى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن أتصدق بجلال البدن التى ~~نحرت وبجلودها . قال الطبرى : فيه الإبانة أن من سنة رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - فى البدن إذا ساقها سائق إلى الكعبة أن يجللها ، فإذا بلغت ~~محلها أن ينحرها ، ويتصدق بلحومها وجلودها وجلالها ، وفيه أن لصاحبها أن ~~يولى نحرها غيره ، وأنه لا بأس عليه إن لم يلى ذلك بنفسه ، وفيه أن له أن ~~يولى قسم لحومها من شاء . وقال ابن المنذر : كان ابن عمر يجلل بدنه الأنماط ~~والبرود الحبر حتى يخرج من المدينة ، ثم ينزعها ويطويها حتى يكون يوم عرفة ~~فيلبسها إياها حتى ينحرها ، ثم يتصدق بها . قال المهلب : وهذا إنما فعله ~~على وجع التطوع والتبرع بما كان أهل به الله ألا يرجع فى شىء منه ، ولا ms1379 فى ~~المال المضاف إليه ، وليس بفرض عليه ، وكان مالك وأبو حنيفة والشافعى يرون ~~تجليل البدن . * * * # | 105 - باب ذبح الرجل البقر عن نسائه من غير أمرهن # / 157 - فيه : عائشة ، خرجنا مع النبى ، عليه السلام ، لخمس بقين من ذى ~~القعدة ، ولا نرى إلا الحج ، فلما دنونا من مكة أمر رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - من لم يكن PageV04P385 معه هدى إذا طاف وسعى بين الصفا والمروة ~~أن يحل ، قالت : فدخل علينا يوم النحر بلحم بقر ، فقلت : ما هذا ؟ قال : ~~نحر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن أزواجه . قال يحيى : فذكرته ~~للقاسم ، فقال : أتتك بالحديث على وجهه . وهذا الذبح إنما كان هدى التمتع ، ~~نحره رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عمن تمتع من أزواجه ، وأخذ جماعة من ~~العلماء بظاهر هذا الحديث ، وأجازوا الاشتراك فى هدى التمتع والقران على ما ~~تقدم فى حديث أبى جمرة عن ابن عباس ، ومنع مالك ذلك ، ولا حجة لمن خالف ~~مالكا فى هذا الحديث ؛ لأن قوله : ( نحر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~عن أزواجه البقر ) يحتمل أن يكون نحر عن كل واحدة منهن بقرة ، وهذا غير ~~مدفوع من التأويل . فإن قيل : إنما نحر البقر عنهن على حسب ما أتى عنه فى ~~الحديبية : ( أنه نحر البقرة عن سبعة والبدنة عن سبعة ) قيل : هذه دعوى لا ~~دليل عليها ؛ لأن نحره فى الحديبية كان عندنا تطوعا ، والاشتراك فى هدى ~~التطوع جائز على رواية ابن عبد الحكم عن مالك ، والهدى فى حديث عائشة واجب ~~، ولا يجوز الاشتراك فى الهدى الواجب ، فالحديثان مستعملان عندنا على هذا ~~التأويل . قال إسماعيل بن إسحاق : وأما رواية يونس عن الزهرى ، عن عمرة ، ~~عن عائشة : ( أن النبى عليه السلام نحر عن أزواجه بقرة واحدة ) فإن يونس ~~انفرد بذلك وحده ، وخالفه مالك فأرسله ، ورواه القاسم وعمرة عن عائشة ( أن ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذبح عن أزواجه البقر ) حدثنا بذلك أبو ~~مصعب ، عن مالك ، عن عبد الرحمن بن القاسم ، PageV04P386 عن أبيه ، عن ~~عائشة . وحدثنا به القعنبى عن ms1380 سليمان بن بلال ، عن يحيى ، عن عمرة ، عن ~~عائشة . وهذه أسانيد الفقهاء الذين يفهمون ما يحتاج إلى فهمه . قال المهلب ~~: فى حديث عائشة من الفقه أنه من كفر عن غيره كفارة يمين أو ظهار ، أو قتل ~~نفس ، أو أهدى عنه ، أو أدى عنه دينا بغير أمره ، أن ذلك كله مجزئا عنه ؛ ~~لأنه لم يعرف نساء النبى عليه السلام بما أدى عنهن من نحر البقر لما وجب ~~عليهن من نسك التمتع ، وهذا حجة لابن القاسم فى قوله : إذا أعتق الرجل عبده ~~عن غيره فى كفارة الظهار أنه يجزئه ، ولم يجز ذلك أشهب وابن المواز ، وقالا ~~: لا يعتق عنه بغير علمه ؛ لأنه فرض وجب عليه ، ودليل هذا الحديث لازم لهما ~~، ولمن قال بقولهما من الفقهاء . وقد تقدمت هذه المسألة واختلاف أهل العلم ~~فيما يجوز عمله بنية وبغير نية فى آخر كتاب الإيمان فى باب : ما جاء من ~~الأعمال بالنية والحسنة ، وقد تقدم معنى قوله : أتتك بالحديث على وجهه ، ~~وهو أنها ذكرت ابتداء الإحرام وذكرت انتهاءه حين وصلوا إلى مكة ، وفسخ من ~~لم يسق الهدى . * * * # | 106 - باب النحر فى منحر النبى ، عليه السلام ، بمنى # / 158 - فيه : ابن عمر ، أنه كان ينحر فىمنحر رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - ، وكان يبعث بهديه من جمع من آخر الليل حتى يدخل به منحر رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - مع حجاج فيهم الحر والمملوك . المنحر فى الحج بمنى ~~إجماع من العلماء ، فأما العمرة فلا طريق لنا فيها ، فمن أراد أن ينحر فى ~~عمرته ، أو ساق هديا تطوع به ، نحره PageV04P387 بمكة حيث شاء ، وهذا إجماع ~~أيضا ، فمن فعل هذا فقد أصاب السنة ، وبهذا قال مالك . وقال أبو حنيفة ~~والشافعى : إن نحر فى غير منى ومكة من الحرم أجزأه ، قالوا : وإنما أريد ~~بذلك مساكين الحرم ومكة . وقد أجمعوا أنه إن نحر فى غير الحرم ولم يكن ~~محصرا بعدو أنه لا يجزئه ، قال ابن القصار : والحجة لمالك ما ذكره فى موطئه ~~: أنه بلغه أن النبى عليه السلام قال فى ms1381 حجه بمنى : ( هذا المنحر ، ومنى ~~كلها منحر ) . فدل دليل الخطاب أن غيرهما ليس بمنحر ؛ لأنه كان يكفى أن ~~يذكر أحدهما لينبه به على سائر الحرم ، فلما خصها جميعا علم أن منى خصت ~~للحجاج ؛ لأنهم يقيمون بها ، فجعل نحرهم بها ، وجعل مكة منحرا للمعتمرين ~~إذا فرغوا من سعيهم عند المروة . فإن قيل : فقد نحر النبى عليه السلام هديه ~~بالحديبية وليست بمكة ولا منى ولكنها من الحرم ، قيل : هذا الهدى لم يكن ~~بلغ محله كما قال الله ، وإنما جاز له أن يذبحه فى غير محله ، كما جاز له ~~أن يخرج من إحرامه فى غير محله ، ولما قال الله فى الهدى : { معكوفا أن ~~يبلغ محله } [ الفتح : 25 ] علمنا أن محله مكة لقوله تعالى : { هديا بالغ ~~الكعبة } [ المائدة : 95 ] . وصد النبى عليه السلام لم يكن عن الحرم ، ~~وإنما كان عن البيت ؛ لأن الحديبية بعضها حرم ، وبعضها حل ، وترجح قياسا أن ~~مكة مخصوصة بالبيت ، والطواف بالبيت دون سائر الحرم ، ومنى مخصوصة بالتحلل ~~فيها بالرمى والمقام بها لبقية أعمال الحج ، وليس PageV04P388 كذلك سائر ~~الحرم ، فخص هذان الموضعان بالنحر فيهما لهذا التخصيص فيهما ، وكذلك فعل ~~الرسول وأصحابه بعده . * * * # | 107 - باب من نحر هديه بيده 108 - وباب نحر الإبل المقيدة # / 159 - فيه : ابن عمر ، أنه أتى على رجل قد أناخ بدنته ينحرها ، قال : ~~ابعثها قياما مقيدة سنة محمد - صلى الله عليه وسلم - . قال المهلب : معنى ~~قوله : ( قياما مقيدة ) يعنى : معقولة اليد الواحدة قائمة على ما بقى من ~~قوائمها ، وعلى هذا المعنى قراءة من قرأ ( صوافن ) لأنه قال : صفن الفرس ، ~~إذا رفع إحدى يديه ، وأما من قرأ : { صواف } [ الحج : 36 ] فإنه أراد قائمة ~~، وقال مالك : تعقل إن خيف أن تنفر ، ولا تنحر باركة إلا أن يصعب ، وبقية ~~الكلام فى هذا المعنى فى الباب الذى بعد هذا إن شاء الله . * * * # | 109 - باب نحر البدن قائمة # وقال ابن عمر : سنة محمد - صلى الله عليه وسلم - . وقال ابن عباس : { ~~صواف } [ الحج : 36 ] قياما . / 160 - فيه : أنس ، أن النبى ، عليه السلام ~~، لما أهل ms1382 على البيداء وأهل لنا بهما جميعا ، فلما دخل مكة ، أمرهم أن ~~يحلوا ، ونحر النبى ، عليه السلام ، بيده سبع بدن قياما ، وضحى بالمدينة ~~بكبشين أملحين . PageV04P389 قول ابن عمر : ( سنة رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - ) يعنى أن تنحر قياما ، ويشهد لهذا دليل القرآن ، قوله : { ~~فإذا وجبت جنوبها } [ الحج : 36 ] يعنى سقطت إلى الأرض ، وممن استحب أن ~~تنحر قياما : مالك ، والشافعى ، وأحمد ، وإسحاق ، وأبو ثور ، وقال أبو ~~حنيفة والثورى : تنحر باركة وقائمة ، واستحب عطاء أن ينحرها باركة معقولة . ~~قال المهلب : ( أهل لنا بهما جميعا ) معناه : أمر من أهل بالقران ممن لم ~~يفسخ حجه ؛ لأنه قد صح أنه عليه السلام كان مفردا بالحج . ولم يكن قارنا ، ~~فمعنى ( أهل لنا ) أى أباح لنا الإهلال بهما قولا ، فكان إهلاله لهم ~~بالإباحة أمرا ، وتعليما منه لهم كيف يهلون من قرن منهم ، وإلا فما معنى ( ~~لنا ) فى هذا الموضع ؟ وقد تقدم قول عائشة وابن عمر قول أنس ، ووصفهما له ~~بالصغر وقلة الضبط لهذه القصة . # | 110 - باب لا يعطى الجزار من الهدى شيئا # / 161 - فيه : علي ، قال : بعثنى النبى ، عليه السلام ، فقمت على البدن ، ~~فأمرنى بقسمت لحومها ، ثم أمرنى بقسمة جلالها وجلودها ، وأمرنى أنلا أعطى ~~عليها شيئا فى جزارتها . وترجم له باب : ( يتصدق بجلود الهدى ) ، وترجم له ~~باب : ( يتصدق بجلال البدن ) . وزاد فيه : قال على : ( أهدى النبى عليه ~~السلام مائة بدنة ، فأمرنى بلحومها فقسمتها ، ثم أمرنى بجلالها وجلودها ~~فقسمتها ) . اختلف العلماء فى هذا الباب ، فذهبت طائفة إلى الأخذ بهذا ~~PageV04P390 الحديث ، وقالوا : لا يعطى الجزار منها شيئا ، هذا قول مالك ~~وأبى حنيفة وأحمد ، وأجاز الحسن البصرى أن يعطى الجزار الجلد . واختلفوا فى ~~بيع الجلد ، فروى عن ابن عمر أنه لا بأس بأن يبيعه ، ويتصدق بثمنه ، وقاله ~~أحمد وإسحاق . وقال أبو هريرة : من باع إهاب أضحيته فلا أضحية له ، وقال ~~ابن عباس : يتصدق به أو ينتفع به ، ولا يبيعه ، وعن القاسم وسالم : لا يصلح ~~بيع جلودها ، وهو قول مالك ، وقال النخعى والحكم : لا بأس أن يشترى به ~~الغربان والمنخل ، ورخص ms1383 أبو هريرة فى بيعه ، وقال عطاء : إن كان الهدى ~~واجبا تصدق بإهابه ، وإن كان تطوعا باعه إن شاء فى الدين . وأما من أجاز ~~بيع جلودها ، فإنما قال ذلك والله أعلم قياسا على إباحة الله الأكل منها ، ~~فكان بيع الجلد والانتفاع به تبعا للأكل ، وهذا ليس بشئ ؛ لأنه يجوز أكل ~~لحمها ، ولا يجوز بيعه بإجماع ، والأصل فى كل ما اخرج لله تعالى أنه لا ~~يجوز الرجوع فى شىء منه ، ولولا إباحة الله الأكل منها ما جاز أن يستباح ، ~~فوجب ألا يتعدى الأكل إلى البيع إلا بدليل لا معارض له . قال المهلب : ~~وإعطاء الجازر منها فى جزارته عوضا من فعله وذبحه فهو بيع ، ولا يجوز بيع ~~شىء من لحمها ، وكذلك الجلد ، وقال : ولا يخلو الإهاب من أن يكون مع سائر ~~الشاة بإيجابها وذبحها فقد صار مسبلا فيما سلبت به الأضحية ، أو لم يصر ~~مسبلا إذا كان عليه دين ، فإن كان قد صار لما جعله له فغير جائز صرفه أو ~~صرف شىء منه إلا فيما سبله ، أو لم يصر ذلك فيما جعله له إذ كان عليه دين ، ~~فيكون إيجابه الشاة أضحية ، وجلدها غير جلد أضحية ، وذلك فيما لا يفعل فى ~~نظر ولا خبر . PageV04P391 والصواب إن كان الدين على صاحب الأضحية والبدنة ~~قبل إيجابها ، ولم يكن عنده ما يقضى غريمه سوى الشاة أو البدنة ، فإيجابه ~~لها عندنا باطل ، وملكه عليها ثابت ، وله بيعها فى دينه ، إذ ليس عليه ~~إتلاف ماله ، ولا صرفه فى غير قضاء دينه . * * * # | 111 - باب { وإذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت } إلى قوله : { فهو خير له ~~عند ربه } [ الحج : 26 - 30 ] # معنى الآية : أن الله تعالى أعلم نبيه بعظيم ما ركب قومه ، قريش خاصة دون ~~غيرهم ، من سائر عبادتهم فى حرمه والبيت الذى أمر خليله عليه السلام ببنائه ~~وتطهيره من الآفات والشرك إلها غيره ، وتقدير الكلام : ( واذكر إذ بوأنا ~~لإبراهيم هذا البيت الذى يعبد قومك فيه غيرى ) . روى معمر عن قتادة قال : ~~وضع الله تعالى البيت مع آدم حين أهبط إلى الأرض ms1384 ، وكان مهبطه بأرض الهند ، ~~ففقد أصوات الملائكة وتسبيحهم ، فشكا ذلك إلى الله تعالى فقال له : يا آدم ~~، أهبطت لك شيئا يطاف به كما يطاف حول عرشى ، ويصلى عنده كما يصلى حول عرشى ~~، فانطلق إليه ، فخرج ومد له فى خطوه ، فكان بين كل خطوتين مفازة ، فلم تزل ~~تلك المفازة على ذلك ، وأتى آدم البيت ، فطاف به ومن بعده من الأنبياء ، ثم ~~بوأ الله مكانه لإبراهيم بعد الغرق ، وقال ابن عباس فى قوله تعالى : { وأذن ~~فى الناس } [ الحج : 27 ] عنى بالناس هاهنا أهل القبلة ، ألم تسمعه قال : { ~~إن أول بيت وضع PageV04P392 للناس للذى ببكة مباركا } إلى { ومن دخله كان ~~آمنا } [ آل عمران : 96 ، 97 ] يقول : من دخله من الناس الذين أمر أن يوذن ~~فيهم ، وكتب عليهم الحج . وقال ابن عباس : { ليشهدوا منافع لهم } [ الحج : ~~28 ] ، قال : التجارة . واختلف الناس فى الأيام المعلومات ، فقال على بن ~~أبى طالب : هى يوم النحر ويومان بعده ، اذبح فى أيها شئت ، وأفضلها أولها ، ~~وهو قول ابن عمر وأهل المدينة ، وقال ابن عباس : هى العشر ويوم النحر منها ~~، وهو قول الكوفيين ، وأجمعوا أن المعدودات أيام التشريق الثلاثة ، وقد ~~ذكرنا لم سميت معلومات ومعدودات فى كتاب صلاة العيدين ، فى باب : فضل العمل ~~فى أيام التشريق . والبائس فى اللغة : الذى به البؤس ، وهو شدة الفقر ، ~~وقال ابن عباس : التفث : الحلق والتقصير والذبح والأخذ من الشارب واللحية ، ~~ونتف الإبط ، وقص الأظفار ، وكذلك هو عند أهل التفسير ، أنه الخروج من ~~الإحرام إلى الحل ، ولا يعرفه أهل اللغة إلا من التفسير ، وقال ابن عمر : ~~التفث : ما عليهم من الحج ، وقال مرة : المناسك كلها ، وقال مجاهد : { ~~وليوفوا نذورهم } [ الحج : 29 ] نذر الحج والمشى ، وما نذره من شىء يكون فى ~~الحج . والبيت العتيق سمى بذلك ؛ لأن الله أعتقه من الجبارة أن يصلوا إلى ~~تخريبه ، عن قتادة ومجاهد . وقال ابن زيد : سمى عتيقا لقدمه ؛ لأنه أول بيت ~~وضع للناس ، بناه آدم عليه السلام ، وهو أول من بناه ، ثم بوا الله موضعه ~~لإبراهيم بعد الغرق ، فبناه إبراهيم ms1385 وإسماعيل ، وقوله : { وليطوفوا بالبيت ~~} [ الحج : 29 ] هو طواف الإفاضة المفترض ، وسيأتى حكمه فى موضعه بعد هذا ~~إن شاء الله . PageV04P393 # | 112 - باب ما يأكل من البدن وما يتصدق # وقال ابن عمر : لا يؤكل من جزاء الصيد والنذر ، ويؤكل مما سوى ذلك . وقال ~~عطاء : يأكل ويطعم من المتعة . / 162 - فيه : جابر ، كنا لا نأكل من لحوم ~~بدننا فوق ثلاث ، فرخص لنا النبى ، عليه السلام ، فقال : ( كلوا وتزودوا ) ~~، فأكلنا وتزودنا . قلت لعطاء : أقال حتى جئنا المدينة ؟ قال : لا . / 163 ~~- وفيه : عائشة ، قالت : فدخل علينا يوم النحر بلحم بقر ، فقلت : ما هذا ؟ ~~قال : ذبح النبى ، عليه السلام ، عن أزواجه . قال ابن المنذر : اختلف ~~العلماء فيما يؤكل من الهدى ، وما لا يؤكل ، فكان ابن عمر يقول : لا يؤكل ~~من جزاء الصيد ، ولا من النذر ، ويكل مما سوى ذلك ، وروى مثله عن طاوس ~~والحسن ، وبه قال أحمد وإسحاق ، وروينا عن الحسن قولا ثانيا : أنه لا بأس ~~أن يأكل من جزاء الصيد ، ونذر المساكين ، وهو قول الحكم فى جزاء الصيد . ~~وقال مالك : يؤكل من الهدى كله إلا جزاء الصيد ، وفدية الأذى ، ونذر ~~المساكين ، وهو قول طاوس وسعيد بن جبير ، وذكر ابن المواز عن مالك أنه يأكل ~~من الهدى النذر ، إلا أن يكون نذره للمساكين ، وكذلك ما أخرجه بمعنى الصدقة ~~لا يأكل منه ، وهدى التطوع إذا قصر عن بلوغ محله وعطب فلا يؤكل منه ، وكان ~~الأوزاعى يكره أن يؤكل من جزاء الصيد وفدية الكفارة ، ويؤكل النذر وهدى ~~التمتع والتطوع . وقال أبو حنيفة : يؤكل هدى القران والمتعة والتطوع ، ولا ~~يأكل سوى ذلك ، وقال الشافعى : لا يأكل إلا هدى التطوع خاصة ، ولا يأكل من ~~المتعة والقران ، لأنه عنده واجب ، وهو قول أبى ثور ، واحتج ابن القصار ~~لقول مالك بقول الله تعالى : { ويذكروا اسم الله PageV04P394 فى أيام ~~معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام فكلوا منها وأطعموا } [ الحج : 28 ] ~~ولم يخص واجبا من تطوع ، فهو عام فى جواز الأكل إلا بدلالة ، وأيضا فإن ~~الإجماع حاصل على جواز الأكل من دم المتعة ms1386 ولا نعلم أحدا منعه قبل الشافعى ~~. وقول عائشة : ( فدخل علينا يوم النحر بلحم بقر ) يرد قوله ؛ لأنه لا خلاف ~~أن لحم البقر التى نحر النبى عليه السلام عن أزواجه كانت هدى المتعة التى ~~متعن ، وقد أمر الرسول - صلى الله عليه وسلم - أن يحمل إليهن منه ليأكلنه . ~~قال المهلب : وإنما لم يجز الكل من جزاء الصيد لأنه غرم جناية ، فإذا أكل ~~منه لم يغرم المثل الذى أوجب الله عليه ، وفدية الأذى من هذا الباب ، وأما ~~نذر المساكين فإذا نذره فقد أوجبه لهم ، فإذا اكل منه فلم ينفذ إليهم ~~حقوقهم . واحتج الطحاوى لأبى حنيفة فقال : ظاهر قوله : ( فكلوا منها ~~وأطعموا ) إباحة الأكل من جميع الهدايا إذ لم يذكر فى ذلك خاص منها ، ~~واحتمل أن باطن الآية كظاهرها ، واحتمل أن تكون على خلاف ظاهرها ، فنظرنا ~~فى ذلك ، فوجدنا أهل العلم لا يختلفون فى هذى التطوه إذا بلغ محله ؛ أنه ~~مباح لمهديه الأكل منه وأنه ما دخل فى هذه الآية ، وشهد بذلك السنن ~~المأثورة ، لأن النبى عليه السلام قد أكل من هديه فى حجته ، وكانت تطوعا ، ~~ووجدناهم لا يختلفون فى جزاء الصيد والنذر للمساكين أن مهدى ذلك لا يأكل ~~منه وأنه غير ذا حل فى هذه الآية . واختلفوا فى هدى القران والمتعة وهدى ~~الجماع ، فنظرنا فى ذلك فكان هدى المتعة والقران بهدى التطوع أشبه منهما ~~بما سوى ذلك من الهدايا إذا كان هاذان الهديان إنما يجبان بأفعال غير ~~PageV04P395 منهى عنها كالهدى التطوع الذى يجب بفعل غير منهى عنه ولم يكن ~~ذلك كهدى النذر ؛ لأن هدى النذر إنما يكون شكر الشىء يراد به أن يكون جزاء ~~له . كقول الرجل : إن بلغنى الله تعالى الحج فله على أن أهدى بدنة ، فأشبهت ~~العوض عن الأشياء التى تتعوض بهدى وكأن هدى الجماع بهدى جزاء الصيد أشبه ~~منه بهدى التطوع ؛ إذ كانت إصابة الصيد منهى عنها فى الإحرام ، وإصابة ~~الجماع كذلك فلم تجز أن يؤكل منها كما لا يجوز أن يؤكل من نظيرها من ~~الهدايا ، وأما هدى التطوع إذا ms1387 عطب قبل محله ، فقد اختلف أهل العلم فيه ، ~~فقالت طائفة : صاحبه ممنوع من الأكل منه . روى ذلك عن ابن عباس وهو قول ~~مالك وأبى حنيفة والشافعى ، ورخصت طائفة فى الكل منه ، روى ذلك عن عائشة ~~وعبد الله بن عمر . قال المؤلف : وأما حديث جابر فهو مجمل كالآية . وفيه : ~~جواز الأكل من الهدى دون تخصيص نوع منه بالمنع . وقد ذكرت أقوال العلماء فى ~~الآية ، واقتضى ذلك معنى الحديث . وقول جابر : كنا لا نأكل من لحوم بدننا ~~فوق ثلاث . فقال النخعى : وكان المشركون لا يأكلون من ذبائحهم ، فأبيح ~~للمسلمين الكل منها ، وإنما منعوا من ذلك فى أول الإسلام من أجل الدافة ~~فلما زالت العلة الموجبة لذلك أمرهم أن يأكلوا ويدخروا . واختلف فى مقدار ~~ما يأكل منها ويتصدق ، فذكر علقمة أن ابن مسعود أمره أن يتصدق بثلثه ، ~~ويأكل ثلثه ، ويهدى ثلثه . وروى عن عطاء ، وهو قول الشافعى وأحمد وإسحاق ، ~~وقال الثورى : يتصدق بأكثره . وقال أبو حنيفة : ما أحب أن يتصدق بأقل من ~~الثلث . PageV04P396 # | 113 - باب الذبح قبل الحلق # / 164 - فيه : ابن عباس ، قال ، عليه السلام : ( من حلق قبل أن يذبح لا ~~حرج ، لا حرج ) ، فقال رجل للنبى - صلى الله عليه وسلم - : زرت قبل أن أرمى ~~، قال : ( لا حرج ) ، قال : ذبحت قبل أن أرمى ، قال : ( لا حرج ) . قال : ~~رميت بعد ما أمسيت ؟ قال : ( لا حرج ) ، قال : حلقت قبل أن أنحر ، قال : ( ~~لا حرج ) . / 165 - وفيه : أبو موسى ، قال : قدمت على النبى ، عليه السلام ~~، وهو بالبطحاء ، فقال : ( أحججت ) ؟ قلت : نعم . . . الحديث إلى قول عمر : ~~وإن نأخذ بسنة النبى ، عليه السلام ، فإن النبى - صلى الله عليه وسلم - لم ~~يحل حتى بلغ الهدى محله . سنة الحاج أن يرمى جمرة العقبة يوم النحر ثم ينحر ~~، ثم يحلق رأسه ، ثم يطوف طواف الإفاضة ، وهو الذى يسميه أهل العراق : طواف ~~الزيارة ، وكذلك فعل النبى عليه السلام وهذا المعنى مقتضى حديث عمر فى حديث ~~أبى موسى أن النبى - صلى الله عليه وسلم - لم يحل حتى بلغ ، يريد أنه لم ~~يحلق حتى ms1388 نحر الهدى ، وهذا معنى الترجمة ، فمن قدم شيئا عن رتبته فللعلماء ~~فى ذلك أقوال : فذهب عطاء وطاوس ومجاهد إلى أنه إن قدم نسكا قبل نسك أنه لا ~~حرج عليه ، وبه قال أحمد وإسحاق ، وقال ابن عباس : من قدم من حجه شيئا أو ~~أخره فعليه دم . وهو قول الشعبى والحسن وقتادة . واختلفوا إذا حلق قبل أن ~~يذبح ، فقال مالك والثورى والأوزاعى والشافعى وأحمد وإسحاق وأبو ثور : لا ~~شىء عليه . وهو نص الحديث . وقال النخعى : عليه دم . وهو قول أبى حنيفة ، ~~قال : وكذلك إن كان قارنا ، والمراد بالمحل قوله تعالى : { ولا تحلقوا ~~PageV04P397 رؤوسكم حتى يبلغ الهدى محله } [ البقرة : 196 ] المكان الذى ~~يقع فيه النحر ؛ فإذا بلغ محله جاز أن يحلق قبل الذبح . وقال زفر : إن كان ~~قارنا فعليه دمان لتقدم الحلاق . وقال أبو يوسف ومحمد : لا شىء عليه . ~~واحتجا بقوله عليه السلام : ( لا حرج ) وقول أبى حنيفة وزفر مخالف للحديث ، ~~فلا وجه له . واختلفوا فيمن طاف للزيارة قبل أن يرمى ، فقال الشافعى : إن ~~ذلك يجزئه ويرمى ، على نص الحديث . وروى ابن عبد الحكم عن مالك أنه يرمى ثم ~~يحلق رأسه ، ثم يعيد الطواف ؛ فإن رجع إلى بلده فعليه دم ، ويجزئه طوافه ، ~~وهذا خلاف نص ابن عباس ، وأظن مالكا لم يبلغه الحديث ، وفيه رد لما كرهه ~~مالك أن يسمى طواف الإفاضة : طواف الزيارة ؛ لأن الرجل قال للنبى عليه ~~السلام : ( زرت قبل أن أرمى ) فلم ينكر الرسول - صلى الله عليه وسلم - عليه ~~. واختلفوا فيمن أفاض قبل أن يحلق بعد الرمى ، فقال ابن عمر : يرجع فيحلق ~~أو يقصر ، ثم يرجع إلى البيت فيفيض . وقالت طائفة : تجزئه الإفاضة ويحلق أو ~~يقصر ، ولا شىء عليه . هذا قول عطاء ومالك والشافعى ، وقال مالك فى الموطأ ~~: أحب إلى أن يهريق دما ؛ لحديث ابن عباس . وأما إذا ذبح قبل أن يرمى ، ~~فقال مالك وجمماعة من العلماء : لا شىء عليه ؛ لأن ذلك نص فى الحديث ، ~~والهدى قد بلغ محله ، وذلك يوم النحر ، كما لو لم ينحر المعتمر بمكة هديا ~~ساقه قبل ms1389 أن يطوف لعمرته . واختلفوا إذا قدم الحلق على الرمى ، فقال مالك ~~وأبو حنيفة : عليه الفدية ، والحجة فيها أنه حرام عليه أن يمس من شعره شيئا ~~، أو يلبس ، أو يمس طيبا حتى يرمى جمرة العقبة ، وقد حكم رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - PageV04P398 على من حلق رأسه قبل محله من ضرورة بالفدية ، ~~فكيف من غير ضرورة ؟ وجوزه الشافعى وأحمد وإسحاق وأبو ثور ، واحتجوا بقول ~~النبى عليه السلام فى التقديم والتأخير : ( لا حرج ) وسيأتى الكلام فيمن ~~رمى جمرة العقبة بعد ما أمسى فى بابه إن شاء الله . وتأول الكوفيون فى وجوب ~~الدم فيمن قدم شيئا من نسكه أن معنى قوله عليه السلام : ( لا حرج ) : لا ~~إثم ؛ لأنه عليه السلام كان يعلمهم مناسكهم ، فأخبرهم أن الحرج الذى رفع ~~عنهم هو لجهلهم لا لغير ذلك ؛ لأنهم كانوا أعرابا ، لا على أنه أباح لهم ~~عليه السلام التقديم والتأخير فى العمد . وهذا ابن عباس يوجب على من قدم من ~~نسكه شيئا أو أخره الدم ، وهو أحد من روى الحديث عن النبى عليه السلام فلم ~~يكن معنى ذلك عنده على الإباحة ، وذهب عطاء إلى أن معنى قوله : ( لا حرج ) ~~على العموم : لا شىء على فاعل ذلك من إثم ولا فدية . قال الطبرى : والدليل ~~على صحة هذا أن النبى عليه السلام لم يسقط عنه الحرج فى ذلك إلا وقد أجزأه ~~فعله ، ولو لم يكن عنده مجزئا لأمره إما بالإعادة ، وإما ببدل منه من فدية ~~وجزاء ، ولم يقل له : لا حرج ؛ لأن الفدية إنما تلزم الحاج للحرج الذى ~~يأتيه ، فعلم بذلك أن من قدم شيئا من نسكه ، فدخل وقته قبل شىء منه وأجزأه ~~أنه لا يلزمه شئ . فإن ظن ظان أن فى قول الرجل للنبى عليه السلام : نحرت ~~قبل أن أرمى ولم أشعر ، دلالة على أنه لا يجوز ذلك للعامد ، وأن عليه ~~القضاء إن كان مما يقضى ، أو الفدية إن كان مما لا يقضى ، فقد ظن غير ~~الصواب ، وذلك أن الجاهل والناسى لا يضع الجهل والنسيان الحكم الذى يلزمه ms1390 ~~المعتمد فى وضع مناسك الحج غير مواضعها ، PageV04P399 وإنما يضع الجهل ~~والنسيان فى ذلك : الإثم ، وذلك أنه لا خلاف بين الجميع أن جاهلا من الحاج ~~لو جهل ما عليه ، فلم يرم الجمرات حتى انقضت أيام الرمى ، أو أن ناسيا نسى ~~ذلك حتى مضت أيام الرمى ، أن حكمهم فيما يلزمهما من الفدية حكم المعتمد ، ~~وكذلك تارك الوقوف بعرفة جاهلا أو ناسيا حتى انقضى وقته ، وكذلك سائر أعمال ~~الحج سواء فى اللازم من الفدية ، والجاهل والعامد والناسى ، وإن اختلفت ~~أحوالهم فى الإثم ، فكذلك مقدم شىء من ذلك ومؤخره ، الجاهل والعامد فيه ~~سواء ؛ لأنه عليه السلام قال : ( لا حرج ) ولم يفصل بجوابه بين العالم ~~والجاهل والناسى . * * * # | 114 - باب من لبد رأسه عند الإحرام وحلق # / 166 - فيه : حفصة ، قالت : يا رسول الله ، ما شأن الناس حلوا بعمرة ، ~~ولم تحلل أنت من عمرتك ؟ قال : ( إنى لبدت رأسى وقلدت هديى ، فلا أحل حتى ~~أنحر ) . / 167 - وقال ابن عمر : حلق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فى ~~حجته . التلبيد : أن يجعل الصمغ فى الغسول ، ثم يلطخ به رأسه عند الإحرام ، ~~ليمنعه ذلك من الشعث ، وجمهور العلماء على أن من لبد رأسه فقد وجب عليه ~~الحلاق ، كما فعل النبى عليه السلام وبذلك أمر الناس عمر بن الخطاب وابن ~~عمر ، وهو قول مالك والثورى والشافعى وأحمد وإسحاق وأبى ثور ، وكذلك لو ضفر ~~شعره أو عقصه كان حكمه حكم التلبيد ؛ لأن الذى فعل : سنة التلبيد الذى أوجب ~~النبى عليه السلام فيه الحلاق ، وقال أبو حنيفة : من لبد رأسه أو ضفره ؛ ~~فإن قصر ولم يحلق أجزأه . وروى عن ابن عباس PageV04P400 أنه كان يقول : ( ~~من لبد أو عقص أو ضفر ؛ فإن كان نوى الحلق فليحلق ، وإن لم ينوه فإن شاء ~~حلق ، وإن شاء قصر ) وفعل النبى عليه السلام أولى ، وسيأتى فى كتاب اللباس ~~قول عمر : ( من ضفر فليحلق ، ولا تشبهوا بالتلبيد ) ومعناه إن شاء الله . * ~~* * # | 115 - باب الحلق والتقصير عند الإحلال # / 168 - فيه : ابن عمر ، أن النبى ، عليه السلام ، قال : ( اللهم ارحم ~~المحلقين ms1391 ) ، قالوا : والمقصرين يا رسول الله ، قال : ( اللهم ارحم ~~المحلقين ) ، قالوا : والمقصرين يا رسول الله ، قال : ( والمقصرين ) . / ~~169 - وفيه : [ ابن عمر ] حلق النبى ، عليه السلام ، وطائفة من أصحابه ، ~~وقصر بعضهم . / 170 - وفيه : معاوية ، قال : قصرت عن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - بمشقص . هذا الموضع الذى قال فيه رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - هذا القول كان بالحديبية ، ذكره ابن إسحاق عن الزهرى ، عن عروة ، عن ~~مروان بن الحكم والمسور بن مخرمة قالا : ( لما فرغ رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - من الكتاب ، أمر الناس أن ينحروا ويحلقوا ، فوالله ما قام رجل ~~؛ لما دخل فى قلوب الناس من الشر ، فقالها رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- ثلاث مرات ، فما قام أحد ، فقام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فدخل ~~على أم سلمة ، فقال لها : ( أما ترى الناس آمرهم بالأمر لا يفعلونه ) ، ~~فقالت : يا رسول الله ، لا تلمهم ؛ فإن الناس دخلهم أمر عظيم مما رأوك حملت ~~على نفسك فى الصلح ، فاخرج يا رسول الله لا تكلم أحدا حتى تأتى هديك فتنحر ~~وتحل ؛ فإن الناس إذا رأوك فعلت ذلك فعلواه . فخرج رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - ففعل ذلك ، فقام الناس فنحروا ، فحلق بعض وقصر بعض ، فقال رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - : ( اللهم اغفر PageV04P401 للمحلفين ، ثلاثا ~~، وقال فى الثالثة : وللمقصرين ) . وذكر ابن إسحاق عن ابن أبى نجيح ، عن ~~مجاهد ، عن ابن عباس قال : حلق رجال يوم الحديبية وقصر آخرون ، فقال رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - : ( اللهم ارحم المحلقين ، ثلاثا ، قيل : يا ~~رسول الله ، ما بال المحلقين ظاهرات لهم فى الترحم ؟ قال : ( لأنهم لم ~~يشكوا ) . واختلف أهل العلم هل الحلاق نسك يجب على الحاج والمعتمر أم لا ~~فقال مالك : هو نسك يجب على الحاج والمعتمر ، وهو أفضل من التقصير ، ويجب ~~على من فاته الحج أو الحصر بعدو أو بمرض . وهو قول جماعة من الفقهاء ، إلا ~~فى الحصر ؛ فإنهم اختلفوا هل هو من النسك ؟ فقال أبو حنيفة : ليس على ~~المحصر تقصير ولا حلاق ms1392 . وهذا أمر النبى عليه السلام أصحابه بالحديبية حين ~~صد عن البيت بالحلاق وهم محصورون ، فلا وجه لقوله . وقال الشافعى مرة : ~~الحلاق من النسك . وقال مرة : الحلاق من الإحلال ؛ لأنه ممنوع منه للإحرام ~~. وقال غيره : من جعل الحلاق نسكا أوجب على من تركه الدم ، ومن جعله من باب ~~الإحلال لم يوجب على من تركه شيئا ، ودعاء الرسول - صلى الله عليه وسلم - ~~للمحلقين ثلاثا دليل على أن الحلاق نسك ، فلا وجه لإسقاط أبى حنيفة له عن ~~المحصر . قال ابن القصار : والدليل على أنه نسك يجب عليه عند التحلل قوله ~~تعالى : { لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين محلقين رؤوسكم ومقصرين } ~~[ الفتح : 27 ] فخص الحلق والتقصير من بين المباحات ، ولم يقل : لابسين ~~متطيبين ، فعلم أن الحلاق نسك ، وليس حكمه PageV04P402 حكم اللباس وغيره ، ~~وأيضا فإنه دعا للمحلقين ثلاثا ، ولم يدع لهم على شىء من فعل المباحات مثل ~~اللباس والطيب ، ودعاؤه عليه السلام معه الثواب ، فثبت أن الحلاق نسك ؛ لأن ~~الثواب يقع عليه ، ولو كان أباحه من حظر لم يستحق الدعاء والثواب عليه . ~~واجمعوا أن النساء لا يحلقن ، وأن سنتهن التقصير . قال المهلب : ووجه دعاء ~~النبى - صلى الله عليه وسلم - للمحلقين ثلاثا والله أعلم أن التحليق أبلغ ~~فى العبادة ، وأدل على صدق النية فى التذلل لله ؛ لأن المفصر لشعره مبق ~~لنفسه من الزينة التى أراد الله أن يأتيه المستجيبون لدعوته بالحج مبرئين ~~منها ، مظهرين للذلة والخشوع ، مجانبين للطيب والتزين كله ، شعثا غبرا ، ~~ومن ترك من شعره البعض فقد أبقى لنفسه من الزينة ما دل على أنه لم يتزين ~~بالشعث والغبرة لله وحده ، فأكد النبى عليه السلام الحض على الشعث والغبرة ~~بالدعوة لمن آثرها على إبقاء الزينة لدنياه ، ثم جعل له من الدعوة نصيبا ، ~~وهو الربع ، لئلا يخيب أحدا من أمته من صالح دعوته . وقال أبو عبيد : ~~المشقص : النصل الطويل ، وليس بالعريض . قال أبو حنيفة الدينورى : المشقص : ~~كل نصل فيه عين وكل ناتئ فى وسطه حديدة فهو عين ومنه عين الكتف والورقة . ~~PageV04P403 # | 116 - باب تقصير المتمتع ms1393 بعد العمرة # / 171 - فيه : ابن عباس ، قال : لما قدم الرسول - صلى الله عليه وسلم - ~~مكة أمر أصحابه أن يطوفوا بالبيت وبالصفا والمروة ، ثم يحلوا ويحلقوا ، أو ~~يقصروا . وليس فيه أكثر من أن الحلاق أو التقصير لازم للمعتمر كما يلزم ~~الحاج ؛ لأمر النبى - صلى الله عليه وسلم - المتمتعين عند الإحلال به . * * ~~* # | 117 - باب الزيارة يوم النحر # قالت عائشة وابن عباس : أخر الرسول - صلى الله عليه وسلم - الزيارة إلى ~~الليل ، وذكر ابن عباس ، عن الرسول - صلى الله عليه وسلم - أنه كان يزور ~~البيت أيام منى . / 172 - فيه : ابن عمر ، أنه طاف طوافا واحدا ، ثم يقيل ، ~~ثم يأتى منى ، يعنى يوم النحر . ورفعه عبدالرزاق . / 173 - وفيه : عائشة ، ~~حججنا مع النبى ، عليه السلام ، فأفضنا يوم النحر ، فحاضت صفية ، فأراد ~~الرسول - صلى الله عليه وسلم - منها ما يريد الرجل من أهله ، فقال : ( ~~حابستنا هي ) ؟ قالوا : يا رسول الله ، أفاضت يوم النحر ، قال : ( اخرجوا ) ~~، قال الله تعالى : { ثم ليقضوا تفثهم وليوفوا نذورهم وليطوفوا بالبيت ~~العتيق } [ الحج : 29 ] . وأجمع العلماء أن هذا الطواف هو الواجب : طواف ~~الإفاضة ؛ ألا ترى أن النبى عليه السلام لما توهم أن صفية لم تطف يوم النحر ~~، PageV04P404 قال : ( أحابستنا هى ؟ ) فلما أخبر أنها قد طافت للإفاضة ، ~~قال : فلا إذا . فأخبر أنه يجزئها عن غيره ، فاستحب جميع العلماء طواف يوم ~~النحر ثم يرجع إلى منى للمبيت والرمى ، وذكر عبد الرزاق عن سعيد بن جبير : ~~أنه كان إذا طاف يوم النحر لم يزد على سبع ، وأخر ، وعن طاوس مثله ، وعن ~~الحكم قال : أصحاب عبد الله لا يزيدون يوم النحر على سبع ، وأخر . قال ~~الحجاج : فسألت عطاء ، فقال : طف كم شئت ، ولا خلاف بين الفقهاء أن من أخر ~~طوافه من يوم النحر ، وطافه فى أيام التشريق أنه مؤد لفرضه ، ولا شىء عليه ~~. واختلفوا إن أخره حتى مضت أيام التشريق ، فقال عطاء : لا شىء عليه . وهو ~~قول أبى يوسف ومحمد والشافعى وأبى ثور ، وقال مالك : إن عجله فهو أفضل ، ~~وإن أخره حتى مضت أيام التشريق ، وانصرف من ms1394 منى إلى مكة فلا بأس ، وإن أخره ~~بعد ما أنصرف من منى أياما ، وتطاول ذلك فعليه دم . واختلفوا إذا آخره حتى ~~رجع إلى بلده ، فقال عطاء ، ومالك ، والثورى ، وأبو حنيفة ، والشافعى ، ~~وأحمد ، وإسحاق ، وأبو ثور : يرجع فيطوف ، لا يجزئه غيره . وروى عن عطاء ~~قول ثان : وهو أن يأتى عاما قابلا بحج أو عمرة . وقال ابن القاسم فى ~~المدونة : ورواه ابن عبد الحكم عن مالك أن طواف الدخول يجزئه عن طواف ~~الإفاضة لمن نسيه إذا رجع إلى بلده ، وعليه دم . وروى ابن الماجشون ومطرف ~~عن مالك أن طواف الدخول لا يجزئ عن طواف الإفاضة البتة ، وإنما يجزئ عندهم ~~عن طواف الإفاضة كل عمل يعمله الحاج يوم النحر وبعده فى حجته . وهو قول أبى ~~حنيفة والشافعى ، قال إسماعيل بن إسحاق : والحجة لذلك : PageV04P405 { ثم ~~ليقضوا تفثهم وليوفوا نذورهم وليطوفوا بالبيت العتيق } [ الحج : 29 ] ففرض ~~الطواف بالبيت العتيق بعد قضاء التفث ، وذلك طواف الإفاضة يوم النحر بعد ~~الوقوف بعرفة ، فإذا طاف تطوعا أجزأه عن فرضه ؛ لأنه جاء بطواف فى وقته . ~~وقال ابن القصار : لما كان الإحرام بالحج إذا انعقد ناب تطوعه عن فرضه ، ~~كطواف الوداع ينوب عن طواف الفرض ، ولو أوقع طواف تطوع ولم يعتقده طواف ~~الإفاضة لناب عنه بلا خلاف . وقال ابن شعبة : إنما قالوا : يجزئه ؛ لأن كل ~~عمل يكون فى الحج ينوى به التطوع ، ولم يكمل فرض الحج ، فالفرض أولى به من ~~النية التى نويت به ، كالداخل فى صلاة بإحرام نواه بها ، ثم صلى منها صدرا ~~، ثم ظن أنه قد فرغ منها ، فصلى ما بقى على أنه تطوع عنده ، فهو للفرض الذى ~~ابتدأه ولا تضره نيته إذ لم يقطع الصلاة عمدا . قال المهلب : وقد خص الله ~~الحج بما لم يخص غيره من الفرائض وذلك قوله : { الحج أشهر معلومات فمن فرض ~~فيهن الحج } [ البقرة : 197 ] الآية ، فمن فرض الحج فى حرمه وشهوره فليس له ~~أن ينتقل عما فرضه بنية إلى غيره حتى يتمه ؛ لأن العمل على النية الأولى ~~حتى يكملها ، وهو فرضه ؛ لقوله ms1395 تعالى : { وأتموا الحج والعمرة لله } [ ~~البقرة : 196 ] ألا ترى أن من وطئ بعد جمرة العقبة قبل طواف الإفاضة ، أن ~~منهم من قال : يحج قابلا . ومنهم من قال : إن أحرم بعمرة وأهدى أجزأه ذلك . ~~وهم : ابن عباس وعكرمة وطاوس وربيعة ، وفسره ابن عباس | فقال : إنما ( يفي ~~من أمره ) أربعة أميال ، فيحرم من التنعيم أربعة أميال ، فيكون طواف مكان ~~طواف ، وهذا طواف عمرة يجزئه عن طواف PageV04P406 فريضة ، وكذلك القارن ~~يجزئه طواف واحد وسعى واحد لعمرته وحجته ، للسنة الثابتة عن عائشة وابن عمر ~~عن النبى عليه السلام والعمرة تطوع . # | 118 - باب إذا رمى بعد ما أمسى أو حلق قبل أن يذبح ناسيا أو جاهلا # / 174 - فيه : ابن عباس ، أن النبى ، عليه السلام ، قيل له فى الذبح ~~والحلق والرمى ، والتقديم والتأخير ، فقال : ( لا حرج ) . أجمع العلماء أن ~~الاختيار فى رمى جمرة العقبة يوم النحر من طلوع الشمس إلى زوالها ، وأنه إن ~~رمى قبل غروب الشمس من يوم النحر أجزأ عنه ، إلا مالكا فإنه يستحب له أن ~~يهريق دما يجئ به من الحل . واختلفوا فيمن رمى من الليل أو من الغد ، فقال ~~مالك : عليه دم . وهو قول عطاء والثورى وإسحاق ، وقال مالك فى الموطأ : من ~~نسى جمرة من الجمار أيام منى حتى يمسى ، يرميها أى ساعة ذكرها من ليل أو ~~نهار ما دام بمنى ، كما يصلى الصلاة أى ساعة ذكرها من ليل أو نهار . ولم ~~يذكر دما ، ومرة لا يرى عليه ذلك ، وقال أبو حنيفة : إن رماها من الليل فلا ~~شىء عليه ، وإن أخرها إلى الغد فعليه دم . وقال أبو يوسف ومحمد والشافعى : ~~لا شىء عليه وإن أخرها إلى الغد . واحتجوا PageV04P407 بقول الرسول - صلى ~~الله عليه وسلم - : ( لا حرج ) للذى قال له : رميت بعد ما أمسيت . وأيضا ~~فإن النبى عليه السلام أرخص لرعاء الإبل فى مثل ذلك ، يرعون بالنهار ويرمون ~~بالليل ، وما كان ليرخص لهم فيما لا يجوز ، وحجة مالك أن النبى عليه السلام ~~وقت لرمى جمرة العقبة وقتا ، وهو يوم النحر ، فمن رمى بعد ms1396 غروب الشمس فقد ~~رمى بعد وقتها ، ومن فعل فى الحج شيئا بعد وقته فعليه دم ، وقد تقدم ~~اختلافهم فى رمى جمرة العقبة قبل طلوع الفجر ، أو قبل طلوع الشمس من يوم ~~النحر لأهل العذر وغيرهم فى باب ( من قدم ضعفة أهله بالليل ) فأغنى عن ~~إعادته . وأما قوله : ناسيا أو جاهلا ، فإن العلماء لم يفرقوا بين الجاهل ~~والعامد فى أمور الحج ، وقد تقدم الاختلاف فيمن حلق قبل أن يذبح فى باب ( ~~الذبح قبل الحلق ) فأغنى عن إعادته . فإن قال قائل : ما معنى قول القائل ~~للنبى عليه السلام : ( رميت بعد ما أمسيت ) وهذا يوهم أنه كان السؤال له ~~عليه السلام بعد انقضاء المساء ، وهذا حديث عبد الله بن عمرو فى الباب بعد ~~هذا أنه وقف النبى عليه السلام على ناقته يوم النحر للناس يسألونه ، وذكر ~~الحديث . فالجواب : أن العرب تسمى ما بعد الزوال : مساء وعشاء ورواحا ، وهو ~~مشهور فى لغتهم ، روى مالك عن ربيعة ، عن القاسم بن محمد أنه قال : ما ~~أدركت الناس إلا وهم يصلون الظهر بعشى . وإنما يريد تأخيرها إلى ربع القامة ~~، وتمكن الوقت فى شدة الحر ، وهو وقت الإبراد الذى أمر به عليه السلام . ~~PageV04P408 # | 119 - باب الفتيا على الدابة عند الجمرة # / 175 - فيه : عبدالله بن عمرو ، وقف النبى ، عليه السلام ، فى حجة ~~الوداع ، فجعلوا يسألونه ، فقال رجل : لم أشعر ، فحلقت قبل أن أذبح ، قال : ~~( اذبح ولا حرج . . . ) ، الحديث . وقد تقدم هذا التبويب فى كتاب العلم ، ~~وأن معناه أنه يجوز أن تسأل العالم وإن كان مشتغلا بطاعة الله تعالى وقد ~~أجاب السائل وقال له : ( لا حرج ) وكل ذلك طاعة لله تعالى . # | 120 - باب الخطبة أيام منى # / 176 - فيه : ابن عباس ، أن النبى ، عليه السلام ، خطب الناس يوم النحر ~~، فقال : ( يا أيها الناس أى يوم هذا ) ؟ قالوا : يوم حرام ، قال : ( فأى ~~بلد هذا ) ؟ قالوا : بلد حرام ، قال : ( فأى شهر هذا ) ؟ قالوا : شهر حرام ~~، قال : ( فإن دماءكم ، وأموالكم ، وأعراضكم ، عليكم حرام كحرمة يومكم هذا ~~، فى بلدكم هذا ، فى شهركم هذا ) ، فأعادها مرارا ms1397 ، ثم رفع رأسه ، فقال : ( ~~اللهم هل بلغت ) مرتين . قال ابن عباس : فوالذى نفسى بيده إنها لوصيته إلى ~~أمته ، ( فليبلغ الشاهد الغائب لا ترجعوا بعدى كفارا ، يضرب بعضكم رقاب بعض ~~) . وقال جابر بن زيد : سمعت ابن عباس ، قال : سمعت النبى ، عليه السلام ، ~~يخطب بعرفات . / 177 - وفيه : أبو بكرة ، خطبنا النبى - صلى الله عليه وسلم ~~- يوم النحر . . . فذكر مثله سواء . / 178 - وفيه : ابن عمر ، قال النبى ، ~~عليه السلام ، بمنى : ( أتدرون أى يوم هذا ) ؟ . . . الحديث . PageV04P409 ~~وقال هشام بن الغاز : أخبرنا نافع ، عن ابن عمر وقف النبى ، عليه السلام ، ~~يوم النحر بين الجمرات فى الحجة التى حج ، بهذا ، وقال : ( هذا يوم الحج ~~الأكبر ) ، فطفق النبى - صلى الله عليه وسلم - يقول : ( اللهم اشهد ) ، ~~فودع الناس ، فقالوا : هذه حجة الوداع . اختلف الناس فى خطب الحج ، فكان ~~مالك يقول : يخطب الإمام فى اليوم السابع قبل يوم التروية بيوم ، ويخطب ~~ثانى يوم النحر ، وهو يوم القر ، سمى بذلك ؛ لأن الناس يستقرون فيه بمنى . ~~وهو قول أبى حنيفة وأصحابه ، ووافقهم الشافعى فى خطبة اليوم السابع يأمرهم ~~بالغدو إلى منى ، وخطبة يوم عرفة بعد الزوال ، وخالفهم فقال : يخطب يوم ~~النحر بعد الظهر ، يعلم الناس فيها النحر والرمى والتعجيل لمن أراد ، وخطبة ~~رابعة : ثالث يوم النحر بعد الظهر ، وهو يوم النفر الأول ، يودع الناس ~~ويعلمهم أن من أراد التعجيل فذلك له ، ويأمرهم أن يختموا حجهم بتقوى الله ~~وطاعته . واحتج الشافعى بخطبة يوم النحر بحديث ابن عباس وابن عمر وأبى بكرة ~~( أن النبى عليه السلام خطب يوم النحر ) قال الشافعى : وبالناس حاجة إلى ~~هذه الخطبة ليعلمهم المناسك ، وإن علمهم النحر والإفاضة إلى مكة للطواف ~~والعود إلى منى للمبيت بها ، فوجب أن يكون ذلك سنة . وقال ابن القصار : أما ~~خطبة يوم النحر فإنه عليه السلام إنما وقف للناس فقال : أى يوم هذا ؟ وأى ~~شهر هذا ؟ وأى بلد هذا ؟ فعرفهم أن دماءهم وأموالهم وأعراضهم حرام ، وأمرهم ~~بتبليغ ذلك لكثرة اجتماعهم من أقاصى الأرض ، فظن أنه خطب . وقال الطحاوى : ~~لم تكن هذه الخطبة من أسباب ms1398 الحج ؛ لأنه عليه PageV04P410 السلام ذكر فيها ~~أمورا لا يصلح لأحد بعده ذكرها ، والخطبة إنما هى لتعليم الحج ، ولم ينقل ~~أحد عنهم أنه علمهم يوم النحر شيئا من سنن الحج ، فعلمنا أن خطبة يوم النحر ~~لم تكن للحج ، وإنما كانت لما سواه . قال ابن القصار : وقوله : يحتاج أن ~~يعلمهم النحر ، فقد تقدم تعليمهم فى خطبته يوم عرفة ، وأعلمهم ما عليهم فيه ~~وبعده ، وخطب ثانى النحر فأعلمهم ما بقى عليهم فى يومه وغده ، وأن التعجيل ~~يجوز فيه ، وكذلك خطب قبل يوم التروية بيوم وهو بمكة ، فكانت خطبه ثلاثا ، ~~كل خطبة ليومين ، وأما قول الشافعى أنه يخطب ثالث يوم النحر ، مع اجتماعهم ~~بأنها خطبة يأمر الإمام الناس فيها بالتعجيل إن شاءوا ، ولما كان لم ~~يختلفوا فيه أن الخطبة التى يأمر الإمام الناس فيها بالخروج إلى منى قبل ~~الخروج إليها ، كان كذلك الخطبة التى يأمرهم فيها بالتعجيل فى يومين قبل ~~ذلك أيضا . قال ابن المواز : الخطبة الأولى قبل التروية بيوم فى المسجد ~~الحرام بعد الظهر لا يجلس فيها ، والثانية بعرفة يجلس فى وسطها ، والثالثة ~~بمنى أول يوم من أيام التشريق ، وهى بعد الظهر لا يجلس فيها ، وهى كلها ~~تعليم المناسك ، ولا يجهر بالقراءة فى شىء من صلاتها . وقال الطبرى : معنى ~~قوله عليه السلام : ( إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام ) يريد أن دماء بعضكم ~~وأمواله وأعراضه حرام على البعض الآخر ، فأخرج الخبر عن تحريم ذلك على وجه ~~الخطاب لهم ؛ إذ كانوا أهل ملة واحدة ، وكان جميعهم فيما لبعضهم على بعض من ~~الحق فى معنى الواحد فيما لنفسه وعليه ، وذلك نظير قوله تعالى : { يا أيها ~~الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض ~~منكم ولا تقتلوا أنفسكم } [ النساء : 29 ] والمعنى : لا يأكل بعضكم ~~PageV04P411 مال بعض بالباطل ، ولا يقتل بعضكم بعضا ، وذلك أن المؤمنين ~~بعضهم إخوة بعض ، فما أصاب أخاه من مكروه فكأنه المصاب به ، ومثله قوله ~~تعالى موبخا لبنى إسرائيل الذين كانوا بين ظهرانى المسلمين فى قتل بعضهم ~~بعضا من ديارهم : { وإذ ms1399 أخذنا ميثاقكم لا تسفكون دماءكم ولا تخرجون أنفسكم ~~من دياركم } [ البقرة : 84 ] فأخرج الخبر عن قتل بعضهم لبعض على وجه الخبر ~~عن أنفسهم ، وفيه البيان عن أن الله حرم من مال المسلم وعرضه نظير الذى حرم ~~من دمه ، وسوى بين جميعه فلا يستحل ماله ، وكذلك قال ابن مسعود فى خطبته : ~~حرمة مال المسلم كحرمة دمه . فإن قال قائل : فإنك تستحل سفك دماء أقوام من ~~المسلمين وأنت لأموالهم محرم ، وذلك كقطاع الطريق والخوارج ومن يجب قتله ~~بحد لزمه . قيل : أما هؤلاء فإنما لزم الإمام سفك دمائهم إقامة لحد الله ~~الذى وجب عليهم ، وليس ذلك استحلالا لزمه من الوجه الذى سوى الله بينه وبين ~~ماله وعرضه فى الحرمة ، وإنما ذلك عقوبة لجرمه دون ماله ، كما أمر بعقوبة ~~آخر فى ماله دون بدنه ، وليس إلزامه الدية استحلالا لماله من الوجه الذى ~~سوى بينه وبين دمه وماله ، وإنما الوجه الذى سوى بين حرمة جميع ذلك فى ألا ~~يتناول شيئا منه بغير حق ، فحرام أن يغتاب أحد بسوء بغير حق ، وكذلك ماله ؛ ~~أخذ شىء منه حرام بغير حق كتحريم دمه . وأما قوله عليه السلام : ( لا ~~ترجعوا بعدى كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض ) فإنه قد تقدم منه عليه السلام إلى ~~أمته بالثبوت على الإسلام ، وتحريم بعضهم من بعض على نفسه سفك دمه ، ما ~~أقاموا PageV04P412 على الإسلام ، فإن ظن ظان أن ذلك حكم من النبى - صلى ~~الله عليه وسلم - لضارب رقبة أخيه المسلم بالكفر ، فقد أعظم الغفلة وأفحش ~~الخطأ ، وذلك أنه لا ذنب يوجب لصاحبه الكفر مع الإقرار بالتوحيد والنبوة ~~إلا بذنب يركبه صاحبه على وجه الاستحلال مع العلم بتحريمه ، فأما إذا ركبه ~~معتقدا تحريمه ، فإن ذلك معصية لله ، إن شاء عذبه وإن شاء غفر له ، فهو ~~بذلك الذنب آثم ، ومن ملة المسلمين غير خارج ؛ لقوله تعالى : { إن الله لا ~~يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء } [ النساء : 48 ] فإن قال قائل ~~: فما معنى قوله عليه السلام : ( لا ترجعوا بعدى كفارا يضرب بعضكم رقاب ms1400 بعض ~~) إذ كان لهم الرجوع وهو حى بينهم كفارا ، فيشترط فى نهيه النهى عن ذلك ~~بعده ؟ قيل : لذلك وجوه مفهومة : أحدها : أن يكون قال لهم : ( لا ترجعوا ~~بعدى كفارا ) لأنه قد علم أنهم لا يفعلون ذلك وهو فيهم حى ، فقال لهم : لا ~~تفعلوه بعد وفاتى ، فأما قبل وفاتى فقد علمت أنكم لا تفعلونه بإعلام الله ~~ذلك . والثانى : أن يكون عنى بقوله : ( بعدى ) بعد فراقى من موقفى هذا . ~~والثالث : أن يكون عنى بقوله : ( بعدى ) خلافى ، فيكون معنى الكلام : لا ~~ترجعوا خلافى كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض ، فتخلفونى فى أنفسكم بغير الذى ~~أمرتكم به . * * * # | 121 - باب هل يبيت أصحاب السقاية وغيرهم بمكة ليالى منى # / 179 - فيه : ابن عمر ، رخص النبى - صلى الله عليه وسلم - للعباس ليبيت ~~بمكة ليالى منى من أجل سقايته . PageV04P413 قال ابن المنذر : السنة أن ~~يبيت الناس بمنى ليالى أيام التشريق إلا من أرخص له رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - فى ذلك ؛ فإنه أرخص للعباس أن يبيت بمكة من أجل سقايته ، وأرخص ~~لرعاء الإبل ، وأرخص لمن أراد التعجيل أن ينفر فى النفر الأول . واختلف ~~الفقهاء فيمن بات ليلة بمكة من غير من رخص له ، فقال مالك : عليه دم . وقال ~~الشافعى : إن بات ليلة أطعم عنها مسكينا ، وإن بات ليالى منى كلها أحببت له ~~أن يهريق دما . وقال أبو حنيفة وأصحابه : لا شىء عليه إن كان يأتى منى ~~ويرمى الجمار . وهو قول الحسن البصرى ، قالوا : ولو كانت سنة ما سقطت عن ~~العباس وآله ، وإنما هو استحباب ، وحسبه إذا رمى الجمار فى وقتها ، وقد روى ~~سفيان بن عيينة ، عن عمرو بن دينار ، عن عكرمة ، عن ابن عباس قال : لا بأس ~~أن يبيت الرجل بمكة ليالى منى ، ويظل إذا رمى الجمار . وحجة من أوجب الدم ~~أن الرخصة فى ذلك إنما هى تخصيص من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأهل ~~السقاية ، ولمن أذن له دون غيرهم . # | 122 - باب رمى الجمار # وقال جابر : رمى النبى ، عليه السلام ، يوم النحر ضحى ، ورمى بعد ذلك ms1401 بعد ~~الزوال . / 180 - فيه : وبرة ، سألت ابن عمر متى أرمى الجمار ؟ قال : إذا ~~رمى إمامك فارمه ، فأعدت عليه المسألة ، قال : كنا نتحين فإذا زالت الشمس ~~رمينا . قول جابر : ( رمى النبى يوم النحر ضحى ) فإنما يريد جمرة العقبة ، ~~لا يرمى يوم النحر غيرها ، وقوله : ( ثم رمى بعد ذلك بعد PageV04P414 ~~الزوال ) فإنه يعنى رمى الجمار أيام التشريق ، وممن رماها بعد الزوال : عمر ~~بن الخطاب ، وابن عباس ، وابن الزبير ، ولذلك قال ابن عمر : كنا نتحين ؛ ~~فإذا زالت الشمس رمينا . وهذه سنة الرمى أيام التشريق الثلاثة ، لا تجوز ~~إلا بعد الزوال عند الجمهور ، منهم : مالك ، والثورى ، وأبو حنيفة ، وأبو ~~يوسف ، ومحمد ، والشافعى ، ولكنا استحسنا أن يكون فى اليوم الثالث قبل ~~الزوال . وقال إسحاق : إن رمى فى اليوم الأول والثانى قبل الزوال أعاد ، ~~وفى اليوم الثالث يجزئه . وقال عطاء وطاوس : يجوز فى الأيام الثلاثة قبل ~~الزوال . وحديث جابر وابن عمر يرد هذا القول ، والحجة فى السنة ، فلا معنى ~~لقول من خالفها ، ولا لمن استحب غيرها ، واتفق مالك وأبو حنيفة والثورى ~~والشافعى وأبو ثور إذا مضت أيام التشريق وغابت الشمس من آخرها ، فقد فات ~~الرمى ، ويجبر ذلك بالدم . * * * # | 123 - باب رمى الجمار من بطن الوادى # / 181 - فيه : ابن عمر ، أنه رمى من بطن الوادى ، فقلت : يا أبا ~~عبدالرحمن ، إن ناسا يرمونها من فوقها ، فقال : والذى لا إله غيره ، هذا ~~مقام الذى أنزلت عليه سورة البقرة . رمى الجمرة من حيث تيسر من العقبة ، من ~~أسفلها أو أعلاها أو أوسطها ، كل ذلك واسع ، والموضع الذى يختار منها بطن ~~الوادى ؛ من أجل حديث ابن مسعود ، وكان جابر بن عبد الله يرميها من بطن ~~الوادى ، وبه قال عطاء وسالم ، وهو قول الثورى والشافعى وأحمد وإسحاق ، ~~وقال مالك : يرميها من أسفلها أحب إلى . وقد روى عن PageV04P415 عمر بن ~~الخطاب أنه خاف الزحام عند الجمرة ، فصعد فرماها من فوقها . # | 124 - باب رمى الجمار بسبع حصيات # / 182 - فيه : عبدالله ، أنه انتهى إلى الجمرة الكبرى جعل البيت عن يساره ~~، ومنى عن يمينه ، ورمى بسبع ms1402 ، وقال : هكذا رمى الذى أنزلت عليه سورة ~~البقرة . وترجم له باب : ( من رمى جمرة العقبة فجعل البيت عن يساره ) . ~~اتفقت الأمة على أن رمى كل جمرة بسبع حصيات فقد أحسن ، واختلفوا إذا رماها ~~بأقل من سبع ، فذكر الطبرى عن عطاء أنه إن رمى بخمس أجزأه ، وعن مجاهد : إن ~~رمى بست فلا شىء عليه ، وذكر ابن المنذر أن مجاهدا احتج بحديث سعد بن أبى ~~وقاص قال : ( رجعنا مع النبى عليه السلام وبعضنا يقول : رميت بست ، وبعضنا ~~يقول : رميت بسبع ، فلم يعب بعضهم على بعض ) وبه قال أحمد وإسحاق ، وعن ~~طاوس إن رمى ستا يطعم تمرة أو لقمة . وذكر الطبرى قال : قال بعضهم : لو ترك ~~رمى جميعهن بعد أن يكبر عند كل جمرة بسبع تكبيرات أجزأه ذلك . وقال : إنما ~~جعل الرمى فى ذلك بالحصى سببا لحفظ التكبيرات السبع ، كما جعل عقد الأصابع ~~بالتسبيح سبا لحفظ العدد . وذكر عن يحيى بن سعيد أنه سئل عن الخرز والنوى ~~يسبح به ، فقال : حسن ، قد كانت عائشة زوج النبى عليه السلام تقول : إنما ~~الحصى للجمار ليحفظ به التكبير . وقال PageV04P416 الشافعى وأبو ثور : إن ~~بقيت عليه حصاة فعليه مد من طعام ، وفى حصاتين مدان ، وإن بقيت ثلاث فأكثر ~~فعليه دم . وقال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد : إن ترك أقل من نصف جميع ~~الجمرات الثلاث ، فعليه فى كل حصاة نصف صاع من طعام إلا أن يبلغ ذلك دما ، ~~فيطعم ما شاء ويجزئه ، وإن كان ترك أكثر من نصف جميع الجمرات الثلاث فعليه ~~دم ، وعلتهم إجماع الجميع أن على كل تارك رمى الجمرات الثلاث فى أيام الرمى ~~حتى تنقضى : دما ، فلما كان ذلك إجماعا ، كان الواجب أن يكون لترك رمى ما ~~دون جميع الجمرات الثلاث من الدم بقسطه ، وأن يكون ذلك مردودا إلى القيمة ؛ ~~إذ كان غير ممكن نسك بعض الدم ، فجعلوا ذلك طعاما ، وجعلوا ما يعطى كل ~~مسكين من ذلك قوت يومه ، وجعلوا تارك ما زاد على نصف جميع الجمرات الثلاث ~~بمنزلة تارك الجمرات كلها ؛ إذ كان الحكم ms1403 عندهم للغلب ، مع أن ذلك إجماع من ~~الجميع . وقال الحكم وحماد : من نسى جمرة أو جمرتين أو حصاة أو حصاتين ~~يهريق دما . وقال عطاء : من نسى شيئا من رمى الجمار فذكر ليلا أو نهارا ~~فليرمى ما نسى ، ولا شىء عليه ، وإن مضت أيام التشريق فعليه دم . وهو قول ~~الأوزاعى ، وقال مالك : إن نسى حصاة من الجمرة حتى ذهبت أيام الرمى ذبح شاة ~~، وإن نسى جمرة تامة ذبح بقرة . قال الطبرى : والصواب عندنا أن رمى جمرة ~~العقبة يوم النحر بسبع حصيات ، ورمى الجمرات الثلاث أيام التشريق الثلاثة ~~كل جمرة منها بسبع حصيات من مناسك الحج التى لا يجوز تضييعها ؛ لنقل الأمة ~~جميعا وراثة عن النبى عليه السلام أن رميهن كذلك مما علم PageV04P417 أمته ~~، وقد جعل الله بيان مناسكه إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فعلم ~~بذلك أنه من الفروض التى لا يجوز تضييعها ، وعلم أن من ترك شيئا مما علمهم ~~الرسول - صلى الله عليه وسلم - حتى فات وقته فعليه الكفارة ؛ إذ كان قد نص ~~فى محكم كتابه على وجوب ذلك فى تضييع بعض المناسك ، فكان فى حكمه حكم ما لم ~~ينص الحكم فيه ، فمما نص الحكم فيه فى كتابه ( الشعر ) الذى تقدم إلى عباده ~~فى ترك حلقه أيام إحرامهم بقوله : { ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدى محله ~~} [ البقرة : 196 ] ثم جعل فى حلقه قبل وقته المباح لمرض أو أذى فدية من ~~طعام أو صدقة أو نسك ، وكذلك أوجب فى قاتل الصيد فى الإحرام الكفارة ، فمثل ~~ذلك حكم كل مضيع شيئا من مناسك الحج عليه الكفارة والبدل ، وإن اختلفت ~~الكفارات فى ذلك إلا أن ينص الله على وضع شىء من ذلك عن فاعله ، ولما ثبت ~~أن كل جمرة منها فرض ، بينا أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - كان منقولا ~~عنه وراثة أن من ضيع رميهن حتى تنقضى أيام التشريق الثلاثة عليه فدية شاة ~~يذبحها ويتصدق بها ، كان على تارك بعضها ما على تارك جميعها ، كما حكم تارك ~~شوط واحد من السبعة ms1404 الأشواط فى طواف الإفاضة يوم النحر حكم تارك الأشواط ~~السبعة فيما يلزمه . واختلفوا فيمن رمى سبع حصيات فى مرة واحدة ، فقال مالك ~~والشافعى : لا يجزئه إلا عن حصاة واحدة ، ويرمى بعدها ستا . وقال عطاء : ~~يجزئه عن السبع رميات . وهو قول أبى حنيفة ؛ لأنه لو وجب عليه الحد فلا فرق ~~أن يقام عليه الحد سوطا أو سياطا مجموعة فإنه يسقط عنه الفرض إذا علم وصول ~~الكل إلى بدنه ، كذلك الرمى . قال ابن القصار : والحجة لمالك أن النبى - ~~صلى الله عليه وسلم - رمى بحصاة بعد حصاة وقال : ( خذوا عنى مناسككم ) فوجب ~~امتثال فعله ، ونحن لا نجيز PageV04P418 ضربه إلا بسوط بعد سوط ؛ لأنه لا ~~يكون ألم الكل فى ضربة كألمه سوطا بعد سوط ، فالعدد فى الحد معتبر ، وفى ~~الرمى معتبر . وقال ابن المنذر : إذا جعل البيت عن يساره ومنى عن يمينه ، ~~فهو مستقبل للجمرة بوجهه وهى السنة ، ولذلك ترجم باب ( من رمى جمرة العقبة ~~فجعل البيت عن يساره ) . # | 125 - باب يكبر مع كل حصاة # قاله ابن عمر ، عن النبى ، عليه السلام . / 183 - فيه : الأعمش ، قال : ~~سمعت الحجاج يقول على المنبر : السورة التى يذكر فيها البقرة ، والسورة ~~التى يذكر فيها آل عمران ، والسورة التى يذكر فيها النساء ، قال : فذكرت ~~ذلك لإبراهيم ، فقال : حدثنى عبدالرحمن بن يزيد أنه كان مع ابن مسعود حين ~~رمى جمرة العقبة ، فاستبطن الوادي ، حتى إذا حاذى بالشجرة اعترضها ، فرمى ~~بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة ، ثم قال : من هاهنا والذى لا إله غيره ، قام ~~الذى أنزلت عليه سورة البقرة . والسنة أن يكبر مع كل حصاة كما فعل عليه ~~السلام ، وعمل بذلك الأئمة بعده ، وروى ذلك عن ابن مسعود وابن عمر ، وهو ~~قول مالك والشافعى ، وكان على يقول كلما رمى حصاة : اللهم اهدنى بالهدى ، ~~وقنى بالتقوى ، واجعل الآخرة خيرا لى من الأولى . وكان ابن عمر وابن مسعود ~~يقولان عند ذلك : اللهم اجعله حجا مبرورا ، وذنبا مغفورا ، وسعيا مشكورا . ~~PageV04P419 وأجمعوا أنه إن لم يكبر فلا شىء عليه ، وفى هذا الحديث رد على ms1405 ~~من يقول : إنه لا يجوز أن يقال : سورة البقرة ، ولا سورة آل عمران كما قال ~~الحجاج ، وقد سبقه إلى ذلك من السلف وقالوا : إذ قال : سورة البقرة ، وسورة ~~آل عمران ، فقد أضاف السورة إلى البقرة ، والبقرة لا سورة لها ، وإنما ~~الصواب أن يقال : السورة التى يذكر فيها البقرة ، واحتج النخعى عن الأعمش ~~بقول ابن مسعود ، عن النبى عليه السلام : ( الذى أنزلت عليه سورة البقرة ) ~~وقال أهل العلم بكتاب الله : ليست هذه إضافة ملك ، ولا إضافة نوع إلى جنسه ~~، وإنما هى إضافة لفظ بمنزلة قولك : باب الدار ، وسرج الدابة ، ومثل قوله ~~تعالى : { إنه لقول رسول كريم } [ التكوير : 19 ] فأضاف القول إلى جبريل ~~الذى نزل به من عند الله تعالى وهذا من اتساع لغة العرب تضيف الشىء إلى من ~~له فيه أقل سبب ، وقد ترجم البخارى لهذا المعنى فى كتاب فضائل القرآن فقال ~~: باب من لم ير بأسا أن يقول : سورة البقرة ، وسورة كذا ، خلافا للحجاج ~~ولمن أنكر ذلك قبله . * * * # | 126 - باب من رمى جمرة العقبة ولم يقف قاله ابن عمر ، عن الرسول - صلى ~~الله عليه وسلم - . # / 184 - فيه : ابن عمر ، أنه كان يرمى الجمرة الدنيا بسبع حصيات ، ثم ~~الوسطى ، ثم يرمى جمرة ذات العقبة من بطن الوادى ، ولا يقف عندها ، ثم ~~ينصرف فيقول : هكذا رأيت النبى ، عليه السلام ، يفعله . PageV04P420 جمرة ~~العقبة فى هذا الحديث هى الجمرة الثالثة من الجمار التى ترمى كل يوم من ~~أيام التشريق ، ترمى فى المكان الذى رميت فيه جمرة العقبة يوم النحر ، ولا ~~يقف عند هذه الجمرة الثالثة إذا رماها كما يقف عند الأولى والثانية ، وكذلك ~~وردت السنة ، وروى عن عمر ابن الخطاب أنه كان يفعله ، وذكر البخارى عن ابن ~~عمر أنه كان يفعله . * * * # | 127 - باب رفع اليدين عند الجمرة الدنيا والوسطى # / 185 - فيه : ابن عمر ، أنه كان يرمى الجمرة الدنيا بسبع حصيات ، ثم ~~يكبر على إثر كل حصاة ، ثم يتقدم فيسهل ، فيقوم مستقبل القبلة قياما طويلا ~~، فيدعو ويرفع يديه ، ثم يرمى الجمرة الوسطى كذلك ، فيأخذ ذات ms1406 الشمال فيسهل ~~، ويقوم مستقبل القبلة قياما طويلا ، فيدعو ويرفع يديه ، ثم يرمى الجمرة ~~ذات العقبة من بطن الوادى ، ولا يقف عندها ، ويقول : هكذا رأيت النبى - صلى ~~الله عليه وسلم - يفعل . وترجم له باب : ( الدعاء عند الجمرتين ) . الجمرة ~~الدنيا : هر الجمرة الأولى من أول أيام التشريق ، وهن ثلاث جمرات فى كل يوم ~~من الثلاثة الأيام جمرة ، فالجمرة الأولى مسجد منى ، والوسطى عند العقبة ~~الأولى بقرب مسجد منى أيضا ، يرميها ويقف طويلا ويدعو ، ويرمى الثالثة عند ~~العقبة حيث رمى يوم النحر ، يرميها ولا يقف على ما ثبت فى الحديث ، وروى ~~الثورى ، عن عاصم الأحول ، عن أبى مجلز قال : كان ابن عمر يشبر ظله ~~PageV04P421 ثلاثة أشبار ، ثم يرمى ، وقام عند الجمرتين قدر سورة يوسف . ~~وقال عطاء : كان ابن عمر يقف عندها بمقدار ما يقرأ سورة البقرة . قال ابن ~~المنذر : ولعله قد وقف مرتين كما قال أبو مجلز ، وكما قال عطاء ، ولا يكون ~~اختلافا وكان ابن عباس يقف بقدر قراءة سورة من المائتين ، ولا توقيف فى ذلك ~~عند العلماء ، وإنما هو ذكر ودعاء ، فإن لم يقف ولم يدع فلا حرج عليه عند ~~أكثر العلماء إلا الثورى ؛ فإنه استحب أن يطعم شيئا أو يهريق دما ، والسنة ~~أن يرفع يديه فى الدعاء عند الجمرتين ، قال ابن المنذر : ولا أعلم أحدا ~~أنكر غير مالك ؛ فإن ابن القاسم حكى عنه أنه لم يكن يعرف رفع اليدين هنالك ~~، قال ابن المنذر : واتباع السنة أفضل . * * * # | 128 - باب الطيب بعد رمى الجمار والحلق قبل الإفاضة # / 186 - فيه : عائشة ، طيبت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بيدى هاتين ~~حين أحرم ، ولحله حين أحل قبل أن يطوف ، وبسطت يديها . قال ابن المنذر : ~~واختلف العلماء فيما أبيح للحاج بعد رمى جمرة العقبة قبل الطواف بالبيت ، ~~فروى عن ابن عباس وابن الزبير وعائشة أنه يحل له كل شىء إلا النساء ، وهو ~~قول سالم وطاوس والنخعى ، وإليه ذهب أبو حنيفة والشافعى وأحمد وإسحاق وأبو ~~ثور ، واحتجوا بحديث عائشة فى إباحة الطيب لمن رمى جمرة العقبة قبل ms1407 طواف ~~الإفاضة ، وقالوا : سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حجة على من ~~خالفها . قال ابن المنذر : قولها : ( ولحله ) يدل أنه حلال من كل شىء إلا ~~النساء ، الذى دل على المنع منه الخبر والإجماع ، وروى عن عمر بن الخطاب ~~وابنه أنه يحل له كل شىء إلا النساء والطيب . PageV04P422 قال مالك : يحل ~~له كل شىء إلا النساء والصيد . ذكره ابن المواز ، وقال فى المدونة : أكره ~~لمن رمى جمرة العقبة أن يتطيب حتى يفيض ؛ فإن فعل فلا شىء عليه لما جاء فيه ~~. فعلى هذا القول الصحيح من مذهب مالك أنه يحل له كل شىء إلا النساء والصيد ~~. واحتج ابن القصار لمالك فى تحريم الصيد على من لم يفض بقوله : { لا ~~تقتلوا الصيد وأنتم حرم } [ المائدة : 95 ] وليس إذا أحل له الحلق يخرج عن ~~كونه محرما ؛ لأن الحلق والطيب واللباس قد أبيح على وجه ، ولم يخرج بذلك عن ~~كونه محرما ، فلذلك يحل له بعد الرمى أشياء ، ويبقى عليه تحريم أشياء وهو ~~محرم ، وقوله تعالى : { وإذا حللتم فاصطادوا } [ المائدة : 2 ] فاقتضى ~~الإحلال التمام ، وألا يبقى شىء من الإحرام بعد افحلال المطلق ، ومن بقيت ~~عليه الإفاضة فلم يحلل الإحلال التام ، ومثله قوله تعالى : { وأولات ~~الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن } [ الطلاق : 4 ] فلو وضعت واحدا وبقى فى ~~بطنها آخر لم تكن قد وضعت الوضع التام ؛ لأن الرجعة قبل وضعها الثانى تصح . ~~واحتج الطحاوى لأصحابه بما رواه عن على بن معبد ، حدثنا يزيد ابن هارون ، ~~حدثنا الحجاج بن أرطاة ، عن أبى بكر بن محمد ابن عمرو بن حزم ، عن عمرة ، ~~عن عائشة قالت : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( إذا رميتم ~~وحلقتم فقد حل لكم الطيب والثياب وكل شىء إلا النساء ) وبما روى سفيان ، عن ~~سلمة بن كهيل ، عن الحسن العرنى ، عن ابن عباس قال : ( إذا رميتم الجمرة ~~فقد حل لكم كل شىء إلا النساء ، فقال له رجل : والطيب ؟ فقال : أما أنا فقد ~~رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - PageV04P423 يضمخ رأسه بالمسك ، ~~أفطيب هو ؟ ) . وروى ms1408 أفلح بن حميد ، عن أبى بكر بن حزم قال : دعانا سليمان ~~بن عبد الملك يوم النحر ، أرسل إلى عمر بن عبد العزيز والقاسم وسالم وخارجة ~~بن زيد وعبد الله بن عبد الله ابن عمر وابن شهاب فسألهم عن الطيب فى هذا ~~اليوم قبل الإفاضة ، فقالوا : تطيب يا أمير المؤمنين . قال ابن المنذر : ~~واختلفوا فيمن جامع بعد رمى الجمرة يوم النحر قبل الإفاضة ، فروى عن ابن ~~عمر أن عليه حجة قابل ، وعن الحسن والنخعى والزهرى مثله . وقال النخعى ~~والزهرى : وعليه الهدى مع حج قابل . وقال ربيعة ومالك : يعتمر من التنعيم ~~ويهدى . وقال أحمد وإسحاق : يعتمر من التنعيم . وقال ابن عباس : عليه بدنة ~~، وحجه تام . وعن عطاء والشعبى مثله ، وهو قول الكوفيين والشافعى وأبى ثور ~~. * * * # | 129 - باب طواف الوداع # / 187 - فيه : ابن عباس ، قال : أمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت إلا ~~أنه خفف عن الحائض . / 188 - وفيه : أنس ، أن النبى ، عليه السلام ، صلى ~~الظهر والعصر والمغرب والعشاء ، ثم رقد رقدة بالمحصب ، ثم ركب إلى البيت ، ~~فطاف به . طواف الوداع لكل حاج ومعتمر ، لا يكون مكيا ، من سنن الحج ~~وشعائره ، قال مالك : وإنما أمر الناس أن يكون آخر نسكهم الطواف بالبيت ؛ ~~لقول الله : { ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب } [ الحج : 32 ] ~~وقال : { ثم محلها إلى البيت العتيق } [ الحج : 33 ] . PageV04P424 قال ~~مالك : ومن أخر طواف الإفاضة إلى أيام منى فإن له سعة أن يصدر إلى بلده وإن ~~لم يطف بالبيت إذا أفاض . واختلفوا فيمن خرج ولم يطف للوداع ، فقال مالك : ~~إن كان قريبا رجع فطاف ، وإن لم يرجع فلا شىء عليه . وقال عطاء والثورى ~~وأبو حنيفة والشافعى وأحمد وإسحاق وأبو ثور : إن كان قريبا رجع فطاف ، وإن ~~تباعد مضى وأهراق دما . وحجتهم فى إيجاب الدم قول ابن عباس : من نسى من ~~نسكه شيئا فليهريق دما . والطواف نسك ، وحجة مالك أنه طواف أسقط عن المكى ~~والحائض ، فليس من السنن اللازمة ، والذمة بريئة إلا بيقين ، وسيأتى شىء من ~~هذا المعنى فى هذا الباب ms1409 الذى بعد هذا إن شاء الله . واختلفوا فى حد القرب ~~، فروى أن ابن عمر رد رجلا من مر الظهران لم يكن ودع ، وبين مر الظهران ~~ومكة ثمانية عشر ميلا ، وهذا بعيد عند مالك ، ولا يرد أحد من مثل هذا ~~الموضع ، وعند أبى حنيفة : يرجع ما لم يبلغ المواقيت ، عند الشافعى : يرجع ~~من مسافة لا تقصر فيها الصلاة ، وعند الثورى : يرجع ما لم يخرج من الحرم . ~~واختلفوا فيمن ودع ثم بدا له فى شراء حوائجه ، فقال عطاء : يعيد حتى يكون ~~آخر عمله الطواف بالبيت . وبنحوه قال الثورى والشافعى وأحمد وأبو ثور . قال ~~مالك : لا بأس أن يشترى بعض حوائجه وطعامه فى السوق ، ولا شىء عليه ، وإن ~~أقام يوما أو بعضه أعاد . وقال أبو حنيفة : لو ودع وأقام شهرا أو أكثر ~~أجزأه ، ولم يكن عليه إعادة . وهذا خلاف حديث ابن عباس : ( أمر الناس أن ~~يكون آخر عهدهم الطواف بالبيت ) . PageV04P425 | # | 130 - باب إذا حاضت المرأة بعد ما أفاضت # / 189 - فيه : عائشة ، أن صفية حاضت فذكرت ذلك لرسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - ، فقال : ( أحابستنا هى ) ؟ قالوا : إنها قد أفاضت ، قال : ( ~~فلا إذا ) . / 190 - وفيه : ابن عباس رخص للحائض أن تنفر إذا أفاضت . / 191 ~~- وفيه : عائشة ، خرجنا مع الرسول ، عليه السلام ، ولا نرى إلا الحج . . . ~~فذكر الحديث فحاضت هى ، فنسكنا مناسكنا ، فلما كان ليلة الحصبة ليلة النفر ~~، قالت : يا رسول الله ، كل أصحابك يرجع بحج وعمرة غيرى ؟ قال : ( ما كنت ~~تطوفين بالبيت ليالى قدمنا ) ؟ قلت : بلى ، وقال مسدد : لا . وتابعه جرير ~~عن منصور فى قوله : لا ، قال : ( فاخرجى مع أخيك إلى التنعيم ، فأهلى بعمرة ~~) ، وحاضت صفية ، فقال ، عليه السلام : ( عقرى حلقى ، أما كنت طفت يوم ~~النحر ) ؟ قالت : بلى ، قال : ( فلا بأس انفرى ) . معنى هذا الباب أن طواف ~~الوداع ساقط عن الحائض ؛ لأن الرسول - صلى الله عليه وسلم - لما أخبر عن ~~صفية أنها حاضت ، قال : ( أحابستنا هى ؟ ) فلما أخبر أنها قد أفاضت قبل أن ~~تحيض ، قال : ( فلا إذا ) وهو قول عوام أهل العلم ، وخالف ذلك ms1410 طائفة فقالوا ~~: لا يحل لأحد أن ينفر حتى يطوف طواف الوداع ، ولم يعذروا فى ذلك حائضا ~~بحيضها . ذكره الطحاوى . قال ابن المنذر : روى ذلك عن عمر بن الخطاب وزيد ~~بن ثابت وابن عمر ، فقد روينا عنهم الرجوع ، وقول عمر بن الخطاب يرده ~~الثابت عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه أمر الحائض أن تنفر بعد ~~الإفاضة ، ومن هذا الحديث . قال مالك : لا شىء على من ترك طواف الوداع حتى ~~يرجع إلى بلاده لسقوطه عن الحائض . وفيه رد لقول عطاء والكوفيين ~~PageV04P426 والشافعى ومن وافقهم ، أن من لم يودع البيت فعليه دم ، وقولهم ~~خلاف حديث صفية ، وفى قوله : ( أحابستنا هى ؟ ) دليل أن طواف الإفاضة يحبس ~~الحائض بمكة ، لا تبرح حتى تطوف للإفاضة ؛ لأنه الطواف المفترض على كل من ~~حج ، وعلى هذا أئمة أهل العلم . قال مالك : إذا حاضت المرأة بمنى قبل أن ~~تفيض حبس عليها كريها أكثر ما يحبس النساء الدم . قال ابن عبد الحكم : ~~ويحبس على النساء أكثر ما يحبس النساء الدم فى النفاس ، ولا حجة للكرى أن ~~يقول لم أعلم أنها حامل . قال مالك : وليس عليها أن تعينه فى العلف . وقال ~~ابن المواز : لست أعرف حبس الكرى ، كيف يحبس وحده يعرض لقطع الطريق . وقال ~~الشافعى : ليس على جمالها أن يحبس عليها ، ويقال لها : احملى مكانك مثلك . ~~قال المؤلف : والصواب فى حديث عائشة رواية مسدد وجرير عن منصور فى قولها : ~~( لا ) وقد بان ذلك فى حديث أبى معاوية أنها قالت : ( فحضت قبل أن أدخل مكة ~~) وقال فليح : ( فما كنا بسرف حضت ، فقال عليه السلام : افعلى كما يفعل ~~الحاج غير ألا تطوفى بالبيت حتى تطهرى . قالت : فقدمت مكة وأنا حائض لم أطف ~~بالبيت ولا بين الصفا والمروة ، فلما قدمنا طهرت ، فخرجت من منى فأفضت ~~بالبيت ) . فدل هذا الحديث أن عائشة لم تكن متمتعة ؛ لأنها لم تطف بالبيت ~~حين قدمت مكة ، كما طاف من فسخ حجه فى عمرة من أجل حيضتها ، ولذلك قالت : ( ~~كل أصحابك يرجع بحجة وعمرة غيرى ؟ ) فأمر أخاها أن ms1411 يخرجها إلى التنعيم فتهل ~~منه بعمرة لترجع بحجة وعمرة كما أرادت ، ودل هذا أيضا أنها لم تكن قارنة ، ~~ولو كانت قارنة لم تأسف على فوات العمرة ، ولا قالت : ( كل أصحابك يرجع ~~بحجة وعمرة غيرى ) فثبت أنها كانت مفردة بالحج . PageV04P427 وقوله : ( ~~عقرى حلقى ) فيه : جواز توبيخ الرجل أهله على ما يدخل على الناس بسببها ، ~~كما وبخ أبو بكر أيضا عائشة فى قصة العقد . * * * # | 131 - باب من صلى العصر يوم النفر بالأبطح # / 192 - فيه : أنس ، صلى النبى ، عليه السلام ، الظهر يوم التروية بمنى ، ~~قلت : وأين صلى العصر يوم النفر ؟ قال : بالأبطح . افعل كما يفعل أمراؤك . ~~/ 193 - قال أنسا أيضا : صلى النبى الظهر والعصر والمغرب والعشاء ، ورقد ~~رقدة بالمحصب ، ثم ركب إلى البيت فطاف به . قال ابن القاسم فى المدونة : ~~إذا رمى آخر أيام منى فليخرج إلى مكة ولا يصلى الظهر بمنى ، واستحب النزول ~~بأبطح مكة وهو حيث المقبرة يصلى فيه الظهر والعصر والمغرب والعشاء ، ثم ~~يدخل مكة أول الليل ، كذلك فعل النبى عليه السلام وأحب أن يفعل ذلك الأئمة ~~ومن يقتدى به . وربما قال مالك : ذلك واسع لغيرهم . وكان أبو بكر وعمر ~~وعثمان ينزلون بالأبطح ، وهو مستحب عند العلماء ، إلا أنه عند الحجازيين ~~أوكد منه عند الكوفيين ، وكلهم مجمعون أنه ليس من مناسك الحج ، وهذه ~~البطحاء هى المعرس ، والأبطح والبطحاء : ما انبطح واتسع من بطن الوادى . ~~PageV04P428 # | 132 - باب المحصب # / 194 - فيه : عائشة ، قالت : إنما كان منزل ينزله النبى ، عليه السلام ، ~~ليكون أسمح لخروجه . يعنى بالأبطح . / 195 - وفيه : ابن عباس ، قال : ليس ~~التحصيب بشىء ، إنما هو منزل نزله رسول الله - صلى الله عليه وسلم - . ~~المحصب : هو الأبطح ، وهو المعرس ، وهو خيف منى المذكور فى حديث أبى هريرة ~~( أن النبى عليه السلام قال حين أراد أن ينفر من منى : نحن نازلون غدا إن ~~شاء الله بخيف بنى كنانة ) يعنى : المحصب . وقد ذكرنا فى الباب قبل هذا عن ~~أبى بكر وعمر وعثمان أنهم كانوا ينزلون به ، وقال عمر بن الخطاب : حصبوا ، ~~يعنى : انزلوا بالمحصب ، وكان ms1412 ابن عمر ينزل به ، وعن النخعى وطاوس مثله ، ~~واستحب النخعى وطاوس أن ينام فيه نومة ، وقول عائشة وابن عباس : ( إنما هو ~~منزل نزله رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ) يدل أنه ليس من مناسك الحج ، ~~وأنه لا شىء على من تركه ، وهذا معنى قوله : ليس التحصيب بشىء . أى : ليس ~~من المناسك التى تلزم الناس ، وكانت عائشة لا تحصب ولا أسماء ، وهو مذهب ~~عروة . قال الطحاوى : لم يكن نزوله عليه السلام بالمحصب لأنه سنة ، وقد ~~اختلف فى معناه ، فقالت عائشة : ليكون أسمح لخروجه . قال المؤلف : يريد ~~للمدينة ليستوى فى ذلك البطئ والمعتدل ويكون مبيتهم وقيامهم فى السحر ، ~~ورحيلهم بأجمعهم إلى المدينة . وروى عن أبى رافع أنه قال : ( أمرنى رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - أن أضرب له الخيمة ، PageV04P429 ولم يأمرنى ~~بمكان بعينه ، فضربتها بالمحصب ) رواه سفيان ، عن صالح ابن كيسان ، عن ~~سليمان بن يسار ، عن أبى رافع . وروى ابن أبى ذئب عن شعبة ، أن ابن عباس ~~قال : إنما كانت الحصبة ؛ لأن العرب كانت يخاف بعضها بعضا ، فيرتادون ~~فيخرجون جميعا ، فجرى الناس عليها . * * * # | 133 - باب النزول بذى طوى قبل أن يدخل مكة # والنزول بالبطحاء التى بذى الحليفة إذا رجع من مكة / 196 - فيه : ابن عمر ~~، كان يبيت بذى طوى بين الثنيتين ، ثم يدخل من الثنية التى بأعلى مكة ، ~~وكان إذا قدم مكة حاجا أو معتمرا لم ينخ ناقته إلا عند باب المسجد ، ثم ~~يدخل ، فيأتى الركن الأسود فيبدأ به ، ثم يطوف سبعا ثلاثا سعيا وأربعا مشيا ~~، ثم ينصرف ، فيصلى ركعتين ، ثم ينطلق قبل أن يرجع إلى منزله ، فيطوف بين ~~الصفا والمروة ، وكان إذا صدر عن الحج أو العمرة أناخ بالبطحاء التى بذى ~~الحليفة التى كان النبى ، عليه السلام ، ينيخ بها . / 197 - وسئل عبيدالله ~~عن المحصب ، فحدثنا عن نافع ، قال : نزل بها رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - وعمر وابن عمر . وكان ابن عمر يصلى بها ، يعنى PageV04P430 بالمحصب ~~، الظهر والعصر ، أحسبه قال : والمغرب . قال خالد : لا أشك فى العشاء ، ~~ويهجع هجعة ، ويذكر ذلك ms1413 عن النبى ، عليه السلام . النزول بذى طوى قبل أن ~~يدخل مكة ، والنزول بالبطحاء التى بذى الحليفة عند رجوعه ، ليس شيئا من سنن ~~الحج ومناسكه ، فمن شاء فعلها ، ومن شاء تركها . * * * # | 134 - باب من نزل بذى طوى إذا رجع من مكة # / 198 - فيه : ابن عمر ، كان إذا أقبل بات بذى طوى حتى إذا أصبح دخل ، ~~وإذا نفر ، مر بذى طوى وبات بها حتى يصبح ، وكان يذكر أن النبى ، عليه ~~السلام ، كان يفعل ذلك . وهذا أيضا ليس من مناسك الحج ، وإنما فيه استحباب ~~دخول مكة نهارا ، وهو مذهب ابن عمر ، واستحبه النخعى ومالك وإسحاق ، وكانت ~~عائشة تدخل مكة ليلا ، وهو مذهب عمر بن عبد العزيز وسعيد بن جبير ، وقال ~~عطاء والثورى : إن شئت دخلتها نهارا ، وإن شئت دخلتها ليلا . قال ابن ~~المنذر : وقد دخلها الرسول - صلى الله عليه وسلم - ليلا حين اعتمر من ~~الجعرانة . * * * # | 135 - باب التجارة فى أيام الموسم والبيع والشراء فى أسواق الجاهلية # / 199 - فيه : ابن عباس ، كان ذو المجاز وعكاظ متجر الناس فى الجاهلية ، ~~فلما جاء الإسلام كأنهم كرهوا ذلك حتى نزلت : { ليس عليكم جناح أن تبتغوا ~~فضلا من ربكم } [ البقرة : 198 ] فى مواسم الحج . PageV04P431 ذكر إسماعيل ~~بن إسحاق قال : حدثنا مسدد ، حدثنا عبد الواحد ابن زياد ، حدثنا العلاء بن ~~المسيب ، عن أبى أمامة التيمى قال : ( كنت أكرى فى هذا الوجه وكان ناس ~~يقولون : إنه ليس لك حج ، فلقيت ابن عمر فسألته ، فقال : أليس تحرم وتلبى ، ~~وتطوف بالبيت ، وتفيض من عرفات ، وترمى الجمار ؟ قلت : بلى . قال : فإن لك ~~حجا ، وإن رجلا سأل النبى عليه السلام عن مثل ما سألتنى عنه ، فسكت عنه ~~عليه السلام حتى نزلت هذه الآية : { ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم ~~} [ البقرة : 198 ] . وقال مجاهد فى هذه الآية : أحلت لهم التجارة فى ~~المواسم ، وكانوا لا يبيعون ولا يبتاعون بعرفة ولا بمنى فى الجاهلية . وقال ~~قتادة : كانوا إذا أفاضوا من عرفات لم يتجروا ولم يتعرجوا على كسير ولا ~~ضالة ، فأحل الله لهم ذلك فأنزل الآية ms1414 . وقال الطحاوى : أخبر ابن عباس أن ~~هذه الآية نسخت ما كانوا عليه فى الجاهلية من ترك التبايع فى الحج ، وأنهم ~~كانوا لا يخلطونه بغيره ، فأباحهم تعالى التجارة فى الحج وابتغاء فضله ، ~~ولم يكن ما دخلوا فيه من حرمة الحج قاطعا لهم عن ذلك . ودل ذلك على أن ~~الداخل فى حرمة الاعتكاف لا بأس عليه أن يتجر فى مواطن الاعتكاف منه ، كما ~~لم تمنعه حرمة الحج منه . وممن أجاز للمعتكف البيع والشراء الكوفيون ~~والشافعى ، وقال الثورى : يشترى الخبز إذا لم يكن له من يشتريه له . وبه ~~قال أحمد ، واختلف فيه عن مالك ، فروى عنه ابن القاسم إجازة ذلك إذا كان ~~يسيرا ، وروى عنه مثل قول الثورى ، وكره ذلك عطاء ومجاهد والزهرى . ~~PageV04P432 # | 136 - باب الادلاج من المحصب # / 200 - فيه : عائشة ، قالت : حاضت صفية ليلة النفر ، فقالت : ما أرانى ~~إلا حابستكم . . . الحديث ، قلت : يا رسول الله ، إنى لم أكن حللت ؟ قال : ~~( فاعتمرى من التنعيم ) ، فخرج معها أخوها ، فلقيناه مدلجا ، فقال : ( ~~موعدك مكان كذا وكذا ) . وهذا ليس من مناسك الحج ، ذكر عبد الرزاق قال : ~~أخبرنا عمر ابن ذر ، أنه سمع مجاهدا يقول : ( أناخ النبى عليه السلام ليلة ~~النفر بالبطحاء ينتظر عائشة ، وكره أن يقتدى الناس بإناخته ، فبعث حتى أناخ ~~على ظهر العقبة أو من ورائها ينتظرها ) . قال الطبرى : الادلاج بتشديد ~~الدال : الرحيل من المنزل بسحر . قال الأعشى : وادلاج بعد المنام وتهجير ~~والإدلاج بتخفيف الدال : الرحيل من المنزل فى أول الليل والسير فيه . قال ~~الأعشى : وإدلاج ليل على غرة وهاجرة حرها محتدم * * * [ أبواب العمرة ] # | 137 - باب وجوب العمرة وفضلها # وقال ابن عمر : ليس أحد إلا وعليه حجة وعمرة . وقال ابن عباس ، إنها ~~لقرينتها فى كتاب الله : { وأتموا الحج والعمرة لله } [ الحج : 196 ] . / ~~201 - فيه : أبو هريرة ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : ( ~~العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما ، والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة ~~) . PageV04P433 اختلف الناس فى وجوب العمرة ، فكان ابن عباس وابن عمر ~~يقولان : هى واجبة فرضا . وهو قول عطاء وطاوس ms1415 والحسن وابن سيرين والشعبى ، ~~وإليه ذهب الثورى والشافعى وأحمد وإسحاق . وقال ابن مسعود : العمرة تطوع . ~~وهو قول أبى حنيفة وأبى ثور ، وقال النخعى : هى سنة . وهو قول مالك ، قال : ~~ولا يعلم لأحد الرخصة فى تركها . واحتج الذين أوجبوها فرضا بقول الله تعالى ~~: { وأتموا الحج والعمرة لله } [ البقرة : 196 ] ومعنى أتموا عندهم : ~~أقيموا ، قالوا : فإذا كان الإتمام واجبا ، فالابتداء واجب . قال ابن ~~القصار : فيقال لهم : هذا غلط ؛ لأن من أراد أن يفعل السنة فواجب أن يفعلها ~~تامة ، كمن أراد أن يصلى تطوعا فيجب أن يكون على طهارة ، وكذلك إذا أراد أن ~~يصوم ، فيلزمه التبييت ، وكذلك من نذر صلاة وصوما فقد أوجب على نفسه وإن لم ~~تجب فى الأصل ، فإذا دخل فى ذلك انحتم عليه تمامه حتى يصير بمنزلة ما ~~ابتدأه لله ، وما قالوه يبطل بالدخول فى عمرة ثانية وثالثة لأنه يجب المضى ~~فيها ، فلما أجمعنا أنه يجب عليه تمامها وإن لم يكن ابتداء الدخول فيها ~~واجبا سقط قولهم ، واحتجوا بحديث ابن عمر أن النبى عليه السلام قال : ( ليس ~~أحد إلا عليه حجة وعمرة واجبتان ) فالجواب : أن البخارى أوقفه على ابن عمر ~~من قوله ، فلا حجة فيه ، ولو صح عن الرسول - صلى الله عليه وسلم - لكان ~~ذكره للعمرة مقارنة الحج لا يدل على وجوبها ، وإنما معناه الحض على هذا ~~الجنس من العبادات ، كما قال عليه السلام : ( قال تعالى : الصوم لى ، وأنا ~~أجزى به ) . وقال : ( تابعوا بين الحج والعمرة ) لما لم يدل على وجوب ~~المتابعة ، PageV04P434 لم يدل على وجوب العمرة ، وإنما أراد عليه السلام ~~أن لهذا الجنس من العبادات فضلا على غيره . وقال الطحاوى : ليس فى قول ابن ~~عمر أنها واجبة ما يدل أنها فريضة ؛ لأنه قد يجوز أن يقول أنها واجبة على ~~المسلمين وجوبا عاما يقوم به البعض ، كوجوب الجهاد ، أنه واجب على المسلمين ~~وجوبا ، من قام به أجزأ عنهم ، وكوجوب الجنائز وغسل الموتى ، ويدل على هذا ~~قول ابن عمر : إذا حللتم فشدوا الرحال للحج والعمرة ؛ فإنهما أحد الجهادين ~~؛ ألا ترى أنه ms1416 شبههما بالجهاد الذى يقوم بفرضه بعضهم . وقوله عليه السلام : ~~( بنى الإسلام على خمس ) فذكر الحج ولم يذكر العمرة ، فدل أنها ليست بفريضة ~~؛ لأنها لو كانت فريضة ما وسعه عليه السلام السكوت عن ذكرها مع جملة ~~الفرائض ، وقوله : ( العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما ) يريد ما اجتنبت ~~الكبائر ( والحج المبرور ) هو الذى لا رياء فيه ولا رفث ولا فسوق ، ويكون ~~بمال حلال والله أعلم . * * * # | 138 - باب من اعتمر قبل الحج # / 202 - فيه : ابن عمر لا بأس بالعمرة قبل الحج ، اعتمر الرسول - صلى ~~الله عليه وسلم - قبل أن يحج . قال المؤلف : قول ابن عمر هذا يدل أن مذهبه ~~أن فرض الحج قد كان نزل على النبى عليه السلام قبل اعتماره ، ولو اعتمر ~~عليه السلام قبل نزول فرض الحج ما صح استدلال ابن عمر بهذا الكلام ~~PageV04P435 على جواز الاعتمار قبل الحج ، والذى يتفرغ من هذا المعنى : هل ~~فرض الحج على الفور ولا يجوز تأخيره ، أو هل فيه فسحة وسعة ؟ والذى نزع فيه ~~ابن عمر هو الصحيح فى النظر ، وهو الذى تعضده الأصول ، أن فى فرض الحج سعة ~~وفسحة ؛ لأن العمرة لم يجر لها ذكر فى القرآن إلا والحج مذكور معها ، ولذلك ~~قال ابن عباس : إنها لقرينتها فى كتاب الله { وأتموا الحج والعمرة لله } [ ~~البقرة : 196 ] ولو كان فرض الحج على الفور لم يجز فسخه فى عمرة ، ولا أمر ~~الرسول - صلى الله عليه وسلم - أصحابه بذلك ، ولو كان وقته مضيقا لوجب إذا ~~أخره إلى سنة أخرى أن يكون قضاء لا اداء ، فلما ثبت أنه أداء فى أى وقت به ~~، علم أنه ليس على الفور . وقد تقدم الكلام فى هذا المعنى فى باب ( لا يطوف ~~بالبيت عريان ، ولا يحج مشرك ) ، فى الجزء الأول من الحج ، وسيأتى شىء منه ~~فى قصة كعب بن عجرة حين آذاه هوامه وحلق رأسه بالحديبية إن شاء الله . * * ~~* # | 139 - باب كم اعتمر النبى عليه السلام # / 203 - فيه : عروة ، أنه سأل ابن عمر كم اعتمر الرسول - صلى الله عليه ~~وسلم - قال : أربعا ms1417 ، إحداهن فى رجب . وقالت عائشة : يرحم الله أبا ~~عبدالرحمن ، ما اعتمر عمرة إلا وهو شاهده ، وما اعتمر فى رجب قط . / 204 - ~~وفيه : أنس ، اعتمر النبى ، عليه السلام ، أربع : عمرة الحديبية فى ذى ~~القعدة ، حيث صده المشركون ، وعمرة من العام المقبل فى ذى القعدة ، ~~PageV04P436 حيث صالحهم ، وعمرة الجعرانة إذ قسم غنيمة حنين ، قلت : كم حج ~~؟ قال : واحدة ، وعمرة مع حجته . وقال همام : اعتمر أربع عمر فى ذى القعدة ~~إلا التى اعتمر مع حجته . / 205 - وفيه : البراء ، اعتمر النبى ، عليه ~~السلام ، ثلاث عمرة . والرابعة إنما تجوز نسبتها إليه ؛ لأنه أمر الناس بها ~~، وعملت بحضرته ، لا أنه عليه السلام اعتمرها بنفسه ، ويدل على صحة هذا ~~القول أن عائشة ردت على ابن عمر قوله : وقالت : ( ما اعتمر فى رجب قط ) . ~~وأما أنس فإنه لم يضبط المسألة ضبطا جيدا ، وقد أنكر ذلك عليه ابن عمر حين ~~ذكر له أن أنسا حدث ( أن النبى عليه السلام أهل بعمرة وحج ، فقال ابن عمر : ~~أهل النبى عليه السلام وأهللنا به ) ذكره البخارى فى المغازى ، ففى رد ابن ~~عمر على أنس أن النبى عليه السلام اعتمر مع حجته ، رد من ابن عمر على نفسه ~~أيضا ، وقد جاء عن أنس نفسه خلاف قوله ، وهو حديث مروان الأصفر عنه أن ~~النبى عليه السلام قال لعلى : ( لولا أن معى الهدى لأحللت ) ذكره فى باب : ~~من أهل فى زمن النبى عليه السلام كإهلال النبى - صلى الله عليه وسلم - . ~~فامتناعه عليه السلام من الإحلال لأجل الهدى يدل أنه كان مفردا للحج ؛ لأنه ~~اعتذر عن الفسخ فيه بالهدى ، ولو كان قارنا ما جاز أن يعتذر لاستحالة الفسخ ~~على القارن ، فكيف يجوز أن ينسب إليه عليه السلام أنه اعتمر مع حجته إلا ~~على معنى أنه أمر بذلك من لم يكن معه هدى ؟ ! هذا ما لا ريب فيه ولا شك ، ~~وروى عبد الرزاق ، عن عمر ابن ذر ، عن مجاهد ، أنه قال : ( اعتمر النبى ~~عليه السلام ثلاثا ، كلهن فى ذى القعدة ) وعن معمر ، عن هشام بن عروة قال ms1418 : ~~( اعتمر النبى - صلى الله عليه وسلم - ثلاثا ) . PageV04P437 # | 140 - باب عمرة فى رمضان # / 206 - فيه : ابن عباس ، قال النبى ، عليه السلام : ( ما منعك أن تحجين ~~معنا ) ؟ قالت : كان لنا ناضح فركبه أبو فلان وابنه ، لزوجها وابنها ، وترك ~~ناضحا ننضح عليه ، قال : ( فإذا كان رمضان اعتمرى فيه ، فإن عمرة فى رمضان ~~حجة ) . قوله : ( فإن عمرة فيه كحجة ) يدل أن الحج الذى ندبها إليه كان ~~تطوعا ؛ لإجماع الأمة أن العمرة لا تجزئ من حجة الفريضة ، فأمرها بذلك على ~~الندب لا على الإيجاب . وقوله : ( كحجة ) يريد فى الثواب ، والفضائل لا ~~تدرك بقياس ، والله يؤتى فضله من يشاء . والناضح : البعير أو الثور أو ~~الحمار يربط به الرشاء يجره فيخرج الغرب ، ويقال لها أيضا : السانية . * * ~~* # | 141 - باب عمرة التنعيم # / 207 - فيه : عبدالرحمن بن أبى بكر ، أن النبى ، عليه السلام ، أمره أن ~~يردف عائشة ، ويعمرها من التنعيم . / 208 - وفيه : جابر ، أن النبى ، عليه ~~السلام ، أمر عبدالرحمن أن يخرج معها إلى التنعيم ، فاعتمرت بعد الحج فى ذى ~~الحجة ، وأن سراقة بن مالك لقى النبى ، عليه السلام ، وهو بالعقبة ، فقال : ~~ألكم هذه خاصة يا رسول الله ؟ قال : ( لا ، بل للأبد ) . فقه هذا الباب : ~~أن المعتمر المكى لابد له من الخروج إلى الحل ثم يحرم منه ؛ لأن التنعيم ~~أقرب الحل ، وشأن العمرة عند الجميع أن يجمع فيها بين حل وحرم ، المكى ~~وغيره ، والعمرة زيارة ، وإنما يزار PageV04P438 الحرم من خارجه كما يزار ~~المزور فى بيته من غير [ . . . . . . ] وتلك سنة الله فى عباده المعتمرين ، ~~وما بعد من الحل كان أفضل ، ويجزئ أقل الحل وهو التنعيم . وقال الطحاوى : ~~ذهب قوم إلى أن العمرة لمن كان بمكة لا وقت لها غير التنعيم ، وجعلوا ~~التنعيم خاصة وقتا لعمرة أهل مكة ، وقالوا : لاينبغى لهم أن يجاوزوه ، كما ~~لا ينبغى لغيرهم أن يجاوز ميقاتا وقته لهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- . وخالفهم فى ذلك آخرون ، وقالوا : وقت أهل مكة الذى يحرمون منه بالعمرة ~~: الحل ، فمن أى الحل أحرموا أجزأهم ذلك ، والتنعيم وغيره عندهم فى ذلك ~~سواء ms1419 ، واحتجوا بأنه قد يجوز أن يكون النبى عليه السلام قصد إلى التنعيم فى ~~ذلك ؛ لأنه كان أقرب الحل منها ، لا لأن غيره من الحل ليس هو فى ذلك كهو ، ~~فطلبنا الدليل على أحد القولين ، فإذا يزيد بن سنان حدثنا قال : حدثنا ~~عثمان بن عمر ، حدثنا أبو عامر صالح بن رستم ، عن ابن أبى مليكة ، عن عائشة ~~قالت : ( دخل على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بسرف وأنا أبكى ، فقال ~~: ( ما ذلك ؟ ) قلت : حضت . قال : ( فلا تبكى ، اصنعى ما يصنع الحاج ) . ~~فقدما مكة ثم أتينا منى ، ثم غدونا إلى عرفة ، ثم رمينا الجمرة تلك الأيام ~~، فلما كان يوم النفر ارتحل فنزل الحصبة ، قالت : والله ما نزلها إلا من ~~أجلى ، فأمر عبد الرحمن فقال : ( احمل أختك ، فأخرجها من الحرم ) قالت : ~~والله ما ذكر الجعرانة ولا التنعيم فلتهل بعمرة ، فكان أدنانا من الحرم ~~التنعيم ، فأهللت بعمرة ، فطفنا بالبيت وسعينا بين الصفا والمروة ، ثم ~~أتينا فارتحل ) . PageV04P439 فأخبرت عائشة أن النبى عليه السلام لم يقصد ~~لما أراد أن يعمرها إلا إلى الحل ، لا إلى موضع بعينه خاص ، وأنه إنما قصد ~~التنعيم ؛ لأنه كان أقرب الحل إليهم ، لا لمعنى آخر ؛ فثبت أن وقت أهل مكة ~~لعمرهم هو الحل ، وهو قول أبى حنيفة وأصحابه . وقال الطحاوى : سؤال سراقة ~~للنبى عليه السلام يحتمل أن يكون أراد عمرتنا هذه فى أشهر الحج لعامنا هذا ~~، ولا يفعل ذلك فيما بعد ؛ لأنهم لم يكونوا يعرفون العمرة فيما مضى فى أشهر ~~الحج ، ويعدون ذلك من أفجر الفجور ، أو للأبد ، فقال رسول الله : ( هى ~~للأبد ) أى : لكم أن تفعلوا ذلك أبدا ، وليس على أن لهم أن يحلوا من الحج ~~قبل عرفة بطوافهم بالبيت وسعيهم بين الصفا والمروة ، لما تقدم منه أن الفسخ ~~كان لهم خاصة ، هكذا رواه جعفر بن محمد ، عن أبيه ، عن جابر : ( عمرتنا ~~لعامنا هذا أو للأبد ؟ ) وتابعه خصيف والأوزاعى جميعا عن عطاء ، عن جابر ( ~~أن سراقة قال للنبى عليه السلام : لكم هذه خاصة يا رسول الله ؟ قال : لا ، ~~بل للأبد ms1420 ) . والمعنى فيهما واحد على ما فسره الطحاوى . * * * # | 142 - باب العمرة ليلة الحصبة وغيرها # / 209 - فيه : عائشة ، خرجنا مع الرسول - صلى الله عليه وسلم - موافين ~~لهلال ذى الحجة ، فقال لنا : ( من أحب أن يهل بعمرة فليهل ، ومن أحب أن يهل ~~بحجة فليهل ) ، وكنت ممن أهل بعمرة . . . إلى قولها : فلما كان ليلة الحصبة ~~، أرسل معى عبدالرحمن إلى التنعيم ، فأردفها ، فأهللت بعمرة مكان عمرتى . ~~PageV04P440 فقه هذا الباب : أن الحاج يجوز له أن يعتمر إذا تم حجه بعد ~~انقضاء أيام التشريق ، وليلة الحصبة : هى ليلة النفر الأخير ؛ لأنها آخر ~~أيام الرمى . وقد اختلف السلف فى العمرة بعد أيام الحج ، فذكر عبد الرزاق ~~بإسناده عن مجاهد قال : سئل عمر وعلى وعائشة عن العمرة ليلة الحصبة ، فقال ~~عمر : هى خير من لا شئ . وقال على : هى خير من مثقال ذرة . وقالت عائشة : ~~العمرة على قدر النفقة . وعن عائشة أيضا قالت : لأن أصوم ثلاثة أيام أو ~~أتصدق على عشرة مساكين أحب إلى من أن أعتمر العمرة التى اعتمرت من التنعيم ~~. وقال طاوس فيمن اعتمر بعد الحج : لا أدرى أتعذبون عليها أم تؤجرون . وقال ~~عطاء بن السائب : اعتمرنا بعد الحج ، فعاب ذلك علينا سعيد بن جبير . وأجاز ~~ذلك آخرون . روى ابن عيينة ، عن الوليد بن هشام قال : سألت أم الدرداء عن ~~العمرة بعد الحج ، فأمرتنى بها . وسئل عطاء عن عمرة التنعيم ، قال : هى ~~تامة وتجزئه . وقال القاسم بن محمد : عمرة المحرم تامة . وقد روى عن عائشة ~~مثل هذا المعنى ، قالت : تمت العمرة السنة كلها إلا يوم عرفة ، ويوم النحر ~~، ويومين من أيام التشريق . وقال أبو حنيفة : العمرة جائزة السنة كلها إلا ~~يوم عرفة ، ويوم النحر ، وأيام التشريق للحاج وغيره . ومن حديث عائشة فى ~~هذا الباب استحب مالك ألا يعتمر حتى تغيب الشمس من آخر أيام التشريق ؛ لأن ~~النبى عليه السلام قد كان وعد عائشة بالعمرة وقال لها : ( كونى فى حجك عسى ~~الله أن يرزقكيهما ) ولو استحب لها العمرة فى أيام التشريق لأمرها بالعمرة ~~PageV04P441 فيها ، وبه قال الشافعى ، وإنما ms1421 كرهت العمرة فيها للحاج خاصة ؛ ~~لئلا يدخل عملا على عمل ؛ لأنه لم يكمل عمل الحج بعد ، ومن أحرم بالحج فلا ~~يحرم بالعمرة ؛ لأنه لا تضاف العمرة إلى الحج عند مالك وطائفة من العلماء ، ~~وأما من ليس بحاج فلا يمنع من ذلك ، فإن قيل : فقد روى أبو معاوية ، عن ~~هشام بن عروة عن أبيه ، عن عائشة فى هذا الباب : ( وكنت ممن أهل بعمرة ) ~~وروى مثله يحيى القطان عن هشام فى الباب بعد هذا ، وهذا خلاف ما تقدم عن ~~عائشة أنها أهلت بالحج . فالجواب : أنا قد قدمنا أن أحاديث عائشة فى الحج ~~أشكلت على الأئمة قديما ، فمنهم من جعل الاضطراب فيها جاء من قبلها ، ومنهم ~~من جعله جاء من قبل الرواة عنها ، وقد روى عروة والقاسم والأسود وعمرة عن ~~عائشة ، أنها كانت مفردة للحج على ما بيناه فى باب : التمتع والقران ~~والإفراد فى أول كتاب الحج ، فالحكم لأربعة من ثقات أصحاب عائشة ، فالصواب ~~أن حمل ذلك على التضاد أولى من الحكم لرجلين من متأخرى رواة حديثها . وقد ~~يحتمل قولها : ( وكنت ممن أهل بعمرة ) تأويلا ينتفى به التضاد عن الآثار ، ~~وذلك أن عمرة روت عن عائشة أنها قالت : ( خرجنا لخمس بقين من ذى القعدة ~~مهلين بالحج ، فلما دنونا من مكة . . ) وقالت مرة : فنزلنا بسرف ، قال ~~النبى عليه السلام لأصحابه : ( من لم يكن معه هدى فأحب أن يجعلها عمرة ~~فليفعل ) . فأهلت عائشة حينئذ بعمرة ، فحاضت قبل أن تطوف بالبيت طواف ~~العمرة ، فقالت للنبى عليه السلام : منعت العمرة ، فأمرها عليه السلام برفض ~~ذكر العمرة بأن تبقى على إحرامها بالحج الذى كانت أهلت به أولا ، فمن روى ~~عنها : ( وكنت ممن أهل بعمرة حين دنوا من مكة ) ممن رتب الحاديث على موطنها ~~ومواضع ابتداء الإحرام ؛ PageV04P442 بان له أن ما اختلف من ظاهر الآثار ~~غير مخالف فى المعنى ، وزال الإشكال عنها ، والحمد لله . هذا معنى قول ~~المهلب . وقولها : ( مكان عمرتى ) تريد عمرتى التى أحرمت بها من سرف ، ثم ~~منعتها من أجل الحيض . * * * # | 143 - باب الاعتمار بعد الحج بغير ms1422 هدي # / 210 - فيه : عائشة ، قالت : خرجنا مع الرسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- موافين لهلال ذى الحجة ، فقال ، عليه السلام : ( من أحب أن يهل بعمرة ~~فليهل ، ومن أحب أن يهل بحجة فليهل ، ولولا أنى أهديت لأهللت بعمرة ) ، ~~فمنهم من أهل بعمرة ومنهم من أهل بحجة ، وكنت ممن أهل بعمرة ، فحضت قبل أن ~~أدخل مكة ، فأدركنى يوم عرفة ، وأنا حائض ، فشكوت ذلك إلى رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - ، فقال : ( دعى عمرتك ، وانقضى رأسك ، وامتشطى ، وأهلى ~~بالحج ) ، ففعلت ، فلما كانت ليلة الحصبة ، أرسل معى عبدالرحمن إلى التنعيم ~~، فأردفها ، فأهلت بعمرة مكان عمرتها فقضى الله حجها وعمرتها ، ولم يكن فى ~~شيء من ذلك هدى ولا صدقة ولا صوم . قال المهلب : قولها : ( خرجنا مع رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - موافين لهلال ذى الحجة ) إنما هو بمعنى ~~المقاربة ؛ لأنه قد صح عنها أنها قالت : ( خرجنا مع رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - لخمس بقين من ذى القعدة ) والخمس قريب من آخر الشهر ، فوافاهم ~~الهلال فى الطريق ، وقولها : ( فأدركنى يوم عرفة وأنا حائض ) وقالت فى ~~رواية القاسم : ( وطهرت حين قدمنا منى ، صبيحة ليلة عرفة يوم النحر بمنى ) ~~وقولها : ( لم يكن فى شىء من ذلك هدى ) لأن عمرتها بعد انقضاء عمل الحج . ~~ولا خلاف بين العلماء أن من اعتمر بعد انقضاء عمل الحج وخروج أيام التشريق ~~أنه لا هدى عليه فى عمرته ؛ لأنه ليس بمتمتع ، وإنما المتمتع من اعتمر فى ~~أشهر الحج وطاف لعمرته قبل الوقوف بعرفة ، وأما من اعتمر بعد يوم ~~PageV04P443 النحر فقد وقعت عمرته فى غير أشهر الحج ، فلذلك ارتفع حكم ~~الهدى عنها ، والصحيح من قول مالك أن أشهر الحج : شوال وذو القعدة وعشر من ~~ذى الحجة . ولم يكن عليها أيضا فى حجتها هدى ؛ لأنها كانت مفردة على ما روى ~~عنها القاسم والأسود وعمرة ، ولم يأخذ مالك بقولها فى آخر الحديث : ( ولم ~~يكن فى شىء من ذلك هدى ) لأنها كانت عنده فى حكم القارنة ، ولزمها لذلك هدى ~~القران ، ولا أخذ بذلك أبو حنيفة ms1423 أيضا ؛ لأنها كانت عنده رافضة لعمرتها ، ~~والرافضة عنده عليها دم للرفض ، وعليها عمرة . وقوله : ( فقضى الله حجها ~~وعمرتها ، ولم يكن فى ذلك هدى ولا صوم ولا صدقة ) ليس من لفظ عائشة ، وإنما ~~هو لفظ هشام بن عروة ، لم يذكر ذلك أحد غيره ، ولا تقول به الفقهاء ، وقد ~~تقدم مذاهب الفقهاء فى قوله : ( انقضى رأسك وامتشطى ) فى باب كيف تهل ~~الحائض والنفساء . فأغنى عن إعادته . * * * # | 144 - باب المعتمر إذا طاف طواف العمرة ثم خرج هل يجزئه من طواف الوداع # / 211 - فيه : عائشة ، قالت : خرجنا مهلين بالحج فى أشهر الحج ، وحرم . . ~~. إلى قوله : حتى نفرنا من منى ونزلنا المحصب ، فدعا عبدالرحمن ، فقال : ( ~~اخرج بأختك الحرم ، فلتهل بعمرة ، ثم افرغا من طوافكما ، أنتظركما هاهنا ) ~~، فأتينا فى جوف الليل ، فقال : ( فرغتما ) ؟ قلت : نعم ، فنادى بالرحيل فى ~~أصحابه ، فارتحل الناس . PageV04P444 لا خلاف بين العلماء أن المعتمر إذا ~~طاف وخرج إلى بلده أنه يجزئه من طواف الوداع ، كما فعلت عائشة ، وأما إن ~~أقام بمكة بعد عمرته ثم بدا له أن يخرج منها ، فيستحبون له طواف الوداع . * ~~* * # | 145 - باب أجر العمرة على قدر النصب # / 212 - فيه : عائشة ، قالت : يا رسول الله ، يصدر الناس بنسكين ، وأصدر ~~بنسك ، فقيل لها : ( انتظرى ، فإذا طهرت ، فاخرجى إلى التنعيم ، فأهلى ، ثم ~~ائتى مكان كذا ، ولكنها على قدر نفقتك ، أو نصبك ) . أفعال البر كلها الأجر ~~فيها على قدر المشقة والنفقة ، ولهذا استحب مالك وغيره الحج راكبا ، ومصداق ~~هذا فى كتاب الله قوله : { الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا فى سبيل الله ~~بأموالهم وأنفسهم أعظم درجة عند الله وأولئك هم الفائزون } [ التوبة : 20 ] ~~وفى هذا فضل الغنى وإنفاق المال فى الطاعات ، ولما فى قمع النفس عن شهواتها ~~من المشقة على النفس ، وعد الله تعالى الصابرين على ذلك : { إنما يوفى ~~الصابرون أجرهم بغير حساب } [ الزمر : 10 ] . * * * # | 146 - باب يفعل فى العمرة ما يفعل فى الحج # / 213 - فيه : يعلى بن أمية ، أن رجلا أتى النبى ، عليه السلام ، وهو ~~بالجعرانة ، وعليه جبة وعليه أثر الخلوق ، أو قال : صفرة ، فقال ms1424 : كيف ~~تأمرنى أن أصنع فى عمرتى ؟ فأنزل الله على الرسول - صلى الله عليه وسلم - ~~فستر بثوب ، فلما سرى PageV04P445 عنه ، قال : ( أين السائل عن العمرة ؟ ~~اخلع عنك الجبة ، واغسل أثر الخلوق عنك ، وأنق الصفرة ، واصنع فى عمرتك كما ~~تصنع فى حجك ) . / 214 - وفيه : هشام ، قلت لعائشة : أرأيت قول الله : { إن ~~الصفا والمروة من شعائر الله } [ البقرة : 158 ] الحديث ، وقال هشام : ما ~~أتم الله حج امرئ ولا عمرته لم يطف بين الصفا والمروة . قوله عليه السلام : ~~( اصنع فى عمرتك كما تصنع فى حجك ) . هذا مما لفظه العموم والمراد به ~~الخصوص ، يدل على ذلك أن المعتمر لا يقف بعرفة ، ولا يرمى جمرة العقبة ، ~~ولا يعمل شيئا من عمل الحج غير الطواف بالبيت والسعى بين الصفا والمروة ، ~~وإنما أمره عليه السلام أن يصنع فى عمرته مثل ما يصنع فى حجه ن اجتناب لباس ~~المخيط واستعمال الطيب ، وأعلمه أن جميع ما يحرم على الحاج بالإحرام يحرم ~~مثله على المعتمر بالإحرام ، كالصيد والنساء وغير ذلك . * * * # | 147 - باب متى يحل المعتمر ؟ # وقال عطاء ، عن جابر : أمر النبى ، عليه السلام ، أصحابه أن يجعلوها عمرة ~~، ويطوفوا ، ثم يقصروا ، ويحلوا . / 215 - فيه : ابن أبى أوفى ، اعتمر ~~النبى ، عليه السلام ، واعتمرنا معه ، فلما دخل مكة ، طاف وطفنا معه ، وأتى ~~الصفا والمروة وأتيناها معه ، وكنا نستره من أهل مكة أن يرميه أحد ، فقال ~~له صاحب لى : أكان دخل الكعبة ؟ قال : لا ، وقال : ( بشروا خديجة ببيت من ~~الجنة من قصب ، لا صخب فيه ولا نصب ) . PageV04P446 / 216 - وفيه : ابن عمر ~~، سئل عن رجل طاف بالبيت فى عمرته ، ولم يطف بين الصفا والمروة ، أيأتى ~~امرأته ؟ فقال : قدم الرسول - صلى الله عليه وسلم - فطاف بالبيت سبعا ، ~~وصلى خلف المقام ركعتين ، وطاف بين الصفا والمروة سبعا ، وقد كان لكم فى ~~رسول الله أسوة حسنة ، وقال جابر : لا يقربنها حتى يطوف بين الصفا والمروة ~~. / 217 - وفيه : أبو موسى ، قال : قدمت على النبى ، عليه السلام ، وهو ~~منيخ ، بالبطحاء ، فقال : ( أحججت ) ؟ قلت : نعم ؟ قال : ( بما أهللت ) ؟ ~~قلت : لبيك بإهلال كإهلال ms1425 النبى ، عليه السلام ، قال : ( أحسنت ، طف بالبيت ~~وبالصفا والمروة ، ثم أحل ) ، فطفت بالبيت وبالصفا والمروة ، ثم أتيت امرأة ~~من قيس ، ففلت رأسى ، ثم أهللت بالحج ، فكنت أفتى به حتى كان فى خلافة عمر ~~، فقال : إن أخذنا بكتاب الله فإنه يأمرنا بالتمام ، وإن أخذنا بقول رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - فإنه لم يحل حتى يبلغ الهدى محله . / 218 - ~~فيه : أسماء قالت كلما مرت بالحجون : صلى الله عليه وسلم لقد نزلنا معه ~~هاهنا ، ونحن يومئذ خفاف ، قليل ظهرنا ، قليلة أزوادنا ، فاعتمرت أنا وأختى ~~عائشة والزبير وفلان وفلان ، فلما مسحنا البيت أحللنا ، ثم أهللنا من العشى ~~بالحج . اتفق أئمة الفتوى على أن المعتمر يحل من عمرته إذا طاف بالبيت وسعى ~~بين الصفا والمروة وإن لم يكن حلق ولا قصر ، على ما جاء فى هذا الحديث ، ~~ولا أعلم فى ذلك خلافا ، إلا شذوذا روى عن ابن عباس أنه قال : العمرة ~~الطواف . وتبعه عليه إسحاق بن راهويه ، والحجة فى السنة لا فى خلافها . ~~واحتج الطبرى بحديث أبى موسى على من زعم أن المعتمر إذا كمل عمرته ثم جامع ~~قبل أن يحلق أنه مفسد لعمرته ، قال : ألا ترى قوله PageV04P447 عليه السلام ~~لأبى موسى : ( طف بالبيت وبين الصفا والمروة ، وقصر من شعرك واحلق ثم أحل ) ~~فبين بذلك أن التقصير والحلق ليسا من النسك ، وإنما هما من معانى الإحلال ، ~~كما لبس الثياب والطيب بعد طواف المعتمر بالبيت وسعيه بين الصفا والمروة من ~~معانى إحلاله ، وكذلك إحلال الحاج من إحرامه بعد رميه جمرة العقبة ، لا من ~~نسكه ، فبين فساد قول من زعم أن من جامع من المعتمرين قبل التقصير من شعره ~~أو الحلق ، ومن بعد طوافه بالبيت وبين الصفا والمروة أنه مفسد عمرته ، وهو ~~قول الشافعى ، قال ابن المنذر : ولا أحفظ ذلك عن غيره . وقال مالك والثورى ~~والكوفيون : عليه الهدى . وقال عطاء : يستغفر الله ولا شىء عليه . قال ~~الطبرى : وفى حديث أبى موسى بيان فساد قول من قال : إن المعتمر إن خرج من ~~الحرم قبل أن يقصر من ms1426 شعره أو يحلق أن عليه دما ، وإن كان قد طاف بالبيت ~~وبين الصفا والمروة قبل خروجه منه ، وفيه أيضا أن الرسول - صلى الله عليه ~~وسلم - إنما أذن لأبى موسى بالإحلال من عمرته بعد الطواف بالبيت والسعى بين ~~الصفا والمروة ، فبان بذلك أن من حل منهما قبل ذلك فقد أخطأ وخالف سنته ~~عليه السلام ، واتضح به فساد قول من زعم أن المعتمر إذا دخل الحرم فقد حل ~~من إحرامه ، وله أن يلبس ويتطيب ويعمل ما يعمل الحلال ، وهو قول ابن عمر ~~وابن المسيب وعروة والحسن ، وصح أنه من حل من شىء كان عليه حراما قبل ذلك ~~فعليه الجزاء والفدية . واختلف العلماء إذا وطئ المعتمر قبل طوافه بالبيت ~~وقبل أن يسعى بين الصفا والمروة ، فقال مالك والشافعى وأحمد وأبو ثور : ~~عليه الهدى وعمرة أخرى مكانها ، ويتم التى أفسد . ووافقهم أبو حنيفة إذا ~~جامع بعد طواف ثلاثة أشواط ، وقال : إذا جامع بعد أربعة أشواط بالبيت أنه ~~يقضى ما بقى من عمرته ، وعليه دم ، ولا شىء عليه . PageV04P448 وهذا تحكم ~~لا دليل عليه إلا الدعوى ، وحجة مالك ومن وافقه حديث ابن أبى أوفى أن النبى ~~عليه السلام اعتمر مع أصحابه ولم يحلوا حتى طافوا وسعوا بين الصفا والمروة ~~، ولذلك أمر النبى عليه السلام أيضا أبا موسى الشعرى قال له : ( طف بالبيت ~~وبين الصفا والمروة وأحل ) فوجب الاقتداء بسنته واتباع أمره ، وقال : ( ~~خذوا عنى مناسككم ) . وقد فهم الصحابة الذين تلقوا عنه السنة قولا وعملا ~~هذا المعنى ، فقال جابر وابن عمر : لا يقرب امرأته حتى يطوف بين الصفا ~~والمروة . واحتج ابن عمر فى ذلك بفعل النبى عليه السلام وإن كان عليه ~~السلام غير معتمر ، فمعنى ذلك أنه لم يدخل بين الصواف والسعى عملا ، ولا ~~أباحه للمعتمرين الذين أمرهم بالإحلال حتى وصلوا سعيهم بطوافهم ، وكذلك ~~حلوا بمسيس الناسء والطيب وغير ذلك والله الموفق . قال المهلب : قولها : ( ~~فاعتمرت أنا واختى عائشة ) . بالإحرام بعمرة حين أمرهم عليه السلام أن ~~يجعلوا إحرامهم بالحج عمرة ، فثبتت أسماء على عمرتها ، وحاضت عائشة فلم ms1427 تطف ~~بالبيت ، وأمرها النبى عليه السلام أن ترفض ذكر العمرة ، وأن تكون على ما ~~كانت أبدأت الإحرام به من ذى الحليفة من الحج ، وتركت العمرة التى كانت ~~أحلت بها من سرف ، فأخبرت أسماء عن نفسها وعن الزبير وفلان وفلان الذين ~~أحلوا بمسح البيت بعمرة ، ولم يدل ذلك أن عائشة مسحت البيت معهم ؛ لثبوت ~~أنها حاضت فمنعت العمرة ، وقول الرسول - صلى الله عليه وسلم - لها : ( كونى ~~على حجك عسى الله أن يرزقكيها غير ألا تطوفى بالبيت ) ومثله قول ابن عباس ~~فى حرمة PageV04P449 الفسخ : طفنا بالبيت وأتينا النساء . لأنه كان فى حجة ~~الوداع صغيرا قد ناهز الحلم ، وقد قال : توفى رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - وأنا ابن عشر سنين . فكان فى حجة الوداع ابن ثمان أو نحوها ممن لا ~~يأتى النساء ، وكذلك قالت عائشة فى حديث الأسود : فلما قدمنا تطوفنا بالبيت ~~. وهى لم تطف بالبيت حتى طهرت ورجعت من عرفة ؛ لأنها قالت فيه : ونساؤه لم ~~يسقن الهدى فأحللن ، فحضت فلم أطف بالبيت . بعد أن قالت : تطوفنا . وعلى ~~هذا التأويل يخرج قول من قال : ( تمتع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~وتمتعنا معه ) يعنى : تمتع بأن أمر بذلك والله أعلم وقد تقدم معنى قولها : ~~( فما مسحنا البيت أحللنا ) يريد بعد السعى بين الصفا والمروة ، وعلى ذلك ~~تأوله الفقهاء . * * * # | 148 - باب ما يقول إذا رجع من الحج أو العمرة أو الغزو # / 219 - فيه : ابن عمر ، كان النبى ، عليه السلام ، إذا قفل من حج أو ~~عمرة أو غزو يكبر على كل شرف من الأرض ثلاث تكبيرات ، ثم يقول : ( لا إله ~~إلا الله وحده لا شريك له ، له الملك وله الحمد ، وهو على كل شيء قدير ، ~~آيبون تائبون ، عابدون ساجدون لربنا حامدون ، صدق الله وعده ، ونصر عبده ، ~~وهزم الأحزاب وحده ) . فيه من الفقه : استعمال حمد الله تعالى والإقرار ~~بنعمته ، والخضوع له ، والثناء عليه عند القدوم من الحج والجهاد على ما وهب ~~من تمام المناسك ، وما رزق من النصرة على العدو ، والرجوع إلى الوطن سالمين ~~، وكذلك ms1428 يجب إحداث الحمد لله والشكر له على ما PageV04P450 يحدث على عباده ~~من نعمه ، فقد رضى من عباده بالإقرار له بالوحدانية ، والخضوع له بالربوبية ~~، والحمد والشكر عوضا مما وهبهم من نعمه تفضلا عليهم ورحمة لهم . وفى هذا ~~الحديث بيان أن نهيه عليه السلام عن السجع فى الدعاء أنه على غير التحريم ؛ ~~لوجود السجع فى دعائه ودعاء أصحابه ، فيحمل أن يكون نهيه عن السجع يتوجه ~~إلى حسن الدعاء خاصة ، خشية أن يشتغل الداعى بطلب الألفاظ وتعديل الأقسام ~~عن إخلاص النية وإفراغ القلب فى الدعاء والاجتهاد فيه ، وسأزيد فى بيان هذا ~~المعنى فى باب : ما يكره من السجع فى الدعاء . فى كتاب الدعاء إن شاء الله ~~. * * * # | 149 - باب استقبال الحاج القادمين والثلاثة على الدابة # / 220 - فيه : ابن عباس ، لما قدم النبى ، عليه السلام ، مكة استقبلته ~~أغيلمة بنى عبدالمطلب ، فحمل واحدا بين يديه وآخر خلفه . فيه من الفقه : ~~جواز تلقى القادمين منالحج تكرمة لهم وتعظيما ؛ لأن النبى - صلى الله عليه ~~وسلم - لم ينكر تلقيهم له ، بل سر به لحمله لهم بين يديه وخلفه ، ويدخل فى ~~معنى ذلك من قدم منالجهاد أو من سفر فيه طاعة لله ، فلا بأس بالخروج إليه ~~وتلقيه ، تأنسا له وصلة . قال المهلب : وفيه رد قول من يقول : لا يجوز ركوب ~~ثلاثة على دابة ، وإنما أصل هذا ألا يكلف الدابة حمل ما لا تطيق ، أو ما ~~تطيقه بمشقة ظاهرة ، فإذا أطاقت حمل ثلاثة وأربعة جاز ركوبها . وسيأتى ~~اختلاف العلماء فى ركوب الثلاثة على الدابة فى آخر كتاب الزينة ، فإنه ترجم ~~لهذا الحديث باب : الثلاثة على الدابة . PageV04P451 # | 150 - باب القدوم بالغداة # / 221 - فيه : ابن عمر ، كان النبى ، عليه السلام ، إذا خرج إلى مكة يصلى ~~فى مسجد الشجرة ، وإذا رجع صلى بذى الحليفة ببطن الوادى ، وبات حتى يصبح . ~~إنما اختار عليه السلام القدوم بالغداة والله أعلم ليتقدم خبره إلى أهله ، ~~ويتأهبوا للقائه ، فيقدم على ذلك ، والله أعلم . * * * # | 151 - باب الدخول بالعشي # الدخول بالعشى مباح ، وإنما الذى نهى عنه عليه السلام عن أن يطرق ms1429 القادم ~~أهله . * * * # | 152 - باب لا يطرق أهله إذا بلغ المدينة # / 222 - فيه : جابر ، قال : نهى الرسول - صلى الله عليه وسلم - أن يطرق ~~أهله ليلا . قد جاء فى الحديث بيان المعنى الذى من أجله نهى الرسول عن هذا ~~، وهى تممتشط الشعثة ، وتستحد المغيبة ، كراهية أن يهجم منها على ما يقبح ~~عنده اطلاعه عليه ، فيكون سببا إلى شنآنها وبغضها ، فنبههم عليه السلام على ~~ما تدوم به الألفة بينهم ، ويتأكد به المحبة ، فينبغىلمن أراد الأخذ بأدب ~~نبيه أن يتجنب مباشرة أهله فى حال البذاذة وغير النظافة ، وألا يتعرض لرؤية ~~عورة يكرها منها ، ألا ترى أن الله تعالى أمر من لا يبلغ الحلم بالاستئذان ~~قبل صلاة الفجر ووقت الظهيرة وبعد العشاء ؛ لما كانت هذه أوقات التجرد ~~والخلوة ، خشية الاطلاع على العورات وما يكره النظر إليه ، وروى ~~PageV04P452 عن ابن عباس أنه قال : آية لم يؤمن بها أكثر الناس ؛ آية الإذن ~~، وإنى لآمر جاريتى هذه أن تستأذن على . * * * # | 153 - باب من أسرع ناقته إذا بلغ المدينة # / 223 - فيه : أنس ، كان الرسول - صلى الله عليه وسلم - إذا قدم من سفر ، ~~فأبصر درجات المدينة أوضع ناقته ، وإن كانت دابة حركها . وقال إسماعيل ، عن ~~حميد ، ( جدرات ) . قوله : ( من حبها ) يعنى لأنها وطنه ، وفيها أهله وولده ~~الذين هم أحب الناس إليه ، وقد جبل الله النفوس على حب الأوطان والحنين ~~إليها ، وفعل ذلك عليه السلام ، وفيه أكرم الأسوة ، وأمر أمته سرعة الرجوع ~~إلى أهلهم عند انقضاء أسفارهم . * * * # | 154 - باب قول الله تعالى : { وأتوا البيوت من أبوابها } [ البقرة : ~~189 ] # / 224 - فيه : البراء ، قال : نزلت هذه الآية فينا ، كانت الأنصار إذا ~~حجوا فجاءوا لم يدخلوا من قبل أبواب بيوتهم ولكن من ظهورها ، فجاء رجل من ~~الأنصار ، فدخل من قبل بابه ، فكأنه عير بذلك فنزلت : { وليس البر بأن ~~تأتوا البيوت من ظهورها } [ البقرة : 189 ] . وقال مجاهد فى هذه الآية : ~~كان المشركون إذا أحرم الرجل منهم PageV04P453 ثقب كوة فى ظهر بيته وجعل ~~سلما ، فجعل يدخل منها . وقال معمر عن الزهرى : كان الأنصار إذا أهلوا ~~بالعمرة ms1430 لم يحل بينهم وبين السماء شىء يتحرجون من ذلك ، وكان الرجل حين ~~يخرج مهلا بالعمرة ، فتبدو له الحاجة بعد ما يخرج من بيته فيرجع ، لا يدخل ~~من باب الحجرة من أجل سقف الباب أن يحول بينه وبين السماء ، فيقتحم الجدار ~~من ورائه ، حتى بلغنا أن النبى عليه السلام أهل من الحديبة بالعمرة فدخل ~~حجرته ، فدخل رجل من الحمس من ورائه ، فقال له الأنصار ، فقال : أنا أحمسى ~~. فقال : وأنا على دينك ؛ لأن الحمس كانت لا تبالى ذلك ؛ فأنزل الله : { ~~وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها } [ البقرة : 189 ] . * * * # | 155 - باب السفر قطعة من العذاب # / 225 - فيه : أبو هريرة ، قال ، عليه السلام : ( السفر قطعة من العذاب ، ~~يمنع أحدكم طعامه وشرابه ونومه ، فإذا قضى نهمته ، فليعجل إلى أهله ) . فيه ~~: حض وندب على سرعة رجوع المسافر إلى أهله عند انقضاء حاجته ، وقد بين عليه ~~السلام المعنى فى ذلك بقوله : ( يمنع أحدكم نومه وطعامه وشرابه ) فامتناع ~~هذه الثلاثة التى هى أركان الحياة مع ما ينضاف إليها من شقة السفر وتعبه ، ~~هو العذاب إلى أشار إليه ، ولذلك قال عليه السلام : ( فإذا قضى أحدكم نهمته ~~فليرجع إلى أهله ) لكى يتعوض من ألم ما ناله ، من ذلك الراحة والدعة فى ~~أهله ، والعرب تشبه الرجل فى أهله بالأمير ، وقيل فى قوله : { وجعلكم ملوكا ~~} [ المائدة : 20 ] قال : من كان له دار وخادم فهو داخل فى معنى الآية . ~~PageV04P454 وقد أخبر الله تعالى بلطف محل الأزواج من أزواجهن بقوله : { ~~وجعل بينكم مودة ورحمة } [ الروم : 21 ] فقيل : المودة : الجماع ، والرحمة ~~: الولد . فإن قيل : فقد روى ابن عمر وابن عباس ، عن النبى عليه السلام أنه ~~قال : ( سافروا تصحوا وتغنموا ) وهو مخالف لحديث أبى هريرة . قيل : لا خلاف ~~بين شىء من ذلك ، وليس كون السفر قطعة من العذاب بمانع أن يكون فيه منفعة ~~ومصحة لكثير من الناس ؛ لأن فى الحركة والرياضة منفعة ، ولا سيما لأهل ~~الدعة والرفاهية ، كالدواء المر المعقب للصحة وإن كان فى تناوله كراهية ، ~~فلا خلاف بين الحديثين . قال أبو محمد الأصيلى : انفرد ms1431 مالك بهذا الحديث عن ~~سمى وقال : هؤلاء أهل العراق يسألوننى عنه . قيل له : لأنك انفردت به . قال ~~: لو أعلم أنى انفردت به ما حدثت به . * * * # | 156 - باب المسافر إذا جد به السير يعجل إلى أهله # / 226 - فيه : ابن عمر ، أنه بلغه عن صفية بنت أبى عبيد شدة وجع ، فأسرع ~~السير حتى كان بعد غروب الشفق ، نزل فصلى المغرب والعتمة جمع بينهما ، ثم ~~قال : إنى رأيت الرسول - صلى الله عليه وسلم - إذا جد به السير أخر المغرب ~~وجمع بينهما . فيه : جواز الإسراع على الدواب عند الحاجة تعرض ، ولا سيما ~~عند خبر مقلق يبلغه عن أهله . PageV04P455 # | 157 - باب المحصر وجزاء الصيد وقوله : { فإن أحصرتم فما استيسر من ~~الهدى } [ البقرة : 196 ] وقال عطاء : الإحصار من كل شيء يحبسه # . الإحصار : ينقسم قسمين : فإحصار بعدو ، وإحصار بمرض ، وأصل الإحصار فى ~~اللغة : المنع والحبس ، واختلف فى ذلك أهل اللغة ، فقال بعضهم : يقال من ~~العدو : حصر ، فهو محصور ، ويقال من المرض : أحصر ، فهو محصر هذا قول ~~الكسائى وأبى عبيد ، ذكره ابن القصار . وقال بعضهم : يقال : أحصر من المرض ~~ومن العدو ومن كل شىء حبس الحاج ، كما قال عطاء ، وهو قول النخعى والثورى ~~والكوفيين ، وهو قول الفراء وأبى عمرو ، والحجة لذلك قول الله تعالى : { ~~فإن أحصرتم } [ البقرة : 196 ] وإنما نزلت هذه الآية بالحديبية ، وكان ~~حبسهم يومئذ بالعدو ، قال أبو عمرو : يقال : حصرنى الشىء وأحصرنى : حبسنى . ~~وحكم الإحصار بعدو مخالف لحكم الإحصار بمرض عند جمهور العلماء على ما يأتى ~~بيانه بعد هذا إن شاء الله . * * * # | 158 - باب إذا أحصر المعتمر # / 227 - فيه : ابن عمر ، أنه خرج إلى مكة معتمرا فى الفتنة ، فقال : إن ~~صددت عن البيت صنعت كما صنعنا مع النبى ، عليه السلام ، فأهل بعمرة من أجل ~~أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان أهل بعمرة عام الحديبية . / 228 - ~~وقال أيضا : خرجنا مع النبى ، عليه السلام ، فحال كفار قريش PageV04P456 ~~دون البيت ، فنحر النبى ، عليه السلام ، هديه ، وحلق رأسه ، وأشهدكم أنى قد ~~أوجبت العمرة إن شاء الله ، أنطلق فإن ms1432 خلى بينى وبين البيت طفت ، وإن حيل ~~بينى وبينه فعلت كما فعل النبى - صلى الله عليه وسلم - وأنا معه ، فأهل ~~بالعمرة من ذى الحليفة ، ثم سار ساعة ، ثم قال : ( إنما شأنهما واحد ، ~~أشهدكم أنى قد أوجبت حجة مع عمرتى ) ، فلم يحل منهما حتى حل يوم النحر ~~وأهدى ، وكان يقول لا يحل حتى يطوف طوافا واحدا يوم يدخل مكة . / 229 - فيه ~~: ابن عباس ، قد أحصر الرسول - صلى الله عليه وسلم - فحلق وحل مع نساءه ، ~~ونحر هديه ، حتى اعتمر عاما قابلا عوضه . فى هذه الترجمة : رد قول من يقول ~~أن من أحصر فى العمرة بعدو أنه لابد له من الوصال إلى البيت والاعتمار ؛ ~~لأن السنة كلها وقت للعمرة بخلاف الحج ، ولا إحصار فى العمرة ، ويقيم على ~~إحرامه أبدا ، وهو قول لبعض السلف ، وهو مخالف لفعل الرسول - صلى الله عليه ~~وسلم - ؛ لأنه كان معتمرا بالحديبية وهو وجميع أصحابه حلوا دون البيت ، ~~والفقهاء على خلافه ، حكم الإحصار فى الحج والعمرة عندهم سواء . واختلف ~~فيمن أحصر بعدو ، فقال مالك والشافعى : لا حصر إلا حصر العدو . وهو قول ابن ~~عباس وابن عمر ، ومعنى ذلك أنه لا يحل للمحصر أن يحل دون البيت إلا من حصره ~~العدو ، كما فعل النبى - صلى الله عليه وسلم - ، وكان حصره بالعدو ، واحتج ~~الشافعى فقال : على الناس إتمام الحج والعمرة ، ورخص الله فى الإحلال ~~للمحصر بعدو ، فقلنا فى كل بأمر الله ، ولم نعد بالرخصة موضعها ، كما لم ~~نعد بالرخصة المسح على الخفين ، ولم نجعل عمامة ولا قفازين قياسا على ~~الخفين . وخالف الشافعى مالكا فأوجب عليه الهدى ، ينحره فى المكان الذى ~~PageV04P457 حصر فيه وقد حل ، كما فعل النبى عليه السلام بالحديبية ، وهو ~~قول أشهب ، وقال أبو حنيفة : الهدى واجب عليه أن ينحره فى الحرم وقد حل . ~~واحتجوا بإيجاب الهدى عليه بقوله تعالى : { فإن أحصرتم فما استيسر من الهدى ~~} [ البقرة : 196 ] الآية فأجابهم الكوفيون أن هذا إحصار مرض ، ولو كان ~~إحصار عدو لم يكن فى نحر أهل الحديبية حجة ؛ لأن ما كان معهم من ms1433 الهدى لم ~~يكونوا ساقوه لما عرض لهم من حصر العدو ؛ لأن الرسول - صلى الله عليه وسلم ~~- لم يعلم حين قلده أنه يصد ، وإنما ساقه تطوعا ، فلما صد أخبر الله تعالى ~~عن صدهم وحبسهم الهدى عن بلوغ محله ، وكيف يجوز أن ينوب هدى قد ساقه عليه ~~السلام قبل أن يصد عن دم وجب بالصد ، ولم يأمرهم عليه السلام بدم لحصرهم ، ~~قاله جابر بن عبد الله ، ولو وجب عليهم الهدى لأمرهم به كما أمرهم بالحلق ~~الذى وجب عليهم ، فكيف ينقل الحلق ولا ينقل إيجاب الهدى ، وهو يحتاج إلى ~~بيان من معه هدى ما حكمه ؟ ومن لا هدى معه ما حكمه ؟ وأما قول أبى حنيفة : ~~ينحره فى الحرم ، فقوله تعالى : { والهدى معكوفا أن يبلغ محله } [ الفتح : ~~25 ] يدل أن التقصير عن بلوغ المحل سواء كان ذلك فى الحل أو الحرم اسم ~~التقصير واقع عليه إذا لم يبلغ مكة ؛ لقوله تعالى : { هديا بالغ الكعبة } [ ~~المائدة : 95 ] وقول ابن عمر : ( إنما شأنهما واحد ) يعنى : الحج والعمرة ~~فى اجتناب ما يجتنبه المحرم بالحج وفى العمل لهما ؛ لأن طوافا واحدا وسعيا ~~واحدا يجزئ القارن عنده . PageV04P458 واختلفوا فيمن أحصر بمرض ، فقال مالك ~~: لا يجوز لمن أحصر بمرض أن يحل دون البيت بالطواف والسعى الذى هو عمل ~~العمرة ، ثم عليه حج قابل والهدى . وهو قول الشافعى وأحمد وإسحاق ، وروى عن ~~ابن عمر وابن عباس . وقال أبو حنيفة : المحصر بالمرض الذى حيل بينه وبين ~~البيت ، وحكمه حكم المحصر بالعدو ، فعليه أن يبعث بهديه إلى الحرم ، فإذا ~~علم أنه قد نحر عنه حل فى مكانه من غير عمل عمرة ، وإنما لم ير عليه عمرة ؛ ~~لأنه محرم ، والعمرة تحتاج إلى إحرام مستأنف ، ولا يدخل إحرام على إحرام . ~~وهو قول النخعى وعطاء والثورى . واحتجوا بحديث الحجاج بن أبى عثمان الصواف ~~، عن يحيى بن أبى كثير قال : حدثنا عكرمة قال : حدثنى الحجاج بن عمرو قال : ~~سمعت النبى عليه السلام يقول : ( من كسر أو عرج فقد حل ) يحتمل أن يكون ~~معناه : فقد حل له أن ms1434 يحل إذا نحر الهدى فى الحرم ، لا على أنه قد حل بذلك ~~من إحرامه ، كما يقال : حلت فلانة للرجل ، إذا خرجت من عدتها ، ليس على ~~معنى أنها قد حلت للأزواج ، فيكون لهم وطؤها ، ولكن على معنى أنهم قد حل ~~لهم تزويجها ، فيحل لهم حينئذ وطؤها . هذا سائغ فى الكلام ، وهذا يوافق ~~معنى حديث ابن عمر أن النبى عليه السلام لم يحل من عمرته بحصر العدو إياه ~~حتى نحر الهدى ، ومعنى هذا الحديث عند أهل المقالة الأولى ( فقد حل ) يعنى ~~: إذا وصل البيت فطاف وسعى ، حلا كاملا ، وحل له بنفس الكسر والعرج أن يفعل ~~ما شاء من إلقاء التفث ويفتدى ، وليس للصحيح أن يفعل ذلك . فقال الترمذى : ~~سألت البخارى عن هذا الحديث فقال : رواه PageV04P459 عكرمة ، عن عبد الله ~~بن رافع ، عن الحجاج بن عمرو ، عن النبى عليه السلام وهو يروى عن عكرمة ، ~~عن الحجاج ، قال إسماعيل بن إسحاق : وهذا إسناد صالح من أسانيد الشيوخ ، ~~ولكن أحاديث الثقات تضعفه . وذلك ما حدثنا سليمان بن حرب ، حدثنا حماد بن ~~زيد ، عن أيوب ، عن أبى قلابة قال : خرجت معتمرا حتى إذا كنت بالدثينة وقعت ~~عن راحلتى فانكسرت ، فأرسلت إلى ابن عباس وابن عمر فقالا : ليس لها وقت ~~كوقت الحج ، يكون عرى إحرامه حتى يصل إلى البيت . وحدثنا على ، حدثنا سفيان ~~قال عمرو : أخبرنى ابن عباس قال : لا حصر إلا حصر العدو . ورواه ابن جريح ~~ومعمر ، عن ابن طاوس ، عن أبيه ، عن ابن عباس . قال إسماعيل : فقد بان بما ~~رواه الثقات عن ابن عباس فى هذا الباب أنه خلاف لما رواه حجاج الصواف عن ~~يحيى بن أبى كثير ؛ لأن ابن عباس حصر الحصر بالعدو دون غيره ، فبان أن ~~مذهبه كمذهب ابن عمر . قال غيره : من الحجة لمالك فى أن المحصر بمرض لا ~~يحله إلا البيت قوله تعالى : { هم الذين كفروا وصدوكم عن المسجد الحرام ~~والهدى معكوفا أن يبلغ محله } [ الفتح : 25 ] فأعلمنا تعالى أنهم حبسوا ~~الهدى عن بلوغ محله ، فينبغى أن يكون بلوغ محله شرطا ms1435 فيه مع القدرة عليه ، ~~وأما قوله : { هديا بالغ الكعبة } [ المائدة : 95 ] وقوله : { ثم محلها إلى ~~البيت العتيق } [ الحج : 33 ] . فالمخاطب بذلك : الآمن الذى يجد السبيل إلى ~~PageV04P460 الوصول إلى البيت ، والمريض آمن يمكنه ذلك ، وقول الكوفيين ~~ضعيف وفيه تناقض ؛ لأنهم لا يجيزون لمحصر بعدو ولا بمرض أن يحل حتى ينحر فى ~~الحرم ، وإذا أجازوا للمحصر بمرض أن يبعث هديه ، ويواعد حامله يوما ينحره ~~فيه فيلحق ويحل ، أجازوا له الإحلال بالظنون ، فالعلماء متفقون أنه لا يجوز ~~لمن لزمه فرض أن يخرج منه بالظن ، والدليل على أن ذلك ظن قولهم أنه لو عطب ~~الهدى أو ضل أو سرق فحل مرسله ، وأصاب النساء وصاد ، أنه يعود حراما ، ~~وعليه جزاء ما صاد ، وأباحوا له فساد الحج بالجماع ، وألزموه ما يلزم من لم ~~يحل من إحرامه ، وهذا تناقض لا شك فيه . واحتج الكوفيون بحديث ابن عباس ~~وقوله : ( حتى اعتمر عاما قابلا ) فى وجوب قضاء الحج والعمرة على من أحصر ~~فى أحدهما بعدو . وقال أهل الحجاز : معنى قوله : ( حتى اعتمر عاما قابلا ) ~~هو ما عقده معهم فى صلح الحديبية ألا يمنعوه البيت عاما قابلا ، ولا يحال ~~بينهم وبينه ، فإما أن يكون ما فعلوه من العمر قضاء عن عمرة الحديبية ، ~~ففيه التنازع فيحتاج إلى دليل ، وسيأتى ما للعلماء فى ذلك فى باب : من قال ~~ليس على المحصر بدل إن شاء الله . وقول ابن عباس : ( قد أحصر رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - ) حجة على من قال : لا يقال : أحصره العدو ، وإنما ~~يقال : حصره العدو ، وأحصره المرض ، واحتج بقول ابن عباس : لا حصر إلا حصر ~~العدو . واحتج به ابن القصار ، فيقال له : هذا ابن عباس قد قال : ( أحصر ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ) وأجمع المسلمون أن النبى عليه السلام ~~لم يحصر بمرض ، وإنما أحصر PageV04P461 بعدو عام الحديبية ، فثبت أنه قال : ~~حصره العدو ، وأحصره القتال ، وقوله : ( أشهدكم أنى قد أوجبت حجة مع عمرتى ~~) فهو حجة لمن قال : إن الحج يرتدف على العمرة . روى معمر عن منصور ، عن ~~مالك بن ms1436 الحارث قال : ( لقيت عليا وقد أهللت بالحج ، فقلت له : هل أستطيع ~~أن أضيف مع حجتى عمرة ؟ قال : لا ، ذلك لو كنت بدأت بالعمرة ضممت إليها حجا ~~) . وهذا قول مالك وأبى حنيفة ، قالا : ويصير قارنا . قال مالك : ولا تدخل ~~العمرة على الحج ، وهو قول أبى ثور وإسحاق ، وقال الكوفيون : يجوز ذلك ~~ويصير قارنا . وقال الشافعى بالعراق كقول الكوفى ، وقال بمصر : أكثر من ~~لقيت يقول لى : ليس له ذلك . قال ابن المنذر : والحجة لقول مالك أن أصل ~~الأعمال ألا يدخل عمل على عمل ، ولا صلاة على صلاة ، ولا صوم على صوم ، ولا ~~حج على حج ، ولا عمرة على عمرة ، إلا ما خصت السنة مكن إدخال الحج على ~~العمرة ، وعلى أن الذى يحرم بعمرة إذا ضم إليها حجا ، فقد ضم إلى العمل ~~الذى كان دخل فيه وألزمه نفسه أعمالا لم تكن لزمته أحرم بالعمرة ، مثل : ~~الخروج إلى منى ، والوقوف بالموقفين ، ورمى الجمار ، والمقام بمنى ، وغير ~~ذلك من أعمال الحج ، والذى يضم إلى الحج لم يضم إليها عملا ؛ لأن عمل ~~المنفرد والقارن واحد ، والذى يعتمد عليه فى هذا الباب السنة وإجماع الأمة ~~. PageV04P462 # | 159 - باب الإحصار فى الحج # / 230 - فيه : ابن عمر ، أليس حسبكم سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- إن حبس أحدكم عن الحج طاف بالبيت وبالصفا والمروة ، ثم حل من كل شيء حتى ~~يحج عاما قابلا ، فيهدى أو يصوم إن لم يجد هديا . واحتج ابن عمر فيمن أحصر ~~فى الحج أنه يلزمه ما يلزم من أحصر فى العمرة ، وحكم الحج والعمرة فى ~~الإحصاء سواء ، وقاس الحج على العمرة ، والنبى عليه السلام لم يحصر فى حج ، ~~إنما حصر فى عمرة ، هذا أصل فى إثبات القياس لاستعمال الصحابة له وقوله : ( ~~طاف بالبيت ) يعنى : فيطوف بالبيت وبين الصفا والمروة ، ثم يحل ويكون محصرا ~~بمكة . واختلف العلماء فيمن أحصر بمكة ، فقال الشافعى وأبو ثور : حكم ~~الغريب والمكى سواء ، ويطوف ويسعى ويحل ، ولا عمرة عليه على ظاهر حديث ابن ~~عمر . وأوجبها مالك على المحصر المكى ، وعلى من ms1437 أنشأ الحج من مكة ، وقال : ~~لابد لهم من الخروج إلى الحل لاستئناف عمرة التحلل ؛ لأن الطواف الأول لم ~~يكن نواه للعمرة ، لذلك يعمل بهذا . وفرق بين هؤلاء وبين الغريب يدخل من ~~الحل محرما فيطوف ويسعى ، ثم يحصره العدو عن الوقوف بعرفة ، أنه لا يحتاج ~~إلى الخروج إلى حل ؛ لأنه منه دخل ، ولم يحل من إحرامه فيتحلل بعمرة ينشئها ~~من مكة ، قال أبو حنيفة : لا يكون محصرا من بلغ مكة ؛ لأن الإحصار عنده من ~~منع من الوصول إلى مكة ، وحيل بينه وبين الطواف والسعى ، فيفعل ما فعل ~~النبى - صلى الله عليه وسلم - من الإحلال بموضعه . PageV04P463 وأما من بلغ ~~مكة فحكمه عنده حكم من فاته الحج ، يحل بعمرة وعليه الحج من قابل ، ولا هدى ~~عليه ؛ لأن الهدى لجبر ما أدخله على نفسه ، ومن حبس عن الحج فلم يدخل على ~~نفسه نقصا . وقال الزهرى : إذا أحصر المكى فلابد له من الوقوف بعرفة وإن ~~تعس بعساء ، وفى حديث ابن عمر رد على ابن شهاب ؛ لأن المحصر لو وقف بعرفة ~~لم يكن محصرا ؛ ألا ترى قول ابن عمر : فطاف بالبيت وبين الصفا والمروة ، ~~ولم يذكر الوقوف بعرفة ، وفيه أيضا رد قول أبى حنيفة أن من كان بمكة لا ~~يكون محصرا ، وقد استدل ابن عمر على أنه يكون محصرا بقوله : ( أليس حسبكم ~~سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إن حبس أحدكم عن الحج ) والحبس عن ~~الحج هو الإحصار عند أهل اللغة ، وقول ابن عمر : ( ثم حل من كل شئ حتى يحج ~~عاما قابلا ويهدى هديا ) معناه عند الحجازيين : إن كان صد و [ . . . . . . ~~] ومعنى الهدى المصدودة إذا قضى الحج ، إنما هو من أجل وقوع الحج الذى كان ~~يقع له فى سفر واحد فى سفرين ، وكذلك معنى هدى الإحصار بمرض . * * * # | 160 - باب النحر قبل الحلق فى المحصر # / 231 - فيه : المسور ، أن النبى ، عليه السلام ، نحر قبل أن يحلق ، وأمر ~~أصحابه بذلك . / 232 - وفيه : ابن عمر ، خرجنا مع النبى ، عليه السلام ، ~~معتمرين ، فحال كفار قريش دون البيت ، فنحر ms1438 النبى ، عليه السلام ، بدنه ، ~~وحلق رأسه . قال ابن المنذر : النحر قبل الحلق للمحصر وغيره من ظاهر كتاب ~~الله PageV04P464 قال الله تعالى : { ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدى ~~محله } [ البقرة : 196 ] إلا أن سنة المحصر أن ينحر هديه حيث أحصر ، وإن ~~كان فى الحل ؛ اقتداء بما فعل النبى عليه السلام فى الحديث ، قال الله ~~تعالى : { والهدى معكوفا أن يبلغ محله } [ الفتح : 25 ] أى : محبوسا ، ولما ~~سقط عنه عليه السلام أن يبلغ محله سقط من هديه ، وأما قوله : { هديا بالغ ~~الكعبة } [ المائدة : 95 ] وقوله : { ثم محلها إلى البيت العتيق } [ الحج : ~~33 ] فقد ذكرنا قبل هذا أن المخاطب به الآمن الذى يجد السبيل إلى الوصول ~~إلى البيت والله أعلم وليس للمحصر بعدو أن يفعل شيئا مما يحرم على المحرمين ~~حتى ينحر هديه ، كما فعل النبى عليه السلام فإن فعل شيئا من ذلك فعليه ~~الفدية ، استدلالا بأن النبى عليه السلام أمر كعب بن عجرة بالفدية لما حلق ~~، وهذا قول مالك والشافعى . قال الطحاوى : واختلفوا فى المحصر إذا نحر هديه ~~، هل يحلق رأسه أم لا ؟ فقال قوم : ليس عليه أن يحلق ؛ لأنه قد ذهب عنه ~~النسك كله . هذا قول أبى حنيفة ومحمد ، وقال آخرون : بل يحلق ؛ فإن لم يحلق ~~فلا شىء عليه . هذا قول أبى يوسف . وقال آخرون : يحلق ويجب عليه ما يجب على ~~الحاج والمعتمر ، وهو قول مالك ، فكان من حجة أبى حنيفة فى ذلك أنه قد سقط ~~عنه بالإحصار جميع مناسك الحج من الطواف والسعى بين الصفا والمروة ، وذلك ~~مما يحل به المحرم من إحرامه ، ألا ترى أنه إذا طاف بالبيت يوم النحر حل له ~~أن يحلق ، فيحل له بذلك الطيب واللباس ، فلما كان ذلك مما يفعله حين يحل ~~فسقط ذلك عنه بالإحصار ، سقط عنه سائر ما يحل به المحرم بسبب الإحصار . ~~PageV04P465 وكان من حجة الآخرين عليهم فى ذلك أن تلك الأشياء من الطواف ~~بالبيت والسعى بين الصفا والمروة ورمى الجمار قد صد عنه المحرم ، وحيل بينه ~~وبينه ، فسقط عنه أن يفعله ، والحلق ms1439 لم يحل بينه وبينه ، وهو قادر على فعله ~~، فما كان يصل إلى فعله فحكمه فيه فى حال الإحصار كحكمه فيه فى غير حال ~~الإحصار ، وما لا يستطيع أن يفعله فى حال الإحصار فهو الذى يسقط عنه ، وقد ~~ثبت عنه عليه السلام أنه حلق حين صد ، فى حديث ابن عمر والمسور ، وليس لأحد ~~قياس مع وجود السنة الثابتة . وقد دعا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~للمحلقين يوم الحديبية ثلاث مرات ، ودعا للمقصرين مرة واحدة ، فقيل له : ( ~~يا رسول الله ، لم ظاهرت الترحم على المحلقين ؟ ! قال : لأنهم لم يشكوا ) ~~فثبت بتفصيل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من حلق على من قصر أنه قد ~~كان عليهم الحلق والتقصير ، كما يكون عليهم لو وصلوا إلى البيت ، ولولا ذلك ~~لما كانوا فيه إلا سواء ، ولا كان لبعضهم فى ذلك فضيلة على بعض ، فبان أن ~~حكم الحلق والتقصير لا يزول بالإحصار . * * * # | 161 - باب من قال : ليس على المحصر بدل # وقال ابن عباس : إنما البدل على من نقض حجه بالتلذذ ، فأما من حبسه عذر ~~أو غير ذلك ، فإنه يحل ولا يرجع ، وإن كان معه هدى وهو محصر نحره ، إن كان ~~لا يستطيع أن يبعث به ، وإن استطاع أن يبعث به لم يحل حتى يبلغ الهدى محله ~~. وقال مالك وغيره : ينحر هديه ، ويحلق فى أى موضع كان ، ولا قضاء عليه ؛ ~~لأن النبى ، عليه السلام ، وأصحابه بالحديبية نحروا وحلقوا وحلوا من كل شيء ~~قبل الطواف PageV04P466 وقبل أن يصل الهدى إلى البيت ، ثم لم يذكر أن النبى ~~، عليه السلام ، أمر أحدا أن يقضى شيئا ، ولا يعودوا له ، والحديبية خارج ~~من الحرم . / 233 - فيه : ابن عمر ، إن صددت عن البيت صنعنا كما صنعنا مع ~~النبى ، عليه السلام ، فأهل بعمرة من أجل أن النبى ، عليه السلام ، كان أهل ~~بعمرة عام الحديبية ، ثم نظر فى أمره ، فقال : ما أمرهما إلا واحد ، أشهدكم ~~أنى قد أوجبت الحج مع العمرة ، ثم طاف لهما طوافا واحدا ، ورأى أن ذلك ~~مجزيا عنه . ولهذا اختلف السلف ms1440 فى هذا الباب ، فذهب ابن عباس إلى أن المحصر ~~لا بدل عليه ولا [ . . . . . . ] ذكره عنه عبد الرزاق وقال : لا حصر إلا من ~~حبسه بعدو ، فيحل بعمرة ، وليس عليه حج قابل ولا عمرة ، فإن حبس وكان معه ~~هدى بعث به ولم يحل حتى ينحر الهدى ، وإن لم يكن معه هدى حل مكانه ، وذكر ~~عطاء عن ابن عباس فى الذى يفوته الحج قال : يحل بعمرة وليس عليه حج قابل . ~~وعن طاوس مثله ، وروى ابن الماجشون عن مالك فى المحصر بعدو يحل لسنة ~~الإحصار ويجزئه من حجة الإسلام ، وهو قول أبى مصعب صاحب مالك [ . . . . . . ~~] به لمحمد بن سحنون . وقال ابن شعبان : يجزئه من حجة الإسلام وإن صد قبل ~~أن يحرم . وقال ابن الماجشون : إنما استحب له مالك القضاء . وفيها قول آخر ~~روى عن عمر بن الخطاب وزيد بن ثابت أنه يحل بعمرة وعليه حج قابل والهدى ، ~~وهو قول عروة . PageV04P467 وقال علقمة والنخعى : عليه حجة وعمرة . وهو قول ~~الكوفيين ، وقال مجاهد والشعبى : عليه حج قابل . وقال مالك فى المدونة : لا ~~قضاء على المحصر بعدو فى حج التطوع ولا هدى عليه ؛ لأن النبى - صلى الله ~~عليه وسلم - لم يأمر أصحاب الحديبية بقضاء ولا هدى ، إلا أن تكون حجة ~~الإسلام ، فعليه حج قابل والهدى . وبه قال الشافعى وأبو ثور . واحتج ~~الكوفيون بأن النبى - صلى الله عليه وسلم - لما صد فى الحديبية قضاها فى ~~العام القابل ، فسميت عمرة القضاء . واحتج أصحاب مالك فقالوا : هذه التسمية ~~ليست من الرسول - صلى الله عليه وسلم - ولا من أصحابه ، وإنما هى من أهل ~~السير ، فليس فيها حجة ، ولم تسم عمرة القضاء من أجل ما ذكروه ، وإنما سميت ~~من أجل أن النبى عليه السلام قاضى عام الحديبية قريشا وصالحهم لمدة من ~~الزمان ، وعلى أن يرجع إلى مكة فى العام المقبل ، ولو وجب عليهم القضاء ~~لعرفهم به وقال : هذه العمرة لى ولكم قضاء عن التى صددنا عنها ؛ لأن الله ~~تعالى فرض عليه البيان والتبليغ ، فلما لم يعرفهم بذلك ولا أمرهم به دل أنه ms1441 ~~لم يكن واجبا ، ووجه إيجاب مالك عليه الهدى من أجل أن إحرامه حيل بينه وبين ~~تمامه بالوصول إلى البيت . وجعل أبو حنيفة العمرة عوضا من ذلك ، فإن قيل : ~~فما وجه ذكر حديث ابن عمر فى هذا الباب ، وليس فى لفظه ما يدل على الترجمة ~~؟ قيل : وجه ذلك والله أعلم أن البخارى استغنى بشهرة قصة صد النبى عليه ~~السلام بالحديبية ، وأنهم لم يؤمروا بالقضاء فى ذلك لأنها لم تكن حجة ~~الفريضة ، وإنما كانوا محرمين بعمرة ، فلذلك قال مالك : لا قضاء على المحصر ~~بعدو للحج إذا كان تطوعا ، كما لم يكن على الرسول - صلى الله عليه وسلم - ~~قضاء العمرة التى صد عنها ؛ لأنه لم يعرفهم فى عمرة القضاء أنها قضاء عن ~~التى صد عنها . PageV04P468 فهذا الحديث موافق لقول مالك ، ولذلك ذكر ~~البخارى قول مالك فى صدر الباب ليدل على أنه مأخوذ من حديث ابن عمر والله ~~الموفق . وأما قول البخارى : والحديبية خارج المحرم فقد قال مالك : إن ~~الحديبية فى الحرم ، وكلا القولين له وجه ، وذلك أن الحديبية فى أول الحرم ~~، وهو موضع بروك ناقة النبى عليه السلام لأنها لما بركت فى أول الحرم وقال ~~الرسول - صلى الله عليه وسلم - : ( حبسها حابس الفيل ) وصاحب الفيل لم يدخل ~~الحرم ، فمن قال : إن الحديبية خارج الحرم فممكن أن يريد موضع نزول النبى - ~~صلى الله عليه وسلم - ومن قال : إنها فى الحرم يريد موضع حلاقهم ونحرهم . ~~وقال الطحاوى : ذهب قوم إلى أن الهدى إذا صد عن الحرم نحر فى غير الحرم ، ~~واحتجوا بهذا الحديث وقالوا : إنما نحر النبى عليه السلام هديه بالحديبية ~~إذ صد ، دل على أن لمن منع من إدخال هديه فى الحرم أن يذبحه فى غير الحرم ، ~~وهذا قول مالك . وخالفهم آخرون فقالوا : لا يجوز نحر الهدى إلا فى الحرم ، ~~واحتجوا بقوله : { هديا بالغ الكعبة } [ المائدة : 95 ] فكان الهدى قد جعله ~~الله ما بلغ الكعبة ، فهو كالصيام الذى جعله الله متتابعا فى كفارة الظهار ~~وكفارة القتل ، فلا يجوز غير متتابع ، وإن كان الذى وجب ms1442 عليه غير مطيق ~~للإتيان به متتابعا ، فلا تبيحه الضرورة أن يصومه متفرقا . كذلك الهدى ~~الموصوف ببلوغ الكعبة لا يجزئ إلا كذلك وإن صد عن بلوغ الكعبة ، واحتجوا ~~بأن نحر النبى - صلى الله عليه وسلم - لهديه حين صد كان فى الحرم ، والدليل ~~على ذلك ما رواه إسرائيل عن مجزأة بن زاهر ، عن PageV04P469 ناجية بن جندب ~~الأسلمى ، عن أبيه قال : ( أتيت النبى عليه السلام حين صد عن البيت فقلت : ~~يا رسول الله ، ابعث معى بالهدى فلأنحره فى الحرم ، قال : وكيف تأخذ به ؟ ~~قلت : آخذ به فى أودية لا يقدرون على فيها ، فبعثه معى حتى نحرته ) . وقال ~~آخرون : كان النبى - صلى الله عليه وسلم - فى الحديبية وهو يقدر على دخول ~~الحرم ، ولم يكن صد عن الحرم ، وإنما صد عن البيت . واحتجوا بحديث رواه ابن ~~إسحاق ، عن الزهرى ، عن عروة ، عن المسور ( أن النبى عليه السلام كان ~~بالحديبية خباؤه فى الحل ، ومصلاه فى الحرم ) . ولا يجوز فى قول أحد من ~~العلماء لمن قدر على دخول شىء من الحرم أن ينحر هديه دون الحرم . فلما ثبت ~~الحديث الذى ذكرناه أن الرسول كان يصل إلى الحرم ، استحال أن يكون نحر ~~الهدى فى غير الحرم ؛ لأن الذى يبيح نحر الهدى فى غير الحرم إنما يبيحه فى ~~حال الصد عن الحرم ، لا فى حال القدرة على دخوله ، فانتفى بما ذكرناه أن ~~يكون الرسول - صلى الله عليه وسلم - نحر الهدى فى غير الحرم ، وهذا قول أبى ~~حنيفة وأبى يوسف ومحمد . وقد احتج أهل المقالة الأولى بما روى سفيان ، عن ~~يحيى بن سعيد ، عن يعقوب بن خالد ، عن أبى أسماء مولى عبد الله بن جعفر قال ~~: ( خرجت مع على وعثمان ، رضى الله عنهما ، فاشتكى الحسن بالسقيا وهو محرم ~~، فأصابه برسام فأومأ إلى رأسه ، فحلق على رأسه ، ونحر عنه جزورا ) . ورواه ~~مالك عن يحيى ، ولم يذكر عثمان ولا أن الحسن كان محرما ، فاحتجوا بهذا ~~الحديث ؛ لأن فيه أن عليا نحر الجزور دون الحرم . قال الطحاوى : والحجة ~~عليهم فى ذلك أنهم لا ms1443 يبيحون لمن كان PageV04P470 غير ممنوع من الحرم أن ~~يذبح فى غير الحرم ، وإنما يختلفون إذا كان ممنوعا منه ، فدل أن عليا لما ~~نحر فى هذا الحديث فى غير الحرم ، وهو واصل إلى الحرم ، أنه لم يكن أراد به ~~الهدى ، وإنما أراد به الصدقة والتقرب إلى الله ، مع أنه ليس فى الحديث أنه ~~أراد به الهدى ، فكما يجوز لمن حمله على أنه هدى ما حمله عليه ، فكذلك يجوز ~~لمن حمله على أنه ليس بهدى ما حمله عليه . * * * # | 162 - باب قول الله تعالى : { فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ~~ففدية من صيام أو صدقة أو نسك } [ البقرة : 196 ] وهو مخير فأما الصوم ~~فثلاثة أيام # / 234 - فيه : كعب بن عجرة ، أن النبى - صلى الله عليه وسلم - قال : ( ~~لعلك آذاك هوامك ) ؟ قال : نعم يا رسول الله ، قال رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - : ( احلق رأسك ، وصم ثلاثة أيام ، أو أطعم ستة مساكين ، أو ~~انسك بشاة ) . قوله : { فمن كان منكم } معناه : من حلق ففدية ، أجمع ~~العلماء أنه من حلق رأسه لعذر أنه مخير فيما نص الله من الصيام أو الصدقة ~~أو النسك ، واختلفوا فيمن حلق أو لبس أو تطيب عامدا من غير ضرورة ، فقال ~~مالك : بئس ما فعل ، وعليه الفدية وهو مخير فيها . وقال أبو حنيفة والشافعى ~~وأبو ثور : ليس مخيا إلا فى الضرورة ؛ لشرط الله { فمن كان منكم مريضا أو ~~به أذى من رأسه } [ البقرة : 196 ] فأما إذا حلق أو تطيب أو لبس عامدا من ~~غير ضرورة فعليه دم . وحجة مالك أن السنة وردت فى كعب بن عجرة فى حلقه رأسه ~~PageV04P471 وقد آذاه هوامه ، ولو كان حكم غير الضرورة مخالفا لها لبينه ~~عليه السلام ، ولما لم تسقط الفدية من أجل الضرورة ، علم أن من لم يكن ~~بمضطر أولى ألا تسقط عنه الفدية ، وقال مالك والليث والثورى وأبو حنيفة : ~~إذا حلق ناسيا فعليه الفدية كالعامد . وقال الشافعى : لا فدية عليه . وهو ~~قول إسحاق . واحتج من يقول بأن فرض الحج على غير الفور ms1444 ؛ لأن النبى عليه ~~السلام قال لكعب بن عجرة : ( تؤذيك هوامك ؟ ) قال : نعم ، قال : احلق وانسك ~~بشاة . فنزل قوله : { وأتموا الحج والعمرة لله فإن أحصرتم } إلى قوله : { ~~ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدى محله } [ البقرة : 196 ] . قالوا : ~~وإتمام الشىء حقيقة إنما هو كماله بعد الدخول فيه ، وقد يستعمل فى ابتداء ~~الشىء تجوزا واتساعا ، ولم يرد الله بقوله : { وأتموا الحج والعمرة لله } [ ~~البقرة : 196 ] الإكمال بعد الدخول فيه ، ولكنه تجوز واستعمله فى ابتداء ~~الدخول ، يدل على ذلك قول عمر وعلى : تمام الحج والعمرة أن تحرم بهما من ~~دويرة أهلك . فأخبر أن التمام فيهما هو ابتداء الدخول فيهما ، وهم لم ~~يكونوا فى الحديبية محرمين بالحج فيصح خطابهم بإكماله ، وإنما كانوا محرمين ~~بالعمرة ، فعلم أن الأمر لهم بإتمام الحج ليس هو أمر بإكماله بعد الدخول ~~فيه ، وإنما هو أمر بالدخول فيه ابتداء ، فدل هذا أن فرض الحج على غير ~~الفور ، وأن أحكام الحج وجبر ما يعرض فيه قد كان نزل ، وكانت قصة كعب بن ~~عجرة فى الحديبية ، والحديبية كانت سنة ست ، احتج بهذا أصحاب الشافعى . ~~PageV04P472 # | 163 - باب قوله : { أو صدقة } وهى إطعام ستة مساكين # / 235 - فيه : كعب ، وقف على النبى - صلى الله عليه وسلم - بالحديبية ~~ورأسى يتهافت قملا ، فقال : ( يؤذيك هوامك ) ؟ قلت : نعم ، قال : ( فاحلق ~~رأسك ، وصم ثلاثة أيام ، أو تصدق بفرق بين ستة ، أو انسك بما تيسر ) . لم ~~يختلف الفقهاء أن الإطعام لستة مساكين ، وأن الصيام ثلاثة أيام ، وأن النسك ~~شاة على ما فى حديث كعب ، إلا شىء روى عن الحسن البصرى وعكرمة ونافع أنهم ~~قالوا : الإطعام لعشرة مساكين ، والصيام عشرة أيام . ولم يتابعهم أحد من ~~الفقهاء على ذلك ؛ للسنة الثابتة بخلافه عن كعب بن عجرة فى الفدية ، سنة ~~معمول بها عند جماعة العلماء ، ولم يروها أحد من الصحابة غير كعب ، ولا ~~رزاها عن كعب إلا رجلان من أهل الكوفة : عبد الرحمن بن أبى ليلى ، وعبد ~~الله بن معقل ، وهى سنة أخذها أهل المدينة من أهل الكوفة . * * * # | 164 - باب الإطعام فى الفدية نصف ms1445 صاع # / 236 - فيه : كعب ، نزلت الفدية فى خاصة ، وهى لكم عامة ، حملت إلى ~~النبى ، عليه السلام ، والقمل يتناثر على وجهى ، فقال : ( ما كنت أرى الوجع ~~بلغ بك ما أرى ، تجد شاة ) ؟ فقلت : لا ، فقال : ( فصم ثلاثة أيام ، أو ~~أطعم ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع ) . قال مالك وأبو حنيفة والشافعى : ~~الإطعام فى الفدية مدان بمد النبى - صلى الله عليه وسلم - على ما جاء فى ~~حديث كعب . وروى عن الثورى وأبى حنيفة أنهما قالا عن الفدية : بالبر نصف ~~صاع ، ومن التمر أو الشعير أو الزبيب صاع لكل مسكين . وهذا خلاف نص الحديث ~~PageV04P473 فلا معنى له ؛ لأنه قال عليه السلام : ( لكل مسكين نصف صاع ) ~~فعم بذلك جميع أنواع الطعام ، ولم يستثن بعض ما يطعم المساكين أنه بخلاف ~~هذا فيلزم إخراج صاع منه ، وقاس أبو حنيفة الأيمان على كفارة فدية الأذى ، ~~فأوجب فى كفارة اليمان وسائر الكفارات مدين مدين لكل إنسان ، وسيأتى بيان ~~قولهم فى كتاب النذور والكفارات إن شاء الله . * * * # | 165 - باب النسك شاة # / 237 - فيه : كعب ، أن النبى - صلى الله عليه وسلم - رآه وأنه يسقط على ~~وجهه ، فقال : ( أيؤذيك هوامك ) ؟ قال : نعم ، فأمره أن يحلق ، وهو ~~بالحديبية ، ولم يتبين لهم أنهم يحلون بها ، وهم على طمع أن يدخلوا مكة ، ~~فأنزل الله الفدية ، فأمره رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يطعم فرقا ~~بين ستة ، أو يهدى شاة ، أو يصوم ثلاثة أيام . أجمع العلماء أن أقل النسك ~~شاة ، وبها أفتى الرسول - صلى الله عليه وسلم - كعب بن عجرة ، وقد ثبت أنه ~~نسك ببقرة ، حدثنا به أبو بكر التجيبى قال : حدثنا أحمد بن سعيد بن حزم ، ~~حدثنا أبو إسحاق إبراهيم بن خليد المقبرى بمكة ، حدثنا يوسف بن موسى القطان ~~، حدثنا مهران ، عن سفيان ، عن ابن أبى ليلى ، عن نافع ، عن سليمان بن يسار ~~قال : ( ذبح كعب بقرة ) فأخذ الكفارات ولم تكن هذه مخالفة للنبى - صلى الله ~~عليه وسلم - ، بل كان موافقة وزيادة ، ففى هذا من الفقه أن من أفتى بأيسر ~~الأشياء PageV04P474 وأقل الكفارات ms1446 أن له أن يأخذ بأعالى الأمور وأرفع ~~الكفارات ، كما فعل كعب والله الموفق . قال ابن المنذر : قوله فى هذا ~~الحديث : ( ولم يتبين لهم أنهم يحلون بها ، وهم على طمع أن يدخلوا مكة ) ~~فيه دليل أن من كان على رجاء من الوصول إلى البيت أن عليه أن يقيم حتى ييئس ~~من الوصول فيحل ، وقال من احفظ عنه من أهل العلم : إن من يئس أن يصل إلى ~~البيت فجاز له أن يحل ، فلم يفعل حتى خلى سبيله ، أن عليه أن يمضى إلى ~~البيت لتتم مناسكه . قال المهلب : وقوله : ( فأمره أن يحلق ، ولم يتبين لهم ~~أنهم يحلون بها ) فيه حجة لمالك فى وجوب الكفارة على المرأة تقول فى رمضان ~~: غدا حيضتى ، والرجل يقول : غدا يوم حماى ، فيفطران ، ثم ينكشف الأمر ~~بالحمى والحيض كما قالا ، أنهما عليهما الكفارة ؛ لأنهم لم يكن ، كما كان ~~فى علم الله من أنهم يحلون بالحديبية ، وأن الهدى قد بلغ محله ، بمسقط عن ~~كعب الكفارة إذا استباح الحلاق قبل علم الله بأن الهدى قد بلغ محله ، فكذلك ~~ما كان فى علم الله من أنها تحيض لا يسقط عنها الكفارة إذا استباحت حرمة ~~رمضان قبل علمها بالحيض ، وكذلك المريض ، إذا قد يجوز أن يكون ما ظنا ؛ ~~لأنه لا يقطع على مغيبه . * * * # | 166 - باب قوله : { فلا رفث ولا فسوق ولا جدال فى الحج } [ البقرة : ~~197 ] # / 238 - فيه : أبو هريرة ، قال ، عليه السلام : ( من حج هذا البيت ، فلم ~~يرفث ، ولم يفسق ، رجع كما ولدته أمه ) . PageV04P475 | اختلفوا فى الرفث ، ~~فروى عن ابن عباس أنه قال : الرفث فى الحج : ما كلم به النساء ، وروى مثله ~~عن ابن عمر وعطاء ، وروى عن ابن عباس أيضا أن الرفث : الجماع ، وهو قول ~~مجاهد والزهرى ، وقال ابن عباس : الفسوق : السباب . وقال مجاهد والزهرى : ~~الفسوق : المعاصى . وقال ابن عباس : الجدال أن تمارى صاحبك حتى تغضبه . ~~وقال طاوس : هو جدال الناس . * * * # | 167 - باب جزاء الصيد وقوله تعالى : { لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم } إلى ~~قوله : { الذى إليه تحشرون } [ المائدة : 95 ] # . اتفق أئمة ms1447 الفتوى بالحجاز والعراق أن المحرم أذا قتل الصيد عمدا أو خطأ ~~فعليه الجزاء ، منهم : مالك والليث والأوزاعى والثورى وأبو حنيفة والشافعى ~~وأحمد وإسحاق ، وقال أهل الظاهر : لا يجب الجزاء إلا على من قتل الصيد عمدا ~~؛ لقوله تعالى : { ومن قتله منكم متعمدا } [ المائدة : 95 ، 96 ] لأن دليل ~~الخطاب يقتضى أن المخطئ بخلافه ، وإلا لم يكن لتخصيص المتعمد معنى . قالوا ~~: وقد روى عن عمر بن الخطاب ما يدل على أن ذلك كان مذهبه ، روى سفيان ، عن ~~عبد الملك بن عمير ، عن قبيصة بن جابر ، عن عمر أنه سأل رامى الظبى وقاتله ~~: عمدا أصبته أم خطأ ؟ قالوا : ولم يسأله عمر عن ذلك إلا لافتراق العمد ~~والخطأ عنده . قال ابن القصار : وروى مثله عن ابن عباس . قال الطحاوى : ~~وذهب جماعة العلماء فى تأويل قوله : { ومن PageV04P476 قتله منكم متعمدا } ~~إلى قوله : { ومن عاد فينتقم الله منه } [ المائدة : 95 ] وقالوا : لا حجة ~~فى قول عمر للرجل : أعمدا أصبته أم خطأ ؟ لأنه يجوز أن يسأله عن ذلك ليعلمه ~~إن كان قتله عمدا ، ثم قتل بعده صيدا عمدا انتقم الله منه ، فأراد عمر ~~تحذيره من ذلك ، مع أنه قد روى شعبة هذا الحديث عن عبد الملك بن عمير ، عن ~~قبيصة قال له : أعمدا أصبته أم خطأ ؟ فقال : ما أدرى . فأمر بالفدية . ~~فخالف رواية سفيان ، فدل ذلك على أنه سأله عن العمد والخطأ ليقف به على ~~وجوب الانتقام فى العودة ، مع أن الأشبه بمذهب عمر مذهب الجماعة ، روى شعبة ~~عن الحكم ، عن إبراهيم ، عن الأسود ، أن كعبا قال لعمر : إن قوما استفتونى ~~فى محرم قتل جرادة ، فأفتيتهم أن فيها درهم ، فقال : إنكم بأهل مصر كثيرة ~~دراهمكم ، لتمرة خير من جرادة . أفلا ترى عمر لم ينكر على كعب تركه سؤال ~~القوم عن قتل المحرم للجرادة إن كان عمدا أو خطأ ؛ لاستواء الحكم فى ذلك ~~عنده . ولو اختلف الحكم فى ذلك عنده لأنكر عليه تركه السؤال عن ذلك ، وهذا ~~ابن مسعود وابن عباس وعبد الله بن عمر وعبد الله بن عمرو ms1448 كلهم قد أجاب فيما ~~أصاب المحرم بوجوب الجزاء ، ولم يسأل أحد منهم عن عمد فى ذلك ولا خطأ ، ولا ~~يكون ذلك إلا لاستواء الحكم عندهم فى ذلك . ثم إن السنة الثابتة عن الرسول ~~- صلى الله عليه وسلم - تدل على هذا المعنى ، روى جرير ابن حازم ، عن عبد ~~الله بن عبيد بن عمير ، عن عبد الرحمن بن أبى عمار ، عن جابر : ( أن النبى ~~عليه السلام سئل عن الضبع ، فقال : هى صيد ، وفيها إذا أصابها المحرم كبش ) ~~ورواه عطاء عن جابر ، PageV04P477 فلما جعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- الجزاء فى الصيد ولم يذكر فى ذلك عمدا ولا خطأ ؛ ثبت أن ذلك سواء فى وجوب ~~الجزاء ، وقال الزهرى : نزل القرآن بالعمد ، وهو فى الخطأ سنة . قال ~~الطحاوى : والقياس يدل على هذا المعنى لأنا قد رأينا الله تعالى قد حرم على ~~المحرم أشياء منها : الجماع ، وقتل الصيد ، مع سائر ما حرمه الله عليهم ~~سواهما ، فكان من جامع فى إحرامه عامدا أو ساهيا فى وجوب الدم وفساد الحج ، ~~وكذلك قتل الصيد كالجماع ، سواء يستوى فيه العمد والخطأ ، والخطأ بالكفارة ~~أقل من العمد ؛ لأن الله تعالى جعل فى كتابه على من قتل مؤمنا خطأ ولم ~~يوجبها على من قتله متعمدا . قال ابن القصار : واحتج أهل الظاهر بقوله عليه ~~السلام : ( رفع عن أمتى الخطأ والنسيان ) قال : والفقهاء مجمعون أن الخطأ ~~والنسيان ليس فى غتلاف الأموال ، وإنما المراد به رفع المأثم . قال إسماعيل ~~بن إسحاق : وما رواه أهل الظاهر عن ابن عباس فإسناده ضعيف ، رواه قتادة عن ~~رجل ، عن ابن عباس . واختلفوا فى تأويل قوله : { فجزاء مثل ما قتل من النعم ~~} [ المائدة : 95 ] فقال ابن القصار عن مالك : إذا قتل المحرم صيدا له مثل ~~من النعم فى المنظر ، فعليه مثله ، ففى الغزال شاة ، وفى النعامة بدنة ، ~~وفى حمار الوحش بقرة . وبه قال مجاهد والحسن والشافعى . وقال أبو حنيفة ~~وأبو يوسف : الواجب فى قتل الصيد القيمة ، سواء كان له مثل النعم أم لا ، ~~وهو بالخيار بين أن يتصدق ms1449 بقيمته وبين أن يصرف القيمة فى النعم فيشتريه ~~ويهديه ، وقالوا : لما لم يجز أن يراد بالمثل المثل من الجنس ، علم أن ~~المراد به القيمة ، وأنها PageV04P478 تصرف فى النعم والدليل على أن المراد ~~بالمثل القيمة قوله : { لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم } [ المائدة : 95 ] وهذا ~~لفظ عام فى جميع الصيد ، سواء كان له مثل أو لا ، ومعلوم أن ما لا مثل له ~~من جنسه ونظيره ؛ فإن الواجب فى إتلافه القيمة ، فصار المراد بالمثل القيمة ~~فى أحد الأمرين فينبغى أن يكون المراد بالنظير ؛ لامتناع أن يعبر باللفظ ~~الواحد على معين مجانس ؛ لأن القيمة متى صارت مرادة بالآية فى أحد نوعى ~~الصيد صارت كالمذكورة فى الآية ، فبقى حمل الآية على غيرها . قال ابن ~~القصار : فالجواب أن قوله تعالى : { فجزاء مثل ما قتل من النعم } [ المائدة ~~: 95 ] فالمراد به مثل المقتول ، ولو اقتصر عليه ولم يقيده بالنعم لكان ~~الواجب فى الظبى ظبيا ، وفى النعامة نعامة ، وفى بقرة الوحش بقرة ، فلما ~~قال : { من النعم } أوجب أن يكون الجزاء مثل المقتول من النعم لا من غيره ، ~~ومثله من النعم ليس هو القيمة ، والمماثلة من طريقة الخلقة مشاهدة محققة ، ~~وما طريقها القيمة طريقها الاستدلال . ولما خص الله النعم من سائر الحيوان ~~لم تكن له فائدة ، إلا أن المراد المثل من طريق الخلقة والصورة من النعم ~~دون القيمة ، ولم يعقل منه مثل ما قتل من الدراهم ؛ لأنه لو اقتصر على قوله ~~: { فجزاء مثل ما قتل } [ المائدة : 95 ] لم يعقل منه مثله من الدراهم ، ~~فتقييده بالنعم أولى ألا يعقل منه الدراهم ، وقد يراد بالآية الحقيقة فى ~~موضع والمجاز فى آخر ، فيكون المثل من النعم فى قتل الغزال والنعامة وبقرة ~~الوحش ، وفيما لا مثل له القيمة ، وإنما يتنافى ذلك فى حالة واحدة ، فأما ~~فى حكمين فلا . قال المهلب : فإن قيل : فقد قال مالك وجماعة الفقهاء غير ~~أبى PageV04P479 حنيفة : فى الحمامة شاة ، وليست الشاة مماثلة للحمامة . ~~يقال له : أغفلت ، وذلك أن اشتراطه تعالى فى المثل أن يكون من النعم ، ~~والطير ليست من ms1450 النعم ، فوجب أن يكون كل جزاء يغرم من النعم لا منجنس ~~الحيوان المقتول ؛ لأن الجزاء لا يكون إلا هديا كما شرط الله { هديا بالغ ~~الكعبة } [ المائدة : 95 ] وأقل الهدايا من النعم شاة ، فوجب هدى المقتول ~~مما يكون هديا لا مماثلا من جميع الجهات كما ظنالمخالف . واختلفوا فى قوله ~~: { يحكم به ذوا عدل منكم } [ المائدة : 95 ] فقال مالك : لا يجوز أن يكون ~~القاتل أحد العدلين . وجوزه الثورى والشافعى ، واختلف أصحاب أبى حنيفة على ~~القولين ، قال ابن القصار : والحجة لقول مالك قوله تعالى : { ذوا عدل منكم ~~} [ المائدة : 95 ] كما قال تعالى : { وأشهدوا ذوى عدل منكم } [ الطلاق : 2 ~~] فيحتاج إلى حكمين غيره يحكمان ، كما يحتاج إلى شاهدين غيره . وقال ~~الطحاوى : ووجدنا الحكومات المذكورات فى كتاب الله فيما سوى ذلك إنما يكون ~~من غير المحكوم عليهم ، قال تعالى : { فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها ~~} [ النساء : 35 ] ولا يجوز أن يكون الزوج الحكم الذى من أهله ، وإنما يكون ~~من علم عدله ، وأمن على المحكوم عليه وعلى المحكموم له ، ولم يكن جارا إلى ~~نفسه ولا دافعا عنها شيئا . قال ابن المنذر : اتفق مالك والكوفيون والشافعى ~~وأحمد وأبو ثور أنه بالخيار ، إن شاء أتى بالهدى ، وإن شاء صام ، وإن شاء ~~تصدق ، وقال الثورى : إن لم يجد هديا أطعم ، فإن لم يجد طعاما صام . وقال ~~الحسن والنخعى : إن لم يكن عنده جزاؤه قوم بدراهم ، ثم قومت الدراهم بطعام ~~وصام ، وإنما أريد بالطعام الصيام . PageV04P480 وقال سعيد بن جبير : إنما ~~الطعام والصيام فيما لا يبلغ ثمن الهدى . والصواب قول من جعله بالخيار ؛ ~~لقول ابن عباس : كل شىء أراد فهو مخير ، وما كان فإن لم يجد فهو الأول ~~فالأول . واختلفوا فى الصوم المعدل فى القيمة ، فكان بعضهم يقول : يصوم عن ~~كل ندين يوما . هذا قول ابن عباس ، وبه قال الثورى والكوفيون وأحمد وإسحاق ~~وأبو ثور ، وقال بعضهم : يصوم عن كل مد يوما . هذا قول عطاء ومالك والشافعى ~~، قال الطحاوى : فنظرنا فى ذلك ، فوجدنا النبى - صلى الله عليه وسلم - قد ~~أمر ms1451 كعب بن عجرة أن يطعم كل مسكين يوما واحدا ، كان يصوم اليوم الواحد عن ~~المدين . واختلفوا فى قوله تعالى : { ومن عاد فينتقم الله منه } [ المائدة ~~: 95 ] هذا الوعيد معه جزاء عائد على مصيب الصيد ، كما كان عليه فى إصابته ~~إياه بدءا . فذهب بعضهم إلى أنه لا جزاء عليه فى ذلك إلا أول مرة ، فإن عاد ~~ترك والنقمة ، روى هذا عن شريح وذكره ابن المنذر عن ابن عباس وشريح والنخعى ~~والحسن وقتادة ومجاهد . وذهب الكوفيون ومالك والشافعى وأحمد وإسحاق إلى أنه ~~يحكم عليه بالجزاء كل مرة أصابه ، قال الطحاوى : وهذا الصواب ؛ لأنا روينا ~~عن عمر وعبد الرحمن بن عوف وابن مسعود وابن عباس وابن عمر وغيرهم ، أنهم ~~حكموا على المحرمين بإصابة الصيد ولم يسأل أحد منهم المحكوم عليه هل أصاب ~~صيدا قبل إصابته ذلك الذى حكموا فيه بالجزاء ، فدل ذلك على أنه لا فرق ~~عندهم بين البدء والعود ، والنظر يدل على ذلك ؛ لأنا رأينا أشياء منع الله ~~منها المحرمين ، منها الجماع وقتل الصيد وغير ذلك ، وكان من جامع فى إحرامه ~~فوجب PageV04P481 عليه الهدى فأهداه ، ثم جامع ثانية فى إحرامه فوجب عليه ~~الهدى أيضا ، كذلك الصيد ، فإن قيل : إنما أثنيت الكفارة على العائد لوقع ~~النقمة عليه . قيل : أو ليس إنما كان منتقما منه بمعصية الله ، أفرأيت إن ~~قتل الصيد بدءا عالما منتهكا للحرمة ، أما كان يجب عليه فى ذلك نقمة وكان ~~عليه الجزاء ، فكذلك إذا عاد ، ويجوز أن يكون معنى قوله تعالى : { ومن عاد ~~فينتقم الله منه } [ المائدة : 95 ] إن شاء ذلك ؛ لأن أحكام الوعيد فى ~~العقوبات كذلك كانت عند العرب ، إن شاء الله أوعد بها أنجزها ، وإن شاء ~~تركها . وقال ابن المنذر : أجمع اهل العلم على أن صيد البحر مباح للمحرم ~~اصطياده وبيعه وشراؤه واختلفوا فى معنى قوله : { وطعامه متاعا لكم } [ ~~المائدة : 96 ] وسأذكره فى كتاب الصيد . * * * # | 168 - باب إذا صاد الحلال ، فأهدى للمحرم الصيد فأكله # ولم ير ابن عباس وأنس بالذبح بأسا ، وهو غير الصيد نحو الإبل والغنم ~~والبقر والدجاج ms1452 والخيل . / 239 - فيه : أبو قتادة ، أنه انطلق عام الحديبية ~~، فأحرم أصحابه ولم يحرم ، وحدث النبى ، عليه السلام ، أن عدوا يغزوه ، ~~فبينما أنا مع أصحابه ، تضحك بعضهم إلى بعض ، فنظرت ، فإذا أنا بحمار وحش ، ~~فحملت عليه فطعنته ، فأثبته ، واستعنت بهم ، فأبوا أن يعينونى ، فأكلنا من ~~لحمه ، وخشينا أن نقتطع ، فطلبت النبى ، عليه السلام ، أرفع فرسى شأوا ، ~~وأسير شأوا ، فلقيت رجلا من بنى غفار فى جوف الليل ، قلت : أين تركت النبى ~~، عليه السلام ؟ قال : تركته بتعهن ، وهو قائل السقيا ، فقلت : يا رسول ~~الله ، إن أهلك يقرءون عليك السلام PageV04P482 ورحمة الله ، إنهم قد خشوا ~~أن يقتطعوا دونك فانتظرهم ، قلت : يا رسول الله ، أصبت حمار وحش ، وعندى ~~منه فاضلة ، فقال للقوم : ( كلوا ) ، وهم محرمون . وفى حديث أبى قتادة من ~~الفقه أن لحم الصيد حلال أكله للمحرم إذا لم يصده وصاده حلال ، وفى ذلك ~~دليل أن قوله تعالى : { وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما } [ المائدة : 96 ~~] معناه : الاصطياد ، وقيل : الصيد وأكل الصيد لمن صاده ، وإن لم يصده فليس ~~ممن عنى بالآية ، يبين ذلك قوله تعالى : { يا أيها الذين آمنوا لا تقتلوا ~~الصيد وأنتم حرم } [ المائدة : 95 ] لأن هذه الآية إنما نهى فيها عن قتل ~~الصيد واصطياده لا غير . وهذه مسألة اختلف فيها السلف قديما ، فذهبت طائفة ~~إلى أنه يجوز للمحرم أكل ما صاده الحلال ، روى هذا عن عمر بن الخطاب وعثمان ~~والزبير وعائشة وأبى هريرة ، وإليه ذهب الكوفيون ، وذهبت طائفة إلى أن ما ~~صاده الحلال للمحرم أو من أجله فلا يجوز له أكله ، وما لم يصد له فلا بأس ~~بأكله ، وهو الصحيح عن عثمان ، وروى عن عطاء ، وهو قول مالك فى العتبية ~~وكتاب ابن المواز ، وبه قال الشافعى وأحمد وإسحاق وأبو ثور ، وذكر ابن ~~القصار أن المحرم إذا أكل ما صيد من أجله فعليه الجزاء ، استحسان لا قياس . ~~وعند أبى حنيفة والشافعى : لا جزاء عليه . واحتج الكوفيون بقوله عليه ~~السلام للمحرمين : ( كلوا ) قالوا : فقد علمنا أن أبا قتادة لم يصده فى وقت ~~ما صاده ms1453 إرادة منه أن يكون له خاصة ، وإنما أراد أن يكون له ولأصحابه الذين ~~كانوا معه ، فقد أباح رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذلك له ولهم ، ولم ~~يحرمه لإرادته أن يكون لهم معه ، قاله الطحاوى . PageV04P483 قال : والنظر ~~يدل على ذلك ؛ لأنهم أجمعوا أن الصيد يحرمه الإحرام على المحرم ، ويحرمه ~~الحرم على الإحلال ، وكان من صاد صيدا فى الحل فذبحه فيه ، ثم أدخله الحرم ~~فلا بأس بأكله فيه ، ولم يكن إدخاله لحم الصيد الحرم كإدخاله الصيد حيا فى ~~الحرم ؛ لأنه لو كان كذلك لنهى عن إدخاله فيه ، ولمنع من أكله كما يمنع من ~~الصيد ، ولكان إذا أكله فى الحرم وجب عليه ما يجب فى قتله ، فلما كان الحرم ~~لا يمنع من لحم الصيد الذى صيد فى الحل كما يمنع من الصيد الحى ؛ كأن النظر ~~على ذلك أن يكون الإحرام يحرم على المحرم الصيد ، ولا يحرم عليه لحمه إذا ~~تولى الحلا ذبحه قياسا ونظرا . وحجة الذين أجازوا للمحرم أكل ما لم يصد له ~~، أن أبا قتادة إنما صاده لنفسه لا للمحرمين ، وكان وجهه الرسول - صلى الله ~~عليه وسلم - على طريق البحر مخافة العدو ، فلم يكن محرما حين اجتمع مع ~~أصحابه ؛ لأن مخرجهم لم يكن واحدا ، فلم يكن صيده للمحرمين ولا بعونهم ، ~~ألا ترى قوله : ( فأبوا أن يعينونى ) . قالوا : فلذلك أجاز لهم عليه السلام ~~أكله ، قالوا : وعلى هذا تتفق الأحاديث المروية عن النبى عليه السلام فى ~~أكل الصيد ولا تتضاد . وقد روى هذا المعنى عن النبى عليه السلام روى ابن ~~وهب ، حدثنا يعقوب بن عبد الرحمن ، عن عمرو مولى المطلب أخبره عن المطلب بن ~~عبد الله بن حنطب ، عن جابر أن النبى عليه السلام قال : ( صيد البر لكم ~~حلال ما لم تصيدوه أو يصد لكم ) . وقالت طائفة : لحم الصيد محرم على ~~المحرمين على كل حال ، PageV04P484 ولا يجوز لمحرم آكله البتة ، على ظاهر ~~قوله تعالى : { وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما } [ المائدة : 96 ] قال ~~ابن عباس : هى مبهمة . وهو مذهب على وابن عمر ms1454 ، وبه قال الثورى ، وهى رواية ~~القاسم عن مالك فى المدونة ، وبه قال إسحاق ، واحتجوا بحديث الصعب بن جثامة ~~( أنه أهدى لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - حمار وحش وهو بالأبواء أو ~~بودان ، فرده عليه وقال : لم نرده عليك إلا أنا حرم ) فلم يعتل بغير ~~الإحرام ، واعتل من أجاز أكله بأنه عليه السلام إنما رده لأنه كان حيا ، ~~ولا يحل للمحرم قتل الصيد ، ولو كان لحما لم يرده ؛ لقوله فى حديث أبى ~~قتادة ، وستأتى رواية من روى أن الحمار كان مذبوحا فى باب : إذا أهدى ~~للمحرم حمارا وحشيا لم يقبل . وأما قول البخارى : ولم ير ابن عباس وأنس ~~بالذبح بأسا ، وهو غير الصيد . فهو قول جماعة العلماء ، لا خلاف بينهم أن ~~الداجن كله من الإبل والبقر والغنم والدجاج وشبهه يجوز للمحرم ذبحه ؛ لأن ~~الداجن كله غير داخل فى الصيد المحرم على المحرم ، وأما أكل الخيل فأجازه ~~أبو يوسف ومحمد والشافعى وأحمد وإسحاق وأبو ثور وجمهور أهل الحديث ؛ لحديث ~~جابر وأسماء أنهم أكلوه على عهد النبى - صلى الله عليه وسلم - ، وكره أكل ~~الخيل مالك وأبو حنيفة ، وستأتى هذه المسألة فى كتاب الذبائح إن شاء الله . ~~وقال صاحب العين : شأوت القوم شأوا : سبقتهم ، والشأو : الطلق . * * * # | 169 - باب إذا رأى المحرمون صيدا فضحكوا ففطن الحلال # / 240 - فيه : أبو قتادة ، قال : انطلقنا مع النبى ، عليه السلام ، عام ~~الحديبية ، فأحرم أصحابه ، ولم أحرم ، فأنبئنا بعدو بغيقة ، فتوجهنا ~~PageV04P485 نحوهم ، فبصر أصحابى بحمار وحش ، فجعل بعضهم يضحك إلى بعض ، ~~فنظرت فرأيته ، فحملت عليه الفرس ، فطعنته ، فأثبته ، فاستعنتهم ، فأبوا . ~~. . الحديث . وترجم له : ( باب لا يعين المحرم الحلال فى قتل الصيد ) ، ~~وقال فيه : ( كنا مع النبى ، عليه السلام ، بالقاحة ، ومنا المحرم ومنا غير ~~المحرم ، فرأيت أصحابى يتراءون شيئا ، فنظرت فإذا حمار وحش ، يعنى وقع سوطه ~~، فقالوا : لا نعينك . . . ) الحديث . وترجم له : ( باب لا يشير المحرم إلى ~~الصيد لكي يصطاده الحلال ) ، وقال فيه : فقال النبى - صلى الله عليه وسلم - ~~: ( أمنكم أحد أمره أن يحمل عليها ، أو أشار إليها ) ؟ قالوا : لا ، قال ms1455 : ~~( فكلوا ما بقى من لحمها ) . قال المهلب : إنما لم يجعل النبى عليه السلام ~~ضحك المحرمين بعضهم إلى بعض دلالة على الصيد ، وأباح لهم أكله ؛ لأن ضحك ~~المحرم إلى المحرم مثله ، مما لا يحل له الصيد ، لا حرج فيه ، وإن كان قد ~~آل إلى أن تنبه عليه أبو قتادة ، فلم يكن أبو قتادة عندهم ممن خرج يقتنص ~~صيدا ، فلذلك لم يجب عليهم جزاء ، ولا حرم عليهم أكله ، وأما إن أشار محرم ~~على قناص أو طالب له ، أو أغراه به ، أو أعطاه سلاحا ، أو أعانه بأى ، ~~فيكره له أكله ؛ لقول الرسول - صلى الله عليه وسلم - فى حديث أبى قتادة ، ( ~~أمنكم أحد أمر أن يحمل عليها ، أو أشار إليها ؟ قالوا : لا . قال : كلوا ما ~~بقى من لحمها ) . وفى ذلك دليل أنه لا يحرم عليهم بما سوى ذلك ، ودل ذلك ~~على أن معنى قوله عليه PageV04P486 السلام فى حديث عمرو مولى المطلب : ( أو ~~يصد لكم ) أنه على ما صيد لهم بأمرهم . وقال غيره : وهذا يدل أن المحرم إذا ~~أعان الحلال على الصيد بما قل أو كثر فقد فعل ما لا يجوز له ، واختلفوا فى ~~ذلك ، فقالت طائفة : إن دل محرم حلالا على صيد ، أو أشار إليه ، أو ناوله ~~سيفا أو شبهه حتى قتله ، فعلى المحرم الدال أو المعين له الجزاء ، روى ذلك ~~عن على وابن عباس ، وقال به عطاء ، وإليه ذهب الكوفيون وأحمد وإسحاق ، ~~واحتج بقوله عليه السلام : ( هل أشرتم أو أعنتم ؟ قالوا : لا ) فدل ذلك أنه ~~إنما يحرم عليهم إذا فعلوا شيئا من هذا ، ولا يحرم عليهم بما سوى ذلك ، ~~فجعل المشاورة والمعاونة كالقتل ؛ لأن الدلالة بسبب يتوصل به إلى إتلاف ~~الصيد ، فوجب الجزاء ، دليله : من نصب شبكه حتى وقع فيها صيد فمات . وقال ~~مالك وابن الماجشون والشافعى وأبو ثور : لا جزاء على الدال . وهو قول أصبغ ~~ابن الفرج ، واحتج أهل هذه المقالة فقالوا : الدال ليس بمباشر للقتل ، وقد ~~اتفقنا أنه لو دل حلال حلالا على قتل صيد فى الحرم لم يكن على الدال ms1456 جزاء ؛ ~~لأنه لم يحصل منه قتل الصيد ، فكذلك هاهنا ، وقد تقرر أنه لو دل على رجل ~~مسلم فقتله المدلول ، لم يجب على الدال ضمان ، وحرمة المسلم أعظم من حرمة ~~الصيد ، ولا حجة للكوفيين فى حديث أبى قتادة ؛ لأنه إنما سألهم عن الإشارة ~~والمعاونة ، دل أنه يكره لهم أكله ، أو يحرم عليهم ، ولم يتعرض لذكر الجزاء ~~، فمن أثبت الجزاء فعليه الدليل . وأيضا فإن القاتل انفرد بقتله بعد ~~الدلالة بإرادته واختياره مع كون الدال منفصلا عنه ، فلا يلزمه ضمان ، وهذا ~~كمن دل محرما أو صائما على امرأة فوطئها ، ومحظورات الإحرام لا تجب فيها ~~الكفارات بالدلالة ، كمن دل على طيب أو لباس . PageV04P487 # | 170 - باب إذا أهدى للمحرم حمارا وحشيا لم يقبل # / 241 - فيه : ابن عباس ، أن الصعب بن جثامة أهدى لرسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - حمارا وحشيا ، وهو بالأبواء ، أو بودان ، فرده عليه ، فلما رأى ~~ما فى وجهه ، قال : ( إنا لم نرده عليك إلا أنا حرم ) . أجمع العلماء أنه ~~لا يجوز للمحرم قبول صيد ، حتى إذا وهب له بعد إحرامه ، ولا يجوز له شراؤه ~~، ولا إحداث ملكه ؛ لعموم قوله : { وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما } [ ~~المائدة : 95 ] ولحديث صعب ، فإنما رده عليه السلام ؛ لأنه لا يحل للمحرم ~~تذكية الصيد ولا إهلاله ، وقال أشهب : سمعت مالكا يقول : كان الحمار حيا . ~~قال الطحاوى : وقد روى هذا الحديث عن ابن عباس جماعة من أصحابه : سعيد بن ~~جبير وعطاء ومقسم وطاوس ، ففى حديث سعيد ابن جبير ( أنه أهدى لرسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - حمارا وحشيا فرده ، وكان مذبوحا ) . وقال مرة : ( ~~أهدى إليه عجز حمار فرده يقطر دما ) . وقال مقسم : ( رجل حمار ) . وقال ~~عطاء : ( عضد صيد ) . وقال طاوس : ( لحم حمار وحش ) . قال الطحاوى : قد ~~اتفقت هذه الآثار فى حديث الصعب عن ابن عباس أن الحمار كان غير حى ، فذلك ~~حجة لمن كره للمحرم أكل الصيد ، وإن كان الذى تولى صيده وذبحه حلال وقد ~~خالف ذلك حديث المطلب عن جابر . PageV04P488 قال المؤلف : واختلاف هذه ~~الروايات يدل ms1457 على أنه لم تكن قصة واحدة ، وإنه كان فى أوقات مختلفة ، فمرة ~~أهدى إليه الحمار كله ، ومرة أهدى إليه عجزه لأن مثل هذا لا يذهب على ~~الرواة ضبطه ، حتى يقع فيه التضاد فى النقل والقصة واحدة ، والله أعلم . ~~وقال إسماعيل بن إسحاق : سمعت سليمان بن حرب يتأول هذا الحديث على أنه صيد ~~من أجل النبى عليه السلام ولولا ذلك كان أكله جائزا ، قال سليمان : ومما ~~يدل على أنه صيد من أجله قوله فى الحديث : ( فرده يقطر دما ) كأنه صيد فى ~~ذلك الوقت . قال إسماعيل : وأما رواية مالك أنه أهدى إليه حمار وحش ، فلا ~~تحتاج إلى تأويل ؛ لأن المحرم لا يجوز له إمساك صيد حى ولا يذكيه ، وإنما ~~يحتاج إلى التأويل من روى أنه أهدى إليه بعض الحمار . قال إسماعيل : وعلى ~~تأويل سليمان بن حرب تكون الأحاديث غير مختلفة ، أعنى حديث الهدى فى الحمار ~~العقير ، وحديث أبى قتادة ، وحديث الصعب ، ويفسرها كلها حديث المطلب عن ~~جابر أن النبى عليه السلام قال : ( صيد البر لكم حلال ما لم تصيدوه أو يصد ~~لكم ) وقد ذكرته فى باب : إذا صاد الحلال فأهدى للمحرم . قال الطبرى : ~~معناه : أو يصد لكم بأمركم . قال غيره : وهذا الحديث يشهد لمذهب مالك أنه ~~أعدل المذاهب وأولاها بالصواب . قال المهلب : وفى حديث الصعب من الفقه رد ~~الهدية إذا لم تحل للمهدى له ، وفيه الاعتذار لرد الهدية . PageV04P489 # | 171 - باب ما يقتل المحرم من الدواب # / 242 - فيه : ابن عمر ، أن النبى ، عليه السلام ، قال : ( خمس من الدواب ~~ليس على المحرم فى قتلهن جناح ) . وقال ابن عمر : قالت حفصة : قال ، عليه ~~السلام : ( خمس من الدواب ، لا حرج على من قتلهن : الغراب ، والحدأة ، ~~والفأرة ، والعقرب ، والكلب العقور ) . / 243 - وفيه : عائشة ، عن النبى ، ~~عليه السلام ، مثل معناه . / 244 - وفيه : عبدالله ، بينما نحن مع النبى ، ~~عليه السلام ، فى غار بمنى ؛ إذ نزل عليه { والمرسلات } [ المرسلات : 1 ] ~~وإنه ليتلوها ، وإنى لأتلقاها من فيه ، وإن فاه لرطب بها ؛ إذ وثبت علينا ~~حية فقال النبى - صلى الله عليه وسلم ms1458 - : ( اقتلوها ) ، فابتدرناها ، فذهبت ~~، فقال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( وقيت شركم ، كما وقيتم شرها ) . ~~قال أبو عبد الله : أردنا بهذا أن منى من الحرم ، وأنهم لم يروا بقتل الحية ~~بأسا . / 245 - فيه : عائشة ، أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - قال للوزغ ~~: ( فويسق ) ، ولم أسمعه أمر بقتله . أجمع العلماء على القول بجملة ~~الأحاديث ، إلا أنهم اختلفوا فى تفصيلها ، فقال بظاهر حديث ابن عمر وحفصة : ~~مالك والثورى والشافعى وأحمد وإسحاق ، قالوا : ولم يعن بالكلب العقور ~~الكلاب الإنسية ، وإنما عنى بذلك كل سبع يعقر ، كذلك فسره مالك وابن عيينة ~~وأهل اللغة . وقال الخليل : كل سبع عقور كلب . وذكر ابن عيينة أن زيد بن ~~PageV04P490 أسلم فسره له كذلك ، وكلهم لا يرى ما ليس من السباع فى طبعه ~~العقر والعداء فى الأغلب من معنى الكلب العقور فى شئ ، ولا يجوز عندهم ~~للمحرم قتل الهر الوحشى ولا الثعلب ولا الضبع . وقال أبو حنيفة وأصحابه : ~~لا يقتل المحرم من السباع إلا الخمس المذكورة فى الحديث فقط ، والكلب ~~العقور عنده الكلب المعروف ، وليس الأسد فى شىء منه . وأجازوا قتل الذئب ~~خاصة من غير الخمس ، وسوى هذه الخمس والذئب ابتدأته أم لا ، ولا شىء عليهم ~~فيها ، وأما غيرها من السباع فلا يقتلها ؛ فإن قتلها فداها إلا أن تبتدئه ، ~~فإن بدأته فقتلها فلا شىء عليه . وقال الشافعى : لا جزاء فى قتل جميع ما ~~يكل ، سواء كان طبعه الابتداء بالضرر أم لا ، ولا جزاء عنده إلا فى قتل صيد ~~حلال أكله من سباع الوحش أو الطير . قال ابن القصار : والحجة على أبى حنيفة ~~أن الكلب العقور اسم لكل ما يتكلب من أسد أو نمر أو فهد ، فيجب أن يكون ~~جميع ما يتناوله هذا الاسم داخل تحت ما أبيح للمحرم قتله . وقد روى زيد ابن ~~أسلم عن عبد ربه ، عن أبى هريرة أنه قال : الكلب العقور : الأسد . وقال - ~~صلى الله عليه وسلم - فى عتبة بن أبى لهب : ( اللهم سلط عليه كلبا من كلابك ~~. فعدا عليه الأسد فقتله ) . فإذا أباح عليه السلام قتل ms1459 الكلب العقور لخوف ~~عقه وضرره ، فالسبع الذى يفترس ويقتل أعظم وأولى ؛ لأنه لا يجوز أن يمنع من ~~قتله مع إباحه قتل ما هو دونه ، ولما قال عليه السلام : ( خمس فواسق يقتلن ~~) فسماهن فواسق لفسقهن وخروجهن لما عليه سائر الحيوان ، لما فيهن من الضرر ~~، فأباح قتلهن لهذه العلة ، كان الضرر الذى فى الأسد والنمر والفهد أعظم ، ~~فهو بالفسق وإباحة القتل PageV04P491 أولى ؛ لأنه إذا نص على شىء لضرره ، ~~فإنما نبه بذلك على أن الجنس الذى هو أكثر ضررا أولى بذلك . كما ذكر الحية ~~والعقرب ، فنبه بهما على ما هو أعظم ضررا من جنسهما ، ونص على الفأرة ، ~~ونبه على ما هو أقوى حيلة من جنسها ، ونص على الغراب والحدأ ؛ لأنهما [ . . ~~. . . . ] ويأخذان أزواد الناس ، فكذلك نص على الكلب لينبه به على ما هو ~~أعظم ضررا منه ، وأجاز قتل الأفعى ، وهى داخلة عنده فى معنى الكلب العقور ، ~~والكلب العقور عنده صفة ، لا عين مسماة . قال المؤلف : وقد نقض أبو حنيفة ~~أصله فى الذئب فألحقه بالخمس ، وليس بمذكور فى الحديث ، فكذلك يلزمه أن ~~يجعل الفهد والنمر وما أشبههما فى العدى بمنزلة الذئب . فإن قيل : إن الضبع ~~من السباع ، وهى غير داخلة عندكم فيما أبيح للمحرم قتله ، قيل : قد قال ~~الأوزاعى : كان العلماء بالشام يعدونها من السباع ، ويكرهون أكلها . وذكر ~~ابن حبيب عن مالك قال : لا يقتل الضبع بحال ، وقد جاء أن فيها شاة إلا أن ~~تؤذيه . وكذلك قال فى الغراب والحدأة . قال أشهب : سألت مالكا : أيقتلها ~~المحرم من غير أن يضرا به ؟ قال : لا ، إنما أذن فى قتلهما إذا أضرا فى ~~رأيى ، وإذا لم يضرا فهما صيد ، وليس للمحرم أن يصيد ، وليسا مثل العقرب ~~والفأرة ، ولا بأس بقتلهما وإن لم يضرا ، وكذلك الحية . والحجة على الشافعى ~~فى أنه لا يوجب الجزاء فيما خاصة عموم قوله تعالى : { وحرم عليكم صيد البر ~~ما دمتم حرما } [ المائدة : 95 ] والصيد : عبارة عن الاصطياد ، والأصطياد ~~يقع على ما يؤكل لحمه وما لا يؤكل ، PageV04P492 وليس المعتبر فى وجوب ~~الجزاء كون المقتول مأكولا ms1460 ؛ لأن الحمار المتولد عن الوحشى والأهلى لا يؤكل ~~، وفى قتله الجزاء على المحرم . قال ابن المنذر : ولا خلاف بين العلماء فى ~~جواز قتل المحرم وخلاف قول أهل العلم ، وروى عن عطاء ومجاهد قالا : لا يقتل ~~الغراب ، ولكن يرمى . وهذا خلاف السنة وخلاف قول أهل العلم ، وروى عن عطاء ~~ومجاهد قالا : لا يقتل الغراب ، ولكن يرمى . وهذا خلاف السنة ، وشذت فرقة ~~من أهل الحديث فقالوا : لا يقتل المحرم إلا الغراب الأبقع خاصة . ورووا فى ~~ذلك حديثا عن قتادة ، عن ابن المسيب ، عن عائشة ، عن النبى عليه السلام ~~وهذا الحديث لا يعرف من حديث ابن المسيب ، ولم يروه عنه غير قتادة ، وهو ~~مدلس ، وثقات أصحاب سعيد من أهل المدينة لا يوجد عندهم ، مع معارضته حديث ~~ابن عمر وحفصة ، فلا حجة فيه ، وأجمع العلماء على جواز قتل الحية فى الحل ~~والحرم ، وقال سفيان : قال لنا زيد ابن أسلم : وأى كلب أعقر من الحية . قال ~~الطبرى : فإن قيل : قد صح أمر النبى عليه السلام بقتل الحيات ، فما أنت ~~قائل فيما روى مالك عن نافع ، عن أبى لبابة بن عبد المنذر أخبره ( أن رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - نهى عن قتل حيات البيوت ) . قيل : قد اختلف ~~السلف قبلنا فى ذلك ، فقال بعضهم بظاهر أمر النبى عليه السلام بقتل الحيات ~~كلهامن غير استثناء شىء منها ، كما روى أبو إسحاق ، عن القاسم بن عبد ~~الرحمن ، عن أبيه ، عن عبد الله قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- : ( اقتلوا الحيات كلهن ، فمن خاف ثأرهن فليس منى ) روى هذا القول عن عمر ~~وابن مسعود . وقال آخرون : لا ينبغى أن يقتل عوامر البيوت وسكانها إلا بعد ~~مناشدة العهد الذى أخذ عليهن ، فإن ثبت بعد إنشاده قتل ، واعتلوا بحديث أبى ~~سعيد الخدرى أن النبى عليه السلام قال : ( إن بالمدينة جنا قد أسلموا ، فإن ~~رأيتم منها شيئا فآذنوه ثلاثة أيام ، فإن بدا لكم بعد ذلك فاقتلوه فإنه ~~شيطان ) . PageV04P493 قال الطبرى : وجميع هذه الأخبار عن النبى عليه ~~السلام حق وصدق ، وليس ms1461 فى شىء منها خلاف لصاحبه ، والرواية عن النبى عليه ~~السلام أنه أمر بقتل الحيات من غير استثناء شىء منها خبر مجمل ، بين معناه ~~الخبر الآخر أن النبى عليه السلام نهى عن قتل جنان البيوت وعوامرها إلا بعد ~~النشدة بالعهود والمواثيق التى أخذ عليها حذار الإصابة ، فأقل ذلك شيئا من ~~التمثل بالحيات ، فيلحقه من مكروه ذلك ما لحق الفتى المعرس بأهله ، إذ قتل ~~الحية التى وجدها على فراشه قبل مناشدته إياها ، وذلك أنه ربما تمثل بعض ~~الجن ببعض صور الحيات ، فيظهر لأعين بنى آدم ، كما روى ابن أبى مليكة عن ~~عائشة بنت طلحة ، أن عائشة أم المؤمنين رأت يوما فى مغتسلها حية فقتلتها ، ~~فأتيت فى منامها فقيل لها : إنك قتلت مسلما . فقالت : لو كان مسلما ما دخل ~~على أمهات المؤمنين . فقيل : ما دخل عليك إلا وعليك ثيابك . فأصبحت فزعة ، ~~ففرقت فى المساكين اثنا عشر ألفا . وقال ابن نافع : لا ينذر عوامر البيوت ~~إلا بالمدينة خاصة على ظاهر الحديث . وقال مالك : أحب إلى أن تنذر عوامر ~~البيوت بالمدينة وغيرها ، وذلك بالمدينة أوجب ، ولا ينذر فى الصحارى . وقال ~~غيره : المدينة وغيرها سواء فى الإنذار ؛ لأن العلة إسلام الجن ، ولا يحل ~~قتل مسلم جنى ولا إنسى . قال المهلب : فى تسمية النبى - صلى الله عليه وسلم ~~- الوزغ : فواسقا ما يدل على عقرها ، كما سمى العقورات كلها : فواسق ، وقد ~~روى الدراوردى عن مالك ، عن ابن شهاب ، عن سعد بن أبى وقاص ( أن النبى عليه ~~السلام أمر بقتل الوزغ ) ولكن الحديث مرسل ؛ لأن ابن PageV04P494 شهاب بينه ~~وبين سعد رجل ، وذكر ابن المواز عن مالك قال : سمعت أن رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - أمر بقتل الوزغ ، فأما المحرم فلا يقتلها ؛ فإن قتلها ~~رأيت أن يتصدق مثل شحمة الأرض . قيل له : وقد أذن الرسول - صلى الله عليه ~~وسلم - فى قتلها ؟ قال : وكثير مما أذن الرسول - صلى الله عليه وسلم - فى ~~قتله لا يقتله المحرم . وروى ابن القاسم وابن وهب ، عن مالك قال : لا أرى ~~أن يقتل المحرم الوزغ ms1462 ؛ لأنه ليس من الجنس الذى أمر الرسول - صلى الله عليه ~~وسلم - بقتلهن ؛ فإن قتلها تصدق . قال : ولا يقتل المحرم قردا ولا خنزيرا ~~ولا الحية الصغيرة ولا صغار السباع . وقال الشافعى : ما يجوز للمحرم قتله ~~فصغاره وكباره سواء لا شىء عليه فى قتلها . وقال مالك فى الموطأ : ولا يقتل ~~المحرم ما ضر من الطير إلا ما سمى الرسول - صلى الله عليه وسلم - : الغراب ~~والحدأة ، فإن قتل غيرهما من الطير فداه . قال إسماعيل : واختلف المدنيون ~~فى الزنبور ، فشبهه بعضهم بالحية والعقرب ، فإن عرض لإنسان فدفعه عن نفسه ~~لم يكن عليه فيه شئ . وذكر ابن المنذر أن عمر بن الخطاب كان يأمر بقتله ، ~~وقال عطاء وأحمد : لا جزاء فيه . وقال بعضهم : يطعم شيئا . قال إسماعيل : ~~وإنما لم يدخل أولاد الكلب العقور فى حكمه ؛ لأنهن لا يعقرن فى صغرهن ، وقد ~~سمى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الخمس فواسق ، والفواسق : فواعل ، ~~والصغار لا فعل لهن . وقال الخطابى : أصل الفسق الخروج عن الشئ ، ومنه قوله ~~: { ففسق عن أمر ربه } [ الكهف : 50 ] أى : خرج ، وسمى الرجل فاسقا ~~لانسلاخه من الخير . وقال ابن قتيبة : لا أرى الغراب سماه فاسقا إلا لتخلفه ~~عن أمر نوح PageV04P495 حين أرسله ، ووقوعه على الجيفة وعصيانه إياه . وحكى ~~عن الفراء أنه قال : ما أحسب الفأرة سميت فويسقة إلا لخروجها من جحرها على ~~الناس . قال أبو سليمان : ولا يعجبنى واحد من القولين ، وقد بقى عليهما أن ~~يقولا مثل ذلك فى الحدأة والكلب ، إذ كان هذا النعت يجمعهما ، وهذا اللقب ~~يلزمهما لزومه الغراب والفأرة ، وإنما أراد والله أعلم بالفسق الخروج من ~~الحرمة ، يقول : خمس لا حرمة لهن ، ولا بغيا عليهن ، ولا فدية على المحرم ~~فيهن إذا أصابهن ، وإنما أباح قتلهن لعاديتهن . وفيه : وجه آخر ، وهو أن ~~يكون أراد بتفسيقها تحريم أكلها ، كقوله تعالى وقد ذكر المحرمات : { ذلكم ~~فسق } [ المائدة : 3 ] يدل على صحة هذا ما رواه المسعودى ، عن عبد الرحمن ~~بن القاسم ، عن أبيه ، عن عائشة ، عن النبى عليه السلام قال : ( الغراب ~~فاسق . فقال رجل ms1463 من القوم : أيؤكل لحم الغراب ؟ قالت : لا ، ومن يأكله بعد ~~قوله : فاسق ) . وروت عمرة مثله عن عائشة وقالت : والله ما هو من الطيبات ، ~~تريد قوله تعالى : { ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبآئث } [ الأعراف : ~~157 ] ومما يدل على أن الغراب يقذر لحمه قول الشاعر : فما لحم الغراب لنا ~~بزاد ولا سرطان أنهار البريص * * * # | 172 - باب لا يعضد شجر الحرم # وقال ابن عباس ، عن الرسول - صلى الله عليه وسلم - : ( لا يعضد شوكه ) . ~~/ 246 - فيه : أبو شريح ، أنه قال لعمرو بن سعيد وهو يبعث البعوث إلى ~~PageV04P496 مكة : ائذن لى أيها الأمير أحدثك قولا قام به رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - للغد من يوم الفتح ، فسمعته أذناي ، ووعاه قلبى ، وأبصرته ~~عيناى حين تكلم به ، إنه حمد الله وأثنى عليه ، ثم قال : ( إن مكة حرمها ~~الله ، ولم يحرمها الناس ، فلا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك ~~بها دما ، ولا يعضد بها شجرة . . . ) الحديث إلى قوله : ( أنا أعلم بذلك ~~منك يا أبا شريح ، إن الحرم لا يعيذ عاصيا ، ولا فارا بدم ، ولا فارا بخربة ~~) . قال الطبرى : معنى قوله عليه السلام : ( لا يعضد بها شجرة ) يعنى : لا ~~يفسد ولا يقطع ، وأصله من عضد الرجل الرجل ، إذا أصاب عضده ذلك ، عضد فلان ~~فلانا يعضد عضدا ، وفى كتاب العين : العضد من السيوف : الممتهن فى قطع ~~الشجر . قال الطبرى : لا يجوز قطع أغصان شجر مكة التى أنشأها الله فيها مما ~~لا صنع فيه لبنى آدم ، إذا لم يجز قطع أغصانها فقطع شجرها بالنهى عن ذلك ~~أولى . وقال ابن المنذر : أجمع العلماء على تحريم قطع شجر الحرم ، واختلفوا ~~فيما يجب على من قطعها ، فذهب مالك إلى أنه لا يجب عليه إلا الاستغفار ، ~~وهو مذهب عطاء ، وبه قال أبو ثور ، وذكر الطبرى عن عمر بن الخطاب مثل معناه ~~. وقال أبو حنيفة وأصحابه : إن قطع ما أنبته آدمى فلا شىء عليه ، وإن قطع ~~ما أنبته الله كان عليه الجزاء حلالا كان أو حراما ، فإن بلغ هديا كان هديا ~~، وإن قوم ms1464 طعاما فأطعم كل مسكين نصف صاع . وقال الشافعى : عليه الجزاء فى ~~الجميع ، المحرم والجلال فى ذلك سواء ، فى الشجرة الكبيرة بقرة ، وفى الخشب ~~قيمته ما بلغت دما كان أو طعاما . وحكى بعض أصحاب الشافعى أن مذهبه كمذهب ~~أبى حنيفة فيما أنبته الآدمى ، ذكره ابن القصار ، واحتجوا بقوله عليه ~~PageV04P497 السلام : ( لا يقطع شجرها ) قالوا : وهذا نهى يقتضى التحريم ، ~~وإذا ثبت تحريمه وجب فيه الجزاء كالصيد . قال ابن القصار : فيقال لهم : ~~النهى عن قطعه لا يدل على وجوب الجزاء ، كالنهى عن تنفير الصيد والإشارة ~~والمعاونة عليه ، وقد روى أن عمر بن الخطاب رأى رجلا يقطع من شجر الحرم ، ~~فسأله : لم تقطعه ؟ فقال : لا نفقة معى ، فأعطاه نفقة ولم يوجب عليه شيئا . ~~ولو كان قطع الشجر كالصيد لوجب على المحرم إذا قطعها فى حل أو حرم كما يجب ~~فى الصيد . قال ابن المنذر : ولا أجد دلالة أوجب بها فى شجر الحرم شيئا من ~~كتاب ولا سنة ولا إجماع ، وبقول مالك أقول ، وأجمع العلماء على إباحة أخذ ~~كل ما ينبته الناس فى الحرم من البقول والزرع والرياحين وغيرها ، فوجب أن ~~يكون ما يغرسه الناس من النخيل والشجر مباح قطعه ؛ لأن ذلك بمنزلة الزرع ~~الذى يزرعونه ، فقطعه جائز ، وما يجوز قطعه فمحال أن يكون فيه جزاء ، هذا ~~يقال للشافعى ، فإن قال : فأوجب الجزاء فيما أنبته الله . قيل : لا أجد ~~دلالة أوجب بها ذلك من كتاب ولا سنة ولا إجماع ، فوجب رد ما أنبته الله إلى ~~ما أنبته الآدمى فى سقوط الجزاء . وقوله : ( فلا يحل لامرئ يؤمن بالله ~~واليوم الآخر أن يسفك فيها دما ) اختلف العلماء فيمن أصاب حدا فى غير الحرم ~~من قتل أو زنا أو سرقة ، ثم لجأ إلى الحرم ، هل تنفعه استعاذته ؟ فقالت ~~طائفة : لا يجالس ولا يبايع ولا يكلم ولا [ . . . . . . ] حتى يخرج منه ، ~~فيؤخذ بالواجب لله عليه ، وإن أتى حدا فى الحرم أقيم عليه فيه . ~~PageV04P498 روى ذلك عن ابن عباس ، وهو قول عطاء والشعبى والحكم ، وعلة هذه ~~المقالة ظاهر قوله تعالى : { ومن ms1465 دخله كان آمنا } [ آل عمران : 97 ] قالوا ~~: فجعل الله حرمه آمنا لمن دخله ، فداخله آمن من كل شىء وجب عليه قبل دخوله ~~حتى يخرج منه ، وأما من كان فيه فأتى فيه حدا فالواجب على السلطان أخذه به ~~؛ لأنه ليس ممن دخله من غيره . قاله الطحاوى والطبرى . قال الطبرى : وعلتهم ~~فى أنه لا يكلم ولا يبايع حتى يخرج من الحرم أنه لما كان غير محظور عليهم ، ~~كان لهم فعله ؛ ليكون سببا إلى خروجه وأخذ الحد منه . وقال آخرون : لا يخرج ~~من لجأ إلى الحرم حتى يخرج منه فيقام عليه الحد ، ولم يحظروا مبايعته ولا ~~مجالسته . روى ذلك عن ابن عمر ، وقال : لو وجدت قاتل عمر فى الحرم ما هجته ~~. وعلة هذه المقالة أن الله جعل الحرم أمنا لمن دخله ، ومن كان خائفا وقوع ~~الاحتيال عليه ، فإنه غير آمن ، فغير جائز إخافته بالمعانى التى تضطره إلى ~~الخروج منه لأخذه بالعقوبة التى هرب من أجلها . وقال آخرون : من أتى فى ~~الحرم ما يجب به عليه الحد ؛ فإنه يقام عليه ذلك فيه ، ومن أتاه فى غيره ~~فدخله مستجيرا به ، فإنه يخرج منه ويقام عليه الحد . روى ذلك عن ابن الزبير ~~والحسن ومجاهد وعطاء وحماد ، وعلة هذه المقالة أن الله جعل الحرم لمن دخله ~~أمنة من أن يعاقب فيه ، ولم يجعله أمنة من الجزاء الذى أوجبه عن من فعله . ~~وذكر الطحاوى عن أبى يوسف قال : الحرم لا يجير ظالما ، وإن من لجأ إليه ~~أقيم عليه الحد الذى وجب قبل أن يلجأ إليه . ويشبه هذا أن يكون مذهب عمرو ~~بن سعيد لقوله : ( إن الحرم لا يعيذ PageV04P499 عاصيا ولا فارا بخربة ) ~~فلم ينكر ذلك عليه أبو شريح ، وقال قتادة فى قوله تعالى : { ومن دخله كان ~~آمنا } [ آل عمران : 97 ] كان ذلك فى الجاهلية ، فأما اليوم فلو سرق فى ~~الحرم قطع ، ولو قتل فيه قتل ، ولو قدر فيه على المشركين قتلوا ، ولا يمنع ~~الحرم من إقامة الحدود عند مالك ، واحتج بعض أصحابه بأن الرسول - صلى الله ~~عليه وسلم ms1466 - قتل ابن خطل وهو متعلق بأستار الكعبة من القتل ، وهذا القول ~~أولى بالصواب ؛ لأن الله تعالى أمر بقطع السارق ، وجلد الزانى ، وأوجب ~~القصاص أمرا مطلقا ولم يخص به مكانا دون مكان ، وفإقامة الحدود تجب فى كل ~~مكان على ظاهر الكتاب . ومما يشهد لذلك أمر الرسول - صلى الله عليه وسلم - ~~بقتل الفواسق المؤذية فى الحرم ، فقام الدليل من هذا أن كل فاسق استعاذ ~~بالحرم أنه يقتل بجريرته ، ويؤخذ بقصاص جرمه . وقال إسماعيل بن إسحاق : وقد ~~أنزل الله الحدود والأحكام على العموم بين الناس ، فلا يجوز أن يترك حكم ~~الله فى حرم ولا غيره ؛ لأن الذى حرم الحرم هو الذى حرم معاصيه أن ترتكب ، ~~وأوجب فيها من الأحكام ما أوجب . وسيأتى طرف من هذه المسألة فى باب : من ~~قتل له قتيل فهو بخير النظرين ، فى كتاب الديات إن شاء الله . وذكر الطحاوى ~~عن أبى حنيفة وزفر وأبى يوسف ومحمد كقول ابن عباس ، إلا أنهم يجعلون ذلك ~~أمانا فى كل حد يأتى على النفس من حدود الله وحدود عباده ، مثل أن يزنى وهو ~~محصن ، أو يرتد عن الإسلام ، أو يقتل رجلا عمدا ، أو يقطع طريق المسلمين ، ~~فيجب عليه القتل فيلجأ إلى الحرم فيدخله ، ولا يجعلون ذلك على الحدود التى ~~لا تأتى على النفس ، كقطع السارق والقود فى قطع الأيدى وشبهها ، والتعزير ~~الواجب بالأقوال الموجبة للعقوبات . PageV04P500 قال الطحاوي : ولا وجه ~~لتفريقهم بين الحدود التى تأتى على النفس وبين التى تأتى عليها ؛ لأن الحرم ~~إن كان دخوله يؤمن عند العقوبات فى الأنفس ، ويؤمن فيما دونها ، وإن كان لا ~~يؤمن من العقوبات فيما دون الأنفس فلا يؤمن منها فى الأنفس ، ولم يفرق ابن ~~عباس بين شىء من ذلك ، فقوله أولى من قول أبى حنيفة وأصحابه لا سيما ولا ~~يعلم أحد من أصحاب النبى - صلى الله عليه وسلم - خالفه فى قوله . * * * # | 173 - باب لا ينفر صيد الحرم # / 247 - فيه : ابن عباس ، قال النبي ، عليه السلام : ( إن الله حرم مكة ، ~~فلم تحل لأحد قبلى ، ولا تحل لأحد بعدى ms1467 ، وإنما أحلت لى ساعة من نهار لا ~~يختلى خلاها ، ولا يعضد شجرها ، ولا ينفر صيدها ، ولا تلتقط لقطتها إلا ~~لمعرف ) ، وقال العباس : يا رسول الله ، إلا الإذخر لصاغتنا وقبورنا ، فقال ~~: ( إلا الإذخر ) . فقال عكرمة : ينفر صيدها ، هو أن ينحيه من الظل ينزل ~~مكانه . قال الطبرى : فيه البيان البين أن صيد الحرم حرام اصطياده ، وذلك ~~أن النبى عليه السلام إذ نهى عن تنفير صيده ؛ فاصطياده أوكد فى التحريم من ~~تنفيره . فإن قيل : أفنقول : إن نفر صيده فعليه الجزاء ؟ قيل : إن أداه ~~تنفيره سببا إلى هلاكه لم يجب عليه شىء غير التوبة ، ولا خلاف فى هذا بين ~~الفقهاء . وقد روى عن عطاء أنه من أخذ طائرا فى الحرم ثم أرسله قال : يطعم ~~شيئا لما نفره . وقد روى عن عمر بن الخطاب أنه لا شىء فى التنفير ، روى ~~شعبة عن الحكم ، عن شيخ من أهل مكة أن حماما كان على البيت فذرق على يد عمر ~~، فأشار عمر بيده فطار ، فوقع PageV04P501 على بعض بيوت مكة ، فجاءت حية ~~فأكلته ، فحكم عمر على نفسه بشاة ، فلم ير عمر لما نفر الحمامة عليه شيئا ~~حتى تلفت ، ورأى أن تلفها كان منسبب تنفيره ، وإنما استجاز عمر تنفيره من ~~الموضع الذى كان واقفا عليه مع علمه أن تنفيره صيده غير جائز ؛ لأنه ذرق ~~على يده ، فكان له طرده عن الموضع الذى يلحقه أذاه فى كونه فيه ، وكذلك كان ~~عطاء يقول فى معنى ذلك . قال ابن جريح : قلت لعطاء : كم فى بيضة الحمام ؟ ~~قال : نصف درهم ، فقال له إنسان : بيضة وجدتها على فراشى أميطها عنه ؟ قال ~~: نعم . قال : وجدتها فى سهوة وفى مكان من البيت ؟ قال : لا تمطها . فرأى ~~عطاء إن أماط عن فراشه بيضة من بيض حمام غير حرج ، ولا لازم بإماطته إياها ~~شئ ؛ لأن من تركه إياها على فراشه عليه أذى ، ولم ير جائزا إماطتها عن ~~الموضع الذى لا أذى عليه فى كونها فيه ، فكذلك كان فعل عمر فى إطارته ~~الحمامة التى ذرقت على يده من الموضع الذى ms1468 كانت واقفة عليه . وقوله : ( لا ~~يختلى خلاها ) يريد لا يقطع عشبها ، والخلى مقصور : كل كلأ رطب ؛ فإذا يبس ~~كان حشيشا ، قال الطبرى : واتفق الفقهاء أن نهيه عليه السلام عن اختلاء ~~خلاها ، هو مما ينبت فيه مما أنبته الله ولم يكن لآدمى فيه صنع ، فأما ما ~~أنبته الآدميون فلا بأس باختلائه . واختلف السلف فى الرعى فى خلاها ، هل هو ~~داخل فى نهيه عليه السلام عن الاختلاء أم لا ؟ فقال بعضهم : ذلك غير داخل ~~فى النهى عن الاختلاء ، ولا بأس بالرعى فيها . روى ذلك عن عطاء وطاوس ~~ومجاهد وابن أبى ليلى ، قالوا : لا بأس بالرعى فى الحرم إلا أنه لا يخبط . ~~PageV04P502 قال المؤلف : وحكى ابن المنذر مثله عن أبى يوسف والشافعى . قال ~~الطبرى : وعلة هذه المقالة أن النهى إنما ورد فى الاختلاء دون الرعى فيها ، ~~والراعى غير مختل ؛ لأن المختلى هو الذى يقطع الخلى بنفسه . وقال آخرون : ~~لا يجوز الرعى فيها ؛ لأن الرعى أكثر من الاختلاء . هذا قول أبى حنيفة وأبى ~~يوسف ومحمد ، قالوا : لو جاز أن يرعى فيها جاز أن يحتش فيه إلا الإذخر خاصة ~~. وقال مالك : لا يحتش أحد لدابة . واعتلوا بقوله عليه السلام : ( لا يختلى ~~خلاها ) واختلاؤه : استهلاك له وإماتة ، وإرعاء المواشى فيه أكثر من ~~احتشاشه فى الاستهلاك . فإن قيل : فقد قلتم إن العلماء متفقون على أن النهى ~~من الاختلاء المراد به ما أنبته الله لم بكن لآدمى فيه صنع ، فكيف جوزتم ~~اجتناء الكمأة ، وهى مما أنبته الله تعالى ولا صنع فيها لبنى آدم ؟ فيقال ~~له : إنما أجزنا ذلك ؛ لأن الكمأة لا يقع عليها اسم شجر ولا حشيش ، وفى ~~إجماع الجميع على أنه لا بأس بشرب مياه آبار والانتفاع بترابه ، الدليل ~~الواضح على أن ما أحدث الله فى حرمه مطلق أخذه والانتفاع به كالمكأة ؛ ~~لأنها لا تستحق اسم كلأ ولا شجر ، وإنما هى كبعض ما خلق فيها من الحجر ~~والمدر والمياه ؛ إذ لا أصل لها ثابت . فإن قيل : كيف ساغ للعباس أن يسأل ~~النبى - صلى الله عليه وسلم - استثناء ms1469 الإذخر ، وهو يسمعه يحرم الاختلاء ~~وقطع الشجر ؟ قيل : فى ذلك جوابان : قال المهلب : يحتمل أن يكون تحريم مكة ~~خاصة من تحريم الله تعالى ويكون سائر ما ذكر فى الحديث من تحريم الرسول - ~~صلى الله عليه وسلم - ، فلذلك استثنى الإذخر ، ولو كان من تحريم الله ما ~~استبيح منه إذخر ولا غيره ، وقد تأتى فى آية وفى حديث أشياء فرض ، ومنها ~~سنة ، ومنها رغبة ، ويكون الكلام فيها كل واحد ، قال الله تعالى : { يأمر ~~بالعدل والإحسان PageV04P503 وإيتاء ذى القربى } [ النحل : 90 ] والعدل فرض ~~، والإحسان وإيتاء ذى القربى وسنن ورغائب ، ومثله قوله عليه السلام : ( إذا ~~ركع فاركعوا ، وإذا قال : سمع الله لمن حمده ، ربنا ولك الحمد ) نافلة . ~~وفيها قول آخر : يحتمل أن يكون تحريم مكة وكل ما ذكر فى الحديث من تحريم ~~الله ، ويكون وجه استثنائه عليه السلام تحليل الإذخر دون استعلام الله ~~تحليل ذلك ؛ لأن الله قد كان قد أعلم نبيه فى كتابه بتحليل المحرمات عند ~~الضرورات ، فمنها أن الله حرم الميتة والدم ولحم الخنزير وسائر ما فى الآية ~~وأحلها لعباده عند اضطرارهم إليها بقوله : { فى مخمصة غير متجانف لإثم فإن ~~الله غفور رحيم } [ المائدة : 3 ] فلما كان هذا أصلا من أصول الشريعة قد ~~أنزله الله فى كتابه على رسوله - صلى الله عليه وسلم - ، وأخبره العباس أن ~~الإذخر لا غنى بالناس عنه لقبورهم وبيوتهم وصاغتهم ، حكم النبى عليه السلام ~~بكم المباحات عند الضرورات ، وهذا تأويل حسن . * * * # | 174 - باب لا يحل القتال بمكة # / 248 - فيه : ابن عباس ، قال الرسول - صلى الله عليه وسلم - ، يوم افتتح ~~مكة : ( لا هجرة ، ولكن جهاد ونية ، وإذا استنفرتم فانفروا ، فإن هذا بلد ~~حرم الله يوم خلق السموات والأرض ، وهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة ، ~~وإنه لم يحل القتال فيه لأحد قبلى ، ولم يحل لى إلا ساعة من نهار ، فهو ~~حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة ، لا يعضد شوكه . . . ) الحديث . قال ~~الطبرى : فيه الإبانة عن أن مكة غير جائز استحلالها ، ولا نصب الحرب عليها ~~لقتال بعد ما حرمها رسول ms1470 الله - صلى الله عليه وسلم - إلى قيام الساعة ، ~~PageV04P504 وذلك أنه عليه السلام أخبر حين فرغ من أمر المشركين بها أنها ~~لله حرم ، وأنها لم تحل لأحد قبله ، ولا تحل لأحد بعده بعد تلك الساعة التى ~~حارب فيها المشركين ، وأنها قد عادت حرمتها كما كانت ، فكان معلوم بقوله ~~هذا أنها لا تحل لأحد بعده بالمعنى الذى أحلت له به ، وذلك محاربة أهلها ~~وقتالهم وردهم عن دينهم . قال المؤلف : إن قال قائل : قد رأينا الحجاج ~~وغيره قاتل مكة ونصب الحرب عليها ، وأن القرمطى الكافر قلع الحجر الأسود ~~منها وأمسكه سبعة عشر عاما ، فما وجه ذلك ؟ قيل له : معناه بين بحمد الله ، ~~وذلك أن الحجاج وكل من نصب الحرب عليها بعد الرسول - صلى الله عليه وسلم - ~~لم يكن ذلك مباحا ولا حلالا كما حل للنبى عليه السلام وليس قول الرسول - ~~صلى الله عليه وسلم - : ( وقد عادت حرمتها كما كانت ، ولا يحل القتال بها ~~لأحد بعدى ) . أن هذا لا يقع ولا يكون ، وقد يرد ذلك ، وقد أنذرنا عليه ~~السلام أن ذا السويقين من الحبشة يهدم الكعبة حجرا حجرا ، وإنما معناه أن ~~قتالها ونصب الحرب عليها حرام بعد النبى - صلى الله عليه وسلم - على كل أحد ~~إلى يوم القيامة ، وأن من استباح ذلك فقد ركب ذنبا عظيما ، واستحل محرما ~~شنيعا . قال الطبرى : فإن قيل : فلو ارتد مرتد بمكة ، أو ارتد قوم فيها ~~فمنع أهلها السلطان من إقامة الحد عليه ، أيجوز للسلطان بها حربهم وقتالهم ~~حتى يصل إلى من يجب عليه إقامة الحد ؟ قيل : يجوز ذلك ، ولكن يجب على ~~الإمام الاحتيال لإخراجهم من الحرم حتى يقيم عليهم ما أوجبه الله فيهم ، ~~والحيلة فى ذلك حصار مانعيهم ، والحول بينهم وبين وصول الطعام إليهم وما ~~يطرون مع فقده إلى إمكان السلطان منهم وممن لزمه حد الله تعالى حتى يخرج من ~~الحرم ويقام عليه . PageV04P505 # | 175 - باب الحجامة للمحرم # وكوى ابن عمر ابنه وهو محرم ويتداوى ما لم يكن فيه طيب . / 249 - فيه : ~~ابن عباس ، احتجم النبى ، عليه السلام ، وهو ms1471 محرم . / 250 - وفيه : ابن ~~بحينة ، قال : احتجم النبى - صلى الله عليه وسلم - وهو محرم ، بلحى جمل فى ~~وسط رأسه . قوله : ( بلحى جمل ) هو مكان بطريق مكة ، واختلف العلماء فى ~~الحجامة للمحرم ، فرخص فيها عطاء ومسروق وإبراهيم وطاوس والشعبى ، وهو قول ~~الثورى والشافعى وأحمد وإسحاق ، وأخذوا بظاهر هذا الحديث ، وقالوا : ما لم ~~يقطع الشعر . وقال قوم : لا يحتجم المحرم إلا من ضرورة . روى ذلك عن ابن ~~عمر ، وبه قال مالك ، وحجة هذا القول أن بعض الرواة يقول إن النبى - صلى ~~الله عليه وسلم - احتجم لضرر كان به ، رواه هشام بن حسان عن عكرمة ، عن ابن ~~عباس ( أن النبى عليه السلام إنما احتجم وهو محرم فى رأسه لأذى كان به ) . ~~ولا خلاف بين العلماء أنه لا يجوز له حلق شىء من شعر رأسه حتى يرمى جمرة ~~العقبة يوم النحر إلا من ضرورة ، وأنه إن حلقه من ضرورة فعليه الفدية التى ~~قضى بها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على كعب بن عجرة ، وإن لم يحلق ~~المحتجم شعرا فهو كالعرق يقطعه ، أو الدمل يبطه ، أو القرحة ينكأها ، ولا ~~يضره ذلك ، ولا شىء عليه فيه عند جماعة العلماء . وقال الطبرى : فيه من ~~الفقه الإبانة أن للمحرم إذا احتاج إلى إخراج PageV04P506 دمه : الاحتجام ~~والفصد ما لم يقطع شعرا ، وأن له العلاج لكل ما عرض له من علة فى جسده بما ~~رجى دفع مكروهها عنه من الأدوية بعد ألا يأتى فى ذلك ما هو محظور عليه فى ~~حال إحرامه ، ثم لا يلزمه بكل ما فعل من ذلك فدية ولا كفارة ، وكذلك له بط ~~دمل وقلع ضرس إن اشتكاه ؛ لأن النبى عليه السلام احتجم فى حال إحرامه ~~لحاجته إلى ذلك ، ثم لم ينقل عنه ناقل أنه حظر ذلك على أحد من أمته ولا أنه ~~افتدى ، فبان بذلك أن كل ما كان نظير الحجامة التى هى إخراج الدم من جسده ~~فله فعله ، ونظير ذلك بط الحدس ، وقلع الضرس ، وفصد العرق ، وقطع الظفر ~~الذى انقطع فتعلق فآذى صاحبه ، أن ms1472 على المحرم قلعه ، ولا يلزمه لذلك كفارة ~~ولا فدية . وقال ابن المنذر : أجمعوا أن للمحرم أن يزيل عن نفسه ما انكسر ~~من أظفاره ، وأجمعوا أنه ممنوع من أخذ أظفاره ، وذكر عن الكوفيين أن المحرم ~~إذا أصابه فى أظافيره أذى فقصها يكفر بأى الكفارات شاء . وقال أبو ثور : ~~فيها قولان : أحدهما : قول الكوفيين ، والثانى : لا شىء عليه ، بمنزلة ~~الظفر ينكسر . وقال ابن القاسم : لا شىء عليه إذا أراد أن يداوى قرحة فلم ~~يقدر على ذلك إلا أن يقلم أظفاره . وقال ابن عباس : إذا وجعه ضرسه ينزعه ، ~~فإن الله لا يصنع بأذاكم ، وكذلك إذا انكسر ظفره ، وقاله عطاء وإبراهيم ~~وسعيد بن المسيب ، وقال عطاء : ينتقش الشوكة من رجله ويداوى جرحه . وقال ~~عطاء : إن أصابته شجة فلا بأس أن يأخذ ما حولها من الشعر ، ثم يداويها بما ~~ليس فيه طيب . PageV04P507 # | 176 - باب تزويج المحرم # / 251 - فيه : ابن عباس ، أن النبى ، عليه السلام ، تزوج ميمونة ، وهو ~~محرم . اختلف الآثار فى تزويج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ميمونة ، ~~فروى ابن عباس أنه تزوجها وهو محرم ، وروى أنه تزوجها وهو حلال ، والروايات ~~فى ذلك متواترة عن أبى رافع مولى النبى عليه السلام وعن سليمان ابن يسار ~~وهو مولاها ، وعن يزيد الأصم وهو ابن أختها . فمنها حديث ميمون بن مهران ، ~~عن يزيد بن الأصم قال : حدثتنى ميمونة بنت الحارث : ( أن النبى عليه السلام ~~تزوجها وهو خلال ) قال يزيد : كانت خالتى ، وخالة ابن عباس . وجمهور علماء ~~المدينة يقولون : لم ينكح رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ميمونة إلا وهو ~~حلال . روى مالك ، عن ربيعة ، عن سليمان بن يسار ( أن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - بعث أبا رافع مولاه ورجلا من الأنصار يزوجاه ميمونة بنت الحارث ~~، ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالمدينة قبل أن يخرج ) . واختلف ~~الفقهاء فى ذلك من أجل اختلاف الآثار ، فذهب أهل المدينة إلى أن المحرم لا ~~ينكح غيره ، فإن فعل فالنكاح باطل ، وروى ذلك عن عمر بن الخطاب ، وعلى ، ~~وزيد بن ثابت ms1473 ، وابن عمر . وبه قال مالك ، والليث ، والأوزاعى ، والشافعى ، ~~وأحمد . واحتجوا أيضا بحديث مالك ، عن نبيه بن وهب ، عن أبان ابن عثمان ، ~~عن عثمان بن عفان قال : سمعت النبى - صلى الله عليه وسلم - يقول : ( لا ~~ينكح المحرم ولا ينكح ولا يخطب ) . وذهب الثورى والكوفيون إلى أنه يجوز ~~للمحرم أن ينكح وينكح PageV04P508 غيره ، وهو قول ابن مسعود وابن عباس وأنس ~~بن مالك ، ذكره الطحاوى ، وروى عن القاسم بن محمد والنخعى ، وحجتهم حديث ~~ابن عباس وقالوا : الفروج لا تحل إلا بنكاح أو بشراء ، والأمة مجمعة على أن ~~المحرم يملك ذلك بشراء وهبة وميراث ولا يبطل ملكه ، فكذلك إذا ملكه بنكاح ~~لا يبطل ملكه قياسا على الشراء ، عن الطبرى ، قال : والصواب عندنا أن نكاح ~~المحرم فاسد يجب فسخه لصحة الخير عن عثمان ، عن النبى عليه السلام بالنهى ~~عن ذلك ، وخبر ابن عباس أن النبى عليه السلام تزوج ميمونة وهو محرم . فقد ~~عارضهم فيه غيرهم من الصحابة وقالوا : تزوجها وهو حلال ، فلم يكن قول ~~القائلين : تزوجها وهو محرم أولى من قول القائلين تزوجها وهو حلال . وقد ~~قال سعيد بن المسيب : وهم ابن عباس وإن كانت بخالته ، ما تزوجها إلا بعد ما ~~أحل ، وحدثنى يعقوب ، حدثنى ابن علية ، حدثنى أيوب قال : أنبئت أن الاختلاف ~~إنما كان فى نكاح رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ميمونة : أن رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - بعث العباس بين يديه لينكحها إياه فأنكحه . قال ~~بعضهم : أنكحها قبل أن يحرم ، وقال بعضهم : أنكحها قبل أن يحرم ، وقال ~~بعضهم : بعدما أحرم . وقد ثبت أن عمر وعليا وزيدا فرقوا بين محرم نكح وبين ~~امرأته ، ولا يكون هذا إلا عن صحة ويقين . وأما قياسهم النكاح على الشراء ؛ ~~فإن الذين أفسدوا نكاح المحرم لم يفسدوه من جهة القياس والاستنباط ، ~~فلتزمهم المقاييس والنظائر والأشباءه ، وإنما أفسدوه من جهة الخبر الوارد ~~عن النبى عليه السلام بالنهى عن ذلك ، فالذى ينبغى لمخالفيهم PageV04P509 ~~أن يناظروهم من جهة الخبر ؛ فإن ثبت لزمهم التسليم له ، وإن بطل صاروا ~~حينئذ إلى استخراج ms1474 الحكم فيه من المثال والأشباه ، فأما والخبر ثابت بالنهى ~~عن النكاح فلا وجه للمقايسة فيه . * * * # | 177 - باب ما ينهى من الطيب للمحرم والمحرمة # وقالت عائشة : لا تلبس المحرمة ثوبا بورس أو زعفران . / 252 - فيه : ابن ~~عمر ، قال رجل : ماذا تأمرنا أن نلبس من الثياب . فقال النبى ، عليه السلام ~~: ( لا تلبسوا القميص ، ولا السراويلات . . . ) إلى قوله : ( ولا تلبسوا ~~شيئا مسه زعفران ، ولا ورس . . . ) الحديث . / 253 - وفيه : ابن عباس ، ~~وقصت برجل محرم ناقته ، فقتلته ، فأتى به النبى ، عليه السلام ، فقال : ( ~~اغسلوه ، وكفنوه ، ولا تغطوا رأسه ، ولا تقربوه طيبا ، فإنه يبعث يوم ~~القيامة يهل ) . قال الطحاوى : ذهب قوم إلى هذه الآثار ، فقالوا : كل ثوب ~~مسه ورس أو زعفران ، فلا يحل لبسه فى الإحرام ، وإن غسل ؛ لأن الرسول - صلى ~~الله عليه وسلم - لم يبين فى هذه الآثار ما غسل فى ذلك مما لم يغسل . ~~وخالفهم فى ذلك آخرون ، فقالوا : ما غسل من ذلك حتى لا ينفض فلا بأس بلبسه ~~فى الإحرام ؛ لأن الثوب الذى صبغ إنما نهى عن لبسه فى حال الإحرام لما كان ~~فى دخله مما هو حرام على المحرم ، فإذا غسل وذهب ذلك المعنى منه عاد الثوب ~~إلى أصله الأول ، كالثوب الذى تصيبه النجاسة ، فإذا طهر حلت الصلاة فيه . ~~قال ابن المنذر : وممن رخص فى ذلك : سعيد بن المسيب ، PageV04P510 والنخعى ~~، والحسن البصرى ، وعطاء ، وطاوس ، وبه قال الكوفيون والشافعى وأبو ثور ، ~~وكان مالك يكره ذلك إلا أن يكون غسل وذهب لونه . قال الطحاوى : وقد روى عن ~~الرسول - صلى الله عليه وسلم - أنه استثناه مما حرمه على المحرم من ذلك ~~فقال : ( إلا أن يكون غسيلا ) حدثناه فهد ، حدثنا يحيى بن عبد الحميد ، ~~حدثنا أبو معاوية وحدثنا ابن أبى عمران ، حدثنا عبد الرحمن بن صالح الزدى ، ~~عن أبى معاوية ، عن عبيد الله ، عن نافع ، عن ابن عمر ، عن النبى عليه ~~السلام بمثل حديثه الذى فى الباب ، فثبت بهذا استثناء الغسيل مما قد مسه ~~ورس أو زعفران . قال ابن أبى عمران : رأيت يحيى بن معين يتعجب ms1475 من الحمانى ~~إذ حدث بها الحديث . وقال عبد الرحمن بن صالح : هذا عندى . فوثب من فوره ، ~~فجاء بأصله ، فأخرج منه هذا الحديث عن أبى معاوية كما ذكره الحمانى فكتبه ~~عنه يحيى بن معين . * * * # | 178 - باب الاغتسال المحرم # قال ابن عباس : يدخل المحرم الحمام ، ولم ير ابن عمر وعائشة بالحك بأسا . ~~/ 254 - فيه : ابن عباس ، والمسور بن مخرمة ، أنهما اختلفا بالأبواء ، فقال ~~عبدالله بن عباس : يغسل المحرم رأسه ، فقال المسور : لا ، فأرسلنى ابن عباس ~~إلى أبى أيوب الأنصارى ، فوجدته يغتسل بين القرنين ، وهو يستر بثوب ، ~~PageV04P511 فسلمت عليه ، فقال : من هذا ؟ فقلت : أنا عبدالله بن حنين ، ~~أرسلنى إليك عبدالله بن عباس ، أسألك كيف كان رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - يغسل رأسه ، وهو محرم ، فوضع أبو أيوب يده على الثوب ، فطأطأه حتى ~~بدا لى رأسه ، ثم قال لإنسان يصب عليه : اصبب ، فصب على رأسه ، ثم حرك رأسه ~~بيديه ، فأقبل بهما وأدبر ، وقال : هكذا رأيته رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - يفعل . اختلف العلماء فى غسل المحرم رأسه ، فذهب أبو حنيفة والثورى ~~والأوزاعى والشافعى وأحمد وإسحاق إلى أنه لا بأس بذلك ، ورويت الرخصة فى ~~ذلك عن عمر بن الخطاب وابن عباس وجابر ، وعليه الجمهور ، وحجتهم حديث أبى ~~أيوب ، وكان مالك يكره ذلك للمحرم ، وذكر أن عبد الله بن عمر كان لا يغسل ~~رأسه إلا من الاحتلام . قال مالك : فإذا رمى جمرة العقبة فقد حل له قتل ~~القمل وحلق الشعر وإلقاء التفث ، وهو الذى سمعته من اهل العلم . وروى عن ~~سعد بن عبادة مثل قول مالك ، وكان أشهب وابن وهب يتغاطسان فى الماء وهما ~~محرمان مخالفة لابن القاسم ، وكان ابن القاسم يقول : إن غمس رأسه فى الماء ~~أطعم خوفا من قتل الدواب ، ولا يجب الفداء إلا بيقين ، وغير ذلك استحباب ، ~~ولا بأس عند جميع أصحاب مالك أن يصب المحرم على رأسه للحر يجده . قال أشهب ~~: غمس المحرم رأسه فى الماء وما يخاف فى الغمس ينبغى أن يخاف مثله فى صب ~~الماء على الرأس من ms1476 الحر . وقد قال عمر بن الخطاب ليعلى بن منبه حين كان ~~عمر يغسل رأسه ويعلى يصب عليه : اصبب فلن يزيده الماء إلا شعثا ، يعنى : ~~إذا لم يغسل بغير الماء ؛ ألا ترى فعل أبى أيوب حين صب على رأسه الماء حركه ~~بيديه ، ولم ير ذلك مما ذهب الشعث ، ومثله قوله عليه السلام لعائشة : ( ~~انقضى رأسك فى غسلك وامتشطى . . ) أى : امشطيه بأصابعك PageV04P512 وخلليه ~~بها ، فإن ذلك لا يذهب الشعث ، وإن شعثه لا يمنعك من المبالغة فى غسل رأسك ~~؛ لأن الماء لا يزيده إلا شعثا . فابن عباس أفقه من المسور لموافقته النبى ~~عليه السلام وأصحابه ، قاله أبو عبد الله بن أبى صفرة . وأما إن غسل رأسه ~~بالخطمى والسدر ، فإن الفقهاء يكرهون ذلك ، هذا قول مالك وأبى حنيفة ~~والشافعى ، وأوجب مالك وأبو حنيفة عليه الفدية ، وقال أبو ثور : لا شىء ~~عليه . وقد رخص عطاء وطاوس ومجاهد لمن لبد رأسه فشق عليه الحلق أن يغسله ~~بالخطمى حتى يلين ، وكان ابن عمر يفعل ذلك . قال ابن المنذر : وذلك جائز ؛ ~~لأن الرسول - صلى الله عليه وسلم - أمرهم أن يغسلوا الميت المحرم بماء وسدر ~~، وأمرهم أن يجنبوه ما يجتنب الحى ، فدل ذلك على إباحة غسل رأس المحرم ~~بالسدر ، والخطمى فى معناه . وأجاز الكوفيون والثورى والشافعى وأحمد وإسحاق ~~للمحرم دخول الحمام . وقال مالك : إن دخل الحمام فتدلك وأنقى الوسخ فعليه ~~الفدية ، وقال ابن وهب : القرنان هما الرجلان اللذان فى جنبتى البئر . وفيه ~~من الفقه : أن الصحابة إذا اختلفوا لم يكن الحجة فى قول أحد منهم إلا بدليل ~~يجب التسليم له من الكتاب أو السنة ، كما نزع أبو أيوب بالسنة ، ففلج ابن ~~عباس المسور . وفيه من الفقه : التناظر فى المسائل والتحاكم فيها إلى ~~الشيوخ العالمين بها . وقوله فى الترجمة : ولم ير ابن عمر وعائشة بالحك ~~بأسا يعنى : حك جلده إذا أكله . وقال عطاء : يحك الحب فى جلده وإن أدماه . ~~PageV04P513 # | 179 - باب لبس الخفين للمحرم إذا لم يجد النعلين # / 255 - فيه : ابن عباس ، خطب النبى ، عليه السلام ، بعرفات فقال : ( من ~~لم ms1477 يجد النعلين فليلبس الخفين . . . ) الحديث . / 256 - وفيه : ابن عمر ، ~~ما يلبس المحرم من الثياب . . . ؟ إلى قوله : ( فإن لم يجد نعلين فليلبس ~~الخفين ، وليقطعهما حتى يكونا أسفل من الكعبين ) . اختلفوا إذا احتاج إلى ~~لبس الخفين عند عدم النعلين وقطعهما . فقال مالك والشافعى : لا فدية عليه ، ~~وأخذا بحديث ابن عمر ، وقال أبو حنيفة : عليه الفدية . وهذا مخالف للحديث ، ~~واحتج أصحابه وقالوا : إن النبى عليه السلام أباح له لباس السراويل عند عدم ~~الإزار ، وذلك يوجب فيه الفدية . فقال ابن القصار : الفرق بينهما أن الخف ~~أمر بقطعه حتى لا يصير فى معنى النعلين التى لا فدية فى لبسهما ، والسراويل ~~لم يمر بفتقه لئلا تنكشف عورته ، فبقى فى حكم القميص المخيط ، ولو أمر ~~بفتقه لصار فى معنى الخف إذا قطع . قال ابن القصار : والحجة لمالك قوله ~~عليه السلام : ( وليقطعهما حتى يكونا أسفل من الكعبين ) ولو وجبت الفدية مع ~~قطعهما وتركهما لم يكن لقطعهما فائدة ؛ لأنه إتلاف من غير فائدة ، وإنما ~~قطعهما ليصيرا فى معنى النعلين حتى لا تجب فدية ، ولا يدخل النقص فيجبر ~~بالفدية ، ولو وجبت الفدية بلبسه بعد القطع كما تجب بلبسه قبل القطع لم ~~يأمر عليه السلام بالقطع ؛ لأن لبسه بعد القطع كلبسه قبله ، فلما جوز له ~~لبسه بعد القطع ولم يجوزه قبله ؛ علم أنه إذا لبسه بعد القطع كان مخالفا ~~لحكمه إذا لبسه قبل القطع فى الفدية . PageV04P514 # | 180 - باب إذا لم يجد الإزار فليلبس السراويل # / 257 - فيه : ابن عباس ، خطبنا النبى ، عليه السلام ، بعرفات فقال : ( ~~من لم يجد الإزار فليلبس السراويل . . . ) الحديث . أجمعوا أن المحرم إذا ~~وجد إزارا لم يجز له لبس السراويل . واختلفوا إذا لم يجد إزارا ؛ فقال عطاء ~~والثورى والشافعى وأحمد وإسحاق وأبو ثور : يلبسه ولا شىء عليه . وأخذوا ~~بحديث ابن عباس . وقال مالك وأبو حنيفة : عليه الفدية إذا لبسها سواء وجد ~~إزارا أم لا إلا أنه يشقها ويتزر بها . خالفا ظاهر الحديث . وقال الطحاوى : ~~يحتمل قوله عليه السلام : ( من لم يجد إزارا فليلبس سراويل ) على أن يشق ~~السراويل فيلبسها ms1478 كما يلبس الإزار ، كما يفعل بالخفين يقطعهما أسفل من ~~الكعبين ويلبسهما كما يلبس النعلين ، فإن كان أريد بالحديث هذا المعنى ~~فلسنا نخالفه بل نقول به ، وإنما الخلاف فى التأويل لا فى نفس الحديث . ~~وأما النظر فى ذلك ؛ فإنا رأيناهم لم يختلفوا أن من وجد إزارا أن لبس ~~السراويل غير مباح له ؛ لأن الإحرام قد منعه من ذلك ، فأردنا أن نعلم هل ~~يوجب لبس ذلك للضرورة كفارة أم لا ؟ فرأينا الإحرام ينهى عن أشياء قد كانت ~~مباحة منها لبس العمائم والقمص والسراويلات ، وكان من اضطر فوجد الحر يغطى ~~رأسه ، أو وجد البرد فلبس ثيابه ؛ أنه قد فعل ما هو مباح له وعليه مع ذلك ~~الكفارة ، وكذلك حرم عليه الإحرام حلق رأسه إلا من ضرورة ، وقد وجدنا من ~~حلق رأسه للضرورة فعل ما هو مباح له والكفارة عليه واجبة ، فكذلك لبس ~~السراويل لا يسقط لباسه للضرورة الكفارة ، وإنما تسقط الآثام خاصة . ~~PageV04P515 قال ابن القصار : واحتج المخالفون فقالوا : لا يخلو أن يكون ~~أراد عليه السلام جواز لبس السراويل عند الحاجة أو سقوط الفدية فى لبسه ، ~~فلا يجوز أن يكون أراد جواز لبسه عند الحاجة خاصة ، وقصد ذلك باستثناء ~~السراويل من جملة المخيط ؛ وحمله على ذلك إسقاط لفائدة تخصيص السراويل ~~واستثنائه من الجملة ، فلم يبق إلا أنه أراد سقوط الفدية فى لبسه . فقال ~~لهم الآخرون : إنما اختص السراويل بالإباحة من جملة المخيط عند عدم الإزار ~~؛ لأن افزار المقصود منه ستر العورة التى هى مكان السراويل ، ولا يجوز كشف ~~ذلك الموضع ، وموضع القميص من أعلاه يجوز كشفه ، فالضرورة فى السراويل أشد ~~منها فى القميص ، فهذه فائدة ، فإذا لبسه ستر عورته وبقى سائر جسده مكشوفا ~~بحكم الإحرام ، فلم تسقط الفدية كما لم تسقط فى الحلق والطيب للعذر # | . 181 - باب لبس السلاح للمحرم # قال عكرمة : إذا خشى العدو لبس السلاح وافتدى ، ولم يتابع عليه فى الفدية ~~. / 258 - فيه : البراء ، اعتمر النبى ، عليه السلام ، فى ذى القعدة ، فأبى ~~أهل مكة أن يدعوه يدخل مكة حتى قاضاهم لا يدخل ms1479 مكة سلاحا إلا فى القراب . ~~قال المهلب : كان هذا فى عام القضية . وفيه من الفقه : جواز حمل المحرم ~~السلاح فى الحج والعمرة إذا كان خوف واحتيج إليها ، وأجاز ذلك عطاء ومالك ~~والشافعى ، PageV04P516 وكرهه الحسن البصرى ، وهذا الحديث حجة على الحسن فى ~~كراهيته وعلى عكرمة فى إيجاب الفدية فى ذلك . * * * # | 182 - باب دخول الحرم ومكة بغير إحرام # ودخل ابن عمر ، وإنما أمر الرسول - صلى الله عليه وسلم - بالإهلال لمن ~~أراد الحج والعمرة ، ولم يذكر للحطابين وغيرهم . / 259 - فيه : ابن عباس ، ~~وقت الرسول - صلى الله عليه وسلم - لأهل المدينة ذا الحليفة ، ولأهل نجد ~~قرن المنازل ، ولأهل اليمن يلملم ، هن لهن ولكل آت أتى عليهن من غيرهم ممن ~~أراد الحج والعمرة ، فمن كان دون ذلك فمن حيث أنشأ حتى أهل مكة من مكة . / ~~260 - وفيه : أنس ، دخل الرسول - صلى الله عليه وسلم - عام الفتح وعلى رأسه ~~المغفر ، فلما نزعه جاء رجل ، فقال : إن ابن خطل متعلق بأستار الكعبة ، ~~فقال : ( اقتلوه ) . قال ابن القصار : اختلف قول مالك والشافعى فى جواز ~~دخول مكة بغير إحرام لمن لم يرد الحج والعمرة فقالا مرة : لا يجوز دخولها ~~إلا بإحرام ؛ لاختصاصها ومباينتها جميع البلدان إلا الحطابين ومن قرب منها ~~مثل جدة والطائف وعسفان لكثرة ترددهم عليها ، وبه قال أبو حنيفة والليث . ~~وقالا مرة أخرى : دخولها بلإحرام استحباب لا واجب . قال المؤلف : وإلى هذا ~~القول ذهب البخارى ، وله احتج بقوله PageV04P517 عليه السلام : ( ولكل آت ~~أتى عليهن ممن أراد الحج والعمرة ) فدل هذا أن من لم يرد الحج والعمرة ~~فليست ميقاتا له ، واستدل أيضا بدخوله عليه السلام عام الفتح وعلى رأسه ~~المغفر وهو غير محرم ، وبهذا احتج ابن شهاب ، ولم يره خصوصا للرسول - صلى ~~الله عليه وسلم - ، وأجاز دخول مكة بغير إحرام ، وهو قول أهل الظاهر . وقال ~~الطحاوى : قول أبى حنيفة وأصحابه فى أن من كان منزله فى بعض المواقيت أو ~~دونها إلى مكة فله أن يدخل مكة بغير إحرام ، ومن كان منزله قبل المواقيت لم ~~يدخل مكة إلا الإحرام ms1480 ، وأخذوا فى ذلك بما روى عن عمر أنه خرج من مكة وهو ~~يريد المدينة ، فلما كان قريبا من قديد بلغه خبر من المدينة فرجع فدخل ~~حلالا . وقال آخرون : حكم أهل المواقيت كحكم من كان قبلها . قال الطحاوى : ~~وليس النظر قول أصحابنا ؛ لأننا رأينا من يريد الإحرام إذا جاوز المواقيت ~~حلالا حتى فرغ من حجه ولم يرجع إلى المواقيت كان عليه دم ، ومن أحرم من ~~المواقيت كان محسنا ، وكذلك من أحرم قبلها ، فلما كان الإحرام من المواقيت ~~كحكم الإحرام مما قبلها لا فى حكم الإحرام مما بعدها ؛ ثبت أن حكم المواقيت ~~كحكم ما قبلها لا كحكم ما بعدها ، فلا يجوز لأهلها من دخول الحرم إلا ما ~~يجوز لأهل الأمصار التى قبل المواقيت ، فانتفى بهذا ما قال أبو حنيفة وأبو ~~يوسف ومحمد ، ووجدنا الآثار تدل على خصوص الرسول - صلى الله عليه وسلم - ~~بدخولها غير محرم بقوله : ( إنما أحلت لى ساعة من نهار فلا تحل PageV04P518 ~~لأحد بعدى ، وقد عادت حراما إلى يوم القيامة ) فلا يجوز لأحد أن يدخلها إلا ~~بإحرام ؛ وهو قول ابن عباس والقاسم والحسن البصرى . قال المؤلف : والصحيح ~~فى معنى قوله : ( لا تحل لأحد ) يريد بمثل المعنى الذى حل للنبى عليه ~~السلام وهو محاربة أهلها وقتالهم وردهم عن دينهم ، على ما تقدم فى باب ( لا ~~يحل القتال بمكة ) عن الطبرى . وهو أحسن من قول الطحاوى أن الذى خص به عليه ~~السلام دخول مكة بغير إحرام . واحتج من أجاز دخولها بغير إحرام أن فرض الحج ~~مرة فى الدهر ، وكذلك العمرة وهى مرة فى الأبد ، فمن أوجب على الداخل مكة ~~إحراما فقد أوجب عليه ما أوجبه الله . وفى قتل النبى - صلى الله عليه وسلم ~~- لابن خطل فى الفتح حجة لمن قال أن النبى - صلى الله عليه وسلم - دخل مكة ~~عنوة ، وهو قول مالك وأبى حنيفة وجماعة المتقدمين والمتأخرين ، وقال ~~الشافعى وحده : فتحت صلحا . وفائدة الخلاف فى هذه المسألة ما ذهب إليه مالك ~~والكوفيون أن الغانمين لا يملكون الغنائم ملكا مستقرا بنفس الغنيمة وأنه ms1481 ~~يجوز للإمام أن يمن ويعفو عن جملة الغنائم كما من على الأسرى وهم من جملة ~~الغنائم ، ولا خلاف بينهم أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - من على أهل مكة ~~وعفا عن أموالهم كلها . قال أبو عبد الله بن أبى صفرة : إنما قتل ابن خطل ؛ ~~لأنه كان يسب النبى - صلى الله عليه وسلم - وقد عفا عن غيره ذلك اليوم ممن ~~كان يسبه ، فلم ينتفع ابن خطل باستعاذته بالبيت ولا بالتعلق بأستار الكعبة ~~، فدل ذلك على العنوة ، وعلى أن الحدود تقام بمكة على من وجبت عليهم . ~~PageV04P519 فإن قيل : فإن قوله يوم الفتح : ( من دخل البيت فهو آمن ، ومن ~~دخل دار أبى سفيان فهو آمن ) يعارض قتله لابن خطل يوم الفتح . فالجواب : ~~أنه لا معارضة بينهما ؛ لما رواه ابن أبى شيبة قال : حدثنا أحمد بن مفضل ، ~~حدثنا أسباط بن نصر وقال : زعم السدى عن مصعب ، عن سعد ، عن أبيه قال : ( ~~لما كان يوم فتح مكة أمن النبى عليه السلام الناس إلا أربعة نفر وامرأتين ~~وقال : اقتلوهم إن وجدتموهم متعلقين بأستار الكعبة : عكرمة بن أبى جهل ، ~~وعبد الله بن خطل ، ومقيس بن صبابة ، وعبد الله بن سعد بن أبى سرح ) . ~~وسأذكر شيئا من معنى فتح مكة فى كتاب الجهاد فى حديث ابن خطل فى باب : قتل ~~الأسير والصبر . واستدل المالكيون من حديث ابن خطل أن من سب النبى يقتل ولا ~~يستتاب كما فعل الرسول - صلى الله عليه وسلم - بابن خطل . * * * # | 183 - باب إذا أحرم جاهلا وعليه قميص # وقال عطاء : إذا تطيب أو لبس جاهلا أو ناسيا فلا كفارة عليه . / 261 - ~~فيه : يعلى ، أتى النبى ، عليه السلام ، رجل عليه جبة ، وبه أثر صفرة ، ~~فقال : ( انزع الجبة ، واصنع فى عمرتك ما تصنع فى حجك ) . هذا الباب رد على ~~الكوفى والمزنى فى قولهم أنه من لبس أو تطيب ناسيا فعليه الفدية على كل حال ~~، وقولهم خلاف لهذا الحديث ؛ لأن الرسول - صلى الله عليه وسلم - لم يأمر ~~الرجل بالكفارة عن لباسه وتطيبه قبل علمه بالنهى عن ذلك ، وإنما ms1482 تلزم ~~الكفارة من تعمد فعل ما نهى عنه فى إحرامه ، ولو لزمه شىء لبينه له عليه ~~السلام ، وأمره به ولم يجز أن يؤخر ذلك . PageV04P520 وذهب مالك إلى أن من ~~تطيب أو لبس فنزع اللباس وغسل الطيب فى الحال فلا شىء عليه . وقال الشافعى ~~: لا شىء عليه وإن طال وانتفع . والشافعى أشد موافقة للحديث ؛ لأن الرجل ~~كان أحرم فى الجبة المطيبة ، فسأل الرسول - صلى الله عليه وسلم - عن ذلك ~~فلم يجبه حتى أوحى إليه وسرى عنه ، فطال انتفاع الرجل باللبس والطيب ولم ~~يوجب عليه النبى عليه السلام كفارة ، وقول مالك احتياط ؛ لأن الحلق والوطء ~~والصيد نهى عنه المحرم ، وحكم العمد والسهو فيها سواء إذا وقعت ، وكذلك ~~الصوم لو أكل فيه وهو ساه لفسد الصوم ، فكذلك الحج . وفى هذا الحديث رد على ~~من زعم أن الرجل إذا احرم وعليه قميص أن له أن يشقه ، وقال : لا ينبغى أن ~~ينزعه ؛ لأنه إذا فعل ذلك فقد غطى رأسه وذلك لا يجوز له ، فلذلك أمر بشقه ، ~~وممن قال هذا : الحسن والشعبى والنخعى وسعيد بن جبير . وجميع فقهاء الأمصار ~~يقولون : من نسى فأحرم وعليه قميص أنه ينزعه ولا يشقه . واحتجوا بأن الرسول ~~- صلى الله عليه وسلم - أمر الرجل بأن ينزع الجبة ولم يأمره بشقها ، وهو ~~قول عكرمة وعطاء . وقد ثبت عنه عليه السلام أنه نهى عن إضاعة المال ، ~~والحجة فى السنة لا فيما خالفها . قال الطحاوى : وليس نزع القميص بمنزلة ~~اللباس ؛ لأن المحرم لو حمل على رأسه ثيابا أو غيرها لم يكن بذلك بأس ولم ~~يدخل بذلك فيما نهى عنه من تغطية الرأس بالقلانس وشبهها ؛ لأنه غير لابس ؛ ~~فكان النهى إنما وقع من ذلك على ما يلبسه الرأس لا على ما يغطى به ، وكذلك ~~الأبدان إنما نهى عن إلباسها القمص ولم ينه عن تجليلها بالإزار ؛ لأن ذلك ~~ليس بلباس المخيط ، ومن نزع قميصه فلاقى ذلك PageV04P521 رأسه فليس ذلك ~~بإلباس منه شيئا ، فثبت بهذا أن النهى عن تغطية الرأس فى الإحرام المعهود ~~فى الإحلال إذا تعمد فعل ms1483 ما نهى عنه من ذلك قياسا ونظرا . # | 184 - باب المحرم يموت بعرفة # ولم يأمر النبى ، عليه السلام ، أن يؤدى عنه بقية الحج / 262 - فيه : ابن ~~عباس ، بينا رجل واقف مع النبى ، عليه السلام ، بعرفة ؛ إذ وقع عن راحلته ~~فوقصته ، أو قال : فأقعصته ، فقال النبى ، عليه السلام : ( اغسلوه بماء ~~وسدر ، وكفنوه فى ثوبين ، أو قال : ثوبيه ، ولا تخمروا رأسه ، فإن الله ~~يبعثه يوم القيامة يلبى ) . قال المهلب : يدل أنه لا يحج أحد عن أحد ؛ لأن ~~الحج من أعمال الأبدان كالصلاة لا تصح فيها النيابة عن غيره ، ولو صح فيها ~~النيابة لأمر النبى عليه السلام بإتمام الحج عن هذا ، كما أنه قد يمكن ألا ~~يتبع بما بقى عليه من الحج فى الآخرة والله أعلم لأنه قد بلغ جهده وطاقته ~~ووقع أجره على الله بقوله : ( فإنه يبعث يوم القيامة ) . قال المؤلف : وفيه ~~دليل أن من شرع فى عمل من عمل الطاعات وصحت فيه نيته الله ، وحال بينه وبين ~~تمامه الموت ؛ فإن الرجاء قوى أن الله قد كتبه فى الآخرة من أهل ذلك العمل ~~وتقبله منه ، ويشهد لهذا قوله تعالى : { ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى الله ~~ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على الله } [ النساء : 100 ] أنه لا ~~يقطع على أحد بعينه PageV04P522 بهذا ولا أنه بمنزلة ذلك الموقوص ، ولذلك ~~قال كثير من اهل العلم : إن هذا الحديث خاص فى الموقوص ، وإن سنة المحرم ~~أنه إذا مات يخمر رأسه ويطيب ويفعل به ما يفعل بالمبيت الحلال ، ولا يجنب ~~ما يجتنبه المحرم ، هذا قول مالك وأبى حنيفة وأصحابه والأوزاعى ، وبذلك أخذ ~~ابن عمر حين توفى ابنه بالجحفة وهو محرم ، خمر رأسه ووجهه وقال : لولا أنا ~~حرم لطيبناه . لأنه لم يقطع ابن عمر أن ابنه بمنزلة الموقوص الذى أخبر عليه ~~السلام أنه يبعث يوم القيامة ملبيا . وبهذا قالت عائشة ، ولم يأخذوا بحديث ~~الموقوص ، وأخذ به الشافعى وقال : لا يخمر رأس المحرم ولا يطيب اتباعا ~~لظاهر حديث ابن عباس . وهو قول عثمان وعلى بن أبى طالب ms1484 وابن عباس . واحتج ~~الذين رأوا الحديث خاصا فى الموقوص بعينه أن من مات بعده فى حال الإحرام ، ~~لا يعلم هل يقبل حجه ؟ وهل يبعث يوم القيامة ملبيا أم لا ؟ ولا يقطع على ~~غير ذلك إلا بوحى ، فافترقا فى المعنى ، واحتج مالك كذلك فقال : إنما يعمل ~~الرجل ما دام حيا ، فإذا مات انقطع عمله . قال الأصيلى : ثبت الخبر عن ~~الرسول - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : ( إذا مات الرجل انقطع عمله إلا ~~من ثلاث : ولد يدعو له ، أو علم ينتشر عنه ، أو صدقة موقوفة بعده ) . * * * # | 185 - باب الحج والنذر عن الميت والرجل يحج عن المرأة # / 263 - فيه : ابن عباس ، أن امرأة من جهينة جاءت إلى النبى - صلى الله ~~عليه وسلم - ، فقالت : إن أمى نذرت أن تحج ، فلم تحج حتى ماتت ، أفأحج ~~PageV04P523 عنها ؟ قال : ( نعم ، حجى عنها ، أرأيت لو كان على أمك دين ~~أكنت قاضية ؟ اقضوا الله ، فالله أحق بالوفاء ) . اختلف العلماء فى الرجل ~~يموت وعليه حجة الإسلام أو حجة نذر ؛ فقالت طائفة : يجوز أن يحج عنه وإن لم ~~يوص بذلك ، ويجزئه . روى ذلك عن ابن عباس وأبى هريرة ، وهو قول عطاء وابن ~~سيرين ومكحول وسعيد بن المسيب وطاوس ، وبه قال الأوزاعى وأبو حنيفة ~~والشافعى وأبو ثور . وقالت طائفة : لا يحج أحد عن أحد ، روى ذلك عن ابن عمر ~~والقاسم بن محمد والنخعى . وقال مالك والليث : لا يحج أحد عن أحد إلا عن ~~ميت لم يحج الإسلام ولا ينوب عن فرضه . فإن أوصى بذلك الميت ؛ فعند مالك ~~وأبى حنيفة يخرج من ثلثه . وهو قول النخعى . وعند الشافعى يخرج من رأس ماله ~~. وحجة أهل المقالة الأولى حديث ابن عباس قالوا : ألا ترى أن النبى عليه ~~السلام شبه الحج بالدين ، يجوز أن يقضيه عنه غيره ، أوصى بذلك أو لم يوص ؛ ~~لأن الرسول - صلى الله عليه وسلم - لم يشترط فى إجازته ذلك ، إن كان من ~~أمها لها فذلك أمرها ، ولو كان ذلك غير قاض عن أمها لكان عليه السلام قد ~~أعلمها أن ذلك غير جائز ms1485 ، إلا أن تحج عنها بأمرها فلما أعلمها عليه السلام ~~أن ذلك قضاء عنها صح أن ذلك مجزئ عمن حج عنه ممن عجز عن أدائه فى حياته ، ~~وسبيل ذلك قضاء دين على رجل أن ذلك براءة للمقضى عنه بأمر الله ، ~~PageV04P524 كان عليه أو بغير أمره ، وتشبيه الرسول - صلى الله عليه وسلم - ~~ذلك بالدين يدل أن ذلك عليه من جميع ماله ثلثه كسائر الديون ، قاله الطبرى ~~، وذكر ابن المنذر أن عائشة اعتكفت عن أخيها عبد الرحمن بعد موته . وحجة من ~~منع الحج عن غيره أن الحج عمل الإنسان ببدنه ، وقد أجمعوا أنه لا يصلى أحد ~~عن أحد فكذلك الحج . قال ابن القصار : والدليل على أنه لا يحج أحد عن أحد ~~قوله عليه السلام : ( أرأيت لو كان على أمك دين أكنت قاضيه ) ؟ إنما سألها ~~: هل كنت تفعلين ذلك تطوعا ؟ لأنه لا يجب عليها أن تقضى دين أمها إذا لم ~~يكن لها تركة ؛ لأن الحج من عمل الأبدان وهى عبادة لا تصح النيابة مع ~~القدرة ولا مع العجز فى حال الحياة فلم يصح بعد الممات ، دليله الصلاة . ~~وأما قول البخارى فى الترجمة : والرجل يحج عن المرأة . وأدخل حديث المرأة ~~التى سألت النبى - صلى الله عليه وسلم - عن ذلك ، فكان ينبغى أن يقول : ~~والمرأة تحج عن المرأة . فالجواب عن ذلك أن النبى - صلى الله عليه وسلم - ~~خاطب المرأة بخطاب دخل فيه الرجال والنساء ، وهو قوله : ( اقضوا الله ) ، ~~وهذا يصح للمذكر والمؤنث ، ولا خلاف فى حج الرجل عن المرأة ، والمرأة عن ~~الرجل ، إلا الحسن ابن صالح ، وسأذكر قوله فى الباب بعد هذا إن شاء الله . ~~* * * # | 186 - باب الحج عمن لا يستطيع الثبوت على الراحلة # / 264 - فيه : ابن عباس ، عن الفضل ، قال : جاءت امرأة من خثعم عام حجة ~~الوداع ، قالت : يا رسول الله ، إن فريضة الله الحج أدركت أبى شيخا كبيرا ~~لا يستطيع أن يستوى على الراحلة ، فهل يقضى عنه أن أحج عنه ؟ قال : ( نعم ) ~~. PageV04P525 وترجم له : ( باب : حج المرأة عن الرجل ) . واختلف العلماء ~~فى الذى لا ms1486 يستطيع أن يستوى على الراحلة لكبر أو ضعف أو زمانة ، فذكر ~~الطبرى أن رجلا أتى على بن أبى طالب فقال : كبرت وضعفت وفرطت فى الحج . ~~فقال : إن شئت فجهزت رجلا فحج عنك . وقال مالك : لا يلزمه فرض الحج أصلا ~~وإن وجد المال وأمكنه أن يحمل من يحج عنه . وقال أبو حنيفة والشافعى : هو ~~مستطيع يلزمه أن يحج غيره يؤذى عنه الحج . واختلفا فقال الشافعى : إذا بذل ~~له ابنه الطاعة وهو غير واجد للمال ؛ فإنه يحج عنه ويلزمه فرض الحج . وقال ~~أبو حنيفة : لا يلزمه إلا إذا كان وزاجدا للمال يمكنه أن يحمل غيره يحج عنه ~~. واحتج أصحاب أبى حنيفة والشافعى بحديث الخثعمية . قال : وفى الحديث ~~دليلان على وجوب الحج على المغضوب : أحدها : أنها قالت : ( إن فريضة الله ~~فى الحج أدركت أبى ) فأقرها الرسول - صلى الله عليه وسلم - على ذلك ، ولو ~~لم يلزمه وهى قد ادعت وجوبه على أبيها بحضرته لأنكره عليه السلام . والثانى ~~: أنه شبهه بالدين فى رواية عبد الرزاق ، عن ابن عيينة ، عن عمرو بن دينار ~~( أن النبى عليه السلام حين أمر أن يحج عن الشيخ الكبير ، قيل : أو ينفعه ~~ذلك ؟ قال : نعم ، كما يكون على أحدكم الدين فيقضيه ) . ولهذا : الدين الذى ~~يقضى عن الإنسان يكون واجبا عليه ، ومن قضاه أسقط الفرض والمأثم ، فكذلك ~~يجب أن يكون الحج ، من قضاه أسقط الفرض والمأثم جميعا لقولها : ( فهل يقضى ~~عنه أن أحج عنه ؟ ) وروى عبد الرزاق : ( أيفعه أن أحج عنه ؟ قال : نعم ) . ~~قال ابن القصار : ولا دلالة لهم فيه ؛ لأنها قالت : ( إن فريضة الله على ~~عباده فى الحج أدركت أبى ) ولم تقل : فرضت على أبى ، PageV04P526 وإنما ~~قالت : إنها نزلت وأبى شيخ . أى : فرضت فى وقت أبى كبير لا يلزمه فرضها ، ~~فلم ينكر عليه السلام قولها ، وقد يمكن أنها وهمت أن الذى فرض على العباد ~~يجوز أن يدخل فيه أبوها غير أنه لا يقدر على الأداء . ولا يمتنع أن يتعلق ~~الوجوب بشرطية القدرة على الداء ، فيكون الفرض وجب على أبيها ثم وقت ms1487 الداء ~~كان عاجزا ؛ لأن الإنسان لو كان واجدا للراحلة والزاد ، وكان قادرا ببدنه ؛ ~~لم يمتنع أن يقال له فى الحرم : قد فرض عليك الحج ، فإن بقيت على ما أنت ~~عليه إلى وقت الحج لزمك الداء وإلا سقط عنك . ونحن نعلم أنه فرض تراخى عن ~~وقت الحج المضيق ، وإنما سألته فى وقت الداء عن ذلك ، وقولها : ( أفأحج عنه ~~؟ قال : نعم ) لا يدل على أن الأداء كان مقدرا عليه فسقط بفعلها ، ولكنه ~~أراد عليه السلام أنها إن فعلت ذلك لحقه ثواب ما [ . . . . . . ] من دعائها ~~فى الحج ، كما لو تطوعت بقضاء دينه ، لا أنه مثل الدين فى الحقيقة ؛ لأن ~~الدين حق لآدمى يسقط بالإبراء ويؤدى عنه مع القدرة والعجز بأمره مع الصحة ~~وغير أمره ، ولو كان كالدين كان إذا حجت عنه ثم قوى وصح سقط عنه ، كما يقضى ~~دين المعسر . وفى حديث الخثعمية جواز حج المرأة عن الرجل ، وأجازه جماعة ~~الفقهاء إلا الحسن بن صالح ؛ فإنه قال : لا يجوز . واعتل بأن المرأة تلبس ~~الثياب فى الإحرام والرجل لا يلبسها . قال ابن المنذر : وهذه غفلة وخروج عن ~~ظاهر السنة ؛ لأن النبى عليه السلام أمر المرأة أن تحج عن أبيها ، وعلى هذا ~~يعتمد من أجاز الحج عن غيره . PageV04P527 واختلفوا فى المريض يأمر من يحج ~~عنه ، ثم يصح بعد ذلك وتعذر ؛ فقال الكوفيون والشافعى وأبو ثور : لا يجزئه ~~، وعليه أن يحج . وقال أحمد وإسحاق : يجزئه الحج عنه . وكذلك إن مات من ~~مرضه وقد حج عنه ، فقال الكوفيون وأبو ثور : يجزئه من حجة الإسلام . وقال ~~الشافعى فيها قولان : أحدهما : هذا . والثانى : لا يجزئ عنه . وهو أصح ~~القولين . * * # | * 187 - باب حج الصبيان # / 265 - فيه : ابن عباس ، بعثنى الرسول - صلى الله عليه وسلم - ، فى ~~الثقل من جمع بليل . / 266 - وفيه : أقبلت ، وقد ناهزت الحلم ، أسير على ~~أتان لى ، ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - قائم يصلى بمنى ، حتى سرت بين ~~يدي بعض الصف الأول ، ثم نزلت عنها فرتعت ، فصففت مع الناس وراء رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - . وعن ms1488 ابن شهاب بمنى فى حجة الوداع . / 267 - وفيه ~~: السائب ، حج بى مع النبى ، عليه السلام ، وأنا ابن سبع سنين . اتفق أئمة ~~الفتوى على سقوط فرض الحج عن الصبى حتى يبلغ ؛ لقوله عليه السلام : ( رفع ~~القلم عن الصبى حتى يبلغ ) إلا أنه إذا حج به كان له تطوعا عند مالك ~~والشافعى وجماعة من العلماء وعلى هذا المعنى حمل العلماء أحاديث هذا الباب ~~. وقال أبو حنيفة : لا يصح إحرامه ولا يلزمه شىء إن فعل من محظورات الإحرام ~~، وإنما يفعل به ذلك ، ويجنب محظوراته على وجه PageV04P528 التعليم له ~~والتمرين عليه ، كما قالوا فى صلاته أنها لا تكون صلاة أصلا ، وشذ من لا ~~يعد خلافه فقال : إذا حج الصبى قبل بلوغه أجزأه ذلك عن حجة افسلام ولم يكن ~~عليه أن يحج بعد بلوغه ، واحتج بحديث ابن عباس : ( أن امرأة سألت النبى ~~عليه السلام عن صبى : هل لهذا حج ؟ قال : نعم ، ولك أجر ) ذكره الطحاوى . ~~قال ابن القصار : والحجة على أبى حنيفة فى نفيه عنه حج التطوع ما رواه ابن ~~عباس من قول المرأة : ( ألهذا حج يا رسول الله ؟ قال : نعم ، ولك أجر ) ~~فأضاف الحج الشرعى إليه فوجب أن يتعلق به أحكامه ، وأكد هذا بقوله : ( ولك ~~أجر ) أخبر أنها تستحق الثواب عن إحجابه ، وهذا مذهب ابن عباس وابن عمر ~~وعائشة . وقد روى عن ابن عباس أنه قال لرجل حج بابن صبى له أصاب حماما فى ~~الحرم : اذبح عن ابنك شاة . وأجمع العلماء أن جنايات الصبيان لازمة لهم فى ~~أموالهم ، قال الطحاوى : وتاويل الحديث عندنا أن النبى عليه السلام أوجب ~~للصبى حجا وهذا مما قد أجمع الناس عليه ، ولم يختلفوا أن للصبى حجا كما أن ~~له صلاة ، وليست تلك الصلاة بفريضة عليه ، فكذلك يجوز أن يكون حجات ولا ~~يكون فريضة عليه ، وإنما هذا الحديث حجة على من زعم أنه لا حج للصبى ، وأما ~~من يقول أن له حجا وأنه غير فريضة فلم يخالف الحديث ، وإنما خالف تأويل ~~مخالفه خاصة . وقال الطبرى : جعل له - صلى الله عليه ms1489 وسلم - حجا مضافا كما ~~يضاف إليه القيام والقعود والأكل والشرب ، وإن لم يكن ذلك من فعله على ~~الوجه الذى يفعله أهل التمييز باختيار . PageV04P529 قال الطحاوى : هذا ابن ~~عباس وهو راوى الحديث قد صرف حج الصبى إلى غير الفريضة ، حدثنا ابن خزيمة ، ~~حدثنا عبد الله بن رجاء ، حدثنا إسرائيل ، عن أبى إسحاق ، عن أبى السفر قال ~~: سمعت ابن عباس يقول : يا أيها الناس ، أسمعونى ما تقولون ، ولا تخرجوا ~~تقولوا : قال ابن عباس ، أيما غلام حج به أهله فمات فقد قضى حجة الإسلام ، ~~فإن عتق فعليه الحج . وقد أجمعوا أن صبيا لو دخل وقت صلاة فصلاها ، ثم بلغ ~~بعد ذلك فى وقتها أن عليه أن يعيدها ، فكذلك الحج ، وذكر الطبرى : أن هذا ~~تأويل سلف الأمة ، وروى أن أبا بكر الصديق حج بابن الزبير فى [ . . . . . . ~~] ، وقال عمر : أحجوا هذه الذرية . فكان ابن عمر يجرد صبيانه عند الإحرام ~~ويقف بهم المواقيف وكانت عائشة تفعل ذلك وفعله عروة بن الزبير ، قال عطاء : ~~يجرد الصغير ويلبى عنه ، ويجنب ما يجنب الكبير ويقضى عنه كل شىء إلا الصلاة ~~، فإن عقل الصلاة صلاها ، فإذا بلغ وجب عليه الحج . واختلفوا فى الصبى ~~والعبد يحرمان بالحج ثم يحتلم الصبى ويعتق العبد قبل الوقوف بعرفة ؛ فقال ~~مالك : لا سبيل إلى رفض الإحرام ويتماديان عليه ولا يجزئهما عن حجة الإسلام ~~. وقال الشافعى : إذا نويا بإحرامهما المتقدم حجة الإسلام أجزأ عنهما . ~~وعند مالك : أنهما لو استأنفا الإحرام قبل الوقوف بعرفة أنه لا يجزئهما من ~~حجة الإسلام . وهو قول أبى حنيفة ؛ لأنه يصح عنده رفض الإحرام . ~~PageV04P530 وحجة مالك أن الله تعالى أمر كل من دخل فى حج أو عمرة بإتمامه ~~تطوعا كان أو فرضا ؛ لقوله تعالى : { وأتموا الحج والعمرة لله } [ البقرة : ~~196 ] ومن رفض إحرامه فلم يتم حجه ولا عمرته . وحجة الشافعى فى إسقاط تجديد ~~النية أنه جائز عنده لكل من نوى بإهلاله أن يصرفه إلى ما شاء من حج أو عمرة ~~؛ لأن النبى - صلى الله عليه وسلم - أمر أصحابه المهلين بالحج أن يفسخوه ms1490 فى ~~عمرة ، فدل أن النية فى الإحرام ليست كالنية فى الصلاة ، وحجة أبى حنيفة : ~~أن الحج الذى كان فيه لما لم يكن يجزئ عنده ولم يكن الفرض لازما له فى حين ~~إحرامه ، ثم لما لزمه حين بلغ ، استحال أن يشتغل عن فرض قد تعين عليه ~~بنافلة ويعطل فرضه ، كمن دخل فى نافلة ، فأقيمت عليه مكتوبة وخشى فوتها قطع ~~النافلة ودخل فى المكتوبة وأحرم لها ، فكذلك الحج يلزمه أن يجدد له الإحرام ~~؛ لأنه لم يكن للفريضة . * * * # | 188 - باب حج النساء # وأذن عمر لأزواج النبى ، عليه السلام ، فى آخر حجة حجها ، فبعث معهن ~~عثمان بن عفان ، وعبدالرحمن . / 268 - فيه : عائشة قالت : يا رسول الله ، ~~ألا نغزو ونجاهد معكم ؟ فقال : ( لكن أحسن الجهاد وأجمله الحج ، حج مبرور ) ~~، فقالت عائشة : فلا أدع الحج بعد إذ سمعت هذا من النبى ، عليه السلام - ~~صلى الله عليه وسلم - . / 269 - وفيه : ابن عباس ، قال النبى ، عليه السلام ~~: ( لا تسافر المرأة إلا مع ذى محرم ، ولا يدخل عليها رجل إلا ومعها محرم ) ~~، فقال : رجل يا رسول الله ، إنى أريد أن أخرج فى جيش كذا وكذا ، وامرأتى ~~تريد الحج ، فقال : ( اخرج معها ) . PageV04P531 / 270 - وفيه : ابن عباس ، ~~لما رجع الرسول - صلى الله عليه وسلم - من حجته ، قال لأم سنان : ما منعك ~~من الحج . . . ؟ الحديث . قال المهلب : قوله عليه السلام : ( لكن أفضل ~~الجهاد حج مبرور ) يبطل إفك المتشيعين وكذب الرافضيين فيما اختلقوه من ~~الكذب على النبى عليه السلام أنه قال لأزواجه فى حجة الوداع : ( هذه ، ثم ~~ظهور الحصر ) . وهذا ظاهر الاختلاق ؛ لأنه عليه السلام حضهن على الحج ~~وبشرهن أنه أفضل جهادهن ، وأذن عمر لهن فى الحج ، ومسير عثمان وغيره من ~~أئمة الهدى معهن حجة قاطعة على الإجماع على ما كذب به على النبى عليه ~~السلام فى أمر عائشة والتسبب إلى عرضها المطهر ، وكذلك قولهم : ( فتقاتلى ~~عليا وأنت له ظالمة ؟ ) إفك وباطل لا يصح ، وأما سفرها إلى مكة مع غير ذى ~~محرم منها من النسب ؛ فالمسلمون كلهم أبناؤها وذوو محارمها بكتاب الله ~~تعالى ms1491 كيف وإنها كانت تخرج فى رفقة مأمونة وخدمة كافية ؟ هذه الحال ترفع ~~تحريج الرسول - صلى الله عليه وسلم - عن النساء المسافرات بغير ذى محرم ، ~~كذلك قال مالك والأوزاعى والشافعى : تخرج المرأة فى حجة الفريضة مع جماعة ~~النساء فى رفقة مأمونة وإن لم يكن معها محرم ، وجمهور العلماء على جواز ذلك ~~، وكان ابن عمر يحج معه نسوة من جيرانه ، وهو قول عطاء وسعيد بن جبير وابن ~~سيرين والحسن البصرى ، وقال الحسن : المسلم محرم ، ولعل بعض من ليس بمحرم ~~أوثق من المحرم . وقال أبو حنيفة وأصحابه : لا تحج المرأة إلا مع ذى محرم . ~~وهو قول أحمد وإسحاق وأبى ثور ، حملوا نهيه على العموم فى كل سفر ، وحمله ~~مالك وجمهور الفقهاء على الخصوص ، وأن المراد بالنهى PageV04P532 الأسفار ~~غير الواجبة عليها بعموم قوله تعالى : { ولله على الناس حج البيت } [ آل ~~عمران : 97 ] فدخلت المرأة فى عموم هذا الخطاب ولزمها فرض الحج ، ولا يجوز ~~أن تمنع المرأة من الفروض كما لا تمنع من الصلاة والصيام ؛ ألا ترى أن ~~عليها أن تهاجر من دار الكفر إلى دار الإسلام إذا أسلمت فيه بعير محرم ، ~~وكذلك كل واجب عليها أن تخرج فيه ، فثبت بهذا أن نهيه عليه السلام أن تسافر ~~المرأة مع غير ذى محرم أنه أراد بذلك سفرا غير واجب عليها ، والله أعلم . ~~واتفق الفقهاء أن ليس للرجل منع زوجته حجة الفريضة ، تخرج للحج بغير إذنه ، ~~وللشافعى قول أنها لا تخرج إلا بإذنه ، وأصح قوليه ما وافق فيه سائر ~~العلماء ، وقد أجمعوا أنه لا يمنعها من صلاة ولا من صيام ، فكذلك الحج . ~~وسيأتى فى كتاب الجهاد فى باب : من اكتتب فى جيش فخرجت امرأته حاجة ، أن ~~معنى قوله عليه السلام : ( ارجع فاحجج مع امرأتك ) أنه محمول على الندب لا ~~على الوجوب . * * * # | 189 - باب من نذر المشى إلى الكعبة # / 271 - فيه : أنس ، أن النبى ، عليه السلام ، رأى شيخا يهادى بين ابنيه ~~، قال : ( ما بال هذا ) ؟ قالوا : نذر أن يمشي ، قال : ( إن الله عن تعذيب ~~هذا نفسه لغني ، وأمره ms1492 أن يركب ) . / 272 - وفيه : عقبة ، قال : نذرت أختى ~~أن تمشى إلى بيت الله ، وأمرتنى أن أستفتى لها الرسول - صلى الله عليه وسلم ~~- ، فقال : ( لتمش ولتركب ) . PageV04P533 أخذ أهل الظاهر بحديث أنس وعقبة ~~بن عامر وقالوا : من عجز عن المشى فلا هدى عليه اتباعا للسنة فى ذلك ، ~~قالوا : ولا يثبت شىء فى الذمة إلا بيقين ، وليس المشى مما يوجب نذرا ؛ لأن ~~فيه تعب الأبدان ، وليس الماشى فى حال مشيه فى حرمة إحرام ، فلم يجب عليه ~~المشى ولا بدل منه . وأما سائر الفقهاء فإن لهم فى هذه المسألة ثلاثة أقوال ~~غير هذه : الأول : روى عن على بن أبى طالب وابن عمر أن من نذر المشى إلى ~~بيت الله فعجز ، أنه يمشى ما استطاع ، فإذا عجز ركب وأهدى . وهو قول عطاء ~~والحسن ، وبه قال أبو حنيفة والشافعى ، إلا أن أبا حنيفة وأصحابه قالوا : ~~وكذلك إن ركب وهو غير عاجز ، قالوا : ويكفر يمينه لحنثه كما حكاه الطحاوى ~~عنه ، وقال الشافعى : الهدى فى هذه المسألة احتياط من قبل أنه من لم يطق ~~شيئا سقط عنه ، وحجتهم ما رواه همام ، عن قتادة ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، ~~عن عقبة ابن عامر ( أن أخته نذرت المشى إلى بيت الله ، فسأل الرسول - صلى ~~الله عليه وسلم - عن ذلك ، فقال : إن الله لغنى عن نذر أختك ، فلتركب ولتهد ~~) . والقول الثانى : يعود ثم يحج مرة أخرى ، ثم يمشى ما ركب ولا هدى عليه ، ~~هذا قول ابن عمر ، ذكره مالك فى ( الموطأ ) ، وروى عن ابن عباس وابن الزبير ~~والنخعى وسعيد بن جبير . والقول الثالث : يعود فيمشى ما ركب وعليه الهدى ، ~~روى عن ابن عباس أيضا ، وروى عن سعيد بن المسيب والنخعى ، وهو قول مالك ، ~~جمع عليه الأمرين : المشى والهدى ؛ احتياطا لموضع تفريقه المشى الذى كان ~~يلزمه فى سفر واحد ، فجعله فى سفرين قياسا على التمتع والقران ، والله أعلم ~~. PageV04P534 قال المؤلف : ويمكن أن يتأول حديث أنس وعقبة بوجه موافق ~~لفقهاء الأمصار ، حتى لا ينفرد أهل الظاهر بالقول بهما وذلك أن فى نصهما ما ms1493 ~~يبين المعنى فيهما ، وهو أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - رأى شيخا يهادى ~~بين ابنيه فقال : ( إن الله لغنى عن تعذيب هذا نفسه ) فبان واتضح أنه كان ~~غير قادر على المشى ، وممن لا ترجى له القدرة عليه ، ومن كان غير قادر على ~~شىء سقط عنه . والعلماء متفقون أن الوفاء بالنذر إنما يكون فيما هو لله ~~طاعة ، والوفاء به بر ، ولا طاعة ولا بر فى تعذيب أحد نفسه ، فكأن هذا ~~الناذر على نفسه ما لا يقدر على الوفاء به ، وكان فى معنى أبى إسرائيل الذى ~~نذر ليقومن فى الشمس ولا يستظل ويصوم ذلك اليوم فأمره عليه السلام بكفارة ~~وقد روى فى حديث عقبة بن عامر ما يدل أن أخته كانت غير قادرة على المشى ، ~~فلذلك لم يأمرها عليها السلام بالهدى . روى الطبرى قال : حدثنا محمد بن عبد ~~الله بن بزيع ، حدثنا الفضيل بن سليمان ، حدثنا محمد بن أبى يحيى الأسلمى ، ~~حدثنا إسحاق بن سالم ، عن عقبة بن عامر ( أن أخته نذرت أن تمشى إلى الكعبة ~~، وهى امرأة ثقيلة ، والمشى يشق عليها ، فذكر ذلك عقبة للنبى عليه السلام ~~فقال : إن الله لا يصنع بشقاء أختك شيئا ، مرها فلتركب ) فصح التأويل أنها ~~نذرت وهى فى حال من لا يرجى له القدرة على الوفاء بما نذرت كأبى إسرائيل ، ~~والعلماء مجمعون على سقوط المشى على من لا يقدر عليه ، فسقوط الهدى أحرى ، ~~وإن كان مالك يستحب الهدى لمن عجز عن المشى . PageV04P535 قال الطحاوى : ~~ونظرنا فى قول من قال : ليس الماشى فى حرمة إحرام فرأينا الحج فيه الطواف ~~بالبيت والوقوف بعرفة وجمع ، وكان الطواف منه ما يفعله الرجل فى حال إحرامه ~~وهو طواف الزيارة ، ومنه ما يفعله بعد أن يحل من إحرامه ، وهو طواف الصدر ، ~~فكان ذلك من أسباب الحج قد أريد أن يفعله الرجل ماشيا ، وكان إن فعله راكبا ~~مقصرا وجعل عليه الدم ، هذا إذا فعله من غير علة ، وإن فعله من علة فالناس ~~مختلفون فى ذلك قال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد : لا شىء ms1494 عليه . وقال غيرهم ~~: عليه دم . وهو النظر عندنا ؛ لأن العلل إنما تسقط الآثام فى انتهاك ~~المحرمات ولا تسقط الكفارات ، فحلق الرأس فى الإحرام إن حلقه من غير عذر ~~عليه الإثم والكفارة ، فإن اضطر إلى حلقه فعليه الكفارة ولا إثم عليه ، ~~فكذلك المشى الذى قبل الإحرام لما كان من أسباب الإحرام ، كان حكمه حكم ~~المشى الواجب فى الإحرام يجب على تاركه الدم . * * * # | 190 - باب ما جاء فى حرم المدينة # / 273 - فيه : أنس ، قال ، عليه السلام : ( المدينة حرم من كذا إلى كذا ، ~~لا يقطع شجرها ، ولا يحدث فيها حدث ، من أحدث حدثا فعليه لعنة الله ~~والملائكة والناس أجمعين ) . / 274 - وفيه : أنس ، قدم النبى ، عليه السلام ~~، المدينة ، وأمر ببناء المسجد ، فقال : ( يا بنى النجار ثامنوني ) ، ~~فقالوا : لا نطلب ثمنه إلا إلى الله ، فأمر بقبور المشركين فنبشت ، ثم ~~بالخرب فسويت ، وبالنخل فقطع ، فصفوا النخل قبلة المسجد . / 275 - وفيه : ~~أبو هريرة ، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( حرم ما بين لابتى ~~المدينة على لساني ، PageV04P536 وأتى الرسول - صلى الله عليه وسلم - بنى ~~حارثة ، فقال : ( أراكم يا بنى حارثة قد خرجتم من الحرم ) ، ثم التفت فقال ~~: ( بل أنتم فيه ) . / 276 - وفيه : على رضي الله عنه ، قال : ما عندنا شيء ~~إلا كتاب الله وهذه الصحيفة عن النبى ، عليه السلام : ( المدينة حرم ما بين ~~عائر إلى كذا ، من أحدث فيها حدثا ، أو آوى محدثا فعليه لعنة الله ~~والملائكة والناس أجمعين ، لا يقبل منه صرف ولا عدل . . . ) ، الحديث . حرم ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المدينة إلى الحدود المشار إليها ، و ( ~~عائر ) جبل بقرب المدينة ، ويروى : ( عير ) وقوله : ( إلى كذا ) وقع فى بعض ~~الأمهات وفى بعض الكتب من رواية ابن السكن ( ما بين عير إلى ثور ) وثور جبل ~~معروف أيضا . قال أبو عبيد والطبرى : وقد أنكر قوم من أهل المدينة أن يكون ~~بها جبل يسمى ثورا ، وقال : إنما ثور بمكة . قال أبو عبيد : فنرى الحديث ~~إنما أصله ( ما بين عير إلى أحد ) وكذلك حرم ما بين لابتى المدينة ، ~~واللابة ms1495 : الحرة ، وهو الموضع ذو الحجارة السود . قال أبو عبيد : وجمعها ~~لاب ولوب . قال ابن حبيب : وتحريم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لابتى ~~المدينة إنما ذلك فى الصيد ، فأما قطع الشجر فبريد فى بريد فى دور المدينة ~~كلها ، كذلك أخبرنى مطرف عن مالك ، وهو قول عمر بن عبد العزيز ، واللابتان ~~هما : الحرتان الغربية والشرقية ، وللمدينة حرتان أيضا : حرة فى القبلة ~~وحرة فى الجوف وترجع كلها إلى الحرتين ؛ لأن القبلة والجوفية متصلان بهما ، ~~ولذلك حرم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما بين لابتى المدينة ، جمع ~~دورها كلها فى اللابتين ، وقد ردها حسان بن ثابت إلى حرة واحدة فقال : ~~PageV04P537 لنا حرة مأطورة بجبالها بنى العز فيها بيته فتأثلا وقوله : ~~مأطورة يعنى : مقطوعة بجبالها لاستدارتها ، وإنما جبالها الحجارة السود ~~التى تسمى : الجرار . قال المهلب : وإنما أدخل حديث أنس فى بناء المسجد فى ~~هذا الباب بعد قوله : ( لا يقطع شجرها ) ليعرفك أن قطع النخل ونبش قبور ~~المشركين ليس هو القطع الذى نهى عنه فى تحريم المدينة ؛ لأن قطع النخيل كان ~~لتبوئ المسلمين مسجدا . ففى هذا من الفقه أن من أراد أن يتخذ جنانا فى حرم ~~ليعمرها ، ويغرس فيها النخل ، ويزرع فيها الحبوب ، أنه لا يتوجه إليه النهى ~~عن قطع شجرها ، ولا يمنع من قطع ما فيه من شجر الشعر أو شوكها ؛ لأنه يبتغى ~~الصالح والتأسيس للسكنى فى موضع العمارة ، فهذا يبين وجه النهى أنه موقوف ~~على المفسد لبهجة المدينة وخضرتها لعين المهاجر إليها حتى تبتهج نفسه ~~لنضرتها ويرتاح بمبانيها ، وإن كان ابتهاجه بمسجدها بيت الله تعالى ومنزل ~~ملائكته ومحل وحيه أعظم والسرور به أشد . وقيل : قطعه عليه السلام للنخيل ~~من موضع المسجد يدل أن النهى إنما يتوجه إلى ما اثبته الله من المسجد مما ~~لا صنع فيه لآدمى ؛ لأن النخيل التى قطعت من موضع المسجد كانت من غرس ~~الآدميين ؛ لأنه طلب شراء الحائط من بنى النجار إذ كان ملكا لهم ، فقالوا : ~~لا نطلب ثمنه إلا إلى الله ، وعلى هذا التأويل حمل نهيه عليه ms1496 السلام عن قطع ~~شجر مكة . واتفق مالك والشافعى وأحمد وجمهور الفقهاء على أن الصيد محرم فى ~~حرم المدينة . وقال أبو حنيفة وأصحابه : صيد المدينة غير محرم ، كذلك قطع ~~PageV04P538 شجرها ، فخالف آثار هذا الباب ، واحتج الطحاوى بحديث أنس ( أن ~~النبى عليه السلام دخل داره وكان لأنس أخ صغير ، وكان لهم نغير يلعب به ، ~~فقال له النبى عليه السلام : ( يا أبا عمير ، ما فعل النغير ؟ ) وهذا لا ~~حجة فيه ؛ لأنه يمكن أن يصطاد ذلك النغر من غير حرم المدينة . وحجة الجماعة ~~: أن الصحابة فهمت من الرسول - صلى الله عليه وسلم - تحريم الصيد فى حرم ~~المدينة ؛ لأنهم أمروا بذلك وأفتوا به ، وهم القدوة الذين يجب اتباعهم . ~~وروى عن أبى سعيد الخدرى أنه كان يضرب بنيه إذا اصطادوا فيه ويرسل الصيد . ~~وروى عن سعد بن أبى وقاص : أنه أخذ سلب من صاد فى حرم المدينة وقطع شجرها ، ~~ورواه عن النبى عليه السلام إلا أن أئمة الفتوى لم يقولوا بأخذ سلبه . قال ~~المهلب : وقوله عليه السلام : ( حرم ما بين لابتى المدينة على لسانى ) يريد ~~أن تحريمها كان من طريق الوحى ، فوجب تحريم صيدها وقطع شجرها ، إلا أن ~~جمهور العلماء على أنه لا جزاء فى حرم المدينة ، لكنه آثم عندهم من استحل ~~حرم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فإن قال الكوفيون : لما أجمعوا على ~~سقوط الجزاء فى حرم المدينة دل أنه غير محرم . قيل : لا حجة فى هذا ؛ لأن ~~صيد مكة قد كان محرما على غير أمة محمد ، ولم يكن عليهم فيه جزاء وإنما ~~الجزاء فيه على أمة محمد ، فليس إيجاب الجزاء فيه علة للتحريم ، وشذ ابن ~~أبى ذئب ، ونافع صاحب مالك ، والشافعى فى أحد قوليه فأوجبوا فيه الجزاء . ~~PageV04P539 قال ابن القصار : والدليل على سقوط الجزاء أن الرسول - صلى ~~الله عليه وسلم - لما حرم المدينة وذكر ما ذكر لم يذكر جزاء على من قتل ~~الصيد بها ، وما كان من جهته عليه السلام لم يكن تبيان لما فى القرآن فليس ~~محرم تحريم القرآن ، وإنما هو مكروه ms1497 حتى يكون بين تحريمه وتحريم القرآن فرق ~~. فإن احتجوا بحديث سعد أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - قال : ( من ~~وجدتموه يصيد فى حرم المدينة ويقطع شجرها ؛ فخذوا سلبه ) فلم يصح عند مالك ~~ولا رأى العمل عليه بالمدينة ، ولو صح الحديث عن الرسول - صلى الله عليه ~~وسلم - لأوجب الجزاء على من لا سلب له ، ولو لم يكن على القاتل إلا ما ستر ~~به عورته لم يجز أخذه وكشف عورته ، فثبت أن الصيد ليس بمضمون أصلا . ألا ~~ترى أن صيد مكة لما كان مضمونا لم يفترق حكم الغنى والفقير ومن له سلب ومن ~~لا سلب له فى أنه مضمون عليه فى أى وقت قدر . وقد قال مالك : لم أسمع أن فى ~~صيد المدينة جزاء ، ومن مضى أعلم ممن بقى ، فقيل له : فهل يؤكل ؟ فقال : ~~ليس كالذى يصاد بمكة وإنى لأكرهه . قال المهلب : وفى حديث أنس وعلى من ~~الفقه لعنة أهل المعاصى والعناد لأوامر النبى عليه السلام . وفيه : أن ~~المحدث فى حرم المدينة والمؤوى للمحدث فى الإثم سواء . وقول بنى النجار : ( ~~لا نطلب ثمنه إلا من الله ) فيه من الفقه إثبات الأحباس المراد بها وجه ~~الله ؛ لأنهم وهبوا البقعة للمسلمين حبسا موقوفا عليهم ، فطلبوا الأجر على ~~ذلك من الله . وفى حديث أبى هريرة من الفقه أن للعالم أن يقول على غلبة ~~الظن ، ثم ينظر فيصح النظر ، ويقول بعد ذلك ، كما قال عليه السلام لبنى ~~حارثة . PageV04P540 وقوله عليه السلام : ( من أحدث فيها حدثا أو آوى محدثا ~~) قال أبو عبيد : الحدث : كل حد لله يجب على صاحبه أن يقام عليه ، وهذا ~~شبيه بحديث فى الرجل يأتى حدا من الحدود ، ثم يلجأ إلى الحرم أنه لا يقام ~~عليه الحد ، ولكنه لا يجالس ولا يكلم حتى يخرج منه ؛ فإذا خرج منه أقيم ~~عليه الحد ، فجعل الرسول - صلى الله عليه وسلم - حرمة المدينة كحرمة مكة فى ~~المأثم فى صاحب الحد ألا يؤذيه أحد حتى يخرج منه فيقام عليه الحد . وقوله : ~~( لا يقبل منه صرف ولا عدل ) هذا يمكن ms1498 أن يكون فى وقت دون وقت ، إن أنفذ ~~الله عليه الوعيد ، ليس أن هذه حاله عند الله أبدا ؛ لأن الذنوب لا تخرج من ~~الديانة ولا يخرج منها غير الكفر وحده . وقوله : ( أخفر مسلما ) قال الخليل ~~: يقال : أخفرت الرجل : إذا لم تف بذمته ، والاسم : الخفور . وقوله : ( صرف ~~ولا عدل ) قال أبو عبيد عن مكحول : الصرف : التوبة ، والعدل : الفدية . قال ~~أبو عبيد : وفى القرآن ما يصدق هذا التفسير وهو قوله : { وإن تعدل كل عدل ~~لا يؤخذ منها } [ الأنعام : 70 ] وأما الصرف فلا أدرى قوله تعالى : { فما ~~تستطيعون صرفا ولا نصرا } [ الفرقان : 19 ] من هذا أم لا ؟ وبعض الناس ~~يحمله على هذا ، ويقال : إن الصرف النافلة ، والعدل الفريضة . قال أبو عبيد ~~: والتفسير الول أشبه بالمعنى . وقال أبو على البغدادى : الصرف الحيلة ، ~~والصرف الاكتساب ، والعدل الفدية ، والعدل الدية ، صحيح فى الاشتقاق . فأما ~~من قال : الصرف PageV04P541 الفريضة ، والعدل النافلة ، والصرف الدية ، ~~والعدل الزيادة على الدية ؛ فغير صحيح فى الاشتقاق . وقال الطبرى : الصرف ~~مصدر من قولك : صرفت نفسى عن الشىء أصرفها صرفا . وإنما عنى به فى هذا ~~الموضع صرف راكب الذنب وهو المحدث فى الحرم حدثا من سفك دم أو استحلال محرم ~~فلا تقبل توبته ، والعدل : ما يعدله من الفدية والبدل ، وكل ما عادل الشىء ~~من غير جنسه وكا له مثلا من وجه الجزاء لا من وجه المشابهة فى الصورة ~~والخلقة ، فهو له عدل ، بفتح العين ، ومنه قوله : { وإن تعدل كل عدل لا ~~يؤخذ منها } [ الأنعام : 70 ] بمعنى وإن تفد منها كل فدية . وأما العدل ~~بكسر العين ، فهو مثل الحمل المحمول على الظهر ، يقال : عندى غلام عدل ~~غلامك ، وشاة عدل شاتك ، بكسر العين ، إذا كان غلاما يعدل غلاما وشاة تعدل ~~شاة ، وذلك فى كل مثل للشىء من جنسه ، فإذا أراد أن عنده قيمته من غير جنسه ~~فتحت العين فيقول : عندى شاتك من الدراهم . وقد ذكر عن بعض العرب أنهم ~~يكسرون العين من العدل الذى هو بمعنى الفدية ، وذلك لتقارب معنى العدل ~~عندهم . * * * # | 191 - باب فضل المدينة ms1499 # / 277 - فيه : أبو هريرة ، قال الرسول - صلى الله عليه وسلم - : ( أمرت ~~بقرية تأكل القرى ، يقولون يثرب ، وهى المدينة ، تنفى الناس كما ينفى الكير ~~خبث الحديد ) . قوله : ( أمرت بقرية ) يريد أمرت بالهجرة إليها . ~~PageV04P542 وقوله : ( تأكل القرى ) يعنى : بيفتتح أهلها القرى فيأكلون ~~أموالهم ، ويسبون ذراريهم ، ويقتلون مقاتلتهم ، وهذا من فصيح كلام العرب ~~تقول : أكلنا بنى فلان ، وأكلنا بلد كذا : إذا ظهروا على أهله وغلبوهم . ~~قال الخطابى : ( تاكل القرى ) يريد أن الله ينصر الإسلام بأهل المدينة وهم ~~النصار ، وتفتح على أيديهم القرى ، ويغنمها إياهم فيأكلونها ، وهذا فى ~~الاتساع والاختصار كقوله تعالى : { واسأل القرية } [ يوسف : 82 ] يريد أهل ~~القرية ، فكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد عرض نفسه على قبائل ~~العرب أيهم ينصره فيفوز بالفخر فى الدنيا والثواب فى الآخرة ، فلم يجد فى ~~القوم من يرضى بمعاداة من جاوره ويبذل نفسه وماله لله ، فمثل الله المدينة ~~فى منامه فرأى أنه يؤمر بالهجرة إليها ، فوصف ذلك أبى بكر ، وقد كان عاقد ~~قوما من أهلها ، وسألوه أن ينظر فيما يريدون أن يعقدوا معه عليه السلام ، ~~فخرج مع أبى بكر للمدينة ، ففتح الله منها جميع الأمصار حتى مكة التى كانت ~~موطنه . قال أبو عبد الله بن أبى صفرة : وهذا الحديث حجة لمن فضل المدينة ~~على مكة ؛ لأنها هى التى أدخلت مكة وسائر القرى فى الإسلام ، فصارت القرى ~~ومكة فى صحائف أهل المدينة . وذهب مالك وأهل المدينة إلى أنها أفضل من مكة ~~. وقال الشافعى : مكة أفضل منها . وقد تقدم القول فى ذلك فى كتاب الصلاة فى ~~قوله : صلاة فى مسجدى هذا خير من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام . ~~وقوله : ( يقولون : يثرب ) كره أن يسمى باسمها فى الجاهلية وسماها ( ~~المدينة ) فلا تسمى بغير ما سماها النبى عليه السلام PageV04P543 وكانوا ~~يسمونها ( يثرب ) باسم أرض بها فغير رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~اسمها وسماها ( طيبة ) كراهية التثريب ، وإنما سميت فى القرآن ( يثرب ) على ~~وجه الحكاية لتسمية المشركين ، وقد روى عنه عليه السلام أنه ( من قال : ~~يثرب فكفارته ms1500 أن يقول المدينة عشر مرات ) يريد بذلك التوكيد أن يقال لها : ~~المدينة ، وصارت معرفة بالألف واللام ؛ لأنها انفردت بجميع خصال الإسلام ، ~~ولا يقول أحد : المدينة لبلد فيعرف ما يريد القائل إلا لها خاصة . * * * # | 192 - باب المدينة طيبة # / 278 - فيه : أبو حميد ، أقبلنا مع النبى ، عليه السلام ، من تبوك حتى ~~أشرفنا على المدينة ، فقال : ( هذه طابة ) . قوقه : ( طابة ) مشتقة من ~~الطيب ، وزنها فعلة ، وقد يقال أيضا : طيبة ، وزنها فعلة ، وهذان المثالان ~~فعلة وفعلة متعاقبان على معنى واحد ، كقولهم : عيب وعاب ، وديم ودام ، ودين ~~ودان ، فاشتق لها عليه السلام هذا الاسم من الطيب ، وكره اسمها لما فى لفظه ~~من التثريب ، وقد قال بعض أهل العراق : وأمر المدينة فى ترابها وهوائها ~~دليل شاهد وبرهان على قوله عليه السلام : ( إنها طيبة ) يبقى حبها وينصع ~~طيبها ؛ لأن من دخلها وأقام بها يجد من تربتها وحيطانها PageV04P544 رائحة ~~طية [ . . . . . . ] اسم فى الأرائج وبذلك السبب طاب طينها ، والمعجونات من ~~الطيب فيها أحد رائحة ، وكذلك العود وجميع البخور يتضاعف طيبه فى تلك ~~البلدة على كل بلدة استعمل ذلك الطيب بعينه فيها . * * * # | 193 - باب لابتى المدينة # / 279 - فيه : أبو هريرة ، لو رأيت الظباء بالمدينة ترتع ما ذعرتها ، قال ~~، عليه السلام : ( ما بين لابتيها حرام ) . قد تقدم أن اللابتين الحرتان . ~~وقوله : ( ما ذعرتها ) فالإذعار والتنفير هو أقل ما ينهى عنه من أمر الصيد ~~وما فوقه من الأذى للصيد وقتله أكثر من الإذعار ، وإنما أخذ أبو هريرة قوله ~~: ( ما ذعرتها ) والله أعلم من قوله عليه السلام فى مكة : ( لا ينفر صيدها ~~) والتنفير والإذعار واحد . * * * # | 194 - باب من رغب عن المدينة # / 280 - فيه : أبو هريرة ، سمعت الرسول - صلى الله عليه وسلم - يقول : ( ~~يتركون المدينة على خير ما كانت لا يغشاها إلا العواف ، يريد عوافى السباع ~~والطير ، وآخر من يحشر راعيان من مزينة ، يريدان المدينة ينعقان بغنمهما ~~فيجدانها وحشا ، حتى إذا بلغا ثنية الوداع خرا على وجوههما ) . PageV04P545 ~~/ 281 - وفيه : سفيان بن أبى زهير ، سمعت النبى - صلى الله عليه وسلم - ~~يقول : ( تفتح اليمن ، فيأتى قوم ms1501 يبسون فيتحملون بأهلهم ، ومن أطاعهم ، ~~والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون ، وتفتح الشأم ، وتفتح العراق كذلك ) . ~~قال المهلب : قوله : ( تترك المدينة على خير ما كانت ) يريد على أرخى ~~أحوالها ووجود ثمارها وخيراتها فيأكلها الطير والسباع . قال غيره : وفى هذا ~~برهان من النبى عليه السلام لأنه ذكر أهل الأخبار أنه قد رحل عن المدينة ~~أكثر الناس فى الفتن التى تعاورتها ، وخاف أهلها على أنفسهم ، وكانت فى عهد ~~الخلفاء أحسن ما كانت من البنيان والعمارة والغرس للنخيل والأشجار ، فتركت ~~للطير والسباع ، وبقيت مدة على ذلك ثم عاد الناس إليها . وروى عن مالك فى ~~هذا الحديث ( لتتركن المدينة خير ما كانت حتى يدخل الكلب ، أو الذئب ، ~~فيعوى على بعض سوارى المسجد ) وأكثر المدينة اليوم خراب لا يدخلها أحد ~~منفردا فيأمن ، وهذا مما يلى القبلة والجوف ، وليس لأبوابها ثقاف ولا غلق ، ~~وكذلك أبواب المسجد أكثرها لا تغلق وهى كبيرة . وقد رأى كثير من الناس ~~الكلب يعوى على بعض سوارى المسجد كما قال - صلى الله عليه وسلم - ، وأما ~~كونه فيما يستقبل فلا شك فيه بما قد أنذر به أمته من عموم الفتن واشتدادها ~~، وانتقاض الخير ، وغلبة الباطل وأهله ، وأن الإسلام سيعود غريبا كما بدأ ~~غريبا ، وظهور الشرائط وتواتر المحن حتى يتمنى الأحياء الموت . وقال الأخفش ~~: العوافى واحدها عافية ، وهى التى تطلب أقواتها ، والمذكر عاف ، والعوافى ~~والمعتفى التى تطلب فضلك . PageV04P546 قال الأعشى : تطوف العفاة بأبوابه ~~كما تطوف النصارى ببيت الوثن يعنى بالعفاة : طلاب الحاجات . قال المهلب : ~~وهذا الحديث يدل أن المدينة تسكن إلى يوم القيامة وإن خلت فى بعض الأوقات ، ~~لقصد هذين الراعيين بغنمهما إلى المدينة ، وهذا يكون قرب قيام الساعة ، وأن ~~آية قيام الساعة عند موت هذين الراعيين أحرى أن تصير غنمهما وحوشا ، فإن ~~قيل : فما معنى قوله : ( آخر من يحشر راعيان من مزينة ) ولم يذكر حشرهما ~~وإنما ذكر أنهما يخران على وجوهما أمواتا ؟ فالجواب : أنه لا يحشر أحد إلا ~~بعد الموت ، فهما آخر من يموت بالمدينة وآخر من يحشر بعد ذلك كما قال عليه ms1502 ~~السلام . وقال صاحب ( العين ) : نعق بالغنم ينعق نعاقا وإذا صاح بها . وأما ~~قوله : ( تفتح اليمن فيأتى قوم يبسون فيتحملون بأهليهم ومن أطاعهم ) يعنى : ~~يحملون من المدينة إلى هذه البلاد المتفتحة لسعة العيش فيها ، والمدينة خير ~~لهم لو كانوا يعلمون . وفيه برهان جليل بصدق الرسول فى إخباره بما يكون قبل ~~وقته ، فأنجز الله لرسوله - صلى الله عليه وسلم - ما وعد به أمته ففتحت ~~اليمن قبل الشام وفتحت الشام قبل العراق وكمل ذلك كله . وقوله : ( والمدينة ~~خير لهم لو كانوا يعلمون ) يعنى : لفضل الصلاة فى مسجده ، التى هى خير من ~~ألف صلاة فيما سواه ، ولما فى سكنى المدينة والصبر على لأوائها وشدتها ، ~~فهو خير لهم مما يصيبون من الدنيا فى غيرها ، والمراد بالحديث : الخارجون ~~عن المدينة رغبة PageV04P547 عنها كارهين لها ، فهؤلاء المدينة خير لهم ، ~~وهم الذين جاء فيهم الحديث ( أنها تنفى خبثها ) وأما من خرج من المدينة ~~لحاجة أو طلب معيشة أو ضرورة ونيته الرجوع إليها فليس بداخل فى معنى الحديث ~~والله أعلم . وقوله : ( يبسون ) فقال أبو عبيد : يقال فى الزجر إذا سقت ~~حمارا أو غيره : بس بس ، وهو من كلام أهل اليمن ، وفيه لغتان : بسست وأبسست ~~، فيكون على هذا يبسون ويبسون بفتح الباء وضمها . وقال الخليل : بس زجر ~~للبغل والحمار ، بضم الباء وفتح السين ، تقول : بس بس ، يقال منه : يبسون ~~ويبسون . قال أبو عمر الشيبانى : يقال : بس فلان كلابه أى : أرسلها . * * * # | 195 - باب الإيمان يأرز إلى المدينة # / 282 - فيه : أبو هريرة ، قال النبى ، عليه السلام : ( إن الإيمان ليأرز ~~إلى المدينة ، كما تأرز الحية إلى جحرها ) . قال المهلب : فيه أن المدينة ~~لا يأتيها إلا المؤمن ، وإنما يسوقه إليها إيمانه ومحبته فى النبى - صلى ~~الله عليه وسلم - فكأن الإيمان يرجع إليها كما خرج منها أولا ، ومنها ينتشر ~~كانتشار الحية من جحرها ، ثم إذا راعها شىء رجعت إلى جحرها ، فكذلك الإيمان ~~لما دخلته الدواخل لم يقصد المدينة إلا مؤمن صحيح الإيمان . وقال أبو عبيد ~~: قال الأصمعى : قوله : ( يأزر ) يعنى ينضم إليها ، ويجتمع بعضه إلى ms1503 بعض . ~~قال الأصمعى : وأخبرنى عيسى بن عمر ، عن الأسود الديلى أنه قال : إن فلانا ~~إذا سئل أرز وإذا دعى اهتز . قال أبو عبيد : يعنى : إذا سئل المعروف تضام ، ~~وإذا دعى إلى طعام وغيره مما يناله اهتز لذلك . PageV04P548 # | 196 - باب إثم من كاد أهل المدينة # / 283 - فيه : سعد ، قال ، عليه السلام : ( لا يكيد أهل المدينة أحد إلا ~~انماع ، كما ينماع الملح فى الماء ) . قال المهلب : وقوله : ( لا يكيد أهل ~~المدينة أحد ) أى : لا يدخلها بمكيدة ولا يمكن يطلب فيها غرتهم ويفترس ~~عورتهم . وقوله : ( إلا انماع ) أى : إلا ذاب كما يذوب الملح فى الماء ، ~~يقال منه : ماع العسل فى الماء ، فهو يماع إيماعا ، وهو عسل مائع ، وقد ماع ~~يميع ميعا مويعا ، وتميع الشراب إذا ذهب وجاء ، فهو يتميع تميعا . * * * # | 197 - باب آطام المدينة # / 284 - فيه : أسامة ، أن النبى ، عليه السلام ، وقف على أطم من آطام ~~المدينة ، فقال : ( هل ترون ما أرى ؟ إنى لأرى مواقع الفتن خلال بيوتكم ، ~~كمواقع القطر ) . قال المهلب : مثل للنبى - صلى الله عليه وسلم - الفتن ~~التى حدثت بعده فرآها عيانا ، وأنذر بها عليه السلام قبل وقوعها ، وهذه ~~علامة من علامات نبوته ؛ لإخباره عن الغيب فى ذلك ، فكانت الفتن بعده ~~كالقطر كما أخبر وخبره الصادق المصدوق . وقال الخطابى : الطم : الحصن ~~المبنى بالحجارة ، والجمع : آطام . * * * # | 198 - باب لا يدخل المدينة الدجال # / 285 - فيه : أبو بكرة ، قال النبى ، عليه السلام : ( لا يدخل المدينة ~~رعب المسيح الدجال ، لها يومئذ سبعة أبواب على كل باب ملكان ) . ~~PageV04P549 / 286 - وفيه : أبو هريرة ، قال الرسول - صلى الله عليه وسلم - ~~: ( على أنقاب المدينة ملائكة لا يدخلها الطاعون ولا الدجال ) . / 287 - ~~وفيه : أبو سعيد ، حدثنا النبى ، عليه السلام ، طويلا عن الدجال ، فكان ~~فيما حدثنا به أن قال : ( يأتى الدجال ، وهو محرم عليه أن يدخل نقاب ~~المدينة بعض السباخ التى بالمدينة ، فيخرج إليه يومئذ رجل هو خير الناس ، ~~أو من خير الناس ، فيقول : أشهد أنك الدجال الذى حدثنا عنك رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - حديثه ، فيقول الدجال : أرأيت إن ms1504 قتلت هذا ثم أحييته هل ~~تشكون فى الأمر ؟ فيقولون : لا ، فيقتله ، ثم يحييه ، فيقول : حين يحييه ~~والله ما كنت قط أشد بصيرة منى اليوم ، فيقول الدجال : أقتله فلا أسلط عليه ~~) . / 288 - وفيه : أنس ، قال ، عليه السلام : ( ليس من بلد إلا سيطؤه ~~الدجال إلا مكة والمدينة ، ليس له من نقابها نقب إلا عليه الملائكة صافين ~~يحرسونها ، ثم ترجف المدينة بأهلها ثلاث رجفات ، فيخرج الله كل كافر ومنافق ~~) . قال الأخفش : أنقاب المدينة : طرقها ، الواحد : نقب ، وهو من قول الله ~~تعالى : { فنقبوا فى البلاد } [ ق : 36 ] أى : جعلوا فيها طرقا ومسالك . ~~قال غيره : ونقاب أيضا جمع نقب ، ككلاب وكلب ، ويجمع فعل أسما على غير فعال ~~وفعول قياسا ومطردا . وفى هذه الأحاديث برهان ظهر إلينا صحته ، وعلمنا أن ~~ذلك من بركة دعائه - صلى الله عليه وسلم - للمدينة ، وقد أراد عمر والصحابة ~~أن يرجعوا إلى المدينة حين وقع الوباء بالشام ؛ ثقة منهم بقول رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - PageV04P550 الذى أمنهم من دخول الطاعون بلدهم ، ~~ولذلك نوقن أن الدجال لا يستطيع دخولها البتة ، وهذا فضل عظيم للمدينة . ~~وقد أخبر الله تعالى أنه يوكل الملائكة بحفظ من شاء من عباده من الآفات ~~والعدو والفتن ، فقال تعالى : { له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من ~~أمر الله } [ الرعد : 11 ] يعنى : بأمر الله لهم بحفظه ، وما زالت الملائكة ~~تنفع المؤمنين بالنصر لهم والدعاء والاستغفار ويستغفرون لذنوبهم ، وسأذكر ~~معنى حديث الدجال وفتنته للناس فى كتاب الفتن إن شاء الله . وفى حديث أنس ~~أن الدجال لا يدخل مكة أيضا ، وهذا فضل كبير لمكة والمدينة على سائر الأرض ~~، فإن قيل : إن قوله عليه السلام : ( لا يدخل المسيح ) يعارضه قوله فى حديث ~~أنس : ( ترجف المدينة بأهلها ثلاث رجفات ) والرجف رعب ، قال المهلب : ليس ~~يعارض ، وإنما الرجفة تكون من أهل المدينة على من بها من المنافقين ~~والكافرين فيخرجونهم من المدينة بإخافتهم إياهم تعاطيا عليهم وعلى الدجال ، ~~فيخرج المنافقون إلى الدجال فرارا من أهل المدينة ومن قوتهم عليهم ، والله ~~أعلم . * * * # | 199 - باب المدينة ms1505 تنفى الخبث # / 289 - فيه : جابر ، جاء أعرابى النبى ، عليه السلام ، فبايعه على ~~الإسلام ، فجاء من الغد محموما ، فقال : أقلنى ، فأبى ثلاث مرار ، فقال : ( ~~المدينة كالكير تنفى خبثها وينصع طيبها ) . PageV04P551 / 290 - وفيه : زيد ~~، لما خرج الرسول - صلى الله عليه وسلم - إلى أحد ، رجع ناس من أصحابه ، ~~فقالت فرقة : نقتلهم ، وقالت فرقة : لا نقتلهم فنزلت : { فما لكم فى ~~المنافقين فئتين } [ النساء : 88 ] وقال الرسول - صلى الله عليه وسلم - : ( ~~إنها تنفى الرجال كما تنفى النار خبث الحديد ) . قال بعض العلماء : كان هذا ~~الأعرابى من المهاجرين ، فأراد أن يستقيل النبى عليه السلام فى الهجرة فقط ~~، ولم يرد أن يستقيله فى الإسلام ، فأبى عليه السلام ذلك فى الهجرة ؛ لأنها ~~عون على الإثم ، وكان ارتدادهم عن الهجرة من أكبر الكبائر ؛ ولذلك دعا لهم ~~الرسول فقال : ( اللهم أمض لأصحابى هجرتهم ، ولا تردهم على أعقابهم ) . فى ~~هذا من الفقه أن من عقد على نفسه أو على غيره عقد الله ، فلا يجوز له حله ؛ ~~لأن فى حله خروج إلى معصية الله ، وقد قال الله : { يا أيها الذين آمنوا ~~أوفوا بالعقود } [ المائدة : 1 ] والدليل على أنه لم يرد الارتداد عن ~~الإسلام أنه لم يرد حل ما عقده إلا بموافقة النبى - صلى الله عليه وسلم - ~~على ذلك ، ولو كان خروجه عن المدينة خروجا عن الإسلام لقتله عليه السلام ~~حين خرج ، وإنما خرج عاصيا ، ورأى أنه معذور لما نزل به من الوباء ، ولعله ~~لم يعلم أن الهجرة فرض عليه وكان من الذين قال لهم فيهم : { وأجدر ألا ~~يعلموا حدود ما أنزل الله على رسوله } [ التوبة : 97 ] فقال فيه عليه ~~السلام : ( إن المدينة كالكير تنفى خبثها ) . فإن قيل : فإن المنافقين قد ~~سكنوا المدينة وماتوا فيها ولم تنفهم ؟ قيل : إن المنافقين كانت دارهم ولم ~~يسكنوها اعتباطا بالإسلام ولا حبا له ، وإنما سكنوها لما فيها من أصل ~~معاشهم ، ولم يرد عليه PageV04P552 السلام بضرب المثل إلا من عقد الإسلام ~~راغبا فيه ثم خبث قلبه ، ولم يصح عندك أن أحدا ممن لم تكن له المدينة دارا ~~فارتد ms1506 عن الإسلام ثم اختار السكنى فيها ، بل كلهم فر إلى الكفر راجعا ، ~~فبمثل أولئك ضرب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المثل . وقال المهلب : ~~كان المنافقون الساكنون بالمدينة قد ميزهم الله كأنهم بارزون عنها ؛ لما ~~وسمهم به من قوله تعالى : { الذين يلمزون المطوعين من المؤمنين فى الصدقات ~~} [ التوبة : 79 ] ، و { الذين يؤذون النبى ويقولون هو أذن } [ التوبة : 61 ~~] وبقوله : { ولتعرفنهم فى لحن القول } [ محمد : 30 ] فكانوا معروفين ~~معينين ، وأبقاهم - صلى الله عليه وسلم - لئلا يقول الناس : إن محمدا يقتل ~~أصحابه أو ينفيهم ، والنفى كالقتل . ومما يدل على ذلك قوله تعالى : { فما ~~لكم فى المنافقين فئتين } [ النساء : 88 ] فبين منكرا عليهم اختلافهم فى ~~قتلهم ، فعرفهم الله أنه أركسهم بنفاقهم ، فلا يكون لهم صنع ولا جمع ، ولا ~~يسمع لهم قول ، مع أنه قد ختم الله أنهم لا يجاورونه فيها إلا قليلا ، ~~فنفتهم المدينة بعده عليه السلام لخوفهم القتل ، قال الله تعالى : { ~~ملعونين أينما ثقفوا أخذوا وقتلوا تقتيلا } [ الأحزاب : 61 ] فلم يأمنوا ~~فخرجوا ، فصح إخبار الرسول - صلى الله عليه وسلم - إنها تنفى خبثها ، لكن ~~ليس ذلك ضربة واحدة ، لكن الشىء بعد الشىء حتى يخلص أهلها الطيبين الناصعين ~~وقت الحاجة إليهم فى العلم ؛ لأنهم فى حياته عليه السلام مستغنى عنهم ، ~~فلما احتيج إليهم بعده فى العلم حفظتهم بركة المدينة فنفت خبثها . ~~PageV04P553 قال غيره : وقوله : ( المدينة كالكير ) إنما هو تمثيل منه ~~وتنظير ، ففيه دليل على جواز القياس بين الشيئين إذا اشتبها فى المعنى ، ~~فشبه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المدينة فى نفيها من خبث قلبه ~~بالكير الذى ينفى خبث الحديد حتى يصفو ، وقوله : ( ينصع طيبها ) هو مثل ~~ضربه للمؤمن المخلص الساكن فيها ، الصابر على لأوائها وشدتها مع فراق الأهل ~~والمال والتزام المخافة من العدو ، فلما باع نفسه من الله والتزم هذا بأن ~~صدقه ، ونصع إيمانه وقوى ؛ لاغتباطه بسكنى المدينة وتقربه من رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - كما ينصع ريح الطيب فيها ويزيد عبقا على سائر البلاد ~~، خصوصية خص الله بها بلدة رسوله - صلى ms1507 الله عليه وسلم - التى اختار تربتها ~~لمباشرة جسده الطيب المطهر - صلى الله عليه وسلم - ، وقد جاء فى الحديث أن ~~المؤمن يقبر فى التربة التى خلق منها ، فكانت بهذا تربة المدينة أفضل الترب ~~كما هو - صلى الله عليه وسلم - أفضل البشر ؛ فلهذا والله أعلم تتضاعف ريح ~~الطيب فيها على سائر البلاد . * * * # | 200 - باب # / 291 - فيه : أنس ، قال النبى ، عليه السلام : ( اجعل بالمدينة ضعفى ما ~~جعلت بمكة من البركة ) . وكان إذا قدم من سفر ، فنظر إلى جدرات المدينة ، ~~أوضع راحلته ، وإن كان على دابة حركها من حبها . استدل بعض الناس على أن ~~المدينة أفضل من مكة بدعاء الرسول - صلى الله عليه وسلم - للمدينة بضعف ~~دعائه لمكة وقال آخرون ممن يرى أن مكة أفضل من المدينة : لو كان تضعيف ~~الدعاء للمدينة دليلا على فضلها على مكة ، لكانت الشام واليمن أفضل من مكة ~~؛ لأن الرسول - صلى الله عليه وسلم - قد كرر الدعاء للشام واليمن مرات ، ~~وهذا لا يقوله مسلم ، روى ابن عمر : أن PageV04P554 الرسول - صلى الله عليه ~~وسلم - قال : ( اللهم بارك لنا فى شامنا ، اللهم بارك لنا فى يمننا ، قالها ~~ثلاثا ) . وهذا اعتراض غير لازم ؛ لأن الأمة مجمعة أن مكة أفضل من الشام ~~واليمن وجميع الأرض غير المدينة . فلما تقرر هذا لم يكن تكرير الدعاء للشام ~~واليمن موجبا لفضلهما على مكة ؛ لأنه لم يقصد بالدعاء لهما التفضيل على مكة ~~، وإنما قصد التفضيل لهما على نجد ، وإنما كان يصح هذا الاعتراض لو قرن ~~بالدعاء للشام واليمن ثلاث مرات الدعاء لمكة أقل من ذلك ، وإنما فى حديث ~~ابن عمر الشام واليمن أفضل من نجد خاصة ؛ لتكريره الدعاء للشام واليمن دون ~~نجد ، فكذلك تكريره الدعاء للمدينة دون مكة ، فوجب فضلها على مكة ، والله ~~أعلم . واحتج من فضل المدينة بقوله : ( حركها من حبها ) يريد من حبه ~~للمدينة ، قال : فقد خصها الله بفضائل كثيرة منها : أن الله اختارها دارا ~~لنبيه أفضل خلقه ، وجعلها منزل وحيه ، وحباها بقبره ، ومنها نشر الله دينه ~~وبلغ شريعته ، إلى ما لا يحصى من فضائلها ms1508 ، وتعجيل سيره - صلى الله عليه ~~وسلم - إذا نظر إليها من أجل أن قرب الدار يجدد الشوق للأحبة والأهل ، ~~ويؤكد الحنين إلى الوطن ، وفى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الأسوة ~~الحسنة . * * * # | 201 - باب كراهية الرسول - صلى الله عليه وسلم - أن تعرى المدينة # / 292 - فيه : أنس ، أراد بنو سلمة أن يتحولوا إلى قرب المسجد ، فكره ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن تعرى المدينة ، وقال : ( يا بنى سلمة ~~ألا تحتسبون آثاركم ) . إنما أراد عليه السلام ألا تعرى المدينة وأن تعمر ~~ليعظم PageV04P555 المسلمون فى أعين المنافقين والمشركين ، إرهابا وغلظة ~~عليهم . وقوله : ( ألا تحتسبون آثاركم ) يعنى : فى الخطا إلى المسجد ؛ ~~ولذلك قال أبو هريرة : إن أعظمكم أجرا أبعدكم دارا ، قيل : لم يا أبا هريرة ~~؟ قال : من أجل كثرة الخطا . وهذا لا يكون من رأى أبى هريرة ؛ لأن الفضائل ~~لا تدرك بالقياس ، وقد ترجم لهذا الحديث فى كتاب الصلاة باب احتساب الآثار ~~. * * * # | 202 - باب # / 293 - فيه : أبو هريرة ، قال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( ما بين ~~بيتى ومنبرى وقبرى روضة من رياض الجنة ، ومنبرى على حوضى ) . / 294 - وفيه ~~: عائشة ، لما قدم النبى - صلى الله عليه وسلم - المدينة وعك أبو بكر وبلال ~~فكان أبو بكر إذا أخذته الحمى ، يقول : كل امرئ مصبح فى أهله والموت أدنى ~~من شراك نعله وكان بلال إذا أقلع عنه الحمى يقول : ألا ليت شعرى هل أبيتن ~~ليلة وهل أردن يوما مياه مجنة بواد وحولى إذخر وجليل وهل يبدون لى شامة ~~وطفيل PageV04P556 ( اللهم العن شيبة بن ربيعة ، وعتبة بن ربيعة ، وأمية بن ~~خلف كما أخرجونا من أرضنا إلى أرض الوباء ) ، ثم قال رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - : ( اللهم حبب إلينا المدينة كحبنا مكة أو أشد ، اللهم بارك ~~لنا فى صاعنا ، وفى مدنا ، وصححها لنا ، وانقل حماها إلى الجحفة ) ، قال : ~~وقدمنا المدينة ، وهى أوبأ أرض الله ، قالت : فكان بطحان يجرى نجلا ، ماء ~~آجنا . / 295 - وفيه : عمر ، اللهم ارزقنى شهادة فى سبيلك ، واجعل موتى فى ~~بلد رسولك - صلى الله عليه وسلم - . قال ms1509 المهلب : قوله : ( روضة من رياض ~~الجنة ) يحتمل أن يكون على الحقيقة ، ويحتمل أن يكون على المجاز ، فوجه ~~الحقيقة أن يكون الموضع الذى بين المنبر والقبر يوم القيامة فى الجنة روضة ~~، واحتج قائل هذا بقوله تعالى عن أهل الجنة روضة ، واحتج قائل هذا بقوله ~~تعالى عن أهل الجنة : { وقالوا الحمد لله الذى صدقنا وعده وأورثنا الأرض ~~نتبوأ من الجنة حيث نشاء } [ الزمر : 74 ] قالوا : فدلت هذه الآية أن الجنة ~~تكون فى الأرض يوم القيامة . ووجه المجاز أن يكون معناه أن من صلى بين ~~المنبروالقبر فقد استوجب روضة فى الجنة ، فيجازى بها يوم القيامة على قصده ~~وصلاته فى هذا الموضع ، كما قال عليه السلام : ( ارتعوا فى رياض الجنة ) ~~يعنى : حلق الذكر والعلم لما كانت مؤدية إلى الجنة ، ويكون معناه التحريض ~~على زيارة قبر النبى عليه السلام والصلاة فى مسجده ، وكذلك يدل قوله : ( ~~صلاة فى مسجدى هذا خير من ألف صلاة فيما سواه ) على الحض والندب على قصده ~~والصلاة فيه والزيارة له ، وقد بسطت الكلام فى هذا الحديث فى كتاب الصلاة ~~فى باب : فضل ما بين القبر والمنبر ، بأسبغ مما ذكرته ها هنا . PageV04P557 ~~وقول عمر : اللهم اجعل موتى فى بلد رسولك - صلى الله عليه وسلم - . احتج به ~~من فضل المدينة على مكة ، وقالوا : لو علم عمر بلدة أفضل من المدينة لدعا ~~ربه أن يجعل موته وقبره فيها ، وكان مما استدل به على فضلها أن الله لما ~~اختارها لقبر نبيه أفضل البشر علم أنه لم يختر له إلا أفضل البقاع ، وقد ~~جاء أن ابن آدم إنما يدفن فى التربة التى خلق منها ، وقد ذكرنا ذلك . وقال ~~بعض العلماء : وأما حديث عائشة حين وعك أبو بكر وبلال وإنشادهما فى ذلك ؛ ~~فإن الله تعالى لما ابتلى نبيه بالهجرة وفراق الوطن ابتلى أصحابه بما ~~يكرهون من الأمراض التى تؤلمهم ، فتكلم كل إنسان منهم حسب يقينه وعلمه ~~بعواقب الأمور فتعزى أبو بكر عند أخذ الحمى له بما ينزل به الموت فى صباحه ~~ومسائه ، ورأى أن ذلك شامل للخلق ms1510 ، فلذلك قال : كل امرىء مصبح فى أهله . ~~يعنى : تصبحه الآفات وتمسيه ، وأما بلال فإنما تمنى الرجوع إلى مكة وطنه ~~الذى اعتاده ودامت فيه صحته ، فبان فضل أبى بكر وعلمه بسرعة فناء الدنيا ~~حتى الموت بشراك نعله . فلما رأى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما نزل ~~بأصحابه من الحمى والوباء خشى كراهية البلد ، لما فى النفوس من استثقال ما ~~تكرهه ، فدعا الله فى رفع الوباء عنهم ، وأن يحبب إليهم المدينة كحبهم مكة ~~وأشد ؛ فدل ذلك أن أسباب التحبيب والتكريه بيد الله ، وهبة منه يهبها لمن ~~شاء ، وفى هذا حجة واضحة على من كذب بالقدر ؛ إذ الذى يملك النفوس فيجب ~~إليها ما أحب ، ويكره إليها ما كره هو الله ، فأجاب دعوة نبيه - صلى الله ~~عليه وسلم - ، فأحبوها حبا أدامه فى نفوسهم حتى ماتوا عليه . PageV04P558 ~~وأما قوله : ( وصححها ) ففيه من الفقه أن الله أباح للمؤمن أن يسأل ربه صحة ~~جسمه وذهاب الآفات عنه إذا نزلت به ، كسؤاله إياه فى الرزق والنصر ، وليس ~~فى دعاء المؤمن ورغبته فى ذلك إلى الله لوم ولا قدح فى دينه ، وقد كان من ~~دعاء النبى - صلى الله عليه وسلم - كثيرا أن يقول : ( وقونى فى سبيلك ) وفى ~~هذا رد على الصوفية فى قولهم : إن الولى لا تتم له الولاية إلا تم له الرضا ~~بجميع ما نزل به ولا يدعوا الله فى كشف ذلك عنه ، فإن دعا فليس من الولاية ~~فى حال الكمال ، وقد [ . . . . . . ] فى قولهم هذا بمحمد عليه السلام ~~وأصحابه ، وقد كان إذا نزل به شىء يكثر عليه الدعاء والرجاء فى كشفه . وأما ~~قوله : ( وانقل حماها إلى الجحفة ) فكانت الجحفة يومئذ دار شرك ، وكان رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - كثيرا ما يدعوا على من لم يجب إلى الإسلام إذا ~~خاف منه معونة أهل الكفر ، حين يئس منهم فقال - صلى الله عليه وسلم - : ( ~~اللهم أعنى عليهم بسبع كسبع يوسف ) ودعا على أهل الجحفة بالحمى ليشغلهم بها ~~، فلم تزل الجحفة من يومئذ أكثر بلاد الله حمى ، وإنه يتقى شرب ms1511 الماء من ~~عينها الذى يقال له : عين حم ، وقل من شرب منه إلا حم ، وهو متغير الطعم . ~~وقوله : ( رفع عقيرته ) يعنى : صوته ، وأصل ذلك عند العرب أن رجلا قطعت ~~إحدى رجليه فرفعها ووضعها على الأخرى وصرخ بأعلى صوته ؛ فقيل لكل رافع صوته ~~: قد رفع عقيرته ، ففيه من المعانى جواز هذا النوع من الغناء ، وهو نشيد ~~الأعراب للسفر بصوت رفيع . PageV04P559 قال الطبرى : وهذا النوع من الغناء ~~هو المطلق المباح بإجماع الحجة ، وهو الذى غنى به فى بيت رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - فلم ينه عنه ، وهو الذى كان السلف يجيزون ويسمعون ، وروى ~~سفيان بن عيينة ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه قال : نعم زاد الراكب الغناء ~~نصبا ، وروى ابن وهب ، عن أسامة وعبد الله ابنى زيد بن أسلم ، عن أبيهما ~~زيد ، عن أبيه أن عمر بن الخطاب قال : الغناء من زاد الراكب . وروى ابن ~~شهاب ، عن عمر بن عبد العزيز أن محمد ابن نوفل أخبره أنه رأى أسامة بن زيد ~~واضعا إحدى رجليه على الأخرى بمعنى النصب . قال الطبرى : وإنما تسميه العرب ~~النصب لنصب المتغنى به صوته وهو الإنشاد له بصوت رفيع . وروى ابن شهاب ، عن ~~عبيد الله بن عبد الله بن عتبة ، عن أبيه أنه سمع عبد الله بن الأرقم رافعا ~~عقيرته يتغنى . قال عبد الله بن عتبة : والله ما رأيت رجلا أخشى لله من عبد ~~الله بن الأرقام . وقد تقدم شىء من هذا المعنى فى كتاب الصلاة فى باب : سنة ~~العيدين لأهل الإسلام ، عند ذكر الجاريتين اللتين غنتا فى بيت عائشة يوم ~~العيد ، وسيأتى ما يحل من الغناء ويحرم فى كتاب الاستئذان فى باب : كل لهو ~~فباطل إذا شغله عن طاعة الله . وفى حديث عائشة من الفقه تمثل الصالحين ~~والفضلاء بالشعر ، وفيه عيادة الجلة السادة لعبيدهم ؛ لأن بلالا أعتقه أبو ~~بكر الصديق وكانت عائشة تزوره ، وكان ذلك قبل نزول الحجاب . والإذخر ~~والجليل ينبتان بمكة ، وشامة وطفيل جبلان بها ، وقال الفكهانى : بينهما ~~وبين مكة نحو ثلاثين ميلا . قال الخطابى ms1512 : وكنت مرة أحسبهما جبلين حتى تبين ~~لى أنهما عينان . PageV04P560 ( بطحان يجرى نجلا ) بطحان اسم للكمان ~~المنبطح ، وهو المستوى المتسع ، ويجرى نجلا : يريد واسعا ، تقول العرب : ~~استنجل الوادى : إذا اتسع جريه ، ومنه العين النجلاء الواسعة : وطعنة نجلاء ~~أى : واسعة ، والأجن والآجن : المتغير . قال الأعشى : وقليب آجن كأن من ~~بأرجائه لقوط نصال . . . . . . . . . . . PageV04P561 بسم الله الرحمن ~~الرحيم # | 19 - كتاب الجهاد # # | فضل الجهاد والسير # وقول الله تعالى : { إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم } إلى قوله : { ~~والحافظون لحدود الله وبشر المؤمنين } [ التوبة : 111 ] . قال ابن عباس : ~~الحدود الطاعة . 1647 / - فيه : ابن مسعود ، سألت الرسول ، - صلى الله عليه ~~وسلم - قلت : يا رسول الله ، أى العمل أفضل ؟ قال : ( الصلاة على ميقاتها ) ~~، قلت : ثم أي ؟ قال : ( ثم بر الوالدين ) ، قلت : ثم أى ؟ قال : ( الجهاد ~~فى سبيل الله ) ، فسكت عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، ولو استزدته ~~لزادنى . 1648 / - وفيه : ابن عباس قال النبى ، - صلى الله عليه وسلم - : ( ~~لا هجرة بعد الفتح ، ولكن جهاد ونية ، فإذا استنفرتم فانفروا ) . 1649 / - ~~وفيه : عائشة ، قالت : يا رسول الله ، نرى الجهاد أفضل العمل ، أفلا نجاهد ~~؟ قال : ( لكن أفضل الجهاد حج مبرور ) . 1650 / - وفيه : أبو هريرة ، جاء ~~رجل إلى النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، فقال : دلنى على عمل يعدل الجهاد ~~، قال : لا أجده ، قال : ( هل تستطيع إذا خرج المجاهد أن تدخل مسجدك فتقوم ~~ولا تفتر ، وتصوم ولا تفطر ، ؟ قال : ومن يستطيع ذلك ؟ قال أبو هريرة : إن ~~فرس المجاهد ليستن فى طوله ، فيكتب له حسنات . PageV05P005 قال الطبرى : ~~معنى حديث ابن مسعود أن الصلاة المفروضة وبر الوالدين والجهاد فى سبيل الله ~~أفضل الأعمال بعد الإيمان بالله ورسوله ، وذلك أن من ضيع الصلاة المفروضة ، ~~حتى خرج وقتها لغير عذر فقدرته مع خفة مؤنتها وعظم فضلها فهو لا شك لغيرها ~~من أمر الدين والإسلام أشد تضيعا ، وبه أشد تهاونا واستخفافا ، وكذلك من ~~ترك بر والديه وضيع حقوقهما مع عظيم حقهما عليه بتربيتهما إياه ، وتقطعهما ~~عليه ، ورفقهما به صغيرا وإحسا نهما إليه كثيرا ، وخالف أمر الله ووصيته ~~إياه ms1513 فيهما ، فهو لغير ذلك من حقوق الله أشد تضييعا ، وكذلك من ترك جهاد ~~أهداء الله ، وخالف أمره فى قتالهم مع كفرهم بالله ومناصبتهم أنبياءه ~~وأولياءه للحرب ، فهو لجهاد من دونهم من فساق أهل التوحيد ومحاربة من سواهم ~~من أهل الزيغ والنفاق أشد تركا ، فهذه الأمور الثلاثه تجمع المحافظة عليهن ~~الدلالة لمن حافظهن أنه محافظ على ما سواهن ، ويجمع تضييعهن الدلالة على ~~تضييع ما سواهن من أمر الدين والإسلام فلذلك خصهن - صلى الله عليه وسلم - ~~بأنهن أفضل الأعمال . قال المهلب : وأما الهجرة فكانت فرضا فى أول الإسلام ~~على من أسلم ، لقلتهم وحاجتهم إلى الاجتماع والتأليف ، فلما فتح الله مكة ~~دخل الناس فى دين الله أفواجا سقط فرض الهجرة ، وبقى فرض الجهاد والنية على ~~من قام به أو أنزل به عدو ، والله جعل الحج أفضل للنساء من الجهاد لقلة ~~غنائهن فى الجهاد ، وفى حديث أبى هريرة أن المجاهد على كل أحواله يكتب له ~~ما يكتب للمتعبد فالجهاد أفضل من التنفل بالصلاة والصيام . PageV05P006 ~~وقوله : ( ليستن فى طوله ) يعنى ليأخذ فى السنن على وجه واحد ماضيا وهو ~~يفتعل من السنن ويقال : فلان يستن الريح والسيل إذا كان على جهتها وممرها ، ~~وأهل الحجاز يقولون : سنن بضم السين وفى قوله تعالى : { فيقتلون ويقتلون } ~~دليل على أن القاتل والمقتول فى سبيل الله جميعا فى الجنة . وقال بعض ~~الصحابة : ( ما أبالى قتلت فى سبيل الله أو قتلت ) وتلا هذه الآية وهذا يرد ~~على الشعبى أن الغالب فى سبيل الله أعظم أجرا من المقتول . * * * # | 2 - باب أفضل الناس مؤمن مجاهد بنفسه وماله فى سبيل الله # وقوله : { يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم } الآية . 1651 / - فيه : أبو ~~سعيد ، قال : قيل : يا رسول الله ، أى الناس أفضل ؟ فقال رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - : ( مؤمن فى شعب من الشعاب يتقى الله ويدع الناس من شره ) ~~. 1652 / - فيه : أبو هريرة ، قال النبى ، - صلى الله عليه وسلم - : ( مثل ~~المجاهد فى سبيل الله - والله أعلم بمن يجاهد فى سبيله - كمثل الصائم ~~القائم ، وتوكل الله ms1514 للمجاهد فى سبيله بأن يتوفاه ويدخله الجنة ، أو يرجعه ~~سالما مع أجر أو غنيمة ) . قال المهلب : فيه فضل الغنى . وقوله : ( أى ~~الناس أفضل ؟ فقال - صلى الله عليه وسلم - : مؤمن يجاهد فى سبيل الله ) ليس ~~على عمومه ولا يريد أنه أفضل الناس قاطبة ؛ لأن PageV05P007 أفضل منه من ~~أوتى منازل الصديقين ، وحمل الناس على شرائع الله وسنن نبيه ، وقادم إلى ~~الخيرات ، وسبب لهم أسباب المنفعة فى الدين والدنيا ، لكن إنما أراد - صلى ~~الله عليه وسلم - والله أعلم أفضل أحوال عامة الناس ؛ لأنه قد يكون فى ~~خاصتهم من أهل الدين والعلم والفضل والضبط بالسنن من هو أفضل منه . وقوله ~~فى حديث أبى هريرة : ( والله أعلم بمن يجاهد فى سبيله ) يريد والله أعلم ~~بعقد نيته إن كانت لله خالصة وإعلاء كلمته ، فذلك المجاهد فى سبيل الله ، ~~وإن كان فى نيته حب المال والدنيا واكتساب الذكر فيها فقد شرك مع سبيل الله ~~سبيل الدنيا . وقوله : ( كمثل الصائم القائم ) يدل أن حركات المجاهد ونومه ~~ويقظته حسنات ، وإنما مثله بالصائم ؛ لأن الصائم ممسك لنفسه عن الأكل ~~واللذات ، وكذلك المجاهد ممسك لنفسه على محارسة العدو ، وحابس نفسه على ~~مراعاته ومقابلتة . وقوله : ( مع ما نال من أجر أو غنيمة ) إنما أدخل ( أو ~~) هاهنا ؛ لأنه قد يرجع مرة بالأجر وحده ، وقد يرجع أخرى بالأجر والغنيمة ~~جميعا ، فأدخل ( أو ) لتدل على اختلاف الحالين ، لا أنه يرجع بغنيمة دون ~~أجر ، بل أبدا يرجع بالأجر كانت غنيمة أو لم تكن . قال أبو عبد الله بن أبى ~~صفرة : تفاضلهم فى الأجر وتساويهم فى الغنيمة دليل قاطع أن الأجر يستحقونه ~~لقتالهم ، فيكون أجر كل واحد على قدر عنائه ، وأن الغنيمة لا يستحقونها ~~بذلك لكن بتفضل الله عليهم ورحمته لهم بما رأى من ضعفهم ، فلم يكن لأحد فضل ~~على غيره إلا أن يفضله قاسم الغنيمة فينفله من رأسها ، كما نفل أبا ~~PageV05P008 قتادة ، أو من الخمس كما نفلهم فى حديث ابن عمر ، والله يوتى ~~فضله من يشاء . وفيه فضل العزلة والانفراد عن الناس ، والفرار عنهم ولا ~~سيما ms1515 فى زمن الفتن وفساد الناس ، وإنما جاءت الأحاديث بذكر الشعاب والجبال ~~؛ لأنها فى الأغلب مواضع الخلسة والانفراد ، فكل موضع يبعد عن الناس ، فهو ~~داخل فى هذا المعنى كالمساجد والبيوت ، وقد قال عقبة بن عامر : ( ما النجاة ~~يا رسول الله ؟ قال : أمسك عليك لسانك ، وليسعك بيتك ، وابك على خطيئتك ) . ~~* * * # | 3 - باب الدعاء بالجهاد والشهادة للرجال والنساء # وقال عمر : [ اللهم ] ارزقنى شهادة فى بلد رسولك . 1653 / - فيه : أنس ، ~~كان النبى - صلى الله عليه وسلم - يدخل على أم حرام بنت ملحان ، فتطعمه ، ~~وكانت أم حرام تحت عبادة بن الصامت ، فدخل عليها رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - ، فأطعمته ، وجعلت تفلى رأسه ، فنام رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- ، ثم استيقظ ، وهو يضحك ، قالت قلت : وما يضحكك ، يا رسول الله ؟ قال : ~~ناس من أمتى عرضوا على غزاة فى سبيل الله ، يركبون ثبج هذا البحر ، ملوكا ~~على الأسرة - أو مثل الملوك على الأسرة - شك إسحاق - قالت : قلت : يا رسول ~~الله ، ادع الله أن يجعلنى منهم ، فدعا لها ، ثم وضع رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - رأسه ، ثم استيقظ ، وهو يضحك ، فقلت : وما يضحكك ، يا رسول ~~الله ؟ قال : ( ناس من أمتى عرضوا على غزاة فى سبيل الله ) ، كما قال فى ~~الأول ، قالت : قلت : ادع الله أن يجعلنى منهم ، قال : ( أنت من الأولين ) ~~، فركبت البحر فى زمان معاوية بن أبى سفيان ، فصرعت عن دابتها حين خرجت من ~~البحر ، فهلكت . PageV05P009 قال المهلب : كانت أم حرام خالة النبى - صلى ~~الله عليه وسلم - من الرضاعة ، فلذلك كان ينام فى حجرها ، وتفلى رأسه . قال ~~غيره : إنما كانت خالة لأبيه أو لجده ؛ لأن أم عبد المطلب كانت من بنى ~~النجار ، وكان يأتيها زائرا لها ، والزيارة من صلة الرحم . وفيه : إباحة ~~أكل ما قدمته المرأة إلى ضيفها من مال زوجها ؛ لأن الأغلب أن ما فى البيت ~~من الطعام هو للرجل . وفيه أن الوكيل والمؤتمن إذا علم أنه يسر صاحب المنزل ~~بما يفعله فى ماله جاز له فعل ذلك ، ومعلوم أن عبادة كان يسره ms1516 أكل رسول ~~الله فى بيته . واختلف العلماء فى عطية المرأة من مال زوجها بغير إذنه ، ~~وسيأتى ذلك فى موضعه . وقوله : ( يركبون ثبج هذا البحر ) والثبج : الظهر . ~~وقال الخطابى : الثبج : أعلى متن الشيء . وضحكه - صلى الله عليه وسلم - هو ~~سرور منه ، بما يدخله الله على أمته من الأجر ، وما ينالوه من الخير ، ~~وإنما رآهم ملوكا على الأسرة فى الجنة فى رؤياه ، وفيه إباحة الجهاد للنساء ~~فى البحر ، وقد ترجم له بذلك بعد : باب : جهاد النساء ، بعد هذا . وقالت أم ~~عطية : ( كنا نغزوا مع النبى - صلى الله عليه وسلم - فنداوى الكلمى ونقوم ~~على المرضى ) وفيه أن الجهاد تحت راية كل إمام جائز ماض إلى يوم القيامة ؛ ~~لأنه رأى الآخرين ملوكا على الأسرة كما رأى الأولين ، ولا نهاية للآخرين ~~إلى يوم القيامة ، قال تعالى : { ثلة من الأولين وثلة من الآخرين } [ ~~الواقعة : 39 ، 40 ] ، وهذا الحديث من أعلام النبوة وذلك PageV05P010 أنه ~~أخبر فيه بضروب من الغيب قبل وقوعها ، فمنها : جهاد أمته فى البحر ، وضحكه ~~دليل على أن الله يفتح لهم ويغنمهم ، ومنها : الإخبار بصفة أحوالهم فى ~~جهادهم وهو قوله : ( يركبون ثبج هذا البحر ملوكا على الأسرة ) ومنها قوله ~~لأم حرام : ( أنت من الأولين ) فكان كذلك ، غزت مع زوجها فى أول غزوة كانت ~~إلى الروم فى البحر مع معاوية . وفيه : هلكت ، وهذا كله لا يعلم إلا بوحى ~~من الله تعالى على ما أوحى إليه به فى نومه . وفيه : أن رؤيا الأنبياء وحى ~~، وفيه ضحك المبشر إذا بشر بما يسره كما فعل - صلى الله عليه وسلم - . قال ~~المهلب : وفيه فضل معاوية - رحمه الله وأن الله قد بشر به نبيه فى النوم ؛ ~~لأنه أول من غزا فى البحر وجعل من غزا تحت رايته من الأولين . وذكر أهل ~~السير أن هذه الغزاة كانت فى زمن عثمان . قال الزبير بن أبى بكر : ركب ~~معاوية البحر غازيا بالمسلمين فى خلافة عثمان إلى قبرس ومعه أم حرام زوجة ~~عبادة ، فركبت بغلتها حين خرجت من السفينة فصرعت فماتت . وقال ابن الكلبى : ~~كانت ms1517 هذه الغزاة لمعاوية سنة ثمان وعشرين . وفيه أن الموت فى سبيل الله ~~شهادة . وذكر ابن أبى شيبة ، قال : حدثنا يزيد بن هارون ، حدثنا ابن عون ، ~~عن ابن سيرين ، عن أبى العجفاء السلمى قال : قال عمر بن الخطاب : قال محمد ~~- صلى الله عليه وسلم - : ( من قتل فى سبيل الله أو مات فهو فى الجنة ) . ~~PageV05P011 # | 4 - باب درجات المجاهدين فى سبيل الله تعالى # يقال : هذا سبيلى ، وهذه سبيلى . قال أبو عبد الله : { غزا } : واحدها ~~غاز ، { هم درجات } [ آل عمران : 163 ] لهم درجات . 1654 / - فيه : أبو ~~هريرة ، قال : قال النبى ، - صلى الله عليه وسلم - : ( من آمن بالله ~~وبرسوله ، وأقام الصلاة ، وصام رمضان ، كان حقا على الله أن يدخله الجنة ، ~~جاهد فى سبيل الله ، أو جلس فى أرضه التى ولد فيها ) ، قالوا : يا رسول ~~الله ، أفلا نبشر الناس ؟ قال : ( إن فى الجنة مائة درجة أعدها الله ~~للمجاهدين فى سبيل الله ، ما بين الدرجتين كما بين السماء والأرض ، فإذا ~~سألتم الله ، فاسألوه الفردوس ، فإنه أوسط الجنة ، وأعلى الجنة ) . 1655 / ~~- وفيه : سمرة ، قال الرسول - صلى الله عليه وسلم - : ( رأيت الليلة رجلين ~~أتيانى ، فصعدا بى الشجرة ، فأدخلانى دارا هى أحسن وأفضل ، لم أر قط أحسن ~~منها ، قالا : أما هذه الدار ، فدار الشهداء ) . قال المهلب : تستحق الجنة ~~بالإيمان بالله ورسوله ، وقد روى عن الرسول أنه قال : ( ثمن الجنة لا إله ~~إلا الله ) وبالشهادة والأعمال الصالحة تستحق الدرجات والمنازل فى الجنة ~~وقوله : ( وسط الجنة ) فيحتمل أن يريد موسطتها ، والجنة قد حفت بها من كل ~~جهة . وقوله : ( أعلى الجنة ) يريد أرفعها ؛ لأن الله تعالى مدح الجنات إذا ~~كانت فى علو ، فقال : { كمثل جنة ربوة } [ البقرة : 265 ] ، وقوله : ( منها ~~تفجر أنهار الجنة ) يريد أنها عالية من الارتفاع وقال المؤلف : وقوله : ( ~~من آمن بالله ورسوله ، وأقام الصلاة ، وصام رمضان كان حقا على الله أن ~~يدخله الجنة ، جاهد فى سبيل الله PageV05P012 أو جلس فى أرضه ) فيه تأنيس ~~لمن حرم الجهاد فى سبيل الله ، فإن له من الإيمان بالله والتزام الفرائض ما ~~يوصله إلى ms1518 الجنة ؛ لأنها هى غاية الطالبين ، ومن أجله تبذل النفوس فى ~~الجهاد . فلما قيل لرسول الله : ( أفلا نبشر الناس ) أخبر - صلى الله عليه ~~وسلم - بدرجات المجاهدين فى سبيله وفضيلتهم فى الجنة ليرغب أمته فى مجاهدة ~~المشركين وإعلاء كلمة الإسلام ، وهذا الحديث كان قبل فرض الزكاة والحج . ~~فلذلك لم يذكرا فيه والله أعلم . وقد روى ابن وهب ، عن عبد الرحمن بن شريح ~~، عن سهل بن أبى أمامة بن سهل ابن حنيف ، عن أبيه ، عن جده ، عن النبى - ~~صلى الله عليه وسلم - أنه قال : ( من سأل الله الشهادة بصدق بلغه الله ~~منازل الشهداء وإن مات على فراشه ) رواه حماد بن سلمة ، عن ثابت ، عن أنس ، ~~عن النبى - صلى الله عليه وسلم - ، وحديث أبى هريرة شبه هذا المعنى ؛ لأن ~~قوله - صلى الله عليه وسلم - : ( إذا سألتم الله فاسألوه الفردوس الأعلى ) ~~خطاب لجميع أمته يدخل فيه المجاهدون وغيرهم . فدل ذلك أنه قد يعطى الله لمن ~~لم يجاهد قريبا من درجة المجاهد ؛ لأن الفردوس إذا كان أعلى الجنة ولا درجة ~~فوقه ، وقد أمر - صلى الله عليه وسلم - جميع أمته بطلب الفردوس من الله ؛ ~~دل أن من بوأه الفردوس وإن لم يجاهد فقد تقارب درجته من درجات المجاهد فى ~~العلو وإن اختلفت الدرجات فى الكثرة ، والله يؤتى فضله من يشاء . ~~PageV05P013 # | 5 - باب الغدوة والروحة فى سبيل الله وقاب قوس أحدكم من الجنة # 1656 / فيه : أنس ، قال النبي ، - صلى الله عليه وسلم - : ( لغدوة فى ~~سبيل الله أو روحة خير من الدنيا وما فيها ) . 1657 / وفيه : أبو هريرة ، ~~قال ، - صلى الله عليه وسلم - : ( لقاب قوس فى الجنة خير مما تطلع عليه ~~الشمس وتغرب ) ، قال المهلب : قوله : ( الغدوة والروحة خير من الدنيا ) ~~يعنى خير من زمن الدنيا ؛ لأن الغدوة والروحة فى زمن ، فيقال : إن ثواب هذا ~~الزمن القليل فى الجنة خير من زمن الدنيا كلها ، وكذلك قوله : ( لقاب قوس ~~أحدكم ) أو ( موضع سوط فى الجنة ) يريد أن ما صغر فى الجنة من المواضع كلها ~~من بساتينها وأرضها ، فأخبر فى هذا ms1519 الحديث أن قصير الزمان وصغير المكان فى ~~الآخرة خير من طويل الزمان وكبير المكان فى الدنيا ، تزهيدا فيها وتصغيرا ~~لها وترغيبا فى الجهاد ، إذا بالغدوة والروحة فيه أو مقدار قوس المجاهد ~~يعطيه الله فى الآخرة أفضل من الدنيا وما فيها ، فما ظنك بمن أتعب فيه نفسه ~~وأنفق ماله . وقال صاحب العين : قاب القوس : قدر طولها . * * * # | 6 - باب نزول الحور العين وصفتهن # يحار فيها الطرف شديدة سواد العين شديدة بياض العين { وزوجناهم بحور عين ~~} [ الدخان : 54 ] أنكحناهم . 1658 / - فيه : أنس ، قال - صلى الله عليه ~~وسلم - : ( ما من عبد يموت له عند الله خير PageV05P014 يسره أن يرجع إلى ~~الدنيا ، وأن له الدنيا وما فيها ، إلا الشهيد ، لما يرى من فضل الشهادة ، ~~فإنه يسره أن يرجع إلى الدنيا فيقتل مرة أخرى ) . 1659 / - وقال أنس ، عن ~~النبى ، - صلى الله عليه وسلم - : ( لقاب قوس أحدكم - أو موضع قيد يعنى ~~سوطه - من الجنة خير من الدنيا وما فيها ، ولو أن امرأة من أهل الجنة اطلعت ~~إلى أهل الأرض لأضاءت ما بينهما ولملأته ريحا ، ولنصيفها على رأسها خير من ~~الدنيا وما فيها ) . قال المهلب : إنما ذكر حديث أنس فى هذا الباب لأن ~~المعنى الذى يتمنى الشهيد من أجله أن يرجع إلى الدنيا فيقتل هو مما يرى مما ~~يعطى الله الشهيد من النعيم ويزوجه من الحور العين ، وكل واحدة منهن لو ~~اطلعت إلى الدنيا لأضاءت كلها ، ليستزيد من كرامة الله وتنعيمه وفضله . وفى ~~ذلك حض على طلب الشهادة وترغيب فيها . وقال ابن قتيبة : إنما سمى الشهداء ~~شهداء ؛ لأنهم يشهدون ملكوت الله ، واحدهم شهيد كما يقال عليم وعلماء ، ~~وكفيل وكفلاء ، وقال ابن الأنبارى : قال أبو العباس : سمى الشهيد شهيدا ؛ ~~لأن الله وملائكته شهود له بالجنة ، وهو فعيل بتأويل مفعول . مثل طبيخ ~~وقدير بمعنى مطبوخ ومقدور . وقيد الرمح : قدره وقيسه ، والنصيف : الخمار من ~~كتاب العين . PageV05P015 # | 7 - باب تمنى الشهادة # 1660 / - فيه : أبو هريرة ، قال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( والذى ~~نفسى بيده ، لولا أن رجالا من المؤمنين لا تطيب أنفسهم ms1520 أن يتخلفوا عنى ، ~~ولا أجد ما أحملهم عليه ما تخلفت عن سرية تغزو فى سبيل الله ، والذى نفسى ~~بيده ، لوددت أنى أقتل فى سبيل الله ، ثم أحيا ، ثم أقتل ، ثم أحيا ، ثم ~~أقتل ، ثم أحيا ، ثم أقتل ) . 1661 / وفيه : أنس ، خطب النبى ، - صلى الله ~~عليه وسلم - ، فقال : ( أخذ الراية زيد فأصيب ، ثم أخذها جعفر فأصيب ، ثم ~~أخذها عبدالله بن رواحة فأصيب ، ثم أخذها خالد بن الوليد عن غير إمرة ففتح ~~له ، وقال : ( ما يسرنا أنهم عندنا ) ، وعيناه تذرفان . فيه من الفقه : أن ~~رسول الله كان يتمنى من أعمال الخير ما يعلم أنه لا يعطاه حرصا منه - صلى ~~الله عليه وسلم - على الوصول إلى أعلى درجات الشاكرين ، وبذلا لنفسه فى ~~مرضات ربه وإعلاء كلمة دينه ، ورغبة فى الازدياد من ثواب ربه ، ولتتأسى به ~~أمته فى ذلك ، وقد يثاب المرء على نيته ، وسيأتى فى كتاب التمنى ما تمناه ~~الصالحون مما لا يصل إلى كونه . وقوله : ( والذى نفسى بيده ) فيه إباحة ~~اليمين بالله على كل ما يعتقده المرء مما يحتاج فيه إلى يمين ، وما لا ~~يحتاج ، وكثيرا كان - صلى الله عليه وسلم - يقول فى كلامه : ( ومقلب القلوب ~~) لأن فى اليمين بالله توحيدا وتعظيما له ، وإنما يكره تعمد الحنث . وفيه : ~~أن الجهاد ليس بفرض معين على كل أحد ، ولو كان معينا ما تخلف رسول الله ، ~~ولا أباح لغيره التخلف عنه ولو شق على أمته ؛ PageV05P016 إذ كانوا يطيعونه ~~، هذا إذا كان العدو لم يفجأ المسلمين فى دارهم ولا ظهر عليهم وفيه : أنه ~~يجوز للإمام العالم ترك فعل الطاعة إذا لم يطق أصحابه ونصحاؤه على الإتيان ~~بمثل ما يقدر هو عليه منها إلى وقت قدرة الجميع عليها وذلك من كرم الصحبة ~~وأدب الأخلاق . وفيه عظيم فضل الشهادة ، ولذلك قال - صلى الله عليه وسلم - ~~: ( وما يسرنا أنهم عندنا ) لعلمه بما صاروا إليه من رفيع المنزلة . * * * # | 8 - باب فضل من يصرع فى سبيل الله فمات فهو منهم وقول الله تعالى : { ~~ومن يخرج من بيته } إلى { وقع أجره على ms1521 الله } [ النساء : 100 ] # وقع : وجب . 1662 / وفيه : أنس ، عن خالته أم حرام ، قالت : نام النبى ، ~~- صلى الله عليه وسلم - ، يوما قريبا منى ، ثم استيقظ فتبسم . . . . . . ~~الحديث ، فخرجت مع زوجها عبادة بن الصامت غازيا أول ما ركب المسلمون البحر ~~مع معاوية ، فلما انصرفوا من غزوهم قافلين فنزلوا الشأم ، فقربت إليها دابة ~~لتركبها فصرعتها فماتت . قال المؤلف : مصداق حديث أنس فى قوله تعالى : { ~~ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى الله } الآية . فنزلت هذه الآية على مثل ما دل ~~عليه الحديث أن من مات فى سبيل الله فهو شهيد . وقد روى ابن وهب ، عن عمر ~~بن مالك ، عن عبيد الله بن أبى جعفر ، عن جعفر PageV05P017 بن عبد الله بن ~~الحكم ، قال : سمعت عقبة بن عامر الجهنى ، سمعت رسول الله يقول : ( من صرع ~~عن دابته فمات فهو شهيد ) وفى حديث أنس أن حكم المنصرف من سبيل الله فى ~~الأجر مثل حكم المتوجه إليه فى خطاه وتقلبه وحركاته ، وأن له ثواب المجاهد ~~فى كل ما ينويه ويشق عليه ويتكلفه من نفقة أو غيرها حتى ينصرف إلى بيته ، ~~والله أعلم . * * * # | 9 - باب من ينكب أو يطعن فى سبيل الله # 1663 / فيه : أنس ، بعث الرسول - صلى الله عليه وسلم - أقواما من بنى ~~سليم إلى بنى عامر فى سبعين ، فلما قدموا ، قال لهم خالى : أتقدمكم ، فإن ~~أمنونى حتى أبلغهم عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وإلا كنتم منى ~~قريبا ، فتقدم ، فأمنوه ، فبينما يحدثهم عن الرسول - صلى الله عليه وسلم - ~~إذ أومئوا إلى رجل منهم ، فطعنه فأنفذه ، فقال : الله أكبر ، فزت ورب ~~الكعبة ، ثم مالوا على بقية أصحابه ، فقتلوهم ، إلا رجلا أعرج صعد الجبل - ~~قال همام : فأراه آخر معه ، فأخبر جبريل النبى ؛ - صلى الله عليه وسلم - : ~~أنهم قد لقوا ربهم ، فرضى عنهم وأرضاهم ، فكنا نقرأ : { أن بلغوا قومنا أن ~~قد لقينا ربنا فرضى عنا وأرضانا } ثم نسخ بعد ، فدعا عليهم أربعين صباحا ، ~~على رعل وذكوان وبنى لحيان وبنى عصية الذين عصوا الله ورسوله - صلى الله ~~عليه وسلم - . 1664 ms1522 / وفيه : جندب بن سفيان ، أن النبى ، - صلى الله عليه ~~وسلم - ، كان فى بعض المشاهد ، فدميت إصبعه ، فقال : ( هل أنت إلا إصبع ~~دميت وفى سبيل الله ما لقيت ) إنما دعا عليهم - صلى الله عليه وسلم - فى ~~صلاة الفريضة من أجل غدرهم ، PageV05P018 وقبيح نكثهم بعد تأمينهم وآنس ~~الله تعالى نبيه بما أنزل عليه من أنه رضى عنهم وأرضاهم . ففى هذا من الفقه ~~: جواز الدعاء على أهل الغدر والختر وانتهاك المحارم ، والإعلان باسمهم ~~والتصريح بذكرهم . وقد جاء فى حديث أنس فى باب قول الله : { ولا تحسبن ~~الذين قتلوا فى سبيل الله أمواتا } [ آل عمران : 169 ] أنه دعا عليهم ~~ثلاثين صباحا . ودل حديث جندب بن سفيان على أن كل ما أصيب به المجاهد فى ~~سبيل الله من نكبة أو عثرة فإن له أجر ذلك على قدر نيته واحتسابه . وأما ~~قوله - صلى الله عليه وسلم - : ( هل أنت إلا أصبع دميت ، وفى سبيل الله ما ~~لقيت ) . فهو رجز موزون ، وقد يقع على لسانه مقدار البيت من الشعر أو ~~البيتين من الرجز كقوله : ( أنا النبى لا كذب ، أنا ابن عبد المطلب ) . فلو ~~كان هذا شعرا لكان خلاف قوله تعالى : { وما علمناه الشعر وما ينبغى له } [ ~~يس : 69 ] والله يتعالى أن يقع شيء من خبره أو يوجد على خلاف ما أخبر به ~~تعالى ، وهذا من الحجاج اللازمة لأهل الإسلام خاصة ، ويقال للملحدين : إن ~~ما وقع من كلامه من الموزون فى النادر من غير قصد فليس بشعر ؛ لأن ذلك غير ~~ممتنع على أحد من العامة والباعة أن يقع له كلام موزون فلا يكن بذلك شعرا ~~مثل قولهم : اسقنى فى الكوز ماء يا غلام ، واسرج البغل وجئنى بالطعام . ~~وقولهم : من يشترى باذنجان . وقد يقول العمى منهم : وخالق الأنام ورسله ~~الكرام وبيته الحرام والركن والمقام ، لا فعلت كذا وكذا . وقد علم أن ~~المقسم بذلك من النساء والعامة ليس بشاعر ولا قاصد إلى PageV05P019 ذلك ، ~~وهذا لا يمكن دفع اتفاق مثله من العامة ، فثبت بذلك أن هذا المقدار ليس ~~بشعر وأن الرجز ليس ms1523 بشعر ، ذكر هذا القاضى أبو بكر ابن الطيب وغيره ، قال ~~وذكر بعض أهل العراق : سمعت غلاما لصديق لى ، وقد كان قد سقى بطنه . يقول ~~لغلمان مولاه : اذهبوا به إلى الطبيب وقولوا قد اكتوى . وهذا الكلام يخرج ~~وزنه عن فاعلات مفاعل فاعلات مفاعل مرتين . وقد علمت أن هذا الغلام لا يخطر ~~على باله قط أن يقول بيت شعر ومثل هذا كثير لو تتبع فى كلام الناس . * * * # | 10 - باب من يجرح فى سبيل الله # 1665 / فيه : أبو هريرة ، قال النبى ، - صلى الله عليه وسلم - : ( والذى ~~نفسى بيده ، لا يكلم أحد فى سبيل الله - والله أعلم بمن يكلم فى سبيله - ~~إلا جاء يوم القيامة ، واللون لون الدم ، والريح ريح المسك ) . قوله : ( لا ~~يكلم ) : يعنى لا يجرح ، والكلوم الجراح . وقوله : ( فى سبيل الله ) المراد ~~به الجهاد ، ويدخل فيه بالمعنى كل من جرح فى سبيل بر أو وجه مما أباحه الله ~~تعالى كقتال أهل البغى والخوارج واللصوص ، أو أمر بمعروف أو نهى عن منكر ، ~~ألا ترى قوله - صلى الله عليه وسلم - : ( من قتل دون ماله فهو شهيد ) وقوله ~~: ( والله أعلم بمن يكلم فى سبيله ) فإنه يدل على أنه ليس كل من جرح فى ~~العدو ، تكون هذه حاله ، عند الله حتى تصح نيته ، ويعلم الله من قتله أنه ~~يريد وجهه ، ولم يخرج رياء ولا سمعة ولا ابتغاء دنيا يصيبها . وفيه : أن ~~الشهيد يبعث فى حاله وهيئته التى قبض عليها . وقد PageV05P020 احتج الطحاوى ~~بهذا الحديث لقول من يرى غسل الشهيد فى المعترك . وقد روى عن الرسول أنه ~~قال : ( يبعث الميت فى ثيابه التى قبض فيها ) أى يعاد خلق ثيابه كما يعاد ~~خلقه . * * * # | 11 - باب قول الله تعالى : { قل هل تربصون بنا إلا إحدى الحسنيين } [ ~~التوبة 52 ] والحرب سجال # 1666 / فيه : ابن عباس ، أن أبا سفيان أخبره أن هرقل قال له : سألتك كيف ~~كان قتالكم إياه ؟ فزعمت أن الحرب سجال ودول ، وكذلك الرسل تبتلى ، ثم تكون ~~لهم العاقبة . قال المهلب : قوله تعالى : { إلا إحدى الحسنيين } يريد الفتح ~~والغنيمة ms1524 ، أو الشهادة والجنة . قال المؤلف : هذا قول جماعة أهل التأويل ، ~~واللفظ استفهام والمعنى توبيخ . فإن قيل : أغفل البخارى أن يذكر تفسير ~~الآية فى الباب ، وذكر حديث ابن عباس : أن الحرب سجال ، فما تعلقه بالآية ~~التى ترجم بها ؟ قيل : تعلقه بها صحيح ، والآية مصدقة للحديث ، والحديث ~~مبين للآية وإذا كانت الحرب سجالا ، فذلك إحدى الحسنيين ؛ لأنها إن كانت ~~علينا فهى الشهادة ، وهى أكبر الحسنيين ، وإن كانت لنا فهى الغنيمة ، وهى ~~أصغر الحسنيين ، فالحديث مطابق لمعنى الآية . قال المهلب : فكل فتح يقع إلى ~~يوم القيامة أو غنيمة ؛ فإنه من إحدى الحسنيين له ، وإنما يبتلى الله ~~الأنبياء ليعظم لهم الأجر والمثوبة ولمن معهم ، ولئلا يخرق العادة الجارية ~~بين الخلق ، ولو أراد الله خرق PageV05P021 العادة لأهلك الكفار كلهم بغير ~~حرب ، ولثبط أيديهم عن المدافعة حتى يؤسروا أجمعين ، ولكن أجرى تعالى ~~الأمور على العوائد ليأجر الأنبياء ومن معهم ، ويأتوا يوم القيامة مكلومين ~~شهداء فى سبيل الله ظاهرى الوسيلة والشفاعة ، وقد تقدم تفسير الحديث : ( ~~سجال ) فى كتاب بدء الوحى ، والحمد لله . * * * # | 12 - باب قول الله تعالى : { من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله ~~عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا } [ الأحزاب 23 ] # 1667 / فيه : أنس ، غاب عمى عن قتال بدر ، فقال : يا رسول الله ، غبت عن ~~أول قتال قاتلت المشركين ، لئن أشهدنى الله قتال المشركين ليرين الله ما ~~أصنع ، فلما كان يوم أحد وانكشف المسلمون ، قال : اللهم إنى أعتذر إليك مما ~~صنع هؤلاء - يعنى أصحابه - وأبرأ إليك مما صنع هؤلاء - يعنى المشركين - ثم ~~تقدم فاستقبله سعد ابن معاذ ، فقال : يا سعد ، الجنة ورب النضر ، إنى أجد ~~ريحها من دون أحد ، قال سعد : فما استطعت يا رسول الله ما صنع ، قال أنس : ~~فوجدنا به بضعا وثمانين ضربة بالسيف أو طعنة برمح أو رمية بسهم ، ووجدناه ~~قد قتل ، وقد مثل به المشركون فما عرفه أحد إلا أخته ببنانه ، وكنا نرى أو ~~نظن أن هذه الآية نزلت فيه وفى أشباهه : { رجال صدقوا } الآية ، الحديث . ~~1668 ms1525 / PageV05P022 وفيه : زيد ، نسخت الصحف فى المصاحف ، ففقدت آية من ~~سورة الأحزاب ، كنت أسمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقرأ بها ، فلم ~~أجدها إلا مع خزيمة بن ثابت الأنصارى الذى جعل رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - شهادته بشهادة رجلين ، وهو قوله : { رجال صدقوا } . قال المهلب : ~~وفيه الأخذ بالشدة واستهلاك الإنسان نفسه فى طاعة الله . وفيه الوفاء ~~بالعهد لله بإهلاك النفس ، ولا يعارض قوله : { ولا تلقوا بأيديكم إلى ~~التهلكة } [ البقرة : 195 ] ؛ لأن هؤلاء عاهدوا الله فوفوا بما عاهدوه من ~~العناء فى المشركين وأخذوا فى الشدة بأن باعوا نفوسهم من الله بالجنة كما ~~قال تعالى . ألا ترى قوله : ( فما استطعت ما صنع ) يريد ما استطعت أن أصف ~~ما صنع من كثرة ما أغنى وأبلى فى المشركين . وقوله : ( إنى أجد ريح الجنة ~~من قبل أحد ) يمكن أن يكون على الحقيقة ، لأن ريح الجنة يوجد من مسيرة ~~خمسمائة عام ، فيجوز أن يشم رائحة طيبة تشهيه الجنة وتحببها إليه ، ويمكن ~~أن يكون مجازا ، فيكون المعنى إنى لأعلم أن الجنة فى هذا الموضع الذى يقاتل ~~فيه ؛ لأن الجنة فى هذا الموضع تكتسب وتشترى . وأما قوله : ( ففقدت آية من ~~الأحزاب ، فلم أجدها إلا مع خزيمة ) فلم يرد أن حفظها قد ذهب عن جميع الناس ~~فلم تكن عندهم ؛ لأن زيد بن ثابت قد حفظها . وروى أن عمر قال : ( أشهد ~~لسمعتها من رسول الله ) وروى أن أبى بن كعب قال مثل ذلك ، وعن هلال بن أمية ~~أيضا ، وإنما أمر أبو بكر عند جمع الصحف عمر بن الخطاب وزيدا PageV05P023 ~~بأن يطلبا على ما ينكرانه شهادة رجلين فيشهدان سماع ذلك من فى النبى - صلى ~~الله عليه وسلم - ليكون ذلك أثبت وأشد فى الاستظهار ومما لا يتسرع أحد إلى ~~دفعه وإنكاره ، قاله القاضى أبو بكر بن الطيب ، وقد ذكر فى ذلك وجوها أخر ، ~~هذا أحسنها ، سأذكرها فى فضائل القرآن فى باب : جمع القرآن ، إن شاء الله . ~~* * * # | 13 - باب العمل الصالح قبل القتال # قال أبو الدرداء : إنما تقاتلون بأعمالكم . وقوله تعالى : { يا ms1526 أيها ~~الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون } إلى قوله : { مرصوص } [ الصف : 4 ] . ~~1669 / - فيه : البراء ، أتى النبى ؛ - صلى الله عليه وسلم - ، رجل مقنع ~~بالحديد ، فقال : يا رسول الله ، أقاتل أو أسلم ؟ قال : ( أسلم ثم قاتل ) ، ~~فأسلم ، ثم قاتل ، فقتل ، فقال - صلى الله عليه وسلم - : ( عمل قليلا ، ~~وأجر كثيرا ) . قال المهلب : فى هذا الحديث دليل أن الله يعطى الثواب ~~الجزيل على العمل اليسير تفضلا منه على عباده ، فاستحق هذا نعيم الأبد فى ~~الجنة بإسلامه ، وإن كان عمله قليلا ؛ لأنه اعتقد أنه لو عاش لكان مؤمنا ~~طول حياته فنفعته نيته ، وإن كان قد تقدمها قليل من العمل ، وكذلك الكافر ~~إذا مات ساعة كفره يجب عليه التخليد فى النار ؛ لأنه انضاف إلى كفره ~~اعتقاده أنه يكون كافرا طول حياته ؛ لأن الأعمال بالنيات . PageV05P024 # | 14 - باب من أتاه سهم غرب فقتله # 1670 / - فيه : أنس ، أن أم الربيع بنت البراء - وهى أم حارثة بن سراقة - ~~أتت النبى ؛ - صلى الله عليه وسلم - ، فقالت : يا نبى الله ، ألا تحدثنا عن ~~حارثة - وكان قتل يوم بدر أصابه سهم غرب - فإن كان فى الجنة صبرت ، وإن كان ~~غير ذلك اجتهدت عليه فى البكاء ، قال : ( يا أم حارثة ، إنها جنان فى الجنة ~~، وإن ابنك أصاب الفردوس الأعلى ) . قال المهلب : هذا نحو حديث أم حرام إذ ~~سقطت عن دابتها فماتت ، فهذا وشبهه مما يستحق به الجنة إذا صحت فيه النية ، ~~وأما قوله : ( سهم غرب ) قال أبو عبيد : يقال : أصابه سهم غرب : إذا كان لا ~~يعلم من رماه . وقال ابن السكيت : سهم غرب وسهم غرب وغرب ، وقال غيره : سهم ~~غرب . وحكى الخطابى عن أبى زيد قال : سهم غرب ساكنة الراء إذا أتاه من حيث ~~لا يدرى ، وسهم غرب بفتح الراء إذا رماه فأصاب غيره . ابن دريد : سهم عائر ~~لا يدرى من رماه . # | 15 - باب من قاتل لتكون كلمة الله هى العليا # 1671 / فيه : أبو موسى ، قال : جاء رجل إلى النبى ، - صلى الله عليه وسلم ~~- ، فقال : الرجل يقاتل للمغنم ، وللذكر ، وليرى مكانه ، فمن ms1527 فى سبيل الله ~~؟ قال : ( من قاتل لتكون PageV05P025 كلمة الله هى العليا ، فهو فى سبيل ~~الله ) . قال المهلب : إذا كان فى أصل النية إعلاء كلمة الله ثم دخل عليها ~~من حب الظهور والمغنم ما دخل فلا يضرها ذلك ، ومن قاتل لتكون كلمة الله هى ~~العليا ، فخليق أن يحب الظهور بإعلاء كلمة الله وأن يحب الغنى بإعلاء كلمة ~~الله ، فهذا لا يضره إن كان عقدا صحيحا . * * * # | 16 - باب من اغبرت قدماه فى سبيل الله وقوله : { ما كان لأهل المدينة ~~ومن حولهم من الأعراب أن يتخلفوا } الآية [ التوبة : 120 ] # . 1672 / فيه : أبو عبس ، قال - صلى الله عليه وسلم - : ( ما اغبرت قدما ~~عبد فى سبيل الله فتمسه النار ) . مصداق هذا الحديث فى آخر الآية التى فى ~~هذا الباب وهو قوله تعالى : { ولا يطئون موطئا يغيظ الكفار ولا ينالون من ~~عدونيلا إلا كتب لهم به عمل صالح } ففسر - صلى الله عليه وسلم - ذلك العمل ~~الصالح أنه لا تمس النار من اغبرت قدماه فى سبيل الله ، وهذا وعد من النبى ~~- صلى الله عليه وسلم - والوعد منه منجز ، وسبيل الله جميع طاعاته . * * * # | 17 - باب مسح الغبار عن الرأس فى سبيل الله # 1673 / فيه : ابن عباس ، قال لابنه ولعكرمة : ائتيا أبا سعيد ، فاسمعا من ~~حديثه ، فأتيناه وهو وأخوه فى حائط لهما يسقيانه ، فلما رآنا ، جاء فاحتبى ~~وجلس ، فقال : كنا ننقل لبن المسجد لبنة لبنة ، وكان عمار ينقل لبنتين ~~لبنتين ، فمر به النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، ومسح عن رأسه الغبار ، ~~وقال : ( ويح عمار ، تقتله الفئة الباغية ، عمار يدعوهم إلى الله ، ويدعونه ~~إلى النار ) . | PageV05P026 قال المهلب : أما مسح النبى الغبار عن رأس ~~عمار ، فرضى من النبى بفعله وشكرا له على عزمه فى ذات الله . وقوله : ( ويح ~~عمار ) فهى كلمة لا يراد بها فى هذا الموضع وقوع المكروه بعمار ، ولكن ~~المراد بها المدح لعمار على صبره وشدته فى ذات الله ، كما تقول العرب ~~للشاعر إذا أحسن : قاتله الله ما أشعره ، غير مريدين إيقاع المكروه به . ~~وقوله : ( يدعوهم إلى الله ) فيريد ms1528 والله أعلم أهل مكة الذين أخرجوه من ~~دياره وعذبوه فى ذات الله لدعائه لهم إلى الله . ولا يمكن أن يتأول هذا ~~الحديث فى المسلمين البتة ؛ لأنهم قد دخلوا دعوة الله ، وإنما يدعى إلى ~~الله من كان خارجا من الإسلام . وقوله : ( ويدعونه إلى النار ) دليل أيضا ~~على ذلك ؛ لأن المشركين أهل مكة إنما فتنوه وطالبوه أن يرجع إلى دينهم ، ~~فهو النار . فإن قيل : إن فتنة عمار قد كانت بمكة فى أول الإسلام ، وإنما ~~قال : يدعوهم بلفظ المستقبل ، وهذا لفظ الماضي . قيل : العرب قد تخبر ~~بالفعل المستقبل عن الماضى إذا عرف المعنى ، كما تخبر بالماضى عن المستقبل ~~، فقوله : ( يدعوهم إلى الله ) بمعنى دعاهم إلى الله ؛ لأن محنة عمار كانت ~~بمكة مشهورة ، فأشار - صلى الله عليه وسلم - إلى ذكرها لما طابقت شدته فى ~~نقله لبنتين شدته فى صبره بمكة على عذاب الله ، فضيلة لعمار ، وتنبيها على ~~ثباته ، وقوته فى أمر الله تعالى . PageV05P027 # | 18 - باب الغسل بعد الحرب والغبار # 1674 / - فيه : عائشة ، أن النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، لما رجع يوم ~~الخندق ، ووضع السلاح واغتسل ، فأتاه جبريل ، وقد عصب رأسه الغبار ، فقال : ~~وضعت السلاح ، فوالله ما وضعته ، فقال النبى ، - صلى الله عليه وسلم - : ( ~~فأين ) ؟ قال : هاهنا ، وأومأ إلى بنى قريظة ، فخرج إليهم النبى ، - صلى ~~الله عليه وسلم - . قال المهلب : إنما اغتسل من الغبار للتنظيف ، وإن كان ~~الغبار فى سبيل الله شاهدا من شواهد الجهاد . وقد قال - صلى الله عليه وسلم ~~- : ( ما اغبرت قدما عبد فى سبيل الله فتمسه النار ) ألا ترى أن جبريل لم ~~يغسله عن نفسه تبركا به فى سبيل الله . وفيه من الفقه : أن النبى لم يخرج ~~إلى حرب إلا بأذن من الله تعالى وفيه دليل أن الملائكة تصحب المجاهدين فى ~~سبيل الله ، وأنها فى عونهم ما استقاموا ؛ فإن خانوا وغلوا فارقتهم والله ~~أعلم يدل على ذلك الحديث الذى جاء : ( مع كل قاضى ملكان يسددانه ما أقام ~~الحق ، فإذا جار تركاه ) والمجاهد حاكم بأمر الله فى أعوانه وأصحابه . * * ~~* # | 19 - باب فضل قول ms1529 الله : { ولا تحسبن الذين قتلوا فى سبيل الله أمواتا ~~} الآيات [ آل عمران 169 ] # 1675 / - فيه : أنس ، دعا النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، على الذين ~~قتلوا أصحاب بئر معونة ثلاثين غداة ، على رعل وذكوان وعصية ؛ عصت الله ~~ورسوله ، قال أنس : أنزل فى الذين قتلوا ببئر معونة قرآن قرأناه ، ثم نسخ ~~بعد : بلغوا قومنا أن قد لقينا ربنا فرضى عنا ، ورضينا عنه . وفيه : جابر ، ~~اصطبح ناس الخمر يوم أحد ، ثم قتلوا شهداء . قيل لسفيان : من آخر ذلك اليوم ~~؟ قال : ليس هذا فيه . PageV05P028 قال المهلب : فى هذه الآية التى فى ~~الترجمة دليل على أن كل مقتول غدرا أنه شهيد ؛ لأن أصحاب بئر معونة قتلوا ~~غدرا بهم . وأما حياة الشهيد فقد اختلف الناس فى كيفيتها ، وأولى ما قيل ~~فيها والله أعلم أن تكون الأرواح ترزق ، وكذلك جاء الخبر أن - صلى الله ~~عليه وسلم - قال : ( إنما نسمة المؤمن طائر تعلق فى شجر الجنة ) يعنى : ~~يأكل منها ، كذلك فسره أهل اللغة ، وحديث تعليق عام ، وقد خصصه القرآن ~~بأشياء باشتراط الشهداء . وقوله فى حديث جابر : ( ثم قتلوا شهداء ) يعنى : ~~والخمر فى بطونهم ؛ فإنما كان هذا قبل نزول تحريمها ، فلم يمنعهم ما كان فى ~~علم الله من تحريمها ، ولا كونها فى بطونهم من حكم الشهادة ، وفضلها ؛ لأن ~~التحريم إنما يلزم بالنهى ، وما كان قبل النهى فهو معفو عنه . * * * # | 20 - باب ظل الملائكة على الشهيد # 1676 / - فيه : جابر : جىء بأبى إلى النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، ~~وقد مثل به ، ووضع بين يديه ، فذهبت أكشف عن وجهه ، فنهانى قومى ، فسمع صوت ~~صائحة ، فقيل : بنت عمرو ، أو أخت عمرو ، فقال : ( لم تبكى ؟ أو فلا تبكى ، ~~ما زالت الملائكة تظله بأجنحتها ، حتى رفع ) . قال المهلب : هذا من فضل ~~الشهادة وضع الملائكة أجنحتها عليه رحمة له وفيه أن النياحة ليست الشدة فى ~~النهى عنها إلا إذا كان معها شيء من أفعال الجاهلية من شق وخمش ودعوى ~~الجاهلية على ما تقدم فى كتاب الجنائز . PageV05P029 وفيه أن الشهيد والرجل ~~الصالح ومن يرجى له الخير لا ms1530 يجب أن يبكى عليه ، ألا ترى أن الرسول قال لها ~~: ( لم تبكين ) فأخبرها بالأمن عليه فى الآخرة وإنما البكاء على من يخشى ~~عليه النار ويشهد لهذا المعنى حديث أم حارثه إذ قالت للنبى - صلى الله عليه ~~وسلم - ( أخبرنى بمنزلة ابنى فإن كان فى الجنة صبرت واحتسبت ) . * * * # | 21 - باب تمنى الشهيد أن يرجع إلى الدنيا # 1677 / - فيه : أنس ، قال النبى ، - صلى الله عليه وسلم - : ( ما أحد ~~يدخل الجنة يحب أن يرجع إلى الدنيا وله ما على الأرض من شىء ، إلا الشهيد ~~يتمنى أن يرجع إلى الدنيا ، فيقتل عشر مرات ، لما يرى من الكرامة ) . هذا ~~الحديث أجل ما جاء فى فضل الشهادة والحض عليها والترغيب فيها ، وإنما يتمنى ~~أن يقتل عشر مرات والله أعلم لعلمه بأن ذلك مما يرضى الله ويقرب منه ؛ لأن ~~من بذل نفسه ودمه فى إعزاز دين الله ونصرة دينه ونبيه ، فلم تبق غاية وراء ~~ذلك وليس فى أعمال البر ما تبذل فيه النفس غير الجهاد ، فلذلك عظم الثواب ~~عليه ، والله أعلم . * * * # | 22 - باب الجنة تحت بارقة السيوف # وقال المغيرة : أخبرنا نبينا - صلى الله عليه وسلم - عن رسالة ربنا ، أنه ~~من قتل منا صار إلى الجنة . وقال عمر للنبى - صلى الله عليه وسلم - : أليس ~~قتلانا فى الجنة وقتلاهم فى النار ؟ قال : ( بلى ) . PageV05P030 1678 / ~~فيه : ابن أبى أوفى ، قال الرسول - صلى الله عليه وسلم - : ( واعلموا أن ~~الجنة تحت ظلال السيوف ) . قال المهلب : فيه أنه قد يجوز أن يقطع لقتلى ~~المسلمين كلهم بالجنة ؛ لقول عمر : ( أليس قتلانا فى الجنة وقتلاهم فى ~~النار ) ولكن على الجملة وليس يمكن أن يشخص من هذه الجملة واحد فيقال : إن ~~هذا فى الجنة إلا بخبر فيه نفسه ؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم - : ( والله ~~أعلم بمن يجاهد فى سبيله ) فنحن نقطع بظاهر هذا الحديث فى الجملة ونكل ~~التفصيل والغائب من النيات إلى الله تعالى لئلا يقطع فى علم الله بغير خبر ~~، ألا ترى أن النبى - صلى الله عليه وسلم - حين سئل ، فقيل له : ( منا من ~~يقاتل للمغنم ms1531 وليرى مكانه وللدنيا ) فلما فصل له تبرأ من موضع القطع على ~~الغيب . فقال : ( من قاتل لتكون كلمة الله هى العليا فهو فى الجنة ) وهذا ~~القول يقضى على سائر معانى الحديث والمسألة ، والترجمة صحيحة . وأن من قتل ~~أو قتل فى إعلاء كلمة الله فهو فى الجنة . وقوله : ( تحت بارقة السيوف ) هو ~~من البريق ، والبريق معروف . وقال الخطابى : يقال : أبرق الرجل بسيفه إذا ~~لمع به ، ويسمى السيف : إبريقا وهو إفعيل من البريق . وقال ابن أحمر : ~~تقلدت إبريقا وعلقت جفنه ليهلك حيا ذا زهاء وحامل PageV05P031 # | 23 - باب من طلب الولد للجهاد # 1679 / - فيه : أبو هريرة ، قال النبى ، - صلى الله عليه وسلم - : ( قال ~~سليمان : لأطوفن الليلة على مائة امرأة ، أو تسع وتسعين ، كلهن تأتى بفارس ~~يجاهد فى سبيل الله ، فقال له صاحبه : إن شاء الله ، فلم يقل إن شاء الله ، ~~فلم تحمل منهن إلا امرأة واحدة ، جاءت بشق رجل ، والذى نفس محمد بيده ، لو ~~قال : إن شاء الله ، لجاهدوا فى سبيل الله فرسانا أجمعون ) . قال المهلب : ~~فى هذا الحديث حض على الولد بنية الجهاد فى سبيل الله ، وقد يكون الولد ~~بخلاف ما أمله فيه ، فيكون كافرا ، ولكن قد تم له الأجر فى نيته وعمله . ~~وفيه أن من قال : إن شاء الله . وتبرأ من المشيئة لله ولم يعط الخاصة لنفسه ~~فى أعماله ، أنه حرى بأن يبلغ أمله ويعطى أمنيته ، ألا ترى أن سليمان لما ~~لم يرد المشيئة إلى الله ، ولم يستثن ما لله ، فمن ذلك حرم أمله ، ولو ~~استثنى لبلغ أمله ، كما قال - صلى الله عليه وسلم - ، وليس كل من قال قولا ~~ولم يستثن فيه المشيئة فواجب ألا يبلغ أمله بل منهم من يشاء الله إتمام ~~أمله ، ومنهم من يشاء ألا يتم أمله بما سبق فى علمه ، ولكن هذه التى أخبر ~~عنها الرسول أنها مما لو أستثنى المشيئة لتم أمله فدل هذا على أن الأقدار ~~فى علم الله على ضروب . فقد يقدر للإنسان الولد والرزق والمنزلة إن فعل كذا ~~أو قال أو دعا ، فإن لم ms1532 يفعل ولا قال لم يعط ذلك الشيء ، وأصل هذا فى قصة ~~يونس - صلى الله عليه وسلم - قال تعالى : { فلولا أنه كان من المسبحين للبث ~~فى بطنه إلى يوم يبعثون } فبان بهذه الآية أن تسبيحه كان سبب خروجه من بطن ~~الحوت ، ولو لم يسبح ما خرج منه . PageV05P032 وفيه أن الاستثناء قد يكون ~~بإثر القول ، وإن كان فيه سكوت يسير لم تنقطع به دونه الأفكار الحائلة بين ~~الاستثناء واليمين ، وسيأتى ذلك فى موضعه ، إن شاء الله . * * * # | 24 - باب الشجاعة والجبن فى الحرب # 1680 / فيه : أنس ، كان النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، أحسن الناس ، ~~وأشجع الناس ، وأجود الناس ، ولقد فزع أهل المدينة ، فكان النبى ، - صلى ~~الله عليه وسلم - ، سبقهم على فرس ، وقال : ( وجدناه بحرا ) . 1681 / وفيه ~~: جبير بن مطعم : بينا هو يسير مع النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، ومعه ~~الناس مقفله من حنين ، فعلقت الأعراب يسألونه حتى اضطروه إلى سمرة ، فخطفت ~~رداءه ، فوقف ، - صلى الله عليه وسلم - ، فقال : ( أعطونى ردائى ، لو كان ~~لى عدد هذه العضاه نعما لقسمته بينكم ، ثم لا تجدونى بخيلا ولا كذوبا ولا ~~جبانا ) . قال المهلب : فيه أن الرئيس قد يشجع فى بعض الأوقات إذا وجد من ~~نفسه قوة وإن كان اللازم له أن يحوط أمر المسلمين بحياطة نفسه ، لكن النبى ~~لما رأى الفزع المستولى علم أنه ليس يكاد بما أخبره الله فى قوله : { والله ~~يعصمك من الناس } [ المائدة : 67 ] وأنه لا بد أن يتم أمره حتى تمر المرأة ~~من الحيرة حتى تطوف بالكعبة لا تخاف إلا الله ؛ فلذلك أمن - صلى الله عليه ~~وسلم - فزعهم باستبراء الصيحة ، وكذلك كل رئيس إذا استولى على قومه الفزع ~~ووجد من نفسه قوة فينبغى له أن يذهب عنهم الفزع باستبرائه نفسه ، وفيه ~~استعمال المجاز فى الكلام ؛ لقوله فى الفرس : PageV05P033 ( إنه بحر ) فشبه ~~ذلك ؛ لأن الجرى منه لا ينقطع كما لا ينقطع ماء البحر ، وأول من تكلم بهذا ~~رسول الله ، وسأريد فى هذا المعنى فى باب : أسم الفرس والحمار ، بعد هذا إن ~~شاء الله . وفيه ms1533 استعارة الدواب للحرب وغيره ، وفيه ركوب الدابة عريا ~~لاستعجال الحركة . قال المؤلف : وفى حديث جبير أنه لا بأس للرجل الفاضل أن ~~يخبر عن نفسه بما فيه من الخلال الشريفة عندما يخاف من سوء ظن أهل الجهالة ~~به . وفيه أن البخل والجبن والكذب من الخلال المذمومة التى لا تصلح أن تكون ~~فى رؤساء الناس ، وأما من كانت فيه خلة منها لم يتخذه المسلمون إماما ولا ~~خليفة ، وكذلك من كان كذوبا فلا يتخذ إماما فى دين الله ؛ لأن الكذب فجور ~~لقوله - صلى الله عليه وسلم - : ( الكذب يهدى إلى الفجور ) ولا يؤمن على ~~وحى الله وسنة رسوله الفجار ، وإنما يؤمن عليه أهل العدالة كما قال - صلى ~~الله عليه وسلم - : ( يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله ) . قال المهلب : ~~وفيه أن الإلحاف فى المسألة قد يرد بالقول والعدة كما قال - صلى الله عليه ~~وسلم - : ( لو أن لى عدد هذه العضاه نعما لقسمته بينكم ) والوعد من النبى ~~فى حكم الإنجاز واجب لقوله : ( ثم لا تجدونى كذوبا ) . وفيه : الصبر لجهلة ~~الناس وجفاة السؤال وإن ناله فى ذلك أذى . وسؤاله رداءه تأنيسا لهم من ~~الأذى والجفاء عليه والمزاحمة فى الطريق ، ثم رد إلحافهم بأن أعلمهم أن ما ~~ملكه مقسوم بينهم وأن وعده منجز لهم ، وأن الذى يسألونه من قتالهم وعونهم ~~به ليسوا بالمتقدمين عليه فيه ؛ بل هو المقدم عليهم فى القتال وفى كل حال ~~لقوله : ( ولا جبانا ) ولم ينكر أحد منهم ما وصف به نفسه لا عترافهم به . ~~PageV05P034 وقال أبو عبيد : العضاه من الشجر كل ما له شوك ومن أعرف ذلك ~~الطلح والسيل والسيال والعرفط والسمر ، وقال غيره : والقتاد . * * * # | 25 - باب ما يتعوذ به من الجبن # 1682 / فيه : سعد ، أنه كان يعلم بنيه هؤلاء الكلمات كما يعلم المعلم ~~الغلمان الكتابة ، ويقول : إن الرسول - صلى الله عليه وسلم - كان يتعوذ ~~منهن فى دبر الصلاة : ( اللهم إنى أعوذ بك من الجبن ، وأعوذ بك أن أرد إلى ~~أرذل العمر ، وأعوذ بك من فتنة الدنيا ، وعذاب القبر ) . 1683 / وفيه : أنس ~~، كان ms1534 الرسول - صلى الله عليه وسلم - يقول : ( اللهم إنى أعوذ بك من العجز ~~والكسل ، والجبن والهرم ، وأعوذ بك من فتنة المحيا والممات ، وعذاب القبر ) ~~. قال المهلب : أما استعاذته - صلى الله عليه وسلم - من الجبن فإنه يؤدى ~~إلى عذاب الآخرة ؛ لأنه يفر من قرنه فى الزحف فيدخل تحت وعيد الله لقوله : ~~{ ومن يولهم يومئذ } [ الأنفال : 16 ] الآية ، وربما يفتن فى دينه ، فيرتد ~~لجبن أدركه ، وخوف على صحته من الأسر والعبودية ، وأرذل العمر : الهرم ~~والضعف عن أداء الفرائض وعن خدمة نفسه فيما يتنظف به فيكون كلا على أهله ~~مستثقلا بينهم ، وفتنة الدنيا أن يبيع الآخرة بما يتعجله فى الدنيا من حال ~~أو مال ، وتعوذ من العجز ؛ لئلا يعجز عما يلزمه فعله من منافع الدين ~~والدنيا . والعجز : مختلف فى معناه ، أما أهل الكلام فيجعلونه : ما لا ~~استطاعة لأحد على ما يعجز عنه ؛ لأن الاستطاعة عندهم مع الفعل . ~~PageV05P035 وأما أهل الفقه فيقولون : العجز هو ما يستطيع أن يعمله إذا ~~أراد لأنهم يقولون : إن الحج ليس على الفور ولو كان على المهلة عند أهل ~~الكلام لم يصح معناه ؛ لأن الاستطاعة لا تكون إلا مع الفعل والذين يقولون ~~بالمهلة يجعلون الاستطاعة قبل الفعل ، وأما الكسل فهم مجمعون على أنه ضعف ~~النية وإيثار الراحة للبدن على التعب ، وإنما أستعيذ منه ؛ لأنه يبعد عن ~~الأفعال الصالحة للدنيا والآخرة ، وسيأتى هذا الحديث فى كتاب الدعاء ونزيده ~~بيانا ووجه حاله إن شاء الله . * * * # | 26 - باب من حدث بمشاهده فى الحرب # 1684 / - فيه : السائب بن يزيد ، قال : صحبت طلحة بن عبيد الله ، وسعدا ، ~~والمقداد بن الأسود ، وعبدالرحمن بن عوف ، فما سمعت أحدا منهم يحدث عن رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - ، إلا أنى سمعت طلحة يحدث عن يوم أحد . قال ~~المؤلف : إنما لم يحدث هؤلاء عن رسول الله والله أعلم خشية التزيد والنقصان ~~؛ لئلا يدخلون فى معنى قوله - صلى الله عليه وسلم - : ( من تقول على ما لم ~~أقل فليتبوأ مقعده من النار ) فاحتاطوا على أنفسهم أخذا بقول عمر : ( أقلوا ~~الحديث عن رسول ms1535 الله وأنا شريككم ) وقد تقدم هذا فى كتاب العلم . وأما حديث ~~طلحة عن مشاهده يوم أحد ، ففيه من الفقه : أن للرجل أن يحدث عما تقدم له من ~~العناء فى إظهار الإسلام وإعلاء كلمته ، وما نفذ فيه من أعمال البر ~~والموجبات غير النوافل ؛ لأنه كان عليهم نصر الرسول وبذل أنفسهم دونه فرضا ~~؛ ليتأسى بذلك متأس PageV05P036 ولا يدخل ذلك فى باب الرياء ؛ لأن إظهار ~~الفرائض أفضل من سترها ليشاد منار الإسلام وتظهر أعلامه ، وكان طلحة من أهل ~~النجدة ، وثبات القدم فى الحرب . ذكر البخارى عن قيس فى المغازى ، قال : ( ~~رأيت يد طلحة شلاء وقى بها الرسول يوم أحد ) وعن أبى عثمان ( أنه لم يبق مع ~~النبى - صلى الله عليه وسلم - غير طلحة وسعد ) فلهذا حدث طلحة عن مشاهده ~~يوم أحد ؛ ليقتدى به ويرغب الناس فى مثل فعله ، والله أعلم . * * * # | 27 - باب وجوب النفير وما يجب من الجهاد والنية # وقوله تعالى : { انفروا خفافا وثقالا } [ التوبة : 41 ] ، وقوله : { يا ~~أيها الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا فى سبيل الله اثاقلتم } الآية ~~[ التوبة : 38 ] 1685 / فيه : ابن عباس ، قال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - : ( لا هجرة بعد الفتح ، ولكن جهاد ونية ، وإذا استنفرتم فانفروا ) ~~. قال المهلب : النفير والجهاد ، يجبان وجوب فرض ووجوب سنة ، فأما من ~~استنفر لعدو غالب ظاهر فالنفير فرض عليه ، ومن استنفر لعدو غير غالب ولا ~~قوى على المسلمين فيجب عليه وجوب سنة ، من أجل أن طاعة الإمام المستنفر ~~للعدو الغالب قد لزم الجهاد فيه كل أحد مشخص بعينه وأما العدو المقاوم أو ~~المغلوب ، فلم يلزم الجهاد فيه لزوم التشخيص لكل إنسان ، وما لزم الجماعة ~~فمن انتدب له قام به ، ومن قعد عنه أرجو أن يكون فى سعة ، ومن ذلك قوله : ( ~~لا هجرة بعد الفتح ) وذلك أنه كان فى بدو الإسلام فرضا على كل مسلم أن ~~PageV05P037 يهاجر مع الرسول فيقاتل معه حتى تكون كلمة الله هى العليا ، ~~فلما فتح الله مكة وكسر شوكة صناديد قريش ودخل الناس فى دين الله ms1536 أفواجا ~~نزلت المقاومة من المسلمين و [ . . . . . ] على عدوهم فلم تلزم الناس ~~الهجرة بعد ؛ لكثرة المسلمين ، وسيأتى تفسير باقى الحديث ، ومذاهب العلماء ~~فى قوله : ( لا هجرة بعد الفتح ) فى آخر كتاب الجهاد فى باب لا هجرة بعد ~~الفتح ، إن شاء الله . * * * # | 28 - باب الكافر يقتل المسلم ثم يسلم فيسدد أو يقتل # 1686 / فيه : أبو هريرة ، قال النبى ، - صلى الله عليه وسلم - : ( يضحك ~~الله إلى رجلين يقتل أحدهما الآخر يدخلان الجنة ، يقاتل هذا فى سبيل الله ~~فيقتل ، ثم يتوب الله على القاتل فيستشهد ) . 1687 / وفيه : أبو هريرة ، ~~أتيت الرسول - صلى الله عليه وسلم - وهو بخيبر بعد ما افتتحوها ، فقلت : يا ~~رسول الله ، أسهم لى ، فقال بعض بنى سعيد بن العاص : لا تسهم له ، يا رسول ~~الله ، فقال أبو هريرة : هذا قاتل ابن قوقل ، فقال ابن سعيد بن العاص : ~~واعجبا لوبر ، تدلى علينا من قدوم ضأن ينعى على قتل رجل مسلم أكرمه الله ~~على يدى ؛ ولم يهنى على يديه . قال : فلا أدرى أسهم له أو لم يسهم له . قال ~~المؤلف : ذكر أبو داود هذا الحديث فى مصنفه قال : ( ولم يسهم له رسول الله ~~) وذكر أنه أبان بن سعيد بن العاص ، والترجمة صحيحة ، ومعناها عند العلماء ~~أن القاتل الأول كان كافرا ، وتوبته إسلامه وقوله : ( يضحك الله إلى رجلين ~~) أى : يتلقاهما بالرحمة PageV05P038 والرضوان ، والضحك منه على المجاز ؛ ~~لأن الضحك لا يكون منه تعالى على ما يكون من البشر ؛ لأنه ليس كمثله شيء . ~~وفيه من الفقه : أن الرجل قد يوبخ بما سلف إلا أن يتوب ، فلا يوبخ عليه ، ~~ولا تثريب ، ألا ترى أن أبا هريرة لما [ . . . . . ] سعيد على قتل ابن قوقل ~~كيف رد عليه أقبح الرد ، وصارت له عليه الحجة كما صارت لآدم على موسى من ~~أجل أنهما وبخا بعد التوبة من الذنب . وفيه : أن التوبة تمحو ما سلف قبلها ~~من الذنوب : القتل وغيره لقوله : ( أكرمه الله على يدى ولم يهنى على يديه ) ~~لأن ابن قوقل وجبت له الجنة بقتل ابن سعيد له ولم تجب لابن ms1537 سعيد النار ؛ ~~لأنه تاب وأسلم ويصحح ذلك سكوت الرسول على قوله ، ولو كان غير صحيح لما ~~لزمه السكوت ؛ لأنه - صلى الله عليه وسلم - بعث مبينا للناس . وفى حديث أبى ~~هريرة حجة على الكوفيين فى قولهم فى المدد يلحق بالجيش فى أرض الحرب بعد ~~الغنيمة أنهم شركاؤهم فى الغنيمة ، وسائر العلماء إنما تجب عندهم الغنيمة ~~لمن شهد الوقعة . واحتجوا بأن الرسول - صلى الله عليه وسلم - لم يسهم لأبى ~~هريرة فى هذا الحديث . قال الكوفيون : لا حجة فى حديث أبى هريرة ؛ لأن خيبر ~~صارت حين فتحت دار إسلام وهذا لا شك فيه ، قالوا : وقد روى حماد بن سلمة ، ~~عن على بن زيد ، عن عمار بن أبى عمار ، عن أبى هريرة قال : ( ما شهدت لرسول ~~الله مغنما إلا قسم لى إلا خيبر ؛ فإنها كانت لأهل الحديبية خاصة شهدوها أو ~~لم يشهدوها ؛ لأن الله كان وعدهم بها بقوله : { وأخرى لم تقدروا عليها } [ ~~الفتح : 21 ] واحتجوا بما رواه PageV05P039 أبو أسامة ، عن بريد بن أبى ~~بردة ، عن أبى موسى قال : ( قدمنا على النبى - صلى الله عليه وسلم - مع ~~جعفر من أرض الحبشة بعد فتح خيبر بثلاث فقسم لنا ولم يقسم لأحد لم يشهد ~~فتحها غيرنا ) . قال الطحاوى : وهذا يحتمل أن يكون لأنهم كانوا من أهل ~~المدينة أو يكون استطاب أنفس أهل الغنيمة . وعلى قول الطحاوى لا حجة ~~لأصحابه فى حديث أبى موسى ، وسيأتى تمام هذا القول فى هذه المسألة فى حديث ~~ابن عمر أن النبى - - صلى الله عليه وسلم - - أسهم لعثمان يوم بدر فى باب : ~~إذا بعث الإمام رسولا فى حاجة أو أمره بالمقام عليها هل يقسم له ، بعد هذا ~~إن شاء الله . وقوله : ( واعجبا لوبر تدلى علينا من قدوم ضأن ) وقد روى من ~~رأس ضأن ، فمن رواه لوبر بفتح الباء فمعناه أنه شبه أبا هريرة بالوبر الذى ~~لا حطب له ولا مقدار ؛ لأنه لم يكن لأبى هريرة عشيرة ولا قوم يمتنع بهم ولا ~~يغنى فى قتال ولا لقاء عدو وكان ابن سعيد وأبو هريرة طارئين ms1538 ، ذكر الطبرى ~~أن أبا هريرة وأبانا قدما على الرسول بخيبر . ومن روى الوبر بإسكان الباء ~~فمعناه أنه يشبهه بالوبر وهو دويبة على قدر السنور ، عن صاحب العين ، فأراد ~~به فى ضعف المنة وقلة الغناء كالنسور فى السباع وإنما سكت النبى - صلى الله ~~عليه وسلم - عن الإنكار على ابن سعيد ؛ لأنه لم يذم أبا هريرة بحد ولا ~~تنقصه فى دين ، وإنما تنقصه فى قلة العشيرة والعدد أو بضعف المنة . وأما ~~قوله : ( تدلى علينا من قدوم ضأن ) فإن أبا ذر الهروى ، PageV05P040 قال : ~~( ضأن ) جبل بأرض دوس وهو بلد أبى هريرة . وقوله : ( تدلى علينا ) يعنى : ~~انحدر ، ولا يخبر بهذا إلا عمن جاء من موضع عال ، هذا الأشهر عند العرب . ~~وقوله : ( من قدوم ضأن ) يحتمل أن يكون قدوم جمع قادم ، مثل راكع وركوع ~~وساجد وسجود ، ذكر ذلك سيبويه فيكون المعنى تدلى علينا من جملة القوم ~~القادمين ، أقام الصفة مقام الموصوف . وتكون ( من ) فى قوله ( من قدوم ) ~~تبيينا للجنس كقوله : ( لو تدلى علينا من ساكنى ضأن ) ولا تكون ( من ) ~~مرتبطة بالفعل فى قوله ، تدليت من الجبل . لاستحالة تدليه من قوم . ولا ~~يقال تدليت من بنى فلان ، ويحتمل أن يكون ( قدوم ) مصدر وصف به الفاعلون ، ~~ويكون فى الكلام حذف ، وتقديره : ( تدلى علينا من ذوى قدوم ) فحذف الموصوف ~~وأقام المصدر مقامه ، كما قالوا : رجل صوم ورجل فطر أى : ذو صوم وذو فطر ، ~~و ( من ) على هذا التقدير أيضا تبيين للجنس كما كانت فى الوجه الأول . ~~ويحتمل أن يكون معناه : تدلى علينا من مكان قدوم ضأن ، ثم حذف المكان وأقام ~~القدوم مكانه ، كما قالت العرب : ذهب به مذهب وسلك به مسلك ، يريد المكان ~~الذى يسلك فيه ويذهب ، ويشهد لهذا رواية من روى ( من رأس ضأن ) . وفيه قول ~~آخر : يحتمل أن يكون ( قدوم ) اسم لمكان من الجبل متقدم منه ، ولا يكون ~~مصدرا ولا جمعا ، ويدل على هذا رواية من روى : ( تدلى علينا من رأس ضأن ) ~~ويحتمل أن يكون اسما لمكان قدوم بفتح القاف دون الضم ، لقلة الضم فى هذا ms1539 ~~البناء فى الأسماء ، وكثرة الفتح . ويحتمل أن يكون قدوم ضأن بتشديد الدال ~~وفتح القاف PageV05P041 لو ساعدته رواية ؛ لأنه بناء من أسماء المواضع ، ~~وطرف القدوم موضع بالشام . * * * # | 29 - باب من اختار الغزو على الصوم # 1688 / فيه : أنس ، كان أبو طلحة لا يصوم على عهد رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - من أجل الغزو ، فلما قبض النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، لم ~~أره مفطرا إلا يوم فطر أو أضحى . قال المهلب : كان أبو طلحة فارس رسول الله ~~، وممن له الغناء فى الحرب ؛ فلذلك كان يفطر ليتقوى على العدو ، وقد قال ~~النبى - صلى الله عليه وسلم - - : ( تقووا لعدوكم بالإفطار ) وأيضا فإن ~~المجاهد يكتب له أجر الصائم القائم ، وقد مثله - صلى الله عليه وسلم - ~~بالصائم لا يفطر والقائم لا يفتر ، فدل هذا كله على فضل الجهاد على سائر ~~أعمال التطوع ، فلما مات رسول الله وكثر الإسلام واشتدت وطأة أهله على ~~عدوهم ، ورأى أنه فى سعة عما كان عليه من الجهاد ، ورأى أن يأخذ لحظه من ~~الصوم ؛ ليدخل يوم القيامة من باب الريان ، والله أعلم . * * * # | 30 - باب الشهادة سبع سوى القتل # 1689 / فيه : أبو هريرة ، قال النبى ، - صلى الله عليه وسلم - : ( ~~الشهداء خمسة : المطعون ، والمبطون ، والغرق ، وصاحب الهدم ، والشهيد فى ~~سبيل الله ) . 1690 / وفيه : أنس ، قال النبى ، - صلى الله عليه وسلم - : ( ~~الطاعون شهادة لكل مسلم ) . PageV05P042 قال المؤلف : لا تخرج هذه الترجمة ~~من الحديث أصلا . وهذا يدل أن البخارى مات ولم يهذب كتابه ؛ لأنه لم يذكر ~~الحديث الذى فيه أن الشهداء سبعة سوى القتل فى سبيل الله ، وهو حديث رواه ~~مالك ، عن عبد الله بن عبد الله بن جابر بن عتيك ، عن عتيك بن الحارث بن ~~عتيك أن جابر بن عتيك ، أخبره أن رسول الله جاء يعود عبد الله ابن ثابت ~~فوجده قد غلب فصاح به فلم يجبه . . . ) ، وذكر الحديث ، وقال فيه رسول الله ~~: ( الشهداء سبعة سوى القتل فى سبيل الله : المطعون شهيد ، والغرق شهيد ، ~~وصاحب ذات الجنب شهيد ، والمبطون شهيد ، والحرق شهيد ، والذى يموت تحت ms1540 ~~الهدم شهيد ، والمرأة تموت بجمع شهيد ) فالمطعون هو الذى يموت فى الطاعون ، ~~وقد قالت عائشة : قال النبى - صلى الله عليه وسلم - - : ( فناء أمتى فى ~~الطعن والطاعون . قالت : أما الطعن فقد عرفناه ؟ فما الطاعون ؟ قال : غدة ~~كغدة البعير تخرج فى المراق والآباط ، من مات منه مات شهيدا ) والمبطون : ~~هو [ . . . ] وقيل : صاحب انخراق البطن بالإسهال . وذات الجنب : وهى الشوصة ~~. وفى بعض الآثار : ( المجنوب شهيد ) يريد صاحب ذات الجنب ، يقال : منه رجل ~~جنب بكسر النون إذا كان به ذلك ، وأما المرأة تموت بجمع ، ففيه قولان : ~~أحدهما : المرأة تموت من الولادة وولدها فى بطنها قد تم خلقه ، وقيل : إذا ~~ماتت من النفاس فهو شهيد سواء ألقت ولدها وماتت ، أو ماتت وهو PageV05P043 ~~فى بطنها . والقول الثانى : هى المرأة تموت عذراء قبل أن تحيض لم يمسها ~~الرجال . والأول أشهر فى اللغة . قال المهلب : وقد أخبر - صلى الله عليه ~~وسلم - فى غير ما ذكر فى هذه الآثار فى قوم أنهم شهداء فقال : ( من قتل دون ~~ماله فهو شهيد ، ومن قتل دون أهله ودون دينه ) وإن كان بنص كتاب الله إنما ~~أتى فيمن قتل فى سبيل الله فمن ألحق النبى - صلى الله عليه وسلم - ميتته ~~بالشهادة فحاله كحال من قتل فى سبيل الله ، والله أعلم . * * * # | 31 - باب قول الله تعالى : { لا يستوى القاعدون من المؤمنين } الآية [ ~~النساء : 95 ] # 1691 / فيه : البراء ، لما نزلت : { لا يستوى القاعدون من المؤمنين } دعا ~~النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، زيدا ، فجاء بكتف ، فكتبها ، وجاء ابن أم ~~مكتوم فشكا ضرارته ، فنزلت : { لا يستوى القاعدون من المؤمنين غير أولى ~~الضرر } . 1692 / فيه : زيد ، أن النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، أملى ~~على : { لا يستوى القاعدون من المؤمنين } { والمجاهدون فى سبيل الله } قال ~~: فجاءه ابن أم مكتوم وهو يملها ؛ فقال : يا رسول الله ، لو أستطيع الجهاد ~~لجاهدت ، وكان رجلا أعمى ، فأنزل الله على رسوله - صلى الله عليه وسلم - ، ~~وفخذه على فخذى ، فثقلت على حتى خفت أن ترض فخذى ، ثم سرى عنه ، فأنزل الله ~~: { غير أولى الضرر } . قال ms1541 المهلب : فيه دليل على أن من حبسه العذر عن ~~الجهاد وغيره من أعمال البر مع نيته فيه فله أجر المجاهد والعامل ؛ لأن نص ~~الآية على PageV05P044 المفاضلة بين المجاهد والقاعد ثم استثنى من ~~المفضولين أولى الضرر ، وإذا استثناهم من المفضولين فقد ألحقهم بالفاضلين ، ~~وقد بين النبى - صلى الله عليه وسلم - هذا المعنى ، فقال : ( إن بالمدينة ~~أقواما ما سلكنا واديا ، وشعبا إلا وهم معنا حبسهم العذر ) وقد جاء عن ~~الرسول فيمن كان يعمل شيئا من الطاعة ثم حبسه عنه مرض أو غيره أنه يكتب له ~~ما كان يعمل وهو صحيح ، وكذلك من نام عن حزبه نوما غالبا كتب له أجر حزبه ، ~~وكان نومه صدقة عليه ، وهذا معنى قوله تعالى : { إلا الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات فلهم أجر غير ممنون } أى غير مقطوع بزمانة أو كبر أو ضعف ، ففى ~~هذا أن الإنسان يبلغ بنيته أجر العامل إذا كان لا يستطيع العمل الذى ينويه ~~، وسيأتى زيادة فى هذا المعنى فى باب يكتب للمسافر ما كان يعمل فى الإقامة ~~إن شاء الله وفيه اتخاذ الكاتب وتقييد العلم ، وفيه قرب الكاتب من مستكتبه ~~حتى تمس ركبته ركبته . * * * # | 32 - باب الصبر عند القتال # 1693 / فيه : ابن أبى أوفى قال النبى ، - صلى الله عليه وسلم - : ( إذا ~~لقيتموهم فاصبروا ) . قال المهلب : الصبر سبب إلى كل خير ، وقد نص الله ~~عليه فى غير موضع من كتابه ، فأمر النبى - صلى الله عليه وسلم - بالصبر عند ~~لقاء العدو رجاء بركته ؛ ولئلا يأنس الناس بالكسل والفشل اللذين هما آفة ~~الحرمان فى الدنيا والآخرة ، والصبر على مطلوبات الدنيا والآخرة ضمان ~~لإدراكها . PageV05P045 وقوله : ( فاصبروا ) معناه : الحض والندب ؛ لأن ~~الفرض الذى فرض الله على المسلمين عند لقاء العدو إنما هو عند المثلين ، ~~فما كان أكثر فإنما هو حض وندب والله الموفق . * * * # | 33 - باب التحريض على القتال # وقوله الله تعالى : { حرض المؤمنين على القتال } [ الأنفال : 65 ] . 1694 ~~/ فيه : أنس ، خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى الخندق ، فإذا ~~المهاجرون والأنصار يحفرون فى غداة باردة ، فلم يكن لهم ms1542 عبيد يعملون ذلك ، ~~فلما رأى ما بهم من النصب والجوع ، قال : اللهم إن العيش عيش الآخره فاغفر ~~للأنصار والمهاجره فقالوا مجيبين له : نحن الذين بايعوا محمدا على الجهاد ~~ما بقينا أبدا قال المهلب : فيه دليل أن الحفر فى سبيل الله والتحصين ~~للديار ولسد العورة منها أجر كأجر القتال ، والنفقة فيه محسوبة فى نفقات ~~المجاهدين إلى تسعمائة ضعف . وفيه استعمال الرجز والشعر إذا كان فيه إقامة ~~النفوس فى الحرب وإثارة الأنفة والعزة . وفيه المجاوبة بالشعر على الشعر ، ~~وليس هذا الشعر من قول النبى - صلى الله عليه وسلم - هو من قول عبد الله بن ~~رواحة ، ولو كان من لفظ النبى لم يكن بذلك شعرا ولا ممن ينبغى له الشعر ؛ ~~لأنه قد يقع فى تضاعيف كلام العامة كلام موزون ولا يسمى ذلك شعرا ولا من ~~تكلم PageV05P046 به شاعرا ، ولو جاز أن يسمى بهذا المقدار شاعرا لكان جميع ~~العامة شعراء ؛ إذا لا يسلم أحد من أن يقع فى كلامه كلام موزون ، وقد تقدم ~~بيان هذا فى باب : من ينكب أو يطعن فى سبيل الله . وإنما يستحق اسم الشعر ~~من قصد صناعته وعلم السبب والوتد والشطر وجميع معانى الشعر من الزحاف ~~والحزم والقبض وما شاكل ذلك . * * * # | 34 - باب حفر الخندق # 1695 / فيه : أنس ، جعل المهاجرون والأنصار يحفرون الخندق حول المدينة ، ~~وينقلون التراب على متونهم . . . . الحديث . 1696 / وفيه : البراء ، رأيت ~~النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، ينقل التراب يوم الأحزاب ، وقد وارى ~~التراب بياض كتفيه . . . . . الحديث . . . ويقول : ( اللهم لولا أنت ما ~~اهتدينا ) . قال المهلب : فيه امتهان الإمام نفسه فى التحصين على المسلمين ~~وما يتأسى به الناس ويقتدون به ، فيه شرف له وتحريض وتنشيط وإثارة النية ~~والعزم على العمل والطاعة . PageV05P047 # | 35 - باب من حبسه العذر عن الغزو # 1697 / فيه : أنس ، رجعنا من غزوة تبوك مع النبى ، - صلى الله عليه وسلم ~~- ، فقال : ( إن بالمدينة أقواما ما سلكنا شعبا ، ولا واديا إلا وهم معنا ~~فيه ، حبسهم العذر ) . هذا يدل أن من حبسه العذر عن أعمال البر مع نيته ~~فيها أنه ms1543 يكتب له أجر العامل فيها ، كما قال - صلى الله عليه وسلم - فيمن ~~غلبه النوم عن صلاة الليل أنه يكتب له أجر صلاته ، وقد تقدم هذا المعنى فى ~~باب : { لا يستوى القاعدون من المؤمنين } . * * * # | 36 - باب فضل الصوم فى سبيل الله # 1698 / فيه : أبو سعيد ، سمعت النبى ؛ - صلى الله عليه وسلم - ، يقول : ( ~~من صام يوما فى سبيل الله بعد الله وجهه عن النار سبعين خريفا ) . قال ~~المهلب : هذا الحديث يدل أن الصيام فى سائر أعمال البر أفضل إلا أن يخشى ~~الصائم ضعفا عند اللقاء ؛ لأنه قد ثبت عن الرسول أنه قال لأصحابه فى بعض ~~المغازى حين قرب من الملاقاة بأيام يسيرة : ( تقووا لعدوكم ) فأمرهم ~~بالإفطار ؛ لأن نفس الصائم ضعيفة وقد جبل الله الأجسام على أنها لا قوام ~~لها إلا بالغذاء . ولهذا المعنى قال النبى - صلى الله عليه وسلم - لعبد ~~الله بن عمرو : ( أفضل الصوم صوم داود كان يصوم يوما ويفطر يوما ، ولا يفر ~~إذا لاقى ) فلا يكره الصوم البتة إلا عند اللقاء وخشية الضعف عند القتال ؛ ~~لأن الجهاد وقتل المشركين أعظم أجرا من الصوم لمن فيه قوة . PageV05P048 # | 37 - باب فضل النفقة فى سبيل الله # 1699 / فيه : أبو هريرة ، قال - صلى الله عليه وسلم - : ( من أنفق زوجين ~~فى سبيل الله دعاه خزنة الجنة - كل خزنة باب - : أى فل هلم ) ، قال أبو بكر ~~: يقولون اللهم ذلك الذى لا توى عليه ، فقال - صلى الله عليه وسلم - : ( ~~إنى لأرجو أن تكون منهم ) . 1700 / وفيه : أبو سعيد ، قام الرسول - صلى ~~الله عليه وسلم - على المنبر ، فقال : ( إنما أخشى عليكم من بعدى ما يفتح ~~عليكم من بركات الأرض - ثم ذكر زهرة الدنيا - الحديث إلى قوله : ( فإن هذا ~~المال خضرة حلوة ، ونعم صاحب المسلم لمن أخذه بحقه ، فجعله فى سبيل الله ~~والمساكين وابن السبيل ) . قال المهلب : قوله - صلى الله عليه وسلم - : ( ~~من أنفق زوجين فى سبيل الله دعاه كل خزنة باب ) فيه فضل الجهاد على سائر ~~الأعمال وأن للمجاهد أجر المصلى والصائم والمتصدق وإن لم يفعل ذلك ؛ ألا ms1544 ~~ترى أن باب الريان هو للصائمين خاصة ، وقد اشترط فى هذا الحديث أنه يدعى من ~~كل باب فاستحق ذلك بإنفاق قليل من المال فى سبيل الله ، ففى هذا أن [ . . . ~~. . . ] إذا أنفق فى سبيل الله . أفضل الأعمال . إلا أن طلب العلم ينبغى أن ~~يكون أفضل من الجهاد وغيره ؛ لأن الجهاد لا يكون إلا بعلم حدوده وما أحل ~~الله منه وحرم ، ألا ترى أن المجاهد متصرف بين أمر العالم ونهيه ، ففضل ~~عمله كله فى ميزان العالم الآمر له بالمعروف والناهى له عن المنكر والهادى ~~له إلى السبيل ، فكما أن أجر المسلمين كلهم مذخور للنبى - صلى الله عليه ~~وسلم - من أجل PageV05P049 تعليمه لهم وهدايته إياهم سبيل العلم ، فكذلك ~~يجب أن يكون أجر العالم فيه أجر من عمل بعلمه . وفيه دليل أن من دعى إلى ~~أبواب الجنة كلها لم يكن ممن استحق عقوبة فى نار والله أعلم لقول أبى بكر : ~~( ذلك الذى لا توى عليه ) أى : لا هلاك ، فلم ينكره الرسول . وفيه القول ~~بالدليل فى أحكام الدنيا والآخرة لاستدلال أبى بكر بالدعاء له من كل باب ~~أنه لا هلاك عليه ، ولتصديق الرسول ذلك الاستدلال ، وتبشيره لأبى بكر أنه ~~منهم ، من أجل أنه أنفق فى سبيل الله كلها أزواجا كثيرة من كل شيء ، وقد ~~تقدم هذا الحديث فى كتاب الصيام فى باب الريان للصائمين ، ومر فيه من ~~الكلام ما لم أذكره هاهنا . وكذلك تقدم القول فى حديث أبى سعيد فى كتاب ~~الزكاة ، وذكر ابن المنذر من حديث جرير بن حازم قال : حدثنى بشار بن أبى ~~سيف الجرمى ، عن الوليد بن عبد الرحمن ، عن عياض بن غطيف : ( أن أبا عبيدة ~~بن الجراح أخبره عن الرسول أنه قال : من أنفق فى سبيل الله فبسبعمائة ضعف ، ~~والنفقة على نفسه وأهله بعشر أمثالها ) . ومن حديث خريم بن فاتك ، روى ~~زائدة قال : حدثنا الركين بن ربيع ابن عميلة الفزارى ، عن أبيه ، عن يسير ~~بن عميلة الفزارى عن خريم ، عن النبى - صلى الله عليه وسلم - قال : ( من ~~أنفق نفقة فى سبيل ms1545 الله فبسبعمائة ضعف ) . وقد جاء أن الذكر وأعمال البر فى ~~سبيل الله أفضل من النفقة . فيه PageV05P050 من حديث الليث ، عن موسى بن ~~أيوب ، عن موسى بن حبير ، عن معاذ بن أنس الجهنى صاحب النبى - صلى الله ~~عليه وسلم - أنه قال : ( يضعف الذكر والعمل فى سبيل الله على تضعيف النفقة ~~بسبعمائة ضعف ) وعن ابن المسيب مثله . * * * # | 38 - باب فضل من جهز غازيا أو خلفه بخير # 1701 / فيه : زيد بن خالد ، قال - صلى الله عليه وسلم - : ( من جهز غازيا ~~فى سبيل الله فقد غزا ، ومن خلف غازيا فى سبيل الله بخير فقد غزا ) . 1702 ~~/ وفيه : أنس ، أن النبى ؛ - صلى الله عليه وسلم - ، لم يكن يدخل بيتا ~~بالمدينة غير بيت أم سليم ، فقيل له ، فقال : ( إنى أرحمها ، قتل أخوها معى ~~) . قال المهلب : أوجب له - صلى الله عليه وسلم - الفعل مجازا واتساعا وإن ~~لم يفعله لوجوب أجره له . وقال الطبرى : وفيه من الفقه أن كل من أعان مؤمنا ~~على عمل بر فللمعين عليه أجر مثل العامل ، وإذا أخبر الرسول أن من جهز ~~غازيا فقد غزا ، فكذلك من فطر صائما أو قواه على صومه ، وكذلك من أعان حاجا ~~أو معتمرا بما يتقوى به على حجه أو عمرته حتى يأتى ذلك على تمامه فله مثل ~~أجره . ومن أعان فإنما يجيء من حقوق الله بنفسه أو بماله حتى يغلبه على ~~الباطل بمعونة فله مثل أجر القائم ، ثم كذلك سائر أعمال البر ، وإذا كان ~~ذلك بحكم المعونة على أعمال البر فمثله المعونة على معاصى الله وما يكرهه ~~الله ، للمعين عليها من الوزر والإثم PageV05P051 مثل ما لعاملها ، ولذلك ~~نهى الرسول عن بيع السيوف فى الفتنة ولعن عاصر الخمر ومعتصرها وحاملها ~~والمحمولة إليه ، وكذلك سائر أعمال الفجور . قال المهلب : وقوله : ( لم يكن ~~يدخل بيتا غير بيت أم سليم ) يعنى : من بيوت النساء غير ذوى محارمه ؛ فإنه ~~كان يخص أم سليم للعلة التى ذكر ، ولأنها كانت أختها أم حرام خالته من ~~الرضاعة . وقال أبو عبد الله بن أبى صفرة : وكانت أم ms1546 حرام أختها تسكن بقباء ~~. وقوله : ( قتل أخوها معي ) أى : قتل فى سبيلى ؛ لأنه قتل ببئر معونة ، ~~ولم يشهدها الرسول - صلى الله عليه وسلم - . * * * # | 39 - باب التحنط عند القتال # 1703 / فيه : موسى بن أنس ، قال - وذكر يوم اليمامة - قال : أتى أنس ثابت ~~بن قيس ، وقد حسر عن فخذيه ، وهو يتحنط ، فقال : يا عم ، ما يحبسك أن لا ~~تجىء ؟ قال : الآن يا ابن أخى ، وجعل يتحنط - يعنى من الحنوط - ثم جاء فجلس ~~، فذكر فى الحديث انكشافا من الناس ، فقال : هكذا عن وجوهنا حتى نضارب ~~القوم ، ما هكذا كنا نفعل مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، بئس ما ~~عودتكم أقرانكم . قال المهلب : فيه الأخذ بالشدة فى استهلاك النفس وغيرها ~~فى ذات الله ، وترك الأخذ بالرخصة لمن قدر عليها ؛ لأنها لا يخلو أن تكون ~~الطائفة من المسلمين التى غزت اليمامة أكثر منهم أو أقل ، فإن كانوا أكثر ~~فلا يتعين الفرض على أحد بعينه أن يستهلك نفسه فيه ، وإن كانوا PageV05P052 ~~أقل وهو المعروف فى الأغلب أن لا يغزو جيش أجدا فى عقر داره إلا وهم أقل من ~~أهل الدار ، فإذا كان هكذا فالفرار مباح ، وإن تعذر معرفة الأكثر من ~~الفريقين فإن الفار لا يكون عاصيا إلا باليقين أن عدوهم مثلان فأقل ، وما ~~دام الشك ، فالفرار مباح للمسلمين . وفيه أن التطيب للحرب سنة من أجل ~~مباشرة الملائكة للميت . وفيه اليقين بصحة ما هو عليه من الدين ، وصحة ~~النية بالاغتباط فى استهلاك نفسه فى طاعة الله . وفيه التداعى للقتال ؛ فإن ~~أنسا قال لعمه : ما يحبسك ألا تجيء . ومعنى قوله : ( بئس ما عودتكم أقرانكم ~~) يعنى : العدو ، فى تركهم اتباعكم قبلكم حتى اتخذتم الفرار عادة للنجاة ، ~~وطلب الراحة من مجالدة الأقران . * * * # | 40 - باب فضل الطليعة # 1704 / فيه : جابر ، قال الرسول - صلى الله عليه وسلم - : ( من يأتينى ~~بخبر القوم يوم الأحزاب ) ؟ قال الزبير : أنا ، ثم قال : ( من يأتينى بخبر ~~القوم ) ؟ قال الزبير : أنا ، فقال - صلى الله عليه وسلم - : ( إن لكل نبى ~~حواريا ، وحوارى الزبير ) . وترجم له ( باب : هل يبعث ms1547 الطليعة وحده ) . قال ~~المهلب : فيه أن الطليعة يستحق اسم النصرة ؛ لأن الرسول سماه : حوارى ، ~~ومعنى هذه التسمية أن عيسى ابن مريم لما قال PageV05P053 لقومه : { من ~~أنصارى إلى الله قال الحواريون نحن أنصار الله } فلم يجبه غيرهم ، فكذلك ~~لما قال الرسول : ( من يأتينى بخبر القوم ) مرتين لم يجبه غير الزبير ، ~~فشبهة بالحواريين أنصار عيسى ، وسماه باسمهم ، وإذا صح من هذا الحديث أن ~~الطليعة ناصر ، فأجره أجر المقاتل المدافع ؛ قام منه الدليل على صحة قول ~~مالك أن طليعة اللصوص يقتل مع اللصوص ، وإن كان لم يقتل ولم يسلب ، وكذلك ~~قال عمر بن الخطاب : لو تمالأ عليه أهل صنعاء لقتلتهم به . وفيه شجاعة ~~الرئيس وتقدمه وفضله ، وفيه الأدب من الإمام فى الندب إلى القتال والمخاوف ~~؛ لأنه كان للنبى أن يقول لرجل بعينه : قم فائتنى بخبر القوم ، فلزم الرجل ~~ذلك ؛ لقوله تعالى : { استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم } وزعم بعض المعتزلة ~~أن بعث النبى الزبير طليعة وحده يعارض قوله : ( الراكب شيطان ) ونهيه عن أن ~~يسافر الرجل وحده . قال المهلب : وليس فى ذلك تعارض بحمد الله لاختلاف ~~المعنى فى الحديثين ، وذلك أن قوله - صلى الله عليه وسلم - : ( الراكب ~~شيطان ) إنما جاء فى المسافر وحده ، لأنه لا يأنس بصاحب ولا يقطع طريقه ~~محدث يهون عليه مؤنة السفر ، كالشيطان الذى لا يأنس بأحد ، ويطلب الوحيد ~~ليغويه بتذكار فتكة وتدبير شهوة ، حضا منه - صلى الله عليه وسلم - على ~~الصحبة ، والمرافقة لقطع المسافة ، وطى بعيد الأرض بطيب الحكاية ، وحسن ~~المعاونة على المؤنة ، وقصة الزبير بضد هذا . بعثه طليعة عينا متجسسا على ~~قريش ما يريدونه من حرب الرسول ، فلو أمكن أن يتعرف ذلك منهم بغير طليعة . ~~لكان أسلم وأخف ، PageV05P054 ولكن أراد أن يبين لنا جواز العذر فى ذلك لمن ~~احتسب نفسه وسخى بها فى نفع المسلمين وحماية الدين ، ومن خرج فى مثل هذا ~~الخطير من أمر الله لم يعط الشيطان أذنه ليصغى إلى خدعه ، بل عليه من الله ~~حافظ ، وبعد ألا ترى تثبيت الله له حين نادى أبو سفيان فى المشركين ms1548 : ليعرف ~~كل إنسان منكم جليسه . فقال الزبير لمن قرب منه : من أنت ؟ فسبق بحضور ذهنه ~~إلى ما لو سبقه إليه جليسه لكان سبب فضيحته ، ولو أرسل معه غيره لكان أقرب ~~إلى أن يعثر عليهما ، فالوحدة فى هذا هى الحكمة البالغة ، وفى المسافر هى ~~العورة البينة ، ولكل وجه من الحكمة غير وجه الآخر لتباين القصص واختلاف ~~المعانى ، وفى الباب الذى بعد هذا شيء من هذا المعنى . * * * # | 41 - باب سفر الاثنين # 1705 / فيه : مالك بن الحويرث ، انصرفت من عند الرسول - صلى الله عليه ~~وسلم - فقال لنا - أنا وصاحب لى - : ( أذنا وأقيما ، وليؤمكما أكبركما ) . ~~إن قال قائل : إباحته - صلى الله عليه وسلم - لمالك بن الحويرث وصاحبه أن ~~يؤذنا ويقيما عند انصرافهما من عنده ، يعارض قوله - صلى الله عليه وسلم - : ~~( الراكب شيطان ، والراكبان شيطانان ) ونهيه أن يسافر الرجل وحده . قيل : ~~ليس كما توهمت ؛ لأنه لا يجوز على أخباره التضاد . قال الطبرى : ونهيه عن ~~سفر الرجل وحده والاثنين نهى أدب PageV05P055 وإرشاد لما يخشى على فاعل ذلك ~~من الوحشة بالوحدة لا نهى تحريم ، وذلك نظير نهيه عن الأكل من وسط الطعام ، ~~وعن الشرب من فى السقاء ، والنهى عن المبيت على السطح غير المحجور ، وكل ~~ذلك تأديب لأمته ، وتعريف لهم منه ما فيه حظهم وصلاحهم ، لا شريعة ودين ~~يحرجون بتضييعه وترك العمل به ، فالعامل محتاط لنفسه من مكروه يلحقه إن ~~ضيعه . وذلك أن السائر فى فلاة وحده والبائت فى بيت وحده إذا كان ذا قلب ~~مخيف وفكر رديء لم يؤمن أن يكون ذلك سببا لفساد عقله ، والنائم على سطح غير ~~محجور عليه غير مأمون أن يقوم بوسن النوم وغمور فهمه فيتردى منه فيهلك ، ~~والشارب من فى السقاء غير مأمون عليه انحدار ما خفى عليه استكنانه من ~~الهوام القاتلة فى السقاء فيهلك أيضا ، وكذلك المسافر مع آخر قد يخشى من ~~غائلته ولا يأمن مكره ، فإذا كانوا ثلاثة أمن ذلك فى الأغلب ، وهذا وما ~~أشبهه من تأديبه - صلى الله عليه وسلم - لأمته . وأيضا فإن الناس مختلفوا ~~الأحوال متفاوتوا الأسباب ms1549 فمن كمى باسل لا يهوله هائل ولا يبقى غول غائل ، ~~فهو لا يبالى وحده سلك المفاوز أو فى عسكر ، فذلك الذى أذن عمر فى السير ~~لمثله من المدينة إلى الكوفة وحده حين بلغه عن سعد أنه بنى قصرا أو أمره ~~بإحراق بابه ، ومن مخيف الفؤاد يروعه كل منظر ، ويهوله كل شخص ، ويفزعه كل ~~صوت ، فذلك الذى يحرم عليه أن يسافر وحده ويمكن أن يكون الذى نهاه الرسول ~~أن يبيت وحده كان بهذه الصفة ، ومن أخذ بين ذلك الاحتياط له فى نفسه ودينه ~~ترك السفر وحده ومع آخر أيضا ، فمن كان الأغلب عليه الشجاعة ، والقوة لم ~~يكن إن شاء الله حرجا ولا آثما ، ومن كان الأغلب من قلبه الهلع ومن نفسه ~~الخور خشيت عليه فى السفر وحده الإثم والحرج وأن يورثه ذلك العلل الردية . ~~PageV05P056 # | 42 - باب الخيل معقود بنواصيها الخير إلى يوم القيامة # 1706 / فيه : ابن عمر ، وعروة ، قال النبى ، - صلى الله عليه وسلم - : ( ~~الخيل معقود فى نواصيها الخير إلى يوم القيامة ) . 1707 / وفيه : أنس ، قال ~~الرسول - صلى الله عليه وسلم - : ( البركة فى نواصى الخيل ) . وترجم له باب ~~( الجهاد ماض مع البر والفاجر ) لقول الرسول - صلى الله عليه وسلم - : ( ~~الخيل معقود فى نواصيها الخير إلى يوم القيامة ) . 1708 / وفيه : عروة ~~البارقى قال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( الخيل معقود فى نواصيها ~~الخير إلى يوم القيامة : الأجر والمغنم ) . قال بعض أهل العلم : معناه الحث ~~على ارتباط الخيل فى سبيل الله يريد أن من ارتبطها كان له ثواب ذلك فهو خير ~~آجل ، وما يصيب على ظهرها من الغنائم وفى بطونها من النتاج خير عاجل ، وخص ~~النواصى بالذكر ؛ لأن العرب تقول : فلان مبارك الناصية ، فيكنى بها عن ~~الإنسان . وقال المهلب : استدلال البخارى صحيح أن الجهاد ماض مع البر ~~والفاجر إلى يوم القيامة . من أجل أنه أبقى - صلى الله عليه وسلم - الخير ~~فى نواصى الخيل إلى يوم القيامة . وقد علم أن من أئمته أئمة جور لا يعدلون ~~، ويستأثرون بالمغانم ، فأوجب هذا الحديث الغزو معهم ، PageV05P057 ويقوى ms1550 ~~هذا المعنى أمره بالصلاة وراء كل بر وفاجر من السلاطين ، وأمره بالسمع ~~والطاعة ولو كان عبدا حبشيا . وقوله : ( فالأجر والمغنم ) يفسر قوله : ( مع ~~ما نال من أجر أو غنيمة ) أن ( أو ) بمعنى الواو فكأنه قال : ( مع ما نال ~~من أجر وغنيمة أو أجر ) . وقوله : ( الخيل فى نواصيها الخير ) لفظه لفظ ~~العموم ، والمراد به الخصوص ؛ لأنه لم يرد إلا فى [ . . . . . . . ] الخيل ~~بدليل قوله : ( الخيل لثلاثة ) فبين أنه أراد الخيل الغازية فى سبيل الله ، ~~فإن الخير المعقود فى نواصيها إنما هو أجر فى سبيل الله ، لا أنها على كل ~~وجوهها معقود فى نواصيها الخير ، بل إذا كانت مستعملة فى سبيل الله أو معدة ~~لذلك ؛ فإن الإنفاق عليها خير أو أجر دون ما كان منها وزرا ، وقال مثله ابن ~~المنذر . والناصية : الشعر المسترسل على الجبهة ، عن الخطابى . * * * # | 43 - باب من احتبس فرسا فى سبيل الله لقوله تعالى : { ومن رباط الخيل ~~ترهبون به } [ الأنفال : 60 ] # . 1709 / فيه : أبو هريرة ، قال النبى ، - صلى الله عليه وسلم - : ( من ~~احتبس فرسا فى سبيل الله إيمانا بالله وتصديقا بوعده ، فإن شبعه وريه وروثه ~~وبوله فى ميزانه يوم القيامة ) . قال المهلب : هذا الحديث يدل أن الأحباس ~~جارية فى الخيل والرياع PageV05P058 وغيرها ؛ لأنه إذا جاز ذلك فى الخيل ~~للمدافعة عن المسلمين وعن الدين والنفع لهم بجر الغنائم والأموال إليهم ، ~~فكذلك يجوز فى الرياع المثمرة لهم ، وما وصف الرسول من الروث وغيره فإنما ~~يريد ثوابه ؛ لأن الروث لا يوزن بل أجره ، ولا تقول إن زنة الأجر زنة الروث ~~بل أضعافه إلى ما شاء الله . وفيه أن النية قد يؤجر الإنسان بها كما يؤجر ~~العامل ؛ لأن هذا إنما احتبس فرسه ليقاتل عليه ويغير ، فيعوض من أجدر العمل ~~المعدوم فى ترك استعماله فيه ، فعد نفقاته وأرواثه أجرا له ، مع أنه فى ~~رباطه نافع ؛ لأن الإرهاب بارتباطه فى نفس العدو وسماعهم عنه نافع . وفيه ~~أن الأمثال تضرب لصحة المعانى وإن كان فيها بعض المكروهات الذكر . * * * # | 44 - باب اسم الفرس والحمار # 1710 / فيه : سهل ، كان ms1551 للرسول - صلى الله عليه وسلم - فى حائطنا فرس ، ~~يقال له : اللحيف . 1711 / وفيه : أبو قتادة ، أنه خرج مع الرسول ، - صلى ~~الله عليه وسلم - ، فتخلف أبو قتادة ، فركب فرسا يقال له : الجرادة . . . ~~الحديث . 1712 / وفيه : معاذ بن جبل ، كنت رديف النبى ، - صلى الله عليه ~~وسلم - ، على حمار ، يقال له : عفير ، فقال : ( يا معاذ ، هل تدرى حق الله ~~على عباده ) ؟ الحديث . 1713 / وفيه : أنس ، كان فزع بالمدينة ، فاستعار ~~الرسول - صلى الله عليه وسلم - فرسا يقال له : المندوب ، فقال : ( ما رأينا ~~من فزع ، وإن وجدناه لبحرا ) . قال البخارى : قال بعضهم : اللخيف بالخاء . ~~PageV05P059 قال المهلب : فقه هذا الباب جواز تسمية الدواب بأسماء تخصها ~~غير أسماء جنسها . وقال الواقدى : إنما سمى اللحيف لكثرة سبائبه يعنى : ~~ذنبه . قال : وكان للنبى - صلى الله عليه وسلم - فرس يقال له : السكب ، ~~وآخر يقال : اللزاز ، وآخر يقال : المرتجز ، وإنما سمى : السكب ؛ لأن لونه ~~يشبه لون الشقائق ، وأنشد الأصمعى : كالسكب المحبر فوق الرابية وكذلك ~~المرتجز إنما سمى بذلك ؛ لحسن صهيله . وقوله : ( إن وجدناه لبحرا ) والبحر ~~: الفرس الواسع الجرى . قال الأصمعى : يقال : فرس بحر وفيض وحث وغمر . وقال ~~نفطويه : معناه : كثير الجرى . قال الخطابى : وذكر الواقدى أنه كان اسم ~~حماره : يعفور ، قال : وإنما سمى بذلك لعفرة لونه ، والعفرة : حمرة يخالطها ~~بياض . يقال له : أعفر ويعفور ، وأخضر ويخضور ، وأصفر ويصفور ، وأحمر ~~ويحمور . قال المؤلف : وعفير من المعفرة ، وهو تصغير أعفر ، وقال الطبرى : ~~وقد حدثنى عبد الرحيم البرقى ، قال : حدثنى عمرو بن أبى سلمة ، عن زهير ، ~~عن محمد قال : اسم راية الرسول : العقاب ، وفرسه : المرتجز ، وناقته : ~~العضباء والجدعاء ، والحمار : يعفور ، والسيف : ذو الفقار ، والدرع : ذات ~~الفضول ، والرداء : الفتح ، والقدح : الغمر . فإذا كان ذلك من فعله - صلى ~~الله عليه وسلم - فى أملاكه ، وكان الله قد ندب PageV05P060 خلقه إلى ~~الاستنان به والتأسى فيما لم ينههم عنه ، فالصواب لكل من أنعم الله عليه ~~وخوله رقيقا أو حيوانا من البهائم والطير أو غير ذلك أن يسميه باسم كما فعل ~~النبى - صلى الله عليه وسلم - . وعلم بذلك أن المرتدين ms1552 لما ادعوا أنساب ~~الخيل لم يتعدوا فى ذلك إذ كان لها من الأسماء مثل ما لبنى آدم ، يميزوا ~~بها بين أعيانها وأشخاصها ، إذ الأسماء إنما هى أمارات وعلامات . # | 45 - باب ما يذكر من شؤم الفرس # 1714 / فيه : ابن عمر ، قال - صلى الله عليه وسلم - : ( إنما الشؤم فى ~~ثلاثة : فى الفرس ، والمرأة ، والدار ) . 1715 / وفيه : سهل ، قال الرسول : ~~( إن كان فى شىء ، ففى المرأة ، والفرس ، والمسكن ) . قال المهلب : قوله : ~~( إنما الشؤم فى ثلاث ) فحقيق فى ظاهر اللفظ حين لم يستطع أن ينسخ التطير ~~من نفوس الناس ، فأعلمهم أن الذى يعذبون به من الطيرة لمن التزمها إنما هو ~~فى ثلاثة أشياء وهى الملازمة لهم ، مثل دار المنشأ والمسكن ، والزوجة التى ~~هى ملازمة فى حال العيش اليسير ، والفرس الذى به عيشه وجهاده وتقلبه ، فحكم ~~- صلى الله عليه وسلم - بترك هذه الثلاثة الأشياء لم ألزم التطير حين قال ~~فى الدار التى سكنت ، والمال وافر ، والعدد كثير ؛ اتركوها ذميمة خشية ألا ~~يطول تعذب النفوس بما يكره من هذه الثلاثة ويتطير به ، وأما غيرها من ~~الأشياء التى إنما هى خاطرة وطارئة ، وإنما تحزن بها النفوس ساعة أو أقل ~~مثل الطائر المكروه الاسم عند العرب بمن يرحل منهم ، فإنما يعرض له ذلك فى ~~حين مروره به ، فقد أمر - صلى الله عليه وسلم - فى مثل هذا وشبهه لا يضر من ~~عرض له بأمر فى المرأة والفرس والدار PageV05P061 خلاف ذلك ؛ لطول التعذب ~~بها . وقد قال - صلى الله عليه وسلم - : ( ثلاثة لا يسلم منهن أحد : الطيرة ~~والظن والحسد ؛ فإذا تطيرت فلا ترجع ، وإذا حسدت فلا تبغ ، وإذا ظننت فلا ~~تحقق ) . وحكى بعض المعتزلة أن أحاديث الشؤم يعارضها قوله - صلى الله عليه ~~وسلم - : ( لا عدوى ولا طيرة ) . وسأذكر ما فسر به العلماء ذلك ونفى ~~التعارض عنها فى كتاب الطب عند قوله : ( لا عدوى ولا طيرة ) إن شاء الله . ~~* * * # | 48 - باب الخيل لثلاثة وقوله : { والخيل والبغال والحمير لتركبوها ~~وزينة } [ النحل : 8 ] # 1716 / فيه : أبو هريرة ، قال - صلى الله عليه وسلم - : ( الخيل لثلاثة ms1553 : ~~لرجل أجر ، ولرجل ستر ، وعلى رجل وزر ، فأما الذى هى له أجر : فرجل ربطها ~~فى سبيل الله ، فأطال لها فى مرج أو روضة ، فما أصابت فى طيلها ذلك من ~~المرج ، أو الروضة ، كانت له حسنات ، ولو أنها قطعت طيلها ذلك واستنت شرفا ~~أو شرفين كانت آثارها وأرواتها حسنات له ولو أنها مرت بنهر فشربت منه فلم ~~يرد أن يسقيها كان ذلك حسنات له ، ورجل ربطها فخرا ورئاء ونواء لأهل ~~الإسلام فهى وزر على ذلك ) . وسئل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن ~~الحمر ، فقال : ( ما أنزل على فيها إلا هذه الآية الجامعة الفاذة ) : { فمن ~~يعمل مثقال ذرة خيرا يره } [ الزلزلة : 7 ] الحديث . إن المرء لا يؤجر فى ~~اكتسابها لأعيانها ، وإنما يؤجر بالنية الخالصة فى استعمال ما ورد الشرع ~~بالفضل فى عمله ؛ لأنها خيل كلها ، وقد اختلف أحوال مكتسبيها لاختلاف ~~النيات فيها . PageV05P062 وفيه : أن الحسنات تكتب للمرء إذا كان له فيها ~~سبب وأصل ، تفضلا من الله على عباده المؤمنين ؛ لأنه ذكر حركات الخيل ~~وتقلبها ورعيها وروثها وأن ذلك حسنات للمجاهد ، والطيل : الحبل الذى تربط ~~به الدابة ، ويقال له : طول أيضا . قال طرفة : لعمرك إن الموت ما أخطأ ~~الفتى لكالطول المرخى وثنياه باليد ومعنى الكلام : أن فرس المجاهد ليمضى ~~على وجهه فى الحبل الذى أطيل له فيكتب له بذلك حسنات . وقوله : ( استنت ~~شرفا أو شرفين ) والاستنان أن تأخذ فى سنن على وجه واحد ماضيا وهو يفتعل من ~~السنن وهو القصد ، ويقال : فلان يستن الريح إذا كان على جهتها وممرها ، ~~وأهل الحجاز يقولون : اسننها . ويقال فى مثل : ( استنت الفصال حتى القرعى ) ~~يضرب مثلا للرجل الضعيف ، يرى الأقوياء يفعلون شيئا فيفعل مثله . والشرف : ~~ما ارتفع من الأرض . وقوله : تغنيا يعنى : استغناء ، يقال منه : تغنيت ~~تغنيا ، وتغانيت تغانيا ، واستغنيت استغناء . وقوله : ( نواء ) هو مصدر ~~ناوأت العدو مناوأة ونواء وهى : المساواة . قال أهل اللغة : أصله من ناء ~~إليك ونؤت إليه ، أى : نهض إليك ونهضت إليه وفى كتاب العين : ناوأت الرجل : ~~ناهضته بالعداوة ، والنواء : العداوة ، والفاذة هى ms1554 : المعددة ، ويقال : ~~فاذة وفذة ، وفاذ وفذ ومن قوله - صلى الله عليه وسلم - : ( صلاة الجماعة ~~تفضل صلاة الفذ ) ومعنى ذلك أنها متعددة فى عموم الخير والشر لا آية أعم ~~منها . PageV05P063 قال المؤلف : وقوله - صلى الله عليه وسلم - : ( لم ينزل ~~على فى الحمر إلا هذه الآية : { فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره } فهذا تعليم ~~منه - صلى الله عليه وسلم - لأمته الاستنباط والقياس ، وكيف تفهم معانى ~~التنزيل ؛ لأنه شبه - صلى الله عليه وسلم - ما لم يذكر الله فى كتابه وهى ~~الحمر بما ذكره من عمل مثقال ذرة من خير إذ كان معناهما واحدا ، وهذا نفس ~~القياس الذى ينكره من لا تحصيل له ولا فهم عنده ؛ لأن قوله تعالى : { فمن ~~يعمل مثقال ذرة خيرا يره } يدخل فيه مع الحمر جميع أفعال البر دقيقها ~~وجليلها ، ألا ترى إلى فهم عائشة وغيرها من الصحابة هذا المعنى من هذه ~~الآية حتى تصدقوا بحبة عنب وقالوا : كم فيها من مثاقيل الذر . * * * # | 47 - باب من ضرب دابة غيره فى الغزو # 1717 / وفيه : جابر ، سافرت مع الرسول - صلى الله عليه وسلم - فى غزوة أو ~~عمرة ، فلما أقبلنا ، قال الرسول - صلى الله عليه وسلم - : ( من أحب أن ~~يتعجل ، إلى أهله فليعجل ) ، فأقبلنا وأنا على جمل لى أرمك ، ليس فيه شية ، ~~والناس خلفى ، فبينا أنا كذلك إذ قام على ، فقال لى الرسول - صلى الله عليه ~~وسلم - : ( يا جابر ، استمسك ) ، فضربه بسوطه ضربة ، فوثب البعير مكانه ، ~~فقال لى : أتبيع الجمل ؟ قلت : ( نعم ) ، الحديث . قال المهلب : فيه ~~المعونة فى الجهاد بسوق الدابة وقودها ، وقد رأى الرسول رجلا يحط رحل رجل ~~ضعيف ، فقال : ذهب هذا بالأجر يعنى : المعين فكذلك المعين فى سوق الدابة ~~يؤجر على ذلك وفيه دليل على جواز إيلام الحيوان ، والحمل عليها بعض ما يشق ~~بها ؛ لأنه جاء فى بعض الحديث أنه كان أعيا ، فإذا ضرب المعين فقد كلف ~~PageV05P064 ما يشق عليه ، وإذا صح هذا فكذلك يجوز أن يكلف العبد والأمة ~~بعض ما يشق عليهما إذا كان فى طاقتهما ووسعهما ، ويؤدبا على تقصيرهما ms1555 فيما ~~يلزمهما من الخدمة . وفيه أن السلطان قد يتناول الضرب بيده ؛ لأنه إذا ضرب ~~الدابة فأحرى أن يضرب الإنسان الذى يعقل ؛ تأديبا له . وفيه : بركة الرسول ~~؛ لأنه ضربه ، فأحدث الله له بضربه قوة وأذهب عنه الإعياء . وقوله : ( أرمك ~~) قال أبو عبيد عن الأصمعى : إذا خالطت حمرته سواد فتلك الرمكة ، وبعير ~~أرمك . وقال صاحب العين : الرمكة لون فى ورقة وسواد ، والورقة شبه بالغرة . ~~وقوله : ( ليس فيه شية ) أى : ليس لمعة من غير لونه ، قال صاحب العين : ~~الشية : لمعة من سواد أو بياض . وقوله : ( إذ قام على الجمل ) معناه : وقف ~~من الإعياء والكلال ، قال تعالى : { كلما أضاء لهم مشوا فيه وإذا أظلم ~~عليهم قاموا } . قال أهل التفسير : معناه : وقفوا . وفيه تفسير آخر ، قال ~~أبو زيد : يقال : قام بى ظهرى ، أى : أوجعنى ما أوجعك من جسدك فقد قام بك ، ~~والمعنى متقارب . قال ابن المنذر : اختلفوا فى المكترى يضرب الدابة فتموت . ~~فقال مالك : إذا ضربها ضربا لا يضرب مثله أو حيث لا يضرب ضمن ، وبه قال ~~أحمد وإسحاق وأبو ثور قالوا : إذا ضربها ضربا يضرب صاحبها مثله ولم يتعد ~~فليس عليه شيء . واستحسن هذا القول أبو PageV05P065 يوسف ومحمد . وقال ~~الثورى وأبو حنيفة : هو ضامن إلا أن يكون أمره أن يضرب والقول الأول أولى . ~~وعليه يدل الحديث ؛ لأن النبى لم يضرب الجمل إلا بما يشبه أن يكون أدبا ، ~~له مثله ، ولم يتعد عليه فكان ذلك مباحا ، فلو مات الجمل من ذلك لم يضمنه - ~~صلى الله عليه وسلم - ؛ لأنه لم يكن متعديا ، والضمان فى الشريعة إنما يلزم ~~المتعدي . * * * # | 48 - باب : الفحولة من الخيل # وقال راشد بن سعد : كان السلف يستحبون الفحولة ؛ لأنها أجرأ وأجسر . 1718 ~~/ فيه : أنس ، كان بالمدينة فزع ، فاستعار الرسول - صلى الله عليه وسلم - ~~فرسا لأبى طلحة ، يقال له : مندوب ، فركبه ، وقال : ( ما رأينا من فزع ، ~~وإن وجدناه لبحرا ) . لا فقه فى هذا الباب ، وإنما فيه أن فحول الخيل أفضل ~~للركوب من الإناث لشدتها وجرأتها ، ومعلوم أن المدينة لم تخل من إناث الخيل ~~، ولم ms1556 ينقل أن النبى - صلى الله عليه وسلم - ولا جملة أصحابه ركبوا غير ~~الفحول ، ولم يكن ذلك إلا لفضلها على الإناث ، إلا ما ذكر عن سعد بن أبى ~~وقاص أنه كان له فرس أنثى بلقاء . * * * # | 49 - باب سهام الفرس # وقال مالك : يسهم للخيل والبراذين منها ، لقوله تعالى : { والخيل والبغال ~~والحمير لتركبوها } ولا يسهم لأكثر من فرس . PageV05P066 1719 / وفيه : ابن ~~عمر ، أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - جعل للفرس سهمين ولصاحبه سهما . ~~قال الله تعالى - : { وما آتاكم الرسول فخذوه } فقسم رسول الله للفارس ~~ثلاثة أسهم : سهما له ، وسهمين لفرسه ، وفرض علينا اتباعه وطاعته . وجاء عن ~~عمر بن الخطاب ( أنه فرض للفرس سهمين ولصاحبه سهما ) وعن على بن أبى طالب ~~مثله ، ولا مخالف لهما فى الصحابة ، وهو قول عامة العلماء فى القديم ~~والحديث غير أبى حنيفة ؛ فإنه خالف السنة وجماعة الناس فقال : لا يسهم ~~للفرس إلا سهم واحد . وقال : أكره أن أفضل البهيمة على مسلم . وخالفه ~~أصحابه ، فبقى منفردا شاذا . واختلفوا فى الإسهام للبراذين والهجن فقال ~~مالك : إنها من الخيل يسهم لها . وبه قال أبو حنيفة والثورى والشافعى وأبو ~~ثور . وقال الليث : للهجين والبرذون سهم دون سهم الفرس ، ولا يلحقان ~~بالعراب . وروى عن مكحول أنه قال : أول من أسهم للبراذين خالد بن الوليد ~~قسم لها نصف سهمان الخيل . وبه قال أحمد بن حنبل . وقال مكحول : لا شيء ~~للبراذين . وبه قال الأوزاعى ، واحتج مالك فى الموطأ بقوله تعالى : { ~~والخيل والبغال والحمير لتركبوها } واسم الخيل يقع على الهجن والبراذين وهى ~~تغنى غناءها فى كثير من المواضع ، فمن زعم أن بينهما فرقا فعليه الدليل . ~~PageV05P067 واحتج مالك أيضا بقول سعيد بن المسيب انه سئل : هل فى البراذين ~~صدقة ؟ قال : وهل فى الخيل صدقة ؟ واختلفوا فيمن له أفراس كثيرة ، فقال ~~مالك : لا يسهم إلا لفرس واحد وهوالذى يقاتل عليه . وهو قول أبى حنيفة ~~ومحمد والشافعي . وقال الثورى والأوزاعى وأبو يوسف والليث وأحمد وإسحاق : ~~يسهم لفرسين . وحجة القول أنهم أجمعوا على أن سهم فرس واحد يجب مع ثبوت ~~الخبر ms1557 بذلك عن النبى - صلى الله عليه وسلم - فثبت القول به إذ هو سنة ~~وإجماع ، ووجب التوقيف عن القول بأكثر من ذلك إذ لا حجة مع القائلين به . ~~قال المهلب : وفى قسمته - صلى الله عليه وسلم - للفرس سهمين حض على اكتساب ~~الخيل واتخاذها ؛ لما جعل الله فيها من البركة فى اعتلاء كلمته وإعزاز حزبه ~~ولتعظم شوكة المسلمين بالخيل الكثيرة ، والله أعلم . * * * # | 50 - باب من قاد دابة غيره فى الحرب # 1720 / فيه : البراء ، قيل له : أفررتم عن النبى ، - صلى الله عليه وسلم ~~- ، يوم حنين ؟ قال : لكن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يفر ، إن ~~هوازن كانوا قوما رماة وإنا لما لقيناهم حملنا عليهم فانهزموا ، فأقبل ~~المسلمون على الغنائم ، واستقبلونا بالسهام ، فأما رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - فلم يفر ، فلقد رأيته وإنه لعلى بغلته البيضاء ، وإن أبا سفيان ~~آخذ بلجامها ، والنبى - صلى الله عليه وسلم - يقول : أنا النبى لا كذب أنا ~~ابن عبدالمطلب PageV05P068 قال المهلب : فيه خدمة السلطان فى الحرب وسياسة ~~دابته لأشراف الناس من قرابته وغيرهم . وفيه جواز الأخذ بالشدة والتعرض إلى ~~الهلكة فى سبيل الله ؛ لأن الناس فروا عن رسول الله ولم يبق إلا مع اثنى ~~عشر رجلا ، والمشركون فى أضعافهم عددا مرارا كثيرة ، فلزموا مكانهم ومصافهم ~~، ولم يأخذوا بالرخصة من الفرار . وفيه ركوب البغال فى الحرب للإمام ليكون ~~أثبت له ولئلا يظن به الاستعداد للفرار والتولية ، ومن باب السياسة لنفوس ~~الأتباع ؛ لأنه إذا ثبت ثبت أتباعه ، وإذا رئى منه العزم على الثبات عزم ~~معه عليه . وفيه جواز الفخر والندابة عند القتال . وفيه إثبات النبوة ؛ ~~لأنه قال : أنا النبى لا كذب . أى : ليس أنا بكاذب فيما أقول ؛ فيجوز على ~~الانهزام ، وإنما ينهزم من ليس على يقين من النصرة وهو على خوف من الموت ، ~~والنبى - صلى الله عليه وسلم - على يقين من النصر بما أوحى الله إليه فى ~~كتابه وأعلمه أنه لا بد له من كمال هذا الأمر ، فمن زعم بعد هذا أن الرسول ~~ينهزم فقد رماه بأنه كذب وحى ms1558 الله أن الله يعصمه من الناس فارتاب وإلا قتل ~~؛ لأنه كافر إن لم يتأول ويعذر بتأويله ، وسأشبع القول فى معنى هذا الحديث ~~فى باب من صف أصحابه عند الهزيمة ونزل عن دابته واستنصر بعد هذا إن شاء ~~الله . PageV05P069 # | 51 - باب الركاب والغرز للدابة # 1721 / - فيه : ابن عمر ، أن النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، كان إذا ~~أدخل رجله فى الغرز واستوت به ناقته أهل من عند مسجد ذى الحليفة . الغرز ~~للرحل مثل ركاب سرج الدابة يستعين به الراكب عند ركوبه ويعتمد عليه ، وهو ~~شيء قديم معروف عندهم ، وهذا تفسير ما جاء عن عمر بن الخطاب أنه قال : ( ~~اقطعوا الركب وثبوا على الخيل وثبا ) أنه لم يرد بذلك منع اتخاذ الركب أصلا ~~، وإنما أراد بذلك تمرينهم وتدريبهم على ركوب الخيل حتى يسهل عليهم ذلك من ~~غير استعانة بالركب البتة ؛ لأن الرسول اتخذها واستعان بها فى ركوبه . * * ~~* # | 52 - باب ركوب الفرس العرى # 1722 / فيه : أنس ، استقبلهم النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، على فرس ~~عرى ، ما عليه سرج ، وفى عنقه سيف . ركوب الفرس العرى من باب التواضع ، ~~وفيه رياضة وتدرب للفروسية ، ولا يفعله إلا من أحكم الركوب ، فقه ذلك أنه ~~يجب على الفارس أن يتعاهد صنعته ويروض طباعه عليها لئلا يثقل إذا احتاج إلى ~~نفسه عند الشدائد ، وفيه تعليق السيف فى العنق . * * * # | 53 - باب الفرس القطوف # 1723 / - فيه : أنس ، أن النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، ركب فرسا لأبى ~~طلحة كان يقطف ، فلما رجع ، قال : ( وجدنا بحرا ، فكان بعد ذلك لا يجارى ) ~~. PageV05P070 يقال : قطفت الدابة : أبطأت السير مع تقارب الخطو فهى قطوف . ~~وفيه أن الإمام لا بأس أن يركب دون الدواب ليروضها ويؤدبها حتى تمرن على ~~دابته ، وذلك من التواضع . وفيه بركة النبى ؛ لأن ركوبه الفرس أزال عنه اسم ~~البطء والقطاف ، وصار لا يجارى بعد ذلك لشدة سرعته ، فهذه من علامات النبوة ~~. * * * # | 54 - باب السبق بين الخيل # 1724 / - فيه : ابن عمر ، أجرى النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، ما ضمر ~~من الخيل من الحفياء إلى ثنية ms1559 الوداع ، وأجرى ما لم يضمر من الثنية إلى ~~مسجد بنى زريق ، وكنت فيمن أجرى . قال سفيان : بين الحفياء إلى ثنية الوداع ~~خمسة أميال أو ستة ، وبين الثنية إلى مسجد بنى زريق ميل . وترجم له باب : ( ~~غاية السبق للخيل المضمرة ) . وقال ابن عقبة : ستة أميال أو سبعة . قال ~~المؤلف : جعل بعض الناس المسابقة بين الخيل سنة ، وجعلها بعضهم إباحة ، ~~والإضمار للخيل أن يدخل الفرس فى البيت يجلل عليه بجل ليكثر عرقه وينتقص من ~~علفه لينقص لحمه فيكون أقوى على الجري . وفيه جواز المسابقة بين الخيل وذلك ~~ممن خص وخرج من باب القمار بالسنة ، وكذلك هو خارج من تعذيب البهائم ؛ لأن ~~الحاجة إليها تدعو إلى تأديبها وتدريبها . PageV05P071 وفيه تجويع البهائم ~~على وجه الصلاح عند الحاجة إلى ذلك . وفيه أن المسابقة بين الخيل يجب أن ~~يكون أمرها معلوما ، وأن تكون الخيل متساوية الأحوال أو متقاربة ، وألا ~~يسابق المضمر مع غير المضمر ، وهذا إجماع من العلماء ؛ لأن صبر الفرس ~~المضمر المجوع فى الجرى أكثر من صبر المعلوف فلذلك جعلت غاية المضمرة ستة ~~أميال أو سبعة ، وجعلت غاية المعلوفة ميلا واحدا . واختلف العلماء فى صفة ~~المسابقة ، فقال سعيد بن المسيب : ليس برهان بأس إذا أدخل فيها محلل لا ~~يأمنان أن تسبق ؛ فإن سبق أخذ السبق وإن سبق لم يكن عليه شيء . وبهذا قال ~~الزهرى والأوزاعى والشافعى وأحمد وإسحاق قالوا : إذا دخل فرس بين فرسين وقد ~~أمن أن يسبق فهو قمار لا يجوز . وقال مالك : ليس عليه العمل . وفسر العلماء ~~قول سعيد أن معنى دخول المحلل بينهم للخروج عن معنى القمار المحرم فيجعل ~~عنده كل واحد من المتراهنين سيفا ، فمن سبق منهما أخذ السيفين جميعا ، ~~وكذلك إن سبق المحلل أخذهما وإن سبق لم يؤخذ منه شيء ، ولا يقول مالك ~~بالسبق ، فالمحلل إنما يجوز عنده أن يجعل الرجل سيفه ولا يرجع إليه بكل حال ~~كسبق الإمام ، فمن سبق كان له وإن أجرى جاعل السبق معهم فسبق هو كان للمصلى ~~وهو الذى يليه إن كانت خيلا كثير ، وإن ms1560 كانا فرسين فسبق جاعل السبق فهو ~~طعمة لمن حضر ، وإن سبق الآخر أخذه ، وهو قول ربيعة وابن القاسم . وروى ابن ~~وهب عن مالك أنه أجاز أن يشترط واضع السبق إن سبق أخذ السبق ، وإم سبق هذا ~~أخذ سبقه وبه أخذ أصبغ وابن وهب . PageV05P072 قال ابن المواز : وكراهة ~~مالك المحلل إنما هو على قوله : إنه يجب إخراج السبق بكل حال ، وهو قول ابن ~~المسيب وابن شهاب . وقال أبو حنيفة والثورى والشافعى : الأسباق على ملك ~~أربابها وهم فيها على شروطهم ، ولا يجوز أن يملك السبق إلا بالشرط المشروط ~~فيه وإن لم يكن ذلك انصرف السبق إلى من جعله . وقال محمد بن الحسن وأصحابه ~~: إذا جعل السبق واحد فقال : إن تسبقنى فلك كذا ، ولم يقل : إن سبقتك فعليك ~~كذا ، فلا بأس به ، ويكره أن يقول : إن سبقتك فعليك كذا ، وإن سبقتنى فعلى ~~كذا ، هذا لا خير فيه . وإن قال رجل غيرهما : أيكما سبق فله كذا . فلا بأس ~~به ، وإن كان بينهما محلل إن سبق لم يغرم ، وإن سبق أخذ فلا بأس به ، وذلك ~~إذا كان يسبق ويسبق . قالوا : وما عدا هذه الأشياء فهو قمار . * * * # | 55 - باب إضمار الخيل للسبق # 1725 / فيه : ابن عمر ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سابق بين ~~الخيل التى لم تضمر ، وكان أمدها من الثنية إلى مسجد بنى زريق ، وأن ~~عبدالله بن عمر كان سابق بها . إن قال قائل : كيف ترجم البخارى باب ( إضمار ~~الخيل للسبق ) وذكر أن الرسول سابق بين الخيل التى لم تضمر ؟ فالجواب : أنه ~~إنما أشار بطرف من الحديث إلى بقيته وأحال على سائره ؛ لأن تمام الحديث ( ~~أن الرسول سابق بين الخيل التى ضمرت وبين الخيل التى لم تضمر ) وذلك موجود ~~فى حديث واحد ، فلا حرج عليه فى ثبوته . PageV05P073 # | 56 - باب ناقة النبى - صلى الله عليه وسلم - # القصواء ، والعضباء . قال ابن عمر : أردف النبى - صلى الله عليه وسلم - ~~أسامة على القصواء . وقال المسور : قال الرسول - صلى الله عليه وسلم - : ( ~~ما خلأت القصواء ) . 1726 / فيه : البراء ms1561 ، كان للنبى ، - صلى الله عليه ~~وسلم - ، ناقة يقال لها : العضباء ، لا تسبق - أو لا تكاد تسبق - فجاء ~~أعرابى على قعود فسبقها ، فشق ذلك على المسلمين حتى عرفه ، فقال : ( حق على ~~الله أن لا يرفع شىء من الدنيا إلا وضعه ) . فيه اتخاذ الأمراء والأئمة ~~الإبل للركوب ، وفيه جواز الارتداف للعلماء والصالحين ، وفيه التزهيد فى ~~الدنيا والتقليل [ . . . . ] لإخباره أن كل شيء يرتفع من الدنيا يحق على ~~الله أن يضعه وبهذا نطق القرآن ، قال تعالى : { قل متاع الدنيا قليل } وما ~~وصفه أنه قليل فقد وضعه وصغره ، وقال تعالى تسلية عن متاع الدنيا : { ~~والآخرة خير لمن اتقى } وقال : { وللآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلا } إرشادا ~~لعباده وتنبيها لهم على طلب الأفضل . والقصواء من النوق التى فى أذنها حذف ~~، يقال منه : ناقة قصواء وبعير مقصو ولا يقال : بعير أقصى . وذكر الأصمعى ~~فى الناقة أنه يقال منها : قصوة . وقال صاحب العين : ناقة عضباء مشقوقة ~~الأذن ، وشاه عضباء مكسورة القرن ، وقد عضبت عضبا ، والعضب : القطع ، ومنه ~~قيل للسيف القاطع : عضب ، وقد عضب يعضب إذا قطع . والقعود : الجمل المسن . ~~PageV05P074 # | 57 - باب بغلة النبى ، - صلى الله عليه وسلم - # ، البيضاء وقال أبو حميد : أهدى ملك أيلة للنبى - صلى الله عليه وسلم - ~~بغلة بيضاء . 1727 / فيه : عمرو بن الحارث ، ما ترك النبى - صلى الله عليه ~~وسلم - إلا بغلته البيضاء وسلاحه وأرضا تركها صدقة . 1728 / وفيه : البراء ~~، ما ولى النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، ولكن ولى سرعان الناس ، والنبى ~~- صلى الله عليه وسلم - على بغلته البيضاء . . . . . الحديث . وفيه جواز ~~ركوب الأمراء والعلماء البغال والدواب ، وأن ذلك من المباح وليس من السرف ؛ ~~لأن الإمام يلزمه التصرف والتعاهد لأمور رعيته والجهاد بنفسه والنظر فى ~~مصالح المسلمين ، وكذلك له أن يتخذ السلاح وكل ما به إليه حاجة من الآلات ~~والقوت لأهله من الخمس . * * * # | 58 - باب جهاد المرأة # 1729 / فيه : عائشة ، استأذنت النبى ؛ - صلى الله عليه وسلم - ، فى ~~الجهاد ، فقال : ( جهادكن الحج ) . وقال مرة : ( نعم الجهاد الحج ) . هذا ~~الحديث يدل على أن النساء لا جهاد عليهن واجب ms1562 ، وأنهن غير داخلات فى قوله : ~~{ انفروا خفافا وثقالا } وهذا إجماع من العلماء وليس فى قوله - صلى الله ~~عليه وسلم - : ( جهادكن الحج ) دليل أنه ليس لهن أن يتطوعن بالجهاد وإنما ~~فيه أنه الأفضل لهن ، وإنما كان الحج أفضل لهن من الجهاد ؛ لأنهن لسن من ~~أهل القتال للعدو ولا قدرة لهن عليه ولا قيام به ، وليس للمرأة أفضل من ~~الاستتار وترك المباشرة PageV05P075 للرجال بغير قتال ، فكيف فى حال القتال ~~التى هى أصعب ؟ والحج يمكنهن فيه مجانبة الرجال والاستتار عنهم ؛ فلذلك كان ~~أفضل لهن من الجهاد ، والله أعلم . * * * # | 59 - باب غزو النساء فى البحر # 1730 / فيه : أنس ، دخل الرسول - صلى الله عليه وسلم - على ابنة ملحان ، ~~فاتكأ عندها ، ثم ضحك ، فقال : ناس من أمتى عرضوا على يركبون البحر الأخضر ~~فقالت : ادع الله أن يجعلنى منهم ، فركبت . . . . . الحديث . فيه جواز جهاد ~~النساء فى البحر ، وقد تقدم القول فى هذا الحديث فى غير موضع . * * * # | 60 - باب حمل الرجل امرأته فى الغزو دون بعض نسائه # 1731 / فيه : عائشة ، كان الرسول - صلى الله عليه وسلم - إذا أراد سفرا ~~أقرع بين نسائه ، فأقرع بيننا فى غزوة غزاها ، فخرج فيها سهمى ، فخرجت مع ~~النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، بعد ما نزل الحجاب . هذه الترجمة لا تصح ~~إلا بذكر القرعة فيها ؛ لأن العدل بين النساء فريضة ، فلو خرج بواحدة من ~~أزواجه دون قرعة لم يكن ذلك عدلا بينهن وكان ميلا ، فكانت القرعة فضلا فى ~~ذلك يرجع إليه كما يحكم بالقرعة فى كثير مما يشكل أمره من أمور الشريعة . ~~PageV05P076 # | 61 - باب غزو النساء وقتالهن مع الرجال # 1732 / فيه : أنس ، لما كان يوم أحد انهزم الناس عن النبى ، - صلى الله ~~عليه وسلم - ، ولقد رأيت عائشة ، وأم سليم ، وإنهما لمشمرتان أرى خدم ~~سوقهما تنقزان ، وقال غيره : تنقلان القرب على متونهما ، ثم تفرغانه فى ~~أفواه القوم . قد تقدم أن النساء لا غزو عليهن ، وإنما غزوهن تطوع وفضيلة ~~وعونهن للغزاة بسقى ، وسقيهن وتشميرهن هو ضرب من القتال ؛ لأن العون على ~~الشيء ضرب منه ، وقد روى ms1563 عن أم سليم أنها كانت تسبق الشجعان فى الجهاد ، ~~وثبتت يوم حنين والأقدام قد زلت ، والصفوف قد انتقضت والمنايا قد فغرت ، ~~والتفت إليها النبى - صلى الله عليه وسلم - وفى يدها خنجر فقالت : يا رسول ~~الله ، اقتل هؤلاء الذين ينهزمون عنك كما تقتل هؤلاء الذين يحاربونك ، [ . ~~. . ] بشر منهم ) وروى معمر ، عن الزهرى قال : كان النساء يشهدن المشاهد مع ~~رسول الله ويسقين المقاتلة ويداوين الجراح ، ولم أسمع بامرأة قاتلت معه ، ~~وقد قاتل نساء من قريش يوم اليرموك حتى دهمتهم جموع الروم وخالطوا عسكر ~~المسلمين فضربت النساء يومئذ بالسيوف ، وذلك فى خلافة عمر . واختلفوا فى ~~المرأة يسهم لها ، فقال الأوزاعى : يسهم للنساء وقد أسهم رسول الله بحنين ~~وأخذ المسلمون بذلك . وقال الثورى والكوفيون والليث والشافعى : لا يسهم ~~للنساء ولكن يرضخ لهن ، واحتجوا بكتاب ابن عباس إلى نجدة أن النساء كن ~~يحضرن فيداوين من المرضى ويحذين من الغنيمة فى الغزو ، قال : ما سمعت ذلك . ~~وقول مالك أصح ؛ لأن النساء لا جهاد عليهن وإنما يجب السهم PageV05P077 ~~والرضخ لمن كان مقاتلا أورد إليهم ، و [ . . . . . ] النساء لا غناء لهن ~~ولا نكاية للعدو فيهن ، فأما إذا قاتلت امرأة وكان لها غناء وعون فلو أسهم ~~لها لكان صوابا ؛ لأن السهم إنما جعله الله لأهل الجيش بقتالهم العدو ~~ودفعهم عن المسلمين فمن وجدت هذه الصفة فيه فهو مستحق للسهم ، سواء كان ~~رجلا أو امرأة ، وإنما خرج جوابا للعالم فى هذه المسألة على أنه لا سهم ~~للنساء للغالب من حالهن ، فإن من يقاتل فيهن لا يكاد يوجد ، والله أعلم . ~~قال صاحب العين : الخدم سير كالحلقة يشد فى رسغ البعير ، ثم تشتد إليه ~~سرائح نعلها ، والمخدم : موضع ذلك السير ، والخدمة : الخلخال . وقال أبو ~~عبيد : الخدام الخلاخيل واحدها : خدمة ، وفى كتاب العين : النقز والنقزان : ~~الوثبان ، والنواقز : القوائم . * * * # | 62 - باب حمل النساء القرب إلى الناس فى الغزو # 1733 / - وفيه : ثعلبة بن أبى مالك ، أن عمر قسم مروطا بين نساء فى ~~المدينة ، فبقى مرط جيد ، فقال بعض من عنده : أعطه ابنة النبى - صلى الله ~~عليه ms1564 وسلم - التى عندك - يريدون أم كلثوم بنت على - فقال عمر : أم سليط أحق ~~- امرأة من نساء الأنصار ممن بايع النبى - صلى الله عليه وسلم - - فكانت ~~تزفر لنا القرب يوم أحد . قال المهلب : فيه دليل على أن الأولى بالنبى من ~~أتباعه أهل PageV05P078 السابقة إليه والنصرة له ، لا يستحق أحد ولايته ~~ببنوة ولا بقرابة إذا لم يقارنها الإسلام ، ثم إذا قارنها الإسلام تفاضل ~~أهله بالسابقة والنصرة من المعونة بالمال والنفس ، ألا ترى أن عمر جعل أم ~~سليط أحق بالقسمة لها من المروط من حفيدة رسول الله بالبنوة لتقدم أم سليط ~~بالإسلام والنصرة والتأييد وهو معنى قوله تعالى : { لا يستوى منكم من أنفق ~~من قبل الفتح وقاتل } وكذلك يجب أن لا تستحق الخلافة بعده ببنوة ولا بقرابة ~~، وإنما تستحق بما ذكره الله من السابقة والإنفاق والمقاتلة . وفيه الإشارة ~~بالرأى على الإمام ، وإنما ذلك للوزير والكاتب وأهل الصحبة والبطانة له ، ~~ليس ذلك لغيرهم ، إلا أن يكون من أهل العلم والبروز فى الإمامة فله الإشارة ~~على الإمام وغيره . وقوله : ( تزفر لنا القرب ) يعنى : تحمل ، قال صاحب ~~العين والأفعال : زفر بالحمل زفرا : نهض به ، والزفر : القربة ، والزوافر : ~~الإماء يحملن القرب . * * * # | 63 - باب مداواة النساء الجرحى فى الغزو # 1734 / فيه : الربيع بنت معوذ ، كنا مع الرسول - صلى الله عليه وسلم - ~~نسقى ، ونداوى ، الجرحى ونرد القتلى إلى المدينة . وترجم له باب : ( رد ~~النساء القتلى ) . قال المهلب : فيه مباشرة المرأة غير ذى محرم منها فى ~~المداواة وما شاكلها من إلطاف المرضى ونقل الموتى . PageV05P079 | فإن قيل ~~: كيف جاز أن يباشر النساء الجرحى وهم غير ذوى محارم منهن ؟ فالجواب : أنه ~~يجوز ذلك للمتجالات منهن ؛ لأن موضع الجرح لا يلتذ بلمسه ، بل تقشعر منه ~~الجلود ، وتهابه النفوس ، ولمسه عذاب للامس والملموس ، وأما غير المتجالات ~~منهن فيعالجن الجرحى بغير مباشرة منهن لهم ، بأن يصنعن الدواء ويضعه غيرهن ~~على الجرح ، ولا يمسسن شيئا من جسده . قال غيره : والدليل على صحة هذا ~~التأويل أنى لم أجد أحدا من سلف العلماء يقول فى المرأة تموت مع ms1565 الرجال أو ~~الرجل يموت مع النساء غير ذوى المحارم لا يحضر ذلك غيرهم أن أحدا منهما ~~يغسل صاحبه دون حائل وثوب يستره . وقال الحسن البصرى : يصب عليها من فوق ~~الثياب وهو قول النخعى وقتادة والزهرى وبه قال إسحاق . وقالت طائفة : تيمم ~~بالصعيد ، روى ذلك عن سعيد بن المسيب والنخعى أيضا ، وبه قال مالك ~~والكوفيون وأحمد ، وقال الأوزاعى : تدفن كما هى ولا تيمم . وهذا يدل من ~~قولهم أنه لا يجوز عندهم مباشرة غير ذوى المحارم ؛ لأن حالة الموت أبعد من ~~التسبب إلى دواعى اللذة والذريعة إليها من حال الحياة ، فلما اتفقوا أنه لا ~~يجوز للأجنبى غسل الأجنبية الميتة مباشرا لها دون ثوب يسترها ، دل بأن ~~مباشرة الأحياء الأحس أولى بأن لا يجوز ، والله أعلم . PageV05P080 # | 64 - باب نزع السهم من البدن # 1735 / - فيه : أبو موسى ، رمى أبو عامر فى ركبته ، فانتهيت إليه ، فقال ~~: انزع هذا السهم ، فنزعته ، فنزا منه الماء ، فدخلت على النبى - صلى الله ~~عليه وسلم - فأخبرته ، فقال : اللهم اغفر لعبيد أبى عامر . قال المهلب : ~~فيه جواز نزع السهام من البدن وإن خشى بنزعها الموت ، وكذلك البط والكى وما ~~شاكله ، يجوز للمرء أن يفعله رجاء الانتفاع بذلك ، وإن كان فى غبها خشية ~~الموت ، وليس من صنع ذلك بملق نفسه للتهلكة ؛ لأنه بين الخوف والرجاء . ~~وقوله - صلى الله عليه وسلم - : ( اللهم اغفر لعبيد أبى عامر ) إنما دعا له ~~؛ لأنه علم أنه ميت من ذلك السهم . وقوله : ( نزا منه الماء ) . قال صاحب ~~العين : نزا ينزو نزوا ونزوانا وينزى : إذا وثب . وقال أبو زيد : النزاء و ~~النفار داء يأخذ النساء فتنزوا منه وتنفر حتى تموت ، وسيأتى زيادة فى شرح ~~هذه الكلمة بعد هذا إن شاء . * * * # | 65 - باب الحراسة فى الغزو فى سبيل الله # 1736 / فيه : عائشة ، كان النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، سهر ، فلما ~~قدم المدينة ، قال : ( ليت رجلا من أصحابى صالحا يحرسنى الليلة ) ؛ إذ ~~سمعنا صوت PageV05P081 سلاح ، فقال : ( من هذا ) ؟ فقال : أنا سعد بن أبى ~~وقاص ، جئت لأحرسك ، ونام النبى ، - صلى الله عليه ms1566 وسلم - . 1737 / وفيه : ~~أبو هريرة ، قال النبى ، - صلى الله عليه وسلم - : ( تعس عبد الدينار ، ~~والدرهم ، والقطيفة ، والخميصة ، إن أعطى رضى ، وإن لم يعط لم يرض تعس ~~وانتكس ، وإذا شيك فلا انتقش ، طوبى لعبد آخذ بعنان فرسه فى سبيل الله ، ~~أشعث رأسه مغبرة قدماه ، إن كان فى الحراسة كان فى الحراسة ، وإن كان فى ~~الساقة ، كان فى الساقة ، إن استأذن لم يؤذن له ، وإن شفع لم يشفع ) . قال ~~المهلب : فيه التزام السلطان للحذر والخوف على نفسه فى الحضر والسفر ؛ ألا ~~ترى فعل الرسول مع ما عرفه الله أنه سيكمل به دينه ، ويعلى به كلمته ، ~~التزم الحذر خوف فتك الفاتك ، وأذى المؤذى بالعداوة فى الدين ، والحسد فى ~~الدنيا . وفيه أن على الناس أن يحرسوا سلطانهم ويتخفوا به خشية الفتك ~~وانخرام الأمر . وفيه أنه من تبرع بشىء من الخير أنه يسمى صالحا ؛ لقوله : ~~( ليت رجلا صالحا ) أى : ( يبعثه ) صالحة على حراسة سلطانه فكيف بنبيه ؟ . ~~وفيه دليل أن هذا كان قبل أن ينزل عليه : { والله يعصمك من الناس } وقبل ~~لأن ينزل عليه : { إنا كفيناك المستهزئين } لأنه قد جاء فى الحديث أنه لما ~~نزلت هذه الآية ترك الاحتراس بالليل . PageV05P082 وفيه أنه متى سمع ~~الإنسان حس سلاح بالليل أن يقول : من هذا ؟ ويعلم أنه ساهر لئلا يطمع فيه ~~أهل الطلب للغرة والغفلة ؛ فإذا علم أنه مستيقظ ردعهم بذلك . وقوله : ( تعس ~~عبد الدينار والدرهم ) يعنى : إن طلب ذلك ، وقد استعبده وصار عمله كله فى ~~طلب الدينار والدرهم كالعبادة لهما . وقوله : ( إن أعطى رضي ) أى : وإن ~~أعطى ما له عمل رضى عن معطيه وهو خالقه عز وجل ، وإن لم يعط سخط ما قدر له ~~خالقه ويسر له من رزقه ، فصح بهذا أنه عبد فى طلب هذين ، فوجب الدعاء عليه ~~بالتعس ؛ لأنه أوقف عمله على متاع الدنيا الفانى وترك العمل لنعيم الآخرة ~~الباقي . والتعس : ألا ينتعش ولا يفيق من عثرته ، وانتكس أى : عاوده المرض ~~كما بدأه ، هذا قول الخليل . وقال ابن الأنبارى : التعس : الشر ، قال تعالى ~~: { فتعسا لهم } أراد ms1567 ألزمهم الله الشر . هذا قول المبرد . وقال غيره : ~~التعس : البعد . وقال الرستمى : التعس أن يخر على وجهه ، والنكس أن يخر على ~~رأسه ، قال : والتعس أيضا : الهلاك . ثم أكد الدعاء عليه بقوله : ( وإذا ~~شيك فلا انتقش ) أى : إذا أصابته شوكة فلا أخرجها بمنقاشها ، فيمتنع السعى ~~للدينار والدرهم ، ثم حض على الجهاد فقال : ( طوبى لعبد ممسك بعنان فرسه ) ~~إلى آخر الحديث فجمع فى هذا الحديث مدح من العمل : خير الدنيا والآخرة ~~لقوله : ( الخيل معقود فى نواصيها الخير ) الأجر : والغنيمة : ونعيم الآخرة ~~بقوله : { إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم } الآية . ~~PageV05P083 وفيه ترك حب الرياسة والشهرة ، وفضل الخمول ولزوم التواضع لله ~~بأن يجهل المؤمن فى الدنيا ولا تعرف عينه فيشار إليه بالأصابع ، وبهذا أوصى ~~- صلى الله عليه وسلم - ابن عمر فقال له : ( يا عبد الله ، كن فى الدنيا ~~كأنك غريب ) والغريب مجهول العين فى الأغلب فلا يؤبه لصلاحه فيكرم من أجله ~~ويبجل ، فمن لزم هذه الطريقة كان حريا إن استأذن ألا يؤذن له ، وإن شفع ألا ~~يشفع . # | 66 - باب فضل الخدمة فى الغزو # 1738 / فيه : أنس ، صحبت جرير بن عبدالله ، فكان يخدمنى ، وهو أكبر من ~~أنس ، قال جرير : إنى رأيت الأنصار يصنعون شيئا بالنبى - صلى الله عليه ~~وسلم - لا أجد أحدا منهم إلا أكرمته . 1739 / وفيه : أنس ، خرجت مع النبى ، ~~- صلى الله عليه وسلم - ، إلى خيبر أخدمه ، وقال : كنا مع النبى ، - صلى ~~الله عليه وسلم - ، أكثرنا ظلا الذى يستظل بكسائه ، وأما الذين صاموا فلم ~~يعملوا شيئا ، وأما الذين أفطروا فبعثوا الركاب وامتهنوا وعالجوا ، فقال ~~النبى ، - صلى الله عليه وسلم - : ( ذهب المفطرون اليوم بالأجر ) . قال أبو ~~عبد الله بن أبى صفرة : فيه أن أجر الخدمة فى الغزو أعظم من أجر الصيام ؛ ~~إذا كان المفطر أقوى على الجهاد وطلب العلم وسائر الأعمال الفاضلة من معونة ~~ضعيف أو حمل ما بالمسلمين إلى حمله حاجة . وفيه : أن التعاون فى الجهاد ~~والتفاضل فى الخدمة من حل وترحال واجب على جميع المجاهدين . وفيه : جواز ~~خدمة الكبير للصغير إذا رعى ms1568 له شرفا فى قومه أو فى PageV05P084 نفسه أو ~~نجابة فى علم أو دين أو شبهه ، وأما فى الغزو فالخادم المحتسب أفضل أجرا من ~~المخدوم الحسيب . * * * # | 67 - باب فضل من حمل متاع صاحبه فى السفر # 1740 / فيه : أبو هريرة ، عن النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، قال : ( ~~كل سلامى عليه صدقة كل يوم ، يعين الرجل فى دابته يحامله عليها أو يرفع ~~عليها متاعه صدقة ، والكلمة الطيبة وكل خطوة يمشيها إلى الصلاة صدقة ، ودل ~~الطريق صدقة ) . قال المؤلف : السلامى عظام الأصابع والأكارع ، عن صاحب ( ~~العين ) وليس ما ذكر فى هذا الحديث أنه صدقة على الإنسان تجب عليه فرضا ، ~~وإنما هو عليه من باب الحض والندب ، كما أمر الله تعالى المؤمنين بالتعاون ~~والتناصر وقال : { وتعاونوا على البر والتقوى } وقال - صلى الله عليه وسلم ~~- : ( المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا ) ( والله فى عون العبد ما دام ~~العبد فى عون أخيه ) ، فهذه كلها وما شاكلها من حقوق المسلمين بعضهم على ~~بعض مندوب إليها مرغب فيها . ذكر عبد الرزاق ، عن معمر ، عن يحيى بن أبى ~~كثير ، عن رجل ذكره ، عن عائشة ، عن النبى - صلى الله عليه وسلم - أنه قال ~~: ( إن فى الإنسان ثلاثمائة وستين مفصلا ؛ فمن كبر الله وحمد الله وهلل ~~الله عددها فى يوم أمسى وقد زحزح عن النار ) والمراد بحديث أبى هريرة أن ~~الحامل فى السفر لمتاع غيره إنما معناه أن الدابة للمعان فيؤجر الرجل ~~PageV05P085 على عونه لصاحبها فى ركوبها أو فى رفع متاعه عليها ، وقد جاء ~~هذا الحديث بينا بهذا المعنى بعد هذا ، وترجم له : ( من أخذ بالركاب ونحوه ~~) وقال فى الحديث : ( ويعين الرجال على دابته فيحمل عليها ويرفع عليها ~~متاعه ) . فدل قوله : من أخذ بالركاب ونحوه . أنه أراد لدابة غيره و إذا ~~أجر من فعل ذلك بدابة غيره أجر إذا حمل على دابة نفسه أكثر ، والله الموفق ~~. * * * # | 68 - باب فضل رباط يوم فى سبيل الله وقول الله تعالى : { اصبروا ~~وصابروا } الآية [ آل عمران : 200 ] # 1741 / - فيه : سهل ، قال - صلى الله عليه وسلم - : ( رباط ms1569 يوم فى سبيل ~~الله خير من الدنيا وما فيها ، وموضع سوط أحدكم من الجنة خير من الدنيا وما ~~فيها . . . . . ) الحديث . قال المهلب : إنما صار رباط يوم فى سبيل الله ~~خير من الدنيا وما فيها ؛ لأنه عمل يؤدى إلى الجنة ، وصار موضع سوط فى ~~الجنة خير من الدنيا وما فيها من أجل أن الدنيا فانية وكل شيء فى الجنة وإن ~~صغر فى التمثيل لنا وليس فيها صغير فهو أدوم وأبقى من الدنيا الفانية ~~المنقطعة فكان الدائم الباقى خيرا من المنقطع . وقوله تعالى : { اصبروا ~~وصابروا } اختلف فيها أهل التأويل فقال زيد : اصبروا على الجهاد ، وصابروا ~~العدو ، ورابطوا الخيل على العدو . وعن الحسن وقتادة : اصبروا على طاعة ~~الله ، وصابروا PageV05P086 أعداء الله ، ورابطوا فى سبيل الله . وعن الحسن ~~أيضا : اصبروا على المصائب ، وصابروا على الصلوات الخمس . قال محمد بن كعب ~~: اصبروا على دينكم ، وصابروا لوعدى الذى وعدتكم عليه ، ورابطوا عدوى ~~وعدوكم حتى يترك دينه لدينكم ، واتقوا الله فيما بينى وبينكم لعلكم تفلحون ~~غدا إذا لقيتموني . وعن أبى سلمة : رابطوا على الصلوات أى : انتظروها . * * ~~* # | 69 - باب من غزا بصبى للخدمة # 1742 / فيه : أنس ، قال النبي ، - صلى الله عليه وسلم - ، لأبى طلحة : ( ~~التمس لى غلاما من غلمانكم يخدمنى حتى أخرج إلى خيبر ) ، فخرج بى أبو طلحة ~~مردفى ، وأنا غلام راهقت الحلم ، فكنت أخدم النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ~~، إذا نزل ، فكنت أسمعه كثيرا ، يقول : ( اللهم إنى أعوذ بك من الهم والحزن ~~، والعجز والكسل ، والبخل والجبن ، وضلع الدين ، وغلبة الرجال . . . . . . ~~) الحديث . قال أبو عبد الله : فى حديث أنس : ( خرج بى أبو طلحة وأنا غلام ~~راهقت الحلم ) وفى طريق آخر : ( وأنا ابن عشر سنين ) . وكذلك فى حديث ابن ~~عباس : ( ناهزت الحلم ) . وفى طريق آخر : ( توفى رسول الله وأنا ابن عشر ~~سنين ، وقد حفظت المحكم الذى يدعونه المفصل ) فسمى أنس وابن عباس ابن عشر ~~سنين مراهقا . وفيه : جواز الاستخدام لليتامى بشبعهم وكسوتهم . وفيه : دليل ~~على جواز الاستخدام بغير نفقة ولا كسوة إذا كان خدمة PageV05P087 عالم أو ~~إمام فى الدين ms1570 ؛ لأنه لم يذكر فى حديث أنس أن له أجر الخدمة وإن كان قد ~~يجوز أن تكون نفقته من عند النبى ، واما الأجرة فلم يذكرها أنس فى حديثه ~~ولا ذكرها أحد عن النبى ولا عن أبى طلحة ولا عن أم سلمة ، وهما اللذان أتيا ~~به إلى الرسول وأسلماه لخدمته ولم يشترطا أجرة ولا نفقة ولا غيرها ، فجائز ~~على اليتيم إسلام أمه ووصيه وذى الرأى من أهله فى الصناعات واستئجاره فى ~~المهنة وذلك لازم له ومنعقد عليه ، وفيه جواز حمل الصبيان فى الغزو وقوله : ~~( يحوى لها وراءه ) فالحوية مركب يهيأ للمرأة ، من كتاب العين * * * # | 70 - باب ركوب البحر # 1743 / - فيه : أنس ، حدثتنى أم حرام أن النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ~~، نام يوما فى بيتها ، فاستيقظ وهو يضحك ، قال : ( عجبت من قوم من أمتى ~~يركبون البحر كالملوك على الأسرة . . . . . ) الحديث . فيه جواز ركوب البحر ~~للجهاد وإذا جاز ركوبه للجهاد فهو للحج أجوز وهذا الحديث يرد أحد قولى ~~الشافعى أنه من لم يكن له طريق إلى الحج إلا على البحر سقط عنه فرض الحج ، ~~وقال مالك وأبو حنيفة : يلزمه الحج على ما يقتضيه دليل هذا الحديث ، إلا أن ~~مالكا يكره للمرأة الحج فى البحر وهو للجهاد أكره ، وإنما كره ذلك ؛ لأن ~~المرأة لا تكاد تستتر عن الرجال ولا يستترون عنها ، ونظرها إلى عورات ~~الرجال ونظرهم إليها حرام ، فلم ير لها استباحة فضيلة ولا أداء فريضة ~~بمواقعة محرم . PageV05P088 وذكر مالك أن عمر بن الخطاب كان يمنع الناس من ~~ركوب البحر فلم يركبه أحد طول حياته ، فلما مات استأذن معاوية عثمان بن ~~عفان فى ركوبه ؛ فأذن له فلم يزل يركب حتى كان عمر بن عبد العزيز فمنع من ~~ركوبه ، ثم ركب بعده إلى الآن . ولا حجة لم منع ركوبه ؛ لأن السنة قد أباحت ~~ركوبه فى الجهاد للرجال والنساء فى حديث أنس وغيره وهى الحجة فيها الأسوة ، ~~وقد ذكر أبو عبيد أن النبى - صلى الله عليه وسلم - نهى عن ركوب البحر فى ~~وقت ارتجاجه وصعوبته قال : حدثناه ms1571 عباد بن عباد ، عن أبى عمران الجونى ، عن ~~زهير بن عبد الله يرفعه أن النبى - صلى الله عليه وسلم - قال : ( من ركب ~~البحر إذا التج أو قال : ارتج فقد برئت منه الذمة أو قال : فلا يلومن إلا ~~نفسه ) قال أبو عبيد : وأكبر ظنى أنه قال : ( التج ) باللام . فدل هذا ~~الحديث أن ركوبه مباح فى غير وقت ارتجاجه وصعوبته فى كل شيء فى التجارة ~~وغيرها ، وسيأتى فى كتاب البيوع فى ( باب التجارة فى البحر ) زيادة فى هذا ~~المعنى إن شاء الله ولم يفسر أيو عبيد قوله : ( برئت منه الذمة ) ومعناه إن ~~شاء الله - : فقد برئت منه ذمة الحفظ ؛ لأنه ألقى بيده إلى التهلكة وغرر ~~بنفسه ، ولم يرد فقد برئت منه ذمة الإسلام ؛ لأنه لا يبرأ أحد من الإسلام ~~إلا بالكفر . PageV05P089 # | 71 - باب من استعان بالضعفاء والصالحين فى الحرب # وقال ابن عباس : أخبرنى أبو سفيان ، قال لى قيصر : سألتك أشراف الناس ~~اتبعوه أم ضعفاؤهم ؟ فزعمت ضعفاءهم ، وهم أتباع الرسل . 1744 / فيه : سعد ، ~~أنه رأى فضلا له على من دونه ، فقال الرسول - صلى الله عليه وسلم - : ( هل ~~تنصرون وترزقون إلا بضعفائكم ) . 1745 / وفيه : أبو سعيد ، قال الرسول ، - ~~صلى الله عليه وسلم - : ( يأتى زمان يغزو فئام من الناس ، فيقال : فيكم من ~~صحب الرسول - صلى الله عليه وسلم - ؟ فيقال : نعم ، فيفتح عليهم ، ثم يأتى ~~زمان ، فيقال : فيكم من صحب أصحاب النبى - صلى الله عليه وسلم - ؟ فيقال : ~~نعم ، فيفتح ، ثم يأتى زمان ، فيقال : فيكم من صحب صاحب أصحاب النبى - صلى ~~الله عليه وسلم - ؟ فيقال : نعم ، فيفتح ) . قال المؤلف : ذكر النسائى ~~زيادة فى حديث سعد يبين بها معناه فيقال فيه : ( هل تنصرون وترزقون إلا ~~بضعفائكم بصومهم وصلاتهم ودعائهم ) وتأويل ذلك أن عبادة الضعفاء ودعاءهم ~~أشد إخلاصا وأكثر خشوعا ؛ لخلاء قلوبهم من التعلق بزخرف الدنيا وزينتها ~~وصفاء ضمائرهم مما يقطعهم عن الله فجعلوا همهم واحدا ؛ فزكت أعمالهم ، ~~وأجيب دعاؤهم قال المهلب : إنما أراد - صلى الله عليه وسلم - بهذا القول ~~لسعد الحض على التواضع ونفى الكبر والزهو عن قلوب ms1572 المؤمنين . ففيه من الفقه ~~أن من زها على ما هو دونه أنه ينبغى أن يبين من PageV05P090 فضله ما يحدث ~~له فى نفس المزهو مقدارا أو فضلا حتى لا يحتقر أحدا من المسلمين ؛ ألا ترى ~~أن الرسول أبان من حال الضعفاء ما ليس لأهل القوة والغناء فأخبر أن بدعائهم ~~وصلاتهم وصومهم ينصرون . وذكر عبد الرزاق ، عن مكحول أن سعد بن أبى وقاص ~~قال : ( يا رسول الله ، أرأيت رجلا يكون حامية القوم ويدفع عن أصحابه ليكون ~~نصيبه كنصيب غيره ؟ فقال النبى - صلى الله عليه وسلم - - : ثكلتك أمك يا ~~ابن أم سعد ، وهل تنصرون وترزقون إلا بضعفائكم ) . فيمكن أن يكون هذا ~~المعنى الذى لم يذكره البخارى فى حديث سعد الذى رأى به الفضل لنفسه على من ~~دونه والله أعلم وحديث أبى سعيد يشهد لصحته ، ويوافق معناه قوله - صلى الله ~~عليه وسلم - : ( خيركم قرنى ثم الذين يلونهم ، ثم الذين يلونهم ) لأنه يفتح ~~لهم لفضلهم ، ثم يفتح للتابعين لفضلهم ، ثم يفتح لتابعيهم لفضلهم ، وأوجب ~~الفضل لثلاثة القرون ولم يذكر الرابع ولم يذكر فضلا فالنصر فيهم أقل ، ~~والله أعلم . وقال صاحب العين : الفئام : الجماعة من الناس وغيرهم . * * * # | 72 - باب لا يقال فلان شهيد # وقال النبى ، - صلى الله عليه وسلم - : ( الله أعلم بمن يجاهد فى سبيله ) ~~. 1746 / فيه : سهل ، التقى النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، والمشركون ، ~~فاقتتلوا ، وفى أصحاب الرسول - صلى الله عليه وسلم - رجل لا يدع لهم شاذة ~~ولا فاذة إلا اتبعها يضربها بسيفه ، فقال : ما أجزأ منا اليوم كما أجزأ ~~فلان ، فقال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( PageV05P091 أما إنه من أهل ~~النار ) ، فاتبعه رجل كلما وقف ، وقف معه ، وإذا أسرع أسرع معه ، قال : ~~فجرح الرجل جرحا شديدا ، فاستعجل الموت ، فوضع نصل سيفه بالأرض وذبابه بين ~~ثدييه ، فقتل نفسه ، فقال الرجل : أشهد أنك رسول الله ، قال الرسول : ( وما ~~ذاك ) ؟ فأخبره ، فقال عند ذلك : ( إن الرجل ليعمل عمل أهل الجنة ، فيما ~~يبدو للناس وهو من أهل النار ، وإن الرجل ليعمل عمل أهل النار ، فيما يبدو ~~للناس ، وهو ms1573 من أهل الجنة ) . قال المهلب : فى هذا الحديث ضد ما ترجم له ~~البخارى ، أنه لا يقال : فلان شهيد ، ثم أدخل هذا الحديث وليس فيه من معنى ~~الشهادة شيء وإنما فيه ضدها والمعنى الذى ترجم به قولهم : ما أجزأ أحد ما ~~أجزأ فلان فمدحوا جزاءه وغناءه ، ففهم الرسول منهم أنهم قضوا له بالجنة فى ~~نفوسهم بغناءه ذلك ، فأوحى إليه بغيب مآل أمره لئلا يشهدوا لحى بشهادة ~~قاطعة عند الله ولا لميت ، كما قال رسول الله فى عثمان بن مظعون : ( والله ~~ما أدرى وأنا رسول الله ما يفعل به ) وكذلك لا يعلم شيئا من الوحى حتى يوحى ~~إليه به ويعرف بغيبه ، فقال : إنه من أهل النار بوحى من الله له . وفيه أن ~~صدق الخبر عما يكون وخروجه على ما أخبر به المخبر زيادة فى زكاته وهو من ~~النبى - صلى الله عليه وسلم - من علامات نبوته وزيادة فى يقين المؤمنين به ~~، ألا ترى قول الرجل حين رأى قتله لنفسه : أشهد إنك لرسول الله وهو كان قد ~~شهد قبل ذلك . وقد قال أبو بكر الصديق فى غير ما قصة حين كان يرى صدق ما ~~أخبر به النبى كان يقول : أشهد أنك رسول الله . PageV05P092 وفيه جواز ~~الإغياء فى الوصف لقوله : ما أجزأ أحدكما أجزأ ، ولا يدع لهم شاذة ولا فاذة ~~، ولا شك أن فى أصحاب الرسول من كان فوقه ، وأنه قد ترك شاذات وفاذات لم ~~يدركها ، وإنما خرج كلامه على الإغياء والمبالغة ، وهو جائز عند العرب . ~~وقوله : ( إلا اتبعها يضربه بسيفه ) معناه : يضرب الشيء المتبوع ؛ لأن ~~المؤنث قد يجوز تذكيره على معنى أنه شيء ، وأنشد الفراء للأعرابية : تركتنى ~~فى الحى ذا غربة تريد ذات غربة لكنها ذكرت على تقدير : تركتنى فى الحى ~~إنسان ذا غربة ، أو شخصا ذا غربة . * * * # | 73 - باب التحريض على الرمى وقول الله تعالى : { وأعدوا لهم ما استطعتم ~~من قوة ومن رباط الخيل } [ الأنفال : 60 ] # 1747 / فيه : سلمة : مر الرسول - صلى الله عليه وسلم - على نفر من أسلم ~~ينتضلون ، فقال النبى ، - صلى ms1574 الله عليه وسلم - : ( ارموا بنى إسماعيل ، ~~فإن أباكم كان راميا ، ارموا وأنا مع بنى فلان ) ، قال : فأمسك أحد ~~الفريقين بأيديهم ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( ما لكم لا ~~ترمون ) ؟ قالوا : كيف نرمى وأنت معهم ؟ قال - صلى الله عليه وسلم - : ( ~~ارموا وأنا معكم كلكم ) . 1748 / وفيه : أبو سعيد ، قال : قال الرسول - صلى ~~الله عليه وسلم - يوم بدر ، حين صففنا لقريش وصفوا لنا : ( إذا أكثبوكم ~~فعليكم بالنبل ) . قال ابن المنذر : ثبت أن النبى - صلى الله عليه وسلم - ~~قال فى قوله PageV05P093 تعالى : { وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة } : ( ألا ~~وإن القوة الرمى ) . رواه المقرىء ، عن سعيد بن أبى أيوب ، حدثنا يزيد بن ~~أبى حبيب ، عن أبى الخير مرثد بن عبد الله اليزنى ، عن عقبة بن عامر ، عن ~~النبى - صلى الله عليه وسلم - . قال المهلب فيه من الفقه : أن للسلطان أن ~~يأمر رجاله بتعليم الرمى وسائر وجوه الحرابة ويحض عليها . وفيه : أنه يجب ~~أن يطلب الرجل خلال أبيه المحمودة ويتبعها ويعمل مثلها ؛ لقوله : ( ارموا ~~فإن أباكم كان راميا ) . وفيه : أن السلطان يجب أن يعلم المجودين أنه معهم ~~أى فى حزبهم ومحب لهم كما فعل الرسول فى المجودين للرماية فقال : ( وأنا مع ~~بنى فلان ) أى : أنا محب لهم ولفعلهم كما قال - صلى الله عليه وسلم - : ( ~~المرء مع من أحب ) . وفيه من الفقه : أنه يجوز للرجل أن يبين عن تفاضل ~~إخوانه وأهله وخاصته فى محبته ، ويعلمهم كلهم أنهم فى حزبه ومودته ، كما ~~قال - صلى الله عليه وسلم - : ( أنا معكم كلكم ) بعد أن كان أفراد إحدى ~~الطائفتين . وفيه : أن من صار السلطان عليه فى جملة الحزب المناضلين له ألا ~~يتعرض لمناوأته كما فعل القوم حين أمسكوا ؛ لكون الرسول مع مناضليهم خوف أن ~~يرموا فيسبقوا فيكون النبى مع من سبق فيكون ذلك حقا على النبى ، وأمسكوا ~~تأدبا عليه ، فلما أعلمهم أنه معهم أيضا رموا ؛ لسقوط هذا المعنى . وفيه : ~~أن السلطان يجب أن يعلم بنفسه أمور القتال كما فعل - عليه السلام - . ~~PageV05P094 وقوله : ( ينتضلون ) يعنى : يرمون . تقول : ناضلت ms1575 الرجل : ~~راميته . وقوله : ( أكثبوكم ) أى : قربوا منكم . تقول العرب : أكثبك الصيد ~~: قرب منك . والكثب : القرب . من كتاب الأفعال . * * * # | 74 - باب اللهو بالحراب ونحوها # 1749 / فيه : أبو هريرة ، بينا الحبشة يلعبون عند الرسول - صلى الله عليه ~~وسلم - بحرابهم ، دخل عمر فأهوى إلى الحصى فحصبهم ، فقال : ( دعهم يا عمر ) ~~. وقال عبد الرزاق ، عن معمر : فى المسجد . هذا اللعب بالحراب هو سنة ليكون ~~ذلك عدة للقاء العدو ، وليتدرب الناس فيه ، ولم يعلم عمر معنى ذلك حين ~~حصبهم حتى قال له النبى - صلى الله عليه وسلم - - : ( دعهم ) . ففيه من ~~الفقه : أن من تأول خطأ لا لوم عليه ؛ لأن النبى لم يوبخ عمر على ذلك ؛ إذ ~~كان متأولا . وفيه : جواز مثل هذا اللعب فى المسجد ؛ إذ كان مما يشمل الناس ~~نفعه . وقد تقدم بيان هذا فى باب : أصحاب الحراب فى المسجد . فى كتاب ~~الصلاة . * * * # | 75 - باب الترسة والمجن # 1750 / فيه : أنس ، كان أبو طلحة يتترس مع النبى ، - صلى الله عليه وسلم ~~- ، بترس واحد ، وكان أبو طلحة حسن الرمى ، فكان إذا رمى يشرف النبى - صلى ~~الله عليه وسلم - فينظر إلى موضع نبله . PageV05P095 1751 / وفيه : سهل ، ~~لما كسرت بيضة الرسول - صلى الله عليه وسلم - على رأسه ، وأدمى وجهه ، ~~وكسرت رباعيته ، وكان على يختلف بالماء فى المجن . . . . . الحديث . 1752 / ~~وفيه : عمر ، كانت أموال بنى النضير مما أفاء الله على رسوله - صلى الله ~~عليه وسلم - مما لم يوجف المسلمون عليه بخيل ولا ركاب ، فكانت لرسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - خاصة ، وكان ينفق على أهله نفقة سنته ، ثم يجعل ما ~~بقى فى الكراع والسلاح فى سبيل الله . قال المهلب : فيه ركوب شيء من الغدر ~~للإمام لحرصه على معاينة نكاية العدو وإن كان احتراس الإمام خطيرا ، وليس ~~كسائر الناس فى ذلك بل هو آكد . وفيه : اختفاء السلطان عند اصطفاف القتال ؛ ~~لئلا يعرف مكانه . وفى حديث سعد : جواز امتحان الأنبياء وإيلامهم ، ليعظم ~~بذلك أجرهم ويكون أسوة لمن ناله جرح وألم من أصحابه ، فلا يجدون فى أنفسهم ~~مما نالهم غضاضة ، ولا يجد ms1576 الشيطان السبيل إليهم بأن يقول لهم : تقتلون ~~أنفسكم وتحملون الآلام فى صون هذا ، فإذا أصابه ما أصابهم فقدت هذه المكيدة ~~من اللعين ، وتأسى الناس به فجدوا فى مساواتهم له فى جميع أحواله . وفيه : ~~خدمة السلطان . وفيه : بذل السلاح فيما يضرها إذا كان فى ذلك منفعة لخطير ~~الناس . وفيه دليل أن ترستهم كانت مقعرة ولم تكن منبسطة فلذلك كان يمكن حمل ~~الماء بها . وفيه : أن النساء ألطف بمعالجة الرجال والجرحى . PageV05P096 ~~وقوله : ( فرقىء الدم ) قال صاحب العين : يقال . رقأ الدم والدمع رقوءا : ~~سكن بعد جريه . * * * # | 76 باب فيه : ما رأيت النبى ، - صلى الله عليه وسلم - يفدى رجلا بعد ~~سعد ، سمعته يقول : ( ارم فداك أبى وأمى ) # . قال المهلب : هذا مما خص به سعد ، وفيه دليل أن الرجل إذا كان له أبوان ~~وإن كانا على غير دينه فلهما عليه حرمة وحق ؛ لأنه لا يفدى إلا بذى حرمة ~~ومنزلة ، وإلا لم يكن يفديه ، ولا فضيلة للمفدي . فمن هاهنا قال مالك : إنه ~~من آذى مسلما فى أبويه الكافرين عوقب وأدب لحرمتهما عليه . وقال الطبرى : ~~فى هذا الحديث دلالة على جواز تفدية الرجل الرجل بأبويه ونفسه ، وفساد قول ~~منكرى ذلك ، فإن ظن ظان أن تفدية الرسول من فداه بأبويه إنما كان لأن أبويه ~~كانا مشركين ، فأما المسلم فغير جائز أن يفدى مسلما ولا كافرا بنفسه ولا ~~بأحد سواه من الإسلام ، واعتلالا بما روى أبو سلمة قال : أخبرنى مبارك ، عن ~~الحسن قال : ( دخل الزبير على الرسول وهو شاك ، فقال : كيف تجدك جعلنى الله ~~فداك ؟ فقال له : أما تركت إفداء بيتك بعد ) قال الحسن : لا ينبغى أن يفدى ~~أحد أحدا ، ورواه المنكدر ، عن أبيه قال : ( دخل الزبير . . . ) فذكره . ~~قلت : هذه أخبار واهية لا يثبت مثلها حجة فى الدين ؛ لأن PageV05P097 ~~مراسيل الحسن أكثرها عن غير سماع ، وإذا وصل الأخبار فأكثر رواته عن مجاهيل ~~لا يعرفون ، والمنكدر بن محمد عند أهل النقل لا يعتمد على نقله ، ولو صحت ~~هذه الأخبار لم يكن فيها حجة فى إبطال حديث على ؛ إذ لا [ . . . . . ] فى ms1577 ~~حديث الزبير أن النبى نهاه عن قول ذلك ، بل إنما قال له فيه : ( أما تركت ~~إفداء بيتك بعد ) والمعروف من قول القائل إذا قال : فلان لم يترك إفداء ~~بيته ، وإنما يشبه إلى الجفاء لا إلى نقل ما لا يجوز فعله ، وأعلمه أن غيره ~~من القول والتحية ألطف وأورق منه ، وسيأتى شيء من هذا المعنى فى كتاب الأدب ~~إن شاء الله . * * * # | 77 - باب الدرق # 1753 / فيه : عائشة ، دخل على الرسول - صلى الله عليه وسلم - وعندى ~~جاريتان تغنيان بغناء بعاث - فذكر الحديث - وكان يوم عيد يلعب السودان ~~بالدرق والحراب - إلى قوله : ( دونكم بنى أرفدة . . . . ) الحديث . قد تقدم ~~القول فى هذا الحديث فى كتاب الصلاة وغيره . وفيه : أن الدرق من آلات الحرب ~~التى ينبغى لأهلها اتخاذها والتحرز بها من أسلحة العدو ، وأن أصحاب النبى ~~استعملوها فى ذلك . وقوله : ( دونكم ) يحضهم على ما هم فيه من اللعب ~~بالحراب والدرق ؛ لأن فى ذلك منفعة وتدريبا وعدة للقاء العدو . وقوله : ( ~~بنى أرفدة ) نسبهم إلى جدهم وكان يسمى أرفدة . PageV05P098 # | 78 - باب الحمائل وتعليق السيوف بالعنق # 1754 / فيه : أنس ، كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أحسن الناس ، ~~وأشجع الناس ، ولقد فزع أهل المدينة ليلة فخرجوا نحو الصوت ، فاستقبلهم ~~النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، وقد استبرأ الخبر ، وهو على فرس لأبى ~~طلحة عرى ، وفى عنقه السيف . . . . قد تقدم القول فى هذا الحديث قبل هذا ، ~~وإنما فائدة هذا الباب أن السيوف تتقلد فى الأعناق بخلاف قول من اختار أن ~~يربط السيف فى الحزام ولا يتقلد فى العنق ، وليس فى شىء من هذا حرج . * * * # | 79 - باب حلية السيوف # 1755 / فيه : أبو أمامة ، لقد فتح الفتوح قوم ما كانت حلية سيوفهم الذهب ~~ولا الفضة ، إنما كانت حليتهم العلابى والآنك والحديد . العلابى [ . . . . ~~] . قال صاحب العين : رمح منقلب ومقلوب مجاوز بالعلباء . والعلباء عصب ~~العنق ، يقال : علبت السيف أعلبه علبا : إذا حزمت مقبضه بعلباء البعير . ~~وقال المهلب : فيه أن الحلية المباحة من الذهب والفضة فى السيوف إنما كانت ~~ليرهب بها على العدو ، فاستغنى أصحاب ms1578 رسول الله صلى - الله عليه وسلم - ~~بشدتهم على العدو وقوتهم فى الإيقاع بهم والنكاية لهم عن إرهاب الحلية ؛ ~~لإرهاب الناس وشجاعتهم ، والآنك : الرصاص وهو الأسرب . PageV05P099 # | 80 - باب من علق سيفه بالشجر فى السفر عند القائلة # 1756 / فيه : جابر ، أنه غزا مع الرسول - صلى الله عليه وسلم - قبل نجد ، ~~فلما قفل النبى - صلى الله عليه وسلم - ، أدركتهم القائلة فى واد كثير ~~العضاه ، فنزل النبى - صلى الله عليه وسلم - وتفرق الناس يستظلون بالشجر ، ~~ونزل النبى - صلى الله عليه وسلم - تحت سمرة ، وعلق بها سيفه ، ونمنا نومة ~~، فإذا النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، يدعونا ، وإذا عنده أعرابى ، فقال ~~: ( إن هذا اخترط على سيفى ، وأنا نائم فاستيقظت ، وهو فى يده صلتا ) ، ~~فقال : من يمنعك منى ؟ قلت : ( الله ، ثلاثا ) ، فشام السيف ولم يعاقبه ، ~~وجلس . وترجم له ( باب : تفرق الناس عن الإمام عند القائلة والاستظلال ~~بالشجر ) . قال المهلب : فيه أن تعليق السيف والسلاح فى الشجر صيانة لها من ~~الأمر المعمول به . وفيه : أن تعليقها على بعد من صاحبها من الغرر لا سيما ~~فى القائلة والليل ؛ لما وصل إليه هذا الأعربى من سيف الرسول . وفيه : تفرق ~~الناس عن الإمام عند القائلة وطلبهم الظل والراحة ، ولكن ليس ذلك فى غير ~~الرسول إلا بعد أن يبقى معه من يحرسه من أصحابه ؛ لأن الله تعالى قد كان ~~ضمن لنبيه أن يعصمه من الناس . وفيه : أن هذه القضية كانت سبب نزول هذه ~~الآية . وروى ابن أبى شيبة قال : حدثنا أسود بن عامر ، عن حماد بن سلمة ، ~~عن محمد بن عمرو ، عن أبى سلمة ، عن أبى هريرة قال : ( كنا إذا نزلنا طلبنا ~~للنبى أعظم شجرة وظلها ، قال : فنزلنا تحت PageV05P100 شجرة ، فجاء رجل ~~وأخذ سيفه فقال : يا محمد ، من يعصمك منى ؟ قال : الله ؛ فأنزل الله : { ~~والله يعصمك من الناس } . وفيه : أن حراسة الإمام فى القائلة والليل من ~~الواجب على الناس ، وأن تضييعه من المنكر والخطأ . وفيه : دعاء الإمام ~~لأتباعه إذا أنكر شخصا وشكوى من أنكره إليهم . وفيه : ترك الإمام معاقبة من ~~جفا عليه ms1579 وتوعده إن شاء ، والعفو عنه إن أحب . وفيه : صبر الرسول وحلمه ~~وصفحه عن الجهال . وفيه : شجاعته وبأسه وثبات نفسه صلى الله عليه ويقينه أن ~~الله ينصره ويظهره على الدين كله . وقوله : ( فشام السيف ) يعنى : أغمده . ~~وشامه أيضا : سله وهو من الأضداد . * * * # | 81 - باب لبس البيضة # 1757 / فيه : سهل ، جرح النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، يوم أحد ، ~~وكسرت رباعيته ، وهشمت البيضة على رأسه . . . . الحديث . هذه الأبواب كلها ~~التى ذكرت فيها آلات الحرب وأنواع السلاح وأن الرسول وأصحابه استعملوها ~~واتخذوها للحرب وإن كان الله قد وعدهم بالنصر وإظهار الدين فليكون ذلك سنة ~~للمؤمنين ؛ إذ الحرب سجال مرة لنا ومرة علينا ، وقد أمر باتخاذها فى قوله : ~~{ وأعدوا PageV05P101 لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو ~~الله وعدوكم } فأخبر أن السلاح فيها إرهاب العدو ، وفيها أيضا تقوية لقلوب ~~المؤمنين من أجل أن الله تعالى جبلها على الضعف ، وإن كانت السلاح لا تمنع ~~المنية لكن فيها تقوية للقلوب وأنس لمتخذيها . * * * # | 82 - باب من لم ير كسر السلاح عند الموت # 1758 / فيه : عمرو بن الحارث ، ما ترك الرسول - صلى الله عليه وسلم - إلا ~~سلاحه ، وبغلة بيضاء ، وأرضا صدقة . قال المهلب : كان أهل الجاهلية إذا مات ~~سلطانهم أو رئيسهم عهد بكسر سلاحه وحرق متاعه وعقر دوابه ، فخالف الرسول ~~فعلهم وترك بغلته وسلاحه وأرضه غير معهود فيها بشيء إلا صدقة فى سبيل الله ~~. * * * # | 83 - باب ما قيل فى الرماح # ويذكر عن ابن عمر ، عن الرسول - صلى الله عليه وسلم - : ( جعل رزقى تحت ~~ظل رمحى ، وجعل الذلة والصغار على من خالف أمرى ) . 1759 / فيه : أبو قتادة ~~، أنه رأى حمارا وحشيا ، فاستوى على فرسه ، فسأل أصحابه أن يناولوه سوطه ، ~~فأبوا ، فسألهم رمحه ، فأبوا ، فأخذه . . . . الحديث . قال المؤلف : ومعنى ~~هذا كالأبواب التى قبله أن الرمح كان من آلات النبى للحرب ومن آلات أصحابه ~~، وأنه من مهم السلاح وشريف PageV05P102 القدر ؛ لقول الرسول : ( جعل رزقى ~~تحت ظل رمحي ) وهذه إشارة منه لتفضيله والحض على اتخاذه والاقتداء به فى ~~ذلك . قال ms1580 المهلب : وفيه أن الرسول خص بإحلال الغنائم وأن رزقه منها بخلاف ~~ما كانت الأنبياء قبله عليه ، وخص بالنصر على من خالفه ، ونصر بالرعب وجعلت ~~كلمة الله هى العليا ، ومن اتبعها هم الأعلون ، وإنما ثقف المخالفون لأمره ~~إلا بحبل من الله وهو العهد ، باءوا بغضب من الله وضربت عليهم الذلة ~~والصغار وهى الجزية ، والله الموفق . * * * # | 84 - باب ما قيل فى درع الرسول - صلى الله عليه وسلم - والقميص فى ~~الحرب # 1760 / فيه : ابن عباس ، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو فى ~~قبة يوم بدر : ( اللهم إنى أنشدك عهدك ووعدك ، اللهم إن شئت لم تعبد بعد ~~اليوم ) ، فأخذ أبو بكر بيده ، فقال : حسبك يا رسول الله ، فقد ألححت على ~~ربك ، وهو فى الدرع ، فخرج وهو يقول : { سيهزم الجمع ويولون الدبر } الآية ~~[ القمر : 45 ] . 1761 / وفيه : عائشة ، توفى النبى ، - صلى الله عليه وسلم ~~- ، ودرعه مرهونة عند يهودى . 1762 / وفيه : أبو هريرة ، قال رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - : ( مثل البخيل والمتصدق مثل رجلين عليهما جبتان من ~~حديد ) ، وذكر الحديث . قال المهلب : فيه اتخاذ الدرع والقتال فيه . وفيه ~~دليل على أن نفوس البشر لا يرتفع عنها الخوف والإشفاق جملة واحدة ؛ لأن ~~الرسول قد كان وعده الله بالنصر وهو الوعد PageV05P103 الذى نشده ، وكذلك ~~قال الله عن موسى حين ألقى السحرة حبالهم وعصيهم فأخبر بعد أن أعلمه أنه ~~ناصره وأنه معهما يسمع ويرى فقال تعالى : { فأوجس فى نفسه خيفة موسى } ~~وإنما هى طوارق من الشياطين يخوف بها النفوس ويثبت الله الذين آمنوا بالقول ~~الثابت فى الحياة الدنيا وفى الآخرة . وقوله : ( اللهم إنى أنشدك عهدك ~~ووعدك ) : اللهم إنى أسألك إنجاز وعدك وإتمامه بإظهار دينك وإعلاء كلمة ~~الإسلام الذى رضيت بظهوره على جميع الأديان ، وشئت أن يعبدك أهله ، ولم تشأ ~~ألا تعبد ، فتمم ما شئت كونه ؛ فإن الأمور كلها بيدك . وقوله : ( سيهزم ~~الجمع ويولون الدبر ) فيه تأنيس من استبطأ كريم ما وعد الله به من النصر ~~بالبشرى لهم بهزم حزب الشيطان وتذكيرهم بما يثبتهم به من كتابه ms1581 . وفيه فضل ~~أبى بكر الصديق ويقينه بما وعد الله نبيه - صلى الله عليه وسلم - ولذلك ~~سماه الصديق ، وقد تقدم القول فى حديث عائشة فى كتاب الزكاة . * * * # | 85 - باب الحرير فى الحرب # 1763 / فيه : أنس ، أن النبى ؛ - صلى الله عليه وسلم - ، رخص لعبد الرحمن ~~بن عوف ، والزبير فى قميص حرير لحكة كانت بهما . وقال مرة : لقمل ، فأرخص ~~لهما فى الحرير ، فرأيته عليهما فى غزاة . اختلف السلف فى لباس الحرير فى ~~الحرب ، فأجازته طائفة وكرهته PageV05P104 طائفة ، فممن كرهه عمر بن الخطاب ~~، وروى مثله عن ابن محيريز وعكرمة وابن سرين وقالوا : كراهيته فيى الحرب ~~أشد لما يرجون من الشهادة ، وهو قول مالك ، وأبى حنيفة ، وقال مالك : ما ~~علمت أحدا يقتدى به لبسه فى الغزو . وممن أجازه فى الحرب : روى معمر ، عن ~~ثابت قال : رأيت أنس بن مالك يلبس الديباج فى فزعة فزعها الناس . وقال أبو ~~فرقد : رأيت على تجافيف أبى موسى الديباج والحرير . وقال عطاء : الديباج فى ~~الحرب سلاح . وأجازه عروة والحسن البصرى ، وهو قول أبى يوسف والشافعي . ~~وذكر ابن حبيب عن ابن الماجشون أنه استحب الحرير فى الجهاد والصلاة به ~~حينئذ للترهيب على العدو والمباهاة ، وفى مختصر ابن شعبان ، عن ابن ~~الماجشون ، عن مالك مثل ما ذكره ابن حبيب . وقال الطبرى : أما الذين كرهوا ~~لباسه فى الحرب وغيره فإنهم جعلوا النهى عنه عاما فى كل حال . والذين رخصوا ~~فى لباسه فى الحرب احتجوا بترخيصه - صلى الله عليه وسلم - لعبد الرحمن بن ~~عوف والزبير فى لباسه للحكة والقمل ، فبان بذلك أن من قصد بلبسه إلى دفع ما ~~هو أعظم عليه من أذى الحكة ، كأسلحة العدو المريد نفس لابسه بنبل ونشاب ، ~~ولبسه ، فله من ذلك نظير الذى كان لعبد الرحمن والزبير لسبب الحكة ، أيضا ~~ما حدثنا به أبو كريب ، حدثنا أبو خالد وعبدة ابن سليمان ، عن حجاج ، عن ~~أبى عثمان ختن عطاء عن أسماء ، قال : ( أخرجت إلينا جبة مزررة بالديباج ، ~~وقالت : كان رسول الله يلبسها فى الحرب ) . PageV05P105 | قال المهلب : ~~ولباسه فى الحرب من باب ms1582 الإرهاب على العدو ، وكذلك ما رخص فيه من تحلية ~~السيوف وكل ما استعمل فى الحرب هو من هذا الباب . ويدل على أن أفضل ما ~~استعمل فى قتل العدو [ . . . . . ] فى قذف الرعب والخشية فى قلوبهم ، وكذلك ~~رخص فى الاختيال فى الحرب ، وقال - صلى الله عليه وسلم - لأبى دجانة وهو ~~يتبختر فى مشيته : ( إنها لمشية يبغضها الله إلا فى هذا الموضع ) لما فى ~~ذلك من الإرهاب على أعداء الله ، وقام الدليل من هذا على أن حسن الرأى ~~وجودة التدبير من الرجل الواحد يشير به فى قتال العدو وقد يكون [ . . . . ] ~~من الشجاعة [ . . . . ] العساكر العظام . * * * # | 86 - باب ما قيل فى السكين # 1764 / فيه : عمرو بن أمية ، رأيت النبى ؛ - صلى الله عليه وسلم - ، يأكل ~~من كتف يحتز منها ، ثم دعى إلى الصلاة ، فصلى ولم يتوضأ وألقى السكين . ليس ~~فيه أكثر من استعمال السكين وأنه معروف عندهم اتخاذه واستعماله . * * * # | 87 - باب ما قيل فى قتال الروم # 1765 / فيه : عمير بن الأسود العنسى عن أم حرام ، قال النبى ، - صلى الله ~~عليه وسلم - : ( تغزون البحر قد أوجبوا ) ، قالت : يا رسول الله ، أنا فيهم ~~؟ PageV05P106 قال : ( أنت فيهم ) ، ثم قال : ( أول جيش من أمتى يغزون ~~مدينة قيصر مغفور لهم ) ، قلت : أنا فيهم ؟ قال : ( لا ) . قال المهلب : من ~~هذا الحديث فضل لمعاوية ؛ لأنه أول من غزا الروم وابنه يزيد غزا مدينة قيصر ~~. وعمير بن الأسود العنسى منسوب إلى قبيلة من العرب يقال لهم : بنو عنس ~~بالكوفة ، والعيش بالبصرة ، وفى أخرى : ولا [ . . . . . ] . * * * # | 88 - باب قتال اليهود # 1766 / فيه : ابن عمر ، قال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( تقاتلوا ~~اليهود حتى يختبىء أحدهم وراء الحجر ، فيقول : يا عبد الله ، هذا يهودى ~~ورائى ، فاقتله ) . 1767 / وقا أبو هريرة ، عن النبى - صلى الله عليه وسلم ~~- : ( لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا اليهود ، حتى يقول الحجر . . . . . ) ~~الحديث . قال المهلب : فى هذا الحديث دليل على ظهور الآيات بتكلم الجماد ~~وما شاكله عند نزول عيسى ابن مريم الذى يستأصل الدجال واليهود معه . وفيه ~~دليل على بقاء دين محمد ودعوته بعد ms1583 نزول عيسى ابن مريم لقوله : ( تقاتلوا ) ~~ولا يكونوا مخاطبين بالقتال إلا وهم على دينهم لجواز علم النبى - صلى الله ~~عليه وسلم - أن الذين يقاتلون الدجال غير من يخاطب بالحضرة ، لكن خاطب من ~~بالحضرة لمجيء من بعدهم PageV05P107 على مذهبهم ، وهذا فى كتاب الله كثير ~~خاطب من الحضرة ما يلزم الغائبين الذين لم يخلقوا بعد . وفيه جواز مخاطبة ~~من لا يسمع الخطاب ، ومخاطبة من قد يجوز منه الاستماع يوما ما . * * * # | 89 - باب قتال الترك # 1768 / فيه : عمرو بن تغلب ، قال ، - صلى الله عليه وسلم - : ( من أشراط ~~الساعة تقاتلون قوما ينتعلون نعال الشعر ، وإن من أشراط الساعة تقاتلون ~~قوما عراض الوجوه كأن وجوههم المجان المطرقة ) . 1769 / وفيه : أبو هريرة ، ~~قال الرسول - صلى الله عليه وسلم - : ( لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا الترك ، ~~صغار الأعين ، حمر الوجوه ، ذلف الأنوف ، كأن وجوههم المجان المطرقة ، ولا ~~تقوم الساعة حتى تقاتلوا قوما نعالهم الشعر ) . قال المهلب : فيه علامة ~~للنبوة وأنه سيبلغ ملك أمته غاية المشارق التى فيها هؤلاء القوم على ما ذكر ~~فى غير هذا الحديث ، وكذلك خلقة وجوههم بالعيان عريضة ، وسائر ما وصفهم به ~~كما وصفهم . وفيه التشبيه للشيء بغيره إذا كان فيه شبه منه من جهة ما ، وإن ~~خالف فى غير ذلك . قال صاحب الأفعال : المجان جمع مجن وهى الترسة ، ويقال : ~~أطرقت النعل والترس : أطبقتها . وقال صاحب العين : الذلف : غلظ واستواء فى ~~طرف الأنف . PageV05P108 # | 90 - باب : من صف أصحابه عند الهزيمة ونزول عن دابته واستنصر # 1770 / فيه : البراء ، سأله رجل أكنتم فررتم يوم حنين ؟ قال : والله ما ~~ولى النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، ولكن خرج شبان أصحابه وخفاؤهم حسرا ~~ليس بسلاح ، فأتوا قوما رماة جمع هوازن وبنى نصر ، ما يكاد يسقط لهم سهم ، ~~فرشقوهم رشقا ، ما يكادو يخطئون ، فأقبلوا هنالك إلى الرسول ، - صلى الله ~~عليه وسلم - ، وهو على بغلته البيضاء ، وابن عمه أبو سفيان بن الحارث بن ~~عبدالمطلب يقود به ، فنزل واستنصر ، ثم قال : أنا النبى لا كذب أنا ابن ~~عبدالمطلب ثم صف أصحابه . قال المهلب ms1584 : فيه الترجمة ، وتثبيت من بقى مع ~~الإمام ، ونزول الرسول عن بغلته إنما كان لتثبيت الرجالة الباقين معه ، ~~وليتأسوا به فى استواء الحال ، فكذلك يجب على كل إمام إذا ولى أصحابه وبقى ~~فى قلة منهم إن أخذ على نفسه بالشدة أن يفعل ما فعل - صلى الله عليه وسلم - ~~من النزول ، وإن لم يكن له نية يأخذ بالشدة ، فليكن انهزامه يتحيز مع فئة ~~من قومه إلى فئة أخرى يروم تثبيتهم ، وهذا الحديث يبين أن المنهزمين يوم ~~حنين لم يكونوا جميع الصحابة وأن بعضهم بقى مع النبى - صلى الله عليه وسلم ~~- غير منهزمين . قال الطبرى : وفيه البيان عما خص الله به نبينا محمدا - ~~صلى الله عليه وسلم - من الشجاعة والنجدة ؛ وذلك أن أصحابه انفلوا فانهزموا ~~من عدوهم حتى ولوا عنهم مدبرين ، كما وصفهم فى كتابه : { ثم وليتم مدبرين } ~~فكان أصحابه وهم زهاء عشرة آلاف أو أكثر مدبرين PageV05P109 انهزاما من ~~المشركين وهو فى نفر من أهله قليلين متقدم تلقاء العدو وقتالهم جاد فى ~~النظر نحوهم ، غير مستأخر ، غير مدبر ، والعدو من العدد فى مثل السيل ~~والليل . فإن قيل : قد انهزم من أصحاب النبى - صلى الله عليه وسلم - من ~~انهزم عنه ، والفرار من الزحف كبيرة ، فكيف فعل ذلك أصحابه ؟ قال الطبرى : ~~والجواب أن الفرار المكروه الذى وعد الله عليه الانتقام : الانهزام على نية ~~ترك العود لقتالهم إذا وجدوا قوة . وأما الاستطراد للكرة أو التحيز إلى فئة ~~عند قهر العدو المسلمين لمكيدة أو كثرة عدد فليس ذلك من الفرار الذى توعد ~~الله المؤمنين عليه ، ولو كان ذلك فرارا لكان القوم يوم حنين قد استحقوا من ~~الله الوعيد وذلك أنه تعالى أخبر عنهم أنهم ولوا مدبرين بقوله : { وضاقت ~~عليكم الأرض بما رحبت ثم وليتم مدبرين } فولوا عن رسول الله وهم أكثر ما ~~كانوا عددا وأتم سلاحا ، لم يوجب لهم غضبه بل قال : { ثم أنزل الله سكينته ~~على رسوله وعلى المؤمنين وأنزل جنودا لم تروها } ولو كان إدبارهم يومئذ على ~~غير التحرف للقتال أو التحيز إلى فئة ؛ لكانوا ms1585 قد استحقوا وعيده تعالى . ~~وبمثل ما قلناه قال السلف ، روى داود ، عن أبى نضرة ، عن أبى سعيد فى قوله ~~تعالى : { ومن يولهم يومئذ دبره } قال : كان ذلك يوم بدر ولم يكن لهم يومئذ ~~أن ينحازوا ، ولو انحازوا لانحازوا إلى المشركين ولم يكن يومئذ مسلم على ~~وجه الأرض غيرهم ، وقال الضحاك : إنما كان الفرار يوم بدر ولم يكن لهم ملجأ ~~يلجئون إليه ، PageV05P110 وأما اليوم فليس فرار . وقال ابن أبى نجيح ، عن ~~مجاهد ، قال عمر بالمدينة : وأنا فئة كل مسلم . وسئل الحسن البصرى عن ~~الفرار من الزحف فقال : والله لو أن أهل سمرقند انحازوا إلينا لكنا فئتهم . ~~* * * # | 91 - باب : الدعاء على المشركين بالهزيمة # 1771 / فيه : على ، لما كان يوم الأحزاب ، قال النبى ، - صلى الله عليه ~~وسلم - : ( ملأ الله بيوتهم وقبورهم نارا ، شغلونا عن الصلاة الوسطى ، حتى ~~غابت الشمس ) . 1772 / وفيه : أبو هريرة ، كان النبى ، - صلى الله عليه ~~وسلم - ، يدعو فى القنوت : ( اللهم اشدد وطأتك على مضر ، اللهم سنين كسنى ~~يوسف ) . 1773 / وفيه : ابن أبى أوفى : دعا النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ~~، يوم الأحزاب : ( اللهم منزل الكتاب سريع الحساب ، اللهم اهزم الأحزاب ، ~~اللهم اهزمهم وزلزلهم ) . 1774 / وفيه : ابن مسعود ، كان الرسول - صلى الله ~~عليه وسلم - يصلى فى ظل الكعبة ، فجاء أبو جهل وناس من قريش ، بسلا جزور ~~فطرحوه عليه ، فقال : ( اللهم عليك بقريش ) ، ثلاثا ، وسمى اللهم عليك بأبى ~~جهل . . . ) . وذكر الحديث . 1775 / وفيه : عائشة ، أن اليهود دخلوا على ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقالوا : السام عليك ، فلعنتهم ، فقال : ~~( ما لك ) ؟ فقلت : أولم تسمع ما قالوا ؟ قال : ( أو لم تسمعى ما قلت : ~~وعليكم ) . قال المهلب : قد تقدم القول فى الصلاة الوسطى أنها الصبح على ~~الحقيقة ، وأنها العصر بالتشبيه بها . وقوله : ( شغلونا ) فهذا شغل لا يمكن ~~ترك القتال له على حسب الاستطاعة له من الإيماء والإقبال والإدبار ~~والمطاعنة والمسابقة لكن لهذا وجهان : PageV05P111 أحدهما : أن صلاة الخوف ~~لم تكن نزلت بعد ، وفى الآية بها إباحة الصلاة على حسب القدرة والإمكان ، ~~وفى هذا الوقت لم يكن ms1586 مباح لهم الإتيان بها إلا على أكمل أوصافها ؛ فلذلك ~~شغلوا عنها بالقتال ، وهذا الشغل كان شديدا عليهم حتى لا يمكن أحد منهم أن ~~يشتغل بغير المدافعة والمقاتلة . والمعنى الآخر : أن يكونوا على غير وضوء ؛ ~~فلذلك لم يمكنهم ترك القتال لطلب الماء وتناول الوضوء ؛ لأن الله لا يقبل ~~صلاة من أحدث حتى يتوضأ ، وأما دعاؤه - صلى الله عليه وسلم - على قوم ~~ودعاؤه لآخرين بالتوبة ؛ فإنما كان على حسب ما كانت ذنوبهم فى نفسه - صلى ~~الله عليه وسلم - ، فكان يدعو على من اشتد أذاه للمسلمين وكان يدعو لمن ~~يرجى نزوعه ورجوعه إليهم كما دعا لدوس حين قيل له : إن دوسا قد عصت وأبت ~~ولم تكن لهم نكاية ولا أذى ، فقال : ( اللهم اهد دوسا وائت بهم ) وأما ~~هؤلاء فدعا عليهم لقتلهم المسلمين ، فأجيبت دعوته فيهم ، وقد تقدم هذا ~~المعنى فى أول كتاب الاستسقاء ، وسيأتى أيضا فى كتاب الدعاء باب : ( الدعاء ~~على المشركين ) مستقصى فيه القول إن شاء الله . * * * # | 92 - باب : هل يرشد المسلم أهل الكتاب أو يعلمهم الكتاب ؟ # 1776 / فيه : ابن عباس ، أن النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، كتب إلى ~~قيصر : ( فإن توليت ، فإن عليك إثم الأريسيين ) . قال المؤلف : إرشاد أهل ~~الكتاب ودعاؤهم إلى الإسلام على الإمام ، وأما تعليمهم الكتاب فاستدل ~~الكوفيون على جوازه بكتابة النبى إليهم آية من كتاب الله بالعربية ، فعلمهم ~~كيف حروف العربية وكيف تأليفها وكيف إيصال ما اتصال من الحروف ، وانقطاع ما ~~انقطع منها PageV05P112 قالوا : فهذا تعليم لهم ؛ لأنهم لم يقرءوا حتى ترجم ~~لهم ، وفى الترجمة تعريف ما يوافق من حروفها حروفهم وما يعبر عنه ، ألا ترى ~~أن فى أسماء الطير فى نظير أبيات الشعر تعليما للكتاب فضلا عن الحروف التى ~~هى بنغمتها تدل على أمثالها ، وأسماء الطير لا يفهم منها نغمة وينفك منها ~~الكلام ، قاله المهلب . وإلى هذا المعنى ذهب أبو حنيفة فقال : لا بأس ~~بتعليم الحربى والذمى القرآن والعلم والفقه رجاء أن يرغبوا فى الإسلام ، ~~وهو أحد قولى الشافعي . وقال مالك : لا يعلمون الكتاب ولا القرآن ، وهو ms1587 قول ~~الشافعى الآخر ، واحتج الطحاوى لأصحابه بكتاب النبى - صلى الله عليه وسلم - ~~إلى هرقل بآية من القرآن وبما رواه حماده بن سلمة ، عن حبيب المعلم قال : ~~سألت الحسن : أعلم أهل الذمة القرآن ؟ قال : نعم ، أليس يقرءون التوراة ~~والإنجيل وهو كتاب الله ؟ واحتج الطحاوى بقوله تعالى : { وإن أحد من ~~المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله } . قالوا : وقد روى أسامة بن ~~زيد ( أن رسول الله مر على مجلس فيه عبد الله بن أبى قبل أن يسلم وفى ~~المجلس أخلاط من المسلمين والمشركين واليهود ، فقرأ عليهم القرآن ) . وحجة ~~مالك قوله تعالى : { إنما المشركون نجس } وقد نهى الرسول أن يسافر بالقرآن ~~إلى أرض العدو مخافة أن يناله العدو ، وكره مالك أن يشترى من أهل الكفر ~~فيعطوا دراهم فيها اسم الله ، وكره إذا كان صيرفى يهودى أو نصرانى أن يصرف ~~منهم . وقال الطحاوى : يكره أن يعطى الكافر الدراهم فيها القرآن ؛ لأنه لا ~~يغتسل من الجنابة فهو كالجنب يمس المصحف فيكره أن يعطاه ، PageV05P113 ~~والدراهم على عهد الرسول لم يكن عليها قرآن وإنما ضربت فى أيام عبد الملك . ~~وقال غيره : وفى كتاب الرسول آية من القرآن ؛ ففيه جواز مباشرة الكفار ~~صحائف القرآن إذا احتيج إلى ذلك . * * * # | 93 - باب : الدعاء للمشركين بالهدى ليتألفهم # 1777 / فيه : أبو هريرة ، قدم طفيل بن عمرو الدوسى وأصحابه على الرسول - ~~صلى الله عليه وسلم - فقالوا : إن دوسا عصت وأبت ، فادع الله عليها ، فقيل ~~: هلكت دوس ، فقال : ( اللهم اهد دوسا ، وأت بهم ) . كان الرسول يحب دخول ~~الناس فى الإسلام ، فكان لا يعجل بالدعاء عليهم ما دام يطمع فى إجابتهم إلى ~~الإسلام ، بل كان يدعو لمن كان يرجو منه الإنابة ، ومن لا يرجوه ويخشى ضره ~~وشوكته يدعو عليه ، كما دعا عليهم بسنين كسنى يوسف ، ودعا على صناديد قريش ~~، لكثرة أذاهم وعداوتهم ، فأجيبت دعوته فيهم ، فقتلوا ببدر ، كما أسلم كثير ~~ممن دعا له بالهدى . * * * # | 94 - باب : دعوة اليهود والنصارى وعلى ما يقاتلون عليه وما كتب الرسول ~~إلى كسرى وقيصر والدعوة قبل القتال # 1778 / فيه : أنس ms1588 لما أراد الرسول - صلى الله عليه وسلم - أن يكتب إلى ~~الروم ، قيل له : إنهم لا يقرءون كتابا إلا أن يكون مختوما ، فاتخذ خاتما ~~من فضة ، وكأنى أنظر إلى بياضه فى يده ، ونقش فيه : محمد رسول الله . 1779 ~~/ وفيه : ابن عباس ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعث بكتابه إلى ~~كسرى ، فأمره أن PageV05P114 يدفعه إلى عظيم البحرين ، فدفعه عظيم البحرين ~~إلى كسرى ، فلما قرأه كسرى خرقه ، فدعا عليهم أن يمزقوا كل ممزق . قال ~~المهلب : فيه ما دعا الرسول - صلى الله عليه وسلم - إلى قيصر ، كتب إليه ~~يدعوه بدعاية الإسلام : ( أسلم تسلم ) ، فهذا الذى يقاتلون عليه ، والدعوة ~~لازمة إذا لم تبلغهم ، وإذا بلغتهم فلا يلزم ، فإن شاء أن يكرر ذلك عليهم ، ~~وإن شاء أن يطلب غرتهم فعل ، وإنما كانوا لا يقرءون كتابا إلا مختوما ؛ ~~لأنهم كانوا يكرهون أن يقرأ الكتاب إليهم غيرهم وأن يكون مباحا لسواهم ~~فكانوا يأنفون من إهماله ، وقد قيل فى تأويل قوله : { كتاب كريم } أنه ~~مختوم ، فأخذ - صلى الله عليه وسلم - بأرفع الأحوال التى بلغته عنهم ، ~~واتخذ خاتما ونقش فيه : محمد رسول الله ، وعهد ألا ينقش أحد مثله ، فصارت ~~خواتيم الأئمة والحكام سنة لا يفتات عليهم فيها لا يتسور فى اصطناع مثلها ، ~~وتخريق الكتاب من التهاون بأمر النبوة والاستهزاء بها ؛ فلذلك دعا عليهم ~~بالتمزيق فأجيب ، والاستهزاء من الكبائر العظيمة إذا كان فى الدين ، وهو من ~~باب الكفر ، ويقتل المستهزىء بالدين ؛ لأن الله أخبر عن الاستهزاء أنه كفر ~~فقال : { ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب قل أبالله وآياته ورسوله ~~كنتم تستهزئون لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم } . PageV05P115 # | 95 - باب دعاء الرسول ، - صلى الله عليه وسلم - ، الناس إلى الإسلام ~~والنبوة وألا يتخذ بعضهم بعضا أربابا # وقوله : { ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب } [ آل عمران : 79 ] الآية . ~~1780 / فيه : ابن عباس ، أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - كتب إلى قيصر ~~يدعوه إلى الإسلام ، وبعث بكتابه إليه مع دحية الكلبى ، وأمره أن يدفعه إلى ~~عظيم بصرى ، ليدفعه إلى قيصر ، فقرئ ms1589 ، فإذا فيه : ( بسم الله الرحمن الرحيم ~~من محمد عبد الله ورسوله إلى هرقل عظيم الروم ، سلام على من اتبع الهدى ، ~~أما بعد فإنى أدعوك بدعاية الإسلام ، أسلم تسلم ، وأسلم يؤتك الله أجرك ~~مرتين ، وإن توليت ، فعليك إثم الأريسيين و { يا أهل الكتاب تعالوا إلى ~~كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا ~~بعضا أربابا من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون } الحديث ) . ~~1781 / فيه : سهل بن سعد ، قال النبي ، - صلى الله عليه وسلم - ، يوم خيبر ~~: ( لأعطين الراية رجلا يفتح الله على يديه ) ، فقاموا يرجون لذلك ، فقال : ~~( أين على ) ؟ قيل : يشتكى عينيه ، فأمر ، فدعى له ، فبصق فى عينيه ، فبرأ ~~مكانه ، [ حتى كأنه لم يكن به شىء ] ، فقال : نقاتلهم حتى يكونوا مثلنا ؟ ~~فقال : ( على رسلك حتى تنزل بساحتهم ، ثم ادعهم إلى الإسلام ، وأخبرهم بما ~~يجب عليهم ، فوالله لأن يهدى الله بك رجلا واحد خير لك من حمر النعم ) . ~~1782 / وفيه : أنس ، كان الرسول - صلى الله عليه وسلم - إذا غزا قوما لم ~~يغر حتى يصبح ، فإن سمع أذانا أمسك ، وإن لم يسمع أذانا أغار بعد ما يصبح ، ~~فنزلنا خيبر ليلا ، فلما أصبح خرجت يهود بمساحيهم ومكاتلهم ، فقالوا : محمد ~~، PageV05P116 والله : محمد ، والله محمد والخميس ، فقال رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - : ( الله أكبر ، خربت خيبر ، إنا إذا نزلنا بساحة قوم { ~~فساء صباح المنذرين } ) [ الصافات : 177 ] . 1783 / وفيه : أبو هريرة ، قال ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا : لا ~~إله إلا الله ، فمن قال ذلك ، فقد عصم منى ماله ونفسه إلا بحقه ، وحسابه ~~على الله ) . فى هذا الباب الدعاء إلى الإسلام بالمكاتبة وبعثة الرسول ، ~~واستحب العلماء أن يدعى الكافر إلى الإسلام قبل القتال ، فقال مالك : أما ~~من قربت داره منا فلا يدعون ؛ لعلمهم بالدعوة ولتأمين غرتهم ، ومن بعدت ~~داره وخيف ألا تبلغه فالدعوة أقطع للشك . وذكر ابن المنذر عن عمر بن عبد ~~العزيز أنه كتب إلى جعونة وأمره على الدروب أن ms1590 يدعوهم قبل أن يقاتلهم ، ~~وأباح أكثر أهل العلم قتالهم قبل أن يدعوا ؛ لأنهم قد بلغهم الدعوة ، هذا ~~قول الحسن البصرى والنخعى وربيعة والليث وأبى حنيفة والثورى والشافعى وأحمد ~~وإسحاق وأبى ثور ، قال الثورى : ويدعون أحسن . واحتج الليث والشافعى بقتل ~~ابن أبى الحقيق ، وكعب بن الأشرف ، وذكر ابن القصار عن أبى حنيفة : إن ~~بلغتهم الدعوة فحسن أن يدعوهم الإمام إلى الإسلام أو أداء الجزية قبل ~~القتال . قال : ولا بأس أن يغيروا عليهم بغير دعوة . وقال الشافعى : لا ~~أعلم أحدا من المشركين لم تبلغه الدعوة اليوم إلا أن يكون خلف الغور ، ~~والترك أمة لم تبلغهم ، فلا يقاتلوا حتى يدعوا ، ومن قتل منهم قبل ذلك فعلى ~~قاتله الدية . وقال أبو حنيفة : لا شيء عليه . قال الطحاوى : قد لبث الرسول ~~بعد النبوة سنين يدعو الناس إلى الإسلام ، ويقيم عليهم الحجج والبراهين كما ~~أمره الله بقوله : { ادفع PageV05P117 بالتى هى أحسن } وقوله تعالى : { ~~فاعف عنهم واصفح } ثن أنزل الله بعد ذلك : { ولا تقاتلوهم عند المسجد ~~الحرام حتى يقاتلوكم فيه } فأباح قتال من قاتله ، ولم يبح قتال من لم ~~يقاتله ، وكان الإسلام ينتشر فى ذلك وتقوم الحجة به على من لم يكن علمه ، ~~ثم أنزل الله بعد ذلك : { قاتلوا الذين يلونكم من الكفار } قاتلوكم قبل ذلك ~~أم لا ، فكان فى ذلك زيادة فى انتشار الإسلام ، ثم أنزل عليه : { وقاتلوا ~~المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة } فأمر بقتالهم كافة حتى يكون الدين كله ~~لله . وقد تقدمت معرفة الناس جميعا بالإسلام وعلموا منابذته - صلى الله ~~عليه وسلم - أهل الأديان ، ولم يذكر فى شيء من الآى التى أمر فيها بالقتال ~~دعاء من أمر بقتالهم ؛ لأنهم قد علموا خلافهم له وما يدعوهم إليه ، واحتج ~~لهذا القول بحديث أنس أنه كان - صلى الله عليه وسلم - إذا سمع أذانا أمسك ، ~~وإن لم يسمع أذانا أغار بعد ما أصبح ، فهذا يدل أنه كان لا يدعو . وذهب من ~~استحب دعوتهم قبل القتال إلى حديث على أن النبى - صلى الله عليه وسلم - قال ~~له : ( على رسلك حتى ms1591 تنزل بساحتهم ، ثم ادعهم إلى الإسلام وأخبرهم بما يجب ~~عليهم ) . وقال أهل القول الأول : هذا يحتمل أن يكون فى أول الإسلام فى قوم ~~لم تبلغهم الدعوة ، ولم يدروا ما يدعون إليه فأمر بالدعاء ليكون ذلك تبليغا ~~لهم وإعلاما ، ثم أمر بالغارة على آخرين فلم يكن ذلك إلا لمعنى لم يحتاجوا ~~معه إلى الدعاء ؛ لأنهم قد علموا ما يدعون إليه وما لو أجابوا إليه لم ~~يقاتلوا فلا معنى للدعاء ، واحتجوا بحديث ابن عون قال : كتبت إلى نافع ~~أسأله عن الدعاء قبل القتال فقال : إنما كان ذلك فى أول الإسلام قد أغار ~~رسول الله على بنى المصطلق وهم PageV05P118 غارون فقتل مقاتلتهم وسبى ~~ذراريهم وأصاب يومئذ جويرية بنت الحارث ، حدثنى بذلك ابن عمر وكان فى الجيش ~~، وبما رواه الزهرى ، عن عروة ، عن أسامة بن زيد قال : قال رسول الله : ( ~~أغر على أبنى صباحا وحرق ) . قال المهلب : وفى حديث أنس الحكم بالدليل فى ~~الأبشار والأموال ، ألا ترى أنه حقن دماء من سمع من دارهم الأذان ، واستدل ~~بذلك على صدق دعواهم للإيمان . قال الطبرى : فيه البيان عن حجة قول من أنكر ~~على غزاة المسلمين بيات من لم يعرفوا حاله من أهل الحصون حتى يصبحوا فيتبين ~~حالهم بالأذان ويعلموا هل بلغتهم الدعوة أم لا ؟ فإن كانوا ممن بلغتهم ولم ~~يعلموا أمسلمين هم أم أهل صلح أو حرب ، فلا يغيروا حتى يصبحوا ، فإن سمعوا ~~أذانا من حصنهم كان من الحق عليهم الكف عنهم ، وإن لم يسمعوا أذانا وكانوا ~~أهل حرب أغاروا عليهم إن شاءوا . فإن قيل : فما أنت قائل فى حديث الصعب بن ~~جثامة ( أن الرسول سئل عن أهل الدار من المشركين يبيتون ليلا ويصاب من ~~نسائهم وذراريهم فقال : هم منهم ) . وفى هذا إباحة البيات وحديث أنس بخلاف ~~ذلك . قيل : كل ذلك صحيح ولا يفسد أحدهما معنى الآخر ، وذلك أن PageV05P119 ~~حديث الصعب فيمن بلغته الدعوة ولا يشك فى حاله من أهل الحرب فإنه يجوز ~~بياتهم ، وإنما الذى ينتظر بهم الصباح لا ستبراء حالهم بالأذان أو غيره من ms1592 ~~شعار أهل الإسلام من التبس أمره ولم يعرف حاله فعلى هذا يحمل حديث أنس . ~~وقولهم : ( محمد والخميس ) يعنون : الجيش ، ومعنى الكلام : هذا محمد وجيشه ~~، أو قد جاء محمد وجيشه وإنما سمى : خميسا ؛ لأنه يخمس ما يجد من شيء . ~~وقال الطحاوى : اختلف أهل العلم فى تأويل حديث أبى هريرة فذهب قوم إلى أن ~~من قال : لا إله إلا الله فقد صار بها مسلما ، له ما للمسلمين وعليه ما ~~عليهم واحتجوا به ، وخالفهم آخرون وقالوا : لا حجة لكم فيه ؛ لأن الرسول ~~إنما كان يقاتل قوما لا يوحدون الله فكان أحدهم إذا وحد الله علم بذلك تركه ~~لما قوتل عليه وخروجه منه ولم يعلم بذلك دخوله فى الإسلام أو فى أحد الملل ~~التى توحد الله وتكفر بجحدها مرسله وغير ذلك من الوجوه التى يكفر بها مع ~~توحيدهم الله كاليهود والنصارى الذين يوحدون الله ولا يقرون برسوله . وفى ~~اليهود من يقول : إن محمدا رسول الله إلى العرب خاصة ، فكان حكم هؤلاء ألا ~~يقاتلوا إذا وقعت هذه الشبهة حتى تقوم الحجة على من يقاتلهم بوجوب قتالهم ~~وقد أمر - صلى الله عليه وسلم - على بن أبى طالب حين وجهه إلى خيبر وأهلها ~~يهود بما رواه ابن وهب ، عن يعقوب بن عبد الرحمن ، عن سهيل بن أبى صالح ، ~~عن أبيه ، عن أبى هريرة ( أن رسول الله لما دفع الراية إلى على حين وجهه ~~إلى خيبر قال : امض ولا تلتفت حتى يفتح الله عليك . فقال على : علام ~~أقاتلهم ؟ قال : حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ، فإذا ~~فعلوا ذلك فقد منعوا منك دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله ) . ~~PageV05P120 ففى هذا الحديث أن النبى قد أباح له قتالهم وإن شهدوا ألا إله ~~إلا الله حتى يشهدوا أن محمدا رسول الله ، وحتى يعلم على خروجهم من اليهود ~~، كما أمر بقتال عبدة الأوثان حتى يعلم خروجهم مما قوتلوا عليه ، وقد أتى ~~قوم من اليهود إلى النبى - صلى الله عليه وسلم - فأقروا بنبوته ولم يدخلوا ~~فى الإسلام ms1593 فلم يقاتلهم على إبائتهم الدخول فى الإسلام ، إذ لم يكونوا بذلك ~~الإقرار عنده مسلمين . وروى شعبة ، عن عمرو بن مرة ، عن عبد الله بن سلمة ، ~~عن صفوان بن عسال أن يهوديا قال لصاحبه : تعال حتى نسأل هذا النبي . فقال ~~له الآخر : لا تقل له نبى ؛ فإنه إن سمعها صارت له أربعة أعين ، فأتاه ~~فسأله عن هذه الآية : { ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات } فقال : لا تشركوا ~~بالله شيئا ، ولا تقتلوا النفس التى حرم الله إلا بالحق ، ولا تسرقوا ، ولا ~~تزنوا ، ولا تسخبوا ، تأكلوا الربا ، ولا تمشوا ببريء إلى سلطان ليقتله ، ~~ولا تقذفوا المحصنة ، ولا تفروا من الزحف ، وعليكم خاصة اليهود ألا تعدوا ~~فى السبت ؛ فقبلوا يده وقالوا : نشهد أنك نبي . قال : فما يمنعكم أن ~~تتبعونى ؟ قالوا : نخشى أن تقتلنا اليهود ) فأقروا بنبوته مع توحيدهم لله ~~ولم يكونوا بذلك مسلمين . فثبت أن الإسلام لا يكون إلا بالمعانى التى تدل ~~على الدخول فى الإسلام وترك سائر الملل . وروى ابن وهب ، عن يحيى بن أيوب ، ~~عن حميد الطويل ، عن أنس ( أن رسول الله قال : أمرت أن أقاتل الناس حتى ~~يشهدوا ألا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ؛ فإذا شهدوا بذلك وصلوا ~~صلاتنا واستقبلوا قبلتنا وأكلوا ذبيحتنا ؛ حرمت علينا PageV05P121 دماؤهم ~~وأموالهم إلا بحقها ) قال : وهذا قول أبى حنيفة وأبى يوسف ومحمد . قال ~~الطحاوى : فالحديث الأول الذى فيه توحيد الله خاصة هو المعنى الذى يكف به ~~عن القتال حتى يعلم ما أراد به قائله الإسلام أو غيره ، حتى تصح هذه الآثار ~~ولا تتضاد . وقال الطبرى نحوا من ذلك ، وزاد فقال : أما قوله - صلى الله ~~عليه وسلم - : ( فإذا قالوا : لا إله إلا الله ؛ عصموا منى دماءهم وأموالهم ~~. . . ) الحديث ، فإنه - صلى الله عليه وسلم - قائله فى حال قتاله لأهل ~~الأوثان الذين كانوا لا يقرون بتوحيد الله ، وهم الذين قال الله تعالى عنهم ~~: { إنهم كانوا إذا قيل لهم لا إله إلا الله يستكبرون } . فدعاهم الرسول ~~إلى الإقرار بالوحدانية وخلع ما دونه من الأوثان ، فمن أقر بذلك منهم ms1594 كان ~~فى الظاهر داخلا فى صبغة الإسلام ، ثم قال : آخرون من أهل الكفر كانوا ~~يوحدون الله غير أنهم كانوا ينكرون نبوة محمد ، فقال - صلى الله عليه وسلم ~~- فى هؤلاء : أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا : لا إله إلا الله ويشهدوا أن ~~محمدا رسول الله ) فإسلام هؤلاء : الإقرار بما كانوا به جاحدين كما كان ~~إسلام الآخرين إقرارهم بالله أنه واحد لا شريك له ، وعلى هذا تحمل الأحاديث ~~. * * * # | 96 - باب : من أراد غزوة فورى بغيرها ومن أراد الخروج يوم الخميس # 1784 / فيه : كعب ، أن الرسول ، - صلى الله عليه وسلم - ، لم يكن يريد ~~غزوة إلا ورى بغيرها ، حتى كانت غزوة تبوك فغزاها النبى ، - صلى الله عليه ~~وسلم - ، فى حر PageV05P122 شديد ، واستقبل سفرا بعيدا ومفازا ، واستقبل ~~غزو عدو كثير ، فجلى للمسلمين أمرهم ؛ ليتأهبوا أهبة عدوهم ، وأخبرهم بوجهه ~~الذى يريد . وقلما كان ، - صلى الله عليه وسلم - ، يخرج فى سفر إلا يوم ~~الخميس ، وخرج يوم الخميس فى غزوة تبوك . قال المهلب : فيه المكايدة فى ~~الحرب ، وطلب غرة العدو ، وفيه جواز الكلام بغير نية للإمام وغيره إذا لم ~~يضر بذلك أحدا وكان فيه نفع للمسلمين خاصة وعامة فهو جائز وهو خارج من باب ~~الكذب وأخبرهم - صلى الله عليه وسلم - بغزوة تبوك لطول المدة ؛ ليتأهبوا ~~كما ذكر فى الحديث ، ولأنه آمن ألا يسبقه إليها الخبر لبعد الشقة التى بينه ~~وبينها وقفرها ، وخروجه يوم الخميس لمعنى يجب أن يحمل عليه ويتبرك به ؛ لأن ~~لنا فى رسول الله أسوة حسنة . وقوله : ( ورى بغيرها ) قال أبو على الفسوى : ~~أصله من الورى كأنه قال : لم يشعر به من ورى كأنه قال : ساترت بكذا ، ~~وأصحاب الحديث لا يضبطون الهمز فيه ، وتصغيره : ورية وأصله : وريية ، ويسقط ~~واحدة منهما كما قلت فى عطاء : عطى ، والأصل : عطيى فتقول : وريت عن كذا ~~وكذا بغير همز ، والمفازة : المهلكة سميت بذلك تفاؤلا بالفوز والسلامة كما ~~قالوا للديغ : سليم . وذكر ابن الأنبارى عن ابن الأعرابى ، المفازة مأخوذة ~~من قولهم : قد فوز الرجل : إذا هلك . * * * # | 97 - باب : الخروج بعد الظهر # 1785 ms1595 / فيه : أنس ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلى بالمدينة ~~الظهر أربعا ، والعصر بذى الحليفة ركعتين ، وسمعتهم يصرخون بهما . ~~PageV05P123 فى خروج النبى إلى سفر الحج دليل على أنه لا ينبغى أن يكره ~~السفر وابتداء العمل بعد ذهاب صدر النهار وأوله ؛ إذ الأوقات كلها لله ، ~~وأن ما روى عنه - صلى الله عليه وسلم - : ( اللهم بارك لأمتى فى بكورها ) . ~~لا يدل أن غير البكور لا بركة فيه ؛ لأن كل ما فعل النبى - صلى الله عليه ~~وسلم - - ففيه البركة ولأمته فيه أكبر الأسوة . وإنما خص - صلى الله عليه ~~وسلم - البكور بالدعاء بالبركة فيه من بين سائر الأوقات والله أعلم - لأنه ~~وقت يقصده الناس بابتداء أعمالهم وهو وقت نشاط وقيام من دعة ، فخصه بالدعاء ~~؛ لينال بركة دعوته جميع أمته . والحديث بذلك ذكره ابن المنذر قال : حدثنا ~~سليمان بن شعيب قال : حدثنى يحيى بن حسان ، حدثنا هشيم ، اخبرنا يعلى بن ~~عطاء ، عن عمارة ، عن صخر الغامدى قال : قال رسول الله : ( اللهم بارك ~~لأمتى فى بكورها ) ، قال : وكان إذا بعث جيشا أو سرية بعثهم أول النهار . ~~قال : وكان صخر رجلا تاجرا فكان إذا بعث غلمانه بعثهم أول النهار فأثرى ~~وكثر ماله . * * * # | 98 - باب الخروج آخر الشهر # وقال ابن عباس : انطلق الرسول - صلى الله عليه وسلم - من المدينة لخمس ~~بقين من ذى القعدة ، وقدم مكة لأربع ليال خلون من ذى الحجة . 1786 / فيه : ~~عائشة ، خرجنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لخمس ليال بقين من ذى ~~القعدة ، ولا نرى إلا الحج . . . . وذكر الحديث . خروجه - صلى الله عليه ~~وسلم - آخر الشهر بخلاف أفعال الجاهلية فى استقبالهم PageV05P124 أوائل ~~الشهور فى الأعمال وتوجيههم ذلك وتجنبهم بفضل الشهور من أجل نقصان العمر ، ~~فبعث الله نبيه - صلى الله عليه وسلم - يبيح ذلك كله ولم يراع نقصان شهر ~~ولا ابتداؤه ، ولا محاق قمر ولا كماله ، فخرج فى أسفاره على حسب ما تهيأ له ~~ولم يلتفت إلى أباطيلهم ولا طيرتهم الكاذبة ، ورد أمره إلى الله ، ولم يشرك ~~معه غيره فى فعله فأيده ms1596 ونصره . # | 99 - باب الخروج فى رمضان # 1787 / فيه : ابن عباس ، خرج النبى - صلى الله عليه وسلم - فى رمضان ، ~~فصام ، حتى بلغ الكديد أفطر . الخروج فى رمضان جائز ، وللمسافر أن يصوم أو ~~يفطر إن اختار ذلك بخلاف ما روى عن على بن أبى طالب أنه قال : ( من أدركه ~~رمضان وهو مقيم ثم سافر لزمه الصوم ) ؛ لقوله تعالى : { فمن شهد منكم الشهر ~~فليصمه } وبه قال أبو عبيد وأبو مجلز ، وهذا القول مردود ؛ لسفر الرسول فى ~~رمضان وإفطاره فيه ، وجماعة الفقهاء على خلاف قوله ، وقد تقدم فى ( كتاب ~~الصيام ) . * * * # | 100 - باب : التوديع # 1788 / فيه : أبو هريرة ، بعثنا الرسول - صلى الله عليه وسلم - فى بعث ، ~~وقال : ( إن لقيتم فلانا وفلانا فحرقوهما بالنار ) ، فأتيناه نودعه حين ~~أردنا الخروج ، فقال : ( إنى كنت أمرتكم أن تحرقوا فلانا وفلانا بالنار ، ~~وإن النار لا يعذب بها إلا الله ، فإن أخذتموهما فاقتلوهما ) . PageV05P125 ~~قال المهلب : الترجمة صحيحة وهو من الشأن المعلوم فى البعوث والأسفار ~~البعيدة توديع المسافر و [ . . . . . ] والأئمة ومن ترجى بركة دعوته ~~واستصحاب فضله ، وسيأتى الكلام على النهى عن التحريق بالنار فى باب ( لا ~~يعذب بعذاب الله ) بعد هذا فى الجزء الذى يليه إن شاء الله . * * * # | 101 - باب : السمع والطاعة للإمام ما لم يأمر بمعصية # 1789 / فيه : ابن عمر ، قال الرسول - صلى الله عليه وسلم - : ( السمع ~~والطاعة حق ما لم يؤمر بالمعصية ، فإذا أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة ) . ~~قال المؤلف : احتج بهذا الحديث الخوارج ورأوا الخروج على أثمة الجور ~~والقيام عليهم عند ظهور جورهم ، والذى عليه جمهور الأمة أنه لا يجب القيام ~~عليهم ولا خلعهم إلا بكفرهم بعد الإيمان وتركهم إقامة الصلوات ، وأما دون ~~ذلك من الجور فلا يجوز الخروج عليهم إذا استوطأ أمرهم وأمر الناس معهم ؛ ~~لأن فى ترك الخروج عليهم تحصين الفروج والأموال وحقن الدماء ، وفى القيام ~~عليهم تفرق الكلمة وتشتت الألفة . وكذلك لا يجوز القتال معهم لمن خرج عليهم ~~عن ظلم ظهر منهم ؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم - : ( فإذا أمر بمعصية فلا ~~سمع ولا طاعة ) . وقال ms1597 - صلى الله عليه وسلم - : ( لا طاعة لمخلوق فى معصية ~~الخالق ) . وذكر على بن سعيد فى كتاب ( الطاعة والمعصية ) حديثا أسنده إلى ~~النبى - صلى الله عليه وسلم - قال : ( خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم ~~، PageV05P126 وشرار أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم . قيل : يا رسول الله ~~، أفلا ننابذهم عند ذلك ؟ قال : لا ، ما أقاموا فيكم الصلاة ، ألا فمن ولى ~~عليه وال فأتى شيئا من المعاصى فليكره ما يأتى من معصية الله ، ولا ينزعن ~~يدا عن طاعة ) يعنى : لا يخرجن عليه . وروى الآجرى ، عن البغوى ، عن ~~القواريرى : حدثنا حكيم بن حزام وكان من عباد الله الصالحين حدثنا عبد ~~الملك بن عمير ، عن الربيع بن عميلة ، عن ابن مسعود عن النبى - صلى الله ~~عليه وسلم - قال : ( سيليكم أمراء يفسدون ، وما يصلح الله بهم أكثر ، فمن ~~عمل منهم بطاعة الله فله الأجر وعليكم الشكر ، ومن عمل منهم بمعصية الله ~~فعليه الوزر وعليكم الصبر ) وسيأتى شيء من هذا المعنى فى ( كتاب الأحكام ) ~~وفى ( كتاب الفتن ) إن شاء الله . * * * # | 102 - باب : يقاتل من وراء الإمام ويتقى به # 1790 / فيه : أبو هريرة ، قال الرسول - صلى الله عليه وسلم - : ( نحن ~~الآخرون السابقون ) . 1791 / وبهذا الإسناد : ( من أطاعنى فقد أطاع الله ، ~~ومن عصانى فقد عصى الله ، ومن يطع الأمير فقد أطاعنى ، ومن يعص الأمير فقد ~~عصانى ، وإنما الإمام جنة ، يقاتل من ورائه ، ويتقى به ، فإن أمر بتقوى ~~الله وعدل فإن له بذلك أجرا ، وإن قال بغيره فإن عليه منه ) . قال المهلب : ~~قوله : ( من وراء الإمام ) يعنى : من أمام الإمام كما قال تعالى : { وكان ~~وراءهم ملك } أى : أمامهم ، وقوله : PageV05P127 ( يتقى به ) أى : يرجع ~~إليه فى الرأى والفعل وغير ذلك مما لا يجب أن يقضى فيه إلا برأى الإمام ~~وحكمه ، ويتقى به الخطأ فى الدين والعمل من الشبهات وغيرها ، والإمام جنة ~~بين الناس بعضهم من بعض ؛ لأن بالسطان نزع الله تعالى عن المستضعفين من ~~الناس فهو ستر لهم ، وحرز الأموال ، وسائر حرمات المؤمنين أن تنتهك . وقال ~~غيره : تأويل : ( يقاتل من ورائه ) عند العلماء على الخصوص ms1598 وهو فى الإمام ~~العدل خاصة ، فمن خرج عليه وجب على جميع المسلمين قتاله مع الإمام العدل ؛ ~~نصرة له إلا أن يرى الإمام أن يفعل ما فعل عثمان فطاعة الإمام واجبة ، إلا ~~أن الخارجين عليه إن قتلوه فى غير قتال اجتمعت فيه الفئتان للقتال أو قتلوا ~~غيره ؛ فإن القصاص يلزمهم بخلاف قتلهم لأحد فى حال الملاقاة للفئتين . ~~ولذلك استجاز المسلمون طلب دم عثمان ؛ إذ لم يكن قتله عن ملاقاة ، وإن كان ~~الإمام غير عدل فالواجب عند العلماء من أهل السنة ترك الخرج عليه وأن ~~يقيموا معه الحدود : الصلوات ، والحج ، والجهاد ، وتؤدى إليه الزكوات ، فمن ~~قام عليه من الناس متأولا بمذهب خالف فيه السنة أو لجور أو لاختيار إمام ~~غيره سمى فاسقا ظالما غاصبا فى خروجه لتفريقه جماعة المسلمين ، ولما يكون ~~فى ذلك من سفك الدماء . فإن قاتلهم الإمام الجائر لم يقاتلوا معه ولم يجز ~~أن يسفكوا دماءهم فى نصره ، وقد رأى كثير من الصحابة ترك القتال مع على ، ~~ومكانه من الدين والعلم ما لا يخفى على أحد له مسكة فهم ، وسموه قتال فتنة ~~، وادعاء كل واحد على صاحبه أنه الفئة الباغية ، وهذا شأن العصبية عند أهل ~~العلم . ولم ير على على من قعد عن القتال معه ذنبا يوجب سخطه حاله ، ~~PageV05P128 وإن كان قد دعا بعضهم إلى القتال ، فأبوا أن يجيبوه فعذرهم ، ~~وكذلك يجب على الإمام الصالح الذى يأخذ الأمر عن شورى ألا يعتب من قعد عنه ~~، وسنوضح كيف القتال فى الفتنة فى موضعه من ( كتاب الفتنة ) إن شاء الله . ~~وقال صاحب العين : الجنة : الدرع ، وسمى المجن : مجنا ؛ لأنه يستتر به عند ~~القتال . وقوله : ( فإن عليه منه ) كذا روى الحديث ، وقد جاء فى بعض طرقه ( ~~فإن عليه منه وزرا ) وهو مفهوم المعنى . # | 103 - باب البيعة فى الحرب ألا يفروا وقال بعضهم : على الموت # لقول الله تعالى : { لقد رضى الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة } ~~[ الفتح : 18 ] . 1792 / فيه : ابن عمر ، رجعنا من العام المقبل ، فما ~~اجتمع منا اثنان على الشجرة التى ms1599 بايعنا تحتها ، كانت رحمة من الله . فسألت ~~نافعا على أى شىء بايعهم : على الموت ؟ قال : لا ، بل بايعهم على الصبر . ~~1793 / وفيه : عبد الله بن زيد ، لما كان زمن الحرة أتاه آت ، فقال له : إن ~~ابن حنظلة يبايع الناس على الموت ، فقال : لا أبايع على هذا أحدا بعد النبى ~~، - صلى الله عليه وسلم - . 1794 / وفيه : مسلمة ، قال : بايعت النبى ؛ - ~~صلى الله عليه وسلم - ، ثم عدلت إلى ظل شجرة ، فلما خف الناس ، قال : ( يا ~~ابن الأكوع ، ألا تبايع ) ؟ قال : قلت : قد بايعت يا رسول الله ، قال : ~~وأيضا ، فبايعته الثانية ، فقلت له : يا أبا مسلم على أى شيء كنتم تبايعون ~~يومئذ ؟ قال : على الموت . PageV05P129 1795 / وفيه : أنس ، كانت الأنصار ~~يوم الخندق ، تقول : نحن الذين بايعوا محمدا على الجهاد ما حيينا أبدا ~~فأجابهم ، فقال : ( اللهم لا عيش إلا عيش الآخره فأكرم الأنصار والمهاجره ) ~~1796 / وفيه : مجاشع بن مسعود ، أتيت النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، أنا ~~وأخى ، فقلت : بايعنا على الهجرة ، فقال : ( مضت الهجرة لأهلها ) ، فقلت : ~~علام تبايعنا ؟ قال : ( على الإسلام والجهاد ) . قال المهلب : هذه الأحاديث ~~مختلفة الألفاظ ، منهم من يقول على الموت ، وعلى ألا يفر ، وعلى الصبر ، ~~والصبر يجمع المعانى كلها وهو أولى الألفاظ بالمعنى ؛ لأن بيعة الإسلام هى ~~على الجهاد وقتال المثلين ، فإن كان المشركون أكثر من المثلين كان المسلم ~~فى سعة من أن يفر ، وفى سعة أن يأخذ بالشدة ويصبر ، وهذا كله بعد أن نسخ ~~قتال العشرة أمثال ، وأما قبل نسخها فكان يلزم قتال العشرة أمثال وألا يفر ~~إلا من أكثر منها . وبيعة الشجرة إنما هى على الأخذ بالشدة وألا يفر أصلا ~~ولا بد من الصبر إما إلى فتح وإما إلى موت ، فمن قال : بايعنا على الموت ، ~~أراد يفتح لنا ، ومن قال : لا نفر . فهو نفس القصة التى وقعت عليها ~~المبايعة ، وهو معنى الصبر ؛ وقول نافع : على الصبر ؛ كراهية لقول من قال ~~بأحد الطريقين : الموت أو الفتح ، فجمع نافع المعنيين فى كلمة الصبر . ~~وقوله لسلمة بن الأكوع : ( ألا تبايع ) أراد أن ms1600 يؤكد بيعته ؛ لشجاعة سلمة ~~وغنائه فى الإسلام وشهرته بالثبات ؛ فلذلك أمره بتكرير المبايعة . ~~PageV05P130 وحديث مجاشع بن مسعود إنما كان بعد الفتح ؛ لأن الرسول قال : ( ~~لا هجرة بعد الفتح ، إنما هو جهاد ونية ) فكل من بايع الرسول قبل الفتح ~~لزمه الجهاد أبدا ما عاش إلا لعذر يجوز له به التخلف ، وكذلك قالوا بحضرة ~~رسول الله فى ارتجازهم يوم الخندق : نحن الذين بايعوا محمدا على الجهاد ما ~~بقينا أبدا وكذلك قال الله : { وما كان المؤمنون لينفروا كافة فلولا نفر من ~~كل فرقة منهم طائفة } فأباح لهم أن يتخلف عن الغزو من ينفر إلى التفقه فى ~~الدين ولم يبح لغير المتفقهين التخلف عن الغزو . وأما من أسلم بعد الفتح ~~فله أن يجاهد وله أن يتخلف بنية صالحة كما قال : ( جهاد ونية ) إلا أن ينزل ~~عدو أو ضرورة فيلزم الجهاد كل أحد ، والدليل على أن كل من بايع النبى - صلى ~~الله عليه وسلم - قبل الفتح لا يجوز له التخلف عن الجهاد أبدا قصة كعب بن ~~مالك إذ تخلف عن تبوك مع صاحبيه هلال بن أمية ، ومرارة بن الربيع أنهم لم ~~يغزوا و [ . . . . . ] الله ورسوله والمؤمنون عليهم وأخرجوهم من بين أظهرهم ~~ولم يسلموا عليهم ولم يكلموهم حتى بلغت منهم العقوبة مبلغها وعلم الله ~~إنابتهم فتاب عليهم . وأخو مجاشع بن مسعود أسمه : مجالد ابن مسعود السلمي . ~~قوله : ( فما اجتمع اثنان على الشجرة ، كانت رحمة ) يعنى : جهلهم بها رحمة ~~، خشية أن تعبد وتصير كالقبلة والمسجد ، وبيعة الشجرة كانت بالمدينة فرضت ~~الحرب على المسلمين ، وقد كانت بيعة العقبة بمكة على ألا يشركوا بالله شيئا ~~، ولا يسرقوا ، ولا يزنوا ، على PageV05P131 ما ذكر الله فى آخر سورة ~~الممتحنة ، وذكره عبادة بن الصامت فى حديثه ، ولم يفرض فى هذه البيعة حرب ~~إنما كانت بيعة النساء ، وقد تقدم بيان ذلك فى ( كتاب الإيمان ) فى باب ( ~~علامة الإيمان حب الأنصار ) . وأما قول عبد الله بن زيد فى زمن الحرة : لا ~~أبايع أحدا على الموت بعد النبي . وإنما قال ذلك ؛ لأنه يرى القعود فى ms1601 ~~الفتن التى بين المسلمين وترك القتال مع إحدى الطائفتين ، وقد ذهب إلى ذلك ~~جماعة من السلف على ما يأتى بيانه فى ( كتاب الفتنة ) ، فى باب قوله - صلى ~~الله عليه وسلم - : ( تكون فتنة القاعد فيها خير من القائم ) . * * * # | 104 - باب : عزم الإمام على الناس فيما يطيقون # 1797 / فيه : ابن مسعود ، قال : لقد سألنى رجل عن أمر ما دريت ما أرد ~~عليه ، فقال : أرأيت رجلا مؤديا نشيطا يخرج مع أمرائنا فى المغازى ، فيعزم ~~علينا فى أشياء لا نحصيها ؟ فقلت له : والله ما أدرى ما أقول لك إلا أنا ~~كنا مع النبى - صلى الله عليه وسلم - فعسى أن لا يعزم علينا فى أمر إلا مرة ~~حتى نفعله ، وإن أحدكم لن يزال بخير ما اتقى الله ، وإذا شك فى نفسه شىء ~~سأل رجلا فشفاه منه ، وأوشك أن لا تجدوه ، والذى لا إله إلا هو ما أذكر ما ~~غبر من الدنيا إلا كالثغب شرب صفوه وبقى كدره . قال المهلب : هذا الحديث ~~يدل على شدة لزوم الناس طاعة الإمام ومن يستعمله الإمام ؛ ألا ترى تحرج ~~السائل لعبد الله وتعرفه كيف موقع التخلف عن أمر السلطان من السنة ، وتحرج ~~عبد الله من أن يفتيه PageV05P132 فى ذلك برخصة أو شدة ، ولكن قد فسر ~~الرسول - صلى الله عليه وسلم - ذلك فى الحديث الذى أمر فيه بعض قواده أن ~~يجمعوا حطبا ويوقدونها ففعلوا ، فقال لهم : ادخلوها . قال بعضهم : إنما ~~دخلنا فى الإسلام فرارا من النار ، فلم يزالوا يتمارون حتى خمدت النار وسكن ~~غضبه فأخبر الرسول - صلى الله عليه وسلم - بذلك فقال : ( لو دخلتموها ما ~~خرجتم منها أبدا ؛ إنما الطاعة فى المعروف ) وقول الله تعالى : { لا يكلف ~~الله نفسا إلا وسعها } يقضى على ذلك كله ، وقد كان له أن يكلفها فوق وسعها ~~فلم يفعل وتفضل فى أخذ العفو ، هذا معنى الحديث . وفيه تشكى عبد الله بن ~~مسعود قلة العلماء وتغير الزمن عما كان عليه فى وقت رسول الله . وقوله : ( ~~مؤديا ) معناه : ذو أداة وسلاح تام العدة والشكل ، عن أبى عبيد . وقوله ms1602 : ( ~~ما غبر من الدنيا ) يعنى : بقى ، والغابر هو الباقى ، ومنه قوله : { إلا ~~عجوزا فى الغابرين } يعنى : ممن تخلف فلم تمض مع لوط . وقوله : ( كالثغب ) ~~قال صاحب العين : الثغب : ما يستنقع فى صخرة ، والجمع : ثغبان . ~~PageV05P133 # | 105 - باب # كان النبى ، - صلى الله عليه وسلم - : ( إذا لم يقاتل أول النهار أخر ~~القتال حتى تزول الشمس ) 1798 / فيه : ابن أبى أوفى ، إن الرسول - صلى الله ~~عليه وسلم - فى بعض أيامه التى لقى فيها ، انتظر حتى مالت الشمس ، ثم قام ~~فى الناس ، فقال : ( أيها الناس ، لا تتمنوا لقاء العدو ، وسلوا الله ~~العافية ) . قال المهلب : معنى هذا الحديث والله أعلم مفهوم من قوله : ( ~~نصرت بالصبا ، وأهلكت عاد بالدبور ) فهو يستبشر بما نصره الله به من الرياح ~~، ويرجو أن يهلك الله أعاديه بالدبور كما أهلك عادا ، وإذا أهلك عدوه ~~بالدبور فقد نصر بها ، فكان إذا لم يقاتل بالغدو وهو الوقت الذى تهب فيه ~~الرياح ، أخر حتى تزول الشمس وتهب رياح النصر . وقد بين هذا المعنى ما رواه ~~قاسم بن أصبغ قال : حدثنا الحسن بن سلام السواق ، قال : حدثنا عفان قال : ~~حدثنا حماد بن سلمة ، حدثنا أبو عمران الجونى ، عن علقمة بن عبد الله ~~المزنى ، عن معقل بن يسار قال : قال النعمان بن مقرن : ( شهدت القتال مع ~~رسول الله فكان إذا لم يقاتل أول النهار انتظر حتى تزول الشمس وتهب رياح ~~النصر ) رواه البخارى فى باب الجزية ، وقال : ( انتظر حتى تهب الأرواح ~~وتحضر الصلوات ) وأوقات الصلوات أفضل الأوقات ويستجاب فيها الدعاء ، والله ~~أعلم . PageV05P134 # | 106 - باب استئذان الرجل الإمام وقوله تعالى : { الذين آمنوا بالله ~~ورسوله وإذا كانوا معه } [ النور : 62 ] # 1799 / فيه : جابر ، غزوت مع النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، فتلاحق بى ~~النبى - صلى الله عليه وسلم - وأنا على ناضح لنا قد أعيا ، فتخلف النبى - ~~صلى الله عليه وسلم - فزجره ودعا له ، فما زال بين يدى الإبل قدامها يسير ، ~~فقال : ( كيف ترى بعيرك ) ؟ قلت : بخير ، أصابته بركتك . قلت : يا رسول ~~الله ، إنى عروس ، فاستأذنته ، فأذن لى ، فتقدمت الناس إلى ms1603 المدينة . . . . ~~الحديث . قال المهلب : هذه الآية أصل فى أن لا يبرح أحد عن السلطان إذا جمع ~~الناس لأمر من أمور المسلمين يحتاج فيه إلى اجتماعهم أو جهادهم عدوا إلا ~~بإذنه ؛ لأن الله تعالى قال : { فإذا استأذنوك لبعض شأنهم فائذن لمن شئت ~~منهم } فعلم أن الإمام ينظر فى أمر الذى استأذنه ، فإن رأى أن يأذن له أذن ~~، وإن لم ير ذلك لم يأذن له ؛ لأنه لو أبيح للناس تركه - صلى الله عليه ~~وسلم - والانصراف عنه لدخل الخرم وانفض الجمع ويجد العدو غرة ، فيثبون ~~عليها وينتهزون الفرصة فى المسلمين . وفيه أن من كان حديث عهد بعرس أو ~~متعلق القلب بأهله وولده فلا بأس أن يستأذن فى التعجيل عند الغفلة إلى دار ~~الإسلام كما فعل جابر ، وفى هذا المعنى حديث لداود النبى - صلى الله عليه ~~وسلم - أنه قال فى غزوة خرج إليها : ( لا يتبعنى من ملك بضع امرأة ، ولم ~~يبن بها ، أو بنى دارا ولم يسكنها ) فإنما أراد أن يخرج معه من لم يشغل ~~نفسه بشيء من علائق الدنيا ؛ ليجتهد فيما خرج له وتصدق نيته ويثبت فى ~~PageV05P135 القتال ولا يفر ؛ فيدخل الجبن على غيره ممن لا يريد الفرار ، ~~وسيأتى ما بقى من معانى هذا الباب فى ( كتاب البيوع ) وغيره إن شاء الله . ~~* * * # | 107 - باب : مبادرة الإمام عند الفزع # 1800 / فيه : أنس ، كان بالمدينة فزع ، فركب رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - فرسا لأبى طلحة ، فقال : ( ما رأينا من شىء ، وإن وجدناه لبحرا ) . ~~وترجم له باب ( السرعة والركض عند الفزع ) وباب ( الخروج فى الفزع وحده ) ~~وترجم له باب ( إذا فزعوا من الليل ) وقال فيه : ( فزع أهل المدينة ليلا . ~~. . ) . وقد تقدم القول فى هذه الأبواب كلها ، وجملة ذلك أن الإمام ليس له ~~أن يسخو بنفسه وينبغى له أن يشح بنفسه ؛ لأن فى ذلك نظما للمسلمين وجمعا ~~لكلمتهم إلا أن يكون من أهل الغناء الشديد والنكاية القوية كما كان - صلى ~~الله عليه وسلم - قد علم أن الله يعصمه ويؤيده ولا يخزيه فله أن يأخذ ~~بالشدة على ms1604 نفسه ؛ ليقوى قلوب المسلمين وليتأسوا به فيجتهدوا . * * * # | 108 - باب الجعائل والحملان فى السبيل # وقال مجاهد ، لابن عمر : أريد الغزو ، قال : إنى أحب أن أعينك بطائفة من ~~مالى ، قلت : أوسع الله على ، قال : إن غناك لك ، وإنى أحب أن يكون من مالى ~~فى هذا الوجه . وقال عمر : إن ناسا يأخذون من هذا المال ؛ ليجاهدوا ، ثم لا ~~يجاهدون ، فمن فعل فنحن أحق بماله حتى نأخذ منه ما أخذ . وقال طاوس ومجاهد ~~: إذا دفع إليك شىء تخرج به فى سبيل الله ، فاصنع به ما شئت وضعه عند أهلك ~~. PageV05P136 1801 / فيه : عمر ، حملت على فرس فى سبيل الله ، فرأيته يباع ~~، فسألت النبى - صلى الله عليه وسلم - أشتريه ، فقال : ( لا تشتره ، ولا ~~تعد فى صدقتك ) . 1802 / وفيه : أبو هريرة ، قال النبى - صلى الله عليه ~~وسلم - : ( لولا أن أشق على أمتى ما تخلفت عن سرية ، ولكن لا أجد حمولة ، ~~ولا أجد ما أحملهم عليه ، ويشق على أن يتخلفوا عنى ) . قال المؤلف : قوله : ~~( باب الجعائل ) ، إنما أراد أن يخرج الرجل شيئا من ماله يتطوع به فى سبيل ~~الله كما فعل ابن عمر أو يعين به من لا مال له من الغابرين كالفرس الذى حمل ~~عليه عمر فى سبيل الله فهذا حسن مرغب فيه ، وليس من باب الجعائل التى كرهها ~~العلماء ، فقال مالك : أكره أن يؤاجر الرجل نفسه أو فرسه فى سبيل الله ، ~~وكره أن يعطيه الوالى الجعل على أن يتقدم إلى الحصن . ولا نكره الجعائل ~~لأهل العطاء ؛ لأن العطاء مأخوذ على هذا الوجه . قال مالك : لا بأس ~~بالجعائل فى البعوث ، لم يزل الناس يتجاعلون عندنا بالمدينة يجعل القاعد ~~للخارج إذا كانوا من أهل ديوان واحد ؛ لأن عليهم سد الثغور ، وأصحاب أبى ~~حنيفة يكرهون الجعائل ما كان بالمسلمين قوة أو فى بيت المال ما يفى بذلك ، ~~فإن لم تكن لهم قوة ولا مال فلا بأس أن يجهز بعضهم بعضا على وجه المعونة لا ~~على وجه البدل ، وهذا الموضع ينبغى أن يكون وفاقا لقول مالك . وقد روى أيوب ~~، عن ms1605 ابن سيرين ، عن ابن عمر قال : كان القاعد يمنح الغازى ، فأما أن يبيع ~~الرجل غزوه فلا أدرى ما هو . وقال الشافعى : لا يجوز أن يغزو بجعل يأخذه من ~~رجل ، وأرده إن غزا به ، وإنما أجيزه من السلطان دون غيره ؛ لأنه يغزو بشيء ~~من حقه ، واحتج بأن الجهاد فرض على الكفاية ، فمن فعله وقع عن فرضه فلا ~~يجوز أن يستحق على غيره عوضا . PageV05P137 قال ابن القصار : فيقال له : ~~ليس كل من دخل فى شيء يتعين عليه بدخوله فيه يكون فى ابتدائه متعينا عليه ؛ ~~ألا ترى أن المتطوع بالحج فى الابتداء ليس بواجب عليه ، وإذا دخل فيه تعين ~~فرض إتمامه عليه ، وكذلك المجعول له لم يكن الجهاد متعين عليه فى الابتداء ~~، فلما دخل فيه نائبا عن غيره تعين عليه ، إلا أنه قد سد فى جهاد العدو مسد ~~الجاعل وناب منابه ؛ فجاز له الجعل . فإن قيل : فإن المجاهد يستحق سهما من ~~الغنيمة فلو وقع فعله عن غيره لم يصح ذلك ، وإن وقع فعله عن نفسه لم يجب له ~~جعل . قيل : وما يمنع من هذا ؟ هو يستحق الجعل بالمعاونة ويحصل الجعل له ؛ ~~لأن المعنى المقصود من الجهاد قد حصل كما يحصل من الجاعل لو حضر ، وقلنا إن ~~المجعول له لم يتعين عليه الفرض فى الابتداء ، وإنما جعل للجعل ونوى الجهاد ~~فتعين عليه بدخوله ، وقد أدى القاعد للخارج مائة دينار فى بعث فى أيام عمر ~~، وكان مسروق يجعل عن نفسه إذا خرج البعث . قال المهلب : أما قول طاوس ~~ومجاهد : إذا دفع إليك شيء فى سبيل الله فاصنع به ما شئت . فإنه يخرج من ~~حديث عمر فى الفرس ؛ لأنه وضع عنده للجهاد فأخذ ثمنه وانتفع به وإنما باعه ~~الرجل ؛ لأنه لم يكن حبيسا ، وإنما كان حملانا للجهاد صدقة ؛ لقول الرسول : ~~( لا تعد فى صدقتك ) . وقد روى عن ابن عباس وابن الزبير خلاف قول طاوس ~~ومجاهد ، قال ابن عباس : أنفقها فى الكراع والسلاح . وقال ابن الزبير : ~~أنفقها فى سبيل الله . وقال النخعى : كانوا يعطون أحب إليهم من ms1606 أن يأخذوا . ~~وسيأتى تمام القول فى قصة بيع الفرس فى باب ( إذا حمل PageV05P138 على فرس ~~فرآها تباع ) بعد هذا إن شاء الله وفى حديث عمر وأبى هريرة الحمل على الخيل ~~فى سبيل الله . وقوله : ( لولا أن أشق على أمتى ما تخلفت عن سرية ) يريد ~~أنهم كانوا يقتدون به فيخرجون على العسر واليسر ولا يتخلفون عنه صلى الله ~~عليه ؛ لحرصهم على اتباعه ورغبتهم فى امتثال سيرته . * * * # | 109 - باب الأجير # وقال الحسن وابن سيرين : يقسم للأجير من المغنم . وأخذ عطية بن قيس فرسا ~~على النصف ، فبلغ سهم الفرس أربع مائة دينار ، فأخذ مائتين ، وأعطى صاحبه ~~مائتين . 1803 / فيه : يعلى ، عن أبيه ، قال : ( غزوت مع رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - غزوة تبوك ، فحملت على بكر ، فاستأجرت أجيرا ، فقاتل رجلا ~~، فعض أحدهما الآخر ، فانتزع يده من فيه ، ونزع ثنيته . . . . الحديث . ~~اختلف العلماء فى الأجير فقال مالك وأبو حنيفة : لا يسهم له . وهو قول ~~إسحاق . وقال الشافعى : يسهم له قاتل أو لم يقاتل . وحجة مالك والكوفى قوله ~~تعالى : { واعلموا أنما غنمتم من شىء فإن لله خمسه } فجعلها للغانمين ، ومن ~~لم يقاتل عليها فليس بغانم فلا يستحق شيئا وروى عن سلمة بن الأكوع قال : ( ~~كنت تابعا لطلحة بن عبيد الله وأنا غلام شاب ، فأعطاه رسول الله سهم الفارس ~~والراجل جميعا ) واحتج الشافعى بقوله - صلى الله عليه وسلم - : ( الغنيمة ~~لمن حضر الوقعة ) . وهو قول أبى بكر وعمر وهو إجماع العلماء . قال المهلب : ~~وأما حديث يعلى فليس فيه أن النبى عليه السلام PageV05P139 أسهم لأجير ، ~~وإنما حاول البخارى إثبات ذلك بالدليل ؛ لأن فى الحديث جواز استئجار الحر ~~فى الجهاد ، وقد خاطب الله جماعة المؤمنين الأحرار بقوله : { واعلموا أنما ~~غنمتم من شيء فأن لله خمسه } فدخل الأجير فى هذا الخطاب ؛ فوجب له سهم ~~المجاهد الغانم لما تقدم من المخاطبة له ، وأما فعل عطية بن قيس فلا يجوز ~~عند مالك وأبى حنيفة والشافعى ؛ لأنها إجارة مجهولة ، فإذا وقع مثل هذا كان ~~لصاحب لادابة كراء مثلها ، و ما أصاب الراكب فى ms1607 المغنم فله ، وأجاز ~~الأوزاعى وأحمد بن حنبل أن يعطى فرسه على النصف فى الجهاد . # | 110 باب : ما قيل فى لواء النبى - صلى الله عليه وسلم - # 1804 / فيه : قيس بن سعد ، وكان صاحب لواء النبى ، - صلى الله عليه وسلم ~~- ، أنه أراد الحج فرجل . 1805 / وفيه : سلمة ، كان على تخلف عن النبى - ~~صلى الله عليه وسلم - فى خيبر ، وكان به رمد ، فلحق بالنبى ، - صلى الله ~~عليه وسلم - ، فلما كان مساء الليلة التى فتحها فى صباحها ، قال النبى ، - ~~صلى الله عليه وسلم - : ( لأعطين الراية - أو ليأخذن - غدا رجل يحبه الله ~~ورسوله يفتح الله على يديه ) ، فإذا نحن بعلى ، وما نرجوه ، فقالوا : هذا ~~على ، فأعطاه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، ففتح الله على يديه . ~~1806 / وفيه : نافع بن جبير ، أن العباس ، قال للزبير : هاهنا أمرك النبى ، ~~- صلى الله عليه وسلم - ، أن تركز الراية . قال المهلب : فيه أن لواء ~~الإمام ينبغى أن يكون له صاحب معلوم ، وإن كان من الأنصار فهو أولى ؛ ~~للاستنان بالنبى - - صلى الله عليه وسلم - - لأن PageV05P140 قيس بن سعد ~~كان من الأنصار ، وهم الذين كانوا عاقدوا الرسول أن يقاتلوا الناس كافة حتى ~~يقولوا : لا إله إلا الله . فهم أشد الناس فى قتال العدو بعد من هاجر مع ~~النبى - عليه السلام - وبالأنصار نادى الرسول يوم حنين أول من نادى . وفى ~~حديث على أيضا أن الراية لا يجب أن يحملها إلا من ولاه الإمام إياها ولا ~~تكون فيمن أخذها إلا بولاية . وقال الطبرى : فيه الدلالة البينة على إمام ~~المسلمين إذا وجد جيشا أو سرية أن يؤمر عليهم أميرا موثوقا بنيته وبصيرته ~~فى قتالهم ممن له بأس وعنده معرفة سياسة الجيش وتدبير الحرب ، وذلك أنه - ~~صلى الله عليه وسلم - وجه إلى خيبر من أفضل أصحابه وأنفذهم بصيرة وغناء ~~وأنكاهم للعدو ، وجعل له لواء وراية يجتمع جيشه تحتها فيثبتوا لثباتها عند ~~اللقاء ويرجعوا لرجعتها . وقوله : ( لأعطين الراية ) فعرفها بالألف واللام ~~يدل أنها كانت من سنته - - صلى الله عليه وسلم - - فى حروبه فينبغى أن يسار ~~بسيرته ms1608 فى ذلك . وروى أن لواء النبى - - صلى الله عليه وسلم - - كان أبيض ~~ورايته سوداء من مرط مرجل لعائشة . وقال جابر : دخل النبى مكة ولواؤه أبيض ~~. وقال مجاهد : كان لرسول الله لواء أغبر . وروى أن راية على يوم صفين كانت ~~حمراء مكتوب فيها : محمد رسول الله ، وكانت له راية سوداء . قال المهلب : ~~وفى حديث الزبير أن الراية لا يركزها إلا بإذن الإمام ؛ لأنها علامة على ~~الإمام ومكانه ؛ فلا ينبغى بأن يتصرف فيها إلا بأمره ، ومما يدل أنها ولاية ~~قوله - صلى الله عليه وسلم - : ( أخذ الراية زيد فأصيب ، ثم أخذها خالد من ~~غير إمرة ففتح له ) . فهذا نص فى ولايتها . PageV05P141 وقوله : ( أراد ~~الحج فرجل ) . يريد أنه رجل شعره ؛ لطول بقائه شعثا ، والله أعلم . قال ~~الطبرى : وفى حديث على الخبر عن بعض أعلام النبوة ، وذلك خبره عن الغيب ~~الذى لا يكون مثله إلا بوحى من الله ، وهو قوله : ( يفتح الله على يديه ) . ~~* * * # | 111 - باب قول الرسول : ( نصرت بالرعب مسيرة شهر ) ، وقوله تعالى : { ~~سنلقى فى قلوب الذين كفروا الرعب بما أشركوا بالله } [ آل عمران : 151 ] # 1807 / فيه : أبو هريرة ، قال النبى ، - صلى الله عليه وسلم - : ( بعثت ~~بجوامع الكلم ، ونصرت بالرعب ، وبينا أنا نائم ، أتيت بمفاتيح خزائن الأرض ~~، فوضعت فى يدى ) . قال أبو هريرة : وقد ذهب النبى ، - صلى الله عليه وسلم ~~- ، وأنتم تنتثلونها . 1808 / وفيه : ابن عباس ، أن أبا سفيان أخبره أن ~~هرقل لما قرأ كتاب النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، كثر عنده الصخب ، ~~وارتفعت الأصوات ، وأخرجنا ، فقلت لأصحابى : لقد أمر أمر ابن أبى كبشة ، ~~يخافه ملك بنى الأصفر . قال المهلب قوله : ( نصرت بالرعب ) . هو شيء خصه ~~الله وفضله به ، لم يؤته أحدا غيره ورأينا ذلك عيانا ، أخبرنا أبو محمد ~~الأصيلى قال : افتتحنا برشلونة مع ابن أبى عامر ، ثم صح عندنا بعد ذلك عمن ~~أتى من القسطنطينية أنه لما اتصل بأهلها افتتاحنا برشلونة بلغ بهم الرعب ~~إلى أن غلقوا أبواب القسطنطينية ساعة بلوغهم الخبر بها نهارا وصاروا على ~~صورها وهى على أكثر من شهرين . وأما ms1609 قوله : ( أتيت بمفاتيح خزائن الأرض ) ~~فإن العرب كانت أقل PageV05P142 الأمم أموالا فبشرهم أنها ستصير أموال كسرى ~~وقيصر إليهم ، وهم الذين يملكون الخزائن . وقوله : ( وقد ذهب رسول الله ~~وأنتم تنتثلونها ) يعنى : أن رسول الله ذهب ولم ينل منها شيئا ، بل قسم ما ~~أدرك منها بينكم وآثركم بها ، ثم أنتم اليوم تنتثلونها على حسب ما وعدكم . ~~وهذا الحديث فى معنى حديث مصعب بن عمير الذى مضى ولم يأخذ من الدنيا ، زهدا ~~فكذلك رسول الله . وأما جوامع الكلم فهو القرآن ؛ لأنه تأتى منه الآية فى ~~معان مختلفة ولها تأويلات مختلفة ، وكل يؤدى إلى [ . . . . ] والأخذ به ، ~~يدل على ذلك قوله تعالى : { ما فرطنا فى الكتاب من شىء } فهذا يدل أن ~~القرآن جوامع ، وبقوله : { خذ العفو واؤمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين } فلو ~~أن هذا نزل فى تدبير الدنيا والآخرة لكفاها . * * * # | 112 - باب حمل الزاد فى الغزو وقوله : { وتزودوا فإن خير الزاد التقوى ~~} [ البقرة : 197 ] # 1809 / فيه : أسماء ، أنها صنعت سفرة النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، ~~فى بيت أبى بكر ، حين أراد أن يهاجر إلى المدينة ، قالت : فلم نجد لسفرته ~~ولا لسقايته ما نربطهما فقلت لأبى بكر : والله ما أجد شيئا أربط به إلا ~~نطاقى ، قال : فشقيه باثنين ، واربطيه بواحد السقاء وبالآخر السفرة ، ففعلت ~~، فلذلك سميت ذات النطاقين . PageV05P143 1810 / وفيه : جابر ، كنا نتزود ~~لحوم الأضاحى على عهد النبى - صلى الله عليه وسلم - إلى المدينة . 1811 / ~~وفيه : سويد بن النعمان ، أنه خرج مع النبى - صلى الله عليه وسلم - عام ~~خيبر حتى إذا كانوا بالصهباء ، وهى من خيبر ، وهى أدنى خيبر ، فصلوا العصر ~~، فدعا الرسول - صلى الله عليه وسلم - بالأطعمة ، فلم يؤت إلا بسويق ، ~~فلكنا ، فأكلنا وشربنا ، ثم قام النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، فمضمض ، ~~[ ومضمضنا ] ، وصلينا . 1812 / وفيه : سلمة ، خف أزواد الناس وأملقوا ، ~~فأتوا النبى - صلى الله عليه وسلم - [ فى نحر إبلهم ، فأذن لهم ، فلقيهم ~~عمر ] فأخبروه ، فقال : ما بقاؤكم بعد إبلكم ؟ فدخل عمر على النبى ، - صلى ~~الله عليه وسلم - ، فقال - صلى الله عليه وسلم - : ( ناد فى ms1610 الناس يأتون ~~بفضل أزوادهم ، فدعا وبرك عليه ، ثم دعاهم بأوعيتهم ) ، فاحتثى الناس حتى ~~فرغوا ، ثم قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( أشهد أن لا إله إلا ~~الله وأنى رسول الله ) . قال المهلب : فيه من الفقه أخذ الزاد وتحمل ثقله ~~فى الأسفار البعيدة لفعل خير البرية وأكرمها على الله وعلى عباده وشفيع ~~الأمم كلها يوم القيامة ، وهذا يدفع ما يدعيه أهل البطالة من الصوفية ~~والمخرقة على الناس باسم التوكل الذى المتزودون أولى به منهم . وقوله : إن ~~أكرم الأمم قد أملقوا بالصهباء فجمع رسول الله بقايا أزوادهم وجعلهم فيه ~~شركاء سواء ، ليس من كان له بقية منها بأولى ممن ليس له شيء . ففى هذا من ~~الفقه أنه إذا أصاب الناس مخمصة ومجاعة أن يأمر الإمام الناس بالمواساة ~~ويجبرهم على ذلك ، على وجه النظر لهم بثمن وبغير ثمن ، وقد استدل بعض ~~الفقهاء من هذا الحديث أنه جائز للإمام عند قلة الطعام أن يأمر من عنده ~~طعام يفضل عن قوته أن يخرجه PageV05P144 للبيع ، ويجبره على ذلك لما فيه من ~~صلاح الناس ، ولم ير ذلك مالك وقال : لا يجبر الناس على إخراج الطعام فى ~~الغلاء . وفيه من الفقه أن للإمام أن يحبس الناس فى الغزو ويصبرهم على ~~الجوع وعلى غير زاد ، ويعللهم ما أمكن حتى يتم قصده ونصبه الضلعين إنما ~~فعله اعتبارا لخلق الله وتعجبا لعظيم قدرته ؛ ليخبر بذلك المخبر فيتذكر ~~بذلك السامع . وقول عمر : ( ما بقاؤكم بعد إبلكم ) فيه من الفقه اعتراض ~~الوزير رأى الأمير وإن لم يشاوره الأمير ؛ لأن الخطة تعطيه ذلك ، وقد جعل ~~ذلك أبو بكر الصديق فى سلب قتادة . وفيه أن الظهر عليه مدار المسافر لاسيما ~~بالحجاز الذى الراجل فيه هالك فى أغلب أحواله إن لم يأو إلى ظهر أو صاحب ~~ظهر ؛ ليحمل له بعض مؤنته ؛ ألا ترى قول عمر : ( ما بقاؤكم بعد إبلكم ) ~~يعنى : أن بقاءهم يسير ؛ لغلبة الهلكة على الراجل . وهذا القول من عمر أصل ~~نهى الرسول عن أكل لحوم الحمر الأهلية يوم خيبر استبقاء لظهورها ليحمل ~~المسلمين ms1611 عليها وتحمل أزوادهم ، وفى قوله : ( ما بقاؤكم بعد إبلكم ) دليل ~~على أن الأرض تقطع مسافتها وليست تطوى المسافات كما يدعى بعض البطالين أنه ~~يحج من قاصية من قواصى الأرض فى ثلاثة أيام أو أربعة . وهذا منتقض من وجوه ~~، وإنما قال النبى - صلى الله عليه وسلم - - : ( إن الأرض تطوى بالليل ) . ~~أى أنها تقرب مسافاتها بتيسير المشى وقطع ما لا يرى منها ، فإذا أصبح وعرف ~~مكانه حمد سراه ( عند الصباح يحمد القوم السرى ) . PageV05P145 وفيه علامة ~~من علامات النبوة فى بركة الطعام القليل حتى تزودوا منه أجمعون ، فكيف بمن ~~يدعى من البطالين قلب الأعيان بعد رسول الله . وأما قوله : { وتزودوا فإن ~~خير الزاد التقوى } فإن جماعة من المفسرين قالوا : نزلت فى ناس من أهل ~~اليمن كانوا يخرجون إلى مكة بغير زاد ، وقد تقدم ذلك فى ( كتاب الحج ) . * ~~* * # | 113 باب : حمل الزاد على الرقاب # 1813 / فيه : جابر ، خرجنا ، ونحن ثلاث مائة ، نحمل زادنا على رقابنا ، ~~ففنى زادنا ، حتى كان الرجل منا يأكل فى كل يوم تمرة ، قال رجل : يا أبا ~~عبد الله ، وأين كانت التمرة تقع من الرجل ؟ قال : لقد وجدنا فقدها حين ~~فقدناها ، حتى أتينا البحر ، فإذا حوت قد قذفه البحر ، يعنى السمك ، فأكلنا ~~منه ثمانية عشر يوما ما أحببنا . قال المهلب : هذه التمرة إنما كانت تغنى ~~عنهم ببركة النبى وبركة الجهاد معه ، وإنما بارك الله لهم فى التمرة حتى ~~وجدوا لها مسدا من الجوعة متبينة فى أجسامهم وصبرهم حين فقدوها على الجوع ؛ ~~لئلا تخرق العادة عن رتبتها ، ولا تخرج الأمور على معهودها المتسق فى حكمته ~~مع أنه قدير أن يخلق لهم طعاما ويجعل لهم من الحجارة خبزا ومن الجلاميد ~~فاكهة ، لكنه مع قدرته على ذلك لم يخرجهم عن العادة ، وفيه الترجمة . ~~PageV05P146 # | 114 باب : إرداف المرأة خلف أخيها # 1814 / فيه : عائشة ، قلت : يا رسول الله ، يرجع أصحابك بأجر حج وعمرة ، ~~ولم أزد على الحج ؟ فقال لها : ( اذهبى ، وليردفك عبدالرحمن ) ، فأمر ~~عبدالرحمن أن يعمرها من التنعيم . قال المهلب : فيه جواز ركوب رجلين الدابة ~~وهذا ms1612 إنما هو محمول على طاقة الدابة ، فإذا قصرت قوتها عن شيء لم يجز حمله ~~عليها إذا كان مسرفا فى المشقة عليها ، وأما المشقة اليسيرة التى تستطيع ~~بمثلها ، فللرجل أن يحمل دابته ومملوكه ذلك ما لم يكن إسرافا . وركوب ~~المرأة مع الرجل على الدابة وإن كانت ذات محرم منه ، فإن السنة فى ذلك ~~والأدب أن تكون خلفه على الدابة ، ولا يحملها أمامه خوف الفتنة وكذلك فعل ~~موسى بابنة شعيب حين دلته على الطريق وكانت الريح تضرب ثيابها فقال لها : ~~كونى خلفى وأشيرى لى الطريق . ولذلك قالت لأبيها : { إن خير من استأجرت ~~القوى الأمين } . * * * # | 115 - باب الارتداف فى الغزو والحج # 1815 / فيه : أنس ، كنت رديف أبى طلحة ، وإنهم ليصرخون بهما جميعا الحج ~~والعمرة . وقد تقدم ذكر الارتداف فى ( كتاب الحج ) ومعناه : التعاون على ~~أفعال البر فى الغزو والحج ، وكل سبيل لله تعالى وأن ذلك من السنة ومن فعل ~~السلف الصالح وهو من باب التواضع . PageV05P147 # | 116 - باب الردف على الحمار # 1816 / فيه : أسامة ، أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - ركب على حمار على ~~إكاف عليه قطيفة ، وأردف أسامة وراءه . 1817 / فيه : ابن عمر ، أن الرسول - ~~صلى الله عليه وسلم - أقبل يوم الفتح من أعلى مكة على راحلته مردفا أسامة . ~~. . الحديث . قال المهلب : فى هذا التواضع من وجوه : أحدها : ركوب الإمام ~~الحمار ، ثم ركوبه على قطيفة ، ثم مردفا غلاما . وقال الطبرى : فيه البيان ~~على أنه - صلى الله عليه وسلم - مع محله من الله وجلالة منزلته لم يكن يرفع ~~نفسه عن أن يحمل ردفا معه على دابته ، ولكنه كان يردف لتتأسى به فى ذلك ~~أمته ، فلا يأنفوا مما لم يأنف منه ولا يستنكفوا مما لم يستنكف منه . * * * # | 117 - باب من أخذ بالركاب ونحوه # 1818 / فيه : أبو هريرة ، قال النبى ، - صلى الله عليه وسلم - : ( كل ~~سلامى من الناس عليه صدقة ، كل يوم تطلع فيه الشمس يعدل بين الاثنين صدقة ، ~~ويعين الرجل على دابته ، فيحمل عليها ، أو يرفع عليها متاعه صدقة . . . . . ~~) الحديث . قال المهلب : الأخذ بالركاب من ms1613 الفضائل ، وهى صدقة من الآخذ ~~بالركاب على الراكب ؛ لأنه معروف فإن قيل : أين موضع الترجمة من الحديث ؟ . ~~قيل : هو فى قوله : ( يعين الرجل على دابته ) فدخل فيه الأخذ بالركاب وغيره ~~، PageV05P148 وقد روى عن ابن عباس : أنه اخذ بركاب زيد بن ثابت قال له : ~~لا تفعل يا ابن عم رسول الله ! فقال : هكذا أمرنا أن نفعل بعلمائنا . فأخذ ~~زيد يد ابن عباس فقبلها فقال له : لا تفعل ! فقال : هكذا أمرنا أن نفعل بآل ~~رسول الله . * * * # | 118 - باب السفر بالمصاحف إلى أرض العدو # وكذلك يروى عن محمد بن بشر ، عن عبيدالله ، عن نافع ، عن ابن عمر ، عن ~~النبى - صلى الله عليه وسلم - . وقد سافر النبى - صلى الله عليه وسلم - ~~وأصحابه فى أرض العدو ، وهم يعلمون القرآن . 1819 / فيه : ابن عمر ، أن ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو . ~~هذا الباب وقع فيه غلط من الناسخ ؛ لأن قوله : وكذلك يروى عن محمد بن بشر ، ~~ولم يتقدم فى هذا الباب ذكر شيء يشار إليه ، فلذلك لا معنى له ، والصواب ~~فيه أنه يكون حديث مالك ، عن نافع ، عن ابن عمر فى أول الباب ، ثم يقع بعده ~~وكذلك يروى عن محمد ابن بشر ، وتابعه ابن إسحاق ، وإنما احتاج إلى ذكر هذه ~~المتابعة ؛ لأن بعض الناس زاد فى الحديث : مخافة أن يناله العدو . وجعله من ~~لفظ النبى - - صلى الله عليه وسلم - - ولم تصح هذه الزيادة عند مالك ولا ~~عند البخارى ، وإنما هى من قول مالك . قال المهلب : وفائدة قوله : ( وقد ~~سافر النبى وأصحابه فى أرض العدو وهم يعلمون القرآن ) فإنما أراد أن يبين ~~أن نهيه - عليه السلام - عن PageV05P149 السفر بالقرآن إلى أرض العدو ، ليس ~~على العموم ، ولا على كل الأحوال ، وإنما هو فى العساكر والسرايا التى ليست ~~مأمونة ، وأما إذا كان فى العساكر العظام فيجوز حمل القرآن إلى أرض العدو ، ~~ولأن أصحاب رسول الله كان يعلم بعضهم بعضا القرآن ؛ لأنهم لم يكونوا ~~مستظهرين له . وقد يمكن أن يكون عند بعضهم صحف ms1614 فيها قرآن يعلمون منها ؛ ~~فاستدل البخارى أنهم فى تعلمهم كان فيهم من يتعلم بكتاب ، فلما جاز لهم ~~تعلمهم فى أرض العدو بغير كتاب وبكتاب كان فيه إباحة لحمله إلى أرض العدو ~~بغير كتاب وبكتاب كان فيه إباحة لحمله إلى أرض العدو إذا كان عسكرا مأمونا ~~، وهذا قول أبى حنيفة . ولم يفرق مالك بين العسكر الكبير والصغير فى النهى ~~عن ذلك ، ومعنى النهى عن السفر به إلى أرض العدو خشية أن يناله العدو ولا ~~يكرموه ، وقد أخبر الله أنه { فى صحف مكرمة مرفوعة مطهرة بأيدى سفرة كرام ~~بررة } وهم الملائكة ، وقال تعالى : { لا يمسه إلا المطهرون } وهم الملائكة ~~أيضا ففهم من هذا الندب إلى أن لا يمسه عندنا إلا طاهر ، وأن نهيه - صلى ~~الله عليه وسلم - عن السفر به إلى أرض العدو ليس على وجه التحريم والفرض ~~وإنما هو على معنى الندب للإكرام للقرآن ؛ لأن النبى - صلى الله عليه وسلم ~~- قد كتب إلى قيصر بآية إلى آخرها وهو يعلم أنهم نجس وعلم أنهم يقرءونها ، ~~فصح أن نهيه عن ذلك فى حال دون حال وفى العساكر التى ليست مأمونة . ~~PageV05P150 # | 119 - باب التكبير عند الحرب # 1820 / فيه : أنس ، صبح النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، خيبر ، وقد ~~خرجوا بالمساحى على أعناقهم ، فلما رأوه قالوا : هذا محمد والخميس ، فلجئوا ~~إلى الحصن ، فرفع النبى - صلى الله عليه وسلم - يديه ، وقال : ( الله أكبر ~~. . . . . ) الحديث . قال المهلب : إنما فعل النبى هذا استشعارا لكبرياء ~~الله على ما تقع عليه العين من عظيم خلقه وكبير مخلوقاته أنه أكبر الأشياء ~~وليس ذلك على معنى أن غيره كبير وإنما معنى قولهم : الله أكبر : الله ~~الكبير ، هذا قول أهل اللغة ، وقال معمر عن أبان : لم يعط أحد التكبير إلا ~~هذه الأمة ، وكذلك يفعل - صلى الله عليه وسلم - فى أسباب الجبال ، ورفع ~~اليدين فى الدعاء ، والتكبير استسلام لله تعالى وتبرؤ من الحول والقوة إليه ~~، وقد روى سفيان ، عن أيوب فى هذا الحديث ( حالوا إلى الحصن ) أى : حولوا ~~إليه . يقال : حلت عن المكان إذا تحولت ms1615 عنه و [ . . . . . ] حلت عنه . # | 120 - باب ما يكره من رفع الصوت بالتكبير # 1821 / فيه : أبو موسى ، كنا مع النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، فكنا ~~إذا أشرفنا على واد هللنا وكبرنا ، ارتفعت أصواتنا ، قال - صلى الله عليه ~~وسلم - : ( يا أيها الناس ، اربعوا على أنفسكم ، إنكم لا تدعون أصم ولا ~~غائبا ، إنه معكم إنه سميع قريب ) . قال المهلب : إنما نهاهم - والله أعلم ~~- عن رفع الصوت إبقاء عليهم ورفقا بهم ؛ لأنهم كانوا فى مشقة السفر فأراد : ~~اكلفوا من PageV05P151 العمل ما تطيقون وكان بالمؤمنين رحيما ، ثم أعلمهم ~~أن الله يعلم خفى كلامهم بالتكبير كما يسمع عاليه ؛ إذ لا آفة تمنعه من ذلك ~~؛ لأنه سميع قريب . قال الطبرى : فى هذا الحديث من الفقه كراهية رفع الصوت ~~بالدعاء وهو قول عامة السلف من الصحابة والتابعين ، حدثنى يعقوب ابن ~~إبراهيم ، حدثنى إسماعيل ، عن هشام ، حدثنى قتادة ، عن الحسن ، عن قيس بن ~~عبادة قال : ( كان أصحاب رسول الله يكرهون رفع الصوت عند ثلاثة مواطن : عند ~~الذكر ، وعند القتال ، وعند الجنائز ) . وروى يحيى بن سعيد ، حدثنا هشام ، ~~عن قتادة ، عن الحسن ، عن قيس بن عبادة قال : ( كان أصحاب رسول الله يكرهون ~~رفع الصوت ورفع الأيدى عند القتال ، والدعاء ) . قال سعيد بن أبى عروبة : ~~حدثنا قتادة ، عن سعيد بن المسيب قال : ( ثلاث مما أحدث الناس : رفع الصوت ~~عند الدعاء ، ورفع الأيدى ، واختصار السجود ) وذكر عن مجاهد أنه رأى رجلا ~~يرفع صوته بالدعاء فحصبه . وقوله : ( أربعوا على أنفسكم ) ففى كتاب الأفعال ~~: ربع به : رفق به ، وربع عن الشيء : كف عنه ، ومنه قيل : أربع على نفسك . # | 121 - باب التكبير إذا علا شرفا # 1822 / فيه : جابر ، كنا إذا صعدنا كبرنا ، وإذا نزلنا سبحنا . 1823 / ~~وفيه : ابن عمر ، كان - صلى الله عليه وسلم - إذا قفل من الحج أو العمرة - ~~PageV05P152 ولا أعلمه إلا قال : الغزو - يقول : كلما أوفى على ثنية أو ~~فدفد ، كبر ثلاثا ، ثم قال : ( لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، له الملك ~~وله الحمد ، وهو على كل شيء قدير ، آيبون تائبون ms1616 عابدون ساجدون ، لربنا ~~حامدون ، صدق الله وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده ) . قال المهلب : ~~تكبيره عند إشرافه على الجبال استشعار لكبرياء الله عندما تقع عليه العين ~~من عظيم خلقه أنه أكبر من كل شيء تعالى وقد تقدم هذا فى باب التكبير عند ~~الحرب . وأما تسبيحه فى بطون الأودية فهو مستنبط من قصة يونس - صلى الله ~~عليه وسلم - وتسبيحه فى بطن الحوت ، قال تعالى : { فلولا أنه كان من ~~المسبحين للبث فى بطنه إلى يوم يبعثون } فنجاه الله بذلك من الظلمات فامتثل ~~النبى - صلى الله عليه وسلم - هذا التسبيح فى بطون الأودية ؛ لينجيه الله ~~منها ومن أن يدركه عدوه ، وقد قيل : إن تسبيح يونس كان صلاة قبل أن يلتقمه ~~الحوت فروعى به فضلها ، الأول أولى بدليل تسبيح الرسول فى بطون الأودية وكل ~~منخفض . وقال غيره : معنى تسبيحه فى بطون الأودية وما انخفض من الأرض أنه ~~لما كان التكبير لله تعالى عند رؤية عظيم مخلوقاته وجب أن يكون فيما انخفض ~~من الأرض تسبيح لله ؛ لأن التسبيح فى اللغة تنزيه الله عن صفات الانخفاض ~~والضعة . قال ابن الأنبارى : سبحان الله : تنزيه الله من الأولاد والصاحبة ~~والشركاء . وقال غيره : سبحان الله : براءة الله من ذلك . قال أبو عبيد : ~~الفدفد : المكان المرتفع فيه صلابة ، والثنية : أعلى مسيل فى رأس الجبل . ~~وقال صاحب العين : الثنايا : العقاب . PageV05P153 # | 122 - باب يكتب للمسافر مثل ما كان يعمل فى الإقامة # 1824 / فيه : أبو بردة ، أنه اصطحب ويزيد بن أبى كبشة فى سفر ، فكان يزيد ~~يصوم فى السفر ، فقال له أبو بردة : سمعت أبا موسى مرارا ، يقول : قال رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - : ( إذا مرض العبد أو سافر ، كتب له مثل ما ~~كان يعمل صحيحا مقيما ) . قال المهلب : أصل هذا فى كتاب الله ، قال تعالى : ~~{ لقد خلقنا الإنسان فى أحسن تقويم } إلى { الذين آمنوا وعملوا الصالحات ~~فلهم أجر غير ممنون } أى : غير مقطوع ، يريد أن لهم أجرهم فى حال الكبر ~~والضعف عما كانوا يفعلونه فى الصحة غير مقطوع لهم ؛ فلذلك كل ms1617 مرض من غير ~~الزمانة وكل آفة من سفر وغيره يمنع من العمل الصالح المعتاد ؛ فإن الله قد ~~تفضل بإجراء أجره على من منع ذلك العمل بهذا الحديث . قال المؤلف : وليس ~~هذا الحديث على العموم ، وإنما هو لمن كانت له نوافل وعادة من عمل صالح ~~فمنعه الله منها بالمرض أو السفر وكانت نيته لو كان صحيحا أو مقيما أن يدوم ~~عليها ولا يقطعها ؛ فإن الله يتفضل عليه بأن يكتب له أجر ثوابها حين حبسه ~~عنها ، فأما من لم يكن له تنفل ولا عمل صالح فلا يدخل فى معنى الحديث ؛ ~~لأنه لم يمنعه مرضه من شيء فكيف يكتب له ما لم يكن يعمله ؟ وما يدل أن ~~الحديث فى النوافل ما روى معمر ، عن عاصم بن أبى النجود ، عن خيثمة ، عن ~~عبد الله بن عمرو قال رسول الله : ( إن العبد إذا كان على طريق حسنة من ~~العبادة ، ثم مرض قيل للملك الموكل به : اكتب له مثل عمله إذا كان طلقا حتى ~~أطلقه أو أكفته إلى ) وقوله : ( إذا PageV05P154 كان على طريق حسنة من ~~العبادة ) لا يقال : إلا فى النوافل ، ولا يقال ذلك لمؤدى الفرائض خاصة ؛ ~~لأن المريض والمسافر لا يسقط عنهما صلوات الفرائض ؛ فسنة المريض الجلوس ، ~~وسنة المسافر قصر الصلاة ، فلم يبق أن يكتب للمريض والمسافر إلا أجر ~~النوافل كما قال - صلى الله عليه وسلم - : ( ما من امرىء تكون له صلاة من ~~الليل يغلبه عليها نوم إلا كتب له أجر صلاته ، وكان نومه صدقة عليه ) وهذا ~~لا إشكال فيه . * * * # | 123 باب : السير وحده # 1825 / فيه : جابر ، ندب الرسول - صلى الله عليه وسلم - الناس يوم الخندق ~~، فانتدب الزبير ، ثلاثا ، قال - صلى الله عليه وسلم - : ( إن لكل نبى ~~حواريا ، وحوارى الزبير ) . قال سفيان : الحوارى : الناصر . 1826 / وفيه : ~~ابن عمر ، قال - صلى الله عليه وسلم - : ( لو يعلم الناس ما أعلم ، ما سار ~~راكب بليل وحده ) . قال المهلب : نهيه عن الوحدة فى سير الليل إنما هو ~~إشفاق على الواحد من الشياطين ؛ لأنه وقت انتشارهم وأذاهم للبشر بالتمثل ~~لهم ms1618 وما يفزعهم ويدخل فى قلوبهم الوساوس ؛ ولذلك أمر الناس أن يحبسوا ~~صبيانهم عند حدقة الليل ، وأما قصة الزبير فإنما هى ليعرف أمر العدو ، ~~والواحد الثابت فى ذلك أخفى على العدو وأقرب إلى التجسس بالاختفاء والقرب ~~منهم مع ما علم الله من نيته والتأييد عليها ، فبعثه - صلى الله عليه وسلم ~~- واثقا بالله ، ومع أن الوحدة ليست محرمة ، وإنما هى مكروهة ؛ فمن أخذ ~~بالأفضل من الصحبة فهو أولى ، ومن أخذ بالوحدة فلم يأت حراما ، وقد تقدم ~~الكلام فى حديث جابر والأحاديث المعارضة له فى باب : ( هل يبعث الطليعة ~~وحده ) ، وفى باب ( سفر الاثنين ) قبل هذا بأبسط من هذا وأتم ، فأغنى عن ~~إعادته . PageV05P155 # | 124 - باب السرعة فى السير # وقال أبو حميد : عن الرسول - صلى الله عليه وسلم - : ( إنى متعجل إلى ~~المدينة ، فمن أراد أن يتعجل معى فليتعجل ) . 1827 / فيه : أسامة ، سئل عن ~~مسير النبى - صلى الله عليه وسلم - فى حجة الوداع ، فقال : كان يسير العنق ~~، فإذا وجد فجوة نص - والنص : فوق العنق . 1828 / وفيه : ابن عمر ، أنه ~~بلغه بطريق مكة عن صفية بنت أبى عبيد شدة وجع ، فأسرع السير ، وقال : إنى ~~رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا جد به السير أخر المغرب . 1829 ~~/ وفيه : أبو هريرة ، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( السفر قطعة ~~من العذاب ، يمنع أحدكم نومه وطعامه وشرابه ، فإذا قضى أحدكم نهمته ، ~~فليعجل إلى أهله ) . قال المؤلف : أما تعجيله - صلى الله عليه وسلم - إلى ~~المدينة ؛ فليخرج نفسه من عذاب السفر ، وليفرح بنفسه أهله وجماعة المؤمنين ~~بالمدينة . وأما تعجيل السير إذا وجد فجوة حين دفع من عرفة ؛ فليتعجل ~~الوقوف بالمشعر الحرام ويدعو الله فى ذلك الموقف ؛ لأن ساعات الدعاء فى ذلك ~~الوقت ضيقة ولا تدوم ونادرة ، إنما هى من عام إلى عام ، وأما تعجيل ابن عمر ~~إلى زوجته إنما هو ليدرك من حياتها من يمكنه أن تعهد إليه بما لا تعهد به ~~إلى غيره ، لئلا يحرمها ما تريده من طاعة الله فى عهدها ، ومع ذلك فإنه كان ~~يسرها ms1619 بقدومه . وفيه التواضع وترك التكبر . PageV05P156 # | 125 - باب إذا حمل على فرس فرآها تباع # 1830 / فيه : ابن عمر ، أن عمر حمل على فرس فى سبيل الله ، فوجده يباع ، ~~فأراد أن يبتاعه ، فسأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال : ( لا ~~تبتعه ، ولا تعد فى صدقتك فإن العائد فى صدقته كالكلب يعود فى قيئه ) . ~~وفيه : الحمل على الخيل فى سبيل الله . وفيه : أنه من حمل على فرس فى سبيل ~~الله وغزا به فله أن يفعل به بعد ذلك ما يفعل فى سائر ماله ، ألا ترى أن ~~رسول الله لم ينكر على بائعه بيعه ، وإنما أنكر على عمر شراءه . واختلف ~~العلماء فيمن حمل على فرس فى سبيل الله ولم يقل : هو حبس فى سبيل الله ، ~~فروى مالك ، عن ابن عمر أنه كان إذا أعطى شيئا فى سبيل الله يقول لصاحبه : ~~إذا بلغت به وادى القرى فشأنك به . قال أحمد بن حنبل : إنما قال ذلك ابن ~~عمر ؛ لأنه كان يذهب إلى أن المحمول عليه إنما يستحقه بعد الغزو . وكذلك ~~قال سعيد بن المسيب : إذا أعطى الرجل الشيء فى الغزو فبلغ به رأس مغزاته ، ~~فهو له . وهو قول القاسم ، وسالم ، والثورى ، والليث ، قال الليث : إلا أن ~~يكون حبسا فلا يباع . والعلماء متفقون فى الحبس أنه لا يباع غير الكوفيين ~~الذين لا يجيزون الأحباس . وقال مالك : من أعطى فرسا فى سبيل الله وقيل له ~~: هو لك فى سبيل الله فله أن يبيعه ، فإن قيل : هو فى سبيل الله ، ركبه ~~ورده ، ويكون موقوفا عنده لحمل الغزاة عليه . وقال أبو حنيفة والشافعى : ~~الفرس المحمول عليه فى سبيل الله هو تمليك لمن يحمل عليه . وإن قيل له : ~~إذا بلغت به رأس مغزاتك فهو لك ، كان تمليكا على PageV05P157 مخاطرة ولم ~~يجز ، وهى عندهم عطية غير بتلة ؛ لأنها شرط قد يقع وقد لا يقع لجواز موته ~~قبل بلوغه راس مغزاته ولم يملك منه شيئا قبل ذلك . وأما إذا قال له : هو لك ~~فى سبيل الله أو أحملك عليه فى سبيل الله ms1620 فقد أعطاه إياه على شرط الغزو به ~~، وهذا معنى قول ابن عمر وابن المسيب عند الكوفيين والشافعى ، وسواء ذلك ~~كله عند مالك ؛ لأنه إذا قال له : إذا بلغت به رأس مغزاتك فهو لك ، فمعناه ~~عنده أن لك أن تتصرف فيه حينئذ بما يتصرف به المالك ، وقد صح له ملكه عند ~~أخذه بشرط الغزو عليه . واختلفوا فى كراهية شراء صدقة الفرض والتطوع إذا ~~أخرجها من يده ، فقال مالك فى الموطأ فى رجل تصدق بصدقة فوجدها تباع عند ~~غير الذى تصدق بها عليه - : تركها أحب إلى . وكره الليث والشافعى ذلك ، فإن ~~اشتراها لم يفسخوا البيع ، وكذلك قالوا فى شراء ما يخرجه الإنسان فى كفارة ~~اليمين وإنما كرهوا شراءها بهذا الحديث ، ولم يفسخوا البيع ؛ لأنها راجعة ~~إليه بغير ذلك المعنى ويشهد لهذا حديث بريرة فى اللحم الذى تصدق عليها به ، ~~وإجماعهم أن من تصدق بصدقة ، ثم ورثها أنها حلال له ، وقد تقصيت الكلام فى ~~هذه المسألة فى باب ( هل يشترى الرجل صدقته ) فى ( كتاب الزكاة ) فتأمله ~~هناك . * * * # | 126 - باب الجهاد بإذن الأبوين # 1831 / فيه : عبد الله بن عمرو ، جاء رجل إلى النبى ، - صلى الله عليه ~~وسلم - ، فاستأذنه فى الجهاد ، فقال : ( أحى والداك ) ؟ قال : نعم ، قال : ~~( ففيهما فجاهد ) . PageV05P158 قال المهلب : هذا - والله أعلم - فى زمن ~~استظهار المسلمين على عدوهم وقيام من انتدب إلى الغزو بهم مع أنه - والله ~~أعلم - رأى به ضعفا لم يقدر نفاذه فى الجهاد ، فندبه إلى الجهاد فى بر ~~والديه ، وقد روى عن عمر بن الخطاب ، وعثمان بن عفان ( أن من أراد الغزو ~~وأمرته أمه بالجلوس أن يجلس ) وقال الحسن البصرى : إذا أذنت له أمه فى ~~الجهاد وعلم أن هواها أن يجلس ، فيجلس . ومن رأى ألا يخرج إلى الغزو إلا ~~بإذن والديه : مالك والأوزاعى والشافعى والثورى وأحمد وأكثر أهل العلم ، ~~هذا كله فى حال الاختيار ما لم تقع ضرورة وقوة للعدو ، وإذا كان ذلك تعين ~~الفرض على الجميع وزال الاختيار ، ووجب الجهاد على الكل . * * * # | 127 باب : ما قيل فى الجرس فى ms1621 أعناق الإبل # 1832 / فيه : عباد بن تميم ، أن أبا بشير الأنصارى أخبره أنه كان مع رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - فى بعض أسفاره - قال عبدالله : حسبت أنه قال : ~~والناس فى مبيتهم - فأرسل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رسولا : ( أن ~~لا يبقين فى رقبة بعير قلادة من وتر ، أو قلادة إلا قطعت ) . قال مالك فى ~~الموطأ بإثر هذا الحديث - : أرى ذلك من العين ، ففسر المعنى الذى من أجله ~~أمر الرسول بقطع القلائد ؛ وذلك أن الذى قلدها إذا اعتقد أنها ترد العين ~~فقد ظن أنها ترد القدر ، ولا يجوز اعتقاد هذا ، ولذلك روى أن الرفقة الذى ~~فيها الجرس لا تصحبها الملائكة ، ولا بأس بتعليق التمائم والخرز التى فيها ~~الدعاء والرقى PageV05P159 بكتاب الله عند جميع العلماء ؛ لأن ذلك من ~~التعوذ بأسماء الله ، وقد سئل عيسى بن دينار عن قلادة ملونة فيها خرز ~~يعلقها الرجل على فرسه للجمال . فقال : لا بأس بذلك إذا لم تجعل للعين . ~~قال المهلب : إنما تجعل القلائد من وتر لقوتها ونقائها فخصها - صلى الله ~~عليه وسلم - ، ثم عم سائر القلائد بقوله : ( ولا قلادة إلا قطعت ) . فأطلق ~~النهى على جميع ما تقلد به الدواب . وقد سئل مالك عن القلادة فقال : ما ~~سمعت بكراهته إلا فى الوتر . قال أبو عبيد : وإنما نهى عن التقليد بالأوتار ~~؛ لأن الدواب تتأذى بذلك ، وربما تعلق ذلك بشجر فتختنق فتموت . وقد روى عن ~~الرسول - صلى الله عليه وسلم - - : ( قلدوا الخيل ، ولا تقلدوها الأوتار ) ~~وفسره وكيع فقال : معناه : لا تركبوها فى العين خشية أن يتعلق على راكبها ~~وتر يطالب به . * * * # | 128 - باب من اكتتب فى جيش فخرجت ، امرأته حاجة أو كان له عذر هل يؤذن ~~له # 1833 / فيه : ابن عباس قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( لا ~~يخلون رجل بامرأة ، ولا تسافرن امرأة إلا ومعها محرم ) ، فقام رجل ، فقال : ~~يا رسول الله ، اكتتبت فى غزوة كذا وكذا ، وخرجت امرأتى حاجة ، قال : ( ~~اذهب ، وحج مع امرأتك ) . قال المؤلف : إذا قام بثغور المسلمين من فيه ~~الكفاية لدفع ms1622 العدو فلا بأس أن يأذن الإمام لمن له عذر فى الرجوع ؛ ولهذا ~~المعنى أذن النبى للرجل PageV05P160 أن يرجع ويحج مع امرأته ، فإن كان ~~للعدو ظهور وقوة تعين فرض الجهاد على كل أحد فلا يأذن له الإمام فى الرجوع ~~. قال المهلب : والجهاد أفضل لمن قد حج عن نفسه من الحج ، لكن لما استضاف ~~إلى الحج النافلة ستر عورة وقطع ذريعة كان أوكد وأفضل من الجهاد فى وقت قد ~~استظهر المسلمون فيه على عدوهم . قال المؤلف : وقوله : ( ارجع فاحجج مع ~~امرأتك ) محمول عند العلماء على معنى الندب للزوج أن يحج مع امرأته لا أنه ~~يلزمه ذلك فرضا كما لا يلزمه مئونة حملها فى الحج ؛ فلذلك لا يلزمها أن ~~تحمله إليه بنفسه ، وقد تقدم فى باب حج النساء فى آخر كتاب الحج اتفاق ~~الفقهاء فى أنه ليس للرجل منع زوجته من حجة الفريضة ، كما لا يمنعها من ~~صلاة ولا صيام ، فأغنى ذلك عن إعادته . * * * # | 129 - باب الجاسوس وقوله تعالى : { لا تتخذوا عدوى وعدوكم أولياء } [ ~~الممتحنة : 1 ] # 1834 / فيه : على ، بعثنى الرسول - صلى الله عليه وسلم - أنا والزبير ~~والمقداد ، قال : ( انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ ، فإن بها ظعينة ، ومعها ~~كتاب فخذوه منها ) ، فانطلقنا تعادى بنا خيلنا حتى انتهينا إلى الروضة ، ~~فإذا نحن بالظعينة ، فقلنا : أخرجى الكتاب ، فقالت : ما معى من كتاب ، ~~فقلنا : لتخرجن الكتاب أو لنلقين الثياب ، فأخرجته من عقاصها ، فأتينا بها ~~الرسول - صلى الله عليه وسلم - فإذا فيه من حاطب بن أبى بلتعة إلى ناس من ~~المشركين من أهل مكة ، يخبرهم ببعض أمر النبى - صلى الله عليه وسلم - ، ~~فقال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( يا حاطب ، ما هذا ) ؟ فقال : يا ~~رسول الله ، PageV05P161 لا تعجل على إنى كنت أمرا ملصقا فى قريش ، ولم أكن ~~من أنفسها ، وكان من معك من المهاجرين لهم قرابات بمكة ، يحمون بها أهليهم ~~وأموالهم ، فأحببت إن فاتنى ذلك من النسب فيهم أن أتخذ عندهم يدا يحمون بها ~~قرابتى ، وما فعلت كفرا ولا ارتدادا ، أو لا أرضى بالكفر بعد الإسلام ، ~~فقال ms1623 النبى ، - صلى الله عليه وسلم - : ( قد صدقكم ) ، قال عمر : يا رسول ~~الله ، دعنى أضرب عنق هذا المنافق ، قال : ( إنه قد شهد بدرا ، وما يدريك ~~لعل الله أن يكون قد اطلع على أهل بدر ، فقال : اعملوا ما شئتم ، فقد غفرت ~~لكم ) . قال الطبرى : فى حديث حاطب بن أبى بلتعة من الفقه أن الإمام إذا ~~ظهر من رجل من أهل الستر على أنه قد كاتب عدوا من المشركين ينذرهم ببعض ما ~~أسره المسلمون فيهم من عزم ، ولم يكن الكاتب معروفا بالسفه والغش للإسلام ~~وأهله ، وكان ذلك من فعله هفوة وزلة من غير أن يكون لها أخوات ؛ فجائز ~~العفو عنه كما فعله الرسول بحاطب من عفوه عن جرمه بعدما اطلع عليه من فعله ~~. وهذا نظير الخبر الذى روت عمرة عن عائشة أن الرسول قال : ( أقيلوا ذوى ~~الهيئات عثراتهم إلا حدا من حدود الله ) فإن ظن ظان أن صفحه - صلى الله ~~عليه وسلم - إنما كان لما أعلمه الله من صدقه ، ولا يجوز لمن بعد الرسول أن ~~يعلم ذلك ، فقد ظن خطأ ؛ لأن أحكام الله فى عباده إنما تجرى على ما ظهر ~~منهم . وقد أخبر الله نبيه عن المنافقين الذين كانوا بين ظهرانى أصحابه ~~مقيمين معتقدين الكفر ، وعرفه إياهم بأعيانهم ، ثم لم يبح له قتلهم وسبيهم ~~؛ إذ كانوا يظهرون الإسلام بألسنتهم ، فكذلك الحكم فى كل أحد من خلق الله ~~أن يؤخذ بما ظهر لا بما بطن ، وقد روى مثل ذلك PageV05P162 عن الأئمة ، روى ~~الليث بن سعد ، عن يزيد بن أبى منصور قال : ( بلغ عمر بن الخطاب أن عامله ~~على البحرين أتى برجل قامت عليه بينة أنه كاتب عدوا للمسلمين بعورتهم ، ~~وكان اسمه : أضرباس ، فضرب عنقه وهو يقول : يا عمر ، يا عمراه ، فكتب عمر ~~إلى عامله فقدم عليه فجلس له عمر وبيده حربة ، فلما دخل عليه علا لجبينه ~~بالحربة وجعل يقول : أضرباس لبيك ، أضرباس لبيك . . فقال له عامله : يا ~~أمير المؤمنين ، إنه كاتبهم بعورة المسلمين وهم أن يلحق بهم . فقال له عمر ~~: قتلته على هذه ، وأينا ms1624 لم يهم ، لولا أن تكون سيئة لقتلتك به ) . قال ~~الطبرى : وفيه البيان عن بعض أعلام النبوة ؛ وذلك إعلام الله نبينا بخبر ~~المرأة الحاملة كتاب حاطب إلى قريش ، ومكانها الذى هى به ، و حالها الذى ~~تغلب عليها من الستر وكل ذلك لا يعلم إلا بوحى الله تعالى . وقال المهلب : ~~وفيه هتك ستر المذنب ، وكشف المرأة العاصية . وفيه : أن الجاسوس قد يكون ~~مؤمنا ، وليس تجسسه مما يخرجه من الإيمان . وفيه : أنه لا يتسور فى قتل أحد ~~دون رأى الإمام . وفيه : إشارة الوزير بالرأى على السلطان وإن لم يستشره . ~~وفيه : الاشتداد عند السلطان على أهل المعاصى ، والاستئذان فى قتلهم . وفيه ~~: جواز العفو عن الخائن لله ورسوله تجسس أو غيره . وفيه : مراعاة فضيلة ~~سلفت ، ومشهد شاهده الجاسوس وغيره من المذنبين والتشفع بذلك له . وفيه : ~~الحجة لترك إنفاذ الوعيد من الله لمن شاء ذلك له بقوله : PageV05P163 ( لعل ~~الله اطلع على أهل بدر فقال : اعملوا ما شئتم ؛ فقد غفرت لكم ) . وفيه : ~~جواز غفران ما تأخر وقوعه من الذنوب قبل وقوعه ، وسيأتى بعض معانى هذا ~~الحديث فى باب ( المتأولين ) فى آخر كتاب الديات وفى كتاب الاستئذان فى باب ~~من ( نظر فى كتاب من يحذر على المسلمين ؛ ليستبين أمره ) . واختلف الفقهاء ~~فى المسلم يكاتب المشركين بأخبار المسلمين ، فقال مالك : ما فيه شيء وأرى ~~فيه اجتهاد الإمام . وقال أبو حنيفة والأوزاعى : يوجع عقوبة ، ويطال حبسه . ~~وقال الشافعى : إن كان ذا هيئة عفا الإمام عنه ، واحتج بهذا الحديث أن ~~النبى - صلى الله عليه وسلم - لم يعاقب حاطبا ، وإن كان غير ذى هيئة عذره ~~الإمام ؛ لأنه لا يحل دم أحد إلا بكفر بعد إيمان أو زنا بعد إحصان أو قتل ~~نفس . وقال ابن القاسم فى العتبية : يضرب عنقه ؛ لأنه لا تعرف توبته . وهو ~~قول سحنون ، وقال ابن وهب : يقتل إلا أن يتوب . وقال ابن الماجشون : إن كان ~~نادرا من فعله ، ولم يكن من أهل الطعن على الإسلام ، فلينكل لغيره ، وإن ~~كان معتادا لذلك فليقتل . ومن قال بقتل الجاسوس المسلم فقد خالف ms1625 الحديث ~~وأقوال المتقدمين من العلماء ، فلا وجه لقوله . واختلفوا فى الحربى ~~المستأمن أو الذمى يتجسس ويدل على عورات المسلمين ، فقال الثورى والكوفيون ~~والشافعى : لا يكون ذلك نقضا للعهد فى حربى ولا ذمى ، ويوجعه الإمام ضربا ~~ويطيل حبسه . PageV05P164 وقال الأوزاعى : قد نقض العهد وخرج من الذمة ؛ ~~فإن شاء الإمام قتله أو صلبه . وهو قول سحنون ، وقال مالك فى أهل الذمة : ~~إذا تلصصوا أو قطعوا الطريق لم يكن ذلك نقضا للعهد حتى يمنعوا الجزية ~~ويمتنعوا من أهل الإسلام فهؤلاء فيء إذا كان الإمام عدلا . وعند مالك إذا ~~استكره الذمى مسلمة فزنى بها فهو نقض للعهد وإن طاوعته لم يخرج من العهد . ~~وعند الشافعى لا ينقض الذمة شيء من فعله إلا الامتناع من أداء الجزية ، أو ~~الامتناع من الحكم ؛ فإذا فعلوا ذلك نبذ إليهم . وقال الطحاوى : لم يختلفوا ~~أن المسلم لو فعل ذلك لم يبح دمه ؛ فكذلك المستأمن ، والذمى قياسا عليه . ~~ولم يراع الطحاوى اختلاف أصحاب مالك ولا غيره من المتقدمين مع خلافهم ~~للحديث . والظعينة : المرأة فى الهودج ، ولا يقال لها : ظعينة إلا وهى كذلك ~~قال الخطابى : إنما قيل للمرأة : ظعينة ؛ لأنها تظعن مع زوجها إذا ظعن . ~~والعقاص : السير الذى تجمع به شعرها على رأسها ، والعقص : الظفر ، هو الفتل ~~. وقوله : ( إنى كنت ملصقا فى قريش ) يعنى : كنت مضافا إليهم ولست منهم ، ~~وأصل ذلك من لصاق الشيء بغيره ؛ ليبين منه ، ولذلك قيل : المدعى فى القوم ~~ملصق ، عن الطبري . * * * # | 130 - باب الكسوة للأسارى # 1835 / - فيه : جابر ، لما كان يوم بدر أتى بأسارى ، وأتى بالعباس ، ولم ~~يكن عليه ثوب ، فنظر النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، له قميصا ، فوجدوا ~~قميص PageV05P165 عبدالله بن أبى يقدره عليه ، فكساه النبى - صلى الله عليه ~~وسلم - إياه ، فلذلك نزع النبى - صلى الله عليه وسلم - قميصه الذى ألبسه ~~إياه . قال ابن عيينة : كانت له عند النبى - صلى الله عليه وسلم - يد أحب ~~أن يكافئه . قال المهلب : وفيه كسوة الأسارى والإحسان إليهم ، ولا يتركوا ~~عراة فتبدوا عوراتهم ولا يجوز النظر إلى عورات المشركين . وفيه ms1626 : وجوب ~~المكافأة على اليد تسدى إلى قريب الرجل إذا كان ذلك إكراما له فى قريبه ولم ~~يطلبها القريب ، إذا كانت بسبب الستر من أهله . وفيه : أن المكافأة تكون فى ~~الحياة وبعد الممات . # | 131 - باب فضل من أسلم على يديه رجل # 1836 / فيه : سهل ، قال - صلى الله عليه وسلم - يوم خيبر : ( لأعطين ~~الراية غدا رجلا ، يفتح على يديه . . . . . ) الحديث إلى قوله : ( فوالله ~~لأن يهدى الله بك رجلا ، خير لك من أن يكون لك حمر النعم ) . قال المؤلف : ~~ومما يشبه معنى هذا الحديث قوله - صلى الله عليه وسلم - : ( من سن سنة حسنة ~~كان له أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة لا ينقص من أجورهم شيئا ) ~~وقد روينا عن الرسول : ( أن العالم إذا لم يعمل بعلمه يأمر الله به إلى ~~النار يوم القيامة ، فيقول رجل قد كان علمه ذلك العالم علما دخل به الجنة ~~فيقول - : يا رب ، هذا علمنى ما دخلت به الجنة ، فهب لى معلمي . فيقول ~~تعالى . هبوا له معلمه ) . وقال ابن الأنبارى : حمر النعم : كرامها وأعلاها ~~منزلة . وقال أبو عبيد عن الأصمعى : بعير أحمر إذا لم يخالط حمرته شيء ، ~~فإن خالطت حمرته قنوء فهو كميت . PageV05P166 # | 132 - باب الأسارى فى السلاسل # 1837 / فيه : أبو هريرة ، قال - صلى الله عليه وسلم - : ( عجب الله من ~~قوم يدخلون الجنة فى السلاسل ) . قال المهلب : قوله : ( يدخلون الجنة فى ~~السلاسل ) يعنى : يدخلون الإسلام مكرهين ، وسمى الإسلام باسم الجنة ؛ لأنه ~~سببها ومن دخله دخل الجنة ، وقد جاء هذا المعنى بينا فى الحديث ، ذكره ~~البخارى فى التفسير فى قوله تعالى : { كنتم خير أمة أخرجت للناس } قال : ( ~~خير الناس للناس يأتون بهم فى السلاسل فى أعناقهم حتى يدخلوا فى الإسلام ) ~~. وفيه : سوق الأسرى فى الحبال والسلاسل والاستيثاق منهم حتى يرى الإمام ~~فيهم رأيه . وقال ابن فورك : والعجب المضاف إلى الله يرجع إلى معنى الرضا ~~والتعظيم ، وأن الله يعظم من أخبر عنه بأنه تعجب منه ويرضى عنه . * * * # | 133 - باب فضل من أسلم من أهل الكتابين # 1838 / فيه : أبو موسى ms1627 قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( ثلاثة ~~يؤتون أجرهم مرتين : الرجل تكون له الأمة ، فيعلمها فيحسن تعليمها ، ~~ويؤدبها فيحسن أدبها ، ثم يعتقها فيتزوجها ، ومؤمن أهل الكتاب الذى كان ~~مؤمنا ، ثم آمن بالنبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، والعبد الذى يؤدى حق ~~الله ، وينصح لسيده ) . ثم قال الشعبى : وأعطيتكها بغير ثمن ، وقد كان ~~الرجل يرحل فى أهون منها إلى المدينة . PageV05P167 قال المهلب : فيه أن من ~~أحسن فى معنيين من أى فعل كان من أفعال البر ؛ فله أجره مرتين ، والله ~~يضاعف لمن يشاء ، وإنما جاء النص فى هؤلاء الثلاثة ؛ ليستدل بذلك فى سائر ~~الناس وسائر الأعمال . وفى قول الشعبى جواز الامتنان بالعلم والتعنيف لخطره ~~لينبه على ذلك من يجهل مقداره . # | 134 - باب أهل الدار يبيتون فيصاب الولدان والذرارى { بياتا } : ليلا # 1839 / فيه : الصعب ، مر بى النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، بالأبواء - ~~أو بودان - فسئل عن أهل الدار يبيتون من المشركين ، فيصاب من نسائهم ~~وذراريهم ، قال : ( هم منهم ) ، وسمعته ، يقول : ( لا حمى إلا لله ولرسوله ~~) . اختلف الفقهاء فى العمل بهذا الحديث ، فتركه قوم وذهبوا إلى أنه لا ~~يجوز قتل النساء والولدان فى الحرب على كل حال ، وأنه لا يحل أن يقصد إلى ~~قتل غيرهم إذا كان لا يؤمن فى ذلك تلفهم مثل أن يتترس أهل الحرب بصبيانهم ~~ولا يستطيع المسلمون رميهم ، إلا بإصابة صبيانهم فحرام عليهم رميهم ، وكذلك ~~إن تحصنوا بحصن أو سفينة وجعلوا فيها نساء وصبيانا وأسارى مسلمين فحرام رمى ~~ذلك الحصن وحرق تلك السفينة ؛ إذا كان يخاف تلف النساء والصبيان والأسارى . ~~واحتجوا بعموم نهيه - صلى الله عليه وسلم - عن قتل النساء والصبيان ، ~~وبعموم قوله تعالى : { لو تزيلوا لعذبنا الذين كفروا منهم عذابا أليما } ~~هذا قول مالك والأوزاعي . PageV05P168 وقال الكوفيون والشافعى : إنما وقع ~~النهى عن قتل النساء والصبيان إذا قصد إلى قتلهم ، فأما إذا قصد إلى قتل ~~غيرهم ممن لا يوصل إلى ذلك منهم إلا بتلف نسائهم وصبيانهم فلا بأس بذلك ، ~~واحتجوا بقوله - صلى الله عليه وسلم - : ( هم منهم ) . قال الطحاوى : فلما ms1628 ~~لم ينههم النبى عن الغارة ، وقد كان يعلم أنهم يصيبون فيهم الولدان والنساء ~~الذى يحرم القصد إلى قتلهم دل ذلك أن ما أباح فى حديث الصعب معنى غير ~~المعنى الذى من أجله منع قتلهم فى حديث ابن عمر ، وأن الذى أباح هو القصد ~~إلى قتل المشركين وإن كان فى ذلك تلف غيرهم ممن لا يحل القصد إلى قتله ؛ ~~حتى لا تتضاد الآثار . وقد أمر - صلى الله عليه وسلم - بالغارة على العدو ~~فى آثار متواترة ، ولم يمنعه من ذلك ما يحيط به علما أنه لا يؤمن من تلف ~~النساء والولدان فى ذلك ، والنظر يدل على ذلك أيضا ، وقد روى عن رسول الله ~~فى الذى عض يد رجل فانتزع يده فسقطت ثنايا العاض ؛ فأبطل ذلك - صلى الله ~~عليه وسلم - . قال الطحاوى : فلما كان المعضوض نزع يده وإن كان فى ذلك تلف ~~ثنايا غيره وكان حراما عليه القصد إلى نزع ثنايا غيره بغير إخراج يده من ~~فيه ولم يكن القصد فى ذلك إلى غير التلف كالقصد إلى التلف فى الإثم ولا فى ~~وجوب العقل ، كان كذلك من له أخذ شيء وفى أخذه إياه تلف غيره مما يحرم عليه ~~القصد إلى تلفه ، فكذلك العدو قد جعل لنا قتالهم ، وحرم علينا قتل نسائهم ~~وذراريهم فحرام علينا القصد إلى ما نهينا عنه من ذلك ، وحلال لنا القصد إلى ~~ما أبيح لنا ، وإن كان فيه تلف غيره مما حرم علينا . وقوله فى حديث الصعب : ~~( لا حمى إلا لله ولرسوله ) PageV05P169 فلا شيء فيه من معنى ما تقدم من ~~التبييت ، هو سببه بما روى عن أبى هريرة عن النبى - صلى الله عليه وسلم - ( ~~نحن الآخرون السابقون يوم القيامة ) ثم وصل ذلك المحدث بكلام آخر ليس فيه ~~شيء من معنى ما قبله ، و إنما كانوا يحدثون بالأحاديث على نحو ما كانوا ~~يسمعونها ، وقد تقدم بيان هذا فى ( كتاب الطهارة ) فى باب ( لا يبول فى ~~الماء الدائم ) . * * * # | 135 - باب قتل الصبيان فى الحرب # 1840 / فيه : ابن عمر ، أن امرأة وجدت فى ms1629 بعض مغازى النبى ، - صلى الله ~~عليه وسلم - ، مقتولة ، فأنكر النبى - صلى الله عليه وسلم - قتل النساء ~~والصبيان . وترجم له باب ( قتل النساء فى الحرب ) وقال مكان ( فأنكر ) ( ~~فنهى ) . ولا يجوز عند جميع العلماء قصد قتل نساء الحربيين ولا أطفالهم ؛ ~~لأنهم ليسوا ممن قاتل فى الغالب . وقال تعالى : { وقاتلوا فى سبيل الله ~~الذين يقاتلونكم } وبذلك حكم رسول الله فى مغازيه أن تقتل المقاتلة وتسبى ~~الذرية ؛ لأنهم مال للمسلمين إذا سبوا . واتفق الجمهور على أن النساء ~~والصبيان إذا قاتلوا قتلوا وهو قول مالك والليث وأبى حنيفة والثورى ~~والأوزاعى والشافعى وأحمد وإسحاق وأبى ثور ، وقال الحسن البصرى : إن قاتلت ~~المرأة وخرجت معهم إلى ديار المسلمين فلتقتل ، وقد قتل رسول الله يوم قريظة ~~والخندق [ . . . . . ] وقتل يوم الفتح قينتين كانتا تغيان بهجاء رسول الله ~~. PageV05P170 واتفق مالك والكوفيون والأوزاعى والليث أنه لا يقتل الشيوخ ~~ولا الرهبان ، وأجاز قتلهم الشافعى فى أحد قوليه ، واحتج بأن رسول الله أمر ~~بقتل دريد بن الصمة يوم حنين ، وكذلك أجمعوا أن من قاتل من الشيوخ أنه يقتل ~~، واحتج الطحاوى فقال : قد روى علقمة ابن مرثد ، عن بريدة ، عن أبيه أن ~~الرسول كان إذا بعث سرية قال : ( لا تقتلوا شيخا كبيرا ) . وهذا خلاف حديث ~~دريد ، وقد قال رسول الله فى حديث المرقع ابن صيفى فى المرأة المقتولة : ( ~~ما كانت هذه تقاتل ) . فدل ذلك أن من أبيح قتله هو الذى يقاتل ، والذى يجمع ~~بين الأحاديث أن النهى من الرسول فى قتل الشيوخ هم الذين لا معونة لهم على ~~شيء من أمر الحرب فى قتل ولا رأي . وحديث دريد فى الشيوخ الذين لهم معونة ~~فى الحرب كما كان لدريد ، فلا بأس بقتلهم ، وإن لم يكونوا يقاتلون ؛ لأن ~~تلك المعونة أشد من كثير من القتال ، وهذا قول محمد ابن الحسن ، وهو قياس ~~قول أبى حنيفة أبى يوسف . * * * # | 136 - باب : لا يعذب بعذاب الله # 1841 / فيه : أبو هريرة ، بعثنا الرسول - صلى الله عليه وسلم - فى بعث ، ~~فقال : ( إن وجدتم فلانا وفلانا فأحرقوهما بالنار ) ، ثم قال حين ms1630 أردنا ~~الخروج : ( إنى أمرتكم أن تحرقوهما ، وإن النار لا يعذب بها إلا الله ، فإن ~~وجدتموهما فاقتلوهما ) . 1842 / وفيه : عكرمة ، أن عليا حرق قوما ، فبلغ ~~ابن عباس ، فقال : لو كنت أنا لم أحرقهم ، لأن النبى ؛ - صلى الله عليه ~~وسلم - ، قال : ( لا تعذبوا بعذاب الله ) ، ولقتلتهم كما قال - صلى الله ~~عليه وسلم - : ( من بدل دينه فاقتلوه ) . PageV05P171 قال المهلب : ليس ~~نهيه - صلى الله عليه وسلم - عن التحريق بالنار على معنى التحريم ، وإنما ~~هو على سبيل التواضع لله ، وأن لا يتشبه بغضبه فى تعذيب الخلق ؛ إذ القتل ~~يأتى على ما يأتى عليه الإحراق . والدليل على أنه ليس بحرام سمل الرسول عين ~~العرنيين بالنار فى مصلى المدينة بحضرة الصحابة . وتحريق على بن أبى طالب ~~الخوارج بالنار ، وأكثر علماء المدينة يجيزون تحريق الحصون على أهلها ~~بالنار ، وقول أكثرهم بتحريق المراكب ، وهذا كله يدل أن معنى الحديث على ~~الحض والندب لا على الإيجاب والفرض والله أعلم . وممن كره رمى أهل الشرك ~~بالنار : عمر بن الخطاب وابن عباس وعمر بن عبد العزيز ، وهو قول مالك بن ~~أنس ، وأجازه على بن أبى طالب ، وحرق خالد بن الوليد ناسا من أهل الردة ، ~~فقال عمر لأبى بكر الصديق : انزع هذا الذى يعذب بعذاب الله . فقال أبو بكر ~~: لا أشيم سيفا سله الله على المشركين . وأجاز الثورى رمى الحصون بالنار . ~~وقال الأوزاعى : لا بأس أن يدخن عليهم فى المطمورة إذا لم يكن فيها إلا ~~المقاتلة ، ويحرقوا ويقتلوا بكل قتلة ، ولو لقيناهم فى البحر رميناهم ~~بالنفط والقطران . وأجاز ابن القاسم حرق الحصن والمراكب إذا لم يكن فيها ~~إلا المقاتلة فقط . PageV05P172 # | 137 - باب { فإما منا بعد وإما فداء } [ محمد : 4 ] # 1843 / - فيه : حديث ثمامة ، وقوله عز وجل : { ما كان لنبى أن تكون له ~~أسرى حتى يثخن فى الأرض } [ الأنفال : 67 ] يعنى يغلب فى الأرض . اختلف ~~العلماء فى حكم الأسرى من أجل اختلافهم فى تأويل قوله : { فإما منا بعد ~~وإما فداء } فقال السدى وابن جريج : نسخها قوله : { فاقتلوا المشركين حيث ~~وجدتموهم } وقال قتادة : نسخها قوله ms1631 تعالى : { وإما تثقفنهم فى الحرب فشرد ~~بهم من خلفهم } وقال الطبرى : روى عن أبى بكر الصديق أنه قال : لا يفادى ~~بأسير المشركين وإن أعطى فيه كذا وكذا مديا من المال . قال الزهرى : كتب ~~عمر بن الخطاب : اقتلوا كل من جرت عليه المواسي . وهو قول الزهرى ومجاهد ، ~~واعتلوا لإنكارهم إطلاق الأسرى بقوله تعالى : { ما كان لنبى أن يكون له ~~أسرى حتى يثخن فى الأرض تريدون عرض الدنيا } الآيات . قالوا : فأنكر الله ~~إطلاق أسارى بدر على نبيه على الفداء ، فغير جائز لأحد أن يتقدم على فعله ، ~~وسنة الله تعالى فى أهل الكفر به إن كانوا من أهل الأوثان ، فقتلهم على كل ~~حال ؛ لقوله تعالى : { فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم } الآية . وإن كانوا ~~من أهل الكتاب ، حتى يسلموا أو يعطوا الجزية ، فأما إطلاقهم على فداء يؤخذ ~~منهم فتقوية لهم . وقال الضحاك : قوله تعالى : { فإما منا بعد وإما فداء } ~~هى PageV05P173 ناسخة لقوله تعالى : { فاقتلوا المشرككين حيث وجدتموهم } ~~ومثل هذا عن ابن عمر قال : أليس بهذا أمرنا الله ؟ قال تعالى : { حتى إذا ~~أثخنتموهم فشدوا الوثاق فإما منا بعد وإما فداء } وهو قول عطاء والشعبى ~~والحسن البصرى ، كرهوا قتل الأسير ، وقالوا : من عليه أو فاده . وبمثل هذا ~~استدل الطحاوى فقال : ظاهر قوله تعالى : { فإما منا بعد وإما فداء } يقتضى ~~المن أو الفداء ويمنع القتل . قالوا : ولو كان لنا من قتلهم بعد الإيثاق ما ~~لنا قبله لم يفهم قوله تعالى : { حتى إذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق } فدل أن ~~حكم الكافر بعد الاستيثاق والأسر خلاف حكمه قبل ذلك ، قال أبو عبيد : ~~والقول عندنا فى ذلك أن الآيات جميعا محكمات لا نسخ فيهن ، يبين ذلك ما كان ~~من أحكام رسول الله فيهم وذلك أنه عمل بالآيات كلها ، من القتل والمن ~~والفداء ، حتى توفاه الله على ذلك ، فكان أول أحكامه فيهم يوم بدر ، فعمل ~~بها كلها يومئذ ، بدأ بالقتل فقتل عقبة ابن أبى معيط والنضر بن الحارث فى ~~قفوله ، ثم قدم المدينة فحكم فى سائرهم بالفداء ، ثم حكم يوم الخندق سعد بن ms1632 ~~معاذ بقتل المقاتلة ، وسبى الذرية ، فصوب ذلك النبى - صلى الله عليه وسلم - ~~وأمضاه . ثم كانت غزاة بنى المصطلق رهط جويرية بنت الحارث ، فاستحياهم ~~جميعا وأعتقهم . ثم كان فتح مكة ، فأمر بقتل ابن خطل ومقيس والقينتين ، ~~وأطلق الباقين ، ثم كانت حنين فسبى هوازن ، ومن عليهم ، وقتل أبا غرة ~~الجمحى يوم أحد وقد كان من عليه يوم PageV05P174 بدر وأطلق ثمامة بن أثال . ~~وكانت هذه أحكامه - صلى الله عليه وسلم - بالمن والفداء والقتل ، فليس شيئا ~~منها منسوخا ، والأمر فيهم أن الإمام وهو مخير بين القتل والمن والفداء ، ~~يفعل الأفضل فى ذلك للإسلام وأهله ، وهو قول مالك والشافعى وأحمد وأبى ثور ~~. قال المهلب : وأما قوله تعالى : { ما كان لنبى أن يكون له أسرى حتى يثخن ~~فى الأرض } فإن هذه الآية نزلت فى أسرى بدر ، أخذ فيهم - صلى الله عليه ~~وسلم - رأى أبى بكر الصديق فى استحيائهم وقبول الفداء منهم ، وكان عمر أشار ~~عليه بقتلهم ، وأشار عليه غيره بحرقهم استبلاغا فيهم ، فبات النبى يرى رأيه ~~فى ذلك ، وكانت أول وقعة أوقعها الله تعالى بالكفار ، فأراد الله أن يكسر ~~كيدهم بقتلهم ، فعاتب النى - صلى الله عليه وسلم - وأنزل عليه : { ما كان ~~لنبى أن يكون له أسرى حتى يثخن فى الأرض تريدون عرض الدنيا } يعنى : الفدية ~~، { والله يريد الآخرة } أى : إعلاء كلمته ، وإظهار دينه بقتلهم . وقال - ~~صلى الله عليه وسلم - : ( لو نزلت آية عذاب ما نجا منها إلا عمر ) لأنهم ~~طلبوا الفداء ، وكانت الغنائم محرمة عليهم . وقال الطبرى : فى قوله - صلى ~~الله عليه وسلم - : ( لو نزلت آية عذاب ما نجا منها غير عمر ) وفى قوله : { ~~لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم } إن قيل : كيف استحقوا ~~هذه اللائمة العظيمة ؟ قال الطبرى : إن النبى - صلى الله عليه وسلم - ومن ~~شهد معه بدرا لم يخالفوا أمر ربهم ؛ فيستوجبوا اللائمة ، وإن الذين اختاروا ~~فداء الأسرى على قتلهم اختاروا أوهن الرأيين فى التدبير على أحزمهما ~~PageV05P175 وأقلهما نكاية فى العدو ، فعاتبهم الله على ذلك ، وأخبرهم أن ~~الأنبياء قبل محمد ms1633 لم تكن الغنائم لهم حلالا ، فكانوا يقتلون من حاربوا ولا ~~يأسرونه على طلب الفداء { لولا كتاب من الله سبق } لولا قضاؤه أنه يحل لكم ~~الغنيمة ولا يعذب من شهد بدرا { لمسكم فيما أخذتم } من الفداء { عذاب عظيم ~~} . وفى حديث ثمامة من الفقه جواز المن على الأسير بغير مال ، وهو قول مالك ~~والشافعى وأحمد وأبى ثور وقالوا : لا بأس أن يفادى بأسرى المسلمين وبالمال ~~أيضا . وقال الطحاوى : اختلف قول أبى حنيفة فى هذه المسألة ، فروى عنه أن ~~الأسرى لا يفادون ولا يردون حربا ؛ لأن فى ذلك قوة لأهل الحرب ، وإنما ~~يفادون بالمال وبما سواه مما لا قوة لهم فيه ، وروى عنه أنه لا بأس أن ~~يفادى بالمشركين أسارى المسلمين ، وهو قول أبى يوسف ، ومحمد ، قال ابن ~~القصار : ومما يرد به على أبى حنيفة أنا اتفقنا معه أن مكة فتحت عنوة . وأن ~~نبى الله من عليهم بغير شيء كما فعل بثمامة . * * * # | 138 - باب هل للأسير أن يقتل أو يخدع الذين أسروه حتى ينجو من الكفرة # 1844 / فيه : المسور عن النبى ، - صلى الله عليه وسلم - . قال المؤلف : ~~يريد حديث : ( صالح النبى - صلى الله عليه وسلم - المشركين بالحديبية ، على ~~أن يردوا من هرب إليهم مسلما ، فهرب أبو بصير إلى النبى ، فأرسلوا فى طلبه ~~رجلين إلى النبى ؛ وقالوا : العهد PageV05P176 الذى جعلت لنا ، فدفعه إلى ~~الرجلين ، فخرجا به حتى بلغا ذا الحليفة ، فنزلوا يأكلون من تمر لهم ، فقال ~~أبو بصير لأحد الرجلين : والله إنى لأرى سيفك يا فلان جيدا فاستله الآخر ، ~~وقال : أجل ، والله إنه لجيد ، لقد جربت به ، ثم جربت . فقال له أبو بصير : ~~أرانى أنظر إليه ، فأمكنه منه فضربه به حتى برد ، وفر الآخر حتى أتى ~~المدينة ، فدخل المسجد يعدو ، فقال الرسول حين رآه : لقد رأى هذا ذعرا فجاء ~~أبو بصير ، فقال : يا نبى الله ، قد أوفى الله بذمتك ورددتنى إليهم ، ثم ~~أنجانى الله منهم . فقال - صلى الله عليه وسلم - : ويل أمه مسعر حرب ، لو ~~كان له أحد . فلما سمع ذلك عرف أنه سيرده ms1634 ، فخرج حتى أتى سيف البحر ، ولحق ~~به أبو جندل ، وكل من أسلم من قريش ، حتى اجتمعت منهم عصابة ، وكانوا لا ~~يسمعون بعير خرجت لقريش إلا قتلوهم ، وأخذوا أموالهم ، فأرسلت قريش إلى ~~النبى - صلى الله عليه وسلم - تناشده الله والرحم ، فمن أتاه منهم فهو آمن ~~، فأنزل الله تعالى : { وهو الذى كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ببطن مكة } ~~وذكر الحديث . اختلف العلماء فى الأسير ، هل له أن يقتل المشركين أو يخدعهم ~~حتى ينجو منهم ، فقالت طائفة من العلماء : لا ينبغى للأسير المقام بدار ~~الحرب إذا أمكنه الخروج ، وإن لم يتخلص منهم إلا بقتلهم ، وأخذ أموالهم ، ~~وإحراق دورهم ؛ فعل ما شاء من ذلك ، وهو قول أبى حنيفة والطبرى ، وقال أشهب ~~: إن خرج به العلج فى الحديد ليفادى به ، فله أن يقتله إن أمكنه ذلك وينجو ~~. واختلفوا إذا أمنوه ، وعاهدهم ألا يهرب ، فقال الكوفيون : PageV05P177 ~~إعطاؤه العهد على ذلك باطل . وقال الشافعى : له أن يخرج ولا يأخذ شيئا من ~~أمولهم ؛ لأنه قد أمنهم بذلك كما أمنوه . وقال مالك : إن عاهدهم على ذلك ~~فلا يجوز أن يهرب إلا بإذنهم . وهو قول سحنون وابن المواز ، قال ابن المواز ~~: وهذا بخلاف إذا أجبروه ألا يهرب بطلاق أو عتاق ، أنه لا يلزمه ، وذلك ~~لأنه مكره . ورواه أبو زيد عن ابن القاسم . وقال غيره : لا معنى لقول من ~~فرق بين يمينه وعهده ألا يهرب ؛ لأن حالته حال المكره حلف لهم أو وعدهم أو ~~عاهدهم ، سواء أمنوه أو أخافوه ؛ لأن الله فرض على المؤمن ألا يبقى تحت ~~أحكام الكفار ، وأوجب عليه الهجرة من دارهم ، فخروجه على كل وجه جائز ، ~~والحجة فى ذلك ( خروج أبى بصير ، الرسول فعله ورضاه ) . * * * # | 139 - باب إذا حرق المشرك المسلم هل يحرق # 1845 / فيه : أنس ، أن رهطا من عكل ثمانية ، قدموا على النبى ، - صلى ~~الله عليه وسلم - ، فاجتووا المدينة ، فقالوا : يا رسول الله ، ابغنا رسلا ~~، فقال : ( ما أجد لكم إلا أن تلحقوا بالذود ، فانطلقوا ، فشربوا من ~~أبوالها وألبانها ) ، حتى صحوا وسمنوا ، وقتلوا الراعى ، واستاقوا الذود - ~~إلى قوله ms1635 - : فقطع أيديهم وأرجلهم ، ثم أمر بمسامير ، فأحميت فكحلهم بها . ~~. . . . الحديث . 1846 / وفيه : أبو هريرة ، قال الرسول - صلى الله عليه ~~وسلم - : ( قرصت نملة نبيا من الأنبياء ، فأمر بقرية النمل ، فأحرقت ، ~~فأوحى الله إليه : أن قرصتك نملة أحرقت أمة من الأمم تسبح ) . PageV05P178 ~~قال المهلب : قوله : باب إذا أحرق المشرك المسلم هل يحرق ، ولم يذكر سمل ~~العرنيين أعين الرعاة ، يدل أن ذلك من فعلهم مروى ، إلا أن طرق ذلك ليست من ~~شرط كتابه . قال المؤلف : وسأذكر الروايات بذلك فى كتاب المحاربين إن شاء ~~الله وقد يخرج معنى الترجمة من هذا الحديث بالدليل لو لم يصح سمل العرنيين ~~والسمل العرنيين للرعاة ، وذلك أن النبى - - صلى الله عليه وسلم - - تحريق ~~بالنار ، استدل منه البخارى أنه لما جاز تحريق أعينهم بالنار ولو كانوا لم ~~يحرقوا أعين الرعاء ، أنه أولى بالجواز تحريق المشرك إذا أحرق المسلم . ~~وروى سحنون عن ابن القاسم أنه لا بأس برمى المركب من مراكب العدو بالنار ~~إذا بدءونا بالرمى ، وإن كان فيهم أسرى مسلمين ونساء وصبيان لهم . وكذلك ~~حديث النبى - صلى الله عليه وسلم - الذى أحرق فيه النمل ، فيه دليل على ~~جواز التحريق ؛ لأن الله إنما عاتبه فى تحريق جماعة النمل التى لم تقرصه ، ~~ولم يعلمه أن ذلك من فعله حرام ، ولا أنه أتى كبيرة ، فتلزمه التوبة منها ؛ ~~لأن الأنبياء معصومون من الكبائر ، وقد تقدم ذكر من أجاز التحريق بالنار ، ~~ومن كرهه من السلف فى باب : ( لا يعذب بعذاب الله ) قبل هذا . وسيأتى شيء ~~منه فى كتاب المحاربين . والرسل : اللبن . وترجل النهار : ارتفع . فى كتاب ~~العين . PageV05P179 # | 140 باب : حرق الدور والنخيل # 1847 / فيه : جرير ، قال الرسول - صلى الله عليه وسلم - : ( ألا تريحنى ~~من ذى الخلصة ؟ - وكان بيتا فى خثعم يسمى كعبة اليمانية - قال : فانطلقت فى ~~خمسين ومائة فارس من أحمس ، وكانوا أصحاب خيل ، قال : وكنت لا أثبت على ~~الخيل ، فضرب فى صدرى ، حتى رأيت أثر أصابعه فى صدرى ، وقال : ( اللهم ثبته ~~، واجعله هاديا مهديا ) ، فانطلق إليها فحرقها وكسرها ، ثم بعث إلى النبى - ~~صلى ms1636 الله عليه وسلم - يخبره ، فقال رسول جرير : والذى بعثك بالحق ما جئتك ~~حتى تركتها ، كأنها جمل أجوف - أو أجرب - قال : ( فبارك فى خيل أحمس ، ~~ورجالها ، خمس مرات ) . 1848 / وفيه : ابن عمر ، أن النبى ، - صلى الله ~~عليه وسلم - ، حرق نخل بنى النضير . قال المهلب : فى حديث جرير من الفقه ~~جواز هتك كل ما افتتن الناس به من بناء أو إنسان أو حيوان أو غيره . وفى ~~حديث ابن عمر بيان أن للمسلمين أن يكيدوا عدوهم من المشركين بكل ما فيه ~~تضعيف شوكتهم ، وتوهين كيدهم وتسهيل الوصول إلى الظفر بهم من قطع ثمارهم ، ~~وتغوير مياههم والحول بينهم وبين ما يتغذون به من الأطعمة والأشربة ، ~~والتضييق عليهم بالحصار ، وذلك أن رسول الله لما أمر بتحريق نخل بنى النضير ~~كان معلوما أن ما كان من نظير ذلك من قطع أسباب معاشهم وتغوير مياههم فجائز ~~فعله بهم . وقد روى عن على بن أبى طالب قال : ( أمرنى رسول الله أن أغور ~~مياه بدر ) قاله الطبرى . وفيه الدعاء للجيوش إذا بعثت ، وفيه بركة دعوة ~~النبى ، وفيه البشارة فى الفتوح ، وفيه الدليل على صحة قول من أباح إضرام ~~النيران فى حصون العدو ، ونصب المجانيق عليهم ، ورميهم بالحجارة ، وكل ذلك ~~يعمل فى الضر مثل عمل النار أو نحوه . PageV05P180 واختلف العلماء فى قطع ~~شجر المشركين ، وتخريب بلادهم ، فرخصت فى ذلك طائفة وكرهته طائفة ، فممن ~~أجاز ذلك مالك ، والكوفيون ، والشافعي . قال الكوفيون : تحرق شجرهم ، وتخرب ~~بلادهم ، وتذبح الأنعام ، وتحرق إذا لم يمكن إخراجها . وقال مالك : يحرق ~~النخل ولا تعرقب المواشي . وقال الشافعى : تحرق الأشجار المثمرة والبيوت ، ~~وأكره تحريق الزرع والكلأ . وأما من كره ذلك : فروى الزهرى عن سعيد بن ~~المسيب أن أبا بكر الصديق قال فى وصية الجيش الذى وجه إلى الشام : ( لا ~~تغرقن نخلا ولا تحرقنها ، ولا تعقروا بهيمة ، ولا شجرة مثمرة ولا تهدموا ~~بيعة ) وقال الليث : أكره حرق النخل والشجر المثمر ، ولا تعرقب بهيمة ، وهو ~~قول الأوزاعى فى رواية ، وبه قال أبو ثور ، والحجة فى قول من أجاز تحريقها ~~؛ لشهادة ms1637 الكتاب والسنة له ، قال تعالى : { ما قطعتم من لينة } الآية . قال ~~ابن عباس : اللينة : النخلة والشجرة . وقال ابن إسحاق : التحريق سنة إذا ~~كان أنكى للعدو . وحديث جرير وابن عمر يشهد لصحة هذا القول . وقد تأول بعض ~~الفقهاء أن أمر أبى بكر الصديق : ( ألا تحرقن شجرة ) إنما كان من أجل أن ~~النبى - صلى الله عليه وسلم - أخبرهم أنهم يفتتحونها . وقال الطحاوى : خبر ~~أبى بكر مرسل ؛ لأن سعيد بن المسيب لم يولد فى أيام أبى بكر الصديق ، وقال ~~الطبرى : نهى أبى بكر عن تحريق النخل وتغريقه إنما هو نهى أن يقصد بذلك ~~ويتعمد ، فأما إذا أصابه التحريق والغرق فى خلال الغارة فغير متبوع به فى ~~الدنيا والآخرة من فعله ، كما النهى عن قتل النساء والصبيان ، إنما هو نهى ~~PageV05P181 عن قصدهم بالقتل وتعمدهم بأعيانهم ، فأما من أصابته الخيل فى ~~البيات ، أو هلك عند سقوط حصن المدينة عليهم عند هدم المسلمين إياه إرادة ~~وصولهم إلى المقاتلة ، أو من أحرقته النار ، أو غرقه الماء على هذا الوجه ؛ ~~فغير داخل فى الذين نهى الرسول عن قتلهم ؛ لأن النبى - صلى الله عليه وسلم ~~- قد نصب المنجنيق على الطائف ، ولا شك أن حجارته إذا وقعت فى الحصن ربما ~~أصابت المرأة والطفل ، فلو كان سبيل ما أصابه ذلك سبيل ما أصاب الرامى بيده ~~متعمدا كان - صلى الله عليه وسلم - لا ينصبه خشية أن تصيب حجارته من نهى عن ~~قتله ، فلما فعل ذلك وأباحه لأمته كان مخالفا سبيل القصد والعمد فى ذلك . ~~واختلفوا إذا غنم المسلمون مواشى الكفار ودوابهم ، وخافوا من كرة عدوهم ~~وأخذها من أيديهم . فقال مالك وأبو حنيفة : تعرقب وتعقر حتى لا ينتفعوا بها ~~. وقال الشافعى : لا يحل قتلها ، ولا عقرها ، ولكن تخلى . واحتج ابن القصار ~~فى ذلك فقال : لا خلاف بيننا أن المشرك لو كان راكبا لجاز لنا أن نعرقب ما ~~تحته ونقتله ؛ لنتوصل بذلك إلى قتله ، فكذلك إذا لم يكن راكبا ، وكذلك فعل ~~ما فيه توهينهم وضعفهم بمنزلة واحدة ؛ ألا ترى أن قطع شجرهم وإتلاف زروعهم ms1638 ~~يجوز ؛ لأن فى ذلك ضعفهم وتلفهم وكذلك خيلهم ومواشيهم وقد مدح الله تعالى ~~من فعل ذلك فقال : { ولا ينالون من عدو نيلا إلا كتب لهم به عمل صالح } فهو ~~عام فى جميع ما ينالون ولما كانت نفوسهم وأموالهم سواء فى استحلالنا إياهم ~~ثم جاز قتلهم إذا لم يتمكن من أسرهم كذلك يجوز إتلاف أموالهم التى يتقوون ~~بها . PageV05P182 # | 141 - باب : قتل المشرك النائم # 1849 / فيه : البراء بعث النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، رهطا من ~~الأنصار إلى أبى رافع : ليقتلوه ، فانطلق رجل منهم ، فدخل حصنهم ، قال : ~~فدخلت فى مربط دواب لهم ، قال : وأغلقوا باب الحصن ، ثم إنهم ، فقدوا حمارا ~~لهم فخرجوا يطلبونه ، فخرجت فيمن خرج ، أريهم أننى أطلبه معهم ، فوجدوا ~~الحمار ، فدخلوا ، ودخلت ، وأغلقوا باب الحصن ليلا ، ووضعوا المفاتيح فى ~~كوة حيث أراها ، فلما ناموا أخذت المفاتيح ، ففتحت باب الحصن ، ثم دخلت ~~عليه ، فقلت : يا أبا رافع ، فأجابنى ، فتعمدت الصوت فضربته ، فصاح ، فخرجت ~~[ ثم ] جئت ، ثم رجعت كأنى مغيث ، فقلت : يا أبا رافع ، وغيرت صوتى ، فقال ~~: ما لك ؟ لأمك الويل ، قلت : ما شأنك ؟ قال : لا أدرى ، من دخل على فضربنى ~~، قال : فوضعت سيفى فى بطنه ، فتحاملت عليه حتى قرع العظم ، ثم خرجت ، وأنا ~~دهش ، فأتيت سلما لهم ؛ لأنزل منه فوقعت ، فوثئت رجلى ، فخرجت إلى أصحابى ، ~~فقلت : ما أنا ببارح حتى أسمع الناعية ، فما برحت حتى سمعت نعايا أبى رافع ~~تاجر أهل الحجاز ، فقمت ، وما بى قلبة حتى أتينا الرسول - صلى الله عليه ~~وسلم - فأخبرناه . وقال البراء : ( إن عبد الله بن عتيك دخل عليه بيته ~~فقتله وهو نائم ) . قال المهلب : فيه جواز الاغتيال لمن أغار على رسول الله ~~بيد أو مال ، أو ( راعب ) ، وكان أبو رافع يعادى رسول الله ويؤلب الناس ~~عليه ، وهذا من باب قوله - صلى الله عليه وسلم - : ( الحرب خدعة ) . فيه : ~~جواز التجسس على المشركين ، وطلب غرتهم ، وفيه الاغتيال فى الحرب ، ~~والإيهام بالقول ، وفيه الأخذ بالشدة فى الحرب ، والتعرض لعدد كثير من ~~المشركين ، والإلقاء إلى التهلكة فى سبيل الله ، وأما الذى ms1639 نهى عنه من ذلك ~~فهو فى الإنفاق فى سبيل الله ، PageV05P183 وألا يخل يده من المال فيه ~~رجوعا وضياعا ، وهى رحمة من الله ورخصة ، ومن أخذ بالشدة فمباح له ذلك وأحب ~~إلينا ألا يأخذ بالشدة فى إخلاء يده من المال ؛ لوقوع النهى فيه خاصة ، ~~وفيه الحكم بالدليل المعروف والعلامة المعروفة على الشيء ؛ لحكم هذا الرجل ~~بالواعية على موت أبى رافع . وقال صاحب العين : الواعية : الصارخة التى ~~تندب القتيل ، والواعى : الصوت ، والوعى : جلبة وأصوات الكلاب فى الصيد إذا ~~جدت . وقوله : ( فما برحت حتى سمعت نعايا أبى رافع ) المعنى : انع أبا رافع ~~، جعل دلالة الأمر فيه ، وعلامة الجزم آخره بغير تنوين . كما قالت العرب فى ~~نظير ذلك من ( أدركها ) : دراكها ، ومن ( نظمت ) : نظام كقول الراجز : ~~دراكها من إبل دراكها يعنى : أدركها . وزعم سيبويه أنه يطرد هذا الباب فى ~~الأفعال الثلاثية كلها ، أن يقال فيها : فعال بمعنى : افعل . نحو : حذار ، ~~ومتاع ، وتراك ، كما تقول اترك ، احذر امتع ، وأنشد للكميت : نعا جذاما غير ~~موت ولا قتل أراد : انع جذاما . وقوله : ( وما بى قلبة ) قال الفراء : أصله ~~من القلاب ، وهو داء يصيب الإبل ، وزاد الأصمعى : يشتكى البعير منه قلبه ، ~~فيموت من يومه ، فقيل : ذلك لكل سالم ليست به علة . وقال ابن الأعرابى : ~~معناه : ليست به علة يقلب لها فينظر إليه . PageV05P184 | # | 142 - باب لا تمنوا لقاء العدو # 1850 / فيه : ابن أبى أوفى ، قال النبى ، - صلى الله عليه وسلم - : ( لا ~~تمنوا لقاء العدو ) . 1851 / وفيه : أبو هريرة ، عن النبى ، - صلى الله ~~عليه وسلم - ، وزاد : ( فإذا لقيتموهم فاصبروا ) . نهى الرسول أمته عن تمنى ~~لقاء العدو ؛ ولأنه لا يعلم ما يئول أمره إليه ولا كيف ينجو منه ، وفى ذلك ~~من الفقه النهى عن تمنى المكروهات ، والتصدى للمحذورات ، ولذلك سأل السلف ~~العافية من الفتن والمحن ؛ لأن الناس مختلفون فى الصبر على البلاء ، ألا ~~ترى الذى أحرقته الجراح فى بعض المغازى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فقتل نفسه ، وقال الصديق : ( لأن أعافى فأشكر أحب إلى من أن أبتلى فأصبر ) ~~. وروى ms1640 عن على بن أبى طالب أنه قال لابنه : ( يا بنى لا تدعون أحدا إلى ~~المبارزة ومن دعاك إليها فاخرج إليه ؛ لأنه باغ ، والله تعالى قد ضمن نصر ~~من بغى عليه ) . وأما أقوال الفقهاء فى المبارزة ، فذكر ابن المنذر قال : ~~أجمع كل من نحفظ عنه من العلماء أن على المرء أن يبارز ، ويدعو إلى البراز ~~بإذن الإمام ، غير الحسن البصرى ؛ فإنه يكره المبارزة ولا يعرفها ، هذا قول ~~الثورى ، والأوزاعى ، وأحمد ، وإسحاق . وأباحت طائفة البراز ، ولم يذكر ~~بإذن الإمام ولا بغير إذنه ، هذا قول مالك ، والشافعى ، وسئل مالك عن الرجل ~~يقول بين الصفين : من يبارز ؟ قال : ذلك إلى نيته ، إن كان يريد به وجه ~~الله فأرجو أن PageV05P185 لا يكون به بأس ، قد كان يفعل ذلك من مضى . وقال ~~أنس بن مالك : قد بارز البراء بن مالك مرزبان الزارة فقتله . وقال أبو ~~قتادة : ( بارزت رجلا يوم حنين فقتلته ، وأعطانى النبى - صلى الله عليه ~~وسلم - سلبه ) وليس فى خبره أنه استأذن الرسول فى ذلك ، واختلفوا فى معونة ~~المسلم المبارز على المشرك ، فرخص فى ذلك الشافعى ، وأحمد ، وإسحاق ، وذكر ~~الشافعى قضية حمزة وعبيدة ، ومعونة بعضهم بعضا ، قال : فأما إن دعا مسلم ~~مشركا ، أو مشرك مسلما إلى أن يبارزه ، وقال له : لا يقاتلك غيرى أحببت أن ~~يكف عن أن يحمل عليه غيره . وكان الأوزاعى يقول : لا تعينوه على هذا . قيل ~~للأوزاعى : وإن لم يشترط ألا يخرج إليه غيره ؟ قال : وإن لا ؛ لأن البارزة ~~إنما تكون على هذا ، ولو حجزوا بينهما ثم خلوا سبيل العلج المبارز ، فإن ~~أعان العدو صاحبهم فلا بأس أن يعين المسلمون صاحبهم . * * * # | 143 - باب : الحرب خدعة # 1852 / فيه : أبو هريرة ، عن النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( هلك كسرى ~~، ثم لا يكون كسرى بعده ، وقيصر ليهلكن ، ثم لا يكون قيصر بعده ، ولتنفقن ~~كنوزها فى سبيل الله ، ثم سمى الحرب خدعة ) . 1853 / وفيه : جابر ، قال - ~~صلى الله عليه وسلم - : ( الحرب خدعة ) . قال المؤلف : ذكر بعض أهل السير ~~أن النبى - صلى الله عليه وسلم - قال هذا ms1641 يوم الأحزاب لما بعث نعيم ابن ~~مسعود أن يحول بين قريش وغطفان PageV05P186 ويهود ، ومعناه أن المماكرة فى ~~الحرب أنفع من المكاثرة والإقدام على غير علم ، ومنه قيل : نفاذ الرأى فى ~~الحرب أنفذ من الطعن والضرب . وقال المهلب : الخداع فى الحرب جائز كيفما ~~أمكن ذلك إلا بالأيمان والعهود والتصريح بالأيمان ، فلا يحل شيء من ذلك . ~~قال الطبرى : فإنما يجوز من الكذب فى الحرب ما يجوز فى غيرها من التعريض ~~مما ينحى به نحو الصدق مما يحتمل المعنى الذى فيه الخديعة والغدر والألغاز ~~، لا القصد إلى الإخبار عن الشيء بخلاف ما هو عليه . قال المهلب : ومن ذلك ~~أن يقول للمبارز له : خذ حزام فرسك ، قد انحل ؛ يشغله عن الاحتراس منه فيجد ~~فرصة ، وهو يريد أن حزام سرجه قد انحل فيما مضى من الزمان ، أو يخيره بخبر ~~يفظعه من موت أميره وهو يريد موت المنام أو الدين ، ولا يكون قصد الإخبار ~~عن الشيء على خلاف ما هو عليه البتة ؛ لأن ذلك حرام ، ومن ذلك ما روى عن ~~النبى - صلى الله عليه وسلم - أنه كان إذا أراد غزو قوم ورى بغيرهم . وقال ~~: حديث أبى هريرة عام فى كسرى ، وخاص فى قيصر . ومعناه : لا قيصر بعده فى ~~أرض الشام ، وقد دعا النبى لقيصر لما قرأ كتابه أن يثبت ملكه فلم يذهب ملك ~~الروم أصلا إلا من الجهة التى جلى منها . وأما كسرى فمزق كتاب رسول الله ~~فدعا عليه النبى - صلى الله عليه وسلم - أن يمزق ملكه كل ممزق ، فانقطع إلى ~~اليوم . وفيه : من علامات النبوة إخباره - صلى الله عليه وسلم - أن كنوزهما ~~ستنفق فى سبيل الله ، فكان كذلك . وفى قوله - صلى الله عليه وسلم - : ( ~~الحرب خدعة ) لغات ، قال سلمة بن PageV05P187 عاصم تلميذ الفراء : من قال ~~الحرب خدعة فهو يخدع وإذا خدع أحد الفريقين صاحبه فكأنها خدعت هى ، ومن قال ~~: خدعة ، فقد وصفها باسم المصدر ، فيحتمل أن يكون فى معنى خدعة تخدعه أى : ~~هى تخدع وصف المفعول بالمصدر ، كما تقول : درهم ضرب الأمير ، وإنما هو ~~مضروب ms1642 الأمير . وقال بعض أهل اللغة : معنى الخدعة : المرة الواحدة . أى : ~~من خدع فيها مرة واحدة لم تقل العثرة بعدها . وقال ثعلب : الحرب خدعة ، هذه ~~أفصح اللغات بفتح الخاء وإسكان الدال ، قال : وذكر لى أنها لغة النبى - صلى ~~الله عليه وسلم - . * * * # | 144 - باب : الكذب فى الحرب # 1854 / فيه : جابر ، قال النبى ، - صلى الله عليه وسلم - : ( من لكعب بن ~~الأشرف ، فإنه آذى الله ورسوله ) ؟ قال : محمد بن مسلمة : أتحب أن أقتله ، ~~يا رسول الله ؟ قال : ( نعم ) ، قال : فأتاه ، فقال : إن هذا - يعنى محمدا ~~- قد عنانا ، وسألنا الصدقة ، قال أيضا : والله لتملنه ، قال : فإنا قد ~~اتبعناه ، فنكره أن ندعه حتى ننظر إلى ما يصير أمره ، قال : فلم يزل يكلمه ~~حتى استمكن منه فقتله . قال المؤلف : روى ابن شهاب عن حميد بن عبد الرحمن ، ~~عن أم كلثوم قالت : ( ما سمعت النبى - صلى الله عليه وسلم - رخص فى الكذب ~~إلا فى ثلاث كان - صلى الله عليه وسلم - يقول : لا أعدهن كذبا الرجل يصلح ~~بين الناس ، والرجل يحدث زوجته ، والرجل يقول فى الحرب ) . PageV05P188 ~~فسألت بعض شيوخى عن معنى هذا الحديث ، فقال لى : إن الكذب الذى أباحه - صلى ~~الله عليه وسلم - فى الحرب هى المعاريض التى لا يفهم منها التصريح بالتأمين ~~؛ لأن من السنة المجتمع عليها أن من أمن كافرا فقد حقن دمه ، ولهذا قال عمر ~~بن الخطاب : يتبع أحدكم العلج حتى إذا اشتد فى الجبل قال له : مترس ، ثم ~~قتله ، والله لا أوتى بأحد فعل ذلك إلا قتلته . وقال المهلب : موضع الكذب ~~من هذا الحديث قول محمد بن مسلمة : قد عنانا وسألنا الصدقة ؛ لأن هذا ~~الكلام يحتمل أن يتأول منه أن اتباعهم له إنما هو للدنيا على نية كعب ابن ~~الأشرف ، وليس هو بكذب محض بل هو تورية ومن معاريض الكلام ؛ لأنه ورى له عن ~~الحق الذى اتبعوه له فى الآخرة ، وذكر العناء الذى يصيبهم فى الدنيا والنصب ~~، أما الكذب الحقيقى فهو الإخبار عن الشيء على خلاف ما هو به ، وليس فى قول ~~ابن مسلمة إخبار ms1643 عن الشيء على خلاف ما هو به ، وإنما هو تحريف لظاهر اللفظ ~~، وهو موافق لباطن المعنى . ولا يجوز الكذب الحقيقى فى شيء من الدين أصلا ، ~~ومحال أن يأمر بالكذب وهو - صلى الله عليه وسلم - يقول : ( من كذب على ~~متعمدا فليتبوأ مقعده من النار ) وإنما أذن له أن يقول ما لو قاله بغير إذن ~~النبى - صلى الله عليه وسلم - وسمع منه لكان دليلا على النفاق ، ولكن لما ~~أذن له فى القول لم يكن معدودا عليه أنه نفاق ، وسيأتى فى كتاب الصلح زيادة ~~فى هذا المعنى فى ( باب ليس الكاذب الذى يصلح بين الناس ) إن شاء الله ~~تعالى . PageV05P189 # | 145 باب : الفتك فى الحرب # 1855 / - فيه : جابر ، قال - صلى الله عليه وسلم - : ( من لكعب بن الأشرف ~~) ، فقال محمد بن مسلمة : أتحب أن أقتله ؟ قال : ( نعم ) ، قال : فأذن لى ~~فأقول ، قال : قد فعلت . الفتك فى الحرب على وجهين : أحدهما محرم ، والثانى ~~جائز ، فالفتك الذى يحرم به الدم أن يصرح بلفظ يفهم منه التأمين . فإذا ~~أمنه فقد حرم بذلك دمه والغدر به وعلى هذا جماعة العلماء ، وأما الوجه ~~المباح منه فهو أن يخادعه بألفاظ هى معاريض غير تصريح بالتأمين ، فهذا يجوز ~~؛ لأن الحرب خدعة . قال المؤلف : واختلف فى تأويل قتل ابن الأشرف على وجوه ~~: فقيل : إن قتله هو من هذا الباب المباح ؛ لأن ابن مسلمة لم يصرح له بشيء ~~من لفظ التأمين ، وإنما أتاه بمعاريض من القول فيجوز هذا أن يسمى : فتكا ~~على المجاز . وفيه وجه آخر قاله بعض شيوخنا قال : إن قتل ابن الأشرف هو من ~~باب أن من آذى الله ورسوله قد حل دمه ، ولا أمان له يعتصم به فقتله جائز ~~على كل حال ؛ لأن الرسول - صلى الله عليه وسلم - إنما قتله بوحى من الله ~~وأذن فى قتله فصار ذلك أصلا فى جواز قتل من كان لله ولرسوله حربا ، عن ~~الطبري . قال غيره : ألا ترى لو أن رجلا أدخل رجلا مشركا فى داره فأمنه فسب ~~عنده النبى - صلى الله عليه وسلم - حل بذلك ms1644 للذى أمنه قتله ، ونحو هذا ما ~~حكاه ابن حبيب ، قال : سمعت المدنيين من أصحاب PageV05P190 مالك يقولون : ~~إنما تجب الدعوة لكل من لم يبلغه الإسلام ، ولا يعلم ما يقاتل عليه ، فأما ~~من قد بلغه الإسلام ، وعلم ما يدعى إليه ، ومن حارب وحورب مثل الروم ~~والإفرنج ، فالدعوة فيما بيننا وبينهم مطرحة ولا بأس بتبييت مثل أولئك ~~بالغارة وتصبيحهم ، وانتهاز الفرصة فيهم بلا دعوة ، وقد بعث رسول الله عبد ~~الله بن أنيس الجهنى إلى عبد الله ابن نبيح الهذلى فاغتاله بالقتل ، وهو ~~بعرفة من جبال عرفة ، وبعث نفرا من الأنصار إلى ابن أبى الحقيق ، وإلى كعب ~~بن الأشرف فهجموا عليهما بالقتل فى بيوتهما بخيبر . قال المؤلف : فلا يجوز ~~أن يقال : إن ابن الأشرف قتل غدرا ؛ لأنه لم يكن معاهدا ، ولا كان من أهل ~~الذمة ، ومن قال : إنه قتل غدرا فهو كافر ويقتل بغير استتابة ؛ لأنه تنقص ~~النبى - صلى الله عليه وسلم - ورماه بكبيرة ، وهو الغدر وقد نزهه الله عن ~~كل دنية ، وطهره من كل ريبة . ألا ترى قول هرقل لأبى سفيان : سألتك : هل ~~يغدر ؟ فزعمت أن لا ، وكذلك الرسل لا يغدرون ، وإنما قال هذا هرقل ؛ لأنه ~~وجد فى الإنجيل صفته ، وصفة جميع الأنبياء عليهم السلام أنه لا يجوز عليهم ~~صفات النقص ؛ لأنهم صفوة الله وهم معصومون من الكبائر ، والغدر كبيرة ، ~~وسيأتى فى كتاب الرهون فى باب ( رهن السلاح ) زيادة فى معنى قتل كعب بن ~~الأشرف إن شاء الله . وروى فى الأثر أن ( تاس السبائى ) قال فى مجلس على بن ~~أبى طالب : إن ابن الأشرف قتل غدرا . فأمر به على فضرب عنقه . وقد قال مالك ~~: من تنقص النبى - صلى الله عليه وسلم - فإنه يقتل ، ومن قال : إن زر النبى ~~- صلى الله عليه وسلم - وسخة يريد بذلك الإزراء عليه PageV05P191 قتل ، قال ~~: ومن سبه قتل بغير استتابة إن كان مسلما ، وإن كان ذميا قتل قبل أن يسلم . ~~وقال الكوفيون : من سب النبى فقد ارتد ، وإن كان ذميا عزر ولم يقتل ، ~~وسيأتى تمام هذه المسألة ، والحجة فيها ms1645 فى موضعه إن شاء الله . * * * # | 146 - باب ما يجوز من الاحتيال والحذر مع من يخشى معرته # 1856 / - فيه : ابن عمر ، انطلق النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، ومعه ~~أبى قبل ابن صياد ، فحدث به فى نخل ، فلما دخل عليه رسول الله طفق يتقى ~~بجذوع النخل ، وابن صياد فى قطيفة له فيها رمرمة ، فرأت أم ابن صياد رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - ، فقالت : يا صاف ، هذا محمد ، فوثب ابن صياد ~~، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( لو تركته بين ) . قال المهلب ~~: فيه الترجمة ، وفيه ألا يجعل على من ظهر منه مكروه ؛ حتى يتيقن أمره ، ~~وفيه أن الإمام إذا أشكل عليه أمر من جهة الشهادات عنده أن يلى ذلك بنفسه ، ~~فيباشره ؛ حتى يسمع ما نقل إليه ويرى ما شهد به عنده ، فبالعيان تنكشف ~~الريب . وفيه نهوض السلطان راجلا ليعرف ما يحتاج إليه ، وفيه زجر أهل ~~الباطل بزجر الكلاب ، وفيه ترك عقوبة غير البالغ من الرجال ، وقد تقدم فى ( ~~كتاب الجنائز ) فى باب : ( هل يعرض على الصبى الإسلام ) شيء من معنى هذا ~~الحديث ، وسيأتى شيء منه فى ( كتاب الاعتصام ) فى باب ( من رأى ترك النكير ~~حجة لا من غير الرسول ) . PageV05P192 # | 147 - باب الرجز فى الحرب ورفع الصوت فى حفر الخندق # 1857 / فيه : سهل وأنس ، عن الرسول - صلى الله عليه وسلم - ، ويزيد ، عن ~~سلمة . 1858 / وفيه : البراء ، قال : رأيت النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ~~، يوم الخندق ، وهو ينقل التراب حتى وارى التراب شعر صدره ، وكان كثير ~~الشعر ، وهو يرتجز برجز عبد الله : اللهم لولا أنت ما اهتدينا . . . إلى ~~قوله : إذا أرادوا فتنة أبينا . ويرفع بها صوته . قال المهلب : فيه ابتذال ~~الإمام وتوليه المهنة فى التحصين على المسلمين لينشط الناس بذلك على العمل ~~، ولذلك ارتجز هذا الرجز ليذكرهم ما يعملون ولمن يعملون ذلك ، ويعرفهم أن ~~الأمر أعظم خطرا من ابتذالهم وتعبهم . وفيه أنه لا بأس برفع الصوت فى أعمال ~~الطاعات إذا لم يكن مضعفا عنها ولا قاطعا دونها . * * * # | 148 - باب : من لا يثبت على ms1646 الخيل # 1859 / فيه : جرير ، ما حجبنى النبى ، - صلى الله عليه وسلم - منذ أسلمت ~~ولا رآنى إلا تبسم فى وجهى ، ولقد شكوت إليه إنى لا أثبت على الخيل ، فضرب ~~بيده فى صدرى ، وقال : ( اللهم ثبته ، واجعله هاديا مهديا ) . فيه أن الرجل ~~الوجيه فى قومه له حرمة ومكانة على من هو دونه ؛ لأن جريرا كان سيد قومه . ~~وفيه أن لقاء الناس بالتبسم وطلاقة الوجه من أخلاق النبوة ، وهو مناف ~~للتكبر وجالب للمودة . وفيه فضل PageV05P193 الفروسية وإحكام ركوب الخيل ~~وأن ذلك مما ينبغى أن يتعلمه الرجل الشريف والرئيس . وفيه أنه لا بأس ~~للعالم والإمام إذا أشار إلى إنسان فى مخاطبته أو غيرها أن يضع عليه يده ، ~~ويضرب بعض جسده ، وذلك من التواضع وفيه استمالة النفوس . وفيه بركة دعوة ~~النبى ؛ لأنه قد جاء فى هذا الحديث أنه ما سقط بعد ذلك من الخيل . وقوله : ~~( هاديا مهديا ) من باب التقديم والتأخير الذى فى كلام العرب ؛ لأنه لا ~~يكون هاديا لغيره إلا بعد أن يهتدى هو ويكون مهديا . * * * # | 149 - باب ما يكره من التنازع والاختلاف فى الحرب وعقوبة من عصى إمامه ~~وقوله : { ولا تنازعوا فتفشلوا } الآية [ الأنفال : 46 ] # 1860 / فيه : أبو موسى ، بعث الرسول - صلى الله عليه وسلم - معاذا وأبا ~~موسى إلى اليمن ، فقال : ( يسرا ولا تعسرا ، وبشرا ولا تنفرا ، وتطاوعا ولا ~~تختلفا ) . 1861 / فيه : البراء ، جعل النبى ، على الرجالة يوم أحد - ~~وكانوا خمسين رجلا - عبدالله بن جبير ، فقال : ( إن رأيتمونا تخطفنا الطير ~~، فلا تبرحوا مكانكم هذا ، حتى أرسل إليكم ، وإن رأيتمونا هزمنا القوم ~~وأوطأناهم ، فلا تبرحوا حتى أرسل إليكم ) ، فهزموهم ، قال : فأنا والله ~~رأيت النساء يشددن ، قد بدت خلاخلهن وسوقهن ، رافعات ثيابهن ، PageV05P194 ~~قال أصحاب عبدالله بن جبير : الغنيمة ، أى قوم الغنيمة ، ظهر أصحابكم ، فما ~~تنتظرون ؟ فقال عبدالله بن جبير ، أنسيتم ما قال لكم النبى - صلى الله عليه ~~وسلم - ؟ قالوا : والله ، لنأتين الناس فلنصيبن من الغنيمة ، فلما أتوهم ، ~~صرفت وجوههم فأقبلوا منهزمين فذاك إذ يدعوهم الرسول فى أخراهم ، فلم يبق مع ~~النبى ، - صلى الله عليه وسلم ms1647 - ، إلا اثنى عشر رجلا ، فأصابوا منا سبعين ، ~~وكان النبى - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه أصابوا من المشركين يوم بدر ~~أربعين ومائة ، سبعين أسيرا ، وسبعين قتيلا . فقال أبو سفيان : أفى القوم ~~محمد ، ثلاث مرات ؟ فنهاهم النبى - صلى الله عليه وسلم - أن يجيبوه ، ثم ~~قال : أفى القوم ابن أبى قحافة ، ثلاث مرات ؟ ثم قال : أفى القوم ابن ~~الخطاب ، ثلاث مرات ؟ ثم رجع إلى أصحابه ، فقال : أما هؤلاء ، فقد قتلوا ، ~~فما ملك عمر نفسه ، فقال : كذبت والله يا عدو الله ، إن الذين عددت لأحياء ~~كلهم ، وقد بقى لك ما يسوءك ، قال : يوم بيوم بدر ، والحرب سجال ، إنكم ~~ستجدون فى القوم مثلة لم آمر بها ، ولم تسؤنى ، ثم أخذ يرتجز : أعل هبل أعل ~~هبل فقال - صلى الله عليه وسلم - : ( أفلا تجيبوه ) ؟ قالوا : ما نقول ؟ ~~قال : ( قولوا : الله أعلى وأجل ) ، قال : إن لنا العزى ولا عزى لكم ، فقال ~~- صلى الله عليه وسلم - : ( ألا تجيبوه ) ؟ قال : قالوا : يا رسول الله ، ~~ما نقول ؟ قال : قولوا : ( الله مولانا ولا مولى لكم ) . قال المهلب : ~~التنازع والخلاف هو سبب الهلاك فى الدنيا والآخرة ؛ لأن الله تعالى قد عبر ~~فى كتابه بالخلاف الذى قضى به على عباده عن الهلاك فى قوله : { ولا يزالون ~~مختلفين } ثم قال : { ولذلك خلقهم } فقال قوم : خلقهم للخلاف . وقال آخرون ~~: خلقهم ليكونوا : فريق فى الجنة وفريق فى السعير من أجل اختلافهم . وهذا ~~PageV05P195 كثير فى كتاب الله ، وقد أخبر الله تعالى - أن مع الخلاف يكون ~~الفشل والكسل ، فيتمكن العدو من المخالفين ؛ لأنهم كانوا كلهم مدافعين ~~دفاعا واحدا ، فصار بعضهم يدافع بعضا ، فتمكن العدو . وفى حديث عبد الله بن ~~جبير معاقبة الله على الخلاف ، وعلى ترك الائتمار للرسول والوقوف عند قوله ~~كما قال تعالى : { فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم ~~عذاب أليم } . وفى قوله : ( حتى تخطفنا الطير ) دليل على جواز الإغياء فى ~~الكلام . وفيه بيان أن النبى لم ينهزم كل أصحابه . ونهى النبى - صلى الله ~~عليه وسلم - عن جواب أبى سفيان تصاون عن الخوض فيما ms1648 لا فائدة فيه ، وإجابة ~~عمر بعد نهى النبى إنما هى حماية للظن بالنبى - صلى الله عليه وسلم - أنه ~~قتل ، وأن بأصحابه الوهن ، فليس فى هذا عصيان للنبى فى الحقيقة ، وإن كان ~~عصيانا فى الظاهر ، فهو مما يؤجر به . وقوله : ( قد بقى لك ما يسوؤك ) أرهب ~~عليه لما ظن به الوقيعة ، وكسر شوكة الإسلام ، وأنه قد مضى النبى وسادة ~~أصحابه ، فعرفهم أنهم أحياء ، وأنه قد بقى له ما يسوؤه . و ( هبل ) صنم ~~كانوا يعبدونه فى الجاهلية ، وأمر النبى بجوابه ؛ لأنه بعث بإعلاء كلمة ~~الله تعالى وإظهار دينه ، فلما كلم هذا الكلام لم يسعه السكوت عنه ، حتى ~~تعلو كلمة الله ، ثم عرفهم فى جوابه أنهم يقرون أن الله أعلى وأجل لقولهم : ~~{ إنما نعبدهم ليقربونا إلى الله زلفى } فلم يراجعه أبو سفيان ، ولا نقض ~~عليه كلامه ، اعترافا بما قال . ثم ذكر صنما آخر فقال : إن لنا العزى ولا ~~عزى لكم . فأمر الرسول بمجاوبته ، وعرف فى جوابه أن العزى ومثلها من ~~PageV05P196 الأصنام لا موالاة لها ، ولا نصر . فقال : الله مولانا ولا ~~مولى لكم . فعرف أن النصر من عند الله ، وأن الموالاة والنصر لا تكون من ~~الأصنام ، فبكته بذلك ، ولم يراجعه ، وإنما ترك النبى مجاوبته بنفسه تهاونا ~~من خصام مثله ، وأمر من ينوب عنه تنزها عنه . وقال الخطابى : ( إن رأيتمونا ~~تخطفنا الطير ) مثل ، والمعنى : إن رأيتمونا قد انهزمنا وولينا ، فلا ~~ترجعوا . يقال : فلان ساكن الطير ، وواقع الطير إذا كان هاديا وقورا . وضرب ~~المثل بالطير ؛ لأنه لا يقع إلا على الشيء الساكن ، ويقال للإنسان إذا طاش ~~وأسرع : قد طار طيره . * * * # | 150 - باب : من رأى العدو فنادى بصوته يا صباحاه حتى يسمع الناس # 1862 / فيه : سلمة ، خرجت من المدينة ذاهبا نحو الغابة ، حتى إذا كنت ~~بثنية الغابة لقينى غلام لعبدالرحمن بن عوف ، فقلت : ويحك ، ما بك ؟ قال : ~~قد أخذت لقاح النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، قلت : من أخذها ؟ قال : ~~غطفان وفزارة ، فصرخت ثلاث صرخات ، أسمعت ما بين لابتيها : يا صباحاه ، يا ~~صباحاه ، ثم اندفعت حتى ألقاهم ، وقد ms1649 أخذوها ، فجعلت أرميهم ، وأقول : أنا ~~ابن الأكوع واليوم يوم الرضع فاستنقذتها منهم قبل أن يشربوا ، فأقبلت بها ~~أسوقها ، فلقينى النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، فقلت : يا رسول الله ، ~~إن القوم عطاش ، وإنى أعجلتهم أن يشربوا سقيهم ، فابعث فى إثرهم ، فقال : ( ~~يا ابن الأكوع ، ملكت ، فأسجح ، إن القوم يقرون فى قومهم ) . PageV05P197 ~~قال المهلب : فيه وجوب النذير بالعسكر والسرية بالصراخ بكلمة تدل على ذلك . ~~وقوله : ( يا صباحاه ) معناه : قد أغير عليكم فى الصباح ، أو قد صوبحتم ~~فخذوا حذركم . وفيه جواز الأخذ بالشدة ، ولقاء الواحد أكثر من المثلين ؛ ~~لأن سلمة كان وحده ، وألقى بنفسه إلى التهلكة ، وفيه تعريف الإنسان بنفسه ~~فى الحرب شجاعته وتقدمه . وسيأتى فى الباب بعد هذا زيادة فى ذلك ، وفيه فضل ~~الرماية ؛ لأنه وحده قاومهم بها ورد الغنيمة . وقوله : ( واليوم يوم الرضع ~~) فيه أقوال للعلماء : قيل : معناه أن من أرضعته الحرب من صغره ، فهو ~~الظاهر ، وقيل : معناه أن اليوم يعرف من رضع كريمة أو من رضع لئيمة ، فيبدو ~~فعله فى الدفع عن حريمه . وقال الخطابى : معناه أن اليوم يوم هلاك اللئام ~~من قولهم : لئيم رضع ، وهو الذى يرضع الغنم لا يحلبها ، فيسمع صوت الحلب . ~~وقوله : ( فاستنقذتها منهم قبل أن يشربوا ) يعنى : الماء ، وعلى ذلك يدل ~~قوله : ( إن القوم عطاش ) يحضه على اتباعهم وإهلاكهم ، فقال له - صلى الله ~~عليه وسلم - : ( ملكت فأسجح ) أى : استنقذت الغنيمة فملكتها وملكت الحماية ~~فأسجح . أى ارفق ولا تبالغ فى المطالبة ، فربما عادت عليك كسرة من حيث لا ~~تظن ، فبعد أن كنت ظفرت يظهر بك ، وقال ذلك - صلى الله عليه وسلم - رجاء ~~توبة منهم ، ودخول فى الإسلام . وقوله : إن القوم ( يقرون ) يعنى : أنهم ~~سيلقون أول بلادهم فيطعمون ويسقون قبل أن تبلغ منهم ما تريد ، ومن روى ( ~~يقرون ) PageV05P198 جعل القرى لهم أنهم يضيفون الأضياف ، فراعى لهم - صلى ~~الله عليه وسلم - حق ذلك ورجا أن يتوب الله عليهم . * * * # | 151 - باب : من قال أنا ابن فلان # وقال سلمة : خذها ، وأنا ابن الأكوع . 1863 / فيه : البراء ، أما رسول ~~الله - صلى الله ms1650 عليه وسلم - لم يول يوم حنين ، كان أبو سفيان آخذا بعنان ~~بغلته ، فلما غشيه المشركون ، نزل فجعل يقول : ( أنا النبى لا كذب أنا ابن ~~عبدالمطلب ) [ قال ] : فما رئى من الناس يومئذ أشد منه . قال المؤلف : فى ( ~~النوادر ) قال محمد بن عبد الحكم : لا بأس بالافتخار عند الرمى ، والانتماء ~~بالقبائل ، والرجز ، وكل ذلك إذا رمى بالسهم فظنه مصيبا أن يصيح عليه ، ~~وبالذكر لله أحب إلى ، وإن قال : أنا الفلانى لقبيلته فذلك جائز كله مستحب ~~. وفيه إغراء لبعضهم ببعض ، وروى عن النبى - صلى الله عليه وسلم - أنه قال ~~: ( أنا ابن العواتك ) ورمى ابن عمر بين الهدفين فقال : ( أنا لها ، أنا ~~لها ، وقال : أنا أبو عبد الرحمن . فقال : أنا الغلام الهذلي . وكان مكحول ~~فارسيا وكانت لغته بالدال . وقوله : ( خذها ، وأنا ابن الأكوع ) أى : أنا ~~ابن المشهور فى الرمى بالإصابة عن القوس ، وهذا على سبيل الفخر ؛ لأن العرب ~~تقول : أنا ابن نجدتها . أى : القائم بالأمر . وأنا ابن جلاء ، يريد ~~المنكشف للأمر الواضح الجلي . وقال الهذلى : فرميت فوق ملاءة محبوكة وأبنت ~~للأشهاد حرة أدعى يقول : أبنت لهم قولى : خذها وأنا ابن فلان ، و ( حرة ) ~~يعنى PageV05P199 ساعة أدعى إلى قومى ، ولا يقول مثل هذا إلا الشجاع البطل ~~، والعادة عند العرب أن يعلم الشجاع نفسه بعلامة فى الحرب بتميز بها من ~~غيره ليقصده من يدعى الشجاعة ، فأعلم النبى نفسه بالنبوة المعصومة ، وبنسبه ~~الطاهر فقال : أنا النبى لا كذب أنا ابن عبد المطلب ليقوى قلب من تمكن ~~الشيطان منه فاستزله وانهزم ، ولذلك نزل - صلى الله عليه وسلم - بالأرض ؛ ~~لأن النزول غاية ما يكون من الطمأنينة ، والثقة بالله تعالى ليقتدى به ~~المؤمنون فيثبتوا ؛ لأن الرسول لا يجوز عليه من كيد الشيطان أن يقذف فى ~~قلبه خوفا يزل به قدمه ، أو ينكص على عقبيه فينهزم ؛ لأنه على بصيرة من ~~أمره ، ويقين من نصر الله له ، وإتمام أمره ، ومنعه من عدوه ، وقد تقدم هذا ~~المعنى . قال الطبرى : وقد اختلف السلف : هل يعلم الرجل الشجاع نفسه عند ~~لقاء العدو ؟ فقال بعضهم : ذلك ms1651 جائز على ما دل عليه هذا الحديث ، وقد أعلم ~~نفسه حمزة بن عبد المطلب يوم بدر بريشة نعامة فى صدره ، وأعلم نفسه أبو ~~دجانة بعصابة محضر النبى - صلى الله عليه وسلم - وكان الزبير يوم بدر معتم ~~بعمامة صفراء ، فنزلت الملائكة معتمين بعمائم صفر . وقال ابن عباس فى قوله ~~تعالى : { بخمسة آلاف من الملائكة مسومين } إنهم أتوا محمدا - صلى الله ~~عليه وسلم - مسومين بالصوف ، فسوم محمد وأصحابه أنفسهم وخيلهم على سيماهم ~~بالصوف ، وكره آخرون التسويم والإعلام فى الحرب ، وقالوا : فعل ذلك من ~~الشهرة ، ولا ينبغى للرجل المسلم أن يشهر نفسه فى خير ولا شر ، قالوا : ~~وإنما PageV05P200 ينبغى للمؤمن إذا فعل شيئا لله أن يخفيه عن الناس ؛ فإن ~~الله لا يخفى عليه شيء ، روى هذا عن بريدة الأسلمي . قال الطبرى : والصواب ~~أنه لا بأس بالتسويم والإعلام فى الحرب إذا فعله الفاعل من أهل البأس ~~والنجدة ، وهو قاصد بذلك شد الناس على أن لا [ . . . . ] والصبر للعدو ~~والثبات لهم فى اللقاء ، وهو يريد ترهيب العدو إذا عرفوا مكانه ، وإعلام من ~~معه من المسلمين أنه لا يخذلهم ولا يسلمهم . وأما إذا لم يرد ذلك وقصد به ~~الافتخار فهذا المعنى هو المكروه ؛ لأنه ليس ممن قاتل لتكون كلمة الله هى ~~العليا وإنما قاتل للذكر . * * * # | 152 - باب : إذا نزل العدو على حكم رجل # 1864 / فيه : أبو سعيد ، لما نزلت بنو قريظة على حكم سعد بن معاذ ، بعث ~~النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، وكان قريبا منه ، فجاء على حمار ، فلما ~~دنا ، قال النبى ، - صلى الله عليه وسلم - : ( قوموا إلى سيدكم ) ، فجاء ~~فجلس إلى النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، فقال له : ( إن هؤلاء نزلوا على ~~حكمك ) ، قال : فإنى أحكم أن تقتل المقاتلة ، وأن تسبى الذرية ، قال : ( ~~لقد حكمت فيهم بحكم الملك ) . قال المهلب : فيه جواز التحكيم فى أمر الحرب ~~وغيره ، وذلك رد على الخوارج الذين أنكروا التحكيم على علي . وفيه : أن ~~التحاكم فى الدنيا إلى رجل معلوم الصلاح والخير لازم للمتحاكمين . فكيف ~~بيننا وبين عدونا فى الدين ؟ وأن المال ms1652 أخف مؤنة من النفس والأهل . وفيه : ~~أمر السلطان والحاكم بإكرام السيد من المسلمين ، وجواز إكرام أهل الفضل فى ~~مجلس السلطان الأكبر والقيام فيه لغيره من أصحابه وسادة أتباعه ، وإلزام ~~الناس كافة القيام إلى سيدهم . PageV05P201 وقد اعترض هذا من قال : إنما ~~أمر الرسول - صلى الله عليه وسلم - الأنصار بهذا خاصة ؛ لأنه سيد الأنصار ، ~~وهذا لا دليل عليه ، بل هو سيد من حضر من أنصارى ومهاجرى ؛ لأنه قال فيه ~~قولا مجملا لم يخص فيه أحدا ممن بين يديه من غيره ، وسيأتى فى كتاب ~~الاستئذان تأويل حديث أبى سعيد مع الحديث العارض إن شاء الله . قال الطبرى ~~: فيه البيان عن أن لإمام المسلمين إذا حاصر العدو ، فسألوهم أن ينزلوهم ~~على حكم رجل من المسلمين ، مرضية أمانته على الإسلام وأهله ، موثوق بعقله ~~ودينه أن يجيبهم إلى ذلك ، وإن كان الرجل غائبا عن الجيش ؛ لأن سعدا لم ~~يشهد حصار رسول الله لبنى قريظة ، حين سألوا النبى - صلى الله عليه وسلم - ~~أن ينزلوا على حكمه ، وكان بالمدينة يعالج كلمه الذى كلمه بالخندق ، فأرسل ~~فيه النبى - صلى الله عليه وسلم - حتى حكم فيهم ، فإن وافق حكمه حكم الله ~~ورسوله أمضى ، وإن خالف ذلك رد حكمه . وقيل للنازلين على حكمه : إن رضيتم ~~حكم غيره يحكم فيكم بحكم يجوز فى ديننا أمضينا حكمه ، وإن كرهتم ذلك ~~رددناكم إلى حصنكم ، والحكم الذى لا يجوز لأحد الفريقين الرجوع عنه هو أن ~~يحكم بقتلهم ، وسبى ذراريهم ونسائهم ، وقسم أموالهم ، إن كان ذلك هو النظر ~~المسلمين ، وإن حكم باسترقاق مقاتلتهم ، أو المن عليهم ، ووضع الخراج على ~~رءوسهم فجائز بعد أن يكون نظرا للمسلمين . وأما الحكم الذى يرد ولا يمضى : ~~فهو أن يحكم أنهم يقروا فى أرض المسلمين كفار بغير خراج يؤدونه إلى الإمام ~~ولا جزية ؛ لأنه غير جائز أن يقيم كافر فى أرض الإسلام سنة بغير جزية ~~يؤديها عن رقبته ، وإن سألوهم أن ينزلهم على حكم الله أو يحكم فيهم بحكم ~~الله ؛ فإنه لا ينبغى أن يجيبهم إلى ذلك لصحة الخبر الذى رواه ms1653 سفيان عن ~~علقمة PageV05P202 ابن مرثد ، عن سليمان بن بريدة ، عن أبيه قال : ( كان - ~~صلى الله عليه وسلم - إذا بعث أميرا على جيش وصاه بتقوى الله ومن معه من ~~المسلمين خيرا وقال : اغزوا بسم الله فى سبيل الله قاتلوا من كفر إلى قوله ~~وإن قاتلت أهل حصن فأرادوا أن تجعل لهم ذمة الله وذمة نبيه ، فلا تجعل لهم ~~ذمة الله وذمة رسوله ، واجعل لهم ذمتك وذمة أصحابك ؛ خير أن تخفر ذمة الله ~~وذمة رسوله ، وإذا حاصرت أهل حصن فأرادوا أن تنزلهم على حكم الله فلا ~~تنزلهم على حكم الله ، ولكن أنزلهم على حكمك ؛ فإنك لا تعلم أصبت حكم الله ~~فيهم أم لا ) . فإن قيل : كيف جاز للإمام أن ينزلهم على حكم رجل ، مرضى ~~دينه لا يتجاوز فيهم حكم الله وحكم رسوله ، ثم إنه يقول : لا يجوز للإمام ~~أن يجيبهم إذا سألوه أن ينزلهم على حكم الله وحكم رسوله ، وهذان قولان يفسد ~~أحدهما صاحبه . قيل له : ليس كما توهمت ، فأما كراهيتها للإمام أن يجيب من ~~سأله النزول على حكم الله وحكم رسوله الذى هو الحق عنده ، فإن ذلك لا يعلمه ~~إلا علام الغيوب ، وإنما يحكمون إذا كانوا أهل دين وأمانة بأصلح ما حضرهم ~~فى الوقت ، ولا سبيل إلى الحكم بعلم الله ، فهذا معنى نهيه - صلى الله عليه ~~وسلم - . وإن هم حكموا على حكم رجل من المسلمين ثم بدا لهم فى الرضا بحكمه ~~قبل أن يحكم بينهم ، وسألوا الإمام غيره ممن هو رضا ، فللإمام أن يجيبهم ~~إلى ذلك ، وذلك أن رسول الله ذكر عنه أن بنى قريظة كانوا نزلوا على حكمه ، ~~ثم سألوه أن يجعل الحكم لسعد ابن معاذ ، فأجابهم إلى ذلك ، فأما إذا حكم ~~بينهم الذى نزلوا على حكمه إذا لم يخالف حكمه ما يجوز فى ديننا . ~~PageV05P203 وفيه أن الإمام إذا ظهر من قوم من أهل الحرب الذى بينه وبينهم ~~مواعدة وهدنة على خيانة وغدر أن ينبذ إليهم على سواء وأن يحاربهم ، وذلك أن ~~قريظة كانوا أهل مواعدة للنبى قبل الخندق . فلما ms1654 كان يوم الأحزاب ظاهروا ~~قريشا وأبا سفيان على رسول الله وراسلوهم : إنا معكم ، وأثبتوا مكانكم . ~~فأحل الله بذلك من فعلهم قتالهم ومنابذتهم على سواء ، وفيهم نزلت هذه الآية ~~: { وإما تخافن من قوم خيانة } الآية . فحاصرهم رسول الله والمسلمون معه ، ~~حتى نزلوا على حكم سعد . قال المهلب : وفيه أن الإنسان قد يوافق برأيه ما ~~فى حكم الله ولا يعلم ذلك إلا على لسان نبى كما قال النبى لسعد . # | 153 باب : قتل الأسير وقتل الصبر # 1865 / فيه : أنس ، أن النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، دخل عام الفتح ، ~~وعلى رأسه المغفر ، فلما نزعه ، جاءه رجل ، فقال : إن ابن خطل ، متعلق ~~بأستار الكعبة ، فقال : ( اقتلوه ) . قد تقدم القول فى قتل الأسرى ، وأن ~~الإمام مخير بين القتل والمن ، وكذلك فعل الرسول يوم فتح مكة ؛ قتل ابن خطل ~~ومقيس بن صبابة والقينتين ومن على الباقين . وفيه أن للإمام أن يقتل صبرا ~~من حاد الله ورسوله وكان فى قتله صلاحا للمسلمين ، كما قتل يوم بدر عقبة بن ~~أبى معيط ، قام إليه على بن أبى طالب فقتله صبرا . فقال : من للصبية يا ~~محمد ؟ قال النار . وقتل النضر بن الحارث ، وكذلك فعل سعد بن معاذ فى بنى ~~PageV05P204 قريظة ، وهذا الحديث حجة لقول جمهور العلماء أن مكة فتحت عنوة ~~، وقد تقدم ذلك فى كتاب الحج . ومن الآثار الدالة على ذلك ما ذكره أبو عبيد ~~قال : حدثنا أبو النضر ، عن سليمان بن المغيرة ، حدثنا ثابت البنانى ، عن ~~عبد الله بن رباح ، عن أبى هريرة أنه حدث بفتح مكة قال : ( ثم أقبل رسول ~~الله حين قدم مكة ، فبعث الزبير على إحدى المجنبتين ، وبعث خالد ابن الوليد ~~على المجنبة الأخرى ، وبعث أبا عبيدة بن الجراح على الحسر ، وأخذوا بطن ~~الوادى ، فأمرنى رسول الله ، فناديت بالأنصار فلما طافت به قال : أترون ~~أوباش قريش وأتباعهم ؟ ثم قال : بيده إحداهما على الأخرى - : احصدوهم حصدا ~~، حتى توافونى بالصفا . قال أبو هريرة : فانطلقنا فما يشاء أحد منا أن يقتل ~~منهم من شاء إلا قتله . فجاء أبو سفيان بن ms1655 حرب فقال : يا رسول الله ، أبيحت ~~خضراء قريش ، فلا قريش بعد اليوم . فقال رسول الله : من أغلق بابه فهو آمن ~~، ومن دخل دار أبى سفيان فهو آمن ) . قال أبو عبيد : حدثنا هشيم ، عن حصين ~~بن عبد الرحمن ، عن عبيد الله بن عبد الله ابن عتبة ، قال : قال رسول اله ~~يوم فتح مكة : ( ألا لا يجهزن على جريح ، ولا يتبع مدبر ، ولا يقتلن أسير ، ~~ومن أغلق بابه فهو آمن ) . وهذا بين فى دخولها عنوة ، ومن خالف ذلك ، واعتل ~~بأن الرسول لم يحكم فيها بحكم العنوة من الغنم لها ، واسترقاق أهلها ، فلم ~~تكن عنوة ، فقد علم من تخصيص مكة ، ومباينتها فى أحكامها لسائر البلاد ، ما ~~فيه مقنع من أنها حرام ، وأنها مناخ من سبق فلا تباع رباعها ، ولا تكرى ~~بيوتها ، ولا تحل لقطتها ، ولا تحل غنائمها ، فليست تشبه مكة شيئا من ~~البلاد PageV05P205 . # | 154 - باب : هل يستأسر الرجل ومن لم يستأسر ومن ركع ركعتين عند القتل # 1866 / فيه : أبو هريرة ، بعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عشرة رهط ~~سرية عينا ، وأمر عليهم عاصم بن ثابت الأنصارى ؛ جد عاصم بن عمر بن الخطاب ~~، فانطلقوا حتى إذا كانوا بالهدأة ، وهو بين عسفان ومكة ، ذكروا لحى من ~~هذيل ، يقال لهم : بنو لحيان ، فنفروا لهم قريبا من مائتى رجل كلهم رام ، ~~فاقتصوا آثارهم حتى وجدوا مأكلهم تمرا تزودوه من المدينة ، فقالوا : هذا ~~تمر يثرب ، فاقتصوا آثارهم ، فلما رآهم عاصم وأصحابه ، لجئوا إلى فدفد ، ~~وأحاط بهم القوم ، فقالوا لهم : انزلوا ، وأعطوا بأيديكم ، ولكم العهد ~~والميثاق ، ولا نقتل منكم أحدا ، قال عاصم أمير السرية : أما أنا فوالله لا ~~أنزل اليوم فى ذمة كافر ، اللهم أخبر عنا نبيك ، فرموهم بالنبل ، فقتلوا ~~عاصما فى سبعة ، فنزل إليهم ثلاثة رهط بالعهد والميثاق منهم خبيب الأنصارى ~~وابن دثنة ورجل آخر ، فلما استمكنوا منهم أطلقوا أوتار قسيهم ، فأوثقوهم ، ~~فقال الرجل الثالث : هذا أول الغدر ، والله لا أصحبكم إن [ لى ] فى هؤلاء ~~لأسوة يريد القتلى ، فجرروه وعالجوه على أن يصحبهم ، فأبى ، فقتلوه ، ~~فانطلقوا بخبيب ms1656 وابن دثنة حتى باعوهما بمكة بعد وقعة بدر ، فابتاع خبيبا ~~بنو الحارث بن عامر بن نوفل بن عبد مناف ، وكان خبيب هو قتل الحارث بن عامر ~~يوم بدر ، فلبث خبيب عندهم أسيرا ، فقالت ابنة الحارث أنه استعار منها موسى ~~يستحد بها ، فأعارته ، فأخذ ابنا لى ، وأنا غافلة حين أتاه ، قالت : فوجدته ~~يجلسه على فخذه ، والموسى بيده ، ففزعت فزعة عرفها خبيب فى وجهى ، فقال : ~~تخشين أن أقتله ما كنت لأفعل ذلك ، والله ما رأيت أسيرا قط خيرا من خبيب ، ~~والله لقد وجدته يوما يأكل من قطف عنب فى يده ، وإنه لموثق فى الحديد ، وما ~~بمكة من ثمر ، وكانت تقول : إنه لرزق من الله رزقه خبيبا ، فلما خرجوا من ~~الحرم ليقتلوه فى الحل ، قال لهم خبيب : ذرونى PageV05P206 أركع ركعتين ، ~~فتركوه فركع ركعتين ، ثم قال : لولا أن تظنوا أن ما بى جزع لأصلتها ، اللهم ~~أحصهم عددا : ما أبالى حين أقتل مسلما وذلك فى ذات الإله وإن يشأ على أى شق ~~كان لله مصرعي يبارك على أوصال شلو ممزع فقتله ابن الحارث ، وكان خبيب هو ~~سن الركعتين لكل امرئ مسلم قتل صبرا ، فاستجاب الله لعاصم يوم أصيب ، فأخبر ~~الرسول أصحابه خبرهم ، وما أصيبوا ، وبعث ناس من كفار قريش إلى عاصم حين ~~حدثوا أنه قتل ليؤتوا بشيء منه يعرف ، وكان قد قتل رجلا من عظمائهم يوم بدر ~~، فبعث الله على عاصم مثل الظلة من الدبر ، فحمته من رسولهم ، فلم يقدروا ~~على أن يقطع من لحمه شيئا . قال المهلب : فيه أنه جائز أن يستأنس الرجل إذا ~~أراد أن يأخذ برخصة الله فى إحياء نفسه ، كما فعل خبيب ، وصاحباه . وقال ~~الحسن البصرى : لا بأس أن يستأنس الرجل إذا خاف أن يغلب . وقال الأوزاعى : ~~لا بأس للأسير بالشدة والإبائة من الأسر والأنفة من أن يجرى ملك كافر كما ~~فعل عاصم وأحد صاحبى خبيب ، حتى أبى من السير معهم ، حتى قتلوه . وقال ~~الثورى : أكره للأسير المسلم أن يمكن من نفسه إلا مجبورا . وفيه استنان ~~الركعتين لكل من قتل صبرا ms1657 . وفيه استنان الاستحداد لمن أسر ، ولمن يقتل ، ~~والتنظيف لمن PageV05P207 [ . . . . . ] بعد القتل لئلا يطلع منه على قبح ~~عورة ، وفيه : أداء الأمانة إلى المشرك وغيره ، وفيه : التورع من قتل أطفال ~~المشركين رجاء أن يكونوا مؤمنين . وفيه : الامتداح بالشعر فى حين ينزل ~~بالمرء هوان فى دين أو ذلة ليسلى بذلك نفسه ، ويرغم بذلك أنف عدوه ، ويجدد ~~فى نفسه صبرا وأنفة . وأما قول جويرية : رأيت فى يده قطف عنب ، وما بمكة من ~~ثمرة ، فهذا ممكن أن يكون آية لله تعالى على الكفار ، وبرهانا لنبيه ، ~~وتصحيحا لرسالته عند الكافرة وأهل بلدها الكفار من أجل ما كانوا عليه من ~~تكذيب الرسول . فأما من يذكر اليوم مثل هذا بين ظهرانى المسلمين فليس لذلك ~~وجه ؛ إذ المسلمون كلهم قد دخلوا فى دين الله أفواجا ، وآمنوا بمحمد ، ~~وأيقنوا به ، فأى معنى لإظهار آية عندهم ، وعلى ما يستشهد بها فيهم ؛ لأنه ~~قد يشك المرتاب ومن فى قلبه غرارة وجهل . يقول : إذا جاز ظهور هذه الآيات ~~من غير نبى ، فكيف يصدقها من نبى وغيره يأتى بها ، فلو لم يكن فى هذا إلا ~~رفع هذا الريب عن قلوب أهل التقصير والغرارة والجهل لكان قطع الذريعة واجبا ~~، والمنع منها لازما لهذه العلة ، فكيف ولا معنى لها فى الإسلام بعد تأصله ~~، وعند أهل الإيمان بعد تمكنه ، إلا أن يكون من ذلك ما لا يخرق عادة ، ولا ~~يقلب عينا ، ولا يخرج عن معقول البشر ، مثل أن يكرم الله عبدا بإجابة دعوة ~~من حينه فى أمر عسير وسبب ممتنع ، ودفع بأس نازل وشنعة قد أظلت فيصرفها ~~بلطفه عن وليه ، فهذا ومثله مما يظهر فيه فضل PageV05P208 الفاضل وكرامة ~~الولى عند ربه ، وقد أخبرنى أبو عمران الفقيه الحافظ بالقيروان أنه وقف أبا ~~بكر بن الطيب الباقلانى على تجويزه لهذه المعجزات ، فقال له : أرأيت إن ~~قالت لنا المعتزلة : إن برهاننا على تصحيح مذهبنا ، وما ندعيه من المسائل ~~المخالفة لكم ظهور هذه الآية على يدى رجل صالح منا . قال أبو عمران : فأطرق ~~عنى ومطلنى بالجواب ، ثم اقتضيته فى مجلس آخر ms1658 ، فقال لى : كل ما أعترض من ~~هذه الأشياء شيئا من الدين أو السنن أو ما عليه صحيح العلم ، فلا يقبل أصلا ~~على أى طريق جاء . فهذا آخر ما رجع إليه ابن الطيب . أما حماية الله عاصما ~~( من الدبر ) فلئلا ينتهك حرمته عدوه ، فهذه الكرامة التى تجوز ، ومثل ذلك ~~غير منكر ؛ لأن الله حماه على طريق العادة ، ولم يكن قلب عين ولا خرق عادة ~~، فهذا ومثله جائز وفيه علامة من علامات النبوة بإجابة دعوة عاصم بأن أخبر ~~الله نبيه - صلى الله عليه وسلم - بالخبر قبل بلوغه على ألسنة المخلوقين . ~~والدبر جماعة النحل لا واحد لها ، وكذلك الثوم والخشرم لا واحد لشيء منها ، ~~كما يقال لجماعة الجراد : رجل . ولجماعة النعام : خيط ، ولجماعة الظباء : ~~إجل ، وليس لشيء من ذلك واحد . PageV05P209 # | 155 - باب : فكاك الأسير # 1867 / فيه : أبو موسى ، قال - صلى الله عليه وسلم - : ( فكوا العانى ، ~~يعنى الأسير ، وأطعموا الجائع وعودوا المريض ) . 1868 / وفيه : أبو جحيفة ، ~~قلت لعلى : هل عندكم شىء من الوحى إلا ما فى كتاب الله ؟ قال : لا ، والذى ~~فلق الحبة ، وبرأ النسمة ، ما أعلمه إلا فهما يعطيه الله رجلا فى القرآن ، ~~وما فى هذه الصحيفة ، قلت : [ وما فى الصحيفة ؟ ] قال : العقل ، وفكاك ~~الأسير ، وأن لا يقتل مسلم بكافر . فكاك الأسير فرض على الكفاية ؛ لقوله - ~~صلى الله عليه وسلم - : فكوا العاني . وعلى هذا كافة العلماء ؛ وقد روى عن ~~عمر بن الخطاب أنه قال : فكاك كل أسير من أسرى المسلمين من بيت المال . وبه ~~قال إسحاق ، وروى عن ابن الزبير أنه سأل الحسن بن على عن فكاك الأسير ، قال ~~: على الأرض التى يقاتل عليها . وروى أشهب وابن نافع عن مالك أنه سئل : ~~أواجب على السلمين افتداء من أسر منهم ؟ قال : نعم ، أليس واجب عليهم أن ~~يقاتلوا حتى يستنقذهم ، فكيف لا يفدونهم بأموالهم ؟ ! وقال أحمد : يفادون ~~بالرءوس ، وأما بالمال فلا أعرفه ، وقوله - صلى الله عليه وسلم - : فكوا ~~العاني . عموم فى كل ما يفادى به ، فلا معنى لقول أحمد ، وقد قال عمر بن ~~عبد العزيز ms1659 : إذا خرج الذمى بالأسير من المسلمين فلا يحل للمسلمين أن يردوه ~~إلى الكفر ، ليفادوه بما استطاعوا . قال تعالى : { وإن يأتوكم أسارى ~~تفادوهم } . وقوله : ( أطعموا الجائع ) هو فرض على الكفاية أيضا ، ألا ترى ~~رجلا يموت جوعا ، وعندك ما تجيبه به ، بحيث لا يكون فى ذلك الموضع أحد غيرك ~~، الفرض عليك فى إحياء نفسه ، وإمساك رمقه ، وإذا ارتفعت حال الضرورة كان ~~ذلك ندبا ، وسيأتى شيء من هذا المعنى فى كتاب الأطعمة إن شاء الله ~~PageV05P210 وأما قوله : ( وعودوا المريض ) . فهو محمول على الحض والندب ~~إلى التواخى والتآلف ، ويحتمل أن يكون من فرض الكفاية كسائر الحديث . قال ~~المهلب : وأما يمين على أن ما عنده إلا كتاب الله أو فهما يعطيه الله رجلا ~~، فهو دليلا على صحة قول مالك : إن العلم ليس بكثرة الرواية ، وإنما هو نور ~~وفهم يضعه الله فى قلب من يشاء . فمن أنكر هذا على مالك فلينكره على علي . ~~وفيه أن كتاب الله أصل العلم ، وأن الفهم إنما هو عنه ، وعن حديث رسول الله ~~المبين له ، وقوله : والذى فلق الحبة وبرأ النسمة ، هو من أيمان العرب . ~~قال أبو عبيد : فلق الحبة : شقها فى الأرض حتى نبتت ثم أثمرت فكان منها حب ~~كثير ، وكل شيء شققته باثنين فقد فلقته ، ومنه قوله : { فالق الحب والنوى } ~~والنسمة : كل ذات نفس فهى نسمة ، وسميت نسمة لتنسمها الهواء ، وبرأ الله ~~الخلق برءا : خلقهم . * * * # | 156 - باب : فداء المشركين # 1869 / فيه : أنس ، أن رجالا من الأنصار استأذنوا النبى ، - صلى الله ~~عليه وسلم - ، فقالوا : يا رسول الله ، ائذن لنا فلنترك لابن أختنا العباس ~~فداءه ، فقال : ( لا تدعون منها درهما ) . وقال أنس ، أتى - صلى الله عليه ~~وسلم - بمال من البحرين ، فجاءه العباس ، فقال : يا رسول الله ، أعطنى ، ~~فإنى فاديت نفسى ، وفاديت عقيلا ، فقال : ( خذ ) ، فأعطاه فى ثوبه . 1870 / ~~وفيه : جبير بن مطعم ، وكان جاء فى أسارى بدر ، قال : سمعت النبى ؛ - صلى ~~الله عليه وسلم - ، يقرأ فى المغرب : والطور . PageV05P211 قال المهلب : ~~أسر العباس يوم بدر ، وكان غنيا ففدى نفسه من القتل ، وفدى ms1660 عقيلا بمال ، ثم ~~بقى على حاله بمكة إلى زمن خيبر ، وقيل : إنه أسلم سنة ثمان قبل الفتح ، ~~وإنما سأل الأنصار الذين أسروا العباس أن يتركوا فداءه بمكان عمومه من ~~النبى - صلى الله عليه وسلم - إكراما للنبى بذلك ، فأبى - صلى الله عليه ~~وسلم - من ذلك ، وأراد توهين المشركين بالغرم ، وأن تضعف قوتهم بأخذ المال ~~منهم . وقيل : إنه كان يداين فى ذلك العباس ، وبقى عليه الدين إلى وقت ~~إسلامه ، ولذلك قال للنبى : أعطنى ؛ فإنى فاديت نفسى وفاديت عقيلا ، فغرم ~~النبى - صلى الله عليه وسلم - ما تحمله العباس من ذلك بعد إسلامه مما أفاء ~~الله على رسوله ، والترجمة صحيحة فى جواز مفاداة المشركين من أيدى المسلمين ~~، وأن ذلك مباح بعد الإثخان ، ومفاداة العباس لنفسه ولعقيل كان قبل الإثخان ~~، فعاتب الله نبيه على ذلك فلا تجوز المفاداة إلا بعد الإثخان ، وقلة قوة ~~المشركين على المسلمين ، أو لوجه من وجوه الصلاح يراه الإمام للمسلمين فى ~~ذلك . وكذلك حديث جبير بن مطعم فيه جواز فداء الأسرى المشركين ؛ لأن جبيرا ~~جاء فى فداء أسارى بنى نوفل رهطه ، فأطلقوا له بالفداء ، وكان ذلك قبل ~~الإثخان أيضا ، وقد تقدم اختلاف العلماء فى فداء الأسرى أو المن عليهم أو ~~قتلهم فى باب { فإما منا بعد وإما فداء } . وقال أبو عبد الله بن أبى صفرة ~~: لم يأذن الرسول للأنصار فى أسرى بدر لكفرهم ، وشدة وطأتهم ، ألا ترى أنه ~~عوتب فى الفداء حتى يثخن فى الأرض ، فكيف يأذن فى [ . . . . ] حتى يثخن ~~أدبا لهم ، وإن كانت الأنصار قد طابت أنفسها ، وشفع لأهل هوازن PageV05P212 ~~للرضاع الذى كان له فيهم ، كما من على أهل مكة بإسلامهم وتركه مكة بما فيها ~~من جميع الأموال للرحم . * * * # | 157 باب : الحربى إذا دخل دار الإسلام بغير أمان # 1871 / فيه : سلمة ، أتى النبى ؛ - صلى الله عليه وسلم - ، عين من ~~المشركين ، وهو فى سفر ، فجلس عند أصحابه يتحدث ، ثم انفتل ، فقال - صلى ~~الله عليه وسلم - : ( اطلبوه فاقتلوه ) ، فقتله ، فنفله سلبه . قال المهلب ~~: هذا الحديث أصل أن الجاسوس الحربى يقتل ، وعلى هذا ms1661 جماعة العلماء ، ~~واختلفوا فى الحربى يدخل دار الإسلام بغير أمان ، فقال مالك : هو فيء لجميع ~~المسلمين . وهو قول أبى حنيفة ، وأبى يوسف ، وقال محمد : هو لمن وجده . ~~وقال الشافعى : هو فيء إلا أن يسلم قبل أن يظفروا به . قال المؤلف : وظاهر ~~الحديث يدل أنه لمن وجده ؛ لأن نبى الله إنما أعطى سلبه لسلمة ابن الأكوع ~~وحده ؛ لأنه كان قتله . قال غيره : ومن قال : إنه فيء فلأنه مما لم يوجف ~~عليه بخيل ولا ركاب ، من باب الغنائم إلى باب الفيء ، والفيء للإمام أن ~~يصنع فيه ما شاء حيث شاء ، ومن قال : هو لمن وجده حكم له بحكم الغنائم أنها ~~لمن أخذها بعد الخمس . قال الطحاوى : القياس أن يكون لمن وجده ، وفيه الخمس ~~؛ لأنه لم يؤخذ بقوة من المسلمين ، واختلفوا فى الحربى يدخل دار الإسلام ، ~~ويقول : جئت مستأمنا ، فقال مالك : الإمام مخير فى ذلك بما يراه فيه . وهو ~~قول الأوزاعي . وقال أبو حنيفة : هو فيء . وروى ابن وهب عن مالك فى مركب ~~تطرحه الريح إلى ساحل بحر المسلمين ، PageV05P213 فيقولون : نحن تجار ، ~~أنهم فيء ولا يخمسون ، واحتج الشافعى بحديث سلمة بن الأكوع فى أن السلب من ~~رأس الغنيمة لا من الخمس . قال ابن القصار : وسلمة إنما كان مستحقا لكل ~~الغنيمة لا الخمس منها ؛ لأنه لم يكن من جملة عسكر ، وإنها ابتعه وحده فله ~~ما أخذ من الخمس ، فترك الرسول له الخمس زيادة على الأربعة الأخماس التى له ~~، وهذا يجوز عندنا ، كما لو رأى ( الخط فى دار الخمس ) فى وقت من الأوقات ~~على الغانمين لفعل ؛ لأن الخمس إليه يصرفه على ما يؤدى إليه اجتهاده ، فلا ~~دليل لهم فى الحديث . * * * # | 158 باب : يقاتل عن أهل الذمة ولا يسترقون # 1872 / فيه : عمر ، قال : وأوصيه بذمة الله ، وذمة رسوله - صلى الله عليه ~~وسلم - أن يوفى لهم بعهدهم ، وأن يقاتل من ورائهم ، ولا يكلفوا إلا طاقتهم ~~. لا خلاف بين العلماء فى القول بهذا الحديث ؛ لأنهم إنما بذلوا الجزية على ~~أن يأمنوا فى أنفسهم وأموالهم وأهليهم . * * * # | 159 باب : جوائز ms1662 الوفود # 1873 / فيه : ابن عباس ، أنه قال : يوم الخميس ، وما يوم الخميس ؟ ثم بكى ~~، فقال : اشتد برسول الله - صلى الله عليه وسلم - وجعه يوم الخميس ، فقال : ~~( ائتونى بكتاب أكتب لكم كتابا لن تضلوا بعده أبدا ) ، فتنازعوا ، ولا ~~ينبغى عند نبى تنازع ، فقالوا : هجر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، ~~فقال : ( دعونى ، الذى أنا فيه خير مما تدعونى إليه ) ، وأوصى عند موته ~~بثلاثة : ( أخرجوا المشركين من جزيرة العرب ، وأجيزوا PageV05P214 الوفود ~~بنحو ما كنت أجيزهم ) ، ونسيت الثالثة . قال المغيرة بن عبدالرحمن : جزيرة ~~العرب مكة والمدينة واليمامة واليمن . قال يعقوب بن محمد : والعرج أول ~~تهامة . قال المهلب : فيه سنة إجازة الوفد ، وهو من باب الاستئلاف . قال ~~غيره : هذا عام فى جميع الوفود الواردين على الخليفة من الروم كانوا أو من ~~المسلمين ؛ لأنهم وإن كانوا من الروم فإنهم لا يأتون إلا بأمر فيه منفعة ~~وصلاح للمسلمين ، فلذلك أمر - صلى الله عليه وسلم - بالوصاة بإجازتهم . ~~وأيضا فإنهم ضيف ، وقد قال - صلى الله عليه وسلم - فى الضيف : جائزته يوم ~~وليلة . ولم يخص فهو عام . قال المهلب : وأما الثالثة التى نسيها المحدث ~~فهى : إنفاذ جيش أسامة ، وكان المسلمون اختلفوا فى ذلك على أبى بكر ، ~~فأعلمهم أن النبى - صلى الله عليه وسلم - عهد بذلك عند موته . وفيه دليل أن ~~الوصية المدعاة لعلى باطل ؛ لأنه لو كان وصيا كما زعموا لعلم قصة جيش أسامة ~~كما علم ذلك أبو بكر ، وما جهله ، وقوله : هجر رسول الله ، قال ابن دريد : ~~يقال : هجر الرجل فى المنطق إذا تكلم بما لا معنى له ، وأهجر إذا أفحش . # | 160 - باب : التجمل للوفود # 1874 / فيه : ابن عمر ، وجد عمر حلة إستبرق تباع فى السوق ، فقال : يا ~~رسول الله ، ابتع هذه الحلة ، فتجمل بها للوفود والعيد ، فقال رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - : PageV05P215 ( إنما هذه لباس من لا خلاق له ) ، ~~فلبث ما شاء الله ، ثم أرسل إليه النبى - صلى الله عليه وسلم - بجبة ديباج ~~، فأقبل بها عمر إلى النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، فقال : يا رسول الله ms1663 ~~، قلت : إنما هذه لباس من لا خلاق له ، ثم أرسلت إلى بهذه ، فقال : ( ~~تبيعها ، أو تصيب بها بعض حاجتك ) . فيه أن من السنة المعروفة التجمل للوفد ~~والعيد بحسن الثياب ؛ لأن فى ذلك جمالا للإسلام وأهله ، وإرهابا على العدو ~~، وتعظيما للمسلمين . وقول عمر : ( تجمل بها للوفد ) يدل أن ذلك من عادتهم ~~وفعلهم . وقال الأبهرى : إنما نهى النبى - صلى الله عليه وسلم - عن الحرير ~~والذهب للرجال ؛ لأنه من زى النساء وفعلهم . وقد نهى - صلى الله عليه وسلم ~~- أن يتشبه الرجال بالنساء . وقيل : إنما نهى عن ذلك ؛ لأنه من باب السرف ~~والخيلاء ، وقد جوز لباسه فى الحرب للترهيب على العدو ، وقد تقدم اختلافهم ~~فى ذلك ، وسيأتى ما للعلماء فى ذلك فى كتاب اللباس . وفى قول عمر للنبى - ~~صلى الله عليه وسلم - - : ( أكسوتنيها يا رسول الله ، وقد قلت فى حلة عطارد ~~ما قلت ) أنه ينبغى السؤال عما يشكل ، وفى حديث النبى أنه كساها له لغير ~~اللباس ، فيه من الفقه أنه لا بأس بالتجارة والانتفاع بما لا يجوز لبسه . * ~~* * # | 161 - باب : كيف يعرض الإسلام على الصبى # 1875 / وذكر حديث ابن عمر ، أن الرسول أقبل فى رهط قبل ابن صياد ، حتى ~~وجدوه يلعب مع الغلمان . . . . وذكر الحديث . وقد تقدم هذا الباب فى ( كتاب ~~الجنائز ) فأغنى عن إعادته . PageV05P216 # | 162 - باب : إذا أسلم قوم فى دار الحرب ولهم مال وأرضون فهى لهم # 1876 / فيه : أسامة ، قلت : يا رسول الله ، أين تنزل غدا - فى حجته ؟ - ~~قال : ( وهل ترك عقيل لنا منزلا ) ؟ ثم قال : ( نحن نازلون غدا بخيف بنى ~~كنانة المحصب حيث قاسمت قريش على الكفر ) ، وذلك أن بنى كنانة حالفت قريشا ~~على بنى هاشم : أن لا يبايعوهم ولا يؤووهم . قال الزهرى : والخيف : الوادى ~~. 1877 / فيه : عمر ، أنه استعمل مولى يدعى هنيا ، على الحمى ، فقال : يا ~~هنى ، اضمم جناحك عن المسلمين ، واتق دعوة المظلوم ، فإن دعوة المظلوم ~~مستجابة ، وأدخل رب الصريمة والغنيمة ، وإياى ونعم ابن عوف ، ونعم ابن عفان ~~، فإنهما إن تهلك ماشيتهما يرجعا إلى نخل وزرع ، وإن رب الصريمة ms1664 والغنيمة ~~إن تهلك ماشيتهما يأتنى ببنيه ، فيقول : يا أمير المؤمنين ، أفتاركهم أنا ~~لا أبا لك ؟ فالماء والكلأ أيسر على من الذهب والورق ، وايم الله إنهم ~~ليرون أنى قد ظلمتهم إنها لبلادهم ، فقاتلوا عليها فى الجاهلية ، وأسلموا ~~عليها فى الإسلام ، والذى نفسى بيده لولا المال الذى أحمل عليه فى سبيل ~~الله ما حميت عليهم من بلادهم شبرا . قال أبو عبد الله بن أبى صفرة : لما ~~أسلم أهل مكة عام الفتح من عليهم النبى - صلى الله عليه وسلم - وترك لهم ~~أموالهم ودماءهم ، ولم ينزل فى شيء منها لمنه عليهم بها ، ونزل فى الوادى ، ~~وكذلك كان يفعل بهوازن لو بدرت بإسلامها ، فلما استأنت قسم النبى - صلى ~~الله عليه وسلم - الغنيمة بين أصحابه ، فلما جاءوا بعد القسمة خيرهم فى ~~إحدى الطائفتين : المال أو السبى ، فقضى به رسول الله PageV05P217 لهم ، ~~واستطاب أنفس أصحابه ، وقال : من لم تطب نفسه فليبق إلى أول مغنم يفيئه ~~الله علينا ، وقضى لأهل مكة بأموالهم ، ولم يستطب نفوس أصحابه ؛ لأنه مال ~~الله على اجتهاده ، لا شيء للغانمين فيه إلا أن يقسمه لهم لقوله : { وما ~~آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا } فآتاهم الرسول بهذه الآية أرض ~~خيبر فقسمها بينهم ، ونهاهم فى مكة فانتهوا ، ونهاهم عمر عن الأرض المغنومة ~~بالشام والعراق بهذه الآية فلم يقسمها لهم . قال المهلب : وإنما أدخل هنى ~~تحت هذه الترجمة ؛ لأن أهل المدينة أسلموا عفوا فكانت لهم أموالهم ؛ ألا ~~ترى أنه ساوم بمكان المسجد بنى النجار وقال : ( ثامنونى بحائطكم ) فأوجبه ~~لهم . وكذلك قال عمر : إنها لأرضهم قاتلوا عليها فى الجاهلية ، وأسلموا ~~عليها فى الإسلام . فأوجبها لهم ، وهذا كله يشهد لهذه الترجمة أن من أسلم ~~فى أرض الحرب فأرضه له ما لم يغلب عليها . وسئل مالك عن إمام قبل الجزية من ~~قوم فأسلم منهم أحد ، أتكون أرضه له وماله ؟ فقال مالك : ذلك يختلف ، أما ~~الصلح فمن أسلم منهم فهو أحق بأرضه وماله ، وأما أهل العنوة فمن أسلم منهم ~~فماله وأرضه فيء للمسلمين ؛ لأن أهل العنوة قد غلبوا على بلادهم ms1665 فهى فيء ~~لمن من عليهم ، وأما أهل الصلح فإنهم قوم منعوا أنفسهم وأموالهم حتى صالحوا ~~عليها فليس عليهم إلا ما صولحوا عليه . وقول مالك فى هذا إجماع من العلماء ~~. واختلفوا إذا أسلم فى دار الحرب ، وبقى فيها ماله وولده ، ثم خرج إلينا ~~مسلما ، وغزا مع المسلمين بلده . PageV05P218 فقال الشافعى وأشهب وسحنون ~~أنه قد أحرز ماله وعقاره حيث كان وولده الصغار ؛ لأنهم تبع لأبيهم فى ~~الإسلام ، وحجتهم أنه إذا أسلم كان ماله حيث كان من دار الحرب أو غيرها على ~~ملكه ، فإذا غنمت دار الحرب كان حكم ماله كحكم مال المسلمين ولم تزل ~~الغنيمة ملكه عنه . وقال مالك والليث : أهله وماله وولده فيء على حكم البلد ~~كما كانت دار النبى - صلى الله عليه وسلم - على حكم البلد وملكهم ولم ير ~~نفسه - صلى الله عليه وسلم - أحق بها . وفرق أبو حنيفة بين حكمها إذا أسلم ~~فى بلده ، ثم خرج إلينا ؛ فأولاده الصغار أحرار مسلمون وما أودعه مسلما أو ~~ذميا فهو له ، وما أودعه حربيا فهو وسائر عقاره هنالك فيء . وإذا أسلم فى ~~بلد الإسلام ثم ظهر المسلمون على بلده فكل ماله فيه فيء لاختلاف حكم ~~الدارين عندهم . ولم يفرق مالك ولا الشافعى بين إسلامه فى داره أو فى دار ~~الإسلام . قال المهلب : وفيه أن للإمام أن يحمى أراضى الناس المبورة لغنم ~~الصدقة ومنفعة تشمل المسلمين ، كما حمى عمر هذا الحمى لإبل الصدقة وغنمها ، ~~وهو الحمى الذى زاد فيه عثمان فأنكر عليه ، وليس لأحد أن ينكر هذا على ~~عثمان ؛ لأنه لما رأى عمر فعل ذلك جاز لعثمان أن يحمى أكثر إذا احتاج إليه ~~لكثرة الصدقة فى أيامه . وقوله : ( اضمم جناحك عن الناس ) أى : لا تشد على ~~كل الناس فى الحمى ؛ فإن ضعفاء الناس القليلى الغنم والإبل الذى لا تنتهك ~~PageV05P219 ماشيته الحمى إن حميته عنه كان ظلما ، فاتق دعوته ؛ فإنها لا ~~تحجب من الله . وقوله : ( وإياى ونعم ابن عوف وابن عفان ) حذره أن يدخل ~~الحمى ؛ فإنها كثيرة ، فإن دخلته أنهكته ، فإن منعت الدخول وهلكت ms1666 كان ~~لأربابها عوض من أموالهم يعيشون فيه ، ومن ليس له غير الصريمة القليلة إن ~~هلكت أتى يستغيث أمير المؤمنين فى الإنفاق عليه وعلى بنيه من بيت المال . ~~وفيه : جواز الحمل على من له مال ببعض المضرة الداخلة عليه فى ماله إذا كان ~~فى ذلك نظر لغيره من الضعفاء . وقوله : ( لولا المال ) يريد الإبل التى ~~يحمل عليها المجاهدون فى سبيل الله من نعم الصدفة التى حمى لها الحمى لترعى ~~فيه مدة أيام النظر فى الحمل عليها . وفيه : دليل على أن مسارح القرى ~~وعوامرها التى ترعى فيها مواشى أهلها من حقوق أهل القرية وأموالهم ، وليس ~~للسلطان منعه إلا أن تفضل منه فضلة . ومعنى قوله - صلى الله عليه وسلم - : ~~( لا حمى إلا لله ولرسوله ) معناه : لا حمى لأحد يخص به نفسه ، وإنما هو ~~لله ورسوله ، أو لمن ورث ذلك عنه - صلى الله عليه وسلم - من [ . . . . ] ~~الشامل للمسلمين وما يحتاجون إلى حمايته . PageV05P220 # | 163 باب : كتابة الإمام الناس # 1878 / فيه : حذيفة ، قال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( اكتبوا لى من ~~تلفظ بالإسلام من الناس ) ، فكتبنا له ألفا وخمس مائة رجل ، فقلنا : نخاف ~~ونحن ألف وخمس مائة ؟ فلقد رأيتنا ابتلينا حتى إن الرجل ليصلى وحده ، وهو ~~خائف . وروى أبو حمزة ، عن الأعمش : ( خمس مائة ) . وقال أبو معاوية : ( ما ~~بين ست مائة إلى سبع مائة ) . 1879 / وفيه : ابن عباس ، جاء رجل إلى النبى ~~، - صلى الله عليه وسلم - ، فقال : يا رسول الله ، إنى كتبت فى غزوة كذا ~~وكذا ، وامرأتى حاجة ، قال : ( ارجع فاحجج مع امرأتك ) . قال المهلب : فيه ~~أن كتابة الإمام الناس سنة من النبى - صلى الله عليه وسلم - عند الحاجة إلى ~~الدفع عن المسلمين ، فيتعين حينئذ فرض الجهاد على كل إنسان يطيق المدافعة ~~إذا نزلت بأهل ذلك البلد مخافة . وفيه : أن وجوب ذلك لا يتعدى المسلمين ، ~~وليس على أهل الذمة بواجب ؛ لأن المسلمين إنما يدافعون عن كلمة التوحيد ، ~~وليس على أهل الذمة بواجب ؛ لأن المسلمين يدافعون عن أموالهم وذراريهم ، ~~ولصيانتها بذلوا لنا الجزية فعلينا حمايتهم والدفع عنهم ms1667 . وفيه : العقوبة ~~على الإعجاب بالكثرة . # | 164 باب : إن الله يؤيد الدين بالرجل الفاجر # 1880 / فيه : أبو هريرة ، وشهدنا مع النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، ~~فقال لرجل ، ممن يدعى الإسلام : ( هذا من أهل النار ) ، فقاتل الرجل قتالا ~~شديدا ، وأصابته PageV05P221 جراحة ، فلم يصبر فقتل نفسه فقال : أشهد أنى ~~رسول الله ، وأمر بلالا ، ينادى فى الناس : ( إنه لا يدخل الجنة إلا نفس ~~مؤمنة ، وإن الله ليؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر ) . قال المهلب : هذا مما ~~أعلمنا النبى - صلى الله عليه وسلم - أنه ممن نفذ علينا الوعيد من الفجار ~~المذنبين ، لا أن كل من قتل نفسه أو غيره يقضى عليه بالنار ولا يعارض هذا ~~الحديث قوله - صلى الله عليه وسلم - : ( إنا لا نستعين بمشرك ) لأن المشرك ~~غير المسلم الفاجر ، وقوله : ( إنا لا نستعين بمشرك ) قد يكون خاصا فى ذلك ~~الوقت ؛ لأنه قد استعان بصفوان بن أمية فى هوازن ، واستعار منه - صلى الله ~~عليه وسلم - مائة درع [ . . . . . ] ، وخرج معه صفوان بن أمية حتى قالت له ~~هوازن : تقاتل مع محمد ولست على دينه ؟ ! فقال : رب من قريش خير من رب من ~~هوازن . وقد غدا معه المنافقون وهو يعلم نفاقهم وكفرهم . وقوله : ( إن الله ~~يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر ) يشتمل على المسلم والكافر ، فيصح أن قوله : ~~( لا نستعين بمشرك ) خاص فى ذلك الوقت ، والله أعلم . وفيه من أعلام النبوة ~~إخباره - صلى الله عليه وسلم - بالغيب الذى لا يدرك مثله إلا بالوحى . وفيه ~~جواز إعلام الرجل الصالح بفضيلة تكون فيه والجهر بها لتبلغ معانديه من أهل ~~الباطل والقدح فى فضائله ، فيحزنهم ذلك ويعلمون ثباته وشدته على الحق . ~~PageV05P222 # | 165 باب : من تأمر فى الحرب من غير إمرة إذا خاف العدو # 1880 / فيه : أنس ، خطب النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، فقال : ( أخذ ~~الراية زيد فأصيب ، ثم أخذها جعفر فأصيب ، ثم أخذها عبدالله بن رواحة فأصيب ~~، ثم أخذها خالد بن الوليد عن غير إمرة ، ففتح عليه ، وما يسرهم أنهم عندنا ~~) ، وإن عينيه لتذرفان . قال المهلب : فى قوله : ( ثم أخذها خالد بن الوليد ms1668 ~~من غير إمرة ففتح له ) . فيه من الفقه أن من رأى للمسلمين عورة قد بدت أن ~~يتناول سد خللها إذا كان مستطيعا لذلك وعلم من نفسه منة وجزالة وهذا المعنى ~~امتثل على بن أبى طالب فى قيامه عند قتل عثمان بأمر المسلمين بغير شورى ~~بينهم واجتماع لأنه خشى على الناس الضيعة وتفرق الكلمة التى آل أمر الناس ~~أليها وعلم إقرار جميع الناس بفضله وأن أحدا لا ينازعه فيه . قال غيره : ~~وروى البخارى فى المغازى عن ابن عمر قال : أمر رسول الله فى غزوة مؤتة زيد ~~بن حارثة فقال رسول الله : ( إن قتل زيد فجعفر وإن قتل جعفر فعبد الله بن ~~رواحه ) فبان بهذا الحديث أن جعفرا وعبد الله إنما تقدما إلى أخذ الراية ~~بتقديم الرسول لهما وتوليته إياهما . ففى هذا من الفقه أن الإمام يجوز له ~~أن يجعل ولاية العهد بعده لرجل ، ثم يقول : فإن مات قبل موتى فإن الولاية ~~لفلان رجل آخر يستحق ذلك فإن مات المولى أولا فالعقد الثانى ثابت . فإن قيل ~~: كيف يصح ذلك ولا يخلو أن تنعقد ولاية الثانى فى الحال أو لا تنعقد . فإن ~~كانت منعقدة صارت الإمامة ثابتة لإمامين ، وذلك لا يجوز ، وإن لم تنعقد ~~للثانى فى الحال فقد جوزتم ابتداء عقدها على شرط وصفة . قيل : إنما جوزنا ~~استخلاف الاثنين على سبيل الترتيب إذا ترتبا فى PageV05P223 ولاية العهد . ~~ولو قيل : إن عقد الولاية ينعقد لأحدهما لا بعينه وتتعين لمن انعقدت له عند ~~موت الإمام القائد كان سابقا ، ألا ترى أن عمر لم يعين على أحد من الستة فى ~~الشورى ، وانعقدت لأحدهم الولاية من جهته ، وتعين الواحد منهم بعد موته ~~ووقوع الاختيار من بينهم عليه . فإن قيل : إن الولاية تنعقد للأول ، وإن ~~الثانى إنما وقع عليه الاختيار من غير أن تنعقد له ولاية فى الحال لتنعقد ~~فى الثانى ، فيلزم الأمة حينئذ اتباعه باختيار الإمام له ، وإن اختياره لهم ~~أولى من نظر من يولى الاختيار منهم لكافتهم كان له وجه ، يتعلق ذلك ~~بالمصلحة العامة والنظر للكافة ms1669 ، وقد وردت السنة بمثله ، وأجمعت الأمة على ~~استعماله . ولى رسول الله زيد بن حارثة على الجيش الذى جهزه إلى مؤتة ، فإن ~~قتل فأميره جعفر بن أبى طالب بعده ، ثم إمارة عبد الله بن رواحة بعده ، فإن ~~ولى الإمام وليا بعده ، وقال : إن مات بعد إفضاء الخلافة إليه بعدى لا قبل ~~فالإمام بعده فلان انعقدت ولاية الأول وصار إماما عند موت المتخلف ، فكان ~~لولى العهد فى حياته أن يختار غيره لولاية العهد ؛ لأن الحق فى الاختيار ~~حينئذ يصير إليه بإفضاء الإمامة إليه ، قاله بعض أهل العراق . * * * # | 166 باب : العون بالمدد # 1881 / فيه : أنس ، أن النبى ؛ - صلى الله عليه وسلم - ، أتاه رعل وذكوان ~~وعصية وبنو لحيان ، فزعموا أنهم قد أسلموا ، واستمدوه على قومهم ، فأمدهم ~~PageV05P224 - عليه السلام - بسبعين من الأنصار ، كنا نسميهم القراء ، ~~يحتطبون بالنهار ويصلون بالليل ، فانطلقوا بهم حتى بلغوا بئر معونة غدروا ~~بهم فقتلوهم ، فقنت شهرا يدعو عليهم . قال أنس : وقرءوا بهم قرآنا : ألا ~~بلغوا عنا قومنا بأنا قد لقينا ربنا فرضى عنا وأرضانا ، ثم رفع بعد ذلك . ~~قال المهلب : فيه أن السنة مضت من النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، فى أن ~~يمد ثغوره بمدد من عنده ، وجرى بذلك العمل من الأئمة بعده . وفيه : الدعاء ~~فى الصلاة على أهل العصيان والشرك ، وإنما ذلك على قدر جرائمهم . وفيه : ~~أنه قد يجوز النسخ فى الأخبار على صفة ولا تكون كليا ، إما يكون نسخه ترك ~~تلاوته فقط ، كما أن نسخ الأحكام ترك العمل بها ، فربما عوض من المنسوخ من ~~الأحكام حكما غيره ، وربما لم يعوض فى النسخ من الأحكام . منه أمره يعلى ~~بالصدقة عند مناجاة الرسول ، ثم عفى عنا بغير عوض من الشرع بنسخه ، بل ترك ~~العمل به ، وكذلك الأخبار نسخها من القرآن رفع ذكرها ، وترك تلاوتها لآثار ~~تكتب بخبر آخر مضاد لها مثله . مما نسخ من الأخبار ما كان يقرأ فى القرآن : ~~( لو أن لابن آدم واديين من ذهب لا بتغى لهما ثالثا ) . * * * # | 167 - باب من غلب العدو فأقام على عرصتهم ثلاثا # 1882 ms1670 / فيه : أنس ، عن أبى طلحة ، أن النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، ~~كان إذا ظهر على قوم ، أقام بالعرصة ثلاث ليال . PageV05P225 قال المهلب : ~~كان هذا منه والله أعلم ليريح الظهر والأنفس ، هذا إذا كان فى أمن من عدو ~~وطارق ، وإنما قصد إلى ثلاث والله أعلم لأنه أكثر ما يريح المسافر ؛ لأن ~~الأربعة إقامة بحديث العلاء بن الحضرمى ، وحديثه الآخر : ( لا يبقين مهاجر ~~بمكة بعد قضاء نسكه فوق ثلاث ) ولقسمة الغنائم . * * * # | 168 - باب من قسم الغنيمة فى غزوه وسفره # وقال رافع : كنا مع النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، بذى الحليفة ، ~~فأصبنا غنما وإبلا ، فعدل عشرة من الغنم ببعير . 1883 / فيه : أنس ، اعتمر ~~الرسول - صلى الله عليه وسلم - من الجعرانة ، حيث قسم غنائم حنين . قال ~~المهلب : هذا إلى نظر الإمام واجتهاده يقسم حيث رأى الحاجة والأمن ، ويؤخر ~~إذا رأى فى المسلمين غنى ، وخاف . وممن أجاز قسمة الغنائم فى دار الحرب : ~~مالك والأوزاعى والشافعى وأبو ثور . وقال أبو حنيفة : لا تقسم الغنائم فى ~~دار الحرب . والصواب قول من أجاز ذلك للسنة الواردة فيه ، روى ابن القاسم ~~عن مالك قال : الشأن قسمة الغنيمة فى دار الحرب ؛ لأنهم أولى برخصها ، وما ~~عدل من البعير بعشرة شياه فليس بأمر لازم . فى قوله : ( عدل ) دليل على أن ~~المعادلة والنظر فيها فى كل بلد ؛ لأن البعير فى الحجاز له قيمة زائدة ~~ولأكل لحمه عادة جارية ، وليس كذلك فى غيره من البلاد ، وإنما هو إلى ~~الاجتهاد فى كل بلدة . وفيه دليل على جواز بيع اللحم باللحم متفاضلا من غير ~~جنسه أيضا . PageV05P226 # | 169 باب : إذا غنم المشركون مال المسلم ثم وجده المسلم # 1884 / فيه : ابن عمر ، أنه أبق له غلام فلحق بالروم ، فظهر عليه خالد بن ~~الوليد فرده عليه ، وأن فرسا له عار فلحق بالروم فظهر عليه ، فردوه عليه . ~~1885 / وقال مرة : أنه كان على فرس يوم لقى المسلمون ، وأميرهم يومئذ خالد ~~، بعثه أبو بكر ، فأخذه العدو ، فلما هزم العدو ، رد خالد فرسه . اختلف ~~العلماء فى ملك أهل الحرب ، هل يملكون ms1671 علينا ؟ فإن غنمناه وجاء صاحبه قبل ~~القسمة أخذه بغير شيء ، وإن جاء بعد القسمة أخذه بالقيمة ، وهو قول عمر بن ~~الخطاب وعلى بن أبى طالب وزيد بن ثابت ، ومن التابعين سعيد بن المسيب وعطاء ~~والقاسم وعروة ، وبه قال أحمد بن حنبل . وقال الحسن البصرى والزهرى : لا ~~يرد إلى صاحبه قبل القسمة ولا بعدها . وقال الشافعى : لا يملك أهل الحرب ~~علينا بالغلبة ولصاحبه أخذه قبل القسمة وبعدها بغير شىء . واحتج الشافعى ~~بحديث حماد بن زيد ، عن أيوب ، عن أبى قلابة ، عن أبى المهلب ، عن عمران بن ~~حصين قال : ( أغار المشركون على سرح المدينة وأخذوا العضباء وامرأة من ~~المسلمين ، فلما كان فى الليل قامت المرأة وقد ناموا ، فركبت العضباء ~~وتوجهت قبل المدينة ، ونذرت لئن نجاها الله لتنحرنها ، فلما قدمت المدينة ~~عرفت الناقة ، فأتوا بها النبى - صلى الله عليه وسلم - فأخبرته المرأة ~~بنذرها فقال : بئسما جزيتها ، لا نذر فيما لا يملك ابن آدم ، ولا نذر فى ~~معصية ) وزاد عبد الوهاب الثقفى قال : قال أبو أيوب السختيانى : فأخذها ~~النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ) فهذا دليل على أن PageV05P227 أهل الحرب ~~لا يملكون علينا بغلبة ولا غيرها ، ولو ملكوا علينا لملكت المرأة الناقة ~~كسائر أموالهم لو أخذت شيئا منها ، ولو ملكتها لصح فيها نذرها . وحجة مالك ~~والجماعة حديث ابن عمر فى الغلام والفرس وأنهما ردا عليه قبل القسمة ، ~~وأيضا ما رواه عبد الملك بن ميسرة ، عن طاوس ، عن ابن عباس : ( أن رجلا وجد ~~بعيرا له كان المشركون أصابوه ، فقال رسول الله : إن أصبته قبل أن يقسم فهو ~~لك ، وإن أصبته بعد ما قسم أخذته بالقيمة ) . قال ابن القصار : فدل على أن ~~أهل الحرب قد ملكوه على المسلمين وصارت لهم يد عليه ، ألا ترى أنه لو كان ~~باقيا على ملك مالكه لم يختلف حكم وجوده قبل القسمة وبعدها ، والذى يقوى ~~هذا أن العدو لو أتلفه ثم أسلم لم يتبع بقيمته ، ولو أتلفه مسلم على مسلم ~~لزمه غرمه ، ولما جاز أن يملك المسلم على الكافر بالقهر والغلبة جاز ms1672 أن ~~يملك الكافر عليه بذلك . ودليل آخر : وهو قوله - صلى الله عليه وسلم - : ( ~~وهل ترك لنا عقيل منزلا ) وكان عقيل استولى على دور النبى - صلى الله عليه ~~وسلم - وباعها فلولا أن عقيلا ملكها بالغلبة وباعها لأبطل النبى - صلى الله ~~عليه وسلم - بيعها ولم يجز تصرفه ؛ لأن بيع ما لا يصح ملكه لا حكم له . فإن ~~قيل : خبر ابن عباس رواه الحسن بن عمارة وهو ضعيف ؛ فإن الطحاوى ذكر أن على ~~بن المدينى روى عن يحيى عن شعبة أنه سأل مسعرا عن هذا الحديث فقال : هو من ~~حديث عبد الملك بن ميسرة فأثبته من حديثه فدل أنه قد رواه غير الحسن بن ~~عمارة فاستغنى عن روايته بشهرته عن عبد الملك بن ميسره . وأما خبر الناقة ~~والمرأة فلا حجة لهم فيه لأن قوله - صلى الله عليه وسلم - : ( لانذر لابن ~~آدم فيما لا يملك ) إنما كان قبل أن تملك المرأة الناقة PageV05P228 لأنها ~~قالت ذلك وهى فى دار الحرب ، وكل الناس تقول : إن من أخذ شيئا من أهل الحرب ~~فلم ينجح به إلى دار الإسلام أنه غير محرز له / ولا يقع عليه ملكه حتى يخرج ~~به إلى دار الإسلام . فلهذا قال - صلى الله عليه وسلم - : ( لا نذر لابن ~~آدم فيما لا يملكه ) هذا وجه الحديث . وقال ابن القصار : ما أحرزه المشركون ~~وخرج عن أيديهم إلى المسلمين ، فإن لم يقع فى المقاسم ولا حصل بيد إنسان ~~بعوض فإنه يعود إلى ملك صاحبه ، فالمرأة لما أخذت الناقة بغير عوض انتقل ~~ملكها عن المشركين وحصل للنبى - صلى الله عليه وسلم - فأما إذا قسمت ~~الغنائم وحصل الشيء فى يد أحد حصلت له شبهة ملك لأجل أنه حصل له بعوض ؛ لأن ~~الغانمين قد اقتسموا وتفرقوا ، فإن أعطاه الإمام القيمة جاز ، وإن لم يعطه ~~لم يأخذه صاحبه إلا بعوض ؛ لأن القسم حكم الإمام مع كون شبهه يد الكفار ~~فيصير للغانم بحكم الإمام . قال الطحاوى : والدليل أن المرأة لما أخذت ~~الناقة انتقل ملكها للنبى - صلى الله عليه وسلم - ما رواه سفيان ms1673 ، عن سماك ~~بن حرب ، عن تميم بن طرفة : ( أن رجلا أصاب العدو له بعيرا ، فاشتراه رجل ~~منهم ، فجاء به فعرفه صاحبه ، فخاصمه إلى النبى - صلى الله عليه وسلم - ~~فقال : إن شئت أعطه ثمنه الذى اشتراه به وهو لك ، وإلا فهو له ) فهذا وجه ~~الحكم فى هذا الباب من طريق الآثار . وأما من طريق النظر فرأينا النبى - ~~صلى الله عليه وسلم - حكم فى مشترى البعير من أهل الحرب أن لصاحبه أن يأخذه ~~منه بالثمن وكان قد تملكه المشترى من الحربيين ، كما يملك الذى يقع فى سهمه ~~من الغنيمة ما يقع فى سهمه منها ، فالنظر على ذلك أن يكون الإمام إذا قسم ~~الغنيمة PageV05P229 فوقع منها فى يد رجل شيء ، وإن كان أسر ذلك من يد آخر ~~أن يكون المأسور من يده من الذى وقع فى سهمه بقيمته ، كما يأخذ من يد ~~مشتريه بثمنه . وقوله : ( إن فرسا عار ) قال صاحب العين : يقال : عار الفرس ~~والكلب وغير ذلك عيارا : أفلت وذهب فى الناس . قال الطبرى : يقال ذلك للفرس ~~إذا فعله مرة بعد مرة ، ومنه قيل للبطال من الرجال الذى لا يثبت على طريقة ~~: عيار ، ومنه سهم عائر : لا يدرى من أين أتى . * * * # | 170 - باب من تكلم بالفارسية والرطانة وقوله تعالى : { واختلاف ألسنتكم ~~وألوانكم } [ الروم : 22 ] # 1886 / فيه : جابر ، قلت : يا رسول الله ، ذبحنا بهيمة لنا ، وطحنت صاعا ~~من شعير ، فتعال أنت ونفر ، فصاح النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، فقال : ~~( يا أهل الخندق ، إن جابرا قد صنع سؤرا ، فحى هلا بكم ) . 1887 / وفيه : ~~أم خالد ، أتيت النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، مع أبى ، وعلى قميص أصفر ~~، فقال - صلى الله عليه وسلم - : ( سنه ، سنه ) ، - وهى بالحبشية : حسنة - ~~قالت : فذهبت ألعب بخاتم النبوة ، فزبرنى أبى ، قال النبى ، - صلى الله ~~عليه وسلم - : ( دعها ) ، مرتين ، ثم قال - صلى الله عليه وسلم - : ( أبلى ~~وأخلقى ) ، ثلاث مرات ، فبقيت حتى ذكر ، دكن . 1888 / PageV05P230 وفيه : ~~أبو هريرة ، أن الحسن بن على أخذ تمرة من تمر الصدقة ، فجعلها فى فيه ، ~~فقال له النبى - صلى ms1674 الله عليه وسلم - : ( كخ ، كخ ، أما تعرف أنا لا نأكل ~~الصدقة ) . السؤر : الوليمة بالفارسية . قال المؤلف : معنى هذا الباب فى ~~تأمين المسلمين لأهل الحرب بلسانهم ولغتهم أن ذلك أمان لهم ؛ لأن الله ~~تعالى يعلم الألسنة كلها . وأيضا فإن الكلام بالفارسية يحتاج إليه المسلمون ~~للتكلم به مع رسل العجم . قد أمر النبى - صلى الله عليه وسلم - زيد بن ثابت ~~أن يتكلم بلسان العجم ، ولذلك أدخل البخارى عن الرسول أنه تكلم بألفاظ من ~~الفارسية كانت متعارفة عندهم معلومة وفهمها عنه أصحابه ، فالعجم أحرى أن ~~يفهموها إذا خوطبوا بها ؛ لأنها لغتهم . وسيأتى زيادة فى هذا المعنى فى باب ~~( قوله : إذا قالوا صبأنا ولم يحسنوا أسلمنا ) بعد هذا إن شاء الله . قال ~~المهلب : أما دعاؤه بأهل الخندق أجمع لطعام جابر ؛ فإنما فعله لأنه علم ~~منهم حاجة إلى الطعام ، وعلم أنه طعام قد أذن له فيه ببركته ليكون آية ~~وعلامة للنبوة ، فلذلك دعاهم أجمع ، ولم يدع السادس إلى دار الخياط واستأذن ~~الخياط أن يدخل معهم لتكون لنا سنة ، و لأنه طعام لم يؤذن له فى إتيانه ، ~~وإن كان كل طعامه فيه بركة ؛ ولكن بركة تكون آية وعلامة فليس هذا من ذلك ~~الطعام . وفيه مداعبة النبى - صلى الله عليه وسلم - للأطفال فى اللعب بحضرة ~~آبائهم وغيرهم ، وكان - صلى الله عليه وسلم - على خلق عظيم . PageV05P231 ~~وقوله : ( أبلى وأخلقي ) هو كلام معروف عند العرب معناه الدعاء بطول البقاء ~~، قال صاحب الأفعال : يقال : أبل وأخلقه : أى عش فخرق ثيابك وارقعها . ~~وخلقت الثوب : أى أخرجت باليه ولفقته . وقوله : ( فزبرني ) يعنى : انتهرنى ~~، عن أبى علي . وقد تقدم تفسير ( كخ كخ ) فى كتاب الزكاة فى باب ( ما يذكر ~~فى الصدقة للنبى - صلى الله عليه وسلم - ) . وفيه : حمل الصبيان وتدريبهم ~~على الشرائع ، والتجنب بهم الحرام والمكروه ، وقد تقدم هذا المعنى بزيادة ~~فيه فى كتاب الزكاة فى باب ( أخذ صدقة التمر عند صرام النخل ) . وفيه : ~~مخاطبة الصبيان بما يخاطب به الكبار الفهماء إذا فهموا ، وهذه المخاطبة وإن ~~كانت للحسن ففيها تعريف للسلمين أنه لا ms1675 يأكل الصدقة . والرطانة كلام العجم ~~، قال صاحب الأفعال : يقال : رطن رطانة ، إذا تكلم بلسان العجم . وقوله : ( ~~فحى هلا بكم ) قال الفراء : معنى ( حي ) عند العرب هلم وأهل . فالمعنى ~~هلموا إلى طعام جابر وأقبلوا إليه ، ومثله قول المؤذن : ( حى على الصلاة ) ~~أى : أقبلوا إليها ، وفتحت الياء من ( حي ) لسكونها وسكون الياء التى قبلها ~~، كما قالوا : ليت ولعل . ومنه قول ابن مسعود : إذا ذكر الصالحون فحى هلا ، ~~وحى هل ، وحى هل ، وحى أهلا آل عمر ، وحى هلا على عمر . PageV05P232 # | 171 - باب الغلول وقول الله تعالى : { ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة ~~} [ آل عمران : 161 ] # 1889 / فيه : أبو هريرة ، قام فينا النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، ~~فذكر الغلول ، فعظمه وعظم أمره ، وقال : ( لا ألفين أحدكم يوم القيامة على ~~رقبته شاة لها ثغاء على رقبته ، فرس له حمحمة ، يقول : يا رسول الله ، ~~أغثنى ، فأقول : لا أملك لك شيئا ، قد أبلغتك . وعلى رقبته بعير له رغاء ، ~~يقول : يا رسول الله ، أغثنى ، فأقول : لا أملك لك شيئا ، قد أبلغتك . وعلى ~~رقبته صامت ، فيقول : يا رسول الله ، أغثنى ، فأقول : لا أملك لك شيئا ، قد ~~بلغتك . أو على رقبته رقاع تخفق ، فيقول : يا رسول الله ، أغثنى ، فأقول : ~~لا أملك لك شيئا ، قد بلغتك ) . قال المهلب : هذا الحديث على سبيل الوعيد ~~من الله لمن أنفذه عليه من أهل الغلول ، وقد تكون العقوبة حمل البعير وسائر ~~ما غله على رقبته على رءوس الأشهاد وفضيحته به ، ثم الله مخير بعد ذلك فى ~~تعذيبه بالنار أو العفو عنه ، فإن عذبه بناره أدركته الشفاعة إن شاء الله ، ~~وإن لم يعذبه بناره فهون واسع المغفرة . وقوله : ( لا أملك لك من الله شيئا ~~) أى : من المغفرة والشفاعة حتى يأذن الله فى الشفاعة لمن أراد ، كما قال ~~تعالى : { ولا يشفعون إلا لمن ارتضى } . وفيه : أن العقوبات قد تكون من جنس ~~الذنوب . وهذا الحديث يفسر قوله : { يأت بما غل يوم القيامة } أنه يأتى ~~PageV05P233 يحمله على رقبته ليكون أبلغ فى فضيحته وليتبين للأشهاد جنايته ~~، وحسبك بهذا تعظيما ms1676 لإثم الغلول وتحذير أمته . وقوله : ( صامت ) هو الذهب ~~والفضة . وقال ابن المنذر : وأجمع العلماء أن على الغال أن يرد ما غل إلى ~~صاحب المقسم ما لم يفترق الناس . واختلفوا فيما يفعل بذلك إذا افترق الناس ~~، فقالت طائفة : يدفع إلى الإمام خمسه ويتصدق بالباقى ، هذا قول الحسن ~~البصرى والليث والثورى ، وروى معناه عن معاوية ابن أبى سفيان ، وروى عن ابن ~~مسعود أنه رأى أن يتصدق بالمال الذى لا يعرف صاحبه ، وروى معناه عن ابن ~~عباس . قال أحمد فى الحبة والقيراط [ . . . . . ] على الرحل ولا يعرف موضعه ~~: يتصدق به . وكان الشافعى لا يرى الصدقة به وقال : لا أرى الصدقة به وجها ~~، إنه إن كان ماله فليس عليه أن يتصدق به ، وإن كان لغيره فليس عليه الصدقة ~~بمال غيره . * * * # | 172 - باب القليل من الغلول # ولم يذكر عبدالله بن عمرو ، عن النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، أنه حرق ~~متاعه وهذا أصح . 1890 / فيه : عبدالله بن عمرو ، كان على ثقل النبى ، - ~~صلى الله عليه وسلم - ، رجل يقال له : كركرة ، فمات ، فقال رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - : ( هو فى النار ) ، فذهبوا ينظرون إليه ، فوجدوا عباءة ، ~~قد غلها . PageV05P234 قال المهلب : هذا يشبه ما قبله ، أى أنه فى طريق ~~النار إن أنفذ الله عليه الوعيد . وقول البخارى : ( وهذا أصح ) يعى : حديث ~~عبد الله بن عمرو ( أن رسول الله لم يحرق رحل كركرة حين وجد فيه الغلول ) . ~~وحديث ابن عمر انفرد به صالح بن محمد بن زائدة عن سالم ، وهو ضعيف مدنى ، ~~تركه مالك ، وليس ممن يحتج بحديثه . وقد قال قوم من العلماء بحديث ابن عمر ~~أنه يحرق رحل الغال . قال الحسن البصرى : يحرق متاعه كله إلا أن يكون ~~حيوانا أو مصحفا . وقال مكحول وسعيد بن عبد العزيز والأوزاعى : يحرق متاعه ~~كله . وقال الأوزاعى : إلا ما غل وسلاحه وثيابه التى عليه . وقال مالك وأبو ~~حنيفة والليث والثورى والشافعى : إنه يعزر ولا يحرق رحله . وقد ذكرنا إجماع ~~الفقهاء أن على الغال أن يرد ما غل إلى صاحب المقاسم وهى توبة ms1677 له . وقال ~~الطحاوى : ولو صح حديث ابن عمر لاحتمل أن يكون حيث كانت العقوبات فى ~~الأموال ، كما قال فى مانع الزكاة ، وفى ضالة الإبل غرامتها مثليه وجلدات ~~نكال ، وهذا كله منسوخ . وفى هذا الحديث تحريم قليل الغلول وكثيره كما قال ~~- صلى الله عليه وسلم - للذى أتاه بالشراك من المغنم قال : ( شراك أو ~~شراكان من نار ) وقال فى الشملة : ( إنها تشتعل عليه نارا يوم القيامة ) . ~~PageV05P235 # | 173 - باب : ما يكره من ذبح الإبل والغنم فى المغانم # 1891 / فيه : رافع ، كنا مع النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، بذى ~~الحليفة ، فأصاب الناس جوع ، وأصبنا إبلا وغنما ، وكان النبى ، - صلى الله ~~عليه وسلم - ، فى أخريات الناس ، فعجلوا ، فنصبوا القدور ، فأمر بالقدور ~~فأكفئت ، ثم قسم ، فعدل عشرة من الغنم ببعير ، فند منها بعير وفى القوم خيل ~~يسيرة ، فطلبوه فأعياهم ، فأهوى إليه رجل بسهم فحبسه الله ، فقال : ( هذه ~~البهائم لها أوابد كأوابد الوحش ، فما ند عليكم فاصنعوا به هكذا ) . قال ~~المهلب : إنما أمر رسول الله بإكفاء القدور من لحوم الإبل والبقر وأكلها ~~جائز ، فيء دار الحرب بغير إذن الإمام عند العلماء . هذا قول مالك والليث ~~والأوزاعى والشافعى وجماعة من العلماء رخصوا فى ذبح الأنعام فى بلاد العدو ~~للأكل وفى أكل الطعام ؛ لأن هؤلاء الذين أكفئت عليهم القدور إنما ذبحوه بذى ~~الحليفة وهى أرض الإسلام ، وليس لهم أن يأخذوا فى أرض الإسلام إلا ما قسم ~~لهم ؛ لأنها غنيمة فاضلة ، وإباحة الأكل من المغنم إنما هو فى أرض العدو ~~وقبل تخليص الغنيمة وإحرازها ، فهذا الفرق بينهما . وقد قال الثورى ~~والشافعى : إن ما أخذه المرء من الطعام فى أرض العدو فيفضل منه فضلة وتقدم ~~بها إلى بلدة الإسلام أنه يردها إلى الإمام . وقال أبو حنيفة : يتصدق به ، ~~فكيف من يتسور فيه فى أرض الإسلام ويأخذه بغير إذن الإمام ؟ ورخص مالك فى ~~فضلة الزاد مثل الخبز واللحم إذا كان يسيرا لا بال له . وهو قول أحمد بن ~~حنبل . وقال الليث : أحب إلى إذا دنا من أهله أن يطعمه أصحابه . وقال ~~الأوزاعى ms1678 : يهديه إلى أهله . وأما البيع PageV05P236 فلا يصلح ، فإن باعه ~~وضع ثمنه فى المغنم ، فإن فات ذلك تصدق به عن الجيش ، ورخص فيه سليمان بن ~~موسى . قال المهلب : وأمرهم - صلى الله عليه وسلم - بإكفاء القدور ليعلمهم ~~أن الغنيمة إنما يستحقونها بعد قسمته لها فلا يفتاتوا فى أخذ شيء قبل وجوبه ~~لقوله تعالى : { وما آتاكم الرسول فخذوه } ولقوله : { يا أيها الذين آمنوا ~~لا تقدموا بين يدى الله ورسوله } . قال الحسن : إن هذه الآية نزلت فى أهل ، ~~نحروا قبل أن يصل النبى - صلى الله عليه وسلم - فأمرهم أن يعيدوا الذبح . ~~وقال مجاهد فى هذه الآية : لا تفتاتوا على رسول الله بشيء حتى يقضيه الله ~~على لسانه . وقال الكلبى : لا تقدموا بين يدى الله ورسوله بقول ولا فعل . ~~وفيها : قول آخر ذكره ابن المنذر ، عن سماك بن حرب ، عن ثعلبة بن الحكم قال ~~: ( أصبنا يوم خيبر غنما فانتهبناها ، فجاء رسول الله وقدورهم تغلى فقال : ~~إنها نهبة فأكفئوا القدور وما فيها ؛ فإنها لا تحل النهبة ) . قال بعض أهل ~~العلم : هذا يدل أنهم كانوا قد خرجوا من بلاد العدو ؛ لأن النهبة مباحة فى ~~بلاد العدو وغير مباحة فى دار الإسلام ، وهذه القصة أصل فى جواز العقوبة فى ~~المال . وقوله : ( فأكفئت ) قال الطبرى : الأشهر والأفصح فى كلام العرب أن ~~يقال : كفأ القوم القدور يكفئونها ، وإن كانت الأخرى ( أكفأت ) محكية ذكرها ~~ابن الأعرابى عن العرب . وسيأتى ما فى الحديث من الغريب فى ( كتاب الذبائح ~~) إن شاء الله . PageV05P237 # | 174 - باب : البشارة فى الفتوح # 1892 / فيه : جرير ، قال لى النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( ألا تريحنى ~~من ذى الخلصة ) ؟ وكان بيتا فى خثعم ، يسمى الكعبة اليمانية ، فانطلقت فى ~~خمسين ومائة فارس كلهم من أحمس ، فكسرها وحرقها وأرسل إلى النبى - صلى الله ~~عليه وسلم - يبشره . . . . الحديث . فيه : البشارة فى الفتوح وما كان فى ~~معناه من كل ما فيه ظهور الإسلام واهله ، ليبشر المسلمون بإعلاء الدين ، ~~ويبتهلوا إلى الله فى الشكر على ما وهبهم من نعمه ومن عليهم من إحسانه ، ~~فقد أمر ms1679 الله تعالى عباده بالشكر ووعدهم المزيد فقال تعالى : { لئن شكرتم ~~لأزيدنكم } . * * * # | 175 - باب : لا هجرة بعد الفتح # 1893 / فيه : ابن عباس ، قال - صلى الله عليه وسلم - يوم فتح مكة : ( لا ~~هجرة ، بعد الفتح ولكن جهاد ونية . . . . . الحديث . 1894 / وفيه : مجاشع ، ~~أنه جاء بأخيه مجالد بن مسعود إلى الرسول - صلى الله عليه وسلم - فقال : ~~هذا مجالد ، يبايعك على الهجرة ، فقال : ( لا هجرة بعد فتح مكة ، ولكن ~~أبايعه على الإسلام ) . 1895 / وفيه : عائشة ، انقطعت الهجرة بعد فتح مكة . ~~1896 / وروى البخارى عن عطاء قال : زرت عائشة مع عبيد بن عمير PageV05P238 ~~فسألها عن الهجرة ، فقالت : لا هجرة اليوم ، وكان المؤمنون يفر أحدهم بدينه ~~إلى الله ، وإلى رسوله مخافة أن يفتن عليه ، وأما اليوم فقد أظهر الله ~~الإسلام ، والمؤمن يعبد ربه كيف شاء ، ولكن جهاد ونية . فهذا بين أن الهجرة ~~منسوخة بعد الفتح إلا أن سقوط فرضها بعد الفتح لا يسقطها عمن هاجر قبل ~~الفتح ، فدل أن قوله : ( لا هجرة بعد الفتح ) ليس على العموم ؛ لأن الأمة ~~مجمعة أن من هاجر قبل الفتح أنه يحرم عليه الرجوع إلى وطنه الذى هاجر منه ، ~~كما حرم على أهل مكة الرجوع إليها ، ووجب عليهم البقاء مع النبى ، والتحول ~~معه حيث تحول لنصرته ومؤازرته وصحبته وحفظ شرائعه والتبليغ عنه ، وهم الذين ~~استحقوا اسم المهاجرين ومدحوا به دون غيرهم . ألا ترى أن النبى - صلى الله ~~عليه وسلم - رثى بسعد بن خولة أن مات بمكة فى الأرض التى هاجر منها ، ولذلك ~~دعا لهم فقال : ( اللهم أمض لأصحابى هجرتهم ولا تردهم على أعقابهم ) . وذكر ~~أبو عبيد فى كتاب ( الأموال ) أن الهجرة كانت على غير أهل مكة من الرغائب ~~ولم تكن فرضا ، يدل على ذلك قوله - صلى الله عليه وسلم - للذى سأله عن ~~الهجرة : ( إن شأنها شديد ، فهل لك من إبل تؤدى زكاتها ؟ قال : نعم . قال : ~~فاعمل من وراء البحار ؛ فإن الله لا يترك من عملك شيئا ) ولم يوجب عليه ~~الهجرة . وقيل : إنما كانت الهجرة واجبة إذا أسلم بعض أهل البلد ولم ms1680 يسلم ~~بعضهم لئلا يجرى على من أسلم أحكام الكفار ، فأما إذا أسلم كل من فى الدار ~~فلا هجرة عليهم ؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم - لوفد عبد القيس حين أمرهم ~~بما أمرهم به ولم يأمرهم بهجرة أرضهم : ( وقد عذر الله المستضعفين من ~~الرجال والنساء الذين لا يجدون حيلة ولا يهتدون PageV05P239 سبيلا ) يعنى : ~~طريقا إلى المدينة ، وأما الهجرة الباقية إلى يوم القيامة فقوله - صلى الله ~~عليه وسلم - : ( المهاجر من هجر ما نهى الله عنه ) . * * * # | 176 - باب : إذا اضطر الرجل إلى النظر فى شعور أهل الذمة والمؤمنات إذا ~~عصين الله وتجريدهن # 1897 / فيه : أبو عبد الرحمن - وكان عثمانيا - قال لابن عطية - وكان ~~علويا - : إنى لأعلم ما الذى جرأ صاحبك على الدماء ، سمعته يقول : بعثنى ~~النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، والزبير ، فقال : ائتوا روضة خاخ ، تجدون ~~بها امرأة أعطاها حاطب كتابا ، فأتينا الروضة ، فقلنا : الكتاب ، قالت : لم ~~يعطنى ، قلنا : لتخرجن أو لنجردنك ، فأخرجت من حجزتها . . . . الحديث . قال ~~المهلب : فى هذا الحديث من الفقه أن من عصى الله لا حرمة له ، وأن المعصية ~~تبيح حرمته وتزيل سترته ، ألا ترى أن عليا والزبير أرادا كشف المرأة لو لم ~~تخرج الكتاب ؛ لأن حملها له ضرب من التجسس على المسلمين ، ومن فعل ذلك ~~فعليه النكال بقدر اجتهاد الإمام مسلما كان أو كافرا . وقد أجمعوا أن ~~المؤمنات والكافرات فى تحريم الزنا بهن سواء فكذلك فى تحريم النظر إليهن ~~متجردات ، فهن سواء فيما أبيح من النظر إليهن فى حق الشهادة أو إقامة الحد ~~عليهن ، وهذا كله من الضرورات التى تبيح المحظورات . وقول أبى عبد الرحمن : ~~( إنى لأعلم ما الذى جرأ صاحبك على الدماء ) ظن منه ؛ لأن عليا على مكانته ~~من الفضل والعلم لا يقتل أحدا إلا بالواجب ، وإن كان قد ضمن له الجنة ~~بشهوده بدرا وغيرها . PageV05P240 # | 177 باب : استقبال الغزاة # 1898 / - فيه : ابن الزبير ، قلت لابن جعفر : أتذكر إذ لقينا النبى ، - ~~صلى الله عليه وسلم - ، أنا وأنت وابن عباس ؟ قال : نعم ، فحملنا وتركك . ~~1899 / - قال السائب بن يزيد : ذهبنا نتلقى ms1681 النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ~~، مع الصبيان إلى ثنية الوداع . قال المهلب : التلقى للمسافرين والقادمين ~~من الجهاد والحج بالبشر والسرور أمر معروف ، ووجه من وجوه البر . وبهذا ~~الحديث ثبت تشييعهم ؛ لأن ثنية الوداع إنما سميت بذلك ؛ لأنهم كانوا يشيعون ~~الحاج والغزاة إليها ويودعونهم عندها ، وإليها كانوا يخرجون صغارا وكبارا ~~عند التلقى ، وقد يجوز تلقيهم بعدها وتشييعهم إلى أكثر منها ، وفيه الفخر ~~بإكرام النبى - صلى الله عليه وسلم - . * * * # | 178 - باب : ما يقول إذا رجع من الغزو # 1900 / وفيه : ابن عمر ، كان النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، إذا قفل ~~كبر ثلاثا ، قال : ( آيبون إن شاء الله تائبون عابدون حامدون لربنا ساجدون ~~، صدق الله وعده ، ونصر عبده ، وهزم الأحزاب وحده ) . 1901 / وفيه : أنس ، ~~كنا مع النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، مقفله من عسفان ورسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - على راحلته ، وقد أردف صفية بنت حيى ، فعثرت ناقته ، ~~فصرعا جميعا ، فاقتحم أبو طلحة ، فقال : يا رسول الله ، جعلنى الله فداءك ، ~~قال : ( عليك المرأة ) ، فقلب ثوبا على وجهه ، وأتاها فألقاه عليها ، وأصلح ~~لهما مركبهما ، فركبا واكتنفنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلما ~~أشرفنا على المدينة ، قال : ( آيبون تائبون عابدون لربنا حامدون ) ، فلم ~~يزل يقول ذلك حتى دخل المدينة . PageV05P241 قال المهلب : قد تقدم القول فى ~~التكبير عند الصعود والإشراف على المدن والتسبيح عند الهبوط . وفيه إرداف ~~المرأة خلف الرجل وسترها عن الناس ، وفيه ستر من لا تجوز رؤيته وستر الوجه ~~عنه . وفيه خدمة العالم والإمام وخدمة أهله . وفيه اكتناف الإمام والاجتماع ~~حوله عند دخول المدن وتلقى الناس سنة ماضية وأمر جار . قال المؤلف : وفيه ~~حمد الله للمسافر عند إتيانه سالما إلى أهله وسؤاله الله التوبة والعبادة ، ~~وتقدير الكلام : نحن آيبون عابدون حامدون لربنا ساجدون إن شاء الله على ما ~~رزقنا من السلامة والنصر وصدق الوعد ولا تتعلق المشيئة بقوله : ( آيبون ) ~~لوقوع الإياب ، وإنما تتعلق بباقى الكلام الذى لم يقع بعد . وفيه : أنه ~~يجوز للمتكلم أن يقدم المشيئة لله فى أول كلامه ، ثم يصلها بما ms1682 يحب إيقاعه ~~من الفعل . وفيه : أن الرجل الفاضل ينبغى له عندما تجدد له نعمة وسلامة أن ~~يقر لله بطاعته ويسأله أن يديم له حال توبته وعبادته له ، وإن كان الرسول ~~قد تقرر عنده أنه لا يزال تائبا عابدا ساجدا حامدا لربه ، لكن هذا هو أدب ~~الأنبياء أخذا بقوله تعالى : { ولا تقولن لشيء إنى فاعل ذلك غدا إلا أن ~~يشاء الله } . ولعلمهم بمواقع نعم الله عندهم يعترفون له بها ، ويرغبون ~~ويبرءون إليه من الحول والقوة ، ويظهرون الافتقار إليه مبالغة فى شكره ~~تعالى ، ولتقتدى بهم أممهم فى ذلك صلوات الله عليهم . PageV05P242 # | 179 - باب : الصلاة إذا قدم من سفر # 1902 / فيه : جابر ، كنت مع النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، فى سفر ، ~~فلما قدمنا المدينة ، قال لى : ( ادخل المسجد ، فصل ركعتين ) . 1903 / وفيه ~~: كعب ، كان الرسول - صلى الله عليه وسلم - إذا قدم من سفر ضحى ، دخل ~~المسجد ، فصلى ركعتين قبل أن يجلس . قال المهلب : الصلاة عند القدوم سنة ~~وفضيلة فيها معنى الحمد لله على السلامة والتبرك بالصلاة أول ما يبدأ به فى ~~حضره ، ونعم المفتاح هى إلى كل خير ، وفيها يناجى العبد ربه تعالى وذلك هدى ~~رسول الله وسنته ، ولنا فيه أكرم الأسوة . * * * # | 180 - باب الطعام عند القدوم وكان ابن عمر يفطر لمن يغشاه # . 1904 / - فيه : جابر ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما قدم ~~المدينة ، نحر جزورا أو بقرة . وقال مرة : فلما قدم المدينة ، أمرنى أن آتى ~~المسجد ، فأصلى فيه . ( صرار ) موضع فى نواحى المدينة . فيه : إطعام الإمام ~~والرئيس أصحابه عند القدوم من السفر ، وهو مستحب ومن فعل السلف . وقال أبو ~~عبد الله بن أبى صفرة : قوله : ( كان ابن عمر يفطر لمن يغشاه ) أى : إذا ~~قدم من سفر أطعم من يغشاه وأفطر معهم ، أى ترك PageV05P243 قضاء رمضان ؛ ~~لأنه كان لا يصوم رمضان فى السفر أصلا ، فإذا انقضى إطعامه وزاده ابتدأ ~~قضاء رمضان الذى أفطره فى السفر ، وقد جاء هذا مفسرا فى ( الأحكام ) ~~لإسماعيل . قال المؤلف : أما الذى ذكره إسماعيل عن ابن عمر ms1683 فليس فيه ما يدل ~~على صحة ما تأوله أبو عبد الله ، والذى ذكر إسماعيل عن حماد بن زيد ، عن ~~أيوب ، عن نافع ، عن ابن عمر ( أنه كان إذا كان مقيما لم يفطر ، وإذا كان ~~مسافرا لم يصم ، فإذا قدم أفطر أياما لغاشيته ثم يصوم ) فليس يدل هذا أن ~~سفره كان أبدا فى رمضان دون سائر الشهور ، بل قوله : ( إذا كان مقيما لم ~~يفطر ) يدل أن إفطاره لغاشيته قد يكون من صيامه التطوع ، فيحتمل أن يبيت ~~الفطر . فإن قيل : ويحتمل أن يبيت الصيام ثم يفطر لوراده بعد التبييت . قال ~~أبو عبد الله : يرد ذلك قوله : ( ذلك الذى يلعب بصومه ) وقد زوج ابنته ولم ~~يفطر ، وقد دعاه عروة بن الزبير إلى وليمة فلم يفطر . وقال : ( لو أخبرتنى ~~، ولكنى أصبحت صائما ) فكيف لم يغشاه ؟ قال المهلب : فأما إفطار سلمان لأبى ~~الدرداء إذ بات عنده ؛ فإنما كان ذلك لأن أبا الدرداء كان اسرف على نفسه فى ~~العبادة وسرمد الصوم ، فأراد سلمان أن يأخذ به طريق الرخصة فى الإفطار بعد ~~التبييت ، ألا ترى أن ذلك جائز عند جماعة العلماء فى الفرض إذا بيته فى ~~السفر ثم أدركته مشقة الصوم أن له أن يفطر ، فكيف التطوع ؟ فأخذ سلمان ~~بالرخصة ، وأخذ ابن عمر بالشدة ؛ لأنه رأى التبييت من العقود التى أمره ~~الله بالوفاء بها . وقد تقدم ما للعلماء فى ذلك فى كتاب الصيام . ~~PageV05P244 # | 20 - كتاب الخمس # # | فرض الخمس # 1905 / فيه : على ، كانت لى شارف من نصيبى من المغنم يوم بدر ، وكان ~~النبى ، - صلى الله عليه وسلم - أعطانى شارفا من الخمس ، فلما أردت أن ~~أبتنى بفاطمة بنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، واعدت رجلا صواغا من ~~بنى قينقاع أن يرتحل معى ، فنأتى بإذخر ، أردت أن أبيعه الصواغين ، وأستعين ~~به فى وليمة عرسى ، فبينا أنا أجمع لشارفى متاعا من الأقتاب والغرائر ~~والحبال ، وشارفاى مناختان إلى جنب حجرة رجل من الأنصار ، فرجعت ، حين جمعت ~~ما جمعت فإذا شارفاى قد اجتب أسنمتهما ، وبقرت خواصرهما ، وأخذ من أكبادهما ~~، فلم أملك عينى ms1684 حين رأيت ذلك المنظر منهما ، فقلت : من فعل هذا ؟ فقالوا : ~~فعل حمزة بن عبدالمطلب ، وهو فى هذا البيت ، فى شرب من الأنصار ، فانطلقت ~~حتى أدخل على النبى - صلى الله عليه وسلم - وعنده زيد بن حارثة ، فعرف ~~النبى - صلى الله عليه وسلم - فى وجهى الذى لقيت ، فقال : ما لك ؟ فقلت : ~~يا رسول الله ، ما رأيت كاليوم قط ، عدا حمزة على ناقتى ؛ فاجتب أسنمتهما ، ~~وبقر خواصرهما ، وهذا هو ذا فى بيت معه شرب ، فدعا النبى - صلى الله عليه ~~وسلم - بردائه ، فارتدى ، ثم انطلق يمشى ، واتبعته أنا وزيد بن حارثة حتى ~~جاء البيت الذى فيه حمزة ، فاستأذن ، فأذنوا لهم ، فإذا هم شرب ، فطفق رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - يلوم حمزة فيما فعل ، فإذا حمزة قد ثمل محمرة ~~عيناه ، فنظر حمزة إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم صعد النظر ، ~~PageV05P245 فنظر إلى ركبته ، ثم صعد النظر ، فنظر إلى سرته ، ثم صعد النظر ~~، فنظر إلى وجهه ، ثم قال حمزة : هل أنتم إلا عبيد لأبى ، فعرف رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - أنه قد ثمل ، فنكص رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~على عقبيه القهقرى ، وخرجنا معه . 1906 / وفيه : عائشة ، أن فاطمة بنت ~~الرسول سألت أبا بكر الصديق بعد وفاة النبى - صلى الله عليه وسلم - أن يقسم ~~لها ميراثها ، مما ترك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مما أفاء الله ~~عليه ، فقال لها أبو بكر : إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : ( لا ~~نورث ، PageV05P246 ما تركنا صدقة ) ، فغضبت فاطمة بنت رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - فهجرت أبا بكر ، فلم تزل مهاجرته حتى توفيت ، وعاشت بعد ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ستة أشهر ، قالت : وكانت فاطمة تسأل أبا ~~بكر نصيبها مما ترك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من خيبر وفدك وصدقته ~~بالمدينة ، فأبى أبو بكر عليها ذلك ، وقال : لست تاركا شيئا كان رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - يعمل به ، إلا عملت به فإنى أخشى إن تركت شيئا من ~~أمره أن ms1685 أزيغ ، فأما صدقته بالمدينة ، فدفعها عمر إلى على وعباس ، وأما ~~خيبر وفدك ، فأمسكها عمر ، وقال : هما صدقة رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- كانتا لحقوقه التى تعروه ونوائبه وأمرهما إلى من ولى الأمر ، قال : فهما ~~على ذلك إلى اليوم . 1907 / وفيه : مالك بن أوس ، كنا عند عمر إذا جاء ~~حاجبه يرفا ، فقال : هل لك فى عثمان ، وعبد الرحمن بن عوف ، والزبير ، وسعد ~~بن أبى وقاص ، يستأذنون ، قال : نعم ، فأذن لهم فدخلوا فسلموا وجلسوا ، ثم ~~جلس يرفأ يسيرا ، ثم قال : هل لك فى على وعباس ؟ قال : نعم ، فأذن لهما ~~فدخلا فسلما فجلسا ، فقال عباس : يا أمير المؤمنين ، اقض بينى وبين هذا ، ~~وهما يختصمان فيما أفاء الله على رسوله - صلى الله عليه وسلم - من مال بنى ~~النضير ، فقال الرهط عثمان وأصحابه : يا أمير المؤمنين ، اقض بينهما ، وأرح ~~أحدهما من الآخر ، قال عمر : تيدكم أنشدكم بالله الذى بإذنه تقوم السماء ~~والأرض ، هل تعلمون أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : لا نورث ما ~~تركنا صدقة ، يريد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نفسه ، قال الرهط : قد ~~قال ذلك ، فأقبل عمر على على وعباس ، فقال : أنشدكما الله ، تعلمان أن رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - قد قال ذلك ؟ قالا : قد قال ذلك ، قال عمر : ~~فإنى أحدثكم عن هذا الأمر إن الله قد خص رسوله - صلى الله عليه وسلم - من ~~هذا الفيء بشيء لم يعطه أحدا غيره ، ثم قرأ : { وما أفاء الله على رسوله ~~منهم } [ الحشر 6 ] إلى قوله : { قدير } فكانت هذه خاصة لرسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - ، والله ما احتازها دونكم ، ولا استأثر بها عليكم ، قد ~~أعطاكموها وبثها فيكم حتى بقى منها هذا المال ، فكان - صلى الله عليه وسلم ~~- ينفق على أهله نفقة سنتهم من هذا المال ، ثم يأخذ ما بقى ، فيجعله مجعل ~~مال الله ، فعمل بذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حياته ، أنشدكم ~~بالله هل تعلمون ذلك ؟ قالوا : نعم ، ثم قال لعلى وعباس : أنشدكما بالله ، ~~هل تعلمان ذلك ، قال عمر ms1686 : ثم توفى الله رسوله ، فقال أبو بكر : أنا ولى ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فقبضها أبو بكر ، فعمل فيها بما عمل ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، والله يعلم أنه فيها لصادق بار راشد ، ~~تابع للحق ، ثم توفى الله أبا بكر ، فكنت أنا ولى أبى بكر ، فقبضتها سنتين ~~من إمارتى أعمل فيها بما عمل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وبما عمل ~~فيها أبو بكر والله يعلم إنى فيها لصادق بار راشد تابع للحق ، ثم جئتما ~~تكلمانى وكلمتكما واحدة ، وأمركما واحد جئتنى يا عباس تسألنى نصيبك من ابن ~~أخيك ، وجاءنى هذا - يريد عليا - يريد نصيب امرأته من أبيها ، فقلت لكما إن ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : لا نورث ، ما تركنا صدقة ، فلما ~~بدا لى أن أدفعه إليكما ، قلت : إن شئتما دفعتها إليكما على أن عليكما عهد ~~الله وميثاقه لتعملان فيها بما عمل فيها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~وبما عمل فيها أبو بكر وبما عملت فيها منذ وليتها ، فقلتما ادفعها إلينا ، ~~فبذلك دفعتها إليكما ، فأنشدكم بالله هل دفعتها إليهما بذلك ؟ قال الرهط : ~~نعم ، ثم أقبل على على وعباس ، فقال : أنشدكما بالله ، هل دفعتها إليكما ~~بذلك ؟ قالا : نعم ، قال : فتلتمسان PageV05P247 منى قضاء غير ذلك ، فوالله ~~الذى بإذنه تقوم السماء والأرض لا أقضى فيها قضاء غير ذلك ، فإن عجزتما ~~عنها ، فادفعاها إلى ؛ فإنى أكفيكماها . قال المؤلف : أما قول على : أعطانى ~~النبى - صلى الله عليه وسلم - شارفا من الخمس : يعنى يوم بدر ، فظاهره أن ~~الخمس قد كان يوم بدر ، ولم يختلف أهل السير أن الخمس لم يكن يوم بدر . ذكر ~~إسماعيل ابن إسحاق قال : فى غزوة بنى قريظة حين حكم سعد بأن تقتل المقاتلة ~~وتسبى الذرية قيل : إنه أول يوم جعل فيه الخمس . قال : وأحسب أن بعضهم قال ~~: نزل أمر الخمس بعد ذلك ، ولم يأت فى ذلك من الحديث ما فيه بيان شاف ، ~~وإنما جاء أمر الخمس يقينا فى غنائم حنين ، وهى آخر غنيمة حضرها رسول الله ~~. قال المؤلف ms1687 : وإذا لم يختلف أن الخمس لم يكن يوم بدر فيحتاج قول على : ~~أعطانى رسول الله شارفا من الخمس إلى تأويل لا يعارض قول أهل السير ، ~~ويحتمل أن يكون معناه والله أعلم ما ذكره ابن إسحاق أن النبى بعث عبد الله ~~بن جحش فى رجب فى السنة الثانية من الهجرة قبل بدر الأولى فى سرية إلى نخلة ~~بين مكة والطائف فوجد بها قريشا ، فقتلوهم وأخذوا العير . قال ابن إسحاق : ~~ذكر لى بعض آل عبد الله بن جحش أن عبد الله قال لأصحابه : إن لرسول الله ~~مما غنمنا الخمس . وذلك قبل أن يفرض الله الخمس من المغنم فعزل لرسول الله ~~خمس العير ، وقسم سائرها بين أصحابه ، فوقع فرض الله فى قسمة الغنائم على ~~ما كان عبد الله صنع فى تلك العير ، ثم خرج رسول الله فى رمضان بعد هذه ~~السرية إلى بدر فقتل بها صناديد الكفار . فبان بهذا الخبر معنى قول على أن ~~PageV05P248 الرسول أعطاه شارفا من نصيبه من المغنم يوم بدر ( وأعطانى رسول ~~الله شارفا من الخمس يومئذ ) . واختلف العلماء فى الخمس كيف يقسمه الإمام ، ~~فقال مالك : يسلك الخمس مسلك الفيء ، فإن رأى الإمام جعل ذلك لنوائب تنزل ~~بالمسلمين فعل ، وإن شاء قسمه فأعطى كل واحد على قدر ما يغنيه ، ولا بأس أن ~~يعطى أقرباء رسول الله على قدر اجتهاد الإمام ، وكان يرى التفضيل فى العطاء ~~على قدر الحاجة . وقال أبو حنيفة : الخمس على ثلاثة أسهم ، يقسم سهم ~~اليتامى والمساكين وابن السبيل فيهم ، ويؤخذ سهم ذوى القربى وسهم النبى ~~فيردان فى الكراع والسلاح . واحتج أبو حنيفة بما رواه الثورى عن قيس بن ~~مسلم ، عن الحسن بن محمد ابن الحنفية أنهم اختلفوا فى سهم الرسول وسهم ذوى ~~القربى ، فقال : سهم الرسول للخليفة بعده . وقال بعضهم : سهم ذوى القربى هو ~~لقرابة الرسول . وقال بعضهم : هو لقرابة الخليفة . فأجمع رأيهم أنهم جعلوا ~~هذين السهمين فى العدة والخيل ، فكان ذلك فى خلافة أبى بكر وعمر . قال ~~إسماعيل بن إسحاق : ولا يجوز أن يبطل عمر ولا ms1688 غيره سهم ذوى القربى ؛ لأنه ~~مسمى فى كتاب الله ولم ينسخه شيء ، ومن أبطله فقد ركب أمرا عظيما . وزعم ~~الشافعى أن الخمس يقسم على خمسة أخماس ، فيرد سهم النبى - صلى الله عليه ~~وسلم - على من سمى معه من أهل الصدقات وهم ذوو القربى واليتامى والمساكين ~~وابن السبيل ، وزعم أن قوله : { لله } مفتاح كلام . قال إسماعيل : ويسقط ~~أبو حنيفة سهم ذوى القربى وأخذ فى طرف ، وأخذ الشافعى فى طرف آخر وترك ~~التوسط من القول الذى مضى عليه الأئمة . والاختلاف الذى اختلفوا فيه لم يكن ~~على ما PageV05P249 توهم أبو حنيفة وإنما روى ابن عباس أنهم ناظروا عمر فى ~~سهم ذوى القربى على أن يكون لهم خمس الخمس فأبى عمر من ذلك ، وذهب إلى أن ~~الخمس يقسم فى ذوى القربى وغيرهم على الاجتهاد . قال إسماعيل : قوله : { ~~لله } وقد ذكر الله فى كتابه : { ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله ~~وللرسول } وقال تعالى : { قل الأنفال لله والرسول } فأى كلام جاء بعد هذا ~~فيكون هذا مفتاحا له . وإذا قيل : ( لله ) فهو أمر مفهوم اللفظ والمعنى ؛ ~~لأنه يعلم أن الرجل إذا قال : فعلت هذا الشيء لله أنه فيما يقرب إلى الله ، ~~وهذا لا يحتاج أن يقال فيه : مفتاح كلام . وكذلك قوله : { واعلموا أنما ~~غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول } معناه فيما يقرب من الله ورسوله ، ~~وكذلك قال عمر بن عبد العزيز فى قوله : { لله } قال : اجعلوه فى سبيل الله ~~التى يأمر بها ، ولو كان قوله : { الله } لا يوجب شيئا لكان ما بعده لا ~~يوجب شيئا ؛ لأن ما بعده معطوف عليه ، فإن كان القول الأول لا يجب به شيء ~~فكذلك ما عطف عليه لا يجب به شيء . وأما حديث تنازع على والعباس فلم ~~يتنازعا فى الخمس ، وإنما تنازعا فيما كان لرسول الله خاصا مما لم يوجف ~~عليه بخيل ولاركاب فتركه الرسول صدقة بعد وفاته ، فحكمه كحكم الفيء ، ففيه ~~حجة لمالك فى قوله : إن مجرى الخمس والفئ واحد ، وهو خلاف قول الشافعى أن ~~الفئ فيه ms1689 الخمس ، وأن خمس الفيء يقسم على خمسة أسهم وهم الذين قسم الله لهم ~~خمس الغنيمة . وهذا لم يقله أحد قبل الشافعى ، والناس على خلافه . ~~PageV05P250 وقول عمر فى حديث مالك ابن أوس : ( فكان الرسول ينفق على أهله ~~منه نفقة سنتهم ، ثم يأخذ ما بقى منه فيجعله مجعل ما لله ) يعنى : مجعل ~~الفيء ، ولم يذكر أنه كان - صلى الله عليه وسلم - يلزمه إخراج الخمس منه ~~حجة على الشافعى ؛ لأنه يمكن أن يفضل له من سهمه بخيبر بعد نفقة سنته مثل ~~الذى ينفقه أو أكثر أو أقل ، ولو كان فيه الخمس لبين ذلك . وقال الطحاوى : ~~وقول الشافعى فى الفيء أنه يخمس خطأ ؛ لأن الله تعالى ذكر الغنائم فأوجب ~~فيها الخمس ، وذكر الفئ فقال تعالى : { ما أفاء الله على رسوله من أهل ~~القرى } فذكر فيه الرسول وذوى القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل كما ~~قال تعالى فى آية الخمس ، ثم قال تعالى : { والذين تبوءوا الدار والإيمان ~~من قبلهم } { والذين جاءوا من بعدهم } فذكر فى الغنائم الخمس لأصناف ~~مذكورين ، وذكر فى آية الفيء الجميع فى جميع الفيء ، حيث أن حكم الفيء غير ~~حكم الغنيمة . قال المهلب : ووجه هجران فاطمة لأبى بكر أنها لم يكن عندها ~~قوله - صلى الله عليه وسلم - : ( لا نورث ، ما تركنا صدقة ) ولا علمته ، ثم ~~أنفت أن تكون لا ترث أباها كما يرث الناس فى الإسلام والجاهلية ، مع احتمال ~~الحديث عندها أنه - صلى الله عليه وسلم - أراد بعض المال دون بعض ، وأنه لم ~~يرد به الأصول والعقار ، فانقادت وسلمت للحديث . وإنما كان هجرها له اقباضا ~~عن لقائه وترك مواصله وليس هذا من الهجران المحرم ، و إنما المحرم من ذلك ~~أن يلتقيا فلا يسلم أحدهما على صاحبه ، ولم يرو أحد أنهما التقيا وامتنعا ~~من التسليم ، ولو فعلا ذلك لم يكونا بذلك متهاجرين إلا أن تكون النفوس ~~مظهرة PageV05P251 للعداوة والهجران ، لكنها وجدت عليه أن حرمها ما لم يحرم ~~أحد . ولسنا نظن بهم إضمار الشحناء والعداوة ، وإنما هم كما وصفهم الله { ~~رحماء بينهم } وروى عن على ms1690 أنه لم يغير شيئا من سنة أبى بكر وعمر بعد ~~ولايته فى تركة رسول الله صلى الله عليه وسلم بل أجرى الأمر على ما أجرياه ~~فى حياتهما . فإن قيل : فما معنى حديث عائشة فى هذا الباب ، وليس فيه ذكر ~~الخمس ؟ قيل : هو موافق للباب ؛ وذلك أن فاطمة إنما جاءت تسأل ميراثها من ~~الرسول من فدك وخيبر وغيرهما ، وفدك مما لم يوجف عليه بخيل ولا ركاب فلم ~~يجر فيها خمس . و أما خيبر فابن شهاب ذكر أن بعضها صلح وبعضها عنوة ، فجرى ~~فيها الخمس . وقد جاء هذا فى بعض طرق الحديث فى كتاب المغازى قالت عائشة : ~~( إن فاطمة جاءت تسأل نصيبها مما ترك الرسول مما أفاء الله عليه بالمدينة ~~وفدك ، وإلى ما بقى من خمس خيبر ) وإلى هذا إشارة البخارى ، واستغنى بشهرة ~~الأمر عن إيراده مكشوفا بلفظ ( الخمس ) فى هذا الباب . وفى حديث مالك بن ~~أوس من الفقه أنه يجب أن يولى أمر كل قبيلة سيدهم ؛ لأنه أعرف باستحقاق كل ~~رجل منهم لعلمه بهم . وفيه : أن للإمام أن ينادى الرجل الشريف باسمه ~~وبالترخيم له ، ولا عار على المنادى بذلك ولا نقيصة . وفيه : استعفاء ~~الإمام مما يوليه ، واستنزاله فى ذلك بألين الكلام ؛ لقول مالك لعمر حين ~~أمره بقسمة المال بين قومه : ( لو أمرت به غيري ) . PageV05P252 وفيه : ~~الجلوس بين يدى السلطان بغير إذنه . وفيه : الشفاعة عند الإمام فى إنفاذ ~~الحكم إذا تفاقمت الأمور وخشى الفساد بين المتخاصمين ؛ لقول عثمان : ( اقض ~~بينهما ، وأرح أحدهما من الآخر ) وقد ذكر البخارى فى المغازى أن عليا ~~والعباس استبا يومئذ . وفيه : تقرير الإمام من يشهد له على قضائه وحكمه ، ~~وبيان وجه حكمه للناس . وأما مجيء العباس وعلى إلى أبى بكر فإنما جاءا ~~يطلبان الميراث من تركة النبى من أرضه من فدك وسهمه من خيبر وصدقته ~~بالمدينة على ما ثبت من حديث عائشة فى هذا الباب ، فأخبرهم أنه قال - صلى ~~الله عليه وسلم - : ( لا نورث ، ما تركنا صدقة ) فسلما لذلك وانقادا ، ثم ~~جاءا بعد ذلك إلى عمر على اتفاق ms1691 بينهما ، يطلبان أن يوليهما العمل ، والنظر ~~فيما أفاء الله على رسوله من بنى النضير خاصة ؛ ليقوما به ، ويسبلاه فى ~~السبل التى كان النبى - صلى الله عليه وسلم - يسبله فيها ؛ إذ كانت عند ذلك ~~مصروفة فى تقوية الإسلام وأهله ، وسد خلة أهل الحاجة منهم ، فدفعه عمر ~~إليهما على الإشاعة بينهما والتساوى والاشتراك فى النظر والأجرة . وأما ~~مجيئهما إليه المرة الثانية فلا يخلو من أحد وجهين إما أن يطلب كل واحد ~~منهما أن ينفرد بالعمل كله ، أو ينفرد بنصيبه ؛ فرا من الإشاعة ؛ لما يقع ~~بين العمال والخدم من التنازع ، فأبى عمر أن يكون إلا على الإشاعة ؛ لأنه ~~لو أفرد واحدا منهما بالعمل والنظر لكان وجها من وجوه الأثرة ، فتناسخ ~~القرون وهى بيد بعض قرابة الرسول دون بعض فيستحقها الذى هى بيده ، ولم ير ~~أن يجعلها نصفين على غير الإشاعة ؛ لأن سنة الأوقاف ألا تقسم بين أهلها ، ~~PageV05P253 وإنما يقسم علاتها ، فلذلك حلف أن يتركها مجملة ولا يقسمها ~~بينهم ، فيشبه ذلك التوريث ، والله أعلم . وقد ذكر البخارى فى المغازى أن ~~عليا غلب العباس على هذه الصدقة ومنعه منها ، ثم كانت بيد بنى على بعده ~~يتداولونها . وجميع ما تركه الرسول من الأصول وما جرى مجراها مما يمكن بقاء ~~أصله والانتفاع به ، فحكمه حكم الأوقاف تجرى علاتها على المساكين ، والأصل ~~باق على ملك الموقف ، فقوله : ( ما تركنا صدقة ) يعنى : صدقة موقوفة ، ~~وسيأتى معنى قوله - صلى الله عليه وسلم - : ( لا نورث ، ما تركنا صدقة ) فى ~~كتاب الفرائض إن شاء الله . وأما قوله : ( إن الله خص رسوله ) فخصه بإحلال ~~الغنيمة ولم تحل لأحد قبله ، وخصه بما أفاء الله عليه من غير قتال من أموال ~~الكفار تكون له دون سائر الناس ، وخصه بنصيبه فى الخمس ، وهذا معنى ذكر هذا ~~الحديث 4 فى باب فرض الخمس ، وفيه أنه لا بأس أن يمدح الرجل نفسه ويطريها ~~إذا قال الحق ، وذلك إذا ظن بأحد أنه يريد تنقصه . وفيه : جواز ادخار الرجل ~~لنفسه وأهله قوت السنة ، وأن ذلك كان من فعل الرسول حين ms1692 فتح الله عليه من ~~النضير وفدك وغيرهما ، وهو خلاف قول جملة الصوفية المنكرة للادخار ، ~~الزاعمين أن من أدخر فقد أساء الظن بربه ولم يتوكل عليه حق توكله . وفيه : ~~إباحة اتخاذ العقار التى يبتغى منها الفضل والمعاش بالعمارة ، وإباحة اتخاذ ~~نظائر ذلك من المغنم وأعيان الذهب والفضة كسائر الأموال التى يراد بها ~~النماء والمنافع لطلب المعاش وأصولها ثابتة ، PageV05P254 وستأتى هذه ~~المسألة فى باب ( نفقة النبى بعد وفاته ) بزيادة فيها ، ويأتى أيضا فى كتاب ~~الأطعمة إن شاء الله . قال الطبرى : وفيه من الفقه أن أبا بكر قضى على ~~العباس وفاطمة بقول رسول الله : ( لا نورث ) ولم يحاكمهما فى ذلك إلى أحد ~~غيره ، فكذلك الواجب أن يكون للحكام والأئمة الحكم بعلومهم ، لأنفسهم كان ~~ذلك أو لغيرهم ، بعد أن يكون ما حكموا فيه بعلومهم مما يعلم صحة أمره ~~رعيتهم ، أو يعلمه منهم من أن يحتاجوا إلى شهادته إن أنكر بعض ما حكموا به ~~من ذلك عليهم بعض رعيتهم ، كان فى شهادتهم لهم براءة ساحاتهم ، وثبوت الحجة ~~لهم على المحكوم عليه . قال الطبرى : وفى حديث على أن المسلمين كانوا فى ~~أول الإسلام يشربون الخمر ويسمعون الغناء حتى نهى الله عن ذلك بقوله : { ~~إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان } إلى قوله : { ~~فهل أنتم منتهون } وسيأتى ما فى سماع الغناء عن السلف فى كتاب الاستئذان ~~وفى كتاب فضائل القرآن ، وقد تقدم منه شيء في كتاب صلاة العيدين . وقوله : ~~( رجع القهقرى ) قال الأخفش : يعنى : رجع وراءه ووجهه إليك . وقوله فى حديث ~~عمر : ( متع النهار ) قال صاحب العين : متع النهار متوعا ، وذلك قبل الزوال ~~. وفى قوله : ( تيدكم أنشدكم بالله ) فذكر الكسائى فى كتابه الذى شرحه : ~~رويد زيد وتيد زيدا ورويدا زيدا بمعنى واحد ، ومعناه : أمهل PageV05P255 ~~زيدا ، ومن روى : أتيدكم ، فلا يجوز فى العربية ؛ لأن أتاد لا يتعدى إلى ~~مفعول ، لا تقول : أتادت زيدا ، وإنما تقول : تدكم ، كما تقول رويدكم ، ومن ~~روى : أجبت أسنمتها ، فلا يعرف ذلك فى اللغة ، إنما تقول العرب : جب الشيء ~~إذا قطع منه ms1693 ، ومنه قيل للذى قطع إحليله فاستؤصل : مجبوب ، ومن رواه : ~~اجتبت فهو جائز . والثمل : السكران . وسأذكر ما فى هذا الحديث من الغريب فى ~~كتاب المياه فى باب : بيع الحطب والكلأ إن شاء الله . قال الخطابى : وقد ~~احتج بعض أهل العلم بهذا الحديث فى إبطال أحكام السكران وقالوا : لو لزم ~~السكران ما يكون منه فى حال سكره كما كان يلزمه فى حال صحوه لكان المخاطب ~~رسول الله بما استقبله به حمزة كافرا مباح الدم . قال أبو سليمان : وقد ذهب ~~على هذا القائل أن ذلك كان منه إنما كان قبل تحريم الخمر وفى زمان كان ~~شربها مباحا ، وإنما حرمت الخمر بعد غزوة أحد . قال جابر : ( اصطبح الناس ~~الخمر يوم أحد ، ثم قتلوا آخر النهار شهداء ) فأما وقت شربت فشربها معصية ، ~~وما تولد منها لازم ، ورخص الله ما تلحق العاصي . قال المهلب : ذهب الخطابى ~~إلى أنه لما كانت الخمر مباحة وقت شربها كان ما تولد منها بالسكر من الجفاء ~~على النبى لا تلزم فيه عقوبة ، فعذره - صلى الله عليه وسلم - لتحليل الخمر ~~مع أنه كان شديد التوقير لعمه والتعظيم له والبر به . فأما اليوم والخمر ~~محرمة فيلزم السكران حد الفرية وجميع الحدود ؛ لأنه سبب زوال عقله من فعل ~~محرم عليه ، وأما ضمان إتلاف الناقتين فلزم حمزة ضمانهما لو طالبه على بذلك ~~ويمكن أن يعوضه النبى منهما ؛ إذ العلماء لا يختلفون أن جنايات الأموال لا ~~تسقط عن المجانين وغير المكلفين ، ويلزمهم ضمانها فى كل حال كما يلزم ~~العقلاء . PageV05P256 فإن قيل : ما تقول فيمن سكر من لبن أو طعام أو دواء ~~مباح فقذف غيره ؟ والجواب : أن يحمل محمل المجنون والمغمى عليه والصبى يسقط ~~حد القذف وسائر الحدود غير إتلاف الأموال ؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم - : ~~( رفع القلم عن المجنون حتى يفيق ، وعن الصبى حتى يحتلم ) فمن سكر من شيء ~~حلال فحكمه حكم هؤلاء . وقد بلغنى عن الفقيه أبى عبد الله بن الفخار أنه ~~كان يقول : من سكر من لبن أو طعام حلال أنه لا يلزمه طلاق ms1694 إن طلق فى حاله ~~تلك . وحكى الطحاوى أنه إجماع من العلماء . * * * # | 2 - باب : أداء الخمس من الدين # 1908 / فيه : ابن عباس ، قدم وفد عبدالقيس ، وقالوا : يا رسول الله ، إنا ~~هذا الحى من ربيعة بيننا وبينك كفار مضر ، فلسنا نصل إليك إلا فى الشهر ~~الحرام ، فمرنا بأمر نأخذ به ، وندعو إليه من وراءنا ، قال : ( آمركم بأربع ~~، وأنهاكم عن أربع ، الإيمان بالله وشهادة أن لا إله إلا الله ، وعقد بيده ~~، وإقام الصلاة ، وإيتاء الزكاة ، وصيام رمضان ، وأن تؤدوا لله خمس ما ~~غنمتم ، وأنهاكم عن : الدباء ، والنقير ، والحنتم والمزفت ) . قال المهلب : ~~قد تقدم هذا الباب فى كتاب الإيمان وترجم له ( باب أداء الخمس من الإيمان ) ~~وذلك بين ؛ لأنه - صلى الله عليه وسلم - أمرهم بأربع فبدأ بالإيمان بالله ~~وختم بأن تؤدوا إلى الله الخمس ، فدخل ذلك فى جملة الإيمان ، وإنما لم ~~يأمرهم بالحج ؛ لأنه لم يكن نزل حينئذ فرض الحج ، وأمرهم بأداء الخمس ؛ ~~لأنه لا يكون الخمس إلا من جهاد ، وأمرهم بالجهاد داخل فى أمرهم بالخمس ، ~~وإنما قصد إلى أداء الخمس ؛ لأن كل من بايع لم يبايع إلا على الجهاد ، وكان ~~عبد القيس PageV05P257 أهل غارات ، ولم يعرفوا أن يؤدوا منها شيئا ؛ لأنهم ~~كانوا من فتاك العرب ، فقصد لهم - صلى الله عليه وسلم - إلى إنهاء ما كانوا ~~عليه من الباطل فذمه لهم ، ونهاهم عن أشياء كلها فى معنى الانتباذ ؛ لأنهم ~~كانوا كثيرا يفعلونه ، فقصد لهم إلى الظروف التى كانوا يتذرعون فيها إلى ~~السكر لإسراع النبيذ إلى السكر فيها ، ونسخ ذلك - صلى الله عليه وسلم - بعد ~~هذا لما أمن منهم التذرع إلى الدباء والمزفت على ما يأتى فى كتاب الأشربة - ~~إن شاء الله . قوله : ( ولسنا نصل إليك إلا فى الشهر الحرام ) إنما قال ذلك ~~لأن كفار العرب كانوا لا يقاتلون فى الأشهر الحرم ، ولا يحملون السلاح فيها ~~. * * * # | 3 - باب : نفقة نساء النبى - صلى الله عليه وسلم - بعد وفاته # 1909 / فيه : أبو هريرة ، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( لا ~~يقتسم ورثتى دينارا ، ما تركت بعد ms1695 نفقة نسائى ، ومئونة عاملى ، فهو صدقة ) ~~. 1910 / وفيه : عائشة ، توفى النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، وما فى ~~بيتى من شىء يأكله ذو كبد إلا شطر شعير فى رف لى ، فأكلت منه حتى طال على ؛ ~~فكلته ففنى . 1911 / وفيه : عمرو بن الحارث ، ما ترك النبى ، - صلى الله ~~عليه وسلم - ، إلا سلاحه ، وبغلته البيضاء ، وأرضا تركها صدقة . قال الطبرى ~~: قوله : ( لا تقتسم ورثتى دينارا ولا درهما ) ليس بمعنى النهى ؛ لأنه لم ~~يترك - صلى الله عليه وسلم - دينارا ولا درهما يقتسم ؛ لأنه مات ودرعه ~~مرهونة بوسق من شعير ، ولا يجوز النهى عما لا سبيل إلى فعله ، وإنما ينهى ~~المرء عما يمكن وقوعه منه . ومعنى الخبر أنه ليس تقتسم ورثتى دينارا ولا ~~درهما ؛ لأنى لا أخلفهما بعدي . PageV05P258 وقال غيره : إنما استثنى - صلى ~~الله عليه وسلم - نفقة نسائه بعد موته ؛ لأنهن حبوسات عليه لقوله تعالى : { ~~وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله } الآية . وقوله : ( مئونة عاملي ) يريد ~~عامل نخله فيما خصه الله به من الفيء فى فدك وبنى النضير ، وسهمه بخيبر مما ~~لم يوجف عليه بخيل ولا ركاب ، وكان له من ذلك نفقته ونفقة أهله وجعل سائره ~~فى نفع المسلمين . وجرت النفقة بعده من ذلك على أزواجه وعلى عمال الحوائط ~~إلى أيام عمر ، فخير عمر أزواجه بين أن يتمادى على ذلك أو يقطع لهن قطائع ، ~~فاختارت عائشة وحفصة أن يقطع لهما قطائع فقطع لهما فى [ . . . . . ] ~~وأخرجهما عن حصتهما من ثمرة تلك الحيطان ، فملكتا ما أقطعهما عمر من ذلك ~~إلى أن ماتتا وورث عنهما . قال الطبرى : وفيه من الفقه أن من كان مشتغلا من ~~الأعمال بما فيه لله بر وللعبد عليه من الله أجر أنه يجوز أخذ الرزق على ~~اشتغاله به إذا كان فى قيامه سقوط مئونة عن جماعة من المسلمين أو عن كافتهم ~~، وفساد قول من حرم [ . . . . . ] أخذ الأجور على أعمالهم ، والمؤذنين أخذ ~~الأرزاق على تأذينهم ، والمعلمين على تعليمهم . وذلك أن النبى - صلى الله ~~عليه وسلم - جعل لولى الأمر بعده فيما كان أفاء الله عليه ms1696 مؤنته ، وإنما ~~جعل ذلك لاشتغاله ، فبان أن كل قيم بأمر من أمور المسلمين مما يعمهم نفعه ~~سبيله سبيل عامل النبى - صلى الله عليه وسلم - فى أن له المئونة فى بيت مال ~~المسلمين والكفاية ما دام مشتغلا به ، وذلك كالعلماء والقضاة والأمراء ~~وسائر أهل الشغل بمنافع الإسلام . وفى حديث أبى هريرة من الفقه الدلالة ~~البينة على أن الله أباح لعباده PageV05P259 المؤمنين اتخاذ الأموال ~~والضياع ما يسعهم لأقواتهم وأقوات أهليهم وعيالهم ، ولما ينوب من النوائب ~~ويفضل عن الكفاية ؛ لأن الرسول جعل الفضل عن نفقة أهله للسنة ومئونة عامله ~~صدقة ، فكذلك كان هو يأخذ فى حياته ، فكان يأخذ ما بقى فيجعله فيما أراه ~~الله من قوة الإسلام ، ومنافع أهله ، والخيل والسلاح ، وما يمكن صرفه فى ~~ذلك فهو مال كثير . وفى ذلك الدليل الواضح على جواز اتخاذ الأموال ~~واقتنائها ؛ طلب الاستغناء بها عن الحاجة إلى الناس ، وصونا للوجه والنفس ~~استنانا برسول الله ، وأن ذلك أفضل من الفقر والفاقة إذا أدى حق الله منها ~~، ولو كان الفقر أفضل لما كان الرسول يختار أخس المنزلتين عند الله على ~~أرفعهما ، بل كان يقسم أمواله وأصوله على أصحابه ولا سيما بين ذوى الحاجة ~~منهم ، فبان فساد قول من منع اتخاذ الأموال وادخار الفضل عن قوت يوم وليلة ~~، ووضح خطأ قول من زعم أن التوكل لا يصح لمؤمن على ربه إلا بعد ألا يحتبس ~~بعد غدائه وعشائه شيئا فى ملكه ، وأن احتباسه ذلك يخرجه من معنى التوكل ~~ويدخله فى معنى من أساء الظن بربه . ولا يجوز أن يقال أن أحدا أحسن ظنا ~~بربه من النبى - صلى الله عليه وسلم - ولا خفاء بفساد قولهم ، فإن اعترضوا ~~بما روى عن ابن مسعود أن النبى - صلى الله عليه وسلم - قال : ( لا تتخذوا ~~الضيعة فترغبوا فى الدنيا ) فمعنى ذلك : لا تتخذوها إذا خفتم على أنفسكم ~~باتخاذها الرغبة فى الدنيا ، فأما إذا لم تخافوا ذلك فلا يضركم اتخاذها ~~بدليل اتخاذ النبى - صلى الله عليه وسلم - لها . فإن قيل : فقد روى مسروق ، ~~عن عائشة قالت ms1697 : ( قال النبى PageV05P260 عليه السلام لبلال : أطعمنا . قال ~~: ماعندى إلا صبر تمر خبأناه لك . قال : أما تخشى أن يخسف الله به فى نار ~~جهنم ؟ قال : أنفق يا بلال ولا تخف من ذى العرش إقلالا ) . قيل : كان هذا ~~منه فى حال ضيق عندهم ، فكان يأمر أهل السعة أن يعودوا بفضلهم على أهل ~~الحاجة حتى فتح الله عليهم الفتوح ووسع على أصحابه فى المعاش ، فوسع على ~~أصحابه فى الاقتناء والادخار إذا أدوا حق الله فيه . قال المهلب : ومن أجل ~~ظاهر حديث أبى هريرة والله أعلم طلبت فاطمة ميراثها فى الأصول ؛ لأنها وجهت ~~قوله : ( لا تقتسم ورثتى دينارا ولا درهما ) إلى الدنانير والدراهم خاصة ، ~~لا إلى الطعام والأثاث والعروض وما يجرى فيه المئونة والنفقة . وفيه من ~~الفقه أن الحبس لا يكون بمعنى الوقف حتى يقال فيه صدقة . وأما حديث عائشة ~~فإن الشعير الذى كان عندها كان غير مكيل ، فكانت البركة فيه من أجل جهلها ~~بكيله ، وكانت تظن كل يوم أنه سيفنى لقلة كانت تتوهمها فيه ، فلذلك طال ~~عليها ، فلما كالته علمت مدة بقائه ففنى عند تمام ذلك الأمر ، والله أعلم . ~~* * * # | 4 - باب ما جاء فى بيوت أزواج النبى - صلى الله عليه وسلم - وما نسب من ~~البيوت إليهن وقوله تعالى : { وقرن فى بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجاهلية } [ ~~الأحزاب : 33 ] ، وقوله : { لا تدخلوا بيوت النبى إلا أن يؤذن لكم } [ ~~الأحزاب : 53 ] # . 1912 / فيه : عائشة ، لما ثقل النبى - صلى الله عليه وسلم - استأذن ~~أزواجه أن يمرض فى بيتى ، فأذن PageV05P261 له . وقالت : توفى النبى - صلى ~~الله عليه وسلم - فى بيتى ، وفى نوبتى وبين سحرى ونحرى ، وجمع الله بين ~~ريقى وريقه . 1913 / وفيه : صفية ، أنها جاءت النبى - صلى الله عليه وسلم - ~~تزوره ، وهو معتكف فى العشر الأواخر من رمضان ، ثم قامت تنقلب ، فقام معها ~~، حتى إذا بلغ قريبا من باب المسجد عند باب أم سلمة زوج النبى - صلى الله ~~عليه وسلم - . . . . الحديث . 1914 / وفيه : ابن عمر ، ارتقيت فوق بيت حفصة ~~. 1915 / وفيه : عائشة ، كان الرسول - صلى الله عليه وسلم ms1698 - يصلى العصر ، ~~والشمس لم تخرج من حجرتها . 1916 / وفيه : ابن عمر ، قام النبى ، - صلى ~~الله عليه وسلم - ، خطيبا ، فأشار نحو مسكن عائشة ، فقال : ( هنا الفتنة ، ~~ثلاثا ، من حيث يطلع قرن الشيطان ) . 1917 / وفيه : عائشة ، أن الرسول - ~~صلى الله عليه وسلم - كان عندها ، وأنها سمعت إنسان يستأذن فى بيت حفصة . . ~~. الحديث . قال الطبرى : فإن قال قائل : إن كان لم يورث - صلى الله عليه ~~وسلم - لقوله : ( ما تركنا صدقة ) فكيف سكن أزواجه بعد وفاته فى مساكنه إن ~~كن لم يرثنه إذا ؟ وكيف لم يخرجن عنها ؟ فالجواب فى ذلك أن طائفة من ~~العلماء قالت : إن النبى - صلى الله عليه وسلم - إنما جعل لكل امرأة منهن ~~كانت ساكنة فى مسكن مسكنها الذى كانت تسكنه فى حياته ، فملكت ذلك فى حياته ~~، فتوفى الرسول يوم توفى وذلك لها ، ولو كان صار لهن ذلك من وجه الميراث ~~عنه لم يكن لهن منه إلا الثمن ، ثم كان ذلك الثمن أيضا مشاعا فى جميع ~~المساكن لجميعهن . وفى ترك منازعة العباس وفاطمة إياهن فى ذلك وترك منازعة ~~PageV05P262 بعضهن بعضا ، فيه دليل واضح على أن الأمر فى ذلك كما ذكرناه . ~~وقد قال تعالى لهن : { وقرن فى بيوتكن } لئلا يخرجن عن منازلهن بعد وفاة ~~الرسول . وقال آخرون : إنما تركن فى المساكن التى سكنها فى حياة النبى ؛ ~~لأن ذلك كان من مئونتهن التى كان رسول الله استثناه لهن مما كان بيده أيام ~~حياته ، كما استثنى نفقاتهن حين قال : ( ما تركت بعد نفقة نسائى ومئونة ~~عاملى فهو صدقة ) قالوا : ويدل على صحة ذلك أن مساكنهن لم يرثها عنهن ~~ورثتهن ، ولو كان ذلك ملكا لهن كان لا شك يورث عنهن ، وفى ترك ورثتهن ~~حقوقهم من ذلك دليل أنه لم يكن لهن ملكا ، وإنما كان لهن سكناه حياتهن ، ~~فلما مضين بسبيلهن جعل ذلك زيادة فى المسجد الذى يعم المسلمين نفعه كما فعل ~~ذلك فى الذى كان لهن من النفقات فى تركة رسول الله ، صرفه فيما يعم نفعه . ~~قال المهلب : وفى هذا من الفقه أن من سكن ms1699 حبسا حازه بالسكنى ، وإن كان ~~للمحبس فيه بعض السكنى والانتفاع أن ذلك جائز فى التحبس ، ولا ينقض التحبس ~~ما له فيه من الانتفاع اليسير ؛ لأن الرسول كان ينتاب كل واحدة منهن فى ~~نوبتها ، فليلة من تسع ليال يسير . ولذلك قال مالك : إن المحبس قد يسكن ~~البيت من الدار التى حبس ولا ينتقض بذلك حوزها . وقال صاحب العين : السحر ~~والنحر : الرية وما يتعلق بالحلقوم . PageV05P263 # | 5 - باب ما ذكر من درع النبى - صلى الله عليه وسلم - وعصاه وسيفه وقدحه ~~وخاتمه وما استعمل الخلفاء بعده من ذلك مما لم يذكر قسمته ، ومن شعره ونعله ~~وآنيته مما يتبرك أصحابه وغيرهم بعد وفاته # . 1918 / فيه : أنس ، أن أبا بكر لما استخلف بعثه إلى البحرين ، وكتب له ~~هذا الكتاب ، وكان نقش الخاتم ثلاثة أسطر : ( محمد سطر ، ورسول سطر ، والله ~~سطر ) . 1919 / وفيه : أنس ، أنه أخرج نعلين جرداوين لهما قبالان ، وهما ~~نعلا النبى ، - صلى الله عليه وسلم - . 1920 / وفيه : أبو بردة ، أخرجت ~~إلينا عائشة كساء ملبدا ، وقالت : فى هذا نزع روح النبى ، - صلى الله عليه ~~وسلم - . وقال مرة : أخرجت إلينا إزارا غليظا مما يصنع باليمن ، وكساء من ~~ملبدا . 1921 / وفيه : أنس ، أن قدح النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، ~~انكسر ، فاتخذ مكان الشعب سلسلة من فضة . 1922 / - وفيه : على بن حسين ، ~~أنه لقى المسور بن مخرمة ، حين قدم المدينة من عند يزيد مقتل حسين بن على ، ~~فقال المسور : هل لك إلى من حاجة تأمرنى بها ؟ فقلت له : لا ، فقال له : ~~فهل أنت معطى سيف النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، فإنى أخاف أن يغلبك ~~القوم عليه ؟ وايم الله لئن أعطيتنيه لا يخلص إليهم أبدا حتى تبلغ نفسى ، ~~إن على بن أبى طالب خطب ابنة أبى جهل على فاطمة عليها السلام فسمعت رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - يخطب الناس فى ذلك على منبره هذا ، وأنا يومئذ ~~محتلم ، فقال : إن فاطمة منى ، وأنا أتخوف أن تفتن فى دينها ، ثم ذكر صهرا ~~له إلى قوله : والله لا تجتمع ابنة رسول الله ms1700 - صلى الله عليه وسلم - ابنة ~~عدو الله أبدا ) . PageV05P264 1923 / وفيه : ابن الحنفية ، قال : لو كان ~~على ذاكرا عثمان ذكره يوم جاءه ناس فشكوا سعاة عثمان ، فقال لى على : اذهب ~~إلى عثمان ، فأخبره أنها صدقة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فمر ~~سعاتك يعملوا بها ، فأتيته بها ، فقال : أغنها عنا ، فأتيت بها عليا ، ~~فأخبرته فقال : ضعها حيث أخذتها . وقال ابن الحنفية أيضا : أرسلنى أبى ، خذ ~~هذا الكتاب ، فاذهب به إلى عثمان ، فإن فيه أمر النبى ، - صلى الله عليه ~~وسلم - ، فى الصدقة . قال : اتفاق الأمة بعد النبى - صلى الله عليه وسلم - ~~أنه لم يملك أحد درعه ولا عصاه وسيفه وقدحه وخاتمه ونعله ، يدل أنهم فهموا ~~من قوله : ( لا نورث ، ما تركنا صدقة ) أنه عام فى صغير الأشياء وكبيرها ~~فصار هذا إجماعا معصوما ، لأنه لا يجوز على جماعة الصحابة الخطأ فى التأويل ~~، وهذا رد على الشيعة الذين ادعو أن أبا بكر الصديق وعمر بن الحطاب حرما ~~فاطمة والعباس ميراثهما من النبي . وقد روى الطبرى قال : حدثنا يعقوب ابن ~~إبراهيم ، قال : حدثنا ابن علية ، قال : حدثنا أبو إسحاق قال : قلت لأبى ~~جعفر : أرأيت عليا حين ولى العراق وما كان بيده من سلطانه كيف صنع فى سهم ~~ذى القربى ؟ قال : سلك به والله طريق أبى بكر وعمر ) . قال المهلب : إنما ~~ذكر هذه الآثار كلها فى هذا الباب لتكون سنة للخلفاء فى الختم واتخاذ ~~الخاتم لما يحتاج فيه إليه ، واتخاذ السيف والدرع أيضا للحرب ، وأما الشعر ~~فإنما استعمله الناس على سبيل التبرك به من النبى خاصة ، وليس ذلك من غيره ~~بتلك المنزلة ، وكذلك PageV05P265 النعلان من باب التبرك أيضا ليس لأحد فى ~~ذلك مزية رسول الله ولا يتبرك من غيره بمثل ذلك . وأما طلب المسور لسيف ~~الرسول من على بن حسين ، فإنه أراد التبرك به ؛ لأنه من أحباس المسلمين ، ~~وكان بيدى الحسين ، فلما قتل أراد أن يأخذه المسور لئلا يأخذه بنو أمية ، ~~ثم حلف إن أعطاه إياه أنه لا يخلص إليه أبدا ، بشاهد من فعل رسول الله ms1701 على ~~الحلف والقطع على المستقبل ثقة بالله فى إبراره ، واشترط فى يمينه شريطة ~~دون ما حلف عليه صلى الله عليه وهى قوله : ( لا يخلص إليه حتى تخلص إلى ~~نفسي ) . وقوله : إن على بن أبى طالب خطب ابنة أبى جهل على بنت رسول الله ، ~~فكره رسول الله ذلك ، وخطب الناس ، وعرفهم أنه لا يحرم حلالا أحله الله مما ~~يعرضه على من الخطبة على فاطمة ، ولكنه أعز نفسه وبنته من أن تضارها بنت ~~عدو الله ، وأقسم على الله ألا يجتمعا عند رجل واحد ثقة بالله أنه يبر قسمه ~~- صلى الله عليه وسلم - ، وقد قال : ( رب أشعث ذى طمرين لا يؤبه له لو أقسم ~~على الله لأبره ) ، والرسول أولى الناس بهذه المنزلة ، فأقسم على ذلك لعلمه ~~أن الله قد منع المؤمنين أذاه ؛ لقوله تعالى : { وما كان لكم أن تؤذوا رسول ~~الله } وقد قال - صلى الله عليه وسلم - في ابنته أنه يؤذيه ما يؤذيها ، ~~فليس لأحد من المؤمنين أن يفعل شيئا يتأذى به النبى ، وإن كان فعل ذلك له ~~مباحا ، وسيأتى القول فى تمام هذا فى كتاب النكاح فى باب : ذب الرجل عن ~~ابنته فى الغيرة إن شاء الله . وفى حديث ابن الحنفية من الفقه أن الإمام ~~إذا نسب إلى خدمته PageV05P266 أمر أنه يجب على أصحابه إعلامه بذلك ، ~~وإعلام الصواب فيما نسب إليهم ، كما فعل على ، وما قيل فى سعاة عثمان وشكى ~~فيهم قد يمكن أن يكون باطلا ، كما شكى سعد بن أبى وقاص إلى عمر بالباطل ، ~~وقد يجوز أن يكون من بعض سعاة عثمان ما يكون من البشر . وأما رد الصحيفة ~~وقوله : ( أغنها عنا ) فذلك لأنه كان عنده نظير منها ولم يجهلها ، لا أنه ~~ردها وليس عنده علم منها ، ولأنه قد كان أمر بها سعاته فلا يجوز على عثمان ~~غير هذا . وفيه : أن الصاحب إذا سمع عن السلطان أمرا مكروها أن ينبه بألطف ~~التنبيه ، وأن يسند ذلك إلى من كان قبله كما أسند على أمر الصحيفة إلى رسول ~~الله ، وأسند عروة ابن الزبير ms1702 فى إنكاره على عمر بن عبد العزيز تأخير ~~الصلاة إلى أبى موسى ، وأنه أنكر ذلك على المغيرة بن شعبة فاحتج بأسوة ~~تقدمت له فى الإنكار على الأئمة ، ثم أسند له الحديث حين رفعه عمر . وقوله ~~: ( لو كان على ذاكرا عثمان ) بشر ذكره فى هذه القصة ، فدل أن عليا عذر ~~عثمان بالتأويل ، ولم يكن عنده مخطئا ولا مذموما ، وقد تقدم فعل أبى بكر ~~وعمر فى باب : فرض الخمس . قال الطبرى : وأما فعل عثمان فى صدقة النبى - ~~صلى الله عليه وسلم - فحدثنا ابن حميد ، قال : حدثنا جرير ، عن مغيرة قال : ~~( لما ولى عمر بن عبد العزيز جمع بنى أمية فقال : إن النبى - صلى الله عليه ~~وسلم - كانت له فدك فكان يأكل منها وينفق ويعود على فقراء بنى هاشم ويزوج ~~منهم أيمهم ، و أن فاطمة سألته أن يجعلها لها فأبى ، فكانت كذلك ~~PageV05P267 حياة الرسول حتى قبض ، ثم ولى أبو بكر فكانت كذلك فعمل فيها ~~بما عمله رسول الله حياته ، ثم ولى عمر فعمل فيها مثل ذلك ، ثم ولى عثمان ~~فأقطعها مروان ، فجعل مروان ثلثيها لعبد الملك وثلثها لعبد العزيز ، فجعل ~~عبد الملك ثلثا للوليد ، وثلثا لسليمان ، وجعل عبد العزيز ثلثه لى ، فلما ~~ولى الوليد جعل ثلثه لى ، فلم يكن لى مال أعود على ولا أسد لحاجتى منها ، ~~ثم وليت أنا فرأيت أن أمرا منعه النبى - صلى الله عليه وسلم - فاطمة ابنته ~~أنه ليس لى بحق ، وإنى أشهدكم أنى قد رددتها إلى ما كانت عليه فى عهد رسول ~~الله ) . قال الطبرى : وأما عثمان فإنه كان يرى فى ذلك أنه لقيم أمر ~~المسلمين أن يصرفه فيما رأى صرفه فيه ، ولذلك أقطعه مروان وذهب فى ذلك إن ~~شاء الله إلى ما حدثنا أبو كريب قال : حدثنا محمد بن فضيل ، حدثنا الوليد ~~بن جميع ، عن أبى الطفيل قال : ( جاءت فاطمة إلى أبى بكر فقالت : أنت ورثت ~~رسول الله أم أهله ؟ قال : بل ورثه أهله . قالت : فما بال سهم الرسول ؟ قال ~~: سمعت النبى - - صلى الله عليه وسلم - يقول ms1703 : ( إذا أطعم الله نبيا طعمة ~~فقبض ، فهو للذى يقوم بعده ، فرأيت أن أجعلها فى الكراع والسلاح ) . قالت : ~~فأنت وما سمعت من رسول الله ) وبهذا قال الحسن وقتادة . قال الطبرى : فإن ~~قال قائل : فما وجه هذا الحديث وقد صح عن النبى - صلى الله عليه وسلم - أنه ~~قال : ( ما تركت بعد نفقة نسائى ومئونة عاملى فهو صدقة ) فكيف يكون وهو ~~صدقة ملكا لمن يقوم بعده ؟ قيل : معنى قوله - صلى الله عليه وسلم - : ( فهو ~~للذى يقوم بعده ) يعمل فيه ما كان - صلى الله عليه وسلم - يعمل ويسلك به ~~المسلك الذى كان يسلك ، لا أنه جعله ملكا ، وهذا التأويل يمنع الخبرين من ~~التنافى . فإن قيل : وما ينكر أن يكون صدقة له من رسول الله تصدق بها عليه ~~بعد وفاته ؛ إذ PageV05P268 كانت صدقة التطوع عندك حلال للغنى والفقير ، ~~وإنما الحرام منها ما كان فرضا على الأغنياء ؛ لأن الله جعلها لأهل السهمان ~~فى كتابه ؟ قيل : أنكرنا ذلك من أجل أنه لو كان كذلك صح أنه كان لأبى بكر ~~ملكا ، ولوجب أن يكون بعد أبى بكر موروثا عنه ، إذ كان أبو بكر قد ورثه ~~أهله ، وقيام الحجة بأنه لم يورث عنه ، للدلالة الواضحة على أنه لم يكن ~~لولى الأمر من بعد رسول الله ملكا ، وإنما كان إليه صرف علات ذلك فى وجوها ~~وسبلها . فإن قيل : فما معنى قول أبى بكر لفاطمة : بل ورثه أهله ؟ قيل : ~~معنى ذلك : بل ورثه أهله إن كان خلف شيئا يورثه ، ولم يترك شيئا يورث عنه ؛ ~~لأن ما كان بيده من الأموال مما لم يوجف عليه بخيل ولا ركاب ، إنما كان ~~طعمة من الله له ، على أن يأكل منه هو وأهله ما احتاج واحتاجوا ، ويصرف ما ~~فضل على ذلك فى تقوية الإسلام وأهله ، فقبضه الله ، ولم يخلف شيئا هو له ~~ملك يقتسمه أهله عنه ميراثا . ويبين ذلك قول عائشة : ( مات رسول الله ، ولم ~~يترك دينارا ولا درهما ولا بعيرا ولا شاة ، ولقد مات وإن درعه لمرهونة بوسق ~~من شعير ) . وقول عثمان : ( أغنها عنا ms1704 ) يقول : اصرفها عنا ، يقال : أغنيت ~~عنك كذا : صرفته عنك . ومنه قوله تعالى : { لكل امرىء منهم يومئذ شأن يغنيه ~~} يعنى : يصرفه . قال صاحب الأفعال : أغنى عنك الشيء صرف عنك ما تكره . وفى ~~القرآن : { ما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون } و { ما أغنى عنى ماليه } وقوله ~~: مما يتبرك أصحابه . المعنى : يتبرك به ، PageV05P269 وحذف ( به ) جائز ، ~~كحذفها من قوله تعالى : { فاصدع بما تؤمر } وحذف الأدوات موجود سائغ ؛ ~~لقوله : { يوم لا تجزى نفس عن نفس شيئا } تقديره : تجزى فيه . قال الشاعر : ~~إن الكريم وأبيك معتمل إن لم يجد يوما على من يتكل يريد : يتكل عليه . * * ~~* # | 6 - باب الدليل على أن الخمس لنوائب النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، ~~والمساكين وإيثار النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، أهل الصفة والأرامل حين ~~سألته فاطمة ، وشكت إليه الطحن والرحى أن يخدمها من السبى ، فوكلها إلى ~~الله تعالى # . 1924 / فيه : على ، أن فاطمة اشتكت ما تلقى من الرحى مما تطحن ، فبلغها ~~أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أتى بسبى ، فأتته تسأله خادما ، فلم ~~توافقه ، فذكرت لعائشة ، فجاء النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، فذكرت ذلك ~~عائشة له ، فأتانا ، وقد دخلنا مضاجعنا ، فذهبنا لنقوم ، فقال : على ~~مكانكما ، حتى وجدت برد قدميه على صدرى ، فقال : ( ألا أدلكما على خير مما ~~سألتماه ، إذا أخذتما مضاجعكما ، فكبرا الله أربعا وثلاثين ، واحمدا ثلاثا ~~وثلاثين ، وسبحا ثلاثا وثلاثين ، فإن ذلك خير لكما مما سألتماه ) . قال ~~إسماعيل بن إسحاق : هذا الحديث شاهد أن الإمام يقسم الخمس حيث رأى على ~~الاجتهاد ؛ لأن السبى الذى أتى النبى لا يكون والله أعلم إلا من الخمس ؛ إذ ~~كانت الأربعة الأخماس تدفع إلى من حضر الوقعة ، ثم منع الرسول أقربيه وصرفه ~~إلى غيرهم ، وبهذا قال مالك والطحاوى PageV05P270 وذهب قوم أن لذوى قرابة ~~رسول الله سهم من الخمس مفروض ، لقوله : { فإن لله خمسه وللرسول ولذى ~~القربى } وهم : بنو هاشم ، وبنو عبد المطلب خاصة ، لإعطاء رسول الله إياهم ~~دون سائر قرابته . هذا قول الشافعى ، وأبى ثور . وذهب قوم إلى أن قرابة ~~رسول الله لا ms1705 سهم لهم من الخمس معلوما ولا حظ لهم خلاف حظ غيرهم . وقالوا : ~~وإنما جعل الله لهم ما جعل من ذلك فى الآية المذكورة بحال فقرهم وحاجتهم ؛ ~~فأدخلوهم مع الفقراء والمساكين ، فكما يخرج الفقير والمسكين من ذلك بخروجهم ~~من المعنى الذى استحقوا به ذلك ، وهو الفقر ، فكذلك قرابة رسول الله ~~المذكورون معهم إذا استغنوا خرجوا من ذلك . قالوا : ولو كان لقرابة رسول ~~الله حظ لكانت فاطمة ابنته بينهم ؛ إذ كانت أقربهم إليه نسبا ، وأمسهم به ~~رحما ، فلم يجعل لها حظا فى السبى ، ولا أخدمها ، ولكن وكلها إلى ذكر الله ~~وتحميده وتهليله الذى يرجو لها به الفوز من الله ، والزلفى عنده . قال ~~الطبرى : ولو كان قسما مفروضا لذوى القربى لأخدم ابنته ، ولم يكن - صلى ~~الله عليه وسلم - ليدع قسما اختاره الله لهم وامتن به عليهم ؛ لأن ذلك حيف ~~على المسلمين ، واعتراض لما أفاء الله عليهم ، فأخدم منه ناسا ، وتركه ~~ابنته ، ثم لم تدع فيه رضى الله عنها حقا لقرابة حين وكلها إلى التسبيح ، ~~ولو كان فرضا لبينه تعالى كما بين فرائض المواريث . قال الطحاوى : وبذلك ~~فعل أبو بكر وعمر بعد النبى - صلى الله عليه وسلم - قسما جميع الخمس ، ولم ~~يريا لقرابة رسول الله حقا ، خلاف حق سائر الناس ، ولم ينكره عليهما أحد من ~~أصحاب PageV05P271 رسول الله ، ولا خالفهما فيها ، إذا ثبت الإجماع من أبى ~~بكر وعمر وجميع أصحاب النبى عليه السلام ثبت القول به ، ووجب العمل به ، ~~وترك خلافه ، وكذلك فعل على لما صار الأمر إليه ، حمل الناس عليه ، على ما ~~ثبت فى الباب . قال المهلب : الأثرة بينة فى هذا الحديث ، وذلك أن ابنة ~~النبى لما استخدمته خادما ، فعلمها من تحميده وتسبيحه وتكبيره ما هو أنفع ~~لها بدوم النفع ، وآثر بذلك الفقراء الذين كانوا فى المسجد ؛ قد أوقفوا ~~أنفسهم لسماع العلم ، وضبط السنن على شبع بطونهم ، لا يرغبون فى كسب مال ~~ولا راحة عيال ، فكأنهم استأجروا أنفسهم من الله بالقوت ، فكان إيثار النبى ~~لهم ، وحرمان ابنته دليل واضح أن الخمس مرقوب للأوكد ms1706 فالأوكد ، وليس على من ~~ذكر الله بالسوية كما زعم الشافعى لأنه آثر المساكين على ذوى القربى ، وهم ~~مذكورون فى الآية قبلهم ، وإنما الأمر موكول فيه إلى اجتهاده - صلى الله ~~عليه وسلم - ، له أن يحرم من يشاء ، ويعطى من يشاء . وفيه : أن طلبة العلم ~~مقدمون فى خمس الغنائم على سائر من ذكر الله له فيها اسما . وذكر إسماعيل ~~بن إسحاق من حديث ابن عيينة وحماد بن سلمة عن عطاء بن السائب ، عن أبيه ، ~~عن على بن أبى طالب أن النبى - صلى الله عليه وسلم - قال لعلى وفاطمة : ( ~~لا أخدمكما وأدع أهل الصفة يطوون جوعا ، لا أجد ما أنفق عليهم ، ولكن أبيعه ~~فأنفقه عليهم ) . PageV05P272 قال المهلب : وفيه من النفقه حمل الإنسان ~~أهله على ما يحمل عليه نفسه من التقلل فى الدنيا ، وتسليهم عنها بما أعد ~~الله للصابرين فى الآخرة . وفيه : دخول الرجل على ابنته ، وهى راقدة مع ~~زوجها . وفيه : جواز جلوسه بينهما ، وهما راقدان ومباشرة قدميه وبعض جسده ~~جسم ابنته ، وجواز مباشرة ذوى المحارم ، وهو خلاف قول مالك ، وقول من أجاز ~~ذلك أولى لموافقة الحديث له . وفيه : أن أقل الأعمال الصالحة خير مكافأة فى ~~الآخرة من عظيم من أمور الدنيا ، أن يكون التسبيح وهو قول : خير أجرا فى ~~الآخرة من خادم فى الدنيا ، وعنائها بالخدمة والسعاية عن مالكها ، فكيف ~~بالصلاة والحج وسائر الأعمال التى تستعمل فيها الأعضاء والبدن كله . * * * # | 7 - باب قوله تعالى : { فأن لله خمسه وللرسول } [ الأنفال : 41 ] يعنى ~~: وللرسول قسم ذلك ، قال - صلى الله عليه وسلم - : ( إنما أنا قاسم وخازن ، ~~والله يعطى ) # . 1925 / فيه : جابر ، ولد لرجل غلام ، فأراد أن يسميه محمدا ، فقال ~~النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( سموا باسمى ، ولا تكنوا بكنيتى ، إنما ~~جعلت قاسما ، أقسم بينكم ) . 1926 / وقال جابر : ولد لرجل منا غلام ، فسماه ~~القاسم ، فقالت الأنصار : لا نكنيك أبا القاسم ، ولا ننعمك عينا ، فأخبر ~~النبى ؛ - صلى الله عليه وسلم - ، فقال : ( أحسنت الأنصار ، سموا باسمى ، ~~ولا تكنوا بكنيتى ، فإنما أنا قاسم ) . PageV05P273 1927 / وفيه : معاوية ، ~~قال - صلى الله عليه ms1707 وسلم - : ( من يرد الله به خيرا يفقهه فى الدين ، ~~والله المعطى ، وأنا القاسم ) . 1928 / - وقال أبو هريرة : عن الرسول - صلى ~~الله عليه وسلم - : ( إنما أنا قاسم أضع حيث أمرت ) . 1929 / وفيه : خولة ، ~~قال النبى ؛ - صلى الله عليه وسلم - : ( إن رجالا يتخوضون فى مال الله بغير ~~حق ، فلهم النار يوم القيامة ) . وغرض البخارى فى هذا الباب أيضا الرد على ~~من جعل للنبى خمس الخمس ملكا استدلالا بقوله تعالى : { واعلموا أنما غنمتم ~~من شيء فأن لله خمسه وللرسول } وهو قول الشافعي . قال إسماعيل بن إسحاق : ~~وقد قيل فى الغنائم كلها لله وللرسول ، كما قيل فى الخمس لله وللرسول ، ~~أفكانت الأنفال كلها للنبى - صلى الله عليه وسلم - بل علم المسلمون أن ~~الأمر فيها مردود إليه ، فقسمها - صلى الله عليه وسلم - وكان فيها كرجل من ~~المسلمين ، بل لعل ما أخذ من ذلك أقل من حظ رجل ، بلغنا أنه تنفل سيفه ذا ~~الفقار يوم بدر ، وقيل : جملا لأبى جهل ، وقد علم كل عاقل أنه لا يشرك بين ~~الله ورسوله وبين أحد من الناس ، وأن ما كان لله ولرسوله ، فالمعنى فيه ~~واحد ؛ لأن طاعة الله طاعة رسوله . وسئل الحسن بن محمد بن على عن قوله ~~تعالى : { واعلموا أنما غنمتم من شىء فأن لله خمسه وللرسول } قال : هذا ~~مفتاح كلام الله ، الدنيا والآخرة . قال المهلب : وإنما خص بنسبة الخمس ~~إليه - صلى الله عليه وسلم - ؛ لأن ليس PageV05P274 للغانمين فيه دعوى ، ~~وإنما هو إلى اجتهاد الإمام ، فإن رأى رفعه فى بيت المال لما يخشى أن ينزل ~~بالمسلمين رفعه ، أو يجعله فيما يراه ، وقد يقسم منه للغانمين ، كما أنه ~~يعطى من المغانم لغير الغانمين ، كما قسم لجعفر وغيره ممن لم يشهد الوقعة ، ~~فالخمس وغيره إلى قسمته - صلى الله عليه وسلم - واجتهاد ، وليس له فى الخمس ~~ملك ، ولا يمتلك من الدنيا إلا قدر حاجته ، وغير ذلك كله عائد على المسلمين ~~، وهذا معنى تسميته بقاسم ، وليست هذه التسمية بموجبة ألا تكون أثر فى ~~اجتهاده لقوم دون قوم . وقوله : ( أحسنت الأنصار ) يعنى : فى ms1708 تعزيز نبيها ، ~~وتوقيره من أن يشارك فى كنيته ، فيدخل عليه النعت عند النداء بغيره لتشوفه ~~إلى الداعى ، كما عرض له فى السوق ، فنهى عن كنيته ، وأباح اسمه للبركة ~~المرجوة منه [ . . . . ] فى التسمية من الفأل الحسن ؛ لأنه من معنى الحمد ؛ ~~ليكون محمودا من تسمى باسمه . وقوله : ( لا أعطيكم ، ولا أمنعكم ) يقول : ~~الله يعطى فى الحقيقة ، وهو يمنع ، وإنما أعطيكم بقدر ما يسرنى الله له . ~~ومعنى حديث خولة فى هذا الباب ، أن من أخذ من المقاسم شيئا بغير قسم الرسول ~~أو الإمام بعده ، فقد تخوض فى مال الله بغير حق ، ويأتى بما غل يوم القيامة ~~. وفيه ردع للولاة والأمراء أن يأخذوا من مال الله شيئا بغير حقه ، ولا ~~يمنعوه من أهله . PageV05P275 # | 8 - باب قول الرسول - صلى الله عليه وسلم - : ( أحلت لكم الغنائم ) ~~وقوله : { وعدكم الله مغانم كثيرة تأخذونها } الآية [ الفتح : 20 ] # فهى للعامة حتى يبينه الرسول - صلى الله عليه وسلم - . 1930 / فيه : عروة ~~البارقى ، قال الرسول - صلى الله عليه وسلم - : ( الخيل معقود فى نواصيها ~~الخير : الأجر والمغنم إلى يوم القيامة ) . 1931 / وفيه : أبو هريرة ، ~~وجابر بن سمرة ، قال الرسول - صلى الله عليه وسلم - : ( إذا هلك كسرى ، فلا ~~كسرى بعده ، وإذا هلك قيصر ، فلا قيصر بعده ، والذى نفسى بيده لتنفقن ~~كنوزهما فى سبيل الله ) . 1932 / وفيه : أبو هريرة ، قال - صلى الله عليه ~~وسلم - : ( تكفل الله لمن جاهد فى سبيله بأن يدخله الجنة أو يرجعه إلى ~~مسكنه مع ما نال من أجر أو غنيمة ) . 1933 / وفيه : أبو هريرة ، قال - صلى ~~الله عليه وسلم - : ( غزا نبى من الأنبياء ، فقال لقومه : لا يتبعنى رجل ~~ملك بضع امرأة ، وهو يريد أن يبنى بها ، ولما يبن بها ، ولا أحد بنى بيوتا ~~، ولم يرفع سقوفها ، ولا أحد اشترى غنما أو خلفات ، وهو ينتظر ولادها ، ~~فغزا فدنا من القرية صلاة العصر ، أو قريبا من ذلك ، فقال للشمس : إنك ~~مأمورة ، وأنا مأمور ، اللهم احبسها علينا ، فحبست حتى فتح الله عليه ، ~~فجمع الغنائم ، فجاءت - يعنى النار - لتأكلها ، فلم تطعمها ، فقال : إن ~~فيكم ms1709 غلولا ، فليبايعنى من كل قبيلة رجل ، فلزقت يد رجل بيده ، قال : فيكم ~~الغلول ، فليبايعنى قبيلتك ، فلزقت يد رجلين أو ثلاثة بيده ، فقال : فيكم ~~الغلول ، فجاءوا برأس مثل رأس بقرة من الذهب ، فوضعوها ، فجاءت النار ، ~~فأكلتها ، ثم أحل الله لنا الغنائم رأى ضعفنا ، وعجزنا فأحلها لنا ) . ~~PageV05P276 قال المهلب : قوله ( فهى للعامة ) يعنى : لجميع الناس ، حتى ~~يبين الرسول من يستحقها ، وكيف تقسم ، وقد بين الله بقوله : { واعلموا أنما ~~غنمتهم من شيء فأن لله خمسه } إلى { السبيل } وأما قوله : { وعدكم الله ~~مغانم كثيرة تأخذونها فعجل لكم هذه } فإنما خاطب بهذه الآية أهل الحديبية ~~خاصة ، ووعدهم بها ، فلما انصرفوا من الحديبية فتحوا خيبر ، وهى التى عجل ~~لهم . وقال ابن أبى ليلى : { وأثابهم فتحا قريبا } يعنى : خيبر { وأخرى لم ~~تقدروا عليها } قال : فارس والروم . وقال مروان والمسور : انصرف رسول الله ~~من الحديبية ، فنزلت عليه سورة الفتح فيما بين مكة والمدينة ، فأعطاه الله ~~فيها خيبر ، فقدم رسول الله المدينة فى ذى الحجة ، وسار إلى خيبر فى المحرم ~~، وقوله : { وكف أيدى الناس عنكم } وحيالكم بالمدينة حين ساروا إلى ~~الحديبية وإلى خيبر . قال المهلب : فى حديث النبى الذى أمر ألا يتبعه من لم ~~يتزوج : فيه دليل أن فتن الدنيا تدعو النفس إلى الهلع وتخيبها ؛ لأن من ملك ~~بضع امرأة ، ولم يبن بها ، أو بنى بها ، وكان على طراوة منها ، فإن قلبه ~~متعلق بالرجوع إليها ، وشغله الشيطان عما هو فيه من الطاعة ، فرمى فى قلبه ~~الجزع ، وكذلك ما فى الدنيا من متاعها وقنيتها . وفى قوله للشمس : ( إنك ~~مأمورة ) دليل فى الوم ، وأصل فى PageV05P277 العبادة على ضيق وقت العمل ~~الذى الرأى فيه فى اليقظة ، وثبات وقته ، فيكون تنبيها على الأخذ بالحزم . ~~وفيه : أن قتال آخر النهار وإذا هبت رياح النصر أفضل ، كما كان - صلى الله ~~عليه وسلم - يفعل . وقوله : ( احبسها علينا ) دعاء إلى الله أن يمد لهم ~~الوقت حتى يفتحوا المدينة . وقيل : فى قوله : ( احبسها علينا ) أقوال : ~~أحدها : أنها ردت على أدراجها . وقيل : أوقفت ، فلم تبرح . وقيل : بطؤ ~~تجريها وسيرها ms1710 ، وهو أولى الأقوال بجريها على العادة ، وإن كان خرق العادة ~~للأنبياء جائز ، فكل الوجوه جائزة ، وكانت المغانم للأنبياء المتقدمين ~~يجمعونها فى برية ، فتأتى نار من السماء فتحرقها ، فإن كان فيها غلول أو ~~مالا يحل لم تأكلها ، وكذلك كانوا يفعلون فى قربانهم ، كان المتقبل تأكله ~~النار وما لا يتقبل يبقى على حاله لا تأكله . ودعاء هذا النبى قومه ~~بالمبايعة بمصافحة أيديهم ، اختبار منه للقبيل الذى فيهم الغلول ، من أجل ~~ظهور هذه الآية ، وهى لصوق يد المبايع بيد النبي . وفيه : أن الأنبياء قد ~~يحكمون فى الأشياء المعجزات بآيات يظهرها الله على أيديهم شهادة على ما ~~التبس من أمر الحكم ، وقد يحكمون أيضا بحكم لا يكون آية معجزة ، ويكون ~~النبى وغيره من الحكام سواء ، أو يكون اجتهادهم على حسب ما يتأدى إليهم من ~~مقالة الخصمين ؛ فذلك إنما هو ليكون سنة لمن بعدهم . وفيه : أن الغنائم لم ~~تحل لأحد غير محمد وأمته . وفيه : دليل على تجديد البيعة إذا احتيج إلى ذلك ~~لأمر وقع ، وقد فعل ذلك - صلى الله عليه وسلم - تحت الشجرة . PageV05P278 ~~وفيه : جواز إحراق أموال المشركين وما غنم منها . * * * # | 9 - باب : الغنيمة لمن شهد الوقعة # 1934 / - وفيه : عمر ، قال : لولا آخر المسلمين ، ما فتحت قرية إلا ~~قسمتها بين أهلها كما قسم النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، خيبر . فيه : ~~الغنيمة لمن شهد الوقعة . وهو قول أبى بكر وعمر ، وعليه جماعة الفقهاء . ~~فإن قيل : فإن رسول الله قسم لجعفر بن أبى طالب ، ومن قدم فى سفينة أبى ~~موسى من غنائم خيبر ، وهم لم يشهدوها ؟ فالجواب : أن خيبر مخصوصة بذلك ؛ ~~لأنه - صلى الله عليه وسلم - لم يقسم غير خيبر لمن لم يشهدها ، فلا يجوز أن ~~تجعل خيبر أصلا يقاس عليه . قال المهلب : وإنما قسم من خيبر لأصحاب السفينة ~~؛ لشدة حاجتهم فى بدء الإسلام ، بأنهم كانوا للأنصار تحت منح من النخيل ~~والمواشى لحاجتهم ، فضاقت بذلك إخوان الأنصار ، وكان المهاجرون من ذلك فى ~~شغل بال [ . . . . ] عوض الرسول المهاجرين ، ورد إلى الأنصار منائحهم . قال ~~الطحاوى : وقد يحتمل أنه - صلى ms1711 الله عليه وسلم - استطاب أنفس أهل الغنيمة ، ~~وقد روى ذلك عن أبى هريرة ، وسنذكره عن [ . . . . . ] ونذكر هناك وجوها أخر ~~للعلماء فى إسهام النبى لأهل السفينة من غنائم خيبر . واما قول عمر : ( ~~لولا آخر المسلمين ما فتحت قرية إلا قسمتها بين PageV05P279 أهلها ، كما ~~فعل رسول الله بخيبر ) فإن أهل العلم اختلفوا فى حكم الأرض ، فقال أبو عبيد ~~: وجدنا الآثار عن الرسول والخلفاء بعده قد جاءت فى افتتاح الأرض بثلاثة ~~أحكام : أرض أسلم عليها أهلها فهى لهم ملك ، وهى أرض عشر لا شيء عليهم فيها ~~غيره ، وأرض افتتحت صلحا على خراج معلوم ، فهم على ما صولحوا عليه ، لا ~~يلزمهم أكثر منه ، وأرض افتتحت عنوة ، فهى التى اختلف فيها المسلمون ، فقال ~~بعضهم : سبيلها سبيل الغنيمة ، فتكون أربعة أخماسها حصصا بين الذين ~~افتتحوها ، والخمس الباقى لمن سمى الله . قال ابن المنذر : وهذا قول ~~الشافعى ، وأبى ثور ، وبه أشار الزبير بن العوام على عمرو ابن العاص حين ~~افتتح مصر . قال أبو عبيد : وقال بعضهم : بل حكمها والنظر فيها إلى الإمام ~~، إن رأى أن يجعلها غنيمة فيخمسها ويقسمها كما فعل رسول الله بخيبر ، فذلك ~~له ، وإن رأى أن يجعلها موقوفة على المسلمين ما بقوا ، كما فعل عمر بالسواد ~~، فذلك له . قال الطحاوى : وهذا قول أبى حنيفة والثورى وأبى يوسف ومحمد . ~~وشذ مالك فى ( المدونة ) فى حكم أرض العنوة ، وقال : يجتهد فيها الإمام ، ~~وقال فى العتبية ، وكتاب ابن المواز من سماع ابن القاسم : العمل فى أرض ~~العنوة على فعل عمر لا تقسم ، وتقر بحالها ، وقد ألح بلال وأصحاب له على ~~عمر ، فقسم الأرض بالشام ، فقال : اللهم اكفنيهم فما أتى الحول ، وبقى منهم ~~أحد . قال مالك : ومن أسلم من أرض العنوة ، فلا تكون له أرضه ولا داره . ~~وأما من صالح على أرضه ، ومنع أهل الإسلام من الدخول PageV05P280 عليهم إلا ~~بعد الصلح ، فإن الأرض لهم ، وإن أسلموا فهى لهم أيضا ، ويسقط عنهم خراج ~~أرضهم و [ . . . . . ] . وقال ابن حبيب : من أسلم من أهل العنوة أحرز نفسه ~~وماله ، وأما الأرض فللمسلمين ms1712 ، وماله وكل ما كسب له ؛ لأن من أسلم على شيء ~~فى يده كان له ، والحجة لقول الشافعى أن الأرض تقسم كما قسم رسول الله خيبر ~~، وتأول قوله تعالى : { واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه } فدخل فى ~~هذا العموم الأرض وغيرها فوجب قسمها . قال ابن المنذر : وذهب الشافعى إلى ~~أن عمر استطاب أنفس الذين افتتحوا الأرض ، وأنكر أبو عبيد أن يكون استطاب ~~أنفسهم . وذهب الكوفيون إلى أن عمر حدث عن الرسول أنه قسم خيبر ، وقال : ~~لولا آخر الناس لفعلت ذلك ، فقد بين أن الحكمين جميعا إليه ، لولا ذلك ما ~~تعدى سنة رسول الله إلى غيرها ، وهو يعرفها . قال الطحاوى : ومن الحجة فى ~~ذلك ما رواه إبراهيم بن طهمان ، عن أبى الزبير ، عن جابر قال : أفاء الله ~~خيبر ، فأقرهم على ما كانوا ، وجعلها بينه وبينهم ، وبعث ابن رواحة يخرصها ~~عليهم ، فثبت أن رسول الله لم يكن قسم خيبر بكمالها ، ولكنه قسم منها طائفة ~~على ما ذكره عمر ، وترك منها طائفة لم يقسمها على ما روى جابر ، وهى التى ~~خرصها عليهم ، والذى كان قسم منها وهو الشق النطاة ، وترك سائرها فعلمنا ~~أنه قسم منها وترك ، فللإمام أن يفعل من ذلك ما رآه صلاحا . PageV05P281 ~~واحتج عمر فى ترك قسمة الأرض بقوله : { ما أفاء الله على رسوله من أهل ~~القرى فلله وللرسول } إلى قوله : { للفقراء المهاجرين } ، { والذين تبوؤوا ~~الدار والإيمان من قبلهم } إلى { والذين جاءوا من بعدهم } الآية . وقال عمر ~~: هذه الآية قد استوعبت الناس كلهم ، فلم يبق أحد إلا له فى هذا المال حق ، ~~حتى الراعى بعدله . قال أبو عبيد : وإلى هذه الآية ذهب على ومعاذ ، وأشارا ~~على عمر بإقرار الأرض لمن يأتى بعد . قال إسماعيل : فكان الحكم بهذه الآية ~~فى الأرض أن تكون موقوفة كما تكون الأوقاف التى يقفها الناس أصلها محبوس ، ~~ويقسم ما يخرج منها ، فكان معنى قول عمر : لولا الحكم الذى أنزل الله فى ~~القرآن لقسمت الأصول ، وهذا لا يشكل على ذى نظر ، وعليه جرى المسلمون ورأوه ~~صوابا . قال ms1713 إسماعيل : والذين قاتلوا حتى غنموا لم يكن لهم فى الأصل أن ~~يعطوا ذلك ؛ لأنهم إنما قاتلوا لله لا للمغنم ، ولو قاتلوا للمغنم لم ~~يكونوا مجاهدين فى سبيل الله . قال عمر : إن الرجل ليقاتل للمغنم ، ويقاتل ~~ليرى مكانه ، وإنما المجاهد من قاتل لتكون كلمة الله هى العليا . فلما كان ~~أصل الجهاد أن يكون خالصا لله ، وكان إعطاؤهم ما أعطوا من المغانم ، إنما ~~هو تفضل من الله على هذه الأمة أعطوا ذلك فى وقت ، ومنعوه فى وقت ، فأعطوا ~~من المغانم ما ليس له أصل يبقى فاشترك فيه المسلمون كلهم ، ومنعوا الأصل ~~الذى يبقى ، فلم يكن فى ذلك ظلم لهم ؛ لأن PageV05P282 ثواب الله الذى ~~قصدوه جار لهم فى كل شيء ينتفع به من الأصول التى افتتحوها ، ما دامت وبقيت ~~. وحكى الطحاوى عن الكوفيين أن الإمام إذا أقرهم أرض العنوة أنها ملك لهم ، ~~يجرى عليهم فيها الخراج إلى الأبد أسلموا أو لم يسلموا ، وإنما حملهم على ~~هذا التأويل أنهم قالوا : إن عمر جعل على جريب النخل فى أرض السواد بالعراق ~~شيئا معلوما فى كل عام ، فلو لم تكن لهم الأرض لكان يبيع التمر قبل أن يظهر ~~. قال أبو جعفر الداودى : ولا أعلم أحدا من الصحابة قال بقول أهل الكوفة . ~~واحتج من خالفهم بأن الأرض كلها كانت لا شجر فيها فإنما اعتبر ما يصلح أن ~~يوضع فيها ، فمن اكترى ما يصلح أن يزرع فيه البر جعل عليه بقدر ذلك ، وإن ~~اكترى ما يصلح أن يزرع فيه الشعير جعل عليه بقدر ذلك ، ومن اكترى ما يصلح ~~أن يجعل فيه الشجر جعل عليه بقدر ذلك ، لا على أن الشجر كانت فى الأرض ~~يومئذ . قال المؤلف : قول الكوفيين مخالف للكتاب والسنة ؛ إذ حلت الغنائم ~~للمسلمين ، فإذا افتتحت الأرض فاسم الغنيمة واقع عليها كما يقع على المال ~~سواء ، فإن رأى الإمام أبقى الأرض لمن يأى بعد ، فإنما يبقيها ملكا ~~للمسلمين من أجل أنها غنيمة ، كما فعل عمر ، فمن زعم أن الأرض تبقى ملكا ~~لمشركين فهو مضاد لحكم الله وحكم ms1714 رسوله ، فلا وجه لقوله . وروى الليث ، عن ~~يونس ، عن ابن شهاب أن رسول الله افتتح خيبر عنوة بعد القتال ، وكانت مما ~~أفاء الله على رسوله ، فخمسها وقسمها بين المسلمين ، وترك من ترك من أهلها ~~على الجلاء بعد القتال PageV05P283 فدعاهم الرسول فقال : إن شئتم دفعت ~~إليكم هذه الأموال على أن تعملوا بها ، ويكون ثمرها بيننا وبينكم ، وأقركم ~~ما أقركم الله . فقبلوا الأموال على ذلك ، وروى يحيى بن سعيد ، عن بشير بن ~~يسار أن رسول الله لما قسم خيبر عزل نصفها لنوائبه وما ينزل به ، وقسم ~~النصف الباقى بين المسلمين فلما صار ذلك بيد رسول الله لم يكن له من العمال ~~ما يكفونه عملها ، فدفعها رسول الله إلى اليهود ليعملوها على نصف ما يخرج ~~منها ، فلم يزل الأمر على ذلك حياة النبى ، وحياة أبى بكر حتى كان عمر وكثر ~~العمال فى أيدى المسلمين ، وقروا على عمل الأرض ، وأجلى عمر اليهود إلى ~~الشام ، وقسم الأموال بين المسلمين إلى اليوم ، فهذا كله يرد قول الكوفيين ~~، ويبين أنهم إنما أبقوا فى الأرض عمالا للمسلمين فقط ، فلما أغنى الله ~~عنهم أخرجوا منها . * * * # | 10 - باب : من قاتل للمغنم هل ينقص من أجره # 1935 / فيه : أبو موسى ، ، قال : قال أعرابى للنبى - صلى الله عليه وسلم ~~- : الرجل يقاتل للمغنم ، والرجل يقاتل ليذكر ، ويقاتل ليرى مكانه ، من فى ~~سبيل الله ؟ فقال : ( من قاتل لتكون كلمة الله هى العليا ، فهو فى سبيل ~~الله ) . قال المهلب : من قاتل فى سبيل الله ونوى بعد إعلاء كلمة الله ما ~~شاء فهو فى سبيل الله ، والله أعلم بمواقع أجورهم ، ولا يصلح لمسلم أن ~~يقاتل إلا ونيته مبنية على الغضب لله ، والرغبة فى إعلاء كلمته ، ويدل على ~~ذلك أنه قد يقاتل من لا يرجو أن يسلبه من عريان ، ولا شيء معه ، فيغرر ~~مهجته مستلذا لذلك ، ولو أعطى ملء الأرض على PageV05P284 أن يغرر مهجته فى ~~غير سبيل الله ما غرر ، ولكن سهل عليه ركوب ذلك استلذاذا بإعلاء كلمة الله ~~، ونكاية عدوه والغضب لدينه . وقد تقدم فى باب ms1715 قوله - صلى الله عليه وسلم - ~~: ( الأعمال بالنيات ) فى كتاب الإيمان أن ما كان ابتداؤه فيه من الأعمال ~~لله لم يضره بعد ذلك ما عرض فى نفسه ، وخطر بقلبه من حديث النفس ووسواس ~~الشيطان ، ولا يزيله عن حكمه إعجاب المرء اطلاع العباد عليه بعد مضيه على ~~ما ندبه الله إليه ، ولا سروره بذلك ، وإنما المكروه أن يبتدئه بنية غير ~~مخلصة لله ، فذلك الذى يستحق عامله عليه العقاب . * * * # | 11 - باب قسمة الإمام ما يقدم عليه ويخبأ لمن لم يحضره أو غاب عنه # 1936 / فيه : المسور : أهديت للنبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، أقبية من ~~ديباج مزررة بالذهب ، فقسمها فى ناس من أصحابه ، وعزل منها واحدا لمخرمة ، ~~فجاء مخرمة إلى النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، فسمع صوته ، فأخذ قباء ~~فتلقاه به واستقبله بأزراره ، فقال : ( يا أبا المسور ، خبأت لك هذا ) ، ~~مرتين ، وكان فى خلقه شدة . قال المؤلف : ما أهدى للنبى من هدايا المشركين ~~فحلال له أخذه ؛ لأنه مخصوص بما أفاء الله عليه من غير قتال من أموال ~~الكفار ، ويكون له دون سائر الناس ، وله أن يؤثر به من شاء ، ويمنع منه من ~~شاء ، كما يفعل بالفيء ، ولذلك خبأ القباء لمخرمة ، ومن بعده من الخلفاء ~~بخلافه فى ذلك لا يكون له خاصة دون المسلمين ؛ لأنه إنما PageV05P285 أهدى ~~إليه ؛ لأنه أميرهم ، ويأتى القول فى هدايا المشركين فى باب : الهبة إن شاء ~~الله . وفيه ما كان عليه النبى من كريم الخلق ولين الكلمة ، والتواضع ، ألا ~~ترى أنه استقبل مخرمة بأزرار القباء ، وكناه مرتين وألطف له فى القول ، ~~وأراه إيثاره باعتناءه به فى مغيبه ؛ لقوله : ( خبأت لك هذا ) لما علم من ~~شدة خلقه ، فترضاه بذلك ، فينبغى الاقتداء به فى فعله - صلى الله عليه وسلم ~~- . * * * # | 12 - باب كيف قسم النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، قريظة والنضير ، ~~وما أعطى من ذلك فى نوائبه # 1937 / فيه : أنس ، كان الرجل يجعل للنبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، ~~النخلات ، حتى افتتح قريظة والنضير ، فكان بعد ذلك يرد عليهم . قوله : ( ~~كان الرجل يجعل للنبى النخلات ms1716 ) والرجل : الثلاث ، كل واحد على قدر جدته ~~وطيب نفسه ، مواساة للنبى ومشاركة له لقوته ، وهذا من باب الهدية لا من باب ~~الصدقة ؛ لأنها محرمة عليه ، أما سائر المهاجرين فكانوا قد نزل كل واحد ~~منهم على رجل من الأنصار فواساه وقاسمه ، فكانوا كذلك إلى أن فتح الله ~~الفتوح على الرسول ، فرد عليهم ثمارهم ، فأول ذلك النضير كانت مما أفاء ~~الله على رسوله مما لم يوجف عليه بخيل ولا ركاب ، وانجلى عنها أهلها بالرعب ~~فكانت خالصة لرسول الله دون سائر الناس ، وأنزل الله فيهم : { وما أفاء ~~الله على رسوله منهم فما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب } PageV05P286 فحبس ~~منها رسول الله لنوائبه وما يعروه ، وقسم أكثرها فى المهاجرين خاصة دون ~~الأنصار ، وذلك أن النبى - صلى الله عليه وسلم - قال للأنصار : إن شئتم ~~قسمت أموال بنى النضير بينكم وبينهم ، وأقمتم على مواساتكم فى ثماركم ، وإن ~~شئتم أعطيتها المهاجرين دونكم ، وقطعتم عنهم ما كنتم تعطونهم من ثماركم . ~~قالوا : بل تعطيهم دوننا ونقيم على مواساتهم ، وأعطى رسول الله المهاجرين ~~دونهم فاستغنى القوم جميعا ، استغنى المهاجرون بما أخذوا ، واستغنى الأنصار ~~بما رجع إليهم من ثمارهم . وأما قريظة فإنها نقضت العهد بينها وبين النبى ، ~~وتحزبت مع الأحزاب ، وكانوا كما قال الله فيهم : { إذ جاءوكم من فوقكم } ~~قريظة ، ولم يكن بينهم وبين النبى خندق { ومن أسفل منكم } الأحزاب { وإذ ~~زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر } فأنزل الله نصره ، وأرسل الريح على ~~الأحزاب فلم تدع بناء إلا قلعته ، ولا إناء إلا قلبته ، فانصرفوا خائبين ~~كما قال الله تعالى : { ورد الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيرا } ~~الآية . فلما انصرف رسول الله من الأحزاب سار إلى قريظة ، فحاصرهم ، حتى ~~نزلوا على حكم سعد ، فحكم فيهم بأن تقتل المقاتلة ، وتسبى الذرية ، فقسمها ~~النبى فى أصحابه ، وأعطى من نصيبه فى نوائبه . قال إسماعيل بن إسحاق : ~~وزعموا أن هذه الغنيمة أول غنيمة قسمت على السهام جعل للفرس ولصاحبه ثلاثة ~~أسهم ، وللراجل سهم . PageV05P287 # | 13 - باب بركة الغازى فى ماله حيا وميتا مع النبى ، - صلى الله ms1717 عليه ~~وسلم - ، وولاة الأمر # 1938 / فيه : ابن الزبير ، لما وقف الزبير يوم الجمل دعانى ، فقمت إلى ~~جنبه ، فقال : يا بنى ، إنه لا يقتل اليوم إلا ظالم أو مظلوم ، وإنى لا ~~أرانى إلا سأقتل اليوم مظلوما ، وإن من أكبر همى لدينى أفترى يبقى ديننا من ~~مالنا شيئا ، فقال : يا بنى ، بع مالنا ، فاقض دينى ، وأوصى بالثلث ، وثلثه ~~لبنيه - يعنى بنى عبدالله بن الزبير - يقول : ثلث الثلث ، فإن فضل من مالنا ~~فضل بعد قضاء الدين شيء ، فثلثه لولدك . قال هشام : وكان بعض ولد عبدالله ~~قد وازى بعض بنى الزبير خبيب وعباد ، وله يومئذ تسعة بنين وتسع بنات فجعل ~~يوصيى بدينه ، ويقول : يا بنى ، إن عجزت عن شيء منه ، فاستعن عليه مولاى ، ~~قال : فوالله ، ما دريت ما أراد حتى قلت : يا أبة ، من مولاك ؟ قال : الله ~~، قال : فوالله ما وقعت فى كربة من دينه إلا قلت : يا مولى الزبير ، اقض ~~عنه دينه ، فيقضيه ، فقتل الزبير رضى الله عنه ، ولم يترك دينارا ولا درهما ~~إلا أرضين منها الغابة وإحدى عشرة دارا بالمدينة ودارين بالبصرة ودارا ~~بالكوفة ودارا بمصر ، قال : وإنما كان دينه الذى عليه أن الرجل كان يأتيه ~~بالمال فيستودعه إياه ، فيقول الزبير : لا ولكنه سلف ، فإنى أخشى عليه ~~الضيعة ، وما ولى إمارة قط ولا جباية خراج ولا شيئا إلا أن يكون فى غزوة مع ~~النبى - صلى الله عليه وسلم - أو مع أبى بكر وعمر وعثمان رضى الله عنهم ، ~~قال عبدالله بن الزبير : فحسبت ما عليه من الدين ، فوجدته ألفى ألف ومائتى ~~ألف ، قال : فلقى حكيم ابن حزام عبدالله بن الزبير ، فقال : يا ابن أخى ، ~~كم على أخى من PageV05P288 الدين ؟ فكتمه ، وقال : مائة ألف ، فقال حكيم : ~~والله ما أرى أموالكم تسع لهذه ، فقال له عبدالله : أفرأيتك إن كانت ألفى ~~ألف ومائتى ألف ، قال : ما أراكم تطيقون هذا ، فإن عجزتم عن شيء منه ، ~~فاستعينوا بى ، قال : وكان الزبير اشترى الغابة بسبعين ومائة ألف ، فباعها ~~عبدالله بألف ألف وست مائة ألف ، ثم قام ، فقال : من كان ms1718 له على الزبير حق ~~، فليوافنا بالغابة ، فأتاه عبدالله بن جعفر ، وكان له على الزبير أربع ~~مائة ألف ، فقال لعبدالله : إن شئتم تركتها لكم ، قال عبدالله : لا ، قال : ~~فإن شئتم جعلتموها فيما تؤخرون ، إن أخرتم ، فقال عبدالله : لا ، قال : قال ~~: فاقطعوا لى قطعة ، فقال عبدالله : لك من هاهنا إلى هاهنا ، قال : فباع ~~منها فقضى دينه فأوفاه ، وبقى منها أربعة أسهم ونصف ، فقدم على معاوية ~~وعنده عمرو بن عثمان والمنذر بن الزبير وابن زمعة ، فقال له معاوية : كم ~~قومت الغابة ؟ قال : كل سهم مائة ألف ، قال : كم بقي ؟ قال : أربعة أسهم ~~ونصف ، قال المنذر بن الزبير : قد أخذت سهما بمائة ألف ، قال عمرو بن عثمان ~~: قد أخذت سهما بمائة ألف ، وقال ابن زمعة : قد أخذت سهما بمائة ألف ، فقال ~~معاوية : كم بقي ؟ قال : سهم ونصف ، قال : قد أخذته بخمسين ومائة ألف ، قال ~~: وباع عبدالله بن جعفر نصيبه من معاوية بست مائة ألف ، فلما فرغ ابن ~~الزبير من قضاء دينه ، قال بنو الزبير : اقسم بيننا ميراثنا ، قال : والله ~~لا أقسم بينكم حتى أنادى بالموسم أربع سنين : ألا من كان له على الزبير دين ~~، فليأتنا ، فلنقضه ، قال : فجعل كل سنة ، ينادى بالموسم ، فلما مضى أربع ~~سنين ، قسم بينهم ، قال : فكان للزبير أربع نسوة ، ورفع الثلث ، فأصاب كل ~~امرأة ألف ألف ومائتا ألف ، فجميع ماله خمسون ألف ألف ومائتا ألف . قال ~~المؤلف : قوله : ( لا يقتل اليوم إلا ظالم أو مظلوم ) معناه والله أعلم أن ~~الصحابة فى قتال بعضهم بعضا ، كل له وجه من PageV05P289 الصواب يعذر به عند ~~الله ، فلا يسوغ أن يطلق على أحد منهم أنه قصد الخطأ وقاتل على غير تأويل ~~سائغ له ، هذا مذهب أهل السنة ، فكل واحد منهم مجتهد محق عند نفسه ، ~~والقاتل منهم والمقتول فى الجنة إن شاء الله . والله يوسع لكل منهم رحمته ~~كما سبقت لهم الحسنى . فإن قيل : فما معنى قوله : إلا ظالم أو مظلوم ؟ قيل ~~: معناه : ظالم فى تأويله عند خصمه ومخالفه ، ومظلوم عند نفسه إن قتل ، ~~وإنما ms1719 أراد الزبير أن يبين بقوله هذا أن تقاتل الصحابة الذين هم خير أمة ~~أخرجت للناس ليس كتقاتل أهل البغى والعصبية الذى القاتل والمقتول فيه ظالم ~~؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم - : ( إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل ~~والمقتول فى النار ) لأنه لا تأويل لواحد منهم يعذر به عند الله ، ولا شبهة ~~له من الحق يتعلق بها ، فليس منهم أحد مظلوم بل كلهم ظالم . وكان الزبير ~~وطلحة وجماعة من كبار الصحابة خرجوا مع عائشة أم المؤمنين لطلب قتلة عثمان ~~، وإقامة الحد عليهم ، ولم يخرجوا لقتال على ؛ لأنه لا خلاف بين الأمة أن ~~عليا أحق بالإمامة من جميع أهل زمانه ، وكان قتلة عثمان لجئوا إلى على ، ~~فرأى على أنه لا ينبغى إسلامهم للقتل على هذا الوجه حتى يسكن حال الأمة ، ~~وتجرى المطالب على وجوهها بالبينات وطرق الأحكام ؛ إذ علم أنه أحق بالإمامة ~~من جميع الأمة ، ورجاء أن ينفذ الأمور على ما أوجب الله عليه ، فهذا وجه ~~منع على للمطلوبين بدم عثمان ، فكان من قدر الله ما جرى به القلم من ~~تقاتلهم . ولذلك قال الزبير لابنه ما قال لما رأى من شدة الأمر وأن الجماعة ~~لا تنفصل إلا عن تقاتل . وقال : ( لا أرانى إلا سأقتل مظلوما ) لأنه لم يبن ~~على قتال ولا عزم عليه ، ولما التقى الزحفان فر ، فاتبعه ابن PageV05P290 ~~جرموز فقتله فى طريقه فى غير قتال ولا معركة ، وقد يمكن الزبير أن يكون سمع ~~قول الرسول : ( بشر قاتل ابن صفية بالنار ) فلذلك قال : ( لا أرانى إلا ~~سأقتل اليوم مظلوما ) والله أعلم . قال المهلب : قوله : ( وثلثه لبنيه ) ~~يعنى : ثلث الثلث الموصى به لحفدته ، وهم بنو ابنه عبد الله . وقوله : ( ~~فإن فضل فضل بعد قضاء الدين والوصية ، فثلثه لولدك ) . يعنى : ثلث ذلك ~~الفضل الذى أوصى للمساكين من الثلث لبنيه . قوله : ( وقد وازى بعض بنى ~~الزبير ) يجوز أن يكون وازاهم فى السن ، ويجوز أن يكون وازى بنو عبد الله ~~فى أنصبائهم من الوصية أولاد الزبير فيما حصل لهم من ميراث الزبير أبيهم ، ~~وهذا الوجه أولى . وإلا لم ms1720 يكن لذكر كثرة أولاد الزبير معنى فى الموازاة فى ~~السن . وفيه دليل على دفع تأويل المتشيعة على عائشة ومن تابعها أنها ظالمة ~~؛ لأن الله لا يكون وليا للظالم . وأما قول الزبير للذين كانوا يستودعونه ( ~~لا ولكنه سلف ) إنما يفعل ذلك خشية أن يضيع المال فيظن به ظن سوء فيه أو ~~تقصير فى حفظه ، فيرى أن هذا أبقى لمروءته ، وأوثق لأصحاب الأموال ؛ لأنه ~~كان صاحب ذمة وافرة ، وعقارات كثيرة ، فرأى أن يجعل أموال الناس مضمونة ~~عليه ، ولا يبقيها تحت شيء من جواز التلف ، ولتطيب نفس صاحب الوديعة على ~~ذمته . وتطيب نفسه هو على ربح هذا المال . وقوله : ( وما ولى إمارة قط ولا ~~جباية خراج ) فيكثر ماله من هذا الوجه فيكون عليه فيه ظن سوء ومغمز لظن عمر ~~والمسلمين بالعمال ، حتى قاسمهم ، بل كان كسبه من الجهاد وسهمانه من ~~الغنائم مع رسول الله وخليفتيه بعده ، فبارك الله فى ماله لطيب أصله ، وربح ~~أرباحا بلغت ألوف الألوف . PageV05P291 وقول عبد الله بن الحكيم بن جزام : ~~إن دين أبى مائة ألف وكتمه ألفى ألف ومائة ألف ، قهذا ليس بكذب ، لأنه قصد ~~فى البعض ، وكتم بعضا ، وللإنسان إذا شئل عن خبر أن يخبر منه بما شاء ، وله ~~أن لا يخبر بشىء منه أصلا . وإنما كتمه لئلا يستعظم حكيم ما استدان الزبير ~~، فيظن بالزبير سوء ظن وقلة حزم ، ويظن بعبد الله فاقة إلى معونته ، فينظر ~~منه بعين الاحتياج إليه . وقوله : ( لا أقسم حتى أنادى أربع سنين ) ، فيه : ~~أن الوصى له أن يمنع قسمة مال الميت الموصى ، حتى ينفذ ديونه ووصاياه إذا ~~كان الثلث يحملها ، ولا يقسم ورثة الموصى مالا حتى يؤدى دينه وتستبرأ ~~أمانته . وفيه : جواز الوصية للحفدة إذا كان لهم آباء فى الحياة يحجبونهم . ~~وفيه : أن أجل المفقود والغالب أربع سنين كما قال مالك . وفيه : أن من وهب ~~هبة ولم يثبلها الموهوب له أنها رد على واهبها ، ولواهبها الاستمتاع بها ؛ ~~لأن ابن جعفر قال : إن شئتم تركتها لكم . ولا يلزمه قوله - صلى الله عليه ~~وسلم - : ( العائد ms1721 فى هبته ) لأنه ليس يعود ، وإنما يعود فيها إذا قبلت منه ~~. وفيه : أن سيد القوم قد يكون قوله وثبوله جائز على من إليه اتباع قومه ، ~~كما أن عبد الله لم يقبل الهبة وحده ، وقد كان يجب أن يعرف ما عند ورثة ~~أبيه كلهم ، فكان قوله فى الرد جائزا على ورثة أبيه ، كما كان قول العرفاء ~~عند سبى هوازن ، فى هبة أنصبائهم من السبى جائزا على من تبعهم . وليس هذا ~~من الأمر المحكوم به فى شرف النفوس ومحاسن الأخلاق ، ولا سيما فى ذلك ~~الزمان المتقدم . وقوله : ( فجميع ماله خمسون ألف ألف ومائة ألف ، غلط فى ~~PageV05P292 الحساب ، والصحيح فجميع ماله سبعة وخمسون ألف ألف وتسعمائة ألف ~~. * * * # | 14 - باب إذا بعث الإمام رسولا في حاجة أو أمره بالمقام هل يسهم له # 1939 / ( 1 ) ابن عم ، قال : ( إنما تغيب عثمان عن بدر ، فإنه كانت تحته ~~بنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وكانت مريضة ، فقال له النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - : ( إن لك أجر رجل ممن شهد بدرا وسهمه ) . اختلف العلماء ~~فيمن لم يشهد الوقعة ، هل يسهم له ؟ فذهب أبو جنيفة وأصحابه إلى أنه من ~~بعثه الإمام فى حاجة حتى غنم الإمام أنه يسهم له ، وكذلك المدد يلحقون أرض ~~الحرب بعد الغنيمة أنهم شركاؤهم فيها ، وأخذوا بحديث ابن عمر . قالوا : وقد ~~ذكر أهل السير أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - بعث سعيد بن زيد فى حاجة ~~له وأمر طلحة بالمقام فى مكان ذكره له وأسهم لهما ، وقال لهما : ( لكما أجر ~~من شهد ) . وذهب مالك والثورى والليث والأوزاعى والشافعى وأحمد وأبو ثور ~~إلى أنه لا يصل إلا لمن شهد القتال ، وبذلك حكم عمر بن الخطاب وكتب به إلى ~~عماله بالكوفة ، واتج هؤلاء بحديث أبى هريرة : ( أنه قدم على النبى - صلى ~~الله عليه وسلم - وهو بخيبر بعد ما فتحوها ، فقلت : أسهم لى . فقال بعض بنى ~~سعيد بن العاص : لا تسهم له يا رسول الله . . . ) فذكر الحديث . ~~PageV05P293 قال الطحاوى : وحجة أهل المقالة الأولى أن النبى - صلى الله ms1722 ~~عليه وسلم - قال : ( إن عثمان انطلق فى حاجة الله ورسوله ) فضرب له بسهم ~~ولم يضرب لأحد غيره . قال : أفلا ترى أنه لما كان غائبا فى حاجة الله ~~ورسوله جعله رسول الله كمن حضرها ، فكذلك كل من غاب عن وقعة المسلمين بأهل ~~الحرب لشغل شغله به الإمام من أمور المسلمين ، فهو كمن حضرها . وأما حديث ~~أبى هريرة فوجهه عندنا أن النبى - صلى الله عليه وسلم - وجه أبانا إلى نجد ~~قبل أن يتهيأ خروجه إلى خيبر ، ثم حدث من خروج النبى إلى خيبر ما حدث ، ~~فكان ما غاب فيه أبان من ذلك ، ليس هو لشغل شغله النبى عن حضور خيبر بعد ~~إرادته إياها فيكون كمن حضرها ، فهذان الحديثان أصلان لكل من أراد الخروج ~~مع الإمام إلى قتال العدو فرده الإمام عن ذلك بأمر آخر من أمور المسلمين ، ~~فتشاغل به حتى غنم الإمام ، فهو كمن حضر يسهم له ، وكل من تشاغل بشغل نفسه ~~أو شغل المسلمين مما كان دخوله فيه متقدما ، ثم حدث للإمام قتال عدو ، ~~فتوجه له ، فغنم ، فلا حق للرجل فى الغنيمة ، وهو ليس كمن حضرها . واحتج ~~أهل المقالة الثانية فقالوا : إن إعطاء النبى لعثمان وهو لم يحضر بدرا خصوص ~~له ؛ لأن الله تعالى جعل الغنائم لما غنمها والدليل على خصوصه قوله - صلى ~~الله عليه وسلم - لعثمان : ( لك أجر رجل ممن شهد بدرا وسهمه ) وهذا لا سبيل ~~أن يعلمه غير النبي . وذكر الطبرى عن قوم من أهل العلم قالوا : إن النبى ~~إنما أعطى PageV05P294 عثمان يوم بدر من سهمه - صلى الله عليه وسلم - من ~~الخمس ، واحتجوا بقوله - صلى الله عليه وسلم - يوم خيبر : ( ما لى مما أفاء ~~الله عليكم إلا الخمس ، وهو مردود فيكم ) فدل ذلك أنه - صلى الله عليه وسلم ~~- لم يعط أحدا ممن لم يشهد الوقعة من الغنيمة ، وإنما أعطاه من نصيبه . * * ~~* # | 15 - باب ومن الدليل على أن الخمس لنوائب المسلمين ، ما سأل هوازن ~~النبى ؛ - صلى الله عليه وسلم - ، برضاعه فيهم ، فتحلل من المسلمين ، وما ~~كان الرسول يعد الناس أن ms1723 يعطيهم من الفيء والأنفال من الخمس ، وما أعطى ~~الأنصار وما أعطى جابر بن عبدالله من تمر خيبر . # 1940 / وفيه : مروان ، والمسور ، قال ، - صلى الله عليه وسلم - ، حين ~~جاءه وفد هوازن مسلمين ، فسألوه أن يرد إليهم أموالهم وسبيهم ، فقال لهم ~~النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( اختاروا إحدى الطائفتين ، إما السبى وإما ~~المال ) ، وقد كنت استأنيت بهم ، وقد كان انتظرهم بضع عشرة ليلة حين قفل من ~~الطائف ، فلما تبين لهم أن النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، غير راد لهم ~~إلا إحدى الطائفتين ، قالوا : فإنا نختار سبينا ، فقام - صلى الله عليه ~~وسلم - فقال : ( إن إخوانكم هؤلاء قد جاءونا تائبين ، وإنى قد رأيت أن أرد ~~إليهم سبيهم ، فمن أحب أن يطيب فليفعل ، ومن أحب منكم أن يكون على حظه حتى ~~أعطيه إياه من أول ما يفىء الله علينا فليفعل ) ، فقال الناس : قد طيبنا ~~ذلك ، يا رسول الله . . . . الحديث . 1941 / وفيه : أبو موسى ، أتيت النبى ~~؛ - صلى الله عليه وسلم - ، فى نفر من الأشعريين نستحمله ، فقال : ( والله ~~لا أحملكم ، وما عندى ما أحملكم ) ، وأتى النبى - صلى الله عليه وسلم - ~~بنهب إبل ، فسأل عنا ، فأمر لنا بخمس ذود غر الذرى . . PageV05P295 1942 / ~~وفيه : ابن عمر ، بعث النبى - صلى الله عليه وسلم - سرية قبل نجد ، فغنموا ~~إبلا كثيرة ، فكانت سهامهم اثنى عشر بعيرا . 1943 / وفيه : ابن عمر ، كان ~~النبى - صلى الله عليه وسلم - ينفل بعض من يبعث من السرايا لأنفسهم خاصة ، ~~سوى قسم [ عامة ] الجيش . 1944 / وفيه : أبو موسى ، بلغنا مخرج الرسول - ~~صلى الله عليه وسلم - ونحن باليمن ، فخرجنا مهاجرين إليه أنا وأخوان لى ، ~~أنا أصغرهم ، أحدهما أبو بردة ، والآخر أبو رهم ، إما قال : فى بضع ، أو ~~ثلاثة وخمسين ، أو اثنين وخمسين رجلا من قومى ، فركبنا سفينة ، فألقتنا ~~سفينتنا إلى النجاشى بالحبشة ، ووافقنا جعفر بن أبى طالب وأصحابه عنده ، ~~فقال جعفر : إن النبى - صلى الله عليه وسلم - بعثنا هاهنا ، وأمرنا ~~بالإقامة ، فأقيموا معنا ، فأقمنا معه حتى قدمنا جميعا ، فوافقنا النبى - ~~صلى الله عليه وسلم - حين افتتح خيبر ، فأسهم لنا ms1724 ، أو قال : فأعطانا منها ~~، وما قسم لأحد غاب عن فتح خيبر منها شيئا إلا أصحاب سفينتنا [ مع ] جعفر ~~وأصحابه قسم لهم معهم . 1945 / وفيه : جابر ، قال - صلى الله عليه وسلم - : ~~( لو قد جاءنى مال البحرين ، أعطيتك هكذا وهكذا وهكذا ) ، فلم يجئ حتى قبض ~~النبى - صلى الله عليه وسلم - فلما جاء مال البحرين أمر أبو بكر مناديا ~~فنادى : من كان له عند الرسول - صلى الله عليه وسلم - عدة أو دين ، فليأتنا ~~. . . . . الحديث . 1946 / وفيه : جابر ، بينما الرسول - صلى الله عليه ~~وسلم - يقسم غنيمة بالجعرانة ، فقال له رجل : اعدل ، فقال له : ( لقد شقيت ~~إن لم أعدل ) . قال المؤلف : غرض البخارى فى هذا الباب أن يبين أن إعطاء ~~النبى فى نوائب المسلمين إنما هو من الفيء والخمس الذين أمرهما مردود إليه ~~، يقسم ذلك بحسب ما يؤدى إليه اجتهاده . PageV05P296 ويرد على الشافعى فى ~~قوله : إن الخمس مقسوم على خمسة أسهم ، وهم الذين سمى الله الخمس لهم إلا ~~سهم النبى ؛ فإنه مردود على الأربعة الأسهم الباقية . وبيان الحجة عليه أن ~~النبى حين تحلل المسلمين من سبى هوازن ، واستطابهم ، ووعدهم أن يعوضهم من ~~أول ما يفيء الله عليه إنما أشار إلى الخمس ، إذ معلوم أن أربعة أخماس ~~الغنيمة للغانمين ، فبان أن الخمس لو كان مقسوما على خمسة أسهم لم يف خمس ~~الخمس بما وعد المسلمين أن يعوضهم من سبى هوازن . ذكر أهل السير أن هوازن ~~لما أبت القتال للنبى أتوا بالإبل والنساء والشاء والذرية وجميع أموالهم ~~أفترى خمس الخمس يفى بما وعدهم من العوض من ذلك . وذهب البخارى إلى أنه ~~إنما تحلل النبى المسلمين من سباياهم بعد ما كانوا فيئا ، فأطلقهم لما كان ~~نساء بنى سعد ولوا من رضاعه ، فراعى فى قبيلهم كله حرمة ذلك ، كما روعى فى ~~المرأة صاحبة المزادتين أنه لم يضرب على الحى الذى كانت منه لذمامها فى أخذ ~~الماء منها حتى أسلم جميعهم . قال المهلب : وقد احتج بعض أصحاب مالك بقضية ~~هوازن فى أنه يجوز قرض الجوارى إذا رد غيرها ، ومنع من ms1725 ذلك مالك ؛ لأنه ~~عنده من باب عارية الفروج ، وذلك حرام . وكذلك الإبل التى حمل عليها النبى ~~الأشعريين هى أيضا من الخمس ؛ إذ أربعة أخماس الغنيمة للغانمين . وحديث ابن ~~عمر فيه أيضا حجة واضحة أن النفل من الخمس كما قال مالك ؛ لأنه إنما نفلهم ~~بعيرا بعيرا بعد قسمة السهمان بينهم من غير ما وجبت فيه سهمانهم ، وهو ~~الخمس . PageV05P297 وقال الطحاوى : وذهب قوم إلى أنه ليس للإمام أن ينفل ~~بعد إحراز الغنيمة إلا من الخمس ، فأما من غير الخمس فلا ؛ لأنه قد ملكته ~~المقاتلة ، فلا سبيل للإمام عليه . وقال ابن المنذر : روى هذا القول عن أنس ~~بن مالك وسعيد بن المسيب ، وهو قول مالك والكوفيين والشافعى ذكره أبو عبيد ~~عن مكحول ، وعمر بن عبد العزيز ، وقال أبو عبيد : الناس اليوم على هذا ، لا ~~نفل من جملة الغنيمة حتى يخمس . قال الطحاوى : وخالفهم آخرون فقالوا : ~~للإمام أن ينفل من الغنيمة ما أحب بعد إحرازه إياها قبل أن يقسمها ، كما ~~كان له قبل ذلك . وذكر ابن المنذر أن هذا قول القاسم بن عبد الرحمن ، ~~وفقهاء أهل الشام قالوا : الخمس من جملة الغنيمة ، والنفل بعده ، ثم ~~الغنيمة بعد ذلك بين أهل العسكر . وهو قول الأوزاعى وأحمد وإسحاق . وحجة ~~هذا المقالة : حديث سليمان بن موسى ، عن زياد بن جارية ، عن حبيب بن مسلمة ~~( أن رسول الله نفل فى بدأته الربع قبل الخمس ) فكذلك الثلث الذى ينفله فى ~~الرجعة هو الثلث أيضا قبل الخمس ، و إلا لم يكن لذكر الثلث معنى . قال ~~الطحاوى : فيقال لهم : بل له معنى صحيح ، وذلك أن المذكور من نفله فى ~~البدأة الربع ، هو مما يجوز له النفل منه ، وكذلك نفله فى الرجعة الثلث مما ~~يجوز له النفل منه وهو الخمس . وروى حديث حبيب بلفظ يدل على هذا المعنى . ~~PageV05P298 روى مكحول عن زياد بن جارية ، عن حبيب بن مسلمة أن رسول الله ~~كان ينفل الثلث بعد الخمس . قال الطحاوى : واحتجوا أيضا بما رواه سليمان بن ~~موسى ، عن مكحول ، عن أبى سلام ، عن أبى ms1726 أمامة الباهلى ، عن عبادة بن ~~الصامت قال : كان رسول الله ينفلهم إذا خرجوا بادئين الربع ، وينفلهم إذا ~~قفلوا الثلث . قيل لهم : وهذا لا حجة فيه ؛ لأنه محتمل أن يكون معناه : ~~ينفلهم إذا قفلوا الثلث ، فيكون ذلك على قفول من قتال إلى قتال ، فيكون ~~الثلث المنفل هو الثلث قبل الخمس ، وذلك جائز عندنا ؛ لأنه يرجى بذلك صلاح ~~القوم وتحريضهم على قتال عدوهم . فأما إذا كان القتال قد ارتفع فلا يجوز ~~النفل ؛ لأنه لامنفعة للمسلمين فى ذلك . وقال أبو عبيد : النفل فى قوله ~~الذى ذكره ابن عمر ( ونفلوا بعيرا بعيرا ) بعد ذكر السهام . ولا وجه له إلا ~~أن يكون من الخمس وقد جاء مبينا فى حديث مكحول : أن النبى نفل يوم حنين من ~~الخمس . وروى ابن وهب عن يونس عن ابن شهاب قال : بلغنى عن عبد الله بن عمر ~~أنه قال : نفل رسول الله سرية بعثها قبل نجد من إبل جاءوا بها نفلا سوى ~~نصيبهم من المغنم . قال الطحاوى : وقوله - صلى الله عليه وسلم - يوم حنين ~~حين أخذ وبرة من جنب بعيره ثم قال : ( أيها الناس ، إنه لا يحل لى مما أفاء ~~الله عليكم إلا الخمس ، وهو مردود فيكم ) . يدل أن ما سوى الخمس من المغنم ~~للمقاتلة . ويدل على صحة ما قلنا ما رواه أبو عوانة ، عن عاصم بن كليب ، ~~PageV05P299 عن أبى الجويرية ، عن معن بن يزيد السلمى قال : سمعت رسول الله ~~يقول : ( لا نفل إلا بعد الخمس ) أى : حتى يقسم الخمس . وإذا قسم الخمس ~~انفرد حق المقاتلة وهو أربعة أخماس ، فكان ذلك النفل الذى ينفله الإمام من ~~بعد أن آثر به هو من الخمس لا من الأربعة الأخماس التى هى حق المقاتلة ، ~~ولو أخذنا النفل قبل ذلك لكان حقهم قد بطل بعد وجوبه ، وإنما يجوز النفل ~~مما يدخل فى ملك المنفل من ذلك العدو . فأما ما قد زال عن ملك العدو قبل ~~ذلك وصار فى ملك المسلمين فلا نفل فيه ؛ لأنه من مال المسلمين ، فثبت بذلك ~~ألا نفل بعد إحراز الغنيمة ms1727 . ومما احتج به أصحاب مالك قالوا : إنما لم يجعل ~~مالك النفل من رأس الغنيمة ؛ لأن أهلها معينون ، وهم الموجفون ، وجعله من ~~الخمس ؛ لأن قسمته مردودة إلى اجتهاد الإمام وأهله غير معينين . وفى حديث ~~ابن عمر رد لقول من قال : إن النفل من خمس الخمس ، وإنما فى الحديث أنه نفل ~~نصف السدس ؛ لأنه بلغت سهمانهم اثنا عشر بعيرا ونفلوا بعيرا بعيرا . واما ~~حديث أبى موسى وأهل السفينة ، فإن للعلماء فى معناه تأويلات : أحدها ما ذكر ~~موسى بن عقبة ، قال إن النبى - صلى الله عليه وسلم - استطاب أنفس الغانمين ~~بما أعطاهم كما فعل فى سبى هوازن ، وقد روى ذلك عن أبى هريرة ، روى خثيم بن ~~عراك ، عن أبيه ، عن نفر من قومه أن أبا هريرة قدم المدينة هو ونفر من قومه ~~فوجدوا النبى قد خرج إلى خيبر . قال : فقدمنا عليه وهو قد فتح خيبر ، فكلم ~~الناس ، فأشركنا فى سهامهم . وقيل : إنما أعطاهم من PageV05P300 خيبر ما لم ~~يفتتح بقتال مما قد انجلى عنه أهله بالرعب فصار فيئا ؛ لأنه لم يوجف عليه ~~بخيل ولا ركاب ، وبعض خيبر كانت هكذا . وقال آخرون : إنما أعطى من خيبر ~~لأهل الحديبية خاصة ، رواه حماد بن سلمة ، عن على بن زيد ، عن عمار بن أبى ~~عمار ، عن أبى هريرة قال : ما شهدت مغنما مع رسول الله إلا قسم لى إلا خيبر ~~؛ فإنها كانت لأهل الحديبية خاصة شهدوها أو لم يشهدوها ؛ لأن الله كان ~~وعدهم بها لقوله تعالى : { وأخرى لم تقدروا عليه } بعد قوله : { وعدكم الله ~~مغانم كثيرة } . وقال آخرون : إنما أعطاهم من خيبر من الخمس الذى حكمه حكم ~~الفيء ، وله أن يضعه باجتهاده حيث شاء ، ويمكن أن يذهب البخارى إلى هذا ~~القول ، والله أعلم . وحديث جابر يحتمل أن يكون من الخمس أو من الفيء وكذلك ~~حديث جابر ، إذ قال الرجل للنبى : اعدل ، يحتمل أن يكون من الخمس ؛ لأنه ~~إنما أنكر الأعرابى الجاهل ما رأى من التفضيل ، وذلك لا يكون فى أربعة ~~أخماس الغنيمة ، وإنما يكون فى الخمس الذى هو ms1728 موكول إلى اجتهاده - صلى الله ~~عليه وسلم - . قال إسماعيل بن إسحاق : هذا مما لا يعلم أنه من الخمس ، وقد ~~قسمه رسول الله بغير وزن ، ، حدثنا بذلك ابن أبى أويس ، حدثنا أبى ، حدثنا ~~يحيى بن سعيد ، أخبرنى أبو الزبير أنه سمع جابرا يقول : بصر عينى وسمع أذنى ~~رسول الله بالجعرانة وفى ثوب بلال فضة يقبضها للناس يعطيهم فقال له رجل : ~~اعدل الحديث . وقال أبو عبد الله بن أبى صفرة : فعل الرسول فى سبى هوازن ~~يدل أن الغنائم على حكم الإمام إن رأى أن يصرفها إلى ما هو أوكد وأعظم ~~PageV05P301 مصلحة للمسلمين من قسمتها على الغانمين صرفها ولم يعط الغانمين ~~شيئا ، كما فعل بمكة فتحها عنوة ومن عليهم ، ولم يعط أصحابه منها شيئا ، بل ~~أبقاها للرحم التى كانت بينه وبينهم ، وكذلك أراد أن يفعل بهوازن للرضاعة ~~فيهم حين استأنى بالغنائم ، فلما أبطئوا قسم ، ثم لما جاءوا رد بعضا وأبقى ~~للغانمين بعضا عن طيب أنفسهم ، ولم يستطب أنفسهم بمكة ؛ لأنه لم يملكهم ، ~~واستطاب أنفسهم بهوازن ؛ لأنه قد كان قسم لهم وملكهم ، فصح بهذا أنه لا شيء ~~لهم إلا أن يملكوا ، ولذلك قال مالك : يحد الزانى ، ويقطع السارق وإن كان ~~له فى الغنيمة سهم ، إذا فعل ذلك قبل القسمة ، فلو كان له فيها شبهة لدرأ ~~الحد بها ؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم - : ( ادرءوا الحدود بالشبهات ) . ~~فدل أنه لا شبهة لهم فيها إلا أن يملكوها بالقسمة . وحكى الطبرى هذه ~~المقالة عن بعض أهل العلم قالوا : حكم المغانم كلها لرسول الله فى مغازيه ~~كلها ، وله أن يصرفها إلى من شاء ، ويحرمها على من حضر القتال ، ومن لم ~~يحضر ، واعتلوا بقوله تعالى : { قل الأنفال لله والرسول } وبفعله - صلى ~~الله عليه وسلم - فى هوازن ، ولم يسم القائلين بذلك . وقال آخرون : أربعة ~~أخماس الغنيمة حق للغانمين لا شيء فيه للإمام ، وإنما هو - صلى الله عليه ~~وسلم - كبعض من حضر الوقعة إلا ما كان خصه الله به من الفيء وخمس الخمس ، ~~وأما غير ذلك فلم يكن له فيه شيء . قالوا ms1729 : والذى أعطى - صلى الله عليه ~~وسلم - يوم حنين المؤلفة قلوبهم إنما كان من نصيبه وحقه من الغنيمة . ~~PageV05P302 وقوله تعالى : { قل الأنفال لله والرسول } معناه : له وضعها ~~مواضعها التى أمره الله بوضعها فيها ، لا أنه ملكها ليعمل فيها ما شاء . ~~قالوا : وكيف يجوز أن يكون معنى قوله : { والرسول } ملكا له ، وهو - صلى ~~الله عليه وسلم - يعزل يوم صدر من حنين ، فتناول وبرة من الأرض وقال : ( ما ~~لى مما أفاء الله عليكم إلا الخمس ، وهو مردود فيكم ) . قالوا : فتبين بهذا ~~الحديث أن ما أعطى النبى المؤلفة ومن لم يشهد الوقعة إنما كان من نصيبه ~~وحقه من الغنيمة خاصة . قال أبو عبيد : مكة لا تشبه شيئا من البلاد ؛ وذلك ~~أن النبى - صلى الله عليه وسلم - سن بمكة سننا لم يسنها فى سائر البلاد . ~~روى عن عائشة أنها قالت : ( يا رسول الله ، ألا تبنى لك بيتا يظلك من الشمس ~~بمكة ؟ قال : لا ، إنما هى مناخ من سبق ) رواه عن ابن مهدى ، عن إسرائيل ، ~~عن إبراهيم بن مهاجر ، عن يوسف بن ماهك ، عن أمه ، عن عائشة ، وقال عبد ~~الله بن عمرو : من أكل من أجور بيوت مكة ، فإنما يأكل فى بطنه نار جهنم . ~~وكره أهل العلم كراء بيوتها . وقال ابن عباس وابن عمر : الحرم كله مسجد . ~~وقال مجاهد : مكة مناخ لا تباع رباعها ، ولا تؤخذ أجور بيوتها ، ولا تحل ~~ضالتها إلا لمنشد . قال أبو عبيد : فإذا كان حكم مكة أنها مناخ لمن سبق ، ~~وأنها PageV05P303 مسجد لجماعة المسلمين ، ولا تباع رباعها ، ولا يطيب كراء ~~بيوتها ، فكيف يقاس غيرها عليها . # | 16 باب : المن على الأسارى من غير أن يخمسوا # 1947 / فيه : جبير ، أن النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، قال فى أسارى ~~بدر : ( لو كان المطعم بن عدى حيا ، ثم كلمنى فى هؤلاء السبى لتركتهم ) . ~~هذا الحديث حجة فى جواز المن على الأسارى ، وإطلاقهم بغير فداء ، خلاف قول ~~بعض التابعين ؛ لأن النبى لا يجوز فى صفته أن يخبر عن شيء لو وقع لفعله وهو ~~غير جائز . قال المهلب ms1730 : وفيه جواز التشفيع للمذنبين الشريف على سبيل ~~الاستئلاف ، والانتفاع بإشفاعه فى رد عادته المشركين بأكثر ما يخشى من ضد ~~المطلقين لطاعتهم لسيدهم المشفع بهم ، وهو نظر من الرسول ، وأن الانتفاع ~~بالمن عليهم أكثر من قتلهم أو استرقاقهم . قال المؤلف : وقوله باب : ( المن ~~على الأسارى من غير أن يخمسوا ) فيه حجة لما ذكره ابن القصار عن مالك وأبى ~~حنيفة أن الغنائم لا يستقر ملك الغانمين عليها بنفس الغنيمة إلا بعد قسمة ~~الإمام لها . وحكى عن الشافعى أنهم يملكون بنفس الغنيمة . PageV05P304 قال ~~المؤلف : والحجة للقول الأول هذا الحديث ، وذلك أنه - صلى الله عليه وسلم - ~~لو من على الأسارى سقط سهم من له الخمس كما سقط سهم الغانمين . وقوله - صلى ~~الله عليه وسلم - : ( لتركتهم به ) يقضى ترك جميعهم لا ترك بعضهم . واحتج ~~ابن القصار فقال : لو ملكوا بنفس الغنيمة لكان من له أب أو ولد ممن يعتق ~~عليه إذا ملكه يجب أن يعتق عليه بنفس الغنيمة ، ويحاسب به من سهمه ، وكان ~~يجب لو تأخرت القسمة فى العين والورق ثم قسمت أن يكون حول الزكاة على ~~الغانمين يوم غنموا . وفى اتفاقهم أنه لا يعتق عليهم من يلزمهم عتقه إلا ~~بعد القسمة ، ولا يكون حول الزكاة إلا من يوم حاز نصيبه بالقسمة أنه لا ~~يملك بنفس الغنيمة ، ولو ملك بنفس الغنيمة لم يجب عليه الحد إذا وطىء جارية ~~من المغنم قبل القسمة . واحتج أصحاب الشافعى فقالوا : لو ترك السبى لمطعم ~~بن عدى كان يستطيب أنفس أصحابه الغانمين ، كما فعل فى سبى هوازن ؛ لأن الله ~~أوجب لهم ملك الغنائم إذا غنموها بقوله : { واعلموا أنما غنمتم من شىء } ~~فأضافهم إليهم . وأما قولهم : لو ملكوا بنفس الغنيمة ، فكان من له أب أو ~~ولد يعتق بنفس الغنيمة ، ولا حجة فيه ؛ لأن السنة إنما وردت فيمن أعتق شقصا ~~له فى عبد معين قد ملكه وعرفه بعينه ، فأما ما لا يعرف بعينه فلا يشبه عتق ~~الشريك . PageV05P305 ألا ترى أن الشريك له أن يعتق كما يعتق صاحبه ، وفى ~~إجماعهم أنه يعتق على ms1731 الشريك الموسر فى المعتق ، وإجماعهم أنه لا يعتق عليه ~~فى شركته فى الغنيمة دليل واضح على الفرق بينهما . وأما قوله أنه يجب أن ~~يكون حول الزكاة من وقت الغنيمة لو كان ملكا فخطأ بين على مذهب المالكيين ~~وغيرهم ؛ لأن العوائد لا يراعى حولها عندهم إلا من يوم يصير بيد صاحبه ، ~~وأما اعتلالهم بوجوب الحد على من وطىء من المغنم قبل القسمة فلا معنى له ؛ ~~لأن الحدود تدرأ بالشبهات ، ولا خلاف بين العلماء أنه لو وطىء جارية معينة ~~بينه وبين غيره لم يحد ، فكيف ما لا يتعين ؟ * * * # | 17 - باب ومن الدليل على أن الخمس للإمام وأنه يعطى بعض قرابته دون بعض ~~ما قسم النبى - صلى الله عليه وسلم - لبنى المطلب وبنى هاشم من خمس خيبر # قال عمر بن عبدالعزيز : لم يعمهم بذلك ، ولم يخص قريبا دون من هو أحوج ~~إليه ، وإن كان الذى أعطى لما يشكو إليه من الحاجة ولما مسهم فى جنبه من ~~قومهم وحلفائهم . 1948 / فيه : جبير بن مطعم ، مشيت أنا وعثمان بن عفان إلى ~~النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، فقلنا : يا رسول الله ، أعطيت بنى المطلب ~~وتركتنا ، ونحن وهم منك بمنزلة واحدة ؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - : ( إنما بنو المطلب وبنو هاشم شىء واحد ) . قال الخطابى : شىء أى ~~مثل . قال جبير : ولم يقسم النبى - صلى الله عليه وسلم - لبنى عبد شمس ولا ~~لبنى نوفل . PageV05P306 قال ابن إسحاق : وعبد شمس وهاشم والمطلب إخوة لأم ~~، وأمهم عاتكة بنت مرة ، وكان نوفل أخاهم لأبيهم . قال المؤلف : هذا الباب ~~رد لقول الشافعى أيضا أن سهم ذى القربى خمس الخمس يقسم بينهم لا يفضل فقير ~~على غني . قال إسماعيل بن إسحاق : وليس فى هذا الباب أنه - صلى الله عليه ~~وسلم - قسم بينهم خمس الخمس ، وقد يجوز أن يقسم بينهم أكثر وأقل ؛ لأنه لم ~~يخص فى الحديث مبلغ سهمهم كم هو ، وإنما قصد فى الحديث الفرق بين بنى هاشم ~~وبنى المطلب ، وبين سائر بنى عبد مناف . وهذا الحديث يرد قول ابن عباس ms1732 حين ~~كتب إليه نجدة يسأله عن سهم ذى القربى ومن هم ؟ قال : هم قرابة الرسول ، ~~ولكن أبى علينا قومنا فصبرنا ، ألا ترى أن ابن عباس لم يظلم من أبى ذلك ~~عليه ، فدل أن ما أريد به مع ذلك بقرابة رسول الله بعضهم دون بعض ، وجعل ~~الرأى فى ذلك إلى رسول الله يضعه فيمن شاء منهم ، وهم أهل الفقر والحاجة ~~خاصة ، وكذلك قال عمر بن الخطاب : إنما جعل الخمس لأصناف سماهم ، فأسعدهم ~~فيه حظا أشدهم فاقة وأكثرهم عددا . وذكر الطحاوى بإسناذه عن الحسن بن محمد ~~بن على قال : اختلف الناس بعد وفاة النبى - صلى الله عليه وسلم - فى سهم ذى ~~القربى ، فقال قوم : هو لقرابة الخليفة ، وقال قوم : سهم النبى - صلى الله ~~عليه وسلم - هو للخليفة من بعده ثم أجمع رأيهم أن يجعلوا هذين السهمين فى ~~العدة والخيل فى سبيل الله ، فكان ذلك إمارة أبى بكر وعمر . PageV05P307 ~~قال الطحاوى : أفلا ترى أن ذلك مما قد أجمع عليه الصحابة ، ولو كان ذلك ~~لقرابة رسول الله لما منعوا منه ، ولما صرف إلى غيرهم ، ولا خفى ذلك عن ~~الحسن بن محمد مع علمه وتقدمه . وهذا يرد قول من زعم أن لذى القربى سهما ~~مفروضا من الخمس ، وقد تقدم هذا المعنى فى باب ( درع النبى وعصاه وسيفه ) . ~~وزعم الشافعى أنه يعطى الرجل من ذوى القربى سهمين والمرأة سهما . وخالفه ~~أصحابه : المزنى ، وأبو ثور ، وجميع الناس وقالوا : الذكر والأنثى فى ذلك ~~سواء . وهذا هو الصحيح ؛ لأنهم إنما أعطوا بالقرابة ، وذلك لا يوجب التفضيل ~~، كما لو أوصى الرجل لقرابته بوصية ، لم يعط الذكر مثل حظ الأثنيين ؛ لأنهم ~~إنما أعطوا باللفظ الذى أوجب لهم ذلك ، فأما المواريث فإن الله تعالى قسمها ~~بين أهلها على أمور مختلفة ، جعل للوالدين فى حال شيئا وفى حال غيره ~~والأولاد إذا كانوا ذكورا وإناثا شيئا ، وإذا كن إناثا غير ذلك ، وكذلك ~~الإخوة والأخوات . وهذا الحديث حجة للشافعى أن ذا القربى الذى يسهم لهم من ~~الخمس هم بنو هاشم وبنو المطلب أخى هاشم خاصة ms1733 دون سائر قرابته - صلى الله ~~عليه وسلم - ، وبه قال أبو ثور ، وقال ابن الحنفية : سهم ذى القربى هو لنا ~~أهل البيت . وروى عمر بن عبد العزيز أنهم بنو هاشم خاصة . وقال أصبغ بن ~~الفرج : اختلف فى ذلك ، فقيل : هم قرابة الرسول ، وقيل : قريش PageV05P308 ~~كلها . قال : ووجدت معانى الآثار أنهم آل محمد . وقد تقدم فى كتاب الزكاة ~~اختلافهم فى آل محمد الذين لا تحل لهم الصدقة . * * * # | 18 - باب من لم يخمس الأسلاب ومن قتل قتيلا فله سلبه من غير الخمس وحكم ~~الإمام فيه # 1949 / فيه : عبد الرحمن بن عوف ، بينا أنا واقف فى الصف يوم بدر ، فنظرت ~~عن يمينى وعن شمالى ، فإذا أنا بغلامين من الأنصار ، حديثة أسنانهما ، ~~تمنيت أن أكون بين أضلع منهما ، فغمزنى أحدهما ، فقال : يا عم ، هل تعرف ~~أبا جهل ؟ قلت : نعم ، ما حاجتك إليه ، يا ابن أخى ؟ قال : أخبرت أنه يسب ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، والذى نفسى بيده لئن رأيته لا يفارق ~~سوادى سواده حتى يموت الأعجل منا ، فتعجبت لذلك ، فغمزنى الآخر ، فقال لى ~~مثلها ، فلم أنشب أن نظرت أبى جهل يجول فى الناس ، فقلت : ألا إن هذا ~~صاحبكما الذى سألتمانى عنه ، فابتدراه بسيفيهما ، فضرباه حتى قتلاه ، ثم ~~انصرفا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فأخبراه ، فقال : أيكما ~~قتله ؟ قال كل واحد منهما : أنا قتلته ، فقال : هل مسحتما سيفيكما ؟ قالا : ~~لا ، فنظر فى السيفين ، فقال : كلاكما قتله ، سلبه لمعاذ بن عمرو بن الجموح ~~، وكانا معاذ بن عفراء ومعاذ بن عمرو بن الجموح ) . 1950 / وفيه : أبو ~~قتادة ، خرجنا مع النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، عام حنين ، فلما ~~التقينا كانت للمسلمين جولة ، فرأيت رجلا من المشركين علا رجلا من المسلمين ~~، فاستدرت حتى أتيته من ورائه ، حتى ضربته بالسيف على حبل عاتقه ، فأقبل ~~على فضمنى ضمة وجدت منها ريح الموت ، ثم أدركه PageV05P309 الموت ، فأرسلنى ~~، فلحقت عمر بن الخطاب ، فقلت : ما بال الناس ؟ قال : أمر الله ، ثم إن ~~الناس رجعوا ، وجلس النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، فقال : ( من ms1734 قتل ~~قتيلا له عليه بينة ، فله سلبه ) ، فقمت ، فقلت : من يشهد لى ، ثم جلست ، ~~ثم قال الثالثة مثلها ، فقمت ، [ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ~~( ما لك يا أبا قتادة ) ؟ فاقتصصت عليه القصة ] فقال رجل : صدق يا رسول ~~الله ، وسلبه عندى ، فأرضه عنى ، فقال أبو بكر الصديق : لاها الله ، إذا لا ~~يعمد إلى أسد من أسد الله يقاتل عن الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم - ، ~~يعطيك سلبه ، فقال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( صدق ) ، فأعطاه ، فبعت ~~الدرع ، فابتعت به مخرفا فى بنى سلمة ، وإنه لأول مال تأثلته فى الإسلام . ~~ووقع هذا الحديث فى غزوة حنين من حديث الليث ، عن يحيى بن سعيد ( كلا لا ~~نعطيه أضيبع من قريش ، وندع أسدا من أسد الله . . . ) الحديث . اختلف ~~الفقهاء فى السلب ، هل يخمس ؟ فقال الشافعى : كل شيء من الغنيمة يخمس إلا ~~السلب ؛ فإنه لا يخمس . وهو قول أحمد بن حنبل وجماعة من أهل الحديث . وذكر ~~ابن خواز بنداذ عن مالك أن الإمام مخير فيه ، إن شاء خمسه على الاجتهاد كما ~~فعل عمر فى سلب البراء بن مالك ، وإن شاء لم يخمسه ، واختاره إسماعيل ابن ~~إسحاق ، وقال إسحاق بن راهويه : إذا كثرت الأسلاب ، خمست كما فعل عمر بن ~~الخطاب . وقال مكحول والثورى : السلب مغنم ويخمس . وفى مختصر الوقار ، عن ~~مالك أنه يخمس السلب . وهو قول ابن عباس ، روى الزهرى ، عن القاسم بن محمد ~~، عن ابن عباس قال : السلب من النفل والنفل يخمس . وحجة من رأى تخميسها ~~قوله تعالى : { واعلموا أنما غنمتم من PageV05P310 شيء فأن لله خمسه } ولم ~~يستثن سلبا ولا غيره ، وحجة من قال : لا يخمس حديث معاذ بن عمرو ، وحديث ~~أبى قتادة ، وليس فى واحد منهما تخميس الأسلاب . وعموم قوله - صلى الله ~~عليه وسلم - : ( من قتل قتيلا فله سلبه ) فملكه السلب ولم يستثن شيئا منه . ~~وإلى هذا ذهب البخاري . وحجة من رأى تخميسها على الاجتهاد إذا كثرت ما رواه ~~سفيان عن أيوب ، عن ابن سيرين ، عن أنس بن مالك ( أن البراء بن ms1735 مالك بارز ~~مرزبان الزاره فقتله ، فقوم سلبه ثلاثين ألفا ، فلما صلينا الصبح غدا علينا ~~عمر بن الخطاب فقال لأبى طلحة : إنا كنا لا نخمس الأسلاب وإن سلب البراء ~~بلغ مالا ، ولا أرانا خامسه ، فقومنا ثلاثين ألفا فدفعنا إلى عمر ستة آلاف ~~، فكان أول سلب خمس فى الإسلام ) فدل فعل عمر أن لهم أن يخمسوا إذا رأى ~~الإمام ذلك . واختلف العلماء فى حكم السلب ، فقال مالك : لا يستحق القاتل ~~سلب قتيله إلا أن يرى ذلك الإمام بحضرة القتال فينادى ليحرض الناس على ~~القتال ، أو يجعله مخصوصا لإنسان إذا كان جهده . وبه قال أبو حنيفة والثوري ~~. واحتج مالك بأن رسول الله إنما قال : ( من قتل قتيلا فله سلبه ) بعد أن ~~برد القتال يوم حنين ولم يحفظ ذلك عنه فى غير يوم حنين ، ولا بلغنى ذلك عن ~~الخليفتين . فليس السلب للقاتل إلا أن يقول ذلك الإمام ، وإلا فالسلب غنيمة ~~، وحكمه حكم الغنائم ؛ لأن الأربعة الأخماس للغانمين والنفل زيادة على ~~الواجب ، فلا تكون تلك الزيادة من الواجب بل من غيره وهو الخمس . وقال ~~الأوزاعى والليث والشافعى وأبو ثور : السلب للقاتل على PageV05P311 كل حال ~~سواء قال ذلك الإمام أو لم يقله ؛ لأنها قضية قضاها رسول الله فى مواطن شتى ~~لا يحتاج إلى إذن الإمام فيها . وقد أعطى رسول الله سلب أبى جهل يوم بدر ~~لمعاذ بن عمرو ، فثبت أن ذلك كان قبل يوم حنين ، خلاف قول مالك . واحتج ~~أصحاب الشافعى بحديث معاذ بن عمرو أن النبى - صلى الله عليه وسلم - كان ~~أعطاه السلب ؛ لأنه كان أثخنه ومعاذ بن عفراء أجهز عليه . قالوا : وعندنا ~~أنه إذا أثخن أحدهم المشرك بالضرب وذبحه الآخر ، كان السلب للمثخن لا ~~للذابح . قال المهلب : ونظره - صلى الله عليه وسلم - إلى سيفيهما واستدلاله ~~منهما على أيهما قتله ، دليل أنه لم يعط السلب إلا لمن أثخنه ، وله مزية فى ~~قتله ، وموضع الاستدلال منه أنه رأى فى سيفيهما مبلغ الدم من جانبى السيفين ~~، ومقدار عمق دخولهما فى جسم أبى جهل ، ولذلك سألهما هل مسحاهما ms1736 ؛ لأنه لو ~~مسحاهما لتغير مقدار ولوجهما فى جسمه . وقوله : ( كلاكما قتله ) فلو كان ~~السلب مستحقا بالقتل لكان يجعله بينهما ؛ لأنهما اشتركا فى قتله ، ولا ~~ينتزعه من أحدهما . فلما قال لهما : ( كلاكما قتله ) ثم قضى بالسلب لأحدهما ~~دون الآخر ، دل ذلك على ما قلنا ؛ ألا ترى أن الإمام لو قال : ( من قتل ~~قتيلا فله سلبه ) فقتل رجلان قتيلا أن سلبه بينهما نصفين وأنه ليس للإمام ~~أن يحرمه أحدهما ويدفعه للآخر ؛ لأن كل واحد منهما له فيه من الحق مثلما ~~لصاحبه ، وهما أولى به من الإمام ، فلما كان للنبى فى سلب أبى جهل أن يجعله ~~لأحد قاتليه دل أنه كان أولى به منهما ؛ لأنه لم يكن قال يومئذ : ( من قتل ~~قتيلا فله سلبه ) قاله الطحاوي . وقال ابن القصار : لما خص به - صلى الله ~~عليه وسلم - أحدهما علم أنه غير PageV05P312 مستحق إلا بعطية الإمام ؛ لأن ~~عطاء الإمام عندنا من الخمس ، فيكون معنى قوله : ( من قتل قتيلا فله سلبه ) ~~يعنى : من الخمس لا من مال الغانمين . واحتج أصحاب الشافعى فقالوا : إنما ~~أعطى السلب لأحدهما وإن كان قال : ( كلاكما قتله ) لأنه استطاب نفس صاحبه ، ~~ولم ينقل ذلك ، ويشهد لصحة هذا ما ثبت عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه جعل ~~السلب للقاتل يوم بدر وغيره ، روى ذلك من حديث عبد الرحمن بن عوف ، وحديث ~~عوف بن مالك ، وحديث أبى قتادة ، وحديث ابن عباس ، قالوا : لأنه محال أن ~~يقول : ( كلاكما قتله ) ويقول : ( من قتل قتيلا فله سلبه ) ثم يعطى أحدهما ~~إلا عن إذن صاحبه ، كما فعل فى غنائم هوازن . وبهذا التأويل تسلم الحاديث ~~من التعارض والاختلاف . قالوا : وحديث أبى قتادة ، يدل أن السلب من رأس ~~الغنيمة لا من الخمس ؛ لأن الرسول أعطى أبا قتادة سلب قتيله قبل قسمة ~~الغنيمة لأنه نفله حين برد القتال ، ولم يقسم الغنيمة إلا بعد أيام كثيرة ~~بالجعرانة . فأجابهم أصحاب مالك والكوفيون ، فقالوا : هذا حجة لنا ؛ وذلك ~~أن النبى - صلى الله عليه وسلم - إنما قال ذلك فى حديث أبى قتادة بعد تقضى ~~الحرب ms1737 وقد حيزت الغنائم وهذه حالة قد سبق فيها مقدار حق الغانمين وهو ~~الأربعة الأخماس على ما فرضها الله لهم ؛ فينبغى أن يكون من الخمس ، وإذا ~~تقرر أنه صلى الله عليه ابتدأ فأعطى القاتل السلب بعد أن قال : ( ما لى مما ~~أفاء الله عليكم إلا الخمس وهو مردود فيكم ) علم أن عطية ذلك وغيره من ~~الخمس المضاف إليه ، ولا يكون الخمس إلا بعد حصول الأربعة الأخماس للغانمين ~~. PageV05P313 وما رأى الإمام أن يعطيه من أبلى واجتهد فى نكاية العدو ، ~~فهو ابتداء عطية منه ؛ فينبغى ألا يكون من حق الغانمين ، وأن يكون مما إليه ~~صرفه على وجه الاجتهاد وهو الخمس ، كما ينفل من الخمس ، لا من حقوق ~~الغانمين . واختلفوا فى الرجل يدعى أنه قتل رجلا بعينه ، ويدعى سلبه ، ~~فقالت طائفة : يكلف على ذلك البينة ، فإن جاء بشاهدين أخذه ، وإن جاء بشاهد ~~واحد حلف معه وكان له سلبه ، واحتجوا بحديث أبى قتادة وبأنه حق يستحق مثله ~~بشاهد ويمين ، وهو قول الليث والشافعى ، وجماعة من أهل الحديث . وقال ~~الأوزاعى : يعطاه إذا قال إنه قتله ولا يسأل على ذلك بينة . وقال ابن ~~القصار وغيره : إن النبى شرط البينة ، وأعطى أبا قتادة سلبه على بينة ، ~~وذلك بشهادة رجل واحد دون يمين ؛ فعلم أنه لم يعطه لأنه استحقه بالقتل لأن ~~المغانم له أن يعطى منها مما يبقى لمن شاء ، ويمنع من شاء ؛ لقوله تعالى : ~~{ وما آتاكم الرسول فخذوه } الآية والمغانم خلاف الحقوق التى لا تستحق إلا ~~بإقرار أو شاهدين . وقال أصحاب الشافعى : إن النبى لم يعطه أبا قتادة إلا ~~ببينة ؛ لأنه أقر له به من كان حازه لنفسه فى القتال ، فصدق أبا قتادة ، ~~وقال أبو بكر الصديق ما قال ، وأضاف السلب إليه ؛ فحصل شاهدان له . وأيضا ~~فإن كل من فى يده شيء فإقراره به لغيره يقوم مقام البينة . قال المهلب : فى ~~حديث أبى قتادة من الفقه جواز كلام الوزير ورد سائر الأمر قبل أن يعلم جواب ~~الأمير ، كما فعل أبو بكر حين قال : لا ها الله ، وقال ثابت ms1738 فى ( غريب ~~الحديث ) : قال أبو عثمان المازنى : PageV05P314 من قال : ( لا ها الله إذا ~~) فقد أحطأ ، إنما هو : لا ها الله ذا . أى : ذا يمينى وذا قسمي . وقال أبو ~~زيد : يقال : ( لا ها الله ذا ) ، و ( ذا ) صلة فى الكلام وليس من كلامهم : ~~لا ها الله إذا . وقال غيره : هو مثل قول زهير : تعلمتها لعمر الله ذا قسما ~~وقوله : فابتعت به مخرفا . قال أبو حنيفة اللغوى : إذا اشترى الرجل نخلتين ~~وثلاثا إلى العشر يأكلهن قيل : قد اشترى مخرفا جيدا ، والخرائف للنخل التى ~~يخترفن ، واحدها خروفة وخريفة والمخرف بكسر الميم - الزنبيل الذى يخترف فيه ~~، والخارف اللاقط والحافظ للنخل . وقوله فى حديث عبد الرحمن بن عوف : ( ~~تمنيت أن أكون بين أصلح منهما ) هكذا رواه مسدد ، عن يوسف بن الماجشون ، ~~ورواه إبراهيم بن حمزة الزبيرى ، وموسى بن إسماعيل ، وعفان عن يوسف بن ~~الماجشون ( تمنيت أن أكون بين أضلع منهما ) وهو أشبه بالمعنى . ورواية ~~ثلاثة حفاظ أولى من رواية واحد خالفهم . وأماحديث إبراهيم بن حمزة فرواه ~~الطحاوى عن أبى داود عنه . وحديث موسى بن إسماعيل رواه ابن سنجر عنه ، ~~وحديث عفان رواه ابن أبى شيبة عنه . وأما رواية الليث فى حديث أبى قتادة ( ~~كلا لا نعطيه أضيبع من قريش ) فيمكن أن يكون معناها والله أعلم - ما ذكره ~~الخطابى أن عتبة بن ربيعة نهى يوم بدر عن القتال وقال : يا قوم PageV05P315 ~~اعصبوها برأسى وقولوا : جبن عتبة ، وقد تعلمون أنى لست بأجبنكم . فقال أبو ~~بكر : الله لو غيرك قالها لأعضضته ، قد ملىء جوفه رعبا . فقال عتبه : أولى ~~تعنى يا مصفر استه ، ستعلم أينا اليوم أجبن . . . ) فى حديث طويل . قال ~~الخطابى : قوله : ( يا مصفر استه ) قيل : إنه نسبه إلى التوضيع والتأنيث ، ~~وقيل : إنه لم يرد به ذلك ، وإنما هى كلمة تقال للرجل المترف الذى يؤثر ~~الراحة ويميل إلى التنعيم . قال المؤلف : قال لى بعض أهل اللغة : إنما سمى ~~أضيبع ؛ لأنه كان له شامة يصبغها . * * * # | 19 - باب ما كان النبى - صلى الله عليه وسلم - يعطى المؤلفة قلوبهم من ~~الخمس ms1739 ونحوه # رواه عبدالله بن زيد ، عن النبى - صلى الله عليه وسلم - . 1951 / فيه : ~~حكيم بن حزام ، قال : سألت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأعطانى ، ثم ~~سألته فأعطانى ، ثم قال لى : ( يا حكيم ، إن هذا المال خضر حلو ، فمن أخذه ~~بسخاوة نفس بورك له فيه ، ومن أخذه بإشراف نفس لم يبارك له فيه ، وكان ~~كالذى يأكل ولا يشبع ، واليد العليا خير من اليد السفلى ) . قال حكيم : ~~فقلت : يا رسول الله ، والذى بعثك بالحق لا أرزأ أحدا بعدك شيئا ، حتى ~~أفارق الدنيا ، فكان أبو بكر ، يدعو حكيما ، ليعطيه العطاء ، فيأبى أن يقبل ~~منه شيئا ، ثم إن عمر دعاه ليعطيه ، فأبى أن يقبل ، فقال : يا معشر ~~المسلمين ، إنى أعرض عليه حقه الذى قسم الله له من هذا الفىء ، فيأبى أن ~~يأخذه . فلم يرزأ حكيم أحدا من الناس شيئا بعد النبى - صلى الله عليه وسلم ~~- حتى توفى . PageV05P316 1952 / وفيه : ابن عمر ، أن عمر ، قال : يا رسول ~~الله ، إنه كان على اعتكاف يوم فى الجاهلية ، فأمره أن يفى به ، وأصاب عمر ~~جاريتين من سبى حنين ، فوضعهما فى بعض بيوت مكة ، قال : فمر رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - على سبى حنين ، فجعلوا يسعون فى السكك ، قال عمر : يا ~~عبدالله ، انظر ما هذا ؟ قال : فقال : مر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~على السبى ، قال : اذهب فأرسل الجاريتين . وزاد جرير بن حازم ، عن أيوب ، ~~عن نافع ، عن ابن عمر ، قال : من الخمس . 1953 / وفيه : عمرو بن تغلب ، ~~أعطى النبى - صلى الله عليه وسلم - قوما ، ومنع آخرين ، فكأنهم عتبوا عليه ~~، فقال : ( إنى أعطى قوما أخاف ظلعهم وجزعهم ، وأكل أقواما إلى ما جعل الله ~~فى نفوسهم من الخير والغنى ، منهم عمرو بن تغلب ) ، فقال عمرو : ما أحب أن ~~لى بكلمة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حمر النعم . 1954 / وفيه : أنس ~~، قال - صلى الله عليه وسلم - : ( إنى أعطى قريشا أتألفهم ؛ لأنهم حديث عهد ~~بجاهلية ) . 1955 / وفيه : أنس ، أن ناسا من الأنصار قالوا للنبى ، - صلى ~~الله عليه وسلم ms1740 - حين أفاء الله على رسوله - صلى الله عليه وسلم - من أموال ~~هوازن : ما أفاء ، فطفق يعطى رجالا من قريش المائة من الإبل ، فقالوا : ~~يغفر الله لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - يعطى قريشا ، ويدعنا وسيوفنا ~~تقطر من دمائهم ، فحدث بمقالتهم ، فأرسل إلى الأنصار ، فجمعهم فى قبة من ~~أدم ، ولم يدع معهم أحدا غيرهم ، فلما اجتمعوا ، جاءهم رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - ، فقال : ( ما كان حديث بلغنى عنكم ) ؟ فقال له فقهاؤهم : ~~أما ذوو آرأينا يا رسول الله ، فلم يقولوا شيئا ، وأما أناس منا حديثة ~~أسنانهم ، فقالوا : يغفر الله لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - يعطى ~~قريشا ، ويترك الأنصار وسيوفنا تقطر من دمائهم ، فقال رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - : ( إنى أعطى رجالا حديثى عهدهم بكفر ، أما ترضون أن يذهب ~~الناس بالأموال ، وترجعون PageV05P317 إلى رحالكم برسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - ، فوالله ما تنقلبون به خير مما ينقلبون به ) ، قالوا : بلى ، ~~يا رسول الله ، قد رضينا ، فقال لهم : ( إنكم سترون بعدى أثرة شديدة ، ~~فاصبروا حتى تلقوا الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم - على الحوض ) . قال ~~أنس : فلم يصبروا . 1956 / وفيه : جبير بن مطعم ، بينا هو مع النبى - صلى ~~الله عليه وسلم - ومعه أناس مقفله من حنين ، علقت برسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - الأعراب يسألونه حتى اضطروه إلى سمرة ، فخطفت رداءه ، فوقف ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فقال : ( أعطونى ردائى ، فلو كان عدد ~~هذه العضاه نعما لقسمته بينكم ، ثم لا تجدونى بخيلا ولا كذوبا ولا جبانا ) ~~. 1957 / وفيه : أنس ، كنت أمشى مع النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، وعليه ~~برد نجرانى غليظ الحاشية ، فأدركه أعرابى ، فجذبه جذبة شديدة ، حتى نظرت ~~إلى صفحة عاتق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد أثرت به حاشية الرداء ~~من شدة جذبته ، ثم قال : مر لى من مال الله الذى عندك ، فالتفت إليه ، فضحك ~~، ثم أمر له بعطاه . 1958 / وفيه : ابن مسعود ، لما كان يوم حنين آثر ~~الرسول - صلى الله عليه وسلم - أناسا فى الغنمة ، وأعطى ms1741 الأقرع بن حابس ~~مائة من الإبل ، وأعطى عيينة مثل ذلك ، وأعطى أناسا من أشراف العرب ، ~~فآثرهم يومئذ فى القسمة ، فقال رجل : والله إن هذه القسمة ما عدل فيها ، ~~وما أريد بها وجه الله ، فقلت : والله لأخبرن النبى ، - صلى الله عليه وسلم ~~- ، فأتيته ، فأخبرته ، فقال : ( فمن يعدل ، إذا لم يعدل الله ورسوله ، رحم ~~الله موسى قد أوذى بأكثر من هذا فصبر ) . 1959 / وفيه : أسماء بنت أبى بكر ~~قالت : كنت أنقل النوى من أرض الزبير التى أقطعه رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - على رأسى ، وهى منى على ثلثى فرسخ . وقال عروة ، عن أسماء : أن ~~النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، أقطع الزبير أرضا من أموال بنى النضير . ~~PageV05P318 1960 / وفيه : ابن عمر ، أن عمر أجلى اليهود والنصارى من أرض ~~الحجاز ، وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما ظهر على أهل خيبر أراد ~~أن يخرج اليهود منها ، وكانت الأرض لما ظهر عليها لليهود وللرسول وللمسلمين ~~، فسأل اليهود رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يتركهم على أن يكفوا ~~العمل ، ولهم نصف الثمر ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( نقركم ~~على ذلك ما شئنا ) ، فأقرهم حتى أجلاهم عمر فى إمارته إلى تيماء وأريحا . ~~قال المؤلف : آثار هذا الباب ترد قول الشافعى ؛ فإنه زعم أن النبى عليهه ~~السلام إنما كان يعطى المؤلفة قلوبهم وغيرهم من خمس الخمس ؛ لأنه سهمه خاصة ~~. قال إسماعيل بن إسحاق : وهذه قسمة لم يعدل فيها الشافعى ؛ لأنه لا يتوهم ~~أحد أن خمس الخمس يكون مبلغه ما أعطى المؤلفة من تلك العطايا الكثيرة ، فإن ~~كان ذلك كله من خمس الخمس ، فإن أربعة أخماس الخمس أضعاف ذلك كله . قال ~~إسماعيل : وأعطى النبى المؤلفة قلوبهم من الخمس وليس للمؤلفة قلوبهم ذكر فى ~~الخمس ولا فى الفيء ، وإنما ذكروا فى الصدقات فدل إعطاؤهم من غنائم حنين ، ~~أن الخمس يقسمه الإمام على ما يراه ، وليس على الأجزاء التى قال الشافعى ، ~~وأبو عبيدة ، ولو كان كذلك ما جاز أن يعطى المؤلفة قلوبهم من ذلك شيئا . ~~قال ms1742 المؤلف : وآثار هذا الباب أيضا ترد مقالة قوم ذكرهم الطبرى ، زعموا أن ~~إعطاء النبى - صلى الله عليه وسلم - المؤلفة قلوبهم كان من جملة الغنيمة لا ~~من الخمس ، وزعموا أنه كان له - صلى الله عليه وسلم - أن يمنع الغنيمة من ~~شاء ممن حضر القتال ويعطيها من لم يحضر ، وهو قول مردود بالآثار الثابتة ، ~~وبدلائل القرآن . قال المهلب : وكان حكيم ممن استؤلف بالمال ؛ لأنه كان يحب ~~المال . PageV05P319 وفيه : رد السائل إذا ألحف بالموعظة الحسنة ، لا ~~بالانتهار الذى نهى الله عنه . وفيه : أن الحرص على المال والإفراط فى حبه ~~وطلبه يوجب المحق له ، وأن النفس الشريفة هى سخية به إن أعطته وسخية به إن ~~أخذته ، ولم تكن عليه حريصة ، يبارك لها فيه ، كما قال - صلى الله عليه ~~وسلم - ، وقد تقدم كثير من معانى حديث حكيم فى كتاب الزكاة من التعفف عن ~~المسألة . وفيه : ذم كثرة الأكل ، وتقبيحه . وفى حديث أنس من الفقه أن على ~~الإمام أن يمتحن ما يكره مما يبلغه من الأخبار ، ولا يدع الناس يخوضون من ~~أمره فيما يؤزرون به ، فربما أورث ذلك نفاقا فى قلوبهم فيجب امتحان ما سمعه ~~من ذلك ، واختباره بنفسه حتى يتبين وجه ما أنكر عليه ، ومعنى مراده ؛ لتذهب ~~نزغات الشيطان من نفوسهم ، كما فعل - صلى الله عليه وسلم - بالأنصار حين ~~رضاهم بما لم يكونوا يرضون به من قبل من الأثرة عليهم لما بينه لهم . وفيه ~~: أن الإمام إذا اختص قوما بنفسه وجيرته ، أن يعلم لهم حق الجوار على غيرهم ~~من الناس . وفيه : شرف جيران الملك على سائر من بعد عن جيرته . وفيه : أن ~~الرجل العالم والإمام العادل ، خير من المال الكثير . وفيه : استئلاف الناس ~~بالعطاء الجزيل لما فى ذلك من المنفعة للمسلمين والدفاع عنهم . وفيه : أن ~~الأنصار لا حق لهم فى الخلافة ؛ لأنه - صلى الله عليه وسلم - عرفهم ~~PageV05P320 أنه سيؤثر عليهم ، والمؤثر يجب أن يكون من غيرهم ؛ ألا ترى ~~قوله : ( فاصبروا حتى تلقوا الله ورسوله ) فعرفهم أن ذلك حالهم إلى انقضاء ~~الزمان . وفى حديث جبير استعمال ms1743 حسن الأخلاق والحلم لجهل الناس والأعراب ~~وقلة ردهم بالخيبة . وفيه : سنة الأمراء أن يسكنوا عن رد السائل ، ويتركوه ~~تحت الرجاء ولا يؤيسوه ويوحشوه . وفيه : مدح الرجل نفسه إذا ألحف عليه فى ~~المسألة فى المال والعلم وغيره . وفيه : أن النبى - صلى الله عليه وسلم - ~~مدح نفسه بالجود العظيم ، ووصف نفسه بالشجاعة والبأس الذى بسببه كانت ~~الأعراب تسأله ، ووصف نفسه بالصدق فيما يعد به من العطايا . وفيه : أنه من ~~أخلف وعد الله جاز أن يسمى : كاذبا ، وقد قال تعالى : { إنه كان صادق الوعد ~~} . وقال ابن المنذر : فى حديث جبير دليل على أن الإمام بالخيار إن شاء قسم ~~الغنائم بين أهلها قبل أن يرجع إلى بلاد الإسلام ، وإن شاء أخر ذلك ، على ~~قدر فراغه وشغله إلى وقت خروجه ، وعلى قدر ما يرى من الصلاح فيه . وقال ~~المهلب : فى حديث الذى جبذ النبى معنى ما تقدم من صبر السلاطين والعلماء ~~لجهال السؤال واستعمال الحلم لهم ، والصبر على أذاهم فى المال والنفس . ~~PageV05P321 وفى حديث ابن مسعود الأثرة فى القسمة نصا . وفيه : الإعراض عن ~~الأذى إذا لم يعين قائلوه ، والتأسى بما تقدم من الفضلاء فى الصبر والحلم . ~~وفى حديث أسماء : عون المرأة للرجل فيما يمتهن فيه الرجل ، وذلك من باب ~~التطوع منها وليس بواجب عليها ، وسيأتى فى كتاب النكاح ما يلزم المرأة من ~~خدمة واختلاف العلماء فى ذلك عند ذكر هذا الحديث إن شاء الله . وأما قوله : ~~( إن النبى - صلى الله عليه وسلم - أقطع الزبير أرضا من بنى النضير ) فليست ~~من جملة الخمس ؛ لأن النبى - صلى الله عليه وسلم - أجلى بنى النضير حين ~~أرادوا الغدر به وقتله [ . . . . ] كانت فيما لم يوجف عليها بخيل ولا ركاب ~~، فخمس منها رسول الله فى نوائبه وقسم أكثرها فى المهاجرين خاصة ، فلم يجر ~~فيها خمس . وأما خيبر فإن ابن شهاب قال : بعضها كان عنوة ، وبعضها كان صلحا ~~، وما كان عنوة فجرى فيه الخمس . فأما قوله : ( وكانت الأرض لما ظهر عليها ~~لليهود وللرسول وللمسلمين ) فقد اختلفت الرواية فى ذلك ، فروى ابن السكن ms1744 عن ~~الفريرى : ( وكانت الأرض لما ظهر عليها لله وللرسول وللمسلمين ) . وقال أبو ~~عبد الله بن أبى صفرة : بل الصواب لليهود ، وهو الصحيح . وكذلك روى البيهقى ~~عن الفربرى . وقوله : ( لما ظهر عليها ) أى : لما ظهر عليها بفتح أكثرها ~~ومعظمها قبل أن يسأله اليهود أن يصالحوه بأن ينزلوا ويعطوه الأرض ، ويسلمهم ~~PageV05P322 فى أنفسهم فكانت لليهود ، فلما صالحهم على أن يسلموا له الأرض ~~، كانت الأرض لله ولرسوله ، يريد هذه الأرض التى صالحه اليهود بها وخمس ~~الأرض التى كان أخذها عنوة ، وللمسلمين الأربعة الأخماس من العنوة ، ولم ~~يكن لليهود فيها شيء ؛ لخروجهم عنها بالصلح ، والدليل على ذلك أن عمر لما ~~أخرجهم إنما أعطاهم قيمة الثمرة لا قيمة الأصول ، فصح أنهم كانوا مساقين ~~فيها بعد أن صولحوا على أنفسهم وبالله التوفيق . # | 20 - باب ما يصيب من الطعام فى أرض الحرب # 1961 / فيه : ابن مغفل ، قال : كنا محاصرين قصر خيبر ، فرمى إنسان بجراب ~~فيه شحم ، فنزوت لآخذه ، فالتفت ، فإذا النبى - صلى الله عليه وسلم - ~~فاستحييت منه . 1962 / وفيه : ابن عمر ، قال : كنا نصيب فى مغازينا العسل ~~والعنب فنأكل منه ، ولا نرفعه . 1963 / وفيه : ابن أبى أوفى ، قال : ~~أصابتنا مجاعة ليالى خيبر ، فلما كان يوم خيبر وقعنا فى الحمر الأهلية ، ~~فانتحرناها ، فلما غلت القدور نادى منادى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~: ( أن أكفئوا القدور ، ولا تأكلوا من لحوم الحمر شيئا ) ، قال عبدالله : ~~فقلنا : إنما نهى النبى ، - صلى الله عليه وسلم - عنها ، لأنها لم تخمس ، ~~قال : وقال آخرون : حرمها ألبتة . وسألت ابن جبير ، فقال : حرمها ألبتة . ~~جمهور العلماء متفقون على أنه لا بأس بأكل الطعام والعلف فى دار الحرب بغير ~~إذن الإمام ، ولا بأس بذبح الإبل والبقر والغنم قبل أن يقع فى المقاسم . ~~هذا قول مالك والكوفيين والليث والأوزاعى والشافعى وأحمد . قال مالك : ولو ~~أن ذلك لا يؤكل حتى يقسم فيهم أضر ذلك بهم . قال : وإنما يأكلون ذلك على ~~وجه المعروف PageV05P323 والحاجة ، ولا يدخر أحد منهم شيئا يرجع به إلى ~~أهله ، وقد احتج الفقهاء فى هذا بحديث ms1745 ابن مغفل فى قصة الجراب ، وقالوا : ~~ألا ترى أن النبى لم ينكر عليه ، وقد ورد فى بعض طرق حديث ابن مغفل قال : ( ~~فالتفت فإذا النبى - صلى الله عليه وسلم - يبتسم إلي ) وشذ الزهرى فى هذا ~~الباب ، فقال : لا يجوز أخذ الطعام فى دار الحرب إلا بإذن الإمام . وأظنه ~~رأى الخلفاء والأمراء كانوا يأذنون لهم فى ذلك ، وهذا لا حجة فيه ؛ لأن ما ~~أذنوا فيه مرة علمت فيه الإباحة ؛ لأنهم لا يأذنون فى استباحة غير المباح . ~~وقول ابن عمر : ( كنا نصيب فى مغازينا العنب والعسل فنأكله ولا نرفعه ) هو ~~كالإجماع من الصحابة . قال المهلب : وحديث ابن أبى أوفى حجة فى ذلك أيضا ، ~~وأن العادة كانت عندهم فى المغازى انطلاق أيديهم على المطاعم والمستلحمات ، ~~ولولا ذلك ما تقدموا إلى شيء إلا بأمر الرسول . وسيأتى ما للعلماء فى تحريم ~~لحوم الحمر فى كتاب الذبائح إن شاء الله . وكره جمهور العلماء أن يخرج شيئا ~~من الطعام إلى دار الإسلام إذا كانت له قيمة ، وكان للناس فيه رغبة ، ~~وحكمةا فيه بحكم الغنيمة فإن أخرجه رده فى المقاسم إن أمكنه وإلا باعه ~~وتصدق بثمنه . قال مالك : وإن كان يسيرا أكله . وقال الأوزاعى : ما أخرجه ~~إلى دار الإسلام فهو له أيضا . قال ابن المنذر : وليس لأحد أن ينال من ~~أموال العدو شيئا سوى الطعام للأكل والعنف للدواب ، وكل مختلف فيه بعد ذلك ~~من ثمن طعام أو فضلة طعام يقدم به إلى أهله أو جراب أو حبل أو غير ذلك ~~PageV05P324 مردود إلى قوله - صلى الله عليه وسلم - : ( أدوا الخائط ~~والمخيط ) . وإلى قوله : ( شراك أو شراكان من نار ) . وقال الطحاوى : وقد ~~حدثنا سليمان بن شعيب ، عن أبيه ، عن أبى يوسف ، عن أبى إسحاق الشيبانى ، ~~عن محمد بن أبى المجالد ، عن عبد الله بن أبى أوفى قال : ( كنا مع رسول ~~الله بخيبر يأتى أحدنا إلى الطعام من الغنيمة ، فيأخذ منه حاجته ) . قال : ~~وقد خالف هذا حديث آخر رواه ابن وهب ، عن ابن لهيعة ، عن جعفر بن ربيعة ، ~~عن أبى مرزوق ms1746 التجيبى ، عن حنش بن عبد الله ، عن رويفع بن ثابت ، عن النبى ~~- صلى الله عليه وسلم - أنه قال عام خيبر : ( من كان يؤمن بالله واليوم ~~الآخر فلا يأخذ دابة من المغنم فيركبها حتى إذا أنقصها ردها فى المغانم ، ~~ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يليس ثوبا من المغانم حتى إذا أخلقه ~~رده فى المغانم ) . وذهب قوم منهم الأوزاعى إلى أنه لا بأس أن يأخذ الرجل ~~السلاح من الغنيمة فيقاتل به فى معمعة القتال ما كان إلى ذلك محتاجا ، ولا ~~ينتظر برده الفراغ من الحرب ، فيعرضه للهلاك وانكساد الثمن فى طول مكثه فى ~~دار الحرب . واحتجوا بهذا الحديث ، وخالفهم آخرون منهم أبو حنيفة ، فقالوا ~~: لا بأس أن يأخذ السلاح من الغنيمة إذا احتاج إليه بغير إذن الإمام ، ~~فيقاتل به حتى يفرغ من الحرب فيرده فى المغنم . PageV05P325 وقال أبو يوسف ~~: ولحديث رسول الله معنى لا يفهمه إلا من أعانه الله عليه ، ومعنى الحديث ~~عندنا : على من يفعل ذلك وهو عنه غنى يبقى بذلك دابته أو ثوبه أو يأخذه ~~يريد به الخيانة ، فأما رجل مسلم فى دار الحرب ليس له دابة ، وليس مع ~~المسلمين فضل يحملونه إلا دواب الغنيمة ، ولا يقدر على المشى ، فلا يحل ~~للمسلمين تركه ، ولا بأس أن يركب شاءوا أو كرهوا ، وكذلك الحال فى الثياب ~~والسلاح . ألا ترى أن قوما من المسلمين لو تكسرت سيوفهم أو ذهبت ، ولهم غنى ~~عن المسلمين أنه لا بأس أن يأخذوا سيوفا من الغنيمة ، فيقاتلوا بها ما ~~داموا فى دار الحرب ؟ أرأيت إن لم يحتاجوا إليها فى معمعة القتال ، ~~واحتاجوا إليها بعد ذلك بيومين أغار عليهم العدو يقومون فى وجوههم بغير ~~سلاح أيستأسرون ؟ ! هذا الرأى فيه توهين لمكيدة المسلمين ، فكيف يحل هذا فى ~~المعمعة ويحرم بعد ذلك ؟ وحديث ابن أبى أوفى يبين أنه إذا كان الطعام لا ~~بأس بأخذه وأكله واستهلاكه لحاجة المسلمين إليه ، كذلك لا بأس بأخذ الدواب ~~والثياب واستعمالها للحاجة إليها حتى يكون الذى أريد من حديث ابن أبى أوفى ~~غير الذى ms1747 أريد من حديث رويفع حتى لا تتضاد ، وهذا قول أبى يوسف ومحمد وبه ~~نأخذ ، قاله الطحاوي . PageV05P326 # | 21 - كتاب الجزية # # | 1 - باب الجزية والموادعة مع أهل الذمة والحرب # وقوله تعالى : { قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر } إلى ~~قوله : { صاغرون } [ التوبة : 29 ] ، وما جاء فى أخذ الجزية من اليهود ~~والنصارى والمجوس والعجم . وقال ابن عيينة ، عن ابن أبى نجيح : قلت لمجاهد ~~: ما شأن أهل الشأم عليهم أربعة دنانير ، وأهل اليمن عليهم دينار ؟ قال : ~~جعل ذلك من قبل اليسار . 1964 / فيه : جابر بن زيد ، عن بجالة ، قال : كنت ~~كاتبا لجزء بن معاوية - عم الأحنف - فأتانا كتاب عمر بن الخطاب قبل موته ~~بسنة ، فرقوا بين كل ذى محرم من المجوس ، ولم يكن عمر أخذ الجزية من المجوس ~~حتى شهد عبدالرحمن بن عوف أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أخذها من ~~مجوس هجر . 1965 / وفيه : عمرو بن عوف ، أن النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ~~، بعث أبا عبيدة إلى البحرين ، فأتى بجزيتها ، وكان رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - هو صالح [ أهل ] البحرين ، وأمر عليهم العلاء بن الحضرمى ، ~~فقدم أبو عبيدة بمال من البحرين ، فسمعت الأنصار بقدوم أبى عبيدة ، فوافت ~~صلاة الصبح مع النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، فلما صلى بهم الفجر انصرف ~~، يتعرضون له ، فتبسم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - PageV05P327 حين ~~رآهم ، وقال : ( أظنكم قد سمعتم أن أبا عبيدة قد جاء بشىء ) ، قالوا : أجل ~~، يا رسول الله ، قال : ( فأبشروا وأملوا ما يسركم ، فوالله لا الفقر أخشى ~~عليكم ، ولكن أخشى عليكم أن تبسط عليكم الدنيا كما بسطت على من كان قبلكم ، ~~فتنافسوها كما تنافسوها ، وتهلككم كما أهلكتهم ) . 196 / وفيه : جبير بن ~~حية ، قال : بعث عمر الناس فى أفناء الأمصار يقاتلون المشركين ، فأسلم ~~الهرمزان ، فقال : إنى مستشيرك فى مغازى هذه ، قال : نعم ، مثلها ومثل من ~~فيها من الناس من عدو المسلمين مثل طائر له رأس ، وله جناحان ، وله رجلان ، ~~فإن كسر أحد الجناحين نهضت الرجلان بجناح والرأس ، فإن كسر الجناح الآخر ~~نهضت الرجلان ms1748 والرأس ، وإن شدخ الرأس ، ذهبت الرجلان والجناحان والرأس ، ~~فالرأس كسرى ، والجناح قيصر ، والجناح الآخر فارس ، فمر المسلمين ، ~~فلينفروا إلى كسرى . وقال بكر وزياد جميعا : عن جبير بن حية قال : فندبنا ~~عمر ، واستعمل علينا النعمان بن مقرن ، حتى إذا كنا بأرض العدو ، وخرج ~~علينا عامل كسرى فى أربعين ألفا ، فقام ترجمان له فقال : ليكلمنى رجل منكم ~~، فقال المغيرة : سل عما شئت ، قال : ما أنتم ؟ قال : نحن أناس من العرب ، ~~كنا فى شقاء شديد وبلاء شديد نمص الجلد والنوى من الجوع ، ونلبس الوبر ~~والشعر ، ونعبد الشجر والحجر ، فبينا نحن كذلك إذ بعث رب السموات ورب ~~الأرضين ، إلينا نبيا من أنفسنا ، نعرف أباه وأمه ، فأمرنا نبينا ورسول ~~ربنا - صلى الله عليه وسلم - أن نقاتلكم حتى تعبدوا الله وحده أو تؤدوا ~~الجزية ، وأخبرنا نبينا - صلى الله عليه وسلم - عن رسالة ربنا أنه من قتل ~~منا صار إلى الجنة ونعيم ، لم ير مثله PageV05P328 قط ، ومن بقى منا ملك ~~رقابكم ، فقال النعمان : ربما أشهدك الله مثلها مع النبى - صلى الله عليه ~~وسلم - ، فلم يندمك ، ولم يخزك ، ولكنى شهدت القتال مع رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - كان إذا لم يقاتل فى أول النهار انتظر حتى تهب الأرواح ، ~~وتحضر الصلوات . اختلف العلماء ، فيمن تؤخذ منه الجزية ، فروى ابن القاسم ~~عن مالك أن الجزية تؤخذ من أهل الكتاب ، ومن المجوس وعبدة الأوثان ، وكل ~~المشركين غير المرتدين ، وقريش . وفى مختصر ابن أبى زيد : وتقاتل جميع ~~الأمم حتى يسلموا أو يؤدوا الجزية . وحكى الطحاوى عن أبى حنيفة وأصحابه : ~~أن الجزية تقبل من أهل الكتاب ، ومن سائر كفار العجم ، ولا يقبل من مشركى ~~العرب إلا الإسلام أو السيف . وقال الشافعى : لا تقبل الجزية إلا من أهل ~~الكتاب عربا كانوا أو عجما ، وزعم أن المجوس كانوا أهل كتاب فلذلك تؤخذ ~~منهم الجزية ، وروى ذلك عن على بن أبى طالب . وقال الطحاوى : فى حديث عمرو ~~بن عوف أن رسول الله بعث أبا عبيدة بن الجراح إلى البحرين يأتى بجزيتها ، ~~أن أهل البحرين كانوا ms1749 مجوسا من الفرس ، ولم يكونوا من العرب ، ولذلك قبل ~~منهم الجزية ، وأقرهم على مجوسيتهم . واحتج الشافعى بقوله تعالى : { قاتلوا ~~الذين لا يؤمنون PageV05P329 بالله ولا باليوم الآخر } إلى قوله : { من ~~الذين أوتوا الكتاب } . قال : فدل هذا الخطاب أن من لم يؤت الكتاب ليس ~~بمنزلتهم بدليل قوله - صلى الله عليه وسلم - : ( أمرت أن أقاتل الناس حتى ~~يقولوا : لا إله إلا الله ) ولا يجوز أن يكون أهل الكتاب داخلين تحت هذه ~~الجملة ؛ لأنهم يقولون : لا إله إلا الله لإخباره - صلى الله عليه وسلم - ~~أن هذه الكلمة يحقن بها الدم والمال ، فدل أن بغيرها لا يحقن الدم . وحجة ~~مالك حديث عبد الرحمن بن عوف ( أن النبى - صلى الله عليه وسلم - أخذ الجزية ~~من مجوس هجر ) وقال فى المجوس : ( سنوا بهم سنة أهل الكتاب فى أخذ الجزية ~~منهم ) وأيضا فإن النبى - صلى الله عليه وسلم - كان يبعث أمراء السرايا ~~فيقول لهم : ( إذا لقيتم العدو فادعوهم إلى الإسلام ، فإن أجابوا وإلا ~~فالجزية ، فإن أعطوا وإلا فقاتلوهم ) ولم ينص على مشرك دون مشرك ، بل عم ~~جميع المشركين ؛ لأن الكفر يجمعهم ، ولما جاز أن يسترقهم جاز أن يأخذ منهم ~~الجزية ، عكسه المرتد لما لم يجز أن يسترقه لم يجز أخذ الجزية منه . وليس ~~فيما احتج به الشافعى من قوله : { قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم ~~الآخر } دليل على أن الجزية لا يجوز أخذها من غير أهل الكتاب ؛ لأن الله ~~تعالى لم ينه أن تؤخذ الجزية من غيرهم ، وللنبى - صلى الله عليه وسلم - أن ~~يزيد فى البيان ، ويفرض ما ليس بموجود فى الكتاب ، ألا ترى أن الله حرم ~~الأمهات ومن ذكر معهن فى الآية ، وحرم النبى أن تنكح المرأة على عمتها ~~وخالتها ، وليس ذلك بخلاف لكتاب الله ؛ فكذلك أخذ الجزية من جميع المجوس هو ~~ثابت بالسنة PageV05P330 الثابتة ، وهذا ينتظم الرد على أبى حنيفة فى قوله ~~أن مجوس العرب ، لا يجوز أخذ الجزية منهم ، ويؤخذ من سائر المجوس غيرهم ؛ ~~لإطلاقه - صلى الله عليه وسلم - أخذ الجزية من جميع المجوس ms1750 بقوله : ( سنوا ~~بهم سنة أهل الكتاب ) ومن ادعى الخصوص فى هذا وأن المراد بعضهم فعليه ~~الدليل . وأما قول الشافعى : أن المجوس كانوا أهل كتاب فرفع فهو غير صحيح ؛ ~~لأنه لو كان كذلك لكان لنا أن نأكل ذبائحهم ، وننكح نساءهم ، وهذا لا يقوله ~~أحد . وقوله : ( سنوا بهم سنة أهل الكتاب ) يدل أنه لا كتاب لهم ، وأيضا ~~فإنه لو كانوا أهل كتاب فرفع كتابهم لوجب أن يصيروا بمنزلة من لا كتاب له ؛ ~~لأن الشيء إذا كان لمعنى فارتفع المعنى ارتفع الحكم . هذا قول ابن القصار . ~~واختلف العلماء فى مقدار الجزية ، فقال مالك : أكثر الجزية أربعة دنانير ~~على أهل الذهب ، وعلى أهل الورق أربعون درهما ، ولا حد لأقلها ، وأخذ فى ~~ذلك مالك ما رواه عن نافع ، عن أسلم ( أن عمر بن الخطاب ضرب الجزية على أهل ~~الذهب أربعة دنانير ، وأهل الورق أربعين ) . وقال الكوفيون : يؤخذ من الغنى ~~: ثمانية وأربعون درهما ، ومن الوسط أربعة وعشرون ، ومن الفقير اثنا عشر ~~درهما ، وبه قال أحمد بن حنبل ، وأخذوا فى ذلك بما رواه إسرائيل ، عن أبى ~~إسحاق ، عن حارثة بن مضرب ، عن عمر ( أنه بعث عثمان بن PageV05P331 حنيف ، ~~فوضع الجزية على أهل السواد ثمانية وأربعين ، وأربعة وعشرين ، واثنى عشر ) ~~. قال أحمد بن حنبل : ويزاد فيه وينقص على قدر طاقتهم ، على قدر ما يرى ~~الإمام . وقال الشافعى : الجزية دينار على الغنى والفقير ، واحتج أصحابه ~~بما رواه أبو وائل عن مسروق ، عن معاذ أن الرسول قال له حين بعثه إلى اليمن ~~: ( خذ من كل حالم دينارا ، وعد له معافري ) وهو ثياب اليمن . وقال الثورى ~~: قد اختلفت الروايات فى هذا عن عمر بن الخطاب ، فللوالى أن ياخذ بأيها شاء ~~، إذا كانوا أهل ذمة ، وأما أهل الصلح فما صولحوا عليه لا غير ، وما حكاه ~~البخارى عن مجاهد أنه جعل على أهل الشام أربعة دنانير ، وعلى أهل اليمن ~~دينارا من أجل اليسار فهو قول حسن . وقال عبد الوهاب بن نصر فى أمر النبى ~~أن يأخذ من كل حالم دينارا ، يحتمل أن يكونوا ms1751 لم يقدروا على أكثر منه . وقد ~~روى عن مالك أنه لا يزاد على الأربعين درهما ، ولا بأس بالنقصان منها إذا ~~لم يطق . قال مالك : وأرى أن ينفق من بيت المال على كل من احتاج من أهل ~~الذمة إن لم تكن لهم حرفة . ولا قوة على نفقة نفسه ، وينفق على يتاماهم حتى ~~يبلغوا . قال ابن حبيب : وحدثنى مطرف ، عن مالك قال : بلغنى أن عمر بن ~~الخطاب كان ينفق على رجل من أهل الذمة حين كبر وضعف عن العمل والخراج . قال ~~المهلب : وأما قول عمر : ( فرقوا بين كل ذى محرم من PageV05P332 المجوس ) ~~فيحتمل وجهين : أحدهما : أن الله لم يأمر بأخذ الجزية إلا من أهل الكتاب ، ~~وأهل الكتاب لا ينكحون ذوات المحارم ، فإذا استعمل فيهم قوله - صلى الله ~~عليه وسلم - : ( سنوا بهم سنة أهل الكتاب ) احتمل أن لا يقبل منهم الجزية ~~إلا أن يسن بهم سنة أهل الكتاب فى مناكحتهم أيضا ، والوجه الآخر : أن يكون ~~عمر غلب على المجوس عنوة ثم أبقاهم فى أموالهم عبيدا يعملون فيها ، والأرض ~~للمسلمين ، ثم رأى أن يفرق بين ذوات المحارم من عبيده الذين استبقاهم على ~~حكمه واستبقاهم باجتهاده ، وإن كان منعقدا فى أصل استحيائهم واستبقائهم ، ~~ويكون اجتهاده فى تفريقه بين ذوات محارمهم مستنبطا من قوله - صلى الله عليه ~~وسلم - : ( سنوا بهم سنة أهل الكتاب ) أى : ما كان أهل الكتاب يحملون عليه ~~فى حرمهم ومناكحتهم ، فاحملوا عليه المجوس ، والله أعلم أى الوجهين أراد ~~عمر . فيه : أنه قد يغيب عن العالم المنور بعض العلم . وفيه : قبول خبر ~~الواحد والعمل به . وفيه : أن طلب العطاء من الإمام لا غضاضة فيه على طالبه ~~؛ لقولهم : ( أجل يا رسول الله ) . وفيه : التبشير بالإسهام لهم بقوله : ( ~~أبشروا وأملوا ) ومعنى ذلك : أى أملوا أكثر ما تطلبون من العطاء ؛ لأنهم لم ~~يعرفوا مقدار ما قدم به أبو عبيدة فسرهم بأكثر مما يظنون . وفيه : علامة ~~النبوة ؛ لأنه أخبرهم بما يخشى عليهم فيما يفتح عليهم من الدنيا . ~~PageV05P333 وفيه : أن المنافسة فى الاستكثار من المال من سبل الهلاك فى ms1752 ~~الدنيا . وقوله فى حديث جبير بن حية : أفناء الأنصار فهم طوائف منهم لم ~~يكونوا من فخذ واحد . وأما مشاورة عمر الهرمزان فبعد أن أسلم ، وكان رجلا ~~بصيرا بالحرب له دربة ورأى فى المملكة وتدبيرها ؛ فلذلك شاوره عمر . وفى ~~هذا من الفقه : أن المشاورة سنة لا يستغنى عنها أحد ، ولو استغنى عنها لكان ~~النبى - صلى الله عليه وسلم - أغنى الناس عنها ؛ لأن جبريل كان يأتيه بصواب ~~الرأى من السماء ، ومع ذلك فإن الله تعالى قال : { وشاورهم فى الأمر } ولو ~~لم يكن في المشاورة إلا استئلاف النفوس ، وإظهار المفاوضة والثقة بالمستشار ~~لعلمه أن يبدو من الرأى ما لم يكن ظهر . وأما العزيمة والعمل فإلى الإمام ~~لا يشركه فيه أحد ؛ لقوله تعالى : { فإذا عزمت فتوكل على الله } فجعل ~~العزيمة إليه ، وجعله مشاركا فى الرأى لغيره . وفى هذا من الفقه : جواز ~~مشاورة غير الوزير إذا كان ممن يظن عنده الرأى والمعرفة . وفيه : ضرب ~~الأمثال . وفيه : أن الرأى فى الحرب القصد إلى أعظم أهل الخلاف شوكة ، كما ~~أشار الهرمزان ؛ لأنه إذا استؤصل الأقوى سلم الأضعف . وفيه : كلام الوزير ~~دون رأى الأمير ، كما كلم عمر يوم PageV05P334 حنين لأبى سفيان ، وكما كلم ~~أبو بكر الصديق فى قصة سلاح قتل أبى قتادة . وقوله : ( كنا فى شقاء شديد ) ~~ففى ذلك وصف أنفسهم بالصبر والثبات على مضض العيش . وقوله : ( نعرف أباه ~~وأمه ) فإنه أراد شرفه ونسبه ؛ لأن الأنبياء لا تبعث إلا من أشراف قومهم ، ~~فوصف شرف الطرفين من الأب والأم . وقول النعمان للمغيرة : ( ربما أشهدك ~~الله مثلها ) يريد ربما شهدت مع النبى فيما سلف مثل هذه الأحوال الشديدة ، ~~وشهدت معه القتال ، فلم يندمك ما لقيت معه من الشدة ، ولم يحزنك لو قفلت ~~معه ؛ لعلمك بما تصير إليه من النعيم ، وثواب الشهادة . وقوله : ( ولكنى ~~شهدت القتال مع رسول الله كثيرا ) فهذا ابتداء كلام ، واستئناف قصة أخرى ، ~~أعلمهم أن الرسول كان إذا لم يقاتل أول النهار ترك حتى تهب الرياح ، يعنى : ~~رياح النصر ، وتحضر أوقات الصلوات ، وقد بين هذا المعنى حديث حماد ms1753 بن سلمة ~~عن النعمان بن مقرن قال : ( كان النبى إذا لم يقاتل أول النهار انتظر حتى ~~تزول الشمس ، وتهب رياح النصر ) وقد تقدم هذا الحديث وإسناده فى الجزء ~~الأول من الجهاد فى باب ( كان النبى إذا لم يقاتل أول النهار أخر القتال ~~حتى تزول الشمس ) ، وأيضا فإن أفضل الأوقات أوقات الصلوات ، وفيها الأذان ~~وقد جاء فى الحديث ( أن الدعاء بين الأذان والإقامة لا يرد ) . PageV05P335 # | 2 - باب إذا وادع الإمام ملك قرية هل يكون ذلك لبقيتهم # 1967 / فيه : أبو حميد ، غزونا مع النبى - صلى الله عليه وسلم - تبوك ، ~~وأهدى ملك أيلة للنبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، بغلة بيضاء ، وكساه بردا ~~، وكتب له ببحرهم . قال المؤلف : ذكر ابن إسحاق فى السير قال : لما انتهى ~~رسول الله إلى تبوك أتاه بحنة ابن رؤبة صاحب أيلة فصالح رسول الله ، وأعطى ~~الجزية ، وكتب لهم رسول الله كتابا فهو عندهم ، وكتب لبحنة بن رؤبة : ( بسم ~~الله الرحمن الرحيم ، هذه أمنة من الله ومحمد النبى رسول الله لبحنة بن ~~رؤبة وأهل أيلة ، سفنهم وسيارتهم فى البر والبحر لهم ذمة الله وذمة محمد ~~النبى ، ومن كان معهم من أهل الشام وأهل اليمن وأهل البحر ، فمن أحدث منهم ~~حدثا فإنه لا يحول ماله دون نفسه ، وإنه طيبة لمن أخذه من الناس ، وإنه لا ~~يحل أن يمنعوا من ماء يردونه ، ولا طريق يردونها من بر أو بحر ) . والعلماء ~~مجمعون على أن الإمام إذا صالح ملك القرية أنه يدخل فى ذلك الصلح بقيتهم ؛ ~~لأنه إنما صالح على نفسه ورعيته ، ومن يلى أمره ، وتشتمل عليه بلده وعمله ، ~~ألا ترى أن فى كتاب النبى تأمين ملك أيلة وأهل بلده . واختلفوا إذا أمن ~~طائفة منهم هل يدخل فى ذلك الإمام العاقد للأمان ؟ فذكر الفزارى عن حميد ~~الطويل قال : حدثنى حبيب أبو يحيى - وكان مولاه مع أبى موسى - قال : حاصر ~~أبو موسى حصنا بتستر - أو بالسوس - فقال صاحبهم : أتؤمن لى مائة من أصحابى ~~وأفتح لك الحصن ؟ قال : نعم . فجعل يعزلهم PageV05P336 ويعدهم ، فقال أبو ~~موسى : أرجو ms1754 أن يمكن الله به وينسى نفسه بعد مائة . فعد مائة وعزلهم ، ونسى ~~نفسه فأخذه فقال : إنك قد أمنتني . قال : لا ، وأما إذ أمكن الله منك من ~~غير غدر . فضرب عنقه ) . وذكر أبو عبيد عن الفزارى ، عن حميد الطويل ، عن ~~حبيب أبى يحيى عن خالد بن زيد قال : ( حاصرنا السوس ، فلقينا جهدا ، وأمير ~~الجيش أبو موسى ، فصالحه دهقانها ) وذكر الحديث . وذكر عن النخعى قال : ~~ارتد الأشعث بن قيس فى زمن أبى بكر الصديق مع ناس ، وتحصنوا فى قصر ، وطلب ~~الأمان بسبعين رجلا فأعطاهم ، فنزل فعد سبعين ولم يدخل نفسه منهم ، فقال له ~~أبو بكر : إله لا أمان لك إنا قاتلوك ، فأسلم وتزوج أخت أبى بكر الصديق . ~~وقال أصبغ وسحنون : يدخل العلج الآخذ للأمان للعدد المصالح عليهم فى الأمان ~~، وإن لم يعد نفسه ، ولا يحتاج أن يعد نفسه فيهم ، ولا يذكرها ؛ لأنه لم ~~يأخذ الأمان لغيره إلا وقد صح الأمان لنفسه ، ولم يريا فعل أبى موسى حجة . ~~قال سحنون : وبأقل من هذا صح الأمان للهرمزان من عند عمر بن الخطاب . ~~PageV05P337 # | 3 - باب الوصاة بأهل ذمة النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، والذمة : ~~العهد ، والإل : القرابة # 1968 / فيه : عمر ، قلنا : أوصنا ، قال : أوصيكم بذمة الله ، فإنها ذمة ~~نبيكم ، ورزق عيالكم . قال المهلب : فيه الحض على الوفاء بالذمة ، وما ~~عوقدوا عليه من قبض الأيدى عن أنفسهم وأموالهم غير الجزية ، وقد ذم النبى - ~~صلى الله عليه وسلم - من إذا عاهد غدر ، وجعل ذلك من أخلاق النفاق . * * * # | 4 - باب ما أقطع النبى - صلى الله عليه وسلم - من البحرين وما وعد من ~~مال البحرين ، والجزية ، ولمن يقسم الفىء والجزية ؟ # 1969 / فيه : أنس ، دعا النبى - صلى الله عليه وسلم - بالأنصار ؛ ليكتب ~~لهم بالبحرين ، فقالوا : لا ، والله حتى تكتب لإخواننا من قريش بمثلها ، ~~فقال : ( ذلك لهم ما شاء الله على ذلك ) ، يقولون له . قال : ( فإنكم سترون ~~بعدى أثرة ، فاصبروا حتى تلقونى على الحوض ) . 1970 / وفيه : جابر ، قال - ~~صلى الله عليه وسلم - : ( لو قد جاءنا مال البحرين ، قد أعطيتك هكذا وهكذا ms1755 ~~وهكذا ) ، فلما قبض رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وجاء مال البحرين ، ~~قال أبو بكر : من كانت له عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عدة ~~فليأتنى ، فأتيته ، فقلت له : إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد كان ~~قال لى : ( لو قد جاءنا مال البحرين ، لأعطيتك هكذا وهكذا وهكذا ) ، فقال ~~له : احثه ، فحثوت حثية ، فقال لى : عدها ، فعددتها ، فإذا فيها خمسمائة . ~~PageV05P338 1971 / وفيه : أنس ، أن النبى - صلى الله عليه وسلم - أتى بمال ~~من البحرين ، فقال : ( انثروه فى المسجد ) ، فكان أكثر مال أتى به النبى ، ~~- صلى الله عليه وسلم - ، إذ جاءه العباس ، وقال : يا رسول الله ، أعطنى ~~فإنى فاديت نفسى وفاديت عقيلا ، قال : خذ ، فحثا فى ثوبه . . . . . وذكر ~~الحديث . قال المهلب : إنما أراد - صلى الله عليه وسلم - أن تخص الأنصار ~~بهذا الإقطاع ؛ لما كانوا تفضلوا به على المهاجرين ، من مشاركتهم فى ~~أموالهم ، فقالت الأنصار : لا والله حتى تكتبه لإخواننا من قريش تعنى ~~المهاجرين بمثلها إمضاء لما وصفهم الله به من الأثرة على أنفسهم ، وحسن ~~التمادى على الكرم . وفيه : جواز التردد على الإنسان بالقول فيما يأباه ~~المرة بعد المرة ، وجواز التردد بالإبانة عن الشيء ، لما يكون فى ذلك من ~~الفخر والعز ، كما أبت الأنصار أن تقبل مال البحرين دون المهاجرين ، فكان ~~فى ذلك فخرهم وعزهم . وفيه : لزوم الوعد للأمراء وأشراف الناس ، وأنه مما ~~يقضى عنهم على طريق الفضل لمشاكلة ذلك لأخلاقهم ، وسيأتى ما يلزم من العدة ~~وما لا يلزم منها فى كتاب الهبة ، فى باب : ( إذا وعد أو وهب ثم مات قبل أن ~~يصل إليه ) إن شاء الله . وفيه : تأدية الإمام ديون من كان قبله من الأئمة ~~والخلفاء . وفيه : أن ما كان أصله على سبيل التفضل أن يكون جزافا بغير وزن ~~؛ بخلاف البيوع وما فيه معنى التشاح . وأما الفيء والجزية والخراج فحكم ذلك ~~واحد ، وما اجتبى من أموال أهل الذمة مما صولحوا عليه من جزية رءوسهم التى ~~بها حقنت PageV05P339 دماؤهم ، وحرمت أموالهم ، ومنها وضيعة أرض الصلح التى ~~منعها أهلها حتى صولحوا ms1756 منها على خراج مسمى ، ومنها خراج الأرضين التى فتحت ~~عنوة ، ثم أقرها الإمام فى أيدى أهل الذمة التى يمرون بها لتجارتهم ، ومنها ~~ما يؤخذ من أهل الحرب إذا دخلوا بلاد الإسلام للتجارة ، فكل هذا من الفيء ، ~~وهو الذى يعم المسلمين غنيهم وفقيرهم ، فيكون فى أعطية المقاتلة وأرزاق ~~الذرية ، وما ينوب الإمام من أمور الناس بحسن النظر للإسلام وأهله قاله أبو ~~عبيد . واختلف الصحابة فى قسم الفيء ، فروى عن أبى بكر الصديق التسوية بين ~~الحر والعبد ، والشريف والوضيع ، وروى عنه أنه كلم فى أن يفضل بين الناس ، ~~فقال : ( فضيلتهم عند الله ، فأما هذا المعاش فالتسوية فيه خير ) . وهو ~~مذهب على بن أبى طالب ، وإليه ذهب الشافعي . وأما عمر فكان يفضل أهل ~~السوابق ومن له من رسول الله قرابة فى العطاء ، وفضل أزواج النبى فى العطاء ~~على الناس أجمعين ، ففرض لكل واحدة اثنى عشر ألفا ؛ ولم يلحق بهن أحدا إلا ~~العباس ، فإنه جعله فى عشرة آلاف ، وذهب عثمان فى ذلك إلى التفضيل ، وبه ~~قال مالك ، فلما جاء على بن أبى طالب سوى بين الناس ، وقال : ( لم أعب ~~تدوين عمر الدواوين ولا تفضيله ، ولكن أفعل كما كان خليلى رسول الله يفعل ) ~~فكان يقسم ما جاءه بين المسلمين ، ثم يأمر ببيت المال فينضح ، ويصلى فيه . ~~واما الكوفيون فالأمر عندهم فى ذلك إلى اجتهاد الإمام ، إن رأى التفضيل فضل ~~، وإن رأى التسوية سوى . وأحاديث هذا الباب تدل على التفضيل ، وهو حجة لمن ~~قال به . PageV05P340 # | 5 باب : إثم من قتل معاهدا بغير جرم # 1972 / فيه : ابن عمرو ، قال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( من قتل ~~معاهدا ، لم يرح رائحة الجنة ، وإن ريحها توجد من مسيرة أربعين عاما ) . ~~هذا على طريق الوعيد ، والله تعالى فيه بالخيار ، وسيأتى الكلام فى هذا ~~الحديث فى الديات والعقول إن شاء الله فقد كرر فيه هذه الترجمة . * * * # | 6 - باب إخراج اليهود من جزيرة العرب # وقال عمر ، عن النبى ، - صلى الله عليه وسلم - : ( أقركم ما أقركم الله ~~به ) . 1973 / فيه : أبو هريرة ، بينما ms1757 نحن فى المسجد ، خرج النبى ، - صلى ~~الله عليه وسلم - ، فقال : ( انطلقوا إلى يهود ) فخرجنا حتى جئنا بيت ~~المدراس ، فقال : ( أسلموا تسلموا ، واعلموا أن الأرض لله ورسوله ، وإنى ~~أريد أن أجليكم من هذه الأرض ، فمن يجد منكم بماله شيئا فليبعه ، وإلا ~~فاعلموا أن الأرض لله ورسوله ) . 1974 / وفيه : ابن عباس ، قال : يوم ~~الخميس اشتد بالنبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، وجعه ، فقال : ( ائتونى ~~بكتف أكتب لكم كتابا لا تضلوا بعده أبدا ، فتنازعوا ولا ينبغى عند نبى ~~تنازع ) ، فقالوا : ما له أهجر استفهموه ، فقال : ( ذرونى ، للذى أنا فيه ~~خير مما تدعوننى إليه ، فأمرهم بثلاث ، فقال : أخرجوا المشركين من جزيرة ~~العرب ، وأجيزوا الوفد كما كنت أجيزهم ) ، والثالثة نسيها سليمان الأحوال . ~~أما قوله - صلى الله عليه وسلم - : ( أقركم ما أقركم الله ) فمعناه : أنه ~~كان يكره أن يكون بأرض العرب غير المسلمين ؛ لأنه امتحن فى استقبال ~~PageV05P341 القبلة حتى نزل : { قد نرى تقلب وجهك فى السماء فلنولينك قبلة ~~ترضاها } فامتحن مع بنى النضير حين أرادوا الغدر به ، وأن يلقوا عليه حجرا ~~، فأمره الله تعالى باجتلائهم وإخراجهم ، وترك سائر اليهود . وكان لا يتقدم ~~فى شيء إلا بوحى الله وكان يرجو أن يحقق الله رغبته فى إبعاده اليهود عن ~~جواره فقال ليهود خيبر : ( أقركم ما أقركم الله ) منتظر للقضاء فيهم ، فلم ~~يوح إليه فى ذلك بشيء إلى أن حضرته الوفاة ، فأوحى إليه فيه فقال : ( لا ~~يبقين دينان بأرض العرب ) فأوصى بذلك عند موته ، فلما كان فى خلافة عمر ~~وعدوا على ابنه وفدعوه ، فحص عن قول النبى فيهم ، فأخبر أن نبى الله أوصى ~~عند موته بإخراجهم من جزيرة العرب . فقال : من كان عنده عهد من رسول الله ~~فليأت به ، وإلا فإنى مجليكم . فأجلاهم . قال المهلب : وإنما أمر بإخراجهم ~~والله أعلم خوف التدليس منهم ، وأنهم متى ناوؤا عدوا قويا صاروا معه كما ~~فعلوا بالنبى يوم الأحزاب . قال الطبرى : فيه من الفقه أن النبى - صلى الله ~~عليه وسلم - بين لأئمة المؤمنين إخراج كل من دان بغير دين الإسلام من كل ~~بلدة للمسلمين ms1758 سواء كانت تلك البلدة من البلاد التى أسلم عليها أهلها أو من ~~بلاد العنوة إذا لم لم يكن بالمسلمين ضرورة إليهم ولم يكن الإسلام يومئذ ~~ظهر فى غير جزيرة العرب ظهور قهر ، فبان بذلك أن سبيل بلدة قهر فيها ~~المسلمون أهل الكفر ، ولم يكن تقدم قبل ذلك من إمام المسلمين لهم عقد صلح ~~على إقرارهم فيها أن على الإمام إخراجهم منها ، ومنعهم القرار بها ، إلا أن ~~يكون بالمسلمين إليهم ضرورة الإقرار PageV05P342 مسافرا ومقام ظعن وأكثر ~~ذلك ثلاثة أيام ولياليها ، كالذى فعل الأئمة الأبرار عمر وغيره ، فإن ظن ~~ظان أن فعل عمر فى ذلك إنما هو خاص بمدينة الرسول ، وسائر جزيرة العرب ؛ ~~لأمره - صلى الله عليه وسلم - بإخراجهم منها دون سائر بلاد الإسلام وقال : ~~( لو كان ) حكم غير جزيرة العرب كحكمها فى التسوية بين جميعها فى إخراج أهل ~~الكفر منها ، لما كان عمر يقر النصارى فى سواد العراق وقد قهرهم الإسلام ~~وعلاهم ولكان قد أجلى نصارى الشام ويهودها عنه ، وقد غلب الإسلام على ~~بلادهم ، ولما ترك مجوس فارس فى أرضهم ، وقد غلبهم الإسلام وأهله ، فإن ~~الأمر فى ذلك بخلاف ما ظن ، وذلك أن عمر لم يقر أحدا من أهل الشرك فى أرض ~~قد قهر فيها الإسلام ، وغلب ولم يتقدم قبل ذلك قهره إياهم منه لهم أو من ~~المؤمنين عقد صلح على الترك فيها إلا لضرورة المسلمين إلى إقرارهم فيها ، ~~كإقراره نبط سواد العرق فى السواد بعد غلبة المسلمين عليه ، وكإقراره من ~~أقر من نصارى الشام فيها بعد غلبتهم على أرضها دون حصونها ؛ فإنه أقرهم ~~للضرورة إليهم فى عمارة الأرض ؛ إذ كان المسلمون فى الحرب مشاغيل ، ولو ~~أجلوا عنها لخربت الأرض ، وبقيت بغير عامر . فكان فعلهم فى ذلك نظير فعله - ~~صلى الله عليه وسلم - وفعل الصديق فى يهود خيبر بعد قهر المسلمين لهم ، ~~عمالا عمارا ؛ إذ كانت بالمسلمين ضرورة لعمارة أرضهم ، لاشتغالهم بالحرب فى ~~مناوأة الأعداء . ثم أمر رسول الله بإجلائهم عند استغنائهم عنهم ، وقد ~~كانوا سألوه عند قهرهم على الأرض إقرارهم ms1759 فيها عمالا لأهلها فأجابهم إلى ~~إقرارهم فها ما أقرهم الله ، وإجلائهم منها إذا رأى ذلك . PageV05P343 ~~وأقرهم الصديق على نحو ذلك . فأما إقرارهم مع المسلمين فى مصر لم يكن تقدم ~~فى ذلك قبل غلبة المسلمين عليه عقد صلح بينهم وبين المسلمين بما لا نعلمه ~~صح به عنه ، ولا عن غيره من أئمة الهدى خبر ولا قامت بجواز ذلك حجة ، بل ~~الحجة فى ذلك عن الأئمة ما قلناه . حدثنى محمد بن يزيد الرفاعى ، حدثنا ~~محمد بن عبد الرحمن ، عن قيس بن أبى الربيع ، عن أبان بن تغلب ، عن رجل قال ~~: ( كان منادى على ينادى كل يوم : لا يبيتن بالكوفة يهودى ولا نصرانى ولا ~~مجوسى ، الحقوا بالحيرة ) . وحدثنا الرفاعى ، حدثنا ابن فضيل ، عن ليث ، عن ~~طاوس ، عن ابن عباس قال : ( لا يساكنكم أهل الكتاب فى أمصاركم ) قال أبو ~~هشام الرفاعى : سمعت يحى بن آدم يقول : هذا عندنا على كل مصر اختطه ~~المسلمون ولم يكن لأهل الكتاب فنزل عليهم المسلمون . قال الطبرى : وهذا قول ~~لا معنى له ؛ لأن ابن عباس لم يخصص بقوله : لا يساكنكم أهل الكتاب مصرا ~~سكانه المسلمون دون غيرهم ، بل عم بذلك جميع أمصارهم ، وإن دلالة أمره - ~~صلى الله عليه وسلم - بإخراج اليهود من جزيرة العرب يوضح صحة ما قال ابن ~~عباس وأن الواجب على الإمام إخراجهم من كل مصر غلب عليه الأسلام إذا لم يكن ~~بالمسلمين إليهم ضرورة ، ولا كانت من بلاد الذمة التى صولحوا على الإقرار ~~فيها إلحاقا لحكمة بحكم جزيرة PageV05P344 العرب ، وذلك أن خيبر لم تكن من ~~البلاد التى اختطها المسلمون وكذلك نجران بل كانت لأهل الكتاب وهم كانوا ~~عمارهم وسكانها فأمر رسول الله بإخراجهم منها حين غلب عليهم الإسلام ، ولم ~~يكن بهم إليهم ضرورة . وقد حدثنا أبو كريب حدثنا جرير ، عن قابوس ، عن أبيه ~~، عن ابن عباس قال : قال رسول الله : ( لا تصح قبلتان فى أرض ) فإذا صح ما ~~قلناه فالواجب على إمام المسلمين إذا أقر بعض أهل الكتاب فى بعض بلاد ~~المسلمين لحاجتهم إليهم لعمارتها أو ms1760 غير ذلك ألا يدعهم فى مصرهم معهم أكثر ~~من ثلاث ، وأن يسكنهم خارجا من مصرهم كالذى فعل عمر وعلى ، وأن يمنعهم ~~اتخاذ الدور والمساكن فى أمصارهم ، فإن اشترى منهم مشتر فى مصر من أمصار ~~المسلمين دارا ، أو ابتنى به مسكنا ، فالواجب على إمام المسلمين أخذه ~~ببيعها عليه ، كما يجب عليه لو اشترى مملوكا مسلما أن يأخذه ببيعه ؛ لأنه ~~ليس للمسلمين إقرار مسلم فى ملك كافر ، فكذلك غير جائز إقرار أرض المسلمين ~~فى غير ملكهم . قال غيره : وكذلك الحكم فى الرجل المسلم الفاسق ، إذا شهد ~~عليه أنه مؤذ لجيرانه بالسفه والتسليط ، ويشكى به جيرانه ، وصح ذلك عند ~~الحاكم ، أن له أن يخرجه من بين أظهرهم ، وإن كان له دار أكراها عليه ، فإن ~~لم يجد لها مكر باعها عليه ، ودفع الأذى عن جيرانه ، ورأيت لابن القاسم أنه ~~قال فى المؤذى : تكرى عليه الدار ولا تباع ، وسيأتى هذا المعنى فى كتاب ~~الأحكام إن شاء الله . PageV05P345 وقال أبو عبيد : قال الأصمعى : جزيرة ~~العرب ما بين أقصى عدن إلى ريف العراق فى الطول . وأما فى العرض من جدة ، ~~وما والاها من ساحل البحر إلى أطوار الشام . وقال إسماعيل بن إسحاق : عقبة ~~تبوك هو الفرق بين جزيرة العرب وأرض الشام . وقال أبو عبيد : جزيرة العرب ~~ما بين حفر أبى موسى إلى أقصى اليمن فى الطول . وأما فى العرض فما بين رمل ~~يبرين إلى منقطع السماوة . قال الطبرى : وإنما قيل لها : جزيرة العرب ، وهى ~~جزيرة البحر ؛ تعريفا لها ، وفرقا بينها وبين سائر الجزائر ، كما قيل : ~~لأجأ وسلمى وهما جبلان من نجد : جبلا طيء ؛ تعريفا لهما بطيء ، وفرقا ~~بينهما وبين سائر جبال نجد ، وإنما قيل لها جزيرة ؛ لانقطاع ما كان فائضا ~~عليها من ماء البحر ، وأصل الجزر فى كلام العرب القطع ، ومنه سمى الجزار : ~~جزارا ؛ لقطعه أعضاء البهيمة . قال المهلب : فى حديث ابن عباس أن جوائز ~~الوفود سنة . * * * # | 7 - باب : إذا غدر المشركون بالمسلمين هل يعفى عنهم ؟ # 1975 / فيه : أبو هريرة ، لما فتحت خيبر أهديت للنبى - صلى الله ms1761 عليه ~~وسلم - شاة فيها سم ، فقال - صلى الله عليه وسلم - : ( اجمعوا إلى من كان ~~هاهنا من يهود ) ، فجمعوا له ، فقال : PageV05P346 ( إنى سائلكم عن شىء ، ~~فهل أنتم صادقى عنه ) ؟ فقالوا : نعم ، قال لهم النبى - صلى الله عليه وسلم ~~- : ( من أبوكم ) ؟ قالوا : فلان ، قال : ( كذبتم ، بل أبوكم فلان ) ، ~~قالوا : صدقت ، قال : ( فهل أنتم صادقى عن شىء إن سألت عنه ، فقالوا : نعم ~~يا أبا القاسم ، وإن كذبنا عرفت كذبنا كما عرفته فى أبينا ، فقال لهم : ( ~~من أهل النار ؟ ) قالوا : نكون فيها يسيرا ، ثم تخلفونا فيها ، فقال - صلى ~~الله عليه وسلم - : اخسئوا فيها والله لا نخلفكم فيها أبدا . ثم قال : ( هل ~~جعلتم فى هذه الشاة سما ) ؟ قالوا : نعم ، قال : ( ما حملكم على ذلك ) ؟ ~~قالوا : أردنا إن كنت كاذبا نستريح منك ، وإن كنت نبيا لم يضرك . قال ~~المهلب : ويعفى عن المشركين إذا غدروا بشيء يستدرك إصلاحه وجبره ويعصم الله ~~تعالى منه إذا رأى الإمام ذلك ، وإن رأى عقوبتهم عاقبهم بما يؤدى إليه ~~اجتهاده ، وأما إذا غدروا بالقتل أو بما لا يستدرك جبره وما لا يعتصم من ~~شره ؛ فلا سبيل إلى العفو ، كما فعل النبى - صلى الله عليه وسلم - فى ~~العرنيين عاقبهم بالقتل ، وإن كان - صلى الله عليه وسلم - ، قال لعائشة : ( ~~ما زالت أكلة خيبر تعادنى فهذا أوان قطع أبهري ) لكنه عفا عنهم حين لم يعلم ~~أنه يقضى عليه ؛ لأن الله تعالى دفع عنه ضر السم بعد أن أطلعه على المكيدة ~~فيه بآية معجزة أظهرها له من كلام الذراع ، ثم عصمه الله من ضره مدة حياته ~~، حتى إذا دنا أجله بغى عليه السم ، فوجد ألمه وأراد الله له الشهادة بتلك ~~الأكلة ؛ فلذلك لم يعاقبهم ، وأيضا فإن اليهود قالوا : أردنا أن نختبر بذلك ~~نبوتك وصدقك ، فإن كنت نبيا لم يضرك . فقد يمكن أن يعذرهم بتأويلهم ، وأيضا ~~فإنه كان لا ينتقم لنفسه تواضعا لله ، وكان PageV05P347 لا يقتل أحدا من ~~المنافقين المناصبين له بالعداوة والغوائل ، لأنه كان على خلق عظيم من ~~الصفح ، والإغضاء والصبر ، وأصل هذا كله أن الإمام ms1762 فيه بالخيار إن شاء عفا ~~عنه ، وإن شاء عاقبه وفيه من علامات النبوة . * * * # | 8 - باب : دعاء الإمام على من نكث عهدا # 1976 / فيه : أنس ، سئل عن القنوت ، قبل الركوع ، فقلت : إن فلانا يزعم ~~أنك قلت : بعد الركوع ، فقال : كذب ، ثم حدثنا عن النبى - صلى الله عليه ~~وسلم - أنه قنت شهرا بعد الركوع ، يدعو على أحياء من بنى سليم ، قال : بعث ~~أربعين أو سبعين - شك فيه - من القراء إلى أناس من المشركين ، فعرض لهم ~~هؤلاء ، فقتلوهم ، وكان بينهم وبين النبى - صلى الله عليه وسلم - عهد ، فما ~~رأيته وجد على أحد ما وجد عليهم . قال المؤلف : كان النبى لا يدعو بالشر ~~على أحد من الكفار ما دام يرجو لهم الرجوع والإقلاع عما هم عليه . ألا ترى ~~أنه سئل أن يدعو على دوس ، فدعا لها بالهدى ، وإنما دعا على بنى سليم حين ~~نكثوا العهد وغدروا ويئس من إنابتهم ورجوعهم عن ضلالتهم ؛ فأجاب الله دعوته ~~، وأظهر بذلك صدقه وبرهانه ، وهذه القصة أصل فى جواز الدعاء فى الصلاة ~~والخطبة على عدو المسلمين أومن خالفهم ومن نكث عهدا وشبهه . PageV05P348 # | 9 - باب : أمان النساء وجوارهن # 1977 / فيه : أبو مرة ، مولى أم هانئ ، عن أم هانئ بنت أبى طالب ، قالت : ~~ذهبت إلى الرسول - صلى الله عليه وسلم - عام الفتح ، فوجدته يغتسل ، وفاطمة ~~ابنته تستره ، فسلمت عليه ، فقال : ( من هذه ) ؟ فقلت : أنا أم هانئ بنت ~~أبى طالب ، فقال : ( مرحبا بأم هانئ ) ، فلما فرغ من غسله ، قام فصلى ثمانى ~~ركعات ملتحفا فى ثوب واحد ، فقلت : يا رسول الله ، زعم ابن أمى على أنه ~~قاتل رجلا قد أجرته فلان بن هبيرة ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~: ( قد أجرنا من أجرت يا أم هانئ ) ، وذلك ضحى . فيه من الفقه : جواز أمان ~~المرأة ، وأن من أمنته حرم قتله ، وقد أجارت زينب بنت رسول الله أبا العاص ~~بن الربيع ، وعلى هذا جماعة الفقهاء بالحجاز والعراق منهم : مالك ، والثورى ~~، وأبو حنيفة ، والأوزاعى ، والشافعى ، وأبو ثور ، وأحمد ، وإسحاق ، وشذ ~~عبد الملك بن الماجشون وسحنون ms1763 عن الجماعة فقالوا : أمان المرأة موقوف على ~~جواز الإمام ، فإن أجازه جاز وإن رده رد . واحتج من أجاز ذلك بأمان أم ~~هانىء ؛ لو كان جائزا على كل حال دون إذن الإمام ، ما كان على يريد قتل من ~~لا يجوز قتله لأمان من يجوز أمانه ، ولقال لها رسول الله : قد أمنت أنت ~~وغيرك ، فلا يحل قتله ، فلما قال لها - صلى الله عليه وسلم - : ( قد أجرنا ~~من أجرت ) . كان ذلك دليلا على أن أمان المرأة موقوف على إجازة الإمام أو ~~رده . واحتج الآخرون بأن عليا وغيره لا يعلم إلا ما علمه الرسول - صلى الله ~~عليه وسلم - وأن إرادته لقتل ابن هبيرة كان قبل أن يعلم قوله - صلى الله ~~عليه وسلم - : ( ذمة المسلمين واحدة يسعى بها أدناهم ) . ولما وجدنا هذا ~~الحديث من رواية على بن أبى طالب ، ثبت ما قلناه ، وكان من المحال أن يعلم ~~على هذا من النبى ويرويه عنه ، ثم يريد قتل من PageV05P349 أجارته أخته ، ~~وعلى هذا القول يكون تأويل قوله : ( قد أجرنا من أجرت ) ، أى : فى سنتنا ~~وحكمنا إجارة من أجرت أنت ومثلك ، والدليل على صحة هذا التأويل قوله - صلى ~~الله عليه وسلم - : ( المسلمون تتكافأ دماؤهم ، ويسعى بذمتهم أدناهم ) . ~~والمرأة من أدناهم ، وقد ذكر إسماعيل بن إسحاق من حديث عمرو بن شعيب ، عن ~~أبيه ، عن جده أن الرسول خطب بها عام الفتح على درجات الكعبة ، وقال : ( يد ~~المسلمين واحدة على من سواهم ) . * * * # | 10 - باب : ذمة المسلمين وجوارهم واحدة يسعى بها أدناهم # 1978 / فيه : على ، قال : ما عندنا كتاب نقرؤه إلا كتاب الله تعالى ، وما ~~فى هذه الصحيفة ، قال : فيها الجراحات . . . . . إلى قوله : وذمة المسلمين ~~واحدة ، فمن أخفر مسلما ، فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين . قال ~~المهلب : معنى قوله : ( ذمة المسلمين واحدة ) أى : من انعقدت عليه ذمة من ~~طائفة من المسلمين أن الواجب مراعاتها من جماعتهم إذا كان يجمعهم إمام واحد ~~، فإن اختلفت الأئمة والسلاطين فالذمة لكل سلطان لازمة لأهل عمله ، وغير ~~لازمة للخارجين عن طاعته ؛ لأن النبى إنما قال ذلك ms1764 فى وقت إجماعهم فى طاعته ~~، ويدل على ذلك حديث أبى بصير ، حين كان شارط النبى - صلى الله عليه وسلم - ~~أهل مكة وقاضاهم على المهادنة بينهم وبين المسلمين ، فلما خرج أبو بصير من ~~طاعة النبى وامتنع ، لم تلزم النبى ذمته ، ولا طولب برد جنايته ، ولا لزمه ~~غرم ما انتهكه من المال . وقال ابن المنذر فى قوله - صلى الله عليه وسلم - ~~: ( يسعى بها أدناهم ) قال : PageV05P350 الذمة : الأمان ، يقول : إن كل من ~~أمن أحدا من الحربيين جاز أمانه على جميع المسلمين دنيا كان أو شريفا ، حرا ~~كان أو عبدا ، رجلا أو امرأة ، وليس لهم أن يخفروه . واتفق مالك والثورى ~~والأوزاعى والليث والشافعى وأبو ثور على جواز أمان العبد قاتل أو لم يقاتل ~~، واحتجوا بقوله - صلى الله عليه وسلم - : ( يسعى بذمتهم أدناهم ) . وقال ~~أبو حنيفة وأبو يوسف : لا يجوز أمان العبد إلا أن يقاتل . وقولهما خلاف ~~مفهوم الحديث . وأجاز مالك أمان الصبى إذا عقل الإسلام ، ومنع ذلك أبو ~~حنيفة والشافعى وجمهور الفقهاء ، واحتج الشافعى بأن الصبى لا يصح عقده ؛ ~~فكذلك أمانه ، والحجة لمالك عموم قوه - صلى الله عليه وسلم - : ( يجير على ~~المسلمين أدناهم ) فدخل فى ذلك الصبى وغيره ، وأيضا فإن أحكام الصبى تطوع ، ~~وهو ممن يصح منه التطوع ، ويفرض له سهمه إذا قاتل ، وإنما الأمان مما اختص ~~به من له حرمة الإسلام ، فجعل لأدناهم كما جعل لأعلاهم ، وعلى أن الصبى ~~والعبد أحسن حالا من المرأة ، لأنها ليست من جيش من يقاتل . قال المهلب : ~~وقوله ( فمن اخفر مسلما ) يعنى : فيمن أجاره فعليه لعنة الله والملائكة . ~~وهذا اللعن وسائر لعن المسلمين إنما هو متوجه إلى الإغلاظ والترهيب لهم عن ~~المعاصى ، والإيعاد لهم من قبل مواقعتها ، فإذا وقعوا فيها دعى لهم بالتوبة ~~، يبين هذا حديث النعمان . وقوله : ( لا يقبل منه صرف ولا عدل ) يعنى : فى ~~هذه الجناية أى لا كفارة لها ؛ لأنه لم يشرع فيها كفارة فهى إلى أمر الله ~~إن شاء عذب فيها وإن شاء غفرها على مذهب أهل السنة فى الوعيد . PageV05P351 # | 11 - باب إذا قالوا ms1765 صبأنا ولم يحسنوا أن يقولوا أسلمنا # وقال ابن عمر : فجعل خالد يقتل ، فقال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( ~~أبرأ إليك مما صنع خالد ) . وقال عمر : إذا قال : مترس ، فقد آمنه ، إن ~~الله يعلم الألسنة كلها ، أو قال : تكلم ، لا بأس . قال المؤلف : غرض ~~البخارى فى هذا الباب نحو ما تقدم فيمن تكلم بالفارسية والرطانة ، وقوله ~~تعالى : { واختلاف ألسنتكم وألوانكم } فذكر فيه عن النبى - صلى الله عليه ~~وسلم - أنه تكلم بألفاظ الفارسية ، وكانت متعارفة عندهم ، خاطب بها أصحابه ~~، وفهموها عنه . فالمراد من هذين البابين أن العجم إذا قالوا : صبأنا ، ~~وأرادوا بذلك الإسلام فقد حقنوا دماءهم ووجب لهم الأمان ؛ ألا ترى قول عمر ~~: ( إذا قال : مترس ، فقد آمنه ، إن الله يعلم الألسنة كلها ) فسواء خاطبنا ~~العجم بلغتهم ، أو خاطبناهم بها على معنى الأمان ؛ فقد لزم الأمان وحرم ~~القتل . ولا خلاف بين العلماء أن من أمن حربيا بأى كلام يفهم به الأمان ، ~~فقد تم له الأمان وأكثرهم يجعلون الإشارة بالأمان أمانا ، وهو قول مالك ~~والشافعى وجماعة . قال المهلب : ولم يفهم خالد من قوله : ( صبأنا ) أنهم ~~يريدون به أسلمنا ، ولكن حمل اللفظة على ظاهرها ، وتأولها أنها فى معنى ~~الكفر ؛ فلذلك قتلهم ، ثم تبين أنهم أرادوا بها أسلمنا فجهلوا فقالوا : ~~صبأنا . وإنما قالوا ذلك ؛ لأن قريشا كانت تقول لمن أسلم مع النبى : ~~PageV05P352 صبأ فلان حتى صارت هذه اللفظة معروفة عند الكفار وعادة جارية ، ~~فقالها هؤلاء القوم ، فتأولها خالد على وجهها ، فعذره النبى بتأويله ، ولم ~~يقد منه ، وسيأتى اختلاف العلماء فى الحاكم إذا أخطأ فى اجتهاده فقتل من لم ~~يجب عليه القتل ، على من ضمان ذلك ؟ فى كتاب الأحكام فى باب : إذا قضى ~~القاضى بجور أو خلاف أهل العلم فهو مردود إن شاء الله . وأما قول عمر فذكره ~~مالك فى الموطأ أن عمر بن الخطاب كتب إلى عامل جيش : ( بلغنى أن رجالا منكم ~~يطلبون العلج حتى إذا اشتد فى الجبل وامتنع قال رجل : مترس . يقول : لا تخف ~~، فإذا أدركه قتله ، والذى نفسى بيده ، لا أعلم أحدا ms1766 فعل ذلك إلا ضربت عنقه ~~) . قال مالك : وليس على هذا العمل . قال المؤلف : يعنى فى قتل المسلم ~~بالكافر ، وعليه العمل فى جواز التأمين . وأما قول عمر : أو قال : تكلم . ~~لا بأس . فإنه يعنى قول عمر : للهرمزان تكلم . لا بأس فكان ذلك له عهدا ~~وتأمينا . ذكر ابن أبى شيبة ، حدثنا مروان بن معاوية ، عن حميد ، عن أنس ~~قال : ( حاصرنا تستر فنزل الهرمزان فلم يتكلم ، فقال عمر : تكلم فقال : ~~كلام حى أو كلام ميت ؟ فقال عمر تكلم فلا بأس . قال : إنا وإياكم معشر ~~العرب ما خلا الله بيننا كنا نقتلكم ونغصبكم ، فأما إذا كن معكم فلم يكن ~~لنا بكم يدان ، فقال عمر : نقتله يا أنس ؟ قلت : يا أمير المؤمنين ، تركت ~~خلفى PageV05P353 شوكة شديدة وعدوا كثيرا ، إن قتلته يئس القوم من الحياة ، ~~وكان أشد لشوكتهم ، وإن استحييته طمع القوم . فقال : يا أنس ، أستحيى قاتل ~~البراء بن مالك ومجزأة بن ثور ؟ فلما خشيت أن ينبسط عليه قلت له : ليس لك ~~إلى قتله سبيل ، فقال : أعطاك شيئا ؟ قلت : ما فعلت ، ولكنك قلت له : تكلم ~~فلا بأس ، قال : لتجيئن بمن يشهد معك وإلا بدأت بعقوبتك ؟ فخرجت من عنده ، ~~فإذا أنا بابن الزبير بن العوام قد حفظ ما حفظت ، فشهد عنده فتركه ، وأسلم ~~الهرمزان وفرض له ) . # | 12 - باب الموادعة والمصالحة مع المشركين بالمال وغيره وفضل الوفاء ~~بالعهد وإثم من لم يف به # 1979 / فيه : سهل بن أبى حثمة ، قال : انطلق عبدالله بن سهل ، ومحيصة بن ~~مسعود ، إلى خيبر ، وهى يومئذ صلح ، فتفرقا ، فأتى محيصة إلى عبدالله بن ~~سهل ، وهو يتشمط فى دمه قتيلا ، فدفنه ، ثم قدم المدينة ، فانطلق عبدالرحمن ~~بن سهل ، ومحيصة وحويصة ابنا مسعود ، إلى النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، ~~فذهب عبدالرحمن يتكلم ، فقال : كبر ، كبر ، وهو أحدث القوم ، فسكت ، فتكلما ~~، فقال : ( تحلفون وتستحقون قاتلكم ، أو صاحبكم ) ، قالوا : وكيف نحلف ، ~~ولم نشهد ، ولم نر ، قال : ( فتبريكم يهود PageV05P354 بخمسين ) ، فقالوا : ~~كيف نأخذ أيمان قوم كفار ، فعقله النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، من عنده ~~. قال المهلب : لا بأس ms1767 بالموادعة والمصالحة للمشركين بالمال إذا كان ذلك ~~بمعنى الاستئلاف للكفار ، لا إذا كانت الجزية لأنها ذلة وصغار ، وقد قال ~~تعالى : { ولا تهنوا وتدعوا إلى السلم وأنتم الأعلون } وإنما وداه النبى من ~~عنده استئلافا لليهود وطمعا منه فى دخولهم الإسلام ، وليستكف بذلك شرهم عن ~~نفسه ، وعن المسلمين مع إشكال القضية بإبائة أولياء القتيل من اليمين ~~وإبائتهم أيضا من قبول أيمان اليهود ، فكان الحكم أن يكون مطلولا ، ولكن ~~أراد - صلى الله عليه وسلم - أن يوادع اليهود بالغرم عنهم ؛ لأن الدليل كان ~~متوجها إلى اليهود فى القتل لعبد الله ، وأراد أن يذهب ما بنفوس أوليائه من ~~العداوة لليهود ، بأن غرم لهم الدية ؛ إذ كان فى العرب جاريا أن من أخذ جية ~~قتيله فقد انتصف . وذكر الوليد بن مسلم قال : سألت الأوزاعى عن موادعة إمام ~~المسلمين أهل الحرب على فدية أو هدنة يؤديها المسلمون إليهم فقال : لا يصلح ~~ذلك إلا عن ضرورة وشغل من المسلمين عن حربهم من قتال عدوهم ، أو فتنة ( ~~سلمت ) المسلمين ، فإذا كان ذلك وذكرت ذلك لسعيد بن عبد العزيز فقال : قد ~~صالحهم معاوية أيام صفين ، وصالحهم عبد الملك بن مروان لشغله بقتال ابن ~~الزبير ، يؤدى عبد الملك إلى طاغية الروم فى كل يوم ألف دينار ، وإلى ~~تراجمة الروم وأنباط الشام فى كل جمعة ألف دينار . PageV05P355 وقال ~~الشافعى : لا يعطيهم المسلمون شيئا بحال إلا أن يخافوا أن يصطلحوا لكثرة ~~العدد لأنه من معانى الضرورات أو يؤسر مسلم فلا يخلى إلا بفديه فلا بأس به ~~لأن رسول الله قد فدا رجلا برجلين . قال المؤلف : ولم أجد لمالك وأصحابه ~~ولا للكوفيين نصا فى هذه المسألة ، وقال الأوزاعى : لا بأس أن يصالحهم ~~الإمام على غير خراج يؤدونه إليه ، ولا فدية إذا كان ذلك نظرا للمسلمين ~~وإبقاء عليهم ، وقد صالح رسول الله قريشا عام الحديبية على غير خراج أدته ~~قريش إلى رسول الله ولا فدية . * * * # | 13 - باب : فضل الوفاء بالعهد # 1980 / فيه : ابن عباس ، أن أبا سفيان ، أخبره أن هرقل أرسل إليه فى ركب ~~من ms1768 قريش كانوا تجارا بالشأم فى المدة التى ماد فيها النبى - صلى الله عليه ~~وسلم - أبا سفيان فى كفار قريش . قال المؤلف : قد جاء فضل الوفاء بالعهد ~~وذم الختر فى غير موضع فى الكتاب والسنة ، وإنما أشار البخارى فى هذا ~~الحديث إلى سؤال هرقل لأبى سفيان : هل يغدر ؟ إذ كان الغدر عند كل أمة ~~مذموما قبيحا ، وليس هو من صفات رسل الله ، فأراد أن يمتحن بذلك صدق النبى ~~؛ لأن من غدر ولم يف بعهد لا يجوز أن يكون نبيا ؛ لأن الأنبياء والرسل ~~عليهم السلام أخبرت عن الله بفضل من وفى بعهد وذم من غدر وختر ألا ترى قةله ~~- صلى الله عليه وسلم - فى صفة المنافق : ( إذا حدث كذب ، وإذا عاهد غدر ) ~~وقال - صلى الله عليه وسلم - : ( يرفع للغادر لواء يوم PageV05P356 القيامة ~~، فيقال : هذه غدرة فلان ) وهذه مبالغة فى العقوبة وشدة الشهرة والفضيحة . ~~* * * # | 14 - باب ما يحذر من الغدر ، وقوله تعالى : { وإن يريدوا أن يخدعوك فإن ~~حسبك الله } الآية [ الأنفال : 62 ] # 1981 / فيه : عوف بن مالك ، أتيت النبى ؛ - صلى الله عليه وسلم - ، فى ~~غزوة تبوك ، وهو فى قبة من أدم ، فقال : ( اعدد ستا بين يدى الساعة موتى ، ~~ثم فتح بيت المقدس ، ثم موتان ، تأخذ فيكم كقعاص الغنم ، ثم استفاضة المال ~~، حتى يعطى الرجل مائة دينار ، فيظل ساخطا ، ثم فتنة لا يبقى بيت من العرب ~~إلا دخلته ، ثم هدنة تكون بينكم وبين بنى الأصفر ، فيغدرون ، فيأتونكم تحت ~~ثمانين غاية تحت كل غاية اثنا عشر ألفا ) . قال المهلب : فى هذا الحديث ~~علامات النبوة ، وأن الغدر من أشراط الساعة ، وفى الآية دليل أن الرسول ~~معصوم من مكر الخديعة طول أيامه ، وليس ذلك لغيره - صلى الله عليه وسلم - ؛ ~~لأن الله قال : { والله يعصمك من الناس } وأجمع المسلمون أنه معصوم فى ~~الرسالة ، وقد عصم من مكر الناس وغدرهم له . وقوله : ( كقعاص الغنم ) قال ~~صاحب العين : ( القعاص ) : هو داء يأخذ الدواب ، فيسيل من أنوفها شيء ، وقد ~~قعصت الدابة . والغاية هاهنا : الراية ؛ لأنها غاية المتبع ، إذا وقفت وقف ~~، وإذا ms1769 PageV05P357 مشت تبعها . وهذه العلامات التى أنذر - صلى الله عليه ~~وسلم - بها قد ظهر كثير منها ، والفتنة لم تزل من زمن عثمان عصمنا الله من ~~مضلات الفتن ما ظهر منها وما بطن وقد دعا - صلى الله عليه وسلم - ألا يجعل ~~بأس أمته بينهم فمنعها . فلم يزل الهرج إلى يوم القيامة . * * * # | 15 - باب هل يعفى عن الذمى إذا سحر # وسئل ابن شهاب أعلى من سحر من أهل العهد قتل ؟ قال : بلغنا أن النبى ، - ~~صلى الله عليه وسلم - ، قد صنع له ذلك ، فلم يقتل من صنعه ، وكان من أهل ~~الكتاب . 1982 / فيه : عائشة ، أن النبى ؛ - صلى الله عليه وسلم - ، سحر ~~حتى كان يخيل إليه أنه صنع الشىء ولم يصنعه . قال المؤلف : لا يقتل ساحر ~~أهل الكتاب عند مالك ؛ لقول ابن شهاب ، ولكن يعاقب إلا أن يقتل بسحره ؛ ~~فيقتل ، أو يحدث حدثا ؛ فيأخذ منه بقدر ذلك ، وهو قول أبى حنيفة والشافعي . ~~وروى ابن وهب وابن القاسم عن مالك أيضا أنه لا يقتل ساحر أهل العهد إلا أن ~~يدخل بسحره ضررا على مسلم لم يعاهد عليه ، فإذا فعلوا ذلك ، فقد نقضوا ~~العهد ؛ يحل بذلك قتلهم . وعلى هذا القول لا حجة لابن شهاب فى أن النبى - ~~صلى الله عليه وسلم - لم يقتل الهيودى الذ سحره ؛ لوجوه ، منها أنه قد ثبت ~~عن الرسول أنه كان لا ينتقم لنفسه ، ولو عاقبه لكان حاكما لنفسه . قال ~~المهلب : وأيضا فإن ذلك السحر لم يضره - صلى الله عليه وسلم - ؛ لأنه لم ~~يفقده شيئا من الوحى ، ولا دخلت عليه داخلة فى الشريعة ، وإنما PageV05P358 ~~اعتراه شيء من التخيل والتوهم ، ثم لم يتركه الله على ذلك ، بل تداركه ثم ~~عصمه وأعلمه بموضع السحر ، وأمره باستخراجه وحله عنه ، فعصمه الله من الناس ~~ومن شرهم ، كما وعده ، وكما دفع عنه أيضا ضر السم بعد أن أطلعه الله على ~~المكيدة فيه ، بأنه أظهرها إليه معجزة من كلام الذراع . وقد اعترض بعض ~~الملحدين بحديث عائشة ، وقالوا : وكيف يجوز السحر على النبى ، والسحر كفر ~~وعمل من أعمال الشياطين ، فكيف ms1770 يصل ضره إلى النبى مع حياطة الله له وتسديده ~~إياه بملائكته ، وصون الوحى من الشياطين ؟ وهذا اعتراض يدل على جهل وغباوة ~~من قائله وعناد للقرآن ؛ لأن الله قال لرسوله : { قل أعوذ برب الفلق } إلى ~~قوله : { ومن شر النفاثات فى العقد } والنفاثات : السواحر ينفثن فى العقد ~~كما ينفث الراقى فى الرقية ، فإن كانوا أنكروا ذلك ؛ لأن الله لا يجعل ~~للشياطين سبيلا على النبى ، فقد قال تعالى : { وما أرسلنا من رسول ولا نبى ~~إلا إذا تمنى ألقى الشيطان فى أمنيته } يريد إذا تلا ألقى الشيطان . وقد ~~روى عن النبى - - صلى الله عليه وسلم - أن عفريتا تغلب عليه ليلة ليقطع ~~عليه الصلاة حتى هم أن يربطه إلى سارية من سوارى المسجد فذكر قول سليمان : ~~{ رب اغفر لى وهب لى ملكا لا ينبغى لأحد من بعدى } فرده خاسئا . وليس فى ~~جواز ذلك على النبى ما يدل أن ذلك يلزمه أبدا ، أو يدخل معه عليه داخلة فى ~~شيء من حاله أو شريعته ، وإنما ناله من ضر السحر ما ينال المريض من ضر ~~الحمى والبرسام من غير سحر ، من الضعف عن الكلام ، وسوء التخيل ، ~~PageV05P359 ثم زال ذلك عنه ، وأفاق منه ، وأبطل الله كيد السحرة ، وقد ~~أجمع المسلمون أنه معصوم فى الرسالة فسقط اعتراض الملحدة . * * * # | 16 - باب كيف ينبذ إلى أهل العهد وقول الله : { وإما تخافن من قوم ~~خيانة } الآية [ الأنفال : 58 ] # 1983 / فيه : أبو هريرة ، بعثنى أبو بكر فيمن يؤذن يوم النحر بمنى : ألا ~~لا يحج بعد العام مشرك ، ولا يطوف بالبيت عريان ، ويوم الحج الأكبر يوم ~~النحر ، وإنما قيل : ( الأكبر ) من أجل قول الناس ( الحج الأصغر ) ، فنبذ ~~أبو بكر إلى الناس فى ذلك العام ، فلم يحج عام حجة الوداع الذى حج فيه ~~النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، مشرك . أجمع العلماء أن للإمام أن يبدأ ~~من يخاف خيانته وغدره بالحرب بعد أن يعلمه ذلك ، وقيل : إن هذه الآية نزلت ~~فى قريظة ؛ لأنهم ظاهروا المشركين على حرب رسول الله ونقضوا العهد . وقال ~~الكسائى وغيره فى قوله : { على ms1771 سواء } السواء : العدل ، وروى عن ابن عباس ~~قال السواء : المثل ، وقيل : انبده إليهم على سواء . أى : أعلمهم أنك ~~حاربتهم حتى يصيروا مثلك فى العلم . قال المهلب : وإنما خشى الرسول من ~~المشركين عند الطواف بالبيت خيانتهم ولم يأمن من مكرهم ، فأراد تعالى أن ~~يطهر البيت من نجاستهم بقوله : { إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد ~~الحرام بعد عامهم هذا } وأراد تنظيف البيت ممن كان يطوف عريانا ، وفى هذا ~~PageV05P360 دليل أن حجة أبى بكر بالناس كانت حجة الإسلام ؛ لأنه وقفه ~~بعرفة ووقف فى ذى الحجة ، والوقوف بعرفة بنص كتاب الله { ثم أفيضوا من حيث ~~أفاض الناس } يعنى : طواف العرب ، وقد اتفق أهل السير أن العرب كانت تفترق ~~فرقتين ، فرقة تقف بعرفة ، وكانت قريش تقف بالمشعر الحرام ، وتقول نحن ~~الحمس ، ولا تعظم غير الحرم ، فإذا كان يوم النحر اجتمعت القبائل كلها بمنى ~~، وهو يوم الاجتماع الأكبر . وقول أبى هريرة : ( يوم الحج الأكبر : يوم ~~النحر ؛ من أجل قول الناس : الأصغر ) يريد العمرة أنها الحج الأصغر . ومذهب ~~مالك وجماعة من الفقهاء أن يوم الحج الأكبر : يوم النحر وقال قوم : هو يوم ~~عرفة . والحجة للقول الأول ما نصه أبو هريرة ، ونادى به فى الموسم عن أبى ~~بكر الصديق عن النبى - صلى الله عليه وسلم - أن يوم الحج الأكبر : يوم ~~النحر . وأما جهة النظر : يوم النحر يعظمه أهل الحج وسائر المسلمين ~~بالتكبير ، وفيه صلاة العيد والنحر ، ألا ترى قوله - صلى الله عليه وسلم - ~~: ( أى يوم هذا ؟ ) فجعل له حرمة على سائر الأيام كحرمة الشهر على سائر ~~الشهور والبلد على سائر البلاد . PageV05P361 # | 17 - باب : إثم من عاهد ثم غدر # 1984 / فيه : ابن عمرو قال - صلى الله عليه وسلم - : ( أربع خلال من كن ~~فيه ، كان منافقا خالصا : من إذا حدث كذب ، وإذا وعد أخلف ، وإذا عاهد غدر ~~، وإذا خاصم فجر . . . . . . ) الحديث . 1985 / وفيه : على ، ما كتبنا عن ~~النبى - صلى الله عليه وسلم - إلا القرآن ، وما فى هذه الصحيفة ، قال - صلى ~~الله عليه وسلم - : ( المدينة حرام . . . . . ) إلى قوله : ( فمن أخفر ~~مسلما ms1772 ، فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين . . . . . ) الحديث . ~~1986 / وفيه : أبو هريرة ، قال : كيف أنتم إذا لم تجتبوا دينارا ولا درهما ~~، قيل له : وكيف ترى ذلك كائنا ؟ قال : إى والذى نفس أبى هريرة بيده ، عن ~~قول الصادق المصدوق ، قالوا : عم ذاك ؟ قال : تنتهك ذمة الله وذمة رسوله - ~~صلى الله عليه وسلم - فيشد الله قلوب أهل الذمة ، فيمنعون ما فى أيديهم . ~~قد تقدم معنى حديث ابن عمرو فى كتاب الإيمان . قال المهلب : ويحتمل أن تكون ~~هذه الأربعة الخلال فى رجل اشتملت على معالم أحواله فسمى بالأغلب مما يظهر ~~منه توبيحا له ، وتقبيحا لحالة ، لا على أنه منافق كافر ، وفى السنة نظائر ~~لهذا كثيرة من الحكم بالأغلب ، والغدر حرام بالمؤمنين وبأهل الذمة ، وفاعله ~~مستحق لاسم النفاق وللعنة الله والملائكة والناس أجمعين ، على ما رواه علي ~~. ودل حديث أبى هريرة على أن الغدر لأهل الذمة لا يجوز أيضا ، ألا ترى ما ~~أوصى به النبى من الذمة والوفاء بها لأهلها من أجل إنماء معاش المسلمين ، ~~ورزق عيالهم ، فأعلمهم بهذا الحديث أنهم متى ظلموا منعوا ما فى أيديهم ، ~~واشتدوا وحاربوا وأعادوا الفتنة ، وخلعوا ربقة الذمة ، فلم يجتب المسلمون ~~درهما ، فضاقت أحوالهم وساءت . وفيه من علامات النبوة . PageV05P362 # | 18 - باب # 1987 / فيه : الأعمش ، سألت أبا وائل ، شهدت صفين ؟ قال : نعم ، سمعت سهل ~~بن حنيف ، يقول : اتهموا رأيكم ، رأيتنى يوم أبى جندل ، ولو أنى أستطيع أن ~~أرد أمر النبى - صلى الله عليه وسلم - لرددته ، وما وضعنا أسيافنا على ~~عواتقنا لأمر يفظعنا إلا أسهلن بنا إلى أمر نعرفه غير أمرنا هذا . 1988 / ~~وفيه : أبو وائل ، كنا بصفين ، فقام سهل بن حنيف ، فقال : أيها الناس ~~اتهموا أنفسكم ، فإنا كنا مع النبى - صلى الله عليه وسلم - يوم الحديبية ، ~~ولو نرى قتالا لقاتلنا ، فجاء عمر بن الخطاب ، فقال : يا رسول الله ، ألسنا ~~على الحق وهم على الباطل ؟ قال : ( نعم ) ، قال : أليس قتلانا فى الجنة ، ~~وقتلاهم فى النار ؟ قال : ( بلى ) ، قال : فعلام نعطى الدنية فى ديننا ، ~~أنرجع ولم يحكم الله بيننا وبينهم ؟ فقال : ( يا ms1773 ابن الخطاب ، إنى رسول ~~الله ، ولن يضيعنى الله أبدا ) ، فانطلق عمر إلى أبى بكر ، فقال له مثل ما ~~قول النبى - صلى الله عليه وسلم - ، فقال : إنه رسول الله ، ولن يضيعه الله ~~أبدا ، فنزلت سورة الفتح ، فقرأها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على ~~عمر إلى آخرها ، فقال عمر : يا رسول الله ، أوفتح هو ؟ قال : ( نعم ) . ~~1989 / وفيه : أسماء ، قدمت على أمى ، وهى مشركة فى عهد قريش ، إذ عاهدوا ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومدتهم مع أبيها ، فاستفتت رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - ، فقالت : إن أمى قدمت على وهى راغبة ، أفأصلها ؟ قال ~~: ( نعم ، صليها ) . قال المهلب : قوله : ( اتهموا رأيكم ) يعنى : فى هذا ~~القتال ، يعظ الفريقين ؛ لأن كل فريق منهم يقاتل على رأى يراه ، واجتهاد ~~يجتهده ، فقال لهم سهل : اتهموا رأيكم فإنما تقاتلون فى الإسلام إخوانكم ~~براى رأيتموه ، فلو كان الرأى يقضى به لقضيت يوم أبى PageV05P363 جندل برد ~~أمر النبى يوم الحديبية ، حين قاضى أهل مكة أن يرد إليهم من فر إلى النبى ~~من المسلمين ، فحرج أبو جندل يستغيب يجر قيوده ، وكان قد عذب على الإسلام . ~~فقال سهيل ، والد أبى جندل : هذا يا محمد أول ما أقاضيك عليه . فرد إليه ~~أبا جندل ، وهو ينادى : أتردوننى إلى المشركين وأنا مسلم ، وترون ما لقيت ~~من العذاب فى الله ؟ ! وقام سهيل إلى ابنه بحجر فكسر فمه ، ففارت نفوس ~~المسلمين حينئذ ، وقال عمر : لسنا على الحق ؟ ولذلك قال سهل ولو أستطيع أن ~~أرد أمر النبى لرددته . وقوله : ( فما وضعنا سيوفنا ) يعنى : ما جردناها فى ~~الله لأمر فظيع علينا عظيم إلا أسهلت بنا سيوفنا ، أقضته بنا إلى أسهل من ~~أمرنا ، غير هذا الأمر ، يعنى : أمر الفتن التى وقعت بين المسلمين فى صدر ~~الإسلام ؛ فإنها [ . . . . . ] لم تتبين السيوف فيها الحقيقة بل حلت ~~المصيبة بقتل المسلمين ، فنزع السيف أول من سله فى الفتنة . وغرض البخارى ~~فى هذا الباب : أن يعرفك أن الصبر على المفاتن ، والصلة للمقاطع أقطع ~~للفتنة وأحمد عاقبة ، فكأنه قال : باب الصبر على أذى المفاتنين ms1774 وعاقبة ~~الصابرين . ألا ترى أن النبى أحذ يوم الحدبيية فى قتال المشركين بالصبر لهم ~~، والوقوع تحت الدنية التى ظنها عمر فى الدين ؟ وكان ذلك الصبر واللين الذى ~~فهمه رسول الله عن ربه فى بروك الناقة عن توجيهها إلى مكة أفضل عاقبة فى ~~الدنيا والآخرة من القتال لهم ، وفتح مكة على ذلك الحنق الذى قال المسلمين ~~من تحكمهم على النبى ، فكان عاقبة صبر النبى PageV05P364 ولينه لهم أن ~~أدخلهم الله الإسلام ، وأوجب لهم أجرهم فى الآخرة . ألا ترى قوله : ( لأن ~~يهدى الله بك رجلا واحدا خير لك من حمر النعم ) فكيف بأهل مكة أجمعين ، وهم ~~الذين كانوا أئمة العرب وسادة الناس ، وبدخولهم دخلت العرب فى دين الله ~~أفواجا . وفيه من الفقة : أن صلة المقاطع أنجع فى سياسة النفوس ، وأحمد ~~عاقبة ، وعلى مثل هذا المعنى دل حديث أسماء فى صلة أمها وهى مشركة . قال ~~الطبرى : وفى حديث سهل بن حنيف الدلالة البينة أن رسول الله كان يدير كثيرا ~~من حروبه بحسب ما يحضره من الرأى مما الأغلب عنده أنه الصواب ، وإن كان ~~الله تعالى قد كان عهد إليه فى جواز الصلح فى مثل الحال التى صالحهم عليها ~~عهدا ، فمن ذلك الرأى كان ، لولا ذلك كان عمر وسهل بن حنيف ومن كان ينكر ~~الصلح ويرى قتال القوم أصلح فى التدبير والرأى لينكروا ذلك ، ويؤثروا ~~آراءهم بالقتال على تركة لو كان عندهم آية من أمر الله تعالى نبيه ، ولكنه ~~كان عندهم أنه رأى من النبى وإبقاء على من معه من الصحابة ؛ لقلة عددهم ، ~~وكثرة عدد المشركين ، وكان عمر والذين يرون قتال القوم لحسن تصابرهم وجميل ~~نياتهم فى الإسلام إذ كانوا أهل الحق ، والمشركون أهل الباطل يرون أن الحق ~~لن يعلوه باطل ، لا سيما عدد : الله وليهم ورسوله ، فأيدهم ، فعظم بذلك ~~عليهم الانحطاط فى الصلح ، ورأوه وهنا فى الدين ، وكان رسول الله أعلم بما ~~يؤدى إليه عاقبة ذلك الصلح منهم مما هو PageV05P365 أجدى على الإسلام وأهله ~~نفعا ، وأن الله أوحى إليه الأمر بترك قتال القوم ؛ لأن ms1775 ذلك أسد فى الرأي . ~~وفيه الدلالة الواضحة على أن لأهل العلم الاجتهاد فى النوازل فى دينهم فيما ~~لا نص فيه من كتاب الله ولا سنة . وذلك أن الذين أنكروا الصلح يوم أبى جندل ~~أنكروه اجتهادا منهم ، ورسوله الله بحضرتهم يعلم ذلك من أمرهم ، فلم ينههم ~~عن القول بما أدى إليه اجتهادهم ، وإن كان قد عرفهم خطأ رأيهم فى ذلك ، ~~وصواب رأيه ، ولو كان الاجتهاد خطأ لكان حريا عليه - صلى الله عليه وسلم - ~~أن يتقدم إليهم بالنهى عن القول بما أداهم إليه اجتهادهم أشد النهي . وفيه ~~أيضا : أن المجتهد عند نفسه مما يدرك بالاستنباط لا تبعة عليه فيما بينه ~~وبين الله خطأ ، إن كان منه فى اجتهاده ، إذا كان اجتهاده على أصل ، وكان ~~من أهله ؛ لأن النبى - صلى الله عليه وسلم - لم يؤثم عمر ومن أنكر الصلح ، ~~والمعانى التى جرت بينهم فى كتاب الصلح مما كان خلافا لرأى رسول الله ، ولو ~~كانوا فى ذلك مذنبين لأمرهم النبى بالتوبة ، ولكنهم كانوا على اجتهادهم ~~مأجورين ، وإن كان الصواب فيما رأى رسول الله ، وذلك نظير قوله - صلى الله ~~عليه وسلم - : ( إذا اجتهد الحاكم فأخطأ فله أجر ) وستأتى زيادة فى هذا ~~المعنى فى كتاب : الاعتصام إن شاء الله . وقال أبو الحسن بن القابسى : وقول ~~عمر : أليس قتلادهم فى النار ؟ فعلام نعطى الدنية فى ديننا ؟ هذه المراجعة ~~هى التى قال فيها عمر فى حديث مالك : نزرت رسول الله كل ذلك لا يجيبك . ~~PageV05P366 # | 19 - باب : المصالحة على ثلاثة أيام أو وقت معلوم # 1990 / فيه : البراء ، أن النبى ؛ - صلى الله عليه وسلم - ، لما أراد أن ~~يعتمر أرسل إلى أهل مكة يستأذنهم ؛ ليدخل مكة ، فاشترطوا عليه أن لا يقيم ~~فبها إلا ثلاث ليال ، ولا يدخلها إلا بجلبان السلاح ، ولا يدعو منهم أحدا . ~~فلما مضت الأيام ، أتوا عليا ، فقالوا : مر صاحبك ، فليرتحل ، فذكر ذلك على ~~لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فقال : ( نعم ) ، ثم ارتحل . ليس فى ~~أمر المهادنة حد عند أهل العلم لا يجوز غيره ، وإنما ذلك على حسب ms1776 الحاجة ، ~~والاجتهاد فى ذلك إلى الإمام وأهل الرأي . وقال المهلب : إنما قاضاهم على ~~ثلاثة أيام ؛ لأنها ليست بعام وهى داخلة فى حكم السفر ، والصلاة تقصر فيها ~~. وفيه : الوفاء بالشرط ، والمطالبة بما وقعت عليه العقود ، وسيأتى هذا ~~الحديث فى كتاب الصلح إن شاء الله . * * * # | 20 - باب : طرح جيف المشركين فى البئر ولا يؤخذ لها ثمن # 1991 / فيه : ابن مسعود : بينا النبى - صلى الله عليه وسلم - ساجد وحوله ~~ناس من قريش من المشركين ؛ إذ جاء عقبة بن أبى معيط بسلى جزور فقذفه على ~~ظهر النبى - صلى الله عليه وسلم - ، فلم يرفع رأسه ، حتى جاءت فاطمة فأخذته ~~من ظهره ، ودعت على من صنع ذلك ، فقال : ( اللهم عليك الملأ من قريش ، ~~اللهم عليك أبا جهل ، وعتبة ، وشيبة ، وعقبة ، وأمية بن خلف ، أو أبى بن ~~خلف ) . فلقد PageV05P367 رأيتهم قتلوا يوم بدر ، فألقوا فى بئر غير أمية - ~~أو أبى - فإنه كان [ رجلا ] ضخما ، فلما جروه تقطعت أوصاله ، قبل أن يلقى ~~فى البئر . قال المؤلف : فى طرح جيف المشركين فى البئر دليل على جواز ~~المثلة بهم إذا ماتوا ؛ لأنهم جروه حتى تقطعت أوصاله ، وهذا يدل أن نهيه - ~~صلى الله عليه وسلم - عن المثلة إنما هو فى الأحياء ، والبئر التى ألقوا ~~فيها يحتمل أن تكون للمشركين ، فأراد - صلى الله عليه وسلم - إفسادها عليهم ~~أو لا يكون لأحد عليها ملك ، وكانت معطلة . وقوله : ( ولا يؤخذ لها ثمن ) ~~أى : لا يجوز أخذ الفداء من المشركين إذ كان أصحاب القليب رؤساء مشركى مكة ~~، ولو مكن أهلهم من إخراجهم من البئر ، ودفنهم لبذلوا فى ذلك كثير المال ، ~~وإنما لم يجز أخذ الثمن فيها ؛ لأنها ميتة لا يجوز تملكها ، ولا أخذ عوض ~~عنها ، وقد حرم رسول الله ثمن الميتة والأصنام فى حديث جابر ، وروى فى ذلك ~~أثر عن النبى أخرجه أبو عيسى الترمذى قال : حدثنا محمود بن غيلان قال : ~~حدثنا أبو أحمد ، حدثنا سفيان ، عن ابن أبى ليلى ، عن الحكم ، عن مقسم ، عن ~~ابن عباس ( أن المشركين أرادوا أن يشتروا جسد رجل من ms1777 المشركين فأبى - صلى ~~الله عليه وسلم - أن يبيعهم إياه ) . قال أبو عيسى : وقد رواه أيضا الحجاج ~~بن أرطأة عن الحكم . وقال أحمد بن حنبل : لا يحتج بحديث ابن أبى ليلى . قال ~~البخارى : هو صدوق ، ولكن لا يعرف صحيح حديثه من سقيمه . PageV05P368 قال ~~الترمذى : إنما يهم فى الإسناد . وقال الثورى : فقهاؤنا ابن أبى ليلى وابن ~~شبرمة . وذكر ابن إسحاق فى السير قال : لما كان يوم الخندق اقتحمه نوفل بن ~~عبد الله بن المغيرة المخزومى ، فتورط فيه فقتل ، فغلب المسلمون على جسده ، ~~فسألوا رسول الله أن يبيعهم جسده ، فقال رسول الله : لا حاجة لنا بجسده ، ~~ولا ثمنه . فخلى بينهم وبينه . قال ابن هشام : أعطوا رسول الله فى جسده ~~عشرة آلاف درهم فيما بلغنا عن الزهري . قال المهلب : وفيه من الفقه : جواز ~~ستر عورات المشركين ، وطرحهم فى الآبار المعطلة ، وهو من باب ستر الأذى ، ~~ومواراة السوءة والعورة الظاهرة . وقال الطبرى : فيه من الفقه : أن من الحق ~~مواراة جيفة كل ميت من بنى آدم عن أعين الناس ما وجد السبيل إلى ذلك ، ~~مؤمنا كان الميت أو كافرا ؛ لأمره - صلى الله عليه وسلم - أن يجعلوا بقليب ~~بدر ولم يتركهم مطرحين بالعراء ، فالحق الاستنان به - صلى الله عليه وسلم - ~~فيمن أصابه فى معركة الحرب أو غيرها من المشركين ، فيوارون جيفته إن لم يكن ~~لهم مانع من ذلك ، ولا شيء يعجلهم عنه من خوف كرة عدو . وإذا كان ذلك من ~~سنته - صلى الله عليه وسلم - فى مشركى أهل الحرب ، فالمشركون من أهل العهد ~~والذمة إذا مات منهم ميت بحيث لا أحد من أوليائه ، وأهل ملته بحضرته ، ~~وحضره أهل الإسلام أولى أن تكون السنة فيهم ، لسنته فى أهل بدر ، وأن ~~يواروا جيفته ويدفنوه ، وقد أمر - صلى الله عليه وسلم - عليا فى أبيه أبى ~~طالب إذ مات قال : ( اذهب PageV05P369 ره ) فإن يفعلوا ذلك لشاغل أو مانع ~~من ذلك ، لم أرهم حرجين بتركهم ذلك ؛ لأن أكثر مغازى رسول الله التى كان ~~فيها القتال لم يذكر عنه فى ذلك ما ذكر ms1778 عنه يوم بدر . * * * # | 21 - باب : إثم الغادر للبر والفاجر # 1992 / فيه : أنس قال النبى ، - صلى الله عليه وسلم - : ( لكل غادر لواء ~~يوم القيامة - قال أحدهما : ينصب ، وقال الآخر : يرى - يوم القيامة ، يعرف ~~به ) . 1993 / وفيه : ابن عمر ، قال - صلى الله عليه وسلم - : ( لكل غادر ~~لواء ينصب بغدرته يوم القيامة ) . 1994 / وفيه : ابن عباس ، قال : قال - ~~صلى الله عليه وسلم - يوم فتح مكة : ( إن هذا البلد حرمه الله ، يوم خلق ~~السموات والأرض ، فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة ، وإنه لم يحل ~~القتال فيه لأحد قبلى ، ولم يحل لى إلا ساعة من نهار ، فهو حرام ، [ بحرمة ~~الله إلى يوم القيامة ] ، لا يعضد شوكه ، ولا ينفر صيده ، ولا يلتقط لقطته ~~إلا من عرفها ، ولا يختلى خلاها . . . ) . قال المهلب : أخبر - صلى الله ~~عليه وسلم - أن عقوبة الغادر يوم القيامة أن يرفع له لواء ليعرف الناس ~~بغدرته ، فينظرون منه بعين المعصية ، وهذه عقوبة من نوع ما قال الله فى ~~عقوبة الكاذبين على الله : { ويقول الأشهاد هؤلاء الذين كذبوا على ربهم } ~~وإنما قال البخارى : باب ( إثم الغادر للبر والفاجر ) لعموم قوله - صلى ~~الله عليه وسلم - : ( لكل غادر لواء PageV05P370 يوم القيامة ) فدخل فيه من ~~غدر من بر أو فاجر ، دل أن الغدر حرام لجميع الناس برهم وفاجرهم ؛ لأن ~~الغدر ظلم ، وظلم الفاجر حرام كظلم البر التقي . فإن قال قائل : فما وجه ~~موافقة حديث ابن عباس للترجمة ؟ قيل : وجه ذلك والله أعلم أن محارم الله ~~عهود إلى عباده ، فمن انتهك منها شيئا لم يف بما عاهد الله عليه ، ومن لم ~~يف فهو من الغادرين ، وأيضا فإن النبى - صلى الله عليه وسلم - لما فتح مكة ~~من على أهلها كلهم مؤمنهم ومنافقهم ، ومعلوم أنه كان فيهم منافقون ، ثم ~~أخبر - صلى الله عليه وسلم - أن مكة حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة وأنه ~~لا يحل قتال أحد فيها ، وإذا كان هذا فلا يجوز الغدر ببر منهم ولا فاجر ؛ ~~إذ شمل جميعهم أمان النبى وعفوه عنهم ، والله الموفق . PageV05P371 # | 22 - كتاب العقيقة ms1779 # # | 1 - باب تسمية المولود غداة يولد لمن لم يعق عنه وتحنيكه # 1995 / فيه : أبو موسى ، ولد لى غلام ، فأتيت به النبى ؛ - صلى الله عليه ~~وسلم - ، فسماه إبراهيم ، وحنكه بتمرة ، ودعا له بالبركة ، ودفعه إلى ؛ ~~وكان أكبر ولد أبى موسى . 1996 / وفيه : عائشة ، أن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - أتى بصبى يحنكه ، فبال عليه ، فأتبعه الماء . 1997 / وفيه : أسماء ، ~~أنها حملت بعبدالله بن الزبير بمكة ، قالت : فخرجت وأنا متم ، فأتيت ~~المدينة ، فنزلت بقباء ، فولدت بقباء ، ثم أتيت به النبى ، - صلى الله عليه ~~وسلم - ، فوضعته فى حجره ، ثم دعا بتمرة ، فمضغها ، ثم تفل فى فيه ، فكان ~~أول شىء دخل جوفه ريق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، ثم حنكه بتمرة ، ~~ثم دعا له فبرك عليه ، وكان أول مولود ولد فى الإسلام ، ففرحوا به فرحا ~~شديدا ؛ لأنهم قيل لهم : إن اليهود قد سحرتكم فلا يولد لكم . 1998 / وفيه : ~~أنس ، كان ابن لأبى طلحة يشتكى ، فخرج أبو طلحة ، فقبض الصبى ، فلما رجع ~~أبو طلحة ، قال : ما فعل ابنى ؟ قالت أم سليم : هو أسكن ما كان ، فقربت ~~إليه العشاء فتعشى ، ثم أصاب منها فلما فرغ ، قالت : واروا الصبى ، فلما ~~أصبح أبو طلحة ، أتى النبى - صلى الله عليه وسلم - فأخبره ، فقال : ( ~~أعرستم الليلة ) ؟ قال نعم ، قال : ( اللهم بارك لهما ) ، فولدت ~~PageV05P372 غلاما ، قال لى أبو طلحة : احفظه حتى تأتى به النبى ؛ - صلى ~~الله عليه وسلم - ، فأتى به النبى وأرسلت معه بتمرات ، فأخذها النبى - صلى ~~الله عليه وسلم - فمضغها ، ثم أخذ من فيه ، فجعلها فى فى الصبى وحنكه بها ، ~~وسماه عبدالله . قال المهلب : تسمية المولود حين يولد ، وبعد ذلك بليلة ~~وليلتين وما شاء إذا لم ينو الأب العقيقة عنه يوم سابعه جائز ، فإن أراد أن ~~ينسك عنه فالسنة أن يؤخر تسميته إلى يوم النسك وهو السابع ، لما روى الحسن ~~، عن سمرة ، عن الرسول أنه قال : ( الغلام مرتهن بعقيقته يذبح عنه يوم ~~السابع ، ويحلق رأسه ويسمى ) قال : ويحنكه بالتمر ( تقال ) له بالإيمان ؛ ~~لأنها ثمرة الشجرة التى شبهها الله تعالى ms1780 بالمؤمن وبحلاوتها أيضا . وفيه : ~~أنه حسن أن يقصد بالمولود من أهل الفضل والعلماء والأثمة الصالحين ~~ويحنكونهم بالتمر وشبهه ، ويتبرك بتسميتهم إياهم ، غير أنه ليس ريق أحد فى ~~البركة كريق النبي . فمن وصل إلى جوفه من ريقه - صلى الله عليه وسلم - فقد ~~أسعده الله وبارك فيه ؛ ألا ترى بركة عبد الله بن الزبير وما حازه من ~~الفضائل ؛ فإنه كان قارئا للقرآن عفيفا فى الإسلام ، وكذلك كان عبد الله بن ~~أبى طلحة من أهل الفضل والتقدم فى الخير ببركة تحنيك النبى - صلى الله عليه ~~وسلم - له ، وقد تقدم فى كتاب الجنائز الكلام فى حديث أسماء فى باب ( من لم ~~يظهر حزنه عند المصيبة ) فأغنى عن إعادته . وأما خوفهم أن اليهود سحرتهم ~~فإن ذلك لصحة السحر عندهم PageV05P373 وخشية أن يفعل ذلك من لا يتقى الله ~~من الكفار ، كما سحر لبيد بن الأعصم النبى - صلى الله عليه وسلم - فلما ولد ~~عبد الله بن الزبير أمنوا ذلك وفرحوا . وقولها : ( وأنا متم ) قال صاحب ~~الأفعال : أتمت كل حامل : جاز أن تضع . * * * # | 2 - باب : إماطة الأذى عن الصبى فى العقيقة # 1999 / فيه : حديث سلمان بن عامر ، قال - صلى الله عليه وسلم - : ( مع ~~الغلام عقيقة ، فأهريقوا عنه دما ، وأميطوا عنه الأذى ) . 2000 / وفيه : ~~حبيب بن الشهيد ، قال : أمرنى ابن سيرين أن أسأل الحسن ممن سمع حديث ~~العقيقة ، فسألته ، فقال : من سمرة . قال المؤلف : حديث سمرة : رواه قتادة ~~، عن الحسن ، عن سمرة ، عن النبى - صلى الله عليه وسلم - قال : ( كل غلام ~~مرتهن بعقيقته ، يذبح عنه يوم السابع ، ويسمى ) وقد ذكرته فى الباب قبل هذا ~~، وإماطة الأذى عن الصبى هو حلق الشعر الذى على رأسه . وقال الأصمعى وغيره ~~: العقيقة أصلها الشعر الذى يكون على رأس الصبى ، وإنما سميت الشاة التى ~~تذبح : عقيقة ، لأنه يحلق رأس الصبى عند ذبحها . قال الطبرى : فسمت العرب ~~الذبيحة التى يذبحونها عند حلق ذلك الشعر باسم ذلك الشعر ، كما سموا النجو ~~: عذرة ، وإنما العذرة PageV05P374 فناء الدار ؛ لأنهم كانوا يلقون ذلك ~~بأفنيتهم ، وكما قالوا الغائط للحدث ، والغائط ms1781 المطمئن من الأرض ؛ لأنهم ~~كانوا يفعلون ذلك فيما اطمأن من الأرض ، وذلك كثير فى كلام العرب ، أن ~~ينقلوا اسم الشيء إلى ما صاحبه إذا كثرت مصاحبته له . وقوله : ( أميطوا ) ~~يعنى : أزيلوا وأنفقوا . قال المهلب : ومعنى أمره - صلى الله عليه وسلم - ~~بإماطة الأذى عنه ، وإراقة الدم يوم سابعه نسيكة لله تعالى ليبارك فيه ، ~~تفاؤلا بطهرة الله له بذلك ، وليس ذلك على الحتم لما تقدم من تسميته - صلى ~~الله عليه وسلم - لابن أبى طلحة وابن الزبير وتحنيكه لهما قبل الأسبوع . ~~وروى مالك فى الموطأ أن فاطمة بنت رسول الله وزنت شعر حسن وحسين فتصدقت ~~بزنته فضة . وقوله - صلى الله عليه وسلم - : ( أميطوا عنه الأذى ) رد لقول ~~الحسن البصرى ، وقتادة أن الصبى يطلى رأسه بدم العقيقة ؛ لأن الدم من أكبر ~~الأذى ، فغير جائز أن ينجس رأس الصبى بدم . وقال الحسن : يعق عنه يوم سابعه ~~، ثم يسمى ، وهو قول مالك وأحمد وإسحاق . قال مالك : فإن جاوز السابع لم ~~يعق عنه ، ولا يعق عن كبير وروى عنه ابن وهب أنه إن لم يعق عنه يوم السابع ~~عق عنه فى السابع الثانى ، وهو قول عطاء . وعن عائشة : إن لم يعق عنه فى ~~السابع الثانى عق عنه فى السابع الثالث ، وهو قول ابن وهب وإسحاق . وقوله - ~~صلى الله عليه وسلم - : ( مع الغلام عقيقته ) حجة لقول مالك أنه لا يعق عن ~~الكبير ، وعلى هذا أئمة الفتوى بالأمصار ، واختلفوا فى وجوب العقيقة ، ~~فأوجبها الحسن البصرى وأهل الظاهر وتأولوا قوله - صلى الله عليه وسلم - : ( ~~مع الغلام عقيقته ) على الوجوب . PageV05P375 وقال مالك والشافعى وأحمد ~~وأبو ثور وإسحاق : العقيقة سنة يجب العمل بها ولا ينبغى تركها لمن قدر ~~عليها . وقال الكوفيون : ليست بسنة . وقولهم خلاف ما عليه العلماء من ~~الترغيب فيها والحض عليها ، ألا ترى قول مالك أنها من الأمر الذى لم يزل ~~عليه أمر الناس عندنا . وقال محمد بن الحسن : العقيقة تطوع ونسخها الأضحى . ~~ولا أصل لقوله ، إذ لاسلف له ولا أثر به . وروى أيوب ، عن عكرمة ، عن ابن ~~عباس : ( أن ms1782 الرسول عق عن الحسن والحسين بكبشين ، كبش عن كل واحد منهما ) . ~~وروى حماد بن سلمة ، عن عبد الله بن خثيم ، عن يوسف بن ماهك ، عن حفصة بنت ~~عبد الرحمن ، عن عائشة قالت : ( أمرنا رسول الله أن نعق عن الغلام بشاتين ~~وعن الجارية بشاة ) وبه قال مكحول . فإن قيل : فأيهم الصحيح من هذه الآثار ~~؟ قال الطبرى : كلاهما صحيح والعمل بأى ذلك شاء العامل فعل ؛ لأنه - صلى ~~الله عليه وسلم - لما صح عنه أنه عق عن الحسن والحسين شاة شاة عن كل واحد ~~منهما ، ولم يأتنا خبر أن ذلك خاص لهما ، علم أن أمره بالعق عن الغلام ~~بشاتين إنما هو أمر ندب لا أمر إيجاب ، وأن لأمته الخيار فى أى ذلك شاءوا . ~~وقد رأى قوم أن العقيقة سنة فى الذكور ، غير سنة فى الإناث . روى ذلك عن ~~أبى وائل والحسن . وإلا لما عق - عليه السلام - ، عن PageV05P376 الحسن ~~والحسين ، فالسنة فى كل مولود من الذكران مثل السنة فيهما . وأما الإناث ~~فلم يصح عندنا عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه أمر بالعقيقة عنهن ولا أنه ~~فعل ذلك ، إلا أن الذى مضى عليه السلف بالمدينة وانتشر فى بلدان المسلمين ~~أن يعق عن الغلام والجارية . قال يحيى بن سعيد : أدركت الناس وما يدعون ~~العقيقة عن الغلام والجارية . قال الطبرى : والدليل على أنها غير واجبة ، ~~ترك النبى - صلى الله عليه وسلم - بيان من يجب ذلك عليه فى المولود ، هل هو ~~الأب أو المولود أو إمام المسلمين ؟ ولو كان ذلك فرضا لبين - صلى الله عليه ~~وسلم - من يلزمه ذلك ، فمن عق عن المولود من والديه أو غيرهما كان بذلك ~~محسنا ؛ ألا ترى أن الرسول عق عن الحسن والحسين دون أبيهما ؟ ولو وجب ذلك ~~على والد المولود لما أجزأ عن على عق النبى عن ابنيه ، كما أن على لو لزمه ~~هدى من جزاء صيد أو نذر لم يجزه إهداء مهد عنه إلا بأمره . وفى عقه - صلى ~~الله عليه وسلم - عنهما من غير مسألة على إياه ذلك الدليل الواضح على ms1783 أنها ~~لم تجب على على ، وإذا لم تجب عليه فهو أبعد من وجوبها على فاطمة ، ولا ~~نعلم أحدا من الأئمة أوجبها إلا الحسن البصرى ، وقد أبطل وجوبها بقوله إن ~~الأضحى يجزىء عنها ؛ لأن الأضحى نسك غير العقيقة ، ولو أجزأت منها صار ~~الأضحى يجزىء من فدية حلق الرأس للمحرم ، ومن هدى واجب عليه . وفى إجماع ~~الجميع أن الأضحى لا يجزىء عن ذلك الدليل الواضح أنها لا تجزىء من العقيقة ~~، وهى سنة . PageV05P377 # | 3 - باب : الفرع # 2001 / فيه : أبو هريرة ، قال - صلى الله عليه وسلم - : ( لا فرع ولا ~~عتيرة ) . والفرع : أول النتاج ، كانوا يذبحونه لطواغيتهم ، والعتيرة : فى ~~رجب . وترجم له باب ( العتيرة ) . قال أبو عمرو : وهى الفرع بنصب الراء أول ~~ولد تلده الناقة ، كانوا يذبحونه فى الجاهلية لآلهتهم فنهوا عنها . قال أبو ~~عبيد : و أما العتيرة فهى الرجبية كان أحدهم إذا طلب أمرا نذر إن ظفر به أن ~~يذبح من غنمه فى رجب كذا وكذا . فنسخ ذلك بعد . وكان ابن سيرين من بين سائر ~~العلماء يذبح العتيرة فى رجب ، وكان يروى فيها شيئا لا يصح ، وأظنه حديث ~~ابن عون ، عن أبى رملة ، عن مخنف بن سليم ، عن النبى - صلى الله عليه وسلم ~~- أنه قال : ( على كل أهل بيت أضحى وعتيرة ) ولا حجة فيه ؛ لضعفه ، ولو صح ~~لكان حديث أبى هريرة ناسخا له . والعلماء مجمعون على القول بحديث أبى هريرة ~~. PageV05P378 # | 23 - كتاب الصيد والذبائح # # | 1 - باب التسمية على الصيد # وقوله تعالى : { يا أيها الذين آمنوا ليبلونكم الله بشىء من الصيد } ~~الآية . [ المائدة 94 ] وقوله : { أحلت لكم بهيمة الأنعام إلا ما يتلى ~~عليكم غير محلى الصيد وأنتم حرام } إلى : { واخشون } [ المائدة 1 ] . وقال ~~ابن عباس : العقود : العهود ، ما أحل وحرم ، { إلا ما يتلى عليكم } : ~~الخنزير ، { يجرمنكم } : يحملنكم ، { شنآن } : عداوة ، { المنخنقة } : تخنق ~~فتموت ، { الموقوذة } : تضرب بالخشب ، يوقذها فتموت ، { والمتردية } [ ~~المائدة 3 ] تتردى من الجبل ، { والنطيحة } : تنطح الشاة ، فما أدركته ~~يتحرك بذنبه أو بعينه ، فاذبح وكل . 2002 / فيه : عدى ، سألت النبى - صلى ~~الله عليه وسلم - عن صيد ms1784 المعراض ، قال : ( ما أصاب بحده فكله ، وما أصاب ~~بعرضه فهو وقيذ ) ، وسألته عن صيد الكلب ، فقال : ( ما أمسك عليك فكل فإن ~~أخذ الكلب ذكاة ، وإن وجدت مع كلبك أو كلابك كلبا غيره ، فخشيت أن يكون ~~أخذه معه ، وقد قتله ، فلا تأكل ، فإنما ذكرت اسم الله على كلبك ، ولم ~~تذكره على غيره ) . اختلف العلماء فى التسمية على الصيد والذبيحة ، فروى عن ~~نافع مولى ابن عمر ومحمد ابن سيرين والشعبى أنها فريضة فمن تركها عامدا أو ~~ساهيا لم تؤكل ، وهو قول أبى ثور وأهل الظاهر . PageV05P379 وذهب مالك ~~والثورى و أبو حنيفة وأصحابه إلى أنه إن ترك التسمية عامدا لم تؤكل ، وإن ~~تركها ساهيا أكل . وقال مالك : هو بمنزلة من ذبح ونسى أن يذكر اسم الله ، ~~يأكل ويسمي . وقال الشافعى : يؤكل الصيد والذبيحة فى الوجهين جميعا تعمد ~~ذلك أو نسيه . روى ذلك عن أبى هريرة وابن عباس ، وقال ابن عباس : ( لا يضرك ~~إنما ذبحت بدينك ) . واحتج أصحاب الشافعى بأن المجوسى لو سمى الله لم ينتفع ~~بتسميته ؛ لأن المراعى دينه ، وكذلك المسلم إذا ترك التسمية عامدا لا يضره ~~؛ لأن المراعى دينه ، وبهذا قال سعيد بن المسيب ، وعطاء ، وابن أبى ليلى . ~~قال ابن القصار : وكان الأبهرى وابن الجهم يقولان : إن قول مالك أن من تعمد ~~ترك التسمية لم تؤكل كراهية وتنزها . قال ابن القصار : والدليل على أن ~~التسمية ليست واجبة قوله تعالى : { فكلوا مما أمسكن عليكم } فأمر بأكل ما ~~أمسكن علينا ، ثم عطفه على الأكل بقوله : { واذكروا اسم الله عليه } والهاء ~~فى ( عليه ) ضمير الأكل ؛ لأنه أقرب مذكور ، فإن قيل : الهاء فى ( عليه ) : ~~عائدة على الإرسال . قيل : لو كانت شرطا لذكرها قبله ، ولم يذكرها بعده . ~~ولما قال : { فكلوا مما أمسكن عليكم } وقال بعد تقدم الأكل { واذكروا اسم ~~الله عليه } لم يحل أن PageV05P380 يريد بالتسمية على الإمساك الذى قد حصل ~~. فإذا أمسك علينا حينئذ يسمى أو يريد التسمية على الأكل فبطل أن يريد ~~بالتسمية بعد الإمساك علينا من غير أكل ؛ لأنه ليس بقول لأحد ؛ لأن الناس ms1785 ~~على قولين : إما أن تكون التسمية قبل الإرسال وقبل الإمساك . أو يكون ~~المراد بها عند الأكل . وإنما أراد تعالى نسخ أمر الجاهلية التى كانت تذكر ~~اسم طواغيتها على صيدها وذبائحها . وقد روى مالك ، عن هشام بن عروة ، عن ~~أبيه قال : ( سئل رسول الله فقيل : يا رسول الله ، إن ناسا من أهل البادية ~~يأتوننا بلحمان لا ندرى أسموا الله عليها أم لا ، فقال رسول الله : ( سموا ~~الله وكلوا ) . واحتج من أوجب التسمية بحديث عدى بن حاتم ، وأن النبى - صلى ~~الله عليه وسلم - علل له بأن قال : ( لأنك سميت على كلبك ولم تسم على غيره ~~) فأباح كل الصيد الذى يجد عليه كلبه ؛ لأنه ذكر الله عليه ، فدليله أنه ~~إذا لم يسم فلا يأكل فأجابهم الآخرون ، فقالوا لحق بدليل الخطاب فإنا نقول ~~: إن لم يسم فلا يأكل كراهية وتنزيها ، لما ذكرناه من الدلائل المتقدمة . ~~واختلف العلماء فى ذكاة المتردية والنطيحة والموقوذة والمنخنقة ، فذكر ابن ~~حبيب عن ابن الماجشون وابن عبد الحكم أن ما أصاب هذه من نثر الدماغ والحشوة ~~أو قرض المصير ، وشق الأوداج PageV05P381 وانقطاع النخاع ، فلا يؤكل وإن ~~ذكيت ، فأما كسر الرأس ولم تنتثر الدماغ ، أو شق الجوف ولم تنتثر الحشوة ، ~~ولا انشق المصير ، أو كسر الصلب ، ولم ينقطع النخاع ، فهذه تؤكل إن ذكيت إن ~~أدرك الروح فيها ، ولم تزهق أنفسها ، فإن لم يكن من هذه المقاتل شيء ، ويئس ~~لها من الحياة وأشكل أمرها ، فذبحت فلا تؤكل ، وإن طرفت بعينها واستفاض ~~نفسها عند الذبح ، وقد كان أصبغ وابن القاسم يحلان أكلها ، ولا يريان دق ~~العنق مقتلا حتى ينقطع النخاع ، قالا : وهو المخ الأبيض الذى فى داخل العنق ~~والظهر ، وليس النخاع عندنا إلا دق العنق ، وإن لم ينقطع المخ . كذلك قال ~~ابن الماجشون ومطرف عن مالك . قال ابن حبيب : و أما انكسار الصلب ففيه ~~يحتاج إلى انقطاع المخ الذى فى الفقار ، فإن انقطع فهو مقتل ، وإن لم ينقطع ~~فليس بمقتل ؛ لأنه قد يبرأ على حدب ويعيش . وقال أبو يوسف والحسن بن حيى ~~كقول ms1786 ابن الماجشون وابن عبد الحكم قالا : إذا بلغ التردى وشبهه حالا لا ~~يعيش من مثله لم يؤكل وإن ذكيت قبل الموت . واحتج ابن حبيب لهذا القول فقال ~~: تأول قوله : { إلا ما ذكيتم } يعنى : فى الحياة القائمة فمات بتذكيتكم لا ~~فى حال اليأس منها ؛ لأن الذكاة لا تقع عليها وإن تحركت ؛ لأن تلك الحركة ~~من الموت وقد تسبق إليها ؛ لأنه هو الذى أماتهم ، فإجراء الشفرة عليها وتلك ~~حالها لا يحلها ولا يذكيها ، كما أن المذبوحة التى قد قطعت الشفرة حلقومها ~~وأوداجها إذا سقط عليها جدار قبل زهق نفسها أو PageV05P382 أصابها غرق أو ~~تردى لا يضرها ولا يحرمها ؛ لأن الذى سبق إليها من التذكية قبل التردى أو ~~غيره هو الذى أماتها و [ . . . . ] . وفيها قول آخر : روى الشعبى ، عن ~~الحارث ، عن على قال : ( إذا أدركت ذكاة الموقوذة والمتردية والنطيحة وهى ~~تحرك يدا أو رجلا فكلها ) وعن ابن عباس وأبى هريرة مثله . وإليه ذهب النخعى ~~والشعبى وطاوس والحسن وقتادة ، وأبو حنيفة والثورى وقالا : يدرك ذكاته وفيه ~~حياة ما كانت فإنه ذكى إذا ذكى قبل أن يموت ، وهو قول الأوزاعى والليث ~~والشافعى وأحمد وإسحاق . وذكرنا تأويل قتادة وأصحابه فى قوله تعالى : { إلا ~~ما ذكيتم } قالوا : يعنى : من هذه إذ طرفت بعينها أو حركت ذنبها أو أذنها ~~أو ركضت برجلها فذك وكل . واحتج بعض الفقهاء لصحة هذا القول بأن عمر بن ~~الخطاب كانت جراحته مثقلة ، وصحت عهوده وأوامره ، ولو قتله قاتل فى ذلك ~~الوقت كان عليه القود . قال الطحاوى : ولم يختلفوا فى الأنعام إذا أصابتها ~~الأمراض المثقلة التى قد تعيش معها مدة قصيرة أو طويلة أن ذكاتها الذبح ، ~~فكذلك ينبغى فى القياس أن تكون المتردية ونحوها . وقال إسماعيل بن إسحاق : ~~بلغنى عن بعض من يتكلم فى الفقه أن قوله : { إلا ما ذكيتم } إنما هو على ما ~~أكله السبع خاصة ، وأحسبه توهم ذلك ؛ لأن الاستثناء يلى ما أكل السوابع ، ~~وإنما وقع الاستثناء على كل ما ذكر فى الآية كما قال قتادة : { إلا ما ~~ذكيتم } PageV05P383 أى : ولكن ما ms1787 ذكيتم . كما قال تعالى : { فلولا كانت ~~قرية آمنت فنفعها إيمانها إلا قوم يونس } يعنى : ولكن قوم يونس لما آمنوا ~~كشفنا عنهم ، وإنما كان أهل الجاهلية يأكلون كل ما مات وكل ما قتل ؛ فأعلم ~~الله المسلمين أن المقتولة لا تحل إلا بالتذكية ، وأن المنخنقة والموقوذة ~~والمتردية والنطيحة وما أكل السبع حرام كله ، وهو لا يسمى : موقوذة حتى ~~يموت بالذى فعل بها ، وكذلك المتردية والنطيحة وما أكل السبع ، ولو متردية ~~تركت فلم تمت من ترديها أو شاة عضها سبع أو أكل من لحمها فلم تمت من ذلك ، ~~لما كانت داخلة فى هذا الحكم ، ولما سميت أكيلة السبع ؛ لأنه لم يقتلها ، ~~وإنما تسمى العرب أكيلة السبع التى قتلها السبع فأكل منها وبقى منها ، فإن ~~العرب تقول للباقى : هذه أكيلة السبع . فنهوا عن ذلك الباقى ، وأعلموا أن ~~قتل السبع وغيره مما ذكر لا يقوم مقام التذكية ، وإن كان ذلك كله قتلا ؛ ~~لأن فى التذكية التى أمرهم الله بها خصوصا فى تحليل الذبيحة . وقال أبو ~~عبيد : أكيلة السبع هو الذى صاده السبع فأكل منه وبقى بعضه ، وإنما هو ~~فريسة ، والنصب : حجارة حول الكعبة كان يذبح عليها أهل الجاهلية . * * * # | 2 - باب صيد المعراض # وقال ابن عمر فى المقتولة بالبندقة : تلك الموقوذة ، وكرهه سالم والقاسم ~~ومجاهد وإبراهيم وعطاء والحسن ، وكره الحسن رمى البندقة فى القرى والأمصار ~~، ولا يرى بأسا فيما سواه . 2003 / فيه : عدى ، سألت النبى - صلى الله عليه ~~وسلم - ، عن المعراض ، فقال : ( إذا أصبت بحده فكل ، PageV05P384 فإذا أصاب ~~بعرضه فقتل ، فإنه وقيذ فلا تأكل ) ، فقلت : أرسل كلبى ، قال : ( إذا أرسلت ~~كلبك وسميت فكل ) ، قلت : فإن أكل ؟ قال : ( فلا تأكل ، فإنه لم يمسك عليك ~~إنما أمسك على نفسه ) ، قلت : أرسل كلبى فأجد معه كلبا آخر ، قال : ( لا ~~تأكل ، فإنك إنما سميت على كلبك ، ولم تسم على آخر ) . وترجم له ( باب : ما ~~أصاب المعراض بعرضه ) . وقال عدى : ( قلت : يا رسول الله ، إنا نرمى ~~بالمعراض . قال : كل ما خزق ، وما أصاب بعرضه فلا تأكل ) . اختلف العلماء ~~فى صيد المعراض ms1788 والبندقة ، فقال مالك والثورى والكوفيون والشافعى : إذا ~~أصاب المعراض بعرضه وقتله لم يؤكل ، وإن خزق جلده وبلغ المقاتل بعرضه أكل . ~~وذهب مكحول والأوزاعى وفقهاء الشام إلى جواز أكل ما قتل المعراض خزق أم لا ~~. وكان أبو الدرداء وفضالة بن عبيد لا يريان به بأسا . واحتج مالك بقوله ~~تعالى : { يا أيها الذين آمنوا ليبلونكم الله بشيء من الصيد تناله أيديكم ~~ورماحكم } قال : فكل شيء يناله الإنسان بيده أو رمحه أو بشيء من سلاحه ، ~~فأنفذه وبلغ مقاتله فهو صيد ، كما قال تعالى . ولا حجة لأهل الشام لخلافهم ~~لحديث عدى بن حاتم أن ما أصاب بعرضه فهو وقيذ ، والحجة فى السنة لا فيما ~~خالفها . وأما البندقة والحجر فأكثر العلماء على كراهة صيدها وهو عندهم ~~وقيذ كقول ابن عباس ، إلا أن يدرك ذكاته ، وبه قال النخعى ، وذهب إليه مالك ~~والثورى وأبو حنيفة والشافعى وأحمد وإسحاق وأبو PageV05P385 ثور ، ورخص فى ~~صيد البندقة عمار بن ياسر ، وهو قول سعيد بن المسيب وابن أبى ليلى وبه قال ~~الشاميون . الأصل فى ذلك حديث عدى بن حاتم أن النبى أباح له أكل ما أصاب ~~بحده ومنعه أكل ما أصاب بعرضه ؛ لأنه وقيذ ، ولا حجة لمن خالف السنة ، ~~وإنما كره الحسن البندقة للقرى والأمصار ؛ لإمكان وجودهم للسكاكين وما تقع ~~به الذكاة ، وأجازها فى البرارى ، وفى مواضع يتعذر وجود ذلك فيه . واختلفوا ~~فيما قتلته الجوارح ولم تدمه . فقال الشافعى : لا يؤكل حتى يخزق ؛ لقوله ~~تعالى : { من الجوارح } وقال مرة : إنه حلال . واختلف ابن القاسم وأشهب ~~فيها على هذين القولين . فقال ابن القاسم : لا يؤكل حتى يدميه ويجرحه . ~~وقال أشهب : إن مات من صدمة الكلب أكل . والمعراض : السهم دون ريش ، عن ~~صاحب العين . وزاد الأصمعى : خزق يخزق خزوقا ، وخسق يخسق خسوقا . وقال صاحب ~~العين : كل شىء حاد رززته فى الأرض فارتز تقول : خزقته فانخزق والخسق يثبت ~~، والخزق ما ينفذ . # | 3 - باب : صيد القوس # وقال الحسن وإبراهيم : إذا ضرب صيدا فبان منه يد أو رجل ، لا تأكل الذى ~~بان منه ، وتأكل سائره . PageV05P386 قال ms1789 إبراهيم : إذا ضربت عنقه أو وسطه ~~فكله . وقال الأعمش ، عن زيد : استعصى على رجل من آل عبدالله حمار ، فأمرهم ~~أن يضربوه حيث تيسر ، دعوا ما سقط منه وكلوه . 2004 / فيه : أبو ثعلبة ، ~~قلت : يا نبى الله ، إنا بأرض قوم من أهل الكتاب ، أفنأكل فى آنيتهم ؟ ~~وبأرض صيد أصيد بقوسى وبكلبى الذى ليس بمعلم ؟ وبكلبى المعلم فما يصلح لى ؟ ~~قال : ( أما ما ذكرت من أهل الكتاب ، فإن وجدتم غيرها ، فلا تأكلوا فيها ، ~~وإن لم تجدوا فاغسلوها ، وكلوا فيها ، وما صدت بقوسك ، فذكرت اسم الله ، ~~فكل ، وما صدت بكلبك المعلم ، فذكرت اسم الله فكل ، وما صدت بكلبك غير معلم ~~، فأدركت ذكاته فكل ) . أجمع العلماء أن السهم إذا أصاب الصيد فجرحه وأدماه ~~فسقط على الأرض ميتا ولم يدر أمات فى الهواء أو بعد ما صار إلى الأرض فإن ~~سقط فمات ، فقال مالك : إنه يؤكل إذا أنفذ السهم مقاتله . وهو قول أبى ~~حنيفة والأوزاعى والشافعى وأبى ثور قالوا : وإن وقع على جبل فتردى فمات أو ~~وقع فى ماء ولم ينفذ السهم مقاتله لم يؤكل ، وإذا رمى الصيد بسهم مسموم ~~أدرك ذكاته ، فكان مالك يقول : لا يعجبنى أن يؤكل . وبه قال أحمد وإسحاق ~~إذا علم أن السهم قتله ، وقال غيره : إذا ذكاه فأكله جائز . واختلفوا فى ~~الصيد يضرب فيبين منه عضو . فقالت طائفة : يطرح العضو الذى بان منه ويؤكل ~~الباقى ، هذا قول ابن مسعود وابن عباس وعطاء وقتادة . وقال مالك : إذا قطع ~~وسطه أو ضرب عنقه أكل كله ، وإن قطع فخذه لم يؤكل الفخذ وأكل الباقي . ~~PageV05P387 وقال الشافعى : إن قطعه قطعتين أكله ، وإن كانت إحداهما أقل من ~~الأخرى إذا مات من تلك الضربة ، وإن قطع يدا أو رجلا أو شيئا يمكن أن يعيش ~~بعده ساعة أو أكثر ثم قتله بعد رميته أكل ما لم يبن ، ولا يأكل ما بان وفيه ~~الحياة ، وهذا نحو قول مالك . وقال الثورى وأبو حنيفة : إذا قطعه نصفين ~~أكلا جميعا ، وإن قطع الثلث مما يلى الرأس أكلا جميعا ، وإن قطع الثلث ms1790 الذى ~~يلى العجز أكل الثلثين مما يلى الرأس ، ولا يأكل الثلث الذى يلى العجز . ~~قال المهلب : وحجة القول الأول أن ما قطع من الصيد قبل أن تنفذ مقاتله ~~فالمقطوع منه ميتة ؛ لا شك فى ذلك . وكذلك كان أهل الجاهلية يقطعون أسنمة ~~الإبل وهى أحياء ويأكلونها ثم تكبر الأسنمة وتعود على ما كانت ، وقول ~~الكوفيين لا أعلم له وجها . * * * # | 4 - باب : الخذف والبندقة # 2005 / فيه : عبدالله بن مغفل ، أنه رأى رجلا يخذف ، فقال له : لا تخذف ، ~~فإن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى عن الخذف - أو كان يكره الخذف - ~~وقال : ( إنه لا يصاد به صيد ، ولا ينكى به عدو ، ولكنها قد تكسر السن ، ~~وتفقأ العين ) ، ثم رآه بعد ذلك يخذف ، فقال له : أحدثك عن رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - أنه نهى عن الخذف - أو كره الخذف - وأنت تخذف ، لا أكلمك ~~كذا وكذا . والخذف عند أهل اللغة : الرمى بالحصاة والعصا . قال المهلب : ~~وأباح الله الصيد فى كتابه على صفة اشترطها تعالى من الاصطياد بالأيدى ~~والرماح بقوله : { تناله أيديكم ورماحكم } PageV05P388 فمعنى الأيدى : ~~الذبح ، ومعنى الرماح : كل ما رميت به الصيد بنوع من أنواع فعل اليد من ~~الخزق لجلد الصيد ، وإنفاذ مقاتله ، وليس البندقة والخذف بالحجر من ذلك ~~المعنى ، وإنما هو وقيذ ، وقد حرم الله الموقوذة ، وبين ذلك نبيه - صلى ~~الله عليه وسلم - أن الخذف لا يصاد به صيد ؛ لأنه ليس من المجهزات ، فدل أن ~~الحجر لا تقع به ذكاة . وأثمة الفتوى بالأمصار على أنه لا يجوز أكل ما ~~قتلته البندقة والحجر ، واحتجوا بحديث عبد الله بن مغفل ، وأجاز ذلك ~~الشاميون ، فخالفوا حديث ابن مغفل ، ولا حجة لمن خالف السنة ، وإنما الحجة ~~العمل بها ، وقد ذكرنا ذلك فى باب ( صيد المعراض ) . قال المهلب : فيه من ~~الفقه أن من خالف السنة أنه لا بأس بهجرانه وقطع الكلام عنه ، وليس يدخل ~~هجرانه تحت نهى النبى عن أن يهجر أخاه فوق ثلاث ، يدل على ذلك أمر الرسول ~~بذلك فى كعب بن مالك و صاحبيه . وفيه ms1791 : وجوب تغيير العالم ما خالف العلم . ~~* * * # | 5 - باب : من اقتنى كلبا ليس بكلب صيد أو ماشية # 2006 / فيه : ابن عمر ، قال - صلى الله عليه وسلم - : ( من اقتنى كلبا ، ~~ليس بكلب ماشية أو ضارية ، نقص كل يوم من عمله قيراطان ) . وقال مرة : سمعت ~~النبى - صلى الله عليه وسلم - يقول : ( من اقتنى كلبا ، إلا كلبا ضاريا ~~لصيد ، أو كلب ماشية ، فإنه ينقص من أجره قيراطين ) . PageV05P389 كان ابن ~~عمر يجيز الكلب للصيد والماشية خاصة على نص حديثه ، ولم يبلغه ما روى غيره ~~فى ذلك . وقد روى مالك ، عن يزيد بن خصيفة أن السائب بن يزيد أخبره أنه سمع ~~سفيان بن أبى زهير يحدث ( أنه سمع النبى - صلى الله عليه وسلم - يقول : من ~~اقتنى كلبا لا يغنى عنه زرعا ولا ضرعا نقص من عمله كل يوم قيراط ) . ويدخل ~~فى معنى الزرع الكرم والثمار وغير ذلك ، ولم يختلف العلماء فى تأويل قوله ~~تعالى : { وداود وسليمان إذ يحكمان فى الحرث } أنه كان كرما ، وروى عبد ~~الله بن مغفل أن النبى - صلى الله عليه وسلم - قال : ( من اتخذ كلبا ليس ~~بكلب صيد ولا ماشية ولا حرث . . . ) ويدخل فى معنى الزرع والكرم منافع ~~البادية كلها من الطارق وغيره . وقد سئل هشام بن عروة عن اتخاذ الكلب للدار ~~، فقال : لا بأس به إذا كانت الدار مخوفة . فأما ما روى عنه - صلى الله ~~عليه وسلم - فى حديث سفيان بن أبى زهير : ( قيراط ) وفى حديث ابن عمر : ( ~~قيراطان ) فيحتمل والله أعلم أنه - صلى الله عليه وسلم - غلظ عليهم فى ~~اتخاذ الكلاب ، لأنها تروع الناس ، فلم ينتهوا ؛ فزاد فى التغليظ فجعل مكان ~~القيراط قيراطين . وقد روى حماد بن زيد ، عن واصل مولى أبى عيينة قال : سأل ~~سائل الحسن فقال : يا أبا سعيد ، أرأيت ما ذكر فى الكلب أنه ينقص من أجر ~~أهله كل يوم قيراط ، بم ذلك ؟ قال : لترويعه المسلم . PageV05P390 # | 6 - باب إذا أكل الكلب # وقوله تعالى : { يسألونك ماذا أحل لهم } [ المائدة : 4 ] الآية . وقال ~~ابن عباس : إن أكل الكلب ، فقد أفسده ms1792 ، إنما أمسك على نفسه ، والله تعالى ~~يقول : { تعلمونهن مما علمكم الله } فيضرب ويعلم حتى يترك ، وكرهه ابن عمر ~~. وقال عطاء : إن شرب الدم ولم يأكل فكل . 2007 / - وفيه : عدى ، سألت ~~النبى - صلى الله عليه وسلم - ، فقلت : إنا قوم نصيد بهذه الكلاب ، فقال : ~~( إذا أرسلت كلابك المعلمة ، وذكرت اسم الله ، فكل مما أمسكن عليكم ، وإن ~~قتلن إلا أن يأكل الكلب ، فإنى أخاف أن يكون إنما أمسكه على نفسه ، وإن ~~خالطها كلاب من غيرها فلا تأكل ) . اختلف العلماء فى الكلب المعلم إذا أكل ~~من الصيد هل يجوز أكله أم لا ؟ فقال ابن عباس : إذا أكل فقد أفسده وأمسك ~~على نفسه . وقال بذلك من التابعين : الشعبى وعطاء وعكرمة وطاوس والنخعى ~~وقتادة ، وحجتهم حديث عدى بن حاتم ، وإليه ذهب أبو حنيفة وأصحابه والثورى ~~والشافعى وأحمد وإسحاق وأبو ثور قالوا كلهم : إذا أكل الكلب من الصيد فهو ~~غير معلم ، فلا يؤكل صيده . وفيها قول آخر روى عن جماعة من الصحابة ~~والتابعين أنهم قالوا : كل وإن أكل الكلب ولو لم يبق إلا نصفه ، وهذا قول ~~على بن أبى طالب وابن عمر ، وسعد بن أبى وقاص ، وسلمان الفارسى ، ومن ~~التابعين سعيد بن المسيب ، وسليمان بن يسار ، والحسن ، PageV05P391 والزهرى ~~، وربيعة ، وهو قول مالك ، والليث ، والأوزاعى ، وحجتهم ما رواه أبو داود ، ~~حدثنا محمد بن عيسى ، حدثنا هشيم ، حدثنا داود بن عمرو ، عن بسر بن عبيد ~~الله عن أبى إدريس الخولانى ، عن أبى ثعلبة الخشنى قال : قال رسول الله : ( ~~إذا أرسلت كلبك وذكرت اسم الله فكل ، وإن أكل منه ) . وقال لى بعض شيوخى : ~~فى الظاهر أن حديث أبى ثعلبة ناسخ لحديث عدي . وقال إسماعيل بن إسحاق : ~~إنما ذكر فى الحديث ( إن أكل فلا تأكل ) قال إسماعيل : ولما ثبت فى حديث ~~عدى وغيره أن النبى - صلى الله عليه وسلم - جعل قتل الكلب للصيد تذكية . لم ~~يضر ما حدث بعد التذكية من أكل الكلب أو غيره ، كما أن البهيمة إذا ذبحت لم ~~يضر لحمها ما حدث بعد التذكية ، وإنما الكلب بمنزلة السهم ms1793 إنما أرسلته ؛ ~~فذهب بإرسالى إلى الصيد فقتله فقلته ، فكأنى أنا قتلته ، فكذلك السهم إذا ~~أرسلته من يدى فأصاب الصيد فكأنى أنا ذبحت الصيد ؛ لأنى لا أنال الصيد الذى ~~أناله بيدى إلا كذلك . والمعنى فى قوله تعالى : { فكلوا مما أمسكن عليكم } ~~حبسه الصيد حتى جئت فأدركته مقتولا ، فلا يضره ما صنع بلحمه بعد التذكية . ~~قال المهلب : ويحتمل أن يكون معنى قوله - صلى الله عليه وسلم - : ( فإنى ~~أخشى أن يكون قد أمسك على نفسه ) إذا أكل الكلب قبل إنفاذ مقاتله وفوات ~~نفسه . وقد أجمع العلماء أنه إن أكل الكلب وحياته قائمة حتى مات من أجل ~~أكله أنه غير مذكى ولا يحل أكله ، وهو فى معنى الوقيذ . PageV05P392 قال ~~إسماعيل : والذين قالوا : إذا أكل الكلب فلا يؤكل . يقولون إذا أكل البازى ~~والصقر فلا بأس أن يؤكل ، قالوا : لأن الكلب ينهى فينتهى ، والبازى والصقر ~~إنما يعلمان بالأكل . قال إسماعيل : وهذا يفسد اعتلالهم ، ولو كانت علتهم ~~صحيحة لكان البازى والصقر إذا أكلا أمسكا على أنفسهما أيضا ؛ إذ الطير فى ~~معنى الكلاب ، لأنها جوارح ، والجوارح عند العرب الكواسب على أهلها قال ~~تعالى : { ويعلم ما جرحتم بالنهار } أى : كسبتم ، وقوله : { أم حسب الذين ~~اجترحوا السيئات } . وروى عن ابن عمر ومجاهد قول شاذ أنه لا يكون جارح إلا ~~كلبا ، وكرها صيد الطير ، والناس على خلافهم لما دل عليه الكتاب من كونها ~~كلها جوارح . * * * # | 7 - باب : الصيد إذا غاب عنه يومين أو ثلاثة # 2008 / فيه : عدى بن حاتم ، ، عن النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، قال : ~~( إن رميت صيدا ، فوجدته بعد يوم أو يومين ، وليس به إلا أثر سهمك ، فكل ، ~~وإن وقع فى الماء ، فلا تأكل ) . وقال عدى أيضا : إنا نرمى الصيد فنفتقر ~~أثره اليومين والثلاثة ، ثم نجده ميتا ، وفيه سهمه ؟ قال : ( يأكل إن شاء ) ~~. اختلف العلماء فى الصيد يغيب عن صاحبه . فقال الأوزاعى : إذا وجده من ~~الغد ميتا ووجد فيه سهمه أو أثرا من PageV05P393 كلبه ، فليأكله . وهو قول ~~أشهب وابن الماجشون وابن عبد الحكم وأصبغ ، قالوا : إذا مات وأنفذت الجوارح ms1794 ~~أو السهم مقاتله ، ولم يشك فى ذلك فليؤكل . وذكر ابن القصار أنه روى مثله ~~عن مالك ، والمعروف عنه خلافه . وقال مالك فى الموطأ والمدونة : لا بأس ~~بأكل الصيد وإن غاب عنك مصرعه ، إذا وجدت به أثرا من كلبك ، أو كان به سهمك ~~، ما لم يبت ، فإذا بات لم يؤكل . وقال أبو حنيفة : إذا توارى عنه الصيد ~~والكلب فى طلبه فوجده قد قتله جاز أكله ، وإن ترك الكلب الطلب واشتغل بعمل ~~غيره ، ثم ذهب فى طلبه فوجده مقتولا . والكلب عنده كرهت أكله . وقال ~~الشافعى : القياس ألا يأكله إذا غاب عنه لأنه يمكن أن يكون غيره قتله ، وقد ~~قال ابن عباس : ( كل ما أصميت ودع ما أنميت ) . وقال أبو عبيد : الإصماء : ~~أن يرميه فيموت بين يديه لم يغب عنه ، والإنماء : أن يغيب عنه فيجده ميتا . ~~واحتج ابن القصار لأهل المقالة الأولى الذين أوقفوا حديث عدى قالوا : إن ~~النبى - صلى الله عليه وسلم - أجاز أكله بعد يومين وثلاثة إذا وجد فيه أثر ~~سهمه ، ألا ترى أن النبى - صلى الله عليه وسلم - بين له أنه إنما يحل أكله ~~بشرط أن يجد فيه أثر سهمه أو سهمه وهو يعلم أنه قتله ، فإذا عدم الشرط لم ~~يحل . واحتج الكوفيون بقول عدى : إنا نرمى الصيد ، فنقتفوا أثره اليومين ~~والثلاثة ، يأكل إن شاء . قالوا : إنما أباح أكله لأجل افتقاده أثره ، وهو ~~أن يتبعه ؛ لأنه إذا لم يتبعه ووجده مقتولا عسى أن يكون PageV05P394 قد صار ~~مقدورا عليه فلم يلحق ذكاته فلا يؤكل . فيقال لهم : قد جاء حديث عدى فى أول ~~هذا الباب أنه قال : ( إذا رميت صيدا فوجدته بعد يوم أو يومين ، وليس به ~~إلا أثر سهمك فكل ) ولم يذكر الاتباع فنستعمل الجميع ، فيجوز أن يؤكل وإن ~~لم يتبعه إذا كان فيه سهمه ولا أثر فيه غيره ، ويستعمل خبركم إذا شاهده قد ~~أنفذ مقاتله ، ثم غاب الصيد عنه ثم وجده على حاله ، واستعمال الأخبار أولى ~~من إسقاط بعضها . وأما قولهم : إذا لم يتبعه لم يأمن أن يكون قد صار ms1795 مقدورا ~~عليه . فإننا نقول : هذا حكم بشيء مظنون ، وإنما يجوز أكله إذا لم ير فيه ~~أثرا غير كون سهمه فيه ، ولو روعى هذا الذى ذكره لوجب أن يتوقف عن كل صيد ؛ ~~لأنه يجوز أن يكون مات خوفا وفزعا ، وإن شاهدناه واتبعناه ، فإذا وجدنا ~~السهم فيه ولا أثر فيه غيره فالظاهر أنه مات منه . وقد روى عن النبى - صلى ~~الله عليه وسلم - ( أنه مر بالروحاء فإذا هو بوحش عقير فيه سهم قد مات ، ~~فقال النبى : دعوه حتى يجيء صاحبه فجاء البهزى ، فقال : يا رسول الله هى ~~رميتي . فأمره أن يقسمه بين الرفقة وهم محرمون ) . ولو كان الحكم يختلف بين ~~أن يتبعه حتى يجده ، أو يشتغل عنه ثم يطلبه ويجده ، لاستفسره - صلى الله ~~عليه وسلم - ، فلما لم يسأل عن ذلك وقال : ( دعوه حتى يجيء صاحبه ) ولم يزد ~~: هل كان يتبعه ؟ علم أن الحكم لا يختلف . والحجة لقول مالك : ما روى عن ~~ابن عباس أنه سئل عن الرجل يرمى الصيد فيجد فيه سهمه من الغد ، قال : لو ~~أعلم أن سهمك قتله لأمرتك بأكله ولكن لا أدرى قتله هو أو غيره ، وفى حديث ~~آخر : ( وما غاب عنك ليلة فلا تأكله ) . PageV05P395 قال ابن القصار : وهذا ~~عندى على الكراهية والله أعلم . واقتفوت الأثر : اتبعته . * * * # | 8 - باب : إذا وجد مع الصيد كلبا آخر # 2009 / فيه : عدى ، قلت : يا رسول الله ، إنى أرسل كلبى وأسمى ، فقال - ~~صلى الله عليه وسلم - : ( إذا أرسلت كلبك ، وسميت فأخذ فقتل فأكل ، فلا ~~تأكل ، فإنما أمسك على نفسه ) . قلت : إنى أرسل كلبى أجد معه كلبا آخر لا ~~أدرى أيهما أخذه ؟ فقال : ( لا تأكل ، إنما سميت على كلبك ، ولم تسم على ~~غيره ) . جمهور العلماء بالحجاز والعراق متفقون أنه إذا أرسل كلبه على ~~الصيد ووجد معه كلبا آخر لا يدرى أيهما أخذه ؛ فإنه لا يؤكل ذلك الصيد ، ~~وأخذوا بحديث عدى بن حاتم . وممن قال ذلك : عطاء ومالك والكوفيون والشافعى ~~وأحمد وأبو ثور ، وقد بين الرسول - صلى الله عليه وسلم - المعنى فى ذلك ~~فقال : إنما سميت ms1796 على كلبك عند إرسالك له ولم تسم على غيره ، فينبغى أن ~~يكون الصيد بإرسال ونية لله تعالى عند إرساله . وكان الأوزاعى يقول : إذا ~~أرسل كلبه المعلم فعرض له كلب آخر فقتلاه فهو حلال ، وإن كان غير معلم ~~فقتلاه لم يؤكل . وقال لى بعض من لقيت : إن كان الكلب المعلم قد أرسله ~~صاحبه فالمسألة إجماع جواز أكله ، ولو أن كلبا معلما انطلق على صيد ، وأخذه ~~لم يرسله أحد عليه أنه لايجوز أكله لعدم الإرسال والنية ، وهذا إجماع . قال ~~ابن المنذر : وإذا اجتمع أصحاب كلاب وأطلقوا كلابهم على صيد وسمى كل واحد ~~منهم ، ثم وجدوا الصيد قتيلا ، ولا يدرى من PageV05P396 قتله منهم فكان أبو ~~ثور يقول : إذا مات الصيد بينهم فإنه يؤكل ، وهذا إجماع ، فإن اختلفوا فيه ~~وكانت الكلاب متعلقة به كان بينهم ، وإن كان مع واحد منهم كان صاحبه أولى ، ~~وإن كان قتيلا والكلاب ناحية أقرع بينهم ، فمن أصابته القرعة كان له . * * ~~* # | 9 - باب : ما جاء فى الصيد # 2010 / فيه : عدى ، قلت : يا رسول الله ، إنا قوم نتصيد بهذه الكلاب . ~~2011 / وفيه : أبو ثعلبة ، قلت : يا رسول الله ، إنا بأرض قوم أهل كتاب ~~نأكل فى آنيتهم ، وأرض صيد أصيد بقوسى ، وأصيد بكلبى المعلم ، والذى ليس ~~معلما . . . . الحديث . 2012 / وفيه : أنس ، قال : أنفجنا أرنبا بمر ~~الظهران ، فسعوا عليها حتى تعبوا ، فسعيت عليها حتى أخذتها ، فجئت بها إلى ~~أبى طلحة ، فبعث إلى النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، بوركيها أو فخذيها ، ~~فقبله . 2013 / وفيه : أبو قتادة ، أنه كان مع النبى ، - صلى الله عليه ~~وسلم - ، ببعض طريق مكة فرأى حمارا وحشيا ، فاستوى على فرسه . . . الحديث . ~~فقال - صلى الله عليه وسلم - : ( إنما هى طعمة أطعمكموها الله ) العلماء ~~مجمعون على جواز الصيد للاكتساب وطلب المعاش . وقال مالك : إن من كان شأنه ~~الصيد للذة أن شهادته غير جائزة . PageV05P397 وقد روى ابن عباس عن النبى - ~~صلى الله عليه وسلم - أنه قال : ( من طلب الصيد غفل ) إلا أن حال الذى يصيد ~~للذة ينبغى أن يعتبر ، وإن كان يضيع له فرائضه ms1797 وما يلزمه من مراعاة أوقات ~~الصلوات وشبهها فهذا هو الأمر المسقط لشهادته ولو لم يكن ثم صيد ، وإن كان ~~لا يضيع شيئا يلزمه ؛ فلا ينبغى أن ترد شهادته . وحديث ابن عباس رواه سفيان ~~الثورى ، عن أبى موسى التمار ، عن وهب بن منبه ، عن ابن عباس ، قال : قال ~~رسول الله : ( من سكن البادية جفا ، ومن اتبع الصيد غفل ، ومن لزم السلطان ~~افتتن ) . وقوله : ( أنفجنا أرنبا ) يعنى : أجرينا ، وفى كتاب الأفعال : ~~نفج الأرنب وغيره نفوجا : أسرع . وقال صاحب العين : وأنفجته وكل ما ارتفع ~~فقد انتفج ، ورجل نفاج بما لم يفعل . * * * # | 10 - باب : الصيد على الجبال # 2014 / فيه : أبو قتادة ، كنت مع النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، فيما ~~بين مكة والمدينة ، وهم محرمون ، وأنا حل على فرسى ، وكنت رقاء على الجبال ~~، فبينا أنا على ذلك ، إذ رأيت الناس متشوفين لشيء ، فذهبت أنظر ، فإذا هو ~~حمار وحش . . . . الحديث . التصيد على الجبال ، كالصيد على السهل فى ~~الإباحة والجواز . وفيه : أن الجرى على الخيل فى الجبال والأوعار جائز ~~للحاجة إلى ذلك ، وليس من تعذيب البهائم والتحامل عليها . PageV05P398 # | 11 - باب قول الله : { أحل لكم صيد البحر } [ المائدة 96 ] # وقال عمر : صيده ما اصطيد ، { وطعامه } ما رمى به ، وقال أبو بكر : ~~الطافى حلال . وقال ابن عباس ، { طعامه } : ميتته إلا ما قذرت منها ، ~~والجرى لا تأكله اليهود ، ونحن نأكله . وقال شريح صاحب النبى - صلى الله ~~عليه وسلم - : كل شىء فى البحر مذبوح . وقال عطاء : أما الطير ، فأرى أن ~~تذبحه . وقال ابن جريج : قلت لعطاء : صيد الأنهار وقلات السيل ، أصيد بحر ؟ ~~قال : نعم ، ثم تلا : { هذا عذب فرات } [ فاطر : 12 ] . وركب الحسن على سرج ~~من جلود كلاب الماء . وقال الشعبى : لو أن أهلى أكلوا الضفادع لأطعمتهم ، ~~ولم ير الحسن بالسلحفاة بأسا . وقال ابن عباس : كل من صيد البحر نصرانى أو ~~يهودى أو مجوسى ، وقال أبو الدرداء : فى المرى ، ذبح الخمر النينان والشمس ~~. 2015 / فيه : جابر ، غزونا جيش الخبط ، وأمر أبو عبيدة ، فجعنا جوعا ~~شديدا ، فألقى البحر حوتا ميتا لم ير ms1798 مثله ، يقال له : العنبر ، فأكلنا منه ~~نصف شهر ، فأخذ أبو عبيدة عظما من عظامه ، فمر الراكب تحته . 2016 / - وقال ~~جابر مرة : بعثنا النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، ثلاثمائة راكب ، ~~وأميرنا أبو عبيدة ، نرصد عيرا لقريش ، فأصابنا جوع شديد حتى أكلنا الخبط ، ~~فسمى جيش الخبط ، وألقى البحر حوتا ، يقال له : العنبر ، فأكلنا نصف شهر ، ~~وادهنا بودكه حتى صلحت أجسامنا ، فأخذ أبو عبيدة ضلعا من أضلاعه فنصبه ، ~~فمر الراكب تحته ، وكان فينا رجل ، فلما اشتد الجوع نحر ثلاث جزائر ، ثم ~~ثلاث جزائر ، ثم نهاه أبو عبيدة . PageV05P399 اختلف العلماء فى تأويل قوله ~~تعالى : { وطعامه متاعا لكم } فقال ابن عباس : طعامه ما لفظه فألقاه ميتا . ~~وقال ابن عباس : أشهد على أبى بكر الصديق لسمعته يقول : ( السمكة الطافية ~~حلال لمن أكلها ) . وعن عمر بن الخطاب ، وزيد بن ثابت ، وعبد الله بن عمرو ~~و أبى هريرة ، مثل قول ابن عباس فى تأويل الآية ، وروى عن ابن عباس قول آخر ~~قال : ( طعامه مملوحه ) وعن سعيد بن المسيب ، والنخعى ، ومجاهد ، وابن جبير ~~مثله ، ومن قال : طعامه مملوحه كره أكل ما يلقى منه ميتا ، وروى ذلك عن ~~جابر بن عبد الله ، وابن عباس ، وعن طاوس ، وابن سيرين ، والكوفيين : لا ~~يؤكل الطافيء ولا يؤكل من البحر غير السمك . وقال مالك : يؤكل كل حيوان فى ~~البحر ، وهو حلال حيا كان أو ميتا . وهو قول الأوزاعى ، وأجاز الشافعى ~~خنزير الماء ، وكرهه مالك . قال ابن القصار : من غير تحريم . وقال ابن ~~القاسم : لا أراه حراما . وحديث جابر حجة على الكوفيين ومن وافقهم ؛ لأن ~~أبا عبيدة فى أصحاب النبى أكلوا الحوت الذى لفظه البحر ميتا ، ولا يجوز أن ~~يخفى عليهم وجه الصواب فى ذلك ، ويأكلوا الميتة وهم ثلاثمائة رجل . وقال ~~بعض المالكيين : إنهم لم يأكلوا ذلك الحوت على وجه ما يؤكل عليه الميتة عند ~~الضرورة إليها ، وذلك أنهم أقاموا عليه أياما يأكلون منه ، والمضطر إلى ~~الميتة إنما يأكل منها ثم ينتقل يطلب المباح . PageV05P400 وقوله تعالى : { ~~أحل لكم صيد البحر } يقتضى عمومه إباحة كل ما ms1799 فى البحر من جميع الحيوان ~~حوتا كان أو غيره مما صاد ، خنزيرا كان أو كلبا أو ضفدعا ، ويشهد لذلك قوله ~~- صلى الله عليه وسلم - : ( هو الطهور ماؤه الحل ميتته ) فأطلق على جميع ~~ميتته وأباحها ؛ فسقط قول أبى حنيفة . قال ابن القصار : وقد قال أبو بكر ~~الصديق : ( كل دابة فى البحر فقد ذكاها الله لكم ) ولم يخص ، ولا مخالف له ~~، وأيضا فإن البحر لما عفى عن الذكاة فيما يخرج منه عفى عن مراعاة صورها ، ~~وبعضها كصور الحيات ، وكذلك صورة الدابة التى يقال لها : العنبر خارجة عن ~~عادات السمك ولم يحرم أكلها . وأيضا فإن اسم سبع وكلب وخنزير لا يتناول ~~حيوان الماء ؛ لأنك تقول خنزير الماء وكلب الماء بالإضافة ، والخنزير ~~المحرم مطلق لا يتناول إلا ما كان فى البر خاصة ، وكذلك البحرى داخل فى صيد ~~البحر ولم يرو كراهته إلا عن على بإسناد لا يصح . وأجازه الكوفيون ؛ لأنه ~~داخل فى عموم السمك ، وحرموا الضفادع ، وبه قال الشافعي . وأما قول ابن ~~عباس : كل ما صاد من البحر مجوسى أو غيره . فهو قول جمهور العلماء ؛ لأن ~~طعام البحر ميتة ولا يحتاج فيه إلى ذكاة . قال مالك : فإذا أكل ميته فلا ~~يضر من صاده . وقال الحسن : أدركت سبعين من أصحاب النبى - صلى الله عليه ~~وسلم - كلهم يأكل صيد المجوسى ؛ الحيتان وما ينخلج فى صدورهم منه شيء . ~~وروى ذلك عن عطاء ، والنخعى ، وهو قول مالك ، والكوفيين ، والليث والأوزاعى ~~، والشافعى ، وأحمد ، وإسحاق ، وأبى ثور . وقال أبو عبد الله بن أبى صفرة : ~~معنى قول أبى الدرداء : ( ذبح الخمر النينان PageV05P401 والشمس ) أن الخمر ~~تطرح فى الحيتان حتى تصير مريا فكأن الحيتان والشمس ذكاة الخمر وذبحها الذى ~~يحللها . وهذا حجة فى جواز تخليل الخمر ، وسيأتى ذلك فى كتاب البيوع فى باب ~~: تحريم التجارة فى الخمر إن شاء الله . والقلات : جمع قلت والقلت نفرة ~~بحجر يحفرها السيل وكل نقرة فى الجبل أو غيره : قلت ؛ فإنما أراد ما سابق ~~السيل من الماء وبقى فى الغدر الصفار فكان فيها حيتان . والجرى ضرب من ms1800 سمك ~~. والخبط : اسم ما خبط من القشر والورق . * * * # | 12 - باب : الجراد # 2017 / فيه : ابن أبى أوفى ، غزونا مع النبى - صلى الله عليه وسلم - سبع ~~غزوات - أو ستا - كنا نأكل معه الجراد . اختلف الناس فى الجراد فقال ~~الكوفيون : يؤكل الجراد كيفما مات وهو قول الشافعى ، وقال مالك : إن وجده ~~ميتا لم يأكله حتى يقطع رءوسه أو يطرح فى النار وهو حى من غير أن تقطف ~~رءوسه فهو حلال . ومن أجاز أكله ميتا جعله من صيد البحر كطافى الحيتان يجوز ~~أكلها . وذكر الطبرى عن ابن عباس أنه قال : الجراد ذكى حيه وميته . وذكر ~~عبد الرزاق أن ابن عباس قال : كان عمر يأكل الجراد ، ويقول : لا بأس به ؛ ~~لأنه لا يذبح . وعن على بن أبى طالب أنه قال : الجراد مثل صيد البحر وهو ~~قول عطاء . وأما مالك فهو عنده من صيد البر ، ولا يجوز أكله إلا بذكاة ، ~~وهو قول ابن شهاب وربيعة . وكان علقمة يكره الجراد ولا يأكله . قال الأبهرى ~~: والدليل على أنه من صيد البر أن المحرم يجوز له PageV05P402 صيد البحر ~~وهو ممنوع من صيد الجراد ، وذلك لئلا يقتله ، فعلم أنه من صيد البر ، وإذا ~~كان ذلك كذلك فيحتاج إلى ذكاة إلا أن ذكاته حسب ما تيسر كما يكون فى الصيد ~~، ذكاته حسب ما يقدر عليه من الرمى ، وإرسال الكلب ؛ لأنه لا يتمكن من ذبحه ~~من الحلق واللبة ، كذلك الجراد تذكيته كيفما تيسر ؛ لأنه لا حلق له ولا لبة ~~، ولما كان يعيش فى البر وجب أن يفارق السمك فلا يستباح إلا بما يقوم مقام ~~الذكاة من أخذه كيف تيسر ؛ لأن صيد البر لم يسامح فيه بغير ذكاة كما سومح ~~فى صيد البحر . * * * # | 13 - باب : آنية المجوسى والميتة # 2018 / فيه : أبو ثعلبة ، قلت : يا رسول الله ، إنا بأرض أهل الكتاب ، ~~فنأكل فى آنيتهم ؟ فقال : ( لا تأكلوا فى آنيتهم ، إلا أن لا تجدوا بدا ، ~~فإن لم تجدوا بدا ، فاغسلوا وكلوا . . . . ) الحديث . 2019 / وفيه : سلمة ~~بن الأكوع ، لما أمسوا يوم فتحوا خيبر ، وأوقدوا النيران ، فقال ms1801 النبى - ~~صلى الله عليه وسلم - : ( علام أوقدتم هذه النيران ) ؟ قالوا : لحوم الحمر ~~الإنسية ، قال : ( أهريقوا ما فيها ، واكسروا قدورها ) ، فقام رجل من القوم ~~، فقال : نهريق ما فيها ونغسلها ، فقال - صلى الله عليه وسلم - : ( أو ذاك ~~) . قال المهلب : معنى ذكر آنية المجوسى فى هذه الترجمة ، وذكر سؤال أبى ~~ثعلبة للنبى - صلى الله عليه وسلم - عن آنية أهل الكتاب ، من أجل أن أهل ~~الكتاب لا يتحرزون من الميتة والخنزير والخمر ، و [ . . . . . ] أعناق ~~الحيوان وذلك ميتة كطعام المجوس ، وقد جاء هذا PageV05P403 المعنى مبينا فى ~~حديث أبى ثعلبة الخشنى قال : قلت : يا رسول الله ، إن أرضنا أرض أهل كتاب ~~وإنهم يأكلون لحم الخنزير ، ويشربون الخمر ، فكيف نصنع بآنيتهم وقدورهم ؟ ~~فقال : ( إن لم تجدوا غيرها فارحضوها واطبخوا فيها واشربوا ) فأباح - صلى ~~الله عليه وسلم - غسل ما جعل فيه الخنزير والخمر ، واستعمال الأواني . ~~والعلماء مجمعون على أن الماء مطهر لكل نجاسة من جميع أوانى الشراب وغيرها ~~إلا ما روى أشهب عن مالك فى زقاق الخمر أنها لا تطهر بالغسل ؛ لأنها تشرب ~~الخمر وذلك مخالف لجميع الظروف . وأما حديث تحريم الحمر فى هذا الباب فهو ~~بين ؛ لأن الحمر قد ثبت تحريمها فهى كالميتة ، وأباح النبى - صلى الله عليه ~~وسلم - القدور بعد غسلها ، وكذلك آنية المجوس يجوز استعمالها بعد غسلها ؛ ~~لأن ذبائحهم ميتة ، وذكر ابن حبيب ، عن ابن عباس أنه قيل له : ( إنا نغزو ~~أرض الشرك ، ونزل بالمجوس وقد طبخوا فى قدورهم الميتة ، والدم ، ولحم ~~الخنزير ، فقال : ( ما كان من حديد أو نحاس فاغسلوه بالماء ثم اطبخوا فيه ، ~~وما كان من فخار فاغلوا فيها الماء ، ثم اغسلوها واطبخوا فيها ، فإن الله ~~جعل الماء طهورا ) وسيأتى الكلام فى ظروف الخمر هل تضمن إذا كسرت فى كتاب ~~المظالم ، إن شاء الله . PageV05P404 # | 24 - كتاب الذبائح # # | 1 - باب : التسمية على الذبيحة ومن ترك متعمدا # قال ابن عباس : من نسى فلا بأس ، قال تعالى : { ولا تأكلوا مما لم يذكر ~~اسم الله عليه وإنه لفسق } [ الأنعام : 121 ] والناسى لا يسمى فاسقا ، { ~~وإن الشياطين ليوحون ms1802 إلى أوليائهم } الآية . 2020 / فيه : رافع ، كنا مع ~~الرسول - صلى الله عليه وسلم - بذى الحليفة ، فأصاب الناس جوع ، فأصبنا ~~إبلا وغنما ، وكان النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، فى أخريات الناس ، ~~فعجلوا فنصبوا القدور ، فدفع النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، إليهم ، ~~فأمر بالقدور فأكفئت ، ثم قسم ، فعدل عشرة من الغنم ببعير ، فند منها بعير ~~، وكان فى القوم خيل يسيرة ، فطلبوه فأعياهم ، فأهوى إليه رجل بسهم ، فحبسه ~~الله ، فقال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( إن لهذه البهائم أوابد ~~كأوابد الوحش ، فما ند عليكم منها فاصنعوا به هكذا ) ، وقال جدى : إنا ~~لنرجو - أو نخاف - أن نلقى العدو غدا ، وليس معنا مدى ، أفنذبح بالقصب . ~~فقال : ( ما أنهر الدم ، وذكر اسم الله عليه ، فكل ، ليس السن والظفر ) ، ~~وسأحدثكم عنه : ( أما السن فعظم ، وأما الظفر فمدى الحبشة ) . قال المؤلف : ~~اختلاف العلماء فى التسمية على الذبيحة كاختلافهم PageV05P405 على التسمية ~~فى الصيد ، وقد تقدم اختلاف العلماء فى ذلك ، والحجة لأقوالهم فى أول كتاب ~~الصيد فأغنى عن إعادته . وقال أبو الحسن بن القابسى : يمكن أن يكون أمره - ~~صلى الله عليه وسلم - بإكفاء القدور من أجل أنهم استباحوا من الغنائم كما ~~كانوا يعرفون فيما بعد عن بلاد الإسلام ، وموضع الانقطاع عن مواضعهم ، فهم ~~مضطرون إلى ما وجدوه فى بلاد العدو كما جاء فى قصة خيبر أن قوما أخذوا ~~جرابا فيه شحم فما عيب عليهم ولا طولبوا به ، وقد مضى من سنن المسلمين فى ~~الغنائم وأكلهم منها ما لاخلاف فيه . وكانوا فى هذه القسمة بذى الحليفة ~~قريبا من المدينة ، ولم يكونوا مضطرين إلى أكل الغنيمة فأراهم النبى - صلى ~~الله عليه وسلم - أن هذا ليس لهم ، فمنعهم مما فعلوه بغير إذنه - صلى الله ~~عليه وسلم - فكان فى باب الخوف من الغلول ، وقد تقدم هذا المعنى في كتاب ~~الجهاد فى باب ( ما يكره من ذبح الإبل والغنم فى المغانم ) وذكرت هناك وجها ~~آخر . قال ابن القابسى : ولو قيل إن معنى ذلك من قبل أنهم بادروا قبل القسم ~~كان داخلا فى المعنى الذى ذكره ms1803 ، ولو قيل : إنما كان ذلك من قبل أن الغنيمة ~~كانت إبلا وغنما كلها لكان داخلا فى المعنى ؛ لأن وجهه أنهم فعلوا ما ليس ~~لهم . وقوله : ( ثم قسم وعدل ) ولم ينقل أحد أنه دخل فى ذلك قرعة ، وما لم ~~يدخله قرعة لا يضره اختلاف أجناسه فى القسمة فساووا فيه وتفاضلوا إذا رضوا ~~بذلك . وقوله : ( فند منها بعير ) يقال : ند نديدا وندادا إذا شرد . وقوله ~~: ( فأهوى إليه رجل منهم بسهم فحبسه الله ) يعنى : أن البعير حبسه الله ~~بذلك السهم ومنعه من النفار الذى كان به حتى أدرك PageV05P406 فذكى ، وليس ~~فى الحديث ما يمنع من هذا المعنى إذ لم يقل فيه : فحبسه الله فمات ، لما ~~أنه أدرك فذكى وذكاته ترفع التنازع فى أكله وتصير إلى الإجماع فى أكله ، ~~وهو قولنا فيما غلبنا من المواشى الإنسية أنا نحبسها بما استطعنا فما ~~أدركنا منها لم تنفذ مقاتله فذكيناه أكلناه ، وإذا أنفذنا مقاتله لم نحمله ~~محمل الصيد ؛ إذ لم يأتنا فى ذلك شيء من تتبعه ، فنحن فى صيد الوحش على ما ~~أذن الله ورسوله وفى ذكاة الإنسى على ما جاءنا به حكم الذكاة ، وسيأتى ~~اختلاف العلماء فى هذه المسألة فى بابها ، وفى سائر الحديث فى الذبح بالسن ~~والظفر فى بابه إن شاء الله . وقوله : ( إن لهذه البهائم أوابد ) قال أبو ~~عمرو الشيبانى : قال النميرى : الآبد : التى تلزم الخلاء فلا تقرب أحدا ، ~~ولا يقربها . وقال أبو عمرو : قد أبدت الناقة تأبدا وأبودا إذا انفردت ~~وحدها وتفردت ، وتأبد أى : تفرد . وقال مرة : هى آبدة إذا ذهبت فى المرعى ، ~~وليس لها راعى فأبعدت شهرا أو شهرين . وقال أبو على فى البارع فى باب وبد : ~~قال ابن أبى طرفة : المستوبد : المستوحش . يقال : خلوت واستوبدت أى : ~~استوحشت . PageV05P407 # | 2 - باب : ما يذبح على النصب والأصنام # 2021 / فيه : ابن عمر ، عن النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، أنه لقى زيد ~~بن عمرو بن نفيل بأسفل بلدح - وذاك قبل أن ينزل على النبى - صلى الله عليه ~~وسلم - الوحى - فقدم إليه رسول الله - صلى الله عليه ms1804 وسلم - سفرة فيها لحم ~~، فأبى أن يأكل منها ، ثم قال : ( إنى لا آكل مما تذبحون على أنصابكم ، ولا ~~آكل إلا مما ذكر اسم الله عليه ) . قال المؤلف : ظاهر هذا الحديث يدل أن ~~زيدا قال للنبى : إنى لا آكل مما تذبحون على أنصابكم . يوهم أن النبى كان ~~يأكل ذلك ، والنبى كان أولى باجتناب ذلك من زيد . وقد جاء هذا الحديث مبينا ~~فى مناقب زيد بن عمرو فى كتاب فضائل الصحابة ، بينه فضيل بن سليمان عن موسى ~~بن عقبة ( أن النبى - - صلى الله عليه وسلم - - لقى زيد بن عمرو بأسفل بلدح ~~- قبل أن ينزل الوحى على الرسول - فقدمت إلى النبى سفرة ، فأبى أن يأكل ~~منها ، ثم قال زيد : إنى لست آكل مما تذبحون على أنصابكم ولا آكل إلا مما ~~ذكر اسم الله عليه ) فالسفرة إنما قدمتها قريش للنبى - صلى الله عليه وسلم ~~- فأبى أن يأكل منها ، فقدمها النبى - صلى الله عليه وسلم - إلى زيد ، فأبى ~~أن يأكل منها ، ثم قال لقريش الذين قدموها إلى النبى : ( أنا لا آكل مما ~~تذبحون على أنصابكم ) . ولم يكن زيد فى الجاهلية بأفضل من النبى ، فحين ~~امتنع زيد فالنبى الذى كان حباه الله لوحيه واختاره ليكون خاتم النبيين ~~وسيد المرسلين أولى بالامتناع منها فى الجاهلية أيضا . قال الطبرى : أنصاب ~~الحرم : أعلامه ، وهو جمع نصب ، وقد PageV05P408 يجمع أيضا : نصبا . كما ~~قال تعالى : { وما ذبح على النصب } . وكانت هذه النصب ثلاثمائة وستين حجرا ~~مجموعة عند الكعبة ، كانوا يذبحون عندها لآلهتهم ولم تكن أصناما ، وذلك أن ~~الأصنام كانت تماثيل وصورا مصورة ، وأما النصب فكانت حجارة مجموعة . وقال ~~ابن زيد : ما ذبح على النصب ، وما أهل به لغير الله واحد ، ومعنى ( أهل به ~~لغير الله ) : ذكر عليه غير اسم الله من أسماء الأوثان التى كانوا يعبدونها ~~، وكذلك المسيح وكل اسم سوى الله . قال الطبرى : ومعنى ( ما أهل به لغير ~~الله ) : ما ذبح للآلهة والأوثان ، فسمى عليه غير اسم الله . واختلف ~~الفقهاء فى ذلك : فكره عمر ، وابن عمر ، وعائشة ما أهل به ms1805 لغير الله . وعن ~~النخعى والحسن مثله ، وهو قول الثوري . وكره مالك ذبائح النصارى لكنائسهم ~~وأعيادهم ، وقال : لا يؤكل ما سمى عليه المسيح . وقال إسماعيل بن إسحاق : ~~كرهه مالك من غير تحريم . وقال أبو حنيفة : لا يؤكل ما سمى عليه المسيح . ~~وقال الشافعى : لا يحل ما ذبح لغير الله ولا ما ذبح للأنصاب . ورخص فى ذلك ~~آخرون روى ذلك عن عبادة بن الصامت ، وأبى الدرداء ، وأبى أمامة ، وقال عطاء ~~والشعبى : قد أحل الله ما أهل به لغير الله ؛ لأنه قد علم أنهم سيقولون هذا ~~القول وأحل ذبائحهم ، وإليه ذهب الليث وفقهاء أهل الشام : مكحول ، وسعيد بن ~~عبد العزيز ، والأوزاعى قالوا : سواء سمى المسيح على ذبيحته ، أو ذبح لعيد ~~أو كنيسة ، كل ذلك حلال ؛ لأنه كتابى ذبح لدينه ، وكانت هذه ذبائحهم قبل ~~نزول القرآن ، وأحلها الله فى كتابه . PageV05P409 قال المؤلف : وإذا ثبت ~~أن ما ذبحوه لكنائسهم ، وأعيادهم ، وما أهلوا به لغير الله من طعامهم ~~المباح لنا ، فلا حجة لمن حرمه ومنعه . * * * # | 3 - باب : قول النبى - صلى الله عليه وسلم - : فليذبح على اسم الله # 2022 / فيه : جندب بن سفيان ، ضحينا مع النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، ~~أضحية ذات يوم ، فإذا ناس قد ذبحوا ضحاياهم قبل الصلاة ، فلما انصرف رآهم ~~النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، أنهم قد ذبحوا قبل الصلاة ، فقال : ( من ~~ذبح قبل الصلاة ، فليذبح مكانها أخرى ، ومن لم يذبح حتى صلينا ، فليذبح على ~~اسم الله ) . قال المهلب : قد تقدم أن التسمية من سنن الذبح . وفيه العقوبة ~~فى المال ؛ لمخالفة السنة ، والتعزير عليها كما عاقب الذين استعجلوا فى ذى ~~الحليفة ، وإنما اتجهت العقوبة بالمنع لهم كما استعجلوه قبل وقته ، من أصل ~~السنة أن من استعجل شيئا قبل وجوبه أنه يحرمه ، كمن استعجل الميراث حرمه ~~أيضا ، ومن استعجل الوطء فنكح فى العدة حرم ذلك أبدا ، فكذلك هؤلاء الذين ~~عجلوا بالضحايا قبل وقتها حرموها عقوبة لهم . * * * # | 4 - باب : ما أنهر الدم من القصب والمروة والحديد # 2023 / فيه : كعب بن مالك ، أن جارية لهم كانت ترعى ms1806 غنما بسلع ، فأبصرت ~~شاة من غنمها موتا ، فكسرت حجرا فذبحتها ، فقال لأهله : PageV05P410 لا ~~تأكلوا حتى آتى النبى ؛ - صلى الله عليه وسلم - ، فأسأله ، فأتى إليه ، ~~فأمر - صلى الله عليه وسلم - بأكلها . 2024 / وفيه : رافع أنه قال : يا ~~رسول الله ، ليس لنا مدى ، فقال : ( ما أنهر الدم ، وذكر اسم الله ، فكل ، ~~ليس الظفر والسن ، أما الظفر فمدى الحبشة ، وأما السن فعظم ) . وترجم لحديث ~~رافع باب ( لا يذكى بالسن والعظم والظفر ) . المروة : الحجارة البيض ، وقيل ~~: إنها الحجارة التى يقدح منها النار . واختلف العلماء فيما يجوز أن يذبح ~~به . فقالت طائفة : كل ما ذكى به من شيء أنهر الدم وفرى الأوداج ولم يشرد ~~جازت به الذكاة إلا السن والظفر ؛ لنهى النبى عنهما ، وإن كانا منزوعين ، ~~هذا قول النخعى والليث والشافعى وأحمد وإسحاق وأبى ثور ، واحتجوا بحديث ~~نافع ، وقال مالك وأبو حنيفة : كل ما فرى الأوداج وأنهر الدم تجوز الذكاة ~~به ، وتجوز بالسن والظفر المنزوعين ، فأما إن كانا غير منزوعين ، فإنه لا ~~يجوز ذلك ؛ لأنه يصير خنقا ، وفى ذلك ورد النهى ، وكذلك قال ابن عباس : ذلك ~~الخنق ؛ لأن ما ذبح به إنما يذبح بكف لا بغيرها ، فهو مخنوق ، وكذلك ما نهى ~~عنه من السن إنما هو المركبة ؛ لأن ذلك يكون عضا ، فأما إن كانا منزوعين ~~وفريا الأوداج فجائز الذكاة بهما ؛ لأن فى حكم الحجر كل ما قطع ولم يشرد . ~~وإذا جازت التذكية بغير الحديد ، جازت بكل شيء فى معناه . وذكر الطحاوى : ~~أن طائفة ذهبت إلى أنه تجوز الذكاة بالسن والظفر المنزوعين وغير المنزوعين ~~، واحتجوا بما روى سفيان عن PageV05P411 سماك بن حرب ، عن مرى بن قطرى ، عن ~~رجل من بنى ثعلب ، عن عدى بن حاتم ( قلت : يا رسول الله ، أرسل كلبى فيأخذ ~~الصيد ، فلا يكون معى ما يذكيه به إلا المروة والعصا . قال : أنهر الدم بما ~~شئت ، واذكر اسم الله ) . وحديث رافع أصح من هذا الحديث فالمصير إليه أولى ~~، ولو صح حديث عدى فكان معناه : أنهر الدم بما شئت إلا بالسن والظفر ، وزاد ~~الطبرى : وما كان ms1807 نظيرا لهما ، وهو القرن . قالا : وهذه زيادة وتفسير لحديث ~~عدى يجب الأخذ بها . وفى حديث عدى جواز ذبيحة المرأة ، وهو قول جمهور ~~الفقهاء وذلك إذا أحسنت الذبح ، وكذلك الصبى عندهم إذا أحسن الذبح ، ~~واحتجوا بحديث كعب . واحتج الفقهاء بحديث كعب على جواز كل ما ذبح بغير إذن ~~مالكه ، وردوا بهذا الحديث على من أبى من أكل ذبيحة السارق ، وهو قول يروى ~~عن عكرمة وطاوس ، وبه قال أهل الظاهر وإسحاق ، وهو شذوذ لا يلتفت إليه ، ~~والناس على خلافه . وقال ابن المنذر : وليس بين ذبيحة السارق وذبيحة المحرم ~~فرق . قال المهلب : فيه تصديق الراعى والأجير فيما اؤتمن عليه حتى يظهر ~~عليه دليل الخيانة والكذب . PageV05P412 # | 5 - باب : ذبيحة الأعراب ونحوهم # 2025 / فيه : عائشة ، أن قوما قالوا للنبى - صلى الله عليه وسلم - : إن ~~قوما يأتوننا باللحم ، لا ندرى أذكر اسم الله عليه أم لا ، فقال : ( سموا ~~عليه أنتم وكلوه ) ، قالت : وكانوا حديثى عهد بالكفر . قال المهلب : هذا ~~أصل أن التسمية فى الذبح ليست بفرض ، ولو كانت فرضا لاشترطت على كل حال . ~~والأمة مجمعة أن التسمية على الأكل مندوب إليه ، وليست بفريضة ، فلما نابت ~~عن التسمية على الذبح دل أنها سنة ؛ لأنه لا ينوب عن فرض ، وهذا الحديث يدل ~~أن حديث عدى بن حاتم وأبى ثعلبة محمولان على التنزه من أجل أنهما كانا ~~صائدين على مذهب الجاهلية فعلمهما أمر الصيد والذبح دقيقه وجليله ، لئلا ~~يواقعا شبهة من ذلك ، ويأخذا بأكمل الأمور فى بدو الأمر فعرفهم - صلى الله ~~عليه وسلم - . وهؤلاء القوم جاءوا مستفتين لأمر قد وقع ويقع من غيرهم ، ليس ~~لهم فيه قدرة على الأخذ بالكمال فى بدئه ، فعرفهم - صلى الله عليه وسلم - ~~بأصل ما أحله الله لهم ، ولم يقل لعدى : إنك إن فعلت فإنه حرام ، ولكن قال ~~له : ( لا تأكل فإنى أخاف ) فأدخل عليه الشبهة التى يجب التنزه عنها ، ~~والأخذ بالأكمل قبل مواقعتها . ويدل على صحة هذا المعنى أنه قد يشتد قبل ~~وقوع الأمر ولا يشتد بعد وقوعه : قصة اللعن لشارب الخمر قبل شربها ms1808 ، ونهيه ~~عن اللعنة بعد شربها بقوله - صلى الله عليه وسلم - : ( لا تعينوا الشيطان ~~على أخيكم ) . PageV05P413 # | 6 - باب ذبائح أهل الكتاب وشحوم أهل الحرب وغيرهم وقوله : { اليوم أحل ~~لكم الطيبات وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم وطعامكم حل لهم } [ المائدة : ~~5 ] # . وقال الزهرى : لا بأس بذبيحة نصارى العرب ، وإن سمعته يسمى لغير الله ، ~~فلا تأكل ، وإن لم تسمعه ، فقد أحله الله ، وعلم كفرهم . ويذكر عن على نحوه ~~. وقال الحسن وإبراهيم : لا بأس بذبيحة الأقلف . وقال ابن عباس : طعامهم : ~~ذبائحهم . 2026 / فيه : عبدالله بن مغفل ، كنا محاصرين قصر خيبر ، فرمى ~~إنسان بجراب فيه شحم ، فنزوت لآخذه ، فالتفت فإذا النبى ، - صلى الله عليه ~~وسلم - ، فاستحييت منه . قال المؤلف : أباح الله لعباده المؤمنين ذبائح أهل ~~الكتاب بقوله تعالى : { وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم } وأجمعوا أنه ~~أريد بطعامهم فى هذه الآية ذبائحهم . اختلفوا فى شحومهم المحرمة عليهم إذا ~~ذكروها ، فكرهها مالك ، وقال ابن القاسم وأشهب : إنها حرام . وأجاز أكلها ~~الكوفيون والثورى والأوزاعى والليث والشافعى ، واعتل من حرمها بأن الله ~~إنما أباح لنا ما كان طعاما لهم من ذبائحهم ، والشحم ليس بطعام لهم فدليله ~~أن ما ليس بطعام لهم فلا يحل لنا ، وأيضا فإنهم لا يقصدونه بالذكاة ، ~~والذكاة تحتاج إلى قصد ، بدليل أنها لا تصح من المجنون والمبرسم ، فجرت ~~مجرى الدم الذى فى الشاة . قال المهلب : والحجة لمن أجازها : أن الشحوم ~~محرمة عليهم PageV05P414 لا علينا ؛ لأن ذبائحهم حلال لنا ، فما وقع تحت ~~ذبائحهم مما هو فى شريعتنا مسكوت عنه بالتحريم فهو حلال بإطلاق الله لنا . ~~فإن قيل : لما لم تعمل ذكاتهم فى الدم شيئا لم يجب أن تعمل فى الشحوم . قيل ~~: الدم منصوص على تحريمه علينا ، وعلى كل أمة . والشحوم محرمة عليهم لا ~~علينا . ألا ترى قوله تعالى : { قل لا أجد فيما أوحى إلى محرما } الآية ، ~~وليس للشحوم فيها ذكر . قال ابن القصار : ومن حجة من لم يحرمها أن التذكية ~~لا تقع على بعض الشاة دون بعض ، ولما كانت الذكاة شائعة فى جميعها دخل ~~الشحم ms1809 فى التذكية ؛ لأنها إذا ذكيت ذبحت كلها ، ثم إذا فصل الشحم فهو ~~المحرم عليهم ، وكرهناه نحن بعد أن سبقت الذكاة فيه ، وحديث ابن مغفل فى ~~قصة جراب الشحم واضحة فى جوازه ؛ لأنه لو كان حراما لزجره عنه - صلى الله ~~عليه وسلم - ، وأعلمه تحريمه ؛ لأنه يلزمه فرض التبليغ ، وبيان ما أنزل ~~إليه من ربه ، إذ كان الأغلب أن يهود خيبر لا يذبح لهم مسلم ، ويحتمل أن ~~يكون ذلك الشحم الذى فى الجراب من الشحم الذى لم يحرم عليه ؛ إذ الآية حرمت ~~بعض الشحم دون بعض . وقوله : ( فنزوت لآخذه ) قال صاحب الأفعال : نزى نزوا ~~ونزا ونزوانا : وثب . ونزى على الشيء : ارتفع . وقد تقدم الاختلاف فى ذبائح ~~أهل الكتاب للأصنام فى باب : ( ماذبح على النصب والأصنام ) ويذكر ما لم ~~يذكر هناك . ذكر البخارى عن على : أنه أجاز ذبائح نصارى العرب إن لم تسمعه ~~يسمى لغير الله . PageV05P415 وذكر الطبرى عن على فى نصارى بنى تغلب خلاف ~~ما ذكره البخاري . روى عن عبيدة عن على أنه سأله عن ذبائح نصارى العرب فقال ~~: لا تأكل ذبائحهم ، فإنهم لم يتمسكوا من دينهم إلا بشرب الخمر ، وهو قول ~~ابن سيرين والنخعي . وقال مكحول : لا تأكلوا ذبائح بنى تغلب ، وكلوا ذبائح ~~تنوخ وبهذا [ . . . . ] فمن نهى عن أكل ذبائحهم ، فيجب على مذهبه أن ينهى ~~عن نكاح نسائهم . وقال آخرون : أكل ذبائحهم ونكاح نسائهم حلال ، روى ذلك عن ~~ابن عباس وقرأ : { ومن يتولهم منكم فإنه منهم } وعن الشعبى والحسن وعطاء ~~والحكم مثله . قال الطبرى : فإذا كان الاختلاف بين بنى تغلب موجودا بين ~~السلف ، وكانت تغلب تدين بالنصرانية ، ولا تدفع الأمة أن عمر أخذ منها ~~الجزية بين ظهرانى المهاجرين والأنصار من غير نكير ، وكان أخذه ذلك بمعنى ~~أنهم أهل كتاب ، لا بمعنى أنهم مجوس ، صح أنهم أهل كتاب ، وأن ذبائحهم ~~ونساءهم حلال للمسلمين . وأما ذبيحة الأقلف فروى عن ابن عباس أنها لا تؤكل ~~. قال ابن المنذر : واتفق عوام أهل الفتيا من أهل الأمصار على جوازها ؛ لأن ~~الله أباح ذبائح أهل الكتاب ، وفيهم ms1810 من لا يختتن ، فذبيحة المسلم الذى ليس ~~بمختون أولى بالإباحة . PageV05P416 فإن قيل : فما معنى قوله : { وطعامكم ~~حل لهم } وهم لا يؤمنون بالقرآن ؟ قال ابن قتيبة : فالذى عندى أن القصد ~~بالتحليل لنا ، وإن كان القول لهم كأنه قال : أحل لكم طعام أهل الكتاب أن ~~تأكلوه ، وأحل لكم أن تطعموهم طعامكم ، ولو لم يقل : { وطعامكم حل لهم } لم ~~نعلم إن كان يجوز لنا أن نطعم الكفار طعامنا . * * * # | 7 - باب ما ند من البهائم # فهو بمنزلة الوحش وأجازه ابن مسعود . وقال ابن عباس : ما أعجزك من ~~البهائم مما فى يديك فهو كالصيد ، وفى بعير تردى فى بئر من حيث قدرت عليه ~~فذكه ، ورأى ذلك على وابن عمر وعائشة . 2027 / فيه : رافع ، قلت : يا رسول ~~الله ، إنا ملاقو العدو غدا ، وليست معنا مدى ، فقال : ( اعجل - أو أرن - ~~ما أنهر الدم ، وذكر اسم الله فكل ، ليس السن والظفر ، وسأحدثك ، أما السن ~~فعظم ، وأما الظفر فمدى الحبشة ) ، وأصبنا نهب إبل وغنم ، فند منها بعير ~~فرماه رجل بسهم فحبسه ، فقال - صلى الله عليه وسلم - : ( إن لهذه البهائم ~~أوابد كأوابد الوحش ، فإذا غلبكم منها شيء ، فافعلوا به هكذا ) . اختلف ~~العلماء فى الإنسى الذى لا يحل إلا بالذكاة فى الحلق واللبة إذا توحش فلم ~~يقدر عليه ، أو وقع فى بئر فلم يوصل إلى حلقه ولبته ، فذهبت طائفة من ~~العلماء إلى أنه يقتل بما يقتل به الصيد ، PageV05P417 ويجوز أكله . روى ~~ذلك البخارى عن خمسة من الصحابة ، وقاله من التابعين عطاء وطاوس ، ومن ~~الفقهاء : الثورى ، وسائر الكوفيين ، والشافعى وأحمد وإسحاق و أبو ثور . ~~وقال ابن المسيب : لا يكون ذكاة كل إنسية إلا بالذبح والنحر ، وإن شردت ~~لاتحل بما يحل به الصيد . وهو قول ربيعة ومالك والليث . واحتج الكوفيون ~~بحديث رافع بن خديج ، وقالوا : موضع الدلالة من الحديث من وجهين : أحدهما : ~~أنه لو كان رمى فلم ينكر النبى عليه الرمى ؛ بل أقره عليه ، وإباحة مثل ذلك ~~الرمى بأن قال : ( اصنعوا به هكذا ) ومن خالفنا لا يجيز رميه . والدلالة ~~الثانية : قوله : ( إن لها ms1811 أوابد كأوابد الوحش ) ورسول الله لا يعلمنا ~~اللغة ، وإنما يعلمنا الحكم ، فعلم أنه أراد أنه يصير حكمه حكم الوحشى فى ~~الذكاة . قالوا : ومن جهة القياس أنه لما كان الوحشى إذا قدر عليه لم يحل ~~إلا بما يحل به الإنسى ؛ لأنه صار مقدورا عليه ، فكذلك ينبغى فى الإنسى إذا ~~توحش وامتنع أن يحل بما يحل به الوحشي . واحتج الآخرون فقالوا : لا تلزم ~~هذه الحجة ؛ لو كان المستأنس إذا استوحش كالوحشى فى الأصل ، لوجب أن يكون ~~حكمه حكم الوحشى فى الجزاء فيه إذا قتله المحرم ، وفى أنه لا يجوز فى ~~الضحايا والعقيقة ، ويجب أن يصير ملكا لمن أخذه ولا شيء على قاتله . قال ~~مالك : لو أن رجلا رماها فقتلها غرمها ، ولم يحل له أكلها ، ولو كانت ~~بمنزلة الصيد حلت له ، فلما أجمعنا على أن جميع أحكامه التى كانت عليه قبل ~~أن يتوحش لم تزل ولم تتغير ، وكانت كلها بخلاف الوحشى فى الأصل ، كذلك ~~الذكاة . وأما احتجاجهم بحديث رافع بن خديج فنقول : يجوز إذا ند ولم يقدر ~~عليه أن يرميه PageV05P418 ليحبسه ثم يلحقه فيذكيه ، وهذا معنى قوله - صلى ~~الله عليه وسلم - : ( فاصنعوا به هكذا ) أى : ارموه لتحبسوه ، ثم ذكوه ، ~~ولم يرد قتله كما يقتل الوحشى ، قاله ابن القصار ، وقد تقدم بعض هذا المعنى ~~فى أول كتاب الذبائح . وقوله : ( أعجل أو أرنى ما أنهر الدم ) وهكذا وقعت ~~هذه اللفظة فى رواية الفربرى بالألف والراء والنون والياء بعدها . ولم أجد ~~لها معنى يستقيم به الكلام ، وأظنها مصحفة والله أعلم . وقال الخطابى : هذا ~~حرف طالما استثبت فيه الرواة ، وسألت عنه أهل العلم باللغة فلم أجد عند ~~واحد منهم شيئا يقطع بصحته ، وقد طلبت له مخرجا فرأيته يتجه لوجوه : أحدها ~~: أن يكون ماخوذا من قولهم : أران القوم فهم مرينون ، إذا هلكت مواشيهم ، ~~فيكون معناه : أهلكها ذبحا وأزهق أنفسها بكل ما أنهر الدم غير السن والظفر ~~، هذا إذا رويته بكسر الراء على رواية أبى داود السجستاني . والوجه الثانى ~~: أن يقال : أرأن القوم مهموز على وزن أعرن من أرن ms1812 يأرن أرنا إذا نشط وخف ، ~~يقول : خف وأعجل لئلا يقتلها خنقا ، وذلك أن غير الحديد لا يمور فى الذكاة ~~موره ، والأرن الخفة والنشاط ، يقال فى مثل سمن فأرن أى : بطر . والوجه ~~الثالث : أن يكون أرن بمعنى : أدم الحز ولا تفتر من PageV05P419 قولك : ~~رنوت النظر إلى الشيء إذا أدمته أو يكون أراد : أدم النظر إليه وراعه ببصرك ~~لا تزول عن المذبح . قال الخطابى : وأقرب من هذا كله : أن يكون أرز بالزاى ~~من قولك : أرز الرجل أصبعه إذا أناخها فى الشيء ، وأرزت الجرادة إرزازا ، ~~إذا أدخلت ذنبها فى الأرض لكى تبيض . وارتز السهم فى الجدار إذا ثبت ، هذا ~~إن ساعدته رواية والله أعلم بالصواب . قال الخطابى : حدثنا به ابن داسة عن ~~أبى داود قال : أرن مكسورة الراء على وزن عرن ، ورواه البخارى ساكنة الراء ~~على وزن عرن ، هكذا حدثنى الخيام عن إبراهيم بن مغفل عنه . قال المؤلف : ~~فعرضت قول الخطابى على بعض أئمة اللغة والنقد فى كلام العرب فقال لى : أما ~~الوجه الأول الذى قال : هو مأخوذ من قولهم : أرن القوم فهم مرينون . فلا ~~وجه له ؛ لأن أران لا يتعدى إلى مفعول لا تقول أران الرجل غنمه ولا أرن ~~غنمك . وقوله فى الوجه الثانى : أرأن على وزن أعرن خطأ ؛ لاجتماع همزتين فى ~~كلمة إحداهما ساكنة ، وإنما تقول فى الأمر من هذه اللفظة ائرن ، بياء بعد ~~همزة الوصل بدلا من الهمزة التى هى فاء الفعل ؛ لأن المستقبل منها يأرن ، ~~والأمر إنما يكون فى الفعل المستقبل . قال المؤلف : وهذا الوجه أولى ~~بالصواب والله أعلم فكأنه قال - صلى الله عليه وسلم - : أعجل وانشط فى ~~الذبح ؛ لأن السنة فيه سرعة الإجهاز على المذبوح بخلاف فعل الجاهلية فى ~~تعذيب الحيوان ، ويمكن أن يكون ( أو ) جاءت لشك المحدث فى أى اللفظين قال - ~~عليه PageV05P420 السلام - لتقاربهما فى المعنى أو تكون ( أو ) جاءت بمعنى ~~الواو للتأكيد والله أعلم . وقول الخطابى : وأقرب من هذا كله : أن يكون أرز ~~بالزاء ، فلا وجه له ؛ لعدم الرواية به . * * * # | 8 - باب النحر والذبح # وقال ابن ms1813 جريج ، عن عطاء : لا ذبح ولا منحر ، إلا فى المذبح والمنحر ، ~~قلت : أيجزى ما يذبح أن أنحره ؟ قال : نعم ، ذكر الله ذبح البقرة ، فإن ~~ذبحت شيئا ينحر جاز ، والنحر أحب إلى ، والذبح قطع الأوداج ، قلت : فيخلف ~~الأوداج حتى يقطع النخاع ؟ قال : لا إخال . ونهى ابن عمر عن النخع ، يقول : ~~يقطع ما دون العظم ، ثم يدع حتى الموت ، { وإذ قال موسى لقومه إن الله ~~يأمركم أن تذبحوا بقرة } [ البقرة : 54 ] وقال : { فذبحوها وما كادوا ~~يفعلون } [ البقرة : 71 ] وقال ابن عباس : الذكاة فى الحلق واللبة ، وقال ~~ابن عمر وابن عباس وأنس : إذا قطع الرأس فلا بأس . 2028 / فيه : أسماء ، ~~نحرنا على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فرسا ، فأكلناه . هكذا ~~رواه جماعة عن هشام بن عروة ، عن فاطمة بنت المنذر ، عن أسماء : ( ذبحنا ~~على عهد رسول الله فرسا ونحن بالمدينة فأكلناه ) ذكره البخارى . قال المؤلف ~~: غرضه فى هذا الباب أن يبين أن ما يجوز فيه النحر يجوز ذبحه ، وما يجوز ~~فيه الذبح يجوز نحره ، فأما البقر فالأئمة مجمعون على جواز النحر والذبح ~~فيها ، قال تعالى : { إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة } وروت عمرة عن عائشة ~~أنها قالت : ( دخل علينا يوم النحر بلحم ، فقيل : نحر رسول الله عن أزواجه ~~البقرة ) فجاز PageV05P421 فيها الوجهان : وأراد البخارى أن يريك أن الفرس ~~مما يجوز فيه النحر والذبح ، لما جاء فيه من اختلاف الرواية ، وسأذكر ~~اختلاف العلماء فى أكله فى باب بعد هذا إن شاء الله . واختلفوا فى ذبح ما ~~ينحر من الإبل ونحر ما يذبح من الغنم ، فأجاز أكثر الفقهاء أى ذلك فعل ~~المذكي . قال ابن المنذر : روى ذلك عن عطاء ، والزهرى ، وقتادة . وقال أبو ~~حنيفة والثورى والليث والشافعى نحو ذلك ويكرهونه ، ولم يكرهه أحمد وإسحاق ~~وأبو ثور ، وهو قول عبد العزيز بن أبى سلمة فى ذبح الإبل أو نحر ما يذبح من ~~طير أو غيره من غير ضرورة . وقال أشهب : إن ذبح بعيرا من غير ضرورة لم يؤكل ~~، واعتل أصحابه بأن النبى - صلى الله ms1814 عليه وسلم - بين وجه الذكاة فنحر ~~الإبل وذبح الغنم والطير ، ولا يجوز تحويل شيء من ذلك عن موضعه مع القدرة ~~عليه إلا بحجة واضحة . وقال ابن المنذر : لا أعلم أحدا حرم أكل ما نحر مما ~~يذبح ، أو ذبح ما ينحر ، وإنما كره ذلك مالك ولم يحرمه ، وقد يكره المرء ~~الشيء ولا يحرمه ، وحجة الجمهور أنه لما جاز فى البقر والخيل الذبح والنحر ~~، جاز ذلك فى كل ما تجوز تذكيته ؛ ألا ترى قول ابن عباس : ( الذكاة جائزة ~~فى الحلق واللبة ) ولم يخص شيئا من ذلك دون شيء فهو عام فى كل ذى حلق وكل ~~ذى لبة ، والناس على هذا ولم يخالف ذلك غير مالك وحده . وأما قول ابن عباس ~~: إن الذكاة فى الحلق واللبة . فمعناه : أن الذكاة لا تكون إلا فى هذين ~~الموضعين . PageV05P422 وقال صاحب العين : اللبة واللب من الصدر : أوسطه ، ~~ولبة القلادة واسطتها . واختلف العلماء فيما يكون بقطعه من الحلقوم الذكاة ~~. فقال بعض الكوفيين : إذا قطع ثلاثة من الأوداج جاز . والأوداج أربعة وهى ~~: الحلقوم والمريء وعرقان من كل جانب عرق . وقال الثورى : إذا قطع الأوداج ~~جاز وإن لم يقطع الحلقوم وحكى ابن المنذر عن محمد بن الحسن : إذا قطع ~~الحلقوم والمريء وأكثر من نصف الأوداج ثم يدعها تموت فلا بأس بأكلها وأكره ~~ذلك ، فإن قطع أقل من نصف الأوداج فلا خير فيها . وقال مالك والليث : يحتاج ~~أن يقطع الودجين والحلقوم ، وإن ترك شيئا منها لم يجز . ولم يذكر المريء . ~~وقال الشافعى : أقل ما يجزىء من الذكاة قطع الحلقوم والمريء ، وينبغى أن ~~يقطع الودجين ، فإن لم يفعل فيجزىء ؛ لأنهما يسلان من البهيمة والإنسان ~~ويعيشان . وقال ابن جريح : قال عطاء : الذبح : قطع الأوداج . قلت : فإن ذبح ~~ذابح فلم يقطع أوداجها ؟ فقال : ما أراه إلا قد ذكاها ، فليأكلها . وروى ~~يحيى عن ابن القاسم فى الدجاجة والعصفور والحمام ، إذا أجيز على أوداجه ~~ونصف حلقه أو ثلثه فلا بأس بذلك إلا أن يتعمد . وفى العتبية : فى سماع أبى ~~زيد عن ابن القاسم عن مالك فيمن ms1815 ذبح ذبيحة فأخطأ بالغلصمة أن تكون فى الرأس ~~أنها لا تؤكل ، وقاله أشهب وأضبغ وسحنون ومحمد بن عبد الحكم . PageV05P423 ~~قال ابن حبيب : إنما لم يؤكل ؛ لأن الحلقوم إنما هو من العقدة إلى ما تحتها ~~، وليس فوق العقدة إلى الرأس حلقوم ، وإنما العقدة طرف الحلقوم ، فمن جهل ~~فذبح فوق العقدة لم يقطع الحلقوم ، إنما قطع الجلدة المتعلقة بالرأس ، ~~فلذلك لم يؤكل . وأجاز أكلها ابن وهب فى العتبية ، وأجازه أشهب وأبو مصعب ~~وموسى بن معاوية من رواية ابن وضاح . وذكر ابن أبى زيد ، عن أبى لبابة ، عن ~~محمد بن عبد الحكم أنها تؤكل . قال ابن لبابة على قياس قول القاسم : إذا ~~جازت فى البدن وبقى فى الرأس منها مقدار حلقة الخاتم أنها تؤكل إلا أن يبقى ~~فى الرأس منها ما لا يستدير فلا تؤكل . وحكى ابن المنذر عن أبى حنيفة أنه ~~لا بأس بالذبح فى الحلق كله ، أسفله وأوسطه وأعلاه . وقال ابن وضاح : سألت ~~موسى بن معاوية عن هذه المسألة ، فغضب وقال : هذه من مسائل المريسى وابن ~~علية يخلطون على الناس دينهم . قد علم رسول الله أصحابه كل شيء حتى الخراءة ~~أفكان يدعهم لا يعرفهم الذبح ؟ قال موسى : لقد كتبت بالعراق نحوا من مائة ~~ألف حديث ، وبمكة كذا وكذا ألف وبمصر نحوا من أربعين ألف حديث ما سمعت ~~لرسول الله ولا لأصحابه ولا للتابعين فيها شيئا ، وكان يحيى بن يحيى ~~وأصحابه يقولون : ما نعرف العقدة ، ما فرى الأوداج فكل . قال ابن وضاح : ثم ~~بلغنى عن أبى زيد بن أبى الغمر أنه روى عن ابن القاسم ، عن مالك كراهتها ، ~~فلما قدمت مصر سألته عنها ، PageV05P424 فأنكرها وقال : ما أعرف هذا . قلت ~~له : فما تقول فى أكلها ؟ قال : لا بأس بذلك . قال ابن وضاح : ولم تعرف ~~العقدة فى أيام مالك ، ولا أيام ابن القاسم ، وإنما أول ما سمعوا بها أن ~~عبد الله بن عبد الحكم ذبح شاة فطرحت العقدة إلى الجسد ، فأمر بها أن تلقى ~~، فبلغ ذلك أشهب فأنكره ، وأجاز أكلها . وسئل عنها أبو مصعب ms1816 بالمدينة ، ~~وذلك أن أهل المدينة يطرحون العقدة فى ذبائحهم إلى الجسد بمعنى الجلود ، ~~فأجاز ذلك ، فقيل له : إذا طرحها إلى الجسد لم يذبح فى الحلق إنما يذبح فى ~~الرأس ، فانتهره الشيخ ، وقال : مغاربة برابر يأتوننا يريدون أن يعملونا ! ~~هذه دار السنة والهجرة ، وبها كان المهاجرون والأنصار ، فكانوا لا يعرفون ~~الذبح ؟ ولم يذكروا عقدة ولم يعبئوا بها ! . قال ابن وضاح : ثم سألت بمكة ~~يعقوب بن حميد بن كاسب ولم أر بالحجاز أعلم بقول المدنيين منه فقال : لا ~~بأس بها ، فرددت عليه ، فنزع بحديث عائشة : ( أن ناسا سألوا النبى - صلى ~~الله عليه وسلم - أن ناسا يأتوننا بلحمان لا ندرى أسموا الله عليها أم لا ، ~~فقال رسول الله : سموا وكلوا ) فقال ابن كاسب : فهلا قال لهم رسول الله : ~~انظروا إن كانوا يصيبون العقدة إن كان الذبح إنما هو فيها ، ونزع بحديث ~~عطاء بن يسار : أن امرأة كانت ترعىغنما فرأت بشاة موتها ، فذكتها بشظاظ ، ~~فقال النبى - صلى الله عليه وسلم - - ( ليس بها بأس فكلوها ) فهلا قال لهم ~~- صلى الله عليه وسلم - : انظروا أين طرحت العقدة ، أو هل كانت هذه تعرف ~~العقدة . قال ابن وضاح : ما فرى الأوداج ، وقطع الحلقوم فكل . PageV05P425 ~~وأما قوله : فنهى ابن عمر عن النخع ، فقال أبو عبيدة : الفرس هو النخع ، ~~يقال منه : فرست الشاة ونخعتها وذلك أن ينتهى الذبح إلى النخاع ، وهو عظم ~~فى الرقبة . قال أبو عبيد : أما النخع فكما قال أبو عبيدة ، وأما الفرس فقد ~~خولف فيه فقيل : هو كسر رقبة الذبيحة . وممن كره نخع الشاة إذا ذبحت سوى ~~ابن عمر : عمر بن الخطاب وقال : لا تعجلوا الأنفس حتى تزهق . وكرهه إسحاق . ~~وكرهت ذلك طائفة ، وأباحت أكله ، هذا قول النخعى والزهرى ومالك وأبى حنيفة ~~والشافعى وأحمد وأبى ثور . وقال ابن المنذر : ولا حجة لمن منع أكلها ؛ لأن ~~القياس أنها حلال بعد الذكاة ، والنخع لا يحرم الذكي . أما إذا قطع الرأس ~~فأكثر العلماء على إجازته ، وممن روى عنه سوى من ذكره البخارى : على بن أبى ~~طالب وعمران بن حصين : ومن ms1817 التابعين : عطاء والنخعى والشعبى والحسن والزهرى ~~، وبه قال مالك والكوفيون والشافعى وأحمد وإسحاق وأبو ثور ، وكرهها ابن ~~سيرين ونافع والقاسم وسالم ويحيى بن سعيد وربيعة ، والصواب : قول من أجازها ~~. وقد قال فيها على بن أبى طالب : هى ذكاة وحية . إلا أنهم اختلفوا إن قطع ~~رأسها من قفاها ، فأجازه الكوفيون والشافعى وإسحاق وأبو ثور ، وكره ذلك ابن ~~المسيب وقال : لابد فى الذبح من المذبح . وهو قول مالك وأحمد بن حنبل ، ~~وقالوا : فاعل هذا PageV05P426 فاعل غير ما أمر به ، فإذا ذبحها من مذبحها ~~فسبقت يده فأبان الرأس فلا شىء عليه . # | 9 - باب : ما يكره من المثلة والمصبورة والمجثمة # 2029 / فيه : أنس أنه رأى صبيانا قد نصبوا دجاجة يرمونها ، فقال أنس : ~~نهى النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، أن تصبر البهائم . 2030 / وفيه : ابن ~~عمر ، أنه دخل على يحيى بن سعيد ، وغلام من بنى يحيى رابط دجاجة يرميها ، ~~فمشى بها ابن عمر حتى حلها ، ثم أقبل بها وبالغلام معه ، فقال : ازجروا ~~غلامكم عن أن يصبر هذا الطير للقتل ، فإنى سمعت النبى ؛ - صلى الله عليه ~~وسلم - ، نهى أن تصبر بهيمة ، أو غيرها للقتل ، وإن النبى لعن من فعل هذا . ~~2031 / - وقال مرة : لعن النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، من مثل بالحيوان ~~. وعن ابن عباس ، مثله . 2032 / وقال ابن عمر أيضا : إن النبى ، - صلى الله ~~عليه وسلم - ، نهى عن النهبة والمثلة . قال أبو عبيد : قال أبو زيد وابن ~~عمرو وغيرهما فى نهيه - صلى الله عليه وسلم - أن تصبر البهائم : هو الطائر ~~وغيره من ذوات الروح ، يصبر حيا ثم يرمى حتى يقتل وأصل الصبر : الحبس ، وكل ~~من حبس شيئا فقد صبره . ومنه قيل للرجل يقدم فيضرب عنقه : قتل صبرا . عنى : ~~أمسك للموت . قال أبو عبيد : فأما المجثمة فهى المصبورة أيضا ، ولكنها لا ~~تكون إلا فى الطير والأرانب وأشباه ذلك مما يجثم بالأرض . PageV05P427 قال ~~ابن المنذر : وقال أحمد وإسحاق : لا تؤكل المصبورة والمجثمة . قال غيره : ~~ولا أعلم أحدا من العلماء أجاز أكل المصبورة وكلهم يحرمها ؛ لأنه لا ذكاة ms1818 ~~فى المقدور عليه إلا فى الحلق واللبة . قال المهلب : وهذا إنما هو نهى عن ~~العبث فى الحيوان وتعذيبه من غير مشروع . وأما تجثيمها للنحر وما شاكله فلا ~~بأس به ، وإنما يكره العبث لحديث شداد بن أوس أن النبى - صلى الله عليه ~~وسلم - قال : ( إن الله كتب الإحسان على كل شيء ؛ فإذا قتلتم فأحسنوا ~~القتلة ، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبح ، وليحد أحدكم شفرته ، وليرح ذبيحته ) ~~وكره أبو هريرة أن تحد الشفرة والشاة تنظر إليها ، وروى أن النبى - صلى ~~الله عليه وسلم - رأى رجلا أضجع شاة ، فوضع رجله على عنقها ، وهو يحد شفرته ~~فقال له - صلى الله عليه وسلم - : ( ويلك ، أردت أن تميتها موتات ؟ هلا ~~أحددت شفرتك قبل أن تضجعها ) وكان عمر بن الخطاب ينهى أن تذبح الشاة عند ~~الشاة ، وكرهه ربيعة أيضا ، ورخص فيه مالك . وقال الطبرى : فى نهيه - صلى ~~الله عليه وسلم - عن صبر البهائم الإبانة عن تحريم قتل ما كان حلالا أكله ~~من الحيوان إذا كان إلى تذكيته سبيل ، وذلك أن رامى الدجاجة بالنبل ومتخذها ~~غرضا قد تخطىء رميته موضع الذكاة فيقتلها ، فيحرم أكلها ، وقاتله كذلك غير ~~ذابحه ولا ناحره ، وذلك حرام عند جميع الأمة ، ومتخذه غرضا مقدم على معصية ~~ربه من وجوه : منها : تعذيبه ما قد نهى عن تعذيبه ، وتمثيله ما قد نهى عن ~~التمثيل به ، وإماتته بما قد يحظر عليه إصابته به ، وإفساده من ماله ما كان ~~له إلى إصلاحه والانتفاع به سبيل بالتذكية ، وذلك من تضييع المال المنهى ~~عنه . وقال ابن عمر : من اتخذ شيئا ممن فيه الروح غرضا لم يخرج من ~~PageV05P428 الدنيا حتى تصيبه قارعة . وقال عبد الله بن عمر وقد أبصر قوما ~~يفعلون ذلك بطائر : أما إنهم سيقادون لها . وذكر الطبرى عن قتادة ، وعن ~~عكرمة ، عن ابن عباس : أن النبى نهى عن المجثمة . قال : المجثمة التى ~~التصقت بالأرض ، وحبست على القتل والرمى ، فإذا جثمت من غير أن يفعل ذلك ~~بها فهى جاثمة . وفى كتاب الأفعال : قال : جثم على ركبتيه جثوما . ومنه ~~قوله تعالى : { فأصبحوا فى ms1819 ديارهم جاثمين } . قال الطبرى : ويحتمل قوله - ~~صلى الله عليه وسلم - عن المجثمة معنين : أحدهما : أن يكون نهيا عن رميها ~~بعد تجثيمها فيكون المعنى فيها النهى عن تعذيبها بالرمى والضرب . والثانى : ~~أن يكون معنى النهى عنها عن أكل لحمها إذا هى ماتت بالضرب والرمى ؛ لأنها ~~إذا ماتت كذلك بعد أن تجثم ، فهى ميتة ؛ لأنها لا تجثم إلا بعد أن تصاد ، ~~ولو كانت هى الجاثمة من قبل نفسها ، ولم يقدر على صيدها إلا بالرمى ، ~~فرماها ببعض ما يخرجها ليحبسها ، فماتت من رميه كانت حلالا ؛ لأنها حينئذ ~~جاثمة لا مجثمة ، وهى صيد صيد بما يصاد به الوحش . ونهيه - صلى الله عليه ~~وسلم - عن المجثمة نظير نهيه عن المصبورة ، غير أن التجثيم عند العرب هو فى ~~الممتنعات من الوحش والطير الذى ينبذ بالأرض ويجثم بها ، وأن الصيد المصبر ~~يكون فى ذلك وغيره ، فإن وجه موجه معنى نهيه - صلى الله عليه وسلم - عن ~~المجثمة بالمعنى الأول ؛ كان ذلك نظير نهيه - صلى الله عليه وسلم - عن صبر ~~البهائم ، وذلك نهى عن تعذيبها ، وإن وجهه إلى المعنى الثانى ، وهو النهى ~~عن أكل لحمها إذا ماتت من الرمى ؛ كان ذلك نظير نهيه تعالى عن المنخنقة ~~والموقوذة والمتردية ، PageV05P429 وتحريمه أكلها إذا ماتت من ذلك ، وإن ~~جثمت فرست ولم تمت فذبحها مجثمها كان حلالا أكلها بالتذكية . * * * # | 10 - باب : الدجاج # 2033 / فيه : أبو موسى رأيت النبى ؛ - صلى الله عليه وسلم - ، يأكل دجاجة ~~. 2034 / - وقال زهدم الجرمى : كنا عند أبى موسى ، وكان بيننا وبين هذا ~~الحى من جرم إخاء ، فأتى بطعام فيه لحم دجاج ، وفى القوم رجل جالس أحمر ، ~~لم يدن من طعامه ، فقال : ادن ، فقد رأيت النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، ~~يأكل منه . قال : إنى رأيته أكل شيئا فقذرته . . . . فذكر الحديث . قال ~~الطبرى : كان ابن عمر لا يأكل الدجاجة حتى يقصرها أياما ؛ لأنها تأكل ~~العذرة . قال غيره : وكان يتأول أنها من الجلالة التى نهى النبى - صلى الله ~~عليه وسلم - عن أكلها . روى سعيد بن أبى عروبة ، عن قتادة ، عن عكرمة ، عن ms1820 ~~ابن عباس ( أن النبى - صلى الله عليه وسلم - نهى عن الإبل الجلالة ) وكان ~~ابن عمر إذا أراد أن يأكل بيض الدجاجة قصرها ثلاثة أيام . وكره الكوفيون ~~لحوم الإبل الجلالة حتى تحبس أياما . وقال الشافعى : أكرهه إذا لم تكن ~~أكلته غير العذرة ، أو كانت أكثر أكله ، وإذا كان أكثر علفها غيره لم أكرهه ~~. وقال مالك والليث : لا بأس بلحوم الجلالة كالدجاج ، وما يأكل . ~~PageV05P430 قال أبو حنيفة : الدجاجة تخلط ، والدجاجة لا تأكل إلا العذرة ~~وهى التى تكره . فالعلماء مجمعون على جواز أكل الجلالة . وقد سئل سحنون عن ~~خروف أرضعته خنزيرة ؟ فقال : لا بأس بأكله . قال الطبرى : والعلماء مجمعون ~~على أن حملا أو جديا غذى بلبن كلبة أو خنزيرة أنه غير حرام أكله ، ولا خلاف ~~أن ألبان الخنازير نجسة ، كالعذرة . قال غيره : والمعنى فيه أن لبن ~~الخنزيرة لا يدرك فى الخروف إذا ذبح بذوق ولا شم ولا رائحة ، فقد نقله الله ~~وأحاله كما يحيل الغذاء ، فإنما حرم الله أعيان النجاسات المدركات بالحواس ~~، فالدجاجة والإبل الجلالة وما شاكلها لا يوجد فيها أعيان العذرات ، وليس ~~ذلك بأكثر من النبات الذى ينبت فى العذرة ، وهو طاهر حلال بإجماع ، ولا ~~يخلو الزرع من ذلك . وإنما النهى عن الجلالة من جهة التقذر والتنزه لئلا ~~يكون الشأن فى علف الحيوان النجاسات ، والنهى عن الجلالة ليس بقوى الإسناد ~~. * * * # | 11 - باب : لحوم الخيل # 2035 / فيه : أسماء ، قالت : نحرنا فرسا على عهد النبى - صلى الله عليه ~~وسلم - فأكلناه . 2036 / وفيه : جابر ، نهى النبى - صلى الله عليه وسلم - ، ~~يوم خيبر عن لحوم الحمر ، ورخص فى لحوم الخيل . اختلف العلماء فى أكل لحوم ~~الخيل ، فكرهه مالك وأبو حنيفة والأوزاعي . وقال أبو يوسف ومحمد والشافعى : ~~حلال أكلها . PageV05P431 واحتج من كره أكلها بما رواه ثور بن يزيد عن صالح ~~بن يحيى بن المقدام ، عن أبيه ، عن جده ، عن خالد بن الوليد ( أن رسول الله ~~نهى عن لحوم الخيل والبغال والحمير ) . قالوا : ومن جهة النظر أنه لو كانت ~~الخيل تؤكل لوجب أن يؤكل أولادها ، فلما اتفقنا على ms1821 أن الأم إذا كانت من ~~الخيل والأب حمار لم يؤكل ما تولد منهما ، علمنا أن الخيل لا تؤكل ؛ ألا ~~ترى أن ولد البقرة يتبع أمه فى جواز الأضحية به ، وإن كان أبوه وحشيا فلو ~~كانت الخيل تؤكل تبع الولد أمه فى ذلك . واحتج الذين أجازوا أكلها بتواتر ~~الأخبار فى ذلك ، وأن أحاديث الإباحة أصح من أحاديث النهي . قالوا : ولو ~~كان ذلك مأخوذا من طريق النظر لما كان بين الخيل الأهلية والحمر الأهلية ~~فرق ، ولكن الآثار عن النبى إذا صحت أولى أن يقال بها من النظر ، لا سيما ~~وقد أخبر جابر فى حديثه أن النبى - صلى الله عليه وسلم - أباح لهم لحوم ~~الخيل فى وقت منعه إياهم لحوم الحمر ، فدل ذلك على اختلاف حكم لحومها قاله ~~الطحاوى . * * * # | 12 - باب لحوم الحمر الإنسية فيه سلمة ، عن النبى ، - صلى الله عليه ~~وسلم - # 2037 / فيه : ابن عمر نهى النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، عن لحوم ~~الحمر الأهلية يوم خيبر . PageV05P432 2038 / وفيه : على ، نهى النبى - صلى ~~الله عليه وسلم - عن المتعة عام خيبر ، وعن لحوم الحمر الإنسية . 2039 / ~~وفيه : جابر ، نهى النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، يوم خيبر عن لحوم ~~الحمر ، ورخص فى لحوم الخيل . 2040 / وفيه : البراء ، وابن أبى أوفى نهى ~~النبى - صلى الله عليه وسلم - عن لحوم الحمر . 2041 / وفيه : أبو ثعلبة ، ~~قال : حرم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لحوم الحمر الأهلية . رواه ~~صالح والزبيدى وعقيل ، عن ابن شهاب . وقال مالك ومعمر والماجشون ويونس وابن ~~إسحاق ، عن الزهرى : نهى النبى - صلى الله عليه وسلم - عن كل ذى ناب من ~~السباع . 2042 / وفيه : أنس ، أن النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، جاءه ~~جاء ، فقال : أكلت الحمر ، ثم جاءه جاء ، فقال : أفنيت الحمر ، فأمر مناديا ~~، فنادى فى الناس : ( إن الله ورسوله ينهيانكم عن لحوم الحمر الأهلية ، ~~فإنها رجس ) ، فأكفئت القدور ، وإنها لتفور باللحم . 2043 / وفيه : عمرو ، ~~قلت لجابر بن زيد يزعمون أن النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، نهى عن لحم ~~الحمر الأهلية . فقال : قد كان ms1822 يقول ذاك الحكم بن عمرو الغفارى عندنا ~~بالبصرة ، ولكن أبى ذاك البحر ابن عباس ، وقرأ : { قل لا أجد فيما أوحى إلى ~~محرما } الآية [ الأنعام : 145 ] . قال المؤلف : فقهاء الأمصار مجمعون على ~~تحريم الحمر ، وروى PageV05P433 خلاف ذلك عن ابن عباس فأباح أكلها ، وروى ~~مثله عن عائشة ، والشعبي . وقد روى عنهم خلافه . قال الطحاوى ، وقد افترق ~~الذين أباحوا أكل الحمر على مذاهب فى معنى نهيه - صلى الله عليه وسلم - عن ~~أكلها ، فقال قوم : إنما نهى رسول الله عنها إبقاء على الظهر ليس على وجه ~~التحريم . ورووا فى ذلك حديث يحيى بن سعيد ، عن الأعمش قال : حدثت عن عبد ~~الرحمن بن أبى ليلى قال : قال ابن عباس : ( ما نهى رسول الله يوم خيبر عن ~~أكل لحوم الحمر الأهلية إلا من أجل أنها ظهر ) وابن جريح ، عن نافع ، عن ~~ابن عمر قال : ( نهى رسول الله عن أكل الحمار الأهلى يوم خيبر ، وكانوا قد ~~احتاجوا إليها ) . قال الطحاوى : فكان من الحجة عليهم أن جابرا قد أخبر أن ~~النبى أطعمهم يومئذ لحوم الخيل ، ونهاهم عن لحوم الحمر ، فهم كانوا إلى ~~الخيل أحوج منهم إلى الحمر . فدل تركه منعهم أكل لحوم الخيل أنهم كانوا فى ~~بقية من الظهر ، ولو كانوا فى قلة منه حتى احتيج لذلك أن يمنعوا من أكل ~~لحوم الحمر لكانوا إلى المنع من أكل لحوم الخيل أحوج ؛ لأنهم يحملون على ~~الخيل كما يحملون على الحمر ، ويركبون الخيل بعد ذلك لمعان لا يركبون لها ~~الحمر ، فدل أن العلة التى ذكروها ليست هى علة منعها . وقال آخرون : إنما ~~منعوا منها لأنها كانت تأكل العذرة ، ورووا فى ذلك حديث شعبة عن الشيبانى ~~قال : ( ذكرت لسعيد بن جبير حديث ابن أبى أوفى وأمر النبى - صلى الله عليه ~~وسلم - بإكفاء القدور يوم PageV05P434 خيبر ، فقال : إنما نهى عنها ، لأنها ~~كانت تأكل العذرة ) فكان من الحجة عليهم فى ذلك أنه لو لم يكن جاء فى هذا ~~إلا الأمر بإكفاء القدور لاحتمل ما قالوا ، ولكن قد جاء هذا وجاء النهى فى ~~ذلك ms1823 مطلقا ؛ حدثنا على بن معبد حدثنا شبابة بن سوار ، حدثنا أبو زيد عبد ~~الله بن العلاء ، حدثنا مسلم بن مشكم كاتب أبى الدرداء قال : سمعت أبا ~~ثعلبة الخشنى يقول : ( أتيت النبى - صلى الله عليه وسلم - فقلت : يا رسول ~~الله ، حدثنى ما يحل لى مما يحرم علي فقال : لا تأكل الحمار الأهلى ، ولا ~~كل ذى ناب من السباع ) فكان كلام الرسول فى هذا الحديث جوابا لسؤال أبى ~~ثعلبة إياه عما يحل له مما يحرم عليه ، فدل ذلك أن نهيه - صلى الله عليه ~~وسلم - عنها لا لعلة تكون فى بعضها دون بعض من أكل العذرة وشبهها ولكن لها ~~فى أنفسها . وقال قوم : إنما نهى عنها رسول الله ؛ لأنها كانت نهبة ، ~~واحتجوا بما روى يحيى بن أبى كثير عن النحاز الحنفى ، عن سنان بن سلمة ، عن ~~أبيه ( أن النبى - - صلى الله عليه وسلم - - مر يوم خيبر بقدور فيها الحمر ~~حمر الناس فأمر بها فأكفئت ، فكان من الحجة عليهم فى ذلك أن قوله : ( حمر ~~الناس ) يحتمل أن تكون نهبوها من الناس ، ويحتمل أن تكون نسبتها إلى الناس ~~؛ لأنهم يركبوها فيكون وقع النهى عنها ؛ لأنها أهلية لا لغير ذلك . وقد بين ~~أنس فى حديثه أن النبى - صلى الله عليه وسلم - قال لهم : ( أكفئوها ، لأنها ~~رجس ) فدل أن النهى وقع عنها لأنها رجس لا لأنها نهبة . PageV05P435 وروى ~~سلمة بن الأكوع أن النبى - صلى الله عليه وسلم - قال لهم : ( أكفئوا القدور ~~واكسروها . قالوا : يا رسول الله أو نغسلها قال : ( أو ذاك ) فدل ذلك على ~~أن النهى كان لنجاسة لحومها ، لا لأنها نهبة ؛ ألا ترى لو أن رجلا غصب شاة ~~فذبحها وطبخ لحمها أن قدره التى طبخ فيها لا تنجس وأن حكمها حكم ما طبخ فيه ~~لحم غير مغصوب ، فدل أمره بغسلها على نجاسة ما طبخ فيها ، وعلى أن الأمر ~~بطرح ما كان فيها لنجاسته ، وكذلك من غصب شاة فذبحها وطبخها أنه لا يؤمر ~~بطرح لحمها فى قول أحد من الناس ، فلما انتفى أن يكون نهيه - صلى الله ms1824 عليه ~~وسلم - عن أكل لحوم الحمر بمعنى من هذه المعانى التى ادعاها الذين أباحوا ~~لحمها ، ثبت أن نهيه كان عنها فى أنفسها . فإن قيل : فقد رويتم عن ابن عباس ~~ما احتج به من قوله تعالى : { قل لا أجد فيما أوحى إلى محرما } الآية . قيل ~~له : ما قاله رسول الله أولى مما قاله ابن عباس ، وما قاله رسول الله هو ~~مستثنى من الآية ، وعلى هذا ينبغى أن يحمل ما جاء عن رسول الله مجيئا ~~متواترا فى الشيء المقصود إليه بعينه مما قد أنزل الله فى كتابه آية مطلقة ~~على ذلك الجنس ، فيكون ما جاء عنه - صلى الله عليه وسلم - مستثنى من تلك ~~الآية غير مخالف لها ، حتى لا يضاد االقرآن السنة ، ولا السنة القرآن . قال ~~غيره : وأما حديث أبى ثعلبة فلا يصح فيه تحريم الحمر ، إنما يصح فيه ما ~~رواه مالك عن ابن شهاب أن النبى - صلى الله عليه وسلم - نهى عن أكل كل ذى ~~ناب من السباع ، ومن ذكر فيه بهذا الإسناد الحمر PageV05P436 فقد وهم ؛ لأن ~~مالكا ومعمرا وابن الماجشون ، ويونس ابن يزيد أثبت فى ابن شهاب من صالح بن ~~كيسان والزبيدى وعقيل . * * * # | 13 - باب : أكل كل ذى ناب من السباع # 2044 / فيه : أبو ثعلبة ، أن النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، نهى عن ~~أكل كل ذى ناب من السباع . اختلف العلماء فى تأويل هذا الحديث ، فذهب ~~الكوفيون والشافعى إلى أن النهى فيه على التحريم ، ولا يؤكل ذو الناب من ~~السباع ولا ذو المخلب من الطير ، ولا تعمل الذكاة عند الشافعى فى جلود ~~السباع شيئا ، ولا يجوز الانتفاع بها إلا أن تدبغ . وذكر ابن القصار أن ~~الذكاة عاملة فى جلودها عند مالك وأبى حنيفة ، فإن ذكى سبع فجلده طاهر ، ~~يجوز أن يتوضأ فيه ، ويجوز بيعه وإن لم يدبغ ، والكلب منها ، إلا الخنزير ~~خاصة . والشافعى يحلل من السباع الضبع والثعلب خاصة ، وقال ابن القصار : إن ~~محمل النهى فى هذا الحديث عن أكل ذى ناب من السباع عند مالك على الكراهية ~~لا على ms1825 التحريم . قال : والدليل على أن السباع ليست بمحرمة كالخنزير اختلاف ~~الصحابة فيها ، وقد كان ابن عباس وعائشة إذا سئلا عن أكلها احتجا بقوله ~~تعالى : { قل لا أجد فيما أوحى إلى محرما } الآية . ولا يجوز أن يذهب ~~التحريم على مثل ابن عباس وعائشة مع PageV05P437 مكانهما من رسول الله ~~ويدركه غيرهما . ولا يجوز أن ينسخ القرآن بالنسبة إلا بتاريخ متفق عليه ، ~~فوجب مع هذا الخلاف ألا نحرمها كالميتة ، ونكرهها ؛ لأنه لو ثبت تحريمها ~~لوجب نقله من حيث يقطع العذر . وقد روى عن الرسول أنه أجاز أكل الضبع وهو ~~ذو ناب . فبان بهذا أنه - صلى الله عليه وسلم - أراد بتحريم كل ذى ناب من ~~السباع الكراهية . وقال الكوفيون والشافعى : ليس فى قوله تعالى : { قل لا ~~أجد فيما أوحى إلى محرما على طاعم يطعمه } حجة لمن خالفنا ؛ لأن سورة ~~الأنعام مكية ، وقد نزل بعد هذا قرآن فيه أشياء محرمات ، ونزلت سورة ~~المائدة بالمدينة وهى من آخر ما نزل ، وفيها تحريم الخمر وتحريم المنخنقة ~~والموقوذة والمتردية والنطيحة . وحرم رسول الله من البيوع أشياء كثيرة . ~~ونهيه - صلى الله عليه وسلم - عن أكل ذى ناب من السباع كان بالمدينة ؛ لأنه ~~رواه عنه متأخرو أصحابه : أبو هريرة ، وأبو ثعلبة ، وابن عباس . وقد حرم ~~رسول الله نكاح المرأة على عمتها وخالتها ، ولم يقل أحد من العلماء أن قوله ~~: { وأحل لكم ما وراء ذلكم } يعارض ذلك ؛ بل جعلوا نهيه عن نكاح المرأة على ~~عمتها وخالتها زيادة بيان على ما فى الكتاب . واختلفوا هل المراد بالنهى عن ~~أكل كل ذى ناب من السباع جميعها أو بعضها ، فقال الشافعى : إنما أراد رسول ~~الله بالنهى ما كان يعدو على الناس ، ويفترس مثل الأسد ، والذئب ، والنمر ، ~~والكلب العادى وشبهه مما فى طبعه فى الأغلب أن يعدو ، وما لم يكن يعدو فلم ~~يدخل فى النهى فلا بأس بأكله واحتج بحديث الضبع فى إباحة أكلها ، وأنها سبع ~~. ولابن حبيب شيء نحو هذا ، قال فى جلود السباع العادية : إن ذكيت فلا تباع ~~ولا يصلى عليها ، وينتفع بها ms1826 فى PageV05P438 غير ذلك ، وأما السبع الذى لا ~~يعدو إذا ذكى جاز بيعه ولباسه والصلاة عليه . وعند الكوفيين النهى فى ذلك ~~على العموم ، فلا يحل عندهم أكل شيء من سباع الوحش كلها ولا الهر الوحشى ~~ولا الأهلى ؛ لأنه سبع ، ولا الضبع ولا الثعلب ؛ لعموم نهيه - صلى الله ~~عليه وسلم - عن أكل كل ذى ناب من السباع . قالوا : فما دخل عليه اسم ( سبع ~~) فهو داخل تحت النهي . قالوا : وليس حديث الضبع مما يعارض به حديث النهى ؛ ~~لأنه انفرد به عبد الرحمن بن أبى عمار عن جابر ، وليس بمشهور بنقل العلم ~~ولا هو حجة إذا انفراد فكيف إذا خالفه من هو أثبت منه ؟ وقد قال سعيد بن ~~المسيب : إن الضبع لا يصلح أكلها . وهو قول الليث . وقال ابن شهاب : الثعلب ~~سبع لا يؤكل . ومالك يكره أكل ما يعدو من السباع وما لا يعدو من غير تحريم ~~. ومن أجاز من السلف أكل الضبع والثعلب ، روى عن ابن عمر بن الخطاب أنه كان ~~لا يرى بأسا بأكل الضبع ويجعلها صيدا . وعن على بن أبى طالب ، وسعد بن أبى ~~وقاص ، وجابر ، وأبى هريرة مثله . وقال عكرمة : لقد رأيتها على مائدة ابن ~~عباس . وبه قال عطاء ، ومالك ، والشافعى ، وأحمد ، وإسحاق ، وأجاز الثعلب : ~~طاوس وقتادة واحتجا بأنه يؤذى ، وقالا : كل شيء يؤذى فهو صيد . وأما الضب ~~فقد ثبت عن النبى - صلى الله عليه وسلم - جواز أكله . وقال ابن مسعود : لا ~~بأس بأكل الوبر ، وهو عندى مثل الأرنب ؛ لأنه يغتذى البقول والنبات . وأجاز ~~أكله طاوس ، وعطاء . وأجاز عروة وعطاء اليربوع ، وكره الحسن أكل الفيل ؛ ~~لأنه ذو ناب ، وأجاز أكله أشهب . PageV05P439 واختلفوا فى سباع الطير فروى ~~ابن وهب عن مالك أنه قال : لم أسمع أحدا من أهل العلم قديما ولا حديثا ~~بأرضنا ينهى عن أكل كل ذى مخلب من الطير ، وقال أبو حنيفة والشافعى : لا ~~يؤكل . ورووا فى ذلك حديث شعبة ، عن الحكم ، عن ميمون بن مهران ، عن ابن ~~عباس ، عن النبى - صلى الله عليه وسلم - ( أنه نهى عن أكل ms1827 كل ذى ناب من ~~السباع ومخلب من الطير ) ودفع أصحاب مالك هذا الحديث وقالوا : لا يثبت . ~~وقد أوقفه جماعة على ابن عباس ولم يسمعه منه ميمون ، وإنما رواه عن سعيد بن ~~جبير عنه . وقد روى عن ابن عباس خلافه ، وما يدل على أنه ليس عن النبى - ~~صلى الله عليه وسلم - وإنما هو قول لابن عباس ثم رجع عنه . وقد روى عمرو بن ~~دينار ، عن أبى الشعثاء ، عن ابن عباس أنه قال : كان أهل الجاهلية يأكلون ~~أشياء ويتركون أشياء تقذرا ، فبعث الله نبيه ، وأنزل كتابه ، وأحل حلاله ، ~~وحرم حرامه ، وما سكت عنه يعنى لم ينزل فيه شيء فهو معفو وتلا : { قل لا ~~أجد فيما أوحى إلى محرما } الآيتين . فإن صح حديث النهى فيجوز أن يكون نهى ~~عنها ؛ لأن النفس تعافها لأكلها الأنجاس فى الأغلب ، والله أعلم . * * * # | 14 - باب : جلود الميتة # 2045 / فيه : ابن عباس ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مر بشاة ~~ميتة ، فقال : ( هلا استمتعتم بإهابها ) ، قالوا : إنها ميتة ، قال : ( ~~إنما حرم أكلها ) . لم يذكر صالح بن كيسان فى حديث ابن شهاب الدباغ ، ~~وتابعه مالك ، ومعمر ، ويونس . وقد ذكر ابن عيينة ، والأوزاعى ، ~~PageV05P440 والزبيدى ، وعقيل ، عن ابن شهاب ( الدباغ ) فى هذا الحديث . ~~وذكر الدباغ فى حديث ابن عباس من رواية ابن وعلة وعطاء عن ابن عباس ثابت ~~محفوظ ، فمعنى قوله : ( هلا استمتعتم بإهابها ) يعنى : بعد الدباغ ؛ لأنه ~~معلوم أن تحريم الميتة قد جمع إهابها وعصبها ولحمها ، فإنما أباح الانتفاع ~~بجلدها بعد دباغه بدليل ابن وعلة عن ابن عباس : ( إذا دبغ الإهاب فقد طهر ) ~~وبدليل حديث عائشة : ( أن النبى - صلى الله عليه وسلم - أمر أن يستمتع بجلد ~~الميتة إذا دبغ ) وذكره مالك فى الموطأ ، وعلى هذا جمهور العلماء وأئمة ~~الفتوى . وذكر ابن القصار أن هذا آخر قول مالك . وهو قول أبى حنيفة ~~والشافعي . وفى المسألة قول ثان . روى عن ابن شهاب أنه أجاز الانتفاع بجلود ~~الميتة قبل الدباغ مع كونها نجسة . وفيها قول ثالث ذهب إليه أحمد بن حنبل ~~وهو فى ms1828 الشذوذ قريب من الذى قبله ذهب إلى تحريم الجلد وتحريم الانتفاع به ~~قبل الدباغ وبعده ، واحتج بحديث شعبة ، عن الحكم ، عن عبد الرحمن بن أبى ~~ليلى عن عبد الله بن عكيم : قرىء علينا كتاب رسول الله : ( لا تنتفعوا من ~~الميتة بإهاب ولا عصب ) . ولمالك قول آخر فيه شبه من قول أحمد وليس به ، ~~وهو أن جلود الميتة لا تطهر بالدباغ ، ولكنه أجاز استعمالها فى الأشياء ~~اليابسة وفى الماء خاصة من بين سائر المائعات فخالفه فى استعمالها . وفيها ~~قول آخر قاله الأوزاعى وأبو ثور قالا : يطهر جلد ما يؤكل لحمه بالدباغ دون ~~ما لا يؤكل . ذكره ذلك ابن القصار . وحجة القول الأول الذى عليه الجمهور ~~أنه معلوم أن قوله - صلى الله عليه وسلم - : ( إذا دبغ الإهاب ) هو ما لم ~~يكن طاهرا من الأهب كجلود PageV05P441 الميتات وما لم تعمل فيه الذكاة من ~~الدواب والسباع ؛ لأن الطاهر لا يحتاج إلى الدباغ للتطهير ، ومحال أن يقال ~~فى الجلد الطاهر : إذا دبغ فقد طهر . وفى قوله - صلى الله عليه وسلم - : ( ~~إذا دبغ الإهاب فقد طهر ) نص ودليل ، فالنص منه طهارة الإهاب بالدباغ ~~والدليل منه أن كل إهاب لم يدبغ فليس بطاهر ، وإذا لم يكن طاهرا فهو نجس ، ~~والنجس محرم ، وإذا كان ذلك كذلك كان هذا الحديث مبينا لحديث ابن عباس ، ~~وبطل بنصه قول من قال : إن جلد الميتة لا ينتفع به بعد الدباغ ، وهو قول ~~أحمد وما ضارعه ، وبطل بالدليل منه قول من قال : إن جلد الميتة إن لم يدبغ ~~ينتفع به ، وهو قول الزهري . قال أبو عبد الله المروزى : وما علمت أحدا قال ~~هذا القول بعد الزهري . وقال الطحاوى : لم نجد عن أحد من الفقهاء جواز جلد ~~الميتة قبل الدباغ إلا عن الليث رواه عنه ابن وهب . قال ابن القصار : وإنما ~~اعتمد الزهرى فى ذلك على روايته فى حديث ابن عباس : أن النبى - صلى الله ~~عليه وسلم - قال : ( ما على أهلها لو أخذوا إهابها فانتفعوا به ) ولم يذكر ~~( فدبغوه ) قال : فدل أنه يجوز الانتفاع ms1829 به قبل الدباغ ، فيقال : قد روى ~~عنه ابن عيينة والأوزاعى وغيرهم الحديث ، وقالوا فيه : ( فدبغوه وانتفعوا ~~به ) فإذا كان الزهرى الراوى للحديثين أخذنا بالزائد منهما ، ومن أثبت شيئا ~~حجة على من قصر عنه ولم يحفظه . وأيضا فإن الدباغ قد جاء من طرق متواترة عن ~~ابن عباس ، عن النبى ( أنه مر بشاة مطروحة من الصدقة ، فقال : أفلا أخذوا ~~إهابها فدبغوه فانتفعوا به ) . وروى الأعمش ، عن إبراهيم ، عن الأسود ، ~~PageV05P442 عن عائشة قالت : قال النبى - صلى الله عليه وسلم - - : ( دباغ ~~جلد الميتة ذكاته ) . قال الطحاوى : وأما حديث ابن عكيم الذى أخذ به أحمد ~~بن حنبل فيحتمل ألا يكون مخالفا لأحاديث الدباغ ، ويكون معناه : لا تنتفعوا ~~به ما دام ميتة غير مدبوغ ؛ فإنه قد كان - صلى الله عليه وسلم - سئل عن ~~الانتفاع بشحم الميتة ، فأجاب فيها مثل هذا . وروى ابن وهب ، عن زمعة بن ~~صالح ، عن أبى الزبير ، عن جابر : ( أن ناسا أتوا النبى - صلى الله عليه ~~وسلم - فقالوا : يا رسول الله ، إن سفينة لنا انكسرت ، وإنا وجدنا ناقة ~~سمينة ميتة ، فأردنا أن ندهن بها . فقال رسول الله : لا تنتفعوا بشىء من ~~الميتة ) فأخبر جابر بالسؤال الذى كان قول النبى : ( لا تنتفعوا من الميتة ~~) جوابا له أن ذلك كان على النهى عن الانتفاع بشحومها ، فأما ما دبغ منها ~~وعاد إلى معنى الإهاب فإنه مطهر بذلك على ما تواترت به الآثار ، وعلى هذا ~~لا تتضاد الآثار . قال المهلب : وحجة مالك فى كراهية الصلاة عليها وبيعها ~~وتجويز الانتفاع بها فى بعض الأشياء أن النبى - صلى الله عليه وسلم - أهدى ~~حلة من حرير لعمر ، وقال : ( لم أعطكها لتلبسها ، ولكن لتبيعها أو تكسوها ) ~~فأباح له - صلى الله عليه وسلم - التصرف فى الحلة فى بعض الوجوه ، فكذلك ~~جلد الميتة يجوز الانتفاع به فى بعض الوجوه دون بعض . قال ابن القصار : ~~وأما قول الأوزاعى وأبى ثور أنه يطهر جلد ما يؤكل لحمه دون ما لا يؤكل ، ~~واحتجوا بما رواه أبو المليح الهذلى عن أبيه ( أن النبى نهى عن افتراش جلود ms1830 ~~السباع ) ولم يفرق بين أن تكون مدبوغة أو غير مدبوغة ، وقال - صلى الله ~~عليه وسلم - : ( دباغ الأديم ذكاته ) فأقام الدباغ مقام الذكاة ، وأنه يعمل ~~عملها ، فلما لم تعمل الذكاة فيما لا يؤكل لحمه لم يعمل الدباغ فيه . ~~PageV05P443 والحجة عليهما قوله - صلى الله عليه وسلم - : ( أيما إهاب دبغ ~~فقد طهر ) وإنما نهى عن افتراش جلود السباع التى لم تدبغ . و أما قولهم إن ~~الذكاة لا تعمل فى السباع . فإنها تعمل فيها ، ويستغنى فيها عن الدباغ ، ~~إلا الخنزير وإنما لم يعمل فيه لأنه محرم العين ، وحكى عن أبى يوسف وأهل ~~الظاهر أن جلد الخنزير يطهره الدباغ ، وهو قول سحنون ومحمد بن عبد الحكم ، ~~واحتجوا بعموم قوله - صلى الله عليه وسلم - : ( أيما إهاب دبغ فقد طهر ) ~~والصواب قول الجمهور . والفرق بين الخنزير وغيره أن النص ورد بتحريمه ، ~~والإجماع حاصل على المنع من اقتنائه فلم تعمل الذكاة فى لحمه ولا جلده ، ~~فكذلك الدباغ لا يطهر جلده . وأجاز مالك والكوفيون الخرازة بشعره ، ومنع ~~ذلك الشافعى لتحريم عينه . * * * # | 15 - باب : المسك # 2046 / - فيه : أبو هريرة ، قال - صلى الله عليه وسلم - : ( ما من مكلوم ~~يكلم فى سبيل الله إلا جاء يوم القيامة ، وكلمه يدمى ، اللون لون دم والريح ~~ريح مسك ) . 2047 / وفيه : أبو موسى ، قال النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ~~: ( مثل الجليس الصالح والسوء كحامل المسك ، ونافخ الكير ، فحامل المسك ، ~~إما أن يحذيك ، وإما أن تبتاع منه ، وإما أن تجد منه ريحا طيبة ، ونافخ ~~الكير ، إما أن يحرق ثيابك ، وإما أن تجد ريحا خبيثة ) . قال المؤلف : إنما ~~أدخل المسك فى هذا الباب ليدل على تحليله إذ أصله التحريم ؛ لأنه دم ، فلما ~~تغير عن الحالة المكروهة عن الدم ، وهو الزهم وبفيح الرائحة صار حلالا بطيب ~~الرائحة ، PageV05P444 وانتقلت حاله وكانت حاله كحال الخمر تتحلل ، فتحل ~~بعد أن كانت حراما بانتقال الحال ، وأصل هذا فى كتاب الله تعالى فى قصة ~~موسى : { فألقاها فإذا هى حية تسعى قال خذها ولا تخف سنعيدها سيرتها الأولى ~~} فحكم لها بما انقلبت إليه وأسقط عنها ms1831 حكم ما انقلبت عنه . قال : وحديث ~~أبى موسى حجة فى طهارة المسك ؛ لأنه لا يجوز حمل النجاسة ، ولا يأمر - صلى ~~الله عليه وسلم - بذلك ، فدل على طهارته ، وجل العلماء على هذا . قال ابن ~~المنذر : وممن أجاز الانتفاع بالمسك : على بن أبى طالب وابن عمر وأنس بن ~~مالك وسلمان ، ومن التابعين : سعيد بن المسيب وابن سيرين وجابر بن زيد ، ~~ومن الفقهاء : مالك والليث والشافعى وأحمد وإسحاق . وخالف ذلك آخرون ، ذكر ~~ابن أبى شيبة عن عمر بن الخطاب أنه كره المسك ، وقال : لا تحنطونى به . ~~وكرهه عمر بن عبد العزيز وعطاء والحسن ومجاهد والضحاك . وقال أكثرهم : لا ~~يصلح للحى ولا للميت ؛ لأنه ميتة ، وهو عندهم بمنزلة ما قطع من الميتة . ~~قال ابن المنذر : ولا يصح ذلك إلا عن عطاء وهذا قياس غير صحيح ؛ لأن ما قطع ~~من الحى يجرى فيه الدم ، وهذا ليس سبيل نافجة المسك ؛ لأنها تسقط عند ~~الاحتكاك لسقوط الشعر . وقد روى أبو داود قال : حدثنا مسلم بن إبراهيم ، ~~قال : حدثنا المستمر بن الريان ، عن أبى نضرة ، عن أبى سعيد PageV05P445 ~~الخدرى قال : قال رسول الله : ( أطيب طيبكم المسك ) وهذا نص قاطع للخلاف . ~~قال ابن المنذر : وقد روينا عن النبى بإسناد جيد أنه كان له مسك يتطيب به . ~~وقوله : ( يحذيك ) يعنى : يعطيك . تقول العرب : حذوته ، وأحذيته : إذا ~~أعطيته . والاسم : الحذيا مقصور . * * * # | 16 - باب : الأرنب # 2048 / فيه : أنس ، أنفجنا أرنبا ، ونحن بمر الظهران ، فسعى القوم فلغبوا ~~، فأخذتها ، فجئت بها إلى أبى طلحة ، فذبحها ، فبعث بوركيها - أو قال ~~بفخذيها - إلى النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، فقبلها . الأرنب أكلها ~~حلال عند جمهور العلماء ، وذكر عبد الرزاق ، عن عمرو بن العاص أنه كرهها ، ~~وذكر الطبرى عن عبد الله بن عمر وابن أبى ليلى أنهما كرهاها ، وعلتهم فى ~~ذلك ما روى عن عبد الله بن عمرو أنه قال : ( كنت قاعدا عند النبى فجيء بها ~~إليه ، فلم يأمر بأكلها ولم ينه عنها ، وزعم أنها تحيض ) . قال الطبرى : ~~وروى عن عبد الله بن عبيد بن عمير قال : سأل ms1832 رجل أبى عن الأرنب أيحل أكلها ~~؟ قال : وما الذى يحرمها ؟ قال : زعموا أنها تطمث كما تطمث المرأة . فقال : ~~هل يعلم متى تطهر ؟ قال : لا . قال : فإن الذى يعلم متى طمثها يعلم متى ~~طهرها ، وإنها فإنما هى حاملة من الحوامل ، إن الله لم يرد شيئا نسيه ، فما ~~قال الله ورسوله فهو كما قالا ، وما لم يقولاه فعفو من الله . قال المؤلف : ~~وهذا مثل ما كره رسول الله الضب ولم يحرمه . PageV05P446 # | 17 - باب الضب # 2049 / فيه : ابن عمر ، قال : قال الرسول - صلى الله عليه وسلم - : ( ~~الضب لست آكله ، ولا أحرمه ) . 2050 / وفيه : خالد بن الوليد ، أنه دخل مع ~~النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، بيت ميمونة ، فأتى بضب محنوذ ، فأهوى ~~إليه النبى - صلى الله عليه وسلم - بيده ، فقال بعض النسوة : أخبروا رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - بما يريد أن يأكل ، فقالوا : هو ضب يا رسول ~~الله ، فرفع يده ، فقلت أحرام هو يا رسول الله ؟ فقال : ( لا ، ولكن لم يكن ~~بأرض قومى ، فأجدنى أعافه ) . قال خالد : فاجتررته ، فأكلته ورسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - ينظر . قال الطبرى : قال بهذا الخبر جماعة من السلف ~~وأحلوا أكل الضب ، روى ذلك عن عمر بن الخطاب وعائشة وابن مسعود ، وقال أبو ~~سعيد الخدرى : إن كان أحدنا لتهدى إليه الضب المكونة أحب إليه من أن تهدى ~~إليه الدجاجة السمينة . رووى عن ابن سيرين ، وهو قول مالك والأوزاعى ~~والشافعي . وقال الكوفيون : أكلها مكروه وليست بحرام ، وروى هذا القول عن ~~أبى هريرة . وقال آخرون : أكل الضب حرام ، واعتلوا بحديث الأعمش ، عن زيد ~~بن وهب ، عن عبد الرحمن بن حسنة قال : ( كنا مع النبى - صلى الله عليه وسلم ~~- فنزلنا أرضا كثيرة الضباب ، فذبحنا منها ، فبينما القدور تغلى خرج علينا ~~رسول الله ، فقال : إن أمة من بنى إسرائيل مسخت ، وإنى أخشى أن تكون هذه . ~~فأمرنا فأكفأناه وإنا لجياع ) وروى سفيان ، عن حماد ، عن إبراهيم ، عن ~~الأسود ، عن عائشة : ( أن النبى - صلى الله عليه وسلم - بعث إليه بضب ، ~~فأبى أن يأكله ، فقلت : ألا ms1833 أطعمه السؤال ؟ فقال : لا تطعميهم مما لا نأكل ~~منه ) قالوا : والأخبار بالنهى عن أكلها صحيحة . PageV05P447 وروى عبد ~~الرحمن البياضى ، عن الحارث ، عن على أنه نهى عن الضب . والصواب فى ذلك قول ~~من قال : إنه حلال ؛ للخبر الصحيح عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه أكل على ~~مائدته وبحضرته . ولو كان حراما لم يترك - صلى الله عليه وسلم - أحدا ياكله ~~؛ إذ غير جائز أن يرى - صلى الله عليه وسلم - منكرا ولا يغيره ، ولا يقر ~~أحدا على انتهاك شيء من محارم الله ، فدل أنه إنما تركه ؛ لأنه عافه كما ~~قال عمر ، ولم يأت خبر صحيح بتحريمه ، بل قال له عمر : ( أحرام هو يا رسول ~~الله ؟ قال : لا ) . وقد روى الثورى ، عن علقمة بن مرثد ، عن المغيرة بن ~~عبد الله اليشكرى ، عن المعرور بن سويد ، عن أبى مسعود ( أن النبى - - صلى ~~الله عليه وسلم - - سألته أم حبيبة فقالت : يا رسول الله ، القردة ~~والخنازير الذين مسخوا ؟ قال : إن الله لم يهلك - أو لم يمسخ - قوما فيجعل ~~لهم عاقبة ولا نسلا ) . قال الطحاوى : فبين الرسول فى هذا الحديث : أن ~~المسوخ لا يكون لها نسل ولا عقب ، فعلمنا بذلك أن الضب لو كان مسخا لم يبق ~~. وروى عن ابن عباس أنه قال : لم يعش مسخ قط فوق ثلاثة أيام ، ولم يأكل ولم ~~يشرب . وأما حديث الأسود عن عائشة ، فلا حجة لهم فيه ؛ لأنه يجوز أن يكون ~~كره لها أن تطعمه ؛ لأنها عافته ، وكان ما تطعمه للسائل إنما هو لله تعالى ~~فأراد - صلى الله عليه وسلم - أن يكون ما يتقرب به إلى الله من PageV05P448 ~~خير الطعام ، كما نهى أن يتصدق بالبر والتمر الرديئين وفى ذلك نزل : { ولا ~~تيمموا الخبيث منه تنفقون } وبقول مالك قال الطحاوي . قال الطبرى : وليس فى ~~الحديث أنه - صلى الله عليه وسلم - قطع أن الضب من الأمة التى مسخت ~~بأعيانها ، و إنما قال : أخشى أن تكون هذه ، أو أخشى أن تكون مسخت على صورة ~~هذه وخلقتها ، لا أنها بعينها ، فكرهها لشبهها فى الخلقة والصورة خلقا ms1834 غضب ~~الله عليه فغيره عن صورته وهيئته ، وعلى هذا التأويل يصح معنى قوله - صلى ~~الله عليه وسلم - أن المسخ لا يعقب ، ومعنى قول ابن عباس أن المسخ لا يعيش ~~أكثر من ثلاثة ، إذ لم يمسخ الله تعالى خلقا من خلقه على صورة دابة من ~~الدواب إلا كره إلى نبينا وأمته أكل لحم تلك الدابة ، أو حرمه لتحريمه ~~عليهم أكل لحوم الخنازير التى مسخت على صورتها أمة من اليهود ، وكتحريمه ~~لحم القردة التى مسخت على صورتها منهم أمة أخرى . غير أن قوله - صلى الله ~~عليه وسلم - : ( اخشى أن تكون هذه ) بيان واضح أنه لم يتبين أن الضب من نوع ~~الأمة التى مسخت ، ولذلك لم يحرمها ، ولو تبين له منها ما تبين من القردة ~~والخنازير لحرمها ، ولكنه - صلى الله عليه وسلم - رأى خلقا مشكلا يشبه ~~المسوخ فكرهه ولم يحرمه ؛ إذ لم يأته وحى من الله بذلك . قال غيره : وفيه ~~من الفقه أنه يجوز للمرء أن يترك أكل ما هو حلال إذا لم يجر له بأكله عادة ~~، ويكون فى سعة من ذلك . وقوله : ( فأجدنى أعافه ) يقال : عاف الطعام يعافه ~~عيافا PageV05P449 وعيوفا : إذا كرهه . المحنوذ : المشوى ، فى التنزيل : { ~~جاء بعجل حنيذ } أى : محنوذ ، حنذت اللحم حنذا : شويته . * * * # | 18 - باب : إذا وقعت الفأره فى السمن الجامد أو الذائب # 2051 / فيه : ابن عباس ، وميمونة ، أن فأرة وقعت فى سمن فماتت ، فسئل ~~النبى - صلى الله عليه وسلم - عنها ، فقال : ( ألقوها وما حولها وكلوه ) . ~~قيل لسفيان : فإن معمرا يحدثه ، عن االزهرى ، عن سعيد بن المسيب ، عن أبى ~~هريرة . قال : ما سمعت الزهرى يقول إلا عن عبيد الله ، عن ابن عباس ، عن ~~ميمونة ، عن النبى - صلى الله عليه وسلم - ولقد سمعته منه مرارا . وسئل ابن ~~شهاب عن الدابة تموت فى الزيت أو السمن وهو جامد أو غير جامد ، الفأرة أو ~~غيرها . قال : بلغنا أن النبى - صلى الله عليه وسلم - أمر بفأرة ماتت فى ~~سمن فأمر بما قرب منها فطرح ، ثم أكل . عن حديث عبيد الله بن عبد الله . ~~توقف ms1835 البخارى فى إسناد معمر ، عن الزهرى ، عن سعيد ، عن أبى هريرة ؛ لأنه ~~انفرد به معمر ، عن الزهرى ، وأما حديث الزهرى ، عن عبيد الله ، عن ابن ~~عباس فرواه جماعة أصحاب ابن شهاب عنه بهذا الإسناد ، وقد صحح الذهلى ~~الإسنادين جميعا عن ابن عباس ، وإنما لم يدخل البخارى فى الحديث قوله - صلى ~~الله عليه وسلم - : ( وإن كان مائعا فلا تقربوه ) لأنه من رواية معمر ، عن ~~الزهرى ، واستراب انفراد معمر . PageV05P450 وفى قوله - صلى الله عليه وسلم ~~- : ( ألقوها وما حولها ) دليل أن السمن كان جامدا ، لأنه لا يتمكن طرح ما ~~حولها فى الذائب المائع ؛ لأن فى الحركة يسرح بعضه بعضا . والعلماء مجمعون ~~أن هذا حكم السمن الجامد تقع فيه الميتة أنها تلقى وما حولها ويؤكل سائره ؛ ~~لأن رسول الله حكم للسمن الملاصق للفأرة بحكم الفأرة ، لتحريم الله الميتة ~~، فأمر بإلقاء ما مسها منه . وأما السمن المائع والزيت والخل والمرى والعسل ~~وسائر المائعات تقع فيها الميتة ، فلا خلاف أيضا بين أئمة الفتوى أنه لا ~~يؤكل منها شيء . واختلفوا فى بيعه والانتفاع به ، فقالت طائفة : لا يباع ~~ولا ينتفع بشيء منه ، كما لا يؤكل . هذا قول الحسن بن صالح وأحمد بن حنبل ، ~~واحتجوا بما رواه معمر ، عن الزهرى ، عن سعيد ، عن أبى هريرة أن النبى - ~~صلى الله عليه وسلم - قال : ( فإن كان مائعا فلا تقربوه ) وبقوله : ( لعن ~~الله اليهود ؛ حرمت عليهم الشحوم فباعوها ، و أكلوا ثمنها ) . وقال آخرون : ~~يجوز الاستصباح به ، والانتفاع فى الصابون وغيره ، ولا يجوز بيعه وأكله . ~~هذا قول مالك والثورى والشافعي . واحتجوا برواية عبد الواحد بن زياد ، عن ~~معمر ، عن الزهرى ، عن سعيد ، عن أبى هريرة أن النبى - صلى الله عليه وسلم ~~- قال : ( وإن كان مائعا فاستصبحوا به ) قالوا : وقد روى عن على بن أبى ~~طالب وابن عمر وعمران بن حصين أنهم أجازوا الاستصباح به ، وأمر ابن عمر أن ~~تدهن به الأدم . وذكر الطبرى عن ابن عباس مثله ، وذكر ابن المنذر عن ابن ~~مسعود وأبى سعيد الخدرى وعطاء مثله . واحتجوا فى منع بيعه ms1836 بقوله - صلى الله ~~عليه وسلم - فى الخمر : ( إن الذى حرم شربها حرم بيعها ) وبحديث النبى ~~PageV05P451 عن بيع الشحوم ، وأيضا فإنه قد ينتفع بما لا يجوز بيعه ؛ ألا ~~ترى أنا ننتفع بأم الولد ولا يجوز بيعها ، وينتفع بكلب الصيد ويمنع من بيعه ~~، ونطفىء الحريق بالماء النجس والخمر ولا يجوز بيعه ، وهذا كله انتفاع ، ~~ذكره ابن القصار . وقال آخرون : ينتفع بالزيت الذى تقع فيه الميتة بالبيع ~~وبكل شيء ما عدا الأكل . قالوا : يجوز أن يبيعه ويبين ؛ لأن كل ما جاز ~~الانتفاع به جاز بيعه ، والابتياع من الانتفاع . وهو قول أبى حنيفة وأصحابه ~~والليث . وروى عن أبى موسى أنه قال : بيعوه وبينوا لمن تبيعونه منه ، ولا ~~تبيعونه من مسلم . وروى ابن وهب عن القاسم وسالم أنهما أجازا بيعه وأكل ~~ثمنه بعد البيان . قال الكوفيون : ويحتمل ما قال معمر من قوله - صلى الله ~~عليه وسلم - : ( و إن كان مائعا فلا تقربوه أو فلا تقربوه ) للأكل ، وليس ~~فى تحريم الشحوم على اليهود تحريم ثمنها حجة لمن منع بيع الزيت تقع فيه ~~الميتة ؛ لأن الحديث خرج على تحريم شحوم الميتة وهى نجسة الذات ، ولا يجوز ~~بيعها ولا أكلها ولا الانتفاع بها ، والزيت والسمن الذى تقع فيه الميتة ~~إنما تنجس بالجوار ، ولا ينجس بالذات ، كالثوب الذى يصيبه الدم ، ولذلك رأى ~~بعض العلماء غسله ، ويجوز عندهم الاستصباح به ، ولا يجوز بشحوم الميتة . ~~قال ابن القصار : وقال أهل الظاهر : لا يجوز بيع السمن ولا الانتفاع به إذا ~~وقعت فيه الفأرة ، ويجوز بيع الزيت والخل والمرى وجميع المائعات تقع فيه ~~الفأرة ؛ لأن النهى إنما ورد فى السمن لا فى الزيت وغيره . وهذ إبطال ~~للمعقول ؛ لأن الرسول نص على السمن PageV05P452 وهو مما يؤكل ويشرب ، وهو ~~من المائعات الطاهرات ، كان فيه تنبيه على ما هو مثله ؛ لأنه يثقل - صلى ~~الله عليه وسلم - أن يقول : الثمن والزيت والشيرج والخل والمرى والدهن ~~والمرق والعصير وكل مائع ؛ لأنه أوتى جميع الكلم ، وهذا كما قال تعالى : { ~~فلا تقل لهما أف } فنبه بذلك على أن كل ما ms1837 كان فى معناه من الانتهار والسب ~~فما فوقه مثله فى التحريم . وكذلك كل مائع وقعت فيه نجاسة هو مثل السمن . ~~قال المؤلف : ومما يبطل به مذهب أهل الظاهر أن يقال لهم : ما تقولون فى ~~السمن تموتع فيه وزغة أو حية أو سائر الحيوان ؟ فإن طردوا أصلهم وقالوا : ~~لا ينجس السمن بموت سائر الحيوان [ . . . . . ] غير الفأرة التى ورد النص ~~فيها ، خرجوا من قول الأمة ومن المعقول ، وإن سووا بين جميع ما يموت فى ~~السمن من سائر الحيوان ، لزمهم ترك مذهبهم . * * * # | 19 - باب : العلم والوسم فى الصورة # 2052 / فيه : ابن عمر ، أنه كره أن تعلم الصورة ، وقال : نهى النبى ، - ~~صلى الله عليه وسلم - ، أن تضرب الصورة . 2053 / وفيه : أنس ، دخلت على ~~النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ، بأخ لى يحنكه - وهو فى مربد له - فرأيته ~~يسم شاة ، حسبته قال : فى آذانها . معنى قوله : ( الوسم والعلم فى الصورة ) ~~يريد فى الوجه وهو المكروه عند العلماء . PageV05P453 قال المهلب : إنما ~~كرهه العلماء ؛ لأنه من الشين وتغيير خلق الله ، وأما الوسم فى غير الوجه ~~للعلامة والمنفعة بذلك فلا بأس به إذا كان يسيرا غير شائن ؛ ألا ترى أنه ~~يجوز فى الضحايا وغيرها . والدليل على أنه لايجوز الشائن من ذلك أن النبى - ~~صلى الله عليه وسلم - حكم أن من شان عبده أو مثل به باستئصال أنف أو أذن أو ~~جارحة عتق عليه ، وليس يعتق إن جرحه أو شق أذنه ، ووسم النبى إبل الصدقة ~~حجة على جواز ما لا يشين منه ، وقد تقدم حيث يجوز الوسم من البهائم فى باب ~~( وسم الإمام إبل الصدقة ) فى كتاب الزكاة . * * * # | 20 - باب : إذا أصاب قوم غنيمة فذبح بعضهم إبلا أو غنما بغير أمر ~~أصحابهم لم تؤكل لحديث رافع عن النبى - صلى الله عليه وسلم - ، وقال طاوس ~~وعكرمة فى ذبيحة السارق : اطرحوه # 2054 / فيه : رافع ، إنا لاقو العدو غدا - الحديث - وتقدم سرعان الناس ، ~~فأصابوا من الغنائم والنبى - صلى الله عليه وسلم - فى آخر الناس ، فنصبوا ~~قدورا ، فأمر بها ، فأكفئت وقسم بينهم ، وعدل بعيرا ms1838 بعشر شياه . . . . ~~الحديث . قال المؤلف : قوله فى الترجمة : فذبح بعضهم إبلا أو غنما بغير أمر ~~أصحابهم هم سرعان الناس الذين فعلوه دون اتفاق من أصحابهم ، وقد تقدم القول ~~فى ذلك فى كتاب الجهاد ، فى باب ( ما يكره من ذبح الإبل والغنم فى المغانم ~~) . ومعنى أمره - صلى الله عليه وسلم - بإكفاء القدور هو فى أول كتاب ~~الذبائح فلا وجه لإعادته ، وأما ذبيحة السارق فلا أعلم من تابع طاوسا ~~وعكرمة على كراهية أكلها غير إسحاق ابن راهويه ، وجماعة الفقهاء على ~~إجازتها ، وأظن البخارى أراد نصر قول طاوس وعكرمة ، PageV05P454 وجعل أمر ~~النبى بإكفاء القدور حجة لمن كره ذبيحة السارق ، ورأى الذين ذبحوا الغنائم ~~بغير أمر أصحابهم فى معنى ذبيحة السارق حين ذبحوا ما ليس لهم ؛ لأنهم إنما ~~ذبحوا فى بلاد الإسلام بذى الحليفة قرب المدينة ، وقد خرجوا من أرض العدو ، ~~فلم يكن لبعضهم أن يسأثر بشيء منها دون أصحابه ، وليس فى ذلك حجة قاطعة ؛ ~~لأنه قد اختلف فى معنى أمره - صلى الله عليه وسلم - بإكفاء القدور ، وقيل : ~~إنها كانت نهبة ، ولا يقطع على وجه من ذلك ، واختلف أيضا فى قطع من سرق من ~~المغنم . * * * # | 21 - باب : إذا ند بعير لقوم فرمى بعضهم بسهم فقتله وأراد صلاحهم فهو ~~جائز لخبر رافع عن النبى # 2055 / فيه : رافع ، كنا فى سفر ، فند بعير من الإبل ، قال : فرماه رجل ~~بسهم فحبسه ، ثم قال : ( إن لها أوابد كأوابد الوحش ، فما غلبكم منها ، ~~فاصنعوا به هكذا ) . قال المهلب : معنى قوله : أراد صلاحهم . يعنى : إذا ~~علم مرادهم فأراد حبسه على أربابه ، ولم يرد إفساده عليهم ، فلذلك لم يضمن ~~البعير وحل أكله ؛ لأن هذا الحبس الذى حبسه بالسهم قد يكون فيه هلاكه من ~~غير ذبح ولا نحر مشروع ، وقد تقدم اختلاف العلماء فى ذلك . وأما من قتل ~~بعيرا لقوم بغير أمرهم فعليه ضمانه ، إلا أن تقوم بينة بأنه صال عليه . ~~PageV05P455 # | 22 - باب إذا أكل المضطر # لقوله تعالى : { يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم } إلى ~~قوله : { فلا إثم عليه ms1839 } [ البقرة : 172 ] وقال : { فمن اضطر فى مخمصة غير ~~متجانف لإثم } ، وقوله تعالى : { فكلوا مما ذكر اسم الله عليه } [ الأنعام ~~: 118 ] ، وقوله { قل لا أجد فيما أوحى إلى محرما } الآية ، قال ابن عباس : ~~مهراقا . إلى قوله : { فمن اضطر غير باغ ولا عاد } [ الأنعام : 145 ] . ~~اختلف العلماء فى أكل المضطر الميتة ، فقال مالك : أحسن ما سمعت فى المضطر ~~يأكل من الميتة حتى يشبع ، ويتزود منها ، فإذا وجد عنها غنى طرحها . وهو ~~قول ابن شهاب وربيعة . وقال أبو حنيفة والشافعى : لا يأكل منها إلا مقدار ~~ما يمسك الرمق والنفس . وحجتهم أن المضطر إنما أبيح له أكل الميتة إذا خاف ~~الموت على نفسه ، فإذا أكل منها ما يزيل الخوف فقد زالت الضرورة وارتفعت ~~الإباحة فلا يحل له أكلها . وحجة مالك أن المضطر قد أباح الله له الميتة ، ~~فقال تعالى : { فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه } يعنى : إذا أكل ~~منها ، ولم يفرق بين القليل والكثير ؛ فإذا حلت له الميتة أكل منها ما شاء ~~. واختلف أهل التأويل فى معنى قوله تعالى : { غير باغ ولا عاد } فقال ابن ~~عباس : غير باغ : فى الميتة ، ولا عاد : فى الأكل . وقال الحسن : غير باغ ~~فيها ولا متعد بأكلها ، وهو غنى عنها . وقال مجاهد : غير باغ : على الأئمة ~~، ولا عاد : قاطع طريق سبيل . فإن خرج على الأئمة أو قطع الطريق فلا رخصة ~~له فى الأكل . PageV05P456 فإن احتج الكوفيون والشافعى بتفسير ابن عباس ، ~~وأن معنى قوله تعالى : { غير باغ ولا عاد } يعنى غير متعد فى الأكل ، وإذا ~~شبع وتزود فهو متعد فيه . قيل : قد فسر مجاهد وغيره أن معنى الآية : غير ~~متعد على الناس وقاطع سبيلهم ، وإنما معنى قول ابن عباس أن الباغى والمتعدى ~~لا يأكلها ؛ لأنه غنى عنها غير مضطر إلها ، فإذا اضطر إليها لم يكن متعديا ~~فى شبعه ؛ لأنه لا يقدر على سفره وتصرفه إلا بشبع نفسه ، والتزود أولى فى ~~حفظ النفس وحياطتها ؛ لأنه لا يأمن ألا يجد ما يمسك رمقه من طعام ولا ميتة ~~، ولعله أن ms1840 يطول سفره فيهلك نفسه ، والله تعالى قد حرم على الإنسان أن ~~يتعرض لإهلاك نفسه ، وسيأتى اختلاف العلماء فى شرب الخمر والبول ، عند ~~الضرورة فى كتاب الأشربة ، إن شاء الله . | PageV05P457 بسم الله الرحمن ~~الرحيم # | 25 - كتاب الأضاحى # # | 1 - باب سنة الأضحية وقال ابن عمر هى سنة ومعروف # / 1 - فيه : البراء ، قال عليه السلام : ( إن أول ما نبدأ به فى يومنا ~~هذا أن نصلى ، ثم نرجع فننحر ، من فعله فقد أصاب سنتنا ، ومن ذبح قبل ذلك ، ~~فإنما هو لحم قدمه لأهله ، ليس من النسك فى شىء ) ، فقام أبو بردة بن نيار ~~، وقد ذبح ، فقال : إن عندى جذعة ، فقال : ( اذبحها ، ولن تجزى عن أحد بعدك ~~) . وقال البراء مرة ، عن النبى عليه السلام : ( من ذبح بعد الصلاة تم نسكه ~~، وأصاب سنة المسلمين ) . / 2 - وروى أنس عن النبى - عليه السلام - مثله . ~~اختلف العلماء فى وجوب الأضحية ، فقال أبو حنيفة ومحمد : إنها واجبة . وروى ~~عن النخعى أنه قال : الأضحى واجب على أهل الأمصار ما خلا الحاج . وذكر ابن ~~حبيب عن مالك أنه قال : الأضحية سنة لا رخصة لأحد فى تركها . وفى المدونة ~~من اشترى أضحية فحبسها حية حتى ذهبت أيام الذبح أنه آثم ؛ إذ لم يضح بها . ~~وروى عنه أنه إن تركها بئس ما صنع ، وهذا إنما يطلق فى ترك الواجب . وهو ~~قول ربيعة والليث . PageV06P005 قال مالك : وإن وجد الفقير من يسلفه ثمنها ~~فليستلف . وروى عن سعيد ابن المسيب وعلقمة والأسود أنه كانوا لا يوجبونها ، ~~وهو قول أبى يوسف . وقال الشافعى : الأضحية سنة وتطوع ، وليست بواجبة ، وهو ~~قول أحمد وأبى ثور . وقال الثورى : لا بأس بتركها ، وقد روى عن الصحابة ما ~~يدل أنها ليست بواجبة ولا بأس بتركها . ذكر عبد الرزاق ، عن الثورى ، عن ~~إسماعيل ، عن الشعبى ، عن أبى سريحة قال : رأيت أبا بكر وعمر وما يضحيان . ~~وعن ابن عمر : من شاء ضحى ومن شاء لم يضح . وروى الثورى ، عن أبى معشر عن ~~مولى لابن عباس قال : أرسلنى ابن عباس أشترى له لحما بدرهم ، وقال : قل ms1841 : ~~هذه أضحية ابن عباس . وقال النخعى : قال علقمة : لأن لا أضحى أحب إلى من أن ~~أراه حتما على . وهو قول أبى مسعود البدرى وسعد ، وبلال . واحتج الكوفيون ~~على وجوبها بقوله عليه السلام لأبى بردة : ( إنها تجزئ عنك ، ولن تجزئ عن ~~أحد بعدك ) . قال الطحاوى : فإن قيل : كان أوجبها فأتلفها فلذلك أوجب عليه ~~PageV06P006 إعادتها . قيل له : أراد هذا ليعرفه قيمة المتلفة ليأمره ~~بمثلها ، فلما لم يتعرف ذلك دل أنه لم يقصد إلى ما ذكرت . واحتج من لم ~~يوجبها بقوله عليه السلام : ( أول ما نبدأ به فى يومنا هذا أن نصلى ثم ننحر ~~فمن فعل ذلك فقد أصاب سنتنا ) وما كان سنة فليس بواجب ، وبقوله عليه السلام ~~: ( إذا دخل عشر ذى الحجة فأراد أحدكم أن يضحى . . ) . قال ابن المنذر : ~~فلو كانت واجبة لم يجعلها إلى إرادة المضحى . واختلفوا فى تفصيل الصدقة على ~~الأضحية : فقال ربيعة و أبو الزناد والكوفيون : الضحية أفضل . وروى عن طاوس ~~مثله . وروى عن بلال أنه قال : ما أبالى أن لا أضحى إلا بديك ، ولأن أضعه ~~فى فى يتيم قد ترب أحب إلى من أن أضحى به . وقال الشعبى : الصدقة أفضل . ~~وهو قول مالك وأبى ثور ، ذكره ابن المنذر ، والمعروف من مذهب مالك عند ~~أصحابه أن الضحية أفضل من الصدقة . وروى ابن وهب عن مالك أن الصدقة بثمنها ~~أحب إلى للحاج من أن يضحى ؛ فهذا يدل أن الضحية عنده لغير الحاج أفضل من ~~الصدقة . قال ابن حبيب : هى أفضل من العتق ومن عظيم الصدقة ؛ لأن إحياء ~~السنة أفضل من التطوع . وقال ربيعة : هى أفضل من صدقة سبعين دينارا . قال ~~غيره : ولم يحفظ عن النبى - عليه السلام - أنه ترك الأضحى PageV06P007 طول ~~عمره وندب أمته إليها ، فلا ينبغى لموسر تركها ، وإنما قال : إن الصدقة ~~بثمنها أفضل للحاج بمنى من أجل أنه لا يرى للحاجة أضحية . * * * # | 2 - باب قسمة الإمام الأضاحى بين الناس # / 3 - فيه : عقبة بن عامر ، قسم النبى ، عليه السلام ، بين أصحابه ضحايا ~~، فصارت لعقبة جذعة ، فقلت : يا رسول الله ms1842 ، صارت لى جذعة ، قال : ( ضح بها ~~) . وأما قسمة الرسول الضحايا بين أصحابه ، فإن كان قسمها بين الأغنياء ~~لكانت من الفىء أو ما يجرى مجراه مما يجوز أخذها للأغنياء ، وإن كان إنما ~~قسمها بين فقرائهم خاصة فكانت من الصدقة . وإنما أراد البخارى بهذا الباب - ~~والله أعلم - ليريك أن إعطاء النبى - عليه السلام - الضحايا لأصحابه دليل ~~على تأكيدها وندبهم إليها . فإن قيل : لو كان كما زعمت لم يخف ذلك عن ~~الصحابة الذين قصدوا تركها وهم موسرون . قيل : ليس كما توهمت ولم يتركها من ~~تركها منهم ؛ لأنها غير وكيدة ولا مرغب فيها ، وإنما تركها لما روى عن معمر ~~والثورى عن أبى وائل قال : قال أبو مسعود الأنصارى : إنى لأدع الأضحى وأنا ~~موسر ؛ مخافة أن يرى جيرانى أنه حتم على . وروى الثورى ، عن إبراهيم ، عن ~~مهاجر ، عن النخعى ، عن علقمة قال : لأن لا أضحى أحب إلى من أراه حتما على ~~. وهكذا ينبغى للعالم الذى يقتدى به إذا خشى من العامة أن يلتزموا السنن ~~التزام PageV06P008 الفرائض أن يترك فعلها ليتأسى به فيها ولئلا يخلط على ~~الناس أمر دينهم فلا يفرقوا بين فرضه ونفله . وفى حديث عقبة من الفقه : أنه ~~تجوز الضحايا بما تهدى إليك وبما لم تشتره بخلاف ما يعتقده عامة الناس . * ~~* * # | 3 - باب الأضحية للمسافر والنساء # / 4 - فيه : عائشة ، أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - دخل عليها وحاضت ~~بسرف قبل أن تدخل مكة وهى تبكى ، فقال : ( ما لك ، أنفست ) ؟ قالت : نعم ، ~~قال : ( إن هذا أمر كتبه الله على بنات آدم ، فاقضى ما يقضى الحاج غير أن ~~لا تطوفى بالبيت ) ، فلما كنا بمنى أتيت بلحم بقر ، فقلت : ما هذا ؟ قالوا ~~: ضحى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن أزواجه بالبقر . اختلف العلماء ~~فى المسافر هل تجب عليه أضحية ؟ فقال الشافعى : الضحية سنة على جميع الناس ~~، وعلى الحاج بمنى . وبه قال أبو ثور . وقال مالك : الأضحية على المسافر ، ~~ولا يؤمر بتركها إلا الحاج بمنى . وذكر ابن المواز عن مالك : أن من لم يحج ~~من أهل مكة ms1843 ومنى فليضح . ومذهب ابن عمر أن الضحية تلزم المسافر وهو قول ~~الأوزاعى والليث . وقال أبو حنيفة : لا تجب الضحية على المسافر . ~~PageV06P009 وروى عن النخعى أنه قال : رخص للحاج و المسافر فى أن لا يضحى . ~~وحجة الشافعى ظاهر هذا الحديث وهو قوله : ( ضحى رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - عن أزواجه ) وكانوا فى الحج وفى حال سفر . قال الأبهرى : والحجة ~~لمالك فى وجوبها على المسافرين : أن المسلمين كلهم مندوبون إليها وإلى ~~غيرها من السنن فعليهم فعلها ، ولا فرق فى ذلك بين حضرى ولا بدوى ؛ كما لا ~~فرق بنيهم فى الفرائض ، وحجته أنها لا تلزم الحاج بمنى أن منى إنما تذبح ~~فيها الهدايا لا الضحايا ، وهى مخصوصة بالهدايا ، والهدى هو ما سيق من الحل ~~إلى الحرام ، وليس كذلك الأضحية . وذكر ابن وهب ، عن أفلح بن حميد ، عن ~~القاسم بن محمد قال : كنا نحج مع عائشة فلم يكن يضحى منا أحد . وعن عمر بن ~~الخطاب أنه كان يحج ولا يضحى . وعن ابن عمر مثله . قال : وأخبرنى رجل من ~~أهل العلم أن عبد الله بن عباس وسالم بن عبد الله وجماعة كانون يحجون ولا ~~يضحون . وعن النخعى أن أبا بكر وعمر كانا يحجان ولا يضحيان . وحجة أبى ~~حنيفة فى سقوطها عن المسافرين أنه لما سقطت الجمعة والعيدان عنهم سقطت ~~الضحية ، ورواه عن على بن أبى طالب أنه قال : لا جمعة ولا تشريق إلا فى مصر ~~جامع . وأما النساء فإن من أوجب الضحايا أوجبها عليهن ، ومن لم يوجبها ~~استحبها لهن كالرجال ، والله أعلم . PageV06P010 * * * # | 4 - باب ما يشتهى من اللحم يوم النحر # / 5 - فيه : أنس ، قال النبى ، عليه السلام ، يوم النحر : ( من كان ذبح ~~قبل الصلاة فليعد ) ، فقام رجل ، فقال : يا رسول الله ، إن هذا يوم يشتهى ~~فيه اللحم ، فذكر من جيرانه ، وعندى جذعة خير من شاتى لحم ، فرخص له فى ذلك ~~، فلا أدرى بلغت الرخصة من سواه أم لا ؟ ثم انكفأ النبى - صلى الله عليه ~~وسلم - إلى كبشين ، فذبحهما ، وقام الناس إلى غنيمة فتوزعوها ، أو ms1844 قال : ~~فتجزعوها . قال المهلب : من استعجل شيئا قبل وقته فعقوبته أن يمنع ذلك ~~الشىء ، وهذا أبو بردة استعجل الذبح قبل وقته ؛ فحرم أن تجزئ عنه مرة أخرى ~~، ولولا أنه ذكر من جيرانه جوعة ومشقة أراد إطعامهم وسد جوعتهم وخلتهم لما ~~عذره النبى - عليه السلام - وجوز له الضحية بجذعة من المعز و يدل على ذلك ~~قوله عليه السلام فى غير هذه الرواية : ( ولن تجزئ أحدا بعدك ) فلم يكن فى ~~الحديث شىء يمكن أن يتناول منه معنى اختصاص النبى - عليه السلام - إياه ~~بإجازة الجذعة إلا ما ذكر من حاجة جيرانه وجوعهم . قال المؤلف : وفيه أن من ~~اشتهى اللحم يوم النحر أنه لا حرج عليه ، ولا يتوجه إليه ما قال عمر بن ~~الخطاب حين لقى جابر بن عبد الله ومعه حمال لحم بدرهم ، فقال له : ما هذا ؟ ~~فقال : يا أمير المؤمنين ، قرمنا إلى اللحم . فقال له : أين تذهب هذه الآية ~~PageV06P011 { أذهبتم طيباتكم فى حياتكم الدنيا واستمتعتم بها } لأن يوم ~~النحر مخصوص بأكل اللحم والالتذاذ بالحلال لقوله تعالى : { ليذكروا اسم ~~الله على ما رزقهم من بهيمة الأنعام } وأما فى غير وقت النحر فأكل اللحم ~~مباح ، إلا أن السلف كانوا لا يواظبون على أكله دائما ، وستأتى سيرتهم فى ~~أكلهم وأخذهم من الدنيا فى كتاب الأطعمة ، وكتاب الرقائق - إن شاء الله . ~~وفيه : ما كان عليه سلف هذه الأمة من مواساتهم لجيرانهم مما رزقهم الله ، ~~وترك الاستئثار عليهم ، ألا ترى حرص أبى بردة تعجيل الذبح من أجل خلة ~~جيرانه ، ولم يتعرف إن كان ذلك يجزئ أم لا . قوله : ( فتجزعوها ) هو مثل ~~توزعوها وتقسموها ، قال صاحب العين الجزع : القطع . وقول أنس : ( لا أدرى ~~أبلغت الرخصة من سواه أم لا ) فقد بين أن الرخصة لم تكن لأحد غيره ؛ قوله ~~عليه السلام فى حديث البراء : ( ولن تجزئ أحدا بعدك ) . * * * # | 5 - باب من قال إن الأضحى يوم النحر # / 6 - فيه : أبو بكرة ، عن النبى ، عليه السلام ، قال : ( الزمان قد ~~استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض ، السنة اثنا عشر شهرا منها ms1845 ~~أربعة حرم ، ثلاث متواليات ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ، ورجب مضر الذى ~~بين جمادى وشعبان ، أى شهر هذا ) ؟ قلنا : الله ورسوله أعلم ، PageV06P012 ~~فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه ، قال : ( أليس ذا الحجة ) ؟ قلنا : ~~بلى ، قال : ( أى بلد هذا ) ؟ قلنا : الله ورسوله أعلم ، فسكت حتى ظننا أنه ~~سيسميه بغير اسمه ، قال : ( أليس البلدة ) ؟ قلنا : بلى ، قال : ( فأى يوم ~~هذا ) ؟ قلنا : الله ورسوله أعلم ، فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه ، ~~قال : ( أليس يوم النحر ) ؟ قلنا : بلى ، قال : ( فإن دماءكم وأموالكم . . ~~. . . ) . اختلف العلماء فى أيام الأضحى ، فقال مالك وأبو حنيفة وأصحابه ~~والثورى وأحمد ابن حنبل : الأضحى يوم النحر ويومان بعده . روى ذلك عن عمر ~~وعلى وابن عمر وابن عباس وأبى هريرة وأنس ، ذكره ابن القصار ، وذكره ابن ~~وهب عن ابن مسعود . وقال عطاء والحسن البصرى والأوزاعى والشافعى و أبو ثور ~~: الأضحى يوم النحر وثلاثة أيام بعده . وروى ذلك عن على وابن عباس قالا : ~~أيام النحر الأيام المعلومات . وهو اختلاف من قولهما ، وليس عن الصحابة غير ~~هذين القولين ، و بهما قال أئمة الفتوى ، وللتابعين فيها شذوذ ، قال ابن ~~سيرين : الأضحى يوم واحد . يعنى يوم النحر ، وبذلك ترجم البخارى . وقال ~~سعيد بن جبير وجابر بن زيد : النحر فى الأمصار يوم واحد ، وفى منى ثلاثة ~~أيام . وروى عن الحسن البصرى : النحر إلى آخر يوم من ذى الحجة . ~~PageV06P013 وقال قتادة : يوم النحر وستة أيام بعده . وهذه الأقوال لا أصل ~~لها فى السنة ، ولا فى أقوال الصحابة ، وليس استدلال من استدل من قوله عليه ~~السلام : ( أليس يوم النحر ) أنه لا يكون نحر ولا ذبح فى غيره بشىء ؛ لأن ~~النحر فى أيام منى قد نقله الخلف عن السلف ، وجرى عليه العمل فى جميع ~~الأمصار ، فلا حجة بقوله تعالى : { ويذكروا اسم الله فى أيام معلومات على ~~ما رزقهم من بهيمة الأنعام } قال فذكر الأيام دون الليالى . وقال أبو حنيفة ~~والشافعى : لا بأس بالذبح ليلا فى أيام النحر ؛ لأن الله - تعالى - إذا ذكر ~~الأيام فالليالى تبع لها ، وإذا ذكر ms1846 الليالى فالأيام تبع لها ، وبه قال ~~أشهب وإسحاق وأبو ثور . وأجمعوا أنه لا يجوز أن يضحى قبل طلوع الفجر من يوم ~~النحر ، وقد تقدم فى كتاب صلاة العيدين اختلاف العلماء فى الأيام المعلومات ~~والمعدودات ، والحمد لله . وقال أبو عبيد : قوله عليه السلام : ( إن الزمان ~~قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض ) يقال : إن بدء ذلك كان - ~~والله أعلم - أن العرب كانت تحرم الشهور الأربعة ، وكان هذا مما تمسكت به ~~من ملة إبراهيم ، فربما احتاجوا إلى تحليل المحرم للحرب تكون بينهم ؛ ~~فيكرهون أن يستحلوه و يكرهون تأخير حربهم ، PageV06P014 فيؤخرون تحريم ~~المحرم إلى صفر ، فيحرمونه ويستحلون المحرم ، وهذا هو النسىء الذى قال الله ~~تعالى : { إنما النسىء زيادة فى الكفر } الآية ، وكان ذلك فى كتابه . ~~والنسىء هو التأخير ، ومنه قيل : بعت الشىء بنسيئة . فكانوا يحرمون صفر ~~يريدون به المحرم ، ويقولون : هو أحد الصفرين . قال أبو عبيد : وقد تأول ~~بعض الناس فى قوله عليه السلام : ( ولا صفر ) على هذا ، ثم يحتاجون أيضا ~~إلى تأخير صفر إلى الشهر الذى بعده كحاجتهم إلى تأخير المحرم ، فيؤخرون ~~تحريمه إلى ربيع ، ثم يمكثون بذلك ما شاء الله ، ثم يحتاجون إلى مثله ، ثم ~~كذلك ، فكذلك يتدافع شهرا بعد شهر حتى استدار التحريم على السنة كلها ، ~~فقام الإسلام وقد رجع المحرم إلى موضعه الذى وصفه الله به ، وذلك بعد دهر ~~طويل . وزعم بعض الناس أنهم كانوا يستحلون المحرم عاما ، فإذا كان قابل ~~ردوه إلى تحريمه ، والتفسير الأول أحب إلى لقوله عليه السلام : ( إن الزمان ~~قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض ) وليس فى التفسير الأخير ~~استدارة ، وعلى هذا الذى فسرناه يكون قوله تعالى : { يحلونه عاما ويحرمونه ~~عاما } مصدقا له ؛ لأنهم إذا حرموا فى العام المحرم وفى قابل صفر ، ثم ~~احتاجوا بعد ذلك إلى تحليل صفر أيضا أحلوه ، وحرموا الذى بعده ، فهذا تأويل ~~قوله تعالى : { يحلونه عاما ويحرمونه عاما } PageV06P015 قال أبو عبيد : ~~وفى هذا تفسير آخر ، يقال : إنه فى الحج ، حدثناه سفيان بن عيينة ، عن ابن ~~أبى نجيح ، عن ms1847 مجاهد فى قوله تعالى : { ولا جدال فى الحج } قال : قد استقر ~~الحج فى ذى الحجة لا جدال فيه . وفى غير حديث سفيان يروى عن معمر ، عن ابن ~~أبى نجيح ، عن مجاهد قال : كانت العرب فى الجاهلية يحجون عامين فى ذى ~~القعدة ، وعامين فى ذى الحجة ، فلما كانت السنة التى حج فيها أبو بكر قبل ~~حجة النبى - عليه السلام - كان الحج فى السنة الثانية من ذى القعدة ، فلما ~~كانت السنة التى حج فيها النبى - عليه السلام - فى العام المقبل عاد الحج ~~إلى ذى الحجة . وقال ثابت بن حزم : روى سفيان بن حسين قال : حدثنى أبو بشر ~~، عن مجاهد قال : حج أبو بكر فى ذى الحجة . وذكر ثابت فى غريب الحديث حديث ~~أبى بكرة وقال فيه : ( أليس البلدة ؟ ) بفتح اللام ، قال : ومنى أيضا ~~يسمونها البلدة ، وقد ذكر الله مكة فى كتابه فقال : { إنما أمرت أن أعبد رب ~~هذه البلدة } بإسكان اللام ، فلا أعرف ما قال ثابت إلا أن تكون لغة للعرب ~~أيضا بفتح اللام . * * * # | 6 - باب الأضحى والمنحر بالمصلى # / 7 - فيه : ابن عمر ، أنه كان ينحر فى المنحر ، يعنى منحر النبى ، عليه ~~السلام . PageV06P016 / 8 - وقال ابن عمر : إن النبى ، عليه السلام ، كان ~~ينحر ويذبح بالمصلى . إنما هذا سنة الإمام خاصة أن يذبح أضحيته أو ينحر ~~بالمصلى ، وعلى ذلك جرى العمل فى أمصار المسلمين ، وكان ابن عمر يذبح ~~بالمصلى ، ولم ير ذلك مالك لغير الإمام . وقال المهلب : وإنما يذبح الإمام ~~بالمصلى ليراه الناس فيذبحون على يقين بعد ذبحه ، ويشاهدون صفة ذبحه ؛ لأنه ~~مما يحتاج فيه إلى العيان ، وليتأخر الذبح بعد الصلاة كما قال فى الخطبة : ~~( أول ما نبدأ به أن نصلى ثم ننصرف فننحر ) . قال مالك : إنما يذبح الإمام ~~فى المصلى لئلا يذبح أحد قبله . من رواية ابن وهب . * * * # | 7 - باب فى أضحية النبى ، عليه السلام ، بكبشين أقرنين ويذكر سمينين # وقال سهل بن حنيف : كنا نسمن الأضحية بالمدينة ، وكان المسلمون يسمنون . ~~/ 9 - فيه : أنس ، كان النبى ، عليه السلام ، يضحى بكبشين ، وأنا أضحى ~~بكبشين ms1848 . / 10 - وقال أنس : انكفأ النبى ، عليه السلام ، إلى كبشين أقرنين ~~أملحين فذبحهما بيده . / 11 - PageV06P017 وفيه : عقبة بن عامر ، أن النبى ~~، عليه السلام ، أعطاه غنما يقسمها على أصحابه ضحايا ، فبقى عتود ، فذكره ~~للنبى ، عليه السلام ، فقال : ( ضح أنت به ) . قال المؤلف : روى عن النبى - ~~عليه السلام - أنه ضحى بكبشين ، أحدهما عنه وعن أهل بيته ، والثانى عن أمته ~~، وروى عنه من طرق متواترة أنه ضحى بكبشين . وروى ابن وهب عن حيوة ، عن أبى ~~صخر ، عن ابن نشيط ، عن عروة ، عن عائشة ( أن النبى - عليه السلام - أمر ~~بكبش أقرن يطأ فى سواد ، وينظر فى سواد ، ويبرك فى سواد ، ثم ذبحه ، وقال : ~~بسم الله ، اللهم تقبل من محمد وآل محمد ، ومن أمته ، ثم ضحى به ) ، ذكره ~~ابن المنذر . وذكر ابن وهب عن يحيى بن عبد الله بن سالم ويعقوب بن عبد ~~الرحمن ، عن عمرو مولى المطلب ، عن المطلب بن عبد الله ، عن جابر بن عبد ~~الله : ( أن النبى - عليه السلام - دعا بكبشه فذبحه ، وقال : بسم الله ~~والله أكبر ، اللهم عنى وعن من لم يضح من أمتى ) . وذكر الطحاوى حديث عائشة ~~وحديث جابر وذكر مثله من حديث أبى سعيد الخدرى ، وهذه الآثار مبينة لمعنى ~~حديث أنس ، ومفسرة له واختلافها يدل على أن الأمر فى ذلك واسع ، فمن أراد ~~أن يضحى عن نفسه باثنين وثلاثة ، فهو أزيد فى أجره إذا أراد PageV06P018 ~~بذلك وجه الله وإطعام المساكين ، وذهب مالك والليث والأوزاعى والشافعى ~~وأحمد وإسحاق وأبو ثور إلى أنه يجوز للرجل أن يضحى بالشاة الواحدة عنه وعن ~~أهل بيته ، وروى مثله عن أبى هريرة وابن عمر ، واحتج أحمد بن حنبل بذبح ~~النبى عن أمته ، قال ابن المنذر : وكره ذلك الثورى وأبو حنيفة وأصحابه . ~~وقال الطحاوى : لا يجوز أن يضحى بشاة واحدة عن اثنين ، وقالوا : إن ما روى ~~عن النبى أنه ذبح عنه وعن أمته منسوخ أو مخصوص ، ومما يدل على ذلك أنه لو ~~كان الكبش يجزئ عن غير واحد ، ولا وقت ولا عدد فى ذلك لكانت البدنة والبقرة ms1849 ~~أحرى أن تكونا كذلك ، ولما رأينا النبى - عليه السلام - وقت فى البدن ~~والبقر ، فنحر فى الحديبية كل واحدة عن سبعة ، دل أنه لا تجزئ فى البدنة ~~والبقرة عن أكثر ممن ذبحت عنه يومئذ ؛ وذلك سبعة ، والشاة أحرى بذلك . قال ~~ابن المنذر : والقول الأول أولى ؛ للثابت عن النبى - عليه السلام . قال ~~المؤلف : والنسخ لا يكون بالدعوى إلا بالنقل الثابت ، واستعمال السنن أولى ~~من إسقاط بعضها ، ولا سلف للكوفيين فى قولهم بالنسخ فى ذلك ، وقد تقدم حديث ~~عقبة فى باب قسمة الإمام الأضاحى بين أصحابه . والعتود : الجذع من المعز ، ~~وهو ابن خمسة أشهر ، ولا يجوز الجذع من المعز فى الضحايا ، وإنما يجوز فيها ~~الثنى ، وهو بعد دخوله PageV06P019 فى السنة الثانية ، والحديث خاص لعقبة ~~لا يجوز لغيره إلا لأبى بردة بن نيار ، والذى رخص له النبى فى مثله ، ولا ~~يجوز لغيرهما . وقوله : ( أملحين ) يعنى أنهما بلون الملح ، عن الطبرى . ~~وقال صاحب العين : الملحة والملح : بياض يشوبه شىء من سواد ، وكبش أملح ~~وعنب ملاحى : ضرب منه فى حبه طول . وقال أبو عبيد عن الكسائى وأبى زيد : ~~الأملح الذى فيه بياض وسواد ، ويكون البياض أكثر . وقول سهل : ( كنا نسمن ~~الأضحية بالمدينة ) فقد قال ابن عباس فى قوله تعالى : { ومن يعظم شعائر ~~الله فإنها من تقوى القلوب } قال : فى الاستسمان والاستعظام والاستحسان . * ~~* * # | 8 - باب قول النبى - صلى الله عليه وسلم - لأبى بردة : ( ضح بالجذع من ~~المعز ولن تجزى عن أحد بعدك ) # / 12 - فيه : البراء ، قال : ضحى خال لى يقال له : أبو بردة قبل الصلاة ، ~~فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( شاتك شاة لحم ) ، فقال : يا ~~رسول الله ، إن عندى داجنا جذعة من المعز ، قال : ( اذبحها ولن تصلح لغيرك ~~. . . . ) الحديث . / 13 - وقال مرة : عناق لبن ، وعناق جذعة ، قال : ( ~~اجعلها مكانها ، ولن تجزئ عن أحد بعدك ) . العلماء مجمعون على القول بظاهر ~~هذا الحديث ، وقد تقدم PageV06P020 الكلام فيه فى باب ما يشتهى من اللحم ~~يوم النحر ، والعناق من المعز ابن خمسة أشهر أو نحوها ، وهو جذعة ، ولا ms1850 ~~يجوز فى الضحايا بإجماع ، وإنما يجوز من المعز الثنى فما فوقه ، وهو ثنى ~~إذا تم له سنة ودخل فى الثانية ، وإنما يجوز الجذع من الضأن فقط ، وهو ابن ~~سبعة أشهر ، قيل : إذا دخل فيها . وقيل إذا أكملها . وعلامته أن يرقد صوف ~~ظهره بعد قيامه ، وإذا كان كذلك قالت العرب : إنه قد أجذع . ولا يجوز من ~~سائر الأزواج الثمانية من الأنعام إلا الثنى فما فوقه ، فثنى البقر إذا كمل ~~له سنتان ودخل فى الثالثة ، وثنى الإبل إذا كمل له خمس سنين ودخل فى ~~السادسة . * * * # | 9 - باب من ذبح الأضاحى بيده # / 14 - فيه : أنس ، ضحى النبى ، عليه السلام ، بكبشين أملحين ، فرأيته ~~واضعا قدمه على صفاحهما يسمى ويكبر ، فذبحهما بيده . ذبح الرجل أضحيته بيده ~~هى السنة ، والعلماء يستحبون ذلك ، قال أبو إسحاق السبيعى : كان أصحاب محمد ~~يذبحون ضحاياهم بأيديهم . قال مالك : وذلك من التواضع لله - تعالى وأن رسول ~~الله كان يفعله ، فإن أمر بذلك مسلما أجزأته وبئس ما صنع . وكذلك الهدى ، ~~وقد كان أبو موسى الأشعرى يأمر بناته أن يذبحن نسكهن بأيديهن ، وروى الزهرى ~~عن النبى - عليه السلام - أنه قال لعائشة أو لفاطمة : ( اشهدى نسيكتك ، ~~فإنه يغفر لك عند أول قطرة من دمها ) وترجم له باب وضع القدم على صفحة ~~الذبيحة ، ومعنى ذلك - والله أعلم - PageV06P021 ليقوى على الإجهاز عليها ، ~~ويكون أسرع لموتها ، لقوله عليه السلام : ( إذا ذبحتم فأحسنوا الذبح ، ~~وليحد أحدكم شفرته ، وليرح ذبيحته ) وليس ذلك من تعذيبها المنهى عنه ، إذ ~~لا يقدر على ذبحها إلا بتفاقها . وقال ابن القاسم : الصواب أن يضجعها على ~~شقها الأيسر ، وعلى ذلك مضى عمل المسلمين ، فإن جهل فأضجعها على الشق الآخر ~~لم يحرم عليه أكلها . وترجم له باب التكبير عند الذبح . قال المهلب : ~~التكبير عند الذبح مما أمر الله به لقوله : { ولتكبروا الله على ما هداكم } ~~وهذا على الندب والاستنان ، ومعناه إحضار النية لله - تعالى - لا لشىء من ~~المعبودات التى كانت الجاهلية تذبح لها ، وكان الحسن البصرى يقول عند ذبح ~~أضحيته : بسم الله والله أكبر ، هذا منك ms1851 ولك اللهم تقبل من فلان . وكره أبو ~~حنيفة أن يذكر مع اسم الله غيره ، أن يقول : اللهم تقبل من فلان عند الذبح ~~، ولا بأس بذلك قبل التسمية وقبل الذبح . وقال ابن القاسم : ليقل الذابح : ~~بسم الله والله أكبر ، وليس بموضع صلاة على النبى ، ولا يذكر هناك إلا الله ~~وحده . وهو قول الليث ، وكان ابن عمر يقول : بسم الله والله أكبر . قال ابن ~~القاسم : وإن سمى الله أجزأه ، وإن شاء قال : اللهم تقبل منى . وأنكر مالك ~~قولهم : اللهم منك وإليك . وقال الشافعى : التسمية على الذبيحة بسم الله ، ~~فإن زاد PageV06P022 بعد ذلك شيئا من ذكر الله أو صلى على محمد لم أكرهه ، ~~وإن قال : اللهم تقبل منى ، فلا بأس . وقال محمد بن الحسن : إن ذبح شاة ~~فقال : الحمد لله ، أو قال : سبحان الله والله أكبر ، يريد بذلك التسمية ، ~~فلا بأس ، وهذا كله تسمية ، قال وإن قال : الحمد لله ، يريد أن يحمده ، ولا ~~يريد به التسمية ، فلا يجزئ شىء عن التسمية ، ولا يؤكل وبه قال أبو ثور . * ~~* * # | 10 - باب من ذبح ضحية غيره وأعان رجل ابن عمر فى بدنته ، وأمر أبو موسى ~~بناته أن يضحين بأيديهن # / 15 - فيه : عائشة ، قالت : دخل على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~بسرف وأنا أبكى ، فقال : ( ما لك ، أنفست ) ؟ قلت : نعم ، قال : ( هذا أمر ~~كتبه الله على بنات آدم ، فاقضى ما يقضى الحاج غير أن لا تطوفى بالبيت ) ، ~~وضحى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن نسائه بالبقر . قال المهلب : فى ~~هذا الحديث حجة لرواية ابن عبد الحكم عن مالك أنه إن ذبح لرجل أضحيته بغير ~~أمره من يقوم بخدمته من الولد أو بعض عياله ، وذبحها على وجه الكفاية ، ~~أنها تجزئ عنه ، كما ذبح الرسول عن أزواجه البقر . وقال الأبهرى : إذا ~~ذبحها من يقوم بأمره كالأخ والوكيل فيجوز ، لأنه ناب عنه وذبح عنه . ~~واختلفوا إن أمر بذبحها غير مسلم ، فكره ذلك على بن PageV06P023 أبى طالب ، ~~وابن عباس ، وجابر ، ومن التابعين : ابن سيرين ، والشعبى ، والحسن ، وربيعة ~~، وقاله الليث ms1852 . وقال مالك : أرى أن يبدلها بأخرى حتى يذبحها هو بنفسه ~~صاغرا ، فإن ذلك من التواضع ، وكان رسول الله يذبح بنفسه . وكره ذلك الثورى ~~والكوفيون والشافعى وأشهب صاحب مالك ، فإن وقع أجزأ ذلك عندهم ، وأجاز ذلك ~~عطاء . وجه هذه المقالة أن الله أباح لنا ذبائحهم ، وإذا كان لنا أن نولى ~~ذبائحنا من تحل لنا ذبيحته من المسلمين ، كان جميع من حلت لنا ذبيحته من ~~المسلمين ، فى معناه فى أنه يقوم مقامه ولا فرق بين ذلك . قال ابن المنذر : ~~ومن كرهه ، فإنما هو على وجه الاستحباب لا على وجه التحريم . قال مالك : ~~فإن ذبحها أجنبى مسلم بغير أمره ، لم تجز عنه ، وهو ضامن لها ، وأجاز ذلك ~~أبو حنيفة والشافعى . وحجة من أجازها أن من أصولهم أن الضحية تجب عندهم ~~بالشراء قياسا على ما اتفقوا عليه من الهدى إذا بلغ محله فذبحه ذابح بغير ~~أمره أنه يجزئ عنه ، لأنه شىء خرج من ماله لله فكأن الذابح ذبحه للمساكين ~~المستحقين له . وأما مالك فالهدى عنده مخالف للضحايا ، فتجب الضحايا عنده ~~بالذبح لا بالشراء ، لأنه يجيز للمضحى أن يبدل أضحيته بأفضل منها وأسمن ، ~~فهى مفتقرة إلى نية ، فلذلك لم يجز أن يذبحها أحد PageV06P024 عنه بغير ~~أمره ، وقول مالك أولى بالحديث - والله أعلم - وليس لأحد عنده أن يبدل هديه ~~. * * * # | 11 - باب الذبح بعد الصلاة # / 16 - فيه : البراء ، سمعت النبى ، عليه السلام ، يخطب ، فقال : ( إن ~~أول ما نبدأ به من يومنا هذا أن نصلى ، ثم نرجع فننحر ، فمن فعل هذا ، فقد ~~أصاب سنتنا ومن نحر ، فإنما هو لحم يقدمه لأهله ليس من النسك فى شىء ) ، ~~فقال أبو بردة : يا رسول الله ، ذبحت قبل أن أصلى وعندى جذعة خير من مسنة ؟ ~~قال : ( اجعلها مكانها ولن تجزئ عن أحد بعدك ) . وترجم له : باب : من ذبح ~~قبل الصلاة أعاد . / 17 - وزاد فيه : حديث جندب ابن سفيان البجلى ، قال : ~~شهدت النبى ، عليه السلام ، يوم النحر ، فقال : ( من ذبح قبل أن يصلى فليعد ~~مكانها أخرى ، ومن لم يذبح فليذبح ) . قال المؤلف : سنة ms1853 الذبح بعد الصلاة ، ~~وأجمع العلماء أن من ذبح قبل الصلاة فعليه الإعادة ، لأنه ذبح قبل وقته ، ~~واختلفوا فيمن ذبح بعد الصلاة وقبل ذبح الإمام ، فذهب أبو حنيفة والثورى ~~والليث إلى أنه يجوز ذلك ، واحتجوا بحديث البراء أن النبى - عليه السلام - ~~قال : ( أول ما نبدأ به فى يومنا هذا أن نصلى ، ثم نرجع فننجر ) وبقوله فى ~~حديث جندب ابن سفيان : ( من ذبح قبل أن يصلى فليعد ) قالوا : فإذا حل ~~للإمام الذبح بتمام الصلاة ، حل لغيرة ، ولا معنى لانتظاره . PageV06P025 ~~وقال مالك والأوزاعى والشافعى : لا يجوز لأحد أن يذبح قبل الإمام ، واحتجوا ~~بحديث ابن جريج ، عن أبى الزبير ، عن جابر : ( أن النبى - عليه السلام - ~~صلى يوم النحر بالمدينة ، فتقدم رجال فنحروا وظنوا أن النبى قد نحر ، ~~فأمرهم أن يعيدوا ) . وقال الحسن فى قوله تعالى : { يا أيها الذين آمنوا لا ~~تقدموا بين يدى الله ورسوله } قال : نزلت فى قوم نحروا قبل أن ينحر النبى - ~~عليه السلام . ودفع الطحاوى حديث ابن جريج عن أبى الزبير ، عن جابر ، وقال ~~: رواه حماد بن سلمة ، عن أبى الزبير ، عن جابر : ( أن رجلا ذبح قبل أن ~~يصلى النبى - عليه السلام - فنهى رسول الله أن يذبح أحد قبل الصلاة ) قال : ~~ففى هذا الحديث أن النهى من النبى - عليه السلام - إنما قصد به إلى النهى ~~قبل الصلاة لا قبل ذبحه هو ولا يجوز أن ينهاهم عن الذبح قبل أن يصلى إلا ~~وهو يريد بذلك إعلامهم إباحة الذبح لهم بعدما يصلى ، وإلا لم يكن لذكر ~~الصلاة معنى . قالوا : ويشهد لهذا قوله عليه السلام فى حديث البراء : ( إن ~~أول نسكنا فى يومنا هذا أن نبدأ بالصلاة ، ثم نرجع فنحر ) فأخبر أن النسك ~~يوم النحر إنما هو الصلاة ، ثم الذبح بعدها ، فدل ذلك على أن ما يحل به ~~الذبح هو الصلاة لا نحر الإمام الذى يكون بعدها ، وأن حكم النحر قبل الصلاة ~~خلاف حكمه بعدها ، وأما من طريق النظر فإنا رأينا الإمام لو لم ينحر أصلا ~~لم يكن ذلك بمسقط عن الناس النحر ، ولا ms1854 مانع لهم منه ، ولو أن إماما تشاغل ~~يوم النحر PageV06P026 بقتال عدو أو غيره فلم ينحر ؛ أن لغيره ممن أراد ~~الضحية أن يضحى ، فإن قال : ليس له أن يضحى . خرج من قول جميع الأئمة ، وإن ~~قال : لهم أن يضحوا بعد زوال الشمس لذهاب وقت الصلاة . فدل أن ما حل به ~~النحر ما كان وقت صلاة العيد ، إنما هو الصلاة لا نحر الإمام ، ألا ترى أن ~~الإمام لو نحر قبل أن يصلى لم يجزئه ذلك ؟ وكذلك سائر الناس ، فكان حكم ~~الإمام والناس فى الذبح قبل الصلاة سواء فى أن لا يجزئهم ، فالنظر على ذلك ~~أن يكون الإمام وسائر الناس سواء فى الذبح بعد الصلاة ، أنه يجزئهم كلهم . ~~قال المهلب : إنما كره الذبح قبل الإمام - والله أعلم - لئلا يشتغل الناس ~~عن الصلاة ويحرمها المساكين مع المشتغلين بالذبح ، ألا ترى أن النبى قد أمر ~~بإخراج العوائق وغيرهن ليشهدوا بركة دعوة المسلمين ؟ واختلفوا فى وقت ذبح ~~أهل البادية ، فقال مالك : يذبح أهل البوادى إذا نحر أقرب أئمة القرى إليهم ~~فإن أخطئوا وذبحوا قبله أجزأهم . وقال عطاء : يذبح أهل القرى بعد طلوع ~~الشمس . وقال الشافعى : وقت الذبح وقت صلاة النبى من حيث حلت الصلاة ، وقد ~~خطبتين ، وأما صلاة من بعده فليس فيها وقت . وبه قال أحمد . PageV06P027 ~~وقال أبو حنيفة وأصحابه : من ذبح من أهل السواد بعد طلوع الفجر أجزأه ؛ ~~لأنه ليس عليهم صلاة العيد . وهو قول الثورى وإسحاق . * * * # | 12 - باب إذا بعث بهديه ليذبح لم يحرم عليه شىء # / 18 - فيه : مسروق ، أنه أتى عائشة ، فقال لها : يا أم المؤمنين ، إن ~~رجلا يبعث بالهدى إلى الكعبة ، ويجلس فى المصر ، فيوصى أن تقلد بدنته ، فلا ~~يزال من ذلك اليوم محرما حتى يحل الناس ، قال : فسمعت تصفيقها من وراء ~~الحجاب ، فقالت : لقد كنت أفتل قلائد هدى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~، فيبعث هديه إلى الكعبة ، فما يحرم عليه مما حل للرجال من امرأته حتى يرجع ~~الناس . هذا الباب فيه رد على من قال : إن من بعث بهديه إلى ms1855 الكعبة لزمه ~~إذا قلده الإحرام ، ويجتنب كل ما يجتنبه الحاج حتى ينحر هديه ، روى هذا عن ~~ابن عباس وابن عمر ، وهو قول عطاء بن أبى رباح . وأئمة الفتوى على خلاف هذا ~~القول ، وقد تقدم بيان الحجة لهم فى ذلك فى كتاب الحج ، وهذا الحديث يرد ما ~~روى عن أم سلمة عن النبى أنه قال : ( من رأى منكم هلال ذى الحجة وأراد أن ~~يضحى ، فلا يأخذ من شعره أو أظفاره حتى يضحى ) . وأخذ بظاهر حديث أم سلمة ~~سعيد بن المسيب ، وأحمد ، وإسحاق . وقال الليث : قد جاء هذا الحديث ، وأكثر ~~الناس على خلافه . PageV06P028 قال الطحاوى : حديث عائشة أحسن مجيئا من ~~حديث أم سلمة ، لأنه جاء مجيئا متواترا ، وحديث أم سلمة قد طعن فى إسناده ، ~~وقيل : إنه موقوف على أم سلمة ، رواه ابن وهب وعثمان بن عمر ، عن مالك ، عن ~~عمر بن مسلم ، عن سعيد بن المسيب ، عن أم سلمة ، ولم يرفعه . وأما من طريق ~~النظر فرأينا الإحرام يحظر أشياء مما كانت حلالا قبله ، منها الجماع ~~والقبلة وقص الأظفار وحلق الشعر والصيد . فكل هذه الأشياء تحرم بالإحرام ~~وأحكامها مختلفة ، وذلك أن الجماع يفسد الإحرام ، ولا يفسده ما سوى ذلك ، ~~ثم رأينا من دخلت عليه أيام العشر لا يحرم عليه الجماع ، وهو أغلظ ما يحرم ~~به الإحرام ، فكان أحرى أن لا يمنع ما دون ذلك . * * * # | 16 - باب ما يؤكل من لحم الأضاحى وما يتزود منها # / 19 - فيه : جابر ، كنا نتزود لحوم الأضاحى على عهد النبى ، عليه السلام ~~، إلى المدينة . وقال غير مرة : لحوم الهدي . / 20 - وفيه : أبو سعيد ، أنه ~~كان غائبا ، فقدم فقدم إليه لحم ، فقالوا : هذا من لحم ضحايانا ، فقال : ~~أخروه لا أذوقه ، ثم قمت فخرجت حتى آتى أخى أبا قتادة - وكان أخاه لأمه - ~~فذكرت ذلك له ، فقال : إنه قد حدث بعدك أمر . PageV06P029 / 21 - وفيه : ~~سلمة ، قال : قال الرسول - صلى الله عليه وسلم - : ( من ضحى منكم فلا يصبحن ~~بعد ثالثة ، وبقى فى بيته منه شىء ) ، فلما كان العام المقبل ، قالوا : يا ~~رسول الله ms1856 ، نفعل كما فعلنا عام الماضى ؟ قال : ( كلوا وأطعموا وادخروا ، ~~فإن ذلك العام كان بالناس جهد ، فأردت أن تعينوا فيها ) . / 22 - وفيه : ~~عائشة ، قالت : الضحية كنا نملح منه ، فنقدم به إلى النبى ، عليه السلام ، ~~بالمدينة ، فقال : ( لا تأكلوا إلا ثلاثة أيام ، وليست بعزيمة ، ولكن أراد ~~أن نطعم منه ، والله أعلم ) . / 23 - وفيه : أبو عبيد مولى ابن أزهر ، أنه ~~شهد العيد يوم الأضحى مع على ابن أبى طالب ، فصلى قبل الخطبة ، ثم خطب ~~الناس ، فقال : ( إن النبى ، عليه السلام ، نهاكم أن تأكلوا لحم نسككم فوق ~~ثلاث ) . / 24 - وفيه : ابن عمر ، قال عليه السلام : ( كلوا من الأضاحى ~~ثلاثا ) . وكان ابن عمر يأكل بالزيت حين ينفر من منى من أجل لحوم الهدى . ~~واختلف العلماء فى هذا الباب ، فذهب قوم إلى أن يحرموا لحوم الأضاحى بعد ~~ثلاث ، واحتجوا بحديث أبى عبيد عن على بن أبى طالب : ( أن النبى نهى أن ~~يؤكل من لحم الأضاحى بعد ثلاث ) وبحديث ابن عمر : ( أنه عليه السلام أباح ~~لهم الأكل منها ثلاثا ) وإليه ذهب ابن عمر . وخالفهم فى ذلك آخرون ولم يروا ~~بأكلها وادخارها بأسا ، وعليه الجمهور ، واحتجوا بحديث جابر وحديث أبى سعيد ~~الخدرى وحديث سلمة وقالوا : أحاديث الإباحة ناسخة للنهى فى ذلك ، هذا قول ~~الطحاوى . PageV06P030 وقال المهلب : والذى يصح عندى أنه ليس فيها ناسخ ولا ~~منسوخ ، وقد فسر ذلك فى الحديث بقوله : إنما كان ذلك من أجل الجهد ، ومن ~~أجل الدافة ، فكان نظرا منه عليه السلام لمعنى ، فإذا زال المعنى سقط الحكم ~~، وإذا ثبت المعنى ورأى ذلك الإمام عهد بمثل ما عهد به عليه السلام ؛ توسعه ~~على المحتاجين . وقول عائشة : ( وليست بعزيمة ولكنه أراد أن يطعم منه ) ~~يبين أنه ليس بمنسوخ ، ولا النهى عن ذلك بمعنى التحريم ، وان للإمام ~~والعالم أن يأمر بمثل هذا ، ويحض عليه إذا نزل بالناس حاجة . وروى إسرائيل ~~عن أبى إسحاق ، عن عياش بن ربيعة قال : ( أتيت عائشة فقلت : يا أم المؤمنين ~~، أكان رسول الله يحرم لحوم الأضاحى فوق ثلاث ؟ قالت : لا ، ولكن لم يكن ms1857 ~~ضحى منهم إلا قليل ، ففعل ذلك ليطعم من ضحى منهم من لم يضح ، ولقد رأيتنا ~~نخبئ الكراع ثم نأكلها بعد ثلاث ) . رواه الطحاوى : عن فهد ، عن أبى غسان ، ~~عن إسرائيل . قال الطحاوى : فإن قيل : قد روى عبد الوارث ، عن على بن زيد ~~قال : حدثنى النابغة ابن مخارق بن سليم ، عن أبيه ، عن على ، عن النبى أنه ~~قال : ( إنى كنت قد نهيتكم عن لحوم الأضاحى أن تدخروها فوق ثلاث ؛ فادخروها ~~ما بدا لكم ) وهذا يعارض ما روى عن على أنه خطب به الناس وعثمان محصور فى ~~الدار فقال : ( لا تأكلوا من لحوم أضاحيكم بعد ثلاثة أيام ، فإن رسول الله ~~كان يأمرنا بذلك ) . PageV06P031 فدل هذا على أن النبى - عليه السلام - كان ~~قد نهى عن ذلك بعد ما أباحه حتى تتفق معانى ما روى عن على فى ذلك ولا تتضاد ~~. قيل : قد جاء فى الحديث بيان هذا ، وذلك أنه قد كان عليه السلام نهى عنها ~~لشدة كان الناس فيها ، ثم ارتفعت تلك الشدة فأباح لهم ذلك ، ثم عاد مثل ذلك ~~فى وقت ما خطب على بالناس ، فأمرهم بما كان رسول الله أمرهم به فى مثل ذلك ~~. والدليل على ذلك حديث سلمة بن الأكوع أنه قال عليه السلام : ( كلوا ~~وادخروا ؛ فإن ذلك العام كان بالناس جهد ، فأردت أن تعينوا فيها ) ، وقال : ~~( إنما كنت نهيتكم من أجل الدافة التى دفت ) فدل هذا القول أن النهى من ~~رسول الله للعارض المذكور ، فلما ارتفع ذلك العارض أباح لهم رسول الله ما ~~كان حظر عليهم ، فكذلك ما فعل على فى زمن عثمان ، وأمر به الناس بعد علمه ~~بإباحة رسول الله ما قد نهاهم عنه إنما كان لضيق بدا فيه مثلما كان فى زمن ~~رسول الله فى الوقت الذى نهاهم عن لحوم الأضاحى . وبإباحة أكل لحوم الأضاحى ~~وتزودها قال مالك والكوفيون والشافعى وجمهور الأئمة . فإن قال قائل : فقوله ~~عليه السلام : ( كلوا وأطعموا ) هل فيه دليل على وجوب الأكل من الضحية ؟ ~~وهل هو كقوله : { ويذكروا اسم الله فى أيام معلومات ms1858 على ما رزقهم من بهيمة ~~الأنعام فكلوا منها } . PageV06P032 قال الطبرى : معناهما واحد ، وهو أمر ~~بمعنى الإطلاق والإذن للأكل ، لا بمعنى الإيجاب ، وذلك أنه لا خلاف بين سلف ~~الأمة وخلفها أن المضحى غير حرج بتركه الأكل من أضحيته ولا آثم ، فدل ~~إجماعهم على ذلك أن الأمر بالأكل منها بمعنى الإذن والإطلاق . فإن قيل : ~~اذكر لنا بعض من قال ذلك . قيل : سئل مجاهد وعطاء عن الذى لا يأكل من ~~أضحيته ، قالا : إن شاء لم يأكل منها ، قال الله تعالى : { وإذا حللتم ~~فاصطادوا } أ رأيت إن لم يصطد ؟ . وقال إبراهيم : كان المشركون لا يأكلون ~~من ذبائحهم ، فرخص للمسلمين ، فمن شاء أكل ومن شاء لم يأكل . وقال سفيان : ~~لا بأس ألا يأكل منها ويطعمها كلها . قال الطبرى : وهو قول جميع أئمة ~~الأمصار . فإن قيل : فهل روى عن أحد من السلف أنه كان يطعم منها غنيا أو من ~~ليس بمسلم ؟ قيل : نعم ، قد روى هشام بن عروة عن أبيه ، عن عائشة قالت : ~~كان عمر يبعث إلينا من فضول الأضاحى بالرءوس والأكارع . وقال الحسن : لا ~~بأس أن تطعم من أضحيتك جارك اليهودى والنصرانى والمجوسى . فإن قيل : فكم ~~مقدار ما يستحب له أن يأكل منها ، ومقدار ما يتصدق به ؟ PageV06P033 قيل له ~~: يستحب له أن يتصدق بثلثها ، ويأكل ثلثها ، ويطعم الجيران ثلثها ؛ لأن ذلك ~~كان يفعله بعض السلف ، وأما قدر ما ينبغى له أن لا يقصر فى أكله منها فبضعة ~~؛ لأن النبى قد ورد عنه ( أنه أمر أن يطبخ من كل بدنة من بدنه التى نحرها ~~بضعة ، فأكل منها وتحسى من مرقها ) . وروى عن على ( أنه ذبح أضحيته ، فشوى ~~كبدها وتصدق بسائرها ، ثم أخذ رغيفا وكبدا بيده الأخرى فأكل ) . وقال سفيان ~~الثورى : إن أراد أن لا يتصدق من أضحيته بشىء ، قال : لا ينبغى له ، ولكن ~~إن تصدق بلقمة أجزأه . PageV06P034 * * * بسم الله الرحمن الرحيم # | 26 - كتاب الأشربة # # | 1 - باب قوله الله تعالى : { إنما الخمر والميسر } الآية [ المائدة : ~~90 ] # / 1 - فيه : ابن عمر ، قال عليه السلام : ( من شرب الخمر فى ms1859 الدنيا ، ثم ~~لم يتب منها حرمها فى الآخرة ) . / 2 - وفيه : أبو هريرة ، أن النبى - صلى ~~الله عليه وسلم - أتى ليلة أسرى به بإيلياء بقدحين من خمر ولبن ، فنظر ~~إليهما ، ثم أخذ اللبن ، فقال جبريل : الحمد لله الذى هداك للفطرة ، ولو ~~أخذت الخمر غوت أمتك . / 3 - وفيه : أنس ، قال عليه السلام : ( من أشراط ~~الساعة أن يظهر الجهل ، ويقل العلم ، ويظهر الزنا ، وتشرب الخمر ، ويقل ~~الرجال ، وتكثر النساء حتى يكون لخمسين امرأة قيمهن رجل واحد ) . / 4 - ~~وفيه : أبو هريرة ، قال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( لا يزنى الزانى ~~حين يزنى وهو مؤمن ، [ ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن ] ، ولا يسرق ~~السارق حين يسرق وهو مؤمن ، ولا ينتهب نهبة ذات شرف . . . . . ) الحديث . ~~قال المهلب : تحريم الخمر فى الكتاب والسنة والإجماع ، أما الكتاب فقوله ~~تعالى : { إنما الخمر والميسر والأنصاب } الآيتين ، ويبين الله فيها علة ~~تحريم الخمر بقوله : { إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء ~~فى الخمر والميسر } . قال ابن القصار وغيره : وهاتان الآيتان تتضمن دلائل ~~كثيرة على PageV06P035 تحريمها : فمنها : قوله تعالى : { رجس } يعنى نجسا ، ~~ثم قال فى موضع آخر : { قل لا أجد فيما أوحى إلى محرما على طاعم يطعمه إلا ~~أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير فإنه رجس } ، فبان فى هذه الآية ~~أن الرجس المأمور باجتنابه فى الآية الأخرى حرام بنص الله - تعالى - على ~~ذلك . والثانى : قوله { من عمل الشيطان } . والثالث : قوله { فاجتنبوه ~~لعلكم تفلحون } أى : كونوا جانبا منه ، وهذا أمر كقوله : { فاجتنبوا الرجس ~~من الأوثان } { واجتنبوا الطاغوت } وضد الفلاح الفساد ، ثم قال تعالى : { ~~فهل أنتم منتهون } . وهذه اللفظة يقال : إنها أبلغ لفظ للعرب فى النكير ~~والمنع ، وقال تعالى : { قل إنما حرم ربى الفواحش ما ظهر منها وما بطن ~~والإثم والبغى } والمراد بالإثم الخمر ، قال الشاعر : شربت الإثم حتى زال ~~عقلى كذلك الإثم يذهب بالعقول وقال تعالى : { ويسألونك عن الخمر والميسر قل ~~فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما } فلما جعل الغلبة ~~للإثم علم أن ذلك محرم ms1860 . قال المهلب : وهذه الأحاديث التى ذكرها البخارى فى ~~هذا الباب تدل على التحريم ؛ لشدة الوعيد فيها ، وهى قوله : ( من شرب ~~PageV06P036 الخمر ثم لم يتب منها حرمها فى الآخرة ) ومعنى هذا عند أهل ~~السنة إن أنفذ الله عليه الوعيد . وقوله فى حديث أبى هريرة : ( لو أخذت ~~الخمر غوت أمتك ) دليل على تحريم الخمر ؛ لأن الغى محرم ، و فى هذا دليل ~~على أن الأقدار عند الله بشروط ، متى وقعت الشروط وقعت الأقدار ، ومتى لم ~~تقع الشروط لم يوقع الله تلك الأقدار على ما سبق من هدايته لعبده إلى تلك ~~الشروط أو لغيرها من الأفعال التى أراد أن ينفذها عليه من هدى أو ضلال . ~~وقوله فى حديث أنس : ( إن من أشراط الساعة أن يظهر الزنا ، ويشرب الخمر ) ~~فقرن بينهما فى الرتبة فكذلك هما فى التحريم وأما قوله : ( لا يزنى وهو ~~مؤمن ولا يشرب الخمر وهو مؤمن ) فهذا من أشد ما جاء فى شارب الخمر ، وقد ~~تعلق بظاهر هذا الحديث الخوارج ؛ فكفروا المؤمنين بالذنوب . والذى عليه أهل ~~السنة وعلماء الأمة أن قوله : ( مؤمن ) يعنى مستكمل الإيمان ؛ لأن شارب ~~الخمر والزانى أنقص حالا ممن لم يأت شيئا من ذلك لا محالة ، لا أنه كافر ~~بذلك ، وسأستقصى مذاهب العلماء فى تأويل هذا الحديث فى أول كتاب الحدود - ~~إن شاء الله - وإنما أدخل البخارى هذه الأحاديث فى هذا الباب - والله أعلم ~~- بالوعيد والتشديد فى الخمر ؛ ليكون عوضا من حديث ابن عمر أن PageV06P037 ~~النبى - عليه السلام - قال : ( كل مسكر حرام ) ولم يخرجه فى كتابه ؛ لأنه - ~~يروى موقوفا - ؛ فلذلك تركه . قال الطبرى : وفى قوله تعالى : { إنما يريد ~~الشيطان } الآية الدلالة على تحريم الله على عباد المؤمنين أن يعادى بعضهم ~~بعضا ، والأمر منه لهم بالألفة والتواخى والتواصل ، ودلت الآية على أن ~~تحريم الخمر إنما كان من أجل إيجابه إثارة العداوة والبغضاء ، ومعلوم أن ~~الله - تعالى - إذا كان حرمه من أجل إيجابه العداوة والبغضاء بين عبادة ، ~~أن المعنى الذى حرم ذلك من أجله أوكد فى التحريم ، وأبعد من التحليل ، ~~فالعداوة والبغضاء ms1861 إذا بين المؤمنين أشد وأعظم عند الله ، بدلالة هذه الآية ~~، وكذلك التفريط فى الصلاة وتضييع وقتها أعظم عند الله من شرب الخمر ~~والقمار . وفيه دليل أن عداوة المؤمن للمؤمن عدل تضييع وقت الصلاة والتفريط ~~فيها وفى ذكر الله ، لأن الله جمع بين جميع ذلك فى تحريمه السبب الذى يوجب ~~لأجله ذلك ، فحرم الله الخمر والميسر لمصلحة خلقه . * * * # | 2 - باب الخمر من العنب وغيره # / 5 - فيه : ابن عمر ، لقد حرمت الخمر ، وما بالمدينة منها شىء . / 6 - ~~وفيه : أنس قال : حرمت علينا الخمر حين حرمت ، وما نجد خمر الأعناب إلا ~~قليلا ، وعامة خمرنا البسر والتمر . PageV06P038 / 7 - وفيه : ابن عمر ، ~~قال : قام عمر على المنبر ، فقال : أما بعد ، نزل تحريم الخمر ، وهى من ~~خمسة : العنب ، والتمر ، والعسل ، والحنطة ، والشعير ، والخمر ما خامر ~~العقل . قال المؤلف : هذا الباب رد على الكوفيين فى قولهم : إن الخمر من ~~العنب خاصة ، وإن كل شراب يتخذ من غيره فغير محرم ما دون السكر منه . قال ~~المهلب : وهذا التفسير من عمر مقنع ، ليس لأحد أن يتسور فيقول : إن الخمر ~~من العنب وحده ، فهؤلاء أصحاب النبى وهم فصحاء العرب ، والفقهاء عن الله ~~ورسوله قد فسروا ما حرمه الله وقالوا : إن الخمر من خمسة أشياء ، وقد أخبر ~~عمر بذلك حكاية عما نزل من القرآن ، وتفسيرا للجملة ، وقال : الخمر ما خامر ~~العقل ، وخطب بذلك على منبر النبى - عليه السلام - بحضرة الصحابة من ~~المهاجرين والأنصار وغيرهم ، ولم ينكره أحد منهم فصار كالإجماع ، وهذا ابن ~~عمر يقول : ( حرمت الخمر وما بالمدينة منها شىء ) يعنى خمر العنب . وقال ~~أنس : ( وما نجد خمر الأعناب إلا قليلا ) وممن روى عنه من الصحابة أن الخمر ~~يكون من غير العنب - وان كان لا مخالف فيهم - : عمر بن الخطاب ، وعلى بن ~~أبى طالب و أبو موسى الأشعرى ، وابن عباس ، وابن عمر ، وأبو هريرة ، وسعد ، ~~وعائشة . ومن التابعين : سعيد بن المسيب ، وعروة ، وعمر بن عبد العزيز ، فى ~~تابعى أهل المدينة . PageV06P039 ومن أهل الكوفة ابن مسعود روى عنه فى نقيع ~~التمر أنه ms1862 خمر ، وبه قال الشعبى ، وابن أبى ليلى ، والنخعى ، والحسن البصرى ~~، وعبد الله ابن إدريس الأدوى ، وسعيد بن جبير ، وطلحة بن مصرف ، كلهم ~~قالوا : المسكر خمر . وهو قول مالك ، والأوزاعى ، والثورى ، وابن المبارك ، ~~والشافعى ، وأحمد ، وإسحاق ، وعامة أهل الحديث . وروى صفوان بن محرز قال : ~~سمعت أبا موسى على المنبر يقول : ( ألا إن خمر أهل المدينة : البسر والتمر ~~، وخمر أهل فارس : العنب ، وخمر أهل اليمن : البتع ، وهو العسل ، وخمر ~~الحبشة : الإسكركة ، وهو الأرز ) . قال إسماعيل بن إسحاق : فإذا تبين أن ~~الخمر يكون من هذا كله ، وجب أن يجرى كله مجرى واحدا وألا نفرق بين المسكر ~~من العنب ، والمسكر من غيره ، والمزر يصنع من الشعير ، وهو الجعة أيضا . * ~~* * # | 3 - باب نزل تحريم الخمر وهى من البسر والتمر # / 8 - فيه : أنس ، قال : كنت أسقى أبا عبيدة وأبا طلحة وأبى بن كعب من ~~فضيخ زهو وتمر ، فجاءهم آت ، فقال : إن الخمر قد حرمت ، فقال أبو طلحة : قم ~~يا أنس ، فأهرقها ، فأهرقتها . / 9 - وقال سليمان والد المعتمر لأنس : ما ~~شرابهم ؟ قال : رطب وبسر ، PageV06P040 قال أبو بكر بن أنس : وكانت خمرهم ، ~~فلم ينكر أنس . وحدثنى بعض أصحابى أنه سمع أنسا يقول : كانت خمرهم يومئذ . ~~/ 10 - وفيه : أنس ، أن الخمر حرمت ، والخمر يومئذ البسر والتمر . وهذا ~~الباب أيضا كالذى قبله حجة على العراقيين أن الخمر من العنب وحده ؛ لأن ~~الصحابة القدوة فى علم اللسان ، ولا يجوز عليهم أن يفهموا أن الخمر إنما هى ~~من العنب خاصة ، ويهريقوا جرار الفضيخ وهى غير خمر ، وقد نهى عن إضاعة ~~المال ، وإنما أهراقوها لأنها الخمر المحرمة عندهم من غير شك ، ولو شكوا فى ~~ذلك لسألوا النبى - عليه السلام - عن عينها وما يقع عليه أسمها ، وقد قال ~~أنس : إنهم لم يعودوا فيها حتى لقوا الله . قال إسماعيل بن إسحاق : جاء فى ~~الآثار من تفسير الخمر ما هى واللغة المشهورة والنظر ما يعرفه ذوو الألباب ~~بعقولهم ، أن كل شىء أسكر فهو خمر ، أما كتاب الله فقوله : { ومن ثمرات ~~النخيل والأعناب تتخذون منه سكرا ورزقا ms1863 حسنا } فعلم أن السكر من العنب مثل ~~السكر من النخيل ، وقال تعالى : { لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ~~ما تقولون } فنهى عن الصلاة فى حال السكر ، واستوى فى ذلك السكر من ثمرات ~~الأعناب والسكر من ثمرات النخيل ، فكما كان السكر من ثمرات النخيل والأعناب ~~منهى عن الصلاة فيه ، فكذلك كانت الخمر من ثمرات النخيل والأعناب محرمة ~~بهذه الآية ، والله أعلم . PageV06P041 * * * # | 4 - باب الخمر من العسل وهو البتع # وقال معن : سألت مالكا عن الفقاع ، فقال : إذا لم يسكر فلا بأس به . وقال ~~ابن الدراوردى : سألنا عنه ، فقالوا : لا يسكر لا بأس به . / 11 - وفيه : ~~عائشة ، أن النبى - صلى الله عليه وسلم - سئل عن البتع ، وهو نبيذ العسل ، ~~وكان أهل اليمن يشربونه فقال : ( كل شراب أسكر فهو حرام ) . / 12 - وفيه : ~~أنس ، قال النبى ، عليه السلام : ( لا تنتبذوا فى الدباء ، والمزفت ) . ~~وكان أبو هريرة يلحق معهما الحنتم والنقير . هذا الباب حجة لقول مالك وأهل ~~الحجاز أن المسكر كله من أى نوع كان من غير العنب فهو الخمر المحرمة فى ~~القرآن والسنة . قال إسماعيل بن إسحاق : ألا ترى أنه عليه السلام سئل عن ~~البتع فقال : ( كل شراب أسكر فهو حرام ) . فعلمنا أن المسألة إنما وقعت على ~~ذلك الجنس من الشراب ، ودخل فيه كل ما كان فى معناه مما يسمى شرابا مسكرا ، ~~من أى نوع كان ، فإن قال أهل الكوفة : إن قوله عليه السلام : ( كل شراب ~~أسكر ) يعنى به الجزء الذى يحدث بعقبه السكر فهو حرام . قال ابن القصار : ~~فالجواب أن الشراب اسم جنس ، PageV06P042 فيقتضى أن يرجع التحريم إلى الجنس ~~، وهذا كما تقول : هذا الطعام مشبع ، و هذا الماء مرو ، يريد به الجنس ، ~~وكل جزء منه يفعل ذلك الفعل ، فاللقمة تشبع العصفور ، وما هو أكبر منها ~~يشبع ما هو أكبر من العصفور ، وعلى هذا حتى يشبع الكبير ، وكذلك جنس الماء ~~يروى الحيوان على هذا الحد ، فكذلك النبيذ . قال الطبرى : يقال لهم : ~~أخبرونا عن الشربة التى كان يعقبها السكر ، أهى التى أسكرت شاربها دون ما ms1864 ~~تقدمها من الشربات أو أسكرت باجتماعها مع ما تقدمها ، وأخذت كل شربة بحظها ~~من الإسكار ؟ . فإن قالوا : إنما أحدثت له السكر الشربة الآخرة ، التى وجد ~~خبل العقل بعقبها . قيل لهم : وهل هذه التى حدث له ذلك عند شربها إلا كبعض ~~ما تقدم من الشربات قبلها ، حتى أنها لو انفردت دون ما تقدم قبلها كانت غير ~~مسكرة وحدها ، وإنها إنما أسكرت باجتماعها واجتماع غيرها فحدث عن جميعها ~~السكر والخبل ؟ ! ومما يبين صحة ذلك لو أن رطلا من ماء العنب ألقيت فيه ~~قطرة من خل فلم يتغير طعمه إلى الحموضة ، ثم تابعنا ذلك بقطرات كثيرة كل ~~ذلك لا يتغير له طعم الماء ، ثم ألقينا آخر ذلك قطرة PageV06P043 منه فتغير ~~طعمه وحمض أترونه حمض من القطرة الآخرة أم حمض منها ومن سائر القطرات قبلها ~~؟ فإن قالوا : حمض من القطرة الآخرة قالوا : ما تعلم العقلاء خلافه ، ~~فكابروا العقول ؛ لأن أمثالها قد ألقيت فيه ولم يحدث ذلك فيه ، فكان معلوما ~~بذلك أن الحموضة حدثت عن جميع ما ألقى من الخل ، وأنه لولا قوة عمل ما تقدم ~~من قطرات الخل المتقدمة مع عمل القطرة الآخرة فيه لم يحدث ذلك فيه . فإن ~~قالوا : حمض باجتماع قوة عمل جميع ما ألقى فيه من أجزاء الخل ، ولكنه ظهرت ~~الحموضة عند آخر جزء من الخل الذى ألقى فيه . قيل لهم : فهلا قلتم كذلك فى ~~الشراب الذى أسكر كثيرة أنه إنما أسكر باجتماع قوة عمل جميع ما شرب منه ، ~~ولكن السكر والخبل إنما ظهر فيه عند اجتماع قوة عمل أول الشربة مع سائرها ، ~~كما قلتم فى الماء الذى ظهرت فيه حموضة الخل ، فعلموا بذلك أن كل شراب أسكر ~~كثيره مستحق بذلك قليله اسم مسكر ، وكذلك الزعفران المغير للماء ، والكافور ~~المغير ريحه فى أن قليل ذلك مستحق من الاسم والصفة فيما عمل فيه من التغير ~~مثل الذى هو مستحق كثيره . قال المهلب : إنما دخل الوهم على الكوفيين من ~~حديث رووه عن ابن عباس : ( حرمت الخمر بعينها و السكر من غيرها ) هكذا رواه ms1865 ~~أبو نعيم عن مسعر ، وإنما الحديث : ( والمسكر من غيرها ) وكذلك رواه شعبة ~~وسفيان عن مسعر ، عن أبى عون الثقفى ، عن عبد الله بن شداد ، عن ابن عباس و ~~رواه ابن شبرمه عن ابن شداد ( السكر ) بغير ميم أيضا على الوهم . ~~PageV06P044 قال الأصيلى : وشعبة وسفيان أضبط ممن أسقط الميم ، على أن هذا ~~الحديث لم يسمعه عبد الله بن شداد من ابن عباس ، قاله أحمد بن حنبل ، وقد ~~بينه هشيم فقال : عن الثقة عن ابن عباس وقال مرة أخرى : عمن حدثه عن ابن ~~عباس فهذا كله يدل على الوهم ، وقال النسائى : لم يسمعه ابن شبرمة من ابن ~~شداد ، وسأزيد فى بيان هذه المسألة فى باب الباذق ومن نهى عن كل مسكر من ~~الأشربة بعد هذا ، إن شاء الله . فإن قيل : فإن حديث نافع عن ابن عمر ، عن ~~النبى - عليه السلام - أنه قال : ( كل مسكر خمر ، وكل مسكر حرام ) أوقفه ~~مالك وغيره عن نافع ، عن ابن عمر ، فهم أقعد وأولى ممن أسنده عن نافع ، قال ~~الطبرى : وقد روى : ( كل مسكر حرام ) عن النبى جماعة ، منهم أبو موسى ~~الأشعرى ، وأبو هريرة ، وابن عباس ، والنعمان بن بشير ، وبريدة الأسلمى ، ~~ووائل بن حجر ، وعبد الله بن مغفل ، وعبد الله بن عمرو ، وأبو سعيد الخدرى ~~، ومعاوية ، وأم سلمة ، وعائشة ، وابن مسعود ، ذكر هؤلاء الطبرى فى تهذيب ~~الآثار . وقال غيره : فإن احتج العراقيون فقالوا : الدليل على صحة قولنا فى ~~التفريق بين عصير العنب وبين سائر الأنبذة أن الأمة كفرت مستحل عصير العنب ~~، ولم تكفر مستحل نقيع التمر ، فاعتلالهم بالتكفير ليس بشىء ، لأن التكفير ~~إنما يقع فيما يثبت بالإجماع ، لا فيما ثبت من جهة أخبار الآحاد ، ألا ترى ~~أنه لا يكفر PageV06P045 القائل بأن الصلاة تجوز بغير أم القرآن ، ولا يكفر ~~من أجاز النكاح بغير ولى ، ولا من قال الوضوء جائز بغير نية ، ومثله كثير ~~لا يكفر القائل به ، ويعتقد فيه التحليل والتحريم ، ألا ترى أنه لا يكفر من ~~قال لا يقطع سارق ربع دينار مع ثبوت ذلك عن الرسول ms1866 من أخبار الآحاد ، ولا ~~يمتنع أحد من العلماء أن يحرم ما قام له الدليل على تحريمه من كتاب الله أو ~~سنة رسوله ، وإن كان غيره يخالفه فيه لدليل استدل به ووجه من العلم أداه ~~إليه ، وليس فى شىء من هذا خروج من الدين ولا يكفر بما فيه الخطأ والصواب . ~~فإن قال قائل : فما معنى حديث أنس فى هذا الباب ، وإنما فيه النهى عن ~~الانتباذ ؟ قال المهلب : هو موافق للتبويب ، وذلك أن الخمر من العسل لا ~~يكون إلا منتبذا فى الأوانى بالماء الأيام حتى يصير خمرا ، وأن الرسول إنما ~~نهى عن الانتباذ فى الظروف المذكورة ؛ لسرعة كون ما ينبذ فيها خمرا من كل ~~ما ينتبذ فيها . * * * # | 5 - باب ما جاء فى أن الخمر ما خامر العقل من الشراب # / 13 - فيه : ابن عمر ، خطب عمر على منبر النبى ، عليه السلام ، فقال : ~~إنه قد نزل تحريم الخمر ، وإنه من خمسة أشياء : من العنب ، والتمر ، ~~والحنطة ، والشعير ، والعسل ، والخمر ما خامر العقل . . . . . . الحديث . ~~PageV06P046 قال المهلب : قوله : ( نزل تحريم الخمر وهى من خمسة أشياء ) ~~ففسر ما أنزل ، وهذا يجرى مجرى المسندات ، وإذا لم يجد مخالفا له فى ~~الصحابة وجب أن يكون هذا التفسير لكتاب الله ولما حرم فيه مجمعا عليه فى ~~الصحابة فيرتفع الإشكال عمن تلبس عليه أمره ، إن أراد الله هدايته ، ومن ~~الدليل القاطع لهم إجماعنا وإياهم على تحريم قليل الخمر من العنب ، ولا ~~يخلو تحريمها أن يكون لمعنى أو لغير معنى ، فإن قيل : إنه لغير معنى ، ~~فمعاذ الله أن يأمر بشىء عبثا ، وإذا كان ذلك لمعنى ، فلا معنى لقليل الخمر ~~من العنب إلا وهو موجود فى قليل الخمر من غيرها ، فإذا صحت العلة فيهما ~~جميعا وجب أن يكون حكمهما واحدا ، وإن كان إلى المعقول و الإنصاف سبيل ووجه ~~العلة التى حرم بها قليل الخمر من العنب وغيرها : أن كل نقطة من الخمر تأخذ ~~بنصيب من إسكار العقل ؛ لأن من شرب عشرة كئوس فلم يسكر ، وشرب كأسا واحدا ~~بعدها فسكر منه ، لم يجز أن ms1867 يقال : إن ذلك الكأس وحده أسكره ؛ لأنه قد شرب ~~قبله تسعا فلم يسكر ، فوجب بهذا النظر أن لكل كأس جزءا من السكر . ومثال ~~ذلك لو أن سفينة رمى فيها عشرة أقفزة فلم تغرق ، فرمى فيها قفيز زائد فغرقت ~~، لم يكن غرقها بالقفيز ولا بثقله وحده ، بل إنما كان غرقها بالجميع ؛ لأن ~~القفيز الواحد قد رمى فيها أولا فلم تغرق به ، وليس بين العقول وبين هذا ~~حجاب . قال ابن القصار : وإنما احتاط الله - تعالى - على عباده بأن يمتنعوا ~~PageV06P047 من قليل الخمر وإن لم يسكر ؛ لأن ذلك داعى إلى كثيرها ، ومثل ~~هذا فى العبادات كثير . منه أن البيع يوم الجمعة وقت النداء منهى عنه خشية ~~فوت الجمعة ، فاحتيط عليهم بأن منعوا البيع فيه . و منه سائق الهدى تطوعا ~~إذا عطب قبل محله أمر ألا يأكل منه ، ولا يطعم أحدا ؛ خيفة أن يتطرق إلى ~~نحره ويدعى عطبه . ومنه الخاطب فى العدة منع من التصريح ؛ لما يدعو إليه ~~التصريح من دواعى الشهوة . فكذلك كل ما وقع عليه اسم خمر فحكمه واحد فى ~~التحريم ، مع أن القدر الذى يحدث عنه السكر غير معلوم ، فلا يجوز أن يتعلق ~~به التحريم ؛ لاختلاف طباع الناس ، فربما أسكر القليل منه بعض الناس ، ~~ومنهم من لا يسكره إلا الكثير ، فحسم الله المادة بتحريم قليله وكثيره خيفة ~~مواقعة السكر . وقد ألزم الشافعى الكوفيين إلزاما صحيحا فقال : ما تقولون ~~فيمن شرب القدر الذى لا يسكره ؟ قالوا : مباح ، قال لهم : فإن خرج فهبت ~~عليه الريح فسكر مما شربه ؟ قالوا : حرام ، فقال : هل رأيتم شيئا يدخل ~~الجوف وهو حلال ثم يصير محرما ؟ ! قال إسماعيل بن إسحاق : وقوله : ( الخمر ~~ما خامر العقل ) فهو أن يصير على القلب من ذلك شىء يغطيه ، ومن ذلك سمى ~~الخمار ؛ لأنه يغطى الرأس ، ويقال للشجر الملتف الذى يغطى من تحته : الخمر ~~. PageV06P048 قال ابن المنذر : واختلف العلماء فى حد السكر والذى يلزم ~~صاحبه اسم السكر ، فقال مالك : إذا تغير من طباعه التى هو عليها ، وهو قول ~~أبى ثور . وقال الثورى : لا ms1868 يجلد إلا فى اختلاط العقل ، وهو أن يستقرأ ، ~~فإن أقام القراءة وسئل فتكلم بما يعرف لم يحد ، وإن لم يقم ذلك حد . وقال ~~أبو حنيفة : هو ألا يعرف الرجل من المرأة . وقال مرة : ألا يعرف قليلا ولا ~~كثيرا . وقال أبو يوسف : لا يكون هذا ، ولا يحد سكران إلا وهو يعرف شيئا ، ~~فإذا كان الغالب عليه اختلاط العقل واستقرئ سورة فلم يقمها وجب عليه الحد . ~~وقال الشافعى : أقل السكر أن يغلب على عقله فى بعض ما لم يكن عليه قبل ~~الشرب . قال ابن المنذر : وهذا أولى بالصواب ؛ لقوله تعالى : { لا تقربوا ~~الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون } وقد كان الذين خوطبوا بهذه ~~الآية قبل نزول تحريم الخمر يقربون الصلاة قاصدين لها فى حال سكرهم ، ~~عالمين بالصلاة التى لها يقصدون ، وسموا سكارى ؛ لأن فى الحديث أن أحدهم ~~أمهم فخلط فى القراءة ؛ فأنزل الله : { لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى ~~تعلموا ما تقولون } فقصدهم إلى الصلاة دلالة أن اسم السكران قد يستحق من ~~عرف شيئا PageV06P049 وذهب عليه غيره ، ولو كان السكران لا يكون إلا من لا ~~يعرف شيئا ما اهتدى سكران لمنزله أبدا ، إذ معروف أن السكران يأتى منزله ، ~~ويقال : جاءنا وهو سكران . * * * # | 6 - باب فيمن يستحل الخمر ويسميه بغير اسمه # / 13 م - وقال هشام بن عمار : حدثنا صدقة بن خالد ، حدثنا عبدالرحمن ابن ~~يزيد بن جابر ، قال : حدثنا عطية بن قيس الكلابى ، قال : حدثنا عبدالرحمن ~~بن غنم الأشعرى ، قال : حدثنى أبو عامر - أو أبو مالك الأشعرى - والله ما ~~كذبنى ، سمع النبى ، عليه السلام ، يقول : ( ليكونن من أمتى أقوام يستحلون ~~الحر والحرير ، والخمر والمعازف ، ولينزلن أقوام إلى جنب علم يروح عليهم ~~بسارحة لهم ، يأتيهم لحاجة ، فيقولون : ارجع إلينا غدا ، فيبيتهم الله ، ~~ويضع العلم ، ويمسخ آخرين قردة وخنازير إلى يوم القيامة ) . قال المهلب : ~~هذا الحديث لم يسنده البخارى من أجل شك المحدث فى الصاحب فقال : أبو عامر ~~أو أبو مالك ، أو لمعنى آخر لا أعلمه ، وإنما أدخله البخارى على أنه جائز ~~وقوعه من ms1869 الله - تعالى - فى المسرفين على أنفسهم من أهل هذه الملة ، وأنه ~~مروى يجب أن يتوقع ما روى فيه من العقوبة ، وليس فى هذا الحديث تسمية الخمر ~~بغير اسمها ، وقد جاء مبينا من رواية ابن أبى شيبة فى هذا الحديث ، قال ابن ~~أبى شيبة : حدثنا زيد بن الخباب ، عن معاوية بن صالح قال : حدثنا حاتم بن ~~حريث ، عن مالك ابن أبى مريم ، عن PageV06P050 عبد الرحمن بن غنم قال : ~~حدثنى أبو مالك الأشعرى ، أنه سمع رسول الله يقول : ( يشرب ناس من أمتى ~~الخمر يسمونها بغير اسمها ، يضرب على رءوسهم بالمعازف والقينات ، يخسف الله ~~بهم الأرض ، ويجعل منهم القردة والخنازير ) . وقال ابن وهب : حدثنى عمرو بن ~~الحارث ، عن سعيد بن أبى هلال ، عن محمد بن عبد الله : ( أن أبا مسلم ~~الخولانى حج فدخل على عائشة زوج النبى - عليه السلام - فجعلت تسأله عن ~~الشام ، وعن بردها ، فقال : يا أم المؤمنين ، إنهم يشربون شرابا لهم يقال ~~له الطلاء . فقالت : صدق الله وبلغ حبيبى ، سمعت رسول الله يقول : إن ناسا ~~من أمتى يشربون الخمر يسمونها بغير اسمها ) . وروى ابن أبى شيبة من حديث ~~عبادة بن الصامت ، قال : قال رسول الله : ( ليستحلن آخر أمتى الخمر يسمونها ~~بغير اسمها ) . وأما الحر فهو الفرج ، وليس كما تأوله من صحفه فقال : الخز ~~، من أجل مقاربته للحرير فاستحل التصحيف بالمقارنة مع أنه ليس فى الخز ~~تحريم ، وقد جاء فى الحرير تحريم . ومعنى قوله : ( يستحلون الحرير ) أى : ~~يستحلون النهى عنه ، والنهى فى كتاب الله ومن الرسول متوعد عليه بقوله ~~تعالى : { فليحذر الذين يخالفون عن أمره } . وقوله : ( ولينزلن أقوام ) ~~الحديث ، إنما هو من الأخبار الدالة PageV06P051 على الحدثان ، فننظر فإن ~~وقع ما أنذر به كان من علامات النبوة ، و كان الحديث صحيحا ، وإن كان لم ~~يقع فسيقع ؛ لقوله فى حديث عبادة : ( ليستحلن آخر أمتى الخمر ) فدل هذا ~~الحديث أن كل ما أنذر به عليه السلام من ذلك يكون فى آخر الإسلام . وقوله : ~~( فيبيتهم الله ) أى يهلكهم ليلا ، ومنه قوله تعالى : { أفأمن أهل القرى أن ms1870 ~~يأتيهم بأسنا بياتا وهم نائمون } . وقوله : ( يضع العلم ) إن كان العلم ~~بناء فيهدمه ، وإن كان جبلا فيدكدكه ، وهكذا إن كان غيره . ( ويمسخ آخرين ~~قردة ) يعنى ممن لم يهلكهم فى البيات ، والمسخ فى حكم الجواز فى هذه الأمة ~~إن لم يأت خبر يرفع جوازه ، وقد رويت أحاديث لينة الأسانيد : ( أنه يكون فى ~~أمتى خسف ومسخ ) عن النبى - عليه السلام - ولم يأت ما يرفع ذلك ، وقال بعض ~~العلماء : معنى ما ورى عن النبى - عليه السلام - : ( أنه سيكون فى هذه ~~الأمة مسخ ) فالمراد به مسخ القلوب حتى لا تعرف معروفا ولا تنكر منكرا ، ~~وقد جاء عن النبى - عليه السلام - أن القرآن يرفع من صدور الرجال ، وان ~~الخشوع والأمانة تنزع منهم ، ولا مسخ أكبر من هذا ، وقد يجوز أن يكون ~~الحديث على ظاهره ، فيمسخ الله من أراد تعجيل عقوبته كما قد PageV06P052 ~~خسف بقوم وأهلكهم بالخسف والزلازل ، وقد رأينا هذا عيانا ؛ فكذلك يكون ~~المسخ ، والله أعلم . * * * # | 7 - باب الانتباذ فى الأوعية والتور # / 14 - فيه : سهل قال : أتى أبو أسيد الساعدى ، فدعا رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - فى عرسه ، فكانت امرأته خادمهم ، وهى العروس ، قال : ~~أتدرون ما سقيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ؟ أنقعت له تمرات من ~~الليل فى تور . قال ابن المنذر : كان التور الذى ينتبذ فيه لرسول الله تورا ~~من حجارة . قال المهلب : فالإنقاع حلال إذا لم يلبث حتى تخشى شدته ، والشدة ~~مكروهة ؛ للجهل بموقعها من السكر أو غيره والأشياء المشكوك فيها والمشتبهات ~~قد نص الرسول على تركها ، وإنما كان ينقع للنبى من الليل ويشربه يوما آخر ، ~~وينقع له بالنهار ويشربه من ليلته . وفيه : أن الحجاب ليس بفرض على نساء ~~المؤمنين ، وإنما هو خاص لأزواج النبى ، كذلك ذكره الله فى كتابه بقوله : { ~~وإذا سألتموهن متاعا فاسألوهن من وراء حجاب } . * * * # | 8 - باب ترخيص النبى - صلى الله عليه وسلم - فى الأوعية والظروف بعد ~~النهي # / 15 - فيه : جابر ، نهى النبى ، عليه السلام ، عن الظروف ، فقالت ~~الأنصار : إنه لا بد لنا منها ، قال : ( فلا إذن ) . PageV06P053 / 16 ms1871 - ~~وفيه : عبد الله بن عمرو ، لما نهى النبى ، عليه السلام ، عن الأسقية ، قيل ~~للنبى - صلى الله عليه وسلم - : ليس كل الناس يجد سقاء ، فرخص لهم فى الجر ~~غير المزفت . وقال مرة : عن الأوعية . 2096 م / 17 - وفيه على : ( نهى ~~النبى عن الدباء والمزفت ) . / 18 - وفيه : الأسود ، سألت عائشة عما يكره ~~أن ينتبذ فيه ؟ فقالت : نهى النبى ، عليه السلام ، أن ننتبذ فى الدباء ~~والمزفت ، قلت : أما ذكرت الجر والحنتم ؟ قالت : إنما أحدثك ما سمعت ، ~~أفأحدث ما لم أسمع . / 19 - وفيه : ابن أبى أوفى ، نهى النبى ، عليه السلام ~~، عن الجر الأخضر ، قلت : أنشرب فى الأبيض ؟ قال : ( لا ) . اختلف العلماء ~~فى هذا الباب على أقوال ، فذهب مالك إلى جواز الانتباذ فى جميع الظروف غير ~~الدباء والمزفت ، فإنه كره الانتباذ فيهما ، ولم ينسخ عنده ، وأخذ فى ذلك ~~بحديث على وحديث عائشة : ( أن النبى - على السلام - نهى عن الدباء والمزفت ~~) وروى مثله عن ابن عمر ، وذهب الثورى والشافعى إلى كراهية الانتباذ فى ~~الدباء والمزفت والحنتم والنقير ، لنهى النبى - عليه السلام - عنها ، ذكر ~~ذلك البخارى فى باب الخمر من العسل وهو البتع من حديث الزهرى عن أنس ، أن ~~النبى قال : ( لا تنتبذوا فى الدباء ولا فى المزفت ) . وكان أبو هريرة يلحق ~~معها الحنتم والنقير . PageV06P054 وقد روي النهى عن الانتباذ فى هذه ~~الأربعة من حديث ابن عباس فى حديث وفد عبد القيس ، وقد ذكره البخارى فى ~~كتاب الإيمان والعلم . ومعنى النهى عندهم عن الانتباذ فيها - والله أعلم - ~~لسرعة استحالة ما ينتبذ فيها ، فيصير خمرا وهم لا يظنون ذلك ، فيواقعون ما ~~نهى الله عنه . وذكر الطبرى عن القائلين بتحريم الشراب المتخذ فى الأوعية ~~المذكورة المنكرين أن تكون منسوخة عن عمر بن الخطاب أنه قال : ( لا أشرب فى ~~قمقم محمى فيحرق ما أحرق ، ويبقى ما أبقى ، أحب إلى من أن أشرب من نبيذ ~~الجر ) . وعن على بن أبى طالب النهى عنه ، وعن ابن عمر ، وابن عباس ، وجابر ~~، وأبى هريرة ، وأنس مثله ، وقال ابن عباس لأبى جمرة : ( لا نشرب نبيذ ms1872 الجر ~~وإن كان أحلى من العسل ) وكرهه ابن المسيب والحسن البصرى . وقال إسماعيل بن ~~إسحاق : قال سليمان بن حرب : كل شىء ذكر عمن كان يشرب نبيذ الجر أو يكرهه ~~فإنما هو الحلو ، فأما المسكر فهو حرام فى كل وعاء . وقال أبو حنيفة ~~وأصحابه : الانتباذ فى جميع الأوعية كلها مباح . وقالوا : أحاديث النهى عن ~~الانتباذ منسوخة بحديث جابر وغيره . ألا ترى أن النبى أطلقهم على جميع ~~الأوعية والظروف حين قال له PageV06P055 الأنصار إنه لا بد لنا منها ، فقال ~~عليه السلام : ( فلا إذن ) ولم يستثن منها شيئا ، واحتجوا بما رواه إسماعيل ~~بن إسحاق قال : حدثنا سعيد ابن أبى مريم قال : حدثنا نافع بن يزيد ، قال : ~~حدثنى أبو جمرة يعقوب بن مجاهد قال : حدثنى عبد الرحمن بن جابر بن عبد الله ~~عن أبيه أن النبى - عليه السلام - قال : ( إنى كنت نهيتكم أن تنتبذوا فى ~~الدباء والحنتم والمزفت فانتبذوا ، ولا أحل مسكرا ) ورواه ابن وهب عن أسامة ~~بن زيد ، عن محمد بن يحيى بن حيان ، عن عمه واسع ، عن أبى سعيد الخدرى ، عن ~~النبى - عليه السلام - مثله . قالوا : فثبت بهذه الآثار نسخ ما جاء فى ~~النهى عن الانتباذ فى الأوعية ، و ثبتت إباحة الانتباذ فى الأوعية كلها . ~~وذكر الطبرى عن ابن عمر : الأوعية لا تحل شيئا ولا تحرمه . وعن ابن عباس ~~قال : كل حلال فى كل ظرف حلال ، وكل حرام فى كل ظرف حرام وهو قول النخعى ~~والشعبى ، قال الطبرى : وهذا القول أولى بالصواب ، وقد تواترت الأخبار عن ~~النبى بتحريم كل مسكر ، وفى ذلك مقنع . وقال أبو جعفر الداودى : النهى عن ~~الأوعية إنما كان قطعا للذريعة ، فلما قالوا للنبى - عليه السلام - : إنا ~~لا نجد بدا من الانبتاذ فيها قال عليه السلام : ( انتبذوا ، وكل مسكر حرام ~~) . وكذلك كل نهى كان بمعنى التطرق إلى غيره يسقط عند PageV06P056 الضرورة ~~، وذلك كنهيه عن الصلاة بعد العصر وبعد الصبح ، ويجوز أن يصلى على الجنائز ~~فى تلك الساعتين لما بالناس من الضرورة إلى دفن موتاهم ، وليس ذلك كصلاة ~~النافلة ، إذ ms1873 لا ضرورة إلى صلاتها حينئذ ، وكنهيه عليه السلام عن الجلوس فى ~~الطرقات ، فلما ذكروا أنهم لا يجدون بدا من ذلك ؛ قال : ( إذا أبيتم فأعطوا ~~الطريق حقه ) . وذلك غض البصر ، ورد السلام ، والأمر بالمعروف ، والنهى عن ~~المنكر ، وعون الضعيف ، وإرشاد الضال . وأما الجر الأبيض فهو مثل الأخضر ؛ ~~لأنه كله حنتم ، وقال أبو عبيد : الحنتم : جرار خضر كانت تحمل إليهم . * * ~~* # | 9 - باب نقيع التمر ما لم يسكر # / 20 - فيه : سهل ، أن أبا أسيد ، دعا النبى ، عليه السلام ، لعرسه ، ~~فكانت امرأته خادمهم يومئذ ، وهى العروس ، فقالت : ما تدرون ما أنقعت لرسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - ؟ أنقعت له تمرات من الليل فى تور . أجمع ~~العلماء أن نقيع التمر وغيره ما لم يسكر فهو حلال شربه ، وقالت عائشة : ( ~~كنا ننبذ لرسول الله غدوة ويشربه عشية ، وننبذه عشيا فيشربه غدوة ) . وفى ~~حديث ابن عباس : ( أن النبى كان ينبذ له فيشربه من الغد ومن بعد الغد فإذا ~~كان اليوم الثالث أهريق ) . قال ابن المنذر : الشراب فى المدة التى ذكرتها ~~عائشة يشرب حلوا ، وفى حديث ابن عباس : ( فإذا كان فى اليوم الثالث أهريق ) ~~يعنى إذا غلا ، وغير جائز أن يظن أحد أنه كان مسكرا ؛ لأنه حرم المسكر . ~~PageV06P057 * * * # | 10 - باب الباذق ومن نهى عن كل مسكر من الأشربة # ورأى عمر وأبو عبيدة ومعاذ شرب الطلاء على الثلث ، وشرب البراء وأبو ~~جحيفة على النصف . وقال ابن عباس : اشرب العصير ما دام طريا . وقال عمر : ~~وجدت من عبيد الله ريح شراب ، وأنا سائل عنه ، فإن كان يسكر جلدته . / 21 - ~~فيه : ابن عباس ، أنه سئل عن الباذق ، ففال : سبق محمد الباذق ، فما أسكر ~~فهو حرام ، قال : الشراب الحلال الطيب ، قال : ليس بعد الحلال الطيب ، إلا ~~الحرام الخبيث . / 22 - وفيه : عائشة ، قالت : كان النبى - صلى الله عليه ~~وسلم - يحب الحلواء والعسل . شراب الطلاء على الثلث هو ما صنعه عمر لأهل ~~الشام ، وهو أن يطبخ العصير حتى يذهب ثلثاه ويبقى ثلثه ، وحده أن يتمدد ~~ويشبه طلاء الإبل ، و بذلك شبهه عمر بن الخطاب ms1874 ، فهذا الذى تؤمن غائلته ، ~~والطلاء هو طبيخ العنب الثخين . واختلف العلماء فى شربه ، فقال كثير من ~~الصحابة والتابعين : إذا ذهب ثلثاه وبقى ثلثه فجائز شربه ، هذا قول عمر بن ~~الخطاب ، وعلى بن أبى طالب ، وأبى عبيدة ، ومعاذ ، وأبى طلحة ، وأبى ~~الدرداء ، وأبى أمامة الباهلى ، ومن التابعين : الحسن البصرى ، وعكرمة ، ~~وسعيد بن المسيب ، وهو قول مالك والثورى ، والليث ، PageV06P058 وأحمد بن ~~حنبل ، وكلهم أجاز شربه إذا ذهب ثلثاه ؛ لأنه لا يسكر كثيره . وفيه قول ثان ~~: وهو أن يذهب نصفه بالطبخ ، روى أنه أجاز شربه البراء ، وأبو جحيفة ، ~~وجرير ، وأنس ، ومن التابعين : ابن الحنفية ، وعبيدة ، وشريح ، والحكم بن ~~عتيبة ، والنخعى ، وسعيد بن جبير ، وأجازه أبو حنيفة ، وأبو يوسف ، ومحمد ، ~~واحتجوا أنه لا يشرب أحد من الصحابة والتابعين ما يسكر ؛ لأنهم مجمعون أن ~~قليل الخمر وكثيرها حرام ، وأما الذى كرهه فإنه تورع عنه . قال المهلب : ~~وقوله : ( سبق محمد الباذق ) يعنى سبق محمد بالتحريم للخمر قبل تسميتهم لها ~~بالباذق ، وهو من شراب العسل ، وليس تسميتهم لها بغير اسمها بنافع لها إذا ~~أسكرت ، ورأى ابن عباس أن سائله أراد استحلال الشراب المحرم بهذا الاسم ~~فحسم منه رجاءه ، وباعد منه أمله ، وأخبره أن ما أسكره فهو حرام . وقوله : ~~( ليس بعد الحلال الطيب إلا الحرام الخبيث ) معناه أن المشتبهات تقع فى حيز ~~الحرام ، وهى الخبائث ، قال إسماعيل ابن إسحاق : فى قول ابن عباس هذا رد ~~لما روى عنه أنه قال : ( حرمت الخمر بعينها ، والسكر من كل شراب ) والصحيح ~~عنه : ( المسكر ) كما رواه شعبة وسفيان ، وقد روى عن ابن عباس من وجوه ما ~~يضعف رواية الكوفيين عن مسعر . قال إسماعيل : وحدثنا حجاج بن منهال ، قال : ~~حدثنا أبو عوانة ، عن ليث ، عن عطاء وطاوس ومجاهد ، عن ابن عباس قال : ( ~~قليل ما أسكر كثيره حرام ) . PageV06P059 وحدثنا سليمان بن حرب قال : حدثنا ~~حماد بن زيد ، أبو جمرة قال : سمعت ابن عباس يقول : ( لا يشرب نبيذ الحر ~~وإن كان أحلى من العسل ) . قال إسماعيل : فإذا كان هذا فتيا ابن عباس ، ~~فكيف يقبل عنه ms1875 خلافه ؟ . قال المهلب : وأما قول عائشة : ( إن النبى كان يحب ~~الحلواء والعسل ) فهذا الحلال الذى لا شك فى طيبه ، فالحلواء تطبخ حتى ~~تنعقد والعسل يمزج بالماء فيشرب من ساعته فهذا لا شك فى طيبه وحله . وفى ~~حديث عمر من الفقه : الجلد فى ريح الشراب الذى يسكر كثيره ؛ ألا ترى قوله : ~~وأنا سائل عنه ، فإن كان يسكر حددته . ولم يخص بذلك المسكر من خمر العنب ، ~~بل أطلق ذلك على كل ما يسكر من جميع الأشربة ، وروى عن ابن مسعود أنه ورد ~~حمص ، فشم من رجل رائحة خمر فحده ، ولا مخالف له من الصحابة ، وعن عمر بن ~~عبد العزيز مثله . قال ابن المنذر : وبه قال مالك ، قال : إذا شهد عدلان ~~ممن شرب الخمر فى كفره ثم أسلم ، أو شربها فى إسلامه فحد ثم تاب منها ، ~~وقالا : إنها ريح مسكر ، جلد الحد . وقال عطاء : لا حد إلا بالبينة ؛ لأن ~~الريح تكون من الشراب الذى ليس فيه بأس . وهو قول أبى حنيفة والشافعى ، ~~وقالوا : لا يحد PageV06P060 الذى يوجد منه رائحة الشرب إلا أن يقول : شربت ~~مسكرا ، أو يشهد عليه بذلك . قالوا : لأن الروائح تتفق ، فرائحة التفاح ~~الشامى والخمر تتفق ، درأ الحد بالشبهة أولى . وحجة مالك أن رائحة الخمر ~~وإن تشابهت فإنه إذا تأملها من يعرفها لم تختلط مع غيرها وإن تقاربت وقد ~~تشتبه الألسن والروائح ثم لا بد من الفرق بينها كما نقول فى شهادة الأعمى ~~على الصوت . وقال ابن المنذر : روى عن عطاء : لا يحد فى شىء من الشراب حتى ~~يسكر إلا الخمر وبه قال أبو حنيفة . وعن ابن أبى ليلى والنخعى : لا يجلد ~~السكران من النبيذ حدا . وقال أبو ثور : من كان المسكر عنده حراما فشرب منه ~~ما يسكر ، حددته ، ومن كان متأولا مخطئا فى تأويله ، فشربه على خبر ضعيف ~~قلده أو اتبع أقواما ؛ لم يكن عليه حد ، وذلك أنه لا يحد إلا من فسق ، إنما ~~الحد على من علمه ، وأما من أتى الشىء يظنه حلالا ؛ فلا حد عليه . قال ابن ~~المنذر ms1876 : وقد ثبت عن النبى أنه قال : ( من شرب الخمر فاجلدوه ) فالحد على ~~شاربه واجب سكر أم لا ، على ظاهر الحديث ، وكل شراب أسكر كثيره فهو خمر ، ~~وقليله حرام ؛ للأخبار الثابتة . PageV06P061 * * * # | 11 - باب من رأى أن لا يخلط البسر والتمر إذا كان مسكرا وألا يجعل ~~إدامين فى إدام # / 23 - فيه : أنس ، إنى لأسقى أبا طلحة وأبا دجانة وسهيل بن البيضاء خليط ~~بسر وتمر ؛ إذ حرمت الخمر ، فقذفتها - وأنا ساقيهم وأصغرهم - وإنا نعدها ~~يومئذ الخمر . / 24 - وفيه : جابر ، نهى النبى ، عليه السلام ، عن الزبيب ~~والتمر ، والبسر والرطب . / 25 - وفيه : أبو قتادة ، نهى النبى ، عليه ~~السلام ، أن يجمع بين التمر والزهو ، والتمر والزبيب ، ولينبذ كل واحد ~~منهما على حدة . وترجم لحديث أنس بن مالك باب : خدمة الصغار الكبار . قال ~~المهلب : قوله : ( من رأى ألا يخلط البسر والتمر إذا كان مسكرا ) خطأ من ~~البخارى ، وليس مما قصد البخارى أنهما مما يسكران فى الحال ، وإنما أراد ~~أنهما ما يئول حالهما إلى السكر ، وليس النهى عن الخليطين من جهة الإسكار ؛ ~~لأن المسكر مأمور بهرقه قليله وكثيره ، وقد سئل الشافعى عن رجل شرب خليطين ~~مسكرا فقال : هذا بمنزلة رجل أكل لحم خنزير ميت ، فهو حرام من جهتين : ~~الخنزير حرام والميتة حرام ، والخليطان حرام والمسكر حارم . وإنما نهى عن ~~الخليطين وإن لم يسكر واحد منهما - والله أعلم - من أجل خيفة إسراع السكر ~~إليهما ، وحدوث الشدة فيهما ، وأنهما يصيران خمرا وهم لا يظنون ، وقد روى ~~هذا عن الليث ، PageV06P062 وجمهور العلماء قائلون بهذه الأحاديث فى النهى ~~عن الخليطين من جميع الأشربة ، وأن ينبذ كل واحد على حدته ، وممن روى عنه ~~ذلك من الصحابة : أبو مسعود الأنصارى ، وأنس بن مالك ، وجابر بن عبد الله ، ~~وأبو سعيد الخدرى . ومن التابعين : عطاء ، وطاوس . وبه قال مالك ، والليث ، ~~والشافعى ، وأحمد ، وإسحاق ، وأبو ثور . وروى عن الليث بن سعد أنه قال : لا ~~بأس أن يخلط نبيذ الزبيب ونبيذ التمر ثم يشربان جميعا ، وإنما جاء الحديث ~~فى النهى أن ينبذا جميعا ؛ لأن أحدهما يشد صاحبه . وخالفه ms1877 مالك والشافعى ، ~~فلم يريا أن يخلطا عند شرب ولا انتباذ ، وقال أبو حنيفة وأبو يوسف : لا بأس ~~بشرب الخليطين من الأشربة ، قالا : وكل ما لو طبخ على الانفراد حل ، كذلك ~~هو إذا طبخ مع غيره ، قالوا : روى مثل قولنا عن ابن عمر ، والنخعى . قال ~~الطحاوى : ومعنى النهى عن الخليطين : على وجه السرف ؛ لضيق ما كانوا فيه من ~~العيش ، كما روى حنظلة بن سحيم قال : ( أصابتنا سنة فرآنا ابن عمر ونحن ~~نأكل التمر ، فقال لنا : لا تقرنوا ؛ فإن رسول الله نهى عن القران ، قال ~~ابن عمر : إلا أن يستأذن الرجل أخاه ) . وهذا معنى النهى عن الخليطين عندهم ~~؛ لأن كل واحد على حياله يجوز شربه ، كما يجوز أكل كل تمرة على حيالها . ~~PageV06P063 قال غيره : والمعروف عن ابن عمر ما حكاه الطحاوى عنه ؛ لأنه ~~كان أشد الناس اتباعا لآثار النبى - عليه السلام - فلم يكن ليخالفه ، وقد ~~روى عن ابن عمر أنه كان ينبذ التمر ، فينظر إلى التمرة بعضها بسرة وبعضها ~~رطبة فيقعطها ولا ينبذها كلها ؛ كراهية أن يواقع نهى النبى - عليه السلام - ~~عن الخليطين . وأما قياسهم أن ما حل على الانفراد حل مع غيره ، لا قياس ~~لأحد ، ولا رأى مع مخالفة السنة ، ومن خالفها فمحجوج بها . قال ابن المنذر ~~: يقال للكوفيين : إذا جاز نكاح المرأة ونكاح أختها منفردتين ، فليس بالجمع ~~بينهما بأس ، فإن قال : حرم الله الجمع بين الأختين ، قيل : وكذلك حرم ~~النبى - عليه السلام - الجمع بين البسر والتمر ، والزبيب والتمر ، وقال : ( ~~لينبذ كل واحد على حدة ) وكذلك الجواب فى الجمع بين العمة وبين بنت أخيها . ~~قال المهلب : ولا يصح عن النبى - عليه السلام - النهى عن خلط الأدم ، وإنما ~~روى ذلك عن عمر ، وذلك من أجل السرف ؛ لأنه كان يمكن أن يأتدم بأحدهما ، ~~ويرفع الآخر إلى مرة أخرى ، وستأتى هذه المسألة فى كتاب الأطعمة - إن شاء ~~الله . PageV06P064 * * * # | 12 - باب شرب اللبن ، وقال تعالى : { من بين فرث ودم لبنا خالصا سائغا ~~} [ النحل : 11 ] الآية # / 26 - فيه : أبو هريرة ، أتى النبى - صلى الله عليه وسلم ms1878 - ليلة أسرى به ~~بقدح لبن ، وقدح خمر . / 27 - وفيه : أم الفضل ، شك الناس فى صيام النبى - ~~صلى الله عليه وسلم - يوم عرفة ، فأرسلت إليه بقدح لبن فشرب . / 28 - وفيه ~~: جابر ، جاء أبو حميد بقدح من لبن من النقيع ، فقال له رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - : ( ألا خمرته ؟ ولو أن تعرض عليه عودا ) . / / 29 - وفيه ~~: البراء ، قدم النبى - صلى الله عليه وسلم - من مكة وأبو بكر معه ، فقال ~~أبو بكر : مررنا براع ، وقد عطش النبى - صلى الله عليه وسلم - ، فحلبت كثبة ~~من لبن فى قدح ، فشرب حتى رضيت . الحديث . / 30 - وفيه : أبو هريرة ، قال ~~النبى ، عليه السلام : ( نعم الصدقة اللقحة الصفى منحة ، والشاة الصفى منحة ~~، تغدو بإناء وتروح بآخر ) . / 31 - وفيه : ابن عباس ، أن النبى - صلى الله ~~عليه وسلم - شرب لبنا فمضمض ، وقال : ( إن له دسما ) . PageV06P065 / 32 - ~~وفيه : أنس ، ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( رفعت إلى ~~السدرة ، فإذا أربعة أنهار نهران ظاهران ، ونهران باطنان ، فأما الظاهران : ~~النيل والفرات ، وأما الباطنان : فنهران فى الجنة ، فأتيت بثلاثة أقداح ، ~~قدح فيه لبن وقدح فيه عسل وقدح فيه خمر ، فأخذت الذى فيه اللبن ، فشربت ، ~~فقيل لى : أصبت الفطرة أنت وأمتك ) . قال المهلب : شرب اللبن حلال بكتاب ~~الله ، وليس قول من قال إنه يسكر الكثير منه بشىء ؛ لأن كل ما أباح الله ~~أكله وشربه فوقع منها لشاربه أو آكله سكر فهو غير مأثوم ؛ إلا أن يتعمد ~~شربه لذهاب عقله دون منفعة يقصدها ، فهو آثم لقصده إلى ذهاب عقله . قال ~~المؤلف : وإنما يكون السكر منه بصناعة تدخله ، وإن وجد أحد منه فهى آفة فى ~~خلقته ، وهذا فى الشاذ والنادر ، فلذلك لم يحكم فيه بحكم عام ، وفى الآية ~~دليل أن الماء إذا خالطته نجاسة فتغير ثم قعدت عنه حتى صفا وحلا وطابت ~~رائحته ، أنه طاهر يجوز الوضوء به لقوله تعالى : { من بين فرث ودم لبنا ~~خالصا } فوصفه بالخلوص مما خالطه من الدم وحثالة الفرث ، وهذا دليل لازم ، ~~وقد روى عن مالك فى حباب تقع ms1879 فيها الدابة فتموت وتروث فيها البقر والغنم ~~والدواب حتى PageV06P066 تنتن ثم تسعى عليها الرياح حتى تصفو وتطيب ؛ أنه ~~يجوز التوضؤ بمائها . والنهران الباطنان فى الجنة إذا بدلت الأرض ظهرا - إن ~~شاء الله - وأما أخذه اللبن وما قيل له : ( هديت الفطرة ) فهو من باب الفأل ~~الحسن لأن اللبن أول ما يفتح الرضيع إليه فمه ، فلذلك سمى فطرة ؛ لأنه فطر ~~جوفه أى : شقه أول شىء ، فالفطور : الشقوق . وأما قوله : ( لو أخذت الخمر ~~غوت أمتك ) فيه دليل على أن الخمر كلها قليلها وكثيرها مقرون بها الغى ، ~~فيجب أن تكون حراما كلها ، وإنما أتى بثلاثة أقداح وقيل له : خذ أيها أحببت ~~، ليريه الله - تعالى - فضل تيسيره له ، ولو أتى بقدح واحد لخفى موضع ~~التيسير عليه . وقوله : ( فحلبت كثبة ) قال صاحب العين : كل ما جمعته من ~~قليل فقد كثبته ، وهى الكثبة ، وسيأتى تفسير اللقحة الصفى والشاة الصفى فى ~~كتاب المنحة والعارية - إن شاء الله . * * * # | 13 - باب استعذاب الماء # / 33 - فيه : أنس ، كان أبو طلحة أكثر أنصارى بالمدينة مالا من نخل ، ~~وكان أحب ماله إليه بيرحاء ، وكانت مستقبل المسجد ، وكان النبى - صلى الله ~~عليه وسلم - يدخلها ويشرب من ماء فيها طيب ، فلما نزلت : { لن تنالوا البر ~~حتى تنفقوا مما تحبون } [ آل عمران : 92 ] . . . . الحديث . شراب الماء ~~العذب وطلبه مباح للصالحين والفضلاء ، وليس PageV06P067 شرب الماء الذعاق ~~أفضل من شرب العذب ؛ لأن النبى - عليه السلام - كان يشرب العذب ويوثره ، ~~وفيه القدوة والأسوة الحسنة ، ومحال أن يترك الأفضل فى شىء من أفعاله ، وفى ~~هذا الحديث دليل على استعذاب الأطعمة وجميع المآكل جائز لأولى الفضل ، وأن ~~ذلك من أفعال الصالحين ، ولو أراد الله ألا تؤكل لذيذ المطاعم لم يخلقها ~~لعباده ، ولا امتن بها عليهم ، بل أراد تعالى منهم أكلها ومقابلتها من ~~الشكر الجزيل عليها والحمد ، بما من به منها ؛ بما ينبغى لكرم وجهه وعز ~~سلطانه ، وإن كانت نعمة لا يكافئ شكر أقلها إلا بتجاوزه عن تقصيرنا ، وقد ~~قال أهل التأويل فى قوله تعالى : { يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ms1880 ما ~~أحل الله لكم } أنها نزلت فيمن حرم على نفسه لذيذ المطاعم ، وسيأتى بيان ~~هذا فى أول كتاب الأطعمة . * * * # | 14 - باب شرب اللبن بالماء # / 34 - فيه : أنس ، أنه رأى النبى ، عليه السلام ، يشرب لبنا ، وأتى داره ~~فحلبت شاة فشبت لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - من اللبن ، فتناول القدح ~~فشرب ، وعن يساره أبو بكر ، وعن يمينه أعرابى ، فأعطى الأعرابى فضله ، ثم ~~قال : ( الأيمن ، فالأيمن ) . / 35 - وفيه : جابر ، أن النبى ، عليه السلام ~~، دخل على رجل من الأنصار PageV06P068 ومعه صاحب له ، فقال له النبى - صلى ~~الله عليه وسلم - : ( إن كان عندك ماء بات هذه الليلة فى شنة ، وإلا كرعنا ~~) ، قال : والرجل يحول الماء فى حائطه ، فقال الرجل : يا رسول الله ، عندى ~~ماء بائت ، فانطلق إلى العريش ، قال : فانطلق بهما ، فسكب فى قدح ثم حلب ~~عليه من داجن له ، قال : فشرب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، ثم شرب ~~الرجل الذى جاء معه . وترجم لحديث جابر : باب : الكرع فى الحوض وفيه : ( ~~فقال : يا رسول الله ، بأبى أنت وأمى ، وهى ساعة حارة ) . يشرب اللبن ~~بالماء ، وهو أصل فى نفسه ، وليس من باب الخليطين فى شىء . قال المهلب : ~~والحكمة فى شرب الماء البارد ما فعله النبى من الجرع لاستلذاذه ببرودته ، ~~وكان ذلك فى يوم حر ، ألا ترى قوله فى باب الكرع : ( وهى ساعة حارة ) . ~~ولذلك صب له اللبن على الماء ليقوى برده ، لاجتماع برد اللبن مع برد الماء ~~البائت ، وفيه أنه لا بأس بطلب الماء البارد فى سموم الحر ، وقصد الرجل ~~الفاضل بنفسه فيه حيث يعرف مواضعه عن إخوانه ، وقد روى أبو هريرة عن النبى ~~- عليه السلام - ( إن أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة أن يقال له : ألم ~~أصح جسمك و أروك من الماء البارد ؟ ) . وقوله : ( وإلا كرعنا ) يريد إن لم ~~يكن عندك ماء بارد ولا عذب كان الأولى فى شربه الكرع ؛ لئلا يعذب نفسه ~~بكراهته فى كثره الجرعات . PageV06P069 والكرع : شرب الرجل بفيه ، يقال : ~~كرع كرعا وكروعا ، وكرع فى الإناء : إذا مال نحوه بعنقه ms1881 فشرب منه . وخلط ~~اللبن بالماء إنما يجوز عند الشرب لطلب اللذة أو الحاجة إلى ذلك ، وأما عند ~~البيع فلا يجوز ، لأنه غش . * * * # | 15 - باب شراب الحلوى والعسل # وقال الزهرى : لا يحل شرب بول الناس لشدة تنزل لأنه رجس ، قال تعالى : { ~~أحل لكم الطيبات } [ المائدة : 4 ] . وقال ابن مسعود فى السكر : إن الله لم ~~يجعل شفاءكم فيما حرم عليكم . / 36 - فيه : عائشة ، قالت : كان رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - يعجبه الحلواء والعسل . الحلوى : كل شىء حلو . وفيه ~~من الفقه : أن الأنبياء والصالحين الفضلاء يأكلون الحلاوات والطيبات ولا ~~يتركونها تقشفا ، وقد نزع ابن عباس فى أكل الطعام الطيب بقوله تعالى : { قل ~~من حرم زينة الله التى أخرج لعباده والطيبات من الرزق } ومدار الآية على أن ~~الطيبات الحلال ، فكل ما كان حلالا حلوا كان أو حامضا فهو طيب لمن استطابه ~~. وأما أبوال الناس فهى مثل الميتة والخمر فى التحريم ، ولم يختلفوا فى ~~جواز أكل الميتة عند الضرورة ، فكذلك البول ، والفقهاء على خلاف قول ابن ~~شهاب ، وإما اختلفوا فى جواز شرب الخمر عند PageV06P070 الضرورة ، فقال ~~مالك : لا يشربها ؛ لأنها لا تزيده إلا عطشا وجوعا . وأجاز أبو حنيفة أن ~~يشرب منها مقدار ما يمسك رمقه . واحتج من منع شربها بقول ابن مسعود : إن ~~الله لم يجعل شفاءكم فيما حرم عليكم . وقد روى هذا عن النبى - عليه السلام ~~. واحتج الكوفيون بأن الضرورة أباحت أكل ما حرمه الشرع من الميتة والدم ~~والبول وما لا ينقلب إلى حالة أخرى ، فأن تبيح الخمر أولى ؛ لأنها قد تنقل ~~من حالها إلى حال التخليل . قال ابن القصار : وكان الشيخ أبو بكر الأبهرى ~~يقول : إن دفعته إليها ضرورة يغلب على ظنه أنه يتخلص بشربها جاز ؛ لأنه لو ~~تغصص بلقمة فى حلقة فلم يجد ما يدفعها به ، واضطر أن يزردها بالخمر جاز له ~~ذلك ، ولم يجز أن يمنعه من حالة الحال فتصير كالميتة عند الضرورة . والأمر ~~كما قال - إن شاء الله . * * * # | 16 - باب الشرب قائما # / 37 - فيه : على ، أنه شرب قائما ، فقال ms1882 : إن ناسا يكره أحدهم أن يشرب ~~وهو قائم ، وإنى رأيت النبى ، عليه السلام ، فعل كما رأيتمونى فعلت . / 38 ~~- وفيه : ابن عباس ، قال : شرب النبى ، عليه السلام ، قائما من زمزم . ~~PageV06P071 إنما رسم البخارى هذا الباب ؛ لأنه قد رويت عن النبى آثار فيها ~~كراهية الشرب قائما ، فلم تصح عنده ، وصحت عنده أحاديث الإباحة فى ذلك ، ~~وعمل بهذا الخلفاء بعد النبى ، وقال بها أئمة الفتوى ، وروى الطبرى عن عمر ~~بن الخطاب أنه شرب قائما ، وعن على بن أبى طالب وسعد وابن عمر وعائشة وأبى ~~هريرة مثله ، وعن إبراهيم وطاوس وسعيد بن جبير مثله أيضا . وروى عن أنس كره ~~الشرب قائما ، وعن أبى هريرة مثله ، وبه قال الحسن البصرى . والدليل على ~~جواز ذلك أن الأكل مباح قائما وعلى كل حال ، فكذلك الشرب ، ذكر ابن أبى ~~شيبة قال : حدثنا حفص بن غياث ، عن عبيد الله بن عمر ، عن نافع ، عن ابن ~~عمر قال : ( كنا نشرب ونحن قيام ، ونأكل ونحن نمشى على عهد رسول الله ) . ~~قال الطبرى : وأحاديث النهى عن ذلك ليست على وجه التحريم ، وإنما هى على ~~وجه التأديب والإرشاد ، يدل على ذلك أنه عليه السلام شرب قائما ، ولم يرد ~~عنه أن أحد الخبرين ناسخ للآخر ، ولا يجوز أن يكون منه عليه السلام تحريم ~~شىء بعد إطلاقه ، أو إطلاق شىء بعد تحريمه ، ثم لا يعلم أمته أى ذلك الواجب ~~عليهم العمل به ، وقد روى فى سبب نهيه عن ذلك خبر فى إسناده نظر ؛ روى بقية ~~عن إسحاق بن مالك ، عن محمد بن إبراهيم ، عن الحارث بن فضيل ، عن جعفر بن ~~عبد الله ، عن ابن عمر قال : قال النبى - PageV06P072 عليه السلام - : ( من ~~أصابه الجن فى إحدى ثلاث لم يشف : وهو يشرب قائما ، أو يمشى فى نعل واحدة ، ~~أو يشبك بين أصابعه ) وهذا الخبر وإن كان مما لا يعتمد عليه لضعفه ، فإن فى ~~إجماع الحجة على أن نهى النبى عن الشرب قائما على غير وجه التحريم له دليل ~~على أنه نهى عنه كراهية له سبب هو غير ms1883 التحريم . وروى عن النخعى أنه قال : ~~إنما أكره الشرب قائما مخافة أن يأخذ منه الداء . وقال مرة : يأخذ منه ذا ~~البطن ، وقال غيره : النهى عنه - والله أعلم - نهى اختيار ، لأن الشرب ~~جالسا أهنأ وأمرأ . * * * # | 17 - باب من شرب وهو واقف على بعيره # / 39 - فيه : أم الفضل بنت الحارث ، أنها أرسلت إلى النبى ، عليه السلام ~~، بقدح لبن وهو واقف ، عشية عرفة ، فأخذه وشربه . زاد مالك ، عن أبى النضر ~~: على بعيره . وترجم له : باب الشرب فى الأقداح . إذا جاز الشرب قائما ~~بالأرض ، فالشرب على الدابة أحرى بالجواز ؛ لأن الراكب أشبه بالجالس . * * ~~* # | 18 - باب الأيمن فالأيمن فى الشرب # / 40 - فيه : أنس ، أن النبى ، عليه السلام ، أتى بلبن قد شيب بماء ، وعن ~~PageV06P073 يمينه أعرابى ، وعن شماله أبو بكر ، فشرب ، ثم أعطى الأعرابى ، ~~وقال : ( الأيمن فالأيمن ) . قال المهلب : التيامن فى الأكل والشرب وجميع ~~الأشياء من السنن ، وأصله ما أثنى الله به على أصحاب اليمين فى الآخرة ، ~~فكان رسول الله يحب التيامن استشعار منه لما شرف الله به أهل اليمين ، ~~ولئلا تكون أفعاله كلها إلا مرادا بها ما عند الله ، وليحتذى حكمة الله فى ~~أفعاله فنبه أن سنة المناولة فى الطعام والشراب من على اليمين . قال غيره : ~~وما روى عن مالك أنه قال ذلك فى الماء خاصة ، فلا أعلم أحدا قاله غيره ، ~~وحديث عائشة ( أن النبى - عليه السلام - كان يحب التيامن فى طهوره ، وتنعله ~~وترجله ) يعم الماء وجميع الأشياء . * * * # | 19 - باب هل يستأذن الرجل من على يمينه فى الشرب ليعطى الأكبر # / 4 - وفيه : سهل ، أن النبى - صلى الله عليه وسلم - أتى بشراب فشرب منه ~~، وعن يمينه غلام ، وعن يساره الأشياخ ، فقال للغلام : ( أتأذن لى أن أعطى ~~هؤلاء ) ؟ فقال الغلام : والله يا رسول الله ، لا أوثر بنصيبى منك أحدا ، ~~قال : فتله رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فى يده . الغلام المذكور فى ~~هذا الحديث : هو ابن عباس ، والأشياخ : خالد بن الوليد ، وقد نقل هذا من ~~طرق ، ورواه الحميدى عن سفيان PageV06P074 قال : حدثنا على بن زيد بن جدعان ms1884 ~~، عن عمر ابن حرملة ، عن ابن عباس قال : ( دخلت مع رسول الله على خالتى ~~ميمونة ومعنا خالد بن الوليد ، فقدمت إلينا ضبابا مشوية ، فلما رآها رسول ~~الله تفل ثلاث مرات ولم يأكل منها ، وأمرنا أن نأكل ، ثم أتى رسول الله ~~بإناء فيه لبن فشرب وأنا عن يمنيه ، وخالد عن يساره ، فقال لى رسول الله : ~~الشربة لك يا غلام وإن شئت آثرت بها خالدا . فقلت : ما كنت لأوثر بسؤر رسول ~~الله أحدا . ثم قال رسول الله : من أطعمه الله طعاما فليقل : اللهم بارك ~~لنا فيه وأبدلنا به ما هو خير منه ، ومن سقاه لبنا فليقل : اللهم بارك لنا ~~فيه وزدنا منه ، فإنى لا أعلم شيئا يجزئ من الطعام والشراب غيره ) . وفيه ~~من الفقه : أنه وجب له حق أنه لا يؤخذ منه إلا عن إذنه ، فلذلك قال الغلام ~~: ( والله يا رسول الله ، لا أوثر بنصيبى منك أحدا ) تبركا بفضله صلى الله ~~عليه . قال المهلب : واستئذانه صاحب اليمين من باب التأدب لفضل السن ، فلو ~~أذن الشاب الذى على اليمين لكان من المؤثرين على أنفسهم ، و إذ لم يأذن و ~~تشاح فى نصيبه من النبى فله ما شح عليه من شريف المكان وفى هذا PageV06P075 ~~دليل أنه من يسبق إلى مجالسة الإمام والعالم أنه لا يقام لمن هو أسن منه ، ~~لأن النبى - عليه السلام - لما لم يقم ذلك الأعرابى لأبى بكر ولا الغلام ~~للشيخ ، علم أن من سبق إلى المواضع عند العالم أو المسجد أو غيره مما حقوق ~~الناس فيه متساوية أنه أحق به . قال غيره : وقوله : ( كبر كبر ) فى غير هذا ~~الحديث ، إنما ذلك إذا استوت حال القوم فى شىء واحد ، فحينئذ يبتدأ بالأكبر ~~، وأما إذا كان لبعضهم على بعض فضل فى شىء فصاحب الفضل أولى بالتقدمة ، ~~وسيأتى فى كتاب المياه فى باب : من رأى صدقة الماء وهبته ووصيته جائزة شىء ~~من الكلام فى حديث سهل ، إن شاء الله . * * * # | 20 - باب تغطية الإناء # / 42 - فيه : جابر ، قال النبى ، عليه السلام : ( إذا كان جنح الليل ms1885 - أو ~~أمسيتم - فكفوا صبيانكم ، فإن الشياطين تنتشر حينئذ ، فإذا ذهب ساعة من ~~الليل فحلوهم ، فأغلقوا الأبواب ، واذكروا اسم الله ، فإن الشيطان لا يفتح ~~بابا مغلقا ، وأوكوا قربكم ، واذكروا اسم الله ، وخمروا آنيتكم ، واذكروا ~~اسم الله ، ولو أن تعرضوا عليها شيئا ، وأطفئوا مصابيحكم ) . قال المهلب : ~~خشى النبى - عليه السلام - على الصبيان عند انتشار الجن أن تلم بهم فتصرعهم ~~، فإن الشيطان قد أعطاه الله قوة على هذا ، وقد علمنا رسول الله أن التعرض ~~للفتن مما لا ينبغى ، فإن الاحتراس منها أحزم ، على أن ذلك الاحتراس لا يرد ~~قدرا ولكن PageV06P076 لتبلغ النفس عذرها ، ولئلا يسبب له الشيطان إلى لوم ~~نفسه فى التقصير . وأما قوله : ( إن الشيطان لا يفتح غلقا ) فهو إعلام من ~~النبى أن الله لم يعطه قوة على هذا ، وإن كان قد أعطاه ما هو أكثر منه ، ~~وهو الولوج حيث لا يلج الإنسان ، وسيأتى هذا المعنى فى باب إغلاق الأبواب ~~بالليل فى آخر كتاب الاستئذان - إن شاء الله . والوكاء والتخمير دلائل على ~~أن الاستعاذة تردع الشيطان ، وقيل : إنما أمر بتغطية الإناء لحديث القعقاع ~~بن حكيم عن جابر أن الرسول قال : ( غطوا الإناء وأوكوا السقاء ؛ فإن فى ~~السنة ليلة ينزل فيها وباء لا يمر بإناء ليس فيه غطاء إلا نزل فيه من ذلك ~~الوباء ) قال الليث بن سعد - وهو راوى الحديث - : والأعاجم يتقون ذلك فى ~~كانون الأول . قال المهلب : وأما إطفاء السراج فقد بينه فى غير هذا الحديث ~~، وقال : من أجل الفويسقة - وهى الفأرة - فإنها تضرم على الناس بيوتهم . ~~وإنما سماها فويسقة لفسادها وأذاها ، وسيأتى زيادة فى هذا المعنى فى كتاب ~~الاستئذان فى باب قوله : لا تترك النار فى البيت عند النوم . وفيه : أن ~~أوامر النبى قد تكون لمنافعنا لا لشىء من أمر الدين . PageV06P077 * * * # | 21 - باب اختناث الأسقية # / 43 - فيه : أبو سعيد ، نهى النبى - صلى الله عليه وسلم - عن اختناث ~~الأسقية - يعنى أن تكسر أفواهها - فيشرب منها . قال المهلب : معنى هذا ~~النهى - والله أعلم - على وجه الأدب لجواز أن تكون فى أفواهها حية ms1886 أو بعض ~~الهوام لا يراها الشارب فيدخل فى حلقه ، وقد قيل : إن ذلك على سبيل التقذر ~~؛ لأنه يدخلها فى فيه ، وقد روى ذلك فى الحديث ، روى ابن وهب عن أنس ابن ~~عياض ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه ( أن النبى نهى أن يشرب من فم السقاء ، ~~وقال : إنه ينتنه ) ، وقد أجاز مالك أن يشرب من أفواه الأسقية ، وتقول ~~العرب : خنث السقاء ، وانخنث السقاء : إذا مال ، ومنه قيل للمخنث مخنث ~~لتكسره وميله إلى شبه النساء . * * * # | 22 - باب الشرب من فم السقاء # / 44 - فيه : أبو هريرة ، نهى النبى ، عليه السلام ، عن الشرب من فم ~~السقاء - أو القربة . / 45 - وعن ابن عباس ، مثله . قد تقدم فى الباب قبل ~~هذا أن النهى عن الشرب من فم السقاء نهى أدب ، لا نهى تحريم ، روى عن أبى ~~سعيد الخدرى : ( أن رجلا شرب من فى السقاء فانساب جان فى بطنه ؛ فنهى رسول ~~الله عن اختناث الأسقية ) ، وهذا يدل أن من فعل ذلك أنه ليس بحرام عليه ~~شربه . PageV06P078 * * * # | 23 - باب التنفس فى الإناء # / 46 - فيه : أبو قتادة ، قال عليه السلام : ( إذا شرب أحدكم فلا يتنفس ~~فى الإناء ، وإذا بال أحدكم فلا يمسح ذكره بيمينه ، وإذا تمسح أحدكم فلا ~~يتمسح بيمينه ) . قال المهلب : التنفس إنما نهى عنه عليه السلام كما نهى عن ~~النفخ فى الطعام والشراب - والله أعلم - من أجل أنه لا يؤمن أن يقع فيه شىء ~~من ريقه ، فيعافه الطاعم له ويستقذر أكله ؛ إذ كان التقذر فى باب الطعام ~~والشراب ، والتنظف فيه الغالب على طباع أكثر الناس ، فنهاه عن ذلك ؛ لئلا ~~يفسد الطعام والشراب على من يريد تناوله هذا إذا أكل أو شرب مع غيره ، وإذا ~~كان الإنسان يأكل أو يشرب وحده أو مع أهله أو مع من يعلم أنه لا يقذر شيئا ~~مما يأكل منه ، فلا بأس بالتنفس فى الإناء ، كما فعل النبى مع عمر بن أبى ~~سلمة أمره أن يأكل مما يليه ، وكان هو عليه السلام ، يتتبع الدباء فى ~~الصحفة ، علما منه أنه لا يقذر منه ms1887 شىء عليه السلام ، وكيف يظن ذلك وكان ~~إذا تنخم تبادر أصحابه نخامته فدلكوا بها وجوههم ، وكذلك فضل وضوئه ، فهذا ~~فرق بين فعل النبى وأمره غيره بالأكل مما يليه . * * * # | 24 - باب الشرب بنفسين أو ثلاثة # / 47 - فيه : أنس ، أنه كان يتنفس فى الإناء مرتين أو ثلاثا ، وزعم أن ~~النبى - صلى الله عليه وسلم - كان يتنفس ثلاثا . قال المهلب : إن قال قائل ~~: حديث أبى قتادة ( أن النبى - PageV06P079 عليه السلام - نهى عن التنفس فى ~~الإناء ) فى الباب قبل هذا يعارض حديث أنس هذا . قيل : لا تعارض بينهما ~~بحمد الله ، ويحتمل معنيين : أحدهما ذكره ابن المنذر قال : روى أبو هريرة ~~عن النبى قال : ( لا يتنفس أحدكم فى الإناء إذا شرب ، ولكن إذا أراد أن ~~يتنفس فليؤخره عن فيه ، ثم يتنفس ) فيحتمل أن يكون هذا الحديث مفسرا لحديث ~~أنس أنه عليه السلام كان يتنفس ثلاثا يعنى أنه كان يزيل القدح عنه فيه كل ~~مرة يتنفس ؛ ليعلم أمته ذلك ، حتى لا يختلف الحديثان . قال المؤلف : ~~والمعنى الثانى : أن يكون نهيه عليه السلام عن التنفس فى الإناء فى حديث ~~أبى قتادة إذا شرب مع من يكره تنفسه فيه ويتقذر الشرب منه ، كما تقدم فى ~~الباب قبل هذا وإذا شرب مع من لا يتقذر منه فالتنفس له مباح ، ولذلك تنفس ~~عليه السلام ؛ لعلمه برغبة الناس فيما يتنفس فيه ؛ ليدل أمته على إباحة ذلك ~~ممن لا يتقذر بنفسه ، ألا ترى أنه مج فى وجه محمود بن الربيع مجة فكانت له ~~بذلك فضيلة ، وهذا الوجه أولى بالصواب ؛ لأن عامة الفقهاء لا يختلفون أنه ~~لو تنفس فى الشراب لم يحرم بذلك . واختلفوا هل يجوز الشرب بنفس واحد ، فروى ~~عيسى عن ابن القاسم ، أن مالكا سئل عن قول الرجل للنبى - صلى الله عليه ~~وسلم - : ( إنى لا أروى من نفس واحد ، فقال له عليه السلام : فأبن القدح عن ~~فيك ) فقال مالك : أرى ذلك رخصة أن يشرب من نفس واحد ما شاء . PageV06P080 ~~يريد مالك أن النبى لما لم ينه الرجل أن يشرب من نفس ms1888 واحد ، وقال له : ( ~~أبن القدح عن فيك ) علم أن ذلك كالإباحة ، وقد روى عن سعيد بن المسيب ، ~~وعطاء بن أبى رباح أنهما أجازا الشرب بنفس واحد . قال ميمون بن مهران : ~~رآنى عمر بن عبد العزيز وأنا أشرب ، فجعلت أقطع شرابى وأتنفس ، فقال : إنما ~~نهى أن يتنفس فى الإناء ، فأما إذا لم تتفس فى الإناء فاشربه إن شئت بنفس ~~واحد . وروى عن ابن عباس وطاوس وعكرمة كراهية الشرب بنفس واحد ، وقالوا : ~~هو شرب الشيطان . وقول عمر بن عبد العزيز تفسير لهذا الباب وأصل له . * * * # | 25 - باب الشرب فى آنية الذهب # / 48 - فيه : حذيفة ، أنه استسقى ، فأتاه دهقان بقدح فضة ، فرمى به ، ~~فقال : إنى لم أرمه إلا أنى نهيته فلم ينته ، وإن النبى - صلى الله عليه ~~وسلم - نهانا عن الحرير والديباج ، والشرب فى آنية الذهب والفضة ، وقال : ( ~~هن لهم فى الدنيا ، وهن لكم فى الآخرة ) . العلماء متفقون أنه لا يجوز ~~الأكل و الشرب فى آنية الذهب والفضة ؛ لأن ذلك من باب السرف ، إذ جعل الله ~~الذهب والفضة قواما للناس وأثمانا لمعايشهم وقيما للأشياء ، فكره استعمالها ~~فى غير PageV06P081 ذلك إلا ما أباحته السنة للرجال من السيف والخاتم ~~والمصحف ، والحلى للنساء . قال المهلب : وقوله عليها السلام : ( هن لهم فى ~~الدنيا وهن لكم فى الآخرة ) وهو مثل قوله عليه السلام فى الحرير : ( إنما ~~يلبس هذه من لا خلاق له فى الآخرة ) وهم الكفار ؛ لأنه لما كان الحرير من ~~لباسهم فى الدنيا ، وآثروه على ما أعده الله فى الآخرة لأوليائه ، وأحبوا ~~العاجلة ؛ ذمهم النبى بذلك ، ونهى المسلمين أن يتشبهوا بالكفار المؤثرين ~~الدنيا على الآخرة ، ولئلا يدخلوا تحت قوله تعالى : { أذهبتم طيباتكم فى ~~حياتكم الدنيا } الآية ، وقال مالك بن دينار : قرأت فيما أنزل الله - تعالى ~~- : ( أن قل لأوليائى لا يطعموا مطاعم أعدائى ، ولا يلبسوا ملابس أعدائى ، ~~فيكونوا أعدائى كما هم أعدائى ) . * * * # | 26 - باب آنية الفضة # / 49 - فيه : حذيفة ، قال عليه السلام : ( لا تشربوا فى آنية الفضة ) . / ~~50 - وفيه : أم سلمة ، أن النبى ، عليه السلام ، قال : ( الذى يشرب ms1889 فى آنية ~~الفضة ، إنما يجرجر فى بطنه نار جهنم ) . / 51 - وفيه : البراء ، أمر النبى ~~، عليه السلام ، بسبع ، ونهانا عن سبع ، عن الشرب فى آنية الفضة . . . . . ~~الحديث . PageV06P082 قد تقدم فى الباب قبل هذا أنه لا يجوز الأكل والشرب ~~فى آنية الفضة والذهب . واختلفوا فى الآنية المفضضة ، فروى عن عائشة أنها ~~نهت أن تضبب الآنية أو تحلقها بفضة . وكان ابن عمر لا يشرب فى آنية فيها ~~حلقة أو ضبة فضة . وهو قول عطاء ، وسالم ، وعروة بن الزبير ، وبه قال مالك ~~والليث . ورخصت فى ذلك طائفة ، روى ذلك عن عمران بن حصين وأنس بن مالك ~~أنهما أجازا الشرب فى الإناء المفضض ، وأجازه من التابعين : طاوس والحكم ~~والنخعى والحسن البصرى . وقال أبو حنيفة وأصحابه : لا بأس أن يشرب الرجل ~~بالقدح المفضض إذا لم يجعل فاه على الفضة كالشرب بيده وفيها الخاتم . وقال ~~أحمد بن حنبل : لا بأس به إذا لم يجعل فاه على الفضة وهو مثل العلم فى ~~الثوب ، وبه قال إسحاق . وقال ابن المنذر : ثبت أن النبى - عليه السلام - ~~نهى عن آنية الفضة ، والمفضض ليس بإناء فضة وكذلك المضبب ، فالذى يحرم فيه ~~الشرب ما نهى عنه النبى ولا نعصى من شرب فيما لم ينه عنه . وقال أبو عبيدة ~~نحوه . وفعل ابن عمر إنما هو محمول على التورع لا على التحريم ، كما ~~PageV06P083 روى عنه أنه كان ينضح الماء فى عينيه لغسل الجنابة ، وليس ذلك ~~بواجب عليه . وروى أبو نعيم قال : حدثنا شريك عن حميد قال : ( رأيت عند أنس ~~قدح النبى - عليه السلام - فيه فضة أو شد بفضة ) . قال الطحاوى : لا يخلو ~~ذلك أن يكون فى زمن النبى - عليه السلام - أو أحدثه أنس بعده ، فأى ذلك كان ~~، فقد ثبت عن أنس إباحته ؛ لأنه كان يسقى الناس فيه تبركا برسول الله قال ~~أبو عبيدة : الجرجرة : صوت وقوع الماء فى الجوف ، وإنما يكون ذلك عند شدة ~~الشرب ، ومنه قيل للبعير إذا صاح : هو يجرجر . وقوله : ( يجرجر فى بطنه نار ~~جهنم ) محمول عند أهل السنة على أن الله ms1890 فى ذلك بالخيار لمن أراد أن ينفذ ~~عليه الوعيد . * * * # | 30 - باب الشرب من قدح النبى ، عليه السلام وآنيته # قال أبو بردة : قال لى ابن سلام : ألا أسقيك فى قدح شرب النبى ، عليه ~~السلام ، فيه . / 52 - فيه : سهل ، ذكر للنبى - صلى الله عليه وسلم - امرأة ~~من العرب ، فأمر أبا أسيد الساعدى أن يرسل إليها ، فأرسل إليها ، فقدمت ، ~~فنزلت فى أجم بنى ساعدة ، فخرج النبى - صلى الله عليه وسلم - حتى جاءها ، ~~فدخل عليها ، فإذا امرأة منكسة رأسها . . . . . الحديث PageV06P084 إلى ~~قوله : ( اسقنا يا سهل ) ، فأخذت هذا القدح ، فأسقيتهم فيه ، فأخرج لنا سهل ~~ذلك القدح فشربنا منه ، ثم استوهبه عمر بن عبدالعزيز فوهبه له . / 53 - ~~وفيه : عاصم الأحول ، رأيت قدح النبى ، عليه السلام ، عند أنس ، وكان قد ~~انصدع فسلسله بفضة ، قال وهو قدح جيد عريض من نضار . وقال ابن سيرين : إنه ~~كان فيه حلقة من حديد ، فأراد أنس أن يجعل مكانها حلقة من ذهب أو فضة ، ~~فقال له أبو طلحة : لا تغيرن شيئا صنعه النبى ، عليه السلام ، فتركه . ~~الشرب من قدح النبى وآنيته من باب التبرك بالنبى وامتثال فعله ، كما كان ~~ابن عمر يصلى فى المواضع التى صلى فيها رسول الله ، ويدور ناقته حيث أدارها ~~، تبركا بالاقتداء به ، وحرصا على اقتفاء آثاره ، ومن هذا الباب ما يفعله ~~الناس إلى اليوم من الدخول فى الغار الذى اختفى فيه عليه السلام وأبو بكر ~~الصديق على صعوبة الارتقاء إليه والدخول فيه ، وهذا كله وإن كان ليس بواجب ~~ولا لازم وإنما يحمل على فرط المحبة فى النبى - عليه السلام - والاغتباط ~~بموافقته ، وقد قال عليه السلام : ( والله لا يؤمن عبد حتى أكون أحب إليه ~~من والده وولده والناس أجمعين ) . وقوله : ( قدح عريض من نضار ) قال صاحب ~~العين : قدح من PageV06P085 نضار - ويتخذ من أثل ، ورسى اللون - وذهب نضار ~~، والنضار : الخالص . والأجم : جمع أجمة ، وهى الغياض ، قال ابن الفاسى : ~~النضار : عود أصفر يشبه لون الذهب ، وهو أعمق العود . * * * # | 28 - باب شرب البركة والماء المبارك # / 54 - فيه : جابر ، رأيتنى مع النبى ، عليه ms1891 السلام ، وقد حضرت العصر ، ~~وليس معنا ماء غير فضلة ، فجعل فى إناء ، فأتى النبى - صلى الله عليه وسلم ~~- به ، فأدخل يده فيه ، وفرج بين أصابعه ، ثم قال : ( حى على أهل الوضوء ، ~~والبركة من الله ) ، فلقد رأيت الماء يتفجر من بين أصابعه ، فتوضأ الناس ، ~~وشربوا ، فجعلت لا آلوا ما جعلت فى بطنى منه ، فعلمت أنه بركة . قلت لجابر ~~: كم كنتم يومئذ ؟ قال : ألفا وأربع مائة وقال جابر : خمس عشرة مائة . قال ~~المهلب : قال البخارى : ( باب شرب البركة ) لقول جابر فى الحديث : ( فعلمت ~~أنه بركة ) وهذا جائز سائغ فى لسان العرب أن يسمى الشىء المبارك فيه : بركة ~~، كما قال أيوب النبى - عليه السلام - : ( لا غنى بى عن بركتك ) فسمى الذهب ~~بركة ، ومثله قوله تعالى : { هذا خلق الله } يعنى مخلوقاته ، والخلق اسم ~~الفعل . PageV06P086 وفيه من الفقه : أن الإسراف فى الطعام والشراب مكروه ~~إلا الأشياء التى أرى الله فيها بركة غير معهودة وآية قائمة بينة ، فلا بأس ~~بالاستكثار منها ، وليس فى ذلك سرف ولا كراهية ، ألا ترى قول جابر : ( ~~فجعلت لا آلو ما جعلت فى بطنى منه ) أى لا أقصر عن جهدى فى الاستكثار من ~~شربه . وفيه : علم عظيم من أعلام النبوة ، وقد تقدم بيان هذا المعنى وما فى ~~نبع الماء من بين أصابع النبى من عظم الآية ، وشرف الخصوصية فى باب التماس ~~الوضوء إذا حانت الصلاة فى كتاب الوضوء ، فأغنى عن إعادته . والحمد لله ~~وحده وصلواته على خير خلقه محمد وآله وصحبه PageV06P087 * * * بسم الله ~~الرحمن الرحيم # | 27 - كتاب الأيمان والنذور # # | 1 - باب قول الله تعالى : { لا يؤاخذكم الله باللغو فى أيمانكم } الآية ~~[ المائدة : 89 ] # / 1 - وفيه : عائشة ، أن أبا بكر لم يكن يحنث فى يمين قط حتى أنزل الله ~~كفارة اليمين ، وقال : لا أحلف على يمين ، فرأيت غيرها خيرا منها ، إلا ~~أتيت الذى هو خير ، وكفرت عن يمينى . / 2 - وفيه : عبد الرحمن بن سمرة ، ~~قال : قال النبى عليه السلام : ( يا عبدالرحمن ، لا تسأل الإمارة ، فإنك إن ~~أوتيتها عن مسألة وكلت إليها ، وإن أوتيتها ms1892 من غير مسألة أعنت عليها ، وإذا ~~حلفت على يمين فرأيت غيرها خيرا منها فكفر عن يمينك ، وأت الذى هو خير ) . ~~/ 3 - وفيه : أبو موسى ، أتيت النبى ، عليه السلام ، فى رهط من الأشعريين ~~أستحمله ، فقال : ( والله ، لا أحملكم وما عندى ما أحملكم عليه ) ، قال : ~~ثم لبثنا ما شاء الله أن نلبث ، ثم أتى بثلاث ذود غر الذرى ، فحملنا عليها ~~، فلما انطلقنا ، قلنا : - أو قال بعضنا - والله ، لا يبارك لنا أتينا ~~النبى - صلى الله عليه وسلم - نستحمله ، فحلف أن لا يحملنا ، ثم حملنا ، ~~فارجعوا بنا إلى النبى ، عليه السلام ، فنذكره ، فأتيناه ، فقال : ( ما أنا ~~حملتكم ، بل الله حملكم ، وإنى والله إن شاء الله ، لا أحلف على يمين ~~PageV06P088 فأرى غيرها خيرا منها إلا كفرت عن يمينى ، وأتيت الذى هو خير ، ~~أو أتيت الذى هو خير ، وكفرت عن يمينى ) . / 4 - وفيه : همام بن منبه ، قال ~~: هذا ما حدثناه أبو هريرة ، عن النبى - صلى الله عليه وسلم - قال : ( نحن ~~الآخرون السابقون يوم القيامة ) . وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ~~( والله لأن يلج أحدكم بيمينه فى أهله ، آثم له عند الله من أن يعطى كفارته ~~التى افترض الله عليه ) . / 5 - وفيه : أبو هريرة ، قال النبى عليه السلام ~~: ( من استلج فى أهله بيمين ، هو أعظم إثما ، ليبر ) ، يعنى الكفارة . ( ~~ليبر ) ، يعنى الكفارة ، للنسفى ، وكذا عند ابن الفاسى . قال المؤلف : حض ~~النبى - عليه السلام - أمته على الكفارة إذا كان إتيانها خيرا من التمادى ~~على اليمين ، وأقسم عليه السلام أنه كذلك يفعل هو ، ألا ترى أنه حلف ألا ~~يحمل الأشعريين حين لم يكن عنده ما يحملهم عليه ، فلما أتى بالإبل حملهم ~~عليها ، وأقسم أيضا أن التمادى على اليمين والاستلجاج فيها أشد إثما من ~~إعطاء الكفارة . والاستلجاج فى أهله وهو أن يحلف ألا ينيلها خيرا ، أو لا ~~يجامعها ، أو لا يأذن لها فى زيارة قرابة أو مسير إلى المسجد ، فتماديه فى ~~هذه اليمين وبره فيها آثم له عند الله من إثمه أن لا يكفر يمينه ؛ لأن من ~~فعل ذلك ms1893 دخل فى قوله : تألى ألا يفعل خيرا ، وهذا منهى عنه ، وقد جاء مصداق ~~هذه الأحاديث فى كتاب الله - تعالى - قال PageV06P089 تعالى : { ولا تجعلوا ~~الله عرضة لأيمانكم أن تبروا وتتقوا } الآية . قال أهل التفسير : نزلت هذه ~~الآية فى الرجل يحلف أن لا يبر ولا يصل قرابته ورحمه ، ولا يصلح بين اثنين ~~، فأمروا بالصلة والمعروف والإصلاح بين الناس . والعرضة فى كلام العرب : ~~القوة والشدة ، يقال : هذا الأمر عرضة لك أى : قوة وشدة على أسبابك ، ~~فمعناه على هذا : لا تجعلوا يمينكم قوة لكم فى ترك فعل الخير . وأما قوله ~~فى حديث أبى هريرة : ( ليست تغنى الكفارة ) . هكذا رواه جماعة ، وروى أبو ~~الحسن بن القابسى ( ليبر ، يعنى : الكفارة ) وكذلك رواه النسفى ، وهو ~~الصواب ، ومن روى : ليس تغنى الكفارة فلا معنى له ؛ لأن الكفارة تغنى غناء ~~شديدا ، وقد جعلها الله تحلة الأيمان ، ومعنى قوله : ( ليبر ) أى ليأت البر ~~، ثم فسر ذلك البر ما هو بقوله : ( يعنى الكفارة ) خوفا من أن يظن أنه من ~~إبرار القسم والتمادى على اليمين ، وهذا الحديث يرد قول مسروق وعكرمة وسعيد ~~بن جبير ، فإنهم ذهبوا إلى أنه يفعل الذى هو خير ، ولا كفارة عليه ، وقولهم ~~خلاف الأحاديث ، فلا معنى له . قال المهلب : وقوله تعالى : { لا يؤاخذكم ~~الله باللغو فى أيمانكم } الآية يدل أن الله لا يعذب إلا على ما كسبت ~~القلوب بالقصد والعمل من الجوارح ، لقوله : { ولكن يؤاخذكم بما عقدتم ~~الأيمان } وبقوله عليه السلام : ( الأعمال بالنيات ) وسيأتى تفسير وجوه ~~اللغو فى بابه - إن شاء الله . PageV06P090 وقوله : ( غر الذرى ) يعنى بيض ~~الأسنمة ، والأغر : الأبيض فى حسن ، ومن ذلك قيل للثنايا إذا كانت بيضا ~~حسانا : هن غر ، وذروة كل شىء أعلاه . * * * # | 2 - باب قول النبى عليه السلام : ( وايم الله ) # / 6 - فيه : ابن عمر ، بعث النبى - صلى الله عليه وسلم - بعثا ، وأمر ~~عليهم أسامة بن زيد ، فطعن بعض الناس فى إمرته ، فقام النبى - صلى الله ~~عليه وسلم - ، فقال : ( إن كنتم تطعنون فى إمرته ، فقد كنتم تطعنون فى إمرة ~~أبيه من قبل ، وايم الله ، إن ms1894 كان لخليقا للإمارة ، وإن كان لمن أحب الناس ~~إلى ، وإن هذا لمن أحب الناس إلى بعده ) . اختلف أهل العلم بلسان العرب فى ~~معنى ( ايم الله ) فقال أبو القاسم الزجاجى : ايم الله وايمن الله وم الله ~~كل هذه لغات فيها ، واشتقاقها عند سيبويه من اليمن والبركة ، وألفها عنده ~~ألف وصل ، واستدل على ذلك بقول بعضهم وايمن الله بكسر الألف ، ولو كانت ألف ~~قطع لم تكسر ، وسقوطها مع لام الابتداء قال الشاعر : وقال فريق ليمن الله ~~ما ندرى وإنما التقدير لأيمن الله PageV06P091 وقال الفراء : ألفها ألف قطع ~~، وهى جمع يمين عنده ، ومعنى قولهم : يمين الله أى يمين الحالف بالله ؛ لأن ~~الله لا يجوز أن يوصف بأنه يحلف بيمين ، وإنما هذه من صفات المخلوقين ، ~~وروى عن ابن عمر وابن عباس أنهما كانا يحلفان بايم الله ، و رأى الحلف بها ~~الحسن البصرى وإبراهيم النخعى ، وذكر ابن خواز بنداد عن مالك أن ايم الله ~~عنده يمين . وقال الطحاوى : ( ايم الله ) يمين عند أصحابنا ، وهو قول مالك ~~، وقال الشافعى : إن لم يرد بأيم الله يمينا فليست بيمين ، وقال إسحاق بن ~~راهويه . إذا أراد بها يمينا كانت يمينا بالإرادة وعقد القلب . * * * # | 3 - باب كيف كانت يمين النبى عليه السلام ؟ # قال سعد : قال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( والذى نفسى بيده ) . ~~وقال أبو قتادة : قال أبو بكر عند النبى عليه السلام : لاها الله ، ويقال : ~~والله وبالله وتالله . / 7 - فيه : ابن عمر ، قال : كانت يمين النبى - صلى ~~الله عليه وسلم - : ( لا ، ومقلب القلوب ) . / 8 - وفيه : جابر بن سمرة ، ~~وأبو هريرة ، قال عليه السلام : ( إذا هلك قيصر فلا قيصر بعده ، وإذا هلك ~~كسرى فلا كسرى بعده ، والذى نفسى بيده ، لتنفقن كنوزهما فى سبيل الله ) . ~~PageV06P092 / 9 - وفيه : عائشة ، وأبو هريرة ، قال عليه السلام : ( يا أمة ~~محمد والله لو تعلمون ما أعلم ، لبكيتم كثيرا ، ولضحكتم قليلا ) . / 10 - ~~وفيه : عبدالله بن هشام ، قال : كنا مع النبى - صلى الله عليه وسلم - وهو ~~آخذ بيد عمر ابن الخطاب ، فقال له عمر : يا رسول الله ، لأنت ms1895 أحب إلى من كل ~~شىء إلا نفسى ، فقال عليه السلام : ( لا ، والذى نفسى بيده ، حتى أكون أحب ~~إليك من نفسك ) ، فقال له عمر : فإنه الآن ، والله لأنت أحب إلى من نفسى ، ~~فقال عليه السلام : ( الآن يا عمر ) . / 11 - وفيه : أبو هريرة ، وزيد بن ~~خالد ، أن النبى ، عليه السلام ، قال : ( أما والذى نفسى بيده ، لأقضين ~~بينكما بكتاب الله ، أما غنمك وجاريتك ، فرد عليك . . . . ) ، الحديث . / ~~12 - وفيه : أبو بكرة ، قال النبى عليه السلام : ( أرأيتم إن كان أسلم ~~وغفار ومزينة وجهينة خيرا من بمى تميم وعامر بن صعصعة وغطفان وأسد خابوا ~~وخسروا ) ؟ قالوا : نعم ، فقال : ( والذى نفسى بيده ، لهم خير منهم ) . / ~~13 - وفيه : أبو حميد ، أن النبى ، عليه السلام ، استعمل عاملا ، فجاءه ~~العامل . . . . الحديث ، فقال عليه السلام : ( والذى نفسى بيده ، لا يغل ~~أحدكم منها شيئا . . . . . ) الحديث . / 14 - وفيه : أبو ذر ، انتهيت إلى ~~النبى - صلى الله عليه وسلم - فى ظل الكعبة ، وهو يقول : ( هم الأخسرون ، ~~ورب الكعبة ) ، مرتين ، يعنى الأكثرين . . . . . الحديث ، إلا من قال : ( ~~هكذا وهكذا ) . PageV06P093 / 15 - وفيه : أبو هريرة ، قال النبى - صلى ~~الله عليه وسلم - : ( قال سليمان : لأطوفن الليلة على تسعين امرأة ، كلهن ~~تأتى بفارس ، يجاهد فى سبيل الله ، فلم يقل : إن شاء الله ، وايم الذى نفس ~~محمد بيده ، لو قال : إن شاء الله ؛ لجاهدوا فى سبيل الله فرسانا أجمعون ) ~~. / 16 - وفيه : البراء ، أهدى إلى النبى ، عليه السلام ، سرقة من حرير ، ~~فقال عليه السلام : ( والذى نفسى بيده ، لمناديل سعد فى الجنة خير من هذا ) ~~. / 17 - وفيه : عائشة ، إن هند ابنة عتبة ، قالت : يا رسول الله ، ما كان ~~على ظهر الأرض أهل أخباء - أو خباء ، شك يحيى - أحب إلى من أن يذلوا من أهل ~~أخبائك - أو خبائك - ثم ما أصبح اليوم أهل أخباء - أو خباء - أحب إلى من أن ~~يعزوا من أهل أخبائك - أو خبائك - قال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( ~~وأيضا ، والذى نفس محمد بيده ) الحديث . / 18 - وفيه : ابن مسعود ، ، قال ~~النبى - صلى الله عليه وسلم - لأصحابه : ( أترضون أن تكونوا ربع أهل الجنة ms1896 ~~) ؟ قالوا : بلى ، قال : ( أفترضون أن تكونوا ثلث أهل الجنة ) ؟ قالوا : ~~بلى ، قال : ( فوالذى نفسى بيده ، إنى لأرجو أن تكونوا نصف أهل الجنة ) . / ~~19 - وفيه : أبو هريرة ، قال النبى - صلى الله عليه وسلم - للذى قرأ { قل ~~هو الله أحد } : ( والذى نفسى بيده ، إنها لتعدل ثلث القرآن ) . / 20 - ~~وفيه : أنس ، قال عليه السلام : ( أتموا الركوع والسجود ، فوالذى نفسى بيده ~~، إنى لأراكم من بعد ظهرى إذا ما ركعتم وسجدتم ) . / 21 - وفيه : أنس ، أن ~~امرأة من الأنصار أتت النبى - صلى الله عليه وسلم - معها أولادها ، فقال : ~~( والذى نفسى بيده ، إنكم لأحب الناس إلى ) ، ثلاثا . PageV06P094 قال ~~المؤلف : أما قوله : ( والذى نفسى بيده ) و ( لا ومقلب القلوب ) فهذه أيمان ~~النبى - عليه السلام - فالسنة أن يحلف بهما وبما شابههما من أسماء الله ~~وصفاته - تعالى - وقد قال عليه السلام : ( من كان حالفا فليحلف بالله أو ~~ليصمت ) . وأجمع العلماء أنه من حلف فقال : والله أو بالله أو تالله أن ~~عليه الكفارة ؛ لأن الواو والباء والتاء هى حروف القسم عند العرب ، والواو ~~والباء يدخلان على كل محلوف به ، ولا تدخل الفاء إلا على الله وحده . ~~وقولهم : ( لا ها الله ) أصله لا والله ، حذف حرف القسم وعوض منه ( ها ) ~~التى للتنبيه ، فصار واو القسم خافضا مضمرا مثله مظهرا ، غير أنه لا يجوز ~~أن يظهر مع ما هو عوض منه . وأجمعوا أنه من حلف باسم من أسماء الله - تعالى ~~- أن عليه الكفارة واختلفوا فيمن حلف بصفاته ، وسيأتى ذلك فى بابه - إن شاء ~~الله . واحتج من أوجب الكفارة فى الأيمان بالصفات كلها بحديث ابن عمر ( أن ~~النبى - عليه السلام - كانت يمينه لا ومقلب القلوب ) ، وصفاته تعالى كلها ~~منه ، وليس شىء مخلوق . وقوله : ( خباء أو أخباء ) : فالمعروف فى جمع خباء ~~أخبية ، وكذلك تجمع فعال وفعيل فى القليل على أفعلة ، كمثال وأمثلة ، وسقاء ~~وأسقية ، ورغيف وأرغفة ، وقد جمع فعيل على أفعال كيتيم وأيتام ، وشريف ~~وأشراف ، ويمين وأيمان ، وهذا قياس خباء و أخباء . PageV06P095 فإن قال ~~قائل : بم يتعلق القسم فى قوله عليه السلام فى حديث هند ms1897 ( وأيضا والذى نفسى ~~بيده ) ؟ قيل : قد فسر المعنى معمر فى روايته عن الزهرى قال معمر : ( ~~لتزدادن ) . قال المؤلف : يعنى لتزدادن محبة فيما ذكرت إذا قوى إسلامك ~~وتحكم الإيمان فى قلبك ، كما قال عليه السلام : ( والله لا يؤمن أحدكم حتى ~~أكون أحب إليه من أهله وولده ومن الناس أجمعين ) يريد لا يبلغ حقيقة ~~الإيمان وأعلى درجاته . * * * # | 4 - باب لا تحلفوا بآبائكم # / 22 - فيه : ابن عمر ، أن النبى ، عليه السلام ، أدرك عمر ، وهو يسير فى ~~ركب فحلف بأبيه ، فقال : ( إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم ، من كان ~~حالفا ، فليحلف بالله أو ليصمت ) . قال عمر : فوالله ما حلفت بها منذ سمعت ~~النبى ، عليه السلام ، ذاكرا ولا آثرا . قال مجاهد : { أو أثارة من علم } [ ~~الأحقاف : 4 ] يأثر علما . / 23 - وفيه : ابن عمر ، قال عليه السلام : ( لا ~~تحلفوا بآبائكم ) . / 24 - وفيه : أبو موسى ، ( والله لا أحلف على يمين ، ~~فأرى غيرها خيرا منها . . . . ) الحديث . قال المهلب : كانت العرب فى ~~الجاهلية تحلف بآبائها وآلهتها ، فأراد الله أن ينسخ من قلوبها وألسنتها ~~ذكر كل شىء سواه ، ويبقى PageV06P096 ذكره تعالى ، لأنه الحق المعبود ، ~~فالسنة اليمين بالله ، كما رواه أبو موسى وغيره عن النبى ، والحلف ~~بالمخلوقات فى حكم الحلف بالآباء ، لا يجوز عند الفقهاء شىء من ذلك . قال ~~الطبرى فى حديث عمر : إن الأيمان لا تصلح بغير الله - تعالى - كائنا ما كان ~~، وأن من قال والكعبة أو وجبريل وميكائيل أو آدم وحوا ونوح أو قال : وعذاب ~~الله ، أو ثواب الله أنه قد قال من القول هجرا ، وتقدم على ما نهى النبى - ~~عليه السلام - عنه ، ولزمه الاستغفار من قوله ذلك دون الكفارة ، لثبوت ~~الحجة أنه لا كفارة على الحالف بذلك . قال غيره : فإن قال قائل : فأين ما ~~فى القرآن من الإقسام بالمخلوقات نحو قوله { والطور وكتاب مسطور } { والتين ~~والزيتون } { والسماء والطارق } وما كان مثله ؟ . قيل : المعنى فيه عند ~~المفسرين : ورب السماء والطارق ، ورب الطور ، ورب النجم ، فعلى هذا القول ~~هى إقسام بالله - تعالى - لا بغيره . قال ابن المنذر : فالجواب أن الله ms1898 ~~أقسم بما شاء من خلقه ، ثم بين الرسول ما أراد الله من عباده أنه لا يجوز ~~لأحد أن يحلف بغيره ، لقوله : ( من كان حالفا فليحلف بالله ) . قال الشعبى ~~: الخالق يقسم بما شاء من خلقه ، والمخلوق لا ينبغى له أن يقسم إلا بالخالق ~~، والذى نفسى بيده لأن أقسم بالله فأحنث أحب إلى من أن أقسم بغيره فأبر . ~~وذكر ابن القصار مثله عن ابن عمر . PageV06P097 وقال قطرب : إنما أقسم الله ~~بهذه الأشياء ليعجب منها المخلوقين ، ويعرفهم قدرته فيها ليعظم شأنها عندهم ~~، ولدلالتها على خالقها ، فلا يجوز لأحد أن يقسم بهذه الأقسام وشبهها ، ~~لأجماع العلماء أنه من وجبت له يمين على رجل أنه لا يحلف له إلا بالله ، ~~ولو حلف له بالنجم أو بالسماء والطارق وقال : نويت رب ذلك ، لم يكن عندهم ~~يمينا . وقال ابن المنذر : من حلف بغير الله وهو عالم بالنهى فهو عاص . قال ~~: واختلف أهل العلم فى معنى نهى النبى عن الحلف بغير الله ، أهو عام فى ~~الأيمان كلها ، أو هو خاص فى بعضها ؟ فقالت طائفة : الأيمان النهى عنها ، ~~هى الأيمان التى كان أهل الجاهلية يحلفون بها تعظيما منهم لغير الله ، ~~كاليمين باللات والعزى والآباء والكعبة والمسيح وبملل الشرك ، فهذه المنهى ~~عنها ولا كفارة فيها ، وأما ما كان من الأيمان مما يئول الأمر فيه إلى ~~تعظيم الله فهى غير تلك ، وذلك كقول الرجل : وحق النبى ، وحق الإسلام ، ~~وكاليمين بالحج والعمرة والصدقة والعتق وشبهه ، فكل هذا من حقوق الله ومن ~~تعظيمه ، وقال أبو عبيد : إنما ألفاظ الأيمان ما كان أصله يراد به تعظيم ~~الله والقربة إليه ، ومن القربة إليه اليمين بالعتق والمشى والهدى والصدقة ~~. قال ابن المنذر : وقد مال إلى هذا القول غير واحد ممن لقيناه ، واستدل ~~بعضهم بما روى عن أصحاب النبى - عليه السلام - من إيجابهم على الحالف ~~بالعتق وصدقة المال و الهدى ما أوجبوه PageV06P098 مع روايتهم هذه الأخبار ~~التى فيها التغليظ فى اليمين بغير الله ، أن معنى النهى فى ذلك غير عام ، ~~إذ لو كان عاما ما أوجبوا فيه ms1899 من الكفارات ما أوجبوا ، ولنهوا عن ذلك . ~~وقوله : ( ذاكرا ) يعنى متكلما به ، كقولك : ذكرت لفلان حديثا حسنا ، وليس ~~من الذكر الذى هو ضد النسيان . وقوله : ( ولا آثرا ) يقول : ولا مخبرا عن ~~غيرى أنه حلف به . وقال الطبرى : ومنه حديث مأثور عن فلان ، أى تحدث به عنه ~~. * * * # | 5 - باب لا يحلف باللات والعزى ولا بالطواغيت # / 25 - فيه : أبو هريرة ، قال النبى ، عليه السلام ، ( من حلف فقال فى ~~حلفه : باللات والعزى ، فليقل : لا إله إلا الله ، ومن قال لصاحبه : تعال ، ~~أقامرك فليتصدق ) . قال المهلب : كان أهل الجاهلية قد جرى على ألسنتهم ~~الحلف باللات والعزى ، فلما أسلموا ربما جروا على عادتهم من ذلك من غير قصد ~~منهم فكان من حلف بذلك فكأنه قد راجع حاله إلى حالة الشرك ، وتشبه بهم فى ~~تعظيمهم غير الله ، فأمر النبى - عليه السلام - من عرض له ذلك بتجديد ما ~~أنساهم الشيطان أن يقولوا : لا إله إلا الله ، فهو كفارة له ، إذ ذلك براءة ~~من اللات والعزى ومن كل ما يعبد من دون الله . قال الطبرى : وقول ذلك واجب ~~عليه مع إحداث التوبة ، PageV06P099 والندم على ما قال من ذلك ، والعزم على ~~ألا يعود ، ولا يعظم غير الله ، وقد روى أبو إسحاق السبيعى ، عن مصعب بن ~~سعد ، عن أبيه قال : ( حلفت باللات والعزى ، فقال أصحابى : ما نراك قلت إلا ~~هجرا . فأتيت النبى فقلت : إن العهد كان قريبا فحلفت باللات والعزى . فقال ~~: قل : لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، له الملك وله الحمد ، وهو على كل ~~شىء قدير ، ثلاث مرات ، وانفث عن شمالك ثلاثا ، وتعوذ بالله من الشيطان ~~الرجيم ، ولا تعد ) . قال الطبرى : وفيه الإبانة أن كل من أتى أمرا يكرهه ~~الله ، ثم أتبعه من العمل بما يرضاه الله ويحبه بخلافه ، وندم عليه ، وترك ~~العود له ، فإن ذلك واضع عنه وزر عمله ، وماح إثم خطيئته ، وذلك كالقائل ~~يقول : كفر بالله إن فعل كذا ، فالصواب له أن يندم على قوله ندامة [ . ] ~~على حلفه ، وأن يحدث من قول الحق خلاف ما ms1900 قال من الباطل ، وكذلك أعمال ~~الجوارح ، كالرجل يهم بركوب معصية ، فإن توبته ترك العزم عليه ، والانصراف ~~عن فعل ما هم به ، وأن يهم بعمل طاعة لله مكان همه بالمعصية ، كما قال عليه ~~السلام لمعاذ فى وصيته : ( إذا عملت سيئة فأتبعها بحسنة تمحها ) . قال غيره ~~: وأما قوله عليه السلام : ( من قال لصاحبه : تعالى أقامرك ، فليتصدق ) فهو ~~محمول عند الفقهاء على الندب لا على الإيجاب ، بدليل أنه من أراد أن يعصى ~~الله ولم يفعل ذلك فليس عليه صدقة ولا غيرها ، وقد روى ابن عباس عن النبى - ~~عليه السلام - أنه قال : ( من هم بسيئة فلم يعملها كتبت له حسنة ) وروى أبو ~~PageV06P100 هريرة عن النبى أنه قال : ( من هم بسيئة فلم يعملها لم تكتب ~~عليه شىء ) . واحتج ابن عباس لروايته بقول الله - تعالى - { ولمن خاف مقام ~~ربه جنتان } قال : هو العبد يهم بالمعصية ثم يتركها من خوف الله - تعالى - ~~وستأتى زيادة فى معنى هذه الحديث فى آخر كتاب الاستئذان فى باب كل لهو باطل ~~إذا شغل عن طاعة الله ، ومعنى قوله : ( ومن قال لصاحبه : تعال أقامرك ) ، ~~إن شاء الله . والطاغوت قد اختلف السلف فى معناه ، فقال جماعة : هو الشيطان ~~. روى ذلك عن عمر ومجاهد والشعبى وقتادة وجماعة . وقال آخرون : هو الساحر ، ~~روى ذلك عن أبى العالية وابن سيرين وغيرهما . وقال آخرون : هو الكاهن ، روى ~~ذلك عن جابر وسعيد بن جبير . قال الطبرى : وهو عندى فعلوت من الطغيان ، ~~كالجبروت من التجبر ، والجلبوت من الجلب ، قيل ذلك لكل من طغى على ربه ، ~~فعبد من دونه إنسانا كان ذلك الطاغى أو شيطانا أو صنما . * * * # | 6 - باب من حلف على الشىء وإن لم يحلف # / 26 - فيه : ابن عمر ، أن النبى ، عليه السلام ، اصطنع خاتما من ذهب ، ~~وكان يلبسه ، فيجعل فصه فى باطن كفه ، ثم إنه جلس على المنبر فنزعه ، فقال ~~: ( إنى كنت ألبس هذا الخاتم ، وأجعل فصه من داخل ، فرمى به ) ، ثم قال : ( ~~والله لا ألبسه أبدا فنبذ الناس خواتيمهم ) . PageV06P101 قال المهلب : ~~إنما كان النبى يحلف على تضاعيف ms1901 كلامه وكثير من فتواه ، متبرعا بذلك لينسخ ~~ما كانت الجاهلية عليه من الحلف بآبائها وآلهتها من الأصنام وغيرها ، ~~ليعرفهم ألا محلوف به إلا الله ، وليتدربوا على ذلك حتى ينسوا ما كانون ~~عليه من الحلف بغير الله . وقوله : ( لا ألبسه أبدا ) أراد بذلك تأكيد ~~الكراهية فى نفوس الناس بيمينه ؛ لئلا يتوهم الناس أنه كرهه لمعنى ، فإن ~~زال ذلك المعنى لم يكن بلبسه بأس ، وأكد بالحلف ألا يلبسه على جميع وجوهه . ~~وفيه من الفقه : أنه لا بأس بالحلف على ما يحب المرء تركه ، أو على ما يحب ~~فعله من سائر الأفعال . * * * # | 7 - باب من حلف بملة سوى الإسلام # وقال النبى عليه السلام : ( من حلف باللات والعزى ، فليقل : لا إله إلا ~~الله ) ، ولم ينسبه إلى الكفر . / 27 - وفيه : ثابت بن الضحاك ، قال : قال ~~النبى ، عليه السلام : ( من حلف بغير ملة الإسلام فهو كما قال ) ، قال : ( ~~ومن قتل نفسه بشىء ، عذب به فى نار جهنم ، ولعن المؤمن كقتله ، ومن رمى ~~مؤمنا بكفر فهو كقتله ) . قال المهلب : قوله : ( فهو كما قال ) يعنى هو ~~كاذب فى يمينه لا كافر ؛ لأنه لا يخلو أن يعتقد الملة التى حلف بها ، فلا ~~كفارة له إلا الرجوع إلى الإسلام ، أو يكون معتقدا للإسلام بعد الحنث فهو ~~كاذب فيما قاله ، بمنزلة من حلف يمين الغموس لا كفارة عليه ، PageV06P102 ~~ألا ترى قوله عليه السلام : ( من حلف باللات والعزى فليقل : لا إله إلا ~~الله ) ، ولم ينسبه إلى الكفر . قال ابن المنذر : وفسر ابن المبارك الكفر ~~فى هذه الأحاديث أن المراد به التغليظ وليس بالكفر ، كما روى عن ابن عباس ~~فى قوله تعالى : { ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون } أنه ليس ~~كمن كفر بالله وملائكته وكتبه ورسله ، وكذلك قال عطاء : كفر دون كفر ، وفسق ~~دون فسق وظلم دون ظلم ، وكما قال عليه السلام : ( سباب المسلم فسوق وقتاله ~~كفر ) أى كفر بما أمر به ألا يقتل بعضهم بعضا . قال غيره : والأمة مجمعة أن ~~من حلف باللات والعزى فلا كفارة عليه ، فكذلك من ms1902 حلف بملة سوى الإسلام لا ~~فرق بينهما ، ومعنى الحديث عن الحلف بما حلف من ذلك والزجر عنه . فإن ظن ~~ظان أن فى هذا الحديث دليلا على إباحة الحلف بملة غير الإسلام صادقا ، ~~لاشتراطه فى هذا الحديث أن يحلف بذلك كاذبا . قيل له : ليس كما توهمت ؛ ~~لورود نهى رسول الله عن الحلف بغير الله نهيا مطلقا ، فاستوى الكاذب ~~والصادق فى النهى ، وقد تقدم معنى هذا الحديث فى آخر كتاب الجنائز فى باب ~~قاتل النفس ، وستأتى زيادة فى بيانه فى كتاب الأدب فى باب من كفر أخاه بغير ~~تأويل فهو كما قال - إن شاء الله . وقوله : ( من قتل نفسه بشىء عذب به فى ~~نار جهنم ) هو على الوعيد ، والله - تعالى - فيه بالخيار . PageV06P103 ~~وقوله : ( ولعن المؤمن كقتله ) فيه تأويلان . قال المهلب : وهو معنى قوله ~~الطبرى : اللعن فى اللغة هو الإبعاد . فمن لعن مؤمنا فكأنه أخرجه من جماعة ~~الإسلام ، فأفقدهم منافعه وتكثير عددهم ، فكان كمن أفقدهم منافعه بقتله ، ~~ويفسر هذا قوله للذى لعن ناقته : ( انزل عنها فقد أجيبت دعوتك ) فسرحها ولم ~~ينتفع بها أحد بعد ذلك ، فأفقد منافعها لما أجيبت دعوته ، فكذلك يخشى أن ~~تجاب دعوة اللاعن فيهلك الملعون . والتأويل الآخر : أن الله حرم لعن المؤمن ~~كما حرم قتله فهما سواء فى التحريم ، وهذا يقتضى تحذير لعن المؤمنين والزجر ~~عنه ؛ لأن الله - تعالى - قال : { إنما المؤمنون إخوة } فأكد حرمة الإسلام ~~، وشبهها بإخوة النسب ، وكذلك معنى قوله : ( من رمى مؤمنا بكفر فهو كقتله ) ~~يعنى فى تحريم ذلك عليه - والله أعلم . فإن قيل : هذا التأويل يعارض ما ثبت ~~عن رسول الله أنه لعن جماعة من المؤمنين فلعن المخنثين من الرجال ، ولعن ~~شارب الخمر ، ولعن فيه عشرة ، ولعن المصورين ، ولعن من غير تخوم الأرض ، ~~ولعن من انتمى إلى غير مواليه ، ومن انتسب إلى غير أبيه ، ولعن من سب ~~والديه ، وجماعة سواهم . قيل : لا تعارض فى شىء من ذلك ، والمؤمن الذين حرم ~~رسول الله لعنهم هم غير من لعنهم ، فنهى عن لعن من لم يظهر الكبائر ولا ~~استباح ms1903 ركوب ما نهى الله عنه ، وأمر بموالاتهم وموآخاتهم فى الله والتودد ~~إليهم ، ولعن من خالف أمره واستباح نهيه ، وأمر PageV06P104 بإظهار النكير ~~عليهم ، وترك موالاتهم والانبساط إليهم والرضا عن أفعالهم ، فالحديثان ~~مختلفان ؛ فانتفى التعارض بحمد الله . واختلف العلماء فى الرجل يقول : أكفر ~~بالله أو أشرك بالله ثم يحنث ، فقال مالك : لا كفارة عليه ، وليس بكافر ولا ~~مشرك حتى يكون قلبه مضمرا على الشرك والكفر ، وليستغفر الله ، وبئس ما صنع ~~. وهو قول عطاء ومحمد بن على وقتادة ، وبه قال الشافعى وأبو ثور وأبوعبيد . ~~وقال أبو حنيفة وأصحابه ، والثورى ، والأوزاعى : من قال هو يهودى أو نصرانى ~~أو كفرت بالله أو أشركت بالله أو برئت من الله أو من الإسلام ؛ فهو يمين ، ~~وعليه الكفارة إن حنث ؛ لأنه تعظيم لله ، فهو كاليمين بالله . وبه قال أحمد ~~بن حنبل وإسحاق . وممن رأى الكفارة على من قال هو يهودى أو نصرانى : عبد ~~الله بن عمر ، وعائشة ، والشعبى ، والحسن ، وطاوس ، والنخعى ، والحكم . قال ~~ابن المنذر : وقول من لم يرها يمينا أصح ؛ لقول النبى - عليه السلام - : ( ~~من حلف باللات والعزى فليقل : لا إله إلا الله ) ولم يأمره بكفارة . قال ~~ابن القصار : وبقوله عليه السلام : ( من حلف بملة غير الإسلام فهو كما قال ~~) ومعناه النهى عن مواقعة ذلك اللفظ والتحذير منه ؛ لا أنه يكون كافرا ~~بالله بقول ذلك . قال ابن القصار : وإنما أراد التغليظ فى هذه الأيمان حتى ~~لا يجترئ عليها أحد . وكذلك قال ابن PageV06P105 عباس وأبو هريرة والمسور ، ~~ثم تلاهم التابعون فلم يوجبوا على من أقدم عليها الكفارة . قال : وأما ~~قولهم : إذا قال أنا يهودى فقد عظم الإسلام وأراد الامتناع من الفعل ، ~~فالجواب أنهم يقولون : لو قال : وحق القرآن وحق المصحف ثم حنث أنه لا كفارة ~~عليه ، وفى هذا من التعظيم لله وللإسلام ما ليس لما ذكروه ، فسقط قولهم ، ~~وأيضا فإنه إذا قال : هو يهودى ، أو كفر بالله ، فليس من طريق التعظيم ، ~~وإنما هو من الجرأة والإقدام على المحرمات ، كالغموس وسائر الكبائر ، وهى ~~أعظم من أن يكون فيها كفارة ms1904 . * * * # | 8 - باب لا يقول ما شاء الله وشئت وهل يقول : أنا بالله ثم بك # / 28 - فيه : أبو هريرة ، أنه سمع النبى ، عليه السلام ، يقول : ( إن ~~ثلاثة فى بنى إسرائيل أراد الله أن يبتليهم ، فبعث ملكا فأتى الأبرص ، فقال ~~: تقطعت بى الحبال فلا بلاغ لى إلا بالله ، ثم بك . . . ) ، وذكر الحديث . ~~قال المهلب : إنما أراد البخارى أن يجيز ( ما شاء الله ثم شئت ) استدلالا ~~بقوله عليه السلام فى حديث أبى هريرة : ( ولا بلاغ لى إلا بالله ثم بك ) ~~وإنما لم يجز أن نقول : ما شاء الله وشئت ؛ لأن الواو تشرك المشيئتين جميعا ~~، وقد روى هذا المعنى عن النبى - عليه السلام - أنه قال : ( لا يقولن أحدكم ~~: ما شاء الله وشاء فلان ، ولكن ليقل : ما شاء الله ثم شاء فلان ) وإنما ~~أجاز دخول ( ثم ) مكان الواو ؛ لأن مشيئة الله متقدمة على مشيئة خلقه ، قال ~~تعالى : { ما تشاءون إلا أن يشاء الله } . PageV06P106 فهذا من الأدب ، ~~وذكر عبد الرزاق عن إبراهيم النخعى أنه كان لا يرى بأسا أن يقول : ما شاء ~~الله ثم شئت . وكان يكره أن يقول : أعوذ بالله وبك ، حتى يقول : ثم بك . ~~والحديث فى ذلك رواه محمد بن بشار ، حدثنا أبو أحمد الزبيرى ، قال : حدثنا ~~مسعر عن معبد بن خالد ، عن عبد الله بن يسار ، عن قتيلة امرأة من جهينة ~~قالت : ( جاء يهودى إلى النبى - عليه السلام - فقال : إنكم تشركون وإنكم ~~تجعلون لله ندا ، تقولون : والكعبة ، وتقولون ما شاء وشئت ، فأمرهم النبى - ~~عليه السلام - إذا أرادوا أن يحلفوا أن يقولوا : ورب الكعبة ، وأمرهم أن ~~يقولوا : ما شاء الله ثم شئت ) ، وهذا الحديث رأى البخارى ولم يكن من شرط ~~كتابه ، فترجم به واستنبط معناه من حديث أبى هريرة - والله أعلم . * * * # | 9 - باب قول الله : { وأقسموا بالله جهد أيمانهم } [ الأنعام : 109 ] # وقال ابن عباس : قال أبو بكر : فوالله يا رسول الله لتحدثنى بالذى أخطأت ~~فى الرؤيا ، قال : ( لا تقسم ) . / 29 - فيه : البراء ، أمرنا النبى ، عليه ~~السلام ، بإبرار المقسم . / 30 - وفيه : أسامة ، أن ابنة للنبى ms1905 ، عليه ~~السلام ، أرسلت إليه : أن ابنى قد احتضر فاشهدنا ، فأرسل يقرأ السلام ، ~~ويقول : ( إن لله ما أخذ ، ولله ما أعطى . . . . ) الحديث . فأرسلت تقسم ~~عليه ، فقام وقمنا معه . الحديث . PageV06P107 / 31 - وفيه : أبو هريرة ، ~~قال عليه السلام : ( لا يموت لأحد من المسلمين ثلاثة من الولد فتمسه النار ~~إلا تحلة القسم ) . / 32 - وفيه : حارثة بن وهب ، قال : سمعت النبى ، عليه ~~السلام ، يقول : ( ألا أدلكم على أهل الجنة ؟ كل ضعيف متضعف ، لو أقسم على ~~الله لأبره ، وأهل النار كل جواظ عتل مستكبر ) . قال المؤلف : من روى ( ~~بإبرار المقسم ) بفتح السين ، فمعناه بإبرار الإقسام ؛ لأنه قد يأتى المصدر ~~على لفظ المفعول ، كقوله : أدخلته مدخلا بمعنى إدخال ، وأخرجته مخرجا بمعنى ~~إخراج . وقال المهلب : قوله تعالى : { وأقسموا بالله جهد أيمانهم } دليل ~~على أن الحلف بالله - عز وجل - أكبر الأيمان كلها ؛ لأن الجهد شدة المشقة . ~~اختلف العلماء فى قول الرجل : أقسمت بالله ، أو أقسمت ولم يقل بالله ، فذهب ~~أبو حنيفة والثورى أنها أيمان ، سواء أريد بها اليمين أم لا . وقال مالك : ~~( أقسم ) لا تكون يميا حتى يقول : أقسم بالله أو ينوى بقوله : ( أقسم ) ~~اليمين ، فإذا لم ينوه فليست بيمين . وروى مثله عن الحسن وعطاء وقتادة ~~والزهرى . وقال الشافعى : ( أقسم ) ليست بيمين سواء أراد بها اليمين أم لا ~~، و ( أقسم بالله ) يمين إن أراد بها اليمين . وروى عنه الربيع : إذا قال ~~أقسم ، ولم يقل : بالله فهو كقوله : والله . وحجة الكوفيين رواية من روى فى ~~حديث أبى بكر : ( أقسمت PageV06P108 عليك يا رسول الله لتحدثنى فقال النبى ~~: لا تقسم ) واحتجوا بحديث البراء قال : ( أمرنا النبى - عليه السلام - ~~بإبرار المقسم ) قالوا : ولم يقل : بالله ، وبحديث أسامة ( أن ابنة النبى ~~أرسلت تقسم عليه ) ولم يقل : بالله ، وبقوله عليه السلام : ( لو أقسم على ~~الله لأبره ) ولم يأت فى شىء من هذه الأحاديث ذكر اسم الله ، قالوا : وقد ~~جاء فى القرآن ذكر الله مع القسم فى موضع ، ولم يأت فى موضع آخر ؛ اكتفاء ~~بما دل عليه اللفظ ، قال تعالى : { وأقسموا بالله } فذكر اسمه ، قال تعالى ms1906 ~~: { إذا أقسموا ليصرمنها مصبحين } ، فحذف اسمه ، فدل على أن أحد الموضعين ~~يفيد ما أفاده الآخر . وقال السيرافى : لا تكون ( أقسم ) إلا يمينا ؛ لدخول ~~اللام فى جوابها ، ولو كانت غير يمين لما دخلت اللام فى الجواب ؛ لأنك لا ~~تقول : ضربت لأفعلن ، كما تقول : أقسمت لأفعلن . وحجة مالك قوله عليه ~~السلام : ( الأعمال بالنيات وإنما لامرئ ما نوى ) ومن لم ينو اليمين فلا ~~يمين له ، وأيضا فإن العادة جرت بأن يحلف الناس على ضروب ، فمنها اللغو ~~يصرحون فيه باسم الله ، ثم لا تلزمهم الكفارة ؛ لعدم قصدهم إلى الأيمان ، ~~فالموضع الذى عدم فيه التصريح والقصد أولى ألا تجب فيه كفارة ، قاله ابن ~~القصار قال : وقال أصحاب الشافعى : PageV06P109 اليمين تكون يمينا لحرمة ~~اللفظ ، وإذا قال : أقسمت ، فلا لفظ هاهنا له حرمة ، وكل ما احتج به ~~الكوفيون فهو حجة على الشافعى . قال ابن القصار : ويقال للشافعى : قال الله ~~- تعالى - : { وأقسموا بالله جهد أيمانهم } فوصل القسم باسمه تعالى ، فكان ~~يمينا وقال فى موضع آخر : { إذا أقسموا ليصرمنها مصبحين } فأطلق القسم ولم ~~يقيده بشىء ، فوجب أن يبنى المطلق على المقيد ، كالشهادة قرنت بالعدالة فى ~~موضع ، وعريت فى موضع من ذكر العدالة ، كالرقبة فى الكفارة ، قيد فى موضع ~~مؤمنة ، وأطلق فى موضع ، فبنى المطلق على المقيد . قال ابن المنذر : وأمر ~~النبى - عليه السلام - بإبرار المقسم أمر ندب لا أمر وجوب ؛ لأن أبا بكر ~~أقسم على النبى فلم يبر قسمه ، ولو كان ذلك واجبا لم يشأ رجل أن يسأل آخر ~~بأن يخرج له من كل ما يملك ، ويطلق زوجته ، ثم يحلف على الإمام فى حد أصابه ~~أن يسقط عنه ؛ إلا تم له ، وفى ذلك تعطيل الحدود وترك الاقتصاص مما فيه ~~القصاص ، وإذا لم يجز ذلك كان معنى الحديث الندب فيما يجوز الوقوف عنه دون ~~ما لا يجوز تعطيله . وقال المهلب : إبرار القسم إنما يستحب إذا لم يكن فى ~~ذلك ضرر على المحلوف عليه أو على جماعة أهل الدين ؛ لأن الذى سكت عنه النبى ~~- عليه السلام - من بيان موضع الخطأ فى ms1907 تعبير أبى بكر ، هو عائد على ~~المسلمين بهم وغم ؛ لأنه عبر قصة عثمان بأنه PageV06P110 يخلع ثم يراجع ~~الخلافة ، فلو أخبره النبى بخطئه لأخبر الناس بأنه يقتل ولا يرجع إلى ~~الخلافة ، فكان يدخل على الناس فتنة بقصة عثمان من قبل كونها ، وكذلك لو ~~أقسم على رجل ليشربن الخمر ما وجب عليه إبرار قسمه ، بل الفرض عليه ألا ~~يبره . واختلف الفقهاء إذا أقسم على الرجل فحنثه ، فروى عن ابن عمر أن ~~الحالف يكفر ، وروى مثله عن عطاء وقتادة ، وهو قول أهل المدينة والعراق ~~والأوزاعى . وفيها قول ثان روى عن عائشة أم المؤمنين : ( أن مولاة لها ~~أقسمت لها فى قديدة تأكلها فأحنثتها عائشة ، فجعل النبى تكفير اليمين على ~~عائشة ) قال ابن المنذر : وإسناده لا يثبت . وفيها قول ثالث روى عن أبى ~~هريرة وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود : أنهما لم يجعلا فى ذلك ~~كفارة ، قال عبيد الله ، ألا ترى أن أبا بكر قال للنبى فى الرؤيا : ( أقسمت ~~عليك لتخبرنى بالذى أخطأت ، فقال النبى : لا تقسم ) قال : ولم يبلغنا أنه ~~أمره بالتكفير . قال ابن المنذر : ويقال للذى قال : إن الكفارة تجب على ~~المقسم عليه : ينبغى أن يوجب الكفارة على النبى حين أقسم عليه أبو بكر فلم ~~يخبره . وقال أبو زيد الأنصارى : الجواظ : الكثير اللحم ، المختال فى مشيته ~~، يقال : جاظ يجوظ جوظانا ، وقال الأصمعى مثله ، وأنشد لرؤبة : وفى العين : ~~يعلو به ذا العضل الجواظا PageV06P111 وفي العين : الجواظ : الأكول ، ويقال ~~: الفاجر ، والعتل : الأكول . * * * # | 10 - باب إذا قال : أشهد بالله ، أو شهدت بالله # / 33 - فيه : عبدالله ، سئل النبى ، عليه السلام ، أى الناس خير ؟ قال : ~~( قرنى ، ثم الذين يلونهم ، ثم الذين يلونهم ، ثم يجىء قوم تسبق شهادة ~~أحدهم يمينه ، ويمينه شهادته ) . قال إبراهيم : وكان أصحابنا ينهوننا - ~~ونحن غلمان - أن نحلف بالشهادة والعهد . قال المؤلف : إنما قصد البخارى من ~~هذا الحديث إلى قول إبراهيم : وكان أصحابنا ينهوننا ونحن غلمان أن نحلف ~~بالشهادة والعهد يريد : أشهد الله ، وعلى عهد الله فدل نهيهم عن الحلف بذلك ~~أنهما يمينان ms1908 مغلظان ، ووجه النهى عنهما - والله أعلم - أن قوله : أشهد ~~بالله ، يقتضى معنى العلم بالقطع وعهد الله لا يقدر أحد على التزامه بما ~~يجب فيه ، واختلف العلماء فى ذلك ، فقال النخعى وهو قول أبى حنيفة والثورى ~~- : أشهد وأحلف وأعزم كلها أيمان تجب فيها الكفارة . وقال ربيعة والأوزاعى ~~: إذا قال : أشهد لا أفعل كذا ثم حنث ، فهى يمين . وقال مالك : ( أشهد ) لا ~~تكون يمينا حتى يقول أشهد PageV06P112 بالله ، وكذلك ( أحلف ) و ( أعزم ) ~~إذا أراد الله ، وإن لم يرد ذلك فليست بأيمان . قال ابن خواز بنداد : وضعف ~~مالك ( أعزم الله ) وكأنه لم يره يمينا إلا أن يريد به اليمين ؛ لأنه يكون ~~على وجه الاستعانة ، فيقول الرجل : أعزم بالله وأصول بالله ، كأنه يقول : ~~أستعين بالله ، ولا يجوز أن يقال : إن قول الرجل : ( أستعين بالله ) تكون ~~يمينا . وقال المزنى : قال الشافعى : ( أشهد بالله ) و ( أعزم بالله ) إن ~~نوى اليمين فيمين . وروى عنه الربيع : إن قال : ( أشهد ) و ( أعزم ) ولم ~~يقل : ( بالله ) فهو كقوله : والله ، وإن قال : ( أحلف ) فلا شىء عليه إلا ~~أن ينوى اليمين . واحتج الكوفيون بقوله تعالى : { والله يعلم إنك لرسوله } ~~ثم قال : { اتخذوا أيمانهم جنة } فدل على أن قول القائل : ( أشهد ) يمين ؛ ~~لأن هذا اللفظ عبارة عن القسم بالله وإنما يحذف اسم الله اكتفاء بما دل ~~عليه اللفظ . واحتج أصحاب مالك أن قولك : أشهد لأفعلن كذا ليس بصريح يمين ؛ ~~لأنه يحتمل أن يريد أشهد عليك بشىء إن فعلت كذا ، وقد تقول : أشهد بالكعبة ~~وبالنبى ، فلا يكون يمينا . وأنكر أبو عبيد أن تكون ( أشهد ) يمينا ، وقال ~~: ( الحالف غير الشاهد ) ، قال : وهذا خارج من الكتاب والسنة ومن كلام ~~العرب . قال الطحاوى : وقوله عليه السلام : ( ثم يجىء قوم تسبق شهادة أحدهم ~~يمينه ، ويمينه شهادته ) إنما أراد أنهم يكثرون الأيمان على كل PageV06P113 ~~شىء حتى تصير لهم عادة ، فيحلف أحدهم حيث لا يراد منه اليمين وقبل أن ~~يستحلف ، يدل على ذلك قول النخعى : وكانوا ينهوننا ونحن غلمان أن نحلف ~~بالشهادة العهد . يعنى أن نحلف بالشهادة بالله وعلى عهد ms1909 الله ، كما قال ~~تعالى : { ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم } والشهادة هاهنا اليمين بالله ~~قال تعالى : { فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله } أى أربع أيمان بالله . * * ~~* # | 11 - باب عهد الله # / 34 - فيه : عبدالله ، قال النبى عليه السلام : ( من حلف على يمين كاذبة ~~، يقتطع بها مال رجل مسلم - أو قال : أخيه - لقى الله ، وهو عليه غضبان ، ~~فأنزل الله تصديقه : { إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم } ) [ آل عمران ~~77 ] . قال سليمان فى حديثه : فمر الأشعث بن قيس . . . . الحديث . اختلف ~~العلماء فيمن قال : على عهد الله ، فقال مالك وأبو حنيفة والأوزاعى : من ~~حلف بذلك وجبت عليه الكفارة سواء نوى اليمين أو لا ، وروى هذه القول عن ~~طاوس ، والشعبى ، والنخعى ، والحكم ، والحسن البصرى ، وقتادة ، ومجاهد . ~~وروى عن عطاء : ليس ذلك بيمين إلا أن ينوى اليمين ، وهو قول الشافعى وأبى ~~ثور وأبى عبيد . والحجة للقول الأول قوله : { إن الذين يشترون بعهد الله ~~وأيمانهم ثمنا قليلا } فخص عهد الله بالتقدمة على سائر الأيمان ؛ فدل على ~~PageV06P114 تأكيد الحلف به ولذلك قال إبراهيم : كانوا ينهوننا عن الحلف ~~بالعهد وليس ذلك إلا لغلظ اليمين به وخشية التقصير فى الوفاء به ، فعهد ~~الله ما أخذه على عباده وما أعطاه عباده قال تعالى : { ومنهم من عاهد الله ~~} إلى قوله : { بما أخلفوا الله ما وعدوه } فذمهم على ترك الوفاء ؛ لأن ~~تاركه مستخف بمن كان عاهده فى منعه ما كان وعده . قال ابن القصار : واحتجوا ~~بقوله تعالى : { وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم } فأمر بالوفاء بعهده ثم عطف ~~عليه بقوله : { ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها } ولم يتقدم ذكر غير العهد ~~، فأعلمنا أنه يمين مؤكد ، ألا ترى قوله : { وقد جعلتم الله عليكم كفيلا } ~~. وقال يحيى بن سعيد فى قوله : { ولا تنقضوا الأيمان } قال : العهود . وقد ~~روى عن جابر بن عبد الله فى قوله تعالى : { أوفوا بالعقود } قال : عقدة ~~الطلاق ، وعقدة البيع ، وعقد الحلف ، وعقد العهد ، فإذا قال : على عهد الله ~~، فقد عقد على نفسه عقدا يجب الوفاء به ؛ لقوله تعالى : { أوفوا بالعقود } ~~وروى عن ابن عباس : إذا ms1910 قال : على عهد الله ، فحنث يعتق رقبة . فإن قال ~~الشافعى : فإذا قال : على عهد الله ، يحتمل أن يريد معهود الله ، وهو ما ~~ذكره تعالى فى قوله : { ألم أعهد إليكم يا بنى آدم ألا تعبدوا الشيطان } ~~وإذا كان هذا معهود الله ، وهو محدث فهو كقوله : فرض الله ، يكون عبارة عن ~~مفروض الله ، ولا يكون PageV06P115 يمينا ، لأنه يمين بمحدث ؛ قيل : قوله : ~~على عهد الله ، غير قوله : معهود الله ؛ لأنه لم يجر العرف والعادة بأن ~~يقول أحد : على معهود الله ، وإنما جرى بأن يراد بذلك اليمين . وقال مالك : ~~إذا قال : على عهد الله وميثاقه ، فعليه كفارتان إلا أن ينوى التأكيد فتكون ~~يمينا واحدة . وقال الشافعى : عليه كفارة واحدة ، وهو قول مطرف وابن ~~الماجشون وعيسى بن دينار . والحجة لمالك أنه لما خالف بين اللفظين ، وكل ~~واحد يجوز أن يستأنف به اليمين كانت يمينين ووجب أن يكون لكل لفظ فائدة ~~محددة . * * * # | 12 - باب الحلف بعزة الله وصفاته وكلامه # وقال ابن عباس : كان النبى ، عليه السلام ، يقول : ( أعوذ بعزتك ) . وقال ~~أبو هريرة ، عن النبى عليه السلام : ( يبقى رجل بين الجنة والنار ، فيقول : ~~يا رب اصرف وجهى عن النار ، يقول : لا وعزتك لا أسألك غيرها ) . وقال أيوب ~~: ( وعزتك لا غنى بى عن بركتك ) . / 35 - فيه : أنس ، قال النبى ، عليه ~~السلام : ( لا تزال جهنم : تقول : { هل من مزيد } [ ق : 30 ] حتى يضع رب ~~العزة فيها قدمه ، فتقول : قط ، قط ، وعزتك ، ويزوى بعضها إلى بعض ) . ~~PageV06P116 اختلف العلماء فى اليمين بصفات الله ، فقال مالك فى المدونة : ~~الحلف بأسماء الله وصفاته لازم كقوله : والعزيز ، والسميع ، والبصير ، ~~والعليم ، والخبير ، واللطيف ، أو قال : وعزة الله وكبريائه ، وعظمة الله ~~وقدرته ، وأمانته ، وحقه ، فهى أيمان كلها تكفر ، وذكر ابن المنذر مثله عن ~~الكوفيين أنه إذا قال : وعظمة الله ، وعزة الله ، وجلال الله ، وكبرياء ~~الله ، وأمانة الله : وجبت عليه الكفارة ، وكذلك فى كل اسم من أسمائه تعالى ~~. وقال الشافعى فى جلال الله ، وعظمة الله ، وقدرة الله ، وحق الله ، ~~وأمانة الله : إن نوى بها اليمين فهى أيمان ms1911 ، وإن لم ينو اليمين فليست ~~بيمين ؛ لأنه يحتمل : وحق الله واجب ، وقدرة الله ماضية . وقال أبو بكر ~~الرازى : عن أبى حنيفة أن قول الرجل : وحق الله ، وأمانة الله . ليست بيمين ~~. قال أبو حنيفة : قال الله - تعالى - : { إنا عرضنا الأمانة على السموات ~~والأرض والجبال فأبين أن يحملنها } الآية ، المراد بذلك الإيمان والشرائع . ~~وهو قول سعيد بن جبير ، وقال مجاهد : الصلاة . وقال أبو يوسف : وحق الله ~~يمين وفيها الكفارة . وحجة القول الأول أن أهل السنة أجمعوا على أن صفات ~~الله أسماء له ، ولا يجوز أن تكون صفاته غيره ، فالحلف بها كالحلف بأسمائه ~~تجب فيها الكفارة ، ألا ترى أن النبى - عليه السلام - كثيرا ما كان يحلف : ~~( لا ومقلب القلوب ) وتقليبه لقلوب عبادة صفة من صفاته ، ولا يجوز على ~~النبى أن يحلف بما ليس بيمين ؛ لأنه قال : ( من كان حالفا فليحلف بالله ) . ~~PageV06P117 قال أشهب : من حلف بأمانة الله التى هى صفة من صفاته ، فهى ~~يمين ، وإن حلف بأمانة الله التى بين العباد ، فلا شىء عليه ، وكذلك عزة ~~الله التى هى صفة ذاته ، وأما العزة التى خلقها فى خلقه فلا شىء عليه . ~~وقال ابن سحنون : معنى قوله : { سبحان ربك رب العزة } أنها العزة التى هى ~~غير صفته التى خلقها فى خلقه ، التى يتعازون بها ، قال : وقد جاء فى ~~التفسير أن العزة هاهنا يراد بها الملائكة . قال المؤلف : وإنما ذهب ابن ~~سحنون إلى هذا القول - والله أعلم - فرارا من أن تكون العزة التى هى صفة ~~الله مربوبة ، فيلزمه الحدث ؛ وليس كما توهم لأن لفظ الرب قد يأتى فى كلام ~~العرب لصاحب الشىء ومستحقه ، ولا يدل ذلك على الحدث والخلق ، فتقول لصاحب ~~الدابة : رب الدابة ، ولصاحب الماشية : رب الماشية ، ولا تريد بذلك معنى ~~الخلق ، قال تعالى : { وتعز من تشاء وتذل من تشاء } فليس إعزازه بعلة ، ولا ~~إذلاله بعلة ، بل هما حاصلان بالقضاء والمشيئة ، وقوله تعالى : { من كان ~~يريد العزة فلله العزة جميعا } وقوله : { ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين } ~~فكيف الجمع بينهما ، فإن إحدى الآيتين توجب انفراده تعالى بالعزة ms1912 ، ~~والثانية تشير إلى أن لغيره عزا ؟ قيل : لا منافاة بينهما فى الحقيقة ؛ لأن ~~العز الذى للرسول وللمؤمنين فهو لله ملكا وخلقا ، وعزه سبحانه له وصفا ، ~~فإذن العز كله - لله تعالى - فقوله : { سبحان ربك رب العزة } يريد صاحب ~~PageV06P118 العزة ومستحقها ، وهى نهاية العزة وغايتها التى لم يزل موصوفا ~~بها قبل خلقه الخلق ، التى لا تشبه عزة المخلوقين ، ألا ترى أنه تعالى نزه ~~نفسه بها فقال : { سبحان ربك رب العزة عما يصفون } ولا ينزه نفسه تعالى إلا ~~بما يباين به صفات عباده ، ويتعالى عن أشباهم ، إذا ليس كمثله شىء . ~~واختلفوا فيمن حلف بالقرآن أو المصحف ، أو بما أنزل الله فحنث ، فروى عن ~~ابن مسعود : أن عليه بكل آية كفارة يمين . وهو قول الحسن البصرى وأحمد بن ~~حنبل ، وقال ابن القاسم فى العتبية : عليه إذا حلف بالمصحف كفارة يمين . ~~وهو قول الشافعى فيمن حلف بالقرآن ، قال : لأن القرآن كلام الله . وإليه ~~ذهب أبو عبيد . وقال أبو حنيفة : من حلف بالقرآن فلا كفارة عليه . وهو قول ~~عطاء ، وروى عن على ابن زياد عن مالك نحوه ، غير أن المعروف من أصل مذهبه ~~ما يخالف هذه الرواية ؛ روى إسماعيل بن أبى أويس عن مالك أنه قال : القرآن ~~كلام الله وكلام الله من الله وليس من الله شىء مخلوق ، فهذا القول منه ~~يقطع أن الحالف بالقرآن إذا حنث أن عليه الكفارة ، كما إذا حلف بالله أو ~~باسم من أسمائه ، وهذا مذهب جماعة أهل السنة . , وذكر ابن المنذر عن بعض ~~أهل العلم أنهم قالوا : إذا كانوا يوجبون الكفارة على من حلف بعظمة الله ، ~~وعزة الله ، وجلال الله ، وكبرياء الله ، فلم لا يوجبون على من حلف بكلام ~~الله وهو صفة الله ، PageV06P119 وما الفرق بين ذلك ؟ ويسألون عمن حلف بوجه ~~الله فحنث . فإن قالوا : عليه الكفارة . قيل : وكذلك تجب الكفارة على من ~~حلف بصفة من صفات الله فحنث . وأما قول ابن مسعود : عليه لكل آية كفارة ~~يمين ، فهو منه على التغليظ ، ولا دليل على صحته ، لأنه لا فرق ببينه وبين ms1913 ~~آخر لو قال : إن عليه لكل سورة كفارة ، وآخر لو قال : عليه لكل كلمة كفارة ~~. وهذا لا أصل له ، وحسبه إذا حلف بالقرآن فقد حلف بصفة من صفات الله . قال ~~المهلب : وقوله فى حديث أنس : ( يضع فيها قدمه ) أى ما قدم لها من خلقه ، ~~وسبق لها به مشيئته ووعده ممن يدخلها ومثله قوله تعالى : { لهم قدم صدق عند ~~ربهم } أى متقدم صدق . PageV06P120 * * * # | 13 - باب قول الرجل لعمر الله # قال ابن عباس : لعمرك : لعيشك . / 36 - فيه : عائشة ، حين قال لها أهل ~~الإفك ما قالوا ، فبرأها الله ، فقام النبى ، عليه السلام ، فاستعذر من ~~عبدالله بن أبى ، فقام أسيد بن حضير ، فقال لسعد بن عبادة : ( لعمر الله ~~لنقتلنه ) . قال أبو القاسم الزجاجى : ( لعمر الله ) كأنه حلف ببقائه تعالى ~~، وقوله : لعمرك ، مرفوع بالابتداء ، والخبر مضمر ، والتقدير لعمرك ما أقسم ~~به ، وكذلك ( لعمر الله ) . واختلف الفقهاء فى قول الرجل : لعمر الله ، ~~فقال مالك والكوفيون : هى يمين . وقال الشافعى : إن لم يرد بها اليمين ~~فليست بيمين ، وهو قول إسحاق . والحجة لمالك والكوفيين أن أهل اللغة قالوا ~~: إنها بمعنى بقاء الله ، وبقاؤه صفة ذاته ، فهى لفظة موضوعة لليمين فوجب ~~فيها كفارة . وأما قولهم : ( العمرى ) فقال الحسن البصرى : عليه كفارة إذا ~~حنث فيها ، وسائر الفقهاء لا يرون فيها كفارة ؛ لأنها ليست بيمين عندهم . ~~قال ابن المنذر : وأما قوله تعالى : { لعمرك إنهم لفى سكرتهم يعمهون } فإن ~~الله يقسم بما شاء من خلقه ، وقد نهى النبى عن الحلف بغير الله . ~~PageV06P121 * * * # | 14 - باب { لا يؤاخذكم الله باللغو فى أيمانكم } الآية [ البقرة : 225 ~~] # / 37 - فيه : عائشة ، { لا يؤاخذكم الله باللغو فى أيمانكم } قالت : ~~أنزلت فى قوله : لا والله ، وبلى والله . اختلف العلماء فى لغو اليمين ، ~~فذهب إلى قول عائشة : ابن عمر ، وابن عباس - فى رواية - وروى ذلك عن القاسم ~~، وعطاء ، وعكرمة ، والحكم ، وطاوس ، والحسن ، والنخعى . وروى حماد بن زيد ~~، عن أيوب ، عن أبى قلابة قال : لا والله ، وبلى والله لغة من لغات العرب ~~لا يراد بها اليمين ، وهى من صلة الكلام . وإليه ms1914 ذهب أبو حنيفة وأصحابه ~~والشافعى ، إلا أن أبا حنيفة قال : اللغو قول الرجل : لا والله ، وبلى ~~والله ، فيما يظن أنه صادق فيه على الماضى ، وعند الشافعى سواء كانت فى ~~الماضى أو المستقبل . وفيها قول ثان روى عن ابن عباس أنه قال : لغو اليمين ~~أن يحلف الرجل على الشىء يعتقد أنه كما حلف عليه ، ثم يوجد على غير ذلك . ~~وروى هذا القول أيضا عن عائشة ، ذكره ابن وهب عن عمر بن قيس ، عن عطاء ، عن ~~عائشة . وروى مثله أيضا إسماعيل القاضى عن النخعى ، والحسن وقتادة ، وهو ~~قول ربيعة ، ومكحول ، ومالك ، والليث ، والأوزاعى . وقال أحمد بن حنبل : ~~اللغو : الوجهان جميعا . وجعل مالك لا والله ، وبلى والله موضوعة لليمين ، ~~ورأى فيها الكفارة إلا ألا يراد به اليمين . PageV06P122 وجعلها الشافعى ~~ومن لم ير فيها الكفارة موضوعة لغير اليمين إلا أن يراد بها اليمين ، ورأى ~~الشافعى فى اللغو الذى عند مالك الكفارة ؛ لأن حقيقة اللغو عند الشافعى ما ~~لم يقصد له الحالف لكن سبق لسانه ، كأنه يريد أن يتكلم بشىء فتبدر منه ~~اليمين . قال إسماعيل : وأعلى الرواية و أمثلها فى تأويل الآية أن ما جاء ~~فى قول الرجل : لا والله ، وبلى والله ، وهو لا يريد اليمين فلم يكن عليه ~~يمين ؛ لأنه لم ينوها ، وقال رسول الله : ( الأعمال بالنيات ) وما جرى على ~~لسان الرجل من قول لم يقصده ولا نواه سقطت عنه الكفارة ؛ إذا جعل بمنزلة من ~~لم يحلف ، ألا ترى قول أبى قلابة فى قوله : لا والله ، وبلى و الله ، أنهما ~~من لغة العرب ليست بيمين . وقال غيره : فى اللغو ثلاثة أقوال غير هذين . ~~أحدهما : ما رواه طاوس عن ابن عباس قال : اللغو أن يحلف الرجل وهو غضبان . ~~والثانى : قال الشعبى : اللغو فى اليمين كل يمين على معصية فليس لها كفارة ~~، ثم قال لمن يكفر ، للشيطان ؟ والثالث : قول سعيد بن جبير : هو تحريم ~~الحلال ، كقول الرجل : هذا الطعام على حرام فيأكله ، فلا كفارة عليه . قال ~~إسماعيل بن إسحاق : وقول سعيد بن جبير ليس على مجرى ms1915 ما ذهب إليه أهل العلم ~~فى ذلك . ولا حجة له . وإنما يرجع معنى PageV06P123 قوله إلى معنى الحديث ~~الذى فيه : ( فليأت الذى هو خير ، وليكفر عن يمينه ) ، لأن من حلف ألا يأكل ~~طعاما ، أو لا يدخل على أخيه ؛ فقد حرم على نفسه ما أحل الله له . قال غيره ~~: وأما قول ابن عباس اللغو يمين الغضبان ، فإنما يشبه الغاضب بمن لم يقصد ~~إلى اليمين ولا أراده ، وكأنه غلبه الغضب ، فهو كمن لم ينو اليمين فلا ~~كفارة عليه وهذا معنى ضعيف ؛ لأن جمهور الفقهاء على أن الغاضب عندهم قاصد ~~إلى أفعاله ، والغضب يزيده تأكيدا وقوة فى قصده ، وستأتى مذاهب العلماء ~~فيمن حلف على معصية أو نذرها فى باب النذر فيما لا يملك ، ولا نذر فى معصية ~~بعد هذا - إن شاء الله . * * * # | 15 - باب إذا حنث ناسيا وقوله تعالى : { ليس عليكم جناح فيما أخطأتم به ~~} [ الأحزاب : 5 ] وقال : { لا تؤاخذنى بما نسيت } [ الكهف : 73 ] # / 38 - فيه : أبو هريرة ، يرفعه ، قال : ( إن الله تجاوز لأمتى عما وسوست ~~- أو حدثت به - أنفسها ، ما لم تعمل به أو تكلم ) . / 39 - وفيه : عبدالله ~~بن عمرو ، أن النبى ، عليه السلام ، بينما هو يخطبنا فقام إليه رجل ، فقال ~~: كنت أحسب كذا قبل كذا ، ثم قام إليه آخر ، فقال : يا رسول الله ، كنت ~~أحسب كذا ، فقال عليه السلام : ( افعل ولا حرج . . . . ) الحديث . ~~PageV06P124 / 40 - وفيه : ابن عباس مثله . / 41 - وفيه : أبو هريرة ، أن ~~رجلا دخل المسجد يصلى ، والنبى - صلى الله عليه وسلم - فى ناحية المسجد ، ~~فجاء فسلم عليه ، فقال له : ( ارجع فصل ، فإنك لم تصل ) ، فرجع فصلى ثم سلم ~~، فقال : ( وعليك ارجع فصل ، فإنك لم تصل ) ، فقال فى الثالثة : علمنى ، ~~فقال : ( إذا قمت إلى الصلاة ، فأسبغ الوضوء ، ثم استقبل القبلة ، وكبر ، ~~واقرأ بما تيسر معك من القرآن ، ثم اركع حتى تطمئن راكعا ، ثم ارفع رأسك ~~حتى تعتدل قائما ، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدا ، ثم ارفع حتى تستوى وتطمئن ~~جالسا ، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدا ، ثم ارفع حتى تستوى قائما ، ثم افعل ذلك ms1916 ~~فى صلاتك كلها ) . / 42 - وفيه : عائشة ، هزم المشركون يوم أحد هزيمة تعرف ~~فيهم ، فصرخ إبليس : أى عباد الله ، أخراكم ، فرجعت أولاهم ، فاجتلدت هى ~~وأخراهم ، فنظر حذيفة ابن اليمان فإذا هو بأبيه ، فقال : أبى ، أبى ، قالت ~~: فوالله ما انحجزوا حتى قتلوه ، فقال حذيفة : غفر الله لكم . قال عروة : ~~فوالله ما زالت فى حذيفة منها بقية خير حتى لقى الله . / 43 - وفيه : أبو ~~هريرة ، قال عليه السلام : ( من أكل ناسيا ، وهو صائم ، فليتم صومه ، فإنما ~~أطعمه الله وسقاه ) . / 44 - وفيه : ابن بحينة ، صلى بنا النبى ، عليه ~~السلام ، فقام فى الركعتين الأوليين قبل أن يجلس ، فمضى فى صلاته ، فلما ~~قضى صلاته ، انتظر الناس تسليمه ، فكبر وسجد قبل أن يسلم ، ثم رفع رأسه ، ~~ثم كبر وسجد ، ثم رفع رأسه وسلم . / 45 - وفيه : ابن مسعود ، أن النبى ، ~~عليه السلام ، صلى بهم صلاة الظهر ، PageV06P125 فزاد أو نقص منها فقيل : ~~يا رسول الله ، أقصرت الصلاة أم نسيت ؟ قال : ( وما ذاك ) ؟ قالوا : صليت ~~كذا وكذا ، قال : فسجد بهم سجدتين ، ثم قال : ( هاتان السجدتان لمن لم يدر ~~زاد فى صلاته أم نقص ، فيتحرى الصواب ، فيتم ما بقى ، ثم يسجد سجدتين ) . / ~~46 - وفيه : أبى بن كعب ، أنه سمع النبى ، عليه السلام ، قال : { لا ~~تؤاخذنى بما نسيت ولا ترهقنى من أمرى عسرا } [ الكهف : 73 ] قال : ( كانت ~~الأولى من موسى نسيانا ) . / 47 - وفيه : البراء ، كان عندهم ضيف ، فأمر ~~أهله أن يذبحوا قبل أن يرجع ؛ ليأكل ضيفهم ، فذبحوا قبل الصلاة ، فذكروا ~~ذلك للنبى ، عليه السلام ، فأمره أن يعيد الذبح . / 48 - وفيه : جندب ، ~~شهدت النبى ، عليه السلام ، صلى يوم عيد ، ثم خطب ، فقال : ( من ذبح فليعد ~~مكانها ، ومن لم يكن ذبح ، فليذبح باسم الله ) . اختلف العلماء فيمن حنث ~~ناسيا ، هل تجب عليه كفارة أم لا ؟ فقال عطاء وعمرو بن دينار فى الرجل يحلف ~~بالطلاق على أمر لا يفعله ففعله ناسيا : لا شىء عليه . وبه قال إسحاق . ~~وأوجبت طائفة الكفارة عليه فى كل شىء ، هذا قول سعيد بن جبير ، وقتادة ، ~~والزهرى ، وربيعة ، وبه قال مالك ms1917 والكوفيون . واختلف قول الشافعى ، فمرة ~~قال : لا يحنث ، ومرة قال : يحنث . وقاله أحمد بن حنبل فى الطلاق خاصة . ~~PageV06P126 واحتج من أسقط الكفارة بقوله تعالى : { ليس عليكم جناح فيما ~~أخطأتم به ولكن ما تعمدت قلوبكم } فبين أنه لا جناح علينا إلا فيما تعمدت ~~قلوبنا ، واحتجوا بقوله عليه السلام : ( رفع عن أمتى الخطأ والنسيان وما ~~استكرهوا عليه ) فوجب أن يكون مرفوعا من كل وجه إلا أن يقوم دليل ، قالوا : ~~ووجدنا النسيان لا حكم له فى الشرع ، مثل كلام الناسى فى الصلاة ، فوجب أن ~~يحمل عليه كلامه إذا حنث ناسيا . فعارضهم من أوجب الكفارة فقال : قوله ~~تعالى : { وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به } لا ينفى وجوب الكفارة ؛ لأنه ~~قد أوقع الحنث ، فلا يكون عليه جناح والكفارة تجب ، وإنما أراد برفع الجناح ~~الضيق والإثم ، ألا ترى أن الكفارة تجب فى قتل الخطأ مع رفع الجناح والإثم ~~. قال المهلب : وهذه الأحاديث التى أدخل البخارى فى هذه الباب إنما حاول ~~فيها إثبات العذر بالجهل والنسيان وإسقاط الكفارة ، وجعلها كلها فى معنى ~~واحد عند الله ، واستدل بأفعال النبى وأقواله ، وما بسطه من عذر من جهل أو ~~تأول فأخطأ ، وبما حكم به فى النسيان فى الصلاة وغيرها ، والذى يوافق ~~تبويبه قوله عليه السلام : ( إن الله تجاوز لأمتى عما حدثت به أنفسها ) ~~وحديث أبى هريرة : ( من أكل ناسيا فليتم صومه ) ولم يأمره بالإعادة ، وحديث ~~ابن بحينة فيما نسيه النبى - عليه السلام - من الجلوس فى الصلاة فلم يعد ~~عليه السلام على حسب ما نسيه ، ولا قضاه ، وكذلك نسيان موسى PageV06P127 لم ~~يطالبه به الخضر بعد أن كان شرط عليه ألا يسأله عن شىء ، فلما سمح له الخضر ~~وهو عبد من عباد الله ؛ كان الله أولى بالعفو عن مثل ذلك ، فصدر البخارى ~~على سبيل قوة الرجاء فى عفو الله ، وكذلك قوله : { ليس عليكم جناح فيما ~~أخطأتم به } يعنى فى قضية التبنى الذى قد كان لصق بقلوب العرب ، وغلب عليهم ~~من نسبة المتبنين إلى من تبناهم لا لآبائهم ، فعذرهم الله بغلبة العادة ~~وآخذهم ms1918 بما تعمدوه من ذلك . وأما غير ذلك مما ذكره من المعانى فى هذا الباب ~~فإنما هى على التشبيه ، فأما قوله : ( لا حرج ) فيما قدم من النسك ، فإنما ~~عذرهم بالجهالة لحدود ما أنزل الله فى كتابه ، وكان فرض الحج لم تنتشر ~~كيفيته عند العرب حتى كان عليه السلام هو تولى بيانه عملا بنفسه ، فلم يوجب ~~على المخطئ فى التقديم والتأخير فدية لغلبة الجهالة . فإن قيل : فإن فى ~~الأحاديث التى ذكرها البخارى فى هذا الباب ما يدل على سقوط الكفارة فى ~~النسيان ، ومنها ما يدل على إثباتها ، فأما ما يدل على إثباتها فقوله عليه ~~السلام : ( ارجع فصل فإنك لم تصل ) ومنها حديث ابن مسعود أنه عليه السلام ~~قال : ( من لم يدر ما صلى فليتحر الصواب فيتم ما بقى ثم يسجد سجدتين ) ، ~~ومنها حديث ابن نيار فى إعادة الأضحية . قيل : أما قوله عليه السلام : ( ~~ارجع فصل فإنك لم تصل ) فإنه قد كان تقدم العلم بحدود الصلاة من النبى ~~عيانا ، فلم يعذر PageV06P128 الناقص منها ، فأمره بالإعادة لصلاته تلك ثم ~~أوسعه لما حلف له أنه لا يعرف غير هذا ما أوسع أهل الجهالة من أن لم يأمره ~~بعد يمينه بالإعادة لصلاته تلك ولا لما سلف من صلاته قبلها . وأما ما ذكره ~~لحديثى السهو فمعناهما مختلف ؛ لأن المتروك من السنن نسيانا لا يرجع إليه ، ~~بل يجبره بغيره من السنن ، كما جبر الجلسة المتروكة بالسجدتين المسنونتين ، ~~وأما ما ترك من الفرائض فلا بد من الإتيان به ، وإرغام أنف الشيطان بالسجود ~~لله الذى بتركه خلده الله فى الجحيم ، وذلك لتقدم المعرفة بهيئة الصلاة ~~سننا و فرائض . وأما إعادة الأضحية فعذر النبى ابن نيار بما توهمه جائزا له ~~من أجل إكرام الضيف وإطعام جاعة الجيران ، فجوز عنه ما لا يجزئ عن أحد بعده ~~، وأوجب عليه الإعادة لتقدم المعرفة بالسنن ، وقطع الذريعة إلى الاشتغال ~~بالأكل عن الصلاة الفاضلة التى أمر عليه السلام بإخراج ذوات الخدور والحيض ~~من النساء إليها ، لما فى شهودها من الخير وبركة دعوة المسلمين ، وأما حديث ~~حذيفة ms1919 فإنه أسقط الدية عن قاتلى أبيه ، وعذرهم بالجهالة ؛ لأن دية الخطأ ~~كانت عليهم بنص القرآن ، وبقيت الكفارة عليهم فيما بينهم وبين ربهم . وقد ~~يدخل البخارى نصوص الأحاديث المختلفة الألفاظ ؛ لاختلاف الناس فيها ، ~~وينشرها لأهل النظر والفقه ، وليستنبط كل واحد منهم ما يوافق مذهبه ، كحديث ~~جابر فى بيع الجمل فيه لفظ اشتراط PageV06P129 ظهره ، ولفظ إفقار ظهره ، ~~والإفقار تفضل ، والاشتراط كراء وكحديثه فيما دون الحد من العقوبات ، فكذلك ~~أدخل فى هذا الباب أحاديث فى ظاهرها ما يتعارض لينظر الناظر ويتدبر ~~المستبحر فالله أعلم . وإنما يصح معنى الحديث فى نسيان اليمين إذا فات ~~بالموت ، فحينئذ يمكن أن يعذر بالنسيان ، و يرجى له تجاوز الله وعفوه ، ~~وأما متى ذكره فالكفارة تلزمه فيه والله الموفق . * * * # | 16 - باب اليمين الغموس وقول الله : { لا تتخذوا أيمانكم دخلا بينكم ~~فتزل قدم بعد ثبوتها } الآية # [ النحل : 94 ] دخلا : مكرا وخيانة . / 49 - فيه : عبدالله بن عمرو ، قال ~~النبى عليه السلام : ( الكبائر : الإشراك بالله ، وعقوق الوالدين ، وقتل ~~النفس ، واليمين الغموس ) . اليمين الغموس هو أن يحلف الرجل على الشىء وهو ~~يعلم أنه كاذب ؛ ليرضى بذلك أحدا ، أو يقتطع بها مالا ، وهى أعظم من أن ~~يكفر ، وجمهور العلماء لا يرى فيها الكفارة ، وهو قول PageV06P130 النخعى ~~والحسن البصرى ومالك ومن تبعه من أهل المدينة ، والأوزاعى فى أهل الشام ، ~~والثورى وسائر أهل الكوفة ، وأحمد وإسحاق وأبى ثور وأبى عبيد وأصحاب الحديث ~~. وفيها قول ثان روى عن الحكم بن عتيبة وعطاء : أن اليمين الغموس فيها ~~كفارة . قال عطاء : ولا يريد بالكفارة إلا خيرا . وهو قول الشافعى ، واحتج ~~الشافعى بأن قال : جاءت السنة فيمن حلف ثم رأى خيرا مما حلف عليه أن يحنث ~~نفسه ثم يكفر ، وهذا قد تعمد الحنث وأمر بالكفارة ، فقيل له : النبى أمره ~~أن يحنث فعلم أن ذلك طاعة فينبغى أن يجوز للحالف باليمين الغموس أن يحلف ~~ويكون ذلك طاعة فلما كان عاصيا والحانث مطيعا ؛ افترق حكمهما . قال ابن ~~المنذر : وقوله عليه السلام : ( من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها ، ~~فليأت الذى هو ms1920 خير ويكفر ) يدل أن الكفارة إنما تجب فيمن حلف على فعل يفعله ~~فيما يستقبل فلا يفعله ، أو على فعل لا يفعله فيما يستقبل ففعله ، وليس هذا ~~المعنى فى اليمين الغموس ، ألا ترى أن الرجل إذا حلف على المستقبل أو قاله ~~من غير أن يحلف عليه ، فإنما عقد شيئا قد يكون وقد لا يكون ، فخرج من باب ~~الكذب . قال إسماعيل : وينبغى للشافعى ألا يسمى من تعمد الحلف على الكذب ~~آثما إذا كفر يمينه ؛ لأن الله جعل الكفارة فى تكفير اليمين ، وقد قال ~~تعالى : { ويحلفون على الكذب وهم يعلمون أعد الله لهم عذابا شديدا إنهم ساء ~~} الآية . وقال ابن مسعود : كنا نعد الذنب الذى لا كفارة له اليمين الغموس ~~أن يحلف الرجل على مال أخيه PageV06P131 كاذبا ليقتطعه - ولا مخالف له من ~~الصحابة ، فصار كالإجماع ، وقد أخبر عليه السلام أن من فعل ذلك فقد حرم ~~الله عليه الجنة ، وأوجب له النار . قال ابن المنذر : وأما قوله : { وإنهم ~~ليقولون منكرا من القول وزورا } فلا يجوز أن يقاس ذلك على اليمنى الغموس ؛ ~~لأنه لا يقاس أصل على أصل ، ولو جاز قياس أحدهما على الآخر لكان أحدهما ~~فرعا ، وللزم أن يكون على الحالف بهذه اليمين التى شبهت بالظهار كفارة ~~الظهار ، وليس لأحد أن يوجب كفارة إلا حيث أوجبها الله ورسوله . ومن الحجة ~~فى إسقاط الكفارة حديث عبد الله بن عمرو وقد أجمعت الأمة أن الإشراك بالله ~~وعقوق الوالدين وقتل النفس لا كفارة فيها ، وإنما كفارتها تركها والتوبة ~~منها فكذلك اليمين الغموس حكمها حكم ما ذكر معها فى الحديث فى سقوط الكفارة ~~. والدليل على أن الحالف بها لا يسمى عاقدا ليمينه قوله تعالى : { لا ~~يؤاخذكم الله باللغو فى أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان } والعقد ~~فى اللغة عبارة عن الإلزام والتوثق ، يقال : عقدت على نفسى أن أفعل أى : ~~التزمت ، فمن قال : لقيت زيدا . وما لقيه ، فلم يلزم نفسه شيئا ، ولا ألزم ~~غيره أمرا يجب الامتناع منه أو PageV06P132 الإقدام عليه ، فلا يسمى عاقدا ~~، ومعنى الاستيثاق : وهو أن يستوثق ms1921 بالعقد حتى لا يواقع المحلوف عليه ، ~~وهذا معنى لا يحصل فى اليمين الغموس ؛ لأنها منحلة بوجود الحنث معها ، فلا ~~يسمى عقدا ، ألا ترى أن اللغو لما لم يكن يمينا معقودة لم تجب فيها كفارة ، ~~كذلك اليمين الغموس ، عن ابن القصار . * * * # | 17 - باب قوله تعالى { إن الذين يشترون بعهد الله } الآية [ آل عمران : ~~77 ] وقوله : { ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم } [ البقرة : 224 ] وقوله : ~~{ ولا تشتروا بعهد الله ثمنا قليلا } إلى { كفيلا } [ النحل : 91 ] # / 50 - فيه : عبدالله ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( ~~من حلف على يمين صبر ، يقتطع بها مال امرئ مسلم ، لقى الله ، وهو عليه ~~غضبان ، فأنزل الله تصديق ذلك : { إن الذين يشترون بعهد الله } الآية ، ~~وذكر الحديق . وبهذه الآيات والحديث احتج جمهور العلماء فى أن اليمين ~~الغموس لا كفارة فيها ؛ لأنه عليه السلام ذكر فى هذه اليمين المقصود بها ~~الحنث والعصيان العقوبة والإثم ولم يذكر هاهنا كفارة ، ولو كان هاهنا كفارة ~~لذكرها كما ذكر فى اليمين المعقودة فقال : ( فليكفر عن يمينه وليأت الذى هو ~~خير ) و يقوى هذا المعنى قوله عليه السلام فى المتلاعنين بعد تكرار ~~أيمانهما : ( الله يعلم أن أحدكما كاذب ، فهل منكما تائب ؟ ) ولم يوجب ~~كفارة ، ولو وجبت لذكرها كما قال : ( هل منكما تائب ؟ ) . PageV06P133 قال ~~ابن المنذر : والأخبار دالة على أن اليمين التى يحلف بها الرجل يقتطع بها ~~مالا حراما هى أعظم أن يكفرها ما يكفر اليمين ، ولا نعلم سنة تدل على قول ~~من أوجب فيها الكفارة ، بل هى دالة على قول من لم يوجبها ، قال تعالى : { ~~ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم أن تبروا وتتقووا وتصلحوا بين الناس } قال ~~ابن عباس : هو الرجل يحلف ألا يصل قرابته ، فجعل الله له مخرجا فى التفكير ~~، وأمره ألا يعتل بالله ، ويكفر يمينه ويبر . ويمين الصبر هو أن يحبس ~~السلطان الرجل على اليمين حتى يحلف بها ، ويقال : صبرت يمينه أى : حلفته ~~بالله . * * * # | 18 - باب اليمين فيما لا يملك وفى المعصية وفى الغضب # / 51 - فيه : أبو موسى ، أرسلنى أصحابى إلى ms1922 النبى - صلى الله عليه وسلم - ~~أسأله الحملان ، فقال : ( والله لا أحملكم على شىء ) ، ووافقته ، وهو غضبان ~~، فلما أتيته ، قال : ( انطلق إلى أصحابك ، فقل : إن الله ، أو إن رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - يحملكم ) . / 52 - وفيه : عائشة ، حين قال لها ~~أهل الإفك ما قالوا ، فبرأها الله ، وكان أبو بكر ينفق على مسطح لقرابته ~~منه ، فقال : والله لا أنفق على مسطح شيئا أبدا بعد الذى قال لعائشة ، ~~فأنزل الله : { ولا يأتل أولوا الفضل منكم والسعة أن يؤتوا } [ النور : 22 ~~] ، قال أبو بكر : بلى ، والله إنى لأحب أن يغفر الله لى ، فرجع إلى مسطح ~~النفقة التى كان ينفق عليه ، وقال : والله لا أنزعها منه أبدا . / 53 - ~~وفيه : أبو موسى ، أتيت النبى ، عليه السلام ، فى نفر من PageV06P134 ~~الأشعريين ، فوافقته ، وهو غضبان ، فاستحملناه ، فحلف أن لا يحملنا ، ثم ~~قال : ( والله ، إن شاء الله لا أحلف على يمين ، فأرى غيرها خيرا منها ، ~~إلا أتيت الذى هو خير ، وتحللتها ) . واليمين فيما لا يملك فى حديث ~~الأشعريين معناه أن النبى حلف ألا يحملهم ، فكان ظاهر هذه اليمين الإطلاق ~~والعموم ، ثم آنسهم بقوله : ( وما عندى ما أحملكم عليه ) ومثال هذا أن يحلف ~~رجل ألا يهب ولا يتصدق ولا يعتق ، وهو فى حال يمينه لا يملك ، ثم يطرأ له ~~بعد ذلك مال ، فيهب أو يتصدق أو يعتق ، فعند جماعة الفقهاء تلزمه الكفارة ~~إن فعل شيئا من ذلك ، كما فعل عليه السلام بالأشعريين ، أنه تحلل من يمينه ~~، وأتى الذى هو خير ، ولو حلف ألا يهب ولا يتصدق ما دام معدما ، وجعل العدم ~~عله لامتناعه من ذلك ، ثم طرأ له بعد ذلك مال ، لم يلزمه عند الفقهاء كفارة ~~إن وهب أو تصدق أو أعتق ، لأنه إنما أوقع يمينه على حالة العدم لا على حالة ~~الوجود ، هذا ما فى حديث أبى موسى من معنى اليمين فيما لا يملك . واختلفوا ~~من هذا المعنى إذا حلف الرجل يعتق ما لا يملك إن ملكه فى المستأنف ، فقال ~~مالك : إن عين أحدا أو قبيلة أو جنسا ms1923 لزمه العتق ، وإن قال : كل مملوك ~~أملكه أبدا حر ، لم يلزمه عتق ، وكذلك فى الطلاق إن عين قبيلة أو بلدة أو ~~صفة ما ، لزمه الحنث ، وإن لم يعين لم يلزمه . وقال أبو حنيفة وأصحابه : ~~يلزمه الطلاق والعتق سواء عم أو خص . وقال الشافعى : لا يلزمه ما خص ولا ما ~~عم . PageV06P135 وحجة مالك أن الله نهى عباده أن يحرموا ما أحل لهم ، ومن ~~استثنى موضع نكاح أو عتق ، فلم يحرم على نفسه كل ما أحل الله له . وحجة ~~الكوفيين أنها طاعة لله يلزمه الوفاء بها إن قدر عليها ، ومخرجها مخرج ~~النذر كما يقول مالك فى الأيمان . وحجة الشافعى قوله عليه السلام : ( لا ~~نذر فى معصية ، ولا فيما لم يملك ابن آدم ) . وإذا لم يلزمه النذر فيما لا ~~يملك فاليمين أولى ألا تلزمه ، وأما الطلاق فإن الله - تعالى - إنما جعله ~~فى كتابه بعد النكاح ، فقال تعالى { إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن } و ( ~~ثم ) لا توجب غير التعقيب . وأجمعوا إذا حلف بعتق عبيد غيره ، أنه لا يلزمه ~~شىء من ذلك ، إلا ابن أبى ليلى فإنه كان يقول : إن كان موسرا بأثمانهم لزمه ~~عتقهم . ثم رجع عن ذلك . وإن حلف على غيره مثل : أن يحلف على امرأته ~~النصرانية أن تسلم ، أو حلفه على رجل ليسلفنه مالا ، أو حلف على غريمه ~~ليقضينه حقه ، فإن ضرب لذلك أجلا وكان الدين إلى أجل أخر إلى الأجل وإن لم ~~يقض ، وإلا تلوم له على قدر ما يراه . هذا قول ابن القاسم عن مالك قال مالك ~~: إن لم يضرب لذلك أجلا ، فلا يكون من امرأته موليا إن حلف بالطلاق ، ولكن ~~يتلوم له على قدر الطلبة إلى المحلوف عليه بفعل ما حلف عليه . وروى ابن ~~الماجشون عن مالك وغيره من علماء المدينة : إن حلف PageV06P136 بالطلاق ، ~~أو بالعتاق على فعل غيره مثل حلفه على فعل نفسه فى جميع وجوه ذلك ، ويدخل ~~عليه الإيلاء فى حلفه بالطلاق . وأما حديث عائشة فى يمين أبى بكر ألا ينفق ~~على مسطح ، فإنما هى يمين فى ms1924 ترك طاعة وفضيلة فى حال غضبه ، ولا خلاف بين ~~علماء المدينة فى وجوب الكفارة على من حلف أن يمتنع من فعل الطاعة إذا رأى ~~غير ما حلف عليه ، وكذلك فعل أبو بكر كفر عن يمينه . وجمهور الفقهاء يلزمون ~~الغاضب الكفارة ، ويجعلون غضبه مؤكدا ليمينه ، وقد روى عن ابن عباس أن ~~الغضبان يمينه لغو ، ولا كفارة فيها . وروى عن مسروق ، والشعبى ، وجماعة أن ~~الغضبان لا يلزمه يمين ولا طلاق ولا عتق ، واحتجوا بقوله عليه السلام : ( ~~لا طلاق فى إغلاق ، ولا عتق قبل ملك ) وفى حديث الأشعريين رد لهذه المقالة ~~، لأن النبى - عليه السلام - حلف وهو غاضب ثم قال : ( والله لا أحلف على ~~يمين فأرى غيرها خيرا منها إلا أتيت الذى هو خير وتحللتها ) وهذه حجة قاطعة ~~، وكذلك فعل أبو بكر . وأما الحديث ( لا طلاق فى إغلاق ) فليس بثابت ، ولا ~~مما يعارض به مثل هذه الأحاديث الثابتة ، وتأول المدنيون والكوفيون معنى ~~هذا الحديث ( لا طلاق فى إغلاق ) يعنى لا طلاق فى إكراه ، هذا معنى الحديث ~~عندهم . وأما اليمين فى المعصية فليس هذا الباب موضعه ، وسيأتى عند قوله ~~عليه السلام : ( من نذر أن يعصى الله فلا يعصه ) ، إن شاء الله . ~~PageV06P137 * * * # | 19 - باب إذا قال : والله لا أتكلم اليوم ، فصلى ، أو قرأ ، أو سبح ، ~~أو كبر ، أو حمد ، أو هلل ، فهو على نيته # وقال عليه السلام : ( أفضل الكلام أربعة : سبحان الله ، والحمد لله ، ولا ~~إله إلا الله ، والله أكبر ) . وقال أبو سفيان : كتب النبى - صلى الله عليه ~~وسلم - إلى هرقل : { تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم } [ آل عمران 64 ] ~~، قال مجاهد : كلمة التوحيد : لا إله إلا الله . / 54 - فيه : سعيد بن ~~المسيب ، عن أبيه ، قال : لما حضرت أبا طالب الوفاة ، جاءه النبى - صلى ~~الله عليه وسلم - فقال : ( قل : لا إله إلا الله ، كلمة أحاج لك بها عند ~~الله ) . / 54 - وفيه : أبو هريرة ، قال عليه السلام : ( كلمتان خفيفتان ~~على اللسان ، ثقيلتان فى الميزان ، حبيبتان إلى الرحمن ، سبحان الله وبحمده ~~، سبحان الله العظيم ) . / 56 - وفيه : عبدالله ms1925 ، قال النبى ، عليه السلام ~~، كلمة وقلت أخرى ، قال : ( من مات يجعل لله ندا أدخل النار ) ، وقلت أخرى ~~: من مات لا يجعل لله ندا أدخل الجنة . أما قول البخارى : فهو على نيته . ~~فالمعنى عند العلماء فى الحالف ألا يتكلم اليوم أنه محمول على كلام الناس ~~لا على التلاوة والتسبيح ، وقد أجمعوا أن الكلام محرم فى الصلاة ، وأن ~~تلاوة القرآن وفيها من القربات إلى الله - تعالى - وقال زيد بن أرقم : لما ~~نزلت : { وقوموا لله قانتين } أمرنا بالسكوت ، ونهينا عن الكلام ، فتراه ~~نهى عن القراءة ؟ ! . وقال عليه السلام : ( إن صلاتنا هذه لا يصلح فيها شىء ~~من كلام PageV06P138 الناس ، إنما هو التهليل والتحميد وتلاوة القرآن ) ، ~~فحكم للذكر كله والتلاوة بغير حكم كلام الناس ، والحالف إذا حلف ألا يتكلم ~~، فإنما هو محمول عند العلماء على كلام الناس ، لا على الذكر والتلاوة وهذا ~~لا أعلم فيه خلافا ، إلا أنه إذا نوى ألا يقرأ ولا يذكر الله فهو على نيته ~~كما قال البخارى . وأجمعوا أنه إذا حلف ألا يتكلم وتكلم بالفارسية أو بأى ~~لغة تكلم أن حانث ، ويشبه معنى هذا الباب إذا حلف ألا يكلم رجلا فكتب إليه ~~أو أرسل إليه رسولا ، فقال مالك : يحنث فيهما جميعا إلا أن تكون له نية على ~~المشافهة ، ثم ذكر أنه رجع بعد ذلك فقال : لا ينوى فى الكتاب ، وأراه حانثا ~~إلا أن يرتجع الكتاب قبل وصوله فلا يحنث . وحكى ابن أبى أويس أنه قال : ~~الرسول أهون من الكتاب ؛ لأن الكتاب سر لا يعلمه إلا هو وصاحبه ، وإذا أرسل ~~إليه رسولا علم ذلك الرسول . وقال الكوفيون والليث والشافعى : لا يحنث ~~فيهما . وهو قول ابن أبى ليلى ، وقال أبو ثور : لا يحنث فى الكتاب . ~~واختلفوا إذا أشار إليه بالسلام ، فقال مالك : يحنث . واحتج ابن حبيب فى أن ~~الإشارة بالسلام كلام بقوله تعالى لزكريا : { ألا تكلم الناس ثلاثة أيام ~~إلا رمزا } . وقال عيسى عن ابن القاسم : ما أرى الإشارة بالسلام كلاما . ~~وقال محمد بن عبد الحكم : لا يحنث فى الإشارة بالسلام ، ولا فى ms1926 الرسول ، ~~ولا فى الكتاب ؛ لأنه لم يكلمه فى ذلك كله . PageV06P139 واحتج أبو عبيد ~~فقال : الكلام غير الخط والإشارة ، وأصل هذا - قال - : أن الله قال لزكريا ~~: { آيتك ألا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزا } . وقال فى موضع آخر : { ~~فأوحى إليهم أن سبحوا بكرة وعشيا } والرمز : الإشارة بالعين والحاجب . ~~والوحى : الخط والإشارة ، ويقال : كتب إليهم وأشار إليهم و فى قصة مريم : { ~~إنى نذرت للرحمن صوما فلن أكلم اليوم إنسيا } ثم قال : { فأشارت إليه } ~~فصار الإيماء والخط خارجين من معنى النطق . واختلفوا لو سلم على قوم هو ~~فيهم ، فقال مالك والكوفيون : قد حنث ، قال ابن القاسم عن مالك : علم أنه ~~فيهم أو لم يعلم إلا أن يحاشيه . وقال الشافعى : لا يحنث إلا أن ينويه ~~بالسلام . واحتج أبو عبيد لقول مالك و الكوفيين فقال : ومما يبين أن السلام ~~كلام أن إماما لو سلم بين ركعتين متعمدا كان قاطعا للصلاة ، كما يقطعها ~~المتكلم ، وقد نهى النبى عن الهجرة وأمر بإفشاء السلام ، فبان بأمره بهذا ~~ونهيه عن هذا أنهما متضادان ، وأن المسلم على صاحبه ليس بهاجر له . ~~PageV06P140 ولو صلى ورآه فرد عليه السلام ، فقال ابن القاسم : لا يحنث ؛ ~~لأن رده السلام من سنة الصلاة ، وليس من معنى ، المكالمة . وقال ابن وهب : ~~يحنث ؛ لأنه كان قادرا على أن يجتزئ بتسليمه عن يمينه وأخرى عن يساره ولا ~~يرد على الإمام ، و قالوا : لو تعايا ففتح عليه الحالف حنث ، ولو كتب إليه ~~المحلوف عليه ، فروى عيسى وأبو زيد عن ابن القاسم أنه إذا قرأ كتابه حنث . ~~وقال ابن حبيب : لا يحنث ، وكذلك روى أصبغ عن ابن القاسم . * * * # | 20 - باب من حلف أن لا يدخل على أهله شهرا فكان الشهر تسعا وعشرين # / 57 - فيه : أنس ، آلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من نسائه ، ~~وكانت انفكت رجله ، فأقام فى مشربة تسعا وعشرين ليلة ، ثم نزل ، فقالوا : ~~يا رسول الله ، آليت شهرا ؟ فقال : ( إن الشهر يكون تسعا وعشرين ) . قال ~~الطحاوى : ذهب قوم إلى أن الرجل إذا حلف ألا يكلم رجلا شهرا ms1927 ، فكلمه بعد ~~مضى تسعة وعشرين يوما أنه لا يحنث ، واحتجوا بهذا الحديث ، وخالفهم فى ذلك ~~آخرون فقالوا : إن حلف مع رؤية الهلال فهو على ذلك الشهر كان ثلاثين يوما ~~أو تسعة وعشرين ، وإن كان حلف فى بعض شهر فيمينه على ثلاثين يوما . وهو قول ~~مالك والكوفيين والشافعى ، واحتجوا بقوله عليه السلام : ( الشهر تسعة و ~~عشرون يوما ، فإن غم عليكم فأكملوا ثلاثين ) ، أفلا تراه PageV06P141 أوجب ~~عليهم ثلاثين يوما و جعله على الكمال حتى يروا الهلال قبل ذلك ؟ وأخبر أنه ~~إنما يكون تسعة وعشرين برؤية الهلال قبل الثلاثين ، وقد روى هذا عن الحسن ~~البصرى ، ودل نزوله من المشربة لتسع وعشرين أنه كان حلف مع غرة الهلال ، ~~هذا وجه الحديث ، ومن هذا الحديث قال مالك وأبو حنيفة والشافعى : إنه من ~~نذر صوم شهور بغير عينها فله أن يصومها للأهلة أو لغير الأهلة ، فإن صامها ~~للأهلة فكان الشهر تسعة وعشرين يوما أجزأه ، وما صام لغير الأهلة أكملها ~~ثلاثين يوما . وروى ابن وهب عن مالك : من أفطر رمضان كله فى سفر أو مرض ~~فكان تسعة وعشرين يوما ، فأخذ فى قضائه شهرا فكان ثلاثين يوما ؛ أنه يصومه ~~كله ، وإن كان شهر القضاء تسعة وعشرين يوما ورمضان ثلاثين يوما أجزأه . ~~وقال محمد بن عبد الحكم : إنما يصوم عدد الأيام التى أفطر . وفى رواية ابن ~~وهب مراعاة شهر القضاء ، وعلى قول ابن عبد الحكم مراعاة الشهر الفائت ، وهو ~~أصح فى القياس ؛ لأن الله افترض عليه عدد الأيام التى أفطر . * * * # | 21 - باب من حلف أن لا يشرب النبيذ فشرب الطلاء ، أو سكرا ، أو عصيرا ، ~~لم يحنث فى قول بعض الناس ، وليست هذه بأنبذة عنده # / 58 - فيه : سهل ، أن أبا أسيد صاحب النبى ، عليه السلام ، عرس ، فدعا ~~النبى - صلى الله عليه وسلم - لعرسه ، فكانت العروس خادمهم ، فقال سهل ~~للقوم : هل تدرون PageV06P142 ما سقته ؟ قال : أنقعت له تمرا فى تور من ~~الليل حتى أصبح عليه ، فسقته إياه . / 59 - وفيه : ابن عباس ، عن سودة زوج ~~النبى - صلى الله عليه وسلم - ، قالت : ماتت ms1928 لنا شاة ، فدبغنا مسكها ، ثم ~~ما زلنا ننبذ فيه حتى صار شنا . قال المؤلف : زعم أبو حنيفة أن الطلاء ~~والعصير ليسا بنبيذ فى الحقيقية ، وإنما النبيذ ما نبذ فى الماء ونقع فيه ، ~~ومنه سمى المنبوذ منبوذا ، لأنه نبذ أى : طرح . ومعنى قوله : من شرب سكرا ~~يعنى ما يسكر مما يعصر ولا ينبذ ، ويعنى قوله : ما كان عصيرا : ما كان حديث ~~العصر من العنب ولم يبلغ حد السكر ، وبالطلاء ما طبخ من عصير العنب حتى بلغ ~~إلى ما لا يسكر ، فلا يحنث عند أبى حنيفة فى شرب شىء من هذه الثلاثة ، ~~لأنها لم تنبذ ، وإنما يحنث عنده بشرب ما نبذ فى الماء من غير العنب ، سواء ~~أسكر أو لم يسكر . قال المهلب : والذى عند جمهور الفقهاء أنه إذا حلف ألا ~~يشرب النبيذ بعينه دون سائر المشروبات أنه لا يحنث بشرب العصير و الطبيخ ~~وشبهه ، وإن كان إنما حلف على النبيذ خشية منه لما يكون من السكر وفساد ~~العقل كان حانثا فى كل ما شرب مما يكون فيه المعنى الذى حلف عليه ، ويجوز ~~أن تسمى سائر الأشربة من الطبيخ والعصير نبيذا لمشابهتها له فى المعنى ، ~~ومن حلف عندهم ألا يشرب شرابا ولا نية له ، فأى شراب شربه مما يقع عليه اسم ~~شراب فهو حانث . PageV06P143 قال المؤلف : ووجه تعلق البخارى من حديث سهل ~~فى الرد على أبى حنيفة هو أن سهلا إنما عرف أصحابه بأنه لم يسق النبى إلا ~~نبيذا قريب العهد بالانتباذ مما يحل شربه ، ألا ترى قوله : ( أنقعت له تمرا ~~فى تور من الليل حتى أصبح عليه فسقته إياه ) وكان ينتبذ له عليه السلام ~~ليلا ويشربه غدوة ، وينتبذ له غدوة ويشربه عشية ، ولو كان بعيد العهد ~~بالانتباذ مما بلغ حد السكر لم يجز أن يسقيه النبى - عليه السلام - ففهم من ~~هذا أن ما بلغ حد السكر من الأنبذة حرام كالمسكر من عصير العنب ، وأن من ~~شرب مسكرا من أى نوع سواء كان معتصرا أو منتبذا فإنه يحنث لاجتماعهما فى ~~حدوث السكر ms1929 ، وكونها كلها خمرا . ووجه استدلاله من حديث سودة : أنهم حبسوا ~~مسك الشاة للانتباذ فيه الذى يجوز لهم شربه غير المسكر ، ووقع عليه اسم ~~نبيذ ، ولو ذكر حديث أنس حين كسر الجرار من نبيذ التمر كان أقرب للتعلق ~~وأوضح للمعنى ، لأنهم لم يكسروا جرار نبيذ التمر المسكر ، وهم القدوة فى ~~اللغة والحجة فيها ، إلا أن معنى نبيذ التمر المسكر فى معنى عصير العنب ~~المسكر فى التحريم ، لأنهم كانوا أتقى لله من أن يتلفوا نعم الله ويهريقوها ~~استخفافا بها ، وقد نهى النبى عن إضاعة المال ، ولو كان المسكر غير خمر ~~لجاز ملكه وبيعه وشربه وهبته وكانت إراقته من الفساد فى الأرض . ~~PageV06P144 * * * # | 22 - باب إذا حلف ألا يأتدم فأكل تمرا بخبز وما يكون منه الأدم ؟ # / 60 - فيه : عائشة ، ما شبع آل محمد - صلى الله عليه وسلم - من خبز بر ~~مأدوم ثلاثة أيام حتى لحق بالله . / 61 - وفيه : أنس ، قال أبو طلحة لأم ~~سليم : لقد سمعت صوت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ضعيفا أعرف فيه ~~الجوع ، فهل عندك من شىء ؟ قالت : نعم ، فأخرجت أقراصا من شعير ، ثم أخرجت ~~خمارا لها ، فلفت الخبز ببعضه ، وأرسلتنى إلى النبى - صلى الله عليه وسلم - ~~، فذهبت به ، فوجدت النبى - صلى الله عليه وسلم - فى المسجد ، ومعه الناس . ~~. . . الحديث . . فأتت بالخبز ، وأمر به النبى - صلى الله عليه وسلم - ، ~~ففت وعصرت عكة لها ، فأدمت ، ثم قال فيه النبى ، عليه السلام ، ما شاء الله ~~أن يقول . . . . . الحديث . اختلف العلماء فيمن حلف ألا يأكل إداما فأكل ~~لحما مشويا ، فقال مالك والشافعى ، قد حنث كما لو أكل زيتا وخلا . وقال أبو ~~حنيفة وأبو يوسف : الإدام ما يصطبغ به مثل الزيت والعسل والخل ، فأما ما لا ~~يصطبغ به مثل اللحم المشوى والجبن والبيض فليس بإدام . وقال محمد : ما كان ~~الغالب فيه أنه يؤكل بالخبز فهو إدام . واحتج الكوفيون أن حقيقة الإدام هو ~~اسم للجمع بين شيئين ، قال عليه السلام : ( إذا أراد أحدكم أن يتزوج المرأة ~~فلينظر إليها قبل أن يتزوجها ، فإنه أحرى أن يؤدم ms1930 بينهما ) معناه يجمع ~~بينهما ، وليس كل اسم يتناوله إطلاق الاسم ، بدليل أن من جمع بين لقمتين لا ~~يسمى بهذا الاسم ، وإنما المراد أن يستهلك فيه الخبز ويكون تابعا له بأن ~~PageV06P145 تتداخل أجزاؤه بأجزاء غيره ، وهذا لا يحصل إلا فيما يصطبغ به ~~وهذا الوجه مجمع عليه ، وما سواه مختلف فيه ؛ فلا يصح إثباته إلا بلغة أو ~~عادة ، وقد قال تعالى : { وصبغ للآكلين } . قال ابن القصار : فيقال لهم : ~~لا خلاف بين أهل اللغة أن من أكل خبزا بلحم مشوى انه قد ائتدم به ، ولو قال ~~: أكلت خبزى بلا أدم لكان كاذبا . ولو قال : أكلت خبزى بإدام كان صادقا . ~~فيقال لهم : أما قولكم : إن الأدم اسم للجمع بين شيئين ، فكذلك نقول ، وليس ~~الجمع بين الشيئين هو امتزاجهما واختلاطهما ، بل هو صفة زائدة على الجمع ؛ ~~لأننا نعلم أن الخبز بالعسل ليس يستهلك أحدهما صاحبه ، ولا الخبز مع الزيت ~~أيضا ، فلم يراع فى الشريعة فى الجمع الاستهلاك ، وأما الخل والزيت فهو وإن ~~يشربه فليس يستهلك فيه ولو كان كذلك لم يبن لونه ولا طعمه ، وإنما المراعى ~~فى الجمع بين الشيئين فى الأكل هو أن يؤكل هذا بهذا على طريق الائتدام به ، ~~سواء كان مائعا أو غير مائع كالسمن الذائب والعسل . قال غيره : والدليل على ~~أن كل ما يؤتدم به يسمى إداما ما روى عن النبى - عليه السلام - أنه قال : ( ~~تكون الأرض خبزة يوم القيامة ، إدامها زائدة كبد نون وثور ) ، فجعل الكبد ~~إداما ، فكذلك التمر ، وكل شىء غير مائع فهو إدام كالكبد . وروى حفص بن ~~غياث عن محمد بن أبى يحيى الأسلمى ، عن يزيد الأعور ، عن ابن أبى أمية ، عن ~~يوسف ، عن عبد الله بن سلام قال : ( رأيت النبى PageV06P146 - عليه السلام ~~- أخذ كسرة من خبز شعير ، فوضع عليها تمرة وقال : هذه إدام هذه ، فأكلها ) ~~. وروى القاسم بن محمد عن عائشة قالت : ( دخل على رسول الله والبرمة تفور ~~بلحم ، فقربت إليه أدما من أدم البيت ، فقال : ألم أر برمة فيها لحم . . . ~~) الحديث ، فدل هذا الحديث أن كل ms1931 ما فى البيت مما جرت العادة بالائتدام به ~~فهو إدام ، مائعا كان أو جامدا . * * * # | 23 - باب النية فى الأيمان # / 62 - فيه : عمر ، قال عليه السلام : ( إنما الأعمال بالنية ، وإنما ~~لامرئ ما نوى ، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله ، فهجرته إلى الله ورسوله ، ~~ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها ، فهجرته إلى ما هاجر ~~إليه ) . قال المهلب وغيره : إذا كانت اليمين بين العبد وربه وأتى مستفتيا ~~، فلا خلاف بين العلماء أنه ينوى ويحمل على نيته ، وأما إذا كانت اليمين ~~بينه وبين آدمى وادعى فى نية اليمين غير الظاهر لم يقبل قوله ، وحمل على ~~ظاهر كلامه إذا كانت عليه بينة بإجماع . وإنما اختلفوا فى النية إذا كانت ~~نية الحالف أو نية المحلوف له ، فقالت طائفة : النية فى حقوق الآدميين نية ~~المحلوف له على كل حال ، وهو قول مالك . وقال آخرون : النية نية الحالف ~~أبدا ، وله أن يورى ويورك ، واحتجوا بقوله : ( الأعمال بالنيات ) . ~~PageV06P147 وحجة مالك أن الحالف إنما ينبغى أن تكون يمينه على ما يدعى ~~عليه صاحبه ؛ لأنه عليه يحلفه . وقد أجمعوا على أنه لا ينتفع بالتورية إذا ~~اقتطع مال امرئ مسلم بيمينه ، فكذلك لا ينتفع بالتورية فى سائر الأيمان ، ~~وسيأتى اختلافهم فى يمين المكره ، وحيث تجوز التورية فى آخر كتاب الإكراه ~~وأول كتاب ترك الحيل - إن شاء الله - وشىء منه مذكور فى باب المعاريض ~~مندوحة عن الكذب فى آخر كتاب الأدب أيضا . * * * # | 24 - باب إذا أهدى ماله على وجه النذر أو التوبة # / 63 - فيه : كعب بن مالك ، فى حديثه : { وعلى الثلاثة الذين خلفوا } [ ~~التوبة : 118 ] ، فقال فى آخر حديثه : إن من توبتى أنى أنخلع من مالى . ~~اختلفوا فى الرجل يقول : مالى فى سبيل الله . فقالت طائفة : لا شىء عليه . ~~هذا قول الشعبى ، وابن أبى ليلى ، والحكم ، وطاوس . وفيها قول ثان : أن ~~عليه كفارة يمين . روى عن عمر ، وابن عباس ، وابن عمر ، وعائشة ، وهو قول ~~عطاء ، وإليه ذهب الثورى ، والأوزاعى ، والشافعى ، وأحمد ، وإسحاق ، وأبو ~~ثور . وفيها قول ثالث : وهو أن يتصدق ms1932 من ماله بقدر الزكاة . روى هذا القول ~~أيضا عن ابن عمر وابن عباس ، وبه قال ربيعة . وفيها قول رابع : وهو أن يخرج ~~ثلث ماله فيتصدق به ، وهو قول مالك . PageV06P148 وفيها قول خامس : وهو أن ~~يخرج ماله كله ، روى هذا عن النخعى ، وهو قول أبى حنيفة وزفر ، إلا أن أبا ~~حنيفة قال : يتصدق بالأموال التى تجب فيها الزكاة خاصة ، وقال زفر : يحبس ~~لنفسه من ماله قوت شهرين ثم يتصدق بمثله إذا أفاد . وحجة من قال : لا يلزمه ~~شىء أنه لو قال : مالى حرام ، لم يحرم عليه بإجماع ، فكذلك فى هذه المسألة ~~. واحتج الشافعى بما رواه أبو الخير عن عقبة بن عامر أن النبى - عليه ~~السلام - قال : ( كفارة النذر كفارة يمين ) فظاهره يقتضى أن كل نذر كفارته ~~كفارة يمين إلا ما قام دليله . وذهب ربيعة إلى أن الزكاة جعلها الله طهرا ~~للأموال ، فكذلك هذا الحالف بصدقة ماله يطهره ما تطهر الزكاة . واحتج أبو ~~حنيفة بقوله تعالى : { ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصدقن } ~~الآية ، فبين تعالى أنه لما لم يفوا بما عاهدوا الله عليه استحقوا الوعيد ~~والذم ، فلزمهم الوفاء به . واحتج ابن شهاب لمن قال : يجزئه الثلث بأن ~~النبى - عليه السلام - قال لكعب بن مالك حين قال : إن من توبتى أن أنخلع من ~~مالى صدقة لله قال : ( أمسك عليك بعض مالك ) وقال عليه السلام لأبى لبابة ~~فى مثل ذلك : ( يكفيك الثلث ) . فكان حديث أبى لبابة مبينا لما أجمل فى ~~حديث كعب من مقدار الجزء المتصدق به ، فثبت التقدير بحديث أبى لبابة ، ~~وسقطت سائر الأقاويل . PageV06P149 قال ابن القصار : ومن الحجة لمالك قوله ~~: { ولا تنس نصيبك من الدنيا } فأمر الله - تعالى - نبيه بأن لا ينسى نصيبه ~~من الدنيا لما بالخلق ضرورة إليه من القوت وما لا بد منه ، ووجب الاقتصار ~~على إخراج الثلث ، لحديث أبى لبابة ، ويدل على صحة هذا القول أن المريض لما ~~منع من إخراج ماله إلا الثلث ، نظرا لورثته وإبقاء عليهم ، وجب أن يبقى ~~المرء على نفسه قصد إخراج ms1933 ماله كله . وأما من قال : يخرج زكاة ماله . فلا ~~وجه له ، لأن الزكاة تجب على الإنسان سواء نذرها أم لا . وأما قول أبى ~~حنيفة أنه لا يخرج إلا الأموال التى تجب فيها الزكاة فقط ، فإننا نقول : إن ~~الأموال تشتمل على ما فيه الزكاة وعلى ما لا زكاة فيه ، قال تعالى : { ~~وأورثكم أرضهم وديارهم وأموالهم } ولم يفرق بين عبيدهم وعروضهم ، وبين ~~العين والورق ، والحرث والماشية . * * * # | 25 - باب إذا حرم طعاما ، وقوله تعالى : { يا أيها النبى لم تحرم ما ~~أحل الله لك تبتغى مرضاة أزواجك } [ التحريم : 1 ] ، وقوله : { لا تحرموا ~~طيبات ما أحل الله لكم } [ المائدة : 87 ] # . / 64 - فيه : عائشة ، أن النبى ، عليه السلام ، كان يمكث عند زينب بنت ~~جحش ، ويشرب عندها عسلا ، فتواصيت أنا وحفصة أن أيتنا دخل عليها النبى - ~~صلى الله عليه وسلم - ، فلتقل له : إنى أجد منك ريح مغافير ، أكلت مغافير ، ~~فدخل PageV06P150 على إحداهما ، فقالت له ذلك ، فقال : لا ، بل شربت عسلا ~~عند زينب بنت جحش ، ولن أعود له ، فنزلت : { يا أيها النبى لم تحرم ما أحل ~~الله لك } ، إلى { إن تتوبا إلى الله } لعائشة وحفصة ، { وإذ أسر النبى إلى ~~بعض أزواجه حديثا } [ التحريم : 3 ] لقوله : بل شربت عسلا . وقال إبراهيم ~~بن موسى ، عن هشام : ولن أعود له ، وقد حلفت فلا تخبرى بذلك أحدا . اختلف ~~العلماء فيمن حرم على نفسه طعاما أو شرابا أحله الله له ، فقالت طائفة : لا ~~يحرم عليه ذلك وعليه كفارة يمين . هذا قول أبى حنيفة وأصحابه والأوزاعى . ~~وقال مالك : لا يكون الحرام يمينا فى طعام ولا شراب إلا فى المرأة فإنه ~~يكون طلاقا يحرمها عليه . وروى الربيع عن الشافعى : إن حرم على نفسه طعاما ~~أو شرابا فهو حلال له ولا كفارة عليه ، كقول مالك . وروى عن بعض التابعين ~~أن التحريم ليس بشىء ، وسواء حرم على نفسه زوجته أو شيئا من ماله لا تلزمه ~~كفارة فى شىء من ذلك ، وهو قول أبى سلمة ومسروق والشعبى . وحجة من لم يوجب ~~الكفارة حديث عائشة أن الآية نزلت فى ms1934 شرب العسل الذى حرمه النبى - صلى الله ~~عليه وسلم - على نفسه لم تذكر فى ذلك كفارة . وحجة من أوجب الكفارة فى ذلك ~~أنه زعم أن سبب نزل الآية أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حرم جاريته ~~القبطية على نفسه ؛ لأنه أصابها فى بيت PageV06P151 حفصة وفى يومها ، وقيل ~~: كان فى بيت عائشة ، ذكره الزجاج فوجدت حفصة من ذلك وقالت : يا رسول الله ~~، لقد جئت إلى شيئا ما جئته إلى أحد من أزواجك فى يومى ، وفى بيتى وعلى ~~فراشى ، فقال : ألا ترضين أن أحرمها فلا أقربها ، فحرمها وقال لها : لا ~~تذكرى ذلك لأحد ، فذكرت ذلك لعائشة ، فأظهره الله عليه ، فنزلت الآيات ، ~~وكفر النبى يمينه وأصاب جاريته ، هذا قول قتادة وغيره . قال إسماعيل بن ~~إسحاق : والحكم فى ذلك واحد ؛ لأن الأمة لا يكون فيها طلاق فتطلق بالتحريم ~~، فكان تحريمها كتحريم ما يؤكل ويشرب ، ولعل القصتين كانتا جميعا فى وقتين ~~مختلفين ، غير أن أمر الجارية فى هذا الموضع أشبه ، لقوله تعالى : { تبتغى ~~مرضات أزواجك } ولقوله تعالى : { وإذ أسر النبى إلى بعض أزواجه حديثا } ~~فكان ذلك فى الأمة أشبه ؛ لأن الرجل يغشى أمته فى ستر ، ولا يشرب العسل فى ~~ستر ، وتحريم الأمة فيه مرضاة لهن ، وتحريم الشراب إنما حرمه للرائحة ، وقد ~~يمكن أن يكون حرمها وحلف كما روى ، ويمكن أن يكون حرمها بيمينه بالله ؛ لأن ~~الرجل إذا قال لأمته : والله لا أقربك . فقد حرمها على نفسه باليمين فإذا ~~غشيها وجبت عليه اليمين ، وإذا قال لأمته : أنت على حرام ، فلم يحلف وإنما ~~أوجب على نفسه شيئا لا يجب فلم تحرم عليه ، ولم تكن كفارة ؛ لأنه لم يحلف ، ~~وقوله لامرأته : أنت على حرام مثل قوله : أنت طالق ، فلا تحرم به ، وكذلك ~~أنت خلية وبرية PageV06P152 وبائن ، ليس فى شىء منه يمين ، وإنما هو فراق ~~أوجبه الإنسان على نفسه ، فإن كان شيئا يجب وجب ، وإن كان شيئا لا يجب لم ~~يجب ، وقد قال عليه السلام : ( من نذرك أن يعصى الله فلا يعصه ) ، فلم يوجب ~~عليه كفارة كما أوجبها ms1935 فى قوله : ( من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها ، ~~فليكفر عن يمينه ) . قال المهلب : والتحريم إنما هو لله - تعالى - ولرسوله ~~، فلا يحل لأحد أن يحرم شيئا ، وقد وبخ الله من فعل ذلك فقال تعالى : { لا ~~تحرموا طيبات ما أحل الله لكم } الآية فجعل ذلك من الاعتداء ، وقال : { ولا ~~تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام لتفتروا على الله الكذب } ~~فهذا كله حجة فى أن تحريم الناس ليس بشىء . وقال الكسائى وأبو عمرو ~~المغافير : شىء شبيه بالصمغ يكون فى الرمث ، وفيه حلاوة . وقال غيره : وهو ~~شىء ينضحه العرفط ، حلو كالناطف ، وله ريح منكرة . وقال أبو عمرو : يقال ~~منه : أغفر الرمث : إذا ظهر ذلك فيه . وفال الكسائى : يقال : قد خرج الناس ~~يتمغفرون : إذا خرجوا يجنونه من ثمره ، وواحد المغافير مغفور . وقال غيره : ~~ويقال : مغثور - بالثاء - أيضا كما يقال : فوم وثوم ، وجدف وجدث . ~~PageV06P153 * * * بسم الله الرحمن الرحيم وما توفيقى إلا بالله عليه توكلت ~~وإليه أنيب # | 26 - باب الوفاء بالنذر ، وقوله تعالى : { يوفون بالنذر } [ الإنسان : ~~7 ] # / 65 - فيه : ابن عمر ، رضى الله عنه ، قال عليه الصلاة والسلام : ( إن ~~النذر لا يقدم شيئا ولا يؤخر ، وإنما يستخرج بالنذر من البخيل ) . وقال مرة ~~: لا يرد شيئا . / 66 - وفيه : أبو هريرة ، رضى الله عنه ، قال : قال النبى ~~- صلى الله عليه وسلم - : ( لا يأتى بنى آدم النذر بشىء لم أكن قدرته ، ~~ولكن يلقيه النذر إلى القدر قد قدرته ، فيستخرج الله به من البخيل ، فيؤتى ~~عليه ما لم يكن يؤتى عليه من قبل ) . العلماء متفقون أن الوفاء بالنذر إذا ~~كان طاعة واجب لازم لمن قدر عليه ؛ لقوله تعالى : { يا أيها الذين آمنوا ~~أوفوا بالعقود } وقوله : { يوفون بالنذر } فمدحهم بذلك ، وقوله عليه الصلاة ~~والسلام : ( من نذر أن يطع الله فليطعه ) وإنما اختلفوا فى اليمين بالطاعة ~~، كالصدقة بالمال أو المشى إلى مكة ، فذهب مالك - رحمة الله - إلى أن ~~اليمين بذلك كالنذر ، وان كفارتها الوفاء بها ، ورأى بعض العلماء أنها ~~أيمان يكفرها ما يكفر اليمين ، وليست فى PageV06P154 معنى النذر ms1936 فيلزم ~~الوفاء بها ، لأن النذر قصد به التبرر والطاعة لله - عز وجل - وهذه الأيمان ~~إنما قصد بها إلى أشياء من أمور الدنيا ، كقولهم : مالى صدقة إن فعلت كذا . ~~فافترقا لهذه العلة - والله أعلم . قال المهلب : وقوله : ( لا يقدم شيئا ~~ولا يؤخره ) يعنى من قدر الله ومشيئته . وقوله : ( يستخرج به من البخيل ) ~~يعنى : من الناس من لا يسمح بالصدقة والصوم إلا إذا نذر شيئا لخوف أو طمع ، ~~فكأنه لولا ذلك الشىء الذى طمع فيه أو خافه لم يسمح بإخراج ما نذره لله ~~تعالى ولا يفعله ، فهو بخيل ، وسيأتى تفسير هذا الحديث مستوعبا فى كتاب ~~القدر ، إن شاء الله تعالى . وقوله : ( فيؤتينى عليه ) يعنى فيؤتى ما يجعله ~~الناذر على نفسه لله - تعالى - مما لم يكن يفعله بغير نذر . * * * # | 27 - باب إثم من لا يفى بالنذر # / 67 - فيه : عمران ، رضى الله عنه ، قال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ~~( خير القرون قرنى ، ثم الذين يلونهم ، ثم الذين يلونهم ، ثم يجىء قوم ~~ينذرون ولا يفون ، ويخونون ولا يؤتمنون ، ويشهدون ولا يستشهدون ، ويظهر ~~فيهم السمن ) . PageV06P155 هذا الحديث يوجب الذم والنقص لمن لم يف بالنذر ~~، وهذا من أشراط الساعة ، وقرن النبى - صلى الله عليه وسلم - ذم من لم يف ~~بالنذر بخيانة الأمانة شهد به كتاب الله العزيز وجاء به على لسان الرسول ، ~~وذلك أن من لم يف لله بما عاهده فقد خان أمانته فى نقضه ما جعل لربه - عز ~~وجل - على نفسه فأشبه ذلك من خان غيره فيما ائتمنه عليه ، والأول أعظم ~~خيانة وأشد إثما ، وأثنى الله - تعالى - على أهل الوفاء فقال : { يوفون ~~بالنذر ويخافون } الآية . فدل هذا أن الوفاء بالنذر مما يدفع به شر ذلك ~~اليوم ، وقوله : ( ويظهر فيهم السمن ) هو كناية عن رغبتهم فى الدنيا ، ~~وإيثارهم شهواتها على الآخرة وما أعد الله فيها لأوليائه من الشهوات التى ~~تنفد ، والنعيم الذى لا يبيد ، فهم يأكلون فى الدنيا كما تأكل الأنعام ، ~~ولا يقتدون بمن كان قبلهم من السلف الذين كانت همتهم من الدنيا فى أخذ ~~القوت والبلغة ms1937 ، وتوفير الشهوات إلى الآخرة . * * * # | 28 - باب النذر فى الطاعة # / 68 - فيه : عائشة ، قال النبى ، عليه السلام : ( من نذر أن يطيع الله ~~فليطعه ، ومن نذر أن يعصيه فلا يعصه ) . النذر فى الطاعة واجب الوفاء به ~~عند جماعة الفقهاء لمن قدر عليه ، وإن كانت تلك الطاعة قبل النذر غير لازمة ~~له فنذره لها قد أوجبها عليه ؛ لأنه ألزمها نفسه لله - تعالى - فكل من ألزم ~~نفسه شيئا PageV06P156 لله فقد تعين عليه فرض الأداء فيه ، وقد ذم الله من ~~أوجب على نفسه شيئا ولم يف به ، قال تعالى : { ورهبانية ابتدعوها ما ~~كتبناها عليهم } الآية ، وسيأتى اختلاف العلماء فى النذر فى المعصية فى ~~بابه ، إن شاء الله . * * * # | 29 - باب إذا نذر أو حلف أن لا يكلم إنسانا فى الجاهلية ، ثم أسلم # / 69 - فيه : ابن عمر ، أن عمر قال : يا رسول الله ، إنى نذرت فى ~~الجاهلية أن أعتكف ليلة فى المسجد الحرام ؟ قال : ( أوف بنذرك ) . اختلف ~~العلماء فيمن نذر فى الجاهلية نذرا مما يوجبه المسلمون لله ثم أسلم ، فقال ~~الشافعى وأبو ثور : واجب عليه الوفاء بنذره ، وإن حنث بعد إسلامه فعليه ~~الكفارة . وهو قول الطبرى . واحتجوا بقوله عليه السلام لعمر : ( أوف بنذرك ~~) قالوا : وأوامر الرسول على الوجوب ، وهو قول المغيرة المخزومى ، والى هذا ~~ذهب البخارى ، وحمل قوله : ( أوف بنذرك ) على الوجوب ، فقاس اليمين على ~~النذر ، فإن كان النذر مما الوفاء به طاعة فى الإسلام لزمه الوفاء به ، وإن ~~كان النذر واليمين مما لا ينبغى الوفاء به ، كيمينه ألا يكلم إنسانا ، ~~فعليه الكفارة فى الإسلام ، وكذلك يقول الشافعى وأبو ثور فيمن نذر معصية أن ~~عليه كفارة يمين . وقال آخرون : لا يجب عليه شىء من ذلك ، وكل من حلف فى ~~كفره فحنث بعد إسلامه فلا شىء عليه فى كل الأيمان . هذا قول مالك والثورى ~~والكوفيين . PageV06P157 قال الطحاوى : والحجة فى ذلك قوله عليه السلام : ( ~~ومن نذر أن يعصى الله فلا يعصه ) وقالوا : لما كانت النذور إنما تجب إذا ~~كانت مما يتقرب بها إلى الله - تعالى - ولا تجب إذا كانت ms1938 معاصى ، وكان ~~الكافر إذا قال : لله على اعتكاف أو صيام ، ثم فعل ذلك ، لم يكن بذلك ~~متقربا إلى الله ، فأشبه ذلك قوله عليه السلام : ( لا نذر فى معصية ) لأن ~~ما لم يصح أن يكون طاعة لا يلزم الوفاء به ، وقد يجوز أن يكون قول رسول ~~الله لعمر : ( أوف بنذرك ) ليس على طريق الوجوب ، ولكن لما كان عمر قد سمح ~~فى حال نذره أن يفعله ، استحب له عليه السلام أن يفى به ؛ لأن فعله الآن ~~طاعة لله ، فكان ما أمره به خلاف ما أوجبه هو على نفسه ؛ لأن الإسلام يهدم ~~أمر الجاهلية وقد تقدم فى كتاب الاعتكاف شىء من معنى هذا الباب فى باب ~~الاعتكاف ليلا . * * * # | 30 - باب من مات وعليه نذر # وأمر ابن عمر امرأة جعلت أمها على نفسها صلاة بقباء ، فقال : صلى عنها ، ~~وقال ابن عباس نحوه . / 70 - وفيه : ابن عباس ، أن سعد بن عبادة استفتى ~~النبى ، عليه السلام ، فى نذر كان على أمه ، فتوفيت قبل أن تقضيه ، فأفتاه ~~أن يقضيه عنها ، فكانت سنة بعده . PageV06P158 / 71 - وفيه : ابن عباس ، ~~قال : أتى رجل النبى - صلى الله عليه وسلم - فقال له : إن أختى قد نذرت أن ~~تحج ، وإنها ماتت ، ؟ فقال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( لو كان عليها ~~دين أكنت قاضيه ) ؟ قال : نعم ، قال : ( فاقض الله ، فهو أحق بالقضاء ) . ~~اختلف العلماء فى وجوب قضاء النذر عن الميت على ورثته ، فقال أهل الظاهر : ~~يقضيه عنه وليه ، وهو واجب عليه صوما كان أو مالا . وقال جمهور العلماء : ~~ليس ذلك فى الوارث بواجب ، وإن فعل أحسن إن كان صدقة أو عتقا ، واختلفوا فى ~~الصوم . واختلفوا أيضا إذا أوصى به ، فقالت طائفة : هو فى ثلثه . وهو قول ~~مالك ، وقال آخرون : كل واجب إذا أوصى به فهو من رأس ماله . وأما أمر ابن ~~عمر وابن عباس بالصلاة بقباء ، فهو على وجه الرأى لا على وجه الإلزام ، وقد ~~روى عن ابن عمر وابن عباس خلاف ما حكى البخارى عنهما ، ذكر مالك فى الموطأ ~~أنه بلغه أن عبد ms1939 الله بن عمر كان يقول : لا يصلى أحد عن أحد ولا يصوم أحد ~~عن أحد . وروى أيوب بن موسى عن عطاء بن أبى رباح ، عن ابن عباس قال : لا ~~يصلى أحد عن أحد ولا يصوم أحد عن أحد . وأجمع الفقهاء أنه لا يصلى أحد عن ~~أحد فرضا وجب عليه من الصلاة ولا سنة ، لا عن حى ولا عن ميت . قال المهلب : ~~لو جاز أن يصلى أحد عن أحد ؛ لجاز ذلك فى جميع ما يلزم الأبدان من الشرائع ~~، ولجاز أن يؤمن إنسان عن آخر ، وما كان أحد أحق بذلك من النبى - عليه ~~السلام - أن يؤمن عن أبويه وعمه أبى طالب ولما نهى عن الاستغفار لمن استغفر ~~له ، ولبطل PageV06P159 معنى قوله تعالى : { ولا تكسب كل نفس إلا عليها } ~~وإنما أراد - والله أعلم - كسب الفرائض ، وأما النوافل فقد أمر عليه السلام ~~الأعقاب بقضائها عن الأموات وغيرهم تبرعا بذلك . وقوله : ( كانت سنة ) أى ~~سنة فى الحض على التبرر عن الميت . قال ابن القابسى : وهذا يدل أن الموتى ~~ينفعهم العمل الصالح ، وإن كان من غير أموالهم ، وقد قال تعالى : { وأن ليس ~~للإنسان إلا ما سعى } لكن فعل هذا سنة لمن فعله . واختلف العلماء فى النذر ~~الذى كان على أم سعد بن عبادة ، فقال : قوم كان صياما . واستدلوا بحديث ~~الأعمش عن مسلم البطين ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس قال : ( جاء رجل ~~إلى النبى فقال : إن أمى ماتت وعليها صوم ، أفأصوم عنها ؟ قال : نعم ) . ~~قال بعض العلماء : لا يصح أن يجعل حديث الأعمش مفسرا لحديث الزهرى ؛ لأنه ~~قد اختلف فيه على الأعمش ، فقال فيه قوم عنه : ( إن امرأة جاءت إلى النبى ~~فقالت : يا رسول الله ، إن أمى ماتت وعليها صيام ) . وهذا يدل أنه ليس ~~السائل عن ذلك سعد بن عبادة ، وأنها كانت امرأة ، وقد ذكرنا أن ابن عباس ~~كان يفتى بألا يصوم أحد عن أحد . وقال آخرون : إن النذر الذى كان على أم ~~سعد كان عتقا ، واستدلوا على ذلك بحديث القاسم بن محمد أن سعد ms1940 بن عبادة قال ~~: PageV06P160 ( يا رسول الله ، إن أمى هلكت ، فهل ينفعها أن أعتق عنها ؟ ~~قال : نعم ) ، قالوا : وهذا يفسر النذر المجمل فى حديث ابن عباس . وقال ~~آخرون : كان النذر صدقة ، واستدلوا بحديث مالك عن سعيد بن عمرو بن شرحبيل ~~بن سعيد بن سعد بن عبادة ، عن أبيه ، عن جده ( أن سعد بن عبادة خرج فى بعض ~~المغازى فحضرت أمه الوفاة ، فقيل لها : أوصى ، فقالت : فيم أوصى ، وإنما ~~المال مال سعد ؟ ! فتوفيت قبل أن يقدم سعد ، فلما قدم سعد ذكر ذلك له ، ~~فقال سعد : يا رسول الله ، هل ينفعها أن أتصدق عنها ؟ فقال : نعم ) ، وليس ~~فى هذا بيان النذر المذكور بل الظاهر فى الحديث أنه وصية ، والوصية غير ~~النذر ، ولا خلاف بين العلماء فى جواز صدقة الحى عن الميت نذرا كان أو غيره ~~. وقال آخرون : كان نذر أم سعد نذرا مطلقا ، لا ذكر فيه لصيام ولا عتق ولا ~~صدقة . قالوا : ومن جعل على نفسه نذرا مبهما فكفارته كفارة يمين . روى هذا ~~عن ابن عباس وعائشة وجابر ، وهو قول جمهور الفقهاء . وروى عن سعيد بن جبير ~~وقتادة أن النذر المبهم أغلظ الأيمان ، وله أغلظ الكفارات : عتق أو كسوة أو ~~إطعام . والصحيح قول من جعل فيه كفارة يمين ، لما رواه ابن أبى شيبة عن ~~وكيع ، عن إسماعيل ابن رافع عن خالد بن يزيد ، عن PageV06P161 عقبة بن عامر ~~قال : قال رسول الله : ( من نذر نذرا لم يسمه فكفارته كفارة يمين ) . وأما ~~الحج عن الميت فهو مذكور فى كتاب الحج . قال المهلب : وقوله : ( أرأيت لو ~~كان عليها دين ) هو تمثيل من النبى - صلى الله عليه وسلم - وتعليم لأمته ~~القياس والاستدلال ، ويبين ذلك أن الديون لازمة للأموات فى ذمته ، فإن لم ~~تكن لهم ذمة من المال لم يلزمهم الدين إلا فى الآخرة ، فحذر النبى - عليه ~~السلام - من أن يبقى على الميت تباعة من دين كان لخلقه أو من طاعة كان ~~نذرها ، وعرف أن ما لزمه لله أحق أن يقضى مما لزمه لأحد من عباده حضا وندبا ms1941 ~~- والله الموفق . * * * # | 31 - باب النذر فيما لا يملك ولا نذر فى معصية # / 72 - فيه : عائشة ، قال عليه السلام : ( من نذر أن يطيع الله فليطعه ، ~~ومن نذر أن يعصيه فلا يعصه ) . / 73 - وفيه : أنس ، قال عليه السلام : ( إن ~~الله لغنى عن تعذيب هذا نفسه ، ورآه يمشى بين ابنيه ) . / 74 - وفيه : ابن ~~عباس : أن النبى - صلى الله عليه وسلم - رأى رجلا يطوف بالكعبة بزمام أو ~~غيره ، فقطعه . وقال مرة : يقود إنسانا بخزامة فى أنفه ، فقطعها النبى ، ~~عليه السلام ، بيده ، ثم أمره أن يقوده بيده . PageV06P162 / 75 - وقال ابن ~~عباس مرة : بينا النبى ، عليه السلام ، يخطب ، إذ هو برجل قائم ، فسأل عنه ~~، فقالوا : أبو إسرائيل نذر أن يقوم ولا يقعد ، ولا يستظل ، ولا يتكلم ، ~~ويصوم ، فقال عليه السلام : ( مره ، فليتكلم ، وليستظل ، وليقعد ، وليتم ~~صومه ) . ليس فى هذه الأحاديث شىء من معنى النذر فيما لا يملك ، وقد تقدم ~~قبل هذا شىء منه ، وإنما فى هذه الأحاديث من نذر معصية أو ما ليس بطاعة . ~~وقد اختلف العلماء فى ذلك ، فقال مالك : من نذر معصية كقوله : لله على أن ~~أشرب الخمر أو أزنى أو أسفك دما ، فلا شىء عليه وليستغفر الله ، استدلالا ~~بقوله عليه السلام : ( ومن نذر أن يعصى الله فلا يعصه ) ولم يذكر كفارة . ~~قال مالك : وكذلك إذا نذر ما ليس لله بطاعة ولا معصية كقوله : لله على أن ~~أدخل الدار أو آكل أو أشرب ، فلا شىء عليه أيضا ؛ لأنه ليس فى شىء من ذلك ~~لله طاعة ، استدلالا بحديث أبى إسرائيل . قال مالك : ولم أسمع رسول الله ~~أمره بكفارة . وقد أمره أن يتم ما كان لله طاعة ، ويترك ما خالف ذلك . وقول ~~الشافعى كقول مالك . وقال أبو حنيفة والثورى : من نذر معصية كان عليه مع ~~تركها كفارة يمين ، واحتجوا بحديث عمران بن حصين و أبى هريرة أن الرسول قال ~~: ( لا نذر فى معصية الله ، وكفارته كفارة يمين ) ، وهذا حديث لا أصل له ؛ ~~لأن حديث أبى هريرة إنما يدور على سليمان بن أرقم ، وهو متروك الحديث ، ~~وحديث ms1942 عمران بن حصين يدور على زهير بن PageV06P163 محمد عن أبيه ، و أبوه ~~مجهول ، لم يرو عنه غير ابنه زهير ، وزهير أيضا عنده مناكير . وفى قوله ~~عليه السلام : ( من نذر أن يعصى الله فلا يعصه ) حجة لمن قال : إن من نذر ~~ينحر ابنه فلا كفارة عليه ؛ لأنه لا معصية أعظم من إراقة دم مسلم بغير حق ، ~~ولا معنى للاعتبار فى ذلك بكفارة الظهار فى قول المنكر والزور ، كما اعتبر ~~ذلك ابن عباس ؛ لأن الظهار ليس بنذر ، والنذر فى المعصية قد جاء فيه نص عن ~~النبى - عليه السلام . قال مالك : من نذرك أن ينحر ابنه ولم ولم يقل عند ~~مقام إبراهيم ، فلا شىء عليه ، وكذلك إن لم يرد أن يحجه ، وإن نوى وجه ما ~~ينحر فعليه الهدى . وقال أبو حنيفة : علية شاة إذا حلف أن ينحر ولده . وقال ~~أبو يوسف : لا شىء عليه . وبه يأخذ الطحاوى . وفى حديث أبى إسرائيل دليل ~~على السكوت عن المباح أو عن ذكر الله ليس من طاعة الله ، وكذلك الجلوس فى ~~الشمس ، وفى معناه كل ما يتأذى به الإنسان مما لا طاعة لله فيه ولا قربة ~~بنص كتاب أو PageV06P164 سنة كالجهاد وغيره ، وإنما الطاعة ما أمر الله ~~ورسوله مما يتقرب بعمله لله ، ألا ترى أنه عليه السلام أمره بإتمام الصيام ~~لما كان لله طاعة . * * * # | 32 - باب من نذر أن يصوم أياما فوافق يوم الفطر أو النحر # / 76 - فيه : ابن عمر ، أن رجلا سأله عن رجل نذر أن لا يأتى عليه يوم إلا ~~صامه ، فوافق يوم الأضحى أو فطر ، فقال : { لقد كان لكم فى رسول الله أسوة ~~حسنة } [ الأحزاب : 21 ] لم يكن يصوم يوم الأضحى والفطر ، ولا يرى صيامهما ~~. / 77 - وقال زياد بن جبير : سأل ابن عمر رجل ، فقال : نذرت أن أصوم كل ~~يوم ثلاثاء - أو أربعاء - ما عشت ، فوافقت هذا اليوم يوم النحر ؟ فقال : ( ~~أمر الله بوفاء النذر ، ونهينا أن نصوم يوم النحر ) ، فأعاد عليه ، فقال ~~مثله ، لا يزيد عليه . العلماء مجمعون أنه لا يجوز لأحد صوم ms1943 يوم الفطر ~~والنحر ، وأن صومهما محرم على قاض فرضا أو ناذر ، ومن نذر صومهما فقد نذر ~~معصية ، وهو داخل تحت قوله عليه السلام : ( من نذر أن يعصى الله فلا يعصه ) ~~. واختلفوا فى قضائهما لمن نذر صيام يوم بعينه فوافقهما ، وقد تقدم فى كتاب ~~الصيام ، فأغنى عن إعادته . PageV06P165 * * * # | 33 - باب هل يدخل فى الأيمان والنذور الأرض والغنم والزروع والأمتعة # وقال ابن عمر : قال عمر للنبى عليه السلام : أصبت أرضا لم أصب مالا قط ~~أنفس منه ، قال : ( إن شئت حبست أصلها ، وتصدقت بها ) . وقال أبو طلحة ~~للنبى - صلى الله عليه وسلم - : أحب أموالى إلى بيرحاء لحائط له مستقبلة ~~المسجد . / 78 - فيه : أبو هريرة ، خرجنا مع الرسول - صلى الله عليه وسلم - ~~يوم خيبر ، فلم نغنم ذهبا ولا فضة ، إلا الأموال والثياب والمتاع ، فأهدى ~~رجل من بنى الضبيب ، يقال له : رفاعة إلى النبى - صلى الله عليه وسلم - ~~غلاما ، يقال له : مدعم . . . الحديث . قال المهلب : إنما أراد البخارى أن ~~يبين أن المال يقع على كل متملك ، ألا ترى قول عمر للنبى : ( إنى أصبت أرضا ~~لم أصب مالا قط أنفس منه ) وقول أبى طلحة : ( أحب أموالى إلى بيرحاء ) . ~~وهم القدوة فى الفصاحة ومعرفة لسان العرب . وأما قوله فى حديث أبى هريرة : ~~( فلم نغنم ذهبا ولا فضة إلا الأموال والثياب والمتاع ) . فقد اختلفت ~~الرواية فى ذلك عن مالك ، فروى ابن القاسم عنه مثل رواية البخارى ، وروى ~~يحيى بن يحيى وجماعة عن مالك : ( إلا الأموال والمتاع والثياب ) وإنما تخرج ~~هذه الرواية على لغة دوس قبيل أبى هريرة ، فإنها لا تسمى العين مالا ، ~~وإنما الأموال عندهم العروض والثياب ، وعند غيرهم المال PageV06P166 الصامت ~~من الذهب والفضة خاصة ، والمعروف من كلام العرب أن كل ما تمول وتملك فهو ~~مال ، وإنما أراد البخارى - والله أعلم - الرد على أبى حنيفة فإنه يقول إن ~~من حلف أو نذر أن يتصدق بمال كله ، فإنه لا يقع يمينه ولا نذره من الأموال ~~إلا على ما فيه الزكاة خاصة ، وعند مالك ومن تبعه تقع يمينه على جميع ms1944 ما ~~يقع عليه اسم مال ، وأحاديث هذا الباب تشهد لقول مالك ، وهو الصحيح . ~~PageV06P167 * * * بسم الله الرحمن الرحيم # | 28 - كتاب كفارة الأيمان # وقول الله : { فكفارته إطعام عشرة مساكين } [ المائدة : 89 ] ، وما أمر ~~النبى - صلى الله عليه وسلم - حين نزلت : { ففدية من صيام أو صدقة أو نسك } ~~[ البقرة : 196 ] . ويذكر عن ابن عباس ، وعطاء ، وعكرمة : ما كان فى القرآن ~~( أو ) ، فصاحبه بالخيار ، وقد خير الرسول - صلى الله عليه وسلم - كعبا فى ~~الفدية . / 1 - فيه : كعب بن عجرة ، قال : أتيته - يعنى النبى ، عليه ~~السلام - فقال : ( ادن ) ، فدنوت ، فقال : ( أيؤذيك هوامك ) ؟ فقلت : نعم ، ~~قال : فدية من صيام ، أو صدقة ، أو نسك ) . وقال أيوب : صيام ثلاثة أيام ، ~~والنسك شاة ، والمساكين ستة . والعلماء متفقون أن ( أو ) تقتضى التخيير ، ~~وأن الحانث فى يمينه بالخيار إن شاء كسا ، وإن شاء أطعم ، وإن شاء أعتق . ~~واختلفوا فى مقدار الإطعام فى كفارة الأيمان ، فقالت طائفة : يجزئه لكل ~~إنسان مد من طعام بمد النبى - عليه السلام - وروى ذلك عن ابن عباس ، وابن ~~عمر ، وزيد بن ثابت ، وأبى هريرة ، وهو قول عطاء ، والقاسم ، وسالم ، ~~والفقهاء السبعة ، وبه قال مالك ، والأوزاعى ، والشافعى ، وأحمد وإسحاق ، ~~غير أن مالكا قال : إن أطعم بالمدينة فمدا لكل مسكين ؛ لأنه وسط عيشهم ~~وسائر الأمصار وسطا من عيشتهم . PageV06P168 وقال ابن القاسم : يجزئه مد ~~بمد النبى حيث ما أخرجه . وقالت طائفة : يطعم لكل مسكين نصف صاع حنطة ، وإن ~~أعطى تمرا أو شعيرا فصاعا صاعا ، روى هذا عن عمر بن الخطاب ، وعلى ، ورواية ~~عن زيد بن ثابت ، وهو قول النخعى ، والشعبى ، والثورى ، وسائر الكوفيين . ~~واحتجوا بحديث كعب بن عجرة أن النبى أمره أن يطعم لكل مسكين نصف صاع حنطة ~~فى فدية الأذى على ما ثبت فى كتاب الحج فى حديث كعب . والحجة للقول الأول ~~أن النبى - عليه السلام - أمر فى كفارة الواقع على أهله فى رمضان بإطعام مد ~~لكل مسكين ، وإنما ذكر البخارى حديث كعب بن عجرة فى فدية الأذى فى باب ~~كفارة اليمين من أجل التخيير فى كفارة الأذى كما ms1945 هى فى كفارة اليمين . قال ~~ابن القصار : ومن الحجة لهذه المقالة قوله تعالى : { فكفارته إطعام عشرة ~~مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم } وأوسط ما نطعم أهلينا ما غلب فى العرف ، ~~وهو ما يغدى ويعشى ويشبع ، وليس فى العرف أن يأكل الواحد صاعا من شعير أو ~~تمر ، الذى هو عندهم ثمانية أرطال ، ولا نصف صاع من بر ، وهو أربعة أرطال ، ~~والحكم معلق على الغالب لا على النادر ، ويجوز أن يغدى المساكين ويعشيهم ~~عند مالك والكوفيين ، وقال الشافعى : لا يعطيهم المد إلا دفعة واحدة . قال ~~ابن القصار : والجميع عندنا يجوز لقوله : { فكفارته إطعام } PageV06P169 ~~ولم يخص ، فإن أطعم بالغداة والعشى فقد أطعم ، وعلى أصل مالك يجوز أن ~~يغديهم ويعشيهم دون إدام ؛ لأن الأصل عنده مد دون إدام . وذهب مالك فى ~~الأدم إلى الزيت ، قال إسماعيل : وأحسبه ذهب إلى الزيت ؛ لأنه الوسط من أدم ~~أهل المدينة ، وقال غيره : من ذهب إلى مد بمد النبى تأول قوله : { من أوسط ~~ما تطعمون } أنه أراد الوسط من الشبع ، ومن ذهب إلى مدين من بر أو صاع من ~~شعير ذهب إلى الشبع ، وتأول فى أوسط ما تطعمون الخبز واللبن ، والخبز ~~والسمن ، والخبز والزيت ، قالوا : والأعلى الخبز واللحم ، والأدون خبز دون ~~إدام ، ولا يجوز عندهم الأدون لقوله : { من أوسط } . واختلف فيما يجزئ من ~~الكسوة فى الكفارة ، فقال مالك : ما يستر عورة المصلى ، فالرجل يستره ~~القميص ، والمرأة قميص ومقنعة ؛ لأنها عورة لا يجوز أن يظهر فى الصلاة إلا ~~وجهها وكفاها . و قال أبو حنيفة والشافعى يجزئه ما يقع عليه اسم كسوة . ~~وحجة مالك قوله تعالى { من أوسط } فعطف بالكسوة على الأوسط ، فكما يطعم ~~الأوسط ، فكذلك يكسو الأوسط . وذهب مالك إلى أنه إذا عدم فى الكفارة العتق ~~والإطعام والكسوة PageV06P170 حتى وجب عليه صيام ثلاثة أيام أنه يجوز له ~~تفريق صومها ، وأحب إليه متابعتها ، وعند أبى حنيفة لا يجزئه إذا فرقها ، ~~وهو أحد قولى الشافعى ، وحجة مالك أن الله ذكر صياما ولم يشترط فيه التتابع ~~، كما لم يشترط فى فدية الأذى ، وحجة ms1946 الكوفيين أن ابن مسعود قرأ : { فصيام ~~ثلاثة أيام متتابعات } . * * * # | 1 - باب قوله تعالى : { قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم } [ التحريم : 2 ~~] ومتى تجب الكفارة على الغنى والفقير # / 2 - فيه : أبو هريرة ، جاء رجل إلى النبى - صلى الله عليه وسلم - فقال ~~: هلكت ، قال : ( وما شأنك ) ؟ قال : وقعت على امرأتى فى رمضان ، قال : ( ~~تستطيع تعتق رقبة ) ؟ قال : لا ، قال : ( فهل تستطيع أن تصوم شهرين ~~متتابعين ) ؟ قال : لا ، قال : ( فهل تستطيع أن تطعم ستين مسكينا ) ؟ قال : ~~لا ، قال : ( اجلس ) ، فجلس ، فأتى النبى - صلى الله عليه وسلم - بعذق فيه ~~تمر - والعذق المكتل الضخم - قال : ( خذ هذا فتصدق به . . . ) الحديث . ~~أراد البخارى أن يعرفك أن الكفارة تجب بعد الحنث وانتهاك الذنب ، وستأتى ~~مذاهب العلماء فى الكفارة قبل الحنث أو بعده ، بعد هذا - إن شاء الله - وقد ~~تقدم ما للعلماء فى الفقير تجب عليه الكفارة ولا يجد ما يكفر ، هل تسقط عنه ~~أو تبقى فى ذمته إلى حال يسره فى كتاب الصيام . واستدل مالك والشافعى بهذا ~~الحديث أن الإطعام فى كفارة الأيمان مد لكل مسكين ؛ لأن المكتل الذى أتى به ~~عليه السلام وقال للواطئ : PageV06P171 خذه فتصدق به . كان فيه خمسة عشر ~~صاعا ، وذلك ستون مدا ، فالذى يصيب كل مسكين منهم مد . وزعم الكوفيون أنه ~~قد يجوز أن يكون النبى لما علم حاجة الرجل أعطاه المكتل من التمر بالخمسة ~~عشر صاعا ليستعين به فيما وجب عليه لا على أنه جميع ما وجب عليه ، كالرجل ~~يشكو إلى الرجل ضعف حاله وما عليه من الدين ، فيقول له خذ هذه العشرة دراهم ~~فاقض بها دينك ، ليس على أنها تكون قضاء عن جميع دينه ، ولكن على أن تكون ~~قضاء لمقدارها من دينه . وهذه دعوى لا دليل عليها إلا الظن ، والظن لا يغنى ~~من الحق شيئا ، وقول مالك أولى بالصواب ، وهو ظاهر الحديث ؛ لأن النبى - ~~عليه السلام - لم يذكر مقدار ما تبقى عليه من الكفارة بعد الخمسة عشر صاعا ~~ولم يكن يسعه السكوت عن ذلك حتى يبينه ؛ لأنه بعث معلما . * * * # | 2 - باب ms1947 يعطى فى الكفارة عشرة مساكين قريبا كان أو بعيدا # / 3 - فيه : أبو هريرة ، أن النبى ، عليه السلام ، قال له : ( أطعمه أهلك ~~) . قال المهلب : قال تعالى : { فكفارته إطعام عشرة مساكين } فجاء هذا ~~اللفظ مبهما بغير شرط قريب ولا بعيد ، وبين النبى - عليه السلام - فى كفارة ~~المفطر فى رمضان أنه جائز فى الأقارب لقوله : ( أطعمه أهلك ) فقاس البخارى ~~بذلك المبهم من كفارة الأيمان بالله ؛ لأنه مفسر ، والمفسر يقضى على المجمل ~~، إلا أن أكثر العلماء PageV06P172 على أن الفقير تبقى الكفارة فى ذمته ، ~~فمن قال هذا لا يجيز أن يعطى الكفارة أحدا من أهله ممن تلزمه نفقته إلا ~~وتكون باقية فى ذمته ، وإن كان ممن لا تلزمه نفقتهم فيجوز أن يعطيهم ، ~~ويجزئه فى الكفارة ، وقد تقدم بيان هذا فى كتاب الصيام . * * * # | 3 - باب صاع المدينة ومد النبى ، عليه السلام ، وبركته وما توارث أهل ~~المدينة من ذلك قرنا بعد قرن # / 4 - فيه : السائب بن يزيد ، قال : كان الصاع على عهد النبى - صلى الله ~~عليه وسلم - مدا وثلثا بمدكم اليوم ، فزيد فيه فى زمن عمر بن عبدالعزيز . / ~~5 - وفيه : ابن عمر ، أنه كان يعطى زكاة رمضان بمد النبى - صلى الله عليه ~~وسلم - المد الأول ، وفى كفارة اليمين بمد النبى - صلى الله عليه وسلم - . ~~وقال مالك : لو جاءكم أمير ، فضرب لكم مدا أصغر من مد النبى - صلى الله ~~عليه وسلم - ، بأى شىء كنتم تعطون ؟ قلت : كنا نعطى بمد النبى ، عليه ~~السلام ، قال : أفلا ترى أن الأمر إنما يعود إلى مد النبى ، عليه السلام . ~~/ 6 - وفيه : أنس ، قال عليه السلام : ( اللهم بارك لهم فى مكيالهم ومدهم ~~وصاعهم ) . وقوله : ( كان الصاع على عهد النبى مدا وثلثا ) يدل أن مدهم ذلك ~~الوقت حين حدث به السائب وزنه أربعة أرطال ، وإذا زيد PageV06P173 عليه ~~ثلثه ، وذلك رطل وثلث قام منه خمسة أرطال وثلث ، وهو الصاع بدليل أن مد ~~النبى - عليه السلام - فيه رطل وثلث ، وصاعه أربعة أمداد بمده عليه السلام ~~، وأما مقدار ما زيد فيه فى زمن عمر بن عبد العزيز فلا ms1948 يعلم ذلك إلا بخبر . ~~وقوله : إن ابن عمر كان يعطى زكاة رمضان وفى كفارة اليمين بمد النبى - عليه ~~السلام - الأول ، فإنما وصف مد النبى - عليه السلام - بالأول ليفرق بينه ~~وبين مد هشام الحادث الذى أحدثه أهل المدينة فى كفارة الظهار ، ليغلظها على ~~المتظاهرين الذين شهد الله عليهم أنهم يقولون منكرا من القول وزورا ، ~~فجعلوها بمد هشام ، وهو أكبر من مد النبى بثلثى مد ، ولم يكن للنبى - عليه ~~السلام - إلا مد واحد ، وهو الذى نقله أهل المدينة ، وعمل به الناس إلى ~~اليوم . والفقهاء على قولين فى كفارة الأيمان ، فطائفة تقول : إن الكفارات ~~كلها بمد النبى - عليه السلام - مد مد لكل مسكين ، وكذلك الإطعام عمن فرط ~~فى صيام رمضان حتى يأتى رمضان آخر ، وهو قول مالك والشافعى على ما ثبت فى ~~هذه الأحاديث وحديث الواقع على أهله فى رمضان . وقال أهل العراق : الكفارات ~~كلها مدان مدان لكل مسكين قياسا على ما أجمعوا عليه من فدية الأذى فى حديث ~~كعب بن عجرة أن النبى أمره أن يطعم كل مسكين نصف صاع . قال المهلب : وإنما ~~دعا النبى - عليه السلام - لهم بالبركة فى مكيالهم وصاعهم ومدهم ، فإنه ~~خصهم من بركة دعوته بما أضطر أهل الأرض كلها أن يشخصوا إلى المدينة ليأخذوا ~~هذا المعيار المدعو له PageV06P174 بالبركة ، وينقلوه إلى بلدانهم ، ويكون ~~ذلك سنة فى معايشهم وما افترض الله عليهم لعيالهم ، وقد تقدم فى كتاب ~~الوضوء والغسل الحجة لمقدار مده وصاعه عليه السلام بما فيه مقنع . * * * # | 4 - باب قول الله : { فتحرير رقبة مؤمنة } وأى الرقاب أزكى ؟ # / 7 - فيه : أبو هريرة ، قال النبى عليه السلام : ( من أعتق رقبة مؤمنة ، ~~أعتق الله بكل عضو منه عضوا من النار ، حتى فرجه بفرجه ) . اختلف العلماء ~~فى عتق غير المؤمنة فى كفارة اليمين ، فقال مالك والأوزاعى والشافعى : لا ~~تجزئ إلا برقبة مؤمنة ، وأجاز عطاء بن أبى رباح عتق غير المؤمنة ، وهو قول ~~الكوفيين وأبى ثور ، واحتج الكوفيون أن الله إنما شرط الرقبة المؤمنة فى ~~كفارة قتل الخطأ خاصة ، ولم يشترط المؤمنة فى ms1949 كفارة اليمين بالله ، ولا فى ~~كفارة الظهار ، فلا يجب أن يتعدى بالمؤمنة غير الموضع الذى ذكرها الله فيه ~~. قال الطحاوى : فلا تقاس الرقبة على الرقبة ، كما لم يقس الصوم المطلق على ~~المتتابع ، وكما لم يجعل الإطعام فى القتل بدلا من الصوم قياسا على الظهار ~~. وحجة القول الأول أن الله - تعالى - لما شرط فى كفارة قتل الخطأ الرقبة ~~المؤمنة ، وكانت كفارة ثم ذكر فى كفارة اليمين وكفارة الظهار PageV06P175 ~~رقبة ، ولم يذكر مؤمنة ولا غير مؤمنة ، وكانت كفارات كلها ، وجب اعتبار ~~المؤمنة فى كل موضع ، ألا ترى أن الله شرط العدالة فى الشهادة بقوله : { ~~ممن ترضون من الشهداء } ثم قال فى موضع آخر : { وأشهدوا إذا تبايعتم } ولم ~~يختلف العلماء أن العدالة من شرط الإشهاد فى التبايع ، وجب أن يكون مثل ذلك ~~فى الرقبة ، وهذا عندهم من باب المجمل الذى يقضى عليه المفسر ، فلما فسر ~~أمر الرقبة فى الموضع الواحد استغنى عن إعادتها فى كل موضع ، ألا ترى أن ~~النبى إنما حض على عتق المؤمن ، لأنه أزكى وأطهر ، ولم يختلف العلماء فى ~~جواز عتق الكافر فى التطوع ، واحتج مالك فى ذلك بقول الله تعالى : { فإما ~~منا بعد وإما فداء } فالمن : العتق للمشركين ، وقد من رسول الله على جماعة ~~منهم . * * * # | 5 - باب عتق المدبر وأم الولد والمكاتب فى الكفارة وعتق ولد الزنا # وقال طاوس : يجزئ المدبر ، وأم الولد . / 8 - فيه : جابر ، أن رجلا من ~~الأنصار دبر مملوكا له ، ولم يكن له مال غيره ، فبلغ النبى عليه السلام ، ~~فقال : ( من يشتريه منى ) ؟ فاشتراه نعيم بن النحام بثمان مائة درهم . ~~اختلف العلماء فى هذا الباب فقال مالك : لا يجوز أن يعتق فى الرقاب الواجبة ~~مكاتب ولا مدبر ولا أم ولد ولا معتق إلى سنين . PageV06P176 وهو قول ~~الكوفيين والأوزاعى والشافعى ، إلا أن الشافعى أجاز عتق المدبر . وأن ~~الكوفيين والأوزاعى قالوا : إن كان المكاتب قد أدى شيئا من كتابته فلا يجوز ~~عتقه فى الكفارة ، وإن لم يؤد شيئا جاز عتقه وبه قال الليث وأحمد وإسحاق . ~~وفيه قول ثالث ms1950 : أن عتقه يجزئ وإن أدى بعض كتابته ، قال : لأن المكاتب عبد ~~ما بقى عليه درهم فهو يباع ، وقد اشترت عائشة بريرة بأمر النبى عليه السلام ~~. وهذا قول أبى ثور . وحجة مالك ومن وافقه أن المكاتب والمدبر وأم الولد قد ~~ثبت لهم عقد حرية لا سبيل إلى دفعها ، والله - تعالى - إنما ألزم من عليه ~~عتق رقبة واجبة أن يبتدئ عتقها من غير عقد حرية تقدمت فيها قبل عتقه فقال ~~تعالى : { فتحرير رقبة } ولم يقل بعض رقبة . واحتج الشافعى فى المدبر يجزئ ~~عتقه فى الكفارة بحديث جابر أن النبى - عليه السلام - باع المدبر على الذى ~~لم يكن له مال غيره من نعيم النحام ، وقال : لما جاز بيعه جاز عتقه فى ~~الكفارة وغيرها ؛ لأنه لو كانت فيه شعبة من الحرية لم يبعه النبى - عليه ~~السلام . وقال المالكيون : من جعل جواز البيع حجة على جواز عتقه فقوله غير ~~صحيح ؛ لأن كثيرا ممن يجوز بيعه لا يجوز عتقه مثل الأعمى والمقعد وشبهه . ~~وقال مالك والكوفيون : إنما بيع المدبر فى حديث جابر ؛ لأن تدبيره ~~PageV06P177 كان سفها ، وكان من الإعلان بسوء النظر لنفسه ، فلذلك رده ~~النبى - عليه السلام - لأن تدبيره كلا تدبير ، وبهذا الحديث احتج بعض ~~العلماء فى جواز نقض أفعال السفيه قبل أن يولى عليه ، وأما التدبير الصحيح ~~بخلاف هذا ، لا يجوز أن يباع من ثبت له ذلك ؛ لأنه قد ثبت له شرط الحرية ~~بعد الموت . وأما عتق أم الولد فى الرقاب الواجبة ، فإن فقهاء الأمصار على ~~أنه لا يجوز عتقها فى ذلك من أجل أنه قد ثبت لها شرط الحرية بعد موت سيدها ~~، على ما حكم به عمر بن الخطاب بحضرة الصحابة ، وما ذكره البخارى عن طاوس ~~أنه أجاز عتقها فى الرقاب الواجبة ، فهو قول النخعى والحسن البصرى ، وحجتهم ~~الإجماع على أن أحكامها فى جراحها وحدودها أحكام أمة ، لا أحكام حرة . وأما ~~عتق ولد الزنا فى الرقاب الواجبة ، فأجاز عتقه جمهور الفقهاء روى ذلك عن ~~عمر بن الخطاب و على بن أبى طالب ، وعائشة ، وجماعة ms1951 من الصحابة - رضى الله ~~عنهم - وقال عطاء والشعبى والنخعى : لا يجوز عتقه ، وهو قول الأوزاعى وما ~~روى عن أبى هريرة أن النبى عليه السلام - قال فيه : ( إنه شر الثلاثة ) . ~~فقد روى عن ابن عباس وعائشة إنكار ذلك ، قال ابن عباس : لو كان شر الثلاثة ~~ما استوى بأمه حتى تضعه ، وقالت عائشة : ما عليه من ذنب أبويه شىء ، ثم ~~قرأت : { ولا تز وازرة وزر أخرى } . PageV06P178 * * * # | 6 - باب إذا أعتق عبدا بينه وبين آخر فى الكفارة ، لمن يكون ولاؤه ؟ # / 9 - فيه : عائشة ، أنها أرادت أن تشترى بريرة ، فاشترطوا عليها الولاء ~~، فذكرت ذلك للنبى ، عليه السلام ، فقال : ( اشتريها ، فإنما الولاء لمن ~~أعتق ) . اختلف العلماء فى هذه المسألة ، فقال مالك والأوزاعى : إذا أعتق ~~أحد الشريكين عبدا بينه وبين غيره عن الكفارة ، إن كان موسرا أجزأه ويضمن ~~لشريكه حصته ، وإن كان معسرا لم يجزئه ، وهو قول محمد وأبى يوسف والشافعى ~~وأبى ثور . وقال أبو حنيفة وبعض أصحابه : لا يجزئه عن الكفارة موسرا كان أو ~~معسرا . وحجة مالك أن للمعتق الموسر إذا لم يكن شريكه يعتق نصيبه ، فالعبد ~~كله على الموسر حر ، فلذلك أجزأ عنده ، وحجة من لم يجز العتق أنه أعتق نصف ~~عبد لا عبدا كاملا ؛ لأن أصل أبى حنيفة أن الشريك مخير ، إن شاء قوم على ~~شريكه ، وإن شاء استسعى العبد فى نصف قيمته ، وإن شاء أعتق فيكون الولاء ~~بينهما نصفين . وأما الولاء فهو للمكفر المعتق عند جمهور العلماء ؛ لأنه ~~لما أعتق نصيبه وكان موسرا أوجب عليه عتقه كله ، وقد قال عليه PageV06P179 ~~السلام : ( الولاء لمن أعتق ) فلذلك أدخل البخارى حديث بريرة فى هذا الباب ~~. * * * # | 7 - باب الاستثناء فى الأيمان # / 10 - فيه : أبو موسى ، أتيت النبى ، عليه السلام ، فى رهط من الأشعريين ~~أستحمله ، فقال : ( والله لا أحملكم ، ما عندى ما أحملكم ) ، ثم لبثنا ما ~~شاء الله ، فأتى بإبل ، فأمر لنا بثلاثة ذود ، فقلنا : لا يبارك الله لنا ، ~~فأتينا النبى - صلى الله عليه وسلم - فأخبرناه ، فقال : ( ما أنا حملتكم ، ~~بل الله حملكم إنى والله ، إن شاء ms1952 الله لا أحلف على يمين ، فأرى غيرها خيرا ~~منها ، إلا كفرت عن يمينى ، وأتيت الذى هو خير ، أو أتيت الذى هو خير وكفرت ~~عن يمينى . / 11 - وفيه : أبو هريرة ، قال سليمان : لأطوفن الليلة على ~~تسعين امرأة ، كلهن تلد غلاما ، يقاتل فى سبيل الله ، فقال له صاحبه - يعنى ~~الملك - : قل إن شاء الله ، فنسى ، فطاف بهن ، فلم تأت امرأة منهن بولد إلا ~~واحدة بشق غلام ، فقال أبو هريرة : ترونه لو قال : إن شاء الله لم يحنث ، ~~وكان دركا له فى حاجته . وقال مرة : قال عليه السلام : ( لو استثنى ) . ~~اختلف العلماء فى الوقت الذى إذا استثنى فيه الحالف سقطت عنه الكفارة ، ~~فقال مالك والكوفيون والأوزاعى والليث PageV06P180 والشافعى وجمهور العلماء ~~: الثنيا لصاحبها فى اليمين ما كان من ذلك نسقا يبتع بعضه بعضا ، ولم يقطع ~~كلامه قطعا يشغل عن الاستثناء ما لم يقم عن مجلسه ، فإذا سكت وقطع كلامه ~~فلا ثنيا له . وقال الحسن البصرى وطاوس : للحالف الاستثناء ما لم يقم من ~~مجلسه . وقال قتادة : أو يتكلم . وقال أحمد : يكون له الاستثناء ما دام فى ~~ذلك الأمر . وكذلك قال إسحاق ، إلا أن يكون سكوت ثم عود إلى الأمر ، وعن ~~عطاء رواية أخرى ، وهو أن له ذلك قدر حلب الناقة الغزيرة ، وقال سعيد بن ~~جبير : له ذلك بعد أربعة أشهر . وقال مجاهد : له ذلك بعد سنتين . وروى عن ~~ابن عباس أنه قال : يصح له الاستثناء ولو بعد حين . فقيل : أراد به سنة . ~~وقال ابن القصار : وقيل : أراد به أبدا . وروى وكيع ، عن الأعمش ، عن مجاهد ~~، عن ابن عباس قال : يستثنى فى يمينه متى ذكر ، واحتج بقوله تعالى : { ~~واذكر ربك إذا نسيت } . واحتج من أجاز الاستثناء بعد السكوت بما روى قيس ، ~~عن سماك ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، أن النبى - عليه السلام - قال : ( ~~والله لأغزون قريشا - ثلاثا - ثم سكت ، ثم قال : إن شاء الله ) . قال ابن ~~القصار : ولا حجة فى هذا ؛ لأن حديث ابن عباس رواه شريك عن سماك عن عكرمة ، ~~عن النبى ، فالحديث مرسل ، PageV06P181 ولو ms1953 صح عن ابن عباس لم يرد به إسقاط ~~الحنث ، وإنما أراد - والله أعلم - أن الله - تعالى - أوجب الاستثناء على ~~كل قائل أنه يفعل شيئا بقوله : { ولا تقولن لشىء إنى فاعل ذلك غدا إلا أن ~~يشاء الله } يقول : فإذا نسى : إن شاء الله ، فليقله أى وقت ذكره ولو بعد ~~سنة ، حتى يخرج بذلك عن المخالفة ، لا أنه يجوز هذا فى اليمين ، ولو صح ~~الخبر عن النبى - عليه السلام - احتمل أن يكون ناويا للاستثناء وسكوته ~~ليتذكر شيئا أراده فى اليمين حتى إذا تممه استثنى ، ويجوز أن يكون لانقطاع ~~نفس ، أو لشىء شغله عن اتصال الاستثناء حتى يتمكن منه . ومن حجة أهل ~~المقالة الأولى أيضا قوله عليه السلام : ( من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا ~~منها ، فليأت الذى هو خير وليكفر عن يمينه ) ولو أمكنه أن يخرج من هذه ~~اليمين بقوله : إن شاء الله ، لما أوجب كفارة على حانث أبدا ، ولقال له ~~عليه السلام : إذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيرا منها فاستثن وائت الذى ~~هو خير ولم يذكر كفارة ، ولبطل معنى قوله تعالى : { قد فرض الله لكم تحلة ~~أيمانكم } وكذلك معنى حديث سليمان أن كان حلف بالله ليطوفن على نسائه ، فإن ~~الاستثناء بعد يمينه متى أرادها كانت تخرجه من الحنث ، لو كان كما زعم من ~~خالف أئمة الفتوى . PageV06P182 وقد قيل : إن قوله : ( لأطوفن ) لم يكن ~~يمينا على ما يأتى بيانه فى هذا الباب - إن شاء الله . قال المهلب : وإنما ~~جعل الله الاستثناء فى اليمين رفقا منه بعباده فى أموالهم ؛ ليوفر بذلك ~~الكفارة عليه إذا ردوا المشيئة إليه تعالى . واختلفوا فى الاستثناء فى ~~الطلاق والعتق ، فقال مالك ، وابن أبى ليلى ، والليث ، والأوزاعى : لا يجوز ~~فيه الاستثناء وروى مثله عن ابن عباس ، وابن المسيب ، والشعبى ، والحسن ، ~~وعطاء ، ومكحول ، وقتادة ، والزهرى . وأجاز الاستثناء فيهما طاوس والنخعى و ~~الحكم ورواية عن عطاء ، وبه قال أبو حنيفة وأصحابه والشافعى وإسحاق ، واحتج ~~لهم بعموم قوله عليه السلام فى حديث سليمان : ( لو قال : إن شاء الله ، لم ~~يحنث ) وأن ms1954 قول الحالف : إن شاء الله ، عامل فى جميع الأيمان ، لأنه لم يخص ~~بعض الأيمان من بعض ، فوجب أن يرفع الاستثناء الحنث فى الطلاق والعتق وجميع ~~الأيمان . وحجة من أوجب الطلاق والعتق ومنع دخول الاستثناء فيهما ، أن ~~الاستثناء لا يكون إلا فى اليمين بالله وحده ، وبذلك ورد الأثر عن النبى ~~أنه قال : ( من حلف بالله ثم قال : إن شاء الله ، فلا حنث عليه ) أسنده ~~أيوب السختيانى ، وكثير بن فرقد ، وأيوب بن موسى PageV06P183 عن نافع ، عن ~~ابن عمر - فى اليمين - عن النبى - عليه السلام - وذكره مالك فى الموطأ عن ~~نافع ، عن ابن عمر من قوله . قال الأبهرى : فكان ذكره الاستثناء إنما هو فى ~~اليمين بالله دون غيرها من الأيمان ، ولم يجز تعدى ذلك إلى غيرها بغير دليل ~~، وأما من جهة القياس ، فلما كان الطلاق والعتق لا تحله الكفارة التى هى ~~العتق والإطعام والكسوة ، وهى أقوى فعلا وأغلظ على النفوس من الاستثناء ~~الذى هو القول لم يحله القول ، لأن ما لا يحله الأوكد لم يحله الأضعف ، ولا ~~تعلق لهم بحديث سليمان ، لأن ظاهر قوله : ( لأطوفن ) لم يكن معه يمين ، ~~وإنما كان قولا جعل فيه المشيئة لنفسه حين لم يقل : إن شاء الله ، فعاقبه ~~الله بالحرمان ، كما قال تعالى لمحمد نبيه : { ولا تقولن لشىء إنى فاعل ذلك ~~غدا إلا أن يشاء الله } وأدب عباده بذلك ليتبرءوا إليه تعالى من الحول ~~والقوة ، ولم يكن قول سليمان يمينا بالله يوجب عليه الكفارة فتسقط عنه ~~بالاستثناء . فإن قيل : قوله عليه السلام : ( لو قال : إن شاء الله ، لم ~~يحنث ) يدل أنه كان يمينا . قيل : معنى قوله : ( لم يحنث ) لم يأثم على ~~تركه استثناء مشيئة الله - تعالى - فلما أعطى لنفسه الحول عاقبه الله ~~بالحرمان وخيبه ، فكأنه تحنيث لقوله ، والحنث فى لسان العرب : الإثم . ~~PageV06P184 ومن لم يرد المشيئة إلى الله - تعالى - فى جميع أموره فقد أثم ~~وحرج ، والحنث أيضا أن لا يبر ولا يصدق . ووقع فى رواية أبى زيد : ( بشائل ~~) مكان قوله : ( بإبل ) وأظنه ( بشوائل ) إن صحت الرواية ، وقال أبو ms1955 عبيد ~~عن الأصمعى : إذا أتى على الناقة من يوم حملها سبعة أشهر جف لبنها ، فهى ~~حينئذ شائل ، وجمعها : شوائل . وفى كتاب العين : ناقة شائلة ، ونوق شول ~~للتى جف لبنها . وشولت الإبل : لزقت بطونها بظهورها . * * * # | 8 - باب الكفارة قبل الحنث وبعده # / 12 - فيه : حديث أبى موسى ، إلى قوله عليه السلام : ( إنى والله إن شاء ~~الله لا أحلف على يمين ، فأرى غيرها خيرا منها إلا أتيت الذى هو خير ، ~~وتحللتها ) . / 13 - وفيه : عبدالرحمن بن سمرة ، قال النبى ، عليه السلام : ~~( لا تسأل الإمارة . . . . . . ) إلى قوله : ( وإذا حلفت على يمين ، فرأيت ~~غيرها خيرا منها ، فأت الذى هو خير ، وكفر عن يمينك ) . اختلف العلماء فى ~~جواز الكفارة قبل الحنث ، فقال ربيعة ومالك والثورى والليث والأوزاعى : ~~تجزئ قبل الحنث . وبه قال أحمد وإسحاق وأبو ثور ، وروى مثله عن ابن عباس ~~وعائشة وابن عمر . وقال الشافعى : يجوز تقديم الرقبة والكسوة والإطعام قبل ~~PageV06P185 الحنث ، ولا يجوز تقديم الصوم . وقال أبو جنيفة وأصحابه : لا ~~تجزئ الكفارة قبل الحنث . قال ابن القصار : ولا سلف لأبى حنيفة فى ذلك . ~~واحتج له الطحاوى بقوله تعالى : { ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم } والمراد ~~إذا حلفتم فحنثتم . ولم يذكر البخارى فى حديث أبى موسى ولا فى حديث عبد ~~الرحمن بن سمرة فى هذا الباب تقديم الكفارة قبل الحنث ، وقد ذكر ذلك فى باب ~~الاستثناء فى الأيمان ، وفى أول كتاب الأيمان ، وهو قوله عليه السلام : ( ~~إلا كفرت عن يمينى وأتيت الذى هو خير ، أو أتيت الذى هو خير وكفرت عن يمينى ~~) . وقال ابن المنذر : قد قال بعض أصحابنا : إنه ليس فى اختلاف ألفاظ هذه ~~الأحاديث إيجاب لتقديم أحدهما على الآخر ، إنما أمر الحالف بأمرين : أمر ~~بالحنث والكفارة ، فإذا أتى بهما جميعا فقد أطاع وفعل ما أمر به كقوله ~~تعالى : { وأتموا الحج والعمرة لله } فأيهما قدم على الآخر فقد أتى بما ~~عليه ، كذلك إذا أتى بالذى هو خير وكفر فقد أتى بما عليه . قال ابن القصار ~~: وقد رأى جواز تقديم الكفارة قبل الحنث أربعة عشر من الصحابة ms1956 ، وهم : ابن ~~مسعود ، وعائشة ، وابن عباس ، وابن عمر ، وأبو الدرداء ، وأبو أيوب ، وأبو ~~موسى ، وأبو مسعود ، PageV06P186 وحذيفة ، و سلمان ، ومسلمة بن مخلد ، وابن ~~الزبير ، ومعقل ، ورجل لم يذكر ، وبعدهم من التابعين : سعيد بن المسيب ~~وعطاء ، وطاوس ، وسعيد بن جبير ، والحسن ، وابن سرين ، وعلقمة ، والنخعى ، ~~والحكم بن عتيبة ، ومكحول . فهؤلاء أعلام أئمة الأمصار ، ولا نعلم لهم ~~مخالفا إلا أبا حنيفة ، على أن أبا حنيفة يقول ما هو أعظم من تقديم الكفارة ~~، وذلك لو أن رجلا أخرج عنزا من الظباء من الحرم ، فولدت له أولادا ثم ماتت ~~فى يده هى وأولادها ، أن عليه الجزاء عنها وعن أولادها ، وإن كان حين ~~أخرجها أدى جزاءها ثم ولدت أولادا ثم ماتت هى وأولادها لم يكن عليه فيها ~~ولا فى أولادها شىء . ولا شك أن الجزاء الذى أخرجه عنها وعن أولادها كان ~~قبل أن تموت هى وأولادها ، ومن قال هذا لم ينبغ له أن ينكر تقديم الكفارة ~~قبل الحنث . وأما قوله : تقدير الآية : ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتهم ~~فحنثتم ؛ فتقدير الآية عندنا : ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم فأردتم أن ~~تحنثوا . وأما قول الشافعى : لا يجوز تقديم الصيام على الحنث ، فيرد عليه ~~قوله عليه السلام : ( فليكفر عن يمينه ، وليأت الذى هو خير ) ولم يخص شيئا ~~من جنس الكفارة فى جواز التقديم ، فإن قال : إن الصيام من حقوق الأبدان ، ~~ولا يجوز تقديمها قبل وقتها PageV06P187 كالصلاة ، والعتق والكسوة والإطعام ~~من حقوق الأموال فهى كالزكاة يجوز تقديمها . قيل له : ليس كل حق يتعلق ~~بالمال يجوز تقديمه قبل وقته ، ألا ترى أن كفارة القتل وجزاء الصيد لا يجوز ~~تقديمه قبل وجوبه ، وقد جاز تقديم العتق والإطعام والكسوة فى كفارة اليمين ~~قبل وجوبه ، فكذلك يجوز تقديم صيامها . وقال الأبهرى : وأما جواز تقديم ذلك ~~من طريق النظر ؛ فلأن عقد اليمين لما كان يحله الاستثناء إذا اتصل باليمين ~~وإنما هو قول ؛ كانت الكفارة بأن تحل عقد اليمين أولى ؛ لأنها أقوى ؛ لأنها ~~ترفع حكم الحنث حتى كأنه لم يكن فكذلك ترفع حكم العقد حتى كأنه ms1957 لم يكن ~~وتشبيهه الإطعام والكسوة والعتق بالزكاة يجوز تقديمها فغير صحيح ؛ لأن ~~الزكاة لما كان وجوبها معلقا بوقت لم يجز تقديمها ، كما لا يجوز فى الصلاة ~~والصيام ، ووقت الكفارة غير معلق بوقت ، وإنما هو على حسب ما يريده المكفر ~~من الحنث ، فكان فعلها جائزا قبل الحنث وبعده . PageV06P188 * * * بسم الله ~~الرحمن الرحيم # | 29 - كتاب البيوع # # | 1 - باب ما جاء فى قول الله تعالى : { فإذا قضيت الصلاة فانتشروا فى ~~الأرض } إلى آخر السورة وقوله تعالى : { لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل ~~إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم } [ الجمعة : 10 ] # / 1 - فيه : أبو هريرة ، قال : إنكم تقولون : إن أبا هريرة يكثر الحديث ~~عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وتقولون : ما بال المهاجرين والأنصار ~~لا يحدثون عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بمثل حديث أبى هريرة ؟ وإن ~~إخوتى من المهاجرين كان يشغلهم صفق بالأسواق ، وكنت ألزم رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - على ملء بطنى ، فأشهد إذا غابوا ، وأحفظ إذا نسوا ، وقد ~~قال النبى عليه السلام : ( إنه لن يبسط أحد ثوبه حتى أقضى مقالتى هذه ، ثم ~~يجمع إليه ثوبه إلا وعى ما أقول ) ، فبسطت نمرة على حتى إذا قضى رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - مقالته جمعتها إلى صدرى ، فما نسيت من مقالة رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - تلك من شىء . / 2 - وفيه : عبدالرحمن بن عوف ، ~~لما قدمنا المدينة آخى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بينى وبين سعد بن ~~الربيع ، فقال سعد بن الربيع : إنى لأكثر الأنصار مالا ، فأقسم لك نصف مالى ~~، وانظر أى زوجتى هويت نزلت لك عنها ، فإذا حلت تزوجتها ، فقال له ~~عبدالرحمن : لا حاجة لى فى ذلك ، هل من سوق فيه تجارة ؟ قال : سوق قينقاع ، ~~قال : فغدا إليه عبدالرحمن ، فأتى بأقط وسمن . . . الحديث . PageV06P189 / ~~3 - وفيه : ابن عباس كانت عكاظ ومجنة وذو المجاز أسواقا فى الجاهلية ، فلما ~~جاء الإسلام كأنهم تأثموا فيه ، فنزلت : { ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا ~~من ربكم } [ البقرة : 198 ] فى مواسم الحج . قال المؤلف ms1958 : أباح الله ~~التجارة فى كتابه وأمر بالابتغاء من فضله ، وكان أفاضل الصحابة يتجرون ~~ويتحرفون فى طلب المعاش ، وقد نهى العلماء والحكماء عن أن يكون الرجل لا ~~حرفة له ولا صناعة ؛ خشية أن يحتاج إلى الناس فيذل لهم ، وقد روى عن لقمان ~~أنه قال لابنه : يا بنى ، خذ من الدنيا بلاغك ، وأنفق من كسبك لآخرتك ، ولا ~~ترفض الدنيا كل الرفض فتكون عيالا وعلى أعناق الرجال كلا . وروى عن حماد بن ~~زيد أنه قال : كنت عند الأوزاعى فحدثه شيخ كان عنده أن عيسى ابن مريم - ~~عليه السلام - قال : إن الله يحب العبد يتعلم المهنة يستغنى بها عن الناس ، ~~وإن الله - تعالى - يبغض العبد يتعلم العلم يتخذه مهنة . وقال أبو قلابة ~~لأيوب السختيانى : إنى يا أيوب ألزم السوق ؛ فإن الغنى من العافية . قال ~~المهلب : وفى حديث عبد الرحمن من الفقه أنه لا بأس للشريف أن يتصرف فى ~~السوق فى البيع والشراء ، ويتعفف بذلك عما يبذل له من المال وغيره . وفيه : ~~الأخذ بالشدة على نفسه فى أمر معاشه ، وأن العيش PageV06P190 من الصناعات ~~أولى بنزاهة الأخلاق من العيش من الهبات والصدقات وشبهها . وفيه : بركة ~~التجارة ، وفيه : المؤاخاة فى الإسلام على التعاون فى أمر الله ، وبذل ~~المال لمن يؤاخى عليه . وفيه معان ستأتى فى كتاب النكاح - إن شاء الله . ~~وفى حديث أبى هريرة : الحرص على التعلم وإيثار طلبه على طلب المال . وفيه : ~~فضيلة لأبى هريرة وهى أن النبى - عليه السلام - خصه بأن يبسط له رداءه ، ~~وقال : ضمه ، فما نسى من مقالة النبى - عليه السلام - تلك من شىء ، وقد ~~تقدم فى كتاب العلم . وأما قوله تعالى : { يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا ~~أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم } فإن إسماعيل بن ~~إسحاق قال : كل شىء حرمه الله من القمار ومن البيوع الفاسدة فهو من أكل ~~المال بالباطل ؛ لأن المقامر يقول لصاحبه : إن كان كذا فلى كذا ، وإن لم ~~يكن فلك كذا ، وكذلك البيع الفاسد من الغرر ؛ لأنه يبيع صاحبه البيع الذى ~~فيه غرر ms1959 ، فإن سلم غلبه المشترى ، وإن لم يسلم غلبه البائع . وأما الربا ~~فليس فساده من وجه القمار والغرر ، ولكنه أخذ من صاحبه عوضا للتأخير الذى ~~لم يجعله الله له ثمنا ، والقرض الذى يجر منفعة ، وما أشبه ذلك . | ~~PageV06P191 وقوله : ( من مساكين الصفة ) فإن العرب تقول : صففت البيت ~~وأصففته : جعلت له صفة ، وهى السقيفة أمامه ، وأصحاب الصفة : الملازمون ~~لمسجد النبى - عليه السلام - وقوله : ( فبسطت نمرة ) النمرة : ثوب مخمل من ~~وبر أو صوف . * * * # | 2 - باب الحلال بين والحرام بين وبينهما مشبهات # / 4 - فيه : النعمان بن بشير ، قال النبى ، عليه السلام : ( الحلال بين ~~والحرام بين ، وبينهما أمور مشتبهة ، فمن ترك ما شبه عليه من الإثم ، كان ~~لما استبان أترك ، ومن اجترأ على ما يشك فيه من الإثم ، أوشك أن يواقع ما ~~استبان والمعاصى حمى الله ، فمن يرتع حول الحمى يوشك أن يواقعه ) . قال ~~المؤلف : ما نص الله على تحليله فهو الحلال البين ، كقوله تعالى : { اليوم ~~أحل لكم الطيبات وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم } { وأحل الله البيع } { ~~وأحل لكم ما وراء ذالكم } وما نص على تحريمه فهو الحرام البين ، مثل قوله ~~تعالى : { حرمت عليكم أمهاتكم } إلى آخر الآية { وحرم عليكم صيد البر ما ~~دمتم حرما } وتحريم الفواحش ما ظهر منها وما بطن ، وكل ما جعل الله فيه حدا ~~أو عقوبة أو وعيدا فهو الحرام ، كأكل أموال اليتامى ، وأكل أموال الناس ~~بالباطل ، وهذا باب يتسع PageV06P192 القول فيه ، وهو واضح يغنى عن تدبره ~~وطلبه . وأما المشتبهات فكل ما تنازعته الأدلة من الكتاب والسنة وتجاذبته ~~المعانى فوجه منه يعضده دليل الحرام ووجه منه يعضده دليل الحلال ، فهذا ~~الذى قال فيه عليه السلام : ( وبينهما أمور مشتبهة ) ، وقال فيه : ( من ترك ~~الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه ) ، فالإمساك عنه ورع ، والإقدام عليه لا ~~يقطع عالم بتحريمه ؛ لأن الحرام ما عرف بعينه منصوصا عليه أو فى معنى ~~المنصوص . وقد اختلف العلماء فى معنى الشبهات ، فقالت طائفة : الشبهات التى ~~أشار إليها عليه السلام فى هذا الحديث حرام أو فى حيز الحرام ، واستدلوا ~~بقوله ms1960 عليه السلام : ( فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه ) ، قالوا ~~: ومن لم يستبرئ لدينه وعرضه فقد واقع الحرام . وقال آخرون : الشبهات ~~المذكورة فى هذا الحديث حلال بدليل قوله عليه السلام فيه : ( كالراعى حول ~~الحمى ) فجعل الشبهات ما حول الحمى ، وما حول الحمى غير الحمى ، فدل أن ذلك ~~حلال وأن تركه ورع ، والورع عند ابن عمر ومن ذهب مذهبه ترك قطعة من الحلال ~~خوف مواقعة الحرام . وقال آخرون : الشبهات لا نقول إنها حلال ولا إنها حرام ~~، لأن النبى - عليه السلام - قال : ( الحلال بين والحرام بين ) وجعل ~~الشبهات غير الحلال البين والحرام البين ، فوجب أن نتوقف عندها ، وهذا من ~~باب الورع أيضا ، ويقضى عليه قوله عليه السلام : PageV06P193 ( لا يعلمها ~~كثير من الناس ) فدل أن منهم من يعلمها ، فمن علمها فهى عنده فى أحد ~~الحيزين الحلال أو الحرام ، وسأتقصى الكلام فى هذا المعنى فى الباب بعد هذا ~~- إن شاء الله تعالى . وقال أبو الحسن بن القابسى : افهموا تكرير أسانيد ~~هذا الحديث ، ذكر فى الإسنادين الأولين الشعبى سمعت النعمان ، سمعت النبى ~~صلى الله عليه وسلم وفى الإسناد الثالث النعمان عن النبى ، وفى الرابع ~~النعمان قال النبى صلى الله عليه وسلم وإنما ذكر هذا ، لأن يحيى بن معين ~~قال : قال أهل المدينة : إن النعمان بن بشير لا يصلح له سماع من النبى صلى ~~الله عليه وسلم حديث علنى ، أى فلا بد أنه عقل عن النبى - صلى الله عليه ~~وسلم - مجاوبته لأبيه . * * * # | 3 - باب تفسير المشبهات # وقال حسان بن أبى سنان : ما رأيت شيئا أهون من الورع ، دع ما يريبك إلى ~~ما لا يريبك . / 5 - فيه : عقبة بن الحارث ، أن امرأة سوداء جاءت فزعمت ~~أنها أرضعتهما ، فذكر للنبى - صلى الله عليه وسلم - فأعرض عنه ، وتبسم ~~النبى - صلى الله عليه وسلم - قال : ( كيف وقد قيل ) ؟ وقد كانت تحته ابنة ~~أبى إهاب . / 6 - وفيه : عائشة ، كان عتبة بن أبى وقاص عهد إلى أخيه سعد بن ~~أبى وقاص أن ابن وليدة زمعة منى فاقبضه ، فلما كان عام الفتح أخذه ms1961 سعد بن ~~أبى وقاص ، وقال : ابن أخى ، قد عهد إلى فيه ، فقام عبد بن زمعة ، فقال : ~~أخى وابن وليدة أبى ، ولد على فراشه ، فتساوقا إلى النبى - صلى الله عليه ~~وسلم - ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( هو لك يا عبد بن زمعة ~~) ، ثم قال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( الولد للفراش وللعاهر الحجر ) ~~، ( واحتجبى منه يا سودة لما رأى من شبهه بعتبة ، فما رآها حتى لقى الله ) ~~. PageV06P194 / 7 - وفيه : عدى بن حاتم ، سألت النبى - صلى الله عليه وسلم ~~- عن المعراض ، فقال : ( إذا أصاب بحده فكل ، وإذا أصاب بعرضه فقتل فلا ~~تأكل ، فإنه وقيذ ) ، قلت : يا رسول الله ، أرسل كلبى ، وأسمى فأجد معه ~~كلبا آخر على الصيد لم أسم عليه ، ولا أدرى أيهما أخذ ، قال : ( لا تأكل ، ~~إنما سميت على كلبك ولم تسم على الآخر ) . قد تقدم فى الباب قبل هذا أن ~~الشبهات ما تنازعته الأدلة ، وتجاذبته المعانى ، وتساوت فيه الأدلة ، ولم ~~يغلب أحد الطرفين صاحبه ، وبيان ذلك فى حديث عقبة بن الحارث ، وذلك أن ~~جمهور العلماء ذهبوا إلى أن النبى - صلى الله عليه وسلم - أفتاه بالتحرر من ~~الشبهة ، وأمره بمجانبة الريبة خوفا من الإقدام على فرج يخاف أن يكون ~~الإقدام عليه ذريعة إلى الحرام ؛ لأنه قد قام دليل التحريم بقول المرأة : ~~أنها أرضعتهما ، لكنه لم يكن قاطعا ولا قويا لإجماع العلماء أن شهادة امرأة ~~واحدة لا تجوز فى مثل ذلك ، لكن أشار عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- بالأحوط . وأما حديث ابن وليدة زمعة فإنه عليه السلام حكم فيه بالولد ~~للفراش لزمعة على الظاهر ، وأنه أخو سودة على سبيل التغلب لا على سبيل ~~القطع أنه لزمعة عند الله - عز وجل - ثم أمر سودة بالاحتجاب منه ؛ للشبهة ~~الداخلة عليه وهى ما رأى من شبهه بعتبة فاحتاط لنفسه وذلك فعل الخائفين لله ~~عز وجل إذ لو كان ابن زمعة فى علم الله فى حكمه هذا لما أمر سودة بالاحتجاب ~~منه كما لم يأمرها بالاحتجاب من سائر إخوتها . وأما حديث عدى ms1962 بن حاتم فإن ~~النبى - صلى الله عليه وسلم - أفتاه بالتنزه عن الشبهة PageV06P195 أيضا ~~خشية أن يكون الكلب الذى قتله غير مسمى عليه ، فكأنه أهل به ، وقد قال الله ~~- تعالى - فى ذلك : { وإنه لفسق } فكأن فى فتياه عليه السلام باجتناب ~~الشبهات دلالة على اختيار القول فى الفتوى ، والاحتياط فى النوازل والحوادث ~~المحتملات للتحليل والتحريم التى لا يقف العالم على حلالها وحرامها ؛ ~~لاشتباه أسبابها ، وهذا معنى قوله عليه السلام : ( دع ما يريبك إلى ما لا ~~يريبك ) يقول : دع ما تشك فيه ولا تتيقن إباحته ، وخذ ما لا شك فيه ولا ~~التباس . وقال ابن المنذر : قال بعضهم : الشبهات تنصرف على وجوه : فمنها ~~شىء يعلمه المرء محرما ثم يشك فيه هل حل ذلك أم لا ، فما كان من هذا النوع ~~فهو على أصل تحريمه ، لا يحل التقدم عليه إلا بيقين ، مثل الصيد حرام على ~~المرء أكله قبل ذكاته ، وإذا شك فى ذكاته لم يزل عن التحريم إلا بيقين ~~الذكاة ، والأصل فيه حديث عدى بن حاتم أن النبى - صلى الله عليه وسلم - قال ~~له : ( إذا أرسلت كلبك فخالطه كلب لم تسم عليه فلا تأكل ؛ فإنك لا تدرى ~~أيهما قتله ) ، وهذا أصل لكل محرم أنه على تحريمه حتى يعلم أنه قد صار ~~حلالا بيقين ، ومن ذلك أن يكون للرجل أخ له ولا وارث له غيره ، فتبلغه ~~وفاته ولأخيه جارية ، فهى محرمه عليه حتى يوقن بوفاته ، ويعلم أنها قد حلت ~~له . وكذلك لو أن شاتين ذكية وميتة سلختا فلم يدر أيهما الذكية ؛ كانتا ~~محرمتين بقين على أصل التحريم حتى يعلم الذكية من الميتة ، ولا يحل أن يأكل ~~منهما واحدة بالتحرى ؛ لأنهما كانتا محرمتين بيقين ، فلا يجوز الانتقال من ~~يقين التحريم إلى شك الإباحة . والوجه الثانى : أن يكون الشىء حلالا فيشك ~~فى تحريمه ، فما كان PageV06P196 من هذه الوجه فهو على الإباحة حتى نعلم ~~تحريمه بيقين ، كالرجل تكون له الزوجة فيشك فى طلاقها ، أو يكون له جارية ~~فيشك فى وقوع العتق عليها ، فالأصل فى هذا حديث عبد الله بن ms1963 زيد أن من شك ~~بالحدث بعد أن أيقن بالطهارة فهو على يقين طهارته ؛ لقوله عليه السلام : ( ~~فلا ينصرف حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا ) . والوجه الثالث : أن يشكل الشىء ~~فلا يدرى أحرام هو أو حرام ، ويحتمل الأمرين جميعا ولا دلالة على أحد ~~المعنيين ، فالأحسن التنزه عنه كما فعل النبى - صلى الله عليه وسلم - فى ~~التمرة الساقطة . * * * # | 4 - باب ما يتنزه عنه من الشبهات # / 8 - فيه : أنس ، مر النبى - صلى الله عليه وسلم - بتمرة مسقوطة ، فقال ~~: ( لولا أن تكون من صدقة لأكلتها ) . وقال أبو هريرة عن النبى - صلى الله ~~عليه وسلم - : ( أجد تمرة ساقطة على فراشى ) . قال المهلب : إنما ترك النبى ~~- صلى الله عليه وسلم - أكل التمرة تنزها عنها ؛ لجواز أن تكون من تمر ~~الصدقة ، وليس على أحد بواجب أن يتبع الجوازات ؛ لأن الأشياء مباحة حتى ~~يقوم حتى يقوم الدليل على التحظير ، فالتنزه عن الشبهات لا يكون إلا فيما ~~أشكل أمره ولم يدر أحلال هو أو حرام واحتمل المعنيين ، ولا دليل على أحدهما ~~، ولا يجوز أن يحكم على أحد من مثل ذلك أنه أخذ حراما ؛ لاحتمال أن يكون ~~حلالا ، غير أنا نستحب من باب الورع أن نقتدى برسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - فيما فعل فى التمرة ، وقد قال عليه السلام لوابصة بن معبد حين سأله ~~عن البر والإثم فقال : PageV06P197 ( البر ما اطمأنت إليه النفس ، والإثم ~~ما حاك فى الصدر وإن أفتاك الناس وأفتوك ) ، وقال ابن عمر : لا يبلغ أحد ~~حقيقة التقوى حتى يدع ما حاك فى الصدر . وقال أبو الحسن بن القابسى : إن ~~قال قائل : إذا وجد التمرة فى بيته فقد بلغت محلها وليست من الصدقة . قيل ~~له : يحتمل أن يكون النبى - صلى الله عليه وسلم - كان يقسم الصدقة ثم ينقلب ~~إلى أهل ، فربما علقت تلك التمرة بثوبه فسقطت على فراشه ؛ فصارت شبهة . قال ~~غيره : وفيه من الفقه : تحريم قليل الصدقة وكثيرها على النبى - صلى الله ~~عليه وسلم - وآله ، وقد تقدم اختلاف العلماء فى ذلك فى كتاب الزكاة . وفيه ~~أيضا ms1964 : أن أموال المسلمين لا يحرم منها إلا ما له قيمة ويتشاح فى مثله ، ~~وأما التمرة واللبابة من الخبز أو التينة أو الزبيبة ، وما أشبه ذلك ، فقد ~~أجمعوا على أخذها ورفعها من الأرض ، وإكرامها بالأكل دون تعريفها ، ~~استدلالا بقوله عليه السلام : ( لأكلتها ) ، وأنها مخالفة لحكم اللقطة ، ~~وسيأتى ذلك فى كتاب اللقطة . * * * # | 5 - باب من لم ير الوساوس ونحوها من الشبهات # / 9 - فيه : عبد الله بن زيد ، شكى إلى النبى - صلى الله عليه وسلم - ~~الرجل يجد فى الصلاة شيئا ، أيقطع الصلاة ؟ قال : ( لا ، حتى يسمع صوتا أو ~~يجد ريحا ) . PageV06P198 وقال الزهرى : لا وضوء إلا فيما وجدت الريح أو ~~سمعت الصوت . / 10 - وفيه : عائشة ، أن أقوما قالوا : يا رسول الله ، إن ~~قوما يأتوننا باللحم ، لا ندرى أذكروا اسم الله عليه أم لا ؟ فقال رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - : ( سموا الله عليه وكلوه ) . إنما لم يدخل ~~الوسواس فى حكم الشبهات المأمور باجتنابها لقوله عليه السلام : ( إن الله ~~تجاوز لأمتى عما حدثت به أنفسها ما لم تعمل به أو تكلم ) ، فالوسوسة ملغاة ~~مطرحة لا حكم لها ما لم تستقر وتثبت ، وحديث عبد الله بن زيد محمول عند ~~الفقهاء [ . . . . . ] الذى يعتريه ذلك كثيرا ، بدليل قوله : ( شكى إلى ~~النبى ) ذلك ، لأن الشكوى إنما تكون من علة ، فإذا كثر الشك فى مثل ذلك وجب ~~إلغاؤه وإطراحه ، لأنه لو أوجب له عليه السلام حكما لما انفك صاحبه من أن ~~يعود إليه مثل ذلك التخيل والظن ، فيقع فى ضيق وحرج وقد قال الله - تعالى - ~~: { وما جعل عليكم فى الدين من حرج } وكذلك حديث عائشة مثل هذا المعنى ، ~~لأنه لو حمل ذلك الصيد على أنه لم يذكر اسم الله عليه لكان فى ذلك أعظم ~~الحرج ، والمسلمون محمولون على السلامة ، ولا ينبغى أن يظن بهم ترك التسمية ~~، فضعفت الشبهة فيه فلذلك لم يحكم بها النبى - عليه السلام - وغلب الحكم ~~بضدها ؛ لأن المسلمين فى ذلك الزمن كانوا من القرن الذين أثنى عليهم ، فلا ~~يتوجه إليهم سوء الظن فى دينهم . فإن قيل : فما ms1965 معنى قوله عليه السلام : ( ~~سموا لله وكلوا ) PageV06P199 ؟ قيل : هذا منه عليه السلام من الأخذ بالحزم ~~فى ذلك خشية أن ينسى الذى صاده التسمية ، وإن كانت التسمية عند الأكل غير ~~واجبة لما قدمناه من فضل أهل ذلك القرن ، وبعدهم عن مخالفة أمر الله ورسوله ~~فى ترك التسمية على الصيد . * * * # | 6 - باب قول الله تعالى : { وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها } [ ~~الجمعة : 11 ] # / 11 - فيه : جابر ، قال : بينما نحن نصلى مع النبى - صلى الله عليه وسلم ~~- إذ أقبلت من الشأم عير تحمل طعاما ، فالتفتوا إليها حتى ما بقى مع النبى ~~- صلى الله عليه وسلم - إلا اثنا عشر رجلا ، فنزلت : { وإذا رأوا تجارة أو ~~لهوا انفضوا إليها } . تقدير الآية عند المبرد : وإذا رأوا تجارة انفضوا ~~إليها ، وإذا رأوا لهوا انفضوا إليه ، ثم حذف ضمير الثانى ، وأخر ضمير ~~الأول ، والمعنى وإذا رأوا ذلك أسرعوا إليه . واللهو ما يصنع عند النكاح من ~~الدف ، وقيل : هو الطبل . وقال قتادة : { وتركوك قائما } . قال الحسن : قال ~~النبى - عليه السلام - : ( لو اتبع آخرهم أولهم التهب الوادى عليهم نارا ) ~~وقال قتادة : لم يبق مع النبى إلا اثنا عشر رجلا وامرأة . وقال الحسن : إن ~~أهل المدينة أصابهم جوع وغلاء سعر ، فلذلك خرجوا إلى العير حين قدمت . { قل ~~ما عند الله خير من اللهو ومن التجارة } أى ما عند الله من PageV06P200 ~~الثواب والأجر خير من ذلك لمن جلس واستمع الخطبة { والله خير الرازقين } ~~فارغبوا إليه فى سعة الأرزاق . * * * # | 7 - باب من لم يبال من حيث كسب المال # / 12 - فيه : أبو هريرة ، قال عليه السلام : ( يأتى على الناس زمان لا ~~يبالى المرء ما أخذ منه أمن الحلال أم من الحرام ) . هذا يكون لضعف الدين ~~وعموم الفتن ، وقد أخبر عليه السلام أن الإسلام بدأ غريبا وسيعود غريبا ، ~~وأنذر كثرة الفساد ، وظهور المنكر ، و تغير الأحوال ، وذلك من علامات نبوته ~~عليه السلام ، وقد روى عنه عليه السلام أنه قال : ( من بات كالا من عمل ~~الحلال بات والله عنه راض ، وأصبح مغفورا له ) و ( طلب ms1966 الحلال فريضة على كل ~~مؤمن ، وهو مثل مقارعة الأبطال فى سبيل الله ) . * * * # | 8 - باب التجارة فى البر وقوله تعالى : { رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع ~~عن ذكر الله } [ النور : 37 ] # وقال قتادة : كان القوم يتبايعون ويتجرون ولكنهم إذا نابهم حق من حقوق ~~الله لم تلههم تجارة ولا بيع عن ذكر الله حتى يؤدوه إلى الله . / 13 - فيه ~~: البراء ، وزيد بن أرقم ، كنا تاجرين على عهد رسول الله PageV06P201 - صلى ~~الله عليه وسلم - ، فسألنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن الصرف ، ~~فقال : ( إن كان يدا بيد فلا بأس ، وإن كان نساء فلا يصلح ) . وأما التجارة ~~فى البر فليس فى الباب ما يقتضى تعيينها من بين سائر التجارات ، غير أن ~~قوله تعالى : { رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله } يدخل فى عمومه ~~جميع أنواع التجارات من البر وغيره ، وهذا الحديث يدل أن اسم الصرف إنما ~~يقع على بيع الورق بالذهب ، وأما الذهب بالذهب ، أو الورق بالورق فإنما ~~يسمى مراطلة ومبادلة . وفيه : أن الصرف لا يكون إلا يدا بيد ، وفى الآية ~~نعت تجار سلف الأمة ، وما كانوا عليه من مراعاة حقوق الله ، والمحافظة ~~عليها ، والتزام ذكر الله فى حال تجارتهم ، وصبرهم على أداء الفرائض ~~وإقامتها وخوفهم سوء الحساب والسؤال يوم عرض القيامة ، ورأيت فى تفسير قوله ~~تعالى : { رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله } قال : كانوا حدادين ~~وخرازين ، فكان أحدهم إذا رفع المطرقة أو غرز الإشفى فسمع الأذان لم يخرج ~~الإشفى من الغرزة ، ولم يوقع المطرقة ، ورمى بها وقام إلى الصلاة . * * * # | 9 - باب الخروج فى التجارة وقول الله تعالى : { فانتشروا فى الأرض } [ ~~الجمعة : 10 ] # / 14 - فيه : أبو موسى ، أنه استأذن على عمر بن الخطاب فلم يؤذن له وكان ~~مشغولا ، فرجع أبو موسى ففرغ عمر ، فقال : ألم أسمع صوت PageV06P202 ~~عبدالله بن قيس ، ائذنوا له ، قيل : قد رجع ، فدعاه ، فقال : كنا نؤمر بذلك ~~، فقال : تأتينى على ذلك بالبينة ، فانطلق إلى مجلس الأنصار ، فسألهم ~~فقالوا : لا يشهد لك على هذا إلا أصغرنا ms1967 أبو سعيد الخدرى ، فذهب بأبى سعيد ~~الخدرى فقال عمر : أخفى هذا على من أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ؟ ~~ألهانى الصفق بالأسواق ، يعنى الخروج إلى تجارة . وقوله تعالى : { فإذا ~~قضيت الصلاة فانتشروا فى الأرض وابتغوا من فضل الله } وهو إباحة بعد حظر ~~مثل قوله : { وإذا حللتم فاصطادوا } . قال المهلب : أما قوله : ( ألهانى ~~الصفق بالأسواق ) مأخوذ من قوله تعالى : { وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا ~~إليها } فقرن التجارة باللهو ، فسماها عمر لهوا مجازا ؛ لأن اللهو المذكور ~~فى الآية غير التجارة ؛ لأنه تعالى فصل بينهما بالواو ، وهو الدف عند ~~النكاح وشبهه ، فدل هذا أنما أراد شغلنى البيع والشراء عن ملازمة النبى - ~~عليه السلام - فى كل أحيانه ، حتى حضر من هو أصغر منى ما لم أحضره من العلم ~~. وفيه : أن الصغير قد يكون عنده العلم ما ليس عند الكبير . وفيه : أنه يجب ~~البحث وطلب الدليل على ما ينكره من الأقوال حتى يثبت عنده . PageV06P203 * ~~* * # | 10 - باب التجارة فى البحر # وقال مطر : لا بأس به وما ذكره الله فى القرآن إلا بحق ثم تلا : { وترى ~~الفلك مواخر فيه ولتبتغوا من فضله } [ النحل : 14 ] . / 15 - وفيه : أبو ~~هريرة ، أن النبى ، عليه السلام ، ذكر رجلا من بنى إسرائيل خرج إلى البحر ، ~~فقضى حاجته ، وساق الحديث . استدلال مطر الوراق من الآية حسن ؛ لأن الله - ~~تعالى - جعل تسخيره البحر لعباده لابتغاء فضله من نعمه التى عددها عليه ، ~~وأراهم فى ذلك عظيم قدرته ، وسخر الرياح باختلافها تحملهم وتردهم ، وهذا من ~~عظيم آياته وكبير سلطانه ، ونبههم على شكره عليها بقوله : { ولعلكم تشكرون ~~} وهذا يرد قول من منع ركوب البحر فى أبان ركونه ، وهو قول يروى عن عمر بن ~~الخطاب أنه كتب إلى عمرو بن العاص يسأله عن البحر ، فقال : خلق عظيم يركبه ~~خلق ضعيف ، دود على عود . فكتب إليه عمر ألا يركبه أحد طوله حياته . فلما ~~كان بعد عمر لم يزل يركب حتى كان عمر بن عبد العزيز ، فاتبع فيه رأى عمر بن ~~الخطاب ، وقد تقدم هذا المعنى فى كتاب ms1968 الجهاد فى باب ركوب البحر ، وذكرت ~~هناك قول من منع ركوبه للحج ، وإذا كان الله قد أباح ركوبه للتجارة ، ~~فركوبه للحج والجهاد أجوز ، ولا حجة لأحد مع مخالفة الكتاب والسنة ، فأما ~~إذا كان أبان ارتجاجه فالأمة مجمعة أنه لا يجوز ركوبه ؛ لأنه تعرض للهلاك ، ~~وقد نهى الله عباده عن ذلك بقوله : { ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة } ~~وبقوله : { ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما } ولم يزل البحر يركب ~~PageV06P204 فى قديم الزمان ، ألا ترى ما ذكر فى هذا الحديث أنه ركب فى زمن ~~بنى إسرائيل ، فلا وجه لقول من منع ركوبه . * * * # | 11 - باب قول الله تعالى : { أنفقوا من طيبات ما كسبتم } [ البقرة : ~~267 ] # / 16 - فيه : عائشة ، قال عليه السلام : ( إذا أنفقت المرأة من طعام ~~بيتها غير مفسدة كان لها أجرها بما أنفقت ، ولزوجها بما كسب ، وللخازن مثل ~~ذلك ، لا ينقص بعضهم أجر بعض شيئا ) . / 17 - وفيه : أبو هريرة ، قال النبى ~~، عليه السلام : ( إذا أنفقت المرأة من كسب زوجها عن غير أمره فله نصف أجره ~~) . ومعنى هذه الآية أن الله أمر عباده بالأكل والصدقة من حلال كسبهم ~~وتجارتهم ، والآية التى ترجم بها وقع فيها غلط من الناسخ - والله أعلم - ~~وصوابها { يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم } وقال فى موضع ~~آخر : { يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم } . وأما صدقة ~~المرأة من بيت زوجها بغير إذنه فإنما يباح لها أن تتصدق منه بما تعلم أن ~~نفسه تطيب به ولا تشح بمثله ، فيؤجر كل واحد منهم لتعاونهم على الطاعة ، ~~وقد تقدم هذا المعنى فى كتاب الزكاة . PageV06P205 * * * # | 12 - باب من أحب البسط فى الرزق # / 18 - فيه : أنس ، قال عليه السلام : : ( من سره أن يبسط له فى رزقه أو ~~ينسأ له فى أثره ، فليصل رحمه ) . فى هذا الحديث إباحة اختيار الغنى على ~~الفقر ، وسيأتى الكلام فى ذلك فى كتاب الرقائق - إن شاء الله تعالى . فإن ~~قيل : هذا الحديث يعارض قوله عليه السلام : ( يجمع خلق أحدكم فى بطن أمه ~~أربعين يوما ms1969 مضغة : وفيه : ( فيكتب رزقه وأجله ) . قال المهلب : اختلف ~~العلماء فى وجه الجمع بينهما على قولين : فقيل : معنى البسط فى رزقه هو ~~البركة ؛ لأن صلته أقاربه صدقة ، والصدقة تربى المال وتزيد فيه ، فينمو بها ~~ويزكو . ومعنى قوله : ( وينسأ فى أثره ) أى : يبقى ذكره الطيب وثناؤه ~~الجميل مذكورا على الألسنة ، فكأنه لم يمت ، والعرب تقول الثناء يضارع ~~الخلود ، قال الشاعر : إن الثناء هو الخلود كما يسمى الذم موتا قال سابق ~~البريرى : قد مات قوم وهم فى الناس أحياء يعنى بسوء أفعالهم وقبح ذكرهم . ~~والقول الثانى : أنه يجوز أن يكتب فى بطن أمه أنه إن وصل رحمه PageV06P206 ~~فإن رزقه وأجله كذا ، وإن لم يصل رحمه فكذا ، بدلالة قوله تعالى فى قصة نوح ~~: { أن اعبدوا الله واتقوه وأطيعون * يغفر لكم من ذنوبكم ويؤخركم إلى أجل ~~مسمى } يريد أجلا قد قضى به لكم إن أطعتم يؤخركم إليه لأن أجل الله إذا جاء ~~فى حال معصيتكم لا يؤخر عنكم قال تعالى : { إلا قوم يونس لما آمنوا كشفنا ~~عنهم عذاب الخزى فى الحياة } وهو الهلاك على الكفر { ومتعناهم إلى حين } ~~فهذا كله من المكتوب فى بطن أمه ، أى الأجلين استحق لا يؤخر عنه ، ويؤيد ~~هذا قوله تعالى : { يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب } وقد روى عن ~~عمر بن الخطاب ما هو تفسير لهذه الآية ، روى أنه كان يقول فى دعائه : اللهم ~~إن كنت كتبتنى عندك شقيا ، فامحنى واكتبنى سعيدا ، فإنك تقول : { يمحو الله ~~ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب } وستأتى جملة من هذا فى كتاب الأدب فى باب ~~من بسط له فى الرزق لصلة الرحم ، إن شاء الله . * * * # | 13 - باب شراء النبى عليه السلام بالنسيئة # / 19 - فيه : عائشة ، أن النبى ، عليه السلام ، اشترى طعاما من يهودى إلى ~~أجل ، ورهنه درعا من حديد . / 20 - وفيه : أنس ، أن النبى ، عليه السلام ، ~~رهن درعا له عند يهودى ، وأخذ منه شعيرا لأهله . . . الحديث . PageV06P207 ~~العلماء مجمعون على جواز البيع بالنسيئة لأن النبى - صلى الله عليه وسلم - ~~اشترى الشعير من اليهودى ms1970 نسيئة . وقال ابن عباس : البيع بالنسيئة فى كتاب ~~الله وقرأ : { يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين } الآية . وسيأتى ما ~~للعلماء فى الرهن والسلم فى موضعه إن شاء الله . وقال أبو عبيدة : الإهالة ~~: الشحم والزيت . وفيه : جواز معاملة من يخالط ماله الحرام ومبايعته ؛ لأن ~~الله - تعالى - ذكر أن اليهود أكالون السحت ، وقد اشترى النبى من اليهودى ~~طعاما ورهنه درعه ، وقد تقدم اختلاف العلماء فى ذلك فى كتاب الزكاة فى باب ~~من أعطاه الله شيئا من غير مسألة ولا إشراف نفس ، فتأمله هناك . * * * # | 14 - باب كسب الرجل وعمله بيده # / 21 - فيه : عائشة ، لما استخلف أبو بكر ، قال : لقد علم قومى أن حرفتى ~~لم تكن تعجز عن مئونة أهلى ، وشغلت بأمر المسلمين ، فسيأكل آل أبى بكر من ~~هذا المال ، ويحترف للمسلمين فيه . / 22 - وفيه : عائشة ، كان أصحاب النبى ~~- صلى الله عليه وسلم - عمال أنفسهم ، وكان لهم أرواح ، فقيل لهم : لو ~~اغتسلتم ؟ . / 23 - وفيه : المقدام ، عن الرسول - صلى الله عليه وسلم - قال ~~: ( ما أكل أحد طعاما قط PageV06P208 خيرا من أن يأكل من عمل يده ، وإن نبى ~~الله داود ، عليه السلام ، كان يأكل من عمل يده ) . / 24 - وفيه : أبو ~~هريرة ، قال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( لأن يحتطب أحدكم حزمة على ~~ظهره ، خير له من أن يسأل أحدا ، فيعطيه أو يمنعه ) . قال المهلب : الحرفة ~~هاهنا التصرف فى المعاش والمتجر فلما اشتغل أبو بكر عنه بأمر المسلمين ضاع ~~أهله ، فاحتاج أن يأكل هو وأهله من بيت مال المسلمين ، لاستغراقه وقته فى ~~أمورهم واشتغاله عن تعيش أهله . وقوله : ( وأحترف لهم فيه ) أى : أتجر لهم ~~فى مالهم حتى يعود عليهم من ربحه بقدر ما آكل أو أكثر . وليس بواجب على ~~الإمام أن يتجر فى مال المسلمين بقدر مؤنته ، إلا أن يتطوع بذلك كما تطوع ~~أبو بكر ؛ لأن مؤنته مفروضة فى بيت مال المسلمين بكتاب الله ؛ لأنه رأس ~~العاملين عليها . وفى حديث عائشة : ما كان عليه أصحاب النبى من التواضع ~~واستعمال أنفسهم فى أمور دنياهم . وقوله : ( لو اغتسلتم ms1971 ) يبين ما روى أبو ~~سعيد الخدرى أن النبى قال : ( غسل الجمعة واجب على كل مسلم ) . أنه ليس ~~بواجب فرضا ، وأن المراد بذلك الندب إلى النظافة ، وتأكيد الغسل عليهم ؛ ~~لفضل الجمعة ومن يشهدها من الملائكة والمؤمنين ، وقد تقدم ما للعلماء فى ~~ذلك فى كتاب الجمعة . PageV06P209 وفى حديث المقدام : أن أفضل الكسب من عمل ~~اليد ، ألا ترى أن نبى الله داود كان يأكل من عمل يديه ، وقال أبو الزاهرية ~~: كان داود يعمل القفاف ، ويأكل منها . قال ابن المنذر : وإنما فضل عمل ~~اليد على سائر المكاسب ، إذا نصح العامل بيده ، وروى أبو سعيد المقبرى عن ~~أبى هريرة ، أن النبى عليه السلام قال : ( خير الكسب يد العامل إذا نصح ) ~~وروى عن النبى ( أن زكريا كان نجارا ) وقال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ~~( وهل من نبى إلا وقد رعى الغنم ) . وقد ذكر معمر عن سليمان أنه كان يعمل ~~الخوص ، فقيل له : أتعمل هذا وأنت أمير المدائن ، يجرى عليك رزق ؟ ! قال : ~~إنى أحب أن آكل من عمل يدى . * * * # | 15 - باب السهولة والسماحة فى الشراء والبيع ومن طلب حقا فليطلبه فى ~~عفاف # / 25 - فيه : جابر ، قال النبى ، عليه السلام : ( رحم الله رجلا سمحا إذا ~~باع وإذا اشترى وإذا اقتضى ) . فيه : الحض على السماحة وحسن المعاملة ، ~~واستعمال معالى الأخلاق ومكارمها ، وترك المشاحة والرقة فى البيع ، وذلك ~~سبب إلى وجود البركة فيه لأن النبى عليه السلام لا يحض أمته إلا على ما فيه ~~النفع لهم فى الدنيا والآخرة ، فأما فضل ذلك فى الآخرة PageV06P210 فقد دعا ~~عليه السلام بالرحمة لمن فعل ذلك ، فمن أحب أن تناله بركة دعوة النبى - ~~عليه السلام - فليقتد بهذا الحديث ويعمل به . وفى قوله عليه السلام : ( إذا ~~اقتضى ) حض على ترك التضييق على الناس عند طلب الحقوق وأخذ العفو منهم ، ~~وقد روى يحيى بن أيوب عن عبيد الله بن أبى جعفر ، عن نافع ، عن ابن عمر ~~وعائشة ، أن النبى - عليه السلام - قال : ( من طلب حقا فليطلبه فى عفاف واف ~~أو غير واف ) ، قال ابن المنذر : وفى ms1972 هذا الحديث الأمر بحسن المطالبة وإن ~~قبض هذا الطالب دون حقه ، وقد جاء فى إنظار المعسر من الفضل ما يذكر فى ~~الباب بعد هذا - إن شاء الله . * * * # | 16 - باب من أنظر معسرا # / 26 - فيه : حذيفة ، قال عليه السلام : ( تلقت الملائكة روح رجل ممن كان ~~قبلكم ، قالوا : أعملت من الخير شيئا ؟ قال : كنت آمر فتيانى أن ينظروا ~~ويتجاوزوا عن المعسر ، قال : فتجاوزوا عنه ) . وقال أبو مالك ، عن ربعى قال ~~: كنت أيسر على الموسر وأنظر المعسر ، وتابعه الملك ، عن ربعى : أنظر ~~الموسر وأتجاوز عن المعسر . / 27 - وفيه : أبو هريرة ، عن النبى - صلى الله ~~عليه وسلم - قال : ( كان تاجر يداين الناس ، فإذا رأى معسرا ، قال ، ~~لفتيانه : تجاوزوا عنه لعل الله أن يتجاوز عنا ، فتجاوز الله عنه ) . ~~PageV06P211 قال المهلب : فيه أن الله يغفر الذنوب بأقل حسنة توجد للعبد ، ~~وذلك - والله أعلم إذا خلصت النية فيها لله - تعالى - وان يريد بها وجهه ، ~~وابتغاء مرضاته ، فهو أكرم الأكرمين ، ولا يجوز أن يخيب عبده من رحمته ، ~~وقد قال فى التنزيل : { من ذا الذى يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له وله أجر ~~كريم } . وروى أبو عيسى الترمذى هذا الحديث ، وزاد فيه : ( أنه ينظر فلا ~~يجد حسنة ولا شيئا ، فيقال له ، فيقول : ما أعرف شيئا إلا أنى كنت إذا ~~داينت معسرا تجاوزت عنه ، فيقول الله : أنت معسر ، ونحن أحق بهذا منك ) . ~~قال ابن المنذر : فى هذا الحديث : دليل أن المؤمن يلحقه أجر ما يأمر به من ~~أبواب البر والخير ، وإن لم يتول ذلك بنفسه . * * * # | 17 - باب إذا بين البيعان ولم يكتما ونصحا # ويذكر عن العداء بن خالد ، قال : كتب لى النبى عليه السلام : ( هذا ما ~~اشترى محمد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من العداء بن خالد ، بيع ~~المسلم من المسلم ، لا داء ولا خبثة ولا غائلة ) . وقال قتادة : الغائلة : ~~الزنا والسرقة والإباق . وقيل لإبراهيم : إن بعض النخاسين يسمى آرى خراسان ~~وسجستان ، فيقول : جاء أمس من خراسان ، جاء اليوم من سجستان ، فكرهه كراهية ~~شديدة . PageV06P212 وقال عقبة بن عامر : لا ms1973 يحل لامرئ بيع سلعة يعلم أن ~~بها داء إلا أخبره . / 28 - فيه : حكيم بن حزام ، قال : قال رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - : ( البيعان بالخيار ، ما لم يتفرقا ، أو قال حتى ~~يتفرقا ، فإن صدقا وبينا بورك لهما فى بيعهما ، وإن كتما وكذبا محقت بركة ~~بيعهما ) . وترجم له ( باب ما يمحق الكذب والكتمان فى البيع ) . وأصل هذه ~~الباب أن نصيحة المسلم للمسلم واجبة ، وقد كان رسول الله يأخذها فى البيعة ~~على الناس كما يأخذ عليهم الفرائض ، قال جرير : ( بايعت رسول الله على ~~السمع والطاعة ، فشرط على والنصح لكل مسلم ) وأمر المؤمنين بالتحاب ~~والمؤاخاة فى الله ، قال : ( لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه ) ~~فحرم بهذا كله غش المؤمنين وخديعتهم ، ألا ترى قول عقبة بن عامر : ( لا يحل ~~لامرئ بيع سلعة يعلم بها داء إلا أخبره ) وقد رواه عن النبى - عليه السلام ~~- ذكره ابن المنذر ، وذكر مثله من حديث واثلة بن الأسقع عن النبى - عليه ~~السلام . قال ابن المنذر : فكتمان العيوب فى السلع حرام ، ومن فعل ذلك فهو ~~متوعد بمحق بركة بيعه فى الدنيا والعذاب الأليم فى الآخرة . وقال ابن قتيبة ~~: قوله : ( لا داء ) يعنى لا داء فى العبد من الأدواء التى يرد منها مثل ~~الجنون ، والجذام ، والبرص ، والسل ، والأوجاع المتقادمة . PageV06P213 ~~وقوله : ( لا غائلة ) هو من قولك : اغتالنى فلان ، إذا احتال عليك بحيلة ~~يتلف بها بعض مالك ، يقال : غائلت فلانا غولا : إذا أتلفته ، والمعنى : لا ~~حيلة عليك فى هذا البيع يغتال بها مالك . و ( الخبثة ) يريد الأخلاق ~~الخبيثة مثل : الإباق والسرف ، والعرب أيضا تدعو الزنا خبثا وخبثة ، وقال ~~صاحب العين : الخبثة : الزنية . وقوله : ( كان بعض النخاسين يسمى آرى ) ~~يريد يسمى موضوع الدابة فى داره ومربطها خراسان وسجستان ، ويريد بذلك ~~الخديعة والغرر بالمشترى منه ، واختلف أهل اللغة فى تفسير الآرى فقال ابن ~~الأنبارى : الآرى عند العرب الأخية التى تحبس بها الدابة وتلزم بها موضعا ~~واحدا ، وهو مأخوذ من قولهم : قد تأرى الرجل بالمكان ، إذا أقام به . قال ~~الأعشى : لا يتأرى لما ms1974 فى القدر يرقبه فالعامة تخطئ فى الآرى فتظن أنها ~~المعلف . هذا قول ابن الأنبارى . وقال صاحب العين : الآرى : المعلف ، وآرت ~~الدابة إلى معلفها تأرى : إذا ألفته . * * * # | 18 - باب بيع الخلط من التمر # / 29 - فيه : أبو سعيد ، قال : كنا نرزق تمر الجمع ، وهو الخلط من التمر ~~، وكنا نبيع صاعين بصاع ، فقال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( لا صاعين ~~بصاع ، ولا درهمين بدرهم ) . | PageV06P214 فقه هذا الباب : أن التمر كله ~~جنس واحد رديئه وجيده ، لا يجوز التفاضل فى شىء منه ، ويدخل فى معنى التمر ~~جميع الطعام ، فلا يجوز فى الجنس الواحد منه التفاضل ولا النسيئة بإجماع ، ~~فإذا كانا جنسين جاز فيهما التفاضل ولم تجز النسيئة ، هذا حكم الطعام ~~المقتات كله عند مالك ؛ وعند الشافعى الطعام كله المقتات وغير المقتات ، ~~وعند الكوفيين الطعام المكيل والموزون . وفى حديث أبى سعيد من الفقه : أن ~~من لم يعلم بتحريم الشىء فلا حرج عليه حتى يعلمه ، والبيع إذا وقع محرما ~~فهو مفسوخ مردود لقوله عليه السلام : ( من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد ~~) . * * * # | 19 - باب ما قيل فى اللحام والجزار # / 30 - فيه : أبو مسعود ، جاء رجل من الأنصار ، يكنى أبا شعيب ، فقال ~~لغلام له قصاب : اجعل لى طعاما يكفى خمسة ، فإنى أريد أن أدعو النبى ، عليه ~~السلام - خامس خمسة ، فإنى قد عرفت فى وجهه الجوع ، فدعاهم فجاء معهم رجل ، ~~فقال النبى عليه السلام : ( إن هذا قد تبعنا فإن شئت أن تأذن له ، فأذن له ~~، وإن شئت أن يرجع رجع ، فقال : لا ، بل قد أذنت له ) . قال المهلب : إنما ~~صنع طعام خمسة لعلمه أن النبى - عليه السلام - سيتبعه من أصحابه غيره ، ~~فوسع فى الطعام لكى يبلغ النبى شبعه . وفى هذا الحديث من الأدب ألا يدخل ~~المدعو مع نفسه غيره . وفيه : كراهية طعام الطفيلى ؛ لأنه مقتحم غير مأذون ~~له ، وقيل : إنما استأذن النبى - عليه السلام - للرجل ؛ لأنه لم يكن بينه ~~وبين PageV06P215 القصاب الذى دعاه من الذمام والمودة ما كان بينه وبين أبى ~~طلحة ، إذ قام هو و جميع من ms1975 معه ، وقد قال الله : { أو صديقكم } . وفيه : ~~الشفاعة ؛ لأن النبى - عليه السلام - شفع للرجل عند صاحب الطعام بقوله : ( ~~إن شئت أن تأذن له ) . وفيه : الحكم بالدليل لقوله : ( فإنى قد عرفت فى ~~وجهه الجوع ) . وفيه : أكل الإمام والعالم والشريف طعام الجزار ، وإن كان ~~فى الجزارة شىء من الضعة ؛ لأنه يمتهن فيها نفسه فإن ذلك لا ينقصه ولا يسقط ~~شهادته إذا كان عدلا . والقصاب : الجزار ، عن صاحب العين . * * * # | 20 - باب قول الله : { يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا الربا أضعافا } ~~الآية [ آل عمران : 130 ] # / 31 - فيه : أبو هريرة ، قال عليه السلام : ( ليأتين على الناس زمان لا ~~يبالى المرء بما أخذ المال ، من حلال أو من حرام ) . نهى الله عباده ~~المؤمنين أن يأكلوا الربا بعد إسلامهم ، والربا : هو الزيادة على أصل المال ~~بالتأخير عن الأجل الحال ، عن عطاء ومجاهد . وتدخل فيه كل زيادة محرمة فى ~~المعاملة لا تجوز من جهة المضاعفة ، وكان أهل الجاهلية يعطون الدرهم ~~بالدرهمين ، والدينار PageV06P216 بالدينارين إلى أجل ، فإذا حل الأجل قال ~~: إما أن تقضى وإما أن تربى ، وكان كلما أخر عن الأجل إلى غيره زيد زيادة ~~على المال الثانى أضعافا مضاعفة ، فحرم الله ذلك على المؤمنين . وأما وجه ~~حديث أبى هريرة فى هذا الباب ، فإن الربا محرم فى القرآن متوعد عليه ، فمن ~~لم يبال عن الحرام من أين أخذه ، لم يبال عن الربا ، لأنه نوع من الحرام . ~~* * * # | 21 - باب آكل الربا وشاهده وكاتبه وقوله تعالى : { الذين يأكلون الربا ~~لا يقومون } الآية [ البقرة : 275 ] # / 32 - فيه : عائشة ، لما نزلت آخر سورة البقرة قرأهن النبى ، عليه ~~السلام ، فى المسجد ، ثم حرم التجارة فى الخمر . / 33 - وفيه : سمرة ، قال ~~النبى عليه السلام : ( رأيت الليلة رجلين أتيانى ، فأخرجانى إلى أرض مقدسة ~~، فانطلقنا حتى أتينا على نهر من دم فيه رجل قائم ، وعلى وسط النهر رجل بين ~~يديه حجارة ، فأقبل الرجل الذى فى النهر ، فإذا أراد الرجل أن يخرج ، رمى ~~الرجل بحجر فى فيه فرده حيث كان ، فجعل كلما جاء ليخرج رمى فى فيه ms1976 بحجر ، ~~فيرجع كما كان ، فقلت : ما هذا ؟ فقال : الذى رأيته فى النهر آكل الربا ) . ~~أكل الربا من الكبائر ، متوعد عليه بمحاربة الله ورسوله ، وبما ذكره فى ~~الحديث ، وأما شاهداه وكاتبه ، فإنما ذكروا مع آكله ، لأن كل من أعان على ~~معصية الله - تعالى - فهو شريك فى إثمها بقدر سعيه وعمله إذا علمه ، وكان ~~يلزم الكاتب ألا يكتب ما لا يجوز ، PageV06P217 والشاهدين ألا يشهدا على ~~جواز ما حرم الله رسوله إذا علموا ذلك ، فكل واحد منهما له حظه من الإثم ، ~~ألا ترى أن النبى لم يشهد لأبى النعمان بن بشير حين تبين له إيثاره للنعمان ~~وقال : ( لا أشهد على جور ) وقد روى معمر ، عن الزهرى ، عن ابن المسيب ، أن ~~النبى - عليه السلام قال : ( لعن الله آكل الربا وموكله وشاهده وكاتبه ) ~~فسوى بينهم فى الإثم ، ولهذا الحديث ترجم البخارى بهذه الترجمة . ومعنى ~~قوله تعالى : { الذين يأكلون الربا } يعنى فى الدنيا { لا يقومون } فى ~~الآخرة إذا بعثوا من قبورهم إلا مثل قيام المجانين . والمس : الجنون ، وعن ~~مجاهد وقتادة وغيرهم قالوا : يقوم الخلق من قبورهم مسرعين كما قال تعالى : ~~{ يخرجون من الأجداث سراعا } إلا أكلة الربا ، فإن الربا يربو فى بطونهم ، ~~فيقومون ويسقطون ، يريدون الإسراع فلا يقدرون ، فهم بمنزلة المتخبط من ~~الجنون ، وقال ابن جبير : يبعث أحدهم حين يبعث ومعه شيطان يخنقه . والمراد ~~فى هذه الآية بالأكل من أخذ الربا ، أكله أم لم يأكله ، ودخل فى معناه كل ~~ما شابهه فى البيوع والدين وغير ذلك مما بينته السنة ، كقرض جر منفعة وشبهه ~~. PageV06P218 * * * # | 22 - باب موكل الربا لقول الله تعالى : { يا أيها الذين آمنوا اتقوا ~~الله وذروا ما بقى من الربا } إلى { وهم لا يظلمون } [ البقرة : 278 ] # قال ابن عباس : هذه آخر آية نزلت على النبى ، عليه السلام . - 34 - فيه : ~~أبو جحيفة ، رأيت أبى اشترى عبدا حجاما ، فسألته ، فقال : نهى النبى ، عليه ~~السلام ، عن ثمن الكلب ، وثمن الدم ، ونهى عن الواشمة والموشومة ، وآكل ~~الربا وموكله ، ولعن المصور . سوى النبى - عليه السلام - بين آكل الربا ~~وموكله فى ms1977 النهى ، تعظيما لإثمه كما سوى بين الراشى والمرشى فى الإثم ، ~~وموكل الربا هو معطيه ، وآكله هو آخذه ، وأمر الله عباده بتركه والتوبة منه ~~بقوله : { اتقوا الله وذروا ما بقى من الربا إن كنتم مؤمنين فإن لم تفعلوا ~~فأذنوا بحرب من الله } وتوعد تعالى من لم يتب منه بمحاربة الله ورسوله وليس ~~فى جميع المعاصى ما عقوبتها محاربة الله ورسوله غير الربا ، فحق على كل ~~مؤمن أن يجتنبه ، ولا يتعرض لما لا طاقة له به من محاربة الله ورسوله ، ألا ~~ترى فهم عائشة هذا المعنى حيث قالت للمرأة التى قالت لها : بعت من زيد من ~~أرقم جارية إلى العطاء بثمانمائة درهم ، ثم ابتعتها منه بستمائة درهم نقدا ~~، فقالت لها عائشة : بئس ما شريت ، أبلغى زيدا أنه قد أبطل جهاده مع رسول ~~الله إن لم يتب . ولم تقل لها : إنه أبطل صلاته ولا صيامه ولا حجه ، فمعنى ~~ذلك - والله أعلم - أن من جاهد فى سبيل الله فقد حارب عن الله ، ومن فعل ~~ذلك ثم استباح الربا ، فقد استحق محاربة الله ، PageV06P219 ومن أربى فقد ~~أبطل حربه عن الله ، فكانت عقوبته من جنس ذنبه قال المهلب : هذه الأشياء ~~المنهى عنها فى الحديث مختلفة الأحكام ، فمنها على سبيل التنزه مثل : كسب ~~الحجام ، وثمن الكلب ، وهو مكروه غير محروم ، وإنما كره للضعة والسقوط فى ~~بيعه ، ومنها حرام بين مثل الربا ، وإنما اشترى أبو جحيفة العبد الحجام ، ~~ثم قال : نهى النبى عن ثمن الدم ليحجمه ويخلص من إعطاء الحجام أجر حجامته ~~خشية أن يواقع نهى النبى عن ثمن الدم على ما تأوله فى الحديث ، وقد جاء هذا ~~بينا فى باب : ثمن الكلب بعد هذا ، قال عون ابن أبى جحيفة : ( رأيت أبى ~~اشترى حجاما ، فأمر بمحاجمه فكسرت ، فسألته عن ذلك ، فقال : ( إن رسول الله ~~نهى عن ثمن الدم ) وإنما فعل ذلك على سبيل التورع والتنزه ، وسيأتى القول ~~فى كسب الحجام بعد هذا - إن شاء الله . * * * # | 23 - باب { يمحق الله الربا ويربى الصدقات } [ البقرة : 267 ] # / 35 - فيه : أبو هريرة ms1978 ، قال : سمعت النبى ، عليه السلام ، يقول : ( ~~الحلف منفقة للسلعة ممحقة للبركة ) . قال المهلب : سئل بعض العلماء عن معنى ~~قوله تعالى : { يمحق الله الربا ويربى الصدقات } وقيل له : نحن نرى صاحب ~~الربا يربو ماله ، وصاحب الصدقة ربما كان مقلا قال : متى يربى الله ~~PageV06P220 الصدقات ؟ إن الصدقة يجدها صاحبها مثل أحد يوم القيامة ، كذلك ~~صاحب الربا يجد عمله كله ممحوقا إن تصدق منه ، أو وصل رحمه لم يكتب له بذلك ~~حسنة ، وكان عليه إثم الربا بحاله . وقالت طائفة : إن الربا يمحق فى الدنيا ~~والآخرة على عموم اللفظ ، واحتجوا على ذلك بقوله عليه السلام : ( الحلف ~~منفقة للسلعة ، ممحقة للبركة ) فلما كان نفاق السلعة بالحلف الكاذبة فى ~~الدنيا كان ممحقا للبركة فيها فى الدنيا فكذلك محق الربا يكون أيضا فى ~~الدنيا وذكر عبد الرزاق عن معمر قال : سمعنا أنه لا يأتى على صاحب الربا ~~أربعون سنه حتى يمحق . * * * # | 24 - باب ما يكره من الحلف فى البيع # / 36 - فيه : ابن أبى أوفى ، أن رجلا أقام سلعة ، وهو فى السوق ، فحلف ~~بالله لقد أعطى بها ما لم يعط ؛ ليوقع فيها رجلا من المسلمين فنزلت : { إن ~~الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا } الآية [ آل عمران 77 ] . وهو ~~وعيد شديد فى اليمين الغموس ، وذلك قوله تعالى : { أولئك لا خلاق لهم فى ~~الآخرة ولا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب ~~أليم } فجمع الله هذه العقوبات كلها فى هذه اليمين الغموس لما جمعت من ~~المعانى الفاسدة ، وذلك كذبه فى اليمين بالله - تعالى - وهو أجل ما يحلف به ~~، ومنها غروره فى سلعته من يقع فيها من أجل يمينه تلك ، ومنها استحلاله ~~ماله بالباطل ، وهو الثمن القليل الذى لا يدوم له فى الدنيا لتسمية ~~PageV06P221 الله له قليلا عوضا مما كان يلزمه من تعظيم حق الله - تعالى - ~~والوفاء بعهده ، والوقوف عند نهيه وأمره ، فخاب تجره ، وخسرت صفقته . * * * # | 25 - باب ما قيل فى الصواغ # وقال ابن عباس : قال النبى عليه السلام : ( لا يختلى خلاها ) . وقال ~~العباس : إلا الإذخر ms1979 ، فإنه لقينهم وبيوتهم ، فقال : ( إلا الإذخر ) . وقال ~~أيضا : فإنه لصاغتهم . / 37 - فيه : على ، كانت لى شارف من نصيبى من المغنم ~~، وكان الرسول - صلى الله عليه وسلم - أعطانى شارفا من الخمس ، فلما أردت ~~أن أبتنى بفاطمة بنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - واعدت رجلا صواغا من ~~بنى قينقاع أن يرتحل معى ، فنأتى بإذخر أردت أن أبيعه من الصواغين وأستعين ~~به فى وليمة عرسى . فيه أن الصياغة صناعة جائز التكسب منها ، وأن الصياغ ~~إذا كان عدلا لا تضره صناعته ، لأن الرسول قد أقره . قال المهلب : وفيه : ~~جواز بيع الإذخر وسائر المباحات ، والاكتساب منها للرفيع والوضيع . وفيه : ~~الاستعانة بأهل الصناعة فيما ينفق عندهم . وفيه : السعاية على الولائم ~~والتكسب لها من طيب الكسب . وفيه : أن إطعام الوليمة على الناكح . ~~PageV06P222 * * * # | 26 - باب ذكر القين والحداد # / 38 - فيه : خباب ، قال : كنت قينا فى الجاهلية ، وكان لى على العاص ابن ~~وائل دين ، فأتيته أتقاضاه ، قال : لا أعطيك حتى تكفر بمحمد - صلى الله ~~عليه وسلم - ، فقلت : لا أكفر بمحمد حتى يميتك الله ، ثم يبعثك ، قال : ~~دعنى حتى أموت وأبعث ، فسأوتى مالا وولدا فأقضيك ، فنزلت : { أفرأيت الذى ~~كفر بآياتنا وقال لأوتين مالا وولدا } [ مريم 77 ] . وهذا الباب كالذى قبله ~~أن الحداد لا تضره مهنته فى صناعته إذا كان عدلا . وفيه : أن الكلمة من ~~الاستهزاء قد يتكلم بها المرء فيكتب الله له بها سخطه إلى يوم القيامة ، ~~ألا ترى وعيد الله له على الاستهزاء بقوله : { سنكتب ما يقول ونمد له من ~~العذاب مدا ونرثه ما يقول ويأتينا فردا } . يعنى المال والولد بعد إهلاكنا ~~إياه ، ويأتينا فردا أى : نبعثه وحده تكذيبا لظنه ، وكان العاص بن وائل لا ~~يؤمن بالبعث ، فلذلك قال له خباب : والله لا أكفر بمحمد حتى تموت وتبعث ، ~~ولم يرد خباب أنه إذا بعثه الله بعد الموت أن يكفر بمحمد ؛ لأن حينئذ يود ~~الذين كفروا لو كانوا مسلمين ، ويتمنى العاص ابن وائل وغيره أن لو كانوا ~~ترابا ولم يكن كافرا ، وبعد البعث يستوى يقين المكذب مع يقين المؤمن ms1980 ، ~~ويرتفع الكفر وتزول الشكوك ، فكان غرض خباب فى قوله إياس العاص من كفره ، ~~وذكر ابن الكلبى عن جماعة فى الجاهلية أنهم كانوا زنادقة منهم : العاص بن ~~وائل ، وعقبة بن أبى معيط ، والوليد ابن المغيرة ، وأبى بن خلف . ~~PageV06P223 وفيه : جواز الإغلاظ فى اقتضاء الدين لمن خالف الحق ، وظهر منه ~~الظلم والتعدى . قال صاحب العين : القين : الحداد ، والتقين : التزين ~~بألوان الزينة . وقال ابن دريد : أصل القين : الحداد ، ثم صار كل صانع عند ~~العرب قينا ، وجمعه أقيان وقيون ، وقد قان الحديدة قينا : ضربها بالمطرقة ، ~~وقان الشىء قيانة : أصلحه ، وقالت أم أيمن : أنا قينت عائشة لرسول الله : ~~أى زينتها . وقان الله الإنسان على الشىء : جعله عليه قينة ، عن صاحب ~~الأفعال . * * * # | 27 - باب الخياط # / 39 - فيه : أنس ، إن خياطا دعا النبى ، عليه السلام ، لطعام صنعه ، قال ~~أنس بن مالك : فذهبت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى ذلك الطعام ، ~~فقرب إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خبزا ومرقا فيه دباء وقديد ، ~~فرأيت النبى ، عليه السلام ، يتتبع الدباء من حوالى القصعة ، قال : فلم أزل ~~أحب الدباء من يومئذ . قال المهلب : فيه جواز أكل الشريف طعام الخياط ~~والصانع ، وإجابته إلى دعوته . وفيه : مؤاكلة الخدم . وفيه : أن المؤاكل ~~لأهله وخدمه مباح له أن يتبع شهوته PageV06P224 حيث رآها إذا علم أن ذلك لا ~~يكره منه ، وإذا لم يعلم ذلك فلا يأكل إلا مما يليه ، وقد سئل مالك عن هذه ~~المسألة ، فأجاب بهذا الجواب . * * * # | 28 - باب النساج # / 40 - فيه : سهل ، قال : جاءت امرأة ببردة ، قال : أتدرون ما البردة ؟ ~~قيل له : نعم ، هى الشملة منسوج فى حاشيتها ، قالت : يا رسول الله ، إنى ~~نسجت هذه بيدى أكسوكها ، فأخذها رسول الله ، عليه السلام ، محتاجا إليها ، ~~فخرج إلينا وإنها إزاره ، فقال رجل من القوم : يا رسول الله ، اكسنيها ، ~~فقال : ( نعم ) ، فجلس النبى - صلى الله عليه وسلم - فى المجلس ، ثم رجع ~~فطواها ، ثم أرسل بها إليه ، فقال له القوم : ما أحسنت سألتها إياه ، لقد ~~علمت أنه لا يرد سائلا ، فقال الرجل : والله ما ms1981 سألته إلا لتكون كفنى يوم ~~أموت ، قال سهل : فكانت كفنه . قال المهلب : فيه : جواز قبول الهدية من ~~الضعيف إذا كان له مقصدا من التبرك وشبهه . وفيه : الهبة لما يسأله الإنسان ~~من ثوب أو غيره . وفيه : الأثرة على نفسه وإن كانت به حاجة إلى ذلك الشىء . ~~وفيه : التبرك بثوب الإمام والعالم ، رجاء النفع به فى استشعاره كفنا وشبه ~~ذلك . PageV06P225 * * * # | 29 - باب النجار # / 41 - فيه : سهل ، سأله رجل عن المنبر ، فقال : بعث النبى ، عليه السلام ~~، إلى فلانة ، أن مرى غلامك النجار يعمل لى أعوادا أجلس عليهن إذا كلمت ~~الناس ، فأمرته يعملها من طرفاء الغابة ، ثم جاء بها ، فأرسلت إلى رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - بها ، فأمر بها فوضعت ، فجلس عليها . / 42 - ~~وقال جابر : أن امرأة من الأنصار قالت لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ~~يا رسول الله ، ألا أجعل لك شيئا تقعد عليه ، فإن لى غلاما نجارا ، قال : ( ~~إن شئت ) ، قال : فعملت له المنبر ، فلما كان يوم الجمعة قعد النبى - صلى ~~الله عليه وسلم - على المنبر الذى صنع ، فصاحت النخلة التى كان يخطب عندها ~~حتى كادت تنشق ، فنزل ، عليه السلام ، حتى أخذها فضمها إليه ، فجعلت تئن ~~أنين الصبى الذى يسكت حتى استقرت ، قال : ( بكت على ما كانت تسمع من الذكر ~~) . قال المهلب : هذان الحديثان متعارضان فى الظاهر ، وإنما يصح المعنى ~~فيهما أن تكون المرأة هى ابتدأت النبى بسؤال ذلك ، ثم أضرب عليه السلام عنه ~~حتى رآه من الصواب ، فبعث إليها فيما كانت تبرعت به . وفيه : المطالبة ~~بالوعد ، والاستنجاز فيه . وفيه : تكليف العبد ما يفعله العبد ، ولا يسأل ~~عن طيب نفس العبد بما عمل . وفيه : كلام ما لا يعرف له كلام من الجمادات ~~وشبهها إذا أتانا ذلك PageV06P226 من طريق النبوة ، وكانت هذه آية معجزة ~~أراد الله أن يريها عبادة ليزدادوا إيمانا ، وما جرى على مجرى الإعجاز فهو ~~خرق للعادة ، وأما بيننا ، فلا يجوز كلام الجمادات بيننا . * * * # | 30 - باب شراء الحوائج بنفسه # وقال ابن عمر : اشترى النبى ، عليه السلام ، جملا من عمر ، واشترى ms1982 ابن ~~عمر بنفسه وقال عبدالرحمن بن أبى بكر : جاء مشرك بغنم فاشترى النبى ، عليه ~~السلام ، منه شاة واشترى من جابر بعيرا . / 43 - فيه : عائشة ، اشترى النبى ~~، عليه السلام ، من يهودى طعاما نسيئة ، ورهنه درعه . فيه من الفقه : ~~مباشرة الشريف والإمام والعالم شراء الحوائج بنفسه وإن كان له من يكفيه ؛ ~~إيثارا للتواضع ، و خروجا عن أحوال المتكبرين ؛ لأنه لا يشك أحد أن جميع ~~المؤمنين كانوا حراصا على كفاية النبى - عليه السلام - ما يعن له من أموره ~~، وما يحتاج إلى التصرف فيه ؛ رغبة منهم فى دعوة منه ، وتبركا بذلك . * * * # | 31 - باب شراء الدواب والحمر ، وإذا اشترى دابة أو جملا وهو عليه ، هل ~~يكون ذلك قبضا قبل أن ينزل # قال النبى عليه السلام لعمر : ( بعنيه ) ، يعنى جملا صعبا . PageV06P227 ~~/ 44 - فيه : جابر ، كنت مع النبى عليه السلام فى غزاة ، فأبطأ بى جملى ~~وأعيا ، فأتى على النبى ، عليه السلام ، فقال : ( يا جابر ) ؟ فقلت : نعم ، ~~وقال : ( ما شأنك ) ؟ قلت : أبطأ على جملى وأعيا ، فتخلفت ، فنزل يحجنه ~~بمحجنه ، ثم قال : ( اركب ) ، فركبت ، فلقد رأيته أكفه عن رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - ، قال : ( أتبيع جملك ) ؟ قلت : نعم ، فاشتراه منى بأوقية ~~، ثم قدم النبى ، عليه السلام ، قبلى وقدمت بالغداة ، فجئنا إلى المسجد ~~فوجدته على باب المسجد ، قال : ( الآن قدمت ) ؟ قلت : نعم ، قال : ( فدع ~~جملك ، فادخل فصل ركعتين ) ، فدخلت فصليت ، فأمر بلالا أن يزن له أوقية ، ~~فوزن لى بلال ، فأرجح لى فى الميزان ، فانطلقت حتى وليت ، فقال : ( ادع لى ~~جابرا ) ، قلت : الآن يرد على الجمل ، ولم يكن شىء أبغض إلى منه ، قال : ( ~~خذ جملك ولك ثمنه ) . اختلف أهل العلم فى البيع ، هل القبض شرط فى صحته أم ~~لا ؟ فذهب مالك وأحمد وإسحاق إلى أن البيع يتم بالقول ، وليس القبض شرطا فى ~~صحته ، غير الصرف وبيع الطعام بالطعام ، وسيأتى فى موضعه - إن شاء الله . ~~وقال أبو حنيفة والشافعى : من تمام العقد القبض ، فإن تلف قبل قبض المبتاع ~~فمن مال البائع ، وسيأتى حكم تلفه قبل القبض فى موضعه - إن شاء الله ms1983 . قال ~~ابن المنذر : قد وهب رسول الله الجمل لجابر قبل أن يقبضه ، فإذا جاز أن يهب ~~المشترى الشىء المشترى للبائع قبل أن يقبضه ؛ جاز أن يهبه لغير البائع ، ~~وجاز بيعه ، وأن يفعل فيما اشتراه ما يفعله المالك فيما ملك ، وليس مع من ~~خالف هذا سنة يدفع بها هذه السنة الثابتة . PageV06P228 وأما قوله : ( فوزن ~~لى بلال فأرجح ) فذهب مالك والكوفيون والشافعى إلى أن الزيادة فى المبيع من ~~البائع والمشترى ، والحط من الثمن يجوز سواء قبض الثمن أم لا على حديث جابر ~~، وهى عندهم هبة مستأنفة . وقال ابن القاسم : الزيادة هبة ، فإن وجد ~~بالمبيع عيبا رجع بالثمن فى الهبة . وقال أبو حنيفة : إن كانت الزيادة ~~فاسدة لحقت بالعقد وأفسدته . وخالفه أبو يوسف ومحمد . وقال الطحاوى : لا ~~تجوز الزيادة فى البيع ، وترك أصحابنا فيه القياس ، وصاروا إلى حديث جابر . ~~وسأزيد فى بيان هذه المسألة فى كتاب الاستقراض وأداء الديون فى باب استقراض ~~الإبل - إن شاء الله . إلا أنهم اختلفوا فى أحكام الهبة ، فعند مالك أنها ~~تجوز وإن لم تقبض ، وعند الكوفيين والشافعى لا تجوز حتى تقبض ، وهى عندهم ~~هبة ، وستأتى أحكام الهبة فى موضعها - إن شاء الله . وقوله : ( فنزل يحجنه ~~بمحجنه ) ، قال صاحب العين : المحجن : عصا فيها عقافة ، والحجن والحجنة : ~~الاعوجاج ، ويحجنه بها : يصرفه ، يقال : حجنته عن الشىء : صرفته ومنعته . ~~PageV06P229 * * * # | 32 - باب الأسواق التى كانت فى الجاهلية فتبايع بها الناس فى الإسلام # / 45 - فيه : ابن عباس ، كانت عكاظ ومجنة وذو المجاز أسواقا فى الجاهلية ~~، فلما كان الإسلام تأثموا من التجارة فيها ، فأنزل الله : { ليس عليكم ~~جناح } [ البقرة : 198 ] فى مواسم الحج ، قرأ ابن عباس كذا . فقه هذا الباب ~~: أن الناس تجروا قبل الإسلام وبعده ، وأن التجارة فى الحج وغيره جائزة ، ~~وأن ذلك لا يحط أجر الحج إذا أقام الحج على وجهه ، وأتى بجميع مناسكه ؛ لأن ~~الله - تعالى - قد أباح لنا الابتغاء من فضله . وفيه : أن مواضع المعاصى و ~~أفعال الجاهلية لا يمنع من فعل الطاعة فيها ، بل يستحب توخيها وقصدها ~~بالطاعة وبما يرضى ms1984 الله - تعالى - ألا ترى أن النبى أباح دخول حجر ثمود لمن ~~دخله متعظا باكيا خائفا من نقمة الله ونزول سطوته لمن عصاه . * * * # | 33 - باب شراء الإبل الهيم أو الأجرب # الهائم المخالف للقصد فى كل شىء قال عمرو : كان هاهنا رجل اسمه نواس ، ~~وكانت عنده إبل هيم ، فذهب ابن عمر فاشترى تلك الإبل من شريك له ، فجاء ~~إليه شريكه ، فقال : بعنا تلك الإبل ، فقال : ممن بعتها ، قال : من شيخ كذا ~~وكذا ، فقال : ويحك ذاك والله ابن عمر فجاءه ، فقال : إن شريكى باعك إبلا ~~هيما ، ولم يعرفك ، PageV06P230 قال : فاستقها ، قال : فلما ذهب يستاقها ، ~~قال : دعها رضينا بقضاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا عدوى . فيه من ~~الفقه : أنه يجوز شراء الشىء المعيب وبيعه إذا كان البائع قد عرف المبتاع ~~بالعيب فرضيه ، وليس ذلك من الغش إذا بين له ، وأما ابن عمر فرضى بالعيب ~~والتزمه ، فصحت الصفقة فيه . وقال صاحب العين : الهيام كالمجنون ، ويقال ~~الهيوم : أن يذهب على وجهه ، والهيمان : العطشان . * * * # | 34 - باب بيع السلاح فى الفتنة وغيرها # وكره عمران بن حصين بيعه فى الفتنة / 46 - فيه : أبو قتادة ، خرجنا مع ~~النبى ، عليه السلام ، عام حنين ، [ فأعطاه ، يعنى درعا ] ، فبعت الدرع ، ~~فابتعت به مخرفا فى بنى سلمة ، فإنه لأول مال تأثلته فى الإسلام . إنما كره ~~بيع السلاح من المسلمين فى الفتنة ؛ لأنه من باب التعاون على الإثم ~~والعدوان ، وذلك مكروه منهى عنه ، ومن هذا الباب منع مالك بيع العنب ممن ~~يعصره خمرا ، وذهب إلى فسخ البيع فيه ، وكره الشافعى ، وأجازه إذا وقع ؛ ~~لأنه باع حلالا بحلال ، وقال الثورى : لا يكره شىء منه ، وقال : بع حلالك ~~ممن شئت . أما بيعه فى غير الفتنة من المسلمين فمباح ، وداخل فى عموم قوله ~~تعالى : { وأحل الله البيع } . PageV06P231 # | 35 - باب فى العطار وبيع المسك # / 47 - فيه : أبو موسى ، قال النبى ، عليه السلام : ( مثل الجليس الصالح ~~والجليس السوء ، كمثل صاحب المسك وكير الحداد ، لا يعدمك من صاحب المسك إما ~~تشتريه أو تجد ريحه ، وكير الحداد يحرق بدنك أو ms1985 ثوبك أو تجد منه ريحا خبيثة ~~) . وقد تقدم فى كتاب الذبائح اختلاف العلماء فيمن كره المسك ومن استحبه ، ~~وهذا الحديث حجة فى جوازه ؛ لأن النبى ضرب مثل الجليس الصالح بصاحب المسك ، ~~وقال : لا تعدم منه أن تشتريه أو تجد ريحه . فأخبر عليه السلام بعادة الناس ~~فى شرائه ، ورغبتهم فى شمه ، ولو لم يجز شراؤه لبين ذلك عليه السلام ، وقد ~~حرم الله بيع الأنجاس ، واستعمال روائح المنتة فلا معنى لقول من كرهه ، ~~وإنما خرج كلامه عليه السلام فى هذا الحديث على المثل فى النهى عن مجالسة ~~من يتأذى بمجالسته ، كالمغتاب والخائض فى الباطل ، والندب إلى مجالسة من ~~ينال فى مجالسته الخير من ذكر الله - تعالى - وتعلم العلم وأفعال البر كلها ~~، وقد روى عن إبراهيم الخليل أنه كان عطارا . * * * # | 36 - باب ذكر الحجام # / 48 - فيه : أنس ، قال : حجم أبو طيبة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~، فأمر له بصاع من تمر وأمر أهله أن يخففوا من خراجه . / 49 - وقال ابن ~~عباس : احتجم النبى ، عليه السلام ، وأعطى الذى حجمه ، ولو كان حراما لم ~~يعطه . PageV06P232 فى هذا الباب بيان أن أجر الحجام حلال كما تأوله ابن ~~عباس ، وفيه دليل أنه لا وجه لكراهة أبى حنيفة لأجر الحجام ، واستدلاله على ~~ذلك بنهيه عليه السلام عن ثمن الدم ، وهذا النهى عن العلماء ليس كنهيه عن ~~ثمن الخمر والميتة ، وليس من كسب الحجام فى شىء ، بدليل حديث أنس وابن عباس ~~ولو أراد عليه السلام بنهيه عن ثمن الدم النهى عن كسب الحجام لكان منسوخا ~~بحديث أنس وابن عباس ، أو يكون نهيه عنه على سبيل التنزه ، لأن قريشا فى ~~الجاهلية كانت تتكرم عن كسب الحجام ، وهو كنهيه عن عسب الفحل وهو خسة وضعة ~~، فأراد عليه السلام أن يرفع أمته عن الصناعات الوضيعة ، وسيأتى فى كتاب ~~الإجازات مذاهب العلماء فى كسب الحجام . * * * # | 37 - باب التجارة فيما يكره لبسه للرجال والنساء # / 50 - فيه : ابن عمر ، أرسلنى النبى - صلى الله عليه وسلم - إلى عمر ~~بحلة حرير ، أو سيراء فرآها عليه ، فقال ms1986 : ( إنى لم أرسل بها إليك لتلبسها ~~، إنما يلبسها من لا خلاق له إنما بعثت إليك لتستمتع بها ) ، يعنى تبيعها . ~~/ 51 - وفيه : عائشة ، أنها أخبرته أنها اشترت نمرقة فيها تصاوير ، فلما ~~رآها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قام على الباب فلم يدخله ، فعرفت فى ~~وجهه الكراهية ، فقلت : يا رسول الله ، أتوب إلى الله ، وإلى رسوله - صلى ~~الله عليه وسلم - ، ماذا أذنبت ؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ~~( ما بال هذه النمرقة ) ؟ قلت : اشتريتها لك لتقعد عليها وتوسدها ، فقال ~~PageV06P233 رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( إن أصحاب هذه الصور يوم ~~القيامة يعذبون ، فيقال لهم : أحيوا ما خلقتم ) ، وقال : ( إن البيت الذى ~~فيه الصور لا تدخله الملائكة ) . التجارة فيما يكره لبسه جائزة إذا كان فى ~~المبيع منفعة لغير اللباس وأما إذا لم يكن فيه منفعة لشىء من المنافع فلا ~~يجوز بيعه ولا شراؤه ؛ لأن أكل ثمنه من أكل المال بالباطل ، وأما بيع ~~الثياب التى فيها الصور المكروهة ، فظاهر حديث عائشة يدل بأن بيعها لا يجوز ~~، لكن قد جاءت آثار مرفوعة عن النبى تدل على جواز بيع ما يوطأ و يمتهن من ~~الثياب التى فيها الصور ، روى وكيع عن أسامة بن زيد ، عن عبد الرحمن بن ~~القاسم ، عن أبيه ، عن عائشة قالت : ( سترت سهوة لى بستر فيه تصاوير ، فلما ~~قدم النبى - عليه السلام - هتكه ، فجعلته مسندتين فرأيت النبى - عليه ~~السلام - متكئا على إحداهما ) وإذا تعارضت الأخبار فالأصل الإباحة حتى يرد ~~الحظر ، ويحتمل أن يكون معنى حديث عائشة فى النمرقة لو لم يعارضه غيره ~~محمولا على الكراهية دون التحريم ، بدليل أن النبى - عليه السلام - لم يفسخ ~~البيع فى النمرقة التى اشترتها عائشة - والله أعلم . قال صاحب العين : ~~السيراء : برود يخالطها حرير . PageV06P234 * * * # | 38 - باب صاحب السلعة أحق بالسوم # / 52 - فيه : أنس ، قال النبى ، عليه السلام : ( يا بنى النجار ثامنونى ~~بحائطكم ) ، وفيه خرب ونخل . لا خلاف بين الأمة أن صاحب السلعة أحق الناس ~~بالسوم فى سلعته ، وأولى بطلب الثمن فيها ، ولا يجوز ذلك إلا له ms1987 أو لمن ~~وكله على البيع . * * * # | 39 - باب كم يجوز الخيار # / 54 - فيه : ابن عمر ، قال النبى ، عليه السلام : ( إن المتبايعين ~~بالخيار فى بيعهما ما لم يتفرقا ، أو يكون البيع خيارا ) . وكان ابن عمر ~~إذا اشترى شيئا يعجبه فارق صاحبه . / 54 - وفيه : حكيم بن حزام ، قال النبى ~~عليه السلام : ( البيعان بالخيار ما لم يفترقا ) . اختلف الفقهاء فى أمد ~~الخيار ، فقالت طائفة : البيع جائز والشرط لازم إلى الأمد الذى اشترط إليه ~~الخيار ، هذا قول ابن أبى ليلى والحسن بن صالح وأبى يوسف ومحمد وأحمد ~~وإسحاق وأبى ثور ، عن ابن المنذر . وقال مالك : يجوز شرط الخيار فى بيع ~~الثوب اليوم واليومين ، والجارية الخمسة أيام والجمعة ، و فى الدابة تركب ~~اليوم وشبهه ، ويسار عليها البريد ونحوه ، وفى الدار الشهر لتختبر ويستشار ~~PageV06P235 فيها ، وما بعد من أجل الخيار فلا خير فيه ، لأنه غرر ولا فرق ~~بين شرط الخيار للبائع والمشترى . وقال الثورى : يجوز شرط الخيار للمشترى ~~عشرة أيام وأكثر ، ولا يجوز شرطه للبائع . وقال الأوزاعى : يجوز أن يشترط ~~الخيار شهرا وأكثر . وقال أبو حنيفة وزفر والشافعى : الخيار فى البيع ثلاثة ~~أيام ، ولا تجوز الزيادة عليها ، فإن زاد فسد البيع ، واحتجوا بأن حبان ابن ~~منقذ كان يخدع فى البيوع ، فقال له النبى - عليه السلام - : ( قل : لا ~~خلابة ) وجعل له الخيار ثلاثا فيما ابتاع ، وفى حديث المصراة إثبات الخيار ~~ثلاثا ، قالوا : ولولا الحديث فى الثلاثة الأيام ما جاز الخيار ساعة واحدة ~~. وحجة أهل المقالة الأولى ظاهر قوله عليه السلام : ( المتبايعان بالخيار ~~ما لم يفترقا إلا بيع الخيار ) فبان بهذا أن الخيار على الإطلاق دون توقيت ~~مدة ، ولم يخص من بيع الخيار بشرط الثلاث أو أكثر ، فهو على ما اشترطاه ، ~~وقد قال عليه السلام : ( المسلمون عند شروطهم ) . والحجة لقول مالك أن ~~العبد و الجارية لا يعرف أخلاقهما ولا ما هما عليه من الطبائع فى مدة ~~الثلاث ، لأنهما يتكلفان ما ليس من طبعهما فى مدة يسيرة ، ثم يعودان بعد ~~ذلك إلى الطبع ، فوجب أن يكون الخيار مدة يختبران فى ms1988 مثلها ، ليكون المبتاع ~~داخلا على PageV06P236 بصيرة ، ومما يدل على صحة هذا أن أجل العنين سنة ، ~~لأن حاله يختبر فيها ، فكذلك ينبغى أن يكون كل خيار على حسب تعرف حال ~~المختبر ، ويقال لأبى حنيفة والشافعى : إن خيار الثلاث فى حديث حبان من ~~رواية ابن إسحاق عن نافع عن ابن عمر ، وليس فى رواية الثقات الحفاظ ، وأما ~~حديث المصراة فهو حجة لنا ، لأن المصراة لما كان لا يختبر أمرها فى أقل من ~~ثلاث ، جعل فيها هذا المقدار الذى يختبر فى مثله ، فوجب أن يكون الخيار فى ~~كل مبيع على قدر المدة التى يختبر فى مثلها . قال الطحاوى : وأما تفريق ~~الثورى بين البائع والمشترى فى جواز الخيار إذا شرط المشترى ، وإبطاله ~~للبائع ، فلم يقل به أحد من أهل العلم . * * * # | 40 - باب إذا لم يوقت فى الخيار هل يجوز البيع # / 55 - فيه : ابن عمر ، أن النبى عليه السلام قال : ( البيعان بالخيار ما ~~لم يتفرقا ، أو يقول أحدهما لصاحبه اختر ، وربما قال : أو يكون بيع خيار ) ~~. اختلف العلماء إذا اشترط فى الخيار مدة غير معلومة ، فقالت طائفة : البيع ~~جائز والشرط باطل . هذا قول ابن أبى ليلى والأوزاعى ، واحتجا بحديث بريدة . ~~وقالت طائفة : البيع جائز والشرط لازم ، وللذى شرط الخيار أبدا وهذا قول ~~أحمد وإسحاق . PageV06P237 وقال مالك : البيع جائز ، ويجعل له من الخيار ~~مثل ما يكون له فى تلك السلعة . وقال أبو يوسف ومحمد : له أن يختار بعد ~~الثلاث . وقال أبو حنيفة والثورى والشافعى : إذا شرط الخيار بغير مدة ~~معلومة فالبيع فاسد ، فإن أجازه فى الثلاث جاز ، وإن مضت الثلاث لم يكن له ~~أن يجيزه . وظاهر هذا الحديث يرد هذا القول ، ويدل أن الخيار يجوز اشتراطه ~~بغير توقيت ، لأن النبى - عليه السلام لما قال : ( البيعان بالخيار ما لم ~~يفترقا أو يقول أحدهما لصاحبه : اختر ) لم يذكر أمد الخيار فى ذلك ، وسوى ~~عليه السلام بين تمام البيع بعد التفرق وبعد الأخذ بالخيار إذا شرطاه دون ~~ذكر توقيت مدة ، فلا معنى لقول من خالفه . * * * # | 41 - باب البيعان بالخيار ms1989 ما لم يتفرقا # وبه قال ابن عمر وشريح والشعبى وطاوس وعطاء وابن أبى مليكة . / 56 - فيه ~~: حكيم ، قال النبى ، عليه السلام : ( البيعان بالخيار ما لم يتفرقا ، فإن ~~صدقا وبينا بورك لهما فى بيعهما ، وإن كذبا وكتما محقت بركة بيعهما ) . / ~~57 - وفيه : ابن عمر ، قال النبى ، عليه السلام : ( المتبايعان كل واحد ~~منهما بالخيار على صاحبه ما لم يتفرقا إلا بيع الخيار ) . وترجم لهما ( باب ~~إذا كان البائع بالخيار هل يجوز البيع ) . PageV06P238 اختلف العلماء فى ~~معنى التفرق المذكور فى هذا الحديث ، فذهبت طائفة إلى أن المراد به التفرق ~~بالأبدان ، وأن المتبايعين إذا عقدا بيعهما ، فكل واحد منهما بالخيار فى ~~إتمامه وفسخه ما داما فى مجلسهما لم يفترقا بأبدانهما . روى هذا القول عن ~~ابن عمر و أبى برزة الأسلمى وجماعة من التابعين ، ذكرهم البخارى وقد روى عن ~~سعيد بن المسيب والزهرى ، وبه قال الليث وابن أبى ذئب والثورى والأوزاعى و ~~أبو يوسف والشافعى وأحمد وإسحاق وأبو ثور . وذهبت طائفة إلى أن البيع يتم ~~بالقول دون الافتراق بالأبدان ، ومعنى قوله عليه السلام : ( البيعان ~~بالخيار ما لم يفترقا ) أن البائع إذا قال له : قد بعتك ، فله أن يرجع ما ~~لم يقل المشترى : قد قبلت . والمتبايعان هما المتساومان . روى هذا القول عن ~~النخعى ، وهو قول ربيعة ومالك وأبى حنيفة ومحمد . واحتج من جعل التفرق ~~بالأبدان بأن ابن عمر راوى الحديث ، وهو أعلم بمخرجه ، وقد روى عنه أنه ~~بايع عثمان بن عفان قال : فرجعت على عقبى كراهة أن يرادنى البيع . قالوا : ~~فالتفرق عند ابن عمر بالبدن لا باللفظ . وقالوا : إن من جعل المتبايعين فى ~~هذا الحديث المتساومين لا وجه له ؛ لأنه معقول أن كل واحد فى سلعته بالخيار ~~قبل السوم ، وما دام متساوما حتى يمضى البيع ويعقده ، وكذلك المشترى ~~بالخيار قبل الشراء وفى حال المساومة ، PageV06P239 وإذا كان هذا كذلك بطلت ~~فائدة الخبر ، وقد جل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن أن يخبر بما لا ~~فائدة فيه . واحتج عليهم من جعل التفرق بالقول فقال : أما قولكم أن ms1990 من جعل ~~المتبايعين المتساومين لا وجه له ؛ لأنه لا يكون فى الكلام فائدة ، فالجواب ~~عن ذلك أن فائدته صحيحة ، وذلك أن المتبايعين لا يبعد أن يختلفا قبل ~~الافتراق بالأبدان ، فلو كان كل واحد منهما بالخيار لم يجب على البائع ثمن ~~ولا ترد ؛ لأن التراد إنما يكون فيما تم من البيوع . قال الطحاوى : ومن لم ~~يسم المتساومين متبايعين فقد أغفل سعة اللغة ؛ لأنه يحتمل أن يتسميا ~~متبايعين لقربهما من التبايع وإن لم يتبايعا ، كما سمى إسحاق ذبيحا لقربه ~~من الذبح وإن لم يكن ذبح ، وقد سمى النبى - عليه السلام - المتساومين ~~متبايعين ، فقال عليه السلام : ( لا يسوم الرجل على سوم أخيه ) و قال : ( ~~لا يبع الرجل على بيع أخيه ) ومعناهما واحد ، و وهو اللازم لهم ، والتفرق ~~فى لسان العرب بالكلام معروف كعقد النكاح ، وكوقوع الطلاق الذى سماه الله ~~فراقا ، قال تعالى : { وإن يتفرقا يغن الله كلا من سعته } وأجمعت الأمة أن ~~التفرق فى هذه الآية أن يقول لها : أنت طالق . وقال عليه السلام : ( تفترق ~~أمتى ) ولم يرد التفرق بالأبدان . وأجمعوا أن رجلا لو اشترى قرصا أو [ . . ~~. . . ] ماء ، فأكل PageV06P240 القرص أو شرب الماء قبل التفرق ؛ لكان ذلك ~~له جائزا ، وكان قد أكل ماله ، وسيأتى عند ذكر مبايعة ابن عمر لعثمان بعد ~~هذا - إن شاء الله - فبان مذهب ابن عمر ، وأنه حجة لم قال التفرق بالكلام . ~~قال ابن المنذر : وإثبات النبى الخيار للمتبايعين ما لم يفترقا إنما هو على ~~ما سوى بيع الخيار لقوله عليه السلام : ( المتبايعان كل واحد منهما على ~~صاحبه بالخيار ما لم يفترقا إلا بيع الخيار ) . فاستثنى بيع الخيار فيما قد ~~تم فيه البيع بالتفرق ، وبقى الخيار فى بيع الخيار بعد التفرق حتى يتم أمد ~~الخيار ، فيختار البيع أو يرد . * * * # | 42 - باب إذا خير أحدهما صاحبه بعد البيع فقد وجب البيع # / 58 - فيه : ابن عمر ، قال النبى ، عليه السلام : ( إذا تبايع الرجلان ~~فكل واحد منهما بالخيار ما لم يتفرقا ، وكانا جميعا أو يخير أحدهما الآخر ~~فتبايعا على ذلك ، فقد وجب البيع ms1991 ، وإن تفرقا بعد أن يتبايعا ولم يترك واحد ~~منهما البيع فقد وجب البيع ) . ذهب أكثر العلماء الذين يرون الافتراق ~~بالأبدان إلى أنه إذا خير أحدهما صاحبه بعد البيع ، فاختار إمضاء البيع فقد ~~تم البيع وإن لم يفترقا بالأبدان ، إلا أحمد بن حنبل ، فإنه قال : هما ~~بالخيار حتى يفترقا ، خيرا أحدهما صاحبه أو لم يخيره . وأما الذين يجيزون ~~البيع بالكلام دون افتراق الأبدان ، فهو عندهم بيع جائز ، قال : اختر أو لم ~~يقله ، فتحصل من ذلك اتفاق الجميع غير أحمد بن حنبل وحده ، وقوله خلاف ~~الحديث ، فلا معنى له . PageV06P241 * * * # | 43 - باب إذا اشترى شيئا فوهب من ساعته قبل التفرق ولم ينكر البائع على ~~المشترى أو اشترى عبدا فأعتقه # وقال طاوس ، فيمن يشترى السلعة على الرضا ثم باعها : وجبت له ، والربح له ~~. / 59 - فيه : ابن عمر ، كنت مع النبى - صلى الله عليه وسلم - فى سفر ، ~~فكنت على بكر صعب لعمر ، فكان يغلبنى فيتقدم أمام القوم ، فيزجره عمر ، ~~ويرده ، ثم يتقدم فيزجره عمر ويرده ، فقال النبى عليه السلام لعمر : ( ~~بعنيه ) ، قال : هو لك يا رسول الله ، قال : ( بعنيه ) ، فباعه من رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - ، وقال الرسول - صلى الله عليه وسلم - : ( هو ~~لك يا عبدالله بن عمر تصنع به ما شئت ) . / 60 - وفيه : ابن عمر ، قال : ~~بعت من أمير المؤمنين عثمان مالا بالوادى بمال له بخيبر ، فلما تبايعنا ، ~~رجعت على عقبى حتى خرجت من بيته خشية أن يرادنى البيع ، وكانت السنة أن ~~المتبايعين بالخيار حتى يتفرقا ، قال عبدالله : فلما وجب بيعى وبيعه رأيت ~~أنى قد غبنته بأن سقته إلى أرض ثمود بثلاث ليال ، وساقنى إلى المدينة بثلاث ~~ليال . هذا الباب حجة لمن يقول الافتراق بالكلام فى قوله عليه السلام : ( ~~البيعان بالخيار ما لم يفترقا ) ، وحديث ابن عمر بين فى ذلك ، ألا ترى أن ~~النبى وهب الجمل من ساعته لابن عمر قبل التفرق من عمر ، ولو لم يكن الجمل ~~للنبى لما جاز له أن يهبه لابن عمر حتى يحب له بافتراق الأبدان ، وأما حديث ms1992 ~~ابن عمر فى مبايعته لعثمان ، فقد احتج به من قال : إن PageV06P242 الافتراق ~~بالأبدان ، واحتج به من قال : إن الافتراق بالكلام ، وكان من حجة الذين ~~جعلوا الافتراق بالكلام أن قالوا : لو كان معنى الحديث التفرق بالأبدان ، ~~لكان المراد به الحض والندب إلى حسن المعاملة من المسلم للمسلم ، وألا ~~يفترسه فى البيع على استخباره عن الداء والغائلة ، وقد قال عليه السلام : ( ~~من أقال نادما أقال الله عثرته يوم القيامة ) من حديث أبى هريرة ، ألا ترى ~~قول ابن عمر : وكانت السنة أن المتبايعين بالخيار ما لم يفترقا فحكى ابن ~~عمر أن الناس كانوا يلتزمون حينئذ الندب ؛ لأنه كان زمن مكارمة ، وأن الوقت ~~الذى حدث ابن عمر هذا الحديث كان التفرق بالأبدان متروكا ، ولو كان التفرق ~~بالأبدان على الوجوب ما قال ابن عمر : وكانت السنة بل كان يقول : وكانت ~~السنة ، ويكون أبدا فلذلك جاز أن يرجع على عقبيه ؛ لأنه فهم أن المراد ~~بالحديث الحض والندب ، لا سيما وهو الذى حضر فعل النبى فى هبته البكر له ~~بحضرة البائع قبل التفرق . وقال الطحاوى : يحتمل قول ابن عمر الوجهين جميعا ~~، فنظرنا فى ذلك فروينا عنه ما يدل أن رأيه كان فى الفرقة بخلاف ما ذهب ~~إليه من قال : إن البيع لا يتم إلا بها ، وهو ما حدثنا سليمان بن شعيب ، ~~حدثنا بشر بن بكر ، حدثنا الأوزاعى ، حدثنى الزهرى ، عن حمزة ابن عبد الله ~~، أن ابن عمر قال : ما أدركت الصفقة حيا فهو من مال المبتاع . قال ابن ~~المنذر : يعنى فى السلعة تتلف عند البائع قبل أن يقبضها المشترى بعد تمام ~~البيع . قال ابن المنذر : هى من مال المشترى ؛ لأنه لو كان عبدا فأعتقه ~~المشترى كان عقته جائزا ولو أعتقه البائع لم يجز عتقه . PageV06P243 قال ~~الطحاوى : فهذا ابن عمر قد كان يذهب فيما أدركت الصفقة حيا فهلك بعدها ، ~~أنه من مال المشترى ، فدل ذلك أنه كان يرى أن البيع يتم بالأقوال قبل ~~الفرقة التى تكون بعد ذلك ، وأن المبيع ينتقل بالأقوال من ملك البائع إلى ~~ملك المبتاع ms1993 حتى يهلك من ماله إن هلك ، وهذا من ابن عمر دال على مذهبه فى ~~الفرقة التى سمعها من النبى - عليه السلام - فيما ذكروا ، وقد وجدنا عن ~~رسول الله ما يدل على أن المبيع يملكه المشترى بالقول دون التفرق بالأبدان ~~، وذلك أن النبى قال : ( من ابتاع طعاما ، فلا يبعه حتى يقبضه ) فكان ذلك ~~دليلا على أنه إذا قبضه حل له بيعه ، ويكون قابضا له قبل افتراق بدنه من ~~بدن بائعه ، وروى عن سعيد بن المسيب قال : سمعت عثمان يخطب على المنبر ~~ويقول : ( كنت أشترى التمر فأبيعه بربح الآصع فقال لى رسول الله : إذا ~~اشتريت فاكتل ، وإذا بعت فكل ) ، فكان من ابتاع طعاما مكايلة فباعه قبل أن ~~يكتاله لا يجوز بيعه ، فإذا ابتاعه فاكتاله وقبضه ، ثم فارق بائعه فكل قد ~~أجمع أنه لا يحتاج بعد الفرقة إلى إعادة الكيل ، وخولف بين اكتياله إياه ~~بعد البيع قبل التفرق وبين اكتياله إياه قبل البيع ، فدل ذلك أنه إذا ~~اكتاله اكتيالا يحل له به بيعه ، فقد كان ذلك الاكتيال له وهو له مالك ، ~~وإن اكتاله اكتيالا لا يحل به بيعه ، فقد كاله وهو غير مالك له ، فثبت بما ~~ذكرنا وقوع ملك المشترى فى المبيع بابتياعه إياه قبل فرقة تكون بعد ذلك ، ~~فهذا وجه من طريق الآثار . PageV06P244 وأما من طريق النظر فرأينا الأموال ~~تملك بعقود فى أبدان ، وفى أموال ، وفى أبضاع ، وفى منافع ، فكان ما يملك ~~من الأبضاع هو النكاح ، فكان يتم بعقده لا بفرقة بعد العقد ، وكان ما يملك ~~به المنافع هو الإجارات ، فكان ذلك أيضا مملوكا بالعقد لا بفرقة بعد العقد ~~، فالنظر على ذلك أن تكون كذلك الأموال المملوكة بسائر العقود من البيوع ~~وغيرها ، تكون مملوكة بالأقوال لا بفرقة بعدها قياسا ونظرا . وفى حديث ابن ~~عمر جواز بيع الشىء الغائب على الصفة ، وسيأتى ذلك بعد هذا - إن شاء الله . ~~وأجمع العلماء أن البائع إذا لم ينكر على المشترى ما أحدثه من الهبة أو ~~العتق أنه بيع جائز ، واختلفوا إذا أنكر ولم يرض بما أحدثه ms1994 المشترى ، ~~فالذين يرون أن البيع يتم بالكلام يجيزون هبته وعتقه ، ومن يرى التفرق ~~بالأبدان لا يجيز شيئا من ذلك إلا بعد التفرق ، وحديث عمر حجة عليهم - ~~والله الموفق . * * * # | 44 - باب ما يكره من الخداع فى البيع # / 61 - فيه : ابن عمر ، أن رجلا ذكر للنبى - صلى الله عليه وسلم - أنه ~~يخدع فى البيوع ، فقال : ( إذا بايعت فقل : لا خلابة ) . قال المهلب : قوله ~~: ( فقل : لا خلابة ) أى : لا تخلبونى فإنه لا يحل ، فإن اطلعت على عيب ~~رجعت به . PageV06P245 وفى كتاب العين : الخلابة : المخادعة ، ورجل خلوب ~~وخلبوب : خداع . وقال غيره : هذا الرجل المذكور فى الحديث منقذ بن عمرو ~~الأنصارى جد واسع بن حبان ، روى ذلك ابن عيينة عن محمد بن إسحاق ، عن نافع ~~، عن ابن عمر : ( أن منقذا ضرب فى رأسه مأمومة فى الجاهلية فحبلت لسانه ، ~~وكان يخدع فى البيوع . فقال له رسول الله : ( بع وقل : لا خلابة ، وأنت ~~بالخيار ثلاثا . قال ابن عمر : فسمعته يقول إذا بايع : لا خلابة لا خلابة ) ~~وقيل : إن حبان بن منقذ هو الذى كان يخدع ، وفيه جاء الحديث ، والأول أصح . ~~واختلف الفقهاء فيمن باع بيعا غبن فيه غبنا لا يتغابن الناس بمثله ، فقال ~~مالك : إن كانا عارفين بتلك السلعة ، وبأسعارها وقت البيع ، لم يفسح البيع ~~كثيرا كان الغبن أو قليلا ، وإن كانا أو أحدهما غير عارف بتقلب السعر ~~وبتغيره وتفاوت الغبن ، فسخ البيع ، إلا أن يريد أن يمضيه . ومن أصحاب مالك ~~من اعتبر مقدار ثلث قيمة السلعة ، ولم يحد مالك فى ذلك حدا ، ومذهبه إذا ~~خرج عن تغابن الناس فى مثل تلك السلعة أنه يفسخ ، وبهذا قال أبو ثور . وقال ~~أبو حنيفة والشافعى : ليس له أن يفسخ فى الغبن الكثير ، كما لا يفسخ فى ~~القليل ، وقد قال ابن القاسم فى العتبية : إنه لا يفسخ فى الغبن الكثير . ~~واحتج الكوفيون فقالوا : إن حبان بن منقذ أصابته آفة فى رأسه فكان يخدع فى ~~البيوع ، فقال له النبى : ( إذا بايعت فقل : لا خلابة ، ولك الخيار ثلاثا ) ~~قالوا : فموضع الدليل منه ms1995 هو أنه كان يخدع فى البيع ، ومن كان يخدع فى عقله ~~PageV06P246 بضعف يلحقه الغبن فى عقوده ، فجعل له النبى الخيار لما يلحقه ~~من ذلك ، فلو كان الغبن شيئا يملكه به فسخ العقد لما احتاج إلى شرط الخيار ~~مع استغنائه عنه ، وقال مالك : هذه الحجة لنا ، لأنه عليه السلام قال له : ~~لك الخيار ، ولم يقل له : اشترط الخيار ، وإنما قال له قل : لا خلابة أى : ~~لا خديعة ، فلو كان الغبن مباحا لم يكن لقوله : لا خلابة معنى ، ولم ينفعه ~~ذلك ، فلما كان ذلك ينفعه جعل له النبى - عليه السلام - الخيار بعد ذلك ~~لينظر فيما باعه ، ويسأل عن سعره ، ويرى رأيه فى ذلك وإنما جعل ذلك فى حبان ~~ليعلمنا الحكم فى مثله ، وإنما تعرف الأحكام بما بينه عليه السلام ، فبين ~~عليه السلام حكم من يغبن فى بيعه إذا لم يكن عارفا بما يبيعه ، ودليل آخر ~~وهو قوله عليه السلام : ( لا تلقوا الركبان للبيع ، فمن تلقاها فهو بالخيار ~~إذا دخل السوق ) . وإنما جعل له الخيار فى ذلك لأجل الغبن الذى يلحقه ، ~~لأنه لم يدخل السوق ، ولا عرف سعر ما باع ، ومن يتلقاه فإنما يقصد الغبن ~~والاسترخاص ، فعلم بهذا أن الغبن يوجب الخيار ، وأيضا فإنه لو ابتاع سلعة ~~فوجد بها عيبا كان له الخيار فى الرد ، لأجل النقص الموجود بها ، فلا فرق ~~بين أن يجد النقص بالسلعة أو بالثمن ، لأنه فى كلا الموضعين قد وجد النقص ~~الذى يخرج به عن القصد . فإن قيل : يلزمكم أن تفسدوا البيع وإن كان غبنا ~~يسيرا . قيل : البيع لا يخلو من الغبن اليسير ، لأن كل واحد منهما يقصد ~~الاسترخاص ، فأجيز على حسب تعارفهم فيه فإذا خرج عن عرفهم ثبت فيه الخيار ، ~~ذكر هذا كله ابن القصار . PageV06P247 وذكر ابن حبيب قال : سئل مالك عن رجل ~~جاهل باع حجرا أو درة بدرهمين ، فألفاه المشترى ياقوتة ، فلم ير فيه رجوعا ~~، لأن الغلط ماض على البائع والمبتاع فى البيع على المساومة ، وإنما يرد فى ~~البيع على المرابحة ، إلا أن يبيعه بائعه على أنه ms1996 زجاج ، فألفاه المشترى ~~ياقوتة فإنه يرد البيع ، وكذلك لو باعه على أنه ياقوت فألفاه المشترى زجاجا ~~يرده أيضا . * * * # | 45 - باب ما يذكر فى الأسواق # وقال عبدالرحمن بن عوف : لما قدمنا المدينة ، قلت : هل من سوق فيه تجارة ~~؟ قال : سوق قينقاع . وقال أنس : قال عبدالرحمن : دلونى على السوق ، وقال ~~عمر : ألهانى الصفق بالأسواق . / 62 - فيه : عائشة ، قال النبى ، عليه ~~السلام : ( يغزو جيش الكعبة ، [ فإذا كانوا ببيداء من الأرض ] يخسف بأولهم ~~وآخرهم ) ، قالت : قلت : يا رسول الله ، كيف يخسف بأولهم وآخرهم وفيهم ~~أسواقهم ومن ليس منهم ؟ قال : ( يخسف بأولهم وآخرهم ، ثم يبعثون على نياتهم ~~) . / 63 - وفيه : أبو هريرة ، قال : النبى ، عليه السلام : ( صلاة أحدكم ~~فى جماعة تزيد على صلاته فى سوقه وبيته . . . ) الحديث . / 64 - وفيه : أنس ~~، كان النبى ، عليه السلام ، فى السوق ، - وقال مرة : فى البقيع - : فقال ~~رجل : يا أبا القاسم فالتفت إليه النبى ، عليه السلام ، فقال : إنما دعوت ~~هذا ، فقال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( سموا باسمى ، ولا تكنوا ~~بكنيتى ) . PageV06P248 / 65 - وفيه : أبو هريرة ، خرج النبى عليه السلام ~~فى طائفة النهار لا يكلمنى ولا أكلمه ، حتى أتى سوق بنى قينقاع ، فجلس ~~بفناء بيت فاطمة ، فقال : ( أثم لكع ، أثم لكع ) ، فحبسته شيئا ، فظننت ~~أنها تلبسه سخابا أو تغسله ، فجاء يشتد حتى عانقه وقبله . . . . الحديث . / ~~66 - وفيه : ابن عمر ، أنهم كانوا يشترون الطعام من الركبان على عهد النبى ~~- صلى الله عليه وسلم - فيبعث عليهم من يمنعهم أن يبيعوه حيث اشتروه ، حتى ~~ينقلوه حيث يباع الطعام . قال : وحديث ابن عمر : نهى النبى عليه السلام أن ~~يباع الطعام إذا اشتراه حتى يستوفيه . إنما أراد بذكر الأسواق إباحة ~~المتاجر ودخول السوق ، والشراء فيه للعلماء والفضلاء ، وكأنه لم يصح عنده ~~الحديث الذى روى ( شر البقاع الأسواق ، وخيرها المساجد ) وهذا إنما خرج على ~~الأغلب ؛ لأن المساجد يذكر فيه اسم الله - تعالى - والأسواق قد غلب عليها ~~اللغط واللهو والاشتغال بجمع المال ، والكلب على الدنيا من الوجه المباح ~~وغيره ، وأما إذا ذكر الله فى السوق فهو من أفضل الأعمال ، روى ms1997 عن محمد بن ~~واسع أنه قال : سمعت سالم بن عبد الله يقول : ( من دخل السوق فقال : لا إله ~~إلا الله وحده لا شريك له ، له الملك وله الحمد بيده الخير يحيى ويميت ، ~~وهو على كل شىء قدير ، كتب الله له ألف ألف حسنة ، ومحا عنه ألف ألف سيئة ، ~~وبنى له بيت فى الجنة ) وكذلك إذا لغا فى المسجد أو لغط فيه ، أو عصى ربه ~~لم يضر المسجد ، ولا نقص من فضله ، وإنما أضر بنفسه ، PageV06P249 وبالغ فى ~~إثمه . وقد روى عن على بن أبى طالب أنه قال : من عصى الله فى المسجد فكأنما ~~عصاه فى الجنة ، ومن عصاه فى الحمام فكأنما عصاه فى النار ، ومن عصاه فى ~~المقبرة فكأنما عصاه فى عرصات القيامة ، ومن عصاه فى البحر فكأنما عصاه على ~~أكف الملائكة . قال المهلب : وفى حديث عائشة أن من كثر سواد قوم فى معصية ~~أو فتنة أن العقوبة تلزمه معهم إذا لم يكونوا مغلوبين على ذلك ؛ لأن الخسف ~~لما أخذ السوقة عقوبة لهم شمل الجميع . واستنبط منه مالك أن من وجد مع قوم ~~يشربون الخمر ، وهو لا يشرب أنه يعاقب ، ويؤيد أن المغلوبين على تكثير ~~السواد ليسوا ممن يستحق العقوبة قوله تعالى : { ولولا رجال مؤمنون ونساء ~~مؤمنات لم تعلموهم أن تطئوهم فتصيبكم منهم معرة بغير علم } . وفيه : علم من ~~أعلام النبوة ، وهو إخباره عليه السلام بما يكون . و قوله فى حديث أبى ~~هريرة : ( ثم أتى المسجد لا ينهزه إلا الصلاة ) النهز : الدفع ، وقوله : ( ~~أثم لكع ) ، فإنما أراد الحسن بن على . فيه من الفقه : أنه لا بأس بمهازلة ~~الصبى وغيره إذا كان واقعا تحت السن والفضل لا سيما إن عضد ذلك أبوه ؛ لأن ~~النبى أبوه ، والجد أب ، واللكع : اللئيم ، تقول العرب : لكع الرجل لكعا ~~ولكعة : إذا لؤم ، وهو لكع ولكيع وألكع ، والمرأة لكاع . * PageV06P250 * * # | 46 - باب الكيل على البائع والمعطى # وقوله تعالى : { وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون } [ المطففين : 3 ] كالوا ~~لهم ووزنوا لهم ، كقوله : { يسمعونكم } [ الشعراء : 72 ] يسمعون لكم . وقال ~~النبى - صلى الله ms1998 عليه وسلم - : ( اكتالوا حتى تستوفوا ) ، ويذكر عن عثمان ~~أن النبى عليه السلام قال : ( إذا بعت فكل ، وإذا ابتعت فاكتل ) . / 67 - ~~فيه : ابن عمر ، أن النبى ، عليه السلام ، قال : ( من ابتاع طعاما فلا يبعه ~~حتى يستوفيه ) . / 68 - وفيه : جابر ، توفى عبدالله بن عمرو بن حرام ، ~~وعليه دين ، فاستعنت النبى ، عليه السلام ، على غرمائه أن يضعوا من دينه ، ~~فطلب النبى - صلى الله عليه وسلم - إليهم فلم يفعلوا ، فقال لى النبى - صلى ~~الله عليه وسلم - : ( اذهب فصنف تمرك أصنافا : العجوة على حدة ، وعذق زيد ~~على حدة ، ثم أرسل إلى ) ، ففعلت ، ثم أرسلت إلى النبى ، عليه السلام ، ~~فجاء فجلس على أعلاه ، أو فى وسطه ، ثم قال : ( كل للقوم ) ، فكلتهم حتى ~~أوفيتهم الذى لهم ، وبقى تمرى كأنه لم ينقص منه شىء . وقال جابر مرة : فما ~~زال يكيل لهم حتى أداه . وقال جابر ، عن النبى عليه السلام : ( جذ له فأوف ~~له ) . الذى عليه الفقهاء أن الكيل والوزن فيما يكال ويوزن من المبيعات على ~~البائع ، ومن كان عليه الكيل أو الوزن فعليه أجرة ذلك ، وهو قول مالك وأبى ~~حنيفة والثورى والشافعى وأبى ثور . PageV06P251 وقال الثورى : كل بيع فيه ~~كيل أو وزن أو عدد ، فهو على البائع حتى يوفيه إياه ، فإن قال : أبيعك هذه ~~النخلة ، فجذاذها على المشترى ، قال : وكل بيع ليس فيه كيل ولا وزن ولا عدد ~~فجذاذه عليه ونقصه على المشترى . قال المهلب : كتاب الله يشهد لقوله صلى ~~الله عليه : ( إذا بعت فكل ، وإذا ابتعت فاكتل ) ، وهو قوله تعالى : { ويل ~~للمطففين الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون وإذا كالوهم أو وزنوهم ~~يخسرون } فدل هذا على أن يكيل له غيره إذا اشترى ، ويكيل لغيره إذا باع ، ~~وفى قصة يوسف - عليه السلام - أن البائع عليه الكيل ، قال الله - تعالى - ~~عنه : { ألا ترون أنى أوفى الكيل وأنا خير المنزلين } وكذلك فى قصة جابر ، ~~قال له عليه السلام : ( كل للقوم ) وجابر هو الغارم عن أبيه ، وهذا هو الذى ~~يعطيه النظر ، لأنه من باع شيئا مسمى ، ومقدارا معروفا من طعام ، فعليه ms1999 أن ~~يعينه ويميزه مما سواه ، وكذلك من ابتاع إنما يبتاع بدراهم موزونة معلومة ~~يعطيها للبائع فى سلعته ، فعليه الوزن والانتقاء ، لأن عليه تعيين ما باعه ~~من الدراهم بالسلعة - والله الموفق . PageV06P252 * * * # | 47 - باب بركة صاع النبى ، عليه السلام ، ومده # / 96 - فيه : عائشة ، عن النبى - عليه السلام . / 70 - فيه : عبدالله بن ~~زيد ، عن النبى عليه السلام : ( أن إبراهيم حرم مكة ودعا لها ، وحرمت ~~المدينة كما حرم إبراهيم مكة ، ودعوت لها فى مدها وصاعها مثل ما دعا ~~إبراهيم لمكة ) . قوله عليه السلام : ( اللهم فى صاعهم ومدهم ) ، يعنى ما ~~يكال بالصاع والمد ، وأضمر ذلك لفهم السامع ، وهذا من باب تسمية الشىء باسم ~~ما يقاربه ، وكان مد أهل المدينة صغيرا ، لقلة الطعام عندهم ، فدعا لهم ~~النبى بالبركة فى طعامهم ، ويستحب أن يتخذ ذلك المكيال رجاء لبركة دعوة ~~النبى - عليه السلام - والاستنان بأهل البلد الذين دعا لهم ، وقد قال عليه ~~السلام : ( كيلوا طعامكم يبارك لكم فيه ) . * * * # | 48 - باب كراهية الصخب فى السوق # / 71 - فيه : عطاء بن يسار ، لقيت عبدالله بن عمرو ، فقلت : أخبرنى عن ~~صفة النبى - صلى الله عليه وسلم - فى التوراة ، قال : أجل ، والله إنه ~~لموصوف فى التوراة ببعض صفته فى القرآن : { يا أيها النبى إنا أرسلناك ~~شاهدا ومبشرا ونذيرا } [ الأحزاب : 45 ] وحرزا للأميين ، أنت عبدى ورسولى ، ~~سميتك المتوكل ، ليس بفظ ولا غليظ ، ولا سخاب فى الأسواق ، ولا يدفع ~~بالسيئة السيئة ، ولكن يعفو ويغفر ، ولن يقبضه الله حتى يقيم به الملة ~~العوجاء ، بأن يقولوا : لا إله إلا الله ، ويفتح بها أعينا عميا وآذانا صما ~~وقلوبا غلفا . PageV06P253 ابن سلام : غلف كل شىء فى غلاف ، سيف أغلف ، ~~وقوس غلفاء ، ورجل أغلف : إذا لم يكن مختونا ، قاله البخارى فى رواية ~~السرخسى . الصخب عند أهل اللغة : الصياح ، قال صاحب العين : صخب صخبا : إذا ~~صاح ، ذكره فى حرف الصاد ، ولم يذكره فى حرف السين ، فهو فى بعض نسخ ~~البخارى بالسين ، وقال أبو حاتم : ما كان مع الخاء من الحروف فيجوز كتابته ~~بالسين والصاد . فى هذا الحديث مدح النبى - عليه السلام ms2000 - ببعض صفاته ~~الشريفة ، التى خصه الله - تعالى - بها وجبله عليها . قال المهلب : و قوله ~~: ( سميتك المتوكل ) لقناعته باليسير من الرزق ، واعتماده على الله تعالى ~~بالتوكل عليه فى الرزق والنصر ، والصبر على انتظام الفرج ، والأخذ بمحاسن ~~الأخلاق . وقوله : ( ولا يدفع بالسيئة السيئة ) أى : لا يسيئ إلى من أساء ~~إليه على سبيل المجازاة المباحة ما لم تنتهك لله حرمة ، لكن يأخذ بالفضل ~~كما قال تعالى : { ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور } وقوله : ( الملة ~~العوجاء ) المعوجة وهى ملة الكفر ، فأقام الله بنبيه عوج الكفر حتى ظهر دين ~~الإسلام ، ووضحت أعلامه ، وأيد الله نبيه بالصبر والأناة ، والسياسة لنفوس ~~العالمين ، والتوكل على الله ، وقد وصفه الله فى آخر سورة براءة بنحو هذه ~~الصفة . وفى هذا الحديث ذم الأسواق وأهلها إذ كانوا بهذه الصفة المذمومة من ~~الصخب واللغط والزيادة فى المديحة أو الذم لما PageV06P254 يتبايعونه ~~والأيمان الحانثة ، وفى مثل هذا المعنى قال عليه السلام : ( شر البقاع ~~الأسواق ) لما يغلب على أهلها من هذه الأحوال المذمومة . * * * # | 49 - باب ما يستحب من الكيل # / 72 - فيه : المقدام ، قال عليه السلام : ( كيلوا طعامكم يبارك لكم فيه ~~) . / 73 - وفيه : عبدالله بن زيد ، قال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( ~~إن إبراهيم حرم مكة ودعا لها فى مدها وصاعها ، وحرمت المدينة كما حرم ~~إبراهيم مكة ، ودعوت لها فى مدها وصاعها ) . / 74 - وفيه : أنس ، قال النبى ~~- صلى الله عليه وسلم - : ( اللهم بارك لهم فى مكيالهم ، وبارك لهم فى ~~صاعهم ومدهم ، يعنى أهل المدينة ) . الكيل مندوب إليه فيما ينفقه المرء على ~~عياله وندب النبى أمته إليه يدل على البركة فيه . قال المهلب : ويحتمل ~~المعنى - والله أعلم - أنهم كانوا يأكلون بلا كيل ، فيزيدون فى الأكل فلا ~~يبلغ لهم الطعام إلى المدة التى كانوا يقدرونها ، فقال لهم عليه السلام : ( ~~كيلوا ) أى : أخرجوا بكيل معلوم يبلغكم إلى المدة التى قدرتم مع ما وضع ~~الله من البركة فى مد أهل المدينة بدعوته عليه السلام . فإن قيل : فما معنى ~~قول عائشة : ( كان عندى شطر شعير ، نأكل منه حتى ms2001 طال على فكلته ففنى ) ، ~~وهذا معارض لحديث المقدام . قال PageV06P255 المهلب : ليس بينهما تعارض ~~بحمد الله ، ومعناه : أنها كانت تخرج قوتها بغير كيل ، وهى متقوتة باليسير ~~، فبورك لها فيه مع بركة النبى الباقية عليها وفى بيتها فلما كالته علمت ~~المدة التى يبلغ إليها ، ففنى عند انقضائها ، لا أن الكيل وكد فيه أن يفنى ~~. * * * # | 50 - باب ما يذكر فى بيع الطعام والحكرة # / 75 - فيه : ابن عمر ، رأيت الذين يشترون الطعام مجازفة يضربون على عهد ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يبيعوه حتى يؤووه إلى رحالهم . / 76 - ~~وفيه : ابن عباس ، نهى الرسول - صلى الله عليه وسلم - أن يبيع الرجل طعاما ~~حتى يستوفيه ، قلت لابن عباس : كيف ذاك ؟ قال : دراهم بدراهم ، والطعام ~~مرجأ . اختلف العلماء فى بيع الطعام جزافا قبل أن يقبض ، فذهب أبو حنيفة ~~وأصحابه والثورى والشافعى وأحمد وأبو ثور إلى أنه لا يجوز بيعه قبل قبضه ~~وروى الوقار عن مالك مثله ، وقال ابن عبد الحكم : إنه استحسان من قوله . ~~وقالت طائفة : يجوز بيع الطعام الجزاف قبل قبضه . روى ذلك عن عثمان بن عفان ~~، وهو قول سعيد بن المسيب والحسن البصرى والحكم وحماد ، وهو المشهور عن ~~مالك ، وبه قال الأوزاعى وإسحاق . وحجة القول الأول ظاهر حديث ابن عمر ، ~~وعموم نهيه PageV06P256 عليه السلام عن بيع الطعام قبل استيفائه ، فدخل فيه ~~الجزاف والمكيل ، وقد أشار ابن عباس إلى أنه إذا باعه قبل قبضه أنه دراهم ~~بدراهم ، والطعام لغو فأشبه عنده العينة ، وقال الأبهرى : العينة عنده من ~~باب سلف جر منفعة . والحجة لقول مالك ومن وافقه أن من ابتاع جزافا فلم يبع ~~إلا ما وقعت حاسة العين عليه ، ولذلك سقط الكيل عن البائع والاستيفاء إنما ~~يكون بالكيل أو الوزن ، هذا هو المشهور عند العرب ، ويشهد لذلك قوله - ~~تعالى - : { فأوف لنا الكيل } { وأوفوا الكيل إذا كلتم } وقوله : { الذين ~~إذا اكتالوا على الناس يستوفون } فإنما عنى بالاستيفاء فى المكيل والموزون ~~خاصة ، وما عدا هذه الصفة فلم يبق فيه إلا التسليم ، فبه يستوفى من جزاف ~~الطعام كالعقار وشبهه ms2002 . فإن قيل : لو كان كما زعمتم لم يتأكد النهى عن ذلك ~~حتى يضرب الناس عليه ، فدل على أن حكم الجزاف كحكم المكيل . فالجواب : أنهم ~~إنما أمروا بانتقال طعامهم وإن كان جزافا ، لأنهم كانوا بالمدينة يتبايعون ~~بالعينة ، وكذلك يجب أن يؤمر بانتقال الجزاف فى كل موضع يشتهر فيه العمل ~~بالعينة ؛ ليكون حاجزا بين دراهم بأكثر منها ، كان الطعام لغوا وكانت دراهم ~~بأكثر منها ، وقد روى عن ابن عمر أن النهى إنما ورد فى المكيل خاصة ، ذكر ~~ابن وهب قال : حدثنى عمرو بن الحارث عن المنذر بن عبيد PageV06P257 المدينى ~~، أن القاسم بن محمد حدثه ، أن عبد الله بن عمر حدثه : ( أنه عليه السلام ~~نهى أن يبيع أحد طعاما اشتراه بكيل حتى يستوفيه ) . وفى حديث ابن عمر : ( ~~رأيت الذين يشترون الطعام مجازفة يضربون على عهد النبى حتى يئووه إلى ~~رحالهم ) إباحة الحكرة ؛ لأنه لو لم يجز لهم احتكاره لتقدم إليهم فى بيعه ، ~~ولم يؤذن لهم فى حبسه ، هذا قول أئمة الأمصار . ورخصت طائفة لمن رفع الطعام ~~من أرضه أو من جلبه من مكان فى جنبه ، و منعت من ذلك لمشتريه من السوق ~~للحكرة وروى ذلك عن عمر بن الخطاب ، وعن الحسن البصرى وبه قال الأوزاعى . ~~وقال مالك فيمن رفع طعاما فى ضيعته فرفعه فليس بحكرة . وقال أحمد بن حنبل : ~~إنما يحرم احتكار الطعام الذى هو قوت دون سائر الأشياء . وقالت طائفة : ~~احتكار الطعام فى الحرم إلحاد فيه روى هذا عن عمر بن الخطاب ومجاهد . فإن ~~قيل : قد روى عن النبى - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : ( لا يحتكر إلا ~~خاطئ ) من حديث سعيد بن المسيب عن معمر بن عبد الله بن نضلة ، عن النبى - ~~صلى الله عليه وسلم - وروى عن عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان أنهما نهيا عن ~~الحكرة . قيل : معنى هذا النهى عند الفقهاء فى وقت الشدة وما ينزل بالناس ~~من الحاجة ، يدل على ذلك أن ابن المسيب روى هذا الحديث وكان يحتكر الزيت ، ~~فقيل له فى ذلك ، فقال : كان معمر ms2003 يحتكر . وقد علما مخرج الحديث . ~~PageV06P258 وقال أبو الزناد : قلت لابن المسيب : أنت تحتكر قال : ليس هذا ~~بالذى قال رسول الله إنما قال : أن يأتى الرجل السلعة عند غلائها فيغالى ~~بها وأما أن يشتريه إذا أبضع ثم يرفعه ، فإذا احتاج الناس إليه أخرجه ، ~~فذلك خير ، فبان أن معنى النهى عن الحكرة فى وقت حاجة الناس . روى ابن ~~القاسم عن مالك أنه قال : من اشترى طعاما فى قوت لا يضر بالناس شراؤه لا ~~يضره إن تربص به ما شاء ، وهو قول الكوفيين والشافعى . قال مالك : وجميع ~~الأشياء فى ذلك كالطعام . وقال الأوزاعى : لا بأس أن يشترى فى سنة الرخص ~~طعاما لسنين لنفسه وعياله مخافة الغلاء قال مالك : وأما إذا قل الطعام فى ~~السوق ، فاحتاج الناس إليه ، فمن احتكر منه شيئا فهو مضر بالمسلمين ، ~~فليخرجه إلى السوق وليبعه بما ابتاعه ولا يزدد فيه ، فعلى هذا القول تتفق ~~الآثار ، ألا ترى أن الناس إذا استوت حالتهم فى الحاجة ، فقد صاروا شركاء ، ~~ووجب على المسلمين المواساة فى أموالهم فكيف لا يمنع الضرر عنهم وقد جمع ~~النبى - عليه السلام الأزواد بالصهباء عند الحاجة ، ونهى عن ادخار اللحوم ~~بعد ثلاث للدافة ، وجمع أبو عبيدة أزواد السرية وقسمها بين من لم يكن له ~~زاد وبين من كان له زاد ، وأمر عمر أن يحمل فى عام الرمادة على أهل كل بيت ~~مثلهم من الفقراء ، وقال : إن المرء لا يهلك عن نصف شبعه . PageV06P259 * * ~~* # | 51 - باب بيع ما ليس عندك # / 77 - فيه : مالك بن أوس ، أنه قال : من عنده صرف ؟ فقال طلحة : أنا ، ~~حتى يجىء خازننا من الغابة ، فقال عمر : قال النبى ، عليه السلام : ( الذهب ~~بالذهب ربا إلا هاء وهاء ، والبر بالبر ربا إلا هاء وهاء ، والتمر بالتمر ~~ربا إلا هاء وهاء ، والشعير بالشعير ربا إلا هاء وهاء ) . قال المؤلف : لا ~~يجوز بيع ما ليس عندك ولا فى ملكك وضمانك من الأعيان المكيلة والموزونة ~~والعروض كلها ، لنهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك . وروى النهى عن ~~بيع ما ليس ms2004 عندك ، وعن ربح ما لم يضمن عن النبى صلى الله عليه وسلم من حديث ~~عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ، ومن حديث حكيم بن حزام ، ولم يكن إسناده من ~~شرط البخارى ، فاستنبط معناه من حديث مالك بن أوس ، وذلك أنه يدخل من باب ~~بيع ما ليس عندك بالمعنى ما يكون فى ملكك غائبا من الذهب والفضة ، لا يجوز ~~بيع غائب منها بناجز ، وكذلك البر والتمر والشعير لا يباع شىء منها بجنسه ~~ولا بطعام مخالف لجنسه إلا يدا بيد ، وكذلك ما كان فى معناها من سائر أنواع ~~الطعام ، لا يباع منها طعام بطعام إلا يدا بيد ، لقوله عليه السلام : ( إلا ~~هاء وهاء ) ، يعنى خذ وأعط حياطة من الله - تعالى - لأصول الأموال وحرزا ~~لها إلا ما خصت السنة بالجواز من بيع ما ليس عندك ومن ربح ما لم يضمن وهو ~~السلم ، فجوزت فيه بيع ما ليس عندك مما يكون فى الذمة من غير الأعيان ، ~~توسعة من الله - تعالى - لعباده ورفقا بهم . قال ابن المنذر : وبيع ما ليس ~~عندك يحتمل معنيين : يحتمل أن PageV06P260 يقول : أبيعك عبدا لى أو دارا ~~مغيبة عنى فى وقت البيع ، فلعل الدار أن تتلف أو لا يرضاها ، وهذا يشبه بيع ~~الغرر ، ويحتمل أن يقول : أبيعك هذه الدار بكذا على أن أشتريها لك من ~~صاحبها ، أو على أن يسلمها لك صاحبها ، وهذا مفسوخ على كل حال ، لأنه غرر ، ~~إذ قد يجوز أن لا يقدر على تلك السلعة ، أو لا يسلمها إليه مالكها ، وهذا ~~أصح القولين عندى ، لأنى لا أعلمهم يختلفون أنه يجوز أن أبيع جارية رآها ~~المشترى ثم غابت عنى وتوارت بجدار وعقدنا البيع ثم عادت إلى ، فإذا أجاز ~~الجميع هذا البيع لم يكن فرق بين أن تغيب عنى بجدار أو تكون بينى وبينها ~~مسافة وقت عقد البيع . وقال غيره : ومن بيع ما ليس عندك العينة ، وهى ذريعة ~~إلى دراهم بدراهم أكثر منها إلى أجل ، كأن رجلا سأل رجلا أن يسلفه دراهم ~~بدراهم أكثر منها فقال له : هذا لا ms2005 يحل ، ولكن أبيعك فى الدراهم التى ~~سألتنى سلعة كذا ليست عندى ، أبتاعها لك فبكم تشتريها منى ؟ فيوافقه على ~~الثمن يبتاعها ويسلمها إليه ، فهذه العينة المكروهة ، وهى بيع ما ليس عندك ~~وبيع ما لم تقبضه ، فإن وقع هذا البيع فسخ عند مالك فى مشهور مذهبه وعند ~~جماعة العلماء ، وقيل للبائع : إن أعطيت السلعة لمبتاعها منك بما اشتريتها ~~جاز ذلك ، وكأنك إنما أسلفته الثمن الذى ابتاعها به . وقد روى عن مالك أنه ~~لا يفسخ البيع ، لأن المأمور كان ضامنا للسلعة لو هلكت . قال ابن القاسم : ~~وأحب إلى لو تورع عن أخذ PageV06P261 ما ازداده عليه . وقال عيسى بن دينار ~~: بل يفسخ البيع إلا أن تفوت السلعة ، فتكون فيها القيمة ، وعلى هذا سائر ~~العلماء بالحجاز والعراق . * * * # | 52 - باب بيع الطعام قبل أن يقبض # / 78 - فيه : ابن عباس ، قال : أما الذى نهى عنه النبى ، عليه السلام ، ~~فهو الطعام أن يباع حتى يقبض ، قال ابن عباس : ولا أحسب كل شىء إلا مثله . ~~/ 79 - وفيه : ابن عمر ، أن النبى ، عليه السلام ، قال : ( من ابتاع طعاما ~~فلا يبعه حتى يستوفيه ) ، وقال مرة : ( حتى يقبضه ) . أجمع العلماء أن كل ~~ما يكال أو يوزن من الطعام كله مقتاتا أو غير مقتات ، وكذلك الإدام والملح ~~والكسبر وزريعة الفجل الذى فيه الزيت المأكول ، فلا يجوز بيع شىء منه قبل ~~قبضه ، ومعنى نهيه عليه السلام عن بيع الطعام قبل قبضه عند مالك فيما بيع ~~منه مكيلا أو موزونا لا فيما بيع منه جزافا على ما تقدم ذكره قبل هذا . ~~واختلفوا فى بيع العروض قبل قبضها ، فذهب ابن عباس وجابر إلى أنه لا يجوز ~~بيع شىء منها قبل قبضها قياسا على الطعام ، وهو قول الكوفيين والشافعى ، ~~وحملوا نهيه عليه السلام عن ربح ما لم يضمن على العموم فى كل شئ ، إلا ~~الدور والأرضين عند أبى حنيفة ، فأجاز بيعها قبل قبضها ، لأنها لا تنقل ولا ~~تحول . PageV06P262 وحمل مالك نهيه عليه السلام عن ربح ما لم يضمن على ~~الطعام وحده ، قال عيسى : سألت ابن القاسم عن ms2006 ربح ما لم يضمن . فقال : ذكر ~~مالك أن ذلك بيع الطعام قبل أن يستوفى ، لأن النبى صلى الله عليه وسلم نهى ~~عنه فربحه حرام . وأما العروض والحيوان فربحها حلال ، لأن بيعها قبل ~~استيفائها حلال . قال ابن المنذر : والحجة لهذا القول أن النبى صلى الله ~~عليه وسلم إنما نهى عن بيع الطعام قبل قبضه خاصة ، فدل أن غير الطعام ليس ~~كالطعام ، ولو لم يكن كذلك ما كان فى تخصيص الطعام فائدة . وقد أجمعوا أن ~~من اشترى جارية وأعتقها فى تلك الحال قبل قبضها ، أن عتقه جائز وكذلك يجوز ~~له بيعها قبل قبضها ، وقال أبو ثور كقول مالك . * * * # | 53 - باب إذا اشترى متاعا أو دابة فوضعه عند البائع أو مات قبل أن يقبض # وقال ابن عمر : ما أدركت الصفقة حيا مجموعا فهو من المبتاع . / 80 - فيه ~~: عائشة ، لقل يوم كان يأتى على النبى ، عليه السلام ، إلا يأتى فيه بيت ~~أبى بكر أحد طرفى النهار ، فلما أذن له فى PageV06P263 الخروج إلى المدينة ~~لم يرعنا إلا وقد أتانا ظهرا ، فخبر به أبو بكر ، فقال : ما جاءنا النبى ~~عليه السلام فى هذه الساعة إلا لأمر حدث ، فلما دخل عليه ، قال لأبى بكر : ~~( أخرج من عندك ) ، قال : يا رسول الله ، إنما هما ابنتاى ، يعنى عائشة ~~وأسماء ، قال : ( أشعرت أنه قد أذن لى فى الخروج ) ، قال : الصحبة يا رسول ~~الله ، قال : ( الصحبة ) ، قال : يا رسول الله ، إن عندى ناقتين أعددتهما ~~للخروج ، فخذ إحداهما قال : ( قد أخذتها بالثمن ) . اختلف العلماء فى هلاك ~~المبيع قبل أن يقبض ، فذهب أبو حنيفة والشافعى إلى أن ضمانه إن تلف من ~~البائع ، وقال أحمد وإسحاق وأبو ثور : تلافه من المشترى . وفرق مالك بين ~~الثياب والحيوان ، فقال : ما كان من الثياب والطعام ، وما يعاب عليه فهلك ~~قبل القبض ، فضمانه من البائع . قال ابن القاسم : لأنه لا يعرف هلاكه ولا ~~بينة عليه ، ويتهم أن يكون ندم فيه فعيبه ، وأما الدواب والحيوان والعقار ~~فضمانه من المشترى . وقال ابن حبيب : اختلف العلماء فيمن باع عبدا واحتبسه ~~بالثمن ms2007 ، وهلك فى يديه قبل أن يأتى المشترى بالثمن ، وكان سعيد بن المسيب ~~وربيعة والليث يقولون : وهو من البائع . وأخذ به ابن وهب ، وكان مالك قد ~~أخذ به أيضا ، وقال سليمان بن يسار : مضيته من المشترى سواء حبسه البائع ~~وثيقة من الثمن أم لا . ورجع مالك إلى قول سليمان بن يسار ، واحتج الكوفيون ~~والشافعى بفساد بيع الصرف قبل القبض ، فدل أنه فى ضمان البائع ، قالوا : ~~ولا خلاف أنه من اشترى طعاما مكايلة ، فهلك قبل القبض فى يد البائع ، أنه ~~من مال البائع ، فكذلك ما سواه فى القياس ، واحتجوا بأن النبى - عليه ~~السلام - نهى عن بيع ما لم يقبض وربح ما لم يضمن ، قالوا : ألا ترى أنه ~~عليه السلام نهى عن بيع ما لم يقبض وربح ما لم يضمن ، فكأنه نهى عن بيع ما ~~لم يقبض ؛ لأنه لم يضمن . PageV06P264 وقال ابن القصار : والحجة عليهم فى ~~قياسهم على الصرف ، بأن البيع يتم فيه بالعقد ، ثم يبطل بالتفرق قبل القبض ~~؛ لأنه عقد خص بألا يفترقا وبينهما معاملة ؛ لأن سنة الصرف يدا بيد ، وهاء ~~بهاء ، لوجود الربا فى كل واحد من العوضين ، وأما الطعام إذا اشترى مكايلة ~~فإن البيع قد تم بالقول ، ثم وجب على البائع حق التوفية ، وهو الكيل الذى ~~يلزمه بإجماع ، وكذلك المبيع إذا كان فيه حق يوفيه من وزن أو عدد وتلف قبل ~~القبض فضمانه من البائع ، وأما احتجاجهم بنهيه عليه السلام عن بيع ما لم ~~يقبض ، فالجواب : عليه أنه نهى عن بيع ما لم يقبض إذا لم يضمن ، بدليل أن ~~المشترى لو أتلف المبيع كان ضمانه فيه بالثمن لا بالقيمة لأنه بحكم الملك ~~أتلفه ، فيجب إذا تلف المبيع من قبل الله - تعالى - أن يكون من ضمانه . قال ~~المهلب : ووجه استدلال البخارى بحديث عائشة فى هذا الباب أن قول الرسول ~~لأبى بكر فى الناقة : ( قد أخذتها ) لم يكن أخذا باليد ، ولا بحيازة شخصها ~~، وإنما كان التزامه لابتياعها بالثمن ، وإخراجها من ملك أبى بكر ، لأن ~~قوله : ( قد أخذتها ) يوجب أخذا صحيحا ، وإخراجا واجبا ms2008 للناقة من ذمة أبى ~~بكر إلى ذمة النبى بالثمن الذى يكون عوضا منها ، فهل يكون الضياع أو التصرف ~~بالبيع قبل القبض إلا لصاحب الذمة الضامنة لها . قال ابن المنذر : ولا ~~مخالف لابن عمر فى الصحابة ، فهو كالإجماع . قال المهلب : وفيه من الفقه : ~~إخفاء السر فى أمر الله إذا خشى من أهل الفجر . PageV06P265 وفيه : أن أبا ~~بكر أوثق الناس عند رسول الله ، وأنه آمن الناس عليه فى صحبته وماله ؛ لأنه ~~لم يرغب بنفسه عنه فى حضر ولا سفر ، ولا استأثر بماله دونه ، ألا ترى أنه ~~أعطاه إحدى ناقتيه بلا ثمن ، فأبى رسول الله إلا بالثمن ، وفى استعداد أبى ~~بكر بالناقتين دليل على أنه أفهم الناس لأمر الدين ؛ لأنه أعدهما قبل أن ~~ينزل الإذن فى الخروج من مكة إلى المدينة ، كأنه قبل ذلك قد رجا أنه لا بد ~~أن يؤذن له فأعد لذلك . وفيه : أن الافتراق الذى يتم به البيع فى قوله عليه ~~السلام : ( البيعان بالخيار ما لم يفترقا ) إنما يكون بالكلام لا بالأبدان ~~؛ لقول النبى لأبى بكر : ( قد أخذتها بالثمن ) قبل أن يفترقا ، وتم البيع ~~بينهما ، وسيتأتى بعض معانى هذا الحديث فى كتاب اللباس فى باب التقنع ، إن ~~شاء الله . * * * # | 54 - باب لا يبع على بيع أخيه ولا يسوم على سوم أخيه حتى يأذن له أو ~~يترك # / 81 - فيه : ابن عمر ، قال النبى ، عليه السلام : ( لا يبع بعضكم على ~~بيع أخيه ) . / 82 - وفيه : أبو هريرة ، نهى النبى ، عليه السلام ، أن يبيع ~~حاضر لباد ولا تناجشوا ، ولا يبيع الرجل على بيع أخيه ، ولا يخطب على خطبة ~~أخيه . . . . ) الحديث . قال أبو عبيد : كان أبو عبيدة وأبو زيد وغيرهما من ~~أهل العلم PageV06P266 يقولون : إنما النهى فى قوله عليه السلام : ( لا يبع ~~على بيع أخيه ) . إنما هو لا يشتر على شراء أخيه ، فإنما وقع النهى على ~~المشترى لا على البائع ؛ لأن العرب تقول : بعت الشىء ، بمعنى اشتريته ، قال ~~أبو عبيد : وليس للحديث عندى وجه غير هذا ؛ لأن البائع لا يكاد يدخل على ~~البائع ، هذا قليل ms2009 فى معاملة الناس ، وإنما المعروف أن يعطى الرجل الرجل ~~بسلعته شيئا فيجىء مشتر آخر فيزيد عليه ، ومما يبين ذلك أنهم كانوا ~~يتبايعون فى مغازيهم فيمن يزيد ، فالمعنى هاهنا للمشترى ، ومنه النهى عن ~~الخطبة على خطبة أخيه كما نهى عن البيع ، بعد علمنا أن الخاطب هو الطالب ~~بمنزلة المشترى ، وقد فسره مالك فى الموطأ بنحو هذا ، قال مالك : وتفسير ~~قوله عليه السلام : ( لا يبع بعضكم على بيع بعض ) إنما نهى أن يسوم الرجل ~~على سوم أخيه إذا ركن البائع للمشترى ، وجعل يشترط وزن الذهب ، ويتبرأ من ~~العيوب وشبه هذا مما نعرف به أن البائع قد أراد مبايعة السائم ، فهذا الذى ~~نهى عنه - والله أعلم - ونحوه قال أبو حنيفة وأصحابه ، وقال الشافعى مثله ~~فى قوله عليه السلام : ( لا يسوم الرجل على سوم أخيه ) ، وخالفهم فى قوله : ~~( لا يبع على بيع أخيه ) . فقال : معناه : أن يبتاع سلعة فيقبضها وهو مغتبط ~~بها ، فيأتيه قبل الافتراق من يعرض عليه سلعة خيرا منها بأقل من ذلك الثمن ~~، وهذا فساد ، وقال الثورى نحوه . والفقهاء كلهم يكرهون أن يسوم على سوم ~~أخيه بعد السكون PageV06P267 والرضا ، والبيع عندهم مع ذلك صحيح ؛ لأن سوم ~~المساوم لم يتم به عقد البيع ، كان لكل واحد منهما أن لا يتمه إن شاء ، ~~وأهل الظاهر يفسخونه ، وقد روى عن مالك وعن بعض أصحابه فسخه ما لم يفت وفسخ ~~النكاح ما لم يفت بالدخول ، وأنكر ابن الماجشون أن يكون مالك قاله فى البيع ~~، وقال : إنما قاله فى الخطبة . واختلفوا فى دخول الذمى فى معنى قوله : ( ~~لا يبع بعضكم على بيع بعض ، ولا يسم على سوم أخيه ) فقال الأوزاعى : لا بأس ~~بدخول المسلم على الذمى فى سومه ؛ لأن النبى إنما خاطب المسلمين بذلك ، فلا ~~يدخل فيه غيرهم . وقال مالك والثورى وأبو حنيفة والشافعى : لا يجوز أن يبيع ~~المسلم على بيع الذمى ، وحجتهم أنه كما دخل الذمى فى النهى عن النجش ، وعن ~~ربح ما لم يضمن ، وفى الشفعة وغيرها مما الذمى فيه تبع للمسلم ، فكذلك يدخل ~~فى ms2010 هذا ، وقد يقال : هذا طريق المسلمين ، ولا يمنع ذلك من سلوك أهل الذمة ~~فيه . وقد أجمع العلماء على كراهة سوم الذمى على سوم الذمى ، يدل أنهم ~~داخلون فى ذلك - والله أعلم . * * * # | 55 - باب بيع المزايدة # وقال عطاء : أدركت الناس لا يرون بأسا ببيع المغانم فيمن يزيد . / 83 - ~~فيه : جابر ، أن رجلا أعتق غلاما له عن دبر ، فاحتاج ، فأخذه النبى - صلى ~~الله عليه وسلم - فقال : ( من يشتريه منى ) ؟ فاشتراه نعيم بن عبدالله بكذا ~~وكذا ، فدفعه إليه . PageV06P268 اختلف الفقهاء فى بيع المزايدة ، فأجازها ~~مالك والكوفيون والشافعى وأحمد ، وكان الأوزاعى يكره المزايدة إلا فى ~~المغانم والمواريث ، وهو قول إسحاق . وروى عن أبى أيوب وعقبة بن عامر ~~كراهية الزيادة ، وعن إبراهيم النخعى أنه كره بيع من يزيد ، واحتج مالك ~~لقوله : لا بأس بالسلعة ، توقف للبيع فيسوم بها غير واحد ، قال : ولو ترك ~~الناس السوم عند أول من يسوم بها ، أخذت بشبه الباطل من الثمن ، ودخل على ~~الباعة فى سلعهم المكروه ، ولم يزل الأمر عندنا على ذلك . وحديث جابر حجة ~~على من كره ذلك ؛ لأنه عليه السلام قال فى المدبر : ( من يشتريه منى ؟ ) ~~فعرضه للزيادة ، وأحب أن يستقصى فيه للمفلس الذى باعه عليه ، وهذا الحديث ~~يفسر نهيه عليه السلام أن يسوم الرجل على سوم أخيه ، أو يبيع على بيع أخيه ~~، أنه أراد بذلك إذا تقاربا من تمام البيع كما قال جمهور الفقهاء ، وعلى ~~هذا المعنى حمل العلماء ما روى عن أبى أيوب وعقبة بن عامر أن ذلك بعدما رضى ~~البائع ببيعه الأول . * * * # | 56 - باب النجش ومن قال لا يجوز ذلك البيع # وقال ابن أبى أوفى : الناجش آكل ربا خائن ، وهو خداع باطل ، لا يحل . قال ~~عليه السلام : ( الخديعة فى النار ، ومن عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد ) ~~. / 84 - فيه : ابن عمر ، قال : نهى النبى ، عليه السلام ، عن النجش . ~~PageV06P269 قال ابن الأنبارى : النجش : أن يزيد الرجل فى ثمن السلعة ، وهو ~~لا يريد شراءها ، ولكن ليسمعه غيره فيزيد بزيادته . وذكر مثله صاحب العين ، ~~وقال أبو عبيد ms2011 : النجش : استثارة الشىء ، والنجاشى والناجش : الذى ينجش ~~الشىء نجشا فيستخرجه . وقال بعضهم : النجش : أن ينفر الناس عن الشىء إلى ~~غيره قال وأصل : النجش : تنفير الوحش من مكان إلى مكان . وذكره ابن ~~الأنبارى وذكر عن ابن عباس أنه قال : نجاشوا سوق الطعام من هذا أخذوا . ~~وذكر أيضا عن الأصمعى أن النجش : مدح الشىء وإطراؤه ، وأنشد النابغة ~~الشيبانى : ويعدى كرمها عند النجش وأجمع العلماء أن الناجش عاص بفعله . ~~واختلفوا فى البيع إذا وقع على ذلك ، فذهب أهل الظاهر إلى أن البيع فى ~~النجش مفسوخ ، لأنه طابق النهى ففسد ، وقال مالك المشترى بالخيار ، وهو عيب ~~من العيوب ، وحجته أن النبى - عليه السلام - نهى عن التصرية ، ثم جعل ~~المشترى بالخيار إذا علم أنها مصراة ، ولم يقض بفساد البيع ، ومعلوم أن ~~التصرية غش وخديعة ، فكذلك النجش يصح فيه البيع ، ويكون المشترى بالخيار . ~~وقال أبو حنيفة وأصحابه والشافعى : البيع فى النجش لازم ، ولا خيار للمبتاع ~~فى ذلك ، لأنه ليس بعيب فى نفس البيع ، وإنما هى خديعة فى الثمن ، وقد كان ~~على المشترى أن يتحفظ ويحضر من يميز PageV06P270 إن لم يكن ممن يميز ، وقول ~~مالك أعدل الأقوال فى ذلك وأولاها بالصواب . * * * # | 57 - باب بيع الغرر وحبل الحبلة # / 85 - فيه : ابن عمر ، أن النبى ، عليه السلام ، نهى عن بيع حبل الحبلة ~~، وكان بيعا يتبايعه أهل الجاهلية ، كان الرجل يبتاع الجزور إلى أن تنتج ~~الناقة ، ثم تنتج التى فى بطنها . قال مالك : هذا الحديث أصل فى النهى عن ~~البيوع إلى الآجال المجهولة ، لقوله : ( إلى أن تنتج الناقة ، ثم تنتج التى ~~فى بطنها ) ، واختلف العلماء فى معنى نهيه عليه السلام عن بيع حبل الحبلة ، ~~فقال مثل قول مالك الشافعى ، ولا خلاف بين الأمة أن البيع إلى مثل هذا ~~الأجل المجهول غرر لا يجوز ، وإنما يجوز إلى أجل معلوم ، لأن الله قد جعل ~~الأهلة مواقيت للناس والحج ، وهى معلومة ، فما كان من الآجال لا يختلف ، ~~ولا يجهل وقته فجائز البيع إليه بإجماع . وقال آخرون : معنى بيع حبل الحبلة ~~: هو النهى عن ms2012 بيع الجنين فى بطن أمه ، فلا يجوز بيع ما لم يخلق ، ولا بيع ~~ما لا تقع عليه العين ، ولا يحيط به العلم . هذا قول أحمد وإسحاق وأبى عبيد ~~. قال ابن المنذر : فأى ذلك كان فالبيع فيه باطل من وجوه ، وكذلك يبطل كل ~~ما كان فى معناه مما يحتمل أن يكون موجودا أو غير موجود ، وهذا كله من أكل ~~المال بالباطل ، وقد نهى الله عن ذلك . فإن قيل : فقد ذكر الطبرى عن ابن ~~عون ، عن ابن سيرين PageV06P271 قال : لا أعلم ببيع الغرر بأسا . وذكر ابن ~~المنذر عن ابن سيرين قال : لا بأس ببيع العبد الآبق إذا كان علمهما فيه ~~واحد ، وحكى مثله عن شريح ، وذكر عن ابن عمر أنه اشترى من بعض ولده بعيرا ~~شاردا . فالجواب : أن الغرر هو ما يجوز أن يوجد وأن لا يوجد كحبل الحبلة ~~وشبهه ، وكل شىء لا يعلم المشترى هل يحصل له أم لا ، فشراؤه غير جائز ، ~~لأنه غرر ، وكل شىء حاصل للمشترى أو يعلم فى الغالب أنه يحصل له فشراؤه ~~جائز ، هذا أصل البيوع ، إذا كان الغرر فيها الغالب لم يجز ، وإذا كان ~~يسيرا تبعا جاز ، لأنها لا تخلو منه ، ولو منع البيع حتى لا يكون فيه غرر ~~وإن قل لأضر ذلك بالناس ، وقد منع رسول الله بيع الثمرة قبل بدو صلاحها على ~~التبقية ، ولو بدا صلاحها جاز بيعها على التبقية لأن الغرر قد قل فيها . ~~فإن قيل : يحتمل قول ابن سيرين : أنه لا بأس ببيع الغرر إن سلم . فالجواب : ~~أن السلامة وإن كانت فإنما هى فى المال ، والمال لا يراعى فى البيوع فى ~~الأكثر من مذاهب أهل العلم ، وإنما تراعى السلامة فى حال عقد البيع ، وقد ~~ذكرنا أن الغرر هو ما يجوز أن يوجد وألا يوجد ، وهذا المعنى موجود فى عقد ~~الغرر وإن سلم ماله ، فلذلك لم يجز ، وقد يمكن أن يكون ابن سيرين ومن أجاز ~~بيع الغرر PageV06P272 لم يبلغهم نهى النبى - عليه السلام - عن ذلك ، ولا ~~حجة لأحد خالف السنة . * * * # | 58 - باب بيع ms2013 الملامسة # قال أنس : نهى النبى عليه السلام عنه / 86 - فيه : أبو سعيد ، نهى النبى ~~، عليه السلام ، عن المنابذة ، وهى طرح الرجل ثوبه بالبيع إلى الرجل قبل أن ~~يقلبه ، أو ينظر إليه ، ونهى عن الملامسة ، والملامسة لمس الثوب لا ينظر ~~إليه . / 87 - وفيه : أبو هريرة ، نهى النبى - صلى الله عليه وسلم - عن ~~اللماس والنباذ . وترجم له ( باب بيع المنابذة ) . لا يجوز بيع الملامسة ~~والمنابذة عند جماعة العلماء ، وهو من بيع الغرر والقمار ، لأنه إذا لم ~~يتأمل ما اشتراه ولا علم صفته فلا يدرى حقيقته ، وهو من أكل المال بالباطل ~~، وكان مالك يقول : المنابذة أن ينبذ الرجل ثوبه وينبذ الآخر إليه ثوبه على ~~غير تأمل منهما ، ويقول كل واحد منهما لصاحبه : هذا بهذا . ومن هذا الباب ~~بيع الشىء الغائب واختلف العلماء فى ذلك ، وقال مالك : لا يجوز بيع الغائب ~~حتى يتواصفا فإن وجد على الصفة لزم المشترى ، ولا خيار له إذا رآه ، وإن ~~كان على غير الصفة فله الخيار . وهو قول أحمد وإسحاق وأبى ثور والمروزى ، ~~وروى مثله عن محمد بن سيرين . PageV06P273 وقال أبو حنيفة وأصحابه والثورى ~~: يجوز بيع الغائب على الصفة وغير الصفة ، وللمشترى خيار الرؤية إن وجده ~~على الصفة . وروى مثله عن ابن عباس والشعبى والنخى والحسن البصرى . ~~وللشافعى قولان : أحدهما كقول أبى حنيفة . والثانى : لا يجوز شراء الأعيان ~~الغائبة . وهو قول الحكم وحماد ، واحتج الشافعى بأن مالكا لم يجز بيع الثوب ~~المدرج فى جرابه ولا الثوب المطوى فى طيه حتى ينشر أو ينظر إلى ما فى ~~جوفهما ، وذلك من الغرر ، وأجاز بيع الأعدال على الصفة والبرنامج ، فأجاز ~~الغرر الكثير ومنع اليسير ، فيقال له : قد سئل مالك عن هذا فقال : فرق ما ~~بين ذلك الأمر المعمول به وما مضى من عمل الماضين أن بيع البرنامج لم يزل ~~من بيوع الناس الجائزة بينهم ، وأنه لا يراد به الغرر ولا يشبه الملامسة . ~~واحتج الكوفيون فى جواز بيع ما لم ير بأن النبى - عليه السلام - نهى عن بيع ~~الحب حتى يشتد ، فدل ذلك ms2014 على إباحة بيعه بعدما يشتد ، وهو فى سنبله ؛ لأنه ~~لو لم يكن كذلك لقال : حتى يشتد و يزال من سنبله ، فلما جعل الغاية فى ~~النهى عنه هى شدته ويبوسته ، دل على أن البيع بعد ذلك بخلاف ما كان عليه فى ~~أول مرة ، ودل ذلك على جواز بيع ما لا يراه المتبايعان إذا كانا يرجعان منه ~~إلى معلوم ، كما يرجع فى الحنطة المبيعة المغيبة فى السنبل إلى حنطة معلومة ~~. | PageV06P274 واحتجوا أيضا بأن الصحابة تبايعوا الأشياء الغائبة ، فباع ~~عثمان من طلحة دارا بالكوفة بدار بالبصرة ، وباع عثمان من عبد الرحمن فرسا ~~بأرض له ، وباع ابن عمر من عثمان مالا له بالوادى بمال له بخيبر ، وليس فى ~~الأحاديث عنهم صفة شىء من ذلك . واحتج أهل المقالة الأولى أن قالوا : إن ~~تبايع الصحابة للأشياء الغائبة محمول إما على الصفة ، وإما على خيار الرؤية ~~، وفى الخبر أن عثمان قيل له : غبنت . فقال : لا أبالى ، لى الخيار إذا ~~رأيت . فترافعا إلى جبير بن مطعم فقضى بالبيع ، وجعل الخيار لعثمان لأجل ~~الغبن . قالوا : وقد صحت الأخبار بنهيه عليه السلام عن بيع الملامسة ~~والمنابذة ، وإنما كان سبب بطلان ذلك أن المبيع كان يدخل فى ملك المبتاع ~~قبل تأمله إياه ووقوفه على صفته ، فكل ما اشترى كذلك من غير صفة ولا رؤية ~~فحكمه حكم بيع الملامسة والمنابذة . وإما قول الشافعى : إن البيع على الصفة ~~وبيع البرنامج من بيوع الغرر . فالجواب عنه : أن الصفة تقوم مقام المعاينة ~~؛ لأن العلم يقع بحاسة السمع والشم والذوق كما يقع بحاسة العين . وقد أجاز ~~الجميع بيع الطعام المصبر ، والجوز فى قشره ، والحب فى سنبله للحاجة إلى ~~ذلك ؛ ولأن القصد لم يكن إلى الغرر ، فكذلك يجوز بيع الأعدال على الصفة ~~والبرنامج لضرورة الناس إلى البيع لأنهم لو منعوا منه منعوا من وجه يرتفقون ~~به من فتح الأعدال ونشرها ؛ لمشقة ذلك عليهم ، فإنه قد لا يشتريها من يراها ~~، فجاز بيعها على الصفة ؛ لأنها تقوم مقام العيان ، كما تقوم فى ~~PageV06P275 السلم ، وجواز بيعه كجواز بيع العين ، وليس ms2015 الأعدال كالثواب ~~الواحد المطوى أو الثوبين ؛ لأن نشرهما وطيهما لا مؤنة فيه ولا ضرر ، وقد ~~قال عليه السلام : ( لا تصف المرأة المرأة لزوجها حتى كأنه ينظر إليها ) ، ~~فأقام الصفة مقام الرؤية . * * * # | 59 - باب النهى للبائع أن لا يحفل الإبل والبقر والغنم وكل محفلة ~~والمصراة التى صرى لبنها وحقن فيه وجمع فلم يحلب أياما ، # وأصل التصرية حبس الماء يقال منه صريت الماء إذا حبسته / 88 - فيه : أبو ~~هريرة ، قال النبى عليه السلام : ( لا تصروا الإبل والغنم فمن ابتاعها بعد ~~، فإنه بخير النظرين بعد أن يحلبها إن شاء أمسكها ، وإن شاء ردها وصاع تمر ~~) . وقال بعضهم عن ابن سيرين : صاعا من طعام ، وهو بالخيار ثلاثا . وقال ~~بعضهم عن ابن سيرين : صاعا من تمر ولم يذكر ثلاثا ، والتمر أكثر . قال ~~المهلب : هذا الحديث أصل فى الرد بالعيب والدلسة ؛ لأن اللبن إذا حبس فى ~~ضرعها أياما فلم تحلب ، ظن المشترى أنها هكذا كل يوم ، فاغتر به ، وقد روى ~~أبو الضحى عن مسروق قال ابن مسعود : ( أشهد على الصادق المصدوق أبى القاسم ~~صلى الله عليه أنه قال : بيع المحفلات خلابة ، ولا تحل خلابة مسلم ) ، وقال ~~بحديث المصراة جمهور العلماء ، منهم : ابن أبى ليلى ومالك والليث ~~PageV06P276 وأبو يوسف والشافعى وأحمد وإسحاق وأبو ثور ، قالوا : إذا بان ~~لمشتريها أنها مصراة ردها بعد الثلاث ، ورد معها صاعا من تمر ، ورد أبو ~~حنيفة ومحمد الحديث وقالا : ليس له أن يردها بالعيب ، ولكنه يرجع على ~~البائع بنقصان العيب ، قالوا : لأنه لو ابتاع شيئا به عيب فإنما يأخذ الأرش ~~ولا خيار له فى الرد البتة ، ألا ترى لو ابتاع عبدا فقطعت يده عند المشترى ~~، ثم ظهر على عيب كان عند البائع لم يكن له رد العبد ، وإنما يأخذ الأرش ~~بقدر العيب . وزعموا أن حديث المصراة منسوخ بحديث الغلة بالضمان ، قالوا : ~~ومعلوم أن اللبن المحلوب فى المرة الأولى هو لبن التصرية ، وقد خالطه جزء ~~من اللبن الحادث فى ملك المبتاع ، وكذلك المرة الثانية والثالثة غلة طارئة ~~فى ملك المشترى ، فكيف يرد له ms2016 شيئا ؟ قالوا : فالأصول المجتمع عليها فى ~~المستهلكات أنها لا تضمن إلا بالمثل أو بالقيمة من الذهب أو الورق ، فكيف ~~يجوز أن يضمن لبن التصرية الذى هو فى ملك البائع فى حين البيع بصاع تمر فات ~~عند المشترى أو لم يفت ، وقد وقعت عليه الصفقة كما وقعت على الشاة ، فيكون ~~صاعا دينا بلبن دين ، وهذا يبين أن حديث المصراة منسوخ بتحريم الرباء ؛ لأن ~~النبى - عليه السلام - جعل الطعام بالطعام ربا إلا هاء وهاء . قال المهلب : ~~وما ادعوه من نسخ حديث المصراة فباطل ، والصاع المردود إنما هو عبادة ، ~~وتحلل من اللبن الذى صرى الذى وقعت عليه الصفقة ، وما حدث بعده من اللبن ~~فهو للمشترى بالضمان ، ولبن PageV06P277 التصرية لم يبعه صاحب الشاة على ~~أنه مصرى ، وإنما باعه على أنه غلة حادثة فى الحلاب ، فليس له فى الحقيقة ~~رجوع بقيمته ، ولا أخذ عوض فيه ؛ لأنه لم تكن نيته عند البيع أن يأخذ فيه ~~عوضا ، ولا أنه مبيع ، فلما ظهر العيب بالاختبار علم أنه عين قائمة باعه مع ~~الشاة على أنه غلة وهو غيرها ، فأمر بالصاع على وجه التحلل . قال غيره : ~~وأجمع العلماء على أنه إذا ردها بعيب التصرية لم يرد اللبن الحادث فى ملكه ~~، ولم يجز أن يرد لبنا مثل لبن التصرية ، لأنه لا يعلم مقداره ، وإذا لم ~~يعلم ذلك دخله بيع اللبن باللبن متفاضلا والى أجل ، وذلك لا يجوز ، ولما ~~كان لبن التصرية مغيبا لا يعلم مقداره ، لأن لبن ناقة أو بقرة أكثر من لبن ~~شاة ، وأمكن التداعى فى قيمته ، قطع النبى الخصومة فى ذلك بما حده من الصاع ~~، كما فعل فى دية الجنين ، قطع فيه بالغرة حسما لتداعى الموت فيه والحياة ، ~~لأن الجنين لما أمكن أن يكون حيا فى حين ضرب بطن أمه ، فتكون فيه دية كاملة ~~، وأمكن أن يكون ميتا فلا تكون فيه دية كاملة ، قطع النبى - عليه السلام - ~~التنازع والخصام بأن جعل فيه غرة عبدا أو أمة وفى اتفاق العلماء على القول ~~بدية الجنين دليل على أن لزوم القول بحديث ms2017 المصراة اتباعا للسنة وتسليما ~~لها ، ومما يشهد لصحة هذا التأويل أنها لو كانت عشر شياه أو أكثر لما رد ~~معها إلا صاعا واحدا كما يرد عن الواحدة فثبت أنه ليس على سبيل القيمة ~~والمماثلة ، وإنما هو على سبيل التحليل . قال ابن القصار : وأما قولهم فى ~~العبد تقطع يده عند المشترى ثم PageV06P278 يظهر على عيب أنه لا يرده ، ~~ويأخذ أرش العيب . فمذهب مالك أن المشترى بالخيار فى أن يتمسك ويأخذ أرش ~~العيب الذى كان عند البائع ، أو يرده ومعه أرش العيب الذى عنده ، وهذا ~~أصلنا ، ولا يمنع حدوث العيب من الرد ، كما لو اشترى العدل من المتاع ثم ~~نشره له ، ثم ظهر على عيب أنه يرده كله وكذلك يرد البيضة إذا كسرت وفيها ~~العيب ، ولو اشترى عبدين من رجل فمات أحدهما ، ووجد بالآخر عيبا فإنه يرد ~~العبد الباقى ، ومع هذا فإنه قد دخل النقص فى المبيع بموت الآخر . وقولهم : ~~إن التمر ليس من جنس اللبن . فنقول : إن الأصول على ضربين : مضمون بالمثل ، ~~ومضمون بالقيمة ، ثم لما جاز أن يكون المضمون بالقيمة غير مضمون بالقيمة فى ~~موضع ، كذلك يجوز أن يكون المضمون بالمثل غير مضمون بجنسه ، ألا ترى أن ~~الجنين فيه غرة عبد أو أمة ، وليست مثلا له ولا قيمة ، وأيضا فإن الشىء ~~المكيل لا يكون مضمونا بالمثل والجنس إلا فى المواضع التى يمكن اعتبار ذلك ~~فيها فأما الموضع الذى لا يمكن اعتبار مثله ، فإنه يجوز أن يضمن بغير مثله ~~، ألا ترى أننا قد اتفقنا على أن اللبن المضمون بمثله إذا تلف عليه فى وعاء ~~أنه يمكن اعتبار المثل فيه ، ثم لو أتلف عليه شاة لبونا جعلنا بإزاء ذلك ~~اللبن الذى أتلف فى ضرعها زيادة قيمة فيها ، ولم يضمنه بالمثل إذ لا يمكن ~~اعتباره . PageV06P279 قال غيره : فى حديث المصراة دلالة على أن من اشترى ~~نخلا وفيها نخل قد أبر ، أو أمة حاملا ، فأكل التمر أو هلك الابن ثم رد ~~النخل أو الأمة بعيب ، أنه يرد قيمة المبيع معها ، لأنه قد وقع له ms2018 حصة من ~~الثمن ، كما فعل النبى بالمصراة ، وهو قول ابن القاسم ، وخالفه أشهب فى ~~التمرة ، وقال : التمرة للمشترى بالضمان ، وقول ابن القاسم يشهد له الحديث ~~. وقال أبو عبيد : أصل التصرية حبس الماء وجمعه ، يقال : منه صريت الماء ~~وصريته . قال الزبيدى : الكلمة من الثلاثى المعتل اللام من صرى يصرى : إذا ~~جمع وقد غلط أبو على البغدادى فذكره فى باب الثنائى المضاعف وأنشد الفراء : ~~رأت غلاما قد صرى فى فقرته ماء الشباب عنفوان تحرته قال المؤلف : أى : جمع ~~الماء فى ظهره قال أبو عبيد : ويقال : إنما سميت المصراة كأنها مياه اجتمعت ~~. قال المؤلف : فينبغى أن يكون لا تصروا : بضم التاء وفتح الصاد ، كما تقول ~~: ربيت ، فهى مرباة ، ولا يجوز أن تقول : لا تصروا بفتح التاء وضم الصاد ، ~~وإنما كان يجوز ذلك إذا قيل للشاة : مصرورة ، واختلف فى لفظه عن مالك ، ~~فقيل هكذا ، وقيل : لا تصروا . قال أبو عبيد : المحفلة : هى المصراة بعينها ~~، وإنما سميت محفلة ، PageV06P280 لأن اللبن حفل فى ضرعها واجتمع وكل شىء ~~كثرته فقد حفلته ، يقال : قد احتفل القوم : إذا اجتمعوا ، ولهذا سمى محفل ~~القوم ، وجمع المحفل : محافل ، وذكر النبى الإبل والغنم فى حديث المصراة ، ~~ويدخل فى ذلك البقر بالمعنى ، هذا قول مالك . * * * # | 60 - باب إن شاء رد المصراة وفى حلبتها صاع من تمر # / 89 - فيه : أبو هريرة ، قال النبى ، عليه السلام : ( من اشترى غنما ~~مصراة فاحتلبها ، فإن رضيها أمسكها ، وإن سخطها ففى حلبتها صاع من تمر . ~~اختلف العلماء فيما يرد مع المصراة ، فذهب الليث و الشافعى وأحمد وإسحاق ~~وأبو ثور إلى أنه لا يرد معها إلا صاعا من تمر لا من بر ولا غيره على ظاهر ~~الحديث ، واحتجوا أيضا بحديث هشام بن حسان ، عن محمد بن سيرين ، عن أبى ~~هريرة ، أن النبى - عليه السلام - قال : ( يرد المصراة صاعا من تمر لا ~~سمراء ) ، وقال مالك : يرد مع المصراة صاعا من قوت بلده تمرا كان أو برا أو ~~غيره ، وحجته أن النبى - عليه السلام - إنما جعل التمر فى حديث المصراة ؛ ~~لأنه كان ms2019 عيشهم ، فوجب أن يخرج كل واحد من قوته . وقال ابن أبى ليلى وأبو ~~يوسف : يرد مع الشاة قيمة صاع من تمر . وقال زفر : يرد صاعا من تمر أو نصف ~~صاع من بر . وقال غيره : لا يرد غير التمر . ويجىء على أصله أن التمر إذا ~~عدم وجب رد قيمته لا قيمة اللبن . وقال عيس بن دينار : لو حلبها مرة وثانية ~~فنقص لبنها ردها ورد PageV06P281 معها صاعا من تمر لحلبته الأولى ، ولو جاء ~~باللبن بعينه كما حلبه لم يقبل منه ، ولزمه غرم الصاع ؛ لأن الصاع قد وجب ~~عليه فليس عليه أن يعطى فيه لبنا فيدخله بيع الطعام قبل يستوفى ، وأجاز ذلك ~~سحنون وقال : هى إقالة إذا جاء باللبن بعينه ؛ لحدثان ذلك . وقال عيسى بن ~~دينار : من اشترى عدة محفلات فى صفقة ، فإنما يرد عن الجميع صاعا واحدا على ~~ظاهر قوله : ( من اشترى غنما مصراة ففى حلبتها صاع من تمر ) على هذا عامة ~~العلماء ، وحكى عن بعض المتأخرين أنه يرد صاعا عن كل واحدة ، والذى عليه ~~الجماعة أولى بدليل هذا الحديث . * * * # | 61 - باب بيع العبد الزانى وقال شريح : إن شاء رد من الزنا # . / 90 - فيه : أبو هريرة ، قال النبى ، عليه السلام : ( إذا زنت الأمة ~~فتبين زناها ، فليجلدها ولا يثرب ، ثم إن زنت فليجلدها ، ولا يثرب ثم إن ~~زنت الثالثة فليبعها ، ولو بحبل من شعر ) . / 91 - وقال مرة : إن النبى ، ~~عليه السلام ، سئل عن الأمة إذا زنت ولم تحصن ، قال : ( إن زنت فاجلدوها ، ~~ثم إن زنت فاجلدوها ، ثم إن زنت فبيعوها ، ولو بضفير ) . قال ابن شهاب : لا ~~أدرى بعد الثالثة أو الرابعة . قال المهلب : فقه هذا الحديث على بيع العبد ~~الزانى والندب PageV06P282 إلى مباعدة الزانية ، وقوله : ( ولو بحبل من شعر ~~) معناه المبالغة فى التزهيد فيها ، وليس هذا من وجه إضاعة المال ؛ لأن أهل ~~المعاصى مأمور بقطعهم ومنابذتهم . وقوله : ( ثم إن زنت الثالثة فبيعوها ) ~~ولم يذكر الحد اكتفاء بما تقدم من تقرر الحد ووجوبه ، وقد قال تعالى : { ~~فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات ms2020 من العذاب } يعنى : الجلد ؛ ~~لأن الرجم لا يتنصف ، وإحصان الأمة إسلامها عند مالك والكوفيين والشافعى ~~وجماعة . قوله : ( ولا يثرب ) أى لا يلومن ولا يعددن بعد الجلد ، ويؤيد هذا ~~أن توبة كعب بن مالك ومن فر يوم حنين حين تاب الله عليهم كانت شرفا لهم ، ~~ولم تكن لهم ملامة ، فبان بهذا أن اللوم والتثريب لا يكون إلا قبل التوبة ~~أو الحد وأوجب أهل الظاهر بيع الأمة إذا زنت الرابعة وجلدت ، والأمة كلها ~~على خلافهم ، وكفى بقولهم جهلا خلاف الأمة له . اختلف العلماء فى العبد إذا ~~زنى ، هل الزنا عيب يجب الرد به أم لا ؟ فقال مالك : الزنا عيب فى العبد ~~والأمة . وهو قول أحمد وإسحاق وأبى ثور . وقال الشافعى : كل ما ينقص من ~~الثمن فهو عيب . وقال الكوفيون : الزنا فى الأمة عيب ؛ لأنها تستولد وليس ~~بعيب فى الغلام ، وذلك ولد الزنا عيب يرد به . PageV06P283 وقال مالك : إذا ~~كانت الجارية ولد زنا فهو عيب ، وإنما جعل الزنا عيب ؛ لأنه ربما بلغ الحد ~~به مبلغ تلف النفس ، وان المنايا قد تكون من القليل والكثير ، وإذا صح أنه ~~عيب وجب على البائع أن يبينه ، فإذا رضى به المبتاع صح البيع كسائر العيوب ~~، وإذا لم يبينه كان للمبتاع رده إن شاء . فان قيل : فما معنى أمره عليه ~~السلام ببيع الأمة الزانية والذى يشتريها يلزمه من اجتنابها ومباعدتها ما ~~يلزم البائع . قيل : إن فائدة ذلك - والله أعلم - المبالغة فى تقبيح فعلها ~~، والإعلام أن الأمة الزانية لا جزاء لها إلا البيع أبدا ، وأنها لا بقاء ~~لها عند سيد ، وذلك زجر لها عند معاودة الزنا ، وأدب بالغ . * * * # | 62 - باب البيع والشراء مع النساء # / 92 - فيه : عائشة ، دخل على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فذكرت له ~~، فقال لها رسول الله : ( اشترى وأعتقى ، فإنما الولاء لمن أعتق ) . / 93 - ~~وقال ابن عمر : أن عائشة ساومت بريرة ، فخرج النبى إلى الصلاة ، فلما جاء ، ~~قالت : إنهم أبوا أن يبيعوها إلا أن يشترطوا الولاء ، فقال النبى - صلى ~~الله عليه وسلم - : ( إنما الولاء لمن ms2021 أعتق ) . والأمة مجمعة على أن المرأة ~~إذا كانت مالكة أمر نفسها جاز لها أمرها أن تبيع وتشترى ، وليس لزوجها ~~عليها فى ذلك اعتراض ، فإن كان فى البيع محاباة قصدت إليها ، فالمحاباة ~~كالعطية . وقد اختلف العلماء فى عطية المرأة بغير إذن زوجها ، وهو مذكور ~~PageV06P284 فى كتاب الزكاة فى حديث ابن عباس حين أمر النبى - صلى الله ~~عليه وسلم - النساء بالصدقة يوم العيد ، فأغنى عن إعادته . * * * # | 63 - باب هل يبيع حاضر لباد بغير أجر وهل يعينه أو ينصحه ؟ # وقال عليه السلام : ( إذا استنصح أحدكم أخاه فلينصح له ) . ورخص فيه عطاء ~~. / 94 - فيه : جرير ، بايعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على شهادة ~~أن لا إله إلا الله ، والنصح لكل مسلم . مختصرا . / 95 - وفيه : ابن عباس ، ~~قال عليه السلام : ( لا تلقوا الركبان ، ولا يبع حاضر لباد ) ، فقلت لابن ~~عباس : ما قوله : ( لا يبع حاضر لباد ) ؟ قال : لا يكون له سمسارا . نهى ~~النبى أن يبيع حاضر لباد عند العلماء أريد به نفع أهل الحضر ، لما روى ~~سفيان عن أبى الزبير ، عن جابر أن النبى عليه السلام ، قال : ( لا يبع حاضر ~~لباد ، دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض ) . قال الطحاوى : فعلمنا من هذا ~~أن الحاضر إنما نهى أن يبيع للبادى لأن الحاضر يعلم أسعار الأسواق ، ~~فيستقصى على الحاضرين فلا يكون لهم فى ذلك ربح ، وإذا باعهم أعرابى على ~~غرته و جهله بأسعار الأسواق ربح عليه الحاضرون ، فأمر النبى أن يخلى بين ~~الأعراب والحاضرين فى البيوع . PageV06P285 واختلف العلماء فى ذلك ، فأخذ ~~قوم بظاهر الحديث ، كرهوا أن يبيع الحاضر للبادى ، روى ذلك عن أنس وأبى ~~هريرة وابن عمر ، وهو قول مالك والليث والشافعى . ورخص فى ذلك آخرون ، روى ~~ذلك عن عطاء ومجاهد ، وقال مجاهد : إنما نهى رسول الله عن ذلك فى زمانه ، ~~فأما اليوم فلا . وهو قول أبى حنيفة وأصحابه ، وقالوا : قد عارض هذا الحديث ~~قوله عليه السلام : ( الدين النصيحة ) لكل مسلم . فيقال لهم : ( الدين ~~النصيحة ) عام ، و ( لا يبع حاضر لباد ) خاص ، والخاص يقضى على ms2022 العام ؛ لأن ~~الخصوص استثناء ، كأنه قال عليه السلام : الدين النصيحة إلا أنه لا يبع ~~حاضر لباء . فيستعملان جميعا ، فيستعمل العام منهما فيما عدا الخاص . وقال ~~مالك فى تفسير الحديث : لا أرى أن يبيع الحاضر للبادى ولا لأهل القرى ، ~~وأما أهل المدن من أهل الريف فليس بالبيع لهم بأس إلا من كان منهم يشبه أهل ~~البادية فإنى لا أحب أن يبيع لهم حاضر ، وقال فى البدوى يقدم المدينة فيسأل ~~الحاضر عن السعر : أكره أن يخبره . وقال مرة أخرى : لا بأس أن يشير عليه . ~~روى عنه ابن القاسم القولين جميعا . وقال ابن المنذر : قد تأول قوم نهيه ~~عليه السلام أن يبيع حاضر لباد على وجه التأديب لا على معنى التحريم ؛ ~~لقوله عليه السلام : ( دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض ) قال : وليس ~~يبين عندى أن هذا الكلام يدل على أنه نهى تأديب ، بل هو عندى على الحظر . ~~PageV06P286 واختلفوا هل يفسخ البيع ، فروى عيسى عن ابن القاسم أنه يفسخ ، ~~فإن فات فلا شىء عليه ، وروى سحنون عنه أنه يمضى البيع ، وهو قول ابن وهب ~~والشافعى . واحتج الشافعى على جواز البيع بقوله عليه السلام : ( دعوا الناس ~~يرزق الله بعضهم من بعض ) ولم يقع الفساد فى ثمن ولا مثمون ولا فى عقد ~~البيع ، فلا ينبغى فسخه . * * * # | 64 - باب من كره أن يبيع حاضر لباد بأجر ، وبه قال ابن عباس # / 96 - فيه : ابن عمر : نهى النبى ، عليه السلام ، أن يبيع حاضر لباد . ~~أراد البخارى فى هذا الباب والذى قبله أن يجيز بيع الحاضر للباد بغير أجر ، ~~ويمنعه إذا كان بأجر ، واستدل على ذلك بقول ابن عباس : لا يكون له سمسارا . ~~فكأنه أجاز ذلك لغير السمسار إذا كان ذلك من طريق النصح للمسلم وقد أجاز ~~الأوزاعى أن يشير الحاضر على البادى ، وقال : ليست الإشارة بيعا . وقد روى ~~عن مالك الرخصة فى الإشارة عليه ، وقال الليث : لا يشير عليه ؛ لأنه إذا ~~أشار عليه فقد باع له ، ولم يراع الفقهاء فى السمسار أجرا ولا غيره ، ~~والناس فى تأويل هذا ms2023 الحديث على قولين : فمن كره بيع الحاضر للباد كره بأجر ~~وغير أجر ، ومن أجازه أجازه بأجر وغير أجر . PageV06P287 * * * # | 65 - باب لا يشترى حاضر لباد بالسمسرة # وكرهه ابن سيرين وإبراهيم للبائع والمشترى . وقال إبراهيم : إن العرب ~~يقولون : بع لى ثوبا وهى تعنى الشراء . / 97 - فيه : أبو هريرة ، وأنس ، ~~قال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( لا يبع حاضر لباد ) . اختلف العلماء ~~فى شراء الحاضر للبادى ، فكرهته طائفة كما كرهت البيع له ، واحتجوا بأن ~~البيع فى اللغة يقع على الشراء ، كما يقع الشراء على البيع ؛ لقول الله : { ~~وشروه بثمن بخس } يعنى باعوه ، وهو من الأضداد ، وروى ذلك عن أنس . وأجازت ~~طائفة الشراء لهم ، وقالوا : إن النهى إنما جاء فى البيع خاصة ولم يعدوا ~~ظاهر اللفظ ، روى ذلك عن الحسن البصرى . واختلف قول مالك فى ذلك ، فمرة قال ~~: لا يشترى له ولا يشير عليه ، ومرة أجاز الشراء له . وبهذا قال الليث ~~والشافعى . واحتج الشافعى لجواز الشراء له بقوله عليه السلام : ( دعوا ~~الناس يرزق الله بعضهم من بعض ) . * * * # | 66 - باب النهى عن تلقى الركبان ، وبيعه مردود لأن صاحبه عاص آثم إذا ~~كان به عالما ، وهو خداع فى البيع والخداع لا يجوز # / 98 - فيه : أبو هريرة ، نهى النبى ، عليه السلام ، عن التلقى ، وأن ~~يبيع حاضر لباد . وقال طاوس : سألت ابن عباس عن معنى قوله : ( لا يبيعن ~~حاضر لباد ؟ ) فقال : لا يكن له سمسارا . PageV06P288 / 99 - وفيه : ابن ~~مسعود : نهى النبى ، عليه السلام ، عن تلقى البيوع . / 100 - وفيه : ابن ~~عمر ، أن النبى ، عليه السلام ، قال : ( لا تلقوا السلع حتى يهبط بها إلى ~~السوق ) . قال ابن المنذر : كره تلقى السلع للمشترى مالك والليث والأوزاعى ~~والشافعى وأحمد وإسحاق ، وأجاز ذلك أبو حنيفة . واختلفوا فى معنى التلقى : ~~فذهب مالك إلى أنه لا يجوز تلقى السلع حتى تصل إلى السوق ، ومن تلقاها ~~فاشتراها منهم شركه فيها أهل السوق إن شاءوا ، فكان واحدا منهم . قال ابن ~~القاسم : وإن لم يكن للسلعة سوق عرضت على الناس فى المصر فيشتركون فيها إن ~~أحبوا ، فإن أخذوها ms2024 ، وإلا ردوها عليها ، ولم أردها على بائعها . وقال غير ~~ابن القاسم : يفسخ البيع فى ذلك . وقال الشافعى : من تلقى فقد أساء ، وصاحب ~~السلعة بالخيار إذا قدم بها السوق فى إنفاذ البيع أو رده ؛ لأنهم يتلقونهم ~~فيخبرونهم بكساد السلع وكثرتها ، وهم أهل غرة ، وهذا مكر وخديعة . وحجته ما ~~رواه أيوب ، عن ابن سيرين ، عن أبى هريرة : ( أن النبى - عليه السلام - نهى ~~عن تلقى الجلب ، فإن تلقاه فاشتراه ، فصاحبه بالخيار إذا أتى السوق ) فذهب ~~مالك أن نهيه عليه السلام عن التلقى إنما أريد به نفع أهل السوق ، لا نفع ~~رب السلعة ، وعلى ذلك يدل مذهب الكوفيين والأوزاعى . وقال الأبهرى : معنى ~~النهى عن التلقى لئلا يستبد الأغنياء وأصحاب الأموال بالشراء دون أهل الضعف ~~؛ فيؤدى ذلك إلى الضرر بهم PageV06P289 فى معايشهم ، ولهذا المعنى قال مالك ~~: إنه يشرك بينهم إذا تلقوا السلع ليشترك فيها من أرادها من أهل الضعف ، ~~ولا ينفرد بها الأغنياء . ومذهب الشافعى أنه إنما أريد بالنهى نفع رب ~~السلعة لا نفع أهل السوق ، وهذا أشبه بمعنى قوله عليه السلام : ( فإن ~~تلقاها فصاحبها بالخيار ) فجعل النبى - صلى الله عليه وسلم - الخيار للبائع ~~؛ لأنه المغرور ، فثبت أن المراد بذلك نفع رب السلعة . وقال أبو حنيفة ~~وأصحابه : إذا كان التلقى فى أرض لا يضر بأهلها فلا بأس به ، وإن كان يضرهم ~~فهو مكروه وعن الأوزاعى نحوه . واحتج الكوفيون بحديث ابن عمر قال : ( كنا ~~نتلقى الركبان فنشترى منهم الطعام ، فنهانا النبى - عليه السلام - أن نبيعه ~~حتى نبلغ به سوق الطعام ) . وقال الطحاوى : فى هذا الحديث إباحة التلقى ، ~~وفى الأحاديث الأولى النهى عنه ، فأولى بنا أن نجعل ذلك على غير التضاد ، ~~فيكون ما نهى عنه من التلقى لما فى ذلك من الضرر على غير المتلقين المقيمين ~~فى السوق ، وما أبيح من التلقى هو ما لا ضرر عليه فيه . قال المؤلف : ~~وتأويل هذا الحديث يأتى ذكره فى باب منتهى التلقى بعد هذا . قال الطحاوى : ~~والحجة فى إجازة الشراء مع التلقى المنهى عنه ما حدثنا على بن معبد ، حدثنا ms2025 ~~عبد الله بن أبى بكر السهمى ، حدثنا PageV06P290 هشام ، عن محمد ، عن أبى ~~هريرة ، قال رسول الله : ( لا تلقوا الجلب ، فمن تلقاه فهو بالخيار إذا أتى ~~السوق ) . ففى هذا الحديث عن الرسول النهى عن تلقى الجلب ، ثم جعل للبائع ~~الخيار فى ذلك إذا دخل السوق ، والخيار لا يكون إلا فى بيع صحيح ؛ لأنه لو ~~كان فاسدا لأجبر بائعه ومشتريه على فسخه . * * * # | 67 - باب منتهى التلقى # / 101 - فيه : ابن عمر ، كنا نتلقى الركبان فنشترى منهم الطعام ، فنهانا ~~النبى ، عليه السلام ، أن نبيعه حتى يبلغ به سوق الطعام . / 102 - قال ~~عبيدالله ، عن نافع ، عن ابن عمر : كانوا يبتاعون الطعام فى أعلى السوق ، ~~فيبيعونه فى مكانه ، فنهاهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يبيعوه فى ~~مكانه حتى ينقلوه . وقال أبو عبد الله : هذا فى أعلى السوق ، يبينه حديث ~~عبيدالله . قال المهلب : قول البخارى : هذا فى أعلى السوق . يعنى قول ابن ~~عمر فى الحديث الأول : ( كنا نتلقى الركبان فنشترى منهم ) يريد أنهم كانوا ~~يتلقونهم فى أعلى السوق ، وذلك جائز ، وبين ذلك عبد الله بن عمر بقوله : ( ~~كانوا يتبايعون الطعام فى أعلى السوق ) . وأن ما كان خارجا عن السوق فى ~~الحاضرة أو قريبا منها بحيث يجد من يسأله عن سعرها ، أنه لا يجوز الشراء ~~هنالك ؛ لأنه داخل PageV06P291 فى معنى التلقى ، وأما الموضع البعيد الذى ~~لا يقدر فيه على ذلك فيجوز فيه البيع ، وليس بتلق . قال مالك : وأكره أن ~~يشترى فى نواحى المصر حتى يهبط به السوق . قال ابن المنذر : وبلغنى هذا ~~القول عن أحمد وإسحاق ، أنهما نهيا عن التلقى خارج السوق ، ورخصا فى ذلك فى ~~أعلى السوق ، واحتجا بحديث مالك عن نافع ، عن ابن عمر : ( أن النبى - عليه ~~السلام - نهى عن تلقى السلع حتى يهبط بها الأسواق ) . ومذاهب العلماء فى حد ~~التلقى متقاربة ، روى عن يحيى بن سعيد أنه قال فى مقدار الميل فى المدينة ~~أو آخر منازلها : هو من تلقى البيوع المنهى عنه . وروى ابن القاسم ، عن ~~مالك أن الميل من المدينة تلقى . قيل ms2026 له : فإن كان على ستة أميال ؟ فقال : ~~لا بأس بالشراء وليس بتلق . وروى أشهب عن مالك فى الصحافين الذين يخرجون ~~إلى الأجنة فيشترون الفاكهة قال ذلك تلق وقال أشهب : لا بأس بالشراء وليس ~~ذلك ؛ لأنهم يشترون فى مواضعه من غير جالب . وقال ابن حبيب : لا يجوز للرجل ~~فى الحضر أن يشترى ما مر به من السلع وإن كان على بابه إذا كان لها مواقف ~~فى السوق تباع فيها ، وهو متلق إن فعل ذلك ، وما لم يكن لها موقف وإنما ~~يطاف بها فأدخلت أزقة الحاضرة ، فلا بأس أن يشترى وإن لم تبلغ السوق . وقال ~~الليث : من كان على بابه أو فى طريقه ، فمرت به سلعة فاشتراها ، فلا بأس ~~بذلك ، والمتلقى عنده الخارج القاصد إليه PageV06P292 . قال ابن حبيب : ومن ~~كان موضعه فى غير الحاضرة قريبا منها أو بعيدا فلا بأس أن يشترى ما مر به ~~للأكل خاصة لا للبيع ، رواه أشهب عن مالك . * * * # | 68 - باب إذا شرط فى البيع شروطا لا تحل # / 103 - فيه : حديث بريرة ، وقول النبى ، عليه السلام : ( ما بال رجال ~~يشترطون شروطا ليست فى كتاب الله ، ما كان من شرط ليس فى كتاب الله ، فهو ~~باطل ، وإن كان مائة شرط ، قضاء الله أحق ، وشرط الله أوثق ، وإنما الولاء ~~لمن أعتق ) . أجمع العلماء على أنه من اشترط فى البيع شروطا لا تحل أنه لا ~~يجوز شىء منها ؛ لقوله عليه السلام : ( من اشترط شرطا ليس فى كتاب الله فهو ~~باطل ) . واختلفوا فى غيرها من الشروط فى البيع على مذاهب مختلفة ، فذهبت ~~طائفة إلى أن البيع جائز والشرط باطل على نص حديث بريرة وهو قول ابن أبى ~~ليلى والحسن البصرى والشعبى والنخعى والحكم ، وبه قال أبو ثور ، قالوا : ~~ودل هذا الحديث أن الشروط كلها فى البيوع تبطل وتثبت البيوع . وذهبت طائفة ~~إلى أن البيع جائز والشرط جائز ، واحتجوا بحديث جابر : ( أن النبى اشترى ~~منه جملا وشرط ركوبه إلى المدينة ) ، روى ذلك عن ابن شبرمة وبعض التابعين . ~~PageV06P293 وذهبت طائفة إلى أن البيع باطل ms2027 والشرط باطل ، واحتجوا بحديث ~~عمرو بن شعيب عن أبيه ، عن جده : ( أن النبى - عليه السلام - نهى عن بيع ~~وشرط ) ، وهو قول الكوفيين والشافعى ، فحملوا هذه الأحاديث التى نزعوا بها ~~على العموم ، ولكل واحد منها موضع لا يتعداه ، ولها عند مالك أحكام مختلفة ~~، وقد يجوز عنده البيع والشرط فى مواضع فأما إجازته للبيع والشرط ، فمثل أن ~~يشرط المشترى على البائع شيئا مما فى ملك البائع مما لم يدخل فى صفقة البيع ~~، وذلك أن يشترى منه زرعا ويشترط على البائع حصاده ، أو يشترى منه دارا ~~ويشترط البائع سكناها مدة يسيرة ، أو يشترط ركوب الدابة يوما أو يومين ، ~~وقد روى عنه أنه لا بأس أن يشترط سكنى الدار الأشهر والسنة . ووجه إجازته ~~لذلك أن البيع وقع على الشيئين معا : على الزرع ، وعلى الحصاد ، والحصاد ~~إجارة ، والإجارة بيع ، منفعة ، وكذلك وقع البيع على الدار غير سكنى المدة ~~، وعلى الدابة غير الركوب ، و أبو حنيفة والشافعى لا يجيزان هذا البيع كله ~~؛ لأنه عندهم بيع و إجارة ، ولا يجوز ؛ لأن الإجارة عندهم بيع منافع طارئة ~~فى ملك البائع لم تخلق بعد ، وهو من باب بيعتين فى بيعة ، ومما أجاز فيه ~~مالك البيع والشرط شراء العبد على أن يعتق ؛ اتباعا للسنة فى بريرة ، وهو ~~قول الليث ، وبه قال الشافعى فى رواية الربيع ، ولم يقس عليه غيره من أجل ~~نهيه عليه السلام عن بيع والشرط ، وأجاز ابن أبى ليلى هذا البيع وأبطل ~~الشرط ، وبه قال أبو ثور . PageV06P294 وأبطل أبو حنيفة البيع والشرط ، ~~وأخذ بعموم نهيه عليه السلام عن بيع وشرط ، إلا أن أبا حنيفة يقول : إن ~~المبتاع إذا أعتقه كان مضمونا عليه بالثمن ، وهذا خلاف أصوله ؛ لأنه كان ~~ينبغى أن يكون مضمونا عليه بالقيمة ، كما قال وقلنا فى البيع الفاسد ، ومضى ~~أبو يوسف ومحمد على القياس فقالا : يكون مضمونا عليه بالقيمة . قال ابن ~~المنذر : وما قالوه خطأ ؛ لأن البيع إن كان غير جائز والعبد فى ملك البائع ~~لم يزل ملكه عنه ، وعتق المشترى له باطل ؛ لأنه أعتق ما ms2028 لا يملك . ومما ~~أجاز فيه مالك البيع وأبطل الشرط ، وذلك شراء العبد على أن يكون الولاء ~~للبائع ، وهذا البيع أجمعت الأمة على جوازه ، وإبطال الشرط فيه لمخالفته ~~السنة فى أن الولاء لمن أعتق ، وأن النبى - عليه السلام - أجاز هذا البيع ~~وأبطل الشرط ، وكذلك من باع سلعة وشرط أنه إن لم ينفذه المشترى إلى ثلاثة ~~أيام أو نحوها مما يرى ، أنه لا يريد تحويل الأسواق والمخاطرة ، فالبيع ~~جائز والشرط باطل عند مالك . وأجاز ابن الماجشون البيع والشرط وحمله محمل ~~بيع الخيار إلى وقت مسمى ، فإذا جاز الوقت فلا خيار له ، وممن أجاز هذا ~~البيع والشرط الثورى ومحمد بن الحسن وأحمد وإسحاق ، ولم يفرقوا بين ثلاثة ~~أيام أو أكثر منها ، وأجاز أبو حنيفة البيع والشرط إلى ثلاثة أيام ، فإن ~~قال : إلى أربعة أيام بطل البيع عنده لأن الخيار لا يجوز عنده اشتراطه أكثر ~~من ثلاثة أيام ، وبه قال أبو ثور . ومما يبطل فيه عند مالك البيع والشرط ، ~~وذلك مثل أن يبيعه جارية على ألا يبيعها ولا يهبها أو على أن يتخذها أم ولد ~~، فالبيع PageV06P295 عنده فاسد ، وهو قول أبى حنيفة والشافعى ، واعتلوا فى ~~فساد البيع بفساد الشرط فيه ، وذلك عدم تصرف المشترى فى المبيع ، وكما لا ~~يجوز عند الجميع أن يشترط المبتاع على البائع عدم التصرف فى الثمن ، فكذلك ~~لا يجوز أن يشترط البائع على المبتاع عدم التصرف فيما اشتراه ، وهذا عندهم ~~معنى نهيه عليه السلام عن بيع وشرط . وأجازت طائفة هذا البيع وأبطلت الشرط ~~، هذا قول النخعى والشعبى والحسن وابن أبى ليلى وبه قال أبو ثور ، وقال ~~حماد و الكوفيون البيع جائز والشرط لازم . قال ابن المنذر : وقد أبطل النبى ~~- عليه السلام - ما اشترطه أهل بريرة من الولاء وأثبت البيع ، ومثال هذا أن ~~كل من اشترط فى المبيع شرطا خلاف كتاب الله وسنة رسول الله أن الشرط باطل ~~والبيع ثابت استدلالا بحديث بريرة ، واشتراط البائع على المشترى ألا يبيع ~~ولا يهب ولا يطأ شروط ينبغى إبطالها وإثبات البيع ؛ لأن الله - تعالى ms2029 - أحل ~~وطء ما ملكت اليمين ، وأحل للناس أن يبيعوا أملاكهم ويهبوها ، فإذا اشترط ~~البائع شيئا من هذه فقد اشترط خلاف كتاب الله ، فهو مثل اشتراط موالى بريرة ~~ولاءها لهم ، فأجاز عليه السلام ذلك البيع وأبطل الشرط ، فكذلك ما كان مثله ~~. ومما يبطل فيه عند مالك والكوفيين والشافعى البيع والشرط : بيع الأمة ~~والناقة واستثناء ما فى بطنها ، وهو عندهم من بيوع الغرر ؛ لأنه لا يعلم ~~مقدار ما يصلح أن يحط من ثمنها قيمة الجنين ، وقد أجاز هذا PageV06P296 ~~البيع والشرط النخعى والحسن ، وبه قال أحمد وإسحاق وأبو ثور ، واحتجوا بأن ~~ابن عمر أعتق جارية واستثنى ما فى بطنها . قال ابن المنذر : وهذا البيع ~~معلوم ، ولا يضرهما أن يجهلا ما لم يدخل فى البيع ، ولا أعلمهم يختلفون أنه ~~يجوز بيع جارية وقد أعتق ما فى بطنها ولا فرق بين ذلك ؛ لأن المبيع فى ~~المسألتين جميعا الجارية دون الولد . قال المهلب : وحديث بريرة أصل فى ~~العقوبة فى الأموال ؛ لأن مواليها أبوا الوقوف عند حكم الله وحكم السنة ، ~~فلما عرفت عائشة النبى - عليه السلام - بإبائهم واستمرارهم على خلاف الحق ~~باشتراطهم ما لا يجوز قال لها : ( اشترطى لهم ذلك ) فإن ذلك غير نافعهم ، ~~ولا ناقض لبيعهم فعاقبهم فى المال بتخسيرهم ما وضعوا من الثمن من أجل ~~اشتراط الولاء واستبقائه لهم ، ولم يعطهم قيمته عقوبة لهم . قال أبو عبد ~~الله : فلو وقع اليوم مثل هذا وباع رجل جارية على أن يتخذها المشترى أم ولد ~~أو على ألا يبيعها ولا يهبها ثبت البيع ورجع البائع بقيمة ما وضع . ~~PageV06P297 * * * # | 69 - باب بيع التمر بالتمر # / 104 - فيه : عمر ، قال النبى ، عليه السلام : ( البر بالبر ربا إلا هاء ~~وهاء ، والشعير بالشعير ربا إلا هاء وهاء ، والتمر بالتمر ربا إلا هاء وهاء ~~) . وترجم له ( باب بيع الشعير بالشعير ) . معنى هاء وهاء فى كلام العرب : ~~خذ وأعط ، يعنى : لا يجوز بيع شىء من البر والشعير والتمر بجنسه إلا يدا ~~بيد ، قال ثابت : فإعرابه هاء وهاء ، وقال صاحب العين هى كلمة تستعمل عند ~~المناولة ms2030 وهى ممدودة : وقال ابن السكيت : يقال : هاء يا رجل ، وهاؤما يا ~~رجلان ، وهاؤهم يا رجال . قال الله - تعالى - : { هاؤم اقرءوا كتابيه } ~~وهاء يا امرأة . مكسورة الهمزة بلا ياء ، وهاؤما يا امرأتان ، و هاؤن يا ~~نسوة . وقال مالك : الأمر المجتمع عليه عندنا أنه لا تباع الحنطة بالحنطة ، ~~ولا الشعير بالشعير ، ولا التمر بالتمر ، ولا الحنطة بالتمر ، ولا شىء من ~~الطعام كله بعض بعضه إلا يدا بيد ، فإن دخل شيئا من ذلك الأجل فلا يصلح ~~وكان حراما ، قال : وكذلك حكم الإدام كله وعلى هذا عامة علماء الأمة ~~بالحجاز والعراق ، أن الطعام بالطعام من صنف واحد كان أو من صنفين ، فإنه ~~لا يجوز فيه PageV06P298 النسيئة ؛ فإنه بمنزلة الذهب والورق ، وذلك حكم كل ~~ما يكال أو يوزن مما يؤكل أو يشرب حكم ما ذكره النبى - عليه السلام - من ~~البر والشعير والتمر فى ذلك ، قال مالك : وإذا اختلف ما يكال أو يوزن مما ~~يؤكل أو يشرب ، فلا بأس باثنين منه بواحد يدا بيد ، لا بأس أن يؤخذ صاع من ~~تمر بصاعين من حنطة ، وصاع من تمر بصاعين من زبيب ، وصاع من حنطة بصاعين من ~~تمر فإن دخل ذلك الأجل فلا يحل . قال : ولا تباع صبرة الحنطة بصبرة الحنطة ~~، ولا بأس بصبرة الحنطة بصبرة التمر يدا بيد . قال مالك : وكل ما اختلف من ~~الطعام أو الإدام فبان اختلافه فلا بأس أن يشترى بعضه ببعضه جزافا يدا بيد ~~، وشراء بعض ذلك ببعض جزافا كشراء بعض ذلك بالذهب والورق جزفا . واتفق أهل ~~الحجاز والعراق على أن التفاضل جائز فى كل ما اختلف أجناسه من الطعام ؛ ~~لأنه إذا اختلتف أجناسه اختلفت أغراض الناس فيه ؛ لاختلاف منافعه ، فلذلك ~~جاز بيعه متفاضلا ، وكل ما جاز فيه التفاضل جاز بيع بعضه ببعض جزافا معلوما ~~بمجهول ، ومجهولا بمجهول ، ما لا يجوز فيه التفاضل فلا يجوز بيعه جزافا ، ~~ولا يباع معلوم بمجهول ، إلا أن مالكا يجعل البر والشعير والسلت صنفا واحدا ~~لا يجوز فيه التفاضل أحدهما لصاحبه ، وهو قول الليث والأوزاعى . وعند ~~الكوفيين والثورى ms2031 والشافعى يجوز بيع البر بالشعير متفاضلا ، وهما جنسان ~~عندهم ، وهو قول أحمد وإسحاق وأبى ثور . PageV06P299 * * * # | 70 - باب بيع الزبيب بالزبيب والطعام بالطعام # / 105 - فيه : ابن عمر ، أن النبى ، عليه السلام ، نهى عن المزابنة ~~والمزابنة بيع الثمر بالتمر كيلا ، وبيع الزبيب بالكرم كيلا . / 106 - وقال ~~مرة : المزابنة أن يبيع الثمر بكيل إن زاد فلى ، وإن نقص فعلى . سندخل ~~الكلام فى هذا الباب فى معنى المزابنة فلا معنى لتكريره . * * * # | 71 - باب بيع الذهب بالذهب # / 107 - فيه : أبو بكرة ، قال النبى ، عليه السلام : ( لا تبيعوا الذهب ~~بالذهب إلا سواء بسواء ، والفضة بالفضة إلا سواء بسواء ، وبيعوا الذهب ~~بالفضة ، والفضة بالذهب كيف شئتم ) . وترجم له باب بيع الذهب بالورق يدا ~~بيد . أجمع أئمة الأمصار أنه لا يجوز بيع الذهب بالذهب ، والفضة بالفضة ~~تبرهما وعينهما ومصنوعهما إلا مثلا بمثل يدا بيد ، ولا يحل التفاضل فى شىء ~~منهما ، وعلى هذا مضى السلف والخلف ، وبذلك كتب أبو بكر الصديق إلى عماله ، ~~وروى مثله عن على بن أبى طالب وروى مجاهد عن ثلاثة عشر من أصحاب النبى - ~~عليه السلام - مثله ، وإنما حرم الله الربا حراسة للأموال وحفظا لها ، فلا ~~يجوز واحد باثنين من جنس واحد ؛ لاتفاق أغراض الناس فيه ، ويجوز ~~PageV06P300 واحد باثنين إذا اختلف الصنفان ؛ لاختلاف الأغراض والمنافع ، ~~ولذلك قال عليه السلام : ( وبيعوا الذهب بالفضة ، والفضة بالذهب كيف شئتم ) ~~. * * * # | 72 - باب بيع الفضة بالفضة # / 108 - فيه : أبو سعيد ، قال النبى ، عليه السلام : ( الذهب بالذهب مثلا ~~بمثل ، والورق بالورق مثلا بمثل ) . / 109 - وقال مرة عن النبى - صلى الله ~~عليه وسلم - : ( لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا مثلا بمثل ، ولا تشفوا بعضها ~~على بعض ، ولا تبيعوا الورق بالورق إلا مثلا بمثل ، ولا تشفوا بعضها على ~~بعض ، ولا تبيعوا منها غائبا بناجز ) . قوله : ( لا تشفوا بعضها على بعض ) ~~يرد ما رواه أهل مكة عن ابن عباس أنه كان يجيز الدرهم بالدرهمين يدا بيد ، ~~ويقول : إنما الربا فى النسيئة . وستأتى مذاهب العلماء فى هذا الباب بعد ~~هذا - إن شاء الله . وقوله : ( ولا تبيعوا ms2032 منها غائبا بناجز ) فالناجز : ~~الحاضر ، يقال : نجز المال : إذا حضر ، ومنه قوله أنجز فلان ما وعد : إذا ~~وفى له به وأحضره . وقوله : ( ولا تشفوا بعضها على بعض ) يقتضى تحريم قليل ~~الزيادة وكثيرها ، يقول : لا تبيعوا إحداهما زائدا على الأخرى . تقول العرب ~~: قد أشف فلان بعض بنيه على بعض : إذا فضل PageV06P301 بعضهم على بعض ، ~~ويقال ما أقرب شف ما بنيهما ، أى : فضل ما بينهما ، وفلان حريص على الشف ، ~~يعنى : الربح عن الطبرى . * * * # | 73 - باب بيع الدينار بالدينار نساء # / 110 - فيه : أبو سعيد ، قال : الدينار بالدينار ، والدرهم بالدرهم ، ~~قال أبو صالح : قلت له : فإن ابن عباس لا يقوله ، فقال أبو سعيد : سألته ، ~~فقلت : سمعته من النبى ، عليه السلام ، أو وجدته فى كتاب الله ؟ قال : كل ~~ذلك لا أقول ، وأنتم أعلم برسول الله - صلى الله عليه وسلم - منى ، ولكن ~~أخبرنى أسامة أن النبى ، عليه السلام ، قال : ( لا ربا إلا فى النسيئة ) . ~~اختلف العلماء فى تأويل قوله عليه السلام فى حديث أسامة : ( لا ربا إلا فى ~~النسيئة ) فروى عن قوم السلف أنهم أجازوا بيع الذهب بالذهب ، والفضة بالفضة ~~يدا بيد متفاضلة ، رواه سعيد بين جبير عن ابن عباس ، قال : ( ما كان ربا قط ~~فى هاء و هاء . ورواية عن ابن عمر وهو قول عكرمة وشريح . واحتجوا بظاهر ~~حديث أسامة بن زيد : ( لا ربا إلا فى النسيئة ) فدل أن ما كان نقدا فلا بأس ~~بالتفاضل فيه وخالف جماعة العلماء بعدهم هذا التأويل ، وقالوا : قد عارض ~~ذلك حديث أبى سعيد الخدرى وحديث أبى بكرة عن النبى - عليه السلام - أنه حرم ~~التفاضل PageV06P302 فى الذهب بالذهب ، والفضة بالفضة يدا بيد ، وروى ~~الطبرى من حديث عبد الله بن موسى قال : حدثنا حيان بن عبد الله العدوى قال ~~: سئل أبو مجلز عن الصرف فقال : ( كان ابن عباس لا يرى به بأسا زمانا من ~~عمره إذا كان يدا بيد ، ويقول : إنما الربا فى النسيئة ، فلقيه أبو سعيد ~~فقال : يا ابن عباس ، ألا تتق الله ! حتى متى تؤكل الناس الربا ؟ ! إنى ~~سمعت ms2033 النبى - عليه السلام - يقول : الذهب بالذهب ، والورق بالورق ، والتمر ~~بالتمر ، والحنطة بالحنطة ، والشعير بالشعير يدا بيد مثلا بمثل ، فما زاد ~~فهو ربا ) . فهذه السنن الثابتة لا تأويل لأحد معها ، فلا معنى لما خالفها ~~، وقد تأول بعض العلماء أن قوله عليه السلام : ( لا ربا إلا فى النسيئة ) ~~خرج على جواب سائل سأل عن الربا فى الذهب بالورق أو البر بالتمر ، ونحو ذلك ~~مما هو جنسان ، فقال عليه السلام : ( لا ربا إلا فى النسيئة ) فسمع أسامة ~~كلامه ، ولم يسمع السؤال ، فنقل ما سمع . وقال الطبرى فى حديث أسامة : ~~المراد به الخصوص ، ومعناه : لا ربا إلا فى النسيئة إذا اختلفت أجناس ~~المبيع فإذا اتفقت فلا يصلح بيع شىء منه من نوعه إلا مثلا بمثل ، والفضل ~~فيه يدا بيد ربا ، وقد قامت الحجة ببيان الرسول فى الذهب الفضة ، والفضة ~~بالذهب ، والحنطة بالتمر نساء ، أنه لا يجوز متفاضلا ، ولا مثل بمثل ، ~~فعلمنا أن قوله : ( لا ربا إلا فى النسيئة ) . فيما اختلفت أنواعه دون ما ~~اتفقت . PageV06P303 قال المهلب : وفى حديث أبى سعيد وابن عباس من الفقه أن ~~العالم يناظر العالم ، ويوقفه على معنى قوله ، ويرده من الاختلاف إلى ~~الإجماع . وفيه : إقرار الصغير للكبير بفضل التقدم ؛ لقول ابن عباس لأبى ~~سعيد : أنتم أعلم برسول الله منى . والنساء : التأخير ، يقال : باع منه ~~نسيئة ونظرة وأخرة ودينا ، كل ذلك بمعنى واحد ، ومنه قوله تعالى : { إنما ~~النسىء زيادة فى الكفر } يعنى تأخير الأشهر الحرم التى كانت العرب فى ~~الجاهلية تفعلها من تأخير المحرم إلى صفر ، ومنه انتساء فلان عن فلان ، أى ~~: تباعده منه ، عن الطبرى . * * * # | 74 - باب بيع الذهب بالورق نسيئة # / 111 - فيه : البراء ، وزيد بن أرقم ، أن النبى ، عليه السلام ، نهى عن ~~بيع الذهب بالورق دينا . الأمة مجمعة على أنه لا تجوز النسيئة ولا التأخير ~~فى بيع الذهب بالورق ، كما لا يجوز فى بيع الذهب بالذهب ، والورق بالورق ، ~~وهو الربا المحرم فى القرآن ، وفى هذا الحديث حجة للشافعى فى قوله إن من ~~كان له على رجل دراهم ، ولذلك الرجل ms2034 عليه دنانير فلا يجوز أن يقاص أحدهما ~~ماله بما له عليه ، وإن كان قد حل أجلهما جميعا لأنه يدخل فى معنى نهيه ~~عليه السلام عن بيع الذهب بالورق دينا ؛ لأنه غائب بغائب ، وإذا لم ~~PageV06P304 يجز غائب بناجز ، فأحرى أن لا يجوز غائب بغائب ، وأجاز ذلك ~~مالك إذا كان قد حلا جميعا ، فإن كانا إلى أجل لم يجز ؛ لأنه يكون ذهب بفضة ~~متأخرا . وقال أبو حنيفة : يجوز فى الحال وغير الحال . والحجة لمالك فى ~~إجازته ذلك فى الحال دون الأجل أنه إذا حل أجل الدين ، واجتمع المتصارفان ~~فإن الذمم تبرأ كالعين إذا لم يفترقا إلا وقد تفاضلا فى صرفهما ، والغائب ~~لا يحل بيعه بناجز ، ولا بغائب مثله ، ومن حجته حديث ابن عمر أنه قال : ( ~~كنت أبيع الإبل بالبقيع أبيع بالدنانير وآخذ الدراهم ، وأبيع بالدراهم وآخذ ~~بالدنانير ، فسألت رسول الله عن ذلك فقال : لا بأس به إذا كان بسعر يومكما ~~، ولم تفترقا وبينكما شىء ) رواه سماك بن حرب عن سعيد بن جبير ، عن ابن عمر ~~. وحجة من أجاز ذلك فى الحال وغير الحال أن النبى - عليه السلام - لما لم ~~يسأله عن الدين أحالا هو أم مؤجل ، دل ذلك على استواء الحكم فيهما ولو كان ~~بينهما فرق فى الشريعة لوقفه عليه . وأما تقاضى الدنانير من الدراهم ، ~~والدراهم من الدنانير من غير دين يكون على الآخر ، فأجازه عمر بن الخطاب ~~وابن عمر ، وروى عن عطاء وطاوس والحسن والقاسم ، وبه قال مالك والثورى ~~والأوزاعى والشافعى وأحمد وإسحاق وأبو ثور ، وقال كثير منهم : إذا كان بسعر ~~يومه . ورخص فيه أبو حنيفة بسعر ذلك اليوم وبأغلى وأرخص ، وكره ذلك ابن ~~عباس وأبو سلمة وابن شبرمة ، وهو قول PageV06P305 الليث ، وروى عن طاوس قول ~~ثالث : أنه كره فى البيع ، وأجازه فى القرض . وقال ابن المنذر : والقول ~~الأول أولى لحديث ابن عمر . قال المؤلف : ولا يدخل هذا فى نهيه عليه السلام ~~عن بيع الذهب بالورق دينا ؛ لأن الذى يقتضى الدنانير من الدراهم لم يقصد ~~إلى تأخير فى الصرف ، ولا نواه ms2035 ، ولا عمل عليه فهذا الفرق بينهما . * * * # | 75 - باب بيع المزابنة # وهو بيع الثمر بالتمر وبيع الزبيب بالكرم وبيع العرايا قال أنس : نهى ~~النبى - عليه السلام - عن المزابنة والمحاقلة . / 112 - فيه : ابن عمر ، ~~قال الرسول - صلى الله عليه وسلم - : ( لا تبيعوا الثمر حتى يبدو صلاحه ، ~~ولا تبيعوا الثمر بالتمر ) . قال زيد بن ثابت : ورخص النبى ، عليه السلام ، ~~بعد ذلك فى بيع العرية بالرطب أو بالتمر ، ولم يرخص فى غيره . / 113 - وفيه ~~: ابن عمر ، أن النبى ، عليه السلام ، نهى عن المزابنة ، وهى اشتراء الثمر ~~بالتمر كيلا ، وبيع الكرم بالزبيب كيلا . / 114 - وقال أبو سعيد : نهى ~~النبى ، عليه السلام ، عن المزابنة والمحاقلة ، والمزابنة اشتراء الثمر ~~بالتمر فى رءوس النخل . المزابنة عند العرب : المدافعة ، وذلك أن ~~المتبايعين إذا وقفا فيه على الغبن أراد المغبون أن يفسخ البيع ، وأراد ~~الغابن أن يمضيه تزابنا أى : تدافعا واختصما ، وسيأتى تفسير المحاقلة بعد ~~هذا فى موضعه - إن شاء الله - ومعنى النهى عن المزابنة خوف وقوع التفاضل ~~PageV06P306 فى ذلك ، والتفاضل حرام فى كل ما كان فى معنى الرطب بالتمر ، ~~ومعنى الزبيب بالعنب من سائر المأكولات والمشروبات إذا كان أحدهما مجهولا ، ~~وهذا إجماع . قال مالك : وتفسير المزابنة أن كل شىء من الجزاف لا يعلم كيله ~~ولا عدده ولا وزنه أبيع بشىء مسمى من الكيل أو العدد أو الوزن ، وما عدا ~~المأكول والمشروب فإنه تدخله المزابنة من جهة القمار والغرر ، فيدخل معنى ~~المزابنة عند مالك فيما يجوز فيه التفاضل ، وما لا يجوز إذا قصد فيه إلى ~~الغرر والقمار . قال فى الموطأ : وذلك أن يقول الرجل للرجل له الطعام ~~المصبر الذى لا يعلم كيله من سائر الأطعمة ، أو تكون السلعة من الحنطة أو ~~النوى أو الكرسف أو الكتان ، وما أشبه ذلك من السلع : لا أعلم كيله ولا ~~عدده ولا وزنه ، فيقول الرجل لرب تلك السلعة : كل سلعتك هذه ، أو زن ما ~~يوزن ، أو اعدد ما يعد منها ، فما نقص من كذا وكذا صاعا لتسمية يسميها فعلى ~~غرمها حتى أوفيك تلك التسمية ، وما ms2036 زاد على ذلك فهو لى ضمن ما نقص على أن ~~يكون له ما زاد ، فليس ذلك بيعا و لكنه مخاطرة وقمار وغرر ؛ لأنه لم يشتر ~~منه شيئا بشىء أخرجه ، ولكنه ضمن له ما سمى من ذلك الكيل ، فإن نقصت تلك ~~السلعة من تلك التسمية أخذ من مال صاحبه ما نقص من غير ثمن ولا هبة طيبة ~~بها نفسه ، فهذا شبه القمار ، وذكر مالك مسألة الثوب يضمن لصاحبه منه قلانس ~~PageV06P307 أو قمصا والجلود يضمن له منها نعالا وحب البان يعصره على أنه ~~له ما زاد على ما ضمن من ذلك ، وعليه ما نقص ، وإنما ذكر مالك هذه المسائل ~~فى باب المزابنة ؛ لأن فيها شراء مجهول بمعلوم ؛ لأنه ألزم نفسه كيلا أو ~~وزنا أو عددا معلوما يضمنه عن كيل أو وزن أو عدد مجهول يرجو أن يبقى له بعد ~~ضمانه ، ويشهد لقول مالك ما تعرفه العرب ، أن المزابنة مأخوذ لفظها من ~~الزبن ، وهو الدفع والمغالبة ، وذلك خطر وقمار . * * * # | 76 - باب بيع التمر على رءوس النخل بالذهب و الفضة # / 115 - فيه : جابر ، نهى النبى ، عليه السلام ، عن بيع الثمر حتى يطيب ، ~~ولا يباع شىء منه إلا بالدينار والدرهم إلا العرايا . / 116 - وفيه : أبو ~~هريرة ، أن النبى ، عليه السلام ، رخص فى بيع العرايا فى خمسة أوسق . / 117 ~~- وفيه : سهل بن أبى حثمة ، أن النبى ، عليه السلام ، نهى عن بيع الثمر ~~بالتمر ، ورخص فى العرية أن تباع بخرصها يأكلها أهلها رطبا . بيع التمر على ~~رءوس النخل إذا بدا صلاحه بالذهب والفضة لا خلاف بين الأمة فى جوازه ، ~~وكذلك يجوز بيعها بالعروض قياسا على الدنانير والدراهم و إنما خص عليه ~~السلام الدنانير والدراهم PageV06P308 فى هذا الحديث ؛ لأنهما جل ما يتعامل ~~الناس به . قال ابن المنذر : وادعى الكوفيون أن بيع العرايا منسوخ بنهيه ~~عليه السلام عن بيع التمر بالثمر ، وهذا نفس المحال ؛ لأن الذى روى عن ~~النبى - عليه السلام - النهى عن المزابنة هو الذى روى الرخصة فى العرايا ، ~~فأثبت الرخصة والنهى معا على ما ثبت فى حديث ms2037 سهل بن أبى حثمة وفى حديث جابر ~~من رواية سفيان عن ابن جريج عن عطاء ، عن جابر : ( أن النبى - عليه السلام ~~- نهى عن المزابنة ) . والمزابنة : بيع التمر بالثمر إلا أنه رخص فى ~~العرايا ، وكان مالك يقول : العرايا تكون فى الشجر كله من النخل والعنب ~~والتين والرمان والزيتون والثمار كلها . وبه قال الأوزاعى ، إلا أن مالكا ~~قال : إذا أعاره الفاكهة مثل الرمان والتفاح وشبهه لم يجز أن يشتريها ~~بخرصها ؛ لأنه يقطع أخضر ويشتريها بعدما طابت بما يجوز به شراء الثمرة ~~بالعين والعرض نقدا أو إلى أجل ، وبالطعام نقدا من غير صنفها إذا جدها ~~مكانه قبل أن يفترقا وكان الليث يقول : لا تكون العرايا إلا فى النخل خاصة ~~. وقال الشافعى : فى النخل والعنب . * * * # | 77 - باب تفسير العرايا # وقال مالك : العرية أن يعرى الرجل الرجل النخلة ، ثم يتأذى بدخوله عليه ، ~~فرخص له أن يشتريها منه بتمر . PageV06P309 وقال ابن إدريس : العرية لا ~~تكون إلا بالكيل من التمر يدا بيد لا تكون بالجزاف ، ومما يقويه قول سهل بن ~~أبى حثمة : بالأوسق الموسقة ، وقال سفيان بن حسين : العرايا نخل كانت توهب ~~للمساكين ، فلا يستطيعون أن ينتظرونها رخص لهم أن يبيعوها بما شاءوا من ~~التمر . وفى صحيح مسلم أنه عليه السلام أرخص فى العرية يأخذها أهل البيت ~~تمرا يأكلونها رطبا ، وفى كتاب النسائى أن رسول الله رخص فى بيع العرايا ~~بالرطب وبالتمر ، ولم يرخص فى غير ذلك . / 118 - وفيه : زيد بن ثابت ، أن ~~النبى - صلى الله عليه وسلم - رخص فى العرايا أن تباع بخرصها كيلا . قال ~~أبو عبيد : وفى العرايا تفسير آخر غير ما فسره مالك ، وهو أن العرايا هى ~~النخلات يستثنيها الرجل من حائطه إذا باع ثمرته لا يدخلها فى البيع فيبقيها ~~لنفسه وعياله ، فتلك الثنايا لا تخرص عليهم لأنه قد عفى لهم عما يأكلون ~~سميت عرايا ؛ لأنها أعريت من أن تباع أو تخرص فى الصدقة فأرخص النبى - عليه ~~السلام - لأهل الحاجة المسكنة الذين لا ورق لهم ولا ذهب ، وهم يقدرون على ~~التمر أن يبتاعوا بتمرهم ms2038 من تمر هذا العرايا بخرصها رفقا بأهل الفاقة الذين ~~لا يقدرون على الرطب ، PageV06P310 ولم يرخص لهم أن يبتاعوا منه ما يكون ~~لتجارة ولا ادخار . قال أبو عبيد : وهذا أصح فى المعنى من الأول ، فالعرايا ~~مستثناة من جملة نهى النبى عن بيع التمر بالثمر ، وعن المزابنة . هذا قول ~~عامة أهل العلم ، ويجوز عند مالك أن يعرى من حائطه ما شاء غير أن البيع لا ~~يكون إلا فى خمسة أوسق فما دون فى حق كل واحد ممن أعرى وإنما تباع العرايا ~~بخرصها من التمر فى رءوس النخل إلى جذاذها ولا يجوز أن يبتاعها . بخرصها ~~نقدا ، وليست له مكيلة ؛ لأنه أنزل بمنزلة التولية والإقالة و الشركة ولو ~~كان بمنزلة البيوع ما أشرك أحد أحدا فى طعام حتى يستوفيه ، ولا أقاله منه ~~ولا ولاه حتى يقبضه المبتاع . قال : ولا يبيعها إلا من المعرى خاصة ، ولا ~~يجوز من غيره إلا على سنة بيع الثمار فى غير العرايا ، ولا يشتريها بطعام ~~إلى أجل ولا بتمر نقدا وإن وجدها فى الوقت . وقال الشافعى : العرية بيع ما ~~دون خمسة أوسق من التمر ، وجعل هذا المقدار مخصوصا من المزابنة ، وذكر ابن ~~القصار عن مالك مثله ، قال الشافعى : ويجوز بيعها من المعرى وغيره يدا بيد ~~، ومتى افترقا ولم ينقده بطل العقد وبه قال أحمد . قال المزنى : ويفسخ ~~البيع فى خمسة أوسق لا شك ؛ لأن أصل بيع الثمر بالثمر فى رءوس النخل حرام ، ~~ولا يجوز فيه إلا ما استوفيت الرخصة فيه ، وذلك ما دون خمسة أوسق . قال ابن ~~القصار : ومن حجة هذه المقالة أيضا ما رواه أبو سعيد الخدرى - أن النبى - ~~عليه السلام - قال : ( لا صدقة فى العرية ) . فلو PageV06P311 كانت العرية ~~فى خمسة أوسق جائزة لوجبت فيها الصدقة ، فعلم بسقوط الصدقة عنها أنها دون ~~خمسة أوسق . واحتج الشافعى بما رواه محمد بن إسحاق عن محمد بن يحيى بن حبان ~~، عن جابر بن عبد الله : ( أن النبى - عليه السلام - رخص فى العرايا فى ~~الوسق والوسقين والثلاثة والأربعة ) قال : فجاءت رواية جابر بغير ms2039 شك ، و ~~ثبتت رواية مالك عن داود التى جاءت بالشك فى خمسة أوسق أو دون خمسة . وقول ~~البخارى : ومما يقويه قول سهل بن أبى حثمة بالأوسق الموسقة ، فإنما أردفه ~~على قوله : لا تكون العرية بالجزاف ، وهذا إجماع ، وهو مستغن عن تقوية ، ~~ولم يأت ذكر الأوسق الموسقة إلا فى حديث مالك عن داود بن الحصين ، وفى حديث ~~جابر من رواية ابن إسحاق ، لا فى رواية سهل ابن أبى حثمة ، وإنما يروى عن ~~سهل من قوله من رواية الليث ، عن جعفر بن أبى ربيعة ، عن الأعرج قال : سمعت ~~سهل بن أبى حثمة قال : لا يباع التمر فى رءوس النخل بالأوساق الموسقة إلا ~~أوسق ثلاثة أو أربعة أو خمسة يأكلهن الناس ، وهى المزابنة ، ففى قول سهل ~~حجة لمالك فى مشهور قوله أنه يجوز العرايا فى خمسة أوسق ، وقد يجوز أن يكون ~~الشك فى دون خمسة أوسق ، واليقين فى خمسة أوسق ، إذا الواو لا تعطى رتبة ، ~~فلذلك ترجح قول مالك فى ذلك - والله أعلم - PageV06P312 ووجه قول مالك أنه ~~لا يجوز بيعها إلا من المعرى خاصة قوله عليه السلام فى حديث سهل : ( يأكلها ~~أهلها رطبا ) ولا أهل لها إلا الذى أعراها ، فجاز أن يبيعها من المعرى خاصة ~~لما يقطع من تطرق المعرى على المعرى لأنهم كانوا يسكنون بعيالهم فى حوائطهم ~~و يستضرون بدخول المعرى ، ولم يكن قصدهم المعروف ، فرخص لهم فى ذلك ولذلك ~~قال مالك : لا يجوز بيعها يدا بيد ؛ لأن المشترى لم يقصد بشرائها الفضل ~~والمتجر ، وأما الكوفيون فإنهم أبطلوا سنة العرية وقالوا : هى بيع الثمر ~~بالثمر ، وقد نهى رسول الله عن ذلك . قال ابن المنذر : فبيع العرايا جائز ~~على ما ثبتت به الأخبار عنه عليه السلام ، والذى رخص فى بيع العرايا هو ~~الذى نهى عن بيع التمر بالثمر فى لفظ واحد ووقت واحد ، من رواية جابر وسهل ~~بن أبى حثمة على ما تقدم فى الباب قبل هذا ، وليس قبول إحدى السنتين أول من ~~الأخرى ، ولا فرق بين نهيه عليه السلام عن بيع ما ms2040 ليس عندك وبين إذنه فى ~~السلم ، وهو بيع بما ليس عندك ، وبين نهيه عن بيع التمر بالثمر وإذنه فى ~~العرايا و من قبل إحدى السنتين وترك الأخرى فقد تناقض . PageV06P313 # | 78 - باب بيع الثمار قبل أن يبدو صلاحها # وقال الليث عن أبى الزناد : كان عروة بن الزبير يحدث عن سهل بن أبى حثمة ~~الأنصارى ، عن زيد بن ثابت ، قال : كان الناس فى عهد رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - يتبايعون الثمار ، فإذا جد الناس وحضر تقاضيهم ، قال المبتاع : ~~أصاب الثمر الدمان ، أصابه مراض - أصابه قشام - عاهات يحتجون بها - فقال ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما كثرت الخصومة فى ذلك : ( فإما لا ، ~~فلا تتبايعوا حتى يبدو صلاح الثمر ) ، كالمشورة يشير بها لكثرة خصومتهم . ~~وكان زيد بن ثابت لا يبيع ثمار أرضه حتى تطلع الثريا ، فيتبين الأصفر من ~~الأحمر . / 119 - وفيه : ابن عمر ، نهى النبى - صلى الله عليه وسلم - عن ~~بيع الثمار حتى يبدو صلاحها ، نهى البائع والمبتاع . / 120 - وفيه : أنس ، ~~نهى النبى ، عليه السلام ، أن يباع النخل حتى تزهو . قال : يعنى تحمر . / ~~121 - وفيه : جابر ، نهى النبى ، عليه السلام ، أن تباع الثمرة حتى تشقح ، ~~قيل : وما تشقح ؟ قال : تحمار وتصفار ويؤكل منها . قال الطحاوى : وذهب قوم ~~إلى هذه الآثار فقالوا : لا يجوز بيع الثمر فى رءوس النخل حتى تحمر أو تصفر ~~. قال غيره : وهو قول مالك والليث والثورى والأوزاعى والشافعى وأحمد وإسحاق ~~، وذهب أبو حنيفة وأبو يوسف إلى أنه يجوز بيعها إذا تخلقت وظهرت ، وإن لم ~~يبد صلاحها ، واحتجوا بقوله عليه السلام : ( من PageV06P314 ابتاع نخلا قبل ~~أن يؤبر فثمرتها للبائع إلا أن يشترطها المبتاع ) فأباح عليه السلام بيع ~~ثمره فى رءوس النخل قبل بدو صلاحها ، وقالوا : لما لم يدخل بعد الإبار فى ~~الصفقة إلا بالشرط جاز بيعها منفردة ، فدل هذا أن نهيه عليه السلام عن بيع ~~الثمار حتى يبدو صلاحها ، المراد به غير هذا المعنى ، وهو النهى عن السلم ~~فى الثمار فى غير حينها وقبل أن تكون ، وأما بيع الثمار بعدما ms2041 ظهرت فى ~~أشجارها فجائز عندنا . قال المؤلف : فيقال لأبى حنيفة : قد يدخل فى عقد ~~البيع أشياء لو أفردت بالبيع لم يجز بيعها مفردة وتجوز فى البيع تبعا ~~لغيرها ، من ذلك أنه يجوز بيع الأمة والناقة حاملتين ، ولا يجوز عند أحد من ~~الأمة بيع الجنين دون أمه ، لنهيه عليه السلام عن بيع حبل الحبلة ، وإنما ~~لم يجز إفراد الجنين بالبيع ، لأنه من بيع الغرر المنهى عنه . ونظير نهيه ~~عليه السلام عن بيع الجنين فى بطن أمه نظير نهيه عن بيع الثمرة قبل بدو ~~صلاحها ، لأن ذلك كله من بيع ما لم يخلق ولم يتم ، ومما يحتمل أن يكون ~~موجودا أو غير موجود ، وذلك من أكل المال بالباطل ، وجاز أن يكون الجنين ~~تبعا لأمه ، والثمرة تبعا لأصلها فى البيع ، لأنهما إن هلكا فلم يكونا ~~المقصد بالشراء ، وإنما قصد إلى أم الجنين ، والى أصل الثمرة ، فافترقا ~~لهذه العلة ، مع أن حديث جابر وحديث أنس فى النهى عن بيع الثمار حتى يبدو ~~صلاحها يغنيان عن حجة سواهما ، لأنه قد فسر فيهما أن المراد ببدو صلاح ~~الثمار أن تحمر أو تصفر ، وذلك علامة صلاحها للأكل ، ألا ترى قوله ~~PageV06P315 عليه السلام فى حديث جابر : ( حتى تحمار أو تصفار ويؤكل منها ) ~~فلا تأويل لأحد مع تفسير النبى - عليه السلام - فهو المقنع والشفاء . وقال ~~بعض الكوفيين : إن نهيه عليه السلام عن بيع الثمار حتى يبدو صلاحها لم يكن ~~منه على وجه التحريم ، وإنما كان على وجه الأدب والمشورة منه عليهم ، لكثرة ~~ما كانوا يختصمون إليه فيه ، واحتجوا بحديث زيد بن ثابت . وأئمة الفتوى على ~~خلاف قولهم ، والنهى عندهم محمول على التحريم . وتخصيصه عليه السلام البائع ~~والمبتاع بالذكر يدل على تأكيد النهى فى ذلك ، لأن النهى إذا ورد عن الله - ~~تعالى - وعن رسوله فحقيقته الزجر عما ورد فيه ، لقوله تعالى : { وما نهاكم ~~عنه فانتهوا } ومعنى النهى عن ذلك عند عامة العلماء خوف الغرر ، لكثرة ~~الجوائح فيها ، وقد بين ذلك عليه السلام بقوله : ( أرأيت إن منع الله ~~الثمرة ، فبم يأخذ ms2042 أحدكم مال أخيه ؟ ) فنهى عن أكل المال بالباطل ، فإذا ~~بدا صلاحها واحمرت أمنت العاهة عليها فى الأغلب ، وكثر الانتفاع بها لأكلهم ~~إياها رطبا ، فلم يكن قصدهم بشرائها الغرر ، وأما فعل زيد بن ثابت فى ~~مراعاته طلوع الثريا ، فقد روى عن عطاء ، عن أبى هريرة ، عن النبى - عليه ~~السلام - أنه قال : ( إذا طلع النجم صباحا رفعت العاهة عن أهل البلد ) يعنى ~~: الحجاز - والله أعلم - والنجم : هو الثريا ، وطلوعها صباحا لاثنتى عشرة ، ~~يعنى : يروح من شهر مائة . PageV06P316 وقال عيسى بن دينار : كان مالك لا ~~يرى العمل بفعل زيد بن ثابت ، وكان لا يجيز بيعها إلا حين تزهى ، اتباعا ~~لنص الحديث . وقال غيره : كان بيع زيد لها إذا بدا صلاحها ، لأن الثريا إذا ~~طلعت آخر الليل بدا صلاح الثمار بالحجاز خاصة ، لأن الحجاز أشد حرا من غيره ~~. وقال ابن القاسم ، عن مالك : لا بأس أن يباع الحائط وإن لم يزه : إذا ~~أزهى ما حوله من الحيطان ، وكان الزمان قد أمنت العاهة فيه . ولا يجوز عند ~~الشافعى . واختلفوا فى بيع جميع الحائظ فيه أجناس الثمر يطيب جنس واحد منها ~~، فقال مالك : لا أرى أن يباع إلا ذلك الصنف الذى طاب أوله دون غيره ، وبه ~~قال الشافعى . وقال الليث : لا بأس أن تباع الثمار كلها متفقة الأجناس أو ~~مختلفة ، يطيب جنس منها ، أو مخالف لها ، واحتج بأن النبى - عليه السلام - ~~نهى عن بيع الثمار حتى يبدو صلاحها ، فعم الثمار كلها ، فإذا بدا الصلاح فى ~~شىء منها فقد بدا الصلاح فى الثمار كلها ، لأنه لم يخص عليه السلام . وقال ~~أبو عبيد : قال الأصمعى : إذا انشقت النخلة عن عفن أو سواد قيل : أصابه ~~الدمان . قال ابن أبى الزناد : هو : الإدمان . قال الأصمعى : ويقال للتمر ~~العفن : الدمان . قال ابن دريد : الدمان داء يصيب النخل ، فيسود طلعه قبل ~~أن يلقح . وقال أبو حنيفة الدمار التمر الذى قد عتق جدا ففسد وأصل الدمان ~~السماد . PageV06P317 قال الأصمعى : وإذا انتقض ثمر النخل قبل أن يصير بلحا ~~قيل : أصابه القشام ، فإذا كثر نقض ms2043 النخلة وعظم ما بقى من بسرها قيل : ~~خردلت . وقال غيره : القشام أكال يقع فى التمر من القشم وهو : الأكل . وذكر ~~الطحاوى فى حديث عروة عن سهل ، عن زيد : والقشام : شىء يصيبه حتى لا يرطب . ~~وقوله : ( إما لا فلا تبايعوا ) قال سيبويه : معناه : افعل هذا إن كنت لا ~~تفعل غيره . وقال ابن الأنبارى : دخلت ( ما ) صلة ل ( إن ) كما قال تعالى : ~~{ فإما ترين من البشر أحدا } فاكتفى بلا من الفعل كما تقول العرب : من سلم ~~عليك فسلم عليه ، ومن لا فلا معناه : ومن لم يسلم عليك فلا تسلم عليه ، ~~فاكتفى بلا من الفعل ، وأجاز الفراء : من أكرمنى أكرمته ، ومن لا لم أكرمه ~~، بمعنى : ومن لم يكرمنى لم أكرمه . * * * # | 79 - باب إذا باع ثمار الجوائح قبل أن يبدو صلاحها ثم أصابتها عاهة فهو ~~من البائع # / 122 - فيه : أنس ، أن النبى ، عليه السلام ، نهى عن بيع الثمار حتى ~~تزهى ، فقيل له : وما تزهى ؟ فقال : ( حتى تحمر ) ، فقال رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - : ( أرأيت إذا منع الله الثمرة بم يأخذ أحدكم مال أخيه ) ~~. وقال ابن شهاب ، PageV06P318 لو أن رجلا ابتاع ثمرا قبل أن يبدو صلاحه ، ~~ثم أصابته عاهة كان ما أصابه على ربه . وقال ابن عمر : قال النبى ، عليه ~~السلام : ( لا تبايعوا الثمر حتى يبدو صلاحها ، ولا تبيعوا الثمر بالتمر ) ~~. بيع الثمار قبل بدو صلاحها بيع فاسد ، لنهى النبى - عليه السلام - عنه ، ~~ومصيبة الجائحة فيه من البائع لفساد البيع ، وأنه لم ينتقل ملك البائع عن ~~الثمرة بالعقد ، ولا قبضها المشترى ، لأن القبض لا يكون فيما لم يتم ، ~~وإنما تلفت فى ملك البائع ويده ، فلا شىء على المشترى . الأصل فى وضع ~~الجائحة فى الثمار حديث جابر قال : ( أمر النبى - عليه السلام - بوضع ~~الجوائح ) وقال فى حديث آخر : قال رسول الله : ( لو بعت من أخيك ثمرا ~~فأصابته جائحة ، فلا يحل لك أن تأخذ منه شيئا ، بم تأخذ من مال أخيك بغير ~~حق ) أخرج هذين الحديثين مسلم . واستدل جماعة من الفقهاء بقوله عليه السلام ~~: ( أرأيت لو ms2044 منع الله الثمرة فبم يأخذ أحدكم مال أخيه ؟ ) على وضع الجائحة ~~فى الثمر يشترى بعد بدو صلاحه شراء صحيحا ، ويقبضه فى رءوس النخل ، ثم ~~تصيبه جائحة ، فذهب مالك وأهل المدينة إلى أن الجائحة التى توضع عن المشترى ~~الثلث فصاعدا ، ولا يكون ما دون ذلك جائحة . | PageV06P319 وقال أحمد بن ~~حنبل و أبو عبيد وجماعة من أهل الحديث : الجائحة موضوعة فى القليل والكثير ~~، وذهب الليث والكوفيون والشافعى إلى أن الجائحة فى مال المشترى ، ولا يرجع ~~على البائع بشىء ، واحتجوا بأن قوله عليه السلام : ( أرأيت إن منع الله ~~الثمرة فبم يأخذ أحدكم مال أخيه ؟ ) إنما ورد فى بيع الثمرة قبل بدو صلاحها ~~مطلقا من غير شرط القطع قالوا : وعندنا أن الثمرة إذا بيعت قبل بدو صلاحها ~~من غير شرط القطع فتلفت بجائحة أن مصيبتها من البائع ، لأن البيع كان باطلا ~~، والى هذا المعنى ذهب البخارى فى هذا الباب . قالوا : والدليل على أنه ~~وارد فى بيع الثمرة قبل بدو صلاحها قوله : ( فبم يستحل أحدكم مال أخيه ) ، ~~وبعد بدو الصلاح يكون البيع صحيحا ، ولا يجوز أن يقال فيه : فبم يستحل ؛ ~~لأنه يستحله بالعقد . قال ابن القصار : فالجواب : أنه إن استحله بعقد البيع ~~فإن تمام القبض لا يحصل عندنا إلا باجتناء الثمرة ، وقبل أن تجتنى المصيبة ~~من البائع وليس قبض كل ما يشترى كله على وجه واحد ، ألا ترى أن الرجل ~~يستأجر ظئرا شهرا لرضاع ولده ، فهو فى معنى شراء اللبن الذى لا يستطيع قبضه ~~فى موضع واحد ، فلو انقطع اللبن فى نصف الشهر لرجع بما يصيبه ، فكذلك فى ~~الثمر ، إذ العادة جرت بأن يؤخذ أولا فأولا عند إدراكه وتناهيه ، ولو ~~اشتراه مقطوعا لكانت مصيبته من المشترى ، لأنه يقدر على أخذه كله فى الحال ~~. PageV06P320 فإن قيل : فقولوا بالجائحة فى القليل والكثير ، وقد قال به ~~أحمد بن حنبل وجماعة . قيل : الجائحة فى لسان العرب إنما هى فيما كثر دون ~~ما قل ، لأنه لا يقال لمن ذهب درهم من ماله وهو يملك ألوفا أنه أجيح ، ومن ~~جهة المعقول ms2045 أن المشترى قد دخل على ذهاب اليسير من الثمرة ، لأنه لا بد أن ~~يسقط شىء منها وتلحقه الآفة ويأكل الطير وغيره منها ، فلم يجب على البائع ~~أن يضع عن المشترى ذلك المقدار الذى دخل عليه حتى يكون فى حد الكثير ، وهو ~~الحد الكثير من الشىء ثلثه فصاعدا بدليل قوله عليه السلام لسعد : ( الثلث ، ~~والثلث كثير ) فجعل ثلث ماله كثيرا فى ماله ، فلهذا قال مالك : إنه يوضع ~~الثلث فصاعدا ، ليكون قد أخذ بالخبر والنظر ، وقال يحيى بن سعيد : لا جائحة ~~فيما أصيب دون ثلث رأس المال ، وذلك فى سنة المسلمين . * * * # | 80 - باب شراء الطعام إلى أجل مسمى # / 123 - فيه : الأعمش ، ذكرنا عند إبراهيم الرهن فى السلف ، فقال : لا ~~بأس به ، ثم حدثنا عن الأسود ، عن عائشة أن النبى ، عليه السلام ، اشترى ~~طعاما من يهودى إلى أجل ورهنه درعه . لا خلاف بين أهل العلم أنه يجوز شراء ~~الطعام بثمن معلوم إلى أجل معلوم . PageV06P321 * * * # | 81 - باب إذا أراد أن بيع تمرا بتمر خير منه # / 124 - فيه : أبو هريرة ، وأبو سعيد ، أن النبى ، عليه السلام ، استعمل ~~رجلا على خيبر ، فجاءه بتمر جنيب ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~: ( أكل تمر خيبر هكذا ) ؟ قال : لا والله يا رسول الله ، إنا لنأخذ الصاع ~~من هذا بصاعين ، والصاعين بالثلاثة ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- : ( لا تفعل ، بع الجمع بالدراهم ، ثم ابتع بالدراهم جنيبا ) . فيه من ~~الفقه : أن التمر كله جنس واحد رديئه وجيده ، لا يجوز التفاضل فى شىء منه ، ~~ويدخل فى معنى التمر جميع الطعام ، فلا يجوز فى الجنس الواحد التفاضل ولا ~~النسيئة بإجماع ، فإن كانا جنسين جاز فيهما التفاضل يدا بيد ، ولم تجز ~~النسيئة ، هذا حكم الطعام المقتات كله عند مالك . وعند الشافعى الطعام كله ~~مقتات أو غير مقتات . وعند الكوفيين : الطعام المكيل كله والموزون دون غيره ~~. وفيه من الفقه : أن من لم يعلم تحريم الشىء فلا حرج عليه حتى يعلمه ، قال ~~تعالى : { وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا } . وأجمع العلماء أن البيع ms2046 إذا ~~وقع محرما ، فهو مفسوخ مردود ، لقوله عليه السلام : ( من عمل عملا على غير ~~أمرنا فهو رد ) . وقد روى أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمر برد هذا ~~البيع من حديث بلال بن PageV06P322 رباح ، ومن حديث أبى سعيد الخدرى ، وروى ~~منصور و قيس ابن الربيع عن أبى حمزة ، عن سعيد ابن المسيب ، عن بلال قال : ~~( كان عندى تمر دون ، فابتعت تمرا أجود منه فى السوق بنصف كيله ، صاعين ~~بصاع ، فأتيت النبى - عليه السلام - فحدثته بما صنعت ، فقال : هذا الربا ~~بعينه ، انطلق فرده على صاحبه ، وخذ تمرك فبعه ، ثم اشتر التمر ) . وقد زعم ~~قوم أن بيع العامل الصاعين بالصاع كان قبل نزول آية الربا ، وقبل أن يخبرهم ~~النبى - عليه السلام - بتحريم التفاضل فى ذلك ، ولذلك لم يأمر بفسخه . وهذه ~~غفلة ، لأنه عليه السلام قد قال فى مغنم خيبر للسعدين : ( أربيتما ، فردا ) ~~وفتح خيبر مقدم على ما كان بعد ذلك مما وقع فى تمرها وجميع أمرها . وقد ~~احتج بحديث هذا الباب من أجاز أن يبيع الطعام من رجل بالنقد ، ويبتاع منه ~~بذلك النقد طعاما قبل الافتراق وبعده ، لأنه لم يخص فيه بائع الطعام ولا ~~مبتاعه من غيره ، وهو قول الشافعى وأبى ثور ، ولا يجوز هذا عند مالك ، لأنه ~~عنده كأنه طعام بطعام والدراهم ملغاة إلا أن يكون الطعام جنسا واحدا وكيلا ~~واحدا ، فيجوز عنده . * * * # | 82 - باب من باع نخلا قد أبرت أو أرضا مزروعة أو بإجارة # وقال نافع : أيما نخل بيعت قد أبرت - لم يذكر الثمر - فالثمر للذى أبرها ~~، وكذلك العبد والحرث ، سمى له نافع هؤلاء الثلاث . PageV06P323 / 125 - ~~فيه : ابن عمر ، أن النبى ، عليه السلام ، قال : ( من باع نخلا قد أبرت ، ~~فثمرها للبائع ، إلا أن يشترط المبتاع ) . قال الخليل : الأبر : لقاح النخل ~~أبر النخل يأبرها أبرا ، والتلقيح : هو أن يؤخذ طلع ذكور النخيل فيدخل بين ~~ظهرانى طلع الإناث ، وأما معنى الإبار فى سائر الأشجار فإن ابن القاسم ~~يراعى ظهور الثمرة لا غير ، وقال ابن عبد الحكم : كل ما لا يؤبر من ms2047 الثمار ~~فاللقاح فيها بمنزلة الإبار فى النخل . وأخذ بظاهر حديث ابن عمر : مالك ~~والليث والشافعى وأحمد وإسحاق ، فقالوا : من باع نخلا قد أبر ولم يشترط ~~ثمرته المبتاع ، فالثمرة للبائع ، وهى فى النخل متروكة إلى الجداد ، وعلى ~~البائع السقى ، وعلى المشترى تخليته وما يكفى من الماء ، وكذلك إذا باع ~~الثمرة دون الأصل ، فعلى البائع السقى . قال أبو حنيفة : سواء أبر أو لم ~~يؤبر هو للبائع ، وللمشترى أن يطالبه بقلعها عن النخل فى الحال ، ولا يلزمه ~~أن يصبر إلى الجداد ، فإن اشترط البائع فى البيع ترك الثمرة إلى الجداد ، ~~فالبيع فاسد ، واحتجوا بالإجماع على أن الثمرة لو لم تؤبر حتى تناهت وصارت ~~بلحا أو بسرا وبيع النخل ، أن الثمرة لا تدخل فيه ، فعلمنا أن المعنى فى ~~ذكر الإبار ظهور الثمرة خاصة ، إذ لا فائدة لذكر الإبار غير ذلك ، ولم ~~يفرقوا بين الإبار وغيره ، قالوا : وقد تقرر أن من باع دارا له فيها متاع ، ~~فللمشترى المطالبة بنقله عن الدار فى الحال ، PageV06P324 ومن باع شيئا ~~فعليه تسليمه ورفع يده عنه ، وبقاء الثمرة على النخل بعد البيع انتفاع ~~بالنخل إلى وقت الجداد ، فيكون فى معنى من باع شيئا واستثنى منفعته ، وهذا ~~لا يجوز ، فخالفوا السنة إلى قياس ، ولا قياس لأحد مع السنة . ويقال لهم : ~~إن من باع شيئا مشغولا يحق للبائع ، فإن البائع يلزمه نقله عن المبيع على ~~ما جرت به العادة فى نقل مثله ، ألا ترى أنه لو باع دارا هو فيها وعياله فى ~~نصف الليل وله فيها طعام كثير وآلة ، فلا خلاف أنه لا يلزمه نقله عنها نصف ~~الليل حتى يرتاد منزلا يسكنه ، ولا يطرح ماله فى الطريق ، هذا عرف الناس ، ~~وكذلك جرت العادة فى أخذ الثمرة عند الجداد ، وهو حين كمال بلوغها ، ولما ~~ملك النبى - عليه السلام - الثمرة بعد الإبار للبائع اقتضى استيفاء منفعته ~~به على كمالها ، وأغنى ذلك عن استثناء البائع تبقية الثمرة إلى الجداد ، ~~وأبو حنيفة يجيز أن يبيع السلعة أو الثمرة ويستثنى نصفها وثلثيها وما شاء ~~منها إذا كان ms2048 المستثنى معلوما ، كذلك قول أكثر العلماء إذا باع نخلا وفيها ~~ثمرة لم تؤبر ، فهى للمبتاع تابعة لأصلها بغير شرط ، استدلالا بحديث ابن ~~عمر ، وخالف ذلك أبو حنيفة فقال : هى للبائع بمنزلة لو كانت مؤبرة ، إلا أن ~~يشترطها المبتاع . فيقال له : الثمر له صفتان : مؤبر ، وغير مؤبر ، ولما ~~جعله النبى - عليه السلام - إذا كان مؤبرا للبائع بترك المشترى اشتراطها ، ~~أفادنا ذلك أن الثمرة للمشترى إذا لم تؤبر وكانت فى أكمامها وإن لم يشترطها ~~المشترى ، ولو كان الحكم فيها غير مختلف حتى يكون الكل للبائع ، لكان يقول ~~: من باع نخلا فيها ثمر فهى للبائع . فخالف أبو PageV06P325 حنيفة الحديث ~~من وجهين : خالف نصه إذا كانت الثمرة مؤبرة ، وخالف دليله إذا كانت الثمرة ~~لم تؤبر . فأما بيع الأرض فيها زرع ، فروى ابن القاسم عن مالك : أن من ~~اشترى أرضا فيها زرع ظهر ولم يسبل ، فالزرع للبائع إلا أن يشترطه المشترى ، ~~وإن وقع البيع والبذر لم ينبت ، فهو للمبتاع بغير شرط . وروى ابن عبد الحكم ~~عن مالك : إن كان الزرع لقح أكثره - ولقاحه أن يتحبب ويسبل - حتى لو يبس ~~يومئذ لم يكن فسادا فهو للبائع إلا أن يشترطه المشترى ، وإن كان لم يلقح ~~فهو للمبتاع . وذكر ابن عبد الحكم فى موضع آخر من كتابه مثل رواية ابن ~~القاسم - والله أعلم . * * * # | 83 - باب بيع الزرع بالطعام كيلا # / 126 - فيه : ابن عمر ، نهى النبى ، عليه السلام ، عن المزابنة ، أن ~~يبيع ثمرة حائطه إن كان نخلا بتمر كيلا ، وإن كان كرما أن يبيعه بزبيب كيلا ~~، وإن كان زرعا أن يبيعه بكيل طعام ، نهى عن ذلك كله . أجمع العلماء أنه لا ~~يجوز بيع الزرع قبل أن يقطع بالطعام ، ولا بيع العنب فى كرمه بالزبيب ولا ~~بيع الثمر فى رءوس النخل بالتمر ، PageV06P326 لأن النبى - عليه السلام - ~~نهى عنه وسماه مزابنة ، وذلك خطر وغرر ، لأنه بيع مجهول بمعلوم من جنسه ، ~~وأما بيع رطب ذلك بيابسه إذا كان مقطوعا وأمكن فيه الممائلة ، فجمهور ~~العلماء لا يجيزون بيع شىء من ذلك بجنسه ، لا ms2049 متماثلا ولا متفاضلا ، لأنه ~~من المزابنة المنهى عنه ، وبهذا قال أبو يوسف ومحمد . وخالفهم أبو حنيفة ~~فأجاز بيع الحنطة الرطبة باليابسة والرطب بالتمر مثلا بمثل ، ولا يجيز ذلك ~~متفاضلا . قال ابن المنذر : وأظن أبا ثور وافقه على ذلك ، واحتج له الطحاوى ~~وقال : لما أجمعوا أنه يجوز بيع الرطب بالرطب مثلا بمثل ، وإن كان فى ~~أحدهما رطوبة ليست فى الآخر ، وكل ذلك ينقص إذا بقى نقصانا مختلفا ، ولم ~~ينظروا إلى ذلك فيبطلوا به البيع ، بل نظروا إلى حاله فى وقت وقوع البيع ، ~~فالنظر أن يكون الرطب بالثمر كذلك ، وهذا قياس فاسد ، لأن الرطب بالرطب وإن ~~كان يختلف نقصانه إذا يبس ، فهو نقصان معفو عنه لقلته ، وقد جوز فى البيوع ~~يسير الغرر ، لأنه لا يكاد يخلو منه ، و نقصان الرطب بالتمر له بال وقيمة ~~فافترقا لذلك ، وحديث ابن عمر حجة للجماعة أن النبى - عليه السلام - نهى عن ~~بيع التمر بالتمر ، والتمر بالرطب ، فكأنه نهى عن بيع الرطب بالتمر على ~~النخل ومقطوعا ، على عموم اللفظ ، ويدل على ذلك قوله عليه السلام حين سئل ~~عن اشتراء التمر بالرطب فقال : ( أينقص الرطب إذا يبس ؟ قالوا : نعم ، فنهى ~~عنه ) . قال ابن القصار : فقوله - عليه السلام - : ( أينقص الرطب إذا يبس ؟ ~~فقالوا : نعم ، فنهى PageV06P327 عنه ) ، فصار كأنه نهى عن الرطب بالتمر ، ~~ولم يخف عنه عليه السلام ذلك ، وإنما سألهم على سبيل التقرير لهم عليه ، ~~حتى إذا تقرر ذلك عندهم نهاهم عنه ، فصار كأنه نهاهم عنه ، وعلله فقال : لا ~~يجوز بيع الرطب بالتمر ؛ لأنه ينقص إذا يبس ، فسواء كان الرطب فى النخل أو ~~فى الأرض ، إذ بيع بتمر مجهول فإنه يكون مزابنة ، ويقال للكوفيين : إنه ~~يلزمكم التناقض فى منعكم بيع الحنطة بالدقيق ، وبيعها بالسويق ، والمماثلة ~~بينهما أقرب من المماثلة بين التمر والرطب ، وأجاز مالك والليث الدقيق ~~بالحنطة مثلا بمثل ، وقول الشافعى كقول الكوفى . * * * # | 84 - باب بيع النخل بأصله # / 127 - فيه : ابن عمر ، قال النبى ، عليه السلام : ( أيما امرئ أبر نخلا ~~، ثم باع أصلها ، فللذى أبر ثمر النخل ، إلا أن ms2050 يشترطه المبتاع ) . وقد ~~تقدم الكلام فى الحديث قبل هذا ، ونذكر هاهنا ما لم يمر فيه ، اختلف قول ~~مالك فيمن اشترى أصول النخل وفيها ثمر قد أبرها لم يشترطها فأجاز لمشترى ~~النخل وحده أن يشتر الثمر قبل بدو صلاحها فى صفقة أخرى ، كما كان له أن ~~يشترطها فى صفقته ، هذه رواية ابن القاسم ، وكذلك مال العبد ، وروى ابن وهب ~~عن مالك أن ذلك لا يجوز فى الثمرة ، ولا فى مال العبد له ولا PageV06P328 ~~لغيره ، وهذا قول المغيرة وابن دينار وابن عبد الحكم ، وهو قول الثورى ~~والشافعى وأحمد وإسحاق وأبى ثور ، وهذا القول أولى ؛ لعموم نهيه عليه ~~السلام عن بيع الثمرة قبل بدو صلاحها ، وكذلك مال العبد هو شراء مجهول ، ~~فهو من بيع الغرر . * * * # | 85 - باب بيع الجمار وأكله # / 128 - فيه : ابن عمر ، كنت عند النبى ، عليه السلام ، وهو يأكل جمارا ، ~~فقال : ( من الشجر شجرة كالرجل المؤمن ) ، فأردت أن أقول : النخلة ، فإذا ~~أنا أحدثهم ، فقال : ( هى النخلة ) . بيع الجمار وأكله من المباحات التى لا ~~اختلاف فيها بين العلماء ، وكل ما انتفع به للأكل وغيره فجائز بيعه . * * * # | 86 - باب بيع المخاضرة # / 129 - فيه : أنس ، أن النبى ، عليه السلام ، نهى عن بيع المحاقلة ، ~~والمخاضرة ، والملامسة ، والمنابذة ، والمزابنة . / 130 - وفيه : أنس أيضا ~~، أن النبى - صلى الله عليه وسلم - نهى عن بيع ثمر التمر حتى يزهو ، فقلت ~~لأنس : ما يزهو ؟ قال : تحمر وتصفر - أرأيت إن منع الله الثمرة بم تستحل ~~مال أخيك ؟ . فى تفسير المحاقلة ثلاث أقوال : فقال بعضهم : هى بيع الزرع فى ~~سنبله بالحنطة . وقيل : هى اكتراء الأرض بالحنطة . وقيل : هى المزارعة ~~بالثلث والربع ونحوه ، وهذا الوجه أشبه بها على طريق اللغة ؛ لأن المحاقلة ~~مأخوذة من الحقل والمفاعلة من اثنين فى PageV06P329 أمر واحد كالمزراعة ، ~~ويقال للأرض التى تزرع : المحاقل ، كما يقال لها : المزارع ، عن الزجاجى . ~~والمخاضرة هى بيع الثمار وهى خضر لم يبد صلاحها ، سميت بذلك من المفاعلة ~~أيضا ؛ لأن المتبايعين تبايعا شيئا أخضر . وأجمع العلماء أنه لا يجوز بيع ~~الثمار والزرع والبقول قبل بدو ms2051 صلاحها على شرط التبقية إلى وقت طيها ، ولا ~~يجوز بيع الزرع أخضر إلا للقصيل وأكل الدواب ، وكذلك أجمعوا أنه يجوز بيع ~~البقول إذا قلعت من الأرض وانتفع بها وأحاط علما بها المشترى ، ومن بيع ~~المخاضرة : شراؤها مغيبة فى الأرض كالفجل والكراث والبصل واللفت وشبهه ، ~~فأجاز شراءها مالك والأوزاعى ، قال مالك : ذلك إذا استقل ورقه وأمن ، ~~والأمان عنده أن يكون ما يقطع منه ليس بفساد . وقال أبو حنيفة : بيع المغيب ~~فى الأرض جائز ، وهو بالخيار إذا رآه . قال الشافعى : لا يجوز بيع مالا يرى ~~، وهو عنده من بيوع الغرر . وحجة من أجاز ذلك أنه لو قلعها ثم باعها لأضر ~~ذلك به وبالناس ؛ لأنهم إنما يأكلون ذلك أولا أولا ، كما يأكلون الرطب ~~والثمر ولا يقصدون بذلك الغرر ، فإذا باعها على شىء يراه أو صفة توصف له ~~جاز ، فمتى جاء بخلاف الصفة أو الرؤية كان له رد ذلك بحصته ، وإنما يجوز ~~بيع ذلك كله على التبقية إذا كان قد طاب للأكل ، كما يجوز بيع الثمرة على ~~التبقية إذا طابت للأكل . PageV06P330 واختلفوا فى بيع القثاء والبطيخ وما ~~يأتى بطنا بعد بطن ، فقال مالك : يجوز بيعه إذا بدا صلاحه ، ويكون للمشترى ~~ما ينبت حتى ينقطع ثمره ؛ لأن وقته معروف عند الناس . وقال أبو حنيفة ~~والشافعى : لا يجوز بيع بطن منه إلا بعد طيبه كالبطن الأولى ، وهو عندهم من ~~بيع ما لم يخلق . وجعله مالك كالثمرة إذا بدا صلاح أولها ، جاز بيع ما بدا ~~صلاحه وما لم يبد ؛ لحاجتهم إلى ذلك ، ولو منعوا منه لأضر بهم ؛ لأن ما ~~تدعو إليه الضرورة يجوز فيه بعض الغرر ، ألا ترى أن الظئر تكرى لأجل لبنها ~~الذى لم يخلق ولم يوجد إلا أوله ، ولا يدرى كم يشرب الصبى منه أولا ، كذلك ~~لو اكترى عبدا يخدمه لكانت المنفعة التى وقع عليها العقد لم تخلق ، وإنما ~~تحدث أولا أولا ، ولو مات العبد لوقعت المحاسبة على ما حصل من المنفعة ، ~~فجوز ذلك لحاجة الناس إليه ، فيبع ما لم يخلق ، وقد جرت العادة فى ms2052 الأغلب ~~إذا كان الأصل سليما من الآفات أن تتبايع بطونه وتتلاحق ، وعدم مشاهدته لا ~~يدل على بطلان بيعه ، بدليل بيع الجوز واللوز فى قشرهما ، وفساده لا يبين ~~من خارج ، ولو كان مقشورا مغطى بشىء غير قشره لم يصح بيعه . PageV06P331 * ~~* * # | 87 - باب من أجرى أمر الأمصار على ما يتعارفون بينهم فى البيوع ~~والإجارة والمكيال والوزن وسنتهم على نياتهم ومذاهبهم المشهورة # وقال شريح للغزالين : سنتكم بينكم [ ربحا ] . وقال عبدالوهاب ، عن أيوب ، ~~عن محمد : لا بأس العشرة بأحد عشر ، ويأخذ للنفقة ربحا . وقال النبى ، عليه ~~السلام ، لهند : ( خذى ما يكفيك وولدك بالمعروف ) . وقال تعالى : { ومن كان ~~فقيرا فليأكل بالمعروف } واكترى الحسن من عبدالله بن مرداس حمارا ، فقال : ~~بكم ؟ قال بدانقين ، فركبه ، ثم جاءه مرة أخرى ، فقال : الحمار الحمار ، ~~فركبه ، ولم يشارطه فبعث إليه بنصف درهم . / 132 - فيه : أنس ، حجم رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - أبو طيبة ، فأمر له رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - بصاع من تمر ، وأمر أهله أن يخففوا عنه من خراجه . / 132 - وفيه : ~~عائشة ، قال النبى ، عليه السلام ، لهند حين قالت له : إن أبا سفيان رجل ~~شحيح ، فهل على جناح أن آخذ من ماله سرا ؟ فقال : ( خذى أنت وبنوك ما يكفيك ~~بالمعروف ) . / 133 - وقالت عائشة : { ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف } ~~أنزلت فى والى اليتيم الذى يقيم عليه ، ويصلح فى ماله ، إن كان فقيرا أكل ~~منه بالمعروف . PageV06P332 العرف عند الفقهاء أمر معمول به ، وهو كالشرط ~~اللازم فى البيوع وغيرها ، ولو أن رجلا وكل رجلا على بيع سلعة ، فباعها ~~بغير النقد الذى هو عرف الناس لم يجز ذلك ، ولزمه النقد الجارى ، وكذلك لو ~~باع طعاما موزونا أو مكيلا بغير الوزن أو الكيل المعهود لم يجز ، و لزمه ~~الكيل المعهود المتعارف من ذلك . وقوله : يأخذ للعشرة أحد عشر ، يعنى : لكل ~~عشرة دينار من رأس المال ربح دينار . واختلف العلماء فى ذلك ، فأجازه قوم ~~وكرهه آخرون ، وممن كرهه : ابن عباس ، وابن عمر ، ومسروق ، والحسن ، وبه ~~قال أحمد وإسحاق ، وقال أحمد : البيع مردود . وأجازه ms2053 سعيد ابن المسيب ~~والنخعى ، وهو قول مالك والثورى والكوفيين والأوزاعى . وحجة من كرهه : لأنه ~~عنده بيع مجهول إلا أن يعلم عدد العشرات ، فيعلم عدد ربحها ، ويكون الثمن ~~كله معلوما . وحجة من أجازه : بأن الثمن معلوم ، فالربح معلوم . وأصل هذا ~~الباب بيع الصبرة كل قفيز بدرهم ، ولا يعلم مقدار ما فى الصبرة من الطعام ، ~~فأجازه قوم وأباه آخرون ، ومنهم من قال : لا يلزمه منه إلا القفيز الواحد ، ~~ومن البيع العشرة الواحدة . واختلفوا فى النفقة هل يأخذ لها ربحا فى بيع ~~المرابحة ؟ فقال مالك : لا يؤخذ فى النفقة ربح إلا فيما له تأثير فى السلعة ~~PageV06P333 وعين قائمة كالصبغ والخياطة والكمد فهذا كله يحسب فى أصل المال ~~ويحسب له ربح ، لأن تلك المنافع كأنها سلعة ضمت إلى سلعة ، قال مالك : ولا ~~يحسب فى المرابحة أجر السماسرة ، ولا أجر الشد والطى ولا النفقة على الرقيق ~~، ولا كراء البيت ، وإنما يحسب هذا فى أصل المال ، ولا يحسب له ربح ، وأما ~~كراء البز فيحسب له الربح ، لأنه لابد منه ، ولا يمكنه حمله ببدنه من بلد ~~إلى بلد ، فإن أربحه المشترى على ما لا تأثير له جاز إذا رضى بذلك ، فإن لم ~~يبين البائع للمشترى ذلك ، وأجمل البيع ، كان للمشترى رد ذلك كله إن شاء ، ~~لأن البائع قد غره . وقال أبو حنيفة : يحسب فى المرابحة أجر القصارة ، ~~وكراء البيت ، وأجر السمسرة ، ونفقة الرقيق وكسوتهم ، ويقول : قام على بكذا ~~وكذا . وأما أجرة الحجام فأكثر العلماء يجيزونها ، هذا إذا كان الذى يعطاه ~~مما يرضى به ، فإن أعطى ما لا يرضى به فلا يلزم ، ورد إلى عرف الناس ، ومما ~~يدل على أن العرف سنة جارية قوله - عليه السلام - لهند : ( خذى ما يكفيك ~~وولدك بالمعروف ) . فأطلق لها أن تأخذ من متاع زوجها ما تعلم أن نفسه تطيب ~~لها بمثله ، وكذلك أطلق الله لولى اليتيم أن يأكل من ماله بالمعروف . ~~PageV06P334 * * * # | 88 - باب بيع الشريك من شريكه # / 134 - فيه : جابر ، جعل الرسول - صلى الله عليه وسلم - الشفعة فى كل ~~مال لم يقسم ، فإذا ms2054 وقعت الحدود وصرفت الطرق ، فلا شفعة . وترجم له ( باب ~~بيع الأرض والعروض مشاعا غير مقسوم ) . بيع الشريك من الشريك فى كل شىء ~~مشاع جائز ، وهو كبيعه من الأجنبى ، فإن باعه من الأجنبى فللشريك الشفعة ~~لعلة الإشاعة ، وخوف دخول ضرر الدخيل عليه ، وإن باعه من شريكه ارتفعت ~~الشفعة ، وإذا كان للشريك الأخذ بالشفعة بالسنة الثابتة عن النبى - عليه ~~السلام - فعلى البائع إذا أحب البيع ألا يبيع من أجنبى حتى يستأذن شريكه ، ~~وقد روى هذا عن النبى - عليه السلام - من حديث سفيان عن أبى الزبير ، عن ~~جابر قال : قال رسول الله : ( من كانت له شركة فى أرض أو ربعة فليس له أن ~~يبيع حتى يستأذن شريكه ، فإن شاء أخذ وإن شاء ترك ) . وأما بيع العروض ~~مشاعا فأكثر العلماء أنه لا شفعة فيها ، وإنما الشفعة فى الدور والأرض خاصة ~~، هذا قول عطاء والحسن وربيعة والحكم وحماد ، وبه قال مالك والثورى ~~والكوفيون والأوزاعى والشافعى وأحمد وإسحاق . وروى عن عطاء أنه قال : ~~الشفعة فى كل شىء حتى فى الثوب وإذا اختلف فيها قول عطاء فكأنه لم يأت عنه ~~فيها شىء ، فهو كالإجماع أنه لا شفعة فى العروض والحيوان ، قاله ابن المنذر ~~. PageV06P335 * * * # | 89 - باب إذا اشترى شيئا لغيره بغير إذنه فرضى # / 135 - فيه : ابن عمر ، [ عن النبى - صلى الله عليه وسلم - ، قال ] : ( ~~خرج ثلاثة نفر يمشون ، فأصابهم المطر ، فدخلوا فى غار فى جبل ، فانحطت ~~عليهم صخرة . . . . . ) الحديث . ( فقال الثالث : اللهم إن كنت تعلم أنى ~~استأجرت أجيرا بفرق من ذرة ، فأعطيته فأبى فعمدت إلى ذلك الفرق فزرعته حتى ~~اشتريت منه بقرا وراعيها ، ثم جاء فقال : يا عبدالله ، أعطنى حقى ؟ فقلت : ~~انطلق إلى تلك البقر وراعيها ، [ فإنها لك ] ، فقال : أتستهزئ بى ؟ قال : ~~فقلت : ما أستهزئ بك ، ولكنها لك ، اللهم إن كنت تعلم أنى فعلت ذلك ابتغاء ~~وجهك ، فافرج عنا ، فكشف عنهم ) . أجمع الفقهاء أنه لا يلزم شراء الرجل ~~لغيره بغير إذنه إلا حتى يعلمه ويرضى به فيلزمه بعد الرضا به إذا أحاط علما ~~به ، واختلف ابن القاسم وأشهب ms2055 فى مسألة من هذا الباب ، إذا أودع رجل رجلا ~~طعاما فباعه المودع بثمن ، فرضى المودع ، فقال ابن القاسم : له الخيار ، إن ~~شاء أخذ مثل طعامه من المودع ، وإن شاء أخذ الثمن الذى باعه به . وقال أشهب ~~: إن رضى بذلك فلا يجوز ؛ لأنه طعام بطعام فيه خيار . وهذا الحديث دليل على ~~صحة قول ابن القاسم ؛ لأن فيه أن الذى كان ترك الأجير : فرق ذرة ، وأنه ~~زرعه له الذى بقى عنده حتى صار منه بقر وراعيها فلو كان خيار صاحب الطعام ~~يحرم عليه الطعام ، ما جاز له أخذ البقر وراعيها لأن أصلها كان من ذلك ~~الفرق المزروع له بغير علمه ، وقد رضى النبى - عليه السلام - PageV06P336 ~~بذلك وأقره ، وأخبر أن الذى انطبق عليه الغار توسل بذلك إلى ربه ، ونجاه به ~~، فدل هذا الحديث أنه لم يكن أخذ الأجير للبقر وراعيها لازما إلا بعد رضاه ~~بذلك لقوله : ( أتستهزئ بى ؟ ) وإنكاره ما بذل له عوضا من الفرق ، ولذلك ~~عظمت المثوبة فى هذه القصة ، وظهرت هذه الآية الشنيعة من أجل تطوع الزارع ~~للفرق بما بذل له ، وأنه فعل أكثر مما كان يلزمه فى تأدية ما عليه ، فشكر ~~الله له ذلك . وقد اختلف العلماء فى الطعام المغصوب يزرعه الغاصب ، فذكر ~~ابن المنذر أن قول مالك والكوفيين : أن الزرع للغاصب ، وعليه مثل الطعام ~~الذى غصب ؛ لأن كل من تعدى على كل ماله مثل فليس عليه غير مثل الشىء ~~المتعدى عليه ، غير أن الكوفيين قالوا : إن زيادة الطعام حرام على الغاصب ~~لا تحل له ، وعليه أن يتصدق به ، وقال أبو ثور : كل ما أخرجت الأرض من ~~الحنطة فهو لصاحب الحنطة ، وسيأتى اختلافهم فيمن تعدى على ذهب أو ورق ، ~~فتجر فيه بغير إذن صاحبه فى كتاب الإجارة فى باب من استأجر أجيرا فترك ~~الأجير أجره ، فعمل فيه المستأجر فزاد فى حديث ابن عمر بعد هذا - إن شاء ~~الله . قوله : ( يتضاغون عند رجلى ) . قال صاحب العين : يقال : ضغا يضغوا ~~ضغوا ، أضغيته : وهو صوت الذليل . PageV06P337 * * * # | 90 - باب الشراء والبيع مع المشركين وأهل ms2056 الحرب # / 136 - فيه : عبد الرحمن بن أبى بكر ، قال : كنا مع النبى ، عليه السلام ~~، ثم جاء رجل مشرك مشعان طويل بغنم يسوقها ، فقال له النبى ، عليه السلام : ~~( بيعا أم عطية - أو قال : أم هبة ) فقال : لا ، بل بيع ، فاشترى منه شاة . ~~الشراء والبيع من الكفار كلهم جائز ، إلا أن أهل الحرب لا يباع منهم ما ~~يستعينون به على إهلاك المسلمين من العدة والسلاح ، ولا ما يقوون به عليهم ~~. قال ابن المنذر : واختلف العلماء فى مبايعة من الغالب على ماله الحرام ~~وقبول هداياه وجوائزه ، فرخصت طائفة فى ذلك ، كان الحسن البصرى لا يرى بأسا ~~أن يأكل الرجل من طعام العشار والصراف والعامل ، ويقول : قد أحل الله طعام ~~اليهود والنصار ، وأكله أصحاب رسول الله ، وقد قال تعالى فى اليهود : { ~~أكالون للسحت } . وقال مكحول والزهرى : إذا اختلط المال وكان فيه الحلال ~~والحرام ، فلا بأس أن يؤكل منه ، وإنما كره من ذلك الشىء الذى يعرفه بعينه ~~. وقال الحسن : لا بأس ما لم يعرفوا شيئا بعينه . وقال الشافعى : لا يجب ~~مبايعة من أكثر ماله ربا أو كسبه من حرام ، وإن بايعه لم أفسخ البيع لأن ~~هؤلاء قد يملكون حلالا ، ولا يحرم إلا حراما بينا ، إلا أن يشترى الرجل ~~حراما بينا يعرفه ، والمسلم والذمى والحربى فى هذا سواء . PageV06P338 وحجة ~~من رخص فى ذلك قوله - عليه السلام - للمشرك المشعان فى الغنم : ( أبيعا أم ~~عطية أم هبة ) ؟ قال ابن المنذر : وأيضا فإن النبى - عليه السلام - رهن ~~درعه عند يهودى قال : وكان ابن عمر وابن عباس يأخذان هدايا المجتار ، وبعث ~~عمر بن عبد الله بن معمر إلى ابن عمر بألف دينار ، والى القاسم بن محمد ~~بألف دينار ، فأخذها ابن عمر وقال : وصلته رحم ، لقد جاءتنا على حاجة ، ~~وأبى أن يقبلها القاسم ، فقالت امرأته : إن لم تقبلها فأنا ابنة عمه كما هو ~~ابن عمه ، فأخذتها ، وقال عطاء : بعث معاوية إلى عائشة بطوق من ذهب فيه ~~جوهر ، فقوم بمائة ألف فقسمته بين أزواج النبى - عليه السلام . وكرهت طائفة ~~الأخذ منهم ، روى ms2057 ذلك عن مسروق وسعيد بن المسيب والقاسم بن محمد و بشير بن ~~سعيد وطاوس وابن سيرين وسفيان الثورى وابن المبارك وابن المبارك ومحمد بن ~~واسع وأحمد بن حنبل ، وأخذ ابن المبارك قذاة من الأرض فقال : من أخذ منهم ~~مثل هذه فهو منهم . وقد تقدم هذا المعنى فى كتاب الزكاة فى باب من أعطاه ~~الله شيئا من غير مسألة ولا إشراف نفس . قال المهلب : وقوله عليه السلام ~~للمشرك : ( أبيعا أم عطية أم هبة ؟ ) فإنما قال ذلك على معنى أن يثيبه لو ~~كانت هدية ، لا أنه كان يقبلها منه دون إثابة عليها ، كما فعل عليه السلام ~~بكل من هاداه من المشركين ، وسيأتى حكم هدية المشركين فى كتاب الهبة فى باب ~~( قبول الهدية من المشركين إن شاء الله ) . وفيه : قصد الرؤساء وكبراء ~~الناس بالسلع لاستجزال الثمن . PageV06P339 وفيه : أن ابتياع الأشياء من ~~مجهول الناس ومن لا يعلم حاله بعفاف أو غيره جائز حتى يطلع على ما يلزم ~~الورع عنه ، أو يوجب ترك مبايعته لغصب أو سرقة أو غير ذلك ، قال ابن المنذر ~~: لأن من بيده الشىء فهو مالكه على الظاهر ، ولا يلزم المشترى أن يعلم ~~حقيقة ملكه له بحكم اليد . وقال صاحب العين : يقال : شعر مشعان ، إذا كان ~~منتفشا ، ورجل مشعان الرأس . * * * # | 91 - باب شراء المملوك من الحربى وهبته وعتقه # وقال عليه السلام لسلمان : ( كاتب ) ، وكان حرا فظلموه وباعوه ، وسبى ~~عمار وصهيب وبلال ، وقال الله تعالى : { والله فضل بعضكم على بعض فى الرزق ~~} إلى قوله : { أفبنعمة الله يجحدون } . / 137 - فيه : أبو هريرة ، قال ~~النبى عليه السلام : ( هاجر إبراهيم عليه السلام بسارة ، فدخل بها قرية ~~فيها ملك من الملوك - أو جبار من الجبابرة - فقيل : دخل إبراهيم بامرأة هى ~~من أحسن النساء ، فأرسل إليه أن يا إبراهيم من هذه التى معك ؟ قال : أختى ، ~~ثم رجع إليها ، فقال : لا تكذبى حديثى ، فإنى أخبرتهم أنك أختى ، والله إن ~~على الأرض من مؤمن غيرى وغيرك ، فأرسل بها إليه فقام إليها ، فقامت توضأ ~~وتصلى ، فقالت : اللهم إن كنت آمنت بك ms2058 وبرسولك ، وأحصنت فرجى إلا على زوجى ~~، فلا PageV06P340 تسلط على الكافر ، فغط حتى ركض برجله - قال الأعرج : قال ~~أبو سلمة بن عبدالرحمن : إن أبا هريرة قال : قالت : اللهم إن يمت يقال هى ~~قتلته - فأرسل ، ثم قام إليها ، فقامت توضأ تصلى ، وتقول : اللهم إن كنت ~~آمنت بك وبرسولك ، وأحصنت فرجى إلا على زوجى ، فلا تسلط على هذا الكافر ، ~~فغط حتى ركض برجله - قال عبدالرحمن : قال أبو سلمة : قال أبو هريرة : فقالت ~~: اللهم إن يمت ، فيقال : هى قتلته - فأرسل فى الثانية ، أو فى الثالثة ، ~~فقال : والله ما أرسلتم إلى إلا شيطانا ، ارجعوها إلى إبراهيم ، وأعطوها ~~آجر ، فرجعت إلى إبراهيم عليه السلام ، فقالت : أشعرت أن الله كبت الكافر ، ~~وأخدم وليدة ) . / 138 - وفيه : عائشة ، أنها قالت : اختصم سعد بن أبى وقاص ~~، وعبد بن زمعة فى غلام ، فقال سعد : يا رسول الله ، هذا ابن أخى عتبة بن ~~أبى وقاص عهد إلى فيه أنه ابنه انظر إلى شبهه ، وقال عبد بن زمعة : هذا أخى ~~يا رسول الله ، ولد على فراش أبى من وليدته ، فنظر النبى ، عليه السلام ، ~~إلى شبهه فرأى شبها بينا بعتبة ، فقال : ( هو لك يا عبد بن زمعة ، الولد ~~للفراش ، وللعاهر الحجر ، واحتجبى منه يا سودة بنت زمعة ، فلم تره سودة قط ~~) . / 139 - وفيه : عبد الرحمن بن عوف ، أنه قال لصهيب : اتق الله ، ولا ~~تدع إلى غير أبيك ، فقال صهيب : ما يسرنى أن لى كذا وكذا ، وأنى قلت ذلك ، ~~ولكنى سرقت وأنا صبى . / 140 - وفيه : حكيم ، قلت : يا رسول الله ، أرأيت ~~أمورا كنت أتحنث بها فى الجاهلية من صلة وعتاقة وصدقة ، هل لى فيها أجر ؟ ~~قال حكيم : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( أسلمت على ما سلف لك ~~من خير ) . غرض البخارى فى هذا الباب - والله أعلم - إثبات ملك الحربى ~~والمشرك ، وجواز تصرفه فى ملكه بالبيع والهبة والعتق ، وجميع ضروب التصرف ؛ ~~إذ قد أقر النبى - عليه السلام - سلمان عند مالكه PageV06P341 من الكفار ، ~~فلم يزل ملكه عنه ، وأمره أن يكاتب ، و قد كان حرا وأنهم ms2059 ظلموه وباعوه ، ~~ولم ينقض ذلك ملك مالكه ، وكذلك كان أمر عمار وصهيب وبلال ، باعهم مالكوهم ~~الكفار من المسلمين ، واستحقوا أثمانهم وصارت ملكا لهم ، ألا ترى أن ~~إبراهيم - عليه السلام - قبل هبة الملك الكافر ، وأن عبد بن زمعة قال للنبى ~~: هذا ابن أمة أبى ولد على فراشه ؛ فأثبت لأبيه أمة وملكا عليه فى الجاهلية ~~، فلم ينكر ذلك النبى - عليه السلام - وسماعه الخصام فى ذلك دليل على تنفيذ ~~عهد المشرك ، والحكم له إن تحوكم فيه إلى المسلمين ، وكذلك جوز عليه السلام ~~عتق حكيم بن حزام وصدقته فى الجاهلية ، ومعنى قوله تعالى : { والله فضل ~~بعضكم } الآية ، فالآية تضمنت التقريع للمشركين والتوبيخ لهم على تسويتهم ~~عبادة الأصنام بعبادة الله ، فنبههم الله أن مماليكهم غير مساوين لهم فى ~~أموالهم ، فالله - تعالى - أولى بإفراد العبادة وألا يشرك معه أحد من عبيده ~~، إذ لا ملك على الحقيقة ، ولا مستحق للإلهية غيره عز وجل . قال الطبرى : ~~فإن قال قائل : كيف جاز لليهودى ملك سلمان وهو مسلم ، ولا يجوز للكافر ملك ~~مسلم ؟ فالجواب : إن حكم النبى - عليه السلام - وشريعته أن من غلب من أهل ~~الحرب على نفسه غيره أو ماله ، ولم يكن المغلوب على ذلك ممن دخل فى صبغة ~~الإسلام ، فهو لغالبه ملكا ، وكان سلمان حين غلب على نفسه لم يكن مؤمنا ، ~~وإنما كان إيمانه تصديق بالنبى - عليه السلام - إذا بعث ، مع إقامته على ~~شريعة عيسى - عليه السلام - فأقره عليه السلام مملوكا لمن PageV06P342 كان ~~فى يده ، إذ كان فى حكمه عليه السلام أن من أسلم من رقيق المشركين فى دار ~~الحرب ، ولم يخرج مراغما لسيده فهو لسيده ، أو كان سيده من أهل صلح ~~المسلمين ، فهو مملوك لمالكه . قال المهلب : وفى حديث إبراهيم عليه السلام ~~من الفقه : إباحة المعاريض ، وأنها لمندوحة عن الكذب . وفيه : أن أخوة ~~الإسلام أخوة يجب أن يسمى بها . وفيه : الرخصة فى الانقياد للظالم والغاصب ~~. وفيه : قبول صلة السلطات الظالم . وفيه : إجابة الدعوة بإخلاص النية ، ~~وكفاية الله - جل ثناؤه وتقدست أسماؤه - لمن أخلصها بما يكون نوعا من ms2060 ~~الآيات ، وزيادة فى الإيمان ، وتقوية عل التصديق والتسليم والتوكل . وقوله ~~: فغط ، يقال : غط غطيطا : صوت فى نومه ، من كتاب الأفعال . وقوله : كبت ~~الله الكافر - يعنى : صرعه لوجهه - وكبت الله العدو : أهلكه من الأفعال . * ~~* * # | 92 - باب جلود الميتة قبل أن تدبغ # / 141 - فيه : ابن عباس ، أن النبى - صلى الله عليه وسلم - مر بشاة ميتة ~~، فقال : ( هلا استمتعتم بإهابها ؟ ) قالوا : إنها ميتة ، قال : ( إنما حرم ~~أكلها ) . PageV06P343 قد تقدم اختلاف العلماء فى جلود الميتة ، وأن جمهور ~~العلماء على جواز بيعها والانتفاع بها بعد دباغها فى كتاب الذبائح ، فأغنى ~~عن إعادته - والحمد لله . * * * # | 93 - باب قتل الخنزير # وقال جابر : حرم النبى ، عليه السلام ، بيع الخنزير / 142 - فيه : أبو ~~هريرة ، قال النبى ، عليه السلام : ( والذى نفسى بيده ليوشكن أن ينزل فيكم ~~ابن مريم حكما مقسطا ، فيكسر الصليب ، ويقتل الخنزير ، ويضع الجزية ، ويفيض ~~المال حتى لا يقبله أحد ) . أجمع العلماء على أن بيع الخنزير وشراءه حرام ، ~~واجمعوا على قتل كل ما يستضر به ويؤذى مما لا يبلغ أذى الخنزير ، كالفواسق ~~التى أمر النبى المحرم بقتلها ، فالخنزير أولى بذلك ، لشدة أذاه ، ألا ترى ~~أن عيسى ابن مريم يقتله عند نزوله ، فقتله واجب . وفيه دليل أن الخنزير ~~حرام فى شريعة عيسى ، وقتله له تكذيب للنصارى أنه حلال فى شريعتهم . واختلف ~~العلماء فى الانتفاع بشعره ، فكرهه ابن سيرين والحكم ، وهو قول الشافعى ~~وأحمد وإسحاق . وقال الطحاوى عن أصحابه : لا ينتفع من الخنزير بشىء ، ولا ~~يجوز بيع شىء منه ، ويجوز للخرازين أن ينتفعوا بشعره أو شعرتين للخرازة ، ~~ورخص فيه الحسن وطائفة . وذكر ابن خواز بنداد عن مالك أنه قال : لا بأس ~~بالخرازة PageV06P344 بشعر الخنزير ، قال : فيجئ على هذا أنه لا بأس ببيعه ~~وشرائه . وقال الأوزاعى : يجوز للخراز أن يشتريه ، ولا يجوز له بيعه . وقال ~~المهلب : قوله : ( فيكسر الصليب ، ويقتل الخنزير ، ويضع الجزية ) يدل أن ~~الناس كلهم يدخلون فى الإسلام ، ولا يبقى من يخالفه - والله أعلم . * * * # | 94 - باب لا يذاب شحم الميتة ولا يباع ودكها # رواه جابر عن النبى ، عليه السلام ms2061 . / 143 - فيه : ابن عباس ، بلغ عمر أن ~~فلانا باع خمرا ، فقال : قاتل الله فلانا ، ألم يعلم أن رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - قال : ( قاتل الله اليهود ، حرمت عليهم الشحوم ، فجملوها ~~فباعوها ؟ ) . أجمع العلماء على تحريم بيع الميتة ، لتحريم الله تعالى لها ~~بقوله : { حرمت عليكم الميتة والدم } قال الطبرى : فإن قيل : ما وجه قوله ~~فى بيع الخمر : ( لعن الله اليهود ، حرمت عليهم الشحوم فباعوها وأكلوا ~~أثمانها ) وأنت تعلم أن أشياء كثيرة حرم الله أكلها ولم تحرم أثمانها ، ~~كالحمر الأهلية وسباع الطير كالعقبان والبزاة وشبهها ؟ قلت : المعنى الذى ~~خالف بينهما مع اشتباههما فى الوجه الذى وصفت بين ، وهو أن الله - تعالى - ~~جعل الخمر والخنزير PageV06P345 نجسين ، فحكمهما فى أنه لا يحل بيعهما ولا ~~شراؤهما ، ولا أكل أثمانهما حكم سائر النجاسات من الميتة والدم والعذرة ~~والبول ، وذلك هو المعنى الذى مثل به بائع الخمر وآكل ثمنها بالبائع من ~~اليهود الشحوم وآكل أثمانها ، إذ كانت الشحوم حرام أكلها على اليهود ، نجسة ~~عندهم نجاسة الخمر والميتة فى ديننا ، فكان بائعها منهم وآكل ثمنها نظير ~~بائع الخمر والخنزير منا وآكل ثمنها ، فالواجب أن يكون كل ما كان نجسا حرام ~~بيعه وشراؤه ، وأكل ثمنه ، وكل ما حرم أكله وهو طاهر ، فحلال بيعه وشراؤه ، ~~والانتفاع به فيما لم يحظر الله - تعالى - الانتفاع به ، فبان الفرق بينهما ~~. قال المؤلف : واختلف العلماء فى جواز بيع العذرة والسرقين ، فكره مالك ~~والكوفيون بيع العذرة ، وقالوا : لا خير فى الانتفاع بها وأجاز الكوفيون ~~بيع السرقين . قال الطحاوى : وزبل الدواب عند مالك نجس ، فينبغى أن يكون ~~كالعذرة ، وأما بعر الإبل وخثى البقر فلا بأس ببيعه عند مالك ، وقال ~~الشافعى : لا يجوز بيع العذرة ولا الروث ، ولا شىء من الأنجاس . قال ~~الطحاوى : وقد جرت عادت الناس بالانتفاع بالسرقين وإن كان نجسا وتمريغ ~~دوابهم فيه ، وخلطه بالطين والبناء للفخار ، ولوقود النيران غير منكر ذلك ~~عندهم ، فهون من النجاسات التى أبيح الانتفاع بها ، فدل أنها مملوكة ، وأن ~~على مستهلكها ضمانها ، فكان دلادلة على أنه يجوز بيعه ؛ لأنه ms2062 مال ، وإذا ~~كان كذلك فالحاجة إلى العذرة قائمة فى الانتفاع بها للأرضين . فوجب أن تكون ~~كذلك ، وفى سماع ابن القاسم أنه سئل PageV06P346 عن قوم لهم خربة فرمى ~~الناس فيها زبلا ، فأرادوا ضربه طوبا وبيعه ، ليعمروا به تلك الأرض ، قال : ~~ذلك لهم . وقوله : ( فجملوها ) ، يعنى أذابوها ، يقال : جملت الشحم أجمله ~~جملا واجتملته ، وإذا أذبته ، والجميل : الودك . * * * # | 95 - باب بيع التصاوير التى ليس فيها أرواح وما يكره من ذلك # / 144 - فيه : ابن عباس ، أتاه رجل فقال : إن معيشتى من صنعة يدى ، وإنا ~~أصنع هذه التصاوير ، فقال ابن عباس : لا أحدثك إلا ما سمعت من رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - يقول ، سمعته يقول : ( من صور صورة ، فإن الله معذبه ~~حتى ينفخ فيها الروح ، وليس بنافخ فيها أبدا ) ، فربا الرجل ربوة شديدة ، ~~واصفر وجهه ، فقال : ويحك ، إن أبيت إلا أن تصنع فعليك بهذه الشجرة كل شىء ~~ليس فيه روح ) . قال المهلب : إنما كره هذا من أجل أن الصور التى فيها ~~الأرواح كانت معبودة فى الجاهلية ، فكرهت كل صورة وإن كانت لا فىء لها ولا ~~جسم ؛ قطعا للذريعة ، حتى إذا استوطن أمر الإسلام وعرف الناس من أمر الله ~~وعبادته ما لا يخاف عليهم فيه من الأصنام والصور ، أرخص فيما كان رقما أو ~~صبغا إذا وضع موضع المهنة ، وإذا نصب نصب العبادة ، وسأتقصى ما للعلماء فى ~~الصور فى كتاب الزينة - إن شاء الله . PageV06P347 وقال صاحب العين : يقال ~~ربا الرجل أصابه نفس فى جوفه ، وهو الربو والربوة والربوة . * * * # | 96 - باب تحريم التجارة فى الخمر # وقال جابر : حرم النبى عليه السلام بيع الخمر . / 145 - وفيه عائشة : لما ~~نزلت آيات سورة البقرة عن آخرها ، خرج النبى ، عليه السلام ، فقال : ( حرمت ~~التجارة فى الخمر ) . الأمة مجمعة على تحريم بيع الخمر ، كما أجمعوا على ~~تحريم شربها والانتفاع بها ، واختلفوا فى تخليلها ، واختلف قول مالك فى ذلك ~~أيضا ، فروى عنه ابن وهب وابن القاسم : أنه لا يحل لمسلم أن يخلل الخمر ، ~~ولكن يهريقها ، فإن صارت خلا بغير علاج فهى حلال ، وهو ms2063 قياس قول الشافعى ، ~~وروى ابن القاسم عن مالك أنه إن خللها جاز أكلها وبيعها ، وبئس ما صنع . ~~وروى عن أشهب : إن خللها النصارى فلا بأس بأكلها ، وكذلك إن خللها مسلم ~~واستغفر الله ، وهو قول الليث . وأجاز الثورى والأوزاعى وأبو حنيفة وأصحابه ~~تخليل الخمر ، ولا بأس أن يطرح فيها السمك والملح فيصير مريا إذا تحولت عن ~~حال الخمر . واحتج الشافعى بما روى الثورى عن السدى ، عن أبى هريرة قال : ( ~~جاء رجل إلى النبى وفى حجره يتيم ، وكان عنده خمر له حين حرمت الخمر ، فقال ~~: يا رسول الله ، نصنعها خلا ؟ فقال : لا . PageV06P348 فصبها حتى سال ~~الوادى ) . قال الطحاوى : واحتمل نهى النبى - عليه السلام - أن تجعل خلا ~~وأمره بالإراقة معان : أحدها : أن يكون نهيا عن التخليل ، ولا دلالة فيه ~~بعد ذلك على حظر ذلك الخل الكائن منها ، واحتمل أن يكون مراده تحريم ذلك ~~الخل ، ويحتمل أن يكون أراد التغليظ وقطع العادة ؛ لقرب عهدهم بشرب الخمر . ~~واحتج الكوفيون بما روى أبو إدريس الخولانى أن أبا الدرداء كان يأكل المرى ~~الذى جعل فيه الخمر ، ويقول : دبغته الشمس والملح . قالوا : وكما لا يختلف ~~حكم جلد الميتة فى دبغه بعلاج آدمى وغيره ، كذلك استحالة الخمر خلا . * * * # | 97 - باب إثم من باع حرا # / 146 - فيه : أبو هريرة ، عن النبى - صلى الله عليه وسلم - قال : ( قال ~~الله : ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة : رجل أعطى بى ، ثم غدر ، ورجل باع حرا ~~، ثم أكل ثمنه ، ورجل استأجر أجيرا ، فاستوفى منه ولم يعط أجره ) . قال ~~المهلب : قوله : ( أعطى بى ثم غدر ) يريد نقض عهدا عاهده عليه ، وقوله : ( ~~استأجر أجيرا فلم يعطه أجره ) ، هو داخل فى معنى من باع حرا ؛ لأنه استخدمه ~~بغير عوض ، وهذا عين الظلم ، وإنما عظم الإثم فيمن باع حرا ؛ لأن المسلمين ~~أكفاء فى الحرمة والذمة ، وللمسلم على المسلم أن ينصره ولا يظلمه ، وأن ~~ينصحه ولا PageV06P349 يسلمه ، وليس فى الظلم أعظم من أن يستعبده أو يعرضه ~~لذلك ، ومن باع حرا فقد منعه التصرف فيما أباح الله له ، وألزمه حال الذلة ms2064 ~~والصغار ، فهو ذنب عظيم ، ينازع الله به فى عبادة . قال ابن المنذر : وكل ~~من لقيت من أهل العلم على أنه من باع حرا أنه لا قطع عليه ويعاقب ، ويروى ~~عن ابن عباس قال : يرد البيع ويعاقبان . وروى جلاس عن على أنه قال : تقطع ~~يده . والصواب قول الجماعة ؛ لأنه ليس بسارق ، ولا يجوز قطع غير السارق . * ~~* * # | 98 - باب أمر النبى - صلى الله عليه وسلم - اليهود ببيع أرضهم حتى ~~أجلاهم # / 147 - فيه : المقبرى ، عن أبى هريرة . * * * # | 99 - باب بيع العبيد والحيوان بالحيوان نسيئة # واشترى ابن عمر راحلة بأربعة أبعرة مضمونة عليه ، يوفيها صاحبها بالربذة ~~. وقال ابن عباس : قد يكون البعير خيرا من البعيرين . واشترى رافع بن خديج ~~بعيرا ببعيرين ، فأعطاه أحدهما ، وقال : آتيك بالآخر غدا رهوا ، إن شاء ~~الله . وقال ابن المسيب : لا ربا فى الحيوان البعير بالبعيرين ، والشاة ~~بالشاتين إلى أجل . وقال ابن سيرين : لا بأس ببعير ببعيرين نسيئة ، ودرهم ~~بدرهم نسيئة . PageV06P350 / 148 - فيه : أنس ، قال : كان فى السبى صفية ، ~~فصارت إلى دحية الكلبى ، ثم صارت إلى النبى ، عليه السلام . قال المؤلف : ~~حديث المقبرى عن أبى هريرة الذى أشار إليه البخارى فى هذا الباب ، قد ذكره ~~فى آخر كتاب الجهاد ، فى باب : إخراج اليهود من جزيرة العرب ، قال أبو ~~هريرة : ( بينا نحن فى المسجد خرج النبى - عليه السلام - فقال : انطلقوا ~~إلى يهود ، فخرجنا حتى جئنا بيت المدراس ، فقال : أسلموا ، واعلموا أن ~~الأرض لله ولرسوله ، وإنى أريد أن أجليكم من هذه الأرض ، فمن وجد منكم ~~بماله ثمنا فليبعه ، وإلا فاعلموا أن الأرض لله ولرسوله ) . قال المؤلف : ~~وهؤلاء اليهود الذين أجلاهم النبى - عليه السلام - هم بنو النضير ، وذلك ~~أنهم أرادوا الغدر برسول الله ، وأن يلقوا عليه حجرا ، فأوحى الله إليه ~~بذلك ، فأمر بإجلائهم ، وأن يسيروا حيث شاءوا ، فلما سمع المنافقون بذلك ~~بعثوا إلى بنى النضير : اثبتوا وتمنعوا ؛ فإنا لن نسلمكم ، إن قوتلتم ~~قاتلنا معكم ، وإن أخرجتم خرجنا معكم ، فتربصوا بذلك لنصرهم فلم يفعلوا ، ~~وقذف الله فى قلوبهم الرعب ، فسألوا رسول الله أن يجليهم ms2065 ، ويكف عن دمائهم ~~على أن لهم ما حملت الإبل من أموالهم إلا الحلفة ، ففعل ، فاحتملوا ذلك ~~وخرجوا إلى خيبر ، وخرج أكثرهم إلى الشام ، وخلوا الأموال لرسول الله ، ~~فكانت PageV06P351 له خاصة يضعها حيث يشاء ، فقسمها رسول الله على ~~المهاجرين دون الأنصار فى حديث طويل ذكره ابن إسحاق , قال المؤلف : فإن قال ~~قائل : هذا معارض لحديث المقبرى عن أبى هريرة ؛ لأن فيه أن النبى - عليه ~~السلام - أمرهم ببيع أرضهم ، وفى حديث ابن إسحاق أنهم تركوا أرضهم دون عوض ~~، وحلت لرسول الله فما وجه ذلك ؟ فالجواب : أن النبى إنما أمرهم ببيع أرضهم ~~- والله أعلم - قبل أن يكونوا له حربا ، فكانوا مالكين لأرضهم ، وكانت ~~بينهم وبين النبى مسالمة وموافقة للجيرة ، فكان النبى - عليه السلام - يمسك ~~عنهم لإمساكهم عنه ، ولم يكن بينهم عهد ، ثم أطلعه الله على ما يؤملون من ~~الغدر به ، وقد كان أمره لهم ببيع أرضهم وإجلائهم قبل ذلك فلم يفعلوا ؛ ~~لأجل قول المنافقين لهم : اثبتوا فإنا لن نسلمكم إن قوتلتم فوثقوا بقولهم ، ~~وثبتوا ولم يخرجوا ، وعزموا على مقاتلة النبى - عليه السلام - فصاروا له ~~حربا ؛ فحلت بذلك دماؤهم وأموالهم ، فخرج إليه رسول الله وأصحابه فى السلاح ~~وحاصرهم ، فلما يئسوا من عون المنافقين ألقى الله فى قلوبهم الرعب ، وسألوا ~~رسول الله الذى كان عرضه عليهم قبل ذلك ، فلم يبح لهم بيع الأرض ، وقاضاهم ~~على أن يجليهم ويتحملوا بما استقلت به الإبل ، وعلى أن يكف عن دمائهم ~~وأموالهم ، فحلوا عن ديارهم ، وكفى الله المؤمنين القتال ، وكانت أراضيهم ~~وأموالهم مما لم يوجف عليها بقتال مما انجلى عنها أهلها بالرعب ، وصارت ~~خالصة لرسول الله يضعها حيث شاء ، قال ابن إسحاق : ولم يسلم من بنى النضير ~~إلا رجلان أسلما على أموالهما فأحرزاها ، PageV06P352 قال : ونزلت فى بنى ~~النضير سورة الحشر إلى قوله : { ولولا أن كتب الله عليهم الجلاء لعذبهم فى ~~الدنيا } أى : بالقتل والسبى ، ولهم فى الآخرة مع ذلك عذاب النار . وقوله : ~~{ لأول الحشر } ، يعنى : الشام الذى جلا أكثرهم إليه ؛ لأنه روى فى الحديث ~~أنه تجىء نار تحشر الناس ms2066 إلى الشام ، ولذلك قيل فى الشام أنها أرض المحشر . ~~وأما بيع الحيوان بالحيوان نسيئة فإن العلماء اختلفوا فى ذلك ، فقالت طائفة ~~: لا ربا فى الحيوان ، وجائز بيع بعضه ببعض نقدا ونسيئة اختلف أو لم يختلف ~~، هذا مذهب على ابن أبى طالب وابن عمر وابن المسيب ، وهو قول الشافعى وأبى ~~ثور ، وقال مالك : لا بأس بالبعير النجيب بالبعيرين من حاشية الإبل نسيئة ، ~~وإن كانت من نعم واحدة إذا اختلف فبان اختلافها ، وإن أشبه بعضها بعضا و ~~اتفقت أجناسها ، فلا يؤخذ منها اثنان بواحد إلى أجل ، ويؤخذ يد بيد ، وهو ~~قول سليمان بن يسار وربيعة ويحيى بن سعيد ، وقال الثورى والكوفيون وأحمد : ~~لا يجوز بيع الحيوان بالحيوان نسيئة ، اختلفت أجناسه أو لم تختلف ، واحتجوا ~~بحديث الحسن عن سمرة ابن جندب ( أن النبى - عليه السلام - نهى عن بيع ~~الحيوان بالحيوان نسيئة ) . وبحديث يحيى بن أبى كثير ، عن عكرمة ، عن ابن ~~عباس قال : ( نهى رسول الله عن بيه الحيوان بالحيوان نسيئة ) ومعنى النهى ~~عن ذلك عندهم لعدم وجود مثله ؛ ولأنه غير موقوف عليه ، قالوا : وهذا مذهب ~~ابن عباس وعمار بن ياسر ، وأجازوا التفاضل فيه يدا بيد ، وحجة القول الأول ~~: ما رواه ابن PageV06P353 إسحاق ، عن أبى سفيان ، عن مسلم بن كثير ، عن ~~عمرو بن حريش قال : قلت لعبد الله عمرو : ( إنه ليس بأرضنا ذهب ولا فضة ، ~~وإنما نبيع البعير بالبعيرين ، والبقرة بالبقرتين ، والشاة بالشاتين . فقال ~~: ( إن رسول الله أمر أن يجهز جيش ، فنفدت الإبل ، فأمر أن نأخذ على قلائص ~~الصدقة بالبعيرين إلى إبل الصدقة ) . وقد سأل عثمان السجستانى يحيى بن معين ~~عن سند هذا الحديث ، فقال : سند صحيح مشهور ، وهذا المذهب أراد البخارى ، ~~ووجه إدخاله حديث صفية فى هذا الباب ، أن صفية صارت إلى دحية الكلبى بأمر ~~النبى - عليه السلام - فأخبر النبى أنها سيدة قريظة ولا تصلح إلا له ، وذكر ~~من جمالها ، فأمر النبى فأتى بها ، فلما رآها عليه السلام قال لدحية : دعها ~~وخذ غيرها ، فكان تركه لها عند النبى وأخذه جارية السبى غير معينة ms2067 ، بيعا ~~لها بجارية نسيئة حتى يأخذها ويستحسنها ، فحينئذ تتعين له ، وليس ذلك يدا ~~بيد ، وحجة مالك أن الحيوان إذا اختلفت منافعه صار كجنسين من سائر الأشياء ~~، ويجوز فيه التفاضل والأجل ؛ لاختلاف أغراض الناس فيه لأن غرض الناس من ~~العبيد والحيوان والمنافع ، ولا ربا عندهم فى الحيوان والعروض إذا حدث فيها ~~النسيئة إلا من باب الزيادة فى السلف ، وإذا كان التفاضل فى الجهة الواحدة ~~خرج من أن تتوهم فيه الزيادة فى السلف ، وليس العبد الكاتب والصائغ عندهم ~~مثل العبد الذى هو مثله فى الصورة ، إذا لم يكن كاتبا ولا صائغا ، وأما إذا ~~اتفقت منافعها فلا يجوز عندهم صنف منه بصنف مثله أكثر منه إلى أجل ؛ لأن ~~ذلك يدخل فى معنى قرض جر منفعة ؛ لأنه أعطى PageV06P354 شيئا له منفعة بشىء ~~أكثر منه له مثل تلك المنفعة ؛ لأنه إنما طلب زيادة الشىء لاختلاف منافعه ، ~~فلم يجز ذلك ، وتأول مالك فيما روى عن على بن أبى طالب أنه باع جملا له ~~يدعى عصيفير بعشرين بعيرا إلى أجل ، وما روى عن ابن عمر أنه اشترى راحلة ~~بأربعة أبعرة ، أن منافعها كانت مختلفة ، وليس فى الحديث عنهم أن منافعها ~~كانت متفقة ، فلا حجة للمخالف فى ذلك . وأما قول ابن سيرين : لا بأس ببعير ~~ببعيرين ، ودرهم بدرهم نسيئة ، وفى بعض النسخ بدرهمين نسيئة ، فإن ذلك خطأ ~~فى النقل عن البخارى ، والصحيح عن ابن سيرين ما رواه عبد الرزاق ، عن معمر ~~، عن أيوب ، عن ابن سيرين قال : ( لا بأس ببعير ببعيرين وردهم ، والدرهم ~~نسيئة فإن كان أحد البعيرين نسيئة فهو مكروه ) وهذا مذهب مالك ، وقد ذكره ~~فى الموطأ فى مسألة الجمل بالجمل وزيادة دراهم ، قال : والذى يجوز من ذلك ~~أن يكون الجملان نقدا ، ولا يبالى تأخرت الدراهم أم تعجلت ؛ لأن الجمل ~~بالجمل قد حصل يدا بيد ، فبطل أن يتوهم فيه السلف ، وأعلم أنه بيع ؛ لأن ~~الدراهم هاهنا تبع للجمل ، وليس هى المقصد ، وأما إذا كان أحد الجملين ~~نسيئة فلا يجوز ؛ لأنه عنده من باب الزيادة فى السلف ، كأنه ms2068 أسلفه جملا فى ~~مثله واستزاد عليه الدراهم ، ولو كانت الدراهم والجمل جميعا إلى أجل لم يجز ~~؛ لأنه أقرضه الجمل على أنه يرده إليه بصفته ويرد معه دراهم ، فهو سلف جر ~~منفعة ، وزيادة على ما أخذ المستسلف فلا يجوز . PageV06P355 وقول رافع بن ~~خديج : ( آتيك غدا رهوا ) قال صاحب العين : الرهو : مشى فى سكون . وقال أبو ~~عبيد : يقول : آتيك عفوا لا احتباس فيه . * * * # | 100 - باب بيع الرقيق # / 149 - فيه : أبو سعيد ، أنه قال : يا رسول الله ، إنا نصيب سبيا فنحب ~~الأثمان فكيف ترى فى العزل ؟ فقال : ( أوإنكم لتفعلون ذلك ، لا عليكم أن لا ~~تفعلوا ذلك ، فإنها ليست نسمة كتب الله أن تخرج إلا هى خارجة ) . / 150 - ~~وفيه : جابر ، قال : باع النبى - صلى الله عليه وسلم - المدبر . / 151 - ~~وفيه : أبو هريرة ، وزيد بن خالد ، أن النبى ، عليه السلام ، سئل ، عن ~~الأمة تزنى ولم تحصن ، قال : ( اجلدوها ، فإن زنت ، فاجلدوها ، ثم بيعوها ~~بعد الثالثة ، أو الرابعة ) . بيع الرقيق كبيع سائر المباحات الداخلة فى ~~عموم قوله تعالى : { وأحل الله البيع } . وقوله فى حديث أبى سعيد : فنحب ~~الأثمان . يدل أنه لا يجوز بيع أم الولد ؛ لأن الحمل منهن يمنع الفداء ~~والثمن ، وسيأتى تمام القول فى أم الولد فى موضعه - إن شاء الله . وأما بيع ~~المدبر فإن العلماء اختلفوا فيه ، فذهب مالك والكوفيون إلى أنه لا يجوز ~~بيعه ، ولا يجوز تحويله عن موضعه الذى وضع فيه ، PageV06P356 وقال الشافعى ~~: بيع المدبر جائز ، واحتج بحديث جابر أن النبى - عليه السلام - باع مدبرا ~~، وسيأتى بيان مذاهبهم فيه فى موضعه ، وقد تقدم فى باب بيع العبد الزانى ، ~~الكلام فى حديث أبى هريرة ، فأغنى عن إعادته - والحمد لله . * * * # | 101 - باب هل يسافر بالجارية قبل أن يستبرئها # ولم ير الحسن بأسا أن يقبلها أو يباشرها . وقال ابن عمر : إذا وهبت ~~الوليدة التى توطأ ، أو بيعت أو عتقت ، فليستبرأ رحمها بحيضة ، ولا تستبرأ ~~العذراء . وقال عطاء : لا بأس أن يصيب من جاريته الحامل ما دون الفرج ، قال ~~الله تعالى : { إلا على أزواجهم أو ما ms2069 ملكت أيمانهم } . / 152 - فيه : أنس ~~، قدم النبى ، عليه السلام ، خيبر ، فلما فتح الله عليه الحصن ذكر له جمال ~~صفية بنت حيى بن أخطب ، وقد قتل زوجها وكانت عروسا ، فاصطفاها النبى - صلى ~~الله عليه وسلم - لنفسه ، فخرج بها حتى بلغنا سد الروحاء حلت فبنى بها ، ثم ~~صنع حيسا فى نطع صغير ، ثم قال عليه السلام : ( آذن من حولك ) ، فكانت تلك ~~وليمة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على صفية ، ثم خرجنا إلى المدينة ، ~~قال : فرأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يحوى لها وراءه بعباءة ، ثم ~~يجلس عند بعيره فيضع ركبته ، فتضع صفية رجلها على ركبته حتى تركب . فى ~~PageV06P357 حديث صفية دليل على أن الاستبراء أمانة ، يؤتمن المبتاع عليها ~~بألا يطأها حتى تحيض حيضة إن لم تكن حاملا ؛ لأن النبى - عليه السلام - ~~ألقى رداءه على صفية ، وأمرها أن تحتجب بالجعرانة حين صارت فى سهمه ، ~~ومعلوم أن من سنته أن الحائل لا توطأ حتى تحيض حيضة ؛ خشية أن تكون حاملا ، ~~وأن الحامل لا توطأ حتى تضع ؛ لئلا يسقى ماءه زرع غيره ، فلما كان ~~الاستبراء أمانة ارتفعت فيه الحكومة ، وفى هذا حجة لمن لم يوجب المواضعة ~~على البائع ، وهو قول جماعة فقهاء الأمصار غير ربيعة ومالك بن أنس ، فإنهما ~~أوجبا المواضعة فى الجوارى المرتفعات المتخذات للوطء خاصة ، قال مالك فى ~~المدونة : أكره ترك المواضعة وائتمان المبتاع على الاستبراء ، فإن فعلا ~~أجزأهما ، وهى من البائع حتى تدخل فى أول دمها . قال المهلب : وإنما قال ~~مالك بالمواضعة خشية أن يتذرع المشترى إلى الوطء ، فجعل الاستبراء حياطة ~~على الفروج وحفظا للأنساب ، ولقوله عليه السلام : ( لا توطأ حائل حتى تحيض ~~) . وأحتج من لم ير المواضعة بأن عطاء بن أبى رباح قال : ما سمعنا ~~بالمواضعة قط . وقال محمد بن عبد الحكم : أول من قال بالمواضعة ربيعة . قال ~~الطحاوى : والدليل على أن المواضعة غير واجبة أن العقد إنما يوجب تسليم ~~البدلين ، وقد وافقنا مالك على أن غير المرتفعات من الجوارى لا يجب فيهن ~~استبراء ، فوجب أن يكون كذلك حكم ms2070 المرتفعات ، وأجمع الفقهاء على أن حيضة ~~واحدة براءة فى الرحم ، PageV06P358 إلا أن مالكا والليث قالا : إن اشتراها ~~فى أول حيضتها اعتد بها ، وإن كان فى آخرها لم يعتد بها . واختلفوا فى ~~تقبيل الجارية ومباشرتها قبل الاستبراء ، فأجاز ذلك الحسن البصرى وعكرمة ، ~~وبه قال أبو ثور ، وثبت عن ابن عمر أنه قبل جارية وقعت فى سهمه يوم جلولاء ~~ساعة قبضها . وكره ذلك ابن سيرين ، وهو قول الليث ومالك و أبى حنيفة ~~والشافعى ، ووجه كراهتهم لذلك قطعا للذريعة ، وحفظا للانساب . وحجة الذين ~~أجازوا ذلك قوله تعالى : { إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم } وقوله ~~عليه السلام : ( لا توطأ حامل حتى تضع ، ولا حائل حتى تحيض ) . فدل هذا أن ~~ما دون الوطء من المباشرة والقبلة فى حيز المباح وسفر النبى عليه السلام ~~بصفية قبل أن يستبرئها حجة فى ذلك لأنه لو لم يحل له من مباشرتها ما دون ~~الجماع لم يسافر بها معه ، لأنه لا بد أن يرفعها أو ينزلها ، وكان عليه ~~السلام لا يمس بيده امرأة لا تحل له ، ومن هذا الباب اختلافهم فى مباشرة ~~المظاهر وقبلته لامرأته التى ظاهر منها ، فذهب الزهرى والنخعى ومالك وأبو ~~حنيفة والشافعى إلى أنه لا يقبل امرأته ولا يتلذذ منها بشىء . وقال الحسن ~~البصرى : لا بأس أن ينال منها ما دون الجماع . وهو قول الثورى والأوزاعى ~~وأحمد وإسحاق و أبى ثور ، وكذلك PageV06P359 فسر عطاء وقتادة والزهرى قوله ~~تعالى : { من قبل أن يتماسا } أنه عنى بالمسيس الجماع فى هذه الآية ، ~~واختلفوا فى استبراء العذراء فقال ابن عمر : لا تستبرأ . وبه قال أبو ثور ، ~~وقال سائر الفقهاء : تستبرأ بحيضة إذا كانت ممن تحيض ويوطأ مثلها . * * * # | 102 - باب بيع الميتة والأصنام # / 153 - فيه : جابر ، أنه سمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول عام ~~الفتح ، وهو بمكة : ( إن الله ورسوله حرم بيع الخمر ، والميتة ، والخنزير ، ~~والأصنام ) ، فقيل : يا رسول الله ، أرأيت شحوم الميتة ، فإنها يطلى بها ~~السفن ويدهن بها الجلود ، ويستصبح بها الناس ، فقال : ( لا هو حرام ) ، ثم ~~قال ms2071 عليه السلام عند ذلك : ( قاتل الله اليهود إن الله لما حرم شحومها ~~أجملوه ، ثم باعوه ، فأكلوا ثمنه ) . أجمعت الأمة على أنه لا يجوز بيع ~~الميتة والأصنام ، لأنه لا يحل الانتفاع بهما ، فوضع الثمن فيهما إضاعة ~~المال ، وقد نهى النبى عن إضاعة المال ، قال ابن المنذر : فإذا أجمعوا على ~~تحريم بيع الميتة ، فبيع جيفة الكافر من أهل الحرب كذلك ، وقد روى ذلك عن ~~النبى - عليه السلام - وهو مذكور فى آخر كتاب الجهاد . قال الطبرى : فإن ~~قال قائل : ما وجه قوله عليه السلام إذ سأله السائل عن شحوم الميتة وقال : ~~إنها تدهن بها الجلود والسفن PageV06P360 ونستصبح بها ، فقال مجيبا له : ( ~~قاتل الله اليهود ؛ حرمت عليهم الشحوم فباعوها وأكلوا ثمنها ) . قيل : إن ~~جوابه عليه السلام كان عن مسألة بيع الشحوم ، لا عن دهن الجلود والسفن ، ~~وإنما سأله عن بيع ذلك إذ ظنه جائزا من أجل ما فيه من المنافع ، كما جاز ~~بيع الحمر الأهلية لما فيها من المنافع و إن حرم أكلها ، فظن أن شحوم ~~الميتة كذلك ، يحل بيعها وشراؤها وإن حرم أكلها ، فأخبره عليه السلام أن ~~ذلك ليس كالذى ظن ، وأن بيعها حرام وثمنها حرام إذ كانت نجسة ، ونظيره الدم ~~والخمر فيما يحرم من بيعها وأكل ثمنها ، فأما الاستصباح ودهن السفن والجلود ~~بها ، فهو مخالف بيعها وأكل ثمنها ، إذ كان ما يدهن بها من ذلك ينغسل ~~بالماء غسل الشىء الذى أصابته نجاسة فيطهره الماء . هذا قول عطاء بن أبى ~~رباح وجماعة من العلماء ، وممن أجاز الاستصباح بالزيت تقع فيه الفأرة : على ~~بن أبى طالب ، وابن عباس ، وابن عمر ، وقد تقصينا هذا فى كتاب الذبائح فى ~~باب ( إذا وقعت الفأرة فى سمن جامد أو دهن ) . * * * # | 103 - باب ثمن الكلب # / 154 - فيه : أبو مسعود الأنصارى ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~نهى عن ثمن الكلب ، ومهر البغى ، وحلوان الكاهن . PageV06P361 / 155 - وفيه ~~: أبو جحيفة ، نهى النبى عن ثمن الدم ، وثمن الكلب ، وكسب الأمة . . . ~~الحديث . اختلفت الرواية عن مالك فى بيع الكلب ، فقال فى الموطأ ms2072 : أكره بيع ~~الكلب الضارى وغيره ؛ لنهى رسول الله عن ثمن الكلب . وروى ابن نافع عن مالك ~~أنه كان يأمر ببيع الكلب الضارى فى الميراث والدين والمغانم ، وكان يكره ~~بيعه للرجل ابتداء ، قال ابن نافع : وإنما نهى رسول الله عن ثمن الكلب ~~العقور ، وروى أبو زيد عن ابن القاسم أنه لا بأس باشتراء كلب الصيد ، ولا ~~يعجبنى بيعها ، وكان ابن كنانة وسحنون يجيزان بيع كلاب الصيد والحرث ~~والماشية ، قال سحنون : ويحج بثمنها ، وهو قول الكوفيين . وقال مالك : إن ~~قتل كلب الدار فلا شىء عليه إلا أن يسرح مع الماشية . وروى عن أبى حنيفة ~~أنه من قتل كلبا لرجل ليس بكلب صيد ولا ماشية فعليه قيمته ، وكذلك السباع ~~كلها ، وقال الأوزاعى الكلب لا يباع فى مقاسم المسلمين ، هو لمن أخذه ، ~~وقال الشافعى : لا يجوز بيع كلاب الصيد والحرث والماشية ، ولا قيمة فيها . ~~وهو قول أحمد بن حنبل ، احتجا بعموم نهيه عليه السلام عن ثمن الكلب . وحجة ~~مالك والكوفيين قوله تعال : { يسئلونك ماذا أحل لهم قل أحل لكم الطيبات وما ~~علمتم من الجوارح مكلبين } فإذا أحل لنا الذى علمناه ، أفادنا ذلك إباحة ~~PageV06P362 التصرف فيها بالإمساك والبيع وغير ذلك ، فوجب أن يجوز بيعها ~~وشراؤها بظاهر الآية . فإن قيل : المذكور فى هذه الآية هو تحليل تعليم ~~الكلاب ، وأكل ما أمسكن علينا . فالجواب : أن ( ما ) بمعنى الذى ، وتقديره ~~أحل لكم الطيبات والذى علمتم من الجوارح ، ثم أباح تعليمهن بقوله : { ~~تعلمونهن مما علمكم الله } وهذا قول جماعة السلف . روى عن جابر بن عبد الله ~~أنه جعل القيمة فى كلب الصيد ، وعن عطاء مثله ، وقال : لا بأس بثمن الكلب ~~السلوقى . وعن النخعى مثله ، وقال أشهب : إذا قتل الكلب المعلم ففيه القيمة ~~. وأوجب فيه ابن عمر أربعين درهما ، وفى كلب ماشية ، شاة ، وفى كلب الزرع ~~فرقا من طعام ، وأجاز عثمان الكلب الضارى فى المهر ، وجعل فيه عشرين من ~~الإبل على من قتله . وقد روى عن ابن عمر عن النبى - عليه السلام - أنه قال ~~: ( من اقتنى كلبا إلا كلبا ضاريا ms2073 أو كلب صيد ؛ نقص من عمله كل يوم قيراطان ~~) فهذا الحديث زائد ، فكأنه عليه السلام نهى عن ثمن الكلب إلا الكلب الذى ~~أذن فى اتخاذه للانتفاع به ، ويحتمل أن يكون الحديث الذى فيه النهى عن ثمن ~~الكلب وكسب الحجام كان فى بدء الإسلام ، ثم نسخ ذلك ، وأبيح الاصطياد به ، ~~وكان كسائر الجوارح فى جواز بيعه ، وكذلك لما أعطى الحجام أجره كان ناسخا ~~لما تقدمه ، وذكر الطحاوى من حديث أبى رافع أن النبى - عليه السلام - لما ~~أمر بقتل PageV06P363 الكلاب أتاه ناس فقالوا : يا رسول الله ، ما يحل لنا ~~من هذه الأمة التى أمرت بقتلها ؟ فنزلت : { يسئلونك ماذا أحل لهم قل أحل ~~لكم الطيبات وما علمتم من الجوارح مكلبين } فلما حل لنا الانتفاع بها ، حل ~~لنا بيعها وأكل ثمنها . وقال المهلب : ما فى حديث أبى جحيفة غير كسب الإماء ~~وأكل الربا ، فهو مكروه تنزها عن رذائل المكاسب ، وكسب الإماء والزنا ~~محرمان بالكتاب والسنة ، وهو كله مذكور تحت قول واحد ، فلا حجة لأحد فى جمع ~~أمور مختلفة الأحكام تحت كلام واحد . وحلوان الكاهن يعنى : أجره على ~~الكهانة . وسيأتى تفسير البغى فى كتاب الإجارة ، إن شاء الله . # | 1 - باب السلم فى كيل معلوم # / 1 - فيه : ابن عباس ، قدم النبى ، عليه السلام ، المدينة ، والناس ~~يسلفون فى الثمر العام والعامين - أو قال : عامين أو ثلاثة شك إسماعيل - ~~فقال : ( من سلف فى تمر فليسلف فى كيل معلوم ووزن معلوم ) . وترجم له : ( ~~باب السلم فى وزن معلوم ) وزاد فيه : ( إلى أجل معلوم ) . / 2 - وفيه : عبد ~~الله بن شداد ، أنه اختلف هو وأبو بردة فى السلف ، فبعثونى إلى ابن أبى ~~أوفى ، فسألته فقال : إنا كنا نسلف على عهد رسول الله عليه السلام وأبى بكر ~~، وعمر فى الحنطة ، والشعير ، والزبيب ، والتمر ، وسألت ابن أبزى ، فقال : ~~مثل ذلك . PageV06P364 أجمع العلماء أنه لا يجوز السلم إلا فى كيل معلوم أو ~~وزن معلوم فيما يكال أو يوزن ، وأجمعوا أنه إن كان السلم فيما لا يكال ولا ~~يوزن فلا بد فيه من عدد معلوم ms2074 ، وأجمعوا أنه لا بد من معرفة صفة الشىء ~~المسلم فيه ، واختلفوا فى الأجل على ما يأتى ذكره فى بابه بعد هذا - إن شاء ~~الله . واختلفوا فى ترك ذكر مكان القبض ، فقال أحمد وإسحاق وأبو ثور : إن ~~لم يسم مكانا فالسلم جائز ، استدلالا بحديث ابن عباس ؛ لأنه ليس فيه ذكر ~~المكان ، ولو كان ترك ذلك يفسد السلم لأعلمهم بذلك عليه السلام ، وقال مالك ~~: إن لم يذكر الموضع جاز السلم ، ويقبضه فى المكان الذى كان فيه السلم ، ~~فإن اختلفا فى الموضع فالقول قول البائع . وقال الثورى وأبو حنيفة : لا ~~يجوز السلم فيما له حمل مؤنة إلا أن يشترط فى تسليمه مكانا معلوما . وهو ~~قول الشافعى . قال ابن المنذر : وقوله : ( يسلفون فى التمر العام والعامين ~~) فيه إجازة السلم فى التمر وإن لم يكن ذلك الوقت موجودا إذا وجد وقت يحل ~~فيه السلم ، ويفسد السلم عند الثورى والكوفيين والشافعى بالافتراق دون ~~القبض لرأس المال ، وهو عندهم من باب الدين بالدين ، وعند مالك إن تأخر قبض ~~رأس المال يومين وثلاثة بغير شرط فى العقد جاز ، كما لو كان لرجل على رجل ~~دين جاز أن يؤخر اليوم واليومين على وجه الرفق . PageV06P365 * * * # | 2 - باب السلم إلى من ليس عنده أصل # / 3 - فيه : عبد الله بن أبى أوفى ، كنا نسلف نبيط أهل الشأم فى الحنطة ~~والشعير والزيت فى كيل معلوم إلى أجل معلوم ، قلت : إلى من كان أصله عنده ؟ ~~قال : ما كنا نسألهم عن ذلك ، ثم بعثانى إلى عبدالرحمن بن أبزى ، فسألته ، ~~فقال : كان أصحاب النبى ، عليه السلام ، يسلفون على عهد النبى ، عليه ~~السلام ، ولم نسألهم ألهم حرث أم لا ؟ . وقال : جرير ، عن الشيبانى : فى ~~الحنطة والشعير والزبيب . / 4 - وفيه : ابن عباس ، سئل عن السلم فى النخل ، ~~قال : نهى النبى ، عليه السلام ، عن بيع النخل ، حتى يؤكل منه ، وحتى يوزن ~~، فقال الرجل : وأى شىء يوزن ؟ قال رجل إلى جانبه : حتى يحرز . قال المؤلف ~~: روى وكيع ، عن شعبة ، عن محمد بن أبى المجالد قال : ( اختلف أبو بردة ~~وعبد الله ms2075 بن شداد فى السلم فقال : فأرسلونى إلى ابن أبى أوفى ، فقال : كنا ~~نسلم على عهد رسول الله فى الحنطة والشعير والزبيب ، ولا ندرى عند أصحابه ~~من شىء أم لا ) فهذا اختلاف من أبى بردة وعبد الله بن شداد فى هذه المسألة ~~وإنما كره السلم إلى من ليس عنده أصل من كرهه ؛ لأنه جعله من باب الغرر ، ~~وأصل السلم أن يكون إلى من عنده مما يسلم فيه أصل ، إلا أنه لما وردت السنة ~~فى السلم بالصفة المعلومة و الكيل أو الوزن والأجل المعلوم كان ذلك عاما ~~فيمن عنده أصل وفيمن PageV06P366 ليس عنده ، وجماعة الفقهاء يجيزون السلم ~~إلى من ليس عنده أصل ، وحجتهم حديث عبد الله بن أبى أوفى ، وهو نص فى ذلك . ~~قال المهلب : وفيه من الفقه جواز السلم فى العروض إلى من ليس عنه ما باع ~~بالسلم ، ولو كان عنده ما باع ما حل البيع ؛ لأنه بيع شىء بعينه لا يقبض ~~إلى مدة طويلة ، وهذا لا يجوز بإجماع . وقال ابن المنذر : فى حديث ابن أبى ~~أوفى مبايعة أهل الذمة والسلم إليهم . وفيه دليل على إباحة السلم فى السمن ~~والشبرق وما أشبه ذلك كيلا معلوما أو وزنا معلوما ، إذ هو فى معنى الزيت ، ~~وأما حديث ابن عباس الذى هو فى آخر الباب ، فليس هو من هذا الباب ، وإنما ~~هو من الباب الذى بعده ، وغلط فيه الناسخ - والله أعلم . * * * # | 3 - باب السلم فى النخل # / 5 - فيه : ابن عمر ، أنه سئل عن السلم فى النخل ، فقال : نهى عن بيع ~~النخل حتى يصلح ، وعن بيع الورق نسيئا بناجز . وسألت ابن عباس عن السلم فى ~~النخل ، فقال : نهى النبى ، عليه السلام ، عن بيع النخل حتى يؤكل أو يأكل ~~منه وحتى يوزن . قلت : وما يوزن ؟ قال رجل عنده : حتى يحرز . PageV06P367 ~~اختلف العلماء فى هذا الباب ، فقال الكوفيون والثورى والأوزاعى : لا يجوز ~~السلم إلا أن يكون المسلم فيه موجودا فى أيدى الناس من وقت العقد إلى حين ~~حلول الأجل ، فإن انقطع فى شىء من ذلك لم يجز ms2076 . وهو مذهب ابن عمر وابن عباس ~~- على ما ذكره البخارى فى هذا الباب - وقال مالك والشافعى وأحمد وإسحاق ~~وأبو ثور : يجوز السلم فيما هو معدود من أيدى الناس إذا كان مأمون الوجود ~~عند حلول الأجل فى الغالب ، فإن كان ينقطع حينئذ لم يجز . واحتج الكوفيون ~~بأن النبى نهى عن بيع الثمار قبل بدو صلاحها ، وعن بيع ما لم يخلق ، وقالوا ~~: من مات فقد حل دينه وإن لم يوجد كان غررا . قال ابن القصار : وهذا فاسد ؛ ~~فإنه قد يحل الأجل ويتعذر السلم ؛ بأن يموت المسلم إليه أو يفلس ، ولو وجب ~~أن يمنع السلم لجواز ما ذكروه ، لوجب ألا يجوز بيع شىء نسيئة ؛ لأنه قد ~~يطرأ على المشترى الموت والفلس قبل محل الأجل ، فلا يصل صاحب الحق إلى ماله ~~فيكون هذا غررا ، ولكنه جائز ؛ لأن الناس يدخلون فى وقت العقد على رجاء ~~السلامة ، ولم يكلفوا مراعاة ما يجوز أن يحدث ويجوز ألا يحدث ، ولو سلم فى ~~شىء إلى شهر فإن وقت المطالبة بالتسليم فيه هو رأس الشهر بدليل أن الشىء لو ~~كان موجودا قبل الشهر لم تكن له المطالبة PageV06P368 به ، ولا للمسلم إليه ~~أن يجبره على مراعاة وجوده قبل المحل وحين العقد ؛ لأن جوده كعدمه ، ولو ~~كان المسلم فيه موجودا طول السنة إلا يوم القبض فسلم فيه إلى سنة ، كان هذا ~~السلم باطلا بإجماع ، وإن كان موجودا وقت العقد وطول السنة ؛ لأنه حين ~~المحل والقبض معدوم ، فعلم بهذا أن الاعتبار بوجوده حين القبض لا حين العقد ~~، والدليل على صحة هذا أنهم كانوا يسلفون فى زمن النبى - عليه السلام - فى ~~الثمر السنة والسنتين ، ومعلوم أنه إذا أسلف فى الثمر سنة فإنه يتخلل الأجل ~~زمان ينقطع فيه الثمر ، وهو زمان الشتاء ، ثم إن النبى - عليه السلام - ~~أقرهم على ذلك ، ولم ينكر عليهم السلف فى سنة وأكثر ، فثبت ما قلناه . وأما ~~نهيه عليه السلام عن بيع الثمار حتى يبدو صلاحها فهو محمول عندنا على أن ~~بيع الثمرة عينا لا يجوز إلا بعد بدو صلاحها ، وفى ms2077 السلم ليس عند العقد ~~ثمرة موجودة عند البائع تستحق اسم البيع حقيقة ، وحديث النهى عن بيع الثمار ~~حتى يبدو صلاحها مرتب على السلم ، تقديره : أنه نهى عن بيع الثمار حتى يبدو ~~صلاحها إلا أن يكون سلما ، بدليل حديث ابن عباس أنهم كانوا يسلفون فى الثمر ~~السنتين والثلاث ، وذلك بيع له قبل أن يبدو صلاحه وقبل أن يخلق ، وإذا جاز ~~السلم فى الثمر فقد جاز فى الرطب ، والرطب لا يوجد فى سائر السنة كما يوجد ~~التمر ، فلا معنى لقولهم . وقال الخطابى : قوله : ( حتى يوزن ) معناه حتى ~~يخرص ، وسماه PageV06P369 وزنا ، لأن الخارص يحرزها ويقدرها ، فيحل ذلك محل ~~الوزن لها ، والمعنى فى النهى عن بيعها قبل الخرص شيئان : أحدهما : تحصين ~~الأموال ؛ وذلك أنها فى الغالب لا تأمن العاهة إلا بعد الإدراك ، وهو أوان ~~الخرص . والمعنى الآخر : أنه إذا باعها قبل بدو الصلاح على القطع سقط حقوق ~~الفقراء ؛ لأن الله أوجب إخراجها فى وقت الحصاد . * * * # | 4 - باب الكفيل فى السلم # / 6 - فيه : عائشة ، اشترى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - طعاما من ~~يهودى بنسيئة ، ورهنه درعا له من حديد . * * * # | 5 - باب الرهن فى السلم # / 7 - فيه : الأعمش ، تذاكرنا عند إبراهيم الرهن فى السلم ، فقال : حدثنى ~~الأسود ، عن عائشة أن النبى ، عليه السلام ، اشترى من يهودى طعاما إلى أجل ~~، وارتهن منه درعا من حديد . اختلف العلماء فى هذا الباب ، فقال مالك : لا ~~بأس بالرهن والكفيل فى السلم ، ولم يبلغنى أن أحدا كرهه غير الحسن البصرى ، ~~ورخص فيه عطاء والشعبى ، وبه قال أبو حنيفة والثورى وأبو يوسف ومحمد ~~والشافعى . وكره الرهن والكفيل فى السلم على بن أبى طالب وسعيد بن جبير ، ~~وقال : ذلك الربح المضمون . وقال زفر : لا يجوز ذلك فى PageV06P370 السلم ، ~~ولا سبيل له على الكفيل . وهو قول الأوزاعى وأحمد حنبل وأبى ثور . قال ~~المهلب : وحجة من كرهه أنه إن أخذ الرهن فى رأس المال ، فرأس المال غير ~~الدين ، إنما دينه ما سلم فيه ، ورأس المال مستهلك فى الذمة غير مطلوب به ، ~~وإن أخذه بالمسلم ms2078 فيه ، فكأنه اقتضاه قبل أجله ، وهو من باب سلف جر منفعة ؛ ~~لأنه ينتفع بما يستوثق به من الرهن والضامن ، وحجة من أجازه إجماعهم على ~~إجازة الرهن والكفيل والحوالة فى الدين المضمون من ثمن سلعة قبضت ، فكذلك ~~السلم ، ووجه احتجاج النخعى بحديث عائشة : أنه استدل بأن الرهن لما جاز فى ~~الثمن بالنسيئة المجمع عليها ، جار فى المثمون وهو المسلم فيه وبيان ذلك ~~أنه لما جاز أن يشترى الرجل طعاما أو عرضا بثمن إلى أجل ، ويرهن فى الثمن ~~رهنا ، كذلك يجوز إذا دفع عينا سلما فى غوص طعام أو غيره إلى أجل أن يأخذ ~~فى الشىء المسلم فيه رهنا ، ولا فرق بينهما . * * * # | 6 - باب السلم إلى أجل معلوم # وبه قال ابن عباس ، وأبو سعيد ، والأسود ، والحسن . وقال ابن عمر : لا ~~بأس بالسلم فى الطعام الموصوف بسعر معلوم إلى أجل معلوم ، ما لم يك ذلك فى ~~زرع لم يبد صلاحه . / 8 - فيه : ابن عباس ، قال : قدم النبى - صلى الله ~~عليه وسلم - وهم يسلفون فى PageV06P371 الثمار السنتين والثلاث ، فقال : ( ~~أسلفوا فى الثمار فى كيل معلوم إلى أجل معلوم ) . اختلف العلماء فى أجل ~~السلم ، فقال مالك والكوفيون وجمهور الفقهاء إنه لا يجوز السلم الحال ، ولا ~~بد فيه من أجل معلوم ، وروى ابن عبد الحكم عن مالك أنه لابد فيه من أجل وإن ~~كانت أياما يسيرة ، وقال ابن القاسم : معناه إذا كانت أياما تتغير فيها ~~الأسواق . وقال الشافعى وأبو ثور : يجوز السلم بغير ذكر أجل أصلا ، وهذا ~~خلاف الحديث ؛ لأنه عليه السلام قال : ( من أسلم ) ، فأتى بلفظ العموم ، ~~وأيضا فإنه عليه السلام أحل الأجل محل الكيل والوزن وقرنه بهما ، فلما لم ~~يجز العقد إذا عدمت صفة الكيل والوزن ، فكذلك الأجل يجب اعتباره ، كما لو ~~قال : صل على صفة كذا . لم يجز العدول عن الصفة . واحتج الشافعى أن السلم ~~بيع من البيوع ، والبيوع تجوز بثمن معجل ومؤجل ، فكذلك السلم ، قيل : هذا ~~ينتقض بجواز السلم فى المعدوم ، وهو يجوز مؤجلا ولا يجوز معجلا ، و إنما لم ~~يجز ابن ms2079 عمر السلم فى زرع لم يبد صلاحه ؛ لأنه سلم فى عين ، وحكم السلم ألا ~~يكون فى عين معلومة ، وإنما يكون فى صفة معلومة ثابتة فى الذمة ، لا ينفسخ ~~بموت أحد المتعاقدين فى السلم ، ولا بجائحة تنزل ، وهذا مذهب أهل الحجاز ، ~~إلا أن مالكا أجاز السلم فى طعام بلد بعينه إذا كان الأغلب فيه أنه لا يخلف ~~. PageV06P372 ولم يختلف العلماء أنه لا يجوز أن يكون السلم فى قمح فدان ~~بعينه ؛ لأنه غرر لا يدرى هل يتم زرعه أم لا ، ويجوز عند جميعهم أن يكون ~~السلم فى زمن يكون فيه الزرع قد بدا صلاحه إذا لم يكن يعين زرعا ما . فإن ~~أسلم الرجل فى تمر حائط بعد طيبه أو زرع بعد ما أدرك ، فذكر ابن حبيب عن ~~ابن القاسم أنه كرهه ، وإن فات لم يفسخ ، وليس بالحرام البين ، ولا يجوز ~~عند سائر الفقهاء ؛ لأنه كبيع عين اشترط فيه تأخير القبض ، وهذا لا يجوز ؛ ~~لأن من شرط البيع تسليم البيع . قال ابن المنذر : قوله عليه السلام : ( ~~أسلموا فى الثمار ) إجازة السلم فى الثمار كلها لعموم لفظه ، وهو قول ابن ~~عمر : لا بأس بالسلم فى الطعام بسعر معلوم . فإن العلماء اختلفوا فى رأس ~~مال السلم ، فقال مالك : ولو أسلم إليه عروضا أو تبرا أو فضة مكسرة جزافا ~~صح السلم ، ولا يجوز أن يسلم إليه دنانير أو دراهم جزافا ، فرق بين التبر ~~والدنانير والدراهم ؛ لأن التبر بمنزلة الثوب والسلعة عنده . وقال أبو ~~حنيفة : لا يسلم إليه تبرا جزافا ، ولا شيئا مما يكال أو يوزن جزافا . هو ~~أحد قولى الشافعى ، وقال أبو يوسف ومحمد : يجوز أن يسلم إليه الدنانير ~~والدراهم وكل ما يكال أو يوزن جزافا . وهو قول الشافعى الآخر . وحجة أبى ~~حنيفة أنه لابد من معرفة رأس المال لأنه قد يعدم المسلم فيه حين المطالبة ، ~~فينفسخ العقد فيرجع بالثمن ، وإذا لم يكن معلوما لم يمكن المطالبة به ، وهو ~~كالقراض لا بد فيه معرفة رأس المال ، PageV06P373 والحجة لمالك أن مقتضى ~~العقد أن تقع المطالبة بالمسلم فيه ms2080 لا بالسلم ، فلم يفتقر إلى الصفة ، وهذا ~~المعنى موجود فى بيع الأعيان ؛ لأنه قد يستحق المبيع فتقع المطالبة برأس ~~المال ، ثم يجوز جزافا كما يجوز معلوما ، وقد تجوز الإجازة بالجزاف ، وقد ~~تنهدم الدار فتقع المطالبة بالأجرة التى سلمها إليه المستأجر ، ولم تفتقر ~~الأجرة فيها إلى أن تكون موصوفة بل يكون جزافا ، كذلك رأس مال السلم ، ~~وإنما افتقر القراض أن تكون الدراهم موصوفة ؛ لأن المطالبة تقع ببدل ما ~~تسلمه ، فهو بمنزلة المسلم فيه . * * * # | 7 - باب السلم إلى أن تنتج الناقة # / 9 - فيه ابن عمر : كانوا يتبايعون الجزور إلى حبل الحبلة ، فنهى النبى ~~، عليه السلام ، عنه . فسره نافع ، أن تنتج الناقة ما فى بطنها . العلماء ~~مجمعون على أنه لا يجوز هذا السلم ؛ لأنه أجل مجهول ، والنبى - عليه السلام ~~- إنما أجاز السلم إلى أجل معلوم . قال ابن المنذر : واختلفوا فيمن باع إلى ~~الحصاد أو الجداد أو إلى العطاء أو عيد النصارى ، فقالت طائفة : البيع جائز ~~، وكذلك لو باع إلى رجوع الحاج ، وأجاز ذلك كله أبو ثور ، وقال مالك : من ~~باع إلى الحصاد ، أو إلى الجداد ، أو إلى العطاء ، فهو جائز ؛ لأنه معروف . ~~وبه قال أحمد . وكذلك إلى قدوم الغزاة ، وروى عن ابن عمر أنه كان يشترى إلى ~~العطاء ، وعن القاسم بن محمد مثله ، وقال الأوزاعى : إن باع إلى فصح ~~النصارى أو PageV06P374 صومهم ، فذلك جائز ، وإن باع إلى الأندر والعصير ~~فهو مكروه ؛ لتقارب ما بين أول الأندر وآخره . وقالت طائفة : لا يجوز السلم ~~ولا البيع إلى العصير والحصاد و الدراس . هذا قول ابن عباس ، وبه قال أبو ~~حنيفة والشافعى ، واحتجوا بأن الله - تعالى - جعل المواقيت بالأهلة لقوله ~~تعالى : { يسئلونك عن الأهلة } وفيها قول رابع : أن البيع إلى العطاء جائز ~~والمال حال . هذا قول ابن أبى ليلى . ومن باع إلى أجل غير معلوم فالبيع ~~إليه فاسد ، استدلالا بنهيه عليه السلام عن بيع حبل الحبلة ، وحجة مالك : ~~أن المقصود بالحصاد وجداد النخل الأوقات ، فهى أوقات معلومة عند أهل ~~المعرفة بها سواء تقدمت أفعال الناس لها أو ms2081 تأخرت . PageV06P375 * * * بسم ~~الله الرحمن الرحيم # | 31 - كتاب الشفعة # # | 1 - باب الشفعة فيما لم يقسم فإذا وقعت الحدود فلا شفعة # / 1 - فيه : جابر ، قضى النبى ، عليه السلام ، بالشفعة فى كل ما لم يقسم ~~، فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة . اتفق جماعة الفقهاء على القول ~~بهذا الحديث ، وأوجبوا الشفعة للشريك فى المشاع من الرباع ، وكل ما تأخذه ~~الحدود وتحتمله القسمة ، وإنما اختلفوا فى غير الشريك . فذهب مالك ~~والأوزاعى والشافعى وأحمد وإسحاق وأبو ثور إلى أنه لا شفعة إلا فى المشاع ~~بين الشركاء على ظاهر حديث جابر ، وروى مثل ذلك عن عمر بن الخطاب ، وعثمان ~~بن عفان ، وسعيد بن المسيب ، وسليمان بن يسار ، وربيعة ، وأبى الزناد . ~~وقال أهل العراق بالشفعة للجار الملاصق غير الشريك ، وأوجبها بعضهم إذا ~~كانت الطرق واحدة . وفى هذا الحديث ما ينفى الشفعة للجار ؛ لأن ضرب الحدود ~~إذا نفى الشفعة كان الجار أبعد من ذلك . وفيه أيضا ما ينفى الشفعة فى كل ما ~~لا يحتمل قسمة ولا تضرب فيه الحدود ، وذلك ينفى الشفعة فى العروض والحيوان ~~، وهو قول شاذ يروى عن عطاء ، والسنة المجتمع عليها بالمدينة ألا شفعة إلا ~~فى الأرضين والرباع . PageV06P376 قال ابن القصار : واتفق مالك وأبو حنيفة ~~والشافعى أن المسلم والذمى فى أخذ الشفعة من المسلم سواء ، وحكى عن الشعبى ~~أنه لا شفعة للذمى ، لأنه صاغر ، وهو قول الثورى وأحمد بن حنبل ، وحجة من ~~أجاز ذلك عموم قوله عليه السلام : ( الشفعة فى كل ما لم يقسم ) ، ولم يفرق ~~بين مسلم وذمى ، وأيضا فإن ما يجب بالشركة لا يختلف فيه المسلم والذمى ~~كالعتق ، ألا ترى أنه لو أعتق شقصا من عبد بينهما ، قوم عليه كما يقوم على ~~شريكه المسلم ؟ والشفعة حق من حقوق الآدميين كسائر الحقوق التى هى له ، مثل ~~البيع والإجارة وغيرها ، والشفعة حق يتعلق بالمال وضع لإزالة الضر كالرد ~~بالعيب ، فما وجب للمسلم فيه وجب للذمى مثله ، وليس الصغار يدل على بطلان ~~حقه ؛ لأنه لا فرق بين المسلم والذمى فى الحقوق المتعلقة بالأموال ، كخيار ~~الشرط والأجل ms2082 ، وإمساك الرهن . * * * # | 2 - باب عرض الشفعة على صاحبها قبل البيع # وقال الحكم : إذا أذن له قبل البيع فلا شفعة له . وقال الشعبى : من بيعت ~~شفعته ، وهو شاهد لا يغيرها ، فلا شفعة له . / 2 - فيه : أبو رافع ، مولى ~~النبى ، عليه السلام ، أنه قال لسعد : ابتع منى بيتى فى دارك ؟ فقال سعد : ~~والله ما أبتاعهما ، فقال المسور : والله PageV06P377 لتبتاعنهما ، فقال ~~سعد : والله لا أزيدك على أربعة آلاف منجمة ، أو مقطعة ، قال أبو رافع : ~~والله لقد أعطيت بها خمسمائة دينار ، ولولا أنى سمعت النبى - صلى الله عليه ~~وسلم - يقول : ( الجار أحق بسقبه ) ، ما أعطيتكها بأربعة آلاف ، وأنا أعطى ~~بها خمسمائة دينار . قال المؤلف : عرض الشفعة على الشريك قبل البيع مندوب ~~إليه كما فعل أبو رافع ، ألا ترى أنه حط من ثمن البيتين كثيرا رغبة فى ~~العمل بالسنة ؟ ! وفيه ما كانوا عليه من الحرص على موافقة السنن والعمل بها ~~، والسماحة بأموالهم فى جنب ذلك ، فإن عرض عليه الشفعة وأذن له الشريك فى ~~بيع نصيبه ، ثم رجع فطالبه بالشفعة ، فقالت طائفة : لا شفعة له . هذا قول ~~الحكم والثورى وأبى عبيد وطائفة من أهل الحديث ، واحتجوا بحديث سفيان عن ~~أبى الزبير ، عن جابر قال : قال رسول الله : ( من كان له شريك فى ربعة ، ~~فليس له أن يبيع حتى يستأذن شريكه ، فإن رضى أخذ ، وإن كره ترك ) قالوا : ~~فدل هذا الحديث على أن تركه ترك تنقطع به شفعته ، ومحال أن يقول له النبى : ~~( إن شاء أخذ ، وإن شاء ترك ) ، فإذا ترك لا يكون لتركه معنى . وقالت طائفة ~~: إن عرض عليه الأخذ بالشفعة قبل البيع فأبى أن يأخذ ثم باع ، فأراد أن ~~يأخذ بشفعته فذلك له . هذا قول مالك والكوفيين ، ورواية عن أحمد ، ويشبه ~~مذهب الشافعى ، واحتج أحمد فقال : لا تجب له الشفعة حتى يقع البيع ، فإن ~~شاء أخذ ، وإن شاء ترك وقد احتج بمثله ابن أبى ليلى . PageV06P378 واختلفوا ~~فى المسألة التى ذكرها الشعبى فى هذا الباب ، فقال مالك : إذا باع الشريك ~~نصيبه من أجنبى وشريكه حاضر يعلم ms2083 ببيعه ، فله المطالبة بالشفعة متى شاء ، ~~ولا تنقطع شفعته إلا بمضى مدة يعلم أنه فى مثلها تارك . واختلف فى المدة ، ~~فذكر ابن [ . . ] أن الحد الذى تنقطع إليه الشفعة عند مالك مرور السنة ، ~~وقال ابن القاسم : وقفت مالكا على مرور السنة فلم يرها كثيرا ، وذلك إذا ~~علم الشفيع بشفعته ، فإذا لم يعلم فهو على شفعته أبدا ، إن كان غائبا فهو ~~على شفعته وإن علم بها . وقال ابن الماجشون : لا ينقطع حق الشفعة إلا الطول ~~، وقد سمعت مالكا يقول : الخمس أعوام ليس بكثير . وقال أصبغ : السنتان ~~والثلاث قليل لا ينقطع معه الشفعة . وقال أبو حنيفة : إذا وقع البيع فعلم ~~الشفيع به ، فأشهد مكانه أنه على شفعته ، وألا بطلت شفعته . وبه قال ~~الشافعى وقال : إلا أن يكون له عذر مانع من طلبها من حبس أو غيره ، فهو على ~~شفعته . واحتج الكوفيون فقالوا : إذا سكت عن المطالبة بالشفعة على الفور ، ~~كان ذلك رضى منه بتقرير النبى - عليه السلام - ملك المشترى ، قياسا على ~~خيار البكر أنه على الفور . والحجة لمالك فى أنه على شفعته إلا أن يطول ~~زمانه فلأن الشفعة حق للشفيع ، فهو واجب له حتى يعلم أنه PageV06P379 قد ~~تركها ، وذلك بمنزلة الأمة إذا أعتقت تحت العبد ، أن لها أن تختار نفسها ~~أبدا ما لم يعلم تركها للخيار ، وذلك بأن تختار زوجها ، أو يطأها بعد علمها ~~بالعتق وهى طائعة ، وكذلك المشترى للسلعة المعيبة ، له ردها إلا إن يرضى ~~بالعيب ، أو يستخدم العبد أو الأمة ، أو يستعمل ما اشتراه وبه عيب بعد أن ~~يعلم به ، فليس له الرد ؛ لأن استعماله ذلك دليل على رضاه ، وقبل أن يعلم ~~رضاه بقوله أو دلالة الحال ، فله الرد بالعيب ، وكذلك الشفيع قبل أن يعلم ~~ترك شفعته بالقول أو دلالة الحال ، فله الأخذ بالشفعة . واستدل أهل العراق ~~على وجوب الشفعة للجار بقوله عليه السلام : ( الجار أحق بصقبه ) غير أنهم ~~جعلوا الشريك فى المنزل أحق بالشفعة من الجار ، فإن سلم الشفعة الشريك فى ~~الدار ، فالجار الملاصق أحق بالشفعة من غيره ، فإنت كان ms2084 بينهما طريق نافذة ~~فلا حق له فى الشفعة ، هذا قول أبى حنيفة وأصحابه فتعلقوا بلفظة الجار فى ~~قوله عليه السلام : ( الجار أحق بصبقه ) وقالوا : لا يراد بهذا الحديث ~~الشريك ؛ لأن الجار لا يقع إلا على غير الشريك ، وزعموا أنه لا يوجد فى ~~اللغة أن الشريك يسمى جارا ، فخالفوا نص الحديث ، وتركوا أوله لتأويل ~~تأولوه فى آخره ، فأما خلافهم لنصه ، فهو أن أبا رافع كان شريك سعد ~~بالبيتين فى داره ، ولذلك دعاه إلى الشراء بأقل مما أعطاه غيره ممن ليس ~~شريك له وفيه : أن أبا رافع سمى شريكه جارا حين صرف معنى قوله عليه السلام ~~: ( الجار أحق بصقبه ) إلى شريكه ، وهو روى الحديث وعلم معناه ، ولو كان ~~المراد بقوله : ( الجار أحق بصقبه ) الجار غير الشريك كما زعم أهل العراق ~~ما سلم PageV06P380 سعد لأبى رافع احتجاجه بالحديث ولا استدلاله به ، ولقال ~~له سعد : ليس معنى الحديث كما تأولته ، وإنما الجار المراد به غير الشريك . ~~فلما لم يرد عليه تأويله ، ولا أنكره المسور ، وهم الفصحاء أهل اللسان ~~المرجوع إليهم ؛ علم أن معنى الحديث ما تأوله أبو رافع ، وأن الجار فيه ~~يراد به الشريك ، وأما بيع أبى رافع للبيتين من سعد بأقل مما أعطاه غيره ، ~~فإنما كان على وجه التطوع منه ؛ لأنه لا خلاف بين العلماء أنه لا يجب على ~~الشريك أن يعطى شريكه الشقص الذى يريد بيعه بأقل من ثمنه ، وكل منا قارب ~~بدنه بدن صاحبه قيل له : جار فى لسان العرب ، ولذلك قالوا لامرأة الرجل : ~~جارة ؛ لما بينهما من الاختلاط بالزوجية ، وقد جاء فى حديث دية الجنين : ( ~~أن حمل بن مالك قال : كنت بين جارتين لى ) يريد امرأيته ، ومنه قول الأعشى ~~لامرأته : أجارتنا بينى فإنك طالقة فكذلك الشريك يسمى جارا لما بينهما من ~~الاختلاط بالشركة ، وتأويل قوله عليه السلام : ( الجار أحق بصقبه ) عند أهل ~~الحجاز على وجهين : أحدهما : أن يراد به الشريك ، ويكون حقه الأخذ بالشفعة ~~دون غيره ، وهو أولى الوجهين لما تقدم من الدلائل . والوجه الثانى : يحتمل ~~أن يراد به الجار ms2085 غير الشريك ، ويكون حقه غير الشفعة ، فيكون جار الرحبة ~~يريد الارتفاق بها ، ويريد مثل ذلك غير الجار ، فيكون الجار أحق بصقبه ، ~~فإن لم يكن هذا فيكون ذلك فيما يجب للجيران بعضهم على بعض من حق الجوار ~~PageV06P381 و ما للأجنبيين من الكرامة والبر وسائر الحقوق الذى إذا اجتمع ~~فيها الجار ومن ليس بجار ، وجب إيثار الجار على من ليس بجار من طريق مكارم ~~الأخلاق وحسن الجوار ، لا من طريق الفرض اللازم ، فقد أوصى الله - تعالى - ~~بالجار فقال : { والجار ذى القربى والجار الجنب } وقال عليه السلام : ( ما ~~زال جبريل يوصينى بالجار حتى ظننت أنه سيورثه ) ذكره ابن المنذر عن الشافعى ~~. وإذا احتمل هذا كله الحديث المجمل ، ثم فسره حديث آخر بقوله : ( فإذا ~~وقعت الحدود فلا شفعة ) كان المفسر أولى من المجمل . والصقب : القرب ، يقال ~~: قد أصقب فلان فلانا ، إذا قربه منه ، فهو يصقبه ، وقد تصاقبا : إذا ~~تقاربا . * * * # | 3 - باب أى الجوار أقرب # / 3 - فيه : عائشة ، قالت : يا رسول الله ، إن لى جارين ، فإلى أيهما ~~أهدى ؟ قال : ( إلى أقربهما منك بابا ) . لا حجة فى هذا الحديث لمن أوجب ~~الشفعة بالجوار ، لأن عائشة إنما سألت النبى عمن تبدأ به من جيرانها فى ~~الهدية ، فأخبرها أنه من قرب بابه أولى بها من غيره ، فدل بهذا أنه أولى ~~بجميع حقوق الجوار وكرم العشرة والبر ممن هو أبعد منه بابا . قال ابن ~~المنذر : وهذا الحديث يدل أن اسم الجار يقع على غير PageV06P382 اللزيق ، ~~لأنه قد يكون له جارا لزيقا وبابه من سكة غير سكته ، وله جار بينه وبين ~~بابه قدر ذراعين وليس بلزيق له ، وهو أدناهما بابا ، وقد خرج أبو حنيفة عن ~~ظاهر هذا الحديث فقال : إن الجار اللزيق إذا ترك الشفعة ، وطلبها الذى يليه ~~وليس له حد إلى الدار ولا طريق ، ألا شفعة له . وعوام العلماء يقولون : إذا ~~أوصى الرجل لجيرانه بمال أعطى اللزيق وغيره ، إلا أبا حنيفة فإنه فارق عوام ~~العلماء وقال : لا يعطى إلا اللزيق وحده . وكان الأوزاعى يقول : الجار ~~أربعين دارا من كل ms2086 ناحية . وقاله ابن شهاب . وقال على ابن أبى طالب : من ~~سمع النداء فهو جار . قال المهلب : وإنما أمر عليه السلام بالهدية إلى من ~~قرب بابه ؛ لأنه ينظر إلى ما يدخل دار جاره وما يخرج منها ، فإذا رأى ذلك ~~أحب أن يشاركه فيه ، وأنه أسرع إجابة لجاره عند ما ينوبه من حاجة إليه فى ~~أوقات الغفلة والغرة ؛ فلذلك بدأ به على من بعد بابه ، وإن كانت داره أقرب ~~. PageV06P383 * * * بسم الله الرحمن الرحيم # | 32 - كتاب الإجارات # # | 1 - باب استئجار الرجل الصالح وقول الله تعالى : { إن خير من استأجرت ~~القوى الأمين } والخازن الأمين ومن لم يستعمل من أراده # / 1 - فيه : أبو موسى ، قال النبى ، عليه السلام : ( الخازن الأمين الذى ~~يؤدى ما أمر به طيبة نفسه أحد المتصدقين ) . / 2 - وقال أيضا : أقبلت إلى ~~النبى ، عليه السلام ، ومعى رجلان من الأشعريين ، فقلت : ما علمت أنهما ~~يطلبان العمل ، فقال : لن - أو لا - نستعمل على عملنا من أراده . ذكر أهل ~~التفسير أن شعيبا كان غيورا ، فلما قالت له ابنته : يا أبت أستاجره إن خير ~~من استأجرت القوى الأمين ، قال لها : وما يدريك ما قوته وأمانته ؟ قالت : ~~أما قوته فما رأيت منه حين استقى ، لم أر رجلا أقوى فى السقاء منه ، قال ~~مجاهد : وقيل : إنه استقى بدلو لم يكن يرفعها إلا جملة من الناس ، وقيل : ~~إنه رفع عن البئر حجرا لا يرفعه إلا فئام من الناس ، وأما أمانته فإنه نظر ~~PageV06P384 إلى حين أقبلت إليه ، فلما علم أنى امرأة صوب رأسه فلم يرفعه ، ~~ولم ينظر إلى حين بلغته رسالتك ، وقيل : إنها مشت بين يديه تدله على الطريق ~~فضربتها الريح ، فنظر إلى عجيزتها فقال لها : امشى خلفى ودلينى على الطريق ~~فسرى عنه وصدقها . فمعنى قولها : ( استأجره ) أى : لرعى غنمك والقيام عليها ~~. ( إن خير من استأجرت القوى ) على حرز ماشيتك وإصلاحها ، ( الأمين ) عليه ~~، فلا تخاف منه فيها خيانة . قال المهلب : لما كان طلب العمالة دلالة على ~~الحرص وجب أن يحترز من الحريص عليها ، وقد أخبر عليه السلام أنه لا يعان من ms2087 ~~طلب العمل على ما يطلبه ، وإنما يعان عليه من طلب به ، وإذا كان هذا فى علم ~~الله معروفا وعلى لسان نبيه عليه السلام ، وجب ألا يستعمل من علم أنه لا ~~يعان عليه ممن طلبه ، ووجب على العاقل ألا يدخل فى ذلك إلا بضم السلطان له ~~إليه إذا علم أنه سيطلع به ، وإنما أدخل فى هذا الباب حديث ( الخازن الأمين ~~أحد المتصدقين ) لأن من استؤجر على شىء فهو فيه أمين ، وليس عليه فى شىء ~~منه ضمان إن فسد أو تلف إلا أن يضيع تضييعا معلوما فعليه الضمان ، وقال ملك ~~: لا يضمن المستأجر PageV06P385 ما يعاب عليه ، والقول قوله فى ذلك مع ~~يمينه ، وروى أشهب عنه فيمن استأجر جفنة أنه لها ضامن ، إلا أن يقيم بينة ~~على الضياع . * * * # | 2 - باب رعى الغنم على قراريط # / 3 - فيه : أبو هريرة ، قال النبى ، عليه السلام : ( ما بعث الله نبيا ~~إلا رعى الغنم ) ، فقال أصحابه : وأنت ؟ قال : ( نعم ، كنت أرعاها على ~~قراريط لأهل مكة ) . معنى قوله عليه السلام : ( ما بعث الله نبيا إلا رعى ~~الغنم ) - والله أعلم - أن ذلك توطئة وتقدمة فى تعريفه سياسة العباد ، ~~واعتبارا بأحوال رعاة الغنم ، وما يجب على راعيها من اختيار الكلأ لها ، ~~وإيرادها أفضل مواردها ، واختيار المسرح والمراح لها ، وجبر كسيرها ، ~~والرفق بضعيفها ، ومعرفة أعيانها وحسن تعهدها ، فإذا وقف على هذه الأمور ~~كانت مثالا لرعاية العباد ، وهذه حكمة بالغة . وأجمع العلماء أنه جائز أن ~~يستأجر الراعى شهورا معلومة بأجرة معلومة . قال مالك : وليس على الراعى ~~ضمان ، وهو مصدق فيما هلك أو سرق ؛ لأنه أمين كالوكيل ، وإلا أن يفرط أو ~~يتعدى . * * * # | 3 - باب استئجار المشركين عند الضرورة أو إذا لم يوجد أهل الإسلام ~~وعامل النبى عليه السلام يهود خيبر # / 4 - فيه : عائشة ، استأجر النبى ، عليه السلام ، وأبو بكر رجلا من ~~PageV06P386 بنى الديل ، ثم من بنى عبد بن عدى هاديا - الماهر بالهداية - ~~قد غمس يمين حلف فى آل العاص بن وائل ، وهو على دين كفار قريش ، فأمناه ~~فدفعا إليه راحلتيهما ، وواعداه غار ثور بعد ms2088 ثلاث ليال ، فأتاهما ~~براحلتيهما صبيحة ليال ثلاث ، فارتحلا وانطلق معهما عامر بن فهيرة ، ~~والدليل الديلى ، فأخذ بهم أسفل مكة ، وهو طريق الساحل . استئجار المشركين ~~عند الضرورة وغيرها جائز حسن ؛ لأن ذلك ذلة وصغار لهم ، وإنما قال البخارى ~~فى ترجمته : إذا لم يوجد أهل الإسلام ، ومن أجل أن النبى - عليه السلام - ~~إنما عامل أهل خيبر على العمل فى أرضها إذ لم يوجد من المسلمين من ينوب ~~منابهم فى عمل الأرض ، حتى قوى الإسلام واستغنى عنهم وأجلاهم عمر بن الخطاب ~~، وعامة الفقهاء يجيزون استئجارهم عند الضرورة وغيرها . قال المهلب : وفيه ~~من الفقه ائتمان أهل الشرك على السر والمال إذا علم منهم وفاء ومروءة ، كما ~~استأمن النبى - عليه السلام - هذا الدليل المشرك ، وهو من الكفار الأعداء ~~المطالبين له ، لكنه علم منه مروءة ووفاء ائتمنه من أجلهما على سره فى ~~الخروج من مكة ، وعلى الناقتين اللتين دفعهما إليه ليوافيهما بهما بعد ثلاث ~~فى غار ثور . وقال ابن المنذر : فيه استئجار المسلم الكافر على هداية ~~الطريق ، وفيه استئجار الرجلين الرجل الواحد على عمل واحد لهما . ~~PageV06P387 وعامر بن فهيرة مولى أبى بكر الصديق ، ويقال : إنه من العرب ، ~~واسترق وهو غلام فاشتراه أبو بكر فأعتقه ، ويقال : إنه من الأزد ، وكان ممن ~~يعذب بمكة فى الله ، شهد بدرا وأحدا ، وقتل يوم بئر معونة سنة أربع من ~~الهجرة ، وهو الذى حكت عائشة عنه أنه كان إذا أخذته الحمى يقول : قد رأيت ~~الموت قبل ذوقه إن الجبان حتفه من فوقه وقال مالك فى العتبية : كان اسم ~~الدليل رقيط . وقال ابن إسحاق : اسمه عبد الله . * * * # | 4 - باب إذا استأجر أجيرا ليعمل له بعد ثلاثة أيام أو بعد شهر أو بعد ~~سنة جاز وهما على شرطهما الذى اشترطاه إذا جاء الأجل # / 5 - فيه : عائشة ، استأجر النبى ، عليه السلام ، وأبو بكر رجلا من بنى ~~الديل هاديا خريتا ، وهو على دين كفار قريش ، فدفعا إليه راحلتيهما وواعداه ~~غار ثور بعد ثلاث ليال ، براحلتيهما صبح ثلاث . قال ابن المنذر : وهذا ~~الخبر دال على إباحة أن ms2089 يستأجر الرجل الرجل على أن يدخل فى العمل بعد أيام ~~معلومة ، يصح عقد الاجارة قبل وقت العمل ، وقياس هذا أن يجوز أن يستأجر ~~منزلا معلوما سنة معلومة قبل مجىء السنة بأيام ، وأجاز مالك وأصحابه ~~استئجار الأجير على أن يعمل بعد يوم أو يومين أو ما قرب ، وهذا إذا نقده ~~الأجرة . PageV06P388 واختلفوا إذا استأجره ليعمل له بعد شهر أو سنة ولم ~~ينقده ، فأجازه مالك وابن القاسم ، وقال أشهب : لا يجوز ، وهذا عندهم فى ~~الأجير المعين والراحلة المعينة ، وأما إذا كان كراء مضمونا فيجوز فيه ضرب ~~الأجل البعيد وتقديم رأس المال ، ولا يجوز أن يتأخر رأس المال إلا اليومين ~~و الثلاثة ؛ لأنه إذا تأخر كان من باب الدين بالدين ، وتفسير الكراء ~~المضمون أن يستأجره على حمولة بعينها على غير دابة معينة ، والإيجارة ~~المضمونة أن يستأجر على بناء بيت ، ولا يشترط عليه عمل يده ، ويصف له طوله ~~وعرضه وجميع آلته ، وعلى أن المؤنة فيه كله على العامل مضمونا عليه حتى ~~يتمه ، فإن مات قبل تمامه كان ذلك فى ماله ولا يضره بعد الأجل فيه ، ووجه ~~قول أشهب أنه لا يدرى أيعيش المستأجر أو الدابة ، وهو من باب منع التصرف فى ~~الراحلة والأجير . والخريت : الدليل الحاذق . من كتاب العين . * * * # | 5 - باب الأجير فى الغزو # / 6 - وفيه : يعلى بن أمية ، قال : غزوت مع النبى ، عليه السلام ، جيش ~~العسرة ، فكان من أوثق أعمالى فى نفسى ، فكان لى أجير ، فقاتل إنسانا ، فعض ~~أحدهما إصبع صاحبه ، فانتزع إصبعه ، فأندر ثنيته فسقطت ، فانطلق إلى النبى ~~، عليه السلام . . . الحديث . استئجار الأجير للخدمة وكفاية مؤنة العمل فى ~~الغزو وغيره سواء . PageV06P389 قال المهلب : وأما القتال فلا يستأجر عليه ~~، لأن على كل مسلم أن يقاتل حتى تكون كلمة الله هى العليا . قال غيره : ~~وإنما ذكر هذا الباب ، لأن عمل الجهاد كله عمل بر ، ومن أهل العلم من كره ~~أن يؤاجر نفسه فى شىء من أعمال البر ، لكنه لما كان الجهاد فرضا على ~~الكفاية ولم يتعين ، جاز للرجل أن يؤاجر نفسه فى سبب منه ms2090 أو مما يتعلق به ، ~~وقد تقدم فى كتاب الجهاد : هل يسهم للأجير أم لا ؟ * * * # | 6 - باب من استأجر أجيرا فبين له الأجل ولم يبين العمل لقوله تعالى : { ~~إنى أريد أن أنكحك إحدى ابنتى هاتين } ، إلى قوله : { وكيل } # . قال المهلب : ليس كما ترجم ، لأن العمل عندهم معلوم من سقى وحرث ورعى ~~واحتطاب ، وما شاكل أعمال البادية ومهنة أهلها ، فهذا متعارف وإن لم يبين ~~له أشخاص الأعمال ولا مقاديرها ، مثل أن يقول له : إنك تحرث كذا من السنة ، ~~وترعى كذا من السنة . فهذا إنما هو على المعهود من خدمة البادية ، والذى ~~عليه المدار فى هذا أنه قد عرفه بالمدة وسماها له ، وإنما الذى لا يجوز عند ~~الجميع أن تكون المدة مجهولة والعمل مجهول غير المعهود ، لا يجوز حتى يعلم ~~. قال المهلب : والنكاح على أعمال البدن لا يجوز عند أهل المدينة ، لأنه ~~غرر ، وما وقع من النكاح على مثل هذا الصداق لا نأمر به اليوم ، لظهور ~~الغرر فى طول المدة ، وهو خصوص لموسى عند أكثر العلماء ، لأنه قد قال : ~~إحدى ابنتى ، ولم يعينها ، وهذا لا يجوز إلا بالتعيين ، PageV06P390 وأما ~~مذاهب العلماء فى ذلك ، فقال مالك : إذا تزوجها على أن يؤاجرها نفسه سنة أو ~~أكثر يفسخ النكاح إن لم يكن دخل بها ، وإن كان دخل بها ثبت النكاح بصداق ~~المثل . وقال أبو حنيفة وأبو يوسف : إن كان حرا فلها مهر مثلها ، وإن كان ~~هبدا فلها خدمة سنة . وقال الشافعى : النكاح جائز على خدمته إذا كان وقتها ~~معلوما . وقال بعض أصحاب مالك : إنما كره مالك النكاح على الخدمة ، لأنه لم ~~يبلغه أن أحدا من السلف فعل ذلك ، والنكاح موضوع على الاتباع والاقتداء . ~~وقوله : { أيما الأجلين قضيت فلا عدوان على } أى : ذلك واجب لك على فى ~~تزويجى إحدى ابنتيك ، فما قضيت من هذين الأجلين ، فليس لك على مطالبة بأكثر ~~منه ، والله على ما أوجبه كل واحد منا على نفسه شهيد وحفيظ . وروى عن ابن ~~عباس أن النبى - عليه السلام - قال : ( سألت جبريل : أى الأجلين قضى موسى ms2091 ؟ ~~قال : أتمهما وأكملهما ) يعنى عشر سنين . PageV06P391 * * * # | 7 - باب إذا استأجر أجيرا على أن يقيم حائطا يريد أن ينقض جاز # / 7 - ابن عباس ، عن أبى قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( ~~فانطلقا فوجدا جدارا يريد أن ينقض ، قال ورفع يديه فاستقام ) . قال : { لو ~~شئت لاتخذت عليه أجرا } . قال المهلب : إنما جاز الاستئجار عليه لقول موسى ~~: لو شئت لتخذت عليه أجرا . والأجر لا يتخذ إلا على عمل معلوم ، وإنما كان ~~يكون له الأجر لو عامله عليه قبل عمله ، وأما بعد أن أقامه بغير إذن صاحبه ~~فلا يجبر صاحبه على غرم شىء وقال ابن المنذر : فى قصة موسى والخضر جواز ~~الإجارة على البناء . وفى قوله : ( حملونا بغير قول ) ، فيه جواز أخذ ~~الأجرة من الركبان فى البحر . * * * # | 8 - باب الإجارة إلى نصف النهار # / 8 - فيه : ابن عمر ، قال النبى ، عليه السلام : ( مثلكم ومثل أهل ~~الكتابين ، كمثل رجل استأجر أجراء ، فقال : من يعمل لى من غدوة إلى نصف ~~النهار على قيراط ؟ فعملت اليهود ، ثم قال : من يعمل لى من نصف النهار إلى ~~صلاة العصر على قيراط ؟ فعملت النصارى ، ثم قال : من يعمل لى من العصر إلى ~~أن تغيب الشمس على قيراطين ؟ فأنتم هم ) ، فغضبت اليهود والنصارى ، فقالوا ~~: ما لنا أكثر عملا وأقل عطاء ، قال : هل نقصتكم من حقكم ؟ ، قالوا : لا ، ~~قال : فذلك فضلى أوتيه من أشاء ) . PageV06P392 وترجم له ( باب الإجارة إلى ~~صلاة العصر ) ، وترجم له ( باب الإجارة من العصر إلى الليل ) . / 9 - وذكر ~~فيه حديث أبو موسى ، عن النبى ، عليه السلام ، قال : ( مثل المسلمين ~~واليهود والنصارى ، كمثل رجل استأجر قوما يعملون له عملا يوما إلى الليل ~~على أجر معلوم ، فعملوا له إلى نصف النهار ، فقالوا : لا حاجة لنا إلى أجرك ~~الذى شرطت لنا ، وما عملنا باطل ، فقال لهم : لا تفعلوا ، أكملوا بقية ~~عملكم وخذوا أجركم كاملا ، فأبوا وتركوا ، واستأجر أجيرين بعدهم ، فقال : ~~أكملوا بقية يومكم هذا ولكما الذى شرطت لهم من الأجر ، فعملوا حتى إذا كان ~~صلاة العصر ، قالوا : لك ما عملنا باطل ولك ms2092 الأجر الذى جعلت لنا فيه ، فقال ~~: أكملوا بقية يومكم ، ما بقى من النهار شىء يسير فأبوا ، فاستأجر قوما أن ~~يعملوا له بقية يومهم ، [ فعملوا بقية يومهم ] حتى غابت الشمس ، فاكملوا ~~أجر الفريقين كليهما ، فذلك مثلهم ومثل ما قبلوا من هذا النور ) . قال ابن ~~النذر : فى حديث ابن عمر ذكر الإجارة الصحيحة بالأجر المعلوم إلى الوقت ~~المعلوم ، ولولا أن ذلك جائز ما ضرب بها عليه السلام المثل . وقال المهلب : ~~إنما هذا مثل ضربه النبى للناس الذين خلقهم الله لعبادته ، فشرع لهم دين ~~موسى ليعملوا الدهر كله بما يأمرهم به وينهاهم عنه ، فعملوا على دين موسى ~~إلى أن بعث الله عيسى ، فأمرهم بأن يتبعوه على شريعته ، فأبوا وتبرءوا مما ~~جاء به عيسى ، وعمل آخرون بما جاء به عيسى على أن يعملوا باقى الدهر بما ~~يؤمرون PageV06P393 به وينهون عنه ، فعملوا حتى بعث الله محمدا فدعاهم إلى ~~العمل بما جاء به ، فعصوا وأبوا وقطعوا العمل ، فعمل المسلمون بما جاء به ، ~~ويعملون به إلى يوم القيامة ، فلهم أجر من عمل الدهر كله ، لأنهم أتموا ~~الدهر بعبادة الله كإتمام النهار الذى كان استؤجر عليه كله أول طبقة . ~~وقوله فى حديث ابن عمر : ( من يعمل لى من غدوة إلى نصف النهر ) قدر لهم مدة ~~أعمال اليهود ولهم أجرهم عليه إلى أن نسخ الله شريعتهم بعيسى ، وقال عند ~~مبعث عيسى : من يعمل فى مدة هذا الشرع وله أجر قيراط ؟ فعملت النصارى إلى ~~أن نسخ الله دين عيسى بمحمد ، ثم قال متفضلا على المسلمين : من يعمل بقية ~~النهار إلى الليل وله قيراطان فقال المسلمون : نحن نعمل إلى انقطاع الدهر ~~بشريعة محمد ، فهذا الحديث وجهه العمل بمدد الشرائع ، والحديث الثانى وجهه ~~العمل الدهر كله ، فبقى أن من عمل من اليهود إلى أن نسخ دين موسى ، ثم ~~انتقل وآمن بعيسى وعمل بشريعته أن له أجره مرتين ، كما كان للمسلمين أجرهم ~~مرتين يعنى كأجر اليهود والنصارى قبلهم ، لأنهم أعطوا قيراطين على أكثره ، ~~وإنما ذلك من أجل إيمان المسلمين بموسى وعيسى وإن كانوا ms2093 لم يعملوا ~~بشريعتهما ، لأن التصديق عمل . فإن قيل : فما قول اليهود والنصارى : ( نحن ~~أكثر عملا وأقل عطاء ) وبين نصف النهار والعصر ثلاث ساعات ، كما بين العصر ~~إلى الليل ثلاث ساعات ، وإنما كان يكون معنى الحديث PageV06P394 ظاهرا لو ~~قال ذلك اليهود خاصة ، لأنهم عملوا نصف النهار على قيراط وذلك ست ساعات ، ~~وعملت النصارى ثلاث ساعات على قيراط . قيل : يحتمل معان من التأويل : أحدها ~~: أن يكون قوله : ( نحن أكثر عملا وأقل عطاء ) من قول اليهود خاصة ، لأنهم ~~عملوا ست ساعات بقيراط ، ويكون من قول النصارى : ( نحن أقل عطاء ) . وإن ~~كانوا متقاربين مع المسلمين فى العمل ، فيكون الحديث على العموم فى اليهود ~~، وعلى الخصوص فى النصارى ، وقد يأتى الكلام إخبار عن جملة والمراد بعضها ، ~~كقوله تعالى : { يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان } وإنما يخرج من أحدهما من ~~الملح لا من العذب ، ومثله { فلما بلغا مجمع بينهما نسيا حوتهما } والناسى ~~كان يوشع وحده ، يدل على ذلك قوله لموسى : إنى نسيت الحوت . وفيه تأويل آخر ~~على العموم فيهما ، على أن كل طائفة منهما أكثر عملا وأقل عطاء ، وذلك قوله ~~: ( فعملت النصارى إلى صلاة العصر ) وليس فيه أنه إلى أول وقت العصر ، ~~فنحمله أنها عملت إلى آخر وقت صلاة العصر ، قاله ابن القصار . وفيه وجه آخر ~~: وذلك أن نصف النهار وقت زوال الشمس ، و الزوال فى آخر الساعة السادسة ، ~~والعصر فى أول العاشرة بعد مضى شىء يسير منها ، فزادت المدة التى بين الظهر ~~إلى العصر على المدة التى بين العصر إلى الليل بمقدار ما بين آخر الساعة ~~التاسعة وأول PageV06P395 العاشرة ، وإن كان ذلك القدر لا يتبينه كثير من ~~الناس ، فهى زيادة معلومة بالعقل والله أعلم . * * * # | 9 - باب من استأجر أجيرا فترك الأجير أجره فعمل فيه المستأجر فزاد أو ~~من عمل فى مال غيره فاستفضل # / 10 - فيه : ابن عمر ، قال النبى ، عليه السلام : ( انطلق ثلاثة رهط ممن ~~كان قبلكم ، حتى أووا المبيت إلى غار ، فدخلوه فانحدرت صخرة من الجبل فسدت ~~عليهم الغار ، فقالوا : إنه لا ينجيكم منها إلا أن ms2094 تدعوا الله بصالح ~~أعمالكم ، فقال رجل منهم : اللهم إنى استأجرت أجراء ، فأعطيتهم أجرهم غير ~~رجل واحد ترك الذى له وذهب ، فثمرت أجره حتى كثرت منه الأموال ، فجاءنى بعد ~~حين ، فقال لى : يا عبد الله ، أد إلى أجرى ، فقلت له : كل ما ترى من أجرك ~~من الإبل والبقر والغنم والرقيق ، فقال : أتستهزئ بى ؟ فقلت : لا ، فأخذه ~~كله فاستاقه . . . . ) الحديث . قال المهلب : تجره فى أجر أجيره على التفضل ~~والتبرع والإحسان منه ، وإنما كان عليه مقدار العمل خاصة ، فلما أنماه له . ~~وقبل ذلك الأجير ، راعى الله له حق تفضله فعجل له المكافأة فى الدنيا بأن ~~خلصه بذلك من هلكة الغار ، والله تعالى يأجره على ذلك فى الآخرة . قال ~~المؤلف : وأما من تجر فى مال غيره ، فقالت طائفة : يطيب له الربح إذا رد ~~رأس المال إلى صاحبه ، وسواء كان غاصبا للمال أو PageV06P396 وديعة عنده ~~متعديا فيه . هذا قول عطاء وربيعة ومالك والليث والثورى والأوزاعى و أبى ~~يوسف ، واستحب مالك والثورى والأوزاعى تنزهه عنه ، ويتصدق به . وقالت طائفة ~~: يرد المال ويتصدق بالربح كله ، ولا يطيب له منه شىء . هذا قول أبى حنيفة ~~وزفر ومحمد بن الحسن ، وقالت طائفة : الربح لرب المال ، وهو ضامن لما تعدى ~~فيه . هذا قول ابن عمر وأبى قلابة ، وبه قال أحمد وإسحاق ، وقال الشافعى : ~~إن اشترى السلعة بالمال بعينه فالربح ورأس المال لرب المال ، وإن اشتراها ~~بمال بغير عينه مثل أن يستوجبها منه بثمن معروف المقدار غير معروف العين ، ~~ثم نقد المال المغصوب أو الوديعة بغير إذن ربها فالربح له ، وهو ضامن لما ~~استهلك من مال غيره . وأصح هذه الأقوال قول من رأى أن الربح للغاصب ~~والمتعدى ، والحجة له أن العين قد صار فى ذمته ، وهو وغيره من ماله سواء ، ~~إذ لا غرض للناس فى أعيان الدنانير والدراهم ، وإنما غرضهم فى تصرفهم فيها ~~، ولو غصبها من رجل ثم أراد أن يدفع إليه غيرها مثلها وهى قائمة بيده ، ~~لكان له ذلك على أصل قول مالك ، فإذا كان له أن يدفع إليه غيرها ms2095 فربحها له ~~، وحديث الباب حجة لذلك ، ألا ترى أن الأجير حيث قال له من أجره : ( كل ما ~~ترى من الإبل والبقر والغنم والرقيق من أجرك ، قال له : أتستهزئ بى ؟ ) فدل ~~هذا أن السنة كانت عندهم أن الربح للمتعدى العامل ، وأنه لاحق فيه لرب رأس ~~المال ، وأخبر بذلك النبى فأقره ولم ينسخه ، وقد روى عن عمر PageV06P397 ~~ابن الخطاب ما يدل على أن الربح له بالضمان ، روى مالك فى الموطأ : ( أن ~~أبا موسى أسلف عبد الله وعبيد الله ابنى عمر من بيت المال ، فاشتريا به ~~متاعا وحملاه إلى المدينة ، فربحا فيه ، فقال عمر : أديا المال وربحه . ~~فقال عبيد الله : ما ينبغى لك هذا ، لو هلك المال أو نقص ضمناه ، فقال رجل ~~: لو جعلته قراضا يا أمير المؤمنين . قال : نعم ، فأخذ منهما نصف الربح ، ~~فلم ينكر عمر قول ابنه : لو هلك المال أو نقص ضمناه ، فلذلك طاب له ربحه ، ~~ولا أنكره أحد من الصحابة بحضرته ، وقد تقدم فى كتاب البيوع فى حديث ابن ~~عمر من زرع طعاما مغصوبا فى باب ( إذا اشترى شيئا لغيره بغير إذنه فرضى ) ~~ومذاهب العلماء فى ذلك . والاغتباق والغبوق : شرب العشى ، واسم الشراب : ~~الغبوق ، وقال صاحب الأفعال : غبقت الرجل ، ولا يقال : أغبقته . وقوله : ( ~~ألمت بها سنة ) يعنى : أتت عليها سنة شديدة أحوجتها . * * * # | 10 - باب إثم من منع الأجير أجره # / 11 - فيه : أبو هريرة ، عن النبى ، عليه السلام ، ( قال الله تعالى : ~~ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة : رجل أعطى بى ثم غدر ، ورجل باع حرا فأكل ~~ثمنه ، ورجل استأجر أجيرا فاستوفى منه ولم يعطه أجره ) . وروى ابن المنذر ~~فى هذا الحديث : ( ومن كنت خصمه خصمته ) . وقال المهلب : هذا الحديث مصداقه ~~فى كتاب الله ، قال الله - PageV06P398 تعالى : { ومن نكث فإنما ينكث على ~~نفسه } وقد وبخ الله من عاهده ثم نكث ، ومن باع حرا فقد ألزمه الذلة ~~والصغار ، ومنعه التصرف فيما أباح الله له ، وهذا ذنب عظيم ينازع الله به ~~فى عباده ، ومن ضع أجيرا حقه فقد ظلمه حين استخدمه واستحل عرقه بغير ms2096 أجر ~~وخالف بصيرة الله فى عباده ؛ لأنه استعملهم ووعدهم على عبادته جزيل الثواب ~~وعظيم الأجر وهو خالقهم ورازقهم . * * * # | 11 - باب من آجر نفسه للحمل على ظهره ثم تصدق به وأجرة الحمال # / 12 - فيه : أبو مسعود ، قال : كان النبى - صلى الله عليه وسلم - إذا ~~أمرنا بالصدقة انطلق أحدنا إلى السوق ، فيحامل فنصيب المد ، وإن لبعضهم ~~لمائة ألف ، قال : ( ما يراد إلا نفسه ) قال المهلب : إنما هذا على الترغيب ~~فى الصدقة ، ورجاء أجرها عند الله ، وقد أثنى الله - تعالى - على أهل هذه ~~الصفة بقوله تعالى : { ويطعمون الطعام على حبه } الآية . وقوله : { ويؤثرون ~~على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة } . وفيه ما كان عليه سلف هذه الأمة من الحرص ~~على اتباع أوامر النبى - عليه السلام - والمبادرة إلى ما ندب إليه وحض عليه ~~من الطاعة ، وما كانوا عليه من التواضع والمهنة لأنفسهم فى الأعمال الشاقة ~~عليهم ؛ PageV06P399 لينالوا بذلك رضى ربهم ، ولذلك وصفهم الله بأنهم خير ~~أمة أخرجت للناس ، وكل هذا كان فى أول الإسلام قبل أن يفتح الله عليهم ~~خزائن البلاد ، وكان إذ حدث أبو مسعود هذا الحديث قد وسع الله عليهم لقوله ~~: ( وإن لبعضهم لمائة ألف ) فأدرك الحالتين معا ، وقد ظن المحدث أن أبا ~~مسعود أراد بذلك نفسه ، وقد جاء هذا الحديث فى كتاب الزكاة وفيه : ( وإن ~~لبعضهم اليوم لمائة ألف ) . * * * # | 12 - باب أجر السمسرة # ولم ير ابن سيرين وعطاء وإبراهيم والحسن بأجر السمسار بأسا . وقال ابن ~~عباس : لا بأس أن يقول : بع هذا الثوب ، فما زاد على كذا وكذا فهو لك . ~~وقال ابن سيرين : إذا قال : بعه بكذا ، وكذا ، فما كان من ربح فهو لك ، أو ~~قال : بينى وبينك ، فلا بأس به . وقال النبى عليه السلام : ( المسلمون عند ~~شروطهم ) / 13 - فيه : ابن عباس ، نهى النبى - صلى الله عليه وسلم - أن ~~يتلقى الركبان ، ولا يبيع حاضر لباد . قلت : يا ابن عباس ، ما قوله : ( لا ~~يبيع حاضر لباد ؟ ) ، قال : لا يكون له سمسارا . اختلف العلماء فى أجر ~~السمسار ، فأجازه غير من ذكرهم PageV06P400 البخارى ، منهم : مالك ms2097 وأحمد ~~ابن حنبل ، وقال مالك : يجوز أن يستأجره على بيع سلع إذا ضرب لذلك أجلا ، ~~قال : وكذلك إذا قال له : بع لى هذا الثوب ولك درهم ، أنه جائز وإن لم يوقت ~~له ثمنا ، وهو جعل ، وكذلك إن جعل له فى كل مائة دينار شيئا وهو جعل . وقال ~~أحمد بن حنبل : لا بأس أن يعطيه من الألف شيئا معلوما . وذكر ابن المنذر عن ~~حماد والثورى أنهما كرها أجر السمسار ، وقال أبو حنيفة : إن دفع إليه ألف ~~درهم يشترى له بها بزا بأجر عشرة دراهم ، فهو فاسد ، وذلك لو قال له : اشتر ~~مائة ثوب ، فهو فاسد ، فإن اشترى فله أجر مثله ، ولا يجاوز ما سمى له من ~~الأجر . وقال أبو ثور : إذا جعل له فى كل ألف شيئا معلوما لم يجز ، وإن جعل ~~له فى كل ثوب شيئا معلوما لم يجز ؛ لأن ذلك غير معلوم ، فإن عمل على ذلك ~~فله أجر مثله ، فإن اكتراه شهرا على أن يشترى له ويبيع فذلك جائز . وحجة من ~~كرهه : أنه إجارة فى أمد غير محصور ، والإجارة مفتقرة إلى أجل معلوم . وحجة ~~من أجازه : أنه إذا سمى له ما على المائة ، فقد عرفت أجرة كل ثوب واستغنى ~~عن الأجل فيه ؛ لأنه عندهم من باب الجعل ، وليس على المشترى إذا لم يطلب ~~الشراء شىء من أجر PageV06P401 السمسار عند من أجازه ، وإنما عليه أجره إذا ~~طلب الشراء أو طلب البيع . وقوله : ( لا تكون له سمسارا ) يعنى : من أجل ~~الضرر الداخل على التجار ، لا من أجل أجرته ، لأن السمسار أجير ، وقد ( أمر ~~النبى - عليه السلام - بإعطاء الأجير أجره قبل أن يجف عرقه ) من حديث زيد ~~بن أسلم عن أبى صالح ، عن أبى هريرة . وأما قول ابن عباس : ( بع هذا الثوب ~~فما زاد على كذا فهو لك ) . وقول ابن سيرين : ( بعه بكذا فما كان من ربح ~~فهو لك ، أو بينى وبينك ) . فإن أكثر العلماء لا يجيزون هذا البيع ، وممن ~~كرهه النخعى والحسن والثورى والكوفيون ، وقال مالك والشافعى : لا يجوز ، ~~فإن باع ms2098 فله أجر مثله . وأجازه أحمد وإسحاق ، وقالا : هو من باب القراض ، ~~وقد لا يربح المقارض . وحجة الجماعة أنه قد يمكن ألا يبيعه بالثمن الذى سمى ~~له ؛ فيذهب عمله باطلا ، وهو من باب الغرر ، وهى أجرة مجهولة أو جعل مجهول ~~فلا يجوز ، وأما حجة من أجازه فقول النبى - عليه السلام - : ( المسلمون عند ~~شروطهم ) ولا حجة لهم فيه ؛ لأنه قد أحكمت السنة أنه لا يجوز من شروط ~~المسلمين شرط أحل حراما أو حرم حلالا ، وأما معنى قوله : ( المسلمون عند ~~شروطهم ) يعنى : الجائزة بينهم . PageV06P402 * * * # | 13 - باب هل يؤاجر المسلم نفسه من مشرك فى أرض الحرب # / 14 - فيه : خباب ، قال : كنت قينا ، فعملت للعاص بن وائل ، فاجتمع لى ~~عنده ، فأتيته أتقاضاه ، فقال : لا والله لا أقضيك حتى تكفر بمحمد ، فقلت : ~~أما والله حتى تموت ثم تبعث فلا ، قال : وإنى لميت ثم مبعوث ؟ قلت : نعم . ~~. . . الحديث . قال المهلب : كره العلماء أن يؤاجر المسلم نفسه من مشرك فى ~~دار الحرب أو دار الإسلام ؛ لأن فى ذلك ذلة للمسلمين ، إلا أن تدعوا إلى ~~ذلك ضرورة ، فلا يخدمه فيما يعود على المسلمين بضر ، ولا فيما لا يحل مثل : ~~عصر خمر ، أو رعاية خنازير أو عمل سلاح أو شبه ذلك ، وأما فى دار الإسلام ~~فقد أغنى الله بالمسلمين وبخدمتهم عن الاضطرار إلى خدمة المشركين ، وقد أمر ~~الله عبادة المؤمنين بالترأس على المشركين ، فقال تعالى : { فلا تهنوا ~~وتدعوا إلى السلم وأنتم الأعلون } فلا يصح لمسلم أن يهين نفسه بالخدمة ~~لمشرك إلا عند الضرورة ، فإن وقع ذلك فهو جائز ؛ لأنه لما جاز لنا أن نأخذ ~~أموالهم بالمعارضة منهم فى أثمان ما بيع منهم ، كان كذلك المنافع الطارئة ~~منا - والله أعلم - ألا ترى أن خبابا عمل للعاص بن وائل وهو كافر ، وجاز له ~~ذلك ، وقد تقدم تفسير القين فى كتاب البيوع فى باب : ( القين ) . ~~PageV06P403 * * * # | 14 - باب ما يعطى فى الرقية بفاتحة الكتاب # وقال ابن عباس ، عن النبى عليه السلام : ( أحق ما أخذتم عليه أجرا ، كتاب ~~الله ) . وقال الشعبى : لا يشترط المعلم إلا ms2099 أن يعطى شيئا فيقبله . وقال ~~الحكم : لم أسمع أحدا كره أجر المعلم وأعطى الحسن دراهم عشرة . ولم ير ابن ~~سيرين بأجر القسام بأسا ، وقال : كان يقال : السحت الرشوة فى الحكم ، ~~وكانوا يعطون على الخرص . / 15 - فيه : أبو سعيد ، قال : انطلق نفر من ~~أصحاب النبى ، عليه السلام ، فى سفرة سافروها ، حتى نزلوا على حى من أحياء ~~العرب ، فاستضافوهم فأبوا أن يضيفوهم ، فلدغ سيد ذلك الحى ، فسعوا له بكل ~~شىء لا ينفعه شىء ، فقال بعضهم : لو أتيتم هؤلاء الرهط الذين نزلوا ، لعله ~~أن يكون عند بعضهم شىء ، فأتوهم فقالوا : يا أيها الرهط ، إن سيدنا لدغ ، ~~وسعينا له بكل شىء لا ينفعه ، فهل عند أحد منكم من شىء ؟ فقال بعضهم : نعم ~~والله إنى لارقى ، ولكن والله لقد استضفناكم فلم تضيفونا ، فما أنا براق ~~لكم حتى تجعلوا لنا جعلا ، فصالحوهم على قطيع من الغنم ، فانطلق يتفل عليه ~~ويقرأ : { الحمد لله رب العالمين } ، فكأنما نشط من عقال ، فانطلق يمشى وما ~~به قلبة . قال : فأوفوهم جعلهم الذى صالحوهم عليه ، فقال بعضهم : اقسموا ، ~~فقال الذى رقى : لا تفعلوا حتى نأتى النبى ، عليه السلام ، فنذكر له الذى ~~كان ، فننظر ما PageV06P404 يأمرنا ، فقدموا على رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - ، فذكروا له ، فقال : ( وما يدريك أنها رقية ) ، ثم قال : ( قد ~~أصبتم ، اقسموا واضربوا لى معكم سهما . . . . ) ، الحديث . اختلف العلماء ~~فى جواز الأجر على الرقى بكتاب الله وعلى تعليمه ، فأجاز ذلك عطاء وأبو ~~قلابة ، وهو قول مالك والشافعى وأحمد و أبى ثور ، وحجتهم حديث ابن عباس ~~وحديث أبى سعيد . وكره تعليم القرآن بالأجر الزهرى ، وقال أبو حنيفة ~~وأصحابه : لا يجوز على تعليم القرآن أجر . قال الطحاوى : وتجوز الأجرة على ~~الرقى وإن كان يدخل فى بعضه القرآن ؛ لأنه ليس على الناس أن يرقى بعضهم ~~بعضا ، وتعليم الناس بعضهم بعضا القرآن واجب ؛ لأن فى ذلك التبليغ عن الله ~~إلا أن من علمه أجزأ عنه بقيتهم ، وذلك كتعليم الصلاة لا يجوز أخذ الأجرة ~~عليه ، ولا يجوز على الأذان ، واحتجوا بأحاديث ضعاف منها حديث ms2100 ابن مسعود أن ~~النبى - عليه السلام - قال : ( اقرءوا القرآن ولا تأكلوا به ) وبحديث حماد ~~بن سلمة عن أبى جرهم ، عن أبى هريرة ، ومرة يرويه حماد عن أبى المهزم ، عن ~~أبى هريرة قال : قلت : ( يا رسول الله ، ما تقول فى المعلمين ؟ قال : ~~درهمهم حرام ) . وبحديث المغيرة ابن زياد عن عبادة بن نسى ، عن الأسود بن ~~ثعلبة ، عن عبادة بن الصامت أنه قال : ( علم رجل من أهل الصفة سورة من ~~القرآن فأهدى إليه قوسا ، فقال له رسول الله : إن سرك أن يطوقك الله طوقا ~~من نار فاقبلها ) . | PageV06P405 والمغيرة بن زياد ضعيف ، وأبو جرهم غير ~~معروف ، وأبو المهزم مجمع على ضعفه ، وحديث ابن مسعود ضعيف ، ومحال أن ~~تعارض هذه الأحاديث إذا تساوت طرقها فى النقل والعدالة ، وأما إذا كان ~~بعضها ضعيفا فالصحيح منها يسقط الضعيف . وأما قول الطحاوى : إن تعليم الناس ~~القرآن بعضهم بعضا فرض ، فغلط ؛ لأن تعلم القرآن ليس بفرض ، فكيف تعليمه ! ~~وإنما الفرض المتعين منه على كل أحد ما تقوم به الصلاة ، وغير ذلك فضيلة ~~ونافلة ، وكذلك تعليم الناس بعضهم بعضا الصلاة ليس بفرض متعين عليهم ، ~~وإنما هو على الكفاية ، ولا فرق بين الأجرة على الرقى و على تعليم القرآن ؛ ~~لأن ذلك كله منفعة . وقوله عليه السلام : ( إن أحق ما أخذتم عليه أجرا كتاب ~~الله ) هو عام يدخل فيه إباحة التعليم وغيره ، فسقط قولهم . وقد أجاز مالك ~~أجر المؤذن ، وكره أجر الإمام ، وأجاز الشافعى جميع ذلك بحديث ابن عباس ~~وأبى سعيد . قال المهلب : ومما يدل على جواز أخذ الأجرة على ذلك ، أن الذين ~~أخذوا الغنم تحرجوا من قسمتها وأكلها حتى سألوا رسول الله عن ذلك ، فأعلمهم ~~النبى أنها حلال لهم أخذ الأجر عليه ، وأكد تأنيسهم ، وطيب نفوسهم بأن قال ~~: ( اضربوا لى معكم بسهم ) . PageV06P406 وأما أجر القسام فإن أكثر الفقهاء ~~أجازوه ، وأما ما روى عن مالك فيه من الكراهة ، فإنما ذلك لأن القسام كانوا ~~يرزقون من بيت المال ، فإذا لم يكن ذلك فلا بأس باستئجارهم على القسمة عنده ~~، والقسمة مثل عقد الوثائق ms2101 ، كل ذلك جائز عنده ، وعقد الوثائق فرض على ~~الكفاية بقوله : { وليكتب بينكم كاتب بالعدل } فلما لم يتعين الفرض جاز فيه ~~أخذ الأجرة . وقال ابن المنذر وأبو حنيفة : يكره تعليم القرآن بالأجر ، ~~ويجوز أن يستأجر الرجل أن يكتب له نوحا أو شعرا أو غناء معلوما بأجر معلوم ~~. فيجيز الإجارة فيما هو معصية ، ويبطلها فيما هو طاعة لله تعالى ! وقد دلت ~~السنة على إجازته . قال المهلب : وفى حديث أبى سعيد من الفقه : وجوب التضيف ~~على العادة المعروفة بين الناس فى القرى ، وقوله : ( قد استضفناكم فلم ~~تضيفونا ) دليل أنهم فاوضوهم فى منع معروفهم بأن منعوهم هؤلاء أيضا معروفهم ~~فى الرقية إلا بعوض ، فهذا يدل على أن ترك الضيافة وأخذ الأجرة على الرقية ~~ليس من مكارم الأخلاق . وقوله عليه السلام : ( وما يدريك أنها رقية ) يدل ~~أن فى القرآن ما يخص الرقى وأن فيه ما لا يخصها ، وإن كان القرآن كله مرجو ~~البركة من أجل أنه كلام الله ، لكن إذا كان فى الآية تعوذ بالله أو دعاء ~~كان أخص بالرقية ما ليس فيه ذلك ، وإنما أراد النبى - عليه السلام - بقوله ~~: ( وما يدريك أنها رقية ) أن يختبر علمه بذلك ؛ PageV06P407 لأنه ربما خفى ~~موضعها فى الحمد ، و قوله : { وإياك نستعين } هو الموضع الذى فيه الرقية ؛ ~~لأن الاستعانة به تعالى على كشف الضر ، وسؤال الفرج والتبرؤ إليه من الطاقة ~~، والإقرار بالحاجة إليه وإلى عونه هو فى معنى الدعاء . قال المؤلف : ~~ويحتمل أن يكون الراقى إنما رقى بالحمد لله لما علم أنها ثناء على الله ، ~~فاستفتح رقيته بالثناء رجاء الفرج ، كما يرجى فى الاستفتاح به فى الدعاء ~~الإجابة ، ولذلك قال إبراهيم التيمى : إذا بدأ الرجل بالثناء قبل الدعاء ~~فقد استوجب ، وإذا بدأ بالدعاء قبل الثناء كان على الرجاء . قال صاحب ~~الأفعال : أنشطت العقدة : حللتها ، والتفل : البصاق ، يقال : تفل تفلا : ~~بصق . * * * # | 15 - باب ضريبة العبد وتعاهد ضرائب الإماء # / 16 - فيه : أنس ، قال : حجم أبو طيبة النبى ، عليه السلام ، فأمر له ~~بصاع ، أو بصاعين من طعام ، وكلم مواليه ، فخفف عن غلته ms2102 أو ضريبته . وترجم ~~له : باب خراج الحجام . وذكر فيه : ( أن النبى - عليه السلام - احتجم وأعطى ~~الحجام أجره ) ولو علم كراهية لم يعطه ، وقال أنس : ( كان النبى - عليه ~~السلام - يحتجم ، ولم يكن يظلم أحدا أجره ) . PageV06P408 وترجم للأول باب ~~: ( من كلم موالى العبد أن يخففوا عنه من خراجه ) . قال المهلب : فيه من ~~الفقه : أنه لا بأس أن يضرب الإنسان على عبده خراجا معلوما فى الشهر ، وأن ~~يبلغ فى ذلك وسع العبيد وطاقتهم ، ولا يثقل عليهم ؛ لأن التخفيف لا يكون ~~إلا عن ثقل . وفيه : الشفاعة للمديان فى الوضيعة ، وللعبد فى الضريبة ، وإن ~~كان ليس بالدين الثابت لكنه مطالب به مستعمل فيه . وفيه : استعمال العبد ~~بغير إذن سيده إذا كان معوضا لذلك معروفا به . وفيه : الحكم بالدليل ؛ لأنه ~~استدل على أنه مأذون له فى العمل لانتصابه له وعرض نفسه عليه . وأما مذاهب ~~العلماء فى خراج الحجام وكسبه ، فقال ابن القصار : يجوز للحجام أن يأكل من ~~كسبه ، وإن كان عبدا جاز لسيده أن يأكله ، وإن كنا لا نحبه ؛ لأنها صنعة ~~دنية ، ولكنه غير محرم . وبهذا قال جماعة الفقهاء إلا أحمد وغيره من أصحاب ~~الحديث فإنهم قالوا : هو محرم على الأحرار ومباح للعبيد ، ولا يجوز للحر أن ~~يحترف بالحجامة ، وإن كان غلامه حجاما لم ينفق على نفسه من كسبه ، وإنما ~~ينفقه على العبد وعلى بهائمه . والقصد بالحجام : الذى يحجم ليس الذى يزين ~~الناس ، واستدلوا لقولهم بحديث أبى رافع أن النبى - عليه السلام - قال : ( ~~كسب الحجام خبيث ) قالوا : والخبيث عبارة عن الحرام ، بحديث ابن محيصة عن ~~أبيه قال : ( استأذنت النبى - عليه السلام - فى PageV06P409 إجارة الحجام ~~فنهانى عنها ، فما زلت أسأله حتى قال : اعلفه ناضحك ، وأطعمه رقيقك ) . ~~وحجة الجماعة حديث أنس وابن عباس : ( أن النبى احتجم ، وأعطى الحجام أجرة ، ~~قال ابن عباس : ولو علم كراهية لم يعطه ) . قال الطحاوى : وفى إباحة النبى ~~أن يطعمه رقيقه وناضحه دليل أنه ليس بحرام ، ألا ترى أن المال الحرام الذى ~~لا يحل للرجل أكله لا يحل له أن يطعمه رقيقه ولا ناضحه ms2103 ، فثبت بذلك نسخ ما ~~تقدم من نهيه ، وهو النظر عندنا ؛ لأنا رأينا الرجل يستأجر الرجل يفصد له ~~عرقا ، أو ينزع له ضرسا فيجوز ذلك ، فكذلك تجوز الحجامة . قال غيره : ~~والدليل على ذلك قوله تعالى : { قو أنفسكم وأهليكم نارا } قال أهل التفسير ~~: جنبوهم ما يقود إلى النار وما يؤدى إلى سخطه ، وذلك فرض على المخاطبين ~~بهذه الآية . وقال ربيعة : إن الحجامين كان لهم سوق على عهد عمر بن الخطاب ~~. وقال يحيى بن سعيد : لم يزل المسلمون مقرين بأجر الحجام ، ولا ينكرونها . ~~وأما قولهم : إنها صنعة دنية ، فليست بأدنى من صنعة الكناس الذى ينقل الحش ~~، وليست بحرام ، وكذلك الحجام . وقولهم : إن اسم الخبيث عبارة عن الحرام ، ~~فليس كذلك ، وقد يقع على الحلال ، قال تعالى : { ولا يتمموا الخبيث منه ~~تنفقون } وكانوا يتصدقون بالحشف وردىء التمر فنزلت هذه الآية فيه . | ~~PageV06P410 * * * # | 16 - باب كسب البغى والإماء # وكره إبراهيم أجر النائحة والمغنية ، وقول الله تعالى : { ولا تكرهوا ~~فتياتكم على البغاء } الآية . وقال مجاهد : { فتياتكم } إماءكم . / 17 - ~~فيه : أبو مسعود الأنصارى ، أن النبى ، عليه السلام ، نهى عن ثمن الكلب ، ~~ومهر البغى ، وحلوان الكاهن . / 18 - وفيه : أبو هريرة ، نهى النبى - صلى ~~الله عليه وسلم - عن كسب الإماء . ذكر أهل التفسير فى هذه الآية أنها كانت ~~لعبد الله بن أبى حارثة أمة يكرهها على الزنا ، فلما حرم الله الزنا قال ~~لها : ألا تزنين ؟ قالت : والله لا أزنى أبدا ، فنزلت هذه الآية ، ليعرف أن ~~إثمهن على من أكرهن ، قال إسماعيل بن إسحاق : فدلت هذه الآية أن المكرهة ~~على الزنا والمغتصبة توطأ ، أنه لا حد عليها . قال غيره : وحرم الله كسب ~~البغى بفرجها . وأجمع العلماء على إبطال النائحة والمغنية ، وهو عندهم من ~~أكل المال بالباطل . والبغى : الفاجرة ، والاسم البغاء . PageV06P411 * * * # | 17 - باب عسب الفحل # / 19 - فيه : ابن عمر ، نهى النبى - صلى الله عليه وسلم - عن عسب الفحل . ~~اختلف العلماء فى تأويل هذا الحديث ، فكرهت طائفة أن يستأجر الفحل لينز به ~~مدة معلومة بأجر معلوم ، ذكر ذلك عن أبى سعيد الخدرى والبراء بن ms2104 عازب ، ~~وذهب الكوفيون والشافعى وأبو ثور إلى أنه لا يجوز عسب الفحل ، واحتجوا ~~بحديث ابن عمر ، فقالوا : هو شىء مجهول لا ندرى أينتفع به أم لا ؟ وقد لا ~~ينزل الفحل . وقال عطاء لا يأخذ عليه أجرا ، ولا بأس أن يعطى الأجر إذا لم ~~تجد من يطرقك . ورخص فيه الحسن وابن سيرين ، وأجاز ذلك مالك مدة معلومة أو ~~ضربات معلومة ، واحتج الأبهرى بأنها بيع منفعة ، وكما جاز للإنسان الانتفاع ~~به جاز أن يبيعه ويعاوض عليه غير الوطء خاصة ، وإنما الذى لا يجوز أخذ ~~العوض عليه ما لا يجوز فعله ، مما هو منهى عنه كبيع الخمر والخنزير ، ومهر ~~البغى ، وحلوان الكاهن ، وشبه ذلك من الأعيان المحرمة ، والمنافع الممنوعة ~~، ومعنى نهيه عليه السلام عن عسب الفحل هو أن يكر به إلى العلوق ؛ لأن ذلك ~~مجهول لا يدرى متى يعلق ، ولا يجوز إجارة المجهول ، كما لا يجوز بيعه ، ~~فأما إذا كان إلى أجل معلوم أو نزوات معلومة فلا بأس بذلك . قال صاحب ~~الأفعال : تقول العرب : عسب الرجل عسبا : أكرى منه فحلا ينز به ، ويقال : ~~العسب : ماء الفحل ، قال أبو على : قال أبو ليلى : العسب : ماء الفحل فرسا ~~كان أو بعيرا ، ولا يتصرف منه فعل ، يقال : قطع الله عسبه ، أى ماءه ونسله ~~. PageV06P412 * * * # | 18 - باب إذا استأجر أرضا فمات أحدهما # قال ابن سيرين : ليس لأهله أن يخرجوه إلى تمام الأجل . وقال الحكم والحسن ~~وإياس بن معاوية : تمضى الإجارة إلى أجلها . وقال ابن عمر : أعطى النبى ، ~~عليه السلام ، خيبر بالشطر ، فكان ذلك على عهد النبى عليه السلام ، وأبى ~~بكر ، وصدرا من خلافة عمر ، ولم يذكر أن أبا بكر وعمر جددا الإجارة بعدما ~~قبض النبى - صلى الله عليه وسلم - . / 20 - فيه : ابن عمر ، أعطى النبى ، ~~عليه السلام ، خيبر اليهود أن يعملوها ويزرعوها ، ولهم شطر ما يخرج منها . ~~وأن ابن عمر حدثه أن المزارع كانت تكرى على شىء سماه نافع ، ولا أحفظها . ~~وأن رافع بن خديج حدث : أن النبى - صلى الله عليه وسلم - نهى عن كراء ~~المزارع . اختلف العلماء ms2105 فى هذا الباب ، فقالت طائفة : لا تنفسخ الإجارة ~~بموت أحدهما ولا بموتهما ، بل يقوم الوارث منهما مقام الميت ، هذا قول مالك ~~والشافعى وأحمد وإسحاق وأبى ثور ومن حجتهم ما ذكره البخارى فى هذا الباب ، ~~وقال الكوفيون والثورى والليث : تنتقض الإجارة بموت أيهما مات ، واحتجوا ~~لذلك فقالوا : لو قلنا : إن العقد لا ينفسخ ، لم تحل للمكترى أن يستوفى ~~المنافع من ملك المكرى ، أو من ملك الوارث ، فبطل أن يستوفيها من ملك ~~المكرى ؛ لأن المكرى إذا مات فلا ملك له ، ولا يجوز أن يستوفيها من ملك ~~الوارث ؛ لأن الوارث لم يملكها ، ولا عقد له معه ، فلا يجوز أن يستوفى ~~المنافع من ملكه فوجب أن ينفسخ العقد . PageV06P413 قال ابن القصار : فيقال ~~لهم : إن المكترى لا يستوفى المنافع من ملك واحد منهما . قلنا إنما ~~يستوفيها من ملك نفسه ؛ لأن المكرى كان يملك الرقبة وما يحدث لها من ~~المنافع ، فلما عقد على منافعها مدة ما زال ملكه عنها إلى المكترى فإذا مات ~~قبل انقضاء المدة لم ينتقل إلى الوارث عنه ملك المنافع ؛ لأنها ليست فى ~~ملكه ، وإنها انتقلت إليهم العين دون المنافع ، فالمكترى إذا استوفى ~~المنافع فإنه لا يستوفى شيئا ملكه الوارث ، بل يستوفى ملك نفسه ، وأيضا فإن ~~مذهب أبى حنيفة أن الرجل إذا وقف دارا أو ضيعة على غيره ، وجعل إليه النظر ~~فى ذلك ، فأكرى الموقف على يديه ذلك عن غيره ثم مات ، فالإجارة لا تنفسخ ~~كما نقول نحن . PageV06P414 * * * بسم الله الرحمن الرحيم # | 33 - كتاب الحواله والكفالة وهل يرجع فى الحوالة # وقال الحسن وقتادة : إذا كان يوم أحال عليه مليا جاز . وقال ابن عباس : ~~يتخارج الشريكان وأهل الميراث ، فيأخذ هذا عينا وهذا دينا ، فإن توى ~~لأحدهما ، لم يرجع على صاحبه . / 1 - فيه : أبو هريرة ، قال : قال النبى ، ~~عليه السلام : ( مطل الغنى ظلم ، وإذا أتبع أحدكم على ملى فليتبع ) . قال ~~أبو عبد الله بن أبى صفرة : الحوالة لا تكون إلا بعد حلول أجل الدين ؛ ~~لقوله عليه السلام : ( مطل الغنى ظلم ) لأن المطل لا يكون إلا ms2106 بعد حلول ~~الأجل . وقوله : ( إذا أتبع أحدكم على ملى فليتبع ) معناه الحوالة ، يقول : ~~إذا أحيل أحدكم على ملى فليستحل . قال الخطابى : وأكثر المحدثين يقولون : ~~إذا اتبع بتثقيل التاء ، والصواب أتبع بالتخفيف . وقال ابن المنذر : هذا ~~الخبر يدل على معان منها : أن من الظلم دفع الغنى صاحب المال عن ماله ~~بالمواعيد ، ومن لا يقدر على القضاء غير داخل فى هذا المعنى ؛ لأن الله - ~~تعالى - قد أنظره بقوله : { وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة } . ~~PageV06P415 وفيه ما دل على تحصين الأموال ، وذلك أمره باتباع الملى دون ~~المعسر ؛ لأنه حض بقوله : ( ومن أتبع على ملى فليتبع ) فدل أن من أتبع على ~~غير ملى فلا يتبع . قال غيره : وهذا معناه عند العلماء : إرشاد وندب وليس ~~بواجب ، ويجوز عندهم لصاحب الدين إذا رضى بذمة غريمه ، وطابت نفسه على ~~الصبر عليه ألا يستحيل عليه ، وإذا علم غنى جاز له ألا يستحلى عليه إذا كان ~~سيئ القضاء ، وأوجب أهل الظاهر أن يستحيل على الملى فرضا . والحوالة عند ~~الفقهاء رخصة من بيع الدين بالدين ؛ لأنها معروف ، كما كانت العرية متثناة ~~من المزابنة ؛ لأنها معروف وكما جاز قرض الدراهم بالدراهم إلى أجل ؛ لأن ~~ذلك معروف . واختلف الفقهاء فى الرجل يحتال المال على ملى من الناس ، ثم ~~يفلس المحال عليه أو يموت ، فقالت طائفة : يرجع على المحيل بماله . هذا قول ~~شريح والشعبى والنخعى ، وبه قال أبو يوسف ومحمد ، وقال أبو حنيفة : يرجع ~~عليه إذا مات المحال عليه مفلسا . وقال الحكم : لا يرجع مادام حيا حتى يموت ~~ولا يترك شيئا ، فإن الرجل يوسر مرة ويعسر مرة . وقالت طائفة : لا يرجع على ~~المحيل بالمال أفلس المحال عليه أو مات ، وسواء غره بالفلس أو طول عليه أو ~~أنكره ؛ لأنه فى معنى من قبض العوض ، هذا قول الليث والشافعى وأحمد وأبى ~~عبيد وأبى ثور ، وقال مالك : لا يرجع على الذى أحاله إلا أن يغره من فلس ~~علمه . واحتج الشافعى فقال : قول الرجل : أحلته وأبرأنى ، أى : حولت حقه ~~عنى وأثبته على غيرى ، فلا PageV06P416 يرجع فيه ms2107 ، ودل قوله عليه السلام : ~~( من أتبع على ملى فليتبع ) على تحول المال عن المحيل إلى المحال عليه ، ~~ولو لم يكن كذلك ما ضره لو أحيل على معدوم . والحجة لمالك أن الحوالة تحول ~~من دين إلى دين ، وبيع دين بدين ، باع صاحب الحق دينه الذى له على زيد ~~بالدين الذى لعمرو عليه فى ذمته ، فليس له أن يرجع متى مات أو أفلس ، لأن ~~حقه قد وجب على المحال عليه ، وفى ذمته دون ذمة المحيل ، وكأنه باع سلعة له ~~بسلعة ، وهذا يوجب براءة كل واحد منهما من صاحبه ، وذلك مخالف للمحالة ، ~~لأن الحمالة وثيقة من حقه ، وليس بيع شئ ، فأما إذا غره المحيل بفلس فإنه ~~يرجع على من غره ، لأن ذلك عيب لم يرض به صاحب الحق ، كما يرجع المشترى على ~~البائع بإرش العيب إذا دلس به ، أو يرد السلعة إن كانت قائمة ، ألا ترى ~~قوله عليه السلام : ( وإذا أتبع أحدكم على ملى فليتبع ) فحكم أن الاتباع ~~بشرط الملاء ، فدل أنه إذا أحيل على غير ملى أنه لا يتبع ، وإذا لم يتبعه ~~وجبت له المطالبة بدينه ، ويقال للكوفيين : إن الحوالة بيع دراهم فى ذمة ~~المحيل بدراهم فى ذمة المحال عليه ، وبيع الدراهم بالدراهم صرف ، والصرف ~~يبطل بترك القبض ، فعلم أن الحوالة فى معنى القبض والاستيفاء ، ولولا ذلك ~~لم تصح الحوالة . فإن قالوا : إن إفلاس الغريم يجرى مجرى العيب ، فيجب أن ~~يكون له الرد بالعيب والرجوع ، إلى الحق قيل : هو عيب حدث بعد البيع ، ~~فسقطت المطالبة به ، والعيب الذى يجب به الرجوع إلى الحق هو العيب المتقدم ~~قبل سقوط المطالبة ، والفرق بين الحوالة والحمالة عند مالك ، أن الحمالة ~~والكفالة لفظان معناهما الضمان ، وهما PageV06P417 وثيقة لصاحب الدين ~~بمنزلة الرهن هو وثيقة للمرتهن ، وليس هو بانتقال من دين إلى دين ، ولا من ~~ذمة إلى ذمة ، فمتى تلف الحميل رجع إلى المتحمل عنه ، كما إذا تلف الرهن ~~فللمرتهن أخذ حقه من الراهن . * * * # | 2 - باب إن أحال دين الميت على رجل جاز إذا أحال على ملى فليس ms2108 له رده # / 2 - فيه : سلمة بن الأكوع ، كنا جلوسا عند النبى - صلى الله عليه وسلم ~~- ، إذ أتى بجنازة ، فقالوا : صل عليها ، فقال : ( هل عليه دين ؟ ) ، قالوا ~~: لا ، قال : ( فهل ترك شيئا ؟ ) ، قالوا : لا ، فصلى عليه ، ثم أتى بجنازة ~~أخرى ، فقالوا : يا رسول الله ، صل عليها ، قال : ( هل عليه دين ؟ ) ، قيل ~~: نعم ، قال : ( فهل ترك شيئا ؟ ) ، قالوا : ثلاثة دنانير ، فصلى عليها ، ~~ثم أتى بالثالثة ، فقالوا : صل عليها ، قال : ( هل ترك شيئا ؟ ) ، قالوا : ~~لا ، قال : ( فهل عليه دين ؟ ) ، قالوا : ثلاثة دنانير ، قال : ( صلوا على ~~صاحبكم ) ، قال أبو قتادة : صل عليه يا رسول الله وعلى دينه ، فصلى عليه . ~~وإنما ترجم إن أحال دين الميت على رجل ، ثم أدخل حديث الضمان ، لأن الحوالة ~~والحمالة عند بعض العلماء معناهما متقارب وهو قول ابن أبى ليلى وإليه ذهب ~~أبو ثور ، فلهذا جاز PageV06P418 أن يعبر عن الضمان بأحال ، لأنه كله نقل ~~ذمة رجل إلى ذمة آخر ، ونقل ما على رجل من دين إلى آخر ، والحمالة فى حديث ~~أبى قتادة براءة لذمة الميت ، فصار كالحوالة سواء . وقد اختلفوا فى الرجل ~~يضمن دينا معلوما عن ميت بعد موته ، ولم يترك وفاء ، فقالت طائفة : الضمان ~~له لازم ترك الميت شيئا أم لا . هذا قول ابن أبى ليلى ، وبه قال مالك ~~والشافعى . وقال أبو حنيفة : لا ضمان على الكفيل ؛ لأن الدين قد توى ، فإن ~~ترك شيئا ضمن الكفيل بقدر ما ترك ، فإن ترك وفاء فهو ضامن لجميع ما تكفل به ~~. قال ابن المنذر : فخالف أبو حنيفة هذا الحديث ، وفى امتناع رسول الله أن ~~يصلى عليه قبل ضمان أبى قتادة ، وصلاته عليه بعد ضمان البيان البين عن صحة ~~ضمان أبى قتادة ، وأن من ضمن عن ميت دينا فهو له لازم ترك الميت شيئا أو لم ~~يترك ؛ لأنهم قالوا له : ما ترك وفاء . وفى حديث أبى قتادة حجة على أبى ~~حنيفة فى قوله أنه لا تصح الكفالة بغير قبول الطالب ، و خالفه أبو يوسف ~~وقال : الكفالة جائزة كان له مخاطب أو لم يكن ms2109 . وقال ابن القاسم : لا حفظ ~~عن مالك فيه شيئا ، وأراه لازما ، وأجازه الشافعى إذا عرف مقدار ما تكفل به ~~. وقال الطحاوى : قد أجاز النبى - عليه السلام - ضمان أبى قتادة عن الميت ~~من غير قبول المضمون له ، فدل على صحة قول أبى يوسف . PageV06P419 واختلفوا ~~إذا تكفل عن رجل بمال ، هل للطالب أن يأخذ من أيهما شاء منهما ، فقال ~~الثورى والكوفيون والأوزاعى والشافعى وأحمد وإسحاق : يأخذ أيهما شاء من ~~المطلوب أو من الكفيل حتى يستوفى حقه . وهذا كان قول مالك ثم رجع عنه وقال ~~: لا يأخذ الكفيل إلا أن يفلس الغريم أو يغيب . وقالت طائفة : الكفالة ~~والحوالة والضمان سواء ، ولا يجوز أن يكون شىء واحد على اثنين ، على كل ~~واحد منهما . هذا قول أبى ثور ، وقال ابن أبى ليلى : إذا ضمن الرحل عن ~~صاحبه مالا تحول على الكفيل ، وبرئ صاحب الأصل إلا أن يشترط المكفول له ~~عليهما أن يأخذ أيهما شاء ، واحتج ببراءة الميت من الدين بضمان أبى قتادة ، ~~ولذلك صلى النبى عليه ، وقال الأبهرى : وحجة مالك أن يأخذ الذى عليه الحق ، ~~فإن وفى بالدين وإلا أخذ ما نقصه من مال الحميل ؛ فلأن الذى عليه الحق قد ~~أخذ عوض ما يؤخذ منه ، ولم يأخذ الحميل عوض ما يؤخذ منه ، وإنما دخل على ~~وجه المكرمة والثواب ، فكان التبدئة بالذى عليه الحق أولى إلا أن يكون الذى ~~عليه الحق غائبا أو معدما ، فإنه يؤخذ من الحميل ؛ لأنه معذور فى أخذه فى ~~هذه الحال . وهذا قول حسن ، والقياس أن للرجل مطالبة أى الرجلين شاء ، وحجة ~~هذا القول ما رواه شريك عن عبد الله بن محمد بن عقيل عن جابر ( أن رجلا مات ~~وعليه دين ، فلم يصل عليه النبى حتى قال أبو اليسر أو غيره : هو على ، فصلى ~~عليه ، فجاءه من الغد يتقاضاه ، فقال : إنما كان ذلك أمس ، ثم أتاه من بعد ~~الغد فأعطاه ، فقال عليه السلام : الآن بردت عليه جلدته ) . قال ~~PageV06P420 الطحاوى : فدل هذا على أن المطلوب لا يبرأ بكفالة الكفيل عنه ، ~~وأن للطالب أن ms2110 يأخذ به بعد الكفالة أيهما شاء . قال الأبهرى : ولما كان ~~الضامن يلزمه إذا ضمن كما يلزم المديان أداء ما عليه ، كان صاحب الحق مخيرا ~~أن يأخذ ممن شاء منهما . وقال المهلب : ترك النبى الصلاة على المديان ، ~~إنما هو أدب للأحياء ؛ لئلا يستأكلوا أموال الناس فتذهب ، وهذا كان فى أول ~~الإسلام قبل أن يفتح الله عليه المال ، فلما فتح عليه الفىء جعل منه نصيبا ~~لقضاء دين المسلم ، وهذه عقوبة فى أمور الدين أصلها المال ، فلما جاز أن ~~يعاقب فى طريق دينه على سبب المال ، جاز أن يعاقب فى المال على سبب الدين ، ~~كما توعد النبى من لم يخرج إلى المسجد أن يحرق بيته ، وسيأتى الحديث الذى ~~نسخه فى آخر باب من تكفل عن ميت دينا ، والتنبيه عليه - إن شاء الله . * * ~~* # | 3 - باب الكفالة فى القرض والديون بالأبدان وغيرها # وبعث عمر حمزة بن عمرو مصدقا ، فوقع رجل على جارية امرأته ، فأخذ حمزة من ~~الرجل كفيلا حتى قدم على عمر ، وكان عمر قد جلده مائة جلدة ، فصدقهم وعذرهم ~~بالجهالة . وقال جرير والأشعث لعبدالله بن مسعود فى المرتدين : استتبهم ~~وكفلهم ، فتابوا وكفلهم عشائرهم . وقال حماد : إذا تكفل بنفس فمات ، فلا ~~شىء عليه . وقال الحكم : يضمن . / 3 - فيه : أبو هريرة ، عن النبى ، عليه ~~السلام ، أنه ذكر رجلا من بنى إسرائيل ، سأل بعض بنى إسرائيل أن يسلفه ألف ~~دينار ، فقال : ائتنى PageV06P421 بالشهداء أشهدهم ، قال : كفى بالله شهيدا ~~، فقال : فأتنى بالكفيل ، قال : كفى بالله كفيلا ، قال : صدقت ، فدفعها ~~إليه إلى أجل مسمى ، فخرج فى البحر فقضى حاجته ، ثم التمس مركبا يركبها ~~يقدم عليه للأجل الذى أجله ، فلم يجد ، فأخذ خشبة فنقرها ، فأدخل فيها ~~الألف دينار وصحيفة منه إليه ، ثم أتى بها إلى البحر ، وقال : اللهم إنك ~~تعلم أنى تسلفت منه ، وسألنى شهيدا وكفيلا ، فرضى بك . . . وذكر الحديث . ~~قال المهلب : الكفالة فى القرض الذى هو السلف بالأموال كلها جائزة ، وحديث ~~الخشبة أصل فى الكفالة بالديون من قرض كانت أو بيع ، والكفالة بالأبدان ~~والحدود غير صحيحة ، و يستحق المدعى ms2111 علته الحد حتى ينظر فى أمره ، إلا أن ~~جمهور الفقهاء قد أجازوا الكفالة بالنفس ، وهذا قول مالك والليث والثورى ~~والأوزاعى وأبو حنيفة و أحمد واختلف عن الشافعى ، فمرة أجازها ومرة ضعفها . ~~؟ وقالت طائفة : لا تجوز الكفالة بالنفس ، ولم يختلف الذين أجازوها فى ~~النفس أن المطلوب إن غاب أو مات لم يقم على الكفيل به حد ، ولا لزمه قصاص ، ~~فصارت الكفالة بالنفس عندهم غير موجبة لحكم فى البدن . وشذ أبو يوسف ومحمد ~~، فأجازا الكفالة فى الحدود والقصاص ، وقالا : إذا قال المقذوف أو المدعى ~~للقصاص : بينتى حاضرة ، كفلته ثلاث أيام . واحتج لهما الطحاوى بما روى عن ~~حمزة PageV06P422 بن عمرو وابن مسعود وجرير بن عبد الله والأشعث أنهم حكموا ~~بالكفالة بالنفس بمحضر الصحابة حتى كتب إلى عمر فى ذلك ، ولا حجة فيه ؛ لأن ~~ذلك إنما كان على سبيل الترهيب على المطلوب والاستيثاق ، لا أن ذلك لازم ~~لمن تكفل إذا زال المتكفل به ؛ لأنه يؤدى ما ضمن فى ذمته عمن تكفل عنه ، ~~وإنما تصح الكفالة فى الأموال ؛ لأنه يؤدى ما ضمن فى ذمته عمن تكفل عنه ، ~~وأصل الكفالة فى المال قوله تعالى : { ولمن جاء به حمل بعير وأنا به زعيم } ~~أى : كفيل وضامن . واختلف الفقهاء فى من تكفل بالنفس أو بالوجه ، هل يلزمه ~~ضمان المال ، فقال الكوفيون : من تكفل بنفس رجل لم يلزمه الحق الذى على ~~المطلوب . وهذا أحد قولى الشافعى ، وقال مالك والليث والأوزاعى : إذا تكفل ~~بنفسه وعليه مال ، فإنه إن لم يأت به غرم المال ، ويرجع به على المطلوب ، ~~فإن اشترط ضمان نفسه أو وجهه وقال : لا أضمن المال ؛ فلا شىء عليه من المال ~~. قال : والحجة لمن أوجب غرم المال أن الكفيل قد علم أن المضمون وجهه لا ~~يطلب بدم وإنما يطلب بمال ، فإذا ضمنه له ولم يأت به ، فكأنه قد فوت عليه ~~وغره منه ؛ فلذلك لزمه المال . واحتج الطحاوى للكوفيين فقال : أما ضمان ~~المال بموت المكفول به ، فلا معنى له إذا لم يشترط ؛ لأنه إنما تكفل بالنفس ~~وقد فاتت ، ولا قيمة ms2112 لها يرجع إليها بعد عدمه ، وأيضا فإنه تكفل بالنفس ولم ~~يتكفل بالمال ، فمحال أن يلزمه ما لم يتكفل به . قال المهلب : وفى حديث ~~الخشبة أن من صح منه التوكل على الله فإن الله - عز وجل - ملى بنصره وعونه ~~، قال الله - تعالى - : { ومن يتوكل على الله فهو حسبه } فالذى نقر الخشبة ~~توكل PageV06P423 على الله ووثق به فى تبليغها وحفظها ، والذى سلفه وطلب ~~الكفيل صح منه أيضا التوكيل على ؛ لأنه قنع بالله كفيلا وحميلا ، فوصل إليه ~~ماله ، وسيأتى حكم أخذ الرجل الخشبة حطبا لأهله فى كتاب اللقطة - إن شاء ~~الله تعالى . * * * # | 4 - باب قول الله تعالى : { والذين عاقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم } [ ~~النساء : 33 ] # / 4 - فيه : ابن عباس ، { ولكل جعلنا موالى } ، قال : ورثة { والذين ~~عاقدت أيمانكم } ، قال : كان المهاجرون لما قدموا المدينة يرث المهاجر ~~الأنصارى دون ذوى رحمه ، للأخوة التى آخى بينهم النبى - صلى الله عليه وسلم ~~- ، فلما نزلت : { ولكل جعلنا موالى } نسخت ، ثم قال : { والذين عاقدت ~~أيمانكم } ، إلا النصر والرفادة والنصيحة ، وقد ذهب الميراث ويوصى له . / 5 ~~- فيه : أنس ، قدم علينا ابن عوف ، فآخى النبى ، عليه السلام ، بينه وبين ~~سعد بن الربيع . / 6 - وفيه : فقيل له : أبلغك أن النبى ، عليه السلام ، ~~قال : ( لا حلف فى الإسلام ) ، قال : قد حالف النبى - صلى الله عليه وسلم - ~~بين قريش والأنصار فى دارى . قال الطبرى : قد روى عن النبى - عليه السلام - ~~أنه قال : ( لا حلف فى الإسلام ، وما كان من حلف الجاهلية فلن يزيده ~~الإسلام إلا شدة ) فإن قيل : يعارض قول أنس : ( حالف PageV06P424 رسول الله ~~بين قريش والأنصار فى دارى بالمدينة ) . قيل : كان هذا فى أول الإسلام ، ~~كان عليه السلام آخى بين المهاجرين والأنصار ، فكانوا يتوارثون بذلك العقد ~~، وعاقد أبو بكر مولى له فورثه ، وكانت الجاهلية تفعل ذلك فى جاهليتها ، ~~فنسخ الله ذلك بقوله : { وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض فى كتاب الله } ورد ~~المواريث إلى القرابات بالأرحام والحرمة بقوله : { يوصيكم الله فى أولادكم ~~للذكر مثل حظ الأنثيين } وأما الذى قال فيه عليه السلام : ( ما كان من ms2113 حلف ~~فى الجاهلية فلن يزيده الإسلام إلا شدة ) ، فهو ما لم ينسخه الإسلام ، ولم ~~يبطله حكم القرآن ، وهو التعاون على الحق والنصرة على الأخذ على يد الظالم ~~الباغى ، وهو معنى قول ابن عباس : إلا النصر والرفادة ، أنها مستثناة مما ~~ذكر نسخه من مواريث المعاقدين . * * * # | 5 - باب من تكفل عن ميت دينا فليس له أن يرجع وبه قال الحسن # . / 7 - فيه : سلمة بن الأكوع ، أن النبى - صلى الله عليه وسلم - أتى ~~بجنازة ليصلى عليها ، فقال : ( هل عليه من دين ؟ ) ، قالوا : نعم ، قال : ( ~~صلوا على صاحبكم ) ، قال أبو قتادة : على دينه يا رسول الله ، فصلى عليه . ~~/ 8 - وفيه : جابر ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( لو قد ~~جاء مال البحرين قد أعطيتك هكذا وهكذا ) ، فلم يجئ مال البحرين حتى قبض ~~النبى ، عليه السلام ، فلما PageV06P425 جاء مال البحرين أمر أبو بكر ، ~~فنادى : من كان له عند النبى ، عليه السلام ، عدة أو دين فليأتنا ، فأتيته ~~فقلت : إن النبى ، عليه السلام ، قال لى كذا ، فحثى لى حثية فعددتها ، فإذا ~~هى خمسمائة ، وقال : خذ مثليها . / 9 - وفيه : أبو هريرة ، أن النبى - صلى ~~الله عليه وسلم - كان يؤتى بالرجل المتوفى عليه الدين ، فيسأل : ( هل ترك ~~لدينه وفاء ؟ ) ، فإن حدث أنه ترك لدينه وفاء ، صلى عليه ، فلما فتح الله ~~عليه الفتوح ، قال : ( أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم ، فمن توفى من ~~المؤمنين فترك دينا فعلى قضاؤه ، ومن ترك مالا فلورثته ) . اختلف العلماء ~~فيمن تكفل عن ميت بدين ، فقال ابن أبى ليلى وأبو يوسف ومحمد والشافعى : ~~الكفالة جائزة عنه وإن لم يترك الميت شيئا ، ولا يرجع به فى مال الميت إن ~~ثاب للميت مالك ، و كذلك إن كان للميت مال وضمن عنه لم يرجع فى قولهم ؛ ~~لأنه متطوع . قال مالك : إذا تكفل عن ميت فله أن يرجع فى ماله ، كذلك إن ~~قال : إنما أديت لأرجع فى ماله . وإن لم يكن للميت مال وعلم الضامن بذلك ~~فلا رجوع له إن بان للميت مال . قال ابن القاسم : لأنه بمعنى الهبة ms2114 . وشذ ~~أبو حنيفة وخالف الحديث وقال : إذا لم يترك الميت شيئا فلا تجوز الكفالة ، ~~وإن ترك شيئا جازت الكفالة بقدر ما ترك . وقال الطحاوى : هذا خلاف لحديث ~~النبى ؛ لأنه عليه السلام قد أجاز الضمان عن الميت الذى لم يترك شيئا ، ~~واحتج من قال أنه لا رجوع له على الميت وإن كان للميت مال ، أنه لو كان له ~~رجوع لقام الكفيل مقام الطالب ، فلم يكن النبى - عليه السلام - ليصلى عليه ~~PageV06P426 حين ضمن دينه أبو قتادة ، وحجة مالك أن أبا قتادة علم أنه لا ~~وفاء للميت حين ضمن دينه ، ولو علم أن له مالا وتكفل بدينه على أن يرجع به ~~فى ماله ، لم يمنعه من ذلك كتاب ولا سنة ، بل هو الذى بينه عليه السلام ~~بقوله : ( لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفس منه ) ، وكذلك اختلافهم إذا ~~تكفل عن حى بغير أمره ، فقال الكوفيون والشافعى : لا يرجع به عليه إذا أداه ~~؛ لأنه متطوع . وروى ابن القاسم عن مالك أن له الرجوع بذلك على المطلوب . ~~وحجة مالك أن كل من فعل عن غير فعلا كان واجبا على الغير أن يفعله ، فإنه ~~واجب عليه الخروج مما لزمنه عنه قياسا على الإمام يستأجر على السفيه ~~والممتنع من أداء الحق . وقال المهلب : وأما تحمل أبى بكر لعدات النبى - ~~عليه السلام - وديونه ، فذلك لأن الوعد منه عليه السلام يلزم فيه الإنجاز ، ~~لأنه من مكارم الأخلاق ، وقد وصفه الله بأنه على خلق عظيم ، وأثنى على ~~إسماعيل بأنه كان صادق الوعد ، وإنما صدق أبو بكر من ادعى أن له قبل النبى ~~عدة أو دينا ؛ لقوله عليه السلام : ( ليس كذب على ككذب على غيرى ، من كذب ~~على متعمدا فليتبوأ مقعده من النار ) فهو وعيد ، ولا نظن بأن يقدم عليه من ~~شهد الله لهم فى كتابه أنهم خير أمة أخرجت للناس . وحديث أبى هريرة فيه : ~~تكفل النبى - عليه السلام - بديون من مات من أمته معدما ، وتحمل كل دينهم ~~وضياع عيالهم ، وقد جاء هذا الحديث بهذا اللفظ : ( ومن ترك كلا ms2115 أو ضياعا ~~فعلى ) قال : وهذا الحديث ناسخ لتركه عليه السلام الصلاة على من مات وعليه ~~دين . PageV06P427 وقوله : ( فعلى قضاؤه ) يعنى مما يفىء الله عليه من ~~المغانم والصدقات التى أمر الله بقسمها على الغارمين والفقراء ، وجعل ~~للذرية نصيبا فى الفىء ، وقضى منه دين المسلم ، وهكذا يلزم السلطان أن ~~يفعله لمن مات وعليه دين ، فإن لم يفعله وقع القصاص منه فى الآخرة ، ولم ~~يحبس الغريم عن الجنة بدين له مثله فى بيت المال ، إلا أن يكون الدين الذى ~~عليه أكثر مما له فى بيت المال ولم تف بذلك حسناته ، ومعلوم أن حق المسلم ~~فى بيت المال وإن لم يتعين عنده مال من ماله ، يعلمه الذى أحصى كل شىء عددا ~~، ومحال أن يحبس عن الجنة من له من الحسنات عند من ظلمه ولا يقدر على ~~الانتصاف منه فى الدنيا مما يفى بدينه ، والله أعلم . * * * # | 6 - باب جوار أبى بكر فى عهد النبى - صلى الله عليه وسلم - وعقده # / 10 - فيه : عائشة ، قالت : لم أعقل أبوى قط إلا وهما يدينان الدين ، ~~ولم يمر علينا يوم إلا يأتينا فيه النبى ، عليه السلام طرفى النهار بكرة ~~وعشية ، فلما ابتلى المسلمون ، خرج أبو بكر مهاجرا قبل الحبشة ، حتى إذا ~~بلغ برك الغماد لقيه ابن الدغنة ، وهو سيد القارة ، فقال : أين تريد يا أبا ~~بكر ؟ فقال أبو بكر : أخرجنى قومى ، فأنا أريد أن أسيح فى الأرض فأعبد ربى ~~، قال ابن الدغنة : إن مثلك لا يخرج ولا يخرج ، فإنك تكسب المعدوم ، وتصل ~~الرحم ، وتحمل الكل ، وتقرى الضيف ، وتعين على نوائب الحق ، وأنا لك جار ، ~~فارجع فاعبد ربك ببلادك ، فارتحل ابن الدغنة ، فرجع مع أبى بكر ، فطاف ~~PageV06P428 فى أشراف كفار قريش ، فقال لهم : إن أبا بكر لا يخرج مثله ولا ~~يخرج ، أتخرجون رجلا يكسب المعدوم ، ويصل الرحم ، ويحمل الكل ، ويقرى الضيف ~~، ويعين على نوائب الدهر ، فأنفذت قريش جوار ابن الدغنة ، وآمنوا أبا بكر ، ~~وقالوا لابن الدغنة : مر أبا بكر فليعبد ربه فى داره ، فليصل وليقرأ ما شاء ~~ولا يؤذينا بذلك ولا ms2116 يستعلن به ، فإنا قد خشينا أن يفتن أبناءنا ونساءنا ، ~~قال ذلك ابن الدغنة لأبى بكر ، فطفق أبو بكر يعبد ربه فى داره ولا يستعلن ~~بالصلاة ولا القراءة فى غير داره ، ثم بدا لأبى بكر ، فابتنى مسجدا بفناء ~~داره وبرز ، فكان يصلى فيه ويقرأ القرآن ، فيتقصف عليه نساء المشركين ~~وأبناؤهم يعجبون وينظرون إليه ، وكان أبو بكر رجلا بكاء لا يملك دمعه حين ~~يقرأ القرآن ، فأفزع ذلك أشراف قريش من المشركين ، فأرسلوا إلى ابن الدغنة ~~فقدم عليهم ، فقالوا له : إنا كنا أجرنا أبا بكر على أن يعبد ربه فى داره ، ~~وإنه جاوز ذلك فابتنى مسجدا بفناء داره وأعلن الصلاة والقراءة ، وقد خشينا ~~أن يفتن أبناءنا ونساءنا فأته ، فإن أحب أن يقتصر على أن يعبد ربه فى داره ~~فعل ، وإن أبى إلا أن يعلن ذلك ، فسله أن يرد إليك ذمتك ، فإنا كرهنا أن ~~نخفرك ولسنا مقرين لأبى بكر الاستعلان . قالت عائشة : فأتى ابن الدغنة أبا ~~بكر ، فقال : قد علمت الذى عقدت لك عليه ، فإما أن تقتصر على ذلك ، وإما أن ~~ترد إلى ذمتى ، فإنى لا أحب أن تسمع العرب أنى أخفرت فى رجل عقدت له ، قال ~~أبو بكر : إنى أرد إليك جوارك PageV06P429 وأرضى بجوار الله ورسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - يومئذ بمكة ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~: ( قد أريت دار هجرتكم ، [ رأيت سبخة ذات نخل بين لابتين ) ، وهما الحرتان ~~] ، فهاجر من هاجر قبل المدينة ، ورجع إلى المدينة بعض من كان هاجر إلى أرض ~~الحبشة ، وتجهز أبو بكر مهاجرا ، فقال النبى ، عليه السلام : ( على رسلك ، ~~فإنى أرجو أن يؤذن لى ) ، فحبس أبو بكر نفسه على النبى عليه السلام ؛ ~~ليصحبه ، وعلف راحلتين كانتا عنده أربعة أشهر . قال المهلب : هذا الجوار ~~كان معروفا بين العرب ، وكان وجوه العرب يجيرون من لجأ إليهم واستجار بهم ، ~~وقد أجار أبو طالب النبى - عليه السلام - ولا يكون الجوار إلا من الظلم ~~والعداء ، ففى هذا من الفقه أنه إذا خشى المؤمن على نفسه من ظالم أنه مباح ~~له ms2117 وجائز أن يستجير بمن يمنعه ويحميه من الظلم ، وإن كان مجيره كافرا ، إن ~~أراد الأخذ بالرخصة ، وإن أراد الأخذ بالشدة على نفسه فله ذلك كما رد أبو ~~بكر الصديق على ابن الدغنة جواره ، ورضى بجوار الله وجوار رسوله - عليه ~~السلام - وأبو بكر يومئذ من المستضعفين ، فآثر الصبر على ما يناله من أذى ~~المشركين محتسبا على الله وواثقا به ، فوفى الله له ما وثق به فيه ، ولم ~~ينله مكروه حتى أذن الله لنبيه فى الهجرة ، فخرج أبو بكر معه ونجاهم الله - ~~تعالى - من كيد أعدائهما حتى بلغ مراده تعالى من إظهار النبوة وإعلاء الدين ~~، وكان لأبى بكر فى ذلك من الفضل والسبق فى نصرة نبيه وبذل نفسه وماله فى ~~ذلك ما لم يخف مكانه ، ولا جهل موضعه . قال أبو على : ( قط ) تجزم إذا كانت ~~بمعنى التقليل ، وتضم وتثقل إذا كانت فى معنى الزمن والحين من الدهر ، تقول ~~: لم أر هذا قط ، PageV06P430 وليس عندى إلا هذا فقط ، وأخفرت الرجل : نقضت ~~عهده ، وخفرته : منعته وحميته ، وفى كتاب الأفعال : طفق بالشىء طفوقا إذا ~~أدام فعله ليلا ونهارا ، ومنه قوله تعالى : { فطفق مسحا بالسوق والأعناق } ~~. PageV06P431 * * * بسم الله الرحمن الرحيم # | 34 - كتاب الوكالة # # | 1 - كالة الشريك فى القسمة وغيرها # وقد أشرك النبى ، عليه السلام ، عليا فى هديه ثم أمره بقسمتها . / 1 - ~~فيه : على ، أمرنى النبى ، عليه السلام ، أن أتصدق بجلال البدن التى نحرت ~~وبجلودها . / 2 - وفيه : عقبة بن عامر ، أن النبى ، عليه السلام ، أعطاه ~~غنما يقسمها على صحابته ، فبقى عتود ، فذكره للنبى ، عليه السلام ، فقال : ~~( ضح به أنت ) . وكالة الشريك جائزة كما تجوز شركة الوكيل ، وهو بمنزلة ~~الأجنبى فى أن ذلك مباح منه ، وحديث على بين فى الترجمة ، فإن قيل : ليس فى ~~حديث عقبة وكالة الشريك ، قيل : عقبة إنما وكله النبى - عليه السلام - على ~~قسمة الضحايا وهو شريك للموهوب لهم ، فتوكيله على ذلك كتوكيل شركائه الذين ~~قسم بينهم الضحايا . * * * # | 2 - باب إذا وكل المسلم حربيا فى دار الحرب أو فى دار الإسلام جاز # / 3 - فيه : عبدالرحمن ms2118 بن عوف ، كاتبت أمية بن خلف كتابا ، بأن يحفظنى فى ~~صاغيتى بمكة وأحفظه فى صاغيته بالمدينة ، PageV06P432 فلما ذكرت الرحمن ، ~~قال : لا أعرف الرحمن ، كاتبنى باسمك الذى كان فى الجاهلية ، فكاتبته عبد ~~عمرو ، فلما كان يوم بدر ، خرجت إلى جبل لأحرزه حين نام الناس ، فأبصره ~~بلال ، فخرج حتى وقف على مجلس من الأنصار ، فقال أمية بن خلف : لا نجوت إن ~~نجا أمية ، فخرج معه فريق من الأنصار فى آثارنا ، فلما خشيت أن يلحقونا ، ~~خلفت لهم ابنه لأشغلهم فقتلوه ، ثم أبوا حتى تتبعونا ، وكان رجلا ثقيلا ، ~~فلما أدركونا قلت له : ابرك ، فبرك فألقيت عليه نفسى لأمنعه ، فتخللوه ~~بالسيوف من تحتى حتى قتلوه ، وأصاب أحدهم رجلى بسيفه ، وكان عبدالرحمن بن ~~عوف يرينا ذلك الأثر فى ظهر قدمه . قال ابن المنذر : إذا وكل المسلم الحربى ~~المستأمن أو وكل الحربى المستأمن المسلم فهو جائز . قال المؤلف : ألا ترى ~~أن عبد الرحمن بن عوف وكل أمية بن خلف بأهله وحاشيته بمكة أن يحفظهم ؟ ~~وأمية مشرك ، والتزم عبد الرحمن لأمية من حفظ حاشيته بالمدينة مثل ذلك ~~مجازاة لصنعه . قال المهلب : وترك عبد الرحمن بن عوف أن يكتب إليه عبد ~~الرحمن لأن التسمية علامة ، كما فعل ذلك النبى - عليه السلام - يوم ~~الحديبية حين قال له رسول أهل مكة : لا أعرف الرحمن فكتب باسمك اللهم . فلم ~~يضره محو ذلك عليه السلام ، ولا تشاح فيه إذا ما محى من الكتاب ليس بمحو من ~~الصدور ، وإذ التشاح فى مثل هذا ربما آل إلى فساد ما أحكموه من المقاضاة . ~~| PageV06P433 وقوله : فألقيت عليه نفسى لأمنعه ، فلم يمتنع بذلك أمية بن ~~خلف من القتل ، هو منسوخ بقوله عليه السلام : ( يجير على المسلمين أدناهم ) ~~لأن حديث أم هانئ كان يوم فتح مكة . وفيه من الفقه : مجازاة المسلم الكافر ~~على البر يكون منه للمسلم والإحسان إليه ، ومفارضته على جميل فعله ، والسعى ~~له فى تخليصه من القتل وشبهه . وفيه أيضا : المجازاة على سوء الفعل بمثله ، ~~والانتقام من الظالم ، وإنما سعى بلال فى قتل أمية بن خلف ، واستصرخ ms2119 ~~الأنصار عليه وأغراهم به فى ندائه : أمية بن خلف ، لا نجوت إن نجا أمية ؛ ~~لأنه كان عذب بلالا بمكة على ترك الإسلام ، وكان يخرجه إلى الرمضاء بمكة ~~إذا حميت فيضجعه على ظهره ، ثم يأمر بالصخرة العظيمة فتوضع على صدره ، ~~ويقول : لا تزال هكذا أو تفارق دين محمد ، فيقول بلال : أحد أحد . قال عبد ~~الرحمن بن عوف : فكنت بين أمية وابنه آخذا بأيديهما ، فلما رآه بلال صرخ ~~بأعلى صوته : يا أنصار الله ، رأس الكفر أمية بن خلف ، لا نجوت إن نجا ، ~~فأحاطوا بنا و أنا أذب عنه ، فضرب رجل ابنه بالسيف فوقع ، وصاح أمية صيحة ~~ما سمعت بمثلها قط ، قلت : انج بنفسك - ولا نجاية - فو الله لا أغنى عنك ~~شيئا فهذوهما بأسيافهم حتى فرغوا منهما . ذكره ابن إسحاق وذكر فى حديث آخر ~~عن عبد الله بن أبى بكر وغيره عن عبد الرحمن بن عوف قال : PageV06P434 وكان ~~أمية بن خلف لى صديقا بمكة ، وكان اسمى عبد عمرو فتسميت حين أسلمت عبد ~~الرحمن ونحن بمكة ، فكان يلقانى بمكة ويقول : يا عبد عمرو أرغبت عن اسم ~~سماكه أبوك ؟ فأقول : نعم . فيقول : فإنى لا أعرف الرحمن ، فاجعل بينى ~~وبينك شيئا أدعوك به ، فسماه عبد الإله . فلما كان يوم بدر مررت به وهو ~~واقف به مع ابنه على بن أمية ، ومعى أدراع أسبيتها فأنا أحملها فلما رآنى ~~قال : يا عبد عمرو ، فلم أجبه . قال : يا عبد الإله ، قلت : نعم . قال : هل ~~لك فى فأنا خير لك من هذه الأدراع التى معك ، قلت : نعم . قال : فطرحت ~~الأدراع من يدى وأخذت بيده ويد ابنه ، وهو يقول : ما رأيت كاليوم قط ، ~~فرآهما بلال ، فكان حديثه ما تقدم ، فكان عبد الرحمن يقول : يرحم الله ~~بلالا ، ذهبت أدراعى وفجعنى بأسيرى . وقول بلال : أمية بن خلف ، معناه ~~عليكم أمية ابن خلف ، ونصبه على الإغراء ، ويجوز فيه الرفع على أن يكون خبر ~~ابتداء مضمر تقديره : هذا أمية بن خلف . وقال الأصمعى : صاغية الرجل : ~~الذين يميلون إليه ويأتونه . قال المؤلف : وهو مأخوذ من صغى ms2120 يصغو ويصغى ~~صغوا ، إذا مال ، ومنه قوله تعالى : { ولتصغى إليه أفئدة الذين لا يؤمنون ~~بالآخرة } وكل مائل إلى شىء أو معه فقد صغى إليه ، وأصغى من كتاب الأفعال . ~~PageV06P435 * * * # | 3 - باب الوكالة فى الصرف والميزان وقد وكل عمر وابن عمر فى الصرف # . / 4 - فيه : أبو سعيد ، وأبو هريرة ، أن النبى ، عليه السلام ، استعمل ~~رجلا على خيبر ، فجاءهم بتمر جنيب ، فقال : ( أكل تمر خيبر هكذا ) ؟ قال : ~~إنا لنأخذ الصاع بالصاعين ، والصاعين بالثلاثة ، فقال : ( لا تفعل ، بع ~~الجمع بالدراهم ، ثم ابتع بالدراهم جنيبا ) ، وقال فى الميزان مثل ذلك . ~~الترجمة صحيحة ، وبيع الطعام بالطعام يدا بيد مثل الصرف سواء ، وهو شبيهه ~~فى المعنى ، فلذلك ترجم لهذا الحديث باب الوكالة فى الصرف ، وإنما صحت ~~الوكالة فى هذا الحديث لقوله عليه السلام لعامل خيبر : ( بع الجمع بالدراهم ~~) بعد أن كان باع على غير السنة ، فلو لم يجز بيع الوكيل والناظر فى المال ~~لعرفه عليه السلام بذلك ، وأعلمه أن بيعه مردود وإن وقع على السنة ، فلما ~~لم ينه النبى - عليه السلام - إلا عن الربا الذى واقعه فى بيعه الصاع ~~بالصاعين ، دل ذلك أنه إذا باع على السنة أن بيعه جائز . وقال ابن المنذر : ~~أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم أن الوكالة فى الصرف جائزة ، ولو وكل رجل ~~رجلا يصرف له دراهم ، ووكل آخر يصرف له دنانير ، فالتقيا وتصارفا صرفا ~~جائزا ، أن ذلك جائز ، وإن لم يحضر الموكلان أو أحدهما ، وكذلك إذا وكل ~~الرجل الرجلين يصرفان دراهم ، فليس لأحدهما أن يصرف ذلك دون PageV06P436 ~~صاحبه ، فإن قام أحدهما فى المجلس الذى تصارفا فيه قبل تمام الصرف انتقض ~~الصرف ؛ لقوله عليه السلام : ( الذهب بالذهب ربا إلا هاء وهاء ) . وقال ~~أصحاب الرأى : إن قام أحدهما قبل أن يقبضا انتقضت حصة الذى ذهب ، وحصة ~~الثانى جائزة . وقال ابن المنذر : لم يجعل الموكل إلى أحدهما شيئا دون ~~الآخر ، ولهذا أصل فى كتاب الله - تعالى - قال الله تعالى : { وإن خفتم ~~شقاق بينهما فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها } ولا يجوز لأحد ms2121 من ~~الحكمين أمر إلا مع صاحبه . وقوله : ( وقال فى الميزان مثل ذلك ) يعنى : أن ~~الموزونات حكمها فى الربا حكم المكيلات ، وهذا عند أهل الحجاز فى المطعومات ~~التى يجرى فيها الكيل والوزن ، والكوفيون يجعلون علة الربا الكيل والوزن فى ~~المطعوم وغيره ؛ لقوله فى الذهب والورق : ( وزنا بوزن ) وقوله فى الطعام فى ~~حديث عبادة : ( مدى بمدى وكيل بكيل ) . * * * # | 4 - باب إذا أبصر الراعى أو الوكيل شاة تموت أو شيئا يفسد [ ذبح ] ~~وأصلح ما يخاف عليه الفساد # / 5 - فيه : كعب بن مالك ، أنه كانت له غنم ترعى بسلع ، فأبصرت جارية لنا ~~بشاة من غنمنا موتا ، فكسرت حجرا فذبحتها به ، PageV06P437 فقال لهم : لا ~~تأكلوا حتى أسأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، أو أرسل من يسأله ، ~~وأنه سأل النبى ، عليه السلام ، عن ذاك ، أو أرسل ، فأمره بأكلها . قال ~~عبيدالله : فيعجبنى أنها أمة ، وأنها ذبحت . قال المهلب : وفيه من الفقه ~~تصديق الراعى والوكيل على ما أؤتمن عليه حتى يظهر عليه دليل الخيانة والكذب ~~، وهذا قول مالك وجماعة ، وقال ابن القاسم : إذا خاف الموت على شاة فذبحها ~~لم يضمن ، ويصدق إن جاء بها مذبوحة . وقال غيره : يضمن حتى يتبين ما قال . ~~واختلف ابن القاسم وأشهب إذا أنزى على إناث بغير أمر أربابها فهلك فقال ابن ~~القاسم : لا ضمان عليه ؛ لأن الإنزاء من صلاح المال ونمائه . وقال أشهب : ~~عليه الضمان . وقول ابن القاسم أشبه بدليل هذا الحديث ؛ لأن الرسول لما ~~أجاز ذبح الأمة الراعية للشاة ، وأمرهم بأكلها ، وقد كان يجوز ألا تموت لو ~~بقيت ؛ دل على أن الراعى والوكيل يجوز له الاجتهاد فيما استرعى عليه ووكل ~~به ، وأنه لا ضمان عليه فيما أتلف باجتهاده إذا كان من أهل الصلاح ، وممن ~~يعلم إشفاقه على المال والنية فى إصلاحه ، وأما إن كان من أهل الفسوق ~~والفساد وأراد صاحب المال أن يضمنه فعل ؛ لأنه لا يصدق أنه رأى بالشاة موتا ~~؛ لما عرف من فسقه ، وإن صدقه لم يضمنه . PageV06P438 * * * # | 5 - باب وكالة الشاهد والغائب جائزة # وكتب عبدالله بن عمرو إلى قهرمانه ms2122 وهو غائب عنه ، أن يزكى عن أهله الصغير ~~والكبير . / 6 - فيه : أبو هريرة ، كان لرجل على النبى ، عليه السلام ، سن ~~من الإبل ، فجاءه يتقاضاه ، فقال : ( أعطوه ) ، فطلبوا سنه ، فلم يجدوا له ~~إلا سنا فوقها ، فقال : ( أعطوه ) ، فقال : أوفيتنى أوفى الله بك ، قال ~~عليه السلام : ( إن خياركم أحسنكم قضاء ) . هذا الحديث حجة على أبى حنيفة ~~فى قوله : لا يجوز توكيل الحاضر بالبلد الصحيح البدن إلا برضى من خصمه أو ~~عذر مرض أو سفر ثلاثة أيام ، وهذا الحديث خلاف قوله ؛ لأن النبى - عليه ~~السلام - أمر أصحابه أن يقضوا عنه السن التى كانت عليه وذلك توكيل منه لهم ~~على ذلك . ولم يكن عليه السلام غائبا ولا مريضا ولا مسافرا ، وعامة الفقهاء ~~يجيزون توكيل الحاضر الصحيح البدن وإن لم يرض خصمه بذلك على ما دل عليه هذا ~~الحديث ، وهذا قول ابن أبى ليلى ومالك و أبى يوسف ومحمد والشافعى إلا أن ~~مالكا قال : يجوز ذلك وإن لم يرض خصمه إذا لم يكن الوكيل عدوا للخصم . وقال ~~سائرهم : يجوز ذلك وإن كان الوكيل عدو للخصم . وقال الطحاوى : اتفق الصحابة ~~على جواز ذلك ، فروى أن على بن أبى طالب وكل عقيلا عند أبى بكر ، فلما أسر ~~عقيل وكل عبد الله ابن جعفر ، فخاصم عبد الله بن جعفر طلحة فى صغيرة أحدثها ~~على عند عثمان ، PageV06P439 وأقر عثمان بذلك ، فصار ذلك إجماعا ، وقال ~~النبى لعبد الرحمن بن سهل الأنصارى لما خاصم إليه فى دم أخيه عبد الله ابن ~~سهل ، الذى وجد مقتولا بخيبر بمحضر من عميه حويصة ومحيصة : ( كبر كبر - ~~يريد ولى الكلام فى ذلك الكبير منهما - فتكلم حويصة ثم محيصة ، وكان الوارث ~~عبد الله ابن سهل دونهما ، فكانا وكيلين ) ، وأما إذا وكل وكيلا غائبا على ~~طلب حقه ، فإن ذلك يفتقر إلى قبول الوكيل للوكالة عند الفقهاء ، وإذا كانت ~~الوكالة مفتقرة إلى قبول الوكيل فحكم الغائب والحاضر فيها سواء ، فإن قيل : ~~فأين القبول فى حديث أبى هريرة ؟ قيل : عملهم بأمر النبى - عليه السلام - ~~من توفية صاحب الحق حقه ms2123 ، قبول منهم لأمره عليه السلام . * * * # | 6 - باب الوكالة فى قضاء الديون # / 7 - فيه : أبو هريرة ، أن رجلا أتى النبى ، عليه السلام ، يتقاضاه ~~فأغلظ ، فهم به أصحابه ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( دعوه ، ~~فإن لصاحب الحق مقالا ) ، ثم قال : ( أعطوه سنا مثل سنه ) ، فقالوا : لانجد ~~إلا أمثل من سنه ، فقال : ( أعطوه ، فإن من خيركم أحسنكم قضاء ) . الوكالة ~~فى قضاء الديون وجميع الحقوق جائزة . قال المهلب : وفيه من الفقه أن من آذى ~~السلطان بجفاء أو استنقاص ، PageV06P440 أن حقا على أصحابه وجلسائه أن ~~يعاقبوه على ذلك ، وينكروا عليه الجفاء وإن لم يأمرهم السلطان بذلك ، وليس ~~لهم أن يتركوا مثل هذا حتى ينهاهم السلطان عنه ، كما نهى النبى - عليه ~~السلام - الذين هموا بالذى أغلظ له . و يبين هذا قصة المغيرة بن شعبة مع ~~الشاب الأنصارى الذى جفا على أبى بكر الصديق ، فكسر المغيرة أنفه ، فاستعدى ~~عليه الأنصارى ليقيده أبو بكر بن المغيرة ، فقال أبو بكر : والله لخروجهم ~~من ديارهم أقرب إليهم من ذلك أقيده من ورعه أنفه وكذلك فعل المغيرة برسول ~~أهل مكة يوم المقاضاة ، إذ كان يكلم النبى ويشير بيده نحو لحيته ، فضربه ~~المغيرة بسيفه مغمدا ، فقال : أقبض يدك عن لحية رسول الله قبل ألا ترجع ~~إليك ، فلم ينكر ذلك النبى - عليه السلام . * * * # | 7 - باب إذا وهب شيئا لوكيل أو شفيع قوم جاز ؛ لقول الرسول - صلى الله ~~عليه وسلم - لوفد هوازن حين سألوه المغانم : ( نصيبى لكم ) # / 8 - فيه : مروان بن الحكم ، والمسور بن مخرمة ، أخبراه أن النبى ، عليه ~~السلام ، قام حين جاءه وفد هوازن مسلمين ، فسألوه أن يرد إليهم أموالهم ~~وسبيهم ، فقال لهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( أحب الحديث إلى ~~أصدقه ، فاختاروا إحدى الطائفتين ، إما السبى ، وإما المال ، وقد كنت ~~استأنيت بهم ) ، وقد كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - انتظرهم بضع ~~عشرة ليلة حين PageV06P441 قفل من الطائف ، فلما تبين لهم أن رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - غير راد إليهم إلا إحدى الطائفتين ، قالوا : فإنا ~~نختار سبينا ، فقام ms2124 رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فى المسلمين ، فأثنى ~~على الله بما هو أهله ، ثم قال : ( أما بعد ، فإن إخوانكم هؤلاء قد جاءونا ~~تائبين ، وإنى قد رأيت أن أرد إليهم سبيهم ، فمن أحب منكم أن يطيب بذلك ~~فليفعل ، ومن أحب منكم أن يكون على حظه حتى نعطيه إياه من أول ما يفىء الله ~~علينا فليفعل ) ، فقال الناس : قد طيبنا ذلك يا رسول الله لهم ، فقال رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - : ( إنا لا ندرى من أذن منكم فى ذلك ممن لم ~~يأذن ، فارجعوا حتى يرفع إلينا عرفاؤكم أمركم ) ، فرجع الناس فكلمهم ~~عرفاؤهم ، ثم رجعوا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فأخبروه أنهم ~~قد طيبوا وأذنوا . قال : إذا كان الوكيل أو الشفيع طلب لنفسه ولغيره فشفع ~~فيما طلب كان حكمهم كحكمه فى الشىء الذى سأل لنفسه ولهم ، وأما إن وهب لقوم ~~وقبض لهم وكيلهم تلك الهبة جازت ، ولم يدخل الوكيل فى الهبة , والوفد رسل ~~هوازن هم الوكلاء والشفعاء فى رد أموالهم إلى جماعتهم ، فشفعهم النبى وقال ~~لهم : ( ونصيبى لكم ) يعنى : من المال ومن العيال ، ثم أخذ أنصباء الناس من ~~العيال خاصة ، وأبقى لهم المال لحاجتهم إليه . قال أبو عبد الله : فيه من ~~الفقه أن بيع المكره فى الحق جائز ، لأن النبى - عليه السلام - حكم برد ~~السبى ، ثم قال : ( من أحب أن يكون على حظه حتى نعطيه إياه من أول ما يفئ ~~الله علينا ) ، ولم يجعل PageV06P442 لهم الخيار فى إمساك السبى أصلا ، ~~وإنما خيرهم فى أن يعوضهم من مغانم أخر ، ولم يخيرهم فى أعيان السبى ، لأنه ~~قال لهم هذا بعد أن رد إليهم أهليهم ، وإنما خيرهم فى إحدى الطائفتين لئلا ~~يجحف بالمسلمين فى مغانمهم فيخليهم منه كله ، ويخيبهم مما غنموه وتعبوا فيه ~~. قال المهلب : وفى رفع النبى - عليه السلام - إملاك الناس عن الرقيق ، ولم ~~يجعل إلى تملك أعيانهم سبيلا دليل على أن للإمام أن يستعين على مصالح ~~المسلمين بأخذ بعض ما فى أيدى الناس ما لم يجحف بهم ، ويعد من لم ms2125 تطب نفسه ~~مما يأخذ منه بالعوض ، ألا ترى قوله : ( من أحب أن يطيب بذلك ) ، فأراد ~~عليه السلام أن يطيب نفوس المسلمين لأهل هوازن بما أخذ منهم من العيال ، ~~ليرفع الشحناء والعداوة ، ولا تبقى إحنة الغلبة لهم فى انتزاع السبى منهم ~~فى قلوبهم ، فيولد ذلك اختلاف الكلمة . وفيه أنه يجوز للإمام إذا جاءه أهل ~~الحرب مسلمين بعد أن غنم أهليهم وأموالهم أن يرد إليهم عيالهم إذا رأى ذلك ~~صوابا كما فعل النبى - عليه السلام - لأن العيال ألذق بنفوس الرجال من ~~المال ، والعار عليهم فيهم أشد . وقوله عليه السلام : ( إنا لا ندرى من أذن ~~منكم فى ذلك ممن لم يأذن ، فارجعوا حتى يرفع إلينا عرفاؤكم أمركم ) إنما ~~هذا تقص من النبى فى استطابة نفوس الناس رجلا رجلا ، وليعرف الحاضر منهم ~~الغائب . PageV06P443 * * * # | 8 - باب إذا وكل رجلا أن يعطى شيئا ولم يبين كم يعطى فأعطى على ما ~~يتعارفه الناس # / 9 - فيه : جابر ، كنت مع النبى ، عليه السلام ، فى سفر ، فكنت على جمل ~~ثقال ، إنما هو فى آخر القوم ، فمر بى النبى - صلى الله عليه وسلم - ، فقال ~~: ( من هذا ؟ ) فقلت : جابر بن عبدالله ، قال : ( ما لك ؟ ) قلت : إنى على ~~جمل ثقال ، قال : ( أمعك قضيب ؟ ) قلت : نعم ، قال : ( أعطنيه ) ، فأعطيته ~~، فضربه فزجره ، فكان من ذلك من أول القوم ، قال : ( بعنيه ) ، فقلت : بل ، ~~هو لك يا رسول الله ، قال : ( بل بعنيه ، قد أخذته بأربعة دنانير ، ولك ~~ظهره إلى المدينة ) ، فلما دنونا من المدينة أخذت أرتحل ، قال : ( أين تريد ~~؟ ) قلت : تزوجت امرأة . . . . . . . الحديث . فلما قدمت المدينة قال : ( ~~يا بلال ، اقضه وزده ) ، فأعطاه أربعة دنانير ، وزاده قيراطا ، قال جابر : ~~لا تفارقنى زيادة النبى ، عليه السلام ، فلم يفارق القيراط جراب جابر . ~~المأمور بالصدقة إذا أعطى ما يتعارف الناس ويصلح للمعطى ، ولا يخرج عن حال ~~المعطى جاز ونفذ ، فإن أعطى أكثر مما يتعارف الناس ، تعلق ذلك برضا صاحب ~~المال ، فإن أجاز ذلك جاز ، وإلا رجع عليه بمقدار ذلك ، والدليل على ذلك ~~أنه لو أمره أن يعطيه قفيزا فأعطاه قفيزين ضمن ms2126 الزيادة بإجماع ، فدل أن ~~المتعارف يقوم مقام الشىء المعين . قال المهلب : وهذا الحديث يبين أن من ~~روى الاشتراط فى حديث جابر أن معناه : أن النبى - عليه السلام - شرط له ذلك ~~شرط تفضل ، PageV06P444 لأن القصة كلها جرت من النبى - عليه السلام - على ~~جهة التفضل والرفق بجابر ، لأنه وهبه الجمل بعد أن أعطاه ثمنه وزاده . ~~وجابر أيضا قال للنبى حين سأله بيعه : ( هو لك يا رسول الله ) يعنى : بلا ~~ثمن ، وسيأتى إيضاح هذا المعنى و مذاهب العلماء فى ذلك فى كتاب الشروط بعد ~~هذا إن شاء الله . وفيه بركة النبى عليه السلام . قال ثعلب : يقال بعير ~~ثقال بفتح الثاء ، أى : بطئ ، والثقال بكسر الثاء : جلد أو كساء يوضع تحت ~~الرحى يقع عليه الدقيق . * * * # | 9 - باب وكالة المرأة الإمام فى النكاح # / 10 - فيه : سهل ، جاءت امرأة إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، ~~فقالت : يا رسول الله ، إنى قد وهبت لك من نفسى ، فقال رجل : زوجنيها ، قال ~~: ( قد زوجناكها بما معك من القرآن ) . وجه استنباط الوكالة من هذا الحديث ~~: هو أن الرسول لما قالت له المرأة : ( قد وهبت نفسى لك ) كان ذلك كالوكالة ~~له على تزويجها من نفسه ، أو ممن رأى النبى تزويجها منه ، فكان كل ولى ~~للمرأة بهذه المنزلة أنه لا ينكحها حتى تأذن له فى ذلك ، إلا الأب فى ~~PageV06P445 البكر ، والسيد فى الأمة فإذا أذنت له وافتقر الولى إلى ~~إباحتها ورضاها ، كانت إباحتها ورضاها وكالة ، وليست هذه الوكالة من جنس ~~سائر الوكالات التى لا يفعل الوكيل شيئا إلا والموكل يفعل مثله ، من أجل أن ~~الرسول قد خص النكاح أنه لا يتم إلا بهذه الوكالة بقوله : ( أيما امرأة ~~نكحت بغير إذن وليها ، فنكاحها باطل ) . وجمهور العلماء على أنه لا تلى ~~المرأة عقد نكاح بحال : لا نكاح نفسها ، ولا امرأة غيرها ، هذا قول ابن أبى ~~ليلى ومالك والثورى والليث والشافعى ، قال مالك : ويفسخ النكاح وإن ولدت ~~منه . وقال الأوزاعى : إذا زوجت نفسها فحسن ألا يعرض لها الولى إلا أن تكون ~~عربية تزوجت مولى ms2127 فيفسخ . وقال أبو حنيفة وزفر : يجوز عقد المرأة على نفسها ~~، وأن تزوج نفسها كفئا . واختلفوا إذا لم يكن لها ولى فجعلت عقد نكاحها إلى ~~رجل ليس بولى ، ولم يرفع أمرها إلى السلطان ، فروى المصريون عن مالك أن ~~للسلطان أن ينظر فيه ، فيجيزة أو يرده كما كان ذلك للولى ، وقد روى عن مالك ~~فيمن تزوجت بغير ولاية من يجوز له ولايتها ، ودخل بها ، والزوج كفء فلا ~~يفسخ ، وقال سحنون : قال غير ابن القاسم : لا يجوز وإن أجازه السلطان ~~والولى ، لأنه نكاح عقد بغير ولى . وهو قول ابن الماجشون ، وحجتهم قوله ~~عليه السلام : ( أيما امرأة نكحت بغير ولى ، فنكاحها باطل ) . * * * ~~PageV06P446 # | 10 - باب إذا وكل رجل رجلا فترك الوكيل شيئا فأجازه الموكل فهو جائز ~~وإن أقرضه إلى أجل مسمى جاز # / 11 - فيه : أبو هريرة قال : وكلنى النبى ، عليه السلام ، بحفظ زكاة ~~رمضان ، فأتانى آت ، فجعل يحثو من الطعام فأخذته ، وقلت : [ والله ] ~~لأرفعنك إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، قال : إنى محتاج ولى عيال ~~، وبى حاجة شديدة ، قال : فخليت عنه ، أصبح ، النبى فقال : ( يا أبا هريرة ~~، ما فعل أسيرك البارحة ) ؟ قال : قلت : يا رسول الله ، شكا حاجة شديدة ~~وعيالا ، فرحمته فخليت سبيله ، قال : ( أما إنه قد كذبك ، وسيعود ) ، فعرفت ~~أنه سيعود لقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إنه سيعود ، فرصدته ، ~~فجاء يحثو من الطعام ، فأخذته ، فقلت : لارفعنك إلى رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - ، قال : دعنى فإنى محتاج ، وعلى عيال لا أعود ، فرحمته ، فخليت ~~سبيله ، فأصبحت ، فقال لى النبى : ( يا أبا هريرة ، ما فعل أسيرك ؟ ) قلت : ~~يا رسول الله ، شكا حاجة شديدة وعيالا ، فرحمته ، فخليت سبيله ، قال : ( ~~أما إنه قد كذبك ، وسيعود ) ، فرصدته الثالثة ، فجاء يحثو من الطعام ، ~~فأخذته ، فقلت : لارفعنك إلى رسول الله ، وهذا آخر ثلاث مرات تزعم أنك لا ~~تعود ، ثم تعود ، قال : دعنى أعلمك كلمات ينفعك الله بها ، قلت : ما هى ؟ ~~قال : إذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسى ، فإنك لن يزال عليك من الله ~~حافظ ، ولا يقربنك شيطان ms2128 حتى تصبح ، فخليت سبيله فأصبحت ، فقال لى النبى ~~عليه السلام : ( ما فعل أسيرك ) ؟ قلت : زعم أنه يعلمنى كلمات ينفعنى الله ~~بها ، فخليت سبيله ، وكانوا أحرص شىء PageV06P447 على الخير ، وحكيت له ~~القول ، فقال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( أما إنه قد صدقك ، وهو كذوب ~~( ذاك شيطان ) . قال المهلب : قوله : فترك الوكيل شيئا ، يريد أن أبا هريرة ~~ترك الذى حثا الطعام حين شكا إليه الحاجة ، فأخبر النبى - عليه السلام - ~~بذلك ، فأجاز فعله ولم يرده . قال غيره : ففهم من ذلك الحديث أن من وكل على ~~حفظ شئ ، أو أؤتمن على مال فأعطى منه شيئا لأحد أنه لا يجوز ، وإن كان ~~بالمعروف ، لأنه إنما جاز فعل أبى هريرة لأجازة النبى - عليه السلام - له ، ~~لأنه عليه السلام لم يوكل أبا هريرة على عطاء ، ولا أباح له إمضاء ما انتهب ~~منه ، وإنما وكله بحفظه خاصة . والدليل على صحة هذا التأويل أنه ليس لمن ~~أؤتمن على شىء أن يتلف منه شيئا ، وأنه إذا أتلفه ضمنه إلا أن يجيزه رب ~~المال ، وفى تعلق جواز ذلك بإجازة رب المال دليل على صحة الضمان لو لم يجزه ~~وهذا لا أعلم فيه خلافا بين الفقهاء . وأما قوله : وإن أقرضه إلى أجل مسمى ~~جاز ، فلا أعلم خلافا بين الفقهاء أن أحدا لا يجوز له أن يقرض من وديعة ~~عنده أو مال استحفظه لأحد شيئا لا حالا ولا إلى أجل ، ولكنه إن فعل كان رب ~~المال مخيرا بين إجازة فعله أو تضمينه ، أو طلب الذى قبض المال . ~~PageV06P448 وقال المهلب : ويخرج قوله فى الترجمة : وإن أقرضه إلى أجل مسمى ~~جاز لأن الطعام كان مجموعا للصدقة ، فلما أخذ السارق وقد حثا من الطعام ، ~~وقال له : دعنى فإنى محتاج ، وتركه ، فكان سلفه ذلك الطعام إلى أجل ، وهو ~~وقت قسمته وتفرقته على المساكين ، لأنهم كانوا يجمعونه قبل الفطر بثلاثة ~~أيام للتفرقة ، فكأنه سلفه إلى ذلك الأجل ، وفيه من الفقه أن السارق لا ~~يقطع فى مجاعة ، وفيه أنه يجوز أن يعفى عنه قبل أن يبلغ الإمام ، وفيه أنه ms2129 ~~قد يعلم الشيطان علما ينتفع به إذا صدقته السنة وفيه أن الكاذب قد يصدق فى ~~الندرة ، وفيه علامات النبوة ، وفيه تفسير لقوله تعالى : { إنه يراكم هو ~~وقبيله من حيث لا ترونهم } يعنى : الشياطين ، أن المراد بذلك ما هم عليه من ~~خلقتهم الروحانية التى جبلوا عليها فإذا تشخصوا فى صور الأجسام المدركة ~~بالعين جازت رؤيتهم ، كما تشخص الشيطان فى هذا الحديث لأبى هريرة فى صورة ~~سارق . * * * # | 11 - باب إذا باع الوكيل شيئا بيعا فاسدا فبيعه مردود # / 12 - فيه : أبو سعيد ، قال : جاء بلال إلى النبى ، عليه السلام ، بتمر ~~برنى ، فقال له النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( من أين هذا ) ؟ قال بلال ~~: كان عندى تمر ردى فبعت منه صاعين بصاع لنطعم النبى ، عليه السلام ، فقال ~~عليه السلام : ( أوه أوه ، PageV06P449 عين الربا ، مرتين ، لا تفعل ، ولكن ~~إذا أردت أن تشترى فبع التمر ببيع آخر ، ثم اشتر به ) . قال المهلب : لا ~~خلاف بين العلماء أن كل من باع بيعا فاسدا أن بيعه مردود ، وقول النبى - ~~عليه السلام - : ( أوه عين الربا ) دليل على فسخ البيع ، لأن الله - تعالى ~~- قد أمر بذلك فى كتابه ، وقضى برد رأس المال بقوله : { يا أيها الذين ~~آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقى من الربا } وقوله : { فلكم رءوس أموالكم } ~~وقد روى فى هذا الحديث عن بلال أن النبى قال : ( اردده مكسوما ) وروى منصور ~~وقيس بن الربيع عن أبى جمرة عن سعيد بن المسيب ، عن بلال قال : ( كان عندى ~~تمر دون ، فابتعت تمرا أجود منه فى السوق بنصف كيله صاعين بصاع ، وأتيت ~~النبى فقال : من أين لك هذا ؟ فحدثته بما صنعت ، فقال : هذا الربا بعينه ، ~~انطلق فرده على صاحبه ، وخذ تمرك وبعه بحنطة أو شعير ، ثم اشتر من هذا ~~التمر ، ثم جئنى . . ) وذكر الحديث . قال المهلب : فإنما الغرض فى بيع ~~الطعام من صنف واحد - والله أعلم - مثلا بمثل التوسعة على الناس ، ولئلا ~~يستولى أهل الجدة على الطيب . وقال صاحب العين : تأوه الرجل آهة ، إذا توجع ~~، ويقال : أوهة لك ، فى موضع مشقة وهم ms2130 ، ويقال : أوه من كذا ، على معنى ~~التذكر والتحزن . | PageV06P450 * * * # | 12 - باب الوكالة فى الوقف ونفقته وأن يطعم صديقا له ويأكل بالمعروف # / 13 - وقال عمرو فى صدقة عمر : ليس على الولى جناح أن يأكل ويؤكل صديقا ~~له غير متأثل مالا ، فكان ابن عمر هو يلى صدقة عمر يهدى لناس من أهل مكة ~~كان ينزل عليهم . قال المهلب : هذا إنما أخذه عمر من كتاب الله فى ولى ~~اليتيم فى قوله : { ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف } والمعروف ما تعارفه ~~الناس بينهم غير مكتسب مالا ، فهذا مباح عند الحاجة ، وهذا سنة الوقف أن ~~يأكل منه الولى له ويؤكل ، لأن الحبس لهذا حبس ، وليس هو مثل من أؤتمن على ~~مال لغير الصدقة فأعطى منه بغير إذن ربه شيئا ، فإنه لا يجوز له ذلك بإجماع ~~العلماء . * * * # | 13 - باب الوكالة فى الحدود # / 14 - فيه : أبو هريرة ، وزيد بن خالد ، ، عن النبى ، عليه السلام ، قال ~~: ( واغد يا أنيس إلى امرأة هذا ، فإن اعترفت فارجمها ) . PageV06P451 / 15 ~~- وفيه : عقبة بن الحارث ، قال : جىء بالنعيمان ، أو ابن النعيمان شاربا ، ~~فأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من كان فى البيت أن يضربوا ، قال : ~~فكنت أنا فيمن ضربه ، فضربناه بالجريد والنعال . فى حديث أنس من الفقه أنه ~~يجوز للإمام أن يبعث فى إنفاذ الحكم من يقوم مقامه فيه ، كالوكيل للموكل . ~~واختلف العلماء فى الوكالة فى الحدود والقصاص ، فذهب أبو حنيفة وأبو يوسف ~~إلى أنه لا يجوز قبول الوكالة فى ذلك ، ولا يقيم الحد والقصاص حتى يحضر ~~المدعى ، وهو قول الشافعى ، وقال ابن أبى ليلى وطائفة : تقبل الوكالة فى ~~ذلك ، وقالوا : لا فرق بين الحدود والقصاص والديون إلا أن يدعى الخصم أن ~~صاحبه قد عفا ، فيوقف عن النظر فيه حتى يحضر . وقول من أجاز الوكالة فى ذلك ~~يشهد له دلائل الأحاديث الثابتة ، فإن قيل : إن فى بعث النبى - عليه السلام ~~- أنيسا لإقامة الحد على المرأة إن اعترفت بالزنا دليلا على ذلك ، وأما ~~حديث ابن النعيمان فإنما أقيم فيه الحد بحضرته عليه السلام . قيل : المعنى ms2131 ~~واحد ، وذلك أنه لما كان الإمام لا يتناول إقامة الحد بنفسه ، وأنه إنما ~~يولى ذلك غيره ، كان ذلك فى معنى إقامة أنيس الحد غائبا عنه إن اعترفت ~~المرأة لأن فى كلتا الحالتين إنما أقام الحد عن أمره عليه السلام بإقامته ، ~~وذلك فى معنى الوكيل ، ويجئ على مذهب مالك أن الحد يقام على المقر دون حضور ~~المدعى ، خلاف قول أبى حنيفة والشافعى ، PageV06P452 لأنه حق وجب عليه ، ~~وليس دعواه على المدعى بها يسقط الحد مما يجب أن يلتفت إليه بمجرد دعواه ، ~~إلا أن يقيم بينه على ما ادعى من ذلك . * * * # | 14 - باب الوكالة فى البدن وتعاهدها # / 16 - فيه : عائشة ، أنا فتلت قلائد هدى النبى ، عليه السلام ، ثم قلدها ~~، ثم بعث بها مع أبى . . . الحديث . الوكالة فى البدن وفى كل ما يجوز ~~للإنسان أن ينوب عن غيره فيه منابه من الأعمال جائزة ، لا خلاف فى شىء من ~~ذلك ، وقد تقدم هذا الحديث فى كتاب الحج ، فأغنى عن إعادته . * * * # | 15 - باب إذا قال الرجل لوكيله ضعه حيث أراك الله وقال الوكيل قد سمعت ~~ما قلت # / 17 - فيه : أنس ، قال : كان أبو طلحة أكثر أنصارى بالمدينة مالا ، وكان ~~أحب أمواله بيرحاء ، وكانت مستقبلة المسجد ، وكان رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - يدخلها ويشرب من ماء فيها طيب ، فلما نزلت : { لن تنالوا البر ~~حتى تنفقوا مما تحبون } قام أبو طلحة إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~فقال : يا رسول الله ، إن الله يقول : { لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما ~~تحبون } فإن أحب أموالى إلى بيرحاء ، وإنها صدقة لله أرجو برها ، وذخرها ~~عند الله ، فضعها PageV06P453 يا رسول الله حيث شئت ، فقال : ( بخ ، ذلك ~~مال رابح ، ذلك مال رابح قد سمعت ما قلت فيها ، وأرى أن تجعلها فى الأقربين ~~) ، قال : أفعل يا رسول الله ، فقسمها أبو طلحة فى أقاربه وبنى عمه . قال ~~المهلب : قوله عليه السلام : ( قد سمعت ما قلت ) يدل على قبول النبى لما ~~جعل إليه أبو طلحة من الرأى فى وضعها ، ثم رد النبى الوضع ms2132 فيها إلى أبى ~~طلحة بعد أن أشار عليه فيمن يضعها . وفيه أن للوكيل أن يقبل ما وكل عليه ~~وله أن يرد ، وأن الوكالة لا تتم إلا بقبول الوكيل ، ألا ترى أن أبا طلحة ~~قال للنبى : ( فضعها يا رسول الله حيث أراك الله ) فأشار عليه بالرأى ، ورد ~~عليه العمل وقال : ( أرى أن تجعلها فى الأقربين ) فتولى أبو طلحة قسمتها . ~~وفيه : أن من أخرج شيئا من ماله لله ولم يملكه أحد ، فجائز له أن يضعه حيث ~~أراه الله من سبل الخير ، وجائز أن يشاور فيه من يثق برأيه من إخوانه وليس ~~لذلك وجه معلوم لا يتعدى ، كما قال بعض الناس : معنى قول الرجل : لله وفى ~~سبيل الله فى وجه دون وجه ، ألا ترى أن هذه الصدقة الموقوفة رجعت إلى قرابة ~~أبى طلحة ، ولو سبلها فى وجه من الوجوه لم تصرف إلى غيره . واختلف الفقهاء ~~إذا قال الرجل : خذ هذا المال فاجعله حيث أراك الله من وجوه الخير ، هل ~~يأخذ منه لنفسه إن كان فقيرا أم لا ؟ فقالت طائفة : لا يأخذ منه شيئا ، ~~لأنه إنما أمر بوضعه عند غيره . وهذا يشبه مذهب مالك فى المدونة ، سئل مالك ~~عن رجل أوصى بثلث ماله لرجل أن يجعله حيث رأى ، فأعطاه ولد نفسه ، يعنى ولد ~~الوصى أو أحدا من ذوى قرابته ، قال مالك : لا أرى ذلك جائزا . PageV06P454 ~~وقال آخرون : يأخذ منه كنصيب أحد الفقراء وقال آخرون : جائز له أن يأخذه ~~لنفسه كله إن كان فقيرا . ووجه قول من قال : لا يأخذ منه شيئا لنفسه ، لأن ~~ربه أمره أن يضعه فى الفقراء ، ولم يأذن له أن يأخذه لنفسه ، ولو شاء أن ~~يعطيه له لم يأمره أن يضعه فى غيره ، فكأنه أقامه مقام نفسه ولو فرقه ربه ~~لم يحبس منه شيئا ، ووجه قول من قال : يأخذ منه كنصيب أحد الفقراء ، فهو أن ~~ربه أمره أن يضعه فى الفقراء ، وهو أحدهم ، فلم يتعد ما قاله ، ووجه قول من ~~قال : يأخذه كله لنفسه ، أن ربه أمره أن يضعه فى الفقراء ms2133 ، ومعلوم أنه لا ~~يحيط بجماعتهم ، وأن المال إنما يوضع فى بعضهم ، وإذا كان فقيرا فهو من ~~بعضهم لأنه من الصفة التى أمره أن يضعه فيها . * * * # | 16 - باب وكالة الأمين فى الخزانة ونحوها # / 18 - فيه : أبو موسى ، قال النبى عليه السلام : ( الخازن الأمين الذى ~~ينفق - وربما قال : الذى يعطى - ما أمر به كاملا موفرا طيبا نفسه إلى الذى ~~أمر به أحد المتصدقين ) . قال المهلب : إنما كان أحد المتصدقين - والله ~~أعلم - لأنه معين على إنفاذ الحسنة ، وأما إذا أعطاه كارها غير مريد ~~لإعطائه لم يؤجر على ذلك ، لأنه لا نية له مع فعله ، وقد اشترط النبى - ~~عليه السلام - أن الأعمال بالنيات ، فدل ذلك أنها إذا لم تصحبها نية لا ~~يؤجر بها ، ألا ترى أن المنافقين لم تقبل منهم صلاة ولا صيام ولا غيره إذ ~~عريت أعمالهم عن النيات . PageV06P455 * * * بسم الله الرحمن الرحيم # | 35 - كتاب المزارعة # # | 1 - باب ما جاء فى الحرث والمزارعة وفضل الزرع والغرس إذا أكل منه ~~وقوله تعالى : { أفرأيتم ما تحرثون أأنتم تزرعونه } الآية . # / 1 - فيه : أنس ، قال عليه السلام : ( ما من مسلم يغرس غرسا ، أو يزرع ~~زرعا ، فيأكل منه طير ، أو إنسان ، أو بهيمة ، إلا كان له به صدقة ) . قال ~~المهلب : هذا يدل أن الصدقة على جميع الحيوان وكل ذى كبد رطبة فيه أجر ، ~~لكن المشركين لا نأمر بإعطائهم من الزكاة الواجبة لقوله عليه السلام : ( ~~أمرت أن آخذ الصدقة من أغنيائكم وأردها فى فقرائكم ) . وفيه من الفقه : أن ~~من يزرع فى أرض غيره أن الزرع للزارع ، ولرب الأرض عليه كراء أرضه لقوله ~~عليه السلام : ( ما من مسلم يغرس غرسا أو يزرع زرعا إلا كان له صدقة ) . ~~فجعل الصدقة للزارع والثواب له خاصة دون رب الأرض ، فعلمنا أنه ليس لرب ~~الأرض حق فى الزرع الذى أخرجته الأرض وفيه الحض على عمارة الأرض لتعيش نفسه ~~أو من يأتى بعده ممن يؤجر فيه ، وذلك يدل على جواز اتخاذ الصناع ، وأن الله ~~- تعالى - أباح ذلك لعباده المؤمنين لأقواتهم وأقوات أهليهم طلبا للغنى بها ms2134 ~~عن الناس ، وفساد قول من أنكر ذلك ، ولو كان كما زعموا ما كان لمن زرع زرعا ~~وأكل منه إنسان أو بهيمة أجر ، لأنه لا يؤجر أحد فيما PageV06P456 لا يجوز ~~فعله ، وقد تقدم بيان هذه المسألة بأوضح من هذا فى كتاب الخمس فى باب نفقة ~~نساء النبى - عليه السلام - بعد وفاته ، فأغنى عن إعادته . * * * # | 2 - باب ما يحذر من عواقب الاشتغال بآلة الزرع وتجاوز الحد الذى أمر به # / 2 - فيه : أبو أمامة ، أنه رأى سكة أو شيئا من آلة الحرث ، فقال : سمعت ~~النبى - صلى الله عليه وسلم - يقول : ( لا يدخل هذا بيت قوم إلا أدخله الله ~~الذل ) . قال المهلب : معنى هذا الحديث - والله أعلم - الحض على معالى ~~الأحوال ، وطلب الرزق من أشرف الصناعات لما خشى النبى على أمته من الاشتغال ~~بالحرث وتضييع ركوب الخيل والجهاد فى سبيل الله ، لأنهم إن اشتغلوا بالحرث ~~غلبتهم الأمم الراكبة للخيل المتعيشة من مكاسبها ، فحضهم على التعيش من ~~الجهاد لا من الخلود إلى عمارة الأرض ولزوم المهنة ، والوقوع بذلك تحت أيدى ~~السلاطين وركاب الخيل . ألا ترى أن عمر قال : تمعددوا واخشوشنوا ، واقطعوا ~~الركب ، وثبوا على الخيل وثبا لا يغلبكم عليها دعاة الإبل . أى دعوا التملك ~~و التدلك بالنعمة ، وخذوا أخشن العيش لتتعلموا الصبر فيه ، فأمرهم بملازمة ~~الخيل والتدريب عليها والفروسية ، لئلا تملكهم الرعاة الذين شأنهم خشونة ~~العيش ، ورياضة أبدانهم PageV06P457 بالوثوب على الخيل ، وقد رأينا عاقبة ~~وصيته فى عصرنا هذا بميلنا إلى الراحة والنعمة . قال المؤلف : فمن لزم ~~الحرث وغلب عليه ، وضيع ما هو أشرف منه ، لزمه الذل كما قال عليه السلام ، ~~ويلزمه الجفاء فى خلقه لمخالطته من هو كذلك ، وقد جاء فى الحديث ( من لزم ~~البادية جفا ) وقد أخبرنا عليه السلام بما يقوى هذا المعنى فقال : ( ~~السكينة فى أهل الغنم ، والخيلاء فى أصحاب الخيل ، والقسوة فى الفذاذين أهل ~~الوبر ) ، فكأنه قال : والذل فى أهل الحرث ، أى : من شأن ملازمة هذه المهن ~~توليد ما ذكر من هذه الصفات ومن الذل الذى يلزم من اشتغل بالحرث ما ينوبه ms2135 ~~من المؤنة بخراج الأرضين . وفيه : علامة النبوة ، وذلك أنه عليه السلام علم ~~أن من يأتى فى آخر الزمان من الولاة يجورون فى أخذ الصدقات والعشور ، ~~ويأخذون فى ذلك أكثر مما يجب لهم ، لأنه لا ذل لمن أخذ منه الحق الذى عليه ~~، وإنما يصح الذل بالتعدى وترك الحق فى الأخذ . * * * # | 3 - باب اقتناء الكلب للحرث # / 3 - فيه : أبو هريرة ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( ~~من اقتنى كلبا فإنه ينقص كل يوم من عمله قيراط ، إلا كلب حرث ، أو ماشية ) ~~. وقال مرة : ( إلا كلب غنم ، أو حرث ، أو صيد ) . PageV06P458 اقتناء ~~الكلب للحرث والماشية والصيد مباح بدليل الكتاب والسنة ، وقد تقدم حكم ~~الكلب فى جميع وجوهه فى كتاب البيوع وكتاب الصيد فأغنى عن إعادته . * * * # | 4 - باب استعمال البقر للحراثة # / 4 - فيه : أبو هريرة ، ، عن النبى ، عليه السلام ، قال : ( بينما رجل ~~راكب على بقرة التفتت إليه ، فقالت : لم أخلق لهذا خلقت للحراثة ، قال : ~~آمنت به أنا ، وأبو بكر ، وعمر ، وأخذ الذئب شاة ، فتبعها الراعى ، فقال له ~~الذئب : من لها يوم السبع ، يوم لا راعى لها غيرى ، قال : آمنت به أنا ، ~~وأبو بكر ، وعمر ) . وما هما يومئذ فى القوم . قال المهلب : فبيان كلام ~~البهائم من الآيات التى خصت بها بنو إسرائيل ، لجواز أن تكون النبوة فيهم ~~غير محظورة ، وهذا الحديث حجة على من جعل علة المنع من أكل الخيل والبغال ~~والحمير أنها خلقت للركوب والزينة لقوله تعالى : { والخيل والبغال والحمير ~~لتركبوها وزينة } وقد خلقت البقر للحراثة ، وأنطقها الله بذلك زيادة فى ~~الآية المعجزة ، ولم يمنع ذلك من أكل لحومها لا فى بنى إسرائيل ولا فى ~~الإسلام ، وفيه الثقة بما يعلم من صحة إيمان المرء وثاقب علمه والقضاء عليه ~~بالعادة المعلومة منه ، كما قضى النبى - صلى الله عليه وسلم - على أبى بكر ~~وعمر بتصديق كلام البقرة والذئب ، الذى توقف الناس عن الإقرار به ، حتى ~~احتاج رسول الله أن يقول أن هذا PageV06P459 بقربه معه أبو بكر وعمر ، ~~وناهيك بذلك فضيلة لهما ورفعة ، لشهادة النبى ms2136 لهما الذى لا ينطق عن الهوى . ~~وقال إسماعيل بن إسحاق القاضى : قال لى على بن المدينى : سمعت أبا عبيدة ~~معمر ابن المثنى يقول فى حديث النبى ، حين أخذ الذئب الشاة وأخذت منه - ~~فقال : ( من لها يوم السبع ، يوم لا راعى لها غيرى ) قال : ليس هو السبع ~~الذى يسبع الناس ، إنما هو عيد كان لهم فى الجاهلية يشتغلون بأكلهم ولعبهم ~~، فيجئ الذئب فيأخذها . * * * # | 5 - باب إذا قال اكفنى مئونة النخل وغيره وتشركنى فى الثمر # / 5 - فيه : أبو هريرة ، قالت الأنصار : اقسم بيننا وبين إخواننا النخيل ~~، قال : ( لا ) ، قال : ( تكفونا المئونة ، ونشرككم فى الثمرة ) ، قالوا : ~~سمعنا وأطعنا . قال المهلب : إنما أراد الأنصار مشاركة المهاجرين بأن ~~يقاسموهم أموالهم ، فكره رسول الله أن يخرج عنهم شيئا من عقارهم ، و علم أن ~~الله سيفتح عليهم البلاد فيغنى جميعهم ، فأشركهم فى الثمرة على أن يكفوهم ~~المئونة والعمل فى النخيل ، وتبقى رقاب النخل للأنصار ، وهذه هى المسافة ~~بعينها . PageV06P460 قال غيره : فإن وجد فى بعض طرق هذا الحديث مقدار ~~الشركة بين المهاجرين والأنصار فى الثمرة صير إليه ، وإلا فظاهر اللفظ ~~يقتضى عملهم على نصف ما تخرج الثمرة ، لأن الشركة إذا أبهمت ولم يذكر فيها ~~حد معلوم حملت على المساقاة . وروى عن مالك فى رجلين اشتريا سلعة فأشركا ~~فيها ثالثا ولم يسميا له جزءا ، أن السلعة بينهم أثلاثا ، فهذا يدل من قوله ~~أنه لو كان المشرك واحدا كانت بينهما نصفين . واختلف أهل العلم فى الرجل ~~يدفع المال قراضا على أن للعامل شركا فى الربح ، فقال الكوفيون : له فى ذلك ~~أجر مثله ، والربح والوضيعة على رب المال ، وهو قول أحمد وإسحاق و أبى ثور ~~، وقال ابن القاسم : يرد فى ذلك إلى قراض مثله . وقال الحسن البصرى وابن ~~سيرين : له نصف الربح . وهو قول الأوزاعى وبعض أصحاب مالك . وحديث أبى ~~هريرة فى هذا الباب يدل على صحة قول الحسن ومن وافقه ، لأن من رد القراض فى ~~ذلك إلى أجر مثله ، أو إلى قراض مثله فعلته أنه فاسد إذ لم يعلم مقدار ms2137 ~~الشركة فى الربح ، و لو كان كما قالوا لكانت مساقاة المهاجرين للأنصار ~~فاسدة حين لم يسموا لهم مقدار ما يعملون عليه ، والقراض عند أهل العلم أشبه ~~شىء بالمساقاة ، ومحال أن تكون مساقاة المهاجرين للأنصار عن أمر النبى صلى ~~الله عليه وسلم ورأيه الموفق فاسدة . PageV06P461 * * * # | 6 - باب قطع الشجر والنخيل # وقال أنس أمر النبى عليه السلام بالنخل فقطع / 6 - فيه : ابن عمر ، أن ~~النبى ، عليه السلام ، حرق نخل بنى النضير ، وقطع وهى البويرة ، ولها يقول ~~حسان : وهان على سراة بنى لؤى حريق بالبويرة مستطير / 7 - فيه : رافع ، كنا ~~أكثر أهل المدينة مزدرعا كنا نكرى الأرض بالناحية منها مسمى لسيد الأرض ، ~~قال : فمما يصاب ذلك وتسلم الأرض ، ومما تصاب الأرض ، ويسلم ذلك ، فنهينا ، ~~فأما الذهب والورق فلم يكن يومئذ . قال المهلب : يجوز قطع الشجر والنخل ~~لخشب يتخذ منه ، أو ليخلى مكانها لزرع أو غيره مما هو أنفع منه ، يعود على ~~المسلمين من نفعه أكثر مما يعود من بقاء الشجر ، لأن النبى قطع النخل ~~بالمدينة ، وبنى فى موضعه مسجده الذى كان منزل الوحى ، ومحل الإيمان ، وقد ~~تقدم قطع شجر المشركين وتخريب بلادهم فى كتاب الجهاد ، ونذكر منه طرفا فى ~~هذا الباب . احتج من أجاز قطع شجر المشركين وكرومهم بقطع الرسول نخل بنى ~~النضير ، وذهبت طائفة من العلماء إلى أنه إذا رجى أن يصير البلد للمسلمين ، ~~فلا بأس أن يترك ثمارهم ، والوجهان جائزان ، لأن أبا بكر الصديق أمر ألا ~~يقطع شجر مثمر ، ولم يجهل ما فعل النبى بنخل بنى النضير ، وما اعتل به من ~~قال : إذا رجى أن يصير البلد للمسلمين PageV06P462 فلا يقطع ، ليس بصحيح ، ~~لأن النبى - عليه السلام - كان قد أعلمه الله أنه سيفتح عليه تلك البلاد ~~وغيرها ، وبشر أمته بذلك ثم قطعها ، فدل ذلك على إباحة الوجهين ، و فى ~~قطعها خزى للمشركين ومضرة لهم ، وأما حديث رافع ، فلا أعلم وجهه فى هذا ~~الباب ، ولعل الناسخ غلط فكتبه فى غير موضعه . وفى رواية النسفى قبله باب ~~فصل بينه وبين حديث ابن عمر ، وسيأتى ms2138 الكلام فيه فى موضعه بعد هذا - إن شاء ~~الله - وسألت المهلب عنه فقلت له : حديث رافع لا أعلم له وجها فى هذا الباب ~~، فقال لى : قد يمكن أن يكون له فيه وجه ، وهو أن من اكترى أرضا لسنين فله ~~أن يزرع فيها ما شاء ، ويغرس فيها الشجر وغيرها مما لا يضر بها ، فإذا تمت ~~الوجيبة قال صاحب الأرض : احصد زرعك ، واقلع شجرك عن أرضى ، فذلك لازم ~~لمكتريها حتى يخلى له أرضه مما شغلها به ، لقوله عليه السلام : ( ليس لعرق ~~ظالم حق ) . فهو من باب إباحة قطع الشجر . * * * # | 7 - باب المزارعة بالشطر ونحوه # قال قيس بن مسلم ، عن أبى جعفر : ما بالمدينة أهل بيت هجرة إلا يزرعون ~~على الثلث والربع وزارع على وسعد بن مالك ، وعبدالله بن مسعود ، وعمر بن ~~عبدالعزيز ، والقاسم ، وعروة ، وآل أبى بكر ، وآل عمر ، وآل على ، وابن ~~سيرين . وقال عبدالرحمن ابن الأسود : كنت أشارك عبدالرحمن بن يزيد فى الزرع ~~، وعامل عمر PageV06P463 الناس على إن جاء عمر بالبذر من عنده فله الشطر ، ~~وإن جاءوا هم بالبذر فلهم كذا وكذا ، وقال الحسن : لا بأس أن تكون الأرض ~~لأحدهما فينفقان جميعا فما خرج ، فهو بينهما ، ورأى ذلك الزهري . وقال ~~الحسن : لا بأس أن يجتنى القطن على النصف . وقال إبراهيم ، وابن سيرين ، ~~وعطاء ، والحكم ، والزهرى ، وقتادة : لا بأس أن يعطى الثوب بالثلث ، أو ~~الربع ونحوه . وقال معمر : لا بأس أن تكون الماشية على الثلث والربع إلى ~~أجل مسمى . / 8 - فيه : ابن عمر ، أن النبى ، عليه السلام ، عامل خيبر بشطر ~~ما يخرج منها من ثمر أو زرع ، فكان يعطى أزواجه مائة وسق ، ثمانون وسق تمر ~~، وعشرون وسق شعير ، فقسم عمر خيبر ، فخير أزواج النبى - صلى الله عليه ~~وسلم - أن يقطع لهن من الماء والأرض أو يمضى لهن ، فمنهن من اختار الأرض ، ~~ومنهن من اختار الوسق ، وكانت عائشة اختارت الأرض . اختلف العلماء فى كراء ~~الأرض بالشطر والثلث والربع ، فأجاز ذلك على بن أبى طالب ، وابن مسعود ، ~~وسعد ، والزبير ، أسامة ، وابن عمر ، ومعاذ ، وخباب ms2139 ، وهو قول سعيد ابن ~~المسيب وطاوس وابن أبى ليلى . قال ابن المنذر : وروينا عن أبى جعفر قال : ( ~~عامل رسول الله أهل خيبر بالشطر ثم أبو بكر وعمر وعثمان وعلى ، ثم أهلوهم ~~إلى اليوم يعطون بالثلث والربع ) وهو قول الأوزاعى والثورى PageV06P464 و ~~أبى يوسف ومحمد وأحمد ، هؤلاء أجازوا المزارعة والمساقاة ، وكرهت ذلك طائفة ~~، روى عن ابن عباس ، وابن عمر ، وعكرمة ، والنخعى ، وهو قول مالك وأبى ~~حنيفة ، والليث ، والشافعى ، وأبى ثور أنه لا تجوز المزارعة ، وهى كراء ~~الأرض بجزء منها ، وتجوز عندهم المساقاة . وقال أبو حنيفة وزفر : لا تجوز ~~المزارعة ولا المساقاة بوجه من الوجوه ، وقالوا : المزارعة منسوخة بالنهى ~~عن كراء الأرض بما يخرج منها ، وهى إجارة مجهولة ؛ لأنه قد لا تخرج الأرض ~~شيئا ، وادعوا أن المساقاة منسوخة بالنهى عن المزابنة . وحجة أهل المقالة ~~الأولى حديث ابن عمر : ( أن النبى - عليه السلام - ساقى يهود خيبر على شطر ~~ما يخرج من الأرض والثمر جميعا ) قالوا : والأرض أصل مال فيجوز أن يعطيها ~~لمن يعمل فيها كالثمن سواء وكالقراض ، واحتج الذين منعوا المزارعة بأنها ~~كراء الأرض بما يخرج منها ، وهو من باب الطعام بالطعام نسيئة ، وقد نهى ~~رسول الله عن المخابرة ، والمحاقلة ، وهى كراء الأرض بما يخرج منها ، ~~وقالوا : لا حجة لكم فى مساقاة النبى - عليه السلام - لأهل خيبر ، لأن ~~خلافنا لكم إنما هو إذا لم يكن فى الأرض شجر وكانت الأرض مفردة ، والنبى - ~~عليه السلام - إنما عامل أهل خيبر على النخل والشجر وكانت الأرض تبعا ~~للثمرة ، وهذا يجوز عندنا ، وأما إذا كانت الأرض مفردة فلا يجوز ؛ لأنه ~~يمكن إجارتها ، ولا تدعو إلى مزارعتها ضرورة كما تدعو إلى مساقاة الثمر ، ~~ألا ترى أن بيع PageV06P465 الثمر الذى لم يبد صلاحه من أصل النخل جائز وإن ~~لم يشترط فيه القطع ؛ لأنه تبع للنخل ، ولا يجوز بيعها مفردة من غير شرط ~~القطع ؛ لأنها لا تكون تبعا لغيرها بل تكون مقصودة بالبيع ، فلم يكن حكمها ~~مفردا كحكمه إذا كان مضافا ، وأما قياسهم المزارعة على القراض والمساقاة ~~فالجواب عنه : أن ms2140 رأس المال فى ذلك لا تجوز إجارته ، ولا يتواصل إلى منفعته ~~إلا بالعمل عليه ، فجاز أن يعطيه لمن يعمل فيه وتكون المنفعة بينهما ، وليس ~~كذلك الأرض ؛ لأنه يمكن إجارتها . واحتج الذين منعوا المساقاة بأن النبى - ~~عليه السلام - لما فتح خيبر أقرهم فى أرضهم ملكا لهم ، وشرط عليهم نصف ~~الثمرة جزية ، فكان ذلك يؤخذ منهم بحق الجزية لا بحق المساقاة . فقال لهم ~~مخالفوهم : هذا باطل من وجوه . أحدها : ما روى عبد العزيز ابن صهيب عن أنس ~~( أن النبى - عليه السلام - افتتح خيبر عنوة ) وقال ابن شهاب عن ابن المسيب ~~: ( خمس رسول الله خيبر ، ولا يخمس إلا ما أخذ عنوة ) . والوجه الثانى : أن ~~النبى - عليه السلام - قسم الأرض بين الغانمين ، فأعطى الزبير سهمه ، وأعطى ~~عمر سهمه من خيبر ، فوقف عمر سهمه . والوجه الثالث : أن عمر أجلاهم من خيبر ~~إلى الشام لما فدغوا ابنه ، ولو أقرهم النبى - عليه السلام - على الأرض ولم ~~يملكها عليهم ؛ لم يكن لمن بعده أن يجليهم وأن يفارق بينهم وبين أرضهم . ~~وجواب PageV06P466 آخر : وهو أن عائشة قالت : ( إن رسول الله بعث ابن رواحة ~~إلى خيبر ليخرصها ، ويعلم مقدار الزكاة فى مال المسلمين ) ، فأخبرت عائشة ~~أن ذلك مال المسلمين ، وأن الزكاة كانت تجب فيه ، فبطل قولهم : إن ذلك جزية ~~؛ لأن الجزية لا تجب فيها زكاة ، قاله ابن القصار . وأما قول البخارى : ~~وعامل عمر الناس على إن جاء عمر بالبذر فله الشطر ، فإن الذين أجازوا ~~المزارعة بالثلث والربع اختلفوا فيمن يخرج البذر ، فروى عن ابن مسعود ، ~~وسعد بن أبى وقاص ، وابن عمر أنهم قالوا : يكون البذر من عند العامل . وروى ~~عن بعض أهل الحديث أنه قال : من أخرج البذر منهما فهو جائز ، لأن النبى - ~~عليه السلام - دفع خيبر معاملة ، وفى تركه اشتراط البذر من عند أحدهما دليل ~~على أن ذلك يجوز من عند أيهما كان . وقال أحمد وإسحاق : البذر يكون من عند ~~صاحب الأرض ، والعمل من الداخل . وقال محمد بن الحسن وأصحابه : المزارعة ~~على أربعة أوجه : ثلاثة منها جائزة ، ووجه رابع ms2141 لا يجوز ، فأما الذى يجوز : ~~فأن يكون البذر من قبل رب الأرض ، والعمل من قبل المزارع ، فهذا وجه . ~~والوجه الثانى : أن يكون البذر والآلة كلها من قبل رب الأرض ، والعمل من ~~قبل المزارع ، فهذا وجه . والثالث : أن يكون البذر من قبل المزارع ، والعمل ~~والآلة كلها من قبله ، فهذا وجه . والوجه الذى لا يجوز : أن يكون البذر من ~~قبل المزارع والعمل والآلة من قبل رب الأرض . قال المفسر : وأما وجه ~~إجازتهم هذه الثلاثة الوجوه فإنما قاسوها PageV06P467 على القراض ، لأن ~~العامل فيه يعمل بجزء من الربح معلوم ، وإن كان لايدرى كم يكون مبلغ الربح ~~فكذلك يجوز أن يكرى الأرض بجزء معلوم وإن لم يعلم مقدار ما تخرجه الأرض ، ~~وهذا أصله عندهم قصة خيبر . وأما قولهم : لا يجوز أن يكون البذر من قبل ~~المزارع ، والعمل والآلة كلها من قبل رب الأرض ، فإنه لما كان المزارع لم ~~يخرج إلا البذر خاصة فكأنه باع البذر من رب الأرض بمجهول من الطعام نسيئة ، ~~وهذا الوجه لا يجوز عند جميع العلماء . وذهب مالك إلى أنه لا يجوز أن يكون ~~البذر إلا من عندهما جميعا ، وتكون الأرض من عند أحدهما ، والعمل من الآخر ~~، ويكون فيه العمل يوازى قيمة كراء الأرض . والعلماء متفقون على جواز هذا ~~الوجه ، لأن أحدهما لا يفضل صاحبه بشىء ، وإن كان البذر من عند أحدهما ~~والأرض من الآخر فلا يجوز عنده كراء الأرض . والعلماء متفقون على جواز هذه ~~الوجه ؛ لأن أحدهما لا يفضل صاحبه بشىء ، وإن كان البذر من عند أحدهما ~~والأرض من الآخر فلا يجوز عند مالك ؛ لأنه كأنه أكراه نصف أرضه بنصف بذره ، ~~ولا يجوز عنده كراء الأرض بشىء من الطعام ، ويجوز عنده وجه آخر من المزارعة ~~أن يكريا الأرض جميعا ، ويخرج أحدهما البذر ، ويخرج الآخر البقر وجميع ~~العمل ، وتكون قيمة العمل والبقر مثل قيمة البذر فلا بأس بذلك ؛ لأنهما ~~سلما من كراء الأرض بالطعام وتكافئا فى سائر ذلك . وأما تخيير عمر أزواج ~~النبى - عليه السلام - بين الأوسق أو الأرض ، من خيبر فمعنى ms2142 ذلك أن أرض ~~خيبر لم تكن للنبى PageV06P468 ملكا ورثت بعده ؛ لأنه قال عليه السلام : ( ~~لا نورث ما تركنا صدقة ) ، وإنما خيرهن بين أخذ الأوسق أو بين أن يقطعن من ~~الأرض من غير تمليك ما يحد منه مثل الأوسق ؛ لأن الرطب قد تشتهى أيضا كما ~~يشتهى التمر ، فاختارت ذلك عائشة لتأكله رطبا وتمرا ، فإذا ماتت عادت الأرض ~~والنخل على أصلها وقفا مسبلة فيما سبل فيه الفىء . وأما اجتناء القطن ~~والعصفر ولقاط الزيتون والحصاد كل ذلك بجزء معلوم ، فأجازه جماعة من ~~التابعين ، وهو قول أحمد بن حنبل قاسوه على القراض ؛ لأنه يعمل بالمال على ~~جزء منه معلوم ، لا يدرى مبلغه ، وكذلك إعطاء الثوب للنساج بجزء منه معلوم ~~، وإعطاء الثور والغنم للراعى عند من أجازها ، قاسها على القراض ، ومنع ذلك ~~كله مالك ، والكوفيون والشافعى ؛ لأنها عندهم إجارة بثمن مجهول لا يعرف ، ~~وأجاز عطاء ، وابن سيرين ، والزهرى ، وقتادة أن يدفع الثوب إلى النساج ~~ينسجه بالثلث والربع ، واحتج أحمد بن حنبل بإعطاء النبى خيبر على الشطر . * ~~* * # | 8 - باب إذا لم يشترط السنين فى المزارعة # / 9 - فيه : ابن عمر ، عامل النبى - صلى الله عليه وسلم - أهل خيبر بشطر ~~ما يخرج منها ، من ثمر أو زرع . وقال عمرو : قلت لطاوس : ( لو تركت ~~المخابرة ، فإنهم يزعمون أن النبى نهى عنه قال ابن عمر : وإنى أعطيهم ~~وأعينهم ، فإن PageV06P469 أعلمهم أخبرنى - يعنى ابن عباس - أن النبى - ~~عليه السلام - لم ينه عنه ، ولكن قال : ( إن يمنح أحدكم أخاه خير له من أن ~~يأخذ عليه خرجا معلوما ) . وترجم لحديث ابن عمر باب ( مزارعة اليهود ) وقال ~~فيه : ( إن النبى - عليه السلام - أعطى خيبر اليهود على أن يعملوها ~~ويزرعوها و لهم شطر ما خرج منها ) . اختلف العلماء فى المزارعة من غير أجل ~~، فكرهها مالك ، والثورى ، والشافعى ، وأبو ثور حتى يسمى أجلا معلوما . قال ~~ابن المنذر : وقال أبو ثور : إذا لم يسم سنين معلومة فهو على سنة واحدة ، ~~وحكى عن بعض الناس أنه قال : أجيز ذلك استحسانا ، وأدع القياس . وقال ابن ~~المنذر : قال بعض أصحابنا ms2143 : ذلك جائز واحتج بقوله عليه السلام : ( نقركم ما ~~شئنا ) ، وفى ذلك دليل على إجازة دفع النخل مساقاة والأرض مزارعة من غير ~~ذكر سنين معلومة ، فيكون لصاحب الأرض والنخل أن يخرج المساقى والزارع من ~~الأرض والنخل متى شاء ، وفى ذلك دلالة أن المزارعة بخلاف الكراء ، ولا يجوز ~~فى الكراء أن يقول : أخرجك عن أرضى متى شئت . ولا خلاف بين أهل العلم أن ~~الكراء فى الدور والأرضين لا يجوز إلا وقتا معلوما ، وقول أبى ثور حسن ؛ ~~لأن معاملته - عليه السلام - اليهود بشطر ما يخرج منها يقتضى سنة واحدة حتى ~~يبين أكثر منها ، فلم تقع المدة إلا معلومة ، وسأزيد فى الكلام فى هذه ~~المسألة فى باب : ( إذا قال رب الأرض : اقرك ، ما أقرك الله ) ، بعد هذا - ~~إن شاء الله . PageV06P470 * * * # | 9 - باب ما يكره من الشروط فى المزارعة # / 10 - فيه : رافع ، كنا أكثر أهل المدينة حقلا ، وكان أحدنا يكرى أرضه ، ~~فيقول : هذه القطعة لى ، وهذه لك ، فربما أخرجت ذه ، ولم تخرج ذه ، فنهاهم ~~النبى عليه السلام . هذا الوجه المنهى عنه فى هذا الحديث لا خلاف بين ~~العلماء أنه لا يجوز ؛ لأن غرر ومجهول ، وهذه المزارعة المنهى عنها ، وإنما ~~اختلفوا فى المزارعة بالثلث والربع مما تخرج الأرض على ما تقدم قبل هذا . ~~وقال ابن المنذر : جاء فى هذا الحديث العلة التى نهى النبى من أجلها عن ~~كراء الأرض ، وعن المخابرة ، وهى اشتراطهم أن لرب الأرض ناحية منها ، وقد ~~جاء فى حديث رافع أيضا علل أخر سأذكرها فى موضعها - إن شاء الله - وقد تقدم ~~مذاهب العلماء فى المزارعة ، وما يجوز منها وما لا يجوز ، فأغنى عن إعادته ~~. ومما لا يجوز فى المزارعة عند مالك أن يجتمع معنيان فى جهة واحدة ، وهو ~~أن يخرج صاحب الأرض البذر ، فيجتمع له أرضه وبذره فلا يجوز ، فيكون للعامل ~~أجرة عمله وزرعه ، ويكون الزرع لصاحب الأرض والبذر ، وكذلك لو اجتمع للعامل ~~البذر والعمل كانت المزارعة فاسدة ، وكان عليه كراء الأرض لصاحب الأرض ~~والزرع كله للعامل . PageV06P471 * * * # | 10 - باب إذا زرع بمال قوم ms2144 بغير إذنهم وكان فى ذلك صلاح لهم # / 11 - فيه : ابن عمر ، قال النبى ، عليه السلام : ( بينما ثلاثة نفر ~~يمشون أخذهم المطر فأووا إلى غار . . . . ) الحديث ، ( فقال الثالث : اللهم ~~إنى استأجرت أجيرا بفرق أرز ، فلما قضى عمله قال : أعطنى حقى فعرضت عليه ، ~~فرغب عنه ، فلم أزل أزرعه حتى جمعت منه بقرا وراعيها ، فجاءنى ، فقال : اتق ~~الله ، فقلت : اذهب إلى ذلك البقر ورعاتها فخذ ، قال : اتق الله ، ولا ~~تستهزئ بى ، فقلت : إنى لا أستهزئ بك ، فخذ ، فأخذه كله . . . . ) ، الحديث ~~. قال المهلب : لا تصح هذه الترجمة إلا أن يكون الزارع متطوعا إذ لا خسارة ~~على صاحب المال ؛ لأنه لو هلك الزرع أو ما ابتاع له بغير إذنه كان الهلاك ~~من الزارع ، وإنما يصح هذا على سبيل التفضل بالربح وضمان رأس المال ، لا أن ~~من تعدى فى مال غيره ، فاشترى منه بغير إذنه أو زرع به أنه يلزم صاحبه فعله ~~؛ لأن ما فى ذمته من الدين لا يتغير إلا بقبض الأجير له ، أو برضاه بعمله ~~فيه ، وقد تقدم فى كتاب الإجارة حكم من تجر فى مال غيره بغير إذنه فربح ، ~~ومذاهب العلماء فى ذلك . PageV06P472 * * * # | 11 - باب أوقاف أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأرض الخراج ~~ومزارعتهم ومعاملتهم # وقال النبى - صلى الله عليه وسلم - لعمر : ( تصدق بأصله لا يباع ثمرة ~~ولكن ينفق ثمره فتصدق به ) . / 12 - وفيه : عمر ، قال : لولا آخر المسلمين ~~ما فتحت قرية إلا قسمتها بين أهلها ، كما قسم النبى - صلى الله عليه وسلم - ~~خيبر . قال إسماعيل بن إسحاق : كانت خيبر جماعة حصون ، فافتتح بعضها بقتال ~~، وبعضها أسلمها أهلها على أن تحقن دماؤهم ، هذا قول ابن إسحاق عن الزهرى ، ~~فكان حكم خيبر كلها العنوة ، ومعنى هذه الترجمة - والله أعلم - أن الصحابة ~~كانوا يزارعون ويساقون أوقاف النبى - عليه السلام - بعد وفاته على ما كان ~~عامل عليه النبى يهود خيبر ، فإن العمل جرى بالمزارعة والمساقاة فى أوقاف ~~النبى عليه السلام - وأرض خراج المسلمين ، ولم يرو عن أبى بكر ولا عمر ولا ~~غيرهما أنهم غيروا ms2145 حكم رسول الله فى هذا ، فهى سنة ثابتة معمول بها ، وقد ~~تقدم فى كتاب الجهاد فى باب ( الغنيمة لمن شهد الوقعة ) الكلام فى حكم ~~الأرض العنوة إذا غنمها المسلمون فى حديث عمر هذا . * * * # | 12 - باب في إحياء الموات من أحيا أرضا مواتا # ورأى ذلك على فى أرض الخراب بالكوفة . وقال عمر : من أحيا أرضا ميتة فهى ~~له . ويروى عن عمر وابن عوف ، عن النبى ، عليه PageV06P473 السلام ، وقال ~~فى حق غير مسلم : ( وليس لعرق ظالم فيه حق ) ، ويروى فيه عن جابر ، عن ~~النبى عليه السلام . / 13 - فيه : عائشة ، عن النبى ، عليه السلام ، قال : ~~( من أعمر أرضا ليست لأحد ، فهو أحق ) . قال عروة : قضى به عمر فى خلافته . ~~وقوله عليه السلام : ( من أحيا أرضا ميتة فهى له ، وليس لعرق ظالم حق ) ~~وهذا حديث حسن السند . اختلف العلماء فى إحياء الموات ، فقال مالك : من ~~أحيا أرضا ميتة فيما قرب من العمران ، فلا بد فى ذلك من إذن الإمام ، وإن ~~كانت فى فيافى المسلمين والصحارى وحيث لا يتشاح الناس فيه ، فهى له بغير ~~إذن الإمام ؟ وقال أبو يوسف ، ومحمد ، والشافعى : من أحيا أرضا ميتة فهى له ~~، ولا يحتاج إلى إذن الأمام فيما قرب كما لا يحتاج فيما بعد . قال أشهب ~~وأصبغ : إن أحيا فيما قرب بغير إذنه أمضيت ولم يعنف . وقال مطرف وابن ~~الماجشون : الإمام مخير بين أربعة أوجه : إن رأى أن يقره له فعل ، أو يقره ~~للمسلمين ويعطيه قيمته منقوضا ، أو يأمره بقلعه ، أو يعطيه غيره فيكون ~~للأول قيمته منقوضا ، والبعيد ما كان خارجا عما يحتاجه أهل ذلك العمران من ~~محتطب ومرعى ، مما العادة أن الرعاء يبلغونة ثم يبيتون فى منازلهم ، ويحتطب ~~المحتطب ثم يعود إلى موضعه ، وما كان من الأحياء فى المحتطب والمرعى فهو ~~القريب من العمران فيمنع . وقال أبو حنيفة : ليس لأحد أن يحيى مواتا إلا ~~بإذن الإمام فيما بعد وقرب . قال الطحاوى : الحجة لأبى يوسف ومحمد قوله ~~PageV06P474 عليه السلام : ( من أحيا أرضا ميتة فهى له ) . فقد جعل إحياء ~~ذلك إلى ms2146 من أحب بلا أمر الإمام فى ذلك ، قال : وقد دلت على ذلك شواهد من ~~النظر ، منها أن الماء الذى فى البحار والأنهار ، من أخذ منه شيئا ملكه ~~بأخذه إياه ، وإن لم يأمره الإمام بذلك ، وكذلك الصيد هو لمن صاده ، ولا ~~يحتاج إلى تمليك من الإمام ، لأن الإمام وسائر الناس فى ذلك سواء ، فكذلك ~~الأرض التى لا ملك لأحد عليها هى كالصيد الذى ليس بمملوك والماء المباح . ~~والحجة لأبى حنيفة أن قوله : ( من أحيا أرضا ميتة فهى له ) إنما معناه من ~~أحياها على شرائط الأحياء فهى له ، وذلك أن يحظرها وأذن الإمام له فيها ، ~~والدليل على صحة هذا التأويل قوله عليه السلام : ( لا حمى إلا لله ولرسوله ~~) ، والحمى ما حمى من الأرض ، فدل أن حكم الأرضين إلى الأئمة لا إلى غيرهم ~~، وأن حكم ذلك غير حكم الصيد والماء . والفرق بينهما أنا رأينا ماء الأنهار ~~لا يجوز للإمام تمليك ذلك أحدا ، ورأينا لو ملك رجلا أرضا ميتة ملكها بذلك ~~، ولو احتاج الإمام إلى بيعها فى نائبة للمسلمين جاز بيعه لها ، ولا يجوز ~~ذلك فى ماء نهر ولا صيد بر ولا بحر ، وأنه ليس للإمام بيعهما ولا تمليكهما ~~أحدا ، وأن الإمام فيهما كسائر الناس ، فكان ملكهما يجب بأخذهما دون الإمام ~~، فثبت بذلك ما ذهب إليه أبو حنيفة . والحجة لمالك أن النبى - عليه السلام ~~- : ( أقطع لبلال بن الحارث معادن القبلية جلسيها وغوريها وحيث يصلح الزرع ~~) ، ولم يقطعه حق مسلم ، وهذا فيما قرب ، فوجب استعمال الحديثين ~~PageV06P475 جميعا ، فما وقع فيه التشاح والتنافس لم يكن لأحد عمارته بغير ~~إذن الإمام ، وما تباعد من العمارة ولم يتشاح فيه جاز أن يعمر بغير إذن ~~الإمام ، لأن النبى قال : ( من أحيا أرضا ميتة فهى له ) ، وهذا الإذن من ~~النبى إقطاع . قال سحنون : وقد أقطع عمر العقيق وهو قرب المدينة ، قال : ~~ومسافة يوم عن العمارة بعيد . فإن قال أبو حنيفة : إن إحياء الموات من ~~مصالح المسلمين ، لأن الأرض مغلوب عليها ، فوجب ألا تملك إلا بإذن الإمام ~~كالغنيمة . قيل : الموات فى ms2147 الفيافى من المباح كالصيد وطلب الركاز والمعادن ~~، لا يفتقر شىء منها إلى إذن الإمام وإن كانت فى الأرض التى عليها يد ~~الإمام ، فكذلك الموات . وإحياء الموات عند مالك إجراء العيون ، وحفر ~~الآبار ، والبنيان ، والحرث ، وغرس الأشجار ، وهو قول الشافعى . وقال ابن ~~القاسم : ولا يعرف مالك التحجير إحياء . والحجة له ما روى الزهرى ، عن سالم ~~، عن ابن عمر قال : كان الناس يتحجرون على عهد عمر فى الأرض التى ليست لأحد ~~، فقال عمر : من أحيا أرضا ميتة فهى له . وهذا يدل أن التحجير غير الإحياء ~~. قال ابن حبيب : وبلغنى عن ربيعة أنه قال : العرق الظالم عرقان : عرق ظاهر ~~، وعرق باطن ، فالباطن ما احتفره الرجل من الآبار أو غرس . قال ربيعة فى ~~كتاب ابن حبيب : العروق أربعة : عرقان فوق الأرض ، وهما الغرس والنبات ، ~~وعرقان فى جوفها : المياه والمعادن ، وفى كتاب ابن سفيان : العروق أربعة : ~~عرقان ظاهران ، وعرقان PageV06P476 باطنان ، فالظاهران : البناء والغرس ، ~~والباطنان : الآبار والعيون ، والعرق الظاهر ما بنى فى أرض غيره . قال ابن ~~حبيب : فالحكم فيه أن يكون صاحب الأرض مخيرا على الظالم ، إن شاء حبس ذلك ~~فى أرضه بقيمته مقلوعا ، وإن شاء نزعه من أرضه . وقال غيره : ومعنى قوله : ~~( وليس لعرق ظالم حق ) يريد ليس له حق كحق نم غرس أو بنى بشبهة ، فإذا غرس ~~أو بنى بشبهة فله حق إن شاء رب الأرض أن يدفع إليه قيمته قائما فعل ، وإن ~~أبى قيل للذى بنى أو غرس ادفع إليه قيمة أرضه براحا ، فإن أبى كانا شريكين ~~فى الأرض والعمارة ، هذا بقيمة أرضه براحا وهذا بقدر قيمة العمارة . قال ~~ابن حبيب : لا خيار للذى بنى أو غرس إذا أبى رب الأرض أن يدفع إليه قيمة ما ~~بنى أو غرس بأن يخرج رب الأرض من أرضه ، ولكن إذا أبى رب الأرض من دفع قيمة ~~ما بنى أو غرس نشرك فيها بينهما مكانه ، هذا بقيمة أرضه براحا ، والآخر ~~بقيمة عمارته قائمة ، أخبرنى ابن الماجشون والمغيرة عن مالك : وتفسير ~~اشتراكهما أن تقوم الأرض اليوم براحا ، ثم ms2148 تقوم بعمارتها ، فما زادت قيمتها ~~بالعمارة على قيمتها براحا ، كان العامر شريكا لرب الأرض فيها إن أحبا قسما ~~أو حبسا . قال ابن الجهم : فإذا دفع رب الأرض قيمة العمارة وأخذ أرضه كان ~~له كرها فيما مضى من السنين . ووقع فى الأمهات : من أعمر أرضا . ولم أجد ~~ذلك فى كتب اللغة ، وذكر صاحب العين : أعمرت الأرض : وجدتها عامرة . ~~PageV06P477 وليس هذا المعنى بمراد من هذا الحديث ، وفى كتاب الأفعال : عمر ~~المكان وعمرته عمارة ، فهو عامر ومعمور ، وفى القرآن : { وعمروها أكثر مما ~~عمروها } فجاء عمرت الأرض ، ولم يجئ أعمرت الأرض ، ويمكن أن يكون من اعتمر ~~أرضا وسقطت التاء من الأمر والله أعلم . * * * # | 13 - باب # / 14 - فيه : ابن عمر ، أن النبى ، عليه السلام ، أرى ، وهو فى معرسه من ~~ذى الحليفة فى بطن الوادى ، فقيل له : إنك ببطحاء مباركة ، فقال موسى : وقد ~~أناخ بنا سالم بالمناخ الذى كان عبدالله ينيخ به ، يتحرى معرس رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - ، وهو أسفل من المسجد الذى ببطن الوادى بينه وبين ~~الطريق وسط من ذلك . / 15 - وفيه : ابن عباس ، عن عمر ، عن النبى ، عليه ~~السلام ، قال : ( الليلة أتانى آت من ربى ، وهو بالعقيق ، أن صل فى هذا ~~الوادى المبارك ، وقل عمرة فى حجة ) . قال المهلب : هذا المعنى الذى حاول ~~البخارى من أنه جعل موضع معرس النبى وصلاته موقوفا له ، ومتملكا له لصلاته ~~وتعريسه فيه لا يقوم على ساق ؛ لأنه عليه السلام قد قال : ( جعلت لى الأرض ~~مسجدا وطهورا ) وقد يصلى فى أرض متملكة ، فلم تكن PageV06P478 صلاته فيها ~~بمبيحة للصلاة فيها للناس إلى يوم القيامة ، وقد صلى فى دار أبى طلحة ودار ~~عتبان ، فلم يبح ذلك للناس أن يتخذوا ذلك الموضع مسجدا ، وإنما أدخله ~~البخارى من أجل أنه نسب المعرس إلى رسول الله . * * * # | 14 - باب إذا قال رب الأرض : أقرك ما أقرك الله ولم يذكر أجلا معلوما ~~فهما على تراضيهما # / 16 - فيه : ابن عمر ، أن عمر أجلى اليهود والنصارى من أرض الحجاز ، ~~وكان عليه السلام لما ظهر على خيبر ms2149 أراد إخراج اليهود منها ، وكانت الأرض ~~حين ظهر عليها لله ولرسوله وللمسلمين ، وأراد إخراج اليهود منها ، فسألت ~~اليهود رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليقرهم بها أن يكفوا عملها ، ولهم ~~نصف الثمر ، فقال لهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( نقركم بها على ~~ذلك ما شئنا ) ، فقروا بها حتى أجلاهم عمر إلى تيماء ، وأريحاء . اعتل من ~~دفع بأنها كانت من النبى - عليه السلام - إلى غير أجل معلوم ، لقوله عليه ~~السلام لليهود : ( أقركم ما أقركم الله ) وكل من أجاز المساقاة فإنما ~~أجازها إلى أجل معلوم ، إلا ما ذكر ابن المنذر عن بعض أصحابه أنه تأول فى ~~قوله عليه السلام لليهود : ( أقركم ما أقركم الله ) جواز المساقاة بغير أجل ~~، وقد تقدم ذكره فى باب ( إذا لم يشترط السنين فى المزارعة ) . والذى عليه ~~أئمة الفتوى أنها لا تجوز إلا بأجل معلوم ، قال مالك : PageV06P479 الأمر ~~عندنا فى النخل أنها تساقى السنتين والثلاث والأربع و أقل وأكثر . وأجازها ~~أصحاب مالك فى عشر سنين فما دونها ، وقال محمد بن الحسن : إذا ساقاه ولم ~~يسم سنين معلومة كان ذلك على سنة واحدة . وهو قول أبى ثور ، وهو يشبه قول ~~ابن الماجشون فيمن اكترى دارا مشاهرة أنه يلزمه شهر واحد ، لأن النبى - ~~عليه السلام - أقر اليهود على أن لهم النصف ، وهذا يقتضى سنة واحدة حتى ~~يتبين أكثر منها . ولا حجة لمن دفع المساقاة فى قوله عليه السلام لليهود : ~~( أقركم ما أقركم الله ) ، ولم يذكر أجلا ، لأنه عليه السلام كان يرجو أن ~~يحقق الله رغبته فى إبعاد اليهود من جواره ، لأنه امتحن معهم فى شأن القبلة ~~فكان مرتقبا للوحى فيهم ، فقال لهم : ( أقركم ما أقركم الله ) منتظرا ~~للقضاء فيهم ، فلم يوح إليه فى ذلك حتى حضرته الوفاة فقال : ( لا يبقين ~~دينان بأرض العرب ) . فقوله عليه السلام : ( أقركم ما أقركم الله ) لا يوجب ~~فساد عقد النبى - عليه السلام - ويوجب فساد عقد غيره بعده ، لأنه عليه ~~السلام كان ينزل عليه الوحى بتقرير الأحكام ونسخها ، فكان بقاء حكمة موقوفا ~~على تقرير الله ms2150 له ، وكان بقاؤه ما أقره الله ، وزواله إذا نسخه من مقتضى ~~العقد ، فإذا شرط ذلك فى عقده لم يوجب فساده ، وليس كذلك صورته من غيره ، ~~لأن الأحكام قد ثبتت وتقررت . ومساقاة رسول الله اليهود على نصف الثمر ~~يقتضى عموم جميع الثمر ، ففيه حجة لمن أجاز المساقاة فى الأصول كلها ، وهو ~~قول ابن أبى ليلى ، ومالك ، والثورى ، والأوزاعى ، وأبى يوسف ، ومحمد ، ~~PageV06P480 وبه قال أحمد ، وإسحاق ، وأبو ثور ، وقال الشافعى : لا تجوز ~~إلا فى النخل والكرم خاصة ، لأن المساقاة عنده لا تجوز إلا فيما يجوز فيه ~~الخرص للزكاة ، وذلك النخل والكرم ، قال : لأن ثمرها بائن من شجره ، و لا ~~حائل دونه يمنع إحاطة النظر إليه ، وغيرهما متفرق بين أضعاف ورق شجره ، لا ~~يحاط بالنظر إليه . وحجة القول الأول أن المساقاة إنما جازت فى النخل ، ~~لأنها أصول ثابتة لا يمكن بيع ثمرها ، ولا إجارتها قبل وجودها ، فجاز أن ~~يساقى عليها بجزء من ثمرها ، كما جاز فى القراض أن يدفع المال بجزء من ربحه ~~لحاجة الناس إلى ذلك ، وضرورتهم إليه فى أمر معاشهم ، فجازت فى كل أصل ثابت ~~يبقى كالزيتون ، والتين ، والرمان ، والفرسك ، والورد ، والياسمين ونحوه ، ~~لأن النبى ساقى أهل خيبر على نصف الثمر ، و هذا عام فى جميع الأشجار . ومن ~~قال : إنما تجوز المساقاة فيما فيه الزكاة ، فيلزمه أن يجيز المساقاة فى ~~الزرع وغيره من الحبوب التى فيها الزكاة ، فلما لم يجزها علم أن المساقاة ~~لم تجب من أجل وجوب الزكاة ، وإنما جازت للضرورة إليه وأن مالكها لا يقدر ~~على عملها بنفسه . قال الطحاوى : ويلزم الشافعى أن يجيز المساقاة فى ~~الزيتون ، والتين ، والكمثرى والأجاص ، والرمان وكل شىء يظهر من شجره ، لأن ~~ذلك يحاط بالنظر إليه . وقال أبو عبد الله بن أبى صفرة : قوله : ( وكانت ~~الأرض لما ظهر عليها لله ولرسوله وللمسلمين ) يريد حين ظهر عليها كل الظهور ~~، حين صالحوه بالخروج عن أموالهم على أن يحقن دماءهم ، فكانت PageV06P481 ~~خيبر لله وللرسول وللمسلمين بما أخذ منهم فى الصلح وخمس ما أخذ عنوة ، لأن ~~المسلمين أخذوا ms2151 سهامهم من العنوة . ولا يعارض ما روى فى كتاب الخمس ( وكانت ~~الأرض لما ظهر عليها لليهود وللرسول وللمسلمين ) وهذا معناه حين ظهر عليها ~~فى العنوة قبل القسمة كانت لله ولرسوله ، وكانت عين العنوة لليهود قبل أن ~~يصالحوه ، فلما صالحوه كانت بعد الصلح وقبل قسمة العنوة لله ولرسوله ، ثم ~~لما قسم العنوة كانت لله ولرسوله الصلح وخمس العنوة ، وللمسلمين أربعة ~~أخماس العنوة . وقوله : ( لما ظهر عليهم فى الطريق الذى فيه لله ولرسوله ~~ولليهود ) ، أى ظهر فى الرجاء ؛ لأنه كان أخذ أعظمها حصنا ، فاستولى عليها ~~رجاء ، ألا ترى أنهم لجئوا إلى مصالحته لما رأوا من ظهوره ، فتركوا الأرض ~~وسلموها لحقن دمائهم ، فكان حكم ذلك الصلح ، وما انجلى عنه أهله بالرعب حكم ~~الفىء لم يجز فيه خمس ، وإنما استخلص منه رسول الله لنفسه ، وكان باقيه ~~لنوائب المسلمين وما يحتاجون إليه . * * * # | 15 - باب ما كان من أصحاب النبى - صلى الله عليه وسلم - يواسى بعضهم ~~بعضا فى الزراعة والثمر # / 17 - فيه : رافع ، عن عمه ، قال : لقد نهانا النبى ، عليه السلام ، عن ~~أمر كان بنا رافقا ، قلت : ما قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فهو حق ~~، قال : دعانى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال : ( ما تصنعون ~~بمحاقلكم ؟ ) قلت : نؤاجرها على الربع ، وعلى PageV06P482 الأوسق من التمر ~~والشعير ، قال : ( لا تفعلوا ، ازرعوها ، أو أزرعوها ، أو أمسكوها ) . قال ~~رافع : قلت : سمعا وطاعة . / 18 - وفيه : جابر ، قال : كانوا يزرعونها ~~بالثلث والربع والنصف ، فقال عليه السلام : ( من كانت له أرض فليزرعها ، أو ~~ليمنحها ، فإن لم يفعل فليمسك أرضه ) . وروى أبو هريرة مثل حديث جابر ، ~~وقال عمرو : ذكرته لطاوس ، فقال : يزرع ، قال ابن عباس : ( أن النبى - عليه ~~السلام - لم ينه عنه ، ولكن قال : أن يمنح أحدكم أخاه خير له من أن يأخذ ~~شيئا معلومات ) . وفيه ابن عمر : ( أنه كان يكرى مزارعه على عهد النبى عليه ~~السلام وأبى بكر ، وعمر ، وعثمان ، وصدرا من إمارة معاوية ، ثم حدث عن رافع ~~بن خديج أن النبى نهى عن كراء المزارع ، فذهب ابن عمر إلى ms2152 رافع فذهبت معه ~~فسأله ، فقال : نهانا النبى - عليه السلام - عن كراء المزارع . فقال ابن ~~عمر : قد علمت أنا كنا نكرى مزارعنا على عهد رسول الله بما على الأربعاء ~~وشىء من التبن ، ثم خشى عبد الله أن يكون النبى - عليه السلام - قد أحدث فى ~~ذلك شيئا لم يكن يعلمه ، فترك كراء الأرض ) . احتج من منع المزارعة بحديث ~~رافع عن عمه قال : ( لقد نهانا النبى عن أمر كان بنا رافقا . . . ) وبحديث ~~جابر ، وبترك PageV06P483 ابن عمر كراء الأرض من أجل حديث رافع ، واحتج ~~الذين أجازوا المزارعة بحديث ابن عمر أن النبى - عليه السلام - عامل أهل ~~خيبر بشطر ما يخرج منها من زرع أو ثمر على ما تقدم ذكره . وقال ابن المنذر ~~: اختلفت ألفاظ أحاديث رافع ، واختلفت فيها العلل التى من أجلها نهى عن ~~كراء الأرض وعن المخابرة ، فأحد تلك العلل : اشتراطهم أن لرب الأرض ناحية ~~منها . وعلة ثانية : وهو اشتراطهم الأكار أن ما سقى الماذيان والربيع فهو ~~لنا ، وما سقت الجداول فهو لكم . وعلة ثالثة : وهى إعطاؤهم الأرض على الثلث ~~والربع والنصف . وعلة رابعة : وهو أنهم كانوا يكرونا بالطعام المسمى ~~والأوسق من الثمر . و علة خامسة : وهى أن نهيه عن ذلك عليه السلام كان ~~لخصومة وقتال كان بينهم . وروى عن عروة بن الزبير ، عن زيد بن ثابت قال : ( ~~يغفر الله لرافع ، أنا والله أعلم بالحديث منه ، إنما أتى رجلان من الأنصار ~~قد اقتتلا ، فقال رسول الله : إن كان هذا شأنكم فلا تكروا المزارع ، فسمع ~~قوله : لا تكروا المزارع ) . وعلة سادسة : احتج بها من جعل نهيه عليه ~~السلام عن ذلك نهى تأديب ، وذلك قول ابن عباس : ( أن النبى - عليه السلام - ~~لم ينه عنه : يعنى : لم يحرمه ) . وروى شعبة عن عمرو بن دينار ، عن طاوس ، ~~عن ابن عباس ( أن النبى - عليه السلام - لم يحرم المزارعة ، وإنما أراد أن ~~يرزق بعضهم بعضها ) . قال ابن المنذر : فإذا كان سبيل أخبار رافع ما ذكرنا ~~وجب الوقوف PageV06P484 عن استعمالها ؛ لكثرة عللها ، ووجب القول بحديث ابن ~~عمر ، وهو خبر ثابت ms2153 لا علة فيه ، وكذلك قال سالم بن عبد الله : أكثر رافع ، ~~ولو كانت لى مزارع لأكريتها . وقال أحمد بن حنبل : أحاديث رافع مضطربة ، ~~وأحسنها حديث يعلى بن حكيم عن سليمان بن يسار . وأما قوله فى حديث رافع : ( ~~فنؤاجرها على الأوسق من التمر والشعير ) ، فإن العلماء اختلفوا فى كراء ~~الأرض بالطعام ، فقال أبو حنيفة ، والأوزاعى ، والثورى ، والشافعى ، وأبو ~~ثور : يجوز أن تكرى الأرض بالطعام كله إذا كان معلوما فى ذمة المكترى ، ~~قالوا : وكل ما جاز أن يكون ثمنا لشىء جاز أن تكرى به الأرض ما لم يكن ~~مجهولا أو غررا . وروى ذلك عن النخعى . وعكرمة ، وسعيد بن جبير ، والحجة ~~لهم حديث الأوزاعى عن ربيعة ، عن حنظلة ابن قيس قال : ( سألت رافع بن خديج ~~عن كراء الأرض بالذهب والورق ، فقال : لا بأس به ، إنما كان الناس على عهد ~~رسول الله يؤاجرون الأرض بما على الماذيانات وإقبال الجداول ، فيهلك هذا ، ~~ويسلم هذا ، فزجر عنه رسول الله ، فأما شىء معلوم مضمون فلا ) قالوا : فقد ~~أخبر رافع بالعلة التى لها نهى رسول الله عن ذلك ، وهو جهل البدل ، وأخبر ~~أن كراها جائز بكل شىء معلوم . قال ابن المنذر : إن أكراها بطعام معلوم ~~يكون فى ذمة المكترى ، أو بطعام حاضر يقبضه : فذلك جائز ، وأما إن أكراها ~~بجزء PageV06P485 مما يخرج منها فذلك غرر ، لأنها قد تخرج وقد لا تخرج وهذا ~~عند الشافعى المزارعة المنهى عنها ، وقال مالك : لا يجوز أن يكرى الأرض ~~بشىء مما يخرج منها أكل أو لم يؤكل ، ولا بشىء من ما يؤكل ويشرب ، خرج منها ~~أم لا . واختلف أصحابه فى ذلك ، فقال ابن كنانة : لا تكرى الأرض بشىء إذا ~~أعيد فيها نبت ، ولا بأس أن تكرى بما سوى ذلك من الطعام وغيره . وقال ابن ~~نافع : جائز كراء الأرض بكل شىء من الطعام والإدام غير الحنطة والسلت ~~والشعير ، فإنها محاقلة . والحجة لمالك ما رواه شعبة عن يعلى بن حكيم ، عن ~~سليمان بن يسار ، عن رافع بن خديج قال : قال رسول الله : ( من كانت له أرض ms2154 ~~فليزرعها ، أو يزرعها ، ولا يكريها بثلث ولا بربع ، ولا بطعام مسمى ) ، ~~وهذا عموم فى كل ما يخصه اسم طعام ، سواء أنبتته الأرض أم لا ، وإذا أكراها ~~بطعام فهو فى معنى المخابرة المنهى عنها ، لأنه يصير طعاما بطعام متأخر أو ~~طعاما بطعام متفاضلا وذلك محرم . الربيع : الجدول ، والماذيانات : جداول ~~الماء ، وما نبت على حافتى مسيل الماء . * * * # | 16 - باب كراء الأرض بالذهب والفضة # وقال ابن عباس : إن أمثل ما أنتم صانعون أن تستأجروا الأرض البيضاء من ~~السنة إلى السنة . PageV06P486 / 19 - فيه : رافع ، قال : حدثنى عماى أنهم ~~كانوا يكرون الأرض على عهد النبى عليه السلام ، بما ينبت على الأربعاء ، أو ~~بشىء يستثنيه صاحب الأرض ، فنهانا النبى ، عليه السلام ، عن ذلك ، فقلت ~~لرافع : فكيف هى بالدينار والدرهم ؟ فقال رافع : ليس بها بأس بالدينار ~~والدرهم . قال الليث : وكان الذى نهى عن ذلك ، ما لو نظر فيه ذوو الفهم ~~بالحلال والحرام ، لم يجيزوه لما فيه من المخاطرة . اتفق العلماء على أنه ~~يجوز كراء الأرض بالذهب والفضة ، قال ابن المنذر : وهذا إجماع الصحابة ، ~~وذهب ربيعة إلى أنه لا يجوز أن يكرى بشىء غير الذهب والفضة . وقال طاوس : ~~لا تكرى بالذهب ولا بالفضة ، وتكرى بالثلث والربع . وقال الحسن البصرى : لا ~~يجوز أن تكرى الأرض بشىء لا بذهب وفضة ولا بغيرهما . والحجة لقول الحسن ما ~~روى عن رافع بن خديج ( أن الرسول نهى عن كرى الأرض مطلقا ) ، وقال : إذا ~~استأجرها وحرث فيها لعله أن يحترق زرعه ، فيردها وقد زادت بحرثه لها ، ~~فينتفع رب الأرض بتلك الزيادة دون المستأجر ، وهذا ليس بشىء ، لأن سائر ~~البيوع لا تخلو من شىء من الغرر ، والسلامة فيها PageV06P487 أكثر ، ولو ~~روعى فى البيوع ما يجوز أن يحدث لم يصح بيع لأحد ، لأجل خشية ما يحدث من ~~عند الله تعالى . وقد ثبت عن رافع فى هذا الباب أن كراء الأرض بالذهب ~~والفضة جائز ، وذلك مضاف إلى رسول الله ، وهو خاص يقضى على العام الذى جاء ~~فيه النهى عن كراء الأرض بغير استثناء ذهب ولا فضة ، والزائد ms2155 من الأخبار ~~أولى أن يؤخذ به ، لئلا تتعارض الأخبار ويسقط شىء منها . والأربعاء : جداول ~~الماء ، واحدها : ربيع ، عن صاحب العين . * * * # | 17 - باب السقى # / 20 - فيه : أبو هريرة ، أن النبى ، عليه السلام ، كان يوما يحدث ، ~~وعنده رجل من أهل البادية : ( أن رجلا من أهل الجنة استأذن ربه فى الزرع ، ~~فقال له : ألست فيما شئت ؟ قال : بلى ، ولكنى أحب أن أزرع ، قال : فبذر ، ~~فبادر الطرف نباته واستواؤه واستحصاده ، فكان أمثال الجبال ، فيقول الله ، ~~عز وجل : دونك يا ابن آدم ، فإنه لا يشبعك شىء ) ، فقال الأعرابى : والله ~~لا نجده إلا قرشيا ، أو أنصاريا ، فإنهم أصحاب زرع ، وأما نحن فلسنا بأصحاب ~~زرع ، فضحك النبى - صلى الله عليه وسلم - . قال الهلب : فى هذا الحديث أن ~~كل ما اشتهى فى الجنة PageV06P488 من أعمال الدنيا ولذاتها فممكن فيها ، ~~لقوله تعالى : { وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين } . قال المؤلف : وفيه ~~الحكم بالدليل ، ووصف الناس بغالب عادتهم وأحوالهم ، لقول الأعرابى : ( ~~والله لا نجده إلا قرشيا أو أنصاريا فإنهم أصحاب زرع ، فضحك النبى ) فدل ~~ضحكه على إصابة الأعرابى للحق فى استدلاله ، ففى ذلك من الفقه أنه من لزم ~~طريقة وحالة من خير أو شر أنه يجوز وصفه بها ، ولا حرج على واصفه بالشر إن ~~لزم طريقته ، وفيه ما جبل الله عليه نفوس بنى آدم من حب الاستكثار ، ~~والرغبة فى متاع الدنيا ، لأن الله قد أغنى أهل الجنة عن نصب الدنيا ~~ومتاعها ، فقال تعالى : { وقالوا الحمد لله الذى أذهب عنا الحزن } . وقوله ~~: ( دونك يا ابن آدم ، لا يشبعك شىء ) يدل على فضل القناعة ، والاقتصار على ~~البلغة ، وذم الشره والرغبة . * * * # | 18 - باب ما جاء فى الزرع # / 21 - فيه : سهل بن سعد ، كنا نفرح بيوم الجمعة ، كانت لنا عجوز تأخذ من ~~أصول سلق لنا كنا نغرسه فى أربعائنا ، فتجعله فى قدر لها فتجعل فيه حبات من ~~شعير ، لا أعلم إلا أنه قال : ليس فيه شحم ، ولا ودك ، فإذا صلينا الجمعة ~~زرناها ، فقربته إلينا ، فكنا نفرح PageV06P489 بيوم الجمعة من أجل ذلك ، ~~وما كنا نتغدى ms2156 ، ولا نقيل إلا بعد الجمعة . / 22 - وفيه : أبو هريرة ، ~~يقولون : أكثر أبا هريرة ، والله الموعد ، ويقولون : ما للمهاجرين والأنصار ~~لا يحدثون مثل حديثه ، وإن إخوتى من المهاجرين كانت يشغلهم الصفق بالأسواق ~~، وإن إخوتى من الأنصار كان يشغلهم عمل أموالهم ، وكنت امرا مسكينا ألزم ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على ملء بطنى ، وأحضر حين يغيبون ، وأعى ~~حين ينسون ، وقال عليه السلام يوما : ( إن يبسط أحد منكم ثوبه حتى أقضى ~~مقالتى هذه ، ثم يجمعه إلى صدره ، فلا ينسى من مقالتى شيئا أبدا . . . . ) ~~، الحديث . فى هذا الحديث عمل الصحابة فى الحرث والزرع بأيديهم ، وخدمة ذلك ~~بأنفسهم ، ألا ترى قول أبى هريرة : ( وإن إخوانى من الأنصار كان يشغلهم عمل ~~أموالهم ) ، وكذلك المرأة العجوز كانت تغرس السلق للنبى - عليه السلام - ~~وأصحابه ففى هذا أن الامتهان فى طلب المعاش للرجال والنساء من فعل الصالحين ~~، وأنه لا عار فيه ولا نقيصة على أهل الفضل . قال المهلب : وفيه إجابة ~~المرأة الصالحة إلى الطعام . وفيه دليل على التهجير بالجمعة والمبادرة ~~إليها عند أول الزوال ، وإنما كانوا يشغلون بالغسل ، ومراعاة التهجير عن ~~قائلتهم المعروفة فى سائر الأيام ، فلا يجدون السبيل إليها إلا بعد الصلاة ~~، لا أنهم كانوا يصلونها قبل زوال الشمس ، كما ظن بعض الناس وخالف كتاب ~~الله فى قوله : { أقم الصلاة لدلوك الشمس } وقد تقدم هذا فى كتاب الجمعة . ~~PageV06P490 * * * بسم الله الرحمن الرحيم # | 36 - كتاب المياه # # | 1 - باب ما جاء فى الشرب وقول الله : { وجعلنا من الماء كل شىء حى أفلا ~~يؤمنون } وقوله تعالى : { أفرأيتم الماء الذة } إلى قوله : { تشكرون } . # وقال عثمان : عن النبى عليه السلام : ( من يشترى بئر رومة فيكون دلوه ~~فيها كدلاء المسلمين ) ، فاشتراها عثمان . معنى قوله تعالى : { وجعلنا من ~~الماء كل شىء حى } أراد به حياة جميع الحيوان الذى يعيش بالماء ، وقيل : ~~عنى بالماء هاهنا : النطفة خاصة . ومن قرأ : { وجعلنا من الماء كل شىء حيا ~~} يدخل فيه الحيوان والجماد ، لأن الزرع والشجر لها موت إذا جفت ويبست ، ~~فحياتها خضرتها ونضرتها ، والمزن : السحاب ، والأجاج : المالح . عدد ms2157 الله ~~على عباده نعمته فى خلقه لهم الماء عذبا يتلذذون بشربه ، وتنموا به ثمارهم ~~، ولو شاء لجعله مالحا فلا يشربون منه ، ولا ينتفعون به فى زرعهم وثمارهم { ~~فلولا تشكرون } أى : فهلا تشكرون الله على ما فعل بكم . وأما بئر رومة ~~فإنها كانت ليهودى ، وكان يضرب عليها القفل ويغيب ، فيأتى المسلمون ليشربوا ~~منها الماء فلا يجدونه حاضرا ، PageV06P491 فيرجعون بغير ماء ، فشكا ~~المسلمون ذلك ، فقال عليه السلام : ( من يشترى بئر رومة و يبيحها للمسلمين ~~، ويكون نصيبه فيها كنصيب أحدهم وله الجنة ، فاشتراها عثمان ) ، وهذا ~~الحديث حجة لمالك ومن وافقه فى قولهم : إنه لا بأس ببيع الآبار والعيون فى ~~الحضر إذا احتفرها لنفسه ولم يحتفرها للصدقة ، فلا بأس ببيع مائها ، وكره ~~بيع ماء حفر من الآبار فى الصحارى من غير أن يحرمه . وأما قوله : ( فيكون ~~دلوه فيها كدلاء المسلمين ) يعنى : يجعلها حبسا لله ، ويكون حظه منها كحظ ~~غيره ممن لم يحبسها ، ولا يكون له فيها مزية على غيره . فإن قيل : إذا شرط ~~أن يكون دلوه فيها كدلاء المسلمين ، ففيه من الفقه أن يجوز للمحبس أن ينتفع ~~بما يحبسه إذا شرط ذلك . قيل : هذا ينقسم قسمين : فأما من حبس بئرا وجعلها ~~للسقاة فلا بأس أن يشرب منها وإن لم يشترط ذلك ، لأنه داخل فى جملة السقاة ~~. ومن حبس عقارا فلا يجوز له أن ينتفع بشىء منها إلا أن يشترط أن يكون ~~نصيبه فيه كنصيب أحد المسلمين ، فإذا لم يشترط ذلك فلا يجوز له الانتفاع ~~بشىء منه ، لأنه أخرجه لله - تعالى - ولا يجوز الرجوع فيه . فإن قيل : فما ~~الفرق بين وقف البئر ووقف العقار ؟ قيل : الفرق بينهما أن سائر الغلات ~~تنقطع فى أوقات ما ، وإذا أخذ منها المحبس فقد حرم ذلك الشىء أهل الحاجة ~~وانفرد به . و ماء الآبار لا ينقطع أبدا ، لأنها نابعة فلا يحرم أحد ~~PageV06P492 من أهل الحاجة ما أخذ منها محبسها وسيأتى ما يجوز انتفاع ~~المحبس به من حبسه فى باب : هل ينتفع الواقف بوقفه فى كتاب الأوقاف - إن ~~شاء الله . * * * # | 2 ms2158 - باب من رأى صدقة الماء وهبته ووصيته جائزة مقسوما كان أو غير مقسوم # وقال عثمان : قال النبى عليه السلام : ( من يشترى بئر رومة فيكون دلوه ~~فيها كدلاء المسلمين ) ، فاشتراها عثمان . / 1 - فيه : سهل ، أتى النبى ، ~~عليه السلام ، بقدح فشرب منه ، وعن يمينه غلام أصغر القوم ، والأشياخ عن ~~يساره ، فقال : ( يا غلام ، أتأذن لى أن أعطيه الأشياخ ؟ ) فقال : ما كنت ~~لأوثر بفضلى منك أحدا يا رسول الله ، فأعطاه إياه . / 2 - وفيه : أنس ، ~~حلبت لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - شاة داجن ، وهى فى دار أنس ، فشبت ~~لبنها بماء من البئر التى فى دار أنس بن مالك ، فأعطى رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - القدح ، فشرب منه ، حتى إذا نزع القدح من فيه ، وعلى يساره أبو ~~بكر وعلى ، وعن يمينه أعرابى ، فقال له عمر - وخاف أن يعطيه الأعرابى - : ~~أعط أبا بكر يا رسول الله عندك ، فأعطاه الأعرابى الذى على يمينه ، ثم قال ~~: ( الأيمن ، فالأيمن ) . جميع ما يوهب للجماعة من الأشياء كلها هم فيها ~~متشاركون ، وحقوقهم فيها متساوية ، لا فضل لأحد منهم على صاحبه ، وإنما ~~PageV06P493 جازت هبة الماء واللبن غير مقسومين لقلة التشاح فيهما ، ولأن ~~العادة قد جرت من الجماعة إذا أكلت أو شربت معا أنها تجرى فى ذلك على ~~المكارمة ، ولا ينقضى بعضهم على بعض ، لأن ذلك إنما يوضع للناس على قدر ~~نهمتهم ، فمنهم من يكفيه اليسير ، ومنهم من يكفيه أكثر منه ، إلا أن من ~~استعمل أدب المؤاكلة والمشاربة أولى ، وأن لا يستأثر أحدهم بأكثر من نصيب ~~صاحبه . ألا ترى أن مالكا قد قال : لا يقرن أحد بين تمرتين إلا أن يستأذن ~~أصحابه فى ذلك ، لما كان التمر مما يتشاح فيه أكثر من التشاح فى الماء ~~واللبن . وقال المهلب : إنما استأذن النبى - عليه السلام - الغلام فى حديث ~~سهل ، ولم يستأذن الأعرابى فى حديث أنس ، لأن الأعرابى الذى كان عن يمين ~~النبى - عليه السلام - كان من السادة و المشيخة وكان طرى الهجرة لا علم له ~~بالشرائع ، فأعطاه النبى - عليه السلام - ولم يستأذن أبا ms2159 بكر استئلافا منه ~~للأعرابى ، وتطييبا لنفسه ، وتشريفا له ، ولم يجعل للغلام تلك المنزلة ، ~~لأنه كان من قرابته ، وسنه دون سن الأشياخ الذين كانوا على يساره فاستأذنه ~~فى أن يعطيهم بادئا عليهم ، ولئلا يوحشهم بإعطاء ابن عمه وهو صبى ويقدمه ~~عليهم حتى أعلمهم أن ذلك يجب له بالتيامن فى الجلوس ، وقيل : إن الغلام : ~~الفضل بن عباس ، وقد تقدم فى كتاب الأشربة زيادة فى هذا المعنى . ~~PageV06P494 * * * # | 3 - باب من قال إن صاحب الماء أحق بالماء حتى يروى لقول الرسول - صلى ~~الله عليه وسلم - : ( لا يمنع فضل الماء ليمنع به الكلأ ) # / 3 - فيه : أبو هريرة ، أن النبى ، عليه السلام ، قال : ( لا يمنع فضل ~~الماء ، ليمنع به الكلأ ) . وقال مرة : ( فضل الكلأ ) . لا خلاف بين ~~العلماء أن صاحب الماء أحق بالماء حتى يروى ، لأن النبى - عليه السلام - ~~إنما نهى عن منع فضل الماء ، فأما من لا يفضل له ماء فلا يدخل فى هذا النهى ~~، لأن صاحب الشىء أولى به ، وتأويل قوله عليه السلام : ( لا يمنع فضل الماء ~~ليمنع به الكلأ ) عند مالك فى الآبار التى يحتفرها الرجل فى الصحارى ~~والفلوات التى ليست لأحد ، إنما هى مرعى للماشية ، فيريد أن يمنع ماشية ~~غيره أن تسقى من تلك البئر . ففيها قال عليه السلام ذلك ، يقول : إذا منع ~~حافرها فضل مائها لغير ماشيته فقد منع حافرها فضل مائها فقد منع الكلأ الذى ~~حول البئر وانفرد به دون غيره ، لأن أحدا لا يرعى فيه إذا لم يكن للماشية ~~ما تشربه ، فأما البئر التى يحتفرها الرجل فى أرضه فيجوز له عند مالك أن ~~يمنع ماءها . وكره مالك منع ما عمل من ذلك فى الصحارى من غير أن يحرمه ، ~~قال : ويكون أحق بمائها حتى يروى ، ويكون للناس ما فضل إلا من مر بهم ~~شفاههم ودوابهم فإنهم لا يمنعون كما يمنع من سواهم . وقال الكوفيون : له أن ~~يمنع من دخول أرضه وأخذ مائه إلا أن يكون لشفاههم وحيوانهم ماء فيسقيهم ~~وليس عليه سقى زرعهم . PageV06P495 وقال عيسى بن دينار فى تفسير قوله ms2160 عليه ~~السلام : ( لا يمنع فضل بئر ) يقول : من كان له جار انقطع ماؤه وله عليه ~~زرع أو أصل فلم يجد ما يسقى به زرعه أو حائطه ، وله بئر فيها فضل عن سقى ~~زرعه أو حائطه ، فلا يمنع جاره أن يسقى بفضل مائه ، قلنا : فنحكم عليه بذلك ~~؟ قال : لا ، ولكن يؤمر بذلك عليه ، فإن أبى منه لم يقض عليه . قال أصبغ : ~~وقال ابن القاسم : يقضى ذلك لجاره بالثمن . وفى المدونة قلت لابن القاسم : ~~يقضى عليه بثمن أو بغير ثمن ؟ قال : قال مالك : يقضى بغير ثمن . قال ابن ~~مزين : قلت لعيسى : فإن باع فضله ، أترى جاره الذى انقطع ماؤه أولى به ~~بالثمن ؟ قال : نعم . وفى قوله عليه السلام : ( لا يمنع فضل الماء ليمنع به ~~الكلأ ) من الفقه المنع من الذرائع ، وذلك لأنه نهى أن يمنع الماء ، لئلا ~~يتذرع بذلك إلى منع الكلأ ، وقال الكوفيون : لا تجوز إجارة المراعى ولا ~~بيعها ، ولا يملك الكلأ صاحب الأرض حتى يأخذه فيحوزه . وهو قول الشافعى ، ~~وقال مالك : لا بأس أن يبيع مراعى أرضه سنة واحدة ، ولا يبيعها سنتين ولا ~~ثلاثا ، ولا يبيعها حتى تطيب ويبلغ الخصب أن يرعى . وقال الثورى : لا بأس ~~أن يحمى الكلأ للبيع ، والشجر للحطب أو البيع . PageV06P496 * * * # | 4 - باب من حفر بئرا فى ملكه لم يضمن # / 4 - فيه : أبو هريرة ، قال : قال النبى ، عليه السلام : ( المعدن جبار ~~، والبئر جبار ، والعجماء جبار ، وفى الركاز الخمس ) . اختلف العلماء فى ~~هذه المسألة ، فقال مالك فيمن حفر بئرا ، أو أوقف دابة فى موضع يجوز له أن ~~يصنع ذلك فيه ، فسقط أحد فى البئر ، أو ضربت الدابة أحدا أنه لا ضمان عليه ~~ولا دية ، وإنما يضمن من ذلك ما حفره فى طريق المسلمين ، أو صنع من ذلك ما ~~لا يجوز له أن يصنعه فيه ، فهذا بمنزلة الإمام إذا حد أحدا فمات المحدود ~~فلا شىء على الإمام ؛ لأنه فعل ما يجوز له ، وإنما يلزمه الضمان إذا تعدى ~~فى الحد ، وبمثله كله قال الشافعى . وقال أبو حنيفة وأصحابه : من حفر ms2161 بئرا ~~أو أوقف دابة فى موضع يجوز له ذلك فيه فليس يبرئه من الضمان ما أجاز إحداثه ~~له . واختلفوا فى رجل حفر فى داره بئرا لسارق يرصده ، أو وضع حبالات له ~~فعطب به السارق أو غيره ، فقال مالك : هو ضامن . وقال الليث : لا ضمان عليه ~~. وحجته قول الرسول : ( البئر جبار ) . وحجة مالك أنه لا يجوز له أن يقصد ~~بذلك الفعل أن يهلك به أحدا ؛ لأنه متعد بهذا القصد ، وقد يمكنه التحرز ~~بغيره . قال : فإن حفر الحفيرة فى حائطه للسباع فعطب به إنسان فلا ضمان ~~عليه عند مالك ؛ لأنه فعل ما يجوز له فعله ، ولا غنى به عنه ، PageV06P497 ~~ولم يقصد بالحفر تلف إنسان فيكون متعديا ، وسيأتى معنى قوله : ( العجماء ~~جبار ) فى كتاب الديات - إن شاء الله . * * * # | 5 - باب الخصومة فى البئر والقضاء فيها # / 5 - فيه : عبدالله بن مسعود ، عن النبى ، عليه السلام ، قال : ( من حلف ~~على يمين يقتطع بها مال امرئ هو فيها فاجر ، لقى الله وهو عليه غضبان ) ، ~~فأنزل الله : { إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا } الآية ، ~~فجاء الأشعث ، فقال : ما يحدثكم أبو عبدالرحمن فى أنزلت هذه الآية كانت لى ~~بئر فى أرض ابن عم لى ، فقال لى : ( شهود ذلك ) ، قلت : ما لى شهود ، قال : ~~( فيمينه ) ، قلت : يا رسول الله ، إذا يحلف فذكر النبى ، عليه السلام ، ~~هذا الحديث ، فأنزل الله ذلك تصديقا له . قال المهلب : هذا الوعيد يخشى ~~إنفاذه على كل يمين غموس تقتطع بها مال أحد بغير حق ، وفيه الترجمة ، وفيه ~~أن البينة على المدعى ، واليمين على من أنكر ، وفيه جواز تولى الخصوم بعضهم ~~بعضا بما عرف من أحوالهم ؛ لقوله : ( إذا يحلف ويذهب بحقى ) لأنه كان ~~معلوما بقلة التقوى ، وقد قيل : إنه كان يهوديا ، فإن كان كذلك فليس بين ~~المسلم والذمى قصاص ولا حد ، وإن كان غير ذمى فلأنه كان معلوما بالمجاهرة ~~بالباطل . والدليل على صحة هذا القول نزول الآية مصدقة لقوله النبى - ~~PageV06P498 عليه السلام - وليس بمعلوم بالأحوال الدينية من الحرمة ما ~~لصالح المسلمين . * * * # | 6 - باب إثم ms2162 من منع ابن السبيل من الماء # / 6 - فيه : أبو هريرة ، قال : قال النبى ، عليه السلام : ( ثلاثة لا ~~ينظر الله إليهم يوم القيامة ، ولا يزكيهم ، ولهم عذاب أليم ، رجل كان له ~~فضل ماء بالطريق فمنعه من ابن السبيل ، ورجل بايع إماما لا يبايعه إلا ~~لدنيا ، فإن أعطاه منها رضى ، وإن لم يعطه منها سخط ، ورجل أقام سلعته بعد ~~العصر ، فقال : والله الذى لا إله إلا هو لقد أعطيت بها كذا وكذا فصدقه رجل ~~) ، ثم قرأ هذه الآية : { إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا } ~~. قال المهلب : وهذا وعيد على المسلمين أيضا ، وكل وعيد يتوجه إلى المسلمين ~~فهو موكول إلى مشيئة الله ، وهو فيه بالخيار إن شاء عفا عنه ، وإن شاء ~~أنفذه فإن أنفذه على المسلم فلا يكون فيه خلود ؛ لأن الخلود فى الذنوب قد ~~رفع عن أهل التوحيد . وقوله : ( منع فضل الماء ) يدل أن صاحب البئر أولى من ~~ابن السبيل عند الحاجة ، فإذا أخذ صاحب البئر حاجته لم يجز له منع ابن ~~السبيل ، وقوله : ( بايع إماما ) هو فى معنى قوله عليه السلام : ( من كانت ~~هجرته لدنيا يصيبها ) الحديث ، وأن الله - تعالى - لا يقبل فى الهجرة ~~والمبايعة والأعمال إلا ما أريد به وجهه ، وما لا يريد به PageV06P499 وجهه ~~فلا يرضى به ، وله أن يعاقب عليه ، وقوله : ( بعد العصر ) يدل أنه وقت تعظم ~~فيه المعاصى لارتفاع الملائكة بأعمال الناس إلى الله ، فيعظم أن يرتفعوا عن ~~العبد بالمعصية إلى الله ويكون أجر عمله المرفوع ، وفيه أن خواتم الأعمال ~~هى المرجوة والمحتسبة . * * * # | 7 - باب سكر الأنهار # / 7 - فيه : ابن الزبير أنه حدثه ، أن رجلا من الأنصار خاصم الزبير عند ~~النبى ، عليه السلام ، فى شراج الحرة التى يسقون بها النخل ، فقال الأنصارى ~~: سرح الماء يمر ، فأبى عليه ، فاختصما عند النبى ، عليه السلام ، فقال ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - للزبير : ( أسق يا زبير ، ثم أرسل الماء ~~إلى جارك ) ، فغضب الأنصارى ، فقال : أن كان ابن عمتك ، فتلون وجه رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - ، ثم قال ms2163 : ( اسق يا زبير ، ثم احبس الماء حتى ~~يرجع إلى الجدر ) ، فقال الزبير : والله إنى لأحسب هذه الآية نزلت فى ذلك { ~~فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم } . وترجم له باب شرب الأعلى ~~قبل PageV06P500 الأسفل ، وترجم له شرب الأعلى إلى الكعبين إلى : ( حتى ~~يرتفع إلى الجدر واستوعى له حقه . . . ) الحديث . قال ابن شهاب : فقدرت ~~الأنصار والناس قول النبى - عليه السلام - : ( اسق ثم احبس حتى يرتفع إلى ~~الجدر ) ، فكان ذلك إلى الكعبين . اختلف أصحاب مالك فى صفة إرسال الماء ~~الأعلى إلى الأسفل ، فقال ابن حبيب : يدخل صاحب الأعلى جميع الماء فى حائطه ~~ويسقى به إذا بلغ الماء من قاعه الحائط إلى الكعبين من القائم فيه : أغلق ~~مدخل الماء وصرف ما زاد من الماء على مقدار الكعبين إلى من يليه ، فيصنع به ~~مثل ذلك حتى يبلغ ماء السيل إلى أقصى الحوائط ، وهكذا فسر لى مطرف وابن ~~الماجشون ، وقاله ابن وهب . وقال ابن القاسم : إذا انتهى الماء فى الحائط ~~إلى مقدار الكعبين أرسله كله إلى من تحته ولم يحبس منه شيئا فى حائطه . قال ~~ابن حبيب : وقول مطرف وابن الماجشون أحب إلى ، و هما أعلم بذلك ، لأن ~~المدينة كانت دارهما وبها كانت القضية ، وفيها جرى العمل بها . وذكر ابن ~~مزين عن ابن القاسم مثل ما حكاه ابن حبيب عن مطرف و ابن الماجشون . قال ابن ~~حبيب : وما كان من الخلج والسواقى التى يجتمع أهل القرى على إنشائها وأجرى ~~الماء فيها لمنافعهم ، فقل الماء فيها ونضب عنها فى أوقات نضوبه فالأعلى ~~والأسفل فيها بالسواء ، يقسم بينهم على قدر حقوقهم فيها ، استوت حاجتهم أو ~~اختلفت ، هكذا فسر لى مطرف وابن الماجشون وأصبغ وقاله ابن وهب وابن القاسم ~~وابن نافع . قال المهلب : وفى الحديث من الفقه الإشارة بالصلح والأمر به ، ~~وفيه أن للحاكم أن يستوعى لكل واحد من المتخاصمين حقه إذا لم ير ~~PageV06P501 منهما قبولا للصلح ولا رضا بما أشار به ، كما فعل النبى - عليه ~~السلام - وفيه توبيخ من جفا على الإمام والحاكم ومعاقبته ، لأن ms2164 النبى - ~~عليه السلام - عاقبه على قوله : ( أن كان ابن عمتك ) بأن استوعى للزبير حقه ~~، ووبخه الله فى كتابه بأن نفى عنهم الإيمان حتى يرضوا بحكمه ، فقال : { ~~فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك } الآية . ابن السكيت : سكرت النهر أسكره ~~سكرا : سددته . قال صاحب العين : والسكر اسم ذلك السداد الذى يجعل سدا ~~للعين ونحوه . قال الفسوى : ومنه قوله تعالى : { سكرت أبصارنا } . ابن دريد ~~: أصله من سكرت الريح : سكن هبوبها . قال أبو عبيد : والشروج والشراج مسائل ~~الماء من الحرار إلى السهولة ، واحدها شرج قال غيره : شرج . وقال أبو حنيفة ~~: تسمى الحواجز التى بين الديار التى تمسك الماء الجدور ، واحدها جدر . * * ~~* # | 8 - باب فضل سقى الماء # / 8 - فيه : أبو هريرة ، عن النبى ، عليه السلام ، قال : ( بينا رجل يمشى ~~فاشتد عليه العطش ، فنزل بئرا فشرب منها ، ثم خرج فإذا هو بكلب يلهث يأكل ~~الثرى من العطش ، فقال : لقد بلغ هذا مثل الذى بلغ بى ، فملا خفه ، ثم ~~أمسكه بفيه ، ثم رقى فسقى الكلب ، فشكر الله له ، فغفر له ) ، قالوا : يا ~~رسول الله ، وإن لنا فى البهائم أجرا ؟ قال : ( فى كل كبد رطبة أجر ) . / 9 ~~- وفيه : أسماء ، أن النبى ، عليه السلام ، صلى صلاة الكسوف ، PageV06P502 ~~فقال : ( أدنت منى النار ، حتى قلت : أى رب ، وأنا معهم ؟ فإذا امرأة - ~~حسبت أنه قال : تخدشها هرة - قال : ما شأن هذه ؟ قالوا : حبستها حتى ماتت ~~جوعا ) ، قال : فقال - والله أعلم - : ( لا أنت أطعمتتها ولا سقيتيها حين ~~حبستيها ، ولا أنت أرسلتيها تأكل من خشاش الأرض ) . سقى الماء من أعظم ~~القربات إلى الله - تعالى و قد قال بعض التابعين : من كثرت ذنوبه فعليه ~~بسقى الماء ، وإذا غفرت ذنوب الذى سقى الكلب فما ظنكم بمن سقى رجلا مؤمنا ~~موحدا أو أحياه بذلك . وقد استدل بهذا الحديث من أجاز صدقة التطوع على ~~المشركين ، لعموم قوله عليه السلام : ( فى كل كبد رطبة أجر ) وفيه أن ~~المجازاة على الخير والشر قد تكون يوم القيامة من جنس الأعمال ، كما قال ~~عليه السلام : ( من قتل نفسه بحديدة عذب بها فى ms2165 نار جهنم ) . وقال صاحب ~~الأفعال : لهث الكلب ، ولهث بفتح الهاء وكسرها : أدلع لسانه عطشا ، ولهث ~~الإنسان أيضا اشتد عطشه . * * * # | 9 - باب من قال : أن صاحب الحوض والقربة أحق بمائه # / 10 - فيه : سهل ، أتى النبى ، عليه السلام ، بقدح فشرب منه ، وعن يمينه ~~غلام هو أحدث القوم ، والأشياخ عن يساره ، قال : ( يا غلام ، أتأذن لى أن ~~أعطى الأشياخ ؟ ) فقال : ما كنت لأوثر بنصيبى منك أحدا يا رسول الله ، ~~فأعطاه إياه . / 11 - PageV06P503 وفيه : أبو هريرة ، عن النبى ، عليه ~~السلام ، قال : ( والذى نفسى بيده ، لاذودن رجالا عن حوضى ، كما تذاد ~~الغريبة من الإبل عن الحوض ) . / 12 - وفيه : ابن عباس ، قال عليه السلام : ~~( يرحم الله أم إسماعيل لو تركت زمزم ، أو لو لم تغرف من الماء ، لكانت ~~عينا معينا ، وأقبل جرهم فقالوا : أتأذنين أن ننزل عندك ، قالت : نعم ، ولا ~~حق لكم فى الماء قالوا : نعم . / 13 - وفيه : أبو هريرة ، قال النبى عليه ~~السلام : ( ثلاثة لا يكلمهم الله . . . . . . - الحديث - ورجل منع فضل ماء ~~، فيقول الله : اليوم أمنعك فضلى كما منعت فضل ما لم تعمل يداك ) . قال ~~المهلب : لا خلاف أن صاحب الحوض أحق بمائه ، لقوله عليه السلام : ( لأذودن ~~رجالا عن حوضى ) . فأما حديث الغلام والأشياخ فصاحب الماء واللبن أحق به ~~أولا ، ثم يستحقه المتيامن منه ، فكان بين الحوض والقربه أو القدح فرق ، ~~لأنه لو كان صاحب القدح أحق به أبدا لما استأذن النبى الغلام الذى كان عن ~~يمينه فى أن يعطى الأشياخ ، فإنما تصح الترجمة فى الابتداء أن صاحب الماء ~~أولى به ، ثم الأيمن فالأيمن أولى من صاحب الماء فى أن يعطيه غيره ، وإنما ~~هذا فيما يؤكل أو يشرب الموضوع بين يدى الجماعة ، وأما فى المياه والآبار ~~والجباب والعيون فصاحبها أولى بها أولا ، وأولى بها فى أن يعطى من شاء آخرا ~~بخلاف حديث الغلام ، وكذلك فى مسألة أم إسماعيل هى أحق بمائها أولا وآخرا . ~~قال أبو عبد الله : وقوله : ( لأذودن رجالا عن حوضى ) قال PageV06P504 ~~قبيصة فى البخارى : هم المرتدون الذين بدلوا ، فإن قيل : كيف يأتون غرا ms2166 ~~محجلين والمرتد لا غرة له ولا تحجيل ؟ فالجواب أن النبى - عليه السلام - ~~قال : ( تأتى كل أمة فيها منافقوها ) ، وقد قال تعالى ذلك فى كتابه : { يوم ~~يقول المنافقون والمنافقات للذين آمنوا انظرونا نقتبس من نوركم } الآية فصح ~~أن المؤمنين يحشرون وفيهم المنافقون الذين كانوا معهم فى الدنيا حتى يضرب ~~بينهم بسور له باب والمنافق لا غرة له ولا تحجيل له ، لكن المؤمنون سموا ~~غرا محجلين بالجملة وإن كان المنافقون فى خلالهم . * * * # | 10 - باب لا حمى إلا لله ولرسوله - صلى الله عليه وسلم - # / 14 - فيه : الصعب بن جثامة ، قال : إن النبى ، عليه السلام ، قال : ( ~~لا حمى إلا لله ولرسوله ) ، وقال أبو عبد الله : بلغنا أن النبى - صلى الله ~~عليه وسلم - حمى البقيع ، وأن عمر حمى السرف والربذة . أصل الحمى فى اللغة ~~: المنع ، يعنى : لا مانع لما لا مالك له من الناس من أرض أو كلأ أو شجر ~~إلا لله ولرسوله ، وذكر ابن وهب أن البقيع الذى حماه النبى - عليه السلام - ~~قدره ميل فى ثمانية أميال ، حماه لخيل المهاجرين ، وحمى أبو بكر الربذة لما ~~يحمل عليه فى سبيل الله نحو خمسة أميال فى مثلها ، وحمى ذلك عمر لإبل ~~الصدقة ، وحمى أيضا السرف وهو مثل الربذة وزاد عثمان فى PageV06P505 الحمى ~~لما كثرت الإبل والبقر فى أيامه من الصدقات ، أصل فعلهم ذلك من سنة النبى ~~عليه السلام . فمعنى قوله : ( لا حمى إلا لله ولرسوله ) أى : أنه لا حمى ~~لأحد يخص به نفسه ترعى فيه ماشيته دون سائر الناس ، وإنما هو لله ولرسوله ~~ولمن ورث ذلك عنه عليه السلام من الخلفاء بعده إذا احتاج إلى ذلك لمصلحة ~~تشمل المسلمين ومنفعة تعمهم ، كما فعل أبو بكر وعمر وعثمان لما احتاجوا إلى ~~ذلك . وقد عاتب رجل من العرب عمر بن الخطاب فقال له : بلاد الله حميت لمال ~~الله . وأنكر أيضا على عثمان أنه زاد فى الحمى ، وليس لأحد أن ينكر ذلك ، ~~لأن النبى - عليه السلام - قد تقدم إليه ، ولخلفائه الاقتداء به و الاهتداء ~~بهدية وإنما يحمى الإمام ما ms2167 ليس بملك لأحد مثل : بطون الأودية ، والجبال ، ~~والموات ، وإن كان قد ينتفع المسلمون بتلك المواضع فمنافعهم فى حماية ~~الإمام لها أكثر - والله الموفق - وقال الأصمعى : البقيع : القاع ، يقال : ~~انزل بذلك البقع ، أى : القاع ، والجمع البقعان . * * * # | 11 - باب شرب الناس والدواب من الأنهار # / 15 - فيه : أبو هريرة ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : ( ~~الخيل لرجل أجر ، ولرجل ستر ، وعلى رجل وزر ، فأما الذى له أجر فرجل ربطها ~~فى سبيل الله . . . . ) ، الحديث ، ( ولو أنها مرت بنهر فشربت منه ولم يرد ~~أن يسقى كان ذلك حسنات له ، وهى لذلك أجر ) . PageV06P506 / 16 - وفيه : ~~زيد بن خالد ، جاء رجل إلى النبى ، عليه السلام ، فسأله عن اللقطة . . . . ~~. قال : فضالة الإبل ؟ قال : ( ما لك ولها ، معها سقاؤها وحذاؤها ، ترد ~~الماء ، وتأكل الشجر حتى يلقاها ربها ) . أجمع العلماء أنه يجوز الشرب من ~~الأنهار دون استئذان أحد ، لأن الله - تعالى - خلقها للناس والبهائم ، وأنه ~~لا مالك لها غير الله - تعالى - وأجمعوا أنه لا يجوز لأحد بيع الماء فى ~~النهر ، لأنه لا يتعين لأحد فيه حق ، فإذا أخذه فى وعائه أو آنيته جاز له ~~بيعه . وقال مالك : لا بأس ببيع الماء بالماء متفاضلا وإلى أجل وهو قول أبى ~~حنيفة ، وقال محمد : هو مما يكال و يوزن لما روى أنه كان يتوضأ بالمد ~~ويغتسل بالصاع . وعلى هذا لا يجوز عنده فيه التفاضل والنسيئة ، لأن علته فى ~~الربا الكيل والوزن . قال الشافعى : لا يجوز بيعه متفاضلا ولا إلى أجل ، ~~لأن علته فى الربا أن يكون مأكولا جنسا . * * * # | 12 - باب بيع الحطب والكلا # / 17 - فيه : الزبير ، عن النبى ، عليه السلام ، قال : ( لأن يأخذ أحدكم ~~حبلا ، فيأخذ حزمة من حطب فيبيع فيكف الله به وجهه خير من أن يسأل الناس ~~أعطى أو منع ) . / 18 - وفيه : على ، أصبت شارفا مع النبى ، عليه السلام ، ~~فى مغنم يوم بدر ، قال : وأعطانى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - شارفا ~~أخرى فأنختهما PageV06P507 يوما عند باب رجل من الأنصار ، وأنا أريد أن ~~أحمل عليهما إذخرا لأبيعه ، فأستعين به ms2168 على وليمة فاطمة . . . . . الحديث . ~~قال المهلب : فى هذا الباب إباحة الاحتطاب فى المباحات والاختلا من نبات ~~الأرض ، كل ذلك مباح حتى يقع التحظير من مالك الأرض ، فترتفع الإباحة ، ~~وذكر ابن المواز عن ابن القاسم ، عن مالك قال : من كانت له أرض يملكها ليست ~~بأرض خربة فأراد أن يبيع ما نبت فيها من المرعى بعد طيبه ، أنه لا بأس له . ~~وقال أشهب : لا يجوز ذلك ، لأنه رزق من رزق الله ، ولا يحل لرب الأرض أن ~~يمنع منه أحدا ، لقوله عليه السلام : ( لا يمنع فضل الماء ليمنع به الكلأ ) ~~ولو كان النبات فى حائط إنسان لما جاز له أن يمنع منه أحدا ، لقوله عليه ~~السلام : ( لا حمى إلا لله ولرسوله ) . وقال الكوفييون كقول أشهب . قال ~~المهلب : وفيه من الفقه أن تضمين الجنايات بين ذوى الأرحام العادة فيها أن ~~تهدر من أجل القرابة ، كما هدر على قيمة الناقتين والجناية فيهما مع وكيد ~~الحاجة إليهما أو إلى ما كان يستقبله من الإنفاق فى وليمة عرسه ، وفيه أن ~~للإمام أن يمضى إلى أهل بيت بلغه أنهم على منكر فيغيره ، وفيه علة تحريم ~~الخمر ، ومعنى قوله تعالى : { إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة ~~والبغضاء فى الخمر والميسر } من أجل ما جفا به حمزة على النبى من هجر القول ~~. PageV06P508 والشرف جمع شارف ، وهى الحسنة من النوق والنواء جمع ناوية ، ~~والناوية السمينة ، وقد نويت نيا ونواية . ابن السكيت : نواية . أبو حنيفة ~~: أنوينا إبلنا : أسمناها . الخطابى : النى : السمن والنى بالكسر : اللحم ~~الطرى ، وجب : قطع و منه قيل للخصى : مجبوب ، أى : مقطوع . وبقر البطن ~~والشىء بقرا : شقه . * * * # | 13 - باب القطائع # / 19 - فيه : أنس ، أراد النبى ، عليه السلم ، أن يقطع الأنصار من ~~البحرين ، فقالت الأنصار : حتى تقطع لإخواننا من المهاجرين مثل الذى يقطع ~~لنا ، قال : ( سترون بعدى أثرة ، فاصبروا حتى تلقونى ) . وترجم له ( باب ~~كتابة القطائع ) . قال أنس : دعا النبى ، عليه السلام ، الأنصار ليقطع لهم ~~بالبحرين ، فقالوا : يا رسول الله ، إن فعلت فاكتب لإخواننا من قريش بمثلها ~~، فلم يكن ذلك ms2169 عند النبى ، عليه السلام ، فقال : ( إنكم سترون بعدى أثرة ، ~~فاصبروا حتى تلقونى ) . قال إسماعيل بن إسحاق : مال البحرين كان من الجزية ~~، لأن المجوس كانوا فيها كثيرا فى ذلك الوقت بسبب سلطان كسرى كان بها ، ~~وكان فيها أيضا من أهل الذمة سوى المجوس ، وكان عامله عليها أبان بن سعيد ~~بن العاص . PageV06P509 قال المؤلف : فهذا يدل أن الذى أراد أن يقطع النبى ~~- عليه السلام - للأنصار من البحرين لم تكن نفس الأرض ، لأنها كانت أرض صلح ~~يؤدى أهلها الجزية عليها ، وإنما أراد أن يقطع لهم مالا يأخذونه من جزية ~~البحرين ، لأن الجزية تجرى مجرى الخراج والخمس ، فيجوز أخذها للأغنياء ، ~~وليست تجرى مجرى الصدقة . وقوله : ( فلم يكن ذلك عند النبى ) يعنى : فلم ~~يرد ذلك النبى - عليه السلام - لأنه كان قد أقطع المهاجرين أرض بنى النضير ~~حين أجلوها وليستغنوا عن رفد الأنصار ومشاركتهم ، وردوا إليهم منائحهم . ~~قال المهلب : وقوله عليه السلام للأنصار : ( إنكم سترون بعدى أثرة فاصبروا ~~حتى تلقونى ) يدل أن الخلافة لا تكون فى الأنصار ، ألا ترى أنه جعلهم تحت ~~الصبر إلى يوم يلقونه ، والصبر لا يكون إلا من مغلوب محكوم عليه . * * * # | 14 - باب حلب الإبل على الماء # / 20 - فيه : أبو هريرة ، قال الرسول - صلى الله عليه وسلم - : ( من حق ~~الإبل أن تحلب على الماء ) . قال المهلب : قوله عليه السلام : ( من حق ~~الإبل أن تحلب على الماء ) يعنى الحق المعهود المتعارف بين العرب من التصدق ~~باللبن على المياه إذ كانت طوائف الضعفاء والمساكين ترتصد يوم ورود الإبل ~~على المياه لتنال من رسلها وتشرب من لبنها ، وهذا حق حلبها على الماء ، لا ~~أنه فرض لازم عليهم ، وقد تأول بعض السلف فى قوله تعالى : { وآتوا حقه يوم ~~حصاده } قال : هو أن PageV06P510 يعطى المساكين عند الجداد والحصاد ما تيسر ~~من غير الزكاة ، وهذا مذهب ابن عمر ، وبه قال عطاء ومجاهد وسعيد بن جبير ، ~~وجمهور الفقهاء على أن المراد بقوله تعالى : { وآتوا حقه يوم حصاده } ~~الزكاة المفروضة ، وهو تأويل ابن عباس وغيره ، وقد تقدم بيان هذا فى كتاب ms2170 ~~الزكاة فى باب إثم مانع الزكاة . * * * # | 15 - باب الرجل يكون له ممر أو شرب فى حائط أو فى نخل # وقال النبى عليه السلام : ( من باع نخلا بعد أن يؤبر فثمرتها للبائع ، ~~فللبائع الممر والسقى ، حتى يرفع ، وكذلك رب العرية ) . / 21 - وفيه : ابن ~~عمر ، قال النبى ، عليه السلام : ( من ابتاع نخلا بعد أن تؤبر فثمرتها ~~للبائع ، إلا أن يشترط المبتاع ) . / 22 - وفيه : زيد بن ثابت ، رخص النبى ~~، عليه السلام ، أن تباع العرايا بخرصها تمرا . إنما أراد البخارى أن يستدل ~~من حديث ابن عمر وحديث زيد بن ثابت على تصحيح ما ترجم ، وذلك أن النبى - ~~عليه السلام - لما جعل لبائع أصول النخل المثمرة بعد أن تؤبر ؛ كان له أن ~~يدخل فى الحائط لسقيها وتعهدها حتى يجدها ، ولم يجز لمشترى أصول النخل أن ~~يمنعه الطريق والممر إليها . وكذلك يجوز لصاحب العرية أن يدخل فى حائط ~~المعرى لتعهد عريته وإصلاحها وسقيها ، ولا خلاف فى هذا بين الفقهاء ، وأما ~~من له طريق مملوكة فى أرض غيره ، فقال مالك : ليس للذى له الطريق أن يدخل ~~فيها بماشيته وغنمه ؛ لأنه يفسد زرع صاحبه وقال الكوفيون والشافعى : ليس ~~لصاحب الأرض أن يزرع فى موضع الطريق . PageV06P511 * * * بسم الله الرحمن ~~الرحيم # | 37 - كتاب الاستقراض وأداء الديون ، والحجر ، والتفليس # # | 1 - باب من اشترى بالدين وليس عنده ثمنه أو ليس بحضرته # / 1 - فيه : جابر ، غزوت مع النبى ، عليه السلام ، فقال : ( كيف ترى ~~بعيرك أتبيعه ) ؟ قلت : نعم ، فبعته إياه ، فلما قدم المدينة غدوت إليه ~~بالبعير ، فأعطانى ثمنه . / 2 - وفيه : الأعمش ، تذاكرنا عند إبراهيم الرهن ~~فى السلم ، فقال : حدثنى الأسود ، عن عائشة ، أن النبى ، عليه السلام ، ~~اشترى طعاما من يهودى إلى أجل ، ورهنه درعا من حديد . قال ابن المنذر : ~~أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن استقراض الدنانير والدراهم ~~والحنطة والشعير والتمر والزبيب ، وكل ما له مثل من سائر الأطعمة جائز ، ~~والشراء بالدين مباح ؛ لقوله تعالى : { يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم ~~بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه } ألا ترى أن النبى ms2171 اشترى الجمل من جابر فى سفره ~~ولم يقضه ثمنه إلا بالمدينة ، وكذلك اشترى الشعير من اليهودى إلى أجل ، ~~فكان ذلك كله سننا . PageV06P512 * * * # | 2 - باب من أخذ أموال الناس يريد أداءها أو إتلافها # / 3 - فيه : أبو هريرة ، عن النبى ، عليه السلام ، قال : ( من أخذ أموال ~~الناس يريد أداءها أدى الله عنه ، ومن أخذ يريد إتلافها أتلفه الله ) . هذا ~~الحديث شريف ومعناه : الحض على ترك استئكال أموال الناس والتنزه عنها ، ~~وحسن التأدية إليهم عند المداينة ، وقد حرم الله فى كتابه أكل أموال الناس ~~بالباطل ، وخطب النبى - عليه السلام - بذلك فى حجة الوداع ، فقال : ( إن ~~دماءكم وأموالكم عليكم حرام ) يعنى : من بعضكم على بعض ، وفى حديث أبى ~~هريرة أن الثواب قد يكون من جنس الحسنة ، وأن العقوبة قد تكون من جنس ~~الذنوب ، لأنه جعل مكان أداء الإنسان أداء الله عنه ، ومكان إتلافه إتلاف ~~الله له . * * * # | 3 - باب أداء الدين وقول الله تعالى : { إن الله يأمركم أن تؤدوا ~~الأمانات إلى أهلها } الآية # . / 4 - فيه : أبو ذر ، قال : كنت مع النبى ، عليه السلام ، فلما أبصر ، ~~يعنى أحدا ، قال : ما أحب أنه تحول لى ذهبا يمكث عندى منه دينار فوق ثلاث ~~إلا دينارا PageV06P513 أرصده لدين . . . . . الحديث . قال المهلب : هذه ~~الآية أصل فى أداء الأمانات وحفظها ، ألا ترى أن النبى لم يحب أن يبقى عنده ~~من مثل أحد ذهبا فوق ثلاث إلا دينار أرصده لدين ، فدل هذا الحديث على ما ~~دلت الآية عليه من تأكيد أمر الدين والحض على أدائه . قال المؤلف : وفى هذا ~~الحديث دليل على الاستدانة بيسير الدين اقتداء بالنبى - عليه السلام - فى ~~إرصاده دينارا لدينه ، ول كان عليه مائة دينار أو أكثر لم يرصد لأدائها ~~دينارا ؛ لأنه عليه السلام كان أحسن الناس قضاء ، وبان بهذا الحديث أنه ~~ينبغى للمؤمن ألا يستغرق فى كثرة الدين ؛ خشية الاهتمام به ، والعجز عن ~~أدائه ، وقد استعاذ الرسول بالله من ضلع الدين ، واستعاذ من المأثم والمغرم ~~، وقال : ( إن الرجل إذا غرم حدث فكذب ، ووعد فأخلف ) . فقد جاء فى خيانة ms2172 ~~الأمانة من الوعيد ما رواه إسماعيل بن إسحاق قال : حدثنا محمد ابن المثنى ~~قال : حدثنا أبو معاوية قال : حدثنا الأعمش ، عن عبد الله بن السائب ، عن ~~زاذان ، عن عبد الله بن مسعود قال : إن القتل فى سبيل الله يكفر كل ذنب إلا ~~الدين والأمانة ، قال : وأعظم ذلك الأمانة تكون عند الرجل فيخونها فيقال له ~~يوم القيامة : أد أمانتك ، فيقول : من أين وقد ذهبت الدنيا ؟ فيقال له : ~~نحن نريكها ، قال : فتمثل له فى قعر جهنم ، فيقال له : انزل فأخرجها ، قال ~~: فينزل فيحملها على عنقه حتى إذا كاد زلت ، فهوت وهوى فى أثرها أبد الأبد ~~. قال : والأمانة فى كل شىء حتى فى الصلاة والصيام والوضوء PageV06P514 ~~والغسل من الجنابة ، والأمانة فى الكيل والوزن . وقال الربيع بن أنس : ~~الأمانة ما أمروا به ، وما نهوا عنه . * * * # | 4 - باب استقراض الإبل # / 5 - فيه : أبو هريرة ، أن رجلا تقاضى النبى ، عليه السلام ، فأغلظ له ~~فهم به أصحابه ، فقال : دعوه فإن لصاحب الحق مقالا واشتروا له بعيرا ، ~~فأعطوه إياه ، قالوا : لا نجد إلا أفضل من سنه ، قال : ( اشتروه ، فأعطوه ~~إياه فإن خيركم أحسنكم قضاء ) . وترجم له ( باب هل يعطى أكبر من سنه ، وباب ~~حسن القضاء ) . اختلف العلماء فى استقراض الحيوان فأجاز ذلك مالك والشافعى ~~وأحمد وإسحاق ، واحتجوا بهذا الحديث ، ولا يحل عند مالك وأهل المدينة ~~استقراض الإماء ؛ لأن ذلك ذريعة إلى استحلال الفرج . ومنع ذلك الكوفيون ~~وقالوا : لا يجوز استقراض الحيوان ؛ لأن وجود مثله متعذر غير موقوف عليه ، ~~وقالوا : يحتمل أن يكون حديث أبى هريرة قبل تحريم الربا ، ثم حرم الربا بعد ~~ذلك ، وحرم كل قرض جر منفعة ، وردت الأشياء المستقرضة إلى أمثالها ، فلم ~~يجز القرض إلا فيما له مثل . وحجة من أجاز ذلك قالوا : محال أن يستقرض ~~النبى شيئا لا يقدر على أداء مثله ، ولا يضبط ذلك بصفة ، ولو لم يكن له ~~PageV06P515 إلى رد مثله سبيل لم يستقرضها ؛ إذ كان عليه السلام أبعد الخلق ~~من ظلم أحد . واحتج مالك لتفريقه بين الإماء وجميع الحيوان فقال : قد أحاط ms2173 ~~الله ورسوله والمسلمون الفروج ، فجعل المرأة لا تنكح إلا بولى وشهود ، ونهى ~~النبى أن يخلو بها رجل فى حضر أو سفر ، ولم يحرم ذلك فى شىء مما أحل غيرها ~~، فجعل الأموال مرهونة ومبيعة بغير بينة ، ولم يجعل المرأة هكذا حتى حاطها ~~فيما حللها بالولى والشهود ففرقنا بين حكم الفروج وغيرها بما فرق الله ~~ورسوله والمسلمون بينها . وقال أهل المقالة الأولى : و أيضا فإنه يجوز أن ~~يرد أفضل مما استلف إذا لم يشرط ذلك عليه ؛ لأن الزيادة فى ذلك من باب ~~المعروف ، استدلالا بحديث أبى هريرة ، وهو قول ابن عمر وابن المسيب والنخعى ~~والشعبى وعطاء ، وبه قال الثورى والشافعى وأحمد وإسحاق وجماعة . واختلف ~~أصحاب مالك فى ذلك ، فقال ابن حبيب : لا بأس أن يرد أفضل مما اسقرض فى ~~العدد والجود ؛ لأن الآثار جاءت بأن النبى - عليه السلام - رد أكثر عددا فى ~~طعام . وأجاز أشهب أن يزيده فى العدد إذا طابت نفسه بذلك . وقال ابن نافع : ~~لا بأس أن يعطى أكثر عددا إذا لم يكن ذلك عادة . وقال مالك : لا يجوز أن ~~يكون بزيادة فى العدد ، وإنما يصلح أن تكون فى الجودة . وقال ابن القاسم : ~~لا يعجبنى أن يعطيه أكثر فى العدد ولا فى الذهب والورق إلا اليسير مثل ~~الرجحان فى PageV06P516 الوزن والكيل ، ولو زاد بعد ذلك لم يكن به بأس . ~~وهو قول مالك ، وإنما لم يجز أن يشترط أن يأخذ أفضل ؛ لأنه يخرج من باب ~~المعروف ويصير ربا ، ولا خلاف بين العلماء أن اشتراط الزيادة فى ذلك ربا لا ~~يحل . * * * # | 5 - باب حسن التقاضي # / 6 - فيه : حذيفة ، قال النبى عليه السلام : ( مات رجل ، فقيل له ، فقال ~~: كنت أبايع الناس فأخفف عن الموسر ، وأتجوز عن المعسر ، فغفر له ) ، قال ~~أبو مسعود : سمعته من النبى عليه السلام . قال المؤلف : فى هذا الحديث ~~ترغيب عظيم فى حسن التقاضى ، وان ذلك مما يدخل الله به الجنة ، وهذا المعنى ~~نظير قوله : ( خيركم أحسنكم قضاء ) ، فجاء الترغيب فى كلا الوجهين فى حسن ~~التقاضى لرب الدين وفى حسن ms2174 القضاء للذى عليه الدين ، كل قد رغب فى الأخذ ~~بأرفع الأحوال ، وترك المشاحة فى القضاء والاقتضاء ، واستعمال مكارم ~~الأخلاق فى البيع والشراء والأخذ والإعطاء ، وقد جاء هذا كله فى حديث جابر ~~أن النبى - عليه السلام - قال : ( رحم الله رجلا سمحا إذا باع ، وإذا اشترى ~~، وإذا اقتضى ) . ذكره فى أول كتاب البيوع . PageV06P517 * * * 6 - باب إذا ~~قضى دون حقه أو حلله فهو جائز / 7 - فيه : جابر ، أن أباه قتل يوم أحد ~~شهيدا وعليه دين ، فاشتد الغرماء فى حقوقهم ، فأتيت النبى ، عليه السلام ، ~~فسألهم أن يقبلوا تمر حائطى ، ويحللوا أبى ، فأبوا ، فلم يعطهم النبى ، ~~عليه السلام ، حائطى ، وقال : ( سنغدو عليك ) ، فغدا علينا حين أصبح ، فطاف ~~فى النخل ودعا فى ثمرها بالبركة ، فجددتها فقضيتهم ، وبقى لنا من تمرها . ~~وترجم له باب من أخر الغريم إلى الغد أو نحوه ولم ير ذلك مطلا هكذا وقعت ~~هذه الترجمة فى النسخ كلها باب إذا قضى دون حقه أو حلله فهو جائز ، والصواب ~~إذا قضى دون حقه وحلله بغير ألف ، لأنه لا يجوز أن يقضى رب الدين دون حقه ~~ويسقط مطالبته بباقيه إلا أن حلل منه . ولا خلاف بين العلماء أنه لو حلله ~~من جميع الدين أو أبرأ ذمته أنه جائز ، فكذلك إذا حلله من بعضه ، وأما ~~تأخير الغريم الواحد إلى الغد فهو مرتبط بالعذر ، وأما من قدر على الأداء ~~فلا يمطل به ؛ لقوله عليه السلام : ( مطل الغنى ظلم ) ، وإنما أخر جابر ~~غرماءه رجاء بركة النبى - عليه السلام - لأنه كان وعده أن يمشى معه على ~~التمر ويبارك فيها ، فحقق الله رجاءه ، وظهرت بركة النبى ، وثبتت أعلام ~~نبوته . PageV06P518 وفيه من الفقه : مشى الإمام فى حوائج الناس ، ~~واستشفاعه فى الديون ، وقد ترجم لذلك . * * * # | 7 - باب إذا قاص أو جازفه فى الدين تمرا بتمر أو غيره # / 8 - فيه : جابر ، أن أباه توفى ، وترك عليه ثلاثين وسقا لرجل من اليهود ~~، فاستنظره جابر ، فأبى أن ينظره ، فكلم جابر رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - ليشفع له إليه ، فجاء رسول الله - صلى الله عليه ms2175 وسلم - فكلم ~~اليهودى ليأخذ ثمر نخله بالذى له ، فأبى ، فدخل رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - النخل فمشى فيها ، ثم قال لجابر : ( جد له ، فأوف له الذى له ) ، ~~فجده بعدما رجع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فأوفاه ثلاثين وسقا ، ~~وفضلت له سبعة عشر وسقا ، فجاء جابر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~ليخبره بالذى كان ، فوجده يصلى العصر ، فلما انصرف أخبره بالفضل ، فقال : ( ~~أخبر ذلك ابن الخطاب ) ، فذهب جابر إلى عمر فأخبره ، فقال له عمر : لقد ~~علمت حين مشى فيها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليباركن فيها . قال ~~المؤلف : لا يجوز عند العلماء أن يأخذ من له دين من تمر على أحد تمرا ~~مجازفة فى دينه ؛ لأن ذلك من الغرر والمجهول ، وذلك حرام فيما أمر فيه ~~بالمماثلة ، وإنما يجوز أن يأخذ مجازفة فى حقه أقل من دينه إذا علم ذلك ~~وتجاوز له ، وهذا المعنى بين فى حديث جابر ، لأن النبى - عليه السلام - حين ~~كلم اليهودى أن يأخذ تمر PageV06P519 النخل بالذى على أبى جابر وأبى ~~اليهودى من ذلك ، ثبت أن تمر النخل لا يفى بالدين ، وأنه أقل مما كان يلزمه ~~غرمه ، وقد جاء هذا منصوصا فى هذا الحديث . ذكره فى كتاب الصلح فى باب ~~الصلح بين الغرماء وأصحاب الميراث ، وفيه قال : ( فعرضت على غرمائه أن ~~يأخذوا التمر بما عليه فأبوا ، ولم يروا أن فيه وفاء ) وقد يجوز فى باب حسن ~~القضاء أن يزيده من صفته ، وإنما تحرم الزيادة بالشرط ، وقال فى باب ~~الشفاعة وفى وضع الدين ، فأرجف الجمل يقال : أرجف البعير إذا أعيا فخر ~~برسنه ، ورجف أيضا . * * * # | 8 - باب من استعاذ من الدين # / 9 - فيه : عائشة ، أن النبى عليه السلام ، كان يدعو فى الصلاة ، ويقول ~~: ( اللهم إنى أعوذ بك من المأثم والمغرم ) ، فقال له قائل : ما أكثر ما ~~تستعيذ يا رسول الله ، من المغرم ، قال : ( إن الرجل إذا غرم حدث فكذب ، ~~ووعد فأخلف ) . قال المهلب : فيه وجوب قطع الذارئع ؛ لأنه عليه السلام إنما ~~استعاذ من الدين ؛ لأنه ذريعة إلى ms2176 الكذب ، والخلف فى الوعد مع ما يقع ~~المديان تحته من الذلة ، وما لصاحب الدين عليه من المقال - والله أعلم - ~~فإن قيل : فقد عارض هذا الحديث ما رواه جعفر ابن محمد عن أبيه ، عن عبد ~~الله بن جعفر ، عن النبى - عليه السلام - أنه قال : ( إن الله مع الدائن ~~حتى يقضى دينه ما لم يكن فيما يكره الله - تعالى ) ، PageV06P520 وكان عبد ~~الله بن جعفر يقوله لحارثة : اذهب فخذ لى بدين ، فإنى أكره أن أبيت الليلة ~~إلا والله معى . قال الطبرى : كلا الخبرين صحيح ، وليس فى أحدهما دفع معنى ~~الآخر ، فأما قوله عليه السلام : ( إن الله مع الدائن حتى يقضى دينه ما لم ~~يكن فيما يكره الله ) ، فهو المستدين فيما لا يكرهه الله ، وهو يريد قضاءه ~~، وعنده فى الأغلب ما يؤديه منه فالله - تعالى - فى عونه على قضائه . وأما ~~المغرم الذى استعاذ منه عليه السلام فإنه الدين الذى استدين على أوجه ثلاثة ~~: إما فيما يكرهه الله ثم لا يجد سبيلا إلى قضائه ، أو مستدين فيما لا ~~يكرهه الله ولكن لا وجه لقضائه عنده ، فهو متعرض لهلاك مال أخيه ومتلف له ، ~~أو مستدين له إلى القضاء سبيل غير أنه نوى ترك القضاء وعزم على جحده ، فهو ~~عاص لربه ظالم لنفسه ، فكل هؤلاء لوعدهم إن وعدوا من استدانوا منه القضاء ~~يخلفون ، وفى حديثهم كاذبون لوعدهم . وقد صحت الأخبار عنه عليه السلام أنه ~~استدان فى بعض الأحوال ، فكان معلوما بذلك أن الحال التى كره ذلك - عليه ~~السلام - فيها غير الحال التى ترخص لنفسه فيها . وقد استدان السلف : استدان ~~عمر بن الخطاب وهو خليفة ، وقال لما طعن : انظروا كم على من الدين ، فحسبوه ~~فوجوده ثمانين ألفا أو أكثر ، وكان على الزبير دين عظيم ذكره البخارى . ~~فمما ثبت عن النبى - عليه السلام - وعن السلف من استدانتهم PageV06P521 ~~الدين مع تكريههم له إلى غيرهم الدليل الواضح على اختلاف الأمر فى ذلك كان ~~على قدر اختلاف حال المدينين . * * * # | 9 - باب الصلاة على من ترك دينا # / 10 - فيه : أبو هريرة ، قال النبى ms2177 ، عليه السلام : ( من ترك مالا ~~فلورثته ومن ترك كلا فإلينا . . . . ) الحديث . هذا الحديث ناسخ لترك النبى ~~الصلاة على مات وعليه دين ، وقد تقدم هذا المعنى مستوعبا فى كتاب الكفالة ~~فى باب من تكفل عن ميت دينا ، فكرهنا إعادته . * * * # | 10 - باب مطل الغنى ظلم # / 11 - فيه : أبو هريرة ، قال النبى ، عليه السلام : ( مطل الغنى ظلم ) . ~~* * * # | 11 - باب لصاحب الحق مقال # ويذكر عن النبى عليه السلام أنه قال : ( لى الواجد يحل عرضه ، وعقوبته ) ~~، قال سفيان : عرضه ، أن يقول : مطلنى ، وعقوبته : الحبس . / 12 - وذكر ~~حديث أبى هريرة ، أن النبى - صلى الله عليه وسلم - قال : ( دعوه ، فإن ~~لصاحب الحق مقالا ) . إذا مطله وهو غنى فقد ظلمه ، والظلم محرم قليله ~~وكثيره . وقال أصبغ وسحنون : إذا مطل بدين لم تجز شهادته ؛ لأن PageV06P522 ~~الرسول سماه ظالما . وعند غيرهما من العلماء لا تسقط شهادته إلا أن يكون ~~ذلك الأغلب من فعله . وفسر الفقهاء قوله عليه السلام : ( لى الواجد يحل ~~عرضه وعقوبته ) كما فسره سفيان ، وهو كقوله عليه السلام : ( لصاحب الحق ~~مقال ) ، أى له أن يصفه بالمطل ، وقالوا : قد جاء فى القرآن مصداق هذا ، ~~قال تعالى : { لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم } وهذه الآية ~~نزلت فيمن منع الضيافة ، فأبيح له أن يقول فى المانع أنه لئيم ، وأنه لم ~~يقره ، وشبه هذا . وأما عقوبته بالحبس فإن ذلك إذا رجى له مال أو وفاء بما ~~عليه ، فإذا ثبت عسرته وجبت نظرته ولم يلزمه حبس ؛ لزوال العلة الموجبة ~~لحبسه ، وهى الوجدان . واختلفوا فى الرجل إذا ثبتت عسرته وأطلقه القاضى من ~~السجن ، هل يلازمه غريمه ؟ فقال مالك والشافعى : ليس لغرمائه لزومه ولا ~~يعترض له حتى يثوب له مال آخر . وقال أبو حنيفة : لا يمنع الحاكم غرماءه من ~~لزومه . قال الطحاوى : وقوله عليه السلام : ( مطل الغنى ظلم ) يدل أن مطل ~~غير الغنى ليس بظلم ، فلا مطالبة عليه إذا ، وإذا سقطت المطالبة زالت ~~الملازمة . وقوله : { فنظرة إلى ميسرة } يوجب تأخيره ، فصار كالدين المؤجل ~~فيمنع من لزومه . PageV06P523 * * * # | 12 - باب إذا وجد ماله ms2178 عند مفلس فى البيع والقرض والوديعة فهو أحق به # وقال الحسن : إذا أفلس وتبين لم يجز عتقه ، ولا بيعه ولا شراؤه . وقال ~~سعيد بن المسيب : قضى عثمان من اقتضى من حقه قبل أن يفلس ، فهو له ، ومن ~~عرف متاعه بعينه فهو أحق به . / 13 - فيه : أبو هريرة ، قال : قال النبى ، ~~عليه السلام : ( من أدرك ماله بعينه عند رجل ، أو إنسان قد أفلس ، فهو أحق ~~به من غيره ) . اختلف العلماء فى هذا الباب ، فروى عن عثمان بن عفان وعلى ~~وابن مسعود وأبى هريرة : أن المشترى إذا أفلس ووجد البائع متاعه بعينه فهو ~~أحق به من سائر الغرماء . وهو قول عروة بن الزبير ، وإليه ذهب مالك ، ~~والأوزاعى ، والشافعى ، وأحمد ، وإسحاق ، واحتجوا بهذا الحديث . وروى عن ~~النخعى والحسن البصرى أن البائع أسوة الغرماء ، وهو قول أبى حنيفة وأصحابه ~~، ودفعوا حديث التفليس بالقياس وقالوا : السلعة مال المشترى ، وثمنها فى ~~ذمته ، ومن باع شيئا فله إمساكه وحبسه حتى يستوفى الثمن ، كما أن المرتهن ~~له حق الحبس وإمساك الرهن ليستوفى حقه من ثمنه . ثم قد ثبت أن المرتهن لو ~~أبطل حق الحبس ، وأزال يده عن الرهن وسلمه إلى الراهن ، لم يكن له بعد ذلك ~~الرجوع فيه ، فكذلك البائع إذا أزال يده عن المبيع وسلمه إلى المشترى فقد ~~تعلق حقه بالذمة المجردة . والسنة مستغنى بها عن قول كل أحد ، ولا مدخل ~~للقياس والنظر إلا إذا عدمت السنة ، وأما مع وجودها فهى حجة على من خالفها ~~، PageV06P524 وأيضا فإن البائع إذا نقل حقه من العين إلى الذمة وتعذر قبضه ~~من الذمة بالفلس ، وجب أن يكون له الرجوع إلى العين مع بقائها . فإن قال ~~الكوفيون : نتأول قوله عليه السلام : ( فهو أحق به ) على المودع والمقرض ~~دون البائع ، قيل : هذا فاسد ، لأنه عليه السلام جعل لصاحب المتاع الرجوع ~~إذا وجده بعينه ، والمودع أحق بعين ماله سواء كان على صفته أو قد تغير عنها ~~، فلم يجز حمل الخبر عليه ، ووجب حمله على البائع ، لأنه إنما يرجع بعين ~~ماله إذا وجده على صفته ms2179 لم يتغير ، فإذا تغير فإنه لا يرجع . وذهب مالك إلى ~~أن صاحب المتاع أحق به إذا وجده فى الفلس وهو فى الموت أسوه الغرماء ، وبه ~~قال أحمد بن حنبل ، وقال الشافعى : هو فى الفلس والموت سواء ، واحتج بما ~~رواه ابن أبى ذئب عن أبى المعتمر عمرو بن نافع ، عن عمرو بن خلدة الزرقى ، ~~عن أبى هريرة ، عن النبى - عليه السلام - قال : ( من مات أو أفلس فوجد رجل ~~متاعة فهو أحق به ) وأبو المعتمر ضعفه ابن معين ، وقال أبو داود : لا يعرف ~~. وحجة مالك فى تفرقته بين الفلس والموت أن المفلس ذمته باقية ، وللغرماء ~~ذمة يرجعون إليها ، وفى الموت تبطل الذمة أصلا ، فلا يكون للغرماء شىء ~~يرجعون إليه ، ولا يجوز أن ينظر لبعضهم دون بعض ، وقد فرقت السنة فى الفلس ~~بين الموت والحياة ، روى مالك عن ابن شهاب ، عن أبى بكر بن عبد الرحمن بن ~~الحارث ، أن PageV06P525 رسول الله قال : ( أيما رجل باع متاعا فأفلس الذى ~~ابتاعه منه ، ولم يقبض الذى باعه من ثمنه شيئا فوجده بعينه فهو أحق به ، ~~وإن مات الذى ابتاعه فصاحب المتاع فيه أسوة الغرماء ) . * * * # | 13 - باب من باع مال المفلس أو المعدم فقسمه بين الغرماء أو أعطاه حتى ~~ينفق على نفسه # / 14 - فيه : جابر ، أعتق رجل غلاما له عن دبر ، فقال النبى عليه السلام ~~: ( من يشتريه منى ؟ ) فاشتراه نعيم بن عبدالله ، فأخذ ثمنه فدفعه إليه . ~~لا يفهم من الحديث معنى قوله فى الترجمة : فقسمه بين الغرماء ؛ لأن الذى ~~باع عليه رسول الله مدبره لم يكن له مال غيره ، ذكره فى كتاب الأحكام ولم ~~يذكر فى الحديث أنه كان عليه دين ، وإنما باعه عليه ؛ لأن من سنته عليه ~~السلام أن لا يتصدق المرء بماله كان ويبقى فقيرا فيتعرض لفتنة الفقر ، ~~ولذلك قال عليه السلام : ( خير الصدقة ما كان ظهر غنى ، وابدأ بمن تعول ) ~~وعوله لنفسه أوكد عليه من الصدقة ، وأما قسمة مال المفلس بين الغرماء فهو ~~أصل مجمع عليه إذا قام عليه غرماؤه وحال الحاكم بينه وبين ms2180 ماله ووقفه لهم ، ~~ولا يخرج هذا المعنى من حديث جابر أصلا . PageV06P526 * * * # | 14 - باب إذا أقرضه إلى أجل مسمى أو أجله فى البيع # وقال ابن عمر فى القرض إلى أجل مسمى : لا بأس به ، وإن أعطى أفضل من ~~دراهمه ما لم يشترط . وقال عطاء وعمرو بن دينار : هو إلى أجله فى القرض . / ~~15 - فيه : أبو هريرة ، عن النبى ، عليه السلام ، أنه ذكر رجلا من بنى ~~إسرائيل ، سأل بعض بنى إسرائيل أن يسلفه ألف دينار ، فدفعها إليه إلى أجل ~~مسمى . اختلف العلماء فى تأخير الدين فى القرض إلى أجل ، هل له أن يأخذه ~~قبل الأجل ؟ فقال مالك وأصحابه : من أقرض رجلا دنانير أو دراهم أو شيئا مما ~~يكال أو يوزن أو غير ذلك حالا ، ثم طاع له فأخره به إلى أجل ، ثم أراد ~~الانصراف عن ذلك ، وأخذه قبل الأجل لم يكن ذلك له ؛ لأن هذا مما يتقرب به ~~إلى الله ، وهو من باب الحسبة . وقال أبو حنيفة : سواء كان القرض إلى أجل ~~أو غير أجل له أن يأخذه متى أحب ، وكذلك العارية ، ولا يجوز عندهم تأخير ~~القرض البتة ، ويجوز تأخير الغصوب وقيم المتلفات . وقال الشافعى : إذا أخره ~~بدينه حال فله أن يرجع فيه متى شاء ، وسواء كان ذلك من قرض أو غيره ، وكذلك ~~العارية وغيرها ؛ لأن ذلك عندهم من باب العدة والهبة غير المقبوضة وهبة ما ~~لم يخلق ، وهذا كله لازم عند مالك فى تأجيل القرض ، وفى عارية المنفعة ~~للسكنى وغيرها ، ويحمل ذلك على العرف فيما يستعار الشىء PageV06P527 لمثله ~~من العمل والسكنى ، وكل ذلك عنده من أعمال البر التى أوجبها على نفسه ~~فيلزمه الوفاء بها ، وحديث أبى هريرة يشهد لقول مالك ؛ لأن القرض فيه إلى ~~أجل مسمى ولا يجوز تعديه والاقتضاء قبله ، ولو جاز ذلك لكان ضرب الأجل ~~وتركه سواء ، ولم يكن لضرب الأجل معنى وبطل معنى قوله : { ولتعلموا عدد ~~السنين والحساب } وإنما فائدتها معرفة الآجال ، وأما إذا أجله فى البيع فلا ~~خلاف بين العلماء فى جواز الآجال فيه ؛ لأنه من باب ms2181 المعارضات ، ولا يأخذ ~~قبل محله . * * * # | 15 - باب ما ينهى عن إضاعة المال وقول تعالى : { والله لا يحب الفساد } ~~و { لا يصلح عمل المفسدين } # وقال : { أصلواتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا أو أن نفعل فى أموالنا ما ~~نشاء } وقال : { ولا تؤتوا السفهاء أموالكم } والحجر فى ذلك وما ينهى عنه ~~من الخداع . / 16 - فيه : ابن عمر ، قال رجل للرسول - صلى الله عليه وسلم - ~~: إنى أخدع فى البيوع ، فقال : ( إذا بايعت ، فقل لا خلابة ) ، فكان الرجل ~~يقوله . / 17 - وفيه : المغيرة ، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( ~~إن الله حرم عليكم عقوق الأمهات ، ووأد البنات ، ومنع وهات ، وكره لكم قيل ~~وقال ، وكثرة السؤال ، وإضاعة المال ) . اختلف العلماء فى إضاعة المال ؛ ~~فقال سعيد بن جبير : إضاعة PageV06P528 المال أن يرزقك الله رزقا فتنفقه ~~فيما حرم الله عليك . وكذلك . قال مالك ، قال المهلب : وقيل : إضاعة المال ~~: السرف فى إنفاقه وإن كان فيما يحل ، ألا ترى أن النبى رد تدبير المعدم ؛ ~~لأنه أسرف على ماله فيما يحل له ويؤجر فيه ، لكنه أضاع نفسه ، وأجره فى ~~نفسه أوكد عليه من أجره فى غيره . واختلف العلماء فى وجوب الحجة على البالغ ~~المضيع لماله ، فقال جمهور العلماء : يجب الحجر على كل مضيع لماله صغيرا ~~كان أو كبيرا . روى هذا عن على وابن عباس وابن الزبير وعائشة ، وهو قول ~~مالك والأوزاعى و أبى يوسف ومحمد والشافعى وأحمد وإسحاق وأبى ثور . وقالت ~~طائفة : لا حجر على الحر البالغ . هذا قول النخعى وابن سيرين ، وبه قال أبو ~~حنيفة وزفر ، قال أبو حنيفة : فإن حجر عليه القاضى ثم أقر بدين أو تصرف فى ~~ماله جاز ذلك كله . واحتج بحديث الذى كان يخدع فى البيوع فقال له عليه ~~السلام : ( إذا بايعت فقل : لا خلابة ) . قال : ففى هذا الحديث وقوف النبى ~~- عليه السلام - على أنه كان يخدع فى البيع لم يمنعه من التصرف ولا حجر ~~عليه . وحجة الجماعة قوله تعالى : { ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التى جعل ~~الله لكم قياما } فنهى تعالى عن دفع الأموال إلى ms2182 السفهاء وقال : { فإن ~~آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم } فجعل شرط دفع أموالهم إليهم وجود ~~الرشد ، وهذه الآية محكمة غير منسوخة ، ومن كان مبذرا لماله فهو غير رشيد . ~~PageV06P529 وقال ابن المنذر : قوله تعالى فى قصة شعيب : { أصلاتك تأمرك } ~~الآية ، وقال تعالى : { أتبنون بكل ريع آية تبعثون } فخبر تعالى أن أنبيائه ~~منعوا قومهم من إضاعة الأموال والعبث ، والأنبياء لا تأمر إلا بأمر الله . ~~واحتجوا بقوله عليه السلام : ( إن الله كره لكم إضاعة المال ) وما كره الله ~~لنا فمحرم علينا فعله . وقوله : { إن الله لا يصلح عمل المفسدين } ، و { لا ~~يحسب الفساد } فالمبذر لماله داخل فى النهى ممنوع منه . واحتج الطحاوى على ~~أبى حنيفة فقال : لما قال له عليه السلام : ( إذا بايعت فقل : لا خلابة ) ~~أى : لا شىء على من خلابتك إياى ، جعل بيوعه معتبرة ، فإن كان فيها خلابة ~~لم تجز . وليس فى هذا الحديث دفع الحجر ، إنما فيه اعتبار عقود المحجور ~~عليه . قال غيره : ويحتمل أن يكون الرجل يغبن بما لا ينفك التجار منه ، ~~فجعل له النبى الخيار ثلاثا ليستدرك الغبن فى مدة الخيار ، ولو أوجبت ~~الضرورة الحجر عليه لفعله . قال المهلب : ألا ترى أنه قد شعر لما يمكر به ~~فيه فسأل عنه النبى - عليه السلام - وليس من شكا مثل هذا مضيع لماله ، ~~وإنما هو حريص على ضبطه والنظر فيه فحضه عليه السلام أن جعل له إذا بايع أن ~~يقول : لا خلابة ، أى : لا تخدعونى فإن خديعتى لا تحل . قال الطحاوى : ولم ~~أجد عن أحد من الصحابة والتابعين أنه قال : لا حجر ، كما قال أبو حنيفة إلا ~~عن النخعى وابن سيرين . PageV06P530 وقوله : ( ووأد البنات ) من قوله : { ~~وإذا الموءودة سئلت بأى ذنب قتلت } وقوله : ( ومنع وهات ) يعنى : أن يمنع ~~الناس خيره ورفده ، ويأخذ منهم رفدهم . وقال مالك فى قوله : ( قيل وقال ) : ~~وهو الإكثار من الكلام والإرجاف ، نحو قول الناس : أعطى فلان كذا ومنع كذا ~~، والخوض فيما لا يعنى . وقال أبو عبيد فى قوله : ( قيل وقال ) : كأنه قال ~~من قول وقيل : ، يقال : قلت ms2183 قولا وقيلا وقالا ، وقرأ ابن مسعود : ( ذلك ~~عيسى ابن مريم قال الحق ) يعنى : قول الحق . وأما ( كثرة السؤال ) فقال ~~مالك : لا أدرى أهو ما أنهاكم عنه من كثرة المسائل فقد كره رسول الله ~~المسائل وعابها أو هو مسألة الناس أموالهم . * * * # | 16 - باب العبد راع فى مال سيده ولا يعمل إلا بإذنه # / 18 - فيه : ابن عمر قال النبى ، عليه السلام : ( كلكم راع وكلكم مسئول ~~عن رعيته ، والمرأة فى بيت زوجها ، والخادم فى مال سيده . . . . ) الحديث . ~~قال المهلب : العبد راع فى مال سيده ، يلزمه ما يلزم سائر الرعاة من حفظ ما ~~استرعى عليه ، ولا يعمل فى معظم الأمور إلا بإذن سيده ، وما كان من المعروف ~~المعتاد أن يعفى عنه مثل الصدقة بالكسرة والقطعة فلا يحتاج فيه إلى إذن ~~سيده ، وقد جاء فى حديث النبى - عليه السلام - أن الخادم أحد المتصدقين ولم ~~يشترط إذن سيده إلا فى الكثير لقوله : ( يعطى ما أمر به كاملا موفرا إلى ~~PageV06P531 الذى أمر له ) فهذا يدل على العطاء الجزيل ؛ لأن اشتراط الكمال ~~فيه دليل على الكثرة . * * * # | 1 - باب ما يذكر فى الإشخاص والملازمة والخصومة بين المسلم واليهودي # / 1 - فيه : عبدالله ، سمعت رجلا قرأ آية سمعت من النبى ، عليه السلام ، ~~خلافها ، فأخذت بيده ، فأتيت به النبى ، عليه السلام ، فقال : ( كلاكما ~~محسن ) ، قال شعبة : أظنه قال : ( لا تختلفوا ، فإن من كان قبلكم اختلفوا ~~فهلكوا ) . / 2 - وفيه : أبو هريرة ، قال : استب رجلان رجل من المسلمين ، ~~ورجل من اليهود ، فقال المسلم : والذى اصطفى محمدا على العالمين ، فقال ~~اليهودى : والذى اصطفى موسى على العالمين ، فرفع المسلم يده عند ذلك فلطم ~~وجه اليهودى ، فذهب اليهودى إلى النبى ، عليه السلام ، فأخبره بما كان من ~~أمره ، وأمر المسلم ، فدعا النبى - صلى الله عليه وسلم - المسلم فسأله عن ~~ذلك ، فأخبره ، فقال عليه السلام : ( لا تخيرونى على موسى ، فإن الناس ~~يصعقون يوم القيامة فأصعق معهم ، فأكون أول من يفيق ، فإذا موسى باطش جانب ~~العرش ، فلا أدرى أكان فيمن صعق فأفاق قبلى ، أو كان ممن استثنى الله ، أو ~~قال ms2184 : حوسب لصعقته ) . ( 1 ) / 3 م - وفيه : أنس ، أن يهوديا رض رأس جارية ~~بين حجرين ، فقيل : من PageV06P532 فعل هذا بك ، أفلان أفلان حتى سمى ~~اليهودى ، فأومأت برأسها ، فأخذ اليهودى فاعترف ، فأمر به النبى - صلى الله ~~عليه وسلم - فرض رأسه بين حجرين . اختلف العلماء فى إشخاص المدعى عليه ، ~~فقال ابن القاسم فى معنى قول مالك : إن كان المدعى عليه غائبا إلى مثل ما ~~يسافر الناس إليه ويقدمون كتب إلى والى الموضع فى أخذ المدعى عليه ~~بالاستحلاف أو القدوم للخصومة وإن كانت غيبة بعيدة فيسمع من بينة المدعى ~~ويقضى له ، وقياس قول الشافعى أنه يجلب بدعوى المدعى . وقال الليث : لا ~~يجلب المدعى عليه حتى يشهد بينته على الحق . قال الطحاوى : وليس عند ~~أصحابنا المتقدمين فيه شىء ، والقياس ألا يجلب لا ببينة ولا بغير بينة . ~~قال غيره : إنما يريد أن يكتب إلى حكم الجهة . قال المهلب : وفى حديث أنس ~~الإشخاص إذا قويت شبهة الدعوى والتوفيق والملازمة فى الجواب عن الدعوى ، ~~لأن الجارية ادعت بإشارة فأشخص اليهودى ووقف ، وألزم الجواب ، وشدد عليه ~~فيه ، واستدل على كذبه حتى أقر واعترف ، قال : وإذا كان الخصم فى موضع يخاف ~~فى فواته منه فلا بأس بإشخاصه وملازمته ، وإن كان فى موضع لا يخاف فواته ~~منه فليس له إشخاصه إلا برفع من PageV06P533 السلطان ، إلا أن يكون فى شىء ~~من أمور الدين ، فإن من الإنكار على أهل الباطل أن يشخصوا ويرفعوا كما فعل ~~ابن مسعود بالرجل ، وكما فعل عمر بهشام بن حكيم حين تأول عليه أنه يخطئ . ~~قال عنه : وأما الملازمة فأوجبها من لم ير السجن على مدعى العدم حتى يثبت ~~عدمه . وهم الكوفيون ، وأما مالك وأصحابه فيرون أنه يسجن حتى يثبت العدم ، ~~وفرق الكوفيون بين الذى يكون أصله من معاوضة فيجب سجن من ادعى ، لأنه قد ~~حصل بيده العوض ويدعى العدم ، وأما إن كانت معاملة بغير معاوضة كالهبة ~~وشبهها فلا يسجن ، لأن أصل الناس عندهم على الفقر حتى يثبت الغنى ، وإذا ~~وجدت المعاوضة فقد صح عنده ما ينفى الفقر ، ولم ms2185 يفرق مالك بين شىء من ذلك ، ~~وهو عنده على الغنى حتى يثبت العدم ، فلذلك يلزمه السجن . قال المهلب : وفى ~~حديث أبى هريرة أنه لا قصاص بين المسلم والذمى ، لأن النبى لم يقد اليهودى ~~من المسلم فى اللطمة ، وقد ترجم فى كتاب الديات باب إذا لطم المسلم يهوديا ~~عند الغضب ، وفيه تأدب النبى - عليه السلام - بما خصه الله به من الفضيلة ، ~~فإن قال قائل : قوله عليه السلام : ( لا تخيرونى من بين الأنبياء ) . وقوله ~~: لا ينبغى لأحد أن يقول : ( أنا خير من يونس ابن متى ) يعارض قوله : ( أنا ~~أول من تنشق الأرض عنه ) وقوله : ( أنا سيد ولد آدم ولا فخر ( . فالجواب : ~~إن للعلماء فى ذلك تأويلين ينفيان عنهما التضاد : PageV06P534 فأحدهما ذكره ~~ابن قتيبة فقال : لا اختلاف بين شىء من ذلك بحمد الله ، وذلك أنه أراد أنه ~~سيد ولد آدم يوم القيامة ، لأنه الشافع يومئذ ، وله لواء الحمد والحوض ، ~~وأراد بقوله : ( لا تخيرونى على موسى ) طريق التواضع كما قال أبو بكر ~~الصديق : وليتكم ولست بخيركم . وكذلك قوله : ( لا ينبغى لأحد أن يقول : أنا ~~خير من يونس بن متى ) يدل على معنى التواضع ، لأن يونس دون غيره من ~~الأنبياء مثل إبراهيم وموسى وعيسى ، يريد إذا كنت لا أحب أن أفضل على يونس ~~، فكيف غيره ممن هو فوقه من أولى العزم من الرسل ، وقد قال تعالى : { فاصبر ~~لحكم ربك ولا تكن كصاحب الحوت } أراد يونس لم يكن له صبر غيره من الأنبياء ~~. وفى هذه الآية ما يدل على أن رسول الله أفضل منه ، لأن الله يقول له ولا ~~تكن مثله ، فدل أن قوله : ( لا تفضلونى عليه ) من طريق التواضع ، ويجوز أن ~~يريد لا تفضلونى عليه فى العمل فلعله أفضل عملا منى . ولا فى البلوى ~~والامتحان فإنه أعظم محنة منى . وليس ما أعطى الله نبينا محمدا من السؤدد ~~والفضل يوم القيامة على جميع الأنبياء والرسل بعمله ، بل بتفضيل الله إياه ~~واختصاصه له ، وكذلك أمته أسهل الأمم محنة ، بعثه الله بالحنيفية السمحة ، ~~ووضع عنها الإصر والأغلال التى ms2186 كانت على بنى إسرائيل فى فرائضهم ، وهى مع ~~هذا خير أمة أخرجت للناس بفضل الله وبرحمته ، هذا تأويل ابن قتيبة ، ~~واختاره المهلب . والتأويل الآخر : قال غيره : ليس شىء من هذه الأحاديث ~~PageV06P535 يتعارض ، لأنه يجوز أن يكون فى وقتين ، فقال عليه السلام : ( ~~ولا تفضلونى على موسى ) و ( لا ينبغى لأحد أن يقول إنى خير من يونس ) فى ~~أول أمره ، فى وقت أنزل عليه : { وما أدرى ما يفعل بى ولا بكم } ووقت قيل ~~له : يا خير البرية فقال : هذا إبراهيم وقبل أن ينزل الله عليه : { ليغفر ~~لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر } فلما غفر الله له ذلك علم أنه سيد ولد ~~آدم ، فقال ذلك حينئذ - والله أعلم . قال المهلب : وقوله عليه السلام : ( ~~أم جوزى بصعقة الطور ) فيه دليل أن المحن فى الدنيا والهموم والآلام يرجى ~~أن يخفف الله بها يوم القيامة كثيرا من أهوال القيامة ، وأما كفارة الذنوب ~~بها فمنصوص عليه من النبى - عليه السلام - بقوله : ( حتى الشوكة يشاكها ) . ~~وفيه : رد قول سعيد بن جبير الذى ذكره البخارى فى كتاب تفسير القرآن أن ~~الكرسى العلم ، لأن العلم ليس له جانب ولا قائمة تقع اليد عليها ، لأن اليد ~~لا تقع إلا على ما له جسم ، والعلم ليس بجسم ، وستأتى زيادة فى هذا المعنى ~~فى كتاب العقول فى باب إذا لطم المسلم يهوديا عند الغضب - إن شاء الله . * ~~* * # | 2 - باب من رد أمر السفيه والضعيف العقل وإن لم يكن حجر عليه الإمام # ويذكر عن جابر ، أن النبى ، عليه السلام ، رد على المتصدق قبل النهى ، ثم ~~نهاه ، وقال مالك : إذا كان لرجل على رجل مال وله عبد لا شىء له غيره ، ~~فأعتقه لم يجز عتقه . PageV06P536 * * * # | 3 - باب ومن باع على الضعيف ونحوه ، فدفع ثمنه إليه وأمره بالإصلاح ~~والقيام بشأنه ، فإن أفسد بعد منعه ، لأن النبى عليه السلام نهى عن إضاعة ~~المال وقال للذى يخدع فى البيع : ( إذا بايعت فقل لا خلابة ) ، ولم يأخذ ~~النبى عليه السلام ماله # . / 3 - فيه : ابن عمر ، كان رجل ms2187 يخدع فى البيع ، فقال له النبى - صلى ~~الله عليه وسلم - : ( إذا بايعت ، فقل : لا خلابة ) ، فكان يقوله . / 4 - ~~وفيه : جابر ، أن رجلا أعتق عبدا له ليس له مال غيره ، فرده النبى ، عليه ~~السلام ، فابتاعه منه نعيم بن النحام . اختلف العلماء فى هذا الباب ، فقال ~~مالك ، وجميع أصحابه غير ابن القاسم : إن فعل السفيه وأمره كله جائز حتى ~~يضرب الإمام على يده وهو قول الشافعى ، وقال ابن القاسم : أفعاله غير جائزة ~~وإن لم يضرب عليه الإمام . وقال أصبغ : إن كان ظاهر السفه فأفعاله مردودة ، ~~وإن كان غير ظاهر السفه فلا ترد أفعاله حتى يحجر عليه الإمام . واحتج سحنون ~~لقول مالك بأن قال : لو كانت أفعال السفيه مردودة قبل الحجر عليه ما احتاج ~~السلطان أن يحجر على أحد . واحتج غيره بأن النبى - عليه السلام - أجاز بيع ~~الذى كان يخدع فى البيوع ، ولم يذكر فى الحديث أنه فسخ ما تقدم من بيوعه ، ~~وحجة ابن القاسم حديث جابر أن النبى - عليه السلام - رد عتق الذى أعتق عبده ~~ولم يكن حجر عليه قبل ذلك ، ولما تنوع حكم النبى - عليه السلام - فى ~~السفيهين نظر بعض الفقهاء فى ذلك ، فاستعمل الحديثين جميعا فقال : ما كان ~~من السفه اليسير والخداع الذى لا يكاد PageV06P537 يسلم منه مع تنبه ~~المخدوع إليه والشكوى له ، فإنه لا يوجب الضرب على اليد ، ولا رد ما وقع له ~~قبل ذلك من البيع ، ولا انتزاع ماله كما لم يرد عليه السلام بيع الذى قال ~~له : لا خلابة ، ولا انتزع ماله وما كان من البيع فاحشا فى السفه فإنه يرد ~~كما رد النبى - عليه السلام - تدبير العبد الذى اشتراه ابن النحام ، لأنه ~~لم يكن أبقى لنفسه سيده مالا يعيش به ، فرد عتقه ، وصرف عليه ماله الذى ~~فوته بالعتق ليقوم به على نفسه ، ويؤدى منه دينه ، وإنما ذلك على قدر ~~اجتهاد الإمام فى ذلك وما يراه . وقد تقدم الكلام فى حديث ابن عمر فى كتاب ~~البيوع فى باب ما يكره من الخداع فى البيع ومذاهب العلماء فيمن ms2188 باع بيعا ~~وغبن فيه - والحمد لله . * * * # | 4 - باب كلام الخصوم بعضهم فى بعض # / 5 - فيه : عبدالله قال عليه السلام : ( من حلف على يمين وهو فيها فاجر ~~ليقتطع بها مال امرئ مسلم ، لقى الله وهو عليه غضبان ، قال : فقال الأشعث ~~بن قيس : فى والله كان هذا كان بينى وبين يهودى أرض فجحدنى ، فقدمته إلى ~~النبى ، عليه السلام ، فقال لى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( ألك ~~بينة ) ؟ قلت : لا ، قال : فقال لليهودى : ( احلف ) ، PageV06P538 قال : ~~قلت : يا رسول الله ، إذا يحلف ويذهب بمالى ، قال : فأنزل الله تعالى { إن ~~الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا } الآية . / 6 - وفيه : كعب ، ~~أنه تقاضى ابن أبى حدرد دينا كان له عليه فى المسجد ، فارتفعت أصواتهما حتى ~~سمعها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وهو فى بيته ، فخرج إليهما حتى ~~كشف سجف حجرته ، فنادى : ( يا كعب ) ، قال : لبيك يا رسول الله ، قال : ( ~~ضع من دينك هذا ) ، فأومأ إليه أى الشطر ، قال : لقد فعلت يا رسول الله ، ~~قال : ( قم فاقضه ) . / 7 - وفيه : عمر بن الخطاب ، سمعت هشام بن حكيم بن ~~حزام يقرأ سورة الفرقان على غير ما أقرؤها ، وكان رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - أقرأنيها ، وكدت أن أعجل عليه ، ثم أمهلته حتى انصرف ، ثم ~~لببته بردائه ، فجئت به النبى ، عليه السلام . . . . وذكر الحديث . لا يجوز ~~من كلام الخصوم بعضهم لبعض إلا ما يجوز من كلام غيرهم مما لا يوجب أدبا ولا ~~حدا . قال المهلب : معنى الترجمة من حديث ابن مسعود قول الأشعث : ( إذا ~~والله يحلف ويذهب بمالى ) فمثل هذا الكلام مباح فيمن عرف فسقه ، كما عرف ~~فسق اليهودى الذى خاصم الأشعث وقلة مراقبته لله - تعالى - فحينئذ يسمح ~~الحاكم للقائل لخصمه ذلك ، وأما إن قال ذلك فى رجل صالح أو من لا يعرف له ~~فسق فيجب أن ينكر عليه ، ويؤخذ له الحق ، ولا يبيح له النيل من عرضه . ~~وحديث عمر مع هشام بن حكيم فى تولى الخصوم بعضهم بعضا PageV06P539 سديد فى ~~هذا الباب ، لأن فيه امتدادا باليد ms2189 ، فهو أقوى من القول ، وإنما جاز له ذلك ~~- والله أعلم - لأنه أنكر عليه فى أمر الدين ، وفى حديث كعب جواز ارتفاع ~~الأصوات بين الخصوم لما فى خلائق الناس من ذلك ، ولو قصر الناس عن اختلافهم ~~لكان ذلك من المشقة عليهم ، بل يسمح لهم فيما جبلهم الله عليه ، لأن النبى ~~- عليه السلام - سمعهما ولم ينههما عن رفع أصواتهما ، وفيه أن الحاكم إذا ~~سمع قول الخصوم واستعجم عليه أمرهما أشار عليهما بالصلح ، وأمرهما به ، ~~وإذا رأى مديانا غير مستضلع بدينه ، ولا ملى به ، وثبتت عسرته ، أنه لا بأس ~~للحكم أن يأمر صاحب الدين بالوضيعة لقطع الخصام ، لما فى تماديه من قطع ذات ~~البين وفساد النيات . * * * # | 5 - باب إخراج أهل المعاصى والخصوم من البيوت بعد المعرفة # وقد أخرج عمر أخت أبى بكر حين ناحت / 8 - فيه : أبو هريرة ، قال النبى ، ~~عليه السلام : ( لقد هممت أن آمر بالصلاة ، فتقام ، ثم أخالف إلى منازل قوم ~~لا يشهدون الصلاة ، فأحرق عليهم ) . قال المهلب : فيه من الفقه أن من ترك ~~سنة من سنن النبى PageV06P540 - عليه السلام - المجتمع عليها فى الإقامة ، ~~أنه يعاقب فى نفسه وماله ، لأن حرق المنازل عقوبة فى المال على عمل الأبدان ~~، فإذا كانت العقوبة تتعدى إلى المال عن البدن ، فهى أحرى أن تقع فى البدن ~~، وفيه أن العقوبات على أمور الدين التى لا حدود فيها موكولة إلى اجتهاد ~~الإمام لقوله : ( لقد هممت ) فهذا نظر واجتهاد . وقد قال قوم : إن هذا ~~الحديث فى المنافقين ، وليس كذلك ، لأن النبى - عليه السلام - لم يعن ~~بإخراج المنافقين إلى الصلاة ، ولا التفت إلى شىء من أمرهم ، وقيل فيه : ~~إنه فى المؤمنين ، وقد تقدم القولان فى باب وجوب صلاة الجماعة ، وسيأتى فى ~~كتاب الأحكام - إن شاء الله - شىء من الكلام فى معنى هذا الباب تركته لأنه ~~بوب بهذا الحديث بعينه ، وذكر هذا الحديث فيه . * * * # | 6 - باب دعوى الوصى للميت # / 9 - فيه : عائشة ، أن عبد بن زمعة ، وسعدا ، اختصما إلى النبى - صلى ~~الله عليه وسلم - فى ابن أمة زمعة ، فقال سعد ms2190 : يا رسول الله ، أوصانى أخى ~~إذا قدمت أن أنظر ابن أمة زمعة ، فأقبضه فإنه ابنى ، وقال عبد بن زمعة : ~~أخى ، وابن أمة أبى ، ولد على فراش أبى ، فرأى النبى ، عليه السلام ، شبها ~~بينا بعتبة ، فقال : ( هو لك يا عبد بن زمعة ، الولد للفراش ، واحتجبى منه ~~يا سودة . . . . ) الحديث . هذا الحديث ترجم له فى كتاب الوصايا ما يجوز ~~للموصى إليه من الدعوى ، وهى هذه الترجمة ، وسيأتى الكلام فيها هناك - إن ~~شاء الله - وللعلماء فى هذا الحديث ضروب من التخريج سأذكرها - إن شاء الله ~~- فى باب أم الولد . PageV06P541 * * * # | 7 - باب التوثق ممن تخشى معرته # وقيد ابن عباس عكرمة على تعليم القرآن والسنن والفرائض . / 10 - فيه : ~~أبو هريرة ، بعث النبى ، عليه السلام ، خيلا قبل نجد ، فجاءت برجل من بنى ~~حنيفة ، يقال له : ثمامة بن أثال سيد أهل اليمامة ، فربطوه بسارية من سوارى ~~المسجد ، فخرج إليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فقال : ( ما عندك ~~يا ثمامة ) ؟ قال : عندى يا محمد خير . . . . وذكر الحديث ، فقال : ( ~~أطلقوا ثمامة ) . قال أهل العلم : يوجبون التوثق بالحبس والضامن وما أشبهه ~~ممن وجب عليه حق لغيره ، فأبى أن يخرج منه و ادعى مخرجا لم يحضره فى الوقت ~~، وقد روى وكيع أن عليا كان يحبس فى الدين ، وروى معمر ، عن أيوب ، عن ابن ~~سيرين قال : كان شريح إذا قضى على رجل بحق أمر بحبسه فى المسجد إلى أن يقوم ~~، فإن أعطى حقه وإلا أمر به إلى السجن . وقال طاوس : إذا لم يقر الرجل ~~بالحكم حبس . وروى معمر عن بهز بن حكيم ، عن أبيه ، عن جده ( أن رسول الله ~~حبس رجلا فى تهمة ) . وحديث ثمامة أصل فى ذلك ، لأنه كان قد حل دمه بالكفر ~~، والسنة فى مثله أن يقتل ، أو يستعبد ، أو يفادى به ، أو يمن عليه ، فحبسه ~~النبى حتى يرى فيه رأيه وأى الوجوه أصلح للمسلمين فى أمره ، وترجم له فى ~~كتاب الصلاة باب الأسير والغريم يربط فى المسجد . PageV06P542 * * * # | 8 - باب الربط والحبس فى الحرم # واشترى نافع بن عبدالحارث دارا ms2191 للسجن بمكة من صفوان بن أمية على أن عمر ~~إن رضى ، فالبيع بيعه ، وإن لم يرض عمر ، فلصفوان أربع مائة دينار ، وسجن ~~ابن الزبير بمكة . / 11 - فيه : أبو هريرة ، أن النبى ، عليه السلام ، بعث ~~خيلا قبل نجد ، فجاءت بثمامة ، فربطوه بسارية من سوارى المسجد . قال المهلب ~~: اشترى نافع الدار للسجن بمكة من مال المسلمين ، لأن عمر كان يومئذ أمير ~~المؤمنين ، فاشترى نافع الدار من صفوان وشرط عليه إن رضى عمر الابتياع فهو ~~لعمر وإن لم يرض ذلك بالثمن المذكور فالدار لنافع بأربعمائة ، وهذا بيع ~~جائز ، فابتياع الدار لتكون سجنا بمكة ، يدل أن الحبس فى الحرم والربط ~~والأسر فيه جائز بخلاف قول من قال من التابعين أن من فر إلى الحرم بحد أو ~~جرم ، أنه لا يقاد منه فى الحرم ، واحتجوا بقوله تعالى : { ومن دخله كان ~~آمنا } وأئمة الفتوى بالأمصار لا يمنع عندهم الحرم إقامة الحدود والقود فيه ~~على من وجب عليه ذلك فى غير الحرم ، وكلهم يقول : إن من قتل فى الحرم قتل ~~فيه . * * * # | 9 - باب فى الملازمة # / 12 - فيه : كعب ، كان له على عبدالله بن أبى حدرد دين ، فلقيه فلزمه ، ~~فتكلما حتى ارتفعت أصواتهما ، فمر بهما النبى ، PageV06P543 عليه السلام ، ~~فقال : ( يا كعب ) ، وأشار بيده ، كأنه يقول : النصف ، فأخذ نصف ما عليه ، ~~وترك نصفا . قال : هذا الحديث حجة للكوفيين فى قولهم بالملازمة للغريم ، ~~ألا ترى أن النبى - عليه السلام - مر بكعب بن مالك وهو قد لزم غريمه فلم ~~ينكر ذلك عليه ، وأشار عليه بالصلح ، وسائر الفقهاء لا ينكرون على صاحب ~~الدين أن يطلب دينه كيف أمكنه بإلحاح عليه وملازمة أو غير ذلك ، وإنما ~~اختلفوا فى الغريم المعدم هل يلازمه غريمه بعد ثبوت الإعدام وانطلاقه من ~~السجن أم لا ؟ وقد تقدم ذلك فى باب قوله عليه السلام : ( مطل الغنى ظلم ) ~~فأغنى عن إعادته . * * * # | 10 - باب التقاضى # / 13 - فيه : خباب ، كنت قينا فى الجاهلية ، وكان لى على العاص بن وائل ~~دراهم ، فأتيته أتقاضاه ، فقال : لا أقضيك حتى تكفر بمحمد ، فقلت : لا ~~والله ms2192 لا أكفر بمحمد - صلى الله عليه وسلم - حتى يميتك الله ، ثم يبعثك ، ~~قال : فدعنى حتى أموت ، ثم أبعث ، فأوتى مالا وولدا ، ثم أقضيك . . . . ~~الحديث . فيه من الفقه أن الرجل الفاضل إذا كان له دين عند الفاسق والكافر ~~أنه لا بأس أن يطلبه ويشخص فيه بنفسه ، ولا نقيصة عليه فى ذلك ، لأن النبى ~~قد نهى عن إضاعة المال - والحمد لله وحده . PageV06P544 * * * بسم الله ~~الرحمن الرحيم # | 39 - كتاب اللقطة # # | 1 - باب إذا أخبر رب اللقطة بالعلامة دفعت إليه # / 1 - فيه : سويد بن غفلة ، لقيت أبى بن كعب ، فقال : وجدت صرة مائة ~~دينار ، فأتيت النبى ، عليه السلام ، فقال : ( عرفها حولا ) ، فعرفتها حولا ~~، فلم أجد من يعرفها ، ثم أتيته ، فقال : ( عرفها حولا ) ، فعرفتها ، فلم ~~أجد ، ثم أتيته ثلاثا ، فقال : ( احفظ وعاءها وعددها ووكاءها ، فإن جاء ~~صاحبها ، وإلا فاستمتع بها ) ، [ فاستمتعت ] فلقيته بعد بمكة ، فقال : لا ~~أدرى أثلاثة أحوال أم حولا واحدا . هذا الحديث لم يقل بظاهره أحد من أئمة ~~الفتوى أن اللقطة تعرف ثلاثة أعوام ، لأن سويد بن غفلة قد وقف عليه أبى بن ~~كعب مرة أخرى حين لقيه بمكة ، فقال : لا أدرى ثلاثة أحوال أم حولا واحدا ، ~~وهذا الشك يوجب سقوط التعريف ثلاثة أحوال ، ولا يحفظ عن أحد قال ذلك إلا ~~رواية جاءت عن عمر بن الخطاب ذكرها عبد الرزاق عن ابن جريج قال : قال مجاهد ~~: وجد سفيان بن عبد الله الثقفى عبية فيها مال عظيم ، فجاء بها عمر بن ~~الخطاب ، فقال : عرفها سنة ، فعرفها سنة ثم جاءه ، فقال : عرفها سنة فعرفها ~~ثم جاءه فقال : عرفها سنة ، فعرفها ثم جاءه بها ، فجعلها عمر فى بيت مال ~~المسلمين . وقد روى عن عمر ابن الخطاب PageV06P545 أن اللقطة تعرف سنة مثل ~~قول الجماعة ، وممن روى عنه أنها تعرف سنة : على ابن أبى طالب ، وابن عباس ~~، وسعيد بن المسيب ، والشعبى ، وإليه ذهب مالك ، والكوفيون ، والشافعى ، ~~وأحمد بن حنبل ، واحتجوا بحديث زيد بن خالد الجهنى . واختلف العلماء إذا ~~جاء رب اللقطة بالعلامة هل يلزمه إقامة البينة أنها له ms2193 أم لا ؟ فقال مالك ~~والليث وجماعة من أهل الحديث : إذا جاء بعلامتها وجب أن يأخذها ، ولم يكلف ~~إقامة البينة . وبه قال أحمد بن حنبل ، وقال أبو حنيفة والشافعى : لا ~~يأخذها إلا بعد إقامة البينة . قال ابن القصار : وحجة مالك قوله عليه ~~السلام : ( اعرف وعاءها وعددها ووكاءها ، فإن جاء صاحبها وإلا فاستمتع بها ~~) ولم يقل : فإن جاء صاحبها وأقام بينة ، وإنما أمر الملتقط بمعرفة الوعاء ~~والوكاء ليضبطها ، فإذا جاء طالبها وعرف صفتها سلمت إليه ، ولو لم يجب عليه ~~دفعها إلى من يأتى بصفتها لم يكن لمعرفة صفتها معنى ، ولو كلف البينة لتعذر ~~عليه ، لأنه لا يعلم متى تسقط فيشهد عليها من أجل ذلك . واحتج الآخرون ~~بقوله عليه السلام : ( البينة على المدعى ) ، وصاحب اللقطة مدع فلا يستحقها ~~إلا بالبينة ، فأجابهم أهل المقالة الأولى فقالوا : البينة إنما تجب على ~~المدعى إذا كان المدعى عليه ممن يدعى الشىء المدعى فيه لنفسه . والملتقط لا ~~يدعى اللقطة لنفسه ، ألا ترى أن الملتقط لو ادعى عليه اللقطة بغير صفة ولا ~~بينة وأنكر لم يكن عليه يمين ، فعلم بهذا أن البينة إنما تجب فى موضع يدعى ~~عليه ذلك الشىء ، وهو يدعيه لنفسه . قال ابن حبيب : وأكثر ما يمكن فى ~~اللقطة أن يقبل منه الصفة ويحلف PageV06P546 على ذلك ، فيكون بمنزلة شاهد ~~ويمين . وهو قول سحنون ، وقال سحنون : أصحابنا يقولون باليمين . وهو قول ~~أشهب ، وقال : إن نكل عن اليمين لم يأخذها ، ومن الناس من يقول : لا يمين ~~عليه . قال ابن القصار : وقول من رأى اليمين أحوط . وقال الأبهرى : العلامة ~~تقوم مقام اليمين ، وهو الذى يقتضى الحديث ، ويدل عليه . واختلفوا إذا جاء ~~بصفتها ودفعها إليه ، ثم جاء آخر فأقام بينة أنها له ، فقال ابن القاسم : ~~لا يضمن الملتقط شيئا ؛ لأنه فعل ما وجب عليه ، وهو أمين والشىء ليس بمضمون ~~عليه و الحكم فيها عنده أن تقسم بين صاحب الصفة وصاحب البينة ، كما يحكم فى ~~نفسين إذا ادعيا شيئا وأقاما بينة . وقال أشهب : إذا أقام الثانى البينة ~~حكم له بها على الذى ms2194 أخذها بالعلامة . وقال أبو حنيفة والشافعى : إذا أقام ~~الثانى البينة فعلى الملتقط الضمان . وقول ابن القاسم أولى ؛ لأن الضمان لا ~~يلزم فيما سبيله الأمانة ، ولا خلاف عن مالك وأصحابه أن الثانى إذا أتى ~~بعلامتها بلا بينة أنه لا شىء له . * * * # | 2 - باب ضالة الإبل # / 2 - فيه : زيد بن خالد ، جاء أعرابى إلى النبى ، عليه السلام ، فسأله ~~عما يلتقط ، فقال : ( عرفها سنة ، ثم اعرف عفاصها ووكاءها ، PageV06P547 ~~فإن جاء أحد يخبرك بها ، وإلا فاستنفقها ) ، قال : يا رسول الله ، ضالة ~~الغنم ؟ قال : ( لك ، أو لأخيك ، أو للذئب ) ، قال : ضالة الإبل ؟ فتمعر ~~وجه النبى ، عليه السلام ، فقال : ( ما لك ولها ، معها حذاؤها وسقاؤها ، ~~ترد الماء وتأكل الشجر ) . قال أبو عبيد : العفاص : الوعاء الذى تكون فيه ~~النفقة من جلد كان أو غيره ، ولهذا يسمى الجلد التى تلبسه القارورة العفاص ~~؛ لأنه كالوعاء لها ، والوكاء : الخيط الذى يشد به ، وحذاؤها يعنى : ~~أخفافها ، يقول : تقوى على السير وتقطع البلاد ، وسقاؤها : يعنى أنها تقوى ~~على ورود المياه لتشرب والغنم لا تقوى على ذلك . واختلفوا فى ضالة الإبل هل ~~تؤخذ ؟ قال مالك والأوزاعى والشافعى : لا يأخذها ولا يعرفها ؛ لنهيه - عليه ~~السلام - عن ضالة الإبل . وقال الليث : إن وجدها فى القرى عرفها ، وفى ~~الصحراء لا يقربها . وقال الكوفيون : أخذ ضالة الإبل وتعريفها أفضل ؛ لأن ~~تركها سبب لضياعها ، قالوا : وأمر عمر بتعريف البعير يدل على جواز ذلك ، ~~وإنما النهى عن أخذها لمن يأكلها ، وهو معنى قول عمر بن الخطاب : لا يأوى ~~الضالة إلا ضال . وقد باع عثمان ضوال الإبل ، وحبس أثمانها على أربابها ~~ورأى أن ذلك أقرب إلى PageV06P548 جمعها عليهم لفساد الناس . قيل لهم : ترك ~~عمر لضوال الإبل أشبه لمعنى قوله - عليه السلام - : ( معها حذاؤها وسقاؤها ~~ترد الماء وترعى الشجر حتى يلقاها ربها ) وذلك أقرب إلى جمعها على صاحبها ~~مع جور الأئمة ؛ لأن صاحبها لا يستطيع أن يخاصم فيها الإمام الجائر ، ولا ~~يجد من يحكم له عليه ، ويستطيع أن يخاصم فيها الرعية فيقضى له عليه السلطان ~~، وظاهر الحديث على تركها حيث وجدها ms2195 والنهى عن أخذها . قال ابن المنذر : ~~وممن رأى أن ضالة البقر كضالة الإبل : طاوس والأوزاعى ، والشافعى . وقال ~~مالك والشافعى فى ضالة البقر : إن وجدت بموضع يخاف عليها فهى بمنزلة الشاة ~~، وإن كانت بموضع لا يخاف عليها فهى بمنزلة البعير . قال ابن حبيب : والخيل ~~والبغال والعبيد وكل ما يستقل بنفسه ويذهب هو داخل فى اسم الضالة ، وقد شدد ~~رسول الله فى أخذ كل ما يرجى أن يصل إلى صاحبه ، فمن أخذ شيئا من ذلك فى ~~غير الفيافى فهو كاللقطة ، ومن أخذ شيئا مجمعا على أخذه ثم أرسله فهو له ~~ضامن ، إلا أن يأخذه غير مجمع على أخذه مثل : أن يمر رجل فى آخر الركب أو ~~آخر الرفقة فيجد شيئا ساقطا ، فيأخذه وينادى من أمامه : لكم هذا ؟ ! فيقال ~~له : لا ثم يخليه فى مكانة فلا شىء عليه فيه . فهذا قول مالك . قال غيره : ~~وأما إن وجد عرضا فأخذه وعرفه فلم يجد صاحبه ، فلا يجوز له رده إلى الموضع ~~الذى وجده فيه ، فإن فعل وتلف ضمنه لصاحبه . وذكر ابن المنذر عن الشافعى إن ~~أخذ بعيرا ضالا ثم أرسله فتلف فعليه الضمان . PageV06P549 * * * # | 3 - باب ضالة الغنم # / 3 - وفيه : زيد بن خالد ، سئل النبى - صلى الله عليه وسلم - عن اللقطة ~~فقال : ( اعرف عفاصها ووكاءها ، ثم عرفها سنة ) - يقول يزيد : إن لم تعرف ~~استنفق بها صاحبها ، وكانت وديعة عنده . قال يحيى بن سعيد : فهذا الذى لا ~~أدرى أفى حديث النبى - صلى الله عليه وسلم - هو ، أم شىء من عنده - ثم قال ~~: كيف ترى فى ضالة الغنم ؟ قال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( خذها ، ~~فإنما هى لك ، أو لأخيك ، أو للذئب ) - قال يزيد : وهى تعرف أيضا - . . . . ~~الحديث . اختلف العلماء فى ضالة الغنم ، فقال ابن المنذر : روينا عن عائشة ~~أنها منعت من ضالة الغنم ومن ذبحها . وقال الليث : لا أحب أن تعرف ضالة ~~الغنم إلا أن يحرزها لصاحبها . وقال أبو حنيفة والشافعى : إن أكلها فعليه ~~الضمان إذا جاء صاحبها . وهو قول عبد العزيز بن أبى سلمة وسحنون . وقال ms2196 ~~مالك : ومن وجد شاة فى أرض فلاة وخاف عليها فهو مخير فى تركها أو أكلها ، ~~ولا ضمان عليه . والحجة لمالك أن النبى أذن فى أكل الشاة ، وأقام الذى ~~وجدها مقام ربها وقال : ( لك أو لأخيك أو للذئب ) فإذا أكلها بإذن النبى لم ~~يجز أن يغرم فى حال ثان إلا بحجة من كتاب أو سنة أو إجماع . قالوا : وهذا ~~أصل فى كل ما يوجد من الطعام الذى لا يبقى ويسرع إليه الفساد ، فلمن وجده ~~أكله إذا لم يمكنه تعريفه ولا يضمنه لأنه فى معنى الشاة ، والشاة فى حكم ~~المباح الذى لا قيمة له ، ألا PageV06P550 ترى أن النبى - عليه السلام - ~~وجد تمرة فقال : ( لولا أنى أخشى أن تكون من الصدقة لأكلتها ) فإنما نبه ~~أنه يجوز أكلها من ملك الغير لو لم تكن من الصدقة ؛ لأنها فى معنى التافه ، ~~فكذلك الشاة فى الفلاة لا قيمة لها . واحتج الطحاوى للكوفيين فقال : ليس ~~قوله عليه السلام : ( هى لك أو لأخيك أو للذئب ) على معنى التمليك ، كما ~~أنه إذا قال : أو للذئب لم يرد به التمليك لأن الذئب لا يملك وإنما يأكلها ~~على ملك صاحبها ، فينزل على أجر مصيبها ، فكذلك الواجد إن أكلها ، أكلها ~~على ملك صاحبها فإن جاء ضمنها له . قالوا : وقد روى ابن وهب عن عمرو بن ~~الحارث ، وهشام بن سعيد ، عن عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن جده ( أن رجلا ~~أتى النبى - عليه السلام - فقال : يا رسول الله كيف ترى فى ضالة الغنم ؟ ~~قال : طعام مأكول لك أو لأخيك أو للذئب ، فاحبس على أخيك ضالته ) . فهذا ~~دليل على أن الشاة على ملك صاحبها . وأجمع العلماء أن صاحبها لو جاء قبل أن ~~يأكلها الواجد لها أخذها منه ، وكذلك لو ذبحها أخذها منه مذبوحة ، وكذلك لو ~~أكل بعضها أخذ ما وجد منها ، فدل على أنا على ملك صاحبها فى الفلوات وغيرها ~~، ولا يزول ملكه عنها إلا بإجماع ، ولا فرق بين قوله فى الشاة : ( هى لك أو ~~لأخيك أو للذئب ) وبين قوله فى اللقطة : ( فشأنك بها ms2197 ) بل هذا أشبه ~~بالتمليك ؛ لأنه لم يشرك معه فى لفظ التمليك ذئبا ولا غيره . PageV06P551 * ~~* * # | 4 - باب إذا لم يوجد صاحب اللقطة بعد سنة فهى لمن وجدها # / 4 - فيه : زيد ، سأل رجل النبى - صلى الله عليه وسلم - عن اللقطة ، ~~فقال : ( اعرف عفاصها ووكاءها ، ثم عرفها سنة ، فإن جاء صاحبها ، وإلا ~~فشأنك بها . . . ) الحديث . وأجمع أئمة الفتوى على أن اللقطة إذا عرفها سنة ~~وانتفع بها وأنفقها بعد السنة ثم جاء صاحبها أنه يرد عليها قيمتها ويضمنها ~~له ، وليس قوله : ( فشأنك بها ) يبيح له أخذها ويسقط عنه ضمانها ؛ لما ثبت ~~عنه عليه السلام فى اللقطة : ( فإن جاء صاحبها بعد السنة أدها إليه ؛ لأنها ~~وديعة عند ملتقطها ) وسيأتى تمام القول فى ذلك فى بابه - إن شاء الله - ~~وخرق الإجماع رجل نسب إلى العلم يعرف بداود بن على ، فقال : إذا جاء صاحبها ~~بعد السنة لم يضمنها ملتقطها ؛ لأن النبى - عليه السلام - أطلقه على ملكها ~~بقوله : ( فشأنك بها ) فلا ضمان عليه ، ولا سلف له فى ذلك إلا اتباع الهوى ~~والجرأة على مخالفة الجماعة التى لا يجوز عليها تحريف التأويل ولا الخطأ ~~فيه ، أعاذنا الله من اتباع والابتداع فى دينه مما لم يأذن فيه عز وجل . * ~~* * # | 5 - باب إذا وجد خشبة فى البحر أو سوطا أو نحوه # / 5 - فيه : أبو هريرة ، أن النبى ، عليه السلام ، ذكر رجلا من بنى ~~إسرائيل . . . . وساق الحديث ، فخرج ينظر لعل مركبا قد جاء بماله ، فإذا هو ~~بالخشبة فأخذها لأهله حطبا ، فلما نشرها ، وجد المال والصحيفة . . . . ~~الحديث . PageV06P552 هذه الخشبة حكمها حكم اللقطة ، قال المهلب : وإنما ~~أخذها حطبا لأهله ؛ لأنه قوى عنده انقطاعها عن صاحبها لغلبة العطب على ~~صاحبها وانكسار سفينته ، وروى ابن عبد الحكم عن مالك أنه قال : إذا ألقى ~~البحر خشبة فتركها أفضل . وقال ابن شعبان : فيها قول آخر : إن وجدها يأخذها ~~، فمتى جاء ربها غرم له قيمتها . واختلف العلماء فيما يفعل باللقطة اليسيرة ~~، فرخصت طائفة فى أخذها والانتفاع بها وترك تعريفها ، وممن روى ذلك عنه : ~~عمر بن الخطاب ، وعلى بن أبى ms2198 طالب ، وابن عمر ، وعائشة ، وهو قول عطاء ~~والنخعى وطاوس . قال ابن المنذر : روينا عن عائشة فى اللقطة لا بأس بما دون ~~الدرهم أن يستمع به ، وعن جابر بن عبد الله قال : كانوا يرخصون فى السوط ~~والحبل ونحوه إذا وجده الرجل ولم يعرف صاحبه أن ينتفع به ، وقال عطاء : لا ~~بأس للمسافر إذ وجد السوط والسقاء والنعلين أن يستمتع به وحديث الخشبة ~~الحجة لهذه المقالة ، لأن النبى أخبر أنه أخذها حطبا لأهله ، ولم يأخذها ~~ليعرفها ، وأقر النبى - عليه السلام - ذلك ، ولم يذكر أنه فعل ما لا ينبغى ~~له . وأوجبت طائفة تعريف قليل اللقطة وكثيرها حولا إلا ما لا قيمة له . قال ~~ابن المنذر : روينا ذلك عن أبى هريرة أنه قال فى لقطة الحبل والزمام ونحوه ~~: عرفه فإن وجدت صاحبه رددته عليه إلا استمتعت به . وهو قول مالك والشافعى ~~وأحمد ابن حنبل . PageV06P553 قال مالك : من وجد لقطة دينارا أو درهما أو ~~أقل من ذلك فليعرفه سنة إلا الشىء اليسير مثل : القرص ، أو الفلس ، أو ~~الجوزة ، أو نحو ذلك فإنه يتصدق به من يومه ، ولا أرى أن يأكله ، ولا يأكل ~~التمرات والكسرة إلا المحتاج ، وأما النعلان والسوط وشبه ذلك فإنه يعرفه ، ~~فإن لم يجد له صاحبا تصدق به ، فإن جاء صاحبه غرمه . وهو قول الكوفيين إلا ~~فى مدة التعريف فإنهم قالوا : ما كان عشرة دراهم فصاعدا عرفه حولا ، وما ~~كان دون ذلك عرفه بقدر ما يراه . وقال الثورى : تعرف الدراهم أربعة أيام . ~~وقال أحمد : يعرفه سنة . وقال إسحاق : ما دون الدينار يعرفه جمعة أو نحوها ~~. وحجة هذه المقالة قوله عليه السلام فى اللقطة : ( اعرف عفاصها ووكاءها ) ~~، ولم يخص قليل اللقطة من كثيرها ، فيجب على ظاهر حديث زيد بن خالد أن ~~يستوى حكم قليلها وكثيرها فى ذلك . قال ابن المنذر : ولا أعلم شيئا استثنى ~~من جملة هذا الخبر إلا التمرة التى منعه من أكلها خشية أن تكون من الصدقة ، ~~فما له بقاء مما زاد على التمرة وله قيمة يجب تعريفه . واختلفوا فيما لا ~~يبقى ms2199 إلى مدة التعريف ، فقال مالك : يتصدق به أحب إلى . قيل لابن القاسم : ~~فإن أكله أو تصدق به وأتى صاحبه ؟ قال : لا يضمنه فى قياس قول مالك على ~~الشاة يجدها فى فيافى الأرض . وفى قول الكوفيين : ما لا يبقى إذا أتى عليه ~~يومان أو يوم وفسد ، قالوا : يعرفه فإن خاف فسادة تصدق به ، فإن جاء ربه ~~PageV06P554 ضمنه . وهو قول الشافعى ، وحجتهم أن ما كان له رب فلا يملكه ~~عليه أحد إلا بتملكه إياه قل أو كثر . * * * # | 6 - باب إذا وجد تمرة فى الطريق # / 6 - فيه : أنس ، مر النبى ، عليه السلام ، بتمرة فى الطريق ، فقال : ( ~~لولا أنى أخاف أن تكون من الصدقة لأكلتها ) . / 7 - وفيه : أبو هريرة ، قال ~~النبى ، عليه السلام : ( إنى لأنقلب إلى أهلى ، فأجد التمرة ساقطة على ~~فراشى ، فأرفعها لآكلها ، ثم أخشى أن تكون صدقة فألقيها ) . أما ما لا بال ~~له ولا يتشاح الناس فيه ولا يطلبونه كالتمرة والجوزة والتينة والعنابة ~~والحبة من الفضة وشبه ذلك ، فلا يلزم فى شىء منه تعريف ؛ لجواز أكله عليه ~~السلام للتمرة الساقطة لو لم تكن من الصدقة المحرم عليه قليلها وكثيرها . ~~فدل هذا الحديث على إباحة الشىء التافه الملتقط ، وأنه معفو عنه وخارج من ~~حكم اللقطة ؛ لأن صاحبه لا يطلبه ، فلذلك استحل النبى - عليه السلام - أكل ~~التمرة لولا شبهة الصدقة ، وقد روى عبد الرزاق أن على بن أبى طالب التقط ~~حبة أو حبتين من رمان من الأرض فأكلها ، وعن ابن عمر أنه وجد تمرة فى ~~الطريق فأخذها فأكلها نصفها ، ثم لقيه مسكين فأعطاه النصف الآخر . ~~PageV06P555 * * * # | 7 - باب كيف تعرف لقطة أهل مكة ؟ # وقال ابن عباس ، عن النبى عليه السلام : ( لا يلتقط لقطتها إلا من عرفها ~~) . وقال مرة : عن النبى : ( لا تحل لقطتها إلا لمنشد ) . / 8 - وفيه : أبو ~~هريرة ، لما فتح الله على رسوله - صلى الله عليه وسلم - مكة قام فى الناس ~~فحمد الله ، وأثنى عليه ، ثم قال : ( إن الله حبس عن مكة الفيل ، وسلط ~~عليها رسوله والمؤمنين ، فإنها لا تحل لأحد كان قبلى ، وإنها ms2200 أحلت لى ساعة ~~من نهار ، وإنها لا تحل لأحد بعدى ، ولا ينفر صيدها ، ولا يختلى شوكها ، ~~ولا تحل ساقطتها إلا لمنشد . . . . ) الحديث . اختلف العلماء فى لقطة مكة ، ~~فقالت طائفة : حكم لقطتها كحكم لقطة سائر البلدان . قال ابن المنذر : روينا ~~هذا القول عن عمر وابن عباس وعائشة وسعيد بن المسيب ، وبه قال مالك وأبو ~~حنيفة وأحمد بن حنبل . وقالت طائفة : إن لقطتها لا تحل البتة ، وليس ~~لواجدها إلا إنشادها . هذا قول الشافعى وابن مهدى و أبى عبيد ، قال ابن ~~مهدى : معنى قوله : ( لا تحل لقطتها ) ، كأنه يريد البتة ، فقيل له : إلا ~~لمنشد ؟ فقال : إلا لمنشد ، وهو يريد المعنى الأول ، كما يقول الرجل : ~~والله لأفعلن كذا وكذا ، ثم يقول : إن شاء الله ، وهو لا يريد الرجوع عن ~~يمينه ، ولكنه لقن شيئا فلقنه فمعناه : أنه ليس يحل له منها إلا إنشادها ، ~~فأما الانتفاع بها فلا يجوز . PageV06P556 وفيها قول ثالث : قال جرير بن ~~عبد الله الحميدى قوله : ( إلا لمنشد ) ، يعنى : إلا من سمع ناشدا يقول : ~~من أصاب كذا ، فحينئذ يجوز للملتقط أن يرفعها إذا رآها ، لكى يردها على ~~صاحبها ، ومال إسحاق بن راهويه إلى هذا القول ، وقاله النضر بن شميل . ~~وفيها قول رابع : يعنى : لا تحل لربها الذى يطلبها . قال أبو عبيد هو جيد ~~فى المعنى ولكن لا يجوز فى العربية أن يقال للطالب : منشدا إنما المنشد ~~المعرف ، والطالب هو الناشد ، يدل على ذلك أن الرسول سمع رجلا ينشد ضالة فى ~~المسجد فقال : ( أيها الناشد غيرك الواجد ) ، قال أبو عبيد : وليس للحديث ~~وجه إلا ما قاله ابن مهدى . قال المؤلف : و لو كان حكم لقطة مكة حكم غيرها ~~؛ ما كان لقوله : ( لا تحل لقطتها إلا لمنشد ) ، معنى تختص به مكة كما تختص ~~بسائر ما وكد فى هذا الحديث ؛ لأن لقطة غيرها كذلك يحل لمنشدها بعد الحول ~~الانتفاع بها ، فدل مساق هذا الحديث كله على تخصيص مكة ومخالفة لقطتها ~~لغيرها من البلدان ، كما خالفتها فى كل ما ذكر فى الحديث من أنها حرام لا ~~تحل ms2201 لأحد ساعة من نهار بعد النبى - عليه السلام - وأنه لا ينفر صيدها ، ولا ~~يختلى خلاها وغير ذلك مما خصت به من أنه لم يستبح دماءهم ولا أموالهم ، ولا ~~جرى فيهم الرق كغيرهم . ومن الحجة أيضا لذلك أن الملتقط إنما يتملك اللقطة ~~فى غير مكة بعد الحول ، حفظا لها على ربها وحرزا لها ؛ لأنه لا يقدر على ~~إيصالها PageV06P557 إليه ويخشى تلفها ، فيتملكها وتتعلق قيمتها بذمته ، ~~ولقطة مكة يمكن إيصالها إلى ربها ، لأنه إن كان من أهل مكة فإن معرفته تقرب ~~، وإن كان غريبا لا يقيم بها فإنه يعود إليها بنفسه أو يقدر على من يسير ~~إلى مكة من أهل بلده فيتعرف له ذلك ؛ لأنها تقصد فى كل عام من أقطار الأرض ~~، فإذا كانت اللقطة فيها معرضة للإنشاد أبدا أو شك أن يجدها باغيها ويصل ~~إليها ربها ، فهذا الفرق بين مكة وسائر البلاد . * * * # | 8 - باب لا تحتلب ماشية أحد بغير إذنه # / 9 - فيه : ابن عمر ، أن النبى ، عليه السلام ، قال : ( لا يحلبن أحد ~~ماشية امرئ بغير إذنه ، أيحب أحدكم أن تؤتى مشربته فتكسر خزانته ، فينتقل ~~طعامه ، فإنما تخزن لهم ضروع مواشيهم أطعماتهم ، فلا يحلبن أحد ماشية أحد ~~إلا بإذنه ) . قال : أجمع العلماء أنه لا يجوز كسر قفل مسلم ولا ذمى ، ولا ~~أخذ شىء من ماله بغير إذنه ، وشبه رسول الله اللبن فى الضرع بالطعام ~~المخزون تحت الأقفال ، وهذا هو قياس الأشياء على نظائرها وأشباهها ، أرانا ~~رسول الله بهذا المثل قياس الأمور إذا تشابهت معانيها ، فوجب امتثال ذلك ~~واستعماله خلافا لقوله من أبطل القياس . وقوله : ( أيحب أحدكم أن تؤتى ~~مشربته فتكسر خزانته ) فمعناه : أن يكره المسلم لأخيه المسلم ما يكرهه ~~لنفسه ، وهذا فى معنى قوله عليه السلام : ( لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن ~~طيب عن نفس منه ) . وأكثر العلماء يجيز أكل مال الصديق إذا كان تافها لا ~~يتشاح فى PageV06P558 مثله ، وإن كان ذلك بغير إذنه ما لم يكن تحت قفله ، ~~وقال أبو عبد الله ابن أبى صفرة : وهذا الحديث لا يعارض حديث ms2202 الهجرة حين ~~قال أبو بكر للراعى : ( لمن أنت ؟ قال : لرجل من قريش ، قال : هل أنت حالب ~~لنا ؟ ) لأن حديث الهجرة فى زمن المكارمة ، وهذا الحديث فى زمن التشاح لما ~~علم عليه السلام أنه سيكون من تغير الأحوال بعده . قال المهلب : مع أن قوله ~~عليه السلام : ( لا يحلبن أحد ماشية أحد بغير إذنه ) ، نهى عن التسور و ~~الاحتلاب ، وحديث الهجرة لم يتسور النبى - عليه لاسلام - ولا أبو بكر ، ~~وإنما سأل أبو بكر الراعى وقال له : هل أنت حالب لنا ؟ والراعى فى المال له ~~عادة العرب من الحلب فلذلك أجاز النبى - عليه السلام - شرب ما حلب الراعى ، ~~وكذلك عادة العرب فى الحلب على الماء ولابن السبيل مباحة له ، وكل مسترعى ~~له مثل ذلك فى الذى استرعى ، كالمرأة فى بيت زوجها تعطى اللقمة من ماله ~~والتمرات و كف الطعام فقال عليه السلام : ( إنها أحد المتصدقين ) . وقال ~~أشهب : خرجنا مرابطين إلى الإسكندرية فمررنا بجنان الليث بن سعد ، فأكلنا ~~من التمر ، فلما رجعت دعتنى نفسى أن أستحل ذلك من الليث بن سعد ، فدخلت ~~إليه ، فأخبرته بذلك ، فقال لى : يا ابن أخى ، لقد نسكت نسكا أعجميا ، أما ~~سمعت الله يقول : { أو صديقكم ليس عليكم جناح أن تأكلوا جميعا أو أشتاتا } ~~فلا بأس PageV06P559 أن يأكل الرجل من مال أخيه الشىء التافه ليسره بذلك . ~~وروى ابن وهب عن مالك فى الرجل يدخل الحائط فيجد الثمر ساقطا ، قال : لا ~~تأكل منه إلا أن تعلم أن صاحب الحائط طيب النفس به ، أو يكون محتاجا إلى ~~ذلك فأرجو ألا يكون به بأس . * * * # | 9 - باب إذا جاء صاحب اللقطة بعد سنة ردها عليه لأنها وديعة عنده # / 10 - فيه : زيد ، أن رجلا سأل النبى - صلى الله عليه وسلم - عن اللقطة ~~، فقال : ( عرفها سنة ، ثم اعرف عفاصها ووكاءها ، ثم استنفق بها ، فإن جاء ~~ربها فأدها إليه . . . . . ) ، الحديث . أجمع أئمة الفتوى على أن صاحب ~~اللقطة إذا جاء بعد الحول أن الذى وجدها يلزمه ردها إليه ؛ لقوله عليه ~~السلام : ( فإن جاء صاحبها فأدها إليه ) وقد ذكرنا ms2203 قبل هذا أن بعض من نسب ~~إلى العلم وحظه من أن يوسم بمخالفة الأئمة خالف إجماعهم فى اتباع هذا ~~الحديث ، وخالف قوله عليه السلام : ( فأدها إليه ) وقال : لا يؤدى إليه ~~شيئا بعد الحول استدلالا منه بقوله عليه السلام : ( فشأنك بها ) ، قال : ~~لأن هذا إطلاق منه عليه السلام على ملكها فلا يلزمه تأديتها . وهذا قول ~~يؤدى إلى تناقض السنن ، وقد جل الرسول عن أن يتناقض . وقوله عليه السلام : ~~( فأدها إليه ) فيه بيان وتفسير لقوله PageV06P560 عليه السلام : ( فشأنك ~~بها ) ولو كان المراد بقوله : ( فشأنك بها ( إطلاق يده عليها ، وسقوط ~~ضمانها عنه ؛ لبطلت فائدة قوله : ( فأدها إليه ( واستعمال الحديثين ~~لفائدتين أولى من إسقاط أحدهما ، هذه طريقة العلماء فى التأليف بين الآثار ~~، و القضاء بالمجمل على المفسر . واختلفوا هل للواجد بعد الحول أن يأكلها ~~أو يتصدق بها فروى عن على وابن عباس أنه يتصدق بها ولا يأكلها ، وهو قول ~~سعيد بن المسيب والحسن والشعبى ، وإليه ذهب الثورى ، وقال أبو حنيفة : لا ~~يأكلها الغنى ، إلا أن يكون فقيرا فيأكلها ، ثم إن جاء صاحبها ضمنها ، وروى ~~ابن القاسم عن مالك انه استحب له أن يتصدق بها وروى عنه ابن وهب أنه إن شاء ~~أمسكها ، وإن شاء استنفقها ، وإن شاء تصدق بها ، فإن جاء صاحبها أداها إليه ~~. وروى مثل هذا عن عمر وابن مسعود وابن عمر وعائشة ، وهو قول عطاء ، وبه ~~قال الشافعى وأحمد وإسحاق . وقوله عليه السلام - بعد الحول - : ( ثم استنفق ~~بها ) حجة لمن قال : يصنع ما شاء من صدقة بها ، أو أكل ، أو غيره لعموم ~~قوله عليه السلام : ( استنفق بها ) ولم يخص وجها يستنفقها فيه من غيره ، ~~وأيضا فإنه عليه السلام لما قال : ( استنفق بها ) و لم يفرق بين الغنى ~~والفقير دل على قول أبى حنيفة . وإنما لم يذكر البخارى فى هذا الباب رواية ~~سليمان بن بلال عن يحيى بن سعيد أنه قال : و كانت وديعة عنده . وذكرها فى ~~باب ضالة الغنم ؛ لأنه قد بين سليمان فى الحديث أن يحيى بن سعيد قال : عن ~~يزيد ms2204 قال : لا أدرى أفى حديث النبى PageV06P561 - عليه السلام - هو أم من ~~عنده . فاستراب البخارى بهذا الشك ، وترجم بالمعنى ولم يذكره فى الحديث ؛ ~~لأنه استغنى بقوله : ( فأدها إليه ) عن قوله : ( و كانت وديعة عنده ) . * * ~~* # | 10 - باب هل يأخذ اللقطة ولا يدعها حتى تضيع ويأخذها من لا يستحق # / 11 - فيه : سويد بن غفلة ، كنت مع سلمان بن ربيعة ، وزيد بن صوحان فى ~~غزاة ، فوجدت سوطا ، فقالا لى : ألقه ، فقلت : لا ، ولكن إن وجدت صاحبه ، ~~وإلا استمتعت به ، فلما رجعنا حججنا ، فمررت بالمدينة ، فسألت أبى بن كعب ، ~~فقال : وجدت صرة على عهد النبى - صلى الله عليه وسلم - فيها مائة دينار ، ~~فأتيت بها النبى - صلى الله عليه وسلم - ، فقال : ( عرفها حولا ) ، فعرفتها ~~حولا ، ثم أتيت ، فقال : ( عرفها حولا ) ، فعرفتها حولا ، ثم أتيته الرابعة ~~، فقال : ( اعرف عدتها ووكاءها ووعاءها ، فإن جاء صاحبها ، وإلا استمتع بها ~~) . اختلف العلماء فى اللقطة هل أخذها أفضل أم تركها ؟ فكرهت طائفة أخذها ، ~~ورأوا تركها أفضل ، روى ذلك عن ابن عمر وابن عباس ، وهو قول عطاء ، وروى ~~ابن القاسم عن مالك أنه كره أخذ اللقطة والآبق ، فإن أخذ ذلك وضاعت اللقطة ~~وأبق الآبق من غير تضييعه لم يضمن ، وكره أحمد بن حنبل أخذ اللقطة أيضا . ~~وقالت طائفة : أخذها وتعريفها أفضل من تركها . هذا قول سعيد بن المسيب ، ~~وقال أبو حنيفة وأصحابه : تركها سبب لضياعها . وبه PageV06P562 قال الشافعى ~~، وروى عن مالك : إن كان شىء له بال فأخذه وتعريفه أحب إلى . وحجة القول ~~الأول حديث جرير أن النبى - عليه السلام - قال : ( لا يأوى الضالة إلا ضال ~~) وحديث الجارود أن النبى - صلى الله عليه وسلم - قال : ( ضالة المؤمن حرق ~~النار ) . وحجة من رأى أن تعريفها أفضل قول النبى ، عليه السلام ، للذى ~~سأله عن اللقطة : ( أعرف عفاصها ووكاءها ) ، فأمره بتعريفها ولم يقل له : ~~لم أخذتها ؟ وذلك دليل على أن الفضل فى أخذها وتعريفها لأن تركها عون على ~~ضياعها ومن الحق النصيحة للمسلم ، وأن يحوطه فى ماله بما أمكنه ، وتأويل ~~قوله عليه السلام : ( لا يأوى الضالة ms2205 إلا ضال ) و ( ضالة المؤمن حرق النار ~~) أن المراد بذلك من لم يعرفها وأراد الانتفاع بها حتى لا تتضاد الأخبار . ~~قال الطحاوى : ويدل على ذلك ما روى يحيى بن أيوب قال : حدثنى عمرو بن ~~الحارث ، أن بكر بن سوادة ، حدثه عن أبى سالم الجيشانى ، عن زيد بن خالد ~~الجهنى قال : قال رسول الله : ( من أوى الضالة فهو ضال ما لم يعرفها ) . ~~وروى شعبة عن خالد الحذاء ، عن يزيد بن عبد الله بن الشخير ، عن أبى مسلم ، ~~عن الجارود قال : ( أتينا على رسول الله ونحن على إبل عجاف فقلنا : يا رسول ~~الله ، إنا نمر بالجدف فنجد إبلا فنركبها ؟ فقال : ضالة المسلم حرق النار ) ~~فكان سؤالهم عن أخذها إنما هو لأن يركبوها ، فأجابهم عليه السلام بأن قال : ~~( ضالة المسلم حرق النار ) ، أى : ضالة المسلم حكمها أن تحفظ على صاحبها ~~حتى تؤدى إليه ، لا لأن ينتفع بها لركوب ولا غيره . PageV06P563 * * * # | 11 - باب من عرف اللقطة ولم يدفعها إلى السلطان # / 12 - فيه : زيد ، أن أعرابيا سأل النبى - صلى الله عليه وسلم - عن ~~اللقطة ، قال : ( عرفها سنة ، فإن جاء أحد يخبرك بعفاصها ووكائها ، وإلا ~~فاستنفق بها . . . ) ، الحديث . ولا يجب عند جماعة العلماء على ملتقط ~~اللقطة إن لم تكن ضالة من الحيوان أن يدفعها إلى السلطان ، وإنما معنى هذه ~~الترجمة أن السنة وردت بأن واجد اللقطة هو الذى يعرفها دون غيره ؛ لقوله ~~عليه السلام : ( عرفها سنة ، فإن جاء صاحبها وإلا فشأنك بها ) لأنهم ~~اختلفوا فى الملتقط إن كان غير مأمون على اللقطة على قولين : أحدهما : أنه ~~يعرفها سنة ، وليس للسلطان أخذها منه . و الثانى : أن للسلطان أخذها منه ~~ويدفعها إلى ثقة يعرفها . واختلف قول الشافعى على هذين القولين ، وأما حكم ~~الضوال فإنها تحتاج إلى حرز ومؤنة ، وهذا لا يكون إلا بحكم حاكم ، ولهذا ~~كانت تدفع ضوال الإبل على عمر وعثمان وسائر الخلفاء بعدهما . واختلفوا إذا ~~التقط لقطة فضاعت عنده ، فقال أبو حنيفة وزفر : إن أشهد أنه أخذها ليعرفها ~~لم يضمنها إن هلكت ، وإن لم يشهد ضمنها ms2206 . واحتج بحديث عياض بن حمار أن ~~النبى - عليه السلام - قال : ( من التقط لقطة فليشهد ذوى عدل ، ولا يكتم ، ~~ولا يغيب ، فإن جاء صاحبها ، وإلا فهو مال من مال الله يؤته من يشاء ) ، ~~رواه خالد الحذاء عن يزيد ابن الشخير ، عن مطرف بن الشخير ، عن ، عياض ، عن ~~النبى - عليه السلام . PageV06P564 وقال مالك وأبو يوسف ومحمد والشافعى : ~~لا ضمان عليه إن هلكت من غير تضييع منه وإن لم يشهد . وحجتهم إجماع العلماء ~~أن المغصوبات لو أشهد الغاصب على نفسه أنه غصبها لم يدخلها إشهاده ذلك فى ~~حكم الأمانات ، فكذلك ترك الإشهاد على الأمانات لا يدخلها فى حكم المغصوبات ~~ولا خلاف أن الملتقط أمين لا يضمن إلا بما تضمن به الأمانات من التعدى ~~والتضييع . وأما حديث عياض بن حمار فمعناه : أن الملتقط إذا لم يعرف اللقطة ~~ولم يشهدها وكتمها ، ثم قامت عليه بينة أنه وجد لقطة وضمها إلى ماله ثم ~~ادعى تلفها ، أنه لا يصدق ويضمنها ؛ لأنه بفعله ذلك خارج عن الأمانة ، إلا ~~أن تقوم البينة على تلفها ، وأما إذا عرفها فى المحافل ولم يشهد فلا ضمان ~~عليه . وقوله : ( وإلا فهو مال الله يؤتيه من يشاء ) ، فإنه يريد انطلاق يد ~~الملتقط عليها بعد الحول ثم يضمنها لصاحبها إن جاء بإجماع . * * * # | 12 - باب # / 13 - فيه : أبو بكر ، انطلقت ، فإذا أنا براعى غنم يسوق غنمه ، فقلت : ~~لمن أنت ؟ قال : لرجل من قريش ، فسماه فعرفته ، فقلت : هل فى غنمك من لبن ؟ ~~فقال : نعم ، فقلت : هل أنت حالب لى ؟ قال : نعم ، فأمرته فاعتقل شاة من ~~غنمه ، ثم أمرته أن ينفض ضرعها من الغبار ، ثم أمرته أن ينفض كفيه ، فقال : ~~هكذا ضرب إحدى PageV06P565 كفيه بالأخرى ، فحلب كثبة من لبن ، وقد جعلت ~~لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - إداوة على فمها خرقة ، فصببت على اللبن ~~حتى برد أسفله ، فانتهيت إلى النبى - صلى الله عليه وسلم - فقلت : اشرب يا ~~رسول الله ، فشرب حتى رضيت . قال المؤلف : سألت بعض شيوخى عن وجه استجازة ~~أبى بكر الصديق لشرب اللبن من ذلك الراعى ms2207 ، فقال لى : يحتمل أن يكون النبى ~~- عليه السلام - قد كان أذن له فى الحرب ، وكانت أموال المشركين له حلالا ~~فعرضته على المهلب بن أبى صفرة فقال لى : ليس هذا بشىء ، لأن الحرب والجهاد ~~إنما فرض بالمدينة ، وكذلك المغانم إنما نزل تحليلها يوم بدر بنص القرآن . ~~قال : وإنما شرب رسول الله وأبو بكر ذلك اللبن بالمعنى المتعارف عندهم فى ~~ذلك الزمن من المكارمات ، وبما استفهم به أبو بكر الراعى من أنه حالب أو ~~غير حالب ، ولو كان بمعنى الغنيمة ما استفهمه ، ولحلب ما أراد الراعى أو ~~كره ، ولساق الغنم غنيمة ، ولقتل الراعى إن شاء أو أخذه أسيرا . والدليل ~~على صحة هذا التأويل وأن شرب اللبن كان على وجه العادة عندهم ما ذكره أبو ~~على البغدادى ، قال : حدثنا أبو بكر بن دريد قال أبو عثمان السامدانى : عن ~~الثورى ، عن أبى عبيدة قال : مر رجل من أهل الشام بامرأة من كلب فقال لها : ~~هل من لبن يباع ؟ فقالت : إنك للئيم أو حديث عهد بقوم لئام ، هل يبيع الرسل ~~كريم أو يمنعه إلا لئيم ؟ ! إنا لندع الكوم لأضيافنا تكوس إذا عكف الزمن ~~الضروس ونغلى اللحم غريضا ونهبته نضيجا . PageV06P566 قال أبوعلى : الرسل : ~~اللبن ، وتكوس : تمشى على ثلاث ، وتغلى : من الغلا . قال المهلب : وقد قال ~~أخى أبو عبد الله : إن هذا الحديث لا يعارض قوله - عليه السلام - : ( لا ~~يحلبن أحد ماشية أحد بغير إذنه ) ، لأن هذا قاله عليه السلام لما علم أنه ~~سيكون من التشاح وقله المواساة . قال المهلب : والحديث معناه : لا يهجمن ~~أحدكم على ماشية غيره فيحلبها بغير إذنه أو غير إذن راعيها الذى له حكم ~~العادات فيما استرعى فيه من المعروف ، فكان بين الحديثين فرق يمنع من ~~التعارض ، فى حديث أبى بكر من الأدب و التنظف ما صنعه أبو بكر من أمره بنفض ~~يدى الراعى ، ونفض الضرع ، وخدمته للنبى - عليه السلام - وإلطافه به ما يجب ~~أن يتمثل به فى كل عالم وإمام عادل - والله الموفق - وقد ذكرت تفسير الكثبة ~~فى هذا الحديث وفى كتاب ms2208 الأشربة فى باب شرب اللبن . PageV06P567 * * * بسم ~~الله الرحمن الرحيم # | 40 - كتاب المظالم والغصب وقول الله : { ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل ~~الظالمون } إلى { عزيز ذو انتقام } # # | 1 - باب قصاص المظالم # / 1 - فيه : أبو سعيد الخدرى ، قال النبى ، عليه السلام : ( إذا خلص ~~المؤمنون من النار حبسوا بقنطرة بين الجنة والنار ، فيتقاصون مظالم كانت ~~بينهم فى الدنيا ، حتى إذا نقوا وهذبوا أذن لهم بدخول الجنة ، فوالذى نفس ~~محمد بيده لأحدهم بمسكنه فى الجنة أدل بمسكنه كان فى الدنيا ) . وهذه ~~المقاصة التى فى هذا الحديث هى لقوم دون قوم وهم من لا تستغرق مظالمهم جميع ~~حسناتهم ؛ لأنه لو استغرقت جميعها لكانوا ممن وجب لهم العذاب ، ولما جاز أن ~~يقال فيهم : خلصوا من النار ، فمعنى الحديث - والله أعلم - على الخصوص لمن ~~يكون عليه تبعات يسيرة . فالمقاصة أصلها فى كلام العرب مقاصصة ، وهى مفاعلة ~~، ولا تكون المفاعلة أبدا إلا من اثنين ، كالمقاتلة والمشاتمة ، فكأن كل ~~واحد منهم له PageV06P568 على أخيه مظلمة وعليه له مظلمة ، ولم يكن فى شىء ~~منها ما يستحق عليه النار فيتقاصون بالحسنات والسيئات ، فمن كانت مظلمته ~~أكثر من مظلمة أخيه أخذ من حسناته فيدخلون الجنة ، ويقتطعون فيها المنازل ~~على قدر ما بقى لكل واحد منهم من الحسنات ، فلهذا يتقاصون بالحسنات بعد ~~خلاصهم من النار - والله أعلم - لأن أحدا لا يدخل الجنة ولأحد عليه تبعة ، ~~فإن قلت : إذا نقوا وهذبوا دخلوا الجنة . وقوله : ( فوالذى نفس محمد بيده ~~لأحدهم بمسكنه فى الجنة أدل بمنزله كان فى الدنيا ) وإنما عرفوا منازلهم فى ~~الجنة بتكرير عرضها عليهم بالغداة والعشى ، فقد أخبرنا عليه السلام أن ~~المؤمن إذا كان من أهل الجنة عرض عليه مقعده منها بالغداه والعشى ، فيقال ~~له : هذا مقعدك حتى يبعثك الله يوم القيامة . وقال المهلب : هذه المقاصة ~~إنما تكون فى المظالم فى الأبدان من اللطمة وشبهها مما المظالم فيه ممكن ~~لأداء القصاص فيه بحضور بدنه ، فيقال للمظلوم : إن شئت أن تنتصف ، وإن شئت ~~أن تعفو للأجر . وقال غيره : الآثار تدل على أنه لا قصاص ms2209 فى الآخرة فى ~~العرض والمال وغيره إلا بالحسنات والسيئات ، فمن ظلم غيره وكانت له حسنات ~~أخذ منها وزيدت فى حسنات المظلوم ، وإن لم يكن للظالم حسنات أخذ من سيئات ~~المظلوم وردت على الظالم . PageV06P569 * * * # | 2 - باب قوله تعالى : { ألا لعنة الله على الظالمين } # / 2 - فيه : ابن عمر ، سمعت النبى ، عليه السلام ، فى النجوى ؟ يقول : ( ~~إن الله يدنى المؤمن ، فيضع عليه كنفه وستره ، فيقول : أتعرف ذنب كذا ؟ ~~أتعرف ذنب كذا ؟ فيقول : نعم ، أى رب ، حتى إذا قرره بذنوبه ، ورأى فى نفسه ~~أنه هلك ، قال : سترتها عليك فى الدنيا ، وأنا أغفرها لك اليوم ، وأما ~~الكافر والمنافق ، فيقول الأشهاد : { هؤلاء الذين كذبوا على ربهم ألا لعنة ~~الله على الظالمين } ) . قال المهلب : فى هذا الحديث عظيم تفضل الله على ~~عباده المؤمنين وستره لذنوبهم يوم القيامة ، وأنه يغفر ذنوب من شاء منهم ~~بخلاف قول من أنفذ الوعيد على أهل الإيمان ؛ لأنه لم يستثن فى هذا الحديث ~~عليه السلام ممن يضع عليه كنفه وستره أحدا إلا الكفار والمنافقين ، فإنهم ~~الذين ينادى عليهم على رءوس الأشهاد باللعنة لهم . وسيأتى فى كتاب الأدب فى ~~باب ستر المؤمن على نفسه حديث النجوى ، وانقضاء الكلام فى معناه - إن شاء ~~الله - وهذا الحديث حجة لأهل السنة فى قولهم : إن أهل الذنوب من المؤمنين ~~لا يكفرون بالمعاصى كما زعمت الخوارج . وقوله تعالى : { ألا لعنة الله على ~~الظالمين } أن المراد بالظلم هاهنا الكفر والنفاق كما ذكر فى الحديث ، وليس ~~كل ظالم يدخل فى معنى الآية ويستحق اللعنة ؛ لأنه لا تكون عقوبة الكفر عند ~~الله كعقوبة صغائر الذنوب ، واللعن فى كلام العرب : الإبعاد من PageV06P570 ~~الله - تعالى - فدلت الآية أن الكلام ليس على العموم ، وأنه يفتقر إلى ما ~~يبين معناه ، وهذا الحديث يبين أن قول الله : { ثم لتسألن يومئذ عن النعيم ~~} أن السؤال عن النعيم الحلال إنما هو سؤال تقرير و توقيف له على نعمه التى ~~أنعم بها عليه ، ألا ترى أنه تعالى يوقفه على ذنوبه التى عصاه فيها ، ثم ~~يغفرها له ، فإذا كان ذلك فسؤاله ms2210 عباده عن النعيم الحلال أولى أن يكون سؤال ~~تقرير لا سؤال حساب وانتقام . * * * # | 3 - باب لا يظلم المسلم المسلم ولا يسلمه # / 3 - فيه : ابن عمر ، قال النبى ، عليه السلام : ( المسلم أخو المسلم ، ~~لا يظلمه ، ولا يسلمه ، ومن كان فى حاجة أخيه ، كان الله فى حاجته ، ومن ~~فرج عن مسلم كربة ، فرج الله عنه كربة من كربات يوم القيامة ، ومن ستر ~~مسلما ، ستره الله يوم القيامة ) . قوله عليه السلام : ( المسلم أخو المسلم ~~) من قوله تعالى : { إنما المؤمنون إخوة } وقوله : ( لا يظلمه ولا يسلمه ) ~~فإن الله حرم قليل الظلم وكثيره . وقوله : ( لا يسلمه ) مثل قوله عليه ~~السلام : ( انصر أخالك ظالما أو مظلوما ) وباقى الحديث حض على التعاون ، ~~وحسن التعاشر ، والألفة ، والستر على المؤمن ، وترك التسمع به ، والإشهار ~~لذنوبه ، وقد قال تعالى : { وتعانوا على البر والتقوى } وهذا حديث شريف ~~يحتوى على كثير من PageV06P571 آداب الإسلام ، وفيه أن المجازاة قد تكون فى ~~الآخرة من جنس الطاعة فى الدنيا . وقال ابن المنذر : ويستحب لمن اطلع من ~~أخيه المسلم على عورة أو زلة توجب حدا ، أو تعزيرا ، أو يلحقه فى ذلك عيب ~~أو عار أن يستره عليه ؛ رجاء ثواب الله ، ويجب لمن بلى بذلك أن يستتر بستر ~~الله ، فإن لم يفعل ذلك الذى أصاب الحد ، وأبدى ذلك للإمام وأقر بالحد لم ~~يكن آثما ؛ لأنا لم نجد فى شىء من الأخبار الثابتة عن النبى - عليه السلام ~~- أنه نهى عن ذلك ، بل الأخبار الثابتة دالة على أن من أصاب حدا وأقيم عليه ~~فهو كفارته . * * * # | 4 - باب أعن أخاك ظالما أو مظلوما # / 4 - فيه : أنس ، قال النبى ، عليه السلام : ( انصر أخاك ظالما أو ~~مظلوما ) ، قيل : يا رسول الله ، هذا نصرته مظلوما ، فكيف ننصره ظالما ؟ ~~قال : ( تأخذ فوق يده ) . والنصرة عند العرب : الإعانة والتأييد ، وقد فسره ~~رسول الله أن نصر الظالم منعه من الظلم ؛ لأنه إذا تركته على ظلمه ولم تكفه ~~عنه أداه ذلك إلى أن يقتص منه ؛ فمنعك له مما يوجب عليه القصاص نصره ، وهذا ~~يدل من باب الحكم ms2211 للشىء و تسميته بما يئول إليه ، وهو من عجيب الفصاحة ، ~~ووجيز البلاغة ، وفى الباب بعد هذا شىء من معنى هذا الباب . PageV06P572 * ~~* * # | 5 - باب نصر المظلوم # / 5 - فيه : البراء ، أمرنا النبى ، عليه السلام ، بسبع ، ونهانا عن سبع ~~، فذكر عيادة المريض ، واتباع الجنائز ، وتشميت العاطس ، ورد السلام ، ونصر ~~المظلوم ، وإجابة الداعى ، وإبرار المقسم . / 6 - وفيه : أبو موسى ، قال ~~النبى ، عليه السلام : ( المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا ، وشبك بين ~~أصابعه ) . نصر المظلوم فرض واجب على المؤمنين على الكفاية ، فمن قام به ~~سقط عن الباقين ، ويتعين فرض ذلك على السلطان ، ثم على كل من له قدرة على ~~نصرته إذا لم يكن هناك من ينصره غيره من سلطان وشبهه . وأما عيادة المريض ~~فهى سنة مرغب فيها ، مندوب إليها ، واتباع الجنائز من فروض الكفايات لمن ~~قام بها ، وتشميت العاطس قيل : إنه من فروض الكفايات ، وقيل : إنه سنة ، ~~وإجابة الداعى سنة أيضا ، إلا أنه فى الوليمة آكد ، وسيأتى ذلك فى بابه - ~~إن شاء الله - وإبرار المقسم مندوب إليه إذا أقسم عليه فى مباح يستطيع فعله ~~، فإن أقسم على ما لا يجوز و يشق على صاحبه لم يندب إلى الوفاء به . وسأذكر ~~كلام الطبرى فى حديث البراء فى كتاب الاستئذان ، فى باب إفشاء السلام ، فقد ~~تقصى القول فى معانية إن PageV06P573 شاء الله ، وفى كتاب النكاح فى إجابة ~~دعوة الوليمة ، وقد تقدم جملة منه فى كتاب الجنائز . * * * # | 6 - باب الانتصار من الظالم # لقوله تعالى : { لا يحب الله الجهر بالسوء من القول } الآية { والذين إذا ~~أصابهم البغى هم ينتصرون } ، قال إبراهيم : كانوا يكرهون أن يستذلوا فإذا ~~قدروا عفوا . قال : الانتصار من الظالم مباح بهذه الآية ، روى ابن أبى نجيح ~~عن مجاهد قال : نزلت هذه الآية : { لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا ~~من ظلم } فى الرجل يمر بالرجل فلا يضيفه فرخص له أن يقول فيه أنه لم يحسن ~~ضيافته ويؤذيه بما فعل به . وقال عز وجل : { والذين إذا أصابهم البغى هم ~~ينتصرون } وقال : { ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ms2212 ما عليهم من سبيل } فأباح ~~الانتصار بهذه الآيات . وأما قول إبراهيم أنهم كانوا يكرهون أن يستذلوا ، ~~فإن النبى - عليه السلام - قد روى عنه هذا المعنى ، روى أنه استعاذ بالله ~~من غلبة الرجال ، واستعاذ من شماتة الأعداء ، وقوله : ( فإذا قدروا عفوا ) ~~، فإن العفو أجل وأفضل ؛ لما جاء فى ثوابه وعظيم أجره - صلى الله عليه وسلم ~~- وقد أثنى الله - تعالى - على من فعل ذلك فقال : { ولمن صبر وغفر إن ذلك ~~لمن عزم الأمور } وهذه السبيل امتثل النبى فى خاصة نفسه ، فكان لا ينتقم ~~لنفسه ، ولا يتقص من جفا عليه ولم يوقره ، PageV06P574 وقد جفا عليه كثير ~~من الأعراب ، وقال له قائل : إنك ما عدلت منذ اليوم ، فآثر عليه السلام ~~الأخذ بالعفو ليسن لأمته . * * * # | 7 - باب عفو المظلوم # لقوله تعالى : { إن تبدوا خيرا أو تخفوه أو تعفوا عن سوء فإن الله كان ~~عفوا قديرا } ، { وجزاء سيئة سيئة مثلها } إلى قوله : { إلى مرد من سبيل } ~~. قد تقدم فى الباب قبل هذا أن العفو أفضل لما جاء فيه من الترغيب ، وقد ~~روى عن أحمد بن حنبل - رحمه الله - أنه قال : قد جعلت المعتصم بالله فى حل ~~من ضربى وسجنى ؛ لأنه حدثنى هاشم بن القاسم عن ابن المبارك قال : حدثنى من ~~سمع الحسن البصرى يقول : إذا جثت الأمم بين يدى رب العالمين يوم القيامة ~~نودى : ليقم من أجره على الله ، فلا يقوم إلا من عفا فى الدنيا . يصدق هذا ~~الحديث قوله تعالى : { فمن عفا وأصلح فأجره على الله إنه لا يحب الظالمين } ~~وكان أحمد بن حنبل يقول : ما أحب أن يعذب الله بسببى أحدا . وقال ابن ~~الأنبارى : كان الحسن البصرى يدعو ذات ليلة : اللهم PageV06P575 اعف عمن ~~ظلمنى ، فأكثر فى ذلك ، فقال له رجل : يا أبا سعيد ، لقد سمعتك الليلة تدعو ~~لمن ظلمك حتى تمنيت أن أكون فيمن ظلمك ، فما دعاك إلى ذلك ؟ قال : قوله ~~تعالى : { فمن عفا وأصلح فأجره على الله } . * * * # | 8 - باب الظلم ظلمات يوم القيامة # / 7 - فيه : ابن عمر ، قال النبى ، عليه السلام : ( الظلم ظلمات ms2213 يوم ~~القيامة ) . قال المهلب : هذه الظلمات لا نعرف كيف هى ، إن كانت من عمى ~~القلب أو هى ظلمات على البصر ، والذى يدل عليه القرآن أنها ظلمات على البصر ~~حتى لا يهتدى سبيلا ، قال الله - تعالى - : { يوم يقوم المنافقون ~~والمنافقات للذين آمنوا انظرونا } إلى { بسور } . فدلت الآية أنهم حين ~~منعوا النور بقوا فى ظلمة غشيت أبصارهم كما كانت أبصارهم فى الدنيا عليها ~~غشاوة من الكفر ، وقال تعالى فى المؤمنين : { يسعى نورهم بين أيديهم ~~وبأيمانهم } فأثاب الله المؤمنين بلزوم نور الأيمان لهم ، ولذذهم بالنظر ~~إليه ، وقوى به أبصارهم ، وعاقب الكفار والمنافقين بأن أظلم عليهم ، ومنعهم ~~لذة النظر ، هذا حديث مجمل بينه دليل القرآن . PageV06P576 * * * # | 9 - باب من كانت له مظلمة عند أحد فحللها له هل يبين مظلمته # / 8 - فيه : أبو هريرة ، قال النبى ، عليه السلام : ( من كانت له مظلمة ~~لأخيه من عرضه ، أو شىء ، فليتحلله منه اليوم ، قبل أن لا يكون دينار ولا ~~درهم ، إن كان له عمل صالح أخذ منه بقدر مظلمته ، وإن لم تكن له حسنات أخذ ~~من سيئات صاحبه ، فحمل عليه ) . قال المهلب : إن بين فهو أطيب وأصح فى ~~التحلل ؛ لأنه يعرف مقدار ما يحلله منه معرفة صحيحة ، وقد اختلف العلماء ~~فيمن كانت بينه وبين أحد معاملة وملابسة ثم حلل بعضهم بعضا من كل ما جرى ~~بينهما من ذلك ، فقال قوم : إن ذلك براءة له فى الدنيا والآخرة وإن لم يبين ~~مقداره . وقال آخرون : إنما تصح البراءة إذا بين له وعرف مال عنده أو قارب ~~ذلك بما لا مشاحة فى مثله . قال المهلب : وهذا الحديث حجة لهذا القول ؛ لأن ~~قوله عليه السلام : ( أخذ منه بقدر مظلمته ) يدل أنه يجب أن يكون معلوم ~~القدر مشارا إليه . * * * # | 10 - باب الاتقاء والحذر من دعوة المظلوم # / 9 - فيه : ابن عباس ، بعث النبى ، عليه السلام ، معاذا إلى اليمن ، ~~فقال : ( اتق دعوة المظلوم ، فإنها ليس بينها وبين الله حجاب ) . قد فسر ~~ذلك عمر فى حديث الحمى فقال : ( اتق دعوة المظلوم فإنها مجابة ) ، وقد روى ~~ذلك عن ms2214 النبى ، روى ابن أبى شيبة قال : حدثنا PageV06P577 الفضل بن دكين ~~قال : حدثنا أبو معشر ، عن سعيد بن أبى سعيد ، عن أبى هريرة قال : قال رسول ~~الله : ( دعوة المظلوم مجابة ، وإن كان فاجرا ، فجوره على نفسه ) . وقال ~~عون بن عبدا لله : أربع دعوات لا ترد ، ولا يحجبن عن الله : دعوة والد راض ~~، وإمام مقسط ، ودعوة مظلوم ، ودعوة رجل دعا لأخيه بظهر الغيب . * * * # | 11 - باب إذا حلله من ظلمه فلا رجوع # / 10 - فيه : عائشة ، { وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا أو إعراضا } قالت ~~: الرجل تكون عنده المرأة ليس بمستكثر منها يريد أن يفارقها ، فتقول : ~~أجعلك من شأنى فى حل ، فنزلت هذه الآية فى ذلك . العلماء متفقون أنه إذا ~~حلله مما قد علم مبلغه ، فإنه قد أبرأه ، ولا رجوع له فيه ، وروى عكرمة عن ~~ابن عباس قال : ( خشيت سودة بنت زمعة أن يطلقها النبى - عليه السلام - ~~فقالت : يا رسول الله لا تطلقنى وأمسكنى واجعل يومى لعائشة ، ففعل ؛ فأنزل ~~الله : { أن يصلحا بينهما صلحا والصلح خير } فما اصطلحا عليه من شىء فهو ~~جائز ، فلم يكن لسودة الرجوع فى يومها الذى وهبت لعائشة . PageV06P578 * * ~~* # | 12 - باب إذا أذن له أو أحله ولم يبين كم هو # / 11 - فيه : سهل ، أن النبى ، عليه السلام ، أتى بشراب ، فشرب منه ، وعن ~~يمينه غلام ، وعن يساره الأشياخ ، فقال للغلام : ( أتأذن لى أن أعطى هؤلاء ~~؟ ) فقال الغلام : لا والله يا رسول الله ، لا أوثر بنصيبى منك أحدا ، قال ~~: فتله رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فى يده . قال المهلب : لو حلل ~~الغلام فى نصيبه الأشياخ وأذن فى إعطائه لهم ، لكان ما حلل منه غير معلوم ~~لأنه لا يعرف مقدار ما كانوا يشربون ولا مقدار ما كان يشرب هو . وقد تقدم ~~فى كتاب المياه فى باب من رأى صدقة الماء وهبته جائزة مقسوما كان أو غير ~~مقسوم ، أن سبيل ما يوضع للناس للأكل والشرب سبيله المكارمة وقلة التشاح ، ~~وقد طابت نفوس أصحاب النبى فى سبى هوازن جملة ، وقبل النبى - عليه السلام - ~~ذلك التطييب ms2215 ، ولم يعرف مقدار ما كان بيد كل واحد منهم . وسيأتى فى كتاب ~~الهبات فى آخر هذا الجزء فى باب الهبة المقسومة : الخلاف فى المسألة - إن ~~شاء الله - والمعروف من مذهب مالك أن هبة المجهول جائزة ، مثل أن يهب رجل ~~نصيبه فى ميراث رجل أو نصيبه فى دار لا يدرى مقداره ، وكذلك كل ما لا يؤخذ ~~عليه عوض فهبته عنده جائزة . * * * # | 13 - باب إثم من ظلم شيئا من الأرض # / 12 - فيه : سعيد بن زيد ، قال النبى ، عليه السلام : ( من ظلم من الأرض ~~شيئا ، طوقه من سبع أرضين ) . PageV06P579 / 13 - وفيه : أبو سلمة ، أنه ~~كانت بينه وبين أناس خصومة ، ، فقالت عائشة : يا أبا سلمة ، اجتنب الأرض ~~فإن النبى - صلى الله عليه وسلم - قال : ( من ظلم قيد شبر من الأرض ، طوقه ~~من سبع أرضين ) . / 4 - وفيه : ابن عمر ، قال عليه السلام : ( من أخذ من ~~الأرض شيئا بغير حقه ، خسف به يوم القيامة إلى سبع أرضين ) . قال المؤلف : ~~قد جاء عن النبى كيف صورة هذا التطويق ، ذكره الطبرى قال : حدثنا سيفان بن ~~وكيع قال : حدثنا حسين ابن على ، عن زائدة ، عن الربيع ، عن أيمن أبى ثابت ~~- أو ابن أبى ثابت - قال : حدثنى يعلى بن مرة الثقفى قال : سمعت النبى - ~~عليه السلام - يقول : ( أيما رجل ظلم شبرا من الأرض كلفه الله أن يحفره حتى ~~يبلغ آخر سبع أرضين ، ثم يطوقه يوم القيامة حتى يقضى بين الناس ) . ورواه ~~الشعبى عن أيمن ، عن يعلى بن مرة ، عن النبى وقال فيه : ( من سرق شبلا من ~~أرض أو غله جاء يحمله يوم القيامة على عنقه إلى سبع أرضين ) . ورواه مروان ~~بن معاوية الفزارى ، حدثنا أبو يعقوب ، حدثنا أيمن ثنا يعلى بن مرة قال : ~~سمعت النبى - عليه السلام - يقول : ( من أخذ أرضا بغير حقها كلف أن يحمل ~~ترابها إلى المحشر ) . قال المهلب : ومعنى قوله : ( خسف به ) أنه يلج فى ~~سبع أرضين فتكون كلها فى عنقه ، فهو تطويق له . PageV06P580 * * * # | 14 - باب إذا أذن إنسان لآخر شيئا جاز له # / 15 - فيه : جبلة ، كنا ms2216 بالمدينة فى بعض أهل العراق ، فأصابتنا سنة ، ~~فكان ابن الزبير يرزقنا التمر ، فكان ابن عمر يمر بنا فيقول : إن رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - نهى عن الإقران ، إلا أن يستأذن الرجل منكم أخاه . ~~/ 16 - وفيه : أبو مسعود ، أن رجلا من الأنصار كان له غلام لحام ، فقال له ~~: اصنع لى طعام خمسة ، لعلى أدعو النبى - صلى الله عليه وسلم - خامس خمسة ، ~~وأبصر فى وجه النبى ، عليه السلام ، الجوع فدعاهم ، فتبعهم رجل لم يدع ، ~~فقال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( إن هذا قد اتبعنا ، أتأذن له ) ؟ ~~قال : نعم . لا يكون الإذن إلا فيما يملكه الذى أذن فيه ، كما أذن صاحب ~~اللحم للرجل الذى جاء مع النبى - عليه السلام - فجاز له الأكل من ذلك ~~الطعام ، وكما أجاز النبى - عليه السلام - القران فى التمر إذا أذن فيه ~~أصحابه الذين وضع بين أيديهم ؛ لأنهم متساون فى الاشتراك فى أكله ، فإذا ~~استأثر أحدهم بأكثر من صاحبه لم يجز له ؛ لما فى ذلك من الاستئثار بما لا ~~تطيب عليه نفس صاحب الطعام ، ولا أنفس الذين وضع بين أيديهم ، إلا أن ما ~~وضع للناس فسبيله سبيل المكارم لا سبيل التشاح ، وإن تفاضلوا فى الأكل . * ~~* * # | 15 - باب قول الله تعالى : { وهو ألد الخصام } # / 17 - فيه : عائشة ، عن النبى ، عليه السلام ، قال : ( إن أبغض الرجال ~~إلى الله الألد الخصم ) . قال : هذا الحديث أدخله العلماء فى تفسير قوله ~~تعالى : { وهو PageV06P581 ألد الخصام } قال أهل اللغة : الألد هو العسير ~~الخصومة الشديد الحرب . وقد ذمه الله - تعالى - لمدافعته من الحق ما يعلمه ~~وتشهد به نفسه ، قال الله تعالى : { ومن الناس من يعجبك قوله فى الحياة ~~الدنيا ويشهد الله على ما فى قلبه وهو ألد الخصام } وقد ترجم بهذه الترجمة ~~فى كتاب الأحكام . * * * # | 16 - باب إثم من خاصم فى باطل وهو يعلمه # / 18 - فيه : أم سلمة ، أن النبى ، عليه السلام ، سمع خصومة بباب حجرته ، ~~فخرج إليهم ، فقال : ( إنما أنا بشر ، وإنه يأتينى الخصم ، فلعل بعضكم أن ~~يكون أبلغ من بعض ، فأحسب أنه صدق ms2217 فأقضى له بذلك ، فمن قضيت له بحق مسلم ، ~~فإنما هى قطعة من النار ، فليأخذها أو يتركها ) . قال المهلب : هذا يدل أن ~~القوى على البيان البليغ فى تأدية الحجة قد يغلب بالباطل من أجل بيان ، ~~فيقضى له على خصمه ، وليس ذلك بمحل ما حرم عليه ؛ لقوله عليه السلام : ( ~~فإنما هى قطعة من الناس ) وهذا هو معنى قوله تعالى : { وتدلوا بها إلى ~~الحكام لتأكلوا فريقا من أموال الناس بالإثم } . ذلك ، وسيأتى هذا الحديث ~~وما فيه من انتزاع العلماء فى كتاب الأحكام . PageV06P582 * * * # | 17 - باب إذا خاصم فجر # / 19 - فيه : عبدالله بن عمرو ، عن النبى ، عليه السلام ، قال : ( أربع ~~من كن فيه ، كان منافقا - أو كانت فيه خصلة من أربعة - كانت فيه خصلة من ~~النفاق حتى يدعها : إذا حدث كذب ، وإذا وعد أخلف ، وإذا عاهد غدر ، وإذا ~~خاصم فجر ) . الفجور : الكذب والريبة ، وذلك حرام ، ألا ترى أن النبى - ~~عليه السلام - قد جعل ذلك خصلة من النفاق ، وليس هو بنفاق يخرج من الإيمان ~~، وإنما أراد عليه السلام أن من كانت فيه هذه الخلال أو واحدة منها ، فإنه ~~منافق فيها خاصة ، وليس بمنافق فى غيرها من دينه مما صح فيه اعتقاده ويقينه ~~. وإنما أطلق اسم النفاق على صاحب هذه الخلال ؛ لأنها تغلب على أحوال المرء ~~، وتستولى على أكثر الأفعال ، فاستحق هذه التسمية بما غلب عليه من قبيح ~~أفعاله ، ومشابهته فيها المنافقين والكفار ، فوصف بصفتهم تقبيحا لحاله ، ~~ومجانبته أفعال المؤمنين - أعاذنا الله من ذلك - وقد تقدم بيان هذا المعنى ~~فى كتاب الإيمان . * * * # | 18 - باب قصاص المظلوم إذا وجد مال ظالمه قال ابن سيرين يقاصه ، وقرأ : ~~{ وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به } الآية # . / 20 - فيه : عائشة ، جاءت هند بنت عتبة بن ربيعة ، إلى النبى عليه ~~السلام PageV06P583 فقالت : يا رسول الله ، إن أبا سفيان رجل مسيك ، فهل ~~على حرج أن أطعم من الذى له عيالنا ؟ فقال : ( لا حرج عليك أن تطعميهم ~~بالمعروف ) . / 21 - وفيه : عقبة بن عامر ، قال : قلنا للنبى عليه السلام : ~~إنك تبعثنا ، فننزل بقوم لا يقرونا ms2218 فما ترى فيه ؟ فقال لنا : ( إن نزلتم ~~بقوم ، فأمر لكم بما ينبغى للضيف فاقبلوا ، فإن لم يفعلوا ، فخذوا منهم حق ~~الضيف ) . اختلف العلماء فى الذى يجحد وديعة غيره ، ثم يجد المودع له مالا ~~، هل يأخذه عوضا من حقه أم لا ؟ . اختلف قول مالك فى ذلك ، فروى ابن القاسم ~~عن مالك أنه لا يفعل ، واحتج بما روى عن النبى أنه قال : ( أد الأمانة إلى ~~من ائتمنك ، ولا تخن من خانك ) . وروى زياد عن مالك أن له أن يأخذ حقه إذا ~~وجده من ماله إذا لم يكن فيه شىء من الزيادة ، وهو قول الشافعى واحتج بحديث ~~هند . وروى ابن وهب عن مالك أنه إذا لم يكن على الجاحد للمال دين فله أن ~~يأخذ مما يظفر له به من المال حقه ، فإن كان عليه دين فليس له أن يأخذ إلا ~~بمقدار ما يكون فيه أسوة الغرماء . وقال أبو حنيفة : يأخذ من الذهب الذهب ، ~~ومن الفضة الفضة ، ومن المكيل المكيل ومن الموزون الموزون ، ولا يأخذ غير ~~ذلك . وقال زفر : له أن يأخذ العرض بالقيمة . PageV06P584 وأولى الأقوال ~~بالصواب فى ذلك قول من أجاز الانتصاف من حقه إذا وجد مال من ظلمه بدلالة ~~الآية ، ودلالة حديث هند ، ألا ترى أن النبى - عليه السلام - أجاز لها أن ~~تطعم عيلة زوجها من ماله المعروف ، عوض ما قصر فيه من إطعامهم ، فدخل فى ~~معنى ذلك كل من وجب عليه حق و لم يوفه أو جحده أنه يجوز له الاقتصاص منه ، ~~وليس قوله عليه السلام : ( أد الأمانة إلى من ائتمنك ، ولا تخن من خانك ) ~~بمخالف لهذا المعنى ؛ لأن من أخذ حقه فلا يسمى خائنا . وقوله : ( أد ~~الأمانة إلى من ائتمنك ) معناه الخصوص ، فكأنه قال : أد الأمانة إلى من ~~ائتمنك إذا لم يكن غاصبا لمالك ولا جاحدا له ، وأما من غصبك حقك و جحدك ~~فليس يدخل فيمن أمر بأداء الأمانة إليه ؛ لقوله تعالى : { وإن عاقبتم ~~فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به } ولدلالة حديث هند ، وهذا التأويل ينفى التضاد ~~عن الآثار ودليل القرآن ms2219 . وأما حديث عقبة بن عامر فقال أكثر العلماء أنه ~~كان فى أول الإسلام ، حين كانت المواساة واجبة ، وهو منسوخ بقوله عليه ~~السلام : ( جائزته يوم وليلة ) قالوا : والجائزة تفضل وليست بواجبة ، ~~وستأتى مذاهب العلماء فى الضيافة فى كتاب الأدب فى باب إكرام الضيف - إن ~~شاء الله . PageV06P585 * * * # | 19 - باب ما جاء فى السقائف وجلس النبى - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه ~~فى سقيفة بنى ساعدة # ( 1 ) / 22 - فيه : عمر ، قال حين توفى الله نبيه - صلى الله عليه وسلم - ~~: إن الأنصار اجتمعوا فى سقيفة بنى ساعدة ، فقلت لأبى بكر : انطلق بنا ~~فجئناهم فى سقيفة بنى ساعدة . قال : السقائف والحوانيت قد علم الناس ما ~~وضعت له ، ومن اتخذ فيها مجلسا فذلك مباح له إذا التزم ما جاء فى ذلك من غض ~~البصر ، ورد السلام ، وهداية الضال ، وجميع شروطه . * * * # | 20 - باب لا يمنع جار جاره أن يغرز خشبه فى جداره # / 23 - فيه : أبو هريرة ، قال النبى ، عليه السلام : ( لا يمنع جار جاره ~~أن يغرز خشبه فى جداره ) ، ثم يقول أبو هريرة : ما لى أراكم عنها معرضين ، ~~والله لارمين بها بين أكتافكم . قال أبو جعفر الطحاوى : حدثنى روح بن الفرج ~~قال : سألت أبا زيد والحارث بن هشام ويونس بن عبد الأعلى كيف لفظ : ( أن ~~يغرز خشبة فى جداره ؟ ) ، فقالوا جميعا : خشبة بالنصب والتنوين على خشبة ~~واحدة . واختلف العلماء فى تأويل هذا الحديث ، فقالت طائفة : هو على الوجوب ~~إذا لم يكن فى ذلك مضرة على صاحب الجدار ، وهو قول الشافعى وأحمد وإسحاق ~~وأبى ثور . وذهب مالك والكوفيون إلى أنه لايغرز خشبة فى حائط أحد إلا بإذن ~~صاحب الحائط ، ومجمل الحديث عندهم على الندب ، والحجة لهم قول الرسول : ( ~~إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام ) . PageV06P586 وأنه لا يجوز لأحد أن يجبر ~~أحدا على أن يفعل فى ملكه ما يضر به ، وقد قال عليه السلام : ( لا يحل مال ~~امرئ مسلم إلا عن طيب نفس منه ) قالوا : فعلمنا أن قوله : ( لا يمنع جاره ~~أن يغرز خشبة فى جداره ) محمول على الندب وحسن المجاورة ms2220 لا على الوجوب ، ~~وهو كقوله : ( ما زال جبريل يوصينى بالجار حتى ظننت أنه سيورثه ) وكقوله : ~~( ما آمن من بات شبعان وجاره طاو ) . قالوا : ولو كان الحديث معناه الوجوب ~~ما جهل الصحابة تأويله ، ولا كانوا معرضين عن أبى هريرة حين كان يحدثهم ~~بهذا الحديث ، وإنما جاز لهم ذلك لتقرر الأعمال والأحكام عندهم بخلافه ، ~~ولا يجوز عليهم جهل الفرائض ، فدل ذلك أن معناه على الندب ، وفى هذا دليل ~~أن تأويل الأحاديث على ما تلقاها عليه الصحابة ، لا على ظواهرها . قال ~~المهلب : ولو بلغ من اجتهاد حاكم أن يحكم به لنفذ حكمه بما حض النبى عليه ~~أمته من ذلك ، كما حكم عمر على ابن مسلمة فى تحويل الساقية إلى جنبه ، وسئل ~~ابن القاسم عن رجل كانت له خشبة فى حائط أدخلها بإذنه ، ثم إن الذى له ~~الحائط وقع بينه وبين الذى له الخشبة شحناء ، فقال له : أخرج خشبتك من ~~حائطى . قال مالك : ليس له أن يخرجها على وجه الضرر ، ولكن ينظر فى ذلك فإن ~~احتاج الرجل إلى حائطه لهدمه فهو أولى به ، وروى ابن عبد الحكم عنه أنه قال ~~: وإن PageV06P587 أراد بيع داره فقال : انزع خشبك . فليس له ذلك . وقال ~~مطرف وابن الماجشون : لا يقلع الخشب أبدا وإن احتاج صاحب الجدار إلى جداره ~~. * * * # | 21 - باب صب الخمر فى الطريق # / 24 - فيه : أنس ، قال : كنت ساقى القوم فى منزل أبى طلحة ، وكان خمرهم ~~يومئذ الفضيخ ، فأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مناديا ينادى : ألا ~~إن الخمر قد حرمت ، قال : فقال لى أبو طلحة : اخرج فأهرقها ، فخرجت ~~فأهرقتها ، فجرت فى سكك المدينة ، فقال بعض القوم : قد قتل قوم ، وهى فى ~~بطونهم ، فأنزل الله : { ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما ~~طعموا } الآية . قال المهلب : إنما جاز هرق الخمر فى الطرق للسمعة ، بهرقها ~~والتشنيع ، و الائتمار لله فى رفضها والإعلان بنبذها ، ولولا ذلك ما حسن ~~هرقها فى الطريق ، من أجل أذى الناس فى ممشاهم ، ونحن نمنع من إراقة الماء ~~الطاهر فى الطريق من أجل ms2221 أذى الناس فى ممشاهم فكيف بالخمر . * * * # | 22 - باب أفنية الدور والجلوس فيها والجلوس على الصعدات # / 25 - فيه : أبو سعيد ، قال النبى ، عليه السلام : ( إياكم والجلوس على ~~الطرقات ) ، فقالوا : ما لنا بد إنما هى مجالسنا نتحدث PageV06P588 فيها ، ~~قال : ( فإذا أبيتم إلا المجالس ، فأعطوا الطريق حقها ) ، قالوا : وما حق ~~الطريق ؟ قال : ( غض البصر ، وكف الأذى ، ورد السلام ، وأمر بالمعروف ، ~~ونهى عن المنكر ) . قال الطبرى وغيره : فيه من الفقه وجوب غض البصر عن ~~النظر إلى عورة مؤمن ومؤمنة ، وعن جميع المحرمات ، وكل ما تخشى الفتنة منه ~~، وقد قال عليه السلام : ( لا تتبع النظرة النظرة ، فإنما لك الأولى وليست ~~لك الآخرة ) . وفيه : وجوب رد السلام على من سلم عليه ، ولزوم الأمر ~~بالمعروف والنهى عن المنكر ، وكف الأذى ، وقد روى عمر بن الخطاب هذا الحديث ~~عن النبى - عليه السلام - وزاد فيه : ( إغاثة الملهوف ) قال أبو عبد الله ~~بن أبى صفرة : وفيه قطع الذرائع ؛ لأن الجلوس ذريعة إلى تسليط البصر ، وقلة ~~القيام بالأمر بالمعروف والنهى عن المنكر ، فلذلك نهى عنه . قال المهلب : ~~وإنما يلزم المؤمن تغيير المنكر ، وإغاثة الملهوف ، وعون الضعيف ما دفعت ~~الحضرة إليه ، وليس عليه طلب ذلك ، إنما عليه ما حضر منها . قال الطبرى : ~~وفيه الدلالة على الندب إلى لزوم المنازل التى يسلم لازمها من رؤية ما يكره ~~رؤيته ، وسماع ما لا يحل له سماعه ، مما يجب عليه إنكاره ومن معاونة مستغيث ~~يلزمه إعانته ، وذلك PageV06P589 أن الرسول إنما أذن فى الجلوس بالأفنية ~~والطرق بعد نهيه عنه إذا كان من يقوم بالمعانى التى ذكرها عليه السلام . ~~وإذا كان ذلك كذلك بالأسواق التى تجمع المعانى التى أمر النبى - عليه ~~السلام - الجالس بالطريق باجتنابها مع الأمور التى هى أوجب منها وألزم من ~~ترك الكذب والحلف بالباطل وتحسين السلع بما ليس فيها ، وغش المسلمين ، وغير ~~ذلك من المعانى التى لا يطيق القيام بما يلزمه فيها إلا من عصمه الله أحق ~~وأولى بترك الجلوس فيها من الأفنية والطرق ، وقد روى نحو قولنا عن جماعة من ~~أهل العلم ، روى هشام ms2222 بن عروة ، عن عبد الله بن الزبير قال : المجالس حلق ~~الشيطان ، إن يروا حقا لا يقوموا به ، وإن يروا باطلا فلا يدفعوه . وقال ~~عامر : كان الناس يجلسون فى مساجدهم ، فلما قتل عثمان خرجوا إلى الطريق ~~يسألون عن الأخبار . وقال سلمان : لا تكونن أول من يدخل السوق ولا آخر من ~~يخرج منها ، فإنها معركة الشيطان ، وبها ينصب رايته . وقال : السوق مبيض ~~الشيطان ومفرخه . وقد يرخص فى الجلوس بالأفنية والطرق والأسواق قوم من أهل ~~الفضل والعلم ، ولعلهم إنما فعلوا ذلك ؛ لأنهم قاموا بما عليهم فيه . قال ~~أبو طلحة بن عبيد الله : مجلس الرجل بيان مروءة . وقال ابن عوف : مررت ~~بعامر وهو جالس بفنائه . وقال ابن أبى خالد : رأيت الشعبى جالسا فى الطريق ~~. والصعدات : الطرق ، عن صاحب العين . PageV06P590 * * * # | 23 - باب الآبار على الطرق إذا لم يتأذ بها # / 26 - فيه : أبو هريرة ، أن النبى عليه السلام قال : ( بينا رجل بطريق ~~اشتد عليه العطش ، فوجد بئرا فنزل فيها فشرب ، ثم خرج ، فإذا كلب . . . . ) ~~الحديث . قال المهلب : هذا يدل أن حفر الآبار بحيث يجوز للحافر حفرها من ~~أرض مباحة أو مملوكة له جائز ، ولم يمنع ذلك لما فيه من البركة وتلافى ~~العطشان ، ولذلك لم يكن ضمانا ؛ لأنه قد يجوز مع الانتفاع بها أن يستضر بها ~~ساقط بليل فيها أو تقع فيها ماشية ، لكنه لما كان ذلك نادرا وكانت المنفعة ~~بها أكثر غلب حال الانتفاع على حال الاستضرار ؛ فكانت جبارا لا دية لمن هلك ~~فيها . * * * # | 24 - باب إماطة الأذى # وقال همام ، عن أبى هريرة ، ( تميط الأذى عن الطريق صدقة ) . قال المؤلف ~~: قول أبى هريرة : ( تميط الأذى عن الطريق صدقة ) ليس هو من رأيه ؛ لأن ~~الفضائل لا تدرك بقياس ، وإنما تؤخذ توقيفا عن النبى - عليه السلام - وقد ~~أسند مالك معناه من حديث أبى هريرة عن النبى - عليه السلام - أنه قال : ( ~~بينما رجل يمشى بطريق إذا وجد غصن شوك على الطريق فأخره ؛ فشكر الله له ~~فغفر له ) . فإن قيل : كيف تكون إماطة الأذى عن الطريق صدقة ؟ قيل : معنى ~~الصدقة ms2223 إيصال النفع إلى المتصدق عليه . PageV06P591 فأما إماطة الأذى عن ~~الطريق فقد تسبب إلى سلامة أخيه المسلم من ذلك الأذى ، فكأنه قد تصدق عليه ~~بالسلامة منه ، فكان له على ذلك أجر الصدقة ، وهذا كما جعل عليه السلام ~~الإمساك عن الشر صدقة على نفسه . وإماطة الأذى وكل ما أشبهه حض على ~~الاستكثار من الخير وأن لا يستقل منه شىء ، وقد قال عليه السلام لأبى تميمة ~~الهجيمى : ( لا تحقرن من المعروف شيئا ، ولو أن تضع من دلوك فى إناء ~~المستقى ) . * * * # | 25 - باب الغرفة والعلية المشرفة فى السطوح وغيرها # / 27 - فيه : أسامة ، أشرف النبى ، عليه السلام ، على أطم من آطام ~~المدينة ، ثم قال : ( هل ترون ما أرى ؟ إنى أرى مواقع الفتن خلال بيوتكم ~~كمواقع القطر ) . / 28 - وفيه ابن عباس ، لم أزل حريصا على أن أسأل عمر عن ~~المرأتين من أزواج النبى ، عليه السلام ، اللتين ، قال الله لهما : { إن ~~تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما } فحججت معه ، فعدل وعدلت معه بالإداوة ، ~~فتبرز حتى جاء ، فسكبت على يديه من الإداوة ، فتوضأ ، فقلت : يا أمير ~~المؤمنين ، من المرأتان من أزواج النبى - صلى الله عليه وسلم - اللتان ، ~~قال الله عز وجل لهما : { إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما } ؟ فقال : وا ~~عجبى لك يا ابن عباس عائشة وحفصة ، ثم استقبل عمر الحديث PageV06P592 يسوقه ~~، فقال : إنى كنت وجار لى من الأنصار فى بنى أمية بن زيد ، وهى من عوالى ~~المدينة ، وكنا نتناوب النزول على النبى - صلى الله عليه وسلم - ، فينزل ~~يوما ، وأنزل يوما ، فإذا نزلت جئته من خبر ذلك اليوم من الأمر وغيره ، ~~وإذا نزل فعل مثله ، وكنا معشر قريش نغلب النساء ، فلما قدمنا على الأنصار ~~إذا هم قوم تغلبهم نساؤهم ، فطفق نساؤنا يأخذن من أدب نساء الأنصار ، فصحت ~~على امرأتى ، فراجعتنى ، فأنكرت أن تراجعنى ، فقالت : ولم تنكر أن أراجعك ، ~~فوالله إن أزواج النبى - صلى الله عليه وسلم - ليراجعنه ، وإن إحداهن ~~لتهجره اليوم حتى الليل ، فأفزعنى ، فقلت : خابت من فعل منهن بعظيم ، ثم ~~جمعت على ثيابى ، فدخلت على حفصة ms2224 ، فقلت : أى حفصة ، أتغاضب إحداكن رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - اليوم حتى الليل ؟ فقالت : نعم ، فقلت : خابت ~~وخسرت ، أفتأمن أن يغضب الله لغضب رسوله - صلى الله عليه وسلم - فتهلكين ، ~~لا تستكثرى على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، ولا تراجعيه فى شىء ، ~~ولا تهجريه ، واسألينى ما بدا لك ، ولا يغرنك أن كانت جارتك هى أوضأ منك ، ~~وأحب إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، يريد عائشة ، وكنا تحدثنا أن ~~غسان تنعل النعال لغزونا ، فنزل صاحبى يوم نوبته ، فرجع عشاء ، فضرب بابى ~~ضربا شديدا ، وقال : أنائم هو ؟ ففزعت ، فخرجت إليه ، وقال : حدث أمر عظيم ~~، قلت : ما هو أجاءت غسان ؟ قال : لا ، بل أعظم منه وأطول ، PageV06P593 ~~طلق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نساءه ، قال : قد خابت حفصة وخسرت ، ~~كنت أظن أن هذا يوشك أن يكون ، فجمعت على ثيابى ، فصليت صلاة الفجر مع ~~النبى - صلى الله عليه وسلم - ، فدخل مشربة له ، فاعتزل فيها ، فدخلت على ~~حفصة ، فإذا هى تبكى ، قلت : ما يبكيك ، أولم أكن حذرتك ، أطلقكن رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - ، قالت : لا أدرى هو ذا فى المشربة ، فخرجت ، فجئت ~~المنبر ، فإذا حوله رهط يبكى بعضهم ، فجلست معهم قليلا ، ثم غلبنى ما أجد ، ~~فجئت المشربة التى هو فيها ، فقلت لغلام له أسود : استأذن لعمر ، فدخل فكلم ~~النبى - صلى الله عليه وسلم - ، ثم خرج ، فقال : ذكرتك له ، فصمت فانصرفت ~~حتى جلست مع الرهط الذين عند المنبر ، ثم غلبنى ما أجد ، فجئت فذكر مثله ، ~~فجلست مع الرهط الذين عند المنبر ، ثم غلبنى ما أجد فجئت الغلام ، فقلت : ~~استأذن لعمر ، فذكر مثله ، فلما وليت منصرفا ، فإذا الغلام يدعونى ، قال : ~~أذن لك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فدخلت عليه ، فإذا هو مضطجع على ~~رمال حصير ليس بينه وبينه فراش ، قد أثر الرمال بجنبه ، متكئ على وسادة من ~~أدم حشوها ليف ، فسلمت عليه ، ثم قلت وأنا قائم : طلقت نساءك ، فرفع بصره ~~إلى ، فقال : ( لا ) ، ثم قلت وأنا قائم : أستأنس يا رسول الله ، لو رأيتنى ms2225 ~~وكنا معشر قريش نغلب النساء ، فلما قدمنا على قوم تغلبهم نساؤهم ، فذكره ~~فتبسم النبى - صلى الله عليه وسلم - ، ثم قلت : لو رأيتنى ودخلت على حفصة ، ~~فقلت : لا يغرنك أن كانت جارتك هى أوضأ منك ، وأحب إلى النبى - صلى الله ~~عليه وسلم - ، يريد عائشة ، فتبسم أخرى ، فجلست حين رأيته تبسم ، ~~PageV06P594 ثم رفعت بصرى فى بيته ، فوالله ما رأيت فيه شيئا يرد البصر غير ~~أهبة ثلاثة ، فقلت : ادع الله فليوسع على أمتك ، فإن فارس والروم وسع عليهم ~~وأعطوا الدنيا ، وهم لا يعبدون الله ، وكان متكئا ، فقال : ( أوفى شك أنت ~~يا ابن الخطاب ، أولئك قوم عجلت لهم طيباتهم فى الحياة الدنيا ) ، فقلت : ~~يا رسول الله ، استغفر لى ، فاعتزل النبى - صلى الله عليه وسلم - من أجل ~~ذلك الحديث حين أفشته حفصة إلى عائشة ، وكان قد قال : ما أنا بداخل عليهن ~~شهرا من شدة موجدته عليهن حين عاتبه الله ، فلما مضت تسع وعشرون دخل على ~~عائشة ، فبدأ بها ، فقالت له عائشة : إنك أقسمت أن لا تدخل علينا شهرا ، ~~وإنا أصبحنا لتسع وعشرين ليلة أعدها عدا ، فقال النبى - صلى الله عليه وسلم ~~- : ( الشهر تسع وعشرون ) ، وكان ذلك الشهر تسعا وعشرين ، قالت عائشة : ~~فأنزلت آية التخيير ، فبدأ بى أول امرأة ، فقال : ( إنى ذاكر لك أمرا ولا ~~عليك أن لا تعجلى حتى تستأمرى أبويك ) ، قالت : قد أعلم أن أبوى لم يكونا ~~يأمرانى بفراقك ، ثم قال إن الله قال : { يا أيها النبى قل لأزواجك } ، إلى ~~قوله : { عظيما } قلت : أفى هذا أستأمر أبوى ، فإنى أريد الله ورسوله ~~والدار الآخرة ، ثم خير نساءه ، فقلن : مثل ما قالت عائشة . الغرف والسطوح ~~وغيرها مباحة ما لم يطلع منها على حرمة أحد أو PageV06P595 عورة له ، قال ~~المهلب : وفى حديث ابن عباس الحرص على العلم وخدمة الرجل الشريف للسلطان ~~والعالم ، وأنه لا ضعة عليه فى خدمته ، وفيه الكلام فى العلم على كل حال ، ~~فى المشى والطرق والخلوات ، فأما قوله : ( واعجبا لك ) عجب من حرصه على ~~سؤاله عما لا ينتبه إليه إلا الحريص على العلم من ms2226 تفسير ما لا محكم فيه من ~~القرآن . وقوله : ( استقبل عمر الحديث ) فيه أن المحدث قد يأتى بالحديث على ~~وجهه ولا يختصره ؛ لأنه قد كان يكتفى حين سأله ابن عباس عن المرأتين بما ~~أخبره به من قوله : ( عائشة وحفصة ) . وقوله : ( كنا نغلب النساء ) يريد أن ~~شدة المواطأة على النساء مذموم ؛ لأن النبى سار بسيرة الأنصار فيهن وترك ~~سيرة قومه قريش ، وفيه موعظة الرجل ابنته وإصلاح خلقها لزوجها ، وفيه الحزن ~~والبكاء لأمور رسول الله وما يكرهه ، والاهتمام بما يهمه ، وفيه الاستئذان ~~والحجابة للناس كلهم كان مع المستأذن عليه عيال أو لم يكن ، وفيه الانصراف ~~بغير صرف من المستأذن عليه . ومن هذا الحديث قال بعض العلماء : إن السكوت ~~يحكم به كما حكم عمر بسكوت النبى عن صرفه له ، وفيه التكرير بالاستئذان ، ~~وفيه أن للسلطان أن يأذن أو يسكت أو يصرف ، وفيه تقلل النبى من الدنيا ، ~~وصبره على مضض ذلك ، وكانت له عنه مندوحة ، وفيه أنه يسئل السلطان عن فعله ~~إذا كان ذلك مما يهم أهل طاعته ، وفى قول النبى لعمر : ( لا ) رد لما أخبر ~~به الأنصارى من طلاق نسائه ، PageV06P596 ولم يخبر عمر بما أخبر به ~~الأنصارى ولا شكاه ، لعلمه أنه لم يقصد للأخبار بخلاف القصة ، وإنما هو وهم ~~جرى عليه . وفى قوله : ( أستأنس ) استنزال السلطان والاستئناس بين يديه ~~بالحديث ، وأخذ إذنه فى الكلام ، وفى تبسم النبى لعمر حين ذكر غلبة قريش ~~لنسائها وتحكم نساء الأنصار عليهم : دليل أن المعنيين ليسا بمحرمين ، وفيه ~~الجلوس بين يدى السلطان وإن لم يأمر بذلك إذا استؤنس منه إلى انبساط خلق . ~~وفيه : أنه لا يجب أن يتسخط أحد حاله ولا ما قسم الله له ، ولا يستحقر نعمة ~~الله عنده ، ولا سابق فضله ؛ لأنه يخاف عليه ضعف يقينه ، وفيه أن المتقلل ~~من الدنيا ليرفع طيباته إلى دار البقاء خير حالا ممن تعجلها فى الدنيا ~~الفانية ، والمتعجل لها أقرب إلى السفه ، وفيه الاستغفار من السخط وقله ~~الرضا ، وفيه سؤال النبى - صلى الله عليه وسلم - الاستغفار ، وكذلك يجبب أن ~~يسأل أهل ms2227 الفضل والخير الدعاء و الاستغفار . وفيه : أن المرأة تعاقب على ~~إفشاء سر زوجها ، وعلى التحيل عليه بالأذى ، والمنع من موافقته وشهواته ~~بالتوبيخ لها بالقول ، كما وبخ الله أزواج النبى على تظاهرهما عليه وإفشاء ~~سره ، وعاقبهن النبى بالإيلاء والاعتزال والهجران كما قال تعالى : { ~~واهجروهن فى المضاجع } وفيه أن الشهر يكون تسعة وعشرين يوما ، فإنما يجرى ~~فيه على الأهلة التى جعلها الله مواقيت للناس فى آجالهم . PageV06P597 وفيه ~~: الرجل إذا قدم من سفر أو طرأ على أزواجه أن يبدأ بمن شاء منهن ، وأنه ليس ~~عليه أن يبدأ من حيث بلغ قبل الخروج وفى نقض رتبة الدوران وابتدائه من حيث ~~بدأ دليل أن القسمة بين النساء فيها توسعة ، ويدل على ذلك قوله تعالى : { ~~ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم فلا تميلوا كل الميل } ومن ~~أبيح له بعض الميل فقد رخص له فى التقصير عن العدل فى القسمة ، وفيه أن ~~المرأة الرشيدة لا بأس أن تشاور أبويها و ذا الرأى من أهلها فى أمر نفسها ~~ومالها ؛ لأن أمر نفسها أخف من أمر مالها ، و إذا كان النبى أمرها ~~بالمشاورة فى أمر نفسها التى هى أحق بها من وليها فهى فى المال أولى ~~بالمشاورة لا على أن المشاورة لازمة لها إذا كانت رشيدة كما كانت عائشة ، ~~وليس على من يتبين له رشد رأيه أن يشاور ، ويسقط عنه الندب فيه . والمشربة ~~: الغرفة ، والأطم : حصن مبنى بالحجارة ، وقال أبو عبيدة : رملت الحصير ~~رملا وأرملته إذا نسجته . * * * # | 26 - باب من عقل بعيره على البلاط أو فى باب المسجد # / 29 - فيه : جابر ، دخلت على النبى - صلى الله عليه وسلم - المسجد ، ~~وعقلت الجمل فى ناحية البلاط ، فقلت : هذا جملك . . . . الحديث . ~~PageV06P598 قال المهلب : فيه أن للداخل فى المسجد رحابه وما حواليه مناخا ~~لبعيره ومحبسا له ، وفيه جواز إدخال الأمتعة والأثاث فى المساجد قياسا على ~~دخول البعير فيه ، وفيه حجة لمالك والكوفيين فى طهارة أبوال الإبل وأرواثها ~~، ورد على الشافعى فى قوله بنجاستها ، وهذا خلاف لدليل الحديث ، ولو كانت ~~نجسة كما ms2228 زعم ما جاز لجابر إدخال البعير فى المسجد ، و حين أدخله فيه ورآه ~~النبى - عليه السلام - لم يسوغه ذلك ولأنكره عليه ، وأمره بإخراجه من ~~المسجد خشية لما يكون منه الروث والبول إذا لا يؤمن حدوث ذلك منه ، وعلى ~~قول الشافعى لا يجوز إدخال البعير فى المسجد لنجاسة بوله وروثه ، وعلى مذهب ~~الآخرين يجوز إدخالها فيه لطهارة أبوالها وأرواثها ، وقد تقصيت الحجة فى ~~ذلك فى كتاب الطهارة فأغنى عن إعادته . * * * # | 27 - باب الوقوف والبول عند سباطة قوم # / 30 - فيه : حذيفة ، أتى النبى ، عليه السلام ، سباطة قوم ، فبال قائما ~~. قال المهلب : السباطة : المزبلة ، ولا حرج على أحد فى البول فيها وإن ~~كانت لقوم بأعيانهم ؛ لأنها أعدت لطرح الكناسات والنجاسات فيها . وقال أبو ~~عبيد : السباطة نحو من الكناسة ، وقد تقدم حكم البول قائما فى كتاب الطهارة ~~. PageV06P599 * * * # | 28 - باب من أخذ الغصن أو ما يؤذى الناس فى الطريق فرمى به # / 31 - فيه : أبو هريرة ، قال النبى ، عليه السلام : ( بينما رجل يمشى ~~بطريق وجد غصن شوك فأخذه ، فشكر الله له ، فغفر له ) . قال المهلب : إماطة ~~الأذى وكل ما يؤذى الناس فى الطرق مأجور عليه ، وفيه : أن قليل الأجر قد ~~يغفر الله به كثير الذنوب ، وقد قال النبى : ( الإيمان بضع وسبعون شعبة ، ~~أعلاها شهادة أن لا إله إلا الله ، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق ) . وفيه ~~: دليل أن طرح الشوك فى الطريق والحجارة والكناسة والمياه المفسدة للطرق ~~وكل ما يؤذى الناس تخشى العقوبة عليه فى الدنيا والآخرة . * * * # | 29 - باب إذا اختلفوا فى الطريق الميتاء وهى الرحبة تكون بين الطريق ثم ~~يريد أهلها البنيان فترك منها للطريق سبعة أذرع # / 32 - فيه : أبو هريرة ، قضى النبى ، عليه السلام ، إذا تشاجروا فى ~~الطريق بسبعة أذرع . قال المهلب : هذا حكم من النبى فى الأفنية ، إذا أراد ~~أهل الأرض البنيان أن يجعل الطريق سبعة أذرع حتى لا يضر بالمارة عليها ، ~~وإنما جعلها سبعة أذرع لمدخل الأحمال والأثقال ومخرجها وتلاقها ، ~~PageV06P600 ومدخل الركبان والرحال ، ومطرح مما لا بد لهم من مطرحه عند ~~الحاجة إليه ms2229 ، وما لا يجد الناس بدا من الارتفاق من أجله بطرقهم . قال ~~الطبرى : والحديث على الوجوب عند العلماء للقضاء به ، ومخرجه على الخصوص ~~عندهم ، ومعناه أن كل طريق يجعل سبعة أذرع ، وما يبقى بعد ذلك لكل واحد من ~~الشركاء فى الأرض قدر ما ينتفع به ، ولا مضرة عليه فيه ، فهى المراد ~~بالحديث ، وكل طريق يؤخذ لها سبعة أذرع ويبقى لبعض الشركاء من نصيبه بعد ~~ذلك ما لا ينتفع به فغير داخل فى معنى الحديث . وقال غيره : هذا الحديث هو ~~فى أمهات الطرق وما يكثر الاختلاف فيه والمشى عليه ، وأما بنات الطرق فيجوز ~~فى أفنيتها ما اتفقوا عليه ، وإن كان أقل من سبعة أذرع . وروى ابن وهب عن ~~ابن سمعان أن من أدرك من العلماء قالوا فى الطريق يريد أهلها تبيان عرضها : ~~إن أهلها الذين هم أقرب الناس منها يقتطعونها بالجصص على قدر ما شرع فيها ~~من ربعهم فيعطى صاحب الربع الواسع بقدره ، وصاحب الصغيرة بقدره ، ويتركون ~~لطريق المسلمين ثمانية أذرع أو سبعة أذرع على ما روى عن النبى . واختلف ~~أصحاب مالك فيمن أراد أن يبنى فى الفناء الواسع ولا يضر فيه بأحد بعد أن ~~يترك للطريق سبعة أذرع أو ثمانية ، فروى ابن وهب عن مالك أنه ليس له ذلك ، ~~وقال أصبغ : أكرهه ، فإن ترك PageV06P601 لم يعرض له ، قد تركت فأفتى فيها ~~أشهب قال : إذا كانت الطريق واسعة وأخذ منها يسيرا لا ضرر فيه فلا بأس بذلك ~~. قال ابن حبيب : وقول مالك أعجب إلى ، لأن الطريق المنفعة فيه للناس عامة ~~، وربما ضاق الطريق بأهله وبالدواب فيميل الراكب وصاحب الحمل عن الطريق إلى ~~تلك الأفنية والرحاب فيتسع فيها ، فليس لأهلها تغييرها عن حالها . وقول ~~أصبغ وأشهب يعضده حديث أبى هريرة ، وما وافق الحديث أولى مما خالفه ، ففيه ~~الحجة البالغة ، ومن معنى هذا الباب ما ذكره ابن حبيب أن عمر بن الخطاب قضى ~~بالأفنية لأرباب الدور ، وتفسير هذا يعنى أنه قضى بالانتفاع بالمجالس ~~والمرابط والمصاطب وجلوس الباعة فيها ، وليس بأن تحاز بالبنيان والتحضير ، ~~وقد ms2230 مر عمر بكير حداد فى السوق فأمر به فهدم ، وقال : يضيقون على الناس . ~~وقال أبو عمرو الشيبانى : الميتاء : أعظم الطريق ، وهى التى يكثر إتيان ~~الناس عليها . قال حميد بن ثور : إذا انضم ميتاء الطريق عليهما مضت قدما ~~موج الجذام زهوق PageV06P602 * * * # | 30 - باب النهبى بغير إذن صاحبه # وقال عبادة : بايعنا النبى - صلى الله عليه وسلم - أن لا ننتهب / 33 - ~~وفيه : عبدالله بن يزيد ، نهى النبى - صلى الله عليه وسلم - عن النهبى ، ~~والمثلة . 2561 / 34 - وفيه : أبو هريرة ، وقال عليه السلام : ( . . . . ~~ولا ينتهب نهبة يرفع الناس إليه فيها أبصارهم حين ينتهبها وهو مؤمن ) . ~~الانتهاب الذى أجمع العلماء على تحريمه هو ما كانت العرب عليه من الغارات ~~وانطلاق الأيدى على أموال الناس بالباطل ، فهذه النهبة لا ينتهبها مؤمن ، ~~كما لا يسرق ولا يزنى مؤمن ، يعنى مستكمل الإيمان ، على هذا وقعت البيعة فى ~~حديث عبادة فى قوله : ( بايعنا رسول الله ألا ننتهب ) يعنى : ألا نغير على ~~المسلمين فى أموالهم . قال ابن المنذر : وفسر الحسن والنخعى هذا الحديث ، ~~فقالا : النهبة المحرمة أن ينتهب مال الرجل بغير إذنه وهو له كاره . و هو ~~قول قتادة . قال أبو عبيد : وهذا وجه الحديث على ما فسره النخعى والحسن ، ~~وأما النهبة المكروهة فهو ما أذن فيه صاحبه للجماعة وأباحة لهم وغرضه ~~تساويهم فيه أو مقاربة التساوى ، فإذا كان القوى منهم يغلب الضعيف على ذلك ~~ويحرمه ، فلم تطب نفس صاحبه بذلك الفعل . وقد اختلف العلماء فيما ينثر على ~~رءوس الصبيان فى الأعراس فتكون فيه النهبة فكرهه مالك والشافعى ، وأجازة ~~الكوفيون ، قال الأبهرى : وإنما كرهه ، لأنه قد يأخذ منه من لا يحب صاحب ~~الشىء أخذه ويحب أخذ غيره له . PageV06P603 قال ابن المنذر : إلا أنه لا ~~تجرح بذلك شهادة أحد ، وأنما أكرهه ، لأن من أخذه إنما أخذه بفضل قوة وقلة ~~حياء ، ولم يقصد به هو وحده ، إنما قصد به الجماعة ، ولا يعرف حظه من حظ ~~غيره ، فهو خلسة و سحت . واحتج الكوفيون بأن النبى - عليه السلام - لما نحر ~~الهدى قال : ( دونكم فانتهبوا ms2231 ) ، قال ابن المنذر : هذا الحديث حجة فى ~~إجازة أخذ ما نثر فى الملاك وغيره ، وأبيح أخذه ، لأن المبيح لهم ذلك قد ~~علم اختلاف فعلهم فى الأخذ وليس فى البدن التى أباحها النبى - عليه السلام ~~- لأصحابه معنى إلا وهو موجود فى النثار - والله أعلم . * * * # | 31 - باب كسر الصليب وقتل الخنزير # / 35 - فيه : أبو هريرة ، قال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( لا تقوم ~~الساعة حتى ينزل فيكم ابن مريم حكما مقسطا ، فيكسر الصليب ، ويقتل الخنزير ~~، ويضع الجزية ، ويفيض المال حتى لا يقبله أحد ) ؟ . قال المهلب : هذا وعد ~~من النبى - عليه السلام - بنزول عيسى ابن مريم إلى الأرض ، وفيه من الفقه ~~كسر نصب المشركين وجميع الأوثان ، وإنما قصد إلى كسر الصليب وقتل الخنزير ~~من أجل أنهما فى دين النصارى المغترين المعتدين فى شريعتهم إليه ، فأخبر ~~النبى أن عيسى سيغير ما نسبوه إليه كما غيره محمد وأعلمهم PageV06P604 أنهم ~~على الباطل فى ذلك ، فدل هذا أن عيسى يأتى بتصحيح شريعة محمد حاكما بالعدل ~~بين أهلها . وأما قوله : ( ويضع الجزية ) ، فمعناه يتركها فلا يقبلها ، ~~لأنه إنما قبلناها نحن لحاجتنا إلى المال ، وليس يحتاج عيسى عند خروجه إلى ~~مال ، لأنه يفيض فى أيامه حتى لا يقبله أحد ، ولا يقبل إلا الإيمان بالله ~~وحده ، وأما الساعة فلو كسر صليب لأهل الكتاب المعاهدين بين أظهرنا لكان ~~ذلك تعديا ، لأن على ذلك يؤدون الجزية ، وإن كسره لأهل الحرب كان مشكورا ، ~~وكذلك قتل الخنزير . * * * # | 32 - باب هل تكسر الدنان التى فيها الخمر أو تخرق الزقاق # ، فإن كسر صنما أو صليبا أو طنبورا ، أو ما لا ينتفع بخشبه وأتى شريح فى ~~طنبور كسر فلم يقض فيه بشىء . / 36 - فيه : سلمة بن الأكوع ، أن النبى ، ~~عليه السلام ، رأى نيرانا توقد يوم خيبر ، قال : ( على ما توقد هذه النيران ~~؟ ) قالوا : على الحمر الإنسية ، قال : ( اكسروها وأهرقوها ) ، قالوا : ألا ~~نهريقها ونغسلها ، قال : ( اغسلوا ) . / 37 - وفيه : ابن مسعود ، دخل النبى ~~، عليه السلام ، مكة ، وحول الكعبة ثلاثمائة وستون نصبا ، فجعل يطعنها بعود ~~فى يده ، وجعل يقول : { جاء ms2232 الحق وزهق الباطل } الآية . / 38 - وفيه : ~~عائشة ، أنها كانت اتخذت على سهوة لها سترا فيه تماثيل ، PageV06P605 فهتكه ~~النبى ، عليه السلام ، فاتخذت منه نمرقتين فكانتا فى البيت يجلس عليهما . ~~قال : أما كسر الدنان التى فيها الخمر فلا معنى له ، لأنه إضاعة المال ، ~~وما طهره الماء جاز الانتفاع به ، ألا ترى أن النبى قال فى القدور : ( ~~اغسلوها ) وأما الدنان فرأى مالك أن الماء لا يطهرها لما تداخلها وغاص فيها ~~من الخمر ، ورأى غيره تطهيرها وغسلها بالماء ، لأن الماء أيضا يغوص فيها ، ~~ويطهر ما غاص فيها من الخمر . وقال الطبرى : فى حديث ابن مسعود من الفقه ~~كسر آلات الباطل وما لا يصلح إلا لمعصية الله كالطنابير والعيدان والمزامير ~~والبرابط التى لا معنى لها إلا التلهى بها عن ذكر الله عز وجل ، والشغل بها ~~عما يحبه إلى ما يسخطه أن يغيره عن هيئته المكروهة إلى ما خالفها من ~~الهيئات التى يزول عنها المعنى المكروه ، وذلك أنه عليه السلام كسر الأصنام ~~، والجوهر الذى فيه لا شك أنه يصلح إذا غير عن الهيئة المكروهة لكثير من ~~منافع بنى آدم الحلال وقد روى عن جماعة من السلف كسر آلات الملاهى ، وروى ~~سفيان عن منصور ، عن إبراهيم قال : كان أصحاب عبد الله يستقبلون الجوارى ~~معهن الدفوف فى الطريق فيخرقونها . وروى نافع عن ابن عمر أنه كان إذا وجد ~~أحدا يلعب بالنرد ضربه وأمر بها فكسرت . قال المهلب : وما كسر من آلات ~~الباطل وكان فى خشبها بعد كسرها منفعة فصاحبها أولى بها مكسورة ، إلا أن ~~يرى الإمام حرقها بالنار على معنى التشريد والعقوبة على وجه الاجتهاد ، كما ~~PageV06P606 فعل عمر حين أحرق دار رويشد على بيع الخمر ، وقد هم النبى ~~بتحريق دور من يتخلف عن صلاة الجماعة ، وهذا أصل فى العقوبة فى المال إذا ~~رأى ذلك . وهتك النبى الستر الذى فيه الصور دليل على إفساد الصور وآلات ~~الملاهى . وقال ابن المنذر : فى معنى الأصنام الصور المتخذة من المدد ~~والخشب وشبهها ، وكل ما يتخذ الناس مما لا منفعة فيه إلا للهو ms2233 المنهى عنه ~~فلا يجوز بيع شىء منه إلا الأصنام التى تكون من الذهب والفضة والحديد ~~والرصاص إذا غيرت عما هى عليه وصارت نقرا ، أو قطعا ، فيجوز بيعها والشراء ~~بها . * * * # | 33 - باب من قاتل دون ماله فقتل # / 39 - فيه : ابن عمرو ، قال : سمعت النبى - صلى الله عليه وسلم - يقول : ~~( من قتل دون ماله فهو شهيد ) . إنما أدخل هذا الحديث فى هذه الأبواب ليريك ~~أن للإنسان أن يدفع عن نفسه وماله ، فإذا كان شهيدا إذا قتل فى ذلك ، كان ~~إذا قتل من أراده فى مدافعته له عن نفسه لا دية عليه فيه ، ولا قود . قال ~~المهلب : وكذلك كل من قاتل على ما يحل له القتال عليه من أهل أو دين فهو ~~كمن قاتل دون نفسه وماله فلا دية عليه ولا تبعة ، ومن أخذ فى ذلك بالرخصة ~~وأسلم المال أو الأهل أو النفس فأمره إلى الله ، والله يعذره ويأجره ، ومن ~~أخذ فى ذلك بالشدة وقتل كانت له الشهادة بهذا الحديث . PageV06P607 وأما ~~قول أهل العلم فى هذا الباب فذكر ابن المنذر قال : روينا عن جماعة من أهل ~~العلم أنهم رأوا قتال اللصوص ودفعهم عن أنفسهم وأموالهم ، وقد أخذ ابن عمر ~~لصا فى داره فأصلت عليه السيف ، قال سالم : فلولا أنا نهيناه لضربه به . ~~وقال النخعى : إذا خفت أن يبدأك اللص فابدأه . وقال الحسن البصرى : إذا طرق ~~اللص بالسلاح فاقتله ، وروينا هذا المعنى عن غير واحد من المتقدمين ، وسئل ~~مالك عن القوم يكونون فى السفر فتلقاهم اللصوص ، قال : يناشدونهم الله ، ~~فإن أبوا وإلا قوتلوا . وعن الثورى وابن المبارك قال : يقاتلونهم ولوعلى ~~دانق . وقال أحمد بن حنبل : إذا كان اللص مقبلا ، وأما موليا فلا . وعن ~~إسحاق مثله . وقال أبو حنيفة فى رجل دخل على رجل ليلا فسرقه ثم خرج بالسرقة ~~من الدار ، فاتبعه الرجل فقتله ، قال : لا شىء عليه . وكان الشافعى يقول : ~~من أريد ماله فى مصر أو صحراء ، أو أريد حريمه فالاختيار له أن يكلمه ~~ويستغيث ، فإن منع أو امتنع لم يكن له قتاله ، فإن ms2234 أبى أن يمتنع من قتله من ~~أراده ، فله أن يدفعه عن نفسه وعن ماله ، وليس له عمد قتله ، فإن أبى ذلك ~~على نفسه فلا عقل عليه ولا قود ولا كفارة . قال ابن المنذر : والذى عليه ~~عوام أهل العلم أن للرجل أن يقاتل عن نفسه وماله وأهله إذا أريد ظلما ، ~~لقوله عليه السلام : ( من قتل دون ماله فهو شهيد ) ، ولم يخص وقتا دون وقت ~~، ولا حالا دون حال إلا السلطان ، فإن كل من نحفظ عنهم من علماء الحديث ~~PageV06P608 كالمجمعين على أن كل من لم يمكنه أن يدفع عن نفسه وماله إلا ~~بالخروج على السلطان ومحاربته ألا يفعل للآثار التى جاءت عن النبى - عليه ~~السلام - بالأمر بالصبر على ما يكون منه من الجور والظلم ، وترك القيام ~~عليهم ما أقاموا الصلاة . وما قلناه من إباحة أن يدفع الرجل عن نفسه وماله ~~قول عوام أهل العلم إلا الأوزاعى ، فإنه كان يفرق بين الحال الذى للناس ~~فيها جماعة وإمام وبين حال الفتنة التى لا جماعة فيها ولا إمام ، فقال فى ~~تفسير قوله : ( من قتل دون ماله فهو شهيد ) إذا أقلعت الفتنة عن الجماعة ، ~~وأمنت السبل ، وحج البيت ، وجوهد العدو ، وقعد اللص لرجل يريد دمه أو ماله ~~قاتله ، وإن كان الناس فى معمعة فتنة وقتال ، فدخل عليه يريد دمه وماله ~~اقتدى بمحمد بن مسلمة . * * * # | 34 - باب إذا كسر قصعة أو شيئا لغيره # / 40 - فيه : أنس ، أن النبى ، عليه السلام ، كان عند بعض نسائه ، فأرسلت ~~إحدى أمهات المؤمنين مع خادم بقصعة فيها طعام ، فضربت بيدها ، فكسرت القصعة ~~، فضمها وجعل فيها الطعام ، وقال : ( كلوا ) ، وحبس الرسول والقصعة حتى ~~فرغوا ، فدفع القصعة الصحيحة ، وحبس المكسورة . قال المهلب : روى أن صفية ~~هى التى صنعت الطعام لرسول الله ، وروى أنها أم سلمة وأن الكاسرة عائشة . ~~واختلف العلماء فيمن استهلك عروضا أو حيوانا ، فذهب الكوفيون والشافعى ~~وجماعة إلى أن عليه مثل ما استهلك ، قالوا : ولا يقضى PageV06P609 بالقيمة ~~إلا عند عدم المثل - واحتجوا بحديث القصعة ، قالوا : ألا ترى أن الرسول ضمن ~~القصعة بقصعة ms2235 . وذهب مالك إلى أنه من استهلك شيئا من العروض أو الحيوان ~~فعليه قيمته يوم استهلكه ، وقال : القيمة أعدل فى ذلك . واحتج بأن النبى - ~~عليه السلام - قضى فيمن أعتق شركا له فى عبد بقيمة حصة شريكه دون حصة من ~~عبد مثله ، لأن ضبط المثل بالقيمة أخص منه فى الحلقة والمثل لا يوصل إليه ~~إلا بالاجتهاد ، وكما أن القيمة تدرك بالاجتهاد ، وقيمة العدل فى الحقيقة ~~مثل ، وقد تناقض العراقيون فى قوله تعالى : { فجزاء مثل ما قتل من النعم } ~~وقالوا : القيمة مثل فى هذا الموضع . واتفق مالك والكوفيون والشافعى وأبو ~~ثور فيمن استهلك ذهبا أو ورقا أو طعاما مكيلا ، أو موزونا ، أن عليه مثل ما ~~استهلك فى صفته ووزنه وكيله ، وقال مالك ، وفرق بين الذهب والفضة والطعام ، ~~وبين الحيوان والعروض العمل المعمول به . قال ابن المنذر : ولا أعلم فى هذه ~~المسألة خلافا . * * * # | 35 - باب إذا هدم حائطا يبنى مثله # / 41 - فيه : أبو هريرة ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ~~( كان رجل فى بنى إسرائيل يقال له : جريج الراهب يصلى ، فجاءته أمه فدعته ، ~~فأبى أن يجيبها ، فقال : أجيبها أو أصلى ، ثم أتته ، فقالت : اللهم لا تمته ~~حتى تريه وجوه المومسات ، وكان جريج فى صومعته ، فقالت امرأة : لافتنن ~~PageV06P610 جريجا ، فتعرضت له ، فكلمته فأبى ، فأتت راعيا فأمكنته من ~~نفسها ، فولدت غلاما ، فقالت : هو من جريج ، فأتوه وكسروا صومعته ، فأنزلوه ~~وسبوه ، فتوضأ وصلى ، ثم أتى الغلام ، فقال : من أبوك يا غلام ؟ قال : ~~الراعى ، قالوا : نبنى صومعتك من ذهب ، قال : لا إلا من طين ) . وذهب ~~الكوفيون والشافعى وأبو ثور إلى أن من هدم حائطا لرجل فإنه يبنى مثله على ~~ظاهر هذا الحديث ، واختلف قول مالك فى ذلك ، فروى ابن القاسم عنه فى ~~العتبية : فى رجل له خليج يجرى تحت جدار رجل آخر ، فجرى السيل فيه فهدمه ، ~~قال مالك : أرى أن يقضى يبنيانه على صاحب الخليج الذى أفسد حائط الرجل . ~~وقال فى المدونة : ما انهدم من الربع بيد الغاصب ، وإن لم يكن بسببه فعليه ~~قيمته يوم الغصب ms2236 . وقوله فى مسألة الخليج أشبه بالحديث . قال المهلب : وفى ~~هذا الحديث من الفقه المطالبة بالدعوى ، كما طالبت بنو إسرائيل جريجا بما ~~ادعته المرأة عليه ، وفيه استنقاذ عباد الله تعالى لصالح عباده وأوليائه ~~عند جور العامة وأهل الجهل عليهم بآية يريهم الله إياها ، فإن كانت عرض فى ~~الإسلام فبكرامة يكرمه الله بها ، وسبب يسببه له ، لا بخرق عادة ، ولا قلب ~~عين ، وإنما كانت الآيات فى بنى إسرائيل ؛ لأن النبوة كانت ممكنة فيهم غير ~~ممتنعة عليهم . ولا نبى بعد محمد ، فليس يجرى من الآيات بعده ما يكون خرقا ~~للعادة ولا قلب العين ، إنما تكون كرامة لأوليائه مثل : دعوة مجابة ، ورؤيا ~~صالحة ، وبركة ظاهرة ، وفضل بين توفيق من الله إلى الإبرار مما اتهم به ~~الصالحون ، وامتحن به المتقون . وفى دعاء أمه عليه وهو فى الصلاة دليل أن ~~دعاء الوالدين إذا كان بنية خالصة أنه قد يجاب ، وإن كان فى حال ضجر وحرج ~~ولم يكونا على صواب ؛ لأنه قد أجيب دعاء أمه بأن امتحن مع المرأة التى كذبت ~~عليه ، إلا أنه تعالى استنقذه بمراعاته لأمر ربه ، فابتلاه وعافاه ، وكذلك ~~يجب للإنسان أن يراعى أمر ربه ودينه ، ويقدمه على أمور دنياه فتحمد عاقبته ~~. وقوله : ( فتوضأ وصلى ) فيه رد على من قال أن هذه الأمة مخصوصة بالوضوء ~~من بين سائر الأمم ، وأنهم يأتون لذلك غرا محجلين يوم القيامة ، فبان بهذا ~~الحديث أن الوضوء كان فى غير هذه الأمة ، ووضح أن الذى خصت به هذه الأمة من ~~بين سائر الأمم إنما هو الغرر والتحجيل ليمتازوا بذلك من بين سائر الأمم ، ~~وقد جاء فى حديث سارة حين أخذها الكافر من إبراهيم أنها قامت فتوضأت وصلت ~~حتى غط الكافر برجله ، ذكره البخارى فى كتاب الإكراه ، وقد روى عن الرسول ~~أنه توضأ ثلاثا وقال : ( هذا وضوئى ووضوء الأنبياء قبلى ) فثبت بهذا كله أن ~~الوضوء مشروع قبل أمه محمد - صلى الله عليه وسلم - . * * * تم بحمد الله ~~الجزء السادس ، ويليه بإذن الله الجزء السابع ، وأوله : ( كتاب الشركة ) . ~~. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . . . . . . . . . . . PageV06P611 بسم الله الرحمن الرحيم # | 41 ms2237 - كتاب الشركة # # | 1 - باب ما جاء فى الشركة فى الطعام والنهد والعروض وكيف قسمة ما يكال ~~ويوزن مجازفة أو قبضة قبضة لما لم ير المسلمون فى النهد بأسا أن يأكل هذا ~~بعضا وهذا بعضا ، وكذلك مجازفة الذهب والفضة والقران فى التمر . # / 1 - فيه : جابر : بعث النبى ، عليه السلام ، بعثا قبل الساحل ، وأمر ~~عليهم أبا عبيدة بن الجراح ، وهم ثلاثمائة ، وأنا فيهم ، فخرجنا حتى إذا ~~كنا ببعض الطريق فنى الزاد ، فأمر أبو عبيدة بأزواد ذلك الجيش ، فجمع ذلك ~~كله ، فكان مزودى تمر ، فكان يقوتنا كل يوم قليلا قليلا حتى فنى ، فلم يكن ~~يصيبنا إلا تمرة تمرة ، فقلت : وما تغنى تمرة ؟ قال : لقد وجدنا فقدها حين ~~فنيت ، قال : ثم انتهينا إلى البحر ، فإذا حوت مثل الظرب ، فأكل منه ذلك ~~الجيش ثمانى عشرة ليلة ، ثم أمر أبو عبيدة بضلعين من أضلاعه فنصبا ، ثم أمر ~~براحلة فرحلت ، ثم مرت تحتهما ، فلم تصبهما . / 2 - وفيه : سلمة : خفت ~~أزواد القوم وأملقوا ، فأتوا النبى ، عليه السلام ، فى نحر إبلهم ، فأذن ~~لهم ، فلقيهم عمر فأخبروه ، فقال : ما بقاؤكم بعد PageV07P005 إبلكم ؟ فدخل ~~على النبى - صلى الله عليه وسلم - ، فقال : ما بقاؤهم بعد إبلهم ؟ فقال ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ناد فى الناس يأتون بفضل أزوادهم ، ~~فبسط لذلك نطعا ، وجعلوه على ذلك النطع ، فقام رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - ، فدعا وبرك عليه ، ثم دعاهم بأوعيتهم ، فاحتثى الناس حتى فرغوا ، ~~ثم قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( أشهد أن لا إله إلا الله وأنى ~~رسول الله ) . / 3 - وفيه : رافع ، كنا نصلى مع النبى - صلى الله عليه وسلم ~~- العصر ، فننحر جزورا ، فيقسم عشر قسم ، فنأكل لحما نضيجا قبل أن تغرب ~~الشمس . / 4 - وفيه : أبو موسى : قال النبى ، عليه السلام : ( إن الأشعريين ~~إذا أرملوا فى الغزو ، وقل طعام عيالهم بالمدينة ، جمعوا ما كان عندهم فى ~~ثوب واحد ، ثم اقتسموه بينهم فى إناء واحد بالسوية ، فهم منى وأنا منهم ) . ~~النهد : ما يجمعه الرفقاء من مال ، أو طعام ، على قدر فى الرفقة ms2238 ، ينفقونه ~~بينهم ، وقد تناهدوا عن صاحب العين . وقال ابن دريد : يقال من ذلك : ناهد ~~القوم الشىء ، تناولوه بينهم . وقال المهلب : هذه القسمة لا تصلح إلا فيما ~~جعل للأكل خاصة ؛ لأن طعام النهد وشبهه لم يوضع للآكلين على أنهم يأكلون ~~بالسواء ، وإنما يأكل كل واحد على قدر نهمته ، وقد يأكل الرجل أكثر من غيره ~~، وهذه القسمة موضوعة بالمعروف ، وعلى طريقة بين الآكلين ، ألا ترى جمع أبى ~~عبيدة بقية أزواد الناس ، ثم شركهم فيها بأن قسم لكل واحد منهم ، وقد كان ~~فيهم من لم يكن له بقية طعام ، وقد أعطى بعضهم PageV07P006 أقل مما كان بقى ~~له ولآخر أكثر ، وكذلك فى حديث سلم قسم النبى - صلى الله عليه وسلم - بينهم ~~بالاحتثاء ، وهو غير متساو . وهذا الفعل للنبى - صلى الله عليه وسلم - هو ~~الذى امتثل أبو عبيدة فى جمعه للأزواد ، وإنما يكون هذا عند شدة المجاعة ، ~~فللسلطان أن يأمر الناس بالمواساة ويجبرهم على ذلك ، ويشركهم فيما بقى من ~~أزوادهم أحياء لإرماقهم وإبقاء لنفوسهم ، وفيه أن للإمام أن يواسى بين ~~الناس فى الأقوات فى الحضر بثمن وبغير ثمن ، كما له فعل ذلك فى السفر . وقد ~~استدل بعض العلماء بهذا الحديث ، وقال : إنه أصل فى ألا يقطع سارق فى مجاعة ~~؛ لأن المواساة واجبة للمحتاجين ، وقد تقدم كثير من معانى هذا الحديث فى ~~باب حمل الزاد فى الغزو فى كتاب الجهاد . وفى حديث رافع : قسمة اللحم ~~بالتحرى بغير ميزان ؛ لأن ذلك من باب المعروف ، وهو موضوع للأكل ، وأما ~~قسمة الذهب والفضة مجازفة ، فلا تجوز بإجماع الأمة ؛ لتحريم التفاضل فى كل ~~واحد منهما ، وإنما اختلف العلماء فى قسمة الذهب مع الفضة مجازفة ، أو بيع ~~ذلك مجازفة ، فكرهه مالك ، ورآه من بيع الغرر والقمار ، ولم يجزه . وأما ~~الكوفيون ، والشافعى ، وجماعة من العلماء ، فأجازوا ذلك ؛ لأن الأصل فى ~~الذهب بالفضة جواز التفاضل ، فلا حرج فى بيع الجزاف من ذلك وقسمته ، وكذلك ~~قسمة البر مجازفة لا تجوز ، كما لا يجوز بيع جزاف بر ببر ونحوه مما حرم فيه ~~التفاضل ، وما يجوز ms2239 فيه التفاضل ، فإنما الربا فيه فى النسيئة خاصة . وأملق ~~الرجل : افتقر ، ومنه قوله تعالى : { ولا تقتلوا أولادكم PageV07P007 خشية ~~إملاق } [ الإسراء : 31 ] ، أى خشى الفقر ، ومثله أرملوا ، يقال : أرمل ~~القوم ، فنى زادهم . * * * # | 2 - باب ما كان من خليطين فإنهما يتراجعان بينهما بالسوية فى الصدقة # / 5 - فيه : أنس ، أن أبا بكر كتب له فريضة الصدقة التى فرض رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - ، قال : ( وما كان من خليطين ، فإنهما يتراجعان ~~بينهما بالسوية ) . فقه هذا الباب أن الشريكين إذا كان رأس مالهما سواء ، ~~فهما شريكان فى الربح ، فمن أنفق من مال الشركة أكثر مما أنفق صاحبه تراجعا ~~عند أخذ الربح بقدر ما أنفق كل واحد منهما ، فمن أنفق قليلا رجع على من ~~أنفق أكثر منه ؛ لأن النبى ، عليه السلام ، لما أمر الخليطين فى الغنم ~~بالتراجع بينهما بالسواء وهما شريكان ، دل ذلك على أن كل شريك فى معناهما . ~~* * * # | 3 - باب قسمة الغنم # / 6 - فيه رافع ، قال : كنا مع النبى - صلى الله عليه وسلم - بذى الحليفة ~~، فأصاب الناس جوع ، فأصابوا إبلا وغنما ، قال : وكان النبى - صلى الله ~~عليه وسلم - فى أخريات القوم ، فعجلوا وذبحوا ونصبوا القدور ، فأمر النبى - ~~صلى الله عليه وسلم - بالقدور فأكفئت ، ثم قسم ، فعدل عشرة من الغنم ببعير ~~، فند بعير ، فطلبوه ، فأعياهم . . . الحديث . PageV07P008 وترجم له باب ~~إذا عدل عشرة من الغنم بجزور فى القسمة ، وقال فيه : فعدل عشرة من الغنم ~~بجزور . أجاز قسم الغنم والبقر والإبل بغير تقويم : مالك ، والكوفيون ، ~~وأبو ثور ، إذا كان ذلك على التراضى . وقال الشافعى : لا يجوز قسم شىء من ~~الحيوان بغير تقويم ، وحجة من أجاز ذلك أن النبى ، عليه السلام ، قسم ~~الغنائم ، وكان أكثر غنائم خيبر الإبل والغنم ، ولم يذكر فى شىء من ذلك ~~تقويم . قالوا : وتعديل الغنم بالغنم ، والبقر بالبقر ، والإبل بالإبل جائز ~~على التراضى فى القسمة ، ولا ربا يدخلها ؛ لأنه يجوز فيها التفاضل يدا بيد ~~. ومن حجة الشافعى أن قسمة النبى - صلى الله عليه وسلم - الغنم مع الإبل ~~إنما كانت على طريق القيمة ، ألا ترى ms2240 أنه عدل عشرة من الغنم ببعير ، وهذا ~~هو معنى التقويم . * * * # | 4 - باب القران فى التمر بين الشركاء حتى يستأذن أصحابه # / 7 - فيه : ابن عمر ، نهى النبى - صلى الله عليه وسلم - أن يقرن الرجل ~~بين التمرتين جميعا حتى يستأذن أصحابه . قال : النهى عن القران فى التمر ~~عند العلماء من باب حسن الأدب فى الأكل ؛ لأن القوم الذين وضع بين أيديهم ~~التمر كالمتساوين فى أكله ، فإذا استأثر أحدهم بأكثر من صاحبه لم يحمد له ~~PageV07P009 ذلك ، ومن هذا الباب جعل أهل العلم النهى عن النهبة فى طعام ~~النثر فى الأعراس وغيرها ، لما فيه من سوء الأدب والاستئثار بما لا تطيب ~~عليه نفس صاحب الطعام . وقال أهل الظاهر : إن النهى عن القران على الوجوب ~~لا على حسن الأدب ، وفاعل ذلك عاص لله إذا كان عالما بالنهى . ولا نقول أنه ~~أكل حراما ؛ لأن أصله الإباحة جملة ، والدليل على أنه على حسن الأدب لا على ~~الوجوب أن ما وضع بين أيدى الناس للأكل ، فإنما سبيله سبيل المكارمة لا ~~سبيل التشاح ، لاختلاف الناس فى الأكل ، فبعضهم يكفيه اليسير ، وبعضهم لا ~~يكفيه أضعافه ، فلو كانت سهماتهم ، سواء لما ساغ لمن لا يشبعه اليسير أن ~~يأكل من مثل نصيب من يشبعه اليسير ، ولما لم يتشاح الناس فى هذا المقدار ~~علم أن سبيل هذا المكارمة ، وليس على الوجوب ، والله أعلم . * * * # | 5 - باب تقويم الأشياء بين الشركاء بقيمة عدل # / 8 - فيه : ابن عمر ، قال : قال النبى ، عليه السلام : ( من أعتق شقصا ~~له فى عبد ، أو شركا له ، أو قال : نصيبا ، وكان له مال يبلغ ثمنه بقيمة ~~العدل ، فهو عتيق ، وإلا فقد عتق منه ما عتق ) . PageV07P010 / 9 - وفيه : ~~أبو هريرة ، عن النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( من أعتق شقصا له من ~~مملوكه فعليه خلاصه فى ماله ، فإن لم يكن له مال قوم المملوك قيمة عدل ، ثم ~~استسعى غير مشقوق عليه ) . قال : اختلف العلماء فى قسمة الرقيق ، فذهب أبو ~~حنيفة والشافعى إلى أنه لا يجوز قسمته إلا بعد التقويم ، وحجتهم حديث ابن ~~عمر ms2241 ، وأبى هريرة ، أن النبى ، عليه السلام ، قال : ( من أعتق شقصا له من ~~عبد قوم عليه قيمة عدل ) ، قالوا : فأجاز ، عليه السلام ، تقويمه فى البيع ~~للعتق ، وكذلك تقويمه فى القسمة . وذهب مالك ، وأبو يوسف ، ومحمد ، إلى أنه ~~تجوز قسمة الرقيق بغير تقويم إذا تراضوا على ذلك ، وحجتهم أن النبى ، عليه ~~السلام ، قسم غنائم حنين ، وكان أكثرها السبى والماشية ، لا فرق بين الرقيق ~~وسائر الحيوان ، ولم يذكر فى شىء من السبى تقويم ، وتناقض أبو حنيفة ، ~~فأجاز قسم الإبل والبقر والغنم بغير تقويم ، وزعم أن الفرق بين الرقيق ~~وسائر الحيوان أن اختلاف الرقيق متفاوت ، وهذا ليس بشىء ؛ لأن القسمة بيع ~~من البيوع ، وكل بيع صحيح جائز إذا انعقد على التراضى . ولا خلاف بين ~~العلماء أن قسمة العروض وسائر الأمتعة بعد التقويم جائزة ، وإنما اختلفوا ~~فى قسمتها بغير تقويم ، فأجاز ذلك مالك ، والكوفيون ، وأبو ثور ، إذا كان ~~ذلك على سبيل التراضى ، ومنع من ذلك الشافعى ، وقال : لا يجوز قسم شىء من ~~ذلك إلا بعد التقويم قياسا على حديث ابن عمر فى تقويم العبد . PageV07P011 ~~* * * # | 6 - باب هل يقرع فى القسمة والاستهام # / 10 - فيه : النعمان بن بشير ، قال النبى ، عليه السلام : ( مثل القائم ~~على حدود الله ، والواقع فيها ، كمثل قوم استهموا على سفينة ، فأصاب بعضهم ~~أعلاها ، وبعضهم أسفلها ، فكان الذين فى أسفلها إذا استقوا من الماء مروا ~~على من فوقهم ، فقالوا : لو أنا خرقنا فى نصيبنا خرقا ، ولم نؤذ من فوقنا ، ~~فإن يتركوهم ، وما أرادوا هلكوا جميعا ، وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا ~~جميعا ) . القرعة سنة لكل من أراد العدل فى القسمة بين الشركاء ، والفقهاء ~~متفقون على القول بها ، وخالفهم بعض الكوفيين ، وردت الأحاديث الواردة فيها ~~، وزعموا أنه لا معنى لها ، وأنها تشبه الأزلام التى نهى الله عنها ، وحكى ~~ابن المنذر ، عن أبى حنيفة أنه جوزها ، وقال : القرعة فى القياس لا تستقيم ~~، ولكنا تركنا القياس فى ذلك وأخذنا بالآثار والسنة . وقال إسماعيل بن ~~إسحاق : وليس فى القرعة إبطال شىء من الحق كما زعم الكوفيون ، وإذا وجبت ms2242 ~~القسمة بين الشركاء فى أرض أو دار ، فعليهم أن يعدلوا ذلك بالقيمة ، ثم ~~يستهموا ويصير لكل واحد منهم ما وقع له بالقرعة مجتمعا مما كان له فى الملك ~~مشاعا ، فيصير فى موضع بعينه ، ويكون له ذلك بالعوض الذى صار لشريكه ؛ لأن ~~مقادير ذلك قد عدل بالقيمة . وإنما PageV07P012 منعت القرعة أن يختار كل ~~واحد منهم موضعا بعينه ، وهذا إنما يكون فيما يتشابه من الدور والأرض ~~والعروض ، وما تستوى رغبة الناس فى كل موضع مما يقترع عليه . وفى قوله ، ~~عليه السلام : ( كمثل قوم استهموا على سفينة ) ، جواز القرعة ؛ لإقرار ~~النبى - صلى الله عليه وسلم - لها ، وأنه لم يذم المستهمين فى السفينة ، ~~ولا أبطل فعلهم ، بل رضيه وضربه مثلا لمن نجى نفسه من الهلكة فى دينه ، وقد ~~ذكر البخارى أحاديث كثيرة فى القرعة فى آخر كتاب الشهادات ، وترجم له باب ~~القرعة فى المشكلات . قال المهلب : وفى حديث النعمان بن بشير تعذيب العامة ~~بذنوب الخاصة ، وفيه استحقاق العقوبة بترك الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر ~~، وفيه تبيين العالم للمسألة بضرب المثل الذى يفهم للعوام ، وفيه أنه يجب ~~على الجار أن يصبر على شىء من الأذى لجاره خوفا مما هو أشد منه . وأما ~~أحكام العلو والسفل تكون بين رجلين ، فيعتل السفل أو يريد صاحبه هدمه ، ~~فذكر سحنون ، عن أشهب أنه قال : إذا أراد صاحب السفل أن يهدم ، وأراد صاحب ~~العلو أن يبنى علوه ، فليس لصاحب السفل أن يهدم السفل إلا من ضرورة يكون ~~هدمه له أرفق لصاحب العلو ؛ لئلا ينهدم بانهدامه العلو ، وليس لرب العلو أن ~~يبنى على علوه شيئا لم يكن قبل ذلك إلا الشىء الخفيف الذى لا يضر بصاحب ~~السفل . ولو تكسرت خشبة من سقف العلو لأدخل مكانها خشبة ما لم تكن أثقل ~~منها ، ويخاف ضررها على صاحب السفل . قال أشهب : PageV07P013 وباب الدار ~~على صاحب السفل . قال : ولو انهدم السفل والعلو ، أجبر صاحب السفل على ~~بنائه ، وليس على صاحب العلو أن يبنى السفل ، فإن أبى صاحب السفل من البناء ~~، قيل له : بع ممن يبنى ms2243 . وروى ابن القاسم ، عن مالك فى السفل لرجل والعلو ~~لآخر ، فاعتل السفل ، فإن صلاحه على رب السفل ، وعليه تعليق العلو حتى يصلح ~~سفله ؛ لأن عليه أن يحمله إما على بنيان وإما على تعليق . وكذلك لو كان ~~العلو على علو ، فتعليق العلو الثانى على صاحب الأوسط فى إصلاح الأوسط ، ~~وقد قيل : إن تعليق العلو على رب العلو حتى يبنى الأسفل . وحديث النعمان ~~حجة لقول مالك وأشهب ، وفيه دليل على أن صاحب السفل ليس له أن يحدث على ~~صاحب العلو ما يضر به ، وإن أحدث عليه ضررا لزمه إصلاحه دون صاحب العلو ، ~~وأن لصاحب العلو منعه من الضرر ، لقوله ، عليه السلام : ( فإن أخذوا على ~~أيديهم نجوا ونجوا جميعا ) ، ولا يجوز الأخذ إلا على يد الظالم ومن هو ~~ممنوع من إحداث ما لا يجوز له فى السنة . * * * # | 7 - باب شركة اليتيم وأهل الميراث # / 11 - فيه : عائشة ، فى قول الله تعالى : { وإن خفتم ألا تقسطوا فى ~~اليتامى } [ النساء : 3 ] ، قالت : هى اليتيمة تكون فى حجر وليها تشاركه فى ~~ماله ، فيعجبه مالها وجمالها ، فيريد وليها أن يتزوجها بغير أن يقسط فى ~~PageV07P014 صداقها ، فيعطيها مثل ما يعطيها غيره ، فنهوا أن ينكحوهن إلا ~~أن يقسطوا لهن ، ويبلغوا بهن أعلى سنتهن من الصداق ، وأمروا أن ينكحوا ما ~~طاب لهم من النساء سواهن . . . الحديث . قال : شركة اليتيم ومخالطته فى ~~ماله لا تجوز عند العلماء إلا أن يكون لليتيم فى ذلك رجحان ، فإن كان ~~الرجحان لمخالطه أو مشاركه فلا يحل ؛ لأن الله تعالى حرم أكل أموال اليتامى ~~، ثم قال بعد ذلك : { ويسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير وإن تخالطوهم ~~فإخوانكم والله يعلم المفسد من المصلح } [ البقرة : 220 ] ، فأباحت هذه ~~الآية مخالطتهم ومشاركتهم بغير ظلم لهم . * * * # | 8 - باب الشركة فى الأرضين وغيرها # / 12 - فيه : جابر ، جعل النبى - صلى الله عليه وسلم - الشفعة فى كل ما ~~لم يقسم ، فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة . اختلف أهل العلم فيما ~~يحتمل القسم من الدور والأرضين ، هل يقسم بين الشركاء إذا دعا بعضهم ms2244 إلى ~~ذلك ، وفى قسمته ضرر على بعض ؟ فقال مالك : يقسم بينهم ذلك ، وهو قول ~~الشافعى . وقال أبو حنيفة فى الدار الصغيرة بين اثنين يطلب أحدهما القسمة ~~وأبى صاحبه : قسمت له . وقال ابن أبى ليلى : إن كان فيهم من لا ينتفع بما ~~يقسم له فلا يقسم ، وكل قسم يدخل الضرر على أحدهم دون الآخر فإنه لا يقسم ، ~~وهو قول أبى ثور . قال ابن المنذر : وهذا أصح القولين . PageV07P015 وأجاز ~~مالك قسم البيت وإن لم يكن فى نصيب أحدهم ما ينتفع به ، وأجاز قسم الحمام ~~وغيره ، واحتج بقوله تعالى : { مما قل منه أو كثر نصيبا مفروضا } [ النساء ~~: 7 ] . قال ابن القاسم : وأنا أرى أن كل ما لا ينقسم من الدور والحمامات ~~والمنازل ، وفى قسمته الضرر ولا ينتفع به إذا قسم ، أن يباع ويقسم ثمنه ولا ~~شفعة فيه ؛ لقوله ، عليه السلام : ( لا ضرر ولا ضرار ) ، ولقوله : ( الشفعة ~~فى كل ما لم ينقسم ، فإذا وقعت الحدود فلا شفعة ) ، فجعل ، عليه السلام ، ~~الشفعة فى كل ما يتأتى فيه إيقاع الحدود ، وعلق الشفعة بما لم ينقسم مما لم ~~يمكن إيقاع الحدود فيه ، هذا دليل الحديث ، ولا حجة للكوفيين فى إجازة ~~الضرر اليسير من ذلك ومنعهم للكثير ؛ لأن دفع الضرر واجب على المسلمين فى ~~كل شىء . * * * # | 9 - باب إذا اقسم الشركاء الدور وغيرها فليس لهم رجوع ولا شفعة # / 13 - فيه : جابر : قضى النبى - صلى الله عليه وسلم - بالشفعة فى كل ما ~~لم يقسم ، فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة . قال : إذا كانت قسمة ~~مراضاة واتفاق ، فلا رجوع فيها ، وإن كانت قسمة قرعة وتعديل ، ثم بان ~~التغابن فيها ، فللمغبون الرجوع ونقض القسمة عند العلماء ، وأما الشفعة فلا ~~تكون فى شىء مقسوم عند أحد PageV07P016 من العلماء ، وإنما هى فى المشاع ؛ ~~لقوله ، عليه السلام : ( فإذا وقعت الحدود فلا شفعة ) . * * * # | 10 - باب الاشتراك فى الذهب والفضة وما يكون فيه الصرف # / 14 - فيه : سليمان بن أبى مسلم ، قال : سألت أبا المنهال عن الصرف يدا ~~بيد ، فقال : اشتريت أنا وشريك لى شيئا يدا ms2245 بيد وبنسيئة ، فجاءنا البراء بن ~~عازب ، فسألناه ، فقال : فعلت أنا وشريكى زيد بن أرقم ، وسألنا النبى ، ~~عليه السلام ، عن ذلك ، فقال : ( ما كان يدا بيد فخذوه ، وما كان نسيئة ~~فردوه ) . فى هذا الحديث أنه لا يجوز فى شىء من الصرف نسيئة ، وإنما يكون ~~يدا بيد ، وأما صفة الشركة فى الصرف وغيرها ، فأجمع العلماء على أن الشركة ~~فى الدنانير والدراهم جائزة ، واختلفوا إذا كانت الدنانير من أحدهما ~~والدراهم من الآخر . فقال مالك ، والكوفيون ، والشافعى ، وأبو ثور : لا ~~تجوز حتى يخرج أحدهما مثل ما أخرج صاحبه . وقال ابن القاسم : وإنما لم يجز ~~ذلك ؛ لأنه صرف وشركة ، وكذلك قال لى مالك . وذكر ابن أبى زيد ، قال : وقد ~~اختلف عن مالك فى إجازة الشركة بدنانير من أحدهما ودراهم من الآخر ، وأجازه ~~سحنون ، PageV07P017 وأكثر قول مالك : أنه لا يجوز . وقال الثورى : يجوز أن ~~يجعل أحدهما دنانير والآخر دراهم فيخلطاها ، وذلك أن كل واحد منهما قد باع ~~نصف نصيبه بنصف نصيب صاحبه ، فآل : أمرهما إلى قسمة ما يحصل فى أيديهما فى ~~المتعقب . وأجمع العلماء أن الشركة الصحيحة أن يخرج كل واحد من الشريكين ~~مالا مثل مال صاحبه ، ثم يخلطان ذلك ولا يتميز ، ثم ليس لأحدهما أن يبيع ~~إلا مع صاحبه ، إلا أن يجعل كل واحد منهما لصاحبه أن يتجر بما رآه ، ويقيمه ~~مقام نفسه . * * * # | 11 - باب مشاركة الذمى والمشركين فى المزارعة # / 15 - فيه : ابن عمر ، أن النبى ، عليه السلام ، أعطى خيبر اليهود على ~~أن يعملوها ويزرعوها ، ولهم شطر ما يخرج منها . قال المهلب : كل ما لا ~~يدخله ربا ولا ينفرد به الذمى ، فلا بأس بشركة المسلم له فيه ، وهذه ~~المشاركة إنما معناها معنى الأجرة ، واستئجار أهل الذمة جائز حلال ، وأما ~~مشاركة الذمى ودفع المال إليه ليعمل فيه ، فكرهه ابن عباس ، وكرهه الكوفيون ~~، والشافعى ، وأبو ثور ، وأكثر العلماء ، لما يخاف عليه من التجر بالربا ~~وبيع ما لا يحل بيعه ، وهو جائز عندهم . وقال مالك : لا تجوز شركة المسلم ~~للذمى إلا أن يكون PageV07P018 النصراني يتصرف بحضرته ، ولا يغيب ms2246 عنه فى ~~شراء ولا بيع ولا تقاض ، أو يكون المسلم هو متولى البيع والشراء . وروى ذلك ~~عن عطاء والحسن ، وبه قال الليث ، والثورى ، وأحمد ، وإسحاق . واحتج من ~~أجاز ذلك بمعاملة النبى - صلى الله عليه وسلم - لهم فى مساقاة خيبر ، وإذا ~~جاز مشاركتهم فى عمارة الأرض جاز فى غير ذلك ، واحتج لمالك أن الذمى إذا ~~تولى الشراء باع بحكم دينه ، وأدخل فى مال المسلم ما لا يحل له ، والمسلم ~~ممنوع من أن يجعل ماله متجرا فى الربا والخمر والخنزير ، وأما أخذ أموالهم ~~فى الجزية ، فالضرورة دعت إلى ذلك ، إذ لا مال لهم غيرها . * * * # | 12 - باب قسمة الغنم والعدل فيها # / 16 - فيه : عقبة بن عامر ، أن النبى - صلى الله عليه وسلم - أعطاه غنما ~~يقسمها على أصحابه ، فبقى عتود ، فذكره للنبى - صلى الله عليه وسلم - فقال ~~: ( ضح به أنت ) . هذه القسمة يجوز فيها ما لا يجوز فى القسمة التى هى ~~تمييز الحقوق بعضها من بعض ؛ لأن النبى ، عليه السلام ، إنما وكل عقبة على ~~تفريق الضحايا على أصحابه ، ولم يعين فيها لأحد منهم شيئا بعينه ، فيخاف أن ~~يعطى غيره عند القسمة ، فيكون ذلك ظلما له ونقصانا عن حقه ، فكان تفريقها ~~موكولا إلى اجتهاد عقبة ، وكان ذلك على سبيل التطوع من النبى ، عليه السلام ~~، لا أنها كانت واجبة عليه لأصحابه ، فلم يكن على عقبة حرج فى قسمتها ، ولا ~~لزمه من أحد منهم ملامة إن أعطاه دون ما أعطى صاحبه ، وليس كذلك ~~PageV07P019 القسمة بين من حقوقهم واجبة متساوية فى المقسوم ، فهذه لا يكون ~~فيها تغابن ولا ظلم على أحد منهم ، وقد تقدم هذا الحديث فى كتاب الضحايا . ~~* * * # | 13 - باب الشركة فى الطعام وغيرها # ويذكر أن رجلا ساوم شيئا ، فغمزه آخر ، فرأى عمر أن له شركة . / 17 - فيه ~~: عبد الله بن هشام ، جد زهرة بن معبد ، أنه كان يخرج به جده إلى السوق ، ~~فيشترى الطعام ، فيلقاه ابن عمر ، وابن الزبير ، فيقولان له : أشركنا ، فإن ~~النبى ، عليه السلام ، قد دعا لك بالبركة فيشركهم ، فربما أصاب الراحلة كما ~~هى ms2247 ، فيبعث بها إلى المنزل . الشركة بيع من البيوع ، فتجوز فى الطعام وفى ~~كل ما يجوز تملكه عند جميع العلماء ، وإنما اختلفوا فى الشركة بالطعام ، ~~وإن تساووا فى الكيل والقيمة ، وسواء كان الطعام نوعا واحدا أو أنواعا ~~مختلفة ، وهو قول الشافعى ، وخالف ابن القاسم مالكا ، فقال : تجوز الشركة ~~بالحنطة إذا اشتركا على الكيل ولم يشتركا على القيمة ، وكانتا فى الجودة ~~سواء . وأجاز الشركة بالطعام الكوفيون وأبو ثور ، وقال الأوزاعى : تجوز ~~الشركة بالقمح والزيت ؛ لأنهما يختلطان جميعا ، ولا يتميز أحدهما من الآخر ~~. قال إسماعيل بن إسحاق : إنما كره مالك الشركة بالطعام ، PageV07P020 وإن ~~تساوى فى الكيل والجودة ؛ لأنه يختلف فى الصفة والقيمة ، ولا تجوز الشركة ~~إلا على الاستواء فى القيمة ، فاحتيج فى الطعام أن يستوى أمره فى الشركة فى ~~الكيل والقيمة ، وكان الاستواء فى ذلك لا يكاد أن يجتمع فيه فكرهه ، وليس ~~الطعام مثل الدنانير والدراهم التى هى على الاستواء عند الناس . وكان ~~الأبهرى يقول : قول ابن القاسم أشبه ؛ لأن الشركة تشبه البيع . قال : وكما ~~جاز بيع الطعام بالطعام إذا استويا فى الكيل ، وإن اختلفا فى القيمة ، ~~فكذلك تجوز الشركة فيه . واختلفوا فى الشركة بالعروض ، فقال مالك ، وابن ~~أبى ليلى : هو جائز . وقال الثورى ، والكوفيون ، والشافعى ، وأحمد ، وإسحاق ~~، وأبو ثور : لا يجوز ذلك . وقال الشافعى : لا تجوز الشركة فى كل ما يرجع ~~فى حال المفاضلة إلى القيمة ، إلا أن يبيع نصف عرضه بنصف عرض الآخر ~~ويتقايضا . وقال ابن المنذر : إنما لم تجز الشركة بالعروض ؛ لأن رءوس ~~أموالهم مجهولة ، وغير جائز عقد الشركة على مجهول . وحجة مالك فى إجازة ذلك ~~أن الشركة إنما وقعت على قيمة العرض الذى أخرجه كل واحد منهما ، فلم يكن ~~رأس مال مجهولا ، وأما إجازة ابن عمر الشركة للذى غمز صاحبه ، فهو قول مالك ~~. قال ابن حبيب : من قول مالك فى الذى يشترى الشىء للتجارة ، فيقف به الرجل ~~لا يقول له شيئا ، حتى إذا فرغ من الشراء استشركه ، فرأى مالك أن الشركة له ~~لازمة وأن يقضى بها ؛ لأنه أرفق بالناس ms2248 من PageV07P021 إفساد بعضهم على بعض ~~، ووجه ذلك أن المشترى قد انتفع بترك الزياد عليه ، فوجبت الشركة بينهما ~~بسبب انتفاعه بذلك . وكذلك إذا غمزه وسكت ، فسكوته رضا بالشركة ؛ لأنه كان ~~يمكنه أن يقول له : لا أشركك ، فيزيد عليه ، فلما سكت كان ذلك رضا . قال ~~عبد الملك بن حبيب : وذلك لتجار تلك السلعة خاصة كان مشتريها فى الأول من ~~أهل تلك التجارة أو غيرهم . قال : وكل ما اشتراه لغير تجارة ، فسأله رجل أن ~~يشركه وهو يشترى ، فلا تلزمه الشركة ، وإن كان الذى استشركه من أهل التجارة ~~. والقول قول المشترى مع يمينه أن شراءه ذلك لغير التجارة ، قال : وما ~~اشتراه الرجل من تجارته فى حانوته أو فى بيته فوقف به ناس من أهل تجارته ~~فاستشركوه ، فإن الشركة لا تلزمه ، وليس مثل اشترائه ذلك فى غير حانوته ولا ~~بيته . * * * # | 14 - باب الشركة فى الرقيق # / 18 - فيه : ابن عمر ، قال النبى ، عليه السلام : ( من أعتق شركا له فى ~~مملوك وجب عليه أن يعتق كله إن كان له مال قدر ثمنه يقام قيمة عدل ، ويعطى ~~شركاؤه حصتهم ) . الشركة بيع من البيوع تجوز فى العبيد وفى كل شىء ، وكل ما ~~جاز أن يملكه رجل جاز أن يملكه رجلان شراء أو هبة أو غيره ، إلا أن الشريك ~~PageV07P022 إذا وطئ جارية من مال الشركة ، فإنهما يتقاومانها وتصير ~~لأحدهما بثمن قد عرفه ؛ لأنه لا تحل الشركة فى الفروج ولا إعارتها ، ويدرأ ~~عنه الحد بالشبهة . * * * # | 15 - باب الاشتراك فى الهدى والبدن وإذا أشرك الرجل رجلا فى هديه بعد ~~ما أهدى # / 19 - فيه : جابر ، وابن عباس ، قالا : قدم النبى ، عليه السلام ، ~~وأصحابه صبح رابعة من ذى الحجة مهلين بالحج لا يخلطهم شىء ، فلما قدمنا ~~أمرنا ، فجعلناها عمرة . . . ) ، إلى قوله : وجاء على ، فقال : لبيك بما ~~أهل به النبى - صلى الله عليه وسلم - ، فأمره النبى - صلى الله عليه وسلم - ~~أن يقيم على إحرامه وإشركه فى الهدى . قال المهلب : لا يصح فى هذا الحديث ~~ما ترجم به من الاشراك فى الهدى بعد ما أهدى ؛ لأنه ms2249 ما كان بعد تقليد الهدى ~~وإشعاره ، فإنما هو شريك فى الفضيلة ؛ لأنه لا تجوز هبة الهدى ولا بيعه بعد ~~تقليده ، وما كان قبل تقليده فيمكن الشركة فى رقابه وهبته لمن يهدى عنه . ~~قال المؤلف : ذكر البخارى فى المغازى ، عن بريدة الأسلمى ، أن النبى ، عليه ~~السلام ، كان بعث عليا إلى اليمن قبل حجة الوادع ليقبض الخمس ، وقال غير ~~جابر : فقدم على من سعايته ، فقال له ، عليه السلام : ( بما أهللت يا على ؟ ~~) ، قال : بما أهل به النبى ، عليه السلام ، قال : ( فاهد وامكث حراما كما ~~أنت ) ، قال : فأهدى له على هديا . PageV07P023 فهذا تفسير قوله : ( وأشركه ~~فى الهدى ) ، أنه الهدى الذى أهداه على عن النبى ، وجعل له ثوابه ، فيحتمل ~~أن يفرده ، عليه السلام بثواب ذلك الهدى كله ، فهو شريك له فى هديه ؛ لأنه ~~أهداه عنه متطوعا من ماله ، ويحتمل أن يشركه فى ثواب هدى واحد يكون بينهما ~~، كما ضحى النبى عنه وعن أهل بيته بكبش ، وعمن لم يضح من أمته بكبش وأشركهم ~~فى ثوابه . ويجوز الاشتراك فى هدى التطوع ، وقد تقدم اختلاف العلماء فى ~~الاشتراك فى الهدى فى كتاب الحج فى باب قوله : { فمن تمتع بالعمرة إلى الحج ~~} [ البقرة : 196 ] ، فأغنى عن إعادته . * PageV07P024 * * # | 42 - كتاب الرهون # # | 1 - الرهن فى الحضر وقوله تعالى : { فرهان مقبوضة } [ البقرة : 283 ] ~~الآية # / 1 - فيه أنس : رهن النبى - صلى الله عليه وسلم - درعه بشعير . . . وذكر ~~الحديث . الرهن جائز فى الحضر والسفر ، وبه قال جميع الفقهاء ، وحكى عن ~~مجاهد أنه قال : لا يحل الرهن إلا فى السفر . وبه قال أهل الظاهر ، واحتجوا ~~بقوله : { وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتبا فرهان مقبوضة } [ البقرة : 283 ~~] ، قالوا : فأباح الرهن بشرط أن يكون فى السفر . وحجة الجماعة أن الله لم ~~يذكر السفر على أن يكون شرطا فى الرهن ، وإنما ذكره لأجل أن الغالب فيه أن ~~الكاتب يعدم فى السفر ، وقد يوجد الكاتب فى السفر ، ويجوز فيه الرهن ، ~~فكذلك يجب أن يجوز الرهن فى الحضر ، وإن كان الكاتب حاضرا ؛ لأن الرهن إنما ~~هو على معنى ms2250 الاستيثاق ، بدليل قوله تعالى : { فإن أمن بعضكم بعضا } [ ~~البقرة : 283 ] الآية ، وكل ما جاز أن يستوثق به فى الحضر كالكفيل والضمين ~~. وقد رهن النبى ، عليه السلام ، درعه بالمدينة عند يهودى فى شعير أخذه ~~لأهله ، والمدينة حضرته ووطنه ، فسقط قولهم . * PageV07P025 * * # | 2 - باب من رهن درعه # / 2 - فيه الأعمش ، قال : تذاكرنا عند إبراهيم الرهن والقبيل فى السلف ، ~~فقال إبراهيم : حدثنى الأسود ، عن عائشة ، أن النبى ، عليه السلام ، اشترى ~~من يهودى طعاما إلى أجل ورهن درعه . وترجم له الرهن عند اليهود وغيرهم ، ~~وإنما أراد النخعى أن يستدل بأن الرهن لما جاز فى الثمن بالسنة المجتمع ~~عليها ، جاز فى المثمن وهو السلم . وبيان ذلك أنه لما جاز أن يشترى الرجل ~~طعاما أو عرضا بثمن إلى أجل ، ويرهن فى الثمن رهنا ، كذلك يجوز إذا دفع ~~عينا سلما فى عرض طعام أو غيره أن يأخذ فى الشىء المسلم فيه رهنا ، وكل ما ~~جاز تملكه وبيعه جاز رهنه . وفى رهن النبى ، عليه السلام ، درعه عند يهودى ~~من الفقه دليل أن متاجرة أهل الكتاب والمشركين جائزة ، إلا أن أهل الحرب لا ~~يجوز أن يباع منهم السلاح ، ولا كل ما يتقوون به على أهل الإسلام ، ولا أن ~~يرهن ذلك عندهم ، وكان هذا اليهودى الذى رهنه النبى ، عليه السلام ، درعه ~~من أهل الذمة ، وممن لا تخشى منه غائلة ولا مكيدة للإسلام ، ولم يكن حربيا ~~. * * * # | 3 - باب رهن السلاح # / 3 - فيه جابر : قال النبى ، عليه السلام : ( من لكعب بن الأشرف ، فإنه ~~قد آذى الله ورسوله ؟ فقال محمد بن مسلمة : أنا ، فأتاه فقال : أردنا ~~PageV07P026 أن تسلفنا وسقا أو وسقين ، فقال : ارهنونى نساءكم ، قالوا : ~~كيف نرهنك نساءنا ، وأنت أجمل العرب ؟ قال : فارهنونى أبناءكم ، قالوا : ~~كيف نرهنك أبناءنا ، فيسب أحدهم ، فيقال : رهن بوسق أو وسقين ، هذا عار ~~علينا ، ولكنا نرهنك اللأمة ، يعنى السلاح ، فوعده أن يأتيه فقتلوه ، ثم ~~أتوا النبى - صلى الله عليه وسلم - فأخبروه . قال ابن إسحاق : كان كعب بن ~~الأشرف من طى ، وكانت أمه من بنى النضير ، وكان يعادى النبى ويحرض المشركين ms2251 ~~عليه ، فلما أصيب المشركون ببدر خرج إلى مكة يحرض على رسول الله ، ثم رجع ~~إلى المدينة يشبب بنساء المسلمين حتى أذاهم ، فقال النبى ، عليه السلام ، ~~عند ذلك : ( من لكعب بن الأشرف ، فإنه قد آذى الله ورسوله ) . قال المهلب : ~~ولم تكن بنو النضير ذمة لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فلم يكن كعب ~~بن الأشرف فى عهد لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، قال : والدليل على ~~ذلك إعلان النبى ، عليه السلام ، بأنه آذى الله ورسوله على رءوس الناس ، ~~وكيف يكون فى عهد من يشكو منه الأذى ، بل كان ممتنعا وقومه فى حصنه ، وكان ~~المسلمون يقنعون منهم بالقعود عن حربهم والتجيش عليهم ، وإنما كانت بينهم ~~مسالمة وموافقة للجيرة . فكان النبى - صلى الله عليه وسلم - يمسك عنهم ~~لإمساكهم عنه من غير عهد ولا عقد ، ولو كان لكعب عهد لنقضه بالأذى ، ولوجب ~~حربه ، ولكان بقوله ، عليه السلام : ( من لكعب بن الأشرف ، فإنه قد آذى ~~الله ورسوله ؟ ) ، نابذا PageV07P027 إليه عهده ، ومسقطا بذلك ذمته ، ولو ~~كان من أهل العهد والذمة لوجب حربه واغتياله بكل وجه . فمن لام النبى ، ~~عليه السلام ، على ذلك ، فقد كذب الله فى قوله : { فتول عنهم فما أنت بملوم ~~} [ الذاريات : 54 ] ، ووضف رسوله - صلى الله عليه وسلم - بما لا يحل له ~~مما نزهه الله عنه ، والله ولى الانتقام منه . وقد تقدم هذا المعنى فى باب ~~الفتك فى الحرب فى كتاب الجهاد ، ولم يجز أن يرهن عند كعب بن الأشرف سلاح ~~ولا شىء مما يتقوى به على أذى المسلمين ، وليس قولهم له : نرهنك اللأمة ، ~~مما يدل على جواز رهن الحربيين السلاح ، وإنما كان ذلك من معاريض الكلام ~~المباحة فى الحرب وغيره . * * * # | 4 - باب الرهن محلوب ومركوب # وقال إبراهيم : تركب الضالة بقدر علفها ، وتحلب بقدر علفها ، والرهن مثله ~~. / 4 - فيه : أبو هريرة ، عن النبى ، عليه السلام ، أنه كان يقول : ( ~~الرهن يركب بنفقته ، ويشرب لبن الدر إذا كان مرهونا ) . / 5 - وقال مرة ، ~~عن النبى ، عليه السلام : ( الظهر يركب بنفقته إذا كان مرهونا ، ولبن الدر ~~يشرب بنفقته ms2252 إذا كان مرهونا ، وعلى الذى يشرب ويركب النفقة ) . قال ابن ~~المنذر : اختلف العلماء فيمن له منفعة الرهن من ركوب الظهر ولبن الدر وغير ~~ذلك ، فقالت طائفة : كل ذلك للراهن ليس للمرتهن أن ينتفع بشىء من ذلك . ~~وروى ذلك عن الشعبى ، PageV07P028 وابن سيرين ، وقال النخعى : كانوا يكرهون ~~ذلك ، وهو قول الشافعى ، فإن للراهن أن يركب الرهن ويشرب لبنه بحق نفقته ~~عليه ، ويأوى فى الليل إلى المرتهن . ورخصت طائفة أن ينتفع المرتهن من ~~الرهن بالركوب والحلب دون سائر الأشياء على لفظ الحديث أن الرهن محلوب ~~ومركوب ، هذا قول أحمد وإسحاق . وقال أبو ثور : إن كان الراهن لا ينفق عليه ~~وتركه فى يد المرتهن فأنفق عليه ، فله ركوبه واستخدامه على ظاهر الحديث . ~~وذكر غير ابن المنذر ، عن الأوزاعى ، والليث مثله ، ولا يجوز عند مالك ، ~~والكوفيين للراهن الانتفاع بالرهن وركوبه بعلفه وغلته لربه . واحتج الطحاوى ~~لأصحابه ، وقال : أجمع العلماء على أن نفقة الرهن على الراهن لا على ~~المرتهن ، وأنه ليس للمرتهن استعمال الرهن ، قال : والحديث مجمل لم يبين ~~فيه الذى يركب ويشرب ، فمن أين جاز للمخالف أن يجعله للراهن دون المرتهن ، ~~ولا يجوز حمله على أحدهما إلا بدليل . قال الطحاوى : وقد روى هشيم ، عن ~~زكريا ، عن الشعبى ، عن أبى هريرة ، عن النبى ، عليه السلام ، قال : ( إذا ~~كانت الدابة مرهونة ، فعلى المرتهن علفها ، ولبن الدر يشرب ، وعلى الذى ~~يشرب نفقتها وتركب ) . فدل هذا الحديث أن المعنى بالركوب وشرب اللبن فى ~~الحديث الأول هو المرتهن لا الراهن ، فجعل ذلك له ، وجعلت النفقة عليه بدلا ~~مما ينقص منه ، وكان هذا ، PageV07P029 والله أعلم ، وقت كون الربا مباحا ، ~~ولم ينه حينئذ عن قرض جر منفعة ، ولا عن أخذ الشىء بالشىء إن كانا غير ~~متساويين ، ثم حرم الربا بعد ذلك ، وحرم كل قرض جر منفعة ، ونهى عن أخذ ~~الشىء بالشىء إن كانا غير متساويين ، وحرمت أشكال ذلك كلها ، وردت الأشياء ~~المأخوذة إلى أبدالها المساوية لها ، وحرم بيع اللبن فى الضرع ، ودخل فى ~~ذلك النهى عن النفقة التى ملك بها المنفق ms2253 لبنا فى الضرع ، وتلك النفقة غير ~~موقوف على مقدارها ، واللبن كذلك أيضا . فارتفع بنسخ الربا أن تجب النفقة ~~على المرتهن بالمنافع التى تجب له عوضا منها ، وباللبن الذى يحتلبه فيشربه ~~. ويقال لمن جوز للراهن استعمال الرهن : أيجوز للراهن أن يرهن دابة هو ~~راكبها ؟ فلا يجد بدا من أن يقول : لا ، فيقال له : فإذا كان الرهن لا يجوز ~~إلا أن يكون محلا بينه وبين المرتهن فيقبضه ويصير فى يده دون الراهن ، كما ~~وصف الله الراهن بقوله : { فرهان مقبوضة } [ البقرة : 283 ] ، فقد ثبت أن ~~دوام القبض فى الرهن لابد منه إذا كان الرهن إنما هو وثيقة فى يد المرتهن ~~بالدين . وقد أجمعت الأمة أن الأمة الرهن لا يجوز للراهن أن يطأها ، فكذلك ~~لا تجوز له خدمتها ، وقد حدثنا فهد ، قال : نا أبو نعيم ، حدثنا الحسن بن ~~صالح ، عن إسماعيل بن أبى خالد ، عن الشعبى ، قال : لا ينتفع من الرهن بشىء ~~، فهذا الشعبى روى الحديث وأفتى بخلافه ، ولا يجوز عليه ذلك إلا وهو عنده ~~منسوخ . PageV07P030 وقال ابن القاسم عن مالك : إذا خلى المرتهن بين الراهن ~~وبين الرهن يركبه أو يعيره أو يسكنه لم يكن رهنا ، فإذا أجره المرتهن بإذن ~~الراهن أو أعاره لم يخرج من الرهن ، والأجرة لرب الرهن ، ولا يكون الكراء ~~رهينة إلا أن يشترط المرتهن ، فإن اشترط فى البيع أن يرتهن ويأخذ حقه من ~~الكراء ، فإن مالكا كرهه ، وإن كان البيع وقع بهذا الشرط إلى أجل معلوم ، ~~فإن ذلك عند مالك يجوز فى الدور والأرضين ، وكرهه فى الدواب والثياب ، إذ ~~لا يدرى كيف يرجع إليه ، وكرهه فى القرض ؛ لأنه يصير سلفا جر منفعة . وقال ~~الكوفيون : إذا أجر المرتهن الرهن بإذن الراهن أو أجره الراهن بإذن المرتهن ~~، فقد خرج من الرهن . وحكم الضالة مخالف لحكم الرهن عند مالك وغيره ، قال ~~مالك : إذا أنفق على الضالة من الإبل والدواب ، فله أن يرجع بذلك على ~~صاحبها إذا جاء ، وإن أنفقها بغير أمر السلطان ، وله أن يحبس ذلك بالنفقة ، ~~إذ لا يقدر على صاحبها ، ولابد ms2254 من النفقة عليها ، والمرتهن يأخذ راهنه ~~بنفقته ، فإن غاب رفع ذلك إلى الإمام . وقال أبو حنيفة والشافعى : إن أنفق ~~بغير أمر القاضى ، فهو متطوع ، وإن أنفق بأمر القاضى ، فهو دين على صاحبها ~~. PageV07P031 * * * # | 5 - باب إذا اختلف الراهن والمرتهن وغيرهما فالبينة على المدعى واليمين ~~على المدعى عليه # / 6 - فيه ابن عباس : أن النبى - صلى الله عليه وسلم - قضى أن اليمين على ~~المدعى عليه . / 7 - وفيه عبد الله : ( من حلف على يمين يستحق بها مالا وهو ~~فيها فاجر ، لقى الله وهو عليه غضبان ) ، فأنزل الله تصديق ذلك : { إن ~~الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا } [ آل عمران : 77 ] الآية ، ~~ثم إن الأشعث بن قيس ، قال : فى نزلت ، كانت بينى وبين رجل خصومة فى بئر ، ~~فاختصمنا إلى النبى ، عليه السلام ، فقال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( ~~شاهداك أو يمينه ) ، قلت : إنه إذا يحلف ولا يبالى ، فقال النبى - صلى الله ~~عليه وسلم - : ( من حلف على يمين . . . ) الحديث ، فأنزل الله الآية . إذا ~~اختلف الراهن والمرتهن فى مقدار الدين والرهن قائم ، فقال الراهن : رهنتك ~~بعشرة دنانير . وقال المرتهن : بعشرين دينارا ، فقال أبو حنيفة ، وأصحابه ، ~~والثورى ، والشافعى ، وأحمد ، وإسحاق ، وأبو ثور : القول قول الراهن مع ~~يمينه ، وقالوا : المرتهن مدع ، فإذا لم تكن له بينة حلف الراهن ؛ لأنه ~~مدعى عليه على ظاهر السنة فى الدعوى لو لم يكن ثم رهن ، ولا يلزم الراهن من ~~الدين إلا ما أقر به ، أو قامت عليه بينة . وفيه قول ثان : وهو أن القول ~~قول المرتهن ، ما لم يجاوز ثمنه قيمة الرهن ، روى هذا عن الحسن وقتادة ، ~~ونحوه قال مالك ، قال : القول قول المرتهن مع يمينه ما بينه وبين قيمة ~~الرهن ؛ لأن الرهن كشاهد للمرتهن إذا أجازه . PageV07P032 وإن ادعى أكثر من ~~قيمة الرهن لم يصدق فى الزيادة ، ويكون القول قول الراهن مع يمينه ، ويبرأ ~~من الزيادة على قيمته ويؤدى قيمته ، وحجته أن الراهن مدع لاستحقاق أخذ ~~الرهن وإخراجه عن يد المرتهن ، والمرتهن منكر أن يكون الراهن مستحقا لذلك ~~بما ذكره ، فاليمين على المرتهن ms2255 ؛ لأن الراهن معترف بكونه رهنا فى يد ~~المرتهن ، والرهن وثيقة بالحق وشاهد له ، كالشهادة أنها وثيقة بالحق ومصدقة ~~له فأشبه اليد ، فصار القول قول من فى يده الرهن إلى مقدار قيمته . وإنما ~~كان القول قول الراهن فيما زاد على قيمة الرهن ؛ لأن المرتهن مدع جملة ما ~~يذكره من الحق ، فعليه أن يحلف على جملة ذلك ، ثم يكون له مما حلف عليه قدر ~~ما يشهد الرهن له من قيمته ، فيكون كالشاهد واليمين ؛ لأن المرتهن لا شهادة ~~له فيما يذكره فيما زاد على قيمة الرهن ، فصار مدعيا لذلك ، والراهن مدعى ~~عليه ، فكان حكم ذلك حكم المدعى والمدعى عليه ، فإما بينة المدعى ، أو يمين ~~المدعى عليه . PageV07P033 * * * # | 43 - كتاب العتق # # | 1 - ما جاء فى العتق وفضله ، وقوله تعالى : { فك رقبة أو إطعام فى يوم ~~ذى مسغبة يتيما ذا مقربة } [ البلد : 13 - 15 ] # / 1 - فيه أبو هريرة ، قال النبى ، عليه السلام : ( أيما رجل أعتق امرأ ~~مسلما استنقذ الله بكل عضو منه عضوا منه من النار . . . ) الحديث . قال ~~المهلب : فى هذا الحديث فضل العتق ، وأنه من أرفع الأعمال ، ومما ينجى الله ~~به من النار ، وفيه أن المجازاة قد تكون من جنس الأعمال ، فجوزى المعتق ~~للعبد بالعتق من النار ، وإن كانت صدقة تصدق عليه فى الآخرة ، وهذا الحديث ~~يبين أن تقويم باقى العبد على من أعتق شقصا منه إنما هو لاستكمال عتق نفسه ~~من النار ، وصارت حرمة العتق تتعدى إلى الأموال لفضل النجاة به من النار ، ~~وهذا أولى من قول من قال : إنما ألزم المعتق باقيه ليكمل حرمة العبد ، وتتم ~~شهادته وحدوده ، وهو قول لا دليل عليه . PageV07P034 * * * # | 2 - باب أى الرقاب أفضل ؟ # / 2 - فيه : أبو ذر ، قال : سألت النبى ، عليه السلام : أى العمل أفضل ؟ ~~قال : ( إيمان بالله ، وجهاد فى سبيله ) ، قلت : فأى الرقاب أفضل ؟ قال : ( ~~أغلاها ثمنا ، وأنفسها عند أهلها ) ، قلت : فإن لم أفعل ؟ قال : ( تعين ~~ضائعا ، أو تصنع لأخرق ) ، قال : فإن لم أفعل ؟ قال : ( تدع الناس من الشر ~~، فإنها صدقة تتصدق بها على نفسك ) . قال المهلب ms2256 : وإنما قرن الجهاد فى ~~سبيل الله بالإيمان به ؛ لأنه كان عليهم أن يجاهدوا فى سبيل الله حتى تكون ~~كلمة الله هى العليا ، وحتى يفشو الإسلام وينتشر ، فكان الجهاد ذلك الوقت ~~أفضل من كل عمل . وقوله : ( أغلاها ثمنا وأنفسها عند أهلها ) ، فمعنى ذلك ~~أن من اشتراها بكثير الثمن ، فإنما فعل ذلك لنفاستها عنده ، ومن أعتق رقبة ~~نفيسة عنده وهو مغتبط بها ، فلم يعتقها إلا لوجه الله ، وهذا الحديث فى ~~معنى قوله : { لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون } [ آل عمران : 92 ] ، ~~وكان لابن عمر جارية يحبها فأعتقها لهذه الآية ، ثم ابتغتها نفسه ، فأراد ~~أن يتزوجها فمنعه بنوه ، فكان بعد ذلك يقرب بنيها من غيره لمكانها من قلبه ~~. وقوله : ( تعين ضائعا ) ، أى تعين فقيرا ، ( أو تصنع لأخرق ) ، يعنى ~~عاملا لا يستطيع عمل ما يحاوله ، والخرق لا يكون إلا فى اليدين ، وهو الذى ~~لا يحسن الصناعات . PageV07P035 * * * # | 3 - باب ما يستحب من العتاقة فى الكسوف والآيات # / 3 - فيه : أسماء ، أمر النبى ، عليه السلام ، بالعتاقة فى كسوف الشمس . ~~قال المهلب : إنما أمر بالعتاقة فى الكسوف ؛ لأن بالعتق يستحق العتق من ~~النار ، والكسوف آية من آيات الله ، قال الله : { وما نرسل بالآيات إلا ~~تخويفا } [ الإسراء : 59 ] ، فلذلك صلى ، عليه السلام ، وأطال الصلاة من ~~أجل الخوف الذى توعد الله عليه فى القرآن ، وأمر بالعتاقة ، وقد تقدم هذا ~~الباب فى صلاة الكسوف . * * * # | 4 - باب إذا أعتق عبدا بين اثنين أو أمة بين شركاء # / 4 - فيه : ابن عمر ، قال النبى ، عليه السلام : ( من أعتق عبدا بين ~~اثنين ، فإن كان موسرا قوم عليه ثم يعتق ) . / 5 - وقال مرة : ( قوم عليه ~~بقيمة العدل ، فأعطى شركاءه حصصهم ، وأعتق عليه العبد ، وإلا فقد عتق منه ~~ما عتق ) . وقال : كان ابن عمر يفتى فى العبد والأمة تكون بين الشركاء بذلك ~~. اختلف الفقهاء فى العبد إذا كان بين رجلين ، فأعتق أحدهما نصيبه ، فقالت ~~طائفة : لا يجب عليه الضمان بقيمة نصيب شريكه لعتاقه إلا أن يكون موسرا على ~~ظاهر حديث ابن عمر ، قالوا : وإنما فى حديث ms2257 ابن عمر وجوب الضمان على الموسر ~~خاصة دون المعسر ، يدل على ذلك قوله ، عليه السلام : ( وإلا فقد عتق منه ما ~~عتق ) ، هذا قول ابن أبى ليلى ، ومالك ، والثورى ، وأبى يوسف ، ومحمد ، ~~والشافعى . PageV07P036 وقال زفر : يضمن قيمة نصيب شريكه موسرا كان أو ~~معسرا ، ويخرج العبد كله حرا ، وقال : العتق من الشريك الموسر جناية على ~~نصيب شريكه يجب بها عليه ضمان قيمته فى ماله ، ومن جنى على مال رجل وهو ~~موسر أو معسر ، وجب عليه ضمان ما أتلف بجنايته ، ولم يفترق حكمه إن كان ~~موسرا أو معسرا فى وجوب الضمان عليه . وهذا قول مخالف للحديث ، فلا وجه له ~~؛ لأن قوله ، عليه السلام : ( وإلا فقد عتق منه ما عتق ) ، دليل أن ما بقى ~~من العبد لم يدخله عتاق ، فهو رقيق للذى لم يعتق على حاله ، ولو فقد العتق ~~فى الكل إذا كان معسرا يرجع الشريك إلى ذمة غير ملية ، فلا يحصل له عوض ، ~~وفى هذا إضاعة المال وإتلاف له ، وقد نهى عن ذلك . واختلفوا فى معنى هذا ~~الحديث ، فقال مالك فى المشهور عنه : للشريك أن يعتق نصيبه قبل التقويم كما ~~أعتق شريكه أولا ، ويكون الولاء بينهما ، ولا يعتق نصيب الشريك إلا بعد ~~التقويم وأداء القيمة . وقال أبو يوسف ، ومحمد ، والشافعى : إن كان المعتق ~~الأول موسرا أعتق جميع العبد حينئذ وكان حرا ، ولا سبيل للشريك على العبد ، ~~وإنما له قيمة نصيبه على شريكه كما لو قتله ، قالوا : لأن النبى - صلى الله ~~عليه وسلم - قال : ( من أعتق شقصا له فى عبد قوم عليه قيمة عدل ثم يعتق إن ~~كان موسرا ) . فأمر بالتقويم للذى يكون فى الشىء المتلف ، فعلم أنه إذا ~~PageV07P037 أعتق نصيبه فقد أتلف نصيب شريكه بالعتق ، فلزمته القيمة ، وقد ~~روى مثله عن مالك . والحجة لمالك فى مشهور مذهبه أن نصيب كل واحد من ~~الشريكين غير تابع لنصيب صاحبه ، والدليل على ذلك أنه لو باع أحدهما نصيبه ~~لم يصر نصيب شريكه مبيعا ، فكذلك لا يصير نصيب شريكه حرا بعتق نصيبه . ~~وأيضا فإنه لو أعتق نصيب ms2258 شريكه ابتداء لم يعتق ، وكذلك يجب إذا ابتدأ عتق ~~نصيب شريكه أن ينعتق ، وينعتق نصيبه بعتق نصيب شريكه ، فلما لم يكن نصيبه ~~هاهنا تبعا ولا سرى إليه العتق ، كذلك لا يكون نصيب شريكه تبعا لنصيبه ولا ~~يسرى إليه العتق ، واحتج مالك فى المدونة ، فقال : ألا ترى أنه لو مات ~~العبد قبل التقويم لم يلزم المعتق الأول شىء . * * * # | 5 - باب إذا أعتق نصيبا فى عبد وليس له مال استسعى العبد غير مشقوق ~~عليه نحو الكتابة # / 6 - فيه أبو هريرة : قال النبى ، عليه السلام : ( من أعتق شقصا فى عبد ~~، فخلاصه عليه فى ماله إن كان له مال ، وإلا قوم عليه ، واستسعى به غير ~~مشقوق عليه ) . رواه جرير بن حازم ، وسعيد ، عن قتادة ، وتابعه حجاج بن ~~حجاج ، وأبان ، وموسى ابن خلف ، عن قتادة ، واختصره شعبة . PageV07P038 ~~اختلف العلماء فى العبد بين الرجلين يعتق أحدهما نصيبه وهو معسر ، فذهب ~~الكوفيون ، والثورى ، والأوزاعى إلى أنه إذا كان المعتق معسرا ، سعى العبد ~~فى حصة شريكه حتى يؤدى قيمتها ، واحتجوا بهذا الحديث . وقال آخرون : لا ~~يعتق منه إلا ما عتق ، ولا يجوز أن يستسعى العبد ؛ لأنه لم يتعد ولا جنى ما ~~يجب عليه ضمانه ولا يؤخذ أحد بجناية غيره ، هذا قول مالك ، والشافعى ، ~~وأحمد ابن حنبل . وقوله ، عليه السلام ، فى حديث ابن عمر : ( وإلا فقد عتق ~~منه ما عتق ) ، يبطل الاستسعاء ؛ لأنه لم يقل : ويستسعى العبد ، وقد روى ~~همام ، وشعبة ، وهشام الدستوائى هذا الحديث عن قتادة ، ولم يذكر فيه ~~السعاية ، حدثنا المهلب ، قال : حدثنا أبو محمد الأصيلى ، قال : حدثنا أبو ~~الحسن الدارقطنى ، قال : حدثنا أبو بكر النيسابورى ، قال : حدثنا على بن ~~الحسن بن أبى عيسى الهلالى ، حدثنا عبد الله بن يزيد المقرئ ، حدثنا همام ~~بن يحيى ، عن قتادة ، عن النضر بن أنس ، عن بشير بن نهيك ، عن أبى هريرة ، ~~أن رجلا أعتق شقصا له فى مملوك ، فأجاز النبى - صلى الله عليه وسلم - عتقه ~~وغرمه بقيمة ثمنه . قال قتادة : فإن لم يكن له مال استسعى العبد غير مشقوق ~~عليه ms2259 . قال الدارقطنى : ما أحسن ما رواه همام وضبطه فصل قول قتادة . قال ~~الأصيلى وابن القصار : ومن أسقط السعاية أولى ممن ذكرها ؛ PageV07P039 لما ~~رواه عمران بن الحصين ، عن النبى ، عليه السلام ، فى الذى أعتق الستة ~~الأعبد ، فأسهم النبى ، عليه السلام ، بينهم ، فأعتق اثنين وأرق أربعة ، ~~ولم يلزمهم الاستسعاء . وعلى مذهب أبى حنيفة كان يجب أن يعتق من كل واحد ~~جزءا ويلزمه السعاية فى قيمة الباقى منه ، والنبى ، عليه السلام ، أقرع ~~بينهم فأعتق اثنين منهم ، وهذا مخالف لما يقوله أبو حنيفة . * * * # | 6 - باب الخطأ والنسيان فى العتاقة والطلاق ونحوه ولا عتاقة إلا لوجه ~~الله # قال النبى عليه السلام : ( لكل امرئ ما نوى ) ، ولا نية للناسى والمخطئ . ~~/ 7 - وفيه : أبو هريرة ، قال : قال النبى ، عليه السلام : ( إن الله تجاوز ~~لى عن أمتى ما وسوست به صدورها ما لم تعمل به أو تكلم ) . / 8 - وفيه : عمر ~~، قال النبى ، عليه السلام : ( الأعمال بالنيات ، ولكل امرئ ما نوى . . . ) ~~الحديث . الخطأ والنسيان إنما يكون فى الحنث فى الأيمان بعتق كانت اليمين ~~أو بطلاق أو غيره ، وقد اختلف العلماء فى الناسى فى يمينه ، هل يلزمه حنث ~~أم لا ؟ فقالت طائفة : لا يلزم الناسى حنث ، وهو قول عطاء بن أبى رباح ، ~~وهو أحد قولى الشافعى ، وبه قال إسحاق ، وإليه ذهب البخارى فى هذا الباب . ~~وقال الشعبى وطاوس : من أخطأ فى الطلاق فله نيته . وقال أحمد بن حنبل : ~~يحنث فى الطلاق خاصة . والحجة لقول عطاء : قوله PageV07P040 تعالى : { وليس ~~عليكم جناح فيما أخطأتم به ولكن ما تعمدت قلوبكم } [ الأحزاب : 5 ] ، وهو ~~ظاهر أحاديث هذا الباب . وذهب مالك ، والكوفيون إلى أنه يحنث فى الخطأ ~~والنسيان ، وهو الأشهر عن الشافعى ، وروى ذلك عن أصحاب ابن مسعود ، وقد ~~تقدم فى كتاب الأيمان والنذور اختلاف أهل العلم فيمن حنث ناسيا فى يمينه ، ~~فأغنى عن إعادته . ومن الخطأ فى العتق والطلاق ما اختلف فيه ابن القاسم ~~وأشهب أنه إذا دعا عبدا يقال له : ناصح ، فأجابه مرزوق ، فقال له : أنت حر ~~، وهو يظن أنه ناصح ، وشهد عليه ms2260 بذلك ، فقال ابن القاسم : يعتقان جميعا ، ~~يعتق مرزوق لمواجهته بالعتق ، ويعتق ناصح بما نواه ، وأما فيما بينه وبين ~~الله ، فلا يعتق إلا ناصح . قال ابن القاسم : فإن لم يكن عليه بينة لم يعتق ~~إلا الذى نوى . وقال أشهب : يعتق مرزوق فيما بينه وبين الله ، وفيما بينه ~~وبين العباد ، ولا يعتق ناصح ؛ لأنه دعاه ليعتقه فأعتق غيره وهو يظنه هو ، ~~فرزق هذا وحرم هذا . وروى مطرف ، وابن الماجشون فيمن أراد أن يطلق امرأته ~~واحدة فأخطأ لسانه فطلقها البتة ، طلقت عليه البتة ، ولا ينفعه ما أراد ، ~~ولا نية له فى ذلك . وهو قول مالك ، قال : يؤخذ الناس بلفظهم فى الطلاق ، ~~ولا تنفعهم نياتهم . وقال أصبغ ، عن ابن القاسم : وعلى هذا القول يكون ~~PageV07P041 تأويل قوله ، عليه السلام : ( الأعمال بالنيات ) ، على الخصوص ~~كأنه قال : الأعمال بالنيات إلا فى العتق والطلاق ، فإن الأعمال فيهما ~~بالأقوال والنيات ، فمن ادعى الخطأ بلسانه فيهما ، فإثم ذلك ساقط عنه ، وهو ~~مأخوذ بما نطق به لسانه حياطة للفروج وتحصينا لها من الإقدام على وطئها ~~بالشك ، واحتياطا من الرجوع فى عتق الرقاب المنجية من النار التى أمر النبى ~~، عليه السلام ، للمعتق شقصا منها بتمام عتق جميع الرقبة وتخليصها من الرق ~~، وروى نافع ، وزياد بن عبد الرحمن ، عن مالك ، أنه تنفعه نيته ، ولا تطلق ~~إلا واحدة . وقد روى عن الحسن البصرى فى رجل كان يكلم امرأته فى شىء فغلط ، ~~فقال : أنت طالق ، قال : ليس عليه شىء فيما بينه وبين ربه ، والمعمول عليه ~~من مذهب مالك المشهور عند أصحابه القول الأول . * * * # | 7 - باب إذا قال للعبد : هو لله ونوى العتق والإشهاد فى العتق # / 9 - فيه : أبو هريرة : لما أقبل يريد الإسلام ومعه غلامه ، ضل كل واحد ~~منهما من صاحبه ، فأقبل بعد ذلك ، وأبو هريرة جالس مع النبى ، عليه السلام ~~، فقال له النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( يا أبا هريرة ، هذا غلامك قد ~~أتاك ) ، فقال : أما إنى أشهدك أنه حر . PageV07P042 وقال مرة : أبقى لى ~~غلام . . . الحديث ، فقال : ( هو لوجه الله ) ، وقال مرة : أما إنى ms2261 أشهدك ~~أنه لله . قال المهلب : لا خلاف بين العلماء فيما علمت أنه إذا قال لعبده : ~~هو حر ، أو هو لوجه الله ، أو هو لله ونوى به العتق أنه يلزمه العتق ، وكل ~~ما يفهم به عن المتكلم أنه أراد به العتق لزمه ونفذ عليه ، وأما الإشهاد فى ~~العتق فهو من حقوق المعتق ، ويتم العتق عند الله ، وجميع ما يراد به وجهه ~~بالقول والنية ، وإن لم يكن ثم إشهاد ، وقد قالت امرأة عمران : { رب إنى ~~نذرت لك ما فى بطنى محررا } [ آل عمران : 35 ] ، أى محررا لخدمة المسجد ، { ~~فتقبلها ربها بقبول حسن } [ آل عمران : 37 ] ، فتم ما نذرته بدعوتها الله ، ~~وقبل الله ذلك منها ، فكان ما فى بطنها موقوفا لما نذرته له من خدمة المسجد ~~، ولم تشهد غير الله تعالى . وفى هذا الحديث من الفقه العتق عند بلوغ الأمل ~~والنجاة مما يخاف من الفتن والمحن ، كما فعل أبو هريرة حين نجاه الله من ~~دار الكفر ، ومن ضلاله فى الليل عن الطريق ، وأعتق الغلام حين جمعه الله ~~عليه وهداه إلى الإسلام . * * * # | 8 - باب أم الولد # وقال أبو هريرة ، عن النبى ، عليه السلام : ( من أشراط الساعة أن تلد ~~الأمة ربها ) . PageV07P043 / 10 - فيه : عائشة ، قالت : كان عتبة بن أبى ~~وقاص عهد إلى أخيه سعد بن أبى وقاص أن يقبض إليه ابن وليدة زمعة ، قال عتبة ~~: إنه ابنى ، فلما قدم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - زمن الفتح ، أخذ ~~سعد ابن وليدة زمعة ، فأقبل به إلى النبى - صلى الله عليه وسلم - ، وأقبل ~~معه بعبد بن زمعة ، فقال سعد : يا رسول الله ، هذا ابن أخى عهد إلى أنه ~~ابنه ، فقال عبد بن زمعة : يا رسول الله ، هذا أخى ابن وليدة زمعة ولد على ~~فراش أبى ، فنظر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى ابن وليدة زمعة ، ~~فإذا هو أشبه الناس به ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( هو لك ~~يا عبد بن زمعة ، من أجل أنه ولد على فراش أبيه ) ، قال رسول الله - صلى ~~الله عليه ms2262 وسلم - : ( احتجبى منه يا سودة بنت زمعة ) ، مما رأى من شبهه ~~بعتبة ، وكانت سودة زوج النبى - صلى الله عليه وسلم - . أشكل معنى قصة عتبة ~~على العلماء ، وتأولوا فيها ضروبا من التأويل لخروجها عن الأصول المجمع ~~عليها ، فمن ذلك أن الأمة متفقة أنه لا يدعى أحد عن أحد إلا بتوكيل من ~~المدعى له ، ولم يذكر فى هذا الحديث توكيل عتبة لأخيه سعد على ما ادعاه عنه ~~، ومنها ادعاء عبد بن زمعة على أبيه ولدا بقوله : أخى وابن وليدة أبى ، ولد ~~على فراشه ، ولم يأت ببينة تشهد بإقرار أبيه ، ولا يجوز أن يقبل دعواه على ~~أبيه ؛ لأنه لا يستلحق غير الأب ؛ لقوله تعالى : { ولا تكسب كل نفس إلا ~~عليها } [ الأنعام : 164 ] . وقال الطحاوى : ذهب قوم إلى أن الأمة إذا ~~وطئها مولاها فقد لزمه كل ولد تجىء به بعد ذلك ، ادعاه أو لم يدعه ، هذا ~~قول مالك والشافعى ، واحتجوا بهذا الحديث ؛ لأن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - قال : ( هو لك يا عبد بن زمعة ) ، ثم قال : ( الولد للفراش وللعاهر ~~الحجر ) ، فألحقه PageV07P044 رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بزمعة لا ~~لدعوة ابنه ؛ لأن دعوة الابن للنسب لغيره من أبيه غير مقبولة ، ولكن لأن ~~أمه كانت فراشا لزمعة بوطئه إياها . واحتجوا فى ذلك بما رواه مالك ، عن ~~نافع ، عن صفية بنت أبى عبيد ، أن عمر بن الخطاب قال : ما بال رجال يطئون ~~ولائدهم ثم يدعونهن يخرجن ، لا تأتينى وليدة يقر سيدها أن قد ألم بها إلا ~~ألحقت به ولدها ، فأرسلوهن بعد أو أمسكوهن . وفى حديث آخر : ما بال رجال ~~يطئون ولائدهم ، ثم يعزلونهن . وخالفهم فى ذلك آخرون ، فقالوا : ما جاءت به ~~هذه الأمة من ولد ، فلا يلزم مولاها إلا أن يقربه ، فإن مات قبل أن يقربه ~~لم يلزمه . وهو قول الكوفيين . واحتجوا على ذلك بأن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - إنما قال لعبد بن زمعة : ( هو لك يا عبد بن زمعة ) ، ولم يقل : ~~هو أخوك ، فيجوز أن يكون أراد بقوله : ( هو لك ) ، أى ms2263 هو مملوك لك بحق مالك ~~عليه من اليد ، ولم يحكم فى نسبه بشىء ، والدليل على ذلك أنه قد أمر سودة ~~بالاحتجاب منه ، فلو جعله ابن زمعة لما حجب منه بنت زمعة ؛ لأنه عليه ~~السلام لا يأمر بقطع الأرحام ، وإنما كان يأمر بصلتها ومن صلتها التزاور ، ~~وكيف يجوز أن يأمرها أن تحتجب من أخيها ، وهو يأذن لعائشة أن تأذن لعمها من ~~الرضاعة بالدخول عليها ، ولكن وجه ذلك أنه لم يكن حكم فيه بشىء غير اليد ~~التى جعله بها لعبد ولسائر ورثة زمعة دون سعد . واحتجوا أيضا بما رواه شعبة ~~، عن عمارة بن أبى حفصة ، عن عكرمة ، PageV07P045 قال : كان ابن عباس يأتى ~~جارية له فحملت ، فقال : ليس منى ، إنى أتيتها إتيانا لا أريد به الولد . ~~وروى الثورى ، عن أبى الزناد ، عن خارجة بن زيد ، أن أباه كان يعزل عن ~~جارية فارسية فأتت بحمل ، فأنكره وقال : إنى لم أكن أريد ولدك ، وإنما ~~استطبت نفسك ، فجلدها وأعتقها . وقول ابن عباس وزيد خلاف ما روى عن عمر بن ~~الخطاب فى ذلك أهل المقالة الأولى . واختلفوا فى معنى قوله ، عليه السلام : ~~( هو لك يا عبد بن زمعة ) ، فقالت طائفة : إنما قال : ( هو لك ) ، أى هو ~~أخوك كما ادعيت قضاء منه فى ذلك بعلمه ؛ لأن زمعة بن قيس كان صهره ، عليه ~~السلام ، وسودة بنت زمعة كانت زوجته ، فيمكن أن يكون علم أن تلك الأمة كان ~~يمسها زمعة ، فألحق ولدها به لما علمه من فراش زمعة لا أنه قضى بذلك ~~لاستلحاق عبد بن زمعة له . وقال الطحاوى فى قوله : ( هو لك ) ، أى هو لك ~~بيدك عليه لا أنك تملكه ، ولكن تمنع منه كل من سواك ، كما قال فى اللقطة : ~~هى لك بيدك عليها ، تدفع غيرك عنها حتى يجىء صاحبها ليس على أنها ملك لك ، ~~ولما كان عبد بن زمعة له شريك فيما ادعاه وهى أخته سودة ، ولم يعلم منها ~~تصديق له ، ألزم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عبد بن زمعة ما أقر به ~~على نفسه ، ولم يجعل ms2264 ذلك حجة على أخته ، إذ لم تصدقه ، ولم يجعله أخاها ~~وأمرها بالحجاب منه . وقال الطبرى : هو لك ملك لا أنه قضى له بنسبه . قال ~~ابن PageV07P046 القصار : فعنه جوابان : أحدهما : أنه كان يدعى عبد بن زمعة ~~أنه حر وأنه أخوه ولد على فراش أبيه ، فكيف يقضى له بالملك ؟ ولو كان ~~مملوكا لعتق بهذا القول . والجواب الثانى : أنه لو قضى له بالملك لم يقل : ~~الولد للفراش ؛ لأنه المملوك لا يلحق بالفراش ، ولكان يقول : هو ملك لك . ~~وقال المزنى فى تأويل هذا الحديث : يحتمل أن يكون النبى - صلى الله عليه ~~وسلم - أجاب فيه على المسألة فأعلمهم بالحكم أن هذا يكون إذا ادعى صاحب ~~فراش وصاحب زنا ، لا أنه قبل قول سعد على أخيه عتبة ، ولا على زمعة قول ~~ابنه عبد بن زمعة أنه أخوه ؛ لأنه كل واحد منهما أخبر عن غيره ، وقد أجمع ~~المسلمون أنه لا يقبل إقرار أحد على غيره ، فحكم بذلك ليعرفهم كيف الحكم فى ~~مثله إذا نزل ، وقد حكى الله مثل ذلك فى قصة داود إذ دخلوا عليه ففزع منهم ~~: { فقالوا لا تخف خصمان بغى بعضنا على بعض } [ ص : 22 ] ، ولم يكونا خصمين ~~، ولا كان لواحد منهما تسع وتسعون نعجة ، ولكنهم كلموه ليعرف ما أرادوا ، ~~فيحتمل أن يكون ، عليه السلام ، حكم فى هذه القصة بنحو ذلك ، ويحتمل أن ~~تكون سودة جهلت ما علم أخوها عبد بن زمعة فسكتت ، فلما لم يصح أنه أخ لعدم ~~البينة بذلك أو الإقرار ممن يلزم إقراره ، وزاده بعدا شبهه بعتبة ، أمرها ~~بالاحتجاب منه ، فكان جوابه ، عليه السلام ، على السؤال لا على تحقيقه زنا ~~عتبة بقول أخيه ، ولا بالولد أنه لزمعة بقول ابنه ، بل قال : ( الولد ~~للفراش على قولك يا عبد بن زمعة لا على ما قال سعد ) ، ثم أخبر بالذى يكون ~~إذا ثبت مثل هذا . PageV07P047 وقال الكوفيون : قوله : ( احتجبى منه يا ~~سودة ) ، دليل على أنه جعل للزنا حكما ، فحرم به رؤية ذلك المستلحق لأخته ~~سودة ، وقال لها : ( احتجبى منه ) ، فمنعها من أخيها فى الحكم ؛ لأنه ms2265 ليس ~~بأخيها فى غير الحكم ؛ لأنه من زنا فى الباطن إذا كان شبيها بعتبة فجعلوه ~~كأنه أجنبى لا يراها بحكم الزنا ، وجعلوه أخاها بالفراش ، وزعموا أن ما ~~حرمه الحلال فالزنا أشد تحريما له . وقال الشافعى : رؤية ابن زمعة لسودة ~~مباح فى الحكم ، ولكنه كرهه للشبهة وأمرها بالتنزه عنه اختيارا . وقال بعض ~~أصحابه : إنه يجوز للرجل أن يمنع زوجته من رؤية أخيها ، وذهبوا إلى أنه ~~أخوها على كل حال ؛ لأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قضى بالولد ~~للفراش وألحق ابن أمة زمعة بفراش زمعة ، قالوا : وما حكم به فهو الحق . وفى ~~قوله : ( الولد للفراش ) ، من الفقه إلحاق الولد بصاحب الفراش فى الحرة ~~والأمة . وقوله : ( وللعاهر الحجر ) ، أى لا شىء للزانى فى الولد إذا ادعاه ~~صاحب الفراش ، وهذه كلمة تقولها العرب . * * * # | 9 - باب بيع المدبر # / 11 - فيه : جابر ، قال : أعتق رجل منا عبدا له عن دبر ، فدعا النبى - ~~صلى الله عليه وسلم - به فباعه . قال جابر : فمات الغلام عام أول . ~~PageV07P048 اختلف العلماء فى بيع المدبر ، فقالت طائفة : يجوز بيعه ويرجع ~~به صاحبه متى شاء ، هذا قول مجاهد وطاوس ، وبه قال الشافعى ، وأحمد ، ~~وإسحاق ، وأبو ثور ، واحتجوا بهذا الحديث ، قالوا : وهو مذهب عائشة ، وروى ~~عنها أنها باعت مدبرة لها سحرتها . وقالت طائفة : لا يجوز بيع المدبر ، روى ~~ذلك عن زيد بن ثابت وابن عمر ، وهو قول الشعبى ، وسعيد بن المسيب ، وابن ~~أبى ليلى ، والنخعى ، وبه قال مالك ، والثورى ، والليث ، والكوفيون ، ~~والأوزاعى ، قالوا : لا يباع المدبر فى دين ولا غيره ، فى الحياة ولا بعد ~~الموت ، والحجة لهم قوله تعالى : { أوفوا بالعقود } [ المائدة : 1 ] ، ~~والتدبير عقد طاعة يلزم الإنسان الوفاء به ، فلا سبيل إلى حله والرجوع فيه ~~؛ لأنه عقد حرية بصيغة آتية لا محالة ، قالوا : ولا حجة فى حديث جابر لمن ~~أجاز بيع المدبر ؛ لأن فى الحديث أن سيده كان عليه دين فباعه رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - بثمانمائة وأعطاه ، وقال له : ( اقض دينك ) ، فثبت ~~بهذا أن بيعه إنما كان من أجل الدين ms2266 الذى عليه ، فأما إذا لم يكن عليه دين ~~قبل تدبيره فلا سبيل إلى بيعه . وأيضا فإن سيده كان سفيها ، ولذلك باعه ~~النبى ، عليه السلام ، وبيع المدبر عند من أجازه لا يفتقر صاحبه فيه إلى ~~بيع الإمام ، وهذا الحديث عند العلماء أصل فى أن أفعال السفيه مردودة ، فلا ~~حجة لهم فيه . فإن قيل : إن التدبير وصية يجوز الرجوع فيه ، قيل : ليس كونه ~~PageV07P049 وصية يجوز الرجوع فيه ؛ لأن العتق فى المرض لا يجوز الرجوع فيه ~~، وإن كان يخرج من الثلث ، فكذلك المدبر . وجمهور العلماء متفقون أن ولد ~~المدبرة الذين تلدهم بعد التدبير بمنزلتها يعتقون بموت سيدها ، فإذا كان ~~التدبير يسرى إلى الولد ، فلأن يلزم فى الأم أولى . قال الطبرى : وفيه أن ~~للإمام القيم بأمور المسلمين أن يحملهم فى أموالهم على ما فيه صلاحهم ، ~~ويرد من أفعالهم ما فيه مضرة لهم . * * * # | 10 - باب بيع الولاء وهبته # / 12 - فيه : ابن عمر ، نهى النبى ، عليه السلام ، عن بيع الولاء ، وعن ~~هبته . / 13 - وفيه : عائشة ، اشتريت بريرة ، فاشترط أهلها ولاءها ، فذكرت ~~ذلك للنبى - صلى الله عليه وسلم - ، فقال : ( أعتقيها ، فإن الولاء لمن ~~أعطى الورق ) ، فأعتقتها ، فدعاها النبى - صلى الله عليه وسلم - فخيرها من ~~زوجها . . . الحديث . الفقهاء بالعراق والحجاز مجمعون على أنه لا يجوز بيع ~~الولاء ولا هبته . قال ابن المنذر : وفيه قول ثان : روى أن ميمونة بنت ~~الحارث وهبت ولاء مواليها بنى العباس ، وولاؤهم اليوم لهم ، وأن عروة ابتاع ~~ولاء طهمان لورثة مصعب بن الزبير ، وذكر عبد الرزاق عن عطاء أنه يجوز للسيد ~~أن يأذن لعبده أن يوالى من شاء ، وهذا هو هبة الولاء . PageV07P050 وسأذكر ~~هذه المسألة فى باب إثم من تبرأ من مواليه فى كتاب الفرائض إن شاء الله . ~~وقد روى إسماعيل بن أمية ، عن نافع ، عن ابن عمر ، عن النبى - صلى الله ~~عليه وسلم - أنه قال : ( الولاء لحمة كالنسب ) ، وقد أجمع العلماء أنه لا ~~يجوز تحويل النسب ، وقد نسخ الله المواريث بالتبنى بقوله تعالى : { ادعوهم ~~لآبائهم هو أقسط عند الله فإن لم تعلموا آباءهم ms2267 فإخوانكم فى الدين ومواليكم ~~} [ الأحزاب : 5 ] . وقد لعن النبى - صلى الله عليه وسلم - من انتسب إلى ~~غير أبيه وانتمى إلى غير مواليه ، فكان حكم الولاء كحكم النسب فى ذلك ، ~~فكما لا يجوز بيع النسب ولا هبته ، فكذلك لا يجوز بيع الولاء ولا هبته ، ~~ولا نقله وتحويله ، وإنه للمعتق كما قال ، عليه السلام ، وهذا ينفى أن يكون ~~الولاء الذى يسلم على يديه وللملتقط ، وسيأتى اختلاف العلماء فى ذلك فى ~~كتاب الفرائض ، إن شاء الله . * * * # | 11 - باب عتق المشرك # / 14 - فيه : عروة ، أن حكيم بن حزام أعتق فى الجاهلية مائة رقبة ، وحمل ~~على مائة بعير ، فلما أسلم حمل على مائة بعير ، وأعتق مائة رقبة ، قال : ~~وسألت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فقلت : يا رسول الله ، أرأيت ~~أشياء كنت أصنعها فى الجاهلية كنت أتحنث بها ، يعنى أتبرر بها ، قال : فقال ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( أسلمت على ما سلف لك من خير ) . أما ~~عتق المشرك على وجه التطوع ، فلا خلاف بين العلماء فى PageV07P051 جوازه ، ~~وهذا الحديث حجة فى ذلك ؛ لأن الرسول - صلى الله عليه وسلم - قد جعل عتق ~~المائة رقبة فى الجاهلية من أفعال الخير المجازى بها عند الله المتقرب بها ~~إليه ، ودل ذلك على أن مسلما لو أعتق كافرا لكان مأجورا على عتقه ؛ لأن ~~حكيما إنما جعل له الأجر على ما فعل فى جاهليته بالإسلام الذى صار إليه ، ~~فلم يكن المسلم الذى فعل مثل فعله فى الإسلام بدون حال حكيم ، بل هو أولى ~~بالأجر . واختلف فى عتق المشرك فى كفارة اليمين وكفارة الظهار ، فأجازه قوم ~~، وقالوا : لما أطلق اللفظ فى عتق رقبة الظهار وكفارة اليمين ، ولم يشترط ~~فيها الإيمان ، جاز فى ذلك المشرك . ومنع ذلك آخرون ، وقالوا : لا يجوز فى ~~شىء من الكفارات إلا عتق رقبة مؤمنة ، واستدلوا على ذلك بقوله تعالى فى ~~كفارة القتل : { فتحرير رقبة مؤمنة } [ النساء : 92 ] ، فقيد الرقبة ~~بالإيمان ، قالوا : فوجب حمل المطلق على المقيد إذا كان فى معناه ، وهذا فى ~~معناه ؛ لأن الكفارة تجمع ذلك ms2268 ، واحتجوا على ذلك بأن الله أمر بالإشهاد عند ~~التبايع ، فقال : { وأشهدوا إذا تبايعتم } [ البقرة : 282 ] ، ثم قيد ذلك ~~بالعدالة فى موضع آخر بقوله : { وأشهدوا ذوى عدل منكم } [ الطلاق : 2 ] ، و ~~{ ممن ترضون من الشهداء } [ البقرة : 282 ] ، فلم يجز من الشهداء إلا ~~العدول ، فوجب حمل المطلق على المقيد . PageV07P052 * * * # | 12 - باب إذا أسر أخو الرجل أو عمه هل يفادى إذا كان مشركا ؟ # وقال أنس : قال العباس للنبى - صلى الله عليه وسلم - : فاديت نفسى ، ~~وفاديت عقيلا ، وكان على له نصيب فى تلك الغنيمة التى أصاب من أخيه عقيل ، ~~ومن عمه العباس . / 15 - فيه : أنس ، أن رجالا من الأنصار استأذنوا رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - ، فقالوا : ائذن لنا فلنترك لابن أختنا العباس ~~فداه ، فقال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( لا تدعون منه درهما ) . قال ~~المهلب : أسر العباس وعقيل مع من أسر يوم بدر ، فأخذ فيهم النبى - صلى الله ~~عليه وسلم - برأى أبى بكر الصديق فى استحيائهم ، وكره استعبادهم ، وأباح ~~لهم أن يفادوا أنفسهم بالمال من ذلة العبودية ، فقطع كل واحد على نفسه بعدد ~~من المال ، وقطع العباس بفدائه ، وفدى ابن أخيه عقيل ، فأراد الأنصار أن ~~يتركوا فداء العباس إكراما للنبى - صلى الله عليه وسلم - لمكان عمومته له ، ~~وللرحم التى تمسهم به فى الخئولة ، فقال لهم : ( لا تدعوا منه درهما ) ، ~~أراد أن يوهنهم بالغرم ويضعفهم ، وقد تقدم هذا المعنى فى كتاب الجهاد فى ~~باب فداء المشركين . وإنما ذكر البخارى هذا فى كتاب العتق ، فأنه استنبط ~~منه أن العم وابن العم لا يعتقان على من ملكهما من ذوى رحمهما ؛ لأن النبى ~~- صلى الله عليه وسلم - قد PageV07P053 ملك من عمه العباس ومن ابن عمه عقيل ~~بالغنيمة التى له فيها نصيب ، وكذلك ملك على بن أبى طالب من عمه العباس ، ~~ومن أخيه عقيل المشركين فى ذلك الوقت بنصيبه من الغنيمة ، ولم يعتقا عليه ، ~~وهذا حجة على من قال من السلف : أنه من ملك ذا رحم محرم أنه يعتق عليه ، ~~وهو قول الكوفيين . وفيه حجة للشافعى فى قوله ms2269 : إنه لا يعتق الأخ على من ~~ملكه ؛ لأن عقيلا كان أخا على ابن أبى طالب ، ولم يعتق عليه بما ملك من ~~نصيبه منه . وأما تلخيص مذاهب العلماء فيمن يعتق على الرجل إذا ملكه ، فذهب ~~مالك أنه لا يعتق عليه إلا أهل الفرائض فى كتاب الله ، وهم : الولد ذكورهم ~~وإناثهم ، وولد الولد وإن سفلوا ، وأبواه ، وأجداده ، وجداته من قبل الأب ~~والأم وإن بعدوا ، وإخوته لأبوين ، أو لأب ، أو لأم ، وبه قال الشافعى ، ~~إلا فى الإخوة فإنهم لا يعتقون على ما تقدم فى هذا الباب . وقال الكوفيون : ~~من ملك ذا رحم محرم أنه يعتق عليه . وروى ذلك عن عمر بن الخطاب ، وابن ~~مسعود ، وعن عطاء ، والشعبى ، والحسن ، والحكم ، والزهرى ، وحجة هذا القول ~~ما رواه ضمرة ، عن الثورى ، عن عبد الله بن دينار ، عن ابن عمر ، عن النبى ~~، عليه السلام : ( من ملك ذا رحم محرم فهو حر ) ، ورواه الحسن ، عن سمرة ، ~~عن النبى ، عليه السلام . وقال ابن المنذر : قد تكلم الناس فى هذين ~~الحديثين ، فقالوا : لم يرو حديث ابن عمر عن PageV07P054 الثورى غير ضمرة ، ~~وحديث الحسن ، عن سمرة ، وقد تكلم فيهما وليس منهما ثابت . والحجة لمالك ~~أنه لا يجوز ملك الأخ وأنه يعتق على من ملكه قوله تعالى حكاية عن موسى : { ~~رب إنى لا أملك إلا نفسى وأخى } [ المائدة : 25 ] ، وكما لا يجوز أن يسترق ~~نفسه ، كذلك لا يجوز أن يسترق أخاه وحجة الجميع فى أنه لا يجوز ملك الأبوين ~~قوله تعالى : { ولا تقل لهما أف ولا تنهرهما } [ الإسراء : 23 ] ، ~~واسترقاقهما أعظم من قول : أف ، والأجداد داخلون فى اسم الآباء ، ولم يجز ~~ملك الولد لقوله تعالى : { وما ينبغى للرحمن أن يتخذ ولدا إن كل من فى ~~السماوات والأرض إلا آتى الرحمن عبدا } [ مريم : 92 ، 93 ] ، فلا يجوز أن ~~يستعبد الابن بهذا النص . * * * # | 13 - باب من ملك من العرب رقيقا # فوهب وباع وجامع وفدى وسبى الذرية وقوله تعالى : { ضرب الله مثلا عبدا ~~مملوكا لا يقدر على شىء } إلى قوله : { لا يعلمون } [ النحل : 75 ] . / 16 ms2270 ~~- فيه : مروان والمسور بن مخرمة ، أن النبى ، عليه السلام ، قام حين جاءه ~~وفد هوازن ، فسألوه أن يرد إليهم أموالهم وسبيهم ، فقال : ( إن معى من ترون ~~، وأحب الحديث إلى أصدقه ، واختاروا إحدى الطائفتين ، إما المال ، وإما ~~السبى ) ، وقد كنت استأنيت بهم ، PageV07P055 وكان النبى ، عليه السلام ، ~~انتظرهم بضع عشرة ليلة حين قفل من الطائف ، فلما تبين لهم أن النبى ، عليه ~~السلام ، غير راد إليهم إلا إحدى الطائفتين ، قالوا : فإنا نختار سبينا ، ~~فقام النبى ، عليه السلام ، فى الناس ، فأثنى على الله بما هو أهله ، ثم ~~قال : ( أما بعد ، فإن إخوانكم جاءونا تائبين ، وإنى رأيت أن أرد إليهم ~~سبيهم ، فمن أحب منكم أن يطيب ذلك فليفعل ، ومن أحب أن يكون على حظه حتى ~~نعطيه إياه من أول ما يفىء الله علينا ، فليفعل ) ، فقال الناس : طبنا لك ، ~~فقال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( إنا لا ندرى من أذن منكم ممن لم ~~يأذن ، فارجعوا حتى يرفع إلينا عرفاؤكم أمركم ) ، فرجع الناس ، فكلمهم ~~عرفاؤهم ، ثم رجعوا إلى النبى ، عليه السلام ، فأخبروه أنهم طيبوا وأذنوا . ~~وقال أنس : قال عباس : فاديت نفسى ، وفاديت عقيلا . / 17 - وفيه : ابن عمر ~~، أن النبى ، عليه السلام ، أغار على بنى المصطلق ، وهم غارون وأنعامهم ~~تسقى على الماء ، فقتل مقاتلتهم ، وسبى ذراريهم ، وأصاب يومئذ جويرية . / ~~18 - وفيه : أبو سعيد ، قال : خرجنا مع النبى ، عليه السلام ، فى غزوة بنى ~~المصطلق ، فأصبنا سبيا من سبى العرب ، فاشتهينا النساء ، فاشتدت علينا ~~العزبة ، وأحببنا العزل ، فسألنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فقال ~~: ( ما عليكم ألا تفعلوا ، ما من نسمة كائنة إلى يوم القيامة إلا وهى كائنة ~~) . PageV07P056 / 19 - وفيه : أبو هريرة ، قال : ما زلت أحب بنى تميم منذ ~~ثلاث ، سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول فيهم : ( هم أشد أمتى ~~على الدجال ) ، قال : وجاءت صدقاتهم ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- : ( هذه صدقات قومنا ، وكانت سبية منهم عند عائشة ) ، فقال : أعتقيها ، ~~فإنها من ولد إسماعيل . فى هذه الآثار أن النبى ، عليه السلام ، سبى العرب ~~واسترقهم من هوازن ms2271 وبنى المصطلق وغيرهم ، وقال ، عليه السلام ، لعائشة فى ~~السبية التميمية : ( أعتقيها ، فإنها من ولد إسماعيل ) ، فصح بهذا كله جواز ~~استرقاق العرب وتملكهم كسائر فرق العجم ، وأجمع العلماء أن من وطئ أمة له ~~بملك يمينه أن ولده منها أحرار ، عربية كانت أو عجمية . واختلفوا إذا تزوج ~~العربى أمة ، هل يكون ولده منها رقيقا تبعا لها أم لا ؟ فقال مالك ، ~~والكوفيون ، والليث ، والشافعى : إن الولد مملوك لسيد الأمة تبع لها ، ~~والحجة لهم أحاديث هذا الباب فى سبى النبى ، عليه السلام ، العرب ~~واسترقاقهم . وقال الثورى ، والأوزاعى ، وأبو ثور ، وإسحاق : يلزم سيد ~~الأمة أن يقومه على أبيه ، ويلزم أباه أداء القيمة إليه ، ولا يسترق . وهذا ~~قول سعيد بن المسيب ، واحتجوا بما روى عن عمر أنه قال لابن عباس : لا يسترق ~~ولد عربى من أمة وفيه عبدان . قال الليث : أما ما روى عن عمر بن الخطاب فى ~~فداء ولد العربى من الولائد ست فرائض ، إنما كان من أولاد الجاهلية ، وفيما ~~أقر PageV07P057 به الرجل من نكاح الإماء ، فأما اليوم فمن تزوج أمة ، وهو ~~يعلم أنها أمة فولده عبد لسيدها ، عربيا كان أو فارسيا أو غيره . ومن حجة ~~من جعلهم رقيقا أن النبى - صلى الله عليه وسلم - لما سوى بين العرب والعجم ~~فى الدماء ، فقال : ( المؤمنون تتكافأ دماؤهم ) ، وأجمع العرب على القول به ~~، وجب إذا اختلفوا فيما دون الدماء أن يكون حكم ذلك حكم الدماء . قال ~~المهلب : وقول النبى - صلى الله عليه وسلم - لعائشة : ( أعتقيها فإنها من ~~ولد إسماعيل ) ، يدل على جواز تملك العرب ، إلا أن عتقهم أفضل لمراعاة ~~الرحم التى تجمعهم ، وكذلك فعل عمر بن الخطاب فى خلافته بمن ملك رقيقا من ~~العرب الذين ارتدوا فى خلافة أبى بكر ، قال : إن الله قد أوسع عليكم فى سبى ~~أهل الكتاب من غير العرب ، وإن من العار أن يملك الرجل بنت ابن عمه ، ~~فأجابوه إلى ما حض عليه ، وهذا كله على وجه الندب لا على أنه لا يجوز ~~تملكهم . قال غيره : وفى حديث سبى هوازن وبنى المصطلق ، وقول ms2272 أبى سعيد : ~~واشتهينا النساء ، دليل على أن الصحابة أطلقوا على وطء ما وقع فى سهمانهم ~~من السبى ، وهذا لا يكون إلا بعد الاستبراء بإجماع العلماء ، وهذا يدل على ~~أن السبى يقطع العصمة بين الزوجين الكافرين . واختلف السلف فى حكم وطء ~~الوثنيات والمجوسيات إذا سبين ، فأجاز ذلك سعيد ابن المسيب ، وعطاء ، وطاوس ~~، ومجاهد ، وحجتهم أن النبى - صلى الله عليه وسلم - أباح وطء سبايا العرب ~~إذا حاضت الحائض أو وضعت الحامل منهن . PageV07P058 وهذا القول شذوذ عند ~~العلماء لم يلتفت إليه أحد ، واتفق أئمة الفتوى بالأمصار وعامة العلماء على ~~أنه لا يجوز وطء الوثنيات لقوله تعالى : { ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن } ~~[ البقرة : 221 ] ، وإنما أباح الله تعالى وطء نساء أهل الكتاب خاصة بقوله ~~: { والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم } [ المائدة : 5 ] ، فإنما ~~أطلق النبى - صلى الله عليه وسلم - أصحابه على وطء سبايا العرب بعد إسلامهن ~~؛ لأن سبى هوازن كان سنة ثمان ، وسبى بنى المصطلق سنة ست ، وسورة البقرة من ~~أول ما نزل بالمدينة ، فقد كانوا علموا قوله : { ولا تنكحوا المشركات حتى ~~يؤمن } [ البقرة : 221 ] ، وتقرر عندهم أنه لا يجوز وطء الوثنيات البتة حتى ~~يسلمن . وروى عبد الرزاق ، قال : حدثنا جعفر بن سليمان ، قال : حدثنا يونس ~~بن عبيد ، أنه سمع الحسن يقول : كنا نغزو مع أصحاب النبى ، عليه السلام ، ~~فإذا أصاب أحدهم جارية من الفىء ، فأراد أن يصيبها أمرها فاغتسلت ، ثم ~~علمها الإسلام وأمرها بالصلاة ، واستبرأها بحيضة ثم أصابها . قال : وسمعت ~~الثورى يقول : أما السنة ، فلا يقع عليها حتى تصلى إذا استبرأها ، وعموم ~~قوله تعالى : { ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن } [ البقرة : 221 ] ، يقتضى ~~تحريم وطء المجوسيات بالتزويج وبملك اليمين ، ألا ترى أن النبى ، عليه ~~السلام ، سن أن تؤخذ الجزية من المجوس على ألا تؤكل ذبائحهم ، ولا تنكح ~~نساؤهم ، وعلى هذا أئمة الفتوى وعامة العلماء . وأما قولهم : وأحببنا ~~الفداء وأردنا أن نعزل ، فقد استدل به PageV07P059 جماعة من العلماء فى منع ~~بيع أم الولد ، وقالوا : معلوم أن الحمل منهن يمنع الفداء ويذهب بالثمن ، ~~والعلماء مجمعون ms2273 على أنه لا يجوز بيعها وهى حامل ، فإذا وضعت فهى على الأصل ~~الذى اتفقوا عليه من منع البيع ، ولا يجوز الانتقال عنه إلا باتفاق آخر ، ~~وأئمة الفتوى بالأمصار متفقون على أنه لا يجوز بيع أم الولد ، وإنما خالف ~~ذلك أهل الظاهر ، وبشر المريسى ، وهو شذوذ لا يلتفت إليه . قال ابن القصار ~~: وقد روى عكرمة ، عن ابن عباس ، أن النبى ، عليه السلام ، قال لما ولدت أم ~~إبراهيم : ( أعتقها ولدها ) ، وقالت عائشة : ما خلف النبى عبدا ولا أمة ، ~~وقد كان خلف مارية ، فعلم أنها عتقت بموته ، ولم تكن أمة ، وقد قال ، عليه ~~السلام : ( لا نورث ما تركنا صدقة ) ، ولم ينقل أن مارية كانت صدقة ، فعلم ~~أنها عتقت بموته ولم تكن مما تركه . قال : وأما قوله ، عليه السلام : ( ما ~~عليكم ألا تفعلوا ) ، فقد احتج بهذا من أباح العزل ومن كرهه . واختلف السلف ~~فى ذلك قديما ، وإباحة العزل أظهر فى الحديث ، روى مالك ، عن سعد بن أبى ~~وقاص ، وأبى أيوب الأنصارى ، وزيد بن ثابت ، وابن عباس أنهم كانوا يعزلون ، ~~وروى ذلك أيضا عن ابن مسعود وجابر ، وذكر مالك أيضا عن ابن عمر أنه كره ~~العزل ، وروى كراهيته عن عمر بن الخطاب ، وعثمان بن عفان ، وقد روى عن على ~~بن أبى طالب القولان جميعا . PageV07P060 واحتج من كره العزل بما رواه أبو ~~الأسود ، عن عروة ، عن عائشة ، قالت : وحدثتنى خزامة بنت وهب الأسدية ، ~~قالت : ذكر عند النبى - صلى الله عليه وسلم - العزل ، فقال : ( ذلك الوأد ~~الخفى ) . واتفق أئمة الفتوى على جواز العزل عن الحرة إذا أذنت فيه لزوجها ~~، واختلفوا فى الأمة الزوجة ، فقال مالك وأبو حنيفة : الإذن فى ذلك إلى ~~مولاها . وقال أبو يوسف : الإذن فى ذلك إليها . وقال الشافعى : يعزل عنها ~~دون إذنها ودون إذن مولاها . واحتج من أباح العزل بما روى عن الليث وغيره ~~عن يزيد بن أبى حبيب ، عن معمر ابن أبى حبيب ، عن عبيد الله بن عدى بن ~~الخيار ، قال : تذاكر أصحاب النبى ، عليه السلام ، عند عمر العزل ، ~~فاختلفوا فيه ، فقال عمر ms2274 : قد اختلفتم وأنتم أهل بدر الأخيار ، فكيف بالناس ~~بعدكم ؟ فقال على بن أبى طالب : لا يكون موءودة حتى يمر بالتارات السبع : { ~~ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين } [ المؤمنون : 12 ] إلى آخر الآية . ~~وروى سفيان ، عن الأعمش ، عن أبى الوداك ، عن ابن عباس ، أنه سئل عن العزل ~~، فذكر مثل كلام على سواء . قال الطحاوى : فهذا على ، وابن عباس ، قد ~~اجتمعا على ما ذكرنا ووافقهما عمر ، ومن كان بحضرتهما من أصحاب الرسول ، ~~فدل على أن العزل غير مكروه . قال الطحاوى : وقوله ، عليه السلام : ( ما ~~عليكم ألا تفعلوا . . . ) PageV07P061 إلى آخر الحديث ، فيه دليل أن العزل ~~غير مكروه ؛ لأنه ، عليه السلام ، لما أخبروه أنهم يفعلون ذلك لم ينكره ~~عليهم ، ولا نهاهم عنه ، وقال : ( ما عليكم ألا تفعلوا فإنما هو القدر ) ، ~~أى فإن الله إذا قدر يكون الولد ، لم يمنعه عزل ، ووصل الله من الماء إلى ~~الرحم شيئا وإن قل يكون منه الولد ، وإن لم يقدر كونه لم يكن بالإفضاء . ~~فأعلمهم أن الإفضاء لا يكون منه ولد إلا بقدر الله ، وأن العزل لا يمنع ~~الولد إذا سبق فى علم الله أنه كائن . وقال ابن مسعود : لو أن النطفة التى ~~أخذ الله ميثاقها كانت فى صخرة لنفخ فيها الروح . قال : وفى قوله ، عليه ~~السلام : ( ما من نسمة كائنة إلا وهى كائنة ) ، إثبات العلم ، وأن العباد ~~يجرون فى علم الله وقدره ، والقدر هو سر الله وعلمه لا يدرك بحجة ولا بجدال ~~، وأنه لا يكون فى ملكه إلا ما شاء تعالى ، ولا يقوم شىء إلا بإذنه ، له ~~الخلق والأمر . قال المهلب : وقول أبى هريرة : ما زلت أحب بنى تميم ؛ لأنهم ~~أشد الأمة على الدجال ، وقد روى عنهم أنهم كانوا يختارون ما يخرجون فى ~~الصدقات من أفضل ما عندهم ، فأعجب النبى - صلى الله عليه وسلم - بفراهيتها ~~، فقال هذا القول على معنى المبالغة فى نصحهم لله ولرسوله فى جودة الاختيار ~~للصدقة ، وقوله تعالى : { ضرب الله مثلا عبدا مملوكا لا يقدر على شىء } [ ~~النحل : 75 ] ، فقد تأول بعض الناس فى ms2275 هذه الآية أن PageV07P062 العبد لا ~~يملك ، وسأذكر الاختلاف فى ملك العبد فى باب العبد راع فى مال سيده بعد هذا ~~، وأذكر تأويل هذه الآية فيه ، إن شاء الله ، وقول ابن عمر : وهم غارون ، ~~يعنى على غرة ، أى غفلة . * * * # | 14 - باب فضل من أدب جاريته وعلمها # / 20 - فيه : أبو موسى ، قال : قال النبى ، عليه السلام : ( من كانت له ~~جارية فعلمها ، وأحسن إليها ، ثم أعتقها وتزوجها ، كان له أجران ) . قال ~~المهلب : فيه أجر التأديب والتعليم ، وأجر التزويج لله تعالى ، وأن الله قد ~~ضاعف له أجره بالنكاح والتعليم ، وجعله كمثل أجر العتق ، وفيه الحض على ~~العتق ، وعلى نكاح المعتق ، وعلى التواضع وترك الغلو فى أمور الدنيا ، وأخذ ~~القصد والبلغة منها ، وأن من تواضع لله فى منكحه وهو يقدر على نكاح أهل ~~الشرف والحسب والمال ، فإن ذلك مما يرجى عليه جزيل الأجر وجسيم الثواب . * ~~* * # | 15 - باب قول النبى عليه السلام : ( العبيد إخوانكم ، فأطعموهم مما ~~تأكلون ) وقوله تعالى : { واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا } إلى { وما ~~ملكت أيمانكم } [ النساء : 36 ] # / 21 - فيه : أبو ذر ، كانت عليه حلة ، وعلى غلامه حلة ، فسألناه عن ذلك ~~، فقال : إنى ساببت رجلا ، فشكانى إلى النبى ، عليه السلام ، فقال ~~PageV07P063 لى النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( أعيرته بأمه ؟ ) ، ثم قال ~~: ( إن إخوانكم خولكم ، جعلهم الله تحت أيديكم ، فمن كان أخوه تحت يده ~~فليطعمه مما يأكل ، وليلبسه مما يلبس ، ولا تكلفوهم ما يغلبهم ، فإن ~~كلفتموهم ما يغلبهم فأعينوهم ) . قال المهلب : فيه الحض على كسوة المملوك ~~وإطعامه بالسواء مثل طعام المالك وكسوته ، وليس ذلك على الإيجاب عند ~~العلماء ، وإنما على المالك أن يكسوا ما يستر العورة ويدفع الحر والبرد ، ~~ويطعم ما يسد الجوعة ما لم يكن فيه ضرر على المملوك ؛ لأن المولى إذا كان ~~ممن يأكل الفراريج والفراخ ويأكل خبز السميد والأطعمة الرقيقة ، وكانت ~~كسوته الشطوى والنيسابورى ، لم يكن عليه فى مذهب أحد من أهل العلم أن يطعم ~~رقيقه ولا يكسوهم من ذلك ؛ لأن هذه الأطعمة والكسوة التى ذكرناها لم يكن ~~أحد من أصحاب ms2276 النبى ، عليه السلام ، الذى خاطبهم بما خاطبهم به يأكل مثلها ~~، إنما كان الغالب من قوتهم بالمدينة التمر والشعير . وقد روى أبو هريرة ، ~~عن النبى ، عليه السلام : ( للمملوك طعامه وكسوته بالمعروف ، ولا يكلف من ~~العمل ما لا يطيق ) ، فإن زاد على ما فرض عليه من قوته وكسوته بالمعروف كان ~~متفضلا متطوعا . وقال ربيعة بن أبى عبد الرحمن : لو أن رجلا عمل لنفسه ~~خبيصا فأكله دون خادمه ، ما كان بذلك بأس . وكان يرى أنه إذا أطعم خادمه من ~~الخبز الذى أكل منه ، فقد أطعمه مما يأكل منه ؛ لأن من عند العرب للتبعيض ، ~~ولو قال : أطعموهم من كل ما تأكلون ، لوجب حينئذ إطعامهم من الخبيص ومن كل ~~شىء ، وكذلك فى اللباس . PageV07P064 وقوله : ( ولا تكلفوهم ما يغلبهم ) ، ~~هو كقول الله : { لا يكلف الله نفسا إلا وسعها } [ البقرة : 286 ] ، ولما ~~لم يكلفنا الله فوق طاقتنا ونحن عبيده ، وجب أن نمتثل حكمه وطريقته فى ~~عبيدنا . وقوله : ( فإن كلفتموهم فأعينوهم ) ، فيه جواز تكليف ما فيه ~~المشقة ، فإن كانت غالبة وجب العون عليها ، وروى هشام بن عروة ، عن أبيه ، ~~عن عائشة ، قالت : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( لا تستخدموا ~~رقيقكم بالليل والنهار ، فإن النهار لكم ، والليل لهم ) . وروى معمر ، عن ~~أيوب ، عن أبى قلابة ، يرفعه إلى سلمان ، أن رجلا أتاه وهو يعجن ، فقال : ~~أين الخادم ؟ قال : أرسلته فى حاجة ، فلم يكن ليجمع عليه شيئين أن يرسله ~~ولا يكفيه عمله . وفيه الوصاة من النبى ، عليه السلام ، بما ملكت أيماننا ؛ ~~لأن الله وصى بهم فى كتابه . وفيه أنه لا حد على من قذف عبدا ، ولا عقوبة ، ~~ولا تعزير ، وقد قال بعض العلماء : إن كان العبد رجلا صالحا ، فأرى أن ~~يعاقب القاذف له والمؤذى . * * * # | 16 - باب العبد إذا أحسن عبادة ربه ونصح سيده # / 22 - فيه : ابن عمر ، قال : قال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( ~~العبد إذا نصح سيده ، وأحسن عبادة ربه ، كان له أجره مرتين ) . / 23 - وفيه ~~: أبو موسى ، قال عليه السلام : ( للعبد المملوك الناصح أجران ، والذى نفسى ~~بيده ms2277 ، لولا الجهاد فى سبيل الله ، والحج ، وبر أمى ، لأحببت أن أموت وأنا ~~مملوك ) . PageV07P065 قال المهلب : لما كان للعبد فى عبادة ربه أجر ، وكان ~~له فى طاعة سيده ونصحه له أجر أيضا ، لكن لا يقال : إن الأجرين متساويان ؛ ~~لأن طاعة الله أوجب من طاعة المخلوقين ، وفيه حض المملوك على نصح سيده ؛ ~~لأنه راع فى ماله ، وهو مسئول عما استرعى ، فبان أن أثر نصحه طاعة الله ، ~~فلهذا تبين فضل أجره فى طاعة الله على طاعة مولاه . وقوله : ( والذى نفسى ~~بيده ، لولا الجهاد فى سبيل الله والحج وبر أمى ، لأحببت أن أموت وأنا ~~مملوك ) ، هو من قول أبى هريرة ، وفيه دليل أنه ليس على العبد جهاد ولا حج ~~فى حال العبودية ، إلا أن ينزل ببلد عدو ، فيلزم الجهاد كل مسلم يكون بتلك ~~البلد ، فيجب على العبد منه بقدر طاقته ووسعه ، وأما الحج ، فإنما لم يجب ~~عليه من أجل أنه غير مالك لنفسه ، وليس له أن يخرج عن تصرف سيده وما به ~~الحاجة إليه ، وإنما خاطب الله من استطاع إليه سبيلا ، والعبد غير مستطيع ، ~~وأما بر الوالدين ، فيلزم العبد منه من خفض الجناح ، ولين القول والتذلل ما ~~يلزم المسلمين ، وأما السعى عليهما بالنفقة والكسوة فلا يلزمه ؛ لأنه نفقته ~~وكسوته على مولاه ، وكسبه لمولاه ، ولا تصرف له فى شىء منه إلا بإذنه . ~~PageV07P066 * * * # | 17 - باب كراهية التطاول على الرقيق # وقول الرجل : عبدى وأمتى وقول الله : { والصالحين من عبادكم وإمائكم إن ~~يكونوا فقراء } [ النور : 32 ] . وقال : { عبدا مملوكا } [ النحل : 75 ] . ~~وقال : { وألفيا سيدها لدى الباب } [ يوسف : 25 ] . وقال : { من فتياتكم ~~المؤمنات } [ النساء : 25 ] . وقال عليه السلام : ( قوموا إلى سيدكم ) . / ~~24 - فيه : ابن عمر ، قال عليه السلام : ( العبد إذا نصح لسيده . . . ) ~~الحديث . / 25 - وفيه : أبو موسى ، قال عليه السلام : ( المملوك الذى يحسن ~~عبادة ربه ، ويؤدى إلى سيده . . . ) الحديث . / 26 - وفيه : أبو هريرة ، ~~قال عليه السلام : ( لا يقل أحدكم : أطعم ربك ، وضئ ربك ، واسق ربك ، وليقل ~~: سيدى ومولاى ، ولا يقل أحدكم : عبدى وأمتى ، وليقل : فتاى وفتاتى وغلامى ~~) . / 27 - وفيه ms2278 : ابن عمر ، قال النبى ، عليه السلام : ( من أعتق نصيبا له ~~من العبد . . . ) الحديث . / 28 - وقال أيضا عن النبى - صلى الله عليه وسلم ~~- : ( والعبد راع على مال سيده . . . ) الحديث . / 29 - وفيه : أبو هريرة ، ~~وزيد ، قال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( إذا زنت الأمة فاجلدوها . . . ~~) الحديث . التطاول على الرقيق مكروه ؛ لأن الكل عبيد الله ، وهو لطيف ~~بعباده رفيق بهم ، فينبغى للسادة امتثال ذلك فى عبيدهم ، ومن PageV07P067 ~~ملكهم الله إياهم وأوجب عليهم حسن الملك ولين الجانب ، كما يجب على العبيد ~~حسن الطاعة والنصح لساداتهم ، والانقياد لهم وترك مخالفتهم ، وقد جاء فى ~~الحديث : ( الله الله وما ملكت أيمانكم ، فلو شاء الله لملكهم إياكم ) . ~~وما جاء فى هذا الباب من النهى عن التسمية ، فإن ذلك من باب التواضع ، ~~وجائز أن يقول الرجل : عبدى ، وأمتى ؛ لأن القرآن قد نطق بذلك فى قوله : { ~~والصالحين من عبادكم وإمائكم } [ النور : 32 ] ، وإنما نهى ، عليه السلام ، ~~عن ذلك على سبيل التطاول والغلظة لا على سبيل التحريم ، واتباع ما حض عليه ~~النبى - صلى الله عليه وسلم - أولى وأجل ، فإن فى ذلك تواضعا لله تعالى ؛ ~~لأن قول الرجل : عبدى ، وأمتى ، يشترك فيهما الخالق والمخلوق ، فيقال : عبد ~~الله ، وأمة الله ، فكره ذلك لاشتراك اللفظ . وأما الرب ، فهى كلمة وإن ~~كانت مشتركة ، وتقع على غير الخالق للشىء ، كقولهم : رب الدار ، ورب الدابة ~~، يراد صاحبهما ، فإنها لفظة تختص بالله فى الأغلب والأكثر ، فوجب أن لا ~~تستعمل فى المخلوقين ، لنفى الشركة بينهم وبين الله ، ألا ترى أنه لا يجوز ~~أن يقال لأحد غير الله : إله ، ولا رحمن ، ويجوز أن يقال له : رحيم ؛ ~~لاختصاص الله بهذين الاسمين ، فكذلك الرب لا يقال لغير الله . PageV07P068 ~~* * * # | 18 - باب إذا أتاه خادمه بطعامه # / 30 - فيه : أبو هريرة ، قال النبى ، عليه السلام : ( إذا أتى أحدكم ~~خادمه بطعامه ، فإن لم يجلسه معه ، فليناوله لقمة ، أو لقمتين ، أو أكلة ، ~~أو أكلتين ، فإنه ولى علاجه ) . قال المهلب : هذا الحديث يفسر حديث أبى ذر ~~فى التسوية بين العبد وبين سيده فى المطعم والكسوة ، أنه على سبيل ms2279 الحض ~~والندب والتفضل ، لا على سبيل الإيجاب على السيد ؛ لأنه لم يسوه فى هذا ~~الحديث بسيده فى المؤاكلة ، وجعل إلى السيد الخيار فى إجلاسه للأكل معه أو ~~تركه ، ثم حضه على إن لم يأكل معه أن ينيله من ذلك الطعام الذى تعب فيه ~~وشمه . * * * # | 19 - باب إذا ضرب العبد فليجتنب الوجه # / 31 - فيه : أبو هريرة ، قال النبى ، عليه السلام : ( إذا قاتل أحدكم ~~فليجتنب الوجه ) . قال المهلب : تمام الحديث : ( فإن الله خلق آدم على ~~صورته ) . وروى عن الرسول - صلى الله عليه وسلم - ، أنه مر على رجل يضرب ~~عبده فى وجهه لطما ، ويقول : قبح الله وجهك ووجه من أشبه وجهك ، فقال عليه ~~السلام : ( إذا ضرب أحدكم عبده ، فليجتنب الوجه ، فإن الله خلق آدم على ~~صورته ) . PageV07P069 وقد نقل الناقلون هذه القصة من الطرق الصحيحة ، ~~وربما ترك بعض الرواة بعض الخبر اختصارا للدلالة على ما حذف منه ، إذ كانت ~~القصة مشهورة ، فأمر الرسول - صلى الله عليه وسلم - من قاتل غيره أو ضرب ~~عبده أن يجتنب الوجه إكراما لآدم ؛ لمشابهة المضروب له ، فلا يضرب صورة ~~خلقها الله بيده ، فانتسب إلى هذا العبد ، ومراعاة لحق الأبوة ، وتفضيل ~~الله لها حين خلق آدم بيديه ، وأسجد له ملائكته ، والهاء راجعة فى قوله : ( ~~على صورته ) للمضروب . قال المؤلف : وللناس تأويلات فى ضمير الهاء من صورته ~~، إلى من ترجع ؟ لم أر لذكرها وجها ، إذ لا يصح عندى فى ذلك غير ما قاله ~~المهلب . * * * # | 20 - باب العبد راع فى مال سيده ونسب النبى - صلى الله عليه وسلم - ~~المال إلى السيد # / 32 - فيه : ابن عمر ، قال عليه السلام : ( كلكم راع ، ومسئول عن رعيته ~~، فالإمام راع ومسئول عن رعيته ، والرجل فى أهله راع ومسئول عن رعيته ، ~~والمرأة فى بيت زوجها راعية ومسئولة عن رعيتها ، والخادم فى مال سيده راع ~~وهو مسئول عن رعيته ) ، وأحسب النبى - صلى الله عليه وسلم - قال : ( والرجل ~~فى مال أبيه راع ومسئول عن رعيته ) . قال المهلب : هذه كلها أمانات تلزم من ~~استرعيها أداء PageV07P070 النصيحة فيها لله ، ولمن استرعاه عليها ms2280 ، ولكل ~~واحد منهم أن يأخذ مما استرعى أمره ما يحتاج إليه بالمعروف من نفقة ومؤنة . ~~وقوله : ( العبد والخادم راع فى مال سيده ) ، ففيه حجة لمن قال : إن العبد ~~لا يملك . واختلف أهل العلم فى ملك العبد لما فى يديه من المال ، فذهبت ~~طائفة إلى أنه لا يملك شيئا ؛ لأن الرق منافى الملك ، وماله لسيده عند عتقه ~~وعند بيعه إياه ، وإن لم يشترط ماله سيده ، روى هذا عن ابن مسعود ، وابن ~~عباس ، وأبى هريرة ، وعن سعيد بن المسيب ، وهو قول الثورى ، والكوفيين ، ~~والشافعى ، وأحمد ، وإسحاق . وقالت طائفة : ماله له دون سيده فى العتق ~~والبيع ، روى ذلك عن عمر بن الخطاب ، وابن عمر ، وعائشة ، وبه قال النخعى ، ~~والحسن البصرى . واضطرب قول مالك فى ملك العبد ، فقال : من باع عبدا وله ~~مال ، فماله للبائع ، إلا أن يشترطه المبتاع . وقال فيمن أعتق عبدا : أن ~~ماله للعبد ، إلا أن يشترطه السيد ، فدل قوله فى البيع أن العبد لا يملك ، ~~إذ جعل المال للسيد دون اشتراط ، ودل قوله فى العتق أن العبد يملك ، إذ جعل ~~ماله له دون اشتراط . والحجة له فى البيع حديث ابن عمر ، عن أبيه ، عن ~~النبى ، عليه السلام ، أنه قال : ( من باع عبدا وله مال ، فماله للبائع ، ~~إلا أن يشترطه المبتاع ) ، والحجة له فى العتق حديث عبيد الله بن أبى جعفر ~~، عن بكير بن الأشج ، عن نافع ، عن ابن عمر ، أن النبى ، عليه السلام ، قال ~~: ( من أعتق عبدا ، فماله له إلا أن يستثنيه سيده ) . قال ابن شهاب : السنة ~~أن العبد إذا أعتق تبعه ماله ، ولم يكن أحد أعلم بسنة ماضية من ابن شهاب . ~~PageV07P071 وقال قتادة فى قوله تعالى : { عبدا مملوكا لا يقدر على شىء } [ ~~النحل : 75 ] : هو الكافر لا يعمل بطاعة الله ، ولا يعمل خيرا ، { ومن ~~رزقناه منا رزقا حسنا } [ النحل : 75 ] ، هو المؤمن يطيع الله فى نفسه ~~وماله . وحجة من قال : إن العبد لا يملك شيئا أن إضافة الشىء إلى ما لا ~~يجوز أن يملك أشهر فى كلام العرب من أن ms2281 يحتاج إلى شاهد ، وذلك كقولهم : ماء ~~النهر ، وسرج الدابة ، فإضافة المال إلى العبد فى قوله ، عليه السلام : ( ~~من باع عبدا وله مال ) ، من أجل أنه بيده ، لا أنه يملكه ، وخاطب النبى - ~~صلى الله عليه وسلم - قوما عربا يعرفون ما خوطبوا به . قال الطبرى : فأخبر ~~النبى ، عليه السلام ، أن ذلك المال للبائع إذا لم يشترطه المبتاع فى عقد ~~البيع ، كما أخبر أن ثمرة النخل المؤبر للبائع إذا باع مالكه أصل النخل ، ~~كما كانت له قبل بيع النخل إذا لم يشترطها المبتاع فى عقد البيع . قالوا : ~~ولو كان المال للعبد قبل بيع السيد له ، لم يكن بيعه ليزيل ملكه عنه إلى ~~البائع ولا إلى المشترى . قالوا : وفى إجماع الأمة أن لسيد العبد قبض مال ~~العبد منه ، وأن العبد ممنوع من التصرف فيه إلا بإذن سيده الدليل الواضح ~~على صحة ما قلنا ، وإلى هذا المذهب أشار البخارى بقوله : ونسب النبى - صلى ~~الله عليه وسلم - المال إلى السيد فى قوله : ( والعبد راع فى مال سيده ) . ~~قال المهلب : ومن حجة الذين قالوا : العبد يملك ، أنهم قالوا للمحتجين ~~عليهم بما تقدم : هذا يلزم فى السفيه ، فإنه لا يجوز أن يتصرف فى ماله إلا ~~بإذن وصيه ، والمال ملك له ، لقوله تعالى : { فإذا PageV07P072 دفعتم إليهم ~~أموالهم فأشهدوا عليهم } [ النساء : 6 ] ، فكذلك العبد . وقال تعالى : { ~~فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا } [ النور : 33 ] ، يعنى مالا ، بدليل قوله : ~~{ إن ترك خيرا } [ البقرة : 180 ] ، يعنى مالا . وقال : { والصالحين من ~~عبادكم وإمائكم إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله } [ النور : 32 ] ، ~~فوصفهم بالفقر والغنى ، فدل أنهم مالكون ، وقال : { ومن لم يستطع منكم طولا ~~أن ينكح المحصنات المؤمنات } إلى قوله : { وآتوهن أجورهن } [ النساء : 25 ] ~~، وهى المهور ، فدل أن الإماء مالكات لها ؛ لجواز دفعها إليهن ، إذ لو كن ~~غير مالكات لما جاز دفعها إليهن مع أمره تعالى بالتوثق عند دفع الحقوق إلى ~~أهلها . | PageV07P073 * * * بسم الله الرحمن الرحيم # | 44 - كتاب المكاتب # # | 1 - باب المكاتب ونجومه فى كل سنة نجم وقوله تعالى : { والذين يبتغون ~~الكتاب مما ملكت ms2282 أيمانكم } [ النور : 33 ] الآية . # وقال روح ، عن ابن جريج ، قلت لعطاء : أواجب على إذا علمت له مالا أن ~~أكاتبه ؟ قال : ما أراه إلا واجبا . وقال عمرو بن دينار : قلت لعطاء : ~~أتأثره عن أحد ؟ قال : لا ، ثم أخبرنى أن موسى ابن أنس ، أخبره أن سيرين ~~سأل أنسا المكاتبة ، وكان كثير المال ، فأبى ، فانطلق إلى عمر ، فقال : ~~كاتبه ، فأبى فضربه بالدرة ، وقرأ عمر : { فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا } [ ~~النور : 33 ] فكاتبه . / 1 - فيه : عائشة ، أن بريرة دخلت عليها تستعينها ~~فى كتابتها ، وعليها خمسة أواق نجمت عليها فى خمس سنين . . . الحديث . سنة ~~الكتابة أن تكون على نجوم ، تؤدى نجما بعد نجم ، والظاهر من قول مالك أن ~~شأن الكتابة التنجيم والتأجيل ؛ لأنه قال : لو كاتبه على ألف درهم ولم يذكر ~~أجلا ، نجمت عليه بقدر سعايته وإن كره السيد . وأجاز مالك والكوفيون ~~الكتابة الحالة ، وقال الشافعى : لابد فيها من أجل ، ولا يجوز على أقل من ~~نجمين ، فإن وقعت حالة أو على نجم واحد ، فليست كتابة ، وإنما هو عتق على ~~صفة ، كأنه قال : إذا أديت إلى كذا وكذا فأنت حر ، والحديث يدل أن النجوم ~~فى الكتابة PageV07P074 تجوز قليلة كانت أو كثيرة ، وأنه ليس فى ذلك حد لا ~~يتجاوز ، ولو كان قول الشافعى صحيحا أن الكتابة لا تجوز على أقل من نجمين ؛ ~~لجاز لغيره أن يقول : لا تجوز على أقل من خمسة نجوم ؛ لأن أقل النجوم التى ~~كانت على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فى بريرة ، وعلم بها وحكم ~~فيها ، كانت خمسة ، وكان صواب الحجة أولى . وأيضا فإن النجم الثالث لما لم ~~يكن شرطا فى صحة الكتابة بإجماع ، فكذلك النجم الثانى ؛ لأن كل واحد منهما ~~له مدة يتعلق بها تأخير مال الكتابة ، فإذا لم يكن أحدهما شرطا وجب أن لا ~~يكون الآخر كذلك ، ولما أجمعوا أنه لو قال له : إن جئتنى من المال بكذا إلى ~~شهر أنه جائز وليس بكتابة ، فكذلك ما أشبهه من الكتابة . وقد احتج بقوله ، ~~عليه السلام ، فى هذا الحديث : ( وعليها خمس ms2283 أواق نجمت عليها فى خمس سنين ) ~~، من أجاز النجامة فى الديون كلها ، على أن يقول : فى كل شهر كذا ، وفى كل ~~عام كذا ، ولا يقول : فى أول الشهر ، ولا فى وسطه ، ولا فى آخره ؛ لأنه لم ~~يذكر فى الحديث فى أى وقت يحل النجم فيه ، ولم ينكر النبى ، عليه السلام ، ~~ذلك . وأبى هذا القول أكثر الفقهاء ، وقالوا : لابد أن يذكر أى شهر من ~~السنة يحل النجم فيه ، أو أى وقت من الشهر يحل النجم فيه ، فإن لم يذكر ذلك ~~فهو أجل مجهول لا يجوز ؛ لأن الرسول - صلى الله عليه وسلم - نهى عن البيع ~~إلا إلى أجل معلوم ، ونهى عن حبل الحبلة ، وهو نتاج النتاج . وليس تقصير من ~~قصر عن نقل هذا المعنى فى حديث بريرة بصائر لتقرر هذا المعنى عندهم . ~~PageV07P075 واختلف العلماء فى تأويل قوله تعالى : { فكاتبوهم إن علمتم ~~فيهم خيرا } [ النور : 33 ] ، فذهب مالك ، والكوفيون ، والشافعى ، إلى أن ~~الكتابة ليست بواجبة على السيد ، ولكنها مستحبة إذا سأله العبد ، وروى عن ~~عطاء ومسروق أن الكتابة واجبة ، وهو قول أهل الظاهر ، وقالوا : هو مذهب عمر ~~بن الخطاب ؛ لأنه ضرب أنسا حين سأله مولاه سيرين الكتابة ، فأبى أن يكاتبه ~~، وقرأ عمر : { فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا } [ النور : 33 ] . وحجة ~~الجماعة أنه قد انعقد الإجماع على أنه لو سأله أن يبيعه من غيره لم يلزمه ~~ذلك ، فكذلك الكتابة ؛ لأنها معاوضة لا تصح إلا عن تراض . واختلفوا فى ~~تأويل قوله تعالى : { فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا } [ النور : 33 ] ، قال ~~ابن عباس : الخير المال ، وقال عطاء : هو مثل قوله تعالى : { وإنه لحب ~~الخير لشديد } [ العاديات : 8 ] ، وقوله : { إن ترك خيرا } [ البقرة : 180 ~~] . وقال مجاهد : الخير المال والأداء . وقال الحسن والنخعى : هو الدين ~~والأمانة . وقال مالك : سمعت بعض أهل العلم يقولون : هو القوة على الاكتساب ~~والأداء ، وعن الليث نحوه ، وكره ابن عمر كتابة من لا حرفة له ، فيبعثه على ~~السؤال ، وقال : يطعمنى أوساخ الناس ، وعن سلمان مثله . قال الطبرى : وقول ~~من قال : إنه المال ، لا يصح ms2284 عندنا ؛ لأن العبد نفسه مال لمولاه ، فكيف ~~يكون له مال ؟ والمعنى عندنا : إن PageV07P076 علمتم فيهم الدين والصدق ، ~~وعلمتم أنهم يعاملونكم على أنهم متعبدون بالوفاء لكم بما عليهم من الكتابة ~~، والصدق فى المعاملة فكاتبوهم . واختلفوا فى قوله : { وآتوهم من مال الله ~~} [ النور : 33 ] ، فذهب مالك وجمهور العلماء إلى أن ذلك على الندب والحض ، ~~أن يضع الرجل عن عبده من أجر كتابته شيئا مسمى ، وذهب الشافعى وأهل الظاهر ~~إلى أن الإيتاء للعبد واجب ، وقول الجمهور أولى ؛ لأن النبى - صلى الله ~~عليه وسلم - لم يأمر موالى بريرة بإعطائها شيئا ، وقد كوتبت وبيعت بعد ~~الكتابة ، ولو كان الإيتاء واجبا لكان مقدرا كسائر الواجبات ، حتى إذا ~~امتنع السيد من حطه عنه وادعاه عليه عند الحاكم . فأما دعوى المجهول ، فلا ~~يحكم بها ، ولو كان الإيتاء واجبا ، وهو غير مقدر ؛ لكان الواجب للمولى على ~~المكاتب هو الباقى بعد الحطيطة ، فأدى ذلك إلى جهل مبلغ الكتابة ، وذلك لا ~~يجوز ، وكان النخعى يذهب فى تأويل قوله : { وآتوهم من ماله الله الذى آتاكم ~~} [ النور : 33 ] ، أنه خطاب للموالى وغيرهم ، وقاله الثورى . وقال الطحاوى ~~: وهذا حسن من التأويل حض الناس جميعا على معاونة المكاتبين لكى يعتقوا . * ~~* * # | 2 - باب ما يجوز من شروط المكاتب ومن اشترط شرطا ليس فى كتاب الله # / 2 - فيه : عائشة ، أن بريرة جاءت تستعينها فى كتابتها ، ولم تكن قضت من ~~كتابتها شيئا ، فقالت لها عائشة : ارجعى إلى أهلك ، فإن أحبوا أن ~~PageV07P077 أقضى عنك كتابتك ويكون ولاؤك لى فعلت ، فذكرت ذلك بريرة لأهلها ~~فأبوا ، وقالوا : إن شاءت أن تحتسب عليك فلتفعل ، ويكون لنا ولاؤك ، فذكرت ~~ذلك لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فقال لها رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - : ( ابتاعى فأعتقى ، فإنما الولاء لمن أعتق ) ، قال : ثم قام ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فقال : ( ما بال أناس يشترطون شروطا ~~ليست فى كتاب الله ، من اشترط شرطا ليس فى كتاب الله فليس له ، وإن شرط ~~مائة شرط ، فشرط الله أحق وأوثق ) . وترجم له باب ( استعانة المكاتب وسؤاله ~~الناس ms2285 ) ، وقالت فيه : فإنى كاتبت أهلى على تسع أواق ، فى كل عام أوقية ، ~~فأعينينى . وترجم له باب ( بيع المكاتب إذا رضى ) ، وقالت عائشة : هو عبد ~~ما بقى عليه شىء . وقال زيد بن ثابت : ما بقى عليه درهم . وقال ابن عمر : ~~هو عبد وإن مات ، وإن عاش ، وإن جنى ما بقى عليه شىء . وترجم له باب ( إذا ~~قال المكاتب : اشترنى وأعتقنى ، فاشتراه لذلك ) . / 3 - وفيه : قالت بريرة ~~: اشترينى وأعتقينى ، قالت : نعم ، قالت : لا يبيعونى حتى يشترطوا ولائى ، ~~فقالت : لا حاجة لى بذلك . . . الحديث . PageV07P078 أجمع العلماء أن من ~~شرط ما لا يجوز فى السنة أنه لا ينفعه شرطه ذلك ، وأنه مردود فى بيع كان ~~الشرط ، أو عتق ، أو غير ذلك من الأحكام ؛ لأن النبى - صلى الله عليه وسلم ~~- لم يخص شيئا دون غيره ، بل عم الأشياء كلها فى حديث بريرة ، وقد تقدم ~~اختلافهم فى جواز البيع والشرط فى كتاب البيوع . وقوله : ( كل شرط ليس فى ~~كتاب الله ) ، معناه فى حكم الله وقضائه من كتابه ، وسنة رسوله - صلى الله ~~عليه وسلم - ، وإجماع الأمة ، فهو باطل . وفى حديث بريرة دليل على اكتساب ~~المكاتب المال بالسؤال ، وأن ذلك طيب لمولاه ، وهذا يرد على من قال ، هو ~~قول ابن عمر : ذلك أوساخ الناس ؛ لأن ما طاب لبريرة أخذه طاب لسيدها أخذه ~~منها ، اعتبارا باللحم الذى كان عليها صدقة ، وللنبى - صلى الله عليه وسلم ~~- هدية ، واعتبارا أيضا بجواز معاملة الناس للسائل ، وقد تأول قوم من ~~العلماء فى قوله : { وفى الرقاب } [ التوبة : 60 ] ، أنه يجوز للمكاتبين ~~أخذ الزكاة المفروضة ، فكيف بالتطوع . واتفق مالك ، والكوفيون ، والشافعى ، ~~على جواز كتابة من لا حرفة له ولا مال معه ، وقد روى عن مالك كراهة ذلك ~~أيضا ، وكرهه الأوزاعى ، وأحمد ، وإسحاق ، ومما يدل على جواز سعى المكاتب ~~وسؤاله أن بريرة ابتدأت بالسؤال ، ولم يقل النبى - صلى الله عليه وسلم - : ~~هل لها مال أو عمل أو كسب ، ولو كان واجبا لسأل عنه ليقع حكمه عليه ؛ لأنه ~~بعث معلما ، عليه السلام ، وهذا يدل أن من تأول ms2286 فى قوله تعالى : ~~PageV07P079 { وإن علمتم فيهم خيرا } [ النور : 33 ] ، أن الخير المال ، ~~ليس بالتأويل الجيد ، وأن الخير المذكور هو القوة على الاكتساب مع الأمانة ~~، وقد يكتسب بالسؤال . وقوله : ( اشترطى لهم الولاء ) ، أى أظهرى لهم حكم ~~الولاء وعرفيهم ، والاشتراط هو الإظهار ، ومنه أشراط الساعة ظهور علاماتها ~~. وقال الداودى وغيره : لم يقل لها الرسول - صلى الله عليه وسلم - : اشترطى ~~لهم الولاء ، إلا بعد التقدم إليهم وإعلامهم أن الولاء كالنسب ، لا يباع ~~ولا يوهب ، ومعناه اشترطى لهم الولاء ، فإن اشتراطهم إياه بعد علمهم أن ~~اشتراطه لا يجوز غير نافع لهم . قال غيره : والدليل على ذلك قوله ، عليه ~~السلام ، معلنا على رءوس الناس : ( ما بال رجال يشترطون شروطا ليست فى كتاب ~~الله ) ، فإنما وبخهم بما تقرر عندهم من علم السنة فى ذلك ، ألا ترى قوله : ~~( قضاء الله أحق ، وشرط الله أوثق ) ، فكان هذا على وجه الوعيد لمن رغب عن ~~سنته فى بيع الولاء ، وليحذروا من مواقعة مثله ، ولم يكن رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - يتوعد فى الأمر إلا بعد التقدم فيه . قال الداودى : وقيل ~~: إنما قال لها ، عليه السلام : ( اشترطى لهم الولاء ) ، على وجه العقوبة ~~لهم ، بأن حرمهم الولاء إذ تقدموا على ذلك قبل أن يسألوه وهو بين أظهرهم ، ~~عليه السلام . PageV07P080 قال غيره : ومن الدليل على أن النبى ، عليه ~~السلام ، ربما قال الشىء أو فعله ، وليس بالأفضل عنده ، لما يريد من تنكيل ~~الناس وعقوبتهم ، أنه عليه السلام نهاهم عن الوصال فلم ينتهوا ، فواصل يوما ~~ثم يوما حتى رأوا الهلال ، وقال : ( لو تأخر لزدتكم ) ، كالمنكل بهم حين ~~أبوا أن ينتهوا ، ومثله قوله يوم الطائف : ( إنا قافلون غدا إن شاء الله ) ~~، فقال الناس : قبل أن نفتحها ؟ قال : ( فاغدوا على القتال ) ، فغدوا ~~فأصيبوا بجراحات ، فقال عليه السلام : ( إنا قافلون غدا إن شاء الله ) ، ~~فسروا بذلك . وفيه : أن النبى - صلى الله عليه وسلم - كان إذا أراد أن ~~يعاقب فى أمر يكون تأديبا لمن عاقبه عليه ، خطب الناس قائما ؛ ليكون أثبت ~~فى قلوبهم وأردع لمن أراد مثل ذلك ms2287 . وفيه : دليل أن المكاتب عبد ما لم يؤد ~~وما بقى عليه درهم ، روى ذلك عن عمر بن الخطاب ، وابن المسيب ، والقاسم ، ~~وسالم ، وعطاء ، وهو قول مالك ، والثورى ، والكوفيين ، والأوزاعى ، ~~والشافعى ، وأحمد ، وإسحاق . قال مالك : وكل من أدركنا من أهل العلم ببلدنا ~~يقولون ذلك . وفيها قول آخر روى عن على بن أبى طالب : أنه إذا أدى نصف ~~كتابته عتق . قال ابن مسعود : لو كانت الكتابة مائتى دينار ، وقيمة العبد ~~مائة دينار ، فأدى العبد المائة التى من قيمته عتق ، وهو قول النحعى ، وعن ~~ابن مسعود : إن أدى ثلث الكتابة عتق ، وهو قول شريح . وحجة الجماعة أن ~~النبى ، عليه السلام ، أجاز بيع المكاتب بقوله : PageV07P081 ( اشتريها ~~وأعتقيها ) ، فبان بذلك أن عقد الكتابة لا يوجب لها عتقا حتى تؤدى ما انعقد ~~عليه ، وأن عتقها يتعلق بشرط الأداء . قال ابن القصار : ولا تخلو الكتابة ~~أن تجرى مجرى العتق بالصفة ، أو مجرى البيع ، أو الرهن ، وإن كانت تجرى ~~مجرى العتق بالصفة ، فيجب ألا يعتق إلا بعد أداء جميع الكتابة ، كما لو قال ~~له : أنت حر إن دخلت الدار ، فلا يعتق إلا بعد دخولها ، وإن كان يجرى مجرى ~~البيع ، فيجب ألا يعتق أيضا إلا بعد الأداء ، كما لو باع عبدا ، فإنه لا ~~يلزمه تسليم المبيع إلا بقبض جميع الثمن ، وإن جرت مجرى الرهن فكذلك ؛ لأنه ~~لا يستحق أخذ الرهن حتى يؤدى جميع ما عليه . وقوله : باب إذا قال : اشترنى ~~وأعتقنى ، فاشتراه لذلك ، فاختلف فيه العلماء ، فقال الأوزاعى : لا يباع ~~المكاتب إلا للعتق ، ويكره أن يباع قبل عجزه ، وهو قول أحمد ، وإسحاق . ~~وقال الكوفيون : لا يجوز بيعه حتى يعجز . وقال الداودى : اختلف قول مالك فى ~~فسخ الكتابة بالبيع للعتق ، فقال بعض أصحابه : كانت بريرة عجزت ، وهذه دعوى ~~من قائله وتحكم ، والحديث يدل على خلافه . قال ابن المنذر : واختلف عن ~~الشافعى فى هذه المسألة ، فقال : ولا أعلم حجة لمن قال : ليس له بيع ~~المكاتب ، إلا أن يقول : لعل بريرة عجزت . فقال الشافعى : وأظهر معانيه أن ~~لمالك المكاتب بيعه . قال ابن ms2288 المنذر والداودى : وفى ترك الرسول - صلى الله ~~عليه وسلم - سؤال بريرة هل PageV07P082 عجزت أم لا ؟ دليل على أن المكاتب ~~يباع للعتق عجز أم لم يعجز . قال ابن المنذر : وإذا لم يختلف أهل العلم أن ~~للرجل أن يبيع عبده قبل أن يكاتبه ، فعقده الكتابة غير مبطل ما كان له من ~~بيعه ، كما هو غير مبطل ما كان له من عتقه ، ولو لم يكن له بيعه ما كان له ~~عتقه ؛ لأن بيعه إياه إزالة ملكه عنه ، كما عتقه سواء . ودل خبر عائشة فى ~~قصة بريرة أنها بيعت بعلم النبى ، عليه السلام ، فلم ينكره ، ومن قول عوام ~~أهل العلم : أن المكاتب عبد ما بقى عليه درهم ، فلم يمنع الرجل من بيع عبده ~~الذى لو شاء أعتقه . وخبر عائشة مستغنى به عن قول كل أحد . قال الطبرى : ~~وفى قوله ، عليه السلام ، لعائشة : ( اشتريها وأعتقيها ، فإنما الولاء لمن ~~أعتق ) ، أوضح دليل على أن بريرة إذ عتقت لم تعتق عند عائشة بالتحرير الذى ~~كان من مواليها لها عند عقد الكتابة ، ولكنها عتقت بعتق كان من عائشة لها ~~بعد ابتياعها ، فلذلك كان ولاؤها لعائشة دون مواليها البائعين لها ، وفى ~~ذلك أبين البيان أن عقد الكتابة الذى كان عقد لها مواليها انفسخ بابتياع ~~عائشة لها ، وهذا يرد قول من زعم أن عائشة أرادت أن تشترى منهم الولاء بعد ~~عقدهم الكتابة ، وتؤدى إليهم الثمن ليكون لها الولاء ، ولو كان هذا صحيحا ~~لكان النكير على عائشة دون موالى بريرة ؛ لأنها أرادت أن تشترى الولاء الذى ~~نهى النبى - صلى الله عليه وسلم - عنه ، وليس الأمر كذلك ، وإنما كان ~~الإنكار على موالى بريرة ؛ لأن الولاء لا يباع ولا يكون إلا للمعتق . ~~PageV07P083 وفيه من الفقه : أن كتابة الأمة ذات الزوج جائزة دون زوجها ، ~~وفى ذلك دليل أنه ليس لزوجها من الكتابة ، وإن كان ذلك يئول إلى فراقها ~~إياه بغير إذنه إذا خيرت واختارت نفسها ، ولما كان للسيد عتق الأمة تحت ~~العبد ، وإن أدى ذلك إلى بطلان نكاحه ، وله أن يبيع أمته من زوجها ms2289 الحر ، ~~وإن كان فى ذلك بطلان زوجيتها ، كان لهذا المعنى يجيز كتابتها على رغم ~~زوجها . وفيه : حجة لقول مالك أن للمرأة أن تتجر بمالها من غير علم زوجها ؛ ~~لأن عائشة اشترت بريرة وأنها إنما استأمرت رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- فى أمر الولاء خاصة . وفيه : أن للمرأة أن تعتق بغير إذن زوجها ، وقد ~~أكثر الناس فى تخريج الوجوه فى حديث بريرة حتى بلغوها نحو مائة وجه ، ~~وللناس فى ذلك أوضاع ، وسيأتى فى كتاب النكاح كثير من معانيه ، إن شاء الله ~~. PageV07P084 * * * بسم الله الرحمن الرحيم # | 45 - كتاب الهبة وفضلها والتحريض عليها # 1 - فيه : أبو هريرة ، قال النبى ، عليه السلام : ( يا نساء المؤمنات ، ~~لا تحقرن جارة لجارتها ، ولو فرسن شاة ) . / 2 - وفيه : عائشة ، قالت لعروة ~~: ابن أختى ، إن كنا لننظر إلى الهلال ، ثم الهلال ، ثلاثة أهلة فى شهرين ، ~~وما أوقدت فى أبيات رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نار ، فقلت : يا خالة ~~، وما كان يعيشكم ؟ قالت : الأسودان ، التمر والماء ، إلا أنه قد كان لرسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - جيران من الأنصار ، كانت لهم منائح ، وكانوا ~~يمنحون رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من ألبانهم فيسقيناه . قال المهلب ~~: فيه الحض على التهادى والمتاحفة ولو باليسير ؛ لما فيه من استجلاب المودة ~~، وإذهاب الشحناء ، واصطفاء الجيرة ، ولما فيه من التعاون على أمر العيشة ~~المقيمة للإرماق ، وأيضا فإن الهدية إذا كانت يسيرة فهى أدل على المودة ، ~~وأسقط للمئونة ، وأسهل على المهدى لإطراح التكليف . وفى حديث عائشة ما كان ~~النبى ، عليه السلام ، عليه من الزهد فى الدنيا ، والصبر على التقلل ، وأخذ ~~البلغة من العيش ، وإيثار الآخرة على الدنيا ؛ لأنه حمد حين خير بين الدنيا ~~والآخرة ، فاختار الآخرة ، وأن يكون نبيا عبدا ، ولا يكون نبيا ملكا ، فهذه ~~سنته وطريقته . وفى هذا من الفقه : فضل التقلل والكفاف على التنعم والترفه ~~، وفيه PageV07P085 حجة لمن آثر الفقر على الغنى ، وفيه أن من السنة مشاركة ~~الواجد المعدم ، وأن يكون الناس يشتركون فيما بأيديهم بالتفضل من الواجد . ~~قوله : ( يا نساء المؤمنات ms2290 ) ، على غير الإضافة ، تقديره : يا أيها النساء ~~المؤمنات ، ومثله : يا رجال الكرام ، فالمنادى هاهنا محذوف وهو أيها ، ~~والنساء فى تقدير النعت لأيها ، والمؤمنات نعت للنساء . وحكى سيبويه : يا ~~فاسق الخبيث ، ومذهبه فيه أن فاسق وشبهه معرف بياء ، كتعريف زيد بياء فى ~~النداء ، وكذلك يا نساء هنا مخرج على مذهبه أن يجوز نصب نعته ، كما جاز يا ~~زيد العاقل ، فنصب العاقل ، فيجوز على هذا يا نساء المؤمنات . وأما من روى ~~: ( يا نساء المؤمنات ) ، على الإضافة ونصب النساء ، فيستحيل أن تكون ~~المؤمنات هاهنا من صفات النساء ؛ لأن الشىء لا يضاف إلى نفسه ، وإنما يضاف ~~إلى غيره مما يبينه به ويضمه إليه ، ومحال أن يبينه بنفسه أو يضمه إليها ، ~~هذا مذهب البصريين . وقد أجاز الكوفيون إضافة الشىء إلى نفسه ، واحتجوا ~~بآيات من القرآن تتخرج معانيها على غير تأويلهم ، منها قوله تعالى : { ~~ولدار الآخرة } [ يوسف : 109 ] ، و { دين القيمة } [ البينة : 5 ] . وقال ~~الزجاج وغيره : معناه دار الحال الآخرة ؛ لأن للناس حالين ، حال الدنيا ~~وحال الآخرة ، ومثله صلاة الأولى ، والمراد صلاة الفريضة الأولى ، والسعة ~~الأولى ؛ لأنها أول ما فرض PageV07P086 من الصلوات ، ومعنى قوله تعالى : { ~~دين القيمة } [ البينة : 5 ] دين الملة القيمة ، ولهذا وقع التأنيث ، لكنه ~~يخرج ( يا نساء المؤمنات ) على تقدير بعيد ، وهو أن تجعل المؤمنات نعتا ~~لشىء محذوف غير النساء ، كأنه قال : يا نساء الأنفس المؤمنات ، والمراد ~~بالأنفس الرجال ، وفيه بعد لفساد المعنى ؛ لأن النبى - صلى الله عليه وسلم ~~- إنما خاطب النساء بذلك على وجه الفضيلة لهن والتخصيص ، وعلى هذا الوجه ، ~~لا فضيلة لهن فى ذلك ، إلا أن يراد بالأنفس الرجال والنساء معا ، فيكون ~~تقديره : يا نساء من الأنفس المؤمنات ، على تقدير إضافة البعض إلى الكل ، ~~كما تقول : أخذت دراهم مال زيد ، ومال واقع على الدراهم وغيرها . وقوله : ( ~~ولو فرسن شاة ) ، أصل الفرسن للإبل ، وهو موضع الحافر من الفرس ، ويقال ~~لموضع ذلك من البقر والغنم : الظلف . وقال الأصمعى : الفرسن ما دون الرسغ ~~من يدى البعير ، وهى مؤنثة ، والجمع الفراسن . وقال ابن السكيت : إنما ~~الفرسن ms2291 للبعير ، فاستعير للشاة ، وأنشد فى مثله : أشكو إلى مولاى من مولاتى ~~تربط بالحبل أكيرعاتى فاستعار الأكارع للإنسان ، كما استعار الفرسن للشاة . ~~* * * # | 2 - باب القليل من الهدية # / 3 - فيه : أبو هريرة ، قال عليه السلام : ( لو دعيت إلى كراع أو ذراع ~~لأجبت ، ولو أهدى إلى ذراع أو كراع لقبلت ) . هذا حض منه لأمته على ~~المهاداة ، والصلة ، والتأليف ، والتحاب ، وإنما PageV07P087 أخبر أنه لا ~~يحقر شيئا مما يهدى إليه أو يدعى إليه ؛ لئلا يمتنع الباعث من المهاداة ~~لاحتقار المهدى ، وإنما أشار بالكراع وفرسن الشاة إلى المبالغة فى قبول ~~القليل من الهدية ، لا إلى إعطاء الكراع والفرسن ومهاداته ؛ لأن أحدا لا ~~يفعل ذلك . * * * # | 3 - باب من استوهب من أصحابه شيئا # وقال أبو سعيد : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( اضربوا لى ~~معكم سهما ) . / 4 - وفيه : سهل ، قال النبى - صلى الله عليه وسلم - للمرأة ~~الأنصارية : ( مرى غلامك النجار ، يعمل لى أعواد المنبر . . . ) الحديث . / ~~5 - وفيه : أبو قتادة ، قال : فناولته العضد فأكلها ، حتى نفذها وهو محرم . ~~استيهاب الصديق الملاطف حسن إذا علم أن ما يستوهبه تطيب به نفسه ، ويسر ~~بهبته ، ويبين هذا أنه قد جاء فى حديث آخر أن المرأة الأنصارية كانت تطوعت ~~للنبى - صلى الله عليه وسلم - وسألته أن تصنع له المنبر ، وكانت وعدته بذلك ~~، وإنما قال ، عليه السلام : ( اضربوا لى معكم سهما ) فى الغنم التى أخذوا ~~فى الرقية بفاتحة الكتاب ، وقال فى لحم الصيد : ( هل معكم منه شىء ) ، ~~ليؤنسهم لما تحرجوا من أكله بأن يريهم حله عيانا بأكله منه . ومن هذا ~~الحديث ، قال بعض الفقهاء : إن المآكل إذا وردت على قوم دون مجالسيهم أنهم ~~مندوبون إلى مشاركتهم . | PageV07P088 * * * # | 4 - باب من استسقى # وقال سهل : قال لى النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( اسقنى ) . / 6 - فيه ~~: أنس ، قال : أتانا النبى ، عليه السلام ، فى دارنا هذه ، فاستسقى فحلبنا ~~له شاة لنا ، ثم شبته من ماء بئرنا هذه ، فأعطيته وأبو بكر عن يساره ، وعمر ~~تجاهه ، وأعرابى عن يمينه ، فلما فرغ ، قال عمر : هذا أبو بكر ، فأعطى ~~الأعرابى فضله ، ثم ms2292 قال : ( الأيمنون ، الأيمنون ، ألا فيمنوا ) ، قال أنس ~~: فهى سنة ، ثلاثا . هذا مثل الباب الذى قبله ، لا بأس بطلب ما يتعارف ~~الناس بطلب مثله من شرب الماء واللبن ، وما تطيب به النفس ، ولا يتشاح فيه ~~، ولاسيما أن زمن النبى - صلى الله عليه وسلم - زمن مكارمة ومشاركة ، وقد ~~وصفهم الله أنهم كانوا يؤثرون على أنفسهم ، وإنما أعطى الأعرابى ولم ~~يستأذنه كما استأذن الغلام ؛ ليتألفه بذلك لقرب عهده بالإسلام . وفيه : أن ~~السنة لمن استسقى أن يسقى من على يمينه ، وإن كان من على يساره أفضل ممن ~~جلس على يمينه ، ألا ترى قول أنس : فهى سنة ثلاث مرات ، وذلك يدل على ~~تأكيدها ، وقد تقدم بيان هذا المعنى فى كتاب الأشربة . * * * # | 5 - باب قبول هدية الصيد وقبل النبى - صلى الله عليه وسلم - من أبى ~~قتادة عضد الصيد # / 7 - وفيه : أنس ، أنفجنا أرنبا بمر الظهران ، فسعى القوم فلغبوا ، ~~فأدركتها فأخذتها ، فأتيت بها أبا طلحة فذبحها ، وبعث إلى النبى - صلى الله ~~عليه وسلم - بوركها ، أو فخذيها ، قال : فخذيها لا شك فيه ، فقبله ، قلت : ~~وأكل منه ؟ قال : وأكل منه ، ثم قال بعد : قبله . PageV07P089 / 8 - وفيه : ~~ابن عباس ، عن الصعب بن جثامة ، أنه أهدى لرسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- حمارا وحشيا ، وهو بالأبواء ، أو بودان ، فرد عليه ، فلما رأى ما فى وجهه ~~، قال : ( أما إنا لم نرده عليك إلا أنا حرم ) . قول شعبة : قوله : فخذيها ~~لا شك فيه ، دليل أنه شك فى الفخذين أولا ثم استيقن ، وكذلك شك آخرا فى ~~الأكل ، فأوقف حديثه على القبول ، وقبول هدية الصيد وغيره هى السنة ؛ لقوله ~~عليه السلام : ( لو أهدى إلى كراع أو ذراع لقبلته ) . وفى رد النبى - صلى ~~الله عليه وسلم - الحمار على الصعب بن جثامة وهو محرم دليل على أنه لا يجوز ~~قبول ما لا يحل من الهدية ؛ لأن النبى - صلى الله عليه وسلم - إنما رده ~~عليه لأنه لا يحل له قتل الصيد وهو محرم ، وكان الحمار حيا ، فدل هذا أن ~~المهدى إذا كان معروفا بكسب الحرام ، أو بالغصب والظلم ms2293 ، فإنه لا يجوز قبول ~~هديته . وفيه الاعتذار إلى الصديق ، وإذهاب ما يخشى أن يقع بنفسه من الوحشة ~~وسوء الظن ، وقد تقدم هذا الحديث فى كتاب الحج وما للعلماء فيه ، وكذلك ~~تقدم حديث أنس فى كتاب الصيد وتفسير أنفجنا . * * * # | 6 - باب قبول الهدية # / 9 - فيه : عائشة ، أن الناس كانوا يتحرون بهداياهم يوم عائشة ، يبتغون ~~بذلك مرضاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - . / 10 - وفيه : ابن عباس ، ~~أهدت أم حفيد ، خالة ابن عباس ، إلى النبى ، PageV07P090 عليه السلام ، ~~أقطا وسمنا وضبا ، فأكل النبى - صلى الله عليه وسلم - من الأقط والسمن ، ~~وترك الضب تقذرا ، قال ابن عباس : فأكل على مائدة رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - ، ولو كان حراما ما أكل على مائدة رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - . / 11 - وفيه : أبو هريرة ، كان النبى ، عليه السلام ، إذا أتى ~~بطعام سأل عنه : ( أهدية أم صدقة ؟ ) ، فإن قيل : صدقة ، قال لأصحابه : ( ~~كلوا ) ، ولم يأكل ، وإن قيل : هدية ، ضرب بيده - صلى الله عليه وسلم - ، ~~فأكل معهم . / 12 - وفيه : أنس ، أتى النبى - صلى الله عليه وسلم - بلحم ، ~~فقيل : تصدق به على بريرة ، فقال : ( هو لها صدقة ، ولنا هدية ) . / 13 - ~~وفيه : أم عطية ، دخل النبى - صلى الله عليه وسلم - على عائشة ، فقال : ( ~~عندكم شىء ؟ ) ، قالت : لا ، إلا شىء بعثت به أم عطية من الشاة التى بعثت ~~إليها من الصدقة ، قال : ( إنها قد بلغت محلها ) . قد روى عن مالك فى حديث ~~الضب أن النبى ، عليه السلام ، أمر ابن عباس ، وخالد ابن الوليد بأكل الضب ~~فى بيت ميمونة ، فقالا له : ألا تأكل يا رسول الله ؟ فقال : ( إنى يحضرنى ~~من الله حاضرة ، يعنى الملائكة الذين يناجيهم ، ورائحة الضب ثقيلة ) ، ~~فلذلك تقذره ، عليه السلام ، خشية أن يؤذى الملائكة بريحه . فى هذا من ~~الفقه أنه يجوز للإنسان أن يتقذر ما ليس بحرام عليه لقلة عادته بأكله ولذمه ~~، وإنما كان النبى - صلى الله عليه وسلم - لا يأكل الصدقة ؛ لأنها أوساخ ~~الناس ، وأخذ الصدقة منزلة ضعة ؛ لقوله عليه السلام : ( اليد العليا ~~PageV07P091 خير من اليد السفلى ms2294 ) ، والأنبياء منزهون عن منازل الضعة ~~والذلة ، وأيضا فلا تحل الصدقة للأغنياء ، وقد عدد الله على نبيه أنه وجده ~~عائلا فأغناه ، فلهذا كله حرمت عليه الصدقة . وقوله فى لحم بريرة : ( هو ~~لها صدقة ولنا هدية ) ، وقوله : ( قد بلغت محلها ) ، فإن الصدقة يجوز فيها ~~تصرف الفقير بالبيع والهدية وغير ذلك ؛ لصحة ملكه لها ، فلما أهدتها بريرة ~~إلى بيت مولاتها عائشة حلت لها وللنبى - صلى الله عليه وسلم - ، وتحولت عن ~~معنى الصدقة لملك المتصدق عليه بها ، ولذلك قال عليه السلام : ( وهى لنا من ~~قبلها هدية ، وقد بلغت محلها ) ، أى قد صارت حلالا بانتقالها من باب الصدقة ~~إلى باب الهدية ؛ لأن الهدية جائز أن يثيب عليها بمثلها وأضعافها على ~~المعهود منه ، عليه السلام ، وليس ذلك شأن الصدقة ، وقد تقدمت هذه المعانى ~~فى موضع آخر . * * * # | 7 - باب من أهدى إلى صاحبه وتحرى بعض نسائه دون بعض # / 14 - فيه : عائشة : كان الناس يتحرون بهداياهم يومى ، وكان نساء النبى ~~- صلى الله عليه وسلم - حزبين : حزب فيه عائشة وحفصة وصفية وسودة ، والحزب ~~الآخر أم سلمة وسائر نساء النبى ، عليه السلام ، وكان المسلمون قد علموا حب ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عائشة ، فإذا كان عند أحدهم هدية يريد ~~PageV07P092 أن يهديها إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أخرها ، حتى ~~إذا كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فى بيت عائشة ، بعث صاحب الهدية ~~بها إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى بيت عائشة ، فكلم حزب أم ~~سلمة ، فقلن لها : كلمى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يكلم الناس ، ~~يقول : من أراد أن يهدى إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هدية فليهدها ~~إليه حيث كان من نسائه ، فكلمته أم سلمة بما قلن ، فلم يقل لها شيئا ثلاثا ~~، فسألنها فقالت : ما قال لى شيئا ، فقلن لها : كلميه ، فكلمته حين دار ~~إليها أيضا ، فقال لها : ( لا تؤذينى فى عائشة ، فإن الوحى لم يأتنى وأنا ~~فى ثوب امرأة إلا عائشة ) ، قالت : فقلت : أتوب إلى الله من أذاك يا رسول ~~الله ms2295 ، ثم إنهن دعون فاطمة بنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فأرسلت ~~إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تقول : إن نساءك ينشدنك العدل فى ~~ابنة أبى بكر ، فقال : ( يا بنية ، ألا تحبين ما أحب ؟ ) ، فقالت : بلى ، ~~فرجعت إليهن فأخبرتهن ، فقلن : ارجعى إليه ، فأبت أن ترجع ، فأرسلن زينب ~~بنت جحش ، فأتته فأغلظت ، وقالت : إن نساءك ينشدنك العدل فى بنت ابن أبى ~~قحافة ، فرفعت صوتها حتى تناولت عائشة وهى قاعدة فسبتها ، حتى أن رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - ينظر إلى عائشة هل تكلم ، قال : فتكلمت عائشة ~~PageV07P093 حتى أسكتتها ، قال : فنظر النبى - صلى الله عليه وسلم - إلى ~~عائشة ، وقال : ( إنها بنت أبى بكر ) . قال المهلب : فى هذا الحديث من ~~الفقه : أنه ليس على الرجل حرج فى إيثار بعض نسائه بالتحف والطرف من المأكل ~~، وإنما يلزمه العدل فى المبيت والمقام معهن ، وإقامة نفقاتهن وما لابد منه ~~من القوت والكسوة ، وأما غير ذلك فلا ، وفيه تحرى الناس بالهدايا أوقات ~~المسرة ومواضعها من المهداة إليه ؛ ليزيد بذلك فى سروره ، وفيه أن الرجل ~~يسعه السكوت بين نسائه إذا تناظرن ، ولا يميل مع بعضهن على بعض ، كما سكت ~~النبى - صلى الله عليه وسلم - حين تناظرت زينب وعائشة ، ولكن قال آخرا : ( ~~إنها بنت أبى بكر ) ، ففى هذا إشارة إلى التفضيل بالشرف والفهم . * * * # | 8 - باب ما لا يرد من الهدية # / 15 - فيه : أنس ، كان لا يرد الطيب ، وزعم أن النبى - صلى الله عليه ~~وسلم - كان لا يرده . قال المهلب : إنما كان النبى - صلى الله عليه وسلم - ~~لا يرد الطيب من أجل أنه كان يلازمه لمناجاته الملائكة ، ولذلك كان لا يأكل ~~الثوم وما شاكله ، وفى هذا الحديث دليل أن من الهدايا ما يرد لعلة ، إذا ~~كان لذلك وجه ، وأن الطيب لا وجه لرده ؛ لأنه من المباحات PageV07P094 ~~المستحسنات ، وقد قال ، عليه السلام : ( حبب إلى من الأشياء النساء والطيب ~~) . * * * # | 9 - باب من رأى الهبة الغائبة جائزة # / 16 - فيه : مروان والمسور ، أن النبى - صلى الله عليه وسلم - حين جاءه ~~وفد هوازن ، قام ms2296 فى الناس ، فقال : ( إن إخوانكم جاءونا تائبين ، وإنى رأيت ~~أن أرد إليهم سبيهم ، فمن أحب أن يطيب ذلك فليفعل ، ومن أحب أن يكون على ~~حظه . . . ) ، الحديث . قال المهلب : هبة الشىء الغائب جائزة عند العلماء ، ~~ولا أعلم فى ذلك خلافا ، وفيه أن للسلطان أن يرفع أملاك قوم إذا كان فى ذلك ~~مصلحة واستئلاف . * * * # | 10 - باب المكافأة فى الهدية # / 17 - فيه : عائشة ، كان النبى - صلى الله عليه وسلم - يقبل الهدية ، ~~ويثيب عليها . قال المهلب : الهدية على ضربين : فهدية للمكافأة ، وهدية ~~للصلة والجوار ، فما كان للمكافأة كان على سبيل البيع وطريقه ، ففيه العوض ~~، ويجبر المهدى إليه على سبيل العوض ، وما كان لله أو للصلة ، فلا يلزم ~~عليه مكافأة ، وإن فعل فقد أحسن . وقد اختلف الفقهاء فيمن وهب هبة ثم طلب ~~ثوابها ، وقال : إنما أردت الثواب ، فقال مالك : ينظر فيه ، فإن كان مثله ~~ممن يطلب الثواب من الموهوب له ، فله ذلك ، مثل الفقير للغنى ، وهبة الغلام ~~لصاحبه ، وهبة الرجل لأميره ، ومن هو فوقه ، وهو PageV07P095 أحد قولى ~~الشافعى . وقال أبو حنيفة : لا يكون له ثواب إذا لم يشترطه ، وهو قول ~~الشافعى الثانى ، قال : والهبة للثواب باطل لا تنعقد ؛ لأنها بيع بثمن ~~مجهول . واحتج الكوفى بأن موضع الهبة التبرع ، فلو أوجبنا فيها العوض لبطل ~~معنى التبرع ، وصار فى معنى المعاوضات ، والعرب قد فرقت بين لفظ البيع ولفظ ~~الهبة ، فجعلت لفظ البيع واقعا على ما يستحق فيه العوض ، والهبة بخلاف ذلك ~~. قال ابن القصار : والحجة لمالك أن النبى ، عليه السلام ، كان يقبل الهدية ~~ويثيب عليها ، والاقتداء به واجب ؛ لقوله تعالى : { لقد كان لكم فى رسول ~~الله أسوة حسنة } [ الأحزاب : 21 ] . وروى أن أعرابيا أهدى إلى النبى - صلى ~~الله عليه وسلم - بعيرا ، فأثابه عليه فأبى ، فزاده فأبى ، فقال له ، عليه ~~السلام : ( لقد هممت ألا أتهب إلا من قرشى أو دوسى ) ، فدل أن الهبة تقتضى ~~الثواب ، وإن لم يشترطه ؛ لأن النبى - صلى الله عليه وسلم - أثابه وزاده فى ~~الثواب حتى بلغ رضا الأعرابى ، ولو لم يكن واجبا لم يثبه ms2297 ولم يزده ، ولو ~~أثاب تطوعا لم تلزمه الزيادة ، وكان ينكر على الأعرابى طلبه للثواب حتى ~~يحصل علمه هذا عند الناس . وأما قوله : إن الهبة موضوعة للتبرع ، ومخالفة ~~للفظ البيع ، فالجواب أن الهبة لو لم تقتض العوض أصلا لكانت بمنزلة الصدقة ~~، يقصد بها ثواب الآخرة . والفرق بين الهبة والصدقة أن الواهب يقصد ~~المكافأة فى الأغلب ، PageV07P096 وليست الصدقة كذلك ، والفقير إذا وهب ~~للغنى ينبغى أن يكون بمطلقه يقتضى الثواب ، وإن كان الثواب مجهولا ، كقطعة ~~الحمام والشارب والملاح ، وقد جرى العرف بذلك ، وأيضا فإن الواهب دخل على ~~أخذ العوض ، وإن لم ينكره ، فصار كأنه عقد معاوضة ، ولنا أن نستدل بقوله ~~تعالى : { وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها } [ النساء : 86 ] ، ~~فهو عام فى كل هدية وهبة ، فلو أهدى له مما يتحيا به من مسموم وغيره ، وطلب ~~الثواب كان ذلك له ، ووجب على المحيا أن يحيى بأحسن منها ، أو يردها بأمر ~~الله له بذلك . فإن قيل : هذا ندب ، والوجوب لا يتعلق بعوض زائد ، فالجواب ~~: أنه ندب إلى أحسن منها ، وإلا فالرد واجب لفعل الرسول - صلى الله عليه ~~وسلم - ، وقد روى عن عمر بن الخطاب ، وعلى بن أبى طالب أنهما قالا : إذا ~~وهب الرجل هبة ولم يثب منها فهو أحق بها ، ولا مخالف لهما فى الصحابة . * * ~~* # | 11 - باب الهبة للولد وإذا أعطى بعض ولده شيئا لم يجز حتى يعدل بينهم ~~ويعطى الآخرين مثله ولا يشهد عليه # وقال الرسول : ( اعدلوا بين أولادكم فى العطية ) ، وهل للوالد أن يرجع فى ~~عطيته ، وما يأكل من مال ولده بالمعروف ، ولا يتعدى . واشترى PageV07P097 ~~النبى ، عليه السلام ، من عمر بعيرا ، ثم أعطاه ابن عمر ، وقال : ( اصنع به ~~ما شئت ) . / 18 - فيه : النعمان ، أن أباه أتى به النبى ، عليه السلام ، ~~فقال : إنى نحلت ابنى هذا غلاما ، فقال : ( أكل ولدك نحلت مثله ؟ ) ، قال : ~~لا ، قال : ( فأرجعه ) ، وقد ذكره البخارى فى كتاب الشهادات ، وقال فيه : ( ~~لا أشهد على جور ) . اختلف العلماء فى الرجل ينحل بعض ولده دون البعض ، ~~فكرهه طاوس ، وقال : لا يجوز ms2298 ذلك ، ولا رغيف محرق ، وهو قول عروة ، ومجاهد ~~، وبه قال أحمد ، وإسحاق ، قال إسحاق : فإن فعل فالعطية باطلة ، وإن مات ~~الناحل فهو ميراث بينهم . واحتجوا بأن النبى ، عليه السلام ، رد عطية ~~النعمان ، وقال له : ( اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم ) ، وبقوله : ( لا ~~أشهد على جور ) ، وأجاز ذلك مالك فى الأشهر عنه ، وهو قول الكوفيين ، ~~والشافعى ، وإن كانوا يستحبون أن يسوى بينهم ذكرانا كانوا أو إناثا . وقال ~~عطاء وطاوس : يجعل للذكر مثل حظ الأنثيين ، كما قسم الله بعد موته ، وهو ~~قول الثورى ، ومحمد بن الحسن ، وأحمد ، وإسحاق . وقال سحنون : إذا تصدق بجل ~~ماله ولم يكن فيما استبقى ما يكفيه ، ردت صدقته ، وإن أبقى من ذلك ما يكفيه ~~جازت صدقته . PageV07P098 وقد قال مالك : لم يكن لبشير مال غير الغلام الذى ~~نحله ابنه . ومن حجة الذين أبطلوا ذلك أن إعطاء بعضهم دون بعض يؤدى إلى قطع ~~الرحم والعقوق ، فيجب أن يكون محرما ممنوعا منه ؛ لأنه لا يجوز عليه - صلى ~~الله عليه وسلم - أن يحث على صلة الرحم ويجيز ما يؤدى إلى قطعها ، قالوا : ~~وقد كان النعمان وقت ما نحله أبوه صغيرا ، وكان أبوه قابضا له لصغره عن ~~القبض ، فلما قال له ، عليه السلام : اردده ، بعدما كان فى حكم ما قبض ، دل ~~على أن النحل لبعض ولده لا ينعقد ولا يملكه المنحول . قال الطحاوى : ومن ~~حجة الذين أجازوا التفضيل أن حديث النعمان لا دليل فيه على أنه كان حينئذ ~~صغيرا ، ولعله كان كبيرا لم يكن قبضه ، وقد روى الحديث على غير هذا المعنى ~~، روى داود بن أبى هند ، عن الشعبى ، عن النعمان ، أن النبى ، عليه السلام ~~، قال : ( أكل ولدك نحلته مثل هذا ؟ ) ، قال : لا ، قال : ( أيسرك أن ~~يكونوا لك فى البر سواء ؟ ) ، قال : بلى ، قال : ( فأشهد على هذا غيرى ) ، ~~فهذا خلاف ما فى الحديث الأول ، وهذا القول لا يدل على فساد العقد الذى عقد ~~للنعمان ؛ لأن النبى - صلى الله عليه وسلم - قد يتوقى فى الشهادة على ماله ~~أن يشهد عليه . وقوله : ( أشهد على هذا غيرى ms2299 ) ، دليل على صحة العقد ، وقد ~~أمر النبى - صلى الله عليه وسلم - بالتسوية بينهم ليستووا جميعا فى البر ، ~~وليس فى شىء من هذا فساد العقد على التفضيل ، فكان كلام النبى - صلى الله ~~عليه وسلم - إياه على طريق المشورة ، وعلى ما ينبغى أن يفعل عليه الشىء إن ~~آثر فعله . PageV07P099 وكان عليه السلام إذا قسم شيئا بين أهله سوى بينهم ~~جميعا ، وأعطى المملوك كما يعطى الحر ، ليس ذلك على أنه واجب ، لكنه أحسن ~~من غيره ، وقد روى معمر ، عن الزهرى ، عن أنس ، قال : كان مع رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - رجل ، فجاء ابن له ، فقبله وأجلسه على فخذه ، ثم جاءت ~~ابنة له ، فأجلسها إلى جنبه ، قال : ( فهلا عدلت بينهما ) ، أفلا ترى رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - أراد منه التعديل بين البنت والابن ، وألا ~~يفضل أحدهما على الآخر . فإن قيل : فقوله عليه السلام : ( لا أشهد على جور ~~) ، يدل على أن إعطاء بعضهم لا يجوز . قيل : ليس قوله ذلك بأشد من قوله : ( ~~فارجعه ) ، وهذا يدل على أن العطية قد لزمت وخرجت عن يده ، ولو لم تكن ~~صحيحة لم يكن له أن يرتجع ؛ لأنها ما مضت ولا صحت فيرتجع ، فأمره بذلك لأن ~~المستحب والمسنون التسوية . ولما أجمعوا على أنه مالك لماله ، وأن له أن ~~يعطيه من شاء من الناس ، كذلك يجوز أن يعطيه من شاء من ولده ، والدليل على ~~جواز ذلك أن أبا بكر الصديق نحل ابنته عائشة دون سائر ولده ، ونحل عمر ابنه ~~عاصما دون سائر ولده ، ونحل عبد الرحمن بن عوف ابنته أم كلثوم ولم ينحل ~~غيرها ، وأبو بكر وعمر إمامان ، وعبد الرحمن ومحله ، ولم يكن فى الصحابة من ~~أنكر ذلك . والحجة على من قال : نجعل حظ الذكر مثل حظ الأنثيين كالفرائض ، ~~قوله عليه السلام : ( أكل ولدك نحلت مثل هذا ) ، ولم يقل له : هل فضلت ~~الذكر على الأنثى ؟ ولو كان ذلك مستحبا PageV07P100 لسأله عنه كما سأله عن ~~التشريك فى العطية ، فثبت أن المعتبر عطية الكل على التسوية . فإن قيل : لم ~~يكن لبشير ms2300 بنت ، فلذلك لم يسأله . قيل : قد كان للنعمان أخت لها خبر نقله ~~أصحاب الحديث . قال المهلب : وفى قوله عليه السلام : ( اردده ) من الفقه أن ~~للأب أن يقبض ما وهب لولده ويرجع فيه . وقد اختلف العلماء فى ذلك ، فقال ~~مالك : له أن يرجع فى هبته وإن قبضها الولد ما لم تتغير فى يد ولده ، أو ~~سيحدث دينا ، أو تتزوج البنت بعد الهبة . وقال الشافعى : له أن يرجع فى ~~هبته على كل حال ولم يعتبر طروء دين أو تزويجا . وقال أبو حنيفة : لا يرجع ~~فيما وهب لولده ، وحديث النعمان حجة على أبى حنيفة ؛ لأن الرسول - صلى الله ~~عليه وسلم - أمره بالرجوع فيما وهب لابنه ، فإن قال : لم يكن قبض النعمان ~~الهبة ، فلذلك جاز لأبيه الرجوع فيها ، فالجواب أن الهبة تلزم عند مالك ~~بالقول ، ولا يفتقد فى صحتها إلى القبض . ولو كان الحكم فيها يختلف بين أن ~~تكون مقبوضة أو غير مقبوضة ، لاستعلم الرسول - صلى الله عليه وسلم - الحال ~~وفصل بينهما ، وأيضا فإن مجيئه للنبى ، عليه السلام ، يشهده يدل على أنه ~~كان أقبضه ، ولو لم يقبضه لم يكن لقوله : ( أرجعه ) معنى ؛ لأنه عندكم قبل ~~القبض لا يلزمه يرجع فيه ، وليس لقوله حكم . PageV07P101 وحجة مالك أنه لا ~~يرجع إن استحدث ابنه دينا ، فإنما قال ذلك ؛ لأن حق الغرماء قد وجب فى مال ~~الابن ؛ لأنهم إنما داينوه على ماله ، فليس للأب أن يبطل حقوق غرماء ابنه ، ~~وكذلك البنت إذا تزوجت لمالها ؛ لأن الزوج له معونة فيه وكمال فى مال زوجته ~~. وقد قال عليه السلام : ( تنكح المرأة لمالها ) ، فليس للأب أن يبطل ما ~~وجب للزوج من الحقوق فى مال زوجته بأن يأخذ ذلك منها ، وليس لغير الأب أن ~~يقبض عند مالك وأكثر أهل المدينة ، إلا أن الأم لها أن تقبض عندهم ما وهبت ~~لولدها إذا كان أبوهم حيا . هذا الأشهر عن مالك ، وقد روى عنه أنها لا تقبض ~~أصلا ، ولا يجوز عند أهل المدينة أن تقبض الأم ما وهبت ليتيم من ولدها ؛ ~~لأن الهبة لليتيم على ms2301 وجه القربة لله ، فهى بمنزلة الصدقة عليه ، ولا يجوز ~~الرجوع فى الصدقة ؛ لأنها لله ، كما لا يجوز الرجوع فى العتق والوقف ~~وأشباهه . وعند الشافعى لا يرجع أحد فى هبته إلا الوالد والجد ، وقد روى عن ~~ابن وهب أن الجد يقبض كالأب ، وعند الكوفى لا يرجع فيما وهبه لكل ذى رحم ~~محرم بالنسب كالابن ، والأخ ، والأخت ، والعم ، والعمة ، وكل من لو كان ~~امرأة لم يحل له أن يتزوجها لأجل النسب . | PageV07P102 قال المؤلف : فى ~~اشتراء النبى - صلى الله عليه وسلم - البعير من عمر وهبته لابنه دليل على ~~ما بوب به البخارى من التسوية بين الأبناء فى الهبة ؛ لأنه عليه السلام لو ~~سأل عمر أن يهب البعير لابنه عبد الله لم يكن عدلا بين بنى عمر ، فلذلك ~~اشتراه عليه السلام ووهبه ، ولو أشار على عمر أن يهبه لابنه عبد الله لبادر ~~إلى ذلك . قال المهلب : وفى اشتراء النبى - صلى الله عليه وسلم - الجمل من ~~عمر وهبته لابنه من الفقه أن غير الأب لا تلزمه التسوية فيما يهب بعض ولد ~~الرجل كما يلزم الأب فى ولده ، لما جبل الله النفوس عليه من الغضب عند أثرة ~~الآباء بعض بنيهم دون بعض ، ولو لزمت التسوية بين الأخوة من غير الأب ، كما ~~لزمت من الأب لما وهب النبى - صلى الله عليه وسلم - أحد بنى عمر دون إخوته ~~. وقول البخارى : ولا يشهد عليه معناه : الرد لفعل الأب إذا فضل بعض بنيه ، ~~وأنه لا يسع الشهود أن يشهدوا على ذلك من فعل الأب إذا تبين منه الميل ، ~~كما لم يشهد الرسول على عطية بشير ابنه النعمان دون إخوته ، وقال : ( لا ~~أشهد على جور ) ، فكان ذلك سنة من النبى - صلى الله عليه وسلم - ألا يشهد ~~على عطية يتبين فيها الجور . * * * # | 12 - باب الإشهاد فى الهبة # / 19 - فيه : النعمان : أعطانى أبى عطية ، فقالت عمرة بنت رواحة : لا ~~أرضى حتى تشهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فأتى رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - ، فقال : إنى أعطيت ابنى من عمرة بنت رواحة ms2302 عطية ، ~~فأمرتنى أن أشهدك يا رسول الله ، قال : ( أعطيت سائر PageV07P103 ولدك مثل ~~هذا ؟ ) ، قال : لا ، قال : ( فاتقوا الله واعدلوا بين أولادكم ) ، قال : ~~فرجع فرد عطيته . الإشهاد ليس من شروط الهبة والصدقة التى لا تتم إلا بها ، ~~وإنما هو ليعلم عزيمة المتصدق على إنفاذ ما تصدق به أو وهب ، ولو أن رجلا ~~تصدق على أحد بشىء ، وحازه المتصدق عليه دون إشهاد حتى مات المتصدق ، فأقر ~~ورثته وهم بالغون بالصدقة لنفذت ، وإن كان لم يشهد عليها فى الأصل عند مالك ~~وأصحابه ، وإنما الإشهاد فى الهبة كالإشهاد فى البيع والعتق ليعلم ذلك . ~~قال المهلب : وفيه أن للإمام إذا عرف من الواهب هروبا من بعض الورثة أن يرد ~~ذلك ؛ لأن قوله : ( فأمرتنى أن أشهدك ) ، وأنها لم ترض حتى يشهد رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - دليل على هروبه بماله عن سائر بنيه ؛ لأن فى بعض ~~طرق الحديث : ( لا أشهد على جور ) ، وكان معروفا بالميل إلى تلك المرأة . * ~~* * # | 13 - باب هبة الرجل لامرأته ، والمرأة لزوجها # وقال الله تعالى : { فإن طبن لكم عن شىء منه نفسا فكلوه } [ النساء : 4 ] ~~. قال إبراهيم : جائزة ، وقال عمر بن عبد العزيز : لا يرجعان . واستأذن ~~النبى ، عليه السلام ، نساءه أن يمرض فى بيت عائشة . وقال : ( العائد فى ~~هبته كالكلب يعود فى قيئه ) . وقال الزهرى فيمن قال لامرأته : هبى لى بعض ~~صداقك ، أو كله ، ثم لم يمكث إلا PageV07P104 يسيرا حتى طلقها ، فرجعت فيه ~~، قال : يرد إليها إن كان خلبها ، وإن كانت أعطته عن طيب نفس ليس فى شىء من ~~أمره خديعة جاز . قال الله : { فإن طبن لكم عن شىء } [ النساء : 4 ] الآية ~~. / 20 - فيه : عائشة ، لما ثقل النبى - صلى الله عليه وسلم - فاشتد وجعه ~~استأذن أزواجه أن يمرض فى بيتى ، فأذن له . . . الحديث . / 21 - وفيه : ابن ~~عباس ، قال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( العائد فى هبته ، كالكلب يقىء ~~، ثم يعود فى قيئه ) . اختلف العلماء فى الزوجين يهب كل واحد منهما لصاحبه ~~، فقال جمهور العلماء : ليس لواحد منهما أن يرجع فيما يعطيه للآخر ms2303 ، هذا ~~قول عمر بن عبد العزيز ، والنخعى ، وعطاء ، وربيعة ، وبه قال مالك ، والليث ~~، والثورى ، والكوفيون ، والشافعى ، وأبو ثور ، وفيها قول آخر ، وهو أن لها ~~أن ترجع فيما أعطته ، وليس له أن يرجع فيما أعطاها ، روى هذا عن شريح ، ~~والشعبى ، والزهرى . قال الزهرى : ما رأيت القضاة إلا يقيلون المرأة فيما ~~وهبت لزوجها ، ولا يقيلون الرجل فيما وهب لامرأته . وروى عبد الرزاق ، عن ~~الثورى ، عن سليمان الشيبانى ، قال : كتب عمر بن الخطاب أن النساء يعطين ~~رغبة ورهبة ، فأيما امرأة أعطت زوجها فشاءت أن ترجع رجعت . والقول الأول ~~أحسن لقوله : { فإن طبن لكم عن شىء منه نفسا } [ النساء : 4 ] ، وروى عن ~~على ابن أبى طالب ، أنه قال : إذا اشتكى أحدكم فليسأل امرأته ثلاثة دراهم ، ~~ويشترى بها عسلا ، ويأخذ من ماء السماء فيتداوى به ، فيجمع هنيئا ~~PageV07P105 مريئا وماء مباركا ، فلو كان لهن فيه رجوع لم يكن هنيئا مريئا ~~، ألا ترى أن ما وهبه أزواج النبى - صلى الله عليه وسلم - له من أيامهن ~~ولياليهن ، وأن يمرض فى بيت عائشة ، لم يكن لهن فيه رجوع ؛ لأنه كان عن طيب ~~نفس منهن ، لا عن عوض . واختلفوا فيما وهب أحد الزوجين لصاحبه ، هل يحتاج ~~إلى حيازة وقبض ؟ فقال ابن أبى ليلى والحسن البصرى : الصدقة جائزة وإن لم ~~يقبضها . وقال النخعى وقتادة : ليس بين الزوجين حيازة . وقال ابن سيرين ، ~~وشريح ، ومسروق ، والشعبى : لابد فى ذلك من القبض ، وهو قول الثورى ، ~~والكوفيين ، والشافعى ، وهى رواية أشهب عن مالك . قال مالك : إن ما وهب ~~الرجل لامرأته ، والمرأة لزوجها وهو فى أيديهما كما كان ، إنه حوز ضعيف لا ~~يصح ، وله قول آخر ، روى ابن القاسم ، عن مالك فى العتبية فى الرجل يهب ~~لامرأته خادما ولا يخرجها عن البيت الذى هما فيه ، ويهبها دارا يسكناها ، ~~أو تهب له ذلك ، أن ذلك جائز للمرأة . وروى عيسى ، عن ابن القاسم فى الرجل ~~يهب لامرأته دارا يسكناها ، ثم يسكنان بعد ذلك فيها ، أو المرأة تفعل مثل ~~ذلك ، ففرق بينهما ، قال : إذا كان الزوج الواهب فالصدقة غير ms2304 تامة ؛ لأن ~~عليه أن يسكن زوجته ، فكأنه هو مسكنها ، فإذا كانت المرأة الواهبة فالصدقة ~~جائزة ؛ لأنه يسكن ما حوزه لنفسه . PageV07P106 * * * # | 14 - باب هبة المرأة لغير زوجها وعتقها إذا كان لها زوج # فهو جائز إذا لم تكن سفيهة ، فإذا كانت سفيهة لم يجز . قال الله تعالى : ~~{ ولا تؤتوا السفهاء أموالكم } [ النساء : 5 ] . / 22 - فيه : أسماء ، قالت ~~: قلت : يا رسول الله ، ما لى مال إلا ما أدخل على الزبير ، فأتصدق ؟ قال : ~~( تصدقى ، ولا توعى فيوعى الله عليك ) . / 23 - وقال مرة : ( أنفقى ولا ~~تحصى ، فيحصى الله عليك ) . / 24 - وفيه : ميمونة زوج النبى ، أنها أعتقت ~~وليدة ، ولم تستأذن النبى ، عليه السلام ، فلما كان يومها الذى يدور عليها ~~فيه ، قالت : أشعرت يا رسول الله أنى أعتقت وليدتى ؟ قال : ( أوفعلت ؟ ) ، ~~قالت : نعم ، قال : ( أما إنك لو أعطيتها أخوالك كان أعظم لأجرك ) . / 25 - ~~وفيه : عائشة ، أن سودة بنت زمعة وهبت يومها وليلتها لعائشة زوج النبى - ~~صلى الله عليه وسلم - ، تبتغى بذلك رضا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - . ~~اختلف العلماء فى المرأة المالكة لنفسها الرشيدة ذات الزوج ، فقالت طائفة : ~~لا فرق بينها وبين البالغ من الرجال ، فما جاز من عطايا الرجل البالغ ~~الرشيد جاز من عطائها ، هذا قول سفيان الثورى ، والشافعى ، وأبى ثور ، ~~وأصحاب الرأى ، وروينا معنى ذلك عن عطاء . قال ابن المنذر : وبه نقول . ~~وقالت طائفة : لا يجوز لها أن تعطى من مالها شيئا بغير إذن زوجها . روى هذا ~~القول عن أنس بن مالك ، وهو قول طاوس والحسن البصرى ، وقال مالك : لا يجوز ~~عطاؤها بغير إذن زوجها إلا ثلث مالها خاصة ، قياسا على الوصية . وقال الليث ~~: لا يجوز عتق PageV07P107 المرأة ذات الزوج ولا صدقتها إلا فى الشىء ~~اليسير الذى لابد لها منه فى صلة الرحم أو غيره ، مما يتقرب به إلى الله . ~~وحجة القول الأول أن الله تعالى سوى بين الرجال والنساء عند بلوغ الحلم ~~وظهور الرشد ، فقال : { فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم } [ ~~النساء : 6 ] ، فأمر بدفع أموالهم إليهم ، ولم يخص رجلا من امرأة ms2305 ، فثبت أن ~~من صح رشده صح تصرفه فى ماله بما شاء ، وقال : { وآتوا النساء صدقاتهن نحلة ~~} [ النساء : 4 ] الآية ، فأباح للزوج ما طابت له به نفس امرأته ، وقال : { ~~وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن } إلى { إلا أن يعفون } [ البقرة : 237 ] . ~~فأجاز عفوها عن مالها بعد طلاق زوجها إياها بغير استئمار من أحد ، فدل ذلك ~~على جواز أمر المرأة فى مالها ، وعلى أنها فيه كالرجل سواء ، واحتجوا بأمر ~~الرسول - صلى الله عليه وسلم - أسماء بالصدقة ، ولم يأمرها باستئذان الزبير ~~، وأن ميمونة أعتقت وليدة لها ولم تستأذن النبى - صلى الله عليه وسلم - ، ~~وبحديث ابن عباس أنه ، عليه السلام ، خطب النساء يوم عيد ، وقال لهن : ( ~~تصدقن ولو من حليكن ) ، وليس فى شىء من الأخبار أنهن استأذن أزواجهن ، ولا ~~أنه عليه السلام أمرهن باستئذانهم . ولا يختلفون فى أن وصاياها من ثلث ~~مالها جائزة كوصايا الرجل ، ولم يكن لزوجها عليها فى ذلك سبيل ولا أمر ، ~~وبذلك نطق الكتاب ، وهو قوله تعالى : { من بعد وصية يوصين بها أو دين } [ ~~النساء : 12 ] ، فإذا كانت وصاياها فى ثلث مالها جائزة بعد وفاتها ، ~~PageV07P108 فأفعالها فى مالها فى حياتها أجوز ، والحجة لطاوس حديث عمرو بن ~~شعيب ، عن أبيه ، عن جده ، أن النبى ، عليه السلام ، قال : ( لا تجوز عطية ~~امرأة فى مالها إلا بإذن زوجها ) ، فأحاديث هذا الباب أصح من حديث عمرو بن ~~شعيب . وتأول مالك فى الأحاديث التى جاءت عن النبى ، عليه السلام ، أنه أمر ~~النساء بالصدقة ، إنما أمرهن بإعطاء ما ليس بالكثير المجحف بغير إذن ~~أزواجهن ؛ لقوله عليه السلام : ( تنكح المرأة لمالها ودينها وجمالها ) ، ~~فسوى بين ذلك ، فكان لزوجها فى مالها حقا ، فلم يكن لها أن تتلفه إلا بإذنه ~~. وعلى هذا يصح الجمع بين حديث عمرو بن شعيب وسائر الأحاديث المعارضة له ، ~~فيكون حديث عمرو بن شعيب واردا فى النهى عن إعطاء الكثير المجحف ، وتكون ~~الأحاديث الواردة بحض النساء على الصدقة فيما ليس بالكثير المجحف ، والله ~~الموفق . وأما حديث هبة سودة يومها لعائشة ، فليس من هذا الباب فى شىء ms2306 ؛ ~~لأن للمرأة الشفيقة أن تهب يومها لضرتها ، وإنما السفه فى إفساد المال خاصة ~~. واختلفوا فى البكر إذا تزوجت متى تكون فى حال من تجوز لها العطاء ، فقالت ~~طائفة : ليس لها فى مالها أمر حتى تلد ، أو يحول عليها الحول ، روى هذا عن ~~عمر بن الخطاب ، وعن شريح ، والشعبى ، وبه قال أحمد وإسحاق . وفرق أصحاب ~~مالك بين البكر ذات الأب والوصى ، وبين التى PageV07P109 لا أب لها ولا وصى ~~، قال ابن القاسم : أما البكر التى لا أب لها ، فلا يجوز قضاؤها فى مالها ~~وإن عنست حتى تدخل بيتها وترضى حالها . واختلفوا فى حد تعنيس البكر ، فقال ~~ابن وهب : الثلاثين سنة إلى خمس وثلاثين . وقال ابن القاسم : الأربعين سنة ~~إلى الخمس والأربعين . وقال ابن الماجشون ، ومطرف فى اليتيمة التى لا أب ~~لها ولا وصى تختلع من زوجها بشىء تهب له : الخلع ماض ، ويرد الزوج ما أخذ ؛ ~~لأنه لا يجوز لها عطاء حتى تملك نفسها ومالها ، وذلك بعد سنة من ابتناء ~~زوجها بها ، أو تلد ولدا . وخالف هذا سحنون ، فقال فى البكر تعطى زوجها بعض ~~مالها ، وذلك قبل الدخول فيملكها أمرها ، أو تباريه بشىء من مالها ، فقال : ~~إن كان لها أب أو وصى ، فلا يجوز ذلك ، ويلزم الزوج الطلاق ، ويرد عليها ما ~~أخذ منها ، وإن كانت لا أب لها ولا وصى جاز ذلك ، وهى عندى بمنزلة السفيه ~~الذى لا وصى له ، أن أموره جائزة ، بيوعه ، وصدقته ، وهبته ، ما لم يحجر ~~عليه الإمام . * * * # | 15 - باب بمن يبدأ بالهدية ؟ # وقال الرسول - صلى الله عليه وسلم - لميمونة حين أعتقت وليدة لها : ( ولو ~~وصلت بعض أخوالك كان أعظم لأجرك ) . / 26 - فيه : عائشة ، قلت : يا رسول ~~الله ، إن لى جارين ، فإلى أيهما أهدى ؟ قال : ( إلى أقربهما منك بابا ) . ~~PageV07P110 وفى حديث ميمونة أن صلة الأقارب أفضل من العتق ، على أن العتق ~~قد جاء فيه أن الله يعتق بكل عضو منه عضوا منها من النار ، وأن بالعتق تجاز ~~العقبة يوم القيامة . وفى حديث عائشة أن أقرب الجيران أولى بالصلة والبر ~~والرعاية ms2307 ، وأن صلة الأقرب منهم أفضل من صلة الأبعد إذ لا يقدر على عموم ~~جميعهم بالهدية ، وقد أكد الله تعالى ذلك فى كتابه ، فقال : { والجار ذى ~~القربى والجار الجنب والصاحب بالجنب } [ النساء : 36 ] ، فدل هذا على تفضيل ~~الأقرب ، وقد تقدم معنى ذلك فى باب أى الجوار أقرب فى كتاب الشفعة ، فأغنى ~~عن تكراره . * * * # | 16 - باب من لم يقبل الهدية لعلة # وقال عمر بن عبدالعزيز : كانت الهدية فى زمن النبى ، عليه السلام ، هدية ~~، وهى اليوم رشوة . / 27 - فيه : الصعب بن جثامة الليثى ، أنه أهدى الرسول ~~- صلى الله عليه وسلم - حمار وحش ، وهو بالأبواء ، أو بودان ، وهو محرم ~~فرده ، فلما عرف فى وجهى كراهية رده ، قال : ( ليس بنا رد عليك ، ولكنا حرم ~~) . / 28 - وفيه : أبو حميد الساعدى ، استعمل النبى - صلى الله عليه وسلم - ~~رجلا من الأسد ، على الصدقة ، فلما قدم ، قال : هذا لكم ، وهذا أهدى إلى ، ~~قال : ( فهلا جلس فى بيت أبيه ، أو بيت أمه ، فينظر هل يهدى له أم لا ؟ ~~والذى نفسى بيده لا يأخذ أحد منه شيئا إلا جاء به يوم القيامة يحمله على ~~رقبته ، PageV07P111 إن كان بعيرا له رغاء ، أو بقرة لها خوار ، أو شاة ~~تيعر ) ، ثم رفع يده ، حتى رأينا عفرة إبطيه ، ثم قال : ( اللهم هل بلغت ) ~~ثلاثا . قال المهلب : رد الهدية فى حديث الصعب غاية الأدب ؛ لأنها لا تحل ~~للمهدى إليه ، من أجل أنه محرم ، ومن حسن الأدب أن يكافأ المهدى ، وربما ~~عسرت المكافأة ، فردها إلى من يجوز له الانتفاع بها أولى من تكلف المكافأة ~~، مع أنه لو قبله لم يكن له سبيل إلى غير تسريحه ؛ لأنه لا يجوز له ذبحه ~~وهو محرم . وفيه من الفقه : أنه لا يجوز قبول هدية من كان ماله حراما ومن ~~عرف بالغصب والظلم ، وقد تقدم هذا المعنى فى باب قبول هدية الصيد . وفى ~~حديث ابن اللتية : أن هدايا العمال يجب أن تجعل فى بيت المال ، وأنه ليس ~~لهم منها شىء إلا أن يستأذنوا الإمام فى ذلك ، كما جاء فى قصة معاذ أن ms2308 ~~النبى ، عليه السلام ، طيب له الهدية ، فأنفذها له أبو بكر الصديق بعد ~~النبى - صلى الله عليه وسلم - لما كان دخل عليه فى ماله من الفلس . وفيه : ~~كراهية قبول هدية طالب العناية ، ويدخل فى معنى ذلك كراهية هدية المديان ~~والمقارض ، وكل من لهديته سبب غير سبب الجيرة أو الصداقة أو صلة الرحم . ~~وقوله : ( عفرة إبطيه ) ، قال صاحب العين : العفرة غبرة فى حمرة ، كلون ~~الظبى الأعفر . PageV07P112 * * * # | 17 - باب إذا وهب هبة أو وعد ثم مات قبل أن تصل إليه # وقال عبيدة : إن مات وقد فصلت الهدية ، والمهدى له حى ، فهى له ، وإن لم ~~يكن حيا فهى لورثته ، وإن لم تكن فصلت فهى لورثة الذى أهدى . وقال الحسن : ~~أيهما مات قبل فهى لورثة المهدى له ، إذا قبضها الرسول . / 29 - فيه : جابر ~~، قال النبى ، عليه السلام : ( لو قد جاء مال البحرين أعطيتك هكذا ثلاثا ) ~~، فلم يقدم حتى توفى النبى - صلى الله عليه وسلم - ، فأمر أبو بكر مناديا ~~فنادى : من كان له عند النبى - صلى الله عليه وسلم - عدة أو دين فليأتنا ، ~~فأتيته فقلت : إن النبى - صلى الله عليه وسلم - وعدنى ، فحثى لى ثلاثا . ~~اختلف العلماء فى الذى يهب أو يتصدق على رجل ، ثم يموت الواهب أو المتصدق ~~قبل أن تصل إلى الموهوب له ، فذكر البخارى قول عبيدة السلمانى ، وقول الحسن ~~، وبمثل قول الحسن قال مالك ، قال مالك : إن كان أشهد عليها أو أبرزها أو ~~دفعها إلى من يدفعها إلى الموهوب له فهى جائزة . وفيها قول ثالث ، وهو : إن ~~كان بعث بها المهدى مع رسوله ، فمات الذى أهديت إليه ، فإنها ترجع إليه ، ~~فإن كان أرسل بها مع رسول الذى أهديت إليه ، فمات المهدى إليه ، فهى لورثته ~~، هذا قول الحكم ، وأحمد بن حنبل ، وإسحاق . وقالت طائفة : لا تتم الهبة ~~إلا بقبض الموهوب له ، أو وكيله ، فأيهما مات قبل أن تصل الهبة إلى الموهوب ~~له ، فهى راجعة إلى الواهب ، أو إلى ورثته ، هذا قول الشافعى . PageV07P113 ~~واختلف الفقهاء فيما يلزم من العدة وما لا يلزم منها ، فقال الكوفيون ms2309 ، ~~والأوزاعى ، والشافعى : لا يلزم من العدة شىء ؛ لأنها منافع لم تقبض ، ~~فلصاحبها الرجوع فيها . وقال مالك : أما العدة مثل أن يسأل الرجل أن يهب له ~~هبة ، فيقول له : نعم ، ثم يبدو له ألا يفعل ، فلا أرى ذلك يلزمه ، قال ~~مالك : ولو كان ذلك فى قضاء دين ، فسأله أن يقضى عنه ، فقال : نعم ، وثم ~~رجال يشهدون عليه ، فما أحراه أن يلزمه إذا شهد عليه اثنان . وقال ابن ~~القاسم : إذا وعد الغرماء ، فقال : أشهدكم أنى قد وهبت لهذا من أين يؤدى ~~إليكم ؟ فإنه يلزمه ، وأما أن يقول : نعم أنا أفعل ثم يبدو له ، فلا أرى ~~ذلك . وقال سحنون : الذى يلزمه من العدة فى السلف والعارية ، أن يقول للرجل ~~: اهدم دارك وأنا أسلفك ما تبنيها به ، أو اخرج إلى الحج ، وأنا أسلفك ما ~~يبلغك ، أو اشترى سلعة كذا أو تزوج وأنا أسلفك ، ذلك كما يدخله فيه وينشئه ~~به ، فهذا كله يلزمه . قال : وأما أن يقول : أنا أسلفك وأنا أعطيك بغير شىء ~~يلزمه المأمور نفسه ، فإن هذا لا يلزمه منه شىء . قال أصبغ : يلزمه فى ذلك ~~كل ما وعد به . قال المؤلف : والقول الأول أشبه بمعنى الحديث ، ألا ترى ~~فتيا عبيدة السلمانى والحسن فى أن العدة والهبة إنما تتم إذا فصلت إلى ~~المهدى له قبل موت الواهب والموهوب له ، فى قول الحسن . وفى قول عبيدة : إن ~~مات الموهوب له قبل أن تصل إليه الهبة فهى لورثة الواهب . PageV07P114 وذكر ~~عبد الرزاق ، عن قتادة ، كقول الحسن ، وهذا يدل من فتياهم أنهم تأولوا قوله ~~، عليه السلام ، لجابر : ( لو قد جاء مال البحرين أعطيتك ) ، أنها عدة غير ~~لازم الوفاء بها فى القضاء ؛ لأنها لم تكن فصلت من عند النبى ، عليه السلام ~~، قبل موته ، وإنما وعد بها جابر لو قد جاء مال البحرين ، فمات عليه السلام ~~قبل ذلك . ولذلك ذكر البخارى قول عبيدة والحسن فى أول الباب ؛ ليدل أن فعل ~~أبى بكر الصديق فى قضائه عدات النبى - صلى الله عليه وسلم - بعد موته أنها ~~كانت منه على التطوع ، ولم ms2310 يكن يلزم النبى - صلى الله عليه وسلم - ولا أبا ~~بكر قضاء شىء منها ؛ لأنه لم يرو عن أحد من السلف وجوب القضاء بالعدة ، ~~وإنما أنفذ ذلك الصديق بعد موت النبى - صلى الله عليه وسلم - اقتداء بطريقة ~~النبى - صلى الله عليه وسلم - ، وامتثالا لفعله ، فإنه كان أوفى الناس ~~بعهده وأصدقهم لوعده - صلى الله عليه وسلم - . * * * # | 18 - باب كيف يقبض العبد والمتاع # وقال ابن عمر : كنت على بكر صعب لعمر فاشتراه النبى - صلى الله عليه وسلم ~~- وقال : ( هو لك يا عبدالله ) . / 30 - فيه : المسور ، قسم النبى - صلى ~~الله عليه وسلم - أقبية ، ولم يعط مخرمة منها شيئا ، فقال مخرمة : يا بنى ، ~~انطلق بنا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فانطلقت ، فقال لى : ( ~~ادخل ، فادعه لى ، قال : فدعوته له ، فخرج إليه وعليه قباء منها ، فقال : ~~خبأنا هذا لك ، قال : فنظر إليه ، فقال : رضى مخرمة ) . PageV07P115 أما ~~كيف يقبض المتاع والهبات عند جماعة العلماء ، فبإسلام الواهب لها إلى ~~الموهوب له ، وحيازة الموهوب له ، كركوب ابن عمر الجمل ، كإعطاء النبى - ~~صلى الله عليه وسلم - القباء لمخرمة وتلفيه بإزاره ، وذكر البخارى فى كتاب ~~الجهاد أن النبى ، عليه السلام ، أهديت إليه أقبية من ديباج مزررة بالذهب ، ~~فقسمها بين أصحابه ، وعزل منها واحدا لمخرمة ، فجاء مخرمة إلى النبى ، عليه ~~السلام ، فسمع صوته فتلقاه به ، واستقبله بإزراره ، فقال : يا أبا المسور ، ~~خبأت لك هذا ، مرتين ، وكان فى خلقه شدة . وفى هذا من الفقه الاستئلاف لأهل ~~اللسانة وغيرهم . وقد اختلف العلماء فى الهبات ، هل من شرطها الحيازة أم لا ~~؟ فقالت طائفة : من شرطها الحيازة لا تتم إلا بالقبض . روى هذا عن أبى بكر ~~الصديق ، وعمر بن الخطاب ، وعثمان ، وابن عباس ، وابن عمر ، ومعاذ بن جبل ، ~~وشريح ، ومسروق ، والشعبى ، وإليه ذهب الثورى ، والكوفيون ، والشافعى ، ~~وقالوا : ليس للموهوب له مطالبة الواهب بتسليمها إليه ؛ لأنه ما لم تقبض ~~عدة وعده بها يحسن الوفاء بها ولا يقضى بها عليه . وقالت طائفة : تصح الهبة ~~بالكلام دون القبض ، كالبيع تنعقد بالكلام ، روى هذا عن على وابن مسعود ms2311 ، ~~وعن الحسن البصرى ، والنخعى ، وبه قال مالك ، وأحمد ، وأبو ثور ، إلا أن ~~أحمد وأبا ثور قالا : للموهوب له المطالبة بها فى حياة الواهب ، فإن مات ~~الواهب بطلت الهبة . ومن حجة أهل المقالة الأولى : أن النبى ، عليه السلام ~~، قال PageV07P116 لابن عمر ، وهو راكب الجمل : ( هو لك ) ، فكان حكم ~~الهبات كلها كذلك لا تتم إلا بقبض الموهوب له . وحجة الآخرين : أن النبى - ~~صلى الله عليه وسلم - قال لابن عمر فى الجمل : ( هو لك ) ، ملكه إياه ، ولا ~~يملك النبى - صلى الله عليه وسلم - شيئا أحدا إلا وهو مالك له ومستحقه ، ~~فكان لابن عمر المطالبة بهذا الجمل لو لم يركبه ؛ لحقه الذى تعين فيه ، ~~فوجب له طلبه ، وكذلك دل فعله ، عليه السلام ، فى القباء الذى تلقى به ~~مخرمة واسترضاه به قبل سؤاله إياه ، أنه قد تعين للمسور فيه حق وجب للمسور ~~طلبه ، على ما ذهب إليه مالك . فإن قيل : فإذا تعين فى الهبة حق للموهوب له ~~وجبت به مطالبة الواهب فى حياته ، فكذلك يجوز مطالبته به بعد مماته كسائر ~~الحقوق . قيل : هذا هو القياس لولا حكم الصديق بين ظهرانى الصحابة وهم ~~متواترون حين وهب لابنته جداد عشرين وسقا من ماله بالغابة ولم تكن قبضته ، ~~وقال لها : لو كنت حزتيه لكان لك ، وإنما هو اليوم مال وارث ، ولم يرو عن ~~أحد من الصحابة أنه أنكر ذلك ولا رد عليه ، فكان هذا دليلا لصحة قول مالك . ~~* * * # | 19 - باب إذا وهب هبة فقبضها الآخر ولم يقل : قبلت # / 31 - فيه : أبو هريرة ، قال : جاء رجل إلى النبى ، عليه السلام ، فقال ~~: هلكت ، فقال : ( وما ذاك ؟ ) ، قال : وقعت بأهلى فى رمضان . . . الحديث ، ~~PageV07P117 فجاء رجل من الأنصار بعرق ، وهو مكتل فيه تمر ، فقال : ( اذهب ~~بهذا فتصدق به ) ، قال : ما بين لابتيها أحوج منا ، قال : ( اذهب فأطعمه ~~أهلك ) . القبض فى الهبة هو غاية القبول ، فلا يحتاج القابض أن يقول : قبلت ~~، وهو قد قبضها ، وعلى هذا جماعة العلماء ، ألا ترى إلى الواقع على أهله فى ~~رمضان قبض من النبى - صلى الله عليه وسلم ms2312 - المكتل من التمر ، ولم يقل : ~~قبلته ، إذ كان مستغنيا عن ذلك بحصوله عنده ، ومثل هذا المعنى فى حديث جابر ~~حين اشترى منه النبى - صلى الله عليه وسلم - الجمل ، فلما دفع إليه الثمن ، ~~قال : الثمن والجمل لك ، ولم يقل جابر : قد قبلته يا رسول الله ، فدل ذلك ~~على أن الهبة تتم بإعطاء الواهب وقبض الموهوب له دون قوله باللسان : قد ~~قبلت ، وأما إذا قال : قبلت ، ولم يقبض ، فتعود المسألة إلى ما تقدم من ~~اختلافهم فى قبض الهبة فى الباب قبل هذا . * * * # | 20 - باب إذا وهب دينا له على رجل # وقال شعبة ، عن الحكم : هو جائز ، ووهب الحسن بن على لرجل دينه ، وقال ~~النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( من كان له عليه حق فليعطه ، أو ليتحلله ~~منه ) ، وقال جابر : قتل أبى وعليه دين ، فسأل النبى - صلى الله عليه وسلم ~~- غرماءه أن يقبلوا ثمر حائطى ويحللوا أبى . / 32 - وذكر حديث جابر هذا . ~~PageV07P118 لا خلاف بين العلماء أن من كان عليه دين لرجل فوهبه له ربه أو ~~أبره منه وقبل البراءة ، أنه لا يحتاج فيه إلى قبض ؛ لأنه مقبوض فى ذمته ، ~~وإنما يحتاج فى ذلك إلى قبول الذى عليه الدين ؛ لأن النبى ، عليه السلام ، ~~سأل غرماء أبى جابر أن يقبلوا ثمرة حائطه ويحللوه من بقية دينه ، فكان ذلك ~~إبراء لذمة أبى جابر لو رضوا بما دعاهم إليه النبى ، عليه السلام ، ولم يكن ~~يعرف ذلك إلا بقولهم : قد قبلنا ذلك ورضينا ، فلم يتم التحلل فى ذلك إلا ~~بالقول . واختلفوا إذا وهب دينا له على رجل لرجل آخر ، فقال مالك : تجوز ~~الهبة إذا سلم إليه الوثيقة بالدين ، وأحله فيه محل نفسه ، وإن لم تكن له ~~وثيقة ، وأشهد على ذلك وأعلن ، فهو جائز . وقال أبو ثور : الهبة جائزة أشهد ~~أو لم يشهد إذا تقارا على ذلك . وقال الكوفيون والشافعى : الهبة غير جائزة ~~؛ لأنها لا تجوز عندهم إلا مقبوضة . وقد تقدم فى باب كيف يقبض المتاع مذاهب ~~العلماء فى قبض الهبات ، والحجة لمالك وأبى ثور : أنهم جعلوا الموهوب ms2313 له ~~يحل محل الواهب فى ملك الدين ، ويتنزل منزلته فى اقتضائه ، ولما أجمعوا أنه ~~يجوز للرجل أن يحيل الرجل على من له دين ، كذلك يجوز له أن يجعل ماله من ~~المطالبة بدينه على رجل لرجل آخر يحله محله ، وينزله منزلته ، إن شاء الله ~~، والله الموفق . PageV07P119 * * * # | 21 - باب هبة الواحد للجماعة # وقالت أسماء للقاسم بن محمد ، وابن أبى عتيق : ورثت عن أختى عائشة ~~بالغابة ، وقد أعطانى به معاوية مائة ألف فهو لكما . / 33 - فيه : سهل ، ~~أتى النبى ، عليه السلام ، بشراب ، فشرب وعن يمينه غلام ، وعن يساره ~~الأشياخ ، فقال للغلام : ( إن أذنت لى أعطيت هؤلاء ) ، قال : ما كنت لأوثر ~~بنصيبى منك أحدا يا رسول الله ، فتله فى يده . عرض البخارى فى هذا الباب ~~والبابين بعده الرد على أبى حنيفة فى إبطاله هبة المشاع ، فإنه يقول : إذا ~~وهب رجل دارا لرجلين ، أو متاعا ، وذلك المتاع مما ينقسم فقبضاه جميعا ، ~~فإن ذلك لا يجوز إلا أن يقسم كل واحد منهما حصته ؛ لأن الهبة من شرط صحتها ~~عنده القبض . وذهب مالك ، وأبو يوسف ، ومحمد ، والشافعى ، إلى أن هبة ~~الواحد للجماعة جائزة ، وقالوا : لو وهب شقصا من دار أو عبد جاز ، وإن لم ~~يكن مقسوما ، وبه قال أحمد ، وإسحاق ، وأبو ثور ، وحجة من أجاز ذلك أن ~~النبى سأل الغلام أن يهب نصيبه من اللبن للأشياخ ، ومعلوم أن نصيبه منه كان ~~مشاعا فى اللبن ، غير متميز ولا منفصل فى القدح ، وهذا خلاف ما ذهب إليه ~~أبو حنيفة ، فلا معنى لقوله . PageV07P120 * * * # | 22 - باب الهبة المقبوضة وغير المقبوضة والمقسومة وغير المقسومة # وقد وهب النبى - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه لهوازن ما غنموا منهم ، ~~وهو غير مقسوم . / - فيه : أبو هريرة ، كان لرجل على النبى - صلى الله عليه ~~وسلم - دين ، فهم به أصحابه ، فقالوا : لا نجد إلا أفضل من سنه ، قال : ( ~~أعطوها إياه ، فإن خيركم أحسنكم قضاء ) . / 35 - وفيه : جابر ، أتيت النبى ~~- صلى الله عليه وسلم - فى المسجد ، فقضانى وزادنى . وقال شعبة ، عن محارب ~~، عن جابر : فوزن لى فأرجح ، فما زال ms2314 منها شىء ، حتى أصابها أهل الشام يوم ~~الحرة . / 36 - وفيه : سهل ، أتى النبى بشراب ، وعن يمينه غلام ، وعن يساره ~~الأشياخ . . . الحديث . وقد تقدم القول فى قبض الهبات ، وما للعلماء فى ذلك ~~فأغنى عن إعادته . وأما الهبة غير المقسومة ، فهى هبة المشاع ، واختلف ~~العلماء فيها ، فقال مالك ، وأبو يوسف ، ومحمد ، والشافعى ، وأحمد ، وإسحاق ~~، وأبو ثور : هبة المشاع جائزة ، ويتأتى فيها القبض كما يجوز فيها البيع ، ~~وسواء كان المشاع مما ينقسم كالدور والأرضين ، أو مما لا ينقسم كالعبد ~~والثياب والجواهر ، وسواء كان مما يقبض بالتخلية ، أو مما يقبض بالنقل ~~والتحويل . PageV07P121 وقال أبو حنيفة : إن كان المشاع مما ينقسم لم يجز ~~هبة شىء منه مشاعا ، وإن كان المشاع مما لا ينقسم كالعبد واللؤلؤ والثوب ، ~~فإنه تجوز هبته ، وحجة أصحاب أبى حنيفة أن الهبات لا تصح عندهم إلا بالقبض ~~، والمشاع لا يتأتى فيه القبض إلا بقبض الجميع ، ومتى كلف الشريك هذا أضر ~~به ، وله أن يمتنع من ذلك ، واحتجوا بأن أبا بكر الصديق وهب لابنته جداد ~~عشرين وسقا فلم تقبضه ، فقال : لو كنت حزتيه لكان لك ، وهذا كان بحضرة ~~الصحابة من غير خلاف . وحجة من أجاز هبة المشاع أن الرسول - صلى الله عليه ~~وسلم - وهب حقه من غنائم حنين لهوازن ، وحقه من ذلك مشاع لم يتعين ، وأيضا ~~حديث أبى هريرة أن النبى - صلى الله عليه وسلم - قضى للذى أسلفه الجمل ~~بأفضل من سنه ، ووجه الدلالة منه أن ثمن ذلك الفضل مشاع فى ثمن السن التى ~~كانت تلزمه ، وقد وهب ذلك ، عليه السلام ، وكذلك قول جابر : فقضانى وزادنى ~~. وقوله : فوزن لى فأرجح ، فعلم أن تلك الزيادة وذلك الرجحان لم يكن من ~~الثمن ، وإنما كان هبة ، ولم يكن متميزا بل كان مشاعا ، وهبة النبى - صلى ~~الله عليه وسلم - وحديث الغلام والأشياخ بين فى ذلك أيضا ؛ لأنه عليه ~~السلام استوهب الغلام نصيبه من الشراب ، وكان ذلك مشاعا غير متميز ولا ~~مقسوم ، ولا يعرف ما كان يشرب مما كان يترك للأشياخ . قال ابن القصار : ومن ~~أجاز هبة ما ms2315 لا ينقسم فبأن يجيز هبة ما ينقسم أولى ، وأما احتجاجهم بقول ~~أبى بكر لابنته : لو كنت حزتيه لكان ذلك ، فهو حجة عليهم ؛ لأنه وهب لها ~~جداد عشرين PageV07P122 وسقا من أوساق كثيرة ، وهذا مشاع بينهم ، فدل هذا ~~على جواز هبة المشاع ؛ لأنه لو لم يجز لم يفعله . وقوله : لو كنت حزتيه ~~لكان لك ، لا يدل على أن ما عقده من الهبة لم يجز ، وإنما قال ذلك لئلا ~~يقتدى به من يريد الهروب بماله من الميراث ، ولما لم تحزه عائشة فى صحته لم ~~ينفذه لها فى مرضه ؛ لأن عطايا المريض المقبوضة هى فى ثلثه كالوصايا ، ~~والوصية للوارث لا تجوز ، ولم يختلف مالك وأبو حنيفة والشافعى أن عطايا ~~المريض للأجنبى جائزة فى ثلثه ، فلم يخالف مالك من حديث أبى بكر شيئا ، ~~وأبو حنيفة خالف أوله ، وتأول فى آخره ما لم يجامع عليه . * * * # | 23 - باب إذا وهب جماعة لقوم أو رجل لجماعة مقسوما وغير مقسوم جاز # / 37 - فيه : مروان ، والمسور ، أن النبى - صلى الله عليه وسلم - حين ~~جاءه وفد هوازن مسلمين ، فسألوه أن يرد إليهم سبيهم وأموالهم ، فقال النبى ~~- صلى الله عليه وسلم - : ( اختاروا إحدى الطائفتين ، إما السبى ، وإما ~~المال ) ، فاختاروا السبى . . . الحديث . قال المؤلف : أما قول البخارى : ~~باب إذا وهب جماعة لقوم ، فإن أصحاب النبى - صلى الله عليه وسلم - وهبوا ~~هوازن السبى وهو مشاع ؛ لأن هوازن لم يقسموه بينهم ، ولا حاز كل واحد منهم ~~أهله إلا بعد أن حصل فى ملكهم ، وبعد أن نفذت هبة أصحاب النبى - صلى الله ~~عليه وسلم - لهم فى السبى ، PageV07P123 ولم يكن لأحد منهم رجوع فى شىء من ~~ذلك ؛ لأنهم طيبوا هبتهم ، وأمضوها على شرط ألا يقبلوا العوض من النبى - ~~صلى الله عليه وسلم - فيها ، فهذا يرد قول أبى حنيفة أن هبة المشاع الذى ~~تتأتى فيه القسمة لا تجوز ؛ لأن هوازن إنما حازوا أهلهم بعد تملكهم لهم ، ~~فهذا هبة الجماعة للجماعة . وأما قول البخارى فى الترجمة : أو رجل لجماعة ~~فإن أصحاب النبى - صلى الله عليه وسلم - وإن كانوا قد ms2316 طابت نفوسهم بهبة ~~السبى ، فإنما فعلوا ذلك من أجل شفاعة النبى - صلى الله عليه وسلم - عندهم ~~فيه ، وأنه وعد بالعوض من لم تطب نفسه بالهبة ، فكأنه هو الواهب إذ كان ~~السبب فى الهبة ، وأيضا فإنه عليه السلام كان له حق فى جملة السبى ، فصح ~~قول البخارى فى جواز هبة الواحد للجماعة . وأما قوله : ( مقسوما أو غير ~~مقسوم ) ، فإنما أراد أن المشاع والمقسوم سواء فى جواز الهبة ، فلذلك ما ~~ينقسم وما لا ينقسم سواء فى جواز الهبة . * * * # | 24 - باب من أهدى له هدية وعنده جلساؤه فهو أحق # ويذكر عن ابن عباس أن جلساءه شركاؤه ولم يصح . / 38 - فيه : أبو هريرة ، ~~أن النبى ، عليه السلام ، قال للذى جاءه يتقاضاه : ( أعطوه أفضل من سنه . . ~~. ) الحديث . / 39 - وفيه : ابن عمر ، أنه كان مع النبى - صلى الله عليه ~~وسلم - فى سفر ، على بكر صعب لعمر ، وكان يتقدم النبى - صلى الله عليه وسلم ~~- ، فقال عمر : لا يتقدم النبى - صلى الله عليه وسلم - أحد ، فقال ~~PageV07P124 له النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( بعنيه ) ، فقال عمر : هو ~~لك يا رسول الله ، فاشتراه ، ثم قال : ( هو لك يا عبد الله ، فاصنع به ما ~~شئت ) . لو صح قوله عليه السلام : ( جلساؤكم شركاؤكم ) ، لكان معناه الندب ~~عند الفقهاء فيما خف من الهدايا ، وما جرت العادة بترك المشاحة فيه ، وأما ~~ما كان له قيمة من الهدايا مثل : الدور ، والعقار ، والمال الكثير ، ~~فصاحبها أحق بها على ما ترجم به البخارى ، ألا ترى أن النبى - صلى الله ~~عليه وسلم - أمر أن يعطى الذى تقاضاه الجمل أفضل من سنه التى كانت عليه ، ~~ولم يشاركه أحد ممن كان بحضرته فى ذلك الفضل ، وكذلك وهب عليه السلام الجمل ~~لابن عمر وهو مع الناس ، فلم يستحق أحد منهم فيه شركة مع ابن عمر ، فعلى ~~هذا مذهب الفقهاء . وروى عن أبى يوسف القاضى أن الرشيد أهدى إليه مالا ~~كثيرا ، فورد عليه وهو جالس مع أصحابه ، فقال له أحدهم : قال النبى - صلى ~~الله عليه وسلم - : ( جلساؤكم شركاؤكم ) ، فقال له أبو يوسف ms2317 : إن هذا ~~الحديث لم يرد فى مثل هذا ، وإنما ورد فيما خف من الهدايا ، وفيما يؤكل ~~ويشرب مما تطيب النفوس ببذله والسماحة به . * * * # | 25 - باب إذا وهب بعيرا لرجل وهو راكبه فهو جائز له # / 40 - فيه : ابن عمر ، كنا مع النبى - صلى الله عليه وسلم - فى سفر ، ~~وكنت على بكر صعب ، PageV07P125 فقال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( يا ~~عمر ، بعنيه ) ، فباعه ، فقال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( هو لك يا ~~عبد الله ) . ولا خلاف بين العلماء أن من كان عنده الشىء الموهوب له ، فإن ~~ذلك قبض صحيح ، وكذلك حكم الوديعة والرهن ومال القراض والدين ، يهبها ~~أربابها لمن هى فى يديه ، أن ذلك كله حيازة صحيحة لا تحتاج إلى غيرها ، وقد ~~تقدم حكم قبض الهبات قبل هذا ، فلا معنى لتكريره . * * * # | 26 - باب هدية ما يكره لبسه # / 41 - فيه : ابن عمر ، رأى عمر حلة سيراء عند باب المسجد ، فقال : يا ~~رسول الله ، لو اشتريتها فتلبسها يوم الجمعة وللوفد ، فقال : ( إنما يلبسها ~~من لا خلاق له فى الآخرة ) ، ثم جاءت حلل ، فأعطى النبى - صلى الله عليه ~~وسلم - عمر منها حلة ، وقال : أكسوتنيها ، وقد قلت فى حلة عطارد ما قلت ؟ ~~فقال : ( إنى لم أكسكها لتلبسها . . . ) الحديث . / 42 - وفيه : ابن عمر ، ~~أتى النبى - صلى الله عليه وسلم - فاطمة ، فلم يدخل عليها ، وجاء على فذكرت ~~له فاطمة ذلك ، فذكره للنبى ، عليه السلام ، فقال : ( إنى رأيت على بابها ~~سترا موشيا ) ، فقال : ما لى وللدنيا ، فأتاها على ، فذكر ذلك لها ، فقالت ~~: ليأمرنى فيه بما شاء ، قال : ترسلى به إلى فلان ، أهل بيت بهم حاجة . ~~PageV07P126 / 43 - وفيه : على ، أهدى لى النبى ، عليه السلام ، حلة سيراء ~~فلبستها ، فرأيت الغضب فى وجهه ، فشققتها بين نسائى . هدية ما يكره لبسه ~~مباحة ؛ لأن ملكه جائز ، ولصاحبه التصرف فيه بالبيع والهبة ، لمن يجوز له ~~لباسه مثل النساء والصبيان ، وإنما كره من الحرير لباسه للرجال خاصة دون ~~ملكه . قال المهلب : وإنما كره النبى - صلى الله عليه وسلم - الحرير لابنته ~~؛ لأنها ممن يرغب لها فى الآخرة ms2318 كما يرغب لنفسه ، ولا يرضى لها تعجيل ~~طيباتها فى الحياة الدنيا ، فدل هذا على أن النهى عن الحرير إنما هو من جهة ~~السرف . لأن الحديث الذى يروى عن النبى - صلى الله عليه وسلم - فى تحريم ~~الحرير قد سألت عنه أبا محمد الأصيلى ، وأوقفته على لفظة حرام ، فقال لى : ~~لا تصح لفظة حرام البتة ، وإن صحت فإنما معناها حرام تحرمه السنة ، وحرام ~~دون حرام ، وهو كقوله عليه السلام : ( كل ذى ناب من السباع حرام ) . وفى ~~ذلك الحديث حل لإناثها ، فقد كرهه لابنته وهو حلال ، فكذلك كرهه للرجال من ~~أجل السرف ، وقوله فى حديث ابن عمر : ( ما لى وللدنيا ؟ ) ، دليل قاطع . ~~وقوله : ( إنما يلبسها من لا خلاق له فى الآخرة ) ، فإنما يريد PageV07P127 ~~بذلك ، والله أعلم ، أنها لباس الكفار فى الدنيا ومن لا حظ له فى الآخرة ، ~~فنهى عليه السلام عن مشابهتهم واستعمال زيهم ، والله أعلم ، وسأستقصى مذاهب ~~العلماء فى هذه المسألة فى كتاب اللباس ، إن شاء الله . وقال أبو عبد الله ~~، أخو المهلب : وقول على : فرأيت الغضب فى وجهه ، يدل على أن النهى عن ~~الحرير على غير التحريم ، وإنما هو على الكراهية ، ولو كان تحريما لما عرف ~~على الكراهية إلا من نهيه لا بدليل من وجهه . وقوله : ( لا ينبغى هذا ~~للمتقين ) ، دليل آخر ، ولو كان حراما لكان المتقى فيه والمسىء فيه واحدا ، ~~ولكنه كما قال تعالى فى المتعة : { حقا على المتقين } [ البقرة : 241 ] ، و ~~{ حقا على المحسنين } [ البقرة : 236 ] . قال المؤلف : وحملت طائفة الآثار ~~المروية عن النبى ، عليه السلام ، فى النهى عن لباس الحرير على التحريم ، ~~ولم يأت عنه ما يعارضها إلا ما يخصها من جواز لباسه فى الحرب وعند التداوى ~~، وما عدا هذين الوجهين فباق على التحريم ، ومن جعل تحريم الحرير كتحريم كل ~~ذى ناب من السباع ، فذلك دليل على التحريم ؛ لأن جمهور الأمة على أن تحريم ~~كل ذى ناب من السباع على التحريم البين الذى هو ضد التحليل ، فكيف يحتج هذا ~~القائل بما يخالفه فيه أكثر الأمة . PageV07P128 * * * # | 27 - باب قبول ms2319 الهدية من المشركين # وقال أبو هريرة ، عن النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( هاجر إبراهيم ~~بسارة ، فدخل قرية فيها ملك ، أو جبار ، فقال : أعطوها هاجر ) ، وأهديت ~~للنبى ، عليه السلام ، شاة فيها سم . وقال أبو حميد : أهدى ملك أيلة للنبى ~~، عليه السلام ، بغلة بيضاء ، وكساه بردا ، وكتب له ببحرهم . / 44 - وفيه : ~~أنس ، أهدى إلى النبى - صلى الله عليه وسلم - جبة سندس ، وكان ينهى عن ~~الحرير ، فعجب الناس منها ، فقال : ( والذى نفس محمد بيده ، لمناديل سعد بن ~~معاذ فى الجنة أحسن من هذا ) . وقال سعيد ، عن قتادة ، عن أنس : أن أكيدر ~~دومة أهدى إلى النبى ، عليه السلام . / 45 - وفيه : أنس ، أن يهودية أهدت ~~إلى النبى ، عليه السلام ، شاة مسمومة فأكل منها ، فجىء بها ، فقيل : ألا ~~نقتلها ؟ قال : ( لا ) ، فما زلت أعرفها فى لهوات النبى ، عليه السلام . / ~~46 - وفيه : عبد الرحمن بن أبى بكر ، كنا مع النبى ، عليه السلام ، ثلاثين ~~ومائة ، فقال : ( هل مع أحد منكم طعام ؟ ) ، فإذا مع رجل صاع فعجن ، ثم جاء ~~رجل مشرك مشعان طويل بغنم يسوقها ، فقال النبى ، عليه السلام : ( بيعا أم ~~عطية ) ، أو قال : ( أم هبة ؟ ) ، قال : لا ، بل بيع ، فاشترى منه شاة ، ~~فصنعت ، وأمر الرسول - صلى الله عليه وسلم - PageV07P129 بسواد البطن أن ~~يشوى ، وايم الله ما فى الثلاثين والمائة ، إلا قد حز النبى - صلى الله ~~عليه وسلم - له حزة من سواد بطنها ، إن كان شاهدا أعطاه ، وإن كان غائبا ~~خبأ له ، فجعل منها قصعتين ، فأكلوا أجمعون وشبعنا ، ففضلت القصعتان ، ~~فحملناه على البعير ، أو كما قال . وثبت عن النبى بهذه الآثار وغيرها أنه ~~قبل هدايا المشركين ، وأكثر العلماء على أنه لا يجوز ذلك لغير النبى - صلى ~~الله عليه وسلم - من الأمراء إذا كان قبولها منهم على جهة الاستبداد بها ~~دون رعيته ؛ لأنه إنما أهدى له ذلك من أجل أنه أمير الجيش ، وليس النبى - ~~صلى الله عليه وسلم - فى ذلك كغيره ؛ لأنه مخصوص بما أفاء الله عليه من ~~أموال الكفار من غير قتال . وقد اختلف العلماء فى هدايا المشركين ، فقال ms2320 ~~ابن حبيب : ما أهداه الحربى إلى والى الجيش كان الوالى الأعظم أو من دونه ~~فهو مغنم ؛ لأنه لم ينله إلا بهم ، وفيه الخمس ، وهو قول الأوزاعى ، ومحمد ~~بن الحسن . قال ابن حبيب : وسمعت أهل العلم يقولون : إنما والى الجيش فى ~~سهمانه كرجل منهم له ما لهم وعليه ما عليهم . وقال أبو يوسف : ما أهدى إلى ~~والى الجيش فهو له خاصة ، وكذلك ما يعطاه الرسول . وقال محمد بن الحسن : ~~ولو أهدى العدو إلى رجل من المسلمين ليس بقائد ولا أمير هدية ، فلا بأس أن ~~يأخذها ، وتكون له دون العسكر ، وهو قول الأوزاعى ، وابن القاسم صاحب مالك ~~. فإن قيل : فقد روى عن النبى - صلى الله عليه وسلم - أن عياض بن حمار أهدى ~~إلى النبى - صلى الله عليه وسلم - هدية ، أو ناقة ، فقال : ( أسلمت ؟ ) ، ~~قال : لا ، فلم يقبلها ، وقال : ( إنى نهيت عن زبد المشركين ) ، رواه شعبة ~~، عن قتادة ، PageV07P130 عن أبى العلاء يزيد بن عبد الله ، عن عياض بن ~~حمار ، وهذا معارض لما روى عن الرسول - صلى الله عليه وسلم - من قبول هدايا ~~المشركين ، فهو ناسخ لها . قيل : يحتمل أن يكون ترك قبول هديته لما فى ذلك ~~من التأنيس والتحاب ، ومن حاد الله وشاقه حرم على المؤمنين موالاته ، ألا ~~ترى أنه عليه السلام جعل علة ردها لما لم يسلم ، وقد روى معمر ، عن الزهرى ~~، عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك ، قال : جاء ملاعب الأسنة إلى النبى - صلى ~~الله عليه وسلم - بهدية ، فعرض عليه النبى - صلى الله عليه وسلم - الإسلام ~~فأبى أن يسلم ، فقال عليه السلام : ( فإنى لا أقبل هدية مشرك ) . فدل هذا ~~الحديث على مثل ما دل عليه حديث عياض ، وبان به أن قبول النبى - صلى الله ~~عليه وسلم - هدية من قبل هديته من المشركين إنما كان على وجه التأنيس له ~~والاستئلاف ، ورجاء إنابتهم إلى الإسلام ، ومن يئس من إسلامه منهم رد هديته ~~. وقال الطبرى : قبول النبى - صلى الله عليه وسلم - هدايا المشركين إنما ~~كان نظرا منه للمسلمين وعودا بنفعه عليهم ، لا إيثارا ms2321 منه نفسه به دونهم ، ~~وللإمام قبول هدايا أهل الشرك وغيرهم ، إذا كان ما يقبله من ذلك للمسلمين ، ~~وأما رده هدية من رد هديته منهم ، فإنما كان ذلك من أجل أنه أهداها له فى ~~خاصة نفسه ، فلم ير قبولها ، تعريفا منه لأئمة أمته من بعده أنه ليس له ~~قبول هدية أحد لخاصة نفسه . PageV07P131 ويبين ذلك ما رواه ابن عوف ، عن ~~الحسن ، قال : جاء رجل إلى النبى - صلى الله عليه وسلم - يقال له : عياض ، ~~كانت بينه وبين النبى - صلى الله عليه وسلم - صداقة قبل أن يبعث بهديته ، ~~فقال له النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( أسلمت ؟ ) ، قال : لا ، قال : ( ~~فإنه لا يحل لنا زبد المشركين ) . قال الحسن : الزبد : الرفد ، ذكره ابن ~~سلام . قال الطبرى : فإن ظن ظان أن قوله عليه السلام : ( لا تقبل هدية مشرك ~~) ، وأن ما رواه عطاء ، عن جابر ، عن النبى ، عليه السلام ، أنه قال : ( ~~هدايا الإمام غلول ) ، أن ذلك على العموم ، فقد ظن خطأ . وذلك أنه لا خلاف ~~بين الجميع أن الله تعالى قد أباح للمسلمين أموال أهل الشرك بالقهر والغلبة ~~لهم بقوله تعالى : { واعلموا أنما غنمتم } [ الأنفال : 41 ] الآية ، فهو ~~بطيب أنفسهم لا شك أحلى وأطيب . والدليل على صحة قولنا ما رواه شعبة ، عن ~~على بن زيد ، عن أبى المتوكل الناجى ، عن أبى سعيد الخدرى ، أن ملك الروم ~~أهدى لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - جرة من زنجبيل ، فقسمها رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - بين أصحابه ، فأعطى كل رجل قطعة . وما رواه قرة ، ~~عن الحسن ، قال : أهدى أكيدر دومة الجندل إلى رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - جرة فيها من ، بالنبى عليه السلام وأهله إليها حاجة ، PageV07P132 ~~فلما قضى الصلاة أمر طائفا فطاف بها على أصحابه ، فجعل الرجل يدخل يده ~~فيخرج فيأكل ، فأتى على خالد بن الوليد فأدخل يده ، فقال : يا رسول الله ، ~~أخذ القوم مرة مرة ، وأخذت مرتين ، فقال : ( كل وأطعم أهلك ) . وأهدى البون ~~ملك الروم إلى مسلمة بن عبد الملك لؤلؤتين وهو بالقسطنطينية ، فشاور أهل ~~العلم ، من ms2322 ذلك الجيش فقالوا : لم يهدها إليك إلا لموقعك من هذا الجيش ، ~~فنرى أن تبيعها وتقسم ثمنها على هذا الجيش ، فثبت بفعل النبى - صلى الله ~~عليه وسلم - وقول أهل العلم من بعده أن الذى كان من رد رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - هدية من رد من المشركين كان لما وصف لك ، إذ من المحال ~~اجتماع الرد والقبول فى الشىء الواحد والحال الواحدة ، فبان أن سبب قبوله ، ~~عليه السلام ، ما قبل غير سبب رده ما رد منه . فإن قيل : إن آخر فعله كان ~~ناسخا للآخر . قيل له : لو كان كذلك لكان مبينا ، وكان على الناس دليل مفرق ~~بينه وبين المنسوخ ، إذ غير جائز أن يكون شىء من حكم الله تعالى غير معلوم ~~الواجب عنه على عباده إما بنص عليه ، أو لأدلة منصوبة لهم على اللازم فيه . ~~PageV07P133 فبان بهذا أن سبيل الأئمة القائمين بعد النبى - صلى الله عليه ~~وسلم - بأمر الأمة سبيله ، عليه السلام ، فى أن من أهدى إليه ملك من ملوك ~~أهل الحرب هدية فله قبولها وصرفها حيث ما جعل الله ما حول المسلمين بغير ~~إيجاف منهم عليه بخيل ولا ركاب . وإن كان الذى أهدى إليه وهو منتح مع جيش ~~من المسلمين بعقدة دارهم محاصرا لهم ، فله قبوله وصرفه فيما جعل الله من ~~أموالهم مصروفا فيما نيل بالقهر والغلبة لهم ، وذلك ما أوجفوا عليه بالخيل ~~والركاب ، كالذى فعل النبى - صلى الله عليه وسلم - بأموال قريظة إذ نزلوا ~~على حكم سعد لما نزل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه محاصرين لهم ~~. قال المهلب : فى حديث أبى حميد : مكافأة المشرك على هديته ؛ لأن النبى - ~~صلى الله عليه وسلم - أهدى له بردا . وفيه : جواز تأمير المسلمين المشرك ~~الذمى على قومه لما فى ذلك من طوعهم له وانقيادهم . قال الطبرى : كان صاحب ~~أيلة من أهل الجزية بالصلح الذى جرى بينه وبين النبى - صلى الله عليه وسلم ~~- . قال المهلب : وفيه تولية البحر ، وأنه عمل من الأعمال ، وفيه جواز نسبة ~~العمل إلى من أمر به ؛ لقوله ms2323 عليه السلام : ( وكتب له ببحرهم ) ، وهو عليه ~~السلام لم يكتب كما قال رحم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وإنما أمر ~~بذلك . PageV07P134 وفى قبول الشاة المسمومة دليل على أكل طعام من يحل أكل ~~طعامه دون أن يسأل عن أصله ولا يحترس من حيث إن كان فيه مع جواز ما قد ظهر ~~إليه من السم ، فدل ذلك على حمل الأمور على السلامة حتى يقوم دليل على ~~غيرها ، وكذلك حكم ما أبيع فى سوق المسلمين هو محمول على السلامة حتى يتبين ~~خلافها . وفى حديث المشرك المشعان جواز قبول هدايا المشركين ، وقد تقدم ~~كثير من معناه فى كتاب البيوع فى باب الشراء والبيع من المشركين وأهل الحرب ~~، وفيه المواساة بالطعام عند المسغبة والشدة وتساوى الناس فى ذلك ، وفى أكل ~~أهل الجيش من الكبد على قلته علامة باهرة من علامات النبوة ، وآية قاهرة من ~~آيات النبى ، عليه السلام . * * * # | 28 - باب الهدية للمشركين # وقال تعالى : { لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم فى الدين } [ ~~الممتحنة : 8 ] الآية . / 47 - فيه : ابن عمر ، أن النبى ، عليه السلام ، ~~أرسل إلى عمر بحلة سيراء ، فقال : كيف ألبسها وقد قلت فيها ما قلت ؟ إنما ~~يلبسها من لا خلاق له فى الآخرة ، قال : ( إنى لم أكسكها لتلبسها ، تبيعها ~~أو تكسوها ) ، فأرسل بها عمر إلى أخ له من أهل مكة قبل أن يسلم . / 48 - ~~وفيه : أسماء ، قدمت على أمى ، وهى مشركة فى عهد النبى ، عليه PageV07P135 ~~السلام ، فاستفتيت النبى ، عليه السلام ، قلت : إن أمى أتتنى وهى راغبة ، ~~أفأصل أمى ؟ قال : ( صلى أمك ) . وروى الطبرى ، عن ابن الزبير ، أن قول ~~الله تعالى : { لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم فى الدين } [ الممتحنة ~~: 8 ] ، نزلت فى أم أسماء بنت أبى بكر ، وكان اسمها قتيلة بنت عبد العزيز . ~~وقالت طائفة : نزلت فى مشركى مكة من لم يقاتل المؤمنين ولم يخرجهم من ~~ديارهم . وقال مجاهد : هو خطاب للمؤمنين الذين بقوا بمكة ولم يهاجروا . ~~وقال السدى : كان هذا قبل أن يؤمر بقتال المشركين كافة ، فاستشار المسلمون ~~النبى - صلى ms2324 الله عليه وسلم - فى قراباتهم من المشركين أن يبروهم ويصلوهم ، ~~فأنزل الله هذه الآية . فى تفسير الحسن قال قتادة وابن زيد : ثم نسخ ذلك ، ~~ولا يجوز اليوم مهاداة المشركين ولا متاحفتهم إلا للأبوين خاصة ؛ لأن ~~الهدية فيها تأنيس للمهدى إليه ، وإلطاف له ، وتثبيت لمودته ، وقد نهى الله ~~عن التودد للمشركين بقوله : { لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر ~~يوادون } [ المجادلة : 22 ] الآية ، وقوله : { يا أيها الذين آمنوا لا ~~تتخذوا } [ الممتحنة : 1 ] الآية . وإنما بعث عمر بالحلة إلى أخيه المشرك ~~بمكة على وجه التأليف له على الإسلام ؛ لأنه كان طمع بإسلامه ، وكان التألف ~~على الإسلام حينئذ مباحا ، وقد تألف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~صناديد قريش ، وجعل الله للمؤلفة قلوبهم سهما فى الصدقات ، وكذلك فعلت ~~أسماء فى أمها ؛ PageV07P136 لأن الله قد أمر بصلة الآباء الكفار وبرهما ~~بقوله : { وإن جاهداك على أن تشرك بى ما ليس لك به علم } [ لقمان : 15 ] ~~الآية ، فأمر تعالى بمصاحبة الأبوين المشركين فى الدنيا بالمعروف ، وبترك ~~طاعتهما فى معصية الله . وروى البخارى فى حديث أسماء : إن أمى أتتنى وهى ~~راغبة ، بالباء من الرغبة فى العطاء ، ورواه أبو داود ، قال : حدثنا أحمد ~~بن أبى شعيب ، حدثنا عيسى بن يونس ، عن هشام بن عروة : راغمة ، بالميم . ~~وفسره الخطابى ، قال : راغمة ، أى كارهة لإسلامى وهجرتى . وقال بعض أصحابه ~~: معناه هاربة من قومها . واحتج بقوله تعالى : { ومن يهاجر فى سبيل الله ~~يجد فى الأرض مراغما كثيرا وسعة } [ النساء : 100 ] ، وأنشد للجعدى يمدح ~~رجلا : كطود يلوذ بأكتافه عزيز المراغم والمهرب فلو كانت أرادت به المضى ~~لقالت : مراغمة ، لا راغمة ، وكان أبو عمرو بن العلاء يتأول فى قوله تعالى ~~: { مراغما كثيرا } [ النساء : 100 ] ، قال : الخروج من العدو برغم أنفه ، ~~وراغبة بالباء أظهر فى معنى الحديث . PageV07P137 * * * # | 29 - باب لا يحل لأحد أن يرجع فى هبته وصدقته # / 49 - فيه : ابن عباس ، قال النبى ، عليه السلام : ( ليس لنا مثل السوء ~~الذى يعود فى هبته كالكلب يرجع فى قيئه ) . / 50 - وفيه : عمر ، حملت على ~~فرس فى ms2325 سبيل الله ، فأباعه الذى هو عنده ، فأردت أن أشتريه منه ، وظننت أنه ~~بائعه برخص ، فسألت عن ذلك النبى ، عليه السلام ، فقال : ( لا تشتره ، وإن ~~أعطاكه بدرهم واحد ، فإن العائد فى صدقته كالكلب يعود فى قيئه ) . اختلف ~~العلماء فى هذا الباب ، فقالت طائفة : ليس لأحد أن يهب هبة ويرجع فيها على ~~ظاهر حديث ابن عباس وعمر ، روى ذلك عن طاوس والحسن ، وهو قول الشافعى ، ~~وأحمد ابن حنبل ، وأبى ثور . وفيها قول آخر ، روى عن عمر بن الخطاب : أن من ~~وهب لذى رحم فلا رجوع له ، ومن وهب لغير ذى رحم ، فله الرجوع إن لم يثب ~~منها ، وعن على بن أبى طالب ، رضى الله عنه ، أنه من وهب لذى رحم فله ~~الرجوع إن لم يثب منها خلاف قول عمر . وقال الثورى والكوفيون : يرجع فيما ~~وهبه لذى رحم غير محرم إذا كانت الهبة قائمة لم تستهلك ، ولم تزد فى بدنها ~~أو لم يثب منها مثل : ابن عمه ، وابن خاله ، وأما إن وهب لذى رحم محرم ~~وقبضوا الهبة ، فليس له الرجوع فى شىء منها وهم : ابنته ، أو إخوته ~~PageV07P138 لأمه ، أو جده أبو أمه ، أو خاله ، أو عمه ، أو ابن أخيه ، أو ~~ابن أخته ، أو بنوهما . وتفسير الرحم المحرم هو من لو كان الموهوب له امرأة ~~لم يحل للواهب نكاحها ، وحكم الزوجين عندهم حكم ذى الرحم المحرم ، ولا رجوع ~~لواحد منهما فى هبته . وقال مالك : يجوز الرجوع فيما وهبه للثواب ، وسواء ~~وهبه لذى رحم محرم أو غير محرم ، ولا يجوز له الرجوع فيما وهبه الله ولا ~~لصلة رحم . قال الطحاوى : واحتج أهل المقالة الأولى بما روى شعبة وهشام ، ~~قالا : حدثنا قتادة ، عن سعيد بن المسيب ، عن ابن عباس ، أن رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - قال : ( العائد فى هبته كالعائد فى قيئه ) ، قالوا : ~~فبان بهذا الحديث أن المراد العائد فى قيئه الرجل لا الكلب ، ولما كان رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - قد جعل الرجوع فى الهبة ، كالرجوع فى القىء ، ~~وكان رجوع الرجل فى قيئه ms2326 حراما عليه ، كان كذلك رجوعه فى هبته . وحجة ~~الكوفيين قوله : ( كالكلب يعود فى قيئه ) ، فبان بهذا الحديث أن العائد فى ~~قيئه هو الكلب ، والكلب غير متعبد بتحليل ولا بتحريم ، فيكون المعنى العائد ~~فى هبته كالعائد فى قدر كالقدر الذى يعود فيه الكلب ، فلا يثبت بذلك منع ~~الواهب من الرجوع فى هبته ، فدل هذا أنه عليه السلام أراد تنزيه أمته عن ~~أمثال الكلاب ؛ لأنه أبطل أن يكون لهم الرجوع فى هباتهم ، ويصلح الاحتجاج ~~بهذه الحجة لمالك . PageV07P139 قال الطحاوى : واحتج أهل المقالة الأولى ~~بحديث طاوس ، عن ابن عباس ، وابن عمر ، أن النبى ، عليه السلام ، قال : ( ~~لا يحل لواهب أن يرجع فى هبته إلا الوالد لولده ) ، ولا دليل لهم فيه على ~~تحريم الرجوع فى الهبة ، فقد يجوز أن يكون النبى ، عليه السلام ، وصف ذلك ~~الرجوع بأنه لا يحل ؛ لتغليظه إياه لكراهته أن يكون أحد من أمته له مثل ~~السوء . وقد قال عليه السلام : ( لا تحل الصدقة على ذى مرة سوى ) ، فلم يكن ~~ذلك على معنى أنها تحرم عليه كما تحرم على الغنى ، ولكنها لا تحل له من حيث ~~تحل لغيره من ذوى الحاجة والزمانة ، فكذلك قوله : ( لا يحل للواهب أن يرجع ~~فى هبته ) ، إنما هو على أنه لا يحل له ذلك ، كما تحل له الأشياء التى قد ~~أحلها الله له . وقال الطبرى : قوله عليه السلام : ( العائد فى هبته ) ، ~~معناه الخصوص ، وذلك لو أن قائلا قال : العائد فى هبته كالكلب يعود فى قيئه ~~، إلا أن يكون والدا للموهوب له ، أو تكون هبته لثواب يلتمسه ، فإنه ليس له ~~مثل السوء ، لم يكن مختلا فى كلامه ، ولا مخطئا فى منطقه . فإن قيل : فبين ~~لنا من يجوز له الرجوع فى هبته ومن لا يجوز ، ومن المعنى بالذم فى ذلك . ~~قيل : من وهب طلب ثواب إما باشتراط ذلك أو بغير اشتراط بعد أن يكون الأغلب ~~من أمر الواهب والموهوب له أن مثله يهب مثله طلب الثواب منه ، فله الرجوع . ~~PageV07P140 وأما الواهب لله يطلب الأجر كالواهب الغنى للفقير المحتاج ms2327 ، أو ~~طلب صلة رحم كالواهب يهب لأحد أبويه ، أو أخيه ، أو أخته ، أو قريب له قريب ~~القرابة يريد بذلك صلة رحمه ، فلا رجوع له ، فهذا المعنى بالذم بقوله : ( ~~كالكلب يعود فى قيئه ) . وقد أشار المهلب إلى قريب من هذا المعنى ، وقال : ~~وعلى هذا التأويل لا تتعارض الأحاديث ، فيكون معنى قوله فى حديث عمر : ( ~~العائد فى صدقته ) ، مفسرا لقوله فى حديث ابن عباس : ( العائد فى هبته ) ، ~~أن الهبة التى تجرى مجرى الصدقة والصلة ، لا يجوز الرجوع فيها ، وإنما يرجع ~~فيما خرج من هذا المعنى وأريد به الثواب ، وقد تقدم فى كتاب الزكاة واختلاف ~~أهل العلم فى شراء الرجل صدقته فى باب هل يشترى الرجل صدقته ؟ . قال ~~الطحاوى : وقد بين ما قلنا ما روى عن عمر بن الخطاب ، روى مالك ، عن داود ~~ابن الحصين ، عن أبى غطفان بن ظريف ، عن مروان بن الحكم ، أن عمر بن الخطاب ~~قال : من وهب لصلة رحم أو على وجه صدقة ، فإنه لا يرجع فيها ، ومن وهب هبة ~~يرى أنه إنما أراد بها الثواب ، فهو على هبته يرجع بها ، إن لم يرض منها ، ~~فهذا عمر بن الخطاب فرق بين الهبات والصدقات ، فجعل الصدقات لله لا يرجع ~~فيها ، وجعل الهبات على ضربين ، فضرب منها لصلة الأرحام ، فرد ذلك إلى حكم ~~الصدقات لله ، ومنع الواهب من الرجوع فيها ، وضرب منها جعل فيه الرجوع ~~للواهب ما لم يرض منه . PageV07P141 * * * # | 30 - باب # / 51 - فيه : [ عبد الله بن عبد الله بن أبى مليكة ] ، أن بنى صهيب ، ~~مولى ابن جدعان ادعوا بيتين وحجرة ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~أعطى ذلك صهيبا ، فقال مروان : من يشهد لكما على ذلك ؟ قالوا : ابن عمر ، ~~فدعاه ، فشهد لأعطى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صهيبا بيتين وحجرة ، ~~فقضى مروان بشهادته لهم . إنما ذكر هذا الحديث فى كتاب الهبة ؛ لأن فيه هبة ~~النبى - صلى الله عليه وسلم - البيتين والحجرة لصهيب . فإن قيل : كيف قضى ~~مروان بشهادة ابن عمر وحده لبنى صهيب ، وذلك خلاف السنة ؟ قيل : إن ms2328 مروان ~~إنما حكم بشهادة ابن عمر مع يمين المطالب على ما جاء فى السنة من القضاء ~~باليمين مع الشاهد ، ولم يذكر ذلك فى الحديث . * * * # | 31 - باب ما قيل فى العمرى والرقبى # / 52 - فيه : جابر ، أن النبى ، عليه السلام ، قضى بالعمرى أنها لمن وهبت ~~له . / 53 - وفيه : أبو هريرة ، أن النبى - صلى الله عليه وسلم - قال : ( ~~العمرى جائزة ) ، وجابر مثله . قال أبو عبيد : تأويل العمرى أن يقول الرجل ~~للرجل : هذه الدار لك عمرك ، أو يقول : هذه الدار لك عمرى ، وأصله مأخوذ من ~~العمر . اختلف العلماء فى العمرى ، فقال مالك : إذا قال : أعمرتك دارى أو ~~ضيعتى ، فإنه قد وهب له الانتفاع بذلك مدة حياته ، فإذا مات رجعت الرقبة ~~إلى المالك وهو المعمر ، وإذا قال : قد أعمرتك PageV07P142 وعقبك ، فإنه قد ~~وهب له ولعقبه الانتفاع ما بقى منهم إنسان ، فإذا انقضوا رجعت الرقبة إلى ~~المالك المعمر ؛ لأنه وهب له المنفعة ، ولم يهب له الرقبة . وروى مثله عن ~~القاسم بن محمد ، ويزيد بن قسيط ، وهو أحد قولى الشافعى . وقال الكوفيون ~~والشافعى فى أحد قوليه وأحمد بن حنبل : العمرى تصير ملكا للمعمر ولورثته ، ~~ولا تعود ملكا إلى المعطى أبدا . واحتجوا بما رواه مالك ، عن ابن شهاب ، عن ~~أبى سلمة ، عن جابر ، أن النبى ، عليه السلام ، قال : ( أيما رجل أعمر عمرى ~~له ولعقبه ، فإنها للذى يعطاها لا ترجع إلى الذى أعطاها أبدا ؛ لأنه أعطى ~~عطاء وقعت فيه المواريث . وقالوا : إن مالكا روى هذا الحديث وخالفه ، قال : ~~ليس عليه العمل ووددت أنه محى ، واحتج أصحاب مالك بأن الإعمار عند العرب ~~والإفقار والإسكان والمنحة والعارية والإعراء ، إنما هو تمليك المنافع لا ~~تمليك الرقاب ، وللإنسان أن ينقل منفعة الشىء الذى يملك إلى غيره مدة ~~معلومة ومجهولة إذا كان ذلك على غير عوض ؛ لأن ذلك فعل خير ومعروف ، ولا ~~يجوز أن يخرج شىء عن ملك مالكه إلا بيقين ودليل على صحته . وقد قال القاسم ~~بن محمد : ما أدركت الناس إلا على شروطهم فيما أعطوا ، والدليل على أن ~~العمرى لا تقتضى نقل ms2329 الملك عن الرقبة أنه لو قال : بعتك شهرا أو تصدقت بها ~~عليك شهرا ، وأراد نقل ملك PageV07P143 الرقبة لم يصح ، كذلك إذا قال : ~~أعمرتك ؛ لأنه علقه بوقت مقيد ، وهو عمره . وأما حديث أبى سلمة الذى احتجوا ~~به ، فهو حجة عليهم ، وذلك أن المعمر إذا أعمر زيدا وعقبه ، فليس له أن ~~يرجع فيما أعطى زيدا ، فكذلك فيما أعطى عقبه ، والكوفى خالف هذا الحديث ، ~~ولم يقل بظاهره كما زعم ؛ لأنه يقول : إن للمعمر بيع الشىء الذى أعمره ، ~~ومنع ورثته منه ، وهذا خلاف شرط المعمر ؛ لأنه أعطى عقبه كما أعطاه ، وليس ~~هو بأولى بالعطية من عقبه ، وهو معنى قوله عليه السلام : ( لأنه أعطى عطاء ~~وقعت فيه المواريث ) ، يعنى التداول للمنفعة لا ميراث الرقبة . وقد قال ~~تعالى : { وأورثكم أرضهم وديارهم وأموالهم } [ الأحزاب : 27 ] ، فلم ~~يملكوها بالمواريث التى فرض الله ، وإنما أخذوا منهم ما كان فى أيديهم ، ~~فكذلك العقب فى العمرى يأخذ ما كان لأبيه بعطية المالك . واختلفوا فى ~~الرقبى ، فأجازها أبو يوسف والشافعى كأنها وصية عندهم . وقال مالك ، ~~والكوفيون ، ومحمد : لا تجوز ، واحتجوا بما رواه حبيب بن أبى ثابت ، عن ابن ~~عمر ، أن النبى ، عليه السلام ، نهى عن الرقبى ، وقال : ( من أرقب رقبى فهى ~~له ) ، والرقبى عند مالك : أن يقول للرجل : إن مت قبلك فدارى لك ، وإن مت ~~قبلى فدارك لى ، فكأن كل واحد منهما يقصد إلى عوض لا يدرى هل يحصل له ، ~~ويتمنى كل واحد منهما موت صاحبه ، وليس كذلك العمرى ؛ لأن المعمر لا يقصد ~~عوضا عن الذى أخرج عن يده . PageV07P144 * * * بسم الله الرحمن الرحيم # | 46 - كتاب العارية # # | 1 - باب من استعار من الناس الفرس والدابة وغيرهما # / 1 - فيه : أنس ، كان فزع بالمدينة ، فاستعار النبى - صلى الله عليه ~~وسلم - فرسا من أبى طلحة يقال له : المندوب ، فركب ، فلما رجع ، قال : ( ما ~~رأينا من شىء ، وإن وجدناه لبحرا ) . اختلف العلماء فى عارية الحيوان ~~والعقار وما لا يعاب عليه ، فروى ابن القاسم ، عن مالك ، أن من استعار ~~حيوانا أو غيره مما لا يعاب عليه فتلف عنده ms2330 ، فهو مصدق فى تلفه ، ولا يضمنه ~~إلا بالتعدى ، وهو قول الكوفيين والأوزاعى . وقال عطاء : العارية مضمونة ~~على كل حال ، كانت مما لا يعاب عليه أم لا ، وسواء تعدى فيها أو لم يتعد ، ~~وبه قال الشافعى ، وأحمد بن حنبل ، واحتجوا بما رواه إسماعيل ابن عياش ، عن ~~شرحبيل بن مسلم الخولانى ، قال : سمعت أبا أمامة الباهلى أنه سمع النبى ، ~~عليه السلام ، فى حجة الوداع يقول : ( العارية مؤداة ، والزعيم غارم ) . ~~وروى أن ابن عباس وأبا هريرة ضمنا العارية . والحجة للقول الأول أن معنى ~~قوله : ( العارية مؤداة ) ، هو كمعنى قوله تعالى : { إن الله يأمركم أن ~~تؤدوا الأمانات إلى أهلها } [ النساء : 58 ] ، فإذا تلفت الأمانة لم يلزم ~~المؤتمن عزمها ، فكذلك العارية إذا علم أنها PageV07P145 قد تلفت ؛ لأنه لم ~~يأخذها على الضمان ، ولا هو متعد بالأخذ ، فهى أمانة عند المستعير ، فإذا ~~تلفت بتعديه عليها ، لزمه قيمتها بجنايته عليها ، بمنزلة ما لو تعدى عليها ~~وهى فى يد ربها ، فعليه قيمتها ، وروى عن على وابن مسعود أنه ليس على مؤتمن ~~ضمان . وممن كان لا يضمن المستعير الحسن والنخعى ، وقال شريح : ليس على ~~المستعير غير المغل ضمان ، ولا على المستودع غير المغل ضمان ، وكتب عمر بن ~~عبد العزيز فى العارية : لا يضمن صاحبها إلا أن يطلع منه على خيانة . * * * # | 2 - باب الاستعارة للعروس عند البناء # / 2 - فيه : عائشة كان عليها درع قطر ثمن خمسة دراهم ، فقالت : ارفع بصرك ~~إلى جاريتى انظر إليها ، فإنها تزهى أن تلبسه فى البيت ، وقد كان لى منهن ~~درع على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فما كانت امرأة تقين ~~بالمدينة إلا أرسلت إلى تستعيره . قال المهلب : عارية الثياب فى العرس من ~~فعل المعروف والعمل الجارى عندهم ، وأنه مرغب فى أجره ؛ لأن عائشة لم تمنع ~~منه أحدا . وفيه أن المرأة قد تلبس فى بيتها ما خشن من الثياب ، وما لا ~~يلبسه بعض الخدم ، والقطر ثياب من غليظ القطن ، وتقين يعنى تزين . قال صاحب ~~الأفعال : قان الشىء قيانة : أصلحه ، والقينة : PageV07P146 الأمة ، ويقال ~~: قن إياك عند ms2331 الحداد ، أى أصلحه ، ومنه قيل للحداد : قين . قال أبو عمرو : ~~أصله من إقيان البيت إقيانا إذا حسن ، ومنه قيل للمرأة : مقينة ؛ لأنها ~~تزين . قال غيره : القينة الماشطة ، والقينة المغنية ، والقينة الجارية ، ~~وكل صانع عند العرب قين . واختلف العلماء فى عارية الثياب والعروض وما يعاب ~~عليه ، فقال ابن القاسم فى المدونة : من استعار ما يعاب عليه من ثوب أو ~~غيره فهلك عنده ، فهو له ضامن ولا يقبل قوله فى هلاكه إلا أن يكون هلاكه ~~ظاهرا معروفا ، تقوم له به بينة من غير تفريط ولا تضييع فلا يضمن . وقال ~~أشهب : يضمن ، وإن أقام بينة أنه هلك بغير سببه ، لحديث صفوان فى السلاح ، ~~وهو قول الشافعى قال : كل عارية مضمونة ما يعاب عليه وما لا يعاب ، وسواء ~~تعدى فى تلفه أم لا ، وقد تقدم فى الباب قبل هذا من قال بهذا القول . وقالت ~~طائفة : إنها أمانة على كل وجه ، ولا يضمن ما تلف إلا بتعدى المستعير ، ~~ويقبل قوله فى تلفها ، هذا قول الحسن البصرى والنخعى ، وبه قال الأوزاعى ~~والثورى وأبو حنيفة وأصحابه . وروى عن عمر وعلى وابن مسعود أنه لا ضمان فى ~~العارية ، واحتج الشافعى وأحمد بحديث صفوان بن أمية ، أن النبى - صلى الله ~~عليه وسلم - استعار منه أدراعا يوم حنين ، فقال له : يا محمد ، مضمونة ؟ ~~فقال : ( مضمونة ) ، فضاع بعضها ، فقال له النبى - صلى الله عليه وسلم - : ~~( إن شئت غرمناها لك ) ، فقال : لأنا أرغب فى الإسلام من ذلك يا رسول الله ~~. رواه PageV07P147 ابن أبى مليكة ، عن أمية بن صفوان بن أمية ، عن أبيه ، ~~وروى قتادة ، عن عطاء ، عن صفوان بن يعلى ، عن أبيه ، وقال : أعارية مضمونة ~~أو عارية مؤداة ؟ فقال : بل مؤداة ، وهذا ينفى الضمان ، وحديث صفوان قد ~~اضطرب جدا فلا حجة فيه . وأيضا : فلو وجب على النبى - صلى الله عليه وسلم - ~~الضمان لم يقل له : ( إن شئت غرمناها لك ) ، واحتجوا بحديث القصعة التى ~~أهدتها بعض أزواج النبى - صلى الله عليه وسلم - بطعام فكسرتها عائشة ، فقال ~~النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( غارت أمكم ms2332 ، وغرم القصعة ) . وقال ابن ~~القصار : اختلفت الألفاظ فى خبر صفوان ، فاستعملنا ما ورد منها بالضمان ~~فيما يعاب عليه كما كان فى سلاح صفوان والقصعة ، واستعملنا ما ورد بإسقاط ~~الضمان فيما لا يعاب عليه ؛ لأنه يمكن كتمانه ، فنكون قد استعملنا كل خبر ~~على فائدة غير فائدة صاحبه ، ولا يمكن المخالفين استعمالها إلا على معنى ~~واحد فيما يعاب عليه من العارية وما لا يعاب عليه ، أما فى وجوب الضمان على ~~قول الشافعى ، أو إسقاطه على قول أهل العراق ، فاستعمالنا أولى لكثرة ~~الفوائد . قال المهلب : وإنما ألزمته ملك الضمان فيما يعاب عليه ؛ لئلا ~~يدعى المستعير هلاك العارية فيتطرق بذلك إلى أخذ مال غيره . PageV07P148 * ~~* * # | 3 - باب فضل المنيحة # / 3 - فيه : أبو هريرة ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : ( ~~نعم المنيحة اللقحة الصفى منحة ، والشاة الصفى تغدو بإناء وتروح بإناء ) . ~~وقال إسماعيل ، عن مالك : نعم الصدقة . / 4 - فيه : أنس ، لما قدم ~~المهاجرون المدينة من مكة ، وليس بأيديهم شىء ، وكانت الأنصار أهل الأرض ~~والعقار ، فقاسمهم الأنصار على أن يعطوهم ثمار أموالهم كل عام ، ويكفوهم ~~العمل والمئونة ، وكانت أمه أم أنس أم سليم ، كانت أم عبدالله بن أبى طلحة ~~، وأعطت أم أنس النبى - صلى الله عليه وسلم - عذاقا ، فأعطاهن النبى - صلى ~~الله عليه وسلم - أم أيمن مولاته ، أم أسامة بن زيد ، فلما فرغ من قتل أهل ~~خيبر ، فانصرف إلى المدينة رد المهاجرون إلى الأنصار منائحهم التى كانوا ~~منحوهم من ثمارهم ، فرد النبى - صلى الله عليه وسلم - إلى أمه عذاقها ، ~~وأعطى النبى - صلى الله عليه وسلم - أم أيمن مكانهن من حائطه . وقال يونس ~~مرة : ( من خالصه ) . / 5 - وفيه : عبدالله بن عمرو ، قال النبى - صلى الله ~~عليه وسلم - : ( أربعون خصلة أعلاهن منيحة العنز ، ما من عامل يعمل بخصلة ~~منها رجاء ثوابها ، وتصديق موعودها ، إلا أدخله الله بها الجنة ) ، قال ~~حسان : فعددنا ما دون منيحة العنز من رد السلام ، وتشميت العاطس ، وإماطة ~~الأذى عن الطريق ، وغيره ، فما استطعنا أن نبلغ خمس عشرة خصلة . / 6 - وفيه ~~: جابر ، كانت لرجال ms2333 منا فضول أرضين ، فقالوا : نؤاجرها PageV07P149 بالثلث ~~والربع والنصف ، فقال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( من كانت له أرض ~~فليزرعها ، أو ليمنحها أخاه ، فإن أبى فليمسك أرضه ) . / 7 - وفيه : أبو ~~سعيد ، جاء أعرابى إلى النبى - صلى الله عليه وسلم - ، فسأله عن الهجرة ، ~~فقال : ( ويحك إن الهجرة شأنها شديد ، فهل عندك من إبل ) ؟ قال : نعم ، قال ~~: ( فتعطى صدقتها ) ؟ قال : نعم ، قال : ( فهل تمنح منها شيئا ) ؟ قال : ~~نعم ، قال : ( فتحلبها يوم وردها ؟ ) قال : نعم ، قال : ( فاعمل من وراء ~~البحار ، فإن الله لن يترك من عملك شيئا ) . / 8 - وفيه : ابن عباس ، أن ~~النبى - صلى الله عليه وسلم - خرج إلى أرض تهتز بزرعها ، فقال : ( لمن هذه ~~؟ ) فقالوا : اكتراها فلان ، فقال : ( أما إنه لو منحها إياه كان خيرا له ~~من أن يأخذ عليها أجرا معلوما ) . المنيحة هى الناقة والشاة ذات الدر تعار ~~للبنها ، ثم ترد إلى أهلها ، والمنحة عند العرب كالإفقار ، والعمرى ، ~~والعارية ، وهى تمليك المنافع لا تمليك الرقاب ، ألا ترى قوله فى حديث أنس ~~: ( فلما فتح الله على رسوله - صلى الله عليه وسلم - غنائم خيبر رد ~~المهاجرون إلى الأنصار منائحهم وثمارهم . وقوله فى حديث جابر : ( من كانت ~~له أرض فليزرعها أو ليمنحها أخاه ) ، إنما يريد يهبه الانتفاع بها ولا ~~يكريها منه بأجر ، يبين ذلك قوله فى حديث ابن عباس : ( أما إنه لو منحها ~~إياه لكان خيرا له من أن يأخذ عليها أجرا ) . وقوله فى حديث أبى سعيد بعد ~~أن سأل النبى - صلى الله عليه وسلم - صاحب الإبل إن كان PageV07P150 يؤدى ~~صدقتها ، قال : ( فهل تمنح منها ؟ ) ، فدل أن المنحة غير إعطاء الرقاب ؛ ~~لأن إعطاء الرقاب قد تضمنته الزكاة ، فدلت هذه الآثار على أن المنيحة التى ~~حض النبى - صلى الله عليه وسلم - أمته عليها من الأرض والثمار والأنعام ، ~~هى تمليك المنافع لا تمليك الرقاب . واللقحة الناقة التى لها لبن يحلب ، ~~والجمع لقاح ، والصفى الغزيرة اللبن . قال المهلب : وقوله : ( تغدو بإناء ~~وتروح بإناء ) ، يعنى أنها تغدو بأجر حلبها فى الغدو والرواح ، والسنة أن ~~ترد المنيحة إلى أهلها إذا ms2334 استغنى عنها ، كما رد النبى ، عليه السلام ، إلى ~~أم سليم عذاقها ، وكما رد المهاجرون للأنصار منائحهم حين أغناهم الله بخيبر ~~، والمنحة والعارية والإفقار وغير ذلك هو من باب المشاركة والصلة ، لا من ~~باب الصدقة ؛ لأنها لو كانت من باب الصدقة لما حلت للنبى - صلى الله عليه ~~وسلم - ، ولكانت عليه حراما ، ولو كان فى أخذها غضاضة لما قبلها ، عليه ~~السلام . وأما قوله عليه السلام : ( أربعون خصلة أعلاهن منيحة العنز ) ، ~~ولم يذكر الأربعين خصلة فى الحديث ، ومعلوم أنه كان عالما بها كلها لا ~~محالة ، إلا لمعنى هو أنفع لنا من ذكرها ، وذلك والله أعلم خشية أن يكون ~~التعيين لها والترغيب فيها زهدا فى غيرها من أبواب المعروف وسبل الخير ، ~~وقد جاء عنه ، عليه السلام ، من الحض على أبواب من أبواب الخير والبر ما لا ~~يحصى كثرة ، وليس قول PageV07P151 حسان بن عطية : فعددنا ما دون منيحة ~~العنز من رد السلام ، وتشميت العاطس ، وإماطة الأذى عن الطريق فما استطعنا ~~أن نبلغ خمس عشرة خصلة ، بمانع أن يجدها غيره ، وقد بلغنى عن بعض أهل عصرنا ~~أنه طلبها فى الأحاديث ، فوجد حسابها يبلغ أزيد من أربعين خصلة ، فمنها : ~~أن رجلا سأل النبى - صلى الله عليه وسلم - عن عمل يدخله الجنة ، فقال له ~~عليه السلام : لئن كنت قصرت الخطبة لقد أعرضت المسألة ، فذكر له عتاقات ، ~~ثم قال له : والمنحة الركوب الغزيرة الدر ، والفىء على ذى الرحم القاطع ، ~~فإن لم تطق ذلك فاطعم الجائع ، واسق الظمآن ، فهذه ثلاث خصال أعلاهن المنحة ~~، وليس الفىء على ذى الرحم منها ؛ لأنها أفضل من منيحة العنز ، وإنما شرط ~~أربعين خصلة أعلاهن منيحة العنز . ومنها السلام على من لقيت ، وفى الحديث : ~~( من قال : السلام عليك ، كتبت له عشر حسنات ، ومن زاد : ورحمة الله ، كتبت ~~له عشرون ، ومن زاد : وبركاته ، كتبت له ثلاثون حسنة ) ، وتشميت العاطس ، ~~وفى الحديث : ( ثلاث تثبت لك الود فى صدر أخيك : إحداهن تشميت العاطس ، ~~وإماطة الأذى عن الطريق . . . ) ، وفى الحديث : ( أن رجلا أخر غصن شوك من ~~الطريق ، فشكر الله له ms2335 فغفر له ) . وإعانة الصانع ، والصنعة للأخرق ، ~~وإعطاء صلة الحبل ، وإعطاء شسع النعل ، وأن يؤنس الوحشان ، وسأل رجل النبى ~~- صلى الله عليه وسلم - عن المعروف ، فقال : ( لا تحقرن منه شيئا ولو شسع ~~النعل ، ولو أن يعطى PageV07P152 الحبل ، ولو أن يؤنس الوحشان ) . وقال أبو ~~سليمان الخطابى : وقيل فى تأويل أنس الوحشان وجهان : أحدهما : أن تلقاه بما ~~يؤنسه من القول الجميل . والوجه الآخر : أنه أريد به المنقطع بأرض الفلاة ، ~~المستوحش بها تحمله فتبلغه مكان الأنس ، والأول أشبه . وكشف الكربة عن مسلم ~~، قال عليه السلام : ( من كشف عن أخيه كربة ، كشف الله عنه كربة من كربات ~~يوم القيامة ) . وكون المرء فى حاجة أخيه ، قال عليه السلام : ( الله فى ~~عون العبد مادام العبد فى عون أخيه ) . وستر المسلم ، قال عليه السلام : ( ~~من ستر مسلما ستره الله يوم القيامة ) . والتفسح لأخيك فى المجلس ، قال ~~تعالى : { فافسحوا يفسح الله لكم } [ المجادلة : 11 ] ، وقال عليه السلام : ~~( ثلاث تثبت لك الود فى صدر أخيك : إحداهن أن توسع له فى المجلس ) . وإدخال ~~السرور على المسلم ، ونصر المظلوم ، والأخذ على يدى الظالم ، قال عليه ~~السلام : ( انصر أخاك ظالما أو مظلوما ) . والدلالة على الخير ، وقد قال ~~عليه السلام : ( الدال على الخير كفاعله ) . والأمر بالمعروف ، والإصلاح ~~بين الناس ، قال الله تعالى : { لا خير فى كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة ~~أو معروف أو إصلاح بين الناس } [ النساء : 114 ] الآية ، وقول طيب ترد به ~~المسكين ، قال الله تعالى : { قول معروف ومغفرة خير من صدقة يتبعها أذى } [ ~~البقرة : 263 ] ، وقال تعالى : { وإذا حضر القسمة أولو القربى واليتامى } [ ~~النساء : 8 ] الآية ، وقال عليه السلام : ( اتقوا النار ولو بشق تمرة ، فمن ~~لم يجد فبكلمة طيبة ) . PageV07P153 وأن تفرغ من دلوك فى إناء المستقى ، ~~أمر به عليه السلام الذى سأله عن المعروف ، وغرس المسلم وزرعه ، قال عليه ~~السلام : ( ما من مسلم يغرس غرسا أو يزرع زرعا فيأكل منه طير أو إنسان أو ~~بهيمة إلا كان له صدقة ) . والهدية إلى الجار ، قال عليه السلام : ( يا ~~نساء المؤمنات ، لا تحقرن ms2336 إحداكن لجارتها ولو فرسن شاة محرقا ) . والشفاعة ~~للمسلم ، فإن الله تعالى يقول : { من يشفع شفاعة حسنة يكن له نصيب منها } [ ~~النساء : 85 ] ، وقال عليه السلام : ( اشفعوا تؤجروا ) . ورحمة عزيز ذل ، ~~وغنى افتقر ، وعالم بين جهال ، روى ذلك فى حديث عن النبى . وعيادة المرضى ، ~~وفى الحديث : ( عائد المريض على مخارف الجنة ، وعائد المريض يخوض فى الرحمة ~~، فإذا جلس عنده استقرت به الرحمة ) . والرد على من يغتاب أخاك المسلم ، ~~وفى الحديث : ( من حمى مؤمنا من منافق يغتابه بعث الله إليه ملكا يوم ~~القيامة يحمى لحمه من النار ) . ومصافحة المسلم ، وفى الحديث : ( لا يصافح ~~مسلم مسلما فتزول يده من يده حتى يغفر لهما ) ، وفى حديث آخر : ( تصافحوا ~~يذهب الغل ) . والتحاب فى الله ، والتجالس فى الله ، والتزاور فى الله ، ~~والتبادل فى الله ، قال الله تعالى : وجبت محبتى لأصحاب هذه الأعمال ~~الصالحة ، وعون الرجل الرجل فى دابته يحمله عليها ، أو يرفع عليها متاعه ~~صدقة ، روى ذلك عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وذكر النصح لكل مسلم . ~~PageV07P154 * * * # | 4 - باب إذا قال : أخدمتك هذه الجارية على ما يتعارف الناس فهو جائز # وقال بعض الناس : هذه عارية ، وإن قال : كسوتك هذا الثوب فهو هبة . / 9 - ~~وفيه : أبو هريرة ، قال النبى ، عليه السلام : ( هاجر إبراهيم بسارة ، ~~فأعطوها هاجر ، فرجعت ، فقالت : أشعرت أن الله كبت الكافر ، وأخدم وليدة ) ~~. وقال مرة : ( فأخدمها هاجر ) . لا أعلم خلافا بين العلماء أنه إذا قال له ~~: أخدمتك هذه الجارية ، أو هذا العبد أنه قد وهب له خدمته لا رقبته ، وأن ~~الإخدام لا يقتضى تمليك الرقبة عند العرب ، كما أن الإسكان لا يقتضى تمليك ~~رقبة الدار ، وليس ما استدل به البخارى من قوله : فأخدمها هاجر ، بدليل على ~~الهبة ، وإنما تصح الهبة فى الحديث من قوله : ( فأعطوها هاجر ) ، فكانت ~~عطية تامة . واختلف ابن القاسم وأشهب فيمن قال : وهبت خدمة عبدى لفلان ، ~~فقال ابن القاسم : يخدمه حياة العبد ، فإن مات فلان فلورثته خدمة العبد ما ~~بقى العبد ، إلا أن يستدل من قوله أنه أراد حياة المخدم ، ولا ms2337 تكون هبة ~~لرقبة العبد ، وقال أشهب : إذا قال : وهبت خدمة عبدى لفلان ، فإنه يحمل على ~~أنه حياة فلان ، ولو كانت حياة العبد كانت هبة لرقبته . وقول ابن القاسم ~~أصح من قول أشهب ؛ لأنه لا يفهم من هبة الخدمة هبة الرقبة ، والأموال لا ~~تستباح إلا بيقين . PageV07P155 ولم يختلف العلماء أنه إذا قال : كسوتك هذا ~~الثوب مدة يسميها فله شرطه ، فإن لم يذكر أجلا فهو هبة ؛ لأن لفظ الكسوة ~~يقتضى الهبة للثوب ، لقوله تعالى : { فكفارته إطعام عشرة مساكين أو كسوتهم ~~} [ المائدة : 89 ] ، ولم تختلف الأمة أن ذلك تمليك للطعام والثياب . * * * # | 5 - باب إذا حمل رجلا على فرس فهو كالعمرى والصدقة # وقال بعض الناس : له أن يرجع فيها . / 10 - فيه : عمر ، إنى حملت على فرس ~~فى سبيل الله ، فرأيته يباع ، فسألت النبى - صلى الله عليه وسلم - فقال : ( ~~لا تشتره ، ولا تعد فى صدقتك ) . لا خلاف بين العلماء أن العمرى إذا قبضها ~~المعمر لا يجوز الرجوع فيها ، وكذلك الصدقة لا يجوز لأحد أن يرجع فى صدقته ~~؛ لأنه أخرجها لله تعالى ، فكذلك الحمل على الخيل فى سبيل الله لا رجوع فيه ~~؛ لأنه صدقة لله ، فما كان من الحمل على الخيل تمليكا للمحمول عليه بقوله : ~~هو لك ، فهو كالصدقة المبتولة إذا PageV07P156 بضت أنها ملك للمتصدق عليه ، ~~وما كان منه تحبيسا فى سبيل الله فهو كالأوقاف لا يجوز الرجوع فيه عند ~~جمهور العلماء . وخالف ذلك أبو حنيفة ، وجعل الحبس باطلا فى كل شىء ، ولهذا ~~قال البخارى : وقال بعض الناس : له أن يرجع فيها ؛ لأنه عنده حبس باطل راجع ~~إلى صاحبه . وفى حديث عمر جواز تحبيس الخيل ، وهو يرد قول أبى حنيفة ، ولا ~~يخلو الفرس الذى حمل عليه عمر وأراد شراءه من أن يكون حبسه فى سبيل الله ، ~~أو حمل عليه وجعله ملكا للمحمول عليه ، فإن كان حبسا فلا يجوز بيعه عند ~~العلماء إلا أن يضيع أو يعجز عن اللحاق بالخيل ، فيجوز حينئذ بيعه ووضع ~~ثمنه فى فرس عتيق إن وجده ، وإلا أعان به فى مثل ذلك ، وإن ms2338 كان عمر قد أمضى ~~الفرس للذى حمله عليه وملكه إياه ، فهو ملك للمتصدق عليه كالصدقة المبتولة ~~، فجاز له التصرف فيه وبيعه من الذى حمله عليه ، كما يجوز له بيعه من غيره ~~، وإنما أمره عليه السلام بتركه تنزها لا إيجابا ، وقد تقدم فى كتاب الجهاد ~~فى باب إذا حمل على فرس فى سبيل الله فرآها تباع اختلاف العلماء فيمن حمل ~~على فرس فى سبيل الله ، ولم يقل : هو حبس فى سبيل الله ، PageV07P157 فأغنى ~~عن إعادته ، وسيأتى فى كتاب الأوقاف اختلافهم فى جواز تحبيس الحيوان فى باب ~~وقف الدواب والكراع ، إن شاء الله . PageV07P158 * * * بسم الله الرحمن ~~الرحيم # | 47 - كتاب النكاح # # | 1 - باب الترغيب فى النكاح لقوله تعالى : { فانكحوا ما طاب لكم من ~~النساء } [ النساء : 3 ] الآية # / 1 - فيه : أنس ، جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النبى - صلى الله عليه ~~وسلم - يسألون عن عبادة النبى - صلى الله عليه وسلم - ، فلما أخبروا ، ~~كأنهم تقالوها ، فقالوا : وأين نحن من النبى - صلى الله عليه وسلم - ، قد ~~غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر ، فقال أحدهم : أما أنا ، فإنى أصلى الليل ~~أبدا ، وقال آخر : أنا أصوم الدهر ولا أفطر ، وقال آخر : أنا أعتزل النساء ~~فلا أتزوج أبدا . فجاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إليهم ، فقال : ( ~~أنتم الذين قلتم كذا ، وكذا ، أما والله إنى لأخشاكم لله ، وأتقاكم له ، ~~ولكنى أصوم وأفطر ، وأصلى وأرقد ، وأتزوج النساء ، فمن رغب عن سنتى فليس ~~منى ) . / 2 - وفيه : عائشة فى قوله تعالى : { وإن خفتم ألا تقسطوا فى ~~اليتامى } [ النساء : 3 ] ، قالت : هى اليتيمة تكون فى حجر وليها ، فيرغب ~~فى مالها وجمالها ، يريد أن يتزوجها بأدنى من سنة صداقها ، فنهوا أن ~~ينكحوهن إلا أن يقسطوا لهن ، فيكملوا الصداق ، وأمروا بنكاح من سواهن من ~~النساء . قال أهل التفسير فى قوله تعالى : { فانكحوا ما طاب لكم } [ النساء ~~: 3 ] ، يعنى فانكحوا ما أحللت لكم مثنى وثلاث ورباع . PageV07P159 قال ~~المهلب : فى هذا الحديث من الفقه أن النكاح من سنن الإسلام ، وأنه لا ~~رهبانية فى شريعتنا ، وأن ms2339 من ترك النكاح رغبة عن سنة محمد ، عليه السلام ، ~~فهو مذموم مبتدع ، ومن تركه من أجل أنه أوفق له وأعون على العبادة فلا ~~ملامة عليه ؛ لأنه لم يرغب عن سنة نبيه وطريقته ، وفيه الاقتداء بالأئمة فى ~~العبادة ، والبحث عن أحوالهم وسيرهم فى الليل والنهار ، وأنه لا يجب أن ~~يتعدى طرق الأئمة الذين وضعهم الله ليقتدى بهم فى الدين والعبادة ، وأنه من ~~أراد الزيادة على سيرهم فهو مفسد ، فإن الأخذ بالتوسط والقصد فى العبادة ~~أولى حتى لا يعجز عن شىء منها ، ولا ينقطع دونها ، لقوله عليه السلام : ( ~~خير العمل ما دام عليه صاحبه وإن قل ) . وفى تفسير عائشة للآية من الفقه ما ~~قال به مالك من صداق المثل ، والرد إليه فيما فسد صداقه ، ووقع الغبن فى ~~مقداره ؛ لقولها : من سنة صداقها ، فوجب أن يكون الصداق معروفا لكل طبقة من ~~الناس على قدر أحوالهم ، وقد قال مالك : للناس مناكح قد عرفت لهم ، وعرفوا ~~بها ، أى أن للناس صدقات وأكفاء ، فإذا كان الله قد نهى عن نكاح اليتيمة ~~حتى يبلغها صداق مثلها ، فوجب ألا يجوز نكاح بقبضة تبن ، ولا بما لا خطر له ~~ولا حطب ، كما قال بعض الناس ، والذى أصله مالك فى أقل الصداق ، وهو الذى ~~يؤدى إليه النظر على كتاب الله ، PageV07P160 ويصححه القياس من أنه لا ~~يستباح عضو مسلمة بأقل مما استباحه النبى ، عليه السلام ، من عضو مسلم ~~بالسرقة ، وذلك ربع دينار فما كان أقل من ذلك فخلاف للسنة ، وستأتى مذاهب ~~العلماء فى هذه المسألة بعد هذا . وفيه : أن تفسير القرآن لا يؤخذ إلا عمن ~~له علم به ، كما كانت عائشة أولى الناس بعلمه من قبل الرسول - صلى الله ~~عليه وسلم - لاختصاصها به . وفيه : أن المرأة غير اليتيمة لها أن تنكح ~~بأدنى من صداق مثلها ؛ لأنه تعالى إنما حرج ذلك فى اليتامى ، وأباح سائر ~~النساء بما أجبن إليه من الصداق ، هذا مفهوم من الآية . وفيه : أن لولى ~~اليتيمة أن ينكحها من نفسه إذا عدل فى صداقها . * * * # | 2 - باب قول النبى ، عليه ms2340 السلام : ( من استطاع الباءة فليتزوج ، فإنه ~~أغض للبصر ، وأحصن للفرج ) ، وهل يتزوج من لا إرب له فى النكاح ؟ # / 3 - فيه : علقمة ، قال : كنت مع عبدالله فلقيه عثمان بمنى ، فقال : يا ~~أبا عبدالرحمن ، إن لى إليك حاجة فخليا ، فقال عثمان : هل لك يا أبا ~~عبدالرحمن فى أن أزوجك بكرا تذكرك PageV07P161 ما كنت تعهد ؟ فلما رأى ~~عبدالله أن ليس له حاجة إلى هذا أشار لى ، فقال : يا علقمة ، فانتهيت إليه ~~، وهو يقول : أما لئن قلت ذلك ، لقد قال لنا النبى عليه السلام : ( يا معشر ~~الشباب ، من استطاع منكم الباءة فليتزوج ، ومن لم يستطع فعليه بالصوم ، ~~فإنه له وجاء ) . وترجم له : ( باب من لم يستطع الباءة فليصم ) . ذهب جماعة ~~الفقهاء إلى أن النكاح مندوب إليه مرغب فيه ، وذهب أهل الظاهر إلى أنه فرض ~~على الرجل والمرأة مرة فى الدهر إن كان الرجل واجدا لطول الحرة ، وإن عدم ~~لزمه نكاح الأمة ، واحتجوا بظاهر هذا الحديث ، وحملوا أمره عليه السلام ~~بالنكاح على الإيجاب ، قالوا : ولكنه أمر لخاص من الناس ، وهم الخائفون على ~~أنفسهم العنت بتركهم النكاح ، فأما من لم يخف العنت ، فهو غير مراد بالحديث ~~. قالوا : وقد بين صحة قولنا إخباره عليه السلام عن السبب الذى من أجله أمر ~~الذى يستطيع الباءة بالنكاح ، وذلك قوله : ( فإنه أغض للبصر ، وأحصن للفرج ~~) ، فمن قدر على غض بصره عن المحارم ، وتحصين فرجه فغير فرض عليه النكاح ، ~~ومن كان غير قادر على ذلك وخشى مواقعة الحرام ، فالنكاح فرض عليه لأمر ~~النبى ، عليه السلام ، إياه به . واحتج أهل المقالة الأولى بقوله : ( ومن ~~لم يستطع فعليه بالصيام ) ، وإذا كان الصوم الذى هو بدل عن النكاح ليس ~~بواجب فمبدله مثله ، وأيضا فإن جماعة من الصحابة تركوه وهم قادرون ~~PageV07P162 عليه وعكفوا على العبادة ، فلو كان واجبا لكان تركه معصية ، ~~ولا يجوز أن يفعله الصحابة وهو معصية ، وخاصة بكون الرسول - صلى الله عليه ~~وسلم - باقيا ، فلما لم ينقل عنه ولا عن الأئمة بعده النكير على من لم ~~يتزوج ، علم أنه غير واجب . فإن قال ms2341 أهل الظاهر : قد قال معاذ بن جبل : ~~زوجونى لئلا ألقى الله أعزب ، وقال عمر لأبى الزوائد : لم لا تتزوج ؟ ما ~~يمنعك منه مع علمك بوجوبه إلا عجز أو فجور ، قيل : أما معاذ فأراد أن يلقى ~~الله على أكمل أحواله ؛ لأن النكاح مندوب إليه ، ويحتمل أن يريد عمر بوجوبه ~~وجوب سنة ، وهذا أبو الزوائد من الصحابة لم يتزوج . ومن الدليل أنه غير فرض ~~أنه قضاء شهوة ، ولم يفرض الله على أحد من خلقه فرضا هو شهوة لا يخاف مع ~~تركها الهلاك ، فإن قالوا : الغذاء هو شهوة ، وقد فرض الله إحياء النفوس به ~~، قيل : ليس فى ترك الجماع خوف الهلاك كما فى فقد الغذاء ، فهما غير ~~مشتبهين . وإذا كان لا يخاف الهلاك فى فقد الجماع ، فالفضل فى الصبر على ~~تركه ، إذ الفضل فى ترك اللذات ، وفى إجماع الحجة على أن من صبر عن النكاح ~~ولم يقتحم محرما بصبره عنه غير حرج ولا آثم أدل دليل على صحة ما قلناه من ~~أن أمر النبى ، عليه السلام ، بالنكاح على الندب لا على الفرض ، وهذا قول ~~الطبرى ، وابن القصار ، وقد تقدم تفسير الباءة والوجاء فى كتاب الصيام . ~~PageV07P163 * * * # | 3 - باب كثرة النساء # / 4 - فيه : عطاء ، حضرنا مع ابن عباس جنازة ميمونة بسرف ، فقال ابن عباس ~~: هذه زوجة النبى ، عليه السلام ، فإذا رفعتم نعشها ، فلا تزعزعوها ، ولا ~~تزلزلوها ، وارفقوا ، فإنه كان عند النبى عليه السلام تسع كان يقسم لثمان ، ~~ولا يقسم لواحدة . / 5 - وفيه : أنس ، أن النبى ، عليه السلام ، كان يطوف ~~على نسائه فى ليلة واحدة ، وله تسع نسوة . / 6 - وفيه : ابن جبير ، قال : ~~قال لى ابن عباس : هل تزوجت ؟ قلت : لا ، قال : فتزوج ، فإن خير هذه الأمة ~~أكثرها نساء . قال المهلب : لم يرد ابن عباس أنه من كثر نساؤه من المسلمين ~~أنه خيرهم ، وإنما قاله على معنى الحض والندب إلى النكاح ، وترك الرهبانية ~~فى الإسلام ، وأن النبى ، عليه السلام ، الذى يجب علينا الاقتداء به واتباع ~~سنته كان أكثر أمته نساء ؛ لأن الله تعالى أحل له منهن ms2342 تسعا بالنكاح ، ولم ~~يحل لأحد من أمته غير أربع . وفى هذا الحديث من الفقه أن حرمة المسلم ميتا ~~كحرمته حيا ؛ لأن ابن عباس راعى من توقير زوج النبى - صلى الله عليه وسلم - ~~بعد موتها ما كان يراعيه فى حياتها ، والتى لم يقسم لها النبى - صلى الله ~~عليه وسلم - من أزواجه هى سودة ؛ لأنها وهبت يومها لعائشة ؛ لعلمها بحب ~~النبى - صلى الله عليه وسلم - لها ، وإنما فعلت ذلك رغبة أن تحشر فى جملة ~~أزواج النبى - صلى الله عليه وسلم - ، فكانت من أزواجه ولم يكن لها قسمة فى ~~المبيت . وقال صاحب العين : الزعزعة تحريك الشىء إذا أردت PageV07P164 رفعه ~~، وكذلك تحريك الريح الشجر ، والزلزلة الاضطراب أخذ من زلزلة الأرض . * * * # | 4 - باب من هاجر أو عمل خيرا لتزويج امرأة فله ما نوى # / 7 - فيه : عمر ، قال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( العمل بالنية ، ~~وإنما لامرئ ما نوى ، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله ، فهجرته إلى الله ~~ورسوله ، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها ، أو امرأة ينكحها ، فهجرته إلى ~~ما هاجر إليه ) . قال محمد بن الحسين الآجرى : لما هاجر النبى ، عليه ~~السلام ، من مكة إلى المدينة وجب على جميع المسلمين ممن هو بمكة أن يهاجروا ~~، ويدعوا أهليهم وعشائرهم وديارهم ، يريدون بذلك وجه الله ، فكان الناس ~~يهاجرون على هذا النعت ، فخرج رجل من مكة مهاجرا فى الظاهر قد شمله الطريق ~~مع الناس ، ولم يكن مراده الله ورسوله ، وإنما كان مراده تزويج امرأة من ~~المهاجرات قبله أراد تزويجها ، فلم يعد فى المهاجرين ، وسمى مهاجر أم قيس . ~~* * * # | 5 - باب تزويج المعسر الذى معه القرآن والإسلام # / 8 - فيه : سهل بن سعد ، عن النبى ، عليه السلام . / 9 - وفيه : ابن ~~مسعود ، كنا نغزو مع النبى - صلى الله عليه وسلم - ليس لنا نساء ، فقلنا : ~~يا رسول الله ، ألا نستخصى ؟ فنهانا عن ذلك . قال المهلب : أما قوله : ~~تزويج المعسر الذى معه القرآن والإسلام ، PageV07P165 فدليل على أنه لم ~~يملكها إياه على التعليم ، ولو كان على التعليم لما كان معسرا . وقوله : ~~والإسلام يدل على ذلك ms2343 ؛ لأنها كانت مسلمة ، فلا يجوز أن يعلمها الإسلام ، ~~فيكون على معنى الأجرة ، وإنما راعى له عليه السلام حرمة حفظه القرآن ، ومن ~~جعله على التعليم فقد يجوز ألا تتعلم شيئا فلا يستحقها الزوج ، وقد ملكه ~~الرسول - صلى الله عليه وسلم - إياها قبل التعليم . وسيأتى مذاهب العلماء ~~فى قوله عليه السلام : ( قد زوجتكها بما معك من القرآن ) ، فى حديث سهل بعد ~~هذا ، إن شاء الله ، وأما موضع الترجمة من حديث ابن مسعود ، فهو أنه عليه ~~السلام ، لما نهى أصحابه المعسرين عن الخصاء ، دل على جواز التزويج للمعسر ~~، ولو لم يجز التزويج إلا للأغنياء لحظره عليهم من أجل عسرتهم ، فهو دليل ~~فى حديث ابن مسعود ، ونص فى حديث سهل بقوله : ( قد زوجتكها بما معك من ~~القرآن ) ، وكتاب الله شاهد بصحة هذا المعنى ، وهو قوله : { وأنكحوا ~~الأيامى منكم } [ النور : 32 ] الآية . * * * # | 6 - باب قول الرجل لأخيه : انظر أى زوجتى شئت حتى أنزل لك عنها رواه ~~ابن عوف . # / 10 - فيه : أنس ، قدم عبدالرحمن ، فآخى النبى - صلى الله عليه وسلم - ~~بينه وبين سعد بن الربيع الأنصارى ، وعند الأنصارى امرأتان ، فعرض عليه أن ~~يناصفه أهله وماله ، فقال : بارك الله لك فى أهلك ومالك ، دلونى على السوق ~~، PageV07P166 فأتى السوق فربح شيئا من أقط وسمن ، فرآه النبى ، عليه ~~السلام ، بعد أيام ، وعليه وضر من صفرة ، فقال : ( مهيم يا عبدالرحمن . . . ~~) الحديث . فى هذا الحديث ما كان عليه الصدر الأول من هذه الأمة من الإيثار ~~على أنفسهم ، وبذل النفيس لإخوانهم ، كما وصفهم الله فى كتابه . قال المهلب ~~: وفيه جواز عرض الرجل أهله على أهل الصلاح من إخوانه . وفيه : أنه لا بأس ~~أن ينظر الرجل إلى المرأة قبل أن يتزوجها . وفيه : المواعدة بطلاق امرأة ~~لمن يحب أن يتزوجها ، وفيه تنزه الرجل عما يبذل له ويعرض عليه من المال ~~وغيره ، والأخذ بالشدة على نفسه فى أمر معاشه . وفيه : أن العيش من تجر أو ~~صناعة أولى بنزاهة الأخلاق من العيش من الصدقات والهبات وشبهها . وفيه : ~~مباشرة الفضلاء للتجارات بأنفسهم وتصرفهم فى الأسواق فى معايشهم ms2344 وليس ذلك ~~نقص لهم . وفيه : سؤال الرجل عن من تزوج وما نقد ليعينه الناس على وليمته ~~ومؤنته . وفيه : سؤاله عما تزوج من البكر أو الثيب ، وحضه على البكر ~~للملاعبة والانهمال الحلال ، وستأتى سائر معانى هذا الحديث فى مواضعها ، إن ~~شاء الله . وقوله : مهيم ، كلمة موضوعة للاستفهام ، ومعناها ما شأنك وما ~~أمرك . PageV07P167 * * * # | 7 - باب ما يكره من التبتل والخصاء # / 11 - فيه : سعد ، رد النبى - صلى الله عليه وسلم - على عثمان بن مظعون ~~التبتل ، ولو أذن له لاختصينا . / 12 - وفيه : ابن مسعود ، كنا نغزو مع ~~النبى - صلى الله عليه وسلم - وليس لنا نساء ، فقلنا : ألا نستخصى ؟ فنهانا ~~عن ذلك ، ثم رخص لنا أن ننكح المرأة بالثوب ، ثم قرأ علينا : { يا أيها ~~الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم } [ المائدة : 87 ] الآية . / ~~13 - وفيه : أبو هريرة ، قلت : يا رسول الله ، إنى رجل شاب ، وإنى أخاف على ~~نفسى العنت ، ولا أجد ما أتزوج به النساء ، فسكت عنى ، ثم قلت مثل ذلك ، ~~فسكت عنى ، ثم قلت مثل ذلك ، فسكت عنى ، فقال النبى - صلى الله عليه وسلم - ~~: ( يا أبا هريرة ، جف القلم بما أنت لاق ، فاختص على ذلك أو ذر ) . قال ~~المهلب : إنما نهى عليه السلام عن التبتل والترهب من أجل أنه يكاثر بأمته ~~الأمم يوم القيامة ، وأنه فى الدنيا مقاتل بهم طوائف الكفار ، وفى آخر ~~الزمان يقاتلون الدجال ، فأراد عليه السلام أن يكثر النسل . وقال الطبرى : ~~التبتل الذى أراده عثمان بن مظعون ما كان عزم عليه من ترك النساء والطيب ~~وكل ما يلتذ به ، مما أحله الله لعباده من الطيبات والترهب ، فأنزل الله فى ~~النهى عن ذلك : { يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم } [ ~~المائدة : 87 ] الآية ، وروى هذا عن ابن عباس وجماعة . PageV07P168 فلا ~~يجوز لأحد من المسلمين تحريم شىء مما أحله الله لعباده المؤمنين على نفسه ~~من طيبات المطاعم والملابس والمناكح إذا خاف على نفسه بإحلال ذلك له بعض ~~العنت والمشقة أو أمنه ، وذلك لرد النبى - صلى الله ms2345 عليه وسلم - التبتل على ~~عثمان بن مظعون ، فثبت أنه لا فضل فى ترك شىء مما أحله الله لعباده ، وأن ~~الفضل والبر إنما هو فى فعل ما ندب عباده إليه ، وعمل به رسوله وسنه لأمته ~~، واتبعه على منهاجه الأئمة الراشدون ، إذ كان خير الهدى هدى نبينا محمد . ~~فإذا كان كذلك تبين خطأ من آثر لباس الشعر والصوف على لباس القطن والكتان ~~إذا قدر على لبس ذلك من حله ، وآثر أكل الفول والعدس على أكل خبز البر ~~والشعير ، وترك أكل اللحم والودك حذرا من عارض الحاجة إلى النساء ، فإن ظن ~~ظان أن الفضل فى غير الذى قلنا لما فى لباس الخشن وأكله من المشقة على ~~النفس ، وصرف فضل ما بينهما من القيمة إلى أهل الحاجة ، فقد ظن خطأ . وذلك ~~أن أولى للإنسان بالنفس إصلاحها وعونها له على طاعة ربها ولا شىء أضر للجسم ~~من المطاعم الردية ؛ لأنها مفسدة لعقله ، ومضعفة لأدواته التى جعلها الله ~~سببا إلى طاعاته . وفيه : أن خصاء بنى آدم حرام ، وذلك أن التبتل إذ كان ~~منهيا عنه ولا جناية فيه على النفس غير منعها المباح لها ، فمنعها ما فيه ~~جناية عليها بإيلامها وتعذيبها بقطع بعض الأعضاء أحرى أن يكون منهيا عنه ، ~~فثبت بهذا أن قطع شىء من أعضاء الإنسان من غير ضرورة تدعوه إلى ذلك حرام ~~عليه . PageV07P169 قال المهلب : وقول ابن مسعود : ثم أرخص لنا أن ننكح ~~بالثوب ، يعنى المتعة ، التى كانت حلالا فى أول الإسلام ، ثم نسخت بالعدة ~~والميراث والصداق ، وفى حديث أبى هريرة إثبات القدر ، وأن المرء لا يفعل ~~باختياره شيئا لم يكن سبق فى علم الله . وقال الطبرى : التبتل هو ترك شهوات ~~الدنيا ولذاتها ، والانقطاع إلى الله بالتفرغ لعبادته ، والبتل القطع ، ~~ومنه قيل لمريم : البتول ؛ لانقطاعها إلى الله بالخدمة ، ومنه قولهم : صدقة ~~بتلة ، يعنى منقطعة عن مالكها ، وقال أبو زيد الأنصارى : التبتل العزوبة . ~~قال الطبرى : وهذا الذى قاله أبو زيد نوع من أنواع التبتل . * * * # | 8 - باب نكاح الأبكار # وقال ابن عباس لعائشة : لم ينكح النبى - صلى ms2346 الله عليه وسلم - بكرا غيرك ~~. / 14 - فيه : عائشة ، قلت : يا رسول الله ، أرأيت لو نزلت واديا وفيه ~~شجرة قد أكل منها ، ووجدت شجرة لم يؤكل منها ، فى أيها كنت ترتع بعيرك ؟ ~~قال : فى التى لم يؤكل منها ، يعنى أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم ~~يتزوج بكرا غيرها . / 15 - وفيه : عائشة ، قال النبى ، عليه السلام : ( ~~أريتك فى المنام مرتين ، إذا رجل يحملك فى سرقة حرير ، فيقول : هذه امرأتك ~~فأكشفها ، فإذا هى أنت ، فأقول إن يكن هذا من عند الله يمضه ) . ~~PageV07P170 قال المهلب : فيه فضل الأبكار على غيرهن ، وروى عن النبى - صلى ~~الله عليه وسلم - أنه حض على نكاح الأكبار ، وقال : ( إنهن أطيب أفواها ، ~~وأنتق أرحاما ، وأطيب أخلاقا ) ، وقيل فى تفسير : ( أنتق أرحاما ) : أقبل ~~للولد . وفيه : فخر النساء على ضرائرهن عند الأزواج . وفيه : ضرب الأمثال ~~وتشبيه الإنسان بالشجرة . وسيأتى معنى قوله : ( إن يكن هذا من عند الله ~~يمضه ) ، فى كتاب التعبير من هذا الكتاب فى باب كشف المرأة فى المنام ، إن ~~شاء الله ، فهو أولى به . * * * # | 9 - باب نكاح الثيبات # وقال النبى لأم حبيبة : ( لا تعرضن على بناتكن ولا أخواتكن ) . / 16 - ~~فيه : جابر ، قفلنا مع النبى - صلى الله عليه وسلم - من غزوة ، فتعجلت على ~~بعير لى قطوف ، قال : ( ما يعجلك ) ؟ قلت : كنت حديث عهد بعرس ، قال : ( ~~بكر أم ثيب ) ؟ قلت : ثيب ، قال : ( فهلا جارية تلاعبك وتلاعبها . . . ) ؟ ~~الحديث . / 17 - وقال أيضا : ( ما لك وللعذارى ولعابها ؟ ) . قال المهلب : ~~فيه جواز نكاح الثيبات للشبان إذا كان ذلك لمعنى ، كالمعنى الذى قصد له ~~جابر من سبب أخواته ، وذلك أن يكون للناكح بنات أو أخوات غير بالغات يحتجن ~~إلى قيم ومتعهد . وفيه : أن نكاح الأبكار للشبان أولى لقوله عليه السلام : ~~( فهلا جارية ) . PageV07P171 وفيه : سؤال الإمام رجاله عن أحوالهم فى ~~نكاحهم ومفاوضتهم فى ذلك . وفيه : أن ملاعبة الأهل مستحبة ؛ لأن ذلك يحبب ~~الزوجين بعضهما لبعض ، ويخفف المؤنة بينهما ، ويرفع حياء المرأة عما يحتاج ~~إليه الرجل فى مباعلتها ، قال الله تعالى فى نساء الجنة : { عربا أترابا } ~~[ الواقعة ms2347 : 37 ] والعروب المتحببة إلى زوجها ، ويقال : العاشقة له ، ويقال ~~: الحسنة التبعل . وقوله : ( أمهلوا حتى تدخلوا ليلا ) ، يريد حتى يسبقكم ~~خبر قدومكم إلى أهليكم ، ( فتستحد المغيبة وتمتشط الشعثة ) ، أى تصلح كل ~~امرأة نفسها لزوجها مما غفلت عنه فى غيبته ، وإنما معنى ذلك لئلا يجد منها ~~ريحا أو حالة يكرهها ، فيكون ذلك سببا إلى بغضتها ، وهذا من حسن أدبه عليه ~~السلام . وقوله : ( ولعابها ) ، هو مصدر لاعب ملاعبة ولعابا ، كما تقول : ~~قاتل مقاتلة وقتالا . * * * # | 10 - باب تزويج الصغار من الكبار # / 18 - فيه : عروة ، أن النبى - صلى الله عليه وسلم - خطب إلى أبى بكر ~~عائشة ، فقال له أبو بكر : إنما أنا أخوك ، فقال : ( أنت أخى فى دين الله ~~وكتابه ، وهى لى حلال ) . أجمع العلماء على أنه يجوز للآباء تزويج الصغار ~~من بناتهم ، وإن كن فى المهد ، إلا أنه لا يجوز لأزواجهن البناء بهن إلا ~~إذا صلحن PageV07P172 للوطء واحتملن الرجال ، وأحوالهن تختلف فى ذلك على ~~قدر خلقهن وطاقتهن ، وكانت عائشة حين تزوج بها النبى - صلى الله عليه وسلم ~~- بنت ست سنين ، وبنى بها بنت تسع ، وقد ذكره البخارى بعد هذا فى باب نكاح ~~الرجل ولده الصغار . قال ابن المنذر : وفى هذا الحديث دليل على أن نهيه ، ~~عليه السلام ، عن إنكاح البكر حتى تستأذن أنها البالغ التى لها إذن ، إذ قد ~~أجازت السنة أن يعقد الأب النكاح على الصغيرة التى لا إذن لها . واختلف ~~العلماء فى تزويج الأولياء غير الآباء اليتيمة الصغيرة ، فقال ابن أبى ليلى ~~، ومالك ، والليث ، والثورى ، والشافعى ، وابن الماجشون ، وأحمد ، وأبو ثور ~~: ليس لغير الأب أن يزوج اليتيمة الصغيرة ، فإن فعل فالنكاح باطل ، وحكى ~~ابن المنذر عن مالك أنه قال : يزوج الوصى الصغيرة دون الأولياء إذا كان ~~وصيا لها ، والجد عند الشافعى عند عدم الأب كالأب . قالت طائفة : إذا زوج ~~الصغيرة غير الأب من الأولياء ، فلها الخيار إذا بلغت ، روى هذا عن عطاء ، ~~والحسن ، وطاوس ، وهو قول الأوزاعى ، وأبى حنيفة ، ومحمد ، إلا أنهما جعلا ~~الجد كالأب لا خيار فى تزويجه . وقال أبو يوسف ms2348 : لا خيار لها فى جميع ~~الأولياء . وقال أحمد : لا أرى للولى ولا للقاضى أن يزوج اليتيمة حتى تبلغ ~~تسع سنين ، فإذا بلغتها ورضيت فلا خيار لها . وحجة من جعل لها الخيار إذا ~~بلغت أن النبى - صلى الله عليه وسلم - لما أمر باستئمار PageV07P173 ~~اليتيمة ، ولا تستأمر إلا من لها ميزة ومعرفة كان لها الخيار والاستئمار ~~إذا بلغت . وحجة القول الأول قول النبى ، عليه السلام : ( تستأمر اليتيمة ~~فى نفسها ) ، ولا يصح استئمارها إلا ببلوغها ، ولا يجوز أن يكون العقد ~~موقوفا على استئمارها بدليل امتناع الجميع من دخول الخيار فى عقد النكاح ، ~~ووقوفها إلى مدة فيها الخيار . وفرق مالك بين اليتيمة واليتيم ، فأجاز ~~للوصى تزويج اليتيم قبل البلوغ من قبل أن اليتيم لما كان قادرا على رفع ~~العقد الذى يوقعه الولى إن كرهه بعد بلوغه جاز ذلك لقدرته على الخروج منه ، ~~وليس كذلك اليتيمة ؛ لأنها لا تقدر إذا بلغت على رفع العقد ؛ لأن الطلاق ~~ليس بيد النساء ، فافترقا لهذه العلة ، ولأن السنة وردت فى منع العقد على ~~اليتيمة حتى تستأمر ، ولا يصح استئمارها إلا بعد البلوغ ، هذا قول مالك . ~~قال المهلب : وفى حديث عائشة من الفقه جواز خطبة الرجل لنفسه إلى ولى ~~المخطوبة إذا علم أنه لا يرده لتأكد ما بينهما ، ويحتمل قول أبى بكر للنبى ~~- صلى الله عليه وسلم - : إنما أنا أخوك ، أن يعتقد أنه لا يحل له أن يتزوج ~~ابنته للمؤاخاة والخلة التى كانت بينهما ، فأعلمه النبى - صلى الله عليه ~~وسلم - أن أخوة الإسلام ليست كأخوة النسب والولادة ، فقال : ( إنها لى حلال ~~بوحى من الله تعالى ) ، كما قال إبراهيم للذى أراد أن يأخذ منه PageV07P174 ~~زوجته : هى أختى ، يعنى فى الإيمان ؛ لأنه لم يكن أحد مؤمنا غيرهما يومئذ . ~~* * * # | 11 - باب إلى من ينكح ؟ وأى النساء خير ؟ وما يستحب أن يتخير لنطفه من ~~غير إيجاب ؟ # / 19 - فيه : أبو هريرة ، قال النبى : ( خير نساء ركبن الإبل صالح نساء ~~قريش ، أحناه على ولد فى صغره ، وأرعاه على زوج فى ذات يده ) . قال المهلب ~~: إنما يركب ms2349 الإبل نساء العرب ، ونساء قريش من العرب ، فنساء قريش خير نساء ~~العرب ، وقد أخبر عليه السلام بما استوجبن ذلك ، وهو حنوهن على أولادهن ، ~~ومراعاتهن لأزواجهن ، وحفظهن لأموالهم ، وإنما ذلك لكرم نفوسهن ، وقلة ~~غائلتهن لمن عاشرهن وطهارتهن من مكايدة الأزواج ومشاحنتهن . وفيه : جواز ~~مدح الرجل نساء قومه وولياته بفضائلهن ، ومعنى هذا الحديث الحض على نكاح ~~أهل الصلاح والدين وشرف الآباء ؛ لأن ذلك يمنع من ركوب الإثم وتقحم العار ، ~~ولهذا المعنى قال عليه السلام : ( عليك بذات الدين تربت يداك ) . ~~PageV07P175 * * * 12 - باب اتخاذ السرارى ومن أعتق جاريته ، ثم تزوج بها / ~~20 - فيه : أبو موسى ، قال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( أيما رجل كانت ~~عنده وليدة ، فعلمها فأحسن تعليمها ، وأدبها فأحسن تأديبها ، ثم أعتقها ~~وتزوجها فله أجران . . . ) ، الحديث . / 21 - وفيه : أبو هريرة ، عن النبى ~~، عليه السلام : ( لم يكذب إبراهيم إلا ثلاث كذبات : بينما إبراهيم مر ~~بجبار ومعه سارة . . . ) - وذكر الحديث : ( فأعطاها هاجر ، قالت : كف الله ~~يد الكافر وأخذ منى هاجر ) . / 22 - وفيه : أنس ، أقام الرسول - صلى الله ~~عليه وسلم - بين خيبر والمدينة ثلاثا يبنى على صفية بنت حيى ، فدعوت ~~المسلمين إلى وليمته ، فما كان فيها من خبز ولا لحم ، أمر إلا التمر والأقط ~~والسمن ، فقال المسلمون : إحدى أمهات المؤمنين ، أو مما ملكت يمينه ، ~~فقالوا : إن حجبها ، فهى من أمهات المؤمنين ، وإن لم يحجبها ، فهى مما ملكت ~~يمينه ، فلما ارتحل وطى لها خلفه ، ومد الحجاب بينها وبين الناس . قال ~~المؤلف : اتخاذ السرارى مباح ؛ لقوله تعالى : { إلا على أزواجهم أو ما ملكت ~~أيمانهم } [ المؤمنون : 6 ] ، فأباح ملك اليمين كما أباح ملك النكاح ، ورغب ~~عليه السلام فى عتق الإماء وتزويجهن بقوله أن فاعل ذلك له أجران ، وإنما ~~ذكر حديث أبى هريرة لما فيه من هبة الكافر خادما لسارة ، وقبول إبراهيم لها ~~. واختلف العلماء فيمن أعتق جاريته وتزوجها ، فذهب قوم إلى أنه إن أعتقها ، ~~وجعل عتقها صداقها ، فذلك جائز ، فإن تزوجته فلا مهر PageV07P176 لها غير ~~العتاق على حديث صفية ، روى هذا عن أنس بن مالك أنه فعله ، وهو ms2350 راوى حديث ~~صفية ، وهو قول سعيد بن المسيب ، وطاوس ، والنخعى ، والحسن البصرى ، ~~والزهرى ، وإليه ذهب الثورى ، وأبو يوسف ، وأحمد ، وإسحاق . وقال آخرون : ~~ليس لأحد بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يفعل هذا ، وإنما كان ~~ذلك خاصا لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ؛ لأن الله أباح له أن يتزوج ~~بغير صداق ، ولم يجعل ذلك لأحد من المؤمنين غيره ، هذا قول مالك ، وأبى ~~حنيفة ، وزفر ، ومحمد ، والشافعى . واحتج أهل المقالة الأولى بأن عبد الله ~~بن عمر ، روى عن النبى ، عليه السلام ، أنه فعل فى جويرية بنت الحارث مثل ~~ما فعله فى صفية أنه أعتقها وتزوجها وجعل عتقها صداقها ، رواه حماد بن زيد ~~، عن أيوب ، عن نافع عنه . وقال أهل المقالة الثانية : لا حجة فى خبر ~~جويرية أيضا ؛ لأن ابن عمر رواه عن النبى - صلى الله عليه وسلم - ، وقال : ~~إنه خاص له . قال الطحاوى : فنظرنا فى عتق النبى - صلى الله عليه وسلم - ~~جويرية كيف كان ، فروى ابن إسحاق عن عمر بن جعفر بن الزبير ، عن عروة ، عن ~~عائشة ، أنه لما أصاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بنى المصطلق ، وقعت ~~جويرية بنت الحارث فى سهم ثابت بن قيس ، فكاتبت على نفسها وجاءت تستعين ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فى كتابتها ، فقال لها : ( هل لك فى خير ~~من ذلك ، أقضى عنك كتابتك وأتزوجك ؟ ) ، قالت : نعم ، فتزوجها . ~~PageV07P177 فبينت عائشة العتاق الذى ذكره ابن عمر الذى جعله مهرها أنه ~~أداه عنها كتابتها لتعتق بذلك الأداء ، ويكون مهرا لها ، فلما كان لرسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - أن يجعل ذلك مهرا لها كان ذلك له خاصا دون ~~أمته ، كما كان له خاصا أن يجعل العتاق الذى تولاه هو مهرا . فإن قال قائل ~~: قد رأيت الرجل يعتق أمته على مال فتقبل منه ، فتكون حرة ، ويجب له عليها ~~ذلك المال ، فما ننكر إذا أعتقها على أن عتقها صداقها فقبلت ذلك منه أن ~~تكون حرة ، ويجب ذلك له عليها . قيل : إذا أعتقها على مال فقبلت ذلك منه ms2351 ~~وجب لها عليه العتاق ، ووجب له عليها المال ، فوجب لكل واحد منهما بذلك ~~العقد سببا أوجبه له ذلك العقد لم يكن مالكا له قبل ذلك . وإذا أعتقها على ~~أن عتقها صداقها ، فقد ملكها رقبتها على أن ملكيته بضعها ، فملكها رقبة هو ~~لها مالك ، ولم تكن هى مالكة لها قبل ذلك ، على أن ملكته بضعا هو له مالك ~~قبل ذلك ، فلم تملكه بذلك العتاق شيئا لم يكن له مالكا قبله ، وإنما ملكته ~~بعض ما قد كان له ، فلذلك لم يجب عليها بذلك العتاق شىء ، هذه حجة على من ~~يقول : تكون له زوجة بالعتاق الذى هو الصداق . وفيه من الفقه : أنه يجوز ~~للسيد إذا أعتق أمته أن يزوجها من نفسه دون السلطان ، وكذلك الولى فى وليته ~~، وسيأتى اختلاف العلماء فى PageV07P178 هذه المسألة فى باب إذا كان الولى ~~هو الخاطب بعد هذا ، إن شاء الله . قال ابن المنذر : وفى تزويج النبى - صلى ~~الله عليه وسلم - صفية من نفسه إجازة النكاح بغير شهود إذا أعلن ، وهو قول ~~الزهرى ، وأهل المدينة ، ومالك ، وعبد الله بن الحسن ، وأبى ثور ، وروى عن ~~ابن عمر أنه تزوج ولم يحضر النكاح شاهدين ، وأن الحسن بن على زوج عبد الله ~~ابن الزبير وما معهما أحد من الناس ثم أعلنوه بعد ذلك . وقالت طائفة : لا ~~يجوز نكاح إلا بشاهدى عدل ، روى ذلك عن ابن عباس ، وعطاء ، والنخعى ، وسعيد ~~بن المسيب ، والحسن ، وبه قال الثورى ، والأوزاعى ، والشافعى ، وأحمد ابن ~~حنبل ، وقال أبو حنيفة : لا يجوز النكاح إلا بشاهدين ، ويجوز أن يكونا ~~محدودين فى قذف ، أو فاسقين ، أو أعميين ، وأجمع العلماء على رد شهادة ~~الفاسق . وكان يزيد بن هارون يعتب أصحاب الرأى ، ويقول : أمرنا الله ~~بالإشهاد عند التبايع ، فقال : { وأشهدوا إذا تبايعتم } [ البقرة : 282 ] ، ~~وأمر بالنكاح ولم يأمر بالإشهاد عليه ، فزعم أصحاب الرأى أن البيع الذى أمر ~~الله بالإشهاد عليه جائز من غير شهود ، وأن النكاح الذى لم يأمر بالإشهاد ~~عنده لا يجوز إلا بشهود . قال ابن المنذر : وقد اختلف فى ذلك أصحاب ms2352 الرسول ~~- صلى الله عليه وسلم - ، وجاء الحديث الثابت الدال على إجازة النكاح من ~~غير شهود ، وهو حديث تزويج الرسول - صلى الله عليه وسلم - صفية ، ألا ترى ~~أن أصحابه اختلفوا فلم يعرفوا إن كانت زوجة له أو ملك يمين ، واستدلوا على ~~أنه تزوجها بالحجاب . PageV07P179 فدل ذلك على أنه لم يشهدهم على نكاحها ، ~~واجتزأ فيه بالإعلان ، ولو كان هناك شهود ما خفى ذلك عليهم ، وفيه الحكم ~~بالدليل . ووقع فى المغازى فى هذا الكتاب فى هذا الحديث كلمة من الغريب ، ~~وهى قوله : ( يحوى لها وراءه بعباءة ) ، أى يدير كساء حول سنام البعير ~~لتركب عليه ، وهو الحوية . قال الأصمعى : والحوية كساء محشو بثمام أو ليف ~~يجعل على ظهر البعير ، وفى قصة بدر أن أبا جهل بعث عمير بن وهب ليحزر أصحاب ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فطاف عمير برسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - ، فلما رجع قال : رأيت الحوايا عليها المنايا ، نواضح يثرب تحمل ~~الموت الناقع . * * * # | 13 - باب تزويج المعسر لقول الله تعالى : { إن يكونوا فقراء يغنهم الله ~~من فضله } [ النور : 32 ] # / 23 - فيه : سهل ، جاءت امرأة إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، ~~فقالت : يا رسول الله ، جئت أهب لك نفسى ، فنظر إليها النبى - صلى الله ~~عليه وسلم - فصعد النظر فيها وصوبه ، ثم طأطأ رأسه ، فلما رأت المرأة أنه ~~لم يقض فيها شيئا ، PageV07P180 جلست فقام رجل من أصحابه ، فقال : يا رسول ~~الله ، إن لم يكن لك بها حاجة فزوجنيها ، فقال : ( وهل عندك من شىء ) ؟ قال ~~: لا والله يا رسول الله ، فقال : ( اذهب إلى أهلك ، فانظر هل تجد شيئا ) ~~فذهب ، ثم رجع ، فقال : لا ، والله ما وجدت شيئا ، فقال رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - : ( انظر ولو خاتما من حديد ) ، فذهب ، ثم رجع ، فقال : ~~لا ، والله يا رسول الله ، ولا خاتما من حديد ، ولكن هذا إزارى ، قال سهل : ~~ما له رداء ، فله نصفه ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( ما ~~تصنع بإزارك ، إن لبسته لم يكن عليها منه شىء ، وإن لبسته لم ms2353 يكن عليك منه ~~شىء ، فجلس الرجل حتى إذا طال مجلسه قام ، فرآه رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - موليا ، فأمر به فدعى ، فلما جاء ، قال : ( ما معك من القرآن ) ؟ ~~قال : معى سورة كذا وسورة كذا ، عددها ، فقال : ( تقرؤهن عن ظهر قلبك ) ؟ ~~قال : نعم ، قال : ( اذهب فقد ملكتكها بما معك من القرآن ) . فيه : جواز ~~إنكاح المعسر ، وأن الكفاءة إنما هى فى الدين لا فى المال ، فإذا استجازت ~~المرأة أو الولى التقصير فى المال جاز النكاح ، وقد روى عن عمر بن الخطاب ~~أنه قال : ابتغوا الغنى فى النكاح ، ما رأيت مثل من قعد بعد هذه الآية : { ~~إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله } [ النور : 32 ] ، وذكر إسماعيل بن ~~إسحاق ، قال : حدثنى إسماعيل بن أبى أويس ، قال : حدثنا سليمان بن بلال ، ~~عن ابن غيلان ، عن سعيد بن أبى سعيد ، عن أبى هريرة ، أن رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - قال : ( ثلاثة كلهم حق على الله عونه : المجاهد فى سبيل ~~الله ، والناكح يريد العفاف ، والمكاتب يريد الأداء ) . PageV07P181 قال ~~المهلب : وفى حديث سهل جواز خطبة المرأة الرجل لنفسها إذا كان صالحا ، ولا ~~عار عليها فى ذلك ، وفيه أن النساء يخطبن إلى الأولياء ، فإن لم يكن ولى ~~فالسلطان ولى من لا ولى له ، وسيأتى اختلاف العلماء فى قوله : ( قد ملكتكها ~~بما معك من القرآن ) ، بعد هذا إن شاء الله . * * * # | 14 - باب الأكفاء فى الدين وقول الله تعالى : { وهو الذى خلق من الماء ~~بشرا } [ الفرقان : 54 ] # / 24 - فيه : عائشة ، أن أبا حذيفة بن عتبة بن ربيعة بن عبدشمس - وكان ~~ممن شهد بدرا مع النبى عليه السلام - تبنى سالما ، وأنكحه بنت أخيه هندا ~~بنت الوليد بن عتبة بن ربيعة - وهو مولى لامرأة من الأنصار - كما تبنى ~~النبى عليه السلام زيدا . . . ) الحديث . / 25 - وفيه : عائشة ، دخل النبى ~~عليه السلام على ضباعة بنت الزبير ، فقال لها : لعلك أردت الحج ؟ قالت : لا ~~والله ما أجدنى إلا وجعة ، قال لها : حجى واشترطى ، وقولى : اللهم محلى حيث ~~حبستنى ، وكانت تحت المقداد بن الأسود ms2354 . / 26 - وفيه : أبو هريرة ، قال ~~النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( تنكح المرأة لأربع : لمالها ولحسبها ، ~~وجمالها ، ولدينها ، فاظفر بذات الدين تربت يداك ) . PageV07P182 / 27 - ~~فيه : سهل ، مر رجل على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فقال : ما ~~تقولون فى هذا ؟ قالوا : حرى إن خطب أن ينكح ، وإن شفع أن يشفع ، وإن قال ~~أن يسمع ، ثم سكت ، فمر رجل من فقراء المسلمين ، فقال : ما تقولون فى هذا ؟ ~~قالوا : حرى إن خطب أن لا ينكح ، وإن شفع أن لا يشفع ، وإن قال أن لا يسمع ~~، فقال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( هذا خير من ملء الأرض مثل هذا ) . ~~اختلف العلماء فى الأكفاء من هم ؟ فقال مالك : الأكفاء فى الدين دون غيره ، ~~والمسلمون بعضهم لبعض أكفاء ، ويجوز أن يتزوج العربى والمولى القرشية . روى ~~ذلك عن عمر بن الخطاب ، قال : لست أبالى إلى أى المسلمين نكحت وأيهم أنكحت ~~. روى مثله عن ابن مسعود ، ومن التابعين عمر بن عبد العزيز ، وابن سيرين ، ~~وقال أبو حنيفة : قريش كلهم أكفاء بعضهم لبعض ، والعرب أكفاء بعضهم لبعض ، ~~ولا يكون أحد من العرب كفئا لقريش ، ولا أحد من الموالى كفئا للعرب ، ولا ~~يكون كفئا من لا يجد المهر والنفقة . وقال الشافعى : ليس نكاح غير الكفء ~~بمحرم فأراده بكل حال ، وإنما هو تقصير بالمتزوجة والأولياء ، فإن تزوجت ~~غير كفء ، فإن رضيت به وجميع الأولياء جاز ، ويكون حقا لهم تركوه ، وإن ~~رضيت به وجميع الأولياء إلا واحدا منهم فله فسخه . وقال بعضهم : إن رضيت به ~~وجميع الأولياء لم يجز ، وكان الثورى يرى التفريق إذا نكح مولى عربية ، ~~ويشدد فيه ، وقال أحمد بن حنبل : يفرق بينهما . PageV07P183 واحتج الذين ~~جعلوا الكفاءة فى النسب والمال ، فقالوا : العار يدخل على الأولياء ~~والمناسبين ؛ لأن حق الكفاءة دفع العار عنها وعنهم ، قالوا : وقد روى عن ~~ابن عباس أنه قال : قريش بعضهم لبعض كفء ، والموالى بعضهم لبعض كفء ، إلا ~~الحاكة والحجامين . واحتج أهل المقالة الأولى بحديث عائشة أن أبا حذيفة بن ~~عتبة بن ربيعة تبنى سالما وأنكحه بنت أخيه ms2355 الوليد بن عتبة ، وهى سيدة أيامى ~~قريش ، وسالم مولى لامرأة من الأنصار ، وتزوج ضباعة بنت الزبير بن عبد ~~المطلب بنت عم النبى - صلى الله عليه وسلم - المقداد بن الأسود ، وهو عربى ~~حليف للأسود بن عبد يغوث تبناه ونسب إليه . واحتجوا بقوله عليه السلام : ( ~~عليك بذات الدين تربت يداك ) ، فجعل العمدة ذات الدين ، فينبغى أن تكون ~~العمدة فى الرجل مثل ذلك ، ألا ترى قوله عليه السلام فى حديث سهل حين فضل ~~الفقير الصالح على الغنى ، وجعله خيرا من ملء الأرض منه . وقال المهلب : ~~الأكفاء فى الدين هم المتشاكلون وإن كان فى النسب تفاضل ، فقد نسخ الله ما ~~كانت تحكم به العرب فى الجاهلية من شرف الأنساب ، وجعل الاعتبار بشرف ~~الصلاح والدين ، فقال تعالى : { إنا خلقناكم من ذكر وأنثى } [ الحجرات : 13 ~~] الآية ، وقد نزع هذه الآية مالك بن أنس . وأما قولهم : إن العار يدخل ~~عليها وعلى الأولياء ، PageV07P184 فيقال لهم : مع الدين والصلاح لا يدخل ~~عار على أحد ، وإنما رغبوا فيه لدينه الذى يحمل كل شىء ، وفى النسب وعدم ~~الدين كل عار ، وقد تزوج بلال امرأة قرشية ، وتزوج أسامة بن زيد فاطمة بنت ~~قيس ، وهى قرشية . وقد كان عزم عمر بن الخطاب على تزويج ابنته من سلمان ~~الفارسى ، فقال عمرو ابن العاص لسلمان : لقد تواضع لك أمير المؤمنين ، فقال ~~سلمان : لمثلى يتواضع ، والله لا أتزوجها أبدا ، ولولا أن ذلك جائز لما ~~أراده عمر ولا هم به ؛ لأنه لا يدخل العار على نفسه وعشيرته ، وأما حديث ~~ضباعة فى الاشتراط فى الحج ، فإنما ذكره فى هذا الباب لقوله فى آخر الحديث ~~: ( كانت تحت المقداد بن الأسود ) . واختلف العلماء فى الاشتراط فى الحج ، ~~فأجازه طائفة وأخذوا بهذا الحديث ، فالاشتراط أن يقول عند إحرامه : لبيك ~~اللهم بحجة أو حجة وعمرة ، إلا أن يمنعنى منه ما لا أقدر معه على النهوض ، ~~فيكون محلى حيث حبستنى ولا شىء على . وممن أجاز ذلك عمر بن الخطاب ، وعثمان ~~بن عفان ، وعلى ، وابن مسعود ، وعمار ، وابن عباس ، ومن التابعين سعيد بن ~~المسيب ms2356 ، وعروة ، وعطاء ، وعلقمة ، وشريح ، وعبيدة ، وذكر ذلك PageV07P185 ~~ابن أبى شيبة ، وعبد الرزاق ، وقال به بعض أصحاب الشافعى ، وأحمد ، وإسحاق ~~، وأبو ثور . وأنكر الاشتراط طائفة أخرى ، وقالوا : هو باطل ، روى ذلك عن ~~ابن عمر ، وعائشة ، وهو قول النخعى ، والحكم ، وطاوس ، وسعيد بن جبير ، ~~وإليه ذهب مالك ، والثورى ، وأبو حنيفة ، وقالوا : لا ينفعه اشتراط ، ويمضى ~~على إحرامه حتى يتمه ، وكان ابن عمر ينكر ذلك ، ويقول : أليس حسبكم سنة ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه لم يشترط ، فإن حبس أحدكم بحابس عن ~~الحج ، فليأت البيت فليطف به وبين الصفا والمروة ويحلق أو يقصر ، وقد حل من ~~كل شىء حتى يحج قابلا ، ويهدى أو يصوم إن لم يجد هديا . وأنكر ذلك طاوس ، ~~وسعيد بن جبير ، وهما رويا الحديث عن ابن عباس ، وأنكره الزهرى ، وهو روى ~~الحديث عن عروة ، وهذا كله مما يوهن الاشتراط . قال المهلب : وفى قوله : ( ~~تنكح المرأة لمالها ) ، دليل على أن للزوج الاستمتاع بمال الزوجة ، وأنه ~~يقصد لذلك ، فإن طابت به نفسا فهو له حلال ، وإن منعته فإنما له من ذلك ~~بقدر ما بذل من الصداق . واختلفوا إذا أصدقها وامتنعت الزوجة أن تشترى شيئا ~~من الجهاز ، فقال مالك : ليس لها أن تقضى منه دينها ، ولا أن تنفق منه فى ~~غير ما يصلحها لعرسها إلا أن يكون الصداق شيئا كثيرا فتنفق منه شيئا يسيرا ~~فى دينها . وقال أبو حنيفة ، والثورى ، والشافعى : لا تجبر على شراء ما لا ~~تريد ، والمهر لها تفعل فيه ما شاءت ، واحتجوا بإجماعهم أنها PageV07P186 ~~لو ماتت والصداق بحاله أن حكمه كحكم سائر مالها ، فإذا كان ذلك حكمه بعد ~~وفاتها ، فحكمه كذلك فى حياتها كحكم سائر مالها . وقوله عليه السلام : ( ~~تنكح المرأة لمالها ) ، يدل على أن للزوج الاستمتاع بمالها والارتفاق ~~بمتاعها ، ولولا ذلك لم يفدنا قوله : ( تنكح المرأة لمالها ) فائدة ، ~~ولتساوت الغنية والفقيرة فى قلة الرغبة فيها ، فقول مالك أشبه بدليل الحديث ~~. وقوله : ( فاظفر بذات الدين تربت يداك ) ، فإن حقيقة هذه اللفظة عند أهل ~~اللغة يراد بها الإخبار عن حلول ms2357 الفقر . قال ابن السكيت : يقال : تربت يداه ~~، إذا افتقر . وقال أبو عمرو : أصابهما التراب ، ولم يدع عليه بالفقر . ~~وقال الأصمعى فى تفسير الحديث : لم يرد النبى - صلى الله عليه وسلم - ~~الدعاء عليه بالفقر ، وإنما أراد به الاستحثاث كما يقول الرجل : انخ ثكلتك ~~أمك ، إذا استعجلته ، وأنت لا تريد أن تثكله أمه . وقال ابن قتيبة : وهذا ~~من باب الدعاء الذى لا يراد به الوقوع ، وسأتقصى أقوال أهل اللغة فى هذه ~~الكلمة فى كتاب الأدب فى باب قول النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( ترتب ~~يمينك ) ، و : ( عقرى حلقى ) ، إن شاء الله . PageV07P187 * * * # | 15 - باب ما يتقى من شؤم المرأة وقوله تعالى : { إن من أزواجكم ~~وأولادكم عدوا لكم } [ النساء : 12 ] الآية # / 28 - فيه : ابن عمر ، قال النبى ، عليه السلام : ( الشؤم فى : المرأة ، ~~والدار والفرس ) . وقال ابن عمر : ذكر الشؤم عند النبى - صلى الله عليه ~~وسلم - ، فقال : ( إن كان الشؤم فى شىء ففى : الدار والمرأة والفرس ) . / ~~29 - وفيه : أسامة ، قال عليه السلام : ( ما تركت بعدى فتنة أضر على الرجال ~~من النساء ) . قد تقدم الكلام فى معنى أحاديث الشؤم فى كتاب الجهاد فى باب ~~ما يذكر من شؤم الفرس ، فأغنى عن إعادته ، وسيأتى فى كتاب الطب فى باب ~~الطيرة رد قول من زعم أن أحاديث الشؤم تعارض نهيه ، عليه السلام ، عن ~~الطيرة ، ونفى التعارض عنها ، وتوجيهها على ما يليق بها ، إن شاء الله . ~~وفى حديث أسامة أن فتنة النساء أعظم الفتن مخافة على العباد ؛ لأنه عليه ~~السلام عمم جميع الفتن بقوله : ( ما تركت بعدى فتنة أضر على الرجال من ~~النساء ) ، ويشهد لصحة هذا الحديث قول الله تعالى : { زين للناس حب الشهوات ~~من النساء والبنين } [ آل عمران : 14 ] الآية ، فقدم النساء على جميع ~~الشهوات ، وقد روى عن بعض أمهات المؤمنين أنها قالت : من شقائنا قدمنا على ~~جميع الشهوات . فالمحنة بالنساء أعظم المحن على قدر الفتنة بهن ، وقد أخبر ~~الله مع PageV07P188 ذلك أن منهن لنا عدوا ، فينبغى للمؤمن الاعتصام بالله ~~، والرغبة إليه فى النجاة من فتنتهن ، والسلامة من ms2358 شرهن ، وقد روى فى ~~الحديث أنه لما خلق الله المرأة فرح الشيطان فرحا عظيما ، وقال : هذه ~~حبالتى التى لا يكاد يخطئنى من نصبتها له . * * * # | 16 - باب الحرة تحت العبد # / 30 - فيه : عائشة ، كان فى بريرة ثلاث سنن : عتقت فخيرت ، وقال النبى - ~~صلى الله عليه وسلم - : ( الولاء لمن أعتق ) ، ودخل النبى - صلى الله عليه ~~وسلم - وبرمة على النار ، فقيل : لحم تصدق به على بريرة ، فقال : ( هو ~~عليها صدقة ولنا هدية ) . أجمع العلماء أن الحرة يجوز لها أن تنكح العبد ~~إذا رضيت به ؛ لأن ولدها منه حر تبع لأمه لقوله عليه السلام : ( كل ذات رحم ~~فولدها بمنزلتها ) ، يعنى فى العتق والرق ، وذكر ابن المنذر ، عن الشافعى ، ~~قال : أصل الكفاءة مستنبط من حديث بريرة وصار زوجها غير كفء لها ، فخيرها ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - . وأجمعوا أن الأمة إذا عتقت تحت عبد قد ~~كانت زوجته أن لها الخيار فى البقاء معه أو مفارقته ، وإنما كان لها الخيار ~~؛ لأنها إذا حدثت لها الحرية فقد حدث لها حال كمال ترتفع به عن العبد ، ~~ونقص الزوج عنها ، وأيضا فإنها حين عقد عليها سيدها لم تكن من أهل الاختيار ~~لنفسها ، فجعل لها الاختيار حين صارت أكمل حرمة من PageV07P189 زوجها ، ~~فأما إذا كان زوجها حرا فلا خيار لها عند جمهور العلماء ؛ لأنه مساو لها فى ~~حرمتها ، فلا فضيلة لها عليه . قال الكوفيون : لها الخيار حرا كان زوجها أو ~~عبدا ، ورووا عن النخعى ، عن الأسود ، عن عائشة ، أن زوج بريرة كان حرا ، ~~وسيأتى بيان هذه الأقوال فى كتاب الطلاق فى باب التخيير مستوفى ، إن شاء ~~الله . * * * # | 17 - باب لا يتزوج أكثر من أربع لقوله : { مثنى وثلاث ورباع } [ النساء ~~: 3 ] وقال على بن الحسين : يعنى مثنى أو ثلاث أو أربع ، وقوله : { أولى ~~أجنحة مثنى وثلاث ورباع } [ فاطر : 1 ] مثله . # / 31 - فيه : عائشة : { وإن خفتم ألا تقسطوا فى اليتامى } [ النساء : 3 ] ~~، قالت : هى اليتيمة ، يتزوجها وليها على مالها ، ويسىء صحبتها ، ولا يعدل ~~فى مالها ، فليتزوج من طاب له من النساء ms2359 سواها مثنى وثلاث ورباع . قال ابن ~~القصار : لا يجوز لأحد أن يجمع بين أكثر من أربع نسوة فى النكاح ، وهو ~~عندنا إجماع . وقال قوم ، لا يعدون خلافا : إنه يجوز الجمع بين تسع ، ~~واحتجوا أن معنى قوله تعالى : { مثنى وثلاث ورباع } [ النساء : 3 ] ، يفيد ~~الجمع بين العدد ، بدليل أنه عليه السلام مات عن تسع ، ولنا فيه الأسوة ~~الحسنة . PageV07P190 وحجة الجماعة أن أهل التفسير اتفقوا فى تأويل قوله : ~~{ مثنى وثلاث ورباع } [ النساء : 3 ] ، أنه أراد التخيير بين الأعداد ~~الثلاثة لا الجمع من وجهين : أحدهما : أنه لو أراد الجمع بين تسع لم يعدل ~~عن لفظ الاختصار ، وكان يقول : فانكحوا تسعا ، والعرب لا تعدل أن تقول : ~~تسعة ، وتقول : اثنان وثلاثة وأربعة ، فلما قال : { مثنى وثلاث ورباع } صار ~~تقديره : مثنى مثنى ، وثلاث ثلاث ، ورباع رباع ، فيفيد التخيير كقوله تعالى ~~: { أولى أجنحة مثنى وثلاث ورباع } [ فاطر : 1 ] . والوجه الثانى أنه قال : ~~{ فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم } [ النساء : 3 ] ، ~~واللغة لا تدفع التخيير بين متباعدين يكون بينهما تفاوت ، ولا يجوز أن يقال ~~: فإن خفتم ألا تعدلوا فى التسع فواحدة ؛ لأنه يصير بمنزلة من يقول : إن ~~خفت أن تخرج إلى مكة على طريق الكوفة فامض إليها على طريق الأندلس أو ~~الصعيد ، وبالقرب من مكة طرق كثيرة لا يخاف منها ، فعلم أنه أراد التخيير ~~بين الواحدة والاثنين ، وبين الثنتين والثلاث . وأما قولهم : إنه عليه ~~السلام مات عن تسع ، ولنا أن نتأسى به ، فإننا نقول : إنه كان مخصوصا ~~بالزيادة عن الأربع كما خص بأن ينكح بغير صداق ، وكما خص ألا ينكح أزواجه ~~من بعده وأنه اتفق أن مات عن تسع ، وروى أن غيلان بن سلمة أسلم وتحته عشر ~~نسوة ، فقال له النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( اختر منهن أربعا وفارق ~~سائرهن ) ، فسقط قولهم . PageV07P191 * * * بسم الله الرحمن الرحيم # | 48 - كتاب الرضاع # # | 21 - باب { وأمهاتكم اللاتى أرضعنكم } [ النساء : 23 ] ويحرم من ~~الرضاعة ما يحرم من النسب # / 1 - فيه : عائشة ، أن النبى ، عليه السلام ، كان عندها ، وأنها سمعت ~~صوت ms2360 رجل يستأذن فى بيت حفصة ، قالت : فقلت : يا رسول الله ، هذا رجل يستأذن ~~فى بيتك ، فقال عليه السلام : ( أراه فلانا ) - لعم حفصة من الرضاعة - قالت ~~عائشة : ولو كان فلان حيا - لعمها من الرضاعة دخل على ؟ - فقال : ( نعم ، ~~الرضاعة تحرم ما تحرم الولادة ) . / 2 - وفيه : ابن عباس ، قيل للنبى ، ~~عليه السلام ، ألا تتزوج ابنة حمزة ؟ قال : ( إنها ابنة أخى من الرضاعة ) . ~~/ 3 - وفيه : أم حبيبة بنت أبى سفيان ، قالت : يا رسول الله ، انكح أختى ~~بنت أبى سفيان ، فقال : ( أوتحبين ذلك ) ؟ فقلت : نعم ، لست لك بمخلية ، ~~وأحب من شاركنى فى خير أختى ، فقال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( إن ~~ذلك لا يحل لى ) ، قلت : فإنا نحدث أنك تريد أن تنكح بنت أبى سلمة ، قال : ~~( بنت أم سلمة ) ؟ قلت : نعم ، فقال : ( لو أنها لم تكن ربيبتى فى حجرى ما ~~حلت لى ، إنها لابنة أخى من الرضاعة ، PageV07P192 أرضعتنى وأبا سلمة ثويبة ~~، فلا تعرضن على بناتكن ولا أخواتكن ) . قال عروة : وثويبة مولاة لأبى لهب ~~كان أبو لهب أعتقها ، فأرضعت النبى ، عليه السلام ، فلما مات أبو لهب ، ~~أريه بعض أهله بشر خيبة ، قال له : ماذا لقيت ؟ قال : لم ألق بعدكم ، غير ~~أنى سقيت فى هذه بعتاقتى ثويبة . لا خلاف بين الأمة أنه يحرم من الرضاع ما ~~يحرم من النسب ؛ لقوله تعالى : { وأمهاتكم اللاتى أرضعنكم وأخواتكم من ~~الرضاعة } [ النساء : 23 ] ، فإذا كانت الأم من الرضاع محرمة ، كان كذلك ~~زوجها ، وصار أبا لمن أرضعته زوجته ؛ لأن اللبن منهما جميعا ، وإذا كان زوج ~~التى أرضعت أبا كان أخوه عما ، وكانت أخت المرأة خالة ، يحرم من الرضاع ~~العمات ، والخالات ، والأعمام ، والأخوال ، والأخوات ، وبناتهن ، كما يحرم ~~من النسب ، هذا معنى قوله عليه السلام : ( الرضاعة تحرم ما تحرم الولادة ) ~~. قال ابن المنذر : إذا أرضعت امرأة الرجل جارية حرمت على ابنه ، وعلى أبيه ~~، وعلى جده ، وعلى بنى بنيه وبنى بناته ، وعلى كل ولد ذكر ، وولد ولده ، ~~وعلى كل جد له من قبل أبيه وأمه ، وإذا كان المرضع غلاما حرم الله عليه ولد ~~المرأة ms2361 التى أرضعته ، وأولاد الرجل الذين أرضع هذا الصبى بلبنه ، وهو زوج ~~المرضعة ، ولا تحل له عمته من الرضاعة ولا خالته ، ولا بنت أخيه ولا بنت ~~أخته من الرضاعة . PageV07P193 وأما قوله عليه السلام فى ابنة حمزة : ( ~~إنها ابنة أخى من الرضاعة ) ، فإن حمزة بن عبد المطلب عم النبى - صلى الله ~~عليه وسلم - أرضعته ثويبة مولاة أبى لهب ، ثم أرضعت بعده رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - ، ثم أرضعت بعده أبا سلمة بن عبد الأسد ، هذا قول مصعب ~~الزبيرى ، قال : فكان أبو سلمة ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - وحمزة بن ~~عبد المطلب أخوة من الرضاعة . قال ابن إسحاق : وكان حمزة أسن من النبى - ~~صلى الله عليه وسلم - بسنتين ، وقيل : بأربع . وأما قول أم حبيبة بنت أبى ~~سفيان بن حرب زوج النبى - صلى الله عليه وسلم - : يا رسول الله ، انكح أختى ~~، فإنها لم تعلم أن الجمع بين الأختين حرام ، فكذلك قال لها ولسائر نسائه : ~~( لا تعرضن على بناتكن ولا إخواتكن ، فإن بناتكن ربائب لى ) ، والربيبة ~~حرام مثل الجمع بين الأختين ، وأما قوله فى بنت أبى سلمة : ( لو لم تكن ~~ربيبتى فى حجرى ما حلت لى ) ، من أجل أن أباها أبا سلمة أخو النبى ، عليه ~~السلام ، من الرضاعة ، فكانت بنته حراما عليه ؛ لأنها ربيبة النبى - صلى ~~الله عليه وسلم - ، وأنها بنت أخيه من الرضاعة . قال ابن المنذر : ولا بأس ~~أن يتزوج الرجل المرأة التى أرضعت ابنه ، وكذلك يتزوج بنت المرأة التى هى ~~رضيعة ابنه ، ولأخى هذا الصبى المرضع أن يتزوج المرأة التى أرضعت أخاه ، ~~ويتزوج ابنتها التى هى رضيع أخيه ، وما أراد من ولدها وولد ولدها ، وإنما ~~يحرم نكاحهن على المرضع ، وهذا مذهب مالك ، والكوفيين ، والشافعى ، ~~PageV07P194 وأبى ثور . وذكر على بن المدينى ، عن عبد الرزاق ، عن معمر ، ~~عن الزهرى ، أن أبا لهب أعتق جارية يقال لها : ثويبة ، وكانت أرضعت النبى - ~~صلى الله عليه وسلم - ، فرأى أبا لهب بعض أهله فى النوم فسأله ، فقال : ما ~~وجدت بعدكم راحة ، غير أنى سقيت فى هذه ، وأشار ms2362 إلى النقرة التى تحت إبهامه ~~، بعتقى ثويبة ، فبان برواية معمر أنه سقط من رواية البخارى فى هذا الحديث ~~: راحة ، بعد قوله : لم ألق بعدكم ؛ لأنه لا يتم الكلام على ما رواه ~~البخارى ، وكذلك سقط منه : وأشار إلى النقرة التى تحت إبهامه ، ولا يقوم ~~معنى الحديث إلا بذلك ، ولا أعلم ممن جاء الوهم فيه . وفى هذا الحديث من ~~الفقه : أن الكافر بالله قد يعطى عوضا من أعماله التى يكون مثلها قربة لأهل ~~الإيمان بالله ، وذلك أن أبا لهب أخبر أنه سقى فى النار بعتقه ثويبة فى ~~النقرة التى تحت إبهامه ، وكان ذلك تخفيفا له من العذاب ، كما جاء أنه يخفف ~~عن أبى طالب العذاب ويجعل فى ضحضاح من نار يغلى منه دماغه ، غير أن التخفيف ~~عن أبى لهب أقل من التخفيف عن أبى طالب ؛ لأن أبا لهب كان مؤذيا للنبى - ~~صلى الله عليه وسلم - ، فلم يقع له التخفيف بعتق ثويبة إلا بمقدار ما تحمل ~~النقرة التى تحت إبهامه من الماء ، وخفف عن أبى طالب أكثر من ذلك لنصرته ~~للنبى - صلى الله عليه وسلم - وحياطته له ، فدل هذا كله أن التخفيف عنهما ~~مع كفرهما بالله تعالى الذى ماتا عليه كان لأجل ما أوقعاه من القربة وفعل ~~الخير فى حال شركهما ، ودل هذا على عظيم تفضل الله على عباده الكافرين . ~~وصح قول من تأول فى معنى الحديث الذى PageV07P195 جاء عن الله تعالى : ( أن ~~رحمته سبقت غضبه ) ، أن رحمته لا تنقطع عن أهل النار المخلدين فيها ، إذ فى ~~قدرته تعالى أن يخلق لهم عذابا يكون عذاب النار لأهلها رحمة وتخفيفا ~~بالإضافة إلى ذلك العذاب ، وقد جاء فى حديث أبى سعيد الخدرى أن الكافر إذا ~~أسلم يكتب له ثواب أعمال أهل الطاعة ، وقد قال عليه السلام : ( إذا أسلم ~~الكافر فحسن إسلامه كتب له كل حسنة عملها ، ومحى عنه كل سيئة عملها ) ، ~~وقال عليه السلام لحكيم بن حزام : ( اسلمت على ما سلف من خير ) ، وقد تقدم ~~حديث حكيم بن حزام فى كتاب الزكاة ، فى باب من ms2363 تصدق فى الشرك ثم أسلم ، وفى ~~كتاب العتق فى باب من أعتق المشرك ، وقد تقدم حديث أبى سعيد الخدرى فى كتاب ~~الإيمان فى باب حسن إسلام المرء ، ومر هناك من الكلام ما فيه كفاية . * * * # | 2 - باب من قال : لا رضاع بعد حولين لقول الله تعالى : { حولين كاملين ~~لمن أراد أن يتم الرضاعة } [ البقرة : 233 ] وما يحرم من قليل الرضاع ~~وكثيره # / 4 - فيه : عائشة ، أن النبى ، عليه السلام ، دخل عليها ، وعندها رجل ، ~~فكأنه تغير وجهه ، كأنه كره ذلك ، فقالت : إنه أخى ، فقال : ( انظرن من ~~إخوانكن ، فإنما الرضاعة من المجاعة ) . PageV07P196 اتفق أئمة الأمصار على ~~أن رضاع الكبير لا يحرم ، وشذ الليث وأهل الظاهر عن الجماعة ، وقالوا : إنه ~~يحرم ، وذهبوا إلى قول عائشة فى رضاعة سالم مولى أبى حذيفة ، وحجة الجماعة ~~قوله تعالى : { والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين } [ البقرة : 233 ] ، ~~فأخبر تعالى أن تمام الرضاعة حولان ، فعلم أن ما بعد الحولين ليس برضاع ، ~~إذ لو كان ما بعده رضاعا لم يكن كمال الرضاعة حولين ، ويشهد لهذا قوله عليه ~~السلام : ( إنما الرضاعة من المجاعة ) ، وهذا المعنى لا يقع برضاع الكبير ، ~~وقد روى هشام بن عروة ، عن فاطمة بنت المنذر ، عن أم سلمة ، عن النبى ، ~~عليه السلام ، أنه قال : ( لا يحرم من الرضاع إلا ما فتق الأمعاء ، وكان ~~قبل الفطام ) . وأما خبر عائشة فى رضاعة سالم ، فلا يخلو أن يكون منسوخا أو ~~خاصا لسالم وحده ، وقد قالت أم سلمة وسائر أزواج النبى - صلى الله عليه ~~وسلم - : كان رضاع سالم خاصا له ؛ وذلك من أجل التبنى الذى انضاف إليه ، ~~ولا يوجد هذا فى غيره ، وقد نسخ الله التبنى ، فلا ينبغى أن يتعلق به حكم ، ~~وقوله تعالى : { حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة } [ البقرة : 233 ] ~~، وقوله عليه السلام : ( الرضاعة من المجاعة ) ، قاطع للخلاف فى هذه ~~المسألة ، وما جعله الله حدا لتمام فلا مزيد لأحد عليه . قال المهلب : ~~وقوله : ( انظرن ما إخوانكن ) ، أى ما سبب أخوته ، فإن حرمة الرضاع إنما هى ~~فى الصغير حين PageV07P197 تسد الرضاعة المجاعة ms2364 ، لا حين يكون الغذاء يغير ~~الرضاع فى حال الكبر . واختلفوا فى مقدار مدة الرضاع ، فقال جمهور العلماء ~~: ما كان فى الحولين فهو يحرم ، وما كان بعد الحولين فلا يحرم ، روى هذا عن ~~ابن مسعود ، وابن عباس ، وعن الشعبى ، وابن شبرمة ، وهو قول الثورى ، ~~والأوزاعى ، وأبى يوسف ، ومحمد ، والشافعى ، وأحمد ، وإسحاق ، وأبى ثور ، ~~وهو قول مالك فى الموطأ ، وفيها قول ثان : روى الوليد ابن مسلم ، عن مالك ، ~~أن ما كان بعد الحولين بشهر أو شهرين أو ثلاثة يحرم . وفيها قول ثالث حكى ~~عن أبى حنيفة أن ما كان بعد الحولين بستة أشهر فإنه يحرم . وفيها قول رابع ~~: قال زفر : مادام يجتزئ باللبن ولم يطعم ، وإن أتى عليه ثلاث سنين فهو ~~رضاع . والقول قول من قال بالحولين لشهادة كتاب الله وسنة رسوله . روى ابن ~~عيينة ، عن عمرو بن دينار ، عن ابن عباس ، أن النبى ، عليه السلام ، قال : ~~( لا رضاع إلا ما كان فى الحولين ) ، ودليل آخر وهو قوله تعالى : { وفصاله ~~فى عامين } [ لقمان : 14 ] ، فعلم أن ما بعد الحولين بخلافهما . قال ابن ~~المنذر : والذى يعتمد عليه فى ذلك قوله تعالى : { حولين كاملين لمن أراد أن ~~يتم الرضاعة } [ البقرة : 233 ] ، وليس لما بعد التمام حكم . واختلفوا فى ~~مقدار الرضاع الذى تثبت به الحرمة ، ولا تجوز الزيادة فيه . قال ابن المنذر ~~: قالت طائفة : يحرم قليل ذلك وكثيره ، وهو قول على ، وابن مسعود ، وابن ~~عمر ، وابن عباس ، PageV07P198 وروى عن سعيد بن المسيب ، والحسن ، وعطاء ، ~~ومكحول ، وطاوس ، والحكم ، وهو قول مالك ، والليث ، والأوزاعى ، والثورى ، ~~والكوفيين . وقالت طائفة : لا تحرم الرضعة والرضعتان ، وإنما تحرم ثلاث ، ~~روى ذلك عن عائشة ، وابن الزبير ، وبه قال أحمد ، وإسحاق ، وأبو ثور ، وأبو ~~عبيد ، واحتجوا بقوله عليه السلام : ( لا تحرم الإملاجة والإملاجتان ) . ~~وقالت طائفة : لا يقع التحريم إلا بخمس رضعات مفترقات ، روى ذلك عن عائشة ، ~~وهو قول الشافعى ، وحكى عن إسحاق ، واحتجوا بقول عائشة : كان فيما نزل فى ~~القرآن عشر رضعات يحرمن ، ثم نسخن بخمس معلومات ، فتوفى رسول الله - صلى ~~الله عليه ms2365 وسلم - وهى فيما يقرأ من القرآن . وروى عن عائشة أيضا أنه لا ~~يحرم إلا سبع رضعات ، وروى عنها أنها أمرت أختها أم كلثوم أن ترضع سالم بن ~~عبد الله عشر رضعات ليدخل عليها ، وروى مثله عن حفصة أم المؤمنين . وحجة ~~القول الأول قوله تعالى : { وأمهاتكم اللاتى أرضعنكم } [ النساء : 23 ] ، ~~ولم يخص قليل الرضاع من كثيره ، وقد قال العلماء : إن أحاديث عائشة فى ~~الرضاع اضطربت ، فوجب تركها والرجوع إلى كتاب الله . قال الطحاوى : وكيف ~~يجوز أن تأمر عائشة بعشر رضعات وهى منسوخة ، وتركنا ونأخذ بالخمس الناسخة ~~لها ، وحديث الإملاجة والإملاجتين لا يثبت ؛ لأنه مرة يرويه ابن الزبير عن ~~النبى ، PageV07P199 عليه السلام ، ومرة عن عائشة ، ومرة عن أبيه ، ومثل ~~هذا الاضطراب يسقطه . قال الطحاوى : والنظر فى ذلك أنا رأينا الذى يحرم لا ~~عدد فيه ، ويحرم قليله وكثيره ، ألا ترى لو أن رجلا جامع امرأة بنكاح أو ~~ملك مرة واحدة أن ذلك يوجب حرمتها على أبيه وعلى ابنه ، ويوجب حرمة أمها ~~وابنتها عليه ، فكذلك الرضاع لما كان كثيره يحرم كان قليله فى القياس أيضا ~~كذلك . * * * # | 3 - باب لبن الفحل # / 5 - فيه : عائشة ، أن أفلح أخا أبى القعيس جاء يستأذن عليها - وهو عمها ~~من الرضاعة - بعد أن نزل الحجاب ، فأبيت أن آذن له ، فلما جاء النبى - صلى ~~الله عليه وسلم - أخبرته بالذى صنعت ، فأمرنى أن آذن له . اختلف العلماء فى ~~التحريم بلبن الفحل ، فذهبت طائفة إلى أنه يحرم ، روى ذلك عن على ، وابن ~~عباس ، وهو قول عطاء ، وطاوس ، وإليه ذهب مالك ، والأوزاعى ، والثورى ، ~~والكوفيون ، والشافعى ، وأحمد ، وإسحاق ، وأبو ثور ، وذهبت طائفة إلى أن ~~لبن الفحل لا يحرم ، قالوا : وإنما يقع التحريم من ناحية المرأة لا من ~~ناحية الرجل ، روى هذا عن عائشة ، وابن عمر ، وابن الزبير ، والنخعى ، وابن ~~المسيب ، والقاسم ، وأبى سلمة ، وهو مذهب أهل الظاهر ، واحتجوا بأن عائشة ~~كان يدخل عليها من أرضعته أخواتها وبنات أخيها ، ولا يدخل عليها من أرضعته ~~نساء إخوتها ، وحجة الذين رأوا به التحريم حديث أفلح أخى أبى القعيس ms2366 ؛ لأن ~~عائشة كانت رضعت PageV07P200 من امرأة أبى القعيس بلبنه ، فصار أبو القعيس ~~أبا لعائشة ، وصار أخوه عما لعائشة ، فأشكل هذا على عائشة إذ لا رضاعة ~~حقيقة إلا من امرأة ؛ لقوله تعالى : { وأمهاتكم اللاتى أرضعنكم وأخواتكم من ~~الرضاعة } [ النساء : 23 ] ، فلم تر للرجل حكما للرضاع ، فقالت : يا رسول ~~الله ، إنما أرضعتنى المرأة ولم يرضعنى الرجل ، فأخبرها النبى - صلى الله ~~عليه وسلم - أن لبن الفحل يحرم بقوله : ( إنه عمك فأذنى له ) . قال ابن ~~المنذر : والسنة مستغنى بها عما سواها ، ومن جهة النظر أن سبب اللبن هو ماء ~~الرجل والمرأة جميعا ، فوجب أن يكون الرضاع منهما كما كان الولد لهما وإن ~~اختلف سببهما ، كما أن الجد لما كان سببا فى الولد تعلق تحريم ولد الولد به ~~كتعلقه بولده ، كذلك حكم الرجل والمرأة ، وقد سئل ابن عباس عن رجل له ~~امرأتان ، فأرضعت إحداهما غلاما والأخرى جارية ، فقال : لا يجوز للغلام أن ~~يتزوج الجارية ؛ لأن اللقاح واحد ، أى الأمهات وإن افترقن فإن الأب واحد ~~الذى هو سبب اللبن للمرأتين ، فالغلام والجارية أخوان لأب من الرضاع . * * ~~* # | 4 - باب شهادة المرضعة # / 6 - فيه : عقبة ، قال : تزوجت امرأة ، فجاءتنا امرأة سوداء ، فقالت : ~~أرضعتكما ، فأتيت النبى ، عليه السلام ، فقلت : تزوجت فلانة ، فجاءتنا ~~امرأة سوداء فقالت : لى إنى قد أرضعتكما ، وهى كاذبة ، PageV07P201 فأعرض ~~عنه ، فأتيته من قبل وجهه ، فقلت : إنها كاذبة ، قال : ( كيف بها وقد زعمت ~~أنها قد أرضعتكما ؟ دعها عنك ) . اختلف العلماء فى هذا الباب ، فقالت طائفة ~~: يجوز شهادة امرأة واحدة فى الرضاع إذا كانت مرضية ، وتستحلف مع شهادتها ، ~~روى ذلك عن ابن عباس ، وطاوس ، وهو قول الزهرى ، والأوزاعى ، وأحمد ، ~~وإسحاق ، واحتجوا بقوله عليه السلام : ( كيف وقد قيل ) ، ونهيه عنها ، وذكر ~~عن الأوزاعى أنه إنما أجاز شهادة امرأة واحدة فى ذلك إذا شهدت قبل أن ~~يتزوجها ، وأما بعد أن يتزوجها فلا يجيز شهادتها . وقالت طائفة : لا يقبل ~~فى ذلك إلا رجلان أو رجل وامرأتان ، روى ذلك عن عمر ابن الخطاب ، وهو قول ~~الكوفيين . وقال مالك : تقبل فى ذلك شهادة ms2367 امرأتين دون رجل ، وبه قال الحكم ~~، قال مالك : إذا كان ذلك قد فشا وعرف من قولهما ، هذه رواية ابن القاسم ، ~~وروى عنه ابن وهب أنه تقبل شهادة امرأتين ، وإن لم يفش ذلك من قولهما . ~~وقالت طائفة : لا يقبل فى ذلك أقل من أربع نسوة ، روى ذلك عن عطاء ، ~~والشعبى ، وهو قول الشافعى ، قال : ولو شهد فى ذلك رجلان أو رجل وامرأتان ~~لجاز ، وتأول أهل هذه المقالات غير أهل المقالة الأولى أن قوله عليه السلام ~~: ( كيف وقد قيل ) ، إنما هو على وجه التنزه والتورع ، لا على الإيجاب ، ~~وروى ابن مهدى ، و PageV07P202 حفص بن غياث ، عن حذلم العبسى ، عن رجل من ~~بنى عبس ، قال : سألت عليا وابن عباس عن رجل تزوج امرأة ، فجاءت امرأة ~~فزعمت أنها أرضعتهما ، فقالا : إن يتنزه عنها فهو خير ، وأما أن يحرمها ~~عليه أحد فلا . وقال زيد بن أسلم : إن عمر بن الخطاب لم يجز شهادة امرأة ~~واحدة فى الرضاع ، وأن النبى - صلى الله عليه وسلم - أخبر عن رضاع امرأة ~~فتبسم ، وقال : ( كيف وقد قيل ) . * * * # | 5 - باب ما يحل من النساء وما يحرم # وقول الله تعالى : { حرمت عليكم أمهاتكم } [ النساء : 23 ] الآية ، وقوله ~~تعالى : { والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم } [ النساء : 24 ] ~~الآية . وقال أنس : { والمحصنات من النساء } : ذوات الأزواج الحرائر حرام { ~~إلا ما ملكت أيمانكم } : لا نرى بأسا أن ينزع الرجل أمته من عبده . وقال : ~~{ ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن } [ البقرة : 221 ] ، قال ابن عباس : ما ~~زاد على أربع ، فهو حرام ، كأمه وابنته وأخته . / 7 - وفيه : ابن عباس ، ~~قال : حرم من النسب سبع ، ومن الصهر سبع ، ثم قرأ : { حرمت عليكم أمهاتكم } ~~الآية . وجمع الحسن بن الحسن بن على بين ابنتى عم فى ليلة . وجمع عبدالله ~~بن جعفر بين ابنة على وامرأة على . وقال ابن سيرين : لا بأس به . ~~PageV07P203 وكرهه الحسن مرة ، ثم قال : لا بأس به . وكرهه جابر بن زيد ~~للقطيعة ، وليس فيه تحريم ، لقوله تعالى : { وأحل لكم ما وراء ذلكم } [ ~~النساء : 24 ] . وقال ابن عباس ms2368 : إذا زنى بأخت امرأته لم تحرم عليه امرأته ~~، وقال عكرمة ، عن ابن عباس : إذا زنى بها لم تحرم عليه امرأته ، ويذكر عن ~~أبى نصر ، أن ابن عباس حرمه ، وأبو نصر هذا لم يعرف سماعه من ابن عباس . ~~ويروى عن يحيى الكندى ، عن الشعبى وأبى جعفر فيمن يلعب بالصبى : إن أدخله ~~فيه فلا يتزوجن أمه ، ويحيى هذا غير معروف ، ولم يتابع عليه . ويروى عن ~~عمران بن حصين ، وجابر ابن زيد ، والحسن ، وبعض أهل العراق تحرم عليه . ~~وقال أبو هريرة : لا تحرم حتى يلزق بالأرض ، يعنى تجامع ، وجوزه ابن المسيب ~~وعروة والزهرى ، وقال الزهرى : قال على : لا تحرم ، وهذا مرسل . قال المؤلف ~~: الرواية ثابتة عن ابن عباس أن السبع المحرمات بالنسب الأمهات ، والبنات ، ~~والأخوات ، والعمات ، والخالات ، وبنات الأخ ، وبنات الأخت ، والسبع ~~المحرمات بالصهر والرضاع الأمهات من الرضاعة ، والأخوات من الرضاعة ، ~~وأمهات النساء ، والربائب ، وحلائل الأبناء ، والجمع بين الأختين ، ~~والسابعة : { ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء } [ النساء : 22 ] . قال ~~الطحاوى : وقوله : { حرمت عليكم أمهاتكم } [ النساء : 23 ] ، المراد به ~~الوالدات ومن فوقهن من الجدات من قبل الأمهات ومن قبل الآباء ، وقوله : { ~~وبناتكم } [ النساء : 23 ] المراد البنات للأصلاب ومن أسفل منهن من ~~PageV07P204 بنات الأبناء ، ومن بنات البنات وإن سفلن ، وقوله : { وأخواتكم ~~} [ النساء : 23 ] ، المراد بذلك الأخوات من الآباء والأمهات ، ومن الآباء ~~ومن الأمهات ، وقوله : { وعماتكم } [ النساء : 23 ] ، المراد به العمات ~~أخوات الآباء من الآباء والأمهات ومن الآباء ومن الأمهات ، وكذلك أخوات ~~الأجداد من كل واحدة من الجهات الثلاث وإن علون ، { وخالاتكم } [ النساء : ~~23 ] ، المراد بذلك أخوات الأمهات الوالدات لآبائهن وأمهاتهن ، ولآبائهن ~~ولأمهاتهن أخوات الجدات كأخوات الأمهات فى الحرمات ؛ لأنه إذا كان لهن حكم ~~الأمهات كان أيضا لأخواتهن حكم أخوات الأمهات . { وبنات الأخ } [ النساء : ~~23 ] ، المراد بذلك بنات الأخ من الأب والأم ومن الأب ومن الأم ، ومن الأم ~~وبنات بنيهم ، وبنات بناتهن وإن سفلن ، { وبنات الأخت } [ النساء : 23 ] ، ~~كذلك أيضا من أى جهة كن وأولادهن وأولاد أولادهن وإن سفلن . وقوله يعنى : { ~~وأمهاتكم اللاتى أرضعنكم } [ النساء ms2369 : 23 ] ، فكان هذا على الأم المرضعة ~~وعلى من فوقها من أمهاتها وإن بعدن ، وقام ذلك مقام الأم الوالدة ومقام ~~أمهاتها ، وكذلك حكم الأخوات من الرضاعة حكم اللواتى من النسب ، وتحرم زوجة ~~الرجل على أبيه وعلى ابنه دخل بها أو لم يدخل ، وعلى أجداده وعلى ولد ولده ~~الذكور والإناث ، ولا تحل لبنى بنيه ولا لبنى بناته ما تناسلوا ؛ لقوله : { ~~وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم } [ النساء : 23 ] ، ولقوله : { ولا ~~تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء } [ النساء : 22 ] ، ولم يذكر تعالى دخولا ~~، فصارتا محرمتين بالعقد ، والملك والرضاع فى ذلك بمنزلة النسب ، والمراد ~~بقوله : { ما نكح آباؤكم } ، آباء الآباء ، وآباء الأمهات ومن فوقهم من ~~PageV07P205 الأجداد ، وكل هذا من المحكم المتفق على تأويله ، وغير جائز ~~نكاح واحدة منهن بإجماع إلا أمهات النساء اللواتى لم يدخل بهن أزواجهن ، ~~فإن بعض السلف اختلفوا إذا بانت الابنة قبل الدخول بها هل تحرم أمها أم لا ~~، فذهب جمهور السلف إلى أن الأم تحرم بالعقد على الابنة ولا تحرم الابنة ~~إلا بالدخول بالأم ، وبهذا قال جميع أئمة الفتوى بالأمصار . وقالت طائفة من ~~السلف : الأم والربيبة سواء لا تحرم منهما واحدة إلا بالدخول بالأخرى ، ~~وتأولوا القرآن على غير تأويله ، فقالوا : المعنى وأمهات نسائكم اللاتى ~~دخلتم بهن وربائبكم اللاتى فى حجوركم من نسائكم اللاتى دخلتم بهن ، وزعموا ~~أن شرط الدخول راجع إلى الأمهات والربائب جميعا ، روى هذا القول خلاس ، عن ~~على بن أبى طالب ، ورواية عن ابن عباس ، وزيد بن ثابت ، وهو قول ابن الزبير ~~، ومجاهد لم يختلف عنهما . وهذا قول لم يقل به أحد من أئمة الفتوى ، وحديث ~~خلاس عن على لا تقوم به حجة ؛ لأنه لا يصحح روايته أهل العلم بالحديث ، ~~والصحيح عن ابن عباس مثل قول الجماعة ، روى سعيد ، عن قتادة ، عن عكرمة ، ~~عن ابن عباس فى قوله : { وأمهات نسائكم } [ النساء : 23 ] ، قال : هى مبهمة ~~لا تحل بالعقد على الابنة ، وكذلك روى مالك ، عن يحيى بن سعيد ، أنه قال : ~~سئل زيد بن ثابت عن رجل تزوج امرأة ثم فارقها ms2370 قبل أن يصيبها ، هل تحل له ~~أمها ؟ فقال زيد بن ثابت : لا ، الأم مبهمة وإنما الشرط فى الربائب ، وهذا ~~الصحيح عن زيد ابن ثابت . PageV07P206 قال ابن المنذر : وهذا هو الصحيح ، ~~لدخول جميع أمهات النساء فى قوله : { وأمهات نسائكم } [ النساء : 23 ] ، ~~وحجة أهل هذه المقالة أن الاستثناء راجع إلى الربائب ؛ لأنهن أقرب مذكور ، ~~ولا يرجع إلى أمهات النساء ، والدليل على ذلك من طريق العربية من وجهين : ~~أحدهما : أن العرب تحمل الوصف على أقرب الموصوفين دون أن تحمله على أبعدهما ~~أو أن تشرك بينهما فيه ، فتقول : هذا جحر ضب خرب وهو لحن ؛ لأن الضب ليس ~~بالخرب ، وإنما هو الجحر قصد إلى جرى الكلام على طريقة واحدة . والثانى : ~~أن الخبرين إذا اختلفا لم يكن نعتهما واحدا ، لا يجيز النحويون : مررت ~~بنسائك وهربت من نساء زيد الظريفات على أن تكون الظريفات نعتا لنسائك ونساء ~~زيد . واختلف أهل التأويل فى قوله : { والمحصنات من النساء } [ النساء : 24 ~~] ، فقالت طائفة : المحصنات فى هذه الآية كل أمة ذات زوج من المسلمين ~~والمشركين حرام على غير أزواجهن ، إلا أن تكون مملوكة اشتراها مشتر من ~~مولاها فتحل له ويبطل بيع سيدها إياها النكاح بينها وبين زوجها ، روى هذا ~~القول عن ابن مسعود ، وأبى بن كعب ، وجابر ، وأنس ، وقالوا : بيع الأمة ~~طلاق لها ، وهو قول النخعى ، وابن المسيب ، والحسن . وقالت طائفة : ~~المحصنات فى هذه الآية ذوات الأزواج المستثنيات منهن بملك اليمين هن ~~السبايا اللواتى فرق بينهن وبين PageV07P207 أزواجهن السبى ، فحللن لمن صرن ~~له بملك اليمين من غير طلاق كان من زوجها لها ، روى هذا عن ابن عباس ، قال ~~: كل ذات زوج إتيانها زنا إلا ما سبيت ، وهو قول زيد بن أسلم ومكحول . ~~وقالوا : إن هذه الآية نزلت فى سبى أوطاس ، وقالوا : ليس بيع الأمة طلاقها ~~، وإن الآية نزلت فى السبايا خاصة ، وبهذا قال مالك ، والكوفيون ، والشافعى ~~، وأحمد ، وإسحاق ، وأبو ثور ، واحتجوا بحديث بريرة ، قالوا : ولو كان بيع ~~الأمة طلاقها ما خيرت . قال الطحاوى : والقياس يوجب فساد قول من جعل بيع ~~الأمة ms2371 طلاقها ؛ لأنه لا فعل للزوج فى ذلك ولا سبب له ، والطلاق لا يقع إلا ~~من الأزواج . وقال آخرون : بل المحصنات فى الآية وإن كن ذوات الأزواج ، ~~فإنه تدخل فى ذلك محصنة عفيفة ذات زوج وغير ذات زوج ، مسلمة أو كتابية فى ~~أن الله حرم الزنا بهن وأباحهن بالنكاح أو الملك ، روى هذا عن على ، وابن ~~عباس ، ومجاهد ، وهو معنى قول ابن المسيب ، ويرجع ذلك إلى أن الله حرم ~~الزنا ، ومعنى الآية عندهم { إلا ما ملكت أيمانكم } [ النساء : 24 ] ، يعنى ~~تملكون عصمتهن بالنكاح ، وتملكون الرقبة بالشراء . وأما قوله : وجمع عبد ~~الله بن جعفر بين بنت على وامرأة على ، فإنما فعل ذلك ؛ لأن الابنة كانت من ~~غير تلك المرأة ، وهذا جائز عند مالك ، والثورى ، وأبى حنيفة ، والأوزاعى ، ~~والشافعى ، وأحمد ، وإسحاق ، PageV07P208 وأبى ثور ؛ لأنه إنما حرم على ~~الرجل أن يتزوج المرأة وابنتها ، وليس بحرام عليه أن يتزوج المرأة وربيبتها ~~، لا فى كتاب الله ولا فى سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، بل هما ~~داخلتان فى جملة قوله : { وأحل لكم ما وراء ذلكم } [ النساء : 24 ] ، وفى ~~قوله : { فانكحوا ما طاب لكم من النساء } [ النساء : 3 ] . وقال ابن أبى ~~ليلى : لا يجوز هذا النكاح ، وكرهه الحسن وعكرمة . قال ابن المنذر : وقد ~~ثبت رجوع الحسن عنه ، وحجة الذين كرهوه ولم يجيزوه ما أصله العلماء فى معنى ~~الجمع بين المرأة وعمتها وخالتها . قال الشعبى : انظر فكل امرأتين لو كانت ~~إحداهما رجلا لم يجز له نكاح الأخرى ، فلا يجوز الجمع بينهما ، قيل له : ~~عمن ؟ قال : عن أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم - . وقال الثورى : تفسير ~~هذا أن يكون من النسب وليس بين امرأة الرجل وابنته من غيرها نسب يجمعهما ، ~~فلذلك يجوز الجمع بينهما ، وعلى هذا التفسير جماعة الفقهاء ، وكذلك أجاز ~~أكثر العلماء أن تنكح المرأة وتنكح ابنة ابنتها من غيره ، وكره ذلك طاوس ~~ومجاهد . وأما الجمع بين ابنتى العم ، فكرهه مالك ، وليس بحرام عنده ، وهو ~~قول عطاء ، وجابر ابن زيد ، قالا : إنما كره ذلك للقطيعة وفساد ما ms2372 بينهما ، ~~ورخص فيه أكثر العلماء . قال ابن المنذر : ولا أعلم أحدا أبطل هذا النكاح ~~وهما داخلتان فى جملة ما أبيح بالنكاح غير خارجتين منه بكتاب ولا سنة ولا ~~إجماع ، وكذلك معنى الجمع بين ابنتى عم وعمة ، أو بين ابنتى خال وخالة . ~~PageV07P209 وقول ابن عباس : إذا زنى بأخت امرأته لم تحرم عليه امرأته ، ~~فهو قول أكثر العلماء ، وإنما حرم الله الجمع بين الأختين بالنكاح خاصة لا ~~بالزنا ، ألا ترى أنه يجوز نكاح واحدة بعد أخرى من الأختين ولا يجوز ذلك فى ~~المرأة وابنتها . واختلفوا إذا زنى بالأم ، هل تحرم عليه الابنة أو إذا زنى ~~بالابنة هل تحرم عليه الأم ؟ فقال الكوفيون ، والثورى ، والأوزاعى ، وأحمد ~~، وإسحاق : إذا زنى بامرأة حرمت عليه أمها وابنتها ، وهذه رواية ابن القاسم ~~عن مالك فى المدونة ، وقالوا : الحرام يحرم الحلال . وقالت طائفة : لا يحرم ~~الحرام الحلال ، روى ذلك عن ابن عباس ، وسعيد بن المسيب ، وعروة ، وربيعة ، ~~والليث ، وهو قول مالك فى الموطأ ، وبه قال الشافعى ، وأبو ثور ، وحجة هذا ~~القول أنه لما ارتفع الصداق فى الزنا ووجوب العدة والميراث ولحوق الولد ~~ووجوب الحد ارتفع أن يحكم له بحكم النكاح الجائز ، ورخص أكثر العلماء فى ~~تزويج المرأة التى زنى بها ، وشبه ابن عباس ذلك برجل يسرق ثمر النخلة ~~فيأكلها ثم يشتريها ، وكره ذلك ابن مسعود ، وعائشة ، والبراء ، وقالوا : لا ~~يزالان زانيين ما اجتمعا . وأما تحريم النكاح باللواط ، فإن أصحاب مالك ، ~~وأبى حنيفة ، والشافعى ، وغيرهم لا يحرمون النكاح باللواط ، وقال الثورى : ~~إذا لعب بالصبى حرمت عليه أمه ، وهو قول أحمد بن حنبل ، قال : إذا تلوط ~~بابن امرأته ، أو أبيها ، أو أخيها ، حرمت عليه امرأته . وقال الأوزاعى : ~~إذا لاط غلام بغلام وولد للمفجور به بنت لم يجز للفاجر PageV07P210 أن ~~يتزوجها ؛ لأنها بنت من قد دخل هو به ، وهو قول أحمد بن حنبل . * * * # | 6 - باب قوله تعالى { وربائبكم اللاتى فى حجوركم } [ النساء : 23 ] # قال ابن عباس : الدخول والمسيس واللماس هو الجماع . ومن قال : بنات ولدها ~~من بناته فى التحريم ، لقول النبى ms2373 - صلى الله عليه وسلم - لأم حبيبة : لا ~~تعرضن على بناتكن ولا أخواتكن ، وكذلك حلائل ولد الأبناء هن حلائل الأبناء ~~، وهل تسمى الربيبة ، وإن لم تكن فى حجره ، ودفع النبى ، عليه السلام ، ~~ربيبة له إلى من يكفلها ، وسمى النبى ، عليه السلام ، ابن ابنته ابنا . / 8 ~~- فيه : أم حبيبة ، قلت : يا رسول الله ، هل لك فى بنت أبى سفيان ؟ قال : ( ~~فأفعل ماذا ) ؟ قلت : تنكح ، قال : ( أتحبين ) ؟ قلت : لست لك بمخلية ، ~~وأحب من شركنى فى خير أختى ، قال : ( إنها لا تحل لى ) ، قلت : بلغنى أنك ~~تخطب ، قال : ( ابنة أم سلمة ) ؟ قلت : نعم ، قال : ( لو لم تكن ربيبتى فى ~~حجرى ما حلت لى ، أرضعتنى وأباها ثويبة ، فلا تعرضن على بناتكن ولا أخواتكن ~~) . اختلف العلماء فى معنى الدخول بالأمهات الذى يقع به تحريم نكاح الربائب ~~، فروى عن ابن عباس أنه قال : الدخول الجماع ، وهو قول طاوس ، ولم يقل بهذا ~~أحد من الفقهاء ، واتفق الفقهاء أنه إذا لمسها بشهوة حرمت عليه أمها ~~وابنتها ، ثم اختلفوا فى النظر ، فقال PageV07P211 مالك : إذا نظر إلى ~~شعرها أو صدرها أو شىء من محاسنها بلذة ، حرمت عليه أمها وابنتها . وقال ~~الكوفيون : إذا نظر إلى فرجها بشهوة كان بمنزلة اللمس بشهوة . وقال ابن أبى ~~ليلى : لا تحرم بالنظر حتى يلمس ، وهو قول الشافعى ، وقد روى التحريم ~~بالنظر عن مسروق ، والتحريم باللمس عن النخعى ، والقاسم ، ومجاهد ، وأجمع ~~الفقهاء على أن الربيبة تحرم على زوج أمها إذا دخل بالأم ، وإن لم تكن ~~الربيبة فى حجره . وشذ أهل الظاهر عن جماعة الفقهاء ، وقالوا : لا تحرم ~~عليه الربيبة إلا أن تكون فى حجره ، واحتجوا بقوله تعالى : { وربائبكم ~~اللاتى فى حجوركم } [ النساء : 23 ] الآية ، قالوا : تحريم الربيبة بشرطين ~~: أحدهما : أن تكون فى حجره ، والآخر : أن تكون أمها قد دخل بها ، فإذا عدم ~~أحد الشرطين ، لم يوجد التحريم ، قالوا : لأن الزوج إنما جعل محرما لها من ~~أجل ما يلحق من المشقة فى استتارها عنه ، وهذا المعنى لا يوجد إلا إذا كانت ~~فى حجره . واحتجوا بقوله عليه السلام : ( لو ms2374 لم تكن ربيبتى فى حجرى ) ، ~~فشرط الحجر ، ورووا عن على بن أبى طالب إجازة ذلك . وقال ابن المنذر ~~والطحاوى : فأما الحديث عن على ، فلا يثبت ؛ لأن راويه إبراهيم ، عن عبيد ، ~~عن مالك بن أوس ، عن على ، وإبراهيم هذا لا يعرف . PageV07P212 وأكثر أهل ~~العلم قد تلقوه بالدفع والخلاف ، واحتجوا فى دفعه بقوله عليه السلام : ( ~~فلا تعرضن على بناتكن ولا أخواتكن ) ، فدل ذلك على انتفائه . قال أبو عبيد ~~: ويدفعه قوله : ( لا تعرضن على بناتكن ) فعمهن ، ولم يقل : اللاتى فى حجرى ~~، ولكنه سوى بينهن فى التحريم . قال المهلب : وإضافته عليه السلام إياهن ~~إلى الحجور ، إنما هو على الأغلب مما تكون عليه الربائب لا أنهن لا يحرمن ~~إذا لم يكن كذلك ، وقوله تعالى لنبيه : { يا أيها النبى إنا أحللنا لك ~~أزواجك اللاتى آتيت أجورهن } [ الأحزاب : 50 ] ، وإنما أحلهن له بعقد ~~نكاحهن عليه لا بإتيانه إياهن أجورهن ؛ لأنه معقول فيهن أنه لو طلقهن بعد ~~عقدة نكاحهن ولم يؤتهن أجورهن أن الطلاق واقع عليهن ، كما قال : { لا جناح ~~عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة } [ البقرة : 236 ~~] ، فأثبت الله نكاحهن ، وإن كن لم يؤتهن أجورهن ، فعلمنا بذلك أن أزواج ~~النبى - صلى الله عليه وسلم - إنما حللن له بعقد النكاح وإتيان الأجور ~~وعقلنا بذلك أن قوله تعالى : { اللاتى آتيت أجورهن } [ الأحزاب : 50 ] ، ~~إنما هو على وصف الأغلب مما تكون عليه الزوجات . وكذلك قوله تعالى : { ~~وربائبكم اللاتى فى حجوركم } [ النساء : 23 ] ، إنما هو على التحريم بالسبب ~~الذى كن به ربائب ، ووصفهن بالإضافة إلى الحجور ؛ لأنه الأغلب مما تكون ~~عليه الربائب مع أزواج أمهاتهن . قال : والقياس يوجب هذا ؛ لأنه لا يكون ~~التحريم بشيئين إلا ولكل واحد منهما إذا انفرد حكم ، فلذلك جعلنا التحريم ~~فى الربائب بالسبب الذى صرن به ربائب لا بما سواه . PageV07P213 قال ابن ~~القصار : وحجة الجماعة أنه لا تأثير للحجر فى التحريم ولا فى الإباحة ، ~~بدليل أن الأخت والعمة والخالة لما حرمن عليه لم يفترق الحكم بين أن يكونوا ~~فى حجره أم لا ms2375 ، ولو كان الحجر شرطا فى التحريم لوجب إذا ارتفع أن يرتفع ~~التحريم ، فلما رأينا التحريم قائما ، وقد زال الحجر بموت أمها أو طلاقها ، ~~علمنا أن لا اعتبار بالحجر ، ألا ترى أن بنت أم سلمة لم تكن فى حجره ، عليه ~~السلام ، ولا ربيت فيه قبل نكاحه بأم سلمة . ويشهد لهذا أنه لو وطئ الأم ~~بملك اليمين لحرمت عليه البنت ، سواء كانت فى حجره أم لا ، وكل امرأة حرمت ~~عليك فابنتها حرام عليك إلا أربعا بنت العمة ، وبنت الخالة ، وبنت حليلة ~~الابن ، وبنت حليلة الأب . * * * # | 7 - باب { وأن تجمعوا بين الأختين } [ النساء : 23 ] # / 9 - فيه : أم حبيبة ، قلت : يا رسول الله ، انكح أختى بنت أبى سفيان ، ~~قال : ( وتحبين ) ؟ قلت : نعم ، لست لك بمخلية ، وأحب من شاركنى فى خير ~~أختى ، قال عليه السلام : ( إن ذلك لا يحل لى ، فلا تعرضن على بناتكن ولا ~~أخواتكن ) . وأجمع العلماء على أنه لا يجوز جمع نكاح الأختين فى عقد واحد ؛ ~~لقوله تعالى : { وأن تجمعوا بين الأختين } [ النساء : 23 ] ، وأن ذلك جمع ~~بينهما ، وأن ذلك حرام متفق على مراد الله تعالى فى الآية ، ولقوله عليه ~~السلام : ( لا تعرضن على أخواتكن ) ، فإنه لا يجوز الجمع بين الأختين ، ~~واختلفوا فى الأختين بملك اليمين ، فذهب PageV07P214 كافة العلماء إلى أنه ~~لا يجوز الجمع بينهما بالملك فى الوطء ، وإن كان يجوز الجمع بينهما ، فإن ~~الوطء فى الإماء نظير عقد النكاح فى الحرائر ، وشذ أهل الظاهر ، فقالوا : ~~يجوز الجمع بينهما فى الوطء كما يجوز الجمع بينهما فى الملك ، وقالوا : إن ~~قوله تعالى : { وأن تجمعوا بين الأختين } [ النساء : 23 ] عائد إلى ~~المنكوحات ؛ لأنه قدم ذكر المحرمات بالنكاح ، ثم عطف عليهن بذكر الأختين ، ~~واحتجوا بما روى عن عثمان بن عفان أنه قال فى الأختين من ملك اليمين : ~~حرمتهما آية ، وأحلتهما آية . وذكر الطحاوى ، عن على ، رضى الله عنه ، وابن ~~عباس مثل قول عثمان ، والآية التى أحلتهما قوله : { وأحل لكم ما وراء ذلكم ~~} [ النساء : 24 ] ، ولم يلتفت أحد من أئمة الفتوى إلى هذا القول ؛ لأنهم ~~فهموا من ms2376 تأويل كتاب الله خلافه ، ولا يجوز عليهم تحريف التأويل ، وممن قال ~~ذلك من الصحابة عمر بن الخطاب ، وعلى بن أبى طالب ، وابن مسعود ، وابن عباس ~~، وعمار بن ياسر ، وابن عمر ، وعائشة ، وابن الزبير ، وقال على : لو كان ~~الأمر إلى ورأيت أحدا يفعله جعلته نكالا ، وهؤلاء أهل العلم بكتاب الله ~~والمعرفة بكلام العرب ، فمن خالفهم متعسف فى التأويل متبع غير سبيل ~~المؤمنين . وأما قولهم : إن قوله تعالى : { وأن تجمعوا بين الأختين } [ ~~النساء : 23 ] عائد إلى المنكوحات ، فإنه لا يمتنع أن يكون أول الآية خاصا ~~وآخرها عاما ، ألا ترى أن فى أول الآيات تحريم الأمهات PageV07P215 والبنات ~~اللواتى لا يستقر الملك عليهن بالشراء ، وبعد ذلك فيهما ذكر العمات والخلات ~~اللواتى يستقر الملك عليهن ، فكذلك الجمع بين الأختين فى النكاح والوطء ~~بالملك . وقال الطحاوى : لما اختلفوا فى ذلك نظرنا كيف هو ، فرأينا الله قد ~~حرم فى هذه الآية الأمهات والبنات إلى قوله : { وحلائل أبنائكم } [ النساء ~~: 23 ] ، فكأن هؤلاء جميعا محرمات فى ملك اليمين كما هن محرمات فى النكاح ، ~~واختلفوا فى الأختين بملك اليمين ، فالقياس على ذلك أن تكونا محرمتين فى ~~ملك اليمين ، وأن يكون حكمهما كحكمهما فى النكاح ، وهذا هو القياس . * * * # | 8 - باب ( لا تنكح المرأة على عمتها ) # / 10 - فيه : جابر ، نهى النبى - صلى الله عليه وسلم - أن تنكح المرأة ~~على عمتها أو خالتها . / 11 - وفيه : أبو هريرة ، مثله . وزاد الزهرى : ~~فنرى خالة أبيها بتلك المنزلة ؛ لأن عروة حدثنى عن عائشة ، قالت : حرموا من ~~الرضاعة ما يحرم من النسب . أجمع العلماء أنه لا يجوز الجمع بين المرأة ~~وعمتها وإن علت ، ولا بين المرأة وخالتها وإن علت . وقال عبد الملك بن حبيب ~~: ولا يجمع بين المرأة وعمة عمتها وعمة أبيها وخالة أبيها ، وكذلك المرأة ~~وخالتها وخالة خالتها وخالة أمها وعمة أمها . قال عبد الملك : وأما خالة ~~عمتها ، فإن ابن الماجشون PageV07P216 قال لى : إن تكن أم العمة وأم الأب ~~واحدة فهى كالخالة ، فإنها خالة أبيها ، وإن تكن أمها غير أم الأب ، فلا ~~بأس بالجمع بينهما إنما ms2377 هى امرأة أجنبية ، ألا ترى أن أباها ينكحها . قال ~~غيره : إنما ينكح خالة العمة أخو العمة ؛ لأنها أخت خالته لأب ، والخئولة ~~إنما تحرم من قبل الأم ، فإذا كانت من قبل الأب فلا حرمة لها كرجل له أخ ~~لأب ، وله أخت لأم ، فيجوز أن يتزوج كل واحد منهما بالآخر ؛ لأنهما لا ~~يجتمعان لا إلى الأب ولا إلى الأم . قال ابن الماجشون : وأما عمة خالتها ، ~~فإن تلك خالتها أخت أمها لأبيها ، فإن عمة خالتها عمة أمها ، فلا يجتمعان ، ~~ألا ترى أنه لو كان فى موضعها رجل لم تحل له ، وإن كانت خالتها أخت أمها ~~لأمها دون أبيها فلا بأس أن يجمع بينها وبين عمة خالتها لأبيها ؛ لأنها ~~منهما أجنبية لو كانت إحداهما رجلا حلت له الأخرى . قال ابن المنذر : ولست ~~أعلم فى تحريم الجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها خلافا إلا فرقة من ~~الخوارج ، وإذا ثبت الشىء بالسنة ، وأجمع أهل العلم عليه لم يضر خلاف من ~~خالفه . وأما قول الزهرى : فنرى خالة أبيها بتلك المنزلة ؛ لأن عروة حدثنى ~~عن عائشة ، قالت : حرموا من الرضاع ما يحرم من النسب ، فلا حاجة إلى ~~تشبيهها بما حرم بالرضاع ، فهو استدلال غير صحيح من PageV07P217 الزهرى ؛ ~~لأنه استدل على تحريم من حرمت بالنسب بتحريم من حرمت بالرضاع . قال ابن ~~المنذر : ويدخل فى معنى هذا الحديث تحريم نكاح الرجل المرأة على عمتها من ~~الرضاعة وخالتها من الرضاعة ؛ لقول النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( يحرم ~~من الرضاع ما يحرم من النسب ) . * * * # | 9 - باب الشغار # / 12 - فيه : ابن عمر ، نهى النبى ، عليه السلام ، عن الشغار . والشغار ~~أن يزوج الرجل ابنته على أن يزوجه الآخر ابنته ، ليس بينهما صداق . وتفسير ~~الشغار فى اللغة ، قال أبو زيد : شغر الكلب يشغر شغرا ، رفع رجله ، بال أو ~~لم يبل . وقال صاحب العين : شغر الكلب : رفع إحدى رجليه ليبول . وقال أبو ~~زيد : شغرت بالمرأة شغورا ، رفعت رجلها عند الجماع . ومعناه فى الشريعة أن ~~يزوج الرجل ابنته على أن يزوجه الآخر ابنته لا صداق بينهما ، وإنما ms2378 هو ~~البضع بالبضع . وقال ابن قتيبة : وكل واحد منهما يشغر إذا نكح ، وأصل ~~الشغار للكلب ، إذا رفع إحدى رجليه ليبول ، فكنى بهذا عن النكاح إذا كان ~~على هذا الوجه وجعل له علما . واختلف العلماء فيه : إذا وقع ، فقال مالك ~~والشافعى : لا يصح نكاح الشغار دخل بها أو لم يدخل ويفسخ أبدا ، وهو قول ~~أبى عبيد . PageV07P218 وقالت طائفة : النكاح جائز ، ولكل واحدة منهما صداق ~~مثلها ، هذا قول عطاء ، ومكحول ، والزهرى ، وإليه ذهب الليث ، والثورى ، ~~والكوفيون ، وأحمد ، وإسحاق ، وأبو ثور . قال ابن المنذر : وفيها قول ثالث ~~، وهو إن لم يدخل بالمرأتين فسخ النكاح ، وإن دخل بهما فلهما مهر مثلهما ، ~~وهو قول الأوزاعى . وحجة الذين قالوا : العقد فى الشغار صحيح والمهر فاسد ~~ويصح بمهر المثل ، إجماع العلماء على أن الخمر والخنزير لا يكون منهما مهر ~~لمسلم ، وكذلك الغرر والمجهول ، وسائر ما نهى عن ملكه أو تملك على غير وجهه ~~وسنته . وأجمعوا مع ذلك أن النكاح على المهر الفاسد إذا فات بالدخول ، فلا ~~يفسخ بفساد صداقه ، ويكون فيه مهر المثل ولو لم يكن نكاحا منعقدا حلالا ما ~~صار نكاحا بالدخول ، والأصل فى ذلك أن التزويج مضمن بنفسه لا بالعوض فيه ~~بدليل تجويز الله تعالى النكاح بغير صداق بقوله : { لا جناح عليكم إن طلقتم ~~النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة } [ البقرة : 236 ] ، فلما أوقع ~~الطلاق دل على صحة النكاح دون تسمية صداق ؛ لأن الطلاق غير واقع إلا على ~~الزوجات ، وكونهن زوجات دليل على صحة النكاح بغير تسمية . وحجة الذين ~~أبطلوا النكاح ظاهر نهى النبى ، عليه السلام ، عن نكاح الشغار ، والنهى ~~يقتضى تحريم المنهى عنه وفساده . قال ابن المنذر : ودل نهى النبى - صلى ~~الله عليه وسلم - عن الشغار على إغفال من زعم أنه PageV07P219 يجعل ما ~~أباحه الله فى كتابه من عقد النكاح على غير صداق معلوم قياسا على ما نهى ~~النبى - صلى الله عليه وسلم - من الشغار ولا يشبه ما نهى الله عنه بما ~~أباحه وهذه غفلة . واختلفوا فى إذا قال : أزوجك أختى على ms2379 أن تزوجنى أختك ~~على أن يسميا لكل واحدة منهما مهرا ، أو يسمياه لإحداهما ، فقالت طائفة : ~~ليس هذا بالشغار المنهى عنه والنكاح ثابت والمهر فاسد ، ولكل واحدة منهما ~~مهمر مثلها ما إن دخل بها أو ماتت أو مات عنها ، أو نصفه إن طلقها قبل ~~الدخول بها ، هذا قول الشافعى ، وابن القاسم ، وكرهه مالك ، ورآه من باب ~~الشغار ، وأجازه الكوفيون ، ولها ما يسمى لها . وقال أحمد ابن حنبل : إذا ~~كان فى الشغار صداق فليس بشغار . * * * # | 10 - باب هل للمرأة أن تهب نفسها لأحد ؟ # / 13 - فيه : خولة بنت حكيم ، أنها كانت من اللائى وهبن أنفسهن للنبى ، ~~عليه السلام ، فقالت عائشة : أما تستحى المرأة أن تهب نفسها للرجل ؟ فلما ~~نزلت : { ترجى من تشاء منهن } [ الأحزاب : 51 ] فقلت : يا رسول الله ، ما ~~أرى ربك إلا يسارع فى هواك . قال ابن القاسم ، عن مالك : الموهوبة خاصة ~~لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا يحل لأحد بعده أن يتزوج بغير صداق ؛ ~~لقوله تعالى : { خالصة لك من دون المؤمنين } [ الأحزاب : 50 ] ، ولا خلاف ~~فى هذا بين العلماء . | PageV07P220 واختلفوا فى عقد النكاح ، هل يصح بلفظ ~~الهبة مثل أن يقول الرجل : قد وهبت لك ابنتى أو وليتى ، ويسمى صداقا أو لم ~~يسم ، وهو يريد بذلك النكاح ، فقال ابن القاسم : هو عندى جائز كالبيع عند ~~مالك ؛ لأن من قال : أهب لك هذه السلعة على أن تعطينى كذا وكذا ، فهو بيع . ~~وقال ابن المواز : لم يختلف مالك وأصحابه إذا تزوج على الهبة أنه يفسخ قبل ~~البناء ، واختلفوا إذا دخل بها ، فقال ابن القاسم وعبد الملك : لا يفسخ ~~ولها صداق المثل ، وبهذا قال أبو حنيفة ، والثورى . وقال أشهب ، وابن عبد ~~الحكم ، وابن وهب ، وأصبغ : أنه يفسخ وإن دخل . قال أصبغ : لأن فساده فى ~~البضع ، وبهذا قال الشافعى ، قال : لا يصح النكاح بلفظ الهبة ولا ينعقد ~~عنده إلا بأحد لفظين إما : قد أنكحتك أو زوجتك ، وهو قول المغيرة ، وابن ~~دينار ، وأبى ثور . وحجة من قال : لا يصح بلفظ الهبة ، أن الله تعالى جعل ~~انعقاد ms2380 النكاح بلفظ الهبة خاصا للنبى ، عليه السلام ، فلو انعقد نكاح به لم ~~يقع الخصوص ، ولما أجمعوا أنه لا تنعقد هبة بلفظ نكاح ، كذلك لا ينعقد نكاح ~~بلفظ هبة ، وأيضا فإن الهبة لا تتضمن العوض فوجب ألا ينعقد به النكاح ~~كالإحلال والإباحة . قال ابن القصار : واحتج أهل المقالة الأولى بأن التى ~~وهبت نفسها للنبى ، عليه السلام ، إنما قصدت بلفظ الهبة التزويج برسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - ، ولم يقل عليه السلام أن النكاح بهذا اللفظ لا ~~ينعقد ، PageV07P221 وقولهم : إن لفظ الهبة خاص للنبى ، عليه السلام ، ~~فإننا نقول : إن الخصوصية له أنه بلا مهر ، وليس ذلك لغيره . وقولهم : أنه ~~لما لم تنعقد هبة بلفظ نكاح ، فكذلك لا ينعقد نكاح بلفظ هبة ، فالفرق ~~بينهما أنه إذا قال : أنكحتك مملوكتى ، فلا يفهم منه أنه وهبها ، ولا يقع ~~بذلك تمليك ، والهية يقع بها التمليك فافترقا . وقولهم : إن الهبة لا تتضمن ~~العوض ، فإنه يبطل بقوله : قد زوجتك على ألا مهر ، فالنكاح ينعقد عندهم ، ~~ولفظ الهبة إذا قصد بها النكاح يتضمن العوض ؛ لقوله : { خالصة لك من دون ~~المؤمنين قد علمنا ما فرضنا عليهم فى أزواجهم } [ الأحزاب : 50 ] ، وكذلك ~~الإحلال والإباحة إذا قصد به النكاح صح وضمن العوض عندنا . * * * # | 11 - باب نهى النبى عليه السلام عن نكاح المتعة # / 14 - فيه : على ، قال لابن عباس : إن النبى - صلى الله عليه وسلم - نهى ~~عن نكاح المتعة ، وعن لحوم الحمر الأهلية زمن خيبر . / 15 - قال : أبو جمرة ~~: سمعت ابن عباس ، سئل عن متعة النساء فرخص ، فقال له مولى له : إنما ذلك ~~فى الحال الشديد ، وفى النساء قلة - ونحوه - فقال ابن عباس : نعم . / 16 - ~~وفيه : جابر ، وسلمة بن الأكوع ، قالا : كنا فى جيش ، فأتى رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - ، فقال : ( إن الله قد أذن لكم أن تستمتعوا فاستمتعوا ) . ~~PageV07P222 وزاد سلمة ، عن النبى ، عليه السلام : ( أيما رجل وامرأة ~~توافقا ، فعشرة ما بينهما ثلاث ليال ، فإن أحبا أن يتزايدا أو يتتاركا ~~تتاركا ) ، فما أدرى أشىء ، كان لنا خاصة أم للناس عامة . قال أبو ms2381 عبد الله ~~: وبينه على عن النبى - صلى الله عليه وسلم - أنه منسوخ . وذكر الطحاوى ، ~~عن على بن أبى طالب ، وابن عمر ، أن النهى عن المتعة كان يوم خيبر ، ورواه ~~مالك ، ومعمر ، ويونس ، عن ابن شهاب فى هذا الحديث ، أن النبى ، عليه ~~السلام ، نهى عن متعة النساء يوم خيبر ، وعن أكل لحوم الحمر الإنسية . وقد ~~رويت آثار أخر أن نهيه ، عليه السلام ، عن المتعة كان فى غير يوم خيبر ، ~~فروى أبو العميس عن إياس بن سلمة ، عن أبيه ، أن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - أذن فى المتعة عام أوطاس ، ثم نهى عنها ، من حديث ابن أبى شيبة . ~~وروى عكرمة بن عمار ، عن سعيد المقبرى ، عن أبى هريرة ، أنه حرم المتعة فى ~~غزوة تبوك ، ذكره الطحاوى . وقال عمرو ، عن الحسن : ما حلت المتعة قط إلا ~~ثلاثا فى عمرة القضاء ، ما حلت قبلها ولا بعدها . وروى حماد بن زيد ، عن ~~أيوب ، عن الزهرى ، عن الربيع بن سبرة ، عن أبيه ، قال : PageV07P223 نهى ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن المتعة عام الفتح . وروى عبد العزيز ~~عن عمر بن عبد العزيز ، عن الربيع بن سبرة ، عن أبيه ، أنه نهى عنها فى حجة ~~الوداع . قال الطحاوى : فكل هؤلاء الذين رووا عن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - إطلاقها ، أخبروا أنها كانت فى سفر ، وأن النهى لحقها فى ذلك السفر ~~بعد ذلك فمنع منها ، وليس أحد منهم يخبر أنها كانت فى حضر ، وكذلك روى عن ~~ابن مسعود ، قال : كنا نغزو مع النبى - صلى الله عليه وسلم - وليس لنا نساء ~~، فقلنا : يا رسول الله ، ألا نستخصى ؟ فنهانا عن ذلك ، ورخص لنا أن ننكح ~~بالثوب إلى أجل ، من حديث إسماعيل بن أبى خالد ، عن قيس بن أبى حازم ، عن ~~ابن مسعود ، وأخبر ابن مسعود أن النبى ، عليه السلام ، إنما كان أباحها لهم ~~فى حال الغزو . فأما حديث سبرة الذى فيه إباح النبى ، عليه السلام ، لها فى ~~حجة الوداع ، فخارج عن معانيها كلها ؛ لأن فى حديث ابن مسعود أن ms2382 إباحتها ~~لهم كان فى حال ضرورتهم إليها ، حتى سألوه أن يأذن لهم فى الاستخصاء ، ~~وحديث سلمة فى غزوة أوطاس وهو وقت ضرورة . وأخلق بحديث سبرة الذى فيه أنها ~~كانت فى حجة الوداع أن يكون خطأ ؛ لأنه لم يكن لهم حينئذ من الضرورات ما ~~كان لهم فى الغزوات الأخر ، وقد اعتبرنا هذا الحرف ، فلم نجده إلا فى رواية ~~عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز خاصة . فأما عبد العزيز بن الربيع بن سبرة ~~فرواه عن أبيه ، وذكر أنه كان PageV07P224 عام الفتح ، وقد رواه إسماعيل بن ~~عياش ، عن عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز ، فذكر أن ذلك كان فى فتح مكة ، ~~وأنهم شكوا إليه العزبة فى حجة الوداع ، فرخص لهم فيها ، ومحال أن يشكوا ~~إليه العزبة فى حجة الوداع ؛ لأنهم كانوا حجوا بالنساء ، وكان تزويج النساء ~~بمكة يمكنهم ولم يكونوا حينئذ كما كانوا فى الغزوات المتقدمة . فلما اختلفت ~~المواطن المذكورة فيها الإباحة فى حديث سبرة ارتفع الموطن والوقت ، وصار ~~حديثه لا على موطن ولا على وقت ، ولكن على النهى المطلق . قال غيره : روى ~~أهل مكة واليمن عن ابن عباس تحليل المتعة ، وروى أنه رجع عنها بأسانيد ~~ضعيفة ، وإجازة المتعة عنه أصح ، وهو مضهب الشيعة . واتفق فقهاء الأمصار من ~~أهل الرأى والأثر على تحريم نكاح المتعة ، وشذ زفر عن الفقهاء ، فقال : إن ~~تزوجها عشرة أيام أو نحوها أو شهرا ، فالنكاح ثابت والشرط باطل ، ولا خلاف ~~أن المتعة نكاح إلى أجل لا ميراث فيه ، وأن الفرقة تقع فيه عند انقضاء ~~الأجل من غير طلاق ، وليس هذا حكم الزوجية عند أحد من الأمة ، وقد نزعت ~~عائشة ، والقاسم بن محمد فى أن تحريمها ونسخها فى القرآن ، وذلك أن قوله ~~تعالى : { والذين هم لفروجهم حافظون } [ المؤمنون : 5 ] الآية ، وليست ~~المتعة نكاحا ولا ملك يمين . وقد روى عن على ، وابن مسعود فى قوله تعالى : ~~{ فما استمتعتم به منهن } [ النساء : 24 ] ، قالا : ينسخ الطلاق والعدة ~~والميراث المتعة . وقال نافع : سئل ابن عمر عن المتعة ، فقال : حرام ، فقيل ~~له ms2383 : إن ابن عباس PageV07P225 يفتى بها ، قال : فهلا يزمزم إذا حرك فاه ولا ~~يتكلم ، يزمزم بها فى زمن عمر . وقال ابن عمر ، وابن الزبير : المتعة هى ~~السفاح . وقال نافع ، عن ابن عمر : قال عمر : متعتان كانتا على عهد النبى - ~~صلى الله عليه وسلم - أنا أنهى عنهما وأعاقب عليهما : متعة النساء ومتعة ~~الحج . قال الطحاوى : فهذا عمر نهى عن المتعة بحضرة أصحاب النبى ، عليه ~~السلام ، فلم ينكر ذلك عليه منكر ، وفى ذلك دليل على متابعتهم له على ما ~~نهى عنه ، وذلك دليل على نسخها ، ثم هذا ابن عباس يقول : إنما أبيحت ~~والنساء قليل ، فلما كثرن ارتفع المعنى الذى من أجله أبيحت . فإن قيل : ~~أليس قد رويتم عن على أن النبى ، عليه السلام ، حرمها يوم خيبر ، فما معنى ~~رواية الربيع بن سبرة أنه حرمها فى حجة الوداع ؟ قيل : كانت عادة النبى ، ~~عليه السلام ، تكرير مثل هذا فى مغازيه ، وفى المواضع الجامعة ، فذكرها فى ~~حجة الوداع لاجتماع الناس حتى يسمعه من لم يكن سمعه ، فأكد ذلك حتى لا تبقى ~~شبهة لأحد يدعى تحليلها ، ولأن أهل مكة كانوا يستعملونها كثيرا . قال ~~الطحاوى : والحجة على زفر حديث الربيع بن سبرة ، عن أبيه ، أن الرسول - صلى ~~الله عليه وسلم - لما نهى عن المتعة قال لهم : ( من كان عنده من هذه النساء ~~شىء فليفارقهن ، فإن الله قد حرم المتعة إلى يوم القيامة ) ، فدل هذا على ~~أن العقد المتقدم لا يوجب دوام العقد للأبد ولو أوجب دوامه لكان بفسخ الشرط ~~الذى تعاقدا عليه ، ولا يفسخ النكاح إذا كان ثبت PageV07P226 على صحته ~~وجوازه قبل النهى ، ففى أمره إياهم بالمفارقة دليل على أن مثل ذلك العقد لا ~~يجب به ملك بضع ، والله أعلم . * * * # | 12 - باب عرض المرأة نفسها على الرجل الصالح # / 17 - فيه : أنس ، جاءت امرأة إلى الرسول - صلى الله عليه وسلم - تعرض ~~عليه نفسها ، قالت : يا رسول الله ، ألك بى حاجة ؟ فقالت بنت أنس : ما أقل ~~حياءها ، واسوأتاه ، واسوأتاه ، قال : هى خير منك ، رغبت فى النبى - صلى ~~الله عليه وسلم ms2384 - ، فعرضت نفسها عليه . / 18 - وفيه : سهل ، أن امرأة عرضت ~~نفسها على النبى ، عليه السلام ، فقال له رجل : يا رسول الله ، زوجنيها ، ~~فقال : ( ما عندك ) ؟ قال : ما عندى شىء ، قال : ( زوجتكها بما معك من ~~القرآن . . . ) مختصرا . قال المهلب : فيه جواز عرض المرأة نفسها على الرجل ~~الصالح وتعريفه برغبتها فيه لصلاحه وفضله ، ولعلمه وشرفه ، أو لخصلة من ~~خصال الدين ، وأنه لا عار عليها فى ذلك ولا غضاضة ، بل ذلك زائد فى فضلها ، ~~لقول أنس لابنته : هى خير منك . وفيه : أن للرجل الذى تعرض المرأة نفسها ~~عليه ألا ينكحها إلا إذا وجد فى نفسه رغبة فيها ، ولذلك صوب النبى - صلى ~~الله عليه وسلم - النظر فيها وصعده ، فلما لم يجد فى نفسه رغبة فيها سكت عن ~~إجابتها . وفيه : جواز سكوت العالم ومن سئل حاجة إذا لم يرد الإسعاف ولا ~~الإجابة فى المسألة ، وأن ذلك أدب فى الرد بالكلام وألين فى صرف السائل . ~~PageV07P227 وفيه : أن سكوت المرأة فى الجماعات لازم لها إذا لم يقم الدليل ~~على أن سكوتها كان لحياء أو لحشمة ؛ لأنه كان للمرأة أن تقول : يا رسول ~~الله ، إنما أرغب فيك ولا أرغب فى غيرك ، وكذلك يجب أن يكون سكوت كل من عقد ~~عليه عقد فى جماعة ، ولم يمنعه من الإنكار خوف ولا حياء ولا آفة فى فهم ولا ~~سمع أن ذلك العقد لازم له . وفيه : دليل على جواز استمتاع الرجل بشورة ~~المرأة وبما يشترى لها من صداقها ؛ لقوله عليه السلام : ( ما تصنع بإزارك ؟ ~~إن لبسته لم يكن عليها منه شىء ) ، مع علمه أن النصف لها ، فلم يمنعه من ~~الاستمتاع بنصفه الذى وجب لها ، وجوز له لبسه أجمع ، وإنما منع من ذلك ؛ ~~لأنه لم يكن له ثوب غيره ، فخشى أن تحتاج إليه المرأة فيبقى عاريا . * * * # | 13 - باب عرض الرجل ابنته أو أخته على أهل الخير # / 19 - فيه : ابن عمر ، أن عمر حين تأيمت حفصة بنت عمر من خنيس بن حذافة ~~، وكان من أصحاب النبى ، عليه السلام ، فتوفى بالمدينة ، فقال عمر : أتيت ~~عثمان ابن ms2385 عفان ، فعرضت عليه حفصة ، فقال : سأنظر فى أمرى ، فلبثت ليالى ثم ~~لقينى ، فقال : قد بدا لى أن لا أتزوج يومى هذا ، قال عمر : فلقيت أبا بكر ~~الصديق ، فقلت : إن شئت زوجتك حفصة بنت عمر ، فصمت أبو بكر ، فلم يرجع إلى ~~شيئا ، فكنت أوجد عليه منى على عثمان ، فلبثت أياما ، ثم خطبها النبى ، ~~عليه السلام ، فأنكحتها إياه ، فلقينى أبو بكر ، فقال : لعلك وجدت على حين ~~عرضت على حفصة ، فلم أرجع إليك شيئا . قال عمر : قلت : نعم ، قال ~~PageV07P228 أبو بكر : فإنه لم يمنعنى أن أرجع إليك فيما عرضت على إلا أنى ~~كنت علمت أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد ذكرها ، فلم أكن لأفشى سر ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، ولو تركها رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - قبلتها . / 20 - وفيه : أم حبيبة بنت أبى سفيان ، قالت للنبى ، عليه ~~السلام : إنا قد تحدثنا أنك ناكح درة بنت أبى سلمة ، فقال رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - : ( أعلى أم سلمة ؟ لو لم أنكح أم سلمة ما حلت لى ، إن ~~أباها أخى من الرضاعة ) . وفى حديث عمر من الفقه الرخصة فى أن يعرض الرجل ~~ابنته على الرجل الصالح رغبة فيه ، ولا نقيصة عليه فى ذلك . وفيه : أن من ~~عرض عليه ما فيه الرغبة فله النظر والاختيار ، وعليه أن يخبر بعد ذلك بما ~~عنده ؛ لئلا يمنعها من غيره ؛ لقول عثمان بعد ليال : قد بدا لى ألا أتزوج ~~يومى هذا . وفيه : الاعتذار لأن عثمان قال : لا أريد التزويج يومى هذا ، ~~ولم يقل أبو بكر : لا أريد التزويج ، وقد كان يريده حين قال : لو تركها ~~لنكحتها ، ولم يقل : نعم ، ولا لا . وفيه : الرخصة أن يجد الرجل على صديقه ~~فى الشىء يسأله ، فلا يجيبه إليه ولا يعتذر بما يعذره به ؛ لأن النفوس جبلت ~~على ذلك ، لاسيما إذا عرض عليه ما فيه الغبطة له . وقوله : وكان وجدى على ~~أبى بكر أشد من وجدى على عثمان ، لمعنيين : أحدهما : أن أبا بكر لم يرد ~~عليه الجواب . والثانى : أن أبا ms2386 بكر أخص بعمر منه بعثمان ؛ لأن النبى - صلى ~~الله عليه وسلم - آخى بين أبى بكر وعمر ، فكانت موجدته عليه أكثر لثقته به ~~وإخلاصه له . PageV07P229 وفيه : كتمان السر ، فإن أظهره الله أو أظهره ~~صاحبه جاز للذى أسر إليه إظهاره ، ألا ترى أن النبى ، عليه السلام ، لما ~~أظهر تزويجها أعلم أبو بكر عمر بما كان أسر إليه منه ، وكذلك فعلت فاطمة فى ~~مرض النبى ، عليه السلام ، حين أسر إليها أنها أول أهله لحاقا به ، فكتمته ~~حتى توفى ، وأسر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى حفصة تحريم جاريته ~~مارية ، فأخبرت حفصة عائشة بذلك ، ولم يكن النبى ، عليه السلام ، أظهره ، ~~فذم الله فعل حفصة وقبول عائشة لذلك ، فقال : { إن تتوبا إلى الله فقد صغت ~~قلوبكما } [ التحريم : 4 ] ، أى مالت وعدلت عن الحق . وفى قول أبى بكر لعمر ~~بعد تزويج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بها : لعلك وجدت على ، دليل ~~على أن الرجل إذا أتى إلى أخيه ما لا يصلح أن يؤتى إليه من سوء المعاشرة أن ~~يعتذر ويعترف ، وأن الرجل إذا وجب عليه الاعتذار من شىء وطمع بشىء تقوى به ~~حجته أن يؤخر ذلك حتى يظفر ببغيته ليكون أبرأ له عند من يعتذر إليه . وفى ~~قول عمر لأبى بكر : نعم دليل على أن على الإنسان أن يخبر بالحق عن نفسه وإن ~~كان عليه فيه شىء . قال المهلب : والمعنى الذى أسر أبو بكر ، عن عمر ، ما ~~أخبره به النبى ، عليه السلام ، هو أنه خشى أبو بكر أن يذكر ذلك لعمر ، ثم ~~يبدو للنبى الإعراض عن نكاحها فيقع فى قلب عمر للنبى - صلى الله عليه وسلم ~~- مثل ما وقع فى قلبه لأبى بكر . وفى قول أبى بكر لعمر : كنت علمت أن النبى ~~، عليه السلام ، PageV07P230 ذكرها ، فيه دليل أنه جائز للرجل أن يذكر ~~لأصحابه ولمن يثق برأيه أنه يخطب امرأة قبل أن يظهر خطبتها ، وقول أبى بكر ~~: لم أكن لأفشى سر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، يدل أنه من ذكر ~~امرأة قبل أن يظهر ms2387 خطبتها ، فإن ذكره فى معنى السر ، فإن إفشاء السر فى ~~النكاح وفى غيره من المباح لا يجوز . وفيه : أن الصديق لا يخطب امرأة علم ~~أن صديقه يريدها لنفسه ، وإن كان لم يركن إليها لما يخاف من القطيعة بينهما ~~، ولم تخف القطيعة بين غير الإخوان ؛ لأن الاتصال بينهما ضعيف غير اتصال ~~الصداقة فى الله . وفى قول أبى بكر : لو تركها تزوجتها ، دليل أن الخطبة ~~إنما تجوز بعد أن يتركها الخاطب . وفيه : الرخصة فى تزويج من عرض النبى ، ~~عليه السلام ، فيها بخطبة أو أراد أن يتزوجها ، ألا ترى قول أبى بكر : لو ~~تركها تزوجتها ، وقد جاء فى خبر آخر الرخصة فى نكاح من عقد النبى - صلى ~~الله عليه وسلم - فيها النكاح ولم يدخل بها ، وأن أبا بكر كرهه ورخص فيه ~~عمر . روى داود بن أبى هند ، عن عكرمة ، قال : تزوج النبى - صلى الله عليه ~~وسلم - امرأة من كندة يقال لها : قتيلة ، فمات ولم يدخل بها ولا حجبها ، ~~فتزوجها عكرمة بن أبى جهل ، فغضب أبو بكر ، وقال : تزوجت من PageV07P231 ~~نساء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ؟ فقال عمر : ما هى من نسائه وما ~~دخل بها ولا حجبها ، ولقد ارتدت مع من ارتد فسكت . وفيه : أن الأب تخطب ~~إليه بنته الثيب كما تخطب إليه البكر ، ولا تخطب إلى نفسها ، وأنه يزوجها . ~~وفيه : فساد قول من قال : أن للمرأة البالغة المالكة أمرها تزويج نفسها ~~وعقد النكاح عليها دون وليها ، وإبطال قول من قال : للبالغ الثيب إنكاح من ~~أحبت دون وليها ، وسيأتى بيان ذلك فى باب من قال : لا نكاح إلا بولى إن شاء ~~الله . وفى تركه أن يأمره باستئمارها ، ولم نجد عن عمر أنه استأمرها ، دليل ~~أن للرجل أن يزوج ابنته الثيب من غير أن يستأمرها إذا علم أنها لا تكره ذلك ~~، وكان الخاطب لها كفئا ؛ لأن حفصة لم تكن لترغب عن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - ، فأغنى علم عمر عن استئمارها . وقوله : تأيمت حفصة ، أى صارت ~~غير ذات زوج بموت زوجها عنها ، والعرب ms2388 تدعو كل امرأة لا زوج لها وكل رجل لا ~~امرأة له : أيما ، ومنه قول الشاعر : فإن تنكحى أنكح وإن تتأيمى وإن كنت ~~أفتى منكم أتأيم PageV07P232 * * * # | 14 - باب قوله تعالى : { ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء ~~} [ البقرة : 235 ] الآية # وقال مجاهد ، عن ابن عباس : { فيما عرضتم به من خطبة النساء } يقول : إنى ~~أريد التزويج ، ولوددت أنه تيسر لى امرأة صالحة . وقال القاسم : يقول : إنك ~~على لكريمة ، وإنى فيك لراغب ، وإن الله لسائق إليك خيرا - أو نحو هذا - ~~وقال عطاء : يعرض ولا يبوح ، يقول : إن لى حاجة ، وأبشرى وأنت بحمد الله ~~نافقة . وتقول هى : قد أسمع ما تقول ، ولا تعد شيئا ، ولا يواعد وليها بغير ~~علمها ، وإن واعدت رجلا فى عدتها ، ثم نكحها بعد لم يفرق بينهما . وقال ~~الحسن : { لا تواعدوهن سرا } : الزنا . ويذكر عن ابن عباس : { حتى يبلغ ~~الكتاب أجله } : تنقضى العدة . وحرم الله تعالى عقد النكاح فى العدة بقوله ~~: { ولا تعزموا عقدة النكاح حتى يبلغ الكتاب أجله } [ البقرة : 235 ] ، ~~وهذا من المحكم المجتمع على تأويله أن بلوغ أجله انقضاء العدة ، وأباح ~~تعالى التعريض فى العدة بقوله : { ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة ~~النساء } [ البقرة : 235 ] الآية ، ولم يختلف العلماء فى إباحة ذلك . قال ~~المهلب : وإنما منع من عقد النكاح فى العدة ، والله أعلم ؛ لأن ذلك ذريعة ~~إلى المواقعة فى العدة التى هى محبوسة فيها على ماء الميت أو المطلق ، كما ~~منع المحرم بالحج من عقد النكاح ؛ لأن ذلك داعيه إلى المواقعة ، فحرم عليه ~~السبب والذريعة إلى فساد ما هو PageV07P233 فيه وموقوف عليه ، وأباح ~~التعريض فى العدة خشية أن تفوت نفسها . واختلفوا فى ألفاظ التعريض ، ~~والمعنى واحد ، وقال قتادة ، وسعيد بن جبير فى قوله تعالى : { ولكن لا ~~تواعدوهن سرا } [ البقرة : 235 ] ، قال : لا يأخذ عهدها فى عدتها ألا تنكح ~~غيره . قال إسماعيل بن إسحاق : وهذا أحسن من قول من تأول فى قوله : { ولكن ~~لا تواعدوهن } أنه الزنا ؛ لأن ما قبل الكلام وما بعده لا يدل عليه ms2389 ، ويجوز ~~فى اللغة أن يسمى الغشيان سرا ، فسمى النكاح سرا ، إذ كان الغشيان يكون فيه ~~كما يسمى التزويج نكاحا ، وهو أشبه فى المعنى ؛ لأنه لما أجيز لهم التعريض ~~فى النكاح لم يؤذن لهم فى غيره ، فوجب أن يكون كل شىء يجاوز التعريض فهو ~~محظور ، والمواعدة تجاوز التعريض ، فوسع الله على عباده فى التعريض فى ~~الخطبة لما علم منهم . وبلغنى عن الشافعى أنه احتج بهذا التعريض فى القذف ، ~~وقال : كما لم يجعل التعريض فى هذا الموضع بمنزلة التصريح كذلك لا يجعل ~~التعريض فى القذف بمنزلة التصريح ، واحتج بما هو حجة عليه إذ كان التعريض ~~بالنكاح قد فهم عن صاحبه ما أراد ، فكذلك ينبغى أن يكون التعريض بالقذف قد ~~فهم عن صاحبه ما أراد ، فإذا فهم أنه قاذف حكم عليه بحكم القذف ، وينبغى له ~~على قوله هذا أن يزعم أن التعريض بالقذف مباح كما أبيح التعريض بالنكاح ، ~~وسيأتى استيعاب الحجة عليه فى كتاب الحدود ، إن شاء الله . واختلفوا ~~PageV07P234 فى الرجل يخطب امرأة فى عدتها جاهلا ويواعدها ، ويعقد بعد ~~العدة ، فكان مالك يقول : فراقها أحب إلى دخل بها أو لم يدخل ، وتكون ~~تطليقة واحدة ، ويدعها حتى تحل ويخطبها . وقال الشافعى : إن صرح بالخطبة ~~وصرحت له بالإجابة ، ولم يعقد النكاح حتى تنقضى العدة ، فالنكاح ثابت ~~والتصريح لهما مكروه ؛ لأن النكاح حادث بعد الخطبة . واختلفوا إذا تزوجها ~~فى العدة ودخل بها ، فقال مالك ، والليث ، والأوزاعى : يفرق بينهما ولا تحل ~~له أبدا . قال مالك والليث : ولا بملك اليمين . واحتجوا بأن عمر بن الخطاب ~~، قال : لا يجتمعان أبدا وتعتد منهما جميعا . وقال الثورى ، والكوفيون ، ~~والشافعى : يفرق بينهما ، فإذا انقضت عدتها من الأول فلا بأس أن يتزوجها ، ~~واحتجوا بإجماع العلماء أنه لو زنى بها لم يحرم عليه تزويجها ، فكذلك وطؤه ~~إياها فى العدة ، قالوا : وهو قول على بن أبى طالب ، ذكره عبد الرزاق ، ~~وذكر عن ابن مسعود مثله ، وعن الحسن أيضا . وذكر عبد الرزاق ، عن الثورى ، ~~عن الأشعث ، عن الشعبى ، عن مسروق ، أن عمر رجع عن ذلك وجعلهما ms2390 يجتمعان . ~~واختلفوا هل تعتد منهما جميعا ، فروى المدنيون عن مالك أنها تتم بقية عدتها ~~من الأول وتستأنف عدة أخرى من الآخر ، روى ذلك عن عمر ، وعلى ، وهو قول ~~الليث ، والشافعى ، وأحمد ، وإسحاق . وروى PageV07P235 ابن القاسم ، عن ~~مالك ، أن عدة واحدة تكون لهما جميعا ، سواء كانت العدة بالحيض أو الحمل أو ~~الشهور ، وهو قول الأوزاعى ، والثورى ، وأبى حنيفة ، وحجتهم الإجماع على أن ~~الأول لا ينكحها فى بقية العدة منه ، فدل ذلك على أنها فى عدة من الثانى ، ~~ولولا ذلك لنكحها فى عدتها منه ، وهذا غير لازم ؛ لأنه منع الأول من أن ~~ينكحها فى بقية عدتها إنما وجب لما يتلوها من عدة الثانى ، وهما حقان قد ~~وجبا عليها لزوجين كسائر حقوق الآدميين لا يدخل أحدهما فى صاحبه . * * * # | 15 - باب النظر إلى المرأة قبل التزويج # / 21 - فيه : عائشة ، قال لى النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( أريتك فى ~~المنام يجىء بك الملك فى سرقة من حرير ، فقال لى : هذه امرأتك ، فكشفت عن ~~وجهك الثوب ، فإذا أنت هى ، فقلت : إن يك هذا من عند الله يمضه ) . / 22 - ~~وفيه : عن سهل ، أن امرأة جاءت إلى النبى - صلى الله عليه وسلم - ، فقالت : ~~يا رسول الله ، جئت لأهب لك نفسى ، فنظر إليها النبى ، عليه السلام ، فصعد ~~النظر إليها وصوبه ، ثم طأطأ رأسه . . . الحديث . ذهب جمهور العلماء إلى ~~أنه لا بأس بالنظر إلى المرأة إذا أراد أن يتزوجها ، وهو قول مالك ، ~~والثورى ، والكوفيين ، والشافعى ، وأحمد ، وقالوا : لا ينظر إلى غير وجهها ~~وكفيها . وقال الأوزاعى : ينظر إليها PageV07P236 ويجتهد وينظر إلى مواضع ~~اللحم ، وحجتهم أن النبى - صلى الله عليه وسلم - نظر إلى المرأة التى وهبته ~~نفسها وأراه الله عائشة فى منامه قبل تزويجه بها . قال الطحاوى : ومن حجتهم ~~ما حدثنا سليمان بن شعيب ، قال : حدثنا يحيى بن حسان ، حدثنا أبو شهاب ~~الحناط ، عن الحجاج بن أرطاة ، عن محمد بن سليمان بن أبى حثمة ، قال : رأيت ~~محمد بن مسلمة يطارد ثبيتة بنت الضحاك فوق إجار لها ببصره طردا شديدا ، ~~فقلت : أتفعل هذا ms2391 وأنت من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ؟ قال : ~~سمعت النبى ، عليه السلام ، يقول : ( إذا ألقى فى قلب امرئ خطبة امرأة فلا ~~بأس أن ينظر إليها ) . وروى أبو معاوية ، عن عاصم الأحول ، عن بكر بن عبد ~~الله ، عن المغيرة بن شعبة ، قال : خطبت امرأة ، فقال لى النبى ، عليه ~~السلام : ( هل نظرت إليها ؟ ) ، قلت : لا ، قال : ( فانظر ، فإنه أحرى أن ~~يؤدم بينكما ) ، ففى هذه الأحاديث إباحة النظر إلى وجه المرأة لمن أراد ~~نكاحها . ورواه أبو حميد ، وأبو هريرة ، وجابر ، عن النبى ، عليه السلام . ~~واحتج الشافعى بأن ينظر إليها بإذنها وبغير إذنها إذا كانت مستترة ؛ لقوله ~~تعالى : { ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها } [ النور : 31 ] ، ~~PageV07P237 قال : الوجه والكفان ، وخالفهم آخرون ، وقالوا : لا يجوز لمن ~~أراد نكاح امرأة ولا لغيره أن ينظر إليها إلا أن يكون زوجا لها أو ذا محرم ~~منها ، ووجهها وكفاها عورة بمنزلة جسدها ، واحتجوا بحديث ابن إسحاق ، عن ~~محمد بن إبراهيم ، عن سلمة بن أبى الطفيل ، عن على بن أبى طالب ، أن النبى ~~قال له : يا على ، لا تتبع بالنظرة النظرة ، فإنما لك الأولى وليست لك ~~الآخرة . قالوا : فلما حرم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - النظرة ~~الثانية ؛ لأنها تكون باختيار الناظر ، وخالف بين حكمها وحكم ما قبلها إذا ~~كانت بغير اختيار من الناظر ، دل على أنه ليس لأحد أن ينظر إلى وجه امرأة ~~إلا أن تكون زوجة أو ذات محرم . واحتج عليهم أهل المقالة الأولى أن الذى ~~أباحه النبى ، عليه السلام ، فى الآثار الأول هو النظر للخطبة لا لغير ذلك ~~، وذلك نظر لسبب هو حلال ، ألا ترى لو أن رجلا نظر إلى وجه امرأة لا نكاح ~~بينه وبينها ليشهد عليها أو لها أن ذلك جائز ، وكذلك إذا نظر إلى وجهها ~~ليخطبها ، فأما المنهى عنه فالنظر لغير الخطبة ولغير ما هو حلال . ورأيناهم ~~لا يختلفون فى نظر الرجل إلى صدر الأمة إذا أراد أن يبتاعها أن ذلك له جائز ~~حلال ، ولو نظر إليها لغير ذلك كان ذلك ms2392 PageV07P238 عليه حراما ، فكذلك ~~نظره إلى وجه المرأة إن كان فعل ذلك لمعنى هو حلال فهو غير مكروه . وإذا ~~ثبت أن النظر إلى وجه المرأة لخطبتها حلال خرج بذلك حكمه من حكم العورة ؛ ~~لأنا رأينا ما هو عورة لا يباح لمن أراد نكاحها النظر إليه ، ألا ترى أنه ~~من أراد نكاح امرأة فحرام عليه النظر إلى شعرها أو إلى صدرها أو إلى ما ~~أسفل من ذلك من بدنها ، كما يحرم ذلك منها على من لم يرد نكاحها ، فلما ثبت ~~أن النظر إلى وجهها حلال لمن أراد نكاحها ، ثبت أنه حلال أيضا لمن لم يرد ~~نكاحها إذا كان لا يقصد بنظره ذلك إلى معنى هو عليه حرام ، وقد قال ~~المفسرون فى قوله : { ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها } [ النور : 31 ] ، ~~أن ذلك المستثنى هو الوجه والكفان . * * * # | 16 - باب من قال : لا نكاح إلا بولى # لقوله تعالى : { وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فلا تعضلوهن } [ البقرة : ~~232 ] فدخل فيه الثيب والبكر . وقال تعالى : { ولا تنكحوا المشركين حتى ~~يؤمنوا } [ البقرة : 221 ] ، وقال تعالى : { وأنكحوا الأيامى منكم } [ ~~النور : 32 ] . / 23 - فيه : عائشة ، أن النكاح فى الجاهلية كان على أربعة ~~أنحاء : فنكاح منها نكاح الناس اليوم يخطب الرجل إلى الرجل ابنته ، فيصدقها ~~، ثم PageV07P239 ينكحها . والنكاح الآخر كان الرجل يقول لامرأته - إذا ~~طهرت من طمثها - أرسلى إلى فلان ، فاستبضعى منه ، ويعتزلها زوجها ولا يمسها ~~أبدا ، حتى يتبين حملها من ذلك الرجل الذى تستبضع منه ، فإذا تبين حملها ~~أصابها زوجها ، إذا أحب ، وإنما يفعل ذلك رغبة فى نجابة الولد ، فكان هذا ~~النكاح نكاح الاستبضاع . ونكاح آخر ، يجتمع الرهط ما دون العشرة ، فيدخلون ~~على المرأة كلهم يصيبها ، فإذا حملت ، ووضعت ، ومر عليها ليال بعد أن تضع ~~حملها ، أرسلت إليهم ، فلم يستطع رجل منهم أن يمتنع حتى يجتمعوا عندها ، ~~فتقول لهم : قد عرفتم الذى كان من أمركم ، وقد ولدت وهو ابنك يا فلان تسمى ~~من أحبت باسمه ، فيلحق به ولدها ، لا يستطيع أن يمتنع به الرجل . والنكاح ~~الرابع ، يجتمع الناس ms2393 الكثير ، فيدخلون على المرأة لا تمتنع ممن جاءها ، ~~وهن البغايا ، كن ينصبن على أبوابهن رايات تكون علما ، فمن أرادهن دخل ~~عليهن ، فإذا حملت إحداهن ووضعت حملها ، وجمعوا لها ، ودعوا القافة لهم ، ~~ثم ألحقوا ولدها بالذى يرون فالتاط به ودعى ابنه لا يمتنع من ذلك ، فلما ~~بعث محمد - صلى الله عليه وسلم - بالحق ، هدم نكاح الجاهلية كله إلا نكاح ~~الناس اليوم . / 24 - وفيه : عائشة ، فى قوله تعالى : { وما يتلى عليكم فى ~~الكتاب فى يتامى النساء . . . } [ النساء : 127 ] الآية ، قالت : هذا فى ~~اليتيمة التى تكون عند الرجل لعلها أن تكون شريكته فى ماله ، وهو أولى بها ~~، فيرغب عنها أن ينكحها ، فيعضلها لمالها ، ولا ينكحها غيره كراهية أن ~~يشركه أحد فى مالها . PageV07P240 / 25 - وفيه : عمر ، حين تأيمت حفصة بنت ~~عمر من ابن حذافة السهمى ، وكان من أصحاب النبى ، عليه السلام ، من أهل بدر ~~توفى بالمدينة ، فقال عمر : لقيت عثمان بن عفان ، فعرضت عليه ، فقلت : إن ~~شئت أنكحتك حفصة ، فقال : سأنظر فى أمرى ، فلبثت ليالى ، ثم لقينى ، فقال : ~~بدا لى أن لا أتزوج يومى هذا ، فقال عمر : فلقيت أبا بكر ، فقلت : إن شئت ~~أنكحتك حفصة . . . . / 26 - وفيه : معقل بن يسار فى قوله تعالى : { فلا ~~تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن } أنها نزلت فيه ، قال : زوجت أختا لى من رجل ~~فطلقها ، حتى إذا انقضت عدتها جاء يخطبها ، فقلت له : إنى زوجتك وفرشتك ~~وأكرمتك فطلقتها ، ثم جئت تخطبها ، لا والله ، لا تعود إليك أبدا ، وكان ~~رجلا لا بأس به ، وكانت المرأة تريد أن ترجع إليه ، فأنزل الله هذه الآية : ~~{ فلا تعضلوهن } ، فقلت : الآن أفعل يا رسول الله ، قال : فزوجها إياه . ~~اتفق جمهور العلماء أنه لا يجوز نكاح إلا بولى إما مناسب أو وصى أو السلطان ~~، ولا يجوز عقد المرأة على نفسها بحال ، روى هذا عن عمر ، وعلى ، وابن عباس ~~، وابن مسعود ، وأبى هريرة ، وروى عن شريح ، وابن المسيب ، والحسن ، وابن ~~أبى ليلى ، وهو قول مالك ، والثورى ، وأبى يوسف ، ومحمد ، والشافعى ، وأحمد ~~، وإسحاق ، وأبى عبيد . وحكى ابن المنذر ، عن ms2394 الشعبى ، والزهرى أنه إذا ~~تزوجت بغير إذن وليها كفئا فهو جائز . وقال مالك فى المعتقة والمسكينة التى ~~لا خطب لها ، فإنها تستخلف على نفسها من يزوجها ، ويجوز ذلك ، وكذلك ~~PageV07P241 المرأة يكفلها الرجل أن تزويجه عليها جائز ، وأما كل امرأة لها ~~قدر وغنى فلا يزوجها إلى الولى أو السلطان . قال أبو حنيفة : إذا كانت ~~بالغة عاقلة زالت ولاية الولى عنها ، فإن عقدت بنفسها جاز ، وإن ولت رجلا ~~حتى عقد جاز ، ووافقنا على أنها إذا وضعت نفسها فى غير كفء كان للولى فسخ ~~النكاح . وشذ أهل الظاهر أيضا ، فقالوا : إن كانت بكرا فلابد من ولى ، وإن ~~كانت ثيبا لم تحتج إلى ولى ، وهذا خلاف الجماعة . قال ابن القصار : والدليل ~~على أنها لا تعقد على نفسها بحال قوله تعالى : { وإذا طلقتم النساء فبلغن ~~أجلهن فلا تعضلوهن } [ البقرة : 232 ] ، والدلالة فى الآية من وجهين : ~~أحدهما : أن الله عاتب معقلا لما امتنع من رد أخته إلى زوجها ، ولو كان لها ~~أن تزوج نفسها أو تعقد النكاح لم يعاتب أخوها على الامتناع منه ولا أمره ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالحنث ، فدل على أن النكاح كان إليه ~~دونها . والوجه الثانى : قوله تعالى : { فلا تعضلوهن } [ البقرة : 232 ] ، ~~والعضل هو المنع من التزويج ، فمنع الله الأولياء من الامتناع من تزويجهن ~~كما منع أولياء اليتامى أن يعضلوهن إذا رغبوا فى أموالهن ، فلو كان العقد ~~إليهن لم يكن ممنوعات . قال المهلب : وفى هذا دليل على أن الرجل إذا عضل ~~وليته وثبت عضله لها يفتئت عليه السلطان فيزوجها بغير أن يأمره بالعقد لها ~~، ويرده عن العضل كما رد النبى ، عليه السلام ، معقلا عن ذلك العقد ، ولم ~~يعقد النبى - صلى الله عليه وسلم - ، بل دعاه إلى العقد بالحنث فى يمينه ، ~~إذ PageV07P242 عقده لأخته على من تحبه خير من إبرار اليمين ، وأيضا قوله ~~تعالى : { ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا } [ البقرة : 221 ] ، وقوله ~~تعالى : { وأنكحوا الأيامى منكم } [ النور : 32 ] ، فلم يخاطب بالنكاح غير ~~الرجال ، ولو كان على النساء لذكرن فى ذلك . قال الطبرى ms2395 : فى حديث حفصة حين ~~تأيمت ، وعقد عمر عليها النكاح ولم تعقده هى ، إبطال قول من قال : إن ~~للمرأة البالغة المالكة لنفسها تزويج نفسها ، وعقد النكاح عليها دون وليها ~~، ولو كان لها ذلك لم يكن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليدع خطبة حفصة ~~إلى نفسها ، إذ كانت أولى بنفسها من أبيها ، ولخطبها إلى من لا يملك أمرها ~~ولا العقد عليها ، وفيه بيان قوله عليه السلام : ( الأيم أحق بنفسها من ~~وليها ) ، أى أن معنى ذلك أنها أحق بنفسها فى أنه لا ينعقد عليها إلا ~~برضاها ، لا أنها أحق بنفسها فى أن تعقد عليها عقدة نكاح دون وليها . قال ~~ابن المنذر : ولا أعلم أحدا من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثبت ~~عنه خلاف ما قلنا . وقول عائشة : إن النكاح كان على أربعة أنحاء ، فنكاح ~~الناس اليوم يخطب الرجل إلى الرجل ابنته أو وليته ، حجة فى أن سنة عقد ~~النكاح إلى الأولياء . فإن قال من أجاز بغير ولى : فقد روى عن عائشة خلاف ~~هذا ، وهو ما رواه مالك فى الموطأ أنها زوجت بنت أخيها عبد الرحمن وهو غائب ~~، فلما قدم قال : مثلى يفتأت عليها فى بناته ؟ وهذا يدل أن مذهبها جواز ~~النكاح بغير ولى . قيل : لا حجة لكم فى هذا الخبر ، وليس معنى قوله : زوجت ~~PageV07P243 بنت أخيها ، إلا الخطبة ، والكلام فى الرضا والصداق دون العقد ~~، لما رواه ابن جريج ، عن عبد الرحمن بن القاسم ابن محمد بن أبى بكر الصديق ~~التيمى ، عن أبيه ، عن عائشة ، أنها أنكحت رجلا من بنى أخيها ، فضربت بينهم ~~بستر ، ثم تكلمت حتى لم يبق إلا العقد ، أمرت رجلا فأنكح ، ثم قالت : ليس ~~إلى النساء نكاح . قال ابن المنذر : وأما تفريق مالك بين المولاة والمسكينة ~~، وبين من لها منهن قدر وغنى ، فليس ذلك مما يجوز أن يفرق به ، إذ قد سوى ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بين الناس جميعا ، فقال : ( المسلمون ~~تتكافأ دماؤهم ) ، فسوى بين الجميع فى الدماء ، فوجب أن يكون حكمهم فيما ~~دون الدماء سواء ms2396 . قال المهلب : وأما قوله تعالى : { ولا تنكحوا المشركين ~~حتى يؤمنوا } [ البقرة : 221 ] ، فإنه خاطب الأولياء ونهاهم عن إنكاح ~~المشركين ولياتهم المسلمات من أجل أن الولد تابع للأب فى دينه بقوله تعالى ~~: { أولئك يدعون إلى النار } [ البقرة : 221 ] ، ولا مدعو فى نفس الاعتبار ~~يمكنه الإجابة إلا الولد ، إذ هو تبع لأبيه فى الدين ، ولذلك نهى الله عن ~~إنكاح الإماء المشركات ؛ لأن الذى يتزوجها يتسبب أن يولدها ، فيبيعها سيدها ~~حاملا من مشرك ، إذ أولاد الإماء تبع لأمهاتهم فى الرق فيئول ذلك إلى تمليك ~~المشركين أولاد المسلمين فيحملونهم على الكفر ، فنهى الله عن ذلك ، وحرمه ~~فى كتابه ، وجوز لمن لم يستطع طولا لحرة إذا خشى العنت أن ينكح الأمة ~~المسلمة فى ملك المسلم لامتناع تمليكهن المشركين ، وأباح له استرقاق ولده ~~واستعباده لأخيه المسلم ، من أجل أنه قد أمن أن يحمله على غير دين الإسلام ~~. PageV07P244 والدليل على جواز إرقاق المسلم بنيه قول النبى ، عليه السلام ~~: ( وفى جنين المرأة غرة عبد أو وليدة ) ، فلما جعل عوض الجنين الحر عبدا ، ~~وأقامه مقامه ، وجوز لأبيه ملكه واسترقاقه عوضا من أبيه ، علمنا أن للرجل ~~أن ينكح من النساء من يسترق ولده بها ، والله أعلم . * * * # | 17 - باب إذا كان الولى هو الخاطب # وخطب المغيرة بن شعبة امرأة هو أولى الناس بها ، فأمر رجلا فزوجه ، وقال ~~عبدالرحمن بن عوف لأم حكيم ابنة قارظ : أتجعلين أمرك إلى ؟ قالت : نعم ، ~~فقال : قد زوجتك ، وقال عطاء : ليشهد أنى قد نكحتك ، أو ليأمر رجلا من ~~عشيرتها . وقال سهل : قالت امرأة للنبى - صلى الله عليه وسلم - : أهب لك ~~نفسى ، فقال رجل : يا رسول الله ، إن لم تكن لك بها حاجة فزوجنيها . / 27 - ~~فيه : عائشة ، فى قوله : { ويستفتونك فى النساء } الآية ، قالت : هى ~~اليتيمة ، تكون فى حجر الرجل قد شركته فى ماله ، فيرغب عنها أن يتزوجها ، ~~ويكره أن يزوجها غيره ، فيدخل عليه فى ماله ، فيحبسها ، فنهاهم الله عن ذلك ~~. / 28 - وفيه : سهل ، جاءت امرأة إلى النبى تعرض عليه نفسها ، فلم يردها ، ~~فقال رجل : زوجنيها يا رسول ms2397 الله ؛ فقال : ( اذهب ، فقد زوجتكها بما معك من ~~القرآن ) . اختلف العلماء فى الولى هل يزوج نفسه من وليته إذا أذنت له ~~وينعقد النكاح ولا يرفع ذلك إلى السلطان ، فأجاز ذلك الحسن البصرى ، وربيعة ~~، ومالك ، والليث ، والأوزاعى ، والثورى ، وأبو حنيفة ، PageV07P245 وأبو ~~ثور . وقال زفر والشافعى : لا يجوز له أن يتزوجها إلا بالسلطان ، أو يزوجها ~~منه ولى لها هو أقعد بها منه أو مثله فى القعدد ، واحتجوا أن الولاية من ~~شرط العقد ، وكما لا يكون الشاهد ناكحا ولا منكحا ، كذلك لا يكون الناكح ~~منكحا . وفيها قول ثالث ، وهو أن يجعل أمرها إلى من يزوجها منه ، وروى هذا ~~عن المغيرة بن شعبة ، وبه قال أحمد بن حنبل ذكره ابن المنذر ، واحتج ~~الطحاوى للقول الأول ، فقال : لا يختلفون أنه يجوز أن يهب لمن له ولاية ~~عليها ، ويكون هو العاقد والقابض ، وكذلك النكاح ، ألا ترى أن النبى - صلى ~~الله عليه وسلم - زوج المرأة من الرجل بما معه من القرآن ، فكذلك كان له أن ~~يزوجها من نفسه لو قبلها ، كما فعل فى خبر صفية حين جعل عتقها صداقها . قال ~~ابن المنذر : وكذلك فعل فى أمر جويرية ، قضى كتابتها وتزوجها كما فعل فى ~~حديث صفية سواء . قال المؤلف : ومن الحجة لهذا القول أيضا حديث عائشة فى ~~الرجل تكون عنده اليتيمة فيرغب عن أن يتزوجها ، فنهاهم الله عن عضلهن ~~ومنعهن من التزويج من أجل أنهم لا يقسطون فى صدقاتهن ، وجعل لهم أن ينكحوهن ~~من أنفسهن إذا عدلوا فى صدقاتهن ، وقد تقدم البيان عن هذه المسألة فى حديث ~~صفية فى باب من أعتق جارية وتزوجها ، وأما فعل المغيرة ، فهو من باب الأدب ~~فى النكاح أن يأمر الولى رجلآ يعقد نكاحه مع وليته ، ولو تولى هو عقده إذا ~~رضيت به لكان حسنا . PageV07P246 * * * # | 18 - باب إنكاح الرجل ولده الصغار لقوله : { واللائى لم يحضن } [ ~~الطلاق : 4 ] ، فجعل عدتها ثلاثة أشهر قبل البلوغ # / 29 - فيه : عائشة ، أن النبى - صلى الله عليه وسلم - تزوجها وهى بنت ست ~~سنين ، ودخلت عليه وهى بنت تسع سنين ms2398 ، ومكثت عنده تسعا . قال المهلب : أجمع ~~العلماء على أنه يجوز للأب تزويج ابنته الصغيرة التى لا يوطأ مثلها لعموم ~~الآية : { واللائى لم يحضن } [ الطلاق : 4 ] ، ويجوز نكاح من لم تحض من أول ~~ما تخلق ، وأظن البخارى أراد بهذا الباب الرد على ابن شبرمة ، فإن الطحاوى ~~حكى عنه أنه قال : تزويج الآباء على الصغار لا يجوز ، ولهن الخيار إذا بلغن ~~، وهذا قول لم يقل به أحد من الفقهاء غيره ، ولا يلتفت إليه لشذوذه ، ~~ومخالفته دليل الكتاب والسنة ، وإنما اختلفوا فى الأولياء غير الآباء إذا ~~زوج الصغيرة ، وقد تقدم اختلاف العلماء فى ذلك فى باب تزويج الصغار من ~~الكبار قبل هذا . وفيه من الفقه : جواز نكاح لا وطء فيه لعلة بأحد الزوجين ~~: لصغر ، أو آفة ، أو غير إرب فى الجماع ، بل لحسن العشرة والتعاون على ~~الدهر ، وكفاية المؤنة والخدمة بخلاف من قال : لا يجوز نكاح لا وطء فيه ، ~~ويؤيد هذا فعل سودة حين وهبت يومها لعائشة ، وقالت : ما لى فى الرجال إرب . ~~واختلف العلماء فى الوقت الذى تدخل فيه المرأة على زوجها إذا اختلف الزوج ~~وأهل المرأة فى ذلك ، فقالت طائفة : تدخل على PageV07P247 زوجها وهى بنت ~~تسع سنين اتباعا لحديث عائشة ، هذا قول أحمد بن حنبل ، وأبى عبيد . وقال ~~أبو حنيفة : نأخذ بالتسع غير أنا نقول : إن بلغتها ولم تقدر على الجماع كان ~~لأهلها منعها ، وإن لم تبلغ التسع وقويت على الرجال لم يكن لهم منعها من ~~زوجها . وكان مالك يقول : لا نفقة لصغيرة حتى تدرك وتطيق الرجال . وقال ~~الشافعى : إذا قاربت البلوغ وكانت جسيمة تحتمل الجماع ، فلزوجها أن يدخل ~~بها ، وإن كانت لا تحتمل الجماع فلأهلها منعها من الزوج حتى تحتمل الجماع . ~~* * * # | 19 - باب تزويج الأب ابنته من الإمام # وقال عمر : خطب النبى - صلى الله عليه وسلم - إلى حفصة فأنكحته . / 30 - ~~فيه : عائشة ، أن النبى - صلى الله عليه وسلم - تزوجها وهى بنت ست سنين . . ~~. الحديث . معنى هذا الباب أن الإمام وإن كان وليا ، وكان النبى - صلى الله ~~عليه وسلم - أفضل الأولياء ms2399 ، وخطب حفصة إلى أبيها عمر بن الخطاب ، وأنكحه ~~إياها ، دل ذلك على أن الأب أولى من الإمام ، وأن السلطان ولى من لا ولى له ~~، وهذا إجماع ، ودل أيضا على صحة ما يقوله مالك ، والشافعى ، وجمهور ~~العلماء أن الولى من شروط النكاح وأنه مفتقر إليه ، وكذلك خطب النبى عائشة ~~إلى أبى بكر ، فقال له أبو بكر : إنما أنا أخوك ، فقال له النبى - صلى الله ~~عليه وسلم - : ( أنت أخى فى دين الله وكتابه ، وهى لى حلال ) ، فأنكحه أبو ~~بكر إياها . PageV07P248 قال ابن المنذر : وفى إنكاح أبى بكر النبى - صلى ~~الله عليه وسلم - دليل على إباحة النكاح بغير شهود ، إذ لا نعلم فى شىء من ~~الأخبار أن شاهدا حضر عقد ذلك النكاح ، والأخبار التى رويت عن عائشة وغيرها ~~بخلاف ذلك واهية لا تثبت عند أهل المعرفة بالأخبار ، وقد تقدم بيان هذه ~~المسألة فى حديث صفية فى باب اتخاذ السرارى ومن أعتق جارية ثم تزوجها . * * ~~* # | 20 - باب السلطان ولى لقول النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( قد ~~زوجناكها بما معك من القرآن ) # / 31 - فيه : سهل ، جاءت امرأة إلى النبى - صلى الله عليه وسلم - فقالت : ~~إنى وهبت لك نفسى ، فقامت طويلا ، فقام رجل فقال : زوجنيها إن لم تكن لك ~~بها حاجة ، قال : ( قد زوجناكها ، بما معك من القرآن ) . أجمع العلماء على ~~أن السلطان ولى من لا ولى له ، وأجمعوا أن السلطان يزوج المرأة إذا أرادت ~~النكاح ودعت إلى كفء وامتنع الولى من أن يزوجها . واختلفوا إذا غاب عن ~~البكر أبوها وعمى خبره وضربت فيه الآجال من يزوجها ؟ فقال مالك وأبو حنيفة ~~وأصحابه : يزوجها أخوها بإذنها . وقال الشافعى : يزوجها السلطان دون باقى ~~PageV07P249 أوليائها ، وكذلك الثيب إذا غاب أقرب أوليائها . وحجة مالك ، ~~والكوفيين أن الأخ عصبة يجوز أن يزوجها بإذنها مع عدم أبيها بالموت لتعذر ~~التزويج من قبله ، فكذلك مع حياته إذا تعذر التزويج من جهته ، دليل ذلك إذا ~~جن الأب أو فسق عندهم ، ألا ترى أن الأب إذا مات كان الأخ أولى من السلطان ~~؟ واحتج الشافعى بأن ms2400 السلطان يستوفى لها حقوقها وينظر فى مالها إذا فقد ~~أبوها ، فلذلك هو أحق بالتزويج من أخيها . واختلفوا فى الولى ، فقال مالك ، ~~والليث ، والثورى ، والشافعى : الأولياء هم العصبة الذين يرثون ، وليس ~~الخال ولا الجد لأم ولا الإخوة لأم أولياء عند مالك فى النكاح ، وخالفهم ~~محمد بن الحسن ، فقال : كل من لزمه اسم ولى ، فهو ولى يعقد النكاح ، وبه ~~قال أبو ثور . قال الأبهرى : والحجة لمالك ومن وافقه فى أن ذوى الأرحام ~~ليسوا أولياء فى النكاح وأن الأولياء فى ذلك العصبة ، هو أن الولى لما كان ~~مستحقا بالتعصيب لم يكن للرحم مدخل فيه لعدم التعصيب ، كذلك عقد النكاح ؛ ~~لأن ذلك بولاية التعصيب . قال ابن المنذر : وقوله : { فلا تعضلوهن أن ينكحن ~~أزواجهن } [ البقرة : 232 ] ، دليل على أن الأولياء من العصبة ؛ لأن معقلا ~~لما منع أخته من التزويج نزلت فيه هذه الآية ، فتلاها عليه رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - . PageV07P250 واختلفوا من أولى بالنكاح الولى أو الوصى ؟ ~~فقال ربيعة ، ومالك ، والثورى ، وأبو حنيفة : الوصى أولى . وقال الشافعى : ~~الولى أولى به ؛ لأنه لا ولاية للوصى على الصغير . والحجة للقول الأول أن ~~الأب لو جعل ذلك إلى رجل بعينه فى حياته لم يكن لسائر الأولياء الاعتراض ~~عليه مع بقاء الأب ، فكذلك بعد موته ، إلا أن مالكا قال : لا يزوج الوصى ~~اليتيمة قبل البلوغ ، إلا أن يكون أبوها أوصى إليه أن يزوجها قبل البلوغ من ~~رجل بعينه فيجوز ، وينقطع عنها ما لها من المشورة عند بلوغها . وذكر ابن ~~القصار ، قال : ومن أصحابنا من قال : إن الموصى إذا قال : زوج بناتى ممن ~~رأيت أنه يقوم مقام الأب فى تزويج الصغيرة ، وفى تزويج البكر البالغ بغير ~~إذنها ، وهو يتخرج على مذهب مالك ، وهو إذا قالت اليتيمة لوليها : زوجنى ~~ممن رأيت ، فزوجها ممن اختار ، أو من نفسه ولم يعلمها بعين الرجل قبل العقد ~~، فإنه يلزمها ذلك . * * * # | 21 - باب لا ينكح الأب وغيره البكر ولا الثيب إلا برضاها # / 32 - فيه : أبو هريرة ، قال النبى ، عليه السلام : ( لا تنكح الأيم حتى ~~تستأمر ms2401 ، ولا تنكح البكر حتى تستأذن ) ، قالوا : يا رسول الله ، وكيف إذنها ~~؟ قال : ( أن تسكت ) . PageV07P251 / 33 - وفيه : عائشة ، [ أنها قالت ] : ~~يا رسول الله ، إن البكر تستحى ، قال : ( رضاها صمتها ) . قال ابن المنذر : ~~فى هذا الحديث النهى عن نكاح الثيب قبل الاستئمار ، وعن نكاح البكر قبل ~~الاستئذان ، ودل هذا الحديث على أن البكر التى أمر باستئذانها البالغ ، إذ ~~لا معنى لاستئذان من لا إذن لها ، ومن سكوتها وسخطها سواء . اختلف العلماء ~~فى تأويل هذا الحديث ، فقالت طائفة : لا يجوز للأب أن ينكح البالغ من بناته ~~بكرا كانت أو ثيبا إلا بإذنها ، قالوا : والأيم التى لا زوج لها ، وقد تكون ~~بكرا وثيبا ، وظاهر هذا الحديث يقتضى أن تكون البكر لا ينكحها وليها أبا ~~كان أو غيره حتى يستأمرها ، وذلك لا يكون إلا فى البوالغ لما دل عليه ~~الحديث ، ولتزويج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عائشة وهى صغيرة . وهذا ~~قول الثورى ، والأوزاعى ، وأبى حنيفة ، وأصحابه ، وأبى ثور ، واحتجوا بهذا ~~الحديث ؛ لأن النبى - صلى الله عليه وسلم - قال قولا عاما : ( لا تنكح ~~البكر حتى تستأذن ولا الثيب حتى تستأمر ) ، وكل من عقد نكاحا على غير ما ~~سنه النبى ، عليه السلام ، فهو باطل ، ودل الحديث على أن البكر إذا نكحت ~~قبل إذنها بالصمت أن النكاح باطل ، كما يبطل نكاح الثيب قبل أن تستأمر . ~~وقالت طائفة : للأب أن يزوج البكر بغير إذنها صغيرة كانت أو كبيرة ، ولا ~~يزوج الثيب إلا بإذنها ، وهو قول ابن أبى ليلى ، ومالك ، والليث ، والشافعى ~~، وأحمد ، وإسحاق ، وقال أبو قرة : PageV07P252 سألت مالكا عن قول النبى - ~~صلى الله عليه وسلم - : ( البكر تستأذن فى نفسها ) ، أيدخل فى هذا الأب ؟ ~~قال : لا ، لم يعن بهذا الأب إنما عنى به غير الأب . وإنكاح الأب جائز على ~~الصغار ولا خيار لواحدة منهن بعد البوغ . وقال ابن حبيب : وقد ساوى رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - بين البكر والثيب فى مشاورتهما فى أنفسهما ، ~~ولم يفرق بينهما إلا فى الجواب بالرضا ، فإنه جعل جواب البكر بالرضا فى ~~صماتها لاستحيائها ms2402 ، وجعل جوابها بالكراهة لذلك فى الكلام ؛ لأنه لا حياء ~~عليها فى كراهيتها كما يكون الحياء فى رضاها ، ولم يلزم رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - الثيب الرضا بالصمات حتى تتكلم بالرضا لمفارقتها فى ~~الحياء حال البكر لما تقدم من نكاحها ، والدليل على أن المراد باستئمار ~~البكر غير ذات الأب ما روى أبو نعيم ، قال : حدثنا يونس بن أبى إسحاق ، قال ~~: حدثنى أبو بردة بن أبى موسى ، عن أبيه ، أن النبى - صلى الله عليه وسلم - ~~قال : ( تستأمر اليتيمة فى نفسها ، فإن سكتت فهو إذنها ) ، ففرق بتسميته ~~إياها يتيمة بينها وبين من لها أب . فإذا كانت ثيبا ، فيلزم الأب مؤامرتها ~~، ولا يجوز نكاحه عليها بغير إذنها . وأما قول الكوفيين : الأيم التى لا ~~زوج لها وقد تكون بكرا ، فالجواب أن العرب وإن كانت تسمى كل من لا زوج لها ~~أيما فهو على الاتساع وأصل الأيمة عدم الزوج بعد أن كان ، لكن المراد ~~بالأيم فى هذا الحديث الثيب ، والدليل على ذلك أنه قد PageV07P253 روى ~~جماعة عن مالك : ( والثيب أحق بنفسها من وليها ) ، مكان قوله : ( الأيم أحق ~~بنفسها ) ، ثم قال : ( والبكر تستأذن ) ، فذكر البكر بعد ذكره الأيم ، فدل ~~أنها الثيب ، ولو كانت الأيم فى هذا الحديث البكر لبطل الولى فى النكاح ~~ولكانت كل بكر لا زوج لها أحق بنفسها من وليها ، وكان هذا التأويل ردا ~~لقوله تعالى : { فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن } [ البقرة : 232 ] ، فخاطب ~~بذلك الأولياء . واختلفوا فى الثيب الصغيرة ، فقال مالك وأبو حنيفة : ~~يزوجها أبوها جبرا كالبكر ، وسواء أصيبت بنكاح أو زنا . وقال الشافعى : لا ~~يزوجها إلا بإذنها ، وسواء جومعت بنكاح أو زنا . ووافقه أبو يوسف ومحمد إذا ~~كان الوطء بزنا ، واعتلوا بأنها إذا جربت الرجال كانت أعرف بحظها من الولى ~~، فوجب أن يكون الأمر لها . واحتج الأولون ، فقالوا : لما كانت محجورا ~~عليها فى مالها حجر الصغير جاز أن يجبرها على النكاح ، وأيضا فإنها قد ساوت ~~البكر الصغيرة فى أنها لا يصح اختيارها ، فلا معنى لاستئمارها . * * * # | 22 - باب إذا زوج ابنته وهى كارهة ms2403 فنكاحه مردود # / 34 - فيه : خنساء بنت خذام ، أن أباها زوجها وهى ثيب ، فكرهت ذلك ، ~~فأتت النبى ، عليه السلام ، فرد نكاحه . PageV07P254 اتفق أئمة الفتوى ~~بالأمصار على أن الأب إذا زوج ابنته الثيب بغير رضاها أنه لا يجوز ويرد ، ~~واحتجوا بحديث خنساء ، وشذ الحسن البصرى ، والنخعى ، فخالفا الجماعة ، فقال ~~الحسن : نكاح الأب جائز على ابنته بكرا كانت أو ثيبا ، كرهت أو لم تكره . ~~وقال النخعى : إن كانت الابنة فى عياله زوجها ولم يستأمرها وإن لم تكن فى ~~عياله وكانت نائية عنه استأمرها . وإن لم يكن أحد من الأئمة مال إلى هذين ~~القولين لمخالفتهما للسنة الثابتة فى خنساء وغيرها ، وما خالف السنة فهو ~~مردود . واختلف الأئمة القائلون بحديث خنساء إن زوجها بغير إذنها ، ثم ~~بلغها فأجازت ، فقال إسماعيل القاضى : أصل قول مالك أنه لا يجوز إن أجازته ~~إلا أن يكون بالقرب ، كأنه فى فور واحد ، ويبطل إذا بعد ؛ لأن عقده عليها ~~بغير أمرها ليس بعقد ولا يقع فيه طلاق . وقال الكوفيون : إذا أجازته جاز ، ~~وإذا أبطلته بطل . وقال الشافعى ، وأحمد ، وأبو ثور : إذا زوجها بغير إذنها ~~فالنكاح باطل وإن رضيت ؛ لأن النبى ، عليه السلام ، رد نكاح خنساء ولم يقل ~~إلا أن تجيزه . * * * # | 23 - باب تزويج اليتيمة لقوله تعالى : { وإن خفتم ألا تقسطوا فى ~~اليتامى فانكحوا } [ النساء : 3 ] # / 35 - فيه : عائشة ، { وإن خفتم ألا تقسطوا فى اليتامى } إلى قوله : { ~~ما ملكت أيمانكم } [ النساء : 36 ] ، قالت : هى اليتيمة التى تكون فى حجر ~~PageV07P255 وليها ، فيرغب فى جمالها ومالها ، ويريد أن ينتقص من صداقها ، ~~فنهوا عن نكاحهن إلا أن يقسطوا لهن فى إكمال الصداق ، فأمروا بنكاح من ~~سواهن من النساء . معنى هذا الباب أن الولى شرط فى النكاح ؛ لمخاطبة الله ~~الأولياء بإنكاح اليتامى إذا خافوا ألا يقسطوا فيهن ، وقد تقدم هذا الحديث ~~فى باب من قال : لا نكاح إلا بولى ، واحتج أبو حنيفة ، ومحمد بن الحسن ، ~~بهذه الآية فى أنه يجوز للولى أن يزوج من نفسه اليتيمة التى لم تبلغ ؛ لأن ~~الله لما عاتب الأولياء أن يتزوجوهن ms2404 إذا كن من أهل المال والجمال إلا على ~~سنتهن من الصداق ، وعاتبهم على ترك نكاحهن إذا كن قليلات المال والجمال ~~استحال أن يكون ذلك منه تعالى فيمن لا يجوز نكاحه ؛ لأنه لا يجوز أن يعاتب ~~أحد على ترك ما هو حرام عليه ، ألا ترى أنه أمر وليها أن يقسط لها فى ~~صداقها ، ولو أراد بذلك بالغا لما كان لذكره أصل سنتها فى الصداق معنى ، إذ ~~كان له أن يراضيها على ما تشاء ثم يتزوجها على ذلك ، فيكون ذلك له حلالا ~~كما قال الله تعالى : { فإن طبن لكم عن شىء منه نفسا فكلوه هنيئا مريئا } [ ~~النساء : 4 ] . فثبت أن التى أمر أن يبلغ بها أعلى سنتها فى الصداق هى التى ~~لا أمر لها فى صداقها المولى عليها ، وهى غير بالغ ، ولا يجوز عند مالك ~~والشافعى وجماعة أن يتزوج اليتيمة التى لا أب لها قبل البلوغ ، ويفسخ ~~النكاح عند مالك قبل الدخول وبعده ، وقد تقدم الاختلاف فى هذه المسألة فى ~~باب تزويج الصغار . PageV07P256 وكان من حجة من خالف أبا حنيفة فى ذلك أنه ~~قد يكون فى اليتامى من تجوز حد البلوغ وبعده وهى سفيهة ، لا يجوز بيعها ولا ~~شىء من أفعالها ، فأمر تعالى أولياءهن بالإقساط لهن فى الصدقات ، فلم تدل ~~الآية على جواز نكاح اليتيمة غير البالغ كما زعم أبو حنيفة ، وليس هذا أولى ~~بالتأويل ممن عارضه ، وتأويل الآية فى اليتيمة البالغ السفيهة . * * * # | 24 - باب إذا قال الخاطب للولى : زوجنى فلانة ، فقال : قد زوجتك بكذا ~~وكذا ، جاز النكاح ، وإن لم يقل الزوج : رضيت أو قبلت # / 36 - فيه : سهل ، أن امرأة أتت النبى ، عليه السلام ، فعرضت عليه نفسها ~~، فقال : ( ما لى اليوم فى النساء من حاجة ) ، فقال رجل : يا رسول الله ، ~~زوجنيها ، قال : ( ما عندك ) ؟ قال : ما عندى شىء ، قال : ( أعطها ، ولو ~~خاتما من حديد ) ، قال : ما عندى قال : ( فما عندك من القرآن ) ؟ قال : كذا ~~وكذا ، قال : ( قد ملكتكها بما معك من القرآن ) . وترجم له : ( باب إذا قال ~~للولى زوجنى فلانة ، فمكث ساعة ms2405 ، أو قال : ما معك من القرآن ؟ قال : معى ~~كذا وكذا ، أو لبثا ، ثم قال : زوجتكها ، فهو جائز . قال المهلب : بساط ~~الكلام ومفهوم القصة أغنى فى هذا الحديث عن أن يوقف الخاطب على الرضا ، ~~وليس هذا فى كل نكاح ، بل يجب أن يسأل الزوج أرضى بالصداق والشرط أم لا ؟ ~~إلا أن يكون PageV07P257 مثل هذا المعسر الراغب فى النكاح ، فلا يحتاج إلى ~~توقيفه على الرضا لعلمهم به . * * * # | 25 - باب لا يخطب على خطبة أخيه حتى ينكح أو يدع # / 37 - فيه : ابن عمر ، نهى النبى ، عليه السلام ، أن يخطب الرجل على ~~خطبة أخيه حتى يترك الخاطب قبله ، أو يأذن له الخاطب . / 38 - وفيه : أبو ~~هريرة ، قال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( إياكم والظن ، فإن الظن أكذب ~~الحديث ) ، إلى قوله : ( ولا يخطب الرجل على خطبة أخيه حتى ينكح أو يترك ) ~~. قال ابن المنذر : النهى فى هذا الحديث أن يخطب الرجل على خطبة أخيه نهى ~~تحريم لا نهى تأديب ، لما روى الليث ، عن ابن أبى حبيب ، عن عبد الرحمن بن ~~شماسة ، أنه سمع عقبة بن عامر ، أنه سمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~يقول : ( المؤمن للمؤمن ، لا يحل لمؤمن أن يخطب على خطبة أخيه حتى يذر ، ~~ولا يحل له أن يبتاع على بيع أخيه حتى يذر ) . قال الطبرى : اختلف أهل ~~العلم فى تأويل هذا الحديث ، فقال بعضهم : نهيه عليه السلام أن يخطب على ~~خطبة أخيه منسوخ بخطبته ، عليه السلام ، لأسامة فاطمة بنت قيس على خطبة ~~معاوية وأبى الجهم . وقال آخرون : هو حكم ثابت لم ينسخه شىء ، وهو غير جائز ~~لرجل خطبة امرأة قد خطبها غيره حتى يترك ذلك ، هذا قول عقبة بن عامر ، وعبد ~~الله بن عمر ، وابن هرمز . واحتجوا بعموم الحديث . وقال آخرون : نهيه عليه ~~السلام أن يخطب على خطبة أخيه يريد فى حال رضا المرأة به وركونها إليه . ~~PageV07P258 وقد فسر مالك هذا الحديث فى الموطأ ، فقال : معنى النهى عن ذلك ~~إذا كانت المرأة قد ركنت إليه واتفقا على صداق وتراضيا ، فتلك التى ms2406 نهى ~~النبى - صلى الله عليه وسلم - أن يخطبها على خطبة أخيه ، فأما إذا لم تركن ~~إليه ولم يوافقها ، فلا بأس أن يخطبها غيره . قال أبو عبيد : وقول مالك هو ~~عندنا وجه الحديث ، وبه يقول أهل المدينة ، وأهل العراق ، أو أكثرهم ، ~~واحتج الشافعى والطحاوى بأن النبى ، عليه السلام ، أباح الخطبة لأسامة على ~~خطبة معاوية وأبى جهم حين خطبا فاطمة بنت قيس ، وكان بينا أن الحالة التى ~~خطب فيها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فاطمة على أسامة غير الحال التى ~~نهى عن الخطبة فيها حتى تصح معانى الآثار ولا تتضاد . واختلف أصحاب مالك ~~إذا أظهرت الرضا ولم يتفقا على صداق ، فقال أكثرهم : لا يخطبها ؛ لأنه قد ~~يكون نكاحا ثابتا إذا تم الرضا وإن لم يسم الصداق ، وهو نكاح التفويض ، إلا ~~ابن نافع ، فإنه قال : لا بأس أن يخطبها ما لم يتفقا على صداق ، والقول ~~الأول أولى . واختلف قول مالك وأصحابه إذا ركن إليها ، ثم خطب عليه غيره ~~وتزوجها ، فروى عنه أنه يفسخ النكاح قبل الدخول ، ولا يفسخ بعد الدخول وبئس ~~ما صنع ، وذكر عنه ابن المواز أنه يفسخ النكاح على كل حال ، كما يفسخ البيع ~~إذا ساوم على سومه ، وهو قول أهل الظاهر ، وروى عنه أنه لا يفسخ النكاح ~~أصلا ، وهكذا روى سحنون عن ابن القاسم أنه لا يفسخ النكاح ولا البيع ويؤدب ~~فاعله . وقال الكوفيون والشافعى : لا يفسخ ، واحتج ابن القصار PageV07P259 ~~لقول مالك أنه يفسخ ، فقال : النهى يقتضى فساد المنهى عنه ، وإذا كان إيقاع ~~المنهى عنه فاسدا لم تحصل به الاستباحة ؛ لقوله عليه السلام : ( من أحدث فى ~~أمرنا ما ليس منه فهو رد ) ، واحتج ابن حبيب لقوله : إنه لا يفسخ ، فقال : ~~ليس يشبه إذا اشترى على شراء أخيه ؛ لأن ملك النكاح لا ينتقل بالركون خاصة ~~، هكذا سمعت مطرفا ، وابن الماجشون يقولان : وقال أصبغ ، عن ابن القاسم ~~مثله ، وقد كان ابن نافع يرى فيه الفسخ قبل البناء وبعده وليس بشىء . قال ~~غيره : والدليل على جواز النكاح أنه لم يملك بضعها بالركون ms2407 دون العقد ، ولا ~~كانت له بذلك زوجة تجب بينهما الموارثة ويقع الطلاق . وأما قولهم : إن ~~النهى يقتضى فساد المنهى عنه ، فنقول : العقد صحيح والمنهى عنه الخطبة خاصة ~~ليس العقد كما لو فجر بها أو جردها عن ثيابها ثم نكحها . وأما قوله : إنه ~~يفسخ قبل الدخول ويثبت بعده ، فهو من باب إعادة الصلاة فى الوقت ليدرك ~~العمل على كماله وسننه . قال ابن المنذر : ونهيه عليه السلام أن يخطب على ~~خطبة أخيه المسلم يدل على إباحة أن ينكح على خطبة اليهودى والنصرانى ؛ لأن ~~الأمور كانت على الإباحة حتى نهى عن الخطبة على المسلم ، فثبتت الإباحة على ~~من ليس بمسلم ؛ لأن المؤمنين إخوة . PageV07P260 * * * # | 26 - باب تفسير ترك الخطبة # / 39 - فيه : ابن عمر ، أن عمر حين تأيمت حفصة ، لقى أبا بكر ، فقلت له : ~~إن شئت أنكحتك حفصة ، فلبثت ليالى ، ثم خطبها النبى ، فلقينى أبو بكر ، ~~فقال : لم يمنعنى أن أرجع إليك فيما عرضته إلا أنى قد علمت أن النبى - صلى ~~الله عليه وسلم - قد ذكرها ، فلم أكن لأفشى سر رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - ، ولو تركها لقبلتها . إن قال قائل : كيف ترجم البخارى لهذا الحديث ~~تفسير ترك الخطبة ، وقد تقدم من مذاهب العلماء أن الخطبة جائزة على خطبة ~~غيره إذا لم تركن إليه ، والنبى - صلى الله عليه وسلم - حين أخبر بذلك أبا ~~بكر لم يكن أعلم بهذا عمر فضلا أن تركن إليه ؟ فالجواب : أن الترجمة صحيحة ~~والمعنى الذى قصد البخارى معنى دقيق يدل على ثقوب ذهنه ورسوخه فى الاستنباط ~~، وذلك أن أبا بكر علم أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - إذا خطب إلى عمر ~~ابنته أنه لا يصرفه ولا يرغب عنه ، بل يرغب فيه ويشكر الله على ما أنعم ~~عليه من مصاهرته له وامتزاجه به ، فقام علم أبى بكر الصديق بهذه الحالة ~~مكان الركون والتراضى منهما ، فكذلك كل من علم أنه لا يصرف إذا خطب لا ~~تنبغى الخطبة على خطبته حتى يترك كما فعل أبو بكر ، رضى الله عنه . ~~PageV07P261 * * * # | 27 - باب الخطبة # / 40 ms2408 - فيه : ابن عمر ، جاء رجلان من المشرق فخطبا ، فقال النبى عليه ~~السلام : ( إن من البيان سحرا ) . قال المؤلف : الخطبة عند الحاجة من الأمر ~~القديم المعمول به ، وروى عن ابن مسعود أنه قال : علمنا رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - خطبة الحاجة : الحمد لله نستعينه ونستغفره ، ونعوذ بالله ~~من شرور أنفسنا ، من يهد الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادى له ، وأشهد ~~أن لا إله إلا الله ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ، ثم يقرأ : { يا أيها ~~الناس اتقوا ربكم الذى خلقكم من نفس واحدة . . . } [ النساء : 1 ] الآية ، ~~{ اتقوا الله وقولوا قولا سديدا . . . } إلى { عظيما } [ الأحزاب : 70 ، 71 ~~] ، { اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون } [ آل عمران : 102 ~~] . قال المهلب : إنما استحبت فى خطبة النساء خطبة من الكلام ليسهل بها ~~الخاطب أمره ويرغب فيما دعا إليه ، ألا ترى أن النبى - صلى الله عليه وسلم ~~- قد شبه حسن التواصل إلى الحاجة بحسن الكلام فيها ، واستنزال المرغوب إليه ~~بالبيان بالسحر ، وإنما هذا من أجل ما فى النفوس من الأنفة فى أمر الوليات ~~، فقال النبى - صلى الله عليه وسلم - : إن حسن التواصل إلى هذا الذى تألف ~~النفس منه حتى تحبب ذلك المستبشع وجه من وجوه السحر الحلال . واستحب جمهور ~~العلماء الخطبة فى النكاح ، فقال مالك : وهى من الأمر القديم وما قل منها ~~فهو أفضل . قال ابن حبيب : PageV07P262 كانوا يستحبون أن يحمد الله الخاطب ~~ويصلى على نبيه ثم يخطب المرأة ، ثم يجيبه المخطوب إليه بمثل ذلك من حمد ~~الله والصلاة على نبيه ، ثم يذكر إجابته ، وأوجبها أهل الظاهر فرضا ، ~~واحتجوا بأن النبى - صلى الله عليه وسلم - خطب حين زوج فاطمة ، وأفعاله على ~~الوجوب . واستدل الفقهاء على أنها غير واجبة بقوله : ( قد زوجتكها بما معك ~~من القرآن ) ، ولم يخطب ، وبقوله : ( كل أمر ذى بال لا يبدأ فيه بحمد الله ~~فهو أقطع ) ، أى ناقص ، ولم يقل : إن العقد لا يتم لأنه زوج المرأة ولم ~~يخطب . * * * # | 28 - باب ضرب الدف فى النكاح والوليمة # / 41 - فيه : الربيع ms2409 بنت معوذ بن عفراء ، جاء النبى ، عليه السلام ، فدخل ~~حين بنى على ، فجلس على فراشى كمجلسك منى ، فجعلت جويريات لنا يضربن بالدف ~~، ويندبن من قتل من آبائى يوم بدر ؛ إذ قالت إحداهن : وفينا نبى يعلم ما فى ~~غد ، فقال : ( دعى هذه ، وقولى بالذى كنت تقولين ) . قال المهلب : السنة ~~إعلان النكاح بالدف والغناء المباح ؛ ليكون ذلك فرقا بينه وبين السفاح الذى ~~يستسر به . وفيه : إقبال العالم والإمام إلى العرس وإن كان فيه لعب ولهو ما ~~لم يخرج اللهو عن المباحات فيه . وفيه : جواز مدح الرجل فى وجهه بما فيه ، ~~وإنما المكروه من ذلك مدحه بما ليس فيه . PageV07P263 * * * # | 29 - باب قول الله : { وآتوا النساء صدقاتهن نحلة } [ النساء : 4 ] ~~وكثرة المهر وأدنى ما يجوز من الصداق ، وقوله : { وآتيتم إحداهن قنطارا فلا ~~تأخذوا منه شيئا } [ النساء : 20 ] وقوله تعالى : { أو تفرضوا لهن فريضة } ~~[ النساء : 20 ] # وقال سهل : قال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( ولو خاتما من حديد ) . ~~/ 42 - فيه : أنس ، أن ابن عوف تزوج امرأة على وزن نواة من ذهب ، فرأى ~~النبى - صلى الله عليه وسلم - بشاشة العرس ، فسأله ، فقال : إنى تزوجت ~~امرأة على وزن نواة من ذهب . قال ابن المنذر : هذه الآيات دالة على وجوب ~~المهر . قال المؤلف : ولا حد لأكثر المهر عند العلماء ؛ لقوله تعالى : { ~~وآتيتم إحداهن قنطارا } [ النساء : 20 ] ، ذكر عبد الرزاق ، عن قيس بن ~~الربيع ، عن أبى حصين ، عن أبى عبد الرحمن السلمى ، قال : قال عمر بن ~~الخطاب : لا تغالوا فى صدقات النساء ، فقالت امرأة : ليس ذلك لك يا عمر ، ~~إن الله قال : { وآتيتم إحداهن قنطارا } ، وكذلك فى قراءة عبد الله : ولا ~~يحل لكم أن تأخذوا منه شيئا ، فقال : إن امرأة خاصمت عمر فخصمته . وروى ابن ~~عيينة ، عن يحيى بن سعيد ، عن محمد بن إبراهيم التيمى ، قال : أصدق النبى - ~~صلى الله عليه وسلم - كل امرأة من نسائه اثنتى عشرة أوقية ونشا ، والنش نصف ~~أوقية ، فذلك خمسمائة درهم . قال ابن شهاب : اثنتى عشرة أوقية ، فذلك ~~أربعمائة درهم وثمانون درهما . وروى عن ms2410 عمر بن الخطاب أنه أصدق أم كلثوم ~~بنت على بن أبى طالب PageV07P264 أربعين ألف درهم ، وأن عمر أصدق صفية عشرة ~~آلاف درهم ، وعن ابن عباس وأنس مثله ، وروى عن الحسن بن على أنه تزوج امرأة ~~فأرسل إليها مائة جارية مع كل جارية ألف درهم . واختلفوا فى مقدار أقل ~~الصداق الذى لا يجوز النكاح بدونه ، فقال مالك : لا أرى أن تنكح المرأة ~~بأقل من ربع دينار وهو ثلاثة دراهم كيلا ، وذلك أدنى ما يجب فيه القطع . ~~وقال الكوفيون : لا يكون المهر أقل من عشرة دراهم كيلا قياسا على ما تقطع ~~فيه اليد عندهم . وقال النخعى : أقله أربعون ردهما . وقال سعيد بن جبير : ~~أقله خمسون درهما . وقال ابن شبرمة : خمسة دراهم . وقالت طائفة : لا حد فى ~~أقل الصداق ، ويجوز بما تراضوا عليه . وروى هذا عن سعيد بن المسيب ، وسالم ~~بن عبد الله ، وعبد الله بن يسار ، والقاسم بن محمد ، وسائر فقهاء التابعين ~~بالمدينة : ربيعة ، وأبى الزناد ، ويحيى بن سعيد ، وابن أبى ذئب ، ومن ~~العراق ابن أبى ليلى ، والحسن البصرى ، وهو قول الثورى ، والليث ، والشافعى ~~، وأحمد ، وإسحاق ، وأبى ثور ، وقال الأوزاعى : كل نكاح وقع بدرهم فما فوقه ~~لا ينقضه قاض . وقال الشافعى : ما كان ثمنا لشىء أو أجرة جاز أن يكون صداقا ~~، واحتجوا بأن الرسول - صلى الله عليه وسلم - أجاز النكاح بخاتم حديد ، ~~وأجاز ابن وهب النكاح بدرهم وبنصف درهم ، وقال الدراوردى لمالك : تعرقت ~~فيها يا أبا عبد الله ، يقول : ذهبت فيها مذهب أهل العراق . PageV07P265 ~~واحتج أصحاب مالك ، والكوفيون بأن البضع عضو مستباح ببدل من المال ، فلابد ~~أن يكون مقدرا ، قياسا على القطع ، واحتجوا بأن الله لما شرط عدم الطول فى ~~نكاح الإماء وأباحه لمن لم يجد طولا ، دل على أن الطول لا يجده كل الناس ، ~~ولو كان الفلس والدانق والقبضة من الشعير ونحوه طولا لما عدمه أحد ، والطول ~~فى معنى الآية المال ، ولا يقع عندهم اسم مال على أقل من ثلاثة دراهم ، ~~فوجب أن يمنع من استباحة الفروج بالشىء التافه . والنواة عند ms2411 أهل اللغة : ~~زنة خمسة دراهم كيلا ، وأظن الذى قال : إن أقل الصداق خمسة دراهم إنما أخذه ~~من حديث النواة ، وهذه غفلة شديدة ؛ لأن زنة النواة ثلاثة مثاقيل ونصف من ~~الذهب ، فكيف يحتج بها من جعل أقل الصداق خمسة دراهم من فضة . * * * # | 30 - باب التزويج على القرآن وبغير صداق # / 43 - فيه : سهل ، إن امرأة ، قالت : يا رسول الله ، إنها قد وهبت نفسها ~~لك ، فر فيها رأيك ، فلم يجبها بشىء ، ففعلت ذلك ثلاثا ، فقام رجل ، فقال : ~~يا رسول الله ، أنكحنيها ، قال : ( هل عندك من شىء ) ؟ قال : لا ، قال : ( ~~اذهب ، فاطلب ولو خاتما من حديد ) ، فذهب فطلب ، ثم جاء ، فقال : ما وجدت ~~شيئا ، ولا خاتما من حديد ، فقال : ( هل معك من القرآن شىء ) ؟ قال : معى ~~سورة كذا ، وسورة كذا ، قال : ( اذهب فقد أنكحتكها بما معك من القرآن ) . ~~PageV07P266 وترجم له : ( باب المهر بالعروض وخاتم من حديد ) . اختلف ~~العلماء فى تأويل هذا الحديث ، فذهب قوم إلى أن النكاح على سورة من القرآن ~~مسماة جائز ، وقالوا : معنى ذلك أن يعلمها تلك السورة ، هذا قول الشافعى . ~~وقال آخرون : لا يكون تعليم القرآن مهرا ، هذا قول مالك ، والليث ، وأبى ~~حنيفة ، وأصحابه ، والمزنى ، إلا أن أبا حنيفة ، قال : إذا تزوج على ذلك ~~فالنكاح جائز ، وهو فى حكم من لم يسم لها مهرا ، فلها مهر مثلها إن دخل بها ~~، وإن لم يدخل بها فلها المتعة . وقال الشافعى : قوله عليه السلام : ( ~~التمس شيئا ) ، أو : ( هل عندك شىء ) ، ثم قال : ( قد زوجتكها بما معك من ~~القرآن ) ، يدل أنه يجوز أن يكون تعليم القرآن وسورة منه مهرا ؛ لأن تعليم ~~القرآن يصح أخذ الأجرة عليه ، فجاز أن يكون صداقا ؛ لأنه التمس الصداق ~~بالإزار وخاتم الحديد ثم بتعليم القرآن . قال : ولا فائدة لذكر القرآن فى ~~الصداق غير ذلك ، واحتج عليه الطحاوى ، فقال : قوله عليه السلام : ( قد ~~زوجتكها بما معك من القرآن ) ، خاص للنبى - صلى الله عليه وسلم - لا يجوز ~~لغيره ، وذلك أن الله أباح لرسوله - صلى الله عليه وسلم - ملك البضع بغير ~~صداق ، ولم يجعل ms2412 ذلك لأحد غيره ؛ لقوله تعالى : { وامرأة مؤمنة إن وهبت ~~نفسها للنبى إن أراد النبى أن يستنكحها خالصة لك من دون المؤمنين } [ ~~الأحزاب : 50 ] ، فكان له عليه السلام مما خصه الله من ذلك أن يملك غيره ما ~~كان له ملكه بغير صداق ، فيكون ذلك خاصا له كما قال الليث : لا يجوز لأحد ~~بعد النبى - صلى الله عليه وسلم - أن يتزوج بالقرآن ، والدليل على صحة ذلك ~~أنها قالت لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - : قد وهبت نفسى لك ، فقام ~~الرجل ، فقال : إن لم يكن لك بها حاجة فزوجنيها ، PageV07P267 ولم يذكر فى ~~الحديث أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - شاورها فى نفسها ، ولا أنها ~~قالت : زوجنى منه ، فدل أنه عليه السلام كان له أن يهبها بالهبة التى جاز ~~له نكاحها . فإن قيل : قد يحتمل أن يكون فى الحديث سؤال من النبى - صلى ~~الله عليه وسلم - أن يزوجها منه ، ولم ينقل فى الحديث . قيل : وكذلك يحتمل ~~أن يكون النبى - صلى الله عليه وسلم - جعل لها مهرا غير السور ، ولم ينقل ~~فى الحديث ، وليس أحد التأويلين أولى من صاحبه ، ويحتمل وجها آخر أن يكون ~~النبى - صلى الله عليه وسلم - زوجها بما معه من القرآن لحرمته ، وعلى وجه ~~التعظيم للقرآن وأهله ، لا على أنه مهر بدليل ما روى فى الحديث من قوله : ( ~~أتقرؤهن عن ظهر قلب ؟ ) ، قال : نعم ، قال : ( قد زوجتكها ) ، فراعى فيه ~~حرمة القرآن ، كما زوج النبى - صلى الله عليه وسلم - أبا طلحة أم سليم على ~~إسلامه ، ولم يكن إسلامه مهرا لها فى الحقيقة ، وإنما معنى تزويجها على ~~إسلامه ، أى أنه تزوجها لإسلامه . قال غيره : ويحتمل أن يريد بقوله : ( ولو ~~خاتما من حديد ) ، تعجيل شىء يقدمه من الصداق ، وإن كان قليلا كقوله : ( ~~بعها ولو بضفير ) ، والدليل على أنه أراد تعجيل شىء من الصداق أنه كان يجوز ~~أن يزوجه على مهر يكون فى ذمته ، وكان من عادتهم أن يقدموا شيئا من الصداق ~~؛ لأنه لم تجر عادتهم فى وقته ، عليه السلام ، فى المهور إلا بالشىء الثقيل ms2413 ~~، وإذا احتمل هذا كله لم يجعل أصلا فى استباحة الفروج بالشىء الحقير الذى ~~لا يعدمه أحد ولا بمهر مجهول . قال الطحاوى : والدليل على أنه لم يتزوجها ~~على أن يعلمها السورة عوضا من بضعها ، أنا رأينا النكاح إذا وقع على مهر ~~مجهول PageV07P268 لم يثبت المهر ، ورد حكم المرأة إلى حكم من لم يسم لها ~~مهر ، فاحتيج المهر أن يكون معلوما كما تكون الأثمان فى البياعات معلومة ، ~~وكما تكون الأجرة فى الإجارات معلومة ، وكان الأصل المجتمع عليه لو أن رجلا ~~استأجر رجلا على أن يعلمه سورة من القرآن سماها بدرهم أن ذلك لا يجوز ، ~~وكذلك إذا استأجره على أن يعلمه شعرا بعينه بدرهم لم يجز ؛ لأن الإجارات لا ~~تجوز إلا على أحد معنيين ، إما على عمل بعينه مثل غسل ثوب بعينه أو خياطته ~~، وإما على وقت معلوم ، لابد أن يكون الوقت معلوما كما يكون العمل معلوما ، ~~وكان إذا استأجره على تعليم سورة ، فتلك إجارة لا على وقت معلوم ولا على ~~عمل معلوم ، وإنما استأجره على أن يعلمه ، وقد يتعلم بقليل التعليم وكثيره ~~، وفى قليل الأوقات وكثيرها ، وكذلك لو باعه داره على أن يعلمه سورة من ~~القرآن لم يجز للمعانى التى ذكرناها فى الإجارات ، وإذا كان التعليم لا ~~تملك به المنافع ولا أعيان الأموال ثبت بالنظر ألا تملك به الأبضاع ، والله ~~الموفق . * * * # | 31 - باب الشروط فى النكاح # وقال عمر : مقاطع الحقوق عند الشروط . وقال المسور : سمعت النبى ، عليه ~~السلام ، وذكر صهرا له ، فأثنى عليه فى مصاهرته ، فأحسن ، قال : حدثنى ، ~~فصدقنى ، ووعدنى فوفانى . / 44 - فيه : عقبة بن عامر ، قال الرسول - صلى ~~الله عليه وسلم - : ( أحق ما أوفيتم من الشروط أن توفوا به ما استحللتم به ~~الفروج ) . PageV07P269 اختلف العلماء فى الرجل يتزوج المرأة ويشرط لها ألا ~~يخرجها من دارها ، ولا يتزوج عليها ولا يتسرى وشبه ذلك من الشروط المباحة . ~~قال ابن المنذر : فقالت طائفة : يلزمه الوفاء بما شرط من ذلك . ذكر عبد ~~الرزاق ، وابن المسيب ، عن عمر بن الخطاب ، أن رجلا شرط لزوجته ألا يخرجها ms2414 ~~، فقال عمر : لها شرطها . وقال : المسلمون على شروطهم عند مقاطع حقوقهم . ~~وقال عمرو بن العاص : أرى أن تفى لها بشرطها . وروى مثله طاوس ، وجابر بن ~~زيد ، وهو قول الأوزاعى ، وأحمد ، وإسحاق ؛ لقول عمر : مقاطع الحقوق عند ~~الشروط ، ولقوله عليه السلام : ( أحق الشروط أن يوفى بها ما استحللتم به ~~الفروج ) ، وحملوا الحديث على الوجوب . وقالت طائفة : لا يلزمه شىء من هذه ~~الشروط . روى ابن وهب ، عن الليث ، عن عمرو ابن الحارث ، عن كثير بن فرقد ، ~~عن ابن السباق ، أن رجلا تزوج امرأة على عهد عمر ، وشرط لها ألا يخرجها من ~~دارها ، فوضع عنه عمر بن الخطاب الشرط ، وقال : المرأة مع زوجها . وعن على ~~بن أبى طالب مثله ، وقال : شرط الله قبل شروطهم ، ولم يره شيئا . وممن هذا ~~مذهبه عطاء ، والشعبى ، وسعيد بن المسيب ، والحسن ، والنخعى ، وابن سيرين ، ~~وربيعة ، وأبو الزناد ، وقتادة ، والزهرى ، وهو قول مالك ، والليث ، ~~والثورى ، وأبى حنيفة ، والشافعى ، وقال عطاء : إذا شرطت أنك لا تنكح ولا ~~تتسرى ولا تذهب ولا تخرج بها ، يبطل الشرط إذا نكحها . وحملوا حديث عقبة ~~على الندب ، واستدلوا على ذلك بقوله عليه السلام فى صهره : ( حدثنى فصدقنى ~~، ووعدنى فوفى لى ) ، PageV07P270 قالوا : وإنما استحق المدح ؛ لأنه وفى له ~~متبرعا ومتطوعا لا فيما لزمه الوفاء به على سبيل الفرض . قال ابن المنذر : ~~وأصح ذلك قول من أبطل الشرط وأثبت النكاح ، لقوله عليه السلام فى قصة بريرة ~~: ( كل شرط ليس فى كتاب الله فهو باطل ، وإن كان مائة شرط ، فأجاز البيع ~~وأبطل الشرط ، فلما أبطل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من الشروط ما ~~ليس فى كتاب الله ، كان من اشترط شروطا خلاف كتاب الله أولى أن تبطل . من ~~ذلك أن الله أباح للرجال أن ينكحوا أربعا ، وأباح للرجل وطء ما ملكت يمينه ~~؛ لقوله : { إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين } [ ~~المؤمنون : 6 ] ، فإذا شرطت عليه الزوجة تحريم ما أحل الله له بطل الشرط ~~وثبت النكاح . ولما كان للمرء إذا عقد نكاح امرأة أن ينقلها ms2415 حيث يصلح أن ~~تنقل إليه مثلها ، ويسافر بها ، كان اشتراطها عليه كارها غير أحكام ~~المسلمين فى أزواجهم ، وذلك غير لازم للزوج ، فأما معنى قوله عليه السلام : ~~( أحق الشروط أن يوفى بها ما استحللتم به الفروج ) ، فيحتمل أن تكون المهور ~~التى أجمع أهل العلم أن على للزوج الوفاء بها ، ويحتمل أن يكون ما شرط على ~~الناكح فى عقد النكاح مما أمر الله به من إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان ، ~~وإذا احتمل الحديث معان كان ما وافق ظاهر كتاب الله وسنن رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - أولى ، وقد أبطل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كل شرط ~~ليس فى كتاب الله ، وهذا أولى معنييه . قال المؤلف : فإن كان فى شىء من هذه ~~الشروط ليس بطلاق أو PageV07P271 عتق وجب عليه ولزمه عند مالك والكوفيين ، ~~وعند كل من يرى الطلاق قبل النكاح بشرط النكاح لازما ، وكذلك العتق ، وهو ~~قول عطاء ، والنخعى ، والجمهور . قال النخعى : كل شرط فى نكاح فالنكاح ~~يهدمه إلا الطلاق ، ولا يلزم شىء من هذه الأيمان عند الشافعى ؛ لأنه لا يرى ~~الطلاق قبل النكاح لازما ولا العتق قبل الملك ، واحتج بقوله : ( كل شرط ليس ~~فى كتاب الله فهو باطل ) ، ومعناه ليس فى حكم الله وحكم رسوله لزوم هذه ~~الشروط لإباحة الله تعالى أربعا من الحرائر وإباحته ما شاء بملك اليمين ، ~~وإباحته أن يخرج بامرأته حيث شاء ، فكل شرط يحظر المباح فهو باطل . * * * # | 32 - باب الشروط التى لا تحل فى النكاح # وقال ابن مسعود : لا تشترط المرأة طلاق أختها . / 45 - فيه : أبو هريرة ، ~~قال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( لا يحل لامرأة تسأل طلاق أختها ؛ ~~لتستفرغ صحفتها ، فإنما لها ما قدر لها ) . قال ابن حبيب : لم يبلغ العلماء ~~بالشروط المكروهة إلى التحريم ، وحملوا قوله عليه السلام : ( لا تسأل ~~المرأة طلاق أختها ) ، على الندب ، لا إن فعل ذلك فاعل يكون النكاح مفسوخا ~~، وإنما هو استحسان من العمل به ، وفضل فى ترك ما كره رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - من ذلك . قال الطحاوى ms2416 : أجاز مالك ، والكوفيون ، والشافعى ، أن ~~يتزوج المرأة PageV07P272 على أن يطلق زوجته ، وقالوا : إن تزوجها على ألف ~~وأن يطلق زوجته ، فعند الكوفيين النكاح جائز ، فإن وفى بما قال فلا شىء ~~عليه غير الألف ، وإن لم يف أكمل لها مهر مثلها . وقال ربيعة ، ومالك ، ~~والثورى : لها ما سمى لها وفى أو لم يف . وقال الشافعى : لها مهر المثل وفى ~~أو لم يف . قال المؤلف : فإن قيل : قوله عليه السلام : ( لا يحل لامرأة ~~تسأل طلاق أختها ) ، على ما ثبت فى هذا الباب يدل أن رواية من روى : ( لا ~~تسأل المرأة طلاق أختها ) ، يراد به التحريم والتحتم ، وليس معناه الندب ~~كما قال ابن حبيب ، وأن الطلاق إذا وقع بذلك غير لازم . قيل له : ليس كما ~~توهمت ، وليس إعلامه عليه السلام لنا تحريم ذلك على المرأة بموجب أن الطلاق ~~إذا وقع غير لازم ، وإنما فيه النهى للمرأة والتغليظ عليها ألا تسأل طلاق ~~أختها ، ولترض بما قسم الله لها ، وليس سؤالها ذلك بزائد فى رزقها شيئا لم ~~يقدر لها . ودل نهيه عليه السلام المرأة عن اشتراطها طلاق أختها أن الطلاق ~~إذا وقع بذلك ماض جائز ، ولئن لم يكن ماضيا لم يكن لنهيه عليه السلام عن ~~ذلك معنى ، وكان اشتراطها ذلك كلا اشتراطها ، وقد تقدم فى كتاب الشروط ، فى ~~باب الشروط فى الطلاق شىء فى هذا المعنى . * * * # | 33 - باب الصفرة للمتزوج # / 46 - فيه : أنس ، أن ابن عوف جاء إلى النبى ، عليه السلام ، وبه صفرة ، ~~PageV07P273 فسأله النبى - صلى الله عليه وسلم - ، فأخبره أنه تزوج امرأة ~~من الأنصار ، قال : ( كم سقت إليها ؟ ) ، قال : وزن نواة من ذهب ، قال رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - : ( أولم ولو بشاة ) . وفى الباب حديث أنس : ~~أولم النبى ، عليه السلام ، بزينب وأوسع المسلمين خبزا . . . الحديث . وليس ~~يتعلق بشىء من الترجمة ، وفى رواية النسفى : فيه باب قال المهلب : اختلف ~~لفظ حديث أنس فى ذكر الصفرة ، فروى : وبه أثر الصفرة . وروى : وبه وضر صفرة ~~. وروى : فرأى النبى - صلى الله عليه وسلم - بشاشة العروس فسأله . وقد روى ms2417 ~~حماد بن سلمة ، عن ثابت البنانى وحميد ، عن أنس ، فقالا فيه : وبه ردع من ~~زعفران ، فعلم أن تلك الصفرة مما التصق بجسمه من الثياب المزعفرة التى ~~تلبسها العروس . قال المهلب : وقيل : إن من كان ينكح فى أول الإسلام كان ~~يلبس ثوبا مصبوغا بصفرة علامة العرس والسرور ، ألا ترى قوله فى هذا الحديث ~~: فرأى النبى - صلى الله عليه وسلم - بشاشة العروس ، ذكره فى باب قوله ~~تعالى : { وآتوا النساء صدقاتهن نحلة } [ النساء : 4 ] ، وقيل : إنما كان ~~يلبسها ليعينه الناس على وليمته ومؤنته ، وقد قال ابن عباس : أحسن الألوان ~~كلها الصفرة ؛ لقوله تعالى : { صفراء فاقع لونها تسر الناظرين } [ البقرة : ~~69 ] ، فقرن السرور بالصفرة ، وكان عليه السلام يحب الصفرة ، ألا ترى قول ~~ابن عمر حين سئل عن صبغه بها ، فقال : إنى رأيت النبى - صلى الله عليه وسلم ~~- يصبغ بالصفرة ، فأنا أصبغ بها وأحبها ، وسيأتى من أحب الصفرة ومن كرهها ~~من العلماء فى كتاب اللباس ، إن شاء الله . PageV07P274 وهذا الحديث يدل أن ~~نهيه عليه السلام الرجال عن المزعفر ليس على وجه التحريم ، وإنما ذلك فى ~~وجه دون وجه . * * * # | 34 - باب كيف يدعى للمتزوج # / 47 - فيه : أنس ، أن النبى ، عليه السلام ، رأى على عبدالرحمن أثر صفرة ~~، قال : ( ما هذا ) ؟ قال : إنى تزوجت امرأة على وزن نواة من ذهب ؟ قال : ( ~~بارك الله لك ، أولم ولو بشاة ) . وإنما أراد بهذا الباب ، والله أعلم ، رد ~~قول العامة عند العروس : بالرفاء والبنين على ما كانت تقول الجاهلية عند ~~ذلك ، وقد روى عن النبى - صلى الله عليه وسلم - أنه نهى أن يقال ذلك ~~للمتزوج من حديث عقيل بن أبى طالب ، ذكره أبو عبيد والطبرى . فأدخل فى هذا ~~الباب دعاء النبى ، عليه السلام ، بالبركة للمتزوج ، وحديث عقيل رواه أشعث ~~، عن الحسن ، عن عقيل بن أبى طالب ، أنه تزوج امرأة من بنى جشم ، فقالوا : ~~بالرفاء والبنين ، فقال : لا تقولوا هكذا ، ولكن قولوا كما قال رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - : ( اللهم بارك لهم وعليهم ) . قال الطبرى : إلا أن ~~الحسن لم يسمع من عقيل ms2418 ، وقد حدث به عن الحسن غير الأشعث ، فلم يرفعه إلى ~~النبى - صلى الله عليه وسلم - . قال الطبرى : والذى أختار من الدعاء ما صحت ~~به الرواية عن النبى ، عليه السلام ، أنه قال : إذا رفأ الرجل بتزويج قال : ~~بارك الله لك وبارك عليك ، ورواه الدراوردى ، عن سهيل ، عن أبيه ، عن أبى ~~هريرة ، عن النبى ، عليه السلام ، وغير محظور الزيادة على ذلك . ~~PageV07P275 * * * # | 35 - باب الدعاء للنسوة اللاتى يهدين العروس وللعروس # / 48 - فيه : عائشة ، تزوجنى النبى - صلى الله عليه وسلم - ، فأتتنى أمى ~~، فأدخلتنى الدار ، فإذا نسوة من الأنصار فى البيت ، فقلن : على الخير ~~والبركة ، وعلى خير طائر . قال المؤلف : قد روى هذا الحديث عن النبى - صلى ~~الله عليه وسلم - من رواية ثور بن يزيد ، عن خالد بن معدان ، عن معاذ بن ~~جبل ، قال : شهد النبى - صلى الله عليه وسلم - إملاك رجل من الأنصار ، فقال ~~: ( على الألفة والخير والطير الميمون والسعة فى الرزق ، بارك الله لكم ) . ~~وروى يونس بن عبد الأعلى ، عن ابن وهب ، قال : دعوت يونس بن يزيد إلى عرسى ~~فسمعته يقول : سمعت ابن شهاب فى عرس لصاحبه يقول : بالجد الأسعد والطائر ~~الأيمن . وزوج ابن عمر بنته سودة من عروة بن الزبير ، فقال : قد زوجتكها ، ~~جمع الله ألفتكما على طاعته وطاعة رسوله . * * * # | 36 - باب من أحب البناء قبل الغزو # / 49 - فيه : أبو هريرة ، قال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( غزا نبى ~~من الأنبياء ، فقال لقومه : لا يتبعنى رجل ملك بضع امرأة ، وهو يريد أن ~~يبنى بها ، ولم يبن بها ) . قال المهلب : تمام الحديث : ( أو رجل بنى دارا ~~ولم يسكنها ) . PageV07P276 وفيه من الفقه : وجوب استثبات البصائر فى الغزو ~~والحض على جمع الكلمة والنيات ؛ لأن الكلمة إذا اجتمعت واختلفت النيات كان ~~ذريعة إلى اختلاف ذات البين ، وقد جعل الله الخذلان فى الاختلاف ، وجعل ~~الاعتصام فى الجماعة ، فقال : { واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا } [ ~~آل عمران : 103 ] ، فلما كان قلب الرجل معلقا بابتنائه بأهله أو ببنيان ~~يخشى فساده قبل تمامه أو يحب الرجوع إليه ولم يوثق بثباته ms2419 عند الحرب فقطعت ~~الذريعة فى ذلك . * * * # | 37 - باب البناء فى السفر # / 50 - فيه : أنس ، أقام النبى - صلى الله عليه وسلم - بين خيبر والمدينة ~~ثلاثا يبنى عليه بصفية بنت حيى ، فدعوت المسلمين إلى وليمته ، فما كان فيها ~~من خبز ولا لحم ، أمر بالأنطاع ، فألقى فيها من التمر والأقط والسمن ، ~~فكانت وليمته ، فقال المسلمون : إحدى أمهات المؤمنين ، أو مما ملكت يمينه ؟ ~~فقالوا : إن حجبها فهى من أمهات المؤمنين ، وإن لم يحجبها فهى مما ملكت ~~يمينه ، فلما ارتحل وطى لها خلفه ، ومد الحجاب بينها وبين الناس . قال ~~المهلب : فيه من الفقه جواز البناء فى السفر كما ترجم . وفيه : جواز بقاء ~~المسافرين على العالم والسلطان اليومين والثلاثة ، PageV07P277 وليس ذلك من ~~الحابس ظلما لهم ولا قطعا بهم عن سفرهم ؛ لأن الثلاثة الأيام سفر وما زاد ~~فهو حضر ، فإن حبس الرئيس جنده أكثر من ثلاثة فى حاجة عرضت له خشى عليه ~~الإثم والحرج . وفيه : أن البقاء مع الثيب عند اليناء بها ثلاثا سنة مؤكدة ~~فى السفر والحضر من أجل حبس النبى ، عليه السلام ، الجيش ثلاثة أيام ليأتى ~~على الناس علم ذلك . وفيه : جواز إبطال الاشتغال لإجابة الدعوة وإقامة سنة ~~النكاح ؛ لأنهم أبطلوا سفرهم لإقامة ابتناء النبى - صلى الله عليه وسلم - ، ~~وكذلك يلزم أهل المتزوج وإخوانه عونه على نكاحه ، وإن قطع ذلك بهم عن بعض ~~أشغالهم ، وفيه الحكم بالدليل . * * * # | 38 - باب البناء بالنهار بغير مركب ولا نيران # / 51 - فيه : عائشة ، تزوجنى النبى ، عليه السلام ، فأتتنى أمى ، ~~فأدخلتنى الدار ، فلم يرعنى إلا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ضحى . ~~السنة فى النكاح الإعلان ، وكلما زاد الإعلان بمركب واجتماع أو نيران فهو ~~أتم ، وإلا فالإعلان كاف فى ذلك ، وقد ذكر فى هذا الحديث اجتماع فى غير هذا ~~الطريق اجتماع نساء الأنصار عند إدخالها بيتها ودعائهن لها بالبركة وعلى ~~خير طائر ، والمراد من اجتماع النساء الإعلان بالنكاح ، وقد يجوز أن يبتنى ~~الرجل بأهله بغير إعلان إذا كان النكاح قبل ذلك معروفا ، قاله المهلب . ~~PageV07P278 * * * # | 39 - باب الأنماط ونحوها للنساء # / 52 - فيه ms2420 : جابر ، قال النبى ، عليه السلام : ( هل اتخذتم أنماطا ) ؟ ~~قلت : يا رسول الله ، وأنى لنا أنماط ، قال : ( إنها ستكون ) . قال المهلب ~~: فيه من علامات النبوة ؛ لأنه عليه السلام أخبر بما يكون فكان . وفيه : ~~جواز اتخاذ شورة البيوت للنساء . وفيه : دليل أن الشورة للمرأة دون الرجل ، ~~وأنها عليها فى المعروف من أمر الناس القديم ؛ لأن النبى ، عليه السلام ، ~~إنما قال ذلك لجابر ؛ لأن أباه ترك سبع بنات ، فقام عليهن جابر وشورهن بعد ~~أبيه وزوجهن . * * * # | 40 - باب النسوة اللاتى يهدين المرأة إلى زوجها ودعائهن بالبركة # / 53 - فيه : عائشة ، أنها زفت امرأة إلى رجل من الأنصار ، فقال النبى - ~~صلى الله عليه وسلم - : ( يا عائشة ، ما كان معكم لهو ؟ فإن الأنصار يعجبهم ~~اللهو ) . اتفق العلماء على جواز اللهو فى وليمة النكاح ، مثل ضرب الدف ~~PageV07P279 وشبهه ما لم يكن محرما ، وخصت الوليمة بذلك ليظهر النكاح ~~وينتشر فتثبت حقوقه وحرمته . قال مالك : لا بأس بالدف والكبر فى الوليمة ؛ ~~لأنى أراه خفيفا ، ولا ينبغى ذلك فى غير العرس ، وقد سئل مالك عن اللهو ~~يكون فيه البوق ، فقال : إن كان كبيرا مشهرا فإنى أكرهه ، وإن كان خفيفا ~~فلا بأس بذلك . قال أصبغ : ولا يجوز الغناء فى العرس ولا فى غيره إلا مثلما ~~فعل نساء الأنصار أو رجز خفيف مثلما كان من جواب الأنصار ، وسأذكر اختلاف ~~العلماء فى اللهو واللعب فى الوليمة فى باب هل يرجع إذا رأى منكرا فى ~~الدعوة بعد هذا ، إن شاء الله . * * * # | 41 - باب الهدية للعروس # / 54 - فيه : أنس ، قال : كان النبى ، عليه السلام ، إذا مر بجنبات أم ~~سليم دخل عليها ، فسلم عليها ، ثم قال : كان النبى - صلى الله عليه وسلم - ~~عروسا بزينب ، فقالت لى أم سليم : لو أهدينا لرسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - هدية ، فقلت لها : افعلى ، فعمدت إلى تمر وسمن وأقط ، فاتخذت حيسة ~~فى برمة ، فأرسلت بها معى إليه ، فانطلقت بها إليه ، فقال لى : ( ضعها ) ، ~~ثم أمرنى ، فقال : ( ادع لى رجالا - سماهم - وادع لى من لقيت ) ، قال : ~~ففعلت الذى أمرنى فرجعت ، فإذا البيت ms2421 غاص بأهله ، فرأيت النبى ، عليه ~~السلام ، وضع يديه على تلك الحيسة ، وتكلم بها ما شاء الله ، ثم جعل يدعو ~~عشرة عشرة يأكلون منه ، ويقول PageV07P280 لهم : ( اذكروا اسم الله ، ~~وليأكل كل واحد مما يليه ) ، قال : حتى تصدعوا كلهم عنها ، فخرج منهم من ~~خرج ، وبقى نفر يتحدثون ، قال : وجعلت أغتم ، ثم خرج النبى - صلى الله عليه ~~وسلم - نحو الحجرات ، وخرجت فى إثره ، فقلت : إنهم قد ذهبوا ، فرجع فدخل ~~البيت ، وأرخى الستر ، وإنى لفى الحجرة ، وهو يقول : { يا أيها الذين آمنوا ~~لا تدخلوا بيوت النبى إلا أن يؤذن لكم إلى طعام } [ الأحزاب : 53 ] الآية . ~~قال المهلب : فيه الهدية للعروس من أجل أنه مشغول بأهله ومانع لها عن تهيئة ~~الطعام واستعماله ، فلذلك استحب أن يهدى لهم طعام من أجل اشتغالهم عنه بأول ~~اللقاء كما كان هذا المعنى فى الجنائز لاشتغالهم بالحزن حتى كان ذلك الطعام ~~يسمى تعزية . وفيه : أن من سنة العروس إذا فضل له طعام أن يدعو له من خف ~~عليه من إخوانه ، فيكون زيادة فى الإعلان بالنكاح وسببا إلى صالح دعاء ~~الآكلين ورجاء البركة بأكلهم . وفيه : من أعلام النبوة ، وهو أكل القوم ~~الكثير من الطعام القليل . وفيه : أنه لا بأس بالصبر على الأذى من الصديق ~~والجار والمعرفة ، والاستحياء منه لاسيما إذا لم يقصد الأذى ، وإنما كان عن ~~جهل أو غفلة ، فهذا أولى أن يستحيى منه لذلك . PageV07P281 * * * # | 42 - باب استعارة الثياب وغيرها للعروس # / 55 - فيه : عائشة ، أنها استعارت من أسماء قلادة ، فهلكت ، فأرسل رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - ناسا من أصحابه فى طلبها ، فأدركتهم الصلاة ، ~~فصلوا بغير وضوء . . . . الحديث . قال المهلب : إنما استدل البخارى ، والله ~~أعلم ، على جواز استعارة الثياب للعروس لاستعارة عائشة القلادة من أسماء ~~لتتزين بها للنبى - صلى الله عليه وسلم - فى سفره ، فكأن استعارة الثياب ~~للعروس لتتزين بها إلى زوجها أولى ، ويحتمل أن تكون عائشة ذلك الوقت قريبة ~~عهد بعرس . وفيه من الفقه : جواز السفر بالعارية وإخراجها إذا أذن فى ذلك ~~صاحبها ، أو يعلم أنه يسمح بمثل هذا . وفيه ms2422 : النهى عن إضاعة المال . وفيه ~~: حبس المسافرين لحاجة تخص الرئيس والعالم . وفيه : استخدام الرئيس والسيد ~~لأصحابه فيما يهمه شأنه ؛ لأن أسيد بن حضير وغيره خرجا فى طلب القلادة . * ~~* * # | 43 - باب ما يقول الرجل إذا أتى أهله # / 56 - فيه : ابن عباس ، قال النبى عليه السلام : ( أما لو أن أحدهم يقول ~~حين يأتى أهله : باسم الله ، اللهم جنبنى الشيطان ، PageV07P282 وجنب ~~الشيطان ما رزقتنا ، ثم قدر بينهما فى ذلك ، أو قضى ولد ، لم يضره شيطان ~~أبدا ) . قال المهلب : فيه أن الدعاء يصرف البلاء ويعتصم به من نزعات ~~الشيطان وأذاه . قال الطبرى : فإذا قال ذلك عند جماع أهله كان قد اتبع سنة ~~النبى - صلى الله عليه وسلم - ، ورجونا له دوام الألفة ، وينبغى أن يفعل ~~ذلك عند إتيانه مملوكته مثل الذى ينبغى أن يفعله عند إتيانه زوجته ، إذ ~~يمكن أن يحدث بينهما ولد . قال المهلب : واختلف العلماء فى هذا الضرر ~~المدفوع بهذا الدعاء من الشيطان ما هو ؟ فقال قوم : إنه الطعن الذى يطعن ~~الشيطان المولود عند الولادة الذى عصم منه عيسى ، عليه السلام ، فطعن ~~شيطانه فى الحجاب لما استعاذت منه أمه . وقيل : هو ألا يصرع ذلك المولود ~~الذى يذكر اسم الله عليه ويستعاذ من الشيطان عند جماع أمه ، وكلا الوجهين ~~جائز ، والله أعلم بالأولى منهما ، ولا يجوز أن يكون الضرر الذى يكفاه من ~~الشيطان كل ما يجوز أن يكون من الشيطان ، فلو عصم أحد من ضرر الشيطان لعصم ~~منه النبى ، عليه السلام ، وقد اعترض عليه فى الصلاة والقراءة . * * * # | 44 - باب الوليمة حق # وقال عبدالرحمن بن عوف : قال لى النبى عليه السلام : ( أولم ولو بشاة ) . ~~PageV07P283 / 57 - فيه : أنس ، أنه كان ابن عشر سنين فقدم النبى ، عليه ~~السلام ، المدينة ، فكان أمهاتى يواظبننى على خدمة النبى ، عليه السلام ، ~~فخدمته عشر سنين ، وتوفى النبى ، عليه السلام ، وأنا ابن عشرين سنة ، فكنت ~~أعلم الناس بشأن الحجاب حين أنزل ، وكان أول ما أنزل فى مبتنى رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - بزينب بنت جحش ، أصبح النبى - صلى الله عليه وسلم - ~~بها ms2423 عروسا ، فدعا القوم فأصابوا من الطعام ، ثم خرجوا . . . . . الحديث . ~~قوله : ( الوليمة حق ) ، يعنى أن الزوج يندب إليها وتجب عليه وجوب سنة ~~وفضيلة ، ولا أعلم أحدا أوجبها فرضا ، وإنما هى على قدر الإمكان والوجود ~~لإعلان النكاح ، وفى حديث أنس فى الباب الذى بعد هذا أنه عليه السلام أولم ~~على زينب بشاة ، وفى حديث آخر عن أنس أنه ، عليه السلام ، أشبع المسلمين ~~خبزا ولحما فى وليمة زينب . وقد روى مالك ، عن يحيى بن سعيد ، أنه قال : ~~لقد بلغنى أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يولم بالوليمة ما فيها ~~خبز ولا لحم ، وهذه الوليمة كانت على صفية بنت حيى فى السفر مرجعه من خيبر ~~، قيل لأنس : فبأى شىء أولم ؟ قال : بسويق وتمر . * * * # | 45 - باب الوليمة ولو بشاة # / 58 - وفيه : أنس ، أن عبدالرحمن بن عوف نزل على سعد بن الربيع ، لما ~~نزل فقال : أقاسمك مالى ، وأنزل لك عن إحدى امرأتى ، قال : بارك الله لك فى ~~أهلك ومالك ، فخرج إلى السوق ، فباع واشترى ، فأصاب شيئا من أقط وسمن ، ~~فتزوج ، فقال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( أولم ولو بشاة ) . ~~PageV07P284 / 59 - وفيه : أنس ، ما أولم النبى - صلى الله عليه وسلم - على ~~شىء من نسائه ما أولم على زينب ، أولم بشاة . / 60 - وفيه : أنس : أن النبى ~~، عليه السلام ، أعتق صفية وتزوجها ، وجعل عتقها صداقها ، وأولم عليها بحيس ~~. / 61 - وفيه : أنس ، بنى النبى - صلى الله عليه وسلم - بامرأة ، فأرسلنى ~~، فدعوت رجالا إلى الطعام . قال المهلب : اختلاف فعل النبى - صلى الله عليه ~~وسلم - فى هذه الولائم المختلفة يدل على ما ذكرناه فى الباب قبل هذا أنها ~~إنما تجب على قدر اليسار والوجود فى الوقت ، وليس قوله لعبد الرحمن : ( ~~أولم ولو بشاة ) منعا لما دون ذلك ، وإنما جعل الشاة غاية فى التقليل لعبد ~~الرحمن ليساره وغناه ، وأنها مما يستطيع عليها ولا يجحفه ، ألا ترى أنه - ~~صلى الله عليه وسلم - أولم على صفية وليمة حيس ليس فيها خبز ولا لحم ، ~~وأولم على غيرها بمدين من شعير ، ولو وجد حينئذ شاة ms2424 لأولم بها ؛ لأنه كان ~~أجود الناس وأكرمهم . وفى حديث عبد الرحمن بن عوف استحباب الذبح فى الولائم ~~لمن وجد ذلك . وفيه أن الوليمة قد تكون بعد البناء ؛ لأن قول النبى - صلى ~~الله عليه وسلم - له : ( أولم ولو بشاة ) ، كان بعد البناء ، وإنما معنى ~~الوليمة إشهار النكاح وإعلانه ، إذ قد تهلك البينة ، قاله ربيعة ، ومالك فى ~~كتاب ابن المواز ، فكيفما وقع الإشهار جاز النكاح . قال ابن وضاح : الحيس ~~التمر ينزع نواه ويخلط بالسويق . PageV07P285 وقول أنس : بعثنى النبى ، ~~عليه السلام ، فدعوت رجالا إلى الطعام ، فيه أن لصاحب الوليمة أن يبعث ~~الرسل فيمن يحضر وليمته ، وإن لم يتول ذلك بنفسه . * * * # | 46 - باب من أولم على بعض نسائه أكثر من بعض # / 62 - فيه : أنس ، ما رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أولم على ~~أحد من نسائه ما أولم على زينب ، أولم بشاة . كل من زاد فى وليمته فهو أفضل ~~؛ لأن ذلك زيادة فى الإعلان واستزادة من الدعاء بالبركة فى الأهل ، والمال ~~، وليس فى الزيادة فى الوليمة سرف لمن وجد ، وإنما السرف لمن استأصل ماله ~~وأجحف بأكثره ، وهذا معنى السرف فى كل حال مثل الطيب من الطعام والثياب ~~للجمعة والأعياد وشبه ذلك . * * * # | 47 - باب من أولم بأقل من شاة # / 63 - فيه : صفية بنت شيبة ، أولم النبى - صلى الله عليه وسلم - على بعض ~~نسائه بمدين من شعير . قد تقدم قبل هذا أن الوليمة إنما تجب على قدر الوجود ~~واليسار ، وليس فيها حد لا يجوز الاقتصار على دونه ، وهذا يدل على أنها ~~ليست بفرض ؛ لأن الفروض من الله ورسوله مقدرة مبينة . وفيه : إجابة الدعوة ~~إلى الوليمة وإن كان المدعو إليه قليلا حقيرا . PageV07P286 * * * # | 48 - باب حق إجابة الوليمة والدعوة # ومن أولم سبعة أيام ونحوه ، ولم يوقت النبى - صلى الله عليه وسلم - يوما ~~ولا يومين / 64 - فيه : ابن عمر ، قال الرسول ، عليه السلام : ( إذا دعى ~~أحدكم إلى الوليمة ، فليأتها ) . / 65 - وفيه : أبو موسى ، قال ، عليه ~~السلام : ( فكوا العانى ، وأجيبوا الداعى ، وعودوا المريض ) . / 66 - وفيه ~~: البراء ، أمرنا النبى - صلى ms2425 الله عليه وسلم - بسبع ، ونهانا عن سبع ، ~~منها إجابة الداعى . . . الحديث . / 67 - وفيه : سهل ، دعا أبو أسيد النبى ~~- صلى الله عليه وسلم - فى عرسه ، وكانت امرأته يومئذ خادمهم ، وهى العروس ~~، أنقعت له تمرات من الليل ، فلما أكل سقته إياه . اتفق العلماء على وجوب ~~إجابة الوليمة ، واختلفوا فى غيرها من الدعوات ، فقال مالك ، والثورى ، ~~وأبو حنيفة ، وأصحابه : يجب إتيان وليمة العرس ، ولا يجب إتيان غيرها من ~~الدعوات . وقال الشافعى : إتيان وليمة العرس واجبة ، ولا أرخص فى ترك غيرها ~~مثل النفاس والختان وحادث سرور ، من تركها ليس بعاص كالوليمة . وقال أهل ~~الظاهر : إجابة كل دعوة فيها طعام واجب ، واحتجوا بحديث أبى موسى ، وحديث ~~البراء ، أن النبى ، عليه السلام ، قال : ( أجيبوا الداعى ) ، وقالوا : هذا ~~عام فى كل دعوة ، وتأول مالك والكوفيون قوله ، عليه السلام : ( أجيبوا ~~الداعى ) ، يعنى فى العرس خاصة ، بدليل حديث ابن عمر ، أن النبى - صلى الله ~~عليه وسلم - قال : ( إذا دعى أحدكم إلى الوليمة PageV07P287 فليأتها ) ، ~~قالوا : وحديث ابن عمر مفسر فيه بيان وتفسير ما أجمل ، عليه السلام ، فى ~~قوله : ( أجيبوا الداعى ) ، والمفسر يقضى على المجمل . قال ابن حبيب : وقد ~~استحبت الوليمة أكثر من يوم ، وأولم ابن سيرين ثمانية أيام ، ودعى فى بعضها ~~أبى بن كعب ، وكره قوم ذلك أياما ، وقالوا : اليوم الثانى فضل ، والثالث ~~سمعة . وأجاب الحسن رجلا دعاه فى اليوم الثانى ، ثم دعاه فى الثالث فلم ~~يجبه ، وفعله ابن المسيب ، وقال ابن مسعود : نهينا أن نجيب من يرائى بطعامه ~~. وقول من أباحها بغير توقيت أولى ؛ لقول البخارى ، رحمه الله : ولم يوقت ~~النبى - صلى الله عليه وسلم - يوما ولا يومين ، وذلك يقتضى الإطلاق ومنع ~~التحديد إلا بحجة يجب التسليم لها ، ولم يرخص العلماء للصائم فى التخلف عن ~~إجابة الوليمة . وقال الشافعى : إذا كان المجيب مفطرا أكل وإن كان صائما ~~دعا . واحتج بحديث ابن سيرين ، عن أبى هريرة ، أن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - قال : ( إذا دعى أحدكم إلى وليمة فليجب ، فإن كان مفطرا فليطعم ~~، وإن كان صائما فليصل ) ، يعنى فليدع ms2426 . وفعله ابن عمر ومد يده ، وقال : ~~بسم الله كلوا ، فلما مد القوم أيديهم ، قال : كلوا فإنى صائم . وقال قوم : ~~ترك الأكل مباح وإن لم يصم إذا أجاب الدعوة ، وقد أجاب على بن أبى طالب ~~فدعا ولم يأكل . وقال مالك فى كتاب ابن المواز : أرى أن يجيب فى العرس وحده ~~إن لم يأكل أو كان صائما . والحجة له حديث سفيان ، عن أبى الزبير ، عن جابر ~~، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( إذا دعى أحدكم فليجب ، ~~فإن شاء طعم وإن شاء ترك ) . PageV07P288 * * * # | 49 - باب من ترك الدعوة فقد عصى الله ورسوله # / 68 - فيه : أبو هريرة ، قال : شر الطعام طعام الوليمة ، يدعى لها ~~الأغنياء ، ويترك الفقراء ، ومن ترك الدعوة ، فقد عصى الله ورسوله - صلى ~~الله عليه وسلم - . هذا الحديث موقوف على أبى هريرة ، إلا أن قوله : ( عصى ~~الله ورسوله ) ، يقضى برفعه ، وقد أخرجه أهل التصنيف فى المسند كما أخرجوا ~~حديث ابن شهاب ، عن حميد بن عبد الرحمن ، عن أبى هريرة ، أنه قال : ( لولا ~~أن أشق على أمتى لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة ) ، وحديث أبى الشعثاء ، عن ~~أبى هريرة ، أنه رأى رجلا خارجا من المسجد بعد الأذان ، فقال : ( أما هذا ~~فقد عصى أبا القاسم ) ، ومثل هذا لا يكون رأيا ، وإنما يكون توقيفا . وهذا ~~الحديث حجة فى وجوب إجابة دعوة الوليمة ، ولا خلاف فى ذلك بين الصحابة ~~والتابعين إلا ما روى عن ابن مسعود أنه قال : نهينا أن نجيب من يدعو ~~الأغنياء ويترك الفقراء ، وقد دعا ابن عمر فى دعوته الأغنياء والفقراء ، ~~فجاءت قريش والمساكين معهم ، فقال ابن عمر للمساكين : هاهنا اجلسوا لا ~~تفسدوا عليهم شأنهم ، فإنا سنطعمكم مما يأكلون . قال ابن حبيب : ومن فارق ~~السنة فى وليمة فلا دعوة له ولا معصية فى ترك إجابته ، وقد حدثنى المغيرة ~~أنه سمع سفيان الثورى يقول : إنما تفسير إجابة الدعوة إذا دعاك من لا يفسد ~~عليك دينك وقلبك . وحدثنى على بن معبد ، عن بقية بن الوليد ، عن محمد بن ~~عبد الرحمن ، عن شقيق بن سلمة ms2427 ، عن ابن مسعود ، قال : إذا اتخذت النجد وخص ~~الغنى وترك الفقير أمرنا ألا نجيب . وحدثنى المغيرة ، عن PageV07P289 ~~الثورى ، عن الأعمش ، عن أبى صالح ، عن أبى هريرة ، أنه كان يقول : أنتم ~~العاصون فى الدعوة تدعون من لا يأتى وتدعون من يأتيكم ، يعنى بمن لا يأتى ~~الأغنياء ، ومن يأتيهم الفقراء . وليس يحرم الطعام بدعوة الأغنياء وترك ~~الفقراء ، وإنما المحرم فعل صاحب الطعام فيه إذا تعمد ذلك ، والله أعلم . * ~~* * # | 50 - باب من أجاب إلى كراع # / 69 - فيه : أبو هريرة ، قال النبى ، عليه السلام : ( لو دعيت إلى كراع ~~لأجبت ، ولو أهدى إلى كراع لقبلت ) . قال المهلب : معناه التواضع وترك ~~التكبر والاستئلاف بقبول اليسير والإجابة إليه ؛ لأن الهدية تؤكد المحبة ، ~~وكذلك الدعوة إلى الطعام لا تبعث إلى ذلك إلا صحت محبة الداعى وسروره بأكل ~~المدعو إليه من طعامه والتحبب إليه بالمؤاكلة وتوكيد الذمام معه بها ، ~~فلذلك حض النبى - صلى الله عليه وسلم - على قبول التافه من الهدية ، وإجابة ~~النذر من الطعام . * * * # | 51 - باب إجابة الداعى فى العرس وغيره # / 70 - فيه : ابن عمر ، قال النبى ، عليه السلام : ( أجيبوا هذه الدعوة ~~إذا دعيتم لها ) . وكان عبدالله يأتى الدعوة فى العرس ، وغير العرس وهو ~~صائم . هذا الحديث حجة لمن أوجب إجابة الوليمة وغيرها فرضا ، PageV07P290 ~~وقد تقدم أن إجابة الدعوة فى غير العرس عند مالك والكوفيين مندوب إليها ، ~~وروى ابن وهب ، عن مالك أنه سئل عن الرجل يحضر الصنيع فيه اللهو ، قال : ما ~~يعجبنى للرجل ذى الهيبة أن يجيب الدعوات ؛ لأن فى ذلك بذلة ومخالطة لمن لا ~~يشاكله . وسئل عن الدعوة فى الختان ، فقال : ليس تلك من الدعوات ، وإن أجاب ~~فلا بأس . * * * # | 52 - باب ذهاب النساء والصبيان إلى العرس # / 71 - فيه : أنس ، أبصر النبى - صلى الله عليه وسلم - نساء وصبيانا ~~مقبلين من عرس ، فقام ممتنا ، فقال : ( اللهم أنتم من أحب الناس إلى ) . ~~قال المهلب : فيه استحسان شهود النساء والصبيان للأعراس ؛ لأنها شهادة لهم ~~عليها ، ومبالغة فى الإعلان بالنكاح . وقال أبو الحسن بن القابسى : قوله : ~~ممتنا ، يعنى متفضلا عليهم بذلك ms2428 ؛ لأن الأنصار أحب الناس إليه ، فقال أنس : ~~هو عليه السلام ممتن علينا بمحبته وتخصيصه . * * * # | 53 - باب هل يرجع إذا رأى منكرا فى الدعوة # ورأى ابن مسعود صورة فى البيت فرجع ، ودعا ابن عمر أبا أيوب ، فرأى فى ~~البيت سترا على الجدار ، فقال ابن عمر : غلبنا عليه النساء ، فقال : من كنت ~~أخشى عليه ، فلم أكن أخشى عليك والله لا أطعم لكم طعاما ، فرجع . ~~PageV07P291 / 72 - فيه : عائشة ، أنها اشترت نمرقة فيها تصاوير ، فلما ~~رآها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قام على الباب ، فلم يدخل ، فعرفت ~~فى وجهه الكراهية ، فقلت : يا رسول الله ، أتوب إلى الله وإلى رسوله ، ماذا ~~أذنبت ؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( ما بال هذه النمرقة ) ؟ ~~قلت : اشتريتها لك ؛ لتقعد عليها وتوسدها ، فقال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - : ( إن أصحاب هذه الصور يعذبون يوم القيامة ، ويقال : لهم أحيوا ما ~~خلقتم ) ، وقال : ( إن البيت الذى فيه الصور لا تدخله الملائكة ) . قال ~~المؤلف : هذه الأحاديث تدل على أنه لا يجوز الدخول فى الدعوة يكون فيها ~~منكر مما نهى الله عنه ورسوله ، وما كان مثله من المناكير ، ألا ترى أنه ~~عليه السلام رجع من بيت عائشة حين رأى النمرقة بالتصاوير ، وقد جاء الوعيد ~~فى المصورين أنهم أشد الناس عذابا يوم القيامة ، وأنه يقال لهم : أحيوا ما ~~خلقتم . فلا ينبغى حضور المنكر والمعاصى ولا مجالسة أهلها عليها ؛ لأن ذلك ~~إظهار للرضا بها ، ومن كثر سواد قوم فهو منهم ، ولا يأمن فاعل ذلك حلول سخط ~~الله وعقابه عليهم وشمول لعنته لجميعهم ، وقد روى ابن وهب ، عن مالك ، أنه ~~سئل عن الرجل يدعى إلى الوليمة وفيها شراب أيجيب الدعوة ؟ قال : لا ؛ لأنه ~~أظهر المنكر . وقال الشافعى : إذا كان فى الوليمة خمر أو منكر وما أشبهه من ~~المعاصى الظاهرة نهاهم ، فإن نحوه وإلا رجع ، وإن علم أن ذلك عندهم لم أحب ~~له أن يجيب . PageV07P292 واختلفوا فى اللهو واللعب يكون فى الوليمة ، فقال ~~الليث : إذا كان فى الوليمة الضرب بالعود واللهو ، فلا ينبغى أن ms2429 يشهدها . ~~قال ابن القاسم : وإن كان فيها لهو كالمزامير والعود فلا يدخل . وذكر ابن ~~المواز ، عن مالك ، قال : إذا رأى أحدا من اللاعبين فليخرج ، مثل أن يجعل ~~ضاربا على جبهته أو يمشى على حبل . فقال ابن وهب ، عن مالك : لا أحب لذى ~~الهيبة أن يحضر اللعب ، قيل له : فالكبر والمزمار وغيره من اللهو ينبا لك ~~سماعه وتجد لذته وأنت فى طريق أو مجلس ؟ قال : فليقم عن ذلك المجلس . وقد ~~رجع ابن مسعود من لهو سمعه فى وليمة ، وقال : قال النبى - صلى الله عليه ~~وسلم - : ( من كثر سواد قوم فهو منهم ) ، وقد مر ابن عمر براع يزمر ، فجعل ~~أصبعيه فى أذنيه ومشى ، وجعل يقول لنافع : أتسمع شيئا ؟ قال : لا ، فنحى ~~يديه ثم قال : كنت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فسمع زمارة راع ، ~~ففعل مثل ما فعلت . وقال أبو حنيفة : إذا حضر الوليمة فوجد فيها اللعب ، ~~فلا بأس أن يقعد ويأكل . وروى أن الحسن وابن سيرين كانا فى جنازة وهناك نوح ~~، فانصرف ابن سيرين ، فقيل ذلك للحسن ، فقال : إن كنا ما رأينا باطلا تركنا ~~حقا ، أسرع ذلك فى ديننا . واحتج الكوفيون فى إجازة حضور اللعب بأن النبى ، ~~عليه السلام ، قد رأى لعب الحبشة ووقف له وأراه عائشة ، وضرب عنده فى العيد ~~بالدف والغناء ، فلم يمنع من ذلك ، وحجة من كرهه أن النبى - صلى الله عليه ~~وسلم - لما لم يدخل البيت الذى فيه الصورة التى نهى عنها فكذلك كل ما كان ~~مثلها من المناكير . PageV07P293 * * * # | 54 - باب قيام المرأة على الرجال فى العرس وخدمتهم بالنفس # / 73 - فيه : سهل ، لما عرس أبو أسيد الساعدى ، دعا النبى - صلى الله ~~عليه وسلم - وأصحابه ، فما صنع لهم طعاما ولا قربه إليهم ، إلا امرأته أم ~~أسيد ، بلت تمرات فى تور من حجارة من الليل ، فلما فرغ النبى - صلى الله ~~عليه وسلم - من الطعام ، أماثته له فسقته ، تتحفه بذلك . فيه : خدمة العروس ~~زوجها وأصحابه فى عرسها . وفيه : أنه لا بأس أن يعرض الرجل أهله على صالح ~~إخوانه ويستخدمهن ms2430 لهم . وفيه : شرب الشراب الذى لا يسكر فى العرس ، وأن ذلك ~~من الأمر المعروف القديم . وترجم له باب النقيع والشراب الذى لا يسكر فى ~~العرس . وفى كتاب العين : مثت الملح فى الماء ميثا : أذابته ، وقد انماث . ~~* * * # | 55 - باب المداراة مع النساء # وقول النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( إنما المرأة كالضلع ) . / 74 - ~~فيه : أبو هريرة ، قال النبى ، عليه السلام : ( المرأة كالضلع ، إن أقمتها ~~كسرتها ، وإن استمتعت بها استمتعت بها ، وفيها عوج ) . قال المهلب : ~~المداراة أصل الألفة واستمالة النفوس من أجل ما جبل الله PageV07P294 عليه ~~خلقه وطبعهم من اختلاف الأخلاق ، وقد قال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( ~~مداراة الناس صدقة ) ، وعرفنا فى هذا الحديث أن سياسة النساء بأخذ العفو ~~منهن والصبر على عوجهن ، وأن من رام إقامة ميلهن عن الحق ، فأراد تقويمهن ~~عدم الانتفاع بهن وصحبتهن لقوله عليه السلام : ( إن أقمتها كسرتها ) ، ولا ~~غنى بالإنسان عن امرأة يسكن إليها ويستعين بها على معايشه ودنياه ، فلذلك ~~قال عليه السلام : ( إن الاستمتاع بالمرأة لا يكون إلا بالصبر على عوجها ) ~~. * * * # | 56 - باب الوصاة بالنساء # / 75 - فيه : أبو هريرة ، قال النبى ، عليه السلام : ( من كان يؤمن بالله ~~واليوم الآخر فلا يؤذى جاره ، واستوصوا بالنساء خيرا ، فإنهن خلقن من ضلع ، ~~وإن أعوج شىء فى الضلع أعلاه ، فإن ذهبت تقيمه كسرته ، وإن تركته لم يزل ~~أعوج ، فاستوصوا بالنساء خيرا ) . / 76 - وفيه : ابن عمر ، كنا نتقى الكلام ~~والانبساط إلى نسائنا على عهد النبى - صلى الله عليه وسلم - هيبة أن ينزل ~~فينا شىء ، فلما توفى النبى - صلى الله عليه وسلم - تكلمنا وانبسطنا . قال ~~المهلب : الوصاة بالنساء يدل على أنه لا يستطاع تقويمهن على ما سلف فى ~~الحديث قبل هذا الباب ، وإنما هو تنبيه منه عليه السلام وإعلام بترك ~~الاشتغال بما لا يستطاع ، والتأنيس بالأجر بالصبر على ما يكره ، وفى هذا ~~الحديث أنه يجب أن تتقى عاقبة الكلام الجافى والمقاومة ، والبلوغ إلى ما ~~تدعو النفس إليه من ذلك إذا خشى سوء عاقبته ، وإن لم يخش ذلك فله أن يبلغ ~~غاية ما ms2431 يريد مما يحل له الكلام فيه . PageV07P295 * * * # | 57 - باب قوله تعالى : { قوا أنفسكم وأهليكم نارا } [ التحريم : 6 ] # / 77 - فيه : ابن عمر ، قال النبى ، عليه السلام : ( كلكم راع وكلكم ~~مسئول عن رعيته ، والإمام راع وهو مسئول ، والرجل راع على أهله وهو مسئول ، ~~والمرأة راعية على بيت زوجها وهى مسئولة ، والعبد راع على مال سيده وهو ~~مسئول عنه ، ألا فكلكم راع وكلكم مسئول ) . قال المهلب : هذا الحديث مفسر ~~للآية التى ترجم بها ؛ لأنه أخبر عليه السلام أن الرجل مسئول عن أهله ، ~~وإذا كان كذلك فواجب عليه أن يعلمهم ما يقيهم به النار . قال زيد بن أسلم : ~~لما نزلت هذه الآية : { يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا } [ ~~التحريم : 6 ] ، قالوا : يا رسول الله ، هذا وقينا أنفسنا ، فكيف بأهلينا ؟ ~~قال : ( تأمرونهم بطاعة الله وتنهوهم عن معاصى الله ) ، وذكر ذلك عن على . ~~* * * # | 58 - باب حسن المعاشرة مع الأهل # / 78 - فيه : عائشة ، قالت : جلس إحدى عشرة امرأة فتعاهدن وتعاقدن أن لا ~~يكتمن من أخبار أزواجهن شيئا ، قالت الأولى : زوجى لحم جمل غث على رأس جبل ~~، لا سهل فيرتقى ، ولا سمين فينتقل ، قالت الثانية : زوجى لا أبث خبره ، ~~إنى أخاف أن لا أذره ، إن أذكره أذكر عجره وبجره ، PageV07P296 قالت ~~الثالثة : زوجى العشنق ، إن أنطق أطلق ، وإن أسكت أعلق ، قالت الرابعة : ~~زوجى كليل تهامة ، لا حر ، ولا قر ، ولا مخافة ، ولا سآمة ، قالت الخامسة : ~~زوجى إن دخل فهد ، وإن خرج أسد ، ولا يسأل عما عهد ، قالت السادسة : زوجى ~~إن أكل لف ، وإن شرب اشتف ، وإن اضطجع التف ، ولا يولج الكف ؛ ليعلم البث ، ~~قالت السابعة : زوجى غياياء - أو عياياء - طباقاء ، كل داء له داء ، شجك أو ~~فلك ، أو جمع كلا لك ، قالت الثامنة : زوجى المس مس أرنب ، والريح ريح زرنب ~~، قالت التاسعة : زوجى رفيع العماد ، طويل النجاد ، عظيم الرماد ، قريب ~~البيت من الناد . قالت العاشرة : زوجى مالك ، وما مالك ؟ مالك خير من ذلك ، ~~له إبل كثيرات المبارك ، قليلات المسارح ، وإذا سمعن صوت المزهر ، أيقن ~~أنهن هوالك ، قالت الحادية ms2432 عشرة : زوجى أبو زرع ، وما أبو زرع ؟ أناس من ~~حلى أذنى ، وملأ من شحم عضدى ، وبجحنى فبجحت إلى نفسى ، وجدنى فى أهل غنيمة ~~بشق ، فجعلنى فى أهل صهيل وأطيط ، ودائس ومنق ، فعنده أقول فلا أقبح ، ~~وأرقد فأتصبح ، وأشرب فأتقمح ، أم أبى زرع ، فما أم أبى زرع ؟ عكومها رداح ~~، وبيتها فساح ، ابن أبى زرع ، فما ابن أبى زرع ؟ مضجعه كمسل شطبة ، ويشبعه ~~ذراع الجفرة ، بنت أبى زرع ، فما بنت أبى زرع ؟ طوع أبيها ، وطوع أمها ، ~~وملء كسائها ، وغيظ جارتها ، جارية أبى زرع ، فما جارية أبى زرع ؟ لا تبث ~~حديثنا تبثيثا ، ولا تنقث ميرتنا تنقيثا ، ولا تملأ بيتنا تعشيشا . ~~PageV07P297 قالت : خرج أبو زرع والأوطاب تمخض ، فلقى امرأة معها ولدان لها ~~كالفهدين ، يلعبان من تحت خصرها برمانتين ، فطلقنى ونكحها ، فنكحت بعده ~~رجلا سريا ، ركب شريا ، وأخذ خطيا ، وأراح على نعما ثريا ، وأعطانى من كل ~~رائحة زوجا ، وقال : كلى أم زرع ، وميرى أهلك ، قالت : فلو جمعت كل شىء ~~أعطانيه ، ما بلغ أصغر آنية أبى زرع ، قالت عائشة : قال لى رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - : ( كنت لك كأبى زرع لأم زرع ) . / 79 - وفيه : عائشة ، ~~كان الحبش يلعبون بحرابهم ، فسترنى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأنا ~~أنظر ، فما زلت أنظر حتى كنت أنا أنصرف ، فاقدروا قدر الجارية الحديثة السن ~~، تسمع اللهو . قال المهلب : فيه جواز نقل الأخبار عن حسن المعاشرة وضرب ~~الأمثال بها ، والتأسى بأهل الإحسان من كل أمة ، ألا ترى أن أم زرع أخبرت ~~عن أبى زرع بحسن عشرته ، فتمثله النبى ، عليه السلام . وفيه : جواز تذكير ~~الرجل امرأته بإحسانه إليها ؛ لأنه لما جاز من النساء كفران العشير ، جاز ~~تذكيرهن بالإحسان ، وفيه فى قصة الحبشة أن تفسير حسن المعاشرة هو الموافقة ~~والمساعدة على الإرادة غير المحرمة ، والصبر على أخلاق النساء والصبيان فى ~~غير المحرم من اللهو ، وإن كان الصابر كارها لما يحبه أهله . PageV07P298 ~~وقال أبو عبيد : سمعت أهل العلم يقولون فى تفسير هذا الحديث : قول الأولى : ~~لحم جمل غث ، تعنى المهزول . وقال أبو سعيد ms2433 النيسابورى : ليس شىء من الغثات ~~من الأزواج الثمانية هو أخبث غثاثة من الجمل ؛ لأنه يجمع خبث طعم وخبث ريح ~~. قال أبو عبيد : على رأس جبل ، تصف قلة خيره وبعده مع القلة كالشىء فى قمة ~~الجبل الصعب لا ينال إلا بالمشقة ، لقولها : لا سهل فيرتقى ، تعنى الجبل ، ~~ولا سمين فينتقى ، تعنى اللحم ، ومن روى : فينتقل ، تريد ليس بسمين فينقله ~~الناس إلى بيوتهم فيأكلونه . وقول الثانية : زوجى لا أبث خبره ، إنى أخاف ~~ألا أذره ، إن أذكره أذكر عجزه وبجره ، فالعجر أن ينعقد العصب أو العروق ~~حتى تراها ناتئة من الجسد ، والبجر نحوها ، إلا أنها فى البطن خاصة ، ~~واحدها بجرة ، ومنه قيل : رجل أبجر ، إذا كان عظيم البطن ، وامرأة بجراء ، ~~يقال : لفلان بجرة ، إذا كان ناتئ السرة عظيمها . وقال أبو سعيد النيسابورى ~~: لم يأت أبو عبيد بالمعنى ، وإنما عنت أن زوجها كثير العيوب فى أخلاقه ، ~~منعقد النفس عن المكارم . قال المؤلف : وفيه تفسير آخر . قال ثعلب فى العجر ~~والبجر : ومنه قول على يوم الجمل : إلى الله أشكو عجرى وبجرى ، أى همومى ~~وأحزانى . وقول الثالثة : زوجى العشنق ، العشنق الطويل ، قاله الأصمعى ، ~~تقول : ليس عنده أكثر من طوله بلا نفع ، فإن ذكرت ما فيه من العيوب طلقنى ، ~~وإن سكت تركنى معلقة لا أيم ولا ذات بعل ، ومنه قوله تعالى : { فتذروها ~~كالمعلقة } [ النساء : 129 ] . وقال أبو سعيد : PageV07P299 الصحيح غير ما ~~ذكر أبو عبيد ، العشنق من الرجال الطويل النجيب الذى ليس أمره إلى امرأته ، ~~وأمرها إليه ، فهو يحكم فيها بما شاء وهى تخافه . وقول الرابعة : زوجى كليل ~~تهامة ، لا حر ولا قر ، ولا مخافة ولا سآمة ، تقول : ليس عنده أذى ولا ~~مكروه ، وتهامة اسم مكة ، الحر فيها بالنهار شديد وليلها معتدل بين الحر ~~والبرد ، ولذلك خصته بهذا المثل ؛ لأن الحر والبرد كلاهما فيه أذى إذا اشتد ~~ولا مخافة ، تقول : ليس عنده غائلة ولا شر أخافه ولا سآمة ، تقول : لا ~~يسأمنى فيمل صحبتى . وقول الخامسة : زوجى إن أكل لف ، فإن اللف فى المطعم ~~الإكثار منه مع التخليط من ms2434 صنوفه حتى لا يبقى منه شىء ، والاشتفاف فى ~~المشرب أن يستقصى ما فى الإناء ولا يسؤر فيه سؤرا ، وإنما أخذ من الشفافة ~~وهى البقية تبقى فى الإناء من الشراب ، وقولها : ولا يولج الكف ليعلم البث ~~، فأحسبه كان بجسدها عيب أو داء تكتئب له ، والبث هو الحزن ، فكان لا يدخل ~~يده فى ثوبها ليمس ذلك العيب فيشق عليها ، تصفه بالكرم . وقول السادسة : ~~زوجى غياياء ، أو عياياء ، فأما غياياء بالغين ، فليس بشىء ، إنما هو ~~بالعين ، والعياياء من الإبل ، الذى PageV07P300 لا يضرب ولا يلقح ، وكذلك ~~هو فى الرجال ، والطباقاء الغبى الأحمق الفدم . قال أبو على : وحكى بعضهم ~~فى تفسير الطباقاء من الرجال ، الثقيل الصدر الذى يطبق صدره على صدر المرأة ~~عند المباضعة . وقال يعقوب : هو الذى لا يتجه لشىء . وفسره الخليل بأنه ~~الغبى الأحمق ، وقولها : كل داء له داء ، أى كل شىء من أدواء الناس فهو فيه ~~ومن أدوائه . وقول السابعة : زوجى إذا دخل فهد ، فإنها تصفه بكثرة النوم ~~والغفلة فى منزله على وجه المدح له ، وذلك أن الفهد كثير النوم ، يقال : ~~أنوم من فهد ، والذى أرادت أنه ليس يتفقد ما ذهب من ماله ، ولا يلتفت إلى ~~معايب البيت ، وما فيه كأنه ساه عن ذلك ، ومما يبينه قولها : ولا يسأل عما ~~عهد ، تعنى عما كان عندى قبل ذلك . وقولها : إن خرج أسد ، تصفه بالشجاعة فى ~~الحروب ، يقال : أسد الرجل واستأسد بمعنى . وقول الثامنة : زوجى المس مس ~~أرنب ، فإنها تصفه بحسن الخلق ، ولين الجانب كمس الأرنب إذا وضعت يدك على ~~ظهرها . وقولها : والريح ريح زرنب ، فإن فيه معنيين ، قد تكون تريد طيب ريح ~~جسده ، ويمكن أن تريد طيب الثناء فى الناس وانتشاره فيهم كريح الزرنب ، وهو ~~نوع من أنواع الطيب معروف . وقول التاسعة : زوجى رفيع العماد ، فإنها تصفه ~~بالشرف وسناء PageV07P301 الذكر ، وأصل العماد عماد البيت وجمعها عمد ، وهى ~~العيدان التى تعمد بها البيوت ، وإنما هذا مثل تعنى أن بيته فى حسبه رفيع ~~فى قومه . وقولها : طويل النجاد ، فإنها تصفه بامتداد القامة ، والنجاد ~~حمائل السيف ms2435 ، فهو يحتاج إلى قدر ذلك من طوله ، وهذا مما يمتدح به الشعراء ~~. وقولها : عظيم الرماد ، فإنها تصفه بالجود وكثرة الضيافة من لحم الإبل ~~وغيرها ، فإذا فعل ذلك عظمت ناره وكثر وقودها ، فيكون الرماد كثيرا . ~~وقولها : قريب البيت من النادى ، تعنى أنه ينزل بين ظهرانى الناس ليعلموا ~~مكانه ، فينزل به الأضياف ، ولا يستبعد منهم ولا يتوارى فرارا من نزول ~~الأضياف والنوائب . وقول العاشرة : زوجى مالك ، وما مالك ، مالك خير من ذلك ~~، له إبل قليلات المسارح ، كثيرات المبارك ، تقول : إنه لا يوجههن ليسرحن ~~نهارا إلا قليلا ، ولكنهن يبركن بفنائه ، فإن نزل به ضيف لم تكن الإبل ~~غائبة عنه ، ولكنها بحضرته فيقريه من ألبانها ولحومها . وقولها : إذا سمعن ~~صوت المزهر أيقن أنهن هوالك ، فالمزهر العود الذى يضرب به ، فأرادت المرأة ~~أن زوجها قد عود إبله إذا نزل به الضيف أن ينحر لهم ويسقيهم الشراب ويأتيهم ~~بالمعازف ، فإذا سمعت الإبل ذلك الصوت أيقن أنهن منحورات . قال أبو سعيد : ~~إن كن لا يسرحن إلا قليلا من النهار ثم تحبس فى المبارك سائر النهار ، فهى ~~هالكة هزالا ، وإن كن يسرحن بالليل فقد ضاع أضياف الليل ، والتفسير أن ~~مسارحها قليلة لقلة الإبل ، وكثرت مباركها بالفناء لكثرة ما تثار فتحلب ثم ~~تترك ، فالقليلة إذا فعل بها هذا كثرت مباركها . وقوله : المزهر العود فنحن ~~ننكره ؛ لأن العرب PageV07P302 كانوا لا يعرفون العود إلا من خالط الحضر ~~منهم ، والعود إنما أحدث بمكة والمدينة ، والذى نذهب إليه أنه المزهر ، وهو ~~الذى يزهر النار للأضياف والطراق ، فإذا سمعت صوت ذلك وحسه أيقنت بالعقر . ~~وقول الحادية عشرة : زوجى أبو زرع ، وما أبو زرع ، أناس من حلى أذنى ، تريد ~~حلانى قرطة وشنوفا ينوس بأذنى ، والنوس الحركة من كل شىء متدل ، يقال منه : ~~قد ناس ينوس نوسا وأناسه غيره إناسة . قال أبو عبيد : وأخبرنى ابن الكلبى ~~أن ذا نواس ملك اليمن إنما سمى بهذا لضفيرتين كانتا تنوسان على عاتقيه . ~~وقولها : ملأ من شحم عضدى ، لم ترد العضد خاصة ، وإنما أرادت الجسد كله ، ~~تقول : إنه أسمننى بإحسانه ms2436 إلى ، فإذا سمن العضد سمن سائر الجسد . وقولها : ~~بجحنى فبجحت ، أى فرحنى ففرحت . وقد بجح الرجل يبجح ، إذا فرح . وقولها : ~~وجدنى فى أهل غنيمة بشق ، والمحدثون يقولون : بشق ، فمن قال بشق فهو موضع ، ~~تعنى أن أهلها كانوا أصحاب غنم ، ليسوا بأصحاب خيل ولا إبل ، قالت : فجعلنى ~~فى أهل صهيل وأطيط ، أى فى أصحاب خيل وإبل ؛ لأن الصهيل أصوات الخيل ~~والأطيط أصوات الإبل . وقولها : دائس ومنق ، فإن بعض الناس يتأوله دياس ~~الطعام ، وأهل الشام يسمونه الدراس ، وأهل العراق يقولون : دائس الطعام ، ~~ولا أظن واحدة من هاتين الكلمتين من كلام العرب . وأما قول PageV07P303 ~~المحدثين : منق ، فلا أدرى معناه ، وأحسبه منق من تنقية الطعام ، وأرادت ~~أنهم أصحاب زرع . وقال أبو سعيد : الدياس الطعام الذى أهله فى دياسة ، ~~وعندهم من الطعام مقتنى ، فخيرهم متصل . وقال غيره : قوله : منق ، هو مأخوذ ~~من نقنقة الدجاجة ، يقال : أنق الرجل ، إذا اتخذ دجاجة تنقنق ، تقول : ~~فجعلنى فى أهل طير ، أى نقلنى من قفر إلى عمران . قال أبو عبيد : وقولها : ~~فلا أقبح ، أى فلا يقبح على قولى ، يقبل منى ، وأما التقمح من الشراب فهو ~~مأخوذ من الناقة المقامح . قال الأصمعى : وهى التى ترد الماء فلا تشرب . ~~قال أبو عبيد : وأحسب قولها : أتقمح ، أروى حتى أدع الشرب من شدة الرى . ~~قال أبو عبيد : ولا أراها قالت هذا إلا من عزة الماء عندهم ، وكل رافع رأسه ~~فهو مقامح وقامح ، وفى التنزيل : { إلى الأذقان فهم مقمحون } [ يس : 8 ] ، ~~وبعض الناس يروونه فأتقنح ، بالنون ولا أعرف هذا الحرف ، ولا أراه إلا ~~بالميم . وقال أبو سعيد : أشرب فأتقنح ، هو الشرب على رسل لكثرة اللبن ؛ ~~لأنها ليست بناهبة غيرها الشرب ، وإنما ينتهب ما كان قليلا يخاف عجزه ، ~~وقول الرجل لصاحبه إذا حثه على أن يأكل أو يشرب : والله لتقمحنه ، والتقمح ~~الازدياد من الشرب . وقال ابن السكيت فى التقنح بالنون الذى لم يعرفه أبو ~~عبيد أتقنح : أقطع الشراب . قال أبو زيد : قال الكلابيون : قنحت تقنح قنحا ~~، وهو التكاثر فى الشراب بعد الرى . وقال أبو حنيفة : يقال ms2437 : قنحت من ~~الشراب قنحا ، وقنحت أقنح قنحا ، تكارهت عليه بعد الرى ، PageV07P304 ~~والغالب تقنحت والترنح كالتقنح . قال أبو عبيد : وقولها : عكومها رداح ، ~~فالعكوم الأعدال والأحمال التى فيها الأوعية من صنوف الأطعمة من جميع ~~المتاع ، واحدها عكم ، والرداح العظيمة ، تقول : هى عظيمة الحشو . وقولها : ~~كمسل شطبة ، والشطبة أصلها ما شطب من جريد النخل ، وهو سعفه ، وذلك أن تشق ~~منه قضبان دقاق تنسج منه الحصر ، يقال منه للمرأة التى تفعل ذلك شاطبة ، ~~وجمعها شواطب ، فأخبرت المرأة أنه مهفهف ضرب اللحم ، شبهته بتلك الشطبة ، ~~وهو مما يمدح به الرجل . وقال أبو سعيد : كمسل شطبة ، أى كسيف مسلول ، ~~شبهته بذى شطب يمان ، وسيوف اليمن كلها شطبة . قال أبو عبيد : وقولها : ~~وتشبعه ذراع الجفرة ، فالجفرة الأنثى من أولاد الغنم ، والذكر جفر ، والعرب ~~تمدح الرجل بقلة الأكل والشرب ، قال الأعشى : تكفيه حزة فلذ إن ألم بها من ~~الشواء ويروى شربه الغمر وقولها : لا تبث حديثنا تبثيثا ، ويروى تنث بالنون ~~، وأحدهما قريب المعنى من الآخر ، أى لا تظهر سرنا . وقولها : ولا تنفث ~~ميرتنا تنفيثا ، تعنى الطعام ، لا تأخذه PageV07P305 فتذهب به ، تصفها ~~بالأمانة ، والتنفث الإسراع فى السير . وقال أبو سعيد : التنفيث إخراج ما ~~فى منزل أهلها إلى الأجانب ، وهو النفث والتنفث ، والفاء والثاء يتعاقبان . ~~قال أبو عبيد : والأوطاب أسقية اللبن ، واحدها وطب . وقال أبو سعيد ~~النيسابورى : هذا منكر فى العربية أن يكون فعل يجمع على أفعال ، لا يقال : ~~كلب وأكلاب ، ولا وجه وأوجاه ، وإنما الصحيح الأوطب فى القلة والأوطاب فى ~~الكثرة . قال أبو عبيد : قالت : فلقى امرأة معها ولدان كالفهدين يلعبان من ~~تحت خصرها برمانتين ، تعنى أنها ذات كفل عظيم ، فإذا استقلت نأى الكفل بها ~~من الأرض حتى تصير تحت خصرها فجوة يجرى فيها الرمان . قال أبو عبيد : وبعض ~~الناس يذهب بالرمانتين أنهما الثديان ، وليس هذا بموضعه . قالت : فطلقنى ~~ونكحها ، ونكحت بعده رجلا سريا ركب شريا ، تعنى الفرس أنه يستشرى فى سيره ، ~~أى يلج ويمضى فيه بلا فتور ولا انكسار ، ومن هذا قيل للرجل إذا لج فى الأمر ~~: قد ms2438 شرى فيه واستشرى . PageV07P306 قال ابن السكيت : ركب فرسا شريا ، أى ~~خيارا ، من قولهم : هذا من سراة المال أى خياره . قال أبو عبيد : وقولها : ~~أخذ خطيا ، تعنى الرمح ، سمى خطيا لأنه يأتى من بلاد من ناحية البحرين ، ~~يقال لها : الخط ، فنسبت الرماح إليها ، وإنما أصل الرماح من الهند ، ~~ولكنها تحمل إلى الخط فى البحرين ثم يفرق منها فى البلاد . وقولها : نعما ~~ثريا ، تعنى الإبل ، والثراء الكثير من المال وغيره . قال الكسائى : يقال : ~~قد ثرى بنو فلان بنى فلان يثرونهم ، إذا كثروهم فكانوا أكثر منهم . * * * # | 59 - باب موعظة الرجل ابنته لحال زوجها # / 80 - فيه : ابن عباس ، لم أزل حريصا على أن أسأل عمر ، عن المرأتين ~~اللتين تظاهرتا على رسول الله . . . وساق الحديث . وقال عمر : وكنا معشر ~~قريش نغلب النساء ، فلما قدمنا على الأنصار ، إذا قوم تغلبهم نساؤهم ، فطفق ~~نساؤنا يأخذن من أدب نساء الأنصار ، فصخبت على امرأتى ، فراجعتنى ، فأنكرت ~~أن تراجعنى ، قالت : ولم تنكر أن أراجعك ، فوالله إن أزواج النبى ، عليه ~~السلام ، ليراجعنه ، وإن إحداهن لتهجره إلى الليل ، فأفزعنى ذلك ، فدخلت ~~على حفصة ، فقلت : أى حفصة ، أتغاضب إحداكن الرسول - صلى الله عليه وسلم - ~~اليوم PageV07P307 حتى الليل ؟ فقالت : نعم ، فقلت : قد خبت وخسرت ، ~~أفتأمنين أن يغضب الله لغضب رسوله - صلى الله عليه وسلم - فتهلكى ، لا ~~تستكثرى النبى - صلى الله عليه وسلم - ، ولا تراجعيه فى شىء ، ولا تهجريه ، ~~وسلينى ما بدا لك ، ولا يغرنك أن كانت جارتك ، أوضأ منك ، وأحب إلى النبى ، ~~عليه السلام ، يريد عائشة . . . وذكر الحديث . قال المهلب : فيه الترجمة . ~~وفيه بذل الرجل المال لابنته لتحسن عشرتها مع زوجها ؛ لأن ذلك صيانة لعرضه ~~وعرضها ، وبذل المال لصيانة العرض واجب . وفيه : تعريض الرجل لابنته بترك ~~الاستكثار من الزوج إذا كان ذلك يؤذيه ويحرجه . وفيه : سؤال العالم عن بعض ~~أمور أهله إذا كان فى ذلك سنة تنقل ومسألة تحفظ ، وإن كان فيه عليه غضاضة ~~وإن كان من سره . وفيه : توقير العالم عما يخشى أن يحسمه والمطل بذلك حتى ~~يخشى فواته ، فإذا خشى ذلك جاز ms2439 للطالب أن يفتش عما فيه غضاضة وعما لا غضاضة ~~فيه . وفيه : إجابة العالم فى ابنته وفى امرأته بما سلف لها من خطأ وما ضلت ~~فيه من سنة . وفيه : سؤال العالم فى الخلوات وفى موضع التبرز لاسيما إذا ~~كان فى شىء من أمر نسائه وأسراره لا يجب أن يسأل عن ذلك فى جماعة الناس ~~ويترقب المواضع الخالية . قال الطبرى : وفيه الدلالة الواضحة على أن الذى ~~هو أصلح PageV07P308 للمرء وأحسن به الصبر على أذى أهله والإغضاء عنهم ، ~~والصفح عما يناله منهن من مكروه فى ذات نفسه دون ما كان فى ذات الله ، وذلك ~~للذى ذكره عمر ، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من صبره على ما يكون ~~إليه منهن من الشر على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأذاهن له وهجرهن ~~له . ولم يذكر عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه عاقبهن على ذلك ، ~~بل ذكر أن عمر هو الذى وعظهن عليه دون رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، ~~وبنحو الذى ذكر عمر من خلق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تتابعت ~~الأخبار عنه ، وإلى مثله ندب أمته عليه السلام . وروى هشام بن عروة ، عن ~~أبيه ، عن عائشة ، أن النبى - صلى الله عليه وسلم - قال : ( خيركم خيركم ~~لأهله ، وأنا خيركم لأهلى ) ، وروى هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عبد الله ~~بن زمعة ، قال : خطب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فذكر النساء ، ~~فقال : ( علام يعمد أحدكم فيجلد امرأته جلد العبد ، ولعله يضاجعها من يومه ~~) . فإن قال قائل : فإن كان الفضل فى الصبر على أذاهن واحتمال مكروههن فما ~~وجه الخبر الذى روى ابن أبى ليلى ، عن داود بن على بن عبد الله بن عباس ، ~~عن أبيه ، عن ابن عباس ، أن النبى ، عليه السلام ، قال : ( علق سوطك حيث ~~تراه الخادم ) ، وحديث محمد بن واسع ، عن عبد الله بن الصامت ، عن أبى ذر ، ~~قال رجل : يا رسول الله ، أوصنى ، قال : ( أخف أهلك ولا ترفع عنهم عصاك ) . ~~PageV07P309 قيل : قد اختلف العلماء فى ذلك ، فقال ms2440 بعضهم : هذه أحاديث لا ~~يجوز الاحتجاج بها لوهاء أسانيدها ، وأفضل ما تخلق به الرجل فى أهله الصفح ~~عنهن على ما صح به الخبر ، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - . وقال ~~آخرون بتصحيح هذه الأخبار ، ثم اختلفوا فى معناها ، فقال بعضهم : معنى ذلك ~~أن يضرب الرجل امرأته إذا أراد منها ما تكره فيما يجب عليها فيه طاعته ، ~~واعتلوا بأن جماعة من أصحاب النبى - صلى الله عليه وسلم - والتابعين كانوا ~~يفعلون ذلك . روى عن جرير ، عن مغيرة ، عن أم موسى ، قال : كانت ابنة على ~~بن أبى طالب تحت عبد الله بن أبى سفيان بن الحارث بن عبد المطلب ، فربما ~~ضربها فتجىء إلى الحسن بن على تشتكى ، وقد لزق درع حرير بجسدها من الضرب ، ~~فيقسم عليها لترجعن إلى بيت زوجها . وروى أبو أسامة ، عن هشام بن عروة ، عن ~~فاطمة بنت المنذر ، عن أسماء ، قالت : كنت رابعة أربع نسوة تحت الزبير ، ~~فكان إذا عتب على إحدانا فك عودا من المشجب فضربها به حتى يكسره عليها . ~~وروى شعبة ، عن عمارة ، قال : دخلت على أبى مجلز ، فدار بينه وبين امرأته ~~كلام ، فرفع العصا فشجها قدر نصف أنملة أصبعه . وكان محمد بن عجلان يحدث ~~بقوله ، عليه السلام : ( لا ترفع عصاك عن أهلك ) ، فكان يشترى سوطا فيعلقه ~~فى قبته لتنظر إليه امرأته وأهله . وقال آخرون : بل ذلك أمر من النبى ، ~~عليه السلام ، بأدب أهلهم PageV07P310 ووعظهم ، وألا يخلو من تفقدهم بما ~~يكون لهن مانعا من الفساد عليهم والخلاف لأمرهم . قالوا : وذلك من قول ~~العرب : شق فلان عصا المسلمين ، إذا خالف ألفتهم وفارق جماعتهم . قالوا : ~~ومن ذلك قيل للرجل إذا أقام بالمكان واستقر به واجتمع إليه أمره : قد ألقى ~~فلان عصاه ، وضرب فيه أرواقه . وأما ضربها لغير الهجر فى المضجع ، فغير ~~جائز له ذلك ، بل محرم عليه ، قالوا : وقد حرم الله أذى المؤمنين والمؤمنات ~~بغير ما اكتسبوا ، فكذلك ضربهن بغير ما اكتسبن حرام ، والصواب أنه غير جائز ~~لأحد ضرب أحد ولا أذاه إلا بالحق ، لقوله تعالى : { والذين يؤذون المؤمنين ms2441 ~~والمؤمنات بغير ما اكتسبوا } [ الأحزاب : 58 ] ، سواء كان المضروب امرأة ~~وضاربها زوجها ، أو مملوكا وضاربه مولاه ، أو صغيرا وضاربه والده ، أو وصى ~~لأبيه عليه ؛ لأن الله أباح لهؤلاء ضرب من ذكرنا بالمعروف ، على ما فيه ~~صلاحهم . وأما قوله عليه السلام للذى قال له : أوصنى ، قال : ( لا تضع عصاك ~~عن أهلك وأخفهم فى الله ) ، فمعناه عندى بخلاف قول من وجهه إلى أنه أراد به ~~وعظ أهله ، وإنما ذلك حض منه ، عليه السلام ، على ترهيب أهله فى ذات الله ~~بالضرب ؛ لئلا يركبوا موبقة ويكسبوا سيئة باقيا عليه عارها ، إذ كان النبى ~~، عليه السلام ، قد جعله قيما على أهله وراعيا عليهن ، كما جعل الأمير ~~راعيا على رعيته ، وعلى الراعى سياسة رعيته بما فيه صلاحهم دنيا ودينا . ~~والدليل على أن قوله ، عليه السلام : ( لا تضع عصاك عن أهلك . . . ) ، ~~PageV07P311 هو ما قلنا ، قوله عليه السلام لفاطمة بنت قيس : ( أما أبو جهل ~~، فلا يضع عصاه عن عاتقه ) ، فأعلمها بذلك غلظته على أهله وشدته عليهم ، ~~فلو كان معناه : ( لا تضع عصاك عن أهلك ) ، لا تخلهم من تأديبك بالوعظ ~~والتذكير عند الترهيب بالضرب عند ركوبها ما لا يحل لها ، لم يكن لتزهيده ، ~~عليه السلام ، فاطمة فى أبى جهم بما وصفه به من ترك وضع عصاه عن أهله معنى ~~، إذ كان الوعظ والتذكير لا يوجبان لصاحبهما ذما . وقد جاء هذا المعنى بينا ~~فى بعض الروايات : روى شعبة ، عن أبى بكر بن أبى الجهم ، قال : دخلت أنا ~~وأبو سلمة على فاطمة بنت قيس ، فحدثنا بحديثها ، وأن النبى ، عليه السلام ، ~~قال لها : أبو جهم يضرب النساء ، أو فيه شدة على النساء ، فمعنى قوله عليه ~~السلام فى أبى جهم : ( لا يضع عصاه عن عاتقه ) ، يعنى فى الحق والباطل ~~وفيما يجب وفيما لا يجب . ومن كان كذلك ، فلا شك أنه غير متبع قوله عليه ~~السلام : ( لا تضع عصاك عن أهلك ) ؛ لأنه عليه السلام لا يأمر بضرب أحد من ~~غير حق ، بل ذلك مما نهى عنه ، عليه السلام ، بقوله : ( اتقوا الله فى ~~النساء ، فإنهن ms2442 عندكم عوان ) . وفيه : أن لذى السلطان وغيره اتخاذ حجبة ~~تحول بينه وبين من أراده ، ومن الوصول إليه إلا بإذنه لهم ؛ لقول عمر : ~~والنبى عليه السلام فى مشربة له وعلى بابه غلام أسود . وفيه : بيان أن ما ~~روى عن النبى - صلى الله عليه وسلم - أنه لم يكن له بواب أن معناه لم ~~PageV07P312 يكن له بواب فى الأوقات التى يظهر فيها ، عليه السلام ، لحاجات ~~الناس ، ويبرز لهم فيها ، فأما فى الأوقات التى كان يخلو بنفسه فيها فيما ~~لابد له منه ، فإنه قلما كان يتخذ فيها أحيانا بوابا وحاجبا ليعلم من قصده ~~أنه خال بما لابد له منه من قضاء حاجة ، وتلك هى الحال التى وصف عمر أنه ~~وجد على باب مشربته بوابا ، وسيأتى زيادة فى هذا المعنى فى كتاب الأحكام فى ~~باب ما ذكر أن النبى ، عليه السلام ، لم يكن له بواب . قال المهلب : وفيه ~~أن للإمام والعالم أن يحتجب فى بعض الأوقات عن بطانته وخاصته عندما يطرقه ~~ويحدث عليه من المشقة مع أهله وغيرهم حتى يذهب ما بنفسه من ذلك ليلقى الناس ~~بعد ذلك ، وهو منبسط إليهم غير مستنكر لما عرض له . وفى سكوته ، عليه ~~السلام ، عن الإذن لعمر فى تلك الحال الرفق بالأصهار والحياء منهم عندما ~~يقع للرجل مع أهله ؛ لأنه لو أمر غلامه فرد عمر وصرفه لم يجز لعمر أن يتضرب ~~مرة بعد أخرى حتى أذن له ، عليه السلام ، ودخل عليه ، فدل ذلك أن السكوت قد ~~يكون أبلغ من الكلام ، وأفضل فى بعض الأحايين . قال الطبرى : وفيه الإبانة ~~عن أن كل لذة وشهوة قضاها المرء فى الدنيا فيما له مندوحة عنها ، فهو ~~استعجال بذلك من نعيم الآخرة الذى لو لم يستعجله فى الدنيا كان مدخورا له ~~فى الآخرة ، وذلك لقوله ، عليه السلام ، لعمر : ( أولئك قوم عجلت لهم ~~طيباتهم فى حياتهم الدنيا ) ، فأخبر أن ما أوتيه فارس والروم من نعيم ~~الدنيا تعجيل من الله لهم نظير ما دخر لأهل ولايته عنده ؛ PageV07P313 فكره ~~لأمته أن تؤتى مثل ما أوتى فارس والروم ms2443 على سبيل التلذذ والتنعم ، فأما على ~~صرفه فى وجهه وتفريقه فى سبله التى أمر الله بوضعه فيها ، فلا شك فى فضل ~~ذلك وشرف منزلته ، إذ هو من منازل الامتحان والصبر على المحن ، مع أن الشكر ~~على النعم أفضل من الصبر على الضراء وحدها . تفسير ما فيه الغريب : قوله : ~~فتبرز ، يعنى خرج إلى البراز ، وهو ما برز عن البيوت والدور وبعد . وقوله : ~~فسكبت على يديه ماء ، يعنى صببت ، يقال : سكبت أسكب سكبا ، وهو ماء سكوب ، ~~إذا سال . والعوالى جمع عالية ، وهو ما ارتفع من نجد إلى تهامة ، والسوافل ~~ما يسفل من ذلك . وقوله : كنا نتناوب النزول ، يعنى كنا نجعله نوبا أنزل ~~أنا مرة وينزل هو أخرى ، ومن ذلك قيل : نابت فلانا نائبة ، إذا حدثت به ~~حادثة ، والنوب عند العرب ، القرب . وقوله : تراجعنى الكلام ، يعنى ترادنى ~~الكلام ، ومنه قوله تعالى : { إنه على رجعه لقادر } [ الطارق : 8 ] ، قيل : ~~عنى به رد الماء فى الصلب ، وقيل : عنى به رد الإنسان إلى الصغر بعد الكبر ~~، وقيل : عنى به رد الإنسان بعد مماته لهيئته قبل مماته . وقوله : لا يغرنك ~~أن كانت جارتك أوضأ منك ، يعنى ضرتك ، والجارة عند العرب الضرة ، ومنه قول ~~حمل بن مالك : PageV07P314 كنت بين جارتين لى ، يعنى ضرتين ، ومنه قول ابن ~~سيرين : كانوا يكرهون أن يقولوا ضرة ، ويقولون : أنها لا تذهب من رزقها ~~بشىء ، ويقولون : جارة ، والعرب تسمى صاحب الرجل وخليطه جاره والصاحبة ~~والخليطة جارة ، وتسمى زوجة الرجل جارته لاصطحابهما ومخالطة كل واحد منهما ~~صاحبه ، وقد تقدم ذلك فى كتاب الشفعة عند قوله عليه السلام : الجار أحق ~~بصقبه . وقوله : أوضأ منك ، يعنى أجمل منك ، من الوضاءة ، وهو الجمال . ~~والمشربة الخزانة التى يكون فيها طعامه وشرابه ، وقيل لها : مشربة ، فيما ~~أرى ؛ لأنهم كانوا يخزنون فيها شرابهم ، كما قيل للمكان الذى تطلع عليه ~~الشمس وتشرق فيه : ضاحية مشرقة . وقوله : على رمال حصير ، يقال : رملت ~~الحصير : نسجته ، وحصير مرمول : منسوج ، والرمل : هو النسج ، والراملة : ~~الناسجة . وقوله : غير أهبة ثلاثة ، هو جمع إهاب ، وهو الجلد غير المدبوغ ms2444 ، ~~يجمع أهبا وأهبة . * * * # | 60 - باب صوم المرأة بإذن زوجها تطوعا # / 81 - فيه : أبو هريرة ، قال النبى ، عليه السلام : ( لا تصوم المرأة ~~وبعلها شاهد ، إلا بإذنه ) . قال المهلب : هذا الصوم المنهى عنه المرأة إلا ~~بإذن زوجها هو PageV07P315 صوم التطوع عند العلماء ، كما ترجم به البخارى ؛ ~~لإجماعهم على أن الزوج ليس له أن يمنعها من أداء الفرائض اللازمة لها ، ~~وقوله ، عليه السلام : ( لا تصوم . . . إلا بإذنه ) ، هو محمول على الندب ~~لا على الإلزام ، وإنما هو من حسن المعاشرة وخوف المخالفة التى هى سبب ~~البغضة ، ولها أن تفعل من غير الفرائض ما لا يضره ولا يمنعه من واجباته ~~بغير إذنه ، وليس له أن يبطل عليها شيئا من طاعة الله عز وجل ، إذا دخلت ~~فيه بغير إذنه . وفيه : حجة لمالك ومن وافقه فى أن من أفطر فى صيام التطوع ~~عامدا أن عليه القضاء ؛ لأنه لو كان للرجل أن يفسد عليها صومها بجماع ما ~~احتاجت إلى إذنه ، ولو كان مباحا كان إذنه لا معنى له ، وهو قول أبى حنيفة ~~، وأبى ثور ، وقال الشافعى ، وأحمد ، وإسحاق : لا قضاء عليها . وفيه : أن ~~حقوق الزوج آكد على المرأة من التطوع بالخير . * * * # | 61 - باب إذا باتت المرأة مهاجرة فراش زوجها # / 82 - فيه : أبو هريرة ، قال الرسول - صلى الله عليه وسلم - : ( إذا دعا ~~الرجل امرأته إلى فراشه ، فأبت أن تجىء ، لعنتها الملائكة حتى تصبح ) . قال ~~المهلب : هذا يوجب أن منع الحقوق كلها فى الأبدان كانت أو فى الأموال مما ~~يوجب سخط الله تعالى ، إلا أن يتغمدها بعفوه . PageV07P316 وفيه : جواز لعن ~~العاصى المسلم إذا كان على وجه الإرهاب عليه ؛ لئلا يواقع الفعل ، فإذا ~~واقعه فإنه يدعى له بالتوبة والهداية . وفيه : أن الملائكة تدعوا على أهل ~~المعاصى ما داموا فى المعصية ، وذلك يدل أنهم يدعون لأهل الطاعة ما داموا ~~فيها . * * * # | 62 - باب لا تأذن المرأة فى بيت زوجها إلا بإذنه # / 83 - فيه : أبو هريرة ، قال النبى ، عليه السلام : ( لا يحل للمرأة أن ~~تصوم وزوجها شاهد إلا بإذنه ، ولا تأذن فى بيته إلا ms2445 بإذنه ، وما أنفقت من ~~نفقة عن غير أمره ، فإنه يؤدى إليه شطره ) . قال المهلب : قوله : ( لا تأذن ~~فى بيت زوجها إلا بإذنه ) ، يعنى لا لرجل ولا لامرأة يكرهها زوجها ، فإن ~~ذلك يوجب سوء الظن ، ويبعث الغيرة التى هى سبب القطيعة ، ويشهد لهذا قوله ~~عليه السلام : ( انظرن ما أخواتكن ) ، وإن كان الإذن للنساء أخف من الإذن ~~للرجال . فإن قيل : قد جاء لفظ حديث أبى هريرة مختلفا ، وذلك أنه ذكر فى ~~كتاب الطلاق أنه قال : ( إذا أنفقت المرأة من كسب زوجها من غير أمره ، فله ~~نصف أجره ) ، فهل يعارض قوله عليه السلام : ( فإنه يؤدى إليه شطره ) ، أم ~~لا ؟ قيل : لا تعارض بينهما ، بل أحد اللفظين مفسر للآخر ، وذلك أن هذا ~~الحديث إنما ورد فى المرأة إذا تصدقت من مال زوجها بغير إذنه بالمعروف مما ~~تعلم أنه يسمح به ولا يتشاح به . وقوله : ( فله نصف أجره ) ، يفسر قوله : ( ~~يؤدى إليه شطره ) ، يعنى يتأدى إليه من أجر الصدقة مثل ما يتأدى إلى ~~المتصدق من الأجر ، ويصيران فى الأجر نصفين ، ويشهد لهذا قوله عليه السلام ~~: ( الدال على الخير كفاعله ) ، وهذا يقتضى المساواة . PageV07P317 * * * # | 63 - باب # / 84 - فيه : أسامة ، عن النبى ، عليه السلام ، قال : ( قمت على باب ~~الجنة ، فكان عامة من دخلها المساكين ، وأصحاب الجد محبوسون ، غير أن أصحاب ~~النار قد أمر بهم إلى النار ، وقمت على باب النار فإذا عامة من دخلها ~~النساء ) . قال المهلب : فيه من الفقه أن أقرب ما يدخل به الجنة التواضع ~~لله تعالى ، وأن أبعد الأشياء من الجنة التكبر بالمال وغيره ، وإنما صار ~~أصحاب الجد محبوسون لمنعهم حقوق الله الواجبة للفقراء فى أموالهم ، فحبسوا ~~للحساب عما منعوه ، فأما من أدى حقوق الله فى أمواله ، فإنه لا يحبس عن ~~الجنة ، إلا أنهم قليل ، إذ كثر شأن المال تضيع حقوق الله فيه ؛ لأنه محنة ~~وفتنة ، ألا ترى قوله : ( فكان عامة من دخلها المساكين ) ، وهذا يدل أن ~~الذين يؤدون حقوق المال ويسلمون من فتنتة هم الأقل ، وقد احتج بهذا الحديث ~~فى فضل الفقر على الغنى ms2446 ، وسيأتى الكلام فى ذلك فى كتاب الزهد ، إن شاء ~~الله . * * * # | 64 - باب كفران العشير وهو الزوج ، وهو الخليط من المعاشرة # / 85 - فيه : عن أبى سعيد عن النبى ، عليه السلام . / 86 - وفيه : ابن ~~عباس ، خسفت الشمس على عهد النبى - صلى الله عليه وسلم - ، فصلى والناس معه ~~. . . . وذكر الحديث إلى قوله : ( رأيت النار فلم أر كاليوم منظرا قط ، ~~ورأيت أكثر أهلها النساء ) ، قالوا : بم يا رسول الله ؟ قال : ( بكفرهن ) ، ~~PageV07P318 قيل : يكفرن بالله ؟ قال : ( يكفرن العشير ، ويكفرن الإحسان ، ~~لو أحسنت إلى إحداهن الدهر ، ثم رأت منك شيئا ، قالت : ما رأيت منك خيرا قط ~~) . / 87 - وفيه : عمران بن حصين ، عن النبى ، عليه السلام ، قال : ( اطلعت ~~فى الجنة ، فرأيت أكثر أهلها الفقراء ، واطلعت فى النار ، فرأيت أكثر أهلها ~~النساء ) . قال المهلب : إنما استحق النساء النار بكفرانهن العشير من أجل ~~أنهن يكثرن ذلك الدهر كله ، ألا ترى أن النبى ، عليه السلام ، قد فسره ، ~~فقال : ( لو أحسنت إلى إحداهن الدهر ) ، لجازت ذلك بالكفران الدهر كله ، ~~فغلب استيلاء الكفران على دهرها ، فكأنها مصرة أبدا على الكفر ، والإصرار ~~من أكبر أسباب النار . وفى هذا الحديث تعظيم حق الزوج على المرأة ، وأنه ~~يجب عليها شكره والاعتراف بفضله ؛ لستره لها وصيانته وقيامه بمؤنتها وبذله ~~نفسه فى ذلك ، ومن أجل هذا فضل الله الرجال على النساء فى غير موضع من ~~كتابه ، فقال : { الرجال قوامون على النساء بما فضل } [ النساء : 34 ] ~~الآية ، وقال : { وللرجال عليهن درجة } [ البقرة : 228 ] ، وقد أمر عليه ~~السلام من أسديت إليه نعمة أن يشكرها ، فكيف نعم الزوج التى لا تنفك المرأة ~~منها دهرها كله ؟ وقد قال بعض العلماء : شكر الإنعام فرض . واحتج بقوله ~~عليه السلام : ( من أسديت إليه نعمة فليشكرها ) ، وبقوله : { أن اشكر لى ~~ولوالديك } [ لقمان : 14 ] ، فقرن بشكره شكر الآباء ، قال : فكذلك ~~PageV07P319 شكر غيرهم واجب ، وقد يكون شكر النعمة فى نشرها ، ويكون فى أقل ~~من ذلك ، فيجزئ فيه الإقرار بالنعمة والمعرفة بقدر الحاجة . وفيه أن الكسوف ~~والزلازل والآيات الحادثة إنما هى كما قال الله : { وما نرسل بالآيات إلا ms2447 ~~تخويفا } [ الإسراء : 59 ] ، وأمرهم عليه السلام عند رؤية آيات الله بالفزع ~~إلى الصلاة ، فدل أن الصلاة تصرف النقم ، وبها يعتصم من المحن ، إذ هى أفضل ~~الأعمال . * * * # | 65 - باب لزوجك عليك حق قاله أبو جحيفة عن النبى - صلى الله عليه وسلم ~~- # . / 88 - فيه : عبدالله بن عمرو ، قال النبى ، عليه السلام : ( يا ~~عبدالله ، ألم أخبر أنك تصوم النهار ، وتقوم الليل ) ؟ قلت : بلى يا رسول ~~الله ، قال : ( فلا تفعل ، صم وأفطر ، وقم ونم ، فإن لجسدك عليك حقا ، وإن ~~لعينك عليك حقا ، وإن لزوجك عليك حقا ) . لما ذكر فى الباب قبل هذا حق ~~الزوج على المرأة ، ذكر فى هذا الباب حق المرأة على الزوج ، وأنه لا ينبغى ~~له أن يجحف نفسه فى العبادة حتى يضعف عن القيام بحق أهله من جماعها والكسب ~~عليها . واختلف العلماء فى الرجل يشتغل بالعبادة عن حقوق أهله ، فقال ~~PageV07P320 مالك : إذا كف عن جماع أهله من غير ضرورة لا يترك حتى يجامع أو ~~يفارق على ما أحب أو كره ؛ لأنه مضار بها . وقال أبو حنيفة وأصحابه : يؤمر ~~أن يبيت عندها ويفطر لها . وقال الشافعى : لا يفرض عليه من الجماع شىء ~~بعينه وإنما تفرض لها النفقة والكسوة والسكنى ، وأن يأوى إليها . وقال ~~الثورى : إذا شكت المرأة أنه لا يأتيها زوجها له ثلاثة أيام ولها يوم وليلة ~~، وبه قال أبو ثور . وقال ابن المنذر : وأعلى ما فى هذا الباب قول الثورى ~~قياسا على ما أباح الله للرجال من اتخاذ أربع نسوة . وروى عبد الرزاق ، عن ~~الثورى ، عن مالك بن مغول ، عن الشعبى ، قال : جاءت امرأة إلى عمر ، فقالت ~~: يا أمير المؤمنين ، زوجى خير الناس يصوم النهار ويقوم الليل ، فقال عمر : ~~لقد أحسنت الثناء على زوجك ، فقال كعب بن سوار : لقد اشتكت فأعرضت الشكية ، ~~فقال عمر : اخرج من مقالتك ، قال : أرى أن ينزل بمنزلة رجل له أربع نسوة له ~~ثلاثة أيام ولياليها ، ولها يوم وليلة . وروى ابن عيينة ، عن زكريا ، عن ~~الشعبى ، أن عمر قال لكعب : فإذا فهمت ذلك فاقض بينهما ، فقال : يا ms2448 أمير ~~المؤمنين ، أحل الله من النساء مثنى وثلاث ورباع ، فلها من كل أربعة أيام ~~يوم يفطر ويقيم عندها ، ولها من كل أربع ليال ليلة يبيت عندها ، فأمر عمر ~~الزوج بذلك . PageV07P321 * * * # | 66 - باب المرأة راعية فى بيت زوجها # / 89 - فيه : ابن عمر ، قال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( كلكم راع ~~وكلكم مسئول عن رعيته ، والمرأة راعية فى بيت زوجها . . . . . ) الحديث . ~~كل من جعله الله أمينا على شىء ، فواجب عليه أداء النصيحة فيه ، وبذل الجهد ~~فى حفظه ورعايته ؛ لأنه لا يسأل عن رعيته إلا من يلزمه القيام بالنظر لها ~~وصلاح أمرها ، وسيأتى الكلام فى هذا الحديث فى كتاب الأحكام ، إن شاء الله ~~تعالى . * * * # | 67 - باب قول الله تعالى : { الرجال قوامون على النساء } إلى قوله : { ~~واضربوهن } [ النساء 34 ] # / 90 - فيه : أنس ، آلى النبى - صلى الله عليه وسلم - من نسائه شهرا ، ~~فقعد فى مشربة له ، فنزل لتسع وعشرين ، فقال : ( الشهر تسع وعشرون ) . قال ~~المهلب : معنى هذا الباب أن الله تعالى أباح هجران الأزواج عند نشوزهن ، ~~ورخص فى ذلك عند ذنب أو معصية تكون منهن . وقال أهل التفسير فى قوله تعالى ~~: { واللاتى تخافون نشوزهن } [ النساء : 34 ] ، يعنى معصيتهن لأزواجهن ، ~~وأصل النشوز الارتفاع ، فنشوز المرأة ارتفاعها عن حق زوجها ، ففسر النبى - ~~صلى الله عليه وسلم - مقدار ذلك الهجران بإيلائه شهرا حين أسر النبى - صلى ~~الله عليه وسلم - إلى حفصة ، فأفشته إلى عائشة وتظاهرتا عليه . PageV07P322 ~~قيل : إنه أصاب جاريته مارية فى بيت حفصة ويومها . وقال الزجاج : فى يوم ~~عائشة ، وسألها أن تكتمه ، فأخبرت به عائشة . وقيل : إنه شرب عسلا عند زينب ~~، وذلك الهجران لا يبلغ به الأربعة الأشهر التى ضربها الله أجل إعذار ~~للمؤالى ، وأمر الله أن يبدأ النساء بالموعظة أولا ثم بالهجران بعد ذلك ، ~~فإن لم ينجعا فيها ، فالضرب ولكن يكون الضرب غير مبرح ، وقوله : { بما فضل ~~الله بعضهم على بعض } [ النساء : 34 ] ، يعنى بما فضل الله به الرجال من ~~القوة على الكسب بالحرث وغيرها ، وبما أنفقوا من أموالهم فى المهور وغيرها ~~، فهذا يوجب نفقة الرجال ms2449 على النساء . * * * # | 68 - باب هجرة النبى ، عليه السلام ، نساءه فى غير بيوتهن # ويذكر عن معاوية بن حيدة ، رفعه : ( لا تهجر إلا فى البيت ) والأول أصح . ~~/ 91 - فيه : أم سلمة ، أن النبى ، عليه السلام ، حلف لا يدخل على بعض أهله ~~شهرا ، فلما مضى تسعة وعشرون يوما ، غدا عليهن . . . . الحديث . / 92 - ~~وفيه : ابن عباس ، أصبحنا يوما ونساء النبى - صلى الله عليه وسلم - يبكين ، ~~عند كل امرأة منهن أهلها ، فخرجت إلى المسجد ، فإذا هو ملآن من الناس ، ~~فجاء عمر بن الخطاب - فصعد إلى النبى - صلى الله عليه وسلم - - وهو فى غرفة ~~له - فلم يجبه أحد ، PageV07P323 ثم سلم ، فلم يجبه أحد ، ثم سلم ، فلم ~~يجبه أحد ، فناداه ، فدخل على النبى ، عليه السلام ، فقال : أطلقت نساءك ؟ ~~فقال : ( لا ، ولكن آليت منهن شهرا ) ، فمكث تسعا وعشرين ، ثم دخل على ~~نسائه . قال المهلب : هذا الذى أشار إليه البخارى من أن الهجران لا يكون ~~إلا فى غير بيوت الزوجات من أجل ما فعله النبى - صلى الله عليه وسلم - ؛ ~~لأنه انفرد عنهن فى وقت الهجران فى مشربة واعتزل بيوتهن ، وكأنه أراد ~~البخارى أن يستن الناس به فى هجر نسائهم لما فيه من الرفق بالنساء ؛ لأن ~~هجرانهن مع الكون فى بيوتهن آلم لأنفسهن وأوجع لقلوبهن ، لما يتطرق إليه من ~~العتاب والغضب والإعراض ، ولما فى غيبة الرجل عن أعينهن من تسليتهن عن ~~الرجال . وهذا الذى أشار إليه ليس بواجب ؛ لأن الله قد أمر بهجرانهن فى ~~المضاجع فضلا عن البيوت . وقال غيره : إنما اعتزلهن فى غير بيوتهن ؛ لأنه ~~أنكى لهن وأبلغ فى عقوبتهن . وروى ابن وهب ، عن مالك ، قال : بلغنى أن عمر ~~بن عبد العزيز كان له نساء ، فكان يغاضب بعضهن ، فإذا كانت ليلتها جاء فبات ~~عندها ولم يبت عند غيرها ، وكان يفترش فى حجرتها فيبيت فيها ، وتبيت هى فى ~~بيتها . قلت لمالك : وذلك له واسع ؟ قال : نعم ، وذلك فى كتاب الله { ~~واهجروهن فى المضاجع } [ النساء : 34 ] . وقال ابن عباس : الهجران أن يكون ~~الرجل وامرأته فى فراش واحد ولا يجامعها . وقال السدى ms2450 : هجرها فى المضجع أن ~~يرقد معها ويوليها ظهره ، ويطأها ولا يكلمها . وقال ابن عباس نحوه ، قال : ~~PageV07P324 يهجرها بلسانه ويغلظ لها بالقول ، ولا يدع جماعها . ذكره ~~الطبرى ، فيكون معنى الآية على هذا القول : قولوا لهن من القول هجرا فى ~~تركهن مضاجعتكم . * * * # | 69 - باب ما يكره من ضرب النساء وقول الله تعالى : { واضربوهن } ، أى ~~ضربا غير مبرح # / 93 - فيه : عبدالله بن زمعة ، قال النبى ، عليه السلام : ( لا يجلد ~~أحدكم امرأته جلد العبد ، ثم يجامعها فى آخر اليوم ) . قال بعض أهل العراق ~~: فأمر الله بهجر النساء فى المضاجع وضربهن تذليلا منه للنساء وتصغيرا لهن ~~على إيذاء بعولتهن ، ولم يأمر فى شىء من كتابه بالضرب صراحا إلا فى ذلك وفى ~~الحدود العظام ، فساوى معصيتهن لأزواجهن بمعصية أهل الكبائر ، وولى الأزواج ~~ذلك دون الأئمة ، وجعله لهم دون القضاة بغير شهود ولا بينات ائتمانا من ~~الله للأزواج على النساء . قال المهلب : وإنما يكره من ضرب النساء التعدى ~~فيه والإسراف ، وقد بين النبى - صلى الله عليه وسلم - ذلك ، فقال : ( ضرب ~~العبد ) ، فجعل ضرب العبد من أجل الرق فوق ضرب الحر لتباين حالتيهم ، ولأن ~~ضرب النساء إنما جوز من أجل امتناعها على زوجها فى المباضعة . واختلف فى ~~وجوب ضربها فى الخدمة ، والقياس يوجب إذا جاز ضربها فى المباضعة جاز فى ~~الخدمة الواجبة للزوج عليها بالمعروف . وقوله : ( ثم يجامعها ذلك اليوم ) ، ~~تقبيح من النبى - صلى الله عليه وسلم - للاضطراب PageV07P325 وقرب التناقض ~~لقلة الرياضة لهن بذلك ؛ لأن المرأة إذا عرفت قرب الرجعة وسرعة الفيئة لم ~~تعبأ بإيذائه ، ولا يقع فيها ما ندب الله إليه من رياضتها ، ويدل على ذلك ~~طول هجران النبى - صلى الله عليه وسلم - لأزواجه المدة الطويلة ، ولم يكن ~~ذلك يوما ولا يومين ولا ثلاثة ، وكذلك كان هجران النبى - صلى الله عليه ~~وسلم - والمسلمين لكعب بن مالك وصاحبيه حتى مضت خمسون ليلة . وقال قتادة فى ~~قوله : ( ضربا غير مبرح ) ، قال : يعنى غير شائن ، وقال الحسن : غير مؤثر . ~~وقد تقدم فى باب موعظة الرجل ابنته لحال زوجها اختلاف العلماء ms2451 فى ضرب ~~النساء ، واختلاف الآثار فى ذلك ، وبيان مذاهبهم ، والحمد لله . * * * # | 70 - باب لا تطيع المرأة زوجها فى معصية # / 94 - فيه : عائشة ، أن امرأة من الأنصار زوجت ابنتها ، فتمعط شعر رأسها ~~، فجاءت إلى النبى - صلى الله عليه وسلم - فذكرت ذلك له ، فقالت : إن زوجها ~~أمرنى أن أصل فى شعرها ، فقال : ( لا ، إنه قد لعن الموصلات ) . قال المؤلف ~~: واجب على المرأة ألا تطيع زوجها فى معصية ، وكذلك كل من لزمته طاعة غيره ~~من العباد ، فلا تجوز طاعته له فى معصية الله تعالى ، ويشهد لهذا قول النبى ~~، عليه السلام ، حين أمر على بعث أميرا ، وأمر الناس بطاعته ، فأمرهم ذلك ~~الأمير أن يقتحموا فى نار أججها لهم ، فامتنعوا منها ، وقالوا : لم ندخل ~~PageV07P326 الإسلام إلا فرارا من النار ، فذكر ذلك للنبى - صلى الله عليه ~~وسلم - ، فقال : ( والله لو دخلوها ما خرجوا منها أبدا ، إنما الطاعة فى ~~المعروف ) ، وصوب فعلهم ، وقد روى عنه ، عليه السلام ، أنه قال : ( لا طاعة ~~لمخلوق فى معصية الخالق ) . وقوله : ( فتمعط شعرها ) ، فالعرب تقول : معط ~~الشعر وامعط معطا إذا تمرط ، ومعطته نتفته ، والأمعط من الرجال السنوط . ~~وقال أبو حاتم : الذئب يكنى أبا معطة ، وفى كتاب العين : ذئب أمعط خبيث ؛ ~~لأن شعره تمعط فتأذى بالذباب . * * * # | 71 - باب { وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا أو إعراضا } [ النساء : 128 ~~] # / 95 - فيه : عائشة ، { وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا أو إعراضا } قالت ~~: هى المرأة تكون عند الرجل لا يستكثر منها ، فيريد طلاقها ويتزوج غيرها ، ~~وتقول له : أمسكنى ولا تطلقنى ، ثم تزوج غيرى ، وأنت فى حل من النفقة على ، ~~والقسمة لى ، فذلك قوله تعالى : { فلا جناح عليهما أن يصالحا بينهما صلحا ~~والصلح خير } [ النساء : 128 ] . أجمع العلماء على جواز هذا الصلح ، وكذلك ~~فعلت سودة بالنبى - صلى الله عليه وسلم - حين وهبت يومها لعائشة تبتغى بذلك ~~مرضاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، روى عكرمة عن ابن عباس ، قال : ~~خشيت سودة أن يطلقها النبى ، عليه السلام ، قالت : لا تطلقنى واحبسنى مع ~~نسائك ولا تقسم لى ، PageV07P327 فنزلت : { وإن ms2452 امرأة خافت من بعلها نشوزا ~~أو إعراضا } [ النساء : 128 ] ، قال ابن عباس : نشوزا يعنى البغض . وقال ~~مجاهد : نزلت فى أبى السنابل بن بعكك . واختلفوا هل ينتقض هذا الصلح ، فقال ~~عبيدة : هما على ما اصطلحا عليه ، فإن انتقضت فعليه أن يعدل عليها أو ~~يفارقها ، وبه قال النخعى ، ومجاهد ، وعطاء . وحكى ابن المنذر أنه قول ~~الثورى ، والشافعى ، وأحمد . وقال الكوفيون : الصلح فى ذلك جائز . وقال ابن ~~المنذر : لا أحفظ عنهم فى الرجوع شيئا . وقال الحسن البصرى : ليس لها أن ~~تنقض ، وهما على ما اصطلحا عليه . وقول الحسن : هو قياس قول مالك فيمن ~~أنظره بالدين أو أعاره عارية إلى مدة ، أنه لا يرجع فى ذلك ، وقول عبيدة هو ~~قياس قول أبى حنيفة ، والشافعى ؛ لأنها هبة منافع طارئة لم تقبض ، فجاز ~~فيها الرجوع . * * * # | 72 - باب العزل # / 96 - فيه : جابر ، كنا نعزل على عهد النبى - صلى الله عليه وسلم - ، ~~والقرآن ينزل . / 97 - وفيه : أبو سعيد ، أصبنا سبيا ، فكنا نعزل ، فسألنا ~~النبى - صلى الله عليه وسلم - ، فقال : ( أوإنكم لتفعلون ؟ قالها ثلاثا ، ~~ما من نسمة كائنة إلى يوم القيامة إلا وهى كائنة ) . اختلف السلف فى العزل ~~، فذكر مالك فى الموطأ ، عن سعد بن أبى وقاص ، وأبى أيوب الأنصارى ، وزيد ~~بن ثابت ، وابن عباس ، أنهم كانوا PageV07P328 يعزلون ، وذكره ابن المنذر ، ~~عن على بن أبى طالب ، وخباب بن الأرت ، وجابر بن عبد الله ، وقال : كنا ~~نفعله على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - . وروى ذلك عن جماعة من ~~التابعين منهم ابن المسيب ، وطاوس ، وبه قال مالك ، والكوفيون ، والشافعى ، ~~وجمهور العلماء . وكرهت طائفة العزل ، ذكره ابن المنذر ، عن أبى بكر الصديق ~~، وعمر بن الخطاب ، وعن على بن أبى طالب ، رواية أخرى ، وعن ابن مسعود ، ~~وابن عمر . وحجة من أباحه حديث جابر ، وروى ابن أبى شيبة ، عن حميد بن عبد ~~الرحمن ، عن أبيه ، عن أبى الزبير ، عن جابر ، أن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - أذن فى العزل ، واحتجوا أيضا بقوله : أو إنكم لتفعلون ذلك ، ما ~~من نسمة كائنة إلى ms2453 يوم القيامة ، إلا وهى كائنة ، قالوا : ولا يفهم من قوله ~~عليه السلام : ( أو إنكم لتفعلون ذلك ) ، إلا الإباحة . ويشهد لذلك قوله فى ~~آخر الحديث : ( ما من نسمة كائنة إلى يوم القيامة إلا وهى كائنة ) ، يقول : ~~قد فرغ من الخلق ، فاعزلوا أو لا تعزلوا ، فإن قدر أن يكون ولد لم يمنعه ~~العزل ؛ لأنه قد يكون مع العزل إفضاء بقليل الماء الذى قدر الله أن يكون ~~منه الولد ، وقد يكون الاسترسال والإفضاء ولا يكون ولد ، فالعزل والإفضاء ~~سواء فى ألا يكون منه ولد إلا بتقدير الله ، هذا معنى قول الطحاوى . قال : ~~واحتج من كره العزل بما حدثنا إبراهيم بن محمد بن يونس ، قال : حدثنا عبد ~~الله بن يزيد المقرئ ، حدثنا سعيد بن أبى أيوب ، عن أبى الأسود محمد بن عبد ~~الرحمن بن نوفل ، PageV07P329 عن عروة ، عن عائشة ، قالت : حدثتنى جدامة ~~بنت وهب الأسدية ، أن النبى - صلى الله عليه وسلم - ذكر عنده العزل ، فقال ~~: ( ذلك الوأد الخفى ) ، وأنكر الذين أباحوا العزل حديث جدامة . ورووا عن ~~النبى ، عليه السلام ، إنكار ذلك . روى أبو داود : حدثنا هشام ، عن يحيى بن ~~أبى كثير ، عن محمد بن عبد الرحمن ، عن أبى رفاعة ، وقال مرة : عن أبى مطيع ~~بن رفاعة ، عن أبى سعيد الخدرى ، أن النبى - صلى الله عليه وسلم - أتاه رجل ~~، فقال : يا رسول الله ، إن عندى جارية ، وأنا أعزل عنها وأكره أن تحمل ، ~~وإن اليهود يقولون : هى الموءودة الصغرى ، فقال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - : ( كذبت يهود ، لو أن الله أراد أن يخلقه لم يستطع أحد أن يصرفه ) ~~. قال الطحاوى : فهذا أبو سعيد قد حكى عن النبى إكذاب من زعم أن العزل ~~موءودة ، ثم قد روى عن على دفع ذلك والتنبيه على فساده بمعنى لطيف حسن ، ~~روى الليث ، عن معمر بن أبى حبيبة ، عن عبيد الله بن عدى بن الخيار ، قال : ~~تذاكر أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عند عمر العزل ، فاختلفوا ~~فيه ، فقال عمر : قد اختلفتم وأنتم أهل بدر الأخيار ، فكيف بالناس بعدكم ms2454 ، ~~فقال على : إنها لا تكون موءودة حتى تمر بالتارات السبع ، قوله تعالى : { ~~ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين } [ المؤمنون : 12 ] الآية ، فعجب عمر ~~من قوله ، وقال : جزاك الله خيرا ، PageV07P330 فأخبر على أنه لا يوأد إلا ~~من قد نفخ فيه قبل ذلك ، وما لم ينفخ فيه الروح موات غير موءود . وروى ~~سفيان عن أبى الوداك أن قوما سألوا ابن عباس عن العزل ، فذكر مثل كلام على ~~سواء . فهذا على وابن عباس قد اجتمعا على ما ذكرنا وتابعهما عمر ، ومن كان ~~يحضر من الصحابة ، فدل على أن العزل غير مكروه ، وذهب مالك ، والشافعى ، ~~وجمهور العلماء ، إلى أنه لا يعزل عن الحرة إلا بإذنها ، فإن منعت زوجها لم ~~يعزل . واختلفوا فى العزل عن الزوجة الأمة ، فقال مالك والكوفيون : لا يعزل ~~عنها إلا بإذن سيدها . وقال الثورى : لا يعزل عنها إلا بإذنها . وقال ~~الشافعى : يعزل عنها دون إذنها ودون إذن مولاها . * * * # | 73 - باب القرعة بين النساء إذا أراد سفرا # / 98 - فيه : عائشة قالت : كان النبى ، عليه السلام ، إذا خرج أقرع بين ~~نسائه ، فطارت القرعة لعائشة وحفصة ، وكان النبى - صلى الله عليه وسلم - ~~إذا كان بالليل سار مع عائشة يتحدث ، فقالت حفصة : ألا تركبين الليلة بعيرى ~~وأركب بعيرك ؟ تنظرين وأنظر ، فقالت : بلى ، فركبت فجاء النبى - صلى الله ~~عليه وسلم - إلى جمل عائشة وعليه حفصة ، فسلم عليها ، ثم سار حتى نزلوا ، ~~وافتقدته عائشة ، فلما نزلوا جعلت رجليها بين الإذخر ، وتقول : يا رب سلط ~~على عقربا أو حية تلدغنى ، ولا أستطيع أن أقول له شيئا . قال ابن القصار : ~~إذا أراد أن يسافر بإحدى نسائه ، فاختلف قول PageV07P331 مالك فى ذلك ، ~~فقال : ليس له أن يسافر بمن شاء منهن بغير قرعة ، وهو قول أبى حنيفة ، ~~والشافعى ، وقال مرة : له أن يسافر بمن شاء منهن بغير قرعة . ووجه القول ~~الأول حديث عائشة ، أن النبى ، عليه السلام ، كان إذا سافر أقرع بين نسائه ~~، وفعله سنة لا يجوز العدول عنها . ووجه القول الثانى أن له ذلك بغير قرعة ~~هو أن ضرورته ms2455 فى السفر أشد منها فى الحضر ، فيحتاج إلى من هى أرفق به من ~~نسائه ، وأعون له على أموره ، وأقوى على الحركة ، فلذلك جاز له بغير قرعة . ~~قال المهلب : وفيه العمل بالقرعة فى المقاسمات والاستهام ، وقد تقدم فى ~~كتاب القسمة والشركة ، وهو مذكور أيضا فى آخر كتاب الشهادات والأيمان . ~~وفيه : أن القسم يكون بالليل والنهار ، وقد بان ذلك فى حديث عائشة ، قالت : ~~فكان يقسم لكل امرأة منهن يومها وليلتها ، ذكره البخارى فى باب القرعة فى ~~المشكلات فى آخر كتاب الشهادات ، فى غير موضع . وفيه : أن الاستهام بين ~~النساء من السنن وليس من الفرائض ، يدل على ذلك أن مدة السفر لا تحاسب بها ~~المتخلفة من النساء الغادية ، بل يبتدئ القسم بينهن إذا قدم على سبيل ما ~~تقدم قبل سفره ، ولا خلاف بين أئمة الفتوى فى أن الحاضرة لا تقاضى المسافرة ~~بشىء من الأيام التى انفردت بها فى السفر عند قدومه ، ويعدل بينهن فيما ~~يستقبل ، ذكره ابن المنذر ، عن مالك ، والكوفيين ، والشافعى ، وأبى عبيد ، ~~وأبى ثور . PageV07P332 قال المهلب : وفى تحيل حفصة على عائشة فى بدل ~~بعيرها فى الركوب دليل على أنه ليس من الفروض ؛ لأن حفصة لا يحل لها من ~~النبى - صلى الله عليه وسلم - إلا ما أباحه لها وبذله من نفسه ، وقد تحيلت ~~ولم يبين لها النبى - صلى الله عليه وسلم - أن ذلك لا يحل لها . وذكر ابن ~~المنذر أن القسمة تجب بينهن كما تجب النفقة ، وهذا يدل أن القسم بينهن ~~فريضة ، وقول أهل العلم يدل على ذلك ، قال مالك : الصغيرة التى قد جومعت ~~والكبيرة البالغ فى القسم سواء . وقال الكوفيون فى المرأة لم تبلغ إذا كان ~~قد جامعها : أنها والتى قد أدركت فى القسم سواء ، وهو قول أبى ثور . وقال ~~الشافعى : إذا أعطاها مالا على أن تحلله من يومها وليلتها فقبلت ، فالعطية ~~مردودة ، وعليه أن يوفيها حقها . قال المهلب : ففيه أن دعاء الإنسان على ~~نفسه عند الحرج وما شاكله يعفو الله عنه فى أغلب الحال ؛ لقوله تعالى : { ~~ولو يجعل الله للناس ms2456 الشر } [ يونس : 11 ] ، وفيه أن الغيرة للنساء مسموح ~~لهن فيها وغير منكر من أخلاقهن ، ولا معاقب عليها ولا على مثلها لصبر النبى ~~، عليه السلام ، لسماع مثل هذا من قولها ، ألا ترى قولها له : أرى ربك ~~يسارع فى هواك ، ولم يرد ذلك عليها ولا زجرها ، وعذرها لما جعل الله فى ~~فطرتها من شدة الغيرة . PageV07P333 * * * # | 74 - باب المرأة تهب يومها من زوجها لضرتها وكيف يقسم ذلك # / 99 - فيه : عائشة ، أن سودة بنت زمعة وهبت يومها لعائشة ، وكان النبى - ~~صلى الله عليه وسلم - يقسم لعائشة بيومها ويوم سودة . وقوله : وكيف يقسم ~~ذلك ، يريد أن تكون فيه الموهوبة بمنزلة الواهبة فى رتبة القسمة ، فإن كان ~~يوم سودة ثالثا ليوم عائشة أو رابعا أو خامسا ، استحقته عائشة على حسب ~~القسمة التى كانت لسودة ولا تتأخر عن ذلك اليوم ولا تتقدم ، ولا يكون ثالثا ~~ليوم عائشة إلا أن يكون يوم سودة بعد يوم عائشة . قال المهلب : وأجراه ~~النبى - صلى الله عليه وسلم - مجرى الحقوق الواجبة ، ولم يجره على أصل ~~المسألة من الحكم فيه بما جعل الله له من ذلك بقوله تعالى : { وتئوى إليك ~~من تشاء } [ الأحزاب : 51 ] ، فأجراه مجرى الحقوق تفضلا منه ، عليه السلام ~~، ليكون أبلغ فى رضاهن ، كما قال الله تعالى : { ذلك أدنى أن تقر أعينهن ~~ولا يحزن ويرضين بما آتيتهن كلهن } [ الأحزاب : 51 ] ، أى لا يحزن إذا كان ~~هذا منزلا عليك من الله ، ويرضين بما أعطيتهن من تقريب وإرجاء . وقال قتادة ~~فى قوله : { ترجى من تشاء منهن } [ الأحزاب : 51 ] الآية ، قال : هذا شىء ~~خص الله به نبيه - صلى الله عليه وسلم - ، وليس لأحد غيره ، كان يدع المرأة ~~من نسائه ما بدا له من غير طلاق ، وإذا شاء راجعها . قال غيره : وكان ممن ~~آوى عائشة ، وأم سلمة ، وزينب ، وحفصة ، وكان قسمه من نفسه وماله فيهن سواء ~~، وكان ممن أرجى سودة ، وجويرية ، وصفية ، وأم حبيبة ، وميمونة ، وكان يقسم ~~لهن ما شاء . واختلفوا فى كم يقسم لكل واحدة من نسائه ، فقال ابن القاسم : ~~PageV07P334 لم أسمع مالكا يقول ms2457 إلا يوما لهذه ويوما لهذه . وقال الشافعى : ~~إن أراد أن يقسم ليلتين ليلتين ، وثلاثا ثلاثا ، كان ذلك له ، وأكره مجاوزة ~~الثلاث من الغيرة . قال ابن المنذر : ولا أرى مجاوزة يوم ، إذ لا حجة مع من ~~تخطى سنة النبى ، عليه السلام ، إلى غيره ، ألا ترى قولها فى الحديث : إن ~~سودة وهبت يومها لعائشة ، ولم يحفظ عن النبى - صلى الله عليه وسلم - فى ~~قسمه لأزواجه أكثر من يوم وليلة ، ولو جاز ثلاثة أيام لجاز خمسة أيام ولجاز ~~شهر ، ثم يتخطى بالقول إلى ما لا نهاية له ، ولا يجوز معارضة السنة . وكان ~~مالك يقول : لا بأس أن يقيم الرجل عند أم ولده اليوم واليومين والثلاثة ولا ~~يقيم عند الحرة إلا يوما من غير أن يكون مضارا ، وكذلك قال الشافعى : يأتى ~~الإماء ما شاء أكثر مما يأتى الحرائر الأيام والليالى ، فإذا صار إلى ~~الحرائر عدل بينهن . * * * # | 75 - باب العدل بين النساء وقول الله : { ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين ~~النساء ولو حرصتم } [ النساء 129 ] # وقوله : { ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء } ، أى لن PageV07P335 ~~تطيقوا أيها الرجال أن تسووا بين نسائكم فى حبهن بقلوبكم حتى تعدلوا بينهن ~~فى ذلك ؛ لأن ذلك مما لا تملكونه { ولو حرصتم } ، يعنى ولو حرصتم فى ~~تسويتكم بينهن فى ذلك . قال ابن عباس : لا تستطيع أن تعدل بالشهوة فيما ~~بينهن ولو حرصت . قال ابن المنذر : ودلت هذه الآية أن التسوية بينهن فى ~~المحبة غير واجبة ، وقد أخبر النبى - صلى الله عليه وسلم - أن عائشة أحب ~~إليه من غيرها من أزواجه ، { فلا تميلوا كل الميل } [ النساء : 129 ] ~~بأهوائكم حتى يحملكم ذلك أن تجوروا فى القسم على التى لا تحبون ، وقوله : { ~~فتذروها كالمعلقة } [ النساء : 129 ] ، يعنى لا أيم ولا ذات بعل ، { وإن ~~تصلحوا وتتقوا فإن الله كان غفورا رحيما } [ النساء : 129 ] ، يقول : وإن ~~تصلحوا فيما بينكم وبينهن بالاجتهاد منكم فى العدل بينهن وتتقوا الميل فيهن ~~، فإن الله غفور لما عجزت عنه طاقتكم من بلوغ العدل منكم فيهن . وروى عبد ~~الوهاب ، عن أيوب ، عن أبى ms2458 قلابة ، عن عائشة ، أن النبى - صلى الله عليه ~~وسلم - كان يقسم بين نسائه ، ويقول : ( اللهم إن ذا قسمى فيما أملك ، فلا ~~تلمنى فيما تملك ولا أملك ) . وروى همام بن يحيى ، عن قتادة ، عن النضر بن ~~أنس ، عن بشير بن نهيك ، عن أبى هريرة ، عن النبى ، عليه السلام ، قال : ( ~~من كانت له امرأتان يميل مع إحداهما على الأخرى جاء يوم القيامة أحد شقيه ~~ساقط ) . قال الطحاوى : وكأن معنى هذا الحديث عندنا على الميل إليها بغير ~~PageV07P336 إذن صاحبتها له فى ذلك ، فأما إذا أذنت له فى ذلك وأباحته ، ~~فليس يدخل فى هذا المعنى كما فعلت سودة حين وهبت يومها لعائشة ؛ لأن حقها ~~إنما تركته بطيب نفسها ، فهى فى حكمها لو لم يكن له امرأة غيرها . * * * # | 76 - باب إذا تزوج البكر على الثيب # / 100 - فيه : أنس ، لو شئت أن أقول : قال النبى ، عليه السلام ، ولكن ~~قال السنة : إذا تزوج البكر ، أقام عندها سبعا ، وإذا تزوج الثيب ، أقام ~~عندها ثلاثا . قال ابن عبد الحكم : لم يعن بهذا الحديث من ليست له امرأة ، ~~ثم تزوج أن يقيم عندها سبعا أو ثلاثا ، ولكن أريد به من له امرأة ، ثم تزوج ~~عليها أخرى ، فقال بعض العلماء : المراد بالحديث العموم ، والمقام عند ~~البكر سبعا وعند الثيب ثلاثا واجب لهما ، كان عند الرجل زوجة أم لا ؛ لأن ~~السنة لم تخص من له زوجة ممن لا زوجة له . قال المؤلف : والقول الأول هو ~~الصحيح ، وقد بينه سفيان ، عن أيوب ، وخالد ، عن أبى قلابة ، عن أنس فى ~~الباب بعد هذا ، قال : من السنة إذا تزوج البكر على الثيب أقام عندها سبعا ~~، وإذا تزوج الثيب أقام عندها ثلاثا ثم قسم ؛ لأنه لا يقسم الذى يقيم عند ~~الثيب ثلاثا إلا من تقدم عنده زوجة أخرى أو أكثر . فبان بهذا الحديث أن ~~المراد به من له زوجة ثم تزوج عليها أخرى . وروى ابن القاسم ، عن مالك ، أن ~~مقامه عند البكر سبعا ، وعند PageV07P337 الثيب ثلاثا إذا كان له امرأة ~~أخرى واجب ، وروى عنه ابن عبد ms2459 الحكم أن ذلك مستحب وليس بواجب . قال ابن ~~حبيب : ويخرج إلى حوائجه وصلاته بكرا كانت أو ثيبا ، كانت له زوجة أخرى أم ~~لا . وروى ابن أبى أويس ، عن مالك ، فيمن دخل على امرأته ليلة الجمعة ~~أيتخلف عن الجمعة ؟ قال : لا ، تزوج أمير المؤمنين المهدى بالمدينة ، فخرج ~~إلى الصبح وغيرها . وروى ابن القاسم ، عن مالك فى العتبية ، قال : لا يتخلف ~~العروس عن الجمعة ولا عن حضور الصلوات ، وهو قول الشافعى . قال سحنون : وقد ~~قال بعض الناس : لا يخرج ، وذلك حق لها بالسنة . قال المؤلف : هذا على من ~~تأول إقامته عند البكر والثيب على العموم ، ومن رأى أن يخرج إلى الصلوات ، ~~فتأول إقامته عندها على ما يجب لها من القسمة والمبيت دون غيرها من أزواجه ~~، فليس ذلك بمانع له من حضور الصلوات كما يفعل غير العروس فى قسمته بين ~~نسائه ، وليس له التخلف عن الجماعة . وقال المهلب : إنما خصت البكر بالسبع ~~، والله أعلم ، لما فى خلق الأبكار من الاستيحاش من الرجال والنفار عن ~~مباشرتهم ولما يلقى الرجل من معالجتهن فى الوصول إليهن ، وأما الثلاث للثيب ~~فلسهولة أمرها وعلمها بمباشرة الرجال لم تحتج أن يفسح لها فى المدة بأكثر ~~من ثلاث . PageV07P338 * * * # | 77 - باب إذا تزوج الثيب على البكر # / 101 - فيه : أنس ، إن من السنة إذا تزوج الرجل البكر على الثيب ، أقام ~~عندها سبعا وقسم ، وإذا تزوج الثيب على البكر ، أقام عندها ثلاثا ، ثم قسم ~~. ولو شئت قلت : إن أنسا رفعه إلى النبى ، عليه السلام . اختلف العلماء فى ~~هذا الباب ، فقالت طائفة : يقيم عند البكر سبعا وعند الثيب ثلاثا إذا كانت ~~له امرأة أخرى أو أكثر على نص هذا الحديث ، ثم يقسم بينهن ولا يقضى ~~المتقدمات بدل ما أقام عند الجديدة ، هذا قول مالك ، والشافعى ، وأحمد ، ~~وإسحاق ، وأبى ثور ، وأبى عبيد ، واحتجوا بحديث أنس . وقال ابن المسيب ، ~~والحسن : للبكر ثلاثا ، وللثيب ليلتين ، وهو قول الأوزاعى ، قال : إذا تزوج ~~البكر على الثيب مكث ثلاثا ، وإذا تزوج الثيب على البكر أقام يومين . وقال ~~أبو حنيفة وأصحابه ms2460 : لا يقيم عند البكر إلا كما يقيم عند الثيب ، وهما سواء ~~فى ذلك ، واحتجوا بحديث أم سلمة ، أن النبى - صلى الله عليه وسلم - قال لها ~~: ( إن شئت سبعت عندك وسبعت عندهن ، وإن شئت ثلثت ودرت ) ، قالت : ثلث ودر ~~، قالوا : فلم يعطها فى السبع شيئا إلا أعلمها أنه يعطى غيرها مثلها ، فدل ~~ذلك على المساواة بينهن . قالوا : وكذلك قوله : ( وإن شئت ثلثت ودرت ) ، أى ~~أدور مثلثا أيضا لهن ، كما أدور مسبعا إن سبعت ، قالوا : ولو استحقت الثيب ~~ثلاثة أيام قسم لها لوجب إذا سبع عندها أن يربع لهن . وقال لهم أهل المقالة ~~الأولى : قول النبى ، عليه السلام : ( ليس بك على أهلك هوان ) ، يدل أنه ~~رأى منها أنها استقلت الثلاث التى PageV07P339 هى حق الثيب ، فآنسها عليه ~~السلام بقوله : ( ليس بك على أهلك هوان ) ، أى ليس أقسم ثلاثا لهوانك عندى ~~، وإنما أقسمها لك ؛ لأنه حق الثيب ، وخيرها بين أعلى حقوق النساء وأشرفها ~~عندهن وهى السبع وبين الثلاث ، على شرط إن اختارت السبع قسم لكل ثيب مثلها ~~، وإن اختارت الثلاث التى هى حقها لم يقسم لغيرها مثلها ، فرأت أن الثلاث ~~التى هى حقها أفضل لها ، إذ لا يقسم لغيرها مثلها ولسرعة رجوعه إليها ، ~~فاختارتها وطابت نفسها عليها ، ورأت أنها أرجح عندها من أن يسبع عندها على ~~أن يسبع عند غيرها . وفى هذا ضرب من اللطف والرفق بمن يخشى منه كراهة قبول ~~الحق حتى يتبين له فضله ويختار الرجوع إليه ، ومما يبطل قول الكوفيين أنه ~~إن ثلث عندها ثلث عندهن ثم يستأنف القسم أنه ، عليه السلام ، لما ذكر السبع ~~قرنها بالقضاء ، فقال : ( سبعت عندك وسبعت عندهن ) ، ولما ذكر الثلاث لم ~~يقرنها بالقضاء ؛ لأن الدوران عليهن يقتضى ابتداء قسم لا قضاء ، فسقط قولهم ~~، هذا قول ابن القصار . قال : وقد خالف الكوفيون حديث أم سلمة ؛ لأن النبى ~~- صلى الله عليه وسلم - قال لها : ( إن شئت سبعت عندك ) ، فجعل لها الخيار ~~فى القسم ، وأبو حنيفة يجعل الخيار إلى الزوج ، وفى هذا مخالفة الخبر . قال ~~أحمد بن خالد : هذا ms2461 الباب عجب ؛ لأنه صار فيه أهل المدينة إلى ما رواه أهل ~~العراق ؛ لأن حديث أنس حديث بصرى ، وصار فيه أهل العراق إلى ما رواه اهل ~~المدينة ، وقول أهل المدينة أولى ؛ لقول أنس : السنة للبكر سبع ، وللثيب ~~ثلاث ، والصحابى إذا PageV07P340 ذكر السنة بالألف واللام ، فإنما أشار إلى ~~سنته ، عليه السلام ، واللام فى قوله : للبكر سبع وللثيب ثلاث ، لام الملك ~~، فدل أن ذلك حق من حقوقها ، فمحال أن يحاسبها بذلك ، وقول ابن المسيب ، ~~والحسن ، خلاف الآثار ، فلا معنى له . * * * # | 78 - باب من طاف على نسائه فى غسل واحد # / 102 - فيه : أنس ، أن النبى - صلى الله عليه وسلم - كان يطوف على نسائه ~~فى الليلة الواحدة ، وله يومئذ تسع نسوة . قد تقدم هذا الباب فى كتاب ~~الطهارة ، وأنه يحتمل أن يكون فعل ذلك حين إقباله من سفره حيث لا قسمة ~~تلزمه ؛ لأنه حينئذ لا تكون منهن واحدة أولى بالابتداء من صاحبتها ، فلما ~~استوت حقوقهن جمعهن كلهن فى ليلة ، ثم استأنف القسمة بعد ذلك ، ويحتمل أن ~~يكون ذلك بطيب أنفس أزواجه وإذنهن فيه ، يدل على ذلك سؤاله أزواجه أن يمرض ~~فى بيت عائشة ، حكاه ابن المنذر ، عن أبى عبيد . قال المهلب : يحتمل أن ~~يكون ذلك فى يوم يقرع فيه بالقسمة بين أزواجه ، فيقرع هذا اليوم لهن كلهن ~~يجمعهن فيه ، ثم يستأنف بعده القسمة ، والله أعلم . إلا أن هذا من فعل ~~النبى - صلى الله عليه وسلم - فى القسم بينهن شىء تبرع به وتطوع لما جبله ~~الله عليه من العدل ؛ لأن الله قد رفع عنه مئونة القسمة بينهن بقوله : { ~~ترجى من تشاء منهن وتئوى إليك من تشاء ومن ابتغيت ممن عزلت فلا جناح عليك } ~~[ الأحزاب : 51 ] . ولا يجوز عند جماعة العلماء أن يطأ الرجل امرأته فى ~~ليلة أخرى ، PageV07P341 وإنما يجوز فى الإماء حيث لا قسمة لهن . قال ابن ~~حبيب : وإذا وطئ الرجل إحدى امرأتيه فى يومها ، ثم أراد أن يطأ الأخرى قبل ~~أن يغتسل ، فحللت امرأته التى لها ذلك اليوم فلا بأس به ، ويكره للرجل أن ~~يجمع ms2462 بين امرأتيه من نسائه فى فراش واحد وإن رضيتا به ، لكن لا يجوز أن يطأ ~~إحداهما والأخرى معه فى البيت وإن لم تسمع ذلك . قال ابن الماجشون : ويكره ~~أن تكون معه فى البيت بهيمة أو حيوان ، وكان ابن عمر إذا فعل ذلك أخرج كل ~~من عنده فى البيت ، حتى الصبى الممهود ، ولا بأس أن يطأ امرأته الحرة ، ثم ~~يطأ أمته قبل أن يغتسل ، ولا بأس أن يطأ أمته ، ثم يطأ امرأته قبل أن يغتسل ~~. قال غيره : لما جاز أن يطأ امرأته مرتين وثلاثا ، ثم يغتسل فى آخر ذلك ~~إذا حضر وقت الصلاة جاز له أن يطأ امرأتين فى ليلة إذا أذنت له صاحبة ~~الليلة ويغتسل غسلا واحدا ، كما طاف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على ~~نسائه فى غسل واحد فى ليلة . قال ابن الماجشون : ولا يجب على الرجل غشيان ~~امرأتيه جميعا فى ليلتهما ، ولا بأس أن يغشى إحداهما ويكف عن الأخرى ما لم ~~يرد به الضرر والميل . * * * # | 79 - باب دخول الرجل على نسائه فى اليوم # / 103 - فيه : عائشة ، كان النبى - صلى الله عليه وسلم - إذا انصرف من ~~العصر ، دخل على نسائه ، فيدنو PageV07P342 من إحداهن ، فدخل على حفصة ، ~~فاحتبس أكثر مما كان يحتبس . قال المهلب : هذا إنما كان يفعله ، عليه ~~السلام ، فى النادر ، ولم يكن يفعله أبد الدهر ، وإنما كان يفعله لما أباح ~~الله تعالى له بقوله : { ترجى من تشاء منهن } [ الأحزاب : 51 ] ، فكان ~~يذكرهن بهذا الفعل فى الغب بإفضاله عليهن فى العدل بينهن ؛ لئلا يظنوا أن ~~القسمة حق لهن عليه . وقال غيره : ليس حقيقة القسم بين النساء إلا فى الليل ~~خاصة ؛ لأن للرجل التصرف نهاره فى معيشته وما يحتاج إليه من أموره ، فإذا ~~كان دخوله على امرأته فى غير يومها دخولا خفيفا فى حاجة يقضيها فلا أعلم ~~خلافا بين العلماء فى جواز ذلك . وذكر ابن المواز عن مالك ، قال : لا يأتى ~~إلى واحدة من نسائه فى يوم الأخرى إلا لحاجة أو عيادة ، قال غيره : وأما ~~جلوسه عندها ومحادثتها تلذذا ms2463 بها ، فلا يجوز ذلك عندهم فى غير يومها . * * ~~* # | 80 - باب استئذان الرجل نساءه أن يمرض فى بيت بعضهن فأذن له # / 104 - فيه عائشة ، أن النبى - صلى الله عليه وسلم - كان يسأل فى مرضه ~~الذى مات فيه : ( أين أنا غدا ؟ أين أنا غدا ) ؟ يريد يوم عائشة ، فأذن له ~~أزواجه يكون حيث شاء ، فكان فى بيت عائشة حتى مات عندها ، قالت عائشة : ~~فمات فى اليوم الذى كان يدور على فيه فى بيتى ، فقبضه الله ، وإن رأسه لبين ~~نحرى وسحرى ، وخالط ريقه ريقى . PageV07P343 وفيه : حب الرجل لبعض أزواجه ~~أكثر من بعض . وفيه : أن القسمة حق للزوجة ، ولذلك استأذنهن ، عليه السلام ~~، أن يمرض فى بيت عائشة ، وإنما فعل ذلك لأنها كانت أرفق به وألطف بتمريضه ~~مع أن المرض إذا كان ثقيلا لا يقدر فيه على الانتقال والحركة سقطت القسمة . ~~قال ابن حبيب : إذا مرض مرضا يقوى معه على الاختلاف فيما بينهن كان له أن ~~يعدل بينهن فى القسم ، إلا أن يكون مرضه مرضا قد غلبه ولا يقدر على ~~الاختلاف ، فلا بأس أن يقيم حيث أحب ، ما لم يكن منه ميلا ، فإذا صح عدل ~~بينهن فى القسمة ، ولم يحتسب للتى لم يقم عندها ما أقام عند غيرها ، وهو ~~قول مالك . واتفقوا إذا مرضت المرأة أن لها أيامها من القسمة كالصحيحة ، ~~واختلفوا إذا اشتد مرضها وثقلت ، فقال الشافعى : لا بأس أن يقيم عندها حتى ~~تخف أو تموت ، ثم يوفى من بقى من نسائه مثل ما أقام عندها ، وبه قال أبو ~~ثور ، وقال الكوفيون : ما مضى هدر ، ويستأنف العدل فيما يستقبل . وقولها : ~~( بين نحرى وسحرى ) ، فالنحر معروف وهو الصدر . قال أبو عبيد : قال أبو زيد ~~: وبعضه عن ابن عمر وغيره : السحر ما تعلق بالحلقوم ، ولهذا قيل للرجل إذا ~~جبن : قد انتفخ سحره ، كأنهم إنما أرادوا الرئة وما معها . وقال أبو عبيدة ~~: هو السحر . وقال الفراء : وأكثر العرب على ما قال أبو عبيدة . ~~PageV07P344 * * * # | 81 - باب حب الرجل بعض نسائه أفضل من بعض # / 105 - فيه : عمر ، دخل على حفصة ms2464 ، فقال : يا بنية ، لا يغرنك هذه التى ~~أعجبها حسنها وحب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إياها - يريد عائشة - ~~فقصصت على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فتبسم . قال الطبرى : وقوله ~~: لا يغرنك أن كانت جارتك أحب إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - منك ، ~~يريد عائشة ، ففيه دليل على أنه لا حرج على من كان عنده جماعة نسوة فى ~~إيثار بعضهن فى المحبة على بعض إذا سوى بينهن فى القسمة ، ومثله قوله عليه ~~السلام : ( اللهم هذا قسمى فيما أملك ، فلا تلمنى فيما لا أملك ) ، والذى ~~سأل ربه ألا يلومه فيه ما كان لا يملكه من نفسه ، هو ما جبلت عليه القلوب ~~من الميل بالمحبة إلى من هويته . وذلك مما لا سبيل للعباد إلى خلافه ودفعه ~~عنه ، وهو المعنى الذى أخبر عنه تعالى أنهم لا يطيقونه من معانى العدل بين ~~النساء ، فعلم بذلك أن كل ما كان عارضا لقلب ابن آدم من شىء مال إليه ~~بالمحبة والهوى مما لم يجتلبه المرء إليه باكتساب ولم يتجاوز به العارض منه ~~فى قلبه إلى ما يكرهه الله ولا يرضاه من العمل بجوارحه ، فلا حرج عليه فيه ~~ولا تبعة تلحقه فيه فيما بينه وبين الله بسبب ما عرض له من فرط هوى وصبابة ~~نفس . قال ابن حبيب : ولما كان القلب لا يملك ولا يستطاع العدل فيه وضع ~~الله عن عباده الحرج فى ذلك ، قال تعالى : { لا يكلف الله PageV07P345 نفسا ~~إلا وسعها } [ البقرة : 286 ] ، وحسب الرجل أن يسوى بين نسائه فى القوت ~~والإدام واللباس على قدرها وكفايتها ، ويقسم لها يوما وليلة ، فيبيت عندها ~~، وسواء كانت حائضا أو طاهرا ، ثم لا حرج عليه أن يوسع على إحداهن دون ~~غيرها من صواحباتها بأكثر من ذلك من ماله . فأما المسيس فعلى قدر نشاطه إذا ~~لم يكن حبسه لنفسه عنها إيفاء لغيرها ممن هى أحب إليه وألصق بقلبه ، فلذلك ~~لا يحل له أن يفعله ، وهو من الميل الذى نهى الله عنه ، فأما أن ينشط لهذه ~~فى ليلتها ويكسل عن ms2465 هذه فى ليلتها ، فلا حرج عليه فى ذلك ، وذلك من الذى ~~يقع فى القلب مما لا يملكه العبد . قال المهلب : وفيه أن الصهر قد يعاتب ~~ابنته على الإفراط فى الغيرة على زوجها ، وينهاها عن مساماة من هى عند ~~الزوج أحظى منها ؛ لئلا يحرج ذلك الزوج ويئول الأمر إلى الفرقة . * * * # | 82 - باب المتشبع بما لم ينل وما ينهى من افتخار الضرة # / 106 - فيه : أسماء ، أن امرأة قالت : يا رسول الله ، إن لى ضرة ، فهل ~~على جناح إن تشبعت من زوجى غير الذى يعطينى ؟ فقال : ( المتشبع بما لم يعط ~~كلابس ثوبى زور ) . قال أبو عبيد : قوله : المتشبع بما لم يعط ، يعنى ~~المتزين بأكثر مما عنده يتكثر بذلك ويتزين بالباطل ، كالمرأة تكون للرجل ~~ولها ضرة ، فتتشبع بما تدعيه من الحظوة عند زوجها بأكثر مما عنده لها تريد ~~PageV07P346 بذلك غيظ صاحبتها وإدخال الأذى عليها ، وكذلك هذا فى الرجل ~~أيضا ، وأما قوله : كلابس ثوبى زور ، فإنه الرجل يلبس ثياب أهل الزهد فى ~~الدنيا ، يريد بذلك الناس ويظهر من التخشع والتقشف أكثر مما فى قلبه ، فهذه ~~ثياب الزور والرياء . وفيه وجه آخر أيضا : أن يكون أراد بالثياب الأنفس ، ~~والعرب تفعل ذلك كثيرا ، يقال : فلان نقى الثوب ، إذا كان بريئا من الدنس ~~والآثام ، وفلان دنس الثياب ، إذا كان مغموصا عليه فى دينه ، ومنه قوله ~~تعالى : { وثيابك فطهر } [ المدثر : 4 ] . وقال أبو سعيد الضرير فى معنى ~~قوله : كلابس ثوبى زور ، هو أن يستعير شاهد الزور ثوبين يتجمل بهما ويتحلى ~~بهما عند الحاكم ، وإنما يريد أن يقيم شهادته . وقال بعض أهل المعرفة بلسان ~~العرب : ولقوله : ثوبى ، التثنية معنى صحيح ؛ لأن كذب المتحلى بما لم يعط ~~مثنى ، فهو كاذب على نفسه بما لم يأخذ ، وكاذب على غيره بما لم يبذل . * * ~~* # | 83 - باب الغيرة # وقال سعد بن عبادة : لو رأيت رجلا مع امرأتى لضربته بالسيف غير مصفح . ~~فقال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( أتعجبون من غيرة سعد ، لأنا أغير ~~منه ، والله أغير منى ) . / 107 - فيه : ابن مسعود ، قال النبى - صلى الله ms2466 ~~عليه وسلم - : ( ما من أحد أغير من الله ، من أجل ذلك حرم الفواحش ، وما ~~أحد أحب إليه المدح من الله ) . PageV07P347 / 108 - وفيه : عائشة ، قال ~~النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( يا أمة محمد ، ما أحد أغير من الله أن ~~يرى عبده أو أمته تزنى ، يا أمة محمد ، لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ، ~~ولبكيتم كثيرا ) . / 109 - وفيه : أسماء قال النبى : ( لا شىء أغير من الله ~~) . / 110 - وفيه : أبو هريرة ، قال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( إن ~~الله يغار ، وغيرة الله أن لا يأتى المؤمن ما حرم الله ) . / 111 - وفيه : ~~أسماء ، تزوجنى الزبير ، وما له فى الأرض من مال ولا مملوك ، ولا شىء غير ~~ناضح ، وغير فرسه ، فكنت أعلف فرسه ، وأسقى الماء ، وأخرز غربه ، وأعجن ولم ~~أكن أحسن أخبز ، وكان يخبز جارات لى من الأنصار ، وكن نسوة صدق ، وكنت أنقل ~~النوى من أرض الزبير التى أقطعه النبى على رأسى ، وهى منى على ثلثى فرسخ ، ~~فجئت يوما والنوى على رأسى ، فلقيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومعه ~~نفر من الأنصار ، فدعانى ، ثم قال : ( إخ ، إخ ، ليحملنى خلفه ) ، فاستحييت ~~أن أسير مع الرجال ، وذكرت الزبير وغيرته - وكان أغير الناس - فعرف النبى - ~~صلى الله عليه وسلم - أنى قد استحييت ، فمضى ، فجئت الزبير ، فقلت : لقينى ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعلى رأسى النوى ، ومعه نفر من أصحابه ، ~~فأناخ لأركب ، فاستحييت منه ، وعرفت غيرتك ، فقال : والله لحملك النوى كان ~~أشد على من ركوبك معه ، قالت : حتى أرسل إلى أبو بكر [ بعد ذلك ] بخادم ~~تكفينى سياسة الفرس ، فكأنما أعتقنى . PageV07P348 / 112 - وفيه : أنس ، ~~قال : كان النبى - صلى الله عليه وسلم - عند بعض نسائه ، فأرسلت إحدى أمهات ~~المؤمنين بصحفة فيها طعام ، فضربت التى النبى ، عليه السلام ، فى بيتها يد ~~الخادم ، فسقطت الصحفة ، فانفلقت ، فجمع النبى - صلى الله عليه وسلم - فلق ~~الصحفة ، ثم جعل يجمع فيها الطعام الذى كان فى الصحفة ، ويقول : ( غارت ~~أمكم . . . ) الحديث . / 113 - وفيه : جابر ، قال النبى - صلى الله عليه ~~وسلم - : ( دخلت الجنة ، فأبصرت قصرا ، فقلت ms2467 : لمن هذا ؟ قالوا : لعمر بن ~~الخطاب ، فأردت أن أدخله ، فلم يمنعنى إلا علمى بغيرتك ) ، قال عمر : بأبى ~~أنت وأمى يا رسول الله ، أوعليك أغار ؟ . / 114 - وفيه : أبو هريرة ، بينما ~~نحن عند النبى - صلى الله عليه وسلم - جلوس ، فقال : ( بينما أنا نائم ، ~~رأيتنى فى الجنة ، فإذا امرأة تتوضأ إلى جانب قصر ، فقلت : لمن هذا ؟ قالوا ~~: هذا لعمر ، فذكرت غيرتك ، فوليت مدبرا ) ، فبكى عمر وهو فى المجلس ، ثم ~~قال : أوعليك أغار يا رسول الله ؟ . قال المهلب : وهذه الغيرة التى جاءت فى ~~هذه الأحاديث فى وصف الله تعالى ليست منه على حسب ما هى عليه فى المخلوقين ~~؛ لأنه لا تجوز عليه صفات النقص تعالى ، إذ لا تشبه صفاته صفات المخلوقين ، ~~والغيرة فى صفاته بمعنى الزجر عن الفواحش والتحريم لها والمنع منها ؛ لأن ~~الغيور هو الذى يزجر عما يغار عليه ، وقد بين ذلك بقوله عليه السلام : ( ~~ومن غيرته حرم الفواحش ) ، أى زجر عنها ومنع منها ، وبقوله فى حديث أبى ~~هريرة : ( وغيرة الله أن PageV07P349 لا يأتى المؤمن ما حرم الله ) ، وقوله ~~فى حديث سعد : ( لأنا أغير من سعد ، والله أغير منى ) ، ومعنى ذلك أنه ~~لزجور عن المحارم وأنا أزجر منه ، والله أزجر من الجميع عما لا يحل ، وكذلك ~~قوله : ( غارت أمكم ) ، أى زجرت عن إهداء ما أهدت صاحبتها . قال المهلب : ~~وأما نقل النوى وسياسة الفرس وخرز الغرب ، فلا يلزم المرأة شىء من ذلك إلا ~~أن تتطوع به ، كما تطوعت أسماء . قال ابن حبيب : وكذلك الغزل والنسج ليس ~~للرجل على امرأته ذلك بحال إلا أن تتطوع ، وليس عليه إخدامها إذا كان معسرا ~~، وإن كانت ذات قدر وشرف ، وعليها الخدمة الباطنة كما هى على الدنية ، ~~وهكذا أوضح لى ابن الماجشون وأصبغ ، وسأتقصى مذاهب العلماء فى هذه المسألة ~~فى كتاب النفقات بعد هذا ، إن شاء الله . قال المهلب : وفى حديث أسماء من ~~الفقه أن المرأة الشريفة إذا تطوعت من خدمة زوجها بما لا يلزمها كنقل النوى ~~وسياسة الفرس أنه لا ينكر ذلك عليها أب ولا سلطان . وفيه : إرداف ms2468 المرأة ~~خلف الرجل وحملها فى جملة ركب من الناس ، وليس فى الحديث أنها استترت ، ولا ~~أن النبى - صلى الله عليه وسلم - أمرها بذلك ، فعلم منه أن الحجاب إنما هو ~~فرض على أزواج النبى ، عليه السلام ، خاصة كما نص الله فى القرآن بقوله : { ~~يا نساء النبى } [ الأحزاب : 32 ] . وفيه : غيرة الرجل عند ابتذال أهله ~~فيما يشق عليهن من الخدمة ، وأنفة نفسه من ذلك ، لاسيما إذا كانت ذات حسب ~~وأبوة ، وكذلك عز على النبى - صلى الله عليه وسلم - إفراط امتهانها ولم ~~يلمها على ذلك ، ولا وبخ الزبير على تكليفه لها ذلك لما علم من طيب نفسها ~~به . PageV07P350 وفى حديث القصعة الصبر للنساء على أخلاقهن وعوجهن ؛ لأنه ~~عليه السلام ، لم يوبخها على ذلك ولا لامها ، ولا زاد على قوله : ( غارت ~~أمكم ) ، وقد تقدم اختلاف العلماء فيمن استهلك شيئا لصاحبه هل يلزمه غرم ~~مثله ، فى كتاب المظالم والغصب عند ذكر حديث القصعة ، فأغنى عن إعادته . ~~وفى حديث جابر ، أنه إذا علم من الإنسان خلق ، فلا يتعرض لما ينافر خلقه ~~ويؤذيه فى ذلك الخلق ، كما فعل النبى - صلى الله عليه وسلم - حين لم يدخل ~~القصر الذى كان لعمر لمعرفته بغيرته ، وفى قوله : أعليك أغار يا رسول الله ~~، أن الرجل الصالح المعروف بالخير والصلاح لا يجب أن يظن به شىء من السوء . ~~وقوله : لضربته بالسيف غير مصفح ، وهو من صفحة السيف ، وهو عرضه . قال ابن ~~قتيبة : يقال : أصفحت بالسيف فأنا مصفح ، والسيف يصفح به إذا أنت ضربت ~~بعرضه ، وأراد سعد أنه لو وجد رجلا مع أهله لضربه بحد سيفه لا بعرضه ، ولم ~~يصبر أن يأتى بأربعة شهداء ، وسيأتى فى كتاب الديات الحكم فيمن وجد رجلا مع ~~امرأته فقتله . وذكر ابن قتيبة فى قوله عليه السلام : ( فإذا امرأة تتوضأ ~~إلى جانب قصر ) ، ( فإذا امرأة شوهاء إلى جانب قصر ) ، من حديث ابن شهاب ، ~~عن سعيد بن المسيب ، وفسره فقال : الشوهاء الحسنة الرائعة ، حدثنى بذلك أبو ~~حاتم ، عن أبى عبيدة ، عن المنتجع ، قال : PageV07P351 ويقال : فرس شوهاء ، ~~ولا يقال للذكر ms2469 أشوه ، ويقال : لا تشوه على ، إذا قال : ما أحسنك ، أى لا ~~تصبنى بعين . وقال الزبيرى : ذكره أبو على فى التاريخ بفتح التاء والواو ~~وتشديد الواو . قال المؤلف : يشبه أن تكون هذه الرواية الصواب ، وتتوضأ ~~تصحيف ، والله أعلم ؛ لأن الحور طاهرات ولا وضوء عليهن ، فكذلك كل من دخل ~~الجنة لا تلزمه طهارة ولا عبادة ، وحروف شوهاء يمكن تصحيفها بحروف تتوضأ ؛ ~~لقرب صور بعضها من بعض ، والله أعلم . * * * # | 84 - باب غيرة النساء ووجدهن # / 115 - فيه : عائشة ، قال لى النبى ، عليه السلام : ( إنى لأعلم إذا كنت ~~عنى راضية ، وإذا كنت على غضبى ) ، قالت : فقلت : يا رسول الله من أين تعرف ~~ذلك ؟ فقال : ( أما إذا كنت عنى راضية ، فإنك تقولين : لا ، ورب محمد ، ~~وإذا كنت على غضبى ، قلت : لا ، ورب إبراهيم ) ، قالت : قلت : أجل والله يا ~~رسول الله ، ما أهجر إلا اسمك . / 116 - وفيه : عائشة ، أنها قالت : ما غرت ~~على امرأة لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما غرت على خديجة ؛ لكثرة ذكر ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إياها ، وثنائه عليها ، وقد أوحى إلى ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : أن يبشرها ببيت لها فى الجنة من قصب . ~~وفيه الصبر على النساء وعلى ما يبدو منهن من الجفاء والحرج عند PageV07P352 ~~الغيرة لما جبلن عليه منها ، وأنهن لا تملكنها ، فعفى عن عقوبتهن على ذلك ~~وعذرهن الله فيه . قال المهلب : وقولها : ما أهجر إلا اسمك ، يدل على أن ~~الاسم فى المخلوقين غير المسمى ، ولو كان المسمى وهجرت اسمه لهجرته بعينه ، ~~ويدل على ذلك أن من قال : أكلت اسم العسل ، واسم الخبز ، فإنه لا يفهم أنه ~~أكل الخبز والعسل ، وكذلك إذا قال : لقيت اسم زيد ، لا يفهم منه أنه لقى ~~زيدا ، ويبين ذلك ما نشاهده من تبديل أسماء المملوكين وتبديل كنى الأحرار ~~ولا تتبدل الأشخاص مع ذلك . قال المهلب : وإنما يصح عند تحقيق النظر أن ~~يكون الاسم هو المسمى فى الله تعالى وحده لا فيما سواه من المخلوقين ، ~~لمباينته تعالى فى أسمائه وصفاته حكم أسماء المخلوقين ms2470 وصفاتهم . فإن قيل : ~~فإذا كان الاسم غير المسمى فى المخلوقين ، فيلزم كذلك فى البارى تعالى ، ~~قيل : هذا غير لازم ؛ لأن طرق العلم بالشىء إنما يؤخذ من جهة الاستدلال ~~عليه بمثله وشبهه ، أو من حكم ضده ، وعلمنا يقينا أن الله تعالى لا شبه له ~~بقوله : { ليس كمثله شىء } [ الشورى : 11 ] ، وبقوله : { ولم يكن له كفوا ~~أحد } [ الإخلاص : 3 ] ، فثبت بذلك أنه لا ضد له ؛ لأن حكم الضد إنما يعلم ~~من حكم ضده ، فلما لم يكن لله شبه ولا ضد يستدل على اسمه إذا كان غير ~~المسمى ، لم يجز لنا أن نقول بذلك فى الله تعالى ؛ لإجماع أهل السنة على أن ~~صفات الله تعالى لا تشبه صفات المخلوقين من قبل أن الشيئين لا يشتبهان ~~باتفاق أسمائهما ، وإنما يشتبهان بأنفسهما ، ولما كانت نفس البارى ~~PageV07P353 سبحانه وتعالى غير مشبهة لشىء من العالم ، كانت كذلك صفاته ~~وأسماؤه ، ألا ترى وصف البارى تعالى بأنه موجود ووصف الإنسان بذلك لا يوجب ~~تشابها بينهما ، وإن كانا قد اتفق فى حقيقة الوجود ، هذا قول مجاهد . ~~وسيأتى فى كتاب الرد على الجهمية ، وهو الجزء الثانى من الاعتصام فى آخر ~~هذا الديوان فى باب السؤال بأسماء الله والاستعاذة بها تبيين مذاهب أهل ~~السنة أن اسم الله عز وجل هو المسمى ، فهو موضع ذكره إن شاء الله ، وسأذكر ~~فى كتاب الأدب فى باب حسن العهد من الإيمان تفسير الفضل المذكور . * * * # | 85 - باب ذب الرجل عن ابنته فى الغيرة والإنصاف # / 117 - فيه : المسور ، سمعت النبى - صلى الله عليه وسلم - على المنبر ~~يقول : ( إن بنى هشام ابن المغيرة استأذنونى فى أن ينكحوا ابنتهم على بن ~~أبى طالب ، فلا آذن ، ثم لا آذن ، ثم لا آذن إلا أن يريد ابن أبى طالب أن ~~يطلق ابنتى ، وينكح ابنتهم ، فإنما هى بضعة منى ، يريبنى ما أرابها ، ~~ويؤذينى ما آذاها ) . قال المهلب : فى هذا من الفقه أنه قد يحكم فى أشياء ~~لم تبلغ التحريم بأن يمنع منها من يريدها ، وإن كانت حلالا ، لما يلحقها من ~~الكراهية فى العرض ms2471 أو المضرة فى المال . PageV07P354 وفيه : بقاء عار ~~الآباء فى أعقابهم وأنهم يعيرون به ، ولا يوازون الأشراف كما عير رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - بنت أبى جهل وهى مسلمة بعداوة أبيها لله ، فحط بذلك ~~منزلتها عن أن تحل محل ابنته ، وكذلك السابقة إلى الخير والشرف فى الدين ~~تبقى فى العقب فضله ، ويرعى فيهم أمره ، ألا ترى قوله تعالى : { وكان ~~أبوهما صالحا } [ الكهف : 82 ] . وفيه : دليل ألا تجتمع أمة وحرة تحت رجل ~~إلا برضا الحرة ؛ لأن النبى ، عليه السلام ، لم يجعل بنت عدو الله مكافئة ~~لبنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فكذلك المرأتان الغير متكافئتين ~~بالحرية فى الإسلام لا تجتمعان إلا برضا الحرة ، ألا ترى أن رضا فاطمة لو ~~تأتى منها لما منع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذلك ؛ لأنه قال : ( ~~يؤذينى ما آذاها وأخاف أن تفتن فى دينها ) ، ولم تكن بنت عدو الله مأمونة ~~عليها أن تكون ضرة وصاحبة لها ، ولو لم يحزنها ذلك ولا خشى منها الفتنة ؛ ~~لما منعه من حال نكاح بنت أبى جهل ، ومن هذا المعنى وحديث بريرة وجب تخيير ~~الحرة إذا تزوج عليها أمة ؛ لأن بريرة حين عتقت فارقته ؛ لأن زوجها لم ~~يكافئها لحريتها ، فكذلك الحرة لا تكافئها المملوكة . واختلف العلماء فى ~~ذلك ، فقال مالك : إذا نكح أمة على حرة يجوز النكاح ، والحرة بالخيار . هذه ~~رواية ابن وهب عنه ، وروى عنه ابن القاسم أنه سئل عمن تزوج أمة وهو يجد ~~طولا إلى حرة ، قال : يفرق بينهما ، قيل : إنه يخاف العنت ، قال : السوط ~~يضرب به ، ثم خففه بعد ذلك ، قلت : فإن كان لا يخشى العنت ، قال : كان يقول ~~: ليس له أن يتزوجها . PageV07P355 وقال الكوفيون ، والثورى ، والأوزاعى ، ~~والشافعى : لا يجوز له أن يتزوج أمة وتحته حرة ، ولا يصح نكاح الأمة ، ولا ~~فرق بين إذن الحرة وغير إذنها . واختلفوا فى نكاح الحرة على الأمة ، فقالت ~~طائفة : النكاح ثابت ، روى هذا عن عطاء ، وسعيد بن المسيب ، وبه قال ~~الكوفيون ، والشافعى ، وأبو ثور ، وفيه قول ثان ، وهو أن الحرة ms2472 بالخيار إذا ~~علمت ، هذا قول الزهرى ، ومالك . وفيها قول ثالث ، وهو أن يكون نكاح الحرة ~~طلاقا للأمة ، روى هذا عن ابن عباس ، وبه قال أحمد ، وإسحاق . وقد تقدم ~~معنى حديث المسور مستوعبا فى كتاب الجهاد فى باب ما ذكر من درع النبى - صلى ~~الله عليه وسلم - وعصاه وسيفه ؛ لأن الحديث هناك أتم منه فى هذا الباب ، ~~والحمد لله . * * * # | 86 - باب يقل الرجال ويكثر النساء # وقال أبو موسى ، عن النبى ، عليه السلام : ( وترى الرجل الواحد يتبعه ~~أربعون امرأة يلذن به من قلة الرجال ، وكثرة النساء ) . / 118 - فيه : أنس ~~، قال النبى ، عليه السلام : ( إن من أشراط الساعة أن يرفع العلم ، ويكثر ~~الجهل ، ويكثر الزنا ، ويكثر شرب الخمر ، ويقل الرجال ، ويكثر النساء ، حتى ~~يكون لخمسين امرأة القيم الواحد ) . قال المهلب : هذا إنما يكون من أشراط ~~الساعة ، كما قال عليه PageV07P356 السلام ، ويمكن أن تكون قلة الرجال من ~~اشتداد الفتن وترادف المحن ، فيقتل الرجال ، والله أعلم . ويحتمل قوله : ( ~~القيم الواحد ) ، معنيين : أحدهما : أن يكون قيما عليهن وناظرا لهن وقائما ~~بأمورهن ، ويحتمل أن يكون اتباع النساء له على غير الحل ، والله أعلم . قال ~~الطحاوى : ولما احتمل الوجهين نظرنا هل روى فى ذلك شىء يدل على أحدهما ، ~~فذكر على بن معبد بإسناده عن حذيفة ، قال : سمعت النبى ، عليه السلام ، ~~يقول : ( إذا عمت الفتنة يميز الله أصفياءه وأولياءه حتى تطهر الأرض من ~~المنافقين والقتالين ، ويتبع الرجل يومئذ خمسون امرأة ، هذه تقول : يا عبد ~~الله ، استرنى ، يا عبد الله ، آونى ) ، فدل هذا الحديث على القول الأول . ~~* * * # | 87 - باب لا يخلون رجل بامرأة إلا ذو محرم والدخول على المغيبة # / 119 - فيه : عقبة بن عامر ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : ~~( إياكم والدخول على النساء ) ، فقال رجل من الأنصار : يا رسول الله ، ~~أفرأيت الحمو ؟ قال : ( الحمو الموت ) . / 120 - وفيه : ابن عباس ، أن ~~النبى - صلى الله عليه وسلم - قال : ( لا يخلون رجل بامرأة إلا مع ذى محرم ~~) ، فقام رجل ، فقال : يا رسول الله ، امرأتى خرجت حاجة ، واكتتبت فى غزوة ~~كذا ms2473 وكذا ، قال : ( ارجع ، فحج مع امرأتك ) . قال المهلب : معنى قوله : ( ~~الحمو الموت ) ، النهى عن أن يدخل PageV07P357 على المغيبة صهر ولا غيره ~~خوف الظنون ونزغات الشيطان ؛ لأن الحمو قد يكون من غير ذى المحارم ، وإنما ~~أباح ، عليه السلام ، أن يخلو مع المرأة من كان ذا محرم منها . قال الطبرى ~~: وبمثل ذلك قال جماعة من الصحابة والتابعين : روينا عن عمر بن الخطاب ، ~~أنه قال : إياكم والمغيبات ، ألا فوالله أن الرجل ليدخل على المرأة ، فلأن ~~يخر من السماء إلى الأرض أحب إليه من أن يزنى ، فما يزال الشيطان يخطب ~~أحدهما إلى الآخر حتى يجمع بينهما ) . وروينا عن عمرو بن العاص أنه أرسل ~~إلى على بن أبى طالب يستأذنه ، وكانت له حاجة إلى أسماء ، فقيل له : ليس ثم ~~على ، ثم أرسل إليه الثانية ، فقيل : هو ثم ، فلما خرج إليه ، قال عمرو : ~~إن لى إلى أسماء حاجة فأدخل ؟ قال : نعم ، قال : وما سألت عن على ، قال : ~~حاجتك إلى أسماء ، قال : إنا نهينا أن نكلمهن إلا عند أزواجهن . وقال عمرو ~~بن قيس الملائى : ثلاث لا ينبغى للرجل أن يثق بنفسه عند واحدة منهن : لا ~~يجالس أصحاب زيغ ، فيزيغ الله قلبه بما زاغ به قلوبهم ، ولا يخلو رجل ~~بامرأة ، وإن دعاك صاحب سلطان إلى أن تقرأ عليه القرآن فلا تفعل . قال ~~الطبرى : فلا يجوز أن يخلو رجل بامرأة ليس لها بمحرم فى سفر ولا فى حضر ، ~~إلا فى حال لا يجد من الخلوة بها بدا ، وذلك كخلوة بجارية امرأته تخدمه فى ~~حال غيبة مولاتها عنهما ، وقد رخص فى ذلك الثورى . PageV07P358 قال المهلب ~~: وفيه جواز تبكيت العالم على الجواب إلى المشترك من الأسماء على سبيل ~~الإنكار للمسألة . قال الطبرى : الحمو عند العرب كل من كان من قبل الزوج ~~أخا كان أو أبا أو عما فهم الأحماء ، فأما أم الزوج ، فكان الأصمعى يقول : ~~هى حماة الرجل ، لا يجوز غير ذلك ، ولا لغة فيها غيرها ، وإنما عنى بقوله : ~~الحمو الموت ، أن خلوة الحمو بامرأة أخيه أو امرأة ابن أخيه بمنزلة ms2474 الموت ~~فى مكروه خلوته بها ، وكذلك تقول العرب إذا وصفوا الشىء يكرهونه إلى ~~الموصوف له ، قالوا : ما هو إلا الموت ، كقول الفرزدق لجرير : فإنى أنا ~~الموت الذى هو واقع بنفسك فانظر كيف أنت مزاوله وقال ثعلب : سألت ابن ~~الأعرابى عن قوله : الحمو الموت ، فقال : هذه كلمة تقولها العرب مثلا كما ~~تقول : الأسد الموت ، أى لقاؤه الموت ، وكما تقول : السلطان نار ، أى مثل ~~النار ، فالمعنى احذروه كما تحذرون الموت . وقال أبو عبيد : معناه فليمت ~~ولا يفعل ذلك ، وهو بعيد ، وإنما الوجه ما قاله ابن الأعرابى ، ومن هذا ~~الباب قوله تعالى : { ويأتيه الموت من كل مكان وما هو بميت } [ إبراهيم : ~~17 ] ، أى مثل الموت فى الشدة والكراهية ، ولو أراد نفس الموت لكان قد مات ~~. وقال عامر بن فهيرة : لقد وجدت الموت قبل دنوه وقال الأصمعى : الأحماء من ~~قبل الزوج ، والأختان من قبل PageV07P359 المرأة ، والصهر يجمعهما ، ~~والحماة أم الزوج ، والختنة أم المرأة ، وفى الحمو لغات . قال صاحب العين : ~~الحما على مثال قفا : أبو الزوج وجميع قرابته ، والجمع أحماء ، تقول : رأيت ~~حماه ومررت بحماها ، وتقول فى هذه اللغة إذا أفرد : هذا حما ، وفيه لغة ~~أخرى حموك مثل أبوك ، تقول : هذا حموها ، ومررت بحميها ورأيت حماها ، فإذا ~~لم تضفه سقطت الواو ، فتقول : حم ، كما تقول : أب ، وفيه لغة أخرى : حمء ، ~~بالهمز مثل خبء ، ودفء ، عن الفراء ، وحكى الطبرى لغة رابعة : حمها بترك ~~الهمز . وفى حديث ابن عباس إباحة الرجوع عن الجهاد إلى إحجاج امرأته ؛ لأن ~~فرضا عليه سترها وصيانتها ، والجهاد فى ذلك الوقت كان يقوم به غيره ، فلذلك ~~أمره عليه السلام أن يحج معها إذ لم يكن لها من يقوم بسترها فى سفرها ~~ومبيتها . * * * # | 88 - باب ما يجوز أن يخلو الرجل بالمرأة عند الناس # / 121 - فيه : أنس ، قال : جاءت امرأة من الأنصار إلى النبى - صلى الله ~~عليه وسلم - ، فخلا بها ، فقال : ( والله إنكن لأحب الناس إلى ) . قال ~~المهلب : فيه من الفقه أنه لا بأس للعالم والرجل المعلوم بالصلاح أن يخلو ~~بالمرأة إلى ناحية عن الناس ms2475 وتسر إليه بمسائلها وتسأله عن بواطن أمرها فى ~~دينها ، وغير ذلك من أمورها ، فإن قيل : ليس فى الحديث أنه خلا بها عند ~~الناس كما ترجم ، قيل : قول PageV07P360 انس : فخلا بها ، يدل أنه كان مع ~~الناس ، فتنحى بها ناحية ، ولا أقل من أن يكون مع أنس راوى الحديث وناقل ~~القصة ، ولم يرد بقوله : فخلا بها ، أنه غاب عن أبصارهم ، وإنما خلا بها ~~حيث لا يسمع الذين بحضرته كلامها ولا شكواها إليه ، ألا ترى أنهم سمعوا ~~قوله لها : ( أنتم أحب الناس إلى ) يريد الأنصار قوم المرأة . * * * # | 89 - باب ما ينهى من دخول المتشبهين بالنساء على المرأة # / 122 - فيه : أم سلمة ، أن النبى ، عليه السلام ، كان عندها وفى البيت ~~مخنث ، فقال المخنث لأخى أم سلمة عبدالله بن أبى أمية : إن فتح الله لكم ~~الطائف غدا ، أدلك على بنت غيلان ، فإنها تقبل بأربع وتدبر بثمان ، فقال ~~النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( لا يدخلن هذا عليكن ) . قال المهلب : أصل ~~هذا الحديث قوله عليه السلام : ( لا تباشر المرأة المرأة فتنعتها لزوجها ~~حتى كأنه يراها ) ، فلما سمع النبى - صلى الله عليه وسلم - وصف المخنث ~~للمرأة بهذه الصفة التى تهيم نفوس الناس ، منع أن يدخل عليهن ؛ لئلا يصفهن ~~للرجال فيسقط معنى الحجاب . قال غيره : وفيه من الفقه أنه لا ينبغى أن يدخل ~~على النساء من المؤنثين من يفطن لمحاسنهن ويحسن وصفهن ، وأن من علم محاسنهن ~~لا يدخل فى معنى قوله تعالى : { غير أولى الإربة من PageV07P361 الرجال } [ ~~النور : 31 ] ، وإنما غير أولى الإربة الأبله العنين الذى لا يفطن لمحاسنهن ~~، ولا إرب له فيهن ، وهذا الحديث أصل فى نفى كل من يتأذى به وإبعاده بحيث ~~يؤمن أذاه . قال المهلب : قال ابن حبيب : والمخنث هو المؤنث من الرجال وإن ~~لم تعرف فيه الفاحشة ، وهو مأخوذ من تكسر الشىء ، ومنه حديثه الآخر أنه نهى ~~عليه السلام عن اختناث الأسقية ، وهو أن تكسر أفواه الأسقية ليشرب منها . ~~وكان يدخل على أزواج النبى - صلى الله عليه وسلم - ؛ لأنه كان عندهن من غير ~~ذوى الإربة ms2476 . حدثنى ابن حبيب ، عن مالك فى قوله : ( تقبل بأربع وتدبر بثمان ~~) ، أنه أراد أعكانها ؛ لأن العكن هى أربع طوابق فى بطنها بعضها فوق بعض ، ~~فإذا بلغت خصريها صارت أحواقها ثمانيا أربعا من هاهنا ، وأربعا من هاهنا ، ~~وقوله : ( تدبر بثمان ) ، ولم يقل : بثمانية ، وإن كان يقع ذلك على الأطراف ~~، والأطراف مذكرة ، فإنما أراد العطن التى هى مؤنثة ، واحدها عكنة ؛ لأن كل ~~جزء من العطن يلزمه من التأنيث ما يلزم جمعه ، وهذا من التأنيث المحمول على ~~المعنى . وقال ابن الكلبى : هذا المؤنث يسمى : هيت ، وهو مولى لعبد الله بن ~~أبى أمية أخى أم سلمة لأمها ، وكان طوس مولى عبد الله بن أبى أمية ومن قبله ~~سرى إلى طوس الخنث . قال المهلب : وفى وصف المخنث لمحاسن المرأة حجة لمن ~~أجاز بيع PageV07P362 الأعيان الغائبة على الصفة كما قاله مالك خلافا ~~للشافعى ، ولو لم تكن الصفة فى هذا الحديث بمعنى الرؤية لم ينه النبى ، ~~عليه السلام ، المؤنث عن الدخول على النساء ، والله أعلم ، وقد تقدمت هذه ~~المسألة فى كتاب البيوع . * * * # | 90 - باب نظر المرأة إلى الحبش ونحوهم من غير ريبة # / 123 - فيه : عائشة ، قالت : رأيت النبى - صلى الله عليه وسلم - يسترنى ~~بردائه ، وأنا أنظر إلى الحبشة يلعبون فى المسجد ، حتى أكون أنا التى أسأم ~~، فاقدروا قدر الجارية الحديثة السن الحريصة على اللهو . وفى هذا الحديث : ~~حجة لمن أجاز النظر إلى اللعب فى الوليمة وغيرها . وفيه : جواز نظر النساء ~~إلى اللهو واللعب ، لاسيما الحديثة السن ، فإن النبى عليه السلام قد عذرها ~~لحداثة سنها . وفيه : أنه لا بأس بنظر المرأة إلى الرجل من غير ريبة ، ألا ~~ترى إلى ما اتفق عليه العلماء فى الشهادة على المرأة أن ذلك لا يكون إلا ~~بالنظر إلى وجهها ، ومعلوم أنها تنظر إليه حينئذ كما ينظر إليها ، وإنما ~~أراد البخارى بهذا الحديث ، والله أعلم ، الرد لحديث ابن شهاب ، عن نبهان ~~مولى أم سلمة ، عن أم سلمة ، أنها قالت : كنت أنا وميمونة جالستين عند رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - ، فاستأذن عليه ابن ms2477 أم مكتوم الأعمى ، فقال : ~~( احتجبا منه ) ، فقلنا : يا رسول الله ، أليس أعمى لا يبصرنا ؟ ~~PageV07P363 قال : أفعمياوان أنتما ؟ ) ، وحديث عائشة أصح منه ؛ لأن نبهان ~~ليس بمعروف بنقل العلم ولا يروى إلا حديثين ، أحدهما هذا ، والثانى فى ~~المكاتب إذا كان معه ما يؤدى احتجبت منه سيدته ، فلا يشتغل بحديث نبهان ~~لمعارضة الأحاديث الثابت له وإجماع العلماء . * * * # | 91 - باب خروج النساء لحوائجهن # / 124 - فيه : عائشة ، قالت : خرجت سودة بنت زمعة ليلا ، فرآها عمر ~~فعرفها ، فقال : إنك والله يا سودة ما تخفين علينا ، فرجعت إلى النبى ، ~~عليه السلام ، فذكرت ذلك له ، وهو فى حجرتى يتعشى ، وإن فى يده لعرقا ، ~~فأنزل الله عليه فرفع عنه ، وهو يقول : ( قد أذن الله لكن أن تخرجن ~~لحوائجكن ) . فى هذا الحديث دليل على جواز خروج النساء لكل ما أبيح لهن ~~الخروج فيه من زيارة الآباء والأمهات وذوى المحارم والقرابات ، وغير ذلك ~~مما بهن الحاجة إليه ، وذلك فى حكم خروجهن إلى المساجد . قال المهلب : وفيه ~~جواز مكالمة المرأة من وراء الستر . PageV07P364 * * * # | 92 - باب استئذان المرأة زوجها فى الخروج إلى المسجد وغيره # / 125 - فيه : ابن عمر ، قال النبى ، عليه السلام : ( إذا استأذنت امرأة ~~أحدكم إلى المسجد فلا يمنعها ) . قد تقدم هذا الباب فى كتاب الصلاة ، ~~ومذاهب العلماء فيه . * * * # | 93 - باب ما يحل من الدخول والنظر إلى النساء فى الرضاع # / 126 - فيه : عائشة ، جاء عمى من الرضاعة ، فاستأذن على ، فأبيت أن آذن ~~له حتى أسأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فجاء رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - ، فسألته عن ذلك ، فقال : ( إنه عمك ، فأذنى له . . . ) ، ~~الحديث . فائدة هذا الباب أنه أصل فى أن الرضاع يحرم من النكاح ما يحرم ~~النسب ، ويبيح من الولوج على ذوات المحارم منه مثل ما يبيح من النسب ، وقد ~~تقدم ذلك . * * * # | 94 - باب لا تباشر المرأة المرأة فتنعتها لزوجها # / 127 - فيه : ابن مسعود ، قال النبى ، عليه السلام : ( لا تباشر المرأة ~~المرأة ، فتنعتها لزوجها كأنه ينظر إليها ) . قال أبو الحسن بن القابسى : ~~هذا من أبين ما تحمى به ms2478 الذرائع ، فإن وصفتها لزوجها بحسن خيف عليه الفتنة ~~، فيكون ذلك سببا PageV07P365 لطلاق زوجته ، ونكاحها إن كانت ثيبا ، وإن ~~كانت ذات بعل كان ذلك سببا لبغضه زوجته ونقصان منزلتها عنده ، وإن وصفتها ~~بقبح ، كان ذلك غيبة ، وقد جاء عن النبى ، عليه السلام ، أنه نهى الرجل عن ~~مباشرة الرجل مثل نهيه للمرأة سواء . قال الطبرى : وحدثنا أبو كريب ، قال : ~~حدثنا عبيد الله بن موسى ، حدثنا إسرائيل ، عن سماك ، عن عكرمة ، عن ابن ~~عباس ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( لا يباشر الرجل ~~الرجل ، ولا المرأة المرأة ) . قال الطبرى : وفيه من البيان أن مباشرة ~~الرجل الرجل والمرأة المرأة مفضيا كل واحد منهما بجسده إلى جسد صاحبه غير ~~جائز . فإن قال قائل : هذه الأخبار هى على العموم أم على الخصوص ؟ قيل : ~~على العموم فيما عنيت به ، وعلى الخصوص فيما يحتمله ظاهرها . فإن قيل : ~~وكيف كان ذلك ؟ قيل : لقيام الحجة بجواز مصافحة الرجل الرجل والمرأة المرأة ~~، وذلك مباشرة من كل واحد منهما صاحبه ببعض جسده ، فكان معلوما بذلك ، إذ ~~لم يكن فى قوله عليه السلام : ( لا يباشر الرجل الرجل ولا المرأة المرأة ) ~~استثناء مقرون به فى الخبر ، وكانت المصافحة مباشرة وهى من الأمور التى ندب ~~المسلمون إليها كالذى حدثنا أحمد بن منصور ، حدثنا زيد بن الحباب ، حدثنا ~~بكر أبو عبيدة الناجى ، حدثنا الحسن ، عن البراء بن عازب ، قال : قال رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - : ( إن المسلمين إذا التقيا فتصافحا تحاتت ~~ذنوبهما ) . PageV07P366 وحدثنا أبو كريب ، حدثنا ابن المبارك ، حدثنا يحيى ~~بن أيوب ، عن عبيد الله بن زحر ، عن على بن يزيد ، عن القاسم ، عن أبى ~~أمامة ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( تمام تحيتكم بينكم ~~المصافحة ) ، ونحو ذلك من الأخبار الدالة على أن المسلمين مندوبون إلى ~~مباشرة بعضهم بعضا بالأكف مصافحة عند الالتقاء ، وكان محالا اجتماع الأمر ~~بفعل الشىء والنهى عنه فى حالة واحدة ، علم أن الذى ندب العبد إلى المباشرة ~~به من جسم أخيه غير الذى نهى عنه من مباشرته ms2479 به . وقال ابن القاسم : سئل ~~مالك عن الخدم يبيتون عراة فى لحاف واحد فى الشتاء ، فكرهه وأنكر أن تبيت ~~النساء عراة لا ثياب عليهن ؛ لأن ذلك إشراف على العورات ، وذلك غير جائز ~~لنهى النبى ، عليه السلام ، عن مباشرة الرجال والنساء بعضهم بعضا . * * * # | 95 - باب قول الرجل لأطوفن الليلة على نسائى # / 128 - فيه : أبو هريرة ، قال سليمان بن داود : لأطوفن الليلة بمائة ~~امرأة ، تلد كل امرأة غلاما ، يقاتل فى سبيل الله ، فقال له الملك : قل إن ~~شاء الله ، فلم يقل ونسى ، فأطاف بهن ، ولم تلد منهن إلا امرأة نصف إنسان ، ~~قال النبى ، عليه السلام : ( لو قال إن شاء الله ، لم يحنث ، وكان أرجى ~~لحاجته ) . قد تقدم معنى هذا الباب فى باب من طاف على نسائه فى غسل ~~PageV07P367 واحد ، وأنه لا يجوز أن يجمع الرجل جماعه زوجاته ، ولا يطوف ~~عليهن كلهن فى ليلة إلا إذا لم يبدأ القسم بينهن ، أو إذا أذن له فى ذلك ، ~~أو إذا قدم من سفره ، ولعله لم يكن فى شريعة سليمان بن داود من فرض القسمة ~~بين النساء والعدل بينهن ما أخذه الله على أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - ~~. قال المهلب : وقوله : ( لو قال : إن شاء الله ، لم يحنث ) ، يعنى لم يخب ~~ولا عوقب بالحرمان حين لم يستثن مشيئة الله ويجعل الأمر له ، وليس فى ~~الحديث يمين فيحنث فيها ، وإنما أراد أنه لما جعل لنفسه القوة والفضل عاقبه ~~الله تعالى بالحرمان ، فكان الحنث بمعنى التخييب . وكذلك من نذر لله طاعة ~~أو دخل فى شىء منها وجب عليه الوفاء بذلك ؛ لقوله : { أوفوا بالعقود } [ ~~المائدة : 1 ] ، وقوله : { فما رعوها حق رعايتها } [ الحديد : 27 ] ، فكان ~~مطالبا بما تألى به ، فكأنه ضرب من الحنث ؛ لأنه تألى فلم يف . وقد احتج ~~بعض الفقهاء بهذا الحديث ، فقال : إن الاستثناء بعد السكوت عن اليمين جائز ~~، بخلاف قول مالك ، واحتجوا بقوله : ( لو قال : إن شاء الله ، لم يحنث ) ، ~~وليس كما توهموه ؛ لأن هذه لم تكن يمينا ، وإنما كان قولا جعل الأمر فيه ~~لنفسه ولم ms2480 تجب عليه فيه كفارة ، فسقط عنه الاستثناء ، وإنما هذا الحديث مثل ~~قوله تعالى : { ولا تقولن لشىء إنى فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء الله } [ ~~الكهف : 22 ، 23 ] ، أدبا أدب الله به عباده PageV07P368 ليردوا الأمر إليه ~~، ويتبرءوا من الحول والقوة إلا لله تعالى ، ودل هذا المعنى على صحة قول ~~أهل السنة أن أفعال العباد من الخير والشر خلق الله ، وسيأتى الكلام فى ذلك ~~فى كتاب الاعتصام ، فهو موضعه . * * * # | 96 - باب لا يطرق أهله ليلا إذا أطال الغيبة مخافة أن يخونهم أو يلتمس ~~عثراتهم # / 129 - فيه : جابر ، كان النبى ، عليه السلام ، يكره أن يأتى الرجل أهله ~~طروقا . وقال جابر ، عن النبى ، عليه السلام : ( إذا أطال أحدكم الغيبة فلا ~~يطرق أهله ليلا ) . قال المؤلف : قوله فى الترجمة : مخافة أن يخونهم أو ~~يلتمس عثراتهم ، روى هذا اللفظ عن النبى ، عليه السلام ، من حديث ابن أبى ~~شيبة ، عن وكيع ، عن سفيان ، عن محارب ابن دثار ، عن جابر ، قال : نهى ~~النبى ، عليه السلام ، أن يطرق الرجل أهله ليلا يتخونهم أو يطلب عثراتهم ، ~~فبين النبى ، عليه السلام ، بهذا اللفظ المعنى الذى من أجله نهى عن أن يطرق ~~أهله ليلا . فإن قيل : وكيف يكون طروقه أهله ليلا سببا لتخونهم ؟ قيل : ~~معنى ذلك ، والله أعلم ، أن طروقه إياهم ليلا هو وقت خلوة وانقطاع مراقبة ~~الناس بعضهم بعضا ، فكان ذلك سببا لسوء ظن أهله به ، وكأنه إنما قصدهم ليلا ~~ليجدهم على ريبة حين توخى وقت غرتهم وغفلتهم . ومعنى الحديث النهى عن ~~التجسس على أهله ، ولا تحمله غيرته على تهمتها إذا لم يأنس منها إلا الخير ~~. PageV07P369 قال المهلب : وهذا الحديث يقوم منه الدليل على المنع من ~~التجسس وطلب الغرة والتعرض لما فيه الفتنة وسوء الظن . وقوله : طروقا ، هو ~~مصدر فى موضع الحال ، يقال : أتانا طروقا ، أى جاء ليلا . * * * # | 97 - باب طلب الولد # / 130 - فيه : جابر ، كنت مع النبى - صلى الله عليه وسلم - فى غزوة ، ~~فلما قفلنا ، تعجلت على بعير قطوف ، فلحقنى راكب من خلفى ، فالتفت فإذا أنا ~~برسول الله - صلى الله ms2481 عليه وسلم - قال : ( ما يعجلك ) ؟ قلت : إنى حديث ~~عهد بعرس ، قال : ( فبكرا تزوجت أم ثيبا ) ؟ قلت : بل ثيبا ، قال : ( فهلا ~~جارية تلاعبها وتلاعبك ) ؟ قال : فلما قدمنا ذهبنا لندخل ، فقال : ( أمهلوا ~~حتى تدخلوا ليلا - أى عشاء - لكى تمتشط الشعثة ، وتستحد المغيبة ) . قال : ~~وحدثنى الثقة ، أنه قال فى هذا الحديث : ( الكيس ، الكيس ، يا جابر ) ، ~~يعنى الولد . وقال جابر مرة عن النبى ، عليه السلام : ( فعليك بالكيس الكيس ~~) . قال المهلب : طلب الولد مندوب إليه ؛ لقوله عليه السلام : ( إنى مكاثر ~~بكم الأمم ) ، وأنه من مات من ولده من لم يبلغ الحلم ، فإن الله يدخله ~~الجنة بفضل رحمته إياهم . فإن قال قائل : قوله عليه السلام : ( أمهلوا حتى ~~تدخلوا ليلا ) ، أى عشاء ، يعارض نهيه عليه السلام أن يأتى الرجل أهله ~~طروقا . قيل : لا تعارض بينهما بحمد الله ، وفى هذا الحديث أمر للمسافر إذا ~~قدم نهارا أن يتربص حتى يدخل إلى أهله عشاء لكى يتقدمه إلى أهله ~~PageV07P370 خبر قدومه ، فتمتشط له الشعثة ، وتتزين وتستحد له وتتنظف ؛ ~~لئلا يجدها على حالة يكرهها فتقع البغضة ، رفقا منه عليه السلام بأمته ، ~~ورغبة فى إدامة المودة بينهما وحسن العشرة . وقوله فى الحديث الآخر : ( ~~أمهلوا حتى تدخلوا ليلا ) ، أى عشاء ، يدل على قدومهم فى النهار ، والحديث ~~الآخر الذى نهى فيه عن طروق أهله ليلا بخلاف هذا المعنى ؛ لأن الطروق لا ~~يكون وقت العشاء ، وإنما يكون لمن يقدم فجأة بعدما مضى وقت من الليل ، فنهى ~~عن ذلك للعلة التى ذكرها فى الحديث ، وهى خشية أن يتخونهم أو يطلب غرتهم ، ~~لاسيما إذا طالت غيبته ، فإنها تبعد مراقبتها له ، وتكون يائسة من تعجله ~~إليها ، فيجد الشيطان سبيلا إلى إيقاع سوء الظن . * * * # | 98 - باب قوله تعالى : { ولا يبدين زينتهن إلا } [ النور : 31 ] الآية # / 131 - فيه : أبو حازم ، قال : اختلف الناس بأى شىء دووى جرح رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - يوم أحد ، فسألوا سهل بن سعد ، وكان من آخر من بقى ~~من أصحاب النبى ، عليه السلام ، [ بالمدينة ] ، فقال : وما بقى من الناس ~~أحد أعلم به منى ، كانت ms2482 فاطمة تغسل الدم عن وجهه ، وعلى يأتى بالماء على ~~ترسه ، فأخذ حصير ، فحرق ، فحشى به جرحه . قال المهلب : إنما أبيح للنساء ~~أن يبدين زينتهن لمن ذكر فى هذه الآية من أجل الحرمة التى لهم من القرابة ~~والمحرم ، إلا فى العبيد ، فإن الحرمة إنما هى من جهة السيادة ، وأن العبد ~~لا تتطاول عينه إلى سيدته ، فهى حرمة ثابتة فى نفسه أبيح للمرأة بها من ~~إظهار الزبينة ما أبيح لها PageV07P371 إلى أبيها وابنها وذوى الحرمة منها ~~مع أنه لا يظن بحرة ما انحطاط إلى عبد ، هذا المعلوم من نساء العرب ، ~~والأكثر فى العرف والعادة . وسئل سعيد بن جبير : هل يجوز للرجل أن يرى شعر ~~ختنته ؟ فتلا قوله : { ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن } [ النور : 31 ] ~~الآية ، فقال : لا أراها منهن . وقال الطبرى فى قوله تعالى : { أو إخوانهن ~~أو بنى أخواتهن } [ النور : 31 ] ، قال : إخوان جمع أخ ، وإخوة جمع أخ أيضا ~~، ما تجمع فتى فتيان وتجمع فتية أيضا . وسئل عكرمة والشعبى عن قوله تعالى : ~~{ لا جناح عليهن فى آبائهن ولا أبنائهن ولا إخوانهن } [ الأحزاب : 55 ] ، ~~قلت : ما شأن العم والخال لم يذكرا ؟ قالا : لأنهما ينعتانها لأبنائهما ، ~~وكرها أن تضع خمارها عند عمها وخالها ، ومن رأى العم والخال داخلين فى جملة ~~الآباء جاز ذلك . وقال النخعى : لا بأس أن ينظر إلى شعر أمه وأخته وعمته ~~وخالته . وذكر إسماعيل ، عن الحسن والحسين أنهما كانا لا يريان أمهات ~~المؤمنين . وقال ابن عباس : إن رؤيتهما لهم تحل . قال إسماعيل : أحسب أن ~~الحسن والحسين ذهبا فى ذلك إلى أن أبناء البعولة لم تذكر فى الآية التى فى ~~أزواج النبى ، عليه السلام ، وهى قوله : { لا جناح عليهن فى آبائهن } ، ~~وقال فى سورة النور : { ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن أو آبائهن أو آباء ~~بعولتهن أو أبنائهن أو أبناء بعولتهن } [ النور : 31 ] ، فذهب ابن عباس إلى ~~هذه الآية ، وذهب الحسن والحسين إلى الآية الأخرى . PageV07P372 وقوله : { ~~ولا نسائهن } [ الأحزاب : 55 ] ، يعنى ولا حرج عليهن ألا يحتجبن من نساء ~~المؤمنين . وروى عن عمر بن ms2483 الخطاب ، رضى الله عنه ، أنه كتب إلى عماله ألا ~~يترك امرأة من أهل الذمة أن تدخل الحمام مع المسلمات ، واحتج بهذه الآية . ~~واختلف السلف فى تأويل قوله تعالى : { أو ما ملكت أيمانهن } [ النور : 31 ] ~~، فقال سعيد بن المسيب : لا تغرنكم هذه الآية ، إنما عنى بها الإماء ولم ~~يعن بها العبيد . وكان الشعبى يكره أن ينظر المملوك إلى شعر مولاته ، وهو ~~قول عطاء ومجاهد . وقال ابن عباس : لا بأس أن ينظر المملوك إلى شعر مولاته ~~، فدل أن الآية عنده على العموم فى المماليك والخدم . وقال إسماعيل : وهذا ~~أعلى القولين وأكثر ، وكانت عائشة وسائر أزواج النبى ، عليه السلام ، يدخل ~~عليهن مماليكهن ، قال إسماعيل بن إسحاق : وإنما جاز للمملوك أن ينظر إلى ~~شعر مولاته مادام مملوكا ؛ لأنه لا يجوز له أن يتزوجها مادام مملوكا ، وهو ~~كذوى المحارم كما لا يجوز لذوى المحارم منها أن يتزوجوها ولا يدخل العبد فى ~~المحرم الذى يجوز للمرأة أن تسافر معه ؛ لأن حرمته منها لا تدوم ، إذ قد ~~يمكن أن تعتقه فى سفرها فيحل له تزويجها . فإن قال قائل : إن حديث أم عطية ~~: كنا نداوى الكلمى . والحديث الآخر : كن النساء ينقلن القرب على متونهن ~~مشمرات حتى يرى خدم سوقهن فى المغازى مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~، يخالف الآية وحديث سهل . فالجواب : أنه إن صح أن ظهر من سوقهن غير الخدم ~~PageV07P373 مما لا يجوز كشفه ، فالأحاديث منسوخة بسورة النور وسورة ~~الأحزاب ؛ لأنهما من آخر ما نزل بالمدينة من القرآن ، وبإجماع الأمة أنه ~~ليس يجوز للمرأة أن تظهر شيئا من عورتها لذى رحمها ، فكيف بالأجانب ؟ وكذلك ~~لا يجوز لها أن تظهر عورتها للنساء أيضا . * * * # | 99 - باب قوله تعالى : { والذين لم يبلغوا الحلم منكم } [ النور : 58 ] # / 132 - فيه : ابن عباس ، سأله رجل : هل شهدت مع رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - العيد أضحى أو فطرا ؟ قال : نعم ، ولولا مكانى منه ما شهدته - ~~يعنى من صغره - قال : خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فصلى ثم خطب ~~- ولم يذكر أذانا ms2484 ولا إقامة - ثم أتى النساء ، فوعظهن وذكرهن وأمرهن ~~بالصدقة ، فرأيتهن يهوين إلى آذانهن وحلوقهن ، ويدفعن إلى بلال . . . . ~~الحديث . قال المهلب : كان ابن عباس فى هذا الوقت ممن لم يطلع على عورات ~~النساء ، ولذلك قال : لولا مكانى من الصغر ما شهدته ، وكان بلال من ~~البالغين ، وقال تعالى : { ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم } [ النور : 58 ] ~~الآية ، فأجرى الذين ملكت أيمانهم مجرى الذين لم يبلغوا الحلم ، وأمروا ~~بالاستئذان فى العورات الثلاث ؛ لأن الناس ينفصلون فى تلك الأوقات ولا ~~يكونون من الستر فيها كما يكونون فى غيرها . PageV07P374 * * * # | 100 - باب قول الرجل لصاحبه : هل أعرستم الليلة وطعن الرجل ابنته فى ~~الخاصرة عند العتاب # / 133 - فيه : عائشة ، عاتبنى أبو بكر ، وجعل يطعننى بيده فى خاصرتى ، ~~فلا يمنعنى من التحرك إلا مكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - [ ورأسه ] ~~على فخذى . أما قوله : باب قول الرجل لصاحبه : هل أعرستم الليلة ؟ فلم يخرج ~~فيه هاهنا حديثا ، وأخرجه فى أول كتاب العقيقة ، رواه أنس ، قال : كان ابن ~~لأبى طلحة يشتكى ، فخرج أبو طلحة فقبض الصبى ، فلما رجع أبو طلحة ، قال : ~~ما فعل بنى ؟ قالت أم سليم : هو أسكن مما كان ، فقربت إليه العشاء ، فتعشى ~~ثم أصاب منها ، فلما فرغ قالت : واروا الصبى ، فلما أصبح أبو طلحة أتى ~~النبى ، عليه السلام ، فأخبره فقال : ( أعرستم الليلة ؟ ) ، قال : نعم ، ~~قال : ( اللهم بارك لهما فيه ) ، فولدت غلاما سماه النبى ، عليه السلام ، ~~عبد الله ، وحنكه بتمرات مضغها ، عليه السلام . وفيه من الفقه : أن الرجل ~~الفاضل والصديق الملطف يجوز أن يسأل صديقه عما يفعله إذا خلا مع أهله ، ولا ~~حرج عليه فى ذلك . وفيه : أنه من أصيب بمصيبة لم يعلم بها أنه لا ينبغى أن ~~يهجم عليه بالتقريع بذكرها والتعظيم لها عند تعريفه بها ، بل يرفق له فى ~~القول ويعرض له بألطف التعريض ؛ لئلا يحدث عليه فى نفسه ما هو أشد منها ، ~~فقد جبل الله النفوس على غاية الضعف ، والناس متباينون فى الصبر عند ~~المصائب ، ولاسيما عند الصدمة الأولى . PageV07P375 وفى حديث عائشة أن للأب ~~أن يعاتب ms2485 ابنته بمحضر زوجها ويتناولها بيده بضرب وتهديد ، وغير ذلك مباح له ~~، فقد أخرجه فى كتاب الحدود ، باب من أدب أهله أو غيرهم دون السلطان . ~~PageV07P376 * * * بسم الله الرحمن الرحيم # | 49 - كتاب الطلاق # # | 1 - وقول الله تعالى : { يا أيها النبى إذا طلقتم النساء فطلقوهن ~~لعدتهن وأحصوا العدة } [ الطلاق : 1 ] # وطلاق السنة أن يطلقها طاهرا من غير جماع ، ويشهد شاهدين . أحصيناه : ~~حفظناه . / 1 - فيه : ابن عمر ، أنه طلق امرأته وهى حائض على عهد النبى - ~~صلى الله عليه وسلم - ، فسأل عمر بن الخطاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- عن ذلك ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( مره ، فليراجعها ، ~~ثم ليمسكها حتى تطهر ، ثم تحيض ، ثم تطهر ، ثم إن شاء أمسك بعد ، وإن شاء ~~طلق قبل أن يمس ، فتلك العدة التى أمر الله أن تطلق لها النساء ) . قال ابن ~~المنذر : أباح الله الطلاق بهذه الآية ، وقول النبى ، عليه السلام ، فى ~~حديث ابن عمر : ( فإن شاء أمسك ، وإن شاء طلق ) ، وقد طلق رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - حفصة ثم راجعها . وقال غيره : هكذا روى هذا الحديث عن ~~نافع ، مالك ، وابن جريج ، والليث ، وكذلك رواه ابن شهاب ، عن سالم ، عن ~~ابن عمر ، ورواه يونس بن جبير ، وسعيد بن جبير ، وأنس بن سيرين ، وابن ~~الزبير ، وزيد بن أسلم ، كلهم عن ابن عمر ، وقال فيه مرة : ( فليراجعها حتى ~~تطهر ، ثم إن شاء طلق ، وإن شاء أمسك ) ، ولم يقولوا فيه : ( ثم تحيض ثم ~~تطهر ) . وأجمعوا أنه من طلق امرأته طاهرا فى طهر لم يمسها فيه أنه مطلق ~~PageV07P377 للسنة والعدة التى أمر الله تعالى بها ، وأن له الرجعة إذا ~~كانت مدخولا بها قبل أن تنقضى العدة ، فإذا انقضت فهو خاطب من الخطاب . ~~وذهب مالك ، وأبو يوسف ، والشافعى ، إلى ما رواه نافع ، عن ابن عمر ، ~~فقالوا : من طلق امرأته حائضا أنه يراجعها ، ثم يمسكها حتى تطهر ، ثم تحيض ~~، ثم تطهر ، ثم إن شاء طلق قبل أن يمس ، وإن شاء أمسك . وذهب أبو حنيفة ~~وأكثر أهل العراق إلى ما رواه ms2486 يونس بن جبير ، وسعيد بن جبير ، عن ابن عمر ~~فى هذا الحديث ، قالوا : يراجعها ، فإذا طهرت طلقها إن شاء ، وإلى هذا ذهب ~~المزنى . وقالوا : إنما أمر المطلق فى الحيض بالمراجعة ؛ لأن طلاقه ذلك ~~أخطأ فيه السنة أمر بمراجعتها ليخرجها من أسباب الخطأ ، ثم يتركها حتى تطهر ~~من تلك الحيضة ، ثم يطلقها إن شاء طلاقا صوابا ، ولم يروا للحيضة الثانية ~~بعد ذلك معنى . وأما مالك ، وأبو يوسف ، والشافعى ، فقالوا : للطهر الثانى ~~والحيضة الثانية معان صحيحة ، منها أنه لما طلق فى الموضع الذى نهى عنه أمر ~~بمراجعتها ليوقع الطلاق على سنته ، ولا يطول فى العدة على امرأته ، فلو ~~أبيح له أن يطلقها إذا طهرت من تلك الحيضة كانت فى معنى المطلقة قبل البناء ~~لا عدة عليها ، ولابد لها أن تبنى على عدتها الأولى ، فأراد الله على لسان ~~نبيه أن يقطع حكم الطلاق الأول بالوطء ؛ لئلا يراجعها على نية الفراق حتى ~~يعتقد إمساكها ولو طهرا واحدا ، فإذا PageV07P378 وطئها فى طهر لم يتهيأ له ~~أن يطلقها فيه ؛ لأنه قد نهى أن يطلقها فى طهر قد مسها فيه حتى تحيض بعده ~~ثم تطهر ، فإذا طلقها بعد ذلك استأنفت عدتها من ذلك الوقت ولم تبن . وقالوا ~~: إن الطهر الثانى جعل للإصلاح الذى قال الله تعالى : { وبعولتهن أحق بردهن ~~فى ذلك إن أرادوا إصلاحا } [ البقرة : 228 ] ؛ لأن حق المرتجع ألا يرتجع ~~رجعة ضرار ؛ لقوله تعالى : { ولا تمسكوهن ضرارا لتعتدوا } [ البقرة : 231 ] ~~، قالوا : فالطهر الأول فيه الإصلاح بالوطء ولا تعلم صحة المراجعة إلا ~~بالوطء ؛ لأنه المبتغى بالنكاح والمراجعة فى الأغلب ، فكان ذلك الطهر مرادا ~~للوطء الذى تستيقن به المراجعة . فإذا مسها لم يكن له سبيل إلى طلاقها فى ~~طهر قد مسها فيه للنهى عن ذلك ، ولإجماعهم على أنه لو فعل ذلك كان مطلقا ~~لغير العدة ، فقيل له : دعها حتى تحيض أخرى ثم تطهر ، ثم تطلق إن شئت قبل ~~أن تمس . وقد جاء هذا المعنى منصوصا عن ابن عمر من حديث قاسم بن أصبغ ، قال ~~: حدثنا إبراهيم بن عبد ms2487 الرحيم ، قال : حدثنا معن بن عبد الرحمن الواسطى ، ~~قال : حدثنا عبد الحميد ابن جعفر ، قال : حدثنى نافع ، عن ابن عمر ، أنه ~~طلق امرأته وهى فى دمها حائض ، فأمره رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن ~~يراجعها ، فإذا طهرت مسها حتى إذا طهرت أخرى ، فإن شاء طلقها ، وإن شاء ~~أمسكها . قالوا : ولو أبيح له أن يطلقها بعد الطهر من تلك الحيضة كان قد ~~أمر أن يراجعها ليطلقها ، فأشبه النكاح إلى أجل أو نكاح المتعة ، فلم يجعل ~~له ذلك حتى يطأ . PageV07P379 وقال أبو عبد الله بن أبى صفرة : إنما أجبر ~~ابن عمر على الرجعة ؛ لأنه طلق فى الحيضة ، والحيضة لا يعتد بها ، ولم يبح ~~له التطليق فى أول طهر ؛ لأن فيه تستكمل الرجعة ، ففرعها له لاستكمال ~~الرجعة بالوطء إن شاء ، ثم لم يبح له بعد الوطء الطلاق ؛ لأنه شرط ألا ~~يطلقها إلا فى طهر لم يمسها فيه لتكون الحيضة التى قبل الطلاق للمبالغة فى ~~براءة الرحم . وقد قال به مالك فى الأمة ، فاستحسن للبائع أن يستبرئها ~~بحيضة قبل البيع ، ثم لا يجتزئ بها عن حيضة المواضعة ، ولابد من الإتيان ~~بالحيضة بعد البيع كما لابد من الإتيان بثلاث حيض بعد الطلاق ، فالواحدة ~~منهن للفصل بين الثنتين ، والثنتان للمبالغة فى براءة الرحم ، ألا ترى أنها ~~إن تزوجت قبل حيضة نكاحا فاسدا أن الولد للأول ، وإن تزوجت بعد حيضة نكاحا ~~فاسدا أن الولد للثانى فى رواية المصريين عن مالك ، فجعلت أربع حيض واحدة ~~قبل الطلاق للمبالغة وواحدة بعد الطلاق للفصل بين الثنتين والثالثة ~~والرابعة للمبالغة فى براءة الرحم . واختلف العلماء فى معنى قوله ، عليه ~~السلام : ( مره فليراجعها ) ، فقال مالك : هذا الأمر محمول على الوجوب ، ~~ومن طلق زوجته حائضا أو نفساء ، فإنه يجبر على رجعتها ، فسوى دم النفاس بدم ~~الحيض . قال مالك وأكثر أصحابه : يجبر على الرجعة فى الحيضة التى طلق فيها ~~، وفى الطهر PageV07P380 بعدها ، وفى الحيضة بعد الطهر ، وفى الطهر بعدها ~~ما لم تنقض عدتها ، إلا أشهب ، فإنه قال : يجبر على رجعتها فى الحيضة ~~الأولى ms2488 خاصة ، فإذا طهرت منها ، لم يجبر على رجعتها . قال ابن أبى ليلى ، ~~وهو قول الكوفيين ، والأوزاعى ، والشافعى ، وأحمد ، وإسحاق ، وأبى ثور : ~~يؤمر برجعتها ولا يجبر على ذلك ، وحملوا الأمر فى ذلك على الندب ليقع ~~الطلاق على سنة ، ولم يختلفوا أنها إذا انقضت عدتها أنه لا يجبر على رجعتها ~~، فدل على أن الأمر بمراجعتها ندب . وحجة من قال : يجبر على رجعتها قوله - ~~صلى الله عليه وسلم - : ( مره فليراجعها ) ، وأمره فرض ، وأجمعوا أنه إذا ~~طلقها فى طهر قد مسها فيه أنه لا يجبر على رجعتها ولا يؤمر بذلك ، وإن كان ~~قد أوقع الطلاق على غير سنته . واختلفوا فى صفة طلاق السنة ، فقال مالك : ~~هو أن يطلق الرجل المرأة تطليقة واحدة فى طهر لم يمسها فيه ، ثم يتركها حتى ~~تنقضى العدة برؤية الدم من أول الحيضة الثالثة ، وهو قول الليث ، والأوزاعى ~~. وقال أبو حنيفة وأصحابه : هذا حسن فى الطلاق ، وله قول آخر ، قال : إذا ~~أراد أن يطلقها ثلاثا طلقها عند كل طهر واحدة من غير جماع ، وهو قول الثورى ~~، وأشهب صاحب مالك . وقال : من طلق امرأته فى طهر لم يمسها فيه طلقة واحدة ~~، ثم إذا حاضت وطهرت طلقها أخرى ، ثم إذا حاضت وطهرت طلقها ثالثة فهو مطلق ~~للسنة ، وكلا القولين عند الكوفيين طلاق سنة ، قالوا : لما كان الطلاق ~~للسنة فى طهر لم تمس فيه ، وكانت الزوجة PageV07P381 الرجعية تلزمها ما ~~أردفه من الطلاق فى عدتها بإجماع ، كان له أن يوقع فى كل طهر لم تمس فيه ~~طلقة ؛ لأنها زوجة مطلقة فى طهر لم تمس فيه ، وقد روى هذا القول عن ابن ~~مسعود أنه طلاق للسنة . وليس هو عند مالك وسائر أصحابه مطلقا للسنة ، وكيف ~~يكون مطلقا للسنة والطلقة الثانية لا يكون بعدها إلا حيضتان ، والطلقة ~~الثالثة لا يكون بعدها إلا حيضة واحدة ، وهذا خلاف السنة فى العدة ، ومن ~~طلق كما قال مالك ، شهد له الجميع بأنه طلق للسنة . وقال النخعى : بلغنا عن ~~أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنهم كانوا يستحبون ألا يزيدوا ms2489 فى ~~الطلاق على واحدة حتى تنقضى العدة . وقال الشافعى ، وأحمد ، وأبو ثور : ليس ~~فى عدد الطلاق سنة ولا بدعة ، وإنما السنة فى وقت الطلاق ، فمن طلق امرأته ~~واحدة أو اثنتين أو ثلاثا فى طهر لم يمسها فيه ، فهو مطلق للسنة ، وحجتهم ~~قوله تعالى : { فطلقوهن لعدتهن } [ الطلاق : 1 ] ، ولم يخص واحدة من اثنتين ~~ولا ثلاثة ، وكذلك أمر ابن عمر بالطلاق فى القرء الثانى ، ولم يخص واحدة من ~~غيرها . ومن جهة النظر أن من جاز له أن يوقع واحدة جاز له أن يوقع ثلاثا ، ~~وإنما السنة وردت فى الموضع الذى يخشى فيه الحمل أو تطول فيه العدة ، فإذا ~~كان طهر لم يمسها فيه أمن فيه الحمل وجاز أن يوقع ما شاء من الطلاق فى ذلك ~~الموضع . فيقال لهم : قوله تعالى : { فطلقوهن لعدتهن } [ الطلاق : 1 ] ، ~~المراد منه أن لا يطلق فى الحيض ، وكذلك حديث ابن عمر ، وليس فى الآية ~~والحديث ما يتضمن العدد ، وكيف يوقع العدد ؟ مأخوذ من دليل آخر . ~~PageV07P382 ويقال للشافعى : إن النبى - صلى الله عليه وسلم - لم ينكر على ~~ابن عمر الطلاق ، وإنما أنكر عليه موضع الطلاق ، فعلمه كيف يوقعه ولا يكون ~~الشافعى أعلم بهذا من عمر وابن عمر ، وقد قالا جميعا : من طلق ثلاثا فقد ~~عصى ربه . ولو كان من السنة طلاق الثلاث فى كلمة كما قال الشافعى لبطلت ~~فائدة قوله تعالى : { لا تدرى لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا } [ الطلاق : 1 ] ~~، أجمع أهل التفسير أنه يعنى به الرجعة فى العدة ، قالوا : وأى أمر يحدث ~~بعد الثلاث ، فدل أن الارتجاع لا يسوغ إلا فى المطلقة بدون الثلاث . قال ~~ابن القصار : وقد روى عن عمر ، وعلى ، وابن مسعود ، وابن عباس ، وابن عمر ، ~~وأبى موسى وغيرهم ، إظهار النكير على من أوقع ثلاثا فى مرة واحدة ، وكان ~~عمر يوجع من طلق امرأته ثلاثا فى كلمة واحدة ضربا ، ويفرق بينهما . وفى ~~حديث ابن عمر حجة لأهل المدينة والشافعى لقولهم : إن الأقراء الأطهار لقوله ~~عليه السلام : ( ثم تحيض ، ثم تطهر ، ثم إن شاء أمسك ، وإن ms2490 شاء طلق قبل أن ~~يمس ، فتلك العدة التى أمر الله أن تطلق لها النساء ) ، فأخبر أن الطلاق فى ~~العدة لا يكون إلا فى طهر يعتد به وموضع يحتسب به من عدتها ، ويستقبلها من ~~حينئذ ، وكان هذا منه ، عليه السلام ، بيانا لقوله تعالى : { فطلقوهن ~~لعدتهن } [ الطلاق : 1 ] ، وقد قرئت : لقبل عدتهن ، أى لاستقبال عدتهن . ~~ونهى عن الطلاق فى الحيض ؛ لأنها لا تستقبل العدة فى تلك الحيضة عند الجميع ~~؛ لأن من قال : الأقراء الحيض ، لا يجتزئ بتلك الحيضة من الثلاث حيض عنده ~~حتى تستقبل حيضة بعد طهر ، PageV07P383 وكذلك لو طلق عندهم فى طهر لم يعتد ~~إلا بالحيضة المقبلة بعد الطهر الذى طلقت فيه ، فجعلوا عليها ثلاثة قروء ~~وشيئا آخر ، وذلك خلاف الكتاب والسنة ، ويلزمهم أن يقولوا : إنها قبل ~~الحيضة فى غير عدة ، وهذا خلاف قوله تعالى : { فطلقوهن لعدتهن } [ الطلاق : ~~1 ] ، ولقوله عليه السلام : ( فتلك العدة التى أمر الله أن تطلق لها النساء ~~) ، وسيأتى اختلاف العلماء فى هذه المسألة فى كتاب العدة وبيان أقوالهم إن ~~شاء الله تعالى . * * * # | 2 - باب إذا طلقت الحائض ، هل يعتد بذلك الطلاق # / 2 - فيه : ابن عمر ، أنه طلق امرأته وهى حائض ، فذكر ذلك عمر للنبى - ~~صلى الله عليه وسلم - فقال : ( ليراجعها ) ، قلت : تحتسب ، قال : ( فمه ) ؟ ~~. وقال يونس بن جبير ، عن ابن عمر : قلت : تحتسب ؟ قال : ( أرأيت إن عجز ، ~~واستحمق ) . وقال سعيد بن جبير ، عن ابن عمر : حسبت على بتطليقة . الطلاق ~~يقع فى الحيض عند جماعة العلماء ، وإن كان عندهم مكروها غير سنة ، ولا ~~يخالف الجماعة فى ذلك إلا طائفة من أهل البدع لا يعتد بخلافها ، فقالوا : ~~لا يقع الطلاق فى الحيض ولا فى طهر قد جامع فيه ، وهذا قول أهل الظاهر ، ~~وهو شذوذ لم يعرج عليه العلماء ؛ لأن ابن عمر الذى عرضت له القصة احتسب ~~بتلك التطليقة ، وأفتى بذلك . PageV07P384 وفى أمر رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - ابن عمر بمراجعتها دليل بين على أن الطلاق فى الحيض لازم واقع ~~؛ لأن المراجعة لا تكون إلا بعد صحة الطلاق ولزومه ms2491 ؛ لأنه من لم يطلق لا ~~يقال له : راجع ؛ لأنه محال أن يقال لرجل زوجته فى عصمته لم يفارقها : ~~راجعها ، بل كان يقال له : طلاقك لم يعمل شيئا ، ألا ترى قول الله تعالى : ~~{ وبعولتهن أحق بردهن فى ذلك } [ البقرة : 228 ] ، يعنى فى العدة ، وهذا لا ~~يستقيم أن يقال مثله فى الزوجات غير المطلقات . قال المهلب : وقوله : ( ~~أرأيت إن عجز واستحمق ) ، يعنى أرأيت إن عجز فى المراجعة التى أمر بها عن ~~إيقاع الطلاق واستحمق ، أى فقد عقله ، فلم تمكن منه الرجعة ، أتبقى معلقة ~~لا ذات زوج ولا مطلقة ؟ وقد نهى الله عن ترك المرأة بهذه الحال ، فلابد أن ~~يحتسب بتلك التطليقة التى أوقعها على غير وجهها ، كما أنه لو عجز عن فرض ~~آخر لله تعالى ، فلم يقمه واستحمق فلم يأت به ، أكان يعذر بذلك وسقط عنه ؟ ~~وهذا إنكار على من شك أنه لم يعتد بتلك التطليقة ، وقد روى قتادة ، عن يونس ~~بن جبير : قلت لابن عمر : أجعل ذلك طلاقا ؟ قال : إن كان ابن عمر عجز ~~واستحمق ، فما يمنعه أن يكون طلاقا . وقوله : ( فمه ) ، استفهام كأنه قال : ~~فما يكون إن لم يحتسب بتلك التطليقة ، والعرب تبدل الهاء بالألف ؛ لقرب ~~مخرجها كقولهم : ومهما يكن عند امرئ من خليقة والأصل ما يكون عند امرئ ، ~~فأبدل الهاء من الألف ، وقد PageV07P385 أبدلت الهاء من أخت الألف وهى ~~الياء فى قولهم : هذه ، وإنما أرادوا هذى ، كما أبدلت الياء من الهاء فى ~~قولهم : دهديت الحجر ، والأصل : دهدهت ، وقالوا : دهدوهة الجمل ودهدوة ، ~~وإنما اجتمعت الياء والألف والواو والهاء فى بدل بعضها من بعض لتشابههما ، ~~ولأجل تشابههما اجتمعن فى أن يكن ضمائر ، وفى أن يكن وصلا فى القوافى ، وقد ~~أبدلت الهاء من الهمزة فى قولهم : أرقت وهرقت ، وإياك وهياك ، وكأرجت وهرجت ~~. * * * # | 3 - باب هل يواجه الرجل امرأته بالطلاق # / 3 - فيه : عائشة ، أن ابنة الجون لما أدخلت على رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - ودنا منها ، قالت : أعوذ بالله منك ، فقال لها : ( لقد عذت ~~بعظيم الحقى بأهلك ) . / 4 - وفيه : أبو أسيد ، قال ms2492 : لما دخل عليها النبى ~~- صلى الله عليه وسلم - قال : ( هبى نفسك لى ) ، قالت : وهل تهب الملكة ~~نفسها للسوقة ؟ قال : فأهوى بيده يضع يده عليها لتسكن ، فقالت : أعوذ بالله ~~منك ، فقال : ( قد عذت بمعاذ ) ، ثم خرج علينا ، فقال : ( يا أبا أسيد ، ~~اكسها رازقيتين ، وألحقها بأهلها ) . / 5 - قال : يونس بن جبير ، لابن عمر ~~: رجل طلق امرأته ، وهى حائض ؟ فقال : أتعرف ابن عمر ؟ طلق امرأته وهى حائض ~~. . . . الحديث . مواجهة الرجل أهله بالطلاق جائز له لحديث عائشة ، وفى ~~حديث أبى أسيد أنه ، عليه السلام ، أمره أن يكسوها ويلحقها بأهلها ، وليس ~~فيه مواجهته لها ، عليه السلام ، بالطلاق ، وكلا الأمرين سواء غير أن ترك ~~PageV07P386 مواجهة المرأة بالطلاق أرفق وألطف وأيسر فى مراعاة ما جعل الله ~~تعالى بين الزوجين من المودة والرحمة . قال الزجاج : خلق الله حواء من ضلع ~~آدم ، وجعل بين الرجل والمرأة المودة والرحمة . قال المهلب : وأما أمره ، ~~عليه السلام ، أن تكسى فهى المتعة التى أمر الله بها للمطلقة غير المدخول ~~بها ، وسيأتى مذاهب العلماء فيها بعد هذا . وقوله للرجل : أتعرف ابن عمر ؟ ~~، وهو يخاطبه ، إنما هو تقرير على أصل السنة وعلى ناقلها ؛ لأنه لازم ~~للعامة الابتداء بمشاهير أهل العلم ، فقرره على ما يلزمه من ذلك لا أنه ظن ~~أنه يجهله ، وقد قال مثل هذا لرجل سأله عن أم الولد ، فقال : أتعرف أبا حفص ~~أو عمر ، يريد أباه ، ولا خفاء به ، ثم أخبره بقضيته فى أم الولد إلزاما له ~~حكمه فيها بإمامته فى الإسلام ، لا على أن السائل كان يجهل عمر . قال ابن ~~المنذر : واختلفوا فى قوله : الحقى بأهلك ، وحبلك على غاربك ، ولا سبيل لى ~~عليك ، وما أشبه ذلك من كنايات الطلاق ، فقالت طائفة : ينوى فى ذلك ، فإن ~~أراد طلاقا كان طلاقا ، وإن لم يرده لم يلزمه شىء ، هذا قول الثورى ، وأبى ~~حنيفة ، قالا : إلا إن نوى واحدة أو ثلاثا ، فهو ما نوى ، وإن نوى ثنتين ~~فهى واحدة ؛ لأنها كلمة واحدة ولا تقع على اثنتين . PageV07P387 وقال مالك ~~فى قوله : الحقى بأهلك ، إن أراد به الطلاق ms2493 فهو ما نوى واحدة أو اثنتين أو ~~ثلاثا ، وإن لم يرد طلاقا فليس بشىء . وقال الحسن والشعبى : إذا قال لها : ~~الحقى بأهلك ، ولا سبيل لى عليك ، والطريق لك واسع ، إن كان نوى به طلاقا ~~فهى واحدة وهو أحق بها ، وإن لم ينو طلاقا فليس بشىء . وروى عن عمر ، وعلى ~~فى قوله : حبلك على غاربك ، أنهما حلفاه عند الركن على ما أراد وأمضياه ، ~~وهو قول أبى حنيفة ، وكذلك كل كلام يشبه الفرقة مما أراد به الطلاق ، فهو ~~مثل ذلك كقولهم : حبلك على غاربك ، وقد خليت سبيلك ، ولا ملك لى عليك ، ~~واخرجى ، واستترى ، وتقنعى ، واعتدى . وقال مالك : لا ينوى أحد فى : حبلك ~~على غاربك ؛ لأنه لا يقوله أحد ، وقد بقى من الطلاق شيئا ، ولا يلتفت إلى ~~نيته إن قال : لم أرد طلاقا . وقال الطحاوى : هذا الحديث أصل فى الكنايات ~~عن الطلاق ؛ لأن النبى - صلى الله عليه وسلم - قال لابنة الجون حين طلقها : ~~الحقى بأهلك ، وقد قال كعب بن مالك لامرأته : الحقى بأهلك ، حين أمره رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - باعتزالها ، فلم يكن ذلك طلاقا ، فدل خبر كعب ~~بن مالك على أن هذه اللفظة مفتقرة إلى نية ، وأن من قال لامرأته : الحقى ~~بأهلك ، فإنه لا يقضى فيه إلا بما ينوى اللافظ بها ، وإن لم ينو طلاقا فليس ~~بطلاق ، وهذا قول مالك ، والكوفيين ، والشافعى . قال غيره : فكذلك سائر ~~الكنايات المحتملات للفراق وغيره . وقال ابن حبيب : قال ابن القاسم ، وابن ~~الماجشون ، ومطرف : الكنايات المحتملات للطلاق وغيره أن يقول لامرأته : ~~اجمعى عليك PageV07P388 ثيابك ، ولا حاجة لى بك ، ولا نكاح بينى وبينك ، ~~ولا سبيل لى عليك ، ولست منى بسبيل ، أو اذهبى لا ملك لى عليك ، أو لا ~~تحلين لى ، أو احتالى لنفسك ، أو أنت سائبة ، أو منى عتيقة ، أو ليس بينى ~~وبينك حلال ولا حرام ، أو لم أتزوجك ، أو استترى عنى ، أو تقنعى ، أو لست ~~لى بامرأة ، أو لا تكونى لى بامرأة حتى تكون أمه امرأته ، أو يا طالقة ، أو ~~اعتزلى ، أو تأخرى عنى ، أو اخرجى ms2494 ، وشبه ذلك ، فكله سواء بنى بها أو لم ~~يبن لا شىء عليه إلا أن ينوى طلاقا ، فله ما نوى بعد أن يحلف على ذلك . قال ~~غيره : والأصل أن العصمة متيقنة ، فلا تزول إلا بنية وقصد ؛ لقوله عليه ~~السلام : ( الأعمال بالنيات ) . وأما الألفاظ التى ليست من ألفاظ الطلاق ، ~~ولا يكنى بها عنه ، فأكثر العلماء لا يوقعون بها طلاقا ، وإن قصده القائل . ~~وقال مالك : كل من أراد الطلاق بأى لفظ كان لزمه الطلاق حتى بقوله : كلى ، ~~واشربى ، وقومى ، واقعدى ، ونحوه ، والحجة له أن الله تعالى جعل الرمز وهو ~~الإشارة كالكلام فى الكناية به عن المراد بقوله : { أن لا تكلم الناس ثلاثة ~~أيام إلا رمزا } [ آل عمران : 41 ] ، وكما كان ما فعله المتلاعنان من ~~تلاعنهما وتفرقهما طلاقا ، وإن لم يلفظ به ، وكذلك روى فى المختلعة لما ردت ~~عليه الحديقة فأخذها كان طلاقا . PageV07P389 * * * # | 4 - باب من أجاز طلاق الثلاث ، لقوله عز وجل : { الطلاق مرتان فإمساك ~~بمعروف أو تسريح بإحسان } [ البقرة : 229 ] # وقال ابن الزبير ، فى مريض طلق : لا أرى أن ترث مبتوتة . وقال الشعبى : ~~ترثه . وقال ابن شبرمة : تزوج إذا انقضت العدة ، قال : نعم ، قال : أرأيت ~~إن مات الزوج الآخر ، فرجع عن ذلك . / 6 - فيه : أن سهل بن سعد ، أخبره أن ~~عويمرا العجلانى جاء إلى عاصم ابن عدى الأنصارى ، فقال له : يا عاصم ، ~~أرأيت رجلا وجد مع امرأته رجلا أيقتله فتقتلونه أم كيف يفعل ؟ . . . . . ~~الحديث . فتلاعنا فلما فرغا ، قال عويمر : كذبت عليها يا رسول الله ، إن ~~أمسكتها ، فطلقها ثلاثا قبل أن يأمره رسول الله - صلى الله عليه وسلم - . ~~قال ابن شهاب : فكانت تلك سنة المتلاعنين . / 7 - وفيه : عائشة ، أن امرأة ~~رفاعة القرظى جاءت إلى النبى - صلى الله عليه وسلم - ، فقالت : يا رسول ~~الله ، إن رفاعة طلقنى فبت طلاقى ، وإنى نكحت بعده عبدالرحمن بن الزبير ~~القرظى ، وإنما معه مثل الهدبة . فقال لها النبى - صلى الله عليه وسلم - : ~~( لعلك تريدين أن ترجعى إلى رفاعة ، لا ، حتى يذوق عسيلتك وتذوقى عسيلته ) ~~. / 8 - قالت : عائشة مرة : إن رجلا ms2495 طلق امرأته ثلاثا ، فتزوجت ، فطلق ، ~~فسئل النبى - صلى الله عليه وسلم - أتحل للأول ؟ قال : ( لا ، حتى يذوق ~~عسيلتها كما ذاق الأول ) . اتفق أئمة الفتوى على لزوم إيقاع طلاق الثلاث فى ~~كلمة واحدة ، فإن ذلك عندهم مخالف للسنة ، وهو قول جمهور السلف ، والخلاف ~~فى ذلك شذوذ ، وإنما تعلق به أهل البدع ، ومن لا يلتفت إليه لشذوذه ~~PageV07P390 عن الجماعة التى لا يجوز عليها التواطؤ على تحريف الكتاب ~~والسنة ، وإنما يروى الخلاف فى ذلك عن السلف الحجاج بن أرطاة ، ومحمد بن ~~إسحاق . قال أبو يوسف القاضى : كان الحجاج بن أرطاة يقول : ليس طلاق الثلاث ~~بشىء ، وكان ابن إسحاق يقول : ترد الثلاث إلى واحدة . واحتجوا فى ذلك بما ~~رواه ابن إسحاق ، عن داود بن الحصين ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، قال : طلق ~~ركانة بن يزيد امرأته ثلاثا فى مجلس واحد ، فحزن عليها حزنا شديدا ، فسأله ~~النبى ، عليه السلام : ( كيف طلقتها ؟ ) ، قال : ثلاثا فى مجلس واحد ، قال ~~: ( إنما تلك واحدة ، فارتجعها إن شئت ) ، فارتجعها . وروى ابن جريج ، عن ~~ابن طاوس ، عن أبيه ، أن أبا الصهباء قال لابن عباس : ألم تعلم أن الثلاث ~~كانت على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وأبى بكر ، وصدرا من ~~خلافة عمر ترد إلى الواحدة ؟ قال : نعم . قال الطحاوى : هذان حديثان منكران ~~قد خالفهما ما هو أولى منهما ، روى سعيد ابن جبير ، ومجاهد ، ومالك بن ~~الحارث ، ومحمد بن إياس بن البكير ، والنعمان بن أبى عياش ، كلهم عن ابن ~~عباس فيمن طلق امرأته ثلاثا أنه قد عصى ربه ، وبانت منه امرأته ولا ينكحها ~~إلا بعد زوج ، روى هذا عن عمر ، وعلى ، وابن مسعود ، وابن عمر ، وأبى هريرة ~~، وعمران بن حصين ، ذكر ذلك الطحاوى بالأسانيد عنهم . PageV07P391 وروى ابن ~~أبى شيبة ، قال : حدثنا وكيع ، عن سفيان ، عن عمرو بن مرة ، عن سعيد ابن ~~جبير ، قال : جاء رجل إلى ابن عباس ، فقال : إنى طلقت امرأتى ألفا ، أو قال ~~: مائة ، قال : بانت منك بثلاث ، وسائرها اتخذت بها آيات الله هزوا . وما ~~رواه الأئمة عن ابن ms2496 عباس مما يوافق الجماعة يدل على وهن رواية طاوس عنه ، ~~وما كان ابن عباس ليخالف الصحابة إلى رأى نفسه ، وقد روى معمر ، عن ابن ~~طاوس ، عن أبيه ، قال : كان ابن عباس إذا سئل عن رجل طلق امرأته ثلاثا ، ~~قال : لو اتقيت الله جعل لك مخرجا . هذه الرواية لطاوس ، عن ابن عباس تعارض ~~رواية ابن جريج ، عن ابن طاوس ، عن أبيه ؛ لأن من لا مخرج له قد لزمه من ~~الطلاق ما أوقعه ، فسقطت رواية ابن جريج ، وأيضا فإن أبا الصهباء الذى سأل ~~ابن عباس عن ذلك لا يعرف فى موالى ابن عباس ، وليس تعارض رواية ابن جريج ، ~~عن ابن عباس رواية من ذكرنا عن ابن عباس ، فصار هذا إجماعا ، وحديث ابن ~~إسحاق منكر خطأ . وأما طلاق ركانة زوجته البتة ثلاثا ، كذلك رواه الثقات من ~~أهل بيت ركانة ، روى أبو داود ، قال : حدثنا أحمد بن عمرو بن السرح ، وأبو ~~ثور ، قالا : حدثنا الشافعى ، قال : حدثنى عمى محمد بن على بن شافع ، عن ~~عبد الله بن على بن السائب ، عن نافع بن عجير ، عن عبد الله بن يزيد بن ~~ركانة ، أن ركانة طلق امرأته شهيمة البتة ، فأخبر النبى - صلى الله عليه ~~وسلم - بذلك ، فقال : ( ما أردت ؟ ) ، فقال : والله ما أردت إلا واحدة ، ~~فردها النبى ، عليه السلام ، فطلقها الثانية فى زمن عمر ، PageV07P392 ~~والثالثة فى زمن عثمان . قال أبو داود : وهذا أصح ما روى فى حديث ركانة . ~~وحجة الفقهاء فى جواز طلاق الثلاث فى كلمة قوله فى اللعان : فطلقها ثلاثا ~~قبل أن يأمره رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بذلك ، وقبل أن يخبره أنها ~~تطلق عليه باللعان ، ولو كان ذلك محظورا عليه لنهاه رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - عن ذلك ، وأعلمه أن إيقاع الثلاث محرم ومعصية ، فصح أن إيقاع ~~الثلاث مباح ، ولولا ذلك لم يقره النبى ، عليه السلام . وأما وجه التعلق ~~بحديث رفاعة فى هذا الباب ، فقولها : إن رفاعة طلقنى فبت طلاقى ، فحمله ~~البخارى على أن ذلك كان فى كلمة واحدة ، وقد جاء فى ms2497 الحديث أنها قالت : يا ~~رسول الله ، إن رفاعة طلقنى آخر ثلاث ، ذكره فى كتاب الأدب فى باب التبسم ~~والضحك ، فبان أن الثلاث كانت مفترقات ، ولم تكن فى كلمة ، فلا حجة بهذا ~~الحديث فى هذا الباب ، وكذلك ما ذكره عن ابن الزبير فى مريض طلق : لا أرى ~~أن ترث مبتوتة ، فحمله على ظاهر الكلام ، وتأول أن البتة كانت فى كلمة ~~واحدة ، ويحتمل أن تكون كانت فى كلمة واحدة أو أكثر منها . واختلف العلماء ~~فى قول الرجل : أنت طالق البتة ، فذكر ابن المنذر ، عن عمر بن الخطاب أنها ~~واحدة ، وعن سعيد بن جبير مثله . وقال عطاء ، والنخعى : يدين ، فإن أراد ~~واحدة فهى واحدة ، وإن أراد ثلاثا فثلاث ، وهو قول أبى حنيفة ، والشافعى . ~~وقالت طائفة فى البتة : هى ثلاث ، روى ذلك عن على بن أبى طالب ، وابن عمر ، ~~وعن سعيد ابن المسيب ، وعروة ، والزهرى ، وابن أبى ليلى ، ومالك ، ~~PageV07P393 والأوزاعى ، وأبى عبيدة ، واحتج الشافعى بحديث ركانة ، واحتج ~~مالك بحديث ابن عمر : أبت الطلاق طلاق البتة . قال ابن المنذر : وقد دفع ~~بعض العلماء حديث ركانة ، وقال عبد الله بن على بن يزيد ابن ركانة ، عن ~~أبيه ، عن جده ، لا يعرف سماع بعضهم من بعض . واختلفوا فى طلاق المريض يموت ~~فى مرضه ، فقالت طائفة : ترثه ما دامت فى العدة ، روى عن عثمان بن عفان أنه ~~ورث امرأة عبد الرحمن بن عوف منه ، وكانت فى العدة ، وبه قال النخعى ، ~~والشعبى ، وابن شبرمة ، وابن سيرين ، وعروة ، وهو قول الثورى ، والكوفيين ، ~~والأوزاعى ، وأحد قولى الشافعى . وقالت فرقة : ترثه بعد العدة ما لم تزوج ، ~~روى عن عطاء ، والحسن ، وابن أبى ليلى ، وبه قال أحمد ، وإسحاق ، وأبى عبيد ~~. وقالت فرقة : ترثه وإن تزوجت ، هذا قول ربيعة ، ومالك ، والليث ، وهو ~~الصحيح عن عثمان ، رواه مالك فى الموطأ عن ابن شهاب . وقالت فرقة : لا ترث ~~مبتوتة بحال ، وإن مات فى العدة ، كقول ابن الزبير ، وهو أحد قولى الشافعى ~~، وبه قال أبو ثور وأهل الظاهر ، واحتجوا لقول ابن الزبير بالإجماع على أن ~~الزوج لا ms2498 يرثها وإن ماتت فى العدة ولا بعد انقضاء العدة إذا طلقها ثلاثا ، ~~وهو صحيح أو مريض ، فكذلك الزوجة لا ترثه . ومن قال : لا ترثه إلا فى العدة ~~، استحال عنده أن ترث المبتوتة فى حال لا ترث فيه الرجعية ؛ لأنه لا خلاف ~~بين المسلمين أن من طلق امرأته صحيحا طلقة يملك فيها PageV07P394 رجعتها ، ~~ثم انقضت عدتها قبل موته أنها لا ترثه ؛ لأنها أجنبية ليست منه ولا هو منها ~~، فلا تكون المبتوتة المختلف فى ميراثها فى العدة أقوى من الرجعية المجتمع ~~على توريثها فى العدة . وأما الذين قالوا : ترثه بعد العدة ما لم تنكح ، ~~فإنهم اعتبروا إجماع المسلمين أنه لا ترث امرأة زوجين فى حال واحد ، وقولهم ~~غير صحيح ؛ لأنه لا يخلو أن تكون له زوجة بعد انقضاء العدة أو لا تكون له ~~زوجة ، فإن كانت له زوجة ، فلا يحل لها النكاح للإجماع أن امرأة تكون فى ~~عصمة زوج لا يحل لها نكاح غيره ، وإن كانت غير زوجة فمحال أن ترثه وهى زوجة ~~لغيره ، ومثل هذه العلة تلزم من قال : ترثه بعد العدة وإن تزوجت . وأهل هذه ~~المقالة اتهمت المريض بالفرار من ميراث الزوجة والمريض محجور عليه الحكم فى ~~ثلثى ماله بأن ينقص ورثته بأن يدخل عليهم وارثا ، فكذلك هو ممنوع من أن ~~يخرج عنهم وارثا ، كما منع النبى ، عليه السلام ، الذى قتل وليه ميراثه ~~بسبب ما أحدث من القتل ، فكذلك لا ينبغى أن يكون المريض مانعا زوجته ~~الميراث بسبب ما أحدثه من الطلاق ؛ لأن الميراث حق قد ثبت لها بمرضه . * * ~~* # | 5 - باب من خير نساءه ، وقوله تعالى : { يا أيها النبى قل لأزواجك إن ~~كنتن تردن الحياة الدنيا } [ الأحزاب 28 ] الآية # / 9 - فيه : عائشة ، خيرنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فاخترنا ~~الله ورسوله ، فلم يعد ذلك علينا شيئا . PageV07P395 وقال مسروق : لا أبالى ~~خيرتها واحدة أو مائة بعد أن تختارنى . قال المؤلف : روى مثل قول مسروق عن ~~عمر بن الخطاب ، وعلى بن أبى طالب ، وابن مسعود ، وزيد بن ثابت ، وابن عباس ~~، وعائشة ms2499 ، ومن التابعين عطاء ، وسليمان بن يسار ، وربيعة ، وابن شهاب ، ~~كلهم قال : إذا اختارت زوجها فليس بشىء ، وهو قول أئمة الفتوى . وروى عن ~~على بن أبى طالب ، وزيد بن ثابت : إن اختارت زوجها فواحدة ، وهو قول الحسن ~~البصرى ، والقول الأول هو الصحيح لحديث عائشة . قال المهلب : والتخيير هو ~~أن يجعل الطلاق إلى المرأة ، فإن لم تطلق ما جعل إليها من ذلك ، فليس بشىء ~~، وكما أنه إذا جعل طلاق امرأته بيد رجل ، فلم يستعمل ما جعل بيده فليس ~~بشىء . وقال ابن المنذر : وحديث عائشة دلالة على أن المخيرة إذا اختارت ~~زوجها لم يكن ذلك طلاقا ، ويدل على أن اختيارها نفسها يوجب الطلاق ؛ لأن فى ~~قولها : فاخترناه ، فلم يكن طلاقا دلالة على أنهن لو اخترن أنفسهن كان ذلك ~~طلاقا ، ويدل على معنى ثالث وهو أن المخيرة إذا اختارت نفسها ، فهى تطليقة ~~يملك زوجها رجعتها ، إذ غير جائز أن يطلق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~بخلاف أمر الله . واختلف العلماء إذا خيرها فاختارت نفسها ، فروى عن عمر ، ~~وابن مسعود ، وابن عباس ، أنها واحدة رجعية ، وبه قال ابن أبى ليلى ، ~~والثورى ، والشافعى ، وفيها قول ثان : إن اختارت نفسها فواحدة بائنة ، روى ~~هذا عن على بن أبى طالب ، وهو قول أبى حنيفة وأصحابه ، وقالت طائفة : إن ~~اختارت نفسها فقد طلقت ثلاثا ، روى ذلك عن زيد بن ثابت ، وعن الحسن البصرى ~~، وهو قول مالك ، والليث ، والفرق بين التخيير والتمليك عند مالك أن قول ~~الرجل : قد ملكتك ، أى قد PageV07P396 ملكتك ما جعل الله لى من الطلاق ~~واحدة أو اثنتين أو ثلاثا ، فلما جاز أن يملكها بعض ذلك دون بعض وادعى ذلك ~~، كان القول قوله مع يمينه ، وقال فى الخيار : إذا اختارت نفسها المدخول ~~بها فهو الطلاق كله ، وإن أنكر زوجها فلا يكره له ، وإن اختارت واحدة فليس ~~بشىء ، وإنما الخيار البتات إما أخذته وإما تركته ؛ لأن معنى التخيير ~~التسريح ، قال الله تعالى فى آية التسريح : { فتعالين أمتعكن وأسرحكن سراحا ~~جميلا } [ الأحزاب : 28 ] ، فمعنى التسريح البتات ؛ لأن الله ms2500 تعالى قال : { ~~الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان } [ البقرة : 229 ] ، والتسريح ~~بإحسان هى الطلقة الثالثة . قال ابن المنذر : وقالت جماعة : أمرك بيدك ، ~~واختارى ، سواء . قال الشعبى : هو فى قول عمر ، وعلى ، وزيد بن ثابت سواء ، ~~وهو قول النخعى ، وحماد ، والكوفى ، والزهرى ، وسفيان الثورى ، والشافعى ، ~~وأبى عبيد . * * * # | 6 - باب إذا قال : فارقتك ، أو سرحتك ، أو البرية ، أو الخلية ، أو ما ~~عنى به الطلاق فهو على نيته # وقول الله تعالى : { وسرحوهن سراحا جميلا } [ الأحزاب : 49 ] ، وقال : { ~~وأسرحكن سراحا جميلا } [ الأحزاب : 28 ] ، وقال : { فإمساك بمعروف أو تسريح ~~بإحسان } [ البقرة : 229 ] ، وقال : { أو فارقوهن بمعروف } [ الطلاق : 2 ] ~~. وقالت عائشة : قد علم النبى - صلى الله عليه وسلم - أن أبوى لم يكونا ~~يأمرانى بفراقه . | PageV07P397 اختلف قول مالك فيمن قال لامرأته : قد ~~فارقتك ، أو سرحتك ، أو خليت سبيلك ، فروى عيسى ، عن ابن القاسم ، أنها ~~كلها ثلاث فى التى بنى بها إلا أن ينوى أقل ، فله نيته ويحلف ، وفى التى لم ~~يبن بها حتى ينوى أقل . قال ابن المواز : وأصح قوليه فى ذلك أنها فى التى ~~لم يبن بها واحدة إلا أن يريد أكثر ، وقاله ابن القاسم ، وابن عبد الحكم . ~~وقال أبو يوسف فى قوله : فارقتك ، أو خلعتك ، أو خليت سبيلك ، أو لا ملك لى ~~عليك : أنها ثلاثا ثلاثا . واختلفوا فى الخلية والبرية والبائن ، فروى عن ~~على بن أبى طالب أنها ثلاث ، وبه قال الحسن البصرى ، وروى عن ابن عمر فى ~~الخلية والبرية والبتة : هى ثلاث ، وعن زيد ابن ثابت فى البرية : ثلاث . ~~وفيها قول ثان : أن الخلية والبرية والبائن ثلاث فى المدخول بها ، هذا قول ~~ابن أبى ليلى . وقال مالك : هى ثلاث فى المدخول بها ويدين فى التى لم يدخل ~~بها تطليقة واحدة أراد أم ثلاثا ، فإن قال : واحدة ، كان خاطبا من الخطاب ، ~~وقاله ربيعة . وقال الثورى وأبو حنيفة : نيته فى ذلك ، فإن نوى ثلاثا فهى ~~ثلاث ، وإن نوى واحدة فهى واحدة بائنة ، وهى أحق بنفسها ، وإن نوى ثنتين ~~فهى واحدة . وقال الشافعى : هو فى ذلك ms2501 كله غير مطلق حتى يقول : أردت بمخرج ~~الكلام منى طلاقا ، فيكون ما نوى ، فإن نوى دون الثلاث كان رجعيا ، ولو ~~طلقها واحدة بائنة كانت رجعية . PageV07P398 وقال إسحاق : هو إلى نيته يدين ~~. وقال أبو ثور : هى تطليقة رجعية ، ولا يسئل عن نيته فى ذلك . ويمكن أن ~~يكون البخارى أشار إلى قول الكوفيين والشافعى وإسحاق فى قوله : أو ما عنى ~~به الطلاق فهو على نيته . والحجة لذلك أن كل كلمة تحتمل أن تكون طلاقا وغير ~~طلاق ، فلا يجوز أن يلزم بها الطلاق إلا أن يقر المتكلم أنه أراد بها ~~الطلاق ، فيلزمه ذلك بإقراره ، ولا يجوز إبطال النكاح ؛ لأنهم قد أجمعوا ~~على صحته بيقين . وقوله : بريت منى ، أو بريت منك ، وهو من البرية ، وكان ~~بعض أصحاب مالك يرى المباراة من البرية ويجعلها ثلاثا ، وتحصيل مذهب مالك ~~أن المباراة من باب الصلح والفدية والخلع ، وذلك كله واحدة عندهم بائنة ، ~~والحجة لمالك فى قوله : قد فارقتك ، وسرحتك ، وخلية ، وبرية ، وبائن ، أنها ~~ثلاث فى المدخول بها أن هذه الألفاظ مشهورة فى لغة العرب مستعملة فى عرفهم ~~للإبانة وقطع العصمة كالطلاق الثلاث ، بل هذه الألفاظ أشهر عندهم وأكثر ~~استعمالا من قولهم : أنت طالق ، ولم يرد الشرع بخلافها ، وإنما ورد أن يفرق ~~عدد الطلاق ، فإن ترك ذلك وأوقع الأصل وقع . وأما قوله لعائشة : إنى ذاكر ~~لك أمرا ، فلا تعجلى حتى تستأمرى أبويك ، ففيه حجة لمن قال : إنه إذا خير ~~الرجل امرأته أو ملكها ، أن لها أن تقضى فى ذلك وإن افترقا من مجلسهما ، ~~روى هذا عن الحسن ، والزهرى ، وقاله مالك ، وروى عن مالك أيضا أن لها أن ~~تقضى ما لم يوقفها السلطان ، وكان قول مالك الأول أن اختيارها على ~~PageV07P399 المجلس ، وهو اختيار ابن القاسم ، وهو قول الكوفيين ، والثورى ~~، والأوزاعى ، والليث ، والشافعى ، وأبى ثور . قال أبو عبيد : والذى عندنا ~~فى هذا اتباع السنة فى عائشة فى هذا الحديث حين جعل لها التأخير إلى أن ~~تستأمر أبويها ، ولم يجعل قيامها من مجلسها خروجا من الأمر . وقال المروزى ~~: وهذا أصح الأقاويل ms2502 عندى ، وقاله ابن المنذر والطحاوى ، وبهذا نقول ؛ لأن ~~النبى - صلى الله عليه وسلم - قد جعل لها الخيار فى المجلس وبعده حتى تشاور ~~أبويها ، ولم يقل : فلا تستعجلى حتى تستأمرى أبويك فى مجلسك . * * * # | 7 - باب من قال لامرأته : أنت على حرام # قال الحسن : بنيته ، وقال أهل العلم : إذا طلق ثلاثا فقد حرمت عليه فسموه ~~حراما بالطلاق والفراق وليس هذا كالذى يحرم الطعام ؛ لأنه لا يقال للطعام ~~الحل : حرام ، ويقال للمطلقة : حرام ، وقال فى الطلاق ثلاثا : لا تحل له ~~حتى تنكح زوجا غيره . وقال الليث : حدثنى نافع ، قال : كان ابن عمر إذا سئل ~~عمن طلق ثلاثا ، قال : لو طلقت مرة أو مرتين ، فإن النبى - صلى الله عليه ~~وسلم - أمرنى بهذا ، فإن طلقتها ثلاثا حرمت حتى تنكح زوجا غيره . / 10 - ~~فيه : عائشة ، طلق رجل امرأته فتزوجت زوجا غيره ، فطلقها وكانت معه مثل ~~الهدبة ، فلم تصل منه إلى شىء تريده ، فلم يلبث أن طلقها ، PageV07P400 ~~فأتت النبى ، عليه السلام ، فقالت : يا رسول الله ، إن زوجى طلقنى ، وإنى ~~تزوجت زوجا غيره ، فدخل بى ، ولم يكن معه إلا مثل الهدبة ، فلم يقربنى إلا ~~هنة واحدة لم يصل منى إلى شىء ، فأحل لزوجى الأول ، فقال رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - : ( لا تحلين لزوجك الأول ، حتى يذوق الآخر عسيلتك ، ~~وتذوقى عسيلته ) . اختلف العلماء فيمن قال لامرأته : أنت على حرام ، على ~~ثمانية أقوال سوى اختلاف قول مالك ، فقالت طائفة : هى ثلاث ، ولا يسئل عن ~~نيته ، روى هذا عن على بن أبى طالب ، وزيد بن ثابت ، وابن عمر ، وبه قال ~~الحسن البصرى فى روايته ، والحكم بن عتيبة ، وابن أبى ليلى ، ومالك ، وروى ~~عن مالك وأكثر أصحابه فيمن قال لامرأته قبل أن يدخل بها : أنت على حرام ، ~~أنها ثلاث إلا أن يقول : نويت واحدة . وقال عبد العزيز بن أبى سلمة : هى ~~واحدة ، إلا أن يقول : أردت ثلاثا . وقال عبد الملك : لا ينوى فيها ، وهى ~~ثلاث على كل حال كالمدخول بها . وقول آخر قاله سفيان : إن نوى ثلاثا فهى ~~ثلاث ، وإن نوى ms2503 واحدة فهى واحدة بائنة ، وإن نوى يمينا فهى يمين يكفرها ، ~~وإن لم ينو فرقة ولا يمينا فهى كذبة . وقول آخر نحو قول الثورى قاله أبو ~~حنيفة وأصحابه ، غير أنهم قالوا : إن نوى اثنتين فهى واحدة ، وإن لم ينو ~~طلاقا فهى يمين وهو مؤل . وقول آخر روى عن ابن مسعود : إن نوى طلاقا فهى ~~تطليقة ، وهو PageV07P401 أملك بها ، وإن لم ينو طلاقا فهى يمين يكفرها ، ~~وعن ابن عمر مثله ، وبه قال النخعى وطاوس . وقال الشافعى : ليس قوله : أنت ~~على حرام ، بطلاق حتى ينويه ، فإن أراد الطلاق فهو على ما أراد من الطلاق ، ~~وإن قال : أردت تحريما بلا طلاق ، كان عليه كفارة يمين . قال الشافعى : ~~وليس بمؤل . وقول آخر عن ابن عباس : من قال لامرأته : أنت حرام ، لزمته ~~كفارة الظهار ، وهو قول أبى قلابة ، وسعيد بن جبير ، وبه قال أحمد بن حنبل ~~، واحتج ابن عباس بقوله تعالى : { يا أيها النبى لم تحرم ما أحل الله لك } ~~[ التحريم : 1 ] ، ثم قال : عليه أغلظ الكفارات عتق رقبة . وقول آخر : أن ~~الحرام يمين تكفر ، روى ذلك عن أبى بكر الصديق ، وعمر بن الخطاب ، وابن ~~مسعود ، وعائشة ، وابن عباس ، وسعيد بن المسيب ، وعطاء ، وطاوس ، وجماعة ، ~~وبه قال الأوزاعى ، وأبو ثور ، واحتج أبو ثور بأن الحرام ليس من ألفاظ ~~الطلاق بقوله : { يا أيها النبى لما تحرم ما أحل الله لك } [ التحريم : 1 ] ~~، ولم يوجب به طلاقا ، وكان حرم على نفسه مارية ، ثم قال : { قد فرض الله ~~لكم تحلة أيمانكم } [ التحريم : 2 ] . والقول الثامن : أن تحريم المرأة ~~كتحريم الماء ليس بشىء ، ولا فيه كفارة ولا طلاق ؛ لقوله تعالى : { لا ~~تحرموا طيبات ما أحل الله لكم } [ المائدة : 87 ] ، روى ذلك عن الشعبى ، ~~ومسروق ، وأبى سلمة . قال مسروق : ما أبالى حرمت امرأتى أو جفنة من ثريد . ~~وقال الشعبى : أنت على حرام أهون من نعلى . وقال أبو سلمة : ما أبالى ~~حرمتها أو حرمت الفرات ، وهذا القول شذوذ ، وعليه بوب البخارى هذا الباب . ~~PageV07P402 وذهب إلى أن من حرم زوجته أنها ثلاث ، والحجة ms2504 لذلك إجماع ~~العلماء أن من طلق امرأته ثلاثا أنها تحرم عليه ، فلما كانت الثلاث تحريما ~~كان التحريم ثلاثا ، وإلى هذه الحجة أشار البخارى فى حديث رفاعة ؛ لأنه طلق ~~امرأته وبت طلاقها ، فلم تحل له إلا بعد زوج ، فحرمت عليه مراجعتها بالثلاث ~~تطليقات ، فكذلك من حرم على نفسه امرأته كان كمن طلقها ثلاثا ، ومن قال : ~~تلزمه كفارة الظهار ، فليس بالبين ؛ لأن الله إنما جعل كفارة الظهار ~~للمظاهر خاصة . وقال الطحاوى : من قال : تلزمه كفارة الظهار ، كان محمولا ~~على أنه إن أراد الظهار كان ظهارا ، وإن أراد اليمين كان يمينا مغلظة على ~~ترتيب كفارة الظهار : عتق رقبة ، أو صيام شهرين متتابعين ، أو إطعام ستين ~~مسكينا . وقال أبو حنيفة ، وأبو يوسف ، ومحمد : لا يكون ذلك ظهارا ، وإن ~~أراده . وأما قول الحسن فى الحرام : له نيته ، فهى رواية أخرى ذكرها عبد ~~الرزاق ، عن معمر ، عن عمرو ، عن الحسن ، قال : إن نوى طلاقا فهى طلاق ، ~~وإلا فهى يمين ، وهو قول ابن مسعود ، وابن عمر . * * * # | 8 - باب { لم تحرم ما أحل الله لك } [ التحريم : 1 ] # / 11 - فيه : ابن عباس ، قال : إذا حرم امرأته ليس بشىء ، وقال : { لقد ~~كان لكم فى رسول الله أسوة حسنة } [ الأحزاب 21 ] . / 12 - وفيه : عائشة ، ~~أن النبى - صلى الله عليه وسلم - كان يمكث عند زينب بنت جحش ، ويشرب عندها ~~عسلا ، فتواصيت أنا وحفصة أن أيتنا دخل عليها النبى - صلى الله عليه وسلم - ~~، فلتقل : إنى PageV07P403 أجد منك ريح مغافير ، أكلت مغافير ؟ فدخل على ~~إحداهما ، فقالت له ذلك : فقال : ( لا ، بل شربت عسلا عند زينب بنت جحش ، ~~ولن أعود له ) ، فنزلت : { يا أيها النبى لم تحرم ما أحل الله لك } إلى : { ~~إن تتوبا إلى الله } [ التحريم : 4 ] لعائشة وحفصة { وإذ أسر النبى إلى بعض ~~أزواجه } [ التحريم : 3 ] بقوله : ( بل شربت عسلا ) . أما ما ذكره البخارى ~~عن ابن عباس أنه قال : إذا حرم الرجل امرأته فليس بشىء ، يعنى فليس بتحريم ~~مؤبد ، وعليه كفارة يمين ، روى يعلى بن حكيم ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن ~~عباس ms2505 : إذا حرم الرجل امرأته فهى يمين يكفرها ، أما لكم فى رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - أسوة حسنة ؟ وروى عنه أن عليه كفارة الظهار ، وقد تقدم ~~ذلك فى الباب قبل هذا ، وتقدم فيه مذاهب الفقهاء فى هذه المسألة . وقال ~~الطحاوى : روى فى قوله تعالى : { لم تحرم ما أحل الله لك } [ التحريم : 1 ] ~~، أن النبى - صلى الله عليه وسلم - قال : ( لن أعود لشرب العسل ) ، ولم ~~يذكر يمينا ، فالقول هو الموجب للكفارة ، إلا أنه يوجب أن يكون قد كان هناك ~~يمين ؛ لقوله تعالى : { قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم } [ التحريم : 2 ] ، ~~فدل هذا أنه حلف مع ذلك التحريم . وقال زيد بن أسلم فى هذه الآية : إنه حلف ~~، عليه السلام ، ألا يطأ مارية أم ولده ، ثم قال بعد ذلك : هى حرام ، ثم ~~أمره الله فكفر ، فكانت كفارته ليمينه لا لتحريمه . قال ابن المنذر : ~~والأخبار دالة على أن النبى - صلى الله عليه وسلم - كان حرم على نفسه شربة ~~من عسل ، وحلف على ذلك ، فإنما لزمته الكفارة ليمينه لا لتحريمه ما أحل ~~الله له ، فلا حجة لمن أوجب فيه كفارة يمين . PageV07P404 قال المهلب : ~~قوله تعالى : { يا أيها النبى لم تحرم ما أحل الله لك } [ التحريم : 1 ] ، ~~هذا فيما لم يشرع فيه التحريم من المطاعم وغيرها والإماء ، وأما الزوجات ~~فقد شرع الله التحريم فيهن بالطلاق ، وبألفاظ أخر مثل الظهار وغيره ، ~~فالتحريم فيهن بأى لفظ فهم أو عبر عنه لازم ؛ لأنه مشروع ، وغير ذلك من ~~الإماء والأطعمة والأشربة ، وسائر ما يملك ليس فيه شرع على التحريم ، بل ~~التحريم فيه منهى عنه ؛ لقوله تعالى : { لم تحرم ما أحل الله لك } [ ~~التحريم : 1 ] ، وهذه نعمة أنعم الله بها على محمد وأمته بخلاف ما كان فى ~~سائر الأديان . ألا ترى أن إسرائيل حرم على نفسه أشياء ، وكان نص القرآن ~~يعطى أن من حرم على نفسه شيئا أن ذلك التحريم يلزمه ، وقد أحل الله ذلك ~~الإلزام إذا كان يمينا بالكفارة ، فإن لم يكن بيمين لم يلزم ذلك التحريم ~~إنعاما من الله ms2506 علينا وتخفيفا عنا . وكذلك ألزمنا كل طاعة جعلناها لله على ~~أنفسنا كالمشى إلى بيت الله الحرام ، ومسجد الرسول - صلى الله عليه وسلم - ~~، ومسجد إيلياء ، وجهاد الثغور ، والصوم ، وشبه ذلك ألزمنا هذا ، لما فيه ~~لنا من المنفعة ، ولم يلزم ما حرمناه على أنفسنا ، ألا ترى قوله تعالى : { ~~لم تحرم ما أحل الله لك تبتغى مرضات أزواجك } [ التحريم : 1 ] ، فلم يجعل ~~الله تعالى لنبيه ، عليه السلام ، أن يحرم إلا ما حرم الله ، { والله غفور ~~رحيم } [ التحريم : 1 ] ، أى قد غفر الله لك ذلك التحريم . وفيه من الفقه : ~~أن إفشاء السر وما تفعله المرأة مع زوجها ذنب ومعصية تجب التوبة منه ؛ ~~لقوله : { إن تتوبا إلى الله } [ التحريم : 4 ] ، PageV07P405 ويحتمل أن ~~يتوبا إلى الله من هذا الذنب ، ومن التظاهر عليه فى الغيرة والتواطؤ على ~~منعه ما كان يناله من ذلك الشراب . وفيه : دليل أن ترك أكل الطيبات لمعنى ~~من معانى الدنيا لا يحل ، وإن كان ورعا وتأخيرا لها إلى الآخرة كان محمودا ~~. والمغافير شبيه بالصمغ تكون فى الرمث فيه حلاوة تطيب نكهة آكله ، يقال : ~~أغفر الرمث إذا ظهر فيه ، واحدها مغفور . وقال صاحب العين : جرست النحل ~~العسل تجرسه جرسا ، وهو لحسها إياها . والعرفط شجر العضاة ، والعضاة كل شجر ~~له شوك ، وإذا استيك به كانت له رائحة حسنة تشبه رائحة طيب النبيذ . * * * # | 9 - باب قول الله تعالى : { يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم ~~طلقتموهن من قبل أن تمسوهن } [ الأحزاب 49 ] الآية # وقال ابن عباس : جعل الله الطلاق بعد النكاح . ويروى فى ذلك عن على بن ~~أبى طالب ، وسعيد بن المسيب ، وعروة بن الزبير ، وأبى بكر بن عبدالرحمن ، ~~وعبيدالله بن عبدالله بن عتبة ، وأبان بن عثمان ، وعلى بن حسين ، وشريح ، ~~وسعيد بن جبير ، وطاوس ، والحسن ، وعكرمة ، وعطاء ، وعامر بن سعد ، وجابر ~~بن زيد ، وسالم ، ونافع بن جبير ، ومحمد بن كعب ، وسليمان بن يسار ، ومجاهد ~~، والقاسم بن عبدالرحمن ، وعمرو بن هرمو ، والشعبى : أنها لا تطلق . وقال ~~ابن المنذر : اختلف العلماء فيمن حلف بطلاق من لم ms2507 PageV07P406 يملك على ~~ثلاثة أقوال ، فقالت طائفة : لا طلاق قبل نكاح ، وهو قول على ، وعائشة ، ~~وابن عباس ، واحتج ابن عباس فى ذلك بقوله : { يا أيها الذين آمنوا إذا ~~نكحتم المؤمنات } [ الأحزاب : 49 ] الآية ، وقال : جعل الله الطلاق بعد ~~النكاح ، وعليه جمهور التابعين المذكورين فى هذا الباب ، وهو مذهب الشافعى ~~، وأحمد ، وإسحاق ، وأبى ثور . وروى العتبى ، عن على بن معبد ، عن ابن وهب ~~، عن مالك أنه أفتى رجلا حلف : إن تزوجت فلانة فهى طالق ، فتزوجها أنه لا ~~شىء عليه ، وقاله ابن وهب ، ونزلت بالمخزومى فأتاه مالك بذلك ، وروى أبو ~~زيد ، عن ابن القاسم مثله ، وقال محمد بن عبد الحكم : ما أراه حانثا . وقد ~~قال ابن القاسم : أمر السلطان ألا يحكم فى ذلك بشىء وتوقف فى الفتيا به آخر ~~أيامه . قال محمد : وكان عامة مشايخ المدينة لا يرون به بأسا ، وهو قول ابن ~~أبى ذئب ، وأما جمهور أصحاب مالك ، فلا يرون ذلك . وفيها قول ثان وهو إيجاب ~~الطلاق قبل النكاح ، روى ذلك عن ابن مسعود ، والقاسم ، وسالم ، والزهرى ، ~~وأبى حنيفة ، وأصحابه . والقول الثالث : إذا لم يسم الحالف بالطلاق امرأة ~~بعينها أو قبيلة أو أرضا وعم فى يمينه تحريم ما أحل الله له ، فلا يلزمه ~~ذلك وليتزوج ما شاء ، فإن سمى امرأة أو أرضا أو قبيلة أو ضرب أجلا يبلغ ~~عمره أكثر منه لزمه الطلاق ، وكذلك لو قال : كل عبد أملكه حر ، فلا شىء ~~عليه ؛ لأنه عم ، وإن خص جنسا أو بلدا أو ضرب أجلا يبلغ مثله لزمه ، هذا ~~قول النخعى ، وربيعة ، ومالك ، وابن أبى ليلى ، والليث ، والأوزاعى ، وذكر ~~مالك فى الموطأ أنه بلغه عن ابن مسعود . PageV07P407 قال ابن المنذر : ومن ~~حجة أهل المقالة الأولى ما رواه ابن أبى ذئب عن عطاء ، عن جابر بن عبد الله ~~، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( لا طلاق قبل نكاح ) . ~~قال ابن المنذر : وحجة أخرى وهو أنه لما أجمعوا أن من باع سلعة لا يملكها ~~ثم ملكها أن البيع غير لازم له ، فكذلك إذا طلق ms2508 امرأة ثم تزوجها أن الطلاق ~~غير لازم له . واحتج الكوفيون بما رواه مالك فى الموطأ أنه بلغه أن عمر بن ~~الخطاب ، وعبد الله بن عمر ، وابن مسعود ، وسالم ، والقاسم ، وفقهاء ~~المدينة أنهم كانوا يقولون : إذا حلف الرجل بطلاق المرأة قبل أن ينكحها ، ~~ثم أتم ، أن ذلك لازم له إذا نكحها ، وتأولوا قوله : ( لا طلاق قبل نكاح ) ~~، أن يقول الرجل : امرأة فلان طالق ، أو عبد فلان حر ، وهذا ليس بشىء ، ~~وأما أن يقول : إن تزوجت فلانة فهى طالق ، فإنما طلقها حين تزوجها وكذلك فى ~~الحرية يريد إن اشتريتك فأنت حرة . قالوا : ومثله ( لا نذر لابن آدم فيما ~~لا يملك ) ؛ لأنه يحتمل أن يلزمه فيه النذر إذا ملكه ، قالوا : وأيضا فقد ~~جاء الحديث : ( لا طلاق إلا بعد نكاح ) ، وليس فيه لا عقد طلاق ، وهو الذى ~~أجزناه وشبهه لعلة الاحتباس أنه يجوز فيها الصدقة من قبل أن تخلق فى ملكه . ~~واحتج الأبهرى لقول مالك ، فقال : إذا سمى امرأة أو قبيلة أو بلدة ، فإنه ~~يلزمه عقد الطلاق ؛ لأنه ليس بعاص فى هذا العقد ، وكل من عقد عقدا ليس بعاص ~~فيه ، فالعقد له لازم وعليه الوفاء به ؛ لقوله تعالى : { أوفوا بالعقود } [ ~~المائدة : 1 ] ، وقوله تعالى : { يوفون بالنذر } [ الإنسان : 7 ] ، ~~PageV07P408 والنذر فى لسان العرب إيجاب المرء على نفسه شيئا ، وإن لم يكن ~~فى ملكه ، يدل على ذلك قوله تعالى : { ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من ~~فضله } [ التوبة : 75 ] الآية ، فثبت بهذا أنه يلزمه ما ألزم نفسه وإن لم ~~يكن فى ملكه ، ومخالفنا يقول : إن أوجب على نفسه نذر عتق أو صدقة درهم قبل ~~ملكه أن ذلك يلزمه ، فكذلك عقد الطلاق ، فأما إذا عم النساء ، فإن ذلك ~~معصية ؛ لأنه قصد منع نفسه النكاح الذى أباحه الله له ، فلا يصح عقده ؛ ~~لقوله عليه السلام : ( من أحدث فى أمرنا ما ليس منه فهو رد ) . * * * # | 10 - باب إذا قال لامرأته وهو مكره : هذه أختى ، فلا شىء عليه قال ~~النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( قال إبراهيم لسارة : هذه أختى ، وذلك ms2509 فى ~~ذات الله ) # . إنما أراد البخارى بهذا التبويب ، والله أعلم ، رد قول من نهى عن أن ~~يقول الرجل لامرأته : يا أختى ؛ لأنه قد روى عبد الرزاق ، عن الثورى ، عن ~~خالد الحذاء ، عن أبى تميمة الهجيمى ، قال : مر رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - على رجل وهو يقول لامرأته : يا أخية ، فزجره ، ومعنى كراهة ذلك ، ~~والله أعلم ، خوف ما يدخل على من قال لامرأته : يا أختى ، أو أنت أختى ، ~~أنه بمنزلة من قال : أنت على كظهر أمى أو كظهر أختى فى التحريم إذا قصد إلى ~~ذلك ، فأرشده النبى - صلى الله عليه وسلم - إلى اجتناب الألفاظ المشكلة ~~التى يتطرق بها إلى تحريم المحلات ، وليس يعارض هذا بقول إبراهيم فى زوجته ~~: هذه أختى ؛ لأنه إنما أراد PageV07P409 بها أخته فى الدين والإيمان ، فمن ~~قال لامرأته : يا أختى ، وهو ينوى ما نواه إبراهيم من أخوة الدين ، فلا ~~يضره شيئا عند جماعة العلماء . * * * # | 11 - باب الطلاق فى الإغلاق ، والكره ، والسكران ، والمجنون ، وأمرهما ~~، والغلط ، والنسيان فى الطلاق ، والشرك وغيره # لقول النبى - صلى الله عليه وسلم - : الأعمال بالنية ولكل امرئ مانوى ~~وتلا الشعبى : { لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا } [ البقرة : 286 ] ، وما ~~لا يجوز من إقرار الموسوس . وقال النبى - صلى الله عليه وسلم - للذى أقر ~~على نفسه بالزنا : ( أبك جنون ) ؟ وقال على : بقر حمزة خواصر شارفى ، فطفق ~~النبى ، عليه السلام ، يلوم حمزة ، فإذا حمزة قد ثمل محمرة عيناه ، ثم قال ~~حمزة : هل أنتم إلا عبيد لأبى ؟ فعرف النبى - صلى الله عليه وسلم - أنه قد ~~ثمل ، فخرج وخرجنا معه . وقال عثمان : ليس لمجنون ولا لسكران طلاق . وقال ~~ابن عباس : طلاق السكران والمستكره ليس بجائز . وقال عقبة ابن عامر : لا ~~يجوز طلاق الموسوس . وقال عطاء : إذا بدأ بالطلاق فله شرطه . وقال نافع : ~~طلق رجل امرأته البتة إن خرجت . فقال ابن عمر : إن خرجت ، فقد بتت منه ، ~~وإن لم تخرج فليس بشىء . وقال الزهرى فيمن قال : إن لم أفعل كذا وكذا ~~فامرأتى طالق ثلاثا ، يسأل عما قال ، وعقد عليه قلبه حين ms2510 حلف بتلك اليمين ، ~~فإن سمى أجلا أراده وعقد عليه قلبه حين حلف جعل ذلك فى دينه وأمانته . وقال ~~إبراهيم : إن قال لا حاجة لى فيك نيته ، وطلاق كل PageV07P410 قوم بلسانهم ~~. وقال قتادة : إذا قال : إذا حملت فأنت طالق ثلاثا ، يغشاها عند كل طهر ~~مرة ، فإن استبان حملها ، فقد بانت منه . وقال الحسن : إذا قال : الحقى ~~بأهلك نيته . قال ابن عباس : الطلاق عن وطر ، والعتاق ما أريد به وجه الله ~~. وقال الزهرى : إن قال ما أنت بامرأتى نيته ، وإن نوى طلاقا فهو ما نوى . ~~وقال على بن أبى طالب : ألم تعلم أن القلم رفع عن ثلاثة : عن المجنون حتى ~~يفيق ، وعن الصبى حتى يدرك ، وعن النائم حتى يستيقظ . وقال على : كل طلاق ~~جائز إلا طلاق المعتوه . وقال قتادة : إذا طلق فى نفسه فليس بشىء . / 13 - ~~وفيه : أبو هريرة ، قال النبى ، عليه السلام : ( إن الله تجاوز عن أمتى ما ~~حدثت به أنفسها ، ما لم تعمل أو تتكلم ) . / 14 - وفيه : جابر ، أن رجلا ~~أتى النبى ، عليه السلام ، وهو فى المسجد ، فقال : إنه قد زنى ، فأعرض عنه ~~فتنحى لشقه الذى أعرض عنه فشهد على نفسه أربعا ، فدعاه ، فقال : ( هل بك ~~جنون ؟ هل أحصنت ) ؟ قال : نعم ، فأمر به أن يرجم بالمصلى ، فلما أذلقته ~~الحجارة جمز حتى أدرك بالحرة فقتل . / 15 - وفيه : أبو هريرة مثله ، إلا ~~أنه زاد : فأعرض عنه أربعا ، فلما شهد على نفسه أربع شهادات ، فقال : ( هل ~~بك جنون ) ؟ قال : لا ، فقال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( اذهبوا به ~~فارجموه . . . ) الحديث . تأويل الإغلاق عند العلماء الإكراه ، قال أبو ~~عبيد : الإغلاق التضييق ، فإذا ضيق على المكره وشدد عليه حتى طلق لم يقع ~~حكم طلاقه ، فكأنه لم يطلق . PageV07P411 واختلفوا فى طلاق المكره على ما ~~يأتى ذكره فى كتاب الإكراه ، ونذكر منه هاهنا طرفا قال مالك ، والأوزاعى ، ~~والشافعى : لا يلزم . وقال الكوفيون : طلاق المكره لازم . واحتج أهل ~~المقالة الأولى بقوله : ( الأعمال بالنيات ) ، وبما رواه الأوزاعى ، عن ~~عطاء ، عن عبيد بن عمير ، عن ابن عباس ، أن النبى - صلى ms2511 الله عليه وسلم - ~~قال : ( تجاوز الله لأمتى الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه ) ، واحتجوا ~~بقوله : { إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان } [ النحل : 106 ] ، فنفى ~~الكفر باللسان إذا كان القلب مطمئنا بالإيمان ، فكذلك الطلاق إذا لم يرده ~~ولم ينوه بقلبه لم يلزمه ، ولذلك قال عطاء : الشرك أعظم من الطلاق . قال ~~الطحاوى : التجاوز معناه العفو عن الإثم ؛ لأن العفو عن الطلاق والعتاق لا ~~يصح ؛ لأنه غير مذنب فيعفى عنه ، قال : وكما ثبت له حكم الوطء بالإكراه ، ~~فيحرم به على الواطئ ابنة المرأة وأمها ، فكذلك القول لا يمنع من وقوع ما ~~طلق . واختلفوا فى طلاق السكران ، فأجازته طائفة ذكره ابن وهب ، عن عمر بن ~~الخطاب ، ومعاوية بن أبى سفيان ، وجماعة من التابعين منهم : سعيد بن المسيب ~~، وسليمان بن يسار ، وعطاء ، والقاسم ، وسالم ، وذكره ابن المنذر ، عن ~~الحسن ، وابن سيرين ، والنخعى ، والشعبى ، وهو قول مالك ، وأبى حنيفة ، ~~والأوزاعى ، والثورى . واختلف فيه قول الشافعى ، فأجازه مرة ومنع منه أخرى ~~، وألزمه مالك الطلاق والقود من الجراح والقتل ، ولم يلزمه النكاح والبيع . ~~وقال الكوفيون : أقوال السكران وعقوده كلها ثابتة كأفعال PageV07P412 ~~الصاحى إلا الردة ، فإذا ارتد فإنه لا تبين منه امرأته استحسانا . وقال أبو ~~يوسف : يكون مرتدا فى حال سكره . وهو قول الشافعى إلا أن لا نقتله فى حال ~~سكره ولا نستتيبه . وقالت طائفة : لا يجوز طلاق السكران ، روى ذلك عن عثمان ~~بن عفان ، وابن عباس ، وعن عطاء ، وطاوس ، والقاسم ، وربيعة ، وهو قول ~~الليث ، وإسحاق ، وأبى ثور ، والمزنى ، واختاره الطحاوى ، وقال : أجمع ~~العلماء على أن طلاق المعتوه لا يجوز ، فالسكران معتوه بسكره كالموسوس ~~معتوه بالوسواس ، ولا يختلفون أن من شرب البنج ، فذهب عقله أن طلاقه غير ~~جائز ، فكذلك من سكر من الشراب . ولا يختلف حكم فقدان العقل بسبب من الله ~~أو بسبب من أجله ، ألا ترى أنه لا فرق بين من عجز عن القيام فى الصلاة بسبب ~~من الله أو من قبل نفسه بأن يكسر رجل نفسه فى باب سقوط فرض القيام عنه . ~~واحتج أهل المقالة الأولى ، وفرقوا بين ms2512 المجنون والسكران ، قال عطاء : ليس ~~السكران كالمغلوب على عقله ؛ لأن السكران أتى ما أتى ، وهو يعلم أنه يقول ~~ما لا يصلح . قال غيره : ألا ترى أن المجنون لا يقضى ما فاته من صلاته فى ~~حال جنونه ، ويلزم السكران ذلك فافترقا ، وذكر ابن المنذر أن بعض أهل العلم ~~رد هذا القول ، فقال : ليس فى احتجاج من احتج بأن الصلاة تلزم السكران ولا ~~تلزم المجنون حجة ؛ لأن الصلاة قد تلزم النائم ولا تلزم المجنون ، ولو طلق ~~رجل فى حال نومه ، وطلق آخر فى حال جنونه ، لم يقع طلاق واحد منهما . ~~PageV07P413 وفى قولهم : إن السكران إذا ارتد لم يستتب فى حال سكره ولم ~~يقتل ، دليل على أن لا حكم لقوله ، ورد المهلب هذا القول ، فقال : معلوم فى ~~الأغلب من الحال أن السكران إذا طلق لم يذهب جميع عقله ، والدليل على ذلك ~~أنه أوقع الطلاق ، فقد نطق بكلام مفهوم ، وقد شرط الله فى حد السكران الذى ~~تبطل الصلاة به وغيرها أن لا يعلم ما يقول ، وهذا المطلق يعلم ما يقول ، ~~وقصد بالطلاق معنى معلوما فى السنة ، واستدللنا أنه علم ما قال ؛ لأنه قاله ~~لمن لا يقال إلا له فصح قصده الطلاق ، فوجب إلزامه له . قال ابن القصار : ~~إن شرب السكران للتداوى جائز ، ولا حد فى السكر منه كما هو فى الخمر ، فلا ~~يقع طلاقه . فيقال لهم : إن شرب الدواء لغير مصلحة ، ولكن ليزيل عقله ، فإن ~~طلاقه عندنا يقع . قال المهلب : ولا حجة لمن لم يجز طلاق السكران فى حديث ~~حمزة حين سكر ؛ لأن الخمر حينئذ كانت مباحة ، فلذلك سقط عنه حكم ما نطق به ~~فى حال سكره ، وهذه القصة كانت سبب تحريم الخمر ، فليس يجب أن نحكم بما كان ~~قبل تحريم الخمر على ما كان بعد تحريمها ؛ لاختلاف الحكم فى ذلك ، وقد ذكرت ~~فى كتاب الأشربة ، فى باب ما جاء أن الخمر ما خامر العقل اختلاف العلماء فى ~~حد السكر الموجب للحد ما هو . قال ابن المنذر : وأجمع العلماء على أن طلاق ~~المعتوه والمجنون ms2513 لا يلزم وقد احتج فى ذلك على بن أبى طالب فى هذا الباب ~~بما فيه مقنع . قال مالك : وكذلك المجنون الذى يفيق أحيانا يطلق فى حال ~~PageV07P414 جنونه ، والمبرسم قد رفع عنه القلم لغلبة العلم أنه فاسد ~~المقاصد ، وأن أفعاله وأقواله مخالفة لرتبة العقل . قال المهلب : ومعنى ~~قوله عليه السلام : ( أبك جنون ) ، يعنى فى بعض أوقاتك ، ولو أراد أبك جنون ~~الدهر كله ما وثق بقوله أن به جنونا ، وإنما معناه أبك جنون فى غير هذا ~~الوقت ، فيكون قولك : إنك قد زنيت فى وقت ذلك الجنون ، وإنما طلب شبهة يدرأ ~~عنه الحد بها ؛ لأن المجنون إنما يحمل أمره على فقد العقل وفساد المقاصد فى ~~وقت جنونه ، والسكران أصله العقل ، والسكر إنما هو طارئ على عقله ، فما وقع ~~منه من كلام مفهوم فهو محمول على أصل عقله حتى ينتهى إلى فقدان عقله . ~~واختلفوا فى الخطأ والنسيان فى الطلاق ، فقالت طائفة : من حلف على أمر أن ~~لا يفعله بالطلاق ففعله ناسيا لم يحنث ، هذا قول عطاء ، وهو أحد قولى ~~الشافعى ، وبه قال إسحاق ، وروى عن نافع فيمن حلف بالطلاق وهو لا يريده ~~فسبقه لسانه يدين فيما بينه وبين الله تعالى ، وكذلك قال الشافعى فيمن غلبه ~~لسانه بغير اختيار منه ، فقوله كلا قول ، ولا يلزمه طلاق ولا غيره . وروى ~~عن الشعبى ، وطاوس فى الرجل يحلف على الشىء ، فيخرج على لسانه غير ما يريد ~~له نيته ، وحققه أحمد . وقال الحكم : يؤخذ بما تكلم به ، وممن أوجب عليه ~~الحنث مكحول ، وعمر بن عبد العزيز ، وقتادة ، وربيعة ، والزهرى ، وهو قول ~~مالك ، والثورى ، والكوفيين ، وابن أبى ليلى ، والأوزاعى . وحجة من لم يوجب ~~الحنث عليه قوله : ( الأعمال بالنيات ) ، PageV07P415 والناسى لا نية له ، ~~وقوله : ( إن الله رفع عن أمتى الخطأ والنسيان وما أكرهوا عليه ) . واحتج ~~الذين أوجبوا الحنث ، فقالوا : معنى رفع الخطأ والنسيان إنما هو فى الإثم ~~بينك وبين الله . وأما فى حقوق العباد ، فلازمة فى الخطأ والنسيان ، فى ~~الدماء والأموال ، وإنما يسقط فى قتل الخطأ ما كان يجب لله من ms2514 عقوبة أو ~~قصاص ، ووقع فى كثير من النسخ ، والنسيان فى الطلاق والشرك وهو خطأ ، ~~والصواب والشك مكان الشرك . واختلف العلماء فى الشك فى الطلاق ، فأوجب ~~الطلاق بالشك مالك ، وقال الأوزاعى ، وسعيد بن عبد العزيز : أفرق بالشك ولا ~~أجمع بالشك ، وممن لم يوجب الطلاق بالشك ربيعة ، والشافعى ، وأحمد ، وإسحاق ~~. وقال الشافعى ، وأحمد ، وإسحاق : من شك فلم يدر أطلق واحدة أو اثنتين أو ~~ثلاثا وجبت عليه واحدة ، وهى عنده حتى يستيقن ، ولا يجوز عندهم أن يرفع ~~يقين النكاح بشك الحنث ، وإلى هذا أشار البخارى . وأما قول عطاء : إذا بدأ ~~بالطلاق فله شرطه ، وقول نافع : إذا طلق رجل امرأته البتة إن خرجت ، وقول ~~الزهرى فيمن قال : إن لم أفعل كذا وكذا فامرأتى طالق ، فسيأتى فى كتاب ~~الطلاق . وأما قول إبراهيم : إن قال : لا حاجة لى فيك ، نيته ، فهو قول ~~أصحاب مالك ، قالوا : إن أراد بذلك الطلاق لزمه ما أراد منه ، وإن لم يرد ~~طلاقا أحلف ودين ، وقوله : طلاق كل قوم بلسانهم ، فالعلماء PageV07P416 ~~مجمعون أن العجمى إذا طلق بلسانه وأراد الطلاق أنه يلزمه ؛ لأنهم وسائر ~~الناس فى أحكام الله سواء . وأما قول قتادة : إذا حملت فأنت طالق يغشاها فى ~~كل طهر مرة ، فإن استبان حملها فقد بانت منه ، فهو قول ابن الماجشون ، وحكى ~~مثله ابن المواز ، عن أشهب ، قال فى قوله : إذا حملت وإذا حضت وإذا وضعت ~~ليس بأجل ، ولا شىء عليه حتى يكون ما شرط ، وهو قول الثورى ، والكوفيين ، ~~والشافعى ، قالوا : وسواء كان مما هو غيب لا يعلم أو مما يعلم نحو قوله : ~~إن ولدت وإذا أمطرت السماء وإذا جاء رأس الهلال ، فإنه لا يقع الطلاق إلا ~~بوجود الوقت والشرط . وقال ابن القاسم فى قوله : إذا حملت فأنت طالق ، لا ~~يمنع من وطئها فى ذلك الطهر مرة فقط ، ثم يطلق إذا وطئها حينئذ ، ولو كان ~~قد وطئها فيه قبل مقالته طلقت مكانها ويصير كالذى قال لزوجته : إن كنت ~~حاملا فأنت طالق ، وإن لم يكن بك حمل فأنت طالق ، فإنها تطلق مكانها ولا ~~ينتظر ms2515 اختبارها أبها حمل أم لا ، إذ لو ماتا لم يتوارثا ، وكذلك قوله لغير ~~حامل : إذا حملت فوضعت فأنت طالق ، أو قال : إذا وضعت فقط فأنت طالق ، وإن ~~وطئ فى ذلك الطهر وإلا إذا وطئ مرة طلقت . وقال ابن أبى زيد : اختلف فيه ~~قول مالك . وقال الطحاوى : لا يختلفون فيمن أعتق عبده ، إذا كان هذا لما هو ~~كائن لا محالة أو لما قد يكون ، وقد لا يكون أنهما سواء ولا يعتق حتى يكون ~~الشرط فكذلك الطلاق . وقول الزهرى : إن قال : ما أنت بامرأتى ، نيته ، فإن ~~نوى طلاقا فهو ما نوى ، فهو قول مالك ، وأبى حنيفة ، والأوزاعى . وقال ~~الليث : هى كذبة . وقال أبو يوسف ومحمد : ليس بطلاق . PageV07P417 وقول ~~قتادة : فإذا طلق فى نفسه فليس بشىء ، هو قول جماعة أئمة الفتوى ، واختلف ~~فيه قول مالك ، فذكر عنه ابن المواز أن من عقد طلاقا بقلبه ولم يلفظ به ~~لسانه فإنه لا يقع ، وهذا الأظهر من مذهبه ، وروى عنه أشهب فى العتبية أنها ~~تطلق عليه ، وهذا قول ابن سيرين وابن شهاب ، وقال ابن سيرين : إذا طلق فى ~~نفسه أليس قد علمه الله تعالى ، وحجة الجماعة قوله : ( إن الله تجاوز عن ~~أمتى ما حدثت به أنفسها ما لم تعمل أو تكلم ) ، فجعل ما لم ينطق به اللسان ~~لغوا لا حكم له ، حتى إذا تكلم به يقع الجزاء عليه ويلزم المتكلم . وقال ~~ابن المنذر : وكذلك قوله : ( الأعمال بالنيات ) ، فجعل الأعمال مقرونة ~~بالنيات ، ولو كان حكم من أضمر فى نفسه شيئا حكم المتكلم ، كان حكم من حدث ~~نفسه فى الصلاة بشىء متكلما ، وفى إجماعهم على أن ذلك ليس بكلام مع قوله ، ~~عليه السلام : ( من صلى صلاة لا يحدث فيها نفسه غفر له ) ، دليل على أن ~~حديث النفس لا يقوم مقام الكلام ، وأجمعوا أن من حدث نفسه بالقذف غير قاذف ~~، وكذلك اختلفوا فيمن كتب إلى امرأته بالطلاق من غير لفظ به ، فأوجب قوم ~~الطلاق بالكتابة ، هذا قول النخعى ، والشعبى ، والحكم ، والزهرى ، ومحمد بن ~~الحسن ، واحتج الزهرى فى أن الكتاب ms2516 كلام بقوله : { فأوحى إليهم أن سبحوا ~~بكرة وعشيا } [ مريم : 11 ] ، قال : كتب لهم ، وهو قول أحمد بن حنبل إذا ~~كتب طلاق امرأته بيده فقد لزمه ؛ لأنه عمل بيده . وقالت طائفة : إن أنفذ ~~الكتاب إليها نفذ الطلاق ، روى ذلك عن PageV07P418 عطاء ، والحسن ، وقتادة ~~، وقال مالك والأوزاعى : إذا كتب إليها وأشهد على كتابه ، ثم بدا له ، فله ~~ذلك ما لم يوجه إليها بالكتاب ، فإذا وجهه فقد طلقت فى ذلك الوقت ، إلا أن ~~ينوى أنها لا تطلق عليه حتى يبلغ كتابه . وقوله : أذلقته الحجارة ، قال ~~صاحب الأفعال : أذلقته ، يقال : أذلق الرجل غيره أخرقه بطعنة أو حجر يضربه ~~به ، وقد تقدم تفسير الحرة فى كتاب الصيام . وقوله : جمز ، يعنى وثب ، وفى ~~كتاب الأفعال : جمز الفرس جمزا وأجمز وثب ، فاستعير الجمز للإنسان بمعنى ~~الوثب ، وجمز الإنسان أسرع فى مشيه . * * * # | 12 - باب الخلع وكيف الطلاق فيه وقوله : { ولا يحل لكم أن تأخذوا مما ~~آتيتموهن شيئا } [ البقرة : 229 ] الآية # وأجاز عمر الخلع دون السلطان ، وأجاز عثمان الخلع دون عقاص رأسها ، وقال ~~طاوس : { إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله } [ البقرة : 229 ] : فيما ~~افترض لكل واحد منهما على صاحبه فى العشرة والصحبة ، ولم يقل قول السفهاء ~~لا يحل حتى تقول : لا أغتسل لك من جنابة . / 16 - وفيه : عكرمة ، عن ابن ~~عباس ، أن امرأة ثابت بن قيس أتت النبى ، عليه السلام ، فقالت : يا رسول ~~الله ، ثابت بن قيس ما أعتب عليه فى خلق ولا دين ، ولكنى أكره الكفر فى ~~الإسلام ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( أتردين PageV07P419 ~~عليه حديقته ) ؟ قالت : نعم ، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( ~~اقبل الحديقة ، وطلقها تطليقة ) . قال أبو عبد الله : لا يتابع فيه عن ابن ~~عباس . / 17 - وعن عكرمة ، أن أخت عبد الله بن أبى - بهذا - ولم يذكر ابن ~~عباس . / 18 - وقال عكرمة : أن جميلة . . . الحديث . قال ابن المنذر : قوله ~~تعالى : { ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن } [ البقرة : 229 ] الآية ، ~~فحرم الله على الزوج أن يأخذ من امرأته شيئا مما أتاها ms2517 الله إلا بعد الخوف ~~الذى ذكره الله ، ثم أكد ذلك بتغليظ الوعيد على من تعدى أو خالف أمره ، ~~فقال : { تلك حدود الله فلا تعتدوها } [ البقرة : 229 ] ، وبمعنى كتاب الله ~~جاءت سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فى جميلة امرأة ثابت بن قيس حين ~~قالت : يا رسول الله ، إنى لا أعتب عليه فى خلق ولا دين ، ولكن أكره الكفر ~~فى الإسلام لا أطيقه بغضا . رواه قتادة ، عن عكرمة ، عن ابن عباس . وروى ~~معتمر بن سليمان ، عن فضيل ، عن ابن أبى جرير ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، ~~قال : أول خلع فى الإسلام أخت عبد الله بن أبى ، أتت النبى ، عليه السلام ، ~~فقالت : يا رسول الله ، لا تجتمع رأسى ورأسه أبدا ، إنى رفعت جانب الخباء ، ~~فرأيته أقبل فى عدة ، فإذا هو أشدهم سوادا ، وأقصرهم قامة ، وأقبحهم وجها ، ~~فقال : ( أتردين عليه حديقته ؟ ) ، قالت : نعم ، وإن شاء زدته ، ففرق ~~بينهما . وهذا الحديث أصل فى الخلع ، وعليه جمهور الفقهاء ، قال مالك : ولم ~~أزل أسمع ذلك من أهل العلم ، وهو الأمر المجتمع عليه عندنا أن الرجل إذا لم ~~يضر بالمرأة ولم يسىء إليها ولم تؤت من قبله ، وأحبت PageV07P420 فراقه ، ~~فإنه يحل له أن يأخذ منها كل ما افتدت به ، كما فعل النبى - صلى الله عليه ~~وسلم - فى امرأة ثابت ، وإن كان النشوز من قبله بأن يضر بها ويضيق عليها رد ~~عليها ما أخذ منها ، روى هذا عن ابن عباس ، وعامة السلف ، وبه قال الثورى ، ~~وإسحاق ، وأبو ثور . وقال أبو حنيفة : إن كان النشوز من قبله لم يحل له أن ~~يأخذ مما أعطاها شيئا ولا يزداد ، فإن فعل جاز فى القضاء ، وروى ابن القاسم ~~عن مالك مثله ، وهذا القول خلاف ظاهر كتاب الله ، وخلاف حديث امرأة ثابت ، ~~وإنما فيه أخذ الفدية من الناشز لزوجها إذا كان لنشوزها كارها ، وللمقام ~~معها محبا ، وإن كانت الإساءة من قبله ، لم يجز له أن يأخذ منها شيئا ؛ ~~لقول الله تعالى : { وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج } [ النساء : 20 ] ~~الآية . قال مجاهد ms2518 : مجامعة النساء والميثاق الغليظ كلمة النكاح التى تستحل ~~بها فروجهن ، فجعله ثمنا للإفضاء . قال ابن المنذر : واحتج بعض المخالفين ، ~~فقال : لما جاز أن يأخذ مالها إذا طابت به نفسا على غير طلاق ، جاز له أن ~~يأخذه على طلاق ، قيل : هذا غلط كبير ؛ لأنه حمل ما حرمه الله فى كتابه من ~~أبواب المعاوضات على ما أباحه من سائر أبواب العطايا المباحة ، أفيجوز لهذا ~~القائل أن يشبه ما حرم الله من الربا فى كتابه بما أباح من العطايا على غير ~~عوض ، فنقول : لما أبيح لى أن أهب مالى بطيب نفس من غير عوض ، جاز لى أن ~~أعطيه فى أبواب الربا بعوض ، فإن قال : لا يجوز ذلك ، فليعلم أنه قد أتى ~~مثل ما أنكر فى باب الربا حيث شبه قوله : { فإن طبن لكم عن شىء منه نفسا ~~فكلوه هنيئا مريئا } [ النساء : 4 ] بما حرم فى قوله : { ولا يحل لكم أن ~~تأخذوا مما آتيتموهن شيئا إلا أن يخافا أن لا يقيما حدود الله } [ البقرة : ~~229 ] . PageV07P421 وفى حديث ابن عباس دلالة على فساد قول من قال : لا ~~يجوز له أخذ الفدية منها حتى تكون من كراهيته لها على مثل ما هى عليه ، وهو ~~قول طاوس والشعبى ، وروى مثله عن القاسم بن محمد ، وسعيد بن المسيب . قال ~~الطبرى : وذلك أن امرأة ثابت أتت النبى - صلى الله عليه وسلم - شاكية ، ~~فقالت له : لا أنا ولا ثابت ، فقال لها : ( أتردين عليه حديقته ؟ ) ، ولم ~~يسأل ثابتا هل أنت لها كاره كراهيتها لك ؟ فإن ظن أن قوله : { ولا يحل لكم ~~} [ البقرة : 229 ] الآية ، يدل أن الزوج إنما أبيح له أخذ الفدية إذا خاف ~~من كل واحد منهما ببغض صاحبه النقص فى الواجب له عليه ، قيل : هو خطاب ~~لجميع المؤمنين ، وكان معلوما أن المرأة إذا أظهرت لزوجها البغضة ، لم يؤمن ~~عليها النشوز والتقصير على حق زوجها ، وإذا كان ذلك لم يؤمن من زوجها مثل ~~ذلك من التقصير فى الواجب عليه ، وروى عن ابن سيرين أنه قال : لا يحل للزوج ~~الخلع حتى ms2519 يجد على بطنها رجلا ، وهذا خلاف الحديث . واختلفوا فى الخلع ~~بأكثر مما أعطاها ، فقالت طائفة : لا يجوز له الخلع بأكثر من صداقها ، هذا ~~قول عطاء ، وطاوس ، وكره ذلك ابن المسيب ، والشعبى ، والحكم ، وقال ~~الأوزاعى : كانت القضاة لا يجيزون أن يأخذ منها أكثر مما ساق إليها ، وبه ~~قال أحمد ، وإسحاق ، قالوا : وهو ظاهر حديث ثابت ؛ لأن امرأته إنما ردت ~~عليه حديقته فقط . وقالت طائفة : يجوز أن يأخذ منها أكثر مما أعطاها ، وهو ~~مذهب عثمان بن عفان ، وابن عمر ، وقبيصة ، والنخعى ، وبه قال مالك ، وأبو ~~PageV07P422 حنيفة ، والشافعى ، وأبو ثور ، وقال مالك : يجوز أن يأخذ منها ~~أكثر مما ساق إليها ، وليس من مكارم الأخلاق ، قال : ولم أر أحدا ممن يقتدى ~~به يكره ذلك ، وقد قال الله تعالى : { فلا جناح عليهما فيما افتدت به } [ ~~البقرة : 229 ] ، وقد نزع بهذه الآية قبيصة بن ذؤيب . قال إسماعيل بن إسحاق ~~: وقد احتج بهذه الآية من قال : لا يجوز أن يأخذ منها أكثر مما ساق إليها ، ~~وليس كما ظن ، ولو قال إنسان : لا تضربن فلانا إلا أن تخاف منه شيئا ، فإن ~~خفته فلا جناح عليك فيما صنعت به لكان مطلقا له أن يصنع به ما شاء . ومعنى ~~قول البخارى : وأجاز عثمان الخلع دون عقاص رأسها ، يعنى أن يأخذ منها كل ما ~~لها إلى أن يكشف لها رأسها ويترك لها قناعها وشبهه مما لا كثير قيمة له ، ~~وقد قال عمر : اخلعها ولو من قرطها . وأما قوله : باب الخلع وكيف الطلاق ~~فيه ، فاختلف العلماء فى البينونة بالخلع ، فروى عن عثمان ، وعلى ، وابن ~~مسعود ، أن الخلع تطليقة بائنة ، إلا أن تكون سميت ثلاثا فهى ثلاث ، وهو ~~قول مالك ، والثورى ، والكوفيين ، والأوزاعى ، وأحد قولى الشافعى ، وقالت ~~طائفة : الخلع فسخ وليس بطلاق إلا أن ينويه ، روى هذا عن ابن عباس ، وطاوس ~~، وعكرمة ، وبه قال أحمد ، وإسحاق ، وأبو ثور ، وهو أحد قولى الشافعى ، ~~واحتج فى أنه ليس بطلاق ؛ لأنه مأذون فيه لغيره قبل العدة بخلاف الطلاق ، ~~قال ابن عباس : قال الله تعالى : PageV07P423 { والمطلقات يتربصن ms2520 بأنفسهن ~~ثلاثة قروء } [ البقرة : 228 ] ، ثم قال : { فلا جناح عليهما فيما افتدت به ~~} [ البقرة : 229 ] ، ثم ذكر الطلاق بعد الفداء ، ولم يذكر فى الفداء طلاقا ~~، فلا أراه طلاقا . واحتج من جعله طلاقا بقوله فى الحديث : فردت الحديقة ، ~~وأمره بفراقها ، فصح أن فراق الخلع طلاق . قال الطحاوى : روى عن عمر ، وعلى ~~، أن الخلع طلاق ، وعن عثمان ، وابن عباس ، أنه ليس بطلاق . قال : وأجمعوا ~~أنه لو أراد به الطلاق لكان طلاقا ، ولما كان يقع به الفرقة عند الجميع ~~بغير نية ، علم أنه ليس كالمكنى الذى يحتاج إلى نية ، وعلم أنه طلاق . وقال ~~الشافعى : فإن قيل : فإذا جعلته طلاقا فاجعل فيه الرجعة . قيل له : لما أخذ ~~من الطلقة عوضا كان كمن ملك عوضا بشىء خرج من ملكه ، فلم يكن له رجعة فيما ~~ملك عليه ، فكذلك المختلعة . وقوله : وأجاز عمر الخلع دون السلطان ، فهو ~~قول الجمهور ، إلا الحسن ، وابن سيرين ، فإنهما قالا : لا يكون إلا عند ~~السلطان . وقال قتادة : إنما أخذه الحسن عن زياد . وقال الطحاوى : روى عن ~~عثمان ، وابن عمر جوازه دون السلطان ، وكما جاز النكاح والطلاق دون السلطان ~~كذلك الخلع . * * * # | 13 - باب الشقاق ، وهل يشير بالخلع عند الضرورة ؟ وقوله تعالى : { وإن ~~خفتم شقاق بينهما } [ النساء : 35 ] الآية # / 19 - فيه : المسور ، قال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( إن بنى ~~المغيرة استأذنوا فى أن ينكح على ابنتهم ، فلا آذن ) . PageV07P424 قال ~~المهلب : إنما حاول البخارى بإدخال حديث المسور فى هذا الباب أن يجعل قول ~~النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( فلا آذن ) خلعا ، ولا يقوى هذا المعنى ؛ ~~لأنه قال فى الحديث : ( إلا أن يريد ابن أبى طالب أن يطلق ابنتى ) ، فدل ~~على الطلاق ، فإن أراد أن يستدل من دليل الطلاق على الخلع ، فهو دليل على ~~دليل ، وذلك ضعيف ، وإنما فيه الشقاق والإشارة بالطلاق من خوفه ، وفيه ~~الحكم بقطع الذرائع ؛ لأنه تعالى أمر ببعثه الحكمين عند خوف الشقاق قبل ~~وقوعه . وأجمع العلماء أن المخاطب بقوله تعالى : { وإن خفتم شقاق بينهما } ~~[ النساء : 3 ] الحكام والأمراء ، وأن قوله : { إن ms2521 يريدا إصلاحا يوفق الله ~~بينهما } [ النساء : 3 ] ، يعنى الحكمين ، وأن الحكمين لا يكونان إلا ~~أحدهما من أهل الرجل ، والثانى من أهل المرأة إلا أن يوجد من أهلهما من ~~يصلح لذلك فيرسل من غيرهما ، وأن الحكمين إذا اختلفا لم ينفذ قولهما ، وأن ~~قولهما نافذ فى الجمع بينهما بغير توكيل من الزوجين . واختلفوا فى الفرقة ~~بينهما هل تحتاج إلى توكيل من الزوجين أم لا ؟ فقال مالك ، والأوزاعى ، ~~وإسحاق : يجوز قولهما فى الفرقة والاجتماع بغير توكيل من الزوجين ولا إذن ~~منهما فى ذلك ، روى هذا عن عثمان ، وعلى بن أبى طالب ، وابن عباس ، وعن ~~الشعبى ، والنخعى . وقال الكوفيون والشافعى : ليس لهما أن يفرقا إلا أن ~~يجعل الزوج إليهما التفريق ، وهو قول عطاء ، والحسن ، وبه قال أبو ثور ، ~~وأحمد . واحتج أبو حنيفة بقول على للزوج : لا تبرح حتى ترضى بما رضيت به ، ~~فدل أن مذهبه لا يفرقان إلا برضا الزوج ، قالوا : والأصل PageV07P425 ~~المجتمع عليه أن الطلاق بيد الزوج أو بيد من جعل ذلك إليه وجعله من باب ~~طلاق السلطان على المولى والعنين . قال ابن المنذر : ولما كان المخاطبون ~~بقوله تعالى : { فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها } [ النساء : 35 ] ~~الحكام وأن ذلك إليهم ، دل على أن التفريق إليهم ، ولو لم يكن كذلك ما كان ~~للبعثة معنى . وقال مالك فى الحكمين يطلقان ثلاثا ، قال : تكون واحدة ، ~~وليس لهما الفراق بأكثر من واحدة بائنة . وقال ابن القاسم : تلزمه الثلاث ~~إن اجتمعا عليها على حديث زيد ، وقاله المغيرة ، وأشهب ، وابن الماجشون ، ~~وأصبغ . وقال ابن المواز : إن حكم أحدهما بواحدة والآخر بثلاث فهى واحدة ، ~~وحكى ابن حبيب ، عن أصبغ ، أن ذلك ليس بشىء . * * * # | 14 - باب لا يكون بيع الأمة طلاقا # / 20 - فيه : عائشة ، قالت : كان فى بريرة ثلاث سنن ، أنها أعتقت ، فخيرت ~~فى زوجها ، وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( الولاء لمن أعتق ) ، ~~ودخل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والبرمة تفور بلحم ، فقرب إليه خبز ~~وأدم من أدم البيت ، فقال : ( ألم أر البرمة فيها لحم ) ؟ قالوا ms2522 : بلى ، ~~ولكن ذلك لحم تصدق به على بريرة ، وأنت لا تأكل الصدقة ، قال : ( هو عليها ~~صدقة ، ولنا هدية ) . اختلف السلف هل يكون بيع الأمة وعتقها طلاقا لها ؟ ~~فروى عن عمر بن الخطاب ، وعبد الرحمن بن عوف ، وسعد بن أبى وقاص ، أنه لا ~~يكون ذلك طلاقا لها ، وهو مذهب كافة الفقهاء . PageV07P426 وقالت طائفة : ~~بيعها طلاق لها ، روى ذلك عن ابن مسعود ، وابن عباس ، وأبى بن كعب ، ومن ~~التابعين سعيد بن المسيب ، والحسن ، ومجاهد ، واحتجوا بقوله : { والمحصنات ~~من النساء إلا ما ملكت أيمانكم } [ النساء : 24 ] ، قال : فحرم الله علينا ~~المزوجات من النساء ، إلا إذا ملكتهن أيماننا فهن حلال لنا ؛ لأن البيع لها ~~حدوث ملك فيها ، فوجب أن يرتفع حكم النكاح ، ويبطل دليله الأمة المسبية ذات ~~الزوج . وحجة الجماعة أن بيعها ليس بطلاق لها ، أن بريرة عتقت فخيرت فى ~~زوجها ، فلو كان طلاقها يقع ببيعها لم يخبرها رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - بعد ذلك عند العتق ويقول لها : ( إن شئت أقمت تحته ) ، وأيضا فإن ~~هذا عقد على منفعة ، فوجب ألا يبطله بيع الرقبة ، دليله إذا باع رقبة ~~مستأجرة ؛ لأن النكاح عقد على منفعة والإجارة كذلك ، ثم إن البيع لا يبطل ~~الإجارة كذلك لا يبطل النكاح ، وأيضا فإن انتقال ملك رقبة أحد الزوجين من ~~مالك إلى مالك ، فوجب ألا يبطل النكاح ، دليله إذا بيع الزوج ، ولما لم ~~يمنع ملك البائع صحة النكاح كان ملك المبتاع مثله ؛ لأنه يقوم مقامه وهو ~~فرع منه . فإن قالوا : إن الأمة الحربية إذا كانت مزوجة ، فإنها إذا استرقت ~~تنتقل من ملك إلى ملك ، ومع هذا ينفسخ النكاح عندكم . فالجواب : إن قلنا : ~~لا ينفسخ على إحدى الروايتين كالحربية إذا سبيت سقط سؤالهم ، وإن قلنا : ~~ينفسخ على الرواية الأخرى ، فالفرق بينهما أن الحربى لا يملك ، وإنما له ~~شبهة ملك ، فإذا سبيت ملكها المسبى ملكا صحيحا ، فليس تنتقل من ملك صحيح ، ~~وليست كذلك مسألتنا ، ولا حجة لهم فى الآية أنها نزلت فى سبى أوطاس خاصة ، ~~PageV07P427 وتحرج بعض أصحاب النبى - صلى الله ms2523 عليه وسلم - من وطئهن خوفا ~~أن يكون لهن أزواج ، فسألوا النبى - صلى الله عليه وسلم - عن ذلك ، فأنزل ~~الله الآية . فالمراد بها المسبيات إذا حضن قبل أن يحضر أزواجهن أو يسلمن ~~معا ، فإنه يحل وطؤهن وإن كان لهن أزواج مشركون ، فأما إن أسلمن وأسلم ~~أزواجهن معا ، فهن على نكاحهن ، وستأتى هذه المسألة فى موضعها ، إن شاء ~~الله . وفيه : أن الناس على عهد النبى - صلى الله عليه وسلم - لم يكونوا ~~يستنكرون هدية بعضهم لبعض الطعام والشىء الذى يؤكل وما لا يعظم خطره ، ~~والدليل على ذلك قوله عليه السلام : ( لو أهدى إلى كراع لقبلت ) ؛ لأنه لم ~~ينكر من بريرة أن أهدت اللحم ولا أنكر قبول عائشة له . وفيه : أن من أهديت ~~إليه هدية قلت أو كثرت ألا يردها ، فإن أطاق المكافأة عليها فعل ، وإن لم ~~يقدر على ذلك أثنى عليه بها وشكرها ؛ لما روى عن النبى - صلى الله عليه ~~وسلم - فى ذلك . * * * # | 15 - باب خيار الأمة تحت العبد # / 21 - فيه : ابن عباس ، قال : رأيته عبدا ، يعنى زوج بريرة . وقال مرة : ~~ذاك مغيث عبد بنى فلان أسود ، كأنى أنظر إليه يتبعها فى سكك المدينة يبكى ~~عليها . أجمع العلماء أن الأمة إذا عتقت تحت عبد ، فإن لها الخيار فى ~~البقاء معه أو مفارقته ، ومعنى ذلك ، والله أعلم ، أنه لما كان العبد فى ~~حرمته وحدوده وجميع أحكامه غير مكافئ للحرة ، وجب أن تخير تحته إذا حدثت ~~لها الحرية فى عصمته ، وأيضا فإنها حين وقعت العقدة PageV07P428 عليها لم ~~تكن من أهل الاختيار لنفسها ، فجعل لها ذلك حين صارت أكمل حرمة من زوجها . ~~قال المهلب : وأصل هذا فى كتاب الله ، وهو قوله : { ومن لم يستطع منكم طولا ~~} [ النساء : 25 ] الآية . فكان اشتراط الله تعالى فى جواز نكاح الأحرار ~~الإماء عدم الطول إلى الحرة ، وجب مثله فى العبد أن لا يتطاول إلى حرة بعد ~~أن وجدت سبيلا إلى حر إلا برضاها . واختلفوا فى وقت خيار الأمة إذا أعتقت ، ~~فروى عن ابن عمر وأخته حفصة أن لها الخيار ما ms2524 لم يمسها زوجها ، وهو قول ~~مالك ، وأحمد بن حنبل ، علمت أو لم تعلم . وقالت طائفة : لها الخيار ، وإن ~~أصيبت ما لم تعلم ، فإذا علمت ثم أصابها ، فلا خيار لها ، هذا قول عطاء ، ~~والحكم ، وسعيد بن المسيب ، وهو قول الثورى . قال الثورى : هو أن تحلف ما ~~وقع عليها وهى تعلم أن لها الخيار ، فإن حلفت خيرت ، وكذلك قال الأوزاعى ، ~~وإسحاق ، وقال الشافعى : إن ادعت الجهالة لها الخيار ، وهو أحب إلينا . وفى ~~هذا الحديث ما يبطل أن يكون خيارها على المجلس ؛ لأن مشيها فى المدينة لم ~~يبطل خيارها ، وقد روى قتادة ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، قال : والله لكأنى ~~أنظر إلى زوج بريرة فى طرق المدينة ، وإن دموعه لتنحدر على لحيته يتبعها ~~يترضاها لتختاره ، فلم تفعل . ومثل هذا فى حديث زبراء ، أنها كانت تحت عبد ~~فعتقت ، فسألت حفصة أم المؤمنين ، فقالت : إن أمرك بيدك ما لم يمسك زوجك ، ~~فقالت : هو الطلاق ثلاثا ، ففارقته ، رواه مالك ، عن ابن شهاب ، عن عروة بن ~~الزبير . PageV07P429 وفى حديث بريرة حجة لمن قال : لا خيار للأمة إذا عتقت ~~تحت الحر ؛ لأن خيارها إنما وقع من أجل كونه عبدا ، وقد روى أهل العراق ، ~~عن الأسود ، عن عائشة ، أن زوج بريرة كان حرا . واختلف العلماء فى الأمة ~~إذا أعتقت تحت الحر ، فروى عن ابن عباس ، وابن عمر ، أنه لا خيار لها ، وهو ~~قول عطاء ، وسعيد بن المسيب ، والحسن ، وابن أبى ليلى ، وبه قال مالك ، ~~والأوزاعى ، والليث ، والشافعى ، وأحمد ، وإسحاق . وقالت طائفة : لها ~~الخيار حرا كان زوجها أو عبدا ، روى ذلك عن الشعبى ، والنخعى ، وابن سيرين ~~، وهو قول الثورى ، والكوفيين ، وأبى ثور ، واحتجوا برواية الأسود ، عن ~~عائشة ، أن زوجها كان حرا ، وقالوا : الأمة لا رأى لها فى إنكاح مولاها ؛ ~~لإجماعهم أنه يزوجها بغير إذنها ، فإذا عتقت كان لها الخيار الذى لم يكن ~~لها حال العبودية . وحجة من قال : لا خيار لها تحت الحر ، أنها لم تحدث لها ~~حال ترتفع به عن الحر ، فكأنهما لم يزالا حرين ولم ينقص حال الزوج ms2525 عن حالها ~~، ولم يحدث به عيب ، فلم يكن لها خيار ، وقد أجمع العلماء أنه لا خيار ~~لزوجة العنين إذا ذهبت العلة قبل أن يقضى بفراقه لها ، وكذلك سائر العيوب ~~زوالها ينفى الخيار ، وأما رواية الأسود ، عن عائشة ، فقد عارضها من هو ~~ألصق بعائشة وأقعد بها من الأسود ، وهو القاسم بن محمد ، وعروة بن الزبير ، ~~رويا عن عائشة أنه كان عبدا ، والأسود كوفى سمع منها من وراء حجاب ، وعروة ~~والقاسم كانا يسمعان منها بغير حجاب ؛ لأنها خالة عروة وعمة القاسم ، فهما ~~أقعد بها من الأسود . PageV07P430 قال ابن المنذر : ورواية اثنين أولى من ~~رواية واحد مع رواية ابن عباس من الطرق الثابتة أنه كان عبدا . * * * # | 16 - باب شفاعة النبى - صلى الله عليه وسلم - فى زوج بريرة # / 22 - فيه : ابن عباس ، أن زوج بريرة كان عبدا يقال له : مغيث ، كأنى ~~أنظر إليه يطوف خلفها يبكى ، ودموعه تسيل على لحيته ، فقال النبى - صلى ~~الله عليه وسلم - لعباس : ( يا عباس ، ألا تعجب من حب مغيث بريرة ، ومن بغض ~~بريرة مغيثا ) ؟ فقال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( لو راجعته ) ، قالت ~~: يا رسول الله ، تأمرنى ، قال : ( إنما أنا أشفع ) ، قالت : لا حاجة لى ~~فيه . قال الطبرى : فيه من الفقه جواز استشفاع العالم والخليفة فى الحوائج ~~والرغبة إلى أهلها فى الإسعاف لسائلها ، وأن ذلك من مكارم الأخلاق ، وقد ~~قال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( اشفعوا تؤجروا ، ويقضى الله على لسان ~~رسوله ما شاء ) ، وهذا يدل أن الساعى فى ذلك مأجور ، وإن لم تنقض الحاجة . ~~وفيه من الفقه : أنه لا حرج على إمام المسلمين وحاكمهم إذا اختصم إليه ~~خصمان فى حق وثبت الحق على أحدهما ، إذا سأله الذى ثبت الحق عليه أن يسأل ~~من ثبت ذلك له تأخير حقه أو وضعه عنه ، وأن يشفع له فى ذلك إليه ، وذلك أن ~~النبى - صلى الله عليه وسلم - شفع إلى بريرة وكلمها بعدما خيرها وأعلمها ما ~~لها من الخيار ، فقال : ( لو راجعتيه ) . وفيه من الفقه : أن من سئل من ~~الأمور ما هو ms2526 غير واجب عليه فعله ، فله رد سائله وترك قضاء حاجته ، وإن كان ~~الشفيع سلطانا أو عالما أو شريفا ؛ لأن النبى ، عليه السلام ، لم ينكر على ~~بريرة ردها إياه فيما PageV07P431 شفع فيه ، وليس أحد من الخلق أعلى رتبة ~~من النبى ، عليه السلام ، فغيره من الخلق أحرى ألا يكون منكرا رده فيما شفع ~~فيه . وفيه من الفقه : أن بغض الرجل للرجل المسلم على وجه كراهة قربه ~~والدنو منه على غير وجه العداوة له ، ولكن اختيار التبعد منه لسوء خلقه ~~وخبث عشرته وثقل ظله ، أو لغير ذلك مما يكره الناس بعضهم من بعض جائز ، ~~كالذى ذكر من بغضه امرأة ثابت بن قيس بن شماس له ، مع مكانه من الدين ~~والفضل لغير بأس ، لكن لدمامة خلقه وقبحه حتى افتدت منه ، وفرق بينهما ~~النبى - صلى الله عليه وسلم - ، ولم ير أنها أتت مأثما ولا ركبت معصية بذلك ~~بل عذرها وجعل لها مخرجا من المقام معه وسبيلا إلى فراقه والبعد منه ، ولم ~~يذمها على بغضها له على قبحه وشدة سواده ، وإن كان ذلك جبلة وفطرة خلق ~~عليها ، فالذى يبغض على ما فى القدرة تركه من قبيح الأحوال ومذموم العشرة ~~أولى بالعذر وأبعد من الذم . وفيه من الفقه : أنه لا بأس بالنظر إلى المرأة ~~التى يريد خطبتها وإظهار رغبته فيها ، وذلك أنه عليه السلام لم ينكر على ~~زوج بريرة وقد اختارت نفسها وبانت منه اتباعه إياها فى سكك المدينة باكيا ~~على فراقها ، وإن ظن أحد أن ذلك كان قبل اختيار بريرة نفسها ، فقوله عليه ~~السلام : ( لو راجعتيه ) ، يدل أن ذلك كان بعد بينونتها ، ولو كان قبل ~~بينونتها لقال لها : لو اخترتيه . ولا خلاف بين الجميع أن المملوكة إذا ~~عتقت وهى تحت زوج فاختارت نفسها ، أنها لا ترجع إلى الزوج الذى كانت تحته ~~إلا بنكاح جديد غير النكاح الذى كان بينها وبينه قبل اختيارها نفسها ، فعلم ~~PageV07P432 أن قوله عليه السلام : ( لو راجعتيه ) ، معناه غير الرجعة التى ~~تكون بين الزوجين فى طلاق يكون للزوج فيه الرجعة ، ولو كان ذلك ms2527 معناه لكان ~~ذلك إلى زوج بريرة دونها ، ولم يكن لزوجها حاجة أن يستشفع برسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - فى أن تراجعه . وفيه : أنه لا حرج على مسلم فى هوى امرأة ~~مسلمة وحبه لها ظهر ذلك منه أو خفى ، ولا إثم عليه فى ذلك ، وإن أفرط فيه ~~ما لم يأت محرما ، وذلك أن مغيثا كان يتبع بريرة بعدما بانت منه فى سكك ~~المدينة مبديا لها ما يجده من نفسه من فرط الهوى وشدة الحب ، ولو كان هذا ~~قبل اختيارها نفسها لم يكن ، عليه السلام ، يقول لها : ( لو راجعتيه ) ؛ ~~لأنه لا يقال لامرأة فى حيال رجل وملكه بعصمة النكاح : لو راجعتيه ، وإنما ~~يسئل المراجعة المفارق لزوجته ، وإذا صح ذلك ، فغير ملوم من ظهر منه فرط ~~هوى امرأة يحل له نكاحها نكحته بعد ذلك أم لا ، ما لم يأت محرما ولم يغش ~~مأثما . وفيه : أنه من بانت منه زوجته بخلع أو فدية مما تكون المرأة فيه ~~أولى بنفسها من زوجها ولا رجعة له عليها ، أنه يجوز له خطبتها فى عدتها ، ~~ولا بأس على المرأة فى إجابته إلى ذلك ؛ لأنه عليه السلام شفع إلى بريرة ~~وخطبها على زوجها الذى بانت منه تصريح الخطبة التى هى محظورة فى العدة ، ~~ولو أن غيره كان الراغب فيها لما جاز له التصريح بالخطبة . * * * # | 17 - باب قول الله تعالى : { ولا تنكحوا المشركات } [ البقرة : 221 ] ~~الآية # / 23 - فيه : ابن عمر ، كان إذا سئل عن نكاح النصرانية واليهودية ، قال : ~~إن PageV07P433 الله حرم المشركات على المؤمنين ، ولا أعلم من الإشراك شيئا ~~أكبر من أن تقول المرأة ربها : عيسى ، وهو عبد من عباد الله . وذهب جمهور ~~العلماء إلى أن الله تعالى حرم نكاح المشركات بقوله تعالى : { ولا تنكحوا ~~المشركات حتى يؤمن } [ البقرة : 221 ] ، ثم استثنى من هذه الجملة نكاح نساء ~~أهل الكتاب ، فأحلهن فى سورة المائدة فى قوله : { والمحصنات من الذين أوتوا ~~الكتاب } [ المائدة : 5 ] ، وبقى سائر المشركات على أصل التحريم . قال أبو ~~عبيد : روى هذا القول عن ابن عباس ، وبه جاءت ms2528 الآثار عن الصحابة والتابعين ~~وأهل العلم بعدهم أن نكاح الكتابيات حلال ، وبه قال مالك ، والأوزاعى ، ~~والثورى ، والكوفيون ، والشافعى ، وعامة الفقهاء . وقال غيره : ولا يروى ~~خلاف ذلك إلا عن ابن عمر أنه شذ عن جماعة الصحابة والتابعين ، ولم يجز نكاح ~~اليهودية والنصرانية ، وخالف ظاهر قوله : { والمحصنات من الذين أوتوا ~~الكتاب } [ المائدة : 5 ] ، ولم يلتفت أحد من العلماء إلى قوله . قال أبو ~~عبيد : والمسلمون اليوم على الرخصة فى نساء أهل الكتاب ، ويرون أن التحليل ~~هو الناسخ للتحريم ، فقد تزوج عثمان بن عفان بنائلة بنت الفرافصة الكلبية ، ~~وهى نصرانية ، تزوجها على نسائه ، وتزوج طلحة بن عبيد الله يهودية ، وتزوج ~~حذيفة يهودية وعنده حرتان مسلمتان ، وقد روى عن عمر بن الخطاب أنه كان يأمر ~~بالتنزه عنهن من غير أن يحرمهن . قال أبو عبيد : حدثنا محمد بن يزيد ، عن ~~الصلت بن بهرام ، عن PageV07P434 شقيق بن سلمة ، قال : تزوج حذيفة يهودية ، ~~فكتب إليه عمر : أن خل سبيلها ، فقال : أحرام هى ؟ فكتب إليه عمر : لا ، ~~ولكن أخاف أن تواقعوا المومسات منهم ، يعنى الزوانى ، فيرى أن عمر ذهب إلى ~~قوله تعالى : { والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب } [ المائدة : 5 ] . فنقول ~~: إن الله تعالى إنما شرط العفائف منهن ، وهذه لا يؤمن أن تكون غير عفيفة ، ~~والذى عليه جماعة الفقهاء فى قوله : { ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن } [ ~~البقرة : 221 ] ، أن المراد بالآية تحريم الوثنيات والمجوسيات ، وأنه لم ~~ينسخ تحريمهن كتاب ولا سنة . وشذ أبو ثور عن الجماعة ، فأجاز مناكحة المجوس ~~وأكل ذبائحهم ، وهو محجوج بالجماعة والتنزيل ، وأما الحربيات ، فروى مجاهد ~~، عن ابن عباس ، أنه قال : لا يحل نكاح نساء أهل الكتاب إذا كانوا حربا ، ~~وتلا قوله تعالى : { قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر } [ ~~التوبة : 29 ] الآية ، وبه قال الثورى ، واتفق مالك وأبو حنيفة وأصحابه ~~والشافعى ، أن نكاح الحربيات فى دار الحرب حلال ، إلا أنهم كرهوا ذلك من ~~أجل أن المقام له ولذريته فى دار الحرب حرام عليه ؛ لئلا يجرى عليه وعلى ~~ولده حكم أهل الشرك . واختلفوا فى نكاح إماء ms2529 أهل الكتاب ، فقال مالك ، ~~والليث ، والأوزاعى ، والشافعى : لا يحل نكاح أمة يهودية ولا نصرانية ؛ ~~لقوله تعالى : { والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب } [ المائدة : 5 ] ، قال ~~: فهن الحرائر من اليهوديات والنصرانيات ، وقال : { ومن لم يستطع منكم ~~PageV07P435 طولا أن ينكح المحصنات المؤمنات فمن ما ملكت أيمانكم من ~~فتياتكم المؤمنات } [ النساء : 25 ] ، فقال مالك : وإنما أحل نكاح الإماء ~~المؤمنات ولم يحلل نكاح إماء أهل الكتاب . وقال أبو حنيفة وأصحابه : لا بأس ~~بنكاح إماء أهل الكتاب ؛ لأن الله قد أحل الحرائر منهن والإماء تبع لهن ، ~~والحجة عليهم نص التنزيل الذى احتج به مالك . وأجمع أئمة الفتوى أنه لا ~~يجوز وطء أمة مجوسية بملك اليمين ، وأجاز ذلك طائفة من التابعين ، وقالوا : ~~لأن سبى أوطاس وطئن ولم يسلمن ، وقد تقدم رد هذا القول فى كتاب الجهاد ، ~~فأغنى عن إعادته . * * * # | 18 - باب نكاح من أسلم من المشركات وعدتهن # / 24 - فيه : ابن عباس ، كان المشركون على منزلتين من النبى ، عليه ~~السلام ، والمؤمنين ، كانوا مشركى أهل حرب ، يقاتلهم ويقاتلونه ، ومشركى ~~أهل عهد ، لا يقاتلهم ولا يقاتلونه ، وكان إذا هاجرت امرأة من أهل الحرب لم ~~تخطب حتى تحيض ، وتطهر ، فإذا طهرت حل لها النكاح ، فإن هاجر زوجها قبل أن ~~تنكح ردت إليه ، وإن هاجر عبد منهم أو أمة فهما حران ، ولهما ما للمهاجرين ~~، ثم ذكر من أهل العهد مثل ذلك فإن هاجر عبد أو أمة للمشركين أهل العهد لم ~~يردوا وردت أثمانهم . وقال عطاء [ عن ] ابن عباس : كانت قريبة بنت أبى أمية ~~عند عمر بن الخطاب ، PageV07P436 فطلقها ، فتزوجها معاوية بن أبى سفيان ، ~~وكانت أم الحكم بنت أبى سفيان ، تحت عياض بن غنم الفهرى ، فطلقها ، فتزوجها ~~عبدالله بن عثمان الثقفى . قال المؤلف : إذا أسلمت المشركة وهاجرت إلى ~~المسلمين ، فقد وقعت الفرقة بإسلامها بينها وبين زوجها الكافر عند جماعة ~~الفقهاء ، ووجب استبراؤها بثلاث حيض ، ثم بذلك تحل للأزواج ، هذا قول مالك ~~، والليث ، والأوزاعى ، وأبى يوسف ، ومحمد ، والشافعى . وقال أبو حنيفة : ~~إذا خرجت الحربية إلينا مسلمة ولها زوج كافر فى دار الحرب ، فقد وقعت ms2530 ~~الفرقة ولا عدة عليها ، وإنما عليها استبراء رحمها بحيضة ، واعتل بأن العدة ~~إنما تكون فى طلاق ، وإسلامها فسخ وليس بطلاق ، قالوا : وهذا تأويل حديث ~~ابن عباس : أنه إذا هاجرت امرأة من أهل الحرب لم تخطب حتى تحيض وتطهر ، أن ~~المراد بذلك الاستبراء ، وتأويل هذا عند مالك والليث ومن وافقهما ثلاث حيض ~~؛ لأنها قد حصلت بالهجرة من جملة الحرائر المسلمات ، ولا براءة لرحم حرة ~~بأقل من ثلاث حيض . وأكثر العلماء على أن زوجها إن هاجر مسلما قبل انقضاء ~~عدتها أنه أحق بها ، وسيأتى اختلافهم فى ذلك فى الباب بعد هذا ، إن شاء ~~الله . واتفقوا أن الأمة إذا سبيت أن استبراءها حيضة . وأما قوله : وإن ~~هاجر عبد منهم أو أمة فهما حران ، فهذا فى أهل الحرب ، وأما أهل العهد ، ~~فيرد إليهم الثمن عوضا منهم ؛ لأنهم لا يحل للمشركين تملك المسلمين ، فيكون ~~وزن الثمن فيهم من باب فداء أسرى المسلمين ، وإنما لم يجز تملك العبد ~~والأمة إذا هاجرا مسلمين من أجل ارتفاع العلة الموجبة لاسترقاق المشركين ، ~~وهى وجود الكفر فيهم ، فإذا أسلموا قبيل القدرة عليهم وقبيل الغلبة لهم ~~وجاءونا PageV07P437 مسلمين ، كان حكمهم حكم من هاجر من مكة إلى المدينة فى ~~تمام حرمة الإسلام والحرية إن شاء الله . * * * # | 19 - باب إذا أسلمت المشركة أو النصرانية تحت الذمى أو الحربى # وقال ابن عباس : إذا أسلمت النصرانية قبل زوجها بساعة حرمت عليه . وسئل ~~عطاء عن امرأة من أهل العهد أسلمت ، ثم أسلم زوجها فى العدة ، أهى امرأته ؟ ~~قال : لا ، إلا أن تشاء هى بنكاح جديد ، وصداق . وقال مجاهد : إذا أسلم فى ~~العدة يتزوجها . قال الله تعالى : { لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن } [ ~~الممتحنة : 10 ] ، وقال الحسن وقتادة فى مجوسيين أسلما : هما على نكاحهما ، ~~وإذا سبق أحدهما [ صاحبه ] وأبى الآخر بانت لا سبيل له عليها . وقال ابن ~~جريج : قلت لعطاء : امرأة من المشركين جاءت إلى المسلمين ، أيعاوض زوجها ~~منها ، لقوله تعالى : { وآتوهم ما أنفقوا } ؟ قال : لا ، إنما كان ذاك بين ~~النبى - صلى الله عليه وسلم ms2531 - وبين أهل العهد . وقال مجاهد : هذا كله فى ~~صلح بين النبى - صلى الله عليه وسلم - وبين قريش . / 25 - فيه : عائشة ، ~~كانت المؤمنات إذا هاجرن إلى النبى - صلى الله عليه وسلم - يمتحنهن بقول ~~تعالى : { يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن } ، ~~فمن أقر بهذا الشرط من المؤمنات ، فقد أقر بالمحنة ، فكان رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - إذا أقررن بذلك من قولهن ، قال لهن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - : ( انطلقن PageV07P438 فقد بايعتكن ) ، لا والله ما مست يد ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يد امرأة قط ، غير أنه بايعهن بالكلام ، ~~والله ما أخذ النبى - صلى الله عليه وسلم - على النساء إلا بما أمره الله ، ~~بقوله لهن إذا أخذ عليهن : قد بايعتكن كلاما . الذى ذهب إليه ابن عباس ~~وعطاء فى هذا الباب أن إسلام النصرانية قبل زوجها فاسخ لنكاحها ؛ لعموم ~~قوله تعالى : { لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن } [ الممتحنة : 10 ] ، فلم ~~يخص وقت العدة من غيره . وقال ابن عباس : إن الإسلام يعلو ولا يعلى ، لا ~~يعلو النصرانى المسلمة ، وروى مثله عن عمر بن الخطاب ، وهو قول طاوس ، ~~وإليه ذهب أبو ثور . وقالت طائفة : إذا أسلم فى العدة يتزوجها ، هذا قول ~~مجاهد ، وقتادة ، وبه قال مالك ، والأوزاعى ، والشافعى ، وأحمد ، وإسحاق ، ~~وأبو عبيد . وقالت طائفة : إذا أسلمت عرض على زوجها الإسلام ، فإن أسلم ~~فهما على نكاحهما ، وإن أبى أن يسلم فرق الإمام بينهما ، هذا قول الزهرى ، ~~والثورى ، وبه قال أبو حنيفة إذا كان فى دار الإسلام ، وأما إن كانا فى دار ~~الحرب ثم أسلمت ، ثم خرجت إلى دار الإسلام ، فقد بانت منه بافتراق الدارين ~~، وفيها قول آخر يروى عن عمر بن الخطاب أنه خير نصرانية أسلمت وزوجها ~~نصرانى ، إن شاءت فارقته ، وإن شاءت أقامت معه . قال ابن المنذر : والقول ~~الأول عندى أصح الأقاويل . قال المؤلف : وإليه أشار البخارى فى قوله : { لا ~~هن حل لهم ولا هم يحلون لهن } [ الممتحنة : 10 ] ، يعنى ما دام الزوج كافرا ~~. قال ابن المنذر : وأجمع ms2532 عوام أهل العلم على أن النصرانيين إذا أسلم الزوج ~~قبل امرأته أنهما على نكاحهما ، إذ جائز أنه يبتدئ PageV07P439 نكاحها لو ~~لم تكن له زوجة ، وكذلك أجمعوا أنهما لو أسلما معا أنهما على نكاحهما . ~~وأما قول الحسن وقتادة أن الوثنيين إذا أسلما معا أنهما على نكاحهما ، فهو ~~إجماع من العلماء . واختلفوا إذا سبق أحدهما الآخر بالإسلام ، فقالت طائفة ~~: تقع الفرقة بإسلام من أسلم منهما ، وقاله غير الحسن ، وقتادة ، وعكرمة ، ~~والحسن ، وطاوس ، وعطاء ، ومجاهد . وقالت طائفة : إذا أسلم المتخلف منهما ~~عن الإسلام قبل انقضاء عدة المرأة فهما على النكاح ، هذا قول الزهرى ، ~~والشافعى ، وأحمد ، وإسحاق ، ولم يراعوا من سبق بالإسلام إذا اجتمع ~~إسلامهما فى العدة كما كان صفوان بن أمية ، وعكرمة بن أبى جهل أحق ~~بزوجتيهما لما أسلما فى العدة ، واحتج الشافعى بأن أبا سفيان بن حرب أسلم ~~قبل امرأته هند ، وكان إسلامه بمر الظهران ، ثم رجع إلى مكة وهند بها كافرة ~~، ثم أسلمت بعد أيام ، فقرا على نكاحهما فى الشرك ؛ لأن عدتها لم تنقض ، ~~وكذلك حكيم بن حزام أسلم قبل امرأته ، ثم أسلمت بعده ، فكانا على نكاحهما . ~~وقال مالك والكوفيون : إذا أسلم الرجل منهما قبل امرأته تقع الفرقة بينهما ~~فى الوقت إذا عرض عليها الإسلام فلم تسلم . واحتج مالك بقوله : { ولا ~~تمسكوا بعصم الكوافر } [ الممتحنة : 10 ] ، فلا يجوز التمسك بعصمة المجوسية ~~؛ لأن الله لم يرد بالكوافر فى هذه الآية أهل الكتاب ، بدليل إباحة تزويج ~~نساء أهل الكتاب ، فلما كانت المجوسية غير PageV07P440 جائز ابتداء العقد ~~عليها ، فكذلك لا يجوز التمسك بها ؛ لأن ما لا يجوز ابتداء العقد عليه لا ~~يجوز التمسك به إذا طرأ على النكاح ، وذهب مالك إلى أنه إن أسلمت الوثنية ~~قبل زوجها ، فإن أسلم فى عدتها فهو أحق بها ، وعند الكوفيين يعرض على الزوج ~~الإسلام فى الوقت كما يعرض على المرأة إذا أسلمت ، ولم يراعوا انقضاء عدة ~~فيها . واحتج مالك فى اعتبار العدة فى إسلام المرأة قبل زوجها بما رواه فى ~~الموطأ عن ابن شهاب أنه قال : لم يبلغنا ms2533 أن امرأة هاجرت إلى رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - وزوجها كافر مقيم بدار الحرب ، إلا فرقت هجرتها بينها ~~وبين زوجها ، إلا أن يقدم زوجها مهاجرا قبل أن تنقضى عدتها ، فهذا من جهة ~~الأثر . وأما من جهة القياس ، فإن إسلامه بمنزلة الارتجاع ، فلما كان له ~~الارتجاع فى الطلاق ، فكذلك إذا أسلم ؛ لأن إسلامه فعلة والرجعة فعلة ، ~~فاشتبها لهذه العلة . ولم تجب عند الكوفيين مراعاة العدة ؛ لأن العدة إنما ~~تكون فى طلاق ، والكفر فرق بينهما وفسخ نكاحهما كالمرتد ، ولم يعلموا ~~الآثار التى عند أهل المدينة فى اعتبار العدة إذا أسلمت المرأة قبل زوجها . ~~قال ابن المنذر : واحتج أهل المقالة الأولى فى أن النكاح يفسخ بالإسلام إذا ~~أسلم بقوله تعالى : { ولا تمسكوا بعصم الكوافر } [ الممتحنة : 10 ] ، قالوا ~~: فكل امرأة لا يجوز للمسلم ابتداء عقد نكاحها ، فلا يجوز له أن يتمسك بذلك ~~النكاح ، ولا يرجع إليه فى عدة ولا غير عدة إلا بنكاح مستأنف ؛ لأن الله ~~إنما حرم على المشركين نكاح المسلمات ، ونهى المسلمين عن نكاح المشركات ، ~~فكان ابتداؤه فى معنى استدامته . PageV07P441 وقول عطاء ومجاهد : إذا جاءت ~~امرأة من المشركين إلى المسلمين أنه لا يعطى زوجها المشرك عوض صداقها ؛ لأن ~~ذلك إنما كان فى عهد بين النبى - صلى الله عليه وسلم - وبين المشركين ، ~~وعلى ذلك انعقد الصلح بينهم ، ولو كان أهل حرب للنبى - صلى الله عليه وسلم ~~- لم يجز رد شىء مما أنفقوا إليهم ، وكذلك قال الشعبى فى قوله تعالى : { ~~وإن فاتكم شىء من أزواجكم إلى الكفار فعاقبتم } [ الممتحنة : 11 ] ، قال : ~~هى منسوخة . * * * # | 20 - باب الإيلاء ، وقول الله تعالى : { للذين يؤلون من نسائهم تربص ~~أربعة أشهر فإن فاءوا } [ البقرة : 226 ] # / 26 - فيه : أنس ، آلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من نسائه ، ~~وكانت انفكت رجله ، فأقام فى مشربة له تسعا وعشرين ، ثم نزل ، فقالوا : يا ~~رسول الله ، آليت شهرا ، فقال : ( الشهر تسع وعشرون ) . / 27 - قال ابن عمر ~~فى الإيلاء الذى سمى الله : لا يحل لأحد بعد الأجل إلا أن يمسك بالمعروف أو ~~يعزم ms2534 بالطلاق كما أمر الله عز وجل . وقال أيضا : إذا مضت أربعة أشهر يوقف ~~حتى يطلق ، ولا يقع عليه الطلاق حتى يطلق ، ويذكر ذلك عن عثمان وعلى وأبى ~~الدرداء وعائشة واثنى عشر رجلا من أصحاب النبى ، عليه السلام . الإيلاء فى ~~لغة العرب اليمين ، وفى قراءة أبى بن كعب وابن عباس : { للذين يؤلون من ~~نسائهم } [ البقرة : 229 ] ، قالا : يقسمون . PageV07P442 وقال ابن عباس : ~~كل يمين منعت جماعا فهى إيلاء . وقال ابن المنذر : وهو قول كل من أحفظ عنه ~~من أهل العلم . واختلف فى إيلاء المذكور فى القرآن ، قال ابن المنذر : فروى ~~عن ابن عباس : لا يكون مؤليا حتى يحلف ألا يمسها أبدا . وقالت طائفة : ~~الإيلاء إنما هو إلى حلف ألا يطأ أكثر من أربعة أشهر ، هذا قول مالك ، ~~والشافعى ، وأحمد بن حنبل ، وأبى ثور ، فإن حلف على أربعة أشهر فما دونها ~~لم يكن مؤليا ، وكان هذا عندهم يمينا محضا لو وطئ فى هذه اليمين حنث ولزمته ~~الكفارة ، وإن لم يطأ حتى تنقضى المدة لم يكن عليه شىء كسائر الأيمان . ~~وقال الثورى والكوفيون : الإيلاء أن يحلف على أربعة أشهر فصاعدا ، وهو قول ~~عطاء . وقالت طائفة : إذا حلف ألا يقرب امرأته يوما أو أقل أو أكثر ، ثم لم ~~يطأها أربعة أشهر بانت منه بالإيلاء ، روى هذا عن ابن مسعود ، والنخعى ، ~~وابن أبى ليلى ، والحكم ، وبه قال إسحاق ، واعتل أهل هذه المقالة ، فقالوا ~~: إذا آلى منها أكثر من أربعة أشهر فقد صار مؤليا ، ولزمه أن يفىء بعد ~~التربص أو يطلق ؛ لأنه قصد الإضرار باليمين ، وهذا المعنى موجود فى المدة ~~القصيرة . قال ابن المنذر : وأنكر هذا القول أكثر أهل العلم ، وقالوا : لا ~~يكون الإيلاء أقل من أربعة أشهر . قال ابن عباس : كان إيلاء أهل الجاهلية ~~السنة والسنتين وأكثر ، فوقت الله لهم أربعة أشهر ، فمن كان إيلاؤه أقل من ~~أربعة أشهر فليس بإيلاء ، وليس فى حديث أنس إيلاء بأربعة أشهر ، وإنما فيه ~~أنه ، عليه السلام ، حلف ألا يجامع نساءه شهرا ، فبر يمينه ونزل لتمامه . ~~واحتج الكوفيون ، فقالوا : جعل ms2535 الله التربص فى الإيلاء أربعة أشهر ، ~~PageV07P443 كما جعل فى عدة الوفاة أربعة أشهر وعشرا ، وفى عدة الطلاق ~~ثلاثة قروء ، فلا تربص بعدها ، قالوا : فيجب بعد المدة سقوط الإيلاء ، ولا ~~يسقط إلا بالفىء وهو الجماع فى داخل المدة والطلاق بعد انقضاء الأربعة ~~الأشهر . واحتج أصحاب مالك ، فقالوا : جعل الله للمؤلى تربص أربعة أشهر ، ~~فهى له بكمالها لا اعتراض لزوجته عليه فيها ، كما أن الدين المؤجل لا يستحق ~~صاحبه المطالبة به إلا بعد تمام الأجل وتقدير الكوفيين للآية : فإن فاءوا ~~فيهن ، وتقدير المدنيين : فإن فاءوا بعدهن . قال إسماعيل بن إسحاق : لا ~~يخلو التخيير الذى جعل للمؤلى فى الفىء أو الطلاق أن تكون فى الأربعة ~~الأشهر أو بعدها ، فإن كان فى الأربعة الأشهر فقد نقصوه من الأجل الذى ضربه ~~الله له ، وإن قالوا : بعد الأربعة الأشهر ، وهو ظاهر كتاب الله صاروا إلى ~~قولنا ، وكذلك قوله تعالى : { والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن } ~~إلى { بالمعروف } [ البقرة : 234 ] ، فلا يجوز لها أن تعمل فى نفسها شيئا ~~بالمعروف ، وهو التزويج ، إلا بعد تمام الأجل الذى ضربه الله لها ، وكل من ~~أجل له أجل فلا سبيل عليه فى الأجل ، وإنما عليه السبيل بعد الأجل ، فنحن ~~وهم مجمعون على صاحب الدين أنه كذلك ، وعلى العنيين إذا ضرب له أجل سنة أنه ~~لا سبيل عليه قبل تقضى السنة ، فإن وطئ من غير PageV07P444 أن يؤخذ بذلك ~~سقط عنه حكم العنيين وإن انقضت السنة ولم يطأ فرق بينه وبين امرأته ، فكذلك ~~المؤلى لا سبيل عليه فى الأربعة الأشهر ، فإن وطئ فيها من غير أن يؤخذ بذلك ~~سقط عنه الإيلاء ، وإن لم يطأ حتى انقضت أخذه الحاكم بالطلاق ، فإن لم يطلق ~~فرق بينهما الحاكم . قال ابن المنذر : وأجمع كل من نحفظ عنه العلم أن الفىء ~~هو الجماع لمن لا عذر له ، فإن كان له عذر فيجزئه فيؤه بلسانه وقلبه . وقال ~~بعضهم : إذا أشهد على فيئه فى حال العذر أجزأه . وخالف الجماعة سعيد بن ~~جبير ، فقال : الفىء الجماع ، لا عذر له إلا أن ms2536 يجامع وإن كان فى سفر أو فى ~~سجن ، وأوجب أكثر أهل العلم الكفارة عليه إذا فاء بجماع امرأته ، وروى هذا ~~عن ابن عباس ، وزيد بن ثابت ، وهو قول النخعى ، وابن سيرين ، ومالك ، ~~والثورى ، والكوفيين ، والشافعى ، وعامة العلماء . وقالت طائفة : إذا فاء ~~فلا كفارة عليه ، هذا قول الحسن ، وقال النخعى : كانوا يقولون : إذا فاء ~~فلا كفارة عليه . وقال إسحاق بن راهويه : قال بعض أهل التأويل فى قوله : { ~~فإن فاءوا فإن الله غفور رحيم } [ البقرة : 226 ] ، يعنى اليمين الذى حنثوا ~~فيها ، وهو مذهب فى الأيمان لبعض التابعين ، فمن حلف على بر أو تقوى أو باب ~~من الخير ألا يفعله ، فإنه يفعله ولا كفارة عليه ، وهو ضعيف ترده السنة ~~الثابتة عن النبى ، عليه السلام ، أنه قال : ( من حلف على يمين فرأى غيرها ~~خيرا منها ، فليأت الذى هو خير وليكفر يمينه ) . وما ذكره البخارى عن ابن ~~عمر ، أن المؤلى يوقف حتى يطلق ، وذكره عن اثنى عشر رجلا من الصحابة ، منهم ~~عثمان ، وعلى ، وذكره PageV07P445 ابن المنذر ، عن عمر ، وعثمان ، وعلى ، ~~وعائشة ، وابن عمر ، وأبى الدرداء . وقال سليمان بن يسار : كان تسعة عشر ~~رجلا من أصحاب النبى ، عليه السلام ، يوقفون فى الإيلاء . قال مالك : وذلك ~~الأمر عندنا ، وبه قال الليث ، والشافعى ، وأحمد ، وإسحاق ، وأبو ثور ، فإن ~~طلق فهى واحدة رجعية ، إلا أن مالكا قال : لا تصح رجعته حتى يطأ فى العدة ، ~~ولا أعلم أحدا قاله غيره . وقالت طائفة : إذا مضت للمؤلى أربعة أشهر بانت ~~منه امرأته دون توقيف بطلقة بائنة لا يملك فيها الرجعة ، وروى عن ابن مسعود ~~، وابن عباس ، وزيد بن ثابت ، ورواية عن عثمان ، وعلى ، وابن عمر ، ذكرها ~~ابن المنذر ، وهو قول عطاء ، والنخعى ، ومسروق ، والحسن ، وابن سيرين ، ~~وإليه ذهب الأوزاعى ، والثورى ، وجماعة الكوفيين . وقالت طائفة : هى طلقة ~~يملك فيها الرجعة إذا مضت أربعة أشهر ، روى عن سعيد ابن المسيب ، وأبى بكر ~~بن عبد الرحمن ، ومكحول ، والزهرى . والصواب أن يوقف المؤلى ؛ لأن الله جعل ~~له تربص أربعة أشهر لا يطالب فيها بالوطء ، وجعله بعدها ms2537 مخيرا فى الفىء ~~بالجماع أو إيقاع الطلاق ؛ لقوله : { فإن فاءوا فإن الله غفور رحيم } [ ~~البقرة : 226 ] ، فمن خيره الله فى أمر ، فلا سبيل للافتئات عليه فيه ، ~~ودفع ما جعله الله له من دون إذنه . قال الأبهرى : والحجة لقول مالك أنه ~~إذا لم يطأ فى العدة ، فلا تصح رجعته ، لأن الطلاق إنما أوقع لرفع الضرر ، ~~فإذا لم يطأ فالضرر قائم ، فلا معنى للرجعة ، ومنى ارتجع كانت رجعته معتبرة ~~بالوطء ، PageV07P446 فإن وطئ وإلا علم أنه لم تكن له رجعة إلا أن يكون له ~~عذر يمنعه من الوطء فتصح رجعته ؛ لأن الضرر قد زال ، وامتناعه من الوطء ليس ~~من أجل الضرر ، وإنما من أجل العذر . * * * # | 21 - باب حكم المفقود فى أهله وماله # وقال ابن المسيب : إذا فقد فى الصف عند القتال تربص امرأته سنة ، واشترى ~~ابن مسعود جارية ، والتمس صاحبها سنة ، فلم يجده وفقد فأخذ يعطى الدرهم ~~والدرهمين ، وقال : اللهم عن فلان ، فإن أتى فلان فلى وعلى ، وقال : هكذا ~~فافعلوا باللقطة . وقال ابن عباس نحوه ، وقال الزهرى فى الأسير يعلم مكانه ~~: لا تتزوج امرأته ، ولا يقسم ماله ، فإذا انقطع خبره ، فسنته سنة المفقود ~~. / 28 - وفيه : زيد بن خالد ، أن النبى ، عليه السلام ، سئل عن ضالة الغنم ~~، فقال : ( خذها ، فإنما هى لك أو لأخيك أو للذئب ) ، وسئل عن ضالة الإبل ، ~~فغضب واحمرت وجنتاه ، وقال : ( ما لك ولها ؟ معها الحذاء والسقاء ، تشرب ~~الماء ، وتأكل الشجر حتى يلقاها ربها ) ، وسئل عن اللقطة ، فقال : ( اعرف ~~وكاءها وعفاصها وعرفها سنة ، فإن جاء من يعرفها ، وإلا فاخلطها بمالك ) . ~~اختلف العلماء فى حكم المفقود إذ لم يعرف مكانه وعمى خبره ، فقالت طائفة : ~~إذا خرج من بيته وعمى خبره ، فإن امرأته لا تنكح أبدا ، ولا يفرق بينه ~~وبينها حتى توقن بوفاته أو ينقضى تعميره ، وسبيل زوجته سبيل ماله ، روى هذا ~~القول عن على بن أبى طالب ، وهو قول الثورى ، وأبى حنيفة ، ومحمد ، ~~والشافعى ، وإليه ذهب البخارى ، والله أعلم ؛ لأنه بوب باب حكم المفقود فى ~~أهله وماله ، وذكر حديث PageV07P447 اللقطة والضالة ، ووجه ms2538 الاستدلال فى ~~ذلك أن الضالة إذا وجدت ولم يعلم ربها ، فهى فى معنى المفقود ؛ لأنه لا ~~يعلم من هو ، ولا أين هو ، فلم يزل الجهل به وبمكانه ملكه عن ماله ، وبقى ~~محبوسا عليه ، فكذلك يجب أن تكون عصمته باقية على زوجته لا يحلها إلا يقين ~~موته أو انقضاء تعميره ، وهذه الزوجية قد ثبتت بالكتاب والسنة والاتفاق ، ~~ولا تحل إلا بيقين مثله . وقالت طائفة : تتربص امرأته أربع سنين ، ثم تعتد ~~أربعة أشهر وعشرا ، ثم تحل للأزواج ، روى هذا عن عمر بن الخطاب ، وعثمان ، ~~وعلى بن أبى طالب ، وابن عباس ، وابن عمر ، وعطاء بن أبى رباح ، وإليه ذهب ~~مالك وأهل المدينة ، وبه قال أحمد ، وإسحاق . واحتج ابن المنذر لهم ، فقال ~~: اتباع خمسة من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أولى . قال : وقد ~~دفع أحمد بن حنبل ما روى عن على بن أبى طالب من خلاف هذا القول ، وقال : إن ~~راويه أبا عوانة ، ولم يتابع عليه . فكما وجب تأجيل العنين تقليدا لعمر ~~وابن مسعود ، كذلك وجب تأجيل امرأة المفقود ؛ لأن العدد الذين قالوا ~~بالتأجيل أكثر وهم أربعة من الخلفاء ، وقد قال النبى - صلى الله عليه وسلم ~~- : ( عليكم بسنتى وسنة الخلفاء الراشدين من بعدى ) . واختلفوا إذا فقد فى ~~الصف عند القتال ، فقال ابن المسيب : تؤجل امرأته سنة ، وروى أشهب عن مالك ~~أنه يضرب لامرأته أجل سنة بعد أن ينظر فى أمرها ، ولا يضرب لها من يوم فقد ~~، وسواء فقد فى الصف بين المسلمين أو فى قتال المشركين ، وروى عيسى ، عن ~~PageV07P448 ابن القاسم ، عن مالك ، إذا فقد فى المعترك أو فتن المسلمين ~~بينهم أنه ينتظر يسيرا بمقدار ما ينصرف المنهزم ، ثم تعتد امرأته ويقسم ~~ماله . وروى ابن القاسم ، عن مالك فى المفقود فى فتن المسلمين أنه يضرب ~~لامرأته سنة ثم تتزوج ، واحتج المهلب لهذا القول بحديث اللقظة ؛ لأنه حكم ~~فيها عليه السلام بتعريف سنة . وقال الكوفيون ، والثورى ، والشافعى فى الذى ~~يفقد بين الصفين كقولهم فى المفقود : لا يفرق بينهما ، واتفق مالك ، ~~والكوفيون ، والشافعى فى ms2539 الأسير لا يستبين موته أنه لا يفرق بينه وبين ~~امرأته ، ويوقف ماله وينفق منه عليها . قال الأبهرى : والفرق بين الأسير ~~والمفقود أن الأسير غير مختار لترك الرجوع إلى زوجته ، ولا قاصد لإدخال ~~الضرر عليها ، فلم يجز دفع نكاحه ، وهو كالذى لا يقدر على الوطء لعلة عرضت ~~له ، والمفقود فغير معذور بالتأخير عن زوجته ، إذ لا سبب له ظاهر يمنعه من ~~ذلك ، وحكم زوجة الأسير فى النفقة عليها من ماله كامرأة المفقود ؛ لأنا ~~نقدر أن نوصلها إلى حقها من النفقة ، سواء غاب أو حضر ، ولا خلاف أنه لا ~~يفرق بين الأسير وزوجته حتى يصح موته أو فراقه . ومالك يعمر الأسير الذى ~~تعرف حياته وقتا ، ثم ينقطع خبره فلا يعرف له موت ، يعمره ما بين السبعين ~~إلى الثمانين ، وكذلك يعمر المفقود بين الصفين والمفقود الذى فقد فى غير ~~الحرب ، يعمره كذلك أيضأ فى قسمة ماله وميراثه ، والكوفيون يقولون : لا ~~يقسم ماله حتى يأتى عليه من الزمان ما لا يعيش مثله ، وهذا يشبه قول مالك ، ~~وقال الشافعى : لا يقسم ماله حتى تعلم وفاته . PageV07P449 * * * # | 22 - باب الظهار وقوله : { قد سمع الله قول التى تجادلك فى زوجها } [ ~~المجادلة : 1 ] الآية # وسأل مالك ابن شهاب عن ظهار العبد ، فقال : نحو ظهار الحر . فقال مالك : ~~وصيام العبد شهران . وقال الحسن : ظهار العبد والحر من الحرة والأمة سواء . ~~وقال عكرمة : إن ظاهر من أمته فليس بشىء إنما الظهار من النساء ، وفى ~~العربية لما قالوا أى فيما قالوا - وفى بعض ما قالوا - وهذا أولى ؛ لأن ~~الله لم يدل على المنكر وقول الزور . قال ابن القصار : اختلف العلماء فى ~~كفارة الظهار بماذا تجب ؟ على قولين ، فقال قوم : إنها تجب بمجرد الظهار ، ~~وليس من شرطها العود ، روى هذا عن مجاهد ، وبه قال سفيان الثورى . وذهب ~~جماعة الفقهاء إلى أنها تجب بشرطين ، وهما : الظهار والعود . واختلف هؤلاء ~~فى العود على مذاهب ، فقال مالك : العود هو العزم على الوطء ، وحكى عنه أنه ~~الوطء بعينه ، ولكن تقدم الكفارة عليه ، وهذا قول ابن القاسم ، وأشار ms2540 فى ~~الموطأ إلى أنه العزم على الإمساك والإصابة ، وعليه أكثر أصحابه ، وحكاه ~~ابن المنذر ، عن أبى حنيفة ، وبه قال أحمد ، وإسحاق ، وذهب الحسن البصرى ، ~~وطاوس ، والزهرى ، أن العود الوطء نفسه . قال الطحاوى : ومعنى العود عند ~~أبى حنيفة : ألا يستبيح وطأها إلا بكفارة يقدمها . وعند الشافعى العود أن ~~يمكنه طلاقها بعد الظهار بساعة فلا يطلقها ، فإن أمسكها ساعة ولم يطلقها ~~عاد لما قال ، PageV07P450 ووجبت عليه الكفارة ماتت أو مات ، وعباراتهم وإن ~~اختلفت فى العود فمعناها متقارب . وقال أهل الظاهر : العود أن يقول : أنت ~~كظهر أمى ، ثانية ، وروى هذا القول عن بكير بن الأشج . واحتج من قال : إن ~~الكفارة تجب بمجرد الظهار بأن الله ذكر الكفارة وعلل وجوبها ، فقال : { ~~وإنهم ليقولون منكرا من القول وزورا } [ المجادلة : 2 ] ، فدل أنها وجبت ~~بمجرد القول ، قالوا : لأن العود الذى هو إحدى الروايتين العزم على الإمساك ~~، والرواية الثانية العزم على وطئها . قال ابن الجلاب : وقد ذكر فى الموطأ ~~الأمرين جميعا ، ونقيض ذلك الخلاف أن إيراد كل واحد منهما بالعزم عودة ~~العزم على وطئها فمباح ، والمباح لا تجب فيه الكفارة . وحجة الجماعة قوله ~~تعالى : { والذين يظاهرون من نسائهم } [ المجادلة : 3 ] الآية ، فأوجب ~~الكفارة بالظهار والعود جميعا ، فمن زعم أنها تجب بشرط واحد ، فقد خالف ~~الظاهر ، وهذا بمنزلة قول القائل : من دخل الدار فصلى فله دينار ، فإنه لا ~~يستحق الدينار إلا بدخوله وصلاته ؛ لأنهما شرطان فى استحقاق الدينار ، فلا ~~يجوز أن يستحق الدينار بأحد الشرطين ، والكلام على الشافعى أن العود هو ~~الإمساك فقط . والدليل على بطلان ذلك ، أن الذى كان مباحا بالعقد هو الوطء ~~، فإذا حرمه بالظهار كانت الكفارة له دون ما سواه ؛ لأن الأنكحة إنما وضعت ~~له فقط ، ولما ثبت أنه لا يجوز أن يطأ حتى يكفر ، وجب أن يكون العود هو ~~العزم على الإمساك وعلى الوطء جميعا ، ولو كان PageV07P451 الإمساك حتى ~~يكون العود إليه راجعا ، لكان طلاقا ؛ لأن الإمساك إذا حرم ارتفع العقد ، ~~وما يرفع النكاح إنما هو الطلاق ، ولو كان الظهار كذلك ، لكانت الكفارة لا ms2541 ~~تدخله ولا تصلحه ؛ لأن الفراق لا يرتفع حكمه بالكفارة ، ولما صح ذلك ثبت أن ~~الكفارة تبيح العود إلى ما حرمه الظهار من الوطء والعزم عليه ، ألا ترى أنه ~~إذا حلف ألا يطأها فقد حرم وطأها دون إمساكها ، فإذا فعل الوطء ، فقد خالف ~~ما حرمته اليمين ، فكذلك الظهار ، ومن ظاهر فإنما أراد الإمساك دون الطلاق ~~، فكذلك لم يكن العود هو الإمساك . واحتج أهل الظاهر بأن قالوا : كل موضع ~~ذكر الله تعالى فيه العود للشىء ، فالمراد به العود إليه بعينه ، ألا ترى ~~أنه أخبر عن الكفار أنهم لو ردوا لعادوا لما نهوا عنه ، وقال تعالى : { ألم ~~تر إلى الذين نهوا عن النجوى ثم يعودون لما نهوا عنه } [ المجادلة : 8 ] ، ~~فكذلك قوله : { ثم يعودون لما قالوا } [ المجادلة : 8 ] ، فيقال لهم : ~~العود فى الشىء يكون فى اللغة بمعنى المصير إليه كما تأولتم ، ويكون أيضا ~~بمعنى الرجوع فيه كما قال : ( العائد فى هبته كالكلب يعود فى قيئه ) ، أراد ~~به الناقض لهبته ، وهذا تفسير الفراء فى العود المذكور فى الآية أنه الرجوع ~~فى قولهم وعن قولهم . قال إسماعيل بن إسحاق : ولو كان معنى قوله : { ثم ~~يعودون لما قالوا } [ المجادلة : 8 ] ، أى يلفظوا بالظهار مرة أخرى لما وقع ~~بعده ، { فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا } [ المجادلة : 3 ] ؛ لأنه لم يذكر ~~للمسيس سبب ، فيقال من أجله : { من قبل أن يتماسا } ، وإنما ذكر التظاهر ~~وهو ضد المسيس ، والمظاهر إنما حرم على نفسه المسيس ، فكيف يقال له : إذا ~~حرمت على نفسك المسيس ، ثم حرمت على نفسك المسيس فأعتق PageV07P452 رقبة ~~قبل أن تمس ؟ هذا كلام واه ضعيف . ولو قال رجل لرجل : إذا لم ترد أن تمس ~~فأعتق رقبة قبل أن تمس نسبة الناس إلى الجهل ، ولو قال : إذا أردت أن تمس ~~فاعتق رقبة قبل أن تمس كان كلاما صحيحا مفهوما أنه لا تجب الكفارة حتى يريد ~~المس ، وأيضا فإن الظهار كان طلاق الجاهلية ، تعلق عليه حكم التكفير بشرط ~~العود والرجوع فيه ، ألا ترى أن الكفارة إذا وجبت باللفظ وشرط آخر كان ms2542 ذلك ~~الشرط مخالفة اللفظ لا إعادته كالأيمان . وأجمع العلماء أن الظهار للعبد ~~لازم له كالحر ، وأن كفارته الصوم شهران ، واختلفوا فى الإطعام والعتق ، ~~فقال الكوفيون والشافعى : لا يجزئه إلا الصوم خاصة . وقال ابن القاسم ، عن ~~مالك : إن أطعم بإذن مولاه أجزأه ، وإن أعتق بإذنه لم يجزئه ، وأحب إلينا ~~أن يصوم ، يعنى شهرين كالحر . قال ابن القاسم : ولا أرى هذا الجواب إلا وهم ~~منه ؛ لأنه إذا قدر على الصوم لم يجزئه الإطعام فى الحر كيف العبد ، وعسى ~~أن يكون جواب هذه المسألة فى كفارة اليمين بالله . وقال الحسن : إن أذن له ~~مولاه فى العتق أجزأه . وعن الأوزاعى : إن أذن له مولاه فى العتق والإطعام ~~أجزأه إذا لم يقدر على الصيام . واختلفوا فى الظهار من الأمة وأم الولد ، ~~فقال الكوفيون والشافعى : لا يصح الظهار منهما . وقال مالك ، والثورى ، ~~والأوزاعى ، والليث : يكون من أمته مظاهرا ، واحتج الكوفيون بقوله : { ~~والذين يظاهرون منكم من نسائهم } [ المجادلة : 3 ] ، والأمة ليست من نسائنا ~~؛ لأن الظهار كان طلاقا ، ثم أحل بالكفارة ، فإذا كان لا حظ للإماء فى ~~الطلاق ، فكذلك ما قام PageV07P453 مقامه . ومن أوجب الظهار فى الإماء ~~جعلهن داخلات فى جملة النساء لمعنى تشبيه الفرج الحلال بالفرج الحرام فى ~~حال الظهار ؛ لأن الله حرم جميع النساء ، ولم يخص امرأة دون امرأة ، وهذا ~~مذهب على بن أبى طالب ، وهو حجة فى معرفة لسان العرب ، وهو مذهب الفقهاء ~~السبعة ، وعطاء ، وربيعة . قال ابن المنذر : يدخل فى عموم قوله : { والذين ~~يظاهرون منكم من نسائهم } [ المجادلة : 1 ] ، أن الظهار يكون من الأمة ~~والذمية والصغيرة وجميع النساء . وقول البخارى : فى العربية لما قالوا ، أى ~~فيما قالوا ، فقد تقدم فى الباب أنه قول الفراء ، وفيها قول ثان قاله ~~الأخفش ، قال : المعنى على التقديم والتأخير ، أى والذين يظاهرون من نسائهم ~~ثم يعودون ، فتحرير رقبة لما قالوا ، وهذا قول حسن ، وفيها وجه آخر : يجوز ~~أن تكون ما بمعنى من ، كأنه قال : ثم يعودون لمن قالوا فيهن أو لهن : أنتن ~~علينا كظهور أمهاتنا ، وفيها وجه آخر : يجوز ms2543 أن تكون ما بمعنى مع ، قالوا ~~بتقدير المصدر ، فيكون التقدير : ثم يعودون للقول ، فسمى القول فيهن باسم ~~المصدر ، وهذا القول كما قالوا : ثوب نسج اليمن ، ودرهم ضرب الأمير ، وإنما ~~هو منسوج اليمن ، ومضروب الأمير . * * * # | 23 - باب الإشارة فى الطلاق والأمور # وقال ابن عمر : قال النبى ، عليه السلام : ( لا يعذب الله بدمع العين ، ~~ولكن يعذب بهذا ) ، وأشار إلى لسانه . وقال كعب بن مالك : أشار النبى - صلى ~~الله عليه وسلم - إلى ، خذ الشطر . وقالت أسماء : صلى النبى - صلى الله ~~عليه وسلم - فى الكسوف ، فقلت PageV07P454 لعائشة : ما شأن الناس ؟ وهى ~~تصلى ، فأومأت برأسها إلى الشمس ، فقلت : آية ، فأومأت برأسها ، أن نعم . ~~وقال أنس : أومأ النبى - صلى الله عليه وسلم - بيده إلى أبى بكر أن يتقدم . ~~وقال ابن عباس : أومأ النبى - صلى الله عليه وسلم - بيده : ( لا حرج ) . ~~وقال أبو قتادة : قال النبى ، عليه السلام ، فى الصيد للمحرم : ( أحد منكم ~~أمره أن يحمل عليها ، أو أشار إليه ؟ ) ، قالوا : لا ، قال : ( فكلوا ) . / ~~29 - فيه : ابن عباس ، طاف النبى - صلى الله عليه وسلم - على بعيره ، وكان ~~كلما أتى على الركن أشار إليه وكبر . وقالت زينب : قال النبى - صلى الله ~~عليه وسلم - : ( فتح من [ ردم ] يأجوج ومأجوج مثل هذه وعقد تسعين ) . وفى ~~هذا الباب أحاديث أخر فيها كلها إشارة النبى - صلى الله عليه وسلم - بيده . ~~قال المهلب : الإشارة إذا فهمت وارتفع الإشكال بها محكوم بها ، وما ذكره ~~البخارى فى الأحاديث من الإشارات فى الضروب المختلفة شاهدة بجواز ذلك ، ~~وأوكد الإشارات ما حكم النبى - صلى الله عليه وسلم - فى أمر السوداء حين ~~قال لها : ( أين الله ؟ ) ، فأشارت بيدها إلى السماء ، فقال : ( أعتقها ~~فإنها مؤمنة ) ، فأجاز الإسلام بالإشارة الذى هو أصل الديانة ، الذى يحقن ~~به الدماء ويمنع المال والحرمة ، وتستحق به الجنة وينجى به من النار ، وحكم ~~بإيمانها كما يحكم بنطق من يقول ذلك ، فيجب أن تكون الإشارة عاملة فى سائر ~~الديانة ، وهو قول عامة الفقهاء . روى ابن القاسم ، عن مالك ، أن الأخرس ~~إذا أشار بالطلاق أنه يلزمه ، وقال ms2544 الشافعى فى الرجل يمرض فيختل لسانه : ~~فهو كالأخرس فى الرجعة والطلاق ، وإذا أشار إشارة تعقل أو كتب لزمه الطلاق ~~. وقال أبو ثور فى إشارة الأخرس : إذا فهمت عنه تجوز عليه . وقال ~~PageV07P455 أبو حنيفة وأصحابه : إن كانت إشارته تعرف فى طلاقه ونكاحه ~~وبيعه ، وكان ذلك منه معروفا فهو جائز عليه ، وإن شك فيه فهو باطل ، وليس ~~ذلك بقياس إنما هو استحسان ، والقياس فى هذا أنه كله باطل ؛ لأنه لا يتكلم ~~ولا تعقل إشارته . قال ابن المنذر : فزعم أبو حنيفة أن القياس فى ذلك أنه ~~باطل ، وفى ذلك إقرار منه أنه حكم بالباطل ؛ لأن القياس عنده حق ، فإذا حكم ~~بضده وهو الاستحسان فقد حكم بضد الحق ، وفى إظهاره القول بالاستحسان وهو ضد ~~القياس دفع منه للقياس الذى هو عنده حق . قال المؤلف : وأظن البخارى حاول ~~فى هذا الباب الرد عليه ؛ لأن النبى - صلى الله عليه وسلم - حكم بالإشارة ~~فى هذه الأحاديث وجعل ذلك شرعا لأمته ، ومعاذ الله أن يحكم ، عليه السلام ، ~~فى شىء من شريعته التى ائتمنه الله عليها ، وشهد له التنزيل أنه قد بلغها ~~لأمته غير ملوم ، وأن الدين قد كمل به بما يدل القياس على إبطاله ، وإنما ~~حمل أبا حنيفة على قوله هذا أنه لم يعلم السنن التى جاءت بجواز الإشارات فى ~~أحكام مختلفة من الديانة فى مواضع يمكن النطق فيها ومواضع لا يمكن ، فهى ~~لمن لا يمكنه النطق أجوز وأوكد ، إذ لا يمكن العمل بغيرها ، وفى أحاديث هذا ~~الباب فى قصة اليهودى الذى رضخ رأس الجارية فأخذ أوضاحا لها ، قال صاحب ~~العين : الوضح حلى من فضة . وقوله فى حديث المنفق والبخيل : مادت ، قال ~~صاحب العين : ماد الشىء مددا ، تردد فى عرض ، والناقة تمدد فى سيرها . ~~PageV07P456 * * * # | 24 - باب اللعان وقول الله : { والذين يرمون أزواجهم } إلى : { ~~الصادقين } [ النور : 6 - 9 ] # . فإذا قذف الأخرس امرأته بكتابة أو بإشارة أو بإيماء معروف فهو كالمتكلم ~~؛ لأن النبى ، عليه السلام ، قد أجاز الإشارة فى الفرائض ، وهو قول بعض أهل ~~الحجاز وأهل العلم . وقال الله تعالى ms2545 : { فأشارت إليه قالوا كيف نكلم من ~~كان فى المهد صبيا } [ مريم : 29 ] ، وقال الضحاك : { إلا رمزا } : إلا ~~إشارة . وقال بعض الناس : لا حد ولا لعان . ثم زعم أن الطلاق بكتاب أو ~~إشارة أو إيماء جائز ، وليس بين الطلاق والقذف فرق ، فإن قال : القذف لا ~~يكون إلا بكلام ، قيل له : كذلك الطلاق لا يجوز إلا بكلام ، وإلا بطل ~~الطلاق والقذف ، وكذلك العتق ، وكذلك الأصم يلاعن . وقال الشعبى وقتادة : ~~إذا قال أنت طالق ، فأشار بأصابعه تبين منه بإشارته ، وقال إبراهيم : ~~الأخرس إذا كتب الطلاق بيده لزمه . وقال حماد : الأخرس والأصم إن قال برأسه ~~جاز . / 30 - وفيه : أنس ، قال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( ألا ~~أخبركم بخير دور الأنصار ) ؟ قالوا : بلى ، يا رسول الله ، قال : ( بنو ~~النجار ، ثم الذين يلونهم بنو عبدالأشهل ، ثم الذين يلونهم بنو الحارث بن ~~الخزرج ، ثم الذين يلونهم بنو ساعدة ) ، ثم قال بيده : فقبض أصابعه ، ثم ~~بسطهن كالرامى بيده ، ثم قال : ( وفى كل دور الأنصار خير ) . / 31 - وفيه : ~~سهل ، قال النبى ، عليه السلام : ( بعثت أنا والساعة كهذه من هذه - أو ~~كهاتين - وقرن بين السبابة والوسطى ) . PageV07P457 / 32 - وفيه : ابن عمر ~~، قال ، عليه السلام : ( الشهر هكذا وهكذا ثلاثا ) - يعنى ثلاثين - ثم قال ~~: ( وهكذا وهكذا ثلاثا ) - يعنى تسعا وعشرين - يقول : مرة ثلاثين ومرة تسعا ~~وعشرين . / 33 - وفيه : ابن مسعود ، قال : أشار النبى ، عليه السلام ، بيده ~~نحو اليمن : ( الإيمان ها هنا مرتين ، ألا وإن القسوة وغلظ القلوب فى ~~الفدادين ، حيث يطلع قرنا الشيطان ربيعة ومضر ) . / 34 - وفيه : سهل : قال ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( أنا وكافل اليتيم فى الجنة هكذا ، ~~وأشار بالسبابة والوسطى وفرج بينهما شيئا ) . اختلف العلماء فى لعان الأخرس ~~وقذفه ، فقال مالك ، وأبو ثور : يلاعن الأخرس إذا عقل الإشارة ، وفهم ~~الكتابة ، وعلم ما يقوله ، وفهم منه ، وكذلك الخرساء تلاعن أيضا بالكتاب . ~~وقال الكوفيون : لا يصح قذفه ولا لعانه ، فإذا قذف الأخرس امرأته بإشارة لم ~~يحد ولم يلاعن ، وكذلك لو قذف بكتاب ، وروى مثله عن الشعبى ، وبه قال ~~الأوزاعى ، وأحمد ، وإسحاق ms2546 ، واحتجوا بأن هذه المسألة مبنية لهم على أصل ، ~~وهو أن صحة القذف تتعلق بصريح الزنا دون معناه ، ألا ترى أن من قذف آخر ، ~~فقال له : قد وطئت وطئا حراما ووطئت بلا شبهة ، لم يكن قاذفا ، فإن أتى ~~بمعنى الزنا كان قاذفا ، فبان أن المعتبر فى هذا الباب صريح اللفظ ، وهذا ~~المعنى لا يحصل من الأخرس ضرورة ، فلم يكن قاذفا ولا يتميز بالإشارة الزنا ~~من الوطء الحلال والشبهة . وأيضا فإن إشارته لما تضمنت وجهين لم يجز إيجاب ~~الحد PageV07P458 بها كالكتابة والتعريض ، قالوا : واللعان عندنا شهادة ، ~~وشهادة الأخرس عندنا لا تقبل بالإجماع . قال ابن القصار : فيقال لهم : ~~قولكم : إن القذف لا يصح إلا بالتصريح ، فهو باطل بسائر الألسنة ما عدا ~~العربية ، فإنها كلها قائمة مقام العربية ، ويصح بكل واحد منها القذف ، ~~فكذلك إشارة الأخرس ، وقولهم : إنه لا يتميز بالإشارة الزنا من الوطء ~~الحلال والشبهة ، فإنه باطل ، إذا أقر بقتل عمد ، فإنه مقبول منه بالإشارة ~~وصورته غير صورة قتل الخطأ ، وما حكموه من الإجماع فى شهادة الأخرس فهو غلط ~~، وقد نص مالك أن شهادته مقبولة إذا فهمت إشارته وأنها تقوم مقام اللفظ ~~بالشهادة ، وأما مع القدرة فلا تقع منه إلا باللفظ ، وعلى أنهم يصححون لعان ~~الأعمى ولا يجيزون شهادته ، فقد فرقوا بين الشهادة واللعان . واحتج ابن ~~القصار بأن إشارة الأخرس إذا فهمت قامت مقام النطق بما احتج به البخارى من ~~قوله : { فأشارت إليه } [ مريم : 29 ] ، يعنى مريم ، فعرفوا بإشارتها ما ~~يعرفونه من نطقها ، وبقوله تعالى : { قال آيتك ألا تكلم الناس ثلاثة أيام ~~إلا رمزا } [ آل عمران : 41 ] ، أى إيماء وإشارة ، فلولا أنه يفهم منها ما ~~يفهم من النطق لم يقل تعالى : ألا تكلمهم إلا رمزا ، فجعل الرمز كلاما ، ~~وأيضا فإن النبى ، عليه السلام ، كبر للصلاة وذكر أنه لم يغتسل ، فأشار ~~إليهم أن اثبتوا مكانكم ، وكذلك أشار إلى أبى بكر فى الصلاة ، والأحاديث فى ~~هذا أكثر من أن تحصى ، فصح أنه يعقل من الإشارة ما يعقل من النطق . ~~PageV07P459 قال المهلب : وقد تكون الإشارة فى ms2547 كثير من أبواب الفقه أقوى من ~~الكلام مثل قوله ، عليه السلام : ( بعثت أنا والساعة كهاتين ) ، ومتى كان ~~يبلغ البيان إلى ما بلغت إليه الإشارة ، والإعراب بما بينهما بمقدار زيادة ~~الوسطى على السبابة ، وفى إجماع العقول على أن العيان أقوى من الخبر دليل ~~أن الإشارة قد تكون فى بعض المواضع أقوى من الكلام . قال ابن المنذر : ~~والمخالفون يلزمون الأخرس الطلاق والبيوع وسائر الأحكام ، فينبغى أن يكون ~~القذف مثل ذلك . واتفق مالك ، والكوفيون ، والشافعى ، أن الأخرس إذا كتب ~~الطلاق بيده لزمه . وقال الكوفيون : إذا كان رجل أصمت أياما ، فكتب لم يجز ~~من ذلك شىء . قال الطحاوى : والخرس مخالف للصمت العارض ، كما أن العجز عن ~~الجماع العارض بالمرض ونحوه يوما أو نحوه مخالف للعجز الميئوس معه الجماع ~~نحو الجنون فى باب خيار المرأة فى الفرقة . قال المهلب : وأما الأصم ، فإن ~~فى أمره بعض إشكال ، ولكن قد يستبين إشكال أمره بترداد الإشارة على الشىء ~~حتى يرتفع الإشكال ، فإن فهم عنه ذلك جاز جميع ما أشار به ، وأما المتكلم ~~فإذا كتب الطلاق بيده فله أن يقول : إنما كتبته مراوضا لنفسى لأستخير الله ~~تعالى فى إنفاذه ؛ لأن لى درجة فى البيان بلسانى هى غايتى ، فلا يحال بينى ~~وبين غاية ما لى من البيان ، والأخرس لا غاية له إلا الإشارة . PageV07P460 ~~* * * # | 25 - باب إذا عرض بنفى الولد # / 35 - فيه : أبو هريرة ، أن رجلا أتى النبى - صلى الله عليه وسلم - ، ~~فقال : يا رسول الله ، ولد لى غلام أسود ، فقال : ( هل لك من إبل ) ؟ قال ~~نعم ، قال : ( ما ألوانها ) ؟ قال : حمر ، قال : ( هل فيها من أورق ) ؟ قال ~~: نعم ، قال : ( فأنى ذلك ) ؟ قال : لعل عرقا نزعه ، قال : ( فلعل ابنك هذا ~~نزعه عرق ) . احتج بهذا الحديث الكوفيون والشافعى ، فقالوا : لا حد فى ~~التعريض ، ولا لعان بالتعريض ؛ لأن النبى - صلى الله عليه وسلم - لم يوجب ~~على هذا الرجل الذى عرض له بامرأته حدا . وأوجب مالك الحد فى التعريض ~~واللعان بالتعريض إذا فهم منه من القذف ما يفهم من التصريح . وقال أصحابه ~~فى تأويل ms2548 هذا الحديث للكوفيين : لا حجة لكم فيه ؛ لأن الرجل لم يرد بتعريضه ~~القذف وإنما جاء سائلا مستشيرا ، ودليل ذلك فى الحديث ، وذلك لأن النبى - ~~صلى الله عليه وسلم - لما ضرب له المثل سكت ، ورأى أن الحق فيما ضرب له ~~النبى - صلى الله عليه وسلم - من ذلك . قال المهلب : فالتعريض إذا لم يكن ~~على سبيل المشاتمة والمواجهة ، وكان على سبيل السؤال عما يجهل من المشكلات ~~، فلا حد فيه ، ولو وجب فى هذا حد ، لبقى شىء من علم الدين لا سبيل إلى ~~التوصل إليه من ذكر من عرض له فى ذلك عارض ، ولا يجب عند مالك فى التعريض ~~حد إلا أن يكون على سبيل مشاتمة ومواجهة يعلم قصده لذلك . وسيأتى اختلاف ~~العلماء وبيان مذاهبهم فى التعريض فى كتاب الحدود ، إن شاء الله . ~~PageV07P461 قال أبو عبيد ، عن الأصمعى : إذا كان البعير أسود يخالط أسوده ~~بياض كدخان الرمث ، فذلك الورقة . * * * # | 26 - باب إحلاف المتلاعنين # / 36 - فيه : ابن عمر ، أن رجلا من الأنصار قذف امرأته ، فأحلفهما النبى ~~- صلى الله عليه وسلم - ، ثم فرق بينهما . قوله : باب إحلاف المتلاعنين ، ~~يريد أيمان اللعان المعروفة ومعناه : أن الرجل لما قذف امرأته كان عليه ~~الحد إن لم يأت بأربعة شهداء ، يشهدون بتصديق ما قال ، على ظاهر قوله تعالى ~~: { والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ~~} [ النور : 4 ] ، فلما رمى العجلانى زوجته بالزنا أنزل الله تعالى : { ~~والذين يرمون أزواجهم } [ النور : 6 ] الآية ، فأخرج الله الزوج من عموم ~~الآية وأقام أيمانه الأربع مع الخامسة مقام الشهود الأربعة يدرأ بها عن ~~نفسه الحد كما يدرأ سائر الناس عن أنفسهم بالشهود الأربعة حد القذف ، فإذا ~~حلف بها لزم المرأة الحد إن لم تلتعن ، فإن التعنت وحلفت دفعت الحد عن ~~نفسها بأيمانها أيضا كما دفع الرجل بأيمانه عن نفسه . * * * # | 27 - باب يبدأ الرجل بالتلاعن # / 37 - فيه : ابن عباس ، أن هلال بن أمية قذف امرأته ، فجاء فشهد والنبى ~~- صلى الله عليه وسلم - يقول : ( إن الله يعلم أن أحدكما كاذب ، فهل منكما ms2549 ~~تائب ) ؟ ثم قامت فشهدت . PageV07P462 أجمع العلماء أن الرجل يبدأ باللعان ~~قبل المرأة ؛ لأن الله تعالى بدأ بذلك ، وإن بدأت المرأة قبل زوجها لم ~~يجزئها ذلك وإعادة الأيمان بعده على ما رتبه الله وبينه رسوله - صلى الله ~~عليه وسلم - فى حديث ابن عباس . قال ابن المنذر : وفيه دليل أنهما يتلاعنان ~~وهما قائمان . قال الطبرى : وفى استحلافه ، عليه السلام ، المتلاعنين ~~قائمين الدليل الواضح على أنه ينبغى لكل حاكم من حكام المسلمين أن يستحلف ~~كل من أراد استحلافه على عظيم من الأمر قائما للأخبار الواردة عن النبى - ~~صلى الله عليه وسلم - بذلك . قال المهلب : وفيه دليل أن المحتلفين ~~المتضارين اللذين لا يكون الحق إلا فى قول واحد منهما يعتدان فى دعاويهما ~~ولا يعاقب كل واحد منهما بتكذيب صاحبه وإبطال قوله ؛ لأن النبى - صلى الله ~~عليه وسلم - عذر المتلاعنين فى الحدود ولم يقم الحد بالتحالف . قال أبو عبد ~~الله بن أبى صفرة : الصحيح أن القاذف لزوجته عويمر وهلال بن أمية خطأ ، وقد ~~روى القاسم ، عن ابن عباس ، أن العجلانى قذف امرأته كما روى ابن عمر ، وسهل ~~بن سعد ، وأظنه غلط من هشام بن حسان ، ومما يدل على أنها قصة واحدة توقف ~~النبى - صلى الله عليه وسلم - فيها حتى أنزل الله فيها الآية ، ولو أنها ~~قضيتان لم يتوقف عن الحكم فيها ولحكم فى الثانية بما أنزل الله فى الأولى . ~~قال الطبرى : يستنكر قوله فى الحديث : هلال بن أمية ، وإنما القاذف عويمر ~~بن الحارث بن زيد بن الجد بن العجلانى شهد أحد مع النبى ، عليه السلام ، ~~رماها بشريك ابن السحماء والسحماء أمه ، قيل لها ذلك لسوادها ، وهو شريك بن ~~عبدة بن الجد بن PageV07P463 العجلانى ، كذلك كان يقول أهل الأخبار ، وكانت ~~هذه القصة فى شعبان سنة تسع من الهجرة منصرف رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - من تبوك إلى المدينة . * * * # | 28 - باب اللعان ومن طلق # / 38 - فيه : سهل بن سعد ، أن عويمرا العجلانى جاء إلى عاصم بن عدى ~~الأنصارى ، فقال له : يا عاصم ، أرأيت رجلا وجد مع ms2550 امرأته رجلا أيقتله ~~فتقتلونه أم كيف يفعل ؟ سل لى يا عاصم عن ذلك رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - ، فسأل عاصم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن ذلك ، فكره رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - المسائل وعابها ، حتى كبر على عاصم ما سمع من ~~رسول الله فلما رجع عاصم إلى أهله ، جاءه عويمر ، فقال : يا عاصم ، ماذا ~~قال لك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ؟ فقال عاصم لعويمر : لم تأتنى ~~بخير ، قد كره رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المسألة التى سألته عنها ، ~~فقال عويمر : والله لا أنتهى حتى أسأله عنها ، فأقبل عويمر حتى جاء رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - وسط الناس ، فقال يا رسول الله ، أرأيت رجلا ~~وجد مع امرأته رجلا أيقتله فتقتلونه أم كيف يفعل ؟ فقال رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - : ( قد أنزل فيك وفى صاحبتك فاذهب فأت بها ) ، قال سهل : ~~فتلاعنا ، وأنا مع الناس عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فلما فرغا ~~من تلاعنهما ، قال عويمر : كذبت عليها يا رسول الله إن أمسكتها ، فطلقها ~~ثلاثا قبل أن يأمره رسول الله - صلى الله عليه وسلم - . قال ابن شهاب : ~~فكانت سنة المتلاعنين . فى قول عويمر : أرأيت رجلا وجد مع امرأته رجلا ~~أيقتله فتقتلونه ؟ وسكوت النبى - صلى الله عليه وسلم - على ذلك ولم يقل له ~~: لا نقتله ، دليل على أن من قتل رجلا وجده مع امرأته أنه يقتل به إن لم ~~يأت ببينة تشهد بزناه بها . قال الطبرى : وبذلك حكم على بن أبى طالب إن لم ~~يأت بأربعة شهداء ، فليعط برمته . PageV07P464 فإن قيل : قد روى عن عمر ~~وعثمان أنهما أهدرا دمه ، قيل : إن صح عنهما ذلك فإنما أهدرا دمه ؛ لأن ~~البينة قامت عندهما بصحة ما ادعى القاتل على الذى قتله ، وسيأتى بيان ما ~~للعلماء فى هذه المسألة فى كتاب الحدود ، إن شاء الله . وفيه : أن التلاعن ~~لا يكون إلا عند السلطان ، أو عند من استخلفه من الحكام ، وهذا إجماع من ~~العلماء . وفى قول عويمر : أرأيت رجلا ms2551 وجد مع امرأته رجلا ، دليل أن اللعان ~~بين كل زوجين ؛ لأنه لم يخص رجل من رجل ، ولا امرأة من امرأة ، وكذلك قوله ~~تعالى : { والذين يرمون أزواجهم } [ النور : 6 ] ، ولم يخص زوجا من زوج ، ~~ففى هذا حجة لمالك والشافعى أن العبد بمنزلة الحر فى قذفه ولعانه ، غير أنه ~~لا حد على من قذف مملوكته ؛ لقوله تعالى : { والذين يرمون المحصنات } [ ~~النور : 4 ] ، وهن الحرائر المسلمات ، والأمة المسلمة والحرة اليهودية أو ~~النصرانية تلاعن الحر المسلم ، وكذلك العبد وإن تزوج الحرة المسلمة والأمة ~~المسلمة أو الحرة اليهودية أو النصرانية لاعنها ، وبه قال الشافعى ، وقال ~~أبو حنيفة والثورى : إذا كان أحد الزوجين مملوكا أو ذميا أو كانت المرأة ~~ممن لا يجب على قاذفها الحد ، فلا لعان بينهما إذا قذفها . واختلف العلماء ~~فى صفة الرمى الذى يوجب اللعان بين الزوجين ، فقال مالك فى المشهور عنه : ~~إن اللعان لا يكون حتى يقول الرجل لامرأته : رأيتها تزنى أو ينفى حملا بها ~~أو ولدا منها ، وحديث سهل هذا وإن لم يكن فيه تصريح بالرؤية ، فإنه قد جاء ~~التصريح بذلك فى حديث ابن عباس وغيره فى قصة هلال بن أمية أنه وجد مع ~~امرأته PageV07P465 رجلا ، فقال : يا رسول الله ، رأيت بعينى وسمعت بأذنى ، ~~فنزلت آية اللعان ، ذكره المصنفون ، وذكره الطبرى . وقال الثورى ، ~~والكوفيون ، والأوزاعى ، والشافعى ، وأحمد ، وإسحاق ، وأبو ثور : إنه من ~~قال لزوجته : يا زانية ، وجب اللعان إن لم يأت بأربعة شهداء ، وسواء قال ~~لها : يا زانية أو زنيت ، ولم يدعى رؤية . وقد روى هذا القول عن مالك أيضا ~~، وحجة هذا القول عموم قوله : { والذين يرمون أزواجهم } [ النور : 6 ] ، ~~كما قال : { والذين يرمون المحصنات } [ النور : 4 ] ، فأوجب بمجرد القذف ~~الحد على الأجنبى إن لم يأت بأربعة شهداء ، وأوجب على الزوج اللعان إن لم ~~يأت بأربعة شهداء ، فسوى بين الرميتين بلفظ واحد ، وقد أجمعوا أن الأعمى ~~يلاعن ولا تصح منه الرؤية ، وإنما يصح لعانه من حيث وطؤه لزوجته ، وقد ذكر ~~ابن القصار عن مالك أن لعان الأعمى لا يصح إلا أن ms2552 يقول : لمست فرجا فى ~~فرجها . وذهب جمهور العلماء إلى أن تمام اللعان منها تقع الفرقة بينهما ، ~~وسيأتى بيان هذه المسألة فى بابها بعد هذه المسألة ، إن شاء الله تعالى . ~~وشذ قوم من أهل البصرة منهم عثمان البتى ، فقالوا : لا تقع الفرقة ولا ~~تأثير للعان فيها ، وإنما يسقط النسب والحد وهما على الزوجية كما كانا حتى ~~يطلق الزوج ، وذكر الطبرى أن هذا قول جابر بن زيد ، واحتج أهل هذه المقالة ~~بقول عويمر : كذبت عليها إن أمسكتها ، فطلقها ثلاثا ، قالوا : ولم ينكر ~~النبى - صلى الله عليه وسلم - ذلك عليه ولم يقل له : لم قلت وأنت لا تحتاج ~~إليه ؟ لأنها باللعان قد طلقت . فقال لهم مخالفوهم : PageV07P466 لا حجة ~~لكم فى حديث عويمر ؛ لأن قوله : كذبت عليها إن أمسكتها ، وطلاقه لها ثلاثا ~~إنما كان منه ؛ لأنه لم يظن أن الفرقة تحصل باللعان ، ولو كان عنده أن ~~الفرقة تحصل باللعان لم يقل هذا ، وقد جاء فى حديث ابن عمر ، وابن عباس ، ~~بيان هذا أن النبى ، عليه السلام ، فرق بين المتلاعنين ، وقال : لا سبيل لك ~~عليها ، فطلاق عويمر لها لغو ، ولم ينكر ذلك النبى - صلى الله عليه وسلم - ~~؛ لأنه يحتمل أن يكون العجلانى أراد التأكيد ، أى أنها لو لم تقع الفرقة ~~وأمسكتها فهى طالق ثلاثا . قال الطحاوى : فإن قال من يذهب إلى قول البتى ، ~~قول ابن عمر ، وابن عباس ، أن النبى - صلى الله عليه وسلم - فرق بين ~~المتلاعنين ، إنما كان فى قضية عويمر ، وكان طلاقها بعد اللعان ، فلذلك فرق ~~بينهما ، وقد روى ابن شهاب ، عن سهل بن سعد ، قال : فطلقها العجلانى ثلاث ~~تطليقات ، فأنفذه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - . قال الطبرى : يحتمل ~~أن يكون النبى - صلى الله عليه وسلم - فرق بينهما بعد اللعان ، ثم طلقها ~~ثلاثا حتى يكون تفريق النبى - صلى الله عليه وسلم - واقعا موقعه على ما روى ~~ابن عمر . وقد قال الأكثر : لا يجوز أن يمسكها ويفرق بينهما ، وقد استحب ~~النبى - صلى الله عليه وسلم - الطلاق بعد اللعان ، ولم يستحبه قبله ، فعلم ~~أن ms2553 اللعان قد أحدث حكما . وقد احتج من قال : إن الطلاق الثلاث مجتمعات تقع ~~للسنة بطلاق عويمر زوجته ثلاثا ، ولم ينكر ذلك عليه رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - ، قالوا : ولو كان وقوع الثلاث مجتمعات لا يجوز لبينه رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - وأنكره ، وقال : لا يجوز ذلك فى ديننا . ~~PageV07P467 * * * # | 29 - باب التلاعن فى المسجد # / 39 - فيه : سهل ، فتلاعنا فى المسجد ، وأنا شاهد ، فطلقها ثلاثا قبل أن ~~يأمره النبى - صلى الله عليه وسلم - حين فرغا من التلاعن ، ففارقها عند ~~النبى ، عليه السلام ، فقال : ذاك تفريق بين كل متلاعنين . قال ابن شهاب : ~~فكانت السنة بعدهما أن يفرق بين المتلاعنين ، وكانت حاملا ، وكان ابنها ~~يدعى لأمه ، قال : ثم جرت السنة فى ميراثها أنها ترثه ويرث منها ما فرض ~~الله لها . قال سهل ، عن النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( إن جاءت به أحمر ~~قصيرا كأنه وحرة ، فلا أراها إلا قد صدقت ، وكذب عليها ، وإن جاءت به أسود ~~أعين ذا أليتين ، فلا أراه إلا قد صدق عليها ) ، فجاءت به على المكروه من ~~ذلك . قال ابن المنذر : فيه أن سنة اللعان أن يكون فى المسجد . وقال الطبرى ~~: فى أمر النبى ، عليه السلام ، المتلاعنين بالتلاعن فى المسجد دليل على ~~أنه ينبغى لكل حاكم من حكام المسلمين أن يستحلف كل من أراد استحلافه على ~~عظيم من الأمر كالقسامة على الدم وعلى المال ذى القدر والخطر العظيم ، ونحو ~~ذلك فى المساجد العظام ، فإن كانا بالمدينة فعند قبر النبى - صلى الله عليه ~~وسلم - ، وإن كانا بمكة فبين الركن والمقام ، وإن كانا ببيت المقدس ففى ~~مسجدها ، ثم فى موضع الصخرة ، وإن كانا ببلدة غيرها ، ففى جامعها وحيث يعظم ~~منها ، وإنما أمرهما ، عليه السلام ، باللعان فى مسجده لعلمه أنهما يعظمان ~~ذلك الموضع ، فأراد التعظيم عليهما ليرجع المبطل منهما إلى الحق وعجز عن ~~PageV07P468 الأيمان الكاذبة ، وكذلك أيضا كان لعانه بينهما بعد العصر لعظم ~~اليمين الكاذبة عند الله فى ذلك الوقت . وقال الشافعى : يلاعن فى المسجد ~~إلا أن تكون حائضا ، فعلى باب المسجد ms2554 . قال الطبرى : ولست أقول أنه إن لاعن ~~بينهما فى مجلس يكره ، أو حيث كان من الأماكن ، وفى أى الأوقات أنه مضيع ~~فرضا أو مدخل بذلك من فعله فى اللعان فسادا . وقوله : وكانت حاملا ، ~~اختلفوا فى الرجل ينتفى من حمل زوجته ، فقالت طائفة : له أن يلاعن إذا قال ~~: ليس هو منى ، وقد استبرأتها قبل هذا الحمل ، ويسقط عنه الولد ، هذا قول ~~مالك . وقال ابن أبى ليلى : يجوز اللعان بنفى الحمل ، وبه قال الشافعى ، ~~ولم يراع استبراء ، وزعم أن المرأة قد تحمل مع رؤية الدم وتلد مع الاستبراء ~~. وقال أبو حنيفة والثورى وزفر : إذا قال لامرأته : ليس هذا الحمل منى ، ~~سواء قال : استبرأتها أم لا ، لم يكن قاذفا ، وبه قال ابن الماجشون . وقال ~~أبو يوسف ومحمد : إن جاءت بالولد بعدما قال لستة أشهر لاعن ، وإن جاءت به ~~لأكثر لم يلاعن ، وحجة من لم يوجب اللعان على الحمل أنه قال بنفس الحمل ، ~~ولا يقطع على صحته ولعله ريح ، ولا لعان إلا بيقين . قال ابن القصار : وحجة ~~مالك ومن وافقه أن النبى - صلى الله عليه وسلم - لاعن بين PageV07P469 ~~العجلانى وامرأته وكانت حاملا ، ألا ترى قوله : إن جاءت به أحمر قصيرا فلا ~~أراها إلا صدقت وكذب عليها ، وإن جاءت به أسود أعين ، فلا أراه إلا قد صدق ~~عليها ، فجاءت به على النعت المكروه . وقول الكوفيين خلاف لهذا الحديث ، ~~فلا يلتفت إلى قولهم . وأما فساده من جهة النظر ، فإن اللعان وضع بين الزوج ~~لمعنى ، وهو أن لا يلحق به ولد ليس منه ، فالضرورة داعية إلى حصول اللعان ~~فى هذه الحال ، وقد جعل اللعان يدفع العار عما يلحقه فى زوجته ، فهو محتاج ~~إلى اللعان . قال الطبرى : وقد زعم أبو حنيفة أن رجلا لو اشترى جارية ~~فوجدها حاملا أن ذلك عيب ترد به ، فإن كان الحمل لا يوقف عليه ولا يعلم ، ~~فقد يجب أن لا يكون لمشترى الجارية الحامل ردها ، إذ لا سبيل له إلى العلم ~~بذلك ، وإن كان إلى العلم به سبيل حتى يجوز به رد الجارية ms2555 ، فكذلك السبيل ~~إلى العلم حتى يجوز به اللعان مثله لا فرق بينهما . قال الطبرى : وفى قوله ~~عليه السلام : ( إن جاءت به أحمر قصيرا ، فلا أراها إلا قد صدقت وكذب عليها ~~، وإن جاءت به أسود أعين ، فلا أراه إلا قد صدق عليها ) ، فجاءت به على ~~النعت المكروه ، البيان البين أن الله تعالى منع العباد أن يحكموا فى عباده ~~بالظنون والتهم ، وأنه جعل الأحكام بينهم على ما ظهر دون ما بطن منهم ~~واستتر عنهم ، وأنه وكل الحكم فى سرائرهم وما خفى من أمورهم إلى الله دون ~~سائر خلقه ، وأنه لو كان لأحد من ذى سلطان أو غيره أخذ أحد بغير الظاهر ، ~~لكان أولى الناس بذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، لعلمه بكثير ~~PageV07P470 من سرائر الناس ، ولكنه كان لا يأخذ أحدا إلا بما ظهر من أمره ~~، وتبين للناس منه . ولذلك كان يقبل ظاهر ما يبديه المنفقون ولا يأخذهم بما ~~يبطنون مع علمه بكذبهم ، وكان يجعل لهم بظاهر ما يظهرونه ، من الإقرار ~~بتصديقه والإيمان بما جاء به من عند الله ، حكم الله فى المناكحة والموارثة ~~والصلاة عليهم إذا ماتوا ، وغير ذلك من الأمور ، فكذلك الواجب على كل ذى ~~سلطان أن يعمل فى رعيته مثل الذى عمل به النبى ، عليه السلام ، فيمن وصفت ~~ممن كان يظهر قولا وفعلا ، من أخذه بما يظهر من القول والفعل دون أخذه ~~بالظنون والتهم التى يجوز أن تكون حقا ويجوز أن تكون باطلا . قال المهلب : ~~وفيه من الفقه أن الحاكم إذا حكم بالبينة المنصوصة ، ثم تبين له بدليل غير ~~ما ظهر إليه فيما حكم به ، أنه لا يرد ما حكم فيه إلا بالنص لا بما قام له ~~من الدليل ، ألا ترى أنه بعد أن جاءت به على المكروه لم يحدها ، وكذلك قام ~~له الدليل من الشبه فى ابن وليدة زمعة ، فلم يقض به لسعد بن أبى وقاص ، ~~ولكن أمر سودة بنت زمعة بالاحتجاب منه ، فحكم للشبه فى عين الحكم المنصوص ~~أولا ، ولم يعرض لحكم الله بفسخ من أجل الدليل ms2556 . وفيه من الفقه : أن من ~~اقتطع شيئا من الحقوق بيمين كاذبة أن الله يلعنه ويغضب عليه كما جاء فى ~~الحديث ، ألا ترى أنه قام الدليل على كذب المرأة بعد يمينها بوضعها الصفة ~~المكروهة ، فكان ذلك هتك سترها فى الدنيا وفضيحتها بين قومها التى منها فرت ~~، وهذا من العقوبات فى الدنيا ، فكيف فى الآخرة ؟ PageV07P471 وقوله : كأنه ~~وحرة ، دويبة حمراء كالعضاة تلزق بالأرض ، ومنه قيل : وحر الصدر يوحر وحرا ~~ذهبوا إلى لزوق الحقد بالصدر فشبهوه بإلزاق الوحرة بالأرض . * * * # | 30 - باب قول النبى عليه السلام : ( لو كنت راجما بغير بينة ) # / 40 - فيه : ابن عباس : أنه ذكر التلاعن عند النبى ، عليه السلام ، فقال ~~عاصم بن عدى فى ذلك قولا ، ثم انصرف ، فأتاه رجل من قومه يشكو إليه أنه قد ~~وجد مع أهله رجلا ، فقال عاصم : ما ابتليت بهذا الأمر إلا لقولى ، فذهب به ~~إلى النبى ، عليه السلام ، فأخبره بالذى وجد عليه امرأته ، وكان ذلك الرجل ~~مصفرا ، قليل اللحم سبط الشعر ، وكان الذى ادعى عليه أنه وجده عند أهله ، ~~خدلا آدم كثير اللحم ، فقال النبى ، عليه السلام : ( اللهم بين ) ، فجاءت ~~شبيها بالرجل الذى ذكر زوجها أنه وجده ، فلاعن النبى ، عليه السلام ، ~~بينهما ، فقال رجل لابن عباس فى المجلس : هى التى قال رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - : ( لو رجمت أحدا بغير بينة رجمت هذه ) ، فقال : لا ، تلك ~~امرأة كانت تظهر فى الإسلام السوء . وترجم له : ( باب قول الإمام : اللهم ~~بين ) . قال المهلب : فيه أنه قد يبتلى الإنسان بقوله ، وذلك أن عاصم بن ~~عدى كان قد قال عند النبى - صلى الله عليه وسلم - أنه لو وجد مع امرأته ~~رجلا لضربه بالسيف حتى يقتله ، فابتلاه الله بعويمر رجل من قومه ليريه الله ~~كيف PageV07P472 حكمه فى ذلك ، وليعرفه أن التسلط فى الدماء لا يسوغ ~~بالدعوى ، ولا يكون إلا بحكم من الله ليرفع أمر الجاهلية . وأما قوله : ( ~~لو كنت راجما بغير بينة ) ، فى المرأة التى كانت تعلن بالسوء ، أى لو كنت ~~متعديا حق الله فيها إلى ما قام من ms2557 الدلالة عليها لرجمت هذه ، لبيان ~~الدلائل على فسقها ، ولكن ليس لأحد أن يرجم بغير بينة فيتعدى حدود الله ، ~~والله قد نص أن لا يتعدى حدوده لما أراد تعالى من ستر عباده . قال غيره : ~~وقوله عليه السلام : ( اللهم بين ) ، معناه الحرص على أن يعلم من باطن ~~المسألة ما يقف به على حقيقتها ، وإن كانت شريعته قد أحكمها الله عز وجل فى ~~القضاء بالظاهر ، وإنما صارت شرائع الأنبياء يقضى فيها بالظاهر ؛ لأنها ~~تكون سننا لمن بعدهم من أمتهم ممن لا سبيل له إلى وحى يعلم به بواطن الأمور ~~. وقال ابن قتيبة فى قوله : ( خدل ) ، الخدل العظيم الساقين ، وهو ضد الحمش ~~، يقال : رجل حمش الساقين إذا كان رقيقهما ، وخدل إذا كان عظيمهما . * * * # | 31 - باب صداق الملاعنة # / 41 - فيه : ابن جبير قال : قلت لابن عمر : رجل قذف امرأته ، فقال : فرق ~~النبى - صلى الله عليه وسلم - بين أخوى بنى العجلان ، وقال : ( الله يعلم ~~أن أحدكما كاذب ، فهل منكما تائب ) ؟ فأبيا ، ففرق بينهما . قال أيوب : ~~فقال لى عمرو بن دينار : إن فى الحديث شيئا لا أراك تحدثه . قال : قال ~~الرجل : مالى ، قال : قيل : PageV07P473 لا مال لك ، إن كنت صادقا ، فقد ~~دخلت بها ، وإن كنت كاذبا ، فهو أبعد منك . وترجم له ( باب قول الإمام ~~للمتلاعنين : إن أحدكما كاذب فهل منكما تائب ؟ ) . صداق الملاعنة واجب لها ~~بالإجماع ؛ لأنهما كانا على نكاح صحيح قبل التعانهما ، وكل من وطئ امرأة ~~بشبهة ، فالصداق لها واجب ، فكيف النكاح الصحيح ؟ قال ابن المنذر : وفى ~~حديث ابن عمر دليل على وجوب صداقها ، وأن الزوج لا يرجع عليها بالمهر ، وإن ~~أقرت بالزنا ؛ لقوله : ( إن كنت صدقت عليها فبما استحللت من فرجها ، وإن ~~كنت كذبت عليها فهو أبعد منك ) ، هكذا رواه فى باب قول الإمام للمتلاعنين : ~~إن أحدكما كاذب . قال ابن المنذر : ولو قال قائل : إن فيه دليلا على أن ~~المهر إنما يجب بالمسيس لا بالخلوة لساغ ذلك . قال المؤلف : وحديث هذا ~~الباب يوجب الصداق بالدخول . قال المهلب فى قوله : ( إن كنت صادقا فقد دخلت ~~بها ms2558 ) ، فيه دليل على أن الدخول بالمرأة يكنى به عن الجماع ، وهو دليل على ~~وجوب جماعها ، وإن كان قد لا يكون جماع مع الدخول ، فغلب عليه السلام ما ~~يكون فى الأكثر وهو الجماع ، لما ركب الله فى نفوس عباده من شهوة النساء ، ~~وسيأتى اختلاف أهل العلم فى هذه المسألة فى باب المهر للمدخول عليها بعد ~~هذا إن شاء الله . قال الطبرى : فى قوله عليه السلام : ( الله يعلم إن ~~PageV07P474 أحدكما كاذب ، فهل منكما من تائب ؟ ) ، أنه ينبغى للإمام إذا ~~أراد استحلاف من لزمته يمين لغيره فرآه ماضيا على اليمين أن يذكره بالله ~~ويعظه ويتلوا عليه قول الله : { إن الذين يشترون بعهد الله } [ آل عمران : ~~77 ] الآية ، ليرتدع عن اليمين إن كان مبطلا فيها ، ولذلك أمر النبى - صلى ~~الله عليه وسلم - أن يوقف كل واحد منهما عند الخامسة ، فيقال له : اتق الله ~~، فإنها الموجبة التى توجب عذاب الله وإن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة ~~. قال ابن المنذر : وفيه بدء الإمام بعظة الزوجين والبدء بالزوج فى ذلك قبل ~~المرأة . * * * # | 32 - باب التفريق بين المتلاعنين # / 42 - فيه : ابن عمر ، أن النبى - صلى الله عليه وسلم - فرق بين رجل ~~وامرأة قذفها وأحلفهما . اختلف العلماء متى تقع الفرقة باللعان ، فذكر ابن ~~المنذر ، عن ابن عباس ، أن بانقضاء اللعان تقع الفرقة بينهما ، وإن لم يفرق ~~الحاكم ، وهو قول ربيعة ، ومالك ، والليث ، والأوزاعى ، وزفر ، وأبى ثور . ~~وقال الثورى ، وأبى حنيفة وصاحباه : لا تقع الفرقة بينهما بتمام اللعان حتى ~~يفرق بينهما الحاكم ، وبه قال أحمد . وقال الشافعى : إذا أكمل الزوج اللعان ~~وقعت الفرقة بينهما ولم يتوارثا ولو لم تكمل الفرقة ومات ورثه ابنه . واحتج ~~الشافعى ، فقال : لما كان التعان الزوج يسقط الحد وينفى PageV07P475 الولد ~~كان يقطع العصمة ويرفع الفراش ؛ لأن المرأة لا مدخل لها فى الفراق وقطع ~~للعصمة ، ولا معنى لالتعان المرأة إلا فى درء الحد عنها . قال الطحاوى : ~~وقول الشافعى خلاف القرآن ، قال الله تعالى : { والذين يرمون أزواجهم } [ ~~النور : 6 ] إلى آخر الآيات ، وعلى قوله : ينبغى أن لا ms2559 تلاعن المرأة وهى ~~غير زوجة ، وقد اتفقوا أنه من طلق امرأته وأبانها ثم قذفها أن لا تلاعن ؛ ~~لأنها ليست بزوجة كذلك لو بانت بلعان الزوج لم يجز لعان المرأة . وحجة ~~الكوفيين أن الفرقة لا تقع إلا بتفريق الحاكم حديث ابن عمر أن النبى - صلى ~~الله عليه وسلم - فرق بين المتلاعنين ، فأضاف الفرقة إليه لا إلى اللعان ، ~~قالوا : فلما كان اللعان مفتقرا إلى حضور الحاكم كان مفتقرا إلى تفريقه ~~بخلاف الطلاق قياسا على العنين أنه لا يفرق بينه وبين امرأته إلا الحاكم ، ~~والحجة لمالك ومن وافقه حديث ابن عمر ، أن النبى - صلى الله عليه وسلم - ~~فرق بين المتلاعنين بلعانهما جميعا ، فدل أن اللعان أوجب الفرقة التى قضى ~~بها النبى - صلى الله عليه وسلم - عند فراغهما من اللعان ، وقال : لا سبيل ~~لك عليها إعلاما منه أن اللعان رفع سبيله عليها ، وليس تفريقه بينهما ~~باستئناف حكم ، وإنما كان تنفيذا لما أوجب الله بينهما من المباعدة ، وهو ~~معنى اللعان فى اللغة . وإذا قيل : لاعن ، فهى مفاعلة من اثنين ، ولو كان ~~النكاح بينهما باقيا حتى يفرق الحاكم لكان إنما يفرق بين زوجين صحيح النكاح ~~غير فاسد من غير سبب حدث من أجله فساده ، فإن قال ذلك خرج من قول جميع ~~الأمة وأجاز للحاكم التفريق بين من شاء من الأزواج من غير سبب حدث بينهما ~~يبطل به نكاحهم ، وقياسه على العنين خطأ ؛ لأنه يجوز لها أن تراجع العنين ~~إن رضيت به ، ولا يجوز لها مراجعة الملاعن فافترقا . PageV07P476 قال ابن ~~المنذر : وفى إجماعهم أن زوجة الملاعن لا تحل له بعد زوج إذا لم يكذب نفسه ~~، دليل بين أن النكاح لو لم يكن منفسخا باللعان ، لكان طلاق العجلانى يقع ~~عليها ، وكانت تحل له بعد النكاح . وذكر جمهور العلماء أن المتلاعنين لا ~~يتناكحان أبدا ، وإن أكذب نفسه جلد الحد ولحق به الولد ولم ترجع إليه أبدا ~~. قال مالك : وعلى هذا السنة التى لا شك فيها ولا اختلاف ، ذكر ابن المنذر ~~، عن عطاء ، أن الملاعن إذا أكذب نفسه بعد اللعان ms2560 لم يحد . وقال : قد تفرقا ~~بلعنة من الله . وقال أبو حنيفة ومحمد : إذا أكذب نفسه جلد الحد ولحق به ~~الولد ، وكان خاطبا من الخطاب إن شاء ، وهو قول سعيد بن المسيب ، والحسن ، ~~وسعيد بن جبير ، وحجة هؤلاء الإجماع على أنه إن أكذب نفسه جلد الحد ولحق به ~~الولد ، قالوا : فيعود النكاح حلالا كما عاد الولد ؛ لأنه لا فرق بين شىء ~~من ذلك . وحجة الجماعة فى أنهما لا يجتمعان أبدا أن النبى - صلى الله عليه ~~وسلم - فرق بين المتلاعنين ، وقال : لا سبيل لك عليها ، ولم يقل له : إلا ~~أن تكذب نفسك ، فكان كالتحريم المؤبد فى الأمهات ومن ذكر معهن ، وهذا شأن ~~كل تحريم مطلق التأبيد ، ألا ترى أن المطلق ثلاثا لما لم يكن تحريمه تأبيدا ~~أوقع فيه الشرط بنكاح زوج غيره ، ولو قال : فإن طلقها فلا تحل له ، لكان ~~تحريما مطلقا لا تحل له أبدا ، وقد أطلق النبى - صلى الله عليه وسلم - ~~التحريم فى الملاعنة ، ولم يضمنه بوقت ، فهو مؤبد ، فإن أكذب نفسه لحق به ~~الولد ؛ لأنه حق جحده ثم عاد إلى الإقرار به ، وليس كذلك النكاح ؛ لأنه حق ~~ثبت عليه بقوله : ( لا سبيل لك عليها ) ، فلا يتهيأ له إبطاله ، وقد ~~PageV07P477 روى ابن إسحاق وجماعة عن الزهرى ، قال : فمضت السنة بأنهما إذا ~~تلاعنا فرق بينهما فلا يجتمعان أبدا . * * * # | 33 - باب يلحق الولد بالملاعنة # / 43 - فيه : ابن عمر ، أن النبى - صلى الله عليه وسلم - لاعن بين رجل ~~وامرأته ، فانتفى من ولدها ، ففرق بينهما ، وألحق الولد بالمرأة . أما قول ~~ابن عمر : وأحلق الولد بالمرأة ، فمعلوم أن الأم لا ينتفى عنها ولدها ؛ ~~لأنها ولدته ومعناه أنه لما انتفى عن أبيه بلعانها ألحقه بأمه خاصة ، كأنه ~~لا أب له ، فلا يرث أباه ولا يرثه أبوه ولا أحد ينسبه ، وإنما ينسب إلى ~~عصبة أمه ، وعلى هذا علماء الأمصار . وقيل : بل ألحقه بأمه ، فجعل أمه له ~~كأبيه وأمه ، ولهذا الحديث ، والله أعلم ، اختلف العلماء فى ميراث ابن ~~الملاعنة على ما نذكره فى كتاب الفرائض . قال الطبرى : وإنما ms2561 يلحق ولد ~~الملاعنة بأمه ولا يدعى لأب ما دام الملاعن مقيما على نفيه عن نفسه بعد ~~الالتعان فأما إن هو أقر به يوما ، فإنه يلحق به نسبه ، وهذا إجماع من ~~العلماء . * * * # | 34 - باب إذا طلقها ثلاثا ثم تزوجت بعد العدة زوجا غيره فلم يمسها # / 44 - فيه : عائشة ، أن رفاعة القرظى تزوج امرأة ، ثم طلقها ، فتزوجت ~~آخر ، PageV07P478 فأتت النبى - صلى الله عليه وسلم - فذكرت له أنه لا ~~يأتيها ، وأنه ليس معه إلا مثل هدبة ، فقال : ( لا ، حتى تذوقى عسيلته ، ~~ويذوق عسيلتك ) . فى هذا الحديث من الفقه : أن المطلقة ثلاثا لا تحل لزوجها ~~إلا بطلاق زوج قد وطئها ، ومعنى ذوق العسيلة هو الوطء . قال ابن المنذر : ~~وعلى هذا جماعة العلماء ، إلا سعيد بن المسيب . قال : أما الناس فيقولون : ~~لا تحل للأول حتى يجامعها الثانى ، وأنا أقول : إذا تزوجها تزويجا صحيحا لا ~~يريد بذلك إحلالها ، فلا بأس أن يتزوجها الأول ، وهذا قول لا نعلم أحدا من ~~أهل العلم وافقه عليه إلا طائفة من الخوارج ، والسنة مستغنى بها عما سواها ~~. قال غيره : وأظنه لم يبلغه حديث العسيلة ، فأخذ بظاهر من القرآن ، وهو ~~قوله : { فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره فإن طلقها } ، ~~يعنى الثانى ، { فلا جناح عليهما أن يتراجعا } [ البقرة : 230 ] ، وليس فى ~~القرآن ذكر مسيس فى هذا الموضع ، وغابت عنه السنة فى ذلك ، وكذلك شذ عنه ~~الحسن البصرى ، فقال : لا تحل للأول حتى يطأها الثانى وطئا فيه إنزال ، ~~وقال : معنى العسيلة الإنزال ، وخالفه سائر الفقهاء ، وقالوا : التقاء ~~الختانين يحلها للزوج الأول ، وقالوا : ما يوجب الحد والغسل ويفسد الصوم ~~والحج ويحصن الزوجين ، ويوجب كمال الصداق يحل المطلقة ، والعسيلة كناية عن ~~اللذة . قال ابن المنذر : وقد اعتل بعض أهل العلم بقوله : ( حتى تذوقى ~~عسيلته ويذوق عسيلتك ) ، أن الزوج الثانى إن أتاها نائمة أو مغمى عليها لا ~~تشعر ، أنها لا تحل للزوج الأول حتى يذوقا جميعا العسيلة ، إذ غير جائز أن ~~يسوى بينهما ، عليه السلام ، فى ذوق العسيلة PageV07P479 وتحل بأن يذوقها ~~أحدهما ms2562 ، وهذا قول على ، وابن عباس ، وجابر ، وعائشة ، وابن عمر ، وهو قول ~~جماعة العلماء ، ولا خلاف فى ذلك إلا ما روى عن ابن المسيب . وقوله فى هذا ~~الحديث : ( أو يذوق عسيلتك ) ، لا يوجب ذوق أحدهما للعسيلة دون صاحبه ، و ( ~~أو ) هاهنا بمعنى الواو ، وذلك مشهور فى لغة العرب ، وقد بين ذلك رواية من ~~روى : ( ويذوق عسيلتك ) ، ذكره فى باب من أجاز طلاق الثلاث ، وفى باب من ~~قال لامرأته : أنت على حرام . واختلفوا فى صفة الوطء الذى يحل المطلقة ~~ثلاثا ، فقال مالك : لا يحلها إلا الوطء المباح ، فإن وقع الوطء فى صوم أو ~~اعتكاف أو حيض أو نفاس ، لم تحل المطلقة ثلاثا ، ولا يحل الذمية عنده وطء ~~الذمى ولا الصبى إذا لم يكن بالغا . وقال الكوفيون ، والأوزاعى ، والشافعى ~~: يحلها وطء كل زوج بنكاح صحيح ، وكذلك لو أصابها محرمة أو صائمة أو حائضا ~~أو وطئها مراهق لم يحتلم تحل بذلك كله ، وتحل الذمية للمسلم بوطء زوج ذمى ، ~~وبهذا كله قال ابن الماجشون وبعض المدنيين ؛ لأنه زوج . واختلفوا فى عقد ~~نكاح المحلل ، فقال مالك : لا يحلها إلا نكاح رغبة ، وإن قصد التحليل لم ~~يحلها ، وسواء علم ذلك الزوجان أو لم يعلما لا تحل ويفسخ قبل الدخول وبعده ~~، وهذا قول الليث ، والثورى ، والأوزاعى ، وأحمد . وقال أبو حنيفة وأصحابه ~~والشافعى : النكاح جائز ، وله أن يقيم على نكاحه ، وهو قول عطاء والحكم . ~~PageV07P480 وقال القاسم ، وسالم ، وعروة ، والشعبى : لا بأس أن يتزوجها ~~ليحللها إذا لم يعلم بذلك الزوجان ، وهو مأجور بذلك ، وهو قول ربيعة ، ~~ويحيى بن سعيد . والحجة لمالك أن النبى - صلى الله عليه وسلم - لعن المحلل ~~والمحلل له من حديث على ، وابن مسعود ، وعقبة ابن عامر ، وفى حديث عقبة : ( ~~ألا أدلكم على التيس المستعار ) ، وهو المحلل ولا فائدة للعنة إلا إفساد ~~النكاح والتحذير منه ، وقد سئل ابن عمر عن نكاح المحلل ، فقال : ذلك السفاح ~~. واحتج الكوفيون بعموم قوله تعالى : { حتى تنكح زوجا غيره } [ البقرة : ~~230 ] ، وقد وجد الشرط وعقد الثانى على شرائطه بعد تحليلها للأول ، فلا فرق ms2563 ~~بين أن ينوى التحليل أم لا ، قالوا : ألا ترى أن عقد النكاح يبيح الوطء ~~ويوجب الصداق والنفقة وتحليل الطلاق ، ولا فرق بين أن ينوى ذلك ، فيقول : ~~أنكح لأطأ ، وبين أن لا ينوى ذلك . وفى هذا الحديث دليل على أن للمرأة ~~المطالبة بحقها من الجماع وأن لها أن تدعو إلى فسخ النكاح ، وذلك أنها إذا ~~ادعت بهذا القول العنة ، ولم ترد أن ذلك منه فى رقة الهدبة إنما أرادت أنه ~~كالهدبة ضعفا واسترخاء ، وقد بان ذلك فى رواية أيوب ، عن عكرمة ، أنها قالت ~~: والله ما لى إليه من ذنب إلا أن ما معه ليس بأغنى عنى من هذه ، وأخذت ~~هدبة من ثوبها ، فقالت : كذبت يا رسول الله ، إنى لأنفضها نفض الأديم . ~~وقال ابن المنذر : اختلف أهل العلم فى الرجل ينكح المرأة ، ثم PageV07P481 ~~تطالبه بالجماع ، فقال كثير من أهل العلم : إذا وطئها مرة لم يؤجل أجل ~~العنين ، روى هذا عن عطاء ، وطاوس ، والحسن ، والزهرى ، وهو قول مالك ، ~~والأوزاعى ، وأبى حنيفة ، والثورى ، والشافعى ، وأحمد ، وإسحاق ، وحكى أبو ~~ثور عن بعض أهل الأثر أنه كلما أمسك عنها أجل لها سنة ؛ لأنه ليس لها فيما ~~مضى من جماعها مقنع . وقال أبو ثور : إذا غشيها مرة واحدة ثم أمسك ، فإن ~~رافعته أجل لها سنة ، وذلك أن العلة التى فى العنين قد صارت فيه ، ولست ~~أنظر فى هذا إلى أول النكاح ولا آخره إذا كانت العلة موجودة ، وذلك أن من ~~حقوقها الجماع ، فمتى كان المنع لعلة كان حكمه حكم العنين . PageV07P482 * ~~* * بسم الله الرحمن الرحيم # | 50 - كتاب العدة # # | 1 - باب قوله : { واللائى يئسن من المحيض من نسائكم } [ الطلاق : 4 ] # قال مجاهد : وإن لم تعلموا يحضن أو لا يحضن ، واللائى قعدن عن المحيض : { ~~واللائى لم يحضن } { فعدتهن ثلاثة أشهر } [ الطلاق : 4 ] . وقوله : { ~~وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن } [ الطلاق : 4 ] / 1 - فيه : أم سلمة ~~، أن سبيعة ، كانت تحت زوجها ، توفى عنها ، وهى حبلى ، فخطبها أبو السنابل ~~بن بعكك ، فأبت أن تنكحه ، فقال : والله ما يصلح أن تنكحيه حتى تعتدى ms2564 آخر ~~الأجلين ، فمكثت قريبا من عشر ليال ، ثم جاءت النبى ، عليه السلام ، فقال : ~~( انكحى ) . وكتب ابن الأرقم إلى سبيعة : كيف أفتاها النبى ، عليه السلام ؟ ~~فقالت : أفتانى إذا وضعت حملى أن أنكح . أجمع العلماء أن عدة اليائسة من ~~المحيض لكبر ثلاثة أشهر ، وأن عدة التى لم تحض لصغر ثلاثة أشهر . واختلفوا ~~إذا ارتفعت حيضة المرأة الشابة التى يمكن مثلها أن تحيض ، فروى عن عمر أنه ~~قال : أيما امرأة طلقت فحاضت حيضة أو حيضتين ، ثم رفعتها حيضتها أنها تنتظر ~~تسعة أشهر ، فإن بان بها حمل PageV07P483 وإلا اعتدت بعد التسعة الأشهر ~~ثلاثة أشهر ثم حلت . وروى مثله عن ابن عباس ، قال : عدة المرتابة سنة ، ~~وروى عن الحسن البصرى ، وهو قول مالك ، والأوزاعى . وروى ابن القاسم عن ~~مالك أنها تعتد من يوم رفعتها حيضتها لا من يوم طلقت تنتظر تسعة أشهر ، فإن ~~لم تحض فيهن اعتدت ثلاثة أشهر ، فإن حاضت قبل أن تستكمل الثلاثة أشهر ~~استقبلت الحيض . وقال الأوزاعى : إذا طلق امرأته وهى شابة فارتفعت حيضتها ، ~~فلم تر شيئا ثلاثة أشهر فإنها تعتد سنة . وقال أبو حنيفة ، والثورى ، ~~والليث ، والشافعى ، فى التى ترتفع حيضتها وهى غير يائسة : أن عدتها الحيض ~~أبدا ، وإن تباعد ما بين الحيضتين حتى تدخل فى السن التى لا يحيض فى مثله ~~أهلها من النساء ، وتستأنف عدة اليائسة ثلاثة أشهر ، روى هذا عن ابن مسعود ~~، وزيد بن ثابت . وأخذ مالك فى ذلك بقول ابن عمر ، وهو الذى رأى عليه ~~الفتوى والعمل بالمدينة ، وأخذ الكوفيون بظاهر القرآن ، وظاهر القرآن لا ~~مدخل فيه لذوات الأقراء فى الاعتداد بالأشهر ، وإنما تعتد بالأشهر اليائسة ~~والصغيرة ، فمن لم تكن يائسة ولا صغيرة فعدتها الأقراء وإن تباعدت . وحجة ~~مالك أن المرتابة تعتد بالأشهر ؛ لأن فى ذلك يظهر حملها على كل حال ، فلا ~~يمكن أن يستمر الحمل فى الشهر التاسع ، فإذا استوقن أن لا حمل فى هذه المدة ~~، قيل : قد علمنا أنك لست مرتابة ، ولا من ذوات الأقراء ، فاستأنفى ثلاثة ~~أشهر كما قال الله تعالى فيمن لسن من ms2565 ذوات القراء قياسا على أن العدة ~~بالشهور PageV07P484 لصغر إذا حاضت قبل تمام الثلاثة الأشهر علم أنها من ~~ذوات القراء ، فقيل لها : استأنفى الأقراء . وأما قوله تعالى : { وأولات ~~الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن } [ الطلاق : 4 ] ، فإن إسماعيل بن إسحاق قال ~~: قال أكثر العلماء : والذى مضى عليه العمل أنها إذا وضعت حملها فقد انقضت ~~عدتها ، وذهبوا إلى أن الآية قد عمت كل معتدة من طلاق أو وفاة إذ جاءت ~~مجملة لم يذكر فيها أنها للمطلقة خاصة ولا للمتوفى عنها زوجها خاصة ، فكانت ~~عامة فى كل معتدة ، فوجب أن تكون الأقراء والشهور الثلاثة للمطلقة إذا لم ~~تكن حاملا على ما جاء فيها من النص ، ووجب أن تكون الأربعة الأشهر والعشر ~~للمتوفى عنها إذا لم تكن حاملا ، ووجب أن تكون كل ذات حمل مات عنها زوجها ~~أو طلقها ، فأجلها أن تضع حملها . قال غيره : وجاء حديث سبيعة شاهدا لصحة ~~هذا القول ، وعليه العلماء بالحجاز ، والعراق ، والشام ، لا أعلم فيه ~~مخالفا من السلف إلا ابن عباس ، ورواية عن على فإنهما قالا فى المتوفى عنها ~~زوجها : عدتها آخر الأجلين أربعة أشهر وعشرا أو الوضع . وقال ابن مسعود : ~~لما بلغه قول على فى ذلك من شاء لاعنته بأن هذه الآية التى فى سورة النساء ~~القصرى : { وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن } [ الطلاق : 4 ] ، نزلت ~~بعد التى فى البقرة : { والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن ~~أربعة أشهر وعشرا } [ البقرة : 234 ] ، ولولا حديث سبيعة ، وهذا البيان من ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فى هاتين الآيتين لكان القول ما قاله على ~~، وابن عباس ؛ لأنهما عدتان مجتمعتان ، فلا يخرج منهما إلا بيقين ، واليقين ~~فى ذلك PageV07P485 آخر الأجلين ، ألا ترى إلى قول فقهاء الحجاز والعراق فى ~~أم الولد يموت عنها زوجها ويموت سيدها ، ولا تدرى أيهما مات أولا أن عليها ~~عدتين أربعة أشهر وعشرا فيها حيضة عند الشافعى ، وذلك لها آخر الأجلين . ~~وعند أبى حنيفة لا حيضة فيها ، وعند أبى يوسف ومحمد فيها ثلاث حيض ، إلا أن ~~السنة وردت من ms2566 ذلك فى الحامل المتوفى عنها فى سبيعة ، ولو بلغت السنة عليا ~~ما تركها ، وأما ابن عباس ، فقد روى عنه أنه رجع إلى حديث سبيعة بعد ~~المنازعة منه ، ويصحح ذلك أن أصحابه عطاء ، وعكرمة ، وجابر بن زيد يقولون : ~~إنها إذا وضعت حملها فقد حلت ، ولو وضعت بعد موته بساعة . * * * # | 2 - باب قوله تعالى : { والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء } [ ~~البقرة : 228 ] # وقال إبراهيم فيمن تزوج فى العدة فحاضت عنده ثلاث حيض : بانت من الأول ، ~~ولا تحتسب به لمن بعده . وقال الزهرى : تحتسب به ، وهذا أحب إلى سفيان - ~~يعنى قول الزهرى - وقال معمر : يقال : أقرأت المرأة ، إذا دنا حيضها ، ~~وأقرأت إذا دنا طهرها . ويقال : ما قرأت بسلى قط إذا لم تجمع ولدا فى بطنها ~~. اختلف العلماء فى الأقراء التى تجب على المرأة إذا طلقت ما هى ؟ والوقت ~~الذى تبين فيه المطلقة من زوجها حتى لا يكون له عليها رجعة ، فقالت طائفة : ~~هو أحق بها حتى تغتسل من الحيضة الثالثة ، هذا قول ابن عمر ، وعلى ، وابن ~~مسعود ، وروى ذلك عن أبى بكر الصديق ، PageV07P486 وعثمان ، وأبى موسى ، ~~وعبادة بن الصامت ، وأبى الدرداء ، وإليه ذهب الثورى ، وإسحاق ، وأبو عبيد ~~. وفيها قول ثان : أنه أحق بها ما كانت فى الدم ، روى ذلك عن طاوس ، وسعيد ~~بن جبير ، وهذا على مذهب من يقول : الأقراء الحيض ، ومن قال : الأقراء ~~الأطهار ، يرى له الرجعة ما لم يكن أول الدم من الحيضة الثالثة إذا طلقها ~~وهى طاهر ، هذا قول مالك ، والشافعى ، وأبى ثور ، وممن قال : إن الأقراء ~~الأطهار من السلف ، زيد بن ثابت ، وابن عمر ، وعائشة ، والقاسم ، وسالم . ~~وقال أبو بكر بن عبد الرحمن : ما أدركت أحدا من فقهائنا إلا يقول بقول ~~عائشة ، ولم يختلف أهل اللغة أن العرب تسمى الحيض قرءا ، وتسمى الطهر قرءا ~~، وتسمى الوقت الذى يجمع الحيض والطهر قرءا ، فلما احتملت اللفظة هذه ~~الوجوه فى اللغة وجب أن يطلب الدليل على مراد الله بقوله : { ثلاثة قروء } ~~[ البقرة : 228 ] ، فوجدنا الدليل على أن الأقراء الأطهار حديث ابن عمر ، ~~وذلك ms2567 أن النبى - صلى الله عليه وسلم - لما أمره أن يطلقها فى الطهر ، وجعل ~~العدة بقوله ، عليه السلام : ( فتلك العدة التى أمر الله أن تطلق لها ~~النساء ) ، ونهاه أن يطلق فى الحيض ، وأخرجه من أن تكون عدة ، ثبت أن ~~الأقراء الأطهار . فإن قال الكوفيون : الدليل على الأقراء الحيض قوله ، ~~عليه السلام : ( اقعدى أيام أقرائك ) ، أى حيضتك ؛ لأنه لا يأمر بترك ~~الصلاة أيام الطهر . PageV07P487 قيل لهم : ليس فى هذا أكثر من أن القرء ~~اسم يصلح للحيض كما يصلح للطهر ، ونحن لا نمتنع من هذا ، وإنما نطلب ترجيح ~~قولنا ، وذلك أن قوله : ( دعى الصلاة أيام أقرائك ) ، هو خطاب للمستحاضة أن ~~تترك الصلاة عند إقبال دم حيضتها ، ولا خلاف فى ذلك ، وحديث ابن عمر ~~الأقراء فيه الأطهار ، يدل على أن الأقراء المعتد بها الأطهار ، وأن أقراء ~~المستحاضة إقبال الدم ، فلا تضر رواية من روى : ( دعى الصلاة أيام أقرائك ) ~~؛ لأنهما مسألتان مختلفتان ، مسألة عدة ، ومسألة صلاة . فإن قالوا : إطلاق ~~اسم القروء ينطلق على الحيض ؛ لأنها إنما تسمى من ذوات الأقراء إذا حاضت . ~~فالجواب : أن اسم القرء للطهر الذى ينتقل إلى الحيض ، ولا نقول : أنه اسم ~~للطهر المحض ، فإنما لم نقل هى من ذوات الأقراء إذا لم تحض ؛ لأنه طهر لم ~~يتعقبه حيض ، فإذا حاضت فقد وجد طهر يتعقبه حيض . وقد اختلف الصحابة فى هذه ~~المسألة ، فينبغى أن يقدم قول عائشة وابن عمر ؛ لأن عائشة أعرف بحال الحيض ~~؛ لما تختص به من حال النساء وقربها من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، ~~وكذلك ابن عمر ؛ لأنه قد عرف الطلاق فى الحيض وما أصابه فيه ، فهو أعلم به ~~من غيره ، وعلى أن الطريق إلى ما ذكره عن الصحابة غير ثابت . وأما قول ~~النخعى : من تزوج فى العدة فحضات عنده ثلاث حيض بانت من الأول ولا تحتسب به ~~، يعنى بالحيض لا يكون عدة للثانى ؛ PageV07P488 لأن العلماء مجمعون على أن ~~الناكح فى العدة يفسخ نكاحه ويفرق بينه وبينها ، وهذه مسألة اجتماع العدتين ~~. واختلف العلماء فيها ، فروى المدنيون عن مالك ms2568 : إن كانت حاضت حيضة أو ~~حيضتين من الأول أنها تتم بقية عدتها منه ، ثم تستأنف عدة أخرى من الآخر ~~على ما روى عن عمر ابن الخطاب ، وعلى بن أبى طالب ، وهو قول الليث ، ~~والشافعى ، وأحمد ، وإسحاق . وروى ابن القاسم ، عن مالك ، أن عدة واحدة ~~تكون لهما ، سواء كانت العدة بالحمل أو الحيض أو الشهور ، وهو قول الأوزاعى ~~، والثورى ، وأبى حنيفة وأصحابه . والحجة لرواية ابن القاسم ، عن مالك ، ~~إجماعهم أن الأول لا ينكحها فى بقية العدة من الثانى ، فدل على أنها فى عدة ~~من الثانى ، ولولا ذلك لنكحها فى عدتها منه . ووجه الرواية الأخرى أنهما ~~حقان قد وجبا عليها لزوجين كسائر الحقوق لا يدخل أحدهما فى صاحبه . قال ~~الأصمعى : هو قرء ، بضم القاف . وقال أبو زيد : هو قرء ، بفتح القاف ، ~~وكلاهما قال : أقرأت المرأة . * * * # | 3 - باب قصة فاطمة بنت قيس وقول الله : { واتقوا الله ربكم لا تخرجوهن ~~} [ الطلاق 1 ] الآية وقوله : { أسكنوهن من حيث سكنتم } [ الطلاق : 6 ] ~~الآية # / 2 - فيه : أن يحيى بن سعيد طلق بنت عبدالرحمن بن الحكم ، فانتقلها ~~PageV07P489 عبدالرحمن ، فأرسلت عائشة إلى مروان - وهو أمير المدينة - اتق ~~الله وارددها إلى بيتها . قال مروان فى حديث سليمان : إن عبدالرحمن بن ~~الحكم غلبنى ، وقال القاسم بن محمد : أوما بلغك شأن فاطمة بنت قيس ؟ قالت : ~~لا يضرك أن لا تذكر حديث فاطمة . فقال مروان : إن كان بك شر ، فحسبك ما بين ~~هذين من الشر . / 3 - وفيه : عائشة ، أنها قالت : ما لفاطمة ؟ ألا تتقى ~~الله - يعنى فى قولها : لا سكنى ولا نفقة . / 4 - وقال عروة لعائشة : ألم ~~ترى إلى فلانة بنت الحكم طلقها زوجها البتة فخرجت ، فقالت : بئس ما صنعت ، ~~قال : ألم تسمعى فى قول فاطمة ؟ قالت : أما إنه ليس لها خير فى ذكر هذا ~~الحديث . قال ابن المنذر : اختلف العلماء فى خروج المبتوتة بالطلاق من ~~بيتها فى عدتها ، فمنعت من ذلك طائفة ، روى ذلك عن ابن مسعود ، وابن عمر ، ~~وعائشة أم المؤمنين . ورأى سعيد بن المسيب ، والقاسم ، وسالم ، وأبو بكر بن ~~عبد ms2569 الرحمن ، وخارجة بن زيد ، وسليمان بن يسار ، أن تعتد فى بيت زوجها حيث ~~طلقها ، وحكى أبو عبيد هذا القول عن مالك ، والكوفيين ، والثورى أنهم كانوا ~~يرون أن لا تبين المبتوتة والمتوفى عنها زوجها إلا فى بيتها . وفيها قول ~~آخر : أن المبتوتة تعتد حيث شاءت ، روى ذلك عن ابن عباس ، وجابر ، وعطاء ، ~~وطاوس ، والحسن ، وعكرمة . PageV07P490 وقال أحمد وإسحاق : تخرج المطلقة ~~ثلاثا على حديث فاطمة : ولا سكنى لها ولا نفقة . قال ابن المنذر : واختلف ~~أهل العلم فى خروج المطلقة ثلاثا من بيتها أو مطلقة لا رجعة للزوج عليها ، ~~فأما من له عليها رجعة ، فتلك فى معانى الأزواج ، وكل من أحفظ عنه العلم ~~يرى لزوجها منعها من الخروج حتى تنقضى عدتها لقوله : { ولا يخرجن إلا أن ~~يأتين بفاحشة مبينة } [ الطلاق : 1 ] . وكان مالك يقول فى المتوفى عنها ~~زوجها : تزور وتقيم إلى قدر ما يهدأ الناس بعد العشاء ، ثم تنقلب إلى بيتها ~~، وهو قول الليث ، والثورى ، والشافعى ، وأحمد . وقال أبو حنيفة : تخرج ~~المتوفى عنها نهارا ولا تبيت إلا فى بيتها ، ولا تخرج المطلقة ليلا ولا ~~نهارا ، وفرقوا بينهما ، فقالوا : المطلقة لها السكنى عندنا ، والنفقة فى ~~عدتها على زوجها ، فذلك يغنيها عن الخروج ، والمتوفى عنها لا نفقة لها ، ~~فلها أن تخرج فى بياض نهارها وتبتغى من فضل ربها . وقال محمد : لا تخرج ~~المطلقة ولا المتوفى عنها ليلا ولا نهارا فى العدة . وقالت طائفة : المتوفى ~~عنها تعتد حيث شاءت ، روى هذا عن على بن أبى طالب ، وابن عباس ، وجابر ، ~~وعائشة ، وعن عطاء ، والحسن البصرى . وقال ابن عباس : إنما قال الله : تعتد ~~أربعة أشهر وعشرا ، ولم يقل : PageV07P491 تعتد فى بيتها ، فتعتد حيث شاءت ~~، وأجمع العلماء أن المطلقة التى يملك زوجها رجعتها لها السكنى والنفقة إذ ~~حكمها حكم الزوجات فى جميع أمورها . واختلفوا فى وجوب النفقة والسكنى ~~للمطلقة ثلاثا إذا لم تكن حبلى ، فقالت طائفة : لا سكنى لها ولا نفقة ، على ~~نص حديث فاطمة بنت قيس ، روى هذا القول عن على ، وابن عباس ، وجابر ، وبه ~~قال أحمد ، وإسحاق ms2570 ، وأبو ثور . وقالت طائفة : للمبتوتة السكنى ولا نفقة ~~لها ، روى هذا عن سعيد بن المسيب ، وسليمان بن يسار ، وعطاء ، والشعبى ، ~~والحسن ، وهو قول مالك ، وابن أبى ليلى ، والليث ، والأوزاعى ، والشافعى . ~~وقالت طائفة : لكل مطلقة السكنى والنفقة مادامت فى العدة ، حاملا كانت أو ~~غير حامل ، مبتوتة كانت أو رجعية ، هذا قول الثورى ، والكوفيين ، وروى عن ~~عمر بن الخطاب ، وابن مسعود ، واحتج الكوفيون بأن عمر بن الخطاب ، وعائشة ، ~~وأسامة بن زيد ، ردوا حديث فاطمة بنت قيس وأنكروه عليها ، وأخذوا فى ذلك ~~بما رواه الأعمش ، عن إبراهيم ، عن الأسود ، عن عمر بن الخطاب ، أنه قال : ~~لا ندع كتاب ربنا وسنة نبينا لقول امرأة وهمت أو نسيت . وكان عمر يجعل لها ~~النفقة والسكنى ، وقالوا : ما احتج به عمر فى دفع حديث فاطمة حجة صحيحة ، ~~وذلك أن الله قال : { يا أيها النبى إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن } [ ~~الطلاق : 1 ] ، ثم قال : { لا تدرى لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا } [ الطلاق ~~: 1 ] ، وأجمعوا أن الأمر إنما هو الرجعة ، ثم قال تعالى : { اسكنوهن من ~~حيث سكنتم من وجدكم } [ الطلاق : 6 ] ، ثم PageV07P492 قال : { لا تخرجوهن ~~من بيوتهن ولا يخرجن } [ الطلاق : 1 ] ، يريد فى العدة . فكانت المرأة إذا ~~طلقها زوجها اثنتين للسنة ثم راجعها كما أمره الله ، ثم طلقها أخرى للسنة ~~حرمت عليه ، ووجب عليها العدة التى جعل لها فيها السكنى ، وأمرها فيها أن ~~لا تخرج ، وأمر الزوج أن لا يخرجها ، ولم يفرق الله بين هذه المطلقة للسنة ~~التى لا رجعة فيها ، وبين المطلقة للسنة التى عليها الرجعة . فلما جاءت ~~فاطمة بنت قيس ، فروت عن النبى - صلى الله عليه وسلم - إنما السكنى والنفقة ~~لمن كانت عليها الرجعة ، خالفت بذلك كتاب الله نصا ؛ لأن كتاب الله قد جعل ~~السكنى لمن لا رجعة عليها ، وخالفت سنة النبى - صلى الله عليه وسلم - ؛ لأن ~~عمر قد روى عن النبى - صلى الله عليه وسلم - خلاف ما روت ، فخرج المعنى ~~الذى منه أنكر عمر عليها ما أنكر خروجا صحيحا ، وبطل حديث فاطمة ، فلم يجب ~~العمل ms2571 به أصلا لما بينا . قال الكوفيون : إن السكنى تتبع النفقة ، وتجب ~~بوجوبها ، وتسقط بسقوطها ، فقال لهم أصحاب مالك : السكنى التى فى حال ~~الزوجية هى تتبع النفقة من أجل التمكن من الاستمتاع ، فلا يجوز أن تسقط ~~إحداهما وتجب الأخرى ، والسكنى التى بعد البينونة حق الله ، فلا تتبعها ~~النفقة ، ألا ترى أنهما لو اتفقا على سقوطها لم يجز أن تعتد فى غير منزل ~~الزوج الذى طلق فيه ، وفى الزوجية يجوز أن ينقلها إلى حيث شاء ، وبعد ~~الطلاق ليس كذلك . وقال الذين منعوا السكنى والنفقة وأخذوا بحديث فاطمة : ~~إن عمر إنما أنكر عليها لأنها خالفت عنده كتاب الله ، يريد قوله : { ~~أسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم } [ الطلاق : 6 ] ، وهذا إنما هو فى المطلقة ~~الرجعية ، PageV07P493 وفاطمة كانت مبتوتة لا رجعة لزوجها عليها ، وقد قالت ~~: إن النبى - صلى الله عليه وسلم - قال لها : ( إنما النفقة والسكنى لمن ~~كانت عليها الرجعة ) ، وفاطمة لم يكن لزوجها عليها رجعة ، فما روت من ذلك ~~فلا يدفعه كتاب الله ولا سنة نبيه ، فإن كان عمر ، وعائشة ، وأسامة أنكروا ~~على فاطمة ما روت عن النبى - صلى الله عليه وسلم - وقالوا بخلافه ، فقد ~~تابع فاطمة على ذلك على ، وابن عباس ، وجابر ، وحديث الشعبى بين فى ذلك . ~~روى هشيم ، قال : حدثنا مغيرة ، وحصين ، وإسماعيل بن أبى خالد ، ومجالد ، ~~عن الشعبى ، قال : دخلت على فاطمة بنت قيس ، فسألتها عن قضاء رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - فى السكنى والنفقة ، فقالت : طلقنى زوجى البتة ، ~~فخاصمته إلى النبى ، عليه السلام ، فى السكنى والنفقة ، فلم يجعل لى سكنى ~~ولا نفقة ، وأمرنى أن أعتد فى بيت ابن أم مكتوم ، وقال مجالد فى حديثه : ( ~~إنما السكنى والنفقة لمن كانت له الرجعة ) . واحتج الذين قالوا بالسكنى ، ~~ولم يوجبوا النفقة ، فقالوا : حديث الشعبى عندنا غلط ؛ لأنه قد روى عن ~~الشعبى أنه جعل للمبتوتة السكنى ، وقال بعضهم : السكنى والنفقة . وقال ~~إسماعيل بن إسحاق : حدثنا ابن أبى شيبة ، حدثنا حميد ، عن حسين بن صالح ، ~~عن السدى ، عن إبراهيم والشعبى فى المطلقة ثلاثا ، قالا ms2572 : لها السكنى ~~والنفقة ، وهذا يوهن رواية الشعبى . وقال ابن إسحاق : كنت مع الأسود بن ~~يزيد فى المسجد الجامع ومعنا الشعبى ، فحدثنا بحديث فاطمة أن النبى - صلى ~~الله عليه وسلم - لم يجعل لها سكنى ولا نفقة ، فأخذ الأسود كفا من حصا ~~فحصبه ، وقال : ويحك ، أتحدث بها أنت عمر بن الخطاب . قال إسماعيل : فلعل ~~PageV07P494 الشعبى أفتى بخلاف ما روى عن فاطمة بنت قيس ، لما روى من إنكار ~~الناس عليه . وروى أبو عوانة ، عن منصور ، عن إبراهيم ، قال فى المطلقة ~~ثلاثا : لها السكنى والنفقة ، ولا يجبر على النفقة . قال إسماعيل : فلخص ~~منصور فى روايته شيئا يدل على ضبطه ، وبين أن إبراهيم إنما أراد إثبات ~~السكنى دون النفقة ، وإسقاط السكنى هو الذى أنكر على فاطمة بنت قيس ، وكذلك ~~أنكرت عليها عائشة إطلاق اللفظ وكتمان السبب الذى من أجله أباح رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - خروجها من منزل الزوج ، فقالت : اتق الله ولا تكتمى ~~السر الذى من أجله نقلك ، وذلك أنها كانت فى لسانها ذرابة ، فاستطالت على ~~أحمائها ، أهل زوجها ، فلهذا نقلها لا أنه لا سكنى لها ، والمرأة عندنا إذا ~~آذت أهل زوجها جاز نقلها من ذلك الموضع ، فدل أن عائشة علمت معنى ما أمر به ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فاطمة ، ولم يكن قولها شيئا قالته برأيها ~~. ألا ترى قولها لمروان : دع عنك حديث فاطمة ، فإن لها شأنا ، وقالت : ألا ~~تتقى الله فاطمة ، علمت يقينا أنها عرفت كيف كانت ، وقول مروان لعائشة : إن ~~كان بك الشر فحسبك ما بين هذين من الشر ، يدل أن فاطمة إنما أمرت بالتحويل ~~إلى الموضع الذى أمرت به لشر كان بينها وبينهم ، وإذا كان الشر والشفاق ~~واقعا بين الزوجين ، جاز للحاكم أن يبعث إليها بحكمين يكون لهما الجمع ~~بينهم والفرقة ، فكان تحويل المعتدة من مسكن إلى مسكن إذا وقع الشر أحرى أن ~~يجوز . وقد روى فى قول الله : { لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن ~~PageV07P495 إلا أن يأتين بفاحشة مبينة } [ الطلاق : 1 ] أحاديث ، فمنهم من ~~ذهب إلى أن ms2573 الفاحشة البذاء وسوء الخلق ، وهذا يشبه قول مروان : وإن كان بك ~~الشر فحسبك ما بين هذين من الشر ، وقد روى غير ذلك على ما يأتى ذكره فى ~~الباب بعد هذا إن شاء الله . قال المهلب : فى إنكار عائشة على فاطمة فتياها ~~بما أباح لها النبى - صلى الله عليه وسلم - من الانتقال وترك السكنى ، ولم ~~تخبر بالعلة . فيه من الفقه : أن الرجل العالم لا يجب أن يفتى فى المسألة ~~إذا لم يعرف معناها ، كما لم تعرف فاطمة الوجه الذى أباح لها النبى - صلى ~~الله عليه وسلم - إخراجها من أجله من مسكنها ، فتوهمت أنه ليس لها بهذا ~~سكنى . واحتج الذين قالوا بوجوب السكنى وإبطال النفقة بقوله تعالى : { ~~أسكنوهن من حيث سكنتم } إلى قوله : { فأنفقوا عليهن حتى يضعن حملهن } [ ~~الطلاق : 6 ] ، قالوا : فلو كانت النفقة تجب كما تجب السكنى لما كان ~~لاختصاص النفقة للحامل معنى ، فلما وقع الاختصاص وجب أنه لا نفقة للمرأة ~~إذا لم تكن حاملا ، ووجب أيضا أن يعلم أن هذه المرأة ليست التى يملك زوجها ~~رجعتها ؛ لأن التى يملك زوجها رجعتها نفقتها واجبة عليه ، كانت حاملا أو ~~غير حامل على الأصل التى كانت عليه قبل الطلاق . واحتيج إلى ذكر السكنى فى ~~قوله تعالى : { أسكنوهن من حيث سكنتم } [ الطلاق : 6 ] ؛ لأن المبتوتة قد ~~وجدت فى طلاقها ما خرجت به عن أحكام الزوجات كلها الوارثة وغيرها ، فأعيد ~~ذكر السكنى من طريق التحصين لها ما دامت فى عدتها وأجريت مجرى التى قبلها ، ~~وأسقطت عنها النفقة التى كانت تجب لها قبل أن تبين من زوجها ، ولم يجعل لها ~~ذلك فى عدتها إلا أن تكون PageV07P496 حاملا ، فيجب عليه حينئذ أن يغذو ~~ولده بغذاء أمه ، كما يجب عليه إذا وضعت وقد انقضت عدتها أن يغذو ولده ~~بغذاء التى ترضعه ، فكما وجب على الأب أن ينفق على من ترضعه ، وجب عليه أن ~~ينفق على أمه مادام فى بطنها ، فدل هذا كله أنها إذا لم تكن حاملا فلا نفقة ~~عليها ، وسيأتى اختلاف العلماء فى السكنى للمتوفى عنها بعد ms2574 هذا إن شاء الله ~~. * * * # | 4 - باب المطلقة إذا خشى عليها فى مسكن زوجها أن يقتحم عليها أو تبذو ~~على أهله بفاحشة # / 5 - فيه : عائشة أنها أنكرت ذلك على فاطمة . وزاد ابن أبى الزناد ، عن ~~هشام بن عروة ، عن أبيه ، قال : عابت عائشة أشد العيب ، وقالت : إن فاطمة ~~كانت فى مكان وحش ، فخيف على ناحيتها ، ولذلك أرخص لها رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - . وفى حديث أبى الزناد : أن خروج فاطمة بنت قيس من بيت ~~زوجها ولم تعتد فيه ، لأنه كان فى مكان وحش ، فخشى عليها فيه . ولم يذكر ~~البخارى ما شرط فى الترجمة من البذاء ، وقد روى عن عائشة أنها قالت لفاطمة ~~بنت قيس : إنما أخرجك هذا اللسان ، وذكره إسماعيل ، عن محمد بن إسحاق ، عن ~~محمد بن إبراهيم ، عن عائشة . وقد روى مثل هذا عن ابن عباس ، قال : الفاحشة ~~المبينة النشوز وسوء الخلق ، وأن تبذو عليهم ، فإذا بذت فقد حل لهم إخراجها ~~. PageV07P497 وقال عكرمة : كان ابن عباس يقرأ بقراءة أبى بن كعب : إلا أن ~~تفحش عليكم . وروى الحارث بن أبى أسامة ، عن يزيد بن هارون ، عن عمرو بن ~~ميمون بن مهران ، عن أبيه ، عن سعيد بن المسيب ، أن فاطمة استطالت على ~~أحمائها وآذتهم بلسانها . وروى عن ابن عمر ، أنه قال : خروجهن من بيوتهن ~~فاحشة ، وهو قول الشعبى ، وروى عن ابن عباس : { إلا أن يأتين بفاحشة مبينة ~~} [ الطلاق : 1 ] ، قال : الزنا ، قال : فإذا زنت أخرجت فأقيم عليها الحد ، ~~وهو قول زيد بن أسلم . قال إسماعيل بن إسحاق : ذهب كل واحد من هؤلاء إلى ~~غير مذهب صاحبه ، غير أنه إذا قيل : فاحشة مبينة ، دل أنه شىء يكون بعضه ~~أبين من بعض ، وأما الزنا وغيره من الحدود ، فإنما هو حد محدود إذا بلغه ~~الإنسان كان زانيا ، وأما غير ذلك من الشر الذى يقع بين الرجل وامرأته ، ~~فإن بعضه أكثر من بعض ، ونحتاج فيه إلى اجتهاد الرأى ، فإن كان شرا لا يطمع ~~فى صلاحه بينهم انتقلت المرأة إلى مسكن غيره ، وأما الزنا فليس فيه ms2575 اجتهاد ~~رأى . وأما من قال : إن خروجها فاحشة ، فهو جائز فى كلام العرب ، غير أن ~~الأظهر أن خروجها غير الفاحشة ، والله أعلم بما أراد من ذلك ، وليس يمكن ~~للإنسان أن يوجب قولا يزعم أنه الصواب دون غيره ، وإن كان ما حكى من قراءة ~~أبى بن كعب محفوظا فهو حجة قوية . وما رواه البخارى ، عن عائشة أنها كانت ~~فى مكان وحش ، فخيف عليها ، فيشبه قول مالك وغيره فى البدوية المعتدة أنها ~~تتبوأ مع أهلها PageV07P498 حيث تبوءوا . قال المهلب : وإن صحت الروية أنها ~~أخرجت من أجل البذاء ، ففيه دليل أنه يجوز إخراج الرجل البذى المؤذى ~~لجيرانه بأذاه وتباع الدار عليه ويسقط حق سكناه . * * * # | 5 - باب قوله تعالى : { ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله فى أرحامهن } ~~[ البقرة : 228 ] يريد من الحمل الحيض # / 6 - فيه : عائشة ، لما أراد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن ينفر ~~إذا صفية على باب خبائها كئيبة ، فقال لها : عقرى - أو حلقى - إنك لحابستنا ~~؟ أكنت أفضت يوم النحر ؟ قالت : نعم قال : فانفرى إذا . وروى عن السلف فى ~~تفسير هذه الآية ، قال أبى بن كعب : إن من الأمانة أن المرأة ائتمنت على ~~فرجها . وقال ابن عباس ، وابن عمر : لا يحل لها إن كانت حاملا أن تكتم ~~حملها ، ولا يحل لها إن كانت حائضا أن تكتم حيضها ، يعنى المطلقة . قال ابن ~~شهاب : لتنقضى العدة ، فلا يملك الزوج الرجعة إذا كانت له . قال مجاهد : ~~وذلك كله فى بغض المرأة زوجها وجيه . وقال قتادة : فكانت المرأة تكتم حملها ~~، فتذهب به إلى أجل آخر مخافة الرجعة ، فنهى الله عن ذلك ، وتقدم فيه . قال ~~إسماعيل بن إسحاق : وهذه الآية تدل أن المرأة المعتدة مؤتمنة على رحمها من ~~الحيض والحمل ، فإن قالت : قد حضت ، كانت مصدقة ، وإن قالت : قد ولدت ، ~~كانت مصدقة ، إلا أن تأتى من ذلك PageV07P499 بما يعرف كذبها فيه ، وكذلك ~~كل مؤتمن ، فالقول قوله ، قال تعالى فى آية الدين : { فليكتب وليملل الذى ~~عليه الحق وليتق الله ربه ولا يبخس منه شيئا } [ البقرة ms2576 : 282 ] ، فوعظ ~~الذى عليه الحق حين جعل القول قوله كما وعظت المرأة حين جعل القول قولها ، ~~وقول أبى بن كعب يدل على ذلك . وقال سليمان بن يسار : لم يؤمر أن تفتح ~~النساء فينظر إلى فروجهن ليعلم صدق قولهن ، ولكن وكل ذلك إليهن إذا كن ~~مؤمنات . قال المهلب : وحديث عائشة شاهد لتصديق النساء فيما يدعينه من ~~الحيض والحمل دون شهادة القوابل ، وكذلك الإماء ، ألا ترى أن النبى ، عليه ~~السلام ، أراد أن يحبس المسلمين كلهم بما ذكرت صفية من حيضتها ولم يمتحن ~~ذلك عليها ولا أكذبها ، وقد تقدم فى كتاب الحيض اختلاف أهل العلم فى أقل ما ~~تصدق فيه المرأة من انقضاء عدتها . * * * # | 6 - باب قول الله تعالى : { وبعولتهن أحق بردهن فى ذلك } [ البقرة : ~~228 ] أى فى العدة ، وكيف تراجع المرأة إذا طلقها واحدة أو ثنتين ؟ # / 7 - فيه : معقل ، أن أخته كانت تحت رجل ، فطلقها ، ثم خلى عنها حتى ~~انقضت عدتها ، ثم خطبها ، فحمى معقل من ذلك أنفا ، فقال : خلى عنها ، وهو ~~يقدر عليها ، ثم يخطبها ، فحال بينه وبينها ، فأنزل الله : { وإذا ~~PageV07P500 طلقتم النساء فبلغن أجلهن فلا تعضلوهن } [ البقرة : 231 ] إلى ~~آخر الآية ، فدعاه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقرأ عليه ، فترك ~~الحمية ، واستقاد لأمر الله . / 8 - وفيه : ابن عمر ، أنه طلق امرأته وهى ~~حائض تطليقة واحدة ، فأمره رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يراجعها ، ~~ثم يمسكها حتى تطهر ، ثم تحيض عنده حيضة ، أخرى ، ثم يمهلها حتى تطهر من ~~حيضتها ، فإن أراد أن يطلقها ، فليطلقها حين تطهر من قبل أن يجامعها ، فتلك ~~العدة التى أمر الله أن تطلق لها النساء . . . الحديث . وترجم لحديث ابن ~~عمر : ( باب مراجعة الحائض ) . قال أهل التفسير فى قوله : { وبعولتهن أحق ~~بردهن فى ذلك } [ البقرة : 228 ] ، أى فى العدة ، هذا قول النخعى ، وقتادة ~~، ومجاهد . وأما قول البخارى : وكيف تراجع المرأة إذا طلقها واحدة أو ~~اثنتين ؟ فالمراجعة على ضربين : مراجعة فى العدة على حديث ابن عمر ، ~~ومراجعة بعد العدة على حديث معقل ، وأجمع العلماء أن الحر إذا ms2577 طلق زوجته ~~الحرة وكان مدخولا بها تطليقة أو تطليقتين أنه أحق برجعتها حتى تنقضى عدتها ~~وإن كرهت المرأة . وكذلك قال المفسرون فى قوله : { لعل الله يحدث بعد ذلك ~~أمرا } [ الطلاق : 1 ] أنه الرجعة ، ولذلك كان ابن عمر يقول : لو طلقت مرة ~~أو مرتين خشية أن يبدوا لى فى مراجعتها ، وهو قد بت طلاقها فلا يمكنه ، فإن ~~لم يراجعها المطلق للسنة حتى انقضت عدتها فهى أحق بنفسها ، وتصير أجنبية ~~منه لا تحل إلا بخطبة ونكاح مستأنف بولى وإشهاد ، ليس على سنة المراجعة ، ~~هذا إجماع من العلماء . PageV07P501 قال المهلب وغيره : وعلى هذا جاء حديث ~~معقل بن يسار ، ألا ترى أن زوج أخته لو راجعها فى العدة كان أملك بها ، ~~فلما انقضت عدتها وصارت أجنبية منه أحب مراجعتها فعضلها أخوها ومنعها نكاحه ~~، ولم يجز له عضلها إلا إن كان ذلك مباحا له ، ولم يجز لزوجها أن يردها بعد ~~ذلك إلا بنكاح جديد وصداق وإشهاد ، فهذا معنى حديث معقل فى هذا الباب . ~~وأما حديث ابن عمر ، ففيه خلاف هذا المعنى ، وذلك أن النبى - صلى الله عليه ~~وسلم - أمره بمراجعتها فى تلك الحيضة التى طلقها فيها ، ولم يذكر فى الحديث ~~أنه احتاج إلى صداق ولا ولى من أجل أن النبى - صلى الله عليه وسلم - حين ~~أمره بارتجاعها لم يذكر رضاها ولا رضا وليها ؛ لأنه إنما يرد من لم تقطع ~~عصمته منها ، ولو احتيج إلى ذلك لم يكن ابن عمر المأمور بذلك وحده دون ~~المرأة والولى ، فكان هذا حكم كل من راجع فى العدة أنه لا يلزمه شىء من ~~أحكام النكاح غير الإشهاد على المراجعة فقط ، وهذا إجماع من العلماء ، ~~وإنما لم يلزمه شىء من فروض النكاح ؛ لأن المطلق للسنة لم يدخل على نكاحه ~~ما ينقضه ، وإنما أحدث فيه ثلمة ، فإذا راجعها فى العدة فقد سد تلك الثلمة ~~، ويشهد لهذا المعنى قوله تعالى : { وبعولتهن أحق بردهن فى ذلك } [ البقرة ~~: 228 ] ، يعنى فى العدة { إن أرادوا إصلاحا } [ البقرة : 228 ] ، يعنى ~~الرجعة ، فجعل لهم تعالى الرجعة دون استئذان ms2578 النساء ودون اشتراط شىء من ~~فروض النكاح . ولم يختلف العلماء أن السنة فى الرجعة أن تكون بالإشهاد ~~عليها ؛ لأن الله ذكر الإشهاد فى الرجعة ، ولم يذكره فى النكاح ولا فى ~~الطلاق ، PageV07P502 فقال فى الرجعة : { فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف ~~أو فارقوهن بمعروف وأشهدوا ذوى عدل منكم وأقيموا الشهادة لله } [ الطلاق : ~~2 ] . واخلتفوا فيما يكون به الرجل مراجعا فى العدة للمطلقة واحدة أو ~~اثنتين ، فقالت طائفة : إذا جامعها فقد راجعها ، روى هذا عن ابن المسيب ، ~~وعطاء ، وطاوس ، وهو قول الأوزاعى . وقال مالك وإسحاق : إذا وطئها فى العدة ~~وهو يريد الرجعة وجهل أن يشهد فهى رجعة ، وينبغى للمرأة أن تمنعه الوطء حتى ~~يشهد . وقال ابن أبى ليلى : إذا راجع ولم يشهد صحت الرجعة . وقال الكوفيون ~~والثورى : إن لمسها بشهوة أو نظر إلى فرجها بشهوة فهى رجعة ، وينبغى له أن ~~يشهد . وقال الشافعى : لا تكون رجعة إلا بالكلام أن يقول : قد راجعتها ، ~~وهو قول أبى ثور ، وقال الشافعى : إن جامعها ينوى الرجعة أو لا ينوى فليس ~~برجعة ، ولها عليه مهر المثل ، وليس هذا بصواب ؛ لأنها فى حكم الزوجات ~~وترثه ويرثها ، فكيف يجب مهر فى وطء زوجة ؟ ! ولم يختلفوا فى من باع جاريته ~~بالخيار ، ثم وطئها فى أيام الخيار أنه قد ارتجعها بذلك إلى ملكه ، واختار ~~نقض البيع ، وللمطلقة الرجعية حكم من هذا . قال ابن المنذر : واختلفوا فى ~~مراجعة الحائض ، فقال مالك : ومن طلق امرأته وهى حائض أو نفساء أجبر على ~~رجعتها . وقال الكوفيون : ينبغى له أن يراجعها ، وهو قول أبى ثور ، وقال ~~الشافعى : لا يجبر على رجعتها . PageV07P503 قال ابن المنذر : ويشبه أن ~~تكون حجة من أجبره على الرجعة قوله ، عليه السلام ، لعمر : ( مره فليراجعها ~~) ، وأمره فرض . قال المهلب : فى حديث معقل دليل على أنه ليس للمرأة أن ~~تنكح بغير إذن وليها ، وأنه إذا عضلها فللسلطان أن يسأله ما الذى حمله على ~~عضلها ، ولا يفتأت عليه فيزوجها بغير أمره حتى يعرف معنى فعله ، فربما ~~عضلها لأمر إن تم عليه كانت فيه غضاضة عليه فى ms2579 عرضه ، ألا ترى أن النبى - ~~صلى الله عليه وسلم - ضم معقلا إلى العقد عليها بعد أن ثبت عضله لها ، ولم ~~يعقد لها ، عليه السلام ، دونه ، ففى هذا حجة لما يقوله جمهور العلماء أن ~~الولى من شرط النكاح . وقال أبو عبيد : هذه الآية التى نزلت فى قصة معقل هى ~~الأصل عندنا فى إنكاح الأولياء ؛ لأنه لو لم يكن لهم فيه حظ ، ما كان ~~لنهيهم عن عضلهن معنى . * * * # | 7 - باب تحد المتوفى عنها زوجها أربعة أشهر وعشرا # وقال الزهرى : لا أرى أن تقرب الصبية المتوفى عنها الطيب ، لأن عليها ~~العدة . / 9 - فيه : زينب بنت أبى سلمة ، أنها دخلت على أم حبيبة زوج النبى ~~- صلى الله عليه وسلم - حين توفى أبوها أبو سفيان ، فدعت أم حبيبة بطيب فيه ~~صفرة خلوق - أو غيره - فدهنت منه جارية ، ثم مست بعارضيها ، ثم قالت : ~~والله ما لى بالطيب من حاجة ، غير أنى سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- يقول : ( لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاث ~~ليال ، إلا على زوج أربعة أشهر وعشرا ) . قالت زينب : فدخلت على زينب بنت ~~جحش حين توفى PageV07P504 أخوها ، فدعت بطيب فمست منه ، ثم قالت : أما ~~والله ما لى بالطيب من حاجة ، غير أنى سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- يقول على المنبر : ( لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ~~ميت فوق ثلاث ليال ، إلا على زوج أربعة أشهر وعشرا ) . قالت زينب : وسمعت ~~أم سلمة ، تقول : جاءت امرأة إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فقالت ~~: يا رسول الله ، إن ابنتى توفى عنها زوجها ، وقد اشتكت عينها ، أفتكحلها ؟ ~~فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( لا ) ، مرتين أو ثلاثا ، كل ذلك ~~يقول : ( لا ) ، ثم قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( إنما هى ~~أربعة أشهر وعشر ، وقد كانت إحداكن فى الجاهلية ترمى بالبعرة على رأس الحول ~~؟ ) . قال حميد : فقلت لزينب : وما ترمى بالبعرة على رأس الحول ؟ فقالت ~~زينب : كانت المرأة إذا توفى ms2580 عنها زوجها ، دخلت حفشا ، ولبست شر ثيابها ، ~~ولم تمس طيبا حتى تمر بها سنة ، ثم تؤتى بدابة حمار ، أو شاة ، أو طائر ، ~~فتفتض به ، فقلما تفتض بشىء إلا مات ، ثم تخرج ، فتعطى بعرة ، فترمى بها ، ~~ثم تراجع بعد ما شاءت من طيب أو غيره . وسئل مالك ما تفتض به ؟ قال : تمسح ~~به جلدها . الإحداد ترك المرأة الزينة كلها من اللباس ، والطيب ، والحلى ، ~~والكحل ، ما دامت فى عدتها ؛ لأن الزينة داعية إلى الأزواج ، فنهيت عن ذلك ~~قطعا للذرائع وحماية لحرمات الله أن تنتهك ، يقال : امرأة حاد ومحد . قال ~~ابن المنذر : وحديث أم حبيبة يدل على معان ، فمنها : تحريم إحداد المسلمات ~~على غير أزواجهن فوق ثلاث ، وإباحة إحدادهن عليهم ثلاثا ، ومنها أن المأمور ~~بالإحداد الزوجة PageV07P505 المسلمة دون اليهودية والنصرانية ، وإن كانت ~~تحت مسلم ؛ لأن قوله : ( لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر ) ، دليل ~~على أن الذمية لم تخاطب بذلك . ومنها الدلالة على أن المخاطب بالإحداد من ~~الزوجات من عدتهن الشهور دون الحوامل منهن . وفيه : دليل على أن المطلقة ~~ثلاثا لا إحداد عليها . قال ابن المنذر : هذا يدل عليه ظاهر الحديث ، وقد ~~قاله بعض من لقيته من أهل العلم ، فإن يكن فى ذلك إجماع فهو مسلم له ، وليس ~~فيه إجماع ؛ لأن الحسن البصرى كان لا يرى الإحداد . ومنها : وجوب الإحداد ~~على جميع الزوجات المسلمات ، مدخولا بهن أو غير مدخول بهن ؛ لدخولهن فى ~~جملة من خوطب بالإحداد فى عدة الوفاة إذا كانت العدة بالشهور ، وتدخل فيما ~~ذكرناه الحرة تحت العبد ، والأمة تحت الحر والعبد والمكاتب والمدبر ، وأم ~~الولد المزوجة يتوفى عنهن أزواجهن ، والمطلقة يطلقها زوجها طلاقا يملك ~~رجعتها ، ثم يتوفى عنها قبل انقضاء عدتها ، إذ أحكامها أحكام الأزواج إلى ~~أن توفى عنها . وممن قال أن على الأمة إحداد إذا توفى عنها زوجها ، مالك ، ~~والثورى ، والكوفيون ، والشافعى ، وأبو ثور ، وحكى ذلك عن ربيعة ؛ لأنها ~~داخلة فى جملة الأزواج ، وفى عموم الأخبار ، ولا أحفظ فى ذلك خلافا إلا ما ~~ذكر عن الحسن . وأجمعوا أن أم الولد ms2581 لا إحداد عليها إذا توفى سيدها ، ~~والحجة فى PageV07P506 ذلك أن الأحاديث إنما جاءت فى الأزواج ، وأم الولد ~~ليست بزوجة ، ذكر هذا كله ابن المنذر . قال المؤلف : واختلف قول مالك فى ~~الكتابية هل يلزمها الإحداد على زوجها المسلم ، فروى عنه أشهب أنه لا إحداد ~~عليها ، وهو قول ابن نافع ، والكوفيين ، وقد تقدم أن هذا القول يدل عليه ~~الحديث . قال الكوفيون : وكيف يكون عليها الإحداد مع ما فيها من الشرك ، ~~وما تترك من فرائض الله أعظم من ذلك . وروى أيضا عن مالك أنه قال : عليها ~~الإحداد ، وهو قول الليث ، والشافعى ، وأبى ثور ، وحجة هذا القول أن ~~الإحداد من حق الزوج ، وهو يحفظ النسب كالعدة ، قالوا : وتدخل الكافرة فى ~~ذلك المعنى ، كما دخل الكافر فى أنه لا يجوز أن يستام على سومه ، وإنما فى ~~الحديث : ( لا يسم على سوم أخيه ) ، كما يقال : هذا طريق المسلمين ، وقد ~~يسلكه غيره ، قالوا : وإن كان الخطاب يتوجه إلى المؤمنات ، فإن الذمية خلت ~~فى ذلك لحق الزوجية ؛ لأنها فى النفقة والسكنى والعدة كالمسلمة ، فكذلك ~~تكون فى الإحداد . واختلفوا فى الزوجة الصغيرة يتوفى عنها زوجها ، فقالت ~~طائفة : عليها من ذلك ما على البالغ منهن ، هذا قول مالك ، والشافعى ، ~~وأحمد بن حنبل ، وأبى عبيد ، وأبى ثور . PageV07P507 وقال أبو حنيفة ~~وأصحابه : لا إحداد عليها ؛ لقوله عليه السلام : ( لا يحل لامرأة تؤمن ~~بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاث ) ، فعلم أن ذلك لا يلزم إلا ~~المكلفين البالغين . واحتج أبو عبيد للقول الأول ، فقال : لما كان نكاحها ~~غير محرم على كل ناكح كنكاح الكبيرة ، وجب أن تكون فى الإحداد كذلك ، وكان ~~يقول : إنما ذلك على من يتولاها من الأبوين وغيرهما . قال المؤلف : ولما ~~أجمعوا أن على الصغيرة عدة الوفاة ، فكذلك الإحداد . واختلفوا فى المطلقة ~~ثلاثا ، فقالت طائفة : عليها الإحداد كالمتوفى عنها زوجها سواء ، روى ذلك ~~عن سعيد بن المسيب ، وسليمان بن يسار ، وابن سيرين ، والحكم ، وهو قول ~~الكوفيين ، وأبى ثور ، وأبى عبيد . وقال الشافعى وأحمد وإسحاق : الاحتياط ~~أن تتقى المطلقة الزينة ms2582 . قال الشافعى : ولا يتبين لى أن أوجبه . واحتج من ~~أوجبه عليها ؛ لأنها فى عدة يحفظ بها النسب ، كالمتوفى عنها زوجها . وقالت ~~طائفة : لا إحداد على مطلقة ، ورخصوا لها فى الزينة ، روى ذلك عن عطاء ، ~~وربيعة ، وهو قول مالك والليث . وقال ابن المنذر : قول النبى - صلى الله ~~عليه وسلم - : ( لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ~~ثلاث ) ، دليل على أن المطلقة ثلاثا والمطلق حى لا إحداد عليها ؛ لأنه عليه ~~السلام أخبر أن الإحداد إنما هو PageV07P508 على نساء الموتى ، مع أن ~~الأشياء على الإباحة حتى يدل كتاب أو سنة أو إجماع على حظر شىء فيمتنع منه ~~. وفسر مالك الحفش أنه البيت الردىء ، وروى ابن وهب عنه أنه البيت الصغير ، ~~وهو قول الخليل . وقال أبو عبيد : الحفش الدرج ، وجمعه أحفاش ، يشبه البيت ~~الصغير . وقال الخطابى : سمى حفشا ؛ لضيقه وانضمامه ، والتحفش الانضمام ~~والاجتماع . وقال مالك : تفتض به ، تمسح جلدها كالنشرة . قال صاحب العين : ~~الفضض ماء عذب تصيبه ساعتئذ ، وتقول : افتضضته . وقال غيره : كانت المرأة ~~فى الجاهلية تفتض بالدابة ، ثم تغتسل وتتنظف ، ثم ترمى ببعرة من بعر الغنم ~~، فترمى بها وراء ظهرها ، ويكون ذلك إحلالا لها ، ومعنى رميها بالبعرة ~~إعلام لها أن صبرها عاما أهون عليها من رميها بالبعرة . * * * # | 8 - باب الكحل للحادة # / 10 - فيه : زينب بنت أم سلمة ، عن أمها ، أن امرأة توفى زوجها فخشوا ~~على عينيها ، فأتوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فاستأذنوه فى الكحل ، ~~فقال : ( لا تكتحل ، قد كانت إحداكن تمكث فى شر أحلاسها - أو شر بيتها - ~~فإذا كان حول ، فمر كلب . . . . ) الحديث . PageV07P509 / 11 - وفيه : أم ~~عطية : نهينا أن نحد على ميت أكثر من ثلاث إلا على زوج . قال المؤلف : روى ~~مالك أنه بلغه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - دخل على أم سلمة وهى ~~حادة على أبى سلمة ، وقد جعلت على عينها صبرا ، فقال : ( ما هذا يا أم سلمة ~~؟ ) ، قالت : إنما هو صبر يا رسول الله ، قال : ( فاجعليه بالليل وامسحيه ~~بالنهار ) ، وهذا مخالف لحديث ms2583 هذا الباب ؛ لأن النبى ، عليه السلام ، لم ~~يرخص لبنت أم سلمة حين توفى عنها زوجها فى الكحل ليلا ولا نهارا . قال أبو ~~عبد الله بن أبى صفرة : والجمع بين الحديثين أن النبى - صلى الله عليه وسلم ~~- إنما نهى عن الطيب والزينة فى العدة قطعا للذرائع ؛ لأن ذلك من دواعى ~~التزويج التى منعت منه حتى تخرج من العدة احتياطا للميت ، إذ قد زالت ~~مراعاته لها ، لكن إذا دخلت على الناس المشقة من قطعها رفعت عنهم ، ودلت ~~إباحته ، عليه السلام ، للكحل بالليل ، أن نهيه عنه فى الحديث الآخر ليس ~~على وجه التحريم ، وإنما هو على الكراهية ، فمن شاء أخذ بالشدة على نفسه ~~كما فعلت صفية بنت أبى عبيد فى ترك الكحل حتى كادت عيناها ترمضان ، ومن شاء ~~أخذ بالرخصة فى ذلك . فقد أجاز ذلك جماعة من السلف ، ذكر مالك فى الموطأ ~~أنه بلغه عن سالم بن عبد الله ، وسليمان بن يسار ، أنهما أجازا للمتوفى ~~عنها زوجها إذا خشيت على بصرها من شكوى بها أن تكتحل وتتداوى بما فيه طيب . ~~قال مالك : فإذا كانت الضرورة ، فإن دين الله يسر . وقد قال فى المختصر ~~الصغير : لا تكتحل إلا أن تضطر إليه من غير طيب يكون فيه . PageV07P510 ~~وقال الشافعى : كل كحل فيه زينة للعين مثل الإثمد وشبهه ، فلا خير فيه ، ~~وأما الفارسى وشبهه عند الضرورة ، فلا بأس به ؛ لأنه ليس بزينة بل يزيد ~~العين قبحا ، وما اضطر إليه مما فيه زينة اكتحلت به ليلا ومسحته نهارا ، ~~واحتج ببلاغ مالك ، عن أم سلمة . قال الشافعى : فالصبر يصفر العين ، فيكون ~~زينة وليس بطيب ، فأذن لها النبى - صلى الله عليه وسلم - فيه بالليل حتى لا ~~ترى ، فكذلك ما أشبهه . وذكر ابن المنذر ، قال : رخص فى الكحل عند الضرورة ~~، عطاء ، والنخعى ، وهو قول مالك ، والكوفيين ، قالوا : لا بأس بالكحل ~~الأسود وغيره إذا اشتكت عينها . * * * # | 9 - باب القسط للحادة عند الطهر # / 12 - فيه : أم عطية ، كنا ننهى أن نحد على ميت فوق ثلاث إلا على زوج ~~أربعة أشهر وعشرا ، ولا ms2584 نكتحل ، ولا نطيب ، ولا نلبس ثوبا مصبوغا إلا ثوب ~~عصب ، وقد رخص لنا عند الطهر ، إذا اغتسلت إحدانا من محيضها فى نبذة من كست ~~أظفار ، وكنا ننهى عن اتباع الجنائز . وترجم لحديث أم عطية : ( باب الحاد ~~تلبس ثياب العصب ) . قال ابن المنذر : أجمع العلماء غير الحسن على منع ~~الطيب والزينة للحادة إلا ما ذكر فى حديث أم عطية مما رخص لها عند الطهر من ~~المحيض فى النبذة من القسط ؛ لأن القسط ليس من الطيب الذى منعت منه ، وإنما ~~تستعمل القسط على سبيل المنفعة ودفع الروائح الزفرة والنظافة ، وقد رخص لها ~~فى الدهن بما ليس بطيب ، هذا قول عطاء ، والزهرى ، ومالك ، والشافعى ، وأبى ~~ثور . PageV07P511 قال مالك : تدهن المتوفى عنها زوجها بالزيت والشبرق وما ~~أشبه ذلك إذا لم يكن فيه طيب . قال مالك : وبلغنى أن أم سلمة زوج النبى - ~~صلى الله عليه وسلم - كانت تقول : تجمع المرأة الحاد رأسها بالشبرق والزيت ~~، وذلك ليس بطيب . وقال عطاء : تمتشط بالحناء والكتم . وقال مالك : لا ~~تمتشط بالحناء والكتم ولا بشىء مما يحتمر ، وإنما تمتشط بالسدر ونحوه مما ~~لا يحتمر فى رأسها ، ونهى عن الامتشاط ، وكره الخضاب ابن عمر ، وأم سلمة ، ~~وعروة ، وسعيد بن المسيب . وقال ابن المنذر : ولا نحفظ عن سائر أهل العلم ~~فى ذلك خلافا ، والخضاب داخل فى جملة الزينة المنهى عنها . قال ابن المنذر ~~: وأجمعوا على أنه لا يجوز لها اللباس المصبغة والمعصفرة إلا ما صبغ ~~بالسواد ، ورخص فى السواد عروة بن الزبير ، ومالك ، والشافعى ، وكره الزهرى ~~لبس السواد ، وكان عروة يقول : لا تلبس من الحمرة إلا العصب . وقال الثورى ~~: تتقى المصبوغ إلا ثوب عصب . وقال الزهرى : لا تلبس العصب ، وهو خلاف ~~للحديث . وكان الشافعى يقول : كل صبغ يكون زينة ووشى فى الثوب كان زينة أو ~~تلميع مثل العصب والحبرة والوشى وغيره ، فلا تلبسه الحاد ، غليظا كان أو ~~رقيقا ، وذكر ابن المنذر عن مالك ، قال : تجتنب PageV07P512 الحناء والصباغ ~~إلا السواد ، فلها لبسه ، وإن كان حريرا ، ولا تلبس الملون من الصوف وغيره ~~، ولا أدكن ms2585 ولا أخضر . وقال فى المدونة : إلا أن تجد غيره ، فيجوز لها لبسه ~~. قال فى المدونة : ولا تلبس رقيق ولا عصب اليمن ، ووسع فى غليظه ، وتلبس ~~رقيق البياض وغليظه من الحرير والكتان والقطن . وقال ابن المنذر : رخص كل ~~من أحفظ عنه فى لباس البياض . قال الأبهرى : وهذه الثياب التى أبيحت لها لا ~~زينة فيها ، وإنما هى ممنوعة من الزينة والطيب دون غيرهما من اللباس . قال ~~ابن المنذر : وكان الحسن البصرى من بين سائر أهل العلم لا يرى الإحداد ، ~~وقال : المطلقة ثلاثا والمتوفى عنها زوجها تكتحلان وتمتشطان وتنتعلان ~~وتختضبان وتتطيبان وتصنعان ما شاءا . قال ابن المنذر : وقد ثبتت الأخبار عن ~~النبى - صلى الله عليه وسلم - بالإحداد ، وليس لأحد بلغته إلا التسليم بها ~~، ولعل الحسن لم تبلغه أو بلغته ، فتأول حديث أسماء بنت عميس ، روى حماد بن ~~سلمة ، عن الحجاج ، عن الحسن بن سعد ، عن عبد الله بن شداد ، أن أسماء بنت ~~عميس استأذنت النبى ، عليه السلام ، أن تبكى على جعفر وهى امرأته ، فأذن ~~لها ثلاثة أيام ، ثم بعث إليها بعد ثلاثة أيام أن تطهرى واكتحلى . قال ابن ~~المنذر : وقد دفع أهل العلم هذا الحديث بوجوه ، وكان أحمد بن حنبل يقول : ~~هذا الشاذ من الحديث لا يؤخذ به ، وقاله إسحاق . وقال أبو عبيد : إن أمهات ~~المؤمنين اللواتى روى عنهن خلافه أعلم بالنبى - صلى الله عليه وسلم - ، ثم ~~كانت أم عطية تحدث به مفسرا فيما تجتنبه الحاد فى عدتها ، ثم مضى عليه ~~السلف ، وكان شعبة يحدث به عن الحكم ولا يشذه . PageV07P513 والنبذة ما ~~نبذته وطرحته من الكست فى النار قدر ما يتبخر به . * * * # | 10 - باب قوله تعالى : { والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا } إلى قوله ~~: { خبير } [ البقرة : 234 ] # / 13 - فيه : مجاهد : { والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا } قال : كانت ~~هذه العدة ، تعتد عند أهل زوجها واجبا ، فأنزل الله عز وجل : { والذين ~~يتوفون منكم ويذرون أزواجا وصية لأزواجهم } إلى { معروف } ، قال : جعل الله ~~لها تمام السنة سبعة أشهر وعشرين ليلة ، وصية إن شاءت سكنت فى وصيتها ، وإن ms2586 ~~شاءت خرجت ، وهو قول الله : { غير إخراج فإن خرجن فلا جناح عليكم } [ ~~البقرة : 240 ] ، فالعدة كما هى واجبة عليها زعم ذلك عن مجاهد . وقال عطاء ~~، قال ابن عباس : نسخت هذه الآية عدتها عند أهلها ، فتعتد حيث شاءت ، وقوله ~~: { غير إخراج } قال عطاء : إن شاءت اعتدت عند أهلها وسكنت فى وصيتها ، وإن ~~شاءت خرجت لقول الله : { فلا جناح عليكم فيما فعلن فى أنفسهن } ، قال عطاء ~~: ثم جاء الميراث فنسخ السكنى فتعتد حيث شاءت ، ولا سكنى لها . / 14 - فيه ~~: أم حبيبة بنت أبى سفيان ، لما جاءها نعى أبيها ، دعت بطيب ، فمسحت ~~ذراعيها ، وقالت : ما لى بالطيب من حاجة ، لولا أنى سمعت النبى - صلى الله ~~عليه وسلم - يقول : ( لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر تحد على ميت ~~فوق ثلاث ، إلا على زوج أربعة أشهر وعشرا ) . PageV07P514 قال المؤلف : ذهب ~~مجاهد إلى أن الآية التى فيها : { يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا } [ ~~البقرة : 234 ] ، إنما نزلت قبل الآية التى فيها : { وصية لأزواجهم متاعا ~~إلى الحول غير إخراج } [ البقرة : 240 ] ، كما هى قبلها فى التلاوة ، ولم ~~يجعل آية الحول منسوخة بالأربعة أشهر وعشرا ، وأشكل عليه المعنى ؛ لأن ~~المنسوخ لا يمكن استعماله مع الناسخ ، ورأى أن استعمال هاتين الآيتين ممكن ~~، إذ حكمهما غير مدافع ، ويجوز أن يوجب الله على المعتدة التربص أربعة أشهر ~~وعشر ألا تخرج فيها من بيتها فرضا عليها ، ثم يأمر أهله أن تبقى سبعة أشهر ~~وعشرين ليلة ، تمام الحول ، إن شاءت ، أو تخرج إن شاءت وصية لها ؛ لقوله ~~تعالى : { وصية لأزواجهم متاعا إلى الحول غير إخراج فإن خرجن } [ البقرة : ~~240 ] . فحصل له فائدتان فى استعمال الآيتين ، ورأى ألا يسقط حكما فى كتاب ~~الله يمكنه استعماله ، ولا يتبين له نسخه ، وهذا قول لم يقله أحد من ~~المفسرين للقرآن غيره ، ولا تابعه عليه أحد من فقهاء الأمة ، بل اتفق جماعة ~~المفسرين وكافة الفقهاء أن قوله : { متاعا إلى الحول } [ البقرة : 240 ] ، ~~منسوخ بقوله : { يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا } [ البقرة : 234 ] ، ~~ويشهد لذلك قوله ، عليه السلام ، فى حديث ms2587 زينب بنت أبى سلمة : ( وقد كانت ~~إحداكن ترمى بالبعرة على رأس الحول ) . ومما يدل على خطأ مجاهد أن الله ~~إنما أوجب السكنى للمتوفى عنهن أزواجهن عند من رأى إيجابه فى العدة خاصة ، ~~وهى الأربعة أشهر وعشر ، وما زاد عليها فالأمة متفقة أن المرأة فيها أجنبية ~~من زوجها لا سكنى لها ولا غيره ، شاءت أو لم تشأ ، وكيف يجوز أن تبقى فى ~~بيت زوجها بعد العدة إن شاءت وهى غير زوجة منه ، ولا فى بطنها حمل يوجب ~~حبسها به ، ومنعها من الأزواج حتى تضعه . PageV07P515 وأيضا فإن التسكين ~~إنما كان فى الحول حين كانت العدة حولا والسكنى مرتبطة بها ، فلما نسخ الله ~~الحول بالأربعة أشهر وعشر ، استحال أن يكون سكنى فى غير عدة ، والله الموفق ~~. وأما ابن عباس ، فإنه دفع السكنى للمتوفى عنها زوجها ، وقال : قوله عز ~~وجل : { يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا } [ البقرة : 234 ] ، ولم يقل : ~~يعتددن فى بيوتهن ، ولتعتد حيث شاءت ، وذهب إلى قول ابن عباس : أن المتوفى ~~عنها زوجها تعتد حيث شاءت ، على بن أبى طالب ، وعائشة ، وجابر ، ومن حجتهم ~~أن السكنى إنما وردت فى المطلقة ، وبذلك نطق القرآن وإيجاب السكنى إيجاب ~~حكم ، والأحكام لا تجب إلا بنص كتاب أو سنة أو إجماع ، وقد ذكرت اختلاف أهل ~~العلم فى ذلك فى باب قصة فاطمة بنت قيس ، فأغنى عن إعادته . وقال إسماعيل ~~بن إسحاق : أما قول ابن عباس فى قوله تعالى : { يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر ~~وعشرا } [ البقرة : 234 ] ، ولم يقل : فى بيتها ، فمثل هذا يجوز أن لا يبين ~~فى ذلك الموضع ، ويبين فى غيره ، وقد قال الله تعالى : { والمطلقات يتربصن ~~بأنفسهن ثلاثة قروء } [ البقرة : 228 ] ، ولم يقل فى هذا الموضع أنها تتربص ~~فى بيتها ، ثم قال فى أمر المطلقة فى الموضع الآخر : { لا تخرجوهن من ~~بيوتهن } [ الطلاق : 1 ] ، وقال : { أسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم } [ ~~الطلاق : 6 ] ، فبين فى هذا الموضع ما لم يذكر فى ذلك الموضع ، وقد بين أمر ~~المتوفى بما جاء فى حديث الفريعة ، وعمل به جملة أهل ms2588 العلم ، ورأينا ~~المتوفى عنها احتيط فى أمرها فى PageV07P516 العدة بأكثر ما احتيط فى ~~المطلقة ؛ لأن المطلقة إن لم يدخل بها فلا عدة عليها ، وعلى المتوفى عنها ~~العدة دخل بها أم لا ، ويمكن ذلك ، والله أعلم ؛ لأن الدخول قد يكون ولا ~~يعلم به الناس ، فإذا كان الزوج حيا ذكر ذلك وطالب به ، وأمكن أن يبين حجته ~~فيه ، والميت قد انقطع عن ذلك ، وليس ينبغى فيه النظر إذا كانت المتوفى ~~عنها قد جعلت عليها العدة فى الموضع الذى لم يجعل على المطلقة ، أو يكون ~~السكنى على المطلقة ، ولا تكون على المتوفى عنها لما فى التسكين من ~~الاحتياط فى أمر المرأة وما يلحق من النسب . وروى وكيع ، عن أبى جعفر ~~الرازى ، عن الربيع بن أنس ، عن أبى العالية ، أنه سئل : لم ضمت العشر إلى ~~الأربعة أشهر ؟ قال : لأن الروح تنفخ فيها فى العاشر . فأما إن كان المسكن ~~بكرى قدمه الميت ، فلها أن تسكن فى عدتها ، وإن كان لم يقدم الكرى وأخرجها ~~رب الدار لم تكن لها سكنى فى مال الزوج ، هذا قول مالك ، وعلى قول الكوفيين ~~والشافعى أنه لا سكنى للمتوفى عنها فى مال زوجها إن لم يخلف مسكنا ؛ لأن ~~المال صار للورثة ، حاملا كانت أم غير حامل ، ولا نفقة لها ، وأوجب مالك ~~لها السكنى إن كانت حاملا من مال الميت ونفقتها من مالها ؛ لقوله : { ~~يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا } [ البقرة : 234 ] ، فكان الواجب على ~~ظاهر الآية أن تتربص المتوفى عنها زوجها أربعة أشهر وعشرا تفعل فيها ما ~~كانت تفعل قبل وفاته ، فلما ثبت عن النبى - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : ~~( لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر تحد على ميت فوق PageV07P517 ثلاث ~~إلا على زوج ) ، وجب اتباعه لتفسيره لما أجمل فى الآية . وقال الخطابى : ~~قوله : { يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا } [ البقرة : 234 ] ، يريد والله ~~أعلم الأيام بلياليها . وقال المبرد : إنما أتت العشر ؛ لأن المراد به ~~المدة ، وذهب مالك ، والكوفيون ، والشافعى ، أن المراد الأيام والليالى . ~~قال ابن المنذر : فلو عقد عاقد عليها ms2589 النكاح على هذا القول وقد مضت أربعة ~~أشهر وعشر ليال كان باطلا حتى يمضى اليوم العاشر ، وذهب بعض الفقهاء إلى ~~أنه إن انقضى لها أربعة أشهر وعشر ليال حلت للأزواج ، وذلك لأنه رأى العدة ~~مبهمة ، فغلب التأنيث وتأولها على الليالى ، وإليه ذهب الأوزاعى من الفقهاء ~~، وأبو بكر الأصم من المتكلمين ، ويقال : إنهما اعتبرا أن إنشاء التاريخ من ~~الليالى ؛ لأن الأهلة تستهل فيها . * * * # | 11 - باب مهر البغى والنكاح الفاسد # وقال الحسن : إذا تزوج محرمة ، وهو لا يشعر فرق بينهما ، ولها ما أخذت ، ~~وليس لها غيره ، ثم قال بعد : لها صداقها . / 15 - فيه : أبو مسعود ، قال : ~~نهى النبى - صلى الله عليه وسلم - عن ثمن الكلب ، وحلوان الكاهن ، ومهر ~~البغى . . . . الحديث . وقال أبو جحيفة ، نهى النبى عن مهر البغى . وقال ~~أبو هريرة : نهى النبى - صلى الله عليه وسلم - عن كسب الإماء . مهر البغى ~~حرام بإجماع الأمة ، ولا يلحق فيه نسب ، وأما النكاح الفاسد ينقسم قسمين : ~~يكون فساده فى العقد ، أو فى PageV07P518 الصداق ، فما فسد فى العقد لا ~~ينعقد عند أكثر الأمة ، ومنه ما ينعقد عند بعضهم ، فما فسخ قبل البناء مما ~~فسد لعقد فلا صداق فيه ، ويرد ما أخذت ، وما فسخ بعد البناء ففيه المسمى ، ~~وما فسد لصداقه كالبيع فى فساد ثمنه ، أنه يفسخ قبل الدخول ، ويمضى إذا فات ~~بالدخول ويرد إلى قيمته . وآخر قول ابن القاسم : أن كل ما نص الله ورسوله ~~على تحريمه ولا يختلف فيه ، فإنه يفسخ بغير طلاق ، وإن طلق فيه لا يلزم ولا ~~يتوارثان كمتزوج الخامسة ، وأختا من الرضاعة ، والمرأة على عمتها وخالتها ، ~~أو من تزوج امرأة فلم يبن بها حتى تزوج ابنتها ، أو نكح فى العدة . قال : ~~فكل ما اختلف الناس فى إجازته أو فسخه ، فالفسخ فيه بطلاق ، وتقع فيه ~~الموارثة والطلاق والخلع بما أخذ ، ما لم يفسخ ، كالمرأة تزوج نفسها أو ~~تنكح بغير ولى أو أمة بغير إذن السيد أو بغرر فى صداق ، إذ لو قضى به قاض ~~لم أنقضه ، وكذلك نكاح المحرم والشغار للاختلاف فيهما ms2590 . وأما من تزوج محرمة ~~وهما لا يعلمان التحريم ، ففرق بينهما ، فلا حد عليهما ، واختلف العلماء فى ~~صداقها على قولين بحسب اختلاف قول الحسن البصرى ، فقوله : لها ما أخذت ، ~~يعنى صداقها المسمى ، وقوله بعد ذلك : لها صداقها ، يريد صداق مثلها ، ~~وسائر الفقهاء على هذين القولين ؛ طائفة تقول بصداق المثل ، وطائفة تقول ~~المسمى ، وأما من تزوج محرمة وهو عالم بالتحريم ، فقال مال ، وأبو يوسف ، ~~ومحمد ، والشافعى : عليه الحد ، ولا صداق فى ذلك . وقال الثورى ، وأبو ~~حنيفة : لا حد عليه ، وإن علم عزر . قال أبو حنيفة : ولا يبلغ به أربعين . ~~PageV07P519 وفرق ابن القاسم بين الشراء والنكاح ، فأوجب فى نكاح المحرمة ~~إذا علم تحريمها الحد ، ولا حد عليه إذا اشتراها ووطئها وهو عالم بتحريمها ~~، وسائر الفقهاء غير الكوفيين لا يفرقون بين النكاح والملك فى ذلك ، ~~ويوجبون الحد فى كلا الوجهين . وحجة أبى حنيفة ، قال : العقد شبهة ، وإن ~~كان فاسدا كما لو وطئ جارية بينه وبين شريكه ، فالوطء محرم باتفاق ، ولا حد ~~عليه للشبهة ، وكذلك الأنكحة الفاسدة كنكاح المتعة ، والنكاح بلا ولى ولا ~~شهود ، ووطء الحائض ، والمعتكفة ، والمحرمة ، وهذا كله وطء محرم لا حد فيه ~~، وحجة مالك قوله تعالى : { واللاتى يأتين الفاحشة من نسائكم } [ النساء : ~~15 ] الآية ، وهذه فاحشة ، وقد بين النبى - صلى الله عليه وسلم - السبيل ما ~~هى بالرجم ، وأجمع العلماء أن العقد على أمه وأخته لا يجوز بإجماع ولا شبهة ~~فيه ، وإنما هو قاصد إلى الزنا وإسقاط الحد عن نفسه بالنكاح . * * * # | 12 - باب إرخاء الستور والمهر للمدخول عليها وكيف الدخول أو طلقها قبل ~~الدخول والمسيس ؟ # / 16 - فيه : ابن عمر ، فرق النبى - صلى الله عليه وسلم - بين أخوى بنى ~~العجلان ، وقال : ( الله يعلم أن أحدكما كاذب ، فهل منكما تائب . . . . ) ؟ ~~الحديث فقال الرجل : مالى ؟ قال : ( لا مال لك ، إن كنت صادقا ، فقد دخلت ~~بها ، وإن كنت كاذبا ، فهو أبعد منك ) . PageV07P520 اختلف العلماء فى ~~الدخول وبما يثبت ؟ فقالت طائفة : إذا أغلق بابا ، أو أرخى سترا على المرأة ~~، فقد وجب الصداق والعدة ، روى ذلك عن عمر بن ms2591 الخطاب ، وعلى بن أبى طالب ، ~~وزيد بن ثابت ، ومعاذ بن جبل ، وابن عمر ، وهو قول الكوفيين ، والثورى ، ~~والليث ، والأوزاعى ، وأحمد ، واحتجوا بقوله عليه السلام : ( إن كنت صادقا ~~فقد دخلت بها ) ، قالوا : فجعل النبى - صلى الله عليه وسلم - الدخول ~~بالمرأة دليلا على الجماع ، وإن كان قد لا يقع الجماع مع الدخول ، لكن حمله ~~على ما يقع فى الأكثر ، وهو الجماع لما ركب الله فى نفوس عباده من شهوة ~~النساء . قال الكوفيون : فالخلوة الصحيحة يجب معها المهر كله بعد الطلاق ، ~~وطئ أو لم يطأ ، إن ادعته أو لم تدعه ، إلا أن يكون أحدهما محرما ، أو ~~مريضا ، أو صائما ، أو كانت المرأة حائضا ، فإن كانت الخلوة فى مثل هذه ~~الحال ، ثم طلق لم يجب إلا نصف المهر ، وعليها العدة عندهم فى جميع هذه ~~الوجوه . وقالت طائفة : لا يجب المهر إلا بالمسيس ، روى ذلك عن ابن مسعود ، ~~وابن عباس ، وبه قال شريح ، والشعبى ، وابن سيرين ، وإليه ذهب الشافعى ، ~~وأبو ثور ، واحتجوا بقوله تعالى : { وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن } [ ~~البقرة : 237 ] ، وقال : { فما لكم عليهن من عدة تعتدونها } [ الأحزاب : 49 ~~] ، فأخبر تعالى أنها تستحق بالطلاق قبل المسيس نصف ما فرض لها ، وأوجب ~~العدة بالمسيس ، ولا تعرف الخلوة دون وطء مسيسا ، ومن حجة هذا القول رواية ~~من روى فى هذا الحديث : ( إن كنت صدقت عليها فبما استحللت من فرجها ) ، ~~ذكره فى باب قول الإمام للمتلاعنين : إن أحدكما كاذب . PageV07P521 وفيها ~~قول ثالث : قال سعيد بن المسيب : إذا دخل بالمرأة فى بيتها صدق عليها ، ~~وإذا دخلت عليه فى بيته صدقت عليه ، وهو قول مالك ، واحتج أصحابه ، فقالوا ~~: تفسير قول سعيد بن المسيب أنها تصدق عليه فى بيته ؛ لأن البيت فى البناء ~~بيت الرجل وعليه الإسكان ، فدخلوها فى بيته هو دخول بناء ، ومعنى قوله : ( ~~فى بيتها ) ، يريد إذا زارها فى بيتها عند أهلها أو وجدها ولم يدخل عليها ~~دخول بناء ، فادعت أنه مسها وأنكر فالقول قوله ؛ لأنه مدعى عليه ، وهذا ~~أصله فى المتداعين أن القول قول من شبهته ms2592 قوية كاليد وشبهها . قال مالك : ~~فإذا دخل بها فقبلها أو كشفها واتفقا أنه لم يمسها ، فلها نصف الصداق إن ~~كان ذلك قريبا ، وإن تطاول مكثه معها ثم طلقها ، فلها المهر كاملا ، وعليها ~~العدة أبدا . وروى ابن وهب ، عن مالك أنه رجع عن قوله فى الموطأ ، فقال : ~~إذا خلا بها حيث كان فالقول قول المرأة . وذكر ابن القصار عن الشافعى أنه ~~إذا دخل بها ، فقال : لم أطأ ، وقالت : وطئنى ، فالقول قول الزوج ؛ لأن ~~الخلوة غير المسيس الذى يوجب المهر . وروى ابن علية ، عن عوف ، عن زرارة بن ~~أوفى ، قال : مضى الخلفاء الراشدون المهديون أنه من أغلق بابا أو أرخى سترا ~~فقد وجب المهر والعدة ، بهذا احتج الكوفيون بأنه معلوم أنه لا يرخى الستر ~~فى الغالب إلا للوطء ، فهى دلالة عليه . وقوله فى الترجمة : وكيف الدخول أو ~~طلقها قبل الدخول ، تقديره : أو كيف طلاقها ؟ فاكتفى بذكر الفعل عن ذكر ~~المصدر لدلالته عليه ، كقوله تعالى : { يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على ~~تجارة PageV07P522 تنجيكم من عذاب أليم تؤمنون } [ الصف : 10 ] ، فأقام { ~~تؤمنون } ، وهو فعل مقام الإيمان وهو مصدر . * * * # | 13 - باب المتعة للتى لم يفرض لها # لقوله تعالى : { لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن } [ البقرة ~~: 236 ] الآية ، وقوله : { وللمطلقات متاع بالمعروف } [ البقرة : 241 ] ولم ~~يذكر النبى - صلى الله عليه وسلم - فى الملاعنة متعة حين طلقها زوجها / 17 ~~- فيه : ابن عمر : أن النبى - صلى الله عليه وسلم - قال للمتلاعنين : ( ~~حسابكما على الله ، أحدكما كاذب ، لا سبيل لك عليها ) . قال : يا رسول الله ~~، مالى ؟ قال : ( لا مال لك ، إن كنت صدقت عليها ، فهو بما استحللت من ~~فرجها ، وإن كنت كاذبا ، فذاك أبعد وأبعد لك منها ) . اختلف العلماء فى ~~المتعة ، فقالت طائفة : المتعة واجبة للمطلقة التى لم يدخل بها ولم يسم لها ~~صداقا ، روى ذلك عن ابن عباس ، وابن عمر ، وهو قول عطاء ، والشعبى ، ~~والنخعى ، والزهرى ، وبه قال الكوفيون ، ولا يجمع مهر مع المتعة . وقالت ~~طائفة : لكل مطلقة متعة مدخولا بها كانت أو غير ms2593 مدخول بها ، إذا وقع الفراق ~~من قبله ولم يتم إلا به إلا للتى سمى لها وطلقها قبل الدخول ، هذا قول ~~الشافعى ، وأبى ثور ، وروى عن على بن أبى طالب : لكل مطلقة متعة ، وروى ~~مثله عن الحسن ، وأبى قلابة ، وطائفة ، وحجتهم عموم قوله : { وللمطلقات ~~متاع بالمعروف } [ البقرة : 241 ] ، ولم يخص . PageV07P523 وقالت طائفة : ~~المتعة ليست بواجبة فى موضع من المواضع ، هذا قول ابن أبى ليلى ، وأبى ~~الزناد ، وربيعة ، وهو قول مالك ، والليث ، وابن أبى سلمة . واحتج الشافعى ~~بما روى مالك ، عن نافع ، عن ابن عمر ، أنه قال : لكل مطلقة متعة ، إلا ~~التى فرض لها مهر ، وقد طلقت ولم يدخل بها فحسبها نصف المهر ، وقال الشافعى ~~: وأحسب ابن عمر استدل بقوله تعالى : { وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد ~~فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم } [ البقرة : 237 ] ، فاستدل بالقرآن على ~~أنها مخرجة من جميع المطلقات . ولعله رأى أنه إنما أريد أن تكون المطلقة ~~تأخذ بما استمتع به زوجها منها عند طلاقها شيئا ، فلما كانت المدخول بها ~~تأخذ شيئا ، وغير المدخول بها تأخذ أيضا إذا لم يفرض لها ، وكانت التى لم ~~يدخل بها ، وقد فرض لها تأخذ بحكم الله نصف المهر ، وهو أكثر من المتعة ، ~~ولم يستمتع منها بشىء ، فلم تجب لها متعة . وقال أبو عبيد : حجة الكوفيين : ~~وجدنا النساء فى المتعة على ثلاثة ضروب ، فكانت الآية التى فيها ذكر المعين ~~لصنفين منهن من المطلقات بعد الدخول إن كان فرض لها صداق أو لم يفرض ، ~~والمطلقات قبل الدخول مع تسمية صدقاتهن ، فلأولئك المهور كوامل بالمسيس ، ~~ولهؤلاء الشطر منها بالتسمية ، فلما صار هذان الحقان واجبين ، كانت المتعة ~~حينئذ تقوى من الله غير واجبة ، ووجدنا الآية التى فيها ذكر الموسر والمقتر ~~هى للنصف الثالث ، وهى للمطلقات من غير دخول بهن ولا فرض لهن ، وذلك قوله ~~تعالى : { لا جناح عليكم إن طلقتم النساء } [ البقرة : 236 ] الآية ، فصارت ~~المتعة لهن حتما PageV07P524 واجبا ، ولولا هذه المتعة لصار عقد النكاح إذا ~~يذهب باطلا من أجل أنهن لم يمسسن ، فيستحققن الصدقات ms2594 ولم يفرض لهن ، ~~فيستحققن أيضا فيها ، فلابد من المتعة على كل حال . واحتج من لم يوجب ~~المتعة أصلا ، فقال : قوله تعالى : { ومتعوهن } [ البقرة : 236 ] ، وإن كان ~~ظاهره الوجوب ، فقد قرن به ما يدل على الاستحباب ، وذلك أنه تعالى قرن بين ~~المعسر والموسر ، والواجبات فى النكاح على ضربين ، إما أن يكون على حسل حال ~~المنكوحات كالصداق الذى يرجع فيه إلى صداق مثلها ، أو يكون على حسب حالهما ~~جميعا كالنفقات ، والمتعة خارجة من هذين المعنيين ؛ لأنه اعتبر فيها حال ~~الرجل وحده بأن يكون على الموسر أكثر مما على المعسر ، وأيضا فإن المتعة لو ~~كانت فرضا كانت مقدرة معلومة كسائر الفرائض فى الأموال ، ولم نر فرضا واجبا ~~فى المال غير معلوم ، فلما لم تكن كذلك خرجت من حد الفرائض إلى حد الندب ، ~~وصارت كالصلة والهدية ، وأيضا فإن الله تعالى لما علقها بقوم دل على أنها ~~غير واجبة ؛ لأن الواجبات ما لزمت الناس عموما كالصلاة والصيام والحج ~~والزكاة ، فلما قال : { حقا على المحسنين } [ البقرة : 236 ] ، و { حقا على ~~المتقين } [ البقرة : 180 ] ، سقط وجوبها عن غيرهم . وكذلك تأوله شريح ، ~~فقال لرجل : متع إن كنت محسنا ، متع إن كنت متقيا . وقول البخارى : ولم ~~يذكر النبى - صلى الله عليه وسلم - فى الملاعنة متعة حين طلقها زوجها ، حجة ~~لمن قال : لكل مطلقة متعة ، والملاعنة غير داخلة فى جملة المطلقات ، فلا ~~متعة لها عند مالك والشافعى . قال ابن القاسم : PageV07P525 لا متعة فى كل ~~نكاح مفسوخ ، والتلاعن عندهم كالفسخ ؛ لأنهما لا يقران على النكاح ، فأشبه ~~الردة ، قال : وكل فرقة كانت من قبل المرأة قبل البناء وبعده فلا متعة فيها ~~. وأوجب الشافعى للمختلعة والبارية متعة . وقال أصحاب مالك : كيف يكون ~~للمفتدية متعة وهى تعطى ، فكيف تأخذ متاعا ؟ وقال ابن المنذر : قوله تعالى ~~: { لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن } [ البقرة ~~: 236 ] ، دليل على إباحة نكاح المرأة ولا يفرض لها صداقا ، ثم يفرض لها إن ~~مات أو دخل عليها مهر مثلها . واختلفوا إن مات ولم يفرض لها ms2595 ، فقالت طائفة ~~: لها مهر مثلها ولها الميراث وعليها العدة ، روى هذا عن ابن مسعود ، وبه ~~قال ابن أبى ليلى ، والثورى ، والكوفيون ، وأحمد ، وإسحاق ، وأبو ثور . ~~وقالت طائفة : لها الميراث وعليها العدة ولا مهر لها ، روى هذا عن على بن ~~أبى طالب ، وزيد بن ثابت ، وابن عباس ، وابن عمر ، وبه قال مالك ، ~~والأوزاعى ، والشافعى ، واستحب مالك ألا يدخل عليها حتى يقدم لها شيئا أقله ~~ربع دينار . والحمد لله وحده ، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم ~~تسليما كثيرا . PageV07P526 * * * بسم الله الرحمن الرحيم # | 51 - كتاب النفقات # # | 1 - باب فضل النفقة على الأهل وقوله تعالى : { ويسألونك ماذا ينفقون قل ~~العفو } [ البقرة : 219 ] # ، وقال الحسن : العفو الفضل . / 1 - فيه : أبو مسعود الأنصارى ، قال ~~النبى عليه السلام : ( إذا أنفق المسلم نفقة على أهله ، وهو يحتسبها ، كانت ~~له صدقة ) . / 2 - وفيه : أبو هريرة ، أن النبى - صلى الله عليه وسلم - ، ~~قال : ( قال الله : أنفق يا ابن آدم أنفق عليك ) . / 3 - وفيه : أبو هريرة ~~، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( الساعى على الأرملة ~~والمسكين كالمجاهد فى سبيل الله ، أو كالقائم الليل ، الصائم النهار ) . / ~~4 - وفيه : سعد ، كان النبى - صلى الله عليه وسلم - يعودنى ، وأنا مريض ~~بمكة ، فقلت : لى مال ، أوصى بمالى كله ؟ قال : ( لا ) ، قلت : فالشطر ، ~~قال : ( لا ) ، قلت : فالثلث ، قال : ( الثلث ، والثلث كثير ، أن تدع ورثتك ~~أغنياء خير من أن تدعهم عالة يتكففون الناس فى أيديهم ، ومهما أنفقت فهو لك ~~صدقة ، حتى اللقمة ترفعها إلى فى امرأتك ، ولعل الله يرفعك حتى ينتفع بك ~~ناس ، ويضر بك آخرون ) . اختلف السلف فى تأويل قوله تعالى : { ويسألونك ~~ماذا ينفقون قل PageV07P527 العفو } [ البقرة : 219 ] ، فروى عن أكثر السلف ~~أن المراد بذلك صدقة التطوع ، روى ذلك عن القاسم وسالم ، قالا : العفو فضل ~~المال ما تصدق به عن ظهر غنى . وقال الحسن : لا تنفق حتى يجهد مالك فتبقى ~~تسأل الناس ، وفيها قول ثالث عن مجاهد ، قال : العفو الصدقة المفروضة . قال ~~إسماعيل بن إسحاق : وما ذكره مجاهد غير ممتنع ؛ لأن الذى ms2596 يؤخذ فى الزكاة ~~قليل من كثير ، ولكن ظاهر التفسير ومقصد الكلام يدل أنه فى غير الزكاة ، ~~والله أعلم . وقال الزجاج : أمر الناس أن ينفقوا الفضل إلى أن فرضت الزكاة ~~، فكان أهل المكاسب يأخذ الرجل من كسبه كل يوم ما يكفيه ويتصدق بباقيه ، ~~ويأخذ أهل الذهب والفضة ما ينفقون فى عامهم وينفقون باقيه ، روى هذا فى ~~التفسير . ذكر البخارى أن الآية عامة فى النفقة على الأهل وغيرهم ؛ لأن ~~الرجل لا تلزمه النفقة على أهله إلا بعد ما يعيش به نفسه ، وكان ذلك عن فضل ~~قوته ، وقد جاء فى الحديث عن النبى ، عليه السلام ، فى هذه الأحاديث أن ~~نفقة الرجل على أهله صدقة ، فلذلك ترجم بالآية فى النفقة على الأهل . قال ~~الطبرى : إن قال قائل : ما وجه حديث أبى مسعود وحديث سعد وما تأويلهما ، ~~وكيف يكون إطعام الرجل أهله الطعام صدقة وذلك فرض عليه ؟ فالجواب : أن الله ~~تعالى جعل من الصدقة فرضا وتطوعا ، ومعلوم أن أداء الفرض أفضل من التطوع ، ~~فإذا كان عند الرجل قدر قوته ولا فضل فيه عن قوت نفسه ، وبه إليه حاجة ، ~~فهو خائف بإيثاره غيره PageV07P528 به هلاك نفسه ، كائنا من كان غيره الذى ~~حاجته إليه مثل حاجته ، والدا كان أو ولدا أو زوجة أو خادما ، فالواجب عليه ~~أن يحيى به نفسه ، وإن كان فيه فضل كان عليه صرف ذلك الفضل حينئذ إلى غيره ~~ممن فرض الله نفقته عليه ، فإن كان فيه فضل عما يحيى به نفسه ونفوسهم ، ~~وحضره من لم يوجب الله عليه نفقته ، وهو مخوف عليه الهلاك إن لم يصرف إليه ~~ذلك الفضل كان له صرف ذلك إليه بثمن أو بقيمة ، وإن كان فى سعة وكفاية ولم ~~يخف على نفسه ولا على أحد ممن تلزمه نفقته ، فالواجب عليه أن يبدأ بحق من ~~أوجب الله حقه فى ماله ، ثم الأمر إليه فى الفضل من ماله ، إن شاء تطوع ~~بالصدقة به ، وإن شاء ادخره ، وإذا كان المنفق على أهله إنما يؤدى فرضا لله ~~واجبا له فيه جزيل الأجر ، فذلك ms2597 إن شاء الله معنى قوله - صلى الله عليه ~~وسلم - : ( ومهما أنفقت نفقة ، فهى لك صدقة حتى اللقمة ترفعها إلى فى ~~امرأتك ) ؛ لأنه بفعله ذلك يؤدى فرضا لله عليه هو أفضل من صدقة التطوع التى ~~يتصدق بها على غريب منه لا حق له فى ماله . * * * # | 2 - باب وجوب النفقة على الأهل والعيال # / 5 - فيه : أبو هريرة ، قال : قال النبى ، عليه السلام : ( أفضل الصدقة ~~ما ترك غنى ، واليد العليا خير من اليد السفلى ، وابدأ بمن تعول ، تقول ~~المرأة : إما أن تطعمنى ، وإما أن تطلقنى ، ويقول العبد : أطعمنى ، ~~واستعملنى ، ويقول الابن : أطعمنى إلى من تدعنى ) ؟ فقالوا : يا أبا هريرة ~~، سمعت هذا من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : لا ، هذا من كيس أبى ~~هريرة . PageV07P529 قال المهلب : النفقة على الأهل والعيال واجبة بإجماع ، ~~وهذا الحديث حجة فى ذلك . وقوله عليه السلام : ( وابدأ بمن تعول ) ، ولم ~~يذكر إلا الصدقة يدل أن نفقته على من يعول من أهل وولد محسوب له فى الصدقة ~~، وإنما أمرهم الله أن يبدءوا بأهليهم خشية أن يظنوا أن النفقة على الأهل ~~لا أجر لهم فيها ، فعرفهم عليه السلام أنها لهم صدقة حتى لا يخرجوها إلى ~~غيرهم إلا بعد أن يقوتوهم . قال الطبرى : وقوله عليه السلام : ( وابدأ بمن ~~تعول ) ، إنما قال ذلك ؛ لأن حق نفس المرء عليه أعظم من حق كل أحد بعد الله ~~، فإذا صح ذلك فلا وجه لصرف ما هو مضطر إليه إلى غيره ، إذ كان ليس لأحد ~~إحياء غيره بإتلاف نفسه وأهله ، وإنما له إحياء غيره بغير إهلاك نفسه وأهله ~~وولده ، إذ فرض عليه النفقة عليهم ، وليست النفقة على غيرهم فرضا عليه ، ~~ولا شك أن الفرض أولى بكل أحد من إيثار التطوع عليه . وفيه : أن النفقة على ~~الولد ما داموا صغارا فرض عليه ؛ لقوله : إلى من تدعنى ؟ وكذلك نفقة العبد ~~والخادم للمرء واجبة لازمة . قال ابن المنذر : واختلفوا فى نفقة من بلغ من ~~الأبناء ولا مال له ولا كسب ، فقالت طائفة : على الأب أن ينفق على ولد صلبه ms2598 ~~الذكور حتى يحتلوا والنساء حتى يزوجن ويدخل بهن ، فإن طلقها بعد البناء أو ~~مات عنها فلا نفقة لها على أبيها ، وإن طلقها قبل البناء فهى على نفقتها ، ~~ولا نفقة لولد الولد على الجد ، هذا قول مالك . PageV07P530 وقالت طائفة : ~~ينفق على ولده حتى يبلغ الحلم والمحيض ، ثم لا نفقة عليه إلا أن يكونوا ~~زمنى ، وسواء فى ذلك الذكور والإناث ما لم يكن لهم أموال ، وسواء فى ذلك ~~ولده أو ولد ولده وإن سفلوا ما لم يكن لهم أب دونه يقدر على النفقة عليهم ، ~~هذا قول الشافعى . وقال الثورى : يجبر الرجل على نفقة ولده الصغار غلاما ~~كان أو جارية ، فإن كانوا كبارا أجبر على نفقة النساء ولا يجبر على نفقة ~~الرجال إلا أن يكونوا زمنى . وأوجبت طائفة النفقة لجميع الأطفال والبالغين ~~من الرجال والنساء إذا لم يكن لهم أموال يستغنون بها عن نفقة الوالد على ~~ظاهر قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لهند : ( خذى ما يكفيك وولدك ~~بالمعروف ) ، ولم يستثن ولدا بالغا دون طفل . وقوله فى حديث أبى هريرة : ~~يقول الابن : أطعمنى إلى من تدعنى ؟ يدل على أنه إنما يقول ذلك من لا طاقة ~~له على الكسب والتحرف ، ومن بلغ سن الحلم فلا يقول ذلك ؛ لأنه قد بلغ حد ~~السعى على نفسه والكسب لها ، بدليل قوله تعالى : { حتى إذا بلغوا النكاح ~~فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم } [ النساء : 6 ] ، فجعل بلوغ ~~النكاح حدا فى ذلك . واختلفوا فى المعسر هل يفرق بينه وبين امرأته بعدم ~~النفقة ؟ فقال مالك ، والليث ، والأوزاعى ، والشافعى ، وأحمد ، وإسحاق ، ~~وأبو ثور : إذا أعسر بالنفقة ، فللزوجة الخيار بين أن تقيم عليه ، ولا يكون ~~لها شىء فى ذمته أصلا ، وبين أن تطلب الفراق فيفرق الحاكم بينهما ، وقاله ~~PageV07P531 من الصحابة عمر ، وعلى ، وأبو هريرة ، ومن التابعين سعيد بن ~~المسيب ، وقال : إن ذلك سنة . وقالت طائفة : لا يفرق بينهما ويلزمها الصبر ~~عليه وتتعلق النفقة بذمته بحكم الحاكم ، هذا قول عطاء ، والزهرى ، وإليه ~~ذهب الكوفيون والثورى ، واحتجوا بقوله تعالى : { وإن كان ذو ms2599 عسرة فنظرة إلى ~~ميسرة } [ البقرة : 280 ] ، فوجب أن ينظر حتى يوسر ، وبقوله : { وأنكحوا ~~الأيامى منكم } إلى { يغنهم الله } [ النور : 32 ] ، فندب تعالى إلى إنكاح ~~الفقير ، فلا يجوز أن يكون الفقر سببا للفرقة ، وهو مندوب معه إلى النكاح . ~~واحتج عليهم أهل المقالة الأولى بقوله عليه السلام فى حديث أبى هريرة : إما ~~أن تطعمنى ، وإما أن تطلقنى ، وهذا نص قاطع فى موضع الخلاف ، وقالوا أيضا : ~~أما قوله : { إن يكونوا فقراء يغنهم الله } [ النور : 32 ] ، لم يرد الفقير ~~الذى لا شىء معه أصلا ، وإنما المراد الفقير الذى حالته منحطة عن حالة ~~الغنى ، بدليل أنه ندبه إلى النكاح ، وأجمعوا أنه من لا يقدر على نفقة ~~الزوجة غير مندوب إلى النكاح ولا مستحب له . وأما قوله : { وإن كان ذو عسرة ~~فنظرة إلى ميسرة } [ البقرة : 280 ] ، فإنما ورد فى المداينات التى تتعلق ~~بالذمم ، واحتجوا بقوله تعالى : { ولا تمسكوهن ضرارا لتعتدوا } [ البقرة : ~~231 ] ، وإذا لم ينفق عليها فهو مضر بها ، فوجب عليه الفراق إن طلبته ، فإن ~~قال الكوفيون : لو كان قوله تعالى : { ولا تمسكوهن ضرارا لتعتدوا } ، نهيا ~~واجبا لم يجز الإمساك وإن رضيته ، فيقال لهم : قامت دلالة الإجماع على جواز ~~PageV07P532 إمساكهن إذا رضين بذلك ، وأما الإعسار فلو أعسر بنفقة خادم أو ~~حيوان له ، فإن ذلك يزيل ملكه عنه ويباع عليه ، كذلك الزوجة ، وأيضا فإن ~~العنين يجبر على طلاق زوجته إذا لم يطأ ، والوطء لمدة يمكن الصبر على فقدها ~~ويقوم بدن المرأة بعدمها ، والصبر عن القوت ليس كذلك فصارت الفرقة أولى عند ~~عدم النفقة . * * * # | 3 - باب حبس الرجل قوت سنة على أهله # / 6 - وقال معمر : قال لى الثورى : هل سمعت فى الرجل يجمع لأهله قوت ~~سنتهم أو بعض السنة ؟ قال معمر : فلم يحضرنى ، ثم ذكرت حديث ابن شهاب ، عن ~~مالك بن أوس ، عن عمر بن الخطاب : أن النبى ، عليه السلام ، كان يبيع نخل ~~بنى النضير ، ويحبس لأهله قوت سنتهم . / 7 - وفيه : إن الله قد خص رسوله - ~~صلى الله عليه وسلم - فى هذا المال بشىء . . . . . - إلى قوله - : فكان ~~رسول ms2600 الله - صلى الله عليه وسلم - ينفق على أهله نفقة سنتهم منه ، ثم يأخذ ~~ما بقى ، فيجعله مجعل مال الله . . . الحديث . قال المهلب : فى هذا الحديث ~~دليل على جواز ادخار القوت للعالم للأهل والعيال ، وأن ذلك لا يكون حكرة ، ~~وأن ما ضمه الإنسان من أرضه أو جده من نخله وثمره وحبسه لقوته لا يسمى حكرة ~~، ولا خلاف فى هذا بين الفقهاء . قال الطبرى : فى هذا رد على الصوفية فى ~~قولهم : إنه ليس PageV07P533 لأحد ادخار شىء فى يومه لغده ، وأن فاعل ذلك ~~قد أساء الظن بربه ، ولم يتوكل عليه حق توكله ، ولا خفاء بفساد هذا القول ؛ ~~لثبوت الخبر عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه كان يدخر لأهله قوت ~~السنة . وفيه أكبر الأسوة لأمر الله تعالى عباده باتباع سنته ، فهو الحجة ~~على جميع خلقه ، وقد تقدم هذا المعنى مستوعبا فى كتاب الخمس فى باب نفقة ~~نساء النبى - صلى الله عليه وسلم - بعد وفاته ، فأغنى عن إعادته . * * * # | 4 - باب قول الله تعالى : { والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين } ~~إلى : { بصير } [ البقرة : 233 ] # وقال : { وإن تعاسرتم فسترضع له أخرى } [ الطلاق : 6 ] الآية وقال يونس ، ~~عن الزهرى : نهى الله أن تضار والدة بولدها ، وذلك أن تقول الوالدة : لست ~~مرضعته . وهى أمثل له غذاء ، وأشفق عليه ، وأرفق به من غيرها ، فليس لها أن ~~تأبى بعد أن يعطيها من نفسه ما جعل الله عليه ، وليس للمولود له أن يضار ~~بولده والدته ، فيمنعها أن ترضعه ضرارا لها إلى غيرها ، فلا جناح عليهما أن ~~يسترضعا عن طيب نفس الوالد والوالدة : { فإن أرادا فصالا [ عن تراض منهما ~~وتشاور ] فلا جناح عليهما } [ البقرة : 233 ] بعد أن يكون ذلك عن تراض ~~منهما وتشاور ، { فصاله } : فطامه . قال أهل التأويل : قوله : { والوالدات ~~يرضعن أولادهن } [ البقرة : 233 ] ، لفظه لفظ الخبر ، ومعناه الأمر لما فيه ~~من الإلزام ، كما تقول : حسبك PageV07P534 درهم ، فلفظه لفظ الخبر ، ومعناه ~~: اكتف بدرهم ، ومعنى الآية : لترضع الوالدات أولادهن ، يعنى اللواتى بن من ~~أزواجهن ، ولهن أولاد قد ولدنهن منهم قبل بينونتهن ، يرضعن أولادهن ms2601 ، يعنى ~~أنهن أحق برضاعهن من غيرهن ، وليس ذلك بإيجاب من الله عليهن رضاعهم إذا كان ~~المولود له حيا موسرا ، بقوله فى سورة النساء القصرى : { فإن أرضعن لكم ~~فآتوهن أجورهن وإن تعاسرتم فسترضع له أخرى } [ الطلاق : 6 ] ، فأخبر أن ~~الوالدة والمولود له إن تعاسرا فى الأجرة التى ترضع بها المرأة ولدها أن ~~أخرى سواها ترضعه ، فلم يوجب عليها فرضا رضاع ولدها . وبيان ذلك أن قوله : ~~{ والوالدات يرضعن أولادهن } [ البقرة : 233 ] ، دلالة على مبلغ غاية ~~الرضاعة التى متى اختلف الوالدان فى إرضاع الولد بعدها جعل حدا يفصل به ~~بينهما ، لا دلالة على أن فرضا على الوالدات رضاع أولادهن ، وأكثر أهل ~~التفسير على أن المراد بالوالدات هاهنا المبتوتات بالطلاق ، وأجمع العلماء ~~على أن أجر الرضاع على الزوج إذا خرجت المطلقة من العدة . قال مالك : ~~الرضاع على المرأة إن طلقها طلاقا رجعيا ما لم تنقض العدة ، فإن انقضت فعلى ~~الأب أجر الرضاع ، وكذلك إن كان الطلاق ثلاثا فعليه أجر الرضاع ، وإن لم ~~تنقض العدة ، والأم أولى بذلك إلا أن يجد الأب بدون ما سألت ، فذلك له إلا ~~ألا يقبل الولد غيرها ويخاف على الولد الموت فلها رضاعه بأجر مثلها وتجبر ~~على ذلك . واختلفوا فى ذات الزوج هل تجبر على رضاع ولدها ؟ فقال ابن أبى ~~ليلى : تجبر على رضاعه ما كانت امرأته ، وهذا قول مالك ، وأبى ثور . وقال ~~الكوفيون ، والثورى ، والشافعى : لا يلزمها رضاعه وهو على PageV07P535 ~~الزوج على كل حال . وقال ابن القاسم : تجبر على رضاعه إلا أن يكون مثلها لا ~~يرضع ، فذلك على الزوج ، وحجة من جعل الرضاع على الأم ظاهر قوله : { ~~والوالدات يرضعن أولادهن } إلى قوله : { بالمعروف } [ البقرة : 233 ] ، ~~فأمر الوالدات الزوجات بإرضاع أولادهن ، وأوجب لهن على الأزواج النفقة ~~والكسوة ، والزوجية قائمة ، فلم يجمع لهما النفقة والأجرة ، فلو كان الرضاع ~~على الأب لذكره مع ما ذكر من رزقهن وكسوتهن ، ولم يوجب ذلك على الوالدات ، ~~ولا يراد بالآية الوالدات اللاتى بن من أزواجهن . وحجة من قال : الرضاع على ~~الأب ، أنه لا يخلو أن تجبر ms2602 على رضاعه لحرمة الولد أو لحرمة الزوج ، قالوا ~~: فبطل أن تجبر لحرمة الولد ؛ لأنها لا تجبر عليه إذا كانت مطلقة ثلاثا ~~بإجماع ، وحرمة الولد موجودة ، وبطل أن تجبر لحرمة الزوج ؛ لأنه لو أراد أن ~~يستخدمها فى حق نفسه لم يكن له ذلك ، فلئلا يكون له ذلك فى حق غيره أولى ، ~~فصح أنها لا تجبر عليه أصلا . ومن رد الأمر فى ذلك إلى العادة والعرف ، ~~فلأن ذلك أصل محكوم به فى نفقته عليها وخدمتها له ، فكذلك فى الرضاع إذا ~~كانت ممن ترضع أو لا ترضع . PageV07P536 * * * # | 5 - باب نفقة المرأة إذا غاب عنها زوجها ونفقة الولد # / 8 - فيه : عائشة ، جاءت هند بنت عتبة ، فقالت : يا رسول الله إن أبا ~~سفيان رجل مسيك ، فهل على حرج أن أطعم من الذى له عيالنا ؟ قال : ( لا ، ~~إلا بالمعروف ) . / 9 - وفيه : أبو هريرة ، قال النبى - صلى الله عليه وسلم ~~- : ( إذا أنفقت المرأة من كسب زوجها عن غير أمره ، فله نصف أجره ) . وفيه ~~: وجوب نفقة الأهل والولد وإلزام ذلك الزوج ، وإن كان غائبا إذا كان له مال ~~حاضر ، واختلف العلماء فى ذلك ، فقالت طائفة : نفقتها عليه ثابتة فى غيبته ~~، روى ذلك عن عمر بن الخطاب ، وعن الحسن البصرى ، وهو قول مالك ، والشافعى ~~، وأحمد ، وإسحاق ، وأبى ثور . وقال أبو حنيفة : ليس لها نفقة عليه إلا أن ~~يفرضها السلطان ، ولو استدانت عليه وهو غائب لم يفرض لها شيئا . قال ابن ~~المنذر : نفقات الزوجات فرض على أزواجهن ، وقد وجب عليه فرض ، فلا يسقط عنه ~~لغيبته إلا فى حال واحدة ، وهى أن تعصى المرأة وتنشز عليه وتمتنع منه ، ~~فتلك حال قد أجمع أهل العلم على سقوط النفقة فيها عنه إلا من شذ عنهم ، وهو ~~الحكم بن عتيبة وابن القاسم صاحب مالك ، ولا يلتفت إلى من شذ عن الجماعة ، ~~ولا يزيل وقوف الحاكم عن إنفاذ الحكم بما يجب فرضا أوجبه الله ، والسنة ~~مستقلة بنفسها عن أن يزيدها حكم الحاكم تأكيدا ، والفرائض والديون التى يجب ~~أداؤها ، والوفاء بالنذور ، وما يجب فى الأموال من ms2603 PageV07P537 الجنايات ~~على الأبدان مثلما يجب فى الحج من الصوم من كفارة وفدية لا يزيله وقوف ~~الحاكم عن الحكم به . ووجد حديث أبى هريرة فى هذا الباب ، وإن كان فى صدقة ~~التطوع وحديث هند فى الانتصاف من حق لها منعته ، فإن المعنى الجامع بينهما ~~أنه كما جاز للمرأة أن تتصدق من مال زوجها بغير أمره بما يشبه وتعلم أنه ~~يسمح الزوج بمثله ، وذلك غير واجب عليه ولا عليها أن تتصدق عنه بماله كان ~~أخذها من مال الزوج من غير علمه ما يجب عليه ويلزمه غرمه أجوز أن تأخذه ، ~~ويقضى لها به ، والله الموفق . وفى حديث عائشة جواز القضاء على الغائب ، ~~وسيأتى فى كتاب الأحكام . * * * # | 6 - باب عمل المرأة فى بيت زوجها # / 10 - فيه : على ، أن فاطمة أتت النبى - صلى الله عليه وسلم - تشكو إليه ~~ما تلقى فى يدها من الرحى ، وبلغها أنه جاءه رقيق ، فلم تصادفه ، فذكرت ذلك ~~لعائشة ، فلما جاء أخبرته عائشة ، قال : فجاءنا ، وقد أخذنا مضاجعنا ، ~~فذهبنا نقوم ، فقال : على مكانكما ، فجاء فقعد بينى وبينها ، حتى وجدت برد ~~قدميه على بطنى ، فقال : ألا أدلكما على خير مما سألتما ، إذا أخذتما ~~مضاجعكما - أو أويتما إلى فراشكما - فسبحا ثلاثا وثلاثين واحمدا ثلاثا ~~وثلاثين ، وكبرا أربعا وثلاثين ، فهو خير لكما من خادم . PageV07P538 وترجم ~~له باب خادم المرأة . وقال فيه على : فما تركتها بعد ، قيل : ولا ليلة صفين ~~؟ قال : ولا ليلة صفين . قال ابن حبيب : إن الزوج إذا كان معسرا وإن كانت ~~الزوجة ذات قدر وشرف ، فإن عليها الخدمة الباطنة كالعجن والطبخ والكنس وما ~~شاكله ، وهكذا أوضح لى ابن الماجشون وأصبغ . قال ابن حبيب : وكذلك حكم ~~النبى ، عليه السلام ، على فاطمة بالخدمة الباطنة من خدمة البيت ، وحكم على ~~على بالخدمة الظاهرة ، وقال بعض شيوخى : لا نعرف فى شىء من الأخبار الثابتة ~~أن النبى - صلى الله عليه وسلم - قضى على فاطمة بالخدمة الباطنة ، وإنما ~~كان نكاحهم على المتعارف بينهم من الإجمال وحسن العشرة ، وأما أن تجبر ~~المرأة على شىء من الخدمة ، فليس لها أصل ms2604 فى السنة ، بل الإجماع منعقد على ~~أن على الزوج مئونة الزوجة كلها . وقال الطحاوى : لم يختلفوا أن المرأة ليس ~~عليها أن تخدم نفسها ، وأن على الزوج أن يكفيها ذلك ، وأنه لو كان معها ~~خادم لم يكن للزوج إخراج الخادم من بيته ، فوجب أن تلزمه نفقة الخادم على ~~حسب حاجتها إليه ، وذكر ابن الحكم عن مالك أنه ليس على المرأة خدمة زوجها . ~~وقال الطبرى : فى حديث فاطمة الإبانة عن أن كل من كانت به طاقة من النساء ~~على خدمة نفسها فى خبز أو طحين وغير ذلك مما تعانيه المرأة فى بيتها أو لا ~~يحتاج فيه إلى الخروج أن ذلك موضوع عن زوجها إذا كان معروفا لها أن مثلها ~~تلى ذلك بنفسها ، وأن زوجها غير مأخوذ بأن يكفيها ذلك ، كما هو مأخوذ فى ~~حال عجزها عنه إما PageV07P539 بمرض أو زمانة ، وذلك أن فاطمة إذ شكت ما ~~تلقى فى يدها من الطحن والعجين إلى أبيها ، وسألته خادما لعونها على ذلك ، ~~لم يأمر زوجها عليا بأن يكفيها ذلك ، ولا ألزمه وضع مئونة ذلك عنها إما ~~بإخدامها أو باستئجار من يقوم بذلك ، بل قد روى عنه ، عليه السلام ، أنه ~~قال لها : ( يا بنية اصبرى ، فإن خير النساء التى نفعت أهلها ) . وفى هذا ~~القول من النبى ، عليه السلام ، دليل بين أن فاطمة مع قيامها بخدمة نفسها ~~كانت تكفى عليا بعض مؤنه من الخدمة ، ولو كانت كفاية ذلك على على ، لكان قد ~~تقدم عليه السلام إلى على فى كفايتها ذلك ، كما تقدم إليه إذ أراد الابتناء ~~بها أن يسوق إليها صداقها حين قال له : ( أين درعك الحطمية ؟ ) . وغير جائز ~~أن يعلم النبى - صلى الله عليه وسلم - أمته الجميل من محاسن الأخلاق ويترك ~~تعليمهم الفروض التى ألزمهم الله ، ولا شك أن سوق الصداق إلى المرأة فى حال ~~إرادته الابتناء بها غير فرض إذا رضيت بتأخيره عن زوجها . فإن قيل : فإنك ~~تلزم الرجل إذا كان ذا سعة كفاية زوجته الخدمة إذا كانت المرأة ممن لا يخدم ~~مثلها . قيل : حكم ms2605 من كان كذلك من النساء حكم ذوات الزمانة والعاهة منهن ~~اللواتى لا يقدرن على خدمة ، ولا خلاف بين أهل العلم أن على الرجل كفاية من ~~كان منهن كذلك ، فلذلك ألزمنا الرجل PageV07P540 كفاية التى لا تخدم نفسها ~~مئونة الخدمة التى لا تصلح لها ، وألزمناه مئونة خادم إذا كان فى سعة ، ~~وبنحو الذى قلنا نزل القرآن ، وذلك قوله : { لينفق ذو سعة } [ الطلاق : 7 ] ~~الآية ، وعليه علماء الأمة مجمعة . وقال غيره : وشذ أهل الظاهر عن الجماعة ~~، فقالوا : ليس عليه أن يخدمها إن كان موسرا أو كانت ممن لا يخدم مثلها ، ~~وحجة الجماعة قوله : { وعاشروهن بالمعروف } [ النساء : 19 ] ، وإذا احتاجت ~~إلى من يخدمها فلم يفعل لم يعاشرها بالمعروف . وقال مالك ، والليث ، ومحمد ~~بن الحسن : يفرض لها ولخادمين إذا كانت خطيرة . وقال الكوفيون والشافعى : ~~يفرض لها ولخادمها النفقة ، وقد تقدم شىء من معنى هذا الباب فى كتاب النكاح ~~فى باب الغيرة فى حديث أسماء . وقوله : باب خادم المرأة ، فإن عامة الفقهاء ~~متفقون أن الرجل إذا أعسر عن نفقة الخادم أنه لا يفرق بينه وبين امرأته ، ~~وإن كانت ذات قدر ؛ لأن عليا لم يلزمه النبى ، عليه السلام ، إخدام فاطمة ~~فى عسرته ، ولا أمره أن يكفيها ما شكت من الرحى . قال المهلب : وفى هذا ~~الحديث من الفقه أن المرأة الرفيعة القدر يجمل بها الامتهان فى المشاق من ~~خدمة زوجها مثل الطحن وشبهه ؛ لأنه لا أرفع منزلة من بنت رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - ، ولكنهم كانوا يؤثرون الآخرة ولا يترفهون عن خدمتهم ~~احتسابا لله وتواضعا فى عبادته . وفيه : إيثار التقليل من الدنيا والزهد ~~فيها رغبة فى ثواب الآخرة ، ألا ترى إلى قوله عليه السلام : ( ألا أدلكما ~~على خير مما سألتما ) ، فدلهما على التسبيح والتحميد والتكبير . ~~PageV07P541 * * * # | 7 - باب خدمة الرجل فى أهله # / 11 - فيه : الأسود : أنه سأل عائشة ، ما كان النبى - صلى الله عليه ~~وسلم - يصنع فى البيت ؟ قالت : كان يكون فى مهنة أهله ، فإذا سمع الأذان ~~خرج . قال المهلب : هذا من فعله ، عليه السلام ، على سبيل التواضع ms2606 وليسن ~~لأمته ذلك ، فمن السنة أن يمتهن الإنسان نفسه فى بيته فيما يحتاج إليه من ~~أمر دنياه وما يعينه على دينه ، وليس الترفه فى هذا بمحمود ولا من سبيل ~~الصالحين ، وإنما ذلك من سير الأعاجم . وفيه : أن شهود صلاة الجماعة من آكد ~~السنن ، فلم يتخلف عن ذلك ، عليه السلام ، إلا فى مرضه ، وكان شديد ~~المحافظة عليها . * * * # | 8 - باب إذا لم ينفق الرجل فللمرأة أن تأخذ بغير علمه ما يكفيها وولدها ~~بالمعروف # / 12 - فيه : عائشة ، أن هندا ، قالت : يا رسول الله ، إن أبا سفيان رجل ~~شحيح وليس ، يعطينى ما يكفينى وولدى ، إلا ما أخذت منه ، وهو لا يعلم ، ~~فقال : ( خذى ما يكفيك وولدك بالمعروف ) . فى هذا الحديث من الفقه : أنه ~~يجوز للإنسان أن يأخذ من مال من منعه من حقه أو ظلمه بقدر ماله عنده ، ولا ~~إثم عليه فى ذلك ؛ لأن النبى - صلى الله عليه وسلم - أجاز لهند ما أخذت من ~~مال زوجها بالمعروف ، وأصل هذا الحديث فى التنزيل فى قوله تعالى : { وإن ~~عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به } [ النحل : 126 ] ، وقد تقدم فى كتاب ~~المظالم اختلاف العلماء فيمن يجحد وديعة ثم يجد المودع له مالا هل يأخذ ~~عوضا من حقه أم لا ؟ PageV07P542 وفيه : أن وصف الإنسان بما فيه من النقص ~~على سبيل التظلم منه والضرورة إلى طلب الإنصاف من حق عليه أنه جائز وليس ~~بغيبة ؛ لأن النبى - صلى الله عليه وسلم - لم ينكر عليها قولها . واختلف ~~العلماء فى مقدار ما يفرض السلطان للزوجة على زوجها ، فقال مالك : يفرض لها ~~بقدر كفايتها فى اليسر والعسر ، ويعتبر حالها من حاله ، وبه قال أبو حنيفة ~~، وليست مقدرة . قال الشافعى : هى مقدرة باجتهاد الحاكم فيها ، وهى معتبرة ~~بحال الزوج دون حال المرأة ، فإن كان موسرا فمدان لكل يوم ، وإن كان متوسطا ~~فمد ونصف ، وإن كان معسرا فمد ، فيجب لبنت الخليفة ما يجب لبنت الحارس . ~~وحجة مالك والكوفيون قوله : { لينفق ذو سعة من سعته } [ الطلاق : 7 ] ، ولم ~~يذكر لها تقديرا . وقال لهند : ( خذى ما يكفيك ms2607 وولدك بالمعروف ) ، فلم يقدر ~~لها ما تأخذه لولدها ونفسها ، فثبت أنها غير مقدرة وأنها على قدر كفايتها ، ~~وإنما يجب ذلك كله بالعقد والتمكين وهو عوض من الاستمتاع عند العلماء . * * ~~* # | 9 - باب حفظ المرأة زوجها فى ذات يده والنفقة عليه # / 13 - فيه : أبو هريرة ، قال النبى عليه السلام : ( خير نساء ركبن الإبل ~~نساء قريش - وقال الآخر : صالح نساء قريش - أحناه على ولد فى صغره ، وأرعاه ~~على زوج فى ذات يده ) . ويذكر عن معاوية وابن عباس عن النبى ، عليه السلام ~~. PageV07P543 قال المهلب : فى هذا تفضيل نساء قريش على نساء العرب ، وذلك ~~لمعنيين : أحدهما : الحنو على الولد والتهمم بأمره وحسن تربيته وإلطافه . ~~والثانى : الحفظ بذات يد الزوج وعونه على دهره ، فى هاتين الخصلتين تفضل ~~المرأة غيرها عند الله وعند رسوله ، وكذلك يروى عن عمر أنه مدح المرأة التى ~~تعين على الدهر ولا تعين الدهر عليك . وقال الحسن فى تفسير هذا الحديث : ~~الحانية التى لا تزوج ولها ولد . * * * # | 10 - باب كسوة المرأة بالمعروف # / 14 - فيه : على ، آتى إلى النبى ، عليه السلام ، بحلة سيراء فلبستها ، ~~فرأيت الغضب فى وجهه ، فشققتها بين نسائى . أجمع العلماء أن للمرأة نفقتها ~~وكسوتها بالمعروف واجبة على الزوج ، وقد ذكر بعض أهل العلم أنه يجب أن يكسو ~~ثياب بلد كذا ، والصحيح فى ذلك ألا يحمل أهل البلدان على كسوة واحدة ، وأن ~~يؤمر أهل كل بلد من الكسوة بما يجرى فى عرف بلدهم ، بقدر ما يطيقه المأمور ~~على قدر الكفاية لها ، وما يصلح لمثلها ، وعلى قدر يسره وعسره ، ألا ترى أن ~~عليا شق الحلة بين نسائه حين لم يقدر على أن يكسو كل واحدة منهن بحلة كاملة ~~، وكذلك قال عليه السلام لهند : ( خذى ما يكفيك وولدك بالمعروف ) ، ولو كان ~~فى ذلك حد معلوم لأمرها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - به ، فينبغى ~~للحاكم أن يجتهد فى ذلك بقدر ما يراه . PageV07P544 * * * # | 11 - باب عون المرأة زوجها فى ولده # / 15 - فيه : جابر ، هلك أبى ، وترك سبع بنات - أو تسع بنات - فتزوجت ~~امرأة ثيبا ، فقال ms2608 لى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( تزوجت يا جابر ~~) ؟ فقلت : نعم ، قال : ( بكرا أم ثيبا ) ؟ قلت : بل ثيبا ، قال : ( فهلا ~~جارية ، تلاعبها وتلاعبك ، وتضاحكها وتضاحكك ) ، قال : فقلت له : إن ~~عبدالله هلك ، وترك بنات ، وإنى كرهت أن أجيئهن بمثلهن ، فتزوجت امرأة تقوم ~~عليهن وتصلحهن ، فقال : ( بارك الله لك ، أو قال : خيرا ) . عون المرأة ~~زوجها فى ولده من غيرها ليس بواجب عليها ، وإنما هو من حسن الصحبة وجميل ~~المعاشرة ، ومن سير صالحات النساء وذوات الفضل منهن مع أزواجهن ، وقد تقدم ~~هل يلزم المرأة خدمة زوجها . * * * # | 12 - باب نفقة المعسر على أهله # / 16 - فيه : أبو هريرة ، أتى النبى ، عليه السلام ، رجل ، فقال : هلكت ، ~~قال : ( ولم ) ؟ قال : وقعت على أهلى فى رمضان ، قال : ( فأعتق رقبة ) ، ~~قال : ليس عندى ، قال : ( فصم شهرين متتابعين ) ، قال : لا أستطيع ، قال : ~~( فأطعم ستين مسكينا ) ، قال : لا أجد ، فأتى النبى - صلى الله عليه وسلم - ~~بعرق فيه تمر ، فقال : ( أين السائل ) ؟ قال : ها أنا ذا ، قال : ( تصدق ~~بهذا ) ، قال : على أحوج منا يا رسول الله ، فوالذى بعثك بالحق ، ما بين ~~لابتيها أهل بيت أحوج منا ، قال فضحك النبى - صلى الله عليه وسلم - حتى بدت ~~أنيابه ، قال : ( فأنتم إذا ) . PageV07P545 إنما أراد البخارى فى هذا ~~الحديث إثبات نفقة المعسر على أهله ووجوبها عليه ، وذلك أن النبى - صلى ~~الله عليه وسلم - أباح له إطعام أهله بوجود العرق من التمر ، وهو ألزم له ~~من الكفارة ، وزعم الطبرى أن قياس قول أبى حنيفة ، والثورى : أن الكفارة ~~دين عليه لا تسقطها عنه عسرته ، وهو قول مالك وعامة العلماء وأصلهم أن كل ~~ما لزم أداؤه فى اليسار لزم الذمة إلى الميسرة ، إن شاء الله . * * * # | 13 - باب { وعلى الوارث مثل ذلك } [ البقرة : 233 ] وهل على المرأة منه ~~شىء ؟ { وضرب الله مثلا رجلين أحدهما أبكم } [ النحل : 76 ] الآية # / 17 - فيه : أم سلمة ، قلت : يا رسول الله هل ، لى من أجر فى بنى أبى ~~سلمة أن أنفق عليهم ، ولست بتاركتهم هكذا وهكذا ، إنما هم بنى ، قال : ( ~~نعم لك أجر ما ms2609 أنفقت عليهم ) . / 18 - وفيه : هند ، قالت : يا رسول الله ، ~~إن أبا سفيان رجل شحيح فهل على جناح أن آخذ من ماله ما يكفينى وبنى ؟ قال : ~~( خذى بالمعروف ) . اختلف العلماء فى تأويل قوله تعالى : { وعلى الوارث مثل ~~ذلك } [ البقرة : 233 ] ، فروى عن ابن عباس ، قال : عليه أن لا يضار ، وهو ~~قول الشعبى ، ومجاهد ، والضحاك ، ومالك ، قالوا : عليه أن لا يضار ولا غرم ~~عليه . وقالت طائفة : على الوارث ما كان على الوالد من أجر الرضاع إذا كان ~~الولد لا مال له . PageV07P546 ثم اختلفت هذه الطائفة فيمن الوارث الذى ~~عناه الله فى هذه الآية على أقوال : فقالت طائفة : هو كل وارث للأب أبا كان ~~أو عما ، أو ابن عم ، أو ابن أخ ، روى هذا عن الحسن البصرى ، قال : { وعلى ~~الوارث مثل ذلك } [ البقرة : 233 ] ، قال : على الرجال دون النساء ، وهو ~~قول النخعى ومجاهد . وقال آخرون : هو من ورثته من كان ذا رحم محرم للمولود ~~، فمن كان ذا رحم وليس بمحرم كابن العم والمولى ، فليس ممن عناه الله ~~بالآية ، هذا قول أبى حنيفة وأصحابه . وقال آخرون : الذى عنى الله بقوله : ~~{ وعلى الوارث مثل ذلك } هو المولود نفسه ، روى هذا عن قبيصة بن ذؤيب ، ~~والضحاك ، وتأولوا على الوارث المولود ما كان على المولود له . وقال آخرون ~~: هو الباقى من والدى المولود بعد وفاة الآخر منهما ، وهذا يوجب أن تدخل ~~الأم فى جملة الورثة الذين عليهم أجر الرضاع ، فيكون عليها رضاع ولدها ~~واجبا إن لم يترك أبوه مالا ، روى هذا القول عن زيد بن ثابت ، قال : إذا ~~خلف أما وعما ، فعلى كل واحد رضاعه بقدر ميراثه ، وهو قول الثورى . وإلى رد ~~هذا القول أشار البخارى بقوله : وهل على المرأة منه شىء ؟ يعنى من رضاع ~~الصبى ومئونته ، فذكر قوله تعالى : { وضرب الله مثلا رجلين أحدهما أبكم لا ~~يقدر } [ النحل : 76 ] ، شبه منزلة المرأة من الوارث منزلة الأبكم الذى لا ~~يقدر على النطق من المتكلم ، وجعلها كلا على من يعولها ، وذكر حديث أم سلمة ~~والمعنى فيه أن أم ms2610 سلمة كان لها ابنا من أبى سلمة ، ولم يكن لهم مال ، ~~فسألت PageV07P547 النبى - صلى الله عليه وسلم - إن كان لها أجر فى الإنفاق ~~عليهم مما يعطيها النبى - صلى الله عليه وسلم - ، فأخبرها أن لها أجرا فى ~~ذلك ، فدل هذا الحديث أن نفقة بنيها لا تجب عليها ، ولو وجبت عليها لم تقل ~~للنبى - صلى الله عليه وسلم - : ( ولست بتاركتهم ) ، وبين لها النبى - صلى ~~الله عليه وسلم - أن نفقتهم واجبة عليها سواء تركتهم أو لم تتركهم . وأما ~~حديث هند ، فإن النبى ، عليه السلام ، أطلقها على أخذ نفقة بنيها من مال ~~الأب ، ولم يوجبها عليها كما أوجبها على الأب ، فاستدل البخارى أنه لما لم ~~يلزم الأمهات نفقة الأبناء فى حياة الآباء ، فكذلك لا يلزمها بموت الآباء ، ~~وحجة أخرى وذلك أن قوله : { وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن } [ البقرة : ~~233 ] ، يعنى رزق الأمهات وكسوتهن من أجل الرضاع للأبناء ، فكيف يعطيهن فى ~~أول الآية وتجب عليهن نفقة الأبناء فى آخرها . وأما من قال : { وعلى الوارث ~~مثل ذلك } ، هو الولد ، فيقال له : لو أريد بذلك الولد لقال تعالى : وعلى ~~المولود مثل ذلك ، فلما قال : { وعلى الوارث مثل ذلك } ، وكان الوارث اسما ~~عاما يقع على جماعة غير الولد ، لم يجز أن يخص به الولد ويقتصر عليه دون ~~غيره إلا بدلالة بينة وحجة واضحة . قال إسماعيل بن إسحاق : وأما قول أبى ~~حنيفة فى إيجابه رضاع الصبى ونفقته على كل ذى رحم محرم ، مثل أن يكون رجل ~~له ابن أخت صغير محتاج وابن عم صغير محتاج وهو وارثه ، فإن النفقة تجب على ~~الخال لابن أخته الذى لا يرثه ، وتسقط عن ابن العم لابن عمه الذى يرثه ، ~~فقالوا قولا ليس فى كتاب الله ، ولا نعلم أحدا قاله ، وإنما أوجب بعضهم ~~الرضاعة على الوارث لما تأول من القرآن ، PageV07P548 وأسقط بعضهم ذلك عنه ~~لما تأول أيضا ، وهم الذين قالوا : على الوارث ألا يضار ، ولا غرم عليه ، ~~فأما النفقة على كل ذى رحم محرم ، فليس فى قولهم تأويل للقرآن ، ولا اتباع ~~للحديث ، ولا قياس ms2611 على أصل يرجع إليه ، ومذهب مالك فى هذا الباب أنه لا تجب ~~نفقة الصغير إلا على الأب خاصة ، وهو المذكور فى القرآن فى قوله : { وعلى ~~المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف } [ البقرة : 233 ] ، وفى قوله : { وإن ~~كن أولات حمل فأنفقوا عليهن حتى يضعن حملهن فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن } ~~[ الطلاق : 6 ] . فلما وجب على الأب الإنفاق على من ترضع ولده وجب عليه ~~النفقة على ولده إذا خرج من الرضاع ما دام صغيرا ، ووجب أن يغذى بالطعام ~~كما كان يغذى بالرضاع ، ولم تجب النفقة على الوارث لما فى تأويل الآية من ~~الاختلاف ، وليس مجراهم فى النظر مجرى الأب ؛ لأن الأب وجب عليه رضاع ولده ~~حين ولد ، ولم يجب على غيره من ورثته ، فلا يرجع ذلك عليهم بعد أن لم يكن ~~واجبا فى الأصل إلا بحجة ، وكان يجب على قولهم : إذا مات الرجل عن امرأته ~~وهى حامل ولم يخلف مالا أن يلزموا العصبة النفقة على المرأة من أجل ما فى ~~بطنها ، وكان يجب على مذهب أبى حنيفة أن يلزموا كل ذى رحم محرم النفقة على ~~هذه الأم من أجل ما فى بطنها ، كما يلزموا أجر رضاعه إذا أرضعته أمه ؛ ~~لأنهم إنما يلزمون الرحم النفقة على الأم التى ترضع المولود من أجل المولود ~~. PageV07P549 * * * # | 14 - باب قول النبى عليه السلام : ( من ترك كلا أو ضياعا فإلى ) # / 19 - فيه : أبو هريرة ، كان النبى - صلى الله عليه وسلم - يؤتى بالرجل ~~المتوفى عليه الدين ، فيسأل هل ترك لدينه فضلا ؟ فإن حدث أنه ترك وفاء صلى ~~عليه ، وإلا قال للمسلمين : ( صلوا على صاحبكم ) ، الحديث ، إلى قوله : ( ~~فمن ترك دينا فعلى قضاؤه ) . وقد تقدم فى باب الكفالة والحوالة . * * * # | 15 - باب المراضع من المواليات وغيرهن # / 20 - فيه : أم حبيبة زوج النبى - صلى الله عليه وسلم - ، قالت : قلت : ~~يا رسول الله ، انكح أختى بنت أبى سفيان ، قال : ( وتحبين ذلك ) ؟ قلت : ~~نعم ، لست لك بمخلية ، وأحب من شاركنى فى الخير أختى ، فقال : ( إن ذلك لا ~~يحل لى ) ، فقلت : يا رسول الله ، فوالله إنا ms2612 نتحدث أنك تريد أن تنكح درة ~~بنت أبى سلمة ، فقال : ( بنت أم سلمة ) ؟ قلت : نعم ، قال : ( فوالله لو لم ~~تكن ربيبتى فى حجرى ما حلت لى ، إنها بنت أخى من الرضاعة ، أرضعتنى وأبا ~~سلمة ثويبة ، فلا تعرضن على بناتكن ولا أخواتكن ) . وقال عروة : ثويبة ~~أعتقها أبو لهب . قال المهلب : الترجمة صحيحة ، وكانت العرب فى أول أمرها ~~تكره رضاع الإماء ، وتقتصر على العربيات من الظئورة ، طلبا لنجابة ~~PageV07P550 الولد ، فأراهم النبى - صلى الله عليه وسلم - أنه قد رضع فى ~~غير العرب ، وأن رضاعة الإماء لا يهجن . وفيه : أن الأخوة بالرضاع حرمتها ~~كحرمة الأخوة من النسب . وقول النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( بنت أم ~~سلمة ) ، إنما هو على وجه التقرير على تصحيح المسألة ؛ لأنه قد كان يجوز ~~للنبى - صلى الله عليه وسلم - أن ينكح بنات أبى سلمة من غير أم سلمة زوج ~~النبى - صلى الله عليه وسلم - ؛ لأن الجمع بين امرأة الرجل وابنته من غيرها ~~حلال عند جماعة الفقهاء ؛ لأنه ليس بينهما نسب ، وقد تقدمت هذه المسألة فى ~~كتاب النكاح فى باب ما يحل من النساء ويحرم . وقوله فى الترجمة : ( ~~المواليات ) ، كان الأقرب أن يقول : الموليات جمع مولاة ، و ( المواليات ) ~~جمع موالى ، جمع التكسير ، ثم جمع موالى جمع السلامة بالألف والتاء ، فصار ~~مواليات جمع الجمع ، والحمد لله وحده . # | مسألة الكفلاء الستة # وذلك أن رجلا باع لست رجال سلعة بستمائة درهم : زيد ، وعمرو ، وعبد الله ~~، وسليمان ، وعبد الصمد ، وعبد الواحد ، فلقى رب المال زيدا ، فأخذه ~~بالستمائة ، ثم إن زيدا لقى عمرا ، فقال له زيد : أعطنى ما أعطيت عنك ، ~~وذلك مائة درهم ومائتين من قبل الكفالة التى تكفلنا بها ، PageV07P551 ~~فيصبح على عمرو ثلاثمائة وعلى زيد ثلاثمائة . ثم إن عبد الله لقيه عمرو ، ~~فقال له : أعطنى خمسين أديتها عنك ، وأنا وأنت كفيلان بمائة وخمسين ، فيكون ~~عليك النصف منها وعلى أنا النصف ، وذلك خمسة وسبعون ، فقد أديت بالكفالة ~~خمسة وسبعين ، وكذلك أنت أيضا ، فجملة ما أدى عبد الله خمسة وعشرون ومائة . ~~ثم إن عبد الله لقيه زيد ms2613 ، فقال له زيد : أعطنى ما أديت عنك ، وذلك خمسة ~~وخمسون ومائة بينى وبينك من الكفالة ، فقال له عبد الله : فقد أديت أنا ~~أيضا لعمرو خمسة وسبعين من الكفالة ، فنقسم أنا وأنت المائة وخمسين والخمسة ~~وسبعين ، وذلك مائتان وخمسة وعشرون ، اثنا عشر ونصف ومائة عليك ، وكذلك على ~~أيضا . ثم إن سليمان لقيه زيد ، فقال : أديت اثنا عشر ونصف ومائة من قبل ~~الكفالة ، وعليك منها الثلث ، وذلك سبع وثلاثون ونصف ، وتبقى خمسة وسبعون ~~بينى وبينك من الكفالة ، فيجب عليك منها سبعة وثلاثون ونصف . ثم إن سليمان ~~لقيه عمرو ، فقال له : أعطنى ما أعطيت عنك ؛ لأنى أعطيت من قبل الكفالة ~~خمسة وسبعين ، عليك منها الثلث ، وذلك خمسة وعشرون ، ثم أقسم أنا وأنت ~~خمسين التى بقيت ، فقال له سليمان : قد أديت لزيد أنا سبعة وثلاثين ونصف من ~~طريق الكفالة ، فاجمع خمسين وسبعة وثلاثين ونصفا ، فذلك سبعة وثمانون ونصف ~~، النصف منها ثلاثة وأربعون وثلاثة أرباع على كل واحد منا . ثم إن سليمان ~~لقيه عبد الله ، فقال له : يا عبد الله ، أعطنى ما أديت عنك وذلك ثلث اثنى ~~عشر ونصف ومائة ، وهو سبعة وثلاثون ونصف ، وتبقى خمسة وسبعون أديتها ~~بالكفالة أغرمها أنا وأنت ، قال له سليمان : قد أديت أنا أيضا ثلاثة ~~وأربعين وثلاثة أرباع ، فتجمع خمسة وسبعين مع ثلاث وأربعين PageV07P552 ~~وثلاثة أرباع ، فجملة ذلك مائة وثمانية عشر وثلاثة أرباع ، عليك منها النصف ~~، وذلك تسعة وخمسون وثلاثة أثمان ، وكذلك على أنا أيضا . ثم إن عبد الله ~~لقيه زيد ، فقال له زيد : قد بقى لى مما أديت من الكفالة سبعة وثلاثون ونصف ~~، فعليك النصف منها ، وذلك ثمانية عشر وثلاثة أرباع ، ثم أقسم معك ما بقى ، ~~وذلك ثمانية عشر وثلاثة أرباع ، فيجب عليك تسعة وثلاثة أثمان من طريق ~~الكفالة ، وكذلك على أنا أيضا . ثم إن عبد الصمد لقيه عمرو ، فقال : أعطنى ~~ما أعطيت عنك ، وذلك نصف ثلاثة وأربعين وثلاثة أرباع ، وأخذ منها نصفا وهى ~~أحد وعشرون وسبعة أثمان ، ثم إن عمرا يقول له : أقسم معك أحد وعشرين وسبعة ~~أثمان ms2614 ، فيقول عبد الصمد : قد أديت أنا أيضا من طريق الكفالة تسعة وثلاثة ~~أثمان ، فيجتمع أحد وعشرون وسبعة أثمان من تسعة وثلاثة أثمان ، فذلك ثلاثون ~~وعشرة أثمان على كل واحد منهما خمسة عشر وخمسة أثمان . ثم إن عبد الصمد ~~لقيه عبد الله ، فقال له عبد الله : أعطنى ما أعطيت عنك ، وذلك نصف تسعة ~~وخمسين وثلاثة أثمان ، فقال له عبد السمد : نعم ، هى لك على ، وذلك تسعة ~~وعشرون وخمسة أثمان ونصف ثمن ، ثم إننى أقسم معك ما بقى ، وهى تسعة وعشرون ~~وخمسة أثمان ونصف ثمن ، فقال له عبد الصمد : قد أديت أنا أيضا خمسة عشر ~~وخمسة أثمان ، فاجمع ذلك وهو خمسة وأربعون وثمنان ونصف الثمن ، فيجب عليك ~~منها اثنا وعشرون وخمسة أثمان وربع الثمن ، وكذلك أنا أيضا . ثم إن عبد ~~الصمد لقيه سليمان ، فقال له سليمان : أعطنى ما PageV07P553 أعطيت عنك ، ~~وذلك نصف تسعة وخمسين وثلاثة أثمان من طريق الكفالة ، فأخذ منها نصفا ، ~~وذلك تسعة وعشرون وخمسة أثمان ونصف ، ثم قال له سليمان : نقسم معك ما بقى ، ~~فقال له عبد الصمد : قد أديت أنا أيضا اثنين وعشرين وخمسة أثمان وربع الثمن ~~من قبل الكفالة ، فجمعنا ذلك فهو اثنان وخمسون وثلاثة أرباع الثمن ، وكذلك ~~أيضا أديت أنا . هذه المسألة ليست من الشرح فتأمل . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~PageV07P554 بسم الله الرحمن الرحيم # | 52 - كتاب الشهادات # # | 1 - باب ما جاء فى البينة على المدعى لقوله تعالى : { يا أيها الذين ~~آمنوا إذا تداينتم بدين } إلى { عليم } [ البقرة : 282 ] ، وقوله : { يا ~~أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله } إلى قوله : { بما تعملون ~~خبيرا } [ النساء : 135 ] # قال إسماعيل بن إسحاق : ظاهر قوله تعالى : { وليملل الذى عليه الحق } [ ~~البقرة : 282 ] يدل أن القول قول من عليه الشىء . قال غيره : لأن الله حين ~~أمره بالإملاء اقتضى تصديقه فيما يمليه ، فإذا كان مصدقا فالبينة على من ~~يدعى تكذيبه . وأما الآية الأخرى فوجه الدلالة منها أن الله قد أخذ عليه أن ~~يقر بالحق على نفسه وأقربائه لمن ادعاه عليهم ، فدل الكتاب أن القول قول ~~المدعى عليه ms2615 ، وإن أكذبه المدعى كان على المدعى عليه إقامة البينة ، والأمة ~~مجمعة أن البينة على المدعى واليمين على المدعى عليه فى الأموال ، إلا ما ~~خصت به القسامة . وقد ذكر البخارى بعد هذا من حديث ابن مسعود وابن عباس ، ~~عن النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( أن البينة على المدعى ، واليمين على ~~المدعى عليه ) . PageV08P005 واختلفوا فى صفة يمين المدعى عليه فى الحدود ~~والنكاح والطلاق والعتق على ما يأتى بعد هذا فى بابه ، إن شاء الله . * * * # | 2 - باب إذا عدل رجل رجلا فقال : لا نعلم إلا خيرا ، أو ما علمت إلا ~~خيرا # / 1 - فساق حديث الإفك ، حيث قال النبى - صلى الله عليه وسلم - لأسامة ، ~~فقال : ( أهلك ولا نعلم إلا خيرا ) . وقال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ~~( من يعذرنى فى رجل بلغنى أذاه فى أهلى ، فوالله ما علمت إلا خيرا ) . ~~اختلف العلماء فى قول المسئول عن التزكية : ما أعلم إلا خيرا ، فذكر ابن ~~المنذر عن ابن عمر أنه كان إذا أنعم مدح الرجل قال : ما علمت إلا خيرا . ~~وذكر الطحاوى عن أبى يوسف أنه إذا قال ذاك قبلت شهادته ، ولم يذكر خلافا عن ~~الكوفيين ، واحتجوا بالحديث الأول ، قال محمد بن سعيد الترمذى : سألنى عبد ~~الرحمن بن إسحاق القاضى عن رجل شهد عنده فزكيته له ، فقال لى : هل تعلم منه ~~إلا خيرا ؟ فقلت : اللهم غفرا ، قد أعلم منه غير الخير ولا تسقط بذلك ~~عدالته ، يلقى كناسته فى الطريق ، وليس ذلك من الخير . فسكت . وروى ابن ~~القاسم ، عن مالك ، أنه أنكر أن يكون قوله : لا أعلم إلا خيرا ، تزكية ، ~~وقال : لا تكون تزكية حتى يقول : رضا وأراه عدلا رضا . وذكر المزنى ، عن ~~الشافعى قال : لا يقبل فى التعديل ، إلا أن PageV08P006 يقول عدل على ولى ، ~~ثم لا يقبله حتى يسأله عن معرفته ؛ فإن كانت باطنة متقدمة وإلا لم يقبل ذلك ~~. قال الأبهرى : والحجة لمالك أنه قد لا يعلم منه إلا الخير ، ويعلم غيره ~~منه غير الخير مما يجب به رد شهادته ، فيجب أن يقول : أعلمه عدلا رضا ؛ لأن ms2616 ~~هذا الوصف الذى أمر الله تعالى بقبول شهادة الشاهد معه بقوله : { وأشهدوا ~~ذوى عدل منكم } [ الطلاق : 2 ] { ممن ترضون من الشهداء } [ البقرة : 283 ] ~~فيجب أن يجمع الشاهد العدالة والرضا . قال المهلب : وأما قول أسامة : ( لا ~~أعلم إلا خيرا ) فى التزكية ، فإن هذا كان فى عصر الرسول الذين شهد الله ~~لهم أنهم خير أمة أخرجت للناس ، فكانت الجرحة فيهم شاذة نادرة ؛ لأنهم ~~كانوا كلهم على العدالة ، فتعديلهم أن يقال : لا أعلم إلا خيرا ، فأما ~~اليوم فالجرحة أعم فى الناس ، وليست لهم شهادة من كتاب الله ولا من سنة ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعدالة مستولية على جميعهم ، فافترق ~~حكمهم . وفى قول بريرة : ( ما أعلم عليها شيئا أغمصه ) دليل على أن من اتهم ~~فى دينه بأمر أنه يطلب فى سائر أحواله نظير ما اتهم به ، فإن لم يوجد له ~~نظير لم يصدق عليه ما اتهم فيه ، وإن وجد لذلك نظير قويت الشبهة ، وحكم ~~عليه بالتهمة فى أغلب الحال لا فى الغيب ، والله أعلم . PageV08P007 * * * # | 3 - باب شهادة المختبى # وأجازه عمرو بن حريث ، قال : وكذلك يفعل بالخائن الفاجر . وقال الشعبى ~~وابن سيرين وعطاء وقتادة : السمع شهادة ، وكان الحسن يقول : لم يشهدونى على ~~شىء ، ولكن سمعت كذا وكذا . / 2 - فيه : ابن عمر : ( انطلق النبى - صلى ~~الله عليه وسلم - وأبى بن كعب الأنصارى ، يؤمان النخل التى فيها ابن صياد ، ~~حتى إذا دخل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - طفق رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - يتقى بجذوع النخل ، وهو يختل أن يسمع من ابن صياد شيئا قبل أن ~~يراه ، وابن صياد مضطجع على فراشه فى قطيفة له فيها رمرمة ، أو زمزمة ، ~~فرأت أم ابن صياد النبى - صلى الله عليه وسلم - وهو يتقى بجذوع النخل ، ~~فقالت لابن صياد أى صاف ، هذا محمد ، فتناهى ابن صياد ، قال النبى - صلى ~~الله عليه وسلم - : لو تركته بين ) . / 3 - وفيه : عائشة : جاءت امرأة ~~رفاعة القرظى إلى النبى - صلى الله عليه وسلم - فقالت : ( كنت عند رفاعة ، ~~فطلقنى ، فأبت طلاقى ، فتزوجت عبدالرحمن ms2617 بن الزبير ، إنما معه مثل هدبة ~~الثوب ، فقال : أتريدين أن ترجعى إلى رفاعة ؟ لا ، حتى تذوقى عسيلته ، ~~ويذوق عسيلتك ، وأبو بكر جالس عنده ، وخالد بن سعيد بن العاص بالباب ينتظر ~~أن يؤذن له ، فقال : يا أبا بكر ، ألا تسمع إلى هذه ما تجهر به عند النبى - ~~صلى الله عليه وسلم - . اختلف العلماء فى شهادة المختبئ ، فروى عن شريح ~~والشعبى والنخعى أنهم كانوا لا يجيزونها ، وقالوا : إنه ليس بعدل حين اختبأ ~~ممن يشهد عليه . وهو قول أبى حنيفة والشافعى . وذكر الطحاوى فى المختصر قال ~~: جائز للرجل أن يشهد بما سمع ، إذا كان معاينا لمن سمعت منه ؛ وإن لم ~~يشهده على ذلك . PageV08P008 قال الشافعى فى الكتاب الكبير للمزنى : العلم ~~من ثلاثة وجوه : ما عاينه فشهد به ، وما تظاهرت به الأخبار وثبت موقعه فى ~~القلوب ، وشهادة ما أثبته سمعا إثبات بصر من المشهود عليه ، ولذلك قلنا : ~~لا تجوز شهادة الأعمى . وأجاز شهادة المختبئ ابن أبى ليلى ، ومالك ، وأحمد ~~، وإسحاق ، إلا أن مالكا لا يجيزها له على صحة إلا أن يكون المقر مختدعا ~~ومقدرا على حق لا يقوله بالبراءة ، والمخرج منه ومثله من وجوه الحيل . وروى ~~ابن وهب ، عن مالك فى رجل أدخل رجلين بيتا ، وأمرهما أن يحفظا ما سمعا ، ~~وقعد برجل من وراء البيت حتى أقر له بما له عليه فشهدا عليه بذلك ، فقال : ~~أما الرجل الضعيف أو الخائف أو المخدوع الذى يخاف أن يستميل أو يستضعف إذا ~~شهد عليه ؛ فلا أرى ذلك يثبت عليه ، وليحلف أنه ما أقر له بذلك إلا لما ~~يذكر ، وأما الرجل الذى ليس على ما وصفت وعسى أن يقول فى خلوته : أنا أقر ~~لك خاليا ، ولا أقر لك عند البينة ، فإنه يثبت ذلك عليه ، وهذا معنى قول ~~ابن حريث ، وكذلك يفعل بالفاجر الخائن . واحتج مالك فى العتبية بشهادة ~~المختبئ قال : إذا شهد الرجل على المرأة من وراء الستر وعرفها وعرف صورتها ~~وأثبتها قبل ذلك ، فشهادته جائزة عليها . قال : وقد كان الناس يدخلون على ~~أزواج النبى - صلى الله عليه ms2618 وسلم - وبينهم وبينهن حجاب ، فيسمعون منهن ، ~~ويحدثون عنهن . وقد سأل أبو بكر بن عبد الرحمن وأبوه عائشة وأم سلمة من ~~وراء حجاب وأخبرا عنهما . PageV08P009 قال المهلب : فى حديث ابن عمر من ~~الفقه جواز الاحتيال على المستترين بالفسق ، وجحود الحقوق ، بأن يختفى ~~عليهم حتى يسمع منهم ما يستترون به من الحق ويحكم به عليهم ، ولكن بعد أن ~~يفهم عنهم فهما حسنا ؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم - : ( لو تركته بين ) . ~~وهذا حجة لمالك ، وكذلك فى حديث رفاعة جواز الشهادة على غير الحاضر من وراء ~~الباب والستر ؛ لأن خالد بن سعيد سمع قول امرأة رفاعة عند النبى - صلى الله ~~عليه وسلم - وهو من وراء الباب ، ثم أنكره عليها بحضرة النبى - صلى الله ~~عليه وسلم - وأبى بكر حين دخل إليهما ، ولم ينكر ذلك عليه . قال الأبهرى : ~~ومن الحجة لمالك أيضا فى جواز شهادة المختبئ أن المعرفة بصوت زيد تقع كما ~~تقع بشخصه ، وذلك إذا كان قد عرف صوته وتكرر ، فجاز له أن يشهد ، كما يجوز ~~للأعمى أن يشهد على الصوت الذى يسمعه إذا عرفه . قال المهلب : وفيه إنكار ~~الهجر من القول ، إلا أن يكون فى حق لابد له من البيان عند الحاكم فى الحكم ~~بين الزوجين ، فحينئذ يجوز أن يتكلم به . قال غيره : وقول الشعبى وغيره : ~~السمع شهادة . قد فسره ابن أبى ليلى قال : السمع سمعان إذا قال : سمعت ~~فلانا يقر على نفسه بكذا أجزته ، وإذا قال : سمعت فلانا يقول : سمعت فلانا ~~. لم أجزه . وهذا مذهب مالك وأحمد وإسحاق والجمهور ، وليس معنى قولهم : إن ~~السمع شهادة أن شهادة المختبئ جائزة ؛ لأن القائلين ذلك لا يجيزونها . قال ~~ابن المنذر : قال النخعى والشعبى : السمع شهادة وأبيا أن يجيزا شهادة ~~المختبئ . PageV08P010 وقد تقدم شرح ما فى حديث ابن صياد من اللغة فى كتاب ~~الجنائز فى باب إذا أسلم الصبى . وقوله : فيها رمرمة . قال ثابت : ترمرم ~~الرجل : إذا حرك فاه للكلام ، ولم يتكلم . قال بعض الشعراء يصف ملكا : إذا ~~ترمرم أغضى كل جبار قال الخطابى : قد يكون ترمرم ms2619 : تحركت مرمته بالصوت . ~~قال الشاعر : ومستعجب مما يرى من أناتنا ولو زبنته الحرب لم يترمرم أى لم ~~ينطق . وقال صاحب الأفعال : الرمرمة : كلام لا يفهم . قال أبو حنيفة : ~~الرمرمة من الرعد ما لم يعل أو يفصح ، وقد زمزم السحاب ، وهو سحاب زمزام : ~~إذا كثرت زمزمته . * * * # | 4 - باب إذا شهد شاهد أو شهود بشىء # فقال آخرون : ما علمنا ذلك يحكم بقول من شهد . قال الحميدى : هذا كما ~~أخبر بلال أن النبى - صلى الله عليه وسلم - صلى فى الكعبة ، وقال الفضل : ~~لم يصل ، فأخذ الناس بشهادة بلال كذلك إن شهد شاهدان أن لفلان على فلان ألف ~~درهم ، وشهد آخران بألف وخمسمائة يقضى بالزيادة . PageV08P011 / 4 - فيه : ~~عقبة بن الحارث : أنه تزوج ابنة لأبى إهاب بن عزيز ، فأتته امرأة ، فقالت : ~~قد أرضعت عقبة والتى تزوج ، فقال لها عقبة : ما أعلم أنك أرضعتنى ، ولا ~~أخبرتنى ، فأرسل إلى آل أبى إهاب فسألهم ، فقالوا : ما علمناه أرضعت ~~صاحبتنا ، فركب إلى النبى - صلى الله عليه وسلم - بالمدينة ، فسأله فقال ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( كيف ، وقد قيل ففارقها ، ونكحت زوجا ~~غيره ) . إذا شهد شهود بشىء ، وقال آخرون : ما علمنا بذلك . فليس هذا شهادة ~~؛ لأن من لم يعلم الشىء فليس بحجة على من علمه ، ولهذا المعنى اتفقوا أنه ~~إذا شهد شاهدان بألف وشاهدان بألف وخمسمائة أنه يقضى بالزيادة . ولا خلاف ~~بين الفقهاء أن البينتين إذا شهدت إحداهما بإثبات شىء ، وشهدت الأخرى بنفيه ~~، وتكافئا فى العدالة أنه يؤخذ بقول من أثبت دون من نفى ؛ لأن المثبت علم ~~ما جهل النافى ، والقول قول من علم . وليس حديث عقبة بمخالف لهذا الأصل ؛ ~~لأن النبى - صلى الله عليه وسلم - لم يحكم بشهادة المرأة ولا غلب قولها على ~~قول عقبة ، وقول من نفى الرضاع من ظهور الإيجاب ، وإنما أشار - صلى الله ~~عليه وسلم - إلى أن قول المرأة شبهة يصلح التورع والتنزه للزوج عن زوجته ~~لأجلها ، والدليل على أن ذلك من باب الورع والتنزه اتفاق أئمة الفتوى على ~~أنه لا تجوز شهادة امرأة واحدة ms2620 فى الرضاع إذا شهدت بذلك بعد النكاح ، ومن ~~هذا الباب إذا شهد قوم بعدالة الشاهد ، وشهد آخرون بتجريحه فالقول قول من ~~شهد بالجرحة إذا تكافأت البينتان ؛ لأن العدالة علم ظاهر والجرحة علم باطن ~~، فهو زيادة على ما علم الشاهد بالعدالة . PageV08P012 وهذا قول مالك فى ~~المدونة ، وهو قول الكوفيين والشافعى وجمهور العلماء ، ولمالك فى العتبية ~~خلاف هذا القول ، وسأذكر ذلك فى باب تعديل كم يجوز . * * * # | 5 - باب الشهادة على الأنساب والرضاع المستفيض والموت القديم # وقال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( أرضعتنى وأبا سلمة ثويبة ) ، ~~والتثبت فيه . / 5 - فيه : عائشة : ( استأذن على أفلح ، فلم آذن له ، فقال ~~: أتحتجبين منى ، وأنا عمك ؟ فقلت : كيف ذلك ؟ قال : أرضعتك امرأة أخى ، ~~بلبن أخى ، فقالت : سألت عن ذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فقال : ~~صدق أفلح ، ائذنى له ) . / 6 - وقالت مرة : إن رجل استأذن فى بيت حفصة ، ~~فقال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( أراه فلانا ) ، لعم حفصة من الرضاعة ~~، فقالت عائشة : لو كان فلان حيا ، لعمها من الرضاعة ، دخل على ، فقال ~~النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( نعم ، إن الرضاعة تحرم ما يحرم من ~~الولادة ) . / 7 - وفيه : ابن عباس : قال الرسول فى بنت حمزة : ( لا تحل لى ~~، يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب ، هى بنت أخى من الرضاعة ) . / 8 - وفيه ~~: عائشة : ( دخل على النبى - صلى الله عليه وسلم - ، وعندى رجل ، فقال : يا ~~عائشة ، من هذا ؟ قلت : أخى من الرضاعة ، قال : انظرن من إخوانكن ، فإنما ~~الرضاعة من المجاعة ) . معنى هذا الباب أن ما صح من الأنساب والموت والرضاع ~~بالاستفاضة وثبت علمه فى النفوس ، وارتفعت فيه الريب والشك ؛ أنه ~~PageV08P013 لا يحتاج فيه المعرفة بعدد الذين به ثبت علم ذلك ، ولا يحتاج ~~إلى معرفة الشهود ، ألا ترى أن الرضاع الذى فى هذه الأحاديث كلها كان فى ~~الجاهلية ، وكان مستفيضا معلوما عند القوم الذين وقع الرضاع فيهم ، وثبتت ~~به الحرمة والنسب فى الإسلام . ويجوز عند مالك والكوفيين والشافعى الشهادة ~~بالسماع المستفيض فى النسب والموت القديم والنكاح . وقال الطحاوى : اتفقوا ms2621 ~~أن شهادة السماع تجوز فى النكاح ، ولا تجوز فى الطلاق ، وتجوز عند مالك ~~والشافعى الشهادة على ملك الدار بالسماع ، زاد الشافعى : وعلى ملك الثوب ~~أيضا ، ولا يجوز ذلك عند الكوفيين . قال مالك : لا تجوز الشهادة على ملك ~~الدار بالسماع على خمس سنين ونحوها إلا فيما يكثر من السنين وهو بمنزلة ~~سماع الولاء . قال ابن القاسم : وشهادة السماع إنما هى عليه فيما أتت عليه ~~أربعون أو خمسون سنة . قال مالك : وليس يشهد على أجناس الصحابة إلا على ~~السماع . وقال عبد الملك : أقل ما يجوز فى الشهادة على السماع أربعة شهداء ~~من أهل العدل أنهم لم يزالوا يسمعون أن هذه الدار صدقة على بنى فلان محتبسة ~~عليهم مما يصدق به فلان ، ولم يزالوا يسمعون أن فلانا مولى فلان ، قد تواطأ ~~ذلك عندهم وفشا من كثرة ما سمعوه من العدول وغيرهم ومن المرأة والخادم ~~والعبد . واختلف فيما يجوز من شهادة النساء فى هذا الباب ، فقال مالك : لا ~~يجوز فى الأنساب والولاء شهادة النساء مع الرجال ، وهو قول الشافعى ، وإنما ~~تجوز مع الرجال فى الأموال خاصة أو منفردات فى PageV08P014 الاستهلال ، وما ~~لا يطلع عليه الرجال من أمور النساء ، وأجاز الكوفيون شهادة رجل وامرأتين ~~فى الأنساب . وأما الرضاع فيجوز فيه عند مالك شهادة امرأتين دون رجل ، ~~وسيأتى مذاهب العلماء فى هذا فى كتاب الرضاع إن شاء الله . * * * # | 6 - باب شهادة القاذف والسارق والزانى وقوله : { ولا تقبلوا لهم شهادة ~~أبدا وأولئك هم الفاسقون إلا الذين تابوا } [ النور : 4 ، 5 ] # وجلد عمر أبا بكرة وشبل بن معبد ونافعا بقذف المغيرة ، ثم استتابهم . ~~وقال : من تاب قبلت شهادته ، وأجازه عبد الله بن عتبة ، وعمر بن عبد العزيز ~~، وسعيد ابن جبير ، وطاوس ، ومجاهد ، والشعبى ، وعكرمة ، والزهرى ، ومحارب ~~بن دثار ، وشريح ، ومعاوية بن قرة ، وقال أبو الزناد : الأمر عندنا ~~بالمدينة إذا رجع القاذف عن قوله فاستغفر ربه ، قبلت شهادته . وقال الشعبى ~~وقتادة : إذا أكذب نفسه جلد وقبلت شهادته . وقال الثورى : إذا جلد العبد ثم ~~أعتق جازت شهادته ، وإن استقضى المحدود ms2622 ، فقضاياه جائزة . وقال بعض الناس : ~~لا تجوز شهادة القاذف ، وإن تاب ، ثم قال : لا يجوز نكاح بغير شاهدين ، فإن ~~تزوج بشهادة محدودين جاز ، وإن تزوج بشهادة عبدين لم يجز ، وأجاز شهادة ~~المحدود والعبد والأمة لرؤية هلال رمضان ، وكيف تعرف توبته ؟ وقد نفى النبى ~~- صلى الله عليه وسلم - الزانى سنة ونهى عن كلام سعد بن مالك وصاحبيه حتى ~~مضى خمسون ليلة . PageV08P015 / 9 - فيه : عائشة أن امرأة سرقت فى غزوة ~~الفتح ، فأتى بها النبى - صلى الله عليه وسلم - ، فأمر بها ، فقطعت يدها ، ~~قالت عائشة : فحسنت توبتها ، وتزوجت ، وكانت تأتى بعد ذلك ، فأرفع حاجتها ~~إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - . / 10 - وفيه : زيد بن خالد ، أن ~~النبى - صلى الله عليه وسلم - أمر فيمن زنى ولم يحصن ، بجلد مائة ، وتغريب ~~عام . اختلف العلماء فى شهادة القاذف : هل ترد شهادته قبل الحد أم لا ؟ ~~فروى ابن وهب عن مالك أنه لا ترد شهادته حتى يحد . وهو قول الكوفيين . وقال ~~الليث والأوزاعى والشافعى : ترد شهادته وإن لم يحد . وهو قول ابن الماجشون ~~. وحجة من أجازها قبل الحد بأن الحد لا يكون إلا بأن يطلبه المقذوف ويعجز ~~القاذف عن البينة ، فإذا لم يطلب القاذف لم يؤمن عليه أن يعترف بالزنا أو ~~تقوم عليه بينة فلا يفسق ولا يحد ؛ لأنه على أصل العدالة حتى يتبين كذبه . ~~وحجة الشافعى أنه بالقذف يفسق ؛ لأنه من الكبائر ، ولا تقبل شهادته حتى تصح ~~براءته بإقرار المقذوف له بالزنا أو قيام البينة عليه ، وهو عنده على الفسق ~~حتى تتبين براءته ويعود إلى العدالة ، وهو قبل الحد شر حالا منه حين يحد ؛ ~~لأن الحدود كفارات للذنوب ، وهو بعد الحد خير منه قبله ، فكيف أرد شهادته ~~فى خير حالتيه وأجيزها فى شرها . واختلفوا إذا حد وتاب فقال جمهور السلف : ~~إذا تاب وحسنت حالته قبلت شهادته ، وممن روى عنه سوى من ذكره البخارى فى ~~قول PageV08P016 ابن المنذر عطاء ، واختلف فيه عن سعيد ابن المسيب ، وهو ~~قول مالك والشافعى وأحمد وإسحاق وأبى ثور وأبى عبيد . وممن ms2623 قال : إن شهادة ~~القاذف لا تجوز أبدا وإن تاب : شريح ، والحسن ، والنخعى ، وسعيد ابن جبير ، ~~وهو قول الثورى ، والكوفيين ، وقالوا : توبته فيما بينه وبين الله قال : ~~وأما المحدود فى الزنا والسرقة والخمر إذا تابوا قبلت شهادتهم . واحتج ~~الكوفيون فى رد شهادة القاذف بعموم قوله : { ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا } [ ~~النور : 4 ] ، وقالوا : إن الاستثناء فى قوله : { إلا الذين تابوا } [ ~~النور : 5 ] راجع إلى الفسق خاصة لا إلى قبول الشهادة . وقال آخرون : ~~الاستثناء راجع إلى الفسق والشهادة جميعا إلا أن يفرق بين ذلك بخبر يجب ~~التسليم له ، وإذا قبل الكوفيون شهادة الزانى والقاتل والمحدود فى الخمر ~~إذا تابوا ، أو المشرك إذا أسلم وقاطع الطريق ، ثم لا تقبل شهادة من شهد ~~بالزنا فلم تتم الشهادة فجعل قاذفا ، وأجمعت الأمة أن التوبة تمحو الكفر ، ~~فوجب أن يكون ما دون الكفر أولى ، وقد قال الشعبى : يقبل الله توبته ولا ~~تقبلون شهادته . واحتجوا بأن عمر بن الخطاب ، رضى الله عنه ، جلد الذين ~~قذفوا المغيرة واستتابهم وقال : من تاب قبلت شهادته . وكان هذا بحضرة جماعة ~~الصحابة من غير نكير ، ولو كان تأويل الآية ما تأوله الكوفيون لم يجز أن ~~يذهب علم ذلك عن الصحابة ، ولقالوا لعمر : لا يجوز قبول توبة القاذف أبدا . ~~ولم يسعهم السكوت عن القضاء بتحريف تأويل الكتاب ، فسقط قولهم . ~~PageV08P017 واختلف قول مالك وأصحابه هل تقبل شهادته فى كل شىء ؟ فروى عنه ~~ابن نافع أن المحدود إذا حسنت حاله قبلت شهادته فى كل شىء وهى رواية ابن ~~عبد الحكم عنه ، وهو قول ابن كنانة ، ورواه أبو زيد عن أصبغ . وذكر الوقار ~~عن مالك أنه لا تقبل شهادته فيما حد فيه خاصة وتقبل فيما سوى ذلك إذا تاب . ~~وهو قول مطرف وابن الماجشون . وروى العتبى عن أصبغ وسحنون مثله ، والقول ~~الأول أولى لعموم الاستثناء ، ورجوعه إلى أول الكلام وآخره ، ومن ادعى ~~تخصيصه فعليه الدليل . واختلف مالك والشافعى فى توبة القاذف ما هى ؟ فقال ~~الشافعى : توبته أن يكذب نفسه . روى ذلك عن عمر بن الخطاب ، واختاره ms2624 ~~إسماعيل بن إسحاق . وقال مالك : توبته أن يزداد خيرا . ولم يشترط إكذاب ~~نفسه فى توبته ؛ لجواز أن يكون صادقا فى قذفه . قال المهلب : وكان المسلمون ~~احتجوا فى هذا على أبى بكرة ، ألا ترى أنهم يروون عنه الأحاديث ، ويحملون ~~عنه السنة وهو لم يكذب نفسه ، وقد قال له عمر : ارجع عن قذفك المغيرة ونقبل ~~شهادتك . وإنما قال له عمر ذلك ، والله أعلم ، استظهارا له كمال التوبة ~~بالرجوع عما قال فى القذف ، وإن كان يستجزئ بصلاح حاله عن تكذيب نفسه فى ~~قبول شهادته . وأما قوله : وكيف تعرف توبته ، وقد نفى النبى - صلى الله ~~عليه وسلم - الزانى سنة ، ونهى عن كلام كعب ابن مالك وصاحبيه حتى مضى خمسون ~~ليلة ؟ فتقدير الكلام . باب شهادة القاذف والسارق والزانى وباب كيف تعرف ~~توبته ، وكثيرا ما يفعله البخارى يردف ترجمة على ترجمة وإن بعد ما بينهما ، ~~PageV08P018 وأراد بقوله : وكيف تعرف توبته . . . إلى آخر الكلام الاحتجاج ~~لقول مالك أنه ليس من شرط توبة القاذف تكذيب النفس وتخطئتها ، والرد على ~~الشافعى ؛ فإنه زعم أن ذلك من شرط التوبة ، ووجه الحجة لذلك أن النبى - صلى ~~الله عليه وسلم - بعث معلما للناس ، وأمرهم بالتوبة من ذنوبهم ، ولم يأمرهم ~~بأن يستهلوا بأنهم على معاصى الله ، بل قد أمر النبى - صلى الله عليه وسلم ~~- من أتى معصية ألا يتحدث بها ولا يفشيها . واستدل البخارى أن القاذف يكون ~~تائبا بصلاح الحال ، دون إكذابه لنفسه واعترافه أنه عصى الله أو خالف أمره ~~بلسانه ؛ حين لم يشترط ذلك على الزانى فى مدة تغريبه ، ولا كعب بن مالك ~~وصاحبيه فى الخمسين ليلة ، فإن زعم الشافعى أن توبة القاذف كانت مخصوصة ~~بذلك ؛ كلف الدليل عليه من كتاب أو سنة ، أو إجماع أو قياس صحيح . وإنما ~~أدخل البخارى حديث عائشة فى هذا الباب لقولها فى التى سرقت : ( فحسنت ~~توبتها ) لأن فيه دليلا أن السارق إذا تاب وحسنت حاله قبلت شهادته ، وكذلك ~~حديث زيد بن خالد أن النبى - صلى الله عليه وسلم - جعل حد الزانى جلد مائة ~~وتغريب عام ، ولم ms2625 يشترط عليه - صلى الله عليه وسلم - بعد الحد والتغريب ، ~~إن تاب ألا تقبل شهادته ، ولو كان ذلك شرطا لذكره - صلى الله عليه وسلم - . ~~وإنما ذكر قول الثورى وأبى حنيفة ؛ ليلزمها التناقض فى قولهما أن القاذف لا ~~تجوز شهادته ، وهم يجيزونها فى مواضع ، وأجاز الثورى شهادة العبد إذا جلد ~~قبل العتق وهذا تناقض ؛ لأن من قذف فقد فسق ، وليس العتق توبة ، وهو لو قذف ~~بعد العتق وتاب لم تجز شهادته عنده ، وكذلك أجاز قضايا المحدود فى القذف ~~وهذا تناقض ، PageV08P019 وكيف تجوز قضايا المحدود ولا تجوز شهادته ، وكذلك ~~يلزم أبا حنيفة التناقض فى إجازته النكاح بشهادة محدودين ، وإنما أجاز ذلك ~~؛ لأن من مذهبه أن الشهود فى النكاح خاصة على العدالة وفيما سوى ذلك على ~~الجرحة وهذا تحكم ، وتغنى حكاية هذا القول عن الرد عليه . وقال ابن المنذر ~~: أجاز أبو حنيفة النكاح بشهادة فاسقين ، وقد أجمع أهل العلم على رد ~~شهادتهم ، وأبطل النكاح بشهادة عبدين . وقد اختلف أهل العلم فى قبول ~~شهادتهم ، والنظر دال على أن شهادتهم مقبولة إذا كانا عدلين ، ودليل القرآن ~~وهو قوله : { إن أكرمكم عند الله أتقاكم } [ الحجرات : 13 ] . وأما إجازته ~~شهادة المحدود فى هلال رمضان ، فإنه أجرى ذلك مجرى الخبر ، والخبر يخالف ~~الشهادة فى المعنى ؛ لأن المخبر له مدخل فى حكم ما شهد به وهذا غلط ؛ لأن ~~الشاهد على هلال رمضان لا يزول عنه اسم شاهد ولا يسمى مخبرا ، فحكمه حكم ~~الشاهد فى المعنى لاستحقاقه ذلك بالاسم ، وأيضا فإن الشهادة على هلال رمضان ~~حكم من الأحكام ، ولا يجوز أن يكون يقبل فى الأحكام إلا من تجوز شهادته فى ~~كل شىء ، ومن جازت شهادته فى هلال رمضان ولم تجز فى القذف ؛ فليس بعدل ولا ~~هو ممن يرضى ؛ لأن الله إنما تعبدنا بقبول من نرضى من الشهداء ، والله ~~الموفق . PageV08P020 * * * # | 7 - باب شهادة النساء ، وقوله : { فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان } ~~[ البقرة 282 ] # / 11 - فيه أبو سعيد ، عن النبى - صلى الله عليه وسلم - ، قال : ( أليس ~~شهادة المرأة مثل نصف شهادة الرجل ؟ قلن ms2626 : بلى ، قال : فذلك من نقصان عقلها ~~) . أجمع العلماء على أن القول بظاهر قوله تعالى : { فإن لم يكونا رجلين ~~فرجل وامرأتان } [ البقرة : 282 ] على أن شهادة النساء تجوز مع الرجال فى ~~الديون والأموال ، وأجمع أكثر العلماء على أن شهادتهن لا تجوز فى الحدود ~~والقصاص . هذا قول سعيد بن المسيب ، والشعبى ، والنخعى ، والحسن البصرى ، ~~والزهرى ، وربيعة ، ومالك ، والليث ، والكوفيين ، والشافعى ، وأحمد ، وأبى ~~ثور . واختلفوا فى النكاح والطلاق والعتق والنسب والولاء ، فذهب ربيعة ، ~~ومالك ، والشافعى ، وأحمد ، وأبو ثور إلى أنه لا تجوز فى شىء من ذلك كله مع ~~الرجال . وأجاز شهادتهن فى ذلك كله مع الرجال الكوفيون ، ولا دليل لهم يوجب ~~قبول شهادتهن فى شىء من ذلك ، واتفقوا أنه تجوز شهادتهن منفردات فى الحيض ~~والولادة ، والاستهلال وعيوب النساء ، وما لا يطلع عليه الرجال من عورتهن ~~للضرورة ، واختلفوا فى الرضاع فمنهم من أجاز فيه شهادتهن منفردات ، ومنهم ~~من أجازها مع الرجال على ما سيأتى ذكره فى النكاح . وقال أبو عبيد : اجتمعت ~~العلماء على أنه لا حظ للنساء فى الشهادة فى الحدود ، وكذلك أجمعوا على ~~شهادتهن فى الأموال أنه PageV08P021 لا حظ لهن فيها ، قال المؤلف : يعنى ~~منفردات ، وذلك لآيتين تأولهما ، فيما نرى والله أعلم ، أما آية الحدود ~~فقوله : { والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء } [ النور : 4 ] ~~فعلم أن الشهادة فى اللغة لا تقع إلا على الذكور ، ثم أمضوا على هذا جميع ~~الحدود من الزنا والسرقة والفدية وشرب الخمر والقصاص فى النفس وما دونها . ~~وأما آية الأموال فقوله تعالى : { يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم } إلى { ~~ترضون من الشهداء } [ البقرة : 282 ] ثم أمضوا على هذا جميع الحقوق ~~والمواريث والوصايا والودائع والوكالات والدين ، فلما صاروا إلى النكاح ~~والطلاق والعتاق لم يجدوا فيها من ظاهر القرآن ما وجدوا فى تلك الآيتين . ~~واختلفوا فى التأويل فشبهها قوم بالأموال فأجازوا فيها شهادة النساء . ~~وقالوا : ليست بحدود وإنما توجب مهورا ونفقات النساء . وأبى ذلك آخرون ~~ورأوها كلها حدودا ؛ لأن بها يكون استحلال الفروج وتحريمها . قال أبو عبيد ~~: وهذا القول ms2627 يختار ؛ لأن تأويل القرآن يصدقه ، ألا تسمع قوله تعالى حين ~~ذكر الطلاق والرجعة فقال : { وأشهدوا ذوى عدل منكم } [ الطلاق : 2 ] فخص ~~بها الرجال ولم يجعل للنساء فيها حظا كما جعله فى الدين ، ثم أبين من ذلك ~~أنه سماها : حدود الله فقال : { تلك حدود الله فلا تعتدوها } [ البقرة : ~~229 ] فكان هذا أكثر من التأويل . والأمر عندنا عليه أنه لا تجوز شهادتهن ~~فى نكاح ولا طلاق ولا رجعة ، وكيف يقبل قولهن فى هذه الحال على غيرهن ولا ~~يملكنها من أنفسهن ، ولم يجعل الله إليهن عقد نكاح ولا حله ؟ لأن الله خاطب ~~الرجال فى ذلك دونهن فى كتابه . PageV08P022 قال أبو عبيد : والعتاق عندنا ~~مثل ذلك كله لا تجوز فيه شهادتهن لما يدخل فيه من تحليل الفروج وتحريمها . ~~قال المهلب : وفى حديث أبى سعيد دليل أن الناس يجب أن يتفاضلوا فى الشهادة ~~بقدر عقولهم وفهمهم وضبطهم ، وأن يكون الرجل الصالح الذى نعرف منه الغفلة ~~والبلادة يتوقف عند شهادته فى الأمور الخفية ، وتقل شهادة اليقظان الفهم ~~العدل ، والتفاضل فى شهادتهما على قدر أفهامهما . وفيه : أن الشاهد إذا نسى ~~الشهادة ثم ذكره بها صاحبه حتى ذكرها أنها جائزة ؛ لقوله : { أن تضل ~~إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى } [ البقرة : 282 ] فدخل فى معنى ذلك الرجال ~~أيضا . * * * # | 8 - باب الشهداء العدول وقوله : { وأشهدوا ذوى عدل منكم } [ الطلاق 6 ] # / 12 - فيه : عمر : إن ناسا كانوا يؤخذون بالوحى فى عهد النبى - صلى الله ~~عليه وسلم - ، وإن الوحى قد انقطع ، وإنما نأخذكم الآن بما ظهر لنا من ~~أعمالكم ، فمن أظهر لنا خيرا أمناه ، وقربناه ، وليس إلينا من سريرته شيء ، ~~الله يحاسبه فى سريرته ، ومن أظهر لنا شرا لم نأمنه ، ولم نصدقه ، وإن قال ~~: إن سريرته حسنة . قال أبو الحسن بن القابسى : ينبغى لكل من سمع هذا ~~الحديث أن يحفظه ويتأدب به . والمرفوع من هذا الحديث إخبار عمر عما كان ~~الناس يؤخذون به على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وبقية الخبر ~~بيان لما يستعمله الناس بعد انقطاع الوحى بوفاة النبى - صلى الله ms2628 عليه وسلم ~~- . PageV08P023 وفى هذا الحديث من الفقه : أن من ظهر منه الخير فهو العدل ~~الذى تجب قبول شهادته . واختلفوا فى ذلك فقال النخعى : العدل : الذى لم ~~تظهر له ريبة . وهو قول أحمد وإسحاق . وقال أبو عبيد : من ضيع شيئا مما ~~أمره الله به أو ركب شيئا مما نهى الله عنه ، فليس بعدل ؛ لقوله تعالى : { ~~إنا عرضنا الأمانة على السموات والأرض . . } [ الأحزاب : 72 ] الآية ، ~~والأمانة جميع الفرائض اللازمة واللازم تركها . وقال أبو يوسف ، ومحمد ، ~~والشافعى : من كانت طاعته أكثر من معاصيه ، وكان الأغلب عليه الخير ، زاد ~~الشافعى : والمروءة ، ولم يأت كبيرة يجب بها الحد أو ما يشبه الحد قبلت ~~شهادته ؛ لأنه لا يسلم أحد من ذنب . ومن أقام على معصية أو كان كثير الكذب ~~غير مستتر به لم تجز شهادته . وقال الطحاوى : لا يخلو ذكر المروءة أن يكون ~~فيما يحل أو يحرم ، فإن كانت فيما يحل فلا معنى لذكرها ، وإن كانت فيما ~~يحرم فهى من المعاصى ، فالمراعاة هى فى إتيان الطاعة واجتناب المعصية . قال ~~المهلب : فى هذا الحديث دليل أن سلف الأمة كانوا على العدالة ؛ لشهادة الله ~~لهم أنهم خير أمة أخرجت للناس . وقال الحسن البصرى وغيره وذكره ابن شهاب : ~~إن القضاة فيما مضى كانوا إذا شهد عندهم الشاهد قالوا : قد قبلناه لدينه ، ~~وقالوا للمشهود عليه : دونك فجرح ؛ لأن الجرحة كانت فيهم شاذة ، فعلى هذا ~~كان السلف ، ثم حدث فى الناس غير ذلك . PageV08P024 واتفق مالك والكوفيون ~~والشافعى أن الشهود اليوم على الجرحة حتى تثبت العدالة . قال أبو حنيفة : ~~إلا شهود النكاح فإنهم على العدالة . وهذا قول لا سلف له فيه ولا دليل عليه ~~، ولو عكس عليه هذا القول لم يكن أحد القولين أولى بالحكم من الآخر ، وحجة ~~الفقهاء أن الشهود على الجرحة قوله : { وأشهدوا ذوى عدل منكم } [ الطلاق : ~~2 ] { ممن ترضون من الشهداء } [ البقرة : 282 ] فخاطب الحكام ألا يقبلوا ~~إلا من كان بهذه الصفة ، ودل القرآن فى الناس غير مرضى ولا عدل ، فلذلك كلف ~~الطالب إذا جعل القاضى أحوال الشهود أن ms2629 يعدلوا عنده . * * * # | 9 - باب تعديل كم يجوز # / 13 - فيه : أنس : ( مر على النبى - صلى الله عليه وسلم - بجنازة ، ~~فأثنوا عليها خيرا ، فقال : وجبت ، ثم مر بأخرى ، فأثنوا عليها شرا ، فقال ~~: وجبت ، فسئل فقال - صلى الله عليه وسلم - : شهادة القوم ، المؤمنون شهداء ~~الله فى الأرض ) . / 14 - وفيه : عمر ، أنه مر عليه بجنازة ، فأثنى خيرا ، ~~فقال : وجبت ، ثم مر بأخرى ، فأثنى خيرا ، فقال : وجبت . . . الحديث . فسئل ~~، فقال : قلت كما قال النبى - صلى الله عليه وسلم - : أيما مسلم شهد له ~~أربعة بخير أدخله الله الجنة ، قلنا : وثلاثة ؟ قال : وثلاثة ، قلت : ~~واثنان ؟ قال : واثنان ، فلم نسأله عن الواحد ) . اختلف العلماء فى عدد من ~~يجوز تعديله ، فقال مالك ومحمد بن الحسن والشافعى : لا يقبل فى التعديل ~~والجرح أقل من رجلين . وقال PageV08P025 أبو حنيفة وأبو يوسف : يقبل تعديل ~~الواحد وجرحه . وحديث عمر حجة لمالك ومن وافقه . واحتج الطحاوى لذلك فقال : ~~لما لم ينفذ الحكم إلا برجلين فكذلك الجرح والتعديل ، فلما كان من شرط ~~المزكى والجارح العدالة وجب أن يكون من شرطها العدد . واتفقوا أنه لو عدل ~~رجلان وجرح واحد أن التعديل أولى ، فلو كان الواحد مقبولا لما صح التعديل ~~مع جرح الواحد . واتفقوا إذا استوى الجرح والتعديل ، فإن الجرح أولى أن ~~يعمل به من التعديل وهو قول مالك فى المدونة ، والحجة لذلك أن الجرح باطن ~~والعدالة علم ظاهر ، والجارح يصدق المعدل ويقول : قد علمت من حاله مثل ما ~~علمت أنت وانفردت أنا بعلم ما لم تعلم أنت من أمره بعلم انفردت به لا ينافى ~~خبر المعدل وخبر المعدل لا ينافى صدق الجارح ، فوجب أن يكون الجرح أولى من ~~التعديل . ولمالك قول آخر فى العتبية من رواية أشهب وابن نافع أنه ينظر إلى ~~أعدل البينتين فيقضى بها وقال ابن نافع : الجرحة أولى . والحجة لقول ابن ~~نافع ما تقدم من تصديق الجارحين للمعدلين وإخبارهم بما انفردوا به دونهم ، ~~وكذلك لو كثر عدد المعدلين على عدد الجارحين كان قول الجارحين أولى ، وهو ~~قول الجمهور والأكثر ، والحجة له ما تقدم ms2630 ذكره . PageV08P026 * * * # | 10 - باب لا يشهد على شهادة جور إذا أشهد # / 15 - فيه : النعمان قال : سألت أمى أبى بعض الموهبة لى من ماله ، ثم ~~بدا له فوهبها لى ، فقالت : لا أرضى حتى تشهد النبى - صلى الله عليه وسلم - ~~، فأخذ بيدى ، وأنا غلام فأتى بى النبى - صلى الله عليه وسلم - ، فقال : إن ~~أمه بنت رواحة سألتنى بعض الموهبة لهذا ، قال : ألك ولد سواه ؟ قال : نعم ، ~~قال : فأراه قال لا تشهدنى على جور . وقال مرة : لا أشهد على جور . / 16 - ~~فيه : عمران : قال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( خيركم قرنى ثم الذين ~~يلونهم ، ثم الذين يلونهم ، قال عمران : لا أدرى ، أذكر النبى - صلى الله ~~عليه وسلم - بعد قرنين أو ثلاثة ، فقال النبى عليه السلام : إن بعدكم قوما ~~يخونون ولا يؤتمنون ، ويشهدون ولا يستشهدون ، وينذرون ولا يفون ، ويظهر ~~فيهم السمن ) . / 17 - فيه : عبدالله ، قال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ~~( خيركم قرنى ، ثم الذين يلونهم ، مرتين ، ثم يجىء أقوام تسبق شهادة أحدهم ~~يمينه ، ويمينه شهادته ) . قال إبراهيم : وكانوا يضربوننا على الشهادة ~~والعهد . قال المهلب : فى حديث النعمان دليل أن الرجل إذا فهم من عطيته ~~فرار من بعض الورثة أنه لا يعان عليها بشهادة ولا بإمضاء ويؤمر بارتجاعها ، ~~وإنما فهم - صلى الله عليه وسلم - الجور فى ذلك لقولها : ( لا أرضى حتى ~~تشهد النبى - صلى الله عليه وسلم - ) مع علمه بميله إليها وتقمن مسرتها . ~~ففيه دليل أن الحاكم يحكم بما فهم من المسائل كما فهم PageV08P027 النبى - ~~صلى الله عليه وسلم - أنه يطلب رضاها وتفضيل ولدها على إخوته فهذا هو الجور ~~. قال غيره : وفى قوله : ( لا أشهد على جور ) من الفقه ألا يضع أحد اسمه فى ~~وثيقة لا تجوز . ومن العلماء من رأى أن يضع اسمه فى وثيقة الجور ؛ ليكون ~~شاهدا عليه بأنه فعل ما لا يجوز له فيرد فعله ، وإن تعمد ذلك كان فى ~~الشهادة عليه جرحة تسقط شهادته ، والقول الأول الذى يوافق الحديث أولى . ~~قال المهلب : وفى حديث عمران تعديل القرون الثلاثة على منازل متفاضلة ، ~~وفيه ms2631 شمول التجريح لمن يأتى بعدهم ، وصفة لمن لا تقبل شهادته ممن شهد على ~~ما لم يشهد عليه ، ويخون فيما اؤتمن ولا يفى بما حلف به أو نذره ، فهذه ~~صفات الجرحة . وقوله : ( ويظهر فيهم السمن ) يعنى أنه ليس لهم فى الدنيا ~~إلا كثرة الأكل ، واتباع اللذات ، ولا رغبة لهم فى أسباب الآخرة ؛ لغلبة ~~شهوات الدنيا عليهم . قال الطحاوى : واحتج قوم بقوله - صلى الله عليه وسلم ~~- : ( يشهدون ولا يستشهدون ) فقالوا : لا تجوز شهادة من شهد بها قبل أن ~~يسألها ، وهو مذموم . وخالفهم فى ذلك آخرون وقالوا : بل هو محمود مأجور على ~~ذلك . واحتجوا بأن النبى - صلى الله عليه وسلم - إنما ذكر هذا فى تغير ~~الزمن فقال : ( يفشو الكذب حتى يشهد الرجل على الشهادة ولا يسألها ، وحتى ~~يحلف على اليمين ولا يستحلف ) فمعنى ذلك أن PageV08P028 يشهد كاذبا ؛ لقوله ~~: ( ثم يفشو الكذب ) فيكون كذا وكذا ، فلا يجوز أن يكون ذلك الذى يكون إذا ~~فشا الكذب إلا كذبا ، وإلا فلا معنى لذكره فشو الكذب ، وأيضا فإن هذه ~~الشهادة المذمومة لم يرد بها الشهادة على الحقوق ، وإنما أريد بها الشهادة ~~فى الأيمان ، يدل على ذلك قول النخعى فى آخر الحديث ، وهو الذى رواه ، قال ~~: وكانوا يضربوننا على الشهادة والعهد . فدل هذا من قول إبراهيم أن الشهادة ~~التى ذم النبى - صلى الله عليه وسلم - صاحبها فى قول الرجل أشهد بالله ما ~~كان كذا على كذا على معنى الحلف ، فكره ذلك كما كره الحلف ، لأنه مكروه ~~للرجل الإكثار منه وإن كان صادقا ، فنهى عن الشهادة التى هى حلف بها ، كما ~~نهى عن اليمين إلا أن يستحلف فيكون حينئذ معزورا ، واليمين قد تسمى شهادة ، ~~قال الله تعالى : { فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله } [ النور : 6 ] ، أى ~~أربع أيمان ، وقد روى عن النبى - صلى الله عليه وسلم - فى تفضيل الشاهد ~~المبتدئ بالشهادة ما رواه مالك ، عن عبد الله بن أبى بكر ، عن أبيه ، عن ~~عبد الله بن عمرو بن عثمان ، عن ابن أبى عمرة الأنصارى ، عن زيد بن خالد ~~الجهنى أن ms2632 النبى - صلى الله عليه وسلم - قال : ( ألا أخبركم بخير الشهداء ، ~~الذى يأتى بالشهادة قبل أن يسألها ) وفسره مالك فقال : الرجل تكون عنده ~~الشهادة فى الحق لمن لا يعلمها فيخبر بشهادته ويرفعها إلى السلطان . ~~PageV08P029 قال الطحاوى : فهذا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد مدحه ~~وجعله خير الشهداء ، فأولى بنا أن نحمل الأخبار على هذا التأويل حتى لا ~~تتضاد ولا تختلف ، فتكون أحاديث هذا الباب على هذا المعنى الذى ذكرناه ، ~~ويكون حديث زيد بن خالد على تفضيل المبتدئ بالشهادة لمن هى له أو المخبر ~~بها الإمام . وقد فعل ذلك أصحاب النبى - صلى الله عليه وسلم - وشهدوا ~~ابتداء ، شهد أبو بكرة ومن كان معه على المغيرة بن شعبة ، ورأوا ذلك ~~لأنفسهم لازما ، ولم يعنفهم عمر على ابتدائهم بها ؛ بل سمع شهادتهم ، ولو ~~كانوا فى ذلك مذمومين لذمهم ، وقال : من سألكم عن هذا ألا قعدتم حتى تسألوا ~~، ولما لم ينكر عليهم عمر ولا أحد ممن كان بحضرته دل أن فرضهم ذلك ~~وابتداؤهم لا عن مسألة محمود ، وهو قول مالك والكوفيين . قال الطحاوى : ~~قوله : ( ويشهدون ولا يستشهدون ) حجة لابن شبرمة فى قوله أنه من سمع رجلا ~~يقول لفلان ، عندى كذا وكذا ، ولم يشهده الذى عليه بذلك على نفسه فلا يقبل ~~؛ لأنه لعله أن يكون ذلك وديعة عنده فليس بشىء ، فأما أن يناقله الكلام ~~فيقول : يا فلان ، ألا تعطنى كذا الذى لى عندك . فقال : بل أنا معطيك ~~فأنظرنى ، فيجوز أن يشهد عليه . قال : والحجة عليه قوله فى حديث ابن مسعود ~~: ( ثم يجئ قوم تسبق شهادة أحدهم يمينه ويمينه شهادته ) . قال إبراهيم : ~~وكانوا ينهوننا ونحن غلمان أن نحلف بالشهادة والعهد . فدل أن الشهادة ~~المذمومة هى المحلوف بها التى يجعلها الإنسان عادته كما قال تعالى : { ولا ~~تجعلوا الله عرضة لأيمانكم } [ البقرة : 224 ] . PageV08P030 ولا خلاف بين ~~العلماء أن من رأى رجلا يقتل رجلا أو يغصبه مالا أنه يجوز أن يشهد به ، وإن ~~لم يشهده الجانى على نفسه بذلك . فإن قيل : قوله - صلى الله عليه وسلم - : ~~( تسبق شهادة أحدهم ms2633 يمينه ، ويمينه شهادته ) يدل أن الشهادة والحلف عليها ~~يبطلها . قيل : لا خلاف بين العلماء أنه تجوز الشهادة والحلف عليها ، وهو ~~فى كتاب الله فى ثلاثة مواضع : { ويستنبئونك أحق هو قل إى وربى إنه لحق } [ ~~يونس : 53 ] ، وقال : { زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا قل بلى وربى . . } [ ~~التغابن : 7 ] الآية { وقال الذين كفروا لا تأتينا الساعة قل بلى وربى ~~لتأتينكم } [ سبأ : 3 ] إلا ما ذكره ابن شعبان فى ( كتاب الزاهى ) قال : من ~~قال : أشهد بالله : لفلان على فلان كذا . لم تقبل شهادته ؛ لأنه حالف وليس ~~بشاهد . والمعروف غير هذا عن مالك ، فانظره فى كتبه . * * * # | 11 - باب ما قيل فى شهادة الزور ؛ لقول الله تعالى : { والذين لا ~~يشهدون الزور } [ الفرقان 72 ] وكتمان الشهادة ، لقوله : { ومن يكتمها فإنه ~~آثم قلبه } [ البقرة 283 ] # / 18 - فيه : أنس : ( سئل النبى - صلى الله عليه وسلم - عن الكبائر ، ~~فقال : الإشراك بالله ، وعقوق الوالدين ، وقتل النفس وشهادة الزور ) . / 19 ~~- وفيه : أبو بكرة ، عن أبيه ، قال النبى - صلى الله عليه وسلم - : أكبر ~~الكبائر ، الإشراك بالله ، وعقوق الوالدين ، وجلس وكان متكئا ، فقال : ألا ~~وقول الزور ، قال : فكررها ، حتى قلنا : ليته سكت ) . فى حديث أبى بكرة أن ~~شهادة الزور أكبر الكبائر . وقد روى عن PageV08P031 ابن مسعود أنه قال : ~~عدلت شهادة الزور بالشرك بالله . ثم قرأ : { فاجتنبوا الرجس من الأوثان ~~واجتنبوا قول الزور حنفاء لله } . واختلف العلماء فى عقوبة شاهد الزور ، ~~فذكر عبد الرزاق ، عن مكحول ، عن الوليد ابن أبى مالك ، أن عمر بن الخطاب ~~كتب إلى عماله بالشام فى شاهد الزور أن يجلد أربعين ، ويسخم وجهه ، ويحلق ~~رأسه ، ويطال حبسه . ورواية أخرى عن عمر أنه أمر أن يسخم وجهه وتلقى عمامته ~~فى عنقه ، ويطاف به فى القبائل ويقال : شاهد زور ، ولا تقبل شهادته أبدا . ~~وروى ابن وهب ، عن مالك : أنه يجلد ويطاف به ويشنع به . وقال ابن القاسم : ~~بلغنى عن مالك أنه قال : لا تقبل شهادته أبدا وإن تاب وحسنت توبته اتباعا ~~لعمر بن الخطاب . قال ابن أبى ليلى : يعزره . وهو قول ms2634 أبى يوسف ومحمد ، ~~وقال الشافعى : يعزره ويشهر به وبه قال أحمد وإسحاق وأبو ثور ، وقال شريح : ~~يشهر ولا يعزر . وهو قول أبى حنيفة . قال الطحاوى : شهادة الزور فسق ، ومن ~~فسق رجلا عزر بوجود الفسق فيه أولى أن يستحق به التعزير ، ولا يختلفون أن ~~من فسق بغير شهادة الزور ؛ أن توبته مقبولة وشهادته بعدها ، كذلك شاهد ~~الزور . * * * # | 12 - باب شهادة الأعمى ، وأمره ، ونكاحه ، وإنكاحه ، ومبايعته ، وقبوله ~~فى التأذين وغيره ، وما يعرف بالأصوات # وأجاز شهادته القاسم بن محمد ، والحسن ، وابن سيرين والزهرى وعطاء . ~~PageV08P032 وقال الشعبى : تجوز شهادته إذا كان عاقلا . وقال الحكم : رب ~~شيء تجوز فيه . وقال الزهرى : أرأيت ابن عباس لو شهد على شهادة أكنت ترده . ~~وكان ابن عباس يبعث رجلا إذا غابت الشمس أفطر ، ويسأل عن الفجر ، فإذا قيل ~~: طلع الفجر ، صلى ركعتين . وقال سليمان بن يسار : استأذنت على عائشة ، ~~فعرفت صوتى ، قالت : سليمان ادخل ، فإنك مملوك ما بقى عليك شيء . وأجاز ~~سمرة بن جندب شهادة امرأة منتقبة . / 20 - فيه : عائشة : ( سمع النبى - صلى ~~الله عليه وسلم - ، رجلا يقرأ فى المسجد ، فقال : رحمه الله ، لقد أذكرنى ~~كذا وكذا آية أسقطتهن من سورة كذا وكذا ، وقالت : عائشة : تهجد النبى - صلى ~~الله عليه وسلم - فى بيتى ، فسمع صوت عباد يصلى فى المسجد ، فقال : يا ~~عائشة ، أصوت عباد هذا ؟ قلت : نعم ، قال : اللهم ارحم عبادا ) . / 21 - ~~فيه : ابن عمر ، ( قال النبى - صلى الله عليه وسلم - : إن بلالا يؤذن بليل ~~، فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم ، وكان أعمى لا يؤذن حتى يقول له ~~الناس : أصبحت ) . / 22 - وفيه : المسور : ( قدمت على النبى - صلى الله ~~عليه وسلم - أقبية ، فقال لى أبى مخرمة : انطلق بنا إليه ، عسى أن يعطينا ~~منها شيئا ، فقام أبى على الباب ، فتكلم ، فعرف النبى - صلى الله عليه وسلم ~~- ، صوته ، فخرج النبى ومعه قباء ، وهو يريه محاسنه ، وهو يقول : خبأت هذا ~~لك ، خبأت هذا لك ) . PageV08P033 اختلف العلماء فى شهادة الأعمى فأجازها ~~سوى من ذكره البخارى مالك والليث فيما طريقه الصوت ، وسواء علم ذلك ms2635 قبل ~~العمى أو بعده ، قال مالك : وإن شهد على زنا حد للقذف ولم تقبل شهادته . ~~وقال النخعى وابن أبى ليلى : إذا علمه قبل العمى جازت ، وما علمه فى حال ~~العمى لم تجز . وهو قول أبى يوسف والشافعى ، وقال أبو حنيفة ومحمد : لا ~~تجوز شهادة الأعمى بحال . وحجة الذين أجازوا شهادته أن النبى - صلى الله ~~عليه وسلم - سمع عبادا فعرف شخصه بكلامه ودعا له ، وسمع صوت مخرمة من بيته ~~فعرفه ، وكذلك عرفت عائشة صوت سليمان بن يسار . وقد احتج مالك بقصة ابن أم ~~مكتوم فقال : وكان أعمى إماما مؤذنا على عهد النبى - صلى الله عليه وسلم - ~~، وقبل النبى - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه والمسلمون المؤذنين فى ~~الأوقات والسماع منهم ، وقال : إنما حفظ الناس عن أزواج النبى - صلى الله ~~عليه وسلم - ما حفظوه وهن من وراء حجاب . قال المهلب : والذى سمع صوت ابن ~~أم مكتوم من بيته فعلم أنه الذى أمر النبى - صلى الله عليه وسلم - بالكف عن ~~الطعام بصوته ، فهو كالأعمى أيضا يسمع صوت رجل فعرفه فتجوز شهادته عليه بما ~~سمع منه وإن لم يره . قال ابن القصار : والصوت فى الشرع قد أقيم مقام ~~الشهادة ، ألا ترى أن الأعمى يطأ زوجته بعد أن يعرف صوتها ، والإقدام على ~~الفرج واستباحته أعظم من الشهادة فى الحقوق ، واحتج PageV08P034 من لم يجز ~~شهادته فقال : إن العقود والإقرارات لا تجوز الشهادة عليها بالاستفاضة ، ~~فكذلك لا تجوز شهادة الأعمى ؛ لأنه لا يتيقن أن هذا صوت فلان لجواز شبهه ~~بصوت غيره ، كالخط لا يجوز أن يشهد عليه حتى يذكر أنه شاهد فيه ، وإنما كان ~~ذلك لأن الخط يشبه الخط . قالوا : وهذه دلالة لا انفصال عنها . قال ابن ~~القصار : فالجواب أن العقود والإقرارات مفتقرة إلى السماع ولا تفتقر إلى ~~المعاينة بخلاف الأفعال التى تفتقر إلى المعاينة ، والدليل على ذلك قوله ~~تعالى : { واختلاف ألسنتكم وألوانكم } [ الروم : 22 ] ، فجعل من الدلائل ~~على محكم صنعته ووحدانيته اختلاف الألسنة والألوان ، ثم وجدنا الخلق قد ~~يتشابه كما تتشابه الأصوات ، فلما تقرر أنه إذا شهد ms2636 على عين جاز ، وإن جاز ~~أن تشبه عينا أخرى ، كذلك يشهد على الصوت وإن جاز أن يشبه صوتا آخر . وقد ~~رجع مالك عن الشهادة على الخط ؛ لأن الخطوط كثيرة الشبه وليست الأصوات ~~والخلق كذلك ، ألا ترى أنه تعالى ذكر اختلاف الألسنة والألوان ولم يذكر ~~الخطوط . قال ابن القابسى : قد روى الاثنان الحكم بشهادة الخط منهم ابن ~~القاسم وابن وهب واستمر عليه العمل . * * * # | 13 - باب شهادة الإماء والعبيد # وقال أنس : شهادة العبد جائزة ، إذا كان عدلا . وأجازه شريح وزرارة بن ~~أوفى . PageV08P035 وقال ابن سيرين : شهادته جائزة إلا العبد لسيده . ~~وأجازه الحسن وإبراهيم فى الشيء التافه ، وقال شريح : كلكم بنو عبيد وإماء ~~. / 23 - عقبة بن الحارث ، أنه تزوج ابنة أبى إهاب ، فجاءته أمة سوداء ، ~~فقالت : قد أرضعتكما ، فذكرت ذلك للنبى - صلى الله عليه وسلم - ، فأعرض عنى ~~، قال : فتنحيت ، فذكرت ذلك له ، قال : كيف ، وقد زعمت أن قد أرضعتكما ، ~~فنهاه عنها ) . اختلف الناس فى شهادة العبيد على ثلاثة مذاهب : فروى عن على ~~بن أبى طالب كقول أنس وشريح أنها تقبل فى كل شىء كالأحرار ، وهو قول أحمد ~~وإسحاق وأبى ثور . وأجازها الشعبى فى الشىء التافه كقول الحسن والنخعى . ~~والمذهب الثالث أنها لا تجوز فى شىء أصلا ، روى ذلك عن عمر بن الخطاب وابن ~~عباس وهو قول عطاء ومكحول ، وإليه ذهب مالك والثورى وأبو حنيفة والأوزاعى ~~والشافعى . وأما الذين أجازوها فى كل شىء فإنهم قالوا : إذا كان رضى فإنه ~~داخل فى جملة قوله تعالى : { ممن ترضون من الشهداء } [ البقرة : 282 ] ، ~~وأيضا فإن إشارة النبى - صلى الله عليه وسلم - إلى عقبة بالتنزه عن زوجته ~~من أجل شهادة الأمة دليل على سماع شهادة المملوك والحكم بشبهتها ، واحتج ~~الذين لم يجيزوها فى شىء . فقالوا : ليس قوله - صلى الله عليه وسلم - : ( ~~كيف وقد زعمت ) مما حكم به - صلى الله عليه وسلم - ، من طريق الوجوب ، ~~وإنما هو عرض وندب ، فلا تلزم الحجة به . قال تعالى : { ولا يأب الشهداء ~~إذا ما دعوا } [ البقرة : 282 ] والإباءة إنما تكون من الحر ، والعبد ms2637 ممنوع ~~من الإجابة لحق المولى فلم يدخل تحت النهى كما لم يدخل فى قوله : ~~PageV08P036 { فاسعوا إلى ذكر الله } [ الجمعة : 9 ] ، وقوله : { انفروا ~~خفافا وثقالا } [ التوبة : 41 ] ، وقوله : { ولله على الناس حج البيت } [ ~~آل عمران : 97 ] ، وذلك كله لحق المولى . وقال ابن القصار : فإن قيل : أداء ~~الشهادة عليه فرض كالصلاة والصيام ليس لسيده منعه من ذلك . قيل : هذا غلط ؛ ~~لأن فرض الصلاة والصيام إيجاب من الله ابتداء ، وتحمل الشهادة هو من قبل ~~العبد ، فلا فرض عليه فى أدائها حتى يأذن له السيد أو يعتق كما ينذر على ~~نفسه نذرا . فإن قيل : كل من جاز قبول خبره جاز قبول شهادته كالحر . قيل : ~~الفرق بين ذلك أن الخبر قد سومح فيه ما لم يسامح فى الشهادة ؛ لأن الخبر ~~يقبل من الأمة منفردة والعبد منفردا ، ولا تقبل شهادة الأمة منفردة ولا ~~العبد منفردا ، والعبد ناقص عن رتبة الحر فى الأحكام فكذلك فى الشهادة . * ~~* * # | 14 - باب تعديل النساء بعضهن بعضا # / 24 - فيه : عائشة : حين قال لها أهل الإفك ، ما قالوا ، فسأل النبى ، - ~~صلى الله عليه وسلم - بريرة : هل رأيت منها شيئا يريبك ؟ قالت : لا ، والذى ~~بعثك بالحق ، ما رأيت عليها أمرا أغمصه أكثر من أنها جارية حديثة السن ، ~~تنام عن العجين ، فتأتى الداجن ، فتأكله ، وذكر الحديث . . إلى قولها : ~~وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يسأل زينب بنت جحش عن أمرى ، فقالت ~~: يا رسول الله ، أحمى سمعى وبصرى والله ما علمت عليها إلا خيرا ، قالت : ~~وهى التى كانت تسامينى ، فعصمها الله بالورع ) . PageV08P037 اختلف العلماء ~~فى تعديل النساء فذكر الطحاوى فى كتاب الخلاف قال : تعديل المرأة مقبول عند ~~أبى حنيفة وأبى يوسف ، وقال محمد : لا يقبل فى التعديل إلا رجلان أو رجل ~~وامرأتان . وقال مالك : لا يجوز تعديل النساء بوجه لا فى مال ولا غيره . ~~وقال الشافعى : لا تعدل النساء ولا يجرحن ولا يشهد على شهادتهن إلا الرجال ~~. وقال الطحاوى : الدليل على أنه يقبل تعديل النساء أنه يقبل فى التزكية ما ~~لا يقبل فى الشهادة ؛ لأنه ms2638 يقول فى الشهادة : أشهد ، ولا يحتاج فى التزكية ~~إلى لفظ الشهادة ، وفى سؤال النبى - صلى الله عليه وسلم - بريرة وزينب بنت ~~جحش عن عائشة حجة لأبى حنيفة فى جواز تعديل النساء ألا ترى قول عائشة عن ~~زينب : ( وهى التى كانت تسامينى فعصمها الله بالورع ) . وهذا تزكية من ~~عائشة أيضا لزينب وشهادة لها بالفضل ، ومن كانت بهذه الصفة جازت تزكيتها . ~~قال المؤلف : ومن لم يجز تزكية النساء فإنما ذهب إلى ذلك ، والله أعلم ، ~~لنقصان النساء عن معرفة وجوه التزكية ؛ لأن من شرط مالك والشافعى فى ~~التزكية أن يقول : أراه عدلا رضى أو عدلا على ولى ، ولأن هذا لا يعلم إلا ~~بالاختيار لأحوال الرجال وطول المباشرة فى المعاملة وغيرها ، والنساء لا ~~يمكنهن تعرف أحوال الرجال من هذه الوجوه ، وقد خص الله أزواج نبيه من الفضل ~~ما لا يوجد فى غيرهن ممن يأتى بعدهن من النساء ، فاحتيط فى التعديل وأخذ ~~فيه بشهادة الرجال . فإن قيل : فإذا كان كما ذكرت فجوز تعديل النساء على ما ~~ترجم به البخارى لإمكان تعريف النساء أحوال النساء . PageV08P038 قيل : لو ~~قال قائل : إنه يجوز أن يزكى بعضهن بعضا بقول حسن وثناء جميل ، ولا يكون ~~تعديلا فى شهادة توجب أخذ مال ، وإنما هو إبراء من شر قيل ؛ لكان حسنا ، ~~وشهادة النساء إنما أجازها الله تعالى فى الديون والأموال مع الرجال ، ~~وأجازها المسلمون فى عيوب النساء وعوراتهن وحيث لا يمكن الرجال مشاهدته ، ~~وأما فى غيره فلا يجوز فيه غير الرجال ، ألا ترى أنه لا تجوز شهادتهن ~~منفردات على شهادة امرأة ، ولا رجل عند جمهور العلماء ، ولا تجوز مع الرجال ~~فى ذلك عند الشافعى ، وابن الماجشون ، وابن وهب ، واختاره سحنون ، وإنما ~~تجوز مع الرجال عند مالك والكوفيين ، فكيف يجوز تعديلهن منفردات عند أبى ~~حنيفة وأبى يوسف ، وهما يجيزان شهادتهن على الشهادة منفردات ؟ ! هذا تناقض ~~. قال المهلب : وفى حديث الإفك من الفقه سوى ما مر منه فى غير هذا الموضع ~~خروج النساء إلى حاجة الإنسان بغير إذن أزواجهن . وفيه : خدمة الرجال لما ~~يركبنه ms2639 النساء من الدواب ، واحتمالهن فى الهوادج . وفيه : ترك مكالمة ~~النساء ومخاطبتهن فى ذلك . وفيه : كتم ما يقال فى الإنسان من القبيح عنه ، ~~كما كتم قول الناس فى عائشة عنها حتى أعلمتها أم مسطح به . وفيه : تشكى ~~السلطان والإمام بمن يؤذيه فى أهله ، وفى غير ذلك إلى المسلمين والاستعذار ~~منه . وفيه : مشاورة الرجل بطانته فى فراق أهله لقول قيل . PageV08P039 ~~وفيه : الكشف والبحث عن الأخبار الواردة إن كان له نظائر أم لا ، لسؤال ~~النبى - صلى الله عليه وسلم - بريرة وأسامة وزينب وغيرهم من بطانته عن ~~عائشة ، وعن سائر أفعالها وما يغمص عليها ، والحكم بما يظهر من الأفعال على ~~ما قيل . وفيه : أن المرأة لا تخرج إلى دار أبويها إلا بإذن زوجها . وفيه : ~~فضيلة من شهد بدرا من المسلمين وأن الدعاء عليهم وجفاء الكلمة منهم مما يجب ~~أن ينكر كما أنكرته عائشة على أم مسطح فى ابنها مع ما للأبوين من المقال ~~مما ليس لغيرهما . وفيه : توقيف المقول فيه على ما يقال وأمره بالتوبة إن ~~كان أذنب . وفيه : أن الاعتراف بما فشا من الباطل لا يحل ولا يجمل . وفيه : ~~أن عاقبة الصبر الجميل فيه الغبطة والعزة فى الدارين . وفيه : أن النبى - ~~صلى الله عليه وسلم - ليس كان يأتيه الوحى متى أراد لبقائه شهرا لا يوحى ~~إليه . وفيه : ترك حد من له منعة والتعرض لما يخشى من تفرق الكلمة وظهور ~~الفتنة ، كما ترك النبى - صلى الله عليه وسلم - التعرض لحد عبد الله بن أبى ~~ابن سلول . وفيه : غضب المسلمين لعرض إمامهم وسلطانهم . وفيه : أن المعصية ~~تنقل عن اسم الصلاح كما نقلت سعد PageV08P040 بن عبادة من الصلاح عصبيته ~~لعبد الله بن أبى عن حاله ؛ لقول عائشة : ( وكان قبل ذلك رجلا صالحا ) . ~~وفيه : أنه قد يسب الرجل أو يرمى بشىء نسب إليه ، وإن لم يكن فيه ما نسب ؛ ~~لقول أسيد : ( كذبت لعمرو الله ؛ فإنك منافق تجادل عن المنافقين ) ولم يكن ~~سعد منافقا لكن مجادلته عنه استحل منه أسيد أن يرميه بالنفاق . وفيه : أن ~~الشبهة تسقط العقوبة ms2640 كما سقط الحد ، وتبيح الفرض وتسقط الحرمة . وفيه : أن ~~من آذى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فى أهله أو فى عرضه أنه يقتل ؛ ~~لقول أسيد : ( إن كان من الأوس قتلناه ) ولم يرد عليه النبى - صلى الله ~~عليه وسلم - شيئا ، فكذلك من سب عائشة بما برأها الله منه ، أنه يقتل ~~لتكذيبه القرآن المبرئ لها وتكذيبه الله ورسوله . وقال قوم : لا يقتل من ~~سبها بغير ما برأها الله منه . قال المهلب : والنظر عندى يوجب أن يقتل من ~~سب أزواج النبى - صلى الله عليه وسلم - بما رميت به عائشة أو بغير ذلك ؛ ~~لأن قول أسيد : ( إن كان من الأوس قتلناه ) إنما قال ذلك قبل نزول القرآن ، ~~ولم يرد النبى - صلى الله عليه وسلم - قوله ، ولو كان قوله غير الصواب لما ~~وسع النبى - صلى الله عليه وسلم - السكوت عنه ؛ لأنه مفروض عليه بيان حدود ~~الله ، ومن سب أزواجه - صلى الله عليه وسلم - فقد آذاه ونقصه فهو متهم بسوء ~~العقيدة فى إيمانه بالنبى - صلى الله عليه وسلم - فهو دليل على إبطانه ~~النفاق . وفيه : معاقبة المؤذى بقطع المعروف عنه . PageV08P041 وفيه : ~~الأخذ بالعفو والصفح عن المسئ ، وأن ذلك مما يغفر الله به الذنوب . # | ذكر ألفاظ من الغريب وقعت فى حديث الإفك ، وفى المغازى ، والتفسير # قولها : ( فإذا عقد لى من جزع أظفار ) هكذا رواه فليح بن سليمان ، عن ابن ~~شهاب ، وكذلك رواه يونس ، عن ابن شهاب فى تفسير القرآن فى سورة النور ، ~~وأهل اللغة لا يعرفون هذا ويقولون : من جزع ظفار وهو مبنى على الكسر كما ~~تقول : حزام ورقاس ، وقد رواه البخارى ( ظفار ) كما قال أهل اللغة فى كتاب ~~المغازى من رواية صالح بن كيسان ، عن ابن شهاب . قال ابن قتيبة : ظفار ~~مدينة باليمن وهو جزع ظفارى . قال صاحب العين : الجزع ضرب من الجزر ، ~~والجزع بكسر الجيم ، جانب الوادى ومنعطفه . والعلقة ما فيه بلغة من الطعام ~~إلى وقت الغداة ، والعلاق مثله . عن صاحب العين . وقوله : ( معرسين فى نحر ~~الظهيرة ) التعريس : النزول . قال الخطابى : ونحر الظهيرة أول القائلة ms2641 . ~~وقد روى : ( موغرين فى نحر الظهيرة ) فمعنى موغرين أى : مهجرين ، يقال : ~~رأيت فلانا فى وغر الهاجرة . وهو شدة الحر حين تكون الشمس فى كبد السماء ، ~~ومنه وغر الصدر : وهو التهاب الحقد وتوقده فى القلب ومن هذا إيغار الماء . ~~قال ابن السكيت : وهو أن تسخن الحجارة ، ثم تلقى فى الماء لتسخنه . ~~PageV08P042 والمتبرز : المكان الذى تقضى فيه حاجة الإنسان ، والبراز أيضا ~~اسم ذلك المكان ، وبها سمى الحدث برازا ، كما يسمى الحدث بالغائط وهو ~~المطمئن من الأرض . والتنزه : البعد عن البيوت ، وكانوا يبعدون عنها عند ~~حاجة الإنسان . وقولها : ( تعس مسطح ) التعس : ألا ينتعش من عثرته . وقد ~~تعس تعسا وأتعسه الله . وقد تقدم فى باب الحراسة فى الغزو . وقول بريرة : ( ~~ما رأيت أمرا أغمصه عليها ) يقال : رجل مغموص عليه فى دينه : إذا طعن عليه ~~فيه . وفى كتاب الأفعال : غمص الناس غمصا : احتقرهم وطعن عليهم ، والغمص فى ~~العين كالرمص . وقال الطبرى : ( الداجن ) الشاة المعتادة للقيام فى المنزل ~~إذا سمنت للذبح واللبن ، ولم تسرح فى المسرح ، وكل معتاد موضعا هو به مقيم ~~فهو كذلك داجن . يقال : دجن فلان بمكان كذا ودجن به إذا أقام به . وقوله : ~~( ما دام مجلسه ) أى : ما برح منه . عن صاحب العين . ( والبرحاء ) : شدة ~~الحر . من كتاب العين . وقال الخطابى : البرحاء : شدة الكرب ، مأخوذ من ~~قولك : برحت بالرجل إذا بلغت به غاية الأذى والمشقة . ويقال : لقيت منه ~~البرح . ( تسامينى ) : المسامة مفاعلة من سما يسمو إذا ارتفع وتطاول . قال ~~صاحب الأفعال : سما الفحل سماوة : تطاول على سواه . ومما وقع فى حديث الإفك ~~من الغريب فى كتاب المغازى والتفسير قولها : ( وكان النساء خفافا لم يهبلن ~~ولم يغشهن اللحم ) قال صاحب العين : المهل : الكثير اللحم . قال أبو عبيدة ~~: يقال منه : أصبح فلان مهبلا إذا كان مورم الوجه متهيجا وأنشد أبياتا : ~~PageV08P043 ريان لا غاش ولا مهبل الغش : الرقيق عظام اليدين والرجلين . ~~وقول عروة فى عبد الله بن أبى أنه كان يشاع ويتحدث عنده فيقره ويسمعه ~~ويستوشيه . قال ثابت : يستوشيه أى : يأتلف عليه ويستدعيه ويستخرجه كما ~~يستخرج ms2642 الفارس جرى الفرس بعقبه وبالسوط . وقال يعقوب : يقال : مر فلان يركض ~~فرسه ويربه ويستزده ويستوشيه ، كل ذلك طالب ما عنده ليزيده . وقيل : هو من ~~قولك : وشى الكذب وشاية . وقال صاحب العين : وشى النمام يشى وشاية ، ووشى ~~الحائك الثوب يشى وشيا . وفيه : ( قلص دمعى نابت ) ، يقال : قلص الدمع : ~~ارتفع . وقلص الظل : تقلص . ابن السكيت : قلص الماء فى البئر إذا ارتفع ، ~~وهو ماء قليص . وفيه : ( ما كشف كنف أنثى ) قال ثابت : الكنف هاهنا الثوب ~~الذى يكنفها أى : يسترها ، ومنه قولهم : هو فى حفظ الله وكنفه . قال أبو ~~حاتم : وبعض العرب يقول : أنت فى كنفى . وكنفا الطائر : جناحاه . والكنف ~~أيضا : الجانب . وناحيتا كل شىء : كنفاه . وأكناف الجبل والوادى : نواحيه . ~~ومما وقع فى تفسير القرآن فى سورة النور قول أم مسطح لعائشة : ( أى هنتاه ) ~~معناه : يا امرأة . وقد تقدم تفسير هذه اللفظة فى كتاب الحج فيمن قدم ضعفة ~~أهله بالليل فيقفون بالمزدلفة ويدعون فى حديث أسماء وفيه : أشيروا على فى ~~أناس أبنوا أهلى التائبين . ذكر الشىء وتتبعه . PageV08P044 وقال الراعى : ~~فرفع أصحابى المطى وأبنوا هنيدة فاشتاق العيون اللوامح قال ابن السكيت : ~~أبنوا هنيدة كأنهم جروا بها وذكروها . ومن روى : أبنوا على أهلى بالتخفيف ~~معناه : فرقوها . قال ابن دريد : أمر الرجل الخيل وأبن به ، فهو مأمور ~~ومأبون وهما سواء . وقولها : ( فنفرت لى الحديث ) أى : شرحته وبينته . عن ~~ثابت . وقال صاحب العين : نفر عن الأمر أى : بحث عنه . وفيه بريرة : ( ~~أنهرها بعض أصحابه فقال لها : اصدقى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى ~~أسقطوا لها به . فقالت : سبحان الله ، والله ما أعلم عليها إلا ما يعلم ~~الصائغ على تبر الذهب الأحمر ) يحتمل أن يكون معنى قولها ( حتى أسقطوا لها ~~به ) مأخوذ من قولهم سقط إلى الخبر : إذا علمته ، ومن قولهم : فلان يساقط ~~الحديث ، معناه : يرويه ، ومنه قول بشير بن سعد : كنا نجالس سعدا فكان ~~يتحدث حديث الناس والأخلاق ، وكان يساقط فى ذلك الحديث عن رسول الله ، ~~وقوله : ( يساقط ) معناه يروى الحديث فى خلال كلامه . قال أبو حميد ms2643 النمرى ~~: إذا هن ساقطن الحديث وقلن لى أخفت علينا [ . . . . . ] وتخدعا فمعنى ~~قولها : ( حتى أسقطوا لها به ) أى : ذكروا لها الحديث وبينوه فعند ذلك قالت ~~: ( سبحان الله ، والله ما علمت عليها إلا ما يعلم الصائغ على تبر الذهب ~~الأحمر ) إنكارا أو إعظاما أن تنطق بمثل هذا القول عمن اختارها الله زوجا ~~لأطيب خلقه وأفضلهم وجعلها أحب إليه من جميع نساء العالمين ، ولا تجوز أن ~~تكون إلا طيبة مثله PageV08P045 بقوله تعالى : { والطيبات للطيبين } [ ~~النور : 26 ] ، فلذلك برأها الله فى القرآن المكرم بما تكرر تلاوته إلى يوم ~~القيامة . * * * # | 15 - باب إذا زكى رجل رجلا كفاه # وقال أبو جميلة : وجدت منبوذا ، فلما رآنى عمر ، قال : عسى الغوير أبؤسا ~~، كأنه يتهمنى ، قال عريفى : إنه رجل صالح ، قال : كذاك اذهب ، وعلينا ~~نفقته . / 25 - فيه : أبو بكرة : أثنى رجل على رجل عند النبى - صلى الله ~~عليه وسلم - ، فقال : ( ويلك قطعت عنق صاحبك ، قطعت عنق صاحبك ، مرارا ، ثم ~~قال : من كان منكم مادحا أخاه لا محالة ، فليقل : أحسب فلانا ، والله حسيبه ~~، ولا أزكى على الله أحدا ، أحسبه كذا وكذا ، إن كان يعلم ذلك منه ) . هذا ~~الباب موافق لمذهب أبى حنيفة أنه يجوز تعديل رجل واحد ، واحتج أصحابه بحديث ~~أبى جميلة فى ذلك . وقد تقدم اختلاف العلماء فى ذلك فى باب تعديل كم يجوز . ~~قال المهلب : وأما الذين لم يجيزوا تزكية رجل واحد فقالوا : إن هذا السؤال ~~من عمر إنما كان على طريق الخبر لا على طريق الشهادة ، وهذا أصل فى أن ~~القاضى إذا سأل عن أحد فى مجلس نظره ، فإنه يجتزئ بخبر الواحد وتعديله إذا ~~كان القاضى هو الكاشف لأمره ؛ لأن ذلك بمنزلة علم القاضى إذا علم عدالة ~~الشاهد ، ألا ترى أن عمر قنع بقول العريف إذ كان خبرا . وأما إذا كلف ~~المشهود له أن يعدل PageV08P046 شهوده فلا يقبل أقل من رجلين كما ذكر الله ~~فى كتابه . هذا قول أصبغ بن الفرج . قال المهلب : وإنما أنكر - صلى الله ~~عليه وسلم - فى حديث أبى بكرة قطعه بالصلاح والخير له ms2644 ، ولم يرد العلم إلى ~~الله فى ذلك ، ألا ترى أنه أمره إذا أثنى أحد على أحد أن يقول : أحسب . ولا ~~يقطع ؛ لأنه لا يعلم السرائر إلا الله ، وهو فى معنى الخبر لا فى معنى ~~الشهادة . وروى أشهب عن مالك أنه سئل عن قول عمر بن الخطاب : ( ما حملك على ~~أخذ هذه النسمة ؟ ) فقال مالك : اتهمه عمر أن يكون ولده أتاه به ليفرض له ~~فى بيت المال ، ويحتمل أنه ظن به أنه يريد أن يفرض له ويلى أمره ويأخذ ما ~~يفرض له ويصنع به ما شاء ، فلما قال له عريفه : إنه رجل صالح ، صدقه . وأما ~~قوله : ( وعلينا نفقته ) يعنى : رضاعه ومئونته من بيت المال . وقال عيسى بن ~~دينار : وكان عمر دون الدواوين ، وقسم الناس أقساما ، وجعل على كل ديوان ~~عريفا ينظر عليهم ، فكان الرجل الذى وجد المنبوذ من ديوان الرجل الذى زكاه ~~عند عمر . وفى قول العريف لعمر : ( إنه رجل صالح ) وتقرير عمر للرجل على ~~ذلك فقال : نعم . فيه : أن مباحا للإنسان أن يزكى نفسه ويخبر بالصلاح عنها ~~إذا احتيج إلى ذلك وسئل عنه ، وهكذا رواه مالك فى الموطأ فقال عمر : ( ~~أكذلك ؟ قال : نعم ) . PageV08P047 * * * # | 16 - باب ما يكره من الإطناب فى المدح وليقل ما يعلمه # / 26 - فيه : أبو موسى : ( سمع النبى - صلى الله عليه وسلم - رجلا يثنى ~~على رجل ، ويطريه فى مدحه ، فقال : أهلكتم ، أو قطعتم ظهر الرجل ) . قال ~~المهلب : وإنما قال هذا ، والله أعلم ، لئلا يغتر الرجل بكثرة المدح ، ويرى ~~أنه عند الناس بتلك المنزلة ، فيترك الازدياد من الخير ويجد الشيطان إليه ~~سبيلا ، ويوهمه فى نفسه حتى يضع التواضع لله ، وكان السلف يقولون : إذا ~~أثنى على أحدهم : اللهم اغفر لنا ما لا يعلمون واجعلنا خيرا مما يظنون . ~~وقال يحيى بن معاذ : العاقل لا يدعه ما ستر الله عليه من عيوبه بأن يفرح ~~بما أظهره من محاسنه . * * * # | 17 - باب بلوغ الصبيان وشهادتهم وقول الله تعالى : { وإذا بلغ الأطفال ~~منكم الحلم فليستأذنوا } [ النور : 59 ] # . وقال مغيرة : احتلمت ، وأنا ابن ثنتى عشرة سنة ms2645 ، وبلوغ النساء فى الحيض ~~لقوله عز وجل : { واللائى يئسن من المحيض من نسائكم } [ الطلاق : 4 ] إلى ~~قوله : { أن يضعن حملهن } . وقال الحسن بن صالح : أدركت جارة لنا جدة بنت ~~إحدى وعشرين سنة . وذكر الشافعى أنه رأى باليمن جدة بنت إحدى وعشرين سنة ~~حاضت لتسع وولدت لعشر وعرض مثل ذلك لابنتها ، ويذكر أن عمرو بن العاص بينه ~~وبين ابنه اثنتا عشرة سنة . / 27 - فيه : ابن عمر ، أن رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - عرضه يوم أحد ، وهو ابن أربع عشرة PageV08P048 سنة ، قال ~~: فلم يجزنى ، ثم عرضنى يوم الخندق ، وأنا ابن خمس عشرة سنة ، فأجازنى ، ~~قال نافع ، فقدمت على عمر بن عبدالعزيز ، وهو خليفة ، فحدثته هذا الحديث ، ~~فقال : إن هذا لحد بين الصغير والكبير ، وكتب إلى عماله أن يفرضوا لمن بلغ ~~خمس عشرة . / 28 - وفيه : أبو سعيد ، قال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( ~~غسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم ) . أجمع العلماء على أن الاحتلام فى ~~الرجال والحيض فى النساء هو البلوغ الذى تلزم به العبادات والحدود ~~والاستئذان وغيره ، وأن من بلغ الحلم فأونس منه الرشد جازت شهادته ولزمته ~~الفرائض وأحكام الشريعة ؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم - : ( غسل الجمعة ~~واجب على كل محتلم ) فعلق الغسل بالاحتلام . وببلوغ الحلم وإيناس الرشد ~~يجوز دفع ماله إليه ؛ لقوله : { وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن ~~آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم } [ النساء : 6 ] ، وبلوع النكاح هو ~~الاحتلام ، واختلفوا فيمن تأخر احتلامه من الرجال أو حيضته من النساء ، ~~فروى عن القاسم وسالم أن الإنبات حد البلوغ . وهو قول الليث ، وبه قال أحمد ~~وإسحاق . وقال مالك بالإنبات أو أن يبلغ من السن ما يعلم أن مثله قد بلغ . ~~قال ابن القاسم : وذلك سبع عشرة أو ثمان عشرة سنة ، وفى النساء هذه الأوصاف ~~أو الحبل . إلا أن مالكا لا يقيم الحد بالإنبات إذا زنى أو سرق ما لم يحتلم ~~، أو يبلغ من السن ما يعلم أن مثله لا يبلغه حتى يحتلم فيكون عليه الحد . ~~ولم يعتبر أبو حنيفة ms2646 الإنبات ، وقال : حد البلوغ فى الجارية سبع عشرة سنة ، ~~وفى الغلام تسع عشرة . وروى عنه فى الغلام ثمان عشرة PageV08P049 مثل قول ~~ابن القاسم ، وهو قول الثورى ، واختلف قول الشافعى فى الإنبات فقال : يكون ~~بالغا فى المسلمين . وقال : لا يكون بلوغا . ولم يختلف قوله أنه محكوم به ~~فى المشركين إذا عدم الاحتلام . اعتبر الشافعى خمس عشرة سنة فى الذكور ~~والإناث ، وأخذ بحديث ابن عمر أن النبى - صلى الله عليه وسلم - أجازه يوم ~~الخندق . وهو مذهب الأوزاعى وأبى يوسف ومحمد ، وبه قال ابن الماجشون وابن ~~وهب . واحتج من اعتبر الإنبات بما رواه سعيد بن إبراهيم ، عن عامر بن سعد ~~بن أبى وقاص ، عن أبيه أن سعد بن معاذ حكم على بنى قريظة أن يقتل منهم كل ~~من جرت عليه المواسى ، فقال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( حكمت فيهم ~~بحكم الله ) . وبما روى نافع ، عن أسلم ، عن عمر بن الخطاب أنه كتب إلى ~~أمراء الأجناد ألا يضربوا الجزية إلا على من جرت عليه المواسى . وقال عثمان ~~بن عفان فى غلام سرق : إن اخضر مئزره فاقطعوه ، وإن لم يخضر فلا تقطعوه . ~~قال ابن القصار : ووجه قول من جعل الثمان عشرة وشبهها حدا للبلوغ ، وإن لم ~~يكن إنبات ولا احتلام قول الله تعالى : { ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتى ~~هى أحسن حتى يبلغ أشده } [ الأنعام : 152 ] ، فقال ابن عباس فى تفسير ذلك : ~~ثمان عشرة سنة . ومثل هذا لا يعلم إلا من جهة التوقيف ، وقد أجمعوا على ~~اعتبار البلوغ فى دفع المال إليه ، فدل أن البلوغ يتعلق بهذا القدر من السن ~~دون غيره إلا أن يقوم دليل . وأما تفرقة الشافعى بين المسلمين والمشركين فى ~~الإنبات على أحد PageV08P050 قوليه فلا معنى له ؛ لأن كل ما جاز أن يكون ~~علامة فى البلوغ للكافر جاز أن يكون فى المسلم ، أصله الحيض فى النساء . ~~وأما اعتبار خمس عشرة سنة فى حد البلوغ إذا لم يحصل فيها احتلام ولا إنبات ~~، فليس فى خبر ابن عمر ذكر البلوغ الذى به تعلق أحكام ms2647 الشريعة ، وإنما فيه ~~ذكر الإجازة فى القتال ، وهذا المعنى يتعلق بالقوة والجلد ، ومن أصل الجميع ~~أن الحكم متى نقل سببه تعلق به ، فإنما أجازه للقتال خاصة بها السن ومن ~~أجلها عرض ، ونحن نجيز قتال الصبى إذا لم يبلغ هذا السن ويسهم له إذا قاتل ~~. وقد روى عن النبى - صلى الله عليه وسلم - أنه كان يجيز المراهقين إذا ~~بلغوا حد من يقاتل ، وقال سمرة بن جندب : عرضت على النبى - صلى الله عليه ~~وسلم - فى بعض غزواته فلم يجزنى ، وعرض عليه غلام غيرى فأجازه ، فقلت : يا ~~رسول الله ، قبلته ورددتنى ، فلو صارعنى لصرعته ، فقال : ( صارعه ) ، ~~فصرعته ، ففرض له النبى - صلى الله عليه وسلم - . و على ما تأول ابن القصار ~~حديث ابن عمر تأوله أبو حنيفة وقال : إنما أجاز النبى - صلى الله عليه وسلم ~~- ابن عمر لقوته لا لبلوغه ، ورده لضعفه . قال الطحاوى : ولا ينكر أبو ~~حنيفة أن يفرض للصبيان إذا كانوا يحتملون القتال ويحضرون الحرب ، وإن كانوا ~~غير بالغين . قال ابن المنذر : اختلف العلماء فى شهادة الصبى غير البالغ ، ~~فقالت طائفة : لا تجوز شهادته ؛ لأنه ليس ممن يرضى ، وإنما قال الله : { ~~ممن ترضون من الشهداء } [ البقرة : 282 ] ، روى هذا عن ابن عباس وعن القاسم ~~، PageV08P051 وسالم وعطاء ، والشعبى والحسن وابن أبى ليلى ، وهو قول ~~الثورى والكوفيين ، والشافعى وأحمد ، وإسحاق وأبى ثور وأبى عبيد . وقالت ~~طائفة : تجوز شهادتهم بعضهم على بعض فى الجراح والدم . روى عن على بن أبى ~~طالب وابن الزبير ، وشريح وعروة ، والنخعى وربيعة ، والزهرى ومالك . ويؤخذ ~~بأول قولهم ما لم ينخسوا أو يتفرقوا . قال مالك : فإذا تفرقوا فلا شهادة ~~لهم ، إلا أن يكونوا قد أشهدوا العدول قبل أن يتفرقوا . قال أبو الزناد : ~~وهى السنة أن تؤخذ شهادة الصبيان أول ما يسألون عنه ويكون مع الولى كذلك ~~وإن هم أحدثوا ما يخالف شهادتهم الأولى لم يلتفت إليه ، ويؤخذ بالأول من ~~شهادتهم ، وبذلك كان يقضى عمر بن عبد العزيز . * * * # | 18 - باب سؤال الحاكم المدعى هل لك بينة قبل اليمين # / 29 - فيه : عبدالله قال ms2648 : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( من ~~حلف على يمين ، وهو فيها فاجر ؛ ليقتطع بها مال امرئ مسلم ، لقى الله وهو ~~عليه غضبان ، قال : فقال الأشعث بن قيس : فى والله كان ذلك ، كان بينى وبين ~~رجل من اليهود أرض ، فجحدنى ، فقدمته إلى النبى - صلى الله عليه وسلم - ، ~~فقال لى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ألك بينة قال : قلت : لا ، قال ~~: فقال لليهودى : احلف ، قال : قلت : يا رسول الله إذا يحلف ويذهب بمالى ، ~~قال : فأنزل الله : { إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا } [ ~~آل عمران : 77 ] ) . PageV08P052 قال المؤلف : إنما يلزم الحاكم أن يسأل ~~المدعى : هل لك بينة ؟ لأن النبى - صلى الله عليه وسلم - جعل البينة على ~~المدعى ، وأجمعت الأمة على القول بذلك ، وأنه لا تقبل دعوى أحد على أحد دون ~~بينة . وقال المهلب : معنى سؤال الحاكم المدعى البينة قبل اليمين ، خوفا أن ~~يحلف له المطلوب ، ثم يأتى بعد ذلك المدعى ببينة فيأخذ منه حقه ؛ فيحصل ~~المطلوب تحت يمين كاذبة غموس يستحق بها عقاب الله ، إن شاء أن ينفذ عليه ~~الوعيد ، ثم يؤخذ المال منه له كالظلم ، فإذا سأله : هل لك بينة ؟ فقال : ~~لا . لم يكن له الرجوع عليه ببينة إلا أن يحلف أنه ما علم بها يوم قال : لا ~~، وسيأتى بعد . واختلف العلماء فى المدعى يثبت البينة على ما يدعيه هل ~~للحاكم أن يستحلفه مع بينته أم لا ؟ فكان شريح وإبراهيم النخعى يريان أن ~~يستحلف مع بينته أنها شهدت بحق ، وقد روى ابن أبى ليلى ، عن الحكم ، عن حنش ~~أن عليا استحلف عبيد الله بن الحر مع بينته ، وهو قول الأوزاعى والحسن بن ~~حى ، وقال إسحاق : إذا استراب الحاكم أوجب ذلك ، وذهب مالك والكوفيون ، ~~والشافعى وأحمد إلى أنه لا يمين عليه ، والحجة لهم قوله ، عليه السلام ، ~~للأشعث : ( ألك بينة ؟ ) ، ولم يقل له : وتحلف معه ، فلم يوجب على المدعى ~~غير البينة ، وأيضا قوله : { والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة ~~شهداء . . . } [ النور : 4 ] الآية ، فأبرأه الله من الجلد بإقامة ms2649 أربعة ~~شهداء من غير يمين . PageV08P053 * * * # | 19 - باب اليمين على المدعى عليه فى الأموال والحدود # وقال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( شاهداك أو يمينه ) . وقال ابن ~~شبرمة ، كلمنى أبو الزناد فى شهادة الشاهد ويمين المدعى ، فقلت : قال الله ~~: { واستشهدوا شهيدين من رجالكم } [ البقرة : 282 ] الآية . قلت : إذا كان ~~يكتفى بشهادة شاهد ويمين المدعى ، فما تحتاج أن تذكر إحداهما الأخرى ، ما ~~كان يصنع بذكر هذه الأخرى . / 30 - فيه : ابن عباس أن النبى - صلى الله ~~عليه وسلم - قضى باليمين على المدعى عليه . / 31 - وفيه : ابن عباس : أن ~~النبى - صلى الله عليه وسلم - قال شاهداك أو يمينه . أجمع العلماء على ~~استحلاف المدعى عليه فى الأموال ، واختلفوا فى الحدود والطلاق والنكاح ~~والعتاق ، فذهب الشافعى أن اليمين واجب على كل مدعى عليه إذا لم يكن للمدعى ~~بينة ، وسواء كانت الدعوى فى دم أو جراح أو طلاق أو نكاح أو عتق أو غير ذلك ~~، واحتج بقوله - صلى الله عليه وسلم - : ( شاهداك أو يمينه ) قال : ولم يخص ~~النبى - صلى الله عليه وسلم - مدعى مال دون مدعى دم أو غيره ، بل الواجب أن ~~يحمل قوله على العموم ، ألا ترى أنه جعل القسامة فى دعوى الدم ، وقال ~~للأنصار : ( تبرئكم يهود بخمسين يمينا ) والدم أعظم حرمة من المال . وقال ~~الشافعى وأبو ثور : إذا ادعت المرأة على زوجها خلعا أو طلاقا ، وجحد الزوج ~~الطلاق ، فالمرأة المدعية عليها البينة ، فإن لم يكن لها بينة استحلف الزوج ~~، وإن ادعى الزوج أنه خالعها على مال وهى ناشز فأنكرت المرأة ، فإن أقام ~~البينة لزمها المال ، وإن لم يقم بينة PageV08P054 حلفت ولزم الزوج الفراق ~~؛ لأنه أقر بذلك ، وإن ادعى العبد العتق ولم تكن له بينة استحلف السيد فإن ~~حلف برئ ، وإن ادعى السيد أنه أعتق عبده على مال ، والعبد منكر لذلك حلف ~~ولزم السيد العتق . وكان سوار يحلف فى الطلاق ، وكان أبو يوسف ومحمد يريان ~~أن يستحلف على النكاح ، فإن أبى أن يحلف ألزم النكاح . وذكر ابن المنذر ، ~~عن الشعبى ، والثورى ، وأصحاب الرأى ، أنه لا يستحلف على ms2650 شىء من الحدود ولا ~~على القذف ، وقالوا : يستحلفه على السرقة فإن نكل عن اليمين لزمه النكال ، ~~وفيه قول آخر : لا يمين فى الطلاق والنكاح والعتق والفرية إلا أن يقيم ~~المدعى شاهدا واحدا ، فإذا أقامه استحلف المدعى عليه . هذا قول مالك بن أنس ~~. قال ابن حبيب : إذا أقامت المرأة أو العبد شاهدا واحدا على أن الزوج ~~طلقها أو أن السيد أعتقه ؛ فإن اليمين تكون على السيد والزوج ، فإن حلفا ~~سقط عنهما الطلاق والعتق ، هذا قول مالك وابن الماجشون وابن كنانة قال مالك ~~فى المدونة : فإن نكل قضى بالطلاق والعتق . ثم رجع مالك فقال : لا يقضى ~~بالطلاق والعتق . ثم رجع مالك فقال : لا يقضى بالطلاق وليسجن ، فإن طال ~~سجنه دين وترك . وبهذا أخذ ابن القاسم ، وطول السجن عنده سنة ، وروى أشهب ~~عن مالك فى العتبية فى الرجل يأتى بشاهد واحد على رجل شتمه : أيحلف مع ~~شاهده ويستحق ذلك ، أو يستحلف المدعى عليه ويبرأ ؟ قال : لا يحلف فى مثل ~~هذا مع الشاهد ، وأرى إن كان الشاتم معروفا بالسفه أن يعزر ويؤدب . قلت له ~~: أفترى على المدعى عليه PageV08P055 يمينا ؟ قال : نعم ، وليس كل ما رأى ~~المرء يحب أن يجعله سنة فيذهب به إلى الأمصار ، فتضعف يمين المدعى عليه فى ~~هذه المسألة حين رأى ألا يجعل قوله سنة . وذهب أهل المقالة الأولى إلى وجوب ~~اليمين على المدعى عليه بمجرد الدعوى فى كل دعوى ، ولم ير مالك على المدعى ~~عليه يمينا ، حتى يقيم المدعى شاهدا واحدا فى دعوى النكاح والطلاق ، والعتق ~~والفرية . والعتاقة عند مالك حد من الحدود ؛ لأنه إذا أعتق العبد ثبتت ~~حرمته وجازت شهادته ووقعت الحدود له وعليه بخلاف ما كانت قبل ذلك ورأى فى ~~الأموال خاصة اليمين على المدعى عليه دون شاهد يقيمه المدعى ؛ لأن إيجاب ~~البينة على المدعى واليمين على من أنكر إنما ورد فى خصام فى أرض بين الأشعث ~~وبين رجل آخر ، ففيه قال - صلى الله عليه وسلم - : ( شاهداك أو يمينه ) . ~~فرأى مالك حمل الحديث على ما ورد عليه فى الأموال ms2651 خاصة ، ورأى فى دعوى ~~النكاح والطلاق والعتق والفرية إذا أقام المدعى شاهدا واحدا أن يحلف المدعى ~~عليه فيتبرأ بذلك من الدعوى التى قويت شبهتها بالشاهد ، ولو جاز فيها دخول ~~الأيمان دون شاهد يقيمه المدعى لأدى ذلك إلى إضاعة الحدود واستباحة الفروج ~~ورفع الملك . ولا يشاء أحد أن يدعى نكاح امرأة فتنكر فيحلفها أو يبتذلها ~~بذلك ، فإن لم تحلف أخذها زوجها واستباح فرجها الذى هو أعلى رتبة من المال ~~؛ لأن المال يقبل فيه شاهد وامرأتان ولا يقبل ذلك فى PageV08P056 النكاح ، ~~ولو أدعى أنها زوجته وصدقته المرأة لم يحكم بينهما بثبوت الزوجية بتقاررهما ~~دون بينة تشهد على ذلك ، فكذلك لا تقبل دعوى المرأة على زوجها أنه طلقها ~~إلا بالبينة ولا تحلفه بدعواها ؛ لأن هذا يؤدى إلى أن يستبيح الأجنبى فرجها ~~مع كونها زوجة الأول ؛ لأنه لا تشاء امرأة تكره زوجها إلا ادعت عليه كل يوم ~~طلاقها ، ولا يشاء عبد العتق إلا ادعى على مولاه أنه أعتقه ، ولا سيما إذا ~~علم أن الزوج أو السيد ممن لا يحلف فى مقطع الحقوق فكثير من الناس يتجنب ~~ذلك ، وإن لم يحلف الزوج ولا السيد طلقت المرأة وعتق العبد ، هذا على قول ~~مالك الأول الذى أوجب العتق والطلاق بالنكول ، والقول الآخر الذى رجع إليه ~~أشد احتياطا فى تحصين الفروج والحدود . وأما قياس الشافعى كل دعوى على ~~القسامة ، فالقسامة باب مخصوص ولا يجوز أن يقاس على المخصوص ، ولا يجوز أن ~~يؤخذ ما أصله موجود فى سنة النبى - صلى الله عليه وسلم - فيجعل فرعا يقاس ~~على أصل لا يشبهه ؛ لأن قياس الأصول بعضها على بعض لا يجوز ، ولو كان فرعا ~~ما جاز قياسه على أصل لا يشبهه وأحق الناس بأن يمنع أن يجعل فى باب الدعوى ~~بالدم قياسا على القسامة من لا يرى القود بالقسامة وهو الشافعى ، والقسامة ~~يبدأ فيها المدعى باليمين عند مالك والشافعى ، والمدعى عليه فى غير هذا ~~يبدأ باليمين وأيضا فإن القسامة لم يحكم فيها بالأيمان إلا بعد اللوث ، ~~وأقيمت الأيمان مقام الشهادة وغلظت حتى ms2652 جعلت خمسين يمينا ، وليس هذا فى شىء ~~من الأحكام . وقال محمد بن عمر بن لبابة : مذهب مالك على ما روى عن عمر ~~PageV08P057 بن عبد العزيز أنه لا يجب يمين إلا بخلطة ، وبذلك حكم القضاة ~~عندنا ، والذى أذهب إليه فى خاصة نفسى وأفتى به من قلدنى فاليمين بالدعوى ؛ ~~لقول النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( اليمين على المدعى عليه ) . وقال ~~ابن المنذر : لما جعل النبى - صلى الله عليه وسلم - اليمين على المدعى عليه ~~دخل فى ذلك الخيار والشرار ، والمسلمون والكفار ، والرجال والنساء علم بين ~~المدعى والمدعى عليه معاملة أم لا . هذا قول الكوفيين والشافعى ، وأصحاب ~~الحديث وأحمد بن حنبل . قال ابن المنذر : ولما قال من خالفنا أن البينة ~~تقبل بغير سبب تقدم من معاملة بين المدعى وبين صاحبه ، وجب كذلك أن يستحلف ~~المدعى عليه وإن لم تعلم معاملة تقدمت بينهما ؛ لأن مخرج الكلام من رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - واحد ، وما أحد فى أول ما يعامل صاحبه إلا ولا ~~معاملة كانت بينهما قبلها . واحتج الكوفيون بقوله - صلى الله عليه وسلم - : ~~( شاهداك أو يمينه ) فى أن اليمين لا يجب ردها على المدعى إذا نكل المدعى ~~عليه . قالوا : ويحكم بنكول المدعى عليه ، ألا ترى قوله - صلى الله عليه ~~وسلم - : ( شاهداك أو يمينه ) ولم يقل : أو يمينك ، ولو كان الحكم يتعلق ~~بيمين المدعى لذكره كما ذكر بينة المدعى ويمين المدعى عليه ، وستأتى مذاهب ~~العلماء فى رد اليمين فى باب القسامة . وقوله : ( شاهداك أو يمينه ) . قال ~~سيبويه : المعنى : ما يثبت لك شاهداك ، وتأويله ما يثبت لك بشهادة شاهديك ~~فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه . PageV08P058 وأما احتجاج ابن شبرمة ~~على أبى الزناد فى إبطال الحكم باليمين مع الشاهد ، فإن العلماء اختلفوا ~~فيه ، فممن وافق ابن شبرمة فى ذلك : ابن أبى ليلى ، وعطاء ، والنخعى ، ~~والشعبى ، والكوفيون ، والأوزاعى قالوا : لا يجوز القضاء باليمين مع الشاهد ~~. قال محمد ابن الحسن : وإن حكم قاض بذلك نقض حكمه ، وهو بدعة . قالوا : ~~وقال ابن شهاب : إنه بدعة ، أول ما حكم به معاوية ms2653 ، وهو قول الزهرى ، ~~والليث . وروى عن أبى بكر الصديق وعمر وعلى وأبى بن كعب أنه يحكم باليمين ~~مع الشاهد ، وهو قول الفقهاء السبعة المدنيين وربيعة وأبى الزناد ، وقال به ~~من أهل العراق : الحسن البصرى وعبد الله بن عتبة وإياس بن معاوية . قال ~~مالك والشافعى وأحمد وإسحاق وأبو ثور والحكم به فى الأموال عندهم خاصة ، ~~وأجمعوا أنه لا يجب حد بيمين وشاهد . واحتج الكوفيون فقالوا : الحكم ~~باليمين مع الشاهد خلاف القرآن والسنة ؛ لقوله تعالى : { واستشهدوا شهيدين ~~من رجالكم } [ البقرة : 282 ] ، وقوله : ( شاهداكم أو يمينه ) فيقال لهم : ~~ليس بخلاف للقرآن والسنة كما توهمتموه ، وإنما هو زيادة كنكاح المرأة على ~~عمتها وخالتها مع قوله تعالى : { وأحل لكم ما وراء ذلكم } [ النساء : 24 ] ~~، ومثل المسح على الخفين مع ما نزل به القرآن من غسل الرجلين ومسحهما ، ~~فكذلك ما قضى به النبى - صلى الله عليه وسلم - لعبد الله مع اليمين مع ~~الشاهد مع قوله تعالى : { واستشهدوا شهيدين من رجالكم } [ البقرة : 282 ] . ~~PageV08P059 ويقال لهم : إن مالكا أوجب القصاص فى الجراح باليمين مع الشاهد ~~، فقال فى المدونة : وكل جرح فيه قصاص فإنه يقتص فيه بيمين وشاهد ، وقاله ~~عمر بن عبد العزيز ، ووقع له فى كتاب الأقضية ما يوهم خلاف هذا الأصل فقال ~~: ومن ادعى على رجل قصاصا وأنه ضربه بالسوط لم يجب عليه يمين إلا أن يأتى ~~بشاهد فيستحلف له ، وقد كان يجب على أصله المتقدم أن يحلف المضروب مع شاهده ~~ويقتص ، ولم يجب ذلك له مالك فى هذه المسألة ، ووجه المسألتين أن القصاص ~~المذكور فى هذه المسألة الأخيرة ليس بجرح يجب فيه قصاص ولا دية معلومة ، ~~وإنما هو فى الركضة واللطمة ، ألا ترى أنه جعل القصاص المذكور مع الضربة ~~بالسوط ؛ وليس فى شىء من ذلك قصاص عنده مثله ، وإنما فيه أدب الإمام ، ~~والأدب لا يجب بشاهد ويمين ، وإنما هو إلى اجتهاد الإمام ، ولو وجب ذلك ~~بشاهد ويمين لكن مقدرا ، ولم يكن فيه لاجتهاد السلطان مدخل ، والمسألة ~~الأولى القصاص فيها إلى المجروح وهو من حقوقه فهو كسائر ms2654 الحقوق التى ~~يستحقها بشاهد ويمين ، ولابد مع القصاص من أدب السلطان بجرأته على جرحه ، ~~والمسألة الأخرى إنما فيها أدب التعدى فقط فلذلك يحلف فيها المدعى ، واحتج ~~الكوفيون أيضا فقالوا : الزيادة عندنا على النص نسخ له . قال ابن القصار : ~~فالجواب أن ذلك بيان وليس بنسخ ؛ لأن النسخ إنما هو لو ورد مقترنا به لم ~~يمكن الجمع بينهما ، وفى هذا الموضع PageV08P060 لو ورد مقترنا لجاز أن ~~يجمع بينهما وهو أن يقول تعالى : ( واستشهدوا شهيدين من رجالكم أو شاهدا ~~وامرأتين أو شاهدا ويمين ) فإن ذلك لا يتنافى ، وإثبات شاهد ويمين هو إثبات ~~حكم كما يأمرنا بالصلاة ثم يوجب الصوم . وقد تناقض الكوفيون فى هذا الأصل ، ~~فنقضوا الطهارة بالقهقهة وزادوها على الأحداث الثمانية ، وجوزوا الوضوء ~~بالنبيذ ، وزادوه على الوضوء بالماء المنصوص عليه فى الكتاب والسنة ، ولم ~~يجعلوا ذلك نسخا لما تقدم فتركوا أصلهم . وقد احتج مالك لهذه المسألة فى ~~الموطأ فقال : من الحجة فيها أن يقال : أرأيت لو أن رجلا ادعى على رجل مالا ~~، أليس يحلف المطلوب ما ذلك الحق عليه ؟ فإن حلف بطل ذلك الحق عنه ، وإن ~~نكل عن اليمين حلف صاحب الحق أن حقه لحق ، وثبت حقه على صاحبه ، فهذا ما لا ~~اختلاف فيه عند أحد من الناس ، فمن أقر بهذا فليقر باليمين مع الشاهد . ~~يريد مالك أنه إذا حلف صاحب الحق فإنه يقضى له بحقه ولا شاهد معه ، فكيف ~~بمن معه شاهد ؟ ! فهو أولى أن يحلف مع شاهده . قال المهلب : والشاهد ~~واليمين إنما جعله الله رخصة عند عدم الشاهد الآخر بموت أو سفر أو غير ذلك ~~من العوائق كما جعل تعالى رجلا وامرأتين رخصة عند عدم شاهدين ؛ لأنه معلوم ~~أنه لا يحضر المتبايعين شاهدان عدلان أو أكثر فيقتصرا على شاهد وامرأتين أو ~~على شاهد واحد ، هذا غير موجود فى العادات ، بل من شأن الناس الاستكثار من ~~الشهود ، فنقل الله العباد فى صفة الشهود من حال إلى حال أسهل منها رفقا من ~~الله بخلقه ، وحفظا لأموالهم فلا تناقض فى PageV08P061 شىء من ذلك ms2655 ، ~~والحديث فى ذلك رواه مالك ، عن جعفر بن محمد ، عن أبيه ( أن النبى - صلى ~~الله عليه وسلم - قضى باليمين مع الشاهد ) . * * * # | 20 - باب إذا ادعى أو قذف فله أن يلتمس البينة وينطلق لطلب البينة # / 32 - فيه : ابن عباس ، أن هلال بن أمية قذف امرأته عند النبى - صلى ~~الله عليه وسلم - بشريك بن سحماء ، فقال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( ~~البينة أو حد فى ظهرك ، فقال : يا رسول الله ، إذا رأى أحدنا على امرأته ~~رجلا ، ينطلق يلتمس البينة ، فجعل يقول : البينة أو حد فى ظهرك ، فذكر حديث ~~اللعان ) . هذا الحديث إنما هو فى رمى أحد الزوجين صاحبه ، فهو الذى يقال ~~له : انطلق فائت بالبينة ؛ لأن الزوجين ليس بينهما جلد ، وإنما سقط الجلد ~~بينهما بالتلاعن ، والأجنبيون بخلاف حكم الزوجين فى ذلك ؛ فإذا قذف أجنبى ~~أجنبيا لم يترك لطلب البينة ولا يضمنه أحد ، بل يحبسه الإمام خشية أن يفوت ~~أو يهرب ، أو يرتاد من يطلب بينته ، وإنما لم يضمنه أحد ، لأن الحدود لا ~~كفالة فيها ولا ضمان ؛ لأنه لا يحد أحد عن أحد . وقوله : ( البينة وإلا حد ~~فى ظهرك ) كان قبل نزول حكم اللعان على ظاهر قوله تعالى : { والذين يرمون ~~المحصنات } [ النور : 4 ] PageV08P062 الآية . فدخل فى حكم الآية الزوجان ~~وغيرهما ، فلما نزل قوله تعالى : { والذين يرمون أزواجهم } [ النور : 5 ] ، ~~وحكم الله باللعان بين الزوجين بخلاف حكم الأجنبيين ، وخص الزوجين بألا يحد ~~المتلاعن إلا أن يأبى من اللعان ، وكذلك المرأة إذا أبت من اللعان بعد لعان ~~الزوج حدت ، بخلاف أحكام الأجنبيين أنه من لم يقم البينة على قذفه وجب عليه ~~الحد ؛ لقوله : ( وإلا حد فى ظهرك ) . * * * # | 21 - باب يحلف المدعى عليه حيثما وجبت عليه اليمين ولا يصرف من موضع ~~إلى غيره # قضى مروان باليمين على زيد بن ثابت على المنبر ، فقال : أحلف له مكانى ، ~~فجعل زيد يحلف ، وأبى أن يحلف على المنبر ، فجعل مروان يعجب منه ، وقال ~~النبى - صلى الله عليه وسلم - : شاهداك أو يمينه ، فلم يخص مكانا دون مكان ~~. / 33 - فيه : ابن مسعود ms2656 ، قال - صلى الله عليه وسلم - : ( من حلف على ~~يمين ؛ ليقتطع بها مالا ، لقى الله وهو عليه غضبان ) . اختلف العلماء فى ~~هذا الباب فقال أبو حنيفة وأصحابه : لا يجب استحلاف أحد عند منبر النبى - ~~صلى الله عليه وسلم - ولا بين الركن والمقام فى قليل الأشياء ولا كثيرها ~~ولا فى الدماء ، وإنما يحلفون الحكام من وجبت عليه اليمين فى مجالسهم . ~~وإلى هذا القول ذهب البخارى ، وقال مالك : لا يحلف أحد عند منبر إلا منبر ~~النبى - صلى الله عليه وسلم - ومن أبى أن يحلف عند منبر النبى - صلى الله ~~عليه وسلم - فهو كالناكل عن اليمين ، ويجلب فى PageV08P063 أيمان القسامة ~~إلى مكة من كان من عملها فيحلف بين الركن والمقام ، ويجلب إلى المدينة من ~~كان من عملها فيحلف عند المنبر . وهو قول الشافعى . ولا يكون اليمين عند ~~مالك فى مقطع الحق فى أقل من ثلاثة دراهم قياسا على القطع ، وعند الشافعى ~~فى عشرين دينارا قياسا على الزكاة ، كذلك عند منبر كل مسجد ، وروى ابن جريج ~~، عن عكرمة قال : أبصر عبد الرحمن بن عوف قوما يحلفون بين المقام والبيت ~~فقال : أعلى دم ؟ فقيل : لا . قال : أفعلى عظيم من المال ؟ قيل : لا . قال ~~: لقد خشيت أن يتهاون الناس بهذا المقام . قال : ومنبر النبى - صلى الله ~~عليه وسلم - فى التعظيم مثل ذلك ؛ لما ورد فيه من الوعيد على من حلف عنده ~~بيمين كاذبة . واحتج أبو حنيفة بأنا روينا عن زيد بن ثابت أنه لم يحلف على ~~المنبر وخالفتموه إلى قول مروان بغير حجة . قال : وليس قوله - صلى الله ~~عليه وسلم - : ( من حلف على منبرى هذا . . ) يوجب أن الاستحلاف لم يجب . ~~واحتج عليه الشافعى فقال : لو لم يعلم زيد أن اليمين عند المنبر سنة لأنكر ~~ذلك على مروان ، وقال له : لا والله ما أحلف إلا فى مجلسك . وما كان يمنع ~~أن يقول لمروان ما هو أعظم من هذا لجلالة قدره عنده ، وقد أنكر عليه أمر ~~الصكوك وقال له : أتحل الربا يا مروان ؟ ! فقال مروان : أعوذ بالله من هذا ms2657 ~~. فقال : الناس يتبايعون الصكوك قبل أن يقبضوها . فبعث مروان الحرس ~~ينتزعونها من أيدى PageV08P064 الناس . فكذلك كان ينكر عليه اليمين عند ~~المنبر لولا علمه أنها السنة ، وإنما كره أن يحلف عند المنبر . قال المؤلف ~~: واليمين عند المنبر بمكة والمدينة لا خلاف فيه فى قديم ولا حديث وأن نقل ~~الحديث فيه تكلف ؛ لإجماع السلف عليه ، ولقد بلغنى أن عمر بن الخطاب حلف ~~عند المنبر فى خصومة كانت بينه وبين رجل ، وأن عثمان ردت عليه اليمين عند ~~المنبر ، فافتدى منها وقال : أخاف أن توافق قدرا فيقال : إنه بيمينه . قال ~~المهلب : وإنما أمر أن يحلف فى أعظم موضع فى المسجد ، ليرتدع أهل الباطل ، ~~وهذا مستنبط من قوله تعالى : { تحبسونهما من بعد الصلاة فيقسمان بالله } [ ~~المائدة : 106 ] ، فاشتراطه بعد الصلاة تعظيما للوقت وإرهابا به ؛ لشهود ~~الملائكة ذلك الوقت ، مخصوصة وقت التعظيم كخصوصة موضع التعظيم ، ألا ترى ما ~~ظهر من تهيب زيد بن ثابت للموضع ، فمن هو دون ذلك من أهل المعاصى الخائفين ~~من العقوبات أولى أن يرهبوا المكان العظيم . * * * # | 22 - باب اليمين بعد العصر # / 34 - فيه : أبو هريرة ، قال النبى ، - صلى الله عليه وسلم - : ( ثلاثة ~~لا يكلمهم الله ، ولا ينظر إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ، ولهم عذاب أليم ~~: رجل على فضل ماء يمنع منه ابن السبيل ، ورجل بايع رجلا لا يبايعه إلا ~~للدنيا ، فإن أعطاه ما يريد وفى له ، وإلا لم يف له ورجل ساوم رجلا بسلعة ~~بعد العصر ، فحلف بالله لقد أعطى بها كذا وكذا فأخذها ) . PageV08P065 قال ~~المهلب : إنما خص النبى - صلى الله عليه وسلم - هذا الوقت بالتعظيم وجعل ~~الإثم فيه أكبر من غيره ؛ لشهود ملائكة الليل والنهار فى وقت العصر ، ~~وليرتدع الناس عن الأيمان الكاذبة فى هذا الوقت المعظم . وقوله : ( ثلاثة ~~لا يكلمهم الله ) يعنى : وقتا دون وقت لمن أنفذ الله عليه الوعيد ، وليس ~~على الاستمرار والخلود . هذا مذهب أهل السنة ، وفيه أنه قد يستحق النوع من ~~العذاب على ذنوب مختلفة ، فالمانع لفضل الماء أصغر معصية من المبايع الناكث ~~، والحالف الآثم ، والله أعلم ms2658 . * * * # | 23 - باب إذا تسارع قوم فى اليمين # / 35 - فيه : أبو هريرة أن النبى - صلى الله عليه وسلم - عرض على قوم ~~اليمين ، فأسرعوا ، فأمر أن يسهم بينهم فى اليمين أيهم يحلف . إنما كره ~~النبى - صلى الله عليه وسلم - تسارعهم فى اليمين والله أعلم لئلا تقع ~~أيمانهم معا فلا يستوفى الذى له الحق أيمانهم على معنى دعواه ، ومن حقه أن ~~يستوفى يمين كل واحد منهم على حدته ، فإذا استوفى قوم فى حق من الحقوق لم ~~يبدأ أحد منهم قبل صاحبه فى أخذ ما يأخذ أو دفع ما يدفع عن نفسه إلا ~~بالقرعة ، والقرعة سنة فى مثل هذا ، ألا ترى أن النبى - صلى الله عليه وسلم ~~- أقرع بين نسائه عند سفره ، وكن قد استوين فى الحرمة والعصمة ، ولم تكن ~~واحدة أولى بالسفر من صاحبتها . PageV08P066 * * * # | 24 - باب كيف يستحلف وقاله تعالى : { يحلفون بالله إن أردنا إلا إحسانا ~~وتوفيقا } [ النساء : 62 ] . وقوله : { ويحلفون بالله إنهم لمنكم } [ ~~التوبة : 56 ] { يحلفون بالله لكم ليرضوكم } [ التوبة : 62 ] { فيقسمان ~~بالله لشهادتنا أحق من شهادتهما } [ المائدة : 107 ] # . يقال : بالله ، وتالله ، ووالله . وقال - صلى الله عليه وسلم - : ( ~~ورجل حلف بالله كاذبا بعد العصر ) ولا يحلف بغير الله / 36 - فيه : طلحة بن ~~عبيدالله ، يقول : ( أن رجلا جاء إلى النبى - صلى الله عليه وسلم - ، فإذا ~~هو يسأله عن الإسلام . . ، إلى قوله : والله لا أزيد على هذا ولا أنقص ، ~~قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : أفلح إن صدق ) . / 37 - وفيه : ابن ~~عمر قال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( من كان حالفا فليحلف بالله أو ~~ليصمت ) . قال ابن المنذر : اختلف العلماء فى كيفية اليمين التى يجب أن ~~يحلف بها . فقالت طائفة : يحلف بالله ولا يزيد عليه . وقال مالك : يحلف ~~بالله الذى لا إله إلا هو ما له عنده حق وما ادعيت على إلا باطلا . وقال ~~الكوفى : يحلف بالله الذى لا إله إلا هو ، فإن اتهمه القاضى غلظ عليه ~~اليمين فيزيد : عالم الغيب والشهادة الرحمن الرحيم الذى يعلم من السر ما ~~يعلم من العلانية الذى ms2659 يعلم خائنة الأعين وما تخفى الصدور . قال ابن المنذر ~~: وبأى ذلك حلفه الحاكم يجزئ . PageV08P067 وكل ما أورده البخارى من آيات ~~القرآن ومن الأحاديث فى هذا الباب حجة لمن اقتصر على الحلف بالله ولم يزد ~~عليه ، وكذلك قال عثمان لابن عمر : تحلف بالله لقد بعته وما به داء تعلمه . ~~وأجمعوا أنه لا ينبغى للحاكم أن يستحلف بالطلاق أو العتاق أو الحج أو ~~المصحف . * * * # | 25 - باب من أقام البينة بعد اليمين وقال النبى - صلى الله عليه وسلم - ~~: ( لعل بعضكم ألحن بحجته من بعض . وقال طاوس ، وإبراهيم ، وشريح : البينة ~~العادلة أحق من اليمين الفاجرة # . / 38 - وفيه : أم سلمة أن النبى - صلى الله عليه وسلم - قال : ( إنكم ~~تختصمون إلى ، ولعل بعضكم ألحن بحجته من بعض ، فمن قضيت له من حق أخيه شيئا ~~، فإنما أقطع له قطعة من النار فلا يأخذها ) . اختلف العلماء فى هذه ~~المسألة ، فذهب جمهور العلماء إلى أنه إن استحلف المدعى عليه ، ثم أقام ~~المدعى البينة قبلت بينته وقضى له بها على ما ذكر البخارى ، عن شريح وطاوس ~~والنخعى ، وهو قول الثورى والكوفيين ، والليث والشافعى ، وأحمد وإسحاق ، ~~وقال مالك فى المدونة : إن استحلفه وهو لا يعلم بالبينة ثم علمها قضى له ~~بها ، وإن استحلفه ورضى بيمينه تاركا لبينته وهى حاضرة أو غائبة فلا حق له ~~إذا شهدت له . قاله مطرف ، وابن الماجشون . وقال ابن أبى ليلى : لا تقبل ~~بينته بعد استحلاف المدعى عليه . وبه قال أبو عبيد وأهل الظاهر . قال ابن ~~المنذر : واحتج لابن أبى ليلى بعض الناس فقال : لما حكم النبى - صلى الله ~~عليه وسلم - بالبينة على المدعى واليمين PageV08P068 على المنكر كان المدعى ~~لا يستحق المال بدعواه والمنكر لا يبرأ من حق المدعى بجحوده ، فإذا أقام ~~المدعى البينة أخذ المال ، وإذا حلف المدعى عليه برئ ، وإذا برئ فلا سبيل ~~إليه . واحتج أهل المقالة الأولى بقوله - صلى الله عليه وسلم - : ( فمن ~~قضيت له من حق أخيه شيئا فإنما أقطع له قطعة من النار ) فدل هذا أن يمين ~~المدعى عليه لا يسقط الحق ms2660 ، وقطعه لا يوجب له ملكه ، فهو كالقاطع الطريق لا ~~يملك ما قطعه ، ألا ترى أن النبى - صلى الله عليه وسلم - قد نهاه عن أخذه ~~بقوله : ( فلا يأخذه ) . وقد ذكر ابن حبيب أن عمر بن الخطاب تخاصم إليه ~~يهودى ورجل من المسلمين ، فقال عمر : بينتك . فقال : ما تحضرنى اليوم . ~~فأحلف عمر المدعى عليه ، ثم أتى اليهودى بعد ذلك بالبينة فقضى له عمر ~~ببينته . وقال : البينة العادلة خير من اليمين الفاجرة . وروى أبو زيد عن ~~ابن الماجشون فى اليمانية أنه يقضى له بالبينة ، وإن كان عالما بها على قول ~~عمر بن الخطاب . واختلف عن مالك ، إذا أقام الطالب شاهدا واحدا ، وأبى أن ~~يحلف معه فحلف المطلوب ، ثم وجد الطالب شاهدا آخر هل يضيفه إلى الشاهد ~~الأول أم لا ؟ فروى ابن الماجشون عن مالك أنه يضيفه إلى الأول ، وروى ابن ~~كنانة عن مالك أنه لا يضيفه إلى الشاهد الأول ، ورواه يحيى ، عن ابن القاسم ~~. PageV08P069 * * * # | 26 - باب من أمر بإنجاز الوعد # وفعله الحسن ، وذكر إسماعيل : { إنه كان صادق الوعد } [ مريم : 54 ] ، ~~وقضى ابن الأشوع بالوعد ، وذكر ذلك عن سمرة بن جندب ، وقال : المسور بن ~~مخرمة ، سمعت النبى - صلى الله عليه وسلم - وذكر صهرا له ، قال : وعدنى ~~فوفانى . / 39 - فيه : ابن عباس ، قال : أخبرنى أبو سفيان أن هرقل قال له : ~~سألتك ماذا يأمركم ؟ فزعمت أنه أمركم بالصلاة ، وبالصدق ، والعفاف ، ~~والوفاء بالعهد ، وأداء الأمانة ، قال : وهذه صفة نبى . / 40 - وفيه : أبو ~~هريرة ، قال النبى ، - صلى الله عليه وسلم - : آية المنافق ثلاث : إذا حدث ~~كذب ، وإذا اؤتمن خان ، وإذا وعد أخلف ) . / 41 - وفيه : جابر : لما مات ~~النبى - صلى الله عليه وسلم - ، جاء أبا بكر مال من قبل العلاء بن الحضرمى ~~، فقال أبو بكر : من كان له على النبى - صلى الله عليه وسلم - دين أو كانت ~~له قبله عدة ، فليأتنا ، قال جابر : فقلت : وعدنى رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - أن يعطينى هكذا وهكذا وهكذا ، فبسط يديه ، ثلاث مرات ، قال ~~جابر : فعد فى يدى خمس مائة ، ثم خمس ms2661 مائة ، ثم خمس مائة . / 42 - وفيه : ~~ابن جبير : سألنى يهودى : أى الأجلين قضى موسى ؟ قلت : لا أدرى ، حتى أقدم ~~على حبر العرب ، فأسأله ، فقدمت : فسألت ابن عباس ، فقال : قضى أكثرهما ~~وأطيبهما ، إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا قال فعل . قال المهلب ~~: إنجاز الوعد مندوب إليه مأمور به ، وليس بواجب فرضا ، والدليل على ذلك ~~اتفاق الجميع على أن من وعد بشىء لم يضرب به مع الغرماء ، ولا خلاف أن ذلك ~~مستحسن ، وقد PageV08P070 أثنى الله على من صدق وعده ، ووفى بنذره ، وذلك ~~من مكارم الأخلاق ، ولما كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أولى الناس ~~بها وأبدرهم إليها أدى عنه أبو بكر الصديق خليفته ، وقام فيه مقامه ، ولم ~~يسأل أبو بكر جابرا البينة على ما ادعاه على رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - من العدة ، لأنه لم يكن شيئا ادعاه جابر فى ذمة النبى - صلى الله ~~عليه وسلم - ، وإنما ادعى شيئا فى بيت المال والفئ ، وذلك موكول إلى اجتهاد ~~الإمام ، وقد تقدم اختلاف الفقهاء فيما يلزم من العدة ، وما لا يلزم منها ~~فى كتاب الهبات . * * * # | 27 - باب لا يسأل أهل الشرك عن الشهادة وغيرها # وقال الشعبى : لا تجوز شهادة أهل الملل بعضهم على بعض ، لقوله تعالى : { ~~فأغرينا بينهم العداوة والبغضاء } [ المائدة : 14 ] ، وقال أبو هريرة ، عن ~~النبى - صلى الله عليه وسلم - : لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم و { ~~قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا } الآية [ البقرة : 136 ] . / 43 - وفيه : ~~ابن عباس ، قال : يا معشر المسلمين ، كيف تسألون أهل الكتاب ، وكتابكم الذى ~~أنزل على نبيه - صلى الله عليه وسلم - أحدث الأخبار بالله ، تقرءونه لم يشب ~~، وقد حدثكم الله أن أهل الكتاب بدلوا ما كتب الله وغيروا بأيديهم الكتاب ، ~~وقالوا : هو من عند الله { ليشتروا به ثمنا قليلا } [ البقرة : 79 ] أفلا ~~ينهاكم ما جاءكم من العلم عن مساءلتهم ؟ ، ولا والله ما رأينا منهم رجلا قط ~~يسألكم عن الذى أنزل عليكم . PageV08P071 اختلف العلماء فى هذا الباب فقالت ~~طائفة : لا تجوز شهادة أهل الكفر ms2662 بعضهم على بعض ولا على مسلم . روى ذلك عن ~~الحسن البصرى ، وهو قول مالك والشافعى وأحمد وأبى ثور . وقالت طائفة : تقبل ~~على المشركين وإن اختلفت مللهم ، ولا تقبل على المسلمين . روى هذا عن شريح ~~وعمر بن عبد العزيز ، وهو قول أبى حنيفة والثورى وقالوا : الكفر كله ملة ~~واحدة . وقال ابن أبى ليلى والحكم وعطاء : تجوز شهادة أهل كل ملة بعضهم على ~~بعض ، ولا تجوز على ملة غيرها ، وهو قول الليث وإسحاق ، للعداوة التى بينهم ~~، وقد ذكر الله فى كتابه فقال : { فأغرينا بينهم العداوة والبغضاء } [ ~~المائدة : 14 ] . وقال ابن شعبان : أجمع العلماء أنه لا تجوز شهادة العدو ~~على عدوه فى شىء ، وإن كان عدلا ، والعداوة تزيل العدالة فكيف بعداوة كافر ~~؟ ! واحتج الكوفيون بما رواه مالك ، عن نافع ، عن ابن عمر : ( أن اليهود ~~جاءوا إلى النبى - صلى الله عليه وسلم - برجل منهم وامرأة زنيا فأمر النبى ~~- صلى الله عليه وسلم - برجمهما ) . واحتج من لم يجزها فقال : لا حجة لكم ~~فى هذا الحديث ؛ لأنكم لا تقولون به ولا نحن ؛ لأن عندنا وعندكم أن من شروط ~~الرجم الإسلام ، وقد روى أن اليهوديين اعترفا بالزنا فرجمهما بإقرارهما لا ~~بالشهادة . قال المهلب : وحجة من لم يجز شهادتهم على كافر ولا على مسلم أن ~~الله وصفهم بالكذب عليه وعلى كتابه ، واتفق العلماء أن الكاذبين ~~PageV08P072 على الناس لا تقبل شهادتهم ، فالكذب على الله أعظم فهو أولى ~~برد شهادتهم . قال ابن القصار : وأيضا فإن المسلم الفاسق لا تقبل شهادته ، ~~والكافر أفسق ، فلا يجوز قبوله على فاسق مثله ولا على مطيع . فإن قيل : فقد ~~أجازت طائفة من السلف شهادتهم على المسلم فى الوصية فى السفر للضرورة ، روى ~~ذلك عن شريح والنخعى ، وبه قال الأوزاعى ، وقال ابن عباس فى تأويل قوله : { ~~أو آخران من غيركم } [ المائدة : 106 ] : من غير المسلمين . قيل : قد قال ~~الحسن البصرى : { أو آخران من غيركم } [ المائدة : 106 ] : من غير قومكم من ~~أهل الملة . واتفق مالك والكوفيون والشافعى على أنهم لا تجوز شهادتهم فى ~~الوصية فى حضر ولا ms2663 سفر ، والآية عندهم منسوخة ، فلم يلزمهم تأويل ابن عباس ~~؛ لأجل من خالفه من العلماء ، وقد شرط الله قبول العدول فى الشهادة بقوله : ~~{ ممن ترضون من الشهداء } [ البقرة : 282 ] ، وقال تعالى : { وأشهدوا ذوى ~~عدل منكم } [ الطلاق : 2 ] . قال المهلب : وقوله - صلى الله عليه وسلم - : ~~( لا تصدقوا أهل الكتاب ) حجة لمن لم يجز شهادتهم . وقوله : ( ولا تكذبوهم ~~) يعنى : فيما ادعوا من الكتاب ومن أخبارهم ؛ مما يمكن أن يكون صدقا أو ~~كذبا ؛ لإخبار الله تعالى عنهم أنهم بدلوا الكتاب ليشتروا به ثمنا قليلا ، ~~ومن كذب على الله فهو أحرى بالكذب فى سائر حديثه . PageV08P073 وسأل بعض ~~علماء النصارى محمد بن وضاح فقال : ما بال كتابكم معشر المسلمين لا زيادة ~~فيه ولا نقصان وكتابنا بخلاف ذلك ؟ فقال له : لأن الله وكل حفظ كتابكم ~~إليكم فقال : { بما استحفظوا من كتاب الله } [ المائدة : 44 ] فما وكله إلى ~~المخلوقين دخله الخرم والنقصان ، وقال فى القرآن : { إنا نحن نزلنا الذكر ~~وإنا له لحافظون } [ الحجر : 9 ] فتولى الله حفظه فلا سبيل إلى الزيادة فيه ~~ولا إلى النقصان . * * * # | 28 - باب القرعة فى المشكلات # وقوله تعالى : { إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم } [ آل عمران : 44 ] . ~~قال ابن عباس : اقترعوا فجرت الأقلام مع الجرية ، وعال قلم زكرياء الجرية ، ~~فكفلها زكرياء وقوله : { فساهم } [ الصافات : 141 ] أقرع { فكان من ~~المدحضين } من المسهومين . وقال أبو هريرة : عرض النبى - صلى الله عليه ~~وسلم - على قوم اليمين ، فأسرعوا ، فأمر أن يسهم بينهم أيهم يحلف . / 44 - ~~فيه : النعمان بن بشير : قال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( مثل المدهن ~~فى حدود الله والواقع فيها ، مثل قوم استهموا سفينة ، فصار بعضهم فى أسفلها ~~وصار بعضهم فى أعلاها ، فكان الذين فى أسفلها يمرون بالماء على الذين فى ~~أعلاها ، فتأذوا به ، فأخذوا فأسا ، فجعل ينقر أسفل السفينة ، فأتوه ، ~~فقالوا ما لك ؟ قال : تأذيتم بى ، ولا بد لى من الماء ، فإن أخذوا على يديه ~~أنجوه ونجوا أنفسهم ، وإن تركوه أهلكوه ، وأهلكوا أنفسهم ) . PageV08P074 / ~~45 - وفيه : أم العلاء ، أن عثمان بن مظعون طار لهم سهمه فى ms2664 السكنى حين ~~أقرعت الأنصار سكنى المهاجرين ، قالت أم العلاء : فسكن عندنا عثمان بن ~~مظعون ، فاشتكى ، فمرضناه حتى إذا توفى ، وجعلناه فى ثيابه ، دخل علينا ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقلت : رحمة الله عليك أبا السائب ، ~~فشهادتى عليك ، لقد أكرمك الله ، فقال لى النبى - صلى الله عليه وسلم - : ~~وما يدريك أن الله أكرمه ، فقلت : لا أدرى ، بأبى أنت وأمى ، يا رسول الله ~~، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : أما عثمان فقد جاءه والله ~~اليقين ، وإنى لأرجو له الخير ، والله ما أدرى ، وأنا رسول الله ما يفعل به ~~، قالت : فوالله ، لا أزكى أحدا بعده أبدا ، وأحزننى ذلك ، قالت : فنمت ، ~~فأريت لعثمان عينا تجرى ، فجئت إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~فأخبرته ، فقال : ذاك عمله ) . / 46 - وفيه : عائشة : كان النبى - صلى الله ~~عليه وسلم - ، إذا أراد سفرا ، أقرع بين نسائه ، فأيتهن خرج سهمها خرج بها ~~معه . . . الحديث . / 47 - وفيه : أبو هريرة ، قال النبى - صلى الله عليه ~~وسلم - : لو يعلم الناس ما فى النداء والصف الأول ، ثم لم يجدوا إلا أن ~~يستهموا عليه لاستهموا . . . الحديث . القرعة فى المشكلات سنة عند جمهور ~~الفقهاء فى المستوين فى الحجة ؛ ليعدل بينهم ، وتطمئن قلوبهم وترتفع الظنة ~~عمن تولى قسمتهم ، ولا يفضل أحد منهم على صاحبه إذا كان المقسوم من جنس ~~واحد اتباعا للكتاب والسنة . قال أبو عبيد : وقد عمل بالقرعة ثلاثة من ~~الأنبياء : يونس وزكريا ومحمد نبينا ، قاله ابن المنذر . PageV08P075 ~~واستعماله القرعة كالإجماع من أهل العلم فيما يقسم بين الشركاء ، فلا معنى ~~لقول من ردها ورد الآثار الواردة المتواترة بالعمل بها . قال الشافعى : ولا ~~يعدم المقترعون على مريم أن يكونوا تنافسوا كفالتها ، فكان أرفق بها وأعطف ~~عليها ، وأعلم بما فيه مصلحتها أن تكون عند كافل واحد ، ثم يكفلها آخر ~~مقدار تلك المدة ، أو تكون عند كافل واحد ويغرم من بقى مئونتها بالحصص ، ~~وهم بأن يكونوا تشاحوا كفالتها أشبه من أن يكونوا تدافعوها ؛ لأنها كانت ~~صبية غير ممتنعة مما يمتنع منه من عقل ستره ومصالحه ، فإن ms2665 يكفلها واحد من ~~الجماعة أستر عليها وأكرم لها ، وأى المعنيين كان ، فالقرعة تلزم أحدهم ما ~~يدفعه عن نفسه أو يخلص له ما يرغب فيه . وهكذا معنى قرعة يونس ، وقفت بهم ~~السفينة فقالوا : ما عليها إلا مذنب ، فتقارعوا فوقعت القرعة على يونس ، ~~فأخرجوه منها . وذكر أهل التفسير أنه قيل ليونس : إن قومك يأتيهم العذاب ~~يوم كذا . فخرج ذلك اليوم ، ففقده قومه فخرجوا فأتاهم العذاب ثم صرف عنهم ، ~~فلما لم يصبهم العذاب ذهب مغاضبا ، فركب البحر فى سفينة مع ناس ، فلما لجوا ~~ركدت السفينة فلم تسر فقالوا : إن فيكم PageV08P076 لشرا . فقال يونس : أنا ~~صاحبكم فألقونى . قالوا : لا حتى نضرب بالسهام . فطار عليه السهم مرتين ~~فألقوه فى البحر ، فالتقمه الحوت ، فأوحى الله إلى الحوت أن يلتقمه ولا ~~يكسر له عظما . قال الشافعى : وكذلك كان إقراع النبى - صلى الله عليه وسلم ~~- فى العدل بين نسائه حين أراد السفر ولم يمكنه الخروج بهن كلهن فأقرع ~~بينهن ليعدل بينهن ولا يخص بعضهن بالسفر ، ويكل ذلك إلى الله ، ويخرج ذلك ~~من اختياره ، فأخرج من خرج سهمها ، وسقط حق غيرها ، فلما رجع عاد للقسمة ~~بينهن ولم يقسم أيام سفره ، فكذلك قسم خيبر وكان أربعة أخمساها لمن حضر ~~فأقرع على كل جزء ، فمن خرج فى سهمه أخذه وانقطع منه حق غيره ، وقد تقدم فى ~~كتاب الشركة شىء من الكلام فى القرعة . وقوله : ( المدهن فى حدود الله ) ~~يعنى : المداهن فيها المضيع لها الذى لا يغير المعاصى ولا يعملها فهو مستحق ~~بالعقوبة على سكوته ومداهنته . ومعنى المثل الذى ضربه - صلى الله عليه وسلم ~~- فى السفينة وقوله : ( طار لهم سهمه ) يقال : طار له فى سهمه كذا . إذا ~~خصه ذلك وأصابه فى سهمه . PageV08P077 * * * # | 53 - كتاب الصلح # # | 1 - باب ما جاء فى الإصلاح بين الناس وقوله : { لا خير فى كثير من ~~نجواهم إلا من أمر . . . } [ النساء : 114 ] الآية ، وخروج الإمام إلى ~~المواضع ليصلح بين الناس بأصحابه . # / 1 - فيه : سهل ، ( أن أناسا من بنى عمرو بن عوف كان بينهم شيء ، فخرج ~~إليهم النبى - صلى الله ms2666 عليه وسلم - فى أناس من أصحابه ، يصلح بينهم ، ~~فحضرت الصلاة . . الحديث . / 2 - وفيه : أنس : قيل للنبى - صلى الله عليه ~~وسلم - : لو أتيت عبدالله بن أبى ، فانطلق إليه النبى - صلى الله عليه وسلم ~~- ، وركب حمارا ، فانطلق المسلمون يمشون معه ، وهى أرض سبخة ، فلما أتاه ~~النبى - صلى الله عليه وسلم - ، فقال : إليك عنى ، والله لقد آذانى نتن ~~حمارك ، فقال : رجل من الأنصار منهم ، والله لحمار رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - أطيب ريحا منك ، فغضب لعبدالله رجل من قومه ، فشتمه ، فغضب لكل ~~واحد منهما أصحابه ، فكان بينهما ضرب بالجريد والأيدى والنعال ، فبلغنا ~~أنها أنزلت : { وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا . . . } [ الحجرات : 9 ] ~~الآية . الإصلاح بين الناس واجب على الأئمة وعلى من ولاه الله أمور ~~المسلمين . قال المهلب : إنما يخرج الإمام ليصلح بين الناس إذا أشكل عليه ~~أمرهم وتعذر ثبوت الحقيقة عنده فيهم ، فحينئذ ينهض إلى الطائفتين ، ويسمع ~~من الفريقين ومن الرجل والمرأة ، ومن كافة الناس PageV08P078 سماعا فاشيا ~~يدله على الحقيقة . هذا قول كافة العلماء ، وكذلك ينهض الإمام إلى العقارات ~~والأرضين المتشاح فى قسمتها فيعاين ذلك . وقال عطاء : لا يحل للإمام إذا ~~تبين له القضاء أن يصلح بين الخصوم وإنما يسعه ذلك فى الأموال المشكلة ، ~~فأما إذا استنارت الحجة لأحد الخصمين على الآخر ، وتبين للحاكم موضع الظالم ~~من المظلوم فلا يسعه أن يحملها على الصلح . وبه قال أبو عبيد . وقال ~~الشافعى : يأمرهما بالصلح ، ويؤخر الحكم بينهما يوما أو يومين ، فإن لم ~~يجتمعا لم يكن له ترديدهما وأنفذ الحكم بينهما ، والحكم قبل البيان ظلم ، ~~والحبس للحكم بعد البيان ظلم . وقال الكوفيون : إن طمع القاضى أن يصطلح ~~الخصمان فلا بأس أن يرددهما ولا ينفذ الحكم بينهما لعلهما يصطلحان ، ولا ~~يردهم أكثر من مرة أو مرتين إن طمع فى الصلح بينهم ، فإن لم يطمع فيه أنفذ ~~القضاء بينهم . واحتجوا بما روى عن عمر بن الخطاب أنه قال : ردوا الخصوم ~~حتى يصطلحوا فإن فصل القضاء يورث بين الناس الضغائن . وأما مسير النبى - ~~صلى الله عليه وسلم - إلى عبد ms2667 الله بن أبى ، فإنما فعل ذلك أول قدومه ~~المدينة ؛ ليدعوه إلى الإسلام ؛ إذ التبليغ فرض عليه ، وكان يرجو أن يسلم ~~من وراءه بإسلامه لرياسته فى قومه ، وقد كان أهل المدينة عزموا أن يتوجوه ~~بتاج الإمارة ، وكذلك قال سعد بن عبادة للنبى - صلى الله عليه وسلم - أنه ~~صنع ما صنع عن التوقف عن الإسلام ما كانوا عزموا عليه من توليته الإمارة ، ~~حتى بعث الله نبيه فأبطل الباطل وصدع بالحق وبلغ الدين . وفيه من الفقه : ~~أن الإمام إذا مضى إلى موضع فيه أعداء له أن PageV08P079 على المسلمين أن ~~يمشوا معه ويحرسوه فإن جفى عليه نصروه ، كما فعل عبد الله بن رواحة حين قال ~~: والله لحمار رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أطيب ريحا منك . فإن نوزع ~~قاتلوا دونه . وقول أنس : ( فبلغنا أنها نزلت : { وإن طائفتان } [ الحجرات ~~: 9 ] يستحيل أن تكون الآية نزلت فى قصة عبد الله بن أبى وفى قتال أصحابه ~~مع النبى - صلى الله عليه وسلم - ؛ لأن أصحاب عبد الله ابن أبى ليسوا ~~بمؤمنين ، وقد تعصبوا له بعد الإسلام فى قصة الإفك ، وقد جاء هذا المعنى ~~مبينا فى هذا الحديث فى كتاب الاستئذان من رواية أسامة بن زيد أن النبى - ~~صلى الله عليه وسلم - مر فى مجلس فيه أخلاط من المشركين والمسلمين وعبدة ~~الأوثان واليهود ، وفيهم عبد الله بن أبى . . وذكر الحديث . فدل أن الآية ~~لم تنزل فى قصة عبد الله بن أبى ، وإنما نزلت فى قوم من الأوس والخزرج ~~اختلفوا فى حق فاقتتلوا بالعصى والنعال . هذا قول سعيد بن جبير والحسن ~~وقتادة . * * * # | 2 - باب ليس الكاذب الذى يصلح بين الناس # / 3 - فيه : أم كلثوم بنت عقبة ، قالت : قال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - : ليس الكاذب الذى يصلح بين الناس ، فينمى خيرا أو يقول خيرا ) . ~~وفى هذا الحديث : زيادة لم يذكرها البخارى فى حديثه ، حدثنا بذلك أبو ~~القاسم عبد الرحمن بن عبد الله الهمدانى قال : حدثنا أبو الربيع محمد بن ~~الفضيل البلخى الصفار ، حدثنا عبد الله بن محمد بن إسحاق ms2668 الخزاعى ، حدثنى ~~أبو يحيى بن أبى ميسرة ، حدثنا يحيى بن محمد الحارثى ، حدثنا عبد العزيز بن ~~محمد ، عن عبد الوهاب بن PageV08P080 رفيع ، عن ابن شهاب ، عن حميد بن عبد ~~الرحمن ، عن أمه أم كلثوم بنت عقبة قالت : ( ما سمعت النبى - صلى الله عليه ~~وسلم - يرخص فى الكذب إلا فى ثلاث : كان النبى - صلى الله عليه وسلم - يقول ~~: لا أعدهن كذبا : الرجل يصلح بين الناس يقول قولا يريد به الصلاح ، والرجل ~~يحدث زوجته ، والمرأة تحدث زوجها ، والرجل يقول فى الحرب ) . قال الطبرى : ~~اختلف العلماء فى هذا الباب فقالت طائفة : الكذب الذى رخص فيه رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - فى هذه الثلاث هو جميع معانى الكذب . واحتجوا بما ~~رواه الأعمش ، عن عبد الملك بن ميسرة ، عن النزال بن سبرة قال : كنا عند ~~عثمان ، وعنده حذيفة فقال له عثمان : إنه بلغنى عنك أنك قلت كذا وكذا . ~~فقال حذيفة : والله ما قلته . وقد سمعناه قبل ذلك يقوله ، فلما خرج قلنا له ~~: أليس قد سمعناك تقول ؟ قال : بلى . قلنا : فلم حلفت ؟ قال : إنى أشترى ~~دينى بعضه ببعض مخافة أن يذهب كله . واحتجوا بحديث ابن شهاب أن عمر بن ~~الخطاب قال لقيس بن مكشوح : هل حدثت نفسك بقتلى ؟ قال : لو هممت فعلت . ~~فقال عمر له : لو قلت : نعم ضربت عنقك ، فنفاه من المدينة ، فقال له عبد ~~الرحمن بن عوف : لو قال : نعم ضربت عنقه ؟ قال : لا ولكن أسترهبه بذلك . ~~وقالت طائفة : لا يصلح الكذب تعريضا فى جد ولا لعب . روى سفيان عن الأعمش ~~قال : ذكرت لإبراهيم الحديث الذى رخص فيه الكذب فى الإصلاح بين الناس ، ~~فقال إبراهيم : كانوا لا يرخصون فى الكذب فى جد ولا هزل . وروى مجاهد عن ~~أبى معمر ، عن ابن مسعود قال : لا يصلح الكذب فى جد ولا هزل PageV08P081 ~~ولا أن يعد أحدكم ولده شيئا ثم لا ينجزه ، اقرءوا إن شئتم : { يا أيها ~~الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين } [ التوبة : 119 ] . وقال ~~آخرون : بل الذى رخص فيه هو المعاريض . وقد قال ms2669 ابن عباس : ما أحب بأن لى ~~بمعاريض الكذب كذا وكذا . وهو قول سفيان وجمهور العلماء . وقال المهلب : ~~ليس لأحد أن يعتقد إباحة الكذب ، وقد نهى النبى - صلى الله عليه وسلم - عن ~~الكذب نهيا مطلقا ، وأخبر أنه مجانب للإيمان ، فلا يجوز استباحة شىء منه ، ~~وإنما أطلق - صلى الله عليه وسلم - للصلح بين الناس أن يقول ما علم من ~~الخير بين الفريقين ، ويسكت عما سمع من الشر بينهم ويعد أن يسهل ما صعب ~~ويقرب ما بعد ، لا أنه يخبر بالشىء على خلاف ما هو عليه لأن الله قد حرم ~~ذلك ورسوله ، وكذلك الرجل يعد المرأة ويمنيها وليس هذا من الكذب ؛ لأن ~~حقيقة الكذب الإخبار عن الشىء على خلاف ما هو عليه ، والوعد لا يكون حقيقة ~~حتى ينجز ، والإنجاز مرجو فى الاستقبال فلا يصح أن يكون كذبا . وكذلك فى ~~الحرب أيضا إنما يجوز فيها المعاريض والإيهام بألفاظ تحتمل وجهين فيؤدى بها ~~عن أحد المعنيين ليغتر السامع بأحدهما عن الآخر ، وليس حقيقة الإخبار عن ~~الشىء بخلافه وضده ، ونحو ذلك ما روى عن النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( ~~أنه مازح عجوزا فقال : إن العجز لا يدخلن الجنة ) فأوهمها فى ظاهر الأمر ~~أنهن لا يدخلن أصلا ، وإنما أراد بهن لا يدخلن الجنة إلا شبابا ، فهذا ~~وشبهه من المعاريض التى فيها مندوحة عن الكذب ، فإن لم PageV08P082 يسمع ~~المصلح شيئا فله أن يعد بخير ولا يقول : سمعت وهو لم يسمع ونحوه . قال ~~الطبرى : والصواب فى ذلك قول من قال : الكذب الذى أذن فيه النبى - صلى الله ~~عليه وسلم - هو ما كان تعريضا ينحو به نحو الصدق ، نحو ما روى عن إبراهيم ~~النخعى أن امرأته عاتبته فى جارية وفى يده مروحة فجعل إبراهيم النخعى يقول ~~: اشهدوا أنها لها ويشير بالمروحة فلما قامت امرأته قال : على أى شىء ~~أشهدتكم ؟ قالوا : أشهدتنا على أنها لها . قال : ألم ترونى أنى أشير ~~بالمروحة . وأما صريح الكذب فهو غير جائز لأحد كما قال ابن مسعود لما روى ~~عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم ms2670 - من تحريمه والوعيد عليه ، وأما قول ~~حذيفة فإنه خارج عن معانى الكذب التى روى عن النبى - صلى الله عليه وسلم - ~~أنه أذن فيها ، وإنما ذلك من جنس إحياء الرجل نفسه عند الخوف ، كالذى يضطر ~~إلى الميتة ولحم الخنزير فيأكل ليحيى به نفسه ، وكذلك الحالف له أن يخلص ~~نفسه ببعض ما حرم الله عليه ، وله أن يحلف على ذلك ولا حرج عليه ولا إثم ، ~~وسيأتى فى كتاب الأدب باب المعاريض مندوحة عن الكذب . * * * # | 3 - باب قول الإمام لأصحابه : ( اذهبوا بنا نصلح ) # / 4 - فيه : سهل : ( أن أهل قباء اقتتلوا حتى تراموا بالحجارة ، فأخبر ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بذلك ، فقال : اذهبوا بنا نصلح بينهم ) . ~~يشبه أن يكون فى هذه القصة نزلت : { وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا . . } ~~[ الحجرات : 9 ] الآية لا فى قصة عبد الله بن أبى بن سلول كما قال ~~PageV08P083 أنس ، روى عن الحسن أن قوما من المسلمين كان بينهم تنازع حتى ~~اضطربوا بالجريد والنعال والأيدى ، فأنزل الله فيهم : { وإن طائفتان من ~~المؤمنين اقتتلوا } [ الحجرات : 9 ] قال قتادة : كان بينهما حق فتنازعا فيه ~~فقال أحدهما : لآخذنه عنوة . وقال الآخر : بينى وبينك رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - . فتنازعا حتى كان بينهما ضرب بالأيدى والنعال . وقال قتادة فى ~~تأويل هذه الآية : كان الأوس والخزرج اقتتلوا بالعصى . وفيه : خروج الإمام ~~مع أصحابه للإصلاح بين الناس عند تفاقم أمورهم وشدة تنازعهم ، وقد تقدم . ~~وفيه : ما كان عليه النبى - صلى الله عليه وسلم - من التواضع والخضوع ~~والحرص على قطع الخلاف وحسم دواعى الفرقة عن أمته كما وصفه الله تعالى . * ~~* * # | 4 - باب قول الله تعالى : { أن يصلحا بينهما صلحا والصلح خير } [ ~~النساء : 128 ] # / 5 - فيه : عائشة : { وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا أو إعراضا } [ ~~النساء : 128 ] قالت : هو الرجل يرى من امرأته ما لا يعجبه كبرا أو غيره ، ~~فيريد فراقها ، فتقول : أمسكنى واقسم لى ما شئت ، قالت : فلا بأس إذا ~~تراضيا . قال المهلب : الصلح خير فى كل شىء من التمادى على الخلاف والشحناء ~~والبغضاء التى هى ms2671 قواعد الشر ، والصلح وإن كان فيه صبر مؤلم فعاقبته جميلة ~~، وأمر منه وشر عاقبة العداوة والبغضاء ، وقد قال PageV08P084 - صلى الله ~~عليه وسلم - فى البغضة إنها الحالقة يعنى : حالقة الدين لا حالقة الشعر ، ~~أراد النبى - صلى الله عليه وسلم - أن يطلق سودة لسن كان بها ، فأحست منه ~~ذلك فقالت له : قد وهبت يومى لعائشة فلا حاجة لى بالرجال ، وإنما أريد أن ~~أحشر فى نسائك فلم يطلقها واصطلحا على ذلك . ودل هذا أن ترك التسوية بين ~~النساء وتفضيل بعضهن على بعض لا يجوز إلا بإذن المفضولة ورضاها ، ويدخل فى ~~هذا المعنى جميع ما يقع عليه بين الرجل والمرأة فى مال أو وطء أو غير ذلك ، ~~وكل ما تراضيا عليه من الصلح فهو حلال للرجل من زوجته لهذه الآية . * * * # | 5 - باب إذا اصطلحوا على صلح جور فهو مردود # / 6 - فيه : أبو هريرة وزيد بن خالد الجهنى قالا : جاء أعرابى ، فقال : ( ~~يا رسول الله اقض بيننا بكتاب الله ، فقام خصمه ، فقال : صدق ، اقض بيننا ~~بكتاب الله ، فقال الأعرابى : إن ابنى كان عسيفا على هذا ، فزنى بامرأته ، ~~فقالوا لى : على ابنك الرجم ، ففديت ابنى منه بمائة من الغنم ووليدة ، ثم ~~سألت أهل العلم ، فقالوا : إنما على ابنك جلد مائة وتغريب عام ، فقال النبى ~~- صلى الله عليه وسلم - : لأقضين بينكما بكتاب الله ، أما الوليدة والغنم ~~فرد عليك ، وعلى ابنك جلد مائة وتغريب عام ، وأما أنت يا أنيس ، لرجل ، ~~فاغد على امرأة هذا فارجمها ، فغدا عليها أنيس فرجمها ) . / 7 - وفيه : ~~عائشة ، قالت : قال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( من أحدث فى أمرنا هذا ~~ما ليس فيه فهو رد ) . قال المؤلف : أما قضاء النبى - صلى الله عليه وسلم - ~~فى هذه القصة بكتاب الله فهو PageV08P085 رد الغنم والجارية اللذين أخذا ~~بالباطل ، وقد نهى الله عباده عن ذلك فقال : { ولا تأكلو أموالكم بينكم ~~بالباطل } [ البقرة : 188 ] ولم يجز هذا الصلح ؛ لاشتراء حدود الله ببعض ~~عرض الدنيا ، وحدود الله لا تسقط ولا تباع ولا تشترى ، وأجمع العلماء أنه ~~لا يجوز الصلح ms2672 المنعقد على غير السنة وأنه منتقض ، ألا ترى أنه رد الغنم ~~والوليدة وألزم ابنه من الحد ما ألزمه الله ، فقال : ( من أحدث فى أمرنا ما ~~ليس منه فهو رد ) وبذلك كتب عمر بن الخطاب إلى أبى موسى الأشعرى فى رسالته ~~إليه يعلمه القضاء فقال : والصلح جائز بين المسلمين إلا صلحا أحل حراما أو ~~حرم حلالا . وذهب مالك وابن القاسم إلى أن الصلح كالبيع ، لايجوز فيه ~~المكروه ولا الغرر . وذكر ابن حبيب عن مطرف قال : كل ما وقع به الصلاح من ~~الأشياء المكروهة التى ليست بحرام صراح فالصلح بها جائز . قال ابن الماجشون ~~: إن عثر عليه بحدثانه فسخ ، وإن طال أمر مضى . وقال أصبغ : إن وقع الصلح ~~بالحرام والمكروه مضى ولم يرد ، وإن عثر عليه بحدثان ذلك ؛ لأنه كالهبة ، ~~ألا ترى أنه لو صالح من دعواه تنتقض لم يكن فيه شفعة ؛ لأنه كالهبة ، وقد ~~حدثنا سفيان بن عيينة أن على بن أبى طالب أتى بصلح فقرأه فقال : هذا حرام ، ~~ولولا أنه صلح لفسخته . قال ابن حبيب : وقول مطرف وابن الماجشون أحب إلى ، ~~لموافقته قوله فى الحديث : ( إلاصلحا أحل حراما أو حرم حلالا ) . ~~PageV08P086 * * * # | 6 - باب كيف يكتب : هذا ما صالح فلان بن فلان ، وفلان بن فلان وإن لم ~~ينسبه إلى قبيلته أو نسبه # / 8 - فيه : البراء ، قال : ( لما صالح رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~أهل الحديبية ، كتب على بن أبى طالب بينهم كتابا ، فكتب : محمد رسول الله ، ~~فقال المشركون : لا تكتب محمد رسول الله ، لو كنت رسولا لم نقاتلك ، فقال ~~لعلى : امحه ، فقال على : ما أنا بالذى أمحاه ، فمحاه رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - بيده ، وصالحهم على أن يدخل هو وأصحابه ثلاثة أيام ، ولا ~~يدخلوها إلا بجلبان السلاح ، فسألوه : ما جلبان السلاح ؟ فقال : القراب بما ~~فيه ) . ( 1 ) / 9 - وقال البراء : ( اعتمر النبى - صلى الله عليه وسلم - ~~فى ذى القعدة ، فأبى أهل مكة أن يدعوه يدخل مكة حتى قاضاهم على أن يقيم بها ~~ثلاثة أيام ، إلى قوله : بجلبان السلاح ، وألا يخرج ms2673 من أهلها بأحد إن أراد ~~أن يتبعه ، وأن لا يمنع أحدا من أصحابه أراد أن يقيم بها ، فلما دخلها ومضى ~~الأجل أتوا عليا ، فقالوا : قل لصاحبك اخرج عنا ، فقد مضى الأجل ، فخرج ~~النبى - صلى الله عليه وسلم - فتبعتهم ابنة حمزة : يا عم ، يا عم ، ~~فتناولها على ، فأخذ بيدها ، وقال لفاطمة ، عليها السلام : دونك ابنة عمك ، ~~حملتها ، فاختصم فيها علي وزيد وجعفر ، فقال على : أنا أحق بها ، وهى ابنة ~~عمى ، وقال جعفر : ابنة عمى وخالتها تحتى ، وقال زيد : ابنة أخى ، فقضى بها ~~النبى - صلى الله عليه وسلم - لخالتها ، وقال : الخالة بمنزلة الأم ، وقال ~~لعلى : أنت منى ، وأنا منك ، وقال لجعفر : أشبهت خلقى ، وخلقى وقال لزيد : ~~أنت أخونا ومولانا ) . أصل هذا الباب أن يكتب فى اسم الرجل من تعريفه ما لا ~~يشكل PageV08P087 على أحد ، فإن كان اسمه واسم أبيه مشهورين شهرة ترفع ~~الإشكال لم يحتج فى ذلك إلى زيادة ذكر نسبه ولا قبيلته ، ألا ترى أن النبى ~~- صلى الله عليه وسلم - اقتصر فى كتاب المقاضاة مع المشركين على أن كتب ~~محمد بن عبد الله ، ولم يزد عليه لما أمن الالتباس فيه ؛ لأنه لم يكن هذا ~~الاسم لأحد غير النبى - صلى الله عليه وسلم - . واستحب الفقهاء أن يكتب ~~اسمه واسم أبيه وجده ونسبه ليرفع الإشكال فيه ، فقل ما يقع مع ذكر هذه ~~الأربعة اشتباه فى اسمه ولا التباس فى أمره . قال المهلب : وفيه من الفقه ~~رجوع النبى - صلى الله عليه وسلم - إلى اسمه واسم أبيه فى العقد ، ومحوه ~~لحظة النبوة إنما كان لأن الكلام فى الصلح وميثاق العقد كان إخبارا عن أهل ~~مكة ، ألا تراهم قالوا : ( لو نعلم أنك رسول الله ما صددناك ولا قاتلناك ) ~~فخشوا أن ينعقد عليهم إقرارهم برسالته ، فلذلك قالوا ما قالوا هربا من ~~الشهادة بذلك . وأما محو ( الرحمن ) من الكتاب فليس بمحو من الصدور ، وربما ~~آل التشاح فى ذلك إلى فساد ما كان أحكموه من الصلح . وإباءة على من محو ( ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ) أدب منه وإيمان ms2674 وليس بعصيان فيما أمره ~~به ، والعصيان هاهنا أبر من الطاعة له وأجمل فى التأدب والإكرام . قال ~~الطبرى : وفى كتابه - صلى الله عليه وسلم - باسمك اللهم ، ولم يأب عليهم أن ~~يكتبه إذ لم يكن فى كتابة ذلك نقض شىء من شروط الإسلام ، ولا تبديل شىء من ~~شرائعه ، وإن كانت سنته الجارية بين PageV08P088 أمته أن يستفتحوا كتبهم ( ~~بسم الله الرحمن الرحيم ) . وكان فعله ذلك والمسلمون يومئذ فى قلة من العدد ~~وضعف من القوة ، والمشركون فى كثرة من العدد وشدة من الشوكة ، فتبين أن ~~نظير ذلك إذا حدثت للمسلمين حالة تشبه حالة المسلمين يوم الحديبية فى القلة ~~والضعف ، وامتنع المشركون من الصلح إلا على حذف بعض أسماء الله أو صفاته ، ~~أو حذف بعض محامده أو بعض الدعاء لرسوله أو حذف بعض صفاته ، ورأى القيم ~~بأمر المسلمين أن النظر للمسلمين إتمام الصلح أن له أن يفعل كفعل النبى - ~~صلى الله عليه وسلم - فى ذلك . ولو امتنعوا من الصلح على أن يبتدىء الكتاب ~~هذا ما قاضى عليه فلان بن فلان ، ويحذف منه كل ما يبتدأ به من ذكر أسماء ~~الله تعالى وصفاته فى ابتداء الكتاب ، أو يحذف منه ذكر الخلافة ؛ أنه ليس ~~فى ترك ذلك ترك فرض من فرائض الله عز وجل لا يسع المسلمون تضييعه ؛ لأنه - ~~صلى الله عليه وسلم - لما أجابهم إلى ما أرادوا من كتاب محمد بن عبد الله ؛ ~~لم يكن ذلك مزيلا لصفة من النبوة ، ولا يكون للخليفة إذا لم يوصف بالخلافة ~~دخول منقصة عليه ، ولا زواله عن منزلة من الإمامة ، كما لم يكن فى رضا ~~النبى - صلى الله عليه وسلم - أن يكتب محمد ابن عبد الله منقصة عن النبوة ~~التى جعلها الله تعالى فيه . قال المهلب : وأما اشتراطهم عليه ألا يخرج ~~بأحد من أهلها إن تبعه ، ثم خرجت بنت حمزة وفرت معه ، فإنما جاز ذلك لأن ~~المشارطة إنما وقعت على الرجال دون النساء ، وقد بينه البخارى فى كتاب ~~الشروط بعد هذا ، وفى بعض طرق هذا الحديث ، فقال سهيل : PageV08P089 ( وعلى ~~أنه ms2675 لا يأتيك منا رجل هو على دينك إلا رددته إلينا ) ولم يذكر النساء ، فصح ~~بهذا أن أخذه لابنة حمزة كان لهذه العلة ، ألا تراه رد أبا جندل إلى أبيه ، ~~وهو العاقد لهذه المقاضاة . وقوله - صلى الله عليه وسلم - : ( الخالة ~~بمنزلة الأم ) يعنى فى الحضانة وهو أصل فى الحكم للخالة بالحضانة . وقال ~~الطبرى : فيه دليل على أن أم الصغير ومن كان من قرابتها من النساء أولى ~~بالحضانة من عصبتها من قبل الأب ، وإن كانت ذات زوج غير الوالد الذى هو منه ~~؛ وذلك أن النبى - صلى الله عليه وسلم - قضى بابنة حمزة لخالتها فى الحضانة ~~، وقد تنازع فيها ابنا عمها على وجعفر ومولاها أخو أبيها الذى كان رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - آخى بيينه وبينه ، وخالتها يومئذ لها زوج غير ~~أبيها ، وذلك بعد مقتل حمزة ، فصح قول من قال : إنه لا حق لعصبة الصغير من ~~قبل الأب فى حضانته ما لم يبلغ حد الاختيار مع قرابته من النساء من قبل ~~الأم وإن كن ذوات أزواج . فإن قيل : فإذا كانت قرابة الأم أحق وإن كن ذوات ~~أزواج ، فهلا كانت الأم ذات الزوج كذلك كما كانت الخالة ذات الزوج أحق به ؟ ~~قيل : فرق بين ذلك قيام الحجة بالنقل المستفيض رواته عن النبى - صلى الله ~~عليه وسلم - أن الأم أحق بحضانة الطفل ما لم تنكح ، فإذا نكحت فالأب أحق ~~بحضانته ، وقد روى عن النبى - صلى الله عليه وسلم - من حديث عمرو بن شعيب ، ~~عن أبيه ، عن جده . وكل واحدة من المسألتين أصل ، إحداهما من جهة النقل ~~المستفيض والأخرى من جهة نقل الآحاد العدول ، وغير جائز رد حكم إحداهما على ~~الأخرى ، إذ القياس لا يجوز استعماله إلا فيما لا نص فيه من الأحكام . ~~PageV08P090 وقوله : ( أنت مولانا ) فالولاء فى هذا الموضع لا يصلح أن يكون ~~إلا الانتساب فقط لا الموارثة ؛ لأنه قد كان نزل فى القران ترك التبنى وترك ~~التوارث به وبالحلف ، ولم يبق من ذلك إلا الانتساب أن ينتسب الرجل إلى ~~حلفائه ومعاقديه خاصة ، وإلى ms2676 من أسلم على يديه ، فيكتب كما يكتب النسب ~~والقبيلة غير أنه لا يرثه بذلك . قال الخطابى : الجلبان : يشبه الجراب من ~~الأدم ويضع الراكب فيه سيفه بقرابه ، ويضع فيه سوطه ، يعلقه الراكب من ~~واسطة رحله أو من آخره ، وإنما اشترطوا دخول مكة والسيوف فى قربها ؛ ليكون ~~ذلك علما للصلح ، ولو دخلوها متقلدين بها لم تؤمن الفتنة كقول الشاعر : إن ~~تسألوا الحق نعطى سائله والدرع مخفية والسيف مقروب والعرب لا تضع السلاح ~~إلا فى الأمن . * * * # | 7 - باب الصلح مع المشركين # فيه عن أبى سفيان ، وقال عوف بن مالك ، عن النبى - صلى الله عليه وسلم - ~~: ( ثم تكون هدنة بينكم وبين بنى الأصفر ) ، وفيه سهل بن حنيف وأسماء ~~والمسور عن النبى - صلى الله عليه وسلم - . قال البراء : صالح النبى - صلى ~~الله عليه وسلم - المشركين يوم الحديبية على ثلاثة أشياء ، على أن من أتاه ~~من المشركين رده إليهم ، ومن أتاهم من المسلمين لم يردوه ، وعلى ألا يدخلها ~~من قابل ، ويقيم بها ثلاثة أيام ، ولا يدخلها إلا بجلبان السلاح السيف ~~والقوس ونحوه ، فجاء أبو جندل يحجل فى قيوده ، فرده إليهم ) . PageV08P091 ~~/ 10 - وفيه : ابن عمر ، أن النبى - صلى الله عليه وسلم - خرج معتمرا ، ~~فحال كفار قريش بينه وبين البيت ، فنحر هديه ، وحلق رأسه بالحديبية ، ~~وقاضاهم على أن يعتمر العام المقبل ولا يحمل سلاحا عليهم إلا سيوفا ، ولا ~~يقيم بها إلا ما أحبوا ، فاعتمر من العام المقبل ، فدخلها كما كان صالحهم ، ~~فلما أقام بها ثلاثا ، أمروه أن يخرج فخرج . / 11 - وفيه : سهل بن أبى حثمة ~~قال : انطلق عبدالله بن سهل ومحيصة بن مسعود بن زيد إلى خيبر وهى يومئذ صلح ~~. قال المؤلف : صلح المسلمين هذا للمشركين جائز إذا دعت الضرورة إلى ذلك ، ~~فلم يكن بالمسلمين طاقة على العدو ، فأما إذا قدروا عليهم فلا يجوز ~~مصالحتهم ؛ لقوله عز وجل : { فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم وأنتم الأعلون ~~والله معكم } [ محمد : 35 ] . قال المهلب : وإنما قاضاهم النبى - صلى الله ~~عليه وسلم - هذه القضية التى ظاهرها الوهن على المسلمين ؛ لسبب حبس الله ms2677 عز ~~وجل ناقة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن مكة حين توجه إليها فبركت به ~~، فقال أصحابه : خلأت . فقال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( ما خلأت ولا ~~هو لها بخلق ، ولكن حبسها حابس الفيل ) وكانت إذا حولت عن مكة قامت ومشت ، ~~وإذا حرفت إلى مكة بركت ، ، وكذلك كانت حالة الفيل ، ففهمها رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - من ربه ولم يتعرض لدخوله مكة ، وقبل مصالحة المشركين ~~، وحبس جيشه عن انتهاك حرمات الحرم وأهله ، ولما كان قد سبق فى علمه عز وجل ~~من دخول أهل مكة فى الإسلام فقال - صلى الله عليه وسلم - : ( لا يسألونى ~~اليوم خطة يعظمون فيها حرمات الله أو الحرم إلا أعطيتهم إياها ) فكان مما ~~سألوه أن يعظم به أهل الحرم أن يرد إليهم من خرج PageV08P092 عنهم ومن ~~حرمهم مسلما أو غيره ، وألا يردوا ولا يخرجوا من الحرم من فر إليه من ~~المسلمين ، وكان هذا من إجلال حرمة الحرم ، فلهذا عاقدهم على ذلك مع يقين ~~ما وعده الله تعالى أنه ستفتح عليه مكة ويدخلها حتى قال له عمر : ( ألست ~~أخبرتنا أنا داخلون مكة ؟ فقال : هل أخبرتك أنك داخلها العام ؟ ) فدل هذا ~~أن المدة التى قاضى النبى - صلى الله عليه وسلم - أهل مكة فيها إنما كانت ~~من الله عز وجل مبالغة فى الإعذار إليهم مع ما سبق من علمه من دخولهم فى ~~الإسلام . قال ابن المنذر : اختلف العلماء فى المدة التى كانت بين رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - وبين أهل مكة عام الحديبية . فقال عروة بن ~~الزبير : كانت أربع سنين . وقال ابن جريج : كانت ثلاث سنين . وقال ابن ~~إسحاق : كانت عشر سنين . وقال الشافعى : لا يجوز مهادنة المشركين أكثر من ~~عشر سنين على ما فعل النبى - صلى الله عليه وسلم - بالحديبية ، فإن هودن ~~المشركون أكثر من ذلك فهى منتقضة ؛ لأن الأصل فرض قتال المشركين حتى يؤمنوا ~~أو يعطوا الجزية . وقال ابن حبيب عن مالك : يجوز مهادنة المشركين السنة ~~والسنتين والثلاث وإلى غير مدة ، وإجازته ذلك إلى غير ms2678 مدة يدل على أنه تجوز ~~مدة طويلة ، وأن ذلك لاجتهاد الإمام ، بخلاف قول الشافعى . وقوله : ( يحجل ~~فى قيوده ) والحجل : مشى المقيد . من كتاب العين . * * * # | 8 - باب الصلح فى الدية # / 12 - فيه : أنس : ( أن الربيع ، وهى ابنة النضر ، كسرت ثنية جارية ، ~~فطلبوا الأرش ، وطلبوا العفو ، فأبوا ، فأتوا النبى - صلى الله عليه وسلم - ~~، فأمرهم بالقصاص ، فقال PageV08P093 أنس بن النضر ، أتكسر ثنية الربيع يا ~~رسول الله ، لا والذى بعثك بالحق لا تكسر ثنيتها ، قال : يا أنس ، كتاب ~~الله القصاص ، فرضى القوم ، وعفوا ، فقال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ~~إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبره ، فرضى القوم وقبلوا الأرش . ~~الصلح فى الدية من قول الله : { فمن عفى له من أخيه شىء فاتباع بالمعروف ~~وأداء إليه بإحسان } [ البقرة : 178 ] . قال المهلب : ( فطلبوا الأرش ) ~~يعنى : فطلبوا أن يعطوا الأرش ، ويعفى عن القصاص ، فأبى أهل الجارية ~~وتحاكموا إلى النبى - صلى الله عليه وسلم - فالحكم بالقصاص السن بالسن . ~~وإنما أقسم أنس بن النضر : ( والله لا تكسر ثنية الربيع ) ثقة منه بالله فى ~~أن يجعل له مخرجا ؛ لأنه كان ممن يتقى الله ، فأجاب الله دعاءه وأبر قسمه ~~بأن يسر القوم لقبول الأرش والعفو عن القصاص ، فلذلك قال النبى - صلى الله ~~عليه وسلم - : ( إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبره ) ولم يجعله فى ~~معنى المتألى على الله بغير ثقة . * * * # | 9 - باب قول النبى - صلى الله عليه وسلم - للحسن بن على : ( ابنى هذا ~~سيد ، ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين ) ، وقوله تعالى : { فأصلحوا ~~بينهما } [ الحجرات : 9 ] # / 13 - فيه : الحسن البصرى قال : ( استقبل ، والله ، الحسن بن على معاوية ~~بكتائب أمثال الجبال ، فقال عمرو بن العاص : إنى لأرى كتائب لا تولى حتى ~~تقتل أقرانها ، فقال معاوية ، وكان والله خير الرجلين ، أى عمرو ، إن قتل ~~هؤلاء هؤلاء ، وهؤلاء هؤلاء ، من لى بأمور الناس ، من لى بنسائهم ، ~~PageV08P094 من لى بضيعتهم ، فبعث إليه رجلين من قريش من بنى عبدشمس : ~~عبدالرحمن بن سمرة وعبدالله بن عامر بن كريز ms2679 ، فقال : اذهبا إلى هذا الرجل ~~، فاعرضا عليه ، وقولا له ، واطلبا إليه ، فأتياه ، فدخلا عليه ، وتكلما ، ~~فقالا له ، وطلبا إليه ، فقال لهما الحسن بن على : إنا بنو عبدالمطلب قد ~~أصبنا من هذا المال : وإن هذه الأمة قد عاثت فى دمائها ، قالا : فإنا نعرض ~~عليك كذا وكذا ، ونطلب إليك ، ونسألك ، قال : فمن لى بهذا ؟ قالا : نحن لك ~~به ، فما سألهما شيئا ، إلا قالا : نحن لك به ، فصالحه ، قال الحسن : ولقد ~~سمعت أبا بكرة ، يقول : رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على المنبر ~~، والحسن بن على إلى جنبه ، وهو يقبل على الناس مرة ، وعليه أخرى ، ويقول : ~~إن ابنى هذا سيد ، ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين . ~~قال البخارى : قال لى على بن عبدالله : إنما ثبت لنا سماع الحسن من أبى ~~بكرة بهذا الحديث . قال المهلب : قوله - صلى الله عليه وسلم - : ( إن ابنى ~~هذا سيد ) يدل أن السيادة إنما يستحقها من انتفع به الناس لأنه علق السيادة ~~بالإصلاح بين الناس ونفعهم ، هذا معنى السيادة . وقوله : ( إن قتل هؤلاء ~~هؤلاء ) يدل على نظر معاوية فى العواقب ورغبته فى صرف الحرب . وقوله : ( ~~وكان والله خير الرجلين ) يريد معاوية خير من عمرو بن العاص . وقوله : ( ~~اذهبا إلى هذا الرجل واطلبا إليه واعرضا عليه ) يدل على أن معاوية كان ~~الراغب فى الصلح ، وأنه عرض على الحسن المال PageV08P095 وبذله ورغبه فيه ~~حقنا للدماء وحرصا على رفع سيف الفتنة ، وعرفه ما وعد به النبى - صلى الله ~~عليه وسلم - من سيادته ، وأن الله يصلح به بين فئتين من المسلمين ، فقال له ~~الحسن : إنا بنو عبد المطلب المجبولون على الكرم والتوسع لمن حوالينا من ~~الأهل والموالى ، وقد أصبنا من هذا المال بالخلافة ما صارت لنا به عادة ~~إنفاق وإفضال على الأهل والحاشية ، فإن تخليت من هذا الأمر قطعنا العادة ( ~~وإن هذه الأمة قد عاثت فى دمائها ) يقول : قتل بعضها بعضا فلا يكفون إلا ~~بالمال ، فأراد أن يسكن أمر الفتنة ويفرق المال فيما لا يرضيه غير المال ، ~~فقالا ms2680 : نفرض لك من المال فى كل عام كذا ومن الأقوات والثياب ما تحتاج إليه ~~لكل ما ذكرت ، فصالحاه على ذلك . وفيه من الفقه : أن الصلح على الانخلاع من ~~الخلافة والعهد بها على أخذ مال جائز للمختلع والمال له طيب ، وكذلك هو ~~جائز للمصالح الدافع المال إذا كان كل واحد منهما له سبب فى الخلافة يستند ~~إليه ، وعقد من الإمارة يعول عليه . وقوله : ( بين فئتين من المسلمين ) يدل ~~أن قتال المسلم للمسلمين لا يخرجه من الإسلام إذا كان على تأويل ، ويفسر ~~قوله - صلى الله عليه وسلم - : ( إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل ~~والمقتول فى النار ) . يريد إن أنفذ الله عليهما الوعيد . وذكر أهل الأخبار ~~أنه لما قتل على بن أبى طالب بايع أهل الكوفة الحسن بن على ، وبايع أهل ~~الشام معاوية ، فسار معاوية بأهل الشام يريد الكوفة ، وسار الحسن بأهل ~~العراقين ، فالتقيا بمنزل من أرض الكوفة ، فنظر الحسن إلى كثرة من معه من ~~أهل العراق ، فنادى : يا معاوية ، إنى قد اخترت ما عند الله ، PageV08P096 ~~فإن يكن هذا الأمر لك فما ينبغى لى أن أنازعك عليه ، وإن يكن لى فقد جعلته ~~لك . فكبر أصحاب معاوية ، وقال المغيرة ابن شعبة عند ذلك : أشهد أنى سمعت ~~النبى - صلى الله عليه وسلم - يقول للحسن : ( إن ابنى هذا سيد سيصلح الله ~~به بين فئتين من المسلمين ) . فجزاك الله عن المسلمين خيرا . وقال الحسن : ~~اتق الله يا معاوية على أمة محمد ، لا تفنيهم بالسيف على طلب الدنيا وغرور ~~فانية زائلة ، فسلم الحسن الأمر إلى معاوية وصالحه وبايعه على السمع ~~والطاعة على إقامة كتاب الله وسنة نبيه ، ثم دخلا الكوفة فأخذ معاوية ~~البيعة لنفسه على أهل العراقين ، فكانت تلك السنة سنة الجماعة لاجتماع ~~الناس واتفاقهم وانقطاع الحرب وبايع معاوية كل من كان معتزلا عنه ، وبايعه ~~سعد بن أبى وقاص وعبد الله بن عمر ومحمد بن مسلمة ، وتباشر الناس بذلك ، ~~وأجاز معاوية الحسن بن على بثلاثمائة ألف وألف ثوب وثلاثين عبدا ومائة جمل ~~، وانصرف الحسن بن على إلى المدينة وولى ms2681 معاوية الكوفة المغيرة بن شعبة ، ~~وولى البصرة عبد الله بن عامر ، وانصرف إلى دمشق واتخذها دار مملكته . * * ~~* # | 10 - باب هل يشير الإمام بالصلح # / 14 - فيه : عائشة : سمع النبى - صلى الله عليه وسلم - صوت خصوم بالباب ~~، عالية أصواتهم ، وإذا أحدهما يستوضع الآخر ، ويسترفقه فى شيء ، وهو يقول ~~: والله لا أفعل ، فخرج عليهما رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال : ~~أين المتألى على الله ، لا يفعل المعروف ، فقال : أنا ، يا رسول الله ، وله ~~أى ذلك أحب ) . PageV08P097 / 15 - وفيه : كعب ، أنه كان له على عبدالله بن ~~أبى حدرد الأسلمى مال ، فلقيه ، فلزمه حتى ارتفعت أصواتهما ، فمر بهما ~~النبى - صلى الله عليه وسلم - فقال : يا كعب ، فأشار بيده ، كأنه يقول : ~~النصف ، فأخذ نصف ما له عليه ، وترك نصفا . قال المهلب : فى هذين الحديثين ~~الحض على الرفق بالغريم والإحسان إليه والوضع عنه . قال المهلب : وفى حديث ~~عائشة النهى عن التألى على الله ؛ لأن فيه معنى الاستبداد بنفسه ، والقدرة ~~على إرادته ، فكأنه لما حتم بألا يفعل شابه ما يدعيه القدرية من إثبات ~~القدرة لأنفسها ، فوبخه النبى - صلى الله عليه وسلم - بقوله ، ففهم ذلك ~~ورجع عن تأليه ويمينه ، وقال : ( له أى ذلك أحب ) من الوضع عنه أو الرفق به ~~متبرئا من الفعل إلى الله ، ورد الحول والقوة إليه ، ويمينه إن كانت بعد ~~نزول الكفارة ففيها الكفارة . وفى حديث كعب أصل قول الناس فى حضهم على ~~الصلح : خير الصلح الشطر ؛ لأنه - صلى الله عليه وسلم - أمره بوضع النصف عن ~~غريمه فوضعه عنه . * * * # | 11 - باب فضل الإصلاح بين الناس والعدل بينهم # / 16 - فيه : أبو هريرة : قال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( كل سلامى ~~من الناس عليه صدقة ، كل يوم تطلع فيه الشمس يعدل بين الناس صدقة ) . قال ~~المهلب : قوله : ( كل سلامى ) يعنى : كل مفصل وكل عظم وإن صغر ، والسلاميات ~~: عظام مفاصل الكف ، فعلى كل واحد PageV08P098 منها صدقة لله من فعل الطاعة ~~والخير كل يوم ، إذ كل موضع شعرة فما فوقها من جسد الإنسان عليه فيه نعمة ~~لله ، يلزمه شكره ms2682 والاعتراف بها حين خلقه صحيحا يتصرف فى منافعه وإرادته ، ~~ولم يجعل فى ذلك الموضع داء يمنعه ألمه من استعماله والانتفاع به . وإنما ~~سميت طاعة الله من صلاة وغيرها صدقة ؛ لأنه كان لله أن يفترض على عباده ما ~~شاء من الأعمال دون أجر يأجرهم عليها ، ولا ثواب فيها ، ولكنه برحمته تفضل ~~علينا بالأجر والثواب على ما فرضه ، فلما كان لأفعالنا أجر فكأننا نحن ~~ابتدأنا بالعمل فاستحققنا الأجر ، فشابه به الصدقة المبتدأة التى عليها ~~الأجر لازم فى فضل الله . وفيه أن العدل بين الناس من الأعمال الزاكية عند ~~الله المرجو قبولها . * * * # | 12 - باب إذا أشار الإمام بالصلح فأبى حكم عليه بالحكم البين # / 17 - فيه : الزبير ، أنه خاصم رجلا من الأنصار قد شهد بدرا إلى رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - فى شراج من الحرة ، كانا يسقيان به كلاهما ، ~~فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - للزبير : اسق يا زبير ، ثم أرسل إلى ~~جارك ، فغضب الأنصارى ، فقال : يا رسول الله آن كان ابن عمتك ، فتلون وجه ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، ثم قال : اسق ، ثم احبس حتى يبلغ الجدر ~~، فاستوعى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حينئذ حقه للزبير ، وكان رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - قبل ذلك أشار على الزبير برأى سعة له ~~وللأنصارى ، فلما أحفظ الأنصارى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - استوعى ~~للزبير حقه فى صريح الحكم ) . قال عروة : قال الزبير : والله ما أحسب هذه ~~الآية نزلت إلا فى ذلك : { فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك . . . } الآية [ ~~النساء : 65 ] . قال المهلب : الترجمة صحيحة ؛ لأن النبى - صلى الله عليه ~~وسلم - أمر أن يسقى ويأخذ PageV08P099 بأيسر ما يكفيه من الماء ، ثم يرسله ~~إلى جاره ، فأبى ذلك جاره ، واتهم النبى - صلى الله عليه وسلم - وأساء الظن ~~بالنبوة من الجور والميل ، فغضب النبى - صلى الله عليه وسلم - ، فأمر ~~الزبير أن يسقى ويمسك الماء حتى يبلغ إلى منتهى حاجته ، واستوعى الزبير حقه ~~ولم يحمله غضبه - صلى الله عليه وسلم - على أكثر من أنه استوعى ms2683 له حقه ، ~~ونزل القرآن بتصديقه ، وهو قوله : { فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك . . } [ ~~النساء : 65 ] الآية . يعنى : لا يؤمنون إيمانا كاملا ؛ لأنه لا يخرج من ~~الإيمان بخطرة أخطرها الشيطان ونزغ بها . وفيه من الفقه : أنه لا ينبغى ~~الاقتداء بالنبى - صلى الله عليه وسلم - فى غضبه ورضاه وجميع أحواله ، وأن ~~يكظم المؤمن غيظه ويملك نفسه عند غضبه ، ولا يحملها على التعدى والجور ، بل ~~يعفو ويصفح . وقوله : ( أحفظ الأنصارى ) يعنى : أغضبه . * * * # | 13 - باب الصلح بين الغرماء وأصحاب الميراث والمجازفة فى ذلك # قال ابن عباس : لا بأس أن يتخارج الشريكان ، فيأخذ هذا دينا ، وهذا عينا ~~، فإن توى لأحدهما لم يرجع على صاحبه . / 18 - فيه : جابر : ( توفى أبى ~~وعليه دين ، فعرضت على غرمائه أن يأخذوا التمر بما عليه ، فأبوا ، ولم يروا ~~أن فيه وفاء ، فأتيت النبى - صلى الله عليه وسلم - فذكرت ذلك له ، فقال : ~~إذا جددته ، فوضعته فى المربد ، آذنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، ~~فجاء ومعه أبو بكر وعمر فجلس عليه ، ودعا بالبركة ، ثم قال : ادع غرماءك ~~فأوفهم ، PageV08P100 فما تركت أحدا له على أبى دين إلا قضيته ، وفضل ثلاثة ~~عشر وسقا : سبعة عجوة وستة لون . . الحديث . قال المؤلف : كان الدين الذى ~~على أبى جابر ثلاثين وسقا من تمر ذكره البخارى فى باب إذا قاضاه أو جازفه ~~فى دين فهو جائز . وقال فيه جابر : توفى أبى وترك عليه ثلاثين وسقا لرجل من ~~اليهود . وقد تقدم هناك أنه لا يجوز عند العلماء أن يأخذ من له دين من تمر ~~على أحد تمرا مجازفة فى دينه ؛ لأن ذلك من الغرر ، وإنما يجوز أن يأخذ ~~مجازفة فى ذلك أقل من دينه ، وكذلك لا يجوز عندهم أن يأخذ من الطعام مكيل ~~معلوم الكيل طعاما جزافا من جنسه إلا أن يكون طعاما مخالفا لجنس الطعام ~~المكيل يجوز فيه التفاضل ، فلا يجوز إلا يدا بيد . وروى ابن القاسم عن مالك ~~، أنه كره لمن كان له دين على رجل أن يأخذ فيه ثمرة يجتنيها أو دارا يسكنها ~~أو جارية يواضعها ms2684 ، وكذلك إذا اشترى منه بدينه كيلا من حنطة ، كره أن ~~يفارقه حتى يقبض الحنطة ؛ لأنه يكون دينا فى دين . وقال أشهب : لا بأس بذلك ~~كله . وهو قول أبى حنيفة : وقالوا : ليس من الدين بالدين ؛ لأنه إذا شرع فى ~~اجتناء الثمرة . وفى سكنى الدار فقد خرج من معنى الدين بالدين ؛ لأن ما كان ~~أوله مقبوضا وتأخر قبض سائره فهو كالمقبوض . قال مالك : ولا يجوز لمن له ~~طعام من بيع أو سلم أن يصالحه على دراهم يعجلها أو يؤخرها ؛ لأنه بيع ~~الطعام قبل أن يستوفى ، فلم يجز لجابر أن يعطى اليهودى فيما كان له على ~~أبيه من التمر دراهم . ووجه حديث جابر فى هذا الباب أنه كان على أبيه دين ~~من جنس PageV08P101 تمر حائطه فرغب إلى الغرماء أن يأخذوا تمر نخله ويسقطوا ~~عنه باقى دينهم ؛ لاتفاقهم أن التمر لا يبلغ قدر الدين ، ومثل هذا يجوز عند ~~جميع العلماء ؛ لأنه حط وإحسان وليس ببيع ، ويجوز عند جماعة العلماء فى ~~الصلح ما لا يجوز فى البيع ، وإلى هذا المعنى ذهب البخارى فى ترجمته ، ~~والله أعلم . وأما قول ابن عباس فقد اختلف العلماء فيه ، فقال الحسن البصرى ~~: إذا اقتسم الشريكان الغرماء فأخذ هذا بعضهم وهذا بعضهم فتوى نصيب أحدهما ~~وخرج نصيب الآخر ، قال : إذا أبرأه منه فهو جائز . وقال النخعى : ليس بشىء ~~ما توى أو خرج فهو بينهما نصفان ، وهو قول مالك ، والكوفيين ، والشافعى . ~~وحجة من لم يجز ذلك أنه غرر ؛ إذ قد يتوى ما على أحدهما فلا يحصل للذى خرج ~~إليه شىء ، ومن حق الشريكين أن يساويا فى الأخذ . وحجة من قال : لا يرجع ~~أحدهما على صاحبه أن الذمة تقوم مقام العين ، فإذا توى ما على أحد الغرماء ~~فإنه يبيعه به دينا . وقال سحنون : إذا قبض أحد الشريكين من دينه عرضا فإن ~~صاحبه بالخيار إن شاء جوز له ما أخذ وأتبع الغريم بنصيبه ، وإن شاء رجع على ~~شريكه بنصف ماقبض وأتبعا الغريم جميعا بنصف جميع الدين فاقتسماه بينهما ~~نصفين . وهذا قول ابن القاسم . PageV08P102 * * * # | 14 ms2685 - باب الصلح والعين بالدين # / 19 - فيه : كعب : أنه تقاضى ابن أبى حدرد دينا كان له عليه فى عهد رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - فى المسجد ، حتى ارتفعت أصواتهما حتى سمعهما ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وهو فى بيته ، فخرج رسول الله فقال : ~~يا كعب ، فأشار بيده أن ضع الشطر ، فقال كعب : قد فعلت ، فقال النبى - صلى ~~الله عليه وسلم - : قم فاقضه ) . اتفق العلماء أنه إن صالح غريمه عن دراهم ~~بدراهم أقل منها أو عن ذهب بذهب أقل منه أنه جائز إذا حل الأجل ، وإن أخره ~~بذلك ؛ لأنه حط عنه وأحسن إليه ولا يدخله دين فى دين ، وقد قال - صلى الله ~~عليه وسلم - : ( من أنظر معسرا أو وضع عنه تجاوز الله عنه ) ولا يجوز أن ~~يحط عنه شيئا قبل حلول الأجل على أن يقضيه مكانه ؛ لأنه يدخله ضع وتعجل ~~وأما إن صالحه بعد حلول الأجل عن دراهم بدنانير أو عن دنانير بدراهم لم يجز ~~ذلك إلا بالقبض ؛ لأنه صرف ، فإن قبض بعضا وبقى بعضا جاز فيما قبض وانتقض ~~فيما لم يقبض ، فإن كان الدين عرضا فلا يجوز له فى غير جنسه مما يتأخر قبض ~~جميعه ؛ لأنه الدين بالدين ، وإن كان ناجزا فلا بأس به . هذا قول مالك . ~~وإذا تقاضاه مثل دينه عند حلول الأجل على غير وجه الصلح فإنه يقبضه مكانه ، ~~ولا يجوز أن يحيله به غريمه على من له عليه دين ؛ لأنه يكون الدين بالدين ~~الذى نهى عنه ، ولذا قال - صلى الله عليه وسلم - : ( قم فاقضه ) . ~~PageV08P103 * * * # | 54 - كتاب الشروط # # | 1 - باب ما يجوز من الشروط فى الإسلام والأحكام والمبايعة # / 1 - فيه : مروان والمسور يخبران عن أصحاب رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - قال : لما كاتب سهيل بن عمرو يومئذ كان فيما اشترط سهيل بن عمرو على ~~النبى - صلى الله عليه وسلم - : أنه لا يأتيك منا أحد ، وإن كان على دينك ~~إلا رددته إلينا ، وخليت بيننا وبينه ، فكره ذلك المؤمنون ، وامتعضوا منه ، ~~وأبى سهيل إلا ذلك ، فكاتبه النبى - صلى ms2686 الله عليه وسلم - على ذلك ، فرد ~~يومئذ أبا جندل إلى أبيه سهيل بن عمرو ، ولم يأته أحد من الرجال إلا رده فى ~~تلك المدة ، وإن كان مسلما ، وجاءت المؤمنات مهاجرات ، وكانت أم كلثوم بنت ~~عقبة بن أبى معيط ممن خرج إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يومئذ ، ~~وهى عاتق ، فجاء أهلها يسألون النبى - صلى الله عليه وسلم - أن يرجعها ~~إليهم ، فلم يرجعها إليهم لما أنزل الله فيهن : { إذا جاءكم المؤمنات ~~مهاجرات } [ غافر : 34 ] . قال عروة : قالت عائشة فمن أقر بهذا الشرط منهن ~~، قال لها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : قد بايعتك كلاما يكلمها به ، ~~والله ما مست يده يد امرأة قط فى المبايعة ، وما بايعهن إلا بقوله . / 2 - ~~وفيه : جابر : ( بايعت النبى - صلى الله عليه وسلم - فاشترط على : والنصح ~~لكل مسلم . وقال مرة : بايعت النبى - صلى الله عليه وسلم - على إقام الصلاة ~~، وإيتاء الزكاة ، والنصح لكل مسلم . قال المؤلف : الشروط الجائزة فى ~~الإسلام والأحكام هى الشروط PageV08P104 الموافقة لكتاب الله وسنة ورسوله ، ~~وشروط المبايعة هى التزام الفرائض والنصيحة للمؤمنين وما فى آية الممتحنة ~~مما ألزمه الله عز وجل المؤمنات فى الآية أن { لا يسرقن ولا يزنين } [ ~~الممتحنة : 10 ] إلى آخر الآية . فاختلف العلماء فى صلح المشركين على أن ~~يرد إليهم من جاء منهم مسلما ، فقال قوم : لا يجوز هذا وهو منسوخ بقوله - ~~صلى الله عليه وسلم - : ( أنا برئ من كل مسلم أقام مع مشرك فى دار الحرب لا ~~تراءى نارهما ) . قالوا : فهذا ناسخ لرد المسلمين إلى المشركين ؛ إذ كان ~~النبى - صلى الله عليه وسلم - قد برئ ممن أقام معهم فى دار الحرب . وأجمع ~~المسلمون أن هجرة دار الحرب فريضة على الرجال والنساء وذلك الذى بقى من فرض ~~الهجرة . هذا قول الكوفيين ، وقول أصحاب مالك . ذكر ابن حبيب عن ابن ~~الماجشون قال : إذا اشترط أهل الحرب فى الصلح رد من أسلم منهم لم ينبغ أن ~~يعطوا ذلك ، فإن جهل معطيهم ذلك لم يوف لهم بالشرط ؛ لأنه خلاف سنة الإسلام ~~، وفيه ms2687 إباحة حرمته . وقال الشافعى : هذا الحكم فى الرجال غير منسوخ ، ليس ~~لأحد هذا العقد إلا للخليفة أو لرجل يأمره ، فمن عقده غير الخليفة فهو ~~مردود ، وقول الشافعى : وهذا الحكم فى الرجال غير منسوخ ؛ يدل أن مذهبه فى ~~النساء منسوخ ، وحجته فى حديث مروان والمسور قوله : ( وكانت أم كلثوم بنت ~~عقبة بن أبى معيط ممن خرج إلى النبى - صلى الله عليه وسلم - فجاء أهلها إلى ~~النبى - صلى الله عليه وسلم - يسألونه أن يرجعها إليهم فلم يرجعها لما نزل ~~فيهن ورد أبا جندل . وذكر معمر عن الزهرى قال : نزلت الآية على النبى - صلى ~~الله عليه وسلم - وهو بأسفل PageV08P105 الحديبية ، وكان صالحهم على أن من ~~أتاه منهم رده إليهم ، فلما جاء النساء نزلت عليه الآية وأمر أن يرد الصداق ~~إلى أزواجهن فحكم النبى - صلى الله عليه وسلم - فى النساء بحكم الله فى ~~القرآن وبين المعنى فى ذلك بقوله : { لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن } [ ~~الممتحنة : 10 ] فأخبر تعالى أن وطء المؤمنات حرام على الكفار ، فلذلك لم ~~ترد إليهم النساء . وقد روى فى هذا الحديث ما يدل أن الشرط إنما وقع فى صلح ~~أهل مكة أن يرد الرجال خاصة ولم يقع على النساء وهو قول سهيل : ( وعلى أنه ~~لا يأتيك منا رجل إلا رددته إلينا ) فلم يدخل فى ذلك النساء . ذكره البخارى ~~فى باب الشروط فى الجهاد بعد هذا . وقوله : ( فامتعضوا ) قال صاحب العين : ~~معض الرجل وامتعض : إذا غضب للشىء . وأمعضته ومعضته أنا : إذا أنزلت به ذلك ~~. وقوله : ( وهى عاتق ) قال ابن دريد : عتقت الجارية : صارت عاتقا ، وذلك ~~إذا أوشكت البلوغ . وقد تقدم تفسير العواتق فى أبواب صلاة العيدين . * * * # | 2 - باب إذا باع نخلا قد أبرت ولم يشترط الثمرة # / 3 - فيه : ابن عمر أن النبى - صلى الله عليه وسلم - ، قال : ( من باع ~~نخلا قد أبرت فثمرتها للبائع إلا أن يشترط المبتاع ) . قد تقدم فى كتاب ~~البيوع . PageV08P106 * * * # | 3 - باب الشروط فى البيوع # / 4 - فيه : عائشة ( أن بريرة جاءت تستعينها فى كتابتها ، ولم تكن ms2688 قضت من ~~كتابتها شيئا ، قالت لها عائشة ، ارجعى إلى أهلك ، فإن أحبوا أن أقضى عنك ~~كتابتك ، ويكون ولاؤك لى ، فعلت ، فذكرت ذلك بريرة إلى أهلها ، فأبوا ، ~~وقالوا : إن شاءت أن تحتسب عليك فلتفعل ، ويكون لنا ولاؤك ، فذكرت ذلك ~~لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال لها ، ابتاعى فأعتقى ، فإنما ~~الولاء لمن أعتق ) . وقد تقدم فى البيوع . ونذكر هاهنا منه طرفا . وروى عن ~~عبد الصمد بن عبد الوارث قال : وجدت فى كتاب جدى قال : أتيت مكة فأصبت بها ~~أبا حنيفة وابن أبى ليلى وابن شبرمة ، فأتيت أبا حنيفة فقلت له : ما تقول ~~فى رجل باع بيعا واشترط شرطا ؟ قال : البيع باطل والشرط باطل . فأتيت ابن ~~أبى ليلى فسألته فقال : إن البيع جائز والشرط باطل . فأتيت ابن شبرمة ~~فسألته ، فقال : البيع جائز والشرط جائز . فقلت : سبحان الله ! ثلاثة من ~~فقهاء الكوفة اختلفوا فى مسألة . فأتيت أبا حنيفة فأخبرته بقولهما فقال : ~~لا أدرى ما قالا ، حدثنى عمرو بن شعيب عن أبيه ، عن جده ( أن رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - نهى عن بيع وشرط ) فأتيت ابن أبى ليلى فأخبرته ~~بقولهما فقال : لا أدرى ما قالا ، حدثنى هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة ~~أن النبى - صلى الله عليه وسلم - قال : ( اشترى بريرة واشترطى لهم الولاء ، ~~فإن الولاء لمن أعتق ) فأجاز البيع وأبطل الشرط . فأتيت ابن PageV08P107 ~~شبرمة فأخبرته بقولهما فقال : لا أدرى ما قالا ، حدثنى مسعر بن كدام ، عن ~~محارب بن دثار ، عن جابر بن عبد الله قال : ( اشترى منى النبى - صلى الله ~~عليه وسلم - ناقة فاشترطت حملانى ) فأجاز البيع والشرط . قال المهلب : هذه ~~الثلاث فتاوى جائزة كلها فى مواضعها ، فلا يتعدى كل واحد منها ما وضع له ~~ولها أحكام مختلفة على حسب تأويل الأحاديث الثلاثة ، وهؤلاء الفقهاء حملوا ~~تأويلها على العموم وظنوا أن كل واحد من هؤلاء الأحاديث عامل فى السنة كلها ~~، وليس كذلك ، ولكل واحد موضع لا يتعداه ، وقد تقدم فى كتاب البيوع . * * * # | 4 - باب إذا اشترط البائع ظهر الدابة إلى مكان ms2689 مسمى جاز # / 5 - فيه : جابر : أنه كان يسير على جمل له قد أعيا ، فمر النبى - صلى ~~الله عليه وسلم - فضربه ، فدعا له ، فسار سيرا ليس يسير مثله ، ثم قال : ~~بعنيه بوقية ، قلت : لا ، ثم قال : بعنيه بوقية ، فبعته ، فاستثنيت حملانه ~~إلى أهلى ، فلما قدمنا أتيت بالجمل ، ونقدنى ثمنه ، ثم انصرفت ، فأرسل على ~~إثرى : وقال : ما كنت لآخذ جملك ، فخذ جملك ذلك ، فهو مالك وقال شعبة ، : ~~أفقرنى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ظهره إلى المدينة ، PageV08P108 ~~وقال إسحاق ، عن جرير ، عن مغيرة : فبعته على أن لى فقار ظهره حتى آتى ~~المدينة . وقال عطاء وغيره : ولك ظهره إلى المدينة . وقال ابن المنكدر ، عن ~~جابر ، شرط ظهره إلى المدينة . وقال زيد بن أسلم ، عن جابر : ولك ظهره حتى ~~ترجع . وقال أبو الزبير ، عن جابر : أفقرناك ظهره إلى المدينة ، وقال ~~الأعمش ، عن سالم ، عن جابر : تبلغ عليه إلى أهلك . قال أبو عبدالله : ~~الاشتراط أكثر وأصح عندى . وقال ابن جريج ، عن عطاء وغيره ، عن جابر : ~~أخذته بأربعة دنانير ، وهكذا تكون أوقية على حساب الدينار بعشرة دراهم ، ~~ولم يبين الثمن مغيرة . عن الشعبى ، عن جابر وابن المنكدر وأبو الزبير ، عن ~~جابر ، وقال الأعمش ، عن سالم ، عن جابر : أوقية ذهب ، وقال أبو إسحاق ، عن ~~سالم ، عن جابر مائتى درهم . وقال داود بن قيس ، عن عبيدالله بن مقسم ، عن ~~جابر : اشتراه بطريق تبوك ، أحسبه قال : بأربع أواق . PageV08P109 وقال أبو ~~نضرة ، عن جابر : اشتراه بعشرين دينارا . وقول الشعبى : بوقية أكثر . اختلف ~~العلماء فى تأويل هذا الحديث لاختلاف ألفاظه ، فمرة روى بلفظ الهبة ~~والإفقار ومرة روى بلفظ الاستثناء والاشتراط ، واختلاف اللفظ يوجب اختلاف ~~المعانى عند الفقهاء إلا أن البخارى غلب لفظ الاشتراط وقضى له على غيره ~~بالصحة ، وممن قال بذلك من الفقهاء : الأوزاعى وأحمد وأبو ثور ومحمد بن نصر ~~المروزى ، وأهل الحديث قالوا : لا بأس أن يبيع الرجل الدابة ويشترط ظهرها ~~إلى مكان معلوم ، والبيع فى ذلك جائز والشرط ثابت . وقال مالك : إن كان ~~الاشتراط للركوب إلى مكان قريب مثل ms2690 اليوم واليومين والثلاثة فلا بأس بذلك ، ~~وإن كان بعيدا فلا خبر فيه على ظاهر حديث جابر أنه باع الجمل من النبى - ~~صلى الله عليه وسلم - واستثنى ركوبه إلى المدينة ، وكان بينه وبينها ثلاثة ~~أيام . وقال مالك : ولا بأس أن يشترط سكنى الدار الأشهر والسنة . وقالت ~~طائفة : إذا اشترط ركوب الدابة أو خدمة العبد أو سكنى الدار فالبيع فاسد . ~~هذا قول الكوفيين والشافعى . وقالوا : قد ورد حديث جابر بلفظ الإفقار ~~والهبة ، وهو أولى من حديث الاشتراط . قالوا : ولا يخلو شرط ركوب البائع أن ~~يكون الركوب مستحقا من مال المشترى ، فيكون البيع فاسدا ؛ لأنه شرط لنفسه ~~ما قد ملكه المشترى ، أو يكون استثناؤه الركوب أوجب بقاء الركوب فى ملك ~~البائع ، فهذا محال لأن المشترى لم يملك المنافع بعد البيع من PageV08P110 ~~جهة البائع ، وإنما ملكها لأنها طرأت فى ملكه ، وكذلك سكنى الدار ونحوها . ~~واحتج عليهم من خالفهم ، فقال : إنه لا خلاف بيننا أنه لو باع نخلا عليها ~~ثمر قد أبر وبقاها لنفسه أنه جائز ، والثمرة تبقى على نخل المبتاع إلى وقت ~~جدادها ، وقد باع النخل واستثنى منفعة تلك الثمرة لنفسه ، وجاز ذلك فكذلك ~~فى مسألتنا ، وقد أجمعوا على جواز الفرد اليسير فى البيوع ، وقد أجازه ~~النبى - صلى الله عليه وسلم - وروى عن عثمان أنه باع دارا واشترط لنفسه ~~سكناها مدة معلومة ، وعثمان إمام فعل ذلك بين الصحابة ، فلم ينكره أحد . ~~فإن قالوا : إن النبى - صلى الله عليه وسلم - نهى عن بيع وشرط . قيل : الذى ~~نهى عن ذلك هو الذى جوز البيع والشرط فى حديث جابر ، فدل أن الخبر مخصوص ؛ ~~لأن من الشروط ما يجوز ومنها ما لا يجوز ، وقد قال : ( المؤمنون عند شروطهم ~~) قال ابن المنذر : وحديث جابر مستغنى به عن قول كل أحد ، وإنما نهى أن ~~يستثنى مجهولا من معلوم ، فأما إذا علم المستثنى فذلك جائز ، ومن خالف حديث ~~جابر مستثنى برأيه فيما لا سنة فيه ، كالدار يبيعها الرجل وقد أكراها وقتا ~~معلوما أن سكناها للمكترى على المشترى إلى انقضاء المدة ، فإذا ms2691 جاز هذا ولا ~~سنة فيه فالسنة الثابتة أولى أن نستنها . قال المهلب : ومن روى ( لك ظهره ~~إلى المدينة ) يدل على أنه تفضل عليه بركوبه إلى المدينة ، ولم يكن من ~~اشتراط جابر على النبى - صلى الله عليه وسلم - فى أصل البيع . PageV08P111 ~~ويؤيد ذلك رواية من روى : فأفقره ظهره إلى المدينة ) والإفتقار لا يكون إلا ~~تفضلا ، فيكون معنى رواية من روى : ( وشرط له ظهره إلى المدينة ) شرط تفضل ~~؛ لأن القصة كلها جرت على جهة التفضل من النبى - صلى الله عليه وسلم - ~~والرفق بجابر ؛ لأنه وهبه الجمل بعد أن أعطاه ثمنه وزيادة ، وكيف يشرط عليه ~~جابر ركوبه وحين قال له النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( بعنيه . قال له ~~جابر : هو لك يا رسول الله بلا ثمن ) فلم يقبله النبى - صلى الله عليه وسلم ~~- إلا بثمن رفقا به . ذكره البخارى فى كتاب الوكالات فى باب إذا وكل رجلا ~~أن يعطى شيئا فلم يبين كم يعطى . قال المهلب : وأما اختلافهم فى ثمن الجمل ~~فلا حاجة بنا إلى علم مقداره ؛ لأنه لا يجوز بيعه بالقليل والكثير ، وإنما ~~الغرض فى الحديث نقل العقد وأنه كان بثمن ، فلذلك لم يعتبر مقداره . ~~الإفقار فى الإبل : أن يعار للركوب والحمل عليها . عن الخطابى : وفى كتاب ~~العين : أفقرت الرجل الدابة إذا أعرته ظهرها . والفقار : عظم الصلب . * * * # | 5 - باب الشروط فى المعاملة # / 6 - فيه : أبو هريرة ، قالت الأنصار للنبى - صلى الله عليه وسلم - : ~~اقسم بيننا وبين إخواننا النخيل ، قال : لا ، فقال : تكفونا المئونة ، ~~ونشرككم فى الثمرة ، قالوا : سمعنا وأطعنا ) . / 7 - وفيه : ابن عمر ، قال ~~: أعطى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خيبر اليهود أن يعملوها ويزرعوها ~~، ولهم شطر ما يخرج منها . PageV08P112 قال المهلب : أراد الأنصار مقاسمة ~~المهاجرين للإخاء الذى آخى بينهما النبى - صلى الله عليه وسلم - ، وهذه ~~المعاملة هى المساقاة بعينها ، وهى خارجة عن معانى البيوع ؛ لأنه لا يجوز ~~بيع الثمار قبل بدو صلاحها ، وجاز بيعها فى المساقاة قبل أن تخلق وتظهر ، ~~وأما خروجها عن الإجارة ، فإنه لا تجوز الإجارة المجهولة ، وفى ms2692 المساقاة لا ~~يعلم مقدار ما يخرج النخيل من الثمر ، وربما لا يخرج شيئا ، وإنما جازت ~~المساقاة بالسنة ، فهى مخصوصة فى نفسها لا تتعدى إلى غيرها مما يشبه معناها ~~، فلا يجوز من الشروط فى معاملاتهم إلا ما كان فى كتاب الله أو سنة نبيه - ~~صلىالله عليه وسلم - . # | 6 - باب الشروط فى المهر عند عقدة النكاح # وقال عمر : إن مقاطع الحقوق عند الشروط ، ولك ما شرطت ، وقال المسور : ~~سمعت النبى - صلى الله عليه وسلم - ذكر صهرا له ، فأثنى عليه فى مصاهرته ، ~~فأحسن ، وقال : حدثنى فصدقنى ووعدنى فوفى لى . / 8 - فيه عقبة بن عامر قال ~~: قال النبى - صلى الله عليه وسلم - : أحق الشروط أن توفوا به ما استحللتم ~~به الفروج ) . هذا الباب مكرر فى كتاب النكاح وهو موضعه وسأذكر مذاهب ~~العلماء فى شروط النكاح إن شاء الله . PageV08P113 * * * * * * # | 7 - باب الشروط فى المزارعة # / 9 - فيه : رافع : كنا أكثر الأنصار حقلا ، فكنا نكرى الأرض ، فربما ~~أخرجت هذه ولم تخرج ذه ، فنهينا عن ذلك ولم ننه عن الورق . تقدم معنى حديث ~~رافع واختلاف مساقه فى كتاب المزارعة . * * * # | 8 - باب ما لا يجوز من الشروط فى النكاح # / 10 - فيه : أبو هريرة قال : قال النبى - صلى الله عليه وسلم - قال : ( ~~لا تسأل المرأة طلاق أختها ؛ لتستكفئ إناءها ) . هذا فى كتاب النكاح . * * ~~* # | 9 - باب الشروط التى لا تحل فى الحدود # / 11 - فيه : أبو هريرة وزيد بن خالد : حديث العسيف : ( . . . فأخبرونى ~~أن على ابنى الرجم ، فافتديت منه بمائة شاة ووليدة ، فسألت أهل العلم ، ~~فأخبرونى أن على ابنى جلد مائة وتغريب عام ، وأن الرجم على امرأة هذا ، ~~فقال النبى - صلى الله عليه وسلم - : أما غنمك وجاريتك فرد عليك . . . ) ~~الحديث . قال المهلب : كل شرط وقع فى رفع حد من حدود الله فلا يجوز منه شىء ~~، ولا يجوز فيه صلح ولا فدية ، وذلك مردود كله ، وقد تقدم هذا الحديث فى ~~كتاب الصلح فى باب إذا اصطلحوا على جور فهو مردود ، وسيأتى فى كتاب الرجم ~~فى غير موضع إن شاء الله ، وأتقصى ما للعلماء ms2693 فى معانيه بحول الله وقوته . ~~PageV08P114 * * * # | 10 - باب ما يجوز من شروط المكاتب إذا رضى بالبيع على أن يعتق # / 12 - فيه : حديث بريرة ، أن النبى - صلى الله عليه وسلم - قال لعائشة : ~~اشتريها فأعتقيها فإن الولاء لمن أعتق . وترجم له باب المكاتب ومالا يحل من ~~الشروط التى تخالف كتاب الله وقد تقدم فى كتاب المكاتب . * * * # | 11 - باب الشروط فى الطلاق # وقال ابن المسيب والحسن وعطاء : إن بدأ بالطلاق أو أخر ، فهو أحق بشرطه . ~~/ 13 - فيه أبو هريرة : نهى النبى - صلى الله عليه وسلم - أن تشترط المرأة ~~طلاق أختها . أما قول ابن المسيب وغيره : إن بدأ بالطلاق أو أخر فهو أحق ~~بشرطه فمعناه أن يقول : أنت طالق إن دخلت الدار أو إن دخلت الدار فأنت طالق ~~، فالطلاق يلزمه عند جماعة الفقهاء ، وإنما يروى الخلاف فى ذلك عن شريح ~~والنخعى قالا : إذا بدأ بالطلاق قبل يمينه فإنه يلزمه الطلاق وإن برت يمينه ~~، وإن بدأ باليمين قبل الطلاق فإنه لا يلزمه الطلاق إذا برت . وأما الشروط ~~فى الطلاق فهى عندهم كالشروط فى النكاح ، فمنهم من كرهها ومنهم من أجازها ~~إذا وقعت بيمين وسيأتى اختلاف العلماء فى كتاب النكاح . PageV08P115 وقوله ~~- صلى الله عليه وسلم - : ( لا تشترط المرأة طلاق اختها ) حجة لمن أجاز ~~الشروط المكروهة ؛ لأنه لو لم تكن هذه الشروط عاملة إذا وقعت لم يكن لنهيه ~~عن اشتراط المرأة طلاق أختها معنى ، ولكان اشتراطها ذلك كلا اشتراط ، فكذلك ~~ما شابه ذلك من الشروط ، وإن كانت مكروهة فهى لازمة ؛ لقوله - صلى الله ~~عليه وسلم - : ( أحق الشروط أن يوفى بها ما استحللتم به الفروج ) . * * * # | 12 - باب الشروط مع الناس بالقول # / 14 - فيه ابن عباس ، عن أبى ، قال : قال النبى - صلى الله عليه وسلم - ~~: موسى رسول الله ، فذكر الحديث : { قال ألم أقل إنك لن تستطيع معى صبرا } ~~[ البقرة : 33 ] كانت الأولى نسيانا ، والوسطى شرطا ، والثالثة عمدا . ~~وإنما أراد البخارى بهذا الباب والله أعلم ليدل على أن ما يقع بين الناس فى ~~محاوراتهم مما يكثر بينهم ، فإن الشرط بالقول يغنى ms2694 فى ذلك عن الشرط بالكتاب ~~والإشهاد عليه ، ألا ترى أن موسى - صلى الله عليه وسلم - لم يشهد أحدا على ~~نفسه حين قال للخضر : { ستجدنى إن شاء الله صابرا ولا أعصى لك أمرا } [ ~~الكهف : 69 ] وكذلك الخضر حين شرط على موسى ألا يسأله عن شىء حتى يحدث له ~~منه ذكرا ؛ لم يكتب بذلك كتابا ولا أشهد شهودا ، وإنما يجب الإشهاد والكتاب ~~فى الشروط التى يعم المسلمين نفعها ويخاف أن يكون فى انتقاضها والرجوع فيها ~~خرم وفساد ، وكذلك ما كان فى معناها مما يخص بعض الناس ، واحتيج فيها إلى ~~الكتاب والإشهاد خوف ذلك ، ألا ترى أن PageV08P116 النبى - صلى الله عليه ~~وسلم - كتب الصلح مع سهيل بن عمرو وأهل مكة ليكون حاجزا للمشركين عن ~~التناقض والرجوع فى شىء من الصلح وشاهدا عليهم إن هموا بذلك . قال المهلب : ~~وفيه أن النسيان لا يعد ولا يؤاخذ به . وفيه دليل : أنه يجب الرفق بالعلماء ~~، وألا يهجم عليهم بالسؤال عن معانى أقوالهم فى كل وقت إلا عند انبساط ~~نفوسهم وانشراح صدورهم ، لا سيما إذا شرط ذلك العالم على المتعلم . وفيه : ~~أنه يجوز سؤال العالم عن معانى أفعال النبى - صلى الله عليه وسلم - وأقواله ~~؛ لأن موسى سأل الخضر عن معنى قتل الغلام وخرق السفينة وإقامة الجدار ، ~~فأخبره بعلل أفعاله ، ووجه الحكمة فيها ، وإنما كان شرط ألا يسأله عن شىء ~~حتى يحدث له منه ذكرا والله أعلم أنه أراد أن يتأدب عليه فى تعليمه ، ويأخذ ~~عفوه فيه حتى ينبسط إلى الشرح والتفسير ، ففى إخباره بتأويل ذلك دليل على ~~أن أفعال الأنبياء وأقوالهم ينبغى أن تعرف معانيها ووجه ما صنعت له ، والله ~~الموافق للصواب . * * * # | 13 - باب من اسشترط فى المزارعة إذا شىءت أخرجتك # / 15 - فيه : ابن عمر : لما فدع أهل خيبر عبدالله بن عمر ، قام عمر خطيبا ~~، فقال : إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان عامل يهود خيبر على ~~أموالهم ، وقال : نقركم ما أقركم الله ، وإن عبدالله بن عمر خرج إلى ماله ~~هناك ، فعدى عليه من الليل ، ففدعت يداه ms2695 ورجلاه ، وليس لنا هناك عدو غيرهم ~~، هم عدونا ، وتهمتنا وقد رأيت إجلاءهم ، فلما أجمع عمر على ذلك ، أتاه أحد ~~بنى PageV08P117 أبى الحقيق ، فقال : يا أمير المؤمنين أتخرجنا ، وقد أقرنا ~~محمد - صلى الله عليه وسلم - ، وعاملنا على الأموال وشرط ذلك لنا ، فقال ~~عمر : أظننت أنى نسيت قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : كيف بك إذا ~~أخرجت من خيبر ، تعدو بك قلوصك ليلة بعد ليلة ؟ فقال : كانت هذه هزيلة من ~~أبى القاسم ، قال : كذبت يا عدو الله ، فأجلاهم عمر ، وأعطاهم قيمة ما كان ~~لهم من الثمر مالا وإبلا وعروضا من أقتاب وحبال وغير ذلك . وقد تقدم فى ~~كتاب المزارعة فى باب : إذا قال رب الأرض أقرك ما أقرك الله . وهذا الحديث ~~يدل أن عمر إنما أخرجهم لعداوتهم للمسلمين ونصبهم الغوائل لهم اقتداء ~~بالنبى - صلى الله عليه وسلم - فى إجلائه بنى النضير ، وأمره لهم ببيع ~~أرضهم حين أرادوا الغدر برسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وأن يلقوا ~~عليه حجرا مع أنه بلغه أن النبى - صلى الله عليه وسلم - قال عند موته : ( ~~لا يبقين دينان بأرض العرب ) فرأى عمر إنفاذ وصية النبى - صلى الله عليه ~~وسلم - عندما بدا منهم من فدعهم لابنه وخشى منهم أكثر من هذا . قال المهلب ~~: وفيه دليل على أن العداوة توجب المطالبة بالجنايات كما طالبهم عمر بفدعهم ~~ابنه ورجح ذلك بأن قال : ليس لنا عدو غيرهم ، فعلق المطالبة بشاهد العداوة ~~، فأخرجهم من الأرض على ما كان أوصى به النبى - صلى الله عليه وسلم - ، ~~وإنما ترك عمر مطالبة اليهود بالقصاص فى فدع ابنه ؛ لأنه فدع ليلا وهو نائم ~~، فلم يعرف ابن عمر أشخاص من فدعه ، فأشكل الأمر كما أشكلت قصة عبد الله بن ~~سهل حين وداه - صلى الله عليه وسلم - من عند نفسه . وفيه : أن أفعال النبى ~~- صلى الله عليه وسلم - وأقواله محمولة على الحقيقة على وجهها ، لا على ~~الهزل حتى يقوم دليل المجاز والتعريض ، وإنما أقر النبى - صلى الله عليه ~~وسلم - يهود PageV08P118 خيبر على أن سلمهم فى أنفسهم ولا ms2696 حق لهم فى الأرض ~~، واستأجرهم على المساقاة ولهم شطر الثمرة ، فلذلك أعطاهم عمر قيمة شطر ~~الثمر من إبل وأقتاب وحبال يستقلون بها ؛ إذ لم يكن لهم فى رقبة الأرض شىء ~~. وقد استدل بعض الناس من هذا الحديث أن المزارع إذا كرهه رب الأرض بجناية ~~بدت منه أن له أن يخرجه بعد أن يبتدئ فى العمل ويعطيه قيمة عمله ونصيبه ، ~~كما فعل عمر . وقال غيره : إنما يجوز إخراج المساقى والمزارع عند رءوس ~~الأعوام وتمام الحصاد والجداد . * * * # | 14 - باب الشروط فى الجهاد والمصالحة مع أهل الحرب وكتابة الشروط مع ~~الناس بالقول # / 16 - فيه : المسور ومروان ، قالا : ( خرج رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - زمن الحديبية حتى إذا كانوا ببعض الطريق ، قال النبى - صلى الله ~~عليه وسلم - : إن خالد بن الوليد بالغميم فى خيل لقريش طليعة ، فخذوا ذات ~~اليمين ، فوالله ما شعر بهم خالد حتى إذا هم بقترة الجيش ، فانطلق يركض ~~نذيرا لقريش ، وسار النبى - صلى الله عليه وسلم - حتى إذا كان بالثنية التى ~~يهبط عليهم منها بركت به راحلته ، فقال الناس : حل ، حل ، فألحت ، فقالوا : ~~خلأت القصواء ، خلأت القصواء ، فقال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ما ~~خلأت القصواء ، وما ذاك لها بخلق ، ولكن حبسها حابس الفيل ، ثم قال : والذى ~~نفسى بيده لا يسألونى خطة يعظمون فيها حرمات الله إلا أعطيتهم إياها ، ثم ~~زجرها ، فوثبت ، قال : فعدل عنهم ، حتى نزل بأقصى الحديبية على ثمد قليل ~~الماء يتبرضه الناس تبرضا ، فلم PageV08P119 يلبثه الناس حتى نزحوه ، وشكى ~~إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - العطش ، فانتزع سهما من كنانته ، ثم ~~أمرهم أن يجعلوه فيه ، فوالله ما زال يجيش لهم بالرى حتى صدروا عنه ، ~~فبينما هم كذلك إذ جاء بديل بن ورقاء الخزاعى فى نفر من قومه من خزاعة ، ~~وكانوا عيبة نصح رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من أهل تهامة ، فقال : ~~إنى تركت كعب بن لؤى وعامر بن لؤى نزلوا أعداد مياه الحديبية ، ومعهم العوذ ~~المطافيل ، وهم مقاتلوك وصادوك عن البيت ، فقال رسول الله - صلى ms2697 الله عليه ~~وسلم - : إنا لم نجئ لقتال أحد ، ولكنا جئنا معتمرين ، وإن قريشا قد نهكتهم ~~الحرب ، وأضرت بهم ، فإن شاءوا ماددتهم مدة ، ويخلوا بينى وبين الناس ، فإن ~~أظهر فإن شاءوا أن يدخلوا فيما دخل فيه الناس فعلوا ، وإلا فقد جموا ، وإن ~~هم أبوا ، فوالذى نفسى بيده لأقاتلنهم على أمرى هذا حتى تنفرد سالفتى ، ~~ولينفذن الله أمره ، فقال بديل : سأبلغهم ما تقول ، قال : فانطلق حتى أتى ~~قريشا ، قال : إنا قد جئناكم من هذا الرجل ، وسمعناه يقول ، قولا ، فإن ~~شىءتم أن نعرضه عليكم فعلنا ، فقال سفهاؤهم : لا حاجة لنا أن تخبرنا عنه ~~بشيء ، وقال ذوو الرأى منهم : هات ما سمعته ، يقول : قال : سمعته يقول كذا ~~وكذا ، فحدثهم بما قال النبى - صلى الله عليه وسلم - ، فقام عروة بن مسعود ~~، فقال : أى قوم ، ألستم بالوالد ؟ قالوا : بلى ، قال : أولست بالولد ؟ ~~قالوا : بلى ، قال : فهل تتهمونى ، قالوا : لا ، قال : ألستم تعلمون أنى ~~استنفرت أهل عكاظ فلما بلحوا على جئتكم بأهلى وولدى ومن أطاعنى ؟ قالوا : ~~PageV08P120 بلى ، قال : فإن هذا قد عرض لكم خطة رشد اقبلوها ودعونى آتيه ، ~~قالوا : ائته ، فأتاه فجعل يكلم النبى - صلى الله عليه وسلم - ، فقال النبى ~~- صلى الله عليه وسلم - ، نحوا من قوله لبديل ، فقال عروة عند ذلك : أى ~~محمد ، أرأيت إن استأصلت أمر قومك هل سمعت بأحد من العرب اجتاح أهله قبلك ، ~~وإن تكن الأخرى فإنى والله لأرى وجوها ، وإنى لأرى أوشابا من الناس خليقا ~~أن يفروا ويدعوك ، فقال له أبو بكر الصديق : امصص ببظر اللات ، أنحن نفر ~~عنه وندعه ؟ فقال : من ذا ؟ قالوا : أبو بكر ، قال : أما والذى نفسى بيده ، ~~لولا يد كانت لك عندى لم أجزك بها لأجبتك ، قال : وجعل يكلم النبى - صلى ~~الله عليه وسلم - ، فكلما تكلم أخذ بلحيته ، والمغيرة بن شعبة قائم على رأس ~~النبى - صلى الله عليه وسلم - ، ومعه السيف وعليه المغفر ، فكلما أهوى عروة ~~بيده إلى لحية النبى - صلى الله عليه وسلم - ضرب يده بنعل السيف ، وقال له ~~: أخر يدك عن لحية رسول الله - صلى الله ms2698 عليه وسلم - ، فرفع عروة رأسه ، ~~فقال : من هذا ؟ قالوا : المغيرة بن شعبة ، فقال : أى غدر ، ألست أسعى فى ~~غدرتك ؟ وكان المغيرة صحب قوما فى الجاهلية ، فقتلهم وأخذ أموالهم ، ثم جاء ~~فأسلم ، فقال النبى - صلى الله عليه وسلم - : أما الإسلام فأقبل ، وأما ~~المال فلست منه فى شيء ، ثم إن عروة جعل يرمق أصحاب النبى - صلى الله عليه ~~وسلم - بعينيه ، قال : فوالله ما تنخم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~نخامة إلا وقعت فى كف رجل PageV08P121 منهم ، فدلك بها وجهه وجلده ، وإذا ~~أمرهم ابتدروا أمره ، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه ، وإذا تكلم خفضوا ~~أصواتهم عنده ، وما يحدون إليه النظر ؛ تعظيما له ، فرجع عروة إلى أصحابه ، ~~فقال : أى قوم ، والله لقد وفدت على الملوك ، ووفدت على قيصر وكسرى ~~والنجاشى ، والله ، إن رأيت ملكا قط يعظمه أصحابه ما يعظم أصحاب محمد - صلى ~~الله عليه وسلم - محمدا ، والله إن تنخم نخامة إلا وقعت فى كف رجل منهم ، ~~فدلك بها وجهه وجلده ، وإذا أمرهم ابتدروا أمره ، وإذا توضأ كادوا يقتتلون ~~على وضوئه ، وإذا تكلم خفضوا أصواتهم عنده ، وما يحدون إليه النظر ؛ تعظيما ~~له ، وإنه قد عرض عليكم خطة رشد فاقبلوها ، فقال رجل ، من بنى كنانة : ~~دعونى آتيه ، فقالوا : ائته ، فلما أشرف على النبى - صلى الله عليه وسلم - ~~وأصحابه ، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : هذا فلان ، وهو من قوم ~~يعظمون البدن ، فابعثوها له ، فبعثت له ، واستقبله الناس يلبون ، فلما رأى ~~ذلك ، قال : سبحان الله ما ينبغى لهؤلاء أن يصدوا عن البيت ، فلما رجع إلى ~~أصحابه ، قال : رأيت البدن قد قلدت وأشعرت ، فما أرى أن يصدوا عن البيت ، ~~فقام رجل منهم ، يقال له : مكرز ابن حفص ، فقال : دعونى آتيه ، فقالوا : ~~ائته ، فلما أشرف عليهم ، قال النبى - صلى الله عليه وسلم - : هذا مكرز ، ~~وهو رجل فاجر ، فجعل يكلم النبى - صلى الله عليه وسلم - فبينما هو يكلمه ؛ ~~إذ جاء سهيل بن عمرو . وقال معمر : فأخبرنى أيوب ، عن عكرمة أنه لما جاء ~~سهيل بن عمرو قال النبى - صلى ms2699 الله عليه وسلم - : قد سهل لكم ، من أمركم . ~~قال معمر : قال الزهرى فى حديثه : فجاء سهيل بن عمرو فقال : هات اكتب بيننا ~~وبينكم كتابا ، فدعا النبى - صلى الله عليه وسلم - الكاتب ، فقال النبى - ~~صلى الله عليه وسلم - : ( بسم الله الرحمن الرحيم ) ، قال سهيل : أما ~~الرحمن ، فوالله ما أدرى ما هو ، ولكن اكتب باسمك اللهم ، كما كنت تكتب ، ~~فقال المسلمون : والله لا نكتبها إلا : بسم الله الرحمن الرحيم ، فقال ~~النبى - صلى الله عليه وسلم - : اكتب ( باسمك اللهم ) ، ثم قال : هذا ما ~~قاضى عليه محمد رسول الله ، فقال سهيل : والله لو كنا نعلم أنك رسول الله ~~ما صددناك عن البيت ، ولا قاتلناك ، ولكن اكتب ( محمد ابن عبدالله ) فقال ~~النبى - صلى الله عليه وسلم - : والله إنى لرسول الله ، وإن كذبتمونى ، ~~اكتب ( محمد بن عبدالله ) . قال الزهرى : وذلك لقوله : لا يسألونى خطة ~~يعظمون فيها PageV08P122 حرمات الله إلا أعطيتهم إياها ، فقال له النبى - ~~صلى الله عليه وسلم - : على أن تخلوا بيننا وبين البيت ، فنطوف به ، فقال ~~سهيل : والله لا تتحدث العرب أنا أخذنا ضغطة ، ولكن ذلك من العام المقبل ، ~~فكتب ، فقال سهيل : وعلى أنه لا يأتيك منا رجل وإن كان على دينك إلا رددته ~~إلينا ، قال المسلمون : سبحان الله كيف يرد إلى المشركين ؟ وقد جاء مسلما ، ~~فبينما هم كذلك ؛ إذ دخل أبو جندل بن سهيل بن عمرو يرسف فى قيوده ، وقد خرج ~~من أسفل مكة حتى رمى بنفسه بين أظهر المسلمين ، فقال سهيل : هذا يا محمد ~~أول ما أقاضيك عليه أن ترده إلى ، فقال النبى - صلى الله عليه وسلم - : إنا ~~لم نقض الكتاب بعد ، قال : فوالله إذا لم أصالحك على شيء أبدا ، قال النبى ~~- صلى الله عليه وسلم - : فأجزه لى ، قال : ما أنا بمجيزه لك ، قال : بلى ، ~~فافعل ، قال : ما أنا بفاعل ، قال مكرز : بل قد أجزناه لك ، قال أبو جندل : ~~أى معشر المسلمين أرد إلى المشركين وقد جئت مسلما ؟ ألا ترون ما قد لقيت ؟ ~~وكان قد عذب عذابا شديدا فى الله ، قال : فقال عمر ms2700 بن الخطاب : فأتيت نبى ~~الله - صلى الله عليه وسلم - فقلت : ألست نبى الله حقا ، قال : بلى ، قلت : ~~ألسنا على الحق ، وعدونا على الباطل ؟ قال : بلى ، قلت : فلم نعطى الدنية ~~فى ديننا إذا ؟ قال : إنى رسول الله ، ولست أعصيه ، وهو ناصرى ، قلت : ~~أوليس كنت تحدثنا أنا سنأتى البيت ، فنطوف به ؟ قال : بلى ، فأخبرتك أنا ~~نأتيه العام ؟ قال : قلت : لا ، قال : فإنك آتيه ومطوف به ، قال : فأتيت ~~أبا بكر ، فقلت : يا أبا بكر ، أليس هذا نبى الله PageV08P123 حقا ؟ قال : ~~بلى ، قلت : ألسنا على الحق ، وعدونا على الباطل ؟ قال : بلى ، قلت : فلم ~~نعطى الدنية فى ديننا إذا ؟ قال : أيها الرجل ، إنه لرسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - ، وليس يعصى ربه ، وهو ناصره ، فاستمسك بغرزه ، فوالله إنه على ~~الحق ، قلت : أليس كان يحدثنا أنا سنأتى البيت ونطوف به ؟ قال : بلى ، ~~أفأخبرك أنك تأتيه العام ؟ قلت : لا ، قال : فإنك آتيه ، ومطوف به . قال ~~الزهرى : قال عمر : فعملت لذلك أعمالا ، قال : فلما فرغ من قضية الكتاب ، ~~قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأصحابه : قوموا فانحروا ، ثم احلقوا ~~، قال : فوالله ما قام منهم رجل حتى قال ذلك ثلاث مرات ، فلما لم يقم منهم ~~أحد ، دخل على أم سلمة ، فذكر لها ما لقى من الناس ، فقالت أم سلمة يا نبى ~~الله ، أتحب ذلك ، اخرج ثم لا تكلم أحدا منهم كلمة حتى تنحر بدنك ، وتدعو ~~حالقك فيحلقك ، فخرج فلم يكلم أحدا منهم حتى فعل ذلك ، نحر بدنه ودعا حالقه ~~فحلقه ، فلما رأوا ذلك ، قاموا فنحروا وجعل بعضهم يحلق بعضا حتى كاد بعضهم ~~يقتل بعضا غما ، ثم جاءه نسوة مؤمنات ، فأنزل الله تعالى : { يا أيها الذين ~~آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات } [ الممتحنة : 10 ] ، فطلق عمر يومئذ ~~امرأتين كانتا له فى الشرك فتزوج إحداهما معاوية بن أبى سفيان والأخرى ~~صفوان بن أمية ، ثم رجع النبى - صلى الله عليه وسلم - إلى المدينة فجاءه ~~أبو بصير ، رجل من قريش ، وهو مسلم ، فأرسلوا فى طلبه رجلين ، فقالوا : ~~العهد الذى جعلت لنا ، فدفعه إلى ms2701 الرجلين ، فخرجا به حتى بلغا ذا الحليفة ، ~~فنزلوا يأكلون من تمر لهم ، فقال أبو بصير ، لأحد الرجلين : والله ~~PageV08P124 إنى لأرى سيفك هذا يا فلان جيدا ، فاستله الآخر ، فقال : أجل ~~والله إنه لجيد لقد جربت به ، ثم جربت ، فقال أبو بصير : أرنى ، أنظر إليه ~~، فأمكنه منه فضربه حتى برد وفر الآخر ، حتى أتى المدينة ، فدخل المسجد ~~يعدو ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : حين رآه لقد رأى هذا ذعرا ~~، فلما انتهى إلى النبى - صلى الله عليه وسلم - قال : قتل والله صاحبى ، ~~وإنى لمقتول ، فجاء أبو بصير ، فقال : يا نبى الله ، قد والله أوفى الله ~~ذمتك قد رددتنى إليهم ، ثم أنجانى الله منهم ، قال النبى - صلى الله عليه ~~وسلم - : ويل أمه مسعر حرب ، لو كان له أحد ، فلما سمع ذلك عرف أنه سيرده ~~إليهم ، فخرج حتى أتى سيف البحر ، قال : وينفلت منهم أبو جندل بن سهيل ، ~~فلحق بأبى بصير ، فجعل لا يخرج من قريش رجل قد أسلم إلا لحق بأبى بصير حتى ~~اجتمعت منهم عصابة ، فوالله ما يسمعون بعير خرجت لقريش إلى الشأم إلا ~~اعترضوا لها ، فقتلوهم وأخذوا أموالهم ، فأرسلت قريش إلى النبى - صلى الله ~~عليه وسلم - تناشده بالله والرحم ، لما أرسل فمن أتاه فهو آمن ، فأرسل ~~النبى - صلى الله عليه وسلم - إليهم فأنزل الله تعالى : { وهو الذى كف ~~أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ببطن مكة } [ الفتح : 24 ] إلى { الجاهلية } [ ~~الفتح : 26 ] وكانت حميتهم أنهم لم يقروا أنه نبى الله ، ولم يقروا ب ( بسم ~~الله الرحمن الرحيم ) وحالوا بينه وبين البيت ) . فأخبرتنى عائشة أن رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - كان يمتحنهن ، وبلغنا أنه لما أنزل الله تعالى ~~أن يردوا إلى المشركين ما أنفقوا على من هاجر من أزواجهم ، وحكم على ~~المسلمين أن لا يمسكوا بعصم الكوافر ، أن عمر طلق امرأتين : قريبة بنت أبى ~~أمية وابنة جرول الخزاعى ، فتزوج قريبة معاوية ، وتزوج الأخرى أبو جهم ، ~~فلما أبى الكفار أن يقروا بأداء ما أنفق المسلمون على أزواجهم ، أنزل الله ~~تعالى : { وإن فاتكم شيء ms2702 من أزواجكم إلى الكفار فعاقبتم } [ الممتحنة : 11 ~~] والعقب : ما يؤدى PageV08P125 المسلمون إلى من هاجرت امرأته من الكفار ، ~~فأمر أن يعطى من ذهب له زوج من المسلمين ما أنفق من صداق نساء الكفار ~~اللائى هاجرن ، وما نعلم أن أحدا من المهاجرات ارتدت بعد إيمانها ، وبلغنا ~~أن أبا بصير بن أسيد الثقفى ، قدم على النبى - صلى الله عليه وسلم - مؤمنا ~~مهاجرا فى المدة ، فكتب الأخنس بن شريق إلى النبى - صلى الله عليه وسلم - ~~يسأله أبا بصير ، فذكر الحديث . قال المؤلف : فى هذا الحديث من الفقه جواز ~~صلح المشركين ومهادنتهم دون مال يؤخذ منهم إذا رأى لذلك الإمام وجها . وفيه ~~: كتاب الشروط التى تنعقد بين المسلمين والمشركين والإشهاد عليها ؛ ليكون ~~ذلك شاهدا على من رام نقض ذلك والرجوع فيه . قال المهلب : وفيه من الفقه : ~~الاستتار عن طلائع المشركين ومفاجأتهم وطلب غرتهم إذا بلغتهم الدعوة . وفيه ~~: جواز التنكيب على الطريق بالجيوش وإن كان فى ذلك مشقة . وفيه : بركة ~~التيامن فى الأمور كلها . وقوله - صلى الله عليه وسلم - فى الناقة : ( ما ~~خلأت وما هو لها بخلق ) فالخلأ فى النوق مثل الحران فى الخيل . وفيه : دليل ~~على أن الأخلاق المعروفة من الحيوان كلها يحكم بها على الطارئ الشاذ منها ، ~~وكذلك فى الناس إذا نسب إنسان إلى غير خلقه المعلوم فى هفوة كانت منه لم ~~يحكم بها . وفيه : أن ما عرض للسلطان وقواد الجيوش وجميع الناس مما هو ~~PageV08P126 خارج عن العادة يجب عليهم أن يتأملوه وينظروا شبهه فى قضاء ~~الله فى الأمم الخالية فيتمثلوا صواب الخير فيه ، ويعلموا أن ذلك مثل ضرب ~~لهم ونبهوا عليه ، كما امتثله رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فى أمر ~~ناقته وبروكها بقصة الفيل ؛ لأنها كانت إذا وجهت إلى مكة بركت وإذا صرفت ~~عنها مشت ، كما دار الفيل ، وهذا خارج عن العادة ، فعلم أن الله صرفها عن ~~مكة كما صرف الفيل ، ولذلك قال - صلى الله عليه وسلم - : ( والله لا ~~يسألونى خطة يعظمون فيها حرمات الله إلا أعطيتهم إياها ) يريد بذلك موافقة ~~الله ms2703 فى تعظيم الحرمات ؛ لأنه فهم عن الله إبلاغ الأعذار إلى أهل مكة فأبقى ~~عليهم لما كان سبق لهم فى علمه أنهم سيدخلون فى دين الله أفواجا . وفيه : ~~علامات النبوة ، وبركة النبى - صلى الله عليه وسلم - ، وبركة السلاح ~~المحمولة فى سبيل الله ، ونبع الماء من السهم ، فإنما قدم النبى - صلى الله ~~عليه وسلم - إلى مكة غير مستأمن مما كان بينه وبين أهل مكة من الحرب ~~والمناصبة والعداوة ولا أخذ إذنهم فى ذلك ؛ لأنه جرى على العادة من أن مكة ~~غير ممنوعة من الحجاج والمعتمرين ، فلما علم الله أنهم صادوه ومقاتلوه حبس ~~الناقة عن مكة كما حبس الفيل تنبيها له على الإبقاء عليهم . وقوله : ( إن ~~شاء قريشا قد نهكتهم الحرب ) على وجه بذل النصيحة للقرابة التى كانت بينهم ~~، فقال لهم : ( إن شئتم ماددتكم ) أى : صالحتكم مدة تستجمون فيها إن أردتم ~~القتال وتدعونى مع الناس ، يعنى : طوائف العرب فإن ظهرت عليهم دخلتم فيما ~~دخلوا فيه ، وإنما PageV08P127 نصحهم النبى - صلى الله عليه وسلم - لما فهم ~~عن الله فى حبس الناقة أنهم سيدخلون فى الإسلام ، فأراد أن يجعل بينهم مدة ~~يقلب الله فيها قلوبهم ، وفى لين قول بديل وعروة لقريش دليل على أنهم كانوا ~~أهل إصغاء إلى النبى - صلى الله عليه وسلم - وميل إليه كما قال فى الحديث . ~~وقول عروة للنبى : ( أرأيت إن استأصلت قومك ) دليل على أن النبى - صلى الله ~~عليه وسلم - كان يومئذ فى جمع يخاف منه عروة على أهل مكة الاستئصال لو ~~قاتلهم . وخوف عروة إن دارت الدائرة فى الحرب عليه أن يفر عنه من تبعه من ~~أخلاط الناس ؛ لأن القبائل إذا كانت متميزة لم يفر بعضها عن بعض حتى إذا ~~كانت أخلاطا فر كل واحد ولم ير على نفسه عارا ، والقبيلة بأصلها ترى العار ~~وتخافه ، ولم يعلم عروة أن الذى عقده الله بين قلوب المؤمنين من محض ~~الإيمان فوق ما تعتقده القرابات لقراباتهم ؛ فلذلك قال له أبو بكر : ( امصص ~~بظر اللات ) وهكذا يجب أن يجاوب من جفا على سروات الناس وأفاضلهم ms2704 ورماهم ~~بالفرار . وقوله : ( لم أجزك بها ) ، يدل على أن الأيادى تجب على أهل ~~الوفاء مجازاتها والمعاوضة عليها . وقوله : ( فكلما أخذ بلحيته ) يعنى : ~~على ما جرت به عادة العرب عند مخاطبتها لرؤسائها فإنهم يمسون لحاهم ~~ويصافحونهم ، يريدون التحبب إليهم والتبرك بتناولهم ، وقد حكى عن بعض العجم ~~أنهم يفعلون ذلك أيضا ، فلما أكثر عروة من فعله ذلك رأى المغيرة أن منزلة ~~النبوة مباينة لمنازل الناس ، وأنها لا تحتمل هذا العمل لما يلزم من توقير ~~النبى - صلى الله عليه وسلم - وإجلاله . PageV08P128 وفيه من الفقه : أن من ~~جالس إماما فرأى أحدا جفا عليه أنه يلزمه تغيير ذلك ويصون الإمام عن الكلام ~~فيه . وفيه : جواز قيام الناس على رأس الإمام بالسيوف إذا كان ذلك ترهيبا ~~للعدو ومخافة الغدر . وقوله : ( ألست أسعى فى غدرتك ) يريد أن عروة كان ~~يصلح على قوم المغيرة ويمنع منهم أهل القتيل الذى قتله المغيرة ؛ لأن أهل ~~المغيرة بقوا بعده فى دار الكفر . وقول النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( ~~أما المال فلست منه فى شىء ) يعنى : فى حل ؛ لأنه علم أن أصله غصب ، وأموال ~~المشركين وإن كانت مغنومة عند القهر فلا يحل أخذها عند الأمن ، وإذا كان ~~الإنسان مصاحبا لهم فقد أمن كل واحد منهم صاحبه ، فسفك الدماء وأخذ المال ~~عند ذلك غدر ، والغدر بالكفار وغيرهم محظور . وتدلكهم بنخامته - صلى الله ~~عليه وسلم - على وجه التبرك ورجاء نفعها فى أعضائهم . وفيه : طهارة النخامة ~~بخلاف من جعلها تنجس الماء ، وإنما أكثروا من ذلك بحضرة عدوه ، وتزاحموه ~~عليه ؛ لأجل قوله : ( إنى لأرى وجوها وأشوابا من الناس خليقا أن يفروا عنك ~~ويدعوك ) فأروه أنهم أشد اغتباطا وتبركا بأمره ، وتثبتا فى نصرته من ~~القبائل التى تراعى الرحم بينهم . وأمر النبى - صلى الله عليه وسلم - ~~بإقامة البدن للرجل من أجل علمه بتعظيمه لها ؛ ليخبر بذلك قومه ، فيخلوا ~~بينه وبين البيت . PageV08P129 وفيه : التفاؤل من الاسم وغيره . وقول سهيل ~~: ( ما نعرف الرحمن ) فإن العرب الله قد أخبر عنهم بذلك فى كتابه { قالوا ~~وما الرحمن } [ الفرقان : 60 ] وفى يمين المسلمين ms2705 : ( والله لا نكتب إلا ~~بسم الله الرحمن الرحيم ) فيه من الفقه أن أصحاب السلطان يجب عليهم مراعاة ~~أمره وعونه وعزة البارى التى بها عز السلطان . وترك النبى - صلى الله عليه ~~وسلم - إبرار قسمهم ، وقد أمرنا بإبرار القسم ، إنما هو مندوب إليه فيما ~~يحسن ويجمل ، وأما من حلف عليه فى أمر لا يحسن فى دين ولا مروءة فلا يجيب ~~إليه كما لم يجب النبى - صلى الله عليه وسلم - إلى ما حلف عليه أصحابه ؛ ~~لأنه كان يئول إلى انخرام المقاضاة والصلح مع أن ما دعا إليه سهيل لم يكن ~~إلحادا فى أسمائه تعالى ، وكذلك ما أباه سهيل من كتابة محمد رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - ليس فيه إلحاد فى الرسالة ، فلذلك أجابه - صلى الله ~~عليه وسلم - إلى ما دعاه إليه مع أنه لم يأنف سهيل من هذا ، إلا أنه كان ~~مساق العقد عن أهل مكة ، وقد جاء فى بعض الطرق ( هذا ما قاضى عليه رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - أهل مكة ) فخشى أن ينعقد فى مقالهم الإقرار ~~برسالته . وقوله فى هذا الحديث : ( وعلى أنه لا يأتيك منا رجل ) يدل أن ~~المقاضاة إنما انعقدت على الرجال دون النساء ، فليس فيه نسخ حكم النساء على ~~هذه الرواية ؛ لأن النساء لم يردهن كما رد الرجال من أجل أن الشرط إنما وقع ~~برد الرجال خاصة ثم نزلت PageV08P130 الآية فى أمر النساء حين هاجرن إلى ~~النبى - صلى الله عليه وسلم - مثبتة لما تقدم من حكم ذلك وقد تقدم هذا ~~المعنى فى أول كتاب الشروط . وقول النبى - صلى الله عليه وسلم - لسهيل : ( ~~إنا لم نفض الكتاب بعد ) أراد أن يخلص أبا جندل وقد كان تم الصلح بالكلام ~~والعقد قبل أن يكتب . وفيه : أن من عاقد وصالح على شىء بالكلام ثم لم يوف ~~له به أنه بالخيار فى النقض . وأما قول عمر وما قرر عليه رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - من أنهم على الحق ( ولم نعطى الدنية فى ديننا ) ، أى نرد ~~من استجار بنا من المسلمين ms2706 إلى المشركين فقال له : ( إنى رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - ، ولست أعصيه ) تنبيها لعمر أنى إنما أفعل هذا من أجل ما ~~أطلعنى الله عليه بحبس الناقة عن أهل مكة مما فى غيبه لهم من الإبلاغ فى ~~الإعذار إليهم ، ولست أفعل ذلك برأى ، إنما أفعله بوحى من الله لقوله : ( ~~ولست أعصيه ) . وفيه : جواز المعارضة فى العلم حتى تتبين المعانى . وفيه : ~~أن الكلام محمول على العموم حتى يقوم عليه دليل الخصوص ألا ترى أن عمر حمل ~~كلامه - صلى الله عليه وسلم - على الخصوص لأنه طالبه بدخول البيت فى ذلك ~~العام فأخبره - صلى الله عليه وسلم - أنه لم يعده به فى ذلك العام ، بل ~~وعده وعدا مطلقا فى الدهر حتى وقع ، فدل أن الكلام محمول على العموم حتى ~~يأتى دليل الخصوص . وفى قوله - صلى الله عليه وسلم - : ( فإنك آتيه ) يدل ~~أن من حلف على فعل ولم يوقت وقتا أن وقته أيام حياته . قال ابن المنذر : ~~فإن حلف PageV08P131 بالطلاق ليفعلن كذا إلى وقت غير معلوم . فقالت طائفة : ~~لا يطأها حتى يفعل الذى حلف عليه فأيهما مات لم يرثه صاحبه . هذا قول سعيد ~~بن المسيب والحسن البصرى والشعبى والنخعى ، وأبى عبيد . وقالت طائفة : إن ~~مات ورثته ، وله وطؤها . روى هذا عن عطاء ، وقال يحيى بن سعيد : ترثه إن ~~مات . وقال مالك : إن ماتت امرأته يرثها . وقال الثورى : إنما يقع الحنث ~~بعد الموت ، وبه قال أبو ثور . وقال أبو ثور أيضا : إذا حلف ولم يوقت فهو ~~على يمينه حتى يموت ، ولا يقع حنث بعد الموت ، فإذا مات لم يكن على شىء . ~~قال ابن المنذر : وهذا نظر . وقالت طائفة : يضرب لهما أجل المؤلى أربعة ~~أشهر . روى هذا عن القاسم وسالم ، وهو قول ربيعة ومالك والأوزاعى . وقال ~~أبو حنيفة : إن قال : أنت طالق ثلاثا إن لم آت البصرة . فماتت امرأته قبل ~~أن يأتى البصرة فله الميراث ولا يضره ألا يأتى البصرة بعد ؛ لأن امرأته ~~ماتت قبل أن يحنث ، ولو مات قبلها حنث وكان لها الميراث ؛ لأنه فارق ms2707 ، ولأن ~~الطلاق إنما وقع عليها قبل أن يموت بقليل فلها الميراث ، ولو قال : أنت ~~طالق إن لم تأت البصرة أنت فماتت فليس له منها ميراث ، وإن مات قبلها فلها ~~الميراث ولا يضرها ألا تأتى البصرة . وفيه قول سادس حكاه أبو عبيد عن بعض ~~أهل النظر قال : إن أخذ الحالف فى التأهب لما حلف عليه والسعى فيه حين تكلم ~~باليمين حتى يكون متصلا بالبر وإلا فهو حانث عند ترك ذلك . قال ابن المنذر ~~: فى هذا الحديث دليل أنه من لم يحد ليمينه أجلا أنه على يمينه ولا يحنث إن ~~وقف عن الفعل الذى حلف يفعله . PageV08P132 قال المهلب : وقول عمر : ( ~~فعملت لذلك أعمالا ) يعنى أنه كان يحض الناس على ألا يعطوا الدنية فى دينهم ~~بإجابة سهيل إلى رد أبى جندل إليهم ، يدل على ذلك إتيانه أبا بكر وقوله له ~~مثل ذلك . وفيه : فضل علم أبى بكر الصديق وجودة ذهنه ، وحسن قريحته ، وقوة ~~نفسه ؛ لأنه أجاب عمر بمثل ما أجابه به النبى - صلى الله عليه وسلم - حرفا ~~حرفا . وأما توقف أصحاب النبى - صلى الله عليه وسلم - عن النحر والحلق ~~فلمخالفتهم العادة التى كانوا عليها ألا ينحر أحد حتى يبلغ الهدى محله ، ~~ولا يحلق إلا بعد الطواف والسعى ، حتى شاور النبى - صلى الله عليه وسلم - ~~أم سلمة فأراه الله بركة المشورة ، ففعل ما قالت ، فاقتدى به أصحابه ، ~~وكذلك لو فعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فى حجة الوداع ما أمر به ~~أصحابه من الحلاق والحل ما اختلف عليه اثنان ، ففى هذه من الفقه أن الفعل ~~أقوى من القول . وفيه : جواز مشاورة النساء ذوات الفضل والرأى . وأما إسلام ~~النبى - صلى الله عليه وسلم - لأبى بصير وأصحابه إلى رسل مكة فهو على ما ~~انعقد فى الرجال ، وأما قتل أبى بصير لأحد الرسل بعد أن أسلمه إليهم النبى ~~- صلى الله عليه وسلم - فليس على النبى - صلى الله عليه وسلم - حراسة ~~المشركين ممن يدفعه إليهم ، ولا عليه القود ممن قتل فى الله وجاهد ؛ لأن ~~هذا لم يكن ms2708 من شرطه ، ولا طالب أولياء القتيل النبى - صلى الله عليه وسلم - ~~بالقود من أبى بصير . وقول أبى بصير للنبى : ( قد أوفى الله ذمتك ) يعنى : ~~أنك قد رددتنى إليهم كما شرطت لهم ، فلا تردنى الثانية ، فلم يرض النبى - ~~صلى الله عليه وسلم - إلا بما لا شك فيه من الوفاء ، فسكت عنه النبى - صلى ~~الله عليه وسلم - ونبهه على ما ينجو به من كفار قريش بتعريض عرض له به وذلك ~~قوله : PageV08P133 ( لو كان له أحد ) يعنى : من ينصره ويمنعه ، ففهمها أبو ~~بصير ، وخرج إلى سيف البحر ، وجعل يطلب غرة أهل مكة ، وآذاهم حتى لحق به ~~أبو جندل وجماعة ، فرضى المشركون بحل هذا الشرط وأن يكفيهم النبى - صلى ~~الله عليه وسلم - نكايته ، ويكف عنهم عاديته . وأما قوله : ( ما كانوا ~~يؤدونه إلى المشركين عوضا مما أنفقوا على أزواجهم المهاجرات فى ذلك الصلح ) ~~فهو منسوخ عن الشعبى وعطاء ومجاهد . ذكر ما فى هذا الحديث من غريب اللغة : ~~قوله : ( فإذا هم بقترة الجيش ) قال صاحب العين : القترة والقتر : الغبار . ~~وقولهم للناقة : ( حل حل ) يقال : حلحلت الإبل : إذا قلت لها : حل حل . ~~زجرتها بذلك . والخلأ فى الإبل كالحران فى الخيل ، وقد تقدم . والقصواء : ~~اسم ناقة النبى - صلى الله عليه وسلم - . والثمد : الماء القليل . عن صاحب ~~العين والتبرض : جمع الماء باليدين . قال صاحب العين : ماء برض : قليل . ~~وتبرض الماء : جمع البرض منه ونزحه . يقال : نزحت البئر : نقص ماؤها . وبئر ~~نزوح : قليلة الماء . عن صاحب العين . وقوله : ( أعداد مياة الحديبية ) جمع ~~عد ، والعد مجتمع الماء . والعوذ : النوق الحديثات العهد بالنتاج ، واحدتها ~~عائذ . و ( المطافيل ) التى معها أولادها . وماددتهم : جعلت بينى وبينهم ~~مدة للصلح . وقوله : ( جمعوا ) يعنى : استراحوا وقووا . يقال : جم الفرس ~~وأجم ، إذا ترك ولم يركب ولم يتعب . وقوله : ( حتى تنفرد سالفتى ) أى : حتى ~~أنفرد فى قتالهم وحدى . وقولهم : ( بلحوا ) قال صاحب العين : PageV08P134 ~~يقال أبلح البعير والدابة بلوحا : إذا أعيا ، وبلح الغريم : أفلس و ( ~~الأشواب ) : الأخلاط من الناس . وقوله : ( يرسف فى قيوده ) والرسف : مشية ~~المقيد . والحجل مثله . من كتاب ms2709 العين . ويروى : يجلجل فى قيوده . وقد تقدم ~~فى باب الصلح مع المشركين فى كتاب الصلح . وأما قوله : ( ويل أمه مسعر حرب ~~) فإعرابه ويل أمه من مسعر حرب فانتصب على التمييز . وقالت الخنساء : ويلمه ~~مسعر حرب إذا التقى فيها وعليه السليل وقال جماعة من أهل اللغة : والمعنى ~~أن الخنساء لم ترد الدعاء بإيقاع الهلكة عليها لكنها أرادت ما من عادة ~~العرب استعماله من نقلها الألفاظ الموضوعة فى بابها إلى غيره ، ومرادها ~~بقولها هذا المدح لأمها وأخيها لولادتها مثل أخيها فى بسالته وشجاعته دون ~~الدعاء عليها بالويل الذى معناه الهلكة ، كما يقال : انج ثكلتك أمك وتربت ~~يدالك ، من غير إرادة مقتضى هاتين اللفظتين بالمخاطب . وقوله : ( استمسك ~~بغرزه ) قال ثابت : أى تمسك به واتبعه . والغرز لقتب البعير مثل ركاب السرج ~~للدابة . * * * # | 15 - باب الشروط فى القرض # / 17 - فيه : أبو هريرة ، عن النبى - صلى الله عليه وسلم - أنه ذكر رجلا ~~سأل بعض بنى إسرائيل أن يسلفه ألف دينار ، فدفعها إليه إلى أجل مسمى . قال ~~ابن عمر ، وعطاء : إذا أجله فى القرض جاز . PageV08P135 وهذا خلاف قول أبى ~~حنيفة فإنه يقول : إذا كان القرض إلى أجل أو غير أجل فله أن يأخذه متى أحب ~~وكذلك العارية ، ولا يلزم عنده تأخير القرض البتة . وبنحوه قال الشافعى ، ~~ويخالفهم مالك ، وقد تقدم هذا مبنيا لأقوال العلماء فى كتاب الاستقراض ~~والديون فأغنى عن إعادته ، والحمد لله . * * * # | 16 - باب ما يجوز من الاشتراط والثنيا فى الإقرار # والشروط التى يتعارفها الناس بينهم وإذا قال : مائة إلا واحدة أو ثنتين ~~وقال ابن عون ، عن ابن سيرين ، قال رجل لكريه : أرحل ركابك ، فإن لم أرحل ~~معك يوم كذا وكذا ، فلك مائة درهم ، فلم يخرج فقال شريح من شرط على نفسه ~~شرطا غير مكره فهو عليه وقال أيوب عن ابن سيرين إن رجلا باع طعاما وقال إن ~~لم آتك الأربعاء فليس بينى وبينك بيع فلم يجئ فقال شريح للمشترى أنت أخلفت ~~فقضى عليه . / 18 - فيه : أبو هريرة أن النبى - صلى الله عليه وسلم - ، قال ~~: ( إن ms2710 لله تسعة وتسعين اسما ، مائة إلا واحدا ، من أحصاها دخل الجنة ) . ~~الاستثناء على ضربين : استثناء القليل من الكثير ، وهذا ما لا خلاف فى ~~جوازه بين أهل الفقه واللغة : والضرب الثانى : استثناء الكثير من القليل ~~وهو جائز عند أصحاب مالك والكوفيين والشافعى وغيرهم من الفقهاء ، وهو مذهب ~~اللغويين من أهل الكوفة وأنشد الفراء فى ذلك : PageV08P136 أدوا التى نقضت ~~تسعين من مائة ثم ابعثوا حكما بالعدل حكاما فاستثنى تسعين من مائة ، فكذا ~~إذا أقر الرجل فقال : لفلان عندى ألف إلا تسعمائة وخمسين لزمه خمسون . أو ~~قال : له عندى مائة إلا تسعين . فهو جائز على ما أنشد الفراء ، واحتج له ~~ابن القصار فقال : حجة من أجازه أن حقيقة الاستثناء هو إخراج بعض ما اشتمل ~~عليه اللفظ ؛ فإن جميع ما يقتضيه اللفظ ليس بمراد ، فإذا كان الاستثناء هذا ~~معناه فقد يكون المراد إخراج الأول ، وقد يكون إخراج الأكثر ، فإذا جاز ~~إخراج الأقل جاز إخراج الأكثر . وقال عبد الملك بن الماجشون : لا يجوز ~~استثناء الكثير من القليل . وحكى أنه مذهب البصريين من أهل اللغة . وإلى ~~هذا ذهب البخارى فى هذا الباب ، ولذلك أدخل قوله - صلى الله عليه وسلم - : ~~( إن لله تسعة وتسعين اسما مائة إلا واحدة ) فاستثنى القليل من الكثير . ~~واحتج ابن قتيبة لذلك فقال : لا يجوز عندى فى اللغة استثناء الكثير من ~~القليل ؛ لأن تأسيس الاستثناء على تدارك قليل من كثير كأنك أغفلته أو نسيته ~~لقلته ، ثم تداركت بالاستثناء ، ولأن الشىء قد ينقص نقصانا يسيرا فلا يزول ~~عنه اسم الشىء بنقصان القليل ، فإذا نقص أكثره زال عنه الاسم ، ألا ترى أنك ~~لو قلت : صمت هذا الشهر إلا تسعة وعشرين يوما . أحال لأنه صام يوما ، ~~واليوم لا يسمى شهرا ، ومما يزيد فى وضوح هذا أنه يجوز لك أن تقول : صمت ~~الشهر كله إلا يوما واحدا . فتؤكد الشهر وتستقصى عدده بكل ولا يجوز : صمت ~~الشهر كله إلا تسعة وعشرين يوما . وتقول : لقيت القوم جميعا إلا واحدا أو ~~اثنين . ولا تقول : القوم جميعا إلا أكثرهم . PageV08P137 وأما قول ms2711 ابن ~~سيرين فيمن قال لكريه : ( أرحل ركابك فإن لم أرحل معك يوم كذا وكذا فلك ~~مائة درهم ) فيفسر ذلك أن المكارين لإبلهم فى الأمصار يخرجون الإبل إلى ~~المسارح الخصبة البعيدة ، ويبقون فى الأمصار يعقدون الكرى مع الناس ويتعدون ~~على الرحيل يوم كذا ، فربما استجلبوا الإبل ذلك اليوم ، فيقول التجار : لم ~~يتهيأ لنا الخروج اليوم فيشق على الحمالين علف إبلهم فيقول التجار : إن لم ~~أرحل معك يوم كذا فلك كذا تعلف به إبلك . فهذا شرط لا يجوز فى السنة عند ~~أكثر العلماء ، وإنما قضى بذلك شريح ؛ لأنه من طريق العدة والتطوع ، ومن ~~تطوع بشىء استحب له إنجازه وإنفاذه ، إلا أن جمهور الفقهاء لا يقضون بوجوب ~~العدة ، وإنما يستحبون الوفاء بها . وأما قول الذى ابتاع الطعام : ( إن لم ~~آتك يوم الأربعاء فلا بيع بينى وبينك ) فذهب شريح إلى أنه إن لم يأت للأجل ~~فلا بيع بينهما ، فإن العلماء اختلفوا فى جوازه ، فقال ابن الماجشون : ~~البيع والشرط جميعا جائزان وحمله محمل بيع الخيار إلى وقت مسمى ، فإذا جاز ~~الوقت فلا خيار له ويبطل البيع ، ومصيبه قبل ذلك من البائع ، كان ذلك بيده ~~أو بيد المبتاع على سنة بيع الخيار ، وممن أجاز البيع والشرط فى هذه ~~المسألة : الثورى وأحمد وإسحاق . وقال أبو حنيفة : إن كان الأجل ثلاثة أيام ~~فالبيع جائز . وقال محمد بن الحسن : يجوز الأجل أربعة أيام وعشرة أيام . ~~PageV08P138 وقال مالك فى المدونة : من باع سلعة وشرط إن لم ينقده المشترى ~~إلى أجل فلا بيع بينهما ، فهذا بيع مكروه ، فإن وقع ثبت البيع وبطل الشرط ، ~~ومصيبة السلعة من البائع حتى يقبضها المشترى . ووقع فى بعض النسخ باب ما لا ~~يجوز من الاشتراط والثنيا وهو خطأ ، والصواب ما يجوز بإسقاط ( لا ) وكذلك ~~فى نسخة النسفى وفى رواية أبى ذر أيضا . وحديث أبى هريرة الذى أدخله ~~البخارى فى هذا الباب يدل على صحة رواية النسفى وأبى ذر ، والله الموفق ~~للصواب . * * * # | 17 - باب الشروط فى الوقف # / 19 - فيه : ابن عمر ، أن عمر بن الخطاب أصاب أرضا ms2712 بخيبر ، فأتى النبى - ~~صلى الله عليه وسلم - يستأمره فيها ، فقال : يا رسول الله ، إنى أصبت أرضا ~~بخيبر ، لم أصب مالا قط أنفس عندى منه ، فما تأمر به ؟ قال : إن شئت حبست ~~أصلها ، وتصدقت بها ، قال : فتصدق بها عمر ، أنه لا يباع ، ولا يوهب ، ولا ~~يورث ، وتصدق بها فى الفقراء ، وفى القربى ، وفى الرقاب ، وفى سبيل الله ، ~~وابن السبيل ، والضيف ، لا جناح على من وليها أن يأكل منها بالمعروف ، ~~ويطعم غير متمول قال : فحدثت به ابن سيرين ، فقال : غير متأثل مالا . ~~للواقف أن يشترط فى وقفه ما شاء إذا أخرجه من يده إلى متولى النظر فيه ، ~~فيجعله فى صنف واحد أو أصناف مختلفة ، إن شاء فى PageV08P139 الأغنياء أو ~~فى الفقراء ، وإن شاء فى الأقارب أو الأباعد ، وإن شاء فى إناث بيته دون ~~الذكور ، أو الذكور دون الإناث ، وإن كان يستحب له التسوية بين بنيه لقوله ~~: فتصدق بها عمر فى الفقراء وفى القربى وسائر من ذكر ، فدل ذلك إلى اختيار ~~المحبس يضعه حيث شرط . قال المهلب : وإنما تصدق عمر لأنفس ماله ؛ لقوله ~~تعالى : { لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون } [ آل عمران : 92 ] فشاور ~~النبى - صلى الله عليه وسلم - فى ذلك فأشار عليه بتحبيس أصله ، والصدقة ~~بثمرته . وهذا الحديث أصل فى تحبيس رقاب الأرض . قال الطبرى : وكل ما كان ~~نظير الأرض التى حبسها عمر مما يحد بوصف ويوصف بصفة ، وله منافع تدرك ~~بالعمارة ، والإصلاح ففى حكمها فى جواز تحبيسه ، وذلك كالدابة تحبس فى سبيل ~~الله إذا كان ممكنا صفتها بصفة بيان لها من سائر أملاك المتصدق ، ومنفعة ~~تدرك منها لا يبطلها الانتفاع بها كالركوب ، والعبد يحبس كذلك وسائر ~~الحيوان والمواشى والرقيق والسلاح يحبس فى سبيل الله وأجزاء القرآن وما ~~أشبه ذلك ، وبمثل ذلك عملت الأئمة الراشدون والسلف الصالحون ، وسأذكر من ~~خالف ذلك وأرد قوله بأقوال العلماء فى باب الوقف وكيف يكتب بعد هذا إن شاء ~~الله . PageV08P140 * * * # | 55 - كتاب الوصايا # # | 1 - باب الوصايا وقول النبى - صلى الله عليه وسلم - : وصية الرجل ~~مكتوبة عنده ms2713 # ، وقول الله تعالى : { كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت } [ البقرة : 180 ] ~~الآية . / 1 - فيه : ابن عمر أن النبى - صلى الله عليه وسلم - ، قال : ما ~~حق امرئ مسلم له شيء يوصى فيه يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده . / 2 - ~~وفيه : عمرو بن الحارث ختن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أخى جويرية ~~بنت الحارث ، قال : ما ترك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عند موته ~~درهما ولا دينارا ، ولا عبدا ولا أمة ، ولا شيئا إلا بغلته البيضاء ، ~~وسلاحه ، وأرضا جعلها صدقة ) . / 3 - وفيه : عبدالله بن أبى أوفى قيل له : ~~هل كان النبى - صلى الله عليه وسلم - أوصى ؟ قال : لا ، فقلت : كيف كتب على ~~الناس الوصية أو أمروا بالوصية ؟ قال : أوصى بكتاب الله . / 4 - وفيه : ~~عائشة ذكر عندها أن عليا كان وصيا ، قالت : متى أوصى إليه ؟ وقد كنت مسندته ~~إلى صدرى ، فدعا بالطست ، ولقد انخنث فى حجرى ، فما شعرت أنه قد مات ، فمتى ~~أوصى إليه . قال المهلب : فى حديث ابن عمر الحض على الوصية خشية فجأة الموت ~~للإنسان على غير عدة . قال المهلب : واختلف العلماء PageV08P141 فى وجوب ~~الوصية على من خلف مالا فقالت طائفة : الوصية واجبة على ظاهر الآية . قال ~~الزهرى : جعل الله الوصية حقا مما قل أو كثر . قيل لأبى مجلز : على كل مثر ~~وصية ؟ قال : كل من ترك خيرا . وقالت طائفة : ليست الوصية واجبة كان الموصى ~~موسرا أو فقيرا . هذا قول النخعى والشعبى ، وهو قول مالك والثورى والشافعى ~~. قال الشافعى : قوله : ( ما حق امرئ مسلم ) يحتمل ما الجزم ، ويحتمل ما ~~المعروف فى الأخلاق إلا هذا من جهة الفرض . وقال أبو ثور : ليست الوصية ~~واجبة إلا على رجل عليه دين أو عنده مال قوم ؛ فواجب عليه أن يكتب وصيته ~~ويخبر بما عليه ؛ لأن الله فرض أداء الأمانات إلى أهلها ، فمن لا حق عليه ~~ولا أمانة قبله ؛ فليس عليه أن يوصى ، والدليل على صحة هذا قوله - صلى الله ~~عليه وسلم - : ( ما حق امرئ مسلم ) فأضاف الحق إليه كقوله : هذا حق زيد . ~~فلا ms2714 ينبغى أن يتركه ، فإذا تركه لم يلزمه . وقد روى أيوب ، عن نافع ، عن ~~ابن عمر أن النبى - صلى الله عليه وسلم - قال : ( ما حق امرئ يريد الوصية ) ~~فعلق ذلك بإرادة الموصى ، ولو كانت واجبة لم يعلقها بإرادته ، ومما يدل على ~~ذلك أيضا أن ابن عمر روى الحديث عن النبى - صلى الله عليه وسلم - ولم يوص ، ~~ومحال أن يخالف ما رواه لو كان واجبا ، ولكنه عقل منه الاستحباب ، وروى عن ~~ابن عباس وابن عمر أن قوله تعالى : { كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت } [ ~~البقرة : 180 ] نسختها آية المواريث وهو قول مالك والشافعى وجماعة . وقوله ~~- صلى الله عليه وسلم - : ( يبيت ليلتين إلا ووصيته كتوبة عنده ) فيه من ~~PageV08P142 الفقه أن الوصية نافذة ، وإن كانت عند صاحبها ولم يجعلها عند ~~غيره وكذلك إن جعلها غيره وارتجعها . فإن قيل : إن حديث ابن أبى أوفى ~~وعائشة أن النبى - صلى الله عليه وسلم - لم يوص . قال المهلب : فالجواب : ~~أن قول ابن أبى أوفى لم يوص إنما يريد الوصية التى زعم بعض الشيعة أنه أوصى ~~بالأمر إلى على ، وقد تبرأ على من ذلك حين قيل له : أعهد إليك رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - بشىء لم يعهده إلى الناس ؟ فقال : لا والذى فلق الحبة ~~وبرأ النسمة ما عندنا إلا كتاب الله وما فى هذه الصحيفة . وأما أرضه وسلاحه ~~وبغلته فلم يوص فيها على جهة ما يوصى الناس فى أموالهم ؛ لأنه قال - صلى ~~الله عليه وسلم - : ( لا نورث ما تركنا صدقة ) فرفع الميراث عن أزواجه ~~وأقاربه وإنما تجوز الوصية لمن يجوز لأهله وراثته . قال ابن المنذر : ~~ووصيته بكتاب الله غير معنى قول عائشة : ( ولا أوصى بشىء ) قال المهلب : ( ~~أوصى بكتاب الله ) قد فسره على بقوله : ( ما عندنا إلا كتاب الله ) وكذلك ~~قال عمر : حسبنا كتاب الله . حين أراد أن يعهد عند موته ، وذكر النخعى أن ~~طلحة والزبير كانا يشددان فى الوصية فقال : ما كان عليهما ألا يفعلا ، توفى ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فما أوصى ، وأوصى أبو بكر ms2715 ، فإن أوصى ~~فحسن وإن لم يوص فلا بأس . قال صاحب العين : انخنث السقاء وخنث : إذا مال ، ~~وخنثته أنا . PageV08P143 * * * # | 2 - باب الوصية بالثلث وأن يترك ورثته أغنياء خير من أن يتركهم يتكففون ~~الناس # / 5 - فيه : سعد : جاء النبى - صلى الله عليه وسلم - يعودنى ، وأنا بمكة ~~، وهو يكره أن يموت بالأرض التى هاجر منها ، قال : يرحم الله ابن عفراء ، ~~قلت : يا رسول الله أوصى بمالى كله ؟ قال : لا ، قلت : فالشطر ؟ قال : لا ، ~~قلت : الثلث ، قال : الثلث ، والثلث كثير ، إنك أن تدع ورثتك أغنياء ، خير ~~من أن تدعهم عالة ، يتكففون الناس فى أيديهم ، وإنك مهما أنفقت من نفقة ~~فإنها صدقة حتى اللقمة ترفعها إلى فى امرأتك ، وعسى الله أن يرفعك ، فينتفع ~~بك ناس ويضر بك آخرون ، ولم يكن له يومئذ إلا ابنة ) . ذكر الله الوصية فى ~~كتابه ذكرا مجملا ، ثم بين النبى - صلى الله عليه وسلم - أن الوصايا مقصورة ~~على ثلث مال الميت ؛ لإطلاقه - صلى الله عليه وسلم - لسعد الوصية بالثلث فى ~~هذا الحديث ، وأجمع العلماء على القول به واختلفوا فى القدر الذى يستحب أن ~~يوصى به الميت ، وسيأتى بعد هذا ، إلا أن الأفضل لمن له ورثة أن يقصر فى ~~وصيته عن الثلث غنيا كان أو فقيرا ؛ لأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~لما قال لسعد : ( الثلث كثير ) أتبع ذلك بقوله : ( إنك إن تذر ورثتك أغنياء ~~خير من أن تدعهم عالة يتكففون الناس ) ولم يكن لسعد إلا ابنة واحدة كما ذكر ~~فى هذا الحديث ، فدل هذا أن ترك المال للورثة خير من الصدقة به وأن النفقة ~~على الأهل من الأعمال الصالحة ، وروى ابن أبى شيبة من حديث ابن أبى مليكة ، ~~عن عائشة قال لها رجل : إنى أريد أن أوصى . قالت : كم مالك ؟ قال : ثلاثة ~~آلاف . قالت : فكم عيالك ؟ قال : أربعة . قالت : إن PageV08P144 الله يقول ~~: { إن ترك خيرا } [ البقرة : 180 ] وإن هذا شىء يسير فدعه لعيالك فإنه ~~أفضل . وروى حماد ، عن أيوب ، عن نافع ، عن ابن عمر أنه ذكر له الوصية فى ~~مرضه ms2716 فقال : أما مالى فالله أعلم ما كنت أعمل فيه ، وأما رباعى فلا أحب أن ~~يشارك فيها ولدى أحد . وعن على بن أبى طالب أنه دخل على رجل من بنى هاشم ~~يعوده ، وله ثمانمائة درهم وهو يريد أن يوصى ، فقال له : يقول الله : { إن ~~ترك خيرا } [ البقرة : 180 ] ، ولم تدع خيرا توصى به . وعن ابن عباس : من ~~ترك سبعمائة درهم فلا يوص ، فإنه لم يترك خيرا . وقال قتادة فى قوله : { إن ~~ترك خيرا } [ البقرة : 180 ] : ألف درهم فما فوقها . قال ابن المنذر : فدلت ~~هذه الآثار على أن من ترك مالا قليلا ، فالاختيار له ترك الوصية وإبقاؤه ~~للورثة . وقوله : ( عسى الله أن يرفعك فينتفع بك ناس ، ويضر بك آخرون ) ~~فهذا قد خرج كما قال - صلى الله عليه وسلم - ، ثبت أن سعدا أمر على العراق ~~فأتى بقوم ارتدوا عن الإسلام ، فاستتابهم فأبى بعضهم فقتلهم ، فضر أولئك ، ~~وتاب بعضهم فانتفعوا به ، وعاش سعد بعد حجة الوداع خمسا وأربعين سنة . وقال ~~الطحاوى : فى حديث سعد جواز الوصية بالثلث ، ولو كان جورا لأنكر ذلك - صلى ~~الله عليه وسلم - وأمره بالتقصير عنه ، ثم تكلم الناس بعد هذا فى هبات ~~المريض وصدقاته إذا مات من مرضه ، فقال قوم ، وهم أكثر العلماء : هى من ~~الثلث كسائر الوصايا . واتفق على ذلك فقهاء الحجاز والعراق . PageV08P145 ~~وقالت فرقة : هى من جميع المال كأفعاله وهو صحيح . وهذا القول لم نعلم أحدا ~~من المتقدمين قاله ، وأظنه قول أهل الظاهر إذا قبضت هبة المريض وعطاياه فهى ~~فى رأس ماله ؛ لأن ما قبض قبل الموت ليس بوصية ، وإنما الوصية ما يستحق ~~بموت الموصى ، وسواء قبضت عند جماعة الفقهاء أو لم تقبض ؛ هى من الثلث . ~~قال الطحاوى : وحديث عائشة أن أباها نحلها جداد عشرين وسقا بالغابة فلما ~~مرض قال : لو كنت حزتيه لكان لك ، وإنما هو اليوم مال وإرث . فأخبر الصديق ~~أنها لو كانت قبضته فى الصحة تم لها ملكه ، وأنها لا تستطيع قبضه فى المرض ~~قبضا يتم لها ملكه ، وفعل ذلك غير جائز كما لا تجوز ms2717 الوصية لها به ، ولم ~~تنكر ذلك عائشة على أبى بكر ولا سائر الصحابة ، فدل أن مذهبهم جميعا كان ~~فيه مثل مذهبه ، وفى هذا أعظم الحجة على من خالف قول جماعة العلماء . وكذلك ~~فعل النبى - صلى الله عليه وسلم - فى الذى أعتق ستة أعبد له عند الموت لا ~~مال له غيرهم ، فأقرع النبى - صلى الله عليه وسلم - بينهم فأعتق اثنين وأرق ~~أربعة ، فجعل العتاق فى المرض من الثلث ، فكذلك الهبات والصدقات ؛ لأنها ~~كلها سواء فى تفويت المال . وقوله : ( خير من أن تدعهم عالة يتكففون الناس ~~) والعالة : جمع عائل : وهو الفقير الذى لا شىء له ، ومنه قوله : { ووجدك ~~عائلا فأغنى } [ الضحى : 8 ] ويتكففون الناس : يبسطون أكفهم لمسألتهم . قال ~~صاحب العين : استكف السائل : بسط كفه . PageV08P146 * * * # | 3 - باب الوصية بالثلث # وقال الحسن : لا يجوز للذمى وصية إلا بالثلث ، وقال تعالى : { وأن احكم ~~بينهم بما أنزل الله } [ المائدة : 49 ] . / 6 - فيه : ابن عباس : ( لو غض ~~الناس إلى الربع ؛ لأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : الثلث ، ~~والثلث كثير ، أو كبير ) . / 7 - وفيه : سعد : مرضت ، فعادنى النبى - صلى ~~الله عليه وسلم - فقلت : يا رسول الله ، ادع الله أن لا يردنى على عقبى ، ~~قال : لعل الله يرفعك ، وينفع بك ناسا ، قلت : أريد أن أوصى ، وإنما لى ~~ابنة ، قلت : أوصى بالنصف ؟ قال : النصف كثير ، قلت : فالثلث ؟ قال : الثلث ~~، والثلث كثير ، أو كبير ، قال : فأوصى الناس بالثلث ، وجاز ذلك لهم . أجمع ~~العلماء على أن الوصية بالثلث جائزة ، وأوصى الزبير بالثلث ، واختلف ~~العلماء فى القدر الذى تستحب الوصية به ، فروى عن أبى بكر أنه أوصى بالخمس ~~، وقال : إن الله تعالى رضى من غنائم المسلمين بالخمس . وقال معمر ، عن ~~قتادة : أوصى عمر بالربع . وذكره البخارى عن ابن عباس . وروى عن على بن أبى ~~طالب أنه قال : لأن أوصى بالخمس أحب إلى من الربع ، ولأن أوصى بالربع أحب ~~إلى من الثلث . واختار آخرون السدس قال إبراهيم : كانوا يكرهون أن يوصوا ~~بمثل نصيب أحد الورثة حتى يكون أقل ، وكان السدس أحب إليهم ms2718 من الثلث . ~~PageV08P147 واختار آخرون العشر ، روى آدم بن أبى إياس قال : حدثنا رقاء ، ~~عن عطاء بن السائب ، عن أبى عبد الرحمن السلمى ، قال : حدثنا سعد بن أبى ~~وقاص ( أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - دخل عليه فى مرضه يعوده فقال ~~له : أوص . قال : قد أوصيت يا رسول الله بمالى كله فى سبيل الله وفى الرقاب ~~والمساكين . قال : فما تركت لولدك ؟ قال : هم أغنياء بخير . قال : أوص بعشر ~~مالك قال : فلم يزل يناقصنى وأناقصه حتى قال : أوص بالثلث ، والثلث كثير ) ~~فجرت سنة يأخذ بها الناس إلى اليوم ، وقال أبو عبد الرحمن : فمن نقص من ~~الثلث لقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : والثلث كثير . واختار آخرون ~~ولمن كان ماله قليلا وله وارث ترك الوصية . روى ذلك عن على بن أبى طالب ~~وابن عباس وعائشة على ما تقدم فى الحديث قبل هذا . وقال رجل للربيع بن خثيم ~~: أوص لى بمصحفك . فنظر إليه ابنه وقرأ : { وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض ~~فى كتاب الله } [ الأنفال : 75 ] . وأجمع الفقهاء أنه لا يجوز لأحد أن يوصى ~~بأكثر من الثلث إلا أبا حنيفة وأصحابه فقالوا : إن لم يترك الموصى ورثة جاز ~~له أن يوصى بماله كله ، وقالوا : إن الاقتصار على الثلث فى الوصية إنما كان ~~من أجل أن يدع ورثته أغنياء ، ومن لا وارث له فليس ممن عنى بالحديث . وروى ~~هذا القول عن ابن مسعود ، وبه قال عبيدة ومسروق وإليه ذهب إسحاق بن راهويه ~~. وقال زيد بن ثابت : لا يجوز لأحد أن يوصى بأكثر من ثلثه وإن لم ~~PageV08P148 يكن له وارث . وهو قول مالك والأوزاعى والحسن بن حى والشافعى ، ~~واحتجوا بقوله - صلى الله عليه وسلم - : ( الثلث كثير ) وبما رواه آدم ابن ~~أبى إياس حدثنا عقبة بن الأصم ، حدثنا عطاء بن أبى رباح ، عن أبى هريرة قال ~~: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( إن الله جعل لكم ثلث أموالكم ~~عند الموت زيادة فى أعمالكم ) وروى أبو اليمان حدثنا أبو بكر بن أبى مريم ، ~~عن ضمرة بن ms2719 حبيب ، عن أبى الدرداء ، عن النبى - صلى الله عليه وسلم - أنه ~~قال : ( إن الله تصدق عليكم بثلث أموالكم عند وفاتكم ) ولم يخص من كان له ~~وارث أو غيره . وفى المسألة قول شاذ آخر ، وهو جواز الوصية بالمال كله ، ~~وإن كان له وارث . روى الوليد بن مسلم ، عن الأوزاعى ، قال : أخبرنى هارون ~~بن رئاب ، عن عبد الله بن عمرو بن العاص ، قال : قال عمرو بن العاص حين ~~حضرته الوفاة : إنى قد أردت الوصية فقلت له : أوص فى مالك ومالى . فدعا ~~كاتبا فأملى عليه قال عبد الله : حتى قلت : ما أراك إلا قد أتيت على مالك ~~ومالى فلو دعوت إخوتى فاستحللتهم . وعلى هذا القول وقول أبى حنيفة رد ~~البخارى فى هذا الباب ، ولذلك صدر بقول الحسن : لا تجوز وصية إلا بالثلث . ~~واحتج بقوله : { وأن احكم بينهم بما أنزل الله } [ المائدة : 49 ] وحكم ~~النبى - صلى الله عليه وسلم - أن الثلث كثير هو الحكم بما أنزل الله ، فمن ~~تجاوز ما حد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وزاد على الثلث فى وصيته فقد ~~أتى ما نهى النبى - صلى الله عليه وسلم - عنه ، وكان بفعله ذلك عاصيا إذا ~~كان بحكم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عالما . قال الشافعى : وقول ~~النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( الثلث كثير ) يريد أنه غير قليل وهذا ~~PageV08P149 أولى معانيه ، ولو كرهه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لقال ~~له : غض منه . وقاله الطحاوى . وفى قول سعد : ( ولا يرثنى إلا ابنة لى ) ~~إبطال قول من يقول بالرد على الابنة ؛ لأن الابنة لا تحيط بالميراث وقد كان ~~لسعد عصبة يرثونه . * * * # | 4 - باب قول المريض لوصيه : تعاهد ولدى وما يجوز للوصى إليه من الدعوى # / 8 - فيه : عائشة أنها قالت : ( كان عتبة بن أبى وقاص عهد إلى أخيه سعد ~~أن ابن وليدة زمعة منى ، فاقبضه إليك ، فلما كان عام الفتح أخذه سعد ، فقال ~~: ابن أخى ، قد كان عهد إلى فيه ، فقام عبد بن زمعة ، فقال : أخى وابن ~~وليدة أبى ، ولد على فراشه ، فتساوقا إلى ms2720 رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~، فقال سعد : يا رسول الله ، ابن أخى ، كان عهد إلى فيه ، فقال عبد بن زمعة ~~: أخى وابن وليدة أبى ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : هو لك يا ~~عبد بن زمعة . . الحديث لا يجوز عند أحد من أهل العلم دعوى أحد لغيره ؛ لحى ~~أو ميت إلا بوصية تثبت أو وكالة ، فإذا ثبت ذلك كلف حينئذ ما تكلف المدعى ~~لنفسه إذا ادعى ولا بينة له . وفيه : ادعاء أخى الميت ، وفى ذلك ثبوت حق ~~للأب ولا يستحلق عند جمهور العلماء إلا الأب ، وقد تقدم فى باب أم الولد . ~~PageV08P150 * * * # | 5 - باب إذا أومأ المريض برأسه إشارة بينة جازت # / 9 - فيه : أنس أن يهوديا رض رأس جارية بين حجرين ، فقيل لها : من فعل ~~بك أفلان ، أو فلان حتى سمى اليهودى ، فأومأت برأسها ، فجىء به ، فلم يزل ~~حتى اعترف ، فأمر النبى - صلى الله عليه وسلم - فرض رأسه بالحجارة . اختلف ~~العلماء : فى إشارة المريض فذهب مالك والليث والشافعى إلى أنه إذا ثبتت ~~إشارة المريض على ما يعرف من حضره جازت وصيته . وقال أبو حنيفة والثورى ~~والأوزاعى أنه إذا سئل المريض عن الشىء فأومأ برأسه أو بيده فليس بشىء حتى ~~يتكلم . قال أبو حنيفة : وإنما تجوز إشارة الأخرس أو من مرت عليه سنة لا ~~يتكلم ، وأما من اعتقل لسانه ولم يدم به ذلك . فلا تجوز إشارته . واحتج ~~الطحاوى عليه بحديث أنس أن النبى - صلى الله عليه وسلم - رض رأس اليهودى ~~بين حجرين بإشارة المرضوضة . قال الطحاوى : فجعل رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - إشارته بمنزلة دعواها ذلك بلسانها من غير اعتبار دوام ذلك عليها مدة ~~من الزمان ، فدل على أن من اعتقل لسانه فهو بمنزلة الأخرس فى جواز إقراره ~~بالإيماء والإشارة ، وقد ثبت أن النبى - صلى الله عليه وسلم - صلى وهو قاعد ~~فأشار إليهم فقعدوا . واحتج الشافعى بأنه قد أصمت أمامة بنت أبى العاص فقيل ~~لها : لفلان كذا ولفلان كذا ؟ فأشارت أى نعم . فنفذت وصيتها . قال المهلب : ~~وأصل الإشارة فى ms2721 كتاب الله فى قصة مريم : { فأشارت إليه } [ مريم : 29 ] ~~يعنى سلوه . وقوله تعالى : { ألا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزا } [ آل ~~عمران : 41 ] . PageV08P151 * * * # | 6 - باب لا وصية لوارث # ( 1 ) / 10 - فيه : ابن عباس ، قال : كان المال للولد ، وكانت الوصية ~~للوالدين ، فنسخ الله من ذلك ما أحب ، فجعل للذكر مثل حظ الأنثيين ، وجعل ~~للأبوين لكل واحد منهما السدس ، وجعل للمرأة الثمن والربع ، وللزوج الشطر ~~والربع . أجمع العلماء على أن الوصية للوارث لا تجوز . قال ابن المنذر : ~~وقد روى عن النبى - صلى الله عليه وسلم - مثل ما اتفق عليه من ذلك ، حدثنا ~~محمد بن على ، حدثنا سعيد بن منصور ، حدثنا إسماعيل بن عياش ، حدثنا شرحبيل ~~ابن مسلم الخولانى قال : سمعت أبا أمامة الباهلى يقول : ( خطبنا النبى - ~~صلى الله عليه وسلم - فى حجة الوداع فقال : إن الله قد أعطى كل ذى حق حقه ، ~~فلا وصية لوارث . . ) وذكر الحديث . وروى قتادة ، عن شهر بن حوشب ، عن عبد ~~الرحمن بن غنم عن عمرو بن خارجة ( سمعت النبى - صلى الله عليه وسلم - فى ~~خطبته . . ) بمثله . قال ابن المنذر : واختلفوا إذا أوصى لبعض ورثته فأجازه ~~بعضهم فى حياته ثم بدا لهم بعد وفاته . فقالت طائفة : ذلك جائز عليهم ، ~~وليس لهم الرجوع فيه . هذا قول عطاء والحسن وابن أبى ليلى والزهرى وربيعة ~~والأوزاعى . وقالت طائفة : لهم الرجوع فى ذلك إن أحبوا ، هذا قول ابن مسعود ~~وشريح والحكم وطاوس ، وهو قول الثورى وأبى حنيفة والشافعى وأحمد وأبى ثور . ~~PageV08P152 وقال مالك : إذا أذنوا له فى صحته فلهم أن يرجعوا ، وإن أذنوا ~~له فى مرضه وحين يحجب عن ماله ، فذلك جائز عليهم . وهو قول إسحاق . وحجة ~~القول الأول أن المنع إنما وقع من أجل الورثة ، فإذا أجازوا جاز وصار ~~بمنزلة أن يجب لهم على إنسان مال فيبرئوه منه . وقد اتفقوا أنه إذا أوصى ~~بأكثر من الثلث لأجنبى جاز بإجازتهم ، فكذلك هذا . وحجة الذين رأوا فيه ~~الرجوع أنهم أجازوا شيئا لم يملكوه فى ذلك الوقت ، وإنما يملك المال بعد ~~وفاته ، وقد يموت ms2722 الوارث المستأذن قبله ، ولا يكون وارثا وقد يرثه غيره ، ~~وقد أجاز من لا حق له فيه فلا يلزمه شىء منه . وحجة مالك أن الرجل إذا كان ~~صحيحا فهو أحق بماله كله يصنع فيه ما شاء ، فإذا أذنوا له فى صحته فقد ~~تركوا شيئا لم يجب لهم ، وذلك بمنزلة الشفيع يترك شفعته قبل البيع ، أو ~~الولى إذا عفا عمن سيقتل وليه ، فتركه لما لم يجب له غير لازم ، فإذا أذنوا ~~له فى مرضه فقد تركوا ما وجب لهم من الحق ، فليس لهم أن يرجعوا فيه إذا كان ~~قد أنفذه ؛ لأنه قد فات ، فإن لم ينفذ المريض ذلك كان للوارث الرجوع فيه ؛ ~~لأنه لم يفت بالتنفيذ قاله الأبهرى . وذكر ابن المنذر عن إسحاق بن راهويه ~~أن قول مالك فى هذه المسألة أشبه بالسنن من غيره ، قال ابن المنذر : واتفق ~~مالك والثورى والكوفيون والشافعى وأبو ثور أنهم ؛ إذا أجازوا ذلك بعد وفاته ~~لزمهم . PageV08P153 * * * # | 7 - باب الصدقة عند الموت # ( 1 ) / 11 - فيه : أبو هريرة ، قال : قيل للنبى - صلى الله عليه وسلم - ~~: يا رسول الله ، أى الصدقة أفضل ؟ قال : ( أن تصدق ، وأنت صحيح حريص ، ~~تأمل الغنى ، وتخشى الفقر ، ولا تمهل حتى إذا بلغت الحلقوم ، قلت : لفلان ~~كذا ولفلان كذا ، وقد كان لفلان ) . قال المهلب : فيه دليل على أن أفضل ~~الصدقات ما جاهد الإنسان فيه نفسه وغلب طاعة الله على شهواته ، وقد جاهدها ~~أيضا على حب الغنى وجمع المال . وقوله : ( إذا بلغت الحلقوم ) فيه ذم من ~~أذهب طيباته فى حياته ولم يقدم لنفسه من ماله فى وقت شحه وحب غناه ، حتى ~~إذا رأى المال لغيره جعل يسرع بالوصية لفلان كذا ولفلان كذا ، ويتورع عن ~~التبعات والمظالم ، وروى عن ابن مسعود فى قوله : { وآتى المال على حبه } [ ~~البقرة : 177 ] قال : أن تؤتيه وأنت صحيح شحيح تأمل الغنى وتخشى الفقر . ~~وقال قتادة : يا ابن آدم ، اتق الله ولا تجمع إساءتين فى مالك إساءة فى ~~الحياة الدنيا وإساءة عند الموت ، انظر قرابتك الذين يحتاجون ولا يرثونك ، ~~أوص لهم من ms2723 مالك بالمعروف . وقال ابن عباس : الضرار فى الوصية من الكبائر ، ~~ثم قرأ : { تلك حدود الله ومن يتعد حدود الله } [ الطلاق : 1 ] . وقال عطاء ~~فى قوله تعالى : { فمن خاف من موص جنفا أو إثما } [ البقرة : 182 ] قال : ~~ميلا . وقال أبو عبيدة : جورا عن الحق وعدولا . وقال طاوس : هو الرجل يوصى ~~لولد ابنته . ويحتمل قول طاوس قد أوصيت لولد ابنتى PageV08P154 بكذا ، ~~ومعناه أن يريد بذلك ابنته ، فذلك مردود بإجماع ، فإن لم يرد فوصيته له من ~~الثلث . ويستحب له أن يوصى لقرابته الذين لا يرثون ؛ لقول النبى - صلى الله ~~عليه وسلم - : ( الصدقة على المساكين صدقة ، وهى على ذى الرحم ثنتان : صدقة ~~، وصلة ) . والذى يجب أن يرد من الوصية من باب الجور والميل الوصية بأكثر ~~من الثلث ، والوصية للوارث ، والوصية فى أبواب المعاصى . * * * # | 8 - باب قول الله تعالى : { من بعد وصية يوصى بها أو دين } [ النساء : ~~11 ] # ويذكر أن شريحا وعمر بن عبدالعزيز وطاوسا وعطاء وابن أذينة أجازوا إقرار ~~المريض بدين ، وقال الحسن : أحق ما تصدق به الرجل آخر يوم من الدنيا وأول ~~يوم من الآخرة ، وقال إبراهيم والحكم : إذا أبرأ الوارث من الدين برئ . ~~وأوصى رافع بن خديج أن لا تكشف امرأته الفزارية عما أغلق عليه بابها ، وقال ~~الحسن : إذا قال لمملوكه عند الموت : كنت أعتقتك جاز . وقال الشعبى : إذا ~~قالت المرأة عند موتها : إن زوجى قضانى وقبضت منه جاز . وقال بعض الناس : ~~لا يجوز إقراره لسوء الظن به للورثة ثم استحسن ، فقال : يجوز إقراره ~~بالوديعة والبضاعة والمضاربة . وقد قال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ~~إياكم والظن ، فإن الظن أكذب الحديث ، PageV08P155 ولا يحل مال المسلمين ~~لقول النبى - صلى الله عليه وسلم - : آية المنافق إذا اؤتمن خان ، وقال ~~تعالى : { إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها } [ النساء : 58 ] ~~فلم يخص وارثا ولا غيره . فيه ابن عمرو ، عن النبى - صلى الله عليه وسلم - ~~. / 12 - وفيه : أبو هريرة قال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( آية ~~المنافق ثلاث : إذا حدث كذب ، وإذا اؤتمن خان ، وإذا وعد ms2724 أخلف ) . قال ابن ~~المنذر : أجمع العلماء أن إقرار المريض بالدين لغير الوارث جائز إذا لم يكن ~~عليه دين فى الصحة . واختلفوا إذا أقر لأجنبى وعليه دين فى الصحة ببينة . ~~فقالت طائفة : يبدأ بدين الصحة . هذا قول النخعى والكوفيين ، قالوا : فإذا ~~استوفاه صاحبه فأصحاب الإقرار فى المرض يتحاصون . وقالت طائفة : هما سواء ~~دين الصحة والدين الذى يقر به فى المرض إذا كان لغير وارث . هذا قول ~~الشافعى وأبى ثور وأبى عبيد ، وذكر أبو عبيد أنه قول أهل المدينة ، ورواه ~~عن الحسن . وممن أجاز إقرار المريض بالدين للأجنبى الثورى وأحمد وإسحاق . ~~قال : واختلفوا فى إقرار المريض للوارث بالدين فأجازه طائفة ، هذا قول ~~الحسن وعطاء ، وبه قال إسحاق وأبو ثور . قال : وروينا عن شريح والحسن أنهما ~~أجازا إقرار المريض لزوجته بالصداق . وبه قال الأوزاعى ، وقال الحسن بن ~~صالح : لا يجوز إقراره لوارث فى مرضه إلا لامرأته بصداق . وقالت طائفة : لا ~~يجوز إقرار المريض للوارث . روى ذلك عن القاسم وسالم ويحيى الأنصارى ~~والثورى وأبى حنيفة وأحمد بن حنبل ، وهو الذى رجع إليه الشافعى وفيها قول ~~ثالث قاله مالك PageV08P156 قال : إذا أقر المريض لوارثه بدين نظر ، فإن ~~كان لا يتهم فيه قبل إقراره ، مثل أن يكون له بنت وابن عم فيقر لابن عمه ~~بدين فإنه يقبل إقراره ، ولو كان إقراره لبنته لم يقبل ؛ لأنه يهتم فى أنه ~~يزيد ابنته على حقها من الميراث وينقص ابن عمه ، ولا يتهم فى أن يفضل ابن ~~عمه على ابنته . قال : ويجوز إقراره لزوجته فى مرضه إذا كان له ولد منها أو ~~من غيرها ، فإن كان يعرف منه انقطاع إليها ومودة ، وقد كان الذى بينه وبين ~~ولده متفاقما ولعل لها الولد الصغير منه فلا يجوز إقراره لها . واحتج من ~~أبطل إقرار المريض للوارث بأن الوصية للوارث لما لم تجز فكذلك الإقرار فى ~~المرض ، ويتهم المريض فى إقراره بالدين للوارث ؛ لأنه أراد بذلك الوصية . ~~واحتج من أجاز ذلك بقول الحسن : إن أحق ما تصدق به الرجل آخر يوم من الدنيا ~~وأول ms2725 يوم من الآخرة ؛ لأنه فى حال يرد على الله ، فهو فى حالة يتجنب ~~المعصية والظلم ما لا يتجنبه فى حال الصحة ، والتهمة منتفية عنه ، وقد نهى ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن الظن وقال : ( إنه أكذب الحديث ) وقال ~~: ( آية المنافق إذا حدث كذب ، وإذا اؤتمن خان ) وقد أجمع العلماء على أنه ~~إذا أوصى رجل لوارثه بوصية وأقر له بدين فى صحته ثم رجع عنه ؛ أن رجوعه عن ~~الوصية جائز ، ولا يقبل رجوعه عن الإقرار . ولا خلاف أن المريض لو أقر ~~بوارث لصح إقراره ، وذلك يتضمن الإقرار بالمال وشىء آخر وهو النسب والولاية ~~، فإذا أقر بمال فهو أولى أن يصح ، وهذا معنى صحيح . وقد تناقض أبو حنيفة ~~فى استحسانه PageV08P157 جواز الإقرار بالوديعة والمضاربة والبضاعة ولا فرق ~~بين ذلك وبين الإقرار بالدين ؛ لأن ذلك كله أمانة ولازم للذمة . واحتج ~~أصحاب مالك بأنه يجوز إقراره فى الموضع الذى تنتفى عنه التهمة ؛ وذلك أن ~~المرض يوجب حجرا فى حق الورثة ، يدل على ذلك أن الثلث الذى يملك التصرف فيه ~~من جميع الجهات لا يملك وضعه فى وارثه على وجه الهبة والمنحة ، فلما لم تصح ~~هبته فى المرض لم يصح إقراره له ، ويجوز أن يهب ماله كله فى الصحة للوارث ، ~~وفى المرض لا يصح ، فاختلف حكم الصحة والمرض . وأما قول إبراهيم والحكم : ~~إذا أبرأ الوارث من الدين ، فلا يبرأ عند مالك ؛ لأنه تلحقه تهمة أنه أراد ~~الوصية لوارثه . وأما قول رافع بن خديج : ألا تكشف امرأته . فلا خلاف عن ~~مالك ، أن كل زوجة فإن جميع ما فى بيتهما لها وإن لم يشهد لها زوجها بذلك ، ~~وإنما يحتاج إلى الإشهاد والإقرار إذا علم أنه تزوجها فقيرة وأن ما فى ~~بيتها من متاع الرجل ، أو فى أم الولد . وأما قول الحسن : إذا قال لمملوكه ~~عند الموت كنت أعتقتك جاز . فلا يجوز عند مالك ؛ لأنه يتهم أن يكون أراد ~~عتقه من رأس ماله وهو ليس له من ماله إلا الثلث ، فكأنه أراد الهروب بثلثى ~~المملوك عن الورثة ms2726 ، ولو أعتقه عند موته كان من ثلثه . PageV08P158 * * * # | 9 - باب قول الله تعالى : { من بعد وصية يوصى بها أو دين } [ النساء : ~~11 ] # ويذكر أن النبى - صلى الله عليه وسلم - قضى بالدين قبل الوصية ، وقوله ~~تعالى : { إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها } [ النساء : 58 ] ~~فأداء الأمانة أحق من تطوع الوصية ، وقال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ~~لا صدقة إلا عن ظهر غنى ، وقال ابن عباس : لا يوصى العبد إلا بإذن أهله ، ~~وقال النبى - صلى الله عليه وسلم - : العبد راع فى مال سيده . / 13 - فيه : ~~حكيم : سألت النبى - صلى الله عليه وسلم - فأعطانى ، ثم قال لى : يا حكيم ، ~~إن هذا المال خضر حلو ، فمن أخذه بسخاوة نفس بورك له فيه ، ومن أخذه بإشراف ~~نفس لم يبارك له فيه ، وكان كالذى يأكل ولا يشبع ، واليد العليا خير من ~~اليد السفلى ، فقلت : يا رسول الله ، والذى بعثك بالحق لا أرزأ أحدا بعدك ~~شيئا حتى أفارق الدنيا . فكان أبو بكر يدعو حكيما ليعطيه العطاء ، فيأبى أن ~~يقبل منه شيئا ، ثم إن عمر دعاه ليعطيه ، فأبى أن يقبله ، فقال ، يا معشر ~~المسلمين ، إنى أعرض عليه حقه الذى قسم الله له من هذا الفىء ، فيأبى أن ~~يأخذه ، فلم يرزأ حكيم أحدا من الناس بعد النبى - صلى الله عليه وسلم - حتى ~~توفى . / 14 - وفيه : ابن عمر قال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( كلكم ~~راع وكلكم مسئول عن رعيته ، والإمام راع ومسئول عن رعيته ، والرجل راع فى ~~أهله ومسئول عن رعيته ، والمرأة فى بيت زوجها راعية ومسئولة عن رعيتها ، ~~والخادم فى مال سيده راع ومسئول عن رعيته ) ، قال : وحسبت أن قد قال : ( ~~والرجل راع فى مال أبيه ) . PageV08P159 ذكر إسماعيل بن إسحاق بإسناده عن ~~على بن أبى طالب قال : ( تعدون الوصية قبل الدين ، وقد قضى محمد أن الدين ~~قبل الوصية ) والأمة مجمعة على هذا . قال إسماعيل : وليس يوجب تبدية اللفظ ~~بالوصية قبل الدين أن تكون مبداة على الدين ، وإنما يوجب الكلام أن يكون ~~الدين والوصية تخرجان قبل قسم الميراث ms2727 ؛ لأنه لما قيل من بعد كذا وكذا علم ~~أنه من بعد هذين الصنفين قال الله : { ولا تطع منهم آثما أو كفورا } [ ~~الإنسان : 24 ] ، أى لا تطع أحدا من هذين الصنفين ، وقد يقول الرجل : مررت ~~بفلان وفلان فيجوز أن يكون الذى بدأ بتسميته مر به أخيرا ويجوز أن يكون مر ~~به أولا ؛ لأنه ليس فى اللفظ ما يوجب تبدئة الذى سمى أولا . قال تعالى : { ~~يا مريم اقنتى لربك واسجدى واركعى مع الراكعين } [ آل عمران : 43 ] ، ففهم ~~إنما أمرت بذلك كله ، ولم يجب أن يكون السجود قبل الركوع ، ولو قال : مررت ~~بفلان ففلان أو مررت بفلان ثم فلان لوجب أن يكون الذى بدأ بتسميته هو الذى ~~مر به أولا ، فلما قال تعالى : { من بعد وصية يوصى بها أو دين } [ النساء : ~~11 ] وجب أن تكون قسمة المواريث التى فرض الله بعد الدين والوصية ولم يكن ~~فى القرآن تبدئة أحدهما على الآخر باللفظ المنصوص ، ولكن فهم بالسنة التى ~~مضت ، والمعنى أن الدين قبل الوصية ؛ لأن الوصية إنما هى تطوع يتطوع بها ~~الموصى وأداء الدين فرض عليه ، فعلم أن الفرض أولى من التطوع . قال المهلب ~~: وإنما أدخل حديث حكيم فى هذا الباب ؛ لأنه جعله PageV08P160 من باب ~~الديون وإن لم يعرفوها لأنه لما رآه قد سماه له ورأى الاستحقاق من حكيم ~~متوجها إلى المال إن رضيه وقبله أجرى مجرى مستحقات الديون . وأما حديث أبى ~~هريرة فوجهه فى هذا الباب والله أعلم أنه لما كان العبد مسترعى فى مال سيده ~~؛ صح أن المال للسيد ، وأن العبد لا ملك له فيه ، فلم تجز وصية العبد بغير ~~إذن سيده ، كما قال ابن عباس وأشبه فى المعنى الموصى الذى عليه الدين ، فلم ~~تنفذ وصيته إلا بعد قضاء دينه ؛ لأن المال الذى بيده إنما هو لصاحب الدين ~~ومسترعى فيه ومسئول عن رعيته ، فلم يجز له تفويته على ربه بوصية أو غيرها ~~إلا أن يبقى منه بعد أداء ذلك بقية ، كما أن العبد مسترعى فى مال سيده ، ~~ولا يجوز له تفويته على ms2728 سيده إلا بإذنه ، فاتفقا فى الحكم لاتفاقهما فى ~~المعنى . * * * # | 10 - باب إذا وقف أو أوصى لأقاربه ومن الأقارب # وقال النبى - صلى الله عليه وسلم - لأبى طلحة : ( اجعلها لفقراء أقاربك ) ~~، فجعلها لحسان ، وأبى بن كعب ، وقال الأنصارى : حدثنى أبى ، عن ثمامة ، عن ~~أنس مثل حديث ثابت ، قال : ( اجعلها لفقراء قرابتك ) ، قال أنس : فجعلها ~~لحسان ، وأبى بن كعب ، وكانا أقرب إليه منى ، وكان قرابة حسان وأبى ، من ~~أبى طلحة ، واسمه : زيد بن سهل بن الأسود بن حرام بن عمرو بن زيد مناة بن ~~عدى بن عمرو بن مالك بن النجار ، وحسان بن ثابت بن المنذر بن حرام ، ~~فيجتمعان إلى حرام ، وهو الأب الثالث ، وحرام بن عمرو بن زيد مناة بن عدى ~~بن عمرو ابن مالك بن النجار ، فهو يجامع PageV08P161 حسان وأبا طلحة وأبيا ~~إلى ستة آباء إلى عمرو بن مالك ، وهو أبى بن كعب بن قيس بن عبيد بن زيد بن ~~معاوية بن عمرو بن مالك بن النجار ، فعمرو بن مالك يجمع حسان وأبا طلحة ~~وأبيا ، وقال بعضهم : إذا أوصى لقرابته فهو إلى آبائه فى الإسلام . / 15 - ~~فيه : أنس قال النبى - صلى الله عليه وسلم - لأبى طلحة : ( أرى أن تجعلها ~~فى الأقربين ) ، قال أبو طلحة : أفعل يا رسول الله ، فقسمها أبو طلحة فى ~~أقاربه وبنى عمه . وقال ابن عباس : لما نزلت : { وأنذر عشيرتك الأقربين } [ ~~الشعراء : 214 ] جعل النبى - صلى الله عليه وسلم - ينادى : ( يا بنى فهر ، ~~يا بنى عدى ) ، لبطون قريش . وقال أبو هريرة : لما نزلت : { وأنذر عشيرتك ~~الأقربين } قال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( يا معشر قريش ) . اختلف ~~العلماء إذا أوصى بثلثه لأقاربه أو لأقارب فلان من الأقارب الذين يستحقون ~~الوصية فقال الكوفيون والشافعى : يدخل فى ذلك من كان من قبل الأب والأم . ~~غير أنهم رتبوا أقوالهم على ترتيب مختلف فقال أبو حنيفة : القرابة هم كل ذى ~~رحم محرم من قبل الأب والأم ممن لا يرث غير أنه يبدأ بقرابة الأب على قرابة ~~الأم ، وتفسير ذلك أن يكون له خال وعم ms2729 فيبدأ بعمه على خاله ، فيجعل له ~~الوصية . وقال أبو يوسف ، ومحمد ، والشافعى : سواء فى ذلك قرابة الأب والأم ~~ومن بعد منهم أو قرب ، ومن كان ذا رحم محرم أو لم يكن . PageV08P162 وهو ~~قول أبى ثور . وقال أبو يوسف ومحمد : من جمعه أب واحد منذ كانت الهجرة . ~~وقال آخرون : القرابة كل من جمعه والموصى أبوه الرابع إلى ما هو أسفل منه . ~~وهو قول أحمد بن حنبل . وقال آخرون : القرابة كل من جمعه والموصى أب واحد ~~فى الإسلام أو الجاهلية ممن يرجع بآبائه وأمهاته إليه أبا عن أب أو أم عن ~~أم إلى أن يلقاه . وقال مالك : لا يدخل فى الأقارب إلا من كان من قبل الأب ~~خاصة : العم وابنة الأخ وشبههم ، ويبدأ بالفقراء حتى يغنوا ثم يعطى ~~الأغنياء . قال الطحاوى : وإنما جوز أهل هذه المقالات الوصية للقرابة إذا ~~كانت تلك القرابة تحصى وتعرف ، فإن كانت لا تحصى ولا تعرف فإن الوصية لها ~~باطل فى قولهم جميعا إلا أن يوصى لفقرائهم ، فتكون الوصية جائزة لمن رأى ~~الموصى دفعها إليه منهم ، وأقل ما يجوز أن يجعلها فيهم اثنان فصاعدا . فى ~~قول محمد . وقال أبو يوسف : إن دفعها إلى واحد أجزأه . واحتج لأبى يوسف ~~ومحمد بأن النبى - صلى الله عليه وسلم - لما قسم سهم ذى القربى أعطى بنى ~~هاشم جميعا ، وفيهم من رحمه منهم محرمة وغير محرمة ، وأعطى بنى المطلب ~~وأرحامهم منه جميعا غير محرمة ؛ لأن بنى هاشم أقرب إليه من بنى المطلب ، ~~فلما لم يقدم فى ذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من قربت رحمه على من ~~بعدت ، وجعلهم كلهم قرابة يستحقون ما جعل الله لقرابته ، سقط PageV08P163 ~~قول أبى حنيفة فى اعتباره ذا الرحم المحرم واعتباره الأقرب فالأقرب ، وسقط ~~قول من جعل أهل الحاجة منهم أولى ؛ لأن النبى - صلى الله عليه وسلم - عم ~~بعطيته بنى هاشم وفيهم أغنياء . وحجة أخرى على أبى حنيفة وذلك أن أبا طلحة ~~لما أمره رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يجعل أرضه فى فقراء قرابته ~~جعلها ms2730 لحسان وأبى ، وأبى إنما يلقى أبا طلحة عند أبيه السابع ويلتقى مع ~~حسان عند أبيه الثالث ، فلم يقدم أبو طلحة حسان لقرب رحمه على أبى لبعد ~~رحمه منه ولم ير واحدا منهما مستحقا لقرابته منه فى ذلك إلا كما يستحق منه ~~الآخر ، فثبت فساد قول أبى حنيفة . واحتج بعض أصحاب الشافعى فقال : إنما ~~استحقوا باسم القرابة فيستوى فى ذلك القريب والبعيد والغنى والفقير ، كما ~~أعطى من شهد القتال باسم الحضور . قال الطحاوى : ثم نظرنا لقول من قال : هو ~~إلى آبائه فى الإسلام . فرأينا النبى - صلى الله عليه وسلم - أعطى سهم ذوى ~~القربى بنى هاشم وبنى المطلب ، ولا يجتمع هو مع واحد منهم إلى أب مذ كانت ~~الهجرة ، وإنما يجتمع معهم فى آباء كانت فى الجاهلية ، وكذلك أبو طلحة وأبى ~~وحسان لا يجتمعون عند أب إسلامى ، ولم يمنعهم ذلك أن يكونوا قرابة يستحقون ~~ما جعل للقرابة ؛ فبطل قول أبى يوسف ومحمد ، وثبت أن الوصية لكل من يوقف ~~على نسبه أب عن أب أو أم عن أم ، حتى يلتقى هو والموصى لقرابته إلى جد واحد ~~فى الجاهلية أو فى الإسلام . وأما الذين قالوا : إن القرابة هم الذين ~~يلتقون عند الأب الرابع ، PageV08P164 فإنهم ذهبوا إلى أن النبى - صلى الله ~~عليه وسلم - لما قسم سهم ذى القربى أعطى بنى هاشم وبنى المطلب ، وإنما ~~يلتقى هو وبنو المطلب عند أبيه الرابع ؛ لأنه محمد بن عبد الله بن عبد ~~المطلب بن هاشم بن عبد مناف ، والآخرون هم بنو المطلب بن عبد مناف . فإنما ~~يلتقى معهم عند عبد مناف وهو أبوه الرابع ، فمن الحجة عليهم فى ذلك للآخرين ~~أن النبى - صلى الله عليه وسلم - لما أعطى بنى هاشم وبنى المطلب حرم بنى ~~أمية وبنى نوفل ، وقرابتهم منه كقرابة بنى المطلب فلم يحرمهم ؛ لأنهم ليسوا ~~قرابة ، ولكن لمعنى غير القرابة فكذلك من فوقهم لم يحرمهم ؛ لأنهم ليسوا ~~قرابة ، ولكن لمعنى غير القرابة وكذلك أعطى أبو طلحة لحسان وأبى وإنما ~~يلتقى مع أبى لأبيه السابع ، فلم ينكر رسول الله ms2731 - صلى الله عليه وسلم - ~~على أبى طلحة ما فعل ، وقد أمر الله نبيه أن ينذر عشيرته الأقربين ، فدعا ~~عشائر قريش كلها ، وفيهم من يلقاه عند أبيه الثانى ، وعند أبيه الثالث وعند ~~أبيه الرابع وعند الخامس وعند السابع ، وفيهم من يلقاه عند آبائه الذين فوق ~~ذلك إلا أنه ممن جمعته وإياهم قريش ، فبطل قول من جعله إلى الأب الرابع ، ~~وثبت قول من جعله إلى أب واحد فى الجاهلية أو الإسلام . واحتج أصحاب مالك ~~لقوله : إن القرابة قرابة الأب خاصة ؛ لأن النبى - صلى الله عليه وسلم - ~~لما أعطى ذوى القربى لم يعط قرابته من قبل أمه شيئا ، وسيأتى فى الباب بعد ~~هذا وقد تقدم كثير من معنى حديث أبى طلحة فى كتاب الزكاة فى باب فضل الزكاة ~~على الأقارب . PageV08P165 * * * # | 11 - باب هل يدخل الولد والنساء فى الأقارب # / 16 - فيه : أبو هريرة لما نزلت : { وأنذر عشيرتك الأقربين } ، قام ~~النبى - صلى الله عليه وسلم - فقال : يا معشر قريش ، اشتروا أنفسكم ، لا ~~أغنى عنكم من الله شيئا ، يا بنى عبدمناف ، لا أغنى عنكم من الله شيئا ، يا ~~عباس بن عبدالمطلب ، لا أغنى عنك من الله شيئا ، يا صفية عمة رسول الله ، ~~لا أغنى عنك من الله شيئا ، يا فاطمة بنت محمد ، سلينى ما شئت من مالى ، لا ~~أغنى عنك من الله شيئا ) . أجمع العلماء على أن اسم الولد يقع على البنين ~~والبنات وأن النساء التى من صلبه وعصبته كالعمة والابنة والأخت يدخلون فى ~~الأقارب إذا أوقف على أقاربه ، ألا ترى أن النبى - صلى الله عليه وسلم - خص ~~عمته بالنذارة كما خص ابنته ، وكذلك من كان فى معناهما ممن يجمعه معه أب ~~واحد . وروى أشهب عن مالك أن الأم لا تدخل فى مرجع الحبس . وقال ابن القاسم ~~: تدخل الأم فى ذلك ولا تدخل الأخوات للأم . واختلفوا فى ولد البنات أو ولد ~~العمات ممن لا يجتمع فى أب واحد مع الوصى والمحبس هل يدخلون فى القرابة أم ~~لا ؟ فقال أبو حنيفة والشافعى : إذا أوقف وقفا على ولده ms2732 أنه يدخل فيه ولد ~~ولده ، وولد بناته ما تناسلوا ، وكذلك إذا أوصى لقرابته يدخل فيه ولد ~~PageV08P166 البنات . والقرابة عند أبى حنيفة كل ذى رحم محرم ، فيسقط عنده ~~ابن العم وابن العمة ، وابن الخال والخالة ؛ لأنهم ليسوا بمحرمين . ~~والقرابة عند الشافعى : كل ذى رحم محرم وغيره ، فلم يسقط عنده ابن العم ولا ~~غيره . وقال مالك : لا يدخل فى ذلك ولد البنات . وقوله : لقرابتى وعقبى ، ~~كقوله : لولدى وولد ولدى . يدخل فيه ولد البنين ، ومن يرجع إلى عصبة الأب ~~وصلبه ولا يدخل ولد البنات . قال ابن القصار : وحجة من أدخل ولد البنات فى ~~الأقارب قوله فى الحسن بن على : ( إن ابنى هذا سيد ، ولعل الله أن يصلح به ~~بين فئتين من المسلمين ) قالوا : ولا تظن أحدا يمتنع أن يقول فى ولد البنات ~~أنهم ولد لأبى أمهم فالمعنى يقتضى ذلك ؛ لأن الولد فى اللغة مشتق من التولد ~~وهم متولدون عن أبى أمهم لا محالة ؛ لأنه أحد أصليهم الذى يرجعون إليه ، ~~قال تعالى : { إنا خلقناكم من ذكر وأنثى } [ الحجرات : 13 ] فللذكر حظه ~~وللأنثى حظها ، والتولد عن جهة الأب كالتولد عن جهة الأم ، وقد دل القرآن ~~على ذلك قال تعالى : { ومن ذريته داود وسليمان وأيوب ويوسف وموسى وهارون ~~وكذلك نجزى المحسنين وزكريا ويحيى وعيسى وإلياس كل من الصالحين } [ الأنعام ~~: 84 ، 85 ] فجعل عيسى من ذريته وهو ابن بنته ، ولم يفرق فى الاسم بين بنى ~~بنيه وبنى ابنته . واحتج عليهم أهل المقالة الثانية فقالوا : إنما سمى ~~النبى - صلى الله عليه وسلم - الحسن ابنا على وجه التحنن والفضيلة دون ~~الحقيقة ، وإنما أبوه فى الحقيقة على وإليه نسبه ، ولا يمتنع أن تقع ~~التسمية تارة على الحقيقة وتارة على المجاز ، ألا ترى أن النبى - صلى الله ~~عليه وسلم - قال فى العباس : ( اتركوا لى أبى ) فلا يمتنع أن يسمى ولد ~~البنات ابنا كما يسمى الجد والدا ، والعم والدا ، والخال والدا ، إلا أن ~~اسم الأب فى هذا متميز يرجع فى حقيقته إلى ولد الصلب خاصة ، كما يرجع فى ~~اسم الأب حقيقة إلى ms2733 الأب دينا . PageV08P167 ولما ذكر عيسى - صلى الله عليه ~~وسلم - مع ولد البنين الذين هم ذرية على الحقيقة جرى عليه الاسم على طريق ~~الاتساع والتغليب للأكثر المذكورين ، وهذا شائع فى كلام العرب ، ودليل آخر ~~وهو قوله : { يوصيكم الله فى أولادكم } [ النساء : 11 ] فلم يعقل المسلمون ~~من ظاهر الآية إلا ولد الصلب وولد الابن خاصة ، ألا ترى قوله تعالى : { ~~وللرسول ولذى القربى } [ الحشر : 7 ] اختص ذلك ببنى أعمامه ومن يرجع بنسبه ~~إليه ؛ لأنه - صلى الله عليه وسلم - أعطى سهم القرابة بنى أعمامه دون بنى ~~أخواله فكذلك ولد البنات ؛ لأنهم لا ينتمون إليه بالنسب ، ولا يلتقون معه ~~فى أب ، قال الشاعر : بنونا بنو آبائنا وبناتنا بنوهن أبناء الرجال الأباعد ~~وفى إعطائه - صلى الله عليه وسلم - بنى المطلب ، وهم بنو أعمامه ، حجة على ~~أبى حنيفة ، أن ابن العم داخل فى القرابة ، ولما أعطى النبى - صلى الله ~~عليه وسلم - لبنى المطلب وبنى هاشم ، جاء عثمان ، وجبير بن مطعم إليه - صلى ~~الله عليه وسلم - ، فقال : ( قد عرفنا بنى هاشم لمكانك الذى وضعك الله فيهم ~~، فما بالنا وبنى المطلب أعطيتهم ومنعتنا وقرابتنا واحدة ؟ ! فقال - صلى ~~الله عليه وسلم - : إنهم لم يفارقونا فى جاهلية ولا إسلام ) وعثمان من بنى ~~عبد شمس ، وجبير ابن مطعم من بنى نوفل ، وهم إخوة عبد شمس بن عبد مناف ، ~~والمطلب بن عبد مناف ، وهاشم بن عبد مناف . فأعطى بنى المطلب وهم بنو ~~أعمامه وأعطى بنى هشام وهم بنو جده ، وليس فيهم من يرجع إلى أجداد الأمهات ~~مثل ولد البنات PageV08P168 والأخوال وغيرهم من ذوى الأرحام ، فدل ذلك على ~~فساد قول أبى حنيفة والشافعى فى أن القرابة تقع على قرابة الأب والأم ؛ ~~لأنه - صلى الله عليه وسلم - لم يعط إلا من رجع إلى عصبته . ويرد قول ~~الشافعى فى التسوية بين الأقرب والأبعد ، لأنه - صلى الله عليه وسلم - لما ~~أعطى بنى هشام وبنى المطلب ومنع الآخرين علم أنه لا يستحق بالقرابة إلا على ~~وجه الاجتهاد وقد يدخل فى القرابة جميع قريش ؛ لقوله : ( يا معشر قريش ) ~~وخص ms2734 بعضهم بالعطاء فصح قول مالك أن يبدأ بالفقراء قبل الأغنياء . قال ~~المهلب : وقوله - صلى الله عليه وسلم - لابنته : ( سلينى من مالى ما شئت ) ~~فيه من الفقه أن الاستئلاف للمسلمين وغيرهم بالمال جائز ؛ لأنه إذا جاز أن ~~يستألف المسلم بالمال حتى يزداد بصيرة فى الإسلام جاز أن يستألف الكافر حتى ~~يدخل فى الإيمان ؛ بل هو أوكد . * * * # | 12 - باب هل ينتفع الواقف بوقفه # وقد اشترط عمر : لا جناح على من وليه أن يأكل منها ، وقد يلى الواقف ~~وغيره ، وكذلك كل من جعل بدنة أو شيئا لله ، فله أن ينتفع بها كما ينتفع ~~غيره ، وإن لم يشترط . / 17 - فيه : أنس أن النبى - صلى الله عليه وسلم - ~~رأى رجلا يسوق بدنة ، فقال له : اركبها ، فقال : يا رسول الله ، إنها بدنة ~~، قال فى الثالثة أو فى الرابعة : اركبها ، ويلك ، أو ويحك ) . قال المؤلف ~~: لا يجوز للواقف أن ينتفع بوقفه ؛ لأنه أخرجه لله وقطعه عن ملكه ، ~~فانتفاعه بشىء منه رجوع فى صدقته ، وقد نهى النبى - صلى الله عليه وسلم - ~~عن ذلك ، وإنما يجوز له الانتفاع به إن شرط ذلك فى الوقف أو أن يفتقر ~~المحبس أو ورثته فيجوز لهم الأكل منه . PageV08P169 وقال ابن القصار : من ~~حبس دارا أو سلاحا أو عبدا فى سبيل الله فأنفذ ذلك فى وجوهه زمانا ، ثم ~~أراد أن ينتفع به مع الناس ، فإن كان من حاجة فلا بأس به . وذكر ابن حبيب ~~عن مالك قال : من حبس أصلا تجرى غلته على المساكين ، فإن ولده يعطون منه ~~إذا افتقروا ، كانوا يوم مات أو حبس فقراء أو أغنياء ، غير أنهم لا يعطون ~~جميع الغلة مخافة أن يندرس الحبس ، ولكن يبقى منه سهما للمساكين ؛ ليبقى ~~اسم الحبس ، ويكتب على الولد كتاب أنهم إنما يعطون منه ما أعطوا على ~~المسكنة وليس على حق لهم فيه دون المساكين . واختلفوا إذا أوصى بشىء ~~للمساكين فغفل عن قسمته حتى افتقر بعض ورثته ، وكانوا يوم أوصى أغنياء أو ~~مساكين ، فقال مطرف : أرى أن يعطوا من ذلك على المسكنة وهم أولى ms2735 من الأباعد ~~. وقال ابن الماجشون : إن كانوا يوم أوصى أغنياء ثم افتقروا أعطوا منه ، ~~وإن كانوا مساكين لم يعطوا منه ؛ لأنه أوصى وهو يعرف حاجتهم فكأنه أزاحهم ~~عنه . وقال ابن القاسم : لا يعطوا منه شيئا مساكين كانوا أو أغنياء يوم ~~أوصى . وقول مطرف أشبه بدلائل السنة . قوله : وكذلك كل من جعل بدنة أو شيئا ~~لله فله أن ينتفع بها كما ينتفع غيره وإن لم يشترط ، فإنما ينتفع من ذلك ~~إذا لم يشترط بما لا مضرة على من سبل له الشىء ، وإنما جاز ركوب البدنة ~~التى أخرجها لله ؛ لأنه ركبها إلى موضع النحر ولم يكن له غنى عن سوقها إليه ~~، ولم يركبها فى منفعة له ، ألا ترى أنه لو كان ركوبها مهلكا لها لم يجز له ~~ذلك ، كما لا يجوز له أكل شىء من لحمها . PageV08P170 وقوله : يلى الواقف ~~وغيره . فاختلف العلماء فى ذلك فذكر ابن المواز عن مالك أنه إن شرط فى حبسه ~~أن يليه لم يجز . وقاله ابن القاسم وأشهب . وقال ابن عبد الحكم عن مالك : ~~إن جعل الوقف بيد غيره يحوزه ويجمع غلته ، ويدفعها إلى الذى حبسه يلى ~~تفرقته وعلى ذلك حبس ؛ أن ذلك جائز . وقال ابن كنانة : من حبس ناقته فى ~~سبيل الله فلا ينتفع بشىء منها ، وله أن ينتفع بلبنها لقيامه عليها . فمن ~~أجاز للواقف أن يليه فإنما يجيز له الأكل منه بسبب ولايته وعمله ، كما يأكل ~~الوصى من مال يتيمه بالمعروف من أجل ولايته وعمله ، وإلى هذا المعنى أشار ~~البخارى فى هذا الباب . ومن لم يجز للواقف أن يلى وقفه فإنما منع ذلك قطعا ~~للذريعة إلى الانفراد بغلته ، فيكون ذلك رجوعا فيه ، وسأذكرها فى الباب بعد ~~هذا . * * * # | 13 - باب إذا وقف شيئا قبل أن يدفعه إلى غيره فهو جائز # لأن عمر أوقف ، وقال : لا جناح على من وليه أن يأكل ، ولم يخص إن وليه ~~عمر أو غيره ، قال النبى - صلى الله عليه وسلم - لأبى طلحة : ( أرى أن ~~تجعلها فى الأقربين ) ، فقال : أفعل ، فقسمها فى أقاربه وبنى ms2736 عمه . إذا قال ~~: دارى صدقة لله ولم يبين للفقراء ، أو غيرهم ، فهو جائز ويضعها فى ~~الأقربين ، أو حيث أراد قال النبى - صلى الله عليه وسلم - : لأبى طلحة حين ~~قال : أحب أموالى إلى بيرحاء وإنها صدقة لله فأجاز النبى - صلى الله عليه ~~وسلم - ذلك وقال بعضهم : لا يجوز حتى يبين لمن والأول أصح . وإذا قال أرضى ~~أو بستانى صدقة عن أمى فهو جائز وإن لم يبين ذلك . PageV08P171 / 18 - فيه ~~: ابن عباس : ( أن سعد بن عبادة توفيت أمه ، وهو غائب عنها ، فقال : يا ~~رسول الله ، إن أمى توفيت ، وأنا غائب عنها ، أينفعها شيء إن تصدقت به عنها ~~؟ قال : نعم ، قال : فإنى أشهدك أن حائطى المخراف صدقة عليها ) . اختلف ~~العلماء فى الوقف إذا لم يخرجه الواقف من يده إلى أن مات . فقالت طائفة : ~~يصح الوقف ولا يفتقر إلى قبض . وهو قول أبى يوسف والشافعى . وقالت طائفة : ~~لا يصح الوقف حتى يخرجه عن يده ويقبضه غيره . هذا قول ابن أبى ليلى ومالك ~~ومحمد ابن الحسن . وحجة القول الأول أن عمر بن الخطاب وعلى بن أبى طالب ~~وفاطمة ، رضى الله عنهم ، أوقفوا أوقافا وأمسكوها بأيديهم وكانوا يصرفون ~~الانتفاع بها فى وجوه الصدقة فلم يبطل . واحتج الطحاوى لأبى يوسف فقال : ~~رأينا أفعال العبادات على ضروب فمنها العتاق وينفذ بالقول ؛ لأن العبد إنما ~~يزول ملك مولاه عنه بقوله : أنت لله ومنها الهبات والصدقات لا تنفذ بالقول ~~حتى يكون معه القبض من الذى ملكها ، فأردنا أن ننظر حكم الأوقاف بأيها هى ~~أشبه فنعطفه عليه ، فرأينا الرجل إذا أوقف أرضه أو داره فإنما ملك الذى ~~أوقفها عليه منافعها ولم يملكه من رقبتها شيئا ، إنما أخرجها من ملك نفسه ~~إلى الله ، فثبت أن نظير ذلك ما أخرجه من ملكه إلى الله ، فكما كان ذلك لا ~~يحتاج فيه إلى قبض مع القول ؛ كذلك الوقف لا يحتاج فيه إلى قبض مع القول . ~~PageV08P172 وأيضا فإن القبض لو أوجبناه لكان القابض يقبض ما لم يملك ~~بالوقف ، فقبضه إياه وغير قبضه سواء . فثبت قول أبى ms2737 يوسف وإليه ذهب البخارى ~~، واستدل من قوله : فقسمها أبو طلحة فى أقاربه وبنى عمه ؛ أن الوقف لم يخرج ~~من يدى أبى طلحة . وحجة الذين جعلوا القبض شرطا فى صحة الوقف إجماع أئمة ~~الفتوى على أنه لا تنفذ الهبات والصدقات بالقول حتى يقبضها الذى ملكها ، ~~ألا ترى أن أبا بكر قال فى مرضه لابنته ، وقد كان نحلها أحدا وعشرين وسقا : ~~لو كنت حزتيه لكان لك ، فإنما هو اليوم مال وارث . فكان حكم الوقف حكم ~~الهبات . وقول النبى - صلى الله عليه وسلم - لأبى طلحة : ( أرى أن تجعلها ~~فى الأقربين ) لا حجة فيه لمن أجاز الوقف ، وإن لم يخرج عن يد الذى أوقفه ؛ ~~لأنه ليس فى الحديث أن أبا طلحة لم يخرج الوقف عن يده ، ولو استدل مستدل ~~بقوله : ( فقسمها أبو طلحة فى أقاربه وبنى عمه ) أنه أخرجها عن يده لساغ ~~ذلك ، ولم يكن من استدل أنه لم يخرجها عن يده أولى منه بالتأويل . واختلفوا ~~إذا قال : هذه الدار وهذه الضيعة وقف ولم يذكر وجوها تصرف فيها . فعند مالك ~~أنه يصح الوقف ، وكذلك لو قال : على أولادى وأولادهم . ولم يذكر بعدهم ~~الفقراء أو بنى تميم ممن لم ينقطع نسلهم فإنه يصح الوقف ، ويرجع ذلك إلى ~~فقراء عصبته ، وإن لم يكونوا فقراء فإلى فقراء المسلمين . وبه قال أبو يوسف ~~ومحمد ، وهو أحد قولى الشافعى ، والقول الثانى : أنه لا يصح الوقف . ~~PageV08P173 قال ابن القصار : وحجة القول الأول أنه إذا قال : وقفت . فإنما ~~أراد البر والقربة ، وأن لا ينتفع هو بشىء من ذلك ، فالانتفاع يكون محبوسا ~~على ولده وولد ولده ، فإذا انقرضوا صرف ذلك إلى أقرب الناس به من فقراء ~~عصبته ، وهذا المعنى يحصل به البر والقربة ، وكذلك إذا قال : هذا وقف محرم ~~؛ لأنه معلوم أنه قصد به البر والقربة فحمل على ما علم من قصده ، كرجل أوصى ~~بثلث ماله فإن ذلك يفرق فى الفقراء والمساكين وإن لم يسمهم ؛ لأنه قد علم ~~ذلك من قصده ، ألا ترى قول سعد بن عبادة للنبى : ( فإنى أشهدك أن حائطى ms2738 ~~المخراف صدقة عنها ) ولم يسم على من يتصدق بالحائط ، ولم ينكر ذلك النبى - ~~صلى الله عليه وسلم - ولو لم تجز الصدقة والوقف على غير مسمين لم يترك ~~النبى - صلى الله عليه وسلم - بيان ذلك لأن عليه فرض التبليغ والبيان . قال ~~المهلب : ولا حاجة بنا إلى أن نذكر على من يكون الوقف ؛ لأن الله قد بين ~~أصناف الذين تجب لهم الصدقات فى كتابه ، وقد مضى من سنة رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - فى قصة أبى طلحة ما فيه شفاء ، فرأى - صلى الله عليه وسلم ~~- فى قصة أبى طلحة أن تصرف الصدقة إلى صنف واحد وهم أقارب أبى طلحة . قال ~~ابن القصار : فإن قيل : قد قلتم إنه إذا أوقف على من لا يولد له ولم يكن له ~~ولد فى الحال لم يجز الوقف ، وقلتم هاهنا إذا قال : وقف . صح الوقف فما ~~الفرق ؟ قيل : الفرق بينهما أنه إذا أوقفه على من لم يولد له فقد وقفه على ~~غير موجودين ؛ لأنه قد يجوز أن لا يولد له ، وإذا وقفه ولم يذكر ~~PageV08P174 وجها يصرف فيه ، ففقراء المسلمين الذين تجوز لهم الصدقة ، وقد ~~ذكرهم الله فى كتابه ، موجودون غير معدومين ففى أيها يجعله الإمام صح الوقف ~~. * * * # | 14 - باب إذا تصدق أو أوقف بعض ماله أو بعض رقيقه أو دوابه فهو جائز # / 19 - فيه : كعب : قلت : ( يا رسول الله ، إن من توبتى أن أنخلع من مالى ~~صدقة إلى الله وإلى رسوله - صلى الله عليه وسلم - ، قال : أمسك عليك بعض ~~مالك ، فهو خير لك ، قلت : فإنى أمسك سهمى الذى بخيبر ) . اتفق مالك ~~والكوفيون والشافعى وأكثر العلماء أنه يجوز للصحيح أن يتصدق بماله كله فى ~~صحته ، إلا أنهم استحبوا أن يبقى لنفسه منه ما يعيش به خوف الحاجة وما يتقى ~~من آفات الفقر ؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم - : ( أمسك عليك بعض مالك فهو ~~خير لك ) فحضه على الأفضل ، وفى هذا حجة لمن قال : إن الغنى أفضل من الفقر ~~؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم - : ( فهو خير لك ) وقد ذكرت ms2739 من خالف ذلك فى ~~كتاب الزكاة فى باب لا صدقة إلا عن ظهر غنى من كلام الطبرى . واستدل ~~البخارى بأنه لما جازت الصدقة بالعقار ووقف غلاتها على المساكين جاز ذلك فى ~~الرقيق والدواب ؛ إذ المعنى واحد فى انتفاع المساكين بغلاتها وبقاء أصولها ~~وقد تقدم بيان هذا فى باب الشروط فى الوقف فأغنى عن إعادته ، وسأذكر اختلاف ~~العلماء فى وقف الرقيق والحيوان بعد هذا إن شاء الله تعالى . PageV08P175 ~~قال المهلب : وفيه أن من تاب الله عليه وخلصه من ملمة نزلت به ؛ أنه ينبغى ~~له أن يشكر الله على ذلك بالصدقة وما شاكلها من أفعال البر . * * * # | 15 - باب قول الله تعالى : { وإذا حضر القسمة أولو القربى واليتامى ~~والمساكين فارزقوهم منه } [ النساء : 8 ] # / 20 - فيه : ابن عباس : إن ناسا يزعمون أن هذه الآية نسخت ، ولا والله ~~ما نسخت ، ولكنها مما تهاون الناس بها ، هما واليان ، وال يرث ، وذاك الذى ~~يرزق ، ووال لا يرث ، فذاك الذى يقول بالمعروف ، يقول : لا أملك لك أن ~~أعطيك . اختلف العلماء فى هذه الآية فقال قوم : إنها منسوخة بالمواريث . ~~هذا قول سعيد بن المسيب وطائفة من التابعين . وقالت عائشة وابن عباس ~~والنخعى وعطاء والحسن : إنها محكمة غير منسوخة . وقال ابن عباس والنخعى ~~وعطاء والحسن : إنها محكمة غير منسوخة . وقال ابن عباس : هى واجبة يعمل بها ~~. وذكر إسماعيل القاضى ، أن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبى بكر قسم ميراث ~~أبيه عبد الرحمن ، وعائشة حية ، فلم يدع فى الدار مسكينا ولا ذا قرابة إلا ~~أعطاه من ميراث أبيه ، وتلا : { وإذا حضر القسمة أولو القربى واليتامى ~~والمساكين . . . } [ النساء : 8 ] الآية . قال القاسم بن محمد : فذكرت ذلك ~~لابن عباس فقال : ما أصاب ، إنما ذلك فى الوصية ، يريد الميت أن يوصى . ~~وقال ابن المسيب : إنما ذلك فى الثلث عند الوصية . PageV08P176 وروى قتادة ~~عن يحيى بن يعمر ، قال : ثلاث آيات فى كتاب الله محكمات مدنيات قد ضيعهن ~~الناس . فذكر هذه الآية ، وآية الاستئذان للذين لم يبلغوا الحلم فى العورات ~~الثلاث ، وهذه الآية { يا أيها ms2740 الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى } [ الحجرات ~~: 3 ] الآية . وقال إسماعيل : وأما الذين قالوا : إنها محكمة . فيمكن أن ~~يكونوا تأولوا أنها على الترغيب دون الإيجاب ، ويمكن أن يكونوا تأولوها على ~~الإيجاب ، وأما الذين قالوا : إنها منسوخة . فأحسب أنهم تأولوها على ~~الإيجاب ، ثم نسخت بآية الوصية ، وأما الذين تأولوها أن ذلك إنما عنى به من ~~الوصية فإن الله تعالى قال فى آية المواريث : { من بعد وصية يوصى بها أو ~~دين } [ النساء : 11 ] ، فليس يجوز أن ينقص أهل المواريث مما جعل الله لهم ~~إلا بدين على الميت أو وصية يوصى بها فتنفذ ، إلا أن تكون الوصية للفقراء ~~أو فى أبواب البر فيخص منها أولو القربى واليتامى بالاجتهاد ، وقد تأول زيد ~~بن أسلم أن هذا شىء أمر به الذى يوصى فى وقت وصيته كما تأوله ابن عباس . ~~وروى ابن وهب عن يعقوب بن عبد الرحمن قال : سألت زيد بن أسلم عن قوله : { ~~وإذا حضر القسمة أولو القربى واليتامى والمساكين } [ النساء : 8 ] ، قال : ~~هذا الرجل حين يوصى ويحضره ناس ويحضره أولو القربى واليتامى والمساكين ~~فيذكرونه قرابته والمساكين ، فيقولون : فلان مسكين . وفلان ذو حاجة . فأمره ~~أن يحسن ولا يجحف PageV08P177 بولده ، فنهى الذين حضروا أن يتكلموا بغير ~~ذلك وتلا : { وليخش الذين لو تركوا من خلفهم } مثل ما ترك { ذرية ضعافا ~~خافوا عليهم فليتقوا الله وليقولوا قولا سديدا } [ النساء : 9 ] . وقال ~~قتادة فى قوله تعالى : { وليخش الذين لو تركوا } [ النساء : 9 ] ، قال : ~~إذا حضرت وصية ميت فاؤمره بما كنت تأمر به نفسك مما يتقرب به إلى الله ، ~~وخف فى ذلك ما كنت تخافه على ضعفهم لو تركتهم بعدك ، فاتق الله وقل قولا ~~سديدا إن هو زاغ . * * * # | 16 - باب ما يستحب لمن توفى فجأة أن يتصدقوا عنه وقضاء النذور عن الميت # / 21 - فيه : عائشة ( أن رجلا قال للنبى - صلى الله عليه وسلم - : إن أمى ~~افتلتت نفسها ، وأراها لو تكلمت تصدقت ، أفأتصدق عنها ؟ قال : نعم ، تصدق ~~عنها ) . / 22 - وفيه : ابن عباس ( أن سعد بن عبادة ، استفتى رسول الله - ~~صلى ms2741 الله عليه وسلم - فقال : إن أمى توفيت ، وعليها نذر ، فقال : اقضه عنها ~~. قال ابن المنذر : حديث عائشة يدل على إجازة الصدقة التطوع عن الميت ، ~~ومثله حديث العلاء ، عن أبيه ، عن أبى هريرة أن النبى - صلى الله عليه وسلم ~~- قال : ( إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاثة : صدقة جارية ، أو علم ~~ينتفع به ، أو ولد صالح يدعو له ) وروى أبو نعيم ، عن هشام ، عن قتادة ، عن ~~سعيد ( أن سعد بن عبادة قال للنبى حين أمره أن يتصدق عن أمه : أى الصدقة ~~أفضل يا رسول الله ؟ قال : سقى الماء ) . فدلت هذه الآثار عن النبى - صلى ~~الله عليه وسلم - أن تأويل قوله : { وأن ليس للإنسان إلا ما PageV08P178 ~~سعى } [ النجم : 39 ] على الخصوص ، فأما العتق عن الميت فلا أعلم فيه خبرا ~~يثبت عن النبى - صلى الله عليه وسلم - . وقد ثبت عن عائشة أم المؤمنين أنها ~~أعتقت عبدا عن أخيها عبد الرحمن وكان مات ولم يوصى . وأجاز ذلك الشافعى ، ~~وقال بعض أصحابه : لما جاز أن يتطوع بالصدقة وهى مال جاز أن يتطوع بالعتق ؛ ~~لأنه مال . وفرق غيره بين الصدقة والعتق فقال : إنما أجزنا الصدقة بالأخبار ~~الثابتة ، والعتق لا خبر فيه ، بل فى قوله - صلى الله عليه وسلم - : ( ~~الولاء لمن أعتق ) دليل على منعه ؛ لأن الحى هو المعتق بغير أمر الميت فله ~~الولاء ، فإذا ثبت له الولاء فليس للميت منه شىء . وهذا القول ليس بصحيح ؛ ~~لأنه قد روى فى حديث سعد بن عبادة أنه قال للنبى : ( إن أمى هلكت فهل ~~ينفعها أن أعتق عنها ؟ قال : نعم ) فدل أن العتق ينفع الميت ، ويشهد لذلك ~~فعل عائشة فى عتقها عن أخيها . وقد اختلف الآثار فى النذر الذى كان على أم ~~سعد ، فقيل : إنه كان غير عتق . وذلك مذكور فى كتاب النذور فى باب من مات ~~وعليه نذر . وقال ابن المنذر : ممن كان يجيز الحج التطوع عن الميت : ~~الأوزاعى والشافعى وأحمد ، ومنعه غيرهم . وقد تقدم فى كتاب الحج ، وقد ثبت ~~عن عائشة أم المؤمنين أنها أعتقت عن أخيها ms2742 عبد الرحمن بعد ما مات . قال ابن ~~المنذر : وفى ترك النبى - صلى الله عليه وسلم - إنكار فعل المرأة التى ~~افتلتت نفسها PageV08P179 حين ماتت ولم توصى ؛ دليل على أن تارك الوصية غير ~~عاص لله ؛ إذ لو كان فرضا لأخبر النبى أنها قد تركت فرضا ، وأما قضاء الدين ~~عن الميت فما لزم الذمة فلا خلاف فى قضائه عن الميت ، وما لزم البدن ففيه ~~الخلاف عن العلماء ، وقد تقدم فى كتاب النذور وفى كتاب الحج . وقوله : ( ~~افتلتت نفسها ) أى : أخذت نفسها فجأة ، يقال : افتلت الشىء إذا أخذته فجأة ~~. * * * # | 17 - باب الإشهاد فى الوقف والصدقة # / 23 - فيه : ابن عباس ( أن سعد بن عبادة توفيت أمه ، وهو غائب عنها ، ~~فأتى النبى - صلى الله عليه وسلم - ، فقال : يا رسول الله ، إن أمى توفيت ، ~~وأنا غائب عنها ، فهل ينفعها شيء إن تصدقت به عنها ، قال : نعم ، قال : ~~فإنى أشهدك أن حائطى المخراف صدقة عليها ) . الإشهاد واجب فى الوقف ولا يتم ~~إلا به . قال المهلب : وإذا كان الله قد أمر بالإشهاد فى البيع ، والبيع ~~خروج ملك بعوض ظاهر ، فالوقف أولى بذلك ؛ لأن الخروج عنه بغير عوض ، مع أن ~~الأكثر فى الأوقاف والصدقات أن تكون على غير عوض فى الأعيان . PageV08P180 ~~* * * # | 18 - باب قول الله تعالى : { وآتوا اليتامى أموالهم ولا تتبدلوا } إلى ~~{ ما طاب لكم } [ النساء : 2 ] # / 24 - فيه : عائشة { وإن خفتم أن لا تقسطوا فى اليتامى فانكحوا ما طاب ~~لكم } [ النساء : 3 ] قالت عائشة : هى اليتيمة فى حجر وليها ، فيرغب فى ~~جمالها ومالها ، ويريد أن يتزوجها بأدنى من سنة نسائها ، فنهوا عن نكاحهن ~~إلا أن يقسطوا لهن فى إكمال الصداق ، وأمروا بنكاح من سواهن من النساء ، ~~قالت عائشة : ثم استفتى الناس رسول الله - صلى الله عليه وسلم - . . الحديث ~~. هذا مذكور فى كتاب النكاح وهو أولى به . * * * # | 19 - باب قول الله تعالى : { وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح } ~~إلى قوله : { مفروضا } [ النساء : 6 ، 7 ] # حسيبا : كافيا ، وللوصى أن يعمل فى مال اليتيم ويأكل منه بقدر عمالته . / ~~25 - فيه : ابن عمر ms2743 : ( أن عمر تصدق بمال له على عهد النبى - صلى الله عليه ~~وسلم - ، وكان يقال له ( ثمغ ) ، وكان نخلا ، فقال عمر : يا رسول الله ، ~~إنى استفدت مالا ، وهو عندى نفيس ، فأردت أن أتصدق به ، فقال النبى - صلى ~~الله عليه وسلم - : تصدق بأصله لا يباع ولا يوهب ولا يورث ، ولكن ينفق ثمره ~~، فتصدق به عمر ، فصدقته تلك فى سبيل الله وفى الرقاب والمساكين والضيف ~~وابن السبيل ولذى القربى ، ولا جناح على من وليه أن يأكل منه بالمعروف ، أو ~~يوكل صديقه غير متمول به ) . وفيه : عائشة رضى الله عنها { ومن كان غنيا ~~فليستعفف ومن كان فقيرا فليأكل PageV08P181 بالمعروف } [ النساء : 6 ] قالت ~~: أنزلت فى والى اليتيم ، أن يصيب من ماله إذا كان محتاجا بقدر ماله ~~بالمعروف . قال المهلب : إنما أدخل هذا الحديث فى هذا الباب ؛ لأن عمر حبس ~~ماله على أصناف وجعله إلى من يليه وينظر فيه كما جعل مال اليتيم إلى من ~~يليه وينظر فيه ، فالنظر لهؤلاء الأصناف كالنظر لليتامى ؛ لأنهم من جملة ~~هذه الأصناف . وفيه من الفقه : أن عمر فهم عن الله أن لولى هذا المال أن ~~يأكل منه بالمعروف ، كما قال الله تعالى . وقوله : غير متمول لقول الله : { ~~ولا تأكلوها إسرافا وبدارا أن يكبوا } [ النساء : 6 ] ، فدل أن ما ليس بسرف ~~أنه جائز لولى اليتيم أن يأكله . وقوله : ( لا جناح على من وليه ) ولم يخص ~~غنيا من الفقير ، فيه إجازة أكل الغنى ممايلى ، وتفسير قوله تعالى : { ومن ~~كان غنيا فليستعفف } [ النساء : 6 ] أنه على الندب وإن أكل بالمعروف لم يكن ~~عليه حرج والله أعلم . قال المؤلف : إلا أن جمهور علماء التأويل إنما ~~أباحوا للولى الأكل من مال اليتيم إذا كان فقيرا ولم يذكروا فى ذلك الغنى ، ~~واختلفوا فى الوصى الفقير إذا أكل بالمعروف هل يكون عليه غرم ذلك إذا أيسر ~~؟ فقالت طائفة : إذا أيسر أداه . روى ذلك عن سعيد بن PageV08P182 جبير ~~وعبيدة وأبى العالية ومجاهد وعطاء ، واحتجوا بما رواه قبيصة ، عن سفيان ، ~~عن أبى إسحاق ، عن حارثة بن مصرف ، قال : قال ms2744 عمر : إنى أنزلت مال الله ~~بمنزلة مال اليتيم ، إن استغنيت استعففت ، وإن احتجت استقرضت ، ثم قضيت . ~~وقالت طائفة : لا غرم عليه إذا أيسر . روى ذلك عن عطاء أيضا والحسن البصرى ~~والنخعى وقتادة ، وعليه الفقهاء ، وقد روى حديث عمر ولم يذكر فيه : قضيت . ~~رواه سعيد ، عن قتادة ، عن أبى مجلز ، عن عمر . ومن رأى القضاء ، فذلك خلاف ~~لكتاب الله ؛ لأن الله أباح للولى الفقير أن يأكل بالمعروف ولم يوجب عليه ~~شيئا . وقد روى عن ابن عباس ما يبين هذه القصة ، روى حماد بن زيد ، عن يحيى ~~بن سعيد ، عن القاسم بن محمد أن رجلا سأل ابن عباس ، فقال : إن لى إبلا ~~وليتيم فى حجرى إبل ، وانا أمنح من إبلى وأفقر فما يحل لى من إبله ؟ فقال : ~~إن كنت تلتمس ضالتها وتهنأ جرباها وتليط حوضها وتسقيها ، فاشرب غير مضر ~~بنسل ولا ناهك فى ظهر . قال ابن القاسم : ما سمعنا بفتيا من غير رواية أحسن ~~منها . فهذا ابن عباس قد أباح للغنى أن يشرب من لبنها بالمعروف من أجل ~~قيامه عليها وخدمته لها ، فكيف يجب أن يكون على الفقير أن يقضى ما أكل منها ~~بالمعروف إذا أيسر ، والنظر فى ذلك أيضا يبطل وجوب القضاء ؛ لأن عمر شبه ~~مال الله بمال اليتيم . PageV08P183 وقد أجمعت الأمة أن الإمام الناظر ~~للمسلمين لا يجب عليه غرم ما أكل منه بالمعروف ؛ لأن الله قد فرض سهمه فى ~~مال الله ، فلا حاجة لهم فى قول عمر : ( ثم قضيت أن ) لو صح عنه ، والله ~~الموفق . وأما تأويل قوله تعالى : { فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم ~~أموالهم } [ النساء : 6 ] ، قال ابن عباس : ابتلوا اليتامى أى : اختبروا ~~عقولهم . وهو قول الحسن وقتادة ، وقال الثورى : جربوهم . وقوله : { حتى إذا ~~بلغ النكاح } [ النساء : 6 ] ، يعنى الحلم . عن ابن عباس ومجاهد { فإن ~~آنستم منهم } [ النساء : 6 ] عرفتم منهم رشدا . وبهذا قال مالك وأكثر ~~العلماء ، وقال الشعبى ، والقاسم بن محمد : إن الرجل يمشط وما أونس منه ~~الرشد . وفيه قول آخر : وهو أن يكون بعد بلوغه صالحا ms2745 فى دينه . عن الحسن ، ~~وبه قال الشافعى . وقال أبو حنيفة : إذا بلغ اليتيم ، وكان صحيح العقل ، ~~دفع إليه ماله وإن لم يؤنس منه الرشد ؛ لأنه لا يرى الحجر على حر مسلم . ~~قال ابن المنذر : الصبى من دفع المال إليه قبل بلوغه وإن كان مصلحا ، فإذا ~~بلغ وكان غير رشيد وجب منع ماله منه ، وكل ما أباحه الله بشرطين لم يجز ~~إطلاقه بأحدهما ، ألا ترى أن من طلق زوجته ثلاثا لا تحل له حتى تنكح غيره ~~ويطأها ، فإن نكحت ولم تطأ لم تحل للأول ، فكذلك لا يجوز دفع المال إلى ~~اليتيم ، وإن بلغ النكاح ، حتى يؤنس منه الرشد ، والله الموفق . ~~PageV08P184 * * * # | 20 - باب قول الله : { إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما } [ النساء ~~: 10 ] الآية # / 26 - فيه : أبو هريرة قال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( اجتنبوا ~~السبع الموبقات ، قالوا : يا رسول الله ، وما هن ؟ قال : الشرك بالله ، ~~والسحر ، وقتل النفس التى حرم الله إلا بالحق ، وأكل الربا ، وأكل مال ~~اليتيم ، والتولى يوم الزحف ، وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات ) . قال ~~المؤلف : أكل مال اليتيم من الكبائر ، وقد أخبر الله أن من أكله ظلما أنه ~~يأكل النار ويصلى السعير ، وهذا عند أهل السنة إن أنفذ الله عليه الوعيد ؛ ~~لأنه عندهم فى مشيئة الله ، قال سعيد بن جبير : لما نزلت : { إن الذين ~~يأكلون أموال اليتامى ظلما } [ النساء : 10 ] أمسك الناس فلم يخالطوا ~~اليتامى فى طعامهم حتى نزلت : { ويسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير وإن ~~تخالطوهم فإخوانكم } [ البقرة : 220 ] ، قال : وليس فى القرآن : { ويسألونك ~~} إلا ثلاث عشرة مسألة من قلة ما كانوا يسألونه ، وسيأتى ما قال العلماء فى ~~الكبائر فى كتاب الأدب . * * * # | 21 - باب قول الله تعالى : { ويسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير } [ ~~البقرة : 220 ] # { لأعنتكم } لأحرجكم وضيق ، { وعنت } [ طه : 111 ] خضعت . وقال نافع : ما ~~رد ابن عمر على أحد وصية ، وكان ابن سيرين أحب الأشياء إليه فى مال اليتيم ~~، أن يجتمع إليه نصحاؤه وأولياؤه ، فينظرون الذى هو خير له ، وكان طاوس إذا ~~سئل عن شيء ms2746 من أمر اليتامى قرأ : { والله يعلم المفسد من PageV08P185 ~~المصلح } [ البقرة : 220 ] . قال عطاء : فى يتامى الصغير والكبير ، ينفق ~~الولى على كل إنسان بقدره من حصته . ذكر أبو عبيد ، عن ابن عباس فى قوله : ~~{ ويسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير } [ البقرة : 220 ] ، قال : لما ~~أنزل الله : { إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما } [ النساء : 10 ] الآية ~~كره المسلمون أن يضموا اليتامى إليهم ، وتحرجوا أن يخالطوهم فى شىء ، ~~وسألوا النبى - صلى الله عليه وسلم - عنه فأنزل الله : { ويسألونك عن ~~اليتامى قل إصلاح لهم خير وإن تخالطوهم . . ولو شاء الله لأعنتكم } [ ~~البقرة : 220 ] ، يعنى لأحرجكم وضيق عليكم ، ولكنه يسر ووسع فقال : { ومن ~~كان غنيا فليستعفف ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف } [ النساء : 6 ] ، وروى ~~النخعى ، عن عائشة قالت : إنى لأكره أن يكون مال اليتيم عندى ، لا أخلط ~~طعامه بطعامى ، ولا شرابه بشرابى . قال أبو عبيد : والذى دار عليه المعنى ~~من هذا أن الله تعالى لما أوجب النار لآكل مال اليتيم أحجم المسلمون عن كل ~~شىء من أمرهم حتى عن مخالطتهم ، فنسخ الله ذلك بالإذن فى المخالطة ، والإذن ~~فى الإصابة من مالهم بالمعروف إذا كان الولى محتاجا . قال أبو عبيد : ~~ومخالطة اليتامى أن يكون لأحدهم المال ويشق على كافله أن يفرز طعامه عنه ~~ولا يجد بدا من خلطه بعياله ، فيأخذ من مال اليتيم ما يرى أنه كافيه ~~بالتحرى ، فيجعله مع نفقة أهله ، وهذا قد يقع فيه الزيادة والنقصان ، فجاءت ~~هذه الآية الناسخة بالرخصة فيه . قال أبو عبيد : وهذا عندى أصل لما يفعله ~~الرفقاء فى الأسفار أنهم يتخارجون النفقات بينهم بالسوية وقد لا يتساوون فى ~~كثرة المطعم وقلته ، وليس كل من قل طعمه تطيب نفسه بالتفضل على رفيقه ، ~~فلما كان PageV08P186 هذا فى أموال اليتامى واسعا كان فى غيرهم أوسع ، ~~ولولا ذلك لخفت أن يضيق فيه الأمر على الناس . * * * # | 22 - باب استخدام اليتيم فى السفر والحضر إذا كان صلاحا له ونظر الأم ~~وزوجها لليتيم # / 27 - فيه : أنس قال : قدم النبى - صلى الله عليه وسلم - المدينة ليس له ms2747 ~~خادم ، فأخذ أبو طلحة بيدى ، فانطلق بى إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- فقال : يا رسول الله ، إن أنسا غلام كيس ، فليخدمك ، قال : فخدمته فى ~~السفر والحضر ، ما قال لى لشيء صنعته : لم صنعت هذا هكذا ؟ ولا لشيء لم ~~أصنعه : لم لم تصنع هذا هكذا ؟ . قال المهلب : فيه من الفقه : جواز استخدام ~~اليتيم الحر الصغير الذى لا يحوز أمره . وفيه : أن خدمة العالم والإمام ~~واجبة على المسلمين وأن ذلك شرف لمن خدمهم لما يرجى من بركة ذلك . * * * # | 23 - باب إذا وقف أرضا ولم يبين الحدود فهو جائز وكذلك الصدقة # / 28 - فيه : أنس بن مالك : ( كان أبو طلحة أكثر أنصارى بالمدينة مالا من ~~نخل ، وكان أحب ماله إليه بيرحاء مستقبلة المسجد ، وكان النبى - صلى الله ~~عليه وسلم - يدخلها ، PageV08P187 ويشرب من ماء فيها طيب ، قال أنس : فلما ~~نزلت : { لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون } [ آل عمرن : 92 ] قام أبو ~~طلحة ، فقال : يا رسول الله ، إن الله يقول : { لن تنالوا البر حتى تنفقوا ~~مما تحبون } وإن أحب أموالى إلى بيرحاء ، وإنها صدقة لله أرجو برها وذخرها ~~عند الله ، فضعها حيث أراك الله ، فقال : بخ ، ذلك مال رابح ، أو رايح ، شك ~~ابن مسلمة ، وقد سمعت ما قلت ، وإنى أرى أن تجعلها فى الأقربين ، قال أبو ~~طلحة : أفعل ذلك يا رسول الله ، فقسمها أبو طلحة فى أقاربه وفى بنى عمه ) . ~~/ 29 - وفيه : ابن عباس ( أن رجلا قال لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ~~إن أمه توفيت ، أينفعها إن تصدقت عنها ؟ قال : نعم ، قال : فإن لى مخرافا ~~وأشهدك أنى قد تصدقت به عنها ) . قال المهلب : إذا لم يبين الحدود فى الوقف ~~فإنما يجوز إذا كان للأرض اسم معلوم يقع عليها وتتعين به ، كما كان بيرحاء ~~معينا ، وكما كان المخراف معينا عند من أشهده ، وعلى هذا الوجه تصح الترجمة ~~، وأما إذا لم يكن الوقف معينا وكانت له مخاريف وأموال كثيرة ، فلا يجوز ~~الوقف إلا بالتحديد والتعيين ، ولا خلاف فى هذا . وفيه : أن لفظ الصدقة ~~يخرج ms2748 الشىء المتصدق به عن ملك الذى يملكه قبل أن يتصدق به ، ولا رجوع له ~~فيه ، وهو حجة لمالك فى إجازته للموهوب له ، وللمتصدق عليه المطالبة ~~بالصدقة وإن لم يحزها حتى يحوزها ، وتصح له ما دام المتصدق والواهب حيا ، ~~بخلاف ما ذهب إليه الكوفيون والشافعى أن اللفظ بالصدقة والهبة لا يوجب شيئا ~~لمعين وغيره حتى تقبض ، وليس للموهوب له ولا للمتصدق عليه المطالبة بها على ~~ما تقدم فى كتاب الهبات . PageV08P188 وفى هذا الحديث دليل أن الكلام بها ~~قد أوجب حكما ، فله المطالبة للمعين على ما قاله مالك ؛ لقوله : ( وإنها ~~صدقة يا رسول الله فضعها حيث أراك الله ) فلم يجز لأبى طلحة الرجوع فيها ~~بعد قوله : ( إنها صدقة يا رسول الله ) لأنه قد صح إخراجه لها عن ملكه بهذا ~~اللفظ إلى ما يجوز له أخذها . وفيه : أن من أخرج شيئا من ماله ولم يملكه ~~أحدا فجائز أن يضعه حيث أراه الله من سبل الخير على ما تقدم فى باب : إذا ~~أوقف شيئا فلم يدفعه إلى غيره فهو جائز ، وأنه يجوز أن يشاور فيه من يثق ~~برأيه ، وليس لذلك وجه معلوم لا يتعدى كما قال بعض الناس : معنى قول الرجل ~~: لله ، وفى سبيل الله كذا دون كذا ، ألا ترى أن الصدقة الموقوفة رجعت إلى ~~قرابة أبى طلحة ولو سبلها فى وجه من الوجوه لم تصرف إلى غيره . وذهب مالك ~~والشافعى إلى أن من حبس دارا على قوم معينين أو تصدق عليهم بصدقة ولم يذكر ~~أعقابهم ، أو ذكر ولم يجعل لها بعدهم مرجعا إلى المساكين أو إلى من لا يعدم ~~وجوده من وجوه البر ، فمات المحبس عليهم وانقرضوا ؛ أنها لا ترجع إلى الذى ~~حبسها أبدا ، وترجع حبسا على أقرب الناس بالمحبس يوم ترجع لا يوم حبس ، ألا ~~ترى أن أبا طلحة جعل حائطه ذلك صدقة لله ولم يذكر وجها من الوجوه التى توضع ~~فيه الصدقة ، أمره رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يجعلها فى أقاربه ، ~~وكذلك كل صدقة لا يذكر لها مرجع تصرف ms2749 على أقارب المتصدق بدليل هذا الحديث ، ~~وهذا عند مالك فيما لم يرد به صاحبه PageV08P189 حياة المتصدق عليه ، فإذا ~~أراد ذلك فهى عنده عمرى ترجع إلى صاحبها بعد انقراض المتصدق عليه ، ولمالك ~~فيها قول ثان : أنه إذا حبس على قوم معينين ولم يجعل لها مرجعا إلى ~~المساكين أنها ترجع ملكا إلى ربها كالعمرى . قيل لمالك : لو قال فى صدقته : ~~هى حبس على فلان هل تكون بذلك محبسة ؟ قال : لا ؛ لأنها لمن ليس بمجهول ، ~~وقد حبسها على فلان فهى عمرى ؛ لأنه أخبر أن تحبيسها غير دائم ولا ثابت ، ~~وأنه إلى غاية . ولم يختلف قوله إذا قال : هى حبس صدقة أنها لا ترجع إليه ~~أبدا . فالألفاظ التى ينقطع بها ملك الشىء عن ربه ولا يعود إليه أبدا عند ~~مالك وأصحابه أن يقول : حبس صدقة ، أو حبس لا يباع ، أو حبس على أعقاب ~~مجهولين مثل الفقراء والمساكين وفى سبيل الله . فهذا كله عندهم مؤبد لا ~~يرجع إلى صاحبها ملك أبدا . وأما إذا قال : حياة المحبس عليه أو إلى أجل من ~~الآجال فإنها ترجع إلى صاحبها ملكا أو إلى ورثته ، وهى كالعمرى والسكنى . ~~قال ابن المنذر : واختلفوا فى الرجل يأمر وصيه يضع ثلثه حيث أراه الله . ~~فقالت طائفة : يجعله فى سبيل الخير ولا يأكله . هذا قول مالك وبه قال ~~الشافعى وزاد : لا يعطيه وارثا للميت ؛ لأنه إنما كان يجوز له منه ما كان ~~يجوز للميت . وقال أبو ثور : يجوز أن يعطيه لنفسه أو لولده أو لمن شاء ، ~~ويجعله لبعض ورثة الميت ، وليست هذه وصية للميت إنما هذا أمر للموصى أن ~~يضعه حيث يشاء . وهو قول الكوفيين غير أنهم قالوا : PageV08P190 ليس له أن ~~يجعلها لأحد من ورثة الميت ؛ فإن جعله لبعضهم فهو باطل مردود على جميع ~~الورثة . وفيه من الفقه : أن من تصدق بشىء من ماله بعينه أن ذلك يلزمه ، ~~وإن كان أكثر من ثلث ماله ؛ لأن النبى - صلى الله عليه وسلم - لم يقل لأبى ~~طلحة هل هو ثلث مالك ؟ كما قال لأبى لبابة ، وقال لسعد ms2750 : الثلث كثير . وقد ~~تقدم فى الزكاة . * * * # | 24 - باب إذا أوقف جماعة أرضا مشاعا فهو جائز # / 30 - فيه : أنس : ( أمر النبى - صلى الله عليه وسلم - ببناء المسجد ، ~~فقال : يا بنى النجار ، ثامنونى بحائطكم هذا ، قالوا لا ، والله لا نطلب ~~ثمنه إلا إلى الله ) . وقف المشاع جائز عند مالك كهبته وإجارته وبه قال أبو ~~يوسف والشافعى ، وقال محمد ابن الحسن : لا يجوز . بناء على أصلهم فى ~~الامتناع من إجارة المشاع ، وحجة من أجاز ذلك أن بنى النجار جعلوا حائطكم ~~لمكان المسجد وقالوا : لا نطلب ثمنه إلا إلى الله تعالى . وأجاز النبى - ~~صلى الله عليه وسلم - ذلك من فعلهم وكان ذلك وقفا للمشاع ، والحجة فى السنة ~~لا فى خلافها . * * * # | 25 - باب الوقف للغنى والفقير والضيف # / 31 - فيه : ابن عمر أن عمر وجد مالا بخيبر ، فأتى النبى - صلى الله ~~عليه وسلم - فقال : إن شئت تصدقت بها ، فتصدق بها فى الفقراء والمساكين وذى ~~القربى والضيف ) . PageV08P191 ليس من شرط الوقف أن يكون للفقراء والمساكين ~~خاصة ، ألا ترى أن عمر شرط فى وقفه مع الفقراء والمساكين ذا القربى والضيف ~~، وقد يكون فيهم أغنياء ، وكذلك قال النبى - صلى الله عليه وسلم - لأبى ~~طلحة : ( إنى أرى أن تجعلها فى الأقربين ) ، فجعلها لحسان بن ثابت ، وأبى ~~بن كعب ، ولم يكونوا فقراء ، ولم يحرم الله على الأغنياء من الصدقات إلا ~~الزكاة وصدقة الفطر خاصة ، وأحل لهم الفئ والجزية وصدقات التطوع كلها ، ~~فجائز للموقف أن يجعل وقفه فيمن شاء من أصناف الناس ، أغنياء كانوا أو ~~فقراء ، أو قرباء كانوا أو بعداء له ، شرطه فى ذلك . وهذا لا خلاف فيه . * ~~* * # | 26 - باب وقف الأرض للمسجد # / 32 - فيه : أنس لما قدم النبى - صلى الله عليه وسلم - المدينة ، أمر ~~ببناء المسجد ، وقال : يا بنى النجار ، ثامنونى بحائطكم هذا ، قالوا : لا ، ~~والله لا نطلب ثمنه إلا إلى الله ) . وترجم له باب إذا قال الواقف لا نطلب ~~ثمنه إلا إلى الله . فى هذا الحديث حجة على أبى حنيفة فى إبطاله الأوقاف ~~والأحباس ؛ لأن الأمة مجمعة أن من ms2751 جعل أرضا له مسجدا للمسلمين فى صحته أنه ~~ليس لورثته ردها ميراثا بينهم . وقال أبو حنيفة فى الرجل يحبس داره على ~~المساكين يسكنونها : أنها ترجع ميراثا بين ورثته ، ويجيز ذلك إن فعله فى ~~مرضه أو فى وصيته ، ويكون فى ثلثه فإن قال : إن المسجد لا يجوز له ولا ~~لورثته الرجوع فيه بعد أن أخرجه فى صحته وجعله مسجدا لجماعة المسلمين ؛ قيل ~~له : فما الفرق بين ما جعل من ذلك مسجدا وبين ما جعله سقاية أو مقبرة أو ~~موقفا PageV08P192 لجماعة المسلمين ، وهل بينك وبين من عكس هذا عليك ، ~~فأجاز ما أبطلت ، وأبطل ما أجزت فرق من أصل أو قياس ؛ فلن يقول فى شىء من ~~ذلك قولا إلا ألزم فى الآخر مثله . قال الطبرى : وقد أجاز العلماء أوقاف ~~أهل الذمة ولم يروا نقضها فكيف تنقض أوقاف المسلمين ؟ ! ووجدت بخط أبى عبيد ~~الحيرى : وسئل أبو الحسن على بن ميسرة القاضى البغدادى عن رجل كان له على ~~نصرانى دين ، فأفلس النصرانى ولا مال له سوى وقف أوقفه على مساكين أهل ملته ~~قبل استحداثه الدين ؛ هل يجوز نقض الوقف وأخذ المسلم له قضاء من دينه أم لا ~~؟ فأجاب بأن قال بأن أهل الذمة ليست أملاكهم مستقرة ، وإنما لهم شبهة ملك ~~على ما فى أيديهم ، فإذا اختاروا رفع أيديهم عن الشبهة ارتفعت ، ولم يعترض ~~عليهم فى نقض ما عقدوه مما لو كان فى شريعتنا لم يجز نقضه ؛ لأنهم على ذلك ~~صولحوا ، ولما جاز إقرارهم على غير دين الحق إذا أعطوا الجزية وجب أن لا ~~يعترض عليهم فى نقض وقف ولا غيره مما يتعلق بحق الله . * * * # | 27 - باب الوقف وكيف يكتب # / 33 - فيه : ابن عمر : ( أصاب عمر بخيبر أرضا ، فأتى النبى - صلى الله ~~عليه وسلم - ، فقال : أصبت أرضا لم أصب مالا قط أنفس منه ، فكيف تأمرنى به ~~؟ قال : إن شئت حبست أصلها ، وتصدقت بها ، فتصدق عمر ، أنه لا يباع أصلها ~~ولا يوهب ولا يورث ، فى الفقراء والقربى والرقاب وفى سبيل الله والضيف وابن ~~، السبيل لا جناح على ms2752 من وليها أن يأكل منها بالمعروف أو يطعم صديقا غير ~~متمول فيه ) . PageV08P193 هذا الحديث أصل فى إجازة الحبس والوقف ، وهو قول ~~أهل المدينة والبصرة ، ومكة والشام ، والشعبى من أهل العراق ، وبه قال أبو ~~يوسف ومحمد بن الحسن والشافعى ، وقال أبو حنيفة وزفر : الحبس باطل ، ولا ~~يخرج عن مالك الذى أوقفه ويرثه ورثته ، ولا يلزم الوقف عنده إلا أن يحكم به ~~الحاكم وينفذه أو يوصى به بعد موته ، وإذا أوصى به اعتبر من الثلث ، فإن ~~جمله الثلث جاز وإلا رد . وحجة الجماعة قوله - صلى الله عليه وسلم - لعمر : ~~( إن شئت حبست أصلها ) وهذا يقتضى أن الشىء إذا حبس صار محبوسا ممنوعا منه ~~، لا يجوز الرجوع فيه ؛ لأن هذا حقيقة الحبس ، ألا ترى أن عمر لما أراد ~~التقرب بفعل ذلك رجع فى صفته إلى بيان النبى - صلى الله عليه وسلم - وذلك ~~قوله : فتصدق بها عمر . أنه لا يباع أصلها ولا توهب ولا تورث . وعند ~~المخالف هذا باطل ، وليس فى الشريعة صدقة بهذه الصفة . وأيضا فإن المسألة ~~إجماع من الصحابة ، وذلك أن أبا بكر ، وعمر ، وعثمان ، وعائشة ، وعمرو بن ~~العاص ، وابن الزبير ، وجابرا ، كلهم أوقفوا الوقوف ، وأوقافهم بمكة ~~والمدينة معروفة مشهورة . واحتج أبو حنيفة بما PageV08P194 رواه عطاء ، عن ~~ابن المسيب قال : سألت شريحا عن رجل جعل داره حبسا على الآخر فالآخر من ~~ولده ؟ فقال : لا حبس على فرائض الله . قالوا : فهذا شريح قاضى عمر وعثمان ~~وعلى والخلفاء الراشدين حكم بذلك واحتج أيضا بما رواه ابن لهيعة ، عن أخيه ~~عيسى ، عن عكرمة ، عن ابن عباس قال : ( سمعت النبى - صلى الله عليه وسلم - ~~يقول بعد ما نزلت سورة النساء ، وأنزل الله فيها الفرائض : نهى عن الحبس ) ~~. قال الطبرى : ولا حجة له فى قول شريح ؛ لأن من تصدق بماله فى صحة بدنه ~~فقد زال ملكه عنه ، ومحال أن يقال لما زال ملكه عنه قبل موته بزمان حبسه عن ~~فرائض الله ، ولو كان حابسا عن فرائض الله من أزال ملكه عما ملكه لم يجز ~~لأحد التصرف فى ms2753 ماله ، وفى إجماع الأمة أن ذلك ليس كذلك ما ينبئ عن فساد ~~تأويل من تأول قول شريح ؛ أنه بمعنى إبطال الصدقات المحرمات ، فثبت أن ~~الحبس عن فرائض الله إنما هو لما يملكه فى حال موته ، فيبطل حبسه كما قال ~~شريح ، ويعود ميراثا بين ورثته . ومثال ذلك أن يحبس مالا فى حياته على ~~إنسان بعينه فيجعل له غلته دون رقبته ، أو على قوم بأعيانهم ، ولا يجعل ~~لحبسه مرجعا فى السبل التى لا يفقد أهلها بحال ، فإن ذلك يكون حبسا على ~~فرائض الله ، وليس فى حديث عطاء أن الرجل جعل لحبسه مرجعا بعد انقراض ورثته ~~، ولا أخرجها من يده إلى من حبسها عليه ولا إلى فائض حتى تحدث به الوفاة ، ~~فكانت لا شك أن صاحبها هلك وهى فى ملكه ولورثته بعد وفاته ، فيكون هذا من ~~الحبس عن فرائض الله ، إذ كانت الصدقة لا تتم لمتصدق بها عليه إلا بقبضه ~~لها . وأما الصدقة التى أمضى المصدق بها فى حياته على ما أذن الله به على ~~لسان رسوله وعمل به الأئمة الراشدون ، فليس من الحبس PageV08P195 عن فرائض ~~الله ، ولا حجة فى قول شريح ولا أحد مع مخالفة السنة وعمل أئمة الصحابة ~~الذين هم الحجة على جميع الخلق . ويقال للمحتج بقول شريح فى إبطال الصدقات ~~المحرمات فى الصحة : إن شريحا لم يقل : لا حبس عن فرائض الله فى الصحة . ~~فكيف وجب أن تكون صدقة المتصدق فى حال الصحة من الحبس عن فرائض الله ولا ~~يجب أن تكون صدقة فى مرضه الذى يموت فيه ، أو فى وصيته من الحبس عن فرائض ~~الله ؟ ومعنى الصدقتين واحد ، وما البرهان على أن التى أجزت هى الجائزة ~~والتى أبطلت هى الباطلة ؟ فإن قال : إن للرجل فى مرضه إخراج ثلث ماله فيما ~~شاء ولا اعتراض للورثة عليه فيه . قيل : وكذلك له فى حال صحته إخراج جميع ~~ماله فيما شاء وليس للورثة عليه سبيل ، ولما كان ما يفعله الرجل فى ثلثه لا ~~يدخل فى قوله - صلى الله عليه وسلم - : ( لا حبس عن ms2754 فرائض الله ) عند ~~الجميع كان ما يفعله الرجل فى صحته أولى بذلك لمن أنصف . قال ابن القصار : ~~وأما حديث ابن عباس فرواه ابن لهيعة ، وهو رجل اختلط عقله فى آخر عمره ~~وأخوه غير معروف فلا حجة فيه ، وقد تأول الناس فى حديث ابن عباس تأويلا هو ~~أولى من تأويل شريح ، وذلك أن معنى قوله : ( لا حبس عن فرائض الله ) منع ما ~~PageV08P196 كان أهل الجاهلية يفعلونه من البحيرة والسائبة والوصيلة والحام ~~، كأن يحبسون ما يجعلونه كذلك ولا يورثونه أحدا ، فلما نزلت آية المواريث ~~قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( لا حبس ) . فإن قيل : هذا تأويل ~~فاسد ؛ لأن قوله : ( لا حبس ) يقتضى نفى حبس فعل فى الإسلام ، وفعل أهل ~~الجاهلية لم يفعل فى الإسلام . قيل : هو نفى لما كانوا يفعلونه وهم كفار ~~بعد الإسلام . فإن قيل : كيف يجوز أن تخرج الأرض بالوقف من ملك أربابها ، ~~لا إلى ملك مالك ؟ قال الصحاوى : يقال لهم : وما ينكر هذا وقد اتفقت أنت ~~وخصمك على الأرض يجعلها صاحبها مسجدا للمسلمين ويخلى بينهم وبينها ، وقد ~~خرجت بذلك من ملك إلى غير ملك ولكن إلى الله تعالى وكذلك الساقيات والجسور ~~والقناطر فما ألزمت مخالفك فى حجتك عليه يلزمك فى هذا كله . * * * # | 28 - باب وقف الدواب والكراع والعروض والصامت # وقال الزهرى : فيمن جعل ألف دينار فى سبيل الله ، ودفعها إلى غلام له ~~تاجر ، يتجر بها ، وجعل ربحه صدقة للمساكين والأقربين ، هل للرجل أن يأكل ~~من ربح تلك الألف شيئا ؟ وإن لم يكن جعل ربحها صدقة فى المساكين ، قال : ~~ليس له أن يأكل منها . / 34 - فيه : ابن عمر رضى الله عنهما ( أن عمر حمل ~~على فرس له فى سبيل الله أعطاها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~PageV08P197 ليحمل عليها فحمل عليها رجلا ، فأخبر عمر أنه قد وقفها يبيعها ~~، فسأل النبى - صلى الله عليه وسلم - أن يبتاعها ، فقال : لا تبتعها ، ولا ~~ترجعن فى صدقتك ) . اختلف العلماء فى وقف الحيوان والعروض والدنانير ~~والدراهم فأجاز ذلك مالك إلا أنه كره وقف الحيوان ms2755 أن يكون على العقب ، فإن ~~وقع أمضاه . وأجاز ابن القاسم وأشهب وقف الثياب ، وقال محمد بن الحسن ، ~~والشافعى : يجوز وقف الحيوان . وقال أبو حنيفة وأبو يوسف : لا يجوز وقف ~~الحيوان والعروض والدنانير والدراهم . وقالوا : إن هذه أعيان لا تبقى على ~~حال أبد الدهر ، فلا يجوز وقفها ، وأيضا فإن الوقف يصح على وجه التأبيد ، ~~فمن أوجبه فيما لا يتأبد صار كمن أوقف وقفا مؤقتا يوما أو شهرا أو سنة ، ~~وهذا لا يجوز . ولو صح الوقف فيما لا يتأبد لصح فى جميع الأثمان وسائر ما ~~يملك كالهبة والوصية . وقال ابن القصار : الوقف المؤقت يجوز عند مالك ، ~~ويجوز فى جميع الأنواع مما يبقى غالبا ، والدليل على جواز وقف الحيوان ~~والسلاح حديث عمر فى الفرس الذى حمل عليه فى سبيل الله ، وقوله - صلى الله ~~عليه وسلم - : ( إنكم تظلمون خالدا ، إنه قد حبس أدراعه وأعتده فى سبيل ~~الله ) وأعتده هى خيله ، فأخبر أنه حبس خيله وسلاحه فى سبيل الله ، ولفظ ~~حبس يقتضى أن يكون محبوسا عن جميع المنافع إلا على الوجه الذى حبس فيه ، ~~ولو لم يصح تحبيس PageV08P198 ذلك لم يكونوا ظالمين فيما طلبوا من ذلك ، ~~ولكان - صلى الله عليه وسلم - يبطله . فإن قيل : لا حجة فى حديث عمر على ~~جواز وقف الحيوان ؛ لأن هذا الفرس الذى حمل عليه عمر فى سبيل الله إنما كان ~~هبة منه له فلذلك جاز له بيعه ، ولو كان حبسا لم يجز بيعه ، ولذلك قال ~~الشافعى وابن الماجشون : لا يجوز بيع الفرس الحبس ويترك أبدا . فالجواب : ~~أن ربيعة ومالكا أجازا بيع الفرس الحبس إذا لم يبق فيه قوة للغزو ويجعل ~~ثمنه فى آخره . قال ابن لقاسم : فإن لم يبلغ شورك به فيه ، وكذلك الثياب ~~إذا لم يبق فيه منفعة بيعت واشترى بثمنها ما ينتفع به ، فإن لم يكن تصدق به ~~فى سبيل الله . وأما صحة الحجة لحديث عمر فى هذا الباب فإنه لا يخلو أن ~~يكون هذا الفرس الذى حمل عليه عمر حبسا أو هبة وتمليكا . وعلى كلا الوجهين ~~فقد ms2756 جاز للرجل بيعه ، ولم يأمر النبى - صلى الله عليه وسلم - بفسخ البيع ~~حين بلغه ذلك ، وفهم من قوله - صلى الله عليه وسلم - : ( لا تشتره وإن ~~أعطاكه بدرهم واحد ) أن نهيه عن شرائه إنما كان على وجه التنزه لا على ~~التحريم ، ولو كان على التحريم لبين له - صلى الله عليه وسلم - أنه لا يحل ~~شراؤه بدرهم ولا بأقل ، وقد تقدم شىء فى هذا المعنى فى باب إذا حمل على فرس ~~فى سبيل الله فهو كالعمرى والصدقة فى آخر أبواب المنحة والهبات . واختلفوا ~~فى حبس الدنانير والدراهم على من تكون زكاتها ، فقال PageV08P199 مالك فى ~~المدونة : لو أن رجلا حبس مائة دينار موقوفة يسلفها الناس ويردونها هل ترى ~~فيها زكاة ؟ قال : نعم ، الزكاة فيها قائمة كل عام . وخالف ذلك ابن القاسم ~~فقال فى رجل قال لرجل : خذ هذه المائة دينار تتجر فيها ولك ربحها وليس عليك ~~فيها ضمان ، فليس على الذى هى فى يده أن يزكيها ولا على الذى هى له زكاتها ~~حتى يقبضها فيزكيها زكاة واحدة . قال سحنون : أراها كالسلف ، وعليه ضمانها ~~إن تلفت ، كالرجل يحبس المال على الرجل فينتقص أنه ضامن له . وأما قول ~~الزهرى فى الرجل يجعل ألف دينار فى سبيل الله أنه لا يأكل من ربحها ، فإنما ~~ذلك إذا كان فى غنى عنها ، وأما إن احتاج وافتقر فمباح له الأكل منها ويكون ~~كأحد المساكين . قال ابن حبيب : وهذا قول مالك وجميع أصحابنا أنه ينفق على ~~ولد الرجل وولد ولده من حبسه إذا احتاجوا ، وإن لم يكن جعل لهم فى ذلك اسما ~~، فإن استغنوا فلا حق لهم . واستحسن مالك أن لا يستوعبوها إذا احتاجوا وأن ~~يكون منها سهم جار على الفقراء لئلا يدرس . وقاله ربيعة ويحيى بن سعيد . ~~PageV08P200 * * * # | 29 - باب نفقة القيم للوقف # / 35 - فيه : أبو هريرة أن النبى - صلى الله عليه وسلم - قال : لا يقتسم ~~ورثتى دينارا ولا درهما ، ما تركت بعد نفقة نسائى ومؤنة عاملى ، فهو صدقة ) ~~. / 36 - وفيه : ابن عمر أن عمر اشترط فى وقفه أن يأكل ms2757 من وليه ، ويؤكل ~~صديقه غير متمول مالا . إنما أراد البخارى بقوله نفقة القيم للوقف والله ~~أعلم أن يبين أن المراد بقوله - صلى الله عليه وسلم - : ( مئونة عاملى ) ~~أنه عامل أرضه التى أفاءها الله عليه من بنى النضير وفدك وسهمه من خيبر ، ~~وليس عامله حافر قبره كما تأول بعض الفقهاء ، واستشهد على ذلك البخارى ~~بحديث عمر الذى أردفه بعده ؛ أنه شرط فى وقفه أن يأكل من وليه بالمعروف . ~~فبان بهذا أن العامل فى الحبس له منه أجرة عمله وقيامه عليه ، وليس ذلك ~~بتغيير للحبس ولا نقض لشرط المحبس إذا حبس على قوم بأعيانهم ، لا غنى عن ~~عامل يعمل للمال ، وفى هذا من الفقه جواز أخذ أجرة القسام من المال المقسوم ~~، وإنما كره العلماء أجر القسام ؛ لأن على الإمام أن يرزقهم من بيت المال ؛ ~~فإن لم يفعل فلا غنى بالناس عن قاسم يقسم بينهم ، كما لا غنى عن عامل يعمل ~~فى المال ، ومما يشبه هذا المعنى ما روى ابن القاسم عن مالك ، فى الإمام ~~يذكر له أن ناحية من عمله كثيرة العشور قليلة المساكين ، وناحية أخرى قليلة ~~العشور كثيرة المساكين فهل له أن يتكارى ببعض العشور حتى يحملها إلى ~~الناحية الكثيرة المساكين فكره ذلك وقال : أرى أن يكارى PageV08P201 عليه ~~من الفئ أو يبيعه ويشترى هناك طعاما . وقال ابن القاسم : لا يتكارى عليه من ~~الفئ ، أو يبيعه ويشترى هناك طعاما . وقال ابن القاسم : لا يتكارى عليه من ~~الفئ ، ولكن يبيعه ويشترى بثمنه طعاما . وقوله - صلى الله عليه وسلم - : ( ~~ما تركته بعد نفقة نسائى ومئونة عاملى فهو صدقة ) يبين فساد قول من أبطل ~~الأحباس والأوقاف من أجل أنها كانت مملوكة قبل الوقف ، وأنه لا يجوز أن ~~تكون ملكا لمالك ينتقل إلى غير مالك فيقال له : أما أموال بنى النضير وفدك ~~وخيبر لم تنتقل بعد وفاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى أحد ملكها ، ~~بل هى صدقة منه ثابتة على الأيام والليالى ، تجرى عنه فى السبل التى أجراها ~~فيها منذ قبض صلى الله عليه ms2758 ، فكذلك حكم الصدقات المحرمة قائمة على أصولها ~~جارية عليها فيما سبلها فيه صاحبها لا يباع أصلها ولا يوهب ولا يملك . * * ~~* # | 30 - باب إذا وقف أرضا أو بئرا واشترط لنفسه مثل دلاء المسلمين # وأوقف أنس دارا ، فكان إذا قدمها نزلها . وتصدق الزبير بدوره ، وقال ~~للمردودة من بناته أن تسكن غير مضرة ولا مضر بها ، فإن استغنت بزوج ، فليس ~~لها حق ، وجعل ابن عمر نصيبه من دار عمر سكنى لذوى الحاجة من آل عبدالله . ~~/ 37 - فيه : أبو عبدالرحمن أن عثمان حين حوصر ، أشرف عليهم ، وقال : ~~أنشدكم الله ، ولا أنشد إلا أصحاب النبى - صلى الله عليه وسلم - ألستم ~~تعلمون أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : PageV08P202 من حفر رومة ~~فله الجنة ، فحفرتها ؟ ألستم تعلمون أنه قال : من جهز جيش العسرة فله الجنة ~~، فجهزتهم ؟ قال : فصدقوه بما قال . وقال عمر فى وقفه : لا جناح على من ~~وليه أن يأكل ، وقد يليه الواقف وغيره فهو واسع لكل . قال المؤلف : لا خلاف ~~بين العلماء أن من شرط لنفسه ولورثته نصيبا فى وقفه أن ذلك جائز ، وقد تقدم ~~هذا المعنى فى باب هل ينتفع الواقف بوقفه . وأما حديث بئر رومة فإنه وقع فى ~~هذا الباب أن عثمان قال : ( ألستم تعلمون أن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - قال : من حفر بئر رومة فله الجنة فحفرتها ) من رواية شعبة ، عن أبى ~~إسحاق السبيعى ، عن أبى عبد الرحمن السلمى . وهو وهم ممن دون شعبة والله ~~أعلم ، والمعروف فى الأخبار أن عثمان اشتراها لا أنه حفرها ، روى ذلك أبو ~~عيسى الترمذى قال : حدثنا عبد الله بن عبد الرحمن ، حدثنا عبد الله بن جعفر ~~الرقى ، حدثنا عبيد الله بن عمر ، عن زيد بن أبى أنيسة ، عن أبى إسحاق ، عن ~~أبى عبد الرحمن قال : ( هل تعلمون أن بئر رومة لم يكن يشرب منها أحد إلا ~~بثمن فابتعتها فجعلتها للغنى والفقير وابن السبيل ؟ قالوا : اللهم نعم ) ~~ورواه معمر بن سليمان ، عن أبى نضرة ، عن أبى سعيد مولى بنى أسد ، عن عثمان ~~قال ms2759 : ( ألستم تعلمون أنى اشتريت . . . ) ورواه عباس الدورى ، عن يحيى بن ~~PageV08P203 أبى الحجاج المنقرى ، عن أبى مسعود الجريرى ، عن ثمامة بن حزن ~~القشيرى قال : ( شهدت الدار حين أشرف عليهم عثمان فقال : ألستم تعلمون أن ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قدم المدينة وليس بها ماء يستعذب غير بئر ~~رومة فقال : من يشترى بئر رومة ويجعل دلوه فيها كدلاء المسلمين وله بها ~~مشرب فى الجنة . فأتى عثمان اليهودى فساومه بها فأبى أن يبيعها كلها ، ~~فاشترى نصفها باثنى عشر ألف درهم فجعله للمسلمين . فقال له عثمان : إن شئت ~~جعلت على نصيبى قرنين ، وإن شئت فلى يوم ولك يوم . فقال : بل لى يوم ولك ~~يوم . فكان إذا كان يوم عثمان استقى المسلمون ما يكفيهم يومين ، فلما رأى ~~ذلك اليهودى قال : أفسدت على ركيتى فاشتر منى نصيبى . هذا الذى نقله أهل ~~الخبر والسير ، ولا يوجد أن عثمان حفرها إلا فى حديث شعبة ، والله أعلم ممن ~~جاء الوهم ، وذكر ابن الكلبى أنه كان يشترى منها قربة بدرهم قبل أن يشتريها ~~عثمان . * * * # | 31 - باب إذا قال الواقف : لا نطلب ثمنه إلا إلى الله ، فهو جائز # / 38 - فيه : أنس قال : قال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( يا بنى ~~النجار ، ثامنونى بحائطكم ، قالوا : لا نطلب ثمنه إلا إلى الله ) . ~~PageV08P204 قال المؤلف : إنما قال لهم : ( ثامنونى ) أى : اطلبوا ثمن ~~حائطكم منى ، ليبتاعه لمكان المسجد . فقالوا له : لا نبتغى الثمن فيه إلا ~~من الله ، فكان ذلك تسليما منهم للحائط وإخراجا له من ملكهم لله ، لا يجوز ~~رجوعهم فيه ، وأجاز ذلك النبى - صلى الله عليه وسلم - وكان من فعلهم بمنزلة ~~ما لو اشتراه النبى - صلى الله عليه وسلم - ووقفه لمكان المسجد . فإن قيل : ~~قولهم : ( لا نطلب ثمنه إلا إلى الله ) ليس من الألفاظ الموجبة للتحبيس ~~والوقف عند الفقهاء ، وإنما يوجب التحبيس عندهم قوله : هو حبس صدقة ، أو ~~حبس مؤبد ، أو حبس فقط عند مالك على ما تقدم . فالجواب : أنه لما اقترن ~~بقولهم : ( لا نطلب ثمنه إلا إلى الله ) ما علموه أن النبى ms2760 - صلى الله عليه ~~وسلم - إنما أراد ابتياع الحائط منهم لمكان المسجد ، قام ذلك مقام قولهم : ~~هو حبس لله . ولا خلاف أنه لو قال رجل : جعلت دارى هذه مسجدا . أنها وقف ~~غير مملك . وقولهم : ( لا نطلب ثمنه إلا إلى الله ) كقولك : طلبت إلى الله ~~، وطلبت من الله بمعنى واحد . * * * # | 32 - باب قول الله تعالى : { يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر ~~أحدكم الموت حين الوصية } إلى { الفاسقين } [ المائدة : 106 ] # / 39 - فيه : ابن عباس : خرج رجل من بنى سهم مع تميم الدارى وعدى بن بداء ~~، فمات السهمى بأرض ليس بها مسلم ، فلما قدما بتركته فقدوا PageV08P205 ~~جاما من فضة مخوصا من ذهب ، فأحلفهما رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، ~~ثم وجد الجام بمكة ، فقالوا : ابتعناه من تميم وعدى بن بداء ، فقام رجلان ~~من أوليائه ، فحلفا : { لشهادتنا أحق من شهادتهما } وإن الجام لصاحبهم ، ~~قال : وفيهم نزلت هذه الآية : { يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم } . قال ~~المؤلف : اختلف أهل التأويل فى معنى هذه الآية فروى عن ابن عباس أنه أجاز ~~شهادة أهل الكفر على المسلمين فى الوصية فى السفر . وأخذ بذلك الحديث ~~الشعبى وابن المسيب وجماعة من التابعين ، ورأوا الآية محكمة غير منسوخة . ~~وقالت طائفة : الآية منسوخة . وهو قول مالك والكوفيين والشافعى ، واحتجوا ~~بقوله تعالى : { ممن ترضون من الشهداء } [ البقرة : 282 ] ، وقالوا : لا ~~يكون أهل الكتاب عدولا ممن ترضى شهادته . وقد تقدمت هذه المسألة فى آخر ~~كتاب الشهادات . وروى ابن جريح عن عكرمة فى هذه الآية قال : ( كان تميم ~~الدارى وأخوه نصرانيين وهما من لخم ، وكان متجرهما إلى مكة ، فلما هاجر ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى المدينة حولا متجرهما إلى المدينة ~~فقدم ابن أبى مارية مولى عمرو بن العاص المدينة وهو يريد الشام تاجرا ، ~~فخرجوا جميعا حتى إذا كانوا ببعض الطريق مرض ابن أبى مارية فكتب وصيته بيده ~~، ثم دسها فى متاعه ، وأوصى إليهما ، فلما مات فتحا متاعه PageV08P206 ~~فوجدوا فيها أشياء فأخذاها ، فلما قدما على أهله فتحوا متاعه فوجدوا وصيته ~~قد كتب ms2761 فيها عهده وما خرجوا به ، ففقدوا منه أشياء فسألوهما ، فقالا : هذا ~~الذى قبضنا له . فرفعوهما إلى النبى - صلى الله عليه وسلم - فنزلت هذه ~~الآية إلى : { الآثمين } [ المائدة : 106 ] فأمرهما النبى - صلى الله عليه ~~وسلم - أن يستحلفوهما بالله الذى لا إله إلا هو ما قبضنا غير هذا ولا كتمنا ~~، فمكثا ما شاء الله ، ثم ظهر على إناء من فضة منقوش بذهب معهما فقالوا : ~~هذا من متاعه . فقالا : اشتريناه منه . فارتفعوا إلى النبى - صلى الله عليه ~~وسلم - فنزلت : { فإن عثر على أنهما استحقا إثما فآخران يقومان مقامهما } [ ~~المائدة : 107 ] من أولياء الميت ، فأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~رجلين من أهل الميت فكان يقول : صدق الله ورسوله وبلغ ، إنى لأنا أخذت ~~الإناء . والجام إنما يشرب به . وقولهم : مخوص من ذهب يعنى : أنه نقش فيه ~~صفة الخوص وطلى بالذهب ، والخوص : ورق النخل والمقل . * * * # | 33 - باب قضاء الوصى ديون الميت بغير محضر من الورثة # / 40 - فيه : جابر ( أن أباه استشهد يوم أحد ، وترك ست بنات ، وترك عليه ~~دينا ، فلما حضر جداد النخل ، أتيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، ~~فقلت : يا رسول الله ، قد علمت أن والدى استشهد يوم أحد وترك عليه دينا ~~كثيرا ، وإنى أحب أن يراك الغرماء ، قال : اذهب فبيدر كل تمر على ناحيته ، ~~ففعلت ، ثم دعوته ، PageV08P207 فلما نظروا إليه أغروا بى تلك الساعة ، ~~فلما رأى ما يصنعون أطاف حول أعظمها بيدرا ثلاث مرات ، ثم جلس عليه ، ثم ~~قال : ادع أصحابك ، فما زال يكيل لهم حتى أدى الله أمانة والدى ، وأنا ~~والله راض أن يؤدى ، الله أمانة والدى ولا أرجع إلى أخواتى بتمرة ، فسلم ~~والله البيادر كلها ، حتى أنى أنظر إلى البيدر الذى عليه رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - كأنه لم ينقص تمرة واحدة ) . قال المؤلف : لا خلاف بين ~~العلماء أن الوصى يجوز له أن يقضى ديون الميت بغير محضر الورثة على حديث ~~جابر ؛ لأنه لم يحضر جميع ورثة أبيه عند اقتضاء الغرماء ديونهم ، وإنما ~~اختلفوا فى مقاسمة الوصى للموصى ms2762 له على الورثة ، فروى ابن القاسم عن مالك ~~أنه قال : تجوز مقامسة الوصى على الصغار ولا تجوز على الكبير الغائب . وهو ~~قول أبى حنيفة ، قال مالك : لا يقاسم على الكبير الغائب إلا السلطان . قال ~~أبو حنيفة : ومقاسمة الورثة الوصى على الموصى له باطل ، فإن ضاع نصيب ~~الموصى له عند الوصى رجع به على الورثة . وأجازها أبو يوسف وقال : القسمة ~~جائزة على الغيب ولا رجوع لهم على الحضور ، وإن ضاع ما أخذ الوصى . وقال ~~الطحاوى : القياس أن لا يقسم على الكبار ولا على الموصى له ؛ لأنه لا ولاية ~~له عليهم وليس يوصى للموصى له . PageV08P208 * * * # | 56 - كتاب الأحكام # # | 1 - باب قول الله تعالى { وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولى الأمر ~~منكم } [ النساء : 59 ] # / 1 - فيه : أبو هريرة أن النبى - صلى الله عليه وسلم - قال : ( من ~~أطاعنى فقد أطاع الله ، ومن عصانى فقد عصى الله ، ومن أطاع أميرى فقد ~~أطاعنى ، ومن عصى أميرى فقد عصاني ) . / 2 - وفيه : ابن عمر قال النبى - ~~صلى الله عليه وسلم - : ألا كلكم راع ، وكلكم مسئول عن رعيته ، فالإمام ~~الذى على الناس راع ، وهو مسئول عن رعيته . . . الحديث . قال المهلب : هذا ~~يدل على وجوب طاعة السلطان وجوبا مجملا ؛ لأن فى ذلك طاعة الله وطاعة رسوله ~~، فمن ائتمر لطاعة أولى الأمر لأمر الله ورسوله بذلك فطاعتهم واجبة فيما ~~رأوه من وجوه الصلاح حتى إذا خرجوا إلى ما يشك أنه معصية لله لم تلزمهم ~~طاعتهم فيه وطلب الخروج عن طاعتهم بغير مواجهة فى الخلاف . وروى عن أبى ~~هريرة فى قوله تعالى : { وأولى الأمر منكم } [ النساء : 59 ] ، قال : هم ~~الأمراء . وقال الحسن : هم الأمراء والعلماء . وكان مجاهد يقول : هم أصحاب ~~محمد . وربما قال : أولو العقل والفقه فى دين الله . وقال عطاء : هم أهل ~~العلم والفقه ، وطاعة الرسول اتباع الكتاب والسنة . PageV08P209 قال ابن ~~عيينة : سألت زيد بن أسلم ، ولم يكن أحد بالمدينة يفسر القرآن بعد محمد بن ~~كعب تفسيره ، قلت له : ما تقول فى قول الله : { أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ~~وأولى الأمر منكم } [ النساء ms2763 : 59 ] ؟ فقال : اقرأ ما قبلها حتى تعرف . ~~فقرأت : { إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين ~~الناس أن } [ النساء : 58 ] الآية . قال : هذه فى الولاة . وفى حديث ابن ~~عمر أن فرضا على الأمراء نصح من ولاهم الله أمرهم ، وكذلك كل من ذكر فى ~~الحديث ممن استرعى أمرا أو اؤتمن عليه فالواجب عليه بذل النصيحة فيه ، وقد ~~قال - صلى الله عليه وسلم - : ( من استرعى رعية فلم يحطها بنصيحة لم يرح ~~رائحة الجنة ) وسيأتى هذا الحديث بعد هذا فى باب من استرعى رعية ولم ينصح . ~~* * * # | 2 - باب الأمراء من قريش # / 3 - فيه : معاوية أنه بلغه أن عبدالله بن عمرو يحدث أنه سيكون ملك من ~~قحطان ، فغضب ، فقام فأثنى على الله بما هو أهله ، ثم قال : أما بعد ، فإنه ~~بلغنى أن رجالا منكم يحدثون أحاديث ليست فى كتاب الله ، ولا توثر عن رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - ، وأولئك جهالكم ، فإياكم والأمانى التى تضل ~~أهلها ، فإنى سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، يقول : ( إن هذا ~~الأمر فى قريش لا يعاديهم أحد إلا كبه الله فى النار على وجهه ، ما أقاموا ~~الدين ) . / 4 - وفيه : ابن عمر : قال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( لا ~~يزال هذا الأمر فى قريش ما بقى منهم اثنان ) . قال المؤلف : هذا يرد قول ~~النظام وضرار ومن وافقهما من الخوارج أن الإمام ليس من شرطه أن يكون قرشيا ~~. قالوا : وإنما استحق PageV08P210 الإمامة من كان قائما بالكتاب والسنة من ~~أفناء الناس من العجم وغيرهم . قال ضرار : وإن اجتمع رجلان قرشى ونبطى ~~ولينا النبطى ؛ لأنه أقل عشيرة ، فإذا عصى الله وأردنا خلعه كانت شوكته ~~علينا أهون . قال أبو بكر بن الطيب : وهذا قول ساقط لم يعرج المسلمون عليه ~~، وقد ثبت عن النبى - صلى الله عليه وسلم - أن الخلافة فى قريش ، وعمل بذلك ~~المسلمون قرنا بعد قرن فلا معنى لقولهم ، وقد صح عن النبى - صلى الله عليه ~~وسلم - أنه أوصى بالأنصار ، وقال : ( من ولى منكم من هذا الأمر شيئا ~~فليتجاوز ms2764 عن مسيئهم ) ولو كان الأمر إليهم كما أوصى بهم . ومما يشهد لصحة ~~هذه الأحاديث احتجاج أبى بكر وعمر بها على رءوس الأنصار فى السقيفة ، وما ~~كان من إذعان الأنصار ، وخنوعهم لها عند سماعها وإذكارهم بها حتى قال سعد ~~بن عبادة : منا الوزراء ، ومنكم الأمراء . ورجعت الأنصار عما كانوا عليه ~~حين تبين لهم الحق بعد أن نصبوا الحرب ، وقال الحباب بن المنذر : أنا ~~جذيلها المحكك ، وعذيقها المرجب . وانقادوا لأبى بكر مذعنين . ولولا علمهم ~~بصحة هذه الأخبار لم يلبثوا أن يقدحوا فيها ، ويتعاطوا ردها ، ولا كانت ~~قريش بأسرها تقر كذبا يدعى عليها ؛ لأن العادة جرت فيما لم يثبت من الأخبار ~~أن يقع الخلاف والقدح فيها عند التنازع ، ولا سيما إذا احتج به فى هذا ~~الأمر العظيم مع إشهار السيوف ، واختلاط القول . ومما يدل على كون الإمام ~~قريشا اتفاق الأمة فى الصدر الأول وبعده من الأعصار على اعتبار ذلك فى صفة ~~الإمام قبل حدوث الخلاف فى PageV08P211 ذلك ، فثبت أن الحق فى اجتماعها ~~وإبطال قول من خالفها ، وسيأتى فى كتاب الرجم فى باب الرجم للحبلى من الزنا ~~إذا أحصنت شىء من هذا المعنى . قال المهلب : وأما حديث عبد الله بن عمرو ~~أنه سيكون ملك من قحطان ، فيحتمل أن يكون ملكا غير خليفة على الناس من غير ~~رضا به ، وإنما أنكر ذلك معاوية لئلا يظن أحد أن الخلافة تجوز فى غير قريش ~~، ولو كان عند أحد فى ذلك علم من النبى - صلى الله عليه وسلم - لأخبر به ~~معاوية حين خطب بإنكار ذلك عليهم ، وقد روى فى الحديث أن ذلك إنما يكون عند ~~ظهور أشراط الساعة وتغيير الدين ، روى أبو هريرة عن النبى - صلى الله عليه ~~وسلم - أنه قال : ( لا تقوم الساعة حتى يخرج رجل من قحطان يسوق الناس بعصاه ~~) فقوله : ( لا تقوم الساعة ) يدل أن ذلك من أشراط القيامة ومما لا يجوز ، ~~ولذلك ترجم البخارى بهذا الحديث فى كتاب الفتن فى باب تغير الزمان حتى تعبد ~~الأوثان ، وفهم منه هذا المعنى . * * * # | 3 - باب أجر من ms2765 قضى بالحكمة وقوله تعالى : { ومن لم يحكم بما أنزل الله ~~فأولئك هم الفاسقون } [ المائدة : 44 ] # . / 5 - فيه : عبدالله : قال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( لا حسد ~~إلا فى اثنتين : رجل آتاه الله مالا فسلطه على هلكته فى الحق ، وآخر آتاه ~~الله حكمة فهو يقضى بها ويعلمها ) . قال المؤلف : روى عن الشعبى أنه سئل عن ~~قوله تعالى : { ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون } [ المائدة ~~: 44 ] و { الظلمون } [ المائدة : 45 ] و { الفاسقون } [ المائدة : 47 ] ~~فقال : الكافرون فى أهل الإسلام ، والظالمون فى PageV08P212 اليهود ، ~~والفاسقون فى النصارى . وقال الحسن : نزلت فى أهل الكتاب ، تركوا أحكام ~~الله كلها ، يعنى فى الرجم والديات . قال الحسن : وهى علينا واجبة . قال ~~عطاء وطاوس : كفر ليس ككفر الشرك وظلم ليس كظلم الشرك ، وفسق ليس كفسق ~~الشرك . قال إسماعيل بن إسحاق : وظاهر الآيات تدل أن من فعل مثل ما فعلوا ، ~~واخترع حكما خالف به حكم الله وجعله دينا يعمل به لزمه مثل ما لزمهم من ~~لزوم الوعيد حاكما كان أو غيره ، ألا ترى أن ذلك نسب إلى جملة اليهود حين ~~عملوا به ؟ قال المؤلف : ودلت الآيات على أن من قضى بما أنزل الله فقد ~~استحق جزيل الأجر ، ألا ترى أن النبى - صلى الله عليه وسلم - أباح حسده ~~ومنافسته ، فدل أن ذلك من أشرف الأعمال وأجل ما تقرب به إلى الله ، وقد روى ~~ابن المنذر ، عن محمد بن إسماعيل ، حدثنا الحسن بن على ، حدثنا عمران ~~القطان أبو العوام ، عن أبى إسحاق الشيبانى ، عن ابن أبى أوفى قال : قال ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( الله مع القاضى ما لم يجر ؛ فإذا جار ~~تخلى عنه ، ولزمه الشيطان ) . * * * # | 4 - باب السمع والطاعة للإمام ما لم تكن معصية # / 6 - فيه : أنس : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( اسمعوا ~~وأطيعوا ، وإن استعمل عليكم عبد حبشي كأن رأسه زبيبة ) . / 7 - وفيه : ابن ~~عباس قال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( من رأى من أميره شيئا فكرهه ، ~~فليصبر فإنه ليس أحد يفارق الجماعة شبرا ms2766 ، فيموت إلا مات ميتة جاهلية ) . ~~PageV08P213 / 8 - وفيه : ابن عمر ، قال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( ~~السمع والطاعة على المرء المسلم فيما أحب وكره ، ما لم يؤمر بمعصية ، فإذا ~~أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة ) . / 9 - وفيه : على : أن النبى - صلى الله ~~عليه وسلم - بعث سرية ، وأمر عليهم رجلا من الأنصار ، وأمرهم أن يطيعوه ، ~~فغضب عليهم ، وقال : أليس قد أمر النبى - صلى الله عليه وسلم - أن تطيعونى ~~؟ قالوا : بلى قال : قد عزمت عليكم لما جمعتم حطبا ، وأوقدتم نارا ، ثم ~~دخلتم فيها ، فجمعوا حطبا ، فأوقدوا نارا ، فلما هموا بالدخول ، فقام ينظر ~~بعضهم إلى بعض ، فقال بعضهم : إنما تبعنا النبى - صلى الله عليه وسلم - ~~فرارا من النار ، أفندخلها ؟ فبينما هم كذلك ؛ إذ خمدت النار وسكن غضبه ، ~~فذكر للنبى - صلى الله عليه وسلم - فقال : ( لو دخلوها ما خرجوا منها أبدا ~~إنما الطاعة فى المعروف ) . قال محمد بن جرير : فى حديث على وحديث ابن عمر ~~البيان الواضح عن نهى الله على لسان رسوله عباده عن طاعة مخلوق فى معصية ~~خالقه ، سلطانا كان الآمر بذلك ، أو سوقة ، أو والدا ، أو كائنا من كان . ~~فغير جائز لأحد أن يطيع أحدا من الناس فى أمر قد صح عنده نهى الله عنه . ~~فإن ظن ظان أن فى قوله - صلى الله عليه وسلم - فى حديث أنس : ( اسمعوا ~~وأطيعوا وإن استعمل عليكم عبد حبشى ) وفى قوله فى حديث ابن عباس : ( من رأى ~~من أميره شيئا يكرهه فليصبر ) حجة لمن أقدم على معصية الله بأمر سلطان أو ~~غيره ، وقال : قد وردت الأخبار بالسمع والطاعة لولاة الأمر فقد ظن خطئا ، ~~وذلك أن أخبار رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا يجوز أن تتضاد ، ونهيه ~~وأمره لا يجوز أن يتناقض أو يتعارض ، وإنما الأخبار الواردة بالسمع والطاعة ~~لهم ما لم يكن خلافا لأمر الله وأمر PageV08P214 رسوله ، فإذا كان خلافا ~~لذلك فغير جائز لأحد أن يطيع أحدا فى معصية الله ومعصية رسوله ، وبنحو ذلك ~~قال عامة السلف . حدثنا أبو كريب قال : حدثنا ابن إدريس ، قال ms2767 : حدثنا ~~إسماعيل بن أبى خالد ، عن مصعب بن سعد قال : قال على ، رضى الله عنه : حق ~~على الإمام أن يحكم بما أنزل الله ويؤدى الأمانة ، فإذا فعل ذلك فحق على ~~الناس أن يسمعوا ويطيعوا . وروى مثله عن معاذ بن جبل . قال المهلب : قوله - ~~صلى الله عليه وسلم - : ( اسمعوا وأطيعوا وإن استعمل عليكم عبد حبشى ) لا ~~يوجب أن يكون المستعمل للعبد إلا إمام قرشى ، لما تقدم أنه لا تجوز الإمامة ~~إلا فى قريش ، وإنما أجمعت الأمة على أنه لا يجوز أن تكون الإمامة فى ~~العبيد . وقوله : ( من رأى شيئا يكرهه فليصبر ) يعنى : من الظلم والجور . ~~فأما من رأى شيئا من معارضة الله ببدعة أو قلب شريعة ، فليخرج من تلك الأرض ~~ويهاجر منها ، وإن أمكنه إمام عدل واتفق عليه جمهور الناس فلا بأس بخلع ~~الأول ، فإن لم يكن معه إلا قطعة من الناس أو ما يوجب الفرقة فلا يحل له ~~الخروج . قال أبو بكر بن الطيب : أجمعت الأمة أنه يوجب خلع الإمام وسقوط ~~فرض طاعته كفره بعد الإيمان ، وتركه إقامة الصلاة والدعاء إليها ، واختلفوا ~~إذا كان فاسقا ظالما غاصبا للأموال ؛ يضرب الأبشار ويتناول النفوس المحرمة ~~ويضيع الحدود ويعطل الحقوق فقال كثير من الناس : يجب خلعه لذلك . وقال ~~الجمهور من الأمة وأهل الحديث : لا يخلع بهذه الأمور ، ولا يجب الخروج عليه ~~؛ بل يجب وعظه وتخويفه وترك طاعته فيما PageV08P215 يدعو إليه من معاصى ~~الله ، واحتجوا بقوله - صلى الله عليه وسلم - : ( اسمعوا ، وأطيعوا وإن ~~استعمل عليكم عبد حبشى ) وأمره بالصلاة وراء كل بر وفاجر ، وروى أنه قال : ~~أطعهم وإن أكلوا مالك وضربوا ظهرك ما أقاموا الصلاة ) . قال القاضى أبو بكر ~~: ومما يوجب خلع الإمام تطابق الجنون عليه وذهاب تمييزه حتى ييئس من صحته ، ~~وكذلك إن صم أو خرس وكبر وهرم ، أو عرض له أمر يقطعه من مصالح الأمة ؛ لأنه ~~إنما نصب لذلك ؛ فإذا عطل ذلك وجب خلعه ، وكذلك إن جعل مأسورا فى أيدى ~~العدو إلى مدة يخاف معها الضرر الداخل على الأمة وييئس من خلاصه ms2768 وجب ~~الاستبدال به . فإن فك أسره وثاب عقله أو برئ من زمانته ومرضه لم يعد إلى ~~أمره وكان رعية للأول ؛ لأنه عقد له عند خلعه وخروجه من الحق فلا حق له فيه ~~، ولا يوجب خلعه حدوث فضل فى غيره كما يقول أصحابنا : إن حدوث الفسق فى ~~الإمام بعد العقد لا يوجب خلعه ، ولو حدث عند ابتداء العقد لبطل العقد له ~~ووجب العدول عنه . وأمثال هذا فى الشريعة كثير ، منها أن المتيمم لو وجد ~~الماء قبل دخوله فى الصلاة لوجب عليه الوضوء به ، ولو طرأ عليه وهو فيها لم ~~يلزمه ، وكذلك لو وجبت عليه الرقبة فى الكفارة وهو موسر لم يجزئه غيرها ، ~~ولو حدث له اليسار بعد مضيه فى شىء من الصيام لم يبطل حكم صيامه ولا لزمه ~~غيره . قال المهلب : وقوله فى حديث على : ( لو دخلوها ما خرجوا منها أبدا ) ~~فالأبد هاهنا يراد به أبد الدنيا ؛ لقوله تعالى : { إن الله لا يغفر أن ~~يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء } [ النساء : 48 ] ، ومعلوم أن الذين ~~هموا بدخول النار لم يكفروا بذلك فيجب عليهم التخليد أبد PageV08P216 ~~الآخرة ، ألا ترى قولهم : ( إنما اتبعنا النبى - صلى الله عليه وسلم - ~~فرارا من النار ) فدل هذا أنه أراد - صلى الله عليه وسلم - : لو دخلوها ~~لماتوا فيها ولم يخرجوا منها مدة الدنيا ، والله أعلم . * * * # | 5 - باب من لم يسأل الإمارة أعانه الله عليها # / 10 - فيه : عبدالرحمن بن سمرة ، قال : قال النبى - صلى الله عليه وسلم ~~- : يا عبدالرحمن ، لا تسأل الإمارة ، فإنك إن أعطيتها عن مسألة وكلت إليها ~~، وإن أعطيتها عن غير مسألة أعنت عليها ، وإذا حلفت على يمين ، فرأيت غيرها ~~خيرا منها فكفر عن يمينك ، وأت الذى هو خير ) . وترجم له باب من سأل ~~الإمارة وكل إليها . قال المهلب : فيه دليل على أنه من تعاطى أمرا وسولت له ~~نفسه أنه قائم بذلك الأمر أنه يخذل فيه فى أغلب الأحوال ؛ لأنه من سأل ~~الإمارة لم يسألها إلا وهو يرى نفسه أهلا لها ، فقد قال - صلى الله ms2769 عليه ~~وسلم - : ( وكل إليها ) بمعنى لم يعن على ما أعطاه ، والتعاطى أبدا مقرون ~~بالخذلان ، وإن من دعى إلى عمل أو إمامة فى الدين فقصر نفسه عن تلك المنزلة ~~وهاب أمر الله ؛ رزقه الله المعونة ، وهذا إنما هو مبنى على أنه من تواضع ~~لله رفعه ، وذكر ابن المنذر من حديث أبى عوانة ، عن عبد الأعلى التغلبى ، ~~عن بلال بن مرداس الفزارى ، عن حميد ، عن أنس ، عن النبى - صلى الله عليه ~~وسلم - قال : ( من ابتغى القضاء واستعان عليه بالشفعاء وكل إلى نفسه ، ومن ~~أكره عليه أنزل الله إليه ملكا يسدده ) وهذا تفسير قوله : ( أعنت عليها ) ~~فى حديث ابن سمرة . PageV08P217 * * * # | 6 - باب ما يكره من الحرص على الإمارة # / 11 - فيه : أبو هريرة ، قال له النبى - صلى الله عليه وسلم - : إنكم ~~ستحرصون على الإمارة ، وستكون ندامة يوم القيامة ، فنعم المرضعة ، وبئست ~~الفاطمة ) . / 12 - وفيه : أبو موسى : ( دخلت على النبى - صلى الله عليه ~~وسلم - أنا ورجلان من قومى ، فقال أحد الرجلين : أمرنا يا رسول الله ، وقال ~~الآخر مثله ، فقال : إنا لا نولى هذا من سأله ، ولا من حرص عليه ) . قال ~~المهلب : حرص الناس على الإمارة ظاهر العيان ، وهو الذى جعل الناس يسفكون ~~عليها دماءهم ، ويستبيحون حريمهم ، ويفسدون فى الأرض حين يصلون بالإمارة ~~إلى لذاتهم ، ثم لابد أن يكون فطامهم إلى السوء وبئس الحال ؛ لأنه لا يخلو ~~أن يقتل عليها أو يعزل عنها وتلحقه الذلة أو يموت عليها فيطالب فى الآخرة ~~فيندم . والحرص الذى اتهم النبى - صلى الله عليه وسلم - صاحبه ولم يوله هو ~~أن يطلب من الإمارة ما هو قائم لغيره متواطئا عليه ، فهذا لا يجب أن يعان ~~عليه ويتهم طالبه ، وأما إن حرص على القيام بأمر ضائع من أمور المسلمين أو ~~حرص على سد خلة فيهم ، وإن كان له أمثال فى الوقت والعصر لم يتحركوا لهذا ، ~~فلا بأس أن يحرص على القيام بالأمر الضائع ولا يتهم هذا إن شاء الله . وبين ~~هذا المعنى حديث خالد بن الوليد حين أخذ الراية من غير إمرة ففتح ms2770 له . ~~PageV08P218 * * * # | 7 - باب من استرعى رعية فلم ينصح # / 13 - فيه : الحسن ، أن عبيدالله بن زياد عاد معقل بن يسار فى مرضه الذى ~~مات فيه ، فقال له معقل : إنى محدثك حديثا سمعته من رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - ، سمعت النبى - صلى الله عليه وسلم - يقول : ( ما من عبد ~~استرعاه الله رعية ، فلم يحطها بنصيحة ، إلا لم يجد رائحة الجنة ) . وقال ~~مرة : ( ما من وال يلى رعية من المسلمين ، فيموت وهو غاش لهم إلا حرم الله ~~عليه الجنة ) . قال المؤلف : النصيحة فرض على الوالى لرعيته وقد قال - صلى ~~الله عليه وسلم - : ( الأمير الذى على الناس راع ومسئول عن رعيته ) فمن ضيع ~~من استرعاه الله أمرهم أو خانهم أو ظلمهم ؛ فقد توجه إليه الطلب بمظالم ~~العباد يوم القيامة فكيف يقدر على التحلل من ظلم أمة عظيمة ؟ وهذا الحديث ~~بيان وعيد شديد على أئمة الجور . وقوله - صلى الله عليه وسلم - : ( لم يجد ~~رائحة الجنة ) و ( حرم الله عليه الجنة ) فمعناه عند أهل السنة إن لم يرض ~~الله الطالبين عنه فأراد تعالى أن ينفذ عليه الوعيد ؛ لأن المذنبين من ~~المؤمنين فى مشيئة الله تعالى . ويجب على الوالى أن لا يحتجب عن المظلومين ~~، فقد جاء فى ذلك وعيد شديد . روى الوليد بن مسلم ، عن يزيد بن أبى مريم ، ~~عن القاسم بن مخيمرة ، عن أبى مريم الفلسطينى ، وكان من أصحاب النبى - صلى ~~الله عليه وسلم - ، قال : سمعت النبى - صلى الله عليه وسلم - يقول : ( من ~~ولى PageV08P219 من أمور الناس شيئا فاحتجب عن خلتهم وحاجتهم وفاقتهم احتجب ~~الله عن خلته وحاجته وفاقته ) . ويجب على الوالى أن لا يولى أحدا من عصابته ~~، وفى الناس من هو أرضى منه ، فقد روى عن ابن عباس ، عن النبى - صلى الله ~~عليه وسلم - أنهم إن فعلوا ذلك فقد خانوا الله ورسوله ، وخانوا جميع ~~المؤمنين . * * * # | 8 - باب من شاق شق الله عليه # / 14 - فيه : طريف أبو تميمة ، قال : شهدت صفوان ، وجندبا ، وأصحابه وهو ~~يوصيهم ، فقالوا : هل سمعت من رسول الله - صلى الله عليه وسلم ms2771 - شيئا ؟ قال ~~: سمعته يقول : ( من سمع سمع الله به يوم القيامة ، ومن يشاقق يشقق الله ~~عليه يوم القيامة ، فقالوا : أوصنا ، فقال : إن أول ما ينتن من الإنسان ~~بطنه ، فمن استطاع أن لا يأكل إلا طيبا فليفعل ، ومن استطاع أن لا يحال ~~بينه وبين الجنة بملء كفه من دم أهراقه فليفعل ) . قوله - صلى الله عليه ~~وسلم - : ( من سمع سمع الله به ) قال صاحب العين : سمعت بالرجل : إذا أذعت ~~عنه عيبا والسمعة : ما سمع به من طعام أو غيره ليرى ويسمع ( ومصداق هذا ~~الحديث فى كتاب الله قوله تعالى : { إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة فى ~~الذين آمنوا لهم عذاب أليم فى الدنيا والآخرة } [ النور : 13 ] . وقوله : ( ~~ومن يشاقق يشقق الله عليه ) فالمشاقاة فى اللغة مشتقة من PageV08P220 ~~الشقاق وهو الخلاف ، ومنه قوله تعالى : { ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين ~~له الهدى } [ النساء : 115 ] الآية . والمراد بالحديث النهى عن القول ~~القبيح فى المؤمنين وكشف مساوئهم وعيوبهم وترك مخالفة سبيل المؤمنين ، ~~ولزوم جماعتهم ، والنهى عن إدخال المشقة عليهم والإضرار بهم . وفى الحديث ~~من المعانى أن المجازاة قد تكون من جنس الذنب ، ألا ترى قوله - صلى الله ~~عليه وسلم - : ( من سمع سمع الله به ، ومن يشاقق يشقق الله عليه ) قال صاحب ~~العين : شق الأمر عليك مشقة : أضر بك . وفى وصية أبى تميمة الحض على أكل ~~الحلال والكف عن الدماء . * * * # | 9 - باب القضاء والفتيا فى الطريق # وقضى يحيى بن يعمر فى الطريق ، وقضى الشعبى على باب داره . / 15 - فيه : ~~أنس : بينما أنا والنبى - صلى الله عليه وسلم - خارجان من المسجد ، فلقينا ~~رجل عند سدة المسجد ، فقال : يا رسول الله ، متى الساعة ؟ قال النبى - صلى ~~الله عليه وسلم - : ما أعددت لها ؟ فكأن الرجل استكان ، ثم قال : يا رسول ~~الله ، ما أعددت لها كبير صيام ، ولا صلاة ، ولا صدقة ، ولكنى أحب الله ~~ورسوله ، قال : أنت مع من أحببت ) . قال المهلب : الفتوى فى الطريق على ~~الدابة وما يشاكلها من التواضع لله عز وجل فإن كان الفتوى لضعيف أو ms2772 جاهل ~~فهو PageV08P221 محمود عند الله وعند الناس وإن تكلف ذلك لرجل من أهل ~~الدنيا أو لمن يخشى لسانه فهو مكروه للحاكم أن يترك مكانه وخطته . واختلف ~~أصحاب مالك فى القضاء سائرا أو ماشيئا ، فقال أشهب : لا بأس بذلك إذا لم ~~يشغله السير أو المشى عن الفهم . وقال سحنون : لا ينبغى أن يقضى وهو يسير ~~أو يمشى ، وقال ابن حبيب : ما كان من ذلك يسيرا كالذى يأمر بسجن من وجب ~~عليه أو يأمر بشىء أو يكف عن شىء فلا بأس بذلك ، وأما أن يبتدئ نظرا ويرجع ~~الخصوم وما أشبه ذلك فلا ينبغى . وهذا قول حسن . وقول أشهب أشبه بدليل ~~الحديث . وفيه دليل على جواز تنكيب العالم بالفتيا عن نفس ما سئل عنه إذا ~~كانت المسألة لا تعرف أو كان مما لا حاجة بالناس إلى معرفتها ، وكانت مما ~~يخشى منها الفتنة وسوء التأويل . * * * # | 10 - باب ما ذكر أن النبى - صلى الله عليه وسلم - لم يكن له بواب # / 16 - فيه : أنس أن النبى - صلى الله عليه وسلم - مر بامرأة وهى تبكى ~~عند قبر ، فقال لها : اتقى الله واصبرى ، فقالت : إليك عنى فإنك خلو من ~~مصيبتى ، فجاوزها ، ومضى فمر بها رجل ، فقال : ما قال لك رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - ؟ قالت : ما عرفته ، قال : إنه لرسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - ، قال : فجاءت إلى بابه ، فلم تجد عليه بوابا ، فقالت : يا ~~رسول الله ، والله ما عرفتك ، فقال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( إن ~~الصبر عند أول صدمة ) . قال المهلب : لم يكن للنبى بواب راتب ، وقد جاء فى ~~حديث القف PageV08P222 والمشربة أنه كان له بواب ، فدل حديث أنس أنه - صلى ~~الله عليه وسلم - إذا لم يكن على شغل من أهله ولا انفراد لشىء من أمره أنه ~~كان يرفع حجابه بينه وبين الناس ويبرز لطالبيه وذوى الحاجة إليه ؛ لأن الله ~~قد كان أمنه أن يغتال أو يهاج أو تطلب غرته فيقتل ، قال تعالى : { والله ~~يعصمك من الناس } [ المائدة : 67 ] وقد أراد عمر بن عبد العزيز ms2773 أن يسلك هذه ~~الطريقة تواضعا لله فمنع الشرط والبوابين فتكاثر الناس تكاثرا اضطره إلى ~~الشرط فقال : لابد للسلطان من وزعة . قال الطبرى : دل حديث عمر حين استأذن ~~له الأسود على النبى - صلى الله عليه وسلم - فى المشربة أنه فى وقت خلوته ~~وشغله بنفسه فيما لابد له منه كان يتخذ بوابا ؛ ليعلم من قصده أنه خال فيما ~~لابد له منه ، ولولا ذلك لم يكن لعمر حاجة إلى مسألة الأسود للاستئذان له ~~على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ؛ بل كان يكون هو المستأذن لنفسه ~~فبان بحديث عمر أن معنى رواية من روى عنه أنه لم يكن له بواب يريد فى ~~الأوقات التى كان يظهر فيها للناس ويبرز إليهم ، وأما فى وقت حاجته وخلوته ~~فلا . وعلى هذا النحو من فعله - صلى الله عليه وسلم - فى اتخاذه البواب ، ~~ورفعه الحجاب والبواب عن بابه وبروزه لطالبه كان احتجاب من احتجب من ~~اللأئمة واتخاذ من اتخذ البواب وظهور من ظهر للناس منهم . وروى شعبة ، عن ~~أبى عمران الجونى ، عن عبد الله بن الصامت أن أبا ذر لما قدم على عثمان قال ~~: ( يا أمير المؤمنين ، افتح الباب يدخل الناس ) فدل هذا الحديث عن عثمان ~~أنه كان يبرز أحيانا ، ويظهر لأهل الحاجة ، ويحتجب أحيانا فى أوقات حاجاته ~~، ونظير ذلك كان يفعل عمر بن عبد العزيز . روى عن جرير ، عن مغيرة ، ~~PageV08P223 عن زيد الطيب قال : دخلت على عمر بن عبد العزيز فقال لى : ما ~~يقول الناس ؟ قلت : يقولون : إنك شديد الحجاب . فقال : لابد لى أن أخلو ~~فيما يرفع إلى الناس من المظالم ، فأنظر فيها . * * * # | 11 - باب الحاكم يحكم بالقتل على من وجب عليه دون الإمام الذى فوقه # / 17 - فيه : أنس : إن قيس بن سعد كان يكون بين يدى النبى - صلى الله ~~عليه وسلم - بمنزلة صاحب الشرط من الأمير ) . / 18 - وفيه : أبو موسى أن ~~النبى - صلى الله عليه وسلم - بعثه ، وأتبعه بمعاذ بن جبل . / 19 - وفيه : ~~أبو موسى : أن رجلا أسلم ثم تهود ، فأتى معاذ بن جبل ، وهو عند ms2774 أبى موسى ، ~~فقال : ما لهذا ؟ قال : أسلم ثم تهود ، قال : لا أجلس حتى أقتله . اختلف ~~العلماء فى هذا الباب فقال ابن القاسم فى المجموعة : لا يقيم الحدود فى ~~القتل ولاة المياه ، وليجلب إلى الأمصار ولا يقام القتل بمصر كلها إلا ~~بالفسطاط أو يكتب إلى والى الفسطاط بذلك . وقال أشهب : من ولاه الأمير ~~وجعله واليا على بعض المياه ، وجعل ذلك إليه فليقم الحد فى القتل والقطع ~~وغيره ، وإن لم يجعله إليه فلا يقيمه . وذكر الطحاوى عن أصحابه الكوفيين ~~قال : لا يقيم الحدود إلا أمراء الأمصار وحكامها ، ولا يقيمها عامل السواد ~~ونحوه . وذكر عن مالك قال : لا يقيم الحدود كل الولاة فى الأمصار والسواد . ~~وقال PageV08P224 الشافعى : إذا كان الوالى عدلا يضع الصدقة مواضعها فله ~~عقوبة غل صدقته ، وإن لم يكن عدلا لم يكن له أن يعزره . والحجة لمن رأى ~~للحاكم والوالى إقامة الحدود دون الإمام الذى فوقه حديث معاذ أنه قتل ~~المرتد دون أن يرفع أمره إلى النبى - صلى الله عليه وسلم - . وذهب الكوفيون ~~إلى أن القاضى حكمه حكم الوكيل لا تنطلق يده إلا على ما أذن له فيه وأطلق ~~عليه ، وحكمه عند من خالفهم حكم الوصى له التصرف فى كل شىء ، وتنطلق يده ~~على النظر فى جميع الأشياء ما لم يستثن عليه وجه ، فلا يجوز أن ينظر فيه . ~~* * * # | 12 - باب هل يقضى القاضى أو يفتى وهو غضبان ؟ # / 20 - فيه : أبو بكرة ، أنه كتب إلى ابنه ، وكان بسجستان ، بأن لا تقضى ~~بين اثنين وأنت غضبان ، فإنى سمعت النبى - صلى الله عليه وسلم - يقول : ( ~~لا يقضين حكم بين اثنين وهو غضبان ) . / 21 - وفيه : أبو مسعود : ( جاء رجل ~~إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال : يا رسول الله ، إنى والله ~~لأتأخر عن صلاة الغداة من أجل فلان مما يطيل بنا فيها ، قال : فما رأيت ~~النبى - صلى الله عليه وسلم - قط أشد غضبا فى موعظة منه يومئذ ، ثم قال : ~~يا أيها الناس ، إن منكم منفرين ، فأيكم ما صلى بالناس فليوجز ، فإن فيهم ~~الكبير والضعيف ms2775 وذا الحاجة ) . / 22 - وفيه : ابن عمر ، أنه طلق امرأته وهى ~~حائض ، فذكر عمر للنبى - صلى الله عليه وسلم - ، فتغيظ عليه النبى - صلى ~~الله عليه وسلم - ، ثم قال : ( ليراجعها ، ثم ليمسكها حتى تطهر ، ثم تحيض ~~فتطهر ، فإن بدا له أن يطلقها فليطلقها ) . PageV08P225 قال المهلب : قوله ~~- صلى الله عليه وسلم - : ( لا يقضى بين اثنين وهو غضبان ) ندب منه خوف ~~التجاوز ، ولذلك كره العلماء أن يقضى القاضى وهو غضبان ، روى ذلك عن عمر بن ~~الخطاب وشريح وعمر بن عبد العزيز ، وهو قول مالك والكوفيين والشافعى . فإن ~~قيل : فقد قضى النبى - صلى الله عليه وسلم - وهو غضبان . قيل : إنما فعل ~~ذلك لأنه لم يخش التجاوز والميل فى حكمه ؛ لأنه معصوم بخلاف غيره من البشر ~~، وإنما يستعمل الغضب فى القضاء والفتيا كما استعمله النبى - صلى الله عليه ~~وسلم - أنه رأى شيئا من الشريعة والسنة قد غير عن حاله ، ومن الأحوال التى ~~تكره للقاضى أن يقضى فيها أن يكون جائعا ، روى عن شريح أنه كان إذا غضب أو ~~جاع قام . وكان الشعبى يأكل عند طلوع الشمس فقيل له . فقال : آخذ حلمى قبل ~~أن أخرج إلى القضاء . ولا يقضى ناعسا ولا مغموما . قال الشعبى : وأى حال ~~جاءت عليه مما يعلم أنها تغير عقله أو فهمه امتنع من القضاء فيها . * * * # | 13 - باب من رأى للقاضى أن يحكم بعلمه فى أمر الناس إذا لم يخف الظنون ~~والتهمة # كما قال النبى - صلى الله عليه وسلم - لهند : ( خذى ما يكفيك وولدك ~~بالمعروف ) ، وذلك إذا كان أمرا مشهورا . / 23 - فيه : عائشة : جاءت هند ~~بنت عتبة بن ربيعة ، فقالت : يا رسول الله ، PageV08P226 والله ما كان على ~~ظهر الأرض أهل خباء أحب إلى أن يذلوا من أهل خبائك ، وما أصبح اليوم على ~~ظهر الأرض أهل خباء أحب إلى أن يعزوا من أهل خبائك ، ثم قالت : إن أبا ~~سفيان رجل مسيك ، فهل على من حرج أن أطعم من الذى له عيالنا ؟ قال لها : لا ~~حرج عليك أن تطعميهم من معروف ) . اختلف العلماء فى القاضى هل ms2776 يقضى بعلمه ؟ ~~فقال الشافعى وأبو ثور : جائز له أن يقضى بعلمه فى حقوق الله وحقوق الناس ، ~~سواء علم ذلك قبل القضاء أو بعده . وقال الكوفيون : ما شاهده الحاكم من ~~الأفعال الموجبة للحدود قبل القضاء أو بعده ، فإنه لا يحكم فيها بعلمه إلا ~~القذف ، وما علمه قبل القضاء من حقوق الناس لم يحكم فيه بعلمه فى قول أبى ~~حنيفة . وقال أبو يوسف ومحمد : يحكم فيما علمه قبل القضاء بعلمه . وقالت ~~طائفة : لا يقضى بعلمه أصلا فى حقوق الله وحقوق الآدميين ، وسواء علم ذلك ~~قبل القضاء أو بعده أو فى مجلسه . هذا قول شريح والشعبى ، وهو قول مالك ~~وأحمد وإسحاق وأبى عبيد ، وقال الأوزاعى : ما أقر به الخصمان عنده أخذهما ~~به وأنفذه عليهما إلا الحدود . واحتج الشافعى بحديث هند وأن النبى - صلى ~~الله عليه وسلم - قضى لها ولولدها على أبى سفيان بنفقتهم ولم يسألها على ~~ذلك بينة ؛ لعلمه بأنها زوجته وأن نفقتها ونفقة ولدها واجبة فى ماله ، فحكم ~~بذلك على أبى سفيان لعلمه بوجوب ذلك ، وأيضا فإنه متيقن لصحة ما يقضى به ~~إذا علمه علم يقين وليس كذلك الشهادة ؛ لأنها قد تكون كاذبة أو واهمة . ~~PageV08P227 وقد أجمعوا على أنه له أن يعدل ويسقط العدول بعلمه إذا علم أن ~~ماشهدوا به على غير ما شهدوا به ، وينفذ علمه فى ذلك ولا يقضى بشهادتهم ، ~~مثال ذلك أن يعلم بنتا لرجل ولدت على فراشه ، فإن أقام شاهدين أنها مملوكته ~~فلا يجوز أن يقبل شهادتهما ويبيح له فرجا حراما ، وكذلك لو رأى رجلا قتل ~~رجلا ، ثم جئ بغير القاتل وشهد شاهدان أنه القاتل فلا يجوز أن يقبل الشهادة ~~، وكذلك لو سمع رجلا طلق امرأته طلاقا بائنا ، ثم ادعت عليه المرأة الطلاق ~~وأنكر ذلك الزوج ، فإن جعل القول قوله فقد أقامه على فرج حرام فيفسق به ، ~~ولم يكن له بد من أن لا يقبل قوله فيحكم بعلمه . واحتج أصحاب أبى حنيفة بأن ~~ما علمه الحاكم قبل القضاء فإنما حصل فى حال الابتداء على طريق الشهادة فلم ~~يجز ms2777 أن نجعله حاكما ؛ لأنه لو حكم له لكان قد حكم بشهادة نفسه فكان متهما ، ~~وصار بمنزلة من قضى بدعواه على غيره ، وأيضا فإن علمه لما تعلق به الحكم ~~على وجه الشهادة فإذا قضى به صار كالقاضى بشاهد واحد . قالوا : والدليل على ~~جواز حكمه بما علمه فى حال القضاء وفى مجلسه قوله - صلى الله عليه وسلم - : ~~( إنما أقضى على نحو ما أسمع ) ولم يفرق بين سماعه من الشهود أو المدعى ~~عليه فيجب أن يحكم بما سمعه من المدعى عليه كما يحكم بما سمعه من الشهود . ~~واحتج أصحاب مالك فقالوا : الحاكم غير معصوم ، ويجوز أن تلحقه الظنة فى أن ~~يحكم لوليه على عدوه ، فحسمت المادة فى ذلك بأن لا يحكم بعلمه ؛ لأنه ينفرد ~~به ولا يشركه غيره فيه . وأيضا فإن النبى - صلى الله عليه وسلم - قال فى ~~حديث اللعان : ( إن جاءت به على نعت كذا فهو PageV08P228 للذى رميت به ~~فجاءت به على العنت المكروه ) ، فقال - صلى الله عليه وسلم - : ( لو كنت ~~راجما أحدا بغير بينة لرجمت هذه ) وقد علم أنها زنت فلم يرجمها لعدم البينة ~~، والنبى - صلى الله عليه وسلم - وإن كان لم يقطع أنها تأتى به على أحد ~~النعتين فقد قطع على أنها إن جاءت به على أحدهما ، فهو لمن وصف لا محالة ، ~~وهذا لا يكون منه إلا بعلم . وروى عن أبى بكر الصديق أنه قال : لو رأيت ~~رجلا على حد لم أحده حتى يشهد بذلك عندى شاهدان . ولا مخالف له فى الصحابة ~~. * * * # | 14 - باب الشهادة على الخط ، وما يجوز من ذلك ؟ وما يضيق فيه وكتاب ~~الحاكم إلى عامله ، والقاضى # وقال بعض الناس : كتاب الحاكم جائز إلا فى الحدود ، ثم قال : إن كان ~~القتل خطأ فهو جائز ؛ لأن هذا مال بزعمه ، وإنما صار مالا بعد أن ثبت القتل ~~، فالخطأ والعمد واحد . وقد كتب عمر إلى عامله فى الجارود ، وكتب عمر بن ~~عبدالعزيز فى سن كسرت ، وقال إبراهيم : كتاب القاضى إلى القاضى جائز إذا ~~عرف الكتاب والخاتم . وكان الشعبى يجيز الكتاب المختوم ms2778 بما فيه من القاضى ، ~~ويروى عن ابن عمر نحوه ، وقال معاوية بن عبدالكريم الثقفى : شهدت عبدالملك ~~PageV08P229 بن يعلى قاضى البصرة وإياس بن معاوية والحسن وثمامة بن عبدالله ~~بن أنس وبلال بن أبى بردة وعبدالله بن بريدة الأسلمى وعامر بن عبيدة وعباد ~~بن منصور يجيزون كتب القضاة بغير محضر من الشهود ، فإن قال الذى جىء عليه ~~بالكتاب : إنه زور ، قيل له : اذهب ، فالتمس المخرج من ذلك ، وأول من سأل ~~على كتاب القاضى البينة : ابن أبى ليلى وسوار بن عبدالله . وقال أبو نعيم : ~~حدثنا عبيدالله بن محرز ، جئت بكتاب من موسى بن أنس قاضى البصرة ، وأقمت ~~عنده البينة أن لى عند فلان كذا وكذا ، وهو بالكوفة ، وجئت به القاسم بن ~~عبدالرحمن ، فأجازه . وكره الحسن وأبو قلابة أن يشهد على وصية حتى يعلم ما ~~فيها ؛ لأنه لا يدرى لعل فيها جورا . وقد كتب النبى - صلى الله عليه وسلم - ~~إلى أهل خيبر : إما أن تدوا صاحبكم ، وإما أن تؤذنوا بحرب . وقال الزهرى فى ~~الشهادة على المرأة من وراء الستر : إن عرفتها فاشهد ، وإلا فلا تشهد . / ~~24 - فيه : أنس : أن النبى - صلى الله عليه وسلم - لما أراد أن يكتب إلى ~~الروم ، قالوا : إنهم لا يقرءون كتابا إلا مختوما ، فاتخذ النبى - صلى الله ~~عليه وسلم - خاتما من فضة كأنى أنظر إلى وبيصه ونقشه : محمد رسول الله . ~~واتفق جمهور العلماء على أن الشهادة على الخط لا تجوز إذا لم يذكر الشهادة ~~ولم يحفظها . قال الشعبى : فلا يشهد أبدا إلا على شىء يذكر ، فإنه من شاء ~~انتقش خاتما ، ومن شاء كتب كتابا . PageV08P230 وممن رأى أن لا يشهد على ~~الخط وإن عرفه حتى يذكر الشهادة : الكوفيون والشافعى وأحمد وأكثر أهل العلم ~~، وقد فعل مثل هذا فى أيام عثمان صنعوا مثل خاتمه وكتبوا مثل كتابه فى قصة ~~مذكورة فى مقتل عثمان . وأحسن ما يحتج به فى هذا الباب بقوله تعالى : { وما ~~شهدنا إلا بما علمنا } [ يوسف : 81 ] ، وقوله : { إلا من شهد بالحق وهم ~~يعلمون } [ الزخرف : 86 ] ، وأجاز مالك الشهادة على ms2779 الخط ، فروى عنه ابن ~~وهب فى الرجل يقوم يذكر حقا قد مات شهوده ويأتى بشاهدين عدلين يشهدان على ~~كتاب ذكر الحق ، قال : تجوز شهادتهما على كتاب الكاتب . يعنى : إذا كان قد ~~كتب شهادته على المطلوب بما كتب عليه فى ذكر الحق ؛ لأنه قد يكتب ذكر الحق ~~من لا يشهد على المكتوب عليه . قاله ابن القاسم . وإن كان على خط اثنين جاز ~~وكان بمنزلة الشاهدين إذا كان عدلا مع يمين الطالب وهو قول ابن القاسم . ~~وذكر ابن شعبان ، عن ابن وهب قال : لا آخذ بقول مالك فى الشهادة على معرفة ~~الخط ولا تقبل الشهادة فيه . وقال الطحاوى : خالف مالكا جميع الفقهاء فى ~~الشهادة على الخط وعدوا قوله شذوذا ؛ إذ الخط قد يشبه الخط ، وليست الشهادة ~~على قول منه ولا معاينة فعل . وقال محمد بن حارث : الشهادة على الخط خطأ ؛ ~~لأن الرجل قد يكتب شهادته على من لا يعرفه بعينه طمعا أن لا يحتاج فى ذلك ~~إليه وأن غيره يغنى عنه ، أو لعله يشهد فى قريب من وقت PageV08P231 الشهادة ~~فيذكر العين ، ولقد قال فى رجل قال : سمعت فلانا يقول : رأيت فلانا قتل ~~فلانا ، أو سمعت فلانا طلق امرأته أو قذفها أنه لا يشهد على شهادته إلا أن ~~يشهده فالخط أبعد من هذا وأضعف . قال محمد بن حارث : وقد قلت لبعض الفضلة : ~~أتجوز شهادة الموتى ؟ فقال : ما هذا الذى تقول ؟ فقلت : إنكم تجيزون شهادة ~~الرجل بعد موته إذا وجدتم خطه فى وثيقة . فسكت . وقال محمد بن عبد الحكم : ~~لا نقضى فى دهرنا بالشهادة على الخط ؛ لأن الناس قد أحدثوا ضروبا من الفجور ~~، وقد قال مالك : إن الناس تحدث لهم أقضية على نحو ما أحدثوا من الفجور . ~~وقد كان الناس فيما مضى يجيزون الشهادة على خاتم القاضى ، ثم رأى مالك أن ~~ذلك لا يجوز . وأما اختلاف الناس فى كتب القضاة ، فذهب جمهور العلماء إلى ~~أن كتب القضاة إلى القضاة جائزة فى الحدود ، وسائر الحقوق ، وذهب الكوفيون ~~إلى أنها تجوز فى كل شىء إلا فى ms2780 الحدود ، وهو أحد قولى الشافعى ، وله مثل ~~قول الجمهور ، وحجة البخارى على الكوفى من تناقضه فى جواز ذلك فى قتل الخطأ ~~وأنه إنما صار مالا بعد ثبوت القتل فهى حجة حسنة . وذكر أن عمر بن عبد ~~العزيز كتب إلى عماله فى الحدود وأحكامه حجة ولا سلف لأبى حنيفة فى قوله . ~~وذكر البخارى عن جماعة من قضاة التابعين وعلمائهم أنهم كانوا يجيزون كتب ~~القضاة إلى القضاة بغير شهود عليها إذا عرف الكتاب والخاتم ، وحجتهم أن ~~النبى - صلى الله عليه وسلم - بعث PageV08P232 بكتبه إلى خيبر وإلى الروم ، ~~ولم يذكر أن النبى ، عليه السلام ، أشهد عليها . وأجمع فقهاء المصار ~~وحكامها على فعل سوار وابن أبى ليلى ، اتفقوا أنه لا يجوز كتاب قاض إلى قاض ~~حتى يشهد عليه شاهدان لما دخل الناس من الفساد ، واستعمال الخطوط ونقش ~~الخواتيم ، فاحتيط لتحصين الدماء والأموال بشاهدين . وروى ابن نافع ، عن ~~مالك قال : كان من أمر الناس القديم إجازة الخواتم حتى إن القاضى ليكتب ~~للرجل الكتاب فما يزيد على ختمه فيجاز له حتى اتهم الناس ، فصار لا يقبل ~~إلا بشاهدين ، واختلفوا إذا أشهد القاضى شاهدين على كتابه ولم يقرأ عليهما ~~ولا عرفهما بما فيه فقال مالك : يجوز ذلك ويلزم القاضى المكتوب إليه قبوله ~~بقول الشاهدين : هذا كتابه ودفعه إلينا مختوما . وقال أبو حنيفة والشافعى ~~وأبو ثور : إذا لم يقرأه عليهما القاضى لم يجز ولا يعمل القاضى للمكتوب ~~إليه بما فيه . وروى عن مالك مثله . وحجتهم أنه لا يجوز أن يشهد الشاهد إلا ~~بما يعلم ؛ لقوله تعالى : { وما شهدنا إلا بما علمنا } [ يوسف : 81 ] . ~~وحجة من أجاز ذلك أن الحاكم إن أقر أنه كتابه فقد أقر بما فيه ، وليس ~~للشاهدين أن يشهدا على ما ثبت عند الحاكم فيه ، وإنما الغرض منهما أن يعلم ~~القاضى المكتوب إليه أن هذا كتاب القاضى إليه ، وقد يثبت عند القاضى من ~~أمور الناس ما لا يجب أن PageV08P233 يعلمه كل أحد مثل الوصية التى يتخوف ~~الناس فيها ويذكرون ما فرطوا فيه . ولهذا يجوز عند مالك ms2781 أن يشهدوا على ~~الوصية المختومة وعلى الكتاب المدرج ويقولوا للحاكم : نشهد على إقراره بما ~~فى هذا الكتاب . وقد كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يكتب إلى عماله ~~ولا يقرؤها على رسله وفيها الأحكام والسنن . واختلفوا إن انكسر ختم الكتاب ~~فقال أبو حنيفة وزفر : لا يقبله الحاكم . وقال أبو يوسف : يقبله ويحكم به ~~إذا شهدت به البينة وهو قول الشافعى ، واحتج الطحاوى لأبى يوسف فقال : كتب ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى الروم كتابا وأراد أن يبعثه غير ~~مختوم حتى قيل له : إنهم لا يقرءونه إلا مختوما ، فاتخذ الخاتم من أجل ذلك ~~، فدل أن كتاب القاضى حجة ، وإن لم يكن مختوما ، وخاتمه أيضا حجة . * * * # | 15 - باب متى يستوجب الرجل القضاء # وقال الحسن : أخذ الله على الحكام أن لا يتبعوا الهوى ولا يخشوا الناس ، ~~ولا يشتروا بآيات الله ثمنا قليلا ، ثم قرأ : { يا داود إنا جعلناك خليفة ~~فى الأرض } [ ص : 26 ] الآية ، وقرأ : { إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور ~~يحكم بها النبيون الذين أسلموا } إلى { بما استحفظوا من كتاب الله } [ ~~المائدة : 44 ] . { بما استحفظوا } استودعوا ، { من كتاب الله } ، وقرأ : { ~~وداود وسليمان إذ يحكمان فى الحرث } [ الأنبياء : 78 ] فحمد سليمان ، ولم ~~يلم داود ، ولولا ما ذكر PageV08P234 الله من أمر هذين لرأيت أن القضاة ~~هلكوا ، فإنه أثنى على هذا بعلمه ، وعذر هذا باجتهاده وقال مزاحم بن زفر : ~~قال لنا عمر بن عبدالعزيز : خمس إذا أخطأ القاضى منهن خصلة كانت فيه وصمة : ~~أن يكون فهما ، حليما ، عفيفا ، صليبا ، عالما ، سئولا عن العلم . قال ~~المهلب : أما استحباب الرجل القضاء فإن أهل العلم قالوا فى ذلك : إذا رآه ~~الناس أهلا لذلك ورأى هو نفسه أهلا لها ، وليس أن يرى نفسه أهلا لذلك فقط ؛ ~~أنه إذا علم الناس منه هذا الرأى لم يفقد من يزين له ذلك ويستحمد إليه . ~~قال مالك : ولا يستقضى من ليس بفقيه . وذكر ابن حبيب ، عن مالك أنه قال : ~~إذا اجتمع فى الرجل خصلتان رأيت أن يولى : الورع والعلم . قال ابن حبيب ms2782 : ~~فإن لم يكن علم فعقل وورع ؛ لأنه بالورع يقف ، وبالعقل يسأل ، وإذا طلب ~~العلم وجده ، وإن طلب العقل لم يجده . فإن قيل : فإذا استوجب القضاة هل ~~للسلطان أن يجبره على ولايته ؟ قيل : قد روى ابن القاسم ، عن مالك أنه لا ~~يجبر على ولاية القضاء إلا أن يوجد منه عوض . قيل له : أيجبر بالحبس والضرب ~~؟ قال : نعم . قال المهلب : والحكم الذى ينبغى أن يلزمه القاضى هو توسعة ~~خلقه للسماع من الخصمين ، وأن لا يحرج بطول ما يورده أحدهما ، وإن رآه غير ~~نافع له فى خصامه فليصبر له حتى يبلغ المتكلم مراده ؛ لأنه قد PageV08P235 ~~يمكن أن يكون ذلك الكلام الذى لا ينتفع به سببا إلى ما ينتفع به ، وأيضا ~~فإنه إذا لم يترك أن يتكلم بما يريد نسب إليه الخصم أنه جار عليه ومنعه ~~الإدلاء بحجته وأثار على نفسه عداوة ، وربما كان ذلك شيئا لفتنة الخصم ، ~~ووجد إليه الشيطان السبيل ، وأوهمه أن الجور من الدين . وقوله : صليبا ، ~~يريد الصلابة فى إنفاذ الحق حتى لا يخاف فى الله لومة لائم ولا يهاب ذا ~~سلطان أو ذا مال وعشيرة وليكن عنده الضعيف والقوى ، والكبير والصغير فى ~~الحق سواء . وقول الحسن : أخذ الله على الحكام أن لا يتبعوا الهوى ولا ~~يخشوا الناس . وما استشهد عليه من كتاب الله فكل ذلك يدل أن الله تعالى فرض ~~على الحكام أن يحكموا بالعدل ، وقد قال عز وجل : { وإذا حكمتم بين الناس أن ~~تحكموا بالعدل } [ النساء : 85 ] ، وكذلك فرض عليهم أن لا يخشوا الناس . ~~ولهذا قال عمر بن عبد العزيز فى صفة القاضى أن يكون صليبا . وقوله : أن ~~يكون عفيفا . أخذه من قوله تعالى : { ولا تشتروا بآياتى ثمنا قليلا } [ ~~البقرة : 41 ] . واختلف العلماء فى تأويل قوله تعالى : { فاحكم بين الناس ~~بالحق ولا تتبع الهوى } [ ص : 26 ] ، فقالت طائفة : الآية عامة فى كل الناس ~~، وكل خصمين تقدما إلى حاكم فعليه أن يحكم بينهما ، وسواء كان للحاكم ولد ~~أو والد أو زوجة ، وهم وسائر الناس فى ذلك سواء . PageV08P236 وذهب ~~الكوفيون والشافعى ms2783 إلى أنه لا تجوز شهادته له ويحكم لسائر الناس . وزاد أبو ~~حنيفة : لا يحكم لولد والده وإن كانوا من قبل النساء ، ولا لعبده وكاتبه ~~وأم ولده ؛ لأن هؤلاء : لا تجوز شهادته لهم . واحتلف أصحاب مالك فى ذلك ~~فقال مطرف وسحنون : كل من لا يجوز للحاكم أن يشهد له لا يجوز حكمه له ، وهم ~~الآباء فمن فوقهم والأبناء فمن دونهم وزوجته ويتيمه الذى يلى ماله . وقال ~~ابن الماجشون : يجوز حكمه للآباء والأبناء فمن فوقهم ومن دونهم إلا الولد ~~الصغير الذى يلى ماله أو يتيمه أو زوجته ، ولا يتهم فى الحكم كما يتهم فى ~~الشهادة ؛ لأنه إنما يحكم بشهادة غيره من العدول . وقال أصبغ مثل قول مطرف ~~إذا قال : ثبت له عندى . ولا يدرى أثبت له أم لا ولم يحضر الشهود ، فإذا ~~حضروا وكانت الشهادة ظاهرة بحق بين ؛ فحكمه له جائز ما عدا زوجته وولده ~~الصغير ويتيمه الذى يلى ماله . كقول ابن الماجشون ؛ لأن هؤلاء كنفسه ، فلا ~~يجوز له أن يحكم لهم ، والقول الأول أولى بشهادة عموم القرآن له قال تعالى ~~: { يا داود إنا جعلناك خليفة فى الأرض } [ ص : 26 ] الآية . وخاطب تعالى ~~الحكام فقال : { وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل } [ النساء : 58 ] ~~فعم جميع الناس ، وقد حكم النبى - صلى الله عليه وسلم - لزوجته عائشة على ~~الذين رموها بالإفك وأقام عليهم الحد . وليس رد شهادة الولد لوالده ، ~~والوالد لولده بإجماع من الأمة فيكون أصلا لذلك ، وقد أجاز شهادة الولد ~~لوالده ، والوالد لولده عمر بن الخطاب وعمر بن عبد العزيز وإياس بن معاوية ~~، وهو قول أبى ثور والمزنى وإسحاق . PageV08P237 * * * # | 16 - باب رزق الحكام والعاملين عليها # وكان شريح القاضى يأخذ على القضاء أجرا ، وقالت عائشة : يأكل الوصى بقدر ~~عمالته ، وأكل أبو بكر وعمر . / 25 - فيه : عبدالله بن السعدى ، ( أنه قدم ~~على عمر فى خلافته ، فقال له عمر : ألم أحدث أنك تلى من أعمال الناس أعمالا ~~، فإذا أعطيت العمالة كرهتها ؟ فقلت : بلى ، فقال عمر : فما تريد إلى ذلك ، ~~قلت : إن لى أفراسا وأعبدا ، وأنا ms2784 بخير وأريد أن تكون عمالتى صدقة على ~~المسلمين ، قال عمر : لا تفعل ، فإنى كنت أردت الذى أردت فكان رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - يعطينى العطاء ، فأقول : أعطه أفقر إليه منى حتى ~~أعطانى مرة مالا ، فقلت : أعطه أفقر إليه منى ، فقال لى النبى - صلى الله ~~عليه وسلم - : خذه ، فتموله وتصدق به ، فما جاءك من هذا المال ، وأنت غير ~~مشرف ، ولا سائل فخذه ، وإلا فلا تتبعه نفسك ) . أجمع العلماء أن أرزاق ~~الحكام من الفئ ، وما جرى مجراه مما يصرف فى مصالح المسلمين ؛ لأن الحكم ~~بينهم من أعظم مصالحهم . وقال الطبرى : فى هذا الحديث الدليل الواضح على أن ~~من شغل بشىء من أعمال المسلمين أخذ الرزق على عمله ذلك ، كالولاة والقضاة ~~وجباة الفئ وعمال الصدقة وشبههم ؛ لإعطاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~عمر العمالة على عمله الذى استعمله عليه ، فكذلك سبيل كل مشغول بشىء من ~~أعمالهم له من الرزق على قدر استحقاقه عليه وسبيله سبيل عمر فى ذلك . قال ~~غيره : إلا أن طائفة من السلف كرهت أخذ الرزق على القضاء . PageV08P238 روى ~~ذلك عن ابن مسعود والحسن البصرى والقاسم ، وذكره ابن المنذر عن عمر بن ~~الخطاب . ورخص فى ذلك طائفة : وذكر ابن المنذر أن زيد بن ثابت كان يأخذ على ~~القضاء أجرا ، وروى ذلك عن ابن سيرين وشريح ، وهو قول الليث وإسحاق وأبى ~~عبيد ، والذين كرهوه ليس بحرام عندهم . وقال الشافعى : إذا أخذ القاضى جعلا ~~لم يحرم عليه عندى . واحتج أبو عبيد فى جواز ذلك بما فرض الله للعاملين على ~~الصدقة ، وجعل لهم منها حقا لقيامهم وسعيهم فيها . قال ابن المنذر : وحديث ~~ابن السعدى حجة فى جواز أرزاق القضاة من وجوهها . قال المهلب : وإنما كره ~~من كرهه ؛ لأن أمر القضاء إنما هو محمول فى الأصل على الاحتساب ، ولذلك ~~عظمت منازلهم وأجورهم فى الآخرة ، ألا ترى أن الله أمر نبيه وسائر الأنبياء ~~أن يقولوا : لا أسألكم عليه أجرا ؛ ليكون ذلك دليلا على البراءة من الاتهام ~~. ولذلك قال مالك : أكره أجر قسام القاضى ؛ لأن ms2785 من مضى كانوا يقسمون ~~ويحتسبون ولا يأخذون أجرا . فأراد أن يجرى هذا الأمر على طريق الاحتساب على ~~الأصل الذى وضعه الله للأنبياء ، عليهم السلام ؛ لئلا يدخل فى هذه الصناعة ~~من لا يستحقها أو يتحيل على أموال المسلمين ، وأما من حكم بالحق إذا تصرف ~~فى مصالح المسلمين فلا يحرم عليه أخذ الأجر على ذلك . وقد روى عن عمر بن ~~الخطاب أنه استعمل ابن مسعود على بيت المال ، وعمار بن ياسر على الصلاة ، ~~وابن حنيف على الجند ، ورزقهم كل يوم شاة شطرها لعمار ؛ وربعها لابن مسعود ~~، وربعها لابن حنيف . PageV08P239 وأما العاملون عليها فهم السعاة المتولون ~~لقبض الصدقات ، ولهم من الأجر بقدر أعمالهم على حسب ما يراه الإمام فى ذلك ~~، وقد تقدم فى كتاب الزكاة وفى كتاب الوصايا اختلاف العلماء فيما يجوز ~~للوصى أن يأكل من مال يتيمه . وأما قول النبى - صلى الله عليه وسلم - لعمر ~~فى العطاء : ( خذه فتموله وتصدق به ) فإنما أراد - صلى الله عليه وسلم - ~~الأفضل والأعلى من الأجر ؛ لأن عمر وإن كان مأجورا بإيثاره بعطائه على نفسه ~~من هو أفقر إليه منه ، فإن أخذه للعطاء ومباشرته الصدقة بنفسه أعظم لأجره ، ~~وهذا يدل أن الصدقة بعد التمول أعظم أجرا ؛ لأن خلق الشح حينئذ مستول على ~~النفوس . وفيه : أن أخذ ما جاء من المال من غير مسألة أفضل من تركه ؛ لأنه ~~يقع فى إضاعة المال ، وقد نهى النبى - صلى الله عليه وسلم - عن ذلك . * * * # | 17 - باب من قضى ولاعن فى المسجد # ولاعن عمر عند منبر النبى - صلى الله عليه وسلم - ، وقضى مروان على زيد ~~بن ثابت عند المنبر ، وقضى شريح والشعبى ويحيى بن يعمر فى المسجد عند ~~المنبر ، وكان الحسن وزرارة ابن أوفى يقضيان فى الرحبة خارجا من المسجد . / ~~26 - فيه : سهل : شهدت المتلاعنين ، وأنا ابن خمس عشرة سنة ، وفرق بينهما . ~~وقال مرة فتلاعنا فى المسجد وأنا شاهد . استحب القضاء فى المسجد طائفة منهم ~~: شريح والحسن البصرى والشعبى وابن أبى ليلى . وقال مالك : القضاء فى ~~المسجد من أمر PageV08P240 الناس القديم ؛ لأنه ms2786 يرضى فيه بالدون من المجلس ~~ويصل إليه المرأة والضعيف ، وإذا احتجب لم يصل إليه الناس ، وبه قال أحمد ~~وإسحاق . وكرهت ذلك طائفة وقالت : القاضى يحضره الحائض والذمى وتكثر ~~الخصومات بين يديه ، والمساجد تجنب ذلك . وروى عن عمر ابن عبد العزيز أنه ~~كتب إلى القاسم بن عبد الرحمن ألا تقضى فى المسجد ؛ فإنه يأتيك الحائض ~~والمشرك . وقال الشافعى : أحب إلى أن يقضى فى غير المسجد لكثرة من يغشاه ~~لغير ما بنيت له المساجد . وحديث سهل بن سعد حجة لمن استحب ذلك . وليس فى ~~اعتلال من اعتل بحضور الكافر والحائض مجلس الحكم حجة ؛ لأنه لا تعلم حجة ~~يجب بها منع الكافر من الدخول فى المساجد إلا المسجد الحرام ، وقد قدم وفد ~~ثقيف على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأنزلهم فى المسجد ، وأخذ ثمامة ~~ابن أثال من بنى حنيفة أسيرا وربط إلى سارية من سوارى المسجد ، فليس فى منع ~~الحائض من دخول المسجد خبر يثبت ، وقد نظر داود نبى الله بين الخصمين ~~اللذين وعظ بهما فى المحراب وهو فى المسجد . * * * # | 18 - باب من حكم فى المسجد حتى إذا أتى على حد أمر أن يخرج من المسجد ~~فيقام # وقال عمر : أخرجاه من المسجد ، ويذكر عن على نحوه . / 27 - فيه : أبو ~~هريرة : أتى رجل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو فى المسجد ، فناداه ~~، فقال : PageV08P241 يا رسول الله ، إنى زنيت ، فأعرض عنه ، فلما شهد على ~~نفسه أربعا ، قال : أبك جنون ؟ قال : لا ، قال : اذهبوا به فارجموه ) . ~~فقال جابر : كنت فيمن رجمه بالمصلى اختلف العلماء فى إقامة الحدود فى ~~المسجد فروى عن عمر بن الخطاب أنه أمر بالذى وجب عليه الحد أن يقام عليه ~~خارج المسجد ، وكذلك فعل على بن أبى طالب بالسارق الذى قدم إليه فقال : يا ~~قنبر ، أخرجه من المسجد فاقطع يده . وكره إقامة الحد فى المسجد مسروق وقال ~~: إن للمسجد حرمة . وهو قول الشعبى وعكرمة ، وإليه ذهب الكوفيون والشافعى ~~وأحمد وإسحاق . وفيها قول ثان روى عن الشعبى أنه أقام على رجل من ms2787 أهل الذمة ~~حدا فى المسجد . وهو قول ابن أبى ليلى . وفيها قول ثالث : وهو الرخصة فى ~~الضرب بالأسواط اليسيرة فى المسجد ، فإذا كثرت الحدود فلا يقام فيه وهو قول ~~مالك وأبى ثور . وقول من نزه المسجد عن إقامة الحدود فيه أولى لما شهد له ~~حديث أبى هريرة أن النبى - صلى الله عليه وسلم - أمر برجم الزانى فى المصلى ~~خارج المسجد . قال ابن المنذر : ولا ألزم من أقام الحد فى المسجد مأثما ؛ ~~لأنى أجد دليلا عليه . وفى الباب حديثان منقطعان لا يقوم بهما حجة فى النهى ~~عن إقامة الحدود فى المساجد . * * * # | 19 - باب موعظة الإمام للخصوم # / 28 - فيه : أم سلمة : أن النبى - صلى الله عليه وسلم - قال : ( إنما ~~أنا بشر ، وإنكم تختصمون إلى ، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض ، ~~PageV08P242 فأقضى على نحو ما أسمع ، فمن قضيت له من حق أخيه شيئا ، فلا ~~يأخذه ، فإنما أقطع له قطعة من النار ) . قوله : ( ألحن ) . يعنى : أفطن ~~لها وأجدل . وقال أبو عبيد : اللحن . بفتح الحاء : الفطنة ، واللحن بإسكان ~~الحاء : الخطأ . وقد جاء هذا الحديث فى كتاب المظالم بلفظ آخر يشهد لقول ~~أهل اللغة قال : ( فلعل بعضكم أن يكون أبلغ من بعض ) . قال المهلب : وفيه ~~أنه ينبغى للحاكم أن يعظ الخصمين ويحذر من مطالبة الباطل ؛ لأن النبى - صلى ~~الله عليه وسلم - وعظ أمته بقوله هذا . * * * # | 20 - باب الشهادة تكون عند الحاكم فى ولايته القضاء أو قبل ذلك للخصم # وقال شريح القاضى ، وسأله إنسان الشهادة ، فقال : ائت الأمير حتى أشهد لك ~~. وقال عكرمة : قال عمر لعبدالرحمن بن عوف : لو رأيت رجلا على حد زنا أو ~~سرقة وأنت أمير ، فقال : شهادتك شهادة رجل من المسلمين ، قال : صدقت ، قال ~~عمر : لولا أن يقول الناس : زاد عمر فى كتاب الله لكتبت آية الرجم بيدى . ~~وأقر ماعز عند النبى - صلى الله عليه وسلم - بالزنا أربعا ، فأمر برجمه ، ~~ولم يذكر أن النبى - صلى الله عليه وسلم - أشهد من حضره . وقال حماد : إذا ~~أقر مرة عند الحاكم رجم ، وقال : الحكم أربعا ms2788 . / 29 - فيه : أبو قتادة : ( ~~قال النبى - صلى الله عليه وسلم - يوم حنين : من له بينة على قتيل قتله ، ~~فله سلبه ، فقمت لألتمس بينة على قتيلى ، فلم أر أحدا يشهد لى فجلست ، ثم ~~بدا لى ، فذكرت أمره إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فقال رجل من ~~جلسائه : سلاح هذا القتيل الذى يذكر عندى ، قال : فأرضه منه ، فقال أبو بكر ~~: PageV08P243 كلا ، لا يعطه أصيبغ من قريش ، ويدع أسدا من أسد الله يقاتل ~~عن الله ورسوله ، قال : فأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فأداه إلى ~~، فاشتريت منه خرافا ، فكان أول مال تأثلته ) . قال عبدالله ، عن الليث : ~~فقام النبى - صلى الله عليه وسلم - فأداه إلى من له بينة ، وقال أهل الحجاز ~~: الحاكم لا يقضى بعلمه شهد بذلك فى ولايته أو قبلها ، ولو أقر خصم عنده ~~لآخر بحق فى مجلس القضاء ، فإنه لا يقضى عليه فى قول بعضهم حتى يدعو ~~بشاهدين فيحضرهما إقراره ، وقال بعض أهل العراق : ما سمع أو رآه فى مجلس ~~القضاء قضى به ، وما كان فى غيره لم يقض إلا بشاهدين ، وقال آخرون منهم بل ~~يقضى به ؛ لأنه مؤتمن وإنما يراد من الشهادة معرفة الحق ، فعلمه أكثر من ~~الشهادة ، وقال بعضهم : يقضى بعلمه فى الأموال ، ولا يقضى فى غيرها . وقال ~~القاسم : لا ينبغى للحاكم أن يمضى قضاء بعلمه دون علم غيره مع أن علمه أكثر ~~من شهادة غيره ، ولكن فيه تعرضا لتهمة نفسه عند المسلمين ، وإيقاعا لهم فى ~~الظنون ، وقد كره النبى - صلى الله عليه وسلم - الظن فقال : إنما هذه صفية ~~. / 30 - فيه : على بن حسين ( أن النبى - صلى الله عليه وسلم - أتته صفية ~~بنت حيى ، فلما رجعت انطلق معها ، فمر به رجلان من الأنصار ، فدعاهما ، ~~فقال : إنما هى صفية ، قالا : سبحان الله ، قال : إن الشيطان يجرى من ابن ~~آدم مجرى الدم ) . قال المهلب : معنى الترجمة أن الشهادة التى تكون عند ~~القاضى فى ولايته القضاء أو قبل ذلك لا يجوز له أن يقضى بها وحده ، وله أن ~~PageV08P244 يشهد بها عند ms2789 غيره من الحكام كما قال مالك ، ولذلك ذكر قول ~~شريح وهو قول عمر بن الخطاب وعبد الرحمن بن عوف أن شهادته كشهادة رجل من ~~المسلمين ، واستشهد على ذلك بقول عمر أنه كانت عنده شهادة فى آية الرجم ~~أنها من القرآن فلم يجز له أن يلحقها بنص المصحف المقطوع على صحته بشهادته ~~وحده ، وقد أفصح عمر بالعلة فى ذلك فقال : لولا أن يقال زاد عمر فى كتاب ~~الله لكتبتها وعرفك أن ذلك من باب قطع الذرائع ؛ لئلا يجد حكام السوء ~~السبيل إلى أن يدعوا العلم لمن أحبوا له الحكم أنه على حق . وأما ما ذكر من ~~إقرار ماعز عند النبى - صلى الله عليه وسلم - وحكم النبى - صلى الله عليه ~~وسلم - بالرجم دون أن يشهد من حضره ، وكذلك إعطاؤه السلب لأبى قتادة بإقرار ~~الرجل الذى كان عنده السلب وحده مع ما انضاف إلى ذلك من علم النبى - صلى ~~الله عليه وسلم - ألا ترى قوله فى الحديث : ( فعلم النبى - صلى الله عليه ~~وسلم - ) يعنى : علم أن أبا قتادة هو قاتل القتيل فهو حجة فى قضاء القاضى ~~بعلمه ، وهو خلاف ما ذكره البخارى فى أول الباب عن شريح وعمر وعبد الرحمن ~~ابن عوف ، فأورد البخارى فى هذا الباب اختلاف أهل العلم ، وحجة الفريقين من ~~الحديث بإقرار ماعز ، وحديث أبى قتادة حجة لأهل العراق فى أن يقضى القاضى ~~بعلمه وشهادته . وحديث صفية ، وحديث عمر فى آية الرجم حجة لأهل الحجاز أن ~~القاضى لا يقضى بعلمه خوف التهمة ؛ لأن النبى - صلى الله عليه وسلم - كان ~~أبعد الخلق من التهمة ولم يقنع بذلك حتى قال : ( إنها صفية ) فغيره ممن ليس ~~بمعصوم أولى بخوف التهمة ، وإنما فعل ذلك ليسن PageV08P245 لأمته البعد من ~~مواضع التهم ، وقد تقدم فى باب رأى القاضى أن يقضى بعلمه قبل هذا . وقد رد ~~بعض الناس حجة أهل العراق بحديث ماعز وأبى قتادة فقال : ليس فيهما أن النبى ~~- صلى الله عليه وسلم - قضى بعلمه ؛ لأن ماعزا إنما كان إقراره عند النبى - ~~صلى الله عليه وسلم ms2790 - بحضرة الصحابة ؛ إذ معلوم أنه كان لا يقعد - صلى الله ~~عليه وسلم - وحده ، وقصة ماعز مشهورة رواها عن النبى - صلى الله عليه وسلم ~~- أبو هريرة وابن عباس وجابر وجماعة ، فلم يحتج النبى - صلى الله عليه وسلم ~~- أن يشهدهم على إقراره بالزنا لسماعهم ذلك منه ، وكذلك حديث أبى قتادة ، ~~والصحيح فيه رواية عبد الله بن صالح عن الليث : ( فقام النبى - صلى الله ~~عليه وسلم - فأداه إلى من له بينة ) ورواية قتيبة عن الليث : ( فعلم النبى ~~- صلى الله عليه وسلم - ) وهم منه ، فيشبه أن تتصحف : ( فعلم النبى - صلى ~~الله عليه وسلم - ) مع قوله : ( فقام ) فلم يقض فيه بعلمه ، ويدل على ذلك ~~أن منادى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إنما نادى يوم حنين : ( من قتل ~~قتيلا له عليه بينة فله سلبه ) فشرط أخذ السلب لمن أقام البينة ، وأول ~~القصة لا يخالف آخرها ، وشهادة الرجل الذى كان عنده سلب قتيل أبى قتادة ~~شهادة قاطعة لأبى قتادة ، لو لم تكن فى مغنم ، وكان من الحقوق التى ليس ~~للنبى أن يعطى منها أحدا إلا باستحقاق البينة ، والمغانم مخالفة لذلك ؛ لأن ~~النبى - صلى الله عليه وسلم - له أن يعطى منها من شاء ويمنع منها من شاء ؛ ~~لقوله تعالى : { وما آتاكم الرسول فخذوه } [ الحشر : 7 ] فلا حجة فيه لأهل ~~العراق . * * * # | 21 - باب أمر الوالى إذا وجه أميرين إلى موضع أن يتطاوعا ولا يتعاصيا # / 31 - فيه : أبو موسى : أن النبى - صلى الله عليه وسلم - بعثه ومعاذ بن ~~جبل إلى اليمن ، فقال : يسرا ولا تعسرا ، وبشرا ولا تنفرا ، وتطاوعا . . . ~~الحديث . PageV08P246 فيه الحض على الاتفاق وترك الاختلاف لما فى ذلك من ~~ثبات المحبة والألفة ، والتعاون على الحق ، والتناصر على إنفاذه وإمضائه ، ~~وسيأتى فى كتاب الأدب فى باب قول النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( يسرا ~~ولا تعسرا ) فهو أولى به . * * * # | 22 - باب إجابة الحاكم الدعوة وقد أجاب عثمان بن عفان عبدا للمغيرة بن ~~شعبة # . / 32 - فيه : أبى موسى ، عن النبى - صلى الله عليه وسلم - قال : ( فكوا ~~العانى ، وأجيبوا الداعى . وقد تقدم ms2791 فى كتاب النكاح الاتفاق على وجوب إجابة ~~دعوة الوليمة واختلافهم فى غيرها من الدعوات . وذكر ابن حبيب ، عن مطرف ~~وابن الماجشون قال : لا ينبغى للقاضى أن يجيب الدعوة إلا فى الوليمة وحدها ~~لما فى ذلك من الحديث ، ثم إن شاء أكل وإن شاء ترك ، والترك أحب إلينا من ~~غير تحريم ، ولا عيب إن أكل إلا أن ذلك أنزه ، وإنا نحب لذى المروءة والهدى ~~أن لا يأتى الوليمة إلا أن يكون لأخ فى الله ، أو الخالص من ذوى قرابته فلا ~~بأس بذلك . قال أشهب : وكره مالك لأهل الفضل أن يجيبوا كل من دعاهم . * * * # | 23 - باب هدايا العمال # / 33 - فيه : أبو حميد : استعمل النبى - صلى الله عليه وسلم - رجلا من ~~بنى أسد ، يقال له : ابن اللتبية ، على صدقة ، فلما قدم قال : هذا لكم ، ~~وهذا أهدى لى ، فقام النبى PageV08P247 - صلى الله عليه وسلم - على المنبر ~~، فحمد الله وقال : ما بال العامل نبعثه ، فيأتى يقول : هذا لك ، وهذا لى ، ~~فهلا جلس فى بيت أبيه وأمه ، فينظر أيهدى له أم لا . . . وذكر الحديث . قال ~~المؤلف : فيه أن ما أهدى إلى العامل وخدمة السلطان بسبب سلطانهم أنه لبيت ~~مال المسلمين ، ألا ترى قوله - صلى الله عليه وسلم - : ( هدايا الأمراء ~~غلول ) إلا أن يكون الإمام يبيح له قبول الهدية لنفسه فلذلك تطيب له ، كما ~~قال - صلى الله عليه وسلم - لمعاذ ، حين بعثه إلى اليمن : قد علمت الذى دار ~~عليك فى مالك ، وإنى قد طيبت لك الهدية . فقبلها معاذ وأتى بما أهدى له ~~النبى - صلى الله عليه وسلم - ، فوجده توفى ، فاخبر بذلك أبا بكر فأجاز له ~~أبو بكر ما كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أجاز له ، وسيأتى فى كتاب ~~ترك الحيل فى باب احتيال العامل ليهدى له . * * * # | 24 - باب استقضاء الموالى واستعمالهم # / 34 - فيه : ابن عمر : كان سالم مولى أبى حذيفة يؤم المهاجرين الأولين ، ~~وأصحاب النبى - صلى الله عليه وسلم - فى مسجد قباء فيهم أبو بكر وعمر وأبو ~~سلمة وزيد وعامر بن ربيعة . قال المهلب : أصل ms2792 هذا الباب فى كتاب الله : { ~~إن أكرمكم عند الله أتقاكم } [ الحجرات : 13 ] والتقى وإن كان بحضرته أتقى ~~منه لا يرفع عنه اسم التقى والكرامة ، وقد قدم النبى - صلى الله عليه وسلم ~~- فى العمل والصلاة والسعاية المفضول مع وجود الفاضل توسعة منه على الناس ~~ورفقا بهم . PageV08P248 * * * # | 25 - باب العرفاء للناس # / 35 - فيه : مروان ، والمسور ( أن النبى - صلى الله عليه وسلم - قال حين ~~أذن لهم المسلمون فى عتق سبى هوازن : إنى لا أدرى من أذن منكم ممن لم يأذن ~~، فارجعوا حتى يرفع إلينا عرفاؤكم أمركم ، فرجع الناس فكلمهم عرفاؤهم ، ~~فرجعوا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأخبروه ، أن الناس قد طيبوا ~~وأذنوا ) . اتخاذ الإمام للعرفاء والنظار سنة ؛ لأن الإمام لا يمكنه أن ~~يباشر بنفسه جميع الأمور ، فلابد من قوم يختارهم لعونه وكفايته بعض ذلك ، ~~ولهذا المعنى جعل الله عباده شعوبا وقبائل ليتعارفوا فأراد تعالى ألا يكون ~~الناس خلطا واحدا فيصعب نفاذ أمر السلطان ونهيه ؛ لأن الأمر والنهى إذا ~~توجه إلى الجماعة وقع الاتكال من بعضهم على بعض فوقع التضييع ، وإذا توجه ~~إلى عريف لم يسعه إلا القيام بمن معه . * * * # | 26 - باب ما يكره من الثناء على السلطان وإذا خرج قال غير ذلك # / 36 - فيه : ابن عمر : أنه قيل له : إنا ندخل على سلاطيننا ، فنقول لهم ~~خلاف ما نتكلم إذا خرجنا من عندهم ، قال : كنا نعدها ذلك نفاقا . / 37 - ~~وفيه : أبو هريرة : قال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( إن شر الناس ذو ~~الوجهين ، الذى يأتى هؤلاء بوجه وهؤلاء بوجه ) . قال المؤلف : لا ينبغى ~~لمؤمن أن يثنى على سلطان أو غيره فى وجهه وهو عنده مستحق للذم ، ولا يقول ~~بحضرته بخلاف ما يقوله إذا خرج PageV08P249 من عنده ؛ لأن ذلك نفاق كما قال ~~ابن عمر ، وقال فيه - صلى الله عليه وسلم - : ( شر الناس ذو الوجهين ) وقال ~~: إنه لا يكون عند الله وجيها ؛ لأنه يظهر لأهل الباطل الرضا عنهم ، ويظهر ~~لأهل الحق مثل ذلك ليرضى كل فريق منهم ويريه أنه منهم وهذه المداهنة ~~المحرمة على ms2793 المؤمنين . قال المهلب : فإن قال قائل : إن حديث ابن عمر وحديث ~~أبى هريرة يعارضان قوله - صلى الله عليه وسلم - للذى استأذن عليه : ( بئس ~~ابن العشيرة ) ثم تلقاه بوجه طلق وترحيب . قيل : ليس بينهما تعارض بحمد ~~الله ؛ لأنه لم يقل - صلى الله عليه وسلم - خلاف ما قاله عنه ؛ بل أبقاه ~~على التجريح عند السامع ، ثم تفضل عليه بحسن اللقاء والترحيب لما كان يلزمه ~~- صلى الله عليه وسلم - من الاستئلاف ، وكان يلزمه التعريف لخاصته بأهل ~~التخليط والتهمة بالنفاق ، وقد قيل : إن تلقيه له بالبشر إنما كان لاتقاء ~~شره ، وليكف بذلك أذاه عن المسلمين ، فإنما قصد بالوجهين جميعا إلى نفع ~~المسلمين بأن عرفهم سوء حاله وبأن كفاهم ببشره له أذاه وشره . وذو الوجهين ~~بخلاف هذا ؛ لأنه يقول الشىء بالحضرة ، ويقول ضده فى غير الحضرة ، وهذا ~~تناقض ، والذى فعله - صلى الله عليه وسلم - محكم مبين لا تناقض فيه ؛ لأنه ~~لم يقل لابن العشيرة عند لقائه إنه فاضل ولا صالح بخلاف ما قال فيه فى غير ~~وجهه . ومن هذا الحديث استجاز الفقهاء التجريح والإعلام بما يظن من ~~PageV08P250 سوء حال الرجل إذا خشى منه على المسلمين ، وسأتقصى ذلك فى كتاب ~~الأدب من باب المداراة مع الناس . * * * # | 27 - باب القضاء على الغائب # / 38 - فيه : عائشة : أن هندا قالت للنبى - صلى الله عليه وسلم - : إن ~~أبا سفيان رجل شحيح ، فأحتاج أن آخذ من ماله ، قال خذى ما يكفيك وولدك ~~بالمعروف ) . اختلف العلماء فى القضاء على الغائب فأجاز ذلك سوار القاضى ~~ومالك والليث والشافعى وأبو ثور وأبو عبيد . قال الشافعى : يقضى بذلك فى كل ~~شىء . وروى ابن القاسم عن مالك : أنه يقضى بذلك فى الدين ولا يقضى به فى ~~أرض ولا عقار ، وفى كل شىء كانت له فيه حجج إلا أن تكون غيبة المدعى عليه ~~طويلة . قال أصبغ : مثل الغدوة من الأندلس ومكة ومن إفريقية وشبه ذلك ، ~~وأرى أن يحكم عليه إذا كانت غيبة انقطاع . قال مالك : وكذلك إن غاب بعد ما ~~توجه عليه القضاء قضى عليه . قال ابن ms2794 حبيب : عرضت قول ابن القاسم ، عن مالك ~~على ابن الماجشون ، فأنكر أن يكون مالك قاله ، وقال : أما علماؤنا وحكامنا ~~بالمدينة ؛ فالعمل عندهم على الحكم على الغائب فى جميع الأشياء . وقالت ~~طائفة : لا يقضى على الغائب . روى ذلك عن شريح ، والنخعى ، والقاسم ، وعمر ~~ابن عبد العزيز ، وابن أبى ليلى . وقال أبو حنيفة : لا يقضى على الغائب ولا ~~من هرب عن الحكم بعد إقامة PageV08P251 البينة ، ولا على من استتر فى البلد ~~، ولكنه يأتى من عند القاضى من ينادى على بابه ثلاثة أيام فإن لم يحضر أنفذ ~~عليه القضاء . واحتج الكوفيون بالإجماع أنه لو كان حاضرا لم يسمع بينة ~~المدعى حتى يسأل المدعى إليه ، فإذا غاب فأحرى أن لا يسمع . قالوا : ولو ~~جاز الحكم مع غيبته لم يكن الحضور عند الحاكم مستحقا عليه ، وقد ثبت أن ~~الحضور مستحق عليه ؛ لقوله تعالى : { وإذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم ~~بينهم إذا فريق منهم معرضون } [ النور : 48 ] فذمهم على الإعراض عن الحكم ~~وترك الحضور ، فلولا أن ذلك واجب عليهم لم يلحقهم الذم . قالوا : وروى عن ~~على حين بعثه النبى - صلى الله عليه وسلم - إلى اليمن قال له : ( لا تقض ~~لأحد الخصمين حتى تسمع من الآخر ) وقد أمر النبى - صلى الله عليه وسلم - ~~بالمساواة بين الخصمين فى المجلس ، واللحظ واللفظ . والحكم على الغائب يمنع ~~من هذا كله . قال ابن القصار : واحتج الذين أجازوا القضاء على الغائب بحديث ~~هند وأن النبى - صلى الله عليه وسلم - قضى لها على زوجها بالأخذ من ماله ~~وهو غائب . فإن قيل : حكم من غير أن قامت البينة بالزوجية وثبوت الحق عليه ~~. قيل : ليس يكون الحكم بعد إقامة البينة ، وهذا معلوم لم يحتج إلى نقله . ~~وقال الطبرى : لم يسألها النبى - صلى الله عليه وسلم - البينة لعلمه بصحة ~~دعواها . قال ابن المنذر : وإنما حكم عليه وهو غائب لما علم ما يجب لها ~~عليه ، فحكم بذلك عليه ولم ينتظر حضوره ، ولعله لو حضر أدلى بحجة فلم يؤخر ~~- صلى الله عليه وسلم - الحكم بذلك وأمضاه عليه وهو ms2795 غائب . وقد تناقض ~~الكوفيون فى ذلك فقالوا : لو ادعى رجل عند حاكم PageV08P252 أن له على غائب ~~حقا وجاء برجل فقال : إنه كفيله واعترف له الرجل أنه كفيله إلا أنه قال : ~~لا شىء له عليه . فقال أبو حنيفة : يحكم على الغائب ويأخذ الحق من الكفيل ، ~~وكذلك إذا قامت امرأة الغائب وطلبت النفقة من مال زوجها ، فإنه يحكم لها ~~عليه بالنفقة عندهم . قال ابن المنذر : ومن تناقضهم أنهم يقضون للمرأة ~~والوالدين والولد على الذى عنده المال الغائب إذا أقر به ، ولا يقضون للأخ ~~والأخت ولا لذى رحم محرم ، ووجوب نفقات هؤلاء عندهم كوجوب نفقات الآباء ~~والأبناء والزوجة ، ولو ادعى على جماعة غيب دعوى مثل أن يقول : قتلوا عبدى ~~. وحضر منهم واحد حكم عليه وعلى الغيب ، فقد أجازوا الحكم على الغائب . * * ~~* # | 28 - باب من قضى له بحق أخيه فلا يأخذه فإن قضاء الحاكم لا يحل حراما ~~ولا يحرم حلالا # / 39 - فيه : أم سلمة أن النبى - صلى الله عليه وسلم - سمع خصومة بباب ~~حجرته ، فخرج إليهم ، فقال : ( إنما أنا بشر ، وإنه يأتينى الخصم ، فلعل ~~بعضكم أن يكون أبلغ من بعض ، فأحسب أنه صادق ، فأقضى له بذلك ، فمن قضيت له ~~بحق مسلم ، فإنما هى قطعة من النار فليأخذها أو ليتركها ؟ . / 40 - فيه : ~~عائشة قالت : كان عتبة بن أبى وقاص عهد إلى أخيه سعد ابن أبى وقاص أن ابن ~~وليدة زمعة منى فاقبضه إليك ، فلما كان عام الفتح أخذه سعد ، فقال : ابن ~~أخى ، قد كان عهد إلى فيه ، فقام إليه عبد بن زمعة ، فقال : أخى وابن وليدة ~~أبى ، ولد على فراشه ، فتساوقا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، ~~PageV08P253 فقال سعد : يا رسول الله ، ابن أخى ، كان عهد إلى فيه ، وقال ~~عبد بن زمعة : أخى وابن وليدة أبى ولد على فراشه ، فقال رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - : هو لك يا عبد بن زمعة ، ثم قال رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - : الولد للفراش ، وللعاهر الحجر ، ثم قال لسودة بنت زمعة : ~~احتجبى منه ، لما رأى من ms2796 شبهه بعتبة ، فما رآها حتى لقى الله ) . أجمع ~~الفقهاء على أن حكم الحاكم لا يخرج الأمر عما هو عليه فى الباطن ، وإنما ~~ينفذ حكمه فى الظاهر الذى تعبد به ، ولا يحل للمقضى له مال المقضى عليه إذا ~~ادعى عليه ما ليس عنده ووقع الحكم بشاهدى زور ، فالعلماء مجمعون أن ذلك فى ~~الفروج والأموال سواء ؛ لأنها كلها حقوق لقوله تعالى : { ولا تأكلوا ~~أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام لتأكلوا فريقا من أموال الناس ~~} [ البقرة : 188 ] وهو قول أبى يوسف . وشذ أبو حنيفة ومحمد فقالا : ما كان ~~من تمليك مال فهو على حكم الباطن كما قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~: ( فمن قضيت له بشىء من حق أخيه فلا يأخذه ، فإنما أقطع له قطعة من النار ~~) وما كان من حل عصمة النكاح أو عقدها غير داخل فى النهى ، فلو تعمد شاهدا ~~زور الشهادة على امرأة أنها قد رضيت بنكاح رجل ، وقضى الحاكم عليها بذلك ~~لزمها النكاح ولم يكن لها الامتناع . ولو تعمد رجلان الشهادة بالزور على ~~رجل أنه طلق امرأته ، فقبل الحاكم شهادتهما لعدالتهما عنده ، وفرق بين ~~الرجل والمرأة واعتدت المرأة جاز لأحد الشاهدين أن يتزوجها وهو عالم أنه ~~كان كاذبا فى شهادته ، لأنه لما حلت للأزواج فى الظاهر كان الشاهد وغيره ~~سواء ؛ لأن قضاء القاضى قطع عصمتها وأحدث فى ذلك التحليل والتحريم فى ~~الظاهر والباطن جميعا ، ولولا ذلك ما حلت للأزواج . PageV08P254 واحتجا ~~بحكم اللعان وقالا : معلوم أن الزوجة إنما وصلت إلى فراق زوجها باللعان ~~الكاذب الذى لو علم الحاكم كذبها فيه لحدها وما فرق بينهما ، فلم يدخل هذا ~~فى عموم قوله - صلى الله عليه وسلم - : ( وقضيت له بشىء من حق أخيه فلا ~~يأخذه ) . واحتج أصحاب مالك والشافعى وغيرهم بحديث أم سلمة وعائشة فقالوا : ~~قوله : ( فمن قضيت له بحق مسلم فإنما هى قطعة من النار ) بيان واضح أن حكمه ~~بما ليس للمحكوم له لا يجوز له أخذه ، وأنه حرام عليه فى الباطن . وقوله - ~~صلى الله عليه وسلم - : ( فمن قضيت له ms2797 بحق مسلم ) يشتمل على كل حق ، فمن ~~فرق بين بعض الحقوق فعليه الدليل ، ومثل هذا حكمه - صلى الله عليه وسلم - ~~فى ابن وليدة زمعة أنه لزمعة من أجل الفراش الظاهر ولم يلحقه بعتبة ، ثم ~~لما رأى شبها بعتبة قال لسودة زوجته : ( احتجبى منه ) ؛ لجواز أن يكون من ~~زنا . فلو كان حكمه يقع ظاهرا وباطنا لم يأمر - صلى الله عليه وسلم - زوجته ~~سودة بالاحتجاب منه مع حكمه بأنه أخوها . ومن طريق الاعتبار أنا قد اتفقا ~~على أنه لو ادعى إنسان على حرة أنها أمته وأقام شاهدى زور لم تكن أمته فى ~~الباطن من أجل حكم الحاكم ، فكذلك فى الفروج كلها ، وكذلك لو ادعى على ~~ابنته أو أخته أنها زوجته وأقام شاهدى زور ، وحكم الحاكم بالزوجية ، فإن ~~أبا حنيفة يقول : لا تكون زوجته . وفرق بين الحرمة بالنسب وبين زوجة غيره ~~ولا فرق بينهما ؛ لأنه لما كان حكم الحاكم لا يبيح المحرمة بالنسب ، فكذلك ~~لا يبيح المحرمة بنكاح غيره . PageV08P255 * * * # | 29 - باب الحكم فى البئر ونحوها # / 41 - فيه : عبدالله ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( ~~لا يحلف على يمين صبر يقتطع مالا ، وهو فيها فاجر ، إلا لقى الله ، وهو ~~عليه غضبان ، فأنزل الله : { إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا ~~قليلا } [ آل عمران : 77 ] الآية ، فجاء الأشعث وعبدالله يحدثهم ، فقال : ~~فى نزلت ، وفى رجل خاصمته فى بئر . . . الحديث . وذكر فى كتاب الأيمان ~~والنذور أن البئر كانت للأشعث فى أرض ابن عمه فادعى له فى البئر . وهذا ~~الحديث حجة فى أن حكم الحاكم فى الظاهر لا يحل الحرام ولا يبيح المحظور ، ~~ألا ترى أن النبى - صلى الله عليه وسلم - حذر أمته عقوبة من اقتطع حق أخيه ~~بيمين فاجرة ، أن جزاءه غضب الله عليه ، وقد توعد الله على ذلك بضروب من ~~العقوبة فقال : { إن الذين يشترون بعهد الله } [ آل عمران : 77 ] وهذا من ~~أشد وعيد جاء فى القرآن ، فدل ذلك على أن من تحيل على أخيه وتوصل إلى شىء ~~من حقه بباطل ، فإنه لا ms2798 يحل له لشدة الإثم فيه . * * * # | 30 - باب القضاء فى قليل المال وكثيره سواء # وقال ابن عيينة ، عن ابن شبرمة : القضاء فى قليل المال وكثيره سواء . / ~~42 - فيه : أم سلمة ، قال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( إنما أنا بشر ) ~~، إلى قوله : ( فمن قضيت له بحق مسلم . . . ) الحديث . القضاء فى قليل ~~المال وكثيره واجب ؛ لعموم قوله : ( فمن قضيت له بحق مسلم ) والحق يقع على ~~كل شىء من القليل والكثير . PageV08P256 واختلف العلماء فى كم تجب اليمين ~~فى مقاطع الحقوق ؟ وقد تقدم ذلك فى كتاب الشهادات والأيمان فى باب يحلف ~~المدعى عليه حيثما وجبت عليه اليمين . * * * # | 31 - باب بيع الإمام على الناس أموالهم وضياعهم # وقد باع النبى - صلى الله عليه وسلم - مدبرا من نعيم بن النحام . / 43 - ~~فيه : جابر : بلغ النبى - صلى الله عليه وسلم - أن رجلا من أصحابه أعتق ~~غلاما له عن دبر لم يكن له مال غيره ، فباعه بثمان مائة درهم ، ثم أرسل ~~بثمنه إليه . قال المهلب : إنما يبيع الإمام على الناس أموالهم إذا رأى ~~منهم سفها فى أحوالهم ؛ فأما من ليس بسفيه ، فلا يباع عليه شىء من ماله إلا ~~فى حق يكون عليه ، وهذا البيع الذى وقع فى المدبر إنما نقضه - صلى الله ~~عليه وسلم - ؛ لأنه لم يكن له مال غيره ، فخشى عليه الموت فى الحجاز دون ~~قوت لقوله تعالى : { وأنفقوا فى سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة } ~~[ البقرة : 195 ] ، فلما رآه النبى - صلى الله عليه وسلم - قد أنفق جميع ~~ذات يده فى المدبر وأنه تعرض للهلكة نقض عليه فعله ، كما قال تعالى ونهى ~~عنه ، ولم ينقض على الذى قال له : ( قل : لا خلابة ) لأنه لم يفوت على نفسه ~~جميع ماله . PageV08P257 * * * # | 32 - باب من لم يكترث بطعن من لا يعلم فى الإمام # / 44 - فيه : ابن عمر قال : ( بعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعثا ~~، وأمر عليهم أسامة بن زيد ، فطعن فى إمارته ، وقال : إن تطعنوا فى إمارته ~~، فقد كنتم تطعنون فى إمارة أبيه من قبله ، وايم الله ، إن كان ms2799 لخليقا ~~للإمارة ، وإن كان لمن أحب الناس إلى ، وإن هذا لمن أحب الناس إلى بعده ) . ~~قال المهلب : معنى الترجمة أن الطاعن إذا لم يعلم حال المطعون عليه ، وكذب ~~فى طعنه لا ينبغى أن يكترث له كبير اكتراث ، ألا ترى أن النبى - صلى الله ~~عليه وسلم - قد خلى هذا الطعن حين أقسم أنه كان خليقا للإمارة . وفيه : أنه ~~يتأسى بما قيل فى المرء من الكذب إذا قيل مثل ذلك فيمن كان قبله من الفضلاء ~~. وفيه : التبكيت للطاعنين ؛ لأنهم لما طعنوا فى إمارة أبيه ، ثم ظهر من ~~غنائه وفضله ما ظهر ؛ كان ذلك ردا لقولهم . فإن قيل : قد طعن على أسامة ~~وأبيه بما ليس فيهما ، ولم يعزل النبى - صلى الله عليه وسلم - واحدا منهما ~~، بل بين فضلهما ولم يتهمهما ، ولم يعتبر عمر بهذا القول فى سعد ، وعزله ~~حين قرفه أهل الكوفة بما هو منه برئ . فالجواب : أن عمر لم يعلم من مغيب ~~أمر سعد ما علمه النبى - صلى الله عليه وسلم - من مغيب أمر زيد وأسامة ، ~~وإنما قال عمر لسعد حين ذكر أن صلاته تشبه صلاة رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - : ذلك الظن بك . ولم يقطع على ذلك كما قطع النبى - صلى الله عليه ~~وسلم - فى أمر زيد أنه خليق للإمارة ، وقال فى أسامة : إنه PageV08P258 من ~~أحب الناس إليه . ولا يجوز أن يحب النبى - صلى الله عليه وسلم - إلا من ~~أحبه الله ، ومن لا يسوغ فيه العيب والنقص . ويحتمل أن يكون الطاعنون فى ~~أسامة وأبيه من استصغر سنه على من قدم عليه من مشيخة الصحابة ، وذلك جهل ~~ممن ظنه ، ويحتمل أن يكون الظن من المنافقين الذين كانوا يطعنون على النبى ~~- صلى الله عليه وسلم - ويقبحون آثاره وآراءه ، وقد وصف الله من اتهم ~~الرسول فى قضاياه أنه غير مؤمن بقوله : { فلا وربك لا يؤمنون } [ النساء : ~~65 ] الآية . * * * # | 33 - باب الألد الخصم وهو الدائم فى الخصومة . لدا : عوجا # / 45 - فيه : عائشة : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( أبغض ~~الرجال إلى الله الألد ms2800 الخصم ) . قد تقدم فى كتاب المظالم والغصب هذا . قال ~~المهلب : لما كان اللدد حاملا على المطل بالحقوق والتعريج بها عن وجوهها ، ~~واللى بها عن مستحقيها وظلم أهلها ؛ استحق فاعل ذلك بغضة الله وأليم عقابه ~~. * * * # | 34 - باب إذا قضى الحاكم بجور أو خلاف أهل العلم فهو رد # / 46 - فيه : ابن عمر : بعث النبى - صلى الله عليه وسلم - خالد بن الوليد ~~إلى بنى جذيمة ، فلم يحسنوا أن يقولوا : أسلمنا ، فقالوا : صبأنا ، صبأنا ، ~~فجعل خالد يقتل ويأسر ، PageV08P259 ودفع إلى كل رجل منا أسيره ، فأمر كل ~~رجل منا أن يقتل أسيره ، فقلت : والله لا أقتل أسيرى ، ولا يقتل أحد من ~~أصحابى أسيره ، فذكرنا ذلك للنبى - صلى الله عليه وسلم - فقال : اللهم إنى ~~أبرأ إليك مما صنع خالد مرتين ) . لم يختلف العلماء أن القاضى إذا قضى بجور ~~أو بخلاف أهل العلم فهو مردود ، فإن كان على وجه الاجتهاد والتأويل كما صنع ~~خالد فإن الإثم ساقط عنه ، والضمان لازم فى ذلك عند عامة أهل العلم ، إلا ~~أنهم اختلفوا فى ضمان ذلك على ما يأتى بيانه . ووجه موافقة الحديث للترجمة ~~هو قوله : ( اللهم إنى أبرأ إليك مما صنع خالد ) يدل تبرؤه - صلى الله عليه ~~وسلم - من قتل خالد للذين قالوا : صبأنا . أن قتله لهم حكم منه بغير الحق ؛ ~~لأن الله يعلم الألسنة كلها ويقبل الإيمان من جميع أهل الملل بألسنتهم ، ~~لكن عذره النبى - صلى الله عليه وسلم - بالتأويل ؛ إذ كل متأول فلا عقوبة ~~عليه ولا إثم . واختلفوا فى ضمان خطأ الحاكم ، فقالت طائفة : إذا أخطأ ~~الحاكم فى حكمه فى قتل أو جراح فدية ذلك فى بيت المال . هذا قول الثورى ~~وأبى حنيفة وأحمد وإسحاق . وقالت طائفة : هو على عاقلة الإمام والحاكم . ~~وهذا قول الأوزاعى وأبى يوسف ومحمد والشافعى ، وليس فيها جواب لمالك . ~~واختلف أصحابه فيها فقال ابن القاسم كقول الأوزاعى : الدية على عاقلة ~~الحاكم . وقال فى الشاهدين إذا شهد فى دين أو عتق أو طلاق أو حد من الحدود ~~: أرى أن يضمنا الدين ، ويكون عليهما قيمة العبد ms2801 فى العتق وقصاص العقل فى ~~أموالهم . وهو قول أشهب فى الشاهدين . وقال : الأموال مضمونة بالخطأ كما ~~PageV08P260 هى بالعمد ، وليست كالدماء . وهو قول أصبغ . وقال ابن الماجشون ~~: ليس على الحاكم شىء من الدية فى ماله ولا على عاقلته ولا فى بيت مال ~~المسلمين ، وكذلك قال فى الشاهدين إذا رجعا عن شهادتهما وادعيا الغلط أنه ~~لا غرم عليهما . وهو قول محمد بن مسلمة . وذكر ابن حبيب أن قول ابن ~~الماجشون هو قول المغيرة وابن دينار وابن أبى حازم وغيرهم . وحجة من لم ~~يوجب الدية أنه لم يرو فى الحديث أن النبى - صلى الله عليه وسلم - أغرمه ~~الدية ولا غرمها عنه ، وقوله : ( إذا اجتهد الحاكم فأخطأ فله أجر ) . ولا ~~يجوز أن يؤجر إلا على ما هو بفعله مطيع ، فإذا كان مطيعا فما صدر عنه من ~~تلف نفس أو مال فلا ضمان عليه ، وهذا اختيار إسماعيل بن إسحاق . وحجة الذين ~~أوجبوا الضمان والدية الإجماع على أن الأموال مضمونة بالخطأ كما هو بالعمد ~~، ولا تسقط الدية فى ذلك من أجل أنها لم يذكر فى الحديث وجوبها ، كما لم ~~تسقط فى دية الناقتين عن حمزة حين جب أسنمتهما وبقر خواصرهما ، وإن كان لم ~~يذكر ذلك فى الحديث . وروى عن عثمان أنه جعل عقل المرأة التى أمر برجمها ~~على عاقلته ، وروى أن امرأة ذكرت عند عمر بالزنا فبعث إليها ففزعت فألقت ما ~~فى بطنها فاستشار الصحابة فى ذلك ، فقال له عبد الرحمن بن عوف وغيره : إنما ~~أنت مؤدب ولا شىء عليك . فقال لعلى : ما تقول ؟ فقال : إن كان اجتهدوا فقد ~~أخطئوا ، عليك الدية . قال عمر : عزمت عليك PageV08P261 لتقسمنها على قومك ~~. فأوجب على بحضرة الصحابة الدية وألزمها عمر ، وضربها على عاقلته ، ~~والمرأة وإن كانت أسقطت من الفزع فهو من جهته . وليس فى قوله - صلى الله ~~عليه وسلم - : ( إذا اجتهد الإمام فأخطأ ) دليل على إسقاط الضمان فى ذلك ، ~~وإنما فيه سقوط الإثم عن المجتهد وأنه مأجور إن لم يتعمد الخطأ ، ولا يفهم ~~من الحديث زوال الضمان . * * * # | 35 - باب الإمام ms2802 يأتى قوما فيصلح بينهم # / 47 - فيه : سهل بن سعد ، قال : ( كان قتال بين بنى عمرو ، فبلغ ذلك ~~النبى - صلى الله عليه وسلم - فصلى الظهر ، ثم أتاهم يصلح بينهم ، فلما ~~حضرت صلاة العصر ، فأذن بلال وأقام وأمر أبا بكر ، فتقدم وجاء النبى - صلى ~~الله عليه وسلم - وأبو بكر فى الصلاة ، فشق الناس حتى قام خلف أبى بكر ، ~~فتقدم فى الصف الذى يليه ، قال : وصفح القوم ، وكان أبو بكر إذا دخل فى ~~الصلاة . وذكر الحديث ، إلى قوله : إذا رابكم أمر فليسبح الرجال وليصفق ~~النساء ) . وقد تقدم فى الصلح . فإن قال قائل : قد جاء فى هذا الحديث أن ~~النبى - صلى الله عليه وسلم - شق الناس وهم فى الصلاة ، وجاء عنه أنه نهى ~~عن التخطى ، وأن يفرق بين اثنين يوم الجمعة ، فكيف وجه الجمع بين هذه ~~الأحاديث ؟ قال المهلب : لا اختلاف بين معانيها ، ولكل واحد منها وجه ، ~~وذلك أن النبى - صلى الله عليه وسلم - ليس كغيره فى أمر الصلاة ولا غيرها ؛ ~~لأنه ليس لأحد أن يتقدم علة فيها ، وله أن يتقدم لما ينزل عليه من أحكام ~~الصلاة ، أو PageV08P262 ينزل عليه قرآن بإثبات حكم أو نسخه ، وليس لغيره ~~شىء من ذلك وليس حركة من حركاته - صلى الله عليه وسلم - إلا ولنا فيها ~~منفعة وسنة نقتدى بها ، والمكروه من التخطى هو ما يختص بالأذى والجفاء على ~~الجلوس ، فى التخطى على رقابهم وقلة توقيرهم ، وليس كذلك الوقوف فى الصلاة ~~؛ لأنهم ليسوا فى حديث يفاوضون فيه فيقطعه عليهم المار بينهم كما يقطعه من ~~جلس بين اثنين متحادثين فى علم أو مشاورة ، ويستدل على ذلك بقول مالك : من ~~رعف فى الصلاة أن له أن يشق الصفوف عرضا إلى الباب ، فإن لم يمكنه خرج كيف ~~تيسر له ، وليس لأحد أن يشق الصفوف فى الدخول والناس جلوس قبل الصلاة لما ~~فى ذلك من الجفاء على الناس والأذى لهم ، ولهم ذلك بعد تمام الصلاة ، لأنهم ~~ممن أباح الله لهم الانتشار بعد الصلاة ؛ فلذلك سقط أذى التخطى عن الخارج ؛ ~~لأنهم مختارون للجلوس بعد ms2803 الصلاة ومأمورون بالجلوس قبلها ، وقد خرج - صلى ~~الله عليه وسلم - بعد تقضى الصلاة يتخطى رقاب الناس فقال : ( تذكرت ذهيبة ~~كانت عندى فخشيت أن تحبسنى ) . وفى قوله - صلى الله عليه وسلم - : ( فليسبح ~~الرجال وليصفق النساء ) حجة للشافعى فى قوله : إن المرأة لا تسبح فى الصلاة ~~؛ لأن صوتها فتنة يخشى منه على الناس ، فالتصفيق سنتها بخلاف الرجال على ما ~~جاء فى هذا الحديث ، وهو نص لا مدفع فيه . * * * # | 37 - باب يستحب للكاتب أن يكون أمينا عاقلا # ( 1 ) / 48 - فيه : زيد بن ثابت : بعث إلى أبو بكر لمقتل أهل اليمامة ~~وعنده عمر ، فقال أبو بكر : إن عمر أتانى ، فقال : إن القتل قد استحر يوم ~~اليمامة بقراء القرآن ، وإنى أخشى أن يستحر القتل بقراء القرآن فى المواطن ~~كلها ، PageV08P263 فيذهب قرآن كثير ، وإنى أرى أن تأمر بجمع القرآن ، قلت ~~: كيف أفعل شيئا لم يفعله رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ؟ فقال عمر : ~~هو والله خير ، فلم يزل عمر يراجعنى فى ذلك حتى شرح الله صدرى للذى شرح له ~~صدر عمر ورأيت فى ذلك الذى رأى عمر ، قال زيد : قال أبو بكر : وإنك رجل شاب ~~عاقل لا نتهمك ، قد كنت تكتب الوحى لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، ~~فتتبع القرآن فاجمعه ، قال زيد : فوالله لو كلفنى نقل جبل من الجبال ما كان ~~بأثقل على مما كلفنى من جمع القرآن ، قلت : كيف تفعلان شيئا لم يفعله رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - ، قال أبو بكر : هو والله خير ، فلم يزل يحث ~~مراجعتى حتى شرح الله صدرى للذى شرح الله له صدر أبى بكر وعمر ، ورأيت فى ~~ذلك الذى رأيا ، فتتبعت القرآن ، أجمعه من العسب والرقاع واللخاف وصدور ~~الرجال ، فوجدت فى آخر سورة التوبة : { لقد جاءكم رسول من أنفسكم } [ ~~التوبة : 128 ] إلى آخرها مع خزيمة بن ثابت ، أو أبى خزيمة ، فألحقتها فى ~~سورتها ، وكانت الصحف عند أبى بكر حياته حتى توفاه الله عز وجل ، ثم عند ~~عمر حياته حتى توفاه الله ، ثم عند حفصة بنت عمر . قال عبيدالله ms2804 البخارى : ~~اللخاف يعنى الخزف . قال المهلب : هذا يدل أن العقل أصل الخلال المحمودة ~~كالأمانة والكفاية فى عظيم الأمور ؛ لأنه لم يصف زيدا بأكثر من العقل ، ~~وجعله سببا لائتمانه ورفع التهمة عنه ؛ لقوله : إنك شاب عاقل ولا نتهمك . ~~وفيه : دليل على اتخاذ الكاتب للسلاطين والحكام ، وأنه ينبغى أن ~~PageV08P264 يكون الكاتب عاقلا فطنا مقبول الشهادة ، وهذا قول كافة الفقهاء ~~. وقال الشافعى : ينبغى لكاتب القاضى أن يكون عاقلا لئلا يخدع ويحرص على أن ~~يكون فقيها لئلا يؤتى من جهالة ، ويكون بعيدا من الطمع نزها . وفيه : أن من ~~سبقت له معرفة بالأمر فإنه أولى بالولاية ، أحق بها ممن لا سابقة له فى ذلك ~~ولا معرفة . وفيه : جواز مراجعة الكتاب للسلطان فى الرأى ومشاركته له فيه . ~~قال أبو بكر بن الطيب : إن قال قائل من الرافضة : كيف جاز لأبى بكر جمع ~~القرآن ولم يجمعه النبى - صلى الله عليه وسلم - . قيل : يجوز أن يفعل ~~الفاعل ما لم يفعله النبى - صلى الله عليه وسلم - إذا كان فى ذلك مصلحة فى ~~وقته واحتياط للدين ، وليس فى أدلة الكتاب والسنة ما يدل على فساد جمع ~~القرآن بين لوحين وتحصينه ، وجمع هممهم على تأمله ، وتسهيل الانتساخ منه ~~والرجوع إليه ، والغنى به عن تطلب القرآن من الرقاع والعسب وغير ذلك مما لا ~~يؤمن عليه الضياع ، فوجب أن يكون أبو بكر مصيبا ، وأن ذلك من أعظم فضائله ~~وأشرف مناقبه حين سبق إلى ما لم يسبق إليه أحد من الأمة ، وبأن اجتهاده فى ~~النصح لله ولرسوله ولكتابه ودينه وجميع المؤمنين ، وأنه فى ذلك متبع لله ~~ولرسوله لإخباره تعالى فى كتابه أن القرآن كان PageV08P265 مكتوبا فى الصحف ~~الأولى ، وأخبر عن تلاوة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من الصحف بقوله ~~تعالى : { رسول من الله يتلو صحفا مطهرة فيها كتب قيمة } [ البينة : 2 ، 3 ~~] فلم يكن جمع أبى بكر الصديق بين اللوحين مخالفا لله ولرسوله ؛ لأنه لم ~~يجمع ما لم يكن مجموعا ولا كتب ما لم يكن مكتوبا ، وقد أمرهم النبى - صلى ~~الله عليه وسلم ms2805 - بكتابته فقال : ( لا تكتبوا عنى شيئا غير القرآن ) . فألف ~~المكتوب وصانه ، وأحرزه وجمعه بين لوحين ، ولم يغير منه شيئا ، ولا قدم منه ~~مؤخرا ولا أخر مقدما ، ولا وضع حرفا ولا آية فى غير موضعها . ودليل آخر ، ~~وذلك أن الله ضمن لرسوله ولسائر الخلق جمع القرآن وحفظه فقال : { إنا نحن ~~نزلنا الذكر وإنا له لحافظون } [ الحجر : 9 ] ، وقال : { إن علينا جمعه ~~وقرآنه } [ القيامة : 16 ] ، وقال : { لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من ~~خلفه } [ فصلت : 42 ] . فنفى عنه إبطال الزائغين وإلباس الملحدين ، ثم أمر ~~الرسول والأمة بحفظه والعمل به ، فوجب أن يكون كل أمر عاد لتحصينه وأدى إلى ~~حفظه واجبا على كافة الأمة فعله ، فإذا قام به البعض فقد أحسن وناب عن باقى ~~الأمة . وقد روى عبد خير ، عن على أنه قال : يرحم الله أبا بكر هو أول من ~~جمع القرآن بين لوحين . وهذا تعظيم منه لشأنه ومدح له ، وعلى أعلم من ~~الرافضة بصواب هذا الفعل ، فيجب ترك قولهم لقوله . ومما يدل على صحة هذه ~~الرواية عن على ابتغاؤه لأجره وإطلاقه للناس كتب المصاحف وحضهم عليها ~~وإظهار تحكيم ما ضم الصديق بين لوحين ، ولو كان ذلك عنده منكرا لما أخرج ~~إلى الدعاء PageV08P266 إلى من يخالفه مصحفا تنشره الريح ، وإنما كان يخرجه ~~من المصحف والعسب واللخاف على وجه ما كان مكتوبا فى زمن النبى - صلى الله ~~عليه وسلم - فدل أنه مصوب لفعل الصديق والجماعة ، وأن ذلك رأيه ودينه ، ~~وسياتى فى كتاب فضائل القرآن فى باب جمع القرآن بقيته . * * * # | 78 - باب كتاب الحاكم إلى عماله والقاضى إلى أمنائه # / 49 - فيه : حديث حويصة ومحيصة : ( وأن النبى - صلى الله عليه وسلم - ~~كتب إلى أهل خيبر : إما أن يدوا صاحبكم وإما أن يؤذنوا بحرب ، فكتبوا ، ما ~~قتلنا . . ) وذكر الحديث . قد تقدم هذا الحديث فى باب الشهادة على الخط . * ~~* * # | 38 - باب هل يجوز للحاكم أن يبعث رجلا وحده للنظر فى الأمور # / 50 - فيه أبى هريرة وزيد بن خالد : حديث العسيف ، إلى قوله : وأما أنت ~~يا أنيس ، لرجل ms2806 ، فاغد على امرأة هذا ، فارجمها فغدا عليها أنيس فرجمها ) . ~~قال المهلب : هذا الحديث نص فى بعثة الحاكم رجلا واحدا ينفذ حكمه . وفيه ~~حجة لمالك فى قوله : إنه يجوز أن ينفذ الرجل الواحد إلى إعذار من شهد عليه ~~بحق ، وأنه يجوز أن يتخذ رجلا ثقة يكشف له عن حال الشهود فى السر ، وكذلك ~~يجوز عندهم قبول الواحد فيما PageV08P267 طريقه الأخبار ولم يكن طريقه ~~الشهادة ، وقد استدل قوم بهذا الحديث فى أن الإمام إذا بعث رجلا ينفذ ~~أحكامه أنه ينفذه من غير إعذار إلى المحكوم عليه ؛ لأنه لم ينقل فى الأخبار ~~أن أنيسا أعذر إلى المرأة المدعى عليها الزنا ، وهذا ليس بشىء ؛ لأن ~~الإعذار إنما يصح فيما كان فى الحكم بالبينات ، ولابد فى ذلك من الإعذار ~~إلى المحكوم عليه ، وما كان الحكم فيه من جهة الإقرار فللرسول أن ينفذه ~~بإقرار المقر ، ولا إعذار فيه ، وإنما اختلف العلماء هل يحتاج وكيل الحاكم ~~إلى أن يحضر من يسمع ذلك من المقر أم لا ؟ على حسب اختلافهم فى الحاكم هل ~~يحتاج إلى مثل ذلك أم لا ؟ وأصل الإعذار فى كتاب الله قوله تعالى : { ~~تمتعوا فى دراكم ثلاثة أيام } [ هود : 65 ] وفى قوله : { إن موعدهم الصبح } ~~[ هود : 81 ] . وفى هذا الحديث حجة لمن قال : إن القاضى يجوز أن يحكم على ~~الرجل بإقراره دون بينة تشهد عنده بذلك الإقرار ، وهو قول ابن أبى ليلى ~~وأبى حنيفة وأبى يوسف ، وقال مالك : لا يقضى على الرجل بإقراره حتى تشهد ~~عنده بينة بذلك . وهو قول محمد بن الحسن ، واحتج الطحاوى بقوله : ( واغد يا ~~أنيس على امرأة هذا ، فإن اعترفت فارجمها ) ولم يقل له : فإن اعترفت فأشهد ~~عليها حتى يكون حجة لك بعد موتها . قال : وقد قتل معاذ وأبو موسى مرتدا ~~وهما واليان لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - على اليمن ولم يشهدا عليه . ~~واختلفوا إذا قال القاضى : قد حكمت على هذا الرجل بالرجم فارجم . فقال أبو ~~حنيفة وأبو يوسف : إذا قال ذلك ، وسعك أن ترجمه PageV08P268 وكذلك سائر ~~الحدود والحقوق . وقال ms2807 ابن القاسم على مذهب مالك : إن كان القاضى عدلا وسع ~~المأمور أن يفعل ما قال القاضى ، وهو قول الشافعى . قال ابن القاسم : إن لم ~~يكن عدلا لم يقبل قوله . وقال محمد بن الحسن : لا يجوز للقاضى أن يقول : ~~أقر عندى فلان بكذا ، لشىء يقضى به عليه من قتل أو مال ، أو عتاق أو طلاق ~~حتى يشهد معه على ذلك رجلان أو رجل عدل ليس يكون هذا لأحد بعد النبى - صلى ~~الله عليه وسلم - ، وينبغى أن يكون فى مجلس القاضى أبدا رجلان عدلان يسمعان ~~من يقر ويشهدان على ذلك ، فينفذ الحكم بشهادتهما أو شهادة من حضر . * * * # | 39 - باب ترجمة الحكام وهل يجوز ترجمان واحد ؟ # وقال خارجة بن زيد بن ثابت : عن زيد بن ثابت ، أن النبى - صلى الله عليه ~~وسلم - أمره أن يتعلم كتاب اليهود حتى كتبت للنبى - صلى الله عليه وسلم - ~~كتبه وأقرأته كتبهم إذا كتبوا إليه . وقال عمر ، وعنده علي وعبدالرحمن ~~وعثمان : ماذا تقول هذه ؟ قال عبدالرحمن ابن حاطب : فقلت : تخبرك بصاحبها ~~الذى صنع بها ، وقال أبو جمرة : كنت أترجم بين ابن عباس وبين الناس ، وقال ~~بعض الناس : لا بد للحاكم من مترجمين . / 51 - فيه : ابن عباس ، أن أبا ~~سفيان بن حرب ، أخبره أن هرقل أرسل إليه PageV08P269 فى ركب من قريش ، ثم ~~قال لترجمانه : قل لهم إنى سائل هذا ، فإن كذبنى فكذبوه ، فذكر الحديث ، ~~فقال للترجمان ، قل له إن كان ما تقول حقا ، فسيملك موضع قدمى هاتين . ~~اختلف العلماء فيمن تجوز ترجمته على لسان الأعجمين إذا تحاكموا إلى حكام ~~المسلمين ، فروى أشهب عن مالك أنه يجوز ترجمة رجل واحد ثقة قال : واثنان ~~أحب إلى فى ذلك من الواحد وتقبل ترجمة امرأة واحدة واثنان أحب إليه ولا ~~تقبل ترجمة عبد ولا مسخوط . وأجاز أبو حنيفة وأبو يوسف ترجمة رجل واحد ~~وامرأة واحدة ، ولا تقبل من عبد كقول مالك . وقال محمد بن الحسن : لا تقبل ~~إلا من رجلين أو رجل وامرأتين . وقال الشافعى : لابد من اثنين . وحجة من ~~أجاز ترجمة الواحد ms2808 فى ذلك ترجمة زيد بن ثابت وحده للنبى - صلى الله عليه ~~وسلم - وترجمة أبى جمرة بين يدى ابن عباس ، وأن عبد الله بن سلام ترجم عن ~~التوراة فى آية الرجم للنبى - صلى الله عليه وسلم - فجاز ذلك ، وأيضا فإن ~~ترجمان هرقل ترجم عن قريش فجازت ترجمته ، ولم يدخل حديث هرقل حجة على جواز ~~الترجمان المشرك ؛ لأن ترجمان هرقل كان على دين قومه ، وإنما أدخله ليدل ~~على أن الترجمان كان يجرى عند الأمم مجرى المخبر لا مجرى الشهادة ، واحتج ~~الكوفيون بأن الترجمة ليس طريقها الشهادة ؛ بدليل أنه لا يحتاج أن تقول ~~أشهد أنه يقول كذا ، بل يكفيه أن يقول : هو يقول كذا وكذا وهو تفسير لما ~~يقوله ، والتفسير لا يحتاج فيه إلى العدد كالمستفتى إذا لم يفهم الفتيا ~~بلسانه . PageV08P270 ومن شرط رجلين فى ذلك جعله كالشهادة لا ينقلها إلا ~~شاهدان وكالإقرار عند الحاكم لا يجوز له أن يحكم به وإن فهمه حتى يشهد به ~~عنده شاهدان ، ففيما لا يفهمه ولا يعلمه أولى . وقال ابن المنذر : لو كان ~~الأمر إلى النظر كان الواجب أن لا يقبل فى الترجمة أقل من شاهدين قياسا على ~~أن ما غاب عن القاضى لا نقبل فيه إلا شاهدين ، غير أن الخبر إذا جاء سقط ~~النظر . وفى ترجمة زيد بن ثابت وحده للنبى - صلى الله عليه وسلم - حجة لا ~~يجوز خلافها . * * * # | 40 - باب محاسبة الإمام عماله # / 52 - فيه : أبو حميد أن النبى - صلى الله عليه وسلم - استعمل ابن ~~اللتبية على صدقات بنى سليم ، فلما جاء إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- وحاسبه ، قال : هذا الذى لكم ، وهذه هدية أهديت لى . . . الحديث قد تقدم ~~الكلام فى هذا الباب فى كتاب الزكاة ، وسيأتى فى كتاب ترك الحيل فى باب : ~~احتيال العامل ليهدى إليه زيادة فى هذا المعنى إن شاء الله تعالى . ~~PageV08P271 * * * # | 41 - باب بطانة الإمام وأهل مشورته البطانة الدخلاء # / 53 - فيه : أبو سعيد ، قال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( ما بعث ~~الله من نبى ولا استخلف من خليفة ، إلا ms2809 كانت له بطانتان : بطانة تأمره ~~بالمعروف وتحضه عليه ، وبطانة تأمره بالشر وتحضه عليه ، فالمعصوم من عصم ~~الله ) . قال المؤلف : ينبغى لمن سمع هذا الحديث أن يتأدب به ، ويسأل الله ~~العصمة من بطانة الشر وأهله ، ويحرض على بطانة الخير وأهله . قال سفيان ~~الثورى : ليكن أهل مشورتك أهل التقوى وأهل الأمانة ومن يخشى الله . قال ~~سفيان : وبلغنى أن المشورة نصف العقل . وقال الحسن فى قوله تعالى : { ~~وشاورهم فى الأمر } [ آل عمران : 159 ] قال : وقد علم أنه ليس به إليهم ~~حاجة ولكن أراد أن يستن به بعده ، وسيأتى فى كتاب الاعتصام عند قوله تعالى ~~: { وشاورهم فى الأمر } [ آل عمران : 159 ] . * * * # | 42 - باب كيف يبايع الإمام الناس # / 54 - فيه : عبادة بن الصامت ، قال : بايعنا رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - على السمع والطاعة فى المنشط والمكره ، وأن لا ننازع الأمر أهله ، ~~وأن نقوم ، أو نقول ، بالحق حيثما كنا ، لا نخاف فى الله لومة لائم . / 55 ~~- فيه : أنس : ( خرج النبى - صلى الله عليه وسلم - فى غداة باردة ، ~~والمهاجرون والأنصار يحفرون الخندق ، فقال : اللهم PageV08P272 إن الخير ~~خير الآخره فاغفر للأنصار والمهاجره فأجابوا : نحن الذين بايعوا محمدا على ~~الجهاد ما بقينا أبدا ) / 56 - وفيه : ابن عمر : ( كنا إذا بايعنا رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - على السمع والطاعة يقول لنا : فيما استطعتم ) ~~. / 57 - وفيه : ابن دينار شهدت ابن عمر حيث اجتمع الناس على عبدالملك ، ~~قال : كتب إنى أقر بالسمع والطاعة لعبدالله عبدالملك أمير المؤمنين على سنة ~~الله وسنة رسوله ما استطعت ، وإن بنى قد أقروا بمثل ذلك . / 58 - وفيه : ~~جرير بن عبدالله ، قال : بايعت النبى - صلى الله عليه وسلم - على السمع ~~والطاعة ، فلقننى فيما استطعت ، والنصح لكل مسلم . / 59 - وفيه : سلمة بن ~~الأكوع : قلت على أى شيء بايعتم النبى - صلى الله عليه وسلم - يوم الحديبية ~~؟ قال : على الموت . / 60 - وفيه : المسور أن الرهط الذين ولاهم عمر ~~اجتمعوا فتشاوروا ، فقال لهم عبدالرحمن : لست بالذى أنافسكم على هذا الأمر ~~، ولكنكم إن شئتم اخترت لكم منكم ، فجعلوا ذلك إلى عبدالرحمن ms2810 ، فلما ولوا ~~عبدالرحمن أمرهم ، فمال الناس على عبدالرحمن حتى ما أرى أحدا من الناس يتبع ~~أولئك الرهط ولا يطأ عقبه ، ومال الناس على عبدالرحمن يشاورونه تلك الليالى ~~حتى إذا كانت الليلة التى أصبحنا منها ، فبايعنا عثمان . قال المسور : ~~طرقنى عبدالرحمن بعد هجع من الليل ، فضرب الباب حتى PageV08P273 استيقظت ، ~~فقال : أراك نائما ، فوالله ما اكتحلت هذه الليلة بكبير نوم ، انطلق ، فادع ~~الزبير وسعدا ، فدعوتهما له فشاورهما ، ثم دعانى ، فقال : ادع لى عليا ، ~~فدعوته ، فناجاه حتى ابهار الليل ، ثم قام علي من عنده وهو على طمع ، وقد ~~كان عبدالرحمن يخشى من على شيئا ، ثم قال : ادع لى عثمان ، فدعوته فناجاه ~~حتى فرق بينهما المؤذن بالصبح ، فلما صلى للناس الصبح ، واجتمع أولئك الرهط ~~عند المنبر ، فأرسل إلى من كان حاضرا من المهاجرين والأنصار ، وأرسل إلى ~~أمراء الأجناد ، وكانوا وافوا تلك الحجة مع عمر ، فلما اجتمعوا تشهد ~~عبدالرحمن ، ثم قال : أما بعد ، يا على إنى قد نظرت فى أمر الناس ، فلم ~~أرهم يعدلون بعثمان ، فلا تجعلن على نفسك سبيلا ، فقال : أبايعك على سنة ~~الله ورسوله والخليفتين من بعده ، فبايعه عبدالرحمن وبايعه الناس المهاجرون ~~والأنصار وأمراء الأجناد والمسلمون . قال المهلب : اختلفت ألفاظ بيعة النبى ~~- صلى الله عليه وسلم - فروى : ( بايعنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~على السمع والطاعة ) وروى ( على الجهاد ) وروى ( على الموت ) وقد بين ابن ~~عمر وعبد الرحمن بن عوف فى بيعتهما ما يجمع معانى البيعة كلها ، وهو قولهم ~~: ( على السمع والطاعة وعلى سنة الله وسنة رسوله ) . وقوله : ( فيما ~~استطعتم ) لقوله تعالى : { لا يكلف الله نفسا إلا وسعها } [ البقرة : 286 ] ~~. وأما قوله : ( فى المنشط والمكره ) فهذه بيعة العقبة الثانية ، بايعوه ~~على أن يقاتلوا دونه ، ويهلكوا أنفسهم وأموالهم . قال ابن PageV08P274 ~~إسحاق : وكانت بيعة الحرب حين أذن الله لرسوله فى القتال شروطا سوى شرطه ، ~~حدثنى عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت ، عن أبيه ، عن جده عبادة بن ~~الصامت قال : ( بايعنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بيعة الحرب على ~~السمع والطاعة فى يسرنا ms2811 وعسرنا ، ومنشطنا ومكرهنا وأثرة علينا ، وأن لا ~~ننازع الأمر أهله ، وأن نقول بالحق أينما كنا لا نخاف فى الله لومة لائم ) ~~وكان عبادة من الاثنى عشر الذين بايعوه فى العقبة الأولى بيعة النساء . قال ~~ابن إسحاق : وكانوا فى العقبة الثانية ثلاثة وسبعين رجلا من الأوس والخزرج ~~وامرأتين . قال المهلب : قوله : ( ولا ننازع الأمر أهله ) فيه دليل قاطع ~~على أن الأنصار ليس لهم فى الخلافة شىء كما ادعاه الحباب وسعد بن عبادة ، ~~ولذلك ما اشترط عليهم النبى - صلى الله عليه وسلم - هذا أيضا . وأما الرهط ~~الذين ولاهم عمر فمنهم : عثمان وعلى والزبير وطلحة وعبد الرحمن بن عوف وسعد ~~بن أبى وقاص . وقال عمر : إن عجل بى أمر فالشورى فى هؤلاء الستة الذين توفى ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو عنهم راض . قال الطبرى : فلم يكن من ~~أهل الإسلام أحد يومئذ له منزلتهم فى الدين والهجرة والسابقة والفضل والعلم ~~وسياسة الأمة . فإن قيل : فقد كان من هؤلاء الستة من هو أفضل من صاحبه ، ~~والمعروف من مذهب عمر أن أحق الناس بالإمارة أفضلهم دينا ، وأنه لا حق ~~للمفضول فيها مع الفاضل ، فكيف جعلها فى قوم بعضهم أفضل من بعض ؟ قيل : ~~إنما أدخل الذين ذكرت فى الشورى للمشاورة والاجتهاد للنظر للأمة ؛ إذا كان ~~واثقا منهم بأنهم لا يألون للمسلمين نصحا فيما PageV08P275 اجتمعوا عليه ، ~~وأن المفضول منهم لا ينزل ، والتقدم على الفاضل ، ولا يتكلم فى منزلة غيره ~~أحق بها منه ، وكان مع ذلك عالما برضا الأمة بمن رضى به النفر الستة ؛ إذ ~~كان الناس لهم تبعا وكانوا للناس أئمة وقادة ، لا أنه كان يرى للمفضول منهم ~~حقا مع الفاضل فى الإمامة . وفيه أيضا : الدلالة على بطلان ما قاله أهل ~~الإمامة من أنها فى الخيار وأشخاص قد وقف عليها رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - أمته فلا حاجة بهم إلى التشاور فيمن يقلدوه أمرها ، وذلك أن عمر ~~جعلها شورى فى النفر الستة ليجتهدوا فى أولاهم بها ، فلم ينكر ذلك أحد من ~~النفر الستة ، ولا من ms2812 غيرهم من المهاجرين والأنصار ، ولو كان فيهم ما قد ~~كان وقف عليه رسول الله بعينه ونصب لأمته كان حريا أن يقول منهم قائل : ما ~~وجه التشاور فى أمر قد كفيناه ببيان الله لنا على لسان رسوله ؟ وفى تسليم ~~جميعهم له ما فعله ورضاهم به أبين البيان ، وأوضح البرهان على أن القوم لم ~~يكن عندهم من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فى شخص بعينه عهد ، وأن ~~الذى كان عندهم فى ذلك من عهده إليهم كان وقفا على موصوف بصفات ، يحتاج إلى ~~إدراكها بالاجتهاد والاستنباط ، فرضوا وسلموا له ما فعل من رده الأمر فى ~~ذلك إلى النفر ، وكانوا يومئذ أهل الأمانة على الدين وأهله . وفيه الدلالة ~~الواضحة على أن الجماعة الموثوق بأديانهم ونصحتهم للإسلام وأهله ، إذا ~~عقدوا عقد الخلافة لبعض من هو من أهلها على تشاور منهم واجتهاد ؛ فليس ~~لغيرهم من المسلمين حل ذلك العقد ممن لم يحضر عقدهم وتشاورهم إذ كانوا ~~العاقدين قد أصابوا الحق فيه ، وذلك أن عمر أفرد فى النظر للأمر النفر ~~الستة ولم يجعل لغيرهم فيما فعلوا اعتراضا ، وسلم ذلك من فعله جميعهم ، ولم ~~ينكره منهم منكر ، ولو كان العقد فى ذلك لا يصح إلا باجتماع الأمة ، لكان ~~PageV08P276 خليقا أن يقول له منهم قائل : إن الحق الواجب بالعقد الذى خصصت ~~بالقيام به هؤلاء الستة لم يخصهم به دون سائر الأمة ، بل الجميع منهم فى ~~ذلك شركاء ، ولكن القوم لما كان الأمر عندهم على ما وصفت سلموا وانقادوا ، ~~ولم يعترض منهم فيه معترض ، ولا أنكره منهم منكر . وقوله : بعد هجع من ~~الليل . قال صاحب العين : الهجوع : النوم بالليل خاصة . يقال : هجع يهجع . ~~وقوم هجع وهجوع . وقد تقدم تفسير : ابهار فى كتاب الصلاة . * * * # | 43 - باب من بايع مرتين # / 61 - فيه : سلمة بن الأكوع : ( بايعنا النبى - صلى الله عليه وسلم - ~~تحت الشجرة ، فقال لى : يا سلمة ، ألا تبايع ؟ قلت : يا رسول الله ، قد ~~بايعت فى الأول ، قال : وفى الثاني ) . قال المهلب : أراد رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - يؤكد بيعته ms2813 لشجاعته وغنائه فى الإسلام وشهرته بالثبات ، ~~فأراد أن يجعل له مزية فى تكرير المبايعة من أجل شجاعته وقد تقدم هذا فى ~~كتاب الجهاد . * * * # | 44 - باب بيعة الأعراب # / 62 - فيه : جابر أن أعرابيا بايع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على ~~الإسلام ، فأصابه . . الحديث . PageV08P277 قال المؤلف : البيعة على ~~الإسلام كانت فرضا على جميع الناس أعرابا كانوا أو غيرهم . * * * # | 45 - باب بيعة الصغير # / 63 - فيه : أبو عقيل زهرة بن معبد ، عن جده عبدالله بن هشام ، وكان قد ~~أدرك النبى - صلى الله عليه وسلم - ، وذهبت به أمه زينب بنت حميد إلى النبى ~~- صلى الله عليه وسلم - ، فقالت : ( يا رسول الله بايعه ، فقال النبى - صلى ~~الله عليه وسلم - : هو صغير ، فمسح رأسه ، ودعا له ) . قال المهلب : البيعة ~~لا تلزم إلا من تلزمه عقود الإسلام كلها من البالغين . وقال بعض العلماء : ~~إنها تلزم الأصاغر بمبايعة آبائهم عليهم . * * * # | 46 - باب من بايع واستقال البيعة # / 64 - فيه : جابر : أن أعرابيا بايع النبى - صلى الله عليه وسلم - على ~~الإسلام ، فأصاب الأعرابى وعك بالمدينة ، فأتى النبى - صلى الله عليه وسلم ~~- ، فقال : يا رسول الله ، أقلنى بيعتى فأبى ، رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - قالها ثلاثا ، فخرج الأعرابى ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- : ( إنما المدينة كالكير ، تنفى خبثها ، وتنصع طيبها ) . وترجم له باب من ~~نكث بيعته وقوله تعالى : { إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله يد الله ~~فوق أيديهم } [ الفتح : 10 ] الآية . قال المؤلف : إنما لم يقله النبى - ~~صلى الله عليه وسلم - لأن الهجرة كانت فرضا ، وكان ارتدادهم عنها من أكبر ~~الكبائر ، ولذلك دعا PageV08P278 لهم النبى - صلى الله عليه وسلم - فقال : ~~( اللهم أمض لأصحابى هجرتهم ، ولا تردهم على أعقابهم ) . وفى هذا من الفقه ~~أنه من عقد على نفسه أو على غيره عقدا لله فلا يجوز له حله ؛ لأن فى حله ~~خروجا إلى معصية الله ، وقد أمر الله بوفاء العقود ، وقد تقدم فى آخر كتاب ~~الحج . * * * # | 47 - باب من بايع رجلا لا يبايعه إلا للدنيا # / 65 - فيه : أبو هريرة ، قال ms2814 : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ~~( ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ، ولا يزكيهم ، ولهم عذاب أليم : رجل ~~على فضل ماء بالطريق يمنع منه ابن السبيل ، ورجل بايع إماما لا يبايعه إلا ~~لدنياه ، فإن أعطاه ما يريد وفى له ، وإلا لم يف له ورجل يبايع رجلا بسلعة ~~بعد العصر ، فحلف بالله لقد أعطى بها كذا وكذا ، فصدقه فأخذها ولم يعط بها ~~) . فى هذا الحديث وعيد شديد فى الخروج على الأئمة ونكث بيعتهم لأمر الله ~~بالوفاء بالعقود ؛ إذ فى ترك الخروج عليهم تحصين الفروج والأموال وحقن ~~الدماء ، وفى القيام عليهم تفرق الكلمة وتشتيت الألفة . وفيه : فساد ~~الأعمال إذا لم يرد بها وجه الله وأريد بها عرض الدنيا ، وهذا فى معنى قوله ~~- صلى الله عليه وسلم - : ( الأعمال بالنيات ) . وفيه : عقوبة من منع ابن ~~السبيل فضل ماء عنده ، ويدخل فى معنى الحديث منع غير الماء وكل ما بالناس ~~الحاجة إليه . وفيه : تحريم مال المسلمين إلا بالحق . PageV08P279 وفيه : ~~عقوبة الحلف بالله كذبا ، وإنما خص به العصر ؛ لأنه الوقت الذى ترتفع فيه ~~ملائكة النهار بأعمال العباد . * * * # | 48 - باب بيعة النساء # / 66 - وفيه : عبادة ، قال لنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ونحن فى ~~مجلس : تبايعونى على أن لا تشركوا بالله شيئا ، ولا تسرقوا ، ولا تزنوا ، ~~ولا تقتلوا أولادكم ، ولا تأتوا ببهتان تفترونه بين أيديكم وأرجلكم ، ولا ~~تعصوا فى معروف ، فمن وفى منكم ، فأجره على الله ، ومن أصاب من ذلك شيئا ، ~~فعوقب فى الدنيا ، فهو كفارة له ، ومن أصاب من ذلك شيئا ، فستره الله ، ~~فأمره إلى الله إن شاء عاقبه ، وإن شاء عفا عنه ، فبايعناه على ذلك ) . / ~~67 - وفيه : عائشة ، كان النبى - صلى الله عليه وسلم - يبايع النساء ~~بالكلام بهذه الآية : { أن لا يشركن بالله شيئا } [ الممتحنة : 12 ] قالت : ~~وما مست يد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يد امرأة ، إلا امرأة يملكها ~~. / 68 - وفيه : أم عطية ، بايعنا النبى - صلى الله عليه وسلم - فقرأ علينا ~~: { أن لا يشركن بالله شيئا ولا يسرقن } [ الممتحنة : 12 ] ، ونهانا ms2815 عن ~~النياحة ، فقبضت امرأة منا يدها ، فقالت : فلانة أسعدتنى ، وأنا أريد أن ~~أجزيها ، فلم يقل شيئا ، فذهبت ثم رجعت فما وفت امرأة إلا أم سليم . . . ~~الحديث . قال المؤلف : كل ما خاطب الله بن الرجال من شرائع الإسلام فقد دخل ~~فيه النساء ، ولزمهن من ذلك ما لزم الرجال إلا ما خص به الرجال مما لا قدرة ~~للنساء عليه ؛ من القيام بفرض الحرب وشبهه مما قد بين PageV08P280 سقوطه عن ~~النساء . وهذه البيعة فى هذه الأحاديث كانت بيعة العقبة الأولى بمكة قبل أن ~~يفرض عليهم الحرب ، ذكر ذلك ابن إسحاق وأهل السير قالوا : كانوا اثنى عشر ~~رجلا . * * * # | 49 - باب الاستخلاف # / 69 - فيه : عائشة قالت وارأساه ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- : ( ذاك لو كان وأنا حى ، فأستغفر لك ، وأدعو لك فقالت عائشة : وا ثكلاه ~~، والله إنى لأظنك تحب موتى ، ولو كان ذاك لظللت آخر يومك معرسا ببعض ~~أزواجك ، فقال النبى - صلى الله عليه وسلم - : بل أنا ، وارأساه ، لقد هممت ~~، أو أردت ، أن أرسل إلى أبى بكر وابنه فأعهد أن يقول القائلون ، أو يتمنى ~~المتمنون ، ثم قلت : يأبى الله ، ويدفع المؤمنون ، أو يدفع الله ويأبى ~~المؤمنون ) . / 70 - وفيه : ابن عمر قلت لعمر : ألا تستخلف ؟ قال : ( إن ~~أستخلف فقد استخلف من هو خير منى أبو بكر ، وإن أترك فقد ترك من هو خير منى ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأثنوا عليه ، فقال : راغب راهب ، وددت ~~أنى نجوت منها كفافا لا لى ولا على لا أتحملها حيا ولا ميتا ) . / 71 - ~~وفيه : أنس ، أنه سمع خطبة عمر الآخرة حين جلس على المنبر وذلك الغد من يوم ~~توفى النبى - صلى الله عليه وسلم - ، فتشهد ، وأبو بكر صامت لا يتكلم ، قال ~~: كنت أرجو أن يعيش رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، حتى يدبرنا يريد ~~بذلك أن يكون آخرهم ، فإن يك محمد - صلى الله عليه وسلم - قد مات ، فإن ~~الله تعالى قد جعل بين أظهركم نورا تهتدون به هدى الله محمدا - صلى الله ~~عليه وسلم - ، وإن أبا بكر ms2816 صاحب PageV08P281 رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - ثانى اثنين ، فإنه أولى المسلمين بأموركم ، فقوموا ، فبايعوه ، ~~وكانت طائفة منهم قد بايعوه قبل ذلك فى سقيفة بنى ساعدة ، وكانت بيعة ~~العامة على المنبر . قال الزهرى ، عن أنس بن مالك ، سمعت عمر يقول لأبى بكر ~~يومئذ : اصعد المنبر ، فلم يزل به حتى صعد المنبر ، فبايعه الناس عامة . / ~~72 - فيه : جبير بن مطعم ، أتت النبى - صلى الله عليه وسلم - امرأة فكلمته ~~فى شيء ، فأمرها أن ترجع إليه ، فقالت : يا رسول الله ، أرأيت إن جئت ولم ~~أجدك كأنها تريد الموت ، قال : إن لم تجدينى ، فأتى أبا بكر ) . / 73 - ~~وفيه : طارق بن شهاب ، أن أبا بكر ، قال : لوفد بزاخة : تتبعون أذناب الإبل ~~حتى يرى الله خليفة نبيه - صلى الله عليه وسلم - والمهاجرين أمرا يعذرونكم ~~به . قال المهلب : فيه دليل قاطع فى خلافة أبى بكر وهو قوله : ( لقد هممت ~~أن أرسل إلى أبا بكر وابنه ) يعنى : فأعهد إلى أبى بكر ( ثم قلت : يأبى ~~الله ) أى : يأبى الله غير أبى بكر ، ويدفع المؤمنون غير أبى بكر بحضرته . ~~وشك المحدث بأى اللفظين بدأ النبى - صلى الله عليه وسلم - ولم يشك فى صحة ~~المعنى ، وهذا مما وعد النبى - صلى الله عليه وسلم - به ، فكان كما وعد ، ~~وذلك من أعلام نبوته وقد روى مسلم هذا الحديث فى كتابه فقال فيه : ( يأبى ~~الله ويدفع المؤمنون إلا أبا بكر ) . فإن قال قائل : فإذا ثبت أن النبى - ~~صلى الله عليه وسلم - لم يستخلف أحدا ، فما معنى ما رواه إسماعيل بن أبى ~~خالد ، عن قيس بن أبى حازم قال : رأيت عمر وبيده عسيب وهو يجلس الناس ويقول ~~: اسمعوا لخليفة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - . وهذا خلاف لحديث ابن ~~عمر . فالجواب : أنه ليس فى أحد الحديثين خلاف للآخر ، ومعنى قول ~~PageV08P282 عمر : ( إن أترك فقد ترك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ) ~~يعنى ترك التصريح والإعلان بتعيين شخص ما وعقد الأمر له ، وأما قول عمر : ( ~~اسمعوا لخليفة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ) فمعناه أن رسول ms2817 الله - ~~صلى الله عليه وسلم - استخلف عليهم أبا بكر بالأدلة التى نصبها لأمته أنه ~~الخليفة من بعده ، فكان أبو بكر خليفة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ؛ ~~لقيام الدليل على استخلافه ، ولما كان قد أعلمه الله أنه لا يكون غيره ~~ولذلك قال : ( يأبى الله ويدفع المؤمنون ) ومن أبين الدليل فى استخلاف أبى ~~بكر قول المرأة للنبى : إن لم أجدك حيا إلى من الملجأ بالحكم ؟ فقال - صلى ~~الله عليه وسلم - : ( ائت أبا بكر ) ولم يكن لبشر من علم الغيب ما كان ~~للنبى - صلى الله عليه وسلم - فى ذلك ، فرأى أن الاستخلاف أضبط لأمر ~~المسلمين ، وإن لم يوقف الأمر على رجل بعينه ؛ لكن جعله لمعينين لا يخرج ~~عنهم إلى سواهم فكان نوعا من أنواع الاستخلاف والعقد ، وإنما فعل هذا عمر ~~وتوسط حالة بين حالتين خشية الفتنة بعده ، كما خشيت بعد النبى - صلى الله ~~عليه وسلم - وقت قول الأنصار ما قالوا ، فلذلك جعل عمر الأمر معقودا موقوفا ~~على الستة ؛ لئلا يترك الاقتداء بالنبى - صلى الله عليه وسلم - فى ترك ~~الأمر إلى الشورى مع ما قام من الدليل على فضل أبى بكر وأخذ من فعل أبى بكر ~~طرفا آخر وهو العقد لأحد الستة ليجمع لنفسه فضل السنتين . وأما قول عمر حين ~~أثنوا عليه : ( راغب وراهب ، وودت أنى نجوت منها كفافا ) فيحتمل معنيين : ~~أحدهما : راغب فى ثنائه فى حسن رأيى وتقريبى له ، وراهب من إظهار ما بنفسه ~~من كراهية . والثانى قوله : راغب يعنى : أن الناس فى هذا الأمر راغب فيه ، ~~يعنى فى الخلافة ، وراهب منها ، فإن وليت الراغب فيها خشيت ألا يعان عليها ~~PageV08P283 للحديث ، وإن وليت الراهب منها خشيت أن لا يقوم بها . وفى هذا ~~كله دليل على جواز عقد الخلافة من الإمام لغيره بعده ، وأن أمره فى ذلك على ~~عامة المسلمين جائز . قال بعض الشافعية : فإن قال قائل : لم جاز للإمام ~~تولية العهد ، وإنما يملك النظر فى المسلمين حياته وتزول عنه بوفاته ، ~~وتولية العهد استخلاف بعد وفاته فى وقت زوال أمره وارتفاع نظره ، وهو ms2818 لا ~~يملك فى ذلك الوقت ما يجوز عليه توليه أو تنفذ فيه وصيته . قيل : إنما جاز ~~ذلك لأمور منها إجماع الأمة من الصحابة ومن بعدهم على استخلاف أبى بكر عمر ~~على الأمة بعده ، وأمضت الصحابة ذلك منه على أنفسها ، وجعل عمر الأمر بعده ~~فى ستة ، فألزم ذلك من حكمه ، وعمل فيه على رأيه وعقده ، ألا ترى رضا على ~~بالدخول فى الشورى مع الخمسة وجوابه للعباس بن عبد المطلب حين عاتبه على ~~ذلك بأن قال : الشورى كان أمرا عظيما من أمور المسلمين ، فلم أر أن أخرج ~~نفسى منه . ولو كان باطلا عنده لوجب عليه أن يخرج نفسه منه ولما جاز له ~~الدخول معهم فيه . ومنها أن المسلمين إنما يقيمون الإمام إذا لم يكن بهم ~~لحاجتهم إليه وضرورتهم إلى إقامته ليكفيهم مئونة النظر فى مصالحهم ، فلما ~~لم يكن بد لهم من رأيه وأمره فيما يتعلق بمصالحهم رأى ولا نظر ، فكذلك فى ~~إقامة الإمام بعده ؛ لأنه من الأمور المتعلقة بكافتهم وصلاح عامتهم ، وقطع ~~التنازع والاختلاف بينهم ، ولمثل هذا المعنى أرادوا ، فكان رأيه فى ذلك ~~ماضيا عليهم ، وجرى مجرى الأب فى توليته على ابنه الصغير بعد وفاته عند عدم ~~الأب . PageV08P284 وأما قول عمر فى خطبته : ( كنت أرجو أن يعيش النبى - ~~صلى الله عليه وسلم - حتى يدبرنا ) يعنى : حتى يكون آخرنا . فإنما قال ذلك ~~اعتذارا مما كان خطبه قبل ذلك يوم وفاته - صلى الله عليه وسلم - حين قال : ~~إن محمدا لم يمت وإنه سيرجع ويقطع أيدى رجال وأرجلهم حتى قام أبو بكر فقال ~~: من كان يعبد محمدا فإن محمدا قد مات ، ومن كان يعبد الله فإن الله حى لم ~~يمت ، وتلا : { وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل } [ آل عمران : 144 ~~] الآية . وقد ذكر ابن إسحاق ، عن ابن عباس ، عن عمر أنه قال : إنما حملنى ~~على مقالتى حين مات النبى - صلى الله عليه وسلم - قوله تعالى : { وكذلك ~~جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا } [ ~~البقرة : 143 ] فوالله إن كنت ms2819 لأظن أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~سيبقى فى أمته حتى يشهد عليها بآخر أعمالها . وبان بهذه الرزية الشنيعة ~~والمصيبة الجليلة النازلة بالأمة من موت نبيها من ثبات نفس الصديق ، ووفور ~~عقله ومكانته من الإسلام ما لا مطمع فيه لأحد غيره . وقال سعيد بن زيد : ~~بايعوا الصديق يوم مات النبى - صلى الله عليه وسلم - كرهوا بقاء بعض يوم ~~وليسوا فى جماعة . ذكر ابن إسحاق ، عن ابن شهاب ، عن عروة بن الزبير أن ~~الناس بكوا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين توفاه وقالوا : ~~لوددنا أنا متنا قبله ، إنا نخشى أن نفتن بعده . فقال معن بن عدى العجلانى ~~: والله ما أحب أنى مت قبله حتى أصدقه ميتا كما صدقته حيا . فقتل يوم ~~اليمامة فى خلافة أبى بكر . وقوله : يدبرنا . قال الخليل : دبرت الشىء دبرا ~~: أتبعته ، وعلى هذا قرأ من قرأ : ( والليل إذا دبر ) يعنى إذا تبع النهار ~~. ودبرنى PageV08P285 فلان : خلفنى . وأما وفد بزاخة فإنهم ارتدوا ثم تابوا ~~. فأوفدوا رسلهم إلى أبى بكر يعتذرون إليه فأحب أبو بكر أن لا يقضى فيهم ~~إلا بعد المشاورة فى أمرهم فقال لهم : ارجعوا واتبعوا أذناب الإبل فى ~~الصحارى حتى يرى المهاجرون وخليفة النبى - صلى الله عليه وسلم - ما يريهم ~~الله فى مشاورتهم أمرا يعذرونكم فيه ، وذكر يعقوب بن محمد الزهرى قال : ~~حدثنى إبراهيم بن سعد ، عن سفيان الثورى ، عن قيس بن مسلم ، عن طارق بن ~~شهاب قال : قدم وفد أهل بزاخة وهم من طئ على أبى بكر يسألونه الصلح فقال ~~لهم أبو بكر : اختاروا إما الحرب المجلية وإما السلم المخزية . فقالوا : قد ~~عرفنا الحرب المجلية فما السلم المخزية ؟ قال : تنزع منكم الكراع والحلقة ~~وتودون قتلانا ، وقتلاكم فى النار ونغنم ما أصبنا منكم ، وتؤدون إلينا ما ~~أصبتم منا ، وتتركون أقواما تتبعون أذناب الإبل حتى يرى الله خليفة نبيه ~~والمهاجرين أمرا يعذرونكم به ، فخطب أبو بكر الناس فذكر أنه قال وقالوا . ~~فقال عمر : قد رأيت رأيا وسنشير عليك ، أما ما ذكرت من أن تنزع منهم ms2820 الكراع ~~والحلقة فنعم ما رأيت ، وأما ما رأيت من أن يودوا قتلانا وقتلاهم فى النار ~~؛ فإن قتلانا قتلت على أمر الله فليس لها ديات . فتتابع الناس على قول عمر ~~. PageV08P286 * * * # | 50 - باب # / 74 - فيه : جابر بن سمرة ، قال : سمعت النبى - صلى الله عليه وسلم - ~~يقول : ( يكون اثنا عشر أميرا ، فقال كلمة لم أسمعها ، فقال أبى : إنه قال ~~: كلهم من قريش ) . قال المهلب : لم ألق أحدا يقطع فى هذا الحديث بمعنى ~~فقوم يقولون : يكونون اثنى عشر أميرا بعد الخلافة العلوية مرضيين . وقوم ~~يقولون : يكونون متوالين إمارتهم . وقوم يقولون : يكونون فى زمن واحد كلهم ~~من قريش يدعى الإمارة ، فالذى يغلب عليه الظن أنه إنما أراد - صلى الله ~~عليه وسلم - يخبر بأعاجيب تكون بعده من الفتن حتى يفترق الناس فى وقت واحد ~~على اثنى عشر أميرا ، وما زاد على الاثنى عشر فهو زيادة فى العجب ، كأنه ~~أنذر بشرط من الشروط وبعضه يقع ، ولو أراد غير هذا لقال : يكون اثنا عشر ~~أميرا يفعلون كذا ويصنعون كذا ، فلما أعراهم من الخبر علمنا أنه أراد ~~يكونون فى زمن واحد ، والله أعلم . * * * # | 51 - باب إخراج الخصوم وأهل الريب من البيوت بعد المعرفة وقد أخرج عمر ~~أخت أبى بكر حين ناحت . # / 75 - وفيه : أبو هريرة قال : قال - صلى الله عليه وسلم - : ( والذى ~~نفسى بيده ، لقد هممت أن آمر بحطب يحتطب ، ثم آمر بالصلاة ، فيؤذن لها ، ثم ~~آمر رجلا ، فيؤم الناس ، ثم أخالف إلى رجال فأحرق عليهم بيوتهم ، والذى ~~PageV08P287 نفسى بيده ، لو يعلم أحدكم أنه يجد عرقا سمينا أو مرماتين ~~حسنتين لشهد العشاء ) . قال أبو عبد الله : مرماة : ما بين ظلف الشاة من ~~اللحم مثل منساة وميضاة الميم مخفوضة . قال المهلب : إخراج أهل الريب ~~والمعاصى من دورهم بعد المعرفة بهم واجب على الإمام من أجل تأذى من جاورهم ~~، ومن أجل مجاهرتهم بالعصيان ، وإذا لم يعرفوا بأعيانهم فلا يلزم البحث عن ~~أمرهم ؛ لأنه من التجسس الذى نهى الله عنه ، وليس للسلطان أن يرفع ستر ~~اختفائهم حتى يعلنوا إعلانا يعرفون به لقوله ms2821 - صلى الله عليه وسلم - عن ~~الله تعالى : ( كل عبادى معافون إلا المجاهرين ) فحينئذ يجب على السلطان ~~تعييره والنكال به ، كما صنع عمر بأخت أبى بكر حين ناحت . وقال غيره : وليس ~~إخراج أهل المعاصى بواجب ، فمن ثبت عليه ما يوجب الحد أقيم عليه ، وإنما ~~أخرج عمر أخت أبى بكر من أجل أنه نهاها عن النياحة ولم تنته ، فأبعدها عن ~~نفسه لا أنه أبعدها عن البيت أبدا ؛ لأنها رجعت بعد ذلك إلى بيتها . وقد ~~روى أبو زيد ، عن ابن القاسم فى رجل فاسد يأوى إليه أهل الفسوق والشر ما ~~يصنع به ؟ قال : يخرج من منزله ، وتحارج عليه الدار . قلت : ألا تباع عليه ~~؟ قال : لا ، لعله يتوب ، فيرجع إلى منزله . قال ابن القاسم : ويتقدم إليه ~~مرة أو مرتين أو ثلاثا فإن لم ينته أخرج وأكريت عليه . وقد مر هذا فى آخر ~~كتاب الجهاد فى باب أمر النبى - صلى الله عليه وسلم - بإخراج اليهود من ~~جزيرة العرب . PageV08P288 * * * # | 52 - باب هل للإمام أن يمنع المجرمين وأهل المعصية من الكلام معه ~~والزيارة ونحوه # / 76 - فيه : كعب بن مالك ، لما تخلف عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- فى غزوة تبوك ، فذكر حديثه ونهى النبى - صلى الله عليه وسلم - المسلمين ~~عن كلامنا ، فلبثنا على ذلك خمسين ليلة ، وآذن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - بتوبة الله علينا . قال المهلب : أصل الهجران فى كتاب الله وهو أمر ~~الله عباده بهجران نسائهم فى المضاجع ، فإذا كان الهجران من المعاقبة بنص ~~كتاب الله ، فلذلك استعمله النبى - صلى الله عليه وسلم - فى عقوبة كعب بن ~~مالك حين تخلف عن الغزو مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وترك ما ~~افترض الله عليه من الجهاد مع نبيه ونصرته وبذل نفسه دونهم . وقد قال سحنون ~~: إذا سجن الرجل فى دين امرأته أو غيره فليس له أن يدخل امرأته فى السجن ؛ ~~لأنه إنما أدخل فيه تأديبا له وتضييقا عليه ، فإذا لم يمنع من إربه فلم ~~يضيق عليه . PageV08P289 * * * # | 57 - كتاب الإكراه # وقول الله : { إلا من ms2822 أكره وقلبه } [ النحل : 106 ] الآية وقال : { إلا ~~أن تتقوا منهم تقاة } [ آ ل عمران : 28 ] وهى تقية ، وقال : { إن الذين ~~توفاهم الملائكة ظالمى أنفسهم } [ النساء : 97 ] إلى قوله : { عفوا غفورا } ~~[ النساء : 99 ] ، وقال : { والمستضعفين } إلى { الظالم أهلها } [ النساء : ~~75 ] . فعذر الله المستضعفين الذين لا يمتنعون من ترك ما أمر الله به ، ~~والمكره لا يكون إلا مستضعفا غير ممتنع من فعل ما أمر به . وقال الحسن : ~~التقية إلى يوم القيامة ، وقال ابن عباس فيمن يكرهه اللصوص فيطلق ليس بشىء ~~، وبه قال ابن عمر ، وابن الزبير ، والشعبى ، والحسن : وقال النبى - صلى ~~الله عليه وسلم - : ( الأعمال بالنية ) . / 1 - وفيه : أبو هريرة ( أن ~~النبى - صلى الله عليه وسلم - كان يدعو فى صلاته : اللهم أنج عياش بن أبى ~~ربيعة وسلمة بن هشام والوليد بن الوليد ، اللهم أنج المستضعفين من المؤمنين ~~، اللهم اشدد وطأتك على مضر ، وابعث عليهم سنين كسنى يوسف ) . قال المهلب : ~~ذكر أهل التفسير بأن هذه الآية نزلت فى ناس من أهل مكة آمنوا فكتب إليهم ~~بعض أصحابهم بالمدينة : لستم منا حتى تهاجروا إلينا . وكان فيهم عمار بن ~~ياسر ، فخرجوا يريدون PageV08P290 المدينة ، فأدركتهم قريش فى الطريق ~~ففتنوهم على الكفر فكفروا مكرهين فنزلت : { إلا من أكره وقلبه مطمئن ~~بالإيمان } [ النحل : 106 ] . أجمع العلماء على أن من أكره على الكفر حتى ~~خشى على نفسه القتل أنه لا إثم عليه إن كفر وقلبه مطمئن بالإيمان ، ولا ~~تبين منه زوجته ، ولا يحكم عليه بحكم الكفر ، هذا قول مالك والكوفيين ~~والشافعى ، غير محمد بن الحسن فإنه قال : إذا أظهر الشرك كان مرتدا فى ~~الظاهر ، وهو فيما بينه وبين الله على الإسلام وتبين منه امرأته ، ولا يصلى ~~عليه إن مات ، ولا يرث أباه إن مات مسلما . وهذا قول تغنى حكايته عن الرد ~~عليه لمخالفته للآيات المذكورة فى أول هذا الباب . وقالت طائفة : إنما جازت ~~الرخصة فى القول ، وأما فى الفعل فلا رخصة فيه مثل أن يكرهوه على السجود ~~لغير الله ، أو الصلاة لغير القبلة ، أو قتل مسلم أو ضربه ، أو ms2823 أكل ماله ، ~~أو الزنا ، أو شرب الخمر ، وأكل الخنزير : روى هذا عن الحسن البصرى ، وهو ~~قول الأوزاعى وسحنون ، قال الأوزاعى : إذا كره الأسير على شرب الخمر لا ~~يفعل وإن قتله . وقال إسماعيل بن إسحاق : حدثنا نصر بن على : حدثنا عبد ~~الأعلى ، عن عوف ، عن الحسن أنه كان لا يجعل فى النفس التى حرم الله التقية ~~. وقال محمد بن الحسن : إذا قيل للأسير اسجد لذلك الصنم وإلا قتلناك فقال : ~~إن كان الصنم مقابل القبلة فليسجد وتكون نيته لله تعالى وإن كان لغير ~~القبلة فلا يسجد وإن قتلوه . وقالت طائفة : الإكراه فى الفعل والقول سواء ~~إذا أسر الإيمان . PageV08P291 روى ذلك عن عمر بن عبد العزيز ومكحول ، وهو ~~قول مالك وطائفة من أهل العراق ، وروى ابن القاسم عن مالك أنه إن أكره على ~~شرب الخمر أو ترك الصلاة والإفطار فى رمضان فلا إثم عليه إلا أنه لا يجوز ~~عند مالك وعامة العلماء أن يقتل غيره ولا ينتهك حرمته ولا يظلمه ولا يفعل ~~الزنا وإن كره على ذلك . قال إسماعيل بن إسحاق : وقول من جعل التقية فى ~~القول ما يشبه ما نزل فى القرآن من ذلك ؛ لأن الذين أكرهوا عليه إنما هو ~~كلام تكلموا به ولم يظلموا فيه أحدا من الناس ، وإنما هو أمر فيما بينهم ~~وبين ربهم ، فلما أكرهوا عليه ولم يكونوا له معتقدين جعل كأنه لم يكن ؛ لأن ~~الكلام ليس يؤثر بأحد أثرا فى نفس ولا مال ، وأفعال الأبدان ليست كذلك ؛ ~~لأنها تؤثر فى الأبدان والأموال ولا يجوز لأحد أن ينجى نفسه من القتل بأن ~~يقتل غيره ظالما وإن أكره على ذلك . وقال الأبهرى : لا يجوز لأحد أن يكره ~~على هتك حرمة آدمى ؛ لأن حرمته ليست بأوكد من حرمة الآخر . واختلفوا فى ~~طلاق المكره ، فذكر ابن وهب عن عمر بن الخطاب وعلى بن أبى طالب وابن عباس ~~أنهم كانوا لا يرون طلاقه شيئا ، وذكره ابن المنذر عن ابن الزبير وابن عمر ~~وابن عباس وعطاء وطاوس والحسن وشريح والقاسم وسالم ومالك والأوزاعى ~~والشافعى ms2824 وأحمد وإسحاق وأبى ثور . وأجازت طائفة طلاق المكره ، روى ذلك عن ~~الشافعى والنخعى وأبى قلابة والزهرى وقتادة ، وهو قول الكوفيين . وفيها قول ~~ثالث قاله الشعبى : إن أكرهه اللصوص فليس بطلاق ، وإن أكرهه السلطان فهو ~~طلاق . وفسره ابن عيينة فقال : إن اللص يقدم على قتله ، PageV08P292 ~~والسلطان لا يقتله . واحتج الكوفيون بقوله - صلى الله عليه وسلم - : ( ثلاث ~~جدهن جد ، وهزلهن جد : الطلاق ، والعتاق ، والنكاح ) والهازل لم يقصد إيقاع ~~الطلاق ولزمه ، فالمكره كذلك . واحتج عليهم أهل المقالة الأولى فقالوا : إن ~~الفرق بين طلاق الهازل وطلاق المكره أن الهازل قاصد للفظ ، مؤثر له فلزمه ~~حكمه ، والمكره وإن قصد اللفظ فإنه لم يؤثره ولا اختاره فلم يتعلق به حكمه ~~. ووجدنا الطلاق لا يلزم إلا بلفظ ونية ، والمكره لا نية له إنما طلق ~~بلسانه لا بقلبه ، فلما رفع الله عنه الكفر الذى تكلم به مكرها ولم يعتقده ~~وجب رفع الطلاق لرفع النية فيه . وقول مالك هو إجماع الصحابة ولا مخالف ~~منهم . وأجمع المسلمون على أن المشركين لو أكرهوا رجلا على الكفر بالله ~~بلسانه وقلبه مطمئن بالإيمان وله زوجة حرة مسلمة أنها لا تحرم عليه ، ولا ~~يكون مرتدا بذلك ، والردة فرقة بائنة فهذا يقضى على اختلافهم فى طلاق ~~المكره . واختلفوا فى حد الإكراه ، فروى عن عمر بن الخطاب أنه قال : ليس ~~الرجل أمينا على نفسه إذا أخفته أو أوثقته أو ضربته . وقال ابن مسعود : ما ~~كلام يدرأ عنى سوطين إلا كنت متكلما به . وقال شريح والنخعى : القيد كره ، ~~والوعيد كره ، والسجن كره . قال ابن سحنون : وهذا كله عند مالك وأصحابه كره ~~والضرب عندهم كره ، وليس عندهم فى الضرب والسجن توقيت ، إنما هو ما كان ~~يؤلم من الضرب ، وما كان من سجن يدخل منه الضيق على المكره قل أو كثر ، ~~فالضيق يدخل فى قليل السجن ، وإكراه السلطان وغيره إكراه عند مالك . ~~PageV08P293 وتناقض أهل العراق فلم يجدوا القيد والسجن إكراها على شرب ~~الخمر وأكل الميتة ؛ لأنه لا يخاف منه التلف ، وجعلوه إكراها فى إقراره ~~لفلان عندى ألف درهم . قال ms2825 ابن سحنون : وفى إجماعهم على أن الألم والوجع ~~الشديد إكراه ما يدل على أن الإكراه يكون من غير تلف نفس . * * * # | 2 - باب من اختار الضرب والقتل والهوان على الكفر # / 2 - فيه : أنس : قال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( ثلاث من كن فيه ~~وجد حلاوة الإيمان : أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما ، وأن يحب ~~المرء لا يحبه إلا لله ، وأن يكره أن يعود فى الكفر كما يكره أن يقذف فى ~~النار ) . / 3 - وفيه : سعيد بن زيد ، لقد رأيتنى ، وإن عمر موثقى على ~~الإسلام ، ولو انقض أحد مما فعلتم بعثمان كان محقوقا أن ينقض . / 4 - وفيه ~~: خباب شكونا إلى النبى - صلى الله عليه وسلم - وهو متوسد بردة له فى ظل ~~الكعبة ، فقلنا : ألا تستنصر لنا ؟ ألا تدعو لنا ؟ فقال : قد كان من قبلكم ~~يؤخذ الرجل ، فيحفر له فى الأرض ، فيجعل فيها فيجاء بالمنشار ، فيوضع على ~~رأسه ، فيجعل نصفين ، ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه وعظمه ، فما يصده ~~ذلك عن دينه ، والله ليتمن هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت ~~لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه ، ولكنكم تستعجلون ) . PageV08P294 أجمع ~~العلماء أن من أكره على الكفر فاختار القتل أنه أعظم أجرا عند الله ممن ~~اختار الرخصة . واختلفوا فيمن أكره على غير الكفر من فعل ما لا يحل له فقال ~~أصحاب مالك : الأخذ بالشدة فى ذلك ، واختيار القتل والضرب أفضل عند الله من ~~الأخذ بالرخصة . ذكره ابن حبيب وسحنون . وذكر ابن سحنون عن أهل العراق ، ~~أنه إذا تهدد بقتل أو بقطع أو ضرب يخاف منه التلف حتى يشرب الخمر أو يأكل ~~الخنزير فذلك له ، فإن لم يفعل حتى قتل أن يكون آثما ، وهو كالمضطر إلى أكل ~~الميتة وشرب الخمر غير باغ ولا عاد ، فإن خاف على نفسه الموت فلم يأكل ولم ~~يشرب أثم . وقال مسروق : من اضطر إلى شىء مما حرم الله عليه فلم يأكل ولم ~~يشرب حتى مات دخل النار . قالوا : ولا يشبه هذا الكفر وقتل المسلم ؛ لأن فى ms2826 ~~هذا رخصة وتركه أفضل ، ولم يجعل فى الضرورة حلالا . قال سحنون : إذا لم ~~يشرب الخمر ولا يأكل الخنزير حتى قتل كان أعظم لأجره كالكفر ؛ لأن الله ~~تعالى أباح له الكفر ضرورة الإكراه ، وأباح له الميتة والدم بضرورة الحاجة ~~إليهما ، وأجمعا أن له ترك الرخصة فى قول الكفر ، فكذلك يلزم مخالفنا أن ~~يقول فى ترك الرخصة فى الميتة ولحم الخنزير ، ولا يكون معينا على نفسه . ~~وقد تناقض الكوفيون فى هذا فقالوا كقولنا فى المكره توعد بقطع عضو أو قتل ~~على أن يأخذ مالا لفلان فيدفعه إلى فلان أنه فى سعة من PageV08P295 ذلك ؛ ~~لأنه كالمضطر ويضمن الآمر ، ولا ضمان على المأمور ، فإن أبى أن يأخذ حتى ~~قتله كان عندنا فى سعة . فيقال لهم : هذا مال مسلم قد أحللتموه بالإكراه ؛ ~~فلم لا يسعه ترك أكل الميتة حتى يقتل كما وسعه أخذ مال المسلم فى الإكراه ~~حتى يقتل . قال المؤلف : وحديث خباب حجة لأصحاب مالك ؛ لوصفه - صلى الله ~~عليه وسلم - عن الأمم السالفة من كان يمشط لحمه بأمشاط الحديد ، ويشق ~~بالمناشر بالشدة فى دينه والصبر على المكروه فى ذات الله ، ولم يكفروا فى ~~الظاهر ويبطنوا الإيمان ، ليدفعوا العذاب عن أنفسهم ؛ فمدحهم ، وكذلك حديث ~~أنس سوى فيه النبى - صلى الله عليه وسلم - بين كراهية المؤمن الكفر ~~وكراهيته لدخول النار ، وإذا كان هذا حقيقة الإيمان ، فلا مخالفة أن الضرب ~~والهوان والقتل عند المؤمن أسهل من دخول النار ، فينبغى أن يكون ذلك أسهل ~~من الكفر إن اختار الأخذ بالشدة على نفسه . قال المهلب : وقد اعترض هذا قوم ~~بقوله تعالى : { ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما } [ النساء : 29 ~~] ولا حجة لهم فى الآية ؛ لقوله تعالى : { ومن يفعل ذلك عدوانا وظلما } [ ~~النساء : 3 ] والعدوان والظلم محرمان ، وليس من أهلك نفسه فى طاعة الله ~~بعاد ولا ظالم ، ولو كان كما قالوا لما جاز لأحد أن يقتحم المهالك فى ~~الجهاد ، وقد افترض على كل مسلم مقارعة رجلين من الكفار ومبارزتهما ، وهذا ~~من أبين المهلكات والغرر . ومن فر من اثنين ms2827 فقد أكبر المعصية وتعرض لغضب ~~الله . وقول خباب للنبى - صلى الله عليه وسلم - : ( ألا تدعو الله أن ~~يكفينا ) يعنى عدوان الكفار عليهم بمكة قبل هجرتهم وضربهم لهم وإيثاقهم ~~بالحديد . PageV08P296 وفيه من الفقه : أن النبى - صلى الله عليه وسلم - لم ~~يترك الدعاء فى ذلك على أن الله أمرهم بالدعاء أمرا عاما بقوله : { ادعونى ~~أستجب لكم } [ غافر : 60 ] وبقوله : { فلولا إذا جاءهم بأسنا تضرعوا } [ ~~الأنعام : 43 ] إلا لأنه - صلى الله عليه وسلم - علم من الله أنه قد سبق من ~~قدره وعلمه أنه يجرى عليهم ما جرى من البلوى والمحن ليؤجروا عليها على ما ~~جرت عادته فى سائر أتباع الأنبياء من الصبر على الشدة فى ذات الله ، ثم ~~يعقبهم بالنصر والتأييد ، والظفر وجزيل الأجر ، وأما غير الأنبياء فواجب ~~عليهم الدعاء عند كل نازلة تنزل بهم ؛ لأنهم لا يعلمون الغيب فيها ، ~~والدعاء من أفضل العبادة ولا يخلو الداعى من إحدى الثلاث التى وعد النبى - ~~صلى الله عليه وسلم - بها . وفيه : علامات النبوة وذلك خروج ما قال - صلى ~~الله عليه وسلم - من تمام الدين وانتشار الأمر وإنجاز الله ما وعد نبيه - ~~صلى الله عليه وسلم - من ذلك . * * * # | 3 - باب فى بيع المكره ونحوه فى الحق وغيره # / 5 - فيه : أبو هريرة : ( بينما نحن فى المسجد ؛ إذ خرج علينا رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - فقال : انطلقوا إلى يهود ، فخرجنا معه حتى جئنا بيت ~~المدراس ، فناداهم النبى - صلى الله عليه وسلم - ، فقال : يا معشر يهود ، ~~أسلموا تسلموا ، فقالوا : قد بلغت يا أبا القاسم ، فقال : ذلك أريد ، قالها ~~ثلاثا ، ثم قال : اعلموا أن الأرض لله ورسوله ، وإنى أريد أن أجليكم ، فمن ~~وجد منكم بماله شيئا فليبعه ، وإلا فاعلموا أنما الأرض لله ولرسوله ~~PageV08P297 قال المهلب : أما ما باعه المضغوط فى حق وجب عليه ؛ فذلك ماض ~~سائغ لا رجوع فيه عند الفقهاء ؛ لأنه يلزمه أداء الحق إلى صاحبه من غير ~~المبيع ، فلما لم يفعل كان بيعه اختيارا منه فلزمه . ووجه الاستدلال على ~~هذه المسألة من هذا الحديث هو أن إخراج ms2828 النبى - صلى الله عليه وسلم - ~~اليهود حق ؛ لأنه إنما فعل ذلك بوحى من الله ، فأباح لهم بيع أموالهم فكان ~~بيعهم جائزا ؛ لأنه لم يقع الإكراه على البيع من أجل أعيان الشىء المبيع ، ~~وإنما وقع من أجل الذى لزمهم فى الخروج ، فكذلك كان بيع من وجب عليه حق ~~جائزا ، وأما بيع المكره ظلما وقهرا فقال محمد بن سحنون : أجمع أصحابنا ~~وأهل العراق على أن بيع المكره عل الظلم والجور لا يلزمه . وقال الأبهرى : ~~إنه إجماع . وقال مطرف وابن عبد الحكم وأصبغ : وسواء وصل الثمن إلى المضغوط ~~، ثم دفعه إلى الذى ألجأه إلى بيع ما باعه ، أو كان الظالم هو تولى قبض ~~الثمن من المبتاع ؛ لأنه إنما يقبضه لغيره لا لنفسه ، فإذا ظفر بمتاعه بيد ~~من ابتاعه أو بيد من اشتراه من الذى ابتاعه فهو أحق به ، ولا شىء عليه من ~~الثمن ، وليتراجع به الباعة بعضهم على بعض حتى يرجع المبتاع الأول على ~~الظالم الذى وصل إليه الثمن ، فإن فات المبتاع رجع بقيمته على الذى فات ~~عنده ، أو بالثمن الذى بيع به ، أى ذلك كان أكثر . PageV08P298 * * * # | 4 - باب لا يجوز نكاح المكره وقوله : { ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء ~~} إلى { رحيم } [ النور : 33 ] # / 6 - فيه : خنساء بنت خذام الأنصارية ، أن أباها زوجها وهى ثيب ، فكرهت ~~ذلك ، فأتت النبى - صلى الله عليه وسلم - فرد نكاحها . / 7 - وفيه : عائشة ~~، قالت : ( قلت : يا رسول الله ، يستأمر النساء فى أبضاعهن ؟ قال : نعم ، ~~قلت : فإن البكر تستأمر فتستحيى ، فتسكت ، قال : سكاتها إذنها ) . قال محمد ~~بن سحنون : أجمع أصحابنا على إبطال نكاح المكره والمكرهة ، وقالوا : لا ~~يجوز المقام عليه ؛ لأنه لم ينعقد . وقال ابن القاسم : لا يلزم المكره ما ~~أكره عليه من نكاح أو طلاق أو عتق أو غيره . قال محمد بن سحنون : أجاز أهل ~~العراق نكاح المكره ، وقالوا : لو أكره على أن ينكح امرأة بعشرة ألاف درهم ~~وصداق مثلها ألف درهم أن النكاح جائز وتلزمه الألف ويبطل الفضل . قال محمد ~~: فكلما أبطلوا الزائد على الألف بالإكراه كذلك يلزمهم ms2829 إبطالهم النكاح ~~بالإكراه ، وقولهم خلاف السنة الثابتة فى قصة خنساء ، وفى أمره - صلى الله ~~عليه وسلم - باستئمار النساء فى أبضاعهن ، فلا معنى لقولهم ، وأما من جهة ~~النظر فإنه نكاح على خيار ، ولا يجوز النكاح بالخيار ، قاله سحنون . وإنما ~~شبهه بنكاح الخيار ؛ لأنه إذا أجاز ورضى به فإنما أجاز ما كان له رده ، ~~فأشبه ما عقد على الخيار ، لو مات أحدهما قبل مضى مدة الخيار لم يتوارثا ~~عند جميع أصحاب مالك . PageV08P299 قال سحنون : فإن وطئها المكره على ~~النكاح غير مكره على الوطء والرضا بالنكاح لزمه النكاح على المسمى من ~~الصداق ، ودرئ عنه الحد ، وإن قال : وطئتها على غير رضا منى بالنكاح فعليه ~~الحد والصداق المسمى ؛ لأنه مدع لإبطال الصداق المسمى بهذا ، وتحد المرأة ~~إن تقدمت وهى عالمة أنه مكره على النكاح ، وأما المكرهة على النكاح وعلى ~~الوطء فلا حد عليها ولها الصداق ويحد الواطئ ، فاعلمه . * * * # | 5 - باب إذا أكره حتى وهب عبدا أو باعه لم يجز # وبه قال بعض الناس : فإن نذر المشترى فيه نذرا فهو جائز بزعمه ، وكذلك إن ~~دبره . / 8 - فيه : جابر أن رجلا من الأنصار دبر مملوكا ، ولم يكن له مال ~~غيره ، فبلغ ذلك النبى - صلى الله عليه وسلم - فقال : ( من يشتريه منى ؟ ) ~~فاشتراه نعيم بن النحام بثمان مائة درهم ، قال : فسمعت جابرا ، يقول : عبدا ~~قبطيا مات عام أول . قال المهلب : أجمع العلماء أن الإكراه على البيع ~~والهبة لا يجوز وما ذكر فيه عن أبى حنيفة أنه إن أعتقه أو دبره الموهوب أو ~~المشترى فهو جائز فإنما قاس ذلك على البيع الفاسد ، فإنه إذا فات بتدبير أو ~~عتق مضى ، وكان على المفوت له القيمة يوم فوته ، والفرق بين بيع المكره ~~والبيع الفاسد بين ، وذلك أن بائع البيع الفاسد راض بالبيع وطيبة نفسه ، ~~لكنه لما أوقعه على خلاف السنة فسد وكانت فيه القيمة ، والمشترى إنما ~~اشتراه بوجه من وجوه الحل والتراضى الذى شرطه الله فى البيع ، والمكره على ~~الهبة والبيع لم تطب نفسه على ذلك ، فلا يجوز إمضاء ما ms2830 لم تطب نفسه بتفويته ~~. PageV08P300 وقال محمد بن سحنون : أجمع أهل العراق معنا أن بيع المكره ~~باطل ، وهذا يدل أن البيع عندهم غير ناقل للملك ، ثم نقضوا هذا بقولهم : ~~إذا أعتق المشترى أو دبر فليس للبائع رد ذلك . فيقال لهم : هل بيع الإكراه ~~ناقل للملك ؟ فإن قالوا : لا بطل عتق المشترى وتدبيره كما بطلت هبته ، وإن ~~كان ناقلا للملك فأجيزوا كل شىء صنع المشترى من هبة وغيرها ، وإذا قصد ~~المشترى للشراء بعد علمه بالإكراه صار كالغاصب . وقد أجمع العلماء فى عتق ~~الغاصب أن للسيد أن يزيله ويأخذ عبده ، وقال أهل العراق : إن له أن يضمن إن ~~شاء الذى ولى الإكراه ، وإن شاء المشترى المعتق . فجعلوه فى معنى الغاصب ، ~~وقال : إن بيع المشترى شراء فاسدا ماض ويوجب القيمة ، ففرقوا بينه وبين ~~البيع الفاسد وجعلوه كالغاصب . ووجه استدلال البخارى بحديث جابر فى هذه ~~المسألة أن الذى دبره لما لم يكن له مال غيره كان تدبيره سفها من فعله ، ~~فرد النبى - صلى الله عليه وسلم - ذلك من فعله ، وإن كان ملكه للعبد صحيحا ~~كان من اشتراه شراء فاسدا ، ولم يصح له ملكه إذا دبره أو أعتقه أولى أن يرد ~~فعله ، من أجل أنه لم يصح له ملكه . * * * # | 6 - باب من الإكراه { يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء ~~كرها } الآية [ النساء : 19 ] # . قال كانوا إذا مات الرجل كان أولياؤه أحق بامرأته ، إن شاء PageV08P301 ~~بعضهم تزوجها ، وإن شاءوا زوجها ، وإن شاءوا لم يزوجها ، فهم أحق بها من ~~أهلها ، فأنزل الله هذه الآية فى ذلك . وقال الزهرى ومالك : فيمسكها حتى ~~تموت فيرثها . قال المهلب : فائدة هذا الباب والله أعلم ؛ ليعرفك أن كل من ~~أمسك امرأته لا أرب له فيها طمعا أن تموت فلا يحل له ذلك بنص القرآن . * * ~~* # | 7 - باب إذا استكرهت المرأة على الزنا فلا حد عليها لقوله تعالى : { ~~ومن يكرههن فإن الله من بعد إكراههن غفور رحيم } [ النور : 33 ] # قال الليث : حدثنى نافع أن صفية بنت أبى عبيد أخبرته أن عبدا ms2831 من رقيق ~~الإمارة وقع على وليدة من الخمس ، فاستكرهها حتى اقتضها ، فجلده عمر الحد ، ~~ونفاه ولم يجلد الوليدة من أجل أنه استكرهها . وقال الزهرى فى الأمة البكر ~~يفترعها الحر : يقيم ذلك الحكم من الأمة العذراء بقدر ثمنها وقيمتها ، ~~ويجلد وليس فى الأمة الثيب فى قضاء الأئمة غرم ، ولكن عليه الحد . / 9 - ~~وفيه : أبو هريرة ، هاجر إبراهيم بسارة ، فدخل بها قرية فيها ملك من الملوك ~~، أو جبار من الجبابرة ، فأرسل إليه أن أرسل إلى بها ، فقام إليها ، فقامت ~~توضأ وتصلى ، فقالت : اللهم إن كنت آمنت بك وبرسولك ، فلا تسلط على الكافر ~~، فغط حتى ركض برجله ) . قال المهلب : قوله تعالى : { فإن الله من بعد ~~إكراههن غفور رحيم } [ النور : 33 ] يعنى الفتيات المكرهات ، بهذا المعنى ~~حكم عمر PageV08P302 فى الوليدة استكرهها العبد فلم يحدها . والعلماء ~~متفقون على أنه لاحد على امرأة مستكرهة . واختلفوا هل لها صداق ؟ فقال عطاء ~~والزهرى : لها الصداق . وهو قول مالك والشافعى وأحمد وإسحاق وأبى ثور ، ~~وقال الشعبى : إذا أقيم الحد على الذى زنا بها بطل الصداق وهو قول الكوفيين ~~. واختلف العلماء فيمن أكره من الرجال على النساء فقال مالك : عليه الحد ؛ ~~لأنه لم ينتشر إلا بلذة . وهو قول أبى ثور ، قال مالك : وسواء أكرهه سلطان ~~أوغيره . وقال أبو حنيفة : إن أكرهه غير سلطان حد ، وإن أكرهه سلطان ~~فالقياس أن يحد ، ولكنى أستحسن أن لا يحد . وقال أبو يوسف ومحمد والشافعى : ~~لا يحد فى الوجهين جميعا . ولم يراعوا الانتشار . وقال ابن القصار : احتج ~~أصحاب مالك فى وجوب الحد فقالوا : انتشار قضيبه فى الوطء ينافى الخوف ، ألا ~~ترى أن ذلك لا يحصل إلا بوجود الشهوة والطمأنينة وسكون النفس ؛ لأن من قدم ~~ليضرب عنقه لا تحصل منه شهوة ولا انتشار حتى ربما ذهب حسه وذهل عقله . ~~واحتج الذين لم يوجبوا الحد فقالوا : متى علم أنه يتخلص من القتل بفعل ~~الزنا جاز أن ينتشر وإن كان مكرها ، وقالوا لأصحاب مالك : هذا يلزمكم فى ~~طلاق المكره ، وأنتم لا توقعونه وفيمن أكره على الفطر . فقال المالكيون ms2832 : ~~طلاق المكره لا علامة لنا فى اختياره ، والإكراه ظاهر ، والمكره على الفطر ~~عليه القضاء وليس كالمتعمد ، إذ لا أمارة تدل على اختياره للفطر والصورة ~~واحدة . PageV08P303 قال المهلب : وقول الزهرى فى البكر يفترعها الحر أن ~~عليه قيمة العذرة ويجلد ، وهو قول مالك . واختلف قول مالك فى وطء الأمة ~~الثيب فى الإكراه ، فقال فى المدونة : إنه لا شىء عليه فى وطء الثيب غير ~~الحد خاصة . وروى أشهب وابن نافع ، عن مالك فى الجارية الزائغة تتعلق برجل ~~تدعى أنه غصبها نفسها ، أتصدق عليه بما بلغت من فضيحة نفسها بغير يمين ~~عليها ؟ قال : ما سمعت أن عليها فى ذلك يمينا وتصدق عليه ويكون عليه غرم ما ~~نقصها الوطء . وهذه خلاف رواية ابن القاسم . وأما حديث إبراهيم وسارة فإنما ~~شابه الترجمة من وجه خلو الكافر بسارة وإن كان لم يصل إلى شىء منها ، ولما ~~لم يكن عليها ملامة فى الخلوة ، فكذلك لا يكون على المستكرهة ملامة ، ولا ~~حد فيما هو أكثر من الخلوة ، والله الموفق . * * * # | 8 - باب يمين الرجل لصاحبه إنه أخوه إذا خاف عليه القتل أو نحوه # وكذلك كل مكره يخاف فإنه يذب عنه المظالم ويقاتل دونه ولا يخذله ، فإن ~~قاتل دون المظلوم فلا قود عليه ولا قصاص ، وإن قيل له لتشربن الخمر ، أو ~~لتأكلن الميتة ، أو لتبيعن عبدك ، أو تقر بدين ، أو تهب هبة ، أو تحل عقدة ~~، أو لنقتلن أباك أو أخاك فى الإسلام وما أشبه ذلك . وسعه ذلك لقول النبى - ~~صلى الله عليه وسلم - : المسلم أخو المسلم . وقال بعض الناس : لو قيل له : ~~لتشربن الخمر ، أو لتأكلن الميتة ، أو لنقتلن ابنك ، أو أباك ، أو ذا رحم ~~محرم لم يسعه ، لأن هذا ليس بمضطر ، ثم ناقض ، فقال : إن قيل له : ~~PageV08P304 لنقتلن أباك ، أو ابنك ، أو لتبيعن هذا العبد ، أو تقر بدين ، ~~أو تهب هبة ، يلزمه فى القياس ، ولكنا نستحسن ، ونقول : البيع والهبة وكل ~~عقدة فى ذلك باطل ، فرقوا بين كل ذى رحم محرم وغيره بغير كتاب ولا سنة . ~~وقال النبى - صلى الله عليه ms2833 وسلم - قال إبراهيم لامرأته : هذه أختى وذلك فى ~~الله ، وقال النخعى : إذا كان المستحلف ظالما فنية الحالف ، وإن كان مظلوما ~~فنية المستحلف . / 10 - فيه : ابن عمر قال : قال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - : ( المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه ، ومن كان فى حاجة أخيه ~~كان الله فى حاجته ) . / 11 - وفيه : أنس ، قال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - : ( انصر أخاك ظالما أو مظلوما ، فقال رجل : يا رسول الله أنصره إذا ~~كان مظلوما ، أفرأيت إذا كان ظالما ، كيف أنصره ؟ قال : تحجزه ، أو تمنعه ~~من الظلم ، فإن ذلك نصره ) . اختلف العلماء فيمن خشى على رجل القتل فقاتل ~~دونه ، فقالت طائفة : إن قتل دونه فلا قود عليه ولا قصاص ، والحجة لهم قوله ~~- صلى الله عليه وسلم - : ( أنصر أخاك ظالما أو مظلوما ) قالوا : فدل عموم ~~هذا الحديث أنه لا قود عليه إذا قاتل عن أخيه كما لا قود عليه إذا قاتل عن ~~نفسه ، وروى نحوه عن عمر بن الخطاب . وذكر ابن الماجشون : أن رجلا هربت منه ~~امرأته إلى أبيها فى زمن عمر بن الخطاب ، فذهب فى طلبها مع رجلين فقام ~~أبوها إليهم بيده عمود فأخذه منه أحدهما فضربه فكسر يده ، وأخذ الزوج منه ~~امرأته فلم يقده منه عمر ، وقضى له بدية اليد . قال ابن حبيب : لم ير فيه ~~قصاصا ؛ لأنه كفه عن عدائه بضربه له ، وليس على جهة العمد الذى فيه القصاص ~~، وقياس قول أشهب يدل PageV08P305 أنه لا قصاص فى ذلك ؛ لأنه قال فى الرجل ~~يختفى عنده مظلوم فيحلفه السلطان الجائر الذى يريد دمه وماله أو عقوبته إن ~~كان عنده قال : يحلف ولا حنث عليه ، كما لا حنث عليه إذا حلف عن نفسه . ~~ذكره ابن المواز ، عن أشهب . وروى مثله عن أنس بن مالك قال : لأن أحلف ~~تسعين يمينا أحب إلى من أن أدل على مسلم . قاله ميمون بن مهران . وقالت ~~طائفة : من قاتل دون غيره فقتل فعليه القود . هذا قول الكوفيين ، ويشبه ~~مذهب ابن القاسم ؛ لأنه قال فى الرجل يختفى عنده ms2834 الرجل من السلطان الجائر ~~يخافه على نفسه ، أنه متى حلف أنه ليس عنده فهو حانث ، وإن كان مأجورا فى ~~إحياء نفسه ، فلما كان حانثا فى حلفه عليه ، والحنث أيسر شأنا من القتل دل ~~أنه ليس له أن يقاتل دونه ، وهذا قول أصبغ قال : لا يعذر أحد إلا فى ~~الدراءة عن نفسه ، ولا يدرأ عن ولده باليمين وهو حانث . وقاله أكثر أصحاب ~~مالك . قالوا : وليس قوله - صلى الله عليه وسلم - : ( انصر أخاك ظالما أو ~~مظلوما ) بمبيح له قتل المتعدى على أخيه الظالم له ؛ لأن كلا الرجلين ~~المتقاتلين أخ للذى أمره النبى - صلى الله عليه وسلم - بالنصرة ، ونصره كل ~~واحد منهما لازم له ، وقد فسر النبى - صلى الله عليه وسلم - نصرة الظالم ~~كيف ، فقال : تكفه عن الظلم ، ولم يأمره بقتل الظالم ولا استباحة دمه ، ~~وإنما أراد نصره دون إراقة دمه ، هذا المفهوم من الحديث ، والله أعلم . ~~وقال لى بعض الناس : معنى قول البخارى : إن قاتل دون المظلوم فلا قود عليه ~~ولا قصاص ، هو أن يرى رجل رجلا يريد قتل آخر بغير حق ، فإن أمكنه الدفع عنه ~~فقد توجه عليه الفرض فى نصرته ودفع الظلم عنه بكل ما يمكنه ، ولا ينوى ~~بقتاله له إلا الدفع عن أخيه خاصة PageV08P306 دون أن يقصد إلى قتل الظالم ~~للمنتصر فى تلك المدافعة فهو شهيد ، كما لو دافعه عن نفسه سواء ، فإن قدر ~~المدافع على دفع الظالم بغير قتال أو بمقاتلة لا يكون فيها تلف نفس وقتله ~~قاصدا لقتله فعليه القود . وموضع التناقض الذى ألزمه البخارى لأبى حنيفة فى ~~هذا الباب هو أن ظالما لو أراد قتل رجل وقال لابن الذى أريد قتله : لتشربن ~~الخمر أو لتأكلن الميتة أو لأقتلن أباك أو ابنك أو ذا رحم لم يسعه شرب ~~الخمر ولا أكل الميتة ؛ لأنه ليس بمضطر عند أبى حنيفة ، وإنما لم يكن مضطرا ~~عنده ؛ لأن الإكراه إنما يكون فيما يتوجه إلى الإنسان فى خاصة نفسه لا فى ~~غيره ؛ لأنها معاصى لله ؛ لأنه ليس له أن يدفع بها معاصى ms2835 غيره ، وليصبر على ~~قتل أبيه والله سائل قاتله ، ولا إثم على الابن ؛ لأنه لم يقدر على دفع ~~القتل عن أبيه أو ابنه إلا بمعصية يركبها ، ولا يحل له ذلك . ألا ترى قوله ~~: إن قيل له : لأقتلن أباك أو ابنك أو ذا رحم ، أو لتبيعن هذا العبد أو ~~تقرن بدين أو تهب هبة أن البيع والإقرار والهبة PageV08P307 تلزمه فى ~~القياس ؛ لأنه قد تقدم أنه يصبر على قتل ابنه أو أبيه أو ذى رحمه ولا يشرب ~~الخمر ولا يأكل الميتة ، فعلى هذا ينبغى أن يلزمه كل ما عقد على نفسه من ~~عقد ، ولا يجوز له القيام فى شىء منها كما لم يجز له شرب الخمر وأكل الميتة ~~فى دفع القتل عن أبيه أو ابنه وذى رحمه . ثم ناقض هذا المعنى بقوله : ولكنا ~~نستحسن ونقول : البيع وكل عقد فى ذلك باطل . فاستحسن بطلان البيع وكل ما ~~عقده على نفسه ، وجعل له القيام فيه بعد أن تقدم من قوله : أن البيع ~~والإقرار والهبة تلزمه فى القياس ولا يجوز له القيام فيها ، واستحسانه كقول ~~أشهب ، وقياسه كقول ابن القاسم المتقدمين . وقول البخارى : فرقوا بين كل ذى ~~رحم محرم وغيره بغير كتاب ولا سنة ، يريد أن مذهب أبى حنيفة فى ذوى الأرحام ~~بخلاف مذهبه فى الأجنبيين ، فلو قيل لرجل : لنقتلن هذا الرجل الأجنبى أو ~~لتبيعن عبدك أو تقر بدين أو هبة ففعل ذلك لينجيه من القتل لزمه جميع ما عقد ~~على نفسه من ذلك ولم يكن له فيها قيام . ولو قيل له ذلك فى ذوى محارمه لم ~~يلزمه ما عقد على نفسه من ذلك فى استحسانه . وعند البخارى ذوو الأرحام ~~والأجنبيون سواء فى أنه لا يلزمه ما عقد على نفسه فى تخليص الأجنبى ؛ لقوله ~~- صلى الله عليه وسلم - : ( المسلم أخو المسلم ) والمراد بذلك أخوة الإسلام ~~لا أخوة النسب ، ولقول إبراهيم فى سارة : ( هذه أختى ) وإنما كانت أخته فى ~~الإسلام ، فأخوة الإسلام توجب على المسلم حماية أخيه المسلم والدفع عنه ، ~~ولا يلزمه ما عقد على نفسه فى ms2836 ذلك من بيع ولا هبة ، وله القيام فيها متى ~~أحب ، ووسعه شرب الخمر وأكل الميتة ، ولا إثم عليه فى ذلك ولا حد ، كما لو ~~قيل له : لتفعلن هذه الأشياء أو لنقتلنك ، وسعه فى نفسه إتيانها ولا يلزمه ~~حكمها حرى أن يسعه ذلك فى حماية أبيه وأخيه فى النسب وذوى محارمه ولا يلزمه ~~ما عقد على نفسه من بيع ولا هبة ولا فرق بينهما . اختلف العلماء فى يمين ~~المكره ، فذهب الكوفيون إلى أنه يحنث ، وذهب مالك إلى أن كل من أكره على ~~يمين بوعيد أو سجن أو PageV08P308 ضرب أنه يحلف ولا حنث عليه ، وهو قول ~~الشافعى وأبى ثور وأكثر العلماء ، وحجة الكوفيين أن المكره كان له أن يورى ~~فى يمينه ، ولما لم يور ولا ذهب بنيته إلى خلاف ما أكره عليه ؛ فقد قصد إلى ~~اليمين ، ولو لم يد أن يحلف لورى ؛ لأن الأعمال بالنيات ، فلذلك لزمته ~~اليمين . وحجة من لم يلزمه اليمين أنه إذا أكره على اليمين فنيته مخالفة ~~لقوله ؛ لأنه كاره لما حلف عليه ولأن اليمين عندهم على نية الحالف ، وأنه ~~حلف على ما لم يرده ولا قصده بنيته ، وكل عمل لا نية فيه غير لازم ، ولا ~~يصح الإكراه إلا أن يكون الفعل فيه مخالفا للنية والقصد . وقد روى سليمان ~~بن ميسرة ، عن النزال بن سبرة قال : التقى عثمان وحذيفة عند باب الكعبة ~~فقال له عثمان : أنت القائل الكلمة التى بلغتنى ؟ فقال : لا والله ما قلتها ~~. فلما خلونا به قلنا له : يا أبا عبد الله ، حلفت له وقد قلت ما قلت . قال ~~: إنى أشترى دينى بعضه ببعض مخافة أن يذهب كله . وقال الحسن البصرى : أعطهم ~~ما شاءوا بلسانك إذا خفتهم . وأما قول النخعى : إذا كان المستحلف ظالما ~~فنية الحالف ، وإن كان مظلوما فنية المستحلف . فهو قول مالك ؛ لأن النية ~~عنده نية المظلوم أبدا . وهو خلاف قول الكوفيين الذين يجيزون التورية فى ~~الأعمال ويجعلون النية نية الحالف أبدا . وسيأتى الكلام فى ذلك فى الباب ~~بعد هذا إن شاء الله . فإن قال ms2837 قائل : كيف يكون المستحلف مظلوما ؟ قال : ~~إذا جحده رجل حقا له ولم تكن له نية فإن الجاحد يحلف له فتكون النية نية ~~المستحلف ؛ لأن الجاحد ظلمه . PageV08P309 * * * # | 58 - كتاب الحيل # # | 1 - باب فى ترك الحيل وأن لكل امرئ ما نوى فى الأيمان وغيرها # / 1 - فيه : عمر سمعت النبى - صلى الله عليه وسلم - يقول : إنما الأعمال ~~بالنية ، وإنما لامرئ ما نوى ، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله ، فهجرته ~~إلى الله ورسوله ، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها ، ~~فهجرته إلى ما هاجر إليه ) . هذا الحديث حجة لصحة مذهب مالك فى الأيمان ~~أنها على نية المحلوف له ولا تنفعه التورية عنده ، ورد على الكوفيين ~~والشافعية أنها على نية الحالف أبدا ، وتنفعه التورية فى سقوط الحنث خاصة ~~عنه كالرجل يحلف لغريمه وهو معسر : والله ما لك عندى شىء . ينوى فى هذا ~~الوقت من أجل عسرى ، وأن الله قد أنظرنى إلى الوجود ، وكالحالف بالطلاق ~~يقول : هند طالق وله زوجة تسمى بهند ، وقد نوى امرأة أجنبية تسمى بهند ، ~~ويريد طلاقها من موضع سكانها أو طلاقها من قيد ، وكالحالف PageV08P310 على ~~أكل طعام وخص طعاما بعينه ، وكالحالف لغريمه وهو يريد شيئا ما غير ما له ~~عليه ، فإن كان الحالف يخاصمه غرماؤه وزوجته أخذه الغرماء بظاهر لفظه ، ولم ~~يلتفتوا فيه إلى نيته فى الحكم وحملوا الكلام على بساطه ومخرجه ، هذا قول ~~مالك وأهل المدينة . والذين أجازوا التورية إنما فروا من الحنث بمعاريض ~~الكلام ، وجعلوه على نيته فى يمين لا يقتطع بها مال أخيه ولا يبطل حقه ، ~~فإن اقتطع بيمينه مال آخر ، فلا مخرج له عند أحد من أهل العلم ممن يقول ~~بالتورية وغيرها ، ولا يكون ذلك المال حلالا عندهم ولابد من رده إلى صاحبه ~~. قال المهلب : ولو جازت التورية لنوى الإنسان عند خلفه فى الحقوق غير ما ~~طولب به ، والحل له ما اقتطعه بهذه اليمين المعرج بها عن طريق الدعوى ؛ ~~ولذلك أنزل الله : { إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم } [ آل عمران : 77 ~~] الآية . ولما اتفقوا معنا أنه ms2838 لا يحل شىء من ذلك المال لآخذه علم أن ~~التورية لا تزيل الحنث ، وسقط قولهم . * * * # | 2 - باب فى الصلاة # / 2 - فيه : أبو هريرة ، عن النبى - صلى الله عليه وسلم - قال : ( لا ~~يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ ) . معنى هذا الباب الرد على أبى ~~حنيفة فى قوله : أن المحدث فى صلاته يتوضأ ويبنى على ما تقدم من صلاته . ~~وهو قول ابن أبى ليلى . PageV08P311 وقال مالك والشافعى : يستأنف الوضوء ~~والصلاة ولا يبنى ، وحجتهما قوله - صلى الله عليه وسلم - : ( لا يقبل الله ~~صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ ) وقوله : ( لا صلاة إلا بطهور ) . قال ابن ~~القصار : ولا يخلو فى حال انصرافه من الصلاة وقد أحدث أن يكون مصليا أو غير ~~مصل ، فبطل أن يكون مصليا ؛ لقوله : ( لا صلاة إلا بطهور ) وهذا غير متوضئ ~~فلا يجوز له البناء ، وكل حدث منع من ابتداء الصلاة منع من البناء عليها ، ~~يدل على ذلك أنه لو سبقه المنى فى الصلاة لا يستأنف ، كذلك غيره من الأحداث ~~. وقد اتفقنا على أنه ممنوع من المضى فيها من أجل الحدث فوجب أن يمنع من ~~البناء عليها ؛ فإن احتجوا بالراعف أنه يبنى . قيل : الرعاف عندنا لا ينافى ~~حكم الطهارة ، والحدث ينافيها ، ألا ترى أنه فى غير الصلاة لو تعمد الرعاف ~~لم تنتقض طهارته كما لو بدره . والحدث على الوجهين ينفى حكم الطهارة ، ألا ~~ترى أنكم لم تفرقوا بين عمد الحدث وسبقه فى نقض الطهارة ، وفرقتم بين تعمد ~~المنى والرعاف وغلبته فى الصلاة ، وفرقتم بين الأحداث فى الصلاة فقلتم : ~~إذا غلبه المنى اغتسل واستأنف وإذا غلبه الحدث الأصغر بنى على صلاته . ~~وفرقنا نحن بين الحدث وما ليس بحدث ، وهذا الحديث أيضا يرد قول أبى حنيفة ~~أن من قعد فى الجلسة الآخرة مقدار التشهد ثم أحدث فصلاته تامة ، وذهب إلى ~~أن التحلل من الصلاة يقع بما يضادها من قول أو فعل ولا يتعين بالسلام ، ~~وخالفه سائر العلماء وقالوا : لا تتم الصلاة إلا بالسلام منها ، ولا يجوز ~~التحلل منها بما يفسدها إذا ms2839 اعترض فى خلالها على طريق النسيان ، كالحج لا ~~يجوز أن يقع PageV08P312 التحلل منه بالجماع ؛ لأنه لو طرأ فى خلاله لأفسده ~~، فكذلك الصلاة لو أحدث فى خلالها ناسيا لأفسدها فلا يتحلل منها بتعمد ~~الحدث . * * * # | 3 - باب فى الزكاة # / 3 - فيه : أنس ، أن أبا بكر كتب له فريضة الزكاة التى فرض رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - ولا يجمع بين متفرق ، ولا يفرق بين مجتمع خشية الصدقة ~~. / 4 - وفيه : طلحة بن عبيدالله ( أن أعرابيا جاء إلى رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - ثائر الرأس ، فقال : يا رسول الله أخبرنى ماذا فرض الله ، ~~على من الصلاة ؟ فقال : الصلوات الخمس إلا أن تطوع شيئا ، فقال : أخبرنى ~~بما فرض الله على من الصيام ؟ قال : شهر رمضان إلا أن تطوع شيئا ، قال : ~~أخبرنى بما فرض الله على من الزكاة ، فأخبره رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - بشرائع الإسلام ، قال : والذى أكرمك لا أتطوع شيئا ، ولا أنقص مما ~~فرض الله على شيئا ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : أفلح إن صدق ~~، أو دخل الجنة إن صدق ) . وقال بعض الناس : فى عشرين ومائة بعير حقتان ، ~~فإن أهلكها متعمدا ، أو وهبها ، أو احتال فيها فرارا من الزكاة ، فلا شيء ~~عليه . / 5 - وفيه : أبو هريرة قال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( يكون ~~كنز أحدكم يوم القيامة شجاعا أقرع ، يفر منه صاحبه ، فيطلبه ويقول : أنا ~~كنزك ، قال والله لن يزال يطلبه حتى يبسط يده ، فيلقمها فاه ، وقال رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - : إذا ما رب النعم لم يعط حقها ، تسلط عليه ~~يوم القيامة ، فتخبط وجهه بأخفافها ) . PageV08P313 وقال بعض الناس : فى ~~رجل له إبل ، فخاف أن تجب عليه الصدقة ، فباعها بإبل مثلها ، أو بغنم ، أو ~~ببقر ، أو بدراهم فرارا من الصدقة بيوم احتيالا ، فلا شىء عليه ، وهو يقول ~~: إن زكى إبله ، قبل أن يحول الحول بيوم أو بسنة جازت عنه . / 6 - وفيه : ~~ابن عباس ، أن سعد بن عبادة استفتى النبى - صلى الله عليه وسلم - فى نذر ~~كان على أمه توفيت ms2840 قبل أن تقضيه ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ~~اقضه عنها ) . وقال بعض الناس : إذا بلغت الإبل عشرين ففيها أربع شياه ، ~~فإن وهبها قبل الحول ، أو باعها فرارا واحتيالا لإسقاط الزكاة فلا شيء عليه ~~، وكذلك إن أتلفها ، فمات فلا شيء فى ماله . أجمع العلماء أن للرجل قبل ~~حلول الحول التصرف فى ماله بالبيع والهبة والذبح إذا لم ينو الفرار من ~~الصدقة ، واجمعوا أنه إذا حال الحول وأطل الساعى أنه لا يحلل التحيل ~~والنقصان فى أن يفرق بين مجتمع أو يجمع بين مفترق . وقال مالك : إذا فوت من ~~ماله شيئا ينوى به الفرار من الزكاة قبل الحول بشهر أو نحوه لزمته الزكاة ~~عند الحول أخذا بقوله - صلى الله عليه وسلم - : ( خشية الصدقة ) وقال أبو ~~حنيفة : إن نوى بتفويته الفرار من الزكاة قبل الحول بيوم لا تضره النية ؛ ~~لأن الزكاة لا تلزمه إلا بتمام الحول ، ولا يتوجه إليه معنى قوله - صلى ~~الله عليه وسلم - : ( خشية الصدقة ) إلا حينئذ . قال المهلب : وإنما قصد ~~البخارى فى هذا الباب أن يعرفك أن كل حيلة يتحيل بها أحد فى إسقاط الزكاة ، ~~فإن إثم ذلك عليه ؛ لأن النبى - صلى الله عليه وسلم - لما منع من جمع الغنم ~~أو تفريقها خشية الصدقة ؛ فهم منه هذا المعنى ، وفهم من قوله : ( أفلح إن ~~صدق ) أنه من رام أن ينقص PageV08P314 شيئا من فرائض الله بحيلة يحتالها ~~أنه لا يفلح ولا يقوم بذلك عذره عند الله عز وجل فلما أجاز الفقهاء من تصرف ~~صاحب المال فى ماله قرب حلول الحول ، فلم يريدوا بذلك الهروب من الزكاة ، ~~ومن نوى ذلك فالإثم عنه غير ساقط والله حسيبه ، وهو كمن فر عن صيام رمضان ~~قبل رؤية الهلال بيوم واستعمل سفرا لا يحتاج إليه رغبة عن فرض الله عز وجل ~~الذى كتبه على عباده المؤمنين ، فالوعيد إليه متوجه ، ألا ترى عقوبة من منع ~~الزكاة يوم القيامة بأى وجه منعها كيف تطؤه الإبل ويمثل له ماله شجاعا أقرع ~~؟ وهذا يدل أن الفرار من الزكاة لا يحل ms2841 وهو مطالب بذلك فى الآخرة . وحديث ~~ابن عباس فى النذر حجة أيضا فى ذلك ؛ لأنه إذ أمر النبى - صلى الله عليه ~~وسلم - سعدا أن يقضى النذر عن أمه حين فاتها القضاء ، دل ذلك أن الفرائض ~~المهروب عنها أوكد من النذر وألزم ، والله الموفق . قال غيره : وأما إذا ~~بيعت الغنم بغنم ، فإن مالكا وأكثر العلماء يقولون : إن الثانية على حول ~~الأولى ؛ لأن الجنس واحد والنصاب واحد والمأخوذ واحد . وقال الشافعى فى أحد ~~قوليه : يستأنف بالثانية حولا . وليس بشىء . وأما إن باع غنما ببقر أو بإبل ~~، فأكثر العلماء يقولون : يستأنف بما يأخذ حولا كأنه قد باع دنانير بدراهم ~~؛ لأن النصاب فى البقر والإبل مخالف للغنم ، وكذلك المأخوذ . ومن الناس من ~~يقول : إذا ملك الماشية ستة أشهر ، ثم باعها بدراهم زكى الدراهم لتمام ستة ~~أشهر من يوم باعها . هذا قول أحمد بن حنبل وأهل الظاهر . PageV08P315 وما ~~ألزمه من التناقض فى قوله بإجازة تقديم الزكاة قبل الحول بسنة فليس بتناقض ~~؛ لأنه لا يوجب الزكاة إلا بتمام الحول ، ويجعل من قدمها كمن قدم دينا ~~مؤجلا قبل أن يجب عليه . وإن تم الحول وليس بيده نصاب من تلك الماشية وجب ~~على الإمام أن يؤديها إليه من الصدقة ، كما أدى رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - الجمل الرباعى الخيار إلى من هذه حاله . * * * # | 4 - باب الحيلة فى النكاح # / 7 - فيه : ابن عمر أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى عن الشغار ~~، قلت لنافع : ما الشغار ؟ قال : ينكح ابنة الرجل وينكحه ابنته بغير صداق ، ~~وينكح أخت الرجل وينكحه أخته بغير صداق ) . وقال بعض الناس : إن احتال حتى ~~تزوج على الشغار فهو جائز ، والشرط باطل ، وقال فى المتعة : النكاح فاسد ، ~~والشرط باطل . وقال بعضهم : المتعة والشغار جائز ، والشرط باطل . / 8 - فيه ~~: على أنه قيل له : إن ابن عباس لا يرى بمتعة النساء بأسا ، فقال : إن رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - نهى عنها يوم خيبر ، وعن لحوم الحمر الإنسية . ~~وقال بعض الناس : إن احتال حتى تمتع ، فالنكاح فاسد ms2842 . وقال بعضهم : النكاح ~~جائز ، والشرط باطل . قال بعض من لقيت : أما نكاح الشغار ففساده فى الصداق ~~عند أبى حنيفة ، ولا يكون البضع صداقا عند أحد من العلماء إلا أن أبا حنيفة ~~يقول : هذا النكاح منعقد ، ويصلح بصداق المثل ؛ لأنه يجوز عنده انعقاد ~~النكاح دون ذكر الصداق بخلاف البيع ، ثم يذكر الصداق فيما PageV08P316 بعد ~~، فلما جاز هذا عندهم كان ذكرهم للبضع بالبضع كلا ذكر وكأنه نكاح انعقد ~~بغير صداق ، وما كان عند أبى حنيفة من النكاح فاسد من أجل صداقه فلا يفسخ ~~عنده قبل ولا بعد ، ويصلح بصداق المثل وبما يفرض ، وعند مالك والشافعى يفسخ ~~نكاح الشغار قبل الدخول وبعده ، حملا نهى النبى - صلى الله عليه وسلم - على ~~التحريم ؛ لعموم النهى ، إلا أن مالكا والشافعى اختلفا إن ذكر فى الشغار ~~دراهم . فقال مالك : إن ذكر مع إحداهما دراهم صح نكاح التى سمى لها دون ~~الثانية . وقال الشافعى : إن سمى لإحداهما صح النكاحان معا ، وكان للتى سمى ~~لها ما سمى ، وللأخرى صداق المثل ، وقد تقدم هذا فى كتاب النكاح . وأما ~~قوله فى المتعة فإن فقهاء الأمصار لا يجيزون نكاح المتعة على حال ، وقول ~~بعض أصحاب أبى حنيفة : المتعة والشغار جائز والشرط باطل غير صحيح ؛ لأن ~~المتعة منسوخة بنهى النبى - صلى الله عليه وسلم - عنها ، ولا يجوز مخالفة ~~النهى وفساد نكاح المتعة من قبل البضع . * * * # | 5 - باب ما يكره من الاحتيال فى البيوع ، ولا يمنع فضل الماء ليمنع به ~~فضل الكلإ # / 9 - فيه : أبو هريرة ، قال النبى : ( لا يمنع فضل الماء ؛ ليمنع به فضل ~~الكلإ ) . / 10 - وفيه : ابن عمر : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~نهى عن النجش . PageV08P317 قال المهلب : قوله : ( لا يمنع فضل الماء ليمنع ~~به فضل الكلأ ) إنما هو لما أراد أن يصون ما حول بئره من الكلأ من النعم ~~الواردة للشرب وهو لا حاجة به إلى الماء الممنوع ، إنما حاجته إلى منع ~~الكلأ ، فمنع من الاحتيال فى ذلك ؛ لأن الكلأ والنبات الذى فى المسارح غير ~~المتملكة مباح لا يجوز ms2843 منعه ، وفيه معنى آخر وهو أنه قد يخص أحد معانى ~~الحديث ويسكت عن معان أخر ؛ لأن ظاهر الحديث يوجب أنه لا ينهى عن فضل الماء ~~إلا إذا أريد به منع الكلأ ، وإن لم يرد به منع الكلأ ، فلا ينهى عن منع ~~الماء ، والحديث معناه : لا يمنع فضل الماء بوجه من الوجوه ؛ لأنه إذا لم ~~يمنع بسبب غيره فأحرى ألا يمنع بسبب نفسه ، وقد سماه النبى - صلى الله عليه ~~وسلم - فضلا ، فإن لم يكن فيه فضل عن حاجة صاحب البئر جاز منعه لمالك البئر ~~، وكذلك النجش ، ومعناه أن يعطى الرجل الثمن فى السلعة وليس فى نفسه شراؤها ~~، ليقتدى به غيره ممن يحب شراءها فيزيد فيها أكثر من ثمنها ، فنهى النبى - ~~صلى الله عليه وسلم - عن ذلك ؛ لأنه ضرب من التحيل فى تكثير الثمن . * * * # | 6 - باب ما ينهى من الخداع # وقال أيوب : يخادعون الله كأنما يخادعون آدميا لو أتوا الأمر عيانا كان ~~أهون على . / 11 - وفيه : ابن عمر : أن رجلا ذكر للنبى - صلى الله عليه ~~وسلم - أنه يخدع فى البيوع فقال : ( إذا بايعت فقل : لا خلابة ) . قد تقدم ~~فى كتاب البيوع . وقوله : ( لا خلابة ) أى : | PageV08P318 لا تخلبونى ولا ~~تخدعونى ؛ فإن ذلك لا يحل . قال المهلب : مثل أن يدلس بالعيب أو يسمى بغير ~~اسمه ، فهذا الذى لا يحل منه قليل ولا كثير ، وأما الخديعة التى هى تزيين ~~للسلعة والثناء عليها ، والإطناب فى مدحها فهذا متجاوز عنه ، ولا تنقض له ~~البيوع . * * * # | 7 - باب ما ينهى من الاحتيال للولى فى اليتيمة المرغوبة وأن لا يكمل ~~لها صداقها # / 12 - فيه : عائشة : { وإن خفتم أن لا تقسطوا فى اليتامى فانكحوا ما طاب ~~لكم من النساء } [ النساء : 3 ] الآية ، قالت : هى اليتيمة فى حجر وليها ، ~~فيرغب فى مالها وجمالها ، فيريد أن يتزوجها بأدنى من سنة نسائها ، فنهوا عن ~~نكاحهن إلا أن يقسطوا لهن فى إكمال الصداق ، ثم استفتى الناس رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - بعد ، فأنزل الله : { ويستفتونك فى النساء } فذكر ~~الحديث . فيه : أنه لا يجوز للولى ms2844 أن يتزوج يتيمة بأقل من صداقها ، ولا أن ~~يعطيها من العروض فى صداقها ما لا يفى بقيمة صداق مثلها ، وقال ابن عباس : ~~قصر الرجل على أربع من النساء من أجل اليتامى . ومعناه أن سبب نزول القران ~~بإباحة أربع كان من أجل سؤالهم عن اليتامى ، وكانوا يستفتونه لما كانو ~~يخافونه من الحيف عليهن ، فقيل لهم : إن خفتم الحيف عليهن فاتركوهن ، فقد ~~أحللت لكم أن تنكحوا أربعا . فإن قال قائل ممن لا فهم له بكتاب الله من أهل ~~البدع : كيف يخافون ألا يقسطوا فى اليتامى ويؤمرون بنكاح أربع وهم عن القسط ~~بينهن أعجز ؟ PageV08P319 قال أبو بكر بن الطيب : ومعنى الآية : إن خفتم ~~ألا تعدلوا فى اليتامى الأطفال اللاتى لا أولياء لهن يطالبونكم بحقوق ~~الزوجية وتخافون من أكل أموالهن بالباطل ؛ لعجز الأطفال عن منعكم منها ~~فانكحوا سواهن أربعا من النساء البزل القادرات على تدبير أموالهن ، ذوات ~~الأولياء الذين يمنعونكم من تحيف أموالهن ويأخذونكم بالعدل بينهن ، فأنتم ~~عند ذلك أبعد من أكل أموالهن بالباطل والاعتداء عليهن . * * * # | 8 - باب إذا غصب جارية فزعم أنها ماتت ، فقضى بقيمة الجارية الميتة ، ~~ثم وجدها صاحبها ، فهى له ويرد القيمة ، ولا تكون القيمة ثمنا # . وقال بعض الناس : الجارية للغاصب لأخذه القيمة ، وفى هذا احتيال لمن ~~اشتهى جارية رجل لا يبيعها ، فغصبها واعتل بأنها ماتت حتى يأخذ ربها قيمتها ~~، فتطيب للغاصب جارية غيره ، قال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( أموالكم ~~عليكم حرام ، ولكل غادر لواء يوم القيامة ) . / 13 - فيه : زينب قال النبى ~~- صلى الله عليه وسلم - : ( إنما أنا بشر ، وإنكم تختصمون إلى ، ولعل بعضكم ~~أن يكون ألحن بحجته من بعض ، وأقضى له على نحو ما أسمع ، فمن قضيت له من حق ~~أخيه شيئا ، فلا يأخذ ، فإنما أقطع له قطعة من النار ) . PageV08P320 احتج ~~البخارى فى هذا الباب على أبى حنيفة ورد قوله أن الجارية للغاصب إذا وجدها ~~ربها ، واعتل أبو حنيفة بأنه إذا أخذ قيمتها من الغاصب فلا حق له فيها ؛ ~~لأنه لا يجتمع الشىء وبدله فى ملك واحد أبدا . وهذا ms2845 خطأ من أبى حنيفة ، ~~والصحيح ما ذهب إليه البخارى وهو قول مالك والشافعى وأبى ثور قالوا : إذا ~~وجد الجارية صاحبها فهو مخير إن شاء أخذها ورد القيمة ، وإن شاء تمسك ~~بالقيمة وتركها ، إلا أن مالكا فرق بين أن يجدها ربها عند الغاصب أو عند من ~~اشتراها من الغاصب فقال : إن وجدها ربها عند مشتريها من الغاصب لم تتغير ~~أنه مخير بين أخذها أو قيمتها يوم الغصب أو الثمن الذى باعها به الغاصب . ~~قال : وإن وجدها عند الغاصب لم تتغير وهى أحسن مما كانت يوم الغصب ولم يكن ~~جحدها الغاصب ولا حكم عليه بقيمتها فليس له إلا أخذها ، ولا يأخذ قيمتها . ~~هذا قوله فى المدونة . وقال ابن الماجشون ومطرف : وهو مخير بين أخذها أو ~~أخذ قيمتها إذا كان الغاصب قد غاب عنها . والحجة لمن خالف أبا حنيفة بيان ~~النبى - صلى الله عليه وسلم - أنه لا يحل مال مسلم إلا عن طيب نفس منه ، ~~وأن حكم الحاكم لا يحل ما حرم الله ورسوله ؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم - ~~: ( فلا يأخذها ، فإنما أقطع له قطعة من النار ) . وأما قول أبى حنيفة : إن ~~القيمة ثمن فهو غلط ؛ لأن القيمة إنما وجبت ؛ لأن الجارية متلفة لا يقدر ~~عليها ، فلما ظهرت وجب له أخذها ؛ لأن أخذ القيمة ليس ببيع بايعه به ، ~~وإنما أخذ القيمة لهلاكها ، فإذا زال ذلك وجب الرجوع إلى الأصل الذى كان ~~عليه ، وهو تسليم الجارية إلى صاحبها ، وقد فرق أهل العلم بين القيمة ~~والثمن ، فجعلوا القيمة فى PageV08P321 الشىء المستهلك وفى البيع الفاسد ، ~~وجعلوا الثمن فى الشىء القائم ، والفرق بين البيع الفاسد والغصب أن البائع ~~قد رضى بأخذ الثمن عوضا من سلعته وأذن للمشترى فى التصرف فيها ، وإنما جهل ~~السنة فى البيع ، فإصلاح هذا البيع أن يأخذ قيمة السلعة إن فاتت ، والغاصب ~~غصب ما لم يأذن له فيه ربه ، وما له فيه رغبة ؛ فلا يحل تملكه للغاصب بوجه ~~من الوجوه إلا أن يرضى المغصوب منه بأخذ قيمته . وقد تناقض أبو حنيفة فى ~~هذه المسألة ms2846 فقال : إن كان الغاصب حين ادعى رب الجارية قيمتها كذا وكذا جحد ~~ما قال ، وقال قيمتها كذا وكذا وحلف عليه ، ثم قدر عليه الجارية كان ربها ~~بالخيار إن شاء سلم الجارية بالقيمة وإن شاء أخذ الجارية ورد القيمة ؛ لأنه ~~لم يعط القيمة التى ادعاها ربها ، وهذا ترك منه لقوله . ولو كانت القيمة ~~ثمنا ما كان لرب الجارية الخيار فيما معناه البيع ؛ لأن الرجل لو باع ما ~~يساوى خمسين دينارا بعشرة دنانير كان بيعه لازما ولم يجعل له رجوع ولا خيار ~~. * * * # | 9 - باب فى النكاح # / 14 - فيه : أبى هريرة ، عن النبى - صلى الله عليه وسلم - قال : ( لا ~~تنكح البكر حتى تستأذن ، ولا الثيب حتى تستأمر ، فقيل يا رسول الله ، كيف ~~إذنها ؟ قال : إذا سكتت ) . وقال بعض الناس : إذا لم تستأذن البكر ولم ~~تتزوج ، فاحتال رجل PageV08P322 فأقام شاهدى زور أنه تزوجها برضاها فأثبت ~~القاضى نكاحها ، والزوج يعلم أن الشهادة باطلة ، فلا بأس أن يطأها وهو ~~تزويج صحيح . / 15 - وفيه : القاسم أن امرأة من ولد جعفر تخوفت أن يزوجها ~~وليها ، وهى كارهة ، فأرسلت إلى شيخين من الأنصار عبدالرحمن ومجمع ابنى ~~جارية ، قالا : فلا تخشين ، فإن خنساء بنت خذام أنكحها أبوها ، وهى كارهة ، ~~فرد النبى - صلى الله عليه وسلم - ذلك . / 16 - وفيه : أبو هريرة ، قال : ~~قال - صلى الله عليه وسلم - : لا تنكح الأيم حتى تستأمر ، ولا تنكح البكر ~~حتى تستأذن ، قالوا : كيف إذنها ؟ قال : أن تسكت . قال بعض الناس : إن هوى ~~رجل جارية ثيبا ، أو بكرا ، فأبت ، فاحتال فجاء بشاهدى زور على أنه تزوجها ~~، فأدركت ، فرضيت ، فقبل القاضى شهادة الزور ، والزوج يعلم ببطلان ذلك حل ~~له الوطء . قال المؤلف : لا يحل هذا النكاح للزوج الذى أقام شاهدى زور على ~~رضا المرأة أنه تزوجها عند أحد من العلماء ، وليس حكم القاضى بما ظهر له من ~~عدالة الشاهدين فى الظاهر محلا ما حرم الله ؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم - ~~: ( فإنما أقطع له قطعة من النار ) ولتحريم أكل أموال الناس بالباطل ، ولا ~~فرق بين أكل المال الحرام ms2847 ووطء الفرج الحرام فى الإثم . قال المهلب : ~~احتيال أبى حنيفة ساقط ؛ لأمر النبى - صلى الله عليه وسلم - باستئذان ~~المرأة واستئمارها عند النكاح ، ورد - صلى الله عليه وسلم - نكاح من تزوجت ~~كارهة فى حديث خنساء ، وقد قال تعال : { ولا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن إذا ~~تراضوا بينهم بالمعروف } [ البقرة : 232 ] فاشتراط الله رضا المرأة فى ~~النكاح يوجب أنه متى عدم هذا الشرط فى النكاح لم يحل ، وإنما PageV08P323 ~~قاس أبو حنيفة مسائل هذا الباب على القاضى إذا حكم بطلاقها بشاهدى زور وهو ~~لا يعلم ؛ أنه يجوز أن يتزوجها من لا يعلم بباطل هذا الطلاق ، ولا تحرم ~~عليه بإجماع العلماء ، وكذلك يجوز أن يتزوجها من يعلم ولا تحرم عليه ، وهذا ~~خطأ فى القياس ، وإنما حل تزويجها لمن لا يعلم باطن أمرها ؛ لأنه جهل ما ~~دخل فيه . وأما الزوج الذى أقام شاهدى زور فهو عالم بالتحريم متعمد لركوب ~~الإثم فكيف يقاس من جهل شيئا فأتاه فعزر بجهله على من تعمده فأقدم عليه وهو ~~عالم بباطنه ؟ ! ولا خلاف بين العلماء أنه من أقدم على ما لا يحل له فقد ~~أقدم على الحرام البين الذى قال فيه النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( ~~الحلال بين والحرام بين وبينهما أمور مشتبهات ) وليس للشبهة فيه موضع ، ولا ~~خلاف بين الأمة أن رجلا لو أقام شاهدى زور على ابنته أنها أمته وحكم الحاكم ~~بذلك أنه لا يجوز له وطؤها ، فكذلك الذى شهد على نكاحها هما فى التحريم ~~سواء . والمسألة التى فى آخر الباب لا يقول بها أحد وهى خطأ كالمسألتين ~~المتقدمتين . * * * # | 10 - باب ما يكره من احتيال المرأة مع الزوج والضرائر وما نزل على ~~النبى - صلى الله عليه وسلم - فى ذلك # / 17 - فيه : عائشة ، أن النبى - صلى الله عليه وسلم - كان يحب الحلواء ~~والعسل ، فاحتبس عند حفصة أكثر مما كان يحتبس ، فسألت عن ذلك ، فقال لى : ~~أهدت لها امرأة من قومها عكة عسل ، فسقت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~منه شربة ، فقلت : PageV08P324 أما والله لنحتالن له ، فذكرت ذلك لسودة ، ~~قلت ms2848 : إذا دخل عليك فإنه سيدنو منك ، فقولى له : يا رسول الله أكلت مغافير ~~، فإنه سيقول : لا فقولى له : ما هذه الريح ؟ وكان رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - يشتد عليه أن يوجد منه الريح ، فإنه سيقول لك : سقتنى حفصة ~~شربة عسل ، فقولى له : جرست نحله العرفط ، وسأقول ذلك ، وقوليه أنت يا صفية ~~، فلما دخل على سودة ، قلت : تقول سودة : والذى لا إله إلا هو ، لقد كدت أن ~~أبادره بالذى قلت لى ، وإنه لعلى الباب فرقا منك ، فلما دنا رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - ، قلت : يا رسول الله ، أكلت مغافير ، قال : لا ، قلت ~~: فما هذه الريح ؟ قال : سقتنى حفصة شربة عسل ، قلت : جرست نحله العرفط ، ~~فلما دخل على ، قلت له مثل ذلك ، ودخل على صفية ، فقالت له مثل ذلك ، فلما ~~دخل على حفصة ، قالت له : يا رسول الله ، ألا أسقيك منه ؟ قال : لا حاجة لى ~~به ، قالت : تقول سودة : سبحان الله لقد حرمناه ، قالت : قلت : لها اسكتي ) ~~. القسمة التى يقضى بها للنساء على الرجال هى الليل دون النهار ، والجماع ~~كله ليلا ونهارا ، ولا يجوز أن يجامع امرأة فى يوم أخرى . وأما دخول الزوج ~~بيت من ليس يومها فمباح للرجل ذلك وجائز له أن يأكل ويشرب فى بيتها فى غير ~~يومها ما لم يكن الغداء المعروف والعشاء المعروف ، وليس لسائر النساء أن ~~تمنع الزوج من غير ما ذكرناه . ومعنى الترجمة ظاهر فى الحديث . وقد تقدم ~~تفسير المغافير فى كتاب الأيمان والنذور فى باب إذا حرم طعاما . وقد تقدم ~~ما فى الحديث من الغريب فى كتاب الطلاق فى باب لم تحرم ما أحل الله لك . ~~PageV08P325 * * * # | 11 - باب ما يكره من الاحتيال فى الفرار من الطاعون # / 18 - فيه : عمر بن الخطاب خرج إلى الشأم ، فلما جاء بسرغ بلغه أن ~~الوباء وقع بالشأم ، فأخبره عبدالرحمن بن عوف أن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - قال : ( إذا سمعتم به بأرض ، فلا تقدموا عليه ، وإذا وقع بأرض وأنتم ~~بها ، فلا تخرجوا فرارا منه ، فرجع عمر من ms2849 سرغ ) . / 19 - وفيه : أسامة أن ~~النبى - صلى الله عليه وسلم - ذكر الوجع ، فقال : رجز أو عذاب عذب به بعض ~~الأمم ، ثم بقى منه بقية ، فيذهب المرة ، ويأتى الأخرى ، فمن سمع به بأرض ~~فلا يقدمن عليه ، ومن كان بأرض وقع بها فلا يخرج فرارا منه ) . قال المهلب ~~وغيره : لا يجوز الفرار من الطاعون ، ولا يجوز أن يتحيل بالخروج فى تجارة ~~أو شبهها وهو ينوى بذلك الفرار من الطاعون . ويبين هذا المعنى قوله - صلى ~~الله عليه وسلم - : ( الأعمال بالنيات ) فى النهى عن الفرار من الطاعون ~~كأنه يفر من قدر الله وقضائه وهذا لا سبيل لأحد إليه ؛ لأن قدر الله لا ~~يغلب . وسيأتى الكلام فى معنى هذا الحديث فى كتاب المرضى والطب فى باب من ~~خرج من أرض لا تلائمه فهو موضعه إن شاء الله تعالى . * * * # | 12 - باب فى الهبة والشفعة # وقال بعض الناس : إن وهب هبة ألف درهم أو أكثر حتى مكث عنده سنين ، ~~واحتال فى ذلك ، ثم رجع الواهب فيها فلا زكاة على واحد منهما ، فخالف ~~الرسول - صلى الله عليه وسلم - فى الهبة وأسقط الزكاة . PageV08P326 / 20 - ~~فيه : ابن عباس ، قال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( العائد فى هبته ~~كالكلب يعود فى قيئه ، ليس لنا مثل السوء ) . / 21 - وفيه : جابر ، قال : ~~إنما جعل النبى - صلى الله عليه وسلم - الشفعة فى كل ما لم يقسم ، فإذا ~~وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة . وقال بعض الناس : الشفعة للجوار ، ثم ~~عمد إلى ما شدده فأبطله ، وقال : إن اشترى دارا ، فخاف أن يأخذ الجار ~~بالشفعة ، فاشترى سهما من مائة سهم ، ثم اشترى الباقى ، وكان للجار الشفعة ~~فى السهم الأول ولا شفعة له فى باقى الدار ، وله أن يحتال فى ذلك . / 22 - ~~فيه : عمرو بن الشريد ، جاء المسور بن مخرمة فوضع يده على منكبى ، فانطلقت ~~معه إلى سعد ، فقال أبو رافع للمسور : ألا تأمر هذا أن يشترى منى بيتى الذى ~~فى دارى ؟ فقال : لا أزيده على أربع مائة ، إما مقطعة وإما منجمة ، قال : ~~أعطيت خمس مائة نقدا ms2850 ، فمنعته ولولا أنى سمعت النبى - صلى الله عليه وسلم - ~~يقول : ( الجار أحق بصقبه ) . ما بعتكه ، أو قال : ما أعطيتكه . قلت لسفيان ~~: إن معمرا لم يقل هكذا ، قال : لكنه قال لى هكذا . وقال بعض الناس : إذا ~~أراد أن يبيع الشفعة ، فله أن يحتال حتى يبطل الشفعة ، فيهب البائع للمشترى ~~الدار ويحدها ، ويدفعها إليه ، ويعوضه المشترى ألف درهم ، فلا يكون للشفيع ~~فيها شفعة . / 23 - وفيه : عمرو بن الشريد ، عن أبى رافع ، أن سعدا ساومه ~~بيتا بأربع مائة مثقال ، فقال : لولا أنى سمعت رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - يقول : ( الجار أحق بصقبه ) . لما أعطيتك . وقال بعض الناس : إن ~~اشترى نصيبا من دار ، فأراد أن يبطل الشفعة وهب لابنه الصغير ، ولا يكون ~~عليه يمين . قال المؤلف : إذا وهب الواهب هبة وقبضها الموهوب وحازها فهو ~~PageV08P327 مالك لها عند الجميع والزكاة له لازمة ولا سبيل له إلى الرجوع ~~فيها إلا أن يكون على ابن . وهذه حيلة لا يمكن أن يخالف بها نص الحديث لأن ~~الزكاة تلزم الابن فى كل هذا ما لم يعتصر منه وإن كان صغيرا عند الحجازيين ~~لأنه ملك ، فإن اعتصرها بعد حلول الحلول عليها عند الموهوب له وجبت الزكاة ~~على الموهوب له ثم يستأنف الراجع فيها حولا من يوم رجوعه ، وهذا لا خلاف ~~فيه بين العلماء فلا معنى للاشتغال بما خالفه . قال المهلب : والاحتيال فى ~~هذا خارج عن معنى الشريعة ، ومن أراد أن يحتال على الشريعة حتى يسقطها فلا ~~يسمى محتالا ، وإنما هو معاند لحدود الله ومنتهك لها ، فإذا كانت الهبة ~~لغير الابن دخل الراجع فيها تحت قوله - صلى الله عليه وسلم - : ( العائد فى ~~هبته كالكلب يعود فى قيئه ) ولا أعلم لحيلته وجها إلا إن كان يريد أن يهبها ~~ويحتال فى حبسها عنده دون تحويز فلا تتم حيلته فى هذا إن وهبها لأجنبى ؛ ~~لأن الحيازة عنده شرط فى الهبة ، فإن بقيت عنده كانت على ملكه ووجبت عليه ~~فيها الزكاة ، فأما مسألة الشفعة فالذى احتال به أبو حنيفة فيها له وجه فى ~~الفقه ms2851 ، وذلك أن الذى أراد شراء الدار خاف شفعة الجار . فسأل أبا حنيفة : ~~هل من حيل فى إسقاط شفعة الجار ؟ فقال : لو باع منك صاحب الدار جزءا من ~~عشرة أجزاء منها على الإشاعة ثم اشتريت منه بعد حين باقى الدار سقطت شفعة ~~الجار . يريد أن الشريك فى المشاع أحق بالشفعة من الجار . وهذا إجماع من ~~العلماء فلما اشترى أولا الجزء اليسير صار به شريكا لصاحب الدار ؛ إذ لم ~~يرض الجار أن يشفع فى ذلك الجزء اللطيف لعلة انتفاعه به ، فلما عقد الصفقة ~~فى باقى الدار كان الجار PageV08P328 لا شفعة له عليه ؛ لأنه لو ملك ذلك ~~الجزء اللطيف غيره لمنع الجار به من الشفعة . فكذلك يمنعه هو إذا اشترى ~~باقى الدار من الشفعة ، وهذا ليس فيه شىء من خلاف السنة . وإنما أراد ~~البخارى أن يلزم أبا حنيفة التناقض لأنه يوجب الشفعة للجار ويأخذ فى ذلك ~~لقوله - صلى الله عليه وسلم - : ( الجار أحق بصقبه ) . فمن اعتقد مثل هذا ~~وثب ذلك عنده من قضاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وتحيل بمثل هذه ~~الحيلة فى إبطال شفعة الجار فقد أبطل السنة التى يعتقدها . قال المهلب : ~~وفى حديث ابن عباس : ( إذا وقعت الحدود فلا شفعة ) ما يرد قول من أجاز ~~الشفعة للجار ؛ لأن الجار قد حدد ماله من مال جاره ولا اشتراك له معه ، ~~وهذا ضد قول من قال بالشفعة للجار ، وقوله : ( الشفعة فيما لم يقسم ) ينفى ~~الشفعة فى كل مقسوم . وحديث عمرو بن الشريد حجة فى أن الجار المذكور فى ~~الحديث هو الشريك وعلى ذلك حمله أبو رافع وهو أعلم بمخرج الحديث ، وقد تقدم ~~ذلك فى كتاب الشفعة ، وقول أبى حنيفة : إذا أراد أن يقطع الشفعة فيهب ~~البائع للمشترى الدار إلى آخر المسألة فهذه حيلة فى إبطال السنة لا يجيزها ~~أحد من أهل العلم ، وهى منتقضة على أصل أبى حنيفة ؛ لأن الهبة إن انعقدت ~~للثواب فهى بيع من البيوع عند الكوفيين ومالك وغيره ففيها الشفعة ، وإن ~~كانت هبة مقبولة بغير شرط ثواب فلا شفعة ms2852 فيها بإجماع ، وما انعقد عقدا ~~ظاهرا سالما فى باطنه والقصد منه فساد فهذا لايحل عند أحد من العلماء . قال ~~المهلب : وإنما ذكر البخارى فى هذه المسألة حديث أبى رافع ليعرفك أن ما ~~جعله النبى - صلى الله عليه وسلم - حقا للشفيع بقوله - صلى الله عليه وسلم ~~- : ( الجار لأحق بصقبه ) فلا يحل إبطاله ولا إدخال حيلة عليه . ~~PageV08P329 وأما المسألة التى فى آخر الباب إن اشترى نصيب دار فإذا كان ~~يبطل الشفعة وهب لابنه الصغير ولا يكون عليه يمين ، فبيان هذه المسألة أن ~~يكون البائع شريكا مع غيره فى دار فيقوم رجل آخر فيشترى منها نصيبا ويهبه ~~لابنه ولا يمين عليه ، وإنما قال ذلك لأنه من وهب لابنه هبة فقد فعل ما ~~يباح له فعله . قال : والأحكام على الظاهر لا على التوهم وادعا الغيب على ~~البيان . وذكر ابن المولد عن مالك إن كانت الهبة للثواب ففيها الشفعة يعنى ~~لأنها بيع من البيوع ويحلف المتصدق عليه إن كان ممن يتهم ، وروى ابن نافع ~~عن مالك فى المجموعة قال : ينظر فإن رأى أنه محتاج وهب الأغنياء فاليمين ~~على الموهوب له ، وإن كان صغيرا فعلى نية الذى قبل ذلك له ، وإن كان ~~مستغنيا عن ثوابهم وإنما وهب للقرابة أو صداقة فلا يمين فى ذلك . وذكر ابن ~~عبد الحكم عن مالك أنه اختلف قوله فى الشفعة فى الهبة فأجازها مرة ثم قال : ~~لا شفعة فيها . * * * # | 13 - باب # / 24 - فيه : أبو رافع ، قال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( الجار أحق ~~بصقبه ) . وقال بعض الناس : إن اشترى دارا بعشرين ألف درهم فلا بأس أن ~~يحتال حين يشترى الدار بعشرين ألف درهم فلا بأس أن يحتال حين يشترى الدار ~~بعشرين ألف درهم وينقده تسعة آلاف درهم وتسعمائة درهم وتسع وتسعين ، وينقده ~~دينارا بما بقى من العشرين ألف درهم ، فإن طلب الشفيع أخذها بالعشرين ألف ~~درهم وإلا فلا سبيل له على الدار ، فإناستحقت الدار رجع المشترى على البائع ~~بمادفع إليه ، وهو تسعة آلاف درهم وتسعمائة وتسعة وتسعون درهما ودينار ؛ ~~لأن البيع ms2853 حين استحق انتقض الصرف فى الدينار ، PageV08P330 فإن وجد بهذه ~~الدار عيبا ولم يستحق فإنه يردها عليه بعشرين ألفا ، قال : فأجاز هذا ~~الخداع بين المسلمين فقد قال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( بيع المسلم ~~لا داء ولا خبثة ولا غائلة ) . / 25 - وفيه : أبو رافع أنه ساوم سعد بن ~~مالك بيتا بأربع مائة مثقال ، وقال : لولا أنى سمعت النبى - صلى الله عليه ~~وسلم - يقول : ( الجار أحق بصقبه ) ما أعطيتك . يمكن أن يبيع الشقص من صديق ~~له يحب نفعه بعشرة آلاف درهم ودينار ويكتباه فى وثيقة الشراء عشرين ألف ~~درهم ، وهو يعلم أن الشريك لابد له أن يقوم على المشترى بالشفعة ، فإذا وجد ~~فى وثيقته عشرين ألف درهم أخذ الشقص بذلك فهو قصد إلى الخداع . وقوله : ~~لينقده دينارا بالعشرة آلاف درهم إنما قال ذلك لأنه يجوز عند الأمة بيع ~~الذهب بالفضة متفاضلا كيف شاء المتبايعان . فلما جاز هذا بإجماع بنى عليه ~~أصله فى الصرف ، فأجاز عشرة دراهم ودينارا بأحد عشر درهما جعل العشرة دراهم ~~بعشرة دراهم وجعل الدينار بدل الدرهم . وكذلك جعل فى هذه المسألة الدينار ~~بعشرة آلاف درهم وأوجب على الشفيع أن يؤدى ما انعقدت له به الصفقة دون ما ~~نقد فيها المشترى ، كأنه قال من حق المشترى أن يقول لك إنما أخذ منك أيها ~~الشفيع ما أبيعت به الشقص لا ما نقدت فيه ؛ لأنه تجاوز لى البائع بعد عقد ~~الصفقة عما شاء ما وجب له على . وأما مالك ، رحمة الله عليه ، فإنما يراعى ~~فى ذلك النقد وما حصل فى يد البائع منه يأخذ الشفيع . ومن حجته فى ذلك أنه ~~لا خلاف بين العلماء أن الاستحقاق والرد بالعيب لا يرفع فيهما إلا بما نقد ~~المشترى . PageV08P331 وهذا يدل على أن المراعاة فى انتقال الصفقات فى ~~الشفعة وانتقاضها بالاستحقاق والعيوب وما نقد البائع فى الوجهين جميعا ، ~~وأن الشفعة فى ذلك كالاستحقاق وهذا هو الصواب . وأما قول البخارى عن أبى ~~حنيفة فإن استحقت الدار رجع المشترى على البائع بما دفع إليه ، فهذا من أبى ~~حنيفة ms2854 يدل على أنه قصد الحيلة فى الشفعة ؛ لأن الأمة مجمعة وأبو حنيفة معهم ~~على أن البائع لا يرد فى الاستحقاق والرد بالعيب إلا ما قبض . فكذلك الشفيع ~~لا يشفع إلا ما نقد المشترى وما قبضه منه البائع لا بما عقد . وأما قول أبى ~~حنيفة : لأن البيع حين استحقه انتقض صرف الدينار فلا يفهم ؛ لأن الاستحقاق ~~والرد بالعيب يوجب نقض الصفقة كلها فلا معنى لذكره الدينار دون غيره . وقال ~~المهلب : وجه إدخال البخارى قوله - صلى الله عليه وسلم - : ( الجار أحق ~~بصقبه ) فى هذه المسألة ، وهو لما كان الجار أحق بالبيع وجب أن يكون أحق أن ~~يرفق به فى الثمن حتى لا يغبن فى شىء ، ولا يدخله عروض بأكثر من قيمتها ألا ~~ترى أن أبا رافع لم يأخذ من سعد ما أعطاه غيره من الثمن ووهبه ؛ لحق الجار ~~الذى أمر الله بمراعاته وحفظه وحض النبى - صلى الله عليه وسلم - على ذلك . ~~وقوله - صلى الله عليه وسلم - : ( لا داء ولا خبثة ولا غائلة ) دليل على ~~أنه لا احتيال فى شىء من بيوع المسلمين من صرف دينار بأكثر من قيمته ولا ~~غيره . * * * # | 14 - باب احتيال العامل ليهدى له # / 26 - فيه : أبو حميد ، استعمل النبى - صلى الله عليه وسلم - رجلا على ~~صدقات بنى سليم ، يدعى ابن اللتبية ، فلما جاء حاسبه ، قال : هذا مالكم ~~وهذا هدية ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( فهلا جلست فى بيت ~~أبيك وأمك حتى تأتيك هديتك ، PageV08P332 إن كنت صادقا . ثم خطبنا فحمد ~~الله وأثنى عليه ، ثم قال : أما بعد ، فإنى أستعمل الرجل منكم على العمل ~~مما ولانى الله ، فيأتى فيقول : هذا مالكم وهذا هدية أهديت لى ، أفلا جلس ~~فى بيت أبيه وأمه حتى تأتيه هديته ، والله لا يأخذ أحد منكم شيئا بغير حقه ~~إلا لقى الله يحمله يوم القيامة . . . ) الحديث . قال المهلب : حيلة العامل ~~ليهدى إليه إنما تكون بأن يضع من حقوق المسلمين فى سعايته ما يعوضه من أجله ~~الموضوع له ، فكأن الحيلة إنما هى أن وضع من حقوق المسلمين ms2855 ليستجزل لنفسه ، ~~فاستدل النبى - صلى الله عليه وسلم - على أن الهدية لم تكن للمعوض فقال : ~~فهلا جلس فى بيت أبيه وأمه فينظر أيهدى إليه أم لا . فغلب الظن وأوجب أخذ ~~الهدية وضمها إلى أموال المسلمين . قال غيره : وهذا الحديث يدل أن ما أهدى ~~إلى العامل فى عمالته والأمير فى إمارته شكرا لمعروف صنعه أو تحببا إليه ~~أنه فى ذلك كله كأحد المسلمين لا فضل له عليهم فيه ؛ لأنه بولايته عليهم ~~نال ذلك ، فإن استأثر به فهو سحت ، والسحت كل ما يأخذه العامل والحاكم على ~~إبطال حق أو تحقيق باطل وكذلك ما يأخذه على القضاء بالحق . وقد روى عن ~~النبى - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : ( هدايا الأمراء غلول ) والغلول ~~معلوم أنه للموجفين ولم يكن معهم ، وعلى هذا التأويل كانت مقاسمة عمر بن ~~الخطاب لعماله على طريق الاجتهاد لأنهم خلطوا ما يجب لهم فى عمالتهم بأرباح ~~تجاراتهم وسهمانهم فى الفئ ، فلما لم يقف عمر على مبلغ ذلك حقيقة أداه ~~اجتهاده إلى أن يأخذ منهم نصف ذلك . وقد روى عن بعض السلف أنه قال : ما عدا ~~من تجر فى رعيته . وقد فعله عمر ، رضى الله عنه ، أيضا فى المال الذى دفعه ~~أبو موسى الأشعرى بالعراق من مال الله إلى ابنيه عبد الله وعبيد الله ، ~~أراد عمر PageV08P333 أن يأخذ منهم المال وربحه . فقال عثمان : لو جعلته ~~قراضا . أى خذ منهم نصف الربح ففعل ورأى أن ذلك صواب . وقد جاء معاذ بن جبل ~~من اليمن إلى أبى بكر الصديق بأعبد له أصابهم فى إمارته على اليمن ، فقال ~~له عمر : ادفع الأعبد إلى أبى بكر . فأبى معاذ من ذلك ، ثم إن معاذا رأى فى ~~المنام كأنه واقف على نار يكاد أن يقع فيها وأن عمر أخذ بحجزته فصرفه عنها ~~، فلما أصبح قال لعمر : ما ظنى إلا أنى أعطى الأعبد أبا بكر . فقال له : ~~وكيف ذلك ؟ قال : رأيت البارحة فى النوم رؤيا وما أظن ما أشرت به على فى ~~الأعبد إلا تأويل الرؤيا . فدفعها إلى أبو ms2856 بكر ، فرأى أبو بكر أن يردهم ~~عليه فردهم عليه فكانوا عند معاذ ، فاطلع معاذ يوما فرآهم يصلون صلاة حسنة ~~فأعتقهم . واختلف السلف فى تأويل قوله تعالى : { أكالون للسحت } [ المائدة ~~: 42 ] فروى عن مسروق أنه سأل ابن مسعود عن السحت أهو الرشوة فى الحكم ؟ ~~فقال عبد الله : ذلك الكفر ، وقرأ عبد الله : { ومن لم يحكم بما أنزل الله ~~فأولئك هم الكافرون } [ المائدة : 42 ] ولكن السحت أن يستعينك رجل على ~~مظلمة إلى إمام فتعينه فيهدى لك . وقال إبراهيم النخعى : كان يقال : السحت ~~الرشوة فى الحكم . وعن عكرمة مثله ، وذكر إسماعيل بن إسحاق من حديث عبد ~~الله بن عمر وثوبان ( أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لعن الراشى ~~والمرتشى ) وفسره الحسن البصرى فقال : ليحق باطلا أو يبطل حقا ، فأما أن ~~يدفع عن ماله فلا بأس . وهذا خلاف تأويل ابن مسعود . PageV08P334 * * * # | 59 - كتاب الفرائض # وقول الله عز وجل : { يوصيكم الله فى أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين } [ ~~النساء : 11 ] / 1 - فيه : جابر ، مرضت ، فعادنى النبى - صلى الله عليه ~~وسلم - وأبو بكر ، وهما ماشيان ، فأتانى وقد أغمى على ، فتوضأ النبى - صلى ~~الله عليه وسلم - فصب على وضوءه ، فأفقت ، فقلت : يا رسول الله ، كيف أصنع ~~فى مالى ؟ كيف أقضى فى مالى ؟ فلم يجبنى بشيء حتى نزلت آية المواريث { ~~يوصيكم الله فى أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين } [ النساء : 11 ] . وهذا ~~إذا لم يكن معهم أحد من أهل الفرائض ، فإذا كان معهم من له فرض معلوم بدئ ~~بفريضته فأعطيها ، وجعل الفاضل من المال للذكر مثل حظ الأنثيين وهذا إجماع ~~، ودخل فى قوله تعالى : { يوصيكم الله فى أولادكم } [ النساء : 11 ] ولد ~~الرجل لصلبه من الذكور والإناث وولد بنيه وبنى الذين ينتسبون بآبائهم إليه ~~من الذكور والإناث غير أنهم ينزلون على قدر القرب منه . فإن كان فى ولد ~~الصلب ذكر لم يكن لأحد من ولد الولد شىء . وإن لم يكن فى ولد الصلب ذكر ~~وكان فى ولد الولد بدئ بالبنات الذين للصلب فأعطين إلى مبلغ الثلثين ، ثم ~~أعطى الثلث الباقى ms2857 لولد الولد إذا استووا فى القعدد أو كان الذكر أسفل ممن ~~فوقه من بنات البنين : { للذكر مثل حظ الأنثيين } [ النساء : 11 ] . | ~~PageV08P335 وفرض الله للبنت الواحدة النصف ، وفرض لما فوق الاثنين من ~~البنات الثلثين . قال إسماعيل بن إسحاق : ولم يذكر الاثنتين فى كتابه ، ~~فكان فى قوله تعالى : { للذكر مثل حظ الأنثيين } [ النساء : 11 ] دليل على ~~أنه إذا كان ذكرا وأنثى أن للذكر الثلثين وللأنثى الثلث ، فإذا وجب لها مع ~~الذكر الثلث كان الثلث لها مع الأنثى أوكد ، فاحتيج والله أعلم إلى ذكر ما ~~فوق الاثنتين ولم يحتج إلى ذكر الاثنتين . وقوله تعالى : { ولأبويه لكل ~~واحد منهما السدس مما ترك إن كان له ولد فإن لم يكن له ولد وورثه أبواه ~~فلأمه الثلث } [ النساء : 11 ] فإنما يعنى بقوله : { ولأبويه } أبوى الميت ~~لكل واحد منهما السدس سواء فيه الوالد والوالدة لا يزاد واحد منهما على ~~السدس إن كان له ولد ، ذكرا كان الولد أو أنثى ، واحدا كان أو جماعة . فإن ~~قيل : فيجب أن لا يزاد الوالد مع الابنة الواحدة على السدس شيئا ، وإن قلت ~~هذا فهو خلاف الأمة لتصييرهم بقية مال الميت وهو النصف بعد أخذ الابنة ~~نصيبها للأب . قيل : ليس الأمر كما ظننت وما زيد الأب على السدس من بقية ~~النصف مع البنت الواحدة فإنما زيد بالتعصيب ؛ لأنه أقرب عصبة الميت إليه ، ~~وكان حكم ما أبقت الفرائض فلأولى عصبة الميت وأقربهم إليه PageV08P336 لسنة ~~النبى - صلى الله عليه وسلم - وكان الأب أقرب عصبته إليه وأولاها به إذا لم ~~يترك ابنا ذكرا . وقال إسماعيل بن إسحاق : ذكرت فريضة الأبوين فى القرآن ~~إذا كان للميت ولد أو إخوة وإذا لم يكن له ولد ، ولم تذكر فريضتهما إذا كان ~~للميت زوج أو زوجة فاحتيج فى هذا الموضع إلى النظر والاعتبار ، فكان وجه ~~النظر يدل أنه يبدأ بالزوج والزوجة فيعطى كل واحد منهما فرضه المنصوص له فى ~~القرآن وهو النصف إذا لم يكن للميتة ولد أو ولد ولد والربع للزوجة إذا لم ~~يكن للميت ولد أو ولد ms2858 ولد فيبدأ بفرض كل واحد منهما على الأبوين ؛ لأن ~~الأبوين لم يسم لهما فى هذا الموضع فرض منصوص ، وإنما المنصوص لهما إذا كان ~~مع الميت ولد أو إخوة وإذا ورثاه هما ، فلما حدث معهما الزوج أو الزوجة زال ~~الفرض المنصوص لهما ، ووجب أن يبدأ بالفرض المنصوص للزوج أو الزوجة ثم ينظر ~~إلى ما بقى ؛ لأن النقيصة لما دخلت عليهما من قبل الزوج أو الزوجة وجب أن ~~تكون داخلة عليهما على قدر حصصهما . وقوله تعالى : { فإن كان له إخوة فلأمه ~~السدس } [ النساء : 11 ] ، قال مالك : مضت السنة أن الإخوة اثنان فصاعدا ~~وعلى هذا جماعة أهل العلم . وقد روى عن النبى - صلى الله عليه وسلم - أنه ~~قال : ( الاثنان فما فوقهما جماعة ) وقد جاء فى لفظ القرآن لفظ الجمع ~~للاثنين قال تعالى : { إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما } [ التحريم : 4 ~~] . وأجمع العلماء أن الرجل إذا توفى وترك ابنتيه أو أختيه لأبيه فلهما ~~PageV08P337 الثلثان ، فإن ترك من البنات والأخوات أكثر من اثنتين لم يزدن ~~على الثلثين فى ذلك حال الاثنتين فأكثر منهما ، فدل أن الاثنين فى معنى ~~الجماعة ؛ لأن الجمع إنما سمى جمعا ؛ لأنه جمع شىء إلى شىء فإذا جمع إنسان ~~إلى إنسان فقد جمع . دليل آخر ، قوله عز وجل : { وإن كانوا إخوة رجالا ~~ونساء فللذكر مثل حظ الأنثيين } [ النساء : 176 ] وقد أجمعت الأمة أن الأخ ~~الواحد مع الأخت الواحدة للذكر مثل حظ الأنثيين فقد دخلا فى لفظ الجماعة ~~بنص القرآن . وشذ ابن عباس فقال : الإخوة الذين عنى الله بقوله : { فإن كان ~~له إخوة } [ النساء : 176 ] ثلاثة فصاعدا وكان ينكر أن يحجب الله تعالى ~~الأم عن الثلث مع الأب بأقل من ثلاثة إخوة ، فكان يقول فى أبوين وأخوين ~~للأم الثلث وللأب ما بقى كما قال أهل العلم فى أبوين وأخ واحد . وقول جملة ~~أهل العلم فى أبوين وأخوين للأم السدس وباقى المال للأب ، ولا يوجد فى جميع ~~الفرائض على مذهب زيد بن ثابت مسألة يحجب فيها من لا يرث غير هذه . واختلف ~~العلماء ms2859 لم نقصت الأم عن الثلث بمصير إخوة الميت معها اثنين فصاعدا ؟ فقالت ~~طائفة : نقصت الأم وزيد الأب ؛ لأن على الأب مؤنتهم وإنكاحهم دون أمهم ، ~~روى ذلك عن قتادة . PageV08P338 وقالت طائفة : إنما حجب الإخوة الأم عن ~~الثلث إلى السدس ليكون لهم دون أبيهم ؛ رواه طاوس عن ابن عباس . قال الطبرى ~~: وأولى الأقوال بالصواب أن يقال : إن الله تعالى إنما فرض للأم مع الإخوة ~~السدس لما هو أعلم به من مصلحة خلقه ، وقد يجوز أن يكون لما ألزم الآباء ~~لأولادهم وقد يجوز لغير ذلك ، وليس ذلك مما كلفنا عمله ، وإنما ألزمنا ~~العمل بما علمنا ، وما رواه طاوس عن ابن عباس مخالف للأمة ؛ لأنه لا خلاف ~~بين الجميع أنه لا ميراث لأخ الميت مع والده فبان فساده . وقوله تعالى : { ~~من بعد وصية يوصى بها أو دين } [ النساء : 11 ] تأويل الكلام لكل واحد ~~منهما السدس مما ترك إن كان له ولد من بعد وصية يوصى بها أو دين يقضى عنه . ~~وأجمع العلماء على أنه لا ميراث لأحد إلا بعد قضاء الدين ولو أحاط الدين ~~بماله كله ، وإن أهل الوصايا بعد قضاء الدين شركاء الورثة فيما بقى ما لم ~~يجاوز ذلك الثلث . وقد روى سفيان عن أبى إسحاق ، عن الحارث الأعور ، عن على ~~بن أبى طالب ، رضى الله عنه ، قال : ( إنكم تقرءون هذه الآية : { من بعد ~~وصية يوصى بها أو دين } [ النساء : 11 ] وإن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - قضى بالدين قبل الوصية ) . قال إسماعيل : وفهم بالسنة التى مضت ~~والمعنى أن الدين قبل الوصية ؛ لأن الوصية تطوع وأما الدين فرض عليه فعلم ~~أن الفرض أولى من التطوع . PageV08P339 وقوله تعالى : { آباؤكم وأبناؤكم لا ~~تدرون أيهم أقرب لكم نفعا } [ النساء : 11 ] يعنى آباؤكم وأبناؤكم الذين ~~أوصاكم الله تعالى بقسمة الميراث بينهم فأعطوهم حقوقهم لأنكم لا تدرون أيهم ~~أقرب لكم فى الدين والدنيا الولد أو الوالد . وقوله تعالى : { وإن كان رجل ~~يورث كلالة أو امرأة وله أخ أو أخت فلكل واحد منهما السدس وإن كانوا أكثر ~~من ms2860 ذلك فهم شركاء فى الثلث } [ النساء : 12 ] . قال إسماعيل بن إسحاق : لم ~~يختلف العلماء فى قوله تعالى : { وله أخ أو أخت } أنهم الإخوة للأم . وقال ~~تعالى : { يستفتونك قل الله يفتيكم فى الكلالة إن امرؤ هلك ليس له ولد وله ~~أخت فلها نصف ما ترك } إلى { الأنثيين } [ النساء : 176 ] . فلم يختلف ~~العلماء فى أن هؤلاء الإخوة للأب كانت أمهم واحدة أو كانت أمهاتهم شتى ، ~~والدليل من القرآن على إبانة هؤلاء من أولئك قوله تعالى فى هؤلاء : { للذكر ~~مثل حظ الأنثيين } [ النساء : 11 ] إذا كانوا يأخذون بالأب وجعل لهم المال ~~كله فى بعض الحالات ، وقال فى الآخرين : فهم شركاء فى الثلث ؛ فجعل الذكر ~~والأنثى سواء إذا كانوا يأخذون بالأم خاصة فقصرهم على الثلث . قال مالك : ~~والأمر المجمع عليه عندنا أن الإخوة للأم لا يرثون مع PageV08P340 الولد ~~ولا مع ولد الابن ذكرا كان أو أنثى شيئا ، ولا مع الأب ولا مع الجد أب الأب ~~شيئا ، ويرثون فيما سوى ذلك للواحد منهم السدس على ما تقدم ذكره . قال ~~إسماعيل : وليس فى قوله تعالى : { ولكم نصف ما ترك أزواجكم إن لم يكن لهن ~~ولد } [ النساء : 12 ] ، وقوله : { ولهن الربع مما تركتم إن لم يكن لكم ولد ~~} [ النساء : 12 ] شىء يحتاج إلى كلامه فيه إلا ما روى عن ابن عباس فى عول ~~الفرائض أنه كان لا يقبل فريضة ، ولا نعلم أحدا من الصحابة وافق عليه وكان ~~ينكر أن يكون جعل فى مال نصف ونصف وثلث ، وكان يرى فى مثل هذا إذا وقع أن ~~يعطى أولا أصحاب الفرائض ومن يزول فى حال من الحالات ويعطى الآخر ما بقى . ~~مثال ذلك : لو توفيت امرأة وتركت زوجها وأمها وأختها لأبيها . كان يبدأ ~~بالزوج والأم فيعطى كل واحد منهما فريضته لأنهما لا يزولان من فرض إلا إلى ~~فرض ؛ لأن الزوج إذا زال عن النصف رجع إلى الربع ، وإذا زالت الأم عن الثلث ~~رجعت إلى السدس ، والأخت تزول من فرض إلى غير فرض فلا تعطى فى بعض الأحوال ~~شيئا فكان هذا ms2861 كما وصفنا . وأما الآخرون فأشركوا بين أصحاب الفرائض كلهم ~~وخاضوا بينهم . PageV08P341 وهو الذى أجمع عليه أهل العلم ؛ لأن كل واحد ~~منهم قد فرض له فريضة ، فليس يجب أن يزيله عن فريضته إلا من يحجبه عنها ، ~~وليس يجب أن يزال عن فريضته بأنها تسقط فى موضع آخر وليس يجب أن تبدى أم ~~ولا زوج عن أخت بأنها تسقط فريضتها فى موضع آخر ؛ لأن لكل واحد حكمه على ~~جهته فلما اجتمعت الأخت والزوج والأم فى هذا الموضع وقد سمى لكل واحد منهم ~~فريضة ولم يشترط تبدية بعضهم على بعض ولا أن بعضهم يحجب بعضا . كان أولى ~~الأمور أن يتحاصصوا ولو أن رجلا أوصى بنصف ماله لرجل وبنصف ماله لآخر وبثلث ~~ماله لآخر فأجاز الورثة ذلك وجب أن يتحاصروا فى مال الميت فيضرب صاحب النصف ~~بثلاثة أسهم ، وصاحب النصف الآخر بثلاثة أسهم ، وصاحب الثلث بسهمين ، فإن ~~لم يجز الورثة ذلك تحاصوا فى الثلث على هذه السهام . قال المهلب : وفى حديث ~~جابر دليل أنه لا يجوز لأحد أن يقضى بالاجتهاد فى مسألة ما دام يجد سبيلا ~~إلى النصوص ، وكيف وجه استعمالها ، ولو جاز أن يجتهد فى محضر النبى - صلى ~~الله عليه وسلم - دون أن يشاوره لما قال له : كيف أصنع فى مالى ، وكذلك لو ~~جاز للنبى أن يجتهد رأيه فيما لم ينزل عليه فيه قرآن لأمره بما ظهر له ، ~~ولكن سكت عنه حتى يلقى الأمر من عند شارعه تعالى فهذا من أقوى شىء فى سؤال ~~العلماء وترك الاجتهاد فى موضع يجب فيه الاقتداء بمن تقدم وبالأعلم فالأعلم ~~. PageV08P342 * * * # | 2 - باب تعليم الفرائض # وقال عقبة بن عامر : تعلموا قبل الظانين ، يعنى الذين يتكلمون بالظن . / ~~2 - فيه : أبو هريرة ، قال : قال - صلى الله عليه وسلم - : ( إياكم والظن ، ~~فإن الظن أكذب الحديث ) . قال المهلب : فهذا الظن الذى أراد عقبة ليس هو ~~الاجتهاد على الأصول وإنما هو الظن المنهى عنه فى الكتاب والسنة مثل ما سبق ~~إلى المسئول من غير أن يعلم أصل ما سئل عنه فى كتاب الله ms2862 أو سنة نبيه - صلى ~~الله عليه وسلم - أو أقوال أئمة الدين . وأما إذا قال وهو قد علم الأصل من ~~هذه الثلاثة فليس بظان وإنما هو مجتهد ، والاجتهاد سائغ على الأصول . * * * # | 3 - باب قول النبى - صلى الله عليه وسلم - : لا نورث ما تركنا صدقة # / 3 - فيه : عائشة ( أن فاطمة والعباس أتيا إلى أبا بكر يلتمسان ميراثهما ~~من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وهما حينئذ يطلبان أرضيهما من فدك ، ~~وسهمهما من خيبر ، فقال لهما أبو بكر : سمعت رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - يقول : ( لا نورث ما تركنا صدقة ، إنما يأكل آل محمد من هذا المال ) ~~، قال أبو بكر : والله لا أدع أمرا رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~يصنعه ، فيه إلا صنعته ، قال : فهجرته فاطمة ، فلم تكلمه حتى ماتت ) . وذكر ~~الحديث بطوله . / 4 - وفيه : أبو هريرة قال النبى ، - صلى الله عليه وسلم - ~~: ( لا يقسم ورثتى دينارا ، ما تركت بعد نفقة نسائى ومئونة عاملى ، فهو ~~صدقة ) . PageV08P343 قال المؤلف : قوله - صلى الله عليه وسلم - : ( لا ~~نورث ما تركنا صدقة ) هو فى معنى قوله : ( إن آل محمد لا تحل لهم الصدقة ) ~~ووجه ذلك والله أعلم أن لما بعثه الله إلى عباده ، ووعده على التبليغ لدينه ~~والصدع بأمره الجنة ، وأمره ألا يأخذ منهم على ذلك أجرا ولا شيئا من متاع ~~الدنيا بقوله تعالى : { قل ما أسألكم عليه من أجر } [ الفرقان : 57 ] وكذلك ~~سائر الرسل فى كتاب الله كلهم تقول : لا أسألكم عليه مالا ولا أجرا إن أجرى ~~إلا على الله . وهو الجنة . أراد - صلى الله عليه وسلم - ألا ينسب إليه من ~~متاع الدنيا شىء يكون عند الناس فى معنى الأجر والثمن . فلم يحل له شىء ~~منها ؛ لأن ما وصل إلى المرء وأهله فهو واصل إليه ، فلذلك والله أعلم حرم ~~الميراث على أهله لئلا يظن به أنه جمع المال لورثته ، كما حرمهم الصدقات ~~الجارية على يديه فى الدنيا لئلا ينسب إلى ما تبرأ منه فى الدنيا ، وفى هذا ~~وجوب قطع الذريعة . وقد روى ابن ms2863 عيينة ، عن أبى الزناد ، عن الأعرج ، عن ~~أبى هريرة أن الرسول قال : ( إنا معشر الأنبياء لا نورث ما تركنا صدقة ) . ~~فهذا عام فى جميع الأنبياء وظاهر هذا يعارض قوله تعالى : { وورث سليمان ~~داود } [ النمل : 16 ] قيل : لا معارضة بينهما بحمد الله ؛ لأن أهل التأويل ~~قالوا : ورث منه النبوة والعلم والحكمة . وكذلك قالوا فى تأويل قوله تعالى ~~: { وإنى خفت الموالى من PageV08P344 ورائى } [ مريم : 5 ] الآية فدعا ~~زكريا الله أن يهب له ولدا يرث النبوة والعلم ؛ لأن ذلك إذا صار إلى ولده ~~لحقه من الفضل أكثر مما يلحقه إذا صار ذلك لغير ولده لقوله - صلى الله عليه ~~وسلم - : ( إن الرجل ليرفع بدعاء ولده من بعده ) فرغب زكريا أن يرث علمه ~~ولده الذى يخرج من صلبه ، فيكون تقدير الآية على هذا : وإنى خفت الموالى من ~~ورائى هم بنو العم والعصبة ، أن يصير إليهم العلم والحكمة من بعدى ، ومصير ~~ذلك إلى ولدى أحب إلى ، فأضمر ذلك . وقال أبو على الفسوى فى قوله تعالى : { ~~وإنى خفت الموالى من ورائى } [ مريم : 5 ] فإن الخوف لا يكون من الأعيان ~~وإنما يكون مما يئول منها ، فإذا قال القائل : خفت الله وخفت الناس فالمعنى ~~فى ذلك خفت عقاب الله ومؤاخذته ، وخفت ملامة الناس ، فكذلك قوله تعالى : { ~~خفت الموالى } أى خفت بنى عمى فحذف المضاف والمعنى : خفت تضييعهم الدين ~~وكيدهم إياه ، فسأل ربه وليا يرث نبوته وعلمه لئلا يضيع الدين . ويقوى ذلك ~~ما روى عن الحسن البصرى أنه قال : { يرثنى } يعنى : يرث نبوتى . وقوله - ~~صلى الله عليه وسلم - : ( نحن معاشر الأنبياء لا نورث ما تركنا صدقة ) ، ~~يدل على أن الذى سأل ربه أن يرث ولده النبوة لا المال ، ولا يجوز على النبى ~~- صلى الله عليه وسلم - أن يقول أخاف يرثنى بنو عمى وعصبتى ما فرض الله لهم ~~من مالى ، وكان الذى حملهم على ذلك ما شاهدوه من تبديلهم الدين وقتلهم ~~الأنبياء ، وقد تقدم سائر معانى هذه الأخبار فى كتاب الخمس . PageV08P345 * ~~* * # | 4 - باب قول النبى - صلى الله عليه وسلم - من ترك ms2864 مالا فلأهله # / 5 - فيه : أبو هريرة ، عن النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( أنا أولى ~~بالمؤمنين من أنفسهم ، فمن مات وعليه دين ، ولم يترك وفاء ، فعلينا قضاؤه ، ~~ومن ترك مالا فلورثته ) . أجمعت الأمة أن من ترك مالا فهو لورثته ، ~~واختلفوا فى معنى قوله - صلى الله عليه وسلم - : ( من مات وعليه دين فعلى ~~قضاؤه ) . قال المهلب : هذا إنما هو على الوعد من النبى - صلى الله عليه ~~وسلم - لما كان وعده الله به من الفتوحات من ملك كسرى وقيصر ، وليس على ~~الضمان والحمالة بدليل تأخره عن الصلاة على من مات وعليه دين حتى ضمنه من ~~حضره . وقال غيره : هذا الحديث ناسخ لتركه الصلاة على من مات وعليه دين ، ~~وقوله : ( فعلى قضاؤه ) على الضمان اللازم ، وقد تقدم هذا المعنى فى كتاب ~~الكفالة . * * * # | 5 - باب ميراث الولد من أبيه وأمه # وقال زيد بن ثابت : إذا ترك رجل أو امرأة بنتا فلها النصف ، وإن كانتا ~~اثنتين أو أكثر فلهن الثلثان ، وإن كان معهن ذكر بدئ بمن شركهم ، فيعطى ~~فريضته ، فما بقى فللذكر مثل حظ الأنثيين . / 6 - فيه : ابن عباس ، قال : ~~قال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( ألحقوا الفرائض بأهلها ، فما بقى فهو ~~لأولى رجل ذكر ) . أما قول زيد : إذا ترك بنتا فلها النصف فإجماع من ~~PageV08P346 العلماء ، إلا من يقول بالرد . وقوله : وإن كانتا اثنتين أو ~~أكثر . فإجماع أيضا إلا من يقول بالرد . وقوله : إن كان معهن ذكر . يريد إن ~~كان مع البنات ابن المتوفى ذكر أخ لهن ، وكان معهم غيرهم ممن له فرض مسمى ~~ولذلك قال شركهم ولم يقل شركهن ؛ لأنه أراد الابن والبنات ، مثال ذلك : رجل ~~توفى عن بنات وابن وزوج وأب أو جد إن لم يكن أبا أو جده فإن هؤلاء يعطون ~~فرائضهم ؛ لأنه لا يحجب واحد منهم بالبنين ، ويكون ما بقى بين البنات ~~والابن للذكر مثل حظ الأنثيين ، فهذا تفسير هذا الباب ، وهو تأويل قوله - ~~صلى الله عليه وسلم - : ( ألحقوا الفرائض بأهلها ) أى أعطوا كل ذى فرض فرضه ~~وما بقى فلمن لا فرض ms2865 له ؛ لأنهم عصبة والبنات مع أخيهن لا فرض لهن معه ، ~~وهن معه عصبة من أجله . وأما قوله : ( فلأولى رجل ذكر ) يريد إذا كان فى ~~الذكور من هو أولى من صاحبه بقرب أو ببطن ، وأما إن استووا فى القعدد ~~وأدلوا بالآباء والأمهات معا كالإخوة وشبههم فلم يقصدوا بهذا الحديث ؛ لأنه ~~ليس فى البنين من هو أولى من غيره ؛ لأنهم قد استووا فى المنزلة ولا يجوز ~~أن يقال أولى وهم سواء فلم يرد البنين بهذا الحديث وإنما أريد غيرهم على ما ~~يأتى إن شاء الله . وقوله : يبدأ بمن شركهم . إنما يصح هذا إذا لم تضق ~~الفريضة ، وأما إذا ضاقت فلا يبدأ بأحد قبل صاحبه ؛ لأن العول يعمهم . ~~PageV08P347 * * * # | 6 - باب ميراث البنات # / 7 - فيه : سعد ، قال : مرضت بمكة مرضا ، أشفيت منه على الموت ، فأتانى ~~النبى - صلى الله عليه وسلم - يعودنى ، فقلت : يا رسول الله ، إن لى مالا ~~كثيرا ، وليس يرثنى إلا ابنتى ، أفأتصدق بثلثى مالى ؟ قال : لا . . . ~~الحديث . / 8 - وفيه : الأسود بن يزيد ، أتانا معاذ بن جبل باليمن معلما ، ~~وأميرا ، فسألناه عن رجل توفى وترك ابنته وأخته ، فأعطى الابنة النصف ، ~~والأخت النصف . أجمع العلماء أن ميراث الابنة النصف لقوله تعالى : { وإن ~~كانت واحدة فلها النصف } [ النساء : 11 ] . وأجمعوا أن للأخت النصف لقوله ~~تعالى : { إن امرؤ هلك ليس له ولد وله أخت فلها نصف ما ترك } [ النساء : ~~176 ] فجعلها كالابنة . فإن قيل : إن الله تعالى نص على الأختين أن لهما ~~الثلثين بقوله تعالى : { فإن كانتا اثنتين فلهما الثلثان مما ترك } [ ~~النساء : 11 ] ولم ينص على الابنتين ، إنما ذكر أكثر من اثنتين . قيل : لما ~~أعطى الله للابنة النصف وللأخت النصف ، ونص على الأختين أن لهما الثلثين ~~فاستغنى بذكر الأختين عن ذكر البنتين ؛ لأنه لما كانت الواحدة كالبنت كانت ~~البنتان كالأختين بل البنتان أحرى بذلك لقربهما ، وأن البنات يقدمن على ~~الأخوات فى مواضع شتى فاستحال أن تكون الأختان أكثر ميراثا من البنتين . ~~وأما قول سعد : إنه لا يرثنى إلا ابنة لى . كأنه أراد أن يعطى من ms2866 ~~PageV08P348 ماله ما فضل عن ميراث ابنته فأعلمه - صلى الله عليه وسلم - أنه ~~لا يجوز لمعط أن يعطى من ماله بعد موته أكثر من ثلثه كان له من يحيط بماله ~~أم لا . وهذه حجة لزيد بن ثابت فى قوله : إن بيت المال عصبة من لا عصبة له ~~. وهو قول مالك والشافعى ، وهو خلاف مذهب أهل الرد . وأما قوله - صلى الله ~~عليه وسلم - : ( إنك إن تذر ورثتك أغنياء ) بعد قول سعد : إنه لا يرثنى إلا ~~ابنة لى ، فدل فحوى قوله أن سعدا لا يموت حتى يكون له ورثة جماعة ، وأنه لا ~~يموت من علته تلك ، فكان كما دل عليه فحوى خطابه - صلى الله عليه وسلم - ~~ولم يمت سعد إلا عن بنين عدة ، كلهم ولد بعد ذلك المرض ، وهذا من أعلام ~~نبوته - صلى الله عليه وسلم - . * * * # | 7 - باب ميراث ابن الابن ، إذا لم يكن له ابن # وقال زيد : ولد الأبناء بمنزلة الولد ، إذا لم يكن دونهم ولد ، ذكرهم ~~كذكرهم ، وأنثاهم كأنثاهم ، يرثون كما يرثون ، ويحجبون كما يحجبون ، ولا ~~يرث ولد الابن مع الابن . / 9 - فيه : ابن عباس ، قال : - صلى الله عليه ~~وسلم - : ( ألحقوا الفرائض بأهلها ، فما بقى فهو لأولى رجل ذكر ) . قول زيد ~~هذا إجماع ، وأما قوله : ( ألحقوا الفرائض بأهلها ) فإنه يريد إذا توفيت ~~امرأة عن زوج وأب وبنت وابن ابن وبنت ابن فإن الفرائض هاهنا أن يبدأ الزوج ~~بالربع ، وللأب السدس ، وللبنت النصف وما بقى فلابن الابن مع بنات الابن إن ~~كن معه فى درجة واحدة أو كان أسفل منهن ، فإن كن أسفل منه فالباقى له دونهن ~~، وهذا قول مالك والشافعى وأكثر الفقهاء . PageV08P349 ومنهم من يقول : ~~الباقى لابن الابن دون بنات الابن وسواء كن معه فى قعدد واحد أو أرفع منه ~~لا شىء لهن لقوله - صلى الله عليه وسلم - : ( فما بقى فلأولى رجل ذكر ) على ~~ظاهر هذا الحديث . وقيل : يرد على من معه ولا يرد على من فوقه . وأماحجة ~~زيد ومن ذهب مذهبه ممن يقول لأولى رجل ذكر مع إخوته فظاهر قول ms2867 الله تعالى : ~~{ يوصيكم الله فى أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين } [ النساء : 11 ] وأجمعوا ~~أن بنى البنين عند عدم البنين إذا استووا فى القعدد ذكرهم كذكرهم وأنثاهم ~~كأنثاهم . وكذلك إذا اختلفوا فى القعدد لا يضرهم ؛ لأنهم كلهم بنو بنين يقع ~~عليهم اسم أولاد ، فالمال بينهم للذكر مثل حظ الأنثيين إلا ما أجمعوا عليه ~~من الأعلى من بنى البنين الذكور يحجب من تحته من ذكر وأنثى . * * * # | 8 - باب ميراث ابنة الابن مع الابنة # / 10 - فيه : أبو موسى أنه سئل عن ابنة ، وابنة ابن ، وأخت ، فقال : ~~للبنت النصف ، وللأخت النصف ، وأت ابن مسعود فسيتابعنى ، فسئل ابن مسعود ، ~~وأخبر بقول أبى موسى ، فقال : لقد ضللت إذا ، وما أنا من المهتدين ، أقضى ~~فيها بما قضى النبى - صلى الله عليه وسلم - : للابنة النصف ، ولابنة الابن ~~السدس تكملة الثلثين ، وما بقى فللأخت ، فأتينا أبا موسى ، فأخبرناه بقول ~~ابن مسعود ، فقال : لا تسألونى ما دام هذا الحبر فيكم . لا خلاف بين ~~الفقهاء وأهل الفرائض فى ميراث ابنة الابن مع الابنة ، فأبو موسى قد رجع إذ ~~خصم بالسنة . PageV08P350 وفيه : أن العالم قد يقول فيما يسأل عنه وإن لم ~~يحط بالسنن ولو لم يقل العالم حتى يحيط بالسنن ما تكلم أحد فى الفقه . وفيه ~~: أن الحجة عند التنازع إلى سنة النبى - صلى الله عليه وسلم - وأنه ينبغى ~~للعالم الانقياد إليها ، وأن صاحبها حبر ألا ترى شهادة أبى موسى لابن مسعود ~~لما خصمه بالسنة أنه حبر . وفيه : ما كانوا عليه من الإنصاف والاعتراف ~~بالحق لأهله وشهادة بعضهم لبعض بالعلم والفضل . * * * # | 9 - باب ميراث الجد مع الأب والإخوة # وقال أبو بكر ، وابن الزبير ، وابن عباس : الجد أب . وقرأ ابن عباس : { ~~يا بنى آدم } [ الأعراف : 26 ] ، { واتبعت ملة آبائى إبراهيم وإسحاق ويعقوب ~~} [ يوسف : 38 ] . ولم يذكر أن أحدا خالف أبا بكر فى زمانه ، وأصحاب النبى ~~- صلى الله عليه وسلم - متوافرون ، وقال ابن عباس : يرثنى ابن ابنى دون ~~إخوتى ، ولا أرث أنا ابن ابنى دون إخوته . ويذكر عن عمر وعلى وابن مسعود ~~وزيد أقاويل ms2868 مختلفة . / 11 - فيه : ابن عباس ، قال النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - : ( ألحقوا الفرائض بأهلها فما بقى فلأولى رجل ذكر ) . / 12 - وفيه ~~: ابن عباس ، قال : ( أما الذى قال النبى ، - صلى الله عليه وسلم - : ( لو ~~كنت متخذا من هذه الأمة خليلا لاتخذته ، ولكن خلة الإسلام أفضل ) ، أو قال ~~: ( خير ) ، فإنه أنزله أبا ، أو قضاه أبا ) . PageV08P351 أجمع العلماء ~~على أن الجد لا يرث مع الأب ، وأن الأب يحجب أباه ، واختلفوا فى ميراث الجد ~~مع الإخوة للأب والأم أو للأب ، فكان أبو بكر الصديق وابن عباس وابن الزبير ~~وعائشة ومعاذ ابن جبل وأبى بن كعب وأبو الدرداء وأبو هريرة يقولون : الجد ~~أب عند عدم الأب كالأب سواء يحجبون به الإخوة كلهم ، ولا يورثون مع الجد ~~أحدا من الإخوة شيئا ، وقاله عطاء وطاوس والحسن وإليه ذهب أبو حنيفة وأبو ~~ثور وإسحاق . وذهب على بن أبى طالب وزيد بن ثابت وابن مسعود إلى توريث ~~الإخوة مع الجد إلا أنهم اختلفوا فى كيفية ميراثهم معه كان معهم ذو فرض ~~مسمى أم لا . فذهب زيد إلى أنه لا ينقص الجد مع الثلث مع الإخوة للأب والأم ~~أو للأب إلا مع ذوى الفروض ، فإنه لا ينقصه معهم من السدس شيئا ، وهذا قول ~~مالك والثورى والأوزاعى وأبى يوسف ومحمد والشافعى . وقد روى عن ابن مسعود ~~مثل قول على ، وكان على يشرك بين الجد والإخوة ولا ينقصه من السدس شيئا مع ~~ذوى الفروض وغيرهم وهو قول ابن أبى ليلى وطائفة . واختلف عن ابن مسعود فروى ~~عنه مثل قول زيد . والحجة لقول الصديق قوله تعالى : { ملة أبيكم إبراهيم } ~~[ الحج : 78 ] فسماه أبا وهو الجد ، وقال تعالى : { واتبعت ملة آبائى ~~إبراهيم وإسحاق } [ يوسف : 38 ] فسماهما آباء وهم جدود له . PageV08P352 ~~وقال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( أنا ابن عبد المطلب ) وإنما هو ابن ~~ابنه ، وأجمع العلماء أن حكم الجد حكم الأب فى غير موضع ، من ذلك إجماعهم ~~أن الجد يحجب الإخوة من الأم كما حجبهم الأب . فالقياس أن يحجب الإخوة للأب ~~والأم إذا كان ms2869 أبا كما حجب الإخوة للأم . وأجمعوا أن الجد يضرب مع أصحاب ~~الفرائض بالسدس كما يضرب الأب ، وإن عالت الفريضة ، وللأب مع ابن الابن ~~السدس ، وكذلك للجد معه مثل ما للأب . وقال تعالى : { ولأبويه لكل واحد ~~منهما السدس مما ترك إن كان له ولد } [ النساء : 11 ] ومن المحال أن يكون ~~له ولد ولا يكون له والدا . واحتجوا بقوله - صلى الله عليه وسلم - : ( وما ~~بقى فهو لأولى رجل ذكر ) لأن رجلا لو توفى وترك بنتا أو ابنتين وجدا وإخوة ~~فألحقنا البنت أو البنتين بفرائضهن وكان ما بقى للجد وهو أولى رجل ذكر بقى ~~. واحتج من ورث الأخ مع الجد بهذا الحديث ، وأيضا فقالوا : الأخ أولى ؛ ~~لأنه أقرب إلى الميت بدليل أنه ينفرد بالولاء لقربه ، وأيضا فإن الأخ يقول ~~أنا أقوى من الجد ؛ لأنى أقوم مقام الولد فى حجب الأم من الثلث إلى السدس ، ~~وليس كذلك الجد فوجب ألا يحجبنى كما لا يحجب الولد ، والجد إنما يدلى ~~بالميت وهو أبو أبيه ، والأخ يدلى بالميت وهو ابن أبيه ، والابن من جهة ~~المواريث أقوى من الأب ؛ لأن الابن ينفرد بالمال ويرده إلى السدس ، والأب ~~لا يفعل ذلك بالابن ، فكان من أدلى بالأقوى أولى ممن أدلى بالأضعف . ~~PageV08P353 * * * # | 10 - باب ميراث الزوج مع الولد وغيره # / 13 - فيه : ابن عباس ، قال : كان المال للولد ، وكانت الوصية للوالدين ~~، فنسخ الله من ذلك ما أحب ، فجعل للذكر مثل حظ الأنثيين ، وجعل للأبوين ~~لكل واحد منهما السدس ، وجعل للمرأة الثمن والربع ، وللزوج الشطر والربع . ~~قال المؤلف : هذا إجماع لا خلاف فيه أن للزوج إذا لم يكن للزوجة ولد منه ~~ولا من غيره النصف ، فإن كان لها ولد منه أو من غيره فالربع فرضه لا ينقص ~~منه ، وكذلك ميراث الزوجة من زوجها إذا لم يكن له ولد منها أو من غيرها ~~الربع ، فإن كان له ولد فلها الثمن . * * * # | 11 - باب ميراث المرأة والزوج مع الولد وغيره # / 14 - فيه : أبو هريرة ، قال : قضى النبى - صلى الله عليه وسلم - فى ~~جنين امرأة من بنى ms2870 لحيان سقط ميتا بغرة عبد أو أمة ، ثم إن المرأة التى قضى ~~لها بالغرة ، توفيت ، فقضى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بأن ميراثها ~~لبنيها وزوجها ، وأن العقل على عصبتها . قال المؤلف : ليس فيه أكثر من أن ~~الزوج يرث مع البنين وأن البنين يرثون مع الزوج وهذا لا خلاف فيه ، وليس ~~فيه مقدار ميراث الزوج والمرأة مع الولد وذلك معلوم بنص القرآن فى قوله ~~تعالى : { ولكم نصف ما ترك أزواجكم } [ النساء : 12 ] الآية . PageV08P354 ~~* * * # | 12 - باب ميراث الأخوات مع البنات عصبة # / 15 - فيه : الأسود ، قال : قضى فينا معاذ بن جبل على عهد رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - بالنصف للابنة والنصف للأخت . ثم قال سليمان : قضى ~~فينا ، ولم يذكر على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - . / 16 - وفيه : ~~عبدالله ، قال : لأقضين فيها بقضاء النبى - صلى الله عليه وسلم - ، أو قال ~~: قال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( للابنة النصف ، ولابنة الابن السدس ~~، وما بقى فللأخت ) . وفى حديث ابن مسعود بيان ما عليه جماعة العلماء إلا ~~ما شذ فى أن الأخوات عصبة للبنات يرثون ما فضل عن البنات . مثال ذلك : رجل ~~توفى عن ابنة وأخت فللابنة النصف ، وللأخت ما بقى ، وكذلك إن توفى عن بنتين ~~كان لهما الثلثان وللأخت الثلث الباقى ، وكذلك إن توفى عن بنت وبنت ابن ~~وأخت ، كان للبنت النصف ولبنت الابن السدس تكملة الثلثين ؛ إذ لا يرث ~~البنات وإن كثرن أكثر من الثلثين ، وللأخت أو الأخوات وإن كثرن مابقى بعد ~~البنات . هذا قول جماعة الصحابة غير ابن عباس فإنه كان يقول : إن للابنة ~~النصف وليس للأخت شىء وما بقى فهو للعصبة ، وكذلك ليس للأخت شىء مع البنت ~~وبنت الابن ، وما فضل عن البنت وبنت الابن لم يكن للأخت وكان للعصبة عند ~~ابن عباس وإن لم يكن عصبة رد الفضل على البنت أو البنات ، ولم يوافق ابن ~~عباس أحد على مذهبه فى هذا الباب إلا أهل الظاهر فإنهم احتجوا بقوله تعالى ~~: { إن امرؤ PageV08P355 هلك ليس له ولد وله أخت فلها ms2871 نصف ما ترك } [ ~~النساء : 176 ] فلم يورث الأخت إلا إذا لم يكن للميت ولد . قالوا : ومعلوم ~~أن الابنة مع الولد فوجب ألا ترث الأخت مع وجودها كما لا ترث مع وجود الابن ~~. وحجة الجماعة السنة الثابتة من حديث ابن مسعود ، ولا مدخل للنظر مع وجود ~~الخبر ، فكيف وجماعة الصحابة يقولون بحديث ابن مسعود ولا حجة لأحد خالف ~~السنة . وحجة الجماعة من جهة النظر أن شرط عدم الولد فى قوله تعالى : { إن ~~امرؤ هلك ليس له ولد وله أخت } [ النساء : 176 ] إنما يجعل شرطا فى فرضها ~~الذى تقاسم به الورثة ولم يجعل فرضا فى توريثها ، فإذا عدم الشرط سقط الفرض ~~ولم يمنع ذلك أن ترث بمعنى آخر كما شرط فى ميراث الأخ لأخته عندعدم الولد ~~لقوله : { وهو يرثها إن لم يكن لها ولد } [ النساء : 176 ] جعل ذلك شرطا فى ~~ميراث الأخ لما جعله شرطا فى ميراث الأخت . وقد أجمعت الجماعة أن الأخ ~~يرثها مع البنت وإن كان الشرط معدوما كما شرط فى ميراث الزوج النصف إذا لم ~~يكن لها ولد ولم يمنع ذلك أن يأخذ النصف مع البنت بالفرض والنصف بالتعصيب ~~إن كان عصبة لامرأته . PageV08P356 * * * # | 13 - باب ميراث الإخوة والأخوات # / 17 - فيه : جابر ، دخل النبى - صلى الله عليه وسلم - على وأنا مريض ، ~~فدعا بوضوء ، فتوضأ ثم نضح على من وضوئه ، فأفقت ، فقلت : يا رسول الله ، ~~إنما لى أخوات ، فنزلت آية الفرائض . ليس فى هذا الحديث أكثر من أن الأخوات ~~يرثن . وأجمع العلماء أن الإخوة والأخوات من الأب والأم أو من الأب ذكورا ~~كانوا أو إناثا لا يرثون مع ابن ولا مع ابن ابن وإن سفل ولا مع الأب . ~~واختلفوا فى ميراث الأخوات مع الجد على ما ذكرناه فى باب ميراث الجد من ~~اختلافهم فى ميراث الإخوة مع الجد . فمن ورثهن مع الجد جعل الجد أخا وأعطاه ~~مثل ما أعطى الأختين ومن لم يورثهن معه وجعله أبا حجبهن به . وهو مذهب ~~الصديق وابن عباس وجماعة ، ويرثن فيما عدا الجد والأب والابن للواحدة ms2872 النصف ~~وللاثنتين فصاعدا الثلثان إلا فى المشتركة وهى امرأة توفيت وتركت زوجها ~~وأمها وأخوتها لأمها وإخوتها لأبيها وأمها فلزوجها النصف ولأمها السدس ~~ولإخواتها لأمها الثلث فلم يفضل شىء ، فشرك بنو الأب والأم مع بنى الأم فى ~~الثلث { للذكر مثل حظ الأنثيين } من أجل أنهم كلهم إخوة المتوفى لأمه ، ~~وإنما ورثوا بالأم لقوله تعالى : { وإن كان رجل يورث كلالة أو امرأة وله أخ ~~أو أخت فلكل واحد منهما السدس فإن كانوا أكثر من ذلك فهم شركاء فى الثلث } ~~[ النساء : 12 ] فلذلك شركوا فى هذه الفريضة . PageV08P357 وقد اختلفت ~~الصحابة فى هذه المسألة فروى عن عمر وعثمان وزيد أنهم قالوا بالتشريك وهو ~~قول مالك والثورى والشافعى وإسحاق . وروى عن على وأبى بن كعب وابن مسعود ~~وأبى موسى الأشعرى أنهم لا يشركون الأخ للأب والأم مع الإخوة للأم ؛ لأنه ~~عصبة وقد اغترقت الفرائض المال ولم يبق منه شىء وإلى هذا ذهب ابن أبى ليلى ~~وطائفة من الكوفيين . * * * # | 14 - باب قوله تعالى : { يستفتونك قل الله يفتيكم فى الكلالة } [ ~~النساء : 176 ] إلى آخر السورة # ( 1 ) / 18 - فيه : البراء ، آخر آية نزلت خاتمة سورة النساء : { ~~يستفتونك قل الله يفتيكم فى الكلالة } . اختلف العلماء فى معنى الكلالة ، ~~فقالت طائفة : هى من لا ولد له ولا والد ، وهذا قول أبى بكر الصديق ، وعمر ~~، وعلى ، وزيد ، وابن مسعود ، وابن عباس ، وعليه أكثر التابعين وهو قول ~~الفقهاء بالحجاز والعراق . وقالت طائفة : الكلالة من لا ولد له خاصة ، روى ~~هذا عن ابن عباس . وقال آخرون : الكلالة ما خلا الوالد رواه شعبة عن الحكم ~~بن عتبة . وقال آخرون : الكلالة الميت بعينه سمى بذلك إذا ورثه غير والده ~~وولده . وقال آخرون : الكلالة الذين يرثون الميت إذا لم يكن فيهم والد ولا ~~ولد . وقال آخرون : الكلالة الحى والميت جميعا . عن ابن زيد . واختار ~~PageV08P358 الطبرى أنها ورثة الميت دون الميت ، واحتج بحديث جابر أنه قال ~~: ( يا رسول الله ، إنما يرثنى كلالة فكيف بالميراث ؟ ) وبحديث سعد أنه قال ~~: ( يا رسول الله : ليس لى وارث إلا كلالة أفأوصى ms2873 بمالى كله ؟ فقال : لا ) ~~. وأجمع العلماء أن الإخوة المذكورين فى هذه الآية فى الكلالة هم الإخوة ~~للأب والأم أو للأب عند عدم الذين للأب والأم لإعطائهم فيها الأخت النصف ~~وللأختين فصاعدا الثلثين وللإخوة الرجال والنساء للذكر مثل حظ الأنثيين ؛ ~~لأنه لا خلاف أن ميراث الإخوة للأم ليس هكذا وأنهم شركاء فى الثلث الذكر ~~والأنثى فيه سواء . وإجماعهم فى الكلالة التى فى أول السورة أن الإخوة فيها ~~للأم خاصة ؛ لأن فريضة كل واحد منهما السدس ، ولا خلاف أن ميراث الإخوة ~~للأب والأم ليس كذلك . * * * # | 15 - باب ابنى عم أحدهما أخ للأم والآخر زوج # قال على : للزوج النصف ، وللأخ من الأم السدس ، وما بقى بينهما نصفان . / ~~19 - فيه : أبو هريرة ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( ~~أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم ، فمن مات وترك مالا ، فماله لموالى العصبة ، ~~ومن ترك كلا أو ضياعا ، فأنا وليه ، فلأدعى له ) الكل : العيال . / 20 - ~~وفيه : ابن عباس ، عن النبى - صلى الله عليه وسلم - قال : ( ألحقوا الفرائض ~~بأهلها ، فما تركت الفرائض ، فلأولى رجل ذكر ) . مثال هذه المسألة امرأة ~~لها ابنا عم أحدهما أخوها لأمها والثانى PageV08P359 زوجها . اختلف العلماء ~~فيها كقول على بن أبى طالب زيد بن ثابت وهو قول المدنيين والثورى وأحمد ~~وإسحاق . وقال عمر وابن مسعود : جميع المال للذى جمع القرابتين لأنهما قالا ~~فى ابنى عم أحدهما أخ أم أن الأخ للأم أحق بالمال له السدس بالفرض وباقى ~~المال بالتعصيب ، وهو قول الحسن البصرى وإليه ذهب أبو ثور وأهل الظاهر ، ~~واحتجوا بالإجماع فى أخوين أحدهما لأب وأم والآخر لأب أن المال للأخ للأب ~~والأم ؛ لأنه أقرب بأم فكذلك ابنا عم إذا كان أحدهما أخا لأم فالمال له ~~قياسا على ما أجمعوا عليه من الأخوين . عن ابن المنذر . وحجة أهل المقالة ~~الأولى أن أحدهما ينفرد بكونه أخا لأم فوجب أن يأخذ نصيبه ثم يساوى بينه ~~وبين من يشاركه فى قرابته ويساويه فى درجته . وإلى هذا ذهب البخارى واستدل ~~عليه بقوله - صلى الله عليه وسلم - : ( فماله ms2874 لموالى العصبة ) وهم بنو العم ~~. وكذلك قال أهل التأويل فى قوله تعالى : { وإنى خفت الموالى من ورائى } [ ~~مريم : 5 ] أنهم بنو العم فسوى بينهم - صلى الله عليه وسلم - فى الميراث ~~ولم يجعل بعضهم أولى من بعض ، وكذلك قوله : ( ألحقوا الفرائض بأهلها ) أى ~~أعطوا الزوج فريضته ( وما تركت الفرائض فلأولى رجل ذكر ) . PageV08P360 ~~ولما لم يكن الزوج أولى من ابن عمه الذى هو أخ الأم أو هو فى قعدده اقتسما ~~ما بقى ؛ لأنه ليس بأولى منه فينفرد بالمال . فإن احتجوا بقوله - صلى الله ~~عليه وسلم - : ( فما أبقت الفرائض فهو لأولى رجل ذكر ) فهو دليلنا والباقى ~~بعد السدس قد استوى بعصبتهما فيه إذ وجد فى كل واحد منهما الذكورية ~~والتعصيب ، وقد أجمعوا فى ثلاثة إخوة للأم أحدهم ابن عم أن للثلاثة الإخوة ~~الثلث ، والباقى لابن العم ومعلوم أن ابن العم قد اجتمعت فيه القرابتان . ~~وقوله : ( فللأدعى له ) إعرابها : فللأدع له ؛ لأنها لام الأمر والأغلب من ~~أمرها إذا اتصل بها واو أو فاء الإسكان ، ويجوز كسرها وهو الأصل فى لام ~~الأمر أن تكون مكسورة كقوله تعالى : { وليوفوا نذورهم وليطوفوا بالبيت ~~العتيق } [ الحج : 29 ] بكسر اللام وإسكانها وثبات الألف بعد العين فى موضع ~~الجزم والوقف يجوز تشبيها لها بالياء والواو أحدهما كما قال : ألم يأتيك ~~والأنباء تنمى وكما قال : لم يهجو ولم يدع وقال فى الألف : إذا العجوز عضبت ~~فطلق ولا ترضاها ولا تملق وكما قال : وتضحك منى شيخة عبشمية كأن لم تر قبلى ~~أسيرا يمانيا وكان القياس ترضها ، ولم يرو معنى قوله ( فلأدع ) له أى ~~فادعونى له حتى أقوم بكله وضياعه . PageV08P361 * * * # | 16 - باب ذوى الأرحام # / 21 - فيه : ابن عباس : { ولكل جعلنا موالى مما ترك الوالدن والأقربون ~~والذين عاقدت أيمانكم } [ النساء : 33 ] قال : كان المهاجرون حين قدموا ~~المدينة يرث الأنصارى المهاجرى دون ذوى رحمه ؛ للأخوة التى آخى النبى - صلى ~~الله عليه وسلم - بينهم ، فلما نزلت : { ولكل جعلنا موالى مما ترك الوالدان ~~والأقربون } ، قال نسختها : { والذين عاقدت أيمانكم } . قال المؤلف : هكذا ~~وقع فى جميع النسخ فلما ms2875 نزلت : { ولكل جعلنا موالى } نسختها { والذين عاقدت ~~أيمانكم } والصواب أن المنسوخة { والذين عاقدت أيمانكم } وقد بين ذلك ~~الطبرى فى روايته . قال : حدثنا أبو أسامة ، قال : حدثنا إدريس بن زيد ، ~~قال : حدثنا طلحة بن مصرف ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس فى قوله تعالى : ~~{ والذين عاقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم } قال : كان المهاجرون حين قدموا ~~المدينة يرث الأنصارى المهاجرى دون ذوى رحمه للأخوة التى آخاها رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - بينهم فلما نزلت هذه الآية { ولكل جعلنا موالى } نسخت ~~. فدلت هذه الرواية أن الآية الناسخة { ولكل جعلنا موالى } والمنسوخة { ~~والذين عاقدت أيمانكم } . وروى عن جمهور السلف أن الآية الناسخة لقوله : { ~~والذين عاقدت أيمانكم } قوله تعالى فى الأنفال : { وأولو الأرحام بعضهم ~~أولى ببعض فى كتاب الله } [ الأنفال : 75 ] روى هذا عن ابن عباس وقتادة ~~والحسن البصرى وهو الذى أثبت أبو عبيد فى كتاب الناسخ والمنسوخ . ~~PageV08P362 وفيها قول آخر روى الزهرى ، عن سعيد بن المسيب قال : أمر الله ~~الذين تبنوا غير أبنائهم فى الجاهلية وورثهم فى الإسلام أن يجعلوا لهم ~~نصيبا فى الوصية ورد الميراث إلى ذووى الرحم والعصبة . وقالت طائفة : قوله ~~: { والذين عاقدت أيمانكم } محكمة وليست منسوخة ، وإنما أمر الله المؤمنين ~~أن يعطى الحلفاء أنصباءهم من النصرة والنصيحة وما أشبه ذلك دون الميراث ، ~~ذكره الطبرى عن ابن عباس { والذين عاقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم } من النصر ~~والنصيحة والرفادة ويوصى لهم وقد ذهب الميراث وهو قول مجاهد والسدى . وقد ~~اختلف السلف ومن بعدهم فى توريث ذوى الأرحام وهم من لا سهم له فى الكتاب ~~والسنة من قرابة الميت ، وليس بعصبة كأولاد البنات وأولاد الأخوات ، وأولاد ~~الإخوة للأم ، وبنات الأخ ، والعمة ، والخالة ، وعمة الأب ، والعم أخى الأب ~~لأمه ، والجد أبى الأم ، والجدة أم أبى الأم ، ومن أدلى بهم . فقالت طائفة ~~: إذا لم يكن للميت وارث له فرض مسمى فماله لموالى العتاقة الذين أعتقوه ، ~~فإن لم يكن موالى عتاقه فماله لبيت مال المسلمين ولا يرث من لا فرض له من ~~ذوى الأرحام ، روى هذا عن ms2876 أبى بكر الصديق وزيد بن ثابت وابن عمر ، ورواية ~~عن على وهو قول أهل المدينة والزهرى وأبى الزناد وربيعة ومالك ، وروى عن ~~مكحول والأوزاعى وبه قال الشافعى . PageV08P363 وكان عمر بن الخطاب وابن ~~مسعود وابن عباس ومعاذ وأبو الدرداء يورثون ذوى الأرحام ولا يعطون الولاء ~~مع الرحم شيئا . واختلف فى ذلك عن على ، وبتوريث ذوى الأرحام قال ابن أبى ~~ليلى والنخعى وعطاء وجماعة من التابعين ، وهو قول الكوفيين وأحمد وإسحاق . ~~واحتجوا بقوله تعالى : { وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض } [ الأنفال : 75 ] ~~وقالوا : قد اجتمع فى ذوى الأرحام سببان : القرابة والإسلام فهو أولى ممن ~~له سبب واحد وهو الإسلام ، وقاسوا ابنة الابن على الجدة التى وردت فيها ~~السنة ؛ لأن كل واحد يدلى بأبى وارثة . وحجة من لم يورث ذوى الأرحام أن ~~الله قد نسخ الموارثة بالحلف والمؤاخاة والهجرة بقوله : { وأولو الأرحام ~~بعضهم أولى ببعض } [ الأنفال : 75 ] . وإنما عنى بهذه الآية من ذوى الأرحام ~~من ذكرهم فى كتابه من أهل الفرائض المسماة لا جميع ذوى الأرحام ؛ لأن هذه ~~الآية مجملة جامعة ، والظاهر لكل ذى رحم قرب أم بعد ، وآيات المواريث مفسرة ~~والمفسر قاض على المجمل ومبين له فلا يرث من ذوى الأرحام إلا من ذكر الله ~~فى آيات المواريث . قالوا : وقد جعل النبى - صلى الله عليه وسلم - الولاء ~~نسبا ثابتا أقام الولاء مقام العصبة فقال : ( الولاء لمن أعتق ) ونهى عن ~~بيع الولاء وهبته . وأجمعت الأمة أن الولى المعتق يعقل عن مولاه الجنايات ~~التى تحملها العاقلة فأقاموه مقام العصبة ، فثبت بذلك أن لحكم PageV08P364 ~~المولى حكم ابن العم والرجل من العشيرة فكان أحق بالميراث من ذوى الأرحام ~~الذين ليسوا بعصبة ولا أصحاب فرائض ؛ لأن النبى - صلى الله عليه وسلم - قال ~~: ( من ترك مالا فلعصبته ) . وأجمعوا أن ما فضل من المال عن أصحاب الفرائض ~~فهو للعصبة وأن من لا سهم له فى كتاب الله من ذوى الأرحام لا ميراث له مع ~~العصبة ، ثم حكموا للمولى بحكم العصبة فثبت بذلك أن ما فضل أصحابه عن ~~الفرائض يكون له ms2877 ؛ لأنه عصبة . وأجمعت الأمة أن الميت إذا ترك مولاه الذى ~~أعتقه ولم يخلف ذا رحم أن الميراث له فأقاموه مقام العصبة فصار هذا أصلا ~~متفقا عليه . واختلفوا فى توريث من لا سهم له فى كتاب الله وليس بعصبة من ~~ذوى الأرحام فيكتفى بما أجمع عليه أولى مما اختلف فيه . عن ابن المنذر . * ~~* * # | 17 - باب ميراث الملاعنة # / 22 - فيه : ابن عمر : أن رجلا لاعن امرأته فى زمن النبى - صلى الله ~~عليه وسلم - ، وانتفى من ولدها ، ففرق النبى - صلى الله عليه وسلم - بينهما ~~، وألحق الولد بالمرأة . قال ابن المنذر : لما ألحق النبى - صلى الله عليه ~~وسلم - ابن الملاعنة بأمه ونفاه عن أبيه ثبت ألا عصبة له ولا وارث من قبل ~~أبيه . قال غيره : فإذا توفى ابن الملاعنة فلا يرثه إلا أمه وإخوته لأمه ~~خاصة ، فإن فضل من المال شىء كان لموالى أمه إن كانت معتقة لقوم ، وكذلك لو ~~كانت وحدها أخذت الثلث وما بقى لمواليها ولا يكون لبيت المال شىء ، وإن ~~كانت عربية فالفاضل لبيت مال المسلمين ، هذا قول زيد بن ثابت ، وبه قال ~~سعيد بن المسيب والزهرى ومالك والأوزاعى والشافعى وأبو ثور . PageV08P365 ~~وروى عن على وابن مسعود أن ما بقى يكون لعصبة أمه إذا لم يخلف ذا رحم له ~~سهم ، فإن خلف ذا رحم له سهم جعل فاضل المال ردا عليه . وحكى أيضا عن على ~~أنه ورث ذوى الأرحام برحمهم ولا شىء لبيت المال ، وإليه ذهب أبو حنيفة ~~وأصحابه ، ومن قال سهمهم بالرد يرد الباقى على أمه . وجعل ابن مسعود عصبته ~~أمه فإن لم تكن الأم فعصبتها هم عصبة ولدها ، وإليه ذهب الثورى . وهذا ~~الاختلاف إنما قام من قوله - صلى الله عليه وسلم - : ( وألحق الولد بالمرأة ~~) لأنه لما ألحقه بها قطع نسبه من أبيه فصار كمن لا أب له من أولاد العى ~~الذين لم يختلف أن المسلمين عصبتهم إذ لا تكون العصبة من قبل الأم ، وإنما ~~تكون من قبل الأب . ومن قال معنى قوله : ( ألحق الولد بالمرأة ) أى أقامها ~~مقام أبيه ms2878 فهؤلاء جعلوا عصبة أمه عصبة له وهو قول الثورى وأحمد بن حنبل . ~~واحتجوا بالحديث الذى جاء أن الملاعنة بمنزلة أبيه وأمه ، وليس فيه حجة ؛ ~~لأنها إنما هى بمنزلة أبيه وأمه فى تأديبه وما أشبه ذلك مما يتولاه أبوه ~~فأما الميراث فلا ؛ لأنهم أجمعوا أن ابن الملاعنة لو ترك أمه وأباه كان ~~لأمه السدس ولأبيه ما بقى . فلو كانت بمنزلة أبيه وأمه فى الميراث لورثت ~~سدسين سدسا بالأبوة وسدسا بالأمومة . وأبو حنيفة جعل الأم كالأب فرد عليها ~~ما بقى ؛ لأنها أقرب الأرحام إليه ، وقول أهل المدينة أولى بالصواب ؛ لأنه ~~معلوم أن PageV08P366 العصبات من قبل الآباء ومن أدلى بمن لا تعصيب له لم ~~يكن له تعصيب . * * * # | 18 - باب الولد للفراش حرة كانت أو أمة # / 23 - فيه : عائشة ، ( كان عتبة عهد إلى أخيه سعد بن أبى وقاص أن ابن ~~وليدة زمعة منى ، فاقبضه إليك ، فلما كان عام الفتح أخذه سعد ، فقال : ابن ~~أخى ، عهد إلى فيه ، فقام عبد بن زمعة ، فقال : أخى وابن وليدة أبى ، ولد ~~على فراشه ، فتساوقا إلى النبى - صلى الله عليه وسلم - ، فقال سعد : يا ~~رسول الله ، ابن أخى ، قد كان عهد إلى فيه ، فقال عبد بن زمعة : أخى وابن ~~وليدة أبى ، ولد على فراشه ، فقال النبى - صلى الله عليه وسلم - : هو لك يا ~~عبد بن زمعة ، الولد للفراش ، وللعاهر الحجر ، ثم قال لسودة بنت زمعة : ~~احتجبى منه ، لما رأى من شبهه بعتبة ، فما رآها حتى لقى الله ) . / 24 - ~~وفيه : أبو هريرة ، قال - صلى الله عليه وسلم - : ( الولد لصاحب الفراش ) . ~~عند جمهور العلماء أن الحرة تكون فراشا بإمكان الوطء ويلحق الولد فى مدة ~~تلد فى مثلها وأقل ذلك ستة أشهر . وشذ أبو حنيفة فقال : إذا طلقها عقيب ~~النكاح من غير إمكان وطء فأتت بولد لستة أشهر من وقت العقد لحق به ، واحتج ~~أصحابه بقوله - صلى الله عليه وسلم - : ( الولد للفراش ) وقالوا : هذا ~~الاسم كناية عن الزوج . وقال جرير : باتت تعانقه وبات فراشها حلق العباءة ~~فى الدماء قتيلا يعنى زوجها هكذا ms2879 أنشده أبو على الفارسى ، فإذا كان الفراش ~~الزوج ، فإنه يقتضى إذا تزوج امرأة وجاءت بولد لستة أشهر أن نسب الولد يثبت ~~ولا معتبر بإمكان الوطء وإنما المعتبر وجود الفراش . PageV08P367 والحجة ~~للجمهور أن الفراش وإن كان يقع على الزوج فإنه يقع على الزوجة أيضا ؛ لأن ~~كل واحد منهما فراش صاحبه حكى ابن الأعرابى أن الفراش عند العرب يعبر به عن ~~الزوج وعن المرأة ، وهى الفراش المعروف ، فمن ادعى أن المراد به الرجل دون ~~المرأة فعليه الدليل . والفراش فى هذا الحديث إنما هو كناية عن حالة ~~الافتراش والمرأة مشبهة بالفراش ؛ لأنها تفترش ، فكأن النبى - صلى الله ~~عليه وسلم - أعلمنا أن الولد لهذه الحال التى فيها الافتراش فمتى لم يمكن ~~حصول هذه الحال لم يلحق الولد ، فمعنى قوله : ( الولد للفراش ) أى لصاحب ~~الفراش . وما ذهب إليه أبو حنيفة خلاف ما أجرى الله به العادة من أن الولد ~~إنما يكون من ماء الرجل وماء المرأة ، كما أجرى الله تعالى العادة أن ~~المرأة لا تحمل وتضع فى أقل من ستة أشهر فمتى وضعته لأقل من ستة أشهر لم ~~يلحق به ؛ لأنها وضعته لمدة لا يمكن أن يكون فى مثلها ، وأما الأمة عند ~~مالك والشافعى فإنها تصير فراشا لسيدها بوطئه لها أو بإقراره بوطئها وبهذا ~~حكم عمر بن الخطاب وهو قول ابن عمر ، فمتى أتت بولد لستة أشهر من يوم وطئها ~~ثبت نسبه منه ، وصارت به أم ولد له وله أن ينفيه إذا ادعى الاستبراء ولا ~~تكون فراشا بنفس الملك دون الوطء عند مالك والشافعى . وقال أبو حنيفة : لا ~~تكون فراشا بالوطء ولا بالإقرار بالوطء أصلا فلو وطئها مائة سنة وأقر ~~بوطئها فأتت بولد لم يلحقه وكان مملوكا له وأمة مملوكة ، وإنما يلحقه ولدها ~~إذا أقر به وله أن ينفيه بمجرد قوله ولا يحتاج أن تدعى الاستبراء . ~~PageV08P368 وذكر الطحاوى عن ابن عباس أنه كان يطأ جارية له فحملت فقال : ~~ليس الولد منى إنى أتيتها إتيانا لا أريد به الولد ، وعن زيد بن ثابت مثله ~~. وقولهم خلاف ms2880 لحديث ابن وليدة زمعة ؛ لأن ابن زمعة قال : هذا أخى ولد على ~~فراش أبى فأقره النبى - صلى الله عليه وسلم - ولم يقل الأمة لا تكون فراشا ~~ثم قال - صلى الله عليه وسلم - : ( الولد للفراش ) ، وهذا خطاب خرج على هذا ~~السبب ، وقد تقدم أن الفراش كالوطء ، قد حصل فى الأمة فوجب أن يلحق به ~~الولد ، وأيضا فإن العاهر لما حصل له الحجر دل على أن غير العاهر بخلافه ، ~~وأن النسب له ، ألا تراه فى الموضع الذى يكون عاهرا تستوى فيه الحرة والأمة ~~فوجب أن يستوى حالهما فى الموضع الذى يكون ليس بعاهر . ومن أطرف شىء أنهم ~~يجعلون نفس العقد فى الحرة فراشا ولم يرد به خبر ، ولا يجعلون الوطء فى ~~الإماء فراشا وفيه ورد الخبر ، فيشكون فى الأصل ويقطعون على الفرع . * * * # | 19 - باب الولاء لمن أعتق وميراث اللقيط # وقال عمر : اللقيط حر . / 25 - فيه : عائشة ، قالت : ( اشتريت بريرة ، ~~فقال النبى - صلى الله عليه وسلم - : اشتريها ، فإن الولاء لمن أعتق . قال ~~الحكم : وكان زوجها حرا ، وقول الحكم مرسل . وقال ابن عباس : رأيته عبدا . ~~/ 26 - وفيه : ابن عمر ، قال - صلى الله عليه وسلم - : ( الولاء لمن أعتق ) ~~. ذهب مالك والثورى والأوزاعى والشافعى وأحمد وأبو ثور إلى أن اللقيط حر ~~وولاؤه لجماعة المسلمين . PageV08P369 وفيها قول آخر روى عن عمر بن الخطاب ~~أن ولاءه للذى التقطه ، وعن شريح مثله ، وبه قال إسحاق بن راهويه . وفيها ~~قول آخر روى عن على بن أبى طالب أن المنبوذ حر فإن أحب أن يوالى الذى ~~التقطه والاه وإن أحب أن يوالى غيره والاه . وبهذا قال عطاء وابن شهاب ، ~~وقال أبو حنيفة : له أن ينتقل بولائه حيث شاء لمن يعقل عنه الذى والاه ~~جناية فإن عقل عنه لم يكن له أن ينتقل بولائه عنه ويرثه . واحتج إسحاق ~~بحديث سفيان أبى جميلة عن عمر أنه قال له فى المنبوذ : اذهب فهو حر ولك ~~ولاؤه . قال ابن المنذر : أبو جميلة مجهول لا يعرف له خبر غير هذا الحديث . ~~وحمل أهل المقالة الأولى قول ms2881 عمر ( لك ولاؤه ) أى أنت الذى تتولى تربيته ~~والقيام بأمره وهذه ولاية الإسلام لا ولاية العتق . واحتجوا بقوله - صلى ~~الله عليه وسلم - : ( الولاء لمن أعتق ) وهذا ينفى أن يكون الولاء للملتقط ~~؛ لأن أصل الناس الحرية ، وليس يخلو اللقيط من أحد أمرين إما أن يكون حرا ~~فلا رق عليه أو يكون ابن أمة قوم فليس لمن التقطه أن يسترقه وبهذا كتب عمر ~~بن عبد العزيز . وقد نزل الله آية المواريث وسمى الوارثين ، فدل أنه لا ~~وارث غير من ذكر الله فى كتابه ، ولو كانت الموالاة مما يتوارث بها وجب إذا ~~ثبتت ألا يجوز نقلها إلى غير من ثبتت له ؛ فلما قالوا إنه إذا والى غيره ~~قبل أن يعقل عنه ثم والى غيره وعقل عنه كان للذى عقل عنه ؛ علم أن الموالاة ~~لا يجوز أن يتوارث بها . وقال - صلى الله عليه وسلم - : ( كل شرط ليس فى ~~كتاب الله فهو باطل ) PageV08P370 . * * * # | 20 - باب ميراث السائبة # / 27 - فيه : عبدالله ، قال : إن أهل الإسلام لا يسيبون ، وإن أهل ~~الجاهلية كانوا يسيبون . / 28 - وفيه : عائشة ، قالت : قال لى النبى - صلى ~~الله عليه وسلم - : ( الولاء لمن أعتق ) فى قصة بريرة . قالت : وخيرت ، ~~فاختارت نفسها ، وقالت : لو أعطيت كذا وكذا ما كنت معه . وقال الأسود : ~~وكان زوجها حرا ، قول الأسود منقطع ، وقول ابن عباس : رأيته عبدا أصح . ~~اختلف العلماء فى ميراث السائبة ، فقال الكوفيون والشافعى وأحمد وإسحاق ~~وأبو ثور : ولاء السائبة لمعتقه واحتجوا بقوله - صلى الله عليه وسلم - : ( ~~الولاء لمن أعتق ) فالمعتق داخل فى عموم الحديث وغير خارج منه . وقالت ~~طائفة : ميراث السائبة للمسلمين روى ذلك عن عمر بن الخطاب ، وروى عن عمر بن ~~عبد العزيز وربيعة وأبى الزناد وهو قول مالك قال : ميراثه للمسلمين وعقله ~~عليهم . والحجة لهذه المقالة أنه إذ قال : أنت حر سائبة فكأنه قد أعتقه عن ~~المسلمين فكان ولاؤه لهم ، وهو بمنزلة الوكيل إذا أعتق عن موكله فالولاء له ~~دون الوكيل ، وقد ثبت أن الولاء يثبت للإنسان من غير اختياره . واحتج ~~الكوفيون فقالوا : إذا ms2882 قال لعبده : أنت سائبة لا ملك لى عليك أو أنت حر ~~سائبة أن هذا كله لا يزيل عنه الولاء ؛ لأن الولاء لحمة كلحمة النسب لا ~~يباع ولا يوهب ، وقد نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن بيع ~~PageV08P371 الولاء وهبته ، فالهبة لذلك باطلة وبهذا قال ابن نافع وخالف ~~مالكا فيه . * * * # | 21 - باب إثم من تبرأ من مواليه # / 29 - فيه : على ، قال : ما عندنا كتاب نقرؤه إلا كتاب الله غير هذه ~~الصحيفة ، قال : فأخرجها ، فإذا فيها أشياء من الجراحات وأسنان الإبل ، ~~الحديث ، ومن والى قوما بغير إذن مواليه فعليه ، لعنة الله والملائكة ~~والناس أجمعين ، لا يقبل منه يوم القيامة صرف ولا عدل . / 30 - وفيه : ابن ~~عمر ، نهى النبى - صلى الله عليه وسلم - عن بيع الولاء وعن هبته . فى نهيه ~~عن بيع الولاء وعن هبته دليل أنه لا يجوز للمولى التبرؤ من ولاء مواليه ، ~~وأن تبرأ منه وأنكره كمن باعه أو وهبه فى الإثم . فإن قال قائل قوله - صلى ~~الله عليه وسلم - : ( من والى قوما بغير إذن مواليه فعليه لعنة الله ) يدل ~~أنه لا يجوز أن يولى قوما بإذن مواليه . وبه قال عطاء بن أبى رباح ، قال : ~~إن أذن الرجل لمولاه أن يوالى من شاء جاز ذلك استدلالا بهذا الحديث . ذكره ~~عبد الرزاق ، وهذا يوافق ما روى عن ميمونة بنت الحارث أنها وهبت ولاء ~~مواليها للعباس وولاؤهم اليوم له . وقد ذكرنا ذلك فى باب بيع الولاء وهبته ~~وفى باب بيع المدبر . PageV08P372 قيل : جماعة الفقهاء لا يجيزون قول عطاء ~~ولا ما روى عن ميمونة وقد احتج مالك فى منع ذلك . قيل له : الرجل يبتاع ~~نفسه من سيده على أنه يوالى من شاء . قال : لا يجوز ذلك ؛ لأن النبى - صلى ~~الله عليه وسلم - قال : ( الولاء لمن أعتق ) ونهى عن بيع الولاء وهبته ، ~~فإذا جاز لسيده أن يشترط ذلك له فإن يأذن له أن يوالى من شاء ، فتلك الهبة ~~التى نهى النبى - صلى الله عليه وسلم - عنها . رواه ابن وهب . فإن قال قائل ~~: فما تأويل ms2883 حديث على على هذا القول ؟ نقول : قيل : يحتمل أن يكون منسوخا ~~بنهيه - صلى الله عليه وسلم - عن بيع الولاء وعن هبته ، ويحتمل ألا يكون ~~منسوخا ويكون تأويله كتأويل قوله تعالى : { ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق ~~} [ الإسراء : 31 ] دل ظاهر هذا الخطاب أن النهى عن قتل الأولاد لما اقترن ~~بخشية الإملاق كان قتلهم مباحا إذا لم يخشى الإملاق ، وأجمعت الأمة على أن ~~النهى عن قتلهم عام فى كل حال وإن لم يخش إملاق . وقوله : { وربائبكم ~~اللاتى فى حجوركم من نسائكم } [ النساء : 23 ] ودل ظاهر هذا الخطاب أن شرط ~~التحريم فى الربائب لما اقترن بكونهن فى الحجر دل على زوال تحريمهن إذا لم ~~يكن فى الحجر ، وأجمع أئمة الأمصار على أن الربيبة حرام على زوج أمها وإن ~~لم تكن فى حجره فلما لم يكن الحجر شرطا فى التحريم ، ولا ارتفاع خشية ~~الإملاق مبيحة لقتل الأولاد ؛ فكذلك لا يكون ترك إذن الموالى فى موالاة ~~غيرهم شرطا فى PageV08P373 وجوب لعنة متولى غير مواليه ، بل اللعنة متوجهة ~~إليهم فى تولى غيرهم بإذنهم وبغير إذنهم لعموم نهيه عن بيع الولاء وهبته ، ~~والله الموفق . وفيه من الفقه : أنه لا يجوز أن يكتب المولى فلان ابن فلان ~~وهو مولاه حتى يقول فلان مولى فلان ، وجائز أن ينتسب إلى نسبه ؛ لأته انتمى ~~إليه ؛ لأن الولاء لحمة كلحمة النسب ومن تبرأ من ولاء مواليه لم تجز شهادته ~~وعليه التوبه والاستغفار ؛ لأن النبى - صلى الله عليه وسلم - قد لعنه ، وكل ~~من لعنه فهو فاسق . وفيه : جواز لعنة أهل الفسق من المسلمين ، ومعنى اللعنة ~~فى اللغة الإبعاد عن الخير ، وسيأتى فى كتاب الحدود معنى نهيه - صلى الله ~~عليه وسلم - عن لعن الذى كان يؤتى به كثيرا ليجلد فى الخمر ، وأن ذلك ليس ~~بمعارض اللعنة لشارب الخمر وكثير من أهل المعاصى إن شاء الله تعالى . وقد ~~تقدم تفسير الصرف والعدل فى آخر كتاب الحج فى باب حرم المدينة . * * * # | 22 - باب إذا أسلم على يديه الرجل # وكان الحسن لا يرى له ولاية . وقال - صلى ms2884 الله عليه وسلم - : الولاء لمن ~~أعتق . ويذكر عن تميم الدارى رفعه ، قال : هو أولى الناس بمحياه ومماته . ~~واختلفوا فى صحة هذا الخبر . / 31 - فيه : عائشة قال النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - : ( الولاء لمن أعتق . . . ) الحديث . اختلف العلماء فيمن أسلم على ~~يدى رجل من المسلمين ، فقال PageV08P374 الشعبى كقول الحسن : لا ميراث للذى ~~أسلم على يديه ولا ولاء له ، وميراث المسلم إذا لم يدع وارثا لجماعة ~~المسلمين . وهو قول ابن أبى ليلى ومالك والثورى والأوزاعى والشافعى وأحمد ~~وحجتهم قوله : ( الولاء لمن أعتق ) فنفى الميراث عن غير المعتق كما نفى عنه ~~الولاء ، وذكر ابن وهب عن عمر بن الخطاب قال : ولاؤه للذى أسلم على يديه . ~~وهو قول ربيعة وإسحاق ، وفيها قول آخر روى عن النخعى أنه إذا أسلم على يديه ~~الرجل ووالاه فإنه يرثه ويعقل عنه وله أن يتحول عنه إلى غيره ما لم يعقل ~~عنه ، فإذا عقل عنه لم يكن له أن يتحول إلى غيره . وهذا قول أبى حنيفة وأبى ~~يوسف ومحمد واحتجوا بحديث تميم الدارى ، رواه مسدد عن عبد الله بن داود ، ~~عن عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز ، عن عبد الله بن وهب ، عن تميم الدارى ~~( أن النبى - صلى الله عليه وسلم - قال فى رجل أسلم على يدى رجل : هو أحق ~~الناس بمحياه ومماته ) . قال ابن المنذر : رفع الحديث أحمد بن حنبل وتكلم ~~فيه غيره ولم يروه غير عبد العزيز بن عمر وهو شيخ ليس من أهل الحفظ ، وقد ~~اضطربت روايته له فروى عنه وكيع وأبو نعيم ، عن عبد الله بن وهب قال : سمعت ~~تميما الدارى يقول ورواه شريك عن حفص بن غياث عنه ، عن عبد الله بن وهب ، ~~عن قبيصة بن ذؤيب ، عن تميم ، ولا يدرى أسمع قبيصة من تميم أم لا ، فلما ~~اضربت الأخبار خشينا ألا يكون محفوظا . وكان ظاهر قوله : ( الولاء لمن أعتق ~~) أولى بنا ودل على أن الولاء لا يكون لغير المعتق . PageV08P375 قال ابن ~~القصار : ولو صح الحديث لكان تأويله أحق به يواليه وينصره ويغسله ms2885 ويصلى ~~عليه ويدفنه إذا مات ، ولم يقل هو أحق بميراثه فلا حجة فيه . * * * # | 23 - باب ما يرث النساء من الولاء # / 32 - فيه : عائشة ، قال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( الولاء لمن ~~أعطى الورق وولى النعمة ) . وهذا الحديث يوجب أن يكون الولاء لكل معتق ذكرا ~~كان أو أنثى ؛ لأن ( من ) تصلح للذكر والأنثى وللواحد والجميع إلا أنه ليس ~~للنساء عند جماعة الفقهاء من الولاء إلا ما أعتقن أو أعتق من أعتقن أو ولد ~~من أعتقن . قال الأبهرى : وهذا قول الفقهاء السبعة وغيرهم من أهل المدينة ~~والكوفة ، ليس فيه اختلاف إلا ما يروى عن مسروق أنه قال : يرث النساء من ~~الولاء كما يرثن من المال . وذكر ابن المنذر عن طاوس مثله ، واحتج بقوله ~~تعالى : { وللنساء نصيب مما ترك الوالدان والأقربون } [ النساء : 7 ] الآية ~~. وهذا شذوذ ولم يعرج عليه ، وإنما يرث النساء ولاء من أعتقن أو أعتق من ~~أعتقن أو ولد من أعتقن ؛ لأنه عن مباشرة وليس هو جر الميراث . وإنما لم يرث ~~النساء الولاء لأن الولاء إنما يورث بالتعصيب والمرأة لا تكون عصبة . ~~PageV08P376 ولما كانت المرأة لا تستوعب المال بالفرض الذى هو أوكد من ~~التعصيب لم ترث الولاء . وقوله : ( الولاء لمن أعطى الورق وولى النعمة ) ~~معناه لمن أعطى الثمن وأعتق بعد إعطاء الثمن ؛ لأن ولاية النعمة التى يستحق ~~بها الميراث لا تكون إلا بالعتق . * * * # | 24 - باب مولى القوم من أنفسهم وابن أخت القوم منهم # / 33 - فيه : أنس ، قال - صلى الله عليه وسلم - : ( مولى القوم من أنفسهم ~~) . / 34 - وقال أنس مرة : عن النبى - صلى الله عليه وسلم - قال : ( ابن ~~أخت القوم منهم ، أو من أنفسهم ) . مولى القوم من أنفسهم صحيح فى النسبة ~~إليهم والميراث والعقل . وأما ابن أخت القوم محمول عند أهل المدينة أن يكون ~~ابن أختهم من عصبتهم ، وعند أهل العراق الذين يورثون ذوى الأرحام ابن أخت ~~القوم منهم يرثهم ويرثونه وقد تقدم الكلام فى ذلك . * * * # | 25 - باب ميراث الأسير # وكان شريح يورث الأسير فى أيدى العدو ، ويقول : هو أحوج إليه . وقال ms2886 عمر ~~بن عبدالعزيز : أجز وصية الأسير وعتاقه ، وما صنع فى ماله ما لم يتغير عن ~~دينه ، فإنما هو ماله يصنع فيه ما شاء . PageV08P377 / 35 - فيه : أبو ~~هريرة ، قال - صلى الله عليه وسلم - : ( من ترك مالا فلورثته ، ومن ترك كلا ~~فإلينا ) . ذهب أكثر العلماء إلى أن الأسير إذا وجب له ميراث ، أنه يوقف له ~~ويستحقه ، هذا قول مالك ، والكوفيين ، والشافعى ، والجمهور . وروى عن سعيد ~~بن المسيب ، أنه لم يورث الأسير فى أيدى العدو ، وقول الجماعة أولى ؛ لأن ~~الأسير إذا كان مسلما ، فهو داخل تحت عموم قوله : ( من ترك مالا فلورثته ) ~~، وهو من جماعة المسلمين الذين تجرى عليهم أحكام الإسلام ، وغير جائز ~~إخراجه من جملة أحكامهم إلا بحجة لا توجب له الميراث . * * * # | 26 - باب لا يرث المسلم الكافر ، ولا الكافر المسلم ، وإذا أسلم قبل أن ~~يقسم الميراث فلا ميراث له # / 36 - فيه : أسامة بن زيد ، أن النبى - صلى الله عليه وسلم - ، قال : ( ~~لا يرث المسلم الكافر ، ولا الكافر المسلم ) . ذهب جماعة أئمة الفتوى ~~بالأمصار إلى حديث أسامة وقالوا : لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم ~~. روى هذا عن عمر وعلى وابن مسعود وزيد بن ثابت وابن عباس وجمهور التابعين ~~. وفى ذلك خلاف عن بعض السلف ، روى عن معاذ بن جبل ومعاوية أن المسلم يرث ~~الكافر ولا يرث الكافر المسلم ، وذهب إليه سعيد بن المسيب وإبراهيم النخعى ~~ومسروق . PageV08P378 واحتجو لذلك فقالوا : نرث الكفار ولا يرثونا كما ننكح ~~نساءهم ولا ينكحوا نساءنا ، ويرد هذا القول قوله - صلى الله عليه وسلم - : ~~( ولا يرث المسلم الكافر ) والسنة حجة على من خالفها . قال ابن القصار : ~~والتوارث متعلق بالولاية ولا ولاية بين المسلم والكافر لقوله تعالى : { لا ~~تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض } [ المائدة : 51 ] يدل ~~أنهم لا يكونون أولياء للكافر فوجب ألا يرثوهم كما لا يرثهم الكافر ، وأيضا ~~فما بين المسلم والكافر أبعد مما بين الذمى والحربى فإذا ثبت أن الذمى لا ~~يرث الحربى مع اتفاقهم فى الملة فلأن لا يرث المسلم الكافر أولى لاختلافهما ~~فى ms2887 الملة . وما ذكره من تزويج المسلم الكافرة فإن باب الميراث غير مبنى على ~~التزويج ألا ترى أن الذمى يتزوج الحربية وهو لا يرثها ، والحر المسلم يتزوج ~~الأمة المسلمة وهو لا يرثها مع اتفاق دينهما . وقولهم ينقلب عليهم ؛ لأن ~~الكافر يقول : أنا أرث المسلم ؛ لأنه يتزوج إلينا وإن لم نتزوج إليه فكما ~~يرثنا نرثه . وقوله : إذا أسلم قبل أن يقسم الميراث فلا ميراث له وهو قول ~~جمهور الفقهاء . وقالت طائفة : إذا أسلم قبل قسمته فله نصيبه ، روى هذا عن ~~عمر وعثمان من طريق لا يصح ، وبه قال الحسن وعكرمة ، وقول الجماعة أصح ؛ ~~أنه إنما يستحق الميراث فى حين الموت لقوله - صلى الله عليه وسلم - : ( لا ~~يرث الكافر المسلم ) فإذا انتقل ملك المسلم عن ماله إلى PageV08P379 من هو ~~على دينه ثبت ملكه لمن ورثه من المسلمين ولا يجوز إزالة ملكه إلا بحجة . عن ~~ابن المنذر . واختلفوا من معنى هذا الحديث فى ميراث المرتد فقالت طائفة : ~~إذا قتل على ردته فماله لبيت مال المسلمين وهو قول زيد بن ثابت وبه قال ابن ~~أبى ليلى وربيعة ومالك والشافعى وأبو ثور وأحمد ، وحجتهم ظاهر القرآن فى ~~قطع ولاية المؤمنين من الكفار وعموم قوله - صلى الله عليه وسلم - : ( لايرث ~~المسلم الكافر ) ولم يخص مرتدا من غيره . وقال الكوفيون والأوزاعى وإسحاق : ~~يرثه ورثته المسلمون . وهو قول على وابن مسعود وسعيد بن المسيب والحسن ~~والشعبى والحكم . وقالوا : قوله - صلى الله عليه وسلم - : ( لا يرث المسلم ~~الكافر ) أى الكافر الذى يقر على دينه ، فأما المرتد فلا دين له يقر عليه ~~وقالوا قرابة المرتد مسلمون وقد جمعوا القرابة والإسلام فهم أولى . وضعف ~~أحمد بن حنبل حديث على . وقال أصحاب مالك والشافعى : لو صح عن على فإنما ~~جعل ميراث المرتد لقرابته المسلمين لما رأى فيهم من الحاجة ، وكانوا ممن ~~يستحق ذلك فى جماعة المسلمين من بيت مالهم ، ولم يمكن عموم جماعة المسلمين ~~بميراثه فجعله لورثته على هذا الوجه لا على أنه ورثهم منه على طريق الميراث ~~. PageV08P380 * * * # | 27 - باب ميراث العبد النصرانى ms2888 والمكاتب النصرانى # لم يدخل البخارى تحت هذا الرسم حديثا ، ومذهب العلماء أن العبد النصرانى ~~إذا مات فماله للسيد ؛ لأن ملك العبد غير صحيح ولا مستقر فماله لسيده ؛ ~~لأنه ماله وملكه لا أنه يستحقه من طريق الميراث ، وإنما يستحقه بطريق ~~الميراث ما كان ملكا لمن يورث عنه . وأما المكاتب النصرانى فإن مات قبل ~~أداء كتابته نظر ، فإن كان فى ماله وفاء لباقى كتابته أخذ ذلك مولاه الذى ~~كاتبه ، وإن فضلت من ماله فضلة كانت لمن كوتب معه إن كانوا على دينه . فإن ~~لم يكن معه أحد فى الكتابة لم يرث ذلك السيد ، وكان لبيت مال المسلمين . ~~قال الطبرى : واتفق فقهاء العراق والحجاز والشام وغيرهم أن من أعتق عبدا له ~~نصرانيا فمات العبد وله مال أن ميراثه لبيت المال ، وقال ابن سيرين : لو ~~كان عبدا ما ورثه فكيف هذا . * * * # | 28 - باب من ادعى أخا أو ابن أخ # / 37 - فيه : عائشة ، اختصم سعد ، وعبد بن زمعة فى غلام ، فقال سعد : يا ~~رسول الله هذا ابن أخى عتبة بن أبى وقاص ، عهد إلى أنه ابنه ، انظر إلى ~~شبهه ، وقال عبد ابن زمعة : هذا أخى يا رسول الله ، ولد على فراش أبى من ~~وليدته ، فنظر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى شبهه ، فرأى شبها بينا ~~بعتبة ، فقال : ( هو لك يا PageV08P381 عبد ، الولد للفراش ، وللعاهر الحجر ~~، واحتجبى منه يا سودة بنت زمعة ) ، قالت : فلم ير سودة قط . قد تقدم أنه ~~لا يجوز استلحاق غير الأب واختلف العلماء إذا مات رجل وخلف ابنا واحدا لا ~~وارث له غيره فأقر بأخ فقال ابن القصار : فعند مالك والكوفيين لا يثبت نسبه ~~. وقال الشافعى : يثبت نسبه . واحتج بأن الوارث قام مقام الميت فصار إقراره ~~كإقرار الميت نفسه فى حال حياته ، ألا ترى أن النبى - صلى الله عليه وسلم - ~~ألحق الولد بزمعة بدعوى عبد وإقراره وحده . واحتج أهل المقالة بأن الميت ~~يعترف على نفسه والوارث يعترف على غيره ، وحكم إقرار الإنسان على نفسه آكد ~~من إقراره على غيره ، فلم يجز ms2889 اعتبار أحدهما بالآخر وإقراره بنسب فى حق ~~غيره ليس هو بأكثر من شهادته له ، فلو شهد واحد بنسب يثبت على غيره لم تقبل ~~شهادته ، فكذلك إقراره على غيره بالنسب أولى ألا يثبت ولا يلزم على هذا إذا ~~كان الورثة جماعة فأقروا به أو أقر اثنان منهم كانوا عدلين ؛ لأن النسب ~~يثبت بشهادة اثنين وبالجماعة فى حق الغير الذى هو أبوهم . ويقال للشافعى ~~حكم النبى - صلى الله عليه وسلم - فى قصة ابن زمعة لم يكن من أجل الدعوى ~~وإنما كان من أجل علمه بالفراش كما حد النبى - صلى الله عليه وسلم - العسيف ~~بقول أبيه ؛ لأن ذلك دليل على أن ابنه كان مقرا قبل ادعاء أبيه عليه ولولا ~~ذلك ما حد بمجرد دعوى أبيه عليه . PageV08P382 * * * # | 29 - باب من ادعى إلى غير أبيه وهو يعلم أنه غير أبيه # / 38 - فيه : سعد ، قال : النبي - صلى الله عليه وسلم - : ( من ادعى إلى ~~غير أبيه ، وهو يعلم أنه غير أبيه ، فالجنة عليه حرام ) . / 39 - وفيه : ~~أبو هريرة ، قال - صلى الله عليه وسلم - : ( لا ترغبوا عن آبائكم ، فمن رغب ~~عن أبيه فهو كفر ) . قال الطبرى : فإن قال قائل : ما وجه هذا الحديث وقد ~~كان من خيار الناس من ينسب إلى غير أبيه كالمقداد بن الأسود الذى نسب إليه ~~، وإنما هو المقداد بن عمرو ، ومنهم من يدعى إلى غير مولاه الذى أعتقه ~~كسالم مولى أبى حذيفة ، وإنما هو مولى امرأة من الأنصار وهؤلاء خيار الأمة ~~؟ قيل : لا يدخل أحد منهم فى معنى هذه الأحاديث ، وذلك أن أهل الجاهلية ~~كانوا لا يستنكرون ذلك أن يتبنى الرجل منهم غير ابنه الذى خرج من صلبه فنسب ~~إليه ، ولا أن يتولى من أعتقه غيره فينسب ولاؤه إليه ، ولم يزل ذلك أيضا فى ~~أول الإسلام حتى أنزل الله : { وما جعل أدعياءكم أبناءكم } [ الأحزاب : 4 ] ~~ونزلت { ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله } [ الأحزاب : 5 ] الآية فنسب كل ~~واحد منهم إلى أبيه ومن لم يعرف له أب ولا نسب عرف مولاه الذى أعتقه وألحق ~~بولائه ms2890 عنه غير أنه غلب على بعضهم النسب الذى كان يدعى به قبل الإسلام ، ~~فكان المعروف لأحدهم إذا أراد تعريفه بأشهر نسبه عرفه به من غير انتحال ~~المعروف به ، ولا تحول به عن نسبه وأبيه الذى هو أبوه على الحقيقة رغبة عنه ~~فلم تلحقهم بذلك نقيصة ، وإنما لعن النبى PageV08P383 - صلى الله عليه وسلم ~~- المتبرئ من أبيه والمدعى غير نسبه ، فمن فعل ذلك فقد ركب من الإثم عظيما ~~وتحمل من الوزر جسيما ، وكذلك المنتمى إلى غير مواليه . فإن قيل : فتقول ~~للراغب فى الانتماء إلى غير أبيه ومواليه كافر بالله كما روى عن أبى بكر ~~الصديق أنه قال : كفر بالله ادعاء نسب لا يعرف . وروى عن عمر بن الخطاب أنه ~~قال : كان مما يقرأ فى القرآن : ( لا ترغبوا عن آبائكم فإنه كفر بكم ) . ~~قيل : ليس معناه الكفر الذى يستحق عليه التخليد فى النار وإنما هو كفر لحق ~~أبيه ولحق مواليه ، كقوله فى النساء : ( يكفرن العشير ) والكفر فى لغة ~~العرب : التغطية للشىء والستر له ، فكأنه تغطية منه على حق الله عز وجل ~~فيمن جعله له والدا ، لا أن من فعل ذلك كافرا بالله حلال الدم . والله ~~الموفق . * * * # | 30 - باب إذا ادعت المرأة ابنا # / 40 - فيه : أبو هريرة ، قال - صلى الله عليه وسلم - : ( كانت امرأتان ~~ومعهما ابناهما جاء الذئب ، فذهب بابن إحداهما ، فقالت لصاحبتها : إنما ذهب ~~بابنك ، وقالت الأخرى : إنما ذهب بابنك ، فتحاكمتا إلى داود فقضى به للكبرى ~~، فخرجتا على سليمان بن داود ، فأخبرتاه ، فقال : ائتونى بالسكين أشقه ~~بينهما ، فقالت الصغرى : لا تفعل يرحمك الله ، هو ابنها ، فقضى به للصغرى ) ~~. قال أبو هريرة والله إن سمعت بالسكين قط إلا يومئذ ، وما كنا نقول إلا : ~~المدية . PageV08P384 أجمع العلماء أن الأم لا تستحلق أحدا ؛ لأنها لو ~~استلحقت ألحقت بالزوج ما ينكره والله تعالى يقول : { ولا تكسب كل نفس إلا ~~عليها } [ الأنعام : 164 ] وإنما يمكن أن تلحق الولد بالزوج إذا أقامت ~~البينة أنها ولدته وهى زوجته فى عصمته ، فإن الولد للفراش . وفائدة هذا ~~الحديث أن المرأة إذا قالت ms2891 هذا ابنى ولم ينازعها فيه أحد ولم يعرف له أب ~~فإنه يكون ولدها ، ترثه ويرثها ويرثه إخوته لأمه ؛ لأن هذه المرأة التى قضى ~~لها بالولد فى هذا الحديث إنما حصل لها ابنا مع تسليم المنازعة لها فيه . ~~وفيه من الفقه : أن من أتى من المتنازعين بما يشبه فالقول قوله ؛ لأن ~~سليمان جعل شفقتها عليه شبهة مع دعواها . وفيه : أنه جائز للعالم مخالفة ~~غيره من العلماء وإن كانوا أسن منه وأفضل إذا رأى الحق فى خلاف قولهم . ~~ويشهد لهذا قوله تعالى : { وداود وسليمان إذ يحكمان الحرث } [ الأنبياء : ~~78 ] الآية فإنه أثنى على سليمان بعلمه ، وعذر داود باجتهاده ولم يخله من ~~العلم . وسيأتى الاختلاف فى هل كل مجتهد مصيب أو الحق فى واحد من أقاويل ~~العلماء فى كتاب الاعتصام والله الموفق . * * * # | 31 - باب القائف # / 41 - فيه : عائشة إن النبى - صلى الله عليه وسلم - دخل على مسرورا تبرق ~~أسارير وجهه ، PageV08P385 فقال : ( ألم ترى أن مجززا نظر آنفا إلى زيد بن ~~حارثة وأسامة بن زيد ، فقال : إن هذه الأقدام بعضها لمن بعض ) . / 42 - ~~وقال مرة : ( عليهما قطيفة قد غطيا رءوسهما ، وبدت أقدامهما ، فقال : إن ~~هذه الأقدام بعضها من بعض ) . فى هذا الحديث إثبات الحكم بالقافة ، وممن ~~قال بذلك أنس بن مالك ، وهذا أصح الروايتين عن عمر ، وبه قال عطاء ، وإليه ~~ذهب مالك والأوزاعى والليث والشافعى وأحمد وأبو ثور . وقال الثورى وأبو ~~حنيفة وأصحابه : الحكم بالقافة باطل وذلك تخرص وحدس لا يجوز ذلك فى الشريعة ~~قالوا وليس فى حديث أسامة حجة فى إثبات الحكم بالقافة ؛ لأن أسامة قد كان ~~ثبت نسبه قبل فلم يحتج النبى - صلى الله عليه وسلم - فى ذلك إلى قول أحد ~~ولولا ذلك لما كان دعا أسامة فيما تقدم إلى زيد . وإنما تعجب من إصابة مجزز ~~كما يتعجب من ظن الرجل الذى يصيب بظنه حقيقة الشىء ولا يجب الحكم بذلك ، ~~وترك الإنكار عليه لأنه لم يتعاط بقوله إثبات ما لم يكن ثابتا فيما تقدم . ~~هذا وجه الحديث ، قاله الطحاوى . وقال أهل المقالة ms2892 الأولى : لو كان قول ~~مجزز على جهة الحدس والظن وعلى غير سبيل الحق والقطع بالصحة لأنكر ذلك ~~النبى - صلى الله عليه وسلم - على مجزز ، ولقال له وما يدريك ، ولم يسر ~~النبى - صلى الله عليه وسلم - بذلك ؛ لأنه ليس من صفته أن يسر بأمر باطل ~~عنده لا يسوغ فى شريعته ، وكان أسامة أسود وكان زيد أبيض فكان المشركون ~~يطعنون فى نسبه ، وكان يشق ذلك على النبى - صلى الله عليه وسلم - فسر بذلك ~~لمكانهما منه . PageV08P386 وقد كانت العرب تعرف من صحة القافة فى بنى مدلج ~~وبنى أسد ما قد شهر عنهما ثم وردت السنة بتصحيح ذلك ، فصار أصلا ، والشىء ~~إنما يصير شرعا للنبى إما بقوله أو بقطعه أو بأن يقر عليه ، فلو كان إثبات ~~النسب من جهته باطلا لم يجز أن يقر عليه مجززا بل كان ينكره عليه ويقول له ~~: هذا باطل فى شريعتى ، فلما لم ينكره وسر به كان سنة . وذهب مالك فى ~~المشهور عنه إلى أن الحكم بالقافة فى أولاد الإماء دون الحرائر ، وروى ابن ~~وهب عنه أن الحكم بالقافة فى ولد الزوجة وولد الأمة ، وبهذا قال الشافعى . ~~قال ابن القصار : وصورة الولد الذى يدعيه الرجلان من الأمة هو أن يطأ إنسان ~~أمته ثم يبيعها من آخر فيطؤها الثانى قبل الاستبراء من الأول فتأتى بولد ~~لأكثر من ستة أشهر من وطء الثانى ؛ فإن الحكم بالقافة هنا واجب ، ولو أتت ~~به لأقل من ستة أشهر من وطء الثانى فالولد للأول . ووجه قول مالك أن القافة ~~فى ولد الإماء ؛ لأنه يصح ملك جماعة رجال الأمة فى وقت واحد ووطؤهم لها إن ~~كان وطء جميعهم غير مباح ، وإذا كان ذلك فقد تساووا فليس أحد أولى بالولد ~~من صاحبه إذا تنازعوه لاستوائهم فى شبهة الفراش بالملك ، وأما الحرة فإن ~~الوطء الثانى لا يساوى الأول فى الحرمة والقوة فلم يطأ وطأ صحيحا من قبل ~~أنه إما أن يطأ زوجة زيد مثل أن يتزوجها وهو لا يعلم PageV08P387 أن لها ~~زوجا فقد فرط ؛ لأنه قد كان يمكن ms2893 أن يتعرف ذلك ولا يقدم على وطء زوجة وهى ~~فراش لغيره أو يتزوجها فى عدتها فهو فى التقصير كذلك ، أو يجد امرأة على ~~فراشه فيطأها وهولا يعلم فالولد لاحق بصاحب الفراش الصحيح بقوته . وأما وجه ~~رواية ابن وهب أن القافة تكون فى ولد الزوجات لاجتماع الواطئين فى شبهة ~~النكاح والملك ؛ لأن الولد يلحق بالنكاح الصحيح وشبهته وبالملك الصحيح ~~وشبهته ؛ لأن كل واحد منهما لو انفرد بالوطء للحقه النسب ، فكذلك إذا ~~اشتركا فيه وجب أن يستويا فى الدعوى فوجب أن يحكم بالولد لأقربهما شبها به ~~لقوة سببه ، لأن شبه الولد ممن هو من أدل أدلة الله فوجبت القافة . وروى ~~أشهب وابن نافع عن مالك أنه لا يؤخذ إلا بقول قائفين وهو قول الشافعى ، ~~وقال ابن القاسم : إن القائف الواحد يجزئ . وقال الزبير بن بكار : إنما قيل ~~له مجززا ؛ لأنه كان إذا أخذ أسيرا حلق لحيته . وأسارير وجهه : هى خطوط بين ~~الحاجبين وقصاص الشعر . وروى عن عائشة أنها قالت : ( دخل على رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - تبرق أكاليل وجهه ) جمع إكليل وهى ناحية الجبهة وما ~~يتصل بها من الجبين . وذلك أن الإكليل إنما يوضع هناك ، وكل ما أحاط بالشىء ~~وتكلله من جوانبه فهو إكليل . عن الخطابى . * PageV08P388 * * # | 60 - كتاب الحدود # # | 1 - باب ما يحذر من الحدود # وقال ابن عباس : ينزع منه نور الإيمان فى الزنا . / 1 - فيه : أبو هريرة ~~: قال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( لا يزنى الزانى حين يزنى وهو مؤمن ~~، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن ، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن ~~، ولا ينتهب نهبة يرفع الناس إليه فيها أبصارهم وهو مؤمن ) . وترجم له باب ~~السارق حين يسرق . قال الطبرى : اختلف من قبلنا فى هذا الحديث فأنكر بعضهم ~~أن يكون رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال هذا القول . قال عطاء : ~~اختلف الرواة فى أداء لفظ النبى - صلى الله عليه وسلم - بذلك ، قال محمد بن ~~زيد ابن واقد بن عبد الله بن عمر بن الخطاب ، وسئل عن تفسير ms2894 هذا الحديث ~~فقال : إنما قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( لا يزنين مؤمن ولا ~~يسرقن مؤمن ) . وقال آخرون : عنى بذلك : لا يزنى الزانى وهو مستحل للزنا ~~غير مؤمن بتحريم الله ذلك عليه ، فأما إن زنا وهو معتقد تحريمه فهو مؤمن ، ~~روى ذلك عن عكرمة عن ابن عباس . وحجة هذه المقالة حديث أبى ذر أن النبى - ~~صلى الله عليه وسلم - قال : ( من قال : لا إله إلا الله دخل الجنة وإن زنا ~~وإن سرق وإن رغم أنف أبى ذر ) . PageV08P389 وقال آخرون : ينزع منه الإيمان ~~فيزول عنه اسم المدح الذى يسمى به أولياء الله المؤمنون ، ويستحق اسم الذم ~~الذى يسمى به المنافق فيوسم به ويقال له منافق وفاسق . روى هذا عن الحسن ~~قال : النفاق نفاقان : تكذيب محمد فهذا لا يغفر ، ونفاق خطايا وذنوب يرجى ~~لصاحبه . وعن الأوزاعى قال : كانوا لا يكفرون أحدا بذنب ولا يشهدون على أحد ~~بكفر ويتخوفون نفاق الأعمال على أنفسهم . قال الوليد بن مسلم : ويصدق قول ~~الأوزاعى أنه كان من قول السلف ما حدثنا الأوزاعى ، عن هارون بن رئاب : ( ~~أن عبد الله بن عمر قال فى مرضه : زوجوا فلانا ابنتى فلانة ، وإنى كنت ~~وعدته بذلك وأنا أكره أن ألقى الله بثلث النفاق ) وما حدثناه عن الزهرى ، ~~عن عروة : ( أنه قال لابن عمر : الرجل يدخل منا على الإمام فيراه يقضى ~~بالجور فيسكت وينظر إلى أحدنا فيثنى عليه بذلك ، فقال عبد الله : أما نحن ~~معاشر أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فكنا نعدها نفاقا فلا أدرى ~~كيف تعدونه ) وعن حذيفة : ( أنه سئل عن المنافق فقال : الذى يتكلم بالإسلام ~~ولا يعمل به ) . وحجة هذا القول أن النفاق إنما هو إظهار المرء بلسانه قولا ~~يبطن خلافه كنافقاء اليربوع الذى يتخذه كى إن طلبه الصائد من قبل مدخل قصع ~~من خلافه ، فمن لم يجتنب الكبائر من أهل التوحيد علمنا أن ما أظهره من ~~الإقرار بلسانه خداع للمؤمنين فاستحق اسم النفاق . ويشهد لذلك قوله - صلى ~~الله عليه وسلم - : ( ثلاث من علامات المنافق ، إذا حدث ms2895 كذب وإذا وعد أخلف ~~، وإذا اؤتمن خان ) . PageV08P390 والزنا والسرقة وشرب الخمر أدل على ~~النفاق من هذه الثلاث . وقال آخرون : إذا أتى المؤمن كبيرة نزع منه الإيمان ~~وإذا فارقها عاد إليه الإيمان . وروى عن أبى الدرداء قال عبد الله بن رواحة ~~: ( إنما مثل الإيمان مثل قميص بينما أنت قد نزعته إذا لبسته وبينما أنت قد ~~لبسته إذ نزعته ) . وعن يزيد بن أبى حبيب عن أسلم بن عمر أنه سمع أبا أيوب ~~يقول : ( إنه ليمر على المرء ساعة وما فى جلده موضع إبرة من النفاق ) . ~~وعلة هذه المقالة أن الأيمان هو التصديق ، غير أن التصديق معنيان أحدهما ~~قول والآخر عمل فإذا ركب المصدق كبيرة فارقه اسم الإيمان كما يقال للاثنين ~~إذا اجتمعا اثنين فإذا انفرد كل واحد منهما لم يقل له إلا واحد وزال عنهما ~~الاسم الذى كان لهما فى حال الاجتماع ، فكذلك الإيمان إنما هو اسم التصديق ~~الذى هو الإقرار والعمل الذى هو اجتناب لكبائر . فإذا واقع المقر كبيرة زال ~~عنه اسم الإيمان فى حال مواقعته ، فإذا كف عنها عاد له الاسم ؛ لأنه فى حال ~~كفه عن الكبيرة مجتنب لها وباللسان مصدق ، وذلك معنى الإيمان عندهم . وقال ~~بعض الخوارج والرافضة والإباضية : من فعل شيئا من ذلك فهو كافر خارج عن ~~الإيمان ؛ لأنهم يكفرون المؤمنين بالذنوب ويوجبون عليهم التخليد فى النار ~~بالمعاصى ، ومن حجتهم ظاهر حديث أبى هريرة ( لا يزنى وهو مؤمن ) . ~~PageV08P391 قال أبو هريرة : الإيمان فوقه هكذا فإن هو تاب راجعه الإيمان ~~وإن أصر ومضى فارقه . وقال أبو صالح عن أبى هريرة : ينزع منه الإيمان فإن ~~تاب رد عليه . قالوا : ومن نزع منه الإيمان فهو كافر ؛ لأنه منزلة بين ~~الإيمان والكفر ، ومن لم يكن مؤمنا فهو كافر . وجماعة أهل السنة وجمهور ~~الأمة على خلافهم . قال الطبرى : وحجة أهل السنة أن ابن عباس قد بين حديث ~~أبى هريرة وقال : إن العبد إذا زنا نزع منه نور الإيمان لا الإيمان . حدثنا ~~عبد الرحمن بن الأسود ، حدثنا محمد بن كثير ، عن شريك بن عبد ms2896 الله ، عن ~~إبراهيم بن مهاجر ، عن مجاهد ، عن ابن عباس قال : سمعت النبى - صلى الله ~~عليه وسلم - يقول : ( من زنا نزع الله نور الإيمان من قلبه فإن شاء أن يرده ~~عليه رده ) . والصواب عندنا قول من قال : يزول عنه الاسم الذى هو بمعنى ~~المدح إلى الاسم الذى هو بمعنى الذم ، فيقال له فاجر فاسق زان سارق . ولا ~~خلاف بين جميع الأمة أن ذلك من أسمائه ما لم تظهر منه التوبة من الكبيرة ، ~~ويزول عنه اسم الإيمان بالإطلاق والكمال بركوبه ذلك ونثبته له بالتقييد ~~فنقول هو مؤمن بالله وبرسوله مصدق قولا ، ولا نقول مطلقا هو مؤمن إذا كان ~~الإيمان عندنا معرفة وعملا PageV08P392 وقولا ، فلما لم يأت بها كلها استحق ~~اسم التسمية بالإيمان على غير الإطلاق والاستكمال له . قال المهلب : وقوله ~~- صلى الله عليه وسلم - : ( ينزع منه نور الإيمان ) يعنى ينزع منه بصيرته ~~فى طاعة الله لغلبة الشهوة عليه ، فكأن تلك البصيرة نور طفته الشهوة من ~~قلبه ويشهد لهذا قوله تعالى : { كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون } [ ~~المطففين : 14 ] . وقد تقدم فى كتاب الإيمان فى باب علامات المنافق ، ~~والعلم فى باب من خص بالعلم قوما دون قوم كراهة ألا يفهموا . * * * # | 2 - باب الضرب بالجريد والنعال # / 2 - فيه : عقبة بن الحارث : أن النبى - صلى الله عليه وسلم - أتى ~~بنعيمان ، أو بابن نعيمان ، وهو سكران ، فشق عليه ، وأمر من فى البيت ، أن ~~يضربوه ، فضربوه بالجريد والنعال ، وكنت فيمن ضربه . وجلد أبو بكر أربعين . ~~/ 3 - وفيه : أبو هريرة ، أتى النبى - صلى الله عليه وسلم - ، برجل قد شرب ~~فقال : اضربوه ، قال أبو هريرة : فمنا الضارب بيده ، والضارب بنعله ، ~~والضارب بثوبه ، فلما انصرف ، قال بعض القوم : أخزاك الله ، قال : لا ، ~~تقولوا هكذا لا تعينوا عليه الشيطان . / 4 - وفيه : على بن أبى طالب ، قال ~~: ما كنت لأقيم حدا على أحد PageV08P393 فيموت ، فأجد فى نفسى إلا صاحب ~~الخمر ، فإنه لو مات وديته ، وذلك أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم ~~يسنه . / 5 - وفيه : السائب ، كنا نؤتى ms2897 بالشارب على عهد رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - وإمرة أبى بكر وصدرا من خلافة عمر ، فنقوم إليه بأيدينا ~~ونعالنا وأرديتنا حتى كان آخر إمرة عمر ، فجلد أربعين حتى إذا عتوا ، ~~وفسقوا جلد ثمانين . وترجم لحديث عقبة بن الحارث : باب من أمر بضرب الحد فى ~~البيت . اختلف العلماء فى حد الخمر كم هو ؟ فذهب مالك ، والثورى ، ~~والكوفيون ، وجمهور العلماء ، إلى أن حد الخمر ثمانون جلدة . وقال الشافعى ~~وأبو ثور وأهل الظاهر حد الخمر أربعون . واحتجوا فى ذلك بما رواه مسدد قال ~~: حدثنا يحيى ، قال : حدثنا سعيد ابن أبى عروبة ، عن الداناج ، عن حصين بن ~~المنذر الرقاشى أبى ساسان ، عن على بن أبى طالب قال : ( جلد رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - فى الخمر أربعين ، وجلد أبو بكر أربعين ، وكملها عمر ~~ثمانين وكل سنة ) . وبما رواه عبد العزيز بن المختار ، عن الداناج ، عن ~~حصين بن المنذر قال : ( شهدت عثمان وقد أتى بالوليد بن عقبة وقد صلى بأهل ~~الكوفة فشهد عليه حمران ورجل آخر أحدهما أنه رآه يشربها والآخر أنه رآه ~~يقيئها ، فقال عثمان : لم يقئها حتى شربها ، فقال عثمان لعلى : أقم عليه ~~الحد . فأمر عبد الله بن جعفر فجلده وعلى يعد حتى بلغ أربعين ، ثم قال أمسك ~~، ثم قال : إن النبى - صلى الله عليه وسلم - جلد أربعين وعمر ثمانين وكل ~~سنة وهذا أحب إلى ) فاحتجوا بهذه الآثار وقالوا : إن الجلد الذى يجب على ~~شارب الخمر أربعون . PageV08P394 واحتج عليهم أهل المقالة الأولى فقالوا : ~~حديث الداناج غير صحيح وأنكروا أن يكون على قال من ذلك شيئا ؛ لأنه قد روى ~~عنه ما يخالف ذلك ويدفعه . وبما رواه البخارى أن عليا قال : ( ما كنت لأقيم ~~الحد على أحد فيموت فى نفسى إلا صاحب الخمر فإنه لو مات وديته وذلك أن ~~النبى - صلى الله عليه وسلم - لم يسنه ) . قال الطحاوى : فهذا على يخبر أن ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يكن سن فى شرب الخمر حدا ، ثم الرواية ~~عن على فى حد الخمر على خلاف ms2898 حديث الداناج من اختيار الأربعين على الثمانين ~~روى سفيان ، عن عطاء بن أبى مروان ، عن أبيه قال : أتى على بالنجاشى قد شرب ~~الخمر فى رمضان فضربه ثمانين ، ثم أمر به إلى السجن ، ثم أمر به من الغد ~~فضربه عشرين ، ثم قال : هذه لانتهاكك حرمة رمضان وجرأتك على الله . وروى عن ~~ابن شهاب ، عن حميد ابن عبد الرحمن : أن رجلا من كلب يقال له ابن وبرة بعثه ~~خالد بن الوليد إلى عمر بن الخطاب فوجد عنده عليا وطلحة والزبير وعبد ~~الرحمن بن عوف ، فقالوا له : إن الناس قد انهمكوا فى الخمر . فقال عمر لمن ~~حوله : ما ترون ؟ قال على : يا أمير المؤمنين إنه إذا سكر هذى وإذا هذى ~~افترى ، وعلى المفترى ثمانون فتابعه أصحابه . أفلا ترى عليا لما سئل عن ذلك ~~ضرب أمثال الحدود كيف هى ، ثم استخرج منها حدا برأيه فجعله كحد المفترى ، ~~ولو كان عنده فى ذلك شىء موقت عن النبى - صلى الله عليه وسلم - لأغناه عن ~~ذلك ، ولو كان عند أصحابه فى ذلك أيضا عن PageV08P395 النبى - صلى الله ~~عليه وسلم - شىء لأنكروا عليه أخذ ذلك من جهة الاستنباط وضرب المثال فكيف ~~يجوز أن نقبل على على ما يخالف هذا وقد قال : إن النبى - صلى الله عليه ~~وسلم - لم يسن فى الخمر شيئا . ودل حديث عقبة بن الحارث وحديث أنس وحديث ~~أبى هريرة أن النبى - صلى الله عليه وسلم - لم يقصد فى حد الشارب إلى عدد ~~من الضرب يكون حدا ، وإنما أمر النبى - صلى الله عليه وسلم - أصحابه أن ~~يضربوه بالجريد والنعال والثياب والأيدى ، وإنما ضرب أبو بكر بعده أربعين ~~على التحرى منه لضربه - صلى الله عليه وسلم - إذ لم يوقفهم على حد فى ذلك ، ~~فثبت بهذا كله أن التوقيف فى حد الخمر على ثمانين إنما كان فى زمن عمر ~~وانعقاد إجماع الصحابة على ذلك ، فلا تجوز مخالفتهم ؛ لأن إجماعهم معصوم ~~كما أجمعوا على مصحف عثمان ومنعوا مما عداه ، فانعقد الإجماع على ذلك ولزمت ~~الحجة به ، وقد قال تعالى ms2899 : { ويتبع غير سبيل المؤمنين } [ النساء : 115 ] ~~الآية . وقال ابن مسعود : ما رآه المؤمنون حسنا فهو عند الله حسن ؛ لأن ~~إجماعهم معصوم . وفيه حجة لمالك ومن وافقه فى جواز أخذ الحدود قياسا ، ~~خلافا لأهل العراق وبعض أصحاب الشافعى فى منعهم ذلك ، واستدلوا بأن الحدود ~~والكفارات وضعت بحسب المصالح وقد تشترك أشياء مختلفة فى الحدود والكفارات ~~وتختلف أشياء متقاربة ، ولا سبيل إلى علم ذلك إلا بالنص . فيقال لهم : أجمع ~~الصحابة على حد شارب الخمر ثم نصوا على PageV08P396 المعنى الذى من أجله ~~أجمعوا ، وهو قول على وعبد الرحمن : إذا سكر هذى ، وإذا هذى افترى ، فأرى ~~أن يحد حد المفترى . ففى هذا دليل على أخذ الحدود قياسا ، وعلى أصل القياس ~~جواز انعقاد الإجماع عنه . وفى قياسهم حد الخمر على حد الفرية حجة لمالك ~~ومن قال بقطع الذرائع وجعلها أصلا وتحصينا لحدود الله أن تنتهك ؛ لأن عليا ~~لما قال : إذا شرب سكر ، وإذا سكر هذى ، وإذا هذى افترى وعلى المفترى ~~ثمانون . وتابعه الصحابة على ذلك ، ولم يخالفه أحد منهم كان ذلك حجة واضحة ~~فى القول بقطع الذرائع ؛ لأنه قد يجوز أن يشرب الخمر من لا يبلغ بها إلى ~~الهذى والفرية ، ولما كان ذلك غير معلوم لاختلاف الناس فى التقليل من شربها ~~وفى التكثير ، وفى غلبة سورتها لبعضهم وتقصيرها عن بعض ، وكان الحد لازما ~~ولكل شارب ؛ ثبت القول بقطع الذرائع فيما يخاف الإقدام فيه على المحرمات ~~وهو أصل من أصول الدين مما أجمع عليه الصحابة . قال المهلب : وفى قول على : ~~ما كنت لأقيم الحد على أحد فيموت فأجد منه فى نفسى . حجة لابن الماجشون ومن ~~وافقه أن الحاكم لا قود عليه إذا أخطأ فى اجتهاده . ويؤيد هذا أن أسامة قتل ~~رجلا قال : لا إله إلا الله ثم أتى النبى - صلى الله عليه وسلم - فأخبره ~~بذلك فلم يزد أن وبخه ، ولم يأمره بالدية ولم يأخذها منه لاجتهاده وتأويله ~~فى قتله . وقد تقدم اختلاف العلماء فى هذه المسألة فى كتاب الأحكام ~~PageV08P397 فى باب إذا قضى القاضى بجور خالف ms2900 فيه أهل العلم فهو مردود ~~والحمد لله . وقوله : ( أتى النبى - صلى الله عليه وسلم - بالنعيمان وهو ~~سكران فشق عليه وأمر من فى البيت بضربه ) فيه حجة أن السكران يقام عليه ~~الحد ولا يؤخر حتى يصحو ؛ لأن النبى - صلى الله عليه وسلم - أمر من فى ~~البيت أن يضربوه ، ولم يؤخره إلى أن يصحو . وجمهور العلماء على خلاف هذا لا ~~يرون الحد عليه وهو سكران حتى يصحو وهو قول مالك والثورى والكوفيين ، قالوا ~~: لأن الحد إنما وضعه الله للتنكيل وليألم المحدود ويرتدع ، فالسكران لا ~~يعقل ذلك ؛ فغير جائز أن يقام الحد على من لا يحس به ولا يعقل . * * * # | 3 - باب ما يكره من لعن شارب الخمر وأنه ليس بخارج عن الملة # / 6 - فيه : عمر ، أن رجلا على عهد النبى - صلى الله عليه وسلم - ، كان ~~اسمه عبدالله ، وكان يلقب حمارا ، وكان يضحك رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - ، وكان النبى - صلى الله عليه وسلم - قد جلده فى الشراب ، فأتى به ~~يوما ، فأمر به فجلد ، فقال رجل من القوم : اللهم العنه ، ما أكثر ما يؤتى ~~به ، فقال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( لا تلعنوه ، فوالله ما علمت ~~إلا إنه يحب الله ورسوله ) . / 7 - وفيه : أبو هريرة ، أتى النبى - صلى ~~الله عليه وسلم - بسكران ، فأمر بضربه ، فمنا من يضربه بيده ، ومنا من ~~يضربه بنعله ، ومنا من يضربه بثوبه ، فلما انصرف ، قال رجل : ما له أخزاه ~~الله ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا تكونوا عون الشيطان على ~~أخيكم . PageV08P398 وروى ابن المنذر هذا الحديث وقال فيه بعد قوله : لا ~~تعينوا عليه الشيطان ( ولكن قولوا : اللهم اغفر له ) . قال المهلب : فى هذا ~~الحديث بيان قوله - صلى الله عليه وسلم - : ( لا يشرب الخمر حين يشربها وهو ~~مؤمن ) يريد وهو مستكمل الإيمان ، وليس بخارج من الملة بشربها ولا بمعصية ~~من المعاصى ؛ لأن النبى - صلى الله عليه وسلم - قد شهد للشارب بحب الله ~~ورسوله وبالإسلام ، وقال فيه : ( لا تعينوا الشيطان على أخيكم ) . فسماه ~~أخا فى الإسلام ، وأمرهم أن يدعوا ms2901 له بالمغفرة والرحمة . قال المؤلف : بيان ~~قوله - صلى الله عليه وسلم - : ( لا يشرب الخمرحين يشربها وهو مؤمن ) قال : ~~فإن قيل : هذا الحديث معارض لما روى عن النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( ~~أنه لعن شارب الخمر وعاصرها ومعتصرها ) ولعن كثيرا من أهل المعاصى منهم من ~~ادعى إلى غير أبيه وانتمى إلى غير مواليه ، ولعن المصور وجماعة يكثر عددهم ~~. قيل : لا تعارض بين شىء من ذلك بحمد الله ، ووجه لعنته لأهل المعاصى يريد ~~الملازمين لها غير التائبين منها ليرتدع بذلك من فعلها وسلك سبيلها ، والذى ~~نهى - صلى الله عليه وسلم - عن لعنه فى هذا الباب قد كان أخذ منه حد الله ~~الذى جعله تطهيرا من الذنوب فحصل فى حالة مهيئة للتوبة ورجا له التمادى على ~~ما حصل له من التطهير وبركة أمره - صلى الله عليه وسلم - أصحابه بالدعاء له ~~. فنهى عن لعنه خشية أن يوقع الشيطان فى قلبه أن من لعن بحضرة النبى - صلى ~~الله عليه وسلم - ولم يغير ذلك ولا نهى عنه فإنه مستحق العقوبة فى الآخرة ~~فينفره بذلك ويغويه . PageV08P399 قال المهلب : وقوله : ( وكان يضحك النبى ~~- صلى الله عليه وسلم - ) فيه من الفقه جواز إضحاك العالم والإمام ببادرة ~~يبدرها ( وأمر ) يعنى به من الحق لا من شىء من الباطل . وقال المؤلف : ~~وحديث عمر ناسخ لما روى عن النبى - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : ( من ~~شرب الخمر فاجلدوه ، ثم إن شرب فى الرابعة فاقتلوه ) لأنه - صلى الله عليه ~~وسلم - حد الرجل مرارا فى الخمر ولم يقتله ؛ وبهذا قال أئمة الفتوى ، لأن ~~قول الذى لعنه ( ما أكثر ما يؤتى به ) يقتضى حدا من العدد ، وما يدخل فى ~~حيز الكثرة إن لم يكن أكثر من أربع فليس بدونها ، وقد رفع الإشكال فى ذلك ~~ما ذكره النسائى من حديث ابن المنذر عن جابر أن النبى - صلى الله عليه وسلم ~~- قال : ( إن شرب الرابعة فاقتلوه ) . قال جابر : فضرب النبى - صلى الله ~~عليه وسلم - نعيمان أربع مرات ولم يقتله ، فرأى المسلمون أن الحد قد وقع ~~وأن ms2902 القتل قد رفع . * * * # | 4 - باب لعن السارق إذا لم يسم # / 8 - فيه : أبو هريرة ، قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : ( لعن الله ~~السارق يسرق البيضة فتقطع يده ، ويسرق الحبل فتقطع يده ) . قال الأعمش : ~~كانوا يرون أنه بيض الحديد ، والحبل كانوا يرون أنه منها ما يساوى دراهم . ~~وقال ابن قتيبة : احتج الخوارج بهذا الحديث وقالوا : القطع يجب فى قليل ~~الأشياء وكثيرها . قال : ولا حجة لهم فيه ، وذلك أن الله لما أنزل على ~~رسوله : { والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما } [ المائدة : 38 ] الآية . ~~قال - صلى الله عليه وسلم - : PageV08P400 ( لعن الله السارق يسرق البيضة ~~فتقطع يده ) على ظاهر ما نزل الله عليه فى ذلك الوقت ، ثم أعلمه الله أن ~~القطع لا يكون إلا فى ربع دينار فما فوقه على ما رواه الزهرى ، عن عمرة ، ~~عن عائشة قالت : سمعت النبى - صلى الله عليه وسلم - يقول : ( لا قطع إلا فى ~~ربع دينار فصاعدا ) ولم يكن يعلم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من حكم ~~الله إلا ما أعلمه الله وما كان الله عرفه ذلك جملة ؛ بل كان ينزل عليه ~~شيئا بعد شىء ويأتيه جبريل بالسنن كما يأتيه بالقرآن ، ولذلك قال - صلى ~~الله عليه وسلم - : ( أوتيت الكتاب ومثله معه ) يعنى من السنن . وأما قول ~~الأعمش : إن البيضة فى هذا الحديث بيضة الحديد التى تغفر الرأس فى الحرب ، ~~وأن الحبل من حبال السفن فهذا تأويل لا يجوز عند من يعرف صحيح كلام العرب ؛ ~~لأن كل واحد من هذين يبلغ دنانير كثيرة . وهذا ليس موضع تكثير لما يسرقه ~~السارق ولا من عادة العرب والعجم أن يقولوا : قبح الله فلانا عرض نفسه ~~للضرب فى عقد جوهر وتعرض للعقوبة بالغلول فى جراب مسك ، وإنما العادة فى ~~مثل هذا أن يقال : لعنه الله تعرض لقطع اليد فى حبل رث أو كبة شعر أو رداء ~~خلق ، وكل ما كان من هذا الفن كان أبلغ . قال المؤلف : وقوله فى الترجمة ~~باب لعن السارق إذا لم يسم كذا فى جميع النسخ ، والذى يستوحى من معناه إن ms2903 ~~صح فى الترجمة أنه لا ينبغى تعيير أهل المعاصى ومواجهتهم باللعنة ، وإنما ~~ينبغى أن يلعن فى الجملة من فعل أفعالهم ليكون ذلك ردعا وزجرا عن ~~PageV08P401 انتهاك شىء منها ؛ فإذا وقعت من معين لم يلعن بعينه لئلا يقنط ~~وييأس ولنهى النبى - صلى الله عليه وسلم - عن ذلك فى حديث النعيمان . فإن ~~كان ذهب البخارى إلى غير هذا فهو غير صحيح ؛ لأن النبى - صلى الله عليه ~~وسلم - إنما نهى عن لعنه وقال : ( لا تعينوا عليه الشيطان ) بعد إقامة الحد ~~عليه ، فدل هذا الحديث على الفرق بين من تجب لعنته وبين من لا تجب ، وبان ~~به أن من أقيم عليه حدود الله فلا ينبغى لعنه ومن لم يقم عليه حد الله ~~فاللعنة متوجهة إليه سواء سمى وعين أم لا ؛ لأن النبى - صلى الله عليه وسلم ~~- لا يلعن إلا من تجب له اللعنة ما دام على تلك الحالة الموجبة للعنه ، ~~فإذا تاب منها وأقلع وطهره الحد فلا لعنة تتوجه إليه . ويبين هذا قوله - ~~صلى الله عليه وسلم - : ( إذا زنت الأمة فليجلدها ولا يثرب ) فدل هذا ~~الحديث أن التثريب واللعن إنما يكون قبل أخذ الحد وقبل التوبة . والله ~~الموفق . * * * # | 5 - باب الحدود كفارة # / 9 - فيه : عبادة ، قال : ( كنا عند النبى - صلى الله عليه وسلم - فى ~~مجلس ، فقال : بايعونى على أن لا تشركوا بالله شيئا ، ولا تسرقوا ، ولا ~~تزنوا ، وقرأ هذه الآية كلها ، فمن وفى منكم فأجره على الله ، ومن أصاب من ~~ذلك شيئا ، فعوقب به فهو كفارته ، ومن أصاب من ذلك شيئا فستره الله عليه ، ~~إن شاء غفر له ، وإن شاء عذبه ) . فإن أكثر العلماء ذهب إلى أن الحدود ~~كفارة على حديث عبادة ومنهم من جبن عن هذا لما روى أبو هريرة عن النبى - ~~صلى الله عليه وسلم - أنه قال : ( لاأدرى الحدود كفارة أم لا ) لأن حديث ~~عبادة أصح من PageV08P402 جهة الإسناد ، ولو صح حديث أبى هريرة لأمكن أن ~~يقوله - صلى الله عليه وسلم - قبل حديث عبادة ثم يعلمه الله أن الحدود طهرة ~~أو صادة ms2904 على حديث عبادة ولا تتضاد الأحاديث . قال المهلب : فإن قيل : إن ~~آية المحاربة تعارض حديث عبادة وذلك قوله تعالى : { ذلك لهم خزى فى الدنيا ~~} [ المائدة : 33 ] يعنى الحدود { ولهم فى الآخرة عذاب عظيم } [ المائدة : ~~33 ] فدلت هذه الآية أن الحدود ليست كفارة . والجواب : أن الوعيد فى ~~المحاربة عند جميع المؤمنين مرتب على قول الله : { إن الله لا يغفر أن يشرك ~~به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء } [ النساء : 48 ] فتأويل آية المحاربين { ~~ذلك لهم خزى فى الدنيا ولهم فى الآخرة عذاب عظيم } [ المائدة : 33 ] إن شاء ~~الله تعالى بقوله : { إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن ~~يشاء } وهذه الآية تبطل نفاذ الوعيد على غير أهل الشرك ، إلا أن ذكر الشرك ~~فى حديث عبادة مع سائر المعاصى لا يوجب أن من عوقب فى الدنيا وهو مشرك أن ~~ذلك كفارة له ؛ لأن الأمة مجمعة على تخليد الكفار فى النار وبذلك نطق ~~الكتاب والسنة . وقد تقدم هذا المعنى فى كتاب الإيمان فى باب علامة الإيمان ~~حب الأنصار ، فحديث عبادة معناه الخصوص فيمن أقيم عليه الحد من المسلمين ~~خاصة أن ذلك كفارة له . * * * # | 6 - باب ظهر المؤمن حمى إلا فى حد أو حق # / 10 - فيه : ابن عمر ، قال النبى - صلى الله عليه وسلم - فى حجة الوداع ~~: ( ألا أى شهر تعلمونه أعظم حرمة ؟ قالوا : ألا شهرنا هذا ، قال : ألا ~~PageV08P403 أى بلد تعلمونه أعظم حرمة ؟ قالوا : ألا بلدنا هذا ، قال : ألا ~~أى يوم تعلمونه أعظم حرمة ؟ قالوا : ألا يومنا هذا ، قال : فإن الله تبارك ~~وتعالى قد حرم عليكم دماءكم وأموالكم وأعراضكم إلا بحقها كحرمة يومكم هذا ، ~~فى بلدكم هذا ، فى شهركم هذا ، ألا هل بلغت ؟ ثلاثا ، كل ذلك يجيبونه : ألا ~~نعم . . . الحديث . قال المهلب قوله : ظهر المؤمن حمى إلا فى حق يعنى أنه ~~لا يحل للمسلم أن يستبيح ظهر أخيه ولا بشرته لثائرة تكون بينه وبينه أو ~~عداوة إذا لم تكن على حكم ديانة الإسلام مما كانت الجاهلية تستبيحه من ~~الأعراض ms2905 والدماء ، وإنما يجوز استباحة ذلك فى حقوق الله أو حقوق الآدميين ~~أو فى أدب لمن قصر فى الدين ، كما كان عمر يؤدب بالدرة وبغيرها كل مظنون به ~~ومقصر . وقوله - صلى الله عليه وسلم - : ( ألا أى شهر تعلمونه ) وقول ~~أصحابه : ( ألا شهرنا هذا ) فإن العرب تزيد ( ألا ) فى افتتاح الكلام ~~للتنبيه ، كقوله تعالى : { ألا إنهم هم المفسدون } [ البقرة : 12 ] { وألا ~~حين يستغشون ثيابهم } [ هود : 5 ] ، و { ألا يوم يأتيهم ليس مصروفا عنهم } ~~[ هود : 4 ] . قال الشاعر : ألا يا زيد والضحاك سيرا فقد جاوزتما خمر ~~الطريق * * * # | 7 - باب إقامة الحدود والانتقام لحرمات الله # / 11 - فيه : عائشة ، قالت : ما خير النبى - صلى الله عليه وسلم - بين ~~أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يأثم ، فإذا كان الإثم ، كان أبعدهما منه ، ~~والله PageV08P404 ما انتقم لنفسه فى شيء يؤتى إليه قط حتى تنتهك حرمات ~~الله ، فينتقم لله . وقولها : ( ما خير رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثما ) يحتمل أن يكون هذا التخيير ~~ليس من الله ؛ لأن الله لا يخير رسوله بين أمرين عليه فى أحدهما إثم فمعنى ~~هذا الحديث ما خير رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أصحابه بين أن يختار ~~لهم أمرين من أمور الدنيا على سبيل المشورة والإرشاد إلا اختار لهم أيسر ~~الأمرين ما لم يكن عليهم فى الأيسر إثم ؛ لأن العباد غير معصومين من إرتكاب ~~الإثم ، ويحتمل أن يكون ما لم يكن إثما فى أمور الدين ، وذلك أن الغلو فى ~~الدين مذموم والتشديد فيه غير محمود لقوله - صلى الله عليه وسلم - : ( ~~إياكم والغلو فى الدين فإنما هلك من قبلكم بالغلو فى الدين ) . فإذا أوجب ~~الإنسان على نفسه شيئا شاقا عليه من العبادة فادحا له ثم لم يقدر على ~~التمادى فيه كان ذلك إثما ، ولذلك نهى النبى - صلى الله عليه وسلم - أصحابه ~~عن الترهب . قال أبو قلابة : ( بلغ النبى - صلى الله عليه وسلم - أن قوما ~~حرموا الطيب واللحم ، منهم عثمان بن مظعون وابن مسعود وأرادوا أن ms2906 يختصوا ، ~~فقام النبى - صلى الله عليه وسلم - على المنبر فأوعد فى ذلك وعيدا شديدا ، ~~ثم قال : إنى لم أبعث بالرهبانية ، وإن خير الدين عند الله الحنيفية السمحة ~~، وإن أهل الكتاب إنما هلكوا بالتشديد ، وشددوا فشدد عليهم ، ثم قال : ~~اعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وحجوا البيت ~~واستقيموا يستقم لكم ) . PageV08P405 وقد جعل مطرف بن الشخير ويزيد بن مرة ~~الجعفى مجاوزة القصد فى العبادة وغيرها والتقصير عنه سيئة . فقالا : الحسنة ~~بين السيئتين ، والسيئتان إحداهما مجاوزة القصد والثانية التقصير عنه ، ~~والحسنة التى بينهما هى القصد والعدل . قال الداودى : وقولها وما انتقم ~~رسول الله لنفسه ، يعنى إذا أوذى بغير السب الذى يخرج إلى الكفر ، مثل ~~الأذى فى المال والجفاء فى رفع الصوت فوق صوته ، ونحو التظاهر الذى تظاهرت ~~عليه عائشة وحفصة ، ومثل جبذ الأعرابى له حتى أثرت حاشية البرد فى عنقه ~~أخذا منه بقوله تعالى : { ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور } [ الشورى ~~: 43 ] وأما إذا أوذى فذلك كفر ، وهو انتهاك حرمة الله فيجب عليه الانتقام ~~لنفسه ، وكذلك فعل فى ابن خطل يوم فتح مكة حين تعوذ بالكعبة من القتل ، ~~فأمر بقتله دون سائر الكفار ؛ لأنه كان يكثر من سبه ، وقد أمر بقتل قينتين ~~كانتا تغنيان بسبه ، وانتقم لنفسه ؛ لأنه من سب رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - فقد كفر ، ومن كفر فقد آذى الله ورسوله ، وكذلك قال : ( من لكعب بن ~~الأشراف فقد آذى الله ورسوله ) ، فانتقم منه لذلك . قال المهلب : ولا يحل ~~لأحد من الأئمة ترك حرمات الله أن تنتهك وعليهم تغيير ذلك . وقد روى عن ~~مالك فى الرجل يؤذى وتنتهك حرمته ثم يأتيه الظالم PageV08P406 المنتهك ~~لحرمته فيسأله الغفران . فقال : لا أرى أن يغفر له . ووجه قول مالك إذا كان ~~معروفا بانتهاك حرم المسلمين فلا يجب أن يجرى على هذا ، ويرد بالإغلاظ عليه ~~والقمع له وعن ظلم أحد . * * * # | 8 - باب إقامة الحدود على الشريف والوضيع # / 12 - فيه : عائشة : أن أسامة كلم النبى - صلى الله عليه وسلم - فى ~~امرأة ms2907 ، فقال : ( إنما هلك من كان قبلكم أنهم كانوا يقيمون الحد على الوضيع ~~، ويتركون الشريف ، والذى نفسى بيده ، لو أن فاطمة فعلت ذلك لقطعت يدها ) . ~~قال المهلب : هذا يدل أن حدود الله لا يحل للأئمة ترك إقامتها على القريب ~~والشريف ، وأن من ترك ذلك من الأئمة فقد خالف سنة رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - ورغب عن اتباع سبيله . وفيه : أن إنفاذ الحكم على الضعيف ~~ومحاشاة الشريف مما أهلك الله به الأمم ، ألا ترى أنه - صلى الله عليه وسلم ~~- وصف أن بنى إسرائيل هلكوا بإقامة الحد على الوضيع وتركهم الشريف . وقد ~~وصفهم الله بالكفر لمخالفتهم أمر الله تعالى ، فقال تعالى : { ومن لم يحكم ~~بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون } [ المائدة : 44 ] { الظالمون } [ ~~المائدة : 54 ] { الفاسقون } [ المائدة : 47 ] وقوله - صلى الله عليه وسلم ~~- : ( لو أن فاطمة سرقت لقطعت يدها ) هو فى معنى قوله تعالى : { يا أيها ~~الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين ~~والأقربين } [ النساء : 135 ] . PageV08P407 فامتثل - صلى الله عليه وسلم - ~~أمر ربه فى ذلك ، وامتثله بعده الأئمة الراشدون فى تقويم أهليهم فيما دون ~~الحد . وذكر عبد الرزاق ، عن معمر ، عن الزهرى ، عن سالم ، عن أبيه قال : ~~كان عمر بن الخطاب إذا نهى الناس عن شىء جمع أهله ، فقال : إنى نهيت الناس ~~عن كذا وكذا ، والناس ينظرون إليكم نظر الطير إلى اللحم ، فإن وقعتم وقعوا ~~، وإن هبتم هابوا ، وإنى والله لا أوتى برجل منكم وقع فى شىء مما نهيته عنه ~~إلا أضعف عليه العقوبة لمكانه منى ، فمن شاء فليتقدم ومن شاء فليتأخر . * * ~~* # | 9 - باب كراهة الشفاعة فى الحد إذا رفع إلى السلطان # / 13 - فيه : عائشة ، أن قريشا أهمتهم المرأة المخزومية التى سرقت ، ~~فقالوا : من يكلم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومن يجترئ عليه إلا ~~أسامة بن زيد حب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فكلم رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - فقال : أتشفع فى حد من حدود الله ؟ ثم قام ، فخطب فقال : ~~( يا أيها الناس ، إنما ms2908 ضل من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق الشريف تركوه ، ~~وإذا سرق الضعيف فيهم أقاموا عليه الحد ، وايم الله لو أن فاطمة بنت محمد - ~~صلى الله عليه وسلم - سرقت ، لقطع محمد يدها ) . ذهب جماعة العلماء إلى أن ~~الحد إذا بلغ الإمام أنه يجب عليه إقامته ، لأنه قد تعلق بذلك حق لله ولا ~~تجوز الشفاعة فيه لإنكاره ذلك على أسامة وذلك من أبلغ النهى ، ثم قام - صلى ~~الله عليه وسلم - خطيبا فحذر أمته من الشفاعة فى الحدود إذا بلغت إلى ~~الإمام . PageV08P408 فإن قيل : فقد قال مالك وأبو يوسف والشافعى : إن ~~القذف إذا بلغ إلى الإمام يجوز للمقذوف العفو عنه إن أراد سترا . قيل له : ~~إن هذه شبهة يجوز بها درء الحد ؛ لأنه إن ذهب الإمام إلى حد القاذف خشى أن ~~يأتى بالبينة على صدق ما قال من القذف ، فيسقط الحد عنه ، وربما وجب على ~~المقذوف فقويت الشبهة فى ذلك . وقد قال مالك أيضا : إنه لا يجوز عفوه إذا ~~بلغ الإمام . وهو قول أبى حنيفة والثورى والأوزاعى ، وهذا القول أشبه بظاهر ~~الحديث . وأجاز أكثر أهل العلم الشفاعة فى الحدود قبل وصولها إلى الإمام . ~~روى ذلك عن الزبير ابن العوام ، وابن عباس ، وعمار بن ياسر ، ومن التابعين ~~سعيد بن جبير والزهرى ، وهو قول الأوزاعى . قالوا : وليس على الإمام التجسس ~~عما لم يبلغه . وكره ذلك طائفة : فقال ابن عمر : من حالت شفاعته دون حد من ~~حدود الله فقد ضاد الله فى حكمه . وفرق مالك بين من لم يعرف منه أذى للناس ~~. فقال : لا بأس أن يشفع له ما لم يبلغ الإمام ، وأما من عرف بشر وفساد فى ~~الأرض فلا أحب أن يشفع له أحد ، ولكن يترك حتى يقام عليه الحد . قال ابن ~~المنذر : واحتج من رأى الشفاعة مباحة قبل الوصول إلى الإمام بحديث ~~المخزومية ؛ لأنه - صلى الله عليه وسلم - إنما أنكر شفاعة أسامة فى حد قد ~~وصل إليه وعلمه . وفى هذا الحديث بيان رواية معمر عن ابن شهاب : ( أن امرأة ~~مخزومية كانت تستعير المتاع وتجحده ms2909 ، فأمر النبى - صلى الله عليه وسلم - ~~بقطع يدها ) وقد تعلق بهذا قوم فقالوا : من استعار ما يجب القطع ~~PageV08P409 فيه ثم جحده فعليه القطع . هذا قول أحمد وإسحاق وقالوا : إن ~~الذى أوجب عليها القطع أنها كانت تستعير المتاع وتجحده . وخالفهم أهل ~~المدينة والكوفة والشافعى وجمهور العلماء وقالوا : لا قطع عليهم . وحجتهم ~~ما رواه الليث عن ابن شهاب فى هذا الحديث : أن قريشا أهمهم شأن المرأة ~~المخزومية التى سرقت ، فدل هذا الحديث أنها لم تقطع على استعارتها للمتاع ، ~~وإنما قطعت على السرقة ، ألا ترى قوله - صلى الله عليه وسلم - فى آخر ~~الحديث ( لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطع محمد يدها ) فارتفع الإشكال بهذا ~~لو لم يذكر الليث فى أول الحديث أنها سرقت . قال ابن المنذر : وقد يجوز أن ~~كانت تستعير المتاع وتجحده ثم سرقت فوجب قطع يدها للسرقة . وقد تابع الليث ~~على روايته يونس بن يزيد وأيوب بن موسى روياه عن الزهرى كرواية الليث ، ~~وإذا اختلفت الآثار وجب الرجوع إلى النظر ووجب رد ما اختلف فيه إلى كتاب ~~الله ، وإنما أوجب الله القطع على السارق لا على المستعير . * * * # | 10 - باب قول الله عز وجل : { والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما } [ ~~المائدة : 38 ] وفى كم يقطع ؟ # وقطع على من الكف . وقال قتادة فى امرأة سرقت فقطعت شمالها : ليس إلا ذلك ~~. / 14 - فيه : عائشة : قال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( تقطع اليد فى ~~ربع دينار فصاعدا ) . PageV08P410 / 15 - وقالت مرة : إن يد السارق لم تقطع ~~على عهد النبى - صلى الله عليه وسلم - إلا فى ثمن مجن حجفة أو ترس . / 16 - ~~وقالت مرة : لم تقطع فى أدنى من ثمن المجن حجفة أو ترس كل واحد منهما ذا ~~ثمن . / 17 - فيه : ابن عمر ، أن النبى - صلى الله عليه وسلم - قطع فى مجن ~~ثمنه ثلاثة دراهم . / 18 - وفيه : أبو هريرة ، أن النبى - صلى الله عليه ~~وسلم - قال : ( لعن الله السارق يسرق البيضة فتقطع يده ، ويسرق الحبل فتقطع ~~يده ) . هذه الآية محكمة فى وجوب قطع السارق ومجملة فى مقدار ما ms2910 يجب فيه ~~القطع ، فلو تركنا مع ظاهره لوجب القطع فى قليل الأشياء وكثيرها ، لكن بين ~~لنا النبى - صلى الله عليه وسلم - مقدار ما يجب فيه القطع بقوله : ( يقطع ~~الكف فى ربع دينار فصاعدا ) ففهمنا بهذا الحديث أن الله إنما أراد بقوله : ~~{ والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما } [ المائدة : 38 ] بعض السراق دون بعض ~~فلا يجوز قطع يد السارق إلا فى ربع دينار فصاعدا أو فيما قيمته ربع دينار ~~مما يجوز ملكه إذا سرق من حرز . روى هذا القول عن عمر وعثمان وعلى وعائشة ، ~~وهو قول مالك والليث والأوزاعى والشافعى وأبى ثور . وذهب الثورى والكوفيون ~~إلى أنه لا تقطع اليد إلا فى عشرة دراهم ، وقالوا : من سرق مثقالا لا يساوى ~~عشرة دراهم لا قطع عليه . وكذلك من سرق عشرة دراهم فضة لا تساوى عشرة دراهم ~~مضروبة لم يقطع ، واحتجوا بما رواه أبو إسحاق ، عن أيوب بن موسى ، عن ~~PageV08P411 عطاء ، عن ابن عباس قال : كانت قيمة المجن الذى قطع رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - فيه عشرة دراهم . والحجة على الكوفيين أنه يحتمل أن ~~يكون القطع فى عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فى مجنين مختلفين ~~أحدهما ثمنه ثلاثة دراهم والثانى ثمنه عشرة دراهم ؛ لأنه إذا صح القطع بنقل ~~الثقات فى ثلاثة دراهم دخلت فيه العشرة دراهم ، وهذا أولى من حمل الأخبار ~~على التضاد . ومع الأئمة الأربعة الراشدين عائشة ، وأبو هريرة ، وأبو سعيد ~~الخدرى ، وابن الزبير ، رضوان الله عليهم . واختلف مالك والشافعى فى تقويم ~~الأشياء المسروقة ، فقال مالك : تقوم بالدراهم على حديث ابن عمر أن المجن ~~كان ثمنه ثلاثة دراهم ، ولا ترد الفضة إلى الذهب فى القيمة ولا الذهب إلى ~~الفضة ، فمن سرق عنده ربع دينار فعليه القطع ، ومن سرق ثلاثة دراهم فعليه ~~القطع ، ولو سرق عنده درهمين صرفهما ربع دينار لم يجب عليه قطع ، ولو سرق ~~ربع دينار لا تبلغ قيمته ثلاثة دراهم لوجب عليه القطع . وذهب الشافعى إلى ~~أن تقويم الأشياء بالذهب على حديث عائشة فى ربع دينار ، ولا يقوم شيئا ms2911 ~~بالدراهم فيقطع فى ربع دينار ولا يقطع فى ثلاثة دراهم إلا أن تكون قيمتها ~~ربع دينار قال : لأن الثلاثة دراهم إنما ذكرت فى الحديث ؛ لأنها كانت يومئذ ~~ربع دينار ذهبا . فيقال للشافعى : الذهب والورق أصلان كالدية التى جعلت ألف ~~دينار أو اثنى عشر ألف درهم ، وكالزكاة التى جعلت فى مائتى درهم أو عشرين ~~دينارا لا يرد أحدهما إلى الآخر . فكذلك لا ينبغى أن يقوم PageV08P412 ~~الذهب بالدراهم ولا تقوم الدراهم بالذهب ؛ لأنها قيم المتلفات وأثمان ~~الأشياء ، بل الغالب القيمة بالدراهم ، ومحال أن يحكى ابن عمر أن المجن ~~قيمته ثلاثة دراهم إلا وقد قوم بها دون الذهب ، وإذا ثبت أن المجن قوم ~~بالدراهم ولم ينقل بعد ذلك أن الدراهم قومت بالذهب لم يجز تقويمها بالذهب ~~كما لا يقوم الذهب بها ، ووجب استعمال الأحاديث فوجب القطع فى ربع دينار ~~وثلاثة دراهم . واختلفوا فى اليد والرجل من أين يقطعان ؟ فروى عن عمر ~~وعثمان وعلى أنهم قالوا : من المفصل . وعليه أكثر الفقهاء ، وقد روى عن على ~~رواية أخرى أنها تقطع اليد من الأصابع والرجل من نصف القدم ويترك له عقبا . ~~وقال أبو ثور : فعل على أرفق وأحب إلى . والقول الأول : أولى بقوله تعالى : ~~{ فاقطعوا أيديهما } [ المائدة : 38 ] . واختلفوا إذا سرق ثالثة بعد أن قطع ~~فى الأولى والثانية . فقالت طائفة : تقطع يده اليسرى ، ثم إن سرق رابعة ~~قطعت رجله اليمنى فيصير مقطوع اليدين والرجلين . روى هذا عن أبى بكر الصديق ~~وعمر وعثمان ، ومن التابعين عروة والقاسم وسعيد بن المسيب وربيعة ، وهو قول ~~مالك والشافعى . وقال أبو حنيفة والثورى والأوزاعى : إن سرق الثالثة لا ~~يقطع منه شىء ويغرم السرقة ، روى مثل هذا عن على بن أبى طالب وهو قول ~~النخعى والشعبى والزهرى . PageV08P413 قال عطاء ، وقال بعض أصحاب الظاهر : ~~لا يجب أن يقطع من السارق إلا الأيدى دون الأرجل ، واحتج عطاء بقول الله ~~تعالى : { السارق والسارقة فاقطعوا أيديهما } [ المائدة : 38 ] ولو شاء أمر ~~بالرجل وما كان ربك نسيا . وحجة الكوفيين ما رواه إسماعيل بن جعفر ، عن ~~أبيه أن ms2912 على بن أبى طالب كان لا يزيد أن يقطع للسارق يدا أو رجلا فإذا أتى ~~به بعد ذلك قال : إنى لأستحى أن لا يتطهر للصلاة ولكن امسكوا كلبه عن ~~المسلمين بالسجن وأنفقوا عليه من بيت المال . والحجة لمالك أن أهل العراق ~~والحجاز يقولون بجواز قطع الرجل بعد اليد وهم يقرءون { فاقطعوا أيديهما } [ ~~المائدة : 38 ] وهذه المسألة تشبه المسح على الخفين وهم يقرءونه غسل ~~الرجلين أو مسحهما ، وتشبه الجزاء فى قتل صيد الخطأ وهم يقرءونه { ومن قتله ~~منكم متعمدا } [ المائدة : 95 ] ولا يجوز على الجمهور تحريف الكتاب ولا ~~الخطأ فى تأويله ، وإنما قالوا ذلك بالسنة الثابتة والأمر المتبع . وقال ~~إسماعيل بن إسحاق : لما قال الله : { فاقطعوا أيديهما } [ المائدة : 38 ] ~~فأجمعوا أن يده تقطع ، ثم إن سرق بعد ذلك قطع منه شىء آخر ، فدل على أن ~~المذكور فى القرآن إنما هو على أول حكم يقع عليه فى السرقة ، وأنه إن سرق ~~بعد ذلك أعيد عليه الحكم كما يحد إذا زنا وهو بكر ، فإذا أعاد الزنا أعيد ~~عليه الحد فإذا صح هذا وجب أن يقطع أبدا حتى لا يبقى له يد ولا رجل كما ~~يجلد أبدا حتى لا يبقى فيه موضع جلد . PageV08P414 وقال غيره : إنما فهم ~~السلف قطع يد السراق وأرجلهم من خلاف من آية المحاربين ، والله أعلم وقد ~~تقدم الكلام على حديث أبى هريرة فى باب لعن السارق إذا لم يسم . * * * # | 11 - باب توبة السارق # / 19 - فيه : عائشة : أن النبى - صلى الله عليه وسلم - ، قطع يد امرأة ، ~~وكانت تأتى بعد ذلك ، فأرفع حاجتها إلى النبى - صلى الله عليه وسلم - فتابت ~~، وحسنت توبتها . / 20 - وفيه : عبادة فى حديث المبايعة إلى قوله - صلى ~~الله عليه وسلم - : ( ومن أصاب من ذلك شيئا ، فأخذ به فى الدنيا ، فهو ~~كفارة له وطهور ، ومن ستره الله فذلك إلى الله إن شاء عذبه ، وإن شاء غفر ~~له ) . وقد تقدم فى كتاب الشهادة اختلاف العلماء فى قبول شهادة التائب فى ~~كل شىء مما حد فيه وفى غيره لقول عائشة : فتابت ms2913 وحسنت توبتها وقد قال - صلى ~~الله عليه وسلم - : ( التائب من الذنب كمن لا ذنب له ) وهو معنى قوله فى ~~هذا الحديث أن الحدود فى الدنيا كفارة وطهور ، وصحة القول أرجح فى النظر من ~~قول من خالفه لما شهد له من ثابت الآثار ومعانى القرآن ، والحمد لله . ~~PageV08P415 * * * # | 61 - كتاب المحاربين # # | 1 - باب المحاربين من أهل الكفر والردة وقول الله تعالى : { إنما جزاء ~~الذين يحاربون الله ورسوله } [ المائدة : 33 ] # . / 1 - فيه : أنس ، قدم على النبى - صلى الله عليه وسلم - ، نفر من عكل ~~فأسلموا ، فاجتووا المدينة ، فأمرهم أن يأتوا إبل الصدقة ، فيشربوا من ~~أبوالها وألبانها ، ففعلوا ، فصحوا ، فارتدوا ، وقتلوا رعاتها ، واستاقوا ~~الإبل ، فبعث فى آثارهم ، فأتى بهم ، فقطع أيديهم وأرجلهم ، وسمل أعينهم ، ~~ثم لم يحسمهم حتى ماتوا . قال المؤلف : ذهب البخارى فى هذا الحديث والله ~~أعلم ، إلى أن آية المحاربة نزلت فى أهل الكفر والردة ، ولم يبين ذلك فى ~~الحديث ، وقد بين عبد الرزاق فى روايته قال : حدثنا معمر ، عن قتادة ، عن ~~أنس فذكر الحديث . قال قتادة : فبلغنا أن هذه الآية نزلت فيهم { إنما جزاء ~~الذين يحاربون الله ورسوله } [ المائدة : 33 ] الآية كلها . وذكر مثله عن ~~أبى هريرة وممن قال إن هذه الآية نزلت فى أهل الشرك : الحسن ، والضحاك ، ~~وعطاء الزهرى . وذهب جمهور العلماء إلى أنها نزلت فيمن خرج من PageV08P416 ~~المسلمين يسعى فى الأرض بالفساد ويقطع الطريق ، هذا قول مالك والكوفيين ~~والشافعى وأبى ثور إلا أن بعض هؤلاء يقول إن حد المحارب على قدر ذنبه على ~~ما يأتى تفسيره فى هذا الباب . وليس قول من قال : إن الآية وإن كانت نزلت ~~فى المسلمين مناف فى المعنى لقول من قال إنها نزلت فى أهل الردة والمشركين ~~؛ لأن الآية وإن كانت نزلت فى المرتدين بأعيانهم فلفظها عام يدخل فى معناه ~~كل من فعل مثل فعلهم من المحاربة والفساد فى الأرض ، ألا ترى أن الله جعل ~~قصر الصلاة فى السفر بشرط الخوف ثم ثبت القصر للمسافرين وإن لم يكن خوف لما ~~يجمعهما فى المعنى . قال إسماعيل ms2914 بن إسحاق : وظاهر كتاب الله وما مضى عليه ~~عمل المسلمين يدل أن هذه الحدود نزلت فى المسلمين ؛ لأن الله تعالى يقول : ~~{ إذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب } [ محمد : 4 ] وقال : { وقاتلوا ~~المشركين كافة } [ التوبة : 36 ] . فلم يذكر فيهم إلا القتل والقتال ؛ ~~لأنهم إنما يقاتلون على الديانة لا على الأعمال التى يعملونها من سرق أو ~~قطع طريق أو غيره ، وإذا ذكرت الحدود التى تجب على الناس من الحرابة ~~والفساد فى الأرض أو السرقة وغيرها لم تسقط عن المسلمين ؛ لأنها إنما وجبت ~~من طريق أفعال الأبدان لا من طريق اعتقاد الديانات . ولو كان حد المحارب فى ~~الكافر خاصة لكانت الحرابة قد نفعته فى أمر دنياه لأنا نقتله بالكفر . فإن ~~كان إذا أحدث الحرابة مع الكفر جاز لنا أن نقطع يده ورجله PageV08P417 من ~~خلاف أو نفيه من الأرض ولا نقتله فقد خففت عنه العقوبة . واحتج أبو ثور على ~~من زعم أنها نزلت فى أهل الشرك بقوله تعالى : { إلا الذين تابوا من قبل أن ~~تقدروا عليهم } [ المائدة : 34 ] . قال : ولا أعلم خلافا بين العلماء فى ~~مشركين لو ظهر عليهم وقد قتلوا وأخذوا الأموال فلما صاروا فى أيدى المسلمين ~~وهم على حالهم تلك أسلموا قبل أن يحكم عليهم بشىء أنهم لا يحل قتلهم ، فلو ~~كان الأمر على ما قال من خالف قولنا كان قتلهم والحكم عليهم بالآية لازما ~~وإن أسلموا ، فلما نفى أهل العلم ذلك دل على أن الحكم ليس فيهم . قال ~~إسماعيل : وإنما سقط عنهم القتل وكل ما فعلوه بقوله تعالى : { قل للذين ~~كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف } [ الأنفال : 38 ] . فإن مضى عليه قول ~~شيوخ أهل العلم أن المعنى بهذا المسلمون وأنهم إذا حاربوا ثم تابوا من قبل ~~أن يقدر عليهم فإن هذه الحدود تسقط عنهم لأنها لله ، وأما حقوق العباد ~~فإنها لا تسقط عنهم ويقتص منهم من النفس والجراح وأخذ ما كان معهم من المال ~~أو قيمة ما استهلكوا . هذا قول مالك والكوفيين والشافعى وأبى ثور . ذكره ~~ابن المنذر . وأما ms2915 ترتيب أقوال العلماء الذين جعلوا الآية نزلت فى المسلمين ~~فى حد المحارب المسلم ، فقال مالك : إذا أشهر المحارب السلاح وأخاف ~~PageV08P418 السبيل ولم يقتل ولا أخذ مالا كان الإمام مخيرا فيه ، فإن رأى ~~أن يقتله أو يصلبه أو يقطع يده ورجله من خلاف أو ينفيه فعل . وقال الكوفيون ~~والشافعى : إذا لم يقتل ولا أخذ مالا لم يكن عليه إلا التعزير ، وإنما ~~يقتله الإمام إن قتل ، ويقطعه إذا سرق ، ويصلبه إذا قتل وأخذ المال ، ~~وينفيه إذا لم يفعل شيئا من ذلك ، ولا يكون الإمام مخيرا فيه . قال إسماعيل ~~: فأجروا حكم المحارب كحكم القاتل غير المحارب ، ولم توجب المحاربة عندهم ~~شيئا وقد ركب ما ركب من الفساد فى الأرض وقد قال تعالى : { من قتل نفسا ~~بغير نفس أو فساد فى الأرض فكأنما قتل الناس جميعا } [ المائدة : 32 ] فجعل ~~الفساد بمنزلة القتل . والمعنى والله أعلم من قتل نفسا بغير نفس ، أو بغير ~~فساد فى الأرض فلم يحتج إلى أن تعاد ( غير ) وعطف الكلام على ما قبله ، ~~فجعل الفساد عدلا للقتل . وإذا كان الشىء بمنزلة الشىء فهو مثله ، فكان ~~الفساد فى الأرض بمنزل القتل . هذا قول إسماعيل وعبد العزيز بن أبى سلمة . ~~قال إسماعيل : والذى يعرف من الناس من الكلام فى كل ما أمر به فقيل افعلوا ~~كذا أو كذا ، فإن صاحبه مخير . وقال عطاء ومجاهد والضحاك : كل شىء فى ~~القرآن أو . . . أو فهو خيار . واحتج من أسقط التخيير بقوله - صلى الله ~~عليه وسلم - : ( لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث ، رجل كفر بعد إسلامه ~~أو زنى بعد إحصانه ، أو قتل نفسا بغير نفس ) . PageV08P419 فجاوبهم أهل ~~المقالة الأولى بأن ظاهر هذا الحديث يدل أن المحارب غير داخل فيه ؛ لأن ~~قاتل النفس فى غير المحاربة إنما أمره فى القتل أو الترك إلى ولى المقتول ، ~~وأمر المحارب إلى السلطان ؛ لأن فساده فى الأرض لا يلتفت فيه إلى عفو ~~المقتول فعلمنا بهذا أن المحارب لا يدخل فى هذا الحديث وإنما يدخل فيه ~~القاتل الذى الأمر فيه إلى ms2916 ولى المقتول إذا قتل فيه أو قتل نفسا فكأنه على ~~مجرى القصاص ، ولو كان على العموم لوجب أن يقتل كل قاتل قتل مسلما عمدا . ~~وقد رأينا مسلما قتل مسلما عمدا لم يجب عليه القتل فى قول جماعة المسلمين ، ~~وذلك أنهم أجمعوا فى قتلى الجمل وصفين أنه لا قصاص بينهم إذ كان القاتل ~~المسلم إنما قتل المسلم المقتول عمدا على التأويل فى الدين لم يقتله لثائرة ~~بينه وبينه ولا قصد له فى نفسه وإنما قصد فى قتله الديانة عنده فسقط عنه ~~القود لذلك فكذلك أمر المحارب إنما كان على قصد قتل المسلم لقطع الطريق ~~وأخذ الأموال والفساد فى الأرض ، فكان الأمر فيه إلى السلطان لا إلى ولى ~~المقتول ، فكما خرج قتلى صفين والجمل من معنى هذا الحديث كذلك خرج المحارب ~~من معناه . ويشهد لما قلناه ما رواه الأعمش عن عبد الله بن مرة قال : قال ~~مسروق : قال عبد الله : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( لا يحل ~~دم رجل مسلم إلا بإحدى ثلاث . فعد النفس بالنفس ، والثيب الزانى ، والتارك ~~لدينه المفارق الجماعة ) . قال إسماعيل : وقوله : ( المفارق الجماعة ) يدل ~~على الفساد فى الأرض نحو الخوارج والمحاربين ، فإذا كان الخوارج يحل قتلهم ~~PageV08P420 وليسوا بمرتدين لفسادهم فى الأرض ، كذلك يحل قتل المحاربين وإن ~~لم يكونوا قتلوا ولا ارتدوا لفسادهم فى الأرض . واختلف فى صفة نفى المحارب ~~، فعند مالك أنه ينفيه إلى غير بلده ويحبسه فيه حتى يظهر توبته ، وقال أبو ~~حنيفة : نفيهم من الأرض هو أن يحبسوا فى بلدهم . وقال الشافعى : نفيهم هو ~~إذا هربوا بعث الإمام خلفهم وطلبهم ليأخذهم ويقيم عليهم الحد . قال ابن ~~القصار : والنفى بعينه أشبه بظاهر القرآن لقوله تعالى : { أو ينفوا من ~~الأرض } [ المائدة : 33 ] وهذا يقتضى أن ينفيهم الإمام كما يقتلهم أو ~~يصلبهم ، وما قاله أبو حنيفة من الحبس فى بلدهم فالنفى ضد الحبس وليس يعقل ~~من النفى حبس الإنسان فى بلده ، وإنما يعقل منه إخراجه من وطنه وهو أبلغ فى ~~ردعه ثم يحبس فى المكان الذى يخرج ms2917 إليه حتى يظهر توبته ، هذا حقيقة النفى ، ~~وهو أشد فى الردع والزجر وقد قرن الله مفارقة الوطن بالقتل فقال : { ولو ~~أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم } [ النساء : 66 ] ~~الآية . * * * # | 2 - باب لم يحسم النبى - صلى الله عليه وسلم - المحاربين من أهل الردة ~~حتى هلكوا # / 2 - فيه : أنس : أن النبى - صلى الله عليه وسلم - قطع العرنيين ، ولم ~~يحسمهم حتى ماتوا . إنما لم يحسم النبى - صلى الله عليه وسلم - العرنيين ~~والله أعلم لأن قتلهم كان واجبا بالردة ، فمحال أن يحسم يد من يطلب نفسه ~~وأما PageV08P421 من وجب قطع يده فى حد من الحدود فالعلماء مجمعون أنه لابد ~~من حسمها ؛ لأنه أقرب إلى البر وأبعد من التلف . قال ابن المنذر : وقد روى ~~عن النبى - صلى الله عليه وسلم - أنه أمر بقطع يد رجل سرق ثم قال : ( ~~احسموها ) وفى اسناده مقال . واختلف العلماء فى فعل النبى - صلى الله عليه ~~وسلم - بالعرنيين فقالت طائفة من السلف : كان هذا قبل نزول الآية فى ~~المحاربين ، ثم نزلت الحدود بعد ذلك على النبى - صلى الله عليه وسلم - ونهى ~~عن المثلة فنسخ ذلك حديث العرنيين ، روى هذا عن ابن سيرين وسعيد بن جبير ~~وأبى الزناد . وقالت طائفة : حديث العرنيين غير منسوخ ، وفيهم نزلت آية ~~المحاربين ، وإنما فعل النبى - صلى الله عليه وسلم - بهم ما فعل قصاصا ؛ ~~لأنهم فعلوا بالرعاء مثل ذلك ، ذكره أهل السير . وروى محمد بن فليح ، عن ~~موسى بن عقبة ، عن ابن شهاب : أن العرنيين قتلوا يسارا راعى النبى - صلى ~~الله عليه وسلم - ثم مثلوا به واستاقوا اللقاح . وذكر ابن إسحاق قال : ~~حدثنى بعض أهل العلم عمن حدثه ، عن محمد بن طلحة ، عن عثمان بن عبد الرحمن ~~قال : ( أصاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فى غزوة محارب بنى ثعلبة ~~عبدا يقال له يسار ، فجعله فى لقاح له يرعى فى ناحية الحمى فخرجوا إليها ، ~~فقدم إلى النبى - صلى الله عليه وسلم - نفر من قيس بعطية من نخيلة ~~فاستوبئوا وطحلوا ، فأمرهم أن يخرجوا إلى ms2918 اللقاح يشربوا من أبوالها ~~وألبانها ، PageV08P422 فخرجوا إليها ، فلما صحوا وانطوت بطونهم عدوا على ~~راعى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يسار فذبحوه وغرزوا الشوك فى عينيه ~~. . ) وذكر الحديث . وروى أبو عيسى الترمذى : حدثنا الفضل بن سهل الأعرج ، ~~حدثنا يحيى بن غيلان ، حدثنا يزيد بن زريع ، حدثنا سليمان التيمى ، عن أنس ~~بن مالك قال : ( إنما سمل النبى - صلى الله عليه وسلم - أعين العرنيين ؛ ~~لأنهم سملوا أعين الرعاء ) . قال أبو عيسى : وهذا حديث غريب . قال المؤلف : ~~فلما اختلفوا فى تأويل هذا الحديث أردنا أن نعلم أى التأويلين أولى فوجدناه ~~قد صحب حديث العرنيين عمل من الصحابة فدل أنه غير منسوخ . روى عن أبى بكر ~~الصديق أنه حرق عبد الله بن إياس بالنار حيا لارتداده ومقاتلته الإسلام ، ~~وحرق على ابن أبى طالب الزنادقة . وقد رأى جماعة من العلماء تحريق مراكب ~~العدو وفيها أسرى المسلمين ، ورجموا الحصون بالمجانيق والنيران وتحريق من ~~فيها من الذرارى . قل المهلب : وهذا كله يدل أن نهيه - صلى الله عليه وسلم ~~- عن المثلة ليس بذى تحريم وإنما هو على الندب والحض ، فوجب أن يكون فعل ~~النبى - صلى الله عليه وسلم - بالعرنيين غير مخالف الآية . وذكر ابن المنذر ~~عن بعض أهل العلم قالوا : فحكم النبى - صلى الله عليه وسلم - فى العرنيين ~~ثابت لم ينسخه شىء ، وقد حكم الله فى كتابه بأحكام فحكم النبى - صلى الله ~~عليه وسلم - بها وزاد فى الحكم مالم يذكر فى كتاب الله أوجب الله على ~~الزانى جلد مائة ، وأوجب النبى - صلى الله عليه وسلم - عليه ذلك وزاد فى ~~سنته نفى سنة ، وأوجب الله اللعان بين المتلاعنين وفرق النبى - صلى الله ~~عليه وسلم - بينهما ، وليس ذلك فى كتاب الله ، وألحق الولد بالأم ونفاه عن ~~الزوج وأجمع العلماء على قبوله والأخذ به . PageV08P423 وحسمت الشىء : ~~قطعته . عن صاحب العين . وفى كتاب الأفعال : حسم حسما : كواه بالنار لينقطع ~~دمه . * * * # | 3 - باب لم يسق المرتدون والمحاربون حتى ماتوا # / 3 - فيه : أنس ، قدم رهط من عكل على النبى - صلى الله عليه وسلم - ~~كانوا ms2919 فى الصفة ، فاجتووا المدينة ، فقالوا : يا رسول الله ، أبغنا رسلا ، ~~فقال : ما أجد لكم ، إلا أن تلحقوا بإبل رسول الله ، فأتوها ، فشربوا من ~~ألبانها وأبوالها حتى صحوا وسمنوا ، وقتلوا الراعى ، واستاقوا الذود ، فأتى ~~النبى - صلى الله عليه وسلم - الصريخ ، فبعث الطلب فى آثارهم ، فما ترجل ~~النهار حتى أتى بهم فأمر بمسامير ، فأحميت ، فكحلهم ، وقطع أيديهم وأرجلهم ~~، وما حسمهم ، ثم ألقوا فى الحرة يستسقون ، فما سقوا حتى ماتوا . قال أبو ~~قلابة : سرقوا وقتلوا وحاربوا الله ورسوله . وروى : وسمر أعينهم . وترجم له ~~باب : سمر النبى - صلى الله عليه وسلم - أعين المحاربين . أجمع العلماء ~~فيمن وجب عليه حد ، سواء كان ذلك الحد يبلغ النفس أم لا أنه لا يمنع شرب ~~الماء لئلا يجتمع عليه عذابان . وقد أمر النبى - صلى الله عليه وسلم - ~~القاتل بإحسان القتلة ، وأمر ذابح الحيوان بحد الشفرة والإجهاز عليه . ~~ومعنى ترك سقى العرنيين حتى ماتوا كمعنى ترك حسمهم . قال المهلب : ويحتمل ~~أن يكون ترك سقيهم والله أعلم عقوبة لما جازوا سقى النبى - صلى الله عليه ~~وسلم - لهم اللبن حتى انتعشوا PageV08P424 بالارتداد والحرابة والقتل ، ~~فأراد أن يعاقبهم على كفر السقى بالإعطاش فكانت العقوبة مطابقة للذنب . ~~وفيه وجه آخر قريب من هذا ، روى ابن وهب عن معاوية بن صالح ويحيى بن أيوب ، ~~عن يحيى بن سعيد ، وعن سعيد بن المسيب وذكر هذا الحديث ( فعمدوا إلى الراعى ~~غلام لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقتلوه واستاقوا اللقاح فزعم أن ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : عطش الله من عطش آل محمد الليلة . ~~فكان ترك سقيهم إجابة لدعوته - صلى الله عليه وسلم - ) . وسمل وسمر لغتان ~~بمعنى واحد . فإن قيل : قال أنس فى هذا الحديث ( بإبل النبى - صلى الله ~~عليه وسلم - ) وقال فى أول كتاب المحاربين ( بإبل الصدقة ) فما وجه ذلك ؟ ~~قيل : وجهه والله أعلم أن النبى - صلى الله عليه وسلم - كانت له إبل من ~~نصيبه من المغنم ، وكان يشرب لبنها ، وكانت ترعى مع إبل الصدقة فأخبر مرة ~~فى هذا الحديث عن إبله ، وأخبر ms2920 مرة عن إبل الصدقة فإنها كانت لا تخفى ~~لكثرتها من أجل رعيها معها ومشاركتها فى المسرح والمرتع . * * * # | 4 - باب فضل من ترك الفواحش # / 4 - فيه : أبو هريرة ، قال - صلى الله عليه وسلم - : ( سبعة يظلهم الله ~~يوم القيامة فى ظله يوم لا ظل إلا ظله : إمام عادل ، وشاب نشأ فى عبادة ~~الله ، ورجل ذكر الله فى خلاء ففاضت عيناه ، ورجل قلبه معلق بالمساجد ، ~~ورجلان تحابا فى الله ، ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال إلى نفسها ، فقال : ~~إنى أخاف الله ، ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما صنعت يمينه ~~) . PageV08P425 / 5 - وفيه : سهل بن سعد الساعدى : قال - صلى الله عليه ~~وسلم - : ( من توكل لى ما بين رجليه وما بين لحييه ، توكلت له بالجنة ) . ~~قوله - صلى الله عليه وسلم - : ( سبعة يظللهم الله فى ظله ) معناه : يسترهم ~~فى ستره ورحمته . تقول العرب : أنا فى ظل فلان : أى فى ستره وكنفه ، وتسمى ~~العرب الليل ظلا لبرده وروحه . ويدخل فى معنى قوله ( إمام عادل ) : من حكم ~~بين اثنين فما فوقهما لقوله - صلى الله عليه وسلم - : ( كلكم راع وكلكم ~~مسئول عن رعيته ) . وروى عبد الله بن عمر عن النبى - صلى الله عليه وسلم - ~~أنه قال : ( المقسطون يوم القيامة على منابر النور عن يمين الرحمن عز وجل ~~الذين يعدلون فى حكمهم وأهاليهم وما ولوا ) . وقوله : ( شاب نشأ فى عبادة ~~الله ) فروى عقبة بن عامر قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( ~~عجب ربك تعالى لشاب ليس له صبوة ) وفى قوله : ( شاب نشأ فى عبادة الله ) ~~فضل من يسلم من الذنوب وشغل بطاعة ربه طول عمره . وهذا حجة لمن قال : إن ~~الملائكة أفضل من بنى آدم ؛ لأن الملائكة يسبحون الليل والنهار لا يفترون . ~~وفيه : فضل البكاء من خشية الله ، وفى اشتراطه الخلوة بذلك حصر وندب على أن ~~يجعل المرء وقتا من خلوته للندم على ذنوبه ويفزع إلى الله بإخلاص من قلبه ، ~~وتضرع إليه فى غفرانها فإنه يجيب المضطر إذا دعاه ، وألا يجعل خلوته كلها ~~فى لذاته كفعل ms2921 البهائم التى قد PageV08P426 أمنت الحساب والمساءلة عن ~~الفتيل والقطمير على رءوس الخلائق فينبغى لمن لم يأمن ذلك وأيقن به أن يطول ~~فى الخلوة بكاؤه ويتبرم لحياته وتصير الدنيا سجنه لما سلف من ذنوبه . روى ~~أبو هريرة عن النبى - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : ( لا يلج النار أحد ~~بكى من خشية الله حتى يعود اللبن فى الضرع ) . روى أبو عمران عن أبى الجلد ~~قال : قرأت فى مسألة داود - صلى الله عليه وسلم - ربه : ( إلهى ما جزاء من ~~بكى من خشيتك حتى تسيل دموعه على وجهه ؟ قال : أسلم وجهه من لفح النار ~~وأؤمنه يوم الفزع ) . وفيه : فضل الحب فى الله قال مالك : الحب فى الله ~~والبغض فى الله من الفرائض . روى أبو مسعود والبراء بن عازب عن النبى - صلى ~~الله عليه وسلم - : أن ذلك من أوثق عرى الإيمان . وروى ثابت عن أنس قال ~~النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( ما تحاب رجلان فى الله إلا كان أفضلهما ~~أشدهما حبا لصاحبه ) وروى أبو رزين قال : ( قال لى النبى - صلى الله عليه ~~وسلم - : يا أبا رزين إذا خلوت فحرك لسانك بذكر الله ، وحب فى الله وأبغض ~~فى الله ، فإن المسلم إذا زار أخاه فى الله تعالى يشيعه سبعون ألف ملك ~~يقولون : اللهم وصله فيك فصله ) . ومن فضل المتحابين فى الله أن كل واحد ~~منهما إذا دعا لأخيه بظهر الغيب أمن الملك على دعائه ، رواه أبو الدرداء عن ~~النبى - صلى الله عليه وسلم - . وأما الذى إذا دعته امرأة ذات منصب إلى ~~نفسها فقال : إنى أخاف الله . فهو رجل عصمه الله ومن عليه بفضله حتى خافه ~~بالغيب فترك ما يهوى PageV08P427 لقوله تعالى : { وأما من خاف مقام ربه ~~ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هى المأوى } [ النازعات : 40 ] وقال : { ~~ولمن خاف مقام ربه جنتان } [ الرحمن : 46 ] . فتفضل الله على عباده ~~بالتوفيق والعصمة وأثابهم على ذلك روى أبو معمر عن سلمة بن نبيط عن عبيد بن ~~أبى الجعد ، عن كعب الأحبار قال : إن فى الجنة لدار ، درة فوق ms2922 درة ، ولؤلؤة ~~فوق لؤلؤة ، فيها سبعون ألف قصر ، فى كل قصر سبعون ألف دار ، فى كل دار ~~سبعون ألف بيت ، لا ينزلها إلا نبى أو صديق أو شهيد أو محكم فى نفسه أو ~~إمام عادل ، قال سلمة : فسألت عبيدا عن المحكم فى نفسه قال : هو الرجل يطلب ~~الحرام من النساء أو من المال فيعرض له فإذا ظفر به تركه مخافة الله فذلك ~~المحكم فى نفسه . وقوله : ( رجل تصدق بصدقة فأخفاها ) يعنى صدقة التطوع ؛ ~~لأن صدقة الفرض إعلانها أفضل من إخفائها ليقتدى به فى ذلك ويظهر دعائم ~~الإسلام . وقوله : ( حتى لا تعلم شماله ما صنعت يمينه ) إخفاء بذلك ، ~~ومصداق هذا الحديث فى قوله تعالى : { إن تبدوا الصدقات فنعما هى وإن تخفوها ~~وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم } [ البقرة : 171 ] . وقوله : ( من ضمن لى ما ~~بين لحييه ) يريد لسانه ( وما بين رجليه ) يريد فرجه . وأكثر بلاء الناس من ~~قبل فروجهم وألسنتهم ، فمن سلم من ضرر هذين فقد سلم وكان النبى - صلى الله ~~عليه وسلم - له كفيلا بالجنة . PageV08P428 * * * # | 5 - باب إثم الزناة وقوله تعالى : { ولا يزنون } [ الفرقان : 68 ] ، { ~~ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة وساء سبيلا } [ الإسراء : 32 ] # . / 6 - فيه : أنس ، قال : لأحدثنكم حديثا لا يحدثكموه أحد بعدى سمعته من ~~النبى - صلى الله عليه وسلم - ، سمعت النبى - صلى الله عليه وسلم - يقول : ~~( لا تقوم الساعة ، وإما قال : من أشراط الساعة ، أن يرفع العلم ، ويظهر ~~الجهل ، ويشرب الخمر ، ويظهر الزنا ، ويقل الرجال ، ويكثر النساء ، حتى ~~يكون للخمسين امرأة القيم الواحد ) . / 7 - وفيه : ابن عباس ، قال : قال ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( لا يزنى العبد حين يزنى وهو مؤمن ، ~~ولا يسرق حين يسرق وهو مؤمن ، ولا يشرب حين يشرب وهو مؤمن ، ولا يقتل وهو ~~مؤمن ) . قال عكرمة : قلت لابن عباس : كيف ينزع الإيمان منه ؟ قال : هكذا ، ~~وشبك بين أصابعه ، ثم أخرجها ، فإن تاب عاد إليه هكذا ، وشبك بين أصابعه . ~~/ 8 - وفيه : أبو هريرة مثله ، غير قول عكرمة ، قال أبو هريرة : ( والتوبة ~~معروضة بعد ) . / 9 - وفيه ms2923 : عبدالله ، قال : ( قلت : يا رسول الله ، أى ~~الذنب أعظم ؟ قال : أن تجعل لله ندا وهو خلقك ، قلت : ثم أى ؟ قال : أن ~~تقتل ولدك من أجل أن يطعم معك ، قلت : ثم أى ؟ قال : أن تزانى حليلة جارك ) ~~. قال يحيى مثله . أجمعت الأمة أن الزنا من الكبائر وأخبر - صلى الله عليه ~~وسلم - فى حديث أنس أن ظهوره من أشراط الساعة . PageV08P429 قال المهلب : ~~فى حديث عبد الله ترتيب الذنوب فى العظم ، وقد يجوز أن يكون بين الذنبين ~~المرتبين ذنب غير مذكور ، وهو أعظم من المذكور ، وذلك أنه لا خلاف بين ~~الأمة أن عمل قوم لوط أعظم من الزنا . وكان - صلى الله عليه وسلم - إنما ~~قصد بالتعظيم من الذنوب إلى ما يخشى مواقعته وبه الحاجة إلى بيانه وقت ~~السؤال كما فعل فى الإيمان بوفد عبد القيس وغيرهم . وإنما عظم الزنا بحليلة ~~الجار ، وإن كان الزنا عظيما ؛ لأن الجار له من الحرمة والحق ما ليس لغيره ~~، فمن لم يراع حق الجوار فذنبه مضاعف ؛ لجمعه بين الزنا وبين خيانة الجار ~~الذى وصى الله تعالى بحفظه . PageV08P430 * * * # | 62 - كتاب الرجم # # | 1 - باب رجم المحصن # وقال الحسن : من زنى بأخته حد حد الزنا . / 1 - فيه : على حين رجم المرأة ~~يوم الجمعة ، وقال : قد رجمتها بسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - . / ~~2 - وفيه : الشيبانى : سألت عبدالله بن أبى أوفى : هل رجم رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - ؟ قال : نعم ، قلت : قبل سورة النور أم بعد ؟ قال : لا ~~أدرى . / 3 - وفيه : جابر أن رجلا من أسلم أتى رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - فحدثه أنه قد زنى ، فشهد على نفسه أربع شهادات ، فأمر به رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - فرجم ، وكان قد أحصن . قال ابن المنذر : وقال تعالى ~~: { يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولى الأمر منكم } [ ~~النساء : 95 ] وقال : { من يطع الرسول فقد أطاع الله } [ النساء : 80 ] ~~فألزم خلفه طاعة رسوله ، وثبتت الأخبار عن الرسول أنه أمر بالرجم ورجم ، ~~ألا ترى قول على : رجمنا بسنة رسول ms2924 الله - صلى الله عليه وسلم - ورجم عمر ~~بن الخطاب ، فالرجم ثابت بسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وبفعل ~~الخلفاء الراشدين وباتفاق أئمة أهل العلم ، منهم مالك بن أنس فى أهل ~~المدينة ، والأوزاعى فى أهل الشام ، والثورى وجماعة أهل العراق ، والشافعى ~~وأحمد وإسحاق وأبو ثور . ودفع الخوارج الرجم والمعتزلة واعتلوا بأن الرجم ~~ليس فى كتاب PageV08P431 الله تعالى وما يلزمهم من اتباع كتاب الله مثله ~~يلزمهم من اتباع سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لقوله تعالى : { وما ~~آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا } [ الحشر : 7 ] فلا معنى لقول ~~من خالف السنة وإجماع الصحابة واتفاق أئمة الفتوى ولا يعدون خلافا . وقد ~~روى حماد بن زيد وحماد بن سلمة وهشيم ، عن على بن زيد ، عن يوسف بن مهران ، ~~عن ابن عباس قال : سمعت عمر ابن الخطاب يقول : أيها الناس إن الرجم حق فلا ~~يحد عنه فإن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد رجم . ورجم أبو بكر ، ~~ورجمنا بعدهما ، وسيكون قوم من هذه الأمة يكذبون بالرجم والدجال ، وبطلوع ~~الشمس من مغربها ، وبعذاب القبر ، والشفاعة ، وبقوم يخرجون من النار بعدما ~~امتحشوا . اختلف العلماء فيمن زنا بأخته أو ذات رحم منه ، فقال بقول الحسن ~~: حده حد الزانى . مالك ويعقوب ومحمد والشافعى وأبو ثور . وقالت طائفة : ~~إذا زنا بالمحرمة قتل ، روى عن جابر بن زيد ، وهو قول أحمد وإسحاق ، ~~واحتجوا بحديث البراء أن النبى - صلى الله عليه وسلم - بعث إلى رجل نكح ~~امرأة أبيه أن يضرب عنقه . * * * # | 2 - باب لا يرجم المجنونة والمجنون # وقال علي لعمر : أما علمت أن القلم رفع عن المجنون حتى يفيق ، وعن الصبى ~~حتى يدرك ، وعن النائم حتى يستيقظ . / 4 - وفيه : أبو هريرة ، قال : ( أتى ~~رجل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو فى المسجد ، فناداه ، ~~PageV08P432 فقال : يا رسول الله ، إنى زنيت ، فأعرض عنه ، حتى ردد عليه ~~أربع مرات ، فلما شهد على نفسه أربع مرات ، دعاه النبى - صلى الله عليه ~~وسلم - فقال : أبك جنون ؟ قال : لا ، قال : فهل أحصنت ؟ قال ms2925 : نعم ، فقال ~~النبى - صلى الله عليه وسلم - : اذهبوا به ، فارجموه ) . قال جابر : فكنت ~~فيمن رجمه ، فرجمناه بالمصلى ، فلما أذلقته الحجارة هرب ، فأدركناه بالحرة ~~، فرجمناه . قال المهلب : أجمع العلماء أن المجنون إذا أصاب الحد فى حال ~~جنونه أنه لا يجب عليه حد ، وإن أفاق من جنونه بعد مواقعة الحد ؛ لأن القلم ~~مرفوع عنه وقت فعله والخطاب غير متوجه إليه حينئذ ، ألا ترى قوله - صلى ~~الله عليه وسلم - للذى شهد على نفسه أربع شهادات ( أبك جنون ؟ ) فدل قوله ~~هذا أنه لو اعترف بالجنون لدرأ الحد عنه ، وإلا فلا فائدة لسؤاله هل بك ~~جنون أم لا ؟ وأجمعوا أنه إن أصاب رجل حدا وهو صحيح ثم جن بعد ذلك ، أنه لا ~~يؤخذ منه الحد حتى يفيق . وأجمعو أن من وجب عليه حد غير الرجم وهو مريض لا ~~يرجى برؤه فإنه ينتظر به حتى يبرأ فيقام عليه الحد ، فأما الرجم فلا ينتظر ~~به لأنه إنما يراد به التلف فلا وجه للاستئناء به ، والله أعلم . وأما قوله ~~: ( فلما أذلقته الحجارة هرب ) قال ابن المنذر : ذكر عن أحمد بن حنبل أنه ~~قال : إذا هرب يترك . وقال الكوفيون : إذا هرب وطلبه الشرط واتبعوه فى فوره ~~ذلك أقيم عليه بقية الحد ، وإن أخذوه بعد أيام لم يقم عليه بقية الحد ، وإن ~~أخذوه بعد أيام لم يقم عليه بقية الحد . PageV08P433 فاحتج أحمد بن حنبل ~~بقوله - صلى الله عليه وسلم - : ( هلا تركتموه ) من غير رواية البخارى . ~~قال ابن المنذر : يقام عليه الحد بعد يوم ، وبعد أيام وسنين ؛ لأن ما وجب ~~عليه لا يجوز إسقاطه بمرور الأيام والليالى ، ولا حجة مع من أسقط ما أوجبه ~~الله من الحدود ، وقد بين جابر بن عبد الله معنى قوله : ( فهلا تركتموه ) ~~أنه لم يرد بذلك إسقاط الحد عنه . وروى محمد بن إسحاق ، عن عاصم بن عمر ، ~~عن قتادة قال : حدثنى حسين بن محمد ، عن على قال : ( سألت جابرا عن قصة ~~ماعز فقال : أنا أعرف الناس بهذا الحديث كنت فيمن رجمه ، إنا لما رجمناه ~~فوجد مس ms2926 الحجارة صرخ بنا : يا قوم ردونى إلى رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - إن قومى هم قاتلونى وغرونى من نفسى ، أخبرونى أن رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - غير قاتلى . فلم ننزع عنه حتى قتلناه فلما رجعنا إلى رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - أخبرناه ، قال : فهلا تركتم الرجل وجئتمونى ) ~~. ليتثبت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيه فأما لترك حد فلا . ~~فاختلفوا إذا أقر بالزنا ، ثم رجع عن إقراره . فقالت طائفة : يترك ولا يحد ~~. هذا قول عطاء والزهرى والثورى والكوفيين والشافعى وأحمد وإسحاق . واختلف ~~عن مالك فى هذه المسألة فحكى عنه القعنبى أنه إذا اعترف ثم رجع وقال : إنما ~~كان هذا منى على وجه كذا وكذا لشىء يذكره ، أن ذلك يقبل منه فلا يقام عليه ~~الحد . وقال أشهب : يقبل رجوعه إن جاء بعذر وإلا لم يقبل . PageV08P434 ~~وروى ابن عبد الحكم عن مالك أنه إذا اعترف بغير محنة ثم نزع لم يقبل منه ~~رجوعه . وقال أشهب وأهل الظاهر : وممن روى عنه أنه إذا أقر ثم رجع لا يقبل ~~منه رجوعه ، وأقيم عليه الحد ؛ وهم : ابن أبى ليلى والحسن البصرى . قال ابن ~~المنذر : واحتج الشافعى بقوله - صلى الله عليه وسلم - فى ماعز : ( هلا ~~تركتموه ) قال : فكل حد لله فهو هكذا ، ولقوله لماعز : ( لعلك قبلت أوغمزت ~~) فالنبى - صلى الله عليه وسلم - كان يلقنه ويعرض عليه بعد اعتراف قد سبق ~~منه فلو أنه قال : نعم ، قبلت أوغمزت لسقط عنه الرجم ، وإلا لم يكن لتعريض ~~النبى - صلى الله عليه وسلم - لذلك معنى فعلم أنه إنما لقنه لفائدة وهى ~~الرجوع ، فهذا دليل قاطع . وحجة الآخرين أن الحدود تلزم بالبينة أو ~~بالإقرار ، وقد تقرر أنه لو لزم الحد بالبينة لم يقبل قوله فكذلك إذا إقر ~~ثم رجع ، وقالوا : ليس قوله - صلى الله عليه وسلم - : ( هلا تركتموه ) يوجب ~~إسقاط الحد عنه . ويحتمل أن يكون لما ذكره جابر بن عبد الله من النظر فى ~~أمره والتثبت فى المعنى الذى هرب من أجله ولو وجب أن يكون الحد ساقطا ms2927 عنه ~~بهربه لوجب أن يكون مقتولا خطأ . وفى ترك النبى - صلى الله عليه وسلم - ~~إيجاب الدية على عواقل القاتلين له بعد هربه دليل على أنهم قاتلون من عليه ~~القتل ، إذ لو كان دمه محقونا بهربه لأوجب على عواقل قاتليه ديته ، وليس فى ~~شىء من أخبار ماعز دليل على الرجوع عما أقر به . وأكثر ما فيه أنه سأل ~~عندما نزل به من الألم أن يرد إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولم ~~يقل ما زنيت ، وهذا القول أشبه بالصواب . PageV08P435 * * * # | 3 - باب للعاهر الحجر # / 5 - فيه : عائشة قال - صلى الله عليه وسلم - : ( الولد للفراش ، ~~وللعاهر الحجر ) . قال أبو عبيد وجماعة من أهل اللغة : معناه أن الزانى لا ~~حظ له فى الولد ولا يلحق به نسبه . والعرب تقول لمن طلب شيئا ليس له : بفيك ~~الحجر ، تريد الخيبة . وقال بعضهم : للعاهر الحجر أى : للزانى الرجم بالحجر ~~إذا كان محصنا ، والعاهر : الزانى . وذكر ابن الأعرابى أن الفراش عند العرب ~~يقال للرجل والمرأة ؛ لأن كل واحد منهما فراش لصاحبه ، وقد تقدم ما فيه ~~للعلماء فى كتاب الفرائض . * * * # | 4 - باب الرجم بالبلاط # / 6 - فيه : ابن عمر : ( أتى النبى - صلى الله عليه وسلم - بيهودى ~~ويهودية قد أحدثا جميعا ، فقال لهم : ما تجدون فى كتابكم ؟ قالوا : إن ~~أحبارنا أحدثوا تحميم الوجه والتجبيه ، قال عبدالله ابن سلام : ادعهم يا ~~رسول الله بالتوراة ، فأتى بها ، فوضع أحدهم يده على آية الرجم ، وجعل يقرأ ~~ما قبلها وما بعدها ، فقال له ابن سلام : ارفع يدك ، فإذا آية الرجم تحت ~~يده ، فأمر بهما رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فرجما ) . قال ابن عمر : ~~فرجما عند البلاط ، فرأيت اليهودى أحنأ عليها . قال أبو عبيد : يرويه أهل ~~الحديث ( يحنى ) وإنما هو يحنأ مهموز PageV08P436 ثابت ، يقال حنا الرجل ~~على الشىء يحنو حنوا : إذا انكب . فإن كان ذلك من خلقه قيل حناء ومنه قيل ~~للتراس إذا صنع مقببا محنأ . وأما قوله باب الرجم بالبلاط فلا يقتضى معنى ~~والبلاط وغيره من الأمكنة سواء ، وإنما يرجم به ؛ لأنه مذكور ms2928 فى الحديث . ~~وقال الأصمعى : البلاط : الأرض الملساء . وذكر محمد بن إسحاق عن الزهرى ، ~~عن أبى هريرة : أن هذا الحديث كان حين قدم رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- إلى المدينة . قال مالك : ولم يكونا أهل ذمة وإنما كانوا أهل حرب حكموا ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فحكم بينهم . وقال بعض العلماء : معنى ~~قول مالك : ولم يكونا أهل ذمة . لأنهما لو كانا أهل ذمة لم يسألهما النبى - ~~صلى الله عليه وسلم - كيف الحكم عندهم ولا حكم عليهم بقول أساقفتهم ؛ لأن ~~الحكم بين أهل الذمة إذا تحاكموا إليه كحكمه بين المسلمين سواء . ويحتمل ~~مسيره - صلى الله عليه وسلم - إلى بيت المدراس وسؤاله اليهود عن حكم ~~الزانيين أحد معنيين : إما أن يكون لما أراد الله تكذيبهم وإظهار ما بدلوا ~~من حكم الله ، ولذلك ألقى تعالى فى قلوبهم المحاكمة إليه ، وأعلمهم أن فى ~~التوراة حكم الله فى ذلك لقوله تعالى : { وكيف يحكمونك وعندهم التوراة فيها ~~حكم الله } [ المائدة : 43 ] . والمعنى الثانى : أن يكون حكم الرجم لم ينزل ~~على النبى - صلى الله عليه وسلم - وقد روى معمر عن ابن شهاب قال : فبلغنا ~~أن هذه الآية PageV08P437 نزلت فيهم : { إنا أنزلنا فيها هدى ونور يحكم بها ~~النبيون الذين أسلموا للذين هادوا } [ المائدة : 44 ] فكان النبى - صلى ~~الله عليه وسلم - منهم . وفى هذا الحديث من الفقه حجة لمالك فى قوله : إن ~~أهل الكتاب إذا تحاكموا إلينا أنه جائز أن يترجم عنهم مترجم واحد كما ترجم ~~عبد الله بن سلام عن التوراة وحده . وقد تقدم ما للعلماء فى هذه المسألة فى ~~كتاب الأحكام . وفى قوله : ( فرأيت اليهودى أحنا عليها ) دليل أنه لا يحفر ~~للمرجوم ولا للمرجومة ؛ لأنه لو كان حفيرا ما استطاع أن يحنو عليها ، وبهذا ~~استدل مالك . وقال أحمد بن حنبل : أكثر الأحاديث على ألا يحفر ، والرجم ~~إنما يجب أن يعم جميع بدنه ، فإذا كان فى حفرة غاب بعض بدنه . وقال ~~الكوفيون : لا يحفر لهما ، وإن حفر فحسن . وخير الشافعى فى أى ذلك شاء . ~~وقال أصبغ : يستحب ms2929 أن يحفر لهما وترسل يداه يدرأ بهما عن وجهه . قال ~~الطحاوى : روى عن على أنه حفر لشراحة ، وفى قصة الجهينية أنه شد عليها ~~ثيابها ثم أمر برجمها من غير أن يحفر لها . وفى هذا الحديث حجة للثورى أن ~~المحدود لا يقعد ، ويضرب قائما ، والمرأة قاعدة . قال المحتج به : وقوله ( ~~فرأيت الرجل يحنأ على المرأة ) يدل أن الرجل كان قائما والمرأة قاعدة . ~~PageV08P438 وقال مالك : الرجل والمرأة فى الحدود كلها سواء ، لا يقام واحد ~~منهما ويضربان قاعدين ويجرد الرجل ويترك على المرأة ما يسترها ولا يقيها ~~الضرب . وقال الشافعى والليث وأبو حنيفة : الضرب فى الحدود كلها قائما ~~مجردا غير ممدود إلا حد القذف فإنه يضرب وعليه من ثيابه ما لا يقيه الضرب . ~~* * * # | 5 - باب الرجم بالمصلى # / 7 - فيه : جابر : ( أن رجلا من أسلم جاء النبى - صلى الله عليه وسلم - ~~فاعترف بالزنا ، فأعرض عنه النبى - صلى الله عليه وسلم - حتى شهد على نفسه ~~أربع مرات ، قال له النبى - صلى الله عليه وسلم - : أبك جنون ؟ قال : لا ، ~~قال : آحصنت ؟ قال : نعم ، فأمر به ، فرجم بالمصلى ، فلما أذلقته الحجارة ، ~~فر فأدرك فرجم حتى مات ، فقال له النبى - صلى الله عليه وسلم - : خيرا ، ~~وصلى عليه ) . لا معنى لهذا التبويب أيضا والرجم بالمصلى كالرجم بسائر ~~المواضع وإنما ترجم بذلك لأنه مذكور فى الحديث . وهذا الرجل المعترف هو ~~ماعز بن مالك الأسلمى . روى يزيد بن هارون ، عن يحيى بن سعيد ، عن سعيد بن ~~المسيب : ( أن ماعز بن مالك أتى إلى أبى بكر الصديق فأخبره أنه زنى ، فقال ~~أبو بكر : هل ذكرت ذلك لأحد غيرى ؟ قال : لا . قال أبو بكر : استتر بستر ~~الله وتب إلى الله ، فإن الناس يعيرون ولا يغيرون ، وإن الله يقبل التوبة ~~عن عباده ، فلم تقرره نفسه ، حتى أتى إلى عمر بن الخطاب فقال له مثلما قال ~~لأبى بكر ، فقال له PageV08P439 عمر مثلما قال له أبو بكر ، فلم تقرره نفسه ~~حتى أتى النبى - صلى الله عليه وسلم - . . . ) وذكر الحديث . وقال عيسى بن ~~دينار : كان ماعز يتيما ms2930 عند هذال قال : فأمره هذال أن يأتى النبى - صلى ~~الله عليه وسلم - فيعترف ، فلما أمر برجمه وأحرقته الحجارة هرب فلقيه عبد ~~الله بن أنيس فحذفه برضيف جمل فقتله . وفى هذا الحديث من الفقه رجم الثيب ~~بلا جلد ، وعلى هذا فقهاء الأمصار ؛ لأن النبى ، عليه السلام ، أمر برجم ~~ماعز ولم يحده وأمر أنيسا الأسلمى أن يرجم المرأة إن اعترفت ولم يأمره ~~بجلدها . وخالف ذلك إسحاق بن راهويه وأهل الظاهر فقالوا : عليه الجلد ~~والرجم . وروى مثله عن على بن أبى طالب وأبى بن كعب والحسن البصرى ، ~~واحتجوا بحديث ابن جريج ، عن أبى الزبير ، عن جابر أن رجلا زنا فأمر به ~~النبى - صلى الله عليه وسلم - فجلد ثم أخبر أنه كان أحصن فأمر به فرجم . ~~وقالوا : هكذا حد المحصن الجلد والرجم جميعا . واحتجوا بحديث عبادة بن ~~الصامت أن النبى - صلى الله عليه وسلم - قال : ( خذوا عنى قد جعل الله لهن ~~سبيلا البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام ، والثيب بالثيب جلد مائة والرجم ) ~~. واحتج عليهم الجماعة فقالوا : يجوز أن يكون النبى - صلى الله عليه وسلم - ~~إنما جلده حين لم يعلم أنه محصن فلما أخبر أنه محصن أمر برجمه ، والجلد ~~الذى جلده ليس من حده فى شىء . وأما حديث عبادة بن الصامت فمنسوخ بحديث ~~ماعز وبحديث العسيف ؛ لأن النبى - صلى الله عليه وسلم - رجمهما ولم يحدهما ~~. فثبت أن هذا حكم أحدثه الله نسخ به ما قبله . PageV08P440 وقال النسائى : ~~ليس فى شىء من الأحاديث قدر الحجر الذى يرمى به . وقال مالك : لا يرمى ~~بالصخور العظام ويأمر الإمام بذلك ولا يتولاه بنفسه ، ولا يرفع عنه حتى ~~يموت ، ويخلى بينه وبين أهله يغسلونه ويصلون عليه ، ولا يصلى عليه الإمام . ~~وفى حديث جابر أن النبى - صلى الله عليه وسلم - صلى عليه من رواية معمر عن ~~الزهرى ، وفيه حجة لمن قال من العلماء أن للإمام أن يصلى عليه إن شاء . وقد ~~روى عمران بن حصين ( أن امرأة أتت النبى - صلى الله عليه وسلم - فذكرت أنها ~~زنت ، فلما وضعت أمر بها ms2931 فرجمت وصلى عليها ، فقال له عمر : أتصلى عليها وقد ~~زنت ؟ فقال : والذى نفسى بيده لقد تابت توبة لو قسمت بين سبعين لوسعتهم ) . ~~وقد وجه بعض العلماء قول مالك : لا يصلى عليه الإمام . فقال : إنما قال ذلك ~~ليكون ردعا لأهل المعاصى ، ولئلا يجترئ الناس على مثل فعله إذا رأوا أنه ~~ممن لا يصلى عليه الإمام لعظيم ذنبه . * * * # | 6 - باب من أصاب ذنبا دون الحد فأخبر الإمام ، فلا عقوبة عليه بعد ~~التوبة إذا جاء مستفتيا # قال عطاء : لم يعاقبه النبى - صلى الله عليه وسلم - ، وقال ابن جريج : لم ~~يعاقب النبى ، عليه السلام ، الذى جامع فى رمضان ، ولم يعاقب عمر صاحب ~~الظبى . / 8 - وفيه عن أبى عثمان ، عن أبى مسعود ، عن النبى - صلى الله ~~عليه وسلم - . / 9 - وفيه : أبو هريرة : أن رجلا وقع بامرأته فى رمضان ، ~~PageV08P441 فاستفتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فقال : هل تجد ~~رقبة ؟ قال : لا ، قال : هل تستطيع صيام شهرين ؟ قال : لا ، قال : فأطعم ~~ستين مسكينا ) . / 10 - وفيه : عائشة : ( أتى رجل النبى - صلى الله عليه ~~وسلم - فى المسجد ، قال : احترقت ، قال : مم ذاك ؟ قال : وقعت بامرأتى فى ~~رمضان ، قال له : تصدق ، قال : ما عندى شيء ، فجلس ، وأتاه إنسان يسوق ~~حمارا ، ومعه طعام ، قال عبدالرحمن : ما أدرى ما هو ؟ إلى النبى - صلى الله ~~عليه وسلم - ، فقال : أين المحترق ؟ فقال : ها أنا ذا ، قال : خذ هذا ، ~~فتصدق به . . . الحديث . أجمع العلماء أنه من أصاب ذنبا فيه حد أنه لا ~~ترفعه التوبة ولا يجوز للإمام العفو عنه إذا بلغه . ومن التوبة عندهم أن ~~يطهر ويكفر بالحد إلا الشافعى ، ذكر عنه ابن المنذر أنه قال : إذا تاب قبل ~~أن يقام عليه الحد سقط عنه ، فأما من أصاب ذنبا دون الحد ثم جاء تائبا ~~فتوبته تسقط عنه العقوبة ، وليس للسلطان الاعتراض عليه بل يؤكد بصيرته فى ~~التوبة ، ويأمره بها لينتشر ذلك ، فيتوب المذنب ألا ترى أن النبى - صلى ~~الله عليه وسلم - لما فهم من المواقع أهله فى رمضان الندم على فعله من صورة ~~فزعه ms2932 وقوله : احترقت . لم يعاقبه النبى - صلى الله عليه وسلم - ولا أنبه بل ~~أعطاه ما يكفر به . وأما حديث أبى عثمان عن ابن مسعود الذى أشار إليه ~~البخارى ولم يذكره فهو أبين شىء فى هذا الباب ، وقد ذكره فى باب مواقيت ~~الصلاة فى باب الصلاة كفارة . قال ابن مسعود : إن رجلا أصاب من امرأة قبلة ~~فأتى النبى - صلى الله عليه وسلم - فأخبره فنزل : { أقم الصلاة طرفى النهار ~~وزلفا } [ هود : 114 ] الآية فقال الرجل : إلى هذا يا رسول الله ؟ قال : ( ~~لجميع أمتى كلهم ) . PageV08P442 وروى يحيى عن التيمى بإسناده أن النبى - ~~صلى الله عليه وسلم - قال له : ( قم فصل ركعتين ) . وروى علقمة والأسود هذا ~~الحديث عن ابن مسعود وبينا فيه ما دل أنه جاء الرجل تائبا نادما . وقال ابن ~~مسعود : جاء رجل إلى النبى - صلى الله عليه وسلم - فقال : ( إنى عالجت ~~امرأة فأصبت منها ما دون أن أمسها وأنا ها ذا فأقم على ما شئت . فقال له ~~عمر : قد ستر الله عليك فلو سترت على نفسك . . . ) . وحجة جماعة الفقهاء فى ~~أن التوبة لا تسقط الحد قول النبى - صلى الله عليه وسلم - فى المرأة ~~الجهينية : ( لقد تابت توبة لو قسمت بين سبعين من أهل المدينة لوسعتهم ، ~~وهل وجدت أن جادت بنفسها ) . وقال فى الغامدية : ( لقد تابت توبة لو تابها ~~صاحب مكس لغفر له ) . فإقامة الرسول - صلى الله عليه وسلم - الحد على هاتين ~~مع توبتهما دليل قاطع على أن سقوط الحد بالتوبة إنما خص به المحاربون دون ~~غيرهم . * * * # | 7 - باب إذا أقر بالحد ولم يبين ، هل للإمام أن يستر عليه ؟ # / 11 - فيه : أنس ، قال : ( كنت عند النبى - صلى الله عليه وسلم - فجاءه ~~رجل ، فقال : يا رسول الله ، إنى أصبت حدا ، فأقمه على ، قال : ولم يسأله ~~عنه ، قال وحضرت الصلاة ، فصلى مع النبى - صلى الله عليه وسلم - ، فلما قضى ~~النبى - صلى الله عليه وسلم - الصلاة ، قام إليه الرجل ، فقال : يا رسول ~~الله ، إنى أصبت حدا ، فأقم فى كتاب الله ، قال : أليس قد صليت معنا ؟ قال ~~: نعم ms2933 ، قال : فإن الله قد غفر لك ذنبك ) . PageV08P443 قال المهلب وغيره : ~~لما أقر الرجل عند النبى - صلى الله عليه وسلم - بأنه أصاب حدا ، ولم يبين ~~الحد ، ولم يكشفه النبى - صلى الله عليه وسلم - عنه ولا استفسره - صلى الله ~~عليه وسلم - ؛ فدل على أن الكشف عن الحدود لا يحل فإن الستر أولى . وكأنه - ~~صلى الله عليه وسلم - رأى أن الكشف عن ذلك ضرب من التجسس المنهى عنه فلذلك ~~أضرب عنه وجعلها شبهة درأ بها الحد ؛ لأنه كان بالمؤمنين رءوفا رحيما . ~~وجائز أن يكون الرجل ظن أن الذى أصاب حدا وليس بحد فيكون ذلك مما يكفر ~~بالوضوء والصلاة ، ولما لم تجز إقامة الحدود بالكناية دون الإفصاح وجب ألا ~~يكشف السلطان عليه ؛ لأن الحدود لا تقام بالشبهات بل تدرأ بها ، وهذا يوجب ~~على المرء أن يستر على نفسه إذا واقع ذنبا ولا يخبر به أحدا لعل الله تعالى ~~أن يستره عليه وقد جاء فى هذا الحديث عن النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( ~~من ستر مسلما ستره الله ) فستر المرء على نفسه أولى به من ستره على غيره . ~~* * * # | 8 - باب هل يقول الإمام للمقر لعلك لمست أو غمزت ؟ # / 12 - فيه : ابن عباس رضى الله عنهما ، قال : ( لما أتى ماعز بن مالك ~~النبى - صلى الله عليه وسلم - ، قال له : لعلك قبلت ، أو غمزت ، أو نظرت ؟ ~~قال : لا ، يا رسول الله ، قال : أنكتها ؟ لا يكنى ، قال : فعند ذلك أمر ~~برجمه ) . قال المهلب وغيره : فى هذا الحديث دليل على جواز تلقين المقر فى ~~الحدود ما يدرأ بها عنه ألا ترى أن النبى - صلى الله عليه وسلم - قال لماعز ~~: ( لعلك غمزت أو قبلت ) ليدرأ عنه الحد إذ لفظ الزنا يقع على نظر ~~PageV08P444 العين وجميع الجوارح ، فلما أتى ماعز بلفظ مشترك لم يحده النبى ~~- صلى الله عليه وسلم - حتى وقف على صحيح ما أتاه بغير إشكال ؛ لأن من سننه ~~- صلى الله عليه وسلم - درء الحدود بالشبهات ، فلما أفصح وبين أمر برجمه . ~~قال غيره : وهذا يدل أن الحدود لا تقام إلا ms2934 بالإفصاح دون الكنايات ، ألا ~~ترى لو أن الشهود شهدوا على رجل بالزنا ، ولم يقولوا رأيناه أولج فيها كان ~~حكمهم حكم من قذف لا حكم من شهد ، رفقا من الله بعباده وسترا عليهم ليتوبوا ~~. قال المهلب : وقد استعمل التلقين بعد النبى - صلى الله عليه وسلم - ~~أصحابه الراشدون روى مالك عن يحيى ابن سعيد أن عمر أتاه رجل وهو بالشام ~~فذكر أنه وجد مع امرأته رجلا ، فبعث عمر أبا واقد إلى امرأته يسألها عما ~~قال زوجها لعمر ، وأخبرها أنها لا تؤخذ بقوله ، وجعل يلقنها أشباه ذلك ~~لتنزع ، فأبت أن تنزع فرجمها عمر . وروى معمر بإسناده أن عمر أتى برجل فقيل ~~: إنه سارق ، فقال عمر : إنى لأرى يد رجل ما هى بيد سارق ، فقال الرجل : ~~والله ما أنا بسارق فخلى سبيله . وعن الشعبى قال : أتى على بامرأة يقال لها ~~شراحة وهى حبلى من الزنا ، فقال : ويحك لعل رجلا استكرهك ، قالت : لا . قال ~~: لعل وقع عليك وأنت نائمة . قالت : لا . قال : فلعل زوجك من عدونا ، يعنى ~~أهل الشام ، فأنت تكرهين أن تدلى عليه . قالت : لا . فجعل يلقنها هذا ~~وأشباهه وتقول : لا . فرجمها . وعن أبى مسعود أتى بسارق سرق بعيرا . فقال : ~~هل وجدته ؟ قال : نعم . فخلى سبيله . قال المهلب : فهذا وجه التلقين ~~بالتعريض لمن يعرف الحد PageV08P445 وما يلزمه فيه ، وأما تلقين الجاهل ومن ~~لا يعرف الكلام فهو تصريح . وروى ابن جريج عن عطاء قال : كان بعضهم يؤتى ~~بالسارق فيقول : أسرقت ؟ قل : لا ، أسرقت ؟ قل : لا . وعلمى أنه سمى أبا ~~بكر وعمر . وروى شعبة عن أبى الدرداء أنه أتى بجارية سوداء سرقت ، فقال لها ~~: أسرقت يا سلامة ؟ قولى : لا قالت : لا فخلى سبيلها ، فقلت : أنت تلقنها ؟ ~~! قال أبو الدرداء : إنها اعترفت وهى لا تدرى ما يراد بها . وقال الأعمش : ~~كان إبراهيم يأمر بطرح المعترفين ، وكان أحمد وإسحاق يريان تلقين السارق ~~إذا أتى به . وكذلك قال أبو ثور : إذا كان السارق امرأة أو لا يدرى ما يصنع ~~به أو ما يقول . قال المهلب : هذا التلقين على اختلاف ms2935 منازله بسنة لازمة ~~إلا عند اختيار الإمام ذلك ، وله ألا يلقن ولا يعرض لقوله : ( بينة وإلا حد ~~فى ظهرك ) . وأما التلقين الذى لا يحل فتلقين الخصمين فى الحقوق وتداعى ~~الناس ، وكذلك لا يجب تلقين المنتهك المعروف بذلك إذا تبين ما أقر به أو ~~شهد عليه ويلزم الإمام إقامة الحد فيه . * * * # | 9 - باب سؤال الإمام المقر بالزنا : هل أحصنت ؟ # / 13 - فيه : أبو هريرة : ( أتى إلى النبى - صلى الله عليه وسلم - رجل من ~~الناس ، وهو فى المسجد ، فناداه : يا رسول الله ، إنى زنيت ، يريد نفسه ، ~~فأعرض عنه النبى - صلى الله عليه وسلم - ، فتنحى لشق وجهه الذى أعرض عنه ، ~~فلما شهد على نفسه أربع شهادات دعاه النبى - صلى الله عليه وسلم - ، ~~PageV08P446 فقال : أبك جنون ؟ قال : لا ، يا رسول الله ، فقال : أحصنت ؟ ~~قال : نعم . . الحديث . هذا لازم لكل إمام أن يسأل المقر إن كان محصنا أو ~~غير محصن ، لأن الله قد فرق بين حد المحصن والبكر ، فواجب على الإمام أن ~~يقف على ذلك كما يجب عليه إذا أشكل إعلام المقر أن يسأله عن ذلك ، ثم بعد ~~ذلك يلزمه تصديق كل واحد منهما ؛ لأن الحد لا يقام إلا باليقين ولا يحل فيه ~~التجسس . قال المهلب : ولما كان قوله مقبولا فى اللمس والغمز كان قوله ~~مقبولا فى الإحصان ، فالباب واحد فى ذلك . اختلف العلماء فى الاعتراف ~~بالزنا الذى يجب فيه الحد هل يفتقر إلى عدد أم لا . فقالت طائفة : لابد من ~~اعتراف أربع مرات على ما جاء فى الحديث هذا قول ابن أبى ليلى والثورى ~~والكوفيين وأحمد غير أن ابن أبى ليلى وأحمد قالا : يجزئ إلا فى أربع مرات ~~فى مجلس واحد . وقال الكوفيون : لا يجزىء إلا فى أربع مواضع . وقال آخرون : ~~إذا اعترف بالزنا مرة واحدة وثبت على ذلك لزمه الحد ، روى هذا عن أبى بكر ~~الصديق وعمر بن الخطاب ، وهو قول مالك والشافعى وأبى ثور . وقال أهل ~~المقالة الأولى : لما كان الزنا مخصوصا من بين سائر الحقوق بأربعة شهداء ~~جاز أن يكون مخصوصا بإقرار ms2936 أربع مرات . PageV08P447 واحتج عليهم الآخرون ~~فقالوا : قد قال - صلى الله عليه وسلم - : ( اغد يا أنيس على امرأة هذا فإن ~~اعترفت فارجمها ) ولم يقل له إن اعترفت أربعا ، فلا معنى لاعتبار العدد فى ~~الإقرار ، وأيضا فإنه لا يدل على مخالفة الزنا لسائر الحقوق فى أنه مخصوص ~~بأربعة شهداء على مخالفته فى الإقرار ؛ لأن القتل مخالف للأموال فى ~~الشهادات فلا يقبل فى القتل إلا شاهدان ، ويقبل فى الأموال شاهد وامرأتان ، ~~ثم اتفقا فى باب الإقرار أنه يقبل فيه إقرار مرة . ولو وجب اعتبار الإقرار ~~بالشهادة لوجب ألا يقبل فى الموضع الذى يقبل فيه شاهدان إلا إقرار مرتين . ~~وقد أجمع العلماء أن سائر الإقرارات فى الشرع يكتفى فيها مرة واحدة ، وإن ~~أقر بالردة مرة واحدة يلزمه اسم الكفر ، والقتل واجب عليه فلزم فى الزنا ~~مثله . فإن قالوا : فلم لم يقم النبى - صلى الله عليه وسلم - الحد بإقراره ~~أول مرة ؟ قيل : فائدة الخبر أنه - صلى الله عليه وسلم - لما رآه مختل ~~الصورة فزعا أراد التثبيت فى أمره هل به جنة أم لا ، مع أنه كره ما سمع منه ~~فأعرض عنه رجاء أن يستر على نفسه ، ويتوب إلى الله ، ألا ترى أنه لقنه فقال ~~: ( لعلك لمست أو غمزت ) فلا معنى لاعتباره العدد فى الإقرار . وقوله : جمز ~~أى : أسرع يهرول ، وقال بعض السلف لرجل : اتق الله قبل أن يجمز بك . يريد ~~المشى السريع فى جنازته . وقال الكسائى : الناقة تعدو الجمز وهو العدو الذى ~~نثر وقال رؤبة : فإن تريننى اليوم جمزى PageV08P448 * * * # | 10 - باب الاعتراف بالزنا # / 14 - فيه : أبو هريرة وزيد بن خالد قالا : ( كنا عند النبى - صلى الله ~~عليه وسلم - فقام رجل ، فقال : أنشدك الله ، إلا قضيت بيننا بكتاب الله ، ~~فقام خصمه ، وكان أفقه منه ، فقال : اقض بيننا بكتاب الله ، وأذن لى ، قال ~~: قل ، قال : إن ابنى كان عسيفا على هذا ، فزنى بامرأته ، فافتديت منه ~~بمائة شاة وخادم ، ثم سألت رجالا من أهل العلم ، فأخبرونى أن على ابنى جلد ~~مائة وتغريب عام ، وعلى امرأته الرجم ، فقال - صلى ms2937 الله عليه وسلم - : ~~والذى نفسى بيده ، لأقضين بينكما بكتاب الله ، المائة شاة والخادم رد عليك ~~، وعلى ابنك جلد مائة وتغريب عام ، واغد يا أنيس على امرأة هذا ، فإن ~~اعترفت فارجمها ، فغدا عليها ، فاعترفت ، فرجمها ) . / 15 - وفيه : ابن ~~عباس ، قال عمر : لقد خشيت أن يطول بالناس زمان حتى يقول : قائل : لا نجد ~~الرجم فى كتاب الله ، فيضلوا بترك فريضة ، أنزلها الله ، ألا وإن الرجم حق ~~على من زنى وقد أحصن ، إذا قامت البينة ، أو كان الحبل ، أو الاعتراف . قال ~~المهلب وغيره : فى هذا الحديث ضروب من الفقه : منها الترافع إلى السلطان ~~الأعلى فيما قد غيره ممن هو دونه إذا لم يوافق الحق . ومنها فسخ كل صلح ورد ~~كل حكم وقع على خلاف السنة . قال غيره : وفيه أن ما قبضه الذى قضى له ~~بالباطل لا يصلح له ملكه . وفيه : أن العالم قد يفتى فى مصر فيه من هو أعلم ~~منه ، ألا ترى PageV08P449 أنه سأل أهل العلم ورسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - بين أظهرهم ، وكذلك كان الصحابة يفتون فى زمن النبى - صلى الله عليه ~~وسلم - . وفى سؤاله أهل العلم ورجوعه إلى النبى - صلى الله عليه وسلم - ~~دليل على أنه يجوز للرجل ألا يقتصر على قول واحد من العلماء . وفيه : أنه ~~جائز للخصم أن يقول للإمام العدل : احكم بيننا بالحق ، لأنه قال للنبى - ~~صلى الله عليه وسلم - : اقض بيننا بكتاب الله ، وقد علم أنه لا يقضى إلا ~~بما أمره الله ، ولم ينكر ذلك عليه النبى - صلى الله عليه وسلم - . وقال ~~الملكان لداود - صلى الله عليه وسلم - فاحكم بيننا بالحق ، وذلك إذا لم يرد ~~السائل التعريض . وقوله : وكان أفقههما يعنى والله أعلم لاستئذانه النبى - ~~صلى الله عليه وسلم - فى الكلام وترك صاحبه لذلك تأكيدا . واختلف العلماء ~~فى تأويل ذلك فقال بعضهم : الرجم فى كتاب الله فى قوله تعالى : { ويدرأ ~~عنها العذاب أن تشهد أربع شهادات بالله } [ النور : 8 ] . والعذاب الذى ~~تدرؤه الزوجة عن نفسها باللعان هو الذى يجب عليها بالبينة أو بالإقرار أو ~~بالنكول ms2938 عن اللعان . وقد بين - صلى الله عليه وسلم - آية الرجم فى الثيب ~~برجم ماعز وغيره . وقال آخرون : الرجم مما نسخ من القرآن خطه وثبت حكمه . ~~وقال غيره : معنى قوله ( لأقضين بينكما بكتاب الله ) أى بحكم الله وبفرضه ، ~~هذا جائز فى اللغة قال تعالى : { كتاب الله عليكم } [ النساء : 24 ] أى ~~حكمه فيكم وقضاؤه عليكم ومنه قوله تعالى : { أم عندهم PageV08P450 الغيب ~~فهم يكتبون } [ الطور : 41 ] أى يقضون . وكذلك قوله : { كتب ربكم على نفسه ~~الرحمة } [ الأنعام : 54 ] وكل ما قضى به النبى - صلى الله عليه وسلم - فهو ~~حكم الله . وفيه : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يجعلهما قاذفين ~~حين أخبراه . وليس فى الحديث أنه سأل ابن الرجل هل زنا ؟ وهل صدقا عليه أم ~~لا ؟ ولكن من مفهوم الحديث أنه أقر لأنه لا يجوز أن يقام الحد إلا بالإقرار ~~أو بالبينة ، ولم يكن عليهما بينة لقوله - صلى الله عليه وسلم - : ( فإن ~~اعترفت فارجمها ) . وفيه : النفى والتغريب للبكر الزانى خلاف قول أبى حنيفة ~~فى إسقاطه النفى عن الزانى وستأتى أقوال العلماء فى ذلك فى موضعها إن شاء ~~الله تعالى . وفى الحديث من الفقه : رجم الثيب بلا جلد على ما ذهب إليه ~~أئمة الفتوى بالأمصار . وفيه من الفقه : استماع الحكم من أحد الخصمين ~~وصاحبه غائب وفتياه له دون خصمه ألا ترى أن النبى - صلى الله عليه وسلم - ~~قد أفتاهما والمرأة غائبة وكانت إحدى الخصمين . وفيه : تأخير الحدود عند ~~ضيق الوقت ؛ لأنه - صلى الله عليه وسلم - أمره بالغدو إلى المرأة فإن ~~اعترفت رجمها . وفيه : إرسال الواحد فى تنفيذ الحكم . وفيه : إقامة الحد ~~على من أقر على نفسه مرة واحدة ؛ لأن النبى - صلى الله عليه وسلم - لم يقل ~~لأنيس فإن اعترفت أربع مرات وقد تقدم القول فى هذه المسألة فى الباب الذى ~~قبل هذا . PageV08P451 وفيه : دليل على صحة قول مالك وجمهور الفقهاء أن ~~الإمام لا يقوم بحد من قذف بين يديه حتى يطلبه المقذوف ؛ لأن له أن يعفو عن ~~قاذفه أو يريد سترا ، ألا ترى أنه ms2939 قال بين يدى النبى - صلى الله عليه وسلم ~~- : ( إن ابنى كان عسيفا على هذا فزنا بامرأته فقذفها ) فلم يقم عليه النبى ~~- صلى الله عليه وسلم - الحد ؛ لأنها لما اعترفت بالزنا سقط حكم قذفها ، ~~ومثله حديث العجلانى حين رمى امرأته برجل فلاعن بينه وبين امرأته ؛ لأنه لم ~~يطلبه بحده ولو طلبه به لحد إلا أن يقيم البينة على ما قال . والمخالف فى ~~هذه المسألة ابن أبى ليلى فإنه يقول : إن الإمام يحد القاذف وإن لم يطلبه ~~المقذوف . وقوله خلاف السنن فسيأتى ما بقى من معانى هذا الحديث بعد هذا فى ~~مواضعه إن شاء الله تعالى ، وكذلك حديث ابن عباس سيأتى الكلام عليه فى ~~الباب بعد هذا إن شاء الله تعالى . * * * # | 11 - باب رجم الحبلى من الزنا إذا أحصنت # / 16 - فيه : ابن عباس ، قال : كنت أقرئ رجالا من المهاجرين منهم ~~عبدالرحمن بن عوف ، فبينما أنا فى منزله بمنى ، وهو عند عمر بن الخطاب فى ~~آخر حجة حجها ؛ إذ رجع إلى عبدالرحمن ، فقال : لو رأيت رجلا أتى أمير ~~المؤمنين اليوم ، فقال : يا أمير المؤمنين ، هل لك فى فلان ، يقول : لو قد ~~مات عمر ، لقد بايعت فلانا ، فوالله ما كانت بيعة أبى بكر إلا فلتة ، فتمت ~~، فغضب عمر ، ثم قال : إنى إن شاء الله لقائم العشية فى الناس ، فمحذرهم ~~هؤلاء الذين يريدون أن يغصبوهم PageV08P452 أمورهم ، قال عبدالرحمن : فقلت ~~: يا أمير المؤمنين ، لا تفعل ، فإن الموسم يجمع رعاع الناس وغوغاءهم ، ~~فإنهم هم الذين يغلبون على قربك حين تقوم فى الناس ، وأنا أخشى أن تقوم ~~فتقول مقالة يطيرها عنك كل مطير ، وأن لا يعوها ، وأن لا يضعوها على ~~مواضعها ، فأمهل حتى تقدم المدينة ، فإنها دار الهجرة والسنة ، فتخلص بأهل ~~الفقه وأشراف الناس ، فتقول ما قلت متمكنا ، فيعى أهل العلم مقالتك ، ~~ويضعونها على مواضعها ، فقال عمر : أما والله إن شاء الله لأقومن بذلك أول ~~مقام أقومه بالمدينة ، قال ابن عباس : فقدمنا المدينة فى عقب ذى الحجة ، ~~فلما كان يوم الجمعة ، عجلت الرواح حين زاغت الشمس حتى أجد ms2940 سعيد بن زيد بن ~~عمرو بن نفيل جالسا إلى ركن المنبر ، فجلست حوله تمس ركبتى ركبته ، فلم ~~أنشب أن خرج عمر ابن الخطاب ، فلما رأيته مقبلا ، قلت لسعيد بن زيد بن عمرو ~~بن نفيل : ليقولن العشية مقالة لم يقلها منذ استخلف ، فأنكر على ، وقال : ~~ما عسيت أن يقول ما لم يقل قبله ؟ فجلس عمر على المنبر ، فلما سكت المؤذنون ~~، قام فأثنى على الله بما هو أهله ، ثم قال : أما بعد ، فإنى قائل لكم ~~مقالة قد قدر لى أن أقولها ، لا أدرى لعلها بين يدى أجلى ، فمن عقلها ~~ووعاها ، فليحدث بها حيث انتهت به راحلته ، ومن خشى أن لا يعقلها فلا أحل ~~لأحد أن يكذب على إن الله بعث محمدا - صلى الله عليه وسلم - بالحق ، وأنزل ~~عليه الكتاب ، فكان مما أنزل الله آية الرجم فقرأناها ، وعقلناها ، ~~ووعيناها ، رجم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ورجمنا بعده ، فأخشى إن ~~طال بالناس زمان أن يقول قائل : والله ، ما نجد آية الرجم فى كتاب الله ~~فيضلوا بترك فريضة ، PageV08P453 أنزلها الله ، والرجم فى كتاب الله حق على ~~من زنى إذا أحصن من الرجال والنساء ، إذا قامت البينة ، أو كان الحبل ، أو ~~الاعتراف ، ثم إنا كنا نقرأ فيما نقرأ من كتاب الله أن لا ترغبوا عن آبائكم ~~، فإنه كفر بكم أن ترغبوا عن آبائكم أو إن كفرا بكم أن ترغبوا عن آبائكم ، ~~ألا ثم إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال لا تطرونى كما أطرى عيسى ~~ابن مريم ، وقولوا : عبد الله ورسوله ، ثم إنه بلغنى أن قائلا منكم يقول : ~~والله لو قد مات عمر ، بايعت فلانا ، فلا يغترن امرؤ أن يقول : إنما كانت ~~بيعة أبى بكر فلتة وتمت ، ألا وإنها قد كانت كذلك ، ولكن الله وقى شرها ، ~~وليس منكم من تقطع الأعناق إليه مثل أبى بكر ، من بايع رجلا عن غير مشورة ~~من المسلمين ، فلا يبايع هو ولا الذى بايعه تغرة أن يقتلا ، وإنه قد كان من ~~خبرنا حين توفى الله نبيه - صلى الله عليه ms2941 وسلم - أن الأنصار خالفونا ، ~~واجتمعوا بأسرهم فى سقيفة بنى ساعدة ، وخالف عنا علي والزبير ومن معهما ، ~~واجتمع المهاجرون إلى أبى بكر ، فقلت لأبى بكر : يا أبا بكر ، انطلق بنا ~~إلى إخواننا هؤلاء من الأنصار ، فانطلقنا نريدهم ، فلما دنونا منهم لقينا ~~منهم رجلان صالحان ، فذكرا ما تمالأ عليه القوم ، فقالا : أين تريدون يا ~~معشر المهاجرين ؟ فقلنا : نريد إخواننا هؤلاء من الأنصار ، فقالا : لا ~~عليكم أن لا تقربوهم ، اقضوا أمركم ، فقلت : والله لنأتينهم ، فانطلقنا حتى ~~أتيناهم فى سقيفة بنى ساعدة ، فإذا رجل مزمل بين ظهرانيهم ، فقلت : من هذا ~~؟ فقالوا : هذا سعد بن عبادة ، فقلت : ما له ؟ قالوا : يوعك ، فلما جلسنا ~~قليلا ، تشهد خطيبهم ، فأثنى على الله بما هو أهله ، ثم قال : أما بعد ، ~~فنحن أنصار الله وكتيبة الإسلام ، وأنتم معشر المهاجرين رهط ، وقد دفت دافة ~~من قومكم ، فإذا هم يريدون أن يختزلونا من أصلنا ، وأن يحضنونا من ~~PageV08P454 الأمر ، فلما سكت أردت أن أتكلم ، وكنت قد زورت مقالة أعجبتنى ~~أريد أن أقدمها بين يدى أبى بكر ، وكنت أدارى منه بعض الحد ، فلما أردت أن ~~أتكلم ، قال أبو بكر : على رسلك ، فكرهت أن أغضبه ، فتكلم أبو بكر ، فكان ~~هو أحلم منى ، وأوقر ، والله ما ترك من كلمة أعجبتنى فى تزويرى إلا قال فى ~~بديهته مثلها ، أو أفضل منها ، حتى سكت ، فقال : ما ذكرتم فيكم من خير ، ~~فأنتم له أهل ، ولن يعرف هذا الأمر إلا لهذا الحى من قريش ، هم أوسط العرب ~~نسبا ودارا ، وقد رضيت لكم أحد هذين الرجلين ، فبايعوا أيهما شىءتم ، فأخذ ~~بيدى وبيد أبى عبيدة بن الجراح ، وهو جالس بيننا ، فلم أكره مما قال غيرها ~~، كان والله أن أقدم فتضرب عنقى لا يقربنى ذلك من إثم ، أحب إلى من أن ~~أتأمر على قوم فيهم أبو بكر ، اللهم إلا أن تسول إلى نفسى عند الموت شيئا ~~لا أجده الآن ، فقال قائل من الأنصار : أنا جذيلها المحكك ، وعذيقها المرجب ~~، منا أمير ، ومنكم أمير يا معشر قريش ، فكثر اللغط ، وارتفعت الأصوات حتى ~~فرقت من الاختلاف ms2942 ، فقلت : ابسط يدك يا أبا بكر ، فبسط يده ، فبايعته ~~وبايعه المهاجرون ، ثم بايعته الأنصار ، ونزونا على سعد بن عبادة ، فقال ~~قائل منهم ، قتلتم سعد بن عبادة ، فقلت : قتل الله سعد بن عبادة ، قال عمر ~~: وإنا والله ما وجدنا فيما حضرنا من أمر أقوى من مبايعة أبى بكر ، خشينا ~~إن فارقنا القوم ، ولم تكن بيعة أن يبايعوا رجلا منهم بعدنا ، فإما ~~بايعناهم على ما لا نرضى ، وإما نخالفهم ، فيكون فساد ، فمن بايع رجلا على ~~PageV08P455 غير مشورة من المسلمين ، فلا يتابع هو ولا الذى بايعه تغرة أن ~~يقتلا . أما قوله : باب رجم الحبلى من الزنا إذا أحصنت فمعناه : باب هل يجب ~~على الحبلى رجم أم لا ؟ وأجمع العلماء أن الحبلى من الزنا لا رجم عليها حتى ~~تضع . واختلفوا إذا وضعت متى يجب عليها الرجم . فقال مالك : إذا وضعت حدت ~~إذا وجد للمولود من يرضعه وإن لم يوجد أخرت حتى ترضعه وتفطمه خوف هلاكه . ~~وقال الشافعى : لا ترجم حتى تفطمه كما فعل - صلى الله عليه وسلم - فى ~~المرجومة على ما رواه مالك فى الموطأ . وقال الكوفيون : ترجم بعد الوضع على ~~ما رواه عمران بن حصين أن امرأة أتت النبى - صلى الله عليه وسلم - فذكرت ~~أنها زنت فأمر بها أن تقعد حتى تضعه ، فلما وضعته أتته فأمر بها فرجمت وصلى ~~عليها . واختلفوا فى المرأة توجد حاملا ولا زوج لها ، فقال مالك : إن قالت ~~استكرهت أو تزوجت . أن ذلك لا يقبل منها ويقام عليها الحد ؛ إلا أن تقيم ~~بينة على ما ادعت من ذلك ، أو تجئ بدماء أو استغاثت حتى أتت وهى على ذلك . ~~وقال ابن القاسم : إن كانت غريبة طارئة فلا حد عليها . وقال الكوفيون ~~والشافعى : إذا وجدت حاملا ولا زوج لها فلا حد عليها إلا أن تقر بالزنا أو ~~تقوم عليها بينة ، ولم يفرقوا بين طارئة وغيرها واحتجوا بقوله - صلى الله ~~عليه وسلم - : ( ادرءوا الحدود بالشبهات ) . PageV08P456 وحجة مالك : قول ~~عمر بن الخطاب فى هذا الحديث : ( الرجم فى كتاب الله حق على من زنا ms2943 إذا ~~قامت البينة أو كان الحبل أو الاعتراف ) فسوى بين البينة والإقرار وبين ~~وجود الحبل فى أن ذلك كله موجب للرجم . وقد روى مثل هذا القول عن عثمان ~~وعلى وابن عباس ، ولا مخالف لهم من الصحابة . وفى هذا الحديث ضروب من العلم ~~منها : قول ابن عباس : ( كنت أقرئ رجالا من المهاجرين ) يعنى أقرئهم القرآن ~~، ففيه أن العلم يأخذه الكبير عن الصغير ؛ لأن ابن عباس لم يكن من ~~المهاجرين لصغر سنة . قال المهلب : وقول القائل : ( لو مات عمر بايعت فلانا ~~) يعنى رجلا من الأنصار ففيه أن رفع مثل هذا لخبر إلى السلطان واجب لما ~~يخاف من الفتنة على المسلمين ، ألا ترى إنكار عمر تلك المقالة ، وقال : ( ~~لن يعرف هذا الأمر إلا لهذا الحى من قريش ) والمعروف هو الشىء الذى لا يجوز ~~خلافه . وهذا يدل أنه لم يختلف فى ذلك على عهد النبى - صلى الله عليه وسلم ~~- ولو اختلف فيه لعلم الخلاف فيه ، والمعروف ما عرفه أهل العلم وإن جهله ~~كثير من غيرهم كما أن المنكر ما أنكره أهل العلم . والدلائل على أن الخلافة ~~فى قريش كثيرة منها أنه - صلى الله عليه وسلم - أوصى بالأنصار من ولى أمر ~~المسلمين أن يقبل من محسنهم ويتجاوز عن مسيئهم ، فأخبر أنهم مستوصى بهم ~~محتاجون أن يتقبل PageV08P457 إحسانهم ويتجاوز عن إساءتهم ، وفى هذا دليل ~~واضح أنه ليس لهم فى الخلافة حق ، وكذلك قال عمر : إنى لقائم العشية ~~فمحذرهم هؤلاء الذين يريدون أن يغصبوهم أمورهم . فالغصب لا يكون إلا أخذ ما ~~لا يجب وإخراج الأمر عن قريش هو الغصب . قال المهلب : وفى قول عبد الرحمن ~~لعمر حين أراد أن يقوم فى الموسم دليل على جواز الاعتراض على السلطان فى ~~الرأى إذا خشى من ذلك الفتنة واختلاف الكلمة . وقوله : ( إنى أخاف ألا ~~يعوها ولا يضعوها مواضعها ) ففيه دليل أنه لا يجب أن يوضع دقيق العلم إلا ~~عند أهل الفهم له والمعرفة بمواضعه . وقوله : ( يطيرها عنك كل مطير ) دليل ~~أنه لا يجب أن يحدث بكل حديث يسبق منه إلى ms2944 الجهال الإنكار لمعناه ؛ لما ~~يخشى من افتراق الكلمة فى تأويله . وقوله : ( أمهل حتى تقدم المدينة ) ~~الفضل كله فيه ، وفيه دليل على أن أهل المدينة مخصوصون بالعلم والفهم ، ألا ~~ترى اتفاق عمر مع عبد الرحمن على ذلك ورجوعه إلى رأيه . وفيه : الحرص على ~~المسارعة إلى استماع العلم ، وأن الفضل فى القرب من العالم . وأما قوله ~~لسعيد بن زيد : ( ليقولن اليوم مقالة ) أراد أن ينبهه ليحضر فهمه لذلك . ~~PageV08P458 وأما إنكار سعيد عليه فلعلمه باستقرار الأمور من الفرائض ~~والسنن عندهم وقوله : ( فمن عقلها ووعاها فليحدث بها ) يعنى على حسب ما وعى ~~وعقل . وفيه : الحض لأهل الضبط والفهم للعلم على تبليغه ونشره . وفى قوله : ~~( ومن خشى ألا يعقلها فلا أحل له أن يكذب على ) . النهى لأهل التقصير ~~والجهل عن الحديث بما لم يعلموه ولا ضبطوه ، وإدخاله فى هذا الحديث آية ~~الرجم وأنها نزلت على النبى - صلى الله عليه وسلم - وقرئت وعمل بها . ثم ~~قوله : ( لا ترغبوا عن آبائكم ) أنه كان أيضا من القرآن ورفع خطه ، فمعنى ~~ذلك أنه لا يجب لأحد أن يتنطع فيما لا نص فيه من القرآن ، وفيما لا يعلم من ~~سنته - صلى الله عليه وسلم - . ويتسور برأيه فيقول ما لا يحل له مما سولت ~~له نفسه الأمارة بالسوء ، وبما نزغ به الشيطان فى قلبه حتى يسأل أهل العلم ~~بالكتاب والسنة عنه كما تنطع الذى قال : ( لو مات عمر لبايعت فلانا ) لما ~~لم يجد الخلافة فى قريش مرسومة فى كتاب الله فعرفه عمر أن الفرائض والسنن ~~والقرآن منه ما ثبت حكمه عند أهل العلم به ورفع خطه فلذلك قدم عمر هاتين ~~القصتين اللتين لا نص لهما فى كتاب الله ، وقد كانتا فى كتاب الله ولا يعلم ~~ثبات حكمها إلا أهل العلم كما لايعرف أهل بيت الخلافة ولمن تجب إلا من عرف ~~مثل هذا الذى يجهله كثير من الناس . وقوله : ( أخشى إن طال بالناس زمان ) ~~فيه دليل على دروس العلم PageV08P459 مع مرور الزمن ، ووجود الجاهلين ~~السبيل إلى التأويل بغير علم فيضلوا ويضلوا كما ms2945 قال - صلى الله عليه وسلم - ~~. وقوله : ( كفر بكم أن ترغبوا عن آبائكم ) أى كفر حق ونعمة . وقوله : ( لا ~~تطرونى ) عرفهم ما خشى عليهم جهله ، والغلو فيه كما صنعت النصارى فى قولهم ~~لعيسى أنه ابن الله عز وجل . وقولهم : ( إن بيعة أبى بكر كانت فلتة ) وقول ~~عمر : إنها كانت كذلك فلتة . فقال أبو عبيد : معنى الفلتة الفجأة ، وإنما ~~كانت كذلك ، لأنها لم ينتظر بها العوام ، وإنما ابتدرها أكابر أصحاب محمد ~~من المهاجرين وعامة الأنصار إلا تلك الطيرة التى كانت من بعضهم ثم أضعفوا ~~له كافتهم أنه ليس لأبى بكر منازع ، ولا شريك فى الفضل ، ولم يكن يحتاج فى ~~أمره إلى نظر ولا مشاورة فلهذا كانت فلتة وقى الله بها الإسلام وأهله شرها ~~. وقال الكرابيسى : فى قولهم ( كانت فلتة ) لأنهم تفلتوا فى ذهابهم إلى ~~الأنصار وبايعوا أبا بكر فى حضرتهم وفيهم من لا يعرف ما يجب عليه ، فقال ~~قائل منهم : ( منا أمير ومنكم أمير ) وقد ثبت عن النبى - صلى الله عليه ~~وسلم - أن الخلافة فى قريش فإما بايعناهم على ما يجوز لنا ، وإما قاتلناهم ~~على ذلك فهى الفلتة . ألا ترى قول عمر : ( والله ما وجدنا فيما حضرنا من ~~أمر أقوى من بيعة أبى بكر ، ولأن أقدم فيضرب عنقى أحب إلى من أن أتأمر على ~~قوم فيهم أبو بكر ) فهذا يدل أن قول عمر : ( كانت فلتة ) لم يرد مبايعة أبى ~~بكر ، وإنما أراد ما وصفه الأنصار عليهم ، وما كان من أمر سعد بن عبادة ~~وقومه . PageV08P460 وقول عمر : ( قتل الله سعدا ) قال أبو عبيد : ولو ~~علموا أن فى أمر أبى بكر شبهة وأن بين الخاصة والعامة فيه اختلافا ما ~~استجازوا الحكم عليهم بعقد البيعة ، ولو استجازوه ما أجازه الآخرون إلا ~~بمعرفة منهم به متقدمة . ويدل على ذلك ما رواه النسائى عن قتيبة ، عن حميد ~~بن عبد الرحمن ، عن سلمة بن نبيط ، عن نعيم ، عن أبى هند ، عن نبيط بن شريط ~~، عن سالم بن عبيد وذكر موت النبى - صلى الله عليه وسلم - ثم قال : خرج ms2946 أبو ~~بكر فاجتمع المهاجرون يتشاورون بينهم ، ثم قال : انطلقوا إلى إخواننا ~~الأنصار . فقالت : منا أمير ومنكم أمير . فقال عمر : سيفان فى غمد إذا لا ~~يصطلحان ، ثم أخذ بيد أبى بكر فقال : من له هذه الثلاث : إذ يقول لصاحبه لا ~~تحزن إن الله معنا ، من صاحبه إذ هما فى الغار ، مع من هما ؟ ثم بايعه ~~الناس أحسن بيعة وأجملها . فدل هذا الحديث أن القوم لم يبايعوه إلا بعد ~~التشاور والتناظر واتفاق الملأ منهم الذين هم أهل الحل والعقد على الرضا ~~بإمامته ، والتقديم لحقه . ولقولهم ( كانت فلتة ) تفسير آخر . قال ثعلب ~~وابن الأعرابى : الفلتة عند العرب : آخر ليلة من الأشهر الحرم يشك فيها ~~فيقول قوم : هى من شعبان ، ويقول قوم : هى من رجب ؛ وبيان هذا أن العرب ~~كانوا يعظمون الأشهر الحرم ولا يقاتلون فيها ، ويرى الرجل قاتل أبيه فلا ~~يمسه ، فإذا كان آخر ليلة منها ربما شك قوم فقال قوم : هى من الحل ، وقال ~~بعضهم : من الحرم . فيبادر الموتور فى تلك الليلة فينتهز الفرصة فى إدراك ~~ثأره غير معلوم أن ينصرم الشهر الحرام عن يقين ، PageV08P461 فيكثر تلك ~~اليلة سفك الدماء وشن الغارات ، فشبه عمر أيام حياة رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - وما كان الناس عليه فى عهده من اجتماع الكلمة وشمول الألفة ~~ووقع الأمنة بالشهر الحرام الذى لا قتال فيه ، ولا نزاع وكان موته - صلى ~~الله عليه وسلم - شبيهة القصة بالفلتة التى هى خروج من الحرم لما نجم عند ~~ذلك من الخلاف وظهر من الفساد وما كان من أهل الردة ، ومنع العرب الزكاة ، ~~وتخلف من تخلف من الأنصار جريا منهم على عادة العرب ألا يسود العرب القبيلة ~~إلا رجل منها ؛ فوقى الله شرها بتلك البيعة المباركة التى كانت جماعا للخير ~~ونظاما للكلمة ) وقد روينا نص هذا المعنى عن سالم بن عبد الله ؛ روى سيف ، ~~عن مبشر ، عن سالم بن عبد الله قال : قال عمر : كانت إمارة أبى بكر فلتة ~~وقى الله شرها ، قلت : ما الفلتة ؟ قال : كان أهل الجاهلية يتحاجزون فى ms2947 ~~الحرم فإذا كانت الليلة التى يشك فيها أدغلوا فأغاروا ، وكذلك كانوا يوم ~~مات رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أدخل الناس من بين مدع إمارة أو جاحد ~~زكاة ، فلولا اعتراض أبى بكر دونها لكانت الفضيحة ذكره الخطابى . فإن قيل : ~~فما معنى قول أبى بكر : ( وليتكم ولست بخيركم ) ؟ قيل : هذا من فضله ألا ~~يرى لنفسه فضلا على غيره ، وهذه صفة الخائفين لله الذين لا يعجبون بعمل ولا ~~يستكثرون له مهج أنفسهم وأموالهم . قال الحسن : والله ما خلق الله بعد ~~النبيين أفضل من أبى بكر . قالوا : ولا مؤمن من آل فرعون ؟ قال : ولا مؤمن ~~من آل فرعون . PageV08P462 وروى الزهرى عن أنس قال : سمعت عمر بن الخطاب ~~يقول حين بويع أبو بكر : إن الله قد جمع أمركم على خيركم صاحب رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - وثانى اثنين إذ هما فى الغار أبو بكر فبايعوه بيعة ~~عامة . قال المهلب : وقوله : ( قد خالف عنا على والزبير ) فليس هذا خلاف فى ~~الرأى والمذهب وإنما هو فى الاجتماع والحضور . وفى إشارة عمر على أبى بكر ~~أن يأتى الأنصار دليل على أنه إذا خشى من قوم فتنة وألا يجيبوا إلى الإقبال ~~إلى أمر من فوقهم أن ينهض إليهم من فوقهم ، ويبين لجماعتهم الحق قبل أن ~~يحكم بذلك الرأى ويقضى به ؛ ألا ترى إلى إجابة أبى بكر إلى ذلك وهو الإمام ~~. وأما قول الرجلين من الأنصار ( فلا تقربوهم واقضوا أمركم ) فإنه يدل أن ~~الأنصار لم تطبق على دعواها فى الخلافة ، وإنما ادعى ذلك الأقل . وقول ~~الأنصار : ( نحن كتيبة الله ) فإن ذلك لا ينكر من فضلهم كما قال أبو بكر ، ~~قال : ولكن لا يعرف هذا الأمر إلا لهذا الحى من قريش أى لا يخرج هذا الأمر ~~عنهم . وقوله : ( أوسط العرب نسبا ) أى أعدل وأفضل ، ومنه قوله تعالى : { ~~وكذلك جعلناكم أمة وسطا } [ البقرة : 143 ] أى عدلا . وقول أبى بكر : ( قد ~~رضيت لكم أحد الرجلين ) هو أدب منه ، خشى أن يزكى نفسه ، فيعد ذلك عليه . ~~وقوله : ( أحد هذين الرجلين ) يدل أنه ms2948 لا يكون للمسلمين أكثر من ~~PageV08P463 إمام واحد ، وقد جاء عن النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( ~~اقتلوا الآخر منهما ) وقد تؤول قوله : ( اقتلوا الآخر منهما ) بمعنى اخلعوه ~~واجعلوه كمن قتل ومات بألا تقبلوا له قولا ، ولا تقيموا له دعوة حتى يكون ~~فى أعداد من قتل وبطل . وفيه جواز إمامة المفضول إذا كان من أهل الغناء ~~والكفاية ، وقد قدم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أسامة على جيش فيه ~~أبو بكر وعمر . وقول عمر : ( لم أكره من مقالته غيرها ) يعنى إشارته ~~بالخلافة إلى عمر لما ذكر أن يقدم لضرب عنقه أحب إليه من التأمر والتقدم ~~للخلافة بحضرته . وقوله : ( إلا أن تسول لى نفسى ) محافظة لما حلف عليه ، ~~ولمعرفته بالله من تقليب القلوب ، فأخذ فى هذا بأبلغ العذر . وقول الحباب ~~بن المنذر : ( أنا جذيلها المحكك وعذيقها المرجب ) قال أبو عبيد عن الأصمعى ~~: الجذيل : تصغير جذل ، وجذل : وهو عود ينصب للإبل الجربى ، تحتك به من ~~الجرب ، فأراد أن يستشفى برأيه كما كان تستشفى الإبل بالاحتكاك بذلك العود ~~، والعذيق : تصغير عذق . والعذق ، بفتح العين ، النخلة نفسها ، فأينما مالت ~~النخلة الكريمة بنوا من ناحيتها المائل بناء مرتفعا يدعمها لكيلا تسقط ، ~~فذلك الترجيب ، ولا يرجب إلا كرام النخل ، والترجيب : التعظيم ، يقال : ~~رجبت الرجل رجبا : أى عظمته ، وإنما صغرهما جذيل وعذيق على وجه المدح ، ~~وإنما وصفهما بالكرم . قال المهلب : وقول عمر : ( ابسط يدك يا أبا بكر ) ~~وإجابة أبى PageV08P464 بكر له بعد أن قال : ( قد رضيت لكم أحد الرجلين ) ~~دليل على أنه لم يحل له أن يتخلف عما قدمه رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- بالدليل من الصلاة ، وهى عمدة الإسلام ، وبقوله للمرأة : ( إن لم تجدينى ~~فائتى أبا بكر ) . فإن قيل : كيف جاز له أن يجعل الأمر لأحد هذين الرجلين ، ~~وقد علم بالدليل الواضح استخلاف النبى - صلى الله عليه وسلم - له ؟ قيل : ~~ليس فى قوله ذلك تخلية له من الأمر إذ كان الرضى موقوفا إليه والاختيار ، ~~وليس ذلك بمخرجه أن يرضى نفسه أهلا له ، وإنما تأدب إذ لم يقل ms2949 رضيت لكم ~~نفسى ، فلم يجز أحدهما أن يرى نفسه أهلا لها فى زمن فيه أبو بكر . وقد روى ~~أن عمر قال لهم : ( أيكم تطيب نفسه أن يؤخر أبا بكر عن مقام أقامه فيه رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - ؟ فقال الأنصار بجمعهم : لا ، وكذلك قال عمر : ~~( إنا والله ما وجدنا فيما حضرنا من أمرنا أقوى من مبايعة أبى بكر ) يعنى ~~فى قطع الخلاف ، وبرضى الجماعة به ، وإقرارهم بفضله . وقوله : ( ونزونا على ~~سعد بن عبادة ) أى درسناه ووثبنا عليه فى متابعتهم إلى البيعة ، والنزوان : ~~الوثوب . وفيه الدعاء على من تخشى منه الفتنة . وقال الخطابى : معنى قوله : ~~( قتل الله سعدا ) : أى اجعلوه كمن قتل ، واحسبوه فى عدد من مات ، ولا ~~تعتدوا بمشهده ، وذلك أن سعدا أراد فى ذلك المقام أن ينصب أميرا على قومه ، ~~PageV08P465 على مذهب العرب فى الجاهلية ألا يسود القبيلة إلا رجلا منها ، ~~وكان حكم الإسلام خلاف ذلك ، فرأى عمر إبطاله بأغلظ ما يكون من القول ~~وأشنعه ، وكل شىء أبطلت فعله وسلبت قوته فقد قتلته وأمته ، وكذلك قتلت ~~الشراب إذا مزجته لتكسر شدته . وقوله : ( وليس فيهم من تقطع الأعناق له مثل ~~أبى بكر ) يريد أن السابق منكم لا يلحق شأوه فى الفضل ، ولا يكون أحد مثله ~~، لأنه أسبق السابقين . وقوله : ( تغرة أن يقتلا ) : قال أبو عبيد : التغرة ~~: التغرير ، يقال : غررت بالقوم تغريرا وتغرة ، وكذلك يقال فى المضاعف خاصة ~~، كقولك : حللت اليمين تحليلا وتحلة ، وإنما أراد عمر أن فى بيعتهما تغريرا ~~بأنفسهما للقتل وتعرضا له فنهاهما عنه ، وأمر ألا يؤمر واحد منهم لئلا يطمع ~~فى ذلك ، فيفعل هذا الفعل . قال أبو عمرو : الدافة : القوم يسيرون جماعة ~~سيرا ليس بالشديد ، يقال : هم يدفون دفيفا . وقوله : ( تحصنونا من الأمر ) ~~يقال : حصنت الرجل من الشىء وأحصنته : أخرجته منه ، وقال الأصمعى : التزوير ~~: إصلاح الكلام وتهيئته . وقال أبو زيد : المزور من الكلام والمزوق واحد ، ~~وهو المصلح المحسن ، وكذلك الخط إذا قوم أيضا . PageV08P466 * * * # | 12 - باب البكرين يجلدان وينفيان : { الزانية والزانى فاجلدوا كل واحد ~~منهما مائة جلدة } الآية ms2950 [ النور : 2 ] # قال ابن علية : رأفة إقامة الحدود . / 17 - فيه : زيد بن خالد ، وأبو ~~هريرة : ( سمعت النبى - صلى الله عليه وسلم - يأمر فيمن زنى ولم يحصن جلد ~~مائة وتغريب عام ) . قال عروة : إن عمر بن الخطاب غرب ، ثم لم تزل تلك ~~السنة . أجمع العلماء أن قوله تعالى : { الزانية والزانى فاجلدوا كل واحد ~~منهما مائة جلدة } [ النور : 2 ] فى زنا الأبكار خاصة لما ثبت فى حد الثيب ~~أنه الرجم ، وقول عمر على رءوس الناس : ( الرجم فى كتاب الله حق على من زنا ~~إذا أحصن ) ، ولم يكن فى الصحابة مخالف فكان إجماعا ، قال ابن المنذر : وهو ~~قول الخلفاء الراشدين ، يعنى تغريب البكر الزانى بعد جلده ، روى ذلك عن أبى ~~بكر الصديق ، وعمر بن الخطاب ، وعثمان ، وعلى ، وأبى بن كعب ، وابن عمر ، ~~وبه قال آئمة الأمصار وخالف ذلك أبو حنيفة ومحمد ، فقالا : لا نفى على زان ~~، وإنما عليه الجلد خاصة . قالوا : وهو ظاهر كتاب الله تعالى وليس فيه نفى ~~، ولا معنى لهذا القول بخلافه للسنة الثابتة ، ألا ترى أنه - صلى الله عليه ~~وسلم - أقسم فى حديث العسيف ليقضين بينهما بكتاب الله ، فقضى بالجلد ~~والتغريب على العسيف ، فكان فعله بيانا لكتاب الله وهو إجماع الصحابة ، ~~وعليه عامة العلماء ، فسقط قول من خالفه . واختلفوا فى المسافة التى ينفى ~~إليها الزانى ، فروى عن عمر بن PageV08P467 الخطاب أنه قال : فدك . ومثله ~~عن ابن عمر . وعن على بن أبى طالب : من الكوفة إلى البصرة . وقال الشعبى : ~~ينفيه من عمله إلى غير عمله . وقال مالك : يغرب عاما فى بلد يحبس فيه لئلا ~~يرجع إلى البلد الذى نفى منه . وقال عبد الملك : ينفى إلى فدك ، وإلى مثل ~~الحار من المدينة . وقال أحمد : ينفى إلى قدر ما تقصر فيه الصلاة . وقال ~~أبو ثور : إلى ميل وأقل من ذلك . قال ابن المنذر : ويجزئ فى ذلك ما يقع ~~عليه اسم النفى قل أو كثر ، ولا حجة لمن جعل لذلك حدا . واختلفوا فى ~~المواضع التى تضرب ، فقال مالك : الحدود كلها أو التعزير لا تضرب ms2951 إلا فى ~~الظهر . وقال أبو حنيفة : تضرب الأعضاء كلها إلا الفرج والرأس والوجه . ~~وروى عن عمر وابن عمر أنهما قالا : لا يضرب الرأس . وقال الشافعى : يتقى ~~الفرج والوجه . وروى ذلك عن على ، رضى الله عنه . * * * # | 13 - باب نفى أهل المعاصى والمخنثين # / 18 - فيه : ابن عباس ، قال : ( لعن النبى - صلى الله عليه وسلم - ~~المخنثين من الرجال ، والمترجلات من النساء ، وقال : أخرجوهم من بيوتكم ، ~~وأخرج فلانا ، وأخرج عمر فلانا ) . وقد تقدم هذا الباب فى كتاب الأشخاص ~~والملازمة ، وفى كتاب الأحكام إلا أنه ذكر فيهما حديث أبى هريرة : ( أن ~~النبى - صلى الله عليه وسلم - أراد أن يحرق بيوت المتخلفين عن الصلاة معه ) ~~ولم يخرج هذا الحديث وسيأتى فى هذا الحديث فى مثل هذا الباب بعينه ~~PageV08P468 فى كتاب اللباس ، وهناك أولى أن نتكلم فيه إن شاء الله تعالى ~~ونذكر هنا منه طرفا . قال المؤلف : إنما ذكر هذا الباب بعد نفى الزانى ، ~~وإن كان قد كرره فى غير موضع من كتابه ليعرفك أن التغريب على الزانى واجب ؛ ~~لأن النبى - صلى الله عليه وسلم - لما نفى من أتى من المعاصى ما لا حد فيه ~~، فنفى من أتى ما فيه من الحد أوجب وأوكد فى النظر لو لم يكن فى نفى الزانى ~~سنة ثابتة لتبين خطأ أبى حنيفة فى القياس . وقال المهلب : لعنة النبى - صلى ~~الله عليه وسلم - المخنثين من الرجال ، والمترجلات من النساء ، وأمره ~~بإخراجهم يدل على نفى كل من خشيت منه فتنة على الناس فى دين أو دنيا ، وهذا ~~الحديث أصل لذلك ، والله الموفق . * * * # | 14 - باب من أمر غير الإمام بإقامة الحد غائبا عنه # / 19 - فيه : حديث أبى هريرة وزيد فى العسيف ، ( واغد يا أنيس على امرأة ~~هذا ، فارجمها ، فغدا أنيس فرجمها ) . وترجم له : باب هل يأمر الإمام رجلا ~~فيضرب الحد غائبا عنه ؟ وقد فعله عمر ، وهذان البابان معناهما واحد ، وترجم ~~له فى كتاب الأحكام باب : هل يجوز للإمام أن يبعث رجلا وحده للنظر فى ~~الأمور . لا معنى للكلام فى هذه الأبواب فقد تكرر ، وقد ms2952 ذكر هذا المعنى فى ~~كتاب الوكالات ، وترجم لحديث العسيف باب الوكالات فى الحدود ، ومعناها كلها ~~أن الإمام يجوز له أن يبعث رجلا واحدا يقوم PageV08P469 مقامه فى إقامة ~~الحدود ، وتنفيذ الأحكام ، وأن الواحد يجوز فى ذلك ، وليس من باب الشهادات ~~التى لا يجوز فيها إلا رجلان فصاعدا . * * * # | 15 - باب قول الله تعالى : { ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات ~~المؤمنات } إلى قوله { فإذا أحصن فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على ~~المحصنات من العذاب } [ النساء : 25 ] { مسافحات } : زوانى ، { ولا متخذات ~~أخدان } : أخلاء . # / 20 - فيه : أبو هريرة ، وزيد بن خالد أن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - سئل عن الأمة إذا زنت ولم تحصن ، قال : ( إذا زنت فاجلدوها ، ثم إن ~~زنت فاجلدوها ، ثم إن زنت فاجلدوها ، ثم بيعوها ، ولو بضفير ) . قال ابن ~~شهاب : لا أدرى أبعد الثالثة أو الرابعة . اختلف العلماء فى إحصان الأمة ~~غير ذات الزوج ما هو ؟ فقالت طائفة : إحصان الأمة تزويجها ، فإذا زنت ولا ~~زوج لها فعليها الأدب ، ولا حد عليها . هذا قول ابن عباس وطاوس وقتادة ، ~~وبه قال أبو عبيد . وقالت طائفة : إحصان الأمة إسلامها ، فإذا كانت الأمة ~~مسلمة وزنت وجب عليها خمسون جلدة سواء كانت ذات زوج ، أو لم تكن . روى هذا ~~القول عن عمر بن الخطاب فى رواية ، وهو قول على ، وابن مسعود ، وابن عمر ، ~~وأنس ، والنخعى ، وإليه ذهب مالك ، والليث ، والأوزاعى والكوفيون والشافعى ~~. PageV08P470 وقال إسماعيل فى قول من قال : فإذا أحصن : أسلمن بعد ؛ لأن ~~ذكر الأيمان قد تقدم لهن فى قوله : { من فتياتكم المؤمنات } [ النساء : 25 ~~] فيبعد أن يقال : من فتياتكم المؤمنات ، فإذا آمن ، ويجوز فى كلام الناس ~~على بعده فى التكرير ، وأمر القرآن ينزل على أحسن وجوهه وأبينها . وأما قول ~~من قال : فإذا أحصن : تزوجن ، فلا حد على الأمة حتى تزوج ، فإنهم ذهبوا فى ~~ذلك إلى ظاهر القرآن ، وأحسبهم لم يعلموا هذا الحديث : ( أن النبى - صلى ~~الله عليه وسلم - سئل عن الأمة إذا زنت ، ولم تحصن . فقال : اجلدوها ) ~~فالأمر عندنا أن الأمة إذا ms2953 زنت ، وقد أحصنت مجلودة بكتاب الله ، وهو قوله : ~~{ فإذا أحصن فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب } [ ~~النساء : 25 ] وإذا زنت قبل أن تحصن مجلودة بحديث رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - المذكور فى هذا الباب ، وإنما استوى الإحصان فيها وغير الإحصان ~~والله أعلم ؛ لأنه جعل عليها إذا زنت نصف ما على الحرائر من العذاب ، وكان ~~عذاب الحرائر فى الزنا فى موضع ، والجلد فى موضع فلما جعل ما على الأمة نصف ~~ما على الحرة من العذاب ؛ علمنا أن العذاب الذى ينتصف هو الجلد ؛ لأن الجلد ~~يكون له نصف ، والرجم لا يكون له نصف . وزعم أهل المقالة الأولى أنه لم يقل ~~فى هذا الحديث : ( ولم تحصن ) غير مالك ، وليس كما زعموا ، وقد رواه يحيى ~~بن سعيد ، عن ابن شهاب كما رواه مالك ، ورواه كذلك أيضا طائفة عن ابن عيينة ~~، عن الزهرى ، وإذا اتفق مالك ويحيى بن سعيد وابن عيينة فهو حجة على من ~~خالفهم ، وسيأتى ما بقى من معانى هذا الباب بعد هذا إن شاء الله تعالى . ~~PageV08P471 * * * # | 16 - باب لا يثرب على الأمة إذا زنت ولا تنفى # / 21 - فيه : أبو هريرة : قال - صلى الله عليه وسلم - : ( إذا زنت الأمة ~~، فتبين زناها فليجلدها ، ولا يثرب ، ثم إن زنت فليجلدها ، ولا يثرب ، ثم ~~إن زنت الثالثة ، فليبعها ، ولو بحبل من شعر ) . استدل بهذا الحديث من لم ~~يوجب النفى على النساء ، أحرارا كن أو إماء ، ولا على العبيد ، روى ذلك عن ~~الحسن وحماد ، وهو قول مالك ، والأوزاعى ، وعبيد الله بن الحسن ، وأحمد ، ~~وإسحاق ، وقال الشافعى وأبو ثور : على النساء النفى وعلى الإماء والعبيد . ~~وهو قول ابن عمر ، واحتج الشافعى بعموم قوله - صلى الله عليه وسلم - : ( من ~~زنا ولم يحصن فعليه جلد مائة وتغريب عام ) فعم ولم يخص ، واحتج أيضا بقوله ~~تعالى : { فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب } [ النساء : 25 ] ~~والتغريب له نصف . واحتج عليه مخالفه بقوله - صلى الله عليه وسلم - : ( إذا ~~زنت أمة أحدكم فليجلدها . . ثم إن زنت الثالثة فليبيعها ms2954 ) فدل هذا على سقوط ~~النفى عنها ؛ لأنه محال أن يأمر ببيع من لا يقدر مبتاعه على قبضه من بائعه ~~إلا بعد مضى ستة أشهر ، وأيضا فإن العبيد والإماء لا وطن لهم فيعاقبوا ~~بإخراجهم عنه ، وفى نفيهم قطع للسيد عن الخدمة وضرر ، ومما يدل أنه لا نفى ~~على النساء قوله - صلى الله عليه وسلم - : ( لا تسافر امرأة يوما وليلة إلا ~~مع ذى محرم ) فإن أخرجتم معها ذا محرم عاقبتم من زنا ومن لم يزن وهذا محال ~~، وإن قلتم إنها تغرب وحدها فقد خالفتم الخبر ؛ لأن النبى - صلى الله عليه ~~وسلم - نهاها أن تسافر وحدها ، وفى قوله - صلى الله عليه وسلم - : ( ~~فليجلدها ) إباحة للسيد أن يقيم الحدود على عبيده . PageV08P472 وقد اختلف ~~العلماء فى ذلك ، فقال الشافعى وأحمد وإسحاق وأبو ثور : للسيد أن يقيم ~~الحدود كلها على عبيده . وقال مالك والليث : يحده السيد فى الزنا وشرب ~~الخمر والقذف إذا شهد عنده الشهود لا بإقرار العبد إلا القطع خاصة فإنه لا ~~يقطعه إلا الإمام . وقال الكوفيون : لا يقيم الحدود كلها إلا الإمام خاصة ، ~~فإذا علم السيد أن عبده زنا يوجعه ضربا ولا يبلغ به الحد . وحجتهم ما روى ~~عن الحسن ، وعبد الله بن محيريز ، وعمر بن عبد العزيز أنهم قالوا : الجمعة ~~والحدود والزكاة والنفى والحكم إلى السلطان خاصة . وحجة القول الأول قوله - ~~صلى الله عليه وسلم - : ( إذا زنت أمة أحدكم فليجلدها ) وسائر الحدود قياسا ~~على الجلد الذى جعله النبى - صلى الله عليه وسلم - إلى السيد ، وروى عن ابن ~~عمر ، وابن مسعود ، وأنس وغيرهم أنهم أقاموا الحدود على عبيدهم ، ولا مخالف ~~لهم من الصحابة . وحجة مالك ظاهر حديث أبى هريرة ، وإنما استثنى القطع ؛ ~~لأن فيه مثلة بالعبد ، فيدعى السيد أن عبده سرق ليزيل عنه العتق الذى يلزمه ~~بالمثلة ، فمنع منه قطعا للذريعة ، وحد الزنا وغيره لا مثلة فيه ، فلا يتهم ~~عليه . وقد قال بعض أصحاب مالك : إن للسيد قطعه إذا قامت على ذلك بينة . ~~وقال ابن المنذر : يقال للكوفيين إذا جاز ضربه تعزيرا ، وذلك غير ms2955 واجب على ~~الزانى ، ومنع مما أطلقته السنة ، فذلك خلاف للسنة الثابتة . PageV08P473 ~~وقوله : ( فليجلدها ولا يثرب ) يدل أن كل من وجب عليه حد وأقيم عليه أنه لا ~~ينبغى أن يثرب عليه ولا يعدد ، وإنما يصلح التثريب واللوم قبل مواقعة الذنب ~~للردع والزجر عنه . وقوله - صلى الله عليه وسلم - : ( ثم ليبعها ولو بضفير ~~) معناه عند الفقهاء الندب والحض على مباعدة الزانية لما فى السكوت على ذلك ~~من خوف الرضى به ، وذلك ذريعة إلى تكثير أولاد الزنا ، وقد قالت أم سلمة : ~~( يا رسول الله ، أنهلك وفينا الصالحون ؟ قال : نعم إذا كثر الخبث ) . قال ~~بعض أهل العلم : الخبث : أولاد الزنا . وقال أهل الظاهر بوجوب بيع الأمة ~~إذا زنت الرابعة وجلدت ، ولم يقل به أحد من السلف ، وكفى بهذا جهلا ، ولا ~~يشتغل بهذا القول لشذوذه ، وقد نهى - صلى الله عليه وسلم - عن إضاعة المال ~~فكيف يأمر ببيع أمة لها قيمة بحبل من شعر لا قيمة له ؟ وإنما أراد بذلك ~~النهى عنها ، والأمر بمجانبتها ، فخرج لفظه - صلى الله عليه وسلم - على ~~المبالغة فى ذلك ، وهذا من فصيح كلام العرب . * * * # | 17 - باب أحكام أهل الذمة وإحصانهم إذا زنوا ورفعوا إلى الإمام # / 22 - فيه : ابن أبى أوفى : رجم النبى - صلى الله عليه وسلم - فقلت : ~~أقبل النور أم بعده ؟ قال : لا أدرى . وقال بعضهم : المائدة ، والأول أصح . ~~/ 23 - فيه : ابن عمر : ( إن اليهود جاءوا إلى رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - ، فذكروا له أن رجلا منهم وامرأة زنيا ، فقال لهم رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - : ما تجدون فى التوراة PageV08P474 فى شأن الرجم ؟ فقالوا ~~: نفضحهم ويجلدون ، قال عبدالله بن سلام : كذبتم ، إن فيها الرجم ، فأتوا ~~بالتوراة ، فنشروها ، فوضع أحدهم يده على آية الرجم ، فقرأ ما قبلها وما ~~بعدها ، فقال له عبدالله بن سلام : ارفع يدك ، فرفع يده ، فإذا فيها آية ~~الرجم ، قالوا : صدق يا محمد ، فيها آية الرجم ، فأمر بهما رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - فرجما ، فرأيت الرجل يحنى على المرأة يقيها الحجارة ) . ~~اختلف العلماء فى إحصان أهل ms2956 الذمة ، فقالت طائفة فى الزوجين الكتابيين ~~يزنيان ويرفعان إلينا : عليهما الرجم ، وهما محصنان ، هذا قول الزهرى ~~والشافعى وقال الطحاوى : وروى عن أبى يوسف أن أهل الكتاب يحصن بعضهم بعضا ، ~~ويحصن المسلم النصرانية ، ولا تحصنه النصرانية ، واحتج الشافعى بحديث ابن ~~عمر أن النبى - صلى الله عليه وسلم - رجم اليهوديين اللذين زنيا ، وقال : ~~إنما رجمتهما لأنهما كانا محصنين . وقال النخعى : لا يكونان محصنين حتى ~~يجامعا بعد الإسلام . وهو قول مالك والكوفيين ، قالوا : الإسلام من شرط ~~الإحصان ، وقالوا فى حديث ابن عمر : إن رجم النبى - صلى الله عليه وسلم - ~~اليهوديين اللذين زنيا بحكم التوراة حين سأل الأحبار عن ذلك ، إنما كان من ~~باب تنفيذ الحكم عليهم بكتابهم التوراة ، وكان ذلك أول دخوله - صلى الله ~~عليه وسلم - المدينة ، ثم نزل عليه القرآن بعد ذلك الذى نسخ خطه وبقى حكمه ~~، فالرجم لمن زنا ، فليس رجمه اليهوديين من باب إحصان الإسلام فى شىء ، ~~وإنما هو من باب تنفيذ الحكم عليهم بالتوراة ، وكان حكم التوراة بالرجم على ~~المحصن وغير المحصن ، وكان على النبى - صلى الله عليه وسلم - اتباعه والعمل ~~به ؛ لأن على كل نبى اتباع شريعة النبى الذى قبله حتى PageV08P475 يحدث ~~الله له شريعة تنسخها ، فرجم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - اليهوديين ~~على ذلك الحكم ، ثم نسخ الله تعالى ذلك بقوله : { واللاتى يأتين الفاحشة } ~~إلى { البيوت . . . . أو يجعل الله لهن سبيلا } [ النساء : 15 ] فجعل هذا ~~ناسخا لما قبله ، ولم يفرق فى ذلك بين المحصن ولا غيره ، ثم نسخ ذلك بالآية ~~التى بعدها ، ثم جعل الله لهن سبيلا ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- : ( خذوا عنى قد جعل الله لهن سبيلا ؛ البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام ~~، والثيب بالثيب جلد مائة والرجم ) ففرق حينئذ بين حد المحصن وغير المحصن . ~~هذا قول الطحاوى ، ونزل بعد هذا على النبى - صلى الله عليه وسلم - : { أولم ~~يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم } [ العنكبوت : 51 ] ، فلم يحكم ~~بعد هذه الآية بين أهل الكتاب إذا تحاكموا إليه إلا بالقرآن ، إلا أن ms2957 ~~العلماء اختلفوا فى أهل الذمة إذا تحاكموا إلينا ، فقالت طائفة : الإمام ~~مخير فى ذلك إن شاء حكم بينهم ، روى هذا عن ابن عباس ، وعطاء ، والشعبى ، ~~والنخعى ، وهو قول مالك ، وأحد قولى الشافعى ، وجعلوا قوله تعالى : { فاحكم ~~بينهم أو أعرض عنهم } [ المائدة : 42 ] محكمة غير منسوخة . وقال آخرون : ~~واجب على الحاكم أن يحكم بينهم ، وزعموا أن قوله تعالى : { وأن احكم بينهم ~~بما أنزل الله } [ المائدة : 49 ] ناسخ للتخيير فى الحكم بينهم . روى هذا ~~عن مجاهد وعكرمة ، وبه قال أبو حنيفة وأصحابه ، وقول الشافعى الثانى . ~~وتأول الأولون قوله : { وأن احكم بينهم بما أنزل الله } [ المائدة : 49 ] ~~إن حكمت . PageV08P476 * * * # | 18 - باب إذا رمى امرأته أو امرأة غيره بالزنا عند الحاكم والناس ، هل ~~على الحاكم أن يبعث إليها فيسألها عما رميت به ؟ # / 24 - فيه : أبو هريرة وزيد بن خالد : أن رجلين اختصما إلى رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - ، فقال أحدهما : اقض بيننا بكتاب الله ، وقال الآخر : ~~وهو أفقههما ، أجل ، يا رسول الله ، فاقض بيننا بكتاب الله ، وأذن لى أن ~~أتكلم ، قال : تكلم ، قال : إن ابنى كان عسيفا على هذا ، قال مالك : ~~والعسيف الأجير ، فزنى بامرأته ، فأخبرونى أن على ابنى الرجم ، فافتديت منه ~~بمائة شاة وبجارية لى ، ثم إنى سألت أهل العلم ، فأخبرونى أن ما على ابنى ~~جلد مائة وتغريب عام ، وإنما الرجم على امرأته ، فقال رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - : أما والذى نفسى بيده لأقضين بينكما بكتاب الله أما غنمك ~~وجاريتك فرد عليك ، وجلد ابنه مائة وغربه عاما ، وأمر أنيسا الأسلمى أن ~~يأتى امرأة الآخر ، فإن اعترفت ، فارجمها ، فاعترفت فرجمها ) . أجمع ~~العلماء أن من قذف امرأته أو امرأة غيره أو رجلا بالزنا فلم يأت على ذلك ~~بالبينة أن الحد يلزمه إلا أن يقر له المقذوف بالحد ويعترف به ، فلهذا وجب ~~على الحاكم أن يبعث إلى المرأة يسألها عما رميت به لأنه لا يلزمها الحد عند ~~عدم البينة إلا بإقرارها ، ولو لم تعترف المرأة فى هذا الحديث لوجب على ~~والد العسيف الحد لقذفه ms2958 لها ، ولم يلزمه الحد لو لم يعترف ابنه بالزنا ؛ ~~لأنه يسقط عنه حد القذف لابنه . واختلف العلماء فيمن أقر بالزنا بامرأة ~~معينة وجحدت المرأة قال مالك : يقام عليه حد الزنا ، وإن طلبت حد القذف ~~أقيم عليه أيضا ، PageV08P477 وكذلك لو أقرت هى ، وأنكر هو ، وقال أبو ~~حنيفة والأوزاعى : عليه حد القذف ، ولا حد عليه للزنا . وقال أبو يوسف ~~ومحمد والشافعى : من أقر منهما فإنما عليه حد الزنا فقط . والحجة لقول مالك ~~أن حد الزنا واجب عليه بإقراره ، وليس إقراره دليلا على صدقه على المقذوف ؛ ~~لأنا لو علمنا صدقه بالبينة أو بإقرار المرأة لم يجب عليه الحد ، فلما لم ~~يكن إلى البينة ولا إلى إقرار المرأة سبيل وجب لها أن تطلب حقها من القاذف ~~، كما لو أقر رجل أن زوجته أخته لحرمت عليه ولم يثبت نسبها بقوله وحده . ~~والحجة لأبى حنيفة والأوزاعى ، أنه لما قذفها ولم يأت بأربعة شهداء لزمه حد ~~القذف لقوله تعالى : { والذين يرمون المحصنات } [ النور : 4 ] الآية ، فلما ~~حد لها استحال أن يحد فى الزنا لحكمنا لها بالإحصان ، وأيضا فإنه لا يجوز ~~أن يجتمع حدان أبدا ، فإذا اجتمعا ثبت ألزامهما ، وإنما كان عنده حد القذف ~~ألزم من حد الزنا ؛ لأن من أقر على نفسه بالزنا ثم رجع فإنه يقبل رجوعه ، ~~ومن قذف أحدا لم ينفعه الرجوع ، وكذلك من وجب عليه حد الزنا والقذف وكان ~~عليه القتل ؛ فإنه يحد للقذف ويقتل ولا يحد للزنا . والحجة لأبى يوسف ومحمد ~~والشافعى أنا قد أحطنا علما أنه لا يجب عليه الحدان جميعا ؛ لأنه إن كان ~~زانيا فلا حد عليه للقذف ، وإن كان قاذفا لمحصنة فليس بزان ، وهو قاذف فحد ~~للقذف ، وإنما وجب عليه حد الزنا ؛ لأن من أقر على نفسه وعلى غيره لزمه ما ~~أقر به على نفسه ، وهو مدع فيما أقر به على غيره ، فلذلك لم يقبل قوله ~~عليها ، ويؤخذ بإقراره على نفسه . PageV08P478 * * * # | 19 - باب من أدب أهله أو غيره دون السلطان # قال أبو سعيد ، عن النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( إذا ms2959 صلى فأراد أحد ~~أن يمر بين يديه ، فليدفعه ، فإن أبى ، فليقاتله ) ، وفعله أبو سعيد . / 25 ~~- فيه : عائشة ، قالت : جاء أبو بكر ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~واضع رأسه على فخذى ، فقال : حبست رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والناس ~~، وليسوا على ماء ، فعاتبنى ، وجعل يطعن بيده فى خاصرتى ، ولا يمنعنى من ~~التحرك إلا مكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - . . الحديث . وقالت مرة ~~: لكزنى لكزة شديدة ، وقال : حبست الناس لقلادة ، فبى الموت لمكان رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - وقد أوجعنى . فى حديث أبى سعيد : أنه يجوز ~~للرجل أن يؤدب غير أهله بحضرة السلطان إذا كان ذلك فى واجب وعلم أن السلطان ~~يرضى بذلك ، ولا ينكره لجوازه فى الشريعة . قال المهلب : وفى حديث عائشة ~~أنه يجوز أن يؤدب ابنته بحضرة زوجها لا سيما فى أمر الدين ، وقد تقدم هذا ~~الحديث فى كتاب التيمم وتقدم حديث أبى سعيد فى كتاب الصلاة فى باب يرد ~~المصلى من مر بين يديه . * * * # | 20 - باب من رأى مع امرأته رجلا فقتله # / 26 - فيه : سعد بن عبادة قال : ( لو رأيت رجلا مع امرأتى لضربته بالسيف ~~غير مصفح ، فبلغ ذلك النبى - صلى الله عليه وسلم - فقال : أتعجبون من غيرة ~~سعد ، لأنا أغير منه ، والله أغير مني ) . PageV08P479 قال المهلب : معنى ~~قوله - صلى الله عليه وسلم - : ( أتعجبون من غيرة سعد ؟ والله أغير منى ) ~~يدل على وجود القود فيمن قتل رجلا وجده مع امرأته لأن الله تعالى وإن كان ~~أغير من عباده فإنه قد أوجب الشهود فى الحدود فلا يجوز لأحد أن يتعدى حدود ~~الله ، ولا يسفك دما بدعوى . وقد روى مالك هذا المعنى فى حديث سعد بينا ، ~~روى مالك ، عن سهيل بن أبى صالح ، عن أبيه ، عن أبى هريرة : ( أن سعد بن ~~عبادة قال : يا رسول الله ، أرأيت إن وجدت مع امرأتى رجلا أمهله حتى آتى ~~بأربعة شهداء ؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : نعم ) ففى هذا من ~~الفقه قطع الذرائع والتسيب إلى قتل الناس والادعاء عليهم ms2960 بمثل هذا وشبهه ، ~~وفى حديث سعد من رواية مالك : النهى عن إقامة الحدود بغير سلطان وبغير شهود ~~؛ لأن الله تعالى عظم دم المسلم وعظم الإثم فيه ، فلا يحل سفكه إلا بما ~~أباحه الله به ، وبذلك أفتى على بن أبى طالب فيمن قتل رجلا وجده مع امرأته ~~فقال : إن لم يأت بأربعة شهداء ؛ فليعط برمته . أى يسلم برمته للقتل ، وعلى ~~هذا جمهور العلماء . وقال الشافعى وأبو ثور : يسعه فيما بينه وبين الله قتل ~~الرجل وامرأته إن كانا ثيبين وعلم أنه قد نال منها ما يوجب الغسل ولا يسقط ~~عنه القود فى الحكم . وقال أحمد بن حنبل : إن جاء ببينة أنه وجده مع امرأته ~~وقتله يهدر دمه إن جاء بشاهدين . وهو قول إسحاق وهذا خلاف قوله فى حديث ~~مالك : ( أمهله حتى آتى بأربعة شهداء ؟ قال : نعم ) وقال ابن حبيب : إذا ~~كان المقتول محصنا ، فالذى ينجى قاتله من القتل أن يقيم أربعة شهداء أنه ~~فعل بامرأته ، وأما إن كان المقتول غير محصن فعلى قاتله القود ، وإن أتى ~~بأربعة شهداء ، هذا وجه الحديث عندى ، PageV08P480 وذكر ابن مزين عن ابن ~~القاسم أن ذلك فى البكر والثيب سواء يترك قاتله إذا قامت له البينة بالرؤية ~~. وقال أصبغ عن ابن القاسم وأشهب : أستحب الدية فى البكر فى مال القاتل . ~~وهو قول أصبغ . وقال المغيرة : لا قود فيه ولا دية ، وقد أهدر عمر بن ~~الخطاب دما من هذا الوجه ، روى الليث ، عن يحيى بن سعيد أن رجلا فقد أخاه ~~فجعل ينشده فى الموسم ، فقام رجل فقال : أنا قتلته ، فمر به إلى عمر بن ~~الخطاب فقال : مررت بأخى هذا فى بيت امرأة مغيبة يقول : وأشعث غره الإسلام ~~منى أبيت على ترائبها وكسرى خلوت بعرسه ليل التمام على صهباء لاحقة الحزام ~~فأهدر عمر دمه . وروى الليث ، عن يحيى بن سعيد : ( أن زيد بن أسلم أدرك ~~المرأة الهذلية التى رمت ضيفها الذى أرادها على نفسها فقتلته عجوز كبيرة ، ~~فأخبرته أن عمر أهدر دمه ) وقال ابن مزين : ما روى عن عمر فى ms2961 هذا أنه ثبت ~~عنده ذلك من عداوتهم وظلمهم ، ولو أخذ بقول الرجل فى ذلك بغير بينة لعمد ~~الرجل إلى الرجل يريد قتله ، فيدعوه إلى بيته لطعام أو لحاجة فيقتله ويدعى ~~أنه وجده مع امرأته ، فيؤدى ذلك إذا قبل قوله إلى إباحة الدماء وإسقاط ~~القود بغير حق ولا إثبات . وقال ابن المنذر : والأخبار عن عمر مختلفة ~~وعامتها منقطعة ، فإن ثبت عن عمر أنه أهدر الدم فيها ، فإنما ذلك لبينة ~~ثبتت عنده تسقط القود . PageV08P481 وروى عبد الرزاق ، عن الثورى ، عن ~~المغيرة بن النعمان ، عن هانئ بن حزام : ( أن رجلا وجد مع امرأته رجلا ~~فقتلهما ، فكتب عمر كتابا فى العلانية : أن يقيدوه ، وكتابا فى السر : أن ~~أعطوه الدية ) . وروى الأعمش ، عن زيد بن وهب ، أن عمر أمر بالدية فى ذلك . ~~قال الشافعى : وبحديث على نأخذ ، ولا أحفظ عن أحد من أهل العلم قبلنا ~~مخالفا له . قال ابن المنذر : وقد حرم الله دماء المؤمنين فى كتابه إلا ~~بالحق ، فغير جائز إباحة ما ثبت تحريمه إلا ببينة ، ونهى النبى - صلى الله ~~عليه وسلم - سعدا أن يقتل حتى يأتى بأربعة شهداء ، وفى نهى النبى له عن ذلك ~~مع مكانه من الثقة والصلاح دليل على منع جميع الناس من قتل من يدعون إباحة ~~قتله بغير بينة . * * * # | 21 - باب ما جاء فى التعريض # / 27 - فيه : أبو هريرة ( أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جاءه ~~أعرابى ، فقال : يا رسول الله ، إن امرأتى ولدت غلاما أسود ، فقال : هل لك ~~من إبل ؟ قال : نعم ، قال : ما ألوانها ؟ قال : حمر ، قال : هل فيها من ~~أورق ؟ قال : نعم ، قال : فأنى كان ذلك ، قال : أراه عرق نزعه ، قال : فلعل ~~ابنك هذا نزعه عرق ) . اختلف العلماء فى هذا الباب . فقالت طائفة : لا حد ~~فى التعريض ، وإنما يجب الحد بالتصريح البين . روى هذا عن ابن مسعود وقاله ~~القاسم بن محمد والشعبى ، وإليه ذهب الثورى PageV08P482 والكوفيون والشافعى ~~، إلا أن أبا حنيفة والشافعى يوجبان عليه الأدب والزجر وينهى عن ذلك . ~~واحتج الشافعى بحديث هذا الباب ، قال : وقد ms2962 عرض بزوجته تعريضا لا خفاء به ، ~~ولم يوجب النبى - صلى الله عليه وسلم - حدا ، وإن كان غلب على السامع أنه ~~أراد القذف إذ قد يحتمل قوله وجها غير القذف ، من التعجب والمسألة عن أمره ~~. وقالت طائفة : التعريض كالتصريح . روى ذلك عن عمر بن الخطاب ، وعثمان بن ~~عفان وعروة والزهرى وربيعة ، وبه قال مالك والأوزاعى . قال مالك : وذلك إذا ~~علم أن قائله أراد به قذفا فعليه الحد ، واحتج فى ذلك بما روى عن أبى ~~الرجال ، عن أمه عمرة أن رجلين استبا فى زمن عمر بن الخطاب ، فقال أحدهما ~~للآخر : والله ما أبى بزان ولا أمى بزانية . فاستشار فى ذلك عمر بن الخطاب ~~، فقال قائل : مدح أباه وأمه . وقال آخر : بل كان لأبيه وأمه مدح غير هذا ~~نرى أن يجلد الحد ، فجلده عمر ثمانين . وقال أهل هذه المقالة : لا حجة فى ~~حديث أبى هريرة ؛ لأن الرجل لم يرد قذف امرأته والنقيصة لها ، وإنما جاء ~~مستفتيا فلذلك لم يحده النبى - صلى الله عليه وسلم - ولذلك لم يحد عويمر ، ~~وأرجئ أمره حتى نزل فيه القرآن . واحتج الشافعى فقال : لما لم يجعل التعريض ~~بالخطبة فى العدة بمنزلة التصريح ، كذلك لا يجعل التعريض فى القذف بمنزلة ~~التصريح . قال إسماعيل بن إسحاق : وليس كما ظن وإنما أجيز له التعريض ~~PageV08P483 بالنكاح دون التصريح ؛ لأن النكاح لا يكون إلا من اثنين ، فإذا ~~صرح بالخطبة وقع عليه الجواب من الآخر بالإيجاب أو الموعد فمنعوا من ذلك ، ~~فإذا عرض به فهم أن المرأة من حاجته فلم يحتج إلى جواب ، والتعريض بالقذف ~~لا يكون إلا من واحد ، ولا يكون فيه جواب ، فهو قاذف من غير أن يجيبه أحد ~~فقام مقام التصريح . * * * # | 22 - باب كم التعزير والأدب ؟ # / 28 - فيه : عبدالرحمن بن جابر بن عبدالله ، عن أبى بردة ، قال : ( كان ~~النبى - صلى الله عليه وسلم - يقول : لا يجلد فوق عشر جلدات إلا فى حد من ~~حدود الله ) . / 29 - وعن عبدالرحمن بن جابر عمن سمع النبى - صلى الله عليه ~~وسلم - قال : ( لا عقوبة فوق عشر ms2963 ضربات إلا فى حد من حدود الله ) . / 30 - ~~وعن عبدالرحمن بن جابر : أن أباه حدثه ، أنه سمع أبا بردة الأنصارى ، قال : ~~سمعت النبى - صلى الله عليه وسلم - يقول : ( لا تجلدوا فوق عشرة أسواط إلا ~~فى حد من حدود الله ) . / 31 - وفيه : أبو هريرة ، قال : ( نهى رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - عن الوصال ، فقال له رجال من المسلمين : فإنك يا رسول ~~الله تواصل ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : أيكم مثلى ، إنى ~~أبيت يطعمنى ربى ويسقين ، فلما أبوا أن ينتهوا عن الوصال ، واصل بهم يوما ، ~~ثم يوما ، ثم رأوا الهلال ، فقال : لو تأخر لزدتكم كالمنكل بهم حين أبوا ) ~~. / 32 - وفيه : ابن عمر : أنهم كانوا يضربون على عهد رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - إذا اشتروا طعاما جزافا أن يبيعوه فى مكانهم حتى يؤووه إلى ~~رحالهم . PageV08P484 / 33 - وفيه : عائشة ، قالت : ما انتقم رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - لنفسه فى شيء يؤتى إليه حتى ينتهك حرمة من حرمات الله ~~، فينتقم لله . اختلف العلماء فى مبلغ التعزير ، فقال أحمد وإسحاق بحديث ~~جابر لا يزاد على عشر جلدات إلا فى حد . وروى عن الليث أنه قال : يحتمل ألا ~~يتجاوز بالتعزير عشرة أسواط ، ويحتمل ما سوى ذلك . وروى ابن المنذر عن عمر ~~بن الخطاب أنه أمر زيد بن ثابت أن يضرب رجلا عشرة أسواط . وعنه رواية ثانية ~~أنه كتب إلى أبى موسى الأشعرى : ( ألا يبلغ بنكال فوق عشرين سوطا ) . وعنه ~~فى رواية أخرى : ( ألا يبلغ فى تعزير أكثر من ثلاثين جلدة ) . وقال الشافعى ~~فى قوله الآخر : لا يبلغ به عشرين سوطا ؛ لأنها أبلغ الحدود فى العبد فى ~~شرب الخمر ؛ لأن حد الخمر فى الحر عنده فى الشرب أربعون . وقال أبو حنيفة ~~ومحمد : لا يبلغ به أربعين سوطا بل ينقص منها سوطا ؛ لأن الأربعين أقل ~~الحدود فى العبد فى الشرب والقذف ، وهو أحد قولى الشافعى . وقال ابن أبى ~~ليلى وأبو يوسف : أكثره خمسة وسبعون سوطا . وقال مالك : التعزير ربما كان ~~أكثر من الحدود إذا ms2964 أدى الإمام اجتهاده إلى ذلك . وروى مثله عن أبى يوسف ~~وأبى ثور ، واحتج أحمد وإسحاق بحديث جابر ، وقال ابن المنذر : فى إسناده ~~مقال . وقال الأصيلى : اضطرب إسناد حديث عبد الله بن جابر ، PageV08P485 ~~فوجب تركه لاضرابه ، ولوجود العمل فى الصحابة والتابعين بخلافه . وقال ~~الطحاوى : لا يجوز : اعتبار التعزير بالحدود لأنهم لا يختلفون أن التعزير ~~موكول إلى اجتهاد الإمام ، فيخفف تارة ويشدد تارة ، فلا معنى لاعتبار الحد ~~فيه وتجاوز مجاوزته له ، والدليل على ذلك ما رواه ابن نمير ، عن الزهرى ، ~~عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب ، عن أبيه أن حاطبا توفى ، وأعتق من صلى ~~وصام من رقيقه ، وكانت له وليدة نوبية من رقيقه قد صلت وصامت ، وهى عجمية ~~لا تفقه فلم يرعه إلا حملها ، فذهب إلى عمر فأخبره فأرسل إليها أحبلت ؟ ~~قالت : نعم من مرغوس بدرهمين . فإذا هى تستهل به ، وصادفت عنده على ابن أبى ~~طالب وعثمان وعبد الرحمن فقال : أشيروا على . فقال على وعبد الرحمن : قد ~~وقع عليها الحد . فقال : أشر على يا عثمان فقال : قد أشار عليك أخواك . ~~فقال : أشر على أنت . قال عثمان : إنها تستهل به كأنها لا تعلمه ، وليس ~~الحد إلا على من علمه . فقال عمر : صدقت . فأمر فجلدت مائة وغربت . قال ابن ~~شهاب : وقد كانت نكحت غلاما لمولاها ثم مات عنها إلا أنه كانت تصلى مع ~~المسلمين ، فجعل عمر فى هذا الحديث التعزير بمائة ؛ لأنه كان عليها علم ~~الأشياء المحرمة ، وغربها زيادة فى العقوبة ، كما غرب فى الخمر . قال ابن ~~القصار : وقد روى أن معن بن زائدة زور كتابا على عمر ونقش مثل خاتمه ، ~~فجلده مائة ، ثم شفع له قوم ، فقال : أذكرتنى الطعن وكنت ناسيا ، فجلده ~~مائة أخرى ، ثم جلده بعد ذلك مائة PageV08P486 أخرى ثلاث مرار بحضرة ~~الصحابة ، ولم ينكر ذلك أحد ، فثبت أنه إجماع . قال : ولما كان طريق ~~التعزير إلى اجتهاد الإمام على حسب ما يغلب على ظنه أنه يردع ، وكان فى ~~الناس من يردعه الكلام ، وكان فيهم من لا يردعه مائة سوط ، وهى عنده ms2965 كضرب ~~المروحة ؛ لم يكن للتحديد فيه معنى ، وكان مفوضا إلى ما يؤديه اجتهاده أن ~~مثله يردع . قال المهلب : ألا ترى أن النبى - صلى الله عليه وسلم - زاد ~~المواصلين فى النكال كذلك يجوز للإمام أن يزيد فيه على حسب اجتهاده ، وكذلك ~~ضرب المتابعين للطعام ، وانتقامه - صلى الله عليه وسلم - لحرمات الله لم ~~يكن محدودا فيجب أن يضرب كل واحد منهم على قدر عصيانه للسنة ، ومعاندته ~~أكثر مما يضرب الجاهل ، ولو كان فى شىء من ذلك حد لنقل ولم يجز خلافه . * * ~~* # | 23 - باب من أظهر الفاحشة واللطخ والتهمة بغير بينة # / 34 - فيه : سهل ، قال : شهدت المتلاعنين ، فقال النبى - صلى الله عليه ~~وسلم - ، إن جاءت به كذا وكذا فهو ، وإن جاءت به كأنه وحرة فهو قال الزهرى ~~: فجاءت به للذى يكره . / 35 - وفيه : ابن عباس ذكر المتلاعنين ، فقال ~~عبدالله بن شداد : هى التى قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : لو كنت ~~راجما امرأة عن غير بينة ؟ قال : لا تلك امرأة أعلنت . . . الحديث . إلى ~~قوله - صلى الله عليه وسلم - : اللهم بين ، فوضعت شبيها بالرجل الذى ذكر ~~زوجها أنه وجده عندها ، فلاعن النبى - PageV08P487 صلى الله عليه وسلم - ~~بينهما ، فقال الرجل لابن عباس : هى التى قال النبى - صلى الله عليه وسلم - ~~: لو رجمت أحدا بغير بينة رجمت هذه ؟ فقال : لا ، تلك امرأة كانت تظهر فى ~~الإسلام السوء ) . قال المهلب : هذا الحديث أصل فى أنه لا يجوز أن يحد أحد ~~بغير بينة . وإن اتهم بالفاحشة ، ألا ترى أنه - صلى الله عليه وسلم - قد ~~وسم ما فى بطن المرأة الملاعنة بالمكروه وبغيره ، فجاءت به على النعت ~~المكروه بالشبه للمتهم بها ، فلم يقم عليها الحد بالدليل الواضح إذكان ذلك ~~خلاف ما شرع الله ، فلا يجوز أن تتعدى حدود الله ، ولا يستباح دم ولامال ~~إلا بيقين لا شك فيه ، وهذه رحمة من الله تعالى بعباده ، وإرادة الستر ~~عليهم والرفق بهم ليتوبوا . * * * # | 24 - باب رمى المحصنات : { والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة ~~شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة } إلى قوله { غفور ms2966 رحيم } [ النور : 4 ] ، { إن ~~الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات } الآية [ النور : 23 ] . # / 36 - فيه : أبو هريرة قال : قال النبى - صلى الله عليه وسلم - قال : ( ~~اجتنبوا السبع الموبقات ، قالوا : يا رسول الله ، وما هن ؟ قال : الشرك ~~بالله ، والسحر ، وقتل النفس التى حرم الله إلا بالحق ، وأكل الربا ، وأكل ~~مال اليتيم ، والتولى يوم الزحف ، وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات ) . قال ~~الله تعالى : { إن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات } [ النور : 23 ~~] وهن العفائف الحرائر المسلمات ، { ثم لم يأتوا بأربعة PageV08P488 شهداء ~~فاجلدوهم ثمانين جلدة } [ النور : 4 ] فناب ذكر رمى النساء عن ذكر رمى ~~الرجال ، وأجمع المسلمون أن حكم المحصنين فى القذف كحكم المحصنات قياسا ، ~~واستدلالا ، وأن من قذف حرا عفيفا مؤمنا عليه الحد ثمانون كمن قذف حرة ~~مؤمنة ، وجاءت الأخبار عن النبى - صلى الله عليه وسلم - بالتغليظ فى رمى ~~المحصنات ، وأن ذلك من الكبائر . قال المهلب : إنما سماها رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - موبقات ؛ لأن الله تعالى إذا أراد أن يأخذ عبده بها أوبقه ~~فى نار جهنم . * * * # | 25 - باب : قذف العبد # / 37 - فيه : أبو هريرة ، قال : سمعت أبا القاسم - صلى الله عليه وسلم - ~~يقول : ( من قذف مملوكه وهو برىء مما قال : جلد يوم القيامة إلا أن يكون ~~كما قال ) . فى هذا الحديث النهى عن قذف العبيد والاستطالة عليهم بغير حق ؛ ~~لإخبار النبى - صلى الله عليه وسلم - أنه من فعل ذلك جلد يوم القيامة . ~~وقوله : ( إلا أن يكون كما قال ) دليل على أنه لا إثم عليه فى رميه عبده ~~بما فيه ، وأن ذلك ليس من باب الغيبة المنهى عنها فى الأحرار . قال المهلب ~~: والعلماء مجمعون أن الحر إذا قذف عبدا فلا حد عليه ، وحجتهم قوله - صلى ~~الله عليه وسلم - : ( من قذف مملوكه جلد يوم القيامة ) فلو وجب عليه الحد ~~فى الدنيا لذكره ، كما ذكره فى الآخرة ، فجعل - صلى الله عليه وسلم - ~~العبيد غير مقارنين للأحرار فى الحرمة فى الدنيا ، فإذا ارتفع ملك العبد فى ~~الآخرة واستوى الشريف PageV08P489 والوضيع ، والعبد والحر ، ولم يكن لأحد ~~فضل إلا ms2967 بالتقى ، فتكافأ الناس فى الحدود والحرمة ، وإنما لم يكافئوا فى ~~الدنيا ؛ لئلا تدخل الداخلة على المالكين من مكافأتهم لهم ، فلا تصح لهم ~~حرمة ولا فضل فى منزلة ، وتبطل محنة التسخير ؛ حكمة من الحكيم الخبير لا ~~إله إلا هو . وقال مالك والشافعى : من قذف من يحسبه عبدا فإذا هو حر فعليه ~~الحد . قال ابن المنذر : واختلفوا فيما يجب على قاذف أم الولد ، فروى عن ~~ابن عمر أنه عليه الحد ، وبه قال مالك ، وهو قياس قول الشافعى ، وذلك إذا ~~قذف بعد موت السيد ، وهو قياس قول كل من لا يرى بيع أمهات الأولاد ، وروى ~~عن الحسن البصرى أنه كان لايرى جلد قاذف أم الولد . PageV08P490 * * * # | 63 - كتاب الديات # # | 1 - باب قول الله تعالى : { ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم } [ ~~النساء : 93 ] # / 1 - فيه : ابن مسعود : قال رجل : يا رسول الله ، أى الذنب أكبر عند ~~الله ؟ قال : أن تدعو لله ندا وهو خلقك ، قال : ثم أى ؟ قال : ثم أن تقتل ~~ولدك خشية أن يطعم معك ؟ قال : ثم أى ؟ قال : ثم أن تزانى بحليلة جارك ، ~~فأنزل الله عز وجل تصديقها : { والذين لا يدعون مع الله إلها آخر } الآية [ ~~الفرقان : 68 ] . / 2 - وفيه : ابن عمر ، قال : قال رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - : ( لا يزال المؤمن فى فسحة من دينه ما لم يصب دما حراما ) . ~~وقال ابن عمر : إن من ورطات الأمور التى لا مخرج لمن أوقع نفسه فيها سفك ~~الدم الحرام بغير حله . / 3 - وفيه : ابن مسعود ، قال : قال النبى - صلى ~~الله عليه وسلم - : ( أول ما يقضى بين الناس فى الدماء ) . / 4 - وفيه : ~~المقداد بن عمرو قال : ( يا رسول الله ، إنى لقيت كافرا ، فاقتتلنا فضرب ~~يدى بالسيف فقطعها ، ثم لاذ منى بشجرة ، وقال : أسلمت لله ، آقتله بعد أن ~~قالها ؟ قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : لا تقتله ، قال : يا رسول ~~الله ، فإنه طرح إحدى يدى ، ثم قال ذلك بعد ما قطعها ، آقتله ؟ قال : لا ~~تقتله ، PageV08P491 فإن قتلته ، فإنه بمنزلتك قبل أن تقتله ، وأنت بمنزلته ms2968 ~~قبل أن يقول كلمته التى قالها ) . / 5 - وفيه : ابن عباس : قال النبى - صلى ~~الله عليه وسلم - ، للمقداد : ( إذا كان رجل مؤمن يخفى إيمانه مع قوم كفار ~~، فأظهر إيمانه ، فقتلته ، فكذلك كنت أنت تخفى إيمانك بمكة من قبل ) . ~~اختلف العلماء فى القاتل هل له توبة لاختلافهم فى تأويل هذه الآية ، فروى ~~عن زيد بن ثابت ، وابن مسعود ، وابن عباس ، وابن عمر أنه لا توبة له ، وأن ~~قوله تعالى : { ومن يقتل مؤمنا } [ النساء : 93 ] غير منسوخة ، وإنما نزلت ~~بعد الآية البينة التى فى سورة الفرقان التى فيها توبة القاتل بستة أشهر ، ~~ونزلت آية الفرقان فى أهل الشرك ، ونزلت آية النساء فى المؤمنين . وروى ~~سعيد بن مينا ، عن ابن عمر أنه سأله رجل فقال : إنى قتلت رجلا فهل لى من ~~توبة ؟ قال : تزود من الماء البارد فإنك لا تدخلها أبدا . ذكره ابن المنذر ~~، وروى عن على ابن أبى طالب وابن عباس ، وابن عمر أن القاتل له توبة من طرق ~~لا يحتج بها ، وقاله جماعة من التابعين . روى ذلك عن النخعى ، ومجاهد ، ~~وابن سيرين ، وأبى مجلز ، وأبى صالح ، وجماعة أهل السنة وفقهاء الأمصار على ~~هذا القول راجين له التوبة ؛ لأنه تعالى يقبل التوبة عن عباده ، وإنما أراد ~~أن يكون المسلم فى كل الأمور خائفا راجيا . قال إسماعيل بن إسحاق : حدثنى ~~المقدمى ، قال : حدثنا المعتمر بن سليمان ، عن سليمان ابن عبيد البارقى ، ~~قال : حدثنى إسماعيل بن ثوبان قال : جالست الناس فى المسجد الأكبر قبل ~~الدار PageV08P492 فسمعتهم يقولون : لما نزلت : { ومن يقتل مؤمنا متعمدا ~~فجزاؤه جهنم } [ النساء : 93 ] الآية ، قال المهاجرون والأنصار : وجبت لمن ~~فعل هذا النار . حتى نزلت : { إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك ~~لمن يشاء } [ النساء : 48 ، 116 ] . واحتج أهل السنة أن القاتل فى مشيئة ~~الله بحديث عبادة بن الصامت : ( أن النبى - صلى الله عليه وسلم - أخذ عليهم ~~فى بيعة العقبة : أن من أصاب ذنبا فأمره إلى الله إن شاء عذبه وإن شاء غفر ~~له ) . وأما قوله : ( أن تقتل ms2969 ولدك خشية أن يطعم معك ) فهو كقوله تعالى : { ~~ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق } [ الإسراء : 31 ] وقوله تعالى : { قد خسر ~~الذين قتلوا أولادهم سفها بغير علم } [ الأنعام : 140 ] قال عكرمة : نزلت ~~فيمن يئد البنات من ربيعة ومضر . وقال قتادة : كان أهل الجاهلية يقتل أحدهم ~~ابنته مخافة السبى والفاقة فحرم الله قتل الأطفال ، وأخبر - صلى الله عليه ~~وسلم - أن ذلك ذنب عظيم بعد الكفر وجعل بعده فى العظم الزنا بحليلة الجار ~~لعظم حق الجار ووكيد حرمته ، وقد تقدم فى باب إثم الزنا قبل هذا . قال ~~المهلب : أما قوله : ( أول ما ينظر فيه من أعمال الناس فى الدماء ) يعنى ~~أول ما ينظر فيه من مظالم الناس لعظم القتل عند الله وشدته ، وقد جاء فى ~~حديث آخر أن أول ما ينظر فيه الصلاة . وليس بمتعارض ، ومعناه : أول ما ينظر ~~فيه فى خاصة نفس كل مؤمن PageV08P493 من بعد ما ينتصف الناس بعضهم من بعض ، ~~ولا تبقى تباعة إلا لله تعالى بالصلاة . وأما قوله - صلى الله عليه وسلم - ~~للمقداد : ( فإنك بمنزلته قبل أن يقولها ) فقد فسره حديث ابن عباس الذى فى ~~آخر الباب ، ومعناه أنه يجوز أن يكون اللائذ بالشجرة القاطع لليد مؤمنا ~~يكتم إيمانه مع قوم كفار غلبوه على نفسه ، فإن قتلته فأنت شاك فى قتلك إياه ~~أن ينزله الله من العمد والخطأ ، كما هو مشكوكا فى إيمانه لجواز أن يكون ~~يكتم إيمانه ، وكذلك فسره المقداد كما ففهمه من النبى - صلى الله عليه وسلم ~~- فقال : كذلك كنت أنت بمكة تكتم إيمانك ، وأنت مع قوم كفار فى جملتهم ~~وعددهم مكثرا ومحزبا ، فكذلك الذى لاذ بالشجرة وأظهر إيمانه لعله كان ممن ~~يكتم إيمانه وهذا كله معناه النهى عن قتل من شهر بالإيمان . فإن قيل : كيف ~~قطع اليد وهو ممن يكتم إيمانه ؟ قيل : إنما دفع عن نفسه من يريد قتله ، ~~فجاز له ذلك ، كما جاز للمؤمن إذا أراد أن يقتله مؤمن أن يدفع عن نفسه من ~~يريد قتله ، فإن اضطره الدفع عن نفسه إلى قتل الظالم دون قصد ms2970 إلى إرادة ~~قتله فهو هدر ؛ فلذلك لم يقد - صلى الله عليه وسلم - من يد المقداد كما لم ~~يقد قتيل أسامة ؛ لأنه قتله متأولا ، ويحتمل قوله - صلى الله عليه وسلم - : ~~( فإنه بمنزلتك قبل أن تقتلله ) وجها آخر : أنه مغفور له بشهادة التوحيد ~~كما أنت مغفور لك بشهود بدر . وقوله : ( فأنت بمنزلته قبل أن يقول كلمته ) ~~يعنى أنك قاصد لقتله PageV08P494 عمدا إثم ، كما كان هو قاصدا لقتلك إثم ، ~~فأنت فى مثل حاله فى العصيان ، لا أن أحدهما يكفر بقتله المسلم ؛ لأن إتيان ~~الكبائر لمن صح له عقد التوحيد لا يخرجه إلى الكفر ، وإنما هى ذنوب موبقات ~~، لله أن يغفرها لكل من لا يشرك به شيئا . قال ابن القصار : معنى قوله : ( ~~وأنت بمنزلته قبل أن يقولها ) فى إباحة الدم لا أنه كافر بذلك ، فإنما قصد ~~ردعه وزجره عن قتله ؛ لأن الكافر إذا أسلم فقتله حرام . * * * # | 2 - باب قول الله تعالى : { ومن أحياها } [ المائدة : 32 ] # قال ابن عباس : من حرم قتلها إلا بحق { فكأنما أحيا الناس جميعا } . / 6 ~~- وفيه : ابن مسعود قال - صلى الله عليه وسلم - : ( لا تقتل نفس إلا كان ~~على ابن آدم الأول كفل منها ) . / 7 - وفيه : ابن عمر ، قال - صلى الله ~~عليه وسلم - : ( لا ترجعوا بعدى كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض ) . / 8 - ابن ~~عمر ، قال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( الكبائر : الإشراك بالله ، ~~واليمين الغموس ، وعقوق الوالدين ، أو قال : وقتل النفس ) . وقال أنس عن ~~النبى - صلى الله عليه وسلم - أكبر الكبائر : الإشراك بالله ، وقتل النفس . ~~/ 9 - وفيه : أسامة ( بعثنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى الحرقة ~~من جهينة ، فصبحنا القوم فهزمناهم ، قال : ولحقت أنا ورجل من الأنصار رجلا ~~منهم ، PageV08P495 فلما غشيناه ، قال : لا إله إلا الله ، قال : فكف عنه ~~الأنصارى ، فطعنته برمحى حتى قتلته ، قال : فلما قدمنا بلغ ذلك النبى - صلى ~~الله عليه وسلم - قال : فقال لى : يا أسامة ، أقتلته بعد ما قال لا إله إلا ~~الله ؟ فما زال يكررها على حتى تمنيت أنى لم أكن أسلمت قبل ذلك اليوم ms2971 ) . / ~~10 - وفيه : عبادة : بايعنا النبى - صلى الله عليه وسلم - ، على أن لا نقتل ~~النفس التى حرم الله إلا بالحق . . . الحديث . / 11 - وفيه : ابن عمر قال - ~~صلى الله عليه وسلم - : ( من حمل علينا السلاح فليس منا ) . / 12 - وفيه : ~~الأحنف عن أبى بكرة ، قال النبى - صلى الله عليه وسلم - : إذا التقى ~~المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول فى النار ) . اختلف العلماء فى قوله ~~تعالى : { فكأنما قتل الناس جميعا } [ المائدة : 32 ] و { فكأنما أحيا ~~الناس جميعا } [ المائدة : 32 ] . فقالت طائفة : معناه : التغليظ لتعظيم ~~الوزر فى قتل المؤمن ، عن الحسن وقتادة ومجاهد ، قال مجاهد : إن قاتل النفس ~~المحرمة يصير إلى النار كما يصير إلى النار لو قتل الناس جميعا . وقال ~~آخرون : معناه أنه يجب عليه من القود بقتله المؤمن مثلما يجب عليه لو قتل ~~الناس جميعا ؛ لأنه لا يكون عليه غير قتلة واحدة لجميعهم . عن زيد بن أسلم ~~. وقال آخرون : أى أن المؤمنين كلهم خصماء القاتل ، وقد وترهم وتر من قصد ~~لقتلهم جميعا . عن الزجاج ، وله : { ومن أحياها } [ المائدة : 32 ] ، أى ~~ومن لم يقتل أحدا فقد سلم منه الناس جميعا عن مجاهد . PageV08P496 وقالت ~~طائفة : من وجب له القصاص ، فعفا عن القاتل ؛ أعطاه الله من الأجر مثل ما ~~لو أحيا الناس جميعا . عن زيد بن أسلم والحسن . واختار الطبرى فى قوله : { ~~فكأنما قتل الناس جميعا } [ المائدة : 32 ] أنه فى تعظيم العقوبة وشدة ~~الوعيد ، واختار فى قوله : { فكأنما أحيا الناس جميعا } [ المائدة : 32 ] ~~القول الأول أنه من لم يقتل أحدا فقد أحيا الناس بسلامتهم منه . قال : وهذا ~~نظير قول الكافر : أنا أحيى وأميت : أى : أترك من قدرت على قتله ، وأميت أى ~~: أقتل من وجب عليه القتل ، وإنما اختار ذلك ؛ لأنه لا نفس يقوم قتلها فى ~~عاجل الضرر مقام قتل جميع النفوس ، ولا إحياؤها مقام إحياء جميع النفوس فى ~~عاجل النفع ، فدل ذلك أن معنى الإحياء سلامة جميع النفوس ، وفى هذه ~~الأحاديث كلها تغليظ للقتل والنهى عنه . وقوله فى حديث ابن مسعود : ( إلا ~~كان على ابن آدم كفل من ms2972 دمه ) يعنى : إثما ؛ لأنه أول من سن القتل ، فاستن ~~به القاتلون بعده ، وهذا نظير قوله - صلى الله عليه وسلم - : ( من سن سنة ~~حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة ، ومن سن سنة سيئة كان ~~عليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة ) . وقوله فى حديث ابن عمر : ( ~~لا ترجعوا بعدى كفارا ) لتحريم الدماء ، وحقوق الإسلام ، وحرمة المؤمنين ، ~~وليس يريد الكفر الذى هو ضد الإيمان لما تقدم من إجماع أهل السنة أن ~~المعاصى غير مخرجة من الإيمان . PageV08P497 وأما قتل أسامة الرجل ؛ فإنه ~~ظنه كافرا ، وجعل ما سمع منه من الشهادة تعوذا من القتل ، وأقل أحوال أسامة ~~فى ذلك أن يكون قد أخطأ فى فعله ؛ لأنه إنما قصد إلى قتل كافر عنده ، ولم ~~يكن عرف حكم النبى - صلى الله عليه وسلم - فيمن أظهر الشهادة بلسانه أنها ~~تحقن دمه فسقط عنه القود ، لأنه معذور بتأويله ، وكذلك حكم كل من تأوله ~~فأخطأ فى تأويله معذور فى ذلك . وهو فى حكم من رمى من يجب له دمه ، فأصاب ~~من لا يجب له قتله ، أنه لا قود عليه ، وما لقى أسامة من النبى - صلى الله ~~عليه وسلم - فى قتله هذا الرجل الذى ظنه كافرا من اللوم والتوبيخ ، حتى ~~تمنى أنه لم يسلم قبل ذلك اليوم آلى على نفسه ألا يقاتل مسلما أبدا ؛ ولذلك ~~قعد عن على ابن أبى طالب يوم الجمل وصفين ، وقد تقدم فى كتاب الإيمان معنى ~~قوله : ( القاتل والمقتول فى النار ) وإنما خرج على الترهيب والتغليظ فى ~~قتل المؤمن فجعلهما فى النار ؛ لأنهما فعلا فى تقاتلهما ما يئول بهما إلى ~~النار إن أنفذ الله سبحانه عليهما الوعيد والله تعالى فى وعيده بالخيار عند ~~أهل السنة وسيأتى أيضا فى كتاب الفتن بقية الكلام فيه إن شاء الله تعالى . ~~* * * # | 3 - باب قوله : { يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص فى القتلى } ~~الآية [ البقرة : 178 ] وباب سؤال القاتل حتى يقر ، والإقرار فى الحدود # / 13 - فيه : أنس : أن يهوديا رض رأس جارية بين حجرين ms2973 ، فقيل لها : من ~~PageV08P498 فعل بك هذا ؟ أفلان ، أو فلان ، حتى سمى اليهودى ، فأتى به ~~النبى - صلى الله عليه وسلم - ، فلم يزل به حتى أقر به ، فرض رأسه بالحجارة ~~. قال المؤلف : قال قتادة فى هذه الآية : إن أهل الجاهلية كان فيهم بغى ~~وطاعة للشيطان ، فكان الحى إذا كان فيهم عز ومنعة ، فقتل لهم عبد ، قتله ~~عبد قوم آخرين ؛ قالوا : لا نقتل به إلاحرا وإذا كان فيهم امرأة قتلتها ~~امرأة ؛ قالوا : لا نقتل بها إلا رجلا ، فنهاهم الله عن البغى ، وأخبر أن ~~الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى . قال إسماعيل بن إسحاق : وقد ~~قال قوم : يقتل الحر بالعبد ، والمسلم بالذمى . هذا قول الثورى ، والكوفيين ~~، واحتجوا بقوله تعالى : { وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس } [ المائدة ~~: 45 ] . وقال مالك والليث والشافعى وأبو ثور : لا يقتل حر بعبد . وهذا ~~مذهب أبى بكر وعمر وعلى وزيد بن ثابت ، قال إسماعيل بن إسحاق : وغلط ~~الكوفيون فى التأويل ؛ لأن معنى قوله : { وكتبنا عليهم فيها أن النفس ~~بالنفس } [ المائدة : 45 ] إنما هى النفس المكافئة للنفس قى حرمتها وحدودها ~~؛ لأن القتل حد من الحدود ، ولو قذف حر عبدا لما كان عليه حد القذف وكذلك ~~الذمى . والحدود فى الأحرار من الرجال والنساء واحدة ، وحرمتهم واحدة ، ~~ويبين ذلك قوله تعالى فى نسق هذه الآية : { والجروح قصاص فمن تصدق به فهو ~~كفارة له } [ المائدة : 45 ] فعلمنا أن العبد والكافر خارجان من ذلك ؛ لأن ~~الكافر لا يسمى بأنه متصدق ولا مكفر عنه ، وكذلك العبد لا يجوز أن يتصدق ~~بدمه ولا بجرحه ؛ لأن ذلك إلى سيده ، قال PageV08P499 تعالى : { فمن عفى له ~~من أخيه شىء فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان } [ البقرة : 178 ] . وقال ~~أبو ثور : لما اتفق جميعهم أنه لا قصاص بين العبيد والأحرار فيما دون النفس ~~؛ كانت النفس أحرى بذلك ، ومن فرق منهم بين ذلك فقد ناقض . قال المهلب : فى ~~قوله باب سؤال القاتل حتى يقر . ينبغى للإمام وللحاكم أن يشدد على أهل ~~الجنايات ويتلطف بهم حتى يقروا ليؤخذوا بإقرارهم ، بخلاف إذا جاءوا تائبين ~~مستفتين ms2974 فإنه حينئذ يعرض عنهم ما لم يصرحوا ، فكان لهم فى التأويل شبهة ، ~~فإذا بينوا ورفعوا الإشكال أقيمت عليهم الحدود ، وإقرار اليهودى فى هذا ~~الحديث يدل أنه لم تقم عليه البينة بالقتل ، ولو قامت عليه ما احتاج - صلى ~~الله عليه وسلم - أن يقرره حتى يقر ، ولو لم يقر ما أقاد منه - صلى الله ~~عليه وسلم - . وفيه : دليل أنه بالشكوى والإشارة تجب المطالبة بالدم وغيره ~~؛ لأن النبى - صلى الله عليه وسلم - طلب اليهودى بإشارة الجارية . وفيه : ~~دليل على إجازة وصية غير البالغ ، وجواز دعواه بالدين وغيره على الناس . ~~PageV08P500 * * * # | 4 - باب إذا قتل بحجر أو بعصا # / 14 - فيه : أنس ، قال : ( خرجت جارية عليها أوضاح بالمدينة ، قال : ~~فرماها يهودي بحجر ، قال : فجىء بها إلى النبى - صلى الله عليه وسلم - وبها ~~رمق ، فقال لها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : فلان قتلك ، فرفعت ~~رأسها ، فأعاد عليها ، قال : فلان قتلك ، فرفعت رأسها ، فقال لها فى ~~الثالثة : فلان قتلك ، فخفضت رأسها ، فدعا به رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - فقتله بين الحجرين ) . وترجم له : باب من أقاد بالحجر . اختلف ~~العلماء فى صفة القود ؛ فقال مالك : إنه يقتل بمثل ما قتل به ، فإن قتله ~~بعصا أو بحجر أو بالخنق أو بالتغريق ؛ قتل بمثله . وبه قال الشافعى : إن ~~طرحه فى النار عمدا حتى مات ؛ طرح فى النار حتى يموت . وذكره الوقار فى ( ~~مختصره ) عن مالك ، وهو قول محمد بن عبد الحكم ، وقال ابن الماجشون : يقتل ~~بالعصا وبالخنق وبالحجر ولا يقتل بالنار . وقال أبو حنيفة وأصحابه : بأى ~~وجه قتل ؛ فلا يقتل إلا بالسيف . وهو قول النخعى والشعبى . واحتجوا بحديث ~~جابر : ( أن النبى - صلى الله عليه وسلم - قال : ( لا قود إلا بحديدة ) . ~~وبقول ابن عباس حين بلغه أن عليا حرق قوما بالنار ، فقال : ( لو كنت أنا ~~لقتلتهم . فإنى سمعت النبى - صلى الله عليه وسلم - يقول : لا يعذب بالنار ~~إلا رب النار ) . وحجة القول الأول : القرآن والسنة ، فأما القرآن : فقوله ~~: { وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به } [ النحل : 126 ] وقوله : { فمن ~~اعتدى ms2975 PageV08P501 عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم } [ البقرة : ~~194 ] فجعل تعالى لولى المقتول أن يقتل بمثل ما قتل به وليه . وأما السنة : ~~فحديث أنس : ( أن يهوديا رض رأس جارية بين حجرين ، فرض الرسول رأسه بين ~~حجرين ) . وأما قوله : ( لا قود إلا بحديدة ) معناه إذا قتل بحديدة بدليل ~~حديث أنس . فإن قيل : إن خبر اليهودى مع الجارية لا حجة لكم فيه ؛ لأن ~~المرأة كانت حية ، والقود لا يجب فى حى . قيل : إنما قتله النبى - صلى الله ~~عليه وسلم - بعد موتها ؛ لأن فى الحديث ( أن النبى - صلى الله عليه وسلم - ~~قال لها : فلان قتلك ؟ ) فدل أنها ماتت بعد ساعة ؛ لأنها سيقت إلى النبى - ~~صلى الله عليه وسلم - وهى تجود بنفسها ، فلم تقدر إلا على الإشارة على ~~النطق ، فلما ماتت استقاد لها النبى - صلى الله عليه وسلم - من اليهوى ~~بالحجر فكان ذلك سنة لا يجوز خلافها . واختلف قول مالك إن لم يمت من ضربة ~~واحدة بعصا أو حجر ، فروى عنه ابن وهب أنه يضرب بالعصا حتى يموت ، ولا يطول ~~عليه ، وروى عنه أشهب وابن نافع أنه يقتل بمثل ما قتل به ، إذا كانت الضربة ~~مجهزة ، فأما أن يضربه ضربات فلا . قال ابن المنذر : وقول كثير من أهل ~~العلم فى الرجل يخنق الرجل : عليه القود ، وخالف ذلك محمد بن الحسن فقال : ~~لو خنق رجل رجلا حتى مات ، أو طرحه فى بئر فمات ، أو ألقاه من جبل أو ~~PageV08P502 سطح فمات لم يكن عليه قصاص ، وكان على عاقلته الدية ، فإن كان ~~معروفا بذلك قد خنق غير واحد فعليه القتل . قال ابن المنذر : ولما أقاد - ~~صلى الله عليه وسلم - من اليهودى الذى رض رأس الجارية بالحجر ، كان هذا فى ~~معناه ، فلا معنى لقوله . قال الطحاوى : واحتج بهذا الحديث من قال فيمن ~~يقول عند موته : إن مت ففلان قتلنى ؛ أنه يقبل منه ، ويقتل الذى ذكر أنه ~~قتل ؛ هذا قول مالك والليث . وخالفهم آخرون فقالوا : لا يجوز أن يقتل أحد ~~بمثل هذا ، وإنما قتل النبى - صلى الله عليه وسلم ms2976 - اليهودى الذى رض رأس ~~الجارية ، لأنه اعترف ؛ فقتله بإقراره بما ادعى عليه لا بالدعوى ، وقد بين ~~ذلك ما أجمعوا عليه ، ألا ترى أن رجلا لو ادعى على رجل دعوى قتلا أو غيره ، ~~فسئل المدعى عليه عن ذلك فأومأ برأسه أى نعم ؛ أنه لا يكون بذلك مقرا فإذا ~~كان إيماء المدعى عليه برأسه لا يكون إقرارا منه كان إيماء المدعى برأسه ~~أحرى أن لا يوجب له حقا . وقد أجمعوا أن رجلا لو ادعى فى حال موته أن له ~~عند رجل درهما ثم مات أن ذلك غير مقبول منه ، وأنه فى ذلك كهو فى دعواه فى ~~حال الصحة ، فالنظر على ذلك أن يكون دعواه الدم فى تلك الحال كدعواه ذلك فى ~~حال الصحة . وقال لهم أهل المقالة الأولى : قول المقتول : دمى عند فلان فى ~~حال تخوفه الموت ، وعند إخلاصه وتوبته إلى الله عند معاينة فراقه الدنيا ؛ ~~أقوى من قولكم فى إيجاب القسامة بوجود القتيل فقط فى محلة قوم وبه أثر ؛ ~~فيحلف أهل ذلك الموضع أنهم لم يقتلوه ، ويكون PageV08P503 عقله عليهم ، ~~وألزموا العاقلة مالا بغير بينة ثبتت عليهم ولا إقرار منهم ، وألزموه جناية ~~عمد لم تثبت أيضا ببينة ولا إقرار . وقول المقتول : هذا قتلنى ، أقوى من ~~قول الشافعى أيضا أن الولى يقسم إذا كان قرب وليه وهو مقتول رجل معه سكين ~~لجواز أن يكون غيره قتله . والأوضاح جمع وضح ، والوضح : حلى من فضة . عن ~~صاحب العين . * * * # | 5 - باب قول الله تعالى : { أن النفس بالنفس } الآية [ المائدة : 45 ] # / 15 - فيه : عبدالله ابن مسعود ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - : ( لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله ، وأنى رسول الله ~~، إلا بإحدى ثلاث : النفس بالنفس ، والثيب الزانى ، والمارق من الدين ~~التارك للجماعة ) . قال أبو عبيد : ذهب أهل العراق إلى أن قوله تعالى : { ~~النفس بالنفس } [ المائدة : 45 ] ناسخة لآية { الحر بالحر والعبد بالعبد } ~~[ البقرة : 178 ] التى فى سورة البقرة ، وجعلوا بين الأحرار والعبيد القصاص ~~فى النفس خاصة ، ولا يرون فيما ms2977 دون ذلك بينهم قصاصا . وذهب ابن عباس إلى أن ~~{ النفس بالنفس } [ المائدة : 45 ] غير ناسخة لآية البقرة ، ولا مخالفة لها ~~، ولكنها جميعا محكمتان إلا أن ابن عباس رأى قوله تعالى : { أن النفس ~~بالنفس } [ المائدة : 45 ] كالمفسرة للتى فى البقرة ، فتأول أن قوله : { ~~النفس بالنفس } [ المائدة : 45 ] إنما هى على أن نفس الأحرار متساوية فيما ~~بينهم دون العبيد ، وأنهم يتكافئون فى دمائهم PageV08P504 ذكورا أو إناثا ، ~~وأن أنفس المماليك متساوية فيما بينهم دون الأحرار ، يتكافئون فيما بينهم ~~ذكورا كانوا أو إناثا ، وأنه لا قصاص على الأحرار فى شىء من ذلك من نفس ولا ~~من دونها ؛ لقوله تعالى : { الحر بالحر والعبد بالعبد } [ المائدة : 45 ] ~~وهذا قول مالك وأهل الحجاز ، وهو أولى من قول أهل العراق لوجهين : أحدهما ~~أن هذا تفسير ابن عباس . الثانى : أنه قول يوافق بعضه بعضا ولا يختلف ، ~~والتنزيل إنما هو على نسق واحد : أن النفس بالنفس ، والعين بالعين ، والأنف ~~بالأنف ، والأذن بالأذن ، والسن بالسن . وقول أهل العراق لس بمتفق ؛ لأنهم ~~أخذوا بأول الآية وهو قوله تعالى : { النفس بالنفس } [ المائدة : 45 ] ~~وتركوا ما وراء ذلك ، وليس لأحد أن يفرق بين ما جمع الله ، فيأخذ بعضه دون ~~بعض إلا أن يفرق بين ذلك كتاب أو سنة . وقوله - صلى الله عليه وسلم - : ( ~~الثيب الزانى ) لا يدخل فيه العبيد ، وقد اتفق الكوفيون مع مالك مع أن من ~~شروط الإحصان الموجب للرجم عندهم : الحرية والبلوغ والإسلام ؛ فإذا زنا ~~العبد ، وإن كان ذا زوجة فحده الجلد عندهم ، فكما لم يدخل العبيد فى قوله - ~~صلى الله عليه وسلم - : ( الثيب الزانى ) فكذلك لم يدخل فى عموم قوله تعالى ~~: { النفس بالنفس } [ المائدة : 45 ] . وأما قوله : ( المفارق لدينه التارك ~~للجماعة ) فهو عام فى جميع الناس لإجماع الأمة أن بالردة يجب القتل على كل ~~مسلم فارق دينه عبدا كان أو حرا ، فخص هذا بالإجماع . وقال أبو الحسن بن ~~القابسى قوله : ( المفارق لدينه ) يريد الخارج PageV08P505 منه ، فيحتمل أن ~~يكون خروجه بترك الجماعة أو ببغى عليها ؛ فيقاتل على ذلك ، حتى يفئ إلى ~~دينه ms2978 وإلى الجماعة ، وليس بكافر بخروجه ، ويمكن أن يكون خروجه كفرا ~~وارتدادا ، والمروق : الخروج ، وسيأتى بيانه عند قوله - صلى الله عليه وسلم ~~- : ( يمرقون من الدين ) فى آخر هذا الجزء إن شاء الله تعالى . * * * # | 6 - باب من قتل له قتيل ، فهو بخير النظرين # / 16 - فيه : أبو هريرة ( أنه عام فتح مكة قتلت خزاعة رجلا من بنى ليث ~~بقتيل لهم فى الجاهلية ، فقام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فقال : ~~إن الله حبس عن مكة الفيل ، وسلط عليهم رسوله والمؤمنين ، ومن قتل له قتيل ~~فهو بخير النظرين ، إما يودى ، وإما أن يقاد ، أهل القتيل . . . الحديث . / ~~17 - وفيه : ابن عباس : كانت فى بنى إسرائيل قصاص ، ولم تكن فيهم الدية ، ~~فقال تعالى : { يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص فى القتلى } إلى { ~~شىء } [ البقرة : 178 ] قال ابن عباس : فالعفو أن يقبل الدية فى العمد ، ~~قال : { فاتباع بالمعروف } [ البقرة : 178 ] : أن يطلب بمعروف ويؤدى بإحسان ~~. اختلف العلماء فى أخذ الدية من قاتل العمد ، فقالت طائفة : ولى المقتول ~~بالخيار ؛ إن شاء اقتص ، وإن شاء أخذ الدية ، وإن لم يرض القاتل . روى هذا ~~عن سعيد بن المسيب وعطاء والحسن ، ورواه أشهب عن مالك ، وبه قال الليث ~~والأوزاعى ، والشافعى وأحمد ، وإسحاق وأبو ثور . PageV08P506 وقال آخرون : ~~ليس لولى المقتول عمدا إلا القصاص ، ولا يأخذ الدية إلا أن يرضى القاتل ، ~~رواه ابن القاسم عن مالك ، وهو المشهور عنه ، وبه قال الثورى والكوفيون . ~~وحجة القول الأول : قوله تعالى : { فمن عفى له من أخيه شىء } [ البقرة : ~~178 ] أى ترك له دمه ، ورضى منه بالدية { فاتباع بالمعروف } [ البقرة : 178 ~~] ، أى فعلى صاحب الدم اتباع بالمعروف فى المطالبة بالدية ، وعلى القاتل ~~أداء بإحسان { ذلك تخفيف من ربكم } [ البقرة : 178 ] ومعناه : أن من كان ~~قبلنا لم يفرض عليهم غير النفس بالنفس كما قال تعالى : { وكتبنا عليهم فيها ~~أن النفس بالنفس } [ المائدة : 45 ] فتفضل الله على هذه الأمة بالتخفيف ~~والدية إذا رضى بها ولى الدم . واحتجوا أيضا بقوله - صلى الله عليه وسلم - ~~: ( ومن قتل له قتيل فهو ms2979 بخير النظرين إما أن يودى وإما أن يقاد ) وهذا نص ~~قاطع فى أنه جعل أخذ الدية أو القود إلى أولياء الدم . وأيضا من طريق النظر ~~فإنما لزمته الدية بغير رضاه ، لأن عليه فرضا إحياء نفسه ، وقد قال تعالى : ~~{ ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما } [ النساء : 29 ] . قال ~~الطحاوى : وحجة أهل المقالة الثانية : حديث أنس بن مالك فى قصة الربيع حين ~~كسرت ثنية المرأة ؛ فأمر النبى - صلى الله عليه وسلم - بكسر ثنيتها ، فقال ~~أنس بن النضر : أتكسر ثنية الربيع ؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~: ( يا أنس ، كتاب الله القصاص ) فلما حكم رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- بالقصاص ولم PageV08P507 يخيرها بين القصاص وأخذ الدية ؛ ثبت بذلك أن ~~الذى يجب بكتاب الله وسنة رسوله فى العمد هو القصاص ؛ إذ لو كان يجب للمجنى ~~عليه الخيار بين القصاص والعفو لأعلمها النبى - صلى الله عليه وسلم - بما ~~لها أن تختار من ذلك ألا ترى أن حاكما لو تقدم رجل إليه فى شىء يجب له فيه ~~أحد شيئين ، فثبت عنده حقه أنه لا يحكم بأحد الشيئين دون الآخر ، وإنما ~~يحكم له بأن يختار ما أحب منهما فإن تعدى ذلك فقد قصر عن فهم الحكم ، ~~ورسوله - صلى الله عليه وسلم - أحكم الحكماء ، فلما حكم بالقصاص وأخبر أنه ~~كتاب الله ثبت ما قلناه ، ووجب أن يعطف عليه حديث أبى هريرة ، ويجعل قول ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيهما فهو بالخيار بين أن يعفو ، أو يقتص ~~، أو يأخذ الدية على الرضا من الجانى بغرم الدية حتى تتفق معانى الآثار . ~~وأما قولهم : إن عليه فرضا إحياء نفسه ، فإنا رأيناهم قد أجمعوا أن الولى ~~لو قال للقاتل : قد رضيت أن آخذ دارك هذه على ألا أقتلك ؛ أن الواجب على ~~القاتل فيما بينه وبين الله تسليم ذلك وحقن دم نفسه ، فإن أبى لم يجبره ~~عليها ، ولم يؤخذ منه كرها ، ويدفع إلى الولى ، فكذلك الدية لا يجبر عليها ~~، ولا تؤخذ منه كرها . قال المهلب : قوله - صلى الله ms2980 عليه وسلم - : ( فهو ~~بخير النظرين ) حض وندب لأولياء القتيل أن ينظروا خير نظر ، فإن كان القصاص ~~خيرا من أخذ الدية اقتصوا ولم يقبلوا الدية ، وإن كان أخذ الدية أقرب إلى ~~الألفة وقطع الضغائن بين المسلمين ؛ فعلت من غير جبر القاتل على أخذها منه ~~، ولا يقتضى قوله ( بخير النظرين ) إكراه أحد PageV08P508 الفريقين كما لا ~~يقتضى قوله : { فاتباع بمعروف } [ البقرة : 178 ] أخذ الدية من القاتل كرها ~~. وفى حديث أبى هريرة حجة للثورى والكوفيين ، والشافعى وأحمد وإسحاق فى ~~قولهم أنه يجوز العفو فى قتل الغيلة ، وهو أن يغتال الإنسان ، فيخدع بالشىء ~~حتى يصير إلى موضع فيخفى فيه ، فإذا صار إليه قتله . وقال مالك : الغيلة ~~بمنزلة المحاربة ، وليس لولاة الدم العفو فيها ، وذلك إلى السلطان يقتل به ~~القاتل . قال ابن المنذر : وقوله - صلى الله عليه وسلم - : ( ومن قتل له ~~قتيل فأهله بين خيرتين : إن أحبوا العقل ، وإن أحبوا القود ) وظاهر الكتاب ~~يدل على أن ذلك للأولياء دون السلطان . قال المهلب : وقوله : ( إن الله حبس ~~عن مكة الفيل ، وسلط عليهم رسوله والمؤمنين ) ليدخلوا فى دين الله أفواجا ، ~~فكان ذلك ساعة من نهار ، فلما دخلوا عادت حرمتها المعظمة على سائر الأرض من ~~تضعيف إثم منتهك الذنوب فيها ، وزالت حرمتها الغير مشروعة من الله ولا من ~~رسوله ، من ترك من لجأ إليها ودخلها مستأمنا ، فارا بدم أو بحربه لقول ~~النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( من قتل له قتيل فهو بخير النظرين ) قاله ~~فى قتيل خزاعة المقتول فى الحرم ، فلما جعل الله القصاص فى قتيل الحرم ، ~~وعلمنا أنه يجوز الاقتصاص فى الحرم ، ولو لم يجز ذلك لبينه النبى - صلى ~~الله عليه وسلم - وبين أن الحرمة الباقية لمكة على ما كانت فى الجاهلية وهو ~~تعظيم الذنب فيها عند الله على سائر الأرض . PageV08P509 قوله - صلى الله ~~عليه وسلم - : ( أبغض الناس عند الله ملحد فى الحرم ) فهذا نص من النبى - ~~صلى الله عليه وسلم - على المعنى الباقى للحرم ، ويؤيد هذا قوله تعالى لما ~~ذكر تحريم الأربعة الأشهر : { فلا تظلموا فيهن أنفسكم ms2981 } [ التوبة : 36 ] ~~تعظيما للظلم فيهن ؛ إذ الظلم فى غيرهن محرم أيضا فدل تخصيصهن بالنهى عن ~~الظلم ؛ على أنها مزية على غيرها فى إثم الظلم والقتل وغيره . والساعة التى ~~أحلت له لم يكن القتل فيها محرما لإدخاله إياهم فى شرائع الله ، فكذلك كل ~~قتيل يكون على شرائع الله لا يعظم فيه ، ويقتص فيها من صاحبه ، وقد تقدم ~~اختلاف العلماء فى هذه المسألة فى كتاب الحج . * * * # | 7 - باب من طلب دم امرئ بغير حق # / 18 - ابن عباس : قال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( أبغض الناس إلى ~~الله ثلاثة : ملحد فى الحرم ، ومبتغ فى الإسلام سنة الجاهلية ، ومطلب دم ~~امرئ بغير حق ؛ ليهريق دمه ) . قال المهلب : قوله : ( أبغض الناس إلى الله ~~: ملحد . . . ) لا يجوز أن يكون هؤلاء أبغض إلى الله من أهل الكفر ، وإنما ~~معناه أبغض أهل الذنوب ممن هو من جملة المسلمين ، وقد عظم الله الإلحاد فى ~~الحرم فى كتابه فقال تعالى : { ومن يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب أليم ~~} [ الحج : 25 ] فاشترط أليم العذاب لمن ألحد فى الحرم زائدا على عذابه لو ~~ألحد فى غير الحرم ، وقيل : كل ظالم فيه ملحد . PageV08P510 وقال عمر بن ~~الخطاب : احتكار الطعام بمكة إلحاد ، وقال أهل اللغة : والمعنى : ومن يرد ~~فيه إلحادا بظلم ، والباء زائدة . وقال الزجاج : مذهبنا أن الباء ليست ~~بزائدة ، والمعنى : ومن أراد فيه بأن يلحد بظلم ، ومعنى الإلحاد فى اللغة : ~~العدول عن القصد . وأما المبتغى فى الإسلام سنة الجاهلية ، فهو طلبهم ~~بالذحول غير القاتل ، وقتلهم كل من وجدوا من قومه ومنها : انتهاك المحارم ، ~~واتباع الشهوات ؛ لأنها كانت مباحة فى الجاهلية فنسخها الله فى الإسلام ~~وحرمها على المؤمنين ، وقال - صلى الله عليه وسلم - : ( قيد الفتك لا يفتك ~~مؤمن ) . ومنها : النياحة والطيرة والكهانة وغير ذلك ، وقد قال - صلى الله ~~عليه وسلم - : ( من رغب عن سنتى فليس منى ) وأما إثم الدم الحرام : فقد ~~عظمه الله فى غير موضع من كتابه ، وعلى لسان رسوله حتى قال بعض الصحابة : ~~إن القاتل لا توبة له . وقد ذكرنا مذاهب ms2982 أهل العلم فى ذلك فى أول كتاب ~~الحدود . * * * # | 8 - باب العفو فى الخطإ بعد الموت # / 19 - فيه : عائشة : صرخ إبليس يوم أحد فى الناس : يا عباد الله ، ~~أخراكم ، فرجعت أولاهم على أخراهم ، حتى قتلوا اليمان ، فقال حذيفة : أبى ، ~~أبى ، فقتلوه ، فقال حذيفة : غفر الله لكم ، قال : وقد كان انهزم منهم قوم ~~حتى لحقوا بالطائف . هذا PageV08P511 أصل مجمع عليه أن عفو الولى لا يكون ~~إلا بعد الموت ؛ إذ قد يمكن أن يبرأ فلا يموت ، وأما عفو القتيل فإنه قبل ~~الموت . وزعم أهل الظاهر أن العفو لا يكون للقتيل ، ولا يكون إلا للولى ~~خاصة ، وهذا خطأ ؛ لأن الولى إنما جعل إليه القيام بما هو للقتيل من القيام ~~عن نفسه من أجل ولايته له ومحله منه ، فالقتيل أولى بذلك . قال المهلب : ~~وإنما فهم العفو فى هذا الحديث من قول حذيفة : غفر الله لكم . وقد كان ~~يتوجه الحكم إلى اليمان إلى أخذ الدية من عاقلة القاتلين ، وإن لم يعرف من ~~هم ، فقد اختلف العلماء فى قتيل الزحام على ما يأتى بيانه بعد هذا إن شاء ~~الله تعالى . * * * # | 9 - باب قوله الله تعالى : { وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ } [ ~~النساء : 92 ] # # | 10 - باب إذا أقر بالقتل مرة قتل به # / 20 - فيه : أنس : ( أن يهوديا رض رأس جارية بين حجرين ، فقيل لها : من ~~فعل بك هذا ؟ أفلان ، أفلان ، حتى سمى اليهودى ، فأومأت برأسها ، فجىء ~~باليهودى ، فاعترف ، فأمر به النبى - صلى الله عليه وسلم - ، فرض رأسه ~~بالحجارة ) . وقال همام : بحجرين . وترجم له : ( باب قتل الرجل بالمرأة ) . ~~قال ابن المنذر : حكم الله فى المؤمن يقتل الخطأ الدية وأجمع أهل العلم على ~~القول به . PageV08P512 وقال الزجاج فى هذه الآية : المعنى : ما كان لمؤمن ~~أن يقتل مؤمنا إلا خطأ البتة ، وإلا خطأ استثناء ليس من الأول ، ويسميه أهل ~~العربية : الاستثناء المنقطع والمعنى : إلا أن يخطئ المؤمن النية ، فكفارة ~~خطئه تحرير رقبة مؤمنة فى ماله ودية مسلمة تؤديه عاقلته إلى أهله إلى أن ~~يصدقوا ، يقول : إلا أن يصدق أهل ms2983 القتيل خطأ على من لزمته دية قتيلهم ، ~~فيعفوا عنه ، ويتجاوزوا عن ديته ، فتسقط عنه . قال الطبرى : وذكر أن هذه ~~الآية نزلت فى عياش بن أبى ربيعة المخزومى ، وكان قتل رجلا مسلما ، ولم ~~يعلم بإسلامه ، وكان ذلك الرجل يعذبه بمكة مع أبى جهل ، فخرج ذلك الرجل ~~مهاجرا إلى النبى - صلى الله عليه وسلم - فلقيه عياش بالحرة ، فقتله وهو ~~يحسبه كافرا ، ثم جاء إلى النبى - صلى الله عليه وسلم - فأخبره بذلك فأمره ~~بعتق رقبة ، ونزلت الآية . عن مجاهد وعكرمة . وقوله تعالى : { فإن كان من ~~قوم عدو لكم وهو مؤمن } [ النساء : 92 ] بمعنى : وإن كان هذا القتيل الذى ~~قتله المؤمن خطأ من قوم ناصبوكم الحرب على الإسلام فقتله مؤمن ؛ فتحرير ~~رقبة مؤمنة ولا دية تؤدى إلى قومه ؛ لئلا يتقووا بها عليكم { وإن كان من ~~قوم بينكم وبينهم ميثاق } [ النساء : 92 ] ، أى عهد وذمة ، وليسوا أهل حرب ~~لكم ؛ { فدية مسلمة إلى أهله } [ النساء : 92 ] ، يعنى على عاقلته ، { ~~وتحرير رقبة مؤمنة } [ النساء : 92 ] كفارة لقتله ثم اختلف أهل التأويل فى ~~صفة هذا القتيل الذى هو من قوم بيننا وبينهم ميثاق ، هل هو مؤمن أو كافر ؟ ~~فقال قوم : هو كافر إلا أنه لزمت قاتله ديته ؛ لأن له ولقومه عهدا ؛ فوجب ~~أداء ديته إلى PageV08P513 قومه للعهد الذى بينهم وبين المؤمنين ، وأنها ~~مال من أموالهم ، فلا تحل للمؤمنين أموالهم بغير طيب أنفسهم . عن ابن عباس ~~والشعبى والنخعى والزهرى . قالوا : دية الذمى كدية المسلم . وقال آخرون : ~~بل هو مؤمن . روى ذلك عن النخعى ، وجابر بن زيد ، والحسن البصرى . قالوا فى ~~قوله تعالى : { وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق } [ النساء : 92 ] قالوا ~~: وهو مؤمن . قال الطبرى : وأولى القولين : قول من قال : عنى بذلك المقتول ~~من أهل العهد ؛ لأن الله تعالى أبهم ذلك فقال : { وإن كان من قوم بينكم ~~وبينهم ميثاق } [ النساء : 92 ] ولم يقل : وهو مؤمن ، كما قال فى القتيل من ~~المؤمنين وأهل الحرب { وهو مؤمن } { فمن لم يجد فصيام شهرين } [ النساء : ~~92 ] ، يعنى فمن لم يجد رقبة مؤمنة ms2984 فصيام شهرين متتابعين ، يعنى عن الرقبة ~~خاصة . عن مجاهد . وقال مسروق : صوم الشهرين عن الرقبة والدية . قال الطبرى ~~: وأولى القولين : الصوم عن الرقبة دون الدية ؛ لأن دية الخطأ على عاقلة ~~القاتل ، والكفارة على القاتل بإجماع ، فلا يقضى صوم صائم عما لزم آخر فى ~~ماله . { توبة من الله } [ النساء : 92 ] ، يعنى رحمة من الله لكم إلى ~~التيسير عليكم بتخفيفه عنكم بتحرير الرقبة المؤمنة إذا أيسرتم بها { وكان ~~الله عليما حكيما } [ النساء : 92 ] يقول : ولم يزل الله عليما بما يصلح ~~عباده فيما يكلفهم من فرائضه ، حكيما بما يقضى فيهم ويأمر . PageV08P514 ~~وقوله : إذا أقر بالقتل مرة قتل به ، فهو حجة على الكوفيين فى قولهم أنه ~~لابد من إقراره مرتين فى القتل ، كما لابد فى الزنا من إقراره أربع مرات . ~~وقولهم خلاف لهذا الحديث ؛ لأنه لم يذكر فى الحديث أن اليهودى أقر أكثر من ~~مرة واحدة ، ولو كان فى إقراره حدا معلوما لبين ذلك ، وبهذا قال مالك ~~والشافعى وقد تقدم فى باب سؤال الإمام المقر بالزنا ، هل أحصنت ، حكم ~~بالزنا وبالقتل ، ومذاهب العلماء فى ذلك فأغنى عن إعادته . وفيه من الفقه : ~~أن الرجل يقتل بالمرأة وعلى هذا فقهاء الأمصار ، وكذلك تقتل المرأة بالرجل ~~وشذ الحسن البصرى ، ورواية عن عطاء فقالا : إن قتل أولياء المرأة الرجل بها ~~أدوا نصف الدية ، وإن قتل أولياء الرجل المرأة أخذوا من أوليائها نصف دية ~~الرجل . وروى مثله عن الشعبى عن على ، وبه قال عثمان البتى . وحجة الجماعة ~~: أن النبى - صلى الله عليه وسلم - قتل اليهودى بالمرأة ، فدل على ثبات ~~القصاص بين الرجال والنساء . * * * # | 11 - باب القصاص بين الرجال والنساء فى الجراحات # وقال أهل العلم : يقتل الرجل بالمرأة ، ويذكر عن عمر تقاد المرأة من ~~الرجل فى كل عمد يبلغ نفسه فما دونها من الجراح . وبه قال عمر بن عبدالعزيز ~~وإبراهيم وأبو الزناد ، عن أصحابه ، وجرحت أخت الربيع إنسانا ، فقال النبى ~~- صلى الله عليه وسلم - : القصاص . PageV08P515 / 21 - فيه : عائشة ، قالت ~~: ( لددنا النبى - صلى الله عليه وسلم - فى مرضه ، فقال : لا تلدونى ms2985 ، ~~فقلنا : كراهية المريض للدواء ، فلما أفاق ، قال : لا يبقى أحد منكم إلا لد ~~غير العباس ، فإنه لم يشهدكم ) . اتفق أئمة الأمصار على أن الرجل يقتل ~~بالمرأة . والمرأة بالرجل إذا كان القتل عمدا ، حاشا الحسن البصرى وعطاء ~~وما روى عن على . وذهب مالك والثورى والشافعى وأكثر الفقهاء إلى أن القصاص ~~بين الرجال والنساء فى الجراحات كما هو فى النفس . وقال أبو حنيفة : لا ~~قصاص بين الرجال والنساء فيما دون النفس من الجراحات . واحتج أصحابه بأن ~~المساواة عندهم معتبرة فى النفس وغير معتبرة فى الأطراف ، ألا ترى أن اليد ~~الصحيحة لا تؤخذ بالشلاء ، والنفس الصحيحة تؤخذ بالمريضة وهذه نكتتهم ~~وعليها يبنون الكلام ، وكذلك لا يقطعون يد المرأة بيد الرجل ولا يد الحر ~~بالعبد ، وإن جرى القصاص بينهما فى النفس . وقال ابن المنذر : ولما أجمعوا ~~أن نفسه بنفسها ، وهى أكبر الأشياء ، واختلفوا فيما دون ذلك كان ما اختلفوا ~~فيه مردودا إلى ما أجمعوا عليه ؛ لأن الشىء إذا ما أبيح منه الكثير ؛ كان ~~القليل أولى . قال المهلب : حديث الربيع يبين أن القصاص بين الرجل والمرأة ~~. قال ابن القصار : وإنما لم تؤخذ الصحيحة بالشلاء ؛ لأن الشلاء ميتة ~~والنفس الحية لا تؤخذ بالنفس الميتة ، فسقط اعتراضهم . PageV08P516 قال ~~المهلب : وأما حديث اللدود فدليل على أنه يؤخذ الناس بالقصاص فى أقل من ~~الجراحات ، لأنه - صلى الله عليه وسلم - أمر بأن يقتص له ممن لده فى مرضه ~~وآلمه ، وهذا دون جراحه ولا قصد لأذى ، وفيه قصاص الرجل من المرأة ؛ لأن ~~أكثر أهل البيت كانوا نساء ، وفيه دليل على أخذ الجماعة بالواحد . * * * # | 12 - باب من أخذ حقه أو اقتص دون السلطان # / 22 - فيه : أبو هريرة ، قال : قال النبى - صلى الله عليه وسلم - ، لو ~~اطلع فى بيتك أحد ، ففقأت عينه ، ما كان عليك من جناح ) . / 23 - وفيه : ~~أنس أن رجلا اطلع فى بيت النبى - صلى الله عليه وسلم - فسدد إليه مشقصا . ~~اتفق أئمة الفتوى أنه لا يجوز لأحد أن يقتص من أحد حقه دون السلطان ، وليس ~~للناس أن يقتص بعضهم من ms2986 بعض ، وإنما ذلك للسلطان ، أو من نصبه السلطان لذلك ~~، ولهذا جعل الله السلطان لقبض أيدى الناس ، وقد تأول الناس هذا الحديث أنه ~~خرج على التغليظ والوعيد والزجر عن الاطلاع على عورات الناس ، وإنما ~~اختلفوا فيمن أقام الحد على عبده أو أمته كما تقدم ، ويجوز عند العلماء أن ~~يأخذ حقه دون السلطان فى المال خاصة إذا جحده إياه ، ولم يقم له بينة على ~~حقه على ما جاء فى حديث هند مع أبى سفيان ، وسيأتى بعد هذا . PageV08P517 * ~~* * # | 13 - باب إذا مات فى الزحام أو قتل # / 24 - فيه : عائشة : لما كان يوم أحد هزم المشركون ، فصاح إبليس : أى ~~عباد الله ، أخراكم ، فرجعت أولاهم ، فاجتلدت هى وأخراهم ، فنظر حذيفة ، ~~فإذا هو بأبيه اليمان ، فقال : أى عباد الله ، أبى ، أبى ، قالت : فوالله ~~ما احتجزوا حتى قتلوه ، قال حذيفة : غفر الله لكم . قال عروة : فما زالت فى ~~حذيفة منه بقية خير حتى لحق بالله . اختلف العلماء فيمن مات فى الزحام ولا ~~يدرى من قتله ، فقالت طائفة : ديته فى بيت المال . روى ذلك عن عمر بن ~~الخطاب ، وعلى بن أبى طالب ، وبه قال إسحاق ، وقالت طائفة : دينه على من ~~حضر . هذا قول الحسن البصرى والزهرى ، وفيها قول آخر وهو أن يقال لوليه : ~~ادع على من شئت ، فإذا حلف على أحد بعينه أو جماعة يمكن أن يكونوا قاتليه ~~فى الجمع حلف ، واستحق على عواقلهم الدية فى ثلاث سنين . هذا قول الشافعى . ~~وقال مالك : دمه هدر ، ووجه قول من قال أنه فى بيت المال ، أنا قد أيقنا أن ~~من مات من فعل قوم مسلمين ولم يتعين من قتله ؛ فحسن أن يودى من بيت المال ؛ ~~لأن بيت مالهم كالعاقلة ، ووجه قول من قال : إن ديته على من حضر ، أنا قد ~~أيقنا أن من فعلهم مات فوجب أن لا يتعدى ذلك إلى غيرهم ، وحديث هذا الباب ~~أشبه بهذا القول من غيره ؛ لأن حذيفة قال : ( غفر الله لكم ) فدل أنه لم ~~يغفر لهم إلا ما له مطالبتهم به ألا ترى قوله : ( فلم ms2987 يزل فى حذيفة منها ~~بقية خير ) يريد أنها ظهرت عليه بركة ذلك العفو عنهم . ووجه قول الشافعى أن ~~الدماء والأموال لا تجب إلا بالطلب ، فإذا ادعى أولياء المقتول على قوم ~~وأتوا بما يوجب القسامة حلفوا واستحقوا . PageV08P518 ووجه قول مالك أنه ~~لما لم يعلم قاتله بعينه علم يقين إستحال أن يؤخذ أحد فيه بالظن ، فيوجب أن ~~يهدر دمه . * * * # | 14 - باب إذا قتل نفسه خطأ فلا دية له # / 25 - فيه : سلمة بن الأكواع ، قال : ( خرجنا مع النبى - صلى الله عليه ~~وسلم - إلى خيبر ، فقال رجل منهم : أسمعنا يا عامر من هنيهاتك ، فحدا بهم ، ~~فقال النبى - صلى الله عليه وسلم - : من السائق ؟ قالوا : عامر ، فقال : ~~رحمه الله ، فقالوا : يا رسول الله ، هلا أمتعتنا به ، فأصيب صبيحة ليلته ، ~~فقال القوم : حبط عمله قتل نفسه ، فلما رجعت ، وهم يتحدثون أن عامرا حبط ~~عمله ، فجئت إلى النبى - صلى الله عليه وسلم - ، فقلت : يا نبى الله ، فداك ~~أبى وأمى ، زعموا أن عامرا حبط عمله ، فقال : كذب من قالها ، إن له لأجرين ~~اثنين ، إنه لجاهد مجاهد ، وأى قتل يزيده عليه ) . لم يذكر فى هذا صفة قتل ~~عامر لنفسه خطأ كما ترجم ، وجاء ذلك بينا فى كتاب الأدب فى باب ما يجوز من ~~الشعر والرجز والحداء ، قال : ( فأتينا خيبر فحاصرناهم وكان سيف عامر قصيرا ~~فتناول به يهوديا ليضربه ، فرجع ذبابته فأصاب ركبته فمات منه . . ) فذكر ~~الحديث ، وقال فى آخره : ( قل عربى نشأ بها مثله ) فى مكان قوله : ( وأى ~~قتل يزيده عليه ) . وفى رواية النسفى فى حديث هذا الباب : ( وأى قتيل يزيد ~~عليه ) وهو الصواب . واختلف العلماء فى من قتل نفسه ، فقالت طائفة : لا ~~تعقل العاقلة PageV08P519 أحدا أصاب نفسه بشىء عمدا أو خطأ . هذا قول ربيعة ~~ومالك والثورى وأبى حنيفة والشافعى . وقال الأوزاعى وأحمد وإسحاق : ديته ~~على عاقلته ، فإن عاش فهى له وإن مات فهى لورثته ، واحتجوا بما روى ( أن ~~رجلا كان يسوق حمارا ، فضربه بعصا كانت معه ، فأصاب عينه ففقأتها ، فقضى ~~عمر بديته على عاقلته ، وقال : أصابته يد من ms2988 أيدى المسلمين ) . وحديث سلمة ~~بن الكوع حجة للقول الأول ؛ لأن النبى - صلى الله عليه وسلم - لم يوجب له ~~دية على عاقلته ولا غيرها ، ولو وجبت على العاقلة لبين ذلك ؛ لأن هذا موضع ~~يحتاج إلى بيان بل يشهد له - صلى الله عليه وسلم - أن له أجرين ، وأيضا فإن ~~الدية إنما وجبت على العاقلة تخفيفا على الجانى فإذا لم يجب على الجانى ~~لأحد شىء لم يحتج إلى التخفيف عنه . وجعلت الدية أيضا على العاقلة معونة ~~للجانى فتؤدى إلى غيره ، فمحال أن يؤدى عنه إليه ، والنظر ممتنع أنه يجب ~~للمرء على نفسه دين ، ألا ترى أنه لو قطع يد نفسه عمدا لم تجب فيها الدية ~~فكذلك إذا قتل نفسه . واحتج مالك فى ذلك بقوله تعالى : { وما كان لمؤمن أن ~~يقتل مؤمنا إلا خطأ } [ النساء : 92 ] ولم يقل من قتل نفسه خطأ ، وإنما جعل ~~العقل فيما أصاب به إنسانا إنسانا ، ولم يذكر ما أصاب به نفسه . ~~PageV08P520 * * * # | 15 - باب إذا عض رجلا فوقعت ثناياه # / 26 - فيه : عمران بن حصين : أن رجلا عض يد رجل ، فنزع يده من فمه ، ~~فوقعت ثنيتاه ، فاختصموا إلى النبى - صلى الله عليه وسلم - ، فقال : يعض ~~أحدكم أخاه كما يعض الفحل ، لا دية لك ) . / 27 - وفيه : يعلى ، عن أبيه ، ~~قال : خرجت فى غزوة فعض رجل ، فانتزع ثنيته ، فأبطلها النبى - صلى الله ~~عليه وسلم - . اختلف العلماء فى هذا الباب ، فقالت طائفة : من عض يد رجل ~~فانتزع المعضوض يده من فى العاض فقلع سنا من أسنان العاض فلا ضمان عليه فى ~~السن ، روى ذلك عن أبى بكر الصديق وشريح ، وهو قول الكوفيين والشافعى ، ~~قالوا : ولو جرحه المعضوض فى موضع آخر فعليه ضمانه . وقال ابن أبى ليلى ~~ومالك : هو ضامن لدية السن ، وقال عثمان البتى : إن كان انتزعها من ألم ~~ووجع أصابه فلا شىء عليه ، وإن انتزعها من غير ألم فعليه الدية . واحتج ~~الكوفيون والشافعى بهذا الحديث ، وقالوا : ألا ترى قوله - صلى الله عليه ~~وسلم - : ( أيدع يده فى فيه فيعضه كما يعض الفحل ؟ ! لا دية ms2989 له ) وهذا لا ~~يجوز خلافه لصحة مجيئه ، وأنه لا شىء يخالفه مما روى عن النبى - صلى الله ~~عليه وسلم - . قالوا : ولا يختلفون أن من شهر سلاحا ، وأومأ إلى قتله وهو ~~صحيح العقل ، فقتله المشهور عليه دافعا له عن نفسه ؛ أنه لا ضمان عليه ، ~~فإذا لم يضمن نفسه بدفعه إياه عن نفسه كذلك لا يضمن سنه بدفعه إياه عن عضه ~~. PageV08P521 واحتج أصحاب مالك فقالوا : يحتمل أن يكون سقوط الثنية من شدة ~~العض لا من نزع صاحب اليد ؛ لأنه قال : نزع يده فسقطت ثنية العاض ، فلهذا ~~لم يجب له شىء ، وإن كان من فعل صاحب اليد فقد كان يمكنه أن يخلص يده من ~~غير قلع ثنيته فلهذا وجب عليه ضمانها ، ولم يرو مالك هذا الحديث ، ولو رواه ~~ما خالفه وهو من رواية أهل العراق . * * * # | 16 - باب { السن بالسن } [ المائدة : 45 ] # / 28 - فيه أنس : أن ابنة النضر لطمت جارية ، فكسرت ثنيتها ، فأتوا النبى ~~- صلى الله عليه وسلم - ، فأمر بالقصاص . قال المؤلف : قال الله تعالى : { ~~والسن بالسن } [ المائدة : 45 ] وأجمع العلماء أن هذه الآية فى العمد ، فمن ~~أصاب سن أحد عمدا ففيه القصاص ، على حديث أنس . واختلف العلماء فى سائر ~~عظام الجسد إذا كسرت عمدا ، فقال مالك : عظام الجسد كلها فيها القود إذا ~~كسرت عمدا : الذراعان والعضدان ، والساقان ، والقدمان ، والكعبان ، ~~والأصابع إلا ما كان مجوفا مثل الفخذ وشبهه ، كالمأمومة ، والمنقلة ، ~~والهاشمة ، والصلب ، ففى ذلك الدية . وقال الكوفيون : لا قصاص فى عظم يكسر ~~إلا السن لقوله تعالى : { السن بالسن } [ المائدة : 45 ] وهو قول الليث ~~والشافعى . واحتج الشافعى فقال : إن دون العظم حائل من الجلد ولحم ~~PageV08P522 وعصب ، فلو استيقنا أنا نكسر عظمة كما كسر عظمة لا يزيد عليه ~~ولا ينقص فعلناه ولكنا لا نصل إلى العظم حتى ننال منه ما دونه مما ذكرناه ~~أنا لا نعرف قدره مما هو أقل أو أكثر مما نال غيره ، وأيضا فإنا لا نقدر أن ~~يكون كسر ككسر أبدا فهو ممنوع . وقال الطحاوى : اتفقوا أنه لا قصاص فى عظم ~~الرأس فكذلك ms2990 سائر العظام . والحجة لمالك حديث أنس : أن النبى - صلى الله ~~عليه وسلم - قال فى سن الربيع : ( كتاب الله القصاص ) فلما جاز القصاص فى ~~السن إذا كسرت ، وهى عظم فكذلك سائر العظام ، إلا عظما أجمعوا أنه لا قصاص ~~فيه ؛ لخوف ذهاب النفس منه ، وأنه لا يقدر على الوصول فيه إلى مثل الجناية ~~بالسواء ، فلا يجوز أن يفعل ما يؤدى فى الأغلب إلى التلف إذا كان الجارح ~~الأول لم يؤد فعله إلى التلف . وقال ابن المنذر : ومن قال لا قصاص فى عظم ~~فهو مخالف للحديث ، والخروج إلى النظر غير جائز مع وجود الخبر . واتفق ~~جمهور الفقهاء على أن دية الأسنان فى الخطأ فى كل سن خمس من الإبل . * * * # | 17 - باب دية الأصابع # / 29 - فيه : ابن عباس ، أن النبى - صلى الله عليه وسلم - ، قال : ( هذه ~~وهذه سواء ، يعنى الخنصر والإبهام ) . PageV08P523 ثبت فى كتاب الديات الذى ~~كتبه النبى - صلى الله عليه وسلم - لآل عمرو بن حزم أنه قال : ( فى اليد : ~~خمسون من الإبل ، فى كل أصبع : عشر من الإبل ) . وأجمع العلماء على أن فى ~~اليد نصف الدية ، وأصابع اليد والرجل سواء ، وعلى هذا أئمة الفتوى ، ولا ~~فضل لبعض الأصابع عندهم على بعض . قال ابن المنذر : روينا ذلك عن عمر بن ~~الخطاب ، وعلى بن أبى طالب ، وابن مسعود ، وزيد بن ثابت . وجاءت رواية شاذة ~~عن عمر بن الخطاب ، وعروة بن الزبير بتفضيل بعض الأصابع على بعض . روى ~~الثورى وحماد بن زيد ، عن يحيى بن سعيد ، عن سعيد بن المسيب : ( أن عمر جعل ~~فى الإبهام خمسة عشر وفى البنصر تسعا ، وفى الخنصر ستا ، وفى السبابة ~~والوسطى عشرا عشرا ، حتى وجد فى كتاب الديات عند آل عمرو بن حزم : أن النبى ~~- صلى الله عليه وسلم - قال : الأصابع كلها سواء ، فأخذ به وترك قوله الأول ~~) . ورواه جعفر بن عون ، عن يحيى بن سعيد ، عن ابن المسيب قال : ( قضى عمر ~~فى الإبهام بثلاث عشرة ، وفى التى تليها بثنتى عشرة ، وفى الوسطى بعشرة ، ~~وفى التى تليها بتسع ، وفى الخنصر بست ms2991 ) . وروى معمر ، عن هشام بن عروة ، ~~عن أبيه ، قال : ( إذا قطعت الإبهام والتى تليها ، ففيها نصف دية اليد ، ~~وإذا قطعت إحداهما ، ففيها عشر من الإبل ) . ولم يلتفت أحد من الفقهاء إلى ~~هذين القولين لما ثبت عن النبى PageV08P524 - صلى الله عليه وسلم - أنه قال ~~: ( هذه وهذه سواء ، يعنى الخنصر والإبهام ) وحديث عمرو بن حزم : ( إن فى ~~كل أصبع عشرا من الإبل ) . وذكر ابن المنذر عن الشعبى قال : كنت جالسا مع ~~شريح ؛ إذا أتاه رجل فقال : أخبرنى عن دية الأصابع ، فقال : فى كل أصبع ~~عشرا من الإبل . قال : سبحان الله ، أسواء هى ؟ يعنى الإبهام والخنصر ، قال ~~: ويحك إن السنة منعت قياسكم ، اتبع ولا تبتدع ، فإنك لن تضل ما أخذت ~~بالسنن ، سواء يداك وأذناك تغطيهما العمامة والقلنسوة ، وفيها نصف الدية ، ~~وفى اليد نصف الدية . * * * # | 18 - باب إذا أصاب قوم من رجل ، هل يعاقب أو يقتص منهم كلهم ؟ # وقال مطرف ، عن الشعبى فى رجلين شهدا على رجل أنه سرق فقطعه على ، ثم ~~جاءا بآخر ، وقالا : أخطأنا ، فأبطل شهادتهما ، وأخذهما بدية الأول ، وقال ~~: لو علمت أنكما تعمدتما لقطعتكما . / 30 - فيه : ابن عمر ، رضى الله عنهما ~~، أن غلاما قتل غيلة ، فقال عمر : لو اشترك فيه أهل صنعاء لقتلتهم . / 31 - ~~وفيه : مغيرة بن حكيم ، عن أبيه : إن أربعة قتلوا صبيا ، فقال عمر مثله . ~~وأقاد أبو بكر وابن الزبير وعلي وسويد بن مقرن من لطمة ، وأقاد عمر من ضربة ~~بالدرة ، وأقاد علي من ثلاثة أسواط ، واقتص شريح من سوط وخموش . / 32 - فيه ~~: عائشة : ( لددنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فى مرضه ، وجعل يشير ~~إلينا لا تلدونى ، قال : فقلنا : كراهية المريض بالدواء ، فلما أفاق ، قال ~~: ألم أنهكم أن تلدونى قال : قلنا : كراهية للدواء ، فقال رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - : لا يبقى منكم أحد إلا لد ، وأنا أنظر إلا العباس ، فإنه ~~لم يشهدكم ) . PageV08P525 ذهب جمهور العلماء إلى أن الجماعة إذا قتلوا ~~واحدا به كلهم على نحو ما فعل عمر بن الخطاب ورى مثله عن على بن أبى طالب ms2992 ~~والمغيرة بن شعبة ، ومن التابعين : سعيد بن المسيب وعطاء والحسن والنخعى ~~والشعبى وجماعة أئمة الأمصار . وفيها قول آخر : روى عن عبد الله والزبير ~~ومعاذ بن جبل : أن لولى المقتول أن يقتل واحدا من الجماعة ، ويأخذ بقية ~~الدية من الباقين ، مثل أن يقتله عشرة أنفس ، فله أن يقتل واحدا منهم ويأخذ ~~من التسعة تسعة أعشار الدية . وبه قال ابن سيرين والزهرى . وقال أهل الظاهر ~~: لا قود على واحد منهم أصلا وعليهم الدية . وهذا خلاف ما أجمعت عليه ~~الصحابة ، وحجة الجماعة قوله تعالى : { ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه ~~سلطانا فلا يسرف } [ الإسراء : 33 ] فلا فرق بين أن يكون القاتل واحدا أو ~~جماعة ، لوقوع اسم القتلة عليهم ، ولأن الله تعالى جعل الحجة لولى المقتول ~~عليهم ، وعلى مثل هذا يدل حديث عائشة أن النبى - صلى الله عليه وسلم - أمر ~~أن يلد كل من فى البيت لشهودهم للدده الذى نهاهم عنه وما ذاق من الألم ~~واشتراكهم فى ذلك ، وهو حجة فى قصاص الواحد من الجماعة ، ولو لم تقتل ~~الجماعة بالواحد لأدى ذلك إلى رفع الحياة فى القصاص الذى جعله الله حياة ~~ولم يشأ أحد أن يقتل أحدا ثم لا يقتل به إلا دعا من يقتله معه لسقط عنه ~~القتل ، وأيضا فإن النفس لا تتبعض PageV08P526 فى الإتلاف ، بدليل أنه لا ~~يقال : قاتل بعض نفس ؛ لأن كل واحد قد حصل من جهته فعل ما يتعلق به خروج ~~الروح عنده ، وهذا لا يتبعض لامتناع أن يكون بعض الروح خرج بفعل أحدهم ، ~~وبعضها بفعل الباقين ، فكان كل واحد منهم قاتل نفس ، ومثل هذا لو أن جماعة ~~دفعوا حجرا ، لكان كل واحد منهم دافعا له ؛ لأن الحجر لا يتبعض كما أن ~~النفس لا تتبعض . فإن قيل : إنما قال لكل واحد منهم قاتل نفس كما يقال فى ~~الجماعة : أكلت الرغيف ، وليس كل واحد منهم أكل الرغيف كله . قيل : إنما ~~كان هذا ؛ لأن الرغيف يتبعض ، فصح أن يقال لكل واحد منهم : أكل بعض الرغيف ~~، ولما لم يصح التبعيض فى النفس لم ms2993 يصح أن يقال قاتل بعض نفس ، وقوله تعالى ~~: { النفس بالنفس } [ المائدة : 45 ] الألف واللام للجنس فتقديره : الأنفس ~~بالأنفس ، وكذلك قوله : { الحر بالحر } [ البقرة : 178 ] تقديره : الأحرار ~~بالأحرار . فلا فرق بين جماعة قتلوا واحدا أو جماعة ، وأما القود من اللطمة ~~وشبهها ، فذكر البخارى عن أبى بكر الصديق وعمر وعلى وابن الزبير أنهم ~~أقادوا من اللطمة وشبهها ، وقد روى عن عثمان وخالد بن الوليد مثل ذلك ، وهو ~~قول الشعبى وجماعة من أهل الحديث ، وقال الليث : إن كانت اللطمة فى العين ~~فلا قصاص فيها للخوف على العين ويعاقبه السلطان ، وإن كانت على الخد ففيها ~~القود . وقالت طائفة : لا قصاص فى اللطمة . فروى هذا عن الحسن وقتادة ، وهو ~~قول مالك والكوفيين والشافعى . PageV08P527 واحتج مالك فى ذلك ، وقال : ليس ~~لطمة المريض والضعيف مثل لطمة القوى ، وليس العبد الأسود يلطم مثل الرجل له ~~الحال والهيئة ، وإنما فى ذلك كله الاجتهاد لجهلنا بمقدار اللطمة . ~~واختلفوا فى القود من ضرب السوط ، فقال الليث : يقاد من الضرب بالسوط ويزاد ~~عليه للتعدى . وقال ابن القاسم : يقاد من السوط ، ولا يقاد منه عند ~~الكوفيين ، والشافعى إلا أن يجرح ، قال الشافعى : إن جرح السوط ففيه حكومة ~~. وحديث لد النبى - صلى الله عليه وسلم - لأهل البيت حجة لمن جعل القود فى ~~كل ألم ، وإن لم يكن جرح ولا قصد لأذى ، بسوط كان الألم أو بيد أو غيره ، ~~وقد تقدم فى كتاب الأحكام مذاهب العلماء فى الشاهد إذا تعمد الشهادة بالزور ~~، هل يلزمه الضمان ، وقد تقدم تفسير قتل الغيلة ، فى باب من قتل قتيلا فهو ~~بخير النظرين . * * * # | 19 - باب القسامة # وقال الأشعث بن قيس : قال النبى - صلى الله عليه وسلم - : شاهداك أو ~~يمينه . وقال ابن أبى مليكة : لم يقد بها معاوية ، وكتب عمر بن عبدالعزيز ~~إلى عدى بن أرطاة ، وكان أمره على البصرة ، فى قتيل وجد عند بيت من بيوت ~~السمانين ، إن وجد أصحابه بينة ، وإلا فلا تظلم الناس ، فإن هذا لا يقضى ~~فيه إلى يوم القيامة . / 33 - حدثنا أبو نعيم ، حدثنا سعيد بن ms2994 عبيد ، عن ~~بشير بن يسار ( زعم أن PageV08P528 رجلا من الأنصار يقال له : سهل بن أبى ~~حثمة ، أخبره أن نفرا من قومه انطلقوا إلى خيبر فتفرقوا فيها ، ووجدوا ~~أحدهم قتيلا ، وقالوا للذى وجد فيهم : قد قتلتم صاحبنا ، قالوا : ما قتلنا ~~ولا علمنا قاتلا ، فانطلقوا إلى النبى - صلى الله عليه وسلم - ، فقالوا : ~~يا رسول الله ، انطلقنا إلى خيبر ، فوجدنا أحدنا قتيلا ، فقال : الكبر ، ~~الكبر ، فقال لهم : تأتون بالبينة على من قتله ، قالوا : ما لنا بينة ، قال ~~: فيحلفون ، قالوا : لا نرضى بأيمان اليهود ، فكره رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - أن يبطل دمه فوداه مائة من إبل الصدقة ) . / 34 - وقال أبو ~~قلابة ( أن عمر بن عبدالعزيز أبرز سريره يوما للناس ، ثم أذن لهم فدخلوا ، ~~ما تقولون فى القسامة ؟ قال : نقول : القسامة القود بها حق ، وقد أقادت بها ~~الخلفاء ، قال لى : ما تقول يا أبا قلابة ؟ ونصبنى للناس ، فقلت : يا أمير ~~المؤمنين ، عندك رءوس الأجناد وأشراف العرب ، أرأيت لو أن خمسين منهم شهدوا ~~على رجل محصن بدمشق أنه قد زنى لم يروه أكنت ترجمه ؟ قال : لا ، قلت : ~~أرأيت لو أن خمسين منهم شهدوا على رجل بحمص أنه سرق ، أكنت تقطعه ، ولم ~~يروه ؟ قال : لا ، قلت : فوالله ما قتل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~أحدا قط إلا فى إحدى ثلاث خصال : رجل قتل بجريرة نفسه فقتل ، أو رجل زنى ~~بعد إحصان ، أو رجل حارب الله ورسوله وارتد عن الإسلام ، فقال القوم : ~~أوليس قد حدث أنس بن مالك أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قطع فى ~~السرق ، وسمر الأعين ، ثم نبذهم فى الشمس ، فقلت : أنا أحدثكم حديث أنس ، ~~حدثنى أنس أن نفرا من عكل ثمانية قدموا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- فبايعوه على الإسلام ، فاستوخموا الأرض ، فسقمت أجسامهم ، PageV08P529 ~~فشكوا ذلك إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، قال : أفلا تخرجون مع ~~راعينا فى إبله ، فتصيبون من ألبانها وأبوالها ؟ قالوا : بلى ، فخرجوا ، ~~فشربوا من ألبانها وأبوالها ، فصحوا ، فقتلوا راعى رسول الله - صلى الله ms2995 ~~عليه وسلم - ، وأطردوا النعم ، فبلغ ذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~فأرسل فى آثارهم ، فأدركوا فجىء بهم ، فأمر بهم ، فقطعت أيديهم وأرجلهم ، ~~وسمر أعينهم ، ثم نبذهم فى الشمس حتى ماتوا ، قلت : وأى شىء أشد مما صنع ~~هؤلاء ارتدوا عن الإسلام ، وقتلوا ، وسرقوا ؟ فقال عنبسة ابن سعيد : والله ~~إن سمعت كاليوم قط ، فقلت : أترد على حديثى يا عنبسة ؟ قال : لا ، ولكن جئت ~~بالحديث على وجهه والله لا يزال هذا الجند بخير ما عاش هذا الشيخ بين ~~أظهرهم ، قلت : وقد كان فى هذا سنة من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~دخل عليه نفر من الأنصار ، فتحدثوا عنده ، فخرج رجل منهم بين أيديهم فقتل ، ~~فخرجوا بعده ، فإذا هم بصاحبهم يتشحط فى الدم ، فرجعوا إلى رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - ، فقالوا : يا رسول الله ، صاحبنا كان تحدث معنا ، فخرج ~~بين أيدينا ، فإذا نحن به يتشحط فى الدم ، فخرج رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - ، فقال : بمن تظنون ، أو من ترون قتله ؟ قالوا : نرى أن اليهود ~~قتلته ، فأرسل إلى اليهود فدعاهم ، فقال : آنتم قتلتم هذا ؟ قالوا : لا ، ~~قال : أترضون نفل خمسين من اليهود ما قتلوه ؟ فقالوا : ما يبالون أن ~~يقتلونا أجمعين ، ثم ينتفلون ، قال : أفتستحقون الدية بأيمان خمسين منكم ؟ ~~قالوا : ما كنا لنحلف ، فوداه من عنده ، قلت : وقد كانت هذيل خلعوا خليعا ~~لهم فى الجاهلية ، فطرق أهل بيت من اليمن بالبطحاء ، فانتبه له رجل منهم ، ~~فحذفه بالسيف فقتله ، فجاءت هذيل ، فأخذوا اليمانى فرفعوه إلى عمر بالموسم ~~، وقالوا قتل : صاحبنا ، PageV08P530 فقال : إنهم قد خلعوه ، فقال : يقسم ~~خمسون من هذيل ما خلعوه ، قال : فأقسم منهم تسعة وأربعون رجلا ، وقدم رجل ~~منهم من الشأم ، فسألوه أن يقسم ، فافتدى يمينه منهم بألف درهم ، فأدخلوا ~~مكانه رجلا آخر فدفعه إلى أخى المقتول ، فقرنت يده بيده ، قالوا : فانطلقا ~~والخمسون الذين أقسموا حتى إذا كانوا بنخلة أخذتهم السماء ، فدخلوا فى غار ~~فى الجبل ، فانهجم الغار على الخمسين الذين أقسموا ، فماتوا جميعا ، وأفلت ~~القرينان ، واتبعهما حجر ، فكسر رجل أخى المقتول ms2996 ، فعاش حولا ، ثم مات ، ~~قلت : وقد كان عبدالملك بن مروان ، أقاد رجلا بالقسامة ، ثم ندم بعد ما صنع ~~، فأمر بالخمسين الذين أقسموا ، فمحوا من الديوان ، وسيرهم إلى الشأم ) . ~~اختلف العلماء فى الحكم بالقسامة ، فقالت طائفة : القسامة ثابتة عن رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - يبدأ فيها المدعون بالأيمان ، فإن حلفوا ~~استحقوا ، وإن نكلوا حلف المدعى عليهم خمسين يمينا وبرءوا ، هذا قول أهل ~~المدينة : يحيى بن سعيد ، وأبى الزناد ، وربيعة ، والليث ، ومالك ، ~~والشافعى ، وأحمد وأبى ثور . واحتجوا فى ذلك بما رواه البخارى فى كتاب ~~الجزية والموادعة عن بشير بن يسار ، عن سهل بن أبى حثمة قال : ( انطلق عبد ~~الله بن سهل ومحيصة بن مسعود بن زيد إلى خيبر ، وهى يومئذ صلح ، فتفرقا ، ~~فأتى محيصة إلى عبد الله بن سهل وهو يتشحط فى دمه قتيلا ، فدفنه ثم قدم ~~المدينة ، فانطلق عبد الرحمن بن سهل ومحيصة وحويصة ابنا مسعود إلى النبى - ~~صلى الله عليه وسلم - فذهب عبد الرحمن PageV08P531 يتكلم ، فقال : كبر ، ~~كبر ، وهو أحدث القوم ، فسكت ، فتكلما فقال : تحلفون وتستحقون قاتلكم ، أو ~~صاحبكم ؟ قالوا : كيف نحلف ولم نشهد ولم نر ؟ ! قال : فتبرئكم يهود بخمسين ~~يمينا ؟ قالوا : كيف نأخذ أيمان قوم كفار ؟ ! فعقله النبى - صلى الله عليه ~~وسلم - من عنده ) وقال حماد بن زيد : عن يحيى بن سعيد مثله . فثبت فى هذا ~~الحديث تبدئة المدعين للدم باليمين . وذهب طائفة إلى أنه يبدأ بالأيمان ~~المدعى عليهم فيحلفون ويذرون ، روى هذا عن عمر ابن الخطاب ، وعن الشعبى ، ~~والنخعى ، وبه قال الثورى والكوفيون ، واحتجوا بحديث سعيد ابن عبيد ، عن ~~بشير بن يسار أن النبى - صلى الله عليه وسلم - قال للأنصار : ( تاتون ~~بالبينة على من قتله ، قالوا : ما لنا بينة ، قال : فيحلفون لكم ، قالوا : ~~ما نرضى بأيمان يهود ) فبدأ بالأيمان المدعى عليهم وهم اليهود . واحتجوا ~~أيضا بما رواه ابن جريح عن ابن أبى مليكة ، عن ابن عباس أن النبى - صلى ~~الله عليه وسلم - قال : ( لو يعطى الناس بدعواهم لادعى قوم دماء قوم ~~وأموالهم ، ولكن اليمين على المدعى عليه ms2997 ) . وفيها قول ثالت : وهو التوقف ~~عن الحكم بالقسامة ، روى هذا عن سالم بن عبد الله ، وأبى قلابة ، وعمر بن ~~عبد العزيز ، والحكم بن عتيبة . واحتج أهل المقالة الأولى ، فقالوا : حديث ~~سعيد بن عبيد فى تبدئة اليهود وهم عند أهل الحديث ؛ لأن جماعة من أئمة ~~PageV08P532 الحديث أسندوا حديث بشير بن يسار عن سهل : ( أن النبى - صلى ~~الله عليه وسلم - بدأ المدعين ) . قال الأصيلى : أسنده عن يحيى بن سعيد ~~شعبة ، وسفيان بن عيينة ، وعبد الوهاب الثقفى ، وحماد بن زيد ، وعيسى بن ~~حماد ، وبشر بن المفضل فهؤلاء ستة ، وأرسله مالك ، عن يحيى ابن سعيد ، عن ~~بشير بن يسار ، ولم يذكر سهل بن أبى حثمة . وقال أحمد بن حنبل : الذى أذهب ~~إليه فى القسامة ، حديث يحيى بن سعيد ، عن بشير ابن يسار ، فقد وصله عنه ~~حفاظ ، وهو أصح من حديث سعيد بن عبيد . قال الأصيلى : فلا يجوز أن يعترض ~~بخبر واحد على خبر جماعة مع أن سعيد بن عبيد قال فى حديثه : ( فوداه رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - من إبل الصدقة ) والصدقة لا تعطى فى الديات ، ~~ولا يصالح بها عن غير أهلها . قال ابن القصار والمهلب : وقد يجوز الجمع بين ~~حديث سعيد بن عبيد ، ويحيى بن سعيد ، فيحتمل أن يقول النبى - صلى الله عليه ~~وسلم - للأنصار أترضون نفل خمسين من اليهود ما قتلوه بعد علمه - صلى الله ~~عليه وسلم - أن الأنصار قد نكلوا عن اليمين ؛ لأنهم لم يعينوا أحدا من ~~اليهود فيقسمون عليه ، والقسامة لا تكون إلا على معين ، فلما علم نكولهم رد ~~اليمين ، وفى حديث يحيى بن سعيد حين نكل محيصة وحويصة وعبد الرحمن ، فقالوا ~~لهم : فيبرئكم يهود بعد أن قال لهم تحلفون خمسين يمينا ، وتستحقون دم ~~صاحبكم . وقد روى ابن جريج ، عن عطاء ، عن أبى هريرة أن النبى - صلى الله ~~عليه وسلم - قال : ( البينة على المدعى PageV08P533 واليمين على من أنكر ~~إلا فى القسامة ) فتبين أن اليمين فى القسامة لا يكون فى جهة المدعى عليه ، ~~وقد احتج مالك فى الموطأ لهذه المقالة ms2998 بما فيه الكفاية ، فقال : إنما فرق ~~بين القسامة فى الدم والأيمان فى الحقوق أن الرجل إذا داين الرجل استثبت ~~عليه فى حقه ، وأن الرجل إذا قتل الرجل لم يقتله فى جماعة من الناس وإنما ~~يلتمس الخلوة ، فلو لم تكن القسامة إلا فيما تثبت فيه البينة ، وعمل فيها ~~كما يعمل فى الحقوق هلكت الدماء ، واجترأ الناس عليها إذا عرفوا القضاء ~~فيها . ولكن إنما جعلت القسامة إلى ولاة المقتول يبدءون بها ليكف الناس عن ~~الدم وليحذر القاتل أن يؤخذ فى مثل ذلك بقول المقتول ، وهذا الأمر المجتمع ~~عليه عندنا ، والذى سمعت ممن أرضى ، والذى اجتمعت عليه الأئمة فىالقديم ~~والحديث أن يبدأ المدعون . فإن قالوا : إن النبى - صلى الله عليه وسلم - ~~إنما قال : ( أتحلفون وتستحقون دم صاحبكم ) على وجه الاستعظام لذلك ~~والإنكسار عليهم والتقرير ، لا على وجه الاستفهام لهم . فالجواب : أنه لا ~~يجوز أن يزيد الإنكار عليهم أصلا وذلك أن القوم لم يطلبوا اليمين فينكر ذلك ~~عليهم . وإنما ادعوا الدم فبدأهم وقال لهم - صلى الله عليه وسلم - ( ~~أتحلفون ) فعلم أنه شرع لهم اليمين ؛ وعلق استحقاق الدم بها ، فإنما كان ~~يكون منكرا عليهم لو بدءوا وقالوا : نحن نحلف . وأما الذين أبطلوا الحكم ~~بالقسامة فإنهم ردوها بآرائهم لخلافها عندهم قوله - صلى الله عليه وسلم - : ~~( البينة على المدعى واليمين على المدعى PageV08P534 عليه ) وهو خص القسامة ~~بتبدية المدعين الأيمان وسنه لأمته ، وقد كانت القسامة فى الجاهلية خمسين ~~يمينا على الدماء ، فأقرها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فصارت سنة ~~بخلاف الأموال التى سن فيها يمينا واحدة ، والأصول لا يرد بعضها ببعض ، ولا ~~يقاس بعضها على بعض بل يوضع كل واحد منهما موضعه ، كالعرايا والمزابنة ~~والمساقاة والقراض مع الإجارات وعلى المسلمين التسليم فى كل ما سن لهم . ~~قال ابن القصار : فإن قيل : كيف يحلف الأولياء وهم غيب عن موضع القتل ؟ قيل ~~: اليمين تكون مرة على وجه اليقين وتارة على وجه الاستدلال ، كالشهادة تكون ~~بيقين وتكون بالاستدلال على النسب والوفاة ، وأن هذه زوجة فلان ، وهذا ~~باستدلال كما يدعى الوارث ms2999 لابنه دينا على رجل من حساب أبيه ، فيحلف كما ~~يحلف على يقين ، وذلك عل ما ثبت عنده بأخبار من يصدقه ، وليس أحد من ~~العلماء يجيز لأحد أن يحلف على ما لا يعلم أو يشهد على ما لم يعلم ، ولكنه ~~يحلف على ما لم يحضر إذا صح عنده وعلمه بما يقع العلم بمثله . وقيل لابن ~~المسيب : أعجب من القسامة ؛ يأتى الرجل يسأل عن القاتل والمقتول لا يعرف ~~القاتل من المقتول ويقسم . قال : قضى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~بالقسامة فى قتيل خيبر ، ولو علم أن الناس يجترئون عليها ما قضى بها . وروى ~~عن معمر عن الزهرى قال : دعانى عمر بن عبد العزيز فقال : إنى أريد أن أدع ~~القسامة ، نأتى برجل من أرض PageV08P535 كذا ، وآخر من أرض كذا فيحلفون ، ~~فقلت له : ليس لك ذلك ، قضى بها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والخلفاء ~~بعده ، إن تركتها أوشك رجل أن يقتل عندنا فيبطل دمه ، وإن للناس فى القسامة ~~حياة . وأما قول ابن أبى مليكة : إن معاوية لم يقد بالقسامة فلا حجة فيه مع ~~خلاف السنة له ، والخلفاء الراشدين الذين أقادوا بها ، وقد صح عن معاوية ~~أنه أقاد بالقسامة ، وذكر ذلك أبو الزناد فى احتجاجه على أهل العراق ، قال ~~: وقال لى خارجة بن زيد بن ثلبت : نحن والله قتلنا بالقسامة وأصحاب رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - متوافرون إنى لأرى يومئذ ألف رجل أو نحو ذلك ~~فما اختلف منهم اثنان فى ذلك . وقال أبو الحسن بن القابسى : والعجب من عمر ~~بن عبد العزيز على مكانته فى العلم ، كيف لم يعارض أبا قلابة فى قوله وليس ~~أبو قلابة من فقهاء التابعين ! قال المؤلف : وقد روى حماد بن سلمة ، عن عبد ~~الله بن أبى مليكة أن عمر بن عبد العزيز أقاد بالقسامة فى إمارته على ~~المدينة . قال المهلب : وما اعترض به أبو قلابة من حديث العرنيين ، لا ~~اعتراض فيه على القسامة بوجه من الوجوه ؛ لجواز قيام البينة والدلائل التى ~~لا دافع لها على تحقيق الجناية ms3000 على العرنيين ، وليس هذا من طريق القسامة فى ~~شىء ؛ لأن القسامة إنما تكون فى الدعاوى ، والاختفاء بالقتل حيث لا بينة ~~ولا دليل ، وأمر العرنيين كان بين ظهرانى الناس وممكن فيه الشهادة ؛ لأن ~~العرنيين كشفوا وجوههم لقطع السبيل ، والخروج على المسلمين بالقتل واستياق ~~الإبل ، فقامت عليهم PageV08P536 الشواهد البينة فأمرهم غير أمر من ادعى ~~عليه بالقتل ، ولا شاهد يقوم عليه ، وما ذكر من الذين انهدم عليهم الغار لا ~~يعارض به ما تقدم من السنة فى القسامة ، وليس رأى أبى قلابة حجة على جماعة ~~التابعين ولا ترد بمثله السنن ، وكذلك محو عبد الملك من الديوان لأسماء ~~الذين أقسموا ؛ لا حجة فيه على إبطال القسامة ؛ وإنما ذكر البخارى هذا كله ~~بلا إسناد ، وصدر به كتاب القسامة ؛ لأن مذهبه تضعيف القسامة ، ويدل على ~~ذلك أنه أتى بحديث القسامة فى غير موضعه ، وذكره فى كتاب الجزية والموادعة ~~، واختلفوا فى وجوب القود بالقسامة ، فأوجبت طائفة القود بها ، روى هذا عن ~~عبد الله بن الزبير وعمر بن عبد العزيز والزهرى وربيعة وأبى الزناد ، وبه ~~قال مالك والليث وأحمد وأبو ثور . واحتجوا بحديث يحيى بن سعيد ، عن بشير بن ~~يسار أنه قال - صلى الله عليه وسلم - للأنصار : ( تحلفون وتستحقون دم ~~صاحبكم ) وهذا يوجب القود . وقالت طائفة : لا قود بالقسامة وإنما توجب ~~الدية ، روى هذا عن عمر بن الخطاب وابن عباس ، وهو قول النخعى والحسن ، ~~وإليه ذهب الثورى والكوفيون والشافعى وإسحاق ، واحتجوا بما رواه مالك ، عن ~~أبى ليلى بن عبد الله عن سهل بن أبى حثمة وهو قوله - صلى الله عليه وسلم - ~~للأنصار : ( إما إن تدوا صاحبكم أوتأذنوا بحرب من الله ورسوله ) وهذا يدل ~~على الدية لا على القود . وقالوا : ومعنى قوله - صلى الله عليه وسلم - فى ~~حديث يحيى بن سعيد ، عن بشير بن يسار : ( تستحقون دم صاحبكم ) يعنى به : ~~دية دم قتيلكم ؛ لأن اليهود ليس بصاحب لهم ، فإذا جاز أن يضمروا فيه ؛ جاز ~~أن يضمر فيه دية دم صاحبكم . PageV08P537 فكان من حجة أهل المقالة الأولى ~~عليهم ، أن قالوا : إن ms3001 قوله - صلى الله عليه وسلم - : ( إما أن تدوا صاحبكم ~~) معارض لقوله : ( تستحقون دم صاحبكم ) فلما تعارض اللفظان وجب طلب الدليل ~~على أى المعنيين أولى بالصواب ، فوجدنا قوله : ( إما أن تدوا صاحبكم ) ~~انفرد به أبو ليلى فى حديثه . وقد قال أهل الحديث : إن أبا ليلى لم يسمع ~~هذا الحديث من سهل بن أبى حثمة . وقيل : إنه مجهول لم يرو عنه غير مالك ، ~~ولم يرو عنه مالك غير هذا الحديث . وقد اتفق جماعة من الحفاظ على يحيى بن ~~سعيد فى هذا الحديث وقالوا فيه : ( تستحقون دم قاتلكم ) ، يعنى يسلم إليكم ~~القتيل ؛ لأنه لم يقل : وتستحقون دية دم صاحبكم ، والدليل على ذلك أنهم ~~كانوا ادعوا قتل عمد لا قتل خطأ ، والذى يجب على قاتل العمد القود أو الدية ~~إن اختار ذلك ولى القتل . وروى حماد بن زيد ، عن يحيى بن سعيد ، عن بشير بن ~~يسار ، عن سهل بن أبى حثمة ، ورافع بن خديج أن النبى - صلى الله عليه وسلم ~~- قال للأنصار : ( يقسم خمسون منكم على رجل منهم فيدفع برمته ) وهذه حجة ~~قاطعة ، وهذا الحديث بين أن قوله : ( دم صاحبكم ) معناه : القاتل ؛ لأنه ~~صاحبهم الذى قتل وليهم ، وقد يصح أن يقولوا : هذا صاحبنا الذى ادعينا عليه ~~أنه قتل ولينا ، ويجوز أن يكون معناه وتستحقون دم قاتل صاحبكم ؛ لأنه من ~~ادعى إثبات PageV08P538 شىء على صفة وحققه بيمينه فإن الذى يجب له هو الشىء ~~الذى حققه بيمينه على صفته ، فلو ادعى إتلاف عبد أو جارية أوثوب ، وحلف ~~عليه بعد نكول المدعى عليه حكم له بما ادعاه على صفته ، ولم يجب له سواه ، ~~والدليل على ذلك قوله تعالى : { ولكم فى القصاص حياة } [ البقرة : 179 ] ~~فأخبر تعالى أن القصاص هو الذى يحيى النفوس ؛ لأن القاتل إذا علم أنه يقتل ~~انزجر عن القتل ، وكف عنه أكثر من انزجاره إذا لزمته الدية ، والناس فى ~~وجوب القسامة على معنيين ، فقوم اعتبروا اللوث فهم يطلبون ما يغلب على الظن ~~، ويكون شبهة يتطرق بها إلى حراسة الدماء ، ولم يطلب أحد فى القسامة ~~الشهادة ms3002 القاطعة ولا العلم البت ، وإنما طلبوا شبهة وسموها لطخة ؛ لأنه ~~يلطخ المدعى عليه بها ، وبهذا قال مالك والليث والشافعى إلا أنهم اختلفوا ~~فى اللوث ، فذهب مالك فى رواية ابن القاسم عنه أن اللوث الشاهد العدل ، ~~وروى عنه أشهب أنه غير العدل . وذهب الشافعى إلى أنه الشاهد العدل أو أن ~~يأتى بينة مقترنة وإن لم يكونوا عدولا . قال : وكذلك لو دخل بيتا مع قوم لم ~~يكن معهم غيرهم ، أو أن تكون جماعة فى صحراء فيفترقون عن قتيل ، أو يوجد ~~قتيل وإلى جنبه رجل معه سكين مخضوبة بالدم ، وليس ثم أثر تتبع ولا قدم ~~إنسان آخر ، ولا يقبل الشافعى قول المقتول : دمى عند فلان ، قال : لأن ~~السنة المجتمع عليها أنه لا يعطى أحد بدعواه شيئا . وعند مالك والليث أن ~~القسامة تجب باللوث أو بقول المقتول : دمى PageV08P539 عند فلان . وقد تقدم ~~فى باب من قتل بحجر أو بعصا ، وقوم أوجبوا القسامة والدية بوجود القتيل فقط ~~، واستغنوا عن مراعاة قول المقتول وعن الشاهد ، وهذا قول الثورى والكوفيين ~~، ولا قسامة عندهم إلا فى القتيل يوجد فى المحلة خاصة ، قالوا : فإذا وجد ~~قتيلا فى محلة قوم وبه أثر ؛ حلف أهل الموضع أنهم لم يقتلوه ، ويكون عقله ~~عليهم ، وإذا لم يكن به أثر لم يكن على العاقلة شىء وهذا لا سلف لهم فيه . ~~وحديث يحيى بن سعيد ، عن بشير بن يسار خلاف قول الكوفيين ؛ لأن النبى لم ~~يحكم على اليهود بالدية بنفس وجود القتيل فى محلتهم ، ولم يطالبهم بها بل ~~أداها من عنده ، ولو وجبت الدية على أهل المحلة لأوجبها - صلى الله عليه ~~وسلم - على اليهود ، وأما اشتراطهم أن يكون به أثر فليس بشىء ؛ لأنه قد ~~يقتل بما لا أثر به . قال ابن المنذر : والعجب من الكوفيين أنهم ألزموا ~~العاقلة مالا بغير بينة ثبتت عليهم ولا إقرار منهم ، ثم أعجب من ذلك ~~إلزامهم العاقلة جناية عمد لا تثبت ببينة ولا إقرار ؛ لأن الدعوى التى ~~ادعاها المدعى لو ثبتت البينة لم يلزم ذلك العاقلة فكيف يجوز أن يلزموه ms3003 ~~بغير بينة والخطأ محيط بهذا القول من كل وجه . وذهب مالك والليث والشافعى ~~إلى أن القتيل إذا وجد فى محلة قوم فهو هدر ، لا يؤخذ به أقرب الناس دارا ~~ولا غيره ؛ لأن القتيل قد يقتل ثم يلقى على باب قوم ليلطخوا به ، فلا يؤخذ ~~أحد بمثل ذلك ، وقد قال عمر بن عبد العزيز : هذا مما يؤخر فيه القضاء حتى ~~يقضى الله يوم القيامة . | PageV08P540 وقال القاسم بن مسعدة : قلت للنسائى ~~: مالك بالقسامة إلا بلوث ، فلم أورد حديث القسامة ولا لوث فيه ؟ قال ~~النسائى : أنزل مالك العداوة التى كانت بينهم وبين اليهود بمنزلة اللوث ، ~~وأنزل اللوث أو قول الميت بمنزلة العداوة . وقال الشافعى : إذا كان من ~~السبب الذى حكم فيه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وجبت القسامة ، كانت ~~خيبر دار يهود محضة ، وكانت العداوة بينهم وبين الأنصار ظاهرة ، وخرج عبد ~~الله بن سهل بعد العصر فوجد قتيلا قبل الليل ، فيكاد يغلب على من سمع هذا ~~أنه لم يقتله إلا بعض اليهود . وكذلك قال أحمد : إذا كان بين القوم عداوة ~~كما كان بين أصحاب النبى - صلى الله عليه وسلم - وبين اليهود . ووجه قول ~~مالك أن قول المقتول تجب به القسامة ، أن الغالب من الإنسان أنه يتخوف عند ~~الموت ويجهد فى التخلص من المظالم ، ويرغب فيما عند الله ويحدث توبة ولا ~~يقدم على دعوى القتل ظلما فصار أقوى من شهادة الشاهد ، وأقوى من قول ~~الشافعى أن الولى يقسم إذا كان بقرب وليه وهو مقتول ومع الرجل سكين ؛ لأنه ~~يجوز أن يكون غيره قتله ، فضعف هذا اللوث ، ووجب أن يستعمل ما هو أقوى منه ~~، وهو قول المقتول : دمى عند فلان . قال ابن أبى زيد : وأصل هذا فى قصة بنى ~~إسرائيل حين أحيا الله الذى ضرب بالبقرة ، وقال : قتلنى فلان ، فهذا يدل ~~على قبول قول المقتول : دمى عند فلان ؛ لأنه كان فى شرع بنى إسرائيل ، ~~وسواء كان قبل الموت أو بعده . واختلفوا فى العدد الذين يحلفون ويستحقون ~~الدم ، فقال PageV08P541 مالك : لا يقسم فى دم العمد ms3004 إلا اثنان فصاعدا ترد ~~الأيمان عليهما حتى يحلفا خمسين يمينا وذلك الأمر عندنا ، والحجة أن النبى ~~- صلى الله عليه وسلم - عرضها على ولاة الدم بلفظ جماعة ، فقال : ( أتحلفون ~~وتستحقون ) وأقل الجماعة اثنان فصاعدا . وقال الليث : ما سمعت أحدا ممن ~~أدركت يقول أنه يقتصر على أقل من ثلاثة . وقال الشافعى : إذا ترك وارثا ~~استحق الدية بأن يقسم وارثه خمسين يمينا . واحتج له أبو ثور : فقال : قد ~~جعل الله للأولياء أن يقسموا ، فإن لم يكن إلا واحدا كان له ذلك ، ولو لم ~~تكن إلا ابنة وهى مولاته حلفت خمسين يمينا ، وأخذت الكل : النصف بالنسب ~~والنصف بالولاء . قال ابن المنذر : وفى قوله : ( تستحقون ) دليل على ألا ~~يمين لغير مستحق ، وعلى ألا يحلف إلا وارث . وفى الحديث من الفقه : أن يسمع ~~حجة الخصم على الغائب ، وفيه أن أهل الذمة إذا منعوا حقا حقا رجعوا حربا . ~~وفيه مقاتلة من منع حقا حتى يؤديه ، وفيه أن من صح عنده أمر ولم يحضره أن ~~له أن يحلف عليه ؛ لأن النبى - صلى الله عليه وسلم - عرض على أولياء ~~المقتول اليمين ولم يحضروا بخيبر ، وفيه وجوب رد اليمين على المدعى فى ~~الحقوق . واختلف العلماء فى ذلك ، فقالت طائفة أنه من ادعى حقا على ~~PageV08P542 آخر ولا بينة له ؛ فالقول قول المدعى عليه مع يمينه ، فإن حلف ~~برئ ، وإن لم يحلف ردت اليمين على المدعى فإن حلف استحق ، وإن لم يحلف فلا ~~شىء له ، روى هذا عن عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان ، وهو قول شريح والشعبى ~~والنخعى ، وبه قال مالك والشافعى وأبو ثور . وذهب الكوفيون أن المدعى عليه ~~إن لم يحلف لزمه الحق ولا ترد اليمين على المدعى ، وكان أحمد لا يرى رد ~~اليمين ، وحجتهم فى ذلك أن النبى - صلى الله عليه وسلم - حكم بالبينة على ~~المدعى واليمين على المدعى عليه ، فلما لم يجز نقل حجة المدعى وهى البينة ~~عن الموضع الذى جعلها فيه النبى - صلى الله عليه وسلم - إلى جهة المدعى ~~عليه كذلك لم يجز نقل حجة المدعى عليه ms3005 وهى اليمين إلى المدعى ؛ لأن قوله ~~اليمين على المدعى عليه إيجاب عليه أن يحلف ، فإذا امتنع مما يجب عليه أخذه ~~الحاكم بالحق ، هذا قول ابن أبى ليلى وغيره من أهل العلم ، واحتج أهل ~~المقالة الأولى بحديث القسامة ، وقالوا : إن النبى - صلى الله عليه وسلم - ~~جعل اليمين فى جهة المدعى بقوله للأنصار : ( تحلفون وتستحقون دم صاحبكم ) ~~فلما أبوا حولها إلى اليهود ليبرءوا بها ، فلما وجدنا فى سنته - صلى الله ~~عليه وسلم - أن المدعى قد تنقل إليه اليمين فى الدماء وحرمتها أعظم ؛ ~~جعلناها عليه فى الحقوق لنأخذ بالأوثق . قال ابن القصار : والمدعى عليه إذا ~~نكل عن اليمين ضعفت جهته ، وصار متهما ، وقويت جهة المدعى ؛ لأن الظاهر صار ~~معه ، فوجب أن تصير اليمين فى جهته لقوة أمره . وقد احتج الشافعى على ~~الكوفيين فقال : رد اليمين فى كتاب الله تعالى فى آية اللعان أيضا ، وذلك ~~أن الله جعل اليمين على الزوج PageV08P543 القاذف لزوجته إذا لم يأت بأربعة ~~شهداء وجعل له بيمينه البراءة من حد القذف ، وأوجب الحد على الزوجة إن لم ~~تلتعن ، فهذه يمين ردت على مدع كانت عليه البينة فى رميه زوجته فكيف ينكر ~~من له فهم وإنصاف رد اليمين على المدعى . وقال ابن القصار : قد ذكر الله فى ~~كتابه رد اليمين على المدعى الصادق ؛ فقال لنبيه - صلى الله عليه وسلم - : ~~{ ويستنبئونك أحق هو قل إى وربى إنه لحق } [ يونس : 53 ] ، وقال : { زعم ~~الذين كفروا أن لن يبعثوا قل بلى وربى لتبعثن } [ التغابن : 7 ] ، { وقال ~~الذين كفروا لا تأتينا الساعة قل بلى وربى لتأتينكم } [ سبأ : 3 ] واحتج ~~أيضا بقوله تعالى : { أدنى أن يأتوا بالشهادة على وجهها أو يخافوا أن ترد ~~أيمان بعد أيمانهم } [ المائدة : 108 ] وقال أهل التفسير : يعنى تبطل ~~أيمانهم وتؤخذ أيمان هؤلاء . والتشحط الاضطراب فى الدم . وقوله : ( أترضون ~~نفل خمسين ) قال صاحب العين : يقال : انتفلت من الشىء انتفيت منه فنفل ~~اليهود هو أيمانهم أنهم ما قتلوه وانتفاؤهم عن ذلك . فإن قال قائل : قد ~~اختلفت ألفاظ حديث القسامة ، فرواه سعيد بن عبيد ms3006 ، عن بشير بن يسار : ( ~~فوداه النبى - صلى الله عليه وسلم - مائة من إبل الصدقة ) ورواه سائر ~~الرواة عن يحيى بن سعيد ، عن بشير بن بشار : ( فوداه رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - من عنده ) فما وجه هذا الاختلاف ، وإبل PageV08P544 الصدقة ~~للفقراء والمساكين ، ولا تؤدى فى الديات ، فما وجه تأديتها عن اليهود ؟ ~~فالجواب : أن رواية من روى : ( فوداه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من ~~عنده ) تفسير رواية من روى : ( دفع من إبل الصدقة ) وذلك أن الرسول لما عرض ~~الحكم فى القسامة على ولاة الدم بأن يحلفوا ويستحقوا الدم من اليمين ثم ~~نفلهم إلى أن تحلف لهم يهود ويبرءوا من المطالبة بالدم . قالوا : كيف نأخذ ~~أيمان قوم كفار ، وتعذر إنفاذ الحكم ، خشى - صلى الله عليه وسلم - أن يبقى ~~فى نفوس الأنصار ما تتقى عاقبته من مطالبتهم لليهود بعد حين ، فرأى - صلى ~~الله عليه وسلم - من المصلحة أن يقطع ذلك بينهم ووداه من عنده وتسلف ذلك من ~~إبل الصدقة حتى يؤديها مما أفاء الله عليه من خمس المغنم ؛ لأن النبى - صلى ~~الله عليه وسلم - لم يكن يجتمع عنده مما يصير له فى سهمانه من الإبل ما ~~يبلغ مائة لإعطائه لها وتفريقها على أهل الحاجة لقوله : ( ما لى مما أفاء ~~الله عليكم إلا الخمس وهو مردود إليكم ) فمن روى ( من إبل الصدقة ) أخبر عن ~~ظاهر الأمر ولم يعلم باطنه ، والذى روى ( من عنده ) علم وجه القصة وباطنها ~~، فلم يذكر إبل الصدقة ، وكان فى غرم النبى لها صلحا عن اليهود وجهان من ~~المصلحة : أحدهما : أنه عوض أولياء المقتول دية قتيلهم ، فسكن بذلك بعض ما ~~فى نفوسهم وقطع العداوة بينهم وبين اليهود . والثانى : أنه استألف اليهود ~~بذلك ، وكان حريصا على إيمانهم . PageV08P545 * * * # | 20 - باب من اطلع فى بيت قوم ، ففقئوا عينه ، فلا دية له # / 35 - فيه : أنس : أن رجلا اطلع من حجر فى بعض حجر النبى - صلى الله ~~عليه وسلم - ، فقام إليه بمشقص ، أو بمشاقص ، وجعل يختله ليطعنه . / 36 - ~~وفيه : سهل أن رجلا اطلع فى جحر ms3007 فى باب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~ومع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مدرى يحك به رأسه ، فلما رآه رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - قال : ( لو أعلم أنك تنتظرنى ؛ لطعنت به فى ~~عينيك ، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : إنما جعل الإذن من قبل ~~البصر ) . / 37 - وفيه : أبو هريرة ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - : ( إن امرأ اطلع عليك بغير إذن ، فخذفته بحصاة ، ففقأت عينه ، لم ~~يكن عليك جناح ) . اختلف العلماء فى هذه المسألة ، فروى عن عمر بن الخطاب ~~وأبى هريرة أنه لا دية فيه ولا قود ، وبه قال الشافعى . وذكر ابن أبى زيد ~~فى النوادر عن مالك مثله . قال الطحاوى : لم أجد لأبى حنيفة وأصحابه نصا فى ~~هذه المسألة غير أن أصلهم أن من فعل شيئا دفع به عن نفسه مما له فعله أنه ~~لا يضمن ما تلف له ، مثال ذلك المعضوض إذا انتزع يده من فى العاض فسقطت ~~ثنيتاه أنه لا شىء عليه ؛ لأنه دفع به عن نفسه عضه ، فلما كان من حق صاحب ~~البيت ألا يطلع أحد فى بيته قاصدا لذلك ؛ لأن له منعه ودفعه عنه كان ذهاب ~~عينه هدرا ، على هذا يدل مذهبهم . وقال أبو بكر الرازى : ليس هذا بشىء ~~ومذهبهم أنه يضمن ؛ لأنه يمكنه أن يمنعه من الاطلاع فى بيته من غير فقء ~~عينه بأن يزجره بالقول أو ينحيه عن الموضع ، ولو أمكن المعضوض أن ينتزع يده ~~من غير كسر سن العاض وكسرها ضمن . PageV08P546 وروى ابن عبد الحكم ، عن ~~مالك أن عليه القود ، واحتج الشافعى بأن النبى - صلى الله عليه وسلم - قام ~~إلى الذى اطلع عليه بالمدرى وقال : ( لو أعلم أنك تنتظرنى لفقأت عينك ) ~~ومثله - صلى الله عليه وسلم - لا يقول ما لا يجوز له أن يفعله ، ومن فعل ما ~~يجوز له لم يجب عليه قود . واحتج المالكيون بقوله تعالى : { والعين بالعين ~~} [ المائدة : 45 ] وقوله : { وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به } [ ~~النحل : 126 ] قالوا : وهذه النصوص تدل على ms3008 أن قوله : ( لو أعلم أنك ~~تنتظرنى لطعنت به فى عينك ) إنما خرج منه على وجه التغليظ والزجر لا على ~~أنه حكم وهذا كقوله - صلى الله عليه وسلم - : ( ومن قتل عبده قتلناه ، ومن ~~جدعه جدعناه ، ومن غل فأحرقوا رحله واحرموه سهمه ) ومثل ما هم بإحراق بيوت ~~المتخلفين عن الصلاة ولم يفعل . ومما يدل على أن الحديث خرج على التغليظ ~~إجماعهم لو أن رجلا اطلع على عورة رجل أو سوءته أو على بيته ، أو دخل داره ~~بغير إذنه أنه لا يجب عليه فقء عينه ، وهجوم الدار أشد عليه وأعظم أيضا ، ~~فلو وجب فقء عينه لاطلاعه لوجب عليه ذلك بعد انصرافه ؛ لأن الذنب والجرم ~~الذى استحق ذلك من أجله قد حصل ، وقد اتفقوا على أن من فعل فعلا استحق عليه ~~العقوبة من قتل أو غيره أنه لا يسقط عنه ، سواء كان فى موضعه أو قد فارقه . ~~وقد روى عن أصحاب النبى - صلى الله عليه وسلم - أنهم تواعدوا بما لم ينفذوه ~~فروى الزهرى ، عن عمر ابن الخطاب أنه قال لقيس بن مكسوح المرادى : ( نبئت ~~أنك تشرب الخمر . قال : والله يا أمير المؤمنين لقد PageV08P547 أقللت ~~وأسأت ، وأما والله ما مشيت خلف ملك قط إلا حدثت نفسى بقتله . قال : فهل ~~حدثت نفسك بقتلى ؟ قال : لو هممت فعلت . قال : أما لو قلت نعم لضربت عنقك ، ~~اخرج لعنك الله ، والله لا تبيت الليلة معى فيها ، فقال له عبد الرحمن بن ~~عوف : لو قال نعم ضربت عنقه ؟ قال : لا ، ولكن استرهبته بذلك ) . وروى جرير ~~بن عبد الحميد ، عن عطاء بن السائب ، عن أبى عبد الرحمن قال : قال على : لا ~~أوتى برجل وقع بجارية امرأته إلا رجمته ، فما كان إلا يسيرا حتى أتى برجل ~~وقع على جارية امرأته فقال : أخرجوه عنى أخزاه الله . * * * # | 21 - باب العاقلة # / 38 - فيه : أبو جحيفة ، قال : سألت عليا رضى الله عنه ، هل عندكم شيء ~~مما ليس فى القرآن ؟ وقال مرة : ما ليس عند الناس ؟ فقال : والذى فلق الحبة ~~، وبرأ النسمة ما عندنا إلا ما فى ms3009 القرآن ، إلا فهما يعطى رجل فى كتابه ، ~~وما فى الصحيفة ، قلت : وما فى الصحيفة ؟ قال : العقل ، وفكاك الأسير ، وأن ~~لا يقتل مسلم بكافر . أجمع العلماء على القول بالعقل فى الخطأ لثبات ذلك عن ~~النبى - صلى الله عليه وسلم - وقد روى مالك ، عن عبد الله بن أبى بكر بن ~~محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه أن فى الكتاب الذى كتبه رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - لعمرو بن حزم فى العقول : ( أن فى النفس مائة من الإبل ، وفى ~~الأنف إذا ادعى جدعا مائة من الإبل ، وفى المأمومة ثلث الدية ، وفى الجائفة ~~مثلها ، PageV08P548 وفى العين خمسون ، وفى اليد خمسون ، وفى كل أصبع مما ~~هنالك عشر من الإبل ، وفى السن خمس ، وفى الموضحة خمس ) أرسل مالك حديث ~~العقول ، وزاد فيه معمر ، عن عبد الله بن أبى بكر بن محمد بن عمرو بن حزم ، ~~عن أبيه ، عن جده ، إن كان جده لم يدرك النبى - صلى الله عليه وسلم - وإنما ~~الذى أدركه عمرو بن حزم ، وفى إجماع العلماء على القول به ما يغنى عن ~~الإسناد فيه . واختلف العلماء فى هذا الحديث فى الإبهام وفى الأسنان على ما ~~تقدم قبل هذا ، وأجمعوا على ما فى سائر الحديث من الديات ، قال وجعل النبى ~~- صلى الله عليه وسلم - فى النفس مائة من الإبل ، وقومها عمر بن الخطاب ~~بالذهب والورق ، فجعل على أهل الذهب ألف دينار ، وعلى أهل الورق اثنا عشر ~~ألف درهم . وقال مالك : أهل الذهب أهل الشام ومصر ، وأهل الورق أهل العراق ~~، كان صرفهم ذلك الوقت الدينار باثنى عشر درهما ، وكانت قيمة الإبل ألف ~~دينار ، وإنما تقوم الأشياء بالذهب والورق خاصة على ما صنع عمر ، هذا قول ~~مالك والليث والكوفيين وأحد قولى الشافعى . وقال أبو يوسف ومحمد : يؤخذ فى ~~الدية أيضا البقر والخيل والشاة ، وروى عن عمر أيضا ، وبه قال الفقهاء ~~السبعة المدنيون . وقد قال مالك : لا يؤخذ فى الدية بقر ولا غنم ولا خيل ~~إلا أن يتراضوا بذلك فيجوز ، ولو جاز أن يقوم بالشاة والبقر ms3010 والخيل لوجب ~~تقويمها على أهل الخيل بالخيل ، وعلى أهل الطعام بالطعام ، وهذا لا يقوله ~~أحد . PageV08P549 وأجمعوا أن الدية تقطع فى ثلاث سنين للتخفيف على العاقلة ~~ليجمعوها فى هذه المدة ، وقد تقدم فى كتاب العلم . * * * # | 22 - باب جنين المرأة # / 39 - فيه : أبو هريرة : أن امرأتين من هذيل رمت إحداهما الأخرى ، فطرحت ~~جنينها ، فقضى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيها بغرة عبد أو أمة . / ~~40 - وفيه : عروة : أن عمر نشد الناس من سمع النبى - صلى الله عليه وسلم - ~~قضى فى السقط ، فقال المغيرة : أنا ، سمعته قضى فيه بغرة عبد أو أمة ، قال ~~: ائت من يشهد معك على هذا ، فقال محمد بن مسلمة : أنا أشهد على النبى - ~~صلى الله عليه وسلم - بمثل هذا . وقال المغيرة مرة : إن عمر استشار فى ~~إملاص المرأة . قال مالك : دية جنين الحرة عشر ديتها ، والعشر خمسون دينارا ~~أو ستمائة درهم ؛ لأن دية الحرة المسلمة خمسمائة دينار أو ستة آلاف درهم ~~وعلى هذا جمهور العلماء . وخالف ذلك الثورى وأبو حنيفة ، فقال : قيمة الغرة ~~خمسمائة درهم ؛ لأن دية المرأة عندهم خمسة آلاف درهم على ما روى عن عمر بن ~~الخطاب أنه جعل الدية على أهل الورق عشرة آلاف درهم ، وهو مذهب ابن مسعود . ~~وحجة مالك ومن وافقه أن النبى - صلى الله عليه وسلم - لما حكم فى الجنين ~~بغرة عبد أو أمة ، جعل أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قيمة ذلك ~~خمسا من الإبل وهى عشر دية أمه ، وذلك خمسون دينارا أو ستمائة درهم ، ~~ورواية أهل PageV08P550 الحجاز أنهم قوموا الدية اثنى عشر ألف درهم أصح عن ~~عمر ، وهو مذهب عثمان وعلى وابن عباس . قال مالك فى الموطأ : ولم أسمع أن ~~أحدا يخالف فى الجنين أنه لا تكون فيه الغرة حتى يزايل أمه ويسقط من بطنها ~~ميتا ، وإن خرج من بطنها حيا ثم مات ، ففيه الدية كاملة . قال غيره : ~~والحجة لهذا القول أن الجنين إذا لم يزايل أمه فى حال حياتها فحكمه حكم أمه ~~ولا حكم له فى نفسه ؛ لأنه ms3011 كعضو منها فلا غرة فيه ؛ لأنه تبع لأمه ، وكذلك ~~لو ماتت وهو فى جوفها لم يجب فيه شىء لا دية ولا قصاص ، فإن زايلها قبل ~~موتها ولم يستهل ففيه غرة عبد أو أمة ؛ لأن النبى - صلى الله عليه وسلم - ~~إنما حكم فى جنين زايل أمه ميتا وهذا مجمع عليه ، وسواء كان الجنين ذكرا أو ~~أنثى إنما فيه غرة ، فإذا زايل أمه واستهل ففيه الدية كاملة ؛ لأن حكمه قد ~~انفرد عن حكم أمه وثبتت حياته ، فكان له حكم نفسه دون حكم أمه ، ألا ترى ~~أنها لو أعتقت أمه لم يكن عتقا له ، ولو أعتقت وهى حامل به كان حرا بعتقها ~~ولا خلاف فى هذا أيضا . قال أبو عبيد : إملاص المرأة : أن تلقى جنينها ميتا ~~يقال منه : أملصت المرأة إملاصا ، وإنما سمى بذلك ؛ لأنها تزلقه ، ولهذا ~~قيل : أزلقت الناقة وغيرها ، وكل شىء زلق من يدك فهو ملص يملص ملصا ، وأنشد ~~الأحمر : فر وأعطانى رشاء ملصا PageV08P551 يعنى أنه تزلق من يدى فإذا فعلت ~~أنت ذلك به قلت : أملصته إملاصا . * * * # | 23 - باب جنين المرأة ، وأن العقل على الوالد وعصبة الوالد لا على ~~الولد # / 41 - فيه : أبو هريرة ( أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قضى فى ~~جنين امرأة من بنى لحيان بغرة عبد أو أمة ثم إن المرأة التى قضى عليها ~~بالغرة ، توفيت ، فقضى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن ميراثها لبنيها ~~وزوجها ، وأن العقل على عصبتها ) . / 42 - وقال : أبو هريرة مرة : اقتتلت ~~امرأتان من هذيل ، فرمت إحداهما الأخرى بحجر ، فقتلتها وما فى بطنها ، ~~فاختصموا إلى النبى - صلى الله عليه وسلم - ، فقضى أن دية جنينها غرة عبد ~~أو وليدة ، وقضى أن دية المرأة على عاقلتها . قال المؤلف : قوله فى آخر ~~الحديث : ( وأن العقل على عصبتها ) يريد عقل دية المرأة المقتولة لا عقل ~~دية الجنين ، يبين ذلك قوله فى الحديث الآخر : ( وقضى أن دية المرأة على ~~عاقلتها ) وقوله فى الترجمة : إن العقل على الوالد وعصبة الوالد لا على ~~الولد : يعنى عقل المرأة المقتولة على ms3012 والد القاتلة وعصبته . وقوله : ( لا ~~على الوالد ) فإنما يريد بذلك أن ولد المرأة إذا كان من غير عصبتها لا ~~يعقلون عنها ، وكذلك الإخوة من الأم لا يعقلون عن أختهم لأمهم شيئا ؛ لأن ~~العقل إنما جعل على العصبة دون PageV08P552 ذووى الأرحام ، ألا ترى قوله ( ~~أن ميراثها لزوجها وبنيها وعقلها على عصبتها ) يريد أن من ورثها لم يعقل ~~عنها حين لم يكن من عصبتها . قال ابن المنذر : وهذا قول مالك والكوفيين ، ~~والشافعى وأحمد بن حنبل ، وأبى ثور وكل من أحفظ عنه . واختلفوا فى عقل ~~الجنين ، وهى الغرة على من تجب ؟ فقالت طائفة : هى على العاقلة أيضا ، هذا ~~قول النخعى والثورى والكوفيين والشافعى . وقال آخرون : هى فى مال الجانى ، ~~روى ذلك عن الحسن والشعبى وبه قال مالك والحسن بن صالح . والحجة لقول مالك ~~قوله فى الحديث ( وقضى دية المرأة على عاقلتها ) ولم يذكر فى ذلك دية الغرة ~~، هذا ظاهر الحديث ، وأيضا فإن عقل الجنين لا يبلغ ثلث الدية ، ولا تحمل ~~العاقلة عند مالك إلا لثلث فصاعدا ، هذا قول الفقهاء السبعة ، وهو الأمر ~~القديم عندهم . وحجة القول الأول : ما رواه أبو موسى الزمنى قال : حدثنا ~~عثمان بن عمر ، عن يونس ، عن الزهرى فى حديث أبى هريرة : ( أن الرسول قضى ~~بديتها ودية جنينها على عاقلتها ) وبما رواه مجالد بن سعيد ، عن الشعبى ، ~~عن جابر ( أن الرسول جعل غرة الجنين على عاقلة القاتلة ) . وقال آخرون : إن ~~المجالد بن سعيد ليس بحجة فيما انفرد به ، وأبو موسى الزمنى ، وإن كان ثقة ~~، فلم يتابعه أحد على قوله : ( ودية جنينها ) . PageV08P553 واختلفوا لمن ~~تكون الغرة التى تجب فى الجنين فذكر ابن حبيب أن مالكا اختلف قوله فى ذلك ~~فمرة قال : الغرة لأم الجنين ، وهو قول الليث ، وقال مرة : هى بين الأبوين ~~، الثلثان للأب والثلث للأم . وهو قول أبى حنيفة والشافعى . وحجة القول ~~الأول : إن الغرة إنما وجبت لأم الجنين ؛ لأنه لم يعلم إن كان الجنين حيا ~~فى وقت وقوع الضربة بأمه أم لا . وحجة القول الثانى : أن المرأة المضروبة ~~لما ms3013 ماتت من الضربة قضى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيها بالدية مع ~~قضائه بالغرة ، فلو كانت الغرة للمرأة المقتولة إذا لما قضى فيها بالغرة ، ~~ولكان حكم امرأة ضربتها امرأة فماتت من ضربتها فعليها ديتها ، ولا تجب ~~عليها للضربة أرش . وقد أجمعوا أنه لو قطع يدها خطأ فماتت من ذلك لم يكن ~~لليد دية ، ودخلت فىدية النفس ، فلما حكم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~مع دية المرأة بالغرة ثبت بذلك أن الغرة دية الجنين لا لها ، فهى موروثة عن ~~الجنين كما يورث ماله لو كان حيا فمات . قال الطحاوى : وفى حكم النبى - صلى ~~الله عليه وسلم - فى الجنين بغرة ولم يحكم فيه بكفارة ؛ حجة لمالك وأبى ~~حنيفة على الشافعى فى إيجابه كفارة عتق رقبة على من تجب عليه الغرة ولا حجة ~~له ، ولو وجبت فيه كفارة لحكم بها - صلى الله عليه وسلم - ، والكفارة إنما ~~تجب فى إتلاف روح ، ولسنا على يقين فى أن الجنين كان حيا وقت ضربه أمه ولو ~~أيقنا ذلك لوجبت فيه الدية كاملة ، فلما أمكن أن يكون حيا تجب فيه الدية ~~كاملة ، وأمكن أن يكون ميتا لا يجب فيه شىء ؛ قطع النبى - صلى الله عليه ~~وسلم - التنازع PageV08P554 والخصام بأن جعل فيه غرة عبدا أو أمة ، ولم ~~يجعل فيه كفارة . قاله ابن القصار . وفى هذا الحديث حجة لمن أوجب دية شبه ~~العمد على العاقلة ، وهو قول الثورى والكوفيين والشافعى . قالوا : من قتل ~~إنسانا بعصى أو حجر أو شبهه ، مما يمكن أن يموت به القتيل ، ويمكن ألا يموت ~~فمات من ذلك أن فيه الدية على عاقلة القاتل كما حكم النبى - صلى الله عليه ~~وسلم - فى هذه القضية بدية المرأة على عاقلة القاتلة ، قالوا : وهذا شبه ~~العمد ، والدية فيه مغلظة ولا قود فيه . وأنكر مالك والليث شبه العمد وقال ~~مالك : هو باطل فكل ما عمد به القتل فهو عمد ، وفيه القود . والحجة لهم ما ~~روى أبو عاصم النبيل ، عن ابن جريج ، عن عمرو بن دينار ، عن طاوس ، عن ابن ms3014 ~~عباس ، عن عمر ( أنه نشد الناس : ما قضى به رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- فى الجنين ؟ فقام حمل ابن مالك ، فقال : كنت بين امرأتين فضربت إحداهما ~~الأخرى بمسطح فقتلتها وجنينها ، فقضى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فى ~~جنينها بغرة وأن تقتل المرأة ) . قالوا : وهذا مذهب عمر بن الخطاب ، روى ~~عنه أنه قال : يعمد أحدكم فيضرب أخاه بمثل أكلة اللحم ، قال الحجاج : يعنى ~~العصا ، ثم يقول : لا قود على ، لا أوتى بأحد فعل ذلك إلا أقدته . قال ~~المؤلف : فسألت بعض شيوخى عن حديث ابن جريج ، عن عمرو بن دينار ، فقال : ~~الأحاديث التى جاء فيها الدية على العاقلة أصح منه ؛ لأن ابن عيينة قد رواه ~~عن عمرو بن دينار PageV08P555 ولم يذكر فيه قتل المرأة الضاربة بالمسطح ، ~~وكذلك رواه الحميدى ، عن هشام بن سليمان المخزومى ، عن ابن جريج مثل رواية ~~ابن عيينة ولم يذكر فيه قتل المرأة ، وروى شعبة ، عن قتادة ، عن أبى المليح ~~، عن حمل بن مالك بن النابغة قال : ( كانت لى امرأتان فضربت إحداهما الأخرى ~~بحجر فأصابتها فقتلتها وهى حامل ، فألقت جنينا وماتت فقضى رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - بالدية على العاقلة ، وقضى فى الجنين بغرة عبد أو أمة ) . ~~قال الطحاوى : فلما اضطرب حديث حمل بن مالك كان بمنزلة ما لم يرد فيه شىء ، ~~وثبت ما روى أبو هريرة والمغيرة فيها وهو نفى القصاص . ولما ثبت أن النبى - ~~صلى الله عليه وسلم - جعل دية المرأة على العاقلة ثبت أن دية شبه العمد على ~~العاقلة ، وقد روى عن على بن أبى طالب أنه قال : شبه العمد بالعصا والحجر ~~الثقيل ، وليس فيهما قود . وقد تأول الأصيلى حديث أبى هريرة والمغيرة على ~~مذهب مالك ، فقال : يحتمل أن يكون لما وجب قتل المرأة تطوع قومها عاقلتها ~~ببذل الدية لأولياء المقتولة ، ثم ماتت القاتلة ، فقبل أولياء المقتولة ~~الدية ، وقد يكون ذلك قبل موتها ، فقضى عليهم النبى - صلى الله عليه وسلم - ~~بأداء ما تطوعوا به إلى أولياء المقتولة . * * * # | 24 - باب من استعان عبدا أو ms3015 صبيا # ويذكر أن أم سلمة بعثت إلى معلم الكتاب ابعث إلى غلمانا ينفشون صوفا ، ~~ولا تبعث إلى حرا . PageV08P556 / 43 - فيه : أنس ، قال : لما قدم النبى - ~~صلى الله عليه وسلم - المدينة ، أخذ أبو طلحة بيدى ، فانطلق بى إلى رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - ، فقال : يا رسول الله ، إن أنسا غلام كيس ، ~~فليخدمك ، قال : فخدمته فى الحضر والسفر ، فوالله ما قال لى لشيء صنعته : ~~لم صنعت هذا هكذا ، ولا لشيء لم أصنعه : لم لم تصنع هذا هكذا . قال المهلب ~~: فى هذا دليل على جواز استخدام الأحرار وأولاد الجيران فيما لا كبير مشقة ~~فيه وفيما لا يخاف عليهم منه التلف ، كما استخدم النبى - صلى الله عليه ~~وسلم - أنسا وهو صغير فيما أطاقه وقوى عليه . قال غيره : اشتراط أم سلمة ~~ألا يرسل إليها حرا ؛ فلأن جمهور العلماء يقولون : من استعان صبيا حرا لم ~~يبلغ أو عبدا بغير إذن مولاه فهلكا فى ذلك العمل ؛ فهو ضامن لقيمة العبد ، ~~وهو ضامن لديه الصبى الحر وهى على عاقلته . فإن حمل الصبى على دابة يسقيها ~~أو يمسكها فوطئت الدابة رجلا فقتلته ، فقال مالك فى المدونة : الدية على ~~عاقلة الصبى ، ولا ترجع على عاقلة الرجل . وهو قول الثورى . فإن استعان حرا ~~بالغا متطوعا أو بإجارة فأصابه شىء ؛ فلا ضمان عليه عند جميعهم إن كان ذلك ~~العمل لا غرر فيه ، وإنما يضمن من جنى أو تعدى . واختلفوا إذا استعمل عبدا ~~بالغا فى شىء فعطب . فقال ابن القاسم : إن استعمل عبدا فى بئر يحفرها ولم ~~يؤذن له فى الإجارة فهو ضامن إن عطب ، وكذلك إن بعثه بكتاب إلى سفر . وروى ~~ابن وهب ، عن مالك قال : سواء أذن له سيده فى الإجارة PageV08P557 أم لا ، ~~لا ضمان عليه فيما أصابه إلا أن يستعمله فى غرر كثير ؛ لأنه لم يؤذن له فى ~~الغرر . قال سحنون : وهذه الرواية أحسن من قول ابن القاسم وغيره . فإن قيل ~~: فما وجه قوله : ( ما قال لى لشىء لم أصنعه لم لم تصنع هذا هكذا ) . ~~وظاهره أنه تكرير يدخل ms3016 فى القسم الأول . قيل : إنما أراد أنه لم يلمه فى ~~القسم الأول على شىء فعله ، وإن كان ناقصا عن إرادته ، ولا لامه فى القسم ~~الآخر على شىء ترك فعله خشية الخطأ فيه ، فتركه أنس من أجل ذلك ، فلم يلمه ~~النبى - صلى الله عليه وسلم - على تركه إذ كان يتجوزه منه لو فعله ، وإن ~~كان ناقصا عن إرادته ، وإلى هذا أشار بقوله هذا ( هكذا ) لأنه كما تجوز عنه ~~ما فعله ناقصا عن إرادته كذلك كان يتجوز عنه ما لم يفعله خشية مواقعة الخطأ ~~فيه لو فعله ناقصا لشرف خلقه وحلمه - صلى الله عليه وسلم - . * * * # | 25 - باب المعدن جبار ، والبئر جبار # / 44 - فيه : أبو هريرة أن النبى - صلى الله عليه وسلم - قال : ( العجماء ~~جرحها جبار ، والبئر جبار ، والمعدن جبار ، وفى الركاز الخمس ) . قال أبو ~~عبيد : قوله - صلى الله عليه وسلم - : ( البئر جبار ) هى البئر العادية ~~القديمة التى لا يعلم لها حافر ولا مالك تكون فى البوادى يقع فيها إنسان أو ~~دابة ، فلذلك هدر ، وإذا حفرها فى ملكه أو حيث يجوز حفرها فيه ؛ لأنه صنع ~~من ذلك ما يجوز له فعله ، قال مالك : والذى يجوز له من ذلك البئر يحفرها ~~للمطر ، والدابة ينزل عنها PageV08P558 الرجل لحاجة الرجل فيقفها فى الطريق ~~؛ فليس على أحد فى هذا غرم ، وإنما يضمن إذا فعل من ذلك ما لا يجوز له أن ~~يصنعه على طريق المسلمين ، فما أصابت من جرح أو غيره ، وكان عقله دون ثلث ~~الدية فهو فى ماله ، وما بلغ الثلث فصاعدا فهو على العاقلة ، وبهذا كله قال ~~الشافعى وأبو ثور . وخالف ذلك أبو حنيفة وأصحابه فقالوا : من حفر بئرا فى ~~موضع يجوز له ذلك فيه أو أوقف دابة فليس ببئره من الضمان ما جاز إحداثه له ~~كراكب الدابة يضمن ما عطب بها ، وإن كان له أن يركبها أو يسير عليها ، وهذا ~~خلاف للحديث ، ولا قياس مع النصوص . وقال أبو عبيد : أما قوله : ( المعدن ~~جبار ) فإنها هذه المعادن التى يستخرج منها الذهب والفضة ، فيجئ قوم ~~يحفرونها ms3017 بشىء مسمى لهم فربما انهارت عليهم المعدن فقتلتهم فنقول : دماؤهم ~~هدر ، ولا خلاف فى ذلك بين العلماء . واختلف مالك والليث فى رجل حفر بئرا ~~فى داره للسارق ، أو وضع حبالات أو شيئا يقتله به فعطب به السارق أو غيره ~~فهو ضامن . وقال الليث : لا ضمان عليه . والحجة لمالك أنه لا يجوز له أن ~~يقصد بفعل ذلك ليهلك به أحدا لأنه متعد بهذا القصد ، وقد يمكنه التحرز بغير ~~ذلك ، فإن حفر الحفير فى حائطه للسباع فعطب به إنسان فلا ضمان عليه ؛ لأنه ~~فعل ما له فعله ، ولا غنى به عنه ، ولم يقصد بالحفر تلف إنسان فيكون متعديا ~~، وقد روى معمر ، عن همام بن منبه ، عن أبى هريرة : أن النبى - صلى الله ~~عليه وسلم - قال : ( البار جبار ) . PageV08P559 وقال يحيى بن معين : أصله ~~البئر جبار ، ولكنه تصحف . قال ابن المنذر : وأهل اليمن يقولون : البار ، ~~فكتبها بعضهم بالياء ، فرأى القارئ البير فظنها البار على لغته ، فصحفها ~~وإنما هو البئر جبار . * * * # | 26 - باب العجماء جبار # وقال ابن سيرين : كانوا لا يضمنون من النفحة ، ويضمنون من رد العنان . ~~وقال حماد : لا تضمن النفحة إلا أن ينخس إنسان الدابة ، وقال شريح لا تضمن ~~ما عاقبت أن يضربها فتضرب برجلها . وقال الحكم وحماد : إذا ساق المكارى ~~حمارا عليه امرأة ، فتخر لا شيء عليه . وقال الشعبى : إذا ساق دابة فأتبعها ~~، فهو ضامن لما أصابت ، وإن كان خلفها مترسلا لم يضمن . / 45 - فيه : أبو ~~هريرة ، عن النبى - صلى الله عليه وسلم - قال : ( العجماء عقلها جبار ، ~~والبئر جبار ، والمعدن جبار ، وفى الركاز الخمس ) . قال أبو عبيد : العجماء ~~: الدابة ، وإنما سميت عجماء لأنها لا تتكلم ، وكذلك كل ما لا يقدر على ~~الكلام فهو أعجم وأعجمى . والجبار : الهدر الذى لا دية فيه ، وإنما جعلت ~~هدرا إذا كانت منفلتة ليس لها قائد ولا راكب . قال ابن المنذر : وأجمع ~~العلماء أنه ليس على صاحب الدابة المنفلتة ضمان فيما أصابت . PageV08P560 ~~وما ذكره البخارى عن حماد وشريح والشعبى أنهم كانوا لا يضمنون النفحة إلا ~~أن ينخس الدابة ms3018 فعليه أكثر العلماء ؛ لأن ما فعلته من أداء ذلك ، فإنما هو ~~جناية راكبها أو سائقها ؛ لأنه الذى ولد لها ذلك . قال مالك : فإن رمت من ~~غير أن يفعل بها شيئا ترمح له ، فلا ضمان عليه ، وهو قول الكوفى والشافعى . ~~وأما قول ابن سيرين : كانوا لا يضمنون النفحة ، ويضمنون من رد العنان ، ~~فالنفحة : ما أصابت برجلها . وفرق الكوفيون ما أصابت بيدها ورجلها ، فقالوا ~~: لا يضمن ما أصابت برجلها أو ذنبها وإن كانت بسببه ، ويضمن ما أصابت بيدها ~~ومقدمها . ولم يفرق مالك والشافعى بين ما أصابت بيدها أو برجلها أو بفمها ~~فى وجوب الضمان على الراكب والقائد والسائق إذا كان ذلك من نخسه أو كبحه . ~~واحتج الطحاوى للكوفيين فقال : لا يمكنه التحفظ من الرجل أو الذنب فهو جبار ~~، ويمكنه التحفظ من اليد والفم فعليه ضمانه . قالوا : وقد روى سفيان بن ~~حسين ، عن الزهرى ، عن سعيد بن المسيب ، عن أبى هريرة أن النبى - صلى الله ~~عليه وسلم - قال : ( الرجل جبار ) . قال الشافعى : وهذا الحديث غلط ؛ لأن ~~الحفاظ لم يحفظوا هكذا . قال ابن القصار : فإن صح فمعناه : الرجل جبار بهذا ~~الحديث ، وتكون اليد جبارا قياسا على الرجل إذا كان بغير سببه ولا صنعه ، ~~PageV08P561 وقد قال - صلى الله عليه وسلم - : ( العجماء جبار ) ولم يخص ~~يدا من رجل ، فهو على العموم . قال الشافعى : ومن اعتل أنه لا يرى رجلها ~~فهو إذا كان سائقها لا يرى يدها فينتفى أن يلزمه فى القياس أن يضمن عن ~~الرجل ولا يضمن عن اليد . وقول شريح : لا تضمن ما عاقبت به ، فقد قيل له : ~~وما عاقبت ؟ قال : إن يضربها فتضربه . واختلفوا من هذا الباب فيما تفسده ~~البهائم إذا انفلتت فى الليل والنهار ، فقال مالك والشافعى : ما أفسدته ~~المواشى إذا انفلتت بالنهار فليس على أهلها منه شىء إلا أن يكون صاحبها ~~معها ويقدر على منعها ، وما أفسدته بالليل فضمانه على أرباب المواشى . وقال ~~الكوفيون : لا ضمان على أرباب البهائم فيما تفسده لا فى ليل ولا فى النهار ~~إذا كانت منفلتة ، إلا أن ms3019 يكون راكبا أو قائدا أو سائقا . وقال الليث : ~~يضمن بالليل والنهار . واحتج الكوفيون بقوله - صلى الله عليه وسلم - : ( ~~جرح العجماء جبار ) ، وقالوا : لم يفرق بين جنايتها بالليل والنهار . وحجة ~~القول الأول : حديث مالك ، عن ابن شهاب ، عن حرام بن سعيد : ( أن ناقة ~~للبراء دخلت حائط رجل فأفسدت زرعا ، فقضى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~أن على أرباب الثمار حفظها بالنهار ، وعلى أرباب المواشى حفظها بالليل ~~وعليهم ضمان ما أفسدت بالليل ) وهذا نص فى أن ما أفسدت بالنهار لا ضمان ~~عليهم فيه . PageV08P562 قال ابن القصار : لما كان لأرباب الماشية تسريحها ~~بالنهار وكان على أرباب الثمار حفظها بالنهار ، فإذا فرطوا فى الحفظ لم ~~يتعلق لهم على أرباب المواشى ضمان ، ولما كان على أرباب المواشى حفظ ~~مواشيهم بالليل فإن أصحاب الأموال ليس عليهم حفظ زروعهم بالليل ، وفرط أهل ~~المواشى فى ترك الحفظ لزمهم الضمان ، وعلى هذا جرت العادة ورتبه النبى - ~~صلى الله عليه وسلم - وهذا القول أولى بالصواب لوجوب الجمع بين حديث ~~العجماء جبار وحديث ناقة البراء ، وليس أحدهما أولى بالاستعمال من الآخر . ~~ووجه استعمالهما أن يكون قوله : ( العجماء جبار ) فى النهار ولا يكون جبارا ~~فى الليل لحديث ناقة البراء . وأما قول الليث فمخالف لحديث ناقة البراء ~~ولحديث العجماء جبار فلا وجه له . * * * # | 27 - باب إثم من قتل ذميا بغير جرم # / 46 - فيه : عبدالله بن عمرو ، عن النبى - صلى الله عليه وسلم - قال : ( ~~من قتل نفسا معاهدا لم يرح رائحة الجنة ، وإن ريحها ليوجد من مسيرة أربعين ~~عاما ) . قال المهلب : هذا دليل أن المسلم إذا قتل الذمى فلا يقتل به ؛ لأن ~~الرسول - صلى الله عليه وسلم - إنما ذكر الوعيد للمسلم وعظم الإثم فيه فى ~~الآخرة ، ولم يذكر بينهما قصاصا فى الدنيا ، وسيأتى بعد هذا . وقوله - صلى ~~الله عليه وسلم - : ( لم يرح رائحة الجنة ) معناه على الوعيد ، وليس على ~~الحتم والإلزام ، وإنما هذا لمن أراد الله إنفاذ الوعيد عليه . PageV08P563 ~~قال أبو عبيد : لم يرح رائحة الجنة ، ويرح ويرح من أرحت ، قال أبو حنيفة ms3020 : ~~أرحت الرائحة وأرحتها ورحتها إذا وجدتها . فإن قال قائل : مامعنى قوله - ~~صلى الله عليه وسلم - : ( وإن ريحها ليوجد من مسيرة أربعين عاما ) وقد روى ~~شعبة ، عن الحكم بن عتيبة ، سمعت مجاهدا يحدث عن عبد الله بن عمرو ، عن ~~النبى - صلى الله عليه وسلم - قال : ( من ادعى إلى غير أبيه لم يجد رائحة ~~الجنة ، وإن ريحها يوجد من قدر مسيرة سبعين عاما ) وقد جاء حديث فى الموطأ ~~: ( كاسيات عاريات ، لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها ، وإن ريحها يوجد من ~~مسيرة خمسمائة عام ) فما وجه اختلاف المدد فى وجود ريح الجنة ؟ قيل : يحتمل ~~والله أعلم أن تكون الأربعون هى أقصى أشد العمر فى قول أكثر أهل العلم ، ~~فإذا بلغها ابن آدم زاد عمله ويقينه ، واستحكمت بصيرته فى الخشوع لله ~~والتذلل له ، والندم على ما سلف له ، فكأنه وجد ريح الجنة التى تبعثه على ~~الطاعة وتمكن من قلبه الأفعال الموصلة إلى الجنة ، فبهذا وجد ريح الجنة على ~~مسيرة أربعين عاما . وأما السبعون فإنها آخر المعترك ، وهى أعلى منزلة من ~~الأربعين فى الاستبصار ، ويعرض للمرء عندها من الخشية والندم لاقتراب أجله ~~ما لم يعرض له قبل ذلك ، وتزداد طاعته بتوفيق الله ، فيجد ريح الجنة على ~~مسيرة سبعين عاما . وأما وجه الخمسمائة عام فهى فترة ما بين نبى ونبى ، ~~فيكون من PageV08P564 جاء فى آخر الفترة واهتدى باتباع النبى - صلى الله ~~عليه وسلم - الذى كان قبل الفترة ، ولم يضره طولها فوجد ريح الجنة على ~~مسيرة خمسمائة عام ، والله أعلم . * * * # | 28 - باب لا يقتل المسلم بالكافر # / 47 - فيه : أبو جحيفة ، قال : سألت عليا : هل عندكم شيء مما ليس فى ~~القرآن ؟ قال : العقل ، وفكاك الأسير ، وأن لا يقتل مسلم بكافر . ذهب جمهور ~~العلماء إلى ظاهر الحديث ، وقالوا : لا يقتل مسلم بكافر على وجه القصاص ، ~~روى ذلك عن عمر وعثمان وعلى وزيد بن ثابت ، وبه قال جماعة من التابعين وهو ~~مذهب مالك والأوزاعى والليث والثورى والشافعى وأحمد وإسحاق وأبى ثور ، إلا ~~أن مالكا والليث قالا : إن قتله غيلة قتل ms3021 به ، وقتل الغيلة عندهم أن يقتله ~~على ماله كما يصنع قاطع الطريق لا يقتله لثائرة ولا عداوة . وذهب أبو حنيفة ~~وأصحابه وابن أبى ليلى إلى أنه يقتل المسلم بالذمى ، ولا يقتل بالمستأمن ~~والمعاهد ، وهو قول سعيد بن المسيب والشعبى والنخعى ، وحكم المستأمن ~~والمعاهد عندهم حكم أهل الحرب . واحتج الكوفيون بما رواه ربيعة عن ابن ~~البيلمانى : ( أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قتل رجلا من المسلمين ~~برجل من أهل الذمة ، وقال : أنا أحق من وفى بذمته ) . قال ابن المنذر : ~~وهذا حديث منقطع ، وقد أجمع أهل الحديث على ترك المتصل من حديث ابن ~~البيلمانى فكيف بالمنقطع ؟ ! PageV08P565 وقوله - صلى الله عليه وسلم - : ( ~~لا يقتل المؤمن بكافر ) حجة قاطعة فى هذا الباب لثباته عنه - صلى الله عليه ~~وسلم - ، فلا معنى لمن خالفه . واحتج الكوفيون بالإجماع على أن المسلم تقطع ~~يده إذا سرق من مال ذمى ؛ فنفسه أحرى أن تؤخذ بنفسه ، وهذا قياس حسن لولا ~~أنه باطل بقوله - صلى الله عليه وسلم - : ( لا يقتل مسلم بكافر ) . فإن ~~قالوا : قد قال - صلى الله عليه وسلم - : ( لا يقتل مسلم بكافر ، ولا ذو ~~عهد فى عهده ) يعنى بكافر ؛ لأنه معلوم أن الإسلام يحقن الدم ، والعهد يحقن ~~الدم . قيل : بهذا الحديث علمنا أن المعاهد يحرم دمه ، وهى فائدة الخبر ~~ومحال أن يأمر تعالى بقتل الكافر حيث وجد ثم يقول : إذا قتلوهم قتلوا بهم . ~~والمعنى : لا يقتل مؤمن بكافر على العموم فى كل كافر ، ولا يقتل ذو عهد فى ~~عهده قصة أخرى ، وهو عطف على ( لا يقتل ) لأن هذا الذى أضمر لو أظهر فقيل : ~~لا يقتل مؤمن بكافر ، ولا يقتل ذو عهد فى عهده ، ولو أفرد وحده . فقيل : لا ~~يقتل ذو عهد ولم يكن قبله كلام لكان مستقيما ، وإنما ضم هذا الكلام إلى ~~القصة التى قبلها والله أعلم ليعلموا حين قيل لهم لا يقتل مؤمن بكافر أنهم ~~نهوا عن قتل ذى العهد فى عهده فاحتمل ذلك فى كل ذى عهد من أهل الذمة ~~المقيمين فى دار الإسلام ، وفيمن دخل ms3022 بأمان وهو فى معنى قوله تعالى : { وإن ~~أحد من المشركين استجارك فأجره } [ التوبة : 6 ] الآية ، فأعلم الله ذلك ~~عباده . قاله إسماعيل بن إسحاق وابن القصار . PageV08P566 وأما قول مالك ~~والليث أن المسلم إذا قتل الكافر قتل غيلة قتل به ، فمعنى ذلك أن قتل ~~الغيلة إنما هو من أجل المال ، والمحارب والمغتال إنما يقتلان لطلب المال ~~لا لعداوة بينهما ، فقتل العداوة والثائرة خاص وقتل المغتال عام فضرره أعظم ~~؛ لأنه من أهل الفساد فى الأرض ، وقد أباح الله قتل الذين يسعون فى الأرض ~~بالفساد سواء قتل أو لم يقتل ، فإذا قتل فقد تناهى فساده ، وسواء قتل مسلما ~~أو كافرا أو حرا أو عبدا . * * * # | 29 - باب إذا لطم المسلم يهوديا عند الغضب رواه أبو هريرة عن النبى - ~~صلى الله عليه وسلم - # . / 48 - فيه : أبو سعيد ، قال : جاء رجل من اليهود إلى رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - قد لطم وجهه ، فقال : يا محمد ، إن رجلا من أصحابك من ~~الأنصار ، قد لطم وجهى ، فقال : ادعوه ، فدعوه ، فقال : ألطمت وجهه ؟ قال : ~~يا رسول الله ، إنى مررت باليهودى ، فسمعته يقول : والذى اصطفى موسى على ~~البشر ، قال : قلت : أعلى محمد - صلى الله عليه وسلم - ؟ قال : فأخذتنى ~~غضبة فلطمته ، قال : لا تخيرونى من بين الأنبياء ، فإن الناس يصعقون يوم ~~القيامة ، فأكون أول من يفيق ، فإذا أنا بموسى آخذ بقائمة من قوائم العرش ، ~~فلا أدرى أفاق قبلى ، أم جوزى بصعقة الطور ) فيه من الفقه : أنه لا قصاص ~~بين مسلم وكافر وهو قول جماعة الفقهاء ، والدليل على ذلك من هذا الحديث أن ~~النبى - صلى الله عليه وسلم - لم يقاص اليهودى من لطمة المسلم له ، ولو كان ~~بينهما قصاص لبينه - صلى الله عليه وسلم - ؛ لأنه بعث معلما وعليه فرض ~~التبليغ . PageV08P567 فإن قيل : إن الكوفيين يرون قتل المسلم بالكافر فيجب ~~أن يكون على قولهم بينه وبين المسلم قصاص فى اللطمة . قيل : إن الكوفيين لا ~~يرون القصاص بين المسلمين فى اللطمة ولا الأدب ، إلا أن يجرحه ففيه الأرش ، ~~والكافر والمسلم أحرى ألا يرون بينهما ms3023 قصاصا ، فالمسألة إجماع . قال المهلب ~~: وفيه جواز رفع المسلم إلى السلطان بشكوى الكافر به . وفيه : خلق النبى - ~~صلى الله عليه وسلم - وما جبله الله عليه من التواضع وحسن الأدب فى قوله : ~~( لا تخيرونى من بين الأنبياء ) فذلك كقول أبى بكر الصديق : وليتكم ولست ~~بخيركم . وقد تقدم ، فينبغى لأهل الفضل والاقتداء بالنبى - صلى الله عليه ~~وسلم - وأبى بكر فى ذلك ، فإن التواضع من أخلاق الأنبياء والصالحين . وقد ~~روى أبو هريرة عن النبى - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : ( من أحب أن ينظر ~~إلى تواضع عيسى ابن مريم ، فلينظر إلى أبى ذر ) ذكره ابن أبى شيبة . وفيه : ~~أن العرش جسم وأنه ليس العلم كما قال سعيد بن جبير لقوله : ( آخذ بقائمة من ~~قوائم العرش ) والقائمة لا تكون إلا جسما ، ومما يؤيد هذا قوله تعالى : { ~~ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية } [ الحاقة : 17 ] ومحال أن يكون المحمول ~~غير جسم ؛ لأنه لو كان روحانيا لم يكن فى حمل الملائكة الثمانية له عجب ، ~~ولا فى حمل واحد ، فلما عجب الله تعالى بحمل الثمانية له ؛ علمنا أنه جسم ؛ ~~لأن العجب فى حمل الثمانية للعرش لعظمته وإحاطته . PageV08P568 * * * # | 64 - كتاب استتابة المرتدين والمعاندين وقتالهم # # | 1 - باب إثم من أشرك بالله وعقوبته فى الدنيا والآخرة # قال الله تعالى : { إن الشرك لظلم عظيم } [ لقمان : 13 ] ، وقال : { لئن ~~أشركت ليحبطن عملك } [ الزمر : 65 ] . / 1 - فيه : عبدالله ، قال : ( لما ~~نزلت : { الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم } [ الأنعام : 82 ] شق ذلك ~~على أصحاب النبى - صلى الله عليه وسلم - ، وقالوا : أينا لم يلبس إيمانه ~~بظلم ؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( إنه ليس بذاك ، ألا ~~تسمعون إلى قول لقمان : { إن الشرك لظلم عظيم } ) [ لقمان : 13 ] . / 2 - ~~وفيه : أبو بكرة قال ، : قال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( أكبر ~~الكبائر : الإشراك بالله ، وعقوق الوالدين ، وشهادة الزور . . . الحديث . / ~~3 - وفيه : ابن مسعود ، قال : قال رجل ، يا رسول الله ، أنؤاخذ بما عملنا ~~فى الجاهلية ؟ قال : من أحسن فى الإسلام ، لم يؤاخذ بما عمل فى الجاهلية ، ~~ومن أساء ms3024 فى الإسلام أخذ بالأول والآخر ) . قال المؤلف : لا إثم أعظم من ~~إثم الإشراك بالله ، ولا عقوبة أعظم من عقوبته فى الدنيا والآخرة ؛ لأن ~~الخلود الأبدى فى النار لا يكون فى ذنب غير الشرك بالله تعالى ولا يحبط ~~الإيمان غيره ؛ لقوله تعالى : { إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ~~ذلك لمن يشاء } [ النساء : 48 ] وإنما سمى الله الشرك ظلما ؛ لأن الظلم عند ~~العرب وضع الشىء فى PageV08P569 غير موضعه ؛ لأنه كان يجب عليه الاعتراف ~~بالعبودية والإقرار بالربوبية لله تعالى حين أخرجه من العدم إلى الوجود ، ~~وخلقه من قبل ولم يك شيئا ، ومن عليه بالإسلام والصحة والرزق إلى سائر نعمه ~~التى لا تحصى . وقد ذكر بعض المفسرين فى قوله تعالى : { وأسبغ عليكم نعمه ~~ظاهرة وباطنة } [ لقمان : 20 ] أن رجلا من العباد عد نفسه فى اليوم والليلة ~~، فوجد ذلك أربعة عشر ألف نفس ، فكم يرى لله على عباده من النعم فى غير ~~النفس مما يعلم ومما لا يعلم ، ولا يهتدى إليه ، وقد أخبر الله تعالى أن من ~~بدل نعمة الله كفرا فهو صال فى جهنم ، فقال تعالى : { ألم ترى إلى الذين ~~بدلوا نعمة الله كفرا وأحلوا قومهم دار البوار جهنم يصلونها وبئس القرار } ~~[ إبراهيم : 28 ، 29 ] . قال المهلب : وأما حديث ابن مسعود فمعناه : من ~~أحسن فى الإسلام بالتمادى عليه ومحافظته ، والقيام بشروطه ؛ لم يؤاخذ بما ~~عمل فى الجاهلية ، وأجمعت الأمة أن الإسلام يجب ما قبله . وأما قوله : ( من ~~أساء فى الإسلام ) فمعناه : من أساء فى عقد الإسلام والتوحيد ، بالكفر ~~بالله ، فهذا يؤخذ بكل كفر سلف له فى الجاهلية والإسلام ، فعرضت هذا القول ~~على بعض العلماء فأجازوه ، وقالوا : لا معنى لحديث ابن مسعود غير هذا ، ولا ~~تكون هذه الإساءة إلا الكفر ؛ لأجماع الأمة أن المؤمنين لا يؤاخذون بما ~~عملوا فى الجاهلية . PageV08P570 * * * # | 2 - باب حكم المرتد والمرتدة واستتابتهما # وقال ابن عمر والزهرى وإبراهيم تقتل المرتدة . وقال الله تعالى : { كيف ~~يهدى الله قوما كفروا بعد إيمانهم } الآيات ، وقال : { يا أيها الذين آمنوا ~~إن تطيعوا ms3025 فريقا من الذين أوتوا الكتاب يردوكم بعد إيمانكم كافرين } ، [ آل ~~عمران : 100 ] وقال : { إن الذين آمنوا ثم كفروا } إلى { سبيلا } [ النساء ~~: 137 ] . وقال : { من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتى الله بقوم يحبهم ~~ويحبونه } ، [ المائدة : 54 ] . وقال : { ولكن من شرح بالكفر صدرا } إلى { ~~الغافلون لا جرم } ، [ النحل : 106 ] يقول حقا ، { أنهم فى الآخرة هم ~~الخاسرون } [ النحل : 109 ] إلى { لغفور رحيم } [ النحل : 110 ] ، { ولا ~~يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا } إلى { خالدون } [ ~~البقرة : 217 ] . / 4 - فيه : عكرمة ، قال : أتى على بزنادقة فأحرقهم ، ~~فبلغ ذلك ابن عباس ، فقال : لو كنت أنا لم أحرقهم لنهى رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - : لا تعذبوا بعذاب الله ، ولقتلتهم لقول رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - من بدل دينه فاقتلوه ) . / 5 - وفيه : أبو موسى أن النبى ~~- صلى الله عليه وسلم - بعثه إلى اليمن ، ثم اتبعه معاذ بن جبل ، فلما قدم ~~عليه إذا رجل موثق ، قال : ما هذا ؟ قال : كان يهوديا ، فأسلم ، ثم تهود ، ~~قال : اجلس ، قال : لا أجلس حتى يقتل ، قضاء الله ورسوله فأمر به فقتل . ~~اختلف العلماء فى استتابة المرتد ، فروى عن عمر بن الخطاب PageV08P571 ~~وعثمان وعلى وابن مسعود أنه يستتاب ؛ فإن تاب وإلا قتل ، وهو قول أكثر ~~العلماء . وقالت طائفة : لا يستتاب ويجب قتله حين يرتد فى الحال ، روى ذلك ~~عن الحسن البصرى وطاوس وذكره الطحاوى عن أبى يوسف ، وبه قال أهل الظاهر ، ~~واحتجوا بقوله - صلى الله عليه وسلم - : ( من بدل دينه فاقتلوه ) قالوا : ~~ولم يذكر فيه استتابة ، وكذلك حديث معاذ وأبى موسى قتلوا المرتد بغير ~~استتابة . قال الطحاوى : جعل أهل هذه المقالة حكم المرتد حكم الحربيين إذا ~~بلغتهم الدعوة أنه يجب قتالهم دون أن يؤذنوا قال : وإنما تجب الاستتابة لمن ~~خرج عن الإسلام لا عن بصيرة منه ، فأما إن خرج منه عن بصيرة فإنه يقتل دون ~~استتابة . قال أبو يوسف : إن بدر بالتوبة ، خليت سبيله ووكلت أمره إلى الله ~~تعالى . قال ابن القصار : والدليل على أنه يستتاب الإجماع ، وذلك أن عمر ms3026 بن ~~الخطاب قال فى المرتد : هلا حبستموه ثلاثة أيام ، وأطعتموه كل يوم رغيفا ~~لعله يتوب فيتوب الله عليه ، اللهم لم أحضر ، ولم آمر ، ولم أرض إذ بلغنى . ~~ولم يختلف الصحابة فى استتابة المرتد ، فكأنهم فهموا من قوله - صلى الله ~~عليه وسلم - : ( من بدل دينه فاقتلوه ) ، أن المراد بذلك إذا لم يتب ، ~~والدليل على ذلك قوله تعالى : { فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة ~~فخلوا سبيلهم } [ التوبة : 5 ] فهو عموم فى كل كافر . PageV08P572 وأما ~~حديث معاذ وأبى موسى فلا حجة فيه لمن لم يقل بالاستتابة ؛ لأنه روى أنه قد ~~كان استتابه أبو موسى ، روى أبو بكر بن أبى شيبة قال : حدثنا عباد بن ~~العوام ، عن سعيد ، عن قتادة ، عن حميد بن هلال : ( أن معاذا أتى أبا موسى ~~وعنده يهودى أسلم ، ثم ارتد ، وقد استتابه أبو موسى شهرين فقال معاذ : لا ~~أجلس حتى أضرب عنقه ) . واختلفوا فى استتابة المرتدة ، فروى عن على بن أبى ~~طالب أنها لا تستتاب وتسترق ، وبه قال عطاء وقتادة وروى الثورى عن بعض ~~أصحابه ، عن عاصم بن بهدلة ، عن أبى رزين ، عن ابن عباس قال : لا تقتل ~~النساء إذا هن ارتددن عن الإسلام ، ولكن يحبسن ويجبرن عليه . ولم يقل بهذا ~~جمهور العلماء ، وقالوا : لا فرق بين استتابة المرتد والمرتدة ، وروى عن ~~أبى بكر الصديق مثله . وشذ أبو حنيفة وأصحابه فقالوا بما روى عن ابن عباس ~~فى ذلك ، وقالوا : إن ابن عباس روى عن الرسول : ( من بدل دينه فاقتلوه ) ~~ولم ير قتل المرتدة فهو أعلم بمخرج الحديث ، واحتجوا بأن الرسول نهى عن قتل ~~النساء ، قالوا : والمرتدة لا تقتل ، فوجب أن لا تقتل كالحربية . وحجة ~~الجماعة أنها تستتاب قوله - صلى الله عليه وسلم - : ( من بدل دينه فاقتلوه ~~) ولفظ ( من ) يصلح للذكر والأنثى فهو عموم يدخل فيه الرجال والنساء ؛ لأنه ~~- صلى الله عليه وسلم - لم يخص امرأة من رجل . قال ابن المنذر : وإذا كان ~~الكفر من أعظم الذنوب وأجل جرم PageV08P573 اجترمه المسلمون من الرجال ~~والنساء ، ولله أحكام فى كتابه ، وحدود دون الكفر ms3027 ألزمها عباده ، منها ~~الزنا والسرقة وشرب الخمر وحد القذف والقصاص وكانت الأحكام والحدود التى هى ~~دون الارتداد لازمة للرجال والنساء مع عموم قوله - صلى الله عليه وسلم - : ~~( من بدل دينه فاقتلوه ) فكيف يجوز أن يفرق أحد بين أعظم الذنوب فيطرحه عن ~~النساء ويلزمهن ما دون ذلك ؟ ! هذا غلط بين . وأما حديث ابن عباس فإنما ~~رواه أبو حنيفة ، عن عاصم ، وقد قال أحمد بن حنبل : لم يروه الثقات من ~~أصحاب عاصم كشعبة وابن عيينة وحماد بن زيد ، وإنما رواه الثورى ، عن أبى ~~حنيفة ، وقد قال أبو بكر بن عياش : قلت لأبى حنيفة : هذا الذى قاله ابن ~~عباس إنما قاله فيمن أتى بهيمة أنه لا قتل عليه ، لا فى المرتدة ، فتشكك ~~فيه وتلون لم يقم به ، فدل أنه خطأ . ولو صح لكان قول ابن عباس معارضه ؛ ~~لأن أبا بكر الصديق مخالف له ، وقد قال : تستتاب المرتدة . ثم يرجع إلى ~~قوله - صلى الله عليه وسلم - : ( من بدل دينه فاقتلوه ) الذى هو الحجة على ~~كل أحد . وأما قياسهم لها على الحربية فالفرق بينهما أن الحربية إنما لم ~~تقتل إذ لم تقاتل ؛ لأن الغنيمة تتوفر بترك قتلها ؛ لأنها تسبى وتسترق ، ~~والمرتدة : لا تسبى ولا تسترق ، فليس فى استبقائها غنم . واختلفوا فى ~~الزنديق هل يستتاب ؟ فقال مالك والليث وأحمد وإسحاق : يقتل ولا تقبل توبته ~~. قال مالك : والزنادقة : ما كان عليه المنافقون من إظهار الإيمان وستر ~~الكفر . PageV08P574 واختلف قول أبى حنيفة وأبى يوسف ؛ فمرة قالا : يستتاب ~~، ومرة قالا : لا يستتاب . وقال الشافعى : يستتاب الزنديق كما يستتاب ~~المرتد . وهو قول عبيد الله بن الحسن . وذكر ابن المنذر ، عن على بن أبى ~~طالب مثله . وقيل لمالك : لم يقتل الزنديق ورسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- لم يقتل المنافقين وقد عرفهم ؟ فقال : لأن توبته لا تعرف ، وأيضا فإن ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لو قتلهم وهم يظهرون الإيمان لكان قتلهم ~~بعلمه ، ولو قتلهم بعلمه ؛ لكان ذريعة إلى أن يقول الناس قتلهم للضغائن ~~والعداوة ، ولامتنع من أراد الإسلام من الدخول ms3028 فيه إذا رأى النبى - صلى ~~الله عليه وسلم - يقتل من دخل فى الإسلام ؛ لأن الناس كانوا حديث عهد ~~بالكفر . هذا معنى قوله ، وقد روى عن النبى - صلى الله عليه وسلم - أنه قال ~~: ( لئلا يقول الناس أنه يقتل أصحابه ) . واحتج الشافعى بقوله تعالى فى ~~المنافقين : { واتخذوا أيمانهم جنة } [ المجادلة : 16 ، المنافقون : 2 ] ~~قال : وهذا يدل على أن إظهار الإيمان جنة من القتل وقد جعل رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - الشهادة بالأيمان تعصم الدم والمال ، فدل أن من أهل ~~القبلة من يشهد بها غير مخلص ، وأنها تحقن دمه وحسابه على الله . وقد ~~أجمعوا أن أحكام الدين على الظاهر ، وإلى الله السرائر ، وقد قال - صلى ~~الله عليه وسلم - لخالد بن الوليد حين قتل الذى استعاذ بالشهادة : ( هلا ~~شققت عن قلبه ) فدل أنه ليس له إلا ظاهره . قال : وأما قولهم أنه - صلى ~~الله عليه وسلم - لم يقتل المنافقين لئلا يقولوا أنه قتلهم بعلمه وأنه يقتل ~~أصحابه ، قيل : وكذلك لم يقتلهم بالشهادة عليهم كما لم يقتلهم بعلمه ، فدل ~~أن ظاهر الإيمان جنة من القتل . PageV08P575 وفى سنته - صلى الله عليه وسلم ~~- فى المنافقين دلالة على أمور : منها : أنه لا يقتل من أظهر التوبة من كفر ~~بعد إيمان . ومنها : أنه حقن دماءهم ، وقد رجعوا إلى غير يهودية ولا ~~نصرانية ولا دين يظهرونه ، إنما أظهروا الإسلام وأسروا الكفر ، فأقرهم - ~~صلى الله عليه وسلم - على أحكام المسلمين ، فناكحوهم ووارثوهم ، وأسهم لمن ~~شهد الحرب منهم ، وتركوا فى مساجد المسلمين ، ولا أبين كفرا ممن أخبر الله ~~تعالى عن كفره بعد إيمانه . * * * # | 3 - باب قتل من أبى قبول الفرائض وما نسبوا إلى الردة # / 6 - فيه : أبو هريرة ، قال : لما توفى النبى - صلى الله عليه وسلم - ~~واستخلف أبو بكر ، وكفر من كفر من العرب ، قال عمر : يا أبا بكر ، كيف ~~تقاتل الناس ؟ وقد قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : أمرت أن أقاتل ~~الناس حتى يقولوا : لا إله إلا الله ، فمن قال : لا إله إلا الله ، فقد عصم ~~منى ماله ونفسه إلا ms3029 بحقه ، وحسابه على الله ، قال أبو بكر : والله لأقاتلن ~~من فرق بين الصلاة والزكاة ، فإن الزكاة حق المال ، والله لو منعونى عناقا ~~كانوا يؤدونها إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، لقاتلتهم على منعها ~~، قال عمر : فوالله ما هو إلا أن رأيت أن قد شرح الله صدر أبى بكر للقتال ، ~~فعرفت أنه الحق . قال المهلب : من أبى قبول الفرائض فحكمه مختلف ، فمن أبى ~~من أداء الزكاة وهو مقر بوجوبها ، فإن كان بين ظهرانى المسلمين ، ولم ينصب ~~الحرب ، ولا امتنع بالسيف ؛ فإنه يؤخذ من ماله جبرا ، ويدفع إلى المساكين ~~ولا يقتل . وقال مالك فى الموطأ : الأمر عندنا فيمن منع فريضة من فرائض ~~PageV08P576 الله ، فلم يستطع المسلمون أخذها منه كان حقا عليهم جهاده حتى ~~يأخذوها منه . ومعناه : إذا أقر بوجوبها ، لا خلاف فى ذلك . قال المهلب : ~~وإنما قاتل أبو بكر الصديق الذين منعوا الزكاة ؛ لأنهم امتنعوا بالسيف ، ~~ونصبوا الحرب للأمة . واجمع العلماء أن من نصب الحرب فى منع فريضة ، أو منع ~~حقا يجب عليه لآدمى أنه يجب قتاله ، فإن أبى القتل على نفسه فدمه هدر . قال ~~ابن القصار : وأما الصلاة فإن مذهب الجماعة أن من تركها عامدا جاحدا لها ~~فحكمه حكم المرتد يستتاب ، فإن تاب وإلا قتل ، وكذلك جحد سائر الفرائض ، ~~وإنما اختلفوا فيمن تركها لغير عذر غير جاحد لها ، وقال : لست أفعلها ؛ ~~فمذهب مالك : أن يقال له صل ما دام الوقت باقيا من الوقت الذى ظهر عليه ، ~~فإن صلى ترك ، وإن امتنع حتى خرج الوقت قتل . قال ابن القصار : واختلف ~~أصحابنا ، فقال بعضهم : يستتاب ، فإن تاب وإلا قتل . وقال بعضهم : يقتل ؛ ~~لأن هذا حد لله يقام عليه ، لا تسقطه التوبة بفعل الصلاة وهو بذلك فاسق ، ~~كالزانى والقاتل ، وليس بكافر ، وبهذا قال الشافعى . قال الثورى وأبو حنيفة ~~والمزنى : لا يقتل بوجه ، ويخلى بينه وبين الله تعالى . والمعروف من مذهب ~~الكوفييون أن الإمام يعزره حتى يصلى . وقال أحمد بن حنبل : تارك الصلاة ~~مرتد كافر ، وماله فئ لا يورث ، PageV08P577 ويدفن فى مقابر المشركين ، ~~وسواء ms3030 ترك الصلاة جاحدا لها أو تكاسلا . ووافق الجماعة فى سائر الفرائض أنه ~~إذا تركها لا يكفر . واحتج الكوفييون فقالوا : أجمع العلماء أن تارك الصلاة ~~يؤمر بفعلها ، والمرتد لا يؤمر بفعل الصلاة ، وإنما يؤمر بالإسلام ثم ~~بالصلاة . واحتجوا بقوله - صلى الله عليه وسلم - : ( خمس صلوات كتبهن الله ~~على عباده ، فمن جاء بهن لم يضيع منهن شيئا استخفافا بحقهن كان له عند الله ~~عهد إن شاء عذبه ، وإن شاء أدخله الجنة ) فدل أنه ليس بكافر ، لأن الكافر ~~لا يدخل الجنة ، وحجة القول الأول قوله تعالى : { فإن تابوا وأقاموا الصلاة ~~وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم } [ التوبة : 5 ] فأمر بقتلهم إلا أن يتوبوا ، ~~والتوبة هى اعتقاد الإيمان الذى من جملته اعتقاد وجوب الصلاة وسائر ~~العبادات . ألا ترى إلى قول أبى بكر الصديق : والله لأقاتلن من فرق بين ~~الصلاة والزكاة . فلم ينكر ذلك عليه أحد ، ولا قالوا : لا تشبه الصلاة ~~الزكاة . وروى جابر عن النبى - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : ( بين ~~الإيمان والكفر ترك الصلاة ، فمن تركها فقد كفر ) . والرد على أحمد بن حنبل ~~من قوله - صلى الله عليه وسلم - : ( من لم يأت بهن فليس له عند الله عهد إن ~~شاء عذبه ، وإن شاء غفر له ) وقد ثبت أن الكافر يدخل النار لا محالة ، فلا ~~يجوز أن يقال فيه مثل هذا ، فعلمنا أنه - صلى الله عليه وسلم - قصد من ~~تركها وهو معتقد لوجوبها لا جاحدا ؛ لأن الجاحد يدخل النار لا محالة ، ولا ~~حجة لأحمد فى إباءة إبليس من السجود وصار بذلك كافرا ؛ لأنه عاند الله ~~PageV08P578 واستكبر ، ورد على الله أمره فجاهر بالمعصية لله ، فهو أشد من ~~الجاحد أو مثله ؛ لأنه جحدها واستيقنتها نفسه . وقال ابن أبى زيد : الدليل ~~على أن تارك الفرائض غير جاحد لها فاسق وليس بكافر ؛ إجماع الأمة أنهم ~~يصلون عليه ، ويورث بالإسلام ، ويدفن مع المسلمين . وروى عيسى ، عن ابن ~~القاسم ، عن مالك أنه قال : من قال : لا أحج فلا يجبر على ذلك ، وليس كمن ~~قال : لا أتوضأ ، ولا أصوم رمضان ، فإن هذا ms3031 يستتاب ، فإن تاب وإلا قتل ، ~~كقوله : لا أصلى . قال المهلب : والفرق بين الحج وسائر الفرائض أن الحج لا ~~يتعلق وجوبه بوقت معين ، وإنما هو على التراخى والإمهال إلى الاستطاعة ، ~~وذلك موكول إلى دين المسلم وأمانته ، فلو لزم فيه الفور لقيده الله بوقت ~~كما قيد الصلاة والصيام بأوقات . ومما يدل أن الحج ليس على الفور ، وغير ~~لازم فى الفروض الموقتة ، ألا ترى أن المصلى لا تلزمه الصلاة عند زوال ~~الشمس ، وهو فى سعة عن الفور إلى أن يدرك ركعة من آخر وقتها ولم يكن ~~بتأخيرها عن أول وقتها مضيعا ، كذلك فيما لم يوقت له وقت أولى بالإمهال ~~والتراخى ، والله الموفق . وميراث المرتد مذكور فى كتاب الفرائض ، وأما حكم ~~ولد المرتد فلا يخلو أن يكون ولده صغيرا أو كبيرا ، فإن كان كبيرا فحكمه ~~حكم نفسه لا حكم أبيه ، وكذلك إن كان صغيرا لم يبلغ ؛ لأنه قد صح له عقد ~~الإسلام إذا ولد وأبوه مسلم ، فلا يكون مرتدا بارتداد أبيه ، ولا أعلم فى ~~ذلك خلافا ، فإن ادعى الكفر عند بلوغه استتيب ، فإن PageV08P579 تاب وإلا ~~قتل ، وقد تقدم فى كتاب الزكاة وجه استرقاق الصديق لورثتهم وسبيهم ، وحكم ~~عمر برد سبيهم إلى عشائرهم ، ومذهب العلماء فى ذلك . * * * # | 4 - باب إذا عرض الذمى وغيره بسب النبى - صلى الله عليه وسلم - ، ولم ~~يصرح نحو قوله السام عليكم # / 7 - فيه : أنس : مر يهودي برسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فقال : ~~السام عليك ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : وعليك ، ثم قال : ~~أتدرون ما يقول ؟ قال : السام عليك ، قالوا : يا رسول الله ، ألا نقتله ؟ ~~قال : لا ، إذا سلم عليكم أهل الكتاب ، فقولوا : وعليكم ) . / 8 - وفيه : ~~عائشة استأذن رهط من اليهود على النبى - صلى الله عليه وسلم - ، فقالوا : ~~السام عليك ، فقلت : بل عليكم السام واللعنة ، فقال : يا عائشة ، إن الله ~~رفيق يحب الرفق فى الأمر كله ، قلت : أولم تسمع ما قالوا ؟ قال : قلت ~~وعليكم ) . / 9 - وفيه : ابن عمر ، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ~~( إن اليهود إذا سلموا ms3032 على أحدكم ، إنما يقولون : سام عليك ، فقل : عليك ) ~~. / 10 - وفيه : ابن مسعود كأنى أنظر إلى النبى - صلى الله عليه وسلم - ~~يحكى نبيا من الأنبياء ضربه قومه فأدموه ، فهو يمسح الدم عن وجهه ، ويقول : ~~رب اغفر لقومى ، فإنهم لا يعلمون . اختلف العلماء فيمن سب النبى - صلى الله ~~عليه وسلم - فروى ابن القاسم عن مالك أنه من سبه - صلى الله عليه وسلم - من ~~اليهود والنصارى قتل إلا أن PageV08P580 يسلم ، فأما المسلم فيقتل بغير ~~استتابة ، وهو قول : الليث والشافعى وأحمد وإسحاق ، عن ابن المنذر . وروى ~~الوليد بن مسلم ، عن الأوزاعى ومالك فيمن سب النبى - صلى الله عليه وسلم - ~~قالا : هى ردة يستتاب منها فإن تاب نكل ، وإن لم يتب قتل . وقال الكوفيون : ~~من سب النبى - صلى الله عليه وسلم - أو عابه فإن كان ذميا عزر ولم يقتل . ~~وهو قول الثورى وأبى حنيفة وإن كان مسلما صار مرتدا يقتل ولم يقتلهم النبى ~~- صلى الله عليه وسلم - بذلك ؛ لأن ما هم عليه من الشرك أعظم من سبه - صلى ~~الله عليه وسلم - . وحجة من رأى القتل على الذمى بسبه أنه قد نقض العهد ~~الذى حقن دمه ؛ إذا لم يعاهد على سبه ، فلما تعدى عهده عاد إلى حال كافر لا ~~عهد له فوجب قتله إلا أن يسلم ؛ لأن القتل إنما كان وجب عليه من أجل نقضه ~~للعهد الذى هو من حقوق الله ، فإذا أسلم ارتفع المعنى الذى من أجله وجب ~~قتله . وقال محمد بن سحنون : وقولهم إن من دينهم سب النبى - صلى الله عليه ~~وسلم - فيقال لهم : وكذلك من دينهم قتلنا وأخذ أموالنا ، فلو PageV08P581 ~~قتل واحدا منا لقتلناه لأنا لم نعطهم العهد على ذلك ، وكذلك سبه - صلى الله ~~عليه وسلم - إذا أظهر . فإن قيل : فهو إذا أسلم وقد سب النبى - صلى الله ~~عليه وسلم - تركتموه ، وإذا أسلم وقد قتل مسلما قتلتموه . قيل : لأن هذا من ~~حقوق العباد لا يزول بإسلامه ، وذلك من حقوق الله يزول بالتوبة من دينه إلى ~~ديننا ، وحجة أخرى وهو أن الرسول قال : ( من ms3033 لكعب بن الأشرف ؛ فإنه قد آذى ~~الله ورسوله ) فقتله محمد بن مسلمة ، والسب من أعظم الأذى ، وكذلك قتل - ~~صلى الله عليه وسلم - ابن خطل يوم فتح مكة والقينتين اللتين كانتا تغنيان ~~بسبه ، ولم ينفع ابن خطل استعاذته بالكعبة . وقال محمد بن سحنون : وفرقنا ~~بين من سب النبى - صلى الله عليه وسلم - من المسلمين ، وبين من سبه من ~~الكفار ، فقتلنا المسلم ولم نقبل توبته ؛ لأنه لم ينتقل من دينه إلى غيره ، ~~إنما فعل شيئا حده عندنا القتل ، ولا عفو فيه لأحد ، فكان كالزنديق الذى لا ~~تقبل توبته ؛ لأنه لم ينتقل من ظاهر إلى ظاهر ، والكتابى كان على الكفر ، ~~فلما انتقل إلى الإسلام بعد أن سب النبى - صلى الله عليه وسلم - غفر له ما ~~قد سلف ، كما قال تعالى : { قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف } ~~[ الأنفال : 38 ] . قال غيره : فقياس الكوفيين المسلم إذا سب النبى - صلى ~~الله عليه وسلم - على المرتد خطأ ؛ لأن المرتد كان مظهرا لدينه فتصح ~~استتابته ، والمسلم لا يجوز له إظهار سب النبى - صلى الله عليه وسلم - ~~وإنما يكون مستترا به ؛ فكيف تصح له توبة ؟ PageV08P582 وقال ابن القاسم ، ~~عن مالك : كذلك من شتم نبيا من الأنبياء ، أو تنقصه قتل ولم يستتب ، كمن ~~شتم نبينا { لا نفرق بين أحد من رسله } [ الأحقاف : 35 ] وكذلك حكم الذمى ~~إذا شتم أحدا منهم يقتل إلا أن يسلم ، وهذا كله قول مالك وابن القاسم وابن ~~الماجشون وابن عبد الحكم وأصبغ . قال أهل هذه المقالة : إنما ترك النبى - ~~صلى الله عليه وسلم - قتل اليهودى الذى قال له : السام عليك ، كما ترك قتل ~~المنافقين وهو يعلم نفاقهم ، ولا حجة للكوفيين فى أحاديث هذا الباب . وأما ~~حديث ابن مسعود فى الذين ضربوا النبى - صلى الله عليه وسلم - وأدموه ، ~~فإنهم كانوا كفارا ، والأنبياء عليهم السلام شأنهم الصبر على الأذى قال ~~الله تعالى لنبيه : { فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل } [ الأحقاف : 35 ~~] فلا حجة للكوفيين فيه . * * * # | 5 - باب قتل الخوارج والملحدين بعد إقامة الحجة ms3034 عليهم # وقوله تعالى : { وما كان الله ليضل قوما بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما ~~يتقون } [ التوبة : 115 ] . وكان ابن عمر يراهم شرار خلق الله ، وقال : ~~إنهم انطلقوا إلى آيات نزلت فى الكفار ، فجعلوها على المؤمنين . / 11 - فيه ~~: على ، رضى الله عنه ، قال : إذا حدثتكم عن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - حديثا فوالله لأن أخر من السماء أحب إلى من أن أكذب عليه ، وإذا ~~حدثتكم فيما بينى وبينكم ، فإن الحرب خدعة ، وإنى سمعت رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - يقول : PageV08P583 ( سيخرج قوم فى آخر الزمان أحداث ~~الأسنان ، سفهاء الأحلام ، يقولون : من خير قول البرية ، لا يجاوز إيمانهم ~~حناجرهم ، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية ، فأينما لقيتموهم ~~فاقتلوهم فإن فى قتلهم أجرا لمن قتلهم يوم القيامة ) . / 12 - وفيه : أبو ~~سلمة ، وعطاء بن يسار ( أنهما أتيا أبا سعيد الخدرى فسألاه عن الحرورية ، ~~أسمعت النبى - صلى الله عليه وسلم - ؟ فقال : لا أدرى ما الحرورية ؟ سمعت ~~النبى - صلى الله عليه وسلم - يقول : يخرج فى هذه الأمة ، ولم يقل : منها ، ~~قوم تحقرون صلاتكم ، مع صلاتهم يقرءون القرآن لا يجاوز حلوقهم ، أو حناجرهم ~~، يمرقون من الدين مروق السهم من الرمية ، فينظر الرامى إلى سهمه ، إلى ~~نصله ، إلى رصافه ، فيتمارى فى الفوقة هل علق بها من الدم شىء ) . / 13 - ~~وفيه : عبدالله بن عمر ، وذكر الحرورية ، فقال : قال النبى - صلى الله عليه ~~وسلم - : ( يمرقون من الإسلام مروق السهم من الرمية ) . قال المهلب وغيره : ~~أجمع العلماء أن الخوارج إذا خرجوا على الإمام العدل وشقوا عصا المسلمين ~~ونصبوا راية الخلاف ؛ أن قتالهم واجب وأن دماءهم هدر ، وأنه لا يتبع ~~منهزمهم ولا يجهز على جريحهم . قال مالك : إن خيف منهم عودة أجهز على ~~جريحهم وأتبع مدبرهم ، وإنما يقاتلون من اجل خروجهم على الجماعة . قال ~~الطبرى : والدليل على ذلك أن النبى - صلى الله عليه وسلم - إنما أذن فى ~~قتلهم عند خروجهم لقوله : ( يخرج فى آخر الزمان قوم سفهاء الأحلام . ~~PageV08P584 ثم قال : فأينما لقيتموهم فاقتلوهم ) فبان بذلك أنه لا سبيل ms3035 ~~للإمام على من كان يعتقد الخروج عليه أو يظهر ذلك بقول ، ما لم ينصب حربا ~~أو يخف سبيلا . وقال : هذا إجماع من سلف الأمة وخلفهم . وقد سئل الحسن ~~البصرى عن رجل كان يرى رأى الخوارج ، فقال الحسن : العمل أملك بالناس من ~~الرأى إنما يجازى الله الناس بالأعمال . قال الطبرى : وهذا الذى قاله الحسن ~~عندنا إنما هو فيما كان من رأى لا يخرج صاحبه من ملة الإسلام ، فأما الرأى ~~الذى يخرجه من ملة الإسلام ، فإن الله قد أخبر أنه يحبط عمل صاحبه . وأما ~~قوله : ( يمرقون من الدين ) فالمروق عند أهل اللغة الخروج يقال : مرق من ~~الدين مروقا خرج ببدعة أو ضلالة ، ومرق السهم من الغرض إذا أصابه ثم نقره ، ~~ومنه قيل للمرق مرق لخروجه . وجمهور العلماء على أنهم فى خروجهم ذلك غير ~~خارجين من جملة المؤمنين لقوله - صلى الله عليه وسلم - : ( ويتمارى فى ~~الفوق ) لأن التمارى الشك ، وإذا وقع الشك فى ذلك لم يقطع عليهم بالخروج ~~الكلى من الإسلام ، لأن من ثبت له عقد الإسلام بيقين لم يحكم له بالخروج ~~منه إلا بيقين ، وقد روى عن على بن أبى طالب من طرق ، أنه سئل عن أهل ~~النهروان : أكفار هم ؟ قال : من الكفر فروا . قيل : فمنافقون ؟ قال : ~~المنافقون لا يذكرون الله إلا قليلا . قيل : فما هم ؟ قال : هم قوم ضل ~~سعيهم ، وعموا عن الحق ، بغوا علينا فقاتلناهم . PageV08P585 وروى وكيع ، ~~عن مسعر ، عن عامر بن شقيق عن أبى وائل ، عن على قال : لم نقاتل أهل ~~النهروان على الشرك . وقول ابن عمر : ( إنهم عمدوا إلى آيات فى الكفار ~~فجعلوها فى المؤمنين ) يدل أنهم ليسوا كفارا ؛ لأن الكافر لا يتأول كتاب ~~الله ؛ بل يرده ويكذب به . وقال أشهب : وقعت الفتنة وأصحاب النبى - صلى ~~الله عليه وسلم - متوافرون فلم يروا على من قاتل على تأويل القرآن قصاصا فى ~~قتل ، ولا حدا فى وطء . وبهذا قال مالك وابن القاسم ، وخالف ذلك أصبغ وقال ~~: يقتل من قتل إن طلب ذلك وليه كاللص يتوب قبل أن يقدر عليه . وهذا ms3036 خلاف ~~للصحابة ولقول مالك وجميع أصحابه . قال مالك : وما وجه أحد من ماله بعينه ~~عندهم أخذه . وهو قول الكوفيين والأوزاعى والشافعى ، وقد روى عن بعض أهل ~~الكلام وأهل الحديث أن أهل البدع كفار ببدعتهم ، وهو قول أحمد بن حنبل ، ~~وأئمة الفتوى بالأمصار على خلاف هذا ، فإن احتج من قال بكفرهم بقول أبى ~~سعيد الخدرى : ( يخرج فى هذه الأمة ) ولم يقل : ( منها ) فدل أنهم ليسوا من ~~جملة المؤمنين . فيقال لهم قد روى فى حديث أبى سعيد أنه - صلى الله عليه ~~وسلم - قال : ( يخرج من أمتى قوم ) . روى مسدد قال : حدثنا عبد الواحد قال ~~: حدثنا مجالد ، حدثنا أبو الوداك جبر بن نوف قال : سمعت أبا سعيد الخدرى ~~يقول : قال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( يخرج قوم من المؤمنين عند ~~فرقة ، أو اختلاف ، من الناس ، يقرءون القرآن كأحسن ما يقرؤه PageV08P586 ~~الناس ، ويرعونه كأحسن ما يرعاه الناس ، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من ~~الرمية . . ) وذكر الحديث . قال ابن القاسم فى العتبية : أما أهل الأهواء ~~الذين على الإسلام العارفون بالله مثل القدرية والإباضية وما أشبهها ممن هو ~~على خلاف ما عليه جماعة المسلمين من البدع والتحريف لتأويل كتاب الله فإنهم ~~يستتابون ، أظهروا ذلك أم أسروا ، فإن تابوا وإلا قتلوا ، وبذلك عمل عمر بن ~~عبد العزيز ، ومن قتل منهم فميراثه لورثته ؛ لأنهم مسلمون ، وهذا إجماع ، ~~وإنما قتلوا لرأيهم السوء . وذكر ابن المنذر عن الشافعى أنه قال : لا ~~يستتاب القدرى . وذم الكلام ذما شديدا ، وقال : لأن يلقى الله العبد بكل ~~ذنب ما خلا الشرك خير له من أن يلقاه بشىء من الأهواء . وقال عبد الرحمن بن ~~مهدى : ما كنت لأعرض أحدا من أهل الأهواء على السيف إلا الجهمية فإنهم ~~يقولون قولا منكرا . وسئل سحنون عن قول مالك فى أهل الأهواء : لا يصلى ~~عليهم ، فقال : لا أرى ذلك ، ويصلى عليهم ، ومن قال : لا يصلى عليهم كفرهم ~~بذنوبهم ، وإنما قال مالك : لا يصلى عليهم أدبا لهم . قيل له : فيستتابون ، ~~فإن تابوا وإلا قتلوا كما قال مالك ؟ قال : أما ms3037 من كان بين أظهرنا وفى ~~جماعة أهل السنة فلا يقتل ، وإنما الشأن فيه أن يضرب مرة بعد أخرى ، ويحبس ~~وينهى الناس عن مجالسته والسلام عليه تأديبا له ، كما فعل عمر بضبيع خلى ~~عنه بعد أدبه ، ونهى الناس عنه . فقد مضت السنة فيمن لم يبن من عمر وقضت ~~فيمن بان من أبى PageV08P587 بكر الصديق ، رضى الله عنهما ، قيل له : هؤلاء ~~الذين نصبوا الحرب ، وبانوا عن الجماعة وقتلهم الإمام هل يصلى عليهم ؟ قال ~~: نعم ، وهم من المسلمين ، وليس بذنوبهم التى استوجبوا بها القتل ترك ~~الصلاة عليهم ، ألا ترى أن المحصن الزانى والمحارب والقاتل عمدا قد وجب ~~عليهم القتل ولا تترك الصلاة عليهم . قيل له : فما تقول فى الصلاة خلف أهل ~~البدع ؟ قال : لا تعاد فى وقت ولا بعده ، وبذلك يقول أصحاب مالك : أشهب ، ~~والمغيرة وغيرهما ، وإنما يعيد الصلاة من صلى خلف نصرانى ، وهذا مسلم فكما ~~تجوز صلاته لنفسه كذلك تجوز لغيره إذا صلى خلفه ، وأما النصرانى فلا تجوز ~~صلاته لنفسه فكذلك لا تجوز لغيره ، ومن يوجب الإعادة أبدا أنزله بمنزلة ~~النصرانى ، وركب قياس قول الإباضية والحرورية الذين يكفرون الناس بالذنوب . ~~وقد تقدم فى كتاب الصلاة فى باب ( إمامة المفتون والمبتدع ) الاختلاف ~~والصلاة خلفهم . واختلفوا فى رد شهادتهم ، فذكر ابن المنذر عن شريك أنه لا ~~تجوز شهادة أهل الأهواء : الرافضة ، والخوارج ، والقدرية ، والمرجئة ، وبه ~~قال أحمد وإسحاق وأبو ثور . وقال مالك : لا تجوز شهادة القدرية . وقال أبو ~~عبيد : البدع والأهواء كلها نوع واحد فى الضلال ، كما قال ابن مسعود : كل ~~بدعة ضلالة ، وكل ضلالة فى النار . فلا أرى لأحد منهم شهادة إذا ظهر فيها ~~غلوه وميله عن السنة للآثار PageV08P588 المتواترة ، ألا ترى قوله - صلى ~~الله عليه وسلم - فى الخوارج : ( يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية ~~) . وقال فيهم سعد : أولئك قوم زاغوا فأزاغ الله قلوبهم . وقال حذيفة : ~~الذين يقولون : الإيمان قول بلا عمل ؛ لا حظ لهم فى الإسلام . وقال أبو ~~هريرة : القدرية هم نصارى هذه الأمة ومجوسها . وأجازت طائفة شهادة أهل ~~الأهواء ms3038 إذا لم يستحل الشاهد منهم شهادة الزور ، هذا قول ابن أبى ليلى ~~والثورى وأبى حنيفة والشافعى . قال الشافعى : لا أراد شهادة أحد بشىء من ~~التأويل له وجه يحتمله ، إلا أن يكون منهم الرجل يباين المحالف له مباينة ~~العداوة فأرده من جهة العدواة . قال : وشهادة من يرى إنفاذ الوعيد خير من ~~شهادة من يستخف بالذنوب . وقال أبو حنيفة : كل من نسب إلى هوى فعرف ~~بالمجانة والفسق فأرده للمجانة التى ظهرت فيه . وأما قوله : ( يقرءون ~~القرآن لا يجاوز حناجرهم ) فمعناه أنهم لما تأولوه على غير تأويله لم يرتفع ~~إلى الله ، ولا أثابهم عليه ؛ إذ كانت أعمالهم له مخالفة بسفك دماء من حرم ~~الله دمه وإخافتهم سبلهم ، ويشهد لهذا قوله تعالى : { إليه يصعد الكلم ~~الطيب والعمل الصالح يرفعه } فبان أن الكلام الطيب يرتفع إلى الله إذا صحبه ~~عمل PageV08P589 صالح يصدقه ، ومتى خالفه العمل لم يعتد بالقول ، ولا كان ~~لقائله فيه غير العناء ، وهذا يدل أن الإيمان قول وعمل . وأما قول على : ( ~~إذا حدثتكم فيما بينى وبينكم فإن الحرب خدعة ) فإنما قال ذلك على فى وقت ~~خروجه للخوارج . ومعنى ذلك أن المعاريض جائزة على ما جاء عن عمر أنه قال : ~~فى المعاريض مندوحة عن الكذب . وليس فى هذا جواز إباحة الكذب الذى هو خلاف ~~الحق ؛ لأن ذلك منهى عنه فى الكتاب والسنة ، وإنما رخص فى الحرب وغيره فى ~~المعاريض فقط ؛ لأن النبى - صلى الله عليه وسلم - قال : ( إياكم والكذب ~~فإنه يهدى إلى الفجور ، والفجور يهدى إلى النار ) وقد تقدم فى كتاب الصلح ~~فى باب ليس الكاذب الذى يصلح بين الناس مذاهب العلماء فيما يجوز من الكذب ~~وما لا يجوز ، وتقدم منه شىء فى باب الكذب فى الحرب فى كتاب الجهاد ، ~~وسيأتى فى باب المعاريض مندوحة عن الكذب فى كتاب الأدب مما يقتضيه التبويب ~~، إن شاء الله تعالى . وأما قول البخارى : باب قتال الخوارج بعد إقامة ~~الحجة عليهم فمعناه أنه لا يجب قتال خارجى ولا غيره إلا بعد الإعذار إليه ، ~~ودعوته إلى الحق ، وتبيين ما ms3039 ألبس عليه ، فإن أبى من الرجوع إلى الحق وجب ~~قتاله بدليل قوله تعالى : { وما كان الله ليضل قوما بعد إذا هداهم حتى يبين ~~لهم ما يتقون } [ التوبة : 115 ] فوجب التأسى به تعالى فيمن وجب قتاله أن ~~يبين له وجه الصواب ويدعى إليه . والنصل : حديدة السهم . والرصاف : العقب ~~الذى فوق مدخل السهم . والفوقة والفوق من السهم : موضع الوتر . PageV08P590 ~~* * * # | 6 - باب من ترك قتال الخوارج للتألف ، وألا ينفر الناس عنه # / 14 - فيه : أبى سعيد : ( بينا النبى - صلى الله عليه وسلم - يقسم ، جاء ~~عبدالله بن ذى الخويصرة التميمى ، فقال : اعدل يا رسول الله ، فقال : ويلك ~~، ومن يعدل إذا لم أعدل ؟ قال عمر بن الخطاب دعنى أضرب عنقه ، قال : دعه ، ~~فإن له أصحابا يحقر أحدكم صلاته مع صلاته ، وصيامه مع صيامه ، يمرقون من ~~الدين كما يمرق السهم من الرمية ، ينظر فى قذذه فلا يوجد فيه شيء ، ثم ينظر ~~فى نصله فلا يوجد فيه شيء ، ثم ينظر فى رصافه فلا يوجد فيه شيء ، ثم ينظر ~~فى نضيه فلا يوجد فيه شيء ، قد سبق الفرث والدم ، آيتهم رجل إحدى يديه ، أو ~~قال : ثدييه مثل ثدى المرأة ، أو قال : مثل البضعة ، تدردر ، يخرجون على ~~حين فرقة من الناس ) . قال أبو سعيد : أشهد سمعت من النبى ، عليه السلام ، ~~وأشهد أن عليا قتلهم وأنا معه ، حتى جىء بالرجل على النعت الذى نعت رسول ~~الله ، فنزلت فيهم : { ومنهم من يلمزك فى الصدقات } [ التوبة : 58 ] . / 15 ~~- وفيه : سهل بن حنيف سئل : ( هل سمعت فى الخوارج شيئا ؟ قال : سمعته يقول ~~وأهوى بيده قبل العراق : يخرج منه قوم يقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم ، ~~يمرقون من الإسلام مروق السهم من الرمية ) . لا يجوز ترك قتال من خرج على ~~الأمة وشق عصاها . وأما ذو الخويصرة ، فإنما ترك النبى - صلى الله عليه ~~وسلم - قتله ؛ لأنه عذره بجهله ، وأخبر أنه من قوم يخرجون ويمرقون من الدين ~~، فإذا خرجوا وجب قتالهم . PageV08P591 وقد أخبرت عائشة أنه - صلى الله ~~عليه وسلم - كان لا ينتقم لنفسه ، إلا أن تنتهك حرمة الله ms3040 ، وكان يعرض عن ~~الجاهلين . وقد وصف الله كرم خلقه - صلى الله عليه وسلم - فقال : { وإنك ~~لعلى خلق عظيم } [ القلم : 4 ] . قال المهلب : والتآلف إنما كان فى أول ~~الإسلام ؛ إذ كان بالناس حاجة إلى تألفهم لدفع مضرتهم ولمعونتهم ، فأما إذا ~~على الله الإسلام ورفعه على غيره فلا يجب التألف ، إلا أن ينزل بالناس ~~ضرورة يحتاج فيه إلى التألف . وقد تقدم . والمروق : الخروج ، وقد تقدم . ~~والرمية : الطريدة المرمية . فعيلة بمعنى مفعولة ، يقال : شاة رمى : إذا ~~رميت ، ويقال : بئس الرمية الأرنب . فيدخل الهاء . والقذذ : ريش السهم ، كل ~~واحدة قذة ، وقال ثابت : قذتا الجناحين : جانباه . وقال أبو حاتم : القذتان ~~: الأذنان . وأما النضى : فإن أبا عمرو الشيبانى قال : هو نصل السهم . وقال ~~الأصمعى : هو القدح قبل أن ينحت ، فإذا نحت فهو مخشوب . والحديث يدل أن ~~القول قول الأصمعى ؛ لأنه ذكر النصل قبل النضى فى الحديث . قوله : ( يسبق ~~الفرث والدم ) يعنى أنه مر مرا سريعا فى الرمية وخرج ، ولم يعلق به من ~~الفرث والدم شىء ، فشبه خروجهم من الدين ولم يتعلق منه شىء بخروج ذلك السهم ~~. وقوله : تدردر : يعنى تضطرب ، تذهب وتجئ ، ومثله تذبذب وتقلقل وتزلزل . ~~الخطبى . ومنه دردور الماء . PageV08P592 * * * # | 7 - باب قول النبى - صلى الله عليه وسلم - : لا تقوم الساعة حتى يقتتل ~~فئتان دعواهما واحدة # / 16 - فيه : أبو هريرة قال : قال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( لا ~~تقوم الساعة حتى تقتتل فئتان دعواهما واحدة ) . هذا إخبار عن الغيب وحدوث ~~الفتنة وقتال المسلمين بعضهم لبعض ، ويحتمل أن يكون معنى قوله : ( دعواهما ~~واحدة ) : : دينهما واحد ، ويحتمل أن يكون دعواهما واحدة فى الحق عند ~~أنفسهما واجتهادهما ، ويقتل بعضهم بعضا ، وقد جاء فى الكتاب والسنة الأمر ~~بقتال الفئة الباغية إذا تبين بغيها ، قال تعالى : { وإن طائفتان من ~~المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما ، فإن بغت إحداهما على الأخرى . . . } [ ~~الحجرات : 9 ] الآية . قال ابن أبى زيد : قال من لقينا من العلماء : معنى ~~ذلك : إذا بغت قبيلة فقاتلتها حمية وعصبية وفسقا وفخرا بالأنساب وغيرها من ~~الثائرة ؛ رغبة عن حكم الإسلام فعلى الإمام أن ms3041 يفرق جماعتهم ، فإن لم يقدر ~~فليقاتل من تبين له أنه ظالم لصاحبه ، وحلت دماؤهم حتى يقهروا ، فإن تحققت ~~الهزيمة عليهم وأيس من عودتهم فلا يقتل منهزمهم ، ولا يجهز على جريحهم ، ~~وإن لم تستحق الهزيمة ولم يؤمن رجوعهم ؛ فلا بأس أن يقتل منهزمهم وجريحهم ~~ولا بأس أن يقتل الرجل فى القتال معهم أخاه وقرابته وجده لأبيه وأمه ، فأما ~~الأب فلا . PageV08P593 وقال أصبغ : يقتل أباه وأخاه ، ولا تصاب أموالهم ~~ولا حرمهم ، فإن قدر الإمام على كف الطائفتين بترك القتال فلكل فريق طلب ~~الفريق الآخر بما جرى بينهم فى ذلك من دم ومال ، ولا يهدر شىء من ذلك بخلاف ~~ما كان على تأويل القران . وقال بعضه ابن حبيب . * * * # | 8 - باب ما جاء فى المتأولين # / 17 - فيه : عمر بن الخطاب ، يقول : أنه سمع هشام بن حكيم يقرأ سورة ~~الفرقان فى حياة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فاستمعت لقراءته ، فإذا ~~هو يقرؤها على حروف كثيرة ، لم يقرئنيها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~كذلك ، فكدت أساوره فى الصلاة ، فانتظرته حتى سلم ، ثم لببته بردائه ، أو ~~بردائى ، فقلت : من أقرأك هذه السورة ؟ قال : أقرأنيها رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - ، قلت له : كذبت ، فوالله إن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - ، أقرأنى هذه السورة التى سمعتك تقرؤها ، فانطلقت أقوده إلى رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - ، فقلت : يا رسول الله ، إنى سمعت هذا يقرأ ~~بسورة الفرقان على حروف لم تقرئنيها ، وأنت أقرأتنى سورة الفرقان ، فقال ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : أرسله يا عمر ، اقرأ يا هشام ، فقرأ ~~عليه القراءة التى سمعته يقرؤها ، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ~~هكذا أنزلت ، ثم قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : اقرأ يا عمر ، ~~فقرأت ، فقال : هكذا أنزلت ، ثم قال : إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف ، ~~فاقرءوا ما تيسر منه . / 18 - وفيه ابن مسعود لما نزلت هذه الآية : { الذين ~~آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم } [ الأنعام : 82 ] شق ذلك على أصحاب النبى ~~- صلى الله عليه وسلم ms3042 - ، وقالوا : أينا لم يظلم نفسه ، فقال رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - : ليس كما تظنون إنما هو كما قال لقمان لابنه : { يا ~~بنى لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم } [ لقمان : 13 ] . / 19 - وفيه : ~~عتبان : ( غدا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال رجل : أين مالك ~~بن الدخشن ؟ PageV08P594 فقال رجل منا : ذلك منافق لا يحب الله ورسوله ، ~~فقال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ألا تقولوه يقول : لا إله إلا الله ، ~~يبتغى بذلك وجه الله ؟ قال : بلى ، قال : فإنه لا يوافى عبد يوم القيامة به ~~إلا حرم الله عليه النار ) . / 20 - وفيه : أبو عبدالرحمن وحبان بن عطية ، ~~أنهما تنازع فقال أبو عبدالرحمن لحبان : لقد علمت ما الذى جرأ صاحبك على ~~الدماء ، يعنى عليا ، قال : ما هو لا أبا لك ؟ قال : شيء سمعته يقوله ، قال ~~: ما هو ؟ قال : بعثنى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والزبير وأبا مرثد ~~وكلنا فارس ، قال : انطلقوا حتى تأتوا روضة حاج ، قال أبو سلمة : هكذا قال ~~أبو عوانة : حاج ، فإن فيها امرأة معها صحيفة من حاطب بن أبى بلتعة إلى ~~المشركين ، فأتونى بها ، فانطلقنا على أفراسنا حتى أدركناها حيث قال لنا ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، تسير على بعير لها ، وقد كان كتب إلى ~~أهل مكة بمسير رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إليهم ، فقلنا : أين ~~الكتاب الذى معك ؟ قالت : ما معى كتاب ، فأنخنا بها بعيرها ، فابتغينا فى ~~رحلها ، فما وجدنا شيئا ، فقال صاحباى : ما نرى معها كتابا ، قال : فقلت : ~~لقد علمنا ما كذب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، ثم حلف على ، والذى ~~يحلف به لتخرجن الكتاب ، أو لأجردنك ، فأهوت إلى حجزتها ، وهى محتجزة بكساء ~~، فأخرجت الصحيفة ، فأتوا بها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فقال عمر ~~: يا رسول الله ، قد خان الله ورسوله والمؤمنين ، دعنى فأضرب عنقه ، فقال ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : يا حاطب ، ما حملك على ما صنعت ؟ قال : ~~يا رسول الله ، ما لى أن لا أكون مؤمنا بالله ورسوله ms3043 ، ولكنى أردت أن يكون ~~لى عند القوم يد يدفع بها عن أهلى ومالى ، وليس من أصحابك أحد إلا له هنالك ~~من قومه من يدفع الله به عن أهله وماله ، قال : صدق ، لا تقولوا ، له : إلا ~~خيرا ، قال : فعاد عمر ، فقال : يا رسول الله ، قد خان الله ورسوله ~~والمؤمنين ، دعنى فلأضرب عنقه ، قال : أوليس من أهل بدر ؟ وما يدريك لعل ~~الله اطلع عليهم ، فقال : اعملوا ما شىءتم ، فقد أوجبت لكم الجنة ، ~~فاغرورقت عيناه ، فقال : الله ورسوله أعلم ) . قال المهلب وغيره : لا خلاف ~~بين العلماء أن كل متأول معذور بتأوله غير مأثوم فيه إذا كان تأويله ذلك ~~مما يسوغ ويجوز فى لسان PageV08P595 العرب ، أوكان له وجه فى العلم ؛ ألا ~~ترى أن النبى - صلى الله عليه وسلم - لم يعنف عمر فى تلبيبه لهشام مع علمه ~~بثقته وعذره فى ذلك لصحة مراد عمر واجتهاده . وأما حديث ابن مسعود فإن ~~الرسول عذر أصحابه فى تأويلهم الظلم فى الآية بغير الشرك لجواز ذلك فى ~~التأويل . وأما حديث ابن الدخشن فإنهم استدلوا على نفاقه بصحبته للمنافقين ~~ونصيحته ، لهم فعذرهم النبى - صلى الله عليه وسلم - باستدلالهم ، وكذلك ~~حديث حاطب عذره النبى - صلى الله عليه وسلم - فى تأويله ، وشهد بصدقه . وقد ~~تقدم فى الجهاد فى باب الجاسوس ، فأغنى عن ذكره وسيأتى فى كتاب الاستئذان ~~فى باب من نظر فى كتاب من يحذر على المسلمين ليستبين أمره إن شاء الله ~~تعالى . وقول أبى عبد الرحمن : ( لقد علمت ما الذى جرأ صاحبكم على الدماء ) ~~يعنى عليا ، فإنه أراد قول النبى - صلى الله عليه وسلم - لأهل بدر : ( ~~اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم ) فكأنه أنس بهذا القول ، فاجترأ بذلك على ~~الدماء ، ولا يجوز أن يظن بعلى أنه اجترأ على هذا دون أن يعطيه ذلك صحيح ~~التأويل والاجتهاد . وإن كان قوله - صلى الله عليه وسلم - : ( لعل الله ~~اطلع على أهل بدر ) دليل ليس بحتم ، ولكنه على أغلب الأحوال ، وينبغى أن ~~نحسن بالله الظن فى أهل بدر وغيرهم من أهل الطاعات . وقد اعترض بعض ms3044 أهل ~~البدع بهذا الحديث على قصة مسطح حين PageV08P596 جلد فى قذف عائشة وكان ~~بدريا مغفورا له ، قالوا : وكان ينبغى ألا يحد لذلك كما لم يعاقب حاطب ؛ ~~لأنه كان بدريا مغفورا له . فأجاب فى ذلك أبو بكر بن الطيب الباقلانى ، ~~وقال : المراد بقوله - صلى الله عليه وسلم - : ( اعملوا ما شئتم فقد غفرت ~~لكم ) أنه غفر لهم عقاب الآخرة ولم يرد بذلك أنه غفر لهم عقاب الدنيا . وقد ~~أجمعت الأمة أن كل من ركب من أهل بدر ذنبا بينه وبين الله فيه حد ، أو بينه ~~وبين الخلق من القذف أو الجرح أو القتل فإنه عليه فيه الحد والقصاص . وليس ~~يدل عقاب العاصى فى الدنيا وإقامة الحدود عليه على أنه معاقب فى الآخرة ~~لقوله - صلى الله عليه وسلم - فى ماعز والغامدية : ( لقد تابوا توبة لو ~~قسمت على أهل الأرض لوسعتهم ) لأن موضع الحدود أنها للردع ، والزجر ، وحقن ~~الدماء ، وحفظ الحريم وصيانة الأموال ، وليس فى عقاب النار شىء من ذلك . ~~فبطل قول من قال : إنه كان ينبغى أن يسقط الحد عن مسطح لكونه بدريا مغفورا ~~له ؛ لأن الخبر عن غفران ذنوبهم إنما هو عن غفران عقاب الآخرة دون الدنيا ، ~~ولو أسقط الله عقاب الدارين لكان جائزا ، فغفر لحاطب عقوبته فى الدنيا ؛ إذ ~~رأى ذلك مصلحة لما غفر له عقاب الآخرة ، وقد يجعل الله لنبيه إسقاط بعض ~~الحدود إذا رأى ذلك مصلحة . قال الطبرى : وفى قوله - صلى الله عليه وسلم - ~~: ( وما يدريك لعل الله اطلع PageV08P597 على أهل بدر فقال : اعملوا ما ~~شئتم فقد غفرت لكم ) الدلالة البينة على خطأ ما قالته الخوارج والمعتزلة ~~أنه لا يجوز فى عدل الله وحكمته الصفح لأهل الكبائر والمعتزلة من المسلمين ~~عن كبائرهم ؛ لأنه لم يكن مستنكرا عند النبى - صلى الله عليه وسلم - فى عدل ~~الله أن يصفح عن بعض من سبقت له من الطاعة سابقة ، وسلفت له من الأعمال ~~الصالحة سالفة عن جميع أعماله السيئة التى تحدث منه بعدها صغائر وكبائر ، ~~فيتفضل بالعفو عنها إكراما له لما كان سلف ms3045 منه قبل ذلك من الطاعة . وخاخ : ~~موضع قريب من مكة . وقوله : أهوت إلى حجزتها وهى محتجزة بكساء ) . يعنى : ~~ضربت بيدها إلى معقد نطاقها من جسدها ، وهو موضع حجزة السراويل من الرجل ، ~~وقد مر بعض ما فيه من الغريب فى كتاب الجهاد . وأما قوله - صلى الله عليه ~~وسلم - فى قصة مالك بن الدخشن : ( ألا تقولوه يقول : لا إله إلا الله ) ، ~~هكذا جاءت والصواب : ( ألا تقولونه يقول : لا إله إلا الله ) بإثبات النون ~~، والمعنى ألا تظنونه يقول : لا إله إلا الله ، وقد جاء القول بمعنى الظن ~~كثيرا فى لغة العرب بشرط كونه فى المخاطب ، وكونه مستقبلا ، أنشد سيبويه ~~لعمر بن أبى ربيعة المخزومى : أما الرحيل فدون بعد غد فمتى نقول الدار ~~تجمعنا يعنى : فمتى نظن الدار تجمعنا ، ويحتمل أن يكون قوله : ( ألا تقولوه ~~) خطابا PageV08P598 للواحد والجماعة ، فإن كان خطابا للجماعة ، فلا يجوز ~~حذف النون ؛ إذ لا موجب لحذفها ، وإن كان خطابا للواحد ، وهو أظهر فى نسق ~~الحديث ، فهو على لغة من يشبع الضمة كما قال الشاعر : من حيث ما سلكوا ~~أذنوا فانظور وإنما أراد انظر فأشبع ضمة الظاء فحدثت عنها واو . قوله فى ~~حديث عمر : ( فكدت أساوره ) تقول العرب : ساورته من قولهم : سار الرجل يسور ~~سورا إذا ارتفع . ذكره ابن الأنبارى عن ثعلب ، وقد يكون أساوره من البطش ؛ ~~لأن السورة البطش . عن صاحب العين . * * * تم بحمد الله الجزء الثامن ، ~~ويليه بإذن الله الجزء التاسع وأوله : ( كتاب الاستئذان ) | PageV08P599 # | 65 - كتاب الاستئذان # # | 1 باب بدء السلام # / 1 - فيه : أبو هريرة ، عن النبى - صلى الله عليه وسلم - قال : ( خلق ~~الله آدم على صورته ، طوله ستون ذراعا ، فلما خلقه ، قال : اذهب ، فسلم على ~~أولئك النفر من الملائكة جلوس ، فاستمع ما يحيونك ، فإنها تحيتك وتحية ~~ذريتك ، فقال : السلام عليكم ، فقالوا : السلام عليك ورحمة الله ، فزادوه ~~ورحمة الله ، فكل من يدخل - يعنى الجنة - على صورة آدم ، فلم يزل الخلق ~~ينقص بعد حتى الآن ) . قال المهلب : هذا الحديث يدل أن الملائكة فى الملأ ~~الأعلى يتكلمون بلسان العرب ، ويحيون بتحية ms3046 الله ، وأن التحية بالسلام هى ~~التى أراد الله أن يتحيا بها . وفيه : الأمر بتعليم العلم من أهله والقصد ~~إليهم فيه ، وأنه من أخذ العلم ممن أمره الله بالأخذ عنه فقد بلغ العذر فى ~~العبادة وليس عليه ملامة ، لأن آدم أمره الله أن يأخذ عن الملائكة ما ~~يحيونه ، وجعلها له تحية باقية ، وهو تعالى أعلم من الملائكة ، ولم يعلمه ~~إلا لتكون سنه . وقوله : ( فلم يزل الخلق ينقص حتى الآن ) فهوا فى معنى ~~قولى تعالى : { لقد خلقنا الإنسان فى أحسن تقويم ثم رددناه أسفل سافلين } ~~ووجه الحكمة فى ذلك أن الله خلق العالم بما فيه دالا PageV09P005 على خالق ~~حكيم ، وجعل فى حركات ما خلق دليلا على فناء هذا العالم وبطلانه خلافا ~~للدهرية التى تعبد الدهر وتزعم أنه لا يفنى ، فأبقى الله هذا النقص دلاله ~~على بطلان قولهم ، لأنه إذا جاز النقص فى البعض جاز الفناء فى الكل . وأما ~~قوله - صلى الله عليه وسلم - : ( خلق الله آدم على صورته ) فإن العلماء ~~اختلفوا فى رجوع الهاء من ( صورته ) إلى من ترجع الكناية بها . قال ابن ~~فورك : فذهب طائفة إلى أن الهاء من ( صورته ) راجعة إلى آدم - عيله السلام ~~- وأفادنا بذلك عليه السلام إبطال قول الدهرية أنه لم يكن قط إنسان إلا من ~~نطفة ، ولا نطفة إلا من إنسان فيما مضى ويأتى ، وليس لذلك أول ولا آخر ، ~~فعرفنا عليه السلام تكذيبهم ، وأن أول البشر هو آدم خلق على صورته التى كان ~~عليها من غير أن كان نطفه قبله أو عن تناسل ، ولم يكن قط فى صلب ولا رحم ، ~~ولا خلق علقه ولا مضغة ، ولا طفلا ، ولا مراهقا ، بل خلق ابتداء بشرا سويا ~~كما شوهد . وقد قال آخرون : المعنى فى رجوع الهاء إلى آدم تكذيب القدرية ، ~~لما زعمت أن من صور آدم وصفاته ما لم يخلقه الله ، وذلك أن القدرية تقول : ~~إن صفات آدم على نوعين منها ما خلقها الله ، ومنها ما خلقها صورته وصفاته ~~وأعراضه . وقال آخرون : يحتمل أن يكون رجوع الهاء إلى آدم وجها ms3047 آخر على ~~أصول أهل السنة أن الله خلق السعيد سعيدا والشقى شقيا ، PageV09P006 فخلق ~~آدم وقد علم يعصيه ويخالف أمره ، وسبق العلم بذلك وأنه يعصى ثم يتوب ، ~~فيتوب الله عليه تنبيها على وجوب جريان قضاء الله على خلقه ، وأنه إنما ~~تحدث الأمور وتتغير الأحوال على حسب ما يخلق عليه المرء وييسر له . وذهب ~~طائفة إلى أن الحديث إنما خرج على سبب ، وذلك : ( أن النبى عليه السلام مر ~~برجل يضرب ابنه أو عبده فى وجهه لطخا ويقول : قبح الله وجهك ، ووجه من أشبه ~~وجهك فقال عليه السلام : إذا ضرب أحدكم فليتق الوجه ، فإن الله خلق آدم على ~~صورته ) فزجره النبى عن ذلك ، لأنه قد سب الأنبياء عليهم السلام والمؤمنين ~~وخص آدم بالذكر ، لأنه هو الذى ابتدئت خلقه وجهه على الحد الذى تخلق عليها ~~سائر ولده ، فالهاء على هذا الوجه كناية عن المضروب فى وجهه . وذهب طائفة ~~إلى الهاء كناية عن الله تعالى وهذا أضعف الوجوه ، لأن حكم الهاء أن ترجع ~~إلى أقرب المذكور ، إلا أن تدل دلالة على خلاف ذلك ، وعلى هذا التأويل يكون ~~معنى الصورة معنى الصفة كما يقال : عرفنى صورة هذا الأمر أى صفته ولا صورة ~~للأمر على الحقيقة إلا على معنى الصفة ، ويكون تقدير التأويل أن الله خلق ~~آدم على صفته أى خلقه حيا عالما سمعيا بصيرا متكلما مختارا مريدا ، فعرفنا ~~بذلك إسباغ نعمه عليه وتشريفه بهذه الخصال . PageV09P007 ونظرنا فى ~~الإضافات إلى الله فوجدناها على وجوه ، منها إضافة الفعل ، كما يقال : خلق ~~الله ، وأرض الله ، وسماء الله ، وإضافة الملك فيقال : رزق الله ، ووعيد ~~الله ، وإضافة اختصاص وتنويه بذكر المضاف إليه ، كقولهم : الكعبة بيت الله ~~، وكقوله : { ونفخت فيه من روحي } ووجه آخر من الإضافة نحو قولهم : كلام ~~الله ، وعلم الله ، وقدرة الله ، وهى إضافة اختصاص من طريق القيام به ، ~~وليس من وجهة الملك والتشريف بل ذلك على معنى إرادته غير متعرية منها قياما ~~بها ووجودا . ثم نظرنا إلى إضافة الصورة إلى الله فلم يصح أن يكون وجه ~~إضافتها إليه على ms3048 نحو إضافة الصفة إلى الموصوف بها من حيث تقوم به ، ~~لاستحالة أن يقوم بذاته تعالى حادث فبقى من وجوه الإضافة الملك والفعل ~~والتشريف ، فأما الملك والفعل فوجهه عام وتبطل فائدة التخصيص فبقى إنها ~~إضافة تشريف ، وطريق ذلك أن الله هو الذى ابتدأ تصوير آدم إضافة تشريف ، ~~وطريق ذلك أن الله هو الذى ابتدأ تصوير آدم على مثال سبق بل اخترعه ، ثم ~~اخترع من بعده على مثاله ، فتشرفت صورته بالإضافة إليه لا أنه أريد به ~~إثبات صورة لله تعالى على التحقيق هو بها مصور ، لأن الصورة هى التألف ~~والهيئة ، وذلك لا يصح إلا على الأجسام المؤلفة ، والله تعالى عن ذلك . ~~PageV09P008 # | 2 - باب قوله تعالى : { يأيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم ~~} الآية # وقال سعيد بن أبى الحسن للحسن : إن نساء العجم يكشفن صدورهن ورءوسهن ، ~~قال : اصرف بصرك [ عنهن ] . وقوله الله : { قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ~~ويحفظوا فروجهم } [ النور 30 ] . وقال قتادة ، عما لا يحل لهم : { وقل ~~للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن } [ النور : 31 ] ، { خائنة ~~الأعين } [ غافر 14 ] من النظر إلى ما نهى عنه . وقال الزهرى ، فى النظر ~~إلى التى لم تحض من النساء : لا يصلح النظر إلى شىء منهن ممن يشتهى النظر ~~إليه ، وإن كانت صغيرة . وكره عطاء النظر إلى الجوارى التى يبعن بمكة إلا ~~أن يريد أن يشتري . / 2 - فيه : ابن عباس ، أردف النبى عليه السلام الفضل ~~بن عباس يوم النحر خلفه على عجز راحلته ، وكان الفضل رجلا وضيئا ، فوقف ~~الرسول عليه السلام للناس يفتيهم ، وأقبلت امرأة من خثعم وضيئة تستفتى رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - ، فطفق الفضل ينظر إليها ، وأعجبه حسنها ، ~~فالتفت النبى عليه السلام والفضل ينظر إليها ، فأخلف بيده ، فأخذ بذقن ~~الفضل ، فعدل وجهه عن النظر إليها . . . الحديث . / 3 - فيه : أبو سعيد ، ~~أن النبى - صلى الله عليه وسلم - قال : ( إياكم والجلوس بالطرقات ) ، ~~فقالوا : يا رسول الله ، ما لنا من مجالسنا بد ، نتحدث فيها ، فقال : ( إذ ~~أبيتم إلا المجلس ، فأعطوا الطريق حقه ) ، قالوا : وما حق الطريق ms3049 ؟ ~~PageV09P009 قال : ( غض البصر ، وكف الأذى ، ورد السلام ، والأمر بالمعروف ~~، والنهى عن المنكر ) . قال المؤلف : قال قتادة وإبراهيم ومجاهد فى قوله ~~تعالى : { وحتى تستأنسوا } قالوا : حتى تستأذنوا وتسلموا . وقال سعيد بن ~~جبير : الاستئناس : الاستئذان ، وهو فيما أحسب من خطأ الكاتب ، وروى أيوب ~~عنه عن ابن عباس : إنما هو حتى تستأذنوا ، سقط من الكاتب . قال إسماعيل بن ~~إسحاق : قوله : ( من خطأ الكاتب ) هو قول سعيد بن جبير أشبه منه بقوله ابن ~~عباس ، لأن هذا مما لا يجوز أن يقوله أحد ، إذ كان القرآن محفوظا قد حفظه ~~الله من أن يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه . وقد روى عن مجاهد أن ~~الاستئناس : التنجح والتنخم إذا أراد أن يدخل . وروى ابن وهب عن مالك قال : ~~الاستئناس : الجلوس قال تعالى : { ولا مستأنسين لحديث } وقال عمر حين ودخل ~~على النبى فى حديثه المشربة : ( أستأنس يا رسول الله ؟ قال : نعم فجلس عمر ~~) . قال إسماعيل بن إسحاق : وأحسب معنى الاستئناس ، والله أعلم ، إنما هو ~~أن يستأنس بأن الذى يدخل عليه لا يكره دخوله ، يدل على ذلك قوله عمر للنبى ~~: ( أستأنس يا رسول الله ؟ قال : نعم فجلست ) قال إسماعيل : فدل قوله : ( ~~أستأنس ) على أنه PageV09P010 أحب أن يعلم أن النبي لا يكره جلوسه ، وهذا ~~مما يضعف ما روى عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس . قال المهلب : ومعنى ~~الاستئذان هو خوف أن يفجأ الرجل أهل البيت على عورة فينظر ما لا يحل له ، ~~يدل على ذلك قوله عليه السلام : ( إنما جعل الاستئذان للبصر ) وغض البصر ~~مأمور به ، لقوله تعالى : { قل للمؤمنين من أبصارهم } { وقل للمؤمنات يغضضن ~~من أبصارهن } ألا ترى صرف النبى وجه الفضل عن المرأة ونهيه عليه السلام عن ~~الجلوس على الطرقات إلا أن يغض البصر ، وإنما أمر الله بغض الأبصار عما لا ~~يحل لئلا يكون البصر ذريعة إلى الفتنة ، فإذا أمنت الفتنة فالنظر مباح ، ~~ألا ترى أن النبى حول وجه الفضل حين علم بإدامته النظر إليها أنه أعجبه ~~حسنها فخشى عليه فتنة الشيطان . وفيه : مغالبة طباع ms3050 البشر لابن آدم وضعفه ~~عما ركب فيه من الميل إلى النساء والإعجاب بهن . وفيه : أن نساء المؤمنين ~~ليس لزوم الحجاب لهم فرضا فى كل حال كلزومه لأزواج النبى ، ولو لزم جميع ~~النساء فرضا لأمر النبى الخثعمية بالاستتار ، ولما صرف وجه الفضل عن وجهها ~~، بل كان يأمره بصرف بصره ، ويعلمه أن ذلك فرضه ، فصرف وجهه عليه السلام ~~وقت خوف الفتنة وتركه قبل ذلك الوقت . وهذا الحديث يدل أن ستر المؤمنات ~~وجوههن عن غير ذوى محارمهن سنه ، لإجماعهم أن المرأة أن تبدى وجهها فى ~~الصلاة ، ويراه منها الغرباء ، وأن قوله : { قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ~~} على الفرض فى غير الوجه ، وأن غض البصر عن PageV09P011 جميع المحرمات وكل ~~ما يخشى منه الفتنة واجب ، وقد قال النبى عليه السلام : ( لا تتبع النظرة ، ~~فإنما لك الأولى ، وليست لك الثانية ، وهذا معنى دخول من فى قوله : { من ~~أبصارهم } لأن النظرة الأولى لا تملك فوجب التبعيض لذلك ، ولم يقل ذلك فى ~~الفروج ، لأنها تملك . وقوله : ( فأخلف يده فأخذ بذقن الفضل ) قال صاحب ~~الأفعال : يقال : أخلف الرجل بيده إلى سيفه : مدها إليه ليأخذه عند حاجته ~~إليه ، وأخلف إلى مؤخر راحلته أو فرسه كذلك . # | 3 - باب : السلام اسم من أسماء الله تعالى وقوله تعالى : { وإذا حييتم ~~فحيوا بأحسن منها أو ردوها } # / 4 - فيه : عبدالله ، قال : كنا إذا صلينا مع النبى - صلى الله عليه ~~وسلم - قلنا : السلام على الله قبل عباده ، السلام على جبريل ، السلام على ~~ميكائيل ، السلام على فلان ، فلما انصرف النبى - صلى الله عليه وسلم - أقبل ~~علينا بوجهه ، فقال : ( إن الله هو السلام . . . . ) الحديث . قال المؤلف : ~~مصداق هذا الحديث فى قوله الله تعالى : { القدوس السلام المؤمن } والأسماء ~~إنما تؤخذ توقيفا من الكتاب والسنة ، ولا يجوز أن يسمى الله بغير ما سمى به ~~نفسه ، ولما كان السلام من أسماء الله لم يجز أن يقال : السلام على الله ، ~~وجاز أن يقال : السلام عليكم ، لأن معناه الله عليكم . PageV09P012 ~~والعلماء مجمعون أن بأبتداء بالسلام سنه مرغب فيها ، ورده فريضة لقوله ~~تعالى : { فحيوا ms3051 بأحسن منها أو ردوها } ومن الدليل أن الابتداء به سنة قوله ~~عليه السلام فى المتهاجرين : ( وخيرهم الذى يبدأ بالسلام ) وذهب مالك ~~والشافعى إلى أنه سلم رجل على جماعة فرد عليه واحد منهم أجزأ عنهم ، ودخل ~~فى معنى قوله : { فحيوا بأحسن منها أو ردوها } لأنه قد رد عليه مثل قوله ، ~~وشبهوه بتشميت العاطس ، وقالوا : هو من فروض الكفاية كالجهاد ، وطلب العلم ~~ودفن الموتى ، وصلاة الجماعة ، يقوم بها البعض ، ولا يحل الاجماع على ~~تضييعها . وروى مالك ، عن زيد بن أسلم ( أن النبى عليه السلام قال إذا سلم ~~واحد من القوم أجزأ عنهم ) . وروى أبو داود ، عن على بن أبى طالب مثله ، ~~وقال : يجزىء من الجماعة إذا مروا أن يسلم أحدهم ، ويجزىء عن الجلوس إذا رد ~~أحدهم . وذهب الكوفيون إلى أن رد السلام من الفروض المتعينة على كل إنسان ~~بعينه ، ولا ينوب فيها فيها غير . قالوا : والإسلام خلاف رد السلام . لأن ~~الابتداء به تطوع ، ورده إنسان بعينه ، ولا ينوب فيها غيره . قالوا : ~~والسلام خلاف رد السلام . لأن الابتداء به تطوع ، ورده فريضة ، ولو رد غير ~~المسلم عليهم لم يسقط ذلك عنهم فرض الرد ، فدل أن السلام يلزم كل إنسان ~~بعينه . وأنكر أبو يوسف مرسل مالك ، ورد عليهم أهل المقالة الأولى فقالوا : ~~قد يكون من السنن مايسد مسد الفرائض ، كغسل الجمعة . PageV09P013 يجزىء عن ~~غسل الجنابة - عند جماعة من العلماء - وكغسيل اليدين قبل الوضوء يجزء عن ~~غسيلها مع الذراعين فى الوضوء - فى قول عطاء . وقولهم : لو رد غير المسلم ~~عليم لم يجزىء ، فكذلك نقول وإنما يجزى عن غسلها مع الذراعين فى الوضوء - ~~فى قول عطاء . وقولهم : لو رد غير المسلم عليهم لم يجزىء ، فكذلك نقول ~~وإنما يجزىء أن يرد واحد ممن سلم عليهم عليهم لقوله تعالى : { فحيوا بأحسن ~~منها أو ردوها } فإنما أمر الله تعالى بالرد المسلم عليهم لا غيرهم ، ألا ~~ترى لو أن العدو حل ببلده ، فلم يقاتل أهلها المسلمون ، وقاتل عنهم قوم من ~~أهل الكتاب ما سقط الفرض عنهم ، فكذلك إذا رد المسلم ms3052 من لم يسلم عليه ، لم ~~يجزىء عن الرادين فحكم السلام حكم الرد ، لأن الرد سلام عند العرب . وقد ~~قال عليه السلام : ( يسلم القليل على الكثير ) ولما أجمعوا أن الواحد يسلم ~~على الجماعة ، ولا يحتاج إلى تكريره على عدد الجماعة ، كذلك يرد الواحد من ~~الجماعة على الواحد ، وينوب عن الباقين ، وانكارهم لمرسل مالك لا وجه له ، ~~لأنهم لامسند عندهم فى قولهم ولا مرسل ، فالمصير إلى المرسل أولى من المصير ~~إلى رأى يعاض بمثله . # | 4 - باب : يسلم القليل على الكثير # / 5 - وفيه : أبو هريرة ، قال : قال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( ~~يسلم الصغير على الكبير ، والمار على القاعد ، والقليل على الكثير ) . ~~وترجم له باب تسليم الراكب على الماشى ، وقال فيه عن PageV09P014 الرسول : ~~( يسلم الراكب على الماشى ، والماشى على القاعدة ، والقليل على الكثير ) . ~~قال المهلب : هذه آداب من النبى عليه السلام وأما وجه تسليم الصغيرعلى ~~الكبير فمن أجل حق الكبير على الصغير بالتواضع له والتوقير ، وتسليم المار ~~على القاعدة هو من باب الداخل على القوم فعليه أن يبدأهم بالسلام ، وكذلك ~~فعل آدم بالملائكة حين قيل له : اذهب فسلم على أولئك نفر من الملائكة جلوس ~~. وتسليم القليل على الكثير من باب التواضع أيضا ، لأن حق الكثير أعظم من ~~حق القليل ، وكذلك فعل أيضا آدم كان وحده والملأ من الملائكة كثير حين أمر ~~بالسلام عليهم . وسلام الراكب على الماشى لئلا يتكبر بركوبه على الماشى ~~فأمر بالتواضع . # | 5 - باب : إفشاء السلام # / 6 - فيه : البراء ، أمرنا النبى - صلى الله عليه وسلم - بسبع : ( ~~بعيادة المريض ، واتباع الجنائز ، وتشميت العاطس ، ونصر الضعيف ، وعون ~~المظلوم ، وإفشاء السلام ، وإبرار المقسم . . . ) الحديث . قال الطبرى : إن ~~قال قائل : هذه الخلا التى أمر النبى عليه السلام بها من حق المسلم ، هل هى ~~من الحقوق التى إن لم يؤدها كان بتركها حرجا ولربه عاصيا أم لا ؟ . قيل : ~~منها ما يكون بتركها حرجا ، ومنها مايكون غير حرج ، ومنها مايكون بتركها ~~حرجا فى حال وغير حرج فى أخرى . PageV09P015 فإن قيل : فبين لنا ذلك . قيل ~~: أما الذى يكون ms3053 بفعلها محمودا وبتركها حرجا فى كل حال فنصر الضعيف وعون ~~المظلوم ، وذلك أن النبى عليه السلام قال : ( أنصر أخاك ظالما أو مظلوما ) ~~وقال : إن المؤمنين جميعا كالجسد الواحد ، وعلى المرء أن يسعى لصلاح كل عضو ~~من أعضاء جسده سعيه لبعضها ، فكذلك عليهم فى اخوانهم فى الدين وشركائهم فى ~~المله ، وإنصارهم على الأعداء من نصرهم وعونهم مثل ماعليهم من ذلك فى ~~أنفسهم لأنفسهم ، إذ كان بعضهم عونا لبعض وجميعهم يد على العدو . ولذلك ~~خاطبهم تعالى فى كتابه فقال { ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما } ~~إذ كان القاتل منهم غيره بمنزله القاتل نفسه ، ولم يقل لهم لايقتل بعضكم ~~بعضا ، إذ كان المؤمن لأخيه المؤمن بمنزله نفسه فى التعاون على البر ~~والتقوى ، يؤلم كل واحد منهما مايؤلم الآخر ، ألا ترى أن الله تعالى نهى ~~المؤمنين أن يلمز بعضهم بعضا ، وأن يتنابزوا بالألقاب ، فقال تعالى : { ولا ~~تلمزوا أنفسكم } فجعل الامز أخاه لامزا نفسه ، إذ كان أخوه بمنزله نفسه ، ~~ومعلوم أنه لا أحد صحيح العقل يلمز نفسه ، فعلم أن معناه لا يلمز أحدكم ~~المؤمن . ومما هو فرض فى كل حال إبرار القسم ، قال الله تعالى : { واحفظوا ~~أيمانكم } . PageV09P016 وأما التى هى فرض فى بعض الأحوال دون بعض وفضل فى ~~بعضها فشهود جنازة الأخ المؤمن ، فالحال التى هو فيها فرض إذا لم يكن ~~للجنازة قيم غيره ، أو يكون ولا يستغنى عن حضوره أياها ، فلا يسعه حينئذ ~~ترك حضورها ، وذلك أن الذى يلزم من أمر موتى المسلمين للأحياء غسلهم ~~وتكفينهم والصلاة عليهم ودفنهم ، وذلك فرض على الكفاية ، فمن قام بذلك منهم ~~سقط فرضه عن سائرهم . ومن أيضا تشميت العاطس إذا حمد الله ، فإنه فرض على ~~جميع من سمع عطاسه وحمده لله تشميته ، حتى إذا شمته بعضهم سقط فرض ذلك عن ~~سائرهم . وأما الذى هو بفعلها محمود وبتركها غير مذموم فالسلام عليه إذا ~~لقيه ، فإن المبتدىء أخاه بالسلام له الفضل كما قال عليه السلام فى ~~المتهاجرين ( وخيرهما الذى يبدأ بالسلام ) . ومن ذلك عيادته لأخيه إذا مرض ~~، وإجابته ms3054 إلى طعام إذا دعاه إليه ، فإن تارك ذلك فضل لاتارك فرض ، لإجماع ~~الجميع على ذلك ، وقد تقدم جملة من معنى هذا الحديث فى كتاب الجنائز ، ~~وكتاب المظالم فى باب نصر المظلوم ، وفى كتاب النكاح فى باب إجابة دعوة ~~الوليمة ، وسيأتى بقيته فى كتاب اللباس . # | 6 - باب : السلام للمعرفة وغير المعرفة # / 7 - فيه : عبدالله بن عمرو ، أن رجلا سأل النبى - صلى الله عليه وسلم - ~~أى الإسلام PageV09P017 خير ؟ قال : ( تطعم الطعام ، وتقرأ السلام على من ~~عرفت ، وعلى من لم تعرف ) . / 8 - وفيه : أبو أيوب ، عن النبى - صلى الله ~~عليه وسلم - قال : ( لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث ، يلتقيان فيصد ~~هذا ويصد هذا ، وخيرهما الذى يبدأ بالسلام ) . هذا أيضا من باب الأدب ~~ولتواضع ، وفى السلام لغير المعرفة استفتاح للخلطة ، وباب الأنس ليكون ~~المؤمنون كلهم إخوة ، ولا يستوحش أحد من أحد ، وترك السلام لغير المعرفة ~~يشبه صدود المتصارمين المنهى عنه فينبغى للمؤمن أن يجتنب مثل ذلك . وقد روى ~~ابن مسعود عن النبى عليه السلام أنه قال : ( من أشراط الساعة السلام ~~للمعرفة ) وروى عبد الرزاق عن ابن عمر : ( أنه كان يدخل السوق فيما يلقى ~~صغيرا ولا كبيرا إلا سلم عليه ، ولقد مر بعبد أعمى فجعل يسلم عليه والآخر ~~لايرد عليه ، فقيل له : إنه أعمى ) وكان السلف من المحافظة على رد السلام ~~كما ذكر معمر قال : ( كان الرجلان من أصحاب النبى عليه السلام مجتمعين ~~فتفرق بينهما شجرة ، ثم يجتمعان فيسلم أحدهما على الآخر ) . ومما يدل على ~~تأكيد السلام على أكل أحد أن الله تعالى - قد أمر الداخل بيتا غير مسكون ~~بالسلام عند دخوله . وروى عن ابن عباس والنخعى وعطاء وعكرمة وقتادة فى قول ~~الله - تعالى : { فإذا دخلتم بيوتا فسلموا على PageV09P018 أنفسكم } قالو : ~~إذا دخلت بيتا ليس فيه أحد فقل : السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين . ~~فإن الملائكة ترد عليك ، وهذا يدل أن الداخل بيتا مسكونا أولى بالسلام . ~~وروى ابن وهب ، عن حفص بن ميسرة ، عن زيد بن أسلم أن رسول الله عليه السلام ~~قال ms3055 : ( إذا دخلتم بيوتكم فسلموا على أهلها واذكروا اسم الله ، فأن أحدكم ~~إذا سلم حين يدخل بيته وذكر اسم الله على طعامه ، يقول الشيطان لأصحابه : ~~لا مبيت لكم هاهنا ولاعشاء وإذا لم يسلم إذا دخل ولم يذكر اسم الله على ~~طعامه ، قال الشيطان لأصحابه : أدركتم المبيت والعشا ) . # | 7 - باب : آية الحجاب # / 9 - فيه : أنس ، أنه كان ابن عشر سنين مقدم النبى ، عليه السلام ، ~~المدينة ، فخدمت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عشرا حياته ، وكنت أعلم ~~الناس بشأن الحجاب ، فكان أبى بن كعب يسألنى عنه ، وكان أول ما نزل فى ~~مبتنى النبى - صلى الله عليه وسلم - بزينب بنت جحش ، أصبح رسول الله بها ~~عروسا ، فدعا القوم ، فأصابوا من الطعام ، ثم خرجوا ، وبقى منهم رهط عند ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فأطالوا المكث ، فقام رسول الله عليه ~~السلام فخرج ، وخرجت معه كى يخرجوا ، فمشى رسول الله عليه السلام ومشيت معه ~~حتى دخل على زينب ، فإذا هم جلوس لم يتفرقوا ، فرجع رسول الله عليه السلام ~~ورجعت معه حتى بلغ عتبة حجرة عائشة ، فظن PageV09P019 أنهم قد خرجوا ، فرجع ~~ورجعت معه ، فإذا هم قد خرجوا ، فأنزل االحجاب ، فضرب بينى وبينه سترا . / ~~10 - وفيه : عائشة ، كان عمر يقول للنبى ، عليه السلام : احجب نساءك ، فلم ~~يفعل ، وكن نساء النبى - صلى الله عليه وسلم - يخرجن ليلا إلى ليل قبل ~~المناصع ، فخرجت سودة بنت زمعة ، وكانت امرأة طويلة ، فرآها عمر ، وهو فى ~~المجلس ، فقال : عرفتك يا سودة ، حرصا على أن ينزل الحجاب ، قالت : فأنزل ~~الله الحجاب . قال الطبرى : فى حديث عائشة فرض الحجاب على أزواج النبى عليه ~~السلام لقول عمر للنبى ( أحجب نساءك ) وقال فى حديث آخر : ( يا رسول الله ، ~~لو حجبت أمهات المؤمنين فإنه يدخل عليهن البر والفاجر . فنزلت آيه الحجاب ) ~~. قال غيره : ويدل على صحة ذلك قول الفقهاء أن إحرام المرأة فى وجهها كفيها ~~، وإجماعاعهم أن لها أن تبرز وجهها للأشهاد عليها ، ولايجوز ذلك فى أمهات ~~المؤمنين . وقد اختلف السلف فى تأويل قوله تعالى : { ولا يبدين زينتهن ms3056 إلا ~~ماظهر منها } فذهب طائفة إلى أن قوله : { إلا ماظهر منها } : الكحل والخاتم ~~وقيل : الخضاب والسوار والقرط والثياب . وقال أكثر أهل العلم : { إلا ماظهر ~~منها } الوجه والكفان ، PageV09P020 روي ذلك عن ابن عباس وابن عمر وأنس ، ~~وهو قول مكحول وعطاء والحسن . قال إسماعيل بن إسحاق : قد جاء التفسير ماذكر ~~، والظاهر والله أعلم - يدل على أنه الوجه والكفان ، لأن المرأة يجب عليها ~~أن تستر فى الصلاة كل موضع منها إلا وجهها وكفيها ، وفى ذلك دليل أن الوجه ~~والكفين يجوز للغرباء أن يروه من المرأة ، والله أعلم بما أراد من ذلك . ~~وسيأتى بقية الكلام فى حديث أنس فى باب من قام من مجلسه أو بيته ولم يستأذن ~~اصحابه وتهيأ للقيام ليقوم الناس فى هذا الجزء إن شاء الله . وقوله : ( ~~وكنت أعلم الناس بشأن الحجاب ) : أنه يجوز للعالم أن يصف ماعنده من العلم ~~لسائله عنه على وجه التعريف بما عنده منه لا على سبيل الفخر والإعجاب . # | 8 - باب : الاستئذان من أجل البصر # / 11 - فيه : سهل ، اطلع رجل من جحر فى حجر النبى - صلى الله عليه وسلم - ~~ومع النبى - صلى الله عليه وسلم - مدرى يحك به رأسه ، فقال : ( لو أعلم أنك ~~تنظر ؛ لطعنت به فى عينك ، إنما جعل الاستئذان من أجل البصر ) . / 12 - فيه ~~: أنس : أن رجلا اطلع من بعض حجر النبى - صلى الله عليه وسلم - ، فقام إليه ~~النبى - صلى الله عليه وسلم - بمشقص ، أو بمشاقص ، فكأنى أنظر إليه يختل ~~الرجل ليطعنه . PageV09P021 قال المؤلف : فى هذا الحديث تبين معنى ~~الاستئذان وأنه إنما جعل خوف النظر إلى عورة المؤمن وما لا يحل منه ، وفى ~~الموطأ عن عطاء ابن يسار : ( أن رجلا قال : يا رسول الله ، أستأذن على أمى ~~؟ قال نعم . قال : أنى معها فى البيت . قال أستأذن عليها ، أتحب أن تراها ~~عريانة ؟ قال : لا . قال : فأستأذن عليها ) . وروى عن على بن أبى طالب أنه ~~قال : لا يدخل الغلام إذا اتحتم على أمه ، ولا على اخته إلا بإذن وأصل هذا ~~الكلام فى قوله تعالى : { يا أيها الذين ms3057 آمنوا ليستأذنكم الذين ملكت ~~أيمانكم } الآية . قال أبو عبيد : فأما ذكور المماليك فعليهم الاستئذان فى ~~الأحوال كلها . وهذا الحديث مما يرد قول أهل الظاهر ، ويكشف غلطهم فى ~~إنكارهم العلل والمعانى ، وقولهم أن الحكم للأسماء خاصة ، لأنه عليه السلام ~~علل الاستئذان أنه إنما جعل من قبل البصر ، فدل ذلك على أن النبى عليه ~~السلام أوجب اشياء وحظر أشياء من أجل معان علق التحريم بها ، ومن أبى هذا ~~رد نص السنن . وقد نطق القرآن بمثل هذا كثيرا من ذلك قوله تعالى : { وجعلنا ~~فى الأرض رواسى أن تميد بهم } وقال : { وما أفأ الله على رسوله من أهل ~~القرى } إلى قوله : { كى لا يكون دوله بين الأغنياء منكم } وقال : { لئلا ~~يكون للناس على الله حجة PageV09P022 بعد الرسل } وقال تعالى : { ذلك ~~جزيناهم ببغيهم } فى مواضع كثيرة يكثر عددها ، فلا يلتفت إلى من خالف ذلك . # | 9 - باب : زنا الجوارح دون الفرج # / 13 - فيه : ابن عباس ، لم أر شيئا أشبه باللمم من قول أبى هريرة عن ~~النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( إن الله كتب على ابن آدم حظه من الزنا ، ~~أدرك ذلك لا محالة ، فزنا العين النظر ، وزنا اللسان المنطق ، والنفس تمنى ~~وتشتهى ، والفرج يصدق ذلك كله ويكذبه ) . قال المؤلف : وزنا العين : فيما ~~زاد على النظرة الأولى التى لا تملك مما يديم النظر إليه على سبيل الشره ~~والشهوة ، وكذلك زنا المنطق : فيما يلتذ به من محادثه من ال يحل له ذلك منه ~~، وزنا النفس : تمنى ذلك وتشتهيه ، فذلك كله سمى زنا ، لأنه من دواعى زنا ~~الفرج ، ودل قوله : ( إن الله كتب على ابن آدم حظه من الزنا ، وأدرك ذلك لا ~~محالة ) أن ابن آدم لا يخلص من ذلك . قال المهلب : وكل ما كتبه الله على ~~ابن آدم فهم سابق فى علم الله لابد أن يدركه المكتوب عليه ، وإن الإنسان ~~لايملك دفع عن نفسه غير أن الله تعالى تفضل على عباده وجعل ذلك لمما وصغائر ~~لايطالب بها عباده إذا لم يكن للفرج تصديق لها ، فإذا صدقها الفرج كان ms3058 ذلك ~~من الكبائر ، رفقا من الله بعباده ، ورحمة لهم ، لما جبلهم عليه من ضعف ~~الخلقة ، ولو آخذ عباده باللمم أو ما PageV09P023 دونه من حديث النفس لكان ~~ذلك عدلا منه فى عباده وحكمة ، لا يسأل عما يفعل وله الحجة البالغة ، لكن ~~قبل منهم اليسير وعفا لهم عن الكثير تفضلا منه وإحسانا . وقوله : ( لا ~~محالة ) يعنى : لا حيلة له فى التخلص من إدراك ما كتب عليه . # | 10 باب : التسليم والاستئذان ثلاثا # / 14 - فيه : أنس ، كان النبى - صلى الله عليه وسلم - إذا سلم سلم ثلاثا ~~، وإذا تكلم بكلمة أعادها ثلاثا . / 15 - وفيه : أبو سعيد الخدرى قال : كنت ~~فى مجلس من مجالس الأنصار إذ جاء أبو موسى كأنه مذعور ، فقال : أستأذنت على ~~عمر ثلاثا ، فلم يؤذن لى فرجعت ، قال : مامنعك ؟ قلت : استأذنت ثلاثا ، فلم ~~يؤذن فرجعت ، وقال رسول الله : ( إذا استأذن أحدكم ثلاثا ، فلم يؤذن له ~~فليرجع ) ، فقال : والله لتقيمن عليه بينه ، أمنكم أحد سمعه من النبى - ~~عليه السلام ؟ قال أبى بن كعب : والله لا يقوم معك إلا أصغر القوم ، قال ~~أبو سعيد : فكنت أصغر القوم فقمت معه ، فأخبرت عمر أن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - قال ذلك . قال المهلب : أما تسليمه صلى الله عليه ثلاثا وكلامه ~~ثلاثا فهو ليبالغ فى الافهام والاسماع ، وقد أورد الله ذلك فى القرآن فكرر ~~القصص والاخبار والأوامر ليفهم عباده ، وليتدبر السامع فى المرة الثانية ~~والثالثة مالم يتدبر فى الأولى ، وليرسخ ذلك فى قلوبهم . والحفظ إنما هو ~~تكرر الدراسة للشىء المرة الواحدة ، وقول أنس : أنه كان إذا تكلم ~~PageV09P024 بكلمة أعادها ثلاثا . يريد فى أكثر أمره ، وأخرج الحديث مخرج ~~العموم ، والمراد به الخصوص . قال غيره : واختلف العلماء فى تأويل قوله : ( ~~الاستئذان ثلاثا ) فقالت طائفة : معنى قوله : فإن أذن له وإلا فليرجع ان ~~شاء ، فإن شاء زاد على الثلاث لا أنه واجب عليه أن يرجع . قال ابن نافع : ~~لا بأس أن عرفت أحدا أن تدعوه أن يخرج اليك وتنادى به مابدا لك . وروى ابن ~~وهب عن مالك قال : الاستئذان ثلاثا ms3059 ، لاحب لأحد أن يزيد عليها إلا من علم ~~أنه لم يسمع ، فلا بأس أن يزيد . وظاهر حديث أبى موسى يرد هذا القول ، لأن ~~أبا موسى حمل الحديث على أنه لايزاد على ثلاث مرات ، ودل أنه على ذلك تلقى ~~معناه من النبى عليه السلام ولو كان عند أبى موسى أنه يجوز الزيادة على ~~الثلاث فى الاستئذان لم يكن مخالفا لمذهب عمر ابن الخطاب ، ولم يحتج أبو ~~موسى أن ينزع بقوله عليه الساسلام : ( الاستئذان ثلاثا ) حين أنكر عليه عمر ~~ترك الزيادة الزيادة على الثلاث . وقد زعم قوم من أهل البدع أن مذهب عمر رد ~~قبول خبر الواحد العدل ، وهذا خطأ فى التأويل وجهل بمذهب عمر وغيره من ~~السلف . وقد جاء فى بعض طرق هذا الحديث أن عمر قال لأبى موسى : ( أما انى ~~لم أتهمك ، ولكنى أردت ألا يتجرأ الناس على الحديث عن رسول الله ) . ~~PageV09P025 ففيه من الفقه التثبيت فى خبر لما يجوز عليه من السهو وغيره ، ~~وحكم عمر بخبر الواحد أشهر من أن يخفى ، وقد قبل خبر الضحاك ابن سفيان وحده ~~فى ميراث المرأة من ديه زوجها ، وقبل خبر حمل بن مالك الهذلى الاعرابى فى ~~أن ديه الجنين غره عبد أو أمه ، وقبل خبر عبد الرحمن بن عوف فى الجزية وفى ~~الطاعون ، ولا يشك ذو لب أن أبا موسى أشهر فى العدالة من الاعرابى الهذلى . ~~وقد قال فى حديث السقيفة : إنى قائل مقالة فمن حفظها ووعاها فليتحدث بها ، ~~فكيف يأمر من سمع قوله أن يحدث به ، وينهى عن الحديث عن رسول الله ولا يقبل ~~خبر الواحد ؟ ! هذا لايقوله إلا معاندا وجاهل . وفيه : أن العالم المستبحر ~~قد يخفى عليه من العلم مايعلمه من هو دونه ، وإلاحاطة لله وحده . # | 11 - باب : إذا دعى الرجل فجاء هل يستأذن # وقال سعيد : عن قتادة ، عن أبى رافع ، عن أبى هريرة ، عن النبى - صلى ~~الله عليه وسلم - قال : ( هو إذنه ) . / 16 - وفيه : مجاهد ، عن أبى هريرة ~~، دخلت مع النبى - صلى الله عليه وسلم - فوجد لبنا فى قدح ، فقال ms3060 : ( أبا ~~هر ، الحق أهل الصفة ، فادعهم إلى ) قال : فأتيتهم ، فدعوتهم ، فأقبلوا ~~فاستأذنوا ، فأذن لهم فدخلوا . قال المهلب : إذا دعى وأتى مجيبا للدعوة ، ~~ولم تتراخ PageV09P026 المدة فهذا دعاؤه إذنه فأتى فى غير حين الدعاء فأنه ~~يستأذن وكذلك إذا دعى إلى موضع لم يعلم أن به أحدا مأذونا له فى الدخول أنه ~~لايدخل حتى يستأذن ، فإن كان فيه أحد مأذونا له مدعوا قبله فلا بأس أن يدخل ~~بالدعوة ، وان تراخت الدعوة وكان بين ذلك زمن يمكن الداعى أن يخلو فى أمره ~~أو يتعدى لبعض شأنه ، أو يتصرف أهل داره فلا يفتئت بالدعوة على الدخول حتى ~~يستأذن كحديث مجاهد عن أبى هريرة ، هذا وجه تأويل الحديثين ، والله أعلم . # | 12 - باب : التسليم على الصبيان # / 17 - فيه : أنس ، أنه مر على صبيان ، فسلم عليهم ، وقال : كان النبى - ~~صلى الله عليه وسلم - يفعله . قال المؤلف : سلام النبى - صلى الله عليه ~~وسلم - على الصبيان من خلفه العظيم ، وأدبه الشريف وتواضعه عليه السلام ، ~~وفيه تدريب لهم على تعليم السنن ، ورياضة لهم على آدابه الشريعة ليبلغوا حد ~~التكليف وهم متأدبون بأدب الإسلام ، وقد كان عليه السلام يمازح الصبيان ~~ويداعبهم ليقتدى به فى ذلك ، فما فعل شيئا وان صغير إلا ليسن لأمته ~~الاقتداء به ، والاقتداء لأثره ، وفى ممازحته للصبيان تذليل النفس على ~~التواضع ونفى التكبر عنها . PageV09P027 # | 13 - باب : تسليم الرجال على النساء والنساء على الرجال # / 18 - فيه : سهل ، قال : كنا نفرح يوم الجمعة ، [ قلت : ولم ؟ قال ] : ~~كانت لنا عجوز ترسل إلى بضاعة - قال ابن مسلمة : نخل بالمدينة - فتأخذ من ~~أصول السلق ، فتطرحه فى قدر ، وتكركر حبات من شعير ، فإذا صلينا الجمعة ~~انصرفنا ، نسلم عليها ، فتقدمه لنا ، فنفرح من أجله ، وما كنا نقيل ، ولا ~~نتغدى إلا بعد الجمعة . / 19 - وفيه : عائشة ، قال النبى - صلى الله عليه ~~وسلم - : ( يا عائشة ، هذا جبريل يقرأ عليك السلام ) ، قالت : قلت : وعليه ~~السلام ورحمة الله ، ترى ما لا نرى ، تريد رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- . تابعه معمر ، وقال يونس ، والنعمان ، عن الزهرى : ) وبركاته ) . قال ~~المهلب ms3061 : السلام على النساء جائز إلا على الشابات منهم فإنه يخشى أن يكون ~~فى مكالمتهن بذلك خائنة أعين أو نزعه شيطان ، وفى ردهن من الفتنة مما خيف ~~من ذلك أن يكون ذريعة يوقف عنه ، إذ ليس ابتداؤه فريضة ، وإنما الفريضة منه ~~الرد ، وأما المتجالات والعجائز فهو حسن ، إذ ليس فيه خوف ذريعة ، هذا قول ~~قتادة ، واليه ذهب مالك وطائفة من العلماء . وقال الكوفيون : لا يسلم ~~الرجال على النساء إذا لم يكن منهن ذوات محارم . وقالوا : لما سقط عن ~~النساء الأذان والاقامة والجهر بالقراءة فى الصلاة سقط عنهن رد السلام ، ~~فلا يسلم عليهن . وقال ابن وهب : بلغنى عن ربيعة أنه قال : ليس على النساء ~~التسليم على الرجال ، ولا على الرجال التسليم على النساء ، وحجة ~~PageV09P028 مالك ومن وافقه حديث سهل أنهم كانوا يسلمون على العجوز يوم ~~الجمعة مع النبى عليه السلام ولم تكن ذات محرم منهم ، وأيضا حديث عائشة أن ~~النبى بلغها سلام جبريل ، وفى ذلك أعظم الأسوة والحجة . وقال صاحب الأفعال ~~: الكركرة : تصريف الرياح السحاب إذا جمعته بعد تفرق ، وتكركر السحاب إذا ~~تراد فى الهواء . # | 14 - باب : إذا قال من ذا فقال أنا # / 20 - فيه : جابر ، أتيت النبى - صلى الله عليه وسلم - فى دين كان على ~~أبى ، فدفعت الباب ، فقال : ( من ذا ) ؟ فقلت : أنا ، فقال : ( أنا ، أنا ) ~~، كأنه كرهها . قال المهلب : إنما كره عليه السلام قول جابر : لأنه ليس فى ~~ذلك بيان إلا عند من يعرف الصوت ، وأما عند من يمكن أن يشتبه عليه فهو من ~~التعنيت ، فلذلك كرهه ، وقد قال بعض الناس : ينبغى أن يكون لفظ الاستئذان ~~بالسلام ، وزعم أن النبى إنما كره قول جابر : لأنه لم يستأذن عليه بلفظ ~~السلام . وفيه : جواز ضرب باب الحاكم واخراجه من داره لبعض مايعزى إليه و ~~يبين هذا قصهة كعب بن مالك ، وابن أبى حدرد ، وليس كما قال بعض الناس أنه ~~لا يعرض للحكم إلا عند جلوسه . PageV09P029 # | 15 - باب : من رد فقال عليك السلام # وقالت عائشة : وعليه السلام ورحمة الله وبركاته . وقال النبى - صلى ms3062 الله ~~عليه وسلم - : ( رد الملائكة على آدم : السلام عليك ورحمة الله ) . / 21 - ~~فيه : أبو هريرة ، أن رجلا دخل المسجد ، فصلى ، ثم جاء فسلم عليه ، فقال له ~~النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( وعليك السلام ، ارجع فصل . . . ) الحديث ~~. اختلفت الأثار فى هذا الباب فروى أن النبى عليه السلام قال فى رد السلام ~~: عليك السلام ، وقال فى رد اللائكة على آدم : السلام عليك ، وفى كتاب الله ~~تعالى تقديم السلام على اسم المسلم عليه ، وهو قوله تعالى : { سلام على إل ~~ياسين } و { سلام على موسى وهارون } وقال فى قصة إبراهيم : { رحمة الله ~~وبركاتة عليكم أهل البيت } وقد جاء حديث رواه أبو عفان عن أبى تميمة ~~الهجيمى ، عن أبى دريد - أو أبى جرى - : ( أن رجلا قال للنبى - صلى الله ~~عليه وسلم - : عليك السلام يا رسول الله . فقال له : لاتقل عليك السلام فهى ~~تحية الموتى ، قل : السلام عليك ) وهذا الحديث لايثبت ، وقد صح الوجهان عن ~~النبى عليه السلام إلا أنه جرت عادة العرب بتقديم اسم المدعو عليه فى الشر ~~خاصة كقولهم : عليه لعنة الله وغضب الله ، قال تعالى : { وأن عليك لعنتى ~~إلى يوم الدين } وقال فى المتلاعنين { والخامسة أن لعنة الله عليه إن كان ~~من الكاذبين } وفى لعان المرأة : { والخامسة أن غضب الله عليها إن كان من ~~الصادقين } PageV09P030 وروى يحيى بن أبى كثير ، عن أبى سلمه ، عن أبى ~~هريرة أن رسول الله قال : ( السلام من أسماء الله ، فأفشوه بينكم ) فإذا صح ~~هذا الحدديث ، فالاختيار فى التسليم والأدب فيه تقديم اسم الله تعالى على ~~اسم المخلوق . فإن فعل فاعل غير ذلك وقدم اسم المسم عليه على اسم الله ~~تعالى فلم يأت محرما ، ولا حرج عليه لثبوت ذلك عن النبى - عليه السلام . ~~وأما قوله عليه السلام : ( عليك السلام تحية الموتى ) فقد ثبت عن النبى أنه ~~قال فى سلامه على القبور : ( السلام عليكم دار قوم مؤمنين وحياهم بتحية ~~الأحياء ) ، وقال ابن أبى زيد : يقول السلام عليكم ، فيقول الراد : وعليكم ~~السلام ، أو يقول : سلام عليكم كما قيل له ، وهو معنى ms3063 قوله تعالى : { أو ~~ردوها } وأكثر ما ينتهى السلام إلى البركة ، وهو معنى قوله تعالى : { فحيوا ~~بأحسن منها } ولا تقل فى ردك : سلام عليك . # | 16 - باب : إذا قال فلان يقرئك السلام # / 22 - فيه : عائشة ، أن النبى - صلى الله عليه وسلم - قال لها : ( إن ~~جبريل يقرئك السلام ) ، قالت : وعليه السلام ورحمة الله . هذا حجة فى أن من ~~بلغ إليه سلام غائب عنه أن يرد عليه السلام كما يرد على الحاضر ، وروى أيوب ~~، عن أبى قلابة : ( أن رجلا أتى سلمات الفارسى فقال له : إن أبا الدرداء ~~يقول : عليك السلام . PageV09P031 قال : متى ؟ قال : منذ ثلاث ، قال : أما ~~أنك لو لم تؤدها كانت أمانة عندك ) . # | 17 - باب : التسليم فى مجلس فيه أخلاط من المسلمين والمشركين # / 23 - فيه : أسامة بن زيد ، أن النبى - صلى الله عليه وسلم - ركب حمارا ~~عليه إكاف تحته قطيفة فدكية ، وأردف أسامة وراءه ، وهو يعود سعد بن عبادة ، ~~حتى مر فى مجلس فيه أخلاط من المسلمين والمشركين عبدة الأوثان واليهود ، ~~وفيهم عبدالله بن أبى بن سلول ، وفى المجلس عبدالله بن رواحة ، فلما غشيت ~~المجلس عجاجة الدابة ، خمر عبدالله بن أبى أنفه بردائه ، ثم قال : لا ~~تغبروا علينا ، فسلم عليهم النبى - صلى الله عليه وسلم - ، ثم نزل فدعاهم ~~إلى الله ، وقرأ عليهم القرآن . . . الحديث . قال الطبرى : فى هذا الحديث ~~الابانة أنه لاحرج على المرء فى جلوسه مع قوم فيهم منافق أو كافر ، وفى ~~تسليمه عليهم إذا انتهى اليهم بالجلوس ، وذلك أن النبى سلم على القوم الذين ~~فيهم عبد الله بن أبى ، ولم يمتنع من ذلك لمكان عبد الله مع نفاقه وعدواته ~~للإسلام وأهله ، إذ كان فيهم من أهل الإيمان جماعة . وقد روى عن الحسن ~~البصرى أنه قال : إذا مررت بمجلس فيه مسلمون وكفار فسلم عليهم . وذلك خلاف ~~ما يقول بعض الناس أن التسليم غير جائز على من كان عن سبيل الحق منحرفا ، ~~إما لبدعه أو ضلاله من الأهواء الرديئة ، أو لملة من ملل الكفار دان بها ، ~~وتكليمه PageV09P032 غير سائغ وذلك أنه لا ضلالة ms3064 أشنع ولابدعة أخبث ولا كفر ~~ارجس من النفاق ، ولم يكن فى نفاق عبد الله بن أبى يوم هذه القصة شك . وإن ~~قيل : إن رسول الله إنما سلم عليه يومئذ ونزل إليه ليدعوه إلى الله وذلك ~~فرض عليه . قيل : لم يكن نزوله عليه السلام ليدعوه ، لأنه قد كان تقدم ~~الدعاء منه لعبد الله بن الله بن أبى ولجماعة المنافقين فى أول الإسلام ، ~~فكيف يدعى إلى ما يظهره ؟ ! وإنما نزل عليه السلام هناك استئلافا لهم ورفقا ~~بهم ، رجاء فى رجوعهم إلى الحق . قال المهلب : وقد كان عليه السلام يستألف ~~بالمال ، فضلا عن التحية والكلمة الطيبة ، ومن استئلافة أنه كناه عند سعد ~~بن عبادة ، فقال له سعد : اعف عنه واصفح . أيلا تناصبه العداوة ، كل هذا ~~رجاء أن يراجع الإسلام ، وقد أجاز ما لك تكنية اليهودى والنصرانى . قال ~~الطبرى : وقد روى عن السلف أنهم كانوا يسلمون على أهل الكتاب ، روى جرير ، ~~عن منصور ، عن إبراهيم ، عن علقمة قال : كنت ردفا لابن مسعود فصحبنا دهقان ~~من القنطرة إلى زرارة ، فانشقت له طريق فأخذ فيه ، فقال عبد الله : أين ~~الرجل ؟ فقلت : أخذ فى طريقه ، فأتبعه بصره ، وقال : السلام عليكم . فقلت ~~ياأبا عبد الرحمن : أليس يكره أن يبدءوا بالسلام ؟ قال : نعم ، ولكن حق ~~الصحبة . وقال إبراهيم : إذا كانت لك إلى يهودى حاجة فابدأه بالسلام . وكان ~~أبو أمامه إذا أنصرف إلى بيته لايمر بمسلم ولا نصرانى PageV09P033 ولا صغير ~~ولا كبير إلا سلم عليه ، فقيل له فى ذلك ، فقال : أمرنا أن نفشى السلام . ~~وقال كريب : كتب ابن عباس إلى يهودى جربا فسلم عليه ، فقال له كريب : سلمت ~~عليه ! فقال : ان الله هو السلام . وكان ابن محيريز يمر على السامرة فيسلم ~~عليهم . وقال قتادة : إذا دخلت بيوت أهل الكتاب فقل : السلام على من أتبه ~~الهدى . وسئل الأوزاعى عن مسلم مربكافر فسلم عليه ، فقال إن سلمت فقد سلم ~~الصالحون ، وإن تركت فقد ترك الصالحون . فإن قال قائل : فما أنت قائل فيما ~~رواه شعبة وسفيان عن سهيل بن أبى صالح ، عن أبيه ms3065 ، عن أبى هريرة قال : قال ~~رسول الله : ( لاتبدءوا النصارى واليهود بالسلام ، وإذا لقيتموهم فى الطريق ~~فضطروهم إلى أضيقة ) ؟ قيل : كل الخبرين صحيح ، وليس فى أحدهما خلاف للآخر ~~وإنما فى حديث أسامة معنى خبر أبى هريرة ، وذلك أن خبر أبى هريرة مخرجة ~~العموم ، وخبر أسامة مبين أن معناه الخصوص ، وذلك أن فيه أن النبى عليه ~~السلام لما رأى عبد الله بن أبى جالسا وحوله رجال من قومه تذمم أن يجاوزه ، ~~فنزل فسلم فجلس ، فكان نزوله إليه قضاء ذمام . وهو نظير ما ذكر علقمة عن ~~عبد الله فى تسليمه على الدهقان الذى صحبه فى طريق الكوفة فقال : أنه صحبنا ~~وللصحبة حق ، وكما قال النخعى : إذا كانت لك إلى يهودى حاجة أو نصرانى ~~فابدأه PageV09P034 بالسلام . فبان بخبر أسامة أن قوله عليه السلام فى خبر ~~أبى هريرة : ( لاتبدءوهم بالسلام ) إنما هو لا تبدءهم لغير سبب يدعوكم إلى ~~أن تبدءهم : من قضاء ذمام أو حاجة تعرض لكم قبلهم ، أو حق صحبة فى جواز أو ~~سفر . قال المهلب : وفيه عيادة المريض على بعد والركوب إليه . وفيه : ركوب ~~الحمر لأشراف الناس والارتداف . وقوله : خمر عبد الله أنفه يعنى غطاه ، وكل ~~مغطى عند العرب فهو مخمر ، ومنه قوله عليه السلام للرجل فى إناء : ( ألا ~~خمرته ولو بعود تعرضه عليه ) . والبحرة : القرية ، وكل قرية لها نهر ماء ~~جار أو نافع ، فإن العرب تسميها بحرا . وقد قيل فى قوله تعالى : { ظهر ~~الفساد فى البر والبحر } أنه عنى بالبحر الأمصار التى فيها أنهار ماء ، ~~والعرب تقول : هذه بحرتنا ، أى : بلدتنا ، وقال ابن ميادة : كان بقاياه ~~ببحر ملك نقيه سحق من رداء مخبر وقوله : يعصبوه أى : يسودوه ، والسيد ~~المطاع يقال له : المعصب ، لأنه يعصب الأمر براسه . والتاج عندهم للملك ، ~~والعصابة للسيد المطاع . وقوله : شرق بذلك ، أى غص به ، يقال : غص الرجل ~~بالطعام وشرق بالماء وسجى بالعظم . PageV09P035 # | 18 - باب : من لم يسلم على من اقترف ذنبا ولم يرد سلامة حتى تتبين ) ~~توبته وإلى متى تتبين ) توبة العاصى وقال عبدالله بن عمرو : لا تسلموا ms3066 على ~~شربة الخمر . # / 24 - فيه : كعب ، حين تخلف عن غزوة تبوك ، ونهى النبى - صلى الله عليه ~~وسلم - عن كلامنا ، وآتى النبى - صلى الله عليه وسلم - فأسلم عليه ، فأقول ~~فى نفسى : هل حرك شفتيه برد السلام أم لا ؟ حتى كملت خمسون ليلة ، وآذن ~~النبى - صلى الله عليه وسلم - بتوبة الله علينا حين صلى الفجر . قال المهلب ~~: ترك السلام على أهل المعاصى بمعنى التأديب لهم سنة ماضية بحديث كعب بن ~~مالك وأصحابه : الثلاثة الذين خلفوا ، وبذلك قال كثير من أهل العلم فى أهل ~~البدع : لا يسلم عليهم ، أدبا لهم . وقد روى عن على بن أبى طالب أنه قال : ~~لاتسلموا على مدمن الخمر ولا على الملتهى بأبويه . ذكره الطبرى . وكذلك كان ~~فى قطع الكلام عن كعب بن مالك وصاحبه حين تخلفوا عن رسول الله ، وإظهار ~~الموجدة عليهم أبلغ فى الأدب لهم ، والإعراب أدب بالغ ، ألا ترى قوله تعالى ~~: { واللاتى تخافون نشوزهن فعظوهن واهجرهن فى المضاجع } . وقوله : وإلى متى ~~تتبين توبة العاصى ليس فى ذلك حد محدودة ، ولكن معناه أنه لاتتبين توبته من ~~ساعته ولا ساعته ولايومه حتى يمر عليه ما يدل على ذلك . PageV09P036 روى ~~ابن وهب بإسناد أن يزيد بن أبى حبيب قال : لو مررت على قوم يلعبون بالشطرنج ~~ما سلمت عليهم . وكان سعيد بن جبير إذا مر على أصحاب النرد لم يسلم عليهم . ~~ورخص مالك فى السلام على من لم يدمن اللعب بها ، وإنما يلعب به المرة بعد ~~المرة . # | 19 - باب : كيف رد السلام على أهل الذمة # / 25 - فيه : عائشة ، دخل رهط من اليهود على النبى - صلى الله عليه وسلم ~~- ، فقالوا : السام عليك ، ففهمتها ، فقلت : عليكم السام واللعنة ، فقال ~~عليه السلام : ( مهلا يا عائشة ، فإن الله يحب الرفق فى الأمر كله ) ، فقلت ~~: يا رسول الله ، أولم تسمع ما قالوا ؟ قال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ~~( فقد قلت وعليكم ) . / 26 - وفيه : ابن عمر ، وأنس ، أن النبى - صلى الله ~~عليه وسلم - قال : ( إذا سلم عليكم - قال ابن عمر : اليهود ، وقال أنس : ~~أهل الكتاب - فقالوا ms3067 : وعليك ) . لابن عمر ولأنس : وعليكم . السام : فسره ~~أبو عبيد قال : هو الموت . قال الخطابى : وتأوله قتادة على خلاف ذلك ، وروى ~~عبد الوارث ، عن سعيد بن أبى عروبة قال : كان قتادة يفسر السام عليكم : ~~تسأمون دينكم ، وهو مصدر من سئمته سآمه وسآمه مثل : رضعة رضاعة ورضاعا ~~ولذذته لذاذة . PageV09P037 ووجدت هذا الذى فسره قتادة روى عن النبى عليه ~~السلام ذكر بقى بن مخلد فى التفسير عن سعيد ، عن قتادة ، عن أنس ( أن النبى ~~عليه السلام بينا هو جالس مع أصحابه ، إذ أتى يهودى فسلم عليهم فردوا عليه ~~، فقال عليه السلام : هل تدرون ما قال ؟ قالوا : سلم يا رسول الله . قال : ~~سام عليكم ، أى تسأمون دينكم ) . قال أبو سليمان : ورواية ( عليكم ) بغير ~~وار أحسن من رواية الواو ، لأن معناه بغير واو : رددت ما قلتموه عليكم ، ~~وإذا أدخلت الواو صار المعنى على وعليكم ، لأن الواو حرف التشريك . واختلف ~~العلماء فى رد السلام على أهل الذمة فقالت طائفة : رد السلام فريضة على ~~المؤمنين والكفار ، قالوا : وهذا تأويل قوله السلام فريضة على المؤمنين ~~والكفار ، قالوا : وهذا تأويل قوله تعالى : { فحيوا بأحسن منها أو ردوها } ~~قال ابن عباس وقتادة وغيره : هى عامة فى رد السلام على المؤمنين والكفار . ~~قال وقوله تعالى : { أو ردوها } يقول : وعليكم للكفار . قال ابن عباس : ومن ~~سلم عليك من خلق الله فاردد عليه ، ولو كان مجوسيا . وروى ابن وهب ، عن ~~مالك : لاترد على اليهودى والنصرانى ، فإن رددت فقل : عليك . وروى ابن عبد ~~الحكم ، عن مالك أنه يجوز تكنية اليهودى والنصرانى وعيادته ، وهذا أكثر من ~~رد السلام . وروى يحى عن مالك أنه سئل عمن سلم على يهودى أو نصرانى هل ~~يستقليه ذلك ؟ قال : لا . PageV09P038 وقال ابن وهب : سلم على اليهودى ~~والنصرانى ، وتلا قوله تعالى : { وقولوا للناس حسنا } . وقالت طائفة : لا ~~يرد السلام على أهل الذمة ، وقوله تعالى : { فحيوا بأحسن منها أو ردوها } ~~فى أهل الإسلام خاصة . عن عطاء . ورد عليه السلام على اليهود : ( وعليكم ) ~~حجة لمن رأى الرد على أهل الذمة ، فسقط قول عطاء ms3068 . قال المهلب : وفى الحديث ~~من الفقه جواز انخداع الرجل الشريف لمكايد أو عاص ، ومقارضته من حيث لايشعر ~~إذا رجا رجوعه وتوبته . وفيه : الانتصار للسلطاء ، ووجوب ذلك على حاشيته ~~وحشمه . ؟ # | 20 - باب : من نظر فى كتاب من يحذر على المسلمين ليستبين أمره # / 27 - فيه : على ، بعثنى النبى ، عليه السلام ، والزبير بن العوام وأبا ~~مرثد ، وكلنا فارس ، إلى روضة خاخ ، فإن بها امرأة من المشركين ، معها ~~صحيفة من حاطب ابن أبى بلتعة ، فأدركناها تسير على جمل لها ، فقلنا لها : ~~أين الكتاب الذى معك ؟ قالت : ما معى كتاب ، فأنخنا بها ، فابتغينا فى ~~رحلها ، فما وجدنا شيئا ، فقال صاحباى : ما نرى كتابا ، فقلت : لقد علمت ما ~~كذب النبى - صلى الله عليه وسلم - ، والذى يحلف به لتخرجن الكتاب أو ~~لأجردنك ، قال : فلما رأت االجد منى ، أهوت بيدها إلى حجزتها - وهى محتجزة ~~بكساء - فأخرجت الكتاب ، قال : فانطلقنا به إلى النبى - صلى الله عليه وسلم ~~- ، فقال : ( ما حملك يا حاطب على ما صنعت ) ؟ قال : ما بى إلا أن أكون ~~مؤمنا بالله ورسوله ، وما PageV09P039 غيرت ، ولا بدلت ، أردت أن تكون لى ~~عند القوم يد يدفع الله بها عن أهلى ومالى ، وليس من أصحابك هناك إلا وله ~~من يدفع الله به عن أهله وماله ، قال : ( صدق ، فلا تقولوا له إلا خيرا ) . ~~. . الحديث . . . فقال : ( اعملوا ما شئتم ، فقد وجبت لكم الجنة ) ، قال : ~~فدمعت عينا عمر ، وقال : الله ورسوله أعلم . قال المهلب : فيه : هتك ستر ~~المذنب وكشف المأة العاصية وأن الحديث الذى روى أنه لا يجوز النظر فى كتاب ~~أحد ، وأن ذلك حرام وماجاء من التغليظ فيه ، فإن ذلك لمن يظن به كتابه إلا ~~الخير ، فإن كان متهما على المسلمين فلا حرمه لكتابه ولا له . ألا ترى أن ~~المرأة لا يجوز النظر إليها عريانة لغير ذى محرم منها لأنها عورة ، وقد ~~أراد على تجريدها لو لم تخرج الكتاب وأقسم أن لم تخرجه ليجردها ، فحرمه ~~المرأة أكثر من حرمة الكتاب ، وقد سقطت عند خيانتها فكذلك حرمة الكتاب . ~~وفيه : دليل أنه لابأس بالنظر ms3069 إلى عورة المرأة عند الأمر ينزل فلا يجد من ~~النظر إليها بدا ، ويشهد لصحة ذلك ما رواه مالك ، عن سهيل ابن أبى صالح ، ~~عن أبيه ، عن أبى هريرة : ( أن سعد بن عبادة قال : يا رسول الله ، أرأيت ان ~~وجدت مع أمرأتى رجلا أمهله حتى أتى بأربعة شهداء فقال رسول الله : نعم ) . ~~قال الطبرى : ولو كان الشهداء الأربعة إذا حضروا لم يجز لهم النظر إلى ~~فروجهما ، لم يكن حضورهم وغيبتهم إلا سواء ، لأن الشهادة على الزنا لاتصح ~~إلا أن يشهد الشهود أنهم رأوا ذلك منهما كالميل فى المكحلة . PageV09P040 ~~وقد تقدم بعض معانى هذه الحديث فى باب الجاسوس فى كتاب الجهاد وفى باب ~~المتأولين فى آخر الديات ، فأغنى عن إعادته . # | 21 - باب : كيف يكتب إلى أهل الكتاب # / 28 - فيه : ابن عباس ، أن أبا سفيان أخبره ، أن هرقل أرسل إليه فى نفر ~~من قريش - وكانوا تجارا . . . الحديث ، ثم دعا بكتاب رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - ، فقرئ ، فإذا فيه : ( بسم الله الرحمن الرحيم من محمد عبد ~~الله ورسوله إلى هرقل عظيم الروم ، السلام على من اتبع الهدى ، أما بعد ) . ~~يكتب إلى أهل الكتاب : بسم الله الرحمن الرحيم ، ويقدم الكاتب اسمه فى ~~كتابه كما يفعل إذا كتب إلى مسلم ، وفى هذا الحديث حجة لمن أجاز أن يبدأ ~~أهل الكتاب بالسلام عند الحاجة تكون اليهم لأن النبى إنما كتب إلى هرقل ~~يدعوه إلى الإسلام . # | 22 - باب : فيمن يبدأ فى الكتاب # / 29 - فيه : أبو هريرة ، عن النبى - صلى الله عليه وسلم - ( أنه ذكر ~~رجلا من بنى إسرائيل ، أخذ نقر خشبة ، فأدخل فيها ألف دينار وصحيفة منه إلى ~~صاحبه ، وكتب إليه : من فلان إلى فلان ) . قال المهلب : السنة أن يبدأ صاحب ~~الكتاب بذكر نفسه فكذلك هى فى جميع الأشياء ، ألا ترى أنه قد جاء فى الحديث ~~: صاحب الدابة أولى لمقدمها ) . PageV09P041 وروى معمر ، عن أيوب قال : ( ~~قرأت كتابا : من العلاء بن الحضرمى إلى محمد رسول الله ) . وقال الشعبى : ( ~~كتب أبو عبيدة بن الجراح ومعاذ بن جبل : من أبى ms3070 عبيدة ومعاذ لعبد الله عمر ~~أمير المؤمنين ) وقال نافع : كان عمال عمر إذا كتبوا إليه بدءوا بأنفسهم . ~~وقال معمر ، عن أيوب ، عن نافع : كان ابن عمر أمر غلمانه إذا كتبوا إليه أن ~~يبدءوا بأنفسهم ، وإلا لم يرد اليهم جوابا . وأجاز قوم أن يبدأ باسم غيره ~~قبله ، قال معمر : وكان أيوب ربما بدأ باسم الرجل قبله إذا كتب إليه . وروى ~~أشهب : سئل مالك عن الذى يبدأ فى الكتاب بأصغر منه ولعله ليس بأفضل منه ، ~~قال : لابأس بذلك ، أرأيت لو أوسع له فى المجلس إذا جاء إعظاما له ؟ وقال : ~~إن أهل العراق يقولون : لاتبدأ بأحد قبلك ، وإن كان أباك أو أكبر منك . ~~يعيب ذلك من قولهم . # | 23 - باب : قول النبى عليه السلام قوموا إلى سيدكم # / 30 - فيه : أبو سعيد ، أن أهل قريظة نزلوا على حكم سعد ، فأرسل النبى - ~~صلى الله عليه وسلم - إليه فجاء ، فقال : ( قوموا إلى سيدكم - أو قال : ~~خيركم ) - فقعد عند النبى - صلى الله عليه وسلم - ، فقال النبى : ( هؤلاء ~~نزلوا على حكمك ) ، قال : فإنى أحكم أن تقتل مقاتلتهم ، وتسبى ذراريهم ، ~~فقال : ( لقد حكمت بما حكم به الملك ) . PageV09P042 قال المهلب : فيه أمر ~~السلطان والحاكم بإكرام السيد من المسلمين ، وجواز إكرام أهل الفضل فى مجلس ~~السلطان الأكبر ، والقيام فيه لغيره من أصحابه ، وإلزام الناس كافة للقيام ~~إلى سيدهم . قال الطبرى : فإن قال قائل : قد عارض حديث أبى سعيد ما روى ~~مسعر ، عن أبيالعديس ، عن أبى مرزوق ، عن أبى غالب ، عن أبى أمامه قال : ( ~~خرج علينا علينا النبى متوكئا على عصاه فقمنا له ، فقال : لاتقوموا كما ~~يقوم الاعاجم بعضهم لبعض ) . قال الطبرى : وحديث أبى أمامة لا يجوز ~~الاحتجاج به فى الدين وذلك أن أبا العديس وأبا مرزوق غير معروفين ، مع ~~اضطراب من ناقليه فى سنده ، فمن قائل فيه عن أبى العديس ، عن أبى أمامة . ~~فإن ظن ظان أن حديث عبد الله بن بريده أن أباه دخل على معاوية فأخبرة أن ~~النبى عليه السلام قال : ( من أحب أن يتمثل له الرجال قياما وجبت له ms3071 النار ~~) حجة لمن أنكر القيام للسادة ، فقد ظن غير الصواب ، وذلك أن هذا الخبر ~~إنما ينبىء عن نهى رسول الله للذى يقام له السرور بما يفعل له من ذلك لا عن ~~نهيه القائم عن القيام ، وقد روى حماد بن زيد ، عن ابن عون قال : كان ~~المهلب بن أبى صفرة يمر بنا ونحن غلمان فى الكتاب فنقوم يوقوم الناس سماطين ~~. وقال ابن قتيبه : معنى حديث معاوية وبريدة من أراد أن يقوم الرجال على ~~رأسه كما يقام بين يدى الملوك والأمراء ، وليس قيام الرجل لأخيه إذا سلم ~~عليه من هذا فى شىء ، لقوله : ( من سره أن يقوم له الرجال صفوفنا والصافن : ~~هو الذى أطال القيام PageV09P043 فاحتاج لطول قيامه أن يرفع احدى رجليه ~~ليستريح ، وكذلك الصافن من الدواب . وروى النسائى : حديثنا زكريا بن يحى ، ~~حدثنى اسحاق ، عن النضر بن شميل ، حديثنا إسرائيل ، عن ميسرة بن حبيب ، عن ~~المنهال قال : حدثتنى عائشة بنت طلحة ، عن عائشة أم المؤمنين قالت : ( كان ~~رسول الله إذا رأى فاطمة ابنته قد أقبلت رحب بها ، ثم قام إليها فقبلها ، ~~ثم أخذ بيدها حتى يجلسها فى مكانه ) . # | 24 - باب : المصافحة # وقال ابن مسعود علمنى النبى - صلى الله عليه وسلم - التشهد وكفى بين كفيه ~~. وقال كعب بن مالك : دخلت المسجد ، فإذا برسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- فقام إلى طلحة بن عبيد الله يهرول حتى صافحنى وهنأنى . / 31 - فيه : ~~قتادة ، قال : قلت لأنس بن مالك : أكانت المصافحة فى أصحاب النبى - صلى ~~الله عليه وسلم - ؟ قال : نعم . / 32 - وفيه : عبدالله بن هشام ، كنا مع ~~النبى - صلى الله عليه وسلم - ، وهو آخذ بيد عمر بن الخطاب . المصافحة حسنة ~~عند عامة العلماء ، وقد استحبها مالك بعد كراهة ، وهى مما تنبت الود وتؤد ~~المحبة ، ألا ترى قول كعب بن مالك فى حديثه الطويل حين قام إليه طلحة ~~وصافحه : ( فوالله لا أنساها لطلحة أبدا ) فأخبر بعظيم موقع قيام طلحة إليه ~~من نفسه ومصافحته له وسروره بذلك ، وكان عنده أفضل الصله والمشاركة له ، ~~وقد قال أنس : إن ms3072 المصافحة كانت فى أصحاب رسول الله ، وهم الحجة والقدوة ~~الذين يلزم اتباعهم ، وقد ورد فى المصافحة أثار حسان . PageV09P044 روى ابن ~~أبى شيبه : حديثنا أبو خالد وابن نمير ، عن الأجلح ، عن أبى إسحاق ، عن ~~البراء قال : قال رسول الله : ( ما من مسلمين يلتقيان فيتصافحان إلا غفر ~~لهما قبل أن يفترقا ) . وروى حماد عن حميد ، عن أنس ، عن النبى - عليه ~~السلام - أنه قال : ( أهل اليمن أول من جاء بالمصافحة ) . وروى ابن المبارك ~~من حديث أنس بن مالك قال : ( كان رسول الله إذا استقبله الرجل فصافحة ~~لاينزع يده حتى يكون هو الذى نزع ولا يصرف وجهه عن وجهه حتى يكون الرجل هو ~~الذى يصرفه ) . # | 25 - باب الأخذ باليدين # وصافح حماد بن زيد بن المبارك بيديه . / 33 - فيه : ابن مسعود علمنى ~~النبى - صلى الله عليه وسلم - وكفى بين كفيه التشهد كما يعلمنى السورة من ~~القرآن . . . وذكر الحديث . الأخذ باليدين هو مبالغةالمصافحة ، وذلك مستحب ~~عند العلماء ، وإنما اختلفوا فى تقبيل اليد ، فأنكره مالك وأنكر ما روى فيه ~~، وأجازه آخرون ، واحتجوا بما روى عن ابن عمر فى قصة السريه حيث فروا ~~فرجعوا إلى النبى عليه السلام فقالوا : ( نحن الفرارون يا رسول الله ؟ فقال ~~: بل أنتم العكارون أنا فئه المؤمنين . قال : فقبلنا يده ) . وقبل أبو ~~لبابة وكعب بن مالك وصاحباه يد رسول الله حين تاب الله عليهم ذكره الأبهري ~~. PageV09P045 وقد قبل أبو عبيدة يد عمر بن الخطاب حين قدم من سفر ، وقبل ~~زيد بن ثابت يد ابن عباس حين حبس ابن عباس بركابه ، فقال ابن عباس : هكذا ~~أمرنا أن نفعل بعلمائنا ، وقال زيد : هكذا أمرنا أن نفعل بآل رسول الله . ~~قال الأبهرى : وإنما كرهها مالك إذا كانت على وجه التكبر والتعظيم لمن فعل ~~ذلك به ، وأما إذا قبل إنسان يد إنسان أو وجهه أو شيئا من بدنه مالم يكن ~~عورة على وجه القربه إلى الله لدينه أو لعلمه أو لشرفه ، فإن ذلك جائز ، ~~وتقبيل يد النبى عليه السلام تقرب إلى الله . وما كان من ذلك تعظيما لدينا ms3073 ~~أو سلطان أو شبه ذلك من وجه التكبر فلا يجوز وهو مكروه . وذكر الترمذى من ~~حديث شعبه ، عن عمرو بن مرة ، عن عبد الله ابن سلمه ، عن صفوان بن عسال ( ~~أن يهوديين أتيا إلى النبى عليه السلام فسألاه عن تسع آيات بينات فقال : ~~لاتشركوا بالله شيئا ، ولاتسرقوا ، ولاتزنزا ، ولاتقتلوا النفس التى حرم ~~الله إلا بالحق ، ولا تأكلوا الربا ، ولاتقذفوا محصنة ، ولاتولوا الفرار ~~يوم الزحف وعليكم خاصة اليهود أن لا تعتدوا فى السبت . فقبلوا يده ورجله ، ~~وقالا : نشهد أنك نبى الله ) قال الترمذى : وهذا حديث حسن صحيح ، وفى الباب ~~عن يزيد بن أسود وابن عمر وكعب بن مالك . PageV09P046 # | 26 - باب : المعانقة وقول الرجل كيف أصبحت # / 34 - فيه : ابن عباس ، أن على بن أبى طالب خرج من عند النبى - صلى الله ~~عليه وسلم - فى وجعه الذى توفى فيه ، فقال الناس : يا أبا حسن ، كيف أصبح ~~رسول الله ؟ قال : أصبح بحمد الله بارئا ، فأخذ بيده العباس ، فقال : ألا ~~تراه ؟ أنت والله بعد الثلاث عبد العصا ، والله إنى لأرى رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - سيتوفى فى وجعه ، وإنى لأعرف فى وجوه بنى عبد المطلب ~~الموت ، فاذهب بنا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فنسأله ، فيمن ~~يكون الأمر ؟ فإن كان فينا علمنا ذلك ، وإن كان فى غيرنا ، أمرناه فأوصى ~~بنا ، قال على : والله لئن سألناها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، ~~فيمنعنا ، لا يعطيناها الناس أبدا ، وإنى لا أسألها رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - أبدا . قال المهلب : ترجم هذا الباب بباب المعانقة ، ولم ~~يذكرها فى الباب ، وإنما أن يدخل فيه معانقة النبى للحسن حديث ابن لكع الذى ~~ذكره فى كتاب البيوع فى باب ماذكر فى الأسواق ، وقال أبو هريرة : ( خرج ~~رسول الله فى طائفة من النهار لا يكلمنى حتى أتى بسوق بنى قينقاع ، فجلس ~~بفناء بيت فاطمة من النهار لايكلمنى حتى أتى بسوق بنى يشتد حتى عانقه وقبله ~~. . . . ) الحديث ، ولم يجد له سندا غير السند الذى أدخله به فى غير هذا ~~الباب ms3074 ، فمات قبل ذلك ، وبقى الباب فارغا من ذكر المعانقة ، وتحته باب آخر ~~قول الرجل كيف أصبحت ، وأدخل حديث على ، فلما وجد ناسخ الكتاب الترجمتين ~~متواليتين ظنهما واحدة إذ لم يجد بينهما حديثا ، وفى كتاب الجهاد من تتابع ~~الأبواب الفارغة مواضع لم يدرك أن يتمها بالأحاديث . PageV09P047 وقد اختلف ~~الناس فى المعانقة فكرهها مالك وأجازها ابن عبيبه ، حدثنا عبد الوهاب بن ~~زياد بن يونس إجازة ، قال : حدثنا أبى ، قال : حدثنا سعيد بن إسحاق ، قال : ~~حدثنا على بن يونس الليثى المدنى قال : كنت جالسا عند مالك بن أنس إذ جاء ~~سفيان بن عبيينه يستأذن الباب ، فقال مالك : رجل صاحب سنة أدخلوه . فدخل ~~فقال : السلام عليك ياأبا عبد الله ورحمة الله وبركاتة . فقال مالك : وعليك ~~السلام ياأبا محمد ورحمة الله وبركاتة . فصافحة ثم قال : ياأبا محمد ، لولا ~~أنها بدعة لعنقناك . قال سفيان : عانق خير منك ، النبى عليه السلام قال ~~مالك : جعفر ؟ قال : نعم . قال : ذلك حديث خاص ياأبا محمد . قال سفيان : ~~مايعم جعفر يعمنا ، ومايخص جعفر يخصنا ، إذ كنا صالحين أفتأذن لى أن حدثنى ~~عبد الله بن طاوس ، عن أبيه ، عن ابن عباس أنه قال : ( لما قدم جعفر من أرض ~~الحبشة أعتنقه النبى عليه السلام وقبل بين عينيه ، فقال : جعفر أشبه الناس ~~بى خلقا وخلقا ) . وروى عبد الرازق ، عن سليمان بن داود قال : رأيت الثورى ~~ومعمر حين التقيا احتضنا وقبل كل واحد منهما صاحبه . وقد وردت فى المعانقة ~~آثار ذكر الترمذى عن ابن إسحاق ، عن عروه ، عن عائشة قالت : ( قدم زيد بن ~~حارثه المدينة ورسول الله فى بيتى ، فأتاه فقرع الباب ، فقام إليه رسول ~~الله عريانا يجر ثوبه والله ما رأيته عريانا قبله ولا بعده فاعتنقه وقبله ) ~~. وروى سليمان بن داود ، عن عبد الحكم بن منصور ، عن عبد الملك PageV09P048 ~~ابن عمير ، عن أبى سلمه بن عبد الرحمن ، عن أبى الهيثم بن التيهان : ( أن ~~النبى عليه السلام لقيه فاعتنقه وقبله ) من حديث قاسم بن أصبغ ، عن محمد بن ~~غالب ، عن سليمان بن داود . قال المهلب ms3075 : وفى أخذ العباس بيد على جواز ~~المصافحة . وفيه : جواز قول الرجل يسأل عن حال العليل : كيف أصبح ؟ ! وإذا ~~جاز أن يقال : كيف اصبح جاز أن يقال : كيف أصبحت ؟ ولكن لا يكون هذا إلا ~~بعد التحية المأمور بها من السلام . وقول العباس : ( ألا تراه ؟ والله بعد ~~ثلاث عبد العصا ) يعنى بقوله : ألا تراه ميتا أى فيه علامة الموت ، ثم قال ~~له : ( أنت بعد ثلاث عبد العصا ) . فيه : جواز اليمين على ماقام عليه ~~الدليل . . وفيه : أن الخلافة لم تكن مذكورة بعد النبى عليه السلام لعلى ~~أصلا ، لأنه قد حلف العباس أنه مأمور لا آمر ، لما كان يعرف من توجيه النبى ~~عليه السلام بها إلى غيره ، وفى سكوت على على ماقال العباس وحلف عليه دليل ~~على علم بما يقال العباس أنه مأمور من غيره وماخشية على من أن يصرح النبى ~~عليه السلام بصرف الخلافة إلى غير عبد المطلب فلا يمكنهم أحد بعده منها ليس ~~كما ظن والله أعلم ، لأن النبى عليه السلام قد قال : ( مروا أبا بكر يصلى ~~بالناس ، فقيل له : لو أمرت عمر ) فلم ير ذلك ومنع عمر من التقدم فلم يكن ~~ذلك محرمها على عمر بعد . PageV09P049 # | 27 - باب : من أجاب بلبيك وسعديك # / 35 - فيه : معاذ ، قال : أنا رديف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، ~~فقال : ( يا معاذ ) ، قلت : لبيك وسعديك - ثم قال مثله ثلاثا - ( هل تدرى ~~ما حق الله على العباد ) ؟ قلت : لا ، قال : ( حق الله على العباد أن ~~يعبدوه ولا يشركوا به شيئا ) ، ثم سار ساعة ، فقال : ( يا معاذ ) ، قلت : ~~لبيك وسعديك ، قال : ( هل تدرى ما حق العباد على الله إذا فعلوا ذلك ، أن ~~لا يعذبهم ) . / 36 - وفيه : أبو ذر ، قال : كنت أمشى مع رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - فى حرة المدينة عشاء ، فقال : ( يا أبا ذر ) ، قلت : لبيك ~~وسعديك ، قال : ( الأكثرون هم الأقلون . . . ) ، الحديث ، إلى قوله : ( ~~أتانى فأخبرنى أنه من مات من أمتى لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة ) ، قلت : ~~يا رسول الله ، وإن زنى وإن سرق ؟ قال ms3076 : ( وإن زنى وإن سرق ) . قال الأعمش ~~: وحدثنى أبو صالح ، عن أبى الدرداء نحوه . قال ابن الأنبارى : معنى قوله : ~~( لبيك ) أنا مقيم على طاعتك من قولهم : لب فلان بالمكان وألب به إذا أقام ~~به ، ومعنى سعديك من الاسعاد والمتابعة . وقال غيره : معنى ( لبيك ) أى : ~~اجابة بعد إجابة ، ومعنى سعديك : إسعادا لك بعد إسعاد . قال المهلب : ~~والإجابة بنعم وكل مايفهم منه الإجابة كاف ، ولكن إجابة السيد والتشريف ~~بالتلبية والارحاب والإسعاد أفضل . فإن اعترض بقوله عليه السلام : ( هل ~~تدرى ما حق العباد على الله ) من زعم من المرجئهة أن الله يجب عليه ثواب ~~المطيعين . PageV09P050 فجواب أهل السنة لهم القائلين أن الله لايحب عليه ~~شىء لعباده أن هذا اللفظ خرج على التزاوج والتقابل لما تقدم فى أول الكلام ~~من ذكر حق الله على العباد كما قال تعالى : { وجزاء سيئة سيئة مثلها } فسمى ~~الجزاء على السيئة باسم السيئة فكذلك هاهنا سمى ثوابه الطائعين من عباده ~~باسم مااستحقه تعالى عليهم من طاعتهم له ، وإنما معنى حق العباد على الله ~~انجاز ماوعد به تعالى من أن يدخلهم الجنة ، وسيأتى فى كتاب الاعتصام . # | 28 - باب : قوله تعالى : { يا أيها الذين آمنوا إذا قيل لكم تفسحوا فى ~~المجالس } الآية # ( 1 ) / 37 - فيه : ابن عمر ، عن الرسول - صلى الله عليه وسلم - : أنه ~~نهى أن يقام الرجل من مجلسه ، ويجلس فيه آخر ، ولكن تفسحوا وتوسعوا . وكان ~~ابن عمر يكره أن يقوم الرجل من مجلسه ، ثم يجلس مكانه . قال المؤلف : قوله ~~: ( تفسحوا ) من قولهم : مكان فسيح إذا كان واسعا ، واختلف أهل العلم فى ~~المجلس الذى أمر الله بالتفسح فيه ، فقال بعضهم : هو مجلس النبى عليه ~~السلام خاصة . عن مجاهد وقتادة : كانوا يتنافسون فى مجلس النبى عليه السلام ~~إذا رأوه مقبلا ضيقوا مجلسهم ، فأمر الله تعالى أن يوسع بعضهم لبعض . وقال ~~آخرون : عنى بذلك مجلس القتال ، عن الحسن البصرى ويزيد بن أبى حبيب ، وقال ~~ابن الأدفوى : حمل الآية على العموم PageV09P051 أولى فيكون لمجلس النبى ~~عليه السلام ومجلس الحرب ، ومجلس الذكر ، والمجلس اسم للجنس ms3077 يراد به مجالس ~~. وقوله : ( فأفسحوا يفسح الله لكم ) أى : فوسعوا يوسع الله عليكم منازلكم ~~فى الجنة ، وقوموا إلى قتال العدو أو صلاة أو عمل خير أو تفرقوا عن رسول ~~الله فقوموا ، عن قتادة ومجاهد . وقال ابن زيد : انشزوا عن رسول الله فى ~~بيته ، فأنه به حوائج . قال صاحب العين : نشز القوم من مجلسهم : قاموا منه ~~. واختلف فى تأويل نهيه عليه السلام عن أن يقام الرجل عن مجلسه ويجلس فيه ~~آخر ، فتأوله قوم على الندب وقالوا : هو من باب الأدب ، لأنه قد يحب للعالم ~~أن يليه أهل الفهم والنهى ، ويوسع لهم فى الحلقة حتى يجلسوا بين يديه . ~~وتأوله قوم على الوجوب وقالوا : لا ينبغى لمن سبق إلى مجلس مباح للحلوس أن ~~يقام منه . واحتجوا بما رواه معمر ، عن سهيل بن أبى صالح ، عن أبيه ، عن ~~أبى هريرة ، عن النبى عليه السلام أنه قال : ( إذا قام أحدكم من مجلسه ثم ~~رجع إليه فهو أحق به ) قالوا : فلما كان أحق به بعد رجوعه كان أولى أن يكون ~~أحق به مادام فيه ، قالوا : وقد كان ابن عمر يقوم له الرجل من تلقاء فما ~~يجلس فى مجلسه ، قالوا : وابن عمر راوى الحديث عن النبى فهو أعلم بتأويله . ~~PageV09P052 وحجة الذين حملوه على الندب أن قالوا : لما كان موضوع جلوسه فى ~~المسجد أو حلقة العالم غير متملك له ، ولم يستحقه أحد قبل الجلوس فيه ، لم ~~يستحقه أحد بالجلوس فيه ، وكان حكم الجلوس كحكم المكان فى أنهما غير ~~متملكين ، قالوا : وأما حديث أبى هريرة فقد تأوله العلماء على وجين : على ~~الوجوب ، والندب كما تأولوا حديث ابن عمر . فقال محمد بن مسلمه : معنى قوله ~~: ( فهو أحق به ) يريد إذا جلس فى مجلس العالم فهو أولى به إذا قام لحاجة ، ~~فأما إن قاما تاركا له فليس هو أولى به من غيره . والوجه الثانى : روى أشهب ~~، عن مالك أنه سئل عن الذى يقوم من المجلس ، فقيل له : إن بعض الناس يقول : ~~إذا رجع فهو أحق به . قال : ماسمعت به ، وإنه لحسن ms3078 إذا كانت أوبته قريبه ، ~~وإن بعد ذلك حتى يذهب فيتغدى ونحو ذلك فلا أرى ذلك له ، وإن هذا من محاسن ~~الأخلاق . # | 29 - باب : من قام من مجلسه أو بيته ولم يستأذن أصحابه أو تهيأ للقيام ~~ليقوم الناس # / 38 - فيه : أنس ، لما تزوج النبى - صلى الله عليه وسلم - زينب بنت جحش ~~، دعا الناس طعموا ، ثم جلسوا يتحدثون ، قال : فأخذ كأنه يتهيأ للقيام ، ~~فلم يقوموا ، فلما رأى ذلك قام ، فلما قام ، قام من قام معه من الناس ، ~~وبقى ثلاثة ، وإن النبى - صلى الله عليه وسلم - جاء ليدخل ، فإذا القوم ~~جلوس ، ثم إنهم قاموا ، PageV09P053 فانطلقوا ، فجئت ، فأخبرت النبى - صلى ~~الله عليه وسلم - أنهم قد انطلقوا ، فجاء حتى دخل ، فذهبت أدخل ، فأرخى ~~الحجاب بينى وبينه ، فأنزل الله تعالى : { يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا ~~بيوت النبى إلا أن يؤذن لكم } إلى قوله : { عظيما } . قال المؤلف : جاء فى ~~بعض طرق الحديث أن النبى عليه السلام استحيا أن يقول للذين أطالوا الحديث ~~فى بيته : قوموا ، ويخرجهم من بيته لأنه كان عليه السلام على خلق عظيم ، ~~وكان أشد الناس حياء فيما لم يؤمر فيه ولم ينه ، فإذا أمره الله لم يستحى ~~من إنفاذ أمر الله - عز وجل - والصدع به ، وكان جلوسهم عنده بعد ماطمعوا ~~للحديث أذى له ولأهله ، قال الله تعالى : { إن ذلكم كان يؤذى النبى فيستحى ~~منكم والله لايستحى من الحق } فقد حرم الله - عز وجل - أذى رسوله عليه ~~السلام فأنزل الله من أجل ذلك الآية . وفيه : أنه لا ينبغى لأحد أن يدخل ~~بيت غيره إلا بإذنه ، وأن الداخل المأذون له لا ينبغى له أن يطول الجلوس ~~فيه بعد تمام حاجته التى دخل لها لئلا يؤذى الداخل الذى أدخله ، ويمنع أهله ~~من التصرف فى مصالحهم . وفيه : أن من أطال الجلوس فى دار غيره حتى كره ذلك ~~من فعله ، فإن لصاحب الدار أن يقوم بغير إذنه ويظهر التثاقل عليه فى ذلك ~~حتى يفطن له ، وأنه إذا قام فإن للداخل القيام معه ، وأنه لا يجوز له ~~الجلوس فيه ms3079 بعده إلا أن يأذن له فى ذلك صاحب المنزل . PageV09P054 # | 30 - باب : الاحتباء باليد وهى القرفصاء # / 39 - فيه : ابن عمر ، قال : رأيت النبى - صلى الله عليه وسلم - بفناء ~~الكعبة محتبيا ، بيده هكذا . إنما يجوز الاحتباء لمن جلس فى حبوته ، فأما ~~إن تحرك وصنع بيديه شيئا أو صلى فلا يجوز له ذلك ، لأن عورته تبدو إلا أن ~~يكون احتباؤه على ثوب يستر عورته فذلك جائز ، وقد تقدم تفسير الاحتباء فى ~~أبواب اللباس فى الصلاة . # | 31 - باب من أتكأ بين يدى أصحابه # وقال خباب : أتيت النبى - صلى الله عليه وسلم - وهو متوسد بردة ، قلت : ~~ألا تدعو الله فقعد . / 40 - فيه : أبو بكرة ، قال النبى - صلى الله عليه ~~وسلم - : ( ألا أخبركم بأكبر الكبائر ) ؟ قالوا : بلى ، قال : ( الإشراك ~~بالله ، وعقوق الوالدين ) . وكان متكئا فجلس ، فقال : ) ألا وقول الزور ) . ~~قال المهلب : فيه جواز العالم بين يدى الناس ، وفى مجلس الفتوى ، وكذلك ~~السلطان والأمير فى بعض مايحتاج إليه من ذلك لراحة يتعاقب بها فى جلسته أو ~~لألم يجده فى بعض أعضائه أو لما هو أرفق به ، ولا يكون ذلك عامة جلوسه ، ~~لأنه قال عليه السلام آكل كما يأكل العبد ، وأجلس كما يجلس العبد . ولم يكن ~~يأكل متكئا . # | 32 - باب : من اسرع فى مشيته لحاجة أو قصد # / 41 - فيه : عقبة بن الحارث ، قال : صلى النبى - صلى الله عليه وسلم - ~~العصر ، فأسرع ، ثم دخل البيت . PageV09P055 قال المؤلف : فيه جواز إسراع ~~السلطان والعالم فى حوائجهم والمبادرة إليها . وقد جاء أن إسراعه عليه ~~السلام فى دخوله البيت إنما كان لأنه ذكر أن عنده صدقه ، فأحب أن يفرقها فى ~~وقته ذلك . وفيه : فضل تعجيل افعال البر وترك تأخيرها . وذكر ابن المبارك ~~بإسناده : ( أن رسول الله عليه السلام كان يمشى مشية السوقى : لا العاجز ~~ولا الكسلان ) وكان ابن عمر يسرع المشى ويقول : هو أبعد من الزهو ، وأسرع ~~فى الحاجة . # | 33 - باب : السرير # / 42 - فيه : عائشة ، قالت : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلى ~~وسط السرير ، وأنا مضطجعة بينه وبين القبلة ، تكون لى ms3080 الحاجة ، فأكره أن ~~أقوم ، فأستقبله ، فأنسل انسلالا . فيه : اتخاذ الصالحين الأسرة ونومهم ~~عليها ، وجواز الصلاة فيها . وفيه : جواز الاضطجاع للمرأة بحضرة زوجها . # | 34 - باب : من ألقى له وسادة # / 43 - فيه : عبدالله بن عمرو ، أن النبى - صلى الله عليه وسلم - ذكر له ~~صومى ، فدخل ، على فألقيت له وسادة من أدم حشوها ليف ، فجلس على الأرض ، ~~فصارت الوسادة بينى وبينه . . . . الحديث . PageV09P056 / 44 - وفيه : ~~علقمة ، أنه قدم الشام ، فأتى المسجد فصلى ركعتين ، فقال : اللهم ارزقنى ~~جليسا صالحا ، فجلس إلى أبى الدرداء ، فقال : ممن أنت ؟ قلت : من أهل ~~الكوفة ، قال : أليس فيكم صاحب السر الذى كان لا يعلمه غيره حذيفة ؟ أليس ~~فيكم - أو كان فيكم - الذى أجاره الله على لسان رسوله - صلى الله عليه وسلم ~~- من الشيطان - يعنى عمارا - أوليس فيكم صاحب السواك والوساد - يعنى ابن ~~مسعود - ؟ . . . . الحديث . قال المهلب : فيه إكرام السلطان والعالم وإلقاء ~~الوسادة له . وفيه : أن السلطان والعالم يزور أصحابه ، ويقصدهم فى منازلهم ~~، ويعلمهم مايحتاجون إليه من دينهم . وفيه : جواز رد الكرامة على أهلها إذا ~~لم يردها الذى خص بها ، لأن النبى عليه السلام لم يجلس على الوسادة حين ~~ألقيت له ، وجلس على الأرض . وفيه : إيثار التواضع على الترفع ، وحمل النفس ~~على التذلل . وفيه : أن خدمة السلطان يجب أن يعرف كل واحد منهم بخطته . # | 35 - باب : القائلة بعد الجمعة # / 45 - فيه : سهل ، قال : كنا نقيل ونتغدى بعد الجمعة . قد تقدم الكلام ~~فى هذا فى كتاب الجمعة فأغنى عن إعادته وفيه : أن القائلة بعد الجمعة من ~~الأمر بالمعروف ، وذلك - والله أعلم - ليستعان بها على قيام الليل لقصر ليل ~~الصيف . PageV09P057 # | 36 - باب : القائلة فى المسجد # / 46 - فيه : سهل ، قال : ما كان لعلى ، رضى الله عنه ، اسم أحب إليه من ~~أبى تراب ، وإن كان ليفرح به إذا دعى بها جاء رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - بيت فاطمة ، فلم يجد عليا فى البيت ، فقال : ( أين ابن عمك ) ؟ ~~فقالت : كان بينى وبينه شىء ، فغاضبنى ، فخرج فلم يقل عندى ، فقال رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم ms3081 - لإنسان : ( انظر أين هو ) ؟ فجاء فقال : يا ~~رسول الله ، هو فى المسجد راقد ، فجاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~وهو مضطجع ، قد سقط رداؤه عن شقه ، فأصابه تراب ، فجعل رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - يمسحه عنه ، ويقول : ( قم أبا تراب . . . ) ، الحديث . ~~قال المهلب : فيه جواز بالنهار والليل فى المسجد من غير ضرورة إلى ذلك ، ~~وقد تقدم من أجاز ذلك ومن كرهه ، فى كتاب الصلاة ، فى باب نوم الرجل فى ~~المسجد . وفيه : ممازحه الصهر وتكنيته بغير كنته ، وبشىء عرض له ، كما كنى ~~أبا هريرة بهره ، كذلك كنى عليه السلام عليا بالتراب الذى احتبس إليه . ~~وفيه : جواز الممازحة لأهل الفضل ، وكان النبى عليه السلام يمزح ولا يقول ~~إلا حقا . وفيه : الرفق بالاصهار وإلطافهم ، وترك معاتبتهم على مايكون منهم ~~لأهلهم ، لأن النبى عليه السلام لم يعاتب عليا على مغاضبته لأهله ، بل قال ~~له : قم . وعرض له بالانصراف إلى أهله . # | 37 - باب : من زار قوما فقال عندهم # / 47 - فيه : ثمامة ، أن أم سليم كانت تبسط للنبى - صلى الله عليه وسلم - ~~نطعا ، فيقيل عندها على ذلك النطع ، قال : فإذا نام النبى - صلى الله عليه ~~وسلم - أخذت من عرقه وشعره ، PageV09P058 فجمعته فى قارورة ، ثم جمعته فى ~~سك ، قال : فلما حضر أنس بن مالك الوفاة أوصى إلى أن يجعل فى حنوطه من ذلك ~~السك ، قال : فجعل فى حنوطه . / 48 - وفيه : أنس ، كان النبى - صلى الله ~~عليه وسلم - إذا ذهب إلى قباء يدخل على أم حرام بنت ملحان ، فتطعمه ، وكانت ~~تحت عبادة بن الصامت فدخل يوما ، فأطعمته ، فنام ثم استيقظ يضحك . . . فذكر ~~الحديث . فيه : جواز القائلة للأمام والرئيس والعالم عند معارفه وثقات ~~إخوانه ، وأن ذلك يسقط المؤنة ، ويثبت الود ، ويؤكد المحبة . وفيه : طهارة ~~شعر ابن آدم وعرقه . # | 38 - باب : الجلوس كيفما تيسر # / 49 - فيه : أبو سعيد الخدرى ، قال : نهى النبى - صلى الله عليه وسلم - ~~عن لبستين ، وعن بيعتين ، اشتمال الصماء والاحتباء فى ثوب واحد ، ليس على ~~فرج الإنسان منه شىء ، والملامسة والمنابذة . قال المهلب : هذه الترجمة ms3082 ~~قائمة من دليل هذا الحديث ، وذلك أنه عليه السلام نهى عن حالتين وهما : ~~اشتمال الصماء ، والاحتباء ، فمفهوم منه إباحة غيرهما مما تسر من الهيئات ~~والملابس إذا ستر ذلك العورة . ورأيت لطاوس أنه كان يكره التربع ويقول : هو ~~جلسة مملكة ، وإنما نهى عن هاتين اللبستين فى الصلاة ، لأنهما ، لا يستران ~~العورة عند PageV09P059 الحفض والرفع وإخراج اليدين ، فأما الجالس لا يصنع ~~شيئا ولا يتصرف بيديه وتكون عورته مستورة فلا حرج عليه فيهما ، لأنه قد ثبت ~~عن النبى - عليه السلام - أنه احتبى بفناء الكعبة ، ذكره فى باب الاحتباء ~~باليد وهى القرفصاء - قبل هذا . # | 39 - باب : من ناجى بين يدى الناس ولم يخبر بسر صاحبه فإذا مات أخبر به # / 50 - فيه : عائشة ، قالت : إنا كنا أزواج النبى - صلى الله عليه وسلم - ~~عنده جميعا لم تغادر منا واحدة ، فأقبلت فاطمة تمشى ، لا ، والله ما تخفى ~~مشيتها من مشية رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فلما رآها رحب ، قال : ~~مرحبا بابنتى ، ثم أجلسها عن يمينه - أو عن شماله - ثم سارها ، فبكت بكاء ~~شديدا ، فلما رأى حزنها سارها الثانية ، فإذا هى تضحك ، فقلت لها أنا من ~~بين نسائه : خصك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالسر من بيننا ، ثم أنت ~~تبكين ، فلما قام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سألتها عما سارك ، قالت ~~: ما كنت لأفشى على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سره ، فلما توفي ، ~~قلت لها : عزمت عليك بما لى عليك من الحق ، لما أخبرتنى ، قالت : أما الآن ~~، فنعم ، فأخبرتنى ، قالت : أما حين سارنى فى الأمر الأول ، فإنه أخبرنى أن ~~جبريل كان يعارضه بالقرآن كل سنة مرة ، وإنه قد عارضنى به العام مرتين ، ~~ولا أرى الأجل إلا قد اقترب ، فاتقى الله ، واصبرى ، فإنى نعم السلف أنا لك ~~، قالت : فبكيت بكائى الذى رأيت ، فلما رأى جزعى ، سارنى الثانية ، قال يا ~~فاطمة ، ألا ترضين أن تكونى سيدة نساء المؤمنين ، أو سيدة نساء هذه الأمة ) ~~. PageV09P060 قال المؤلف : فيه من الفقه أنه يجوز المسار مع الواحد بحضرة ~~الجماعة ، وليس ms3083 من باب نهيه عليه السلام عن مناجاة الأثنين دون الواحد ، ~~لأن المعنى الذى يخاف من ترك الواحد لا يخاف من ترك الجماعة ، وذلك أن ~~الواحد إذا تساورا دونه وقع بنفسه أنهما يتكلمان فيه بما يسوءه ولا يتفق ~~ذلك فى الجماعة ، وهذا من حسن الأدب وكرم المعاشرة . وفيه : أنه لا ينبغى ~~إفشاء السر إذا كانت فيه مضرة على المسر ، لأن فاطمة لو أخبرت نساء النبى ~~ذلك الوقت بما أخبرها به النبى من قرب أجله لحزن لذلك حزنا شديدا ، وكذلك ~~لو أخبرتهن أنها سيدة نساء المؤمنين ، لعظم ذلك عليهن ، واشتد حزنهن ، فلما ~~أمنت ذلك ذلك فاطمة بعد موته أخبرت بذلك . # | 40 - باب : الاستلقاء # / 51 - فيه : عبدالله بن زيد ، قال : رأيت رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - فى المسجد مستلقيا ، واضعا إحدى رجليه على الأخرى . قال المهلب : ~~إنما فعل ذلك فى المسجد ليرى الناس أن هذا وشبهه خفيف فعله فى المسجد ، وقد ~~تقدم فى كتاب الصلاة فى باب الاستلقاء فى المسجد . # | 41 - باب : لا يتناجى اثنان دون الثالث # وقوله تعالى : { يا أيها الذين آمنوا إذا تناجيتم فلا تتناجوا بالإثم ~~والعدوان } الآيتين PageV09P061 وقوله تعالى : { إذا ناجيتم الرسول فقدموا ~~بين يدى نجواكم صدقة } [ المجادلة 12 ] . / 52 - فيه : قال رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - : ( إذا كانوا ثلاثة ، فلا يتناجى اثنان دون الثالث ) . ~~أى : لا يتسار اثنان ويتركا صاحبهما خشية الإيحاش له فيظن أنهما يتكلمان ~~فيه أو يتجنبان جهته ذلك ، وقد جاء هذا المعنى بينا فى رواية معمر ، عن ~~أيوب ، عن نافع ، عن ابن عمر قال : قال رسول الله : ( إذا كنتم ثلاثة فلا ~~يتناجى اثنان دون الثالث إلا بإذنه ، فإن ذلك يحزنه ) ويشهد لهذا قوله ~~تعالى : { إنما النجوى من الشيطان ليحزن الذين آمنوا } الآية . وقد جاء ~~التغليظ فى منجاة الأثنين دون صاحبهما فى السفر ، وأن ذلك لا يحل لهما من ~~حديث ابن لهيعه ، عن ابن هبيرة عن أبى سالم الجيشانى ، عن عبد الله بن عمرو ~~بن عمرو العاص أن الرسول قال : ( لا يحل لثلاثة نفر يكونون ms3084 بأرض فلاة أن ~~يتناجى اثنان منهما دون صاحبهما ) . وتحريمه ذلك - والله أعلم - فى الفلاة ~~من أجل أن الخوف فيها أغلب على المرء ، والوحشة إليه أسرع ، ولذلك نهى عليه ~~السلام أن يسافر الواحد والأثنان . واختلف أهل التأويل فيمن نزلت : إنما ~~النجوى من الشيطان ليحزن الذين آمنوا ، فقال ابن زيد : نزلت فى المؤمنين ، ~~كان الرجل يأتى النبى يسأله الحاجة ليرى الناس أنه قد ناجى رسول الله ، ~~PageV09P062 وكان رسول الله لا يمنع أحدا من ذلك ، وكانت الأرض يومئذ حربا ~~، وكان الشيطان يأتى القوم فيقول لهم : إنما يتناجون فى جموع قد جمعت لكم ، ~~فأنزل الله الآيه . قال قتادة : نزلت فى المنافقين ، كان بعضهم يناجى بعضا ~~، وكان ذلك يغيظ المؤمنين يوحزنهم ، فنزلت هذه الآيه . وقوله : إذا ناجيتم ~~الرسول فقدموا بين يدى نجواكم صدقة . قال قتادة : سأل الناس رسول الله حتى ~~أحفوه فى المسألة ، فقطعهم الله بهذه الآية ، وصمت كثير من الناس عن ~~المسالة . وقال ابن زيد : نزلت هذه الآية لئلا يناجى أهل الباطل رسول الله ~~فيشق ذلك على أهل الحق ، فلما ثقل ذلك على المؤمنين خففه الله عنهم ونسخه . # | 42 - باب : حفظ السر # / 52 - فيه : أنس ، أسر إلى النبى - صلى الله عليه وسلم - سرا ، فما ~~أخبرت به أحدا بعده ، ولقد سألتنى أم سليم ، فما أخبرتها به . قال المؤلف : ~~السر أمانة وحفظه واجب ، وذلك من أخلاق المؤمنين ، وقد روى عن أنس أنه قال ~~: ( خدمت النبى عشر سنين ، فقال : احفظ سرى تكن مؤمنا ) . وروى ابن أبى ~~شيبة : حدثنا يحى بن آدم ، عن ابن أبى ذئب ، عن عبد الرحمن بن عطاء ، عن ~~عبد الملك ، عن جابر بن عبد الله قال : قال رسول الله : ( إذا التفت المحدث ~~فهى أمانة ) . PageV09P063 قال المهلب : والذى عليه أهل العلم أن السر لا ~~يباح به إذا كان على المسر فيه مضرة ، وأكثرهم يقول : إنه إذا مات المسر ~~فليس ويلزم من كتمانة مايلزم فى حياتة إلا أن يكون عليه فيه غضاضة فى دينه ~~. # | 43 - باب : إذا كانوا أكثر من ثلاثة فلا بأس بالمسارة والمنجاة # / 54 ms3085 - فيه : عبدالله ، قال النبى عليه السلام : ( إذا كنتم ثلاثة فلا ~~يتناجى رجلان دون الآخر ، حتى تختلطوا بالناس ، لأجل أن يحزنه ) . / 55 - ~~وفيه : عبدالله ، قسم النبى عليه السلام ، يوما قسمة ، فقال رجل من الأنصار ~~: إن هذه لقسمة ما أريد بها وجه الله ، فقلت : أما والله لآتين النبى ، ~~عليه السلام ، فأتيته وهو فى ملأ فساررته ، فغضب حتى احمر وجهه . . . . ~~الحديث . قال المؤلف : روى مالك ، عن عبد الله بن دينار قال : ( كان ابن ~~عمر إذا أراد أن يسار رجلا وكانوا ثلاثة دعا رابعا ثم قال للاثنين : ~~استأخرا شيئا ، ، فأنى سمعت رسول الله يقول : لا يتناجى اثنان دون واحد . ~~وناجى صاحبه ) . فإذا كانوا أكثر من ثلاثة بواحد جازت المنجاة ، وكلما كثرت ~~الجماعة كان أحسن وأبعد للتهمة والظنة ، ألا ترى ابن مسعود سار النبى وهو ~~فى ملأ من الناس وأخبره بقول الذى قال : هذه قسمة ما أريد بها وجه الله . ~~وروى أشهب عن مالك أنه قال : لا يتناجى ثلاثة دون واحد ، لأنه قد نهى أن ~~يترك واحد . قال : ولا أرى ذلك ولو كانوا عشرة أن يتركوا واحد . ~~PageV09P064 قال المؤلف : وهذا القول يستنبط من هذا الحديث ، لأن المعنى فى ~~ترك الجماعة للواحد كترك الأثنين له ، وهو ماجاء فى الحديث : ( حتى تختلطوا ~~بالناس من أجل أن يحزنه ) وهذا كله من حسن الأدب وكرم الأخلاق ، لئلا ~~يتباغض المؤمنون ويتدابروا . # | 44 - باب : طول النجوى { وإذ هم نجوى } [ الإسراء : 47 ] مصدر من ناجيت ~~فوصفهم بها والمعنى يتناجون . # ( 1 ) / 56 - فيه : أنس ، أقيمت الصلاة ، ورجل يناجى رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - ، فما زال يناجيه حتى نام أصحابه ، ثم قام فصلى . قال ~~المؤلف : ليس فيه أكثر من جواز طول المناجاة بحضرة الجماعة فى الأمر يهم ~~السلطان ويحتاج إلى تعرفه ، وإن كان فى ذلك بعض الضرر على بعض من بالحضرة ، ~~وقد جاء ذلك فى بعض طرق الحديث وقد تقدم فى كتاب الصلاة فى باب الإمام ~~وتعرض له الحاجة بعد الإقامة ، ومن أجاز الكلام حيئذ ومن كرهه . # | 45 - باب : لا تترك النار فى ms3086 البيت عند النوم # / 57 - فيه : ابن عمر ، قال النبى ، عليه السلام : ( لا تتركوا النار فى ~~بيوتكم حين تنامون ) . / 58 - وفيه : أبو موسى ، احترق بيت بالمدينة على ~~أهله من الليل ، فحدث PageV09P065 بشأنهم النبى - صلى الله عليه وسلم - ، ~~فقال : ( إن هذه النار إنما هى عدو لكم ، فإذا نمتم ، فأطفئوها عنكم ) . / ~~59 - وفيه : جابر ، قال النبى ، عليه السلام : ( خمروا الآنية ، وأجيفوا ~~الأبواب ، وأطفئوا المصابيح ، فإن الفويسقة ربما جرت الفتيلة ، فأحرقت أهل ~~البيت ) . قال الطبرى : فى هذا الحديث الإنابة عن أن من الحق على من أراد ~~المبيت فى بيت ليس فيه غيره ، وفيه نار أو مصباح ألا يبيت حتى يطفئه أو ~~يحرزه بما يأمن به احراقه وضره ، وكذلك إن كان فى البيت جماعة ، فالحق ~~عليهم إذا أرادوا النوم ألا ينام آخرهم حتى يفعل ماذكرت ، لأمر النبى بذلك ~~، فإن فرط فى ذلك مفرط فلحقه ضرر فى نفس أو مال كان لوصية النبى لأمته ، ~~مخالفا ولأدبه تاركا . وقد روى عكرمة عن ابن عباس قال : جاءت فأرة فجرت ~~الفتيلة فألقتها بين يدى النبى - صلى الله عليه وسلم - على الخمرة التى كان ~~قاعدا عليها ، فأحرقت منها مثل موضع الدرهم ، وإنما سمى الفأرة : فويسقة ، ~~لأذاها وفسادها كما يفسد الفاسق ، قال عليه السلام : ( خمس فواسق يقتلن فى ~~الحل والحرم . . . . ) الحديث ، فذكر منهن الفأرة يريد انهن يعملن عمل ~~الفاسق . # | 46 - باب : إغلاق الأبواب ( بالليل ) # / 60 - فيه : جابر ، قال : قال النبى ) : ( أطفئوا المصابيح بالليل ، إذا ~~PageV09P066 رقدتم ، وغلقوا الأبواب ، وأوكوا الأسقية ، وخمروا الطعام ~~والشراب ) . قال همام : ولو بعود . قال المؤلف : أمره عليه السلام بإلاق ~~الأبواب بالليل خشية انتشار الشياطين وتسليطهم على ترويع المؤمنين وأذاهم ، ~~وقد جاء فى حديث آخر أنه عليه السلام قال : ( إذا جنح الليل فاحبسوا ~~أولادكم ، فإن الله يبث من خلفه بالليل ما لا يبث بالنهار ، وإن للشياطين ~~انتشارا وخطفه ) وقد قال عقيل : يتوقى على المرأة أن تتوضا عند ذلك . فعلم ~~أمته عليه السلام مافيه المصلحة لهم فى نومهم ويقظتهم . وأمر بتخمير الأناء ~~، وقد تقدم فى كتاب الشربة فى باب تغطية ms3087 الإناء معنى أمره عليه السلام ~~بتغطية من حديث القعقاع بن حكيم وروى مالك فى حديث جابر ( فإن الشيطان لا ~~يفتح غلقا ، ولا يحل وكاء ، ولا يكشف إناء ) وان كان كان قد أعطى ماهو أكثر ~~منها من اللوج حيث لا يلج الإنسان ، والوكاء : الخيط الذى يربط به فم ~~السقاء . وقوله : خمروا الإناء : أى غطوه ، أى غطوه ، والتخمير : التغطية ، ~~وكذلك قبل للخمر : خمر ، لأنها تغطى العقل ، وأصل ذلك من الخمر وهو كل ما ~~وراك من شجر أو حجر . # | 47 - باب : الختان بعد الكبر ونتف الأبط # / 61 - فيه : أبو هريرة ، قال النبى ، عليه السلام : ( الفطرة خمس : ~~الختان ، والاستحداد ، ونتف الإبط ، وقص الشارب ، وتقليم الأظفار ) . ~~PageV09P067 وفيه : أبو هريرة ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : ~~( اختتن إبراهيم ، عليه السلام ، بعد ثمانين سنة ، واختتن بالقدوم ) . ~~مخففة . وقال المغيرة : عن أبى الزناد ، وقال : ( بالقدوم ، وهو موضع مشدد ~~. وروى الحديث الأول بالتخفيف شعيب ، عن أبى الزناد . / 62 - وفيه : ابن ~~عباس ، سئل من أنت حين قبض النبى عليه السلام ؟ قال : أنا يومئذ مختون ، ~~وكانوا لا يختنون الرجل حتى يدرك . قال ابن القصار : الختان سنة عند مالك ~~والكوفيين ، وقال الشافعى : هى فرضة ، والدليل لقول مالك والكوفيين قوله ~~عليه السلام : ( الفطرة خمس ) فذكر الختان فى ذلك ، والفطرة السنة ، لأنه ~~جعلها من جملة السنن فأضافها إليها ، ولما أسلم سلمان لم يأمره النبى - ~~عليه السلام - بالإختان ، ولو كان فرضا لم يترك أمره بذلك . واحتج الشافعى ~~بقوله تعالى : { ثم أوحينا إليك أن أتبع ملة إبراهيم حنيفا } وكان فى ملته ~~الإختان ، لأنه ختن نفسه بالقدوم . قيل له : أصل المله الشريعة والتوحيد ، ~~وقد ثبت أن فى ملة إبراهيم فرائض وسننا فأمر أن يتبع ماكان فرضا ففرضا ، ~~وما كان سنة فسنة ، وهذا هو الاتباع ، فيجوز أن يكون اختتان إبراهيم من ~~السنن . وقد روى عن النبى - عليه السلام - أنه قال : ( الإختتان سنة للرجال ~~، ومكرمة للنساء ) والختان علامة لمن دخل فى الإسلام ، فهى من شعائر ~~المسلمين . واختلفوا فى وقت الختان ، فقال الليث : الختان للغلام مابين ~~السبع سنين ms3088 إلى العشر . PageV09P068 وقال مالك : عامة ما رأيت الختان ~~ببلدنا إذا أثغر وقال مكحول : ان إبراهيم خليل الرحمن ختن ابنه إسحاق لسبعة ~~أيام وختن ابنه إسماعيل لثلاث عشرة سنة . وروى عن أبى جعفر أن فاطمة كانت ~~تختن ولدها يوم السابع ، وكره ذلك الحسن البصرى ومالك بن أنس خلافا لليهود ~~، وقال مالك : الصواب فى خلافهم ، وقال الحسن : هو خطر . قال المهلب : وليس ~~لختتان إبراهيم عليه السلام بعد ثمانين سنة مما يوجب علينا مثل فعله ، إذ ~~عامة من يموت من الناس لا يبلغ الثمانين ، وإنما اختتن عليه السلام وقت ~~أوحى إليه بذلك ، وأمر بالإختتان فاختتن . والنظر يدل أنه ما كان ينبغى ~~الإختتان إلا قرب وقت الحاجة لاستعمال ذلك العضو بالجماع ، كما اختتن ابن ~~عباس عند مناهزة الاحتلام . وقال : كانوا لا يختتنون الرجل حتى يدرك ، لأن ~~الختان تنظيف لما يجتمع من الوضر تحت الغرلة ، ولذلك - والله أعلم - أمر ~~بقطعها ، واختتان الناس فى الصغر لتسهيل الألم على الصغير ، لضعف عضوه وقلة ~~فهمه . ومن روى ( القدوم ) مخففة الدال ، فإنما أراد الحديدة التى اختتن ~~بها إبراهيم ، قال الشاعر : يا بنت عجلان ما أصبرنى على خطوب مثل نحت ~~بالقدوم PageV09P069 ومن شدد الدال فهو اسم الموضع الذى اختتن فيه إبراهيم ~~. وقد يجوز أن يجتمع له الأمران ، والله أعلم . والفطرة : فطرة الإسلام ، ~~وهى سنته وهى الفعلة من قوله تعالى : { فاطر السموات والأرض } يعنى خالقها ~~. والاستحداد : حلق شعر العانة ، والارفاع بالحديد وهو استفعال من الحديد ، ~~وحكى أبو نصير عن الأصمعى يقال : استحد الرجل إذا ماتحت ازاره ، وتقليم ~~الأظافر : قصها . # | 48 - باب : كل لهو باطل إذا ( شغله ) عن طاعة الله ومن قال لصاحبه : ~~تعال أقامرك ، وقوله : { من يشترى لهو الحديث } الآية [ لقمان : 6 ] # . / 63 - فيه : أبو هريرة ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~: ( من حلف منكم ، فقال فى حلفه : باللات والعزى ، فليقل : لا إله إلا الله ~~، ومن قال لصاحبه : تعال أقامرك ، فليتصدق ) . قال المؤلف : روى عن ابن ~~مسعود ، وابن عباس وجماعة من أهل التأويل فى قوله : ( ومن الناس من يشترى ms3089 ~~لهو الحديث ) الآية ، أنه الغناء ، وحلف على ذلك ابن مسعود بالله الذى لا ~~إله إلا هو ثلاث مرات ، وقال : الغناء ينبت النفاق فى القلب . وقاله مجاهد ~~وزاد : ان لهو الحديث فى الآية الاستماع إلى الغناء وإلى مثله PageV09P070 ~~من الباطل . قال القاسم بن محمد : الغناء باطل ، والباطل فى النار . ولذلك ~~ترجم البخارى باب كل لهو باطل . وأما قوله : ( إذا شغل عن طاعة الله ) فهو ~~مأخوذ من قوله تعالى : { ليضل عن سبيل الله } فدلت الآية على أن الغناء ~~وجميع اللهو إذا شغل عن طاعة الله وعن ذكره فهو محرم ، وكذلك قال ابن عباس ~~: ( ليضل عن سبيل الله ) أى : عن قراءة القرآن وذكر الله ودلت أيضا على أن ~~اللهو إذا كان يسيرا لا يشغل عن طاعة الله ، ولا يصد للجاريتين يوم العيد ~~الغناء فى بيت عائشة من أجل العيد ، كما أباح لعائشة النظر إلى لعب الحبشة ~~بالحراب فى المسجد ويسترها وهى تنظر إليهم حتى شبعت قال لها : حسبك . وقال ~~عليه السلام لعائشة - وحضرت زفاف أمرأة إلى رجل من الأنصار - : ( يا عائشة ~~، ما كان معكم لهو ؟ فإن الأنصار يعجبهم اللهو ) . وقد تقدم فى باب سنة ~~العيدين لأهل الإسلام فى كتاب الصلاة ما يرخص فيه من الغناء وما يكره ، ~~فدلت هذه الآثار على ما دلت عليه هذه الآية من أن يسير الغناء واللهو الذى ~~لا يصد عن ذكر الله وطاعته مباح . وما روى عن مالك من كراهة يسير الغناء ، ~~فإن ذلك من باب قطع الذرائع ، وخشية التطرق إلى كثرة الشغل عن طاعة الله ~~الصاد عن ذكره على مذهبه فى قطع الذرائع ، وأجاز سماعه أهل الحجاز . ~~PageV09P071 وقيل لمالك : إن أهل المدينة يسمعون الغناء ! قال : إنما يسمعه ~~عندنا الفساق . وقال الأوزاعى : يترك من قول أهل الحجاز استماع الملاهى ، ~~وروى ابن وهب عن مالك أنه سئل عن ضرب الكبر والمزمار وغير ذلك من اللهو ~~الذى يهنأ لك سماعه وتجد لذته وأنت فى طريق أو مجلس ، أيؤمر من ابتلى بذلك ~~أن يرجع من الطريق أو يقوم من المجلس ؟ فقال ms3090 : أرى أن يقوم إلا أن يكون ~~جالسا لحاجة أو يكون على حال لا يستطيع القيام ، وكذلك يرجع صاحب الطريق أو ~~يتقدم أو يتأخر . وقد جاء فيمن نزه سمعه عن قليل اللهو وكثيره ما روى أسد ~~بن موسى ، عن عبد العزيز بن أبى سلمه ، عن محمد بن المنكدر قال : بلغنا أن ~~الله تعالى يقول يوم القيامة : أين عبادى الذين كانوا ينزهون أنفسهم ~~وأسماعهم عن اللهو ومزامير الشيطان ، أحلوهم رياض المسك ، وأخبروهم انى قد ~~أحللت عليهم رضوانى . وسأذكر اختلاف العلماء فى القراءة بالألحان فى فضائل ~~القرآن عند قوله عليه السلام ( ما أذن الله لشىء ما أذن لنبى يتغنى بالقرآن ~~) وقوله ( ليس منا من لم يتغن بالقرآن ) . وأما حديث أبى هريرة المذكور فى ~~هذا الباب ، فإنما أدخله البخاري PageV09P072 على قوله فى الترجمة : ومن ~~قال : تعالى أقامرك فليتصدق ، ولم يختلف العلماء أن القمار محرم ، لقوله ~~تعالى : { يا أيها الذين أمنوا إنما الخمر والميسر والانصاب } الآية ، ~~واتفق أهل التأويل أن الميسر هاهنا القمار كله . وكره مالك اللعب بالنرد ~~وغيرها من الباطل وتلا : { فماذا بعد الحق إلا الضلال } وقال : من أدمن ~~اللعب بها فلا تقبل له شهادة وكذلك قال الشافعى : إذا شغله اللعب بها عن ~~الصالة حتى يفوته وقتها . وقال أبو ثور : من تلهى ببعض الملاهى حتى تشغله ~~عن الصلاة لم تقبل شهادتة . وأما قوله عليه السلام : ( ومن قال : تعال ~~أقامرك ، فليتصدق ) فهو على معنى الندب عند العلماء ، لا على الوجوب ، لأن ~~الله لا يؤاخذ العباد بالقول فى غير الشرك حتى يصدقه الفعل أو يكذبه ، ولو ~~أن رجلا قال لامرأة : تعالى أزنى بك ، أو قال لآخر : تعال اشرب معك الخمر ~~أو أسرق ، ثم لم يفعل شيئا من ذلك ، لم يلزمه حد فى الدنيا ولا عقوبة فى ~~الآخرة ، إذا كان مجتنبا للكبائر . لكن ندب من جرى مثل هذا القول على لسانه ~~، ونواه قلبه وقت قوله أن يتصدق ، خشية أن تكتب عليه صغيرة أو يكون ذلك من ~~اللمم وكذلك ندب من حلف باللات والعزى أن يشهد شهادة التوحيد ms3091 والاخلاص ، ~~لينسج بذلك ماجرى على لسانه من كلمة الاشراك والتعظيم لها ، وإن كان غير ~~معتقد لذلك . والدليل أن ذلك على الندب أن الله لا يؤاخذ العباد من الإيمان ~~إلا PageV09P073 بما انطوت الضمائر على اعتقاده وكانت به شريعة لها ، وكل ~~محلوف به باطل فلا كفارة فيه ، وإنما الكفارات فى الإيمان المشروعة . فإن ~~قيل : فما معنى أمر الرسول الداعى إلى المقامرة بالصدقة من بين سائر أعمال ~~البر ؟ قيل له : معنى ذلك - والله أعلم - أن أهل الجاهلية كانوا يجعلون ~~جعلا فى المقامرة ويستحقونه بينهم ، فنسخ الله أفعال الجاهلية وحرم القمار ~~وعوضهم بالصدقة عوضا مما أرادوا استباحة من الميسر المحرم ، وكانت الكفارات ~~من جنس الذنب ، لأن المقامر لا يخلوا أن يكون غالبا أو مغلوبا ، فإن كان ~~غالبا فالصدقة كفارة لما كان يدخل فى يده من الميسر ، وإن كان مغلوبا ~~فإخراجه الصدقة لوجه الله أولى من اخراجه عن يده شيئا لا يحل له إخراجه . # | 49 - باب ما جاء فى البناء # وقال أبو هريرة عن النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( من أشراط الساعة إذا ~~تطاول رعاء البهم فى البنيان ) . / 64 - فيه : ابن عمر ، رأيتنى مع النبى ، ~~عليه السلام ، بنيت بيدى . / 65 - وفيه : ابن عمر قال : والله ما وضعت لبنة ~~على لبنة ، ولا غرست نخلة مذ قبض النبى ، عليه السلام ، قال سفيان : فذكرته ~~لبعض أهله . قال : والله لقد بنى . قال سفيان : فلعله قال : قبل أن يبنى . ~~قال المؤلف : التطاول فى البنيان من أشراط الساعة ، وذلك أن يبنى ~~PageV09P074 مايفضل عما يكنه من الحر والبرد ويستره عن الناس ، وقد ذم الله ~~تعالى - من فعل ذلك فقال : { اتبنوا بكل ريع آيه تعبثون وتتخذون مصانع ~~لعلكم تخلدون } يعنى : قصورا ، وقد جاء عن النبى - عليه السلام - أنه قال : ~~( ماأنفق ابن آدم فى التراب فلن يخلف له ، ولا يؤجر عليه ) وأما من بنى ~~مايحتاج إليه ليكنه من الحر والمطر فمباح له ذلك ، وكذلك فعل السلف ، ألا ~~ترى قول ابن عمر : بنيت بيدى بيتا يكننى من حرة المطر ويظلنى من الشمس . ~~وقد روى ذلك ms3092 عن النبى عليه السلام ذكر الطبرى عن حسن ، عن حمران بن أبان ، ~~عن عثمان بن عفان ، أن رسول الله قال : ( كل شىء سوى خلف هذا الطعام - يعنى ~~: كسر الطعام - وهذا الماء ، وبيت يظله ، وثوب يستره لابن آدم فيه حق ) . ~~فأباح عليه السلام من البناء مايقيه أذى الشمس والمطر ، الذين لا طاقة لأحد ~~باحتمال مكروههما ، كما أباح من الغذاء مما به قوام بدنه من مطعم أو مشرب ، ~~ومن الملبس مايستر عورته ، ومازاد على ذلك فلا حق له فيه ، يعنى إذا لم ~~يصرفه فى الوجه المقربة له إلى الله فإذا فعل ذلك فله الحق فى أخذه وصرفه ~~فى حقه . وروى ابن وهب وابن نافع ، عن مالك قال : كان سلمان يعمل الخوص ~~بيده وهو أمير ولم يكن له بيت ، وإنما كان يستظل بالجدر والشجر ، وإن رجلا ~~قال له : ألا أبنى لك بيتا تسكن فيه ؟ فقال : مالى به حاجة . فما زال به ~~الرجل قال : أعرف البيت الذى يوافقك . فقال : فصفه لى . قال : أبنى لك بيتا ~~إذا قمت فيه PageV09P075 أصاب سقفه راسك ، وان مددت فيه رجليك أصابها ~~الجدار . قال : نعم ، كأنك كنت نفسى . وفى قول ابن عمر : ( والله ما وضعت ~~لبنه على لبنة مذ قبض النبى - عليه السلام . . ) إلى آخره . فيه : أن ~~العالم إذا روى عنه قولان مختلفان أنه ينبغى حملهما من التأويل على ماينفى ~~عنه التناقض ، وينزهه عن الكذب ، ألا ترى قول سفيان : فلعله قال قبل أن ~~يبتنى ، فلم يكذبه قريب ابن عمر فى قوله هذا ، فعلمنا سفيان كيف يتأول ~~للسلف أحسن المخارج لانتفاء الباطل عنهم ، وأنهم القدورة فى الخير ، ~~والأسوة - رضى الله عنهم . * * * PageV09P076 # | 66 - كتاب اللباس # # | 1 - باب قول الله تعالى : { قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده } [ ~~الأعراف 32 ] # وقال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( كلوا واشربوا ، والبسوا ، وتصدقوا ~~فى غير إسراف ، ولا مخيلة ) . وقال ابن عباس : كل ما شئت ، والبس ما شئت ، ~~ما أخطأتك اثنتان : سرف أو مخيلة . / 1 - وفيه : ابن عمر ، قال النبى - صلى ~~الله عليه وسلم - : ( لا ينظر ms3093 الله إلى من جر ثوبه خيلاء ) . قال أبو بكر : ~~يا رسول الله ، إن أحد شقى إزارى يسترخى ، إلا أن أتعاهد ذلك منه ، فقال ~~عليه السلام : ( لست ممن يصنعه خيلاء ) . / 2 - وفيه : أبو بكرة ، خسفت ~~الشمس ونحن عند النبى ، عليه السلام ، فقام يجر ثوبه مستعجلا حتى أتى ~~المسجد ، فصلى ركعتين . . . الحديث . قال المؤلف : اختلف أهل التأويل فى ~~معنى هذه الآية ، فقال بعضهم : والطيبات من الرزق يعنى : المستلذ من الطعام ~~وقيل : الحلال ، وقيل : هو عام فى كل مباح ، وقيل : هو فى لبس الثياب فى ~~الطواف ، وقال الفراء : كانت قبائل العرب لا يأكلون اللحم أياهم حجهم ، ~~ويطوفون عرة فنزلت : ( قل من حرم زينة الله PageV09P077 التى أخرج لعبادة ~~والطيبات من الرزق ) وفى قول النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( كلوا ~~وأشربوا من غير أسراف ولا مخيلة ) وقول ابن عباس بيان شاف للآية . والسرف ~~والخيلاء محرمان ، وقد قال تعالى : { إنه لا يحب المسرفين } و { لا يحب كل ~~مختال فخور } وقال عليه السلام : ( لا ينظر الله إلى من جر إزاره خيلاء ) ~~وهذا وعيد شديد . وقال أهل العلم فى معناه : لا ينظر الله اليهم نظر رحمة ~~إن أنفذ عليهم الوعيد ، فاتقى أمرؤ ربه ، وتأدب بأدبه وأدب رسوله وأدب ~~الصالحين ، وذلل بالتواضع لله قلبه ، وأودع سمعه وبصره وجوارحه بالاستكانة ~~بالطاعة ، وتحبب إلى خلقه بحسن المعاشرة ، وخالقهم بجميل المخالقة ، ليخرج ~~من صفة من لا ينظر لله إليه ولايحبه . والخيلاء والمخيلة : التكبر فى لسان ~~العرب ، وفى حديث أبى بكر بيان أن سقط ثوبه بغير قصده وفعله ولم يقصد بذلك ~~الخيلاء فإنه لا حرج عليه فى ذلك ، لقوله عليه السلام لأبى بكر : ( لست ممن ~~يصنعه خيلاء ) ألا ترى أن النبى عليه السلام جر ثوبه حين استعجل المسير إلى ~~صلاة الخسوف ، وهو مبين لأمته بقوله وفعله . وقد كان ابن عمر يكره أن يجر ~~الرجل ثوبه على كل حال وهذه من شدائد ابن عمر ، لأنه لم تخف عليه قصة أبى ~~بكر وهو الراوى لها ، والحجة فى السنة لا فى ما خلفها ، وفى قول النبي ms3094 ~~PageV09P078 عليه السلام وفى قول ابن عباس أنه مباح للرجل اللباس من الحسن ~~، والجمال فى جميع أموره إذا سلم قلبه من التكبر به على من ليس له مثل ذلك ~~من اللباس ، وقد وردت الآثار بذلك ، روى المعافى ابن عمران ، عن هشام بن ~~حسان ، عن ابن سيرين ، عن سواد بن عمرو الانصارى أنه قال : ( يا رسول الله ~~، انى رجل حبب إلى الجمال وأعطيت منه ماترى حتى ماأحب أن يفوقنى أحد فى ~~شراك نعلى ، أفمن الكبر ذاك ؟ قال : لا ، ولكن الكبر من بطر الحق وغمص - أو ~~غمنص الناس ) . ومن حديث عبد الله بن عمر أن النبى عليه السلام قال للذى ~~ساله عن حبه لجمال ثيابه وشراك نعله : هل ذلك من الكبر ؟ فقال عليه السلام ~~( لا ، ولكن الله جميل يحب الجمال ) . فإن قيل : فقد روى وكيع ، عن أشعث ~~السمان ، عن أبى سلام الأعرج ، عن على بن أبى طالب قال : إن الرجل ليعجبه ~~شراك نعله أن يكون أجود من شراك صاحبه فيدخل فى قوله تعالى : { تلك الدار ~~الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علو فى الأرض ولا فسادا } الآية . قال ~~الطبرى : فالجواب أن من أحب ذلك ليتعظم به من سواه من الناس ممن ليس له ~~مثله ، فاختال به عليهم واستكبر ، فهو داخل فى عدة المستكبرين فى الأرض ~~بغير الحق ، ولحقته صفة أهله وأن أحب ذلك سرورا لجودته وحسنه ، غير مريد به ~~الاختيال والتكبر ، فإنه بعيد المعنى ممن عناه الله تعالى بقوله : { لا ~~يريدون علو فى الأرض ولا فسادا } بل هو ممن قد اخبر الله تعالى أنه يحب ذلك ~~من فعله ، على ماورد فى حديث عبد الله بن عمر . PageV09P079 وذكر النائى عن ~~محمد بن العلاء قال : حدثنى أبو بكر بن عياش عن أبى إسحاق ، عن أبى الأحوص ~~، عن أبيه قال : ( كنت جالسا عند رسول الله رث الثياب ، فقال : ألك مال ؟ ~~قلت : يا رسول الله من كل المال . قال : إذا أتاك الله مالا فليرى أثره ~~عليك ) . # | 2 - باب : التشمر فى الثياب # / 3 - فيه : أبو جحيفة ، خرج النبى - صلى ms3095 الله عليه وسلم - فى حلة مشمرا ~~، فصلى . . . الحديث . قال المؤلف : التشمر مباح فى الصلاة وعند المهنة ~~والحاجة إلى ذلك بهذا الحديث ، وهو من التواضع ونفى التكبر والخيلاء والحله ~~عند العرب ثوبان ظاهر وباطن . وقال صاحب العين : الحله : إزار ورداء ، ولا ~~يقال حلة لثوب واحد . قال أبو عبيد : ومما يدل على ذلك حديث عمر ، أنه رأى ~~رجلا عليه حلة قد ائتزر بإحدهما وارتدى بالأخرى . # | 3 - باب : ما أسفل من الكعبين فهو فى النار # / 4 - فيه : أبو هريرة ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( ~~ما أسفل من الكعبين ، من الإزار ففى النار ) . قال المؤلف : روى عبد الرزاق ~~، عن عبد العزيز بن أبى رواد عن نافعه : أنه سئل عن قوله فى هذا الحديث ( ~~ما أسفل من PageV09P080 الكعبين ففى النار من الثياب ذلك ؟ قال : ما ذنب ~~الثياب ، بل هو من القدمين ) . قال غيره : ولو كان الزار فى النار ما ضر ~~الذى جر ثوبه شىء . ومعنى هذا الحديث عند أهل السنة : إن أنفذ الله عليه ~~الوعيد كان القدمان فى النار . # | 4 - باب : من جر ثوبه من الخيلاء # / 5 - فيه : أبو هريرة : قال النبى عليه السلام : ( لا ينظر الله يوم ~~القيامة إلى من جر إزاره بطرا ) . / 6 - وفيه : أبو هريرة ، قال النبى - ~~صلى الله عليه وسلم - : ( بينما رجل يمشى فى حلة تعجبه نفسه مرجل جمته ؛ إذ ~~خسف الله به الأرض ، فهو يتجلجل إلى يوم القيامة ) . / 7 - وفيه : ابن عمر ~~، عن النبى - صلى الله عليه وسلم - مثله ، وقال مرة : ( من جر ثوبه مخيلة ~~لم ينظر الله إليه يوم القيامة ) . قال شعبة : فقلت لمحارب : أذكر إزاره ؟ ~~قال : ما خص إزارا ، ولا قميصا . قال الطبرى : إنما خص الإزار بالذكر فى ~~حديث أبى هريرة - والله أعلم - لأن أكثر الناس فى عهده عليه السلام كانوا ~~يلبسون الإزار والأردية ، فلما لبس الناس المقطعات وصار عامة لباسهم القمص ~~والدراريع كان حكمها حكم الإزار ، وأن النهى عما جاوز الكعبين منها داخل فى ~~معنى نهيه عليه السلام عن جر الإزار ، إذ هما سواء ms3096 فى المماثلة ، وهذا هو ~~القياس الصحيح . قال المؤلف : هذا طريق القياس لو لم يأت نص فى التسوية ~~بينهما ، وقد تقدم حديث ابن عمر فى هذا الباب أن النبي عليه PageV09P081 ~~السلام قال : ( من جر ثوبه من مخيلة لم ينظر الله إليه يوم القيامة ) فعم ~~جميع الثياب . وروى أبو داود ، عن ابن عمر : ( أنه سئل عن حديث الأزار فقال ~~: ماقال رسول الله فى الإزار فهو فى القميص ) وقد جاء هذا أيضا عن النبى ~~عليه السلام روى أبو داود قال : حدثنا هناد بن السرى قال : حدثنا حسين ~~الجعفى ، عن عبد العزيز بن أبى رواد ، عن سالم بن عبد الله ، عن أبيه - ، ~~عن النبى - عليه السلام قال : ( الإسبال فى الإزار والعمامة ، من جر منها ~~شيئا لم ينظر الله إليه يوم القيامة ) . وقوله : ( يتجلجل ) يعنى : يسوخ ~~ويضطرب ، قال صاحب العين : جلجلت الشىء إذا حركته ، وكل شىء خلطت بعضه ببعض ~~فقد جلجلته . # | 5 - باب : الإزار المهدب # ويذكر عن الزهرى ، وأبى بكر بن محمد ، وحمزة بن أبى أسيد ، ومعاوية بن ~~عبد الله بن جعفر أنهم لبسوا ثيابا مهدبة . / 8 - فيه : عائشة ، جاءت امرأة ~~رفاعة القرظى وتزوجت بعده عبدالرحمن بن الزبير ، فقالت : والله ما معه يا ~~رسول الله إلا مثل هذه الهدبة ، وأخذت هدبة من جلبابها . قال المؤلف : ليس ~~فيه أكثر من أن الثياب المهدبة من لباس السلف ، وأنه لا بأس به . ~~PageV09P082 # | 6 - باب : الأردية # وقال أنس : جبذ أعرابى رداء النبى - صلى الله عليه وسلم - . / 9 - فيه : ~~على ، قال : دعا النبى ، عليه السلام ، بردائه فارتدى ، ثم انطلق يمشى ، ~~واتبعته أنا وزيد بن حارثة حتى جاء البيت الذى فيه حمزة . . . الحديث . فيه ~~: أن الرداء من لباس النبى - عليه السلام - غير أنه لم يذكر فى الحديث صفة ~~لباسه له إن كان مشتملا به أو متطيلسا أو على هيئة لباسنا اليوم ، وقد روى ~~عن طاوس أنه قال : الشملة من الزينة التى أمر الله بأخذها عند كل مسجد . # | 7 - باب : لبس القميص # وقال يوسف : { اذهبوا بقميصى هذا فألقوه على وجه أبى يأت ms3097 بصيرا } [ يوسف ~~: 93 ] . / 10 - فيه : ابن عمر ، أن رجلا سأل النبى ، عليه السلام ، ما ~~يلبس المحرم من الثياب ؟ فقال : ( لا يلبس القميص ، ولا السراويل ، ولا ~~البرنس . . . ) الحديث . / 11 - وفيه : جابر ، أن النبى - صلى الله عليه ~~وسلم - أتى عبدالله بن أبى بعد ما أدخل قبره ، فأمر به ، فأخرج ، ووضع على ~~ركبتيه ، ونفث عليه من ريقه ، وألبسه قميصه ، والله أعلم . قال المؤلف : ~~فيه أن لباس القميص من الأمر القديم وكل ما ذكر فى حديث ابن عمر من الراويل ~~والبرانس وغيرها . PageV09P083 وذكر أبو داود قال : حدثنا زياد بن أيوب ، ~~عن أبى تميله ، حدثنا عبد المؤمن بن خالد ، عن عبد الله بن بريدة ، عن أمه ~~، عن أم سلمه قالت : ( كانت أحب الثياب إلى رسول القميص ) وقد رواه الفضل ~~بن موسى ، عن عبد المؤمن بن خالد ، هن ابن بريدة عن أم سلمة ، ولم يذكر أمه ~~، قال الترمذى : سمعت البخارى يقول : حديث عبد الله بن بريدة ، عن أمه أصح ~~. # | 8 - باب : جيب القميص من عند الصدر وغيره # / 12 - فيه : أبو هريرة ، قال : ضرب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~مثل البخيل والمتصدق كمثل : ( رجلين عليهما جبتان من حديد ، قد اضطرت ~~أيديهما إلى ثديهما ، وتراقيهما ، فجعل المتصدق كلما تصدق بصدقة ، انبسطت ~~عنه ، حتى تغشى أنامله ، وتعفو أثره ، وجعل البخيل كلما هم بصدقة قلصت ، ~~وأخذت كل حلقة بمكانها ) . قال أبو هريرة : فأنا رأيت رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - يقول : بإصبعه هكذا فى جيبه ، فلو رأيته يوسعها ، ولا تتوسع . ~~تابعه ابن طاوس ، عن أبيه ، وأبو الزناد ، عن الأعرج فى الجبتين . وقال ~~حنظلة : سمعت طاوسا سمعت أبا هريرة ، يقول : جبتان ، وقال جعفر بن حيان ، ~~عن الأعرج : جبتان . قال المؤلف : فى هذا الحديث دليل أن الجيب فى ثياب ~~السلف كان عند الصدر على ماتصنعه النساء اليوم عندنا فى الأندلس ، ووجه ~~الدلالة على ذلك أن النبى شبه البخيل والمتصدق برجلين PageV09P084 عليهما ~~جبتان من حديد قد اضطرت أيديهما إلى ثديهما وتراقيهما ، فتبسط على جسد ~~المتصدق ، وتشد على يدى البخيل إذا هم بالصدقة ms3098 ، وتمسكها فى الموضوع الذى ~~اضطراتها إليه ، وهو الثدى والتراقى وذلك فى صدره وفيه ، يروم أن يوسع ~~حلقها ولاتتسع ، يبين ذلك حديث أبى هريرة : ( أنا رأيت رسول الله يقول ~~بإصبعه هكذا فى جبته يوسعها ولا تتسع ) فبان أن جيبه عليه السلام كان فى ~~صدره ، لأنه لوكان فى منكبه لم تكن يداه مضطرة إلى ثديه وتراقيه ، وهذا ~~استدلال حسن ، وقال ثابت الترقوتان : العظمان المشرفان فى أعلى الصدر إلى ~~طرف ثغره النحر ، وهى الهزمة التى بينهما . # | 9 - باب : من لبس جبه ضيقة الكمين فى السفر # / 13 - فيه : المغيرة بن شعبة ، قال : انطلق النبى ، عليه السلام ، ~~لحاجته ، ثم أقبل فتلقيته بماء فتوضأ ، وعليه جبة شامية ، فمضمض ، واستنشق ~~، وغسل وجهه ، فذهب يخرج يديه من كميه ، فكانا ضيقين ، فأخرج يديه من تحت ~~الجبة فغسلهما ، ومسح برأسه وعلى خفيه . وترجم له باب جبه الصوف فى الغزو ~~وقال فيه : ( وعليه جبه شامية من صوف ) . فى هذا الحديث دليل أن ثياب السلف ~~فى الحضر لم تكن أكمامها PageV09P085 بضيق أكمام هذه الجبة التى لبسها عليه ~~السلام فى سفرة ، لأنه لم يذكر عنه عليه السلام أنه أخرج يديه من تحت ثيابه ~~لضيق كميه إلا فى هذه المرة ، ولو فعله فى الحضر دائما لنقل ذلك . وذلك ~~دليل أن ثياب السفر أكمش وأخصر من ثياب الخصر ، فلباس الأكمام الضيقة ~~والواسعة جائز إذا لم يكن مثل سعه أكمام النساء ، لأن زى النساء لا يجوز ~~للرجال استعماله على مايأتى فى كتاب الزينة . وقد كره مالك للرجل سعه الثوب ~~وطوله ، وأما لباس الصوف فجائز فى الغزو وغيره إذا لم يرد لابسه به الشهرة ~~، وقد سئل مالك عن لباس الصوف الغليظ ، فقال : لا خير فيه فى الشهرة ولو ~~كان يلبسه تارة وينزعه أخرى لرجوت ، فأما المواظبة حتى يعرف به ويشتهر فلا ~~أحبه ، ومن غليظ القطن ماهو فى ثمنه وأبعد من الشهرة منه ، وقد قال عليه ~~السلام للرجل ( ليرى عليك مالك ) . وقال مالك أيضا : لا أكره لباس الصوف ~~لمن لم يجد غيره ، وأكرهه لمن يجد غيره ، ولأن يخفى ms3099 عمله أحب إلى ، وكذلك ~~كان شأن من مضى ، قيل : إنما يريد التواضع يلبسه ، قيل : يجد من القطن بثمن ~~الصوف . # | 10 - باب : البرانس # / 14 - فيه : أنس ، أنه كان يلبس برنسا أصفر من خز . / 15 - فيه : ابن ~~عمر ، أن النبى قال للمحرم : ( لا تلبس البرانس . . . . ) الحديث . ~~PageV09P086 قال المؤلف : سئل مالك عن لباس البرانس أتكرهها ، فإنها لباس ~~النصارى ؟ قال : لا بأس بها ، وقد كانت تلبس هاهنا . وقال عبد الله بن أبى ~~بكر : ماكان أحد من القراء إلا له برنس يغدو فيه وخميصة يروح فيها ، وأما ~~لباس الخز فقد لبسه جماعة من السلف وكرهه آخرون ، فممن لبسه : أبو بكر ~~الصديق ، وابن عباس ، وأبو قتادة ، وابن أبى أوفى ، وسعد بن أبى وقاص ، ~~وجابر وأنس ، وابو سعيد الخذرى ، وأبو هريرة ، وابن الزبير ، وعائشة ، ومن ~~التابعين : ابن أبى ليلى ، والأحنف ، وشريح ، والشعبى ، وعروة ، وأبو بكر ~~عبد الرحمن ، وعمر بن عبد العزيز أيام إمارته ، وروى ابن وهب عن مالك أنه ~~قال : لا يعجبنى لبس الخز ولا أحرمه . قال البهرى : إنما كرهه من أجل السرف ~~، ولم يحرمه من أجل من لبسه من الصحابة ، وكرهه ابن عمر وسالم والحسن وابن ~~سيرين وسعيد بن جبير ، وكان ابن المسيب لا يلبسه ولاينهى عنه . قال على بن ~~زيد : جلست إلى سعيد بن المسيب وعلى جبه خز ، فأخذ بكم جبتى وقال : م : ~~ماأجود جبتك . قلت : ومامعنى قد أفسدوها على ، قال : ومن أفسدها ؟ قلت : ~~سالم . قال : إذا صلح قلبك فالبس ماشئت ، فذكرت قوله للحسن ، فقال : إن من ~~صلاح القلب ترك الخز . * * * PageV09P087 # | 11 - باب : فروج الحرير وهو القباء ويقال : هو الذى له شق من خلفه # . / 16 - فيه : المسور ، قال : قسم النبى - صلى الله عليه وسلم - أقبية ، ~~ولم يعط مخرمة شيئا ، فقال مخرمة : يا بنى ، انطلق بنا إلى رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - فانطلقت معه ، فقال : ادخل فادعه لى ، قال : فدعوته له ، ~~فخرج إليه ، وعليه قباء منها ، فقال : خبأت هذا لك ، قال : فنظر إليه ، ~~فقال : رضى مخرمة ) . / 17 - وفيه : عقبة بن عامر ، أنه قال : ( أهدى إلى ms3100 ~~النبى ، عليه السلام ، فروج حرير فلبسه ، ثم صلى فيه ، ثم انصرف ، فنزعه ~~نزعا شديدا كالكاره له ، ثم قال : ( لا ينبغى هذا للمتقين ) . قال المؤلف : ~~القباء من لباس الأعاجم ، ويمكن أن يكون النبى نزعه من أجل ذلك ، فقد روى ~~أبو داود قال : حدثنا عثمان بن أبى شبيبة ، حدثنا عبد الرحمن بن ثابت ، ~~حدثنا حسان بن عطية ، عن أبى منيب الجرشى ، عن ابن عمر قال : قال رسول الله ~~: ( من تشبه بقوم فهو منهم ) ويمكن أن يكون نزعه من أجل أنه من حرير وقد ~~نهى عليه السلام عن لباس الحرير لذكور أمته وسيأتى بعد هذا . # | 12 - باب : السراويل # / 18 - فيه : ذكر فيه حديث ابن عباس ، وابن عمر أن النبى ، عليه السلام ، ~~قال : ( لا يلبس المحرم السراويل ) . فقد تقدم أن لباس السراويل من الأمر ~~القديم . PageV09P088 # | 13 - باب العمائم # / 19 - فيه : ابن عمر : قال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( لا يلبس ~~المحرم العمائم . . . ) الحديث . قال المؤلف : والعامائم تيجان العرب وهى ~~زيهم ، وقد روى أن الملائكة الذى نصروا النبى - صلى الله عليه وسلم - يوم ~~بدر كانوا بعمائم صفر . قال مالك : العمة والاحتباء والانتعال من عمر العرب ~~، وليس ذلك فى العجم وكانت العمة فى أول الإسلام ، ثم لم تزل حتى كان هؤلاء ~~القوم . قال ابن وهب : وحدثنى مالك أنه لم يدرك أحدا من أهل الفضل : يحى بن ~~سعيد ، وربيعة ، وابن هرمز إلا وهم يعتمون ، ولقد كنت فى مجلس ربيعة ، وفيه ~~أحد وثلاثون رجلا مامنهم رجل إلا وهو معتم وأنا منهم ، ولقد كنت أراهم ~~يعتمون فى العشاء والصبح ، وكان ربيع لا يدع العمامة حتى يطلع الثريا ، ~~وكان يقول : أنى لأجد العمة تزيد فى العقل . قال : وسئل مالك عن الذى يعتم ~~بالعمامة ولا يجعلها من تحت حلقة ، فأنكرها ، وقال : ذلك من عمل النبط ، ~~وليست من عمة الناس إلا أن تكون قصيرة لا تبلغ ، أو يفعل ذلك فى بيته أو فى ~~مرضه فلا بأس به ، قيل له : فترخى بين الكتفين ؟ قال لم أر أحدا ممن أردكت ~~يرخى بين كتفيه إلا ms3101 عامر بن عبد الله بن الزبير ، وليس ذلك بحرام ، ولكن ~~يرسلها بين يديه وهخو أجمل . وقال عامر بن عبد الله : PageV09P089 رؤي ~~جبريل فى صورة _ دحية الكلبى ، وقد سدل عمامته بين كتفيه . وروى أبو داود ~~حدثنا الحسن بن على ، ثنا أبو أسامة عن مساور الوراق ، عن جعفر بن عمرو فى ~~حديث عن أبيه قال : ( رأيت النبى - عليه السلام - على المنبر وعليه عمامة ~~سوداء قد ارخى طرفها بين كتفيه ) . وروى الترمذى عن هارون بن اسحاق قال : ~~حدثنا يحيى بن محمد المننى ، عن عبد العزيز بن محمد ، عن عبيد الله بن عمر ~~، عن نافع ، عن ابن عمر قال : ( كان النبى - عليه السلام - إذا اعتم سدل ~~عمامته بين كتفيه ) . قال نافع : وكان ابن عمر يفعله . قال عبيد الله : ~~ورأيت القاسم ، وسالما يفعلان ذلك . قال الترمذى : وهذا حديث حسن غريب . # | 14 - باب التقنع # وقال ابن عباس : خرج النبى - صلى الله عليه وسلم - وعليه عصابة دسماء . ~~وقال أنس عصب النبى - صلى الله عليه وسلم - على رأسه حاشية برد . / 20 - ~~فيه : عائشة ، هاجر ناس إلى الحبشة من المسلمين ، وتجهز أبو بكر مهاجرا ، ~~فقال النبى - صلى الله عليه وسلم - : على رسلك ، فإنى أرجو أن يؤذن لي ، ~~PageV09P090 قال أبو بكر : أو ترجوه بأبى أنت ؟ قال : نعم ، فحبس أبو بكر ~~نفسه على النبى - صلى الله عليه وسلم - لصحبته ، وعلف راحلتين كانتا عنده ، ~~ورق السمر أربعة أشهر . قالت عائشة : فبينا نحن يوما جلوس فى بيتنا فى نحر ~~الظهيرة ، فقال قائل لأبى بكر : هذا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~مقبلا متقنعا فى ساعة لم يكن يأتينا فيها ، قال أبو بكر : فدا لك أبى وأمى ~~، والله إن جاء به فى هذه الساعة إلا لأمر ، فجاء النبى - صلى الله عليه ~~وسلم - فاستأذن ، فأذن له فدخل فقال حين دخل لأبى بكر : أخرج من عندك ، قال ~~: إنما هم أهلك بأبى أنت يا رسول الله ، قال : فإنى قد أذن لى فى الخروج ، ~~قال : فالصحبة بأبى أنت وأمى يا رسول الله ، قال : نعم ، قال : فخذ بأبى ms3102 ~~أنت يا رسول الله إحدى راحلتى هاتين : قال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ~~بالثمن ، قالت : فجهزناهما ، أحث الجهاز وضعنا لهما سفرة فى جراب ، فقطعت ~~أسماء بنت أبى بكر قطعة من نطاقها ، فأوكأت به الجراب ، ولذلك كانت تسمى ~~ذات النطاق ، ثم لحق النبى عليه السلام وأبو بكر بغار فى جبل ، يقال له : ~~ثور ، فمكث فيه ثلاث ليال ، يبيت عندهما عبدالله بن أبى بكر - وهو غلام شاب ~~لقن ثقف - فيرحل من عندهما سحرا ، فيصبح مع قريش بمكة كبائت ، فلا يسمع ~~أمرا يكادان به إلا وعاه حتى يأتيهما بخبر ذلك حين يختلط الظلام ، ويرعى ~~عليهما عامر بن فهيرة مولى أبى بكر منحة من غنم ، فيريحها عليهما حين تذهب ~~ساعة من العشاء ، فيبيتان فى رسلهما ، حتى ينعق بها عامر بن فهيرة بغلس ، ~~يفعل ذلك كل ليلة من تلك الليالى الثلاث ) . PageV09P091 قال المؤلف : ~~التقنع للرجل عند الحاجة مباح ، وقال ابن وهب : سألت مالكا عن التقنع ~~بالثوب . فقال : أما الرجل يجد الحر والبرد أو الأمر الذى له فيه عذر فلا ~~بأس به ، ولقد كان أبو النضر يلزم ذلك ، لبرد يجده ومابذلك بأس ، وذكر ابن ~~أبى زيد عن مالك قال : رأت سكينة بنت الحسين بعض ولدها مقنعا راسه قالت : ~~اكشف عن رأسك فإن القناع ريبة بالليل ، ومذلة بالنهار . وماأعلمه حراما ~~ولكن ليس من لباس خيار الناس . وقال البهزى : إذا تقنع لدفع مضرة فذلك مباح ~~، وأما لغير ذلك فإنه يكره ، لأنه من فعل أهل الريب ويكره أن يفعل شيئا يظن ~~به الريبة ، وليس ذلك من فعل من مضى . قال المؤلف : وقد مر كثير من معانى ~~هذا الحديث فى غير موضع من هذا الكتاب ، منها فى كتاب البيوع ، فى باب من ~~أشترى متاعا أو دابة فوضعه عند البائع فضاع أو مات قبل أن يقبض ، وفى كتاب ~~الاجارة فى باب استئجار المشركين عند الضرورة ، وذكره فى كتاب الأدب ، فى ~~باب هل يزور صاحبه كل يوم أو بكرة وعشية ؟ . وذكر البخارى هذا الحديث فى ~~أبواب الهجرة مما لم أشرحه فى هذا ms3103 الكتاب بزيادة الفاظ لم تأت فى هذا ~~الحديث ونذكر هنا جملة من معانية ، فأول ذلك ماذكره الطبرى قال : فيه ~~الدليل الواضح على ما خص الله به صديق نبيه عليه السلام من الفضيلة ~~والكرامة ، ورفع المنزلة عنده ، وذلك اختياره إياه دون سائر وعشيرته ، ~~لموضع سره وخفى أموره التى كان يخفيها عن سائر أصحابه ، ولصحبته فى سفره ، ~~إذ لم يعلم PageV09P092 أحد بكونه عليه السلام فى الغار أيام مكثه فيه غير ~~أبى بكر وحاشيته من ولد له ومولى وأجير . ولاصحبه فى طريقه غير خصص ، خصص ~~له لذلك دون قرابة رسول الله ، فتبين بذلك منزلته عنده ، ودل على اختياره ~~أياه ، لأمانته على رسول الله - عليه السلام . قال المؤلف : وفيه المعنى ~~الذى استحق به أبو بكر أن سمى صديقا ، وذلك أنه حبس نفسه على رسول الله ، ~~لقوله : ( أرجو أن يؤذن لى فى الهجرة ) فصدقه ولم يرتب بقوله ، وأيقن أن ~~مارجاه لا يخيب ظنه فيه لما كان جربه عليه من الصدق فى جميع أموره ، وتكلف ~~النفقة على الراحلتين ، فأعد إحداهما لرسول الله وبذل ماله كما بذل نفسه فى ~~الهجرة معه ، ولذلك قال عليه السلام : ( ليس أحد أمن على فى نفسه وماله من ~~أبى بكر ) . وفيه : أن المرء ينبغى له التحفظ بسره ولايطلع عليه إلا من ~~تطيب نفسه عليه ، لقوله لأبى بكر : ( أخرج من عندك ) ليخبره بخروجه مخليا ~~به ، فلما قال له الصديق رضى الله عنه : إنما هم أهلك . وعلم أن شفقتهم ~~عليه كشفقة اهله أطلعه حينئذ على سره ، وأنه قد أذن له فى الخروج ، فبدر ~~أبو بكر وقال لرسول الله : الصحبة ؟ قبل أن يساله ذلك رسول الله وهذا من ~~أبلغ المشاركة وأعظم الواء لرسول الله . وفيه اتخاذ الفضاء والصالحين الزاد ~~فى أسفارهم ، ورد قول من PageV09P093 أنكر ذلك من الصوفية ، وزعم أن من صح ~~توكله ينزل عليه طعام من السماء إذا احتاج إليه ، ولا أحد أفضل من رسول ~~الله ولا من صاحبه وصديقه وهما كانا أولى بهذه المنزلة ، ولو كان كما زعموا ~~مااحتاجا إلى سفرة فيها طعام ms3104 . قال الطبرى : وفى استخفاء نبى الله وأبى بكر ~~فى الغار عندما أراد المشركون المكر بنبيه وقتله كما وصفه الله تعالى فى ~~كتابه بقوله : { وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك } الآيه فدخل عليه السلام ~~مع صاحبه فى الغار حتى سكن عند الطلب ويئسوا منه ثم ارتحل متوجها إلى ~~المدينة ، وكان فعله ذلك حذرا على نفسه من المشركين ، فبان بذك ، إذ صح ~~فعله أنه عن أمر ربه إياه أن الحق على كل مسلم الهرب مما لا قوام له به ، ~~وترك التعرض لما لا طاقة له به ، { ولو شاء الله } أن يعمى جميع المشركين ~~يومئذ حتى لا يقدروا على رؤيته ، أو يخسف بهم أجمعين حتى ينفرد رسول الله ~~وأصحابه بالمكث فى بلدهم لكان ذلك هينا عليه . فلم يفعل ذلك تعالى مع قدرته ~~عليه ، ليبلغ الكتاب أجله بل أمر نبيه وصاحبه بالدخول فيه ، ليكون ذلك سنة ~~لخلقه إذا رأوا منكرا يجب تغييره فعجزوا عن القيام بتغييره وكانوا فى فسحة ~~من ترك التعرض لما لا قبل لهم من الخوف على مهجهم ودينهم والزوال عنه ، ~~وبان ذلك فساد قول قول من قال : إن على كل من رأى منكرا تغييره وإن فى ذلك ~~هلاك نفسه وماله ، وإن لم يفعل ذلك كان مضيعا فرضا لله . PageV09P094 ووضح ~~خطأ من حمل وحده على عسكر من المشركين وله إلى ترك ذلك سبيل مع خوفه على ~~نفسه ، وبان فساد قول من زعم أنه من استجن بجنة فى حرب أو لجأ إلى حصن من ~~عدو غالب أو أتخذ غلقا لباب من لص أو أعد زادا لسفر أنه قد برىء من التوكل ~~، لأن الضر والنفع بيد الله وقد أمر الله نبيه بالدخول فى الغار ولاختفاء ~~فيه من شرار خلقه ، وكان من التوكل على ربه فى الغاية العليا . وفيه الدليل ~~الواضح على فساد قول من زعم أن من خاف شيئا سوى الله فلم يوقن بالقدر ، ~~وذلك أن الصديق قال لرسول الله : ( لو أن أحدكم رفع قدمه لأبصرنا ) . حذرا ~~أن يكون ذلك من بعضهم فيلحقه ورسول ms3105 الله من مكروه ، ذلك ماحذره وبذلك أخبر ~~الله تعالى - عنه فى كتابه بقوله : { إلا تنصروه فقد نصره الله } فلم يصفه ~~الله و لا رسوله بذلك من قوله بضعف اليقين ، بل كان من اليقين لقضاء الله ~~وقدرة فى أعلى المنازل ، ولكن قال ذلك إشفاقا على رسول الله ، وكان حزنه ~~بذلك مع علمه أن الله بالغ أمره فيه وفى رسوله وفى نصر دينه ، فجمع الله له ~~بذلك صدق اليقين ، وأجر الجزع على الدين ، وثواب الشفقة على الرسول ، ليضعف ~~له بذلك الأجر ، وكان ذلك منه مثل ماكان من موسى نبى الله إذ أوجس فى نفسه ~~خيفة مما أتت به السحرة ، حين خيل إليه أن حبالهم وعصيهم تسعى ، فقال الله ~~له : ( لا تخف إنك أنت الأعلى ) ولا شك أن موسى كان من العلم بالله وصدق ~~اليقين بنفوذ قضائه فيه ما لا يلتبس أمره على ذى عقل يؤمن بالله ورسوله ، ~~وكذلك الذى كان من أمر أبى بكر . PageV09P095 وقوله عليه السلام لأبى بكر ~~ماظنك بأثنين الله ثالثهما . يعنى : أن الله ثالثهما بالحفظ لهما والكلأ ، ~~ولم يرد أنه يعلم مكانهما فقط كما قال تعالى : { ما يكون من نجوى ثلاثه إلا ~~هو رابعهم } الآيه ، ويدل أنه أراد أن الله ثالثهما بالحفظ ، قوله تعالى : ~~{ لا تحزن إن الله معنا } أى : يحفظنا ويكلؤنا ويحفظنا ، ولو أراد يعلمنا ~~لم يكن فيه له عليه السلام ولا لصاحبه فضيلة على أحد من الناس ، لأن الله ~~تعالى شاهد كل نجوى وعالم بها ، وإنما كان فضيلة له ولصاحبه حين كان الله ~~ثالثهما بأن صرف عنهما طلب المشركين وأعمى ابصارهم وسيأتى فى كتاب التمنى ~~معنى قوله : لو أن أحدهم رفع قدمه لبصرنا ، فى باب مايجوز من اللو ان شاء ~~الله تعالى . وقد تقدم شرح العصابة الدسماء فى أبواب صلاة الجمعة فى باب من ~~قال فى الخطبة بعد الثناء : أما بعد ، فأغنى عن إعادته . وقوله : ( إن جاء ~~به هذه الساعة لأمر ) إن هاهنا مؤكدة ، و ( اللام ) فى قوله : ( لأمر ) لام ~~التأكيد ، كقوله تعالى : { وإن كان مكرهم لتزول ms3106 منه الجبال } فى قراءة من ~~فتح اللام وهو الكسائى وقوله : { وإن يكاد الذين كفروا ليزلقونك } وقوله : ~~{ وإن وجدنا أكثرهم لفاسقين } ، هذا قول سيبويه والبصريين ، وأما الكوفيون ~~فيجعلون إن هاهنا نافيه بمعنى ما ، والمعنى إلا ، والتقدير عندهم ماجاء به ~~إلا أمر ، وماوجدنا أكثرهم إلا فاسقين ، PageV09P096 وما يكاد لذين كفروا ~~إلا ليزلقونك . وهذه دعوى يحتاج فيها إلى حجة قاطعة ، واخراج الكلام عن ~~موضوعه لا يصح إلا إذا بطل معنى نسفه وموضوعه ، وقد صح المعنى فى نسقه وقال ~~صاحب الافعال : يقال علفت الدابه ، وأعلفتها ، واللغة الأولى أفصح . وقوله ~~: لقن ثقف . فالقن : الفهم يقال : لقن الشىء لقنا ولقانه عقل وذكا ، والثقف ~~مثله ، يقال : ثقف الحديث : أسرعت فهمه ، وثقفت الشىء : أجدته ، ومنه قوله ~~تعالى : { واقتلوهم حيث ثقفتموهم } وأكثر كلام العرب ثقف لفف ، وثقف لفف أى ~~: راو شاعر رام ، وهذا إتباع ، عن الخليل والرسل بكسر الراء : اللبن ونعق ~~ينعق بالغنم إذا صاح بها ، عن الخليل وقد تقدم فى فضل المدينة فى آخر كتاب ~~الحج . # | 15 - باب : المغفر # / 21 - فيه : أنس ، أن النبى ، عليه السلام ، دخل مكة عام الفتح ، وعلى ~~رأسه المغفر . المغفر من حديد ، وهو من آلات الحرب ودخوله به عليه السلام ~~يوم الفتح كان فى حال القتال ، ولم يكن محرما كما قال ابن شهاب . وقال بعض ~~المتعسفين على مالك : إن هذا الحديث لم يتابع عليه مالك عن ابن شهاب ، ~~وإنما الصحيح فيه أنه دخل يوم الفتح وعليه عمامة سوداء ، ولم يكن عليه مغفر ~~، واجتجوا بما رواه الترمذي عن PageV09P097 محمد بن _ بشار قال : حدثنا عن ~~الرحمن بن مهدى ، عن حماد بن سلمه ، عن أبى الزبير ، عن جابر ( أن النبى ~~عليه السلام دخل مكة يوم الفتح وعليه عمامة سوداء ) . قال الترمذى : وهذا ~~حديث حسن . قال المؤلف : وهذا تعسف على مالك ، وقد وجدت فى حديث الزهرى ~~تصنيف النسائى أن الأوزاعى روى هذا الحديث عن الزهرى ، كما رواه مالك وذكر ~~فيه المغفر ، وقد يمكن أن يكون عليه السلام عليه مغفر وتحتة عمامة سوداء ، ~~لتتفق الروايات ، وسواء دخل عليه ms3107 السلام مكة بمغفر أو بعمامة سوداء فحكمهما ~~سواء ولا حرج عليه فى ذلك ، لأنه دخلها كذلك فى الساعة التى أحلت له ولم ~~تحل لأحد قبله ولابعده ، ثم هى حرام إلى يوم القيامة . وإنما اتخذ عليه ~~السلام مغفرا وتسلح به فى حال الحرب ، وقد أخبر الله تعالى أن الله يعصمه ~~من الناس ، ليس ذلك لأمته ويقتدى به الأئمة والصالحون . # | 16 - باب : البرود والحبرة والشملة # وقال خباب : شكونا إلى النبى - صلى الله عليه وسلم - وهو متوسد بردة له . ~~/ 22 - فيه : أنس ، قال : كنت أمشى مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~وعليه برد نجرانى غليظ الحاشية ، فأدركه أعرابى ، فجبذه بردائه جبذة شديدة ~~، حتى نظرت إلى صفحة عاتق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد أثرت بها ~~حاشية البرد من شدة جبذته ، ثم PageV09P098 قال : يا محمد ، مر لى من مال ~~الله الذى عندك ، فالتفت إليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، ثم ضحك ، ~~ثم أمر له بعطاء . / 23 - وفيه : سهل ، جاءت امرأة ببردة - قال سهل : هل ~~تدرى ما البردة ؟ قال : نعم ، هى الشملة منسوج فى حاشيتها - فقالت : يا ~~رسول الله ، إنى نسجت هذه بيدى أكسوكها فأخذها رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - محتاجا إليها ، فخرج إلينا ، وإنها لإزاره ، فجسها رجل من القوم ، ~~فقال : يا رسول الله ، اكسنيها ، قال : ( نعم ) ، فجلس ما شاء الله فى ~~المجلس ، ثم رجع فطواها ، ثم أرسل بها إليه ، فقال له القوم : ما أحسنت ~~سألتها إياه ، وقد عرفت أنه لا يرد سائلا ، فقال الرجل : والله ما سألتها ~~إلا لتكون كفنى يوم أموت . قال سهل : فكانت كفنه . / 24 - وفيه : أبو هريرة ~~، قال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( يدخل الجنة من أمتى زمرة هى سبعون ~~ألفا ، تضىء وجوههم إضاءة القمر ) ، فقام عكاشة بن محصن الأسدى ، يرفع نمرة ~~عليه ، قال : ادع الله لى يا رسول الله أن يجعلنى منهم ، فقال : ( اللهم ~~اجعله منهم . . . ) الحديث . / 25 - وفيه : أنس ، كان أحب الثياب إلى النبى ~~، عليه السلام ، يلبسها الحبرة . / 26 - وفيه : عائشة ، أن النبى - صلى ~~الله ms3108 عليه وسلم - حين توفى سجى ببرد حبرة . البرود هى : برود اليمن تصنع من ~~قطن وهى الحبرات يشتمل بها وهى كانت أشرف الثياب عندهم ، إلا ترى انه عليه ~~السلام سجى بها حين توفى ، ولو كان عندهم أفضل من البرود شىء لسجي به . ~~PageV09P099 وفيه : جواز لباس الثياب للصالحين رفيع الثياب للصالحين وذلك ~~داخل فى معنى قوله تعالى : { قل من حرم زينة الله التى أخرج لعباده } الآية ~~. وفى حديث أنس ما جبل عليه السلام عليه من شريف الأخلاق وعظيم الصبر على ~~جفاء الجهال والصفح عنهم والدفع بالتى هى احسن ، إلا ترى أنه ضحك حين جبذه ~~الاعرابى ، ثم امر له بعطاء ولم يؤاخذه . وفيه حديث سهل كرم النبى - عليه ~~السلام - وإثاره على نفسه ولو كان فى حال حاجة أخذا بقوله تعالى : { ~~ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة } . وفيه أنه ينبغى التبرك بثياب ~~الصالحين ويتوسل بها إلى الله فى الحياة والممات . وفيه جواز أخذ الهدية ~~للرجل الكبير مما هو دونه إذا علم طيب ما عنده . وفيه جواز من سال الإمام ~~والخليفة ماعليه من ثيابه وسيأتى معنى قوله : ( سبقك بها عكاشة ) . فى كتاب ~~الطب ، فى باب من اكتوى وفضل من لم يكتو إن شاء الله - تعالى والنمرة ~~والبرد سواء . # | 17 - باب الأكسية والخمائص # / 27 - فيه : ابن عباس ، وعائشة ، لما نزل برسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - طفق يطرح خميصة PageV09P100 له على وجهه ، فإذا اغتم كشفها عن وجهه ~~، فقال وهو كذلك : لعنة الله على اليهود والنصارى ، اتخذوا قبور أنبيائهم ~~مساجد يحذر ما صنعوا . / 28 - وفيه : عائشة ، أنها أخرجت وإزارا غليظا ، ~~وكساء ، وقالت : قبض روح النبى ، عليه السلام ، فى هذين . / 29 - وفيه : ~~عائشة ، صلى النبى ، عليه السلام ، فى خميصة له لها أعلام ، فنظر إلى ~~أعلامها نظرة ، فلما سلم ، قال : ( اذهبوا بخميصتى هذه إلى أبى جهم ، فإنها ~~ألهتنى عن صلاتى آنفا ، وأتونى بأنبجانية أبى جهم ) . الخمائص : أكسية من ~~صوف سود مربعة بها أعلام ، كانت من لباس السلف . وقال الأصمعى : الخمائص ~~ثياب من خز أو صوف معلمه وهى سود ms3109 ، وقد تقدم فى كتاب الصلاة . # | 18 - باب : اشتمال الصماء # / 30 - فيه : أبو هريرة ، نهى النبى ، عليه السلام ، عن اشتمل الصماء . / ~~31 - وفيه : أبو سعيد الخدرى ، نهى النبى ، عليه السلام ، عن لبستين ، ~~اشتمال الصماء - والصماء أن يجعل ثوبه على أحد عاتقيه ، فيبدو أحد شقيه ليس ~~عليه ثوب - واللبسة الأخرى احتباؤه بثوبه ، وهو جالس ليس على فرجه منه شىء ~~. وقد تقدم فى كتاب الصلاة . PageV09P101 # | 19 - باب : الثياب الخضر # / 32 - فيه : عكرمة : أن رفاعة طلق امرأته ، فتزوجها عبدالرحمن بن الزبير ~~، قالت عائشة : وعليها خمار أخضر ، فشكت إليها ، وأرتها خضرة بجلدها ، فلما ~~جاء النبى ، عليه السلام ، قالت عائشة : ما رأيت مثل ما تلقى المؤمنات ~~لجلدها أشد خضرة من ثوبها ، قال : وسمع أنها قد أتته ، فجاء ومعه ابنان له ~~من غيرها ، قالت : والله ما لى إليه من ذنب ، إلا أن ما معه ليس بأغنى عنى ~~من هذه ، وأخذت هدبة من ثوبها ، فقال : كذبت ، والله يا رسول الله ، إنى ~~لأنفضها نفض الأديم ، ولكنها ناشز تريد رفاعة ، فقال رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - : ( فإن كان ذلك لم تحلى له - أو لم تصلحى له - حتى يذوق من ~~عسيلتك ) ، قال : وأبصر معه ابنين له ، فقال : ( بنوك هؤلاء ) ؟ قال : نعم ~~، قال : ( هذا الذى تزعمين ما تزعمين ، فوالله لهم أشبه به من الغراب ~~بالغراب ) . قال المؤلف : الثياب الخضر من لباس أهل الجنة قال تعالى : { ~~ويلبسون ثيابا خضرا من سندس وإستبرق } . كفى بهذا شرفا للخضرة وترغيبا فيها ~~. وقال هشام بن عروة قال : رايت على عبد الله بن الزبير مطرقا من خز أخضر ~~كسته أياه عائشة ، وروى أبو داود حديثا عن أبى رمثة PageV09P102 قال : ( ~~انطلقت مع أبى إلى النبي - عليه السلام - فرأيت عليه بردان أخضران ) . فيه ~~أن للرجل ضرب زوجته عند نشوزها عليه ، وإن اثر ضربه فى جلدها ولا حرج عليه ~~فى ذلك ، إلا ترى أن عائشة قالت للنبى - عليه السلام - : ( لجلدها أشد خضرة ~~من ثوبها ) ولم ينكر ذلك النبى . وفيه أن للنساء أن يطالبن أزواجهن عند ~~الامام بقله الوطء وأن يعرضن ms3110 بذلك تعريضا بينا كالتصريح ولا عار عليهن فى ~~ذلك . وفيه أن للزوج إذا ادعى عليه ذلك أن يخبر بخلاف ويعرب عن نفسه ألا ~~ترى قوله : ( يا رسول الله ، إنى لانفضها نفض الأديم ) وهذه الكناية من ~~الفصاحة العجيبة ، وهى أبلغ فى المعنى من الحقيقة . وفيه الحكم بالدليل ، ~~لقوله عليه السلام فى أبنيه : ( لهم أشبه به من الغراب بالغراب ) فاستدل ~~عليه السلام بشبهها على كذبها ، ودعواها وقد تقدم هذا الحديث فى كتاب ~~الطلاق فى باب إذا طلقها ثلاثا ثم تزوجت بعد العدة زوجا فلم يمسها . # | 20 - باب الثياب البيض # / 33 - فيه : سعد ، قال : رأيت بشمال النبى ، عليه السلام ، ويمينه رجلين ~~، عليهما ثياب بيض يوم أحد ، ما رأيتهما قبل ولا بعد . PageV09P103 / 34 - ~~وفيه : أبو ذر ، رأيت النبى - صلى الله عليه وسلم - وعليه ثوب أبيض ، وهو ~~نائم ، ثم أتيته وقد استيقظ ، فقال : ( ما من عبد قال : لا إله إلا الله ، ~~ثم مات على ذلك ، إلا دخل الجنة ) ، قلت : وإن زنى وإن سرق ؟ قلت ذلك ثلاثا ~~، قال لى : كذلك ، على رغم أنف أبى ذر . وكان أبو ذر إذا حدث بهذا ، قال : ~~وإن رغم أنف أبى ذر . قال المؤلف : الثياب البيض من أفضل الثياب وهو لباس ~~الملائكة الذين نصروا النبى عليه السلام يوم أحد وغيره ، والرجلان اللذان ~~كانا يوم أحد عن يمين النبى وعو شماله كانا ملكين ، والله أعلم . وكان عليه ~~السلام يلبس البياض ويفضله ، ويحض على لباسه الأحياء ، ويأمر بتكفين ~~الأموات فيه . روى أبو داود قال : حدثنا أحمد بن يونس قال : ثنا زهير ، ~~حدثنا عبد الله بن عثمان بن خثيم ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس قال : ~~قال رسول الله : ( ألبسوا من ثيابكم البياض ، فإنها من خير ثيابكم ، وكفنوا ~~فيها موتاكم ) . وأما قوله فى حديث أبى ذر : ( من قال : لا إله إلا الله ، ~~ثم مات على ذلك دخل الجنة وإن زنا وإن سرق ) . وقول البخارى : فقال هذا عند ~~الموت إذا تاب وندم وقال : لا إله إلا الله ، غفر له . هذا تفسير يحتاج إلى ~~تفسير ms3111 آخر ، وذلك أن التوبة والندم إنما تنفع فى الذنوب التى بين العبد ~~وبين ربه ، فأما مظالم العباد فلا تسقطها عنه التوبة . PageV09P104 ومعنى ~~الحديث أن من مات على التوحيد أنه يدخل الجنة وإن ارتكب الذنوب ، ولا يخلد ~~فى النار بذنوبه كما يقوله الخوارج وأهل البدع ، وقد تقدم - فى حديث معاذ ~~أن النبى - عليه السلام - قال له : ( ما من أحد يشهد أن لا إله ألا الله ~~وأن محمدا رسول الله صادقا من قلبه إلا حرمه الله على النار ) هذا المعنى ~~مبينا فى كتاب العلم فى باب من خص بالعلم قوما دون قوم . فإن قال قائل : فى ~~ظاهر قول البخارى هذا أنه لم يوجب المغفرة إلا لمن تاب ، فظاهر هذا يوهم ~~إنقاذ الوعيد لمن لم يتب . قيل له : إنما البخارى ماأراده وهب بن منبه ~~بقوله فى مفتاح الجنة فى كتاب الجنائز : أن تحقيق ضمان وعد النبى عليه ~~السلام لمن مات لا يشرك بالله أو لمنم قال : لا إله إلا الله ، ثم مات على ~~ذلك ، أنه إنما يتحصل لهم دون مدافعه عن دخول الجنة ، ولاعذاب ولاعقاب إذا ~~لقوا الله تائبين أو عاملين بما أمر به ، فأولئك يكونون أول الناس دخولا ~~الجنة أو قبلهم تباعات للعباد ، فلا بدا أيضا لهم من دخول الجنة بعد إنقاذ ~~الله مشيئته فيهم من عذاب أو مغفرة . # | 21 - باب : لبس الحرير للرجال وافتراشه للرجال وقدر ما يجوز منه # / 35 - فيه : أبو عثمان النهدى ، أتانا كتاب عمر ، ونحن مع عتبة بن فرقد ~~بأذربيجان ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى عن الحرير إلا هكذا - ~~وأشار بإصبعيه اللتين تليان الإبهام - قال : فيما علمنا أنه يعنى الأعلام . ~~PageV09P105 / 36 - وقال مرة : إن عمر كتب إلى عتبة ، أن النبى ، عليه ~~السلام ، قال : ( لا يلبس الحرير فى الدنيا ، إلا لم يلبس فى الآخرة منه ) ~~. / 37 - وفيه : حذيفة أنه استسقى ، فأتاه دهقان بماء فى إناء من فضة ، ~~فرماه به ، وقال : إنى لم أرمه إلا أنى نهيته ، فلم ينته ، قال رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - : ( الذهب ms3112 والفضة والحرير والديباج ، هى لهم فى ~~الدنيا ولكم فى الآخرة ) . / 38 - وفيه : أنس ، عن النبى عليه السلام ، قال ~~: من لبس الحرير فى الدنيا ، لم يلبسه فى الآخرة ) . قال شعبة : فقلت : أعن ~~النبى ، عليه السلام ؟ . . . الحديث . / 39 - وفيه : ابن عمر ، عن عمر ، ~~قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( إنما يلبس الحرير فى ~~الدنيا من لا خلاق له فى الآخرة ) . قال الطبرى : اختلف أهل العلم فى معنى ~~هذه الأخبار فقال بعضهم بعموم خبر عمر ، عن النبى - صلى الله عليه وسلم - ~~أنه قال : ( إنما يلبس الحرير فى الدنيا من لا خلاق له فى الآخرة ) . وقال ~~: الحرير كله حرام ، قليله وكثيره ، مصمتا كان أو غير مصمت ، فى الحرب ~~وغيرها على الرجال والنساء ، لأن التحريم بذلك قد جاء عاما فليس لأحد أن ~~يخص منه شيئا ، لأنه لم يصح بخصوصه خبر . وقال آخرون : بل هذه الأخبار التى ~~وردت عن النبى - عليه السلام - بالنهى عن لبس الحرير أخبار منسوجة ، وقد ~~رخص فيه رسول الله بعد النهى عن لبسه وأذن لأمته فيه . وقال آخرون ممن قال ~~بتحليل لبسه : ليست هذه الأخبار منسوجة ، ولكنها بمعنى الكراهة لا بمعنى ~~التحريم . PageV09P106 وقال آخرون : بل هذه الأخبار وإن كانت وردت بالنهى ~~عن لبس الحرير فإن المراد بها الخصوص ، وإنما أريد بها الرجال دون النساء ، ~~وماعنى به الرجال من ذلك فإنما هو ماكان منه حريرا مصمتا ، فأما مااختلف ~~سداه ولحمته أو كان علما فى ثوب فهو مباح . وقال آخرون ممن قال بخصوص هذه ~~الأخبار : إنما عنى بالنهى عن لبس الحرير فى غير لقاء العدو ، فأما عند ~~لقاء العدو فلا بأس يلبسه مباهاة وفخرا . ذكر من قال : إن النهى عن الحرير ~~على العموم : روى عطاء ، عن عبد الله مولى أسماء قال : ( أرسلت اسماء إلى ~~ابن عمر أنه بلغنى انك تحرم العلم فى الثوب . قال : إن عمر حدثنى أنه سمع ~~النبى عليه السلام يقول : من لبس الحرير فى الدنيا لم يلبسه فى الآخرة . ~~وأخاف أن يكون العلم فى الثوب من لبس الحرير ) . قال ms3113 أبو عمرو الشيبانى : ( ~~رأى على بن أبى طالب على رجل جبه طيالسه قد جعل على صدره ديباجا ، فقال : ~~ماهذا النتن تحت لحييك . قال : لا تراه على بعدها ) . وعن أبى هريرة أنه ~~رأى رجل لبنه حرير فى قميصه فقال : ( لو أزرار ديباج فقال : تتقلد قلائد ~~الشيطان فى عنقك ) . PageV09P107 وعن الحسن البصرى أنه يكره قليل الحرير ~~وكثيره للرجال والنساء حتى الأعلام فى الثياب . وكره بن سيرين العلم فى ~~الثوب وقال : الدليل على عموم التحريم قوله عليه السلام : ( من لبسه فى ~~الدنيا لم يلبسه فى الآخرة ) . ومن قال : المراد بالنهى عن لباس الحرير ~~الرجال دون النساء ورخص فى الأعلام . وروى عن حذيفة ( أنه رأى صبيانا عليهم ~~قمص حرير فنزعها عنهم وتركها على الجوارى ) . وعن ابن عمر ( أنه كان يكره ~~الحرير للرجال ، ولا يكرهه للنساء ) وعن عطاء مثله . واحتج الذين أجازوه ~~للنساء بما رواه عبيد الله بن عمر ، عن نافع ، عن سعيد بن أبى هند ، عن أبى ~~موسى الشعرى قال : قال رسول الله : ( أحل لأناث أمتى الحرير والذهب ، وحرم ~~على ذكروهم ) ، وكان ابن عباس لا يرى بأسا بالأعلام ، وقال عطاء : إذا كان ~~العلم إصبعين أو ثلاثة مجموعة فلا بأس به . وكان عمر بن عبد العزيز يلبس ~~الثوب سداه كتان وقيامه حرير ، وأجازه ابن أبى ليلى ، وقال أبو حنيفة : لا ~~بأس بالخز وإن كان سداه إبريسم ، وكذلك لا بأس بالخز ، وإن كان مبطنا بثوب ~~حرير ، لأن الظاهر الخظ وليس الظاهر الحرير ، ولابأس بحشو القز . وقال ~~الشافعى : إن لبس رجل قباء محشوا قزا فلا بأس به ، PageV09P108 لأن الحشو ~~باطن ، وإنما إظهار القز للرجال . وكان النخعى يكره الثوب سداه حرير ، وقال ~~طاوس : دعه لمن هو أحرص عليه . وسئل الأوزاعى عن السيجان الواسطية التى ~~سداها قز ، فقال : لا خير فيها . قال غير الطبرى : وكان مالك يعجبه ورع ابن ~~عمر ، فلذلك كره لباس الخز ، قال مالك : إنما كره الخز ، لأن سداه حرير . ~~ذكر من قال : إن الأخبار الواردة بتحريم لبس الحرير منسوجة بإذنه للزبير بن ~~العوام فى ذلك ، وأن ms3114 لباسه جائز فى الحرب وغيرها . روى معمر ، عن ثابت ، عن ~~أنس قال : لقى عمر عبد الرحمن بن عامر بن ربيعة قال : ( شهدت عمر بن الخطاب ~~وعبد الرحمن بن عوف وعليه قميص حرير ، فقال : ياعبد الرحمن ، لا تلبس ~~الحرير والديباج فإنه ذكر لى أن من لبسه فى الدنيا لم يلبسه فى الآخرة ) . ~~وروى ابن أبى ذئب ، عن سفينة مولى ابن عباس قال : ( دخل المسور بن محرمة ~~على ابن عباس يعوده ، وعلى ابن عباس ثوب إستبرق وبين يديه كانون عليه ~~تماثيل فقال : ماهذا اللباس عليك ؟ قال : ماشعرت به وما أظن النبى نهى عنه ~~إلا للتكبر والتجبر ، ولسنا كذلك بحمد الله ، قال : وماهذه التماثيل ؟ قال ~~: أما PageV09P109 تراها قد أحرقناها بالنار ، فلما خرج المسور قال ابن ~~عباس : ألقوا هذا الثوب عنى ، واكسروا هذه التماثيل ، وبيعوا هذا الكانون ) ~~. وعن جبير بن حية أنه اشترى جارية عليها قباء من ديباج منسوج بذهب ، فكان ~~يلبسه ، فكأن اصحابه عابوا عليه ذلك ، فقال : أنه يدفئنى ، وألبسه فى الحرب ~~. قال الطبرى : والصواب فى حديث عمر عن النبى - عليه السلام أنه على الخصوص ~~، وقوله : ( إنما هذه لباس من لا خلاق له يعنى : من الحرير المصمت من ~~الرجال ، فى غير حال المرض والحرب ، لغير ضرورة دعته إلى لبسه تكبرا ~~واختيالا فى الدنيا لم يلبسه فى الآخرة ، ولباس ذلك كذلك لباس من لا خلاق ~~له . وإنما قلنا عنى به من الحرير المصمت ، لقيام الحجة بالنقل الذى يمتنع ~~منه الكذب أنه لا بأس بلبس الخز ، والخز لا شك سداه حرير ولحمته وبر ، فإذا ~~كانت الحجة ثابتة بتحليله ، فسبيل كل مااختلف سداه ولحمته سبيل الخز ، أنه ~~لا بأس به فى كل حال للرجال والنساء ، وإنما قلنا عنى به كان ثوبا دون ~~ماكان علما فى ثوب ، لصحة الخبر عن النبى - عليه السلام - أنه استثنى من ~~الحرير ، إذ نهى عن لبسه ماكان منه قدر أصبعين أو ثلاث أو أربع . وقال عنى ~~به من لم تكن به عله تضطرة إلى لبسه ، لصحة الخبر عن النبى - عليه السلام - ~~أنه ms3115 ارخص للزبير بن العوام فى الحرير وعبد الرحمن لحكه كانت بجلودهما فكان ~~معلوما بذلك ، إذ كل عله كانت بالإنسان يرجى بلبس الحرير خفتها أن له لبسه ~~معها ، وأن من كانت بالأنسان يرجى بلبس الحرير خفتها أن له لبسه معها ، وأن ~~من PageV09P110 قصد إلى دفع ماهو أعظم أذى من الحكة وذلك كأسلحة العو ، أن ~~له من ذلك ماكان لعبد الرحمن والزبير بسبب الحكة . وقلنا : الخبر خاص ~~للرجال دون النساء ، لصحة خبر أبى موسى عن النبى - عليه السلام - أنه قال : ~~( الذهب والحرير حرام على ذكور أمتى ، حل لإناثها ) . فبان أن جميع الأخبار ~~المروية فى الحرير غير دافع منها خبر غيره ، ولاناسخ فيها ولامنسوخ ، ولكن ~~يعضد بعضها بعضا ، وقد تقدم فى كتاب الجهاد واختلاف العلماء فى لباس الحرير ~~فى الحرب . قال الطبرى : واختلفوا فى قوله : ( إنما يلبسها من خلاق له فى ~~الآخرة ) وقال آخرون : ما له فى الآخرة من وجهة . وقال آخرون : ما له فى ~~الآخرة . وقال غير الطبرى : قوله : ( إنما يلبسها من لا خلاق له فى الآخرة ~~) يعنى : أنه من لباس المشركين فى الدنيا ، فينبغى أن لا يلبسه المؤمنون . # | 22 - باب : مس الحرير من غير لبس # / 40 - فيه : البراء ، أهدى للنبى ، عليه السلام ، ثوب حرير ، فجعلنا ~~نلمسه ، ونتعجب منه ، فقال النبى ، عليه السلام : ( أتعجبون من هذا ) ؟ ~~قلنا : نعم ، قال : ( مناديل سعد بن معاذ فى الجنة خير من هذا ) . قال ~~المؤلف : ليس النهى الحرير من أجل نجاسة عينه PageV09P111 فيحرم لمسه باليد ~~، وإنما نهى عن لبسه من أجل أنه ليس من لباس المتقين ، وعينه مع ذلك طاهرة ~~، فلذلك جاز لمسه والانتفاع بثمنه . * * * # | 23 - باب : افتراش الحرير قال عبيدة : هو كلبسه # . / 41 - فيه : حذيفة ، نهانا النبى ، عليه السلام ، أن نشرب فى آنية ~~الذهب والفضة ، أو نأكل فيها ، وعن لبس الحرير والديباج ، وأن نجلس عليه . ~~قال المؤلف : هذا الباب رد من أجاز افتراش الحرير والارتفاق به ، وهو قول ~~عبد العزيز بن أبى سلمه ، وروى وكيع ، عن مسعر ، عن راشد مولى بنى تميم قال ~~: رايت فى مجلس ms3116 ابن عباس مرفقة حرير . والجمهور على خلافه ، وحجتهم حديث ~~حذيفة أن النبى - عليه السلام - نهى عن لباس الحرير وعن الجلوس عليه ، وهذا ~~نصر فى المسالة ، ولو عدمنا هذا النص لاستدللنا على أن الافتراش والجلوس ~~لباس من حديث أنس فى الحصير الذى اسود من طول ما لبس . وقد روى وهب ، عن ~~ابن لهيعة ، عن أبى النضر ان عبد الله ابن عامر صنع صنيعا ، فدعا الناس ~~وكان فيهم سعد بن أبى وقاص ، فلما أتى أمر بمحبس من حرير كان على سريره ~~فنزع ، فلما دخل قال PageV09P112 له ابن عامر ياأبا إسحاق ، إنه كان على ~~السير محبس من حرير فلما سمعنا بك نزعناه . قال سعد : لأن أقعد على جمر ~~الغضا أحب إلى من أن أقعد على محبس من حرير . # | 24 - باب : لبس القسي # وقال على بن أبى طالب : ( القسية ) ، ثياب أتتنا من الشام - أو من مصر - ~~مضلعة فيها حرير ، وفيها أمثال الأترنج والميثرة ، كانت النساء تصنعه ~~لبعولتهن مثل القطائف يصفرنها . وقال جرير ، عن يزيد : القسية ثياب مضلعة ~~يجاء بها من مصر ، فيها الحرير والميثرة جلود السباع . / 42 - فيه : البراء ~~، نهانا النبى ، عليه السلام ، عن المياثر الحمر والقسى . قال الطبرى : ~~القسى ثياب تعمل من الحرير بقرية بمصر يقال لها القسى . وقال أبو عبيد : ~~وأصحاب الحديث يقولون : القسى بكسر القاف ، وأهل مصر يفتحون القاف تنسب إلى ~~بلاد يقال لها : قس . وسأذكر المثيرة بعد هذا . # | 25 - باب : ما يرخص للرجال من الحرير للحكة # / 43 - فيه : أنس ، قال : رخص النبى ، عليه السلام ، للزبير وعبدالرحمن ~~فى لبس الحرير لحكة بهما . PageV09P113 قد تقدم كلام الطبري أن هذا الحديث ~~يدل أنه عن لبس الحرير من لم تكن به عله تضطره إلى لبسه ، وكان معلوما ~~بترخيصه ، عليه السلام ، فى لبس الحرير للحكة ، أن كل عله كانت بالإنسان ~~يرجى بلبس الحرير فخفتها أنه يجوز له لباسه معها ، وأن من قصد بلبسه إلى ~~ماهو أعظم من أذى من أذى الحكة كنيل العدو واسلحتهم أن ذلك له جائز ، وقد ~~تقدم فى كتاب الجهاد . # | 26 - باب ms3117 : الحرير للنساء # / 44 - فيه : على ، قال : كسانى النبى ، عليه السلام ، حلة سيراء ، فخرجت ~~فيها ، فرأيت الغضب فى وجهه ، فشققتها بين نسائى . / 45 - وفيه : عمر ، أنه ~~رأى حلة سيراء تباع فى السوق ، فقال : يا رسول الله ، لو ابتعتها تلبسها ~~للوفد إذا أتوك والجمعة ، قال : ( إنما يلبس هذه من لا خلاق له ) ، وأن ~~النبى ، عليه السلام ، بعث بعد ذلك إلى عمر حلة سيراء حرير كساها إياه ، ~~فقال عمر : كسوتنيها ، وقد سمعتك تقول ، فيها ما قلت ؟ فقال : ( إنما بعثت ~~إليك ؛ لتبيعها أو تكسوها ) . / 46 - وفيه : أنس ، رأى على أم كلثوم بنت ~~النبى ، عليه السلام ، برد حرير سيراء . العلماء متفقون أن الحرير مباح ~~للنساء ، إلا ما روى عن الحسن البصرى قال يونس بن عبيد : كان الحسن يكره ~~قليل الحرير وكثيرة للرجال والنساء ، حتى الأعلام فى الثياب . وأحاديث هذا ~~الباب خلاف قول الحسن ، ولو كان الحرير لا يجوز لباسه للنساء ماجهل ذلك على ~~بن أبى طالب ولا شق الحلة بين نسائه ، ولا جاز لأم كلثوم بنت النبى لباس ~~الحرير ، وروى معمر عن PageV09P114 الزهري ، عن أنس قال : ( رأيت على زينب ~~بنت رسول الله برد سيراء من حرير ) قال الأصمعى : سيراء : ثياب فيها خطوط ~~من حرير ، ويقال من قز ، وإنما يقال لها : سيراء لتسيير الخطوط فيها . وقال ~~الزهرى : السيراء المضلع بالقزى ، وعن الخليل مثله ، وهذا مذهب من لم يجز ~~للرجال لباس المصلع بالقزى ، وعن الخليل مثله ، وهذا مذهب من لم يجز للرجال ~~لباس الثوب إذا خالطه حرير أو كان فيه منه سدى أو لحمة ، والآثار تدل أن ~~الحلة من حرير محض . روى حماد بن زيد ، عن أيوب ، عن نافع ، عن أبى عمر قال ~~عمر : ( يا رسول الله ، إنى مررت بعطارد وهو يعرض حلة حرير للبيع فلو ~~اشتريتها للجمعة والوفد . . . ) وذكر الحديث ، وقال الزهرى ، عن سالم ، عن ~~أبيه حلة من إستبرق وهو غليظ الحرير ، وعلى هذا تدل الآثار أنها كانت من ~~حرير محض . * * * # | 27 - باب : ما كان النبى عليه السلام يتجوز من الباس والبسط # / 47 - فيه : ابن عباس ms3118 ، قال : قال عمر : دخلت ، على النبى ، عليه السلام ~~، فإذا هو على حصير قد أثر فى جنبه ، وتحت رأسه مرفقة من أدم حشوها ليف ، ~~وإذا أهب معلقة ، وقرظ . / 48 - وفيه : هند بنت الحارث ، عن أم سلمة ، قالت ~~: استيقظ النبى ، عليه السلام ، من الليل ، وهو يقول : ( لا إله إلا الله ، ~~ماذا أنزل الليلة من الفتنة ؟ ماذا أنزل من الخزائن ؟ من يوقظ صواحب ~~الحجرات ؟ كم من كاسية فى الدنيا عارية يوم القيامة ) . قال الزهرى : وكانت ~~هند لها أزرار فى كميها بين أصابعها . PageV09P115 قال المؤلف : كان النبى ~~- عليه السلام - ينام على الحصير حتى يؤثر فى جنبه ، ويتخذ من الثياب ~~مايشبه تواضعه - صلى الله عليه وسلم - وزهده فى الدنيا توفيرا لحظة فى ~~الآخرة ، وقد خيره الله ان يكون نبيا ملكا أو نبيا عبدا ، فاختار أن يكون ~~نبيا عبدا إيثار للآخرة على الدنيا ، وتزهيدا لأمته فيها ليقتدوا به فى أخذ ~~البلغة من الدنيا ، إذ هى اسلم من الفتنة التى تخشى على من فتحت عليه زهرة ~~الدنيا ، ألا ترى قوله عليه السلام : ( ماذا أنزل الليلة من الفتنة ؟ ماذا ~~أنزل من الخزائن ؟ ) فقرن عليه السلام الفتنة بنزول الخزائن ، فدل ذلك على ~~أن الكفاف والقصد فى أمور الدنيا خير من الإكثار واسلم من الفتنة . فإن قال ~~قائل : حديث أم سلمه لا يوافق معنى الترجمة قيل : بل موافق لها ، وذلك أن ~~النبى عليه السلام حذر أهله وجميع المؤمنات من لباس رقيق الثياب الواصفة ~~لأجسامهن ، لقوله : ( كم من كاسية فى الدنيا عارية يوم القيامة ) وفهم منه ~~أن عقوبة لابسة ذلك أن تعرى يوم القيامة على رؤوس الأشهاد ، وقام الدليل من ~~ذلك أنه عليه السلام حض أزواجه على استعمال خشن الثياب السائرة لهن حذرا أن ~~يعرين فى الآخرة . ألا ترى قول الزهرى : وكانت هند لها أزرار فى كميها بين ~~اصابعها . وإنما فعلت ذلك ، لئلا يبدو من سعة كميها شىء من جسدها ، فتكون ~~وإن كانت ثيابها غير واصفة لجسدها داخلة فى PageV09P116 معنى قوله : ( ~~كاسية عارية ) فلم يتخذ النبى عليه السلام ولا أهله من ms3119 الثياب إلا الساتر ~~لهن غير الواصف ، وهو كان فعل السلف وهو موافق للترجمة . وقوله : أهب ، جمع ~~إهاب عن سيبويه ، والقرظ : ورق السلم يدبغ به الأدم ، وقد تقدم معنى حديث ~~ابن عباس فى كتاب النكاح فى باب موعظة الرجل ابنته لحال زوجها . # | 28 - باب ما يدعى به لمن لبس ثوبا ( جديدا ) # / 49 - فيه : أم خالد ، قالت : أتى النبى - صلى الله عليه وسلم - بثياب ~~فيها خميصة سوداء ، فقال : ( من ترون نكسوها هذه الخميصة ) ؟ فأسكت القوم ، ~~قال : ( ائتونى بأم خالد ) ، فأتى بى النبى ، عليه السلام ، فألبسنيها بيده ~~، وقال : ( أبلى وأخلقى ) مرتين ، فجعل ينظر إلى علم الخميصة ، ويشير بيده ~~إلى ، ويقول : ( يا أم خالد ، هذا سنا ، ويا أم خالد هذا سنا ) . والسنا ~~بالحبشية : الحسن . قال المؤلف : من روى اخلقى بالقاف فهو تصحيف ، والمعروف ~~من كلام العرب أخلفى بالفاء ، يقال : خلفت الثوب إذا أخرجت باليه ولفقته ، ~~ويقال : أبل وأخلف أى : عش فخرق ثيابك وارقعها ، هذا كلام العرب . وقد روى ~~داود ، عن عمرو بن عون ، عن ابن المبارك ، عن PageV09P117 الجريرى ، عن أبى ~~نضرة قال : ( كان أصحاب رسول الله إذا لبس أحدهم ثوبا جديدا ، قيل له : ~~تبلى ويخلف الله ) . وقوله : ( فأسكت القوم ) قال صاحب الأفعال يقال : سكت ~~سكوتا ، وأسكت : صمت ، ويقال : بل معنى أسكت : أطرق . # | 29 - باب : التزعفر للرجال # / 50 - فيه : أنس ، قال : نهى النبى ، عليه السلام ، أن يتزعفر الرجل . ~~قال المؤلف : نهيه عليه السلام عن التزعفر للرجال معناه فى الجسد . وقد روى ~~أبو داود ، عن موسى بن إسماعيل ، عن حماد ، عن عطاء الخراسانى ، عن يحى بن ~~يعمر ، عن عمار بن ياسر قال : ( قدمت على أهلى ليلا وقد تشققت يداى فخلقونى ~~بزعفران ، فغدوت على النبى عليه السلام فسلمت عليه ولم يرحب بى ، فقال : ~~اذهب فاغسل عنك هذا . فذهب فغسلته ، ثم جئت وقد بقى على منه ردع فسلمت فلم ~~يرد على ولم يرحب بى وقال : اذهب فاغسل عنك هذا . فذهبت فغسلته ثم جئت ، ~~فسلمت فرد على ورحب بى وقال : إن الملائكة لا تحضر جنازة الكافر بخير ، ولا ~~المتضمخ ms3120 بالزعفران ، ولا الجنب ) . وقد رواه بن عطاء بن أبى الجوزاء ، عن ~~يحى بن يعمر ، عن رجل عن عمار ، فهو حديث معلول . PageV09P118 فإن قيل : ~~فنهيه عليه السلام عن التزعفر للرجال محملة التحريم . قيل : لا ، بدليل ~~حديث أنس أن عبد الرحمن بن عوف قدم على النبى عليه السلام وبه أثر صفرة ، ~~وروى ( وضر صفرة ) وزاد حماد بن سلمه ، عن ثابت : ( وبه ردع من زعفران ، ~~فقال له : مهيم ؟ فقال : تزوجت . . . ) الحديث ، ولم يقل له النبى - عليه ~~السلام - أن الملائكة لا تحضر جنازتك بخير ، ولا أن هذه الصفرة التى التصقت ~~بجسمك حرام بقاءها عليك ، ولا أمره بغسلها ، فدل أن نهيه عليه السلام عن ~~التوعفر لمن لم يكن عروسا إنما هو محمول على الكراهية ، لأن توعفر الجسد من ~~الرفاهية التى نهى النبى - عليه السلام - عنها بقوله : ( البذاذة من ~~الإيمان ) . # | 30 - باب : الثوب المزعفر # / 51 - فيه : ابن عمر ، نهى النبى - صلى الله عليه وسلم - أن يلبس المحرم ~~ثوبا مصبوغا بورس أو بزعفران . قال المؤلف : اختلف العلماء فى تأويل هذا ~~الحديث ، فحمل قوم نهيه عليه السلام عن الثوب المزعفر فى حال الإحرام خاصة ~~. وقالوا : ألا ترى قول ابن عمر أن النبى عليه السلام إنما نهى المحرم عن ~~ذلك ، وراوى الحديث أعلم بمخرجه وسببه ، وأجازوا لباس الثياب المصبوغة ~~بالزعفران فى غير حال الإحرام للرجال ، وروى ذلك عن ابن عمر ، وهو قول مالك ~~وأهل المدينة ، قال مالك : رأيت عطاء بن يسار يلبس الرداء والازرار المصبوغ ~~بالزعفران ورأيت ابن PageV09P119 هرمز ، ومحمد بن المنكدر يفعلان ، ورأيت ~~فى رأس ابن المنكدر الغالية . وحملت طائفة نهيه عليه السلام عن لباس ~~المزعفر للرجال فى حال الإحرام وفى كل حال وهو قول الكوفيين والشافعى . # | 31 - باب : الثوب الأحمر # / 52 - فيه : البراء ، قال : كان النبى عليه السلام ، مربوعا : وقد رأيته ~~فى حلة حمراء ما رأيت شيئا أحسن منه . قال الطبرى : إن قال قائل : ما وجه ~~هذا الحديث وقد عارضه حديث آخر وهو ما حدثنا حماد بن محمد عن عمارة السدى ، ~~حدثنا على بن قادم ، حدثنا عبيد ms3121 الله بن عبد الرحمن بن موهب ، عن عمه ، عن ~~أبى هريرة قال : ( خرج عثمان حاجا إلى مكه ، واتينا محمد بن عبد الله بن ~~جعفر بامرأته فبات عندها ، ثم غدا إلى مكة فأتى الناس ، وهم بملل قبل أن ~~يروحوا ، فرآه عثمان وعليه ملحفة معصفرة مقدمة ، فانتهز ، وقال : تلبس ~~المعصفر وقد نهى رسول الله عليه السلام عنه ؟ فقال على : إن رسول الله لم ~~ينهه ولا إياك إنما نهانى أنا . فسكت عثمان ) . قال الطبرى : وقد اختلف ~~السلف فى ذلك ، فمنهم من رخص فى لبس ألوان الثياب المصبغه بالحمرة مشبعة ~~كانت أو غير مشبعة ، ومنهم من كره المشبعة ، ورخص فيما لم يكن مشبعا ، ~~ومنهم من كره لبس PageV09P120 جميع الثياب مشبعها وغير مشبعها ، ومنهم من ~~رخص فيه للمهنة وكره للبس . ذكر من رخص فى جميع الوان الثياب الصبغة . روى ~~بريدة ، عن على أنه نهض بالراية يوم خبير وعليه حلة أرجوان حمراء ، وقال ~~أبو ظبيان : رايت على على إزارا أصفر . وقال الأحنف بن قيس : رأيت على ~~عثمان ملاءة صفراء . وقال عروة بن الزبير : قال عبد الله بن الزبير : كان ~~على الزبير يوم بدر ملاءه صفراء ، ونزلت الملائكة يوم بدر معتمين بعمائم ~~صفر . وقال ابن سيرين : كان أبو هريرة يلبس المغيرة . وقال عمران بن مسلم : ~~رأيت على أنس بن مالك إزار معصفرا . وكان ابن المسيب يصلى وعليه برنس ~~ارجوان . ولبس المعصفر : عروة ، والشعبى ، وابو وائل ، وابراهيم النخعى ، ~~والتيمى ، وابو قلابة ، وجماعة ، وقال مالك فى الموطأ ، فى الملاحف ~~المعصفرة للرجال فى البيوت والأفنية : ولا أعلم شيئا من ذلك حراما وغير ذلك ~~من الثياب أحب إلى . وقال غير الطبرى : أجاز لباس المعصفر : البراء ، وطلحة ~~بن عبيد الله ، وهو قول الكوفيين ، والشافعى . ذكر من رخص فى ذلك فيما ~~امتهن ، وكره مما لبس : وروى عطاء ، عن ابن عباس أنه قال : لا بأس بما ~~امتهن من المعصفر ويكره ما لبس منه . PageV09P121 ذكر من كره مااشتدت حمرته ~~واباح ماخف منها : روى ذلك عن عطاء ، وطاوس ، ومجاهد . ذكر من كره لبس جميع ~~الوان الحمرة ms3122 : روى أيوب ، عن إبراهيم الخزاعى قال : حدثنا عجوز لنا قالت : ~~كنت أرى عمر إذا راى على الرجل الثوب المعصفر ضربه وقال : دعوا هذه ~~الترافات للنساء . ورأى ابن محيريز على ابن عليه رداء موردا فقال : دع ذا ~~عنا . وروى يحى بن أبى كثير ، عن محمد بن إبراهيم ، عن خالد بن معدان ، عن ~~جبير بن نفير ، عن عبد الله بن عمرو قال : ( رآنى رسول الله عليه السلام ~~وعلى ثياب معصفرة فقال : القها فإنها ثياب الكفار ) . قال الطبرى : وحجة ~~الذين أجازوا لباس المعصفرة والمصبغ بالحمرة للرجال حديث البراء أن النبى ~~عليه السلام لبس حلة حمراء ، والذين كرهوا ذلك للرجال اعتمدوا على حديث عبد ~~الله بن عمرو ، أن النبى - عليه السلام - أغلظ له القول فى الثياب المعصفر ~~. والذين لم يروا بامتهانه بأسا وكرهوا لبسه قالوا : إنما ورد الخبر بالنهى ~~عن لبسه دون امتهانه وافتراشه وقالوا : لا يعدى بالنهى عن ذلك موضعه . ~~والذين رخصوا من ذلك فيما خفت حمرته بحديث قتيلة أنها قدمت على النبى - ~~عليه السلام - قالت : ( فرأيته قاعدا القرفصاء وعليه أسمال - ملاءتين كانتا ~~بزعفران - قد نفضتا ) . والصواب عندنا أن لبس المعصفر وشبه من الثياب ~~المصبغة بالحمرة وغيرها من الأصباغ غير حرام ، بل ذلك مطلق مباح غير أنى ~~أحب PageV09P122 للرجال توقى لبس ماكان مشبعا صبغة ، وأكره لهم لبسه ظاهرا ~~فوق الثياب لمعنين : أحدهما : ماورى فى ذلك عن النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- من الكراهية ، والثانى : أنه شهرة وليس من لباس أهل المروءة فى زماننا ~~هذا ، وإن كان قد كان لباس كثير من أهل الفضل والذين قبلنا ، فالذى ينبغى ~~للرجل أن يتزى فى كل زمان بزى أهله مالم يكن إثما لأن مخالفة الناس فى زيهم ~~ضرب من الشهرة ، ويكون الجمع بين الحديثين أن لبسه عليه السلام للحمرة ~~ليعلم أمته أن النهى عنه لم يكن على وجه التحريم للبسه ، ولكن على وجه ~~الكراهية ، إذ كان الله تعالى قد ندب أمته إلى الاستنان به . # | 32 - باب : الميثرة الحمراء # / 53 - فيه : البراء ، أمرنا النبى عليه السلام : بسبع ، ونهانا ms3123 عن سبع : ~~عن لبس الحرير ، والديباج ، والقسى ، والإستبرق ، والمياثر الحمر . قال ~~الطبرى : المثيرة : وطأ كان النساء يوطئه لأزواجهن من الأرجوان الأحمر على ~~سروج خيلهم أو من الديباج والحرير ، وكان ذلك من مراكب العجم . قال الطبرى ~~: على سروج خيلهم أو من الديباج والحرير ، وكان ذلك من مراكب العجم . وقال ~~أبو عبيد : المياثر الحمر التى جاء فيها النهى ، فإنها كانت من مراكب ~~الأعاجم من ديباج أو حرير . قال المؤلف : فقول أبى عبيد يدل أن المياثر إذا ~~لم تكن من PageV09P123 حرير أو ديباج من صوف أحمر فإنه يجوز الركوب عليها ، ~~وليس النهى عنها كالنهى إذا كانت من حرير أو ديباج ، وهذا يشبه قول مالك . ~~قال ابن وهب : سئل مالك عن مثيره أرجوان أيركب عليها ؟ قال ماأعلم حراما ، ~~ثم قرأ : ( قل من حرم زينة الله ) الآية . والإستبرق : غليظ الديباج ~~والحرير ، وهو بالفارسية استبره ، وكان الأصمعى يقول : عربتها العرب . ~~والسندس : مارق منه . # | 33 - باب : النعال السبتية وغيرها # / 54 - فيه : أنس : قيل له : أكان النبى - صلى الله عليه وسلم - يصلى فى ~~نعليه ؟ قال : نعم . / 55 - وفيه : عبيد بن جريج ، قال لابن عمر : رأيتك ~~تصنع أربعا . . . . الحديث ، قال : أما النعال السبتية ، فإنى رأيت النبى ، ~~عليه السلام ، يلبس النعال التى ليس فيها شعر ويتوضأ فيها ، فأنا أحب أن ~~ألبسها . / 56 - وفيه : ابن عمر ، قال : النبى ، عليه السلام : ( من لم يجد ~~نعلين فليلبس خفين . . . ) الحديث . قال المؤلف : النعال من لباس النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - وخيار السلف . قال مالك : والانتعال من عمل العرب وقد ~~روى أبو داود ، عن محمد بن الصباح ، عن ابن أبى الزناد ، عن موسى بن عقبة ، ~~عن أبى الزبير ، عن جابر قال : ( كنا مع النبى فى سفر فقال : أكثروا من ~~النعال ، فإن الرجل لا يزال راكبا ما انتعل ) . وقال ابن وهب : النعال ~~السبتية هى التى لا شعر فيها . PageV09P124 وقال الخليل والأصمعى : السبت : ~~الجلد المدبوغ بالقرظ . قال أبو عبيد : وإنما ذكرت السبتية ، لأن أكثرهم فى ~~الجاهلية كان يلبسها غير مدبوغة إلا أهل السعه منهم . وذهب قوم إلى ms3124 أنه لا ~~يجوز لبس النعال السبتية فى المقابر خاصة ، واحتجوا بما رواه سليمان بن حرب ~~: حدثنا الأسود بن شيبان ، حدثنى خالد بن سمير ، حدثنى بشير بن نهيك قال : ~~حدثنى بشير بن الخصاصية قال : ( بينما أنا أمشى فى المقابر وعلى نعلان فإذا ~~رسول الله فقال : إذا كنت فى مثل هذا الموضع فاخلع نعليك فخلعتهما ) فأخذ ~~أحمد بن حنبل بهذا الحديث ، وقال : الأسود بن شيبان ثقة ، وبشير بن نهيك ~~ثقة . وقال لآخرون : لا بأس بذلك ، وحجتهم لباسه عليه السلام للنعال ~~السبتية وفيه السوة الحسنة ، ولو كان لباسها فى المقابر لا يجوز لبين ذلك ~~لأمته ، وقد يجوز أن يأمره عليه السلام بخلعهما لأذى كان فيهما أو غير ذلك ~~. ويؤيد هذا قوله عليه السلام : ( إن العبد إذا وضع فى قبره وتولى عنه ~~اصحابه إنه ليسمع قرع نعالهم ) قاله الطحاوى . قال : وثب عن النبى - عليه ~~السلام - أنه صلى فى نعليه فلما كان دخول المسجد بالنعل غير مكروه ، وكانت ~~الصلاة بها غير مكروهه ، كان المشى بها بين القبور أحرى ألا يكون مكروها . ~~PageV09P125 وأما الصفرة فقد روى عن ابن عمر كان يصبغ بها لحيته ، روى عنه ~~أنه كان يصبغ بها ثيابه ، وروى ابن إسحاق ، عن سعيد المقبرى ، عن عبيد بن ~~جريح أنه قال لابن عمر : ( رأيتك تصفر لحيتك . فقال : إن رسول الله كان ~~يصفر بالورس ، فأنا أحب أن أصفر به كما كان رسول الله يصبغ ) . وروى عبد ~~الرازق ، عن معمر ، عن أيوب ، عن نافع أن ابن عمر كا ، يأمر بشىء من زعفران ~~ومشق ، فيصبغ به ثوبه فيلبسه . قال عبد الرزاق : وربما رأيت معمرا يلبسه . ~~وروى ابن وهب قال : أخبرنى عمر بن محمد ، عن زيد بن أسلم ، قال : ( كان ~~رسول الله عليه السلام يصبغ ثيابه بالزعفران حتى العمامة ) . قال المهلب : ~~والصفرة أبهج الألوان للنفوس ، كذلك قال ابن عباس : أحسن الألوان كلها ~~الصفرة ، وتلا قوله تعالى : { صفراء فاقع لونها تسر الناظرين } فقرن بها ~~السرور . # | 34 - باب : يبدأ بالنعل اليمنى # / 57 - فيه : عائشة ، قالت : كان النبى ، عليه السلام ، يحب التيمن ms3125 فى ~~طهوره وتنعله وترجله . هذا من باب الأدب وتفضيل الميامن على المياسر فى كل ~~شىء وقد تقدم فى الوضوء . PageV09P126 # | 35 - باب : ينزع نعله اليسرى # / 58 - فيه : أبو هريرة ، قال : قال النبى ، عليه السلام : ( إذا انتعل ~~أحدكم فليبدأ باليمين ، وإذا نزع فليبدأ بالشمال ؛ ليكن اليمنى أولهما تنعل ~~وآخرهما تنزع ) . وهذا معناه أيضا تفضيل اليمين على الشمال كالحديث الأول . # | 36 - باب : لا يمشى فى نعل واحد # / 59 - فيه : أبو هريرة ، قال النبى ، عليه السلام : ( لا يمشى أحدكم فى ~~نعل واحدة ليحفهما جميعا أو لينعلهما جميعا ) . قال الأبهرى : كره ذلك - ~~والله أعلم - لأن الماشى فى نعل واحد ينسب إلى اختلال الرأى وضعف الميز . ~~وقال غيره : إنما كره ذلك والله أعلم - لأنه لم يعدل بين جوارحه وهو من باب ~~المثله . وروى عن وكيع عن سفيان عن عبد الله بن دينار قال : ( انقطع شسع ~~نعل عبد الله بن عمر فمشى أذرعا فى نعل واحدة ) . # | 37 - باب : قبالان فى نعل واحد ومن رأى قبالا واحدا واسعا # / 60 - فيه : أنس أن نعل النبى ، عليه السلام ، كان لها قبالان . هذا كله ~~مباح قبالان وقبال ، وليس فى ذلك شىء لا يجزئ غيره . PageV09P127 # | 38 - باب : القبة الحمراء ( من أدم ) # / 61 - فيه : أبو جحيفة ، عن أبيه ، قال : أتيت النبى ، عليه السلام ، ~~وهو فى قبة حمراء من أدم . / 62 - وفيه : أنس ، أرسل النبى - صلى الله عليه ~~وسلم - إلى الأنصار ، فجمعهم فى قبة حمراء من أدم . فيه : أن الأدم يجوز ~~استعماله فى القباب والبسط وماأشبه ذلك للأئمة الصالحين . # | 39 - باب : الجلوس على الحصير ( ونحوها ) # / 63 - فيه : عائشة ، كان النبى ، عليه السلام ، يحتجر حصيرا بالليل ، ~~فيصلى ، ويبسطه فى النهار ، فيجلس عليه . . . الحديث . فيه : تواضع النبى - ~~عليه السلام - ورضاه باليسير وصلاته على الحصير ، وجلوسه عليها لسن ذلك ~~لأمته . # | 40 - باب : المزرر بالذهب # / 64 - فيه : المسور بن مخرمة : أن أباه قال له : بلغنى أن النبي ، عليه ~~السلام ، قدمت عليه أقبية ، فهو يقسمها ، فاذهب بنا إليه ، فذهبنا ، فوجدنا ~~النبى - صلى الله عليه وسلم - فى منزله ، فقال لى ms3126 : يا بنى ، ادع لى النبى ~~- صلى الله عليه وسلم - فأعظمت ذلك ، فقلت : أدعو لك رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - ؟ فقال : يا بني ، PageV09P128 إنه ليس بجبار ، فدعوته فخرج ، ~~وعليه قباء من ديباج مزرر بالذهب ، فقال : ( يا مخرمة ، هذا خبأناه لك ) ، ~~فأعطاه إياه . هذا الحديث كان فى أول الإسلام - والله أعلم - قبل تحريم ~~الذهب والحرير . وفيه أن الخليفة والرجل العالم إذا زال من موضع قعوده ~~للناس ونظره بينهم وتعليمه لهم ، أنه يجوز دعاؤه وإخراجه لما يعن إليه من ~~حاجات الناس ، وأن خروجه لمن دعاه من التواضع والفضل . # | 41 - باب : خواتيم الذهب # / 65 - فيه : البراء وأبو هريرة ، نهانا النبي - صلى الله عليه وسلم - عن ~~خاتم الذهب . / 66 - فيه : ابن عمر ، أن النبى ، عليه السلام ، اتخذ خاتما ~~من ذهب ، وجعل فصه مما يلى كفه ، فاتخذه الناس ، فرمى به ، واتخذ خاتما من ~~ورق ، أو فضة . التختم بالذهب منسوج لا يحل استعماله ، لنهى النبى ، عليه ~~السلام ، عنه ، والذهب محرم على الرجال ، حلال للنساء ، ومن ترخص فى التختم ~~بالذهب من السلف لم يبلغه النهى والنسخ والله أعلم . # | 42 - باب : خاتم الفضة # / 67 - فيه : ابن عمر ، أن النبى ، عليه السلام ، اتخذ خاتما من ذهب ، أو ~~فضة ، PageV09P129 وجعل فصه مما يلى كفه ، ونقش فيه ، محمد رسول الله ، ~~فاتخذ الناس مثله ، فلما رآهم قد اتخذوها رمى به ، وقال : لا ألبسه أبدا ، ~~ثم اتخذ خاتما من فضة ، فاتخذ الناس خواتيم الفضة ) . قال ابن عمر : فلبس ~~الخاتم بعد النبى - صلى الله عليه وسلم - أبو بكر ، ثم عمر ، ثم عثمان ، ~~حتى وقع من عثمان فى بئر أريس . / 68 - وفيه : أنس ، أنه رأى فى يد رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - خاتما من ورق يوما واحدا ، ثم إن الناس ~~اصطنعوا الخواتيم من ورق ، فلبسوها ، فطرح رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- خاتمه ، فطرح الناس خواتيمهم . رواه يونس ، عن الزهرى ، وتابعه إبراهيم ~~بن سعد ، وزياد ، وشعيب ، عن الزهرى . قال المؤلف : أما حديث ابن عمر فإن ~~فيه أن النبى - عليه السلام - نبذ خاتم الذهب ، واتخذ ms3127 خاتما من فضة ولبسه ~~إلى أن مان ، وأما حديث أنس أن النبى عليه السلام نبذ خاتم الورق ، فهو عند ~~العلماء وهم من ابن شهاب ، لأن الذى نبذ عليه السلام خاتم الذهب رواه عبد ~~العزيز بن صهيب ، وثابت البنانى ، وقتادة ، عن أنس وهو خلاف مارواه ابن ~~شهاب ، عن أنس ، فوجب القضاء للجماعة على الواحد إذا خالفها مه مايشهد ~~للجماعة من حديث ابن عمر . قال المهلب : وقد يمكن أن يتأول لأبن شهاب ~~ماينفى عنه الوهم - وإن كان الوهم عنه أظهر - وذلك أنه يحتمل أن يكون النبى ~~لما عزم على إطراح خاتم الذهب اصطنع خاتم الفضة ، بدليل أنه كان لا يستغنى ~~عن الختم به على الكتب إلى البلدان ، وأجوبه العمال ، وقواد السرايا ، فلما ~~لبس خاتم الفضة أراد الناس ذلك اليوم أن يصطنعوا مثله فطرح عند ذلك خاتم ~~الهب فطرح الناس خواتيم الذهب ، والتأليف بين الأحاديث أولى من حملها على ~~التنافى والتضاد ، وبالله التوفيق . PageV09P130 وقال أبو داود : ولم يختلف ~~الناس على عثمان حتى سقط الخاتم من يده . # | 43 - باب : فص الخاتم # / 69 - فيه : أنس ، سئل هل اتخذ النبى - صلى الله عليه وسلم - خاتما ؟ ~~قال : أخر ليلة صلاة العشاء إلى شطر الليل ، ثم أقبل علينا بوجهه ، فكأنى ~~أنظر إلى وبيص خاتمه . . . الحديث . / 70 - وفيه : أنس : ( أن النبى عليه ~~السلام كان خاتمه من فضة وكان فصه منه ) . قال المؤلف : قد روى ابن وهب ، ~~عن يونس ، عن ابن شهاب ، عن أنس قال : ( كان خاتم النبى - عليه السلام - من ~~ورق ، وكان فصه حبشيا وهذا ليس يتضاد فى الرواية : كان له عليه السلام خاتم ~~فصه من فضة ، وخاتم آخر فصه حبشى . وذكر ابن أبى زيد أن النبى - عليه ~~السلام - تختم بفص عقيق . وقد روى حماد بن سلمه الحديث الأول ، وزاد فيه ~~بعد قوله : ( فكأنى أنظر إلى وبيض خاتمه ) ( ورفع يده اليسرى ) قال أحمد بن ~~خالد : هذا جيد فى التختم فى اليسار ، وهو كان آخر فعله وأصل التختم فى ~~اليسار ، وروى أبو داود قال : حديثنا نصر بن على ، قال : حدثنا ms3128 أبى ، حدثنا ~~عبد العزيز بن أبى رواد ، عن نافع ، عن ابن عمر ( أن النبى - عليه السلام - ~~كان يتختم فى يساره ) قال أبو داود : وقال ابن إسحاق ، وأسامة ، عن نافع ~~بإسناده : فى يمينه . وكان ابن عمر والحسن يتختمان فى يسارهما . ~~PageV09P131 وقال مالك : أكره التختم فى اليمين ، وقال : إنما يأكل ويشرب ~~ويعمل بيمينه ، فكيف يريد أن يأخذ باليسار ثم يعمل ؟ قيل له : افتجعل ~~الخاتم فى اليمين للحاجة تذكرها ؟ قال : لا بأس بذلك . وكان ابن عباس ، ~~وعبد الله بن جعفر يتختمان فى اليمين . وقال عبد الله بن جعفر : ( كان ~~النبى - عليه السلام - يتختم فى يمينه ) ، رواه حماد بن سلمه ، عن أبى رافع ~~، عن عبد الله بن جعفر ، وقال البخارى : هذا اصح شىء روى فى هذا الباب . ~~ذكره الترمذى . * * * # | 44 - باب : خاتم الحديد # / 71 - فيه : سهل : جاءت امرأة إلى النبى - صلى الله عليه وسلم - فقالت : ~~جئت أهب نفسى إليك ، . . . إلى قوله : ( ولو خاتما من حديد ) . قال المؤلف ~~: خاتم الحديد كان يلبس فى أول الإسلام ثم امر النبى - عليه السلام - بطرحه ~~. روى الترمذى عن محمد بن حميد أن زيد بن الحباب ، حدثهم عن عبد الله بن ~~مسلم أبى طيبة السلمى المروزى ، عن عبد الله ابن بريدة ، عن أبيه : ( أن ~~رجلا جاء إلى النبى - عليه السلام - وعليه خاتم من حديد فقال : ما لى أجد ~~عليك حلية أهل النار . ثم جاء وعليه خاتم من صفر قال : ما لى أجد منك ريح ~~الأصنام . ثم أتاه وعليه خاتم من ذهب فقال : أرم عنك حلية أهل الجنة . قال ~~: من أى شىء اتخذه ؟ قال : من فضة ولاتتمه مثقالا . قال الترمذى : هذا حديث ~~غريب . PageV09P132 # | 45 - باب : نقش الخاتم # / 72 - فيه : أنس ، أن النبى ، عليه السلام ، أراد أن يكتب إلى رهط من ~~الأعاجم ، فقيل له : إنهم لا يقبلون كتابا إلا عليه خاتم ، فاتخذ النبى - ~~صلى الله عليه وسلم - خاتما من فضة ، نقشه : محمد رسول الله . / 73 - وفيه ~~: ابن عمر ، اتخذ النبى - صلى الله عليه وسلم - خاتما من ورق ، وكان فى يده ~~، ثم كان ms3129 بعد فى يد أبى بكر ، ثم كان بعد فى يد عمر ، ثم كان بعد فى يد ~~عثمان حتى وقع بعد فى بئر أريس ، نقشه : محمد رسول الله . قال المؤلف : قد ~~بان فى حديث أنس وابن عمر الخاتم إنما اتخذ ليطبع به على الكتب حفظا ~~للأسرار أن تنتشر ، وسياسة للتدبير أن ينخرم . وفى قوله : ( نقشه : محمد ~~رسول الله ) فيه أنه يجوز أن يكون فى الخاتم ذكر الله ، وقد كره ذلك ابن ~~سيرين وغيره ، وهذا الباب حجة عليهم . وقد أجاز ابن المسيب أن يلبسه ~~ويستنجى به ، وقيل لمالك : إن كان فى الخاتم ذكر الله ويلبسه فى الشمال ~~أيستنجى به ؟ قال : أرجو أن يكون خفيفا . هذه رواية ابن القاسم ، وحكى ابن ~~حبيب عن مطرف وابن الماجشون : أنه لا يجوز الاستنجاء بالخاتم فيه ذكر الله ~~، وليخلعه أو يجعله فى يمينه و هو قول نافع وأكثر اصحاب مالك من غير ~~الواضحة ، وكان فى نقش خاتم مالك : حسبى الله ونعم الوكيل . وقال مالك : لا ~~خير أن يكون نقش فصه ثمثال . وقد ذكر عبد الرزاق آثارا تجوز اتخاذ التماثيل ~~فى الخواتيم ليست PageV09P133 بصحيحه ، منها عن معمر ، عن عبد الله بن محمد ~~بن عقيل أنه أخرج خاتما فيه تمثال اسد وزعم ان النبى - عليه السلام - كان ~~يتختم به . ومارواه معمر عن الجعفى ( أن نقش خاتم ابن مسعود إما شجرة ، ~~وإما شىء بين ذبابتين ) وابن عقيل : ضعيف ، تركه مالك . والجعفى : متروك ~~الحديث . وروى معمر عن قتادة ، عن أنس موسى الشعرى ، أنه كان نقش خاتمه ~~كركى له رأسان . وهذا إن كان صحيحا فلا حجة فيه ، لترك الناس العمل به ، ~~ولنهيه عليه السلام عن الصور ، ولاتجوز مخالفة النهى . وترجم لحديث أنس : ~~باب اتخاذ الخاتم ليختم به الشىء أو ليكتب به إلى أهل الكتاب أو غيرهم . * ~~* * # | 46 - باب : الخاتم فى الخنصر # / 74 - فيه : أنس ، صنع النبى ، عليه السلام ، خاتما ، فقال : ( إنا ~~اتخذنا خاتما ونقشنا فيه نقشا ، فلا ينقشن عليه أحد . قال : فإنى لأرى ~~بريقه فى خنصره . وترجم له باب : قول النبى - عليه ms3130 السلام - : لا ينقش على ~~نقش خاتمه . قال المؤلف : السنة فى الخاتم أن يلبس فى الخنصر ، وقد روى ~~الترمذى عن ابن أبى عمر العدنى ، عن سفيان ، عن عاصم PageV09P134 ابن كليب ~~، عن ابن أبى موسى قال : سمعت عليا يقول : ( نهانى رسول الله أن ألبس خاتما ~~فى هذه وهذه . واشار إلى السبابة والوسطى ) قال الترمذى : هذا حديث صحيح و ~~ابن أبى موسى هو أبو برده بن أبى موسى ، واسمه عامر عبد الله ابن قيس . ~~ونهيه عليه السلام أن لا ينقش أحد على نقش خاتمه من أجل أن ذلك اسمه وصفته ~~برسالة الله له إلى خلقه ، وخاتم الرجل إنما ينقش فيه مايكون تعريفا له ~~وسمة تميزة من غيره ، ولايحل لأحد أن يسم نفسه بسمه النبى - عليه السلام - ~~ولابصفته . قال مالك : من شأن الخلفاء والقضاة نقش أسمائهم فى خواتيمهم . ~~وروى أهل الشام أنه لا يجوز اتخاذ الخاتم لغير ذى سلطان ، وروا فى ذلك ~~حديثا عن أبى ريحانة : ( أنه سمع النبى - عليه السلام - ينهى عن الخاتم ~~لغير ذى سلطان ) . وحديث أبى ريحانه لا حجة فيه لضعفه . وقوله عليه السلام ~~: ( لا ينقش أحد على نقشه ) يرد حديث أبى ريحانة ويدل على جواز الخاتم ~~لجميع الناس إذا لم ينقش على نقش خاتمه عليه السلام لأنه لم يبح ذلك لبعض ~~الناس دون بعض ، بل عم جميعهم لقوله : فلا ينقش أحد على نقشه ، وقد تختم ~~السلف بعد رسول الله وهم الأسوة الحسنة . وروى مالك عن صدقة بن شيبان قال : ~~سالت سعيد بن المسيب عن لبس الخاتم فقال : ألبسه ، وأخبر الناس أنى أفتيك ~~بذلك . المسيب عن لبس الخاتم فقال : البسه ، وأخبر الناس أنى افتيك بذلك . ~~وإنما قاله على وجه الإنكار لقول أهل الشام . PageV09P135 # | 47 - باب : من جعل فص الخاتم فى بطن كفه # / 75 - فيه : ابن عمر ، أن النبى - صلى الله عليه وسلم - اصطنع خاتما من ~~ذهب ، وجعل فصه فى بطن كفه ، إذا لبسه ، ثم نبذه ، فنبذه الناس . قال ~~جويرية : ولا أحسبه إلا قال : فى يده اليمنى . قال المؤلف : ليس فى كون ms3131 فص ~~الخاتم فى بطن الكف ولا فى ظهرها نهى ولا أمر ، وكل ذلك مباح ، وقد روى أبو ~~داود عن ابن إسحاق قال : رأيت على الصلت بن عبد الله بن نوفل بن عبد المطلب ~~خاتما فى خنصره هكذا وجعل فصه على ظهرها ؟ قال : ولا إخال إلا قال : ( إنى ~~رأيت رسول الله كان يلبس خاتمه كذلك ) وقال الترمذى : قال البخارى : حديث ~~ابن إسحاق عن الصلت بن عبد الله حديث حسن . وقيل لمالك : يجعل الفص إلى ~~الكف ؟ قال : لا . وأظن مالكا إنما قال ذلك ، لأنه وجد الناس يتختمون على ~~ظهر الكف كما كان يفعل ابن عباس ، ولم يقل مالك : إن الفص فى باطن الكف لا ~~يجوز . # | 48 - باب : هل يجعل نقش الخاتم ثلاثة أسطر # / 76 - فيه : أنس ، أن أبا بكر لما استخلف كتب له ، وكان نقش الخاتم ~~ثلاثة أسطر : محمد سطر ، ورسول سطر ، والله سطر . وفيه : أنس ، كان خاتم ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - فى يده ، وفي يد أبى بكر بعد ، PageV09P136 ~~وفى يد عمر بعد أبي بكر ، فلما كان عثمان جلس على بئر أريس ، قال : فأخرج ~~الخاتم ، فجعل يعبث به ، فسقط ، قال : فاختلفنا ثلاثة أيام مع عثمان ، فنزح ~~البئر فلم يجده . هذه كله مباح وليس كون الخاتم أسطر أو سطرين افضل من كونه ~~سطرا واحدا . وفيه : استعمال آثار الصالحين ولباس ملابسهم على وجهه التبرك ~~بها والتيمن . وفيه : أن من فعل الصالحين العبث بخواتمهم وبما يكون بأيديهم ~~وليس ذلك بعائب لهم . وفيه : أن يسير المال إذا ضاع أنه يجب البحث فى طلبه ~~ولاجتهاد فى تفتيشه كما فعل النبى عليه السلام حين ضاع عقد عائشة وحبس ~~الجيش على طلبه حتى وجد . وفيه : أن من طلب شيئا ولم ينجح فيه بعد ثلاثة ~~أيام أن له ترك ذلك ولايكون مضيعا ، وأن الثلاث حد يقع بها العذر فى العذر ~~المطلوبات . # | 49 - باب : الخاتم للنساء # وكان على عائشة خواتيم ذهب . / 77 - فيه : ابن عباس ، شهدت العيد مع ~~النبى ، عليه السلام ، فصلى قبل الخطبة ، فأتى النساء ، فجعلن يلقين الفتخ ~~والخواتيم ms3132 فى ثوب بلال . قال المؤلف : الخاتم للنساء من جملة الحلى الذى ~~أبيح PageV09P137 لهن ، والذهب حلال للنساء ، والفتخ : خواتيم النساء التى ~~يلبسنها فى أصابع اليد ، واحدتها فتخه ، وكذلك إن كانت فى الرجل . عن ابن ~~السكيت . وقال غيره : الفتوخ : خواتيم بلا فصوص كأنها حلق ، وكل خلخل لا ~~يجرس فهو فتخ . # | 50 - باب : القلائد والسخاب للنساء # / يعني القلادة : من طيب وسك 78 - فيه : ابن عباس ، خرج النبى - صلى الله ~~عليه وسلم - يوم عيد فصلى ركعتين ، ثم أتى النساء ، فأمرهن بالصدقة ، فجعلت ~~المرأة تصدق بخرصها وسخابها . قال المؤلف : القلائد : من حلى النساء أيضا ~~وقال ابن دريد : السخاب : قلائد من قرنفل أو غيره ، والجمع سخب . والخرص : ~~الحلقة الصغيرة من الذهب والفضة كحلقة القرط ونحوها يقال : مافى أذنها خرص ~~، وتسمى هذه الحلقة أيضا الحوف . # | 51 - باب : استعارة القلائد # / 79 - فيه : عائشة ، هلكت لها قلادة استعارتها من أسماء ، فبعث النبى - ~~صلى الله عليه وسلم - فى طلبها رجالا . . . الحديث . وفيه : اسعارة الحلى ~~وكل ماهو زينة النساء ، وأن ذلك من الأمر القديم المعمول به . PageV09P138 # | 52 - باب : القرط للنساء # وقال ابن عباس : أمرهن النبى - صلى الله عليه وسلم - بالصدقة فرأيتهن ~~يهوين إلى آذانهن وحلوقهن ، فجعلت المرأة تلقى قرطها . القرط أيضا من حلى ~~النساء . * * * # | 53 - باب : السخاب للصبيان # / 80 - فيه : أبو هريرة ، كنت مع النبى - صلى الله عليه وسلم - فى سوق من ~~أسواق المدينة ، فانصرف وانصرفت ، فقال : ( أين لكع ) ؟ ثلاثا ، ادع الحسن ~~بن على ، فقام الحسن يمشى وفى عنقه السخاب ، فقال النبى ، عليه السلام ، ~~بيده هكذا ، فقال الحسن بيده هكذا ، فالتزمه ، فقال : ( اللهم إنى أحبه ، ~~فأحبه ، وأحب من يحبه ) . قال أبو هريرة : فما كان أحد أحب إلى من الحسن بن ~~على بعد ما قال النبى ، عليه السلام ، ما قال . فيه : أنه يجوز أن يجعل فى ~~أعناق الصبيان سخاب القرنفل والسك والطيب ، وشبه مما يحل للرجال ، وأما ~~الذهب فكرهه مالك للصبيان الصغار ، وكره لهم لبس الحرير أيضا . وقوله عليه ~~السلام لبى هريرة : ( أين لكح ) قال أبو عبيد : هو عند العرب العبد أو ms3133 ~~اللئيم ، وقد تقدم فى كتاب البيوع فى باب ما يكره فى الأسواق ، وفيه أن ~~النبى - عليه السلام - عانق والحسن وقبله ، وقوله فى هذا الحديث : ( ~~فالتزمه ) يعنى : المعتنقة والتقبيل المذكورين هناك . قد تقدم الاستئذان . ~~PageV09P139 # | 54 - باب المتشبهين بالنساء والمتشبهات بالرجال # / 81 - فيه : ابن عباس ، لعن النبى ، عليه السلام ، المتشبهين من الرجال ~~بالنساء ، والمتشبهات من النساء بالرجال . قال الطبرى : فيه من الفقه أنه ~~لا يجوز للرجال التشبه بالنساء فى اللباس والزينة التى هى للنساء خاصة ، ~~ولا يجوز للنساء التشبه بالرجال فيما كان ذلك للرجال خاصة . فمما يحرم على ~~الرجال لبسه مما هو من لباس النساء : البراقع والقالائد والمخانق والأسورة ~~والاخلاخل ، ومما لا يحل له التشبه بهن من الأفعال التى هن بها مخصوصات ~~فانخناث فى الأجسام ، والتأنيث فى الكلام . مما يحرم على المرأة لبسه مما ~~هو من لباس الرجال : النعال والرقاق التى هى نعال الحد والمشى بها فى محافل ~~الرجال ، والأردية والطيالسة على نحو لبس الرجال لها فى محافل الرجال وشبه ~~ذلك من لباس الرجال ، ولايحل لها التشبه بالرجال من الأفعال فى اعطائها ~~نفسها مما أمرت بلبسه من القلائد والقرط والخلاخل والسورة ، ونحو ذلك مما ~~ليس للرجل لبسه ، وترك تغيير اليدى والأرجل من الخصاب الذى أمرن بتغييرها ~~به . PageV09P140 روى القعنبى ، عن حسين بن عبد الله قال : ( رأيت فاطمة ~~بنت رسول الله وفى عنقها قلادة ، وفى يدها مسكة فى كل يد ، وقالت : كان ~~رسول الله يكره تعطيل النساء وتشبههن بالرجال ) . # | 55 - باب : الأمر بإخراجهم # / 82 - فيه : ابن عباس ، لعن النبى ، عليه السلام ، المخنثين من الرجال ، ~~والمترجلات من النساء ، وقال : ( أخرجوهم من بيوتكم ) . قال : فأخرج النبى ~~- صلى الله عليه وسلم - فلانا ، وأخرج عمر فلانا . / 83 - وفيه : أم سلمة ، ~~أن النبى ، عليه السلام ، كان عندها ، وفى البيت مخنث ، فقال لعبدالله - ~~أخى أم سلمة : يا عبدالله ، إن فتح الله لكم غدا الطائف ، فإنى أدلك على ~~بنت غيلان ، فإنها تقبل بأربع ، وتدبر بثمان ، فقال النبى - صلى الله عليه ~~وسلم - : ( لا يدخلن هؤلاء عليكن ) . قال الطبرى : إن قال قائل ms3134 : ماوجه لعن ~~النبى - عليه السلام المخنثين من الرجال ، والخنث خلق الله لم يكتسبه العبد ~~ولا له فيه صنع ، وإنما يذم العبد على مايكسبه مما له السبيل إلى فعله ~~وتركه ، ولو جاز ذمه على غير فعله لجاز ذمه على لونه وعرقه وسائر أجزاء ~~جسمه ؟ قيل : وجه لعن النبى إياه إنما هو لغير صورته التى لا يقدر على ~~تغييرها ، وإنما لعنه لتأنيثه وتشبهه فى ذلك بخلق النساء ، وقد PageV09P141 ~~خلقه الله بخلاف ذلك ، ومحاولته تغيير الهيئة التى خلقه الله عليها من خلق ~~الرجال إلى خلق النساء ، وله سبيل إلى اكتساب خلق الرجال واجتلاب منه إلى ~~نفسه . ولفعله من الأفعال مايكره الله ونهى عنه رسول الله من التشبه ~~بالنساء فى اللباس والزينة ، وذلك أن رسول الله إذ رأى المخنث لم ينكر ~~الخنث منه ، وقد رأى خضاب يديه ورجليه بالحناء ، حتى سمعه يصف من أمر ~~النساء ماكره سماعه ، وذلك وصفه للرجال نساء من يدخل منزله ، وذلك مما كان ~~النبى - عليه السلام - ينهى عنه النساء فكيف الرجال ؟ ! فأمر بنفيه وتقدم ~~إليها بمنعه من دخوله عليها ، ولو كان ما عليه المخنث من الهيئة والصورة ~~التى هى له خلقة موجبة اللعن والنفى لكان عليه السلام إذ رآه قد أمر بطرحه ~~من بيت زوجه ونفيه ، قال ما سمعه أو لم يقله ، وإنما وجب ذمه ، إذ أتى من ~~محارم الله ما يستحق عليه الذم . فإن قيل : فإن حكمه حكم الرجال ، فكيف جاز ~~أن يدخل على أزواج النبى عليه السلام بعد أن أنزل الحجاب ؟ ! قيل : هو من ~~جملة من استثناه الله من جملة الرجال غير أولى الأربة من الرجال ، وقد اول ~~ذلك عكرمة أنه المخنث الذى لا حاجة له فى النساء ، وبذلك ورد الخبر عن ~~النبى - عليه السلام . روى معمر ، عن الزهرى ، عن عروة ، عن عائشة قالت : ~~كان مخنث يدخل على أزواج النبى - عليه السلام - يعدونه من غير أولي ~~PageV09P142 الإربة ، فدخل عليه النبى وهو يصف أمرأة . . . وذكر الحديث ( ~~فأمر ، عليه السلام ، ألا يدخل عليهم ) . روى ابن وهب ، عن يحى بن أيوب ms3135 ، ~~عن ابن جريح ، عن عطاء ، عن ابن عباس قال : المؤنثون أولاد الجن . قيل له : ~~وكيف ؟ ! قال : نهى الله ورسوله أن يأتى الرجل امرأته وهى حائض فإذا أتاها ~~سبقه الشيطان إليها فحملت منه فأتت بالمؤنث . قال المؤلف : وفى حديث ابن ~~عباس وأم سلمه إخراج كل من يتأذى به الناس بإظهار المعاصى والمنكر ، ونفيهم ~~عن مواضع التأذى بهم ، وقد تقدم فى باب إخراج الخصوم وأهل الريب من البيوت ~~فى كتاب الأحكام أنه يخرج كل من تأذى به جيرانه ، وتكرى عليه داره ، ويمنع ~~من السكنى فيها حتى يتوب . # | 56 - باب ( قص ) الشارب # وكان ابن عمر يحفى شاربه حتى ينظر إلى بياض الجلد ويأخذ هذين ، يعنى بين ~~الشارب واللحية . / 84 - وفيه : ابن عمر ، قال النبى - صلى الله عليه وسلم ~~- : ( من الفطرة قص الشارب ) . / 85 - وفيه : أبو هريرة ، قال : ( الفطرة ~~خمس : الختان ، والاستحداد ، ونتف الإبط ، وتقليم الأظفار ، وقص الشارب ) . ~~وترجم له باب : قص الأظفار ، وزاد فيه عن ابن عمر PageV09P143 قال النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - : ( خالفوا المشركين عفوا اللحى ، واحفوا الشوارب ) . ~~قال الطبرى : اختلف السلف فى صفة إحفاء الشارب ، فقال بعضهم الإحفاء : ~~الأخذ من الإطار . وروى مالك ، عن زيد بن اسلم ، عن عامر بن عبد الله بن ~~الزبير ، عن أبيه قال : رايت عمر ابن الخطاب إذا غضب فتل شاربه . وقال أبو ~~عاصم : سمعت عبد الله بن أبى عثمان يقول : رايت ابن عمر يأخذ من شاربه من ~~أعلاه واسفله . وكان عروة وعمر بن عبد العزيز وابو سلمه وسالم والقاسم لا ~~يحلق أحد منهم شاربه ، وهذا قول مالك والليث ، وقال مالك : حلق الشارب مثله ~~ويؤدب فاعله . وكان يكره أن يأخذ من أعلاه . وقال آخرون : الإحفاء حلقه كله ~~. روى يحى بن سعيد ، عن ابن عجلان قال : رآني عثمان بن عبيد الله بن نافع ~~أخذت من شاربى أكثر مما أخذت منه إلى أن يشبه الحلق ، فنظر إلى فقلت : ~~ماتنكر ؟ ! قال : ماأنكر شيئا ، رايت اصحاب رسول الله يأخذون شواربهم شبه ~~الحلق . فقلت : من هم ؟ قال : جابر بن عبد الله ، وابو ms3136 سعيد الخدرى ، وابو ~~اسيد الساعدى ، وابن عمر ، وسلمه بن الأكوع ، وأنس . وهو قول الكوفيين ~~وقالوا : اإحفاء هو الحلق ، والحلق أفضل من التقصير فى الراس والشارب . قال ~~المؤلف : وحجة هذه المقالة فى اللغة ماقال الخليل قال : PageV09P144 أحفى ~~شاربه : استأصلة . واستقصاه . وكذلك قال ابن دريد ، إلا أنه قال : حفوت ~~شاربى أحفوه حفوا استأصله أخذت شعره . وحجة المقالة الأولى قوله عليه ~~السلام : ( من الفطرة قص الشارب ) . ومعلوم أن القص لا يقتضى الحلق ~~والاستئصال . قال صاحب الأفعال : يقال قص الشعر والأظفار قطع منها بالمقص ، ~~ولما جاء عنه عليه السلام : ( أحفوا الشوارب ) وجاء عنه ( من الفطرة قص ~~الشارب ) واحتمل قوله : ( أحفوا الشوارب ) أخذه كله واستئصالة علم أن ~~المراد أخذ بعضه ، ووجب ترجيح هذه المقالة على من قال باستئصال حلقه . وقال ~~الآخرون : لما جاء الحديث عنه عليه السلام بلفظين ، يحتمل أحدهما استئصال ~~حلقة وهو قوله : ( أحفوا الشوارب ) واللفظ الآخر يحتمل أخذ بعضه وهو قوله : ~~( من الفطرة قص الشارب ) ولم يكن أحدهما ناسخا للآخر ولا دافعا له ، دل أخذ ~~بقص شاربه فهو مصيب ، ومن استأصل حلقه فهو مصيب لموافقة ذلك السنة ، ولذلك ~~اختلف السلف فى صفة حلقة لاختلاف الآثار ، والله أعلم . PageV09P145 # | 57 - باب : إعفاء اللحى # { عفوا } : كثروا وكثرت أموالهم . / 86 - فيه : ابن عمر ، قال : قال رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - : ( خالفوا المشركين ، وفروا اللحى ، وأحفوا ~~الشوارب ) . وكان ابن عمر إذا حج أو اعتمر قبض على لحيته ، فما فضل أخذه . ~~/ 87 - فيه : ابن عمر ، قال : قال النبى ، عليه السلام : ( انهكوا الشوارب ~~، وأعفوا اللحى ) . وقال الطبرى : إن قال قائل : ماوجه قوله عليه السلام : ~~( أعفوا اللحى ) وقد علمت أن الإعفاء الإكثار ، وأن من الناس من إن ترك شعر ~~لحيته اتباعا منه لظاهر هذا الخبر تفاحش طولا وعرضا ، وسمج حتى صار للناس ~~حديثا ومثلا ؟ قيل : قد ثبت الحجة عن النبى عليه السلام على خصوص هذا الخبر ~~وأن من اللحية ماهو محظور إحفاؤه وواجب قصة على اختلاف من السلف فى قدر ذلك ~~وحده ، فقال بعضهم : حد ذلك أن يزداد على قدر ms3137 القبضة طولا ، وأن ينتشر عرضا ~~فيقبح ذلك ، فإذا زادت على قدر القبضة كان الأولى ، جز مازاد على ذلك ، من ~~غير تحريم منهم ترك الزيادة على ذلك . وروى عن عمر أنه راى رجال قد ترك ~~لحيته حتى كثرت فأخذ بحديها ثم قال : ائتونى بجلمين ثم امر رجلا فجز ما تحت ~~يده ثم قال : اذهب فأصلح شعرك أو أفسده ، يترك أحدكم نفسه حتى كأنه سبع من ~~السباع . PageV09P146 وكان أبو هريرة يقبض على لحيته فيأخذ مافضل ، وعن ابن ~~عمر مثله . وقال آخرون : يأخذ من طولها وعرضها مالم يفحش أخذه ، ولم يحدوا ~~فى ذلك حدا غير أن معنى ذلك عندى - والله أعلم - مالم يخرج من عرف الناس . ~~وروى عن الحسن أنه كان لا يرى بأسا أن يأخذ من طول لحيته وعرضها ما لم يفحش ~~الأخذ منها ، وكان إذا ذبح أضحيته يوم النحر أخذ منها شيئا . وقال عطاء : ~~لا بأس أن يأخذ من لحيته الشىء القليل من طولها وعرضها إذا كثرت ، وعلة ~~قائلى هذه المقالة : كراهية الشهرة فى اللبس وغيره فكذلك الشهرة فى شعر ~~اللحية . وكان آخرون يكرهون الأخذ من اللحية إلا فى حج أو عمرة ، وروى ذلك ~~عن ابن عمر وعطاء وقتادة . والصواب أن يقال : إن قوله عليه السلام : ( ~~أعفوا اللحى ) على عمومه إلا ماخص من ذلك ، وقد روى عنه حديث فى إسناده نظر ~~أن ذلك على الخصوص ، وأن من اللحى ماالحق فيه ترك إعفائه ، وذلك ماتجاوز ~~طوله أو عرضه عن المعروف من خلق الناس وخرج عن الغالب فيهم ، روى مروان بن ~~معاوية ، عن سعيد بن أبى راشد المكى ، عن أبى جعفر محمد بن على قال : ( كان ~~رسول الله يأخذ اللحية ، فما طلع على الكف جزه ) ، وهذا الحديث وإن كان فى ~~إسناده نظر فهو جميل من الأمر وحسن من الفعال . PageV09P147 قال غيره : ~~وقوله عليه السلام : ( انهكوا الشوارب ) أى : جزوا منها مايؤثر فيها ، ~~ولايستأصلها . قال صاحب الأفعال : يقال نهكته الحمى - بالكسر - نهكا أثرت ~~فيه ، وكذلك العبادة ، والتأثير غير الاستئصال . # | 58 - باب : ما يذكر فى الشيب ms3138 # / 88 - فيه : ابن سيرين ، سألت أنس بن مالك أخضب النبى - صلى الله عليه ~~وسلم - ؟ قال : لم يبلغ الشيب إلا قليلا . وقال مرة : لم يبلغ ما يخضب ، لو ~~شئت أن أعد شمطاته فى لحيته . / 89 - فيه : إسرائيل ، عن عثمان بن عبدالله ~~بن موهب ، قال : أرسلنى أهلى إلى أم سلمة بقدح من ماء ، وقبض إسرائيل ثلاث ~~أصابع من قصة فيه شعر من شعر النبى - صلى الله عليه وسلم - ، وكان إذا أصاب ~~الإنسان عين ، أو شىء بعث إليها مخضبه ، فاطلعت فى الجلجل ، فرأيت شعرات ~~حمرا . / 90 - وقال عثمان مرة : دخلت على أم سلمة ، فأخرجت إلينا شعرا من ~~شعر النبى - صلى الله عليه وسلم - مخضوبا . اختلف الاثار هلى خضب النبى أم ~~لا ؟ فقال أنس : لم يبلغ النبى عليه السلام من الشيب مايخضب وهو قول مالك ، ~~وأكثر العلماء أنه عليه السلام لم يخضب . PageV09P148 وقال عثمان بن موهب : ~~إن أم سلمه أخرجت إلينا شعرا من شعر النبى - عليه السلام - مخضوبا . وروى ~~الطبرى ، عن العباس بن أبى طالب ، عن المعلى بن أسد حدثنا سلام بن أبى مطيع ~~، عن عثمان بن عبد الله بن موهب قال : ( أخرجت إلى أم سلمه زوج النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - شعرا مخضوبا بالحناء والكتم ، فقالت : هذا شعر رسول الله ~~) فزعمت طائفة من أهل الحديث أن النبى - عليه السلام - خضب ، واحتجوا بهذا ~~الحديث ، وبما رواه ابن إسحاق ، عن سعيد المقبرى ، عن عبيد بن جريح أنه قال ~~لابن عمر : ( رأيتك تصفر لحيتك . فقال : إن رسول الله عليه السلام كان يصفر ~~بالورس ، فأنا أحب أن أصفر به كما كان رسول الله يصنع ) . وروى القطان ~~وحماد بن سلمه ، عن عبيد الله بن عمر ، عن سعيد المقبرى ، عن عبيد بن جريح ~~أنه قال لابن عمر : ( رأيتك تصفر لحيتك . فقال : رايت رسول الله عليه ~~السلام يصفر لحيته ) . وروى الطبرى ، عن هلال بن العلاء ، عن الحسين بن ~~عياش قال حدثنا جعفر بن برقان ، قال : حدثنا عبد الله بن محمد بن عقيل ، ~~قال : ( قدم أنس بن مالك المدينة وعمر بن ms3139 عبد العزيز وإلى عليها ، فأرسلنى ~~عمر إلى أنس وقال : سله هل خضب النبى - عليه السلام - ؟ فإنا نجد هاهنا ~~شعرا من شعره فيه بياض كأنه قد لون . فقال أنس : إن رسول الله كان قد متع ~~بسواد الشعر لو عددت خمس ما أقبل من راسه ولحيته ، وماكنت أدرى عل أعد خمس ~~عشرة شيبه فما أدرى ما هذا الذى تجدون إلا من الطيب الذى يطيب به شهره وهو ~~غير لونه ) . PageV09P149 وأما قوله : ( فاطلعت فى الجلجل ) فروى النضر بن ~~شميل ، عن إسرائيل ، عن عثمان بن عبد الله بن موهب قال : ( كان عند أم سلمه ~~أم المؤمنين جلجل من فضة فيه شعرات من شعر رسول الله ، وكان إذا أصاب ~~إنسانا عين أو أشتكى ، بعث بإناء فخضخض فيه ، ثم شربه وتوضأ منه فبعثى أهلى ~~فأطلعت فيه فإذا شعرات حمر ) . وقوله : ( فخضخض فيه ) يعنى : خضخض الشعر فى ~~الإناء لتبقى بركته فى ذلك الماء فيشربه المعين أو الوصب ، فيدفع الله عنه ~~ببركة ذلك الشعر ما به من شكوى . # | 59 - باب : الخضاب # / 91 - فيه : أبو هريرة ، قال النبى ، عليه السلام : ( إن اليهود ~~والنصارى لا يصبغون ، فخالفوهم ) . قال الطبرى : إن قال قائل : مامعنى هذا ~~الحديث ؟ وقد روى شعبة ، عن الركين بن الربيع قال : سمعت القاسم بن محمد ~~يحدث عن عبد الرحمن بن حرملة ، عن ابن مسعود ( أن رسول الله كان يكره تغيير ~~الشيب ) . وروى ابن إسحاق ، عن عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن جده أن النبى - ~~عليه السلام - قال : ( من شاب شيبة فى الإسلام كانت له نورا يوم القيامة ~~إلا أن ينتفها أو يخضبها ) . PageV09P150 قيل : قد اختلف السلف قبلنا فى ~~تغيير الشيب ، فرأى بعضهم أن أمر النبى - عليه السلام - بصبغه ندب ، وأن ~~تغييره أولى من تركه أبيض . ذكر من رأى ذلك : روى عن قيس بن أبى حازم قال : ~~كان أبو بكر الصديق يخرج إلينا وكأن لحيته صرام العرفج من الحناء والكتم . ~~وعن أنس أن أبا بكر وعمر كان يخضبان بالحنان والكتم ، وكان الشعبى وابن أبى ~~مليكة يخضبان بالسواد ويقول : هو ms3140 اسكن للزوجة وأهيب للعدو ، وعن أبن مليكة ~~أن عثمان كان يخضب بالسواد ، وعن عقبة بن عامر والحسن والحسين أنهم كانوا ~~يخضبون بالسواد ، ومن التابعين : على بن عبد الله بن عباس وعروة بن الزبير ~~وابن سيرين وأبو برده . وروى ابن وهب ، عن مالك قال : لم أسمع فى صبغ الشعر ~~بالسواد بنهى معلوم ، وغيره أحب إلى . وممن كان يخضب بالصفرة على بن أبى ~~طالب ، وابن عمر ، والمغيرة بن شعبة ، وجرير البجلى ، وأبو هريرة ، وأنس بن ~~مالك ، ومن التابعين عطاء ، وأبو وائل ، والحسن ، وطاوس ، وسعيد بن المسيب ~~. واعتل مغيرو الشيب من حديث أبى هريرة وغيره ، بما رواه مطر الوراق ، عن ~~أبى رجاء ، عن جابر قال : جيء بأبى قحافة إلى النبي ورأسه ولحيته كأنهما ~~ثغامة بيضاء ، فأمر رسول الله أن يغيروه ، فحمروه . PageV09P151 ورأى آخرون ~~ترك الشعر أبيض من تغييره وأن الصحيح عنه عليه السلام نهيه عن تغييره الشيب ~~، وقالوا : توفى النبى عليه السلام وقد بدا فى عنفقه ورأسه الشيب ، ولم ~~يغيره بشىء ولو كان تغييره الاختيار لكان هو قد آثر الأفضل . ذكر من راى ~~ذلك : قال أبو إسحاق الهمدانى : رايت على بن أبى طالب ابيض الرأس واللحية . ~~وقاله الشعبى ، وكان أبى بن كعب ابيض اللحية ، وعن أنس ، ومالك بن أوس ~~وسلمه بن الأكوع أنهم كانوا لا يغيرون الشيب ، وعن أبى الطفيل ، وأبى برزة ~~السلمى مثله ، وكان أبو مجلز وعكرمة وعطاء وسعيد بن جبير وعطاء بن السائب ~~لا يخضبون . واعتلوا بما روى أبو إسحاق عن أبى جحيفة قال : ( رايت النبى ~~عليه السلام عنفقه بيضاء ) . والصواب عندنا الآثار التى رويت عن النبى عليه ~~السلام بتغيير الشيب وبالنهى عن تغييره كلها صحاح ، وليس فيها شىء يبطل ~~معنى غيره ، ولكن بعضها عام وبعضها خاص ، فقوله عليه السلام : ( خالفوا ~~اليهود وغيروا الشيب ) المراد منه الخصوص ، ومعناه : غيروا الشيب الذى هو ~~نظير شيب أبى قحافة ، وأما من كان اشمط فهو الذى أمره النبى عليه السلام ~~ألا يغيره وقال : ( من شاب شيبة فى الإسلام كانت له نورا ) . فإن قيل : ~~مالدليل على ms3141 ذلك ؟ PageV09P152 قيل : لا يجوز أن يكون من النبى عليه السلام ~~قولان متضادان فى شىء واحد فى حالة واحدة إلا وأحدهما ناسخ للآخر ، فإذا ~~كان ذلك كذلك فغير جائز أن يكون الناسخ منهما إلا معلوما عند الأمة . ولما ~~وردت الأخبار بنقل العدول أنه أمر بتغيير الشيب ، وأنه نهى عن تغييره ، ولم ~~يعلم الناسخ منهما فينتهوا إليه كان القول فى ذلك أن الذين غيروا شيبهم ~~كشيب من أصحاب النبى إنما غيروا فى الحالة التى كان فيها شيبهم كشيب أبى ~~قحافة أو قريبا منه ، وأما الذين أجازوا ترك تغييره كن شيبهم مخالفا ~~لشيبابى قحافة إما بالمشط أو بغلبة السواد عليه ، كالذى روى عن النبى أنه ~~لم يغير شيبه لقلته ، مع أن تغيير الشيب ندب لا فرط ، ولا ارى مغير ذلك وإن ~~كان قليلا حرجا بتغييره ، إذ كان النهى عن ذلك نهى كراهه لا تحريما لإجماع ~~سلف الأمة وخلفها على ذلك ، وكذلك الأمر فيما أمر به على وجه الندب ، ولو ~~يكن كذلك كان تاركو التغيير قد انكروا على المغيرين ، أو أنكر المغيرون على ~~تاركى التغيير ، وبنحو معناه قال الثورى . # | 60 - باب : الجعد # / 92 - فيه : أنس ، أن النبى - صلى الله عليه وسلم - كان ليس بالطويل ~~البائن ، ولا بالقصير ، وليس بالأبيض الأمهق ، ولا بالآدم ، وليس بالجعد ~~PageV09P153 القطط ، ولا بالسبط ، بعثه الله على رأس أربعين سنة ، فأقام ~~بمكة عشر سنين ، وبالمدينة عشر سنين ، وتوفاه الله على رأس ستين سنة ، وليس ~~فى رأسه ولحيته عشرون شعرة بيضاء . / 93 - وفيه : البراء ، إن جمة النبى - ~~صلى الله عليه وسلم - لتضرب قريبا من منكبيه . وقال شعبة : شعره يبلغ شحمة ~~أذنيه . / 94 - وفيه : ابن عمر ، أن النبى - صلى الله عليه وسلم - قال : ( ~~أرانى الليلة عند الكعبة ، فرأيت رجلا آدم كأحسن ما أنت راء من أدم الرجال ~~، له لمة كأحسن ما أنت راء من اللمم ، قد رجلها فهى تقطر ماء ، متكئا على ~~رجلين - أو على عواتق رجلين - يطوف بالبيت ، فسألت من هذا ؟ فقيل : المسيح ~~ابن مريم ، وإذا أنا برجل جعد قطط أعور العين ms3142 اليمنى ، كأنها عنبة طافية ، ~~فسألت : من هذا ؟ فقيل : المسيح الدجال ) . / 95 - وفيه : أنس ، أن النبى - ~~صلى الله عليه وسلم - كان يضرب شعره منكبيه . / 96 - فيه : وقال مرة : كان ~~شعر النبى - صلى الله عليه وسلم - رجلا ، ليس بالسبط ولا الجعد ، بين أذنيه ~~وعاتقه . وكان ضخم اليدين . / 97 - وقال مرة : كان ضخم الرأس والقدمين ، ~~حسن الوجه ، لم أر بعده ولا قبله مثله ، وكان بسط الكفين . / 98 - وقال مرة ~~: كان شثن القدمين والكفين . / 99 - وفيه : جابر ، كان النبى - صلى الله ~~عليه وسلم - ضخم القدمين والكفين ، ولم أر بعده شبها له . / 100 - وفيه : ~~ابن عباس ، ذكروا عنده الدجال ، فقال : إنه مكتوب بين عينيه كافر . وقال ~~ابن عباس : لم أسمعه قال ذاك ، ولكنه قال : ( أما إبراهيم ، PageV09P154 ~~فانظروا إلى صاحبكم وأما موسى ، فرجل آدم جعد ، على جمل أحمر مخطوم بخلبة ~~كأنى أنظر إليه ؛ إذ انحدر فى الوادى يلبى ) . قال المؤلف : فى أحاديث هذا ~~الباب أن النبى - عليه السلام - كانت له جمة تبلغ قريبا من منكبيه ، وقيل : ~~تبلغ شحمة أذنيه ، وقيل : يضرب شعره منكبيه ، وليس ذلك بإخبار عن وقت واحد ~~فتتضاد الآثار ، وإنما ذلك إخبار عن أوقات مختلفة ، يمكن فيها زيادة الشعر ~~بغفلتيه عليه السلام عن قصه ، فكان إذا غفل عنه بلغ منكبيه ، وإذا تعاهده ~~وقصه بلغ شحمة أذنيه أو قريبا من منكبيه ، فأخبر كل واحد عما شاهد وعاين . ~~وذكر عليه السلام أن عيس ابن مريم له لمه حسنة قد رجلها وأن موسى كان جعدا ~~، فدل أنه كانت له لمة وأن الجعودة لاتبين إلا فى طول الشعر ، وهذه الآثار ~~كلها تدل أن اتخاذ اللمم وترجليها من سنن النبيين والمرسلين . وقوله فى ~~وصفه النبى : ( ليس بالبض الأمهق ) يعنى : أن لونه ليس بالشديد البياض ~~الفاحش الخارج عن حد الحسن ، وذلك أن المهق من البياض هو الذى لا يخالطه ~~شىء من الحمرة كلون الفضة . والقطط : الشعر الشديد التجعد . والبسط : ضد ~~الجعد . والآدم : السمر . وقوله : ( عنبه طافية ) يريد بارزة قد برزت وطفت ~~كما يطفو الشىء فوق الماء ، وترجيل الشعر : مشطة وتقويمه ms3143 ، يقال : شعر رجل ~~ورجل : مسرح ، عن صاحب العين . PageV09P155 واختلف فى معنى المسيح ابن مريم ~~عليه السلام على خمسة أقوال : فقال ابن عباس : سمى عيسى مسيحا ، لأنه كان ~~لا يمسح بيده ذا عاه إلا برا ، وقال إبراهيم النخعى : المسيح : الصديق . ~~وقال ثعلب : سمى مسيحا ، لأنه كان يمسح الأرض أى : يقطعها . وروى عطاء ، عن ~~ابن عباس أنه قال : سمى مسيحا ، لأنه كان أمسح الرجل ، فلم يكن لرجله أخمص ~~وهو مايتجافى عن الأرض من وسطها فلا يقع عليها . وقال آخرون : سمى مسيحا ، ~~لأنه خرج من بطن أمه مسموحا بالدهن ، ذكر هذا كله ابن الأنبارى ، وقال : ~~إنما سمى الدجال مسحا لأن إحدى عينيه مسوحة ، والأصل فيه مفعول فصرف إلى ~~فعيل قال ثعلب : والدجال مأخوذ من قولهم : دجل فى الرض ومعناة : ضرب فيها ~~وطافها ، وقال مرة أخرى : نقول : قد دجل إذا لبس وموه . وقال ابن دريد : ~~اشتقاقه من قولهم : دجلت الشىء إذا سترته ، كأن يستر الحق ويغطيه ويلبس ~~بتمويهه ، ومنه سميت : دجلة كأنها جين فاضت على الأرض سترت مكانها . وقوله ~~: ( شثن الكفين والقدمين ) قال الخليل : الثن : الذى فى أنامله غلظ وقد شثن ~~شثنا . وقال أبو عبيد : هما إلى الغلظ فكانت كف النبى - عليه السلام - ~~ممتلئة لحما ، ويبين ذلك قول أنس : ( وكان ضخم اليدين والقدمين ) غير أن ~~كفه مع ضخامتها كانت لينة PageV09P156 كما روي أنس أنه قال : ( ما مسسنت ~~حريرة ألين من كف النبى - عليه السلام ) . فإن قال قائل : قد قال أبو حاتم ~~عن الأصمعى : الشثونة : غلظ الكف وخشونتها وأنشد قول امرى القيس : وتعطوا ~~برخص غير شثن كأنه أساريع ظبى أو مساويك إسحل فعلى تأويل الأصمعى البيت ~~يعارض قول أنس فى صفة النبى أنه كان خشن اليدين مع قوله : ( ما مسست حريرة ~~ألين من كفه - صلى الله عليه وسلم - ) . فالجواب : أن مافسره الأصمعى أن ~~الشثن خشونة مع غلظ ، لم يقله أحد من أهل اللغة غيره ، ولا فسر أحد بيت ~~امرىء القيس عليه ، فلا يوجه قول أنس إليه لئلا يتنافى قوله ويتضاد ، وقد ~~شرح الطوسى هذا البيت ms3144 بما يوافق قول الخليل وأبى عبيد فقال : قوله : بكف ~~غير شثن أى غير غليظ جاف ، وهذا هو الصواب لأن الشاعر إنما وصف كف جارية ، ~~والمستحب فيها الرقة واللطافة ، ألا ترى أنه شبهها فى الدقة بالدود البيض ~~الدقاق اللينة التى تكون فى الرمل ، أو بمساويك رقاق ولم يصفها بالغلظ ~~والامتلاء ، وذلك لا يستحب فى النساء وهو مستحب فى الرجال ، ولايمنع أحد أن ~~تكون كفا ممتلئة لحما شديدة الرطوبة غير خشنة ، فلا تعارض بين الحدثين . ~~ولو صح تأويل من جعل الشثن الخشن لأمكن الجمع بين الحدثين ، PageV09P157 ~~فيكون إخبار أنس لين كف النبى - عليه السلام - أنه كان فى غير الحال التى ~~تكون فيها خشنة ، وذلك إذا أمهن فى أهله ، قالت عائشة : ( كان النبى عليه ~~السلام فى مهنة أهله يرقع الثوب ويخصف النعل ) . وفى حديث آخر ( ويحلب ~~الشاة ) فإذا كان النبى - عليه السلام - يعتمل بيديه حدثت له الخشونة ، ~~وإذا ترك ذلك عاد إلى أصل جبلته سريعا وهى لين الكف ، فأخبر أنس عن كلتا ~~الحالتين فلا تعارض فى ذلك لو كان التأويل كما قال الأصمعى ، على أن قول ~~الخليل وأبى عبيد والطوسى فى تفسير الشثن مغن عن هذا التخريج . وقوله : ( ~~مخطوم بخلبه ) قال صاحب العين : هى حبل من ليف . وذكر أنس فى هذا الحديث أن ~~النبى - عليه السلام - مات ابن ستين سته ، وهو قول عروة بن الزبير ، وروى ~~عن ابن عباس خلاف هذا قال : ( أقام رسول الله بمكة ثلاث عشرة سنة يوحى إليه ~~وبالمدينة عشرا ومات وهو ابن ثلاث وستين سنة ) . # | 61 - باب : التلبيد # / 101 - فيه : عمر ، قال : من ضفر فليحلق ، ولا تشبهوا بالتلبيد . وكان ~~ابن عمر يقول : لقد رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ملبدا . / 102 - ~~فيه : والتلبيد : أن يجعل الصمغ فى الغسول ثم يلطخ بها راسه عند الإحرام ~~ليمنعه ذلك من الشعث . قال المؤلف وقد تقدم التلبيد فى كتاب الحج ولم ~~PageV09P158 يمض هناك معنى قول عمر لا تشبهوا بالتلبيد ويروى ( تشبهوا ) أو ~~( تشبهوا ) بضم التاء وفتحها والصحيح فتحها والمعنى لا تشبهوا ، ومن ms3145 روى ~~بضم التاء أراد لا تشبهوا علينا . والضفر : أن يضفر شعره ذو الشعر الطويل ~~ليمنعه ذلك من الشعث ، ومن فعل هذا لم يجز له أن يقص ، لأنه فعل مايشبه ~~التلبيد الذى أوجب رسول الله فيه الحلاق فلذلك رأى عمر الحلاق على من فعل ~~ذلك . ومعنى قوله : لا تشبهوا بالتلبيد . أى تفعلوا الفعالا تشبه التلبيد ~~فى الانتفاع بها ، وهى العقص والضفر ، ثم تقصرون ولاتحلقون ، وتقولون : لم ~~نلبد ، فمن فعل ذلك فهو مبلد وعليه الحلاق . # | 62 - باب الفرق # / 103 - فيه : ابن عباس ، كان النبى - صلى الله عليه وسلم - يحب موافقة ~~أهل الكتاب فيما لم يؤمر فيه ، وكان أهل الكتاب يسدلون أشعارهم ، وكان ~~المشركون يفرقون رءوسهم ، فسدل النبى عليه السلام ناصيته ثم فرق بعد . / ~~104 - وفيه : عائشة ، قالت : كأنى أنظر إلى وبيص الطيب فى مفارق النبى - ~~صلى الله عليه وسلم - وهو محرم . وقال عبدالله : فى مفرق النبى ، عليه ~~السلام . قال المؤلف : فرق شعر الرأس سنة ، وروى ابن وهب عن PageV09P159 ~~أسامة بن زيد عمر عبد العزيز كان إذا انصرف من الجمعة أقام على باب المسجد ~~حرسا يجزون كل من لم يفرق شعره . قال مالك : رأيت عامر بن عبد الله بن ~~الزبير وربيعة بن أبى عبد الرحمن وهشام بن عروة يفرقون شعورهم ، وكانت ~~لهشام جمة إلى كتفيه . فإن قال قائل : قول ابن عباس ( كان النبى عليه ~~السلام يحب موافقة أهل الكتاب ) يعارض قول النبى - صلى الله عليه وسلم - : ~~( إن اليهود والنصارى لا يصبغون فخالفوهم ) . فالجواب : أن حديث ابن عباس ~~يحتمل أن يكون فى أول الإسالم فى وقت قوى فيه طمع النبى عليه السلام برجوع ~~أهل الكتاب وإنابهم إلى الإسلام ، وأحب موافقتهم على وجه التالف لهم ~~والتأنيس ، مع أن أهل الكتاب كانوا أهل شريعة ، وكان المشركون لا شريعة لهم ~~، فسدل عليه السلام ناصية ، إذ كان ذلك مباحا لأنه لم يأته نهى عن ذلك ، ثم ~~أراد الله تعالى نسخ السدل بالفرق فأمر نبيه بفرق شعره وترك موافقة أهل ~~الكتاب والحديث يدل على صحة هذا ، وهو قول ابن ms3146 عباس ( كان رسول الله يحب ~~موافقة أهل الكتاب ) ( وكان ) إخبار عن فعل متقدم ، وقوله : ثم فرق بعد ~~إخبار عن فعل متأخر وقع منه عليه السلام بمخالفة أهل الكتاب ، وهذا هو ~~النسخ بعينه ، لقوله عليه السلام ( إن اليهود والنصارى لا يصبغون فخالفوهم ~~) فأمر بمخالفتهم عاما . # | 63 - باب الذوائب # / 105 - فيه : ابن عباس ، بت ليلة عند ميمونة بنت الحارث خالتي ، وكان ~~PageV09P160 النبي - صلى الله عليه وسلم - عندها فى ليلتها ، فقام النبي ، ~~عليه السلام ، يصلى من الليل ، فقمت عن يساره ، فأخذ بذؤابتى ، فجعلنى عن ~~يمينه . قال المؤلف : الذوائب إنما يجوز اتخاذها للغلام إذا كان فى رأسه ~~شعر غيرها ، وأما إذا حلق شعره كله وترك ذؤابه فهو القزع الذى نهى عنه عليه ~~السلام ، وقد جاء هذا بينا فى الباب بعد هذا . وروى أبو داود : حدثنا موسى ~~بن إسماعيل ، حدثنا حماد ، جدثنا أيوب ، عن نافع ، عن ابن عمر ( أن النبى - ~~عليه السلام - نهى عن القزع ) وهو أن يحلق رأس الصبى ويترك له ذؤابه . # | 64 - باب : القزع # / 106 - فيه : ابن عمر ، أن النبى ، عليه السلام ، نهى عن القزع . قلت : ~~ما القزع ؟ فأشار لنا عبيدالله قال : إذا حلق الصبى وترك هاهنا شعرة وهاهنا ~~وهاهنا ، فأشار لنا عبيدالله إلى ناصيته ، وجانبى رأسه ، قيل لعبيد الله : ~~والجارية والغلام ؟ قال : لا أدرى ، هكذا قال الصبى . قال عبيدالله : ~~وعاودته ، فقال : أما القصة والقفا للغلام ، فلا بأس بهما ، ولكن القزع أن ~~يترك بناصيته شعر ، وليس فى رأسه غيره ، وكذلك شق رأسه هذا أو هذا . قال ~~ابن السكيت : القزع أن تتقوب من الراس مواضع فلا يكون فيها شعر ؟ قال ثابت ~~: لم يبق من شعره إلا قزع . الواحدة : قزعه ، ومثله فى السماء قزعة . ~~PageV09P161 وقد ذكر أبو داود فى حديث المعنى الذى من أجله نهى النبى عليه ~~السلام عن القزع ، فقال : حدثنا الحلوانى ، حدثنا يزيد بن هارون قال : ~~حدثنا الحجاج بن حسان قال : ( دخلنا على أنس بن مالك فقال : حدثتنى أختى ~~قالت : دخل علينا النبى عليه السلام وأنت يومئذ غلام ولك قرنان ، فمسح راسك ~~وبرك ms3147 عليك وقال : احلقوا هذين أو قصوهما ، فإن هذا زى اليهود ) . # | 65 - باب : تطييب المرأة زوجها بيديها # / 107 - فيه : عائشة : طيبت النبى - صلى الله عليه وسلم - بيدى لحرمه ~~وطيبته بمنى قبل أن يفيض . قد تقدم فى الحج . # | 66 - باب : الطيب فى الرأس واللحية # / 108 - فيه : عائشة ، كنت أطيب النبى - صلى الله عليه وسلم - بأطيب ما ~~أجد حتى أرى وبيص الطيب فى رأسه ولحيته . قال المؤلف : هذا يدل أن مواضع ~~الطيب من الرجال مخالفة لمواضعة من النساء ، وذلك أن عائشة ذكرت أنها كانت ~~تجد وبيض الطيب فى رأس النبى عليه السلام ولحيته فدل ذلك أنها إنما كانت ~~تجعل الطيب فى شعر راسه ولحيته لا من وجهه كما تفعل النساء فيخططن وجوههن ~~بالطيب يتزين بذلك ، وهذا لا يجوز للرجال PageV09P162 دليل هذا الحديث ، ~~وهو مباح للنساء ، لأن جميع أنواع الزينة بالحلى والطيب ونحوه جائز لهم ما ~~لم يغيرن شيئا من خلقهن . # | 67 - باب : الامتشاط # / 109 - فيه : سهل ، أن رجلا اطلع من جحر فى دار النبى ، عليه السلام ، ~~وأن النبى - صلى الله عليه وسلم - يحك رأسه بالمدرى ، فقال : ( لو علمت أنك ~~تنظر ، لطعنت بها فى عينك ، إنما جعل الإذن من قبل الأبصار ) . المدرى عند ~~العرب اسم للمشط ، قال أمرؤ القيس : تظل المدارى فى مثنى ومرسل يريد فى ~~ماأنثى من شعرها وانعطف ، ومااسترسل ، يصف امرأة بكثرة الشعر . وذكره أبو ~~حاتم عن الأصعمى ، وأبى عبيد ، وقال : المدارى : الأمشاط ، وفى شرح ابن ~~كسيان المدرى : الود الذى تدخله المرأة فى شعرها لتضم بعضه إلى بعضه . # | 68 - باب : ترجيل الحائض زوجها # / 110 - فيه : عائشة ، كنت أرجل رأس النبى - صلى الله عليه وسلم - وأنا ~~حائض . فيه : أن ترجيل الشعر منزى أهل الإيمان والصلاح ، وذلك من النظافة ، ~~وقد روى مالك عن يحى بن سعيد أن قتادة الأنصارى قال لرسول الله : ( إنى لى ~~جمة فارجلها ؟ قال رسول الله : نعم وأكرمها . وكان أبو قتادة ربما دهنها فى ~~يوم مرتين لما قال رسول الله : وأكرمها ) . PageV09P163 وهذا الحديث قد ~~أسنده الرازى عن يحى بن سعيد ، عن ms3148 محمد بن المنكدر ، عن أبى قتادة . . ~~فذكره . وقد روى عن النبى عليه السلام خلاف تأويل أبى قتادة ، روى على بن ~~المدينى ، عن يحى بن سعيد ، عن هشام ، عن الحسن عن عبد الله بن مغفل قال : ~~( نهى رسول الله عن الترجيل إلا غبا ) . وروى ابن المبارك ، عن كهمس عن ~~الحسن ، عن ابن بريدة عن رجل اصاحاب النبى - عليه السلام - قال : ( نهانا ~~رسول الله عن الإرفاء . قلت لأبن بريدة : مالإرفاه ؟ قال : الترجيل كل يوم ~~) . روى ابن إسحاق ، عن عبد الله بن أبى أمامه ، عن عبد الله بن كعب بن ~~مالك ، عن أبى أمامه قال : ( ذكر أصحاب رسول الله يوما عنده الدنيا البذاذة ~~من الإيمان ) . والمراد بهذا الحديث - والله أعلم - بعض الأوقات ولم يأمر ~~بلزوم البذاذة فى جميع الأحوال لتتفق الأحاديث ، وقد أمر الله تعالى بأخذ ~~الزينة عند كل مسجد ، وأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - باتخاذ الطيب ، ~~وحسن الهيئة واللباس فى الجمع وماشكل ذلك من المحافل . PageV09P164 # | 69 - باب : الترجل # / 111 - فيه : عائشة ، أن النبى ، عليه السلام ، كان يعجبه التيمن ما ~~استطاع فى ترجله ووضوئه . الترجل من باب النظافة والزينة المباحة للرجال ، ~~وقد تقدم فى الباب قبل هذا أن ذلك فى بعض الأوقات ومعناه الخصوص وروى مالك ~~، عن زيد بن أسلم أن عطاء بن يسار أخبره قال : ( كان رسول الله فى المسجد ~~فدخل رجل ثائر الراس واللحية فاشار إليه رسول الله بيده أن أخرج ، كأنه ~~يعنى إصلاح شعر رأسه ولحيته ففعل الرجل ثم رجع ، فقال رسول الله : اليس هذا ~~خيرا من أن أحدكم ثائر الراس كأنه شيطان ) . # | 70 - باب : المسك # / 112 - فيه : أبو هريرة ، قال النبي ، عليه السلام ، ( لخلوف فم الصائم ~~أطيب عند الله من ريح المسك ) . قال المؤلف المسك أطيب الطيب ، وقد روى ذلك ~~عن النبى عليه السلام من حديث أبى سعيد الخدرى ، وقد ذكرته فى كتاب الذبائح ~~، وهذا الحديث يشهد لحديث أبى سعيد ، لأنه لو كان فى الطيب فوق المسك لضرب ~~به المثل عند الله كما ضرب بالمسك . PageV09P165 # | 71 - باب : من ms3149 لم يرد الطيب # / 113 - فيه : أنس ، أنه لا يرد الطيب ، وزعم أن النبى - صلى الله عليه ~~وسلم - كان لا يرد الطيب . وترجم له فى كتاب الهبة باب ما لا يرد من الهدية ~~. ذكره أبو داود من حديث عبد الله بن أبى جعفر ، عن الأعرج ، عن أبى هريرة ~~قال : قال رسول الله : ( من عرض عليه طيب فلا يرده ، فإنه طيب الريح خفيف ~~المحمل ) . ومن حديث كثير بن عبد الله قال : سمعت أنس بن مالك يقول : قال ~~رسول الله : ( حبب إلى من الشياء النساء والطيب وجعل قرة عينى فى الصلاة ) ~~أنه كان يرى فيها الجنة وماوعد الله فيها لأوليائه المؤمنين . # | 72 - باب : الذريرة # / 114 - فيه : عائشة ، طيبت النبى ، عليه السلام ، بيدى بذريرة فى حجة ~~الوداع للحل والإحرام . يقول المؤلف : الذريرة نوع من أنواع الطيب ، وكل ما ~~يطلق عليه اسم طيب فيجوز استعماله ، لعموم قول أنس : كان النبى - عليه ~~السلام - لا يرد الطيب . فعم أنواعه كلها . PageV09P166 # | 73 - باب : المتفلجات للحسن # / 115 - فيه : عبد الله : لعن النبى ، عليه السلام ، الواشمات ، ~~والمستوشمات ، والمتنمصات ، والمتفلجات للحسن ، المغيرات خلق الله ، مالى ~~لا ألعن من لعن النبى ، عليه السلام ، وهو فى كتاب الله تعالى : { وما ~~آتاكم الرسول فخذوه } [ الحشر : 7 ] . وترجم له : باب المتنمصات . الواشمة ~~: هى التى تشم يديها وذلك أن تغرر ظهر كفها أو غيره من جسدها بإبرة حتى ~~تؤثر فيها ثم تحشوه كحلا وتجعله كالنقش فى جسدها تتزين بذلك . والنامصة : ~~هى الناقة ، والنمص : والنتف ، قال أبو جنيفة ولذلك قيل للمنقاش الذى ينتف ~~به : منماص ، ويقال : قد أنمص البقل فهو نميص إذا ارتفع قليلا حتى يمكن أن ~~ينتف بالأظفار . والمتفلجة : هى المفرقة بين اسنانها المتلاصقة بالنحت ~~لتبعد بعضها من بعض ، والفلج : تباعد مابين الشيئين يقال : منه رجل أفلج ، ~~وامرأة فلجاء . قال الطبرى : فى هذا الحديث البيان عن رسول الله أنه لا ~~يجوز لامرأة تغيير شىء من خلقها الذى خلقها الله عليه بزيادة فيه أو نقص ~~منه التماس التحسن به لزوج أو غيره ، لأن ذلك نقض منها خلقها ms3150 إلى غير هيئته ~~، وسواء فلجت اسنانها المستوية البنية ووشرتها أو كانت لها أسنان طوال ~~فقطعت طلبا للحسن ، أو أسنان زائدة على المعروف من أسنان بنب آدم فقلعت ~~الزوائد من ذلك بغير عله إلا طلب التحسن والتجمل ، فإنها فى كل ذلك مقدمة ~~على مانهى الله PageV09P167 تعالى عنه على لسان نبيه إذا كانت عالمة بالنهى ~~عنه ، وكذلك غير جائز لامرأة خلقت لها لحية أو شارب أو عنفقه أن تحلق ذلك ~~منها أو تقصه طلبا للتجمل ، لأن كل ذلك تغيير لخلق الله ، ومعنى النص الذى ~~لعن رسول الله فاعلته . فإن قال قائل : فإنك لتجيز للرجل أن يأخذ من أطراف ~~لحيته وعوارضه إذا كثرت ومن الشارب وإطاره إذا وفى ، فالمرأة أحق أن يجوز ~~لها إماطة ذلك من الرجل ، إذ الأغلب من النساء أن ذلك بهن قليل ، وإنما ذلك ~~من خلق الرجال ، فجعلت أخذ ذلك من النساء تغييرا لخلق الله ، وجعلتها من ~~الرجال غير تغيير ، فما الفرق بين ذلك ؟ قيل : إنما لم نحظر على المرأة إذا ~~كانت ذات شارب فوفى شاربها أن تأخذ من إطاره وأطرافه أو كانت ذات لحية ~~طويلة أن تأخذ منها ، وإنما نهيناها عن نمص ذلك وحلقة للعنة النبى النامصة ~~والمتنمصة ، ولاشك أن نمصها لحية أو شاربا إن كان لها نظير نمصها شعرا ~~بزجهها أو جبينها ، وفى فرق الله على لسان رسوله بين حكمها فيما لها من أخذ ~~شعر راسها وماليس لها منه ، وبين حكم الرجل فى ذلك أبين الدليل على افتراق ~~حكمها فى ذلك ، وذلك أن النبى - عليه السلام - أذن للرجال فى قص شعر رؤوسهم ~~كلما شاءوا وندبهم إلى حلقة إذا حلوا من إحرامهم ، وحظر ذلك على المرأة فى ~~الحالتين كلتيهما ، إلا أن تأخذ من أطرافه ففى ذلك أبين البيان أن حكم ~~الرجل والمرأة فى ذلك مفترق ، فالواجب أن يكون مفترقا فيما لهما من إحفاء ~~الشوارب وقص النواصى وحلقها ، وإنما أبحنا لها أن تأخذ PageV09P168 من ~~أطراف لحيتها وإطار شاربها ، كما ابحنا لها أن تأخذ من أطراف شعر رأسها إذا ~~طال ، لما ms3151 روى شعبه ، عن أبى بكر بن حفص ، عن أبى سلمه قال : ( كان أزواج ~~النبى يأخذن من شعورهن حتى يدعنه كهيئة الوفرة ) . وروى ابن جريح ، عن صفيه ~~بنت شيبة ، عن أم عثمان بنت سفيان ، عن ابن عباس قال : ( نهى النبى عليه ~~السلام أن تحلق المرأة رأسها ، وقال : الحلق مثله ) . وقال مجاهد : لعن ~~رسول الله الحالقة . فإن قال : فما وجه من أطلق النمص والوشم ، وأحله وقد ~~علمت ما روى شعبه ، عن أبى إسحاق ، عن امرأته ( أنها دخلت على عائشة ~~فسالتها ، وكانت امرأة شابة يعجبها الجمال ، فقالت : المرأة تحف جبينها ~~لزوجها . فقالت : أميطى عنك الأذى ما استطعت ) . قال الطبرى : هكذا قال ابن ~~المثنى تحف ، وهو غلط ، لأن الحف بالشىء هو الإطافة به ، وإنما هو تحفى ~~بمعنى تستأصله حلقا أو نتفا . وما حدثك تميم بن المنتصر قال : حدثنا يزيد ~~قال : حدثنا إسماعيل بن قيس قال : دخلت وأنا وأبى على أبى بكر ، فرأيت يد ~~أسماء موشومة . قيل : أما عائشة فإن فى الرواية عنها اختلافا وذلك أن عمران ~~بن موسى قال : حدثنا عبد الوارث بن سعيد قال : حدثتنى أم الحسن ، عن معاذة ~~( أنها سالت عائشة عن المرأة تقشر وجهها ؟ فقالت : PageV09P169 إن كنت ~~تشتهين أن تتزيني فلا يحل ، وإن كانت امرأة بوجهها كلف شديد فما - كأنها ~~كرهته ولم تصرح ) فهذه الرواية بالنهى عن قشر المرأة وجهها للزينة وذلك ~~نظير إحفائها جبينها للزينة ، وإذا اتخلفت الرواية عنها كأن أولى الأمور أن ~~يضاف إليها اشبهها بالحق . وأما اسماء فإنها كانت امرأة أدركت الجاهلية ، ~~وكان نساء الجاهلية يفعلن ذلك ويتزين به ، ولعل ذلك منها كان فى الجاهلية ، ~~ولم يخبر قيس عنها أنها وشمت يدها فى الإسلام ، وقد يجوز أن تكون وشمتها فى ~~الجاهلية أو الإسلام قبل أن ينهى عن ذلك رسول الله ، فمن أنها وشمتها فى ~~الإسلام بعد نهى النبى عليه السلام فليأت ببرهان على ماادعى من ذلك ، ~~ولاسبيل إليه . قال المؤلف : يقال للطبرى : أما ما ذكرته من أن المرأة ~~منهية عن حلق رأسها فى الإحرام وغيره بحديث ابن عباس ms3152 ، وقوله عليه السلام : ~~إن الحلق مثله ، فإن حديث ابن عباس ليس معناه التحريم بدليل أن المرأة لو ~~حلقت راسها فى الحج مكان التقصير اللازم لها لم تأت فى ذلك حراما ، ودل ~~قوله : إن الحلق مثله ، أن معنى النهى عن ذلك إنما هو خيفة أن تمثل المرأة ~~بنفسها وتنقض جمالها فيكره ذلك بعلها ، والمثلة ليست بحرام وإنما هى مكروهة ~~، وقد قال مالك : حلق الشارب مثله ، وقد ثبت حلقه عن كثير من السلف ، ~~واحتجوا بأمره عليه السلام بإحفاء الشوارب ، وأما قول مجاهد : لعن رسول ~~الله الحالقة فليس من هذا الباب فى شىء ، وإنما لعن الحالقة لشعرها عند ~~المصيبة اتباعا لسنن الجاهلية ، وبهذا جاء الحديث ، ذكره PageV09P170 ~~البخاري فى كتاب الجنائز من حديث أبى موسى : ( أن رسول الله برىء من ~~الحالقة والصالقة والشاقة ) وترجم له باب ماينهى عنه من الحلق عند المصيبة ~~، فبان بهذا معنى النهى عن الحلق أنه عند المصيبة كفعل الجاهلية ، وأما إن ~~احتاجت امرأة إلى حلق راسها فذلك غير حرام عليها كالرجل سواء . # | 74 - باب : الوصل فى الشعر # / 116 - فيه : معاوية أنه قال على المنبر - وتناول قصة من شعر كانت بيد ~~حرسى - : أين علماؤكم ؟ سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ينهى عن مثل ~~هذه ، ويقول : إنما هلكت بنو إسرائيل حين اتخذ هذه نساؤهم . / 127 - وفيه : ~~أبو هريرة ، عن النبى - صلى الله عليه وسلم - قال : ( لعن الله الواصلة ~~والمستوصلة ، والواشمة والمستوشمة . / 118 - وفيه : عائشة ، أن جارية من ~~الأنصار تزوجت ، وأنها مرضت ، فتمعط شعرها ، فأرادوا أن يصلوها ، فسألوا ~~النبى - صلى الله عليه وسلم - ، فقال : ( لعن الله الواصلة والمستوصلة ) . ~~/ 119 - وفيه : أسماء ، أن امرأة جاءت إلى النبى - صلى الله عليه وسلم - ، ~~فقالت : إنى أنكحت ابنتى ، ثم أصابها شكوى ، فتمرق رأسها ، وزوجها يستحثنى ~~بها ، أفأصل رأسها ؟ فسب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الواصلة ~~والمستوصلة . / 120 - وفيه : ابن عمر ، أن النبى - صلى الله عليه وسلم - ~~لعن الواصلة والمستوصلة ، والواشمة والمستوشمة . قال نافع : الوشم فى اللثة ~~. PageV09P171 قال الطبرى وغيره : فى هذه الأحاديث من الفقه أنه ms3153 لا يجوز ~~لامرأة أن تصل شعرها بشىء يتجمل به ويظن من يراه أنه شعرها ، كما لا يجوز ~~أن تشم خلقها تتزين بذلك ، وهو قول مالك وجماعة ، وفاعله ذلك لم ترض بما ~~أعطاها الله فغيرت خلقها . قال الطبرى : وقد اختلف العلماء فى معنى نهيه ~~عليه السلام عن الوصل فى الشعر ، فقال بعضهم : لا بأس عليها فى وصلها شهرها ~~ماوصلت به من صوف وخرق وشبه ذلك ، روى ذلك عن ابن عباس وأم سلمه زوج النبى ~~، وعلة هذه المقالة قول معاية حين أخرج القصة من الشعر وقال : ( نهى رسول ~~الله عن مثل هذه ) . قالوا : وأما الخرق والصوف فليس ذلك مما دخل فى نهيه ~~عليه السلام . وقال آخرون : كل ذلك داخل فى مهيه لعموم الخبر عنه أنه لعن ~~الواصلة والمستوصلة ، قالوا : فبأى شىء وصلت شعرها فهى واصلة ، روى ذلك عن ~~أم عطية . وقال آخرون : لا بأس عليها فى وصلها شعرها بما وصلت به من شىء ، ~~شعرا كان الذى وصلت به أو غيره . روى ذلك عن عائشة وسالها ابن اشوع : ( لعن ~~رسول الله الواصلة ؟ قالت : أيا سبحان الله ! وماباس بالمرأة الزعراء أن ~~تأخذ شيئا من صوف فتصل به شعرها تتزين به عند زوجها ! إنما لعن رسول الله ~~المرأة الشابة تبغى فى شبيبتها حتى إذا أسنت هى وصلتها بالقيادة ) . وسئل ~~عطاء عن شعور الناس أينتفع بها قال : لا بأس بذلك . وقال آخرون : لا يجوز ~~الوصل بشىء شعر ولاغيره ، ولاباس أن تضع الشعر وغيره على راسها وضعا مالم ~~تصله ، روي ذلك عن PageV09P172 إبراهيم ، وعلة هذا القول ان الخبر إنما ورد ~~عن النبى عليه السلام بالنهى عن الوصل ، فأما مالم يكن وصلا فلا باس به . ~~قال الطبرى : والصواب عندنا فى ذلك أن يقال : غير جائز أن تصل بشعرها شيئا ~~من الشياء لتتجمل به ، وشعرا كان أو غيره لعموم النهى عن النبى عليه السلام ~~أن تصل بشعرها شيئا . وأما خبر اشوع عن عائشة فهو باطل ، لأن رواته لا ~~يعرفون ، وابن اشوع لم يدرك عائشة . قال غيره : وإنما قال معاوية ms3154 : ( يا ~~أهل المدينة أين علماؤكم ؟ ) وإن كانت المدينة دار العلم ومعدن الشريعة ~~وإليها يفزع الناس فى أمر دينهم ألا ترى أن معاوية قد بعث إلى عائشة يسألها ~~عن مسائل نزلت به ، فقال : يا أهل المدينة أين علماؤكم الذين يلزمهم تغيير ~~المنكر ، والتشدد على استباح مانهى عنه النبى عليه السلام ولايجوز أن يقال ~~: إن المنكر كان بالمدينة ولم يغيره أهلها ، لأنه لا يخلو زمان عن ارتكاب ~~المعاصى ، وقد كان فى وقت النبى عليه السلام من شرب الخمر وسرق وزنى إلا ~~أنه كان شاذا نادرا ، ولايحل لمسلم أن يقول : إن النبى عليه السلام لم يغير ~~المنكر ، فكذلك أمر القصة كان شاذا بالمدينة ولا يجوز أن يقال : أن أهل ~~المدينة جهلوا نهى النبى - عليه السلام - عن القصة ، لأن حديثه فى لعن ~~الواصلة والمستوصلة حديث مدنى ، رواه نافع عن ابن عمر ، ورواه هشام بن عروه ~~، عن فاطمة بنت المنذر ، عن أسماء ، عن النبى - عليه السلام - وهو معروف ~~عندهم مستفيض . PageV09P173 ولعن رسول الله الواصلة والمستوصلة والواشمة ~~والمستوشمة لأنهما تعاونا على تغيير خلق الله ، وفيه دليل أن من أعان على ~~معصية ، فهو شريك فى الأثم . وقوله : ( تمرق شعرها ) قال صاحب الأفعال : ~~مرق الشعر والصوف نتفه ، وأمرق الشعر جاز أن ينتف ، و ( القصة ) قال ~~الأصمعى : القصة ماأقبل على الجبهة من شعر الرأس . # | 75 - باب : التصاوير # / 121 - فيه : أبو طلحة ، قال عليه السلام : ( لا تدخل الملائكة بيتا فيه ~~كلب ولا تصاوير ) . وسيأتى الكلام فى هذا الحديث فى باب لا تدخل الملائكة ~~بيتا فيه كلب ولا صورة ، إن شاء الله . * * * # | 76 - باب : عذاب المصورين يوم القيامة # / 122 - فيه : مسروق ، أنه رأى صفته فيها تماثيل ، فقال : سمعت عبدالله ، ~~يقول : سمعت النبى - صلى الله عليه وسلم - يقول : ( إن أشد الناس عذابا عند ~~الله يوم القيامة المصورون ) . / 123 - وفيه : ابن عمر ، قال ، عليه السلام ~~: ( إن الذين يصنعون هذه الصور يعذبون يوم القيامة ، يقال لهم : أحيوا ما ~~خلقتم ) . قال الطبرى : إن قال قائل : ماانت قائل فيمن صور صورة وهو ~~PageV09P174 لله موحد ولنبيه عليه ms3155 السلام مصدق أهو اشد عذابا أم فرعون وآله ~~؟ فإن قلت : من صور صورة ، قيل : قد قال الله خلاف ذلك : { أدخلوا آل فرعون ~~أشد العذاب } . قيل : ليس فى خبر ابن مسعود خلاف للتنزيل بل هو له مصدق ، ~~وذلك أن المصور الذى أخبر النبى عليه السلام أنه له أشد العذاب هو الذى ~~وصفه النبى عليه السلام - فى حديث عائشة بقوله : ( الذين يضاهون خلق الله ) ~~. قال المؤلف : المتكلف من ذلك مضاهاة ماصوره ربه فى خلقه أعظم جرما من ~~فرعون وآله ، لأن فرعون كان كفره بقوله : ( أنا ربكم الأعلى ) من غير إدعاء ~~منه أنه يخلق ولا محالة منه أن ينشىء خلقا يكون كخلقه تعالى شبيها ونظيرا ، ~~والمصور المضاهى بتصويره ذلك منطو على تمثيله نفسه بخالقه ، فلا خلق أعظم ~~كفرا منه فهو بذلك اشادهم عذابا وأعظم عقابا ، وأما من صور صورة غير مضاه ~~ماخلق ربه ، وإن كان بفعله مخطئا ، فغير داخل فى معنى من شاهى ربه بتصويره ~~. فإن قيل : ومالوجه الذى تجعله به مخطئا إذا لم يكن فى تصويرة لربه مضاهيا ~~؟ قيل : لاتهامه نفسه عند من عاين تصويره أنه ممن قصد بذلك المضاهاة لربه ، ~~إذ كان الفعل الذى هو دليل على المضاهاة منه ظاهرا ، والاعتقاد الذى هو ~~خلاف اعتقاد المضاهى باطن لا يصل إلى علمه راءوه . PageV09P175 وقد روى ~~الأعمش عن عمارة بن عمير قال : كنت جالسا عند رجل من اصحاب ابن مسعود فمثلت ~~فى الأرض مثال عصفور فضرب يدى . # | 77 - باب : نقض الصور # / 124 - فيه : عائشة ، أن النبى - صلى الله عليه وسلم - لم يكن يترك فى ~~بيته شيئا فيه تصاليب إلا نقضه . / 125 - وفيه : أبو هريرة ، أنه دخل دارا ~~بالمدينة ، فرأى أعلاها مصورا يصور ، قال : سمعت رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - يقول : ( ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقى ، فليخلقوا حبة ، وليخلقوا ~~ذرة ) ، ثم دعا بتور من ماء فغسل يديه حتى بلغ إبطه . فقلت : يا أبا هريرة ~~، أشىء سمعته من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ؟ قال : منتهى الحلية . ~~قال المؤلف : فى حديث عائشة حجة ms3156 لمن كره الصور فى كل شىء مما يمتهن ويوطأ ~~وغيره ، لعموم قول عائشة ( أن النبى - عليه - لم يكن يترك فى بيته شيئا فيه ~~تماثيل إلا نقضه ) فدخل فى ذلك جميع وجوه استعمال الصور فى البسط واللباس ~~وغيره ، وفى حديث أبى هريرة دليل على أن نهيه عليه السلام عن الصور مجمل ، ~~معناه عندهم على العموم أيضا فى الحيطان والثياب وغيرها . وقوله عليه ~~السلام : ( من أظلم ممن ذهب يخلق كخلقى ) هو فى معنى حديثه عليه السلام : ( ~~أنه لعن المصور ) لأنه وصف المصور PageV09P176 بأشد الظلم وقد قال تعال : { ~~ألا لعنة الله على الظالمين } فعمت اللعنة كل من وقع عليه اسم ظالم من مصور ~~وغيره . ووضوء أبى هريرة إلى ابطه ليس عليه العمل وأجمعت الأمة أنه لا ~~يتجاوز بالوضوء ماحده الله من المرفقين ، وقد تقدم فى كتاب الوضوء . وقوله ~~: ( منتهى الحلية ) فهو مثل ما روى عنه فى كتاب الوضوء أنه قال : سمعت رسول ~~الله يقول : ( إن أمتى يدعون غرا محجلين من أثر الوضوء فمن استطاع أن يطيل ~~غرته فيفعل ) . وكنى بالحلية عن الغرر والتحجيل . * * * # | 78 - باب : ما نهى عنه من التصاوير # / 126 - فيه : عائشة ، قدم النبى - صلى الله عليه وسلم - من سفر ، وقد ~~سترت بقرام لى على سهوة لى فيها تماثيل ، فلما رآه النبى - صلى الله عليه ~~وسلم - هتكه ، وقال : ( أشد الناس عذابا يوم القيامة الذين يضاهون بخلق ~~الله ) ، قالت : فجعلناه وسادة أو وسادتين . / 127 - فيه : وقالت مرة : قدم ~~النبى - صلى الله عليه وسلم - من سفر ، وعلقت درنوكا فيه تماثيل ، فأمرنى ~~أن أنزعه فنزعته ، وكنت أغتسل أنا والنبى - صلى الله عليه وسلم - من إناء ~~واحد . PageV09P177 فى هذا الحديث حجة لمن أجاز من استعمال الصور مايمتهن ~~ويبسط ، إلا ترى أن عائشة فهمت من إنكار النبى - عليه السلام - للصور فى ~~الستر أن ذلك لما كان منصوبا ومعلقا دون ماكن منها مبسوطا يمتهن بالجلوس ~~على والارتفاق ، فلذلك جعلته وسادة ، وسأذكر ماذاهب العلماء فى الباب بعد ~~هذا . وقوله : ( إن أشد الناس عذابا يوم القيامة الذين يضاهون خلق الله ms3157 ) ~~يفسر حديث ابن مسعود المتقدم فى باب عذاب المصورين يوم القيامة ، ويدل أن ~~الوعيد الشديد إنما جاء لمن صور صورة مضاهاة لخلف الله ، وقد تقدم ذلك . # | 79 - باب : من كره القعود على الصور # / 128 - فيه : عائشة ، أنها اشترت نمرقة فيها تصاوير ، فقام النبى - صلى ~~الله عليه وسلم - بالباب ، فلم يدخل ، فقلت : أتوب إلى الله مما أذنبت ، ~~قال : ما هذه النمرقة ؟ قلت : لتجلس عليها ، وتوسدها ، قال : ( إن أصحاب ~~هذه الصور يعذبون يوم القيامة ، يقال لهم : أحيوا ما خلقتم ، وإن الملائكة ~~لا تدخل بيتا فيه الصورة ) . نمارق : وسائد مصفوفة بعضها إلى بعض . / 129 - ~~وفيه : أبو طلحة إن النبى - صلى الله عليه وسلم - قال : ( إن الملائكة لا ~~تدخل بيتا فيه صورة ) . قال بسر : ثم اشتكى زيد فعدناه ، فإذا على بابه ستر ~~فيه صورة ، فقلت لعبيدالله - ربيب ميمونة زوج النبى - صلى الله عليه وسلم - ~~- : ألم يخبرنا زيد عن الصور يوم الأول ؟ قال عبيدالله : ألم تسمعه حين قال ~~: إلا رقما فى ثوب ؟ PageV09P178 اختلف العلماء فى الصور : فكره ابن شهاب ~~مانصب منها ومابسط كان رقما أو لم يكن ، على حديث نافع عن القاسم عن عائشة ~~. وقالت طائفة : إنما يكره من التصاوير ماكان فى حيطان البيوت ، وأما ماكان ~~رقما فى ثوب فهو جائز على حديث زيد بن خالد عن أبى طلحة ، وسواء كان الثوب ~~منصوبا أو مبسوطا وبه قال القاسم وخالف حديثه عن عائشة . وقد روى ابن وهب ، ~~عن عمرو بن الحارث ، عن عبد الرحمن ابن القاسم ، عن أبيه ، عن عائشة زوج ~~النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( أدخلت أسماء بنت عميس على القاسم بحجلة ~~فيها تصاوير ، قال القاسم : فتلك الحجلة عندنا بعد ) . وقال آخرون : لا ~~يجوز لباس ثوب فيه صور ولابصبه ، وإنما يجوز من ذلك مابوطأ ويمتهن . ~~واحتجوا بحديث سفيان ، عن عبد الرحمن بن القاسم ، عن أبيه ، عن عائشة قالت ~~: ( سترت سهوة لى بستر فيه تصاوير ، فلما رآه النبى عليه السلام هتكه ، ~~فجعلته وسادة أو وسادتين ) ورواه وكيع عن اسامة بن زيد ، عن عبد الرحمن بن ~~القاسم ms3158 ، وزاد فيه : ( فرأيت النبى عليه السلام متكئا على إحداهما ) . ~~قالوا : فكره رسول الله ماكان سترا ولم يكره ما يت : ا عليه ويوطأ ، وبهذا ~~قال سعد بن أبى وقاص وسالم وعروة وابن سيرين وعطاء وعكرمة ، قال عكرمة : ~~فيما يوطأ من الصور هو أذل لها ، وهذا أوسط المذاهب فى هذا الباب ، وهو قول ~~مالك والثوري وابي حنيفة والشافعي . PageV09P179 قال الطحاوي : يحتمل قوله ~~: ( إلا رقما فى ثوب ) أنه اراد رقما يوطأ ويمتهن كالبسط والوسائد . وقال ~~الداودى : حديث سفيان وأسامة بن زيد ، عن عبد الرحمن ابن القاسم ، عن أبيه ~~، عن عائشة ناسخ لحديث نافع ، عن القاسم ، عن عائشة ، وإنما نهى النبى عليه ~~السلام أولا عن الصور كلها وإن كانت رقما ، لأنهم كانوا حديث عهد بعبادة ~~الصور ، فنهى عن ذلك جملة ، ثم لما تقرر نهيه عن ذلك أباح ماكان رقما فى ~~ثوب للضرورة إلى اتخاذ الثياب ، وأباح مايمتهن لأنه يؤمن على الجاهل تعظيم ~~مايمتهن ، وبقى النهى فيما ترفه ولايمتهن ، وفيما لا حاجة بالناس إلى ~~اتخاذه ، ومايبقى مخلدا فى مثل الحجر وشبهه من الصور التى لها أجرام وظل ، ~~لأن فى صنيعها التشبه بخلق الله - تعالى . وكره بعضهم ماله روح ، وإن لم ~~يكن له ظل على ظاهر حديث عائشة : ( إن أشد الناس عذابا يوم القيامة ~~المصورون يقال لهم : أحيوا ماخلقتم ) وكره مجاهد صور الشجر المثمر ، ولا ~~أعلم أحد كرهها غيره . # | 80 - باب : كراهة الصلاة فى التصاوير # / 130 - فيه : أنس ، كان قرام لعائشة سترت به جانب بيتها ، فقال لها ~~النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( أميطى عنى ، فإنه لا تزال تصاويره تعرض ~~لى فى صلاتى ) . فيه من الفقه : أنه ينبغى التزام الخشوع وتفريغ البال لله ~~PageV09P180 - تعالى ، وترك التعرض لكل ما يشغل المصلى عن الخشوع ، إلا ترى ~~أن رسول الله نبه على هذا المعنى بقوله : ( فإنه لا تزال تصاوير تعرض لى فى ~~صلاتى ) وهذا مثل ماعرض له على السلام فى الخميصة التى أهداها له أبو جهم ~~فقال : ( اذهبوا بها أبى جهم ، فإنى نظرت إلى علمها فى الصلاة فكاد يفتنى ) ~~. وفيه ms3159 من الفقه : أن مايعرض للمرء فى صلاته من الفكرة فى أمور الدنيا ~~ومايخطر بباله من ذلك ، وماينظر إليه بعينه أنه لا يقطع صلاته ، كما لم ~~يقطع صلاة النبى اعتراض التصاوير له فيها ، إذ لم يسلم أحد من ذلك . # | 81 - باب : لا تدخل الملائكة بيتا فيه صورة # / 131 - فيه : ابن عمر : وعد النبى - صلى الله عليه وسلم - جبريل ، فراث ~~عليه حتى اشتد على النبى - صلى الله عليه وسلم - ، فخرج النبى - صلى الله ~~عليه وسلم - ، فلقيه ، فشكا إليه ما وجد ، فقال له : ( إنا لا ندخل بيتا ~~فيه كلب ولا صورة ) . قال ابن وضاح : الملائكة فى هذا الحديث ملائكة الوحى ~~مثل حبريل وإسرافيل ، فأما الحفظة فيدخلون كل بيت ولا يفارقان الإنسان على ~~كل حال ، وقاله الداوجى أيضا . قال الطبرى : إن قال قائل : أفحرام دخول ~~البيت الذى فيه التماثيل والصور ؟ . قيل : لا ، ولكنه مكروه أعنى ماكان من ~~ذلك من ذوات الرواح ، وأما ما كان من ذلك علما فى ثوب أو رقما فيه ، وكان ~~مما PageV09P181 يوطأ ويجلس عليه فلا باس به وما كان مما ينصب ، فإن كان من ~~صورة ما لا روح فيه فلا بأس به كصور الشجار والزرع والنبات ، وإن كان من ~~صور ما فيه الروح فلا استحبه لما حدثنا محمد ابن عبد الملك بى أبى الشوارب ~~، حدثنا يزيد ، حدثنا داود بن أبى هند ، حدثنا عزرة ، عن حميد بن عبد ~~الرحمن ، عن سعد بن هشام ، عن عائشة قالت : كان لنا ستر تمثال طير مستقبل ~~باب البيت فقال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( حوليه فإنى كلما دخلت ~~فرأيته ذكرت النديا . قالت : وكان لنا قطيفة لها علم حرير فكنا نلبسها ) ~~فلم يقطعه ، ولم يأمر عائشة بفساد تمثال الطير الذى كان فى الستر ، ولكنه ~~أمر بتنحيته عن موضعه الذى كان معلقا فيه من أجل كراهيته لرؤيته إياه ، لما ~~يذكر من الدنيا وزينتها ، وفى قوله عليه السلام : ( فإنى كلما رأيته ذكرت ~~الدنيا ) دليل بين على أنه كان يدخل البيت الذى ذلك فيه فيراه ، ولاينهى ~~عائشة عن تعليقه ، وذلك ms3160 يبين صحة ما قلناه من أن ذلك إذا كان رقما فى ثوب ~~وعلما فيه فإنه مخالف معنى معنى ما كان مثالا ممثلا قائما بنفسه . وقوله : ~~( فراث عليه ) يعنى ابطأ ، ومنه قولهم : رب عجله تهب ريثا . # | 82 - باب : من لعن المصور # / 132 - فيه : أبو جحيفة ، إن النبى - صلى الله عليه وسلم - لعن المصور . ~~. . الحديث . / 133 - وفيه : ابن عباس ، قال : سمعت محمدا - صلى الله عليه ~~وسلم - يقول : ( من صور صورة فى الدنيا كلف يوم القيامة أن ينفخ فيها الروح ~~، وليس بنافخ ) . PageV09P182 قال المهلب : إن قال قائل : كيف أدخل البخارى ~~حديث ابن عباس فى باب من لعن المصور ، وليس ذلك فى الحديث ؟ قيل : وجه ذلك ~~- والله أعلم - أن اللعن فى لغة العرب الإبعاد من رحمة الله بالعذاب ، ومن ~~كلفه الله ينفخ الروح فيما صور وهو لا يقدر على ذلك ابدا فقد ابعده الله من ~~رحمته ، فأين أكثر من هذا اللعن ؟ ! قال الطبرى : وفى قوله عليه السلام : ( ~~من صور صورة كلف أن ينفخ فيها الروح ) دليل بين أن الوعيد إنما جاء فى ~~تصوير ماله روح من الحيوان ، وأما تصوير الشجر والجمادات فليس بداخل فى ~~معنى الحديث . وروى سفيان عن عوف عن سعيد بن أبى الحسن قال : ( كنت عن ابن ~~عباس فأتاه رجل فقال : إن معيشتى من هذه التاصوير ، فقال ابن عباس : قال ~~النبى - صلى الله عليه وسلم - : من صور صورة كلف أن ينفخ فيها وليس بنافخ . ~~فاصفر الرجل ، فلما راى صفرته قال : إن كنت لابد صانعا فعليك بهذا الشجر ~~وكل شىء ليس فيه روح ) . # | 83 - باب الارتداف على الدابة # / 134 - فيه : أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - أردف أسامة على حمار . ~~وقد تقدم في الحج . PageV09P183 # | 84 - باب : الثلاثة على الدابة # / 135 - فيه : ابن عباس ، لما قدم النبى - صلى الله عليه وسلم - مكة ، ~~استقبله أغيلمة بنى عبدالمطلب ، فحمل واحدا بين يديه والآخر خلفه . قال ~~الطبرى : فإن قال قائل : هذا حديث صحيح ، فما أنت قائل فيما حدثك إسحاق بن ~~زيد الخطابى قال : حدثنا محمد بن سليمان ms3161 ، عن أبيه قال : حدثنا عطاء ، عن ~~أبى سعيد الخدرى قال : قال رسول الله : ( لا يركب الدابة فوق أثنين ) ؟ . ~~قيل : قد اختلف السلف فى ذلك فقال بعضهم بخبر ابن عباس ، وقالوا : جائز أن ~~يركب الدابه ثلاثة إذا أطاقت حملهم ، روى ذلك عن ابن عمر قال : ماأبالى أن ~~أكون عاشر عشرة على دابه إذا أطاقت حمل ذلك . رواه شعبة عن عاصم ، عن ~~الشعبى عنه . وكره آخرون ركوب دابه أكثر من اثنين ، واحتجوا بحديث أبى سعيد ~~، روى ذلك عن على بن أبى طالب قال : إذا رأيتم ثلاثة نفر على دابه فأرجموهم ~~حتى ينزل أحدهم . قال الطبرى : وكلا الخبرين صحيحان فأما معنى حملة أثنين ~~على دابه هو راكبها حتى صاروا ثلاثة عليها ، فلأنها كانت مطيقة حملهم ، غير ~~فادح ركوبهم عليها ولا مضر بها . وقد قال ابن أبى ملكية عن ابن عباس أن ~~مركب النبى عليه السلام الذى حمل الاثنين عليه معه كان ناقة . ولاشك أن ~~ركوب ثلاثة أنفس على ناقة غير فادحها ، ولا مضر بها ، وإن كان ذلك فرسا أو ~~بغلا فلا شك أنه غير فادحة حمل رجل وصبيين يسير PageV09P184 مسافة من الأرض ~~لا يتعذر على الصبيان قطعها مشيا ، وروى ابن مهيد ، عن حماد بن سلمه ، عن ~~عاصم ، عن زر ، عن ابن مسعود قال : كان يوم بدر ثلاثة على بعير . وأما معنى ~~عليه السلام عن ركوب أكثر من اثنين على الدابة فإنما هو نهى عن ركوب مالم ~~يطق من الدواب حمل أكثر من راكبين ، وذلك معنى قول على : إذا رايتهم ثلاثة ~~على دابة فأرجموهم حتى ينزل أحدهم . ونظير ما روى عن النبى عليه السلام وعن ~~على بن أبى طالب فى ذلك روى عن عمر بن الخطاب أيضا . حدثنا مطر بن محمد ، ~~حدثنا أبو دادود ، حدثنا ابن خالد ، حدثنا المسيب ابن دارم قال : رايت عمر ~~بن الخطاب ضرب جمالا وقال : تحمل على بعيرك ما لا يطيق ؟ ! # | 85 - باب : حمل صاحب الدابة غيره بين يديه # وقال بعضهم : صاحب الدابة أحق بصدر الدابة إلا أن يأذن له ms3162 . / 136 - فيه ~~: أبو كريب ذكر شر الثلاثة عند عكرمة ، فقال : قال ابن عباس : أتى رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - وقد حمل قثم بين يديه ، والفضل خلفه - أو قثم ~~خلفه والفضل بين يديه - فأيهم شر أو أيهم خير . قال البخارى : وقال بعضهم : ~~صاحب الدابة أحق بصدر دابته إلا أن ياذن له ، قد روى عن النبى عليه السلام ~~ذكره أبو عيسى الترمذى فى مصنفه قال : حدثنا أبو عمار الحسين بن حريث ، ~~حدثنا على بن الحسين بن واقد قال : حدثنى أبى قال : حدثنا عبد الله ~~PageV09P185 ابن بريدة قال : سمعت أبى بريدة يقول : ( بينما رسول الله يمشى ~~إذ جاءه رجل ومعه حمار فقال : يا رسول الله ، اركب وتأخر الرجل ، فقال رسول ~~الله : لأنت أحق بصدر دابتك إلا أن تجعله لى . قال : جعلته لك . قال : فركب ~~) قال أبو عيسى : هذا حديث حسن غريب . وحديث ابن عباس يدل على معنى هذا ~~الحديث ، لأن النبى عليه السلام كان أحق بصدر دابته ، فلما حمل قثم أو ~~الفضل بين يديه كان مقام الإذن فى ذلك ، وأظن البخارى لم يرض بلإسناده حديث ~~ابن بريدة فأدخل حديث ابن عباس ليدل على معناه . # | 86 - باب # / 137 - فيه : معاذ ، قال : بينا أنا رديف النبى - صلى الله عليه وسلم - ~~ليس بينى وبينه إلا أخرة الرحل ، فقال : يا معاذ ، قلت : لبيك رسول الله ~~وسعديك ، ثلاثا . . . . الحديث . فيه : إرداف الإمام والشريف لمن دونه ~~وركوبه معه ، وذلك من التواضع أيضا وترك الكبر ، وكان ينبغى أن يدخل ~~البخارى هذا الحديث مع حديث اسامة بن زيد فى كتاب الارتداف على الدابة قبل ~~هذا . وقد تقدم معنى قوله : ( هل تدرى ماحق الله على عباده ) فى كتاب ~~السلام والاستئذان فى باب من أجاب بلبيك وسعديك . PageV09P186 # | 87 - باب : إرداف المرأة خلف الرجل # / 138 - فيه : أنس ، أقبلنا مع النبى - صلى الله عليه وسلم - من خيبر ، ~~وإنى لرديف أبى طلحة وهو يسير ، وبعض نساء رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- رديف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذ عثرت الناقة ، فقلت المرأة ، ~~فنزلت ms3163 ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( إنها أمكم ) ، فشددت ~~الرحل ، وركب رسول الله . . . الحديث . فيه : جواز إرداف المرأة خلف الرجل ~~كما ترجم ، وفيه أنه لا بأس أن يتدارك الرجل امرأة غيره إذا سقطت أو همت ~~بالسقوط ويعينها على التخلص مما يخشى حدوثه عليها ، وإن كانت ممن لا يجوز ~~له رؤيتها ، لأن المؤمنين إخوة وقد أمرهم الله بالتعاون . وذكر هاهنا باب ~~الاستلقاء ووضع الرجل على الأخرى ، وقد تقدم فى كتاب الاستئذان والسلام ، ~~وفى كتاب الصلاة فأغنى عن إعادته . * * * PageV09P187 # | 67 - كتاب الأدب 1 - وقول الله تعالى : { ووصينا الإنسان بوالديه حسنا ~~} # / 1 - فيه : عبدالله ، سألت النبى - صلى الله عليه وسلم - أى العمل أحب ~~إلى الله ؟ قال : ( الصلاة على وقتها ) ، قال : ثم أي ؟ قال : ( بر ~~الوالدين ) ، قال : ثم أي ؟ قال : ( الجهاد فى سبيل الله ) ، قال : حدثنى ~~بهن ، ولو استزدته لزادنى . قال المؤلف : ذكر أهل التفسير أن هذه الآية ~~التى فى سورة لقمان نزلت فى سعد بن أبى وقاص ، قالت أمه حين هاجر : لا ~~يظلنى بين حتى ترجع فنزلت : { ووصينا الإنسان بوالديه حسنا وإن جاهداك ~~لتشرك بى ما ليس لك به علم فلا تطعهما } فأمره تعالى أن يحسن إليهما ولا ~~يطعهما فى الشرك . وقيل : نزلت فى عياش بن أبى ربيعة . فأخبر النبى عليه ~~السلام أن بر الوالدين افضل الأعمال بعد الصلاة التى هى أعظم دعائم الإسلام ~~، ورتب ذلك بثم التى تقتضى الترتيب ، وتدل على أن الثانى بعد الأول وبينهما ~~مهله ، وقد دل التنزيل على ذلك قال تعالى : { وقضى ربك إلا تعبدوا إلا أياه ~~وبالوالدين إحسانا إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما ) يعنى مايبولان ~~ويحدثان { فلا تقل لهما اف } قال مجاهد : والمعنى لاتستقذرهما PageV09P188 ~~كما لم يكونا يستقذرانك . وقال عطاء : لاتنغض يديك عليهما ولا تنهرهما أى ~~لاتغلظ لهما { وقل لهما قولا كريما } أى سهلا لينا عن قتادة وغيره . وقال ~~ابن السيب : قول العبد الذليل للسيد الفظ الغليظ { واخفض لهما جناح الذل من ~~الرحمة } أى كن بمنزله الذليل المقهور إكراما لهما ، وجعل تعالى شكر ~~الأبوين بعد ms3164 شكره فقال : { أن أشكر لى ولوالديك } وقال أبو هريرة : لا تمش ~~أمام أبيك ، ولا تقعد قبله ، ولا تدعه باسمه . وقيل : تمشى فى الظلمة بين ~~يديه : من لم يدرك أبويه أو أحدهما ، فلا باس أن يقول : رب أرحمهما كما ~~ربيانى صغيرا . # | 2 - باب : من أحق الناس بحسن الصحبة # / 2 - فيه : أبو هريرة ، جاء رجل إلى النبى - صلى الله عليه وسلم - فقال ~~: يا رسول الله ، من أحق الناس بحسن صحابتى ؟ قال : ( أمك ) ، قال : ثم من ~~؟ قال : ( ثم أمك ) ، قال : ثم من ؟ قال : ( ثم أمك ) ، قال : ثم من ؟ قال ~~: ( ثم أبوك ) . قال المؤلف : فى هذا الحديث دليل ان محبة الأم والشفقة ~~عليها ينبغى أن تكون ثلاث اميال محبة الب ، لأن عليه السلام كرر الأم ثلاث ~~مرات ، وذكر الأب فى المرة الرابعة فقط ، وإذا تؤمل هذا المعنى شهد له ~~العيان ، وذلك أن صعهوبة الحمل وصعوبة الوضع وصعوبة الرضاع والتربية تنفرد ~~بها الأم ، وتشقى بها دون الب فهذه ثلاث منازل يخلو منها الأب . ~~PageV09P189 وقد جرى لبى السود الدؤلى مع زوجته قصة أثار فيها هذا المعنى ، ~~ذكر أبو حاتم عن أبى عبيدة أن أبا الأسود جرى بينه وبين امرأته كلام فأراد ~~أخذ ولده منها ، فسار إلى زياد وهو وإلى البصيرة ، فقالت المرأة : اصلح ~~الله الأمير ، هذا بطنى وعاؤه وحجرى فناؤه وثدى سقاؤه ، أكلؤه إذا نام ، ~~وأحفظه أذا قام ، فلم أزل بذلك سبعة أعوام حتى استوفى فصاله وكملت خصالة ~~وأملت نفعه وروجوت رفعه أراد أن يأخذه منى كرها . فقال أبو الأسود : أصلحك ~~الله ، هذا ابنى حملته قبل أن تحمله ، ووضعته قبل أن تضعه . . وأنا أقوم ~~عليه فى أدبه ، وحملته ثقلا ، ووضعه شهوة ، ووضعته كرها . فقال له زياد : ~~اردد على المرأة ولدها فهى أحق به منك ، ودعنى من سجعك . وروى عن مالك أن ~~رجلا قال له : إن أبى فى بلد السودان ، وقد كتب إلى أن اقدم إليه ، وأمى ~~تمنعنى من ذلك ، فقال له : أطع أباك ولاتعص أمك . فدل قول مالك هذا أن ~~برهما عنده متساوا لا فضل لواحد ms3165 منهما فيه على صاحبه ، لأنه قد قدر أمره ~~بالتخلص منهما جميعا ، وإن كان لاسبيل إلى ذلك فى المسالة ، ولو كان ~~لأحدهما عنده فضل فى البر على صاحبه لأمره بالمصير إلى أمره . وقد سئل ~~الليث عن هذه المسالة فأمره بطاعة الأم ، وزعم أن لها PageV09P190 ثلثي ~~البر ، وحديث أبى هريرة يدل على ان لها ثلاثة ارباع البر ، وهو الحجة على ~~من خالفه ، وزعم المحاسبى أن تفضيل الأم على الأب فى البر والطاعة هو إجماع ~~العلماء . # | 3 - باب : لا يجاهد إلا بإذن الأبوين # / 3 - فيه : عبد الله بن عمرو ، قال : قال رجل للنبى - صلى الله عليه ~~وسلم - : أجاهد ، قال : ( لك أبوان ) ؟ قال : نعم ، قال : ( ففيهما فجاهد ) ~~. قال المؤلف : هذا موافق لحديث ابن مسعود أن بر الأبوين أفضل من الجهاد ، ~~لأنه ذلك عليه السلام بثم التى تدل على الرتبة ، وهذا إنما يكون فى وقت قوة ~~الإسلام وغلبه أهله للعدو ، وإذا كان الجهاد من فروض الكفاية ، فأما إذا ~~قوى أهل الشرك وضعف المسلمون ، فالجهاد متعين على كل نفس ، ولايجوز التخلف ~~عنه وإن منع منه الأبوان . وقال ابن المنذر : فى هذا الحديث أن النهى عن ~~الخروج بغير إذن الأبوين مالم يقع النفير ، فإذا وقع وجب الخروج على الجميع ~~، وذلك بين فى حديث أبى قتادة : ( أن رسول الله بعث جيش الأمراء ، فذكر ~~وصية زيد بن حارثه ، وجعفر بن أبى طالب ، وابن رواحة أن منادى رسول الله ~~نادى بعد ذلك إن الصلاة جامعة ، فاجتمع الناس فحمد الله وأثنى عليه ، ثم ~~قال : أيها الناس اخرجوا فأمدوا إخوانكم ولا يتخلفن أحد . فخرج الناس مشاة ~~وركابا فى حر شديد ) فدل قوله : ( أخرجوا فأمدوا إخوانكم ) أن العذر فى ~~التخلف PageV09P191 عن الجهاد إنما هو ما لم يقع النفر مع قوله : ( وإذا ~~استنفرتم فانفروا ) . واختلفوا فى الوالدين المشركين ، هل يخرج بإذنهما إذا ~~كان الجهاد من فروض الكفاية ؟ وكان الثورى يقول : لا يغزوا إلا بإذنهما قال ~~الشافعى : له أن يغزو بغير إذنهما . قال ابن المنذر : والأجداد آباء ، ~~والجدات أمهات ، فلا يغزو المرء إلا يإذنهم ، ولا ms3166 أعلم دلاله توجب ذلك ~~لغيرهم من الإخوة وسائر القرابات ، وكان طاوس يرى السعى على الأخوات افضل ~~من الجهاد فى سبيل الله . # | 4 - باب : لا يسب الرجل والده # ( 1 ) / 4 - فيه : عبد الله بن عمر : قال : قال النبي - عليه السلام - : ~~< < إن من أكبر الكبائر أن يلعن الرجل والديه . قيل : يا رسول الله ، وكيف ~~يلعن الرجل والديه ؟ قال : يسب الرجل أبا الرجل ، فيسب أباه ( ويسب أمه ) > ~~> . قال المؤلف : هذا الحديث أصل في قطع الذرائع ، وأن من آل فعله إلى محرم ~~وإن لم يقصده فهو كمن قصده وتعمده في الإثم ، ألا ترى أنه عليه السلام نهى ~~أن يلعن الرجل والديه ؟ فكان ظاهر هذا أن يتولى الابن لعنهما بنفسه ، فلما ~~أخبر النبي - عليه السلام - أنه إذا PageV09P192 سب أبا الرجل وسب الرجل ~~أباه وأمه ، كان كمن تولى ذلك بنفسه ، وكان [ ما آل إليه فعل ابنه ] كلعنه ~~في المعنى ؛ لأنه كان سببه ، ومثله قوله تعالى : ^ ( ولا تسبوا الذين يدعون ~~من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم ) ^ وهذه من إحدى آيات قطع الذرائع ~~في كتاب الله - تعالى . والثانية : ^ ( يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا ~~راعنا ) ^ ، والثالثة : ^ ( ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن ) ~~^ . | # | باب : إجابة دعاء من بر والديه # / 5 - فيه : ابن عمر ، قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : ( بينما ثلاثة ~~نفر يتماشون فأخذهم المطر ، فمالوا إلى غار فى الجبل ، فانحطت على فم غارهم ~~صخرة من الجبل ، فأطبقت عليهم ، فقال بعضهم لبعض : انظروا أعمالا عملتموها ~~لله صالحة ، فادعوا الله بها ، لعله يفرجها ، فقال بعضهم : صغار كنت أرعى ~~عليهم ، فإذا رحت عليهم ، فحلبت ، بدأت بوالدى . . . . ) وذكر الحديث ( . . ~~. . ففرج الله عنهم ) . قال المؤلف : كل من دعا إلى الله تعالى بنيه صادقة ~~و توسل إليه بما صنعه لوجهه خاصا ترجى له الإججابة ، الا ترى أن اصحاب ~~الغار توسلوا إلى الله تعالى بأعمال عملوها خالصة PageV09P193 ( لوجهه ، ~~ورجوا الفرج بها ، فذكر أحدهم بر أبويه ، وذكر الثانى أنه قعد من المرأة ~~التى كان يحبها مقعد الرجل من المرأة ، وانه ترك الزنا ms3167 بها لوجه الله ، ~~وذكر الثالث أنه تجر فى أجرة الأجير حتى صار منها غنم وراعها ، وأنه دفعه ~~إليه حين طلب منه أجره ، فتفضل الله عليهم بإجابة دعائهم ونجاهم من الغار ، ~~فكما أجيب دعوة هؤلاء النفر ، فكذلك ترجى إجابة دعاء كل من أخلص فعله لله ~~وأراد به وجهه ) . # | 5 - باب : عقوق الوالدين من الكبائر # / 6 - فيه : أبو بكرة ، قال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( ألا أنبئكم ~~بأكبر الكبائر ) ؟ قلنا : بلى ، يا رسول الله ، قال : ( الإشراك بالله ، ~~وعقوق الوالدين ) - وكان متكئا فجلس - فقال : ( ألا وقول الزور وشهادة ~~الزور ، ألا وقول الزور وشهادة الزور ) ، فما زال يقولها حتى قلت : لا يسكت ~~. / 7 - وفيه : أنس ، قال : ذكر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الكبائر ~~- أو سئل عن الكبائر - فقال : ( الشرك بالله ، وقتل النفس ، وعقوق الوالدين ~~) ، فقال : ( ألا أنبئكم بأكبر الكبائر ؟ قال : قول الزور - أو قال شهادة ~~الزور - ) . قال المؤلف : ذكر البخارى فى كتاب اليمان والنذور حديث عبد ~~الله بن عمر وفيه زيادة اليمين الغموس ، وفى كتاب الديات والاعتصام حديث ~~ابن مسعود ( أن تقتل ولدك خشية ان يأكل معك ) وفيه الزنا بحليلة الجار من ~~الكبائر . وروى الزنا من الكبائر عن النبى عليه السلام عمران بن ~~PageV09P194 حصين ، وعبد الله بن انيس ، وأبو هريرة ، وفى حديث أبى هريرة : ~~( لا يزنى حين يزنى وهو مؤمن ) وفى كتاب الحدود ، وفى حديث أبى هريرة قال ~~النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( اجتنبوا السبع الموبقات ) وفيه : ( السحر ~~، وأكل الربا ، وأكل مال اليتيم ، والتولى يوم الزحف ، وقذف المحصنات ~~الغافلات والمؤمنات ) . وفى باب عقوق الوالدين من الكبائر حديث المغيرة عن ~~النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( إن الله حرم عليكم عقوق الأمهات ، ومنع ~~وهات ووأد البنات . . . ) الحديث ، وفى حديث ابن عباس أن النميمة وترك ~~التحرز من البول من الكبائر . وروى السرقة من الكبائر وشرب الخمر من ~~الكبائر عمران بن حصين فى غير كتاب البخارى ، وفى كتاب البخارى : ( لايسرق ~~حين يسرق وهو مؤمن ، ولايشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن ، ولاينتهب نهبه ~~وهو مؤمن ) وفى غير البخارى ms3168 من حديث ابن عباس : ( الإضرار فى الوصية من ~~الكبائر ، والقنوط من رحمة الله من الكبائر ) . وفى حديث أبى أيوب الأنصارى ~~عن النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( منع ابن السبيل من الكبائر ) . وروى ~~بريدة عن النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( منع ابن السبيل الماء من ~~الكبائر ) وفى حديث ابن عمر : ( والإلحاد فى البيت الحرام قبلتكم أحياء ~~وأمواتا من الكبائر ) وفى حديث عبد الله بن عمر : ( وأكبر الكبائر أن يشتم ~~الرجل والديه ، قالوا : وكيف ؟ قال : يساب الرجل فيسب أباه ) . فهذه آثار ~~رويت عن النبى عليه السلام - بذكر الكبائر ، فجميع الكبائر فى هذه الاثار ~~ست وعشرون كبيرة وهى : الشرك ، وقتل PageV09P195 النفس ، وعول الوالدين ، ~~وشهادة الزور ، واليمين الغموس ، وأن تقتل ولدك خشية ان يأكل معك ، والزنا ~~، والسحر ، واكل الربا وأكل مال اليتيم ، والفرار من الزحف ، وقذف المحصنات ~~، والسرقة ، وشرب الخمر ، والإضرار فى الوصية ، والقنوط من رحمة الله ، ~~ومنع ابن السبيل الماء ، والإلحاد فى البيت الحرام ، والذى يستسب لوالديه ، ~~وفى حديث المغيرة : ( حرم عليكم منعا وهات ووأد البنات ) والنميمة ، وترك ~~التحرز من البول ، والغلول . فهذه ست وعشرون كبيرة وتستنبط كبائر أخر من ~~الأحاديث منها : حديث ابن المسيب عن النبى عليه السلام أنه قال : ( إن من ~~أربى من الكبائر ) ، ومنها حديث أبى سعيد وأبى هريرة أن النبى عليه السلام ~~قال : ( أسوء السرقة الذى يسرق صلاته ) . وقد ثبت أن السرقة من الكبائر ، ~~وفى التنزيل الجور فى الحكم قال تعالى : { ومن لم يحكم بما أنزل الله ~~فأولئك هم الكافرون ) و { الظالمون } و { الفاسقون } وقال تعالى : ( وأما ~~القاسطون فكانوا لجهنم حطبا } فهذه تسع وعشرون كبيرة . قال الطبرى : واختلف ~~أهل التأويل فى الكبائر التى وعد الله عباده بالنهى عنها من أول سورة ~~النساء إلى رأس الثلاثين آيه منها هذا قول ابن مسعود والنخعي . PageV09P196 ~~وقال آخرون : الكبائر سبع روى هذا عن على بن أبى طالب ، وهو قول عبيد بن ~~عمير وعبيدة وعطاء ، قال عبيد : ليس من هذه كبيرة إلا وفيها آية من كتاب ~~الله تعالى قال تعالى : { ومن يشرك بالله فكأنما ms3169 خر من السماء } وقال : { ~~الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما } الآية ، وقال تعالى : { الذين يأكلون ~~الربا لايقومون إلا كما يقوم الذى يتخبطه الشيطان من المس } و { الذين ~~يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات } الآية ، والفرار من الزحف ، وقال تعالى ~~: { يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفا فلا تولوهم الأدبار } ~~والسابعة : التعرب بعد الهجرة { إن الذين ارتدوا على أدبارهم من بعد ماتبين ~~لهم الهدى } وقتل النفس . وقال آخرون : هى تسع . روى هذا عن عبد الله بن ~~عمر ، وزاد فيه السحر والإلحاد فى المسجد الحرام . وقال آخرون : هى اربع ، ~~رواه الأعمش عن وبرة بن عبد الرحمن ، عن أبى الطفيل ، عن ابن مسعود قال : ~~الكبائر اربع : الإشراك بالله ، والقنوط من رحمة ، والإياس من روح الله ، ~~والأمن من مكر الله . ففى حديث أبى الطفيل مما لم يمض فى الآثار : الأمن من ~~مكر الله ، وفى حديث عبيد بن عمير : التعرب بعد الهجرة ، فتمت إحدى وثلاثين ~~كبيرة . وقال آخرون : كل مانهى الله عنه فهو كبيرة ، روي ذلك PageV09P197 ~~عن ابن عباس قال : وقد ذكرت الطرفة وهى النظرة ، قال ابن الحداد : وهذا قول ~~الخوارج : قالوا : كل ماعصى الله فهو كبيرة يخلد صاحبه فى النار ، واحتجوا ~~بقوله : ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم قالوا : فالكلام على العموم ~~فى جميع المعاصى . قال الطبرى : وعن ابن عباس قول آخر ، قال : كل ذنب ختمه ~~الله بنار أو لعنه أو غضب فهو كبيرة ، وقال طاوس : قيل لابن عباس : الكبائر ~~سبع ؟ قال : هى إلى السبعين أقرب . وقال سعيد بن جبير قال رجل لابن عباس : ~~الكبائر سبع ؟ قال : هى إلى السبعمائة أقرب منها إلى سبع : غير أنه لاكبيرة ~~مع استغفار ، ولاصغيرة مع إصرار . وذهب جماعة أهل التأويل إلى أن الصغائر ~~تغفر باجتناب الكبائر ، وهو قول عامة الفقهاء ، وخالفهم فى ذلك الشعرية أبو ~~بكر بن الطيب وأصحابه ، فقالوا : معاصى الله كلها عندنا كبائر ، وإنما يقال ~~لبعضها صغيرة بافضافة _ إلى ماهو أكبر منها ، كما يقال : الزنا صغيرة ~~بإضافته إلى الكفر ، والقبلة المحرمة صغيرة بإضافتها إلى ms3170 الزنا ، وكلها ~~كبائر ، ولا ذنب عندنا يغفر واجبا باجتناب ذنب آخر ، بل كل ذلك كبيرة ~~ومرتكبة فى المشيئة غير الكفر لقوله تعالى : { إن الله لا يغفر أن يشرك به ~~ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء } . واحتجوا بقراءة من قرأ ( إن تجنبوا كبيرة ما ~~تنهون عنه ) على التوحيد يعنون الشرك ، وقال الفراء : من قرأ ( كبائر ) ~~فالمراد بها كبير ، وكبير الإثم الشرك ، وقد يأتى لفظ الجمع يراد به الواحد ~~قال تعالى : { كذبت قوم نوح المرسلين } ولم يأتيهم إلا نوح وحده ، ~~PageV09P198 ولا أرسل إليهم روى قبله فى حديث الشفاعة : ( ولكن أئتوا نوحا ~~) فإنه أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض . قالوا : فجواز العقاب عندنا على ~~الصغيرة كجواز على الكبيرة وقوله عليه السلام : ( إن الرجل ليتكلم بالكلمة ~~من سخط الله لايظن أنها تبلغ حيث بلغت يكتب الله له بها سخطه إلى يوم ~~القيامة ) . وحجة أهل التأويل والفقهاء ظاهر قوله تعالى : { إن تجنبوا ~~كبائر ماتنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم } . قال الطبرى : يعنى نكفر عنكم أيها ~~المؤمنون ياجتناب الكبائر صغائر سيئاتكم ، لأن الله تعالى قد وعد مجتنبها ~~تكفير ماعداها من سيئاته ولا يخلف الميعاد . واحتجوا رواه موسى بن عقبة ، ~~عن عبيد الله بن سليمان الأغر ، عن أبيه ، عن أبى أيوب الأنصارى قال : قال ~~رسول الله ( ما من عبد يعبد الله لايشرط به شيئا ، ويقيم الصلاة ، ويوتى ~~الزكاة ، ويصوم رمضان ، ويجتنب الكبائر إلا دخل الجنة ) وقال أنس : إن الله ~~تجوز عما دون الكبائر فما لنا ولها وتلا الآتية . وأما قول الفراء من قرأ ( ~~كبائر ) فالمراد بها كبير الإثم وهو الشرك ، فهذا خلاف ما ثبت فى الآثار ، ~~وذلك أن فى حديث أبى بكرة أن النبى - عليه اسلام - قال : ( ألا أنبئكم ~~بأكبر الكبائر . فذكر الشرك ، وعقوق الوالدين ، وكان متكئا فجلس وقال : ألا ~~وقول الزور ، فما زال يقولها حتى قلت : لا يسكت ) وفى حديث ابن مسعود ( قلت ~~: PageV09P199 يا رسول الله ، أى الذنب أعظم ؟ قال : أن تجعل لله ندا وهو ~~خلقك ، وأن تقتل ولدك خشية أن يأكل معك ، وأن تزانى بحليلة ms3171 جارك ) فجعل ~~عليه السلام فى حديث أبى بكرة قول الزور وعقوق الوالدين من أكبر الكبائر ، ~~وجعل فى حديث ابن مسعود أن يقتل ولده خشية أن يأكل معه ، والزنا بحليلة ~~جاره من أعظم الذنوب ، فهذا يرد تأويل الفراء أن كبائر يراد بها كبير وهو ~~الشرك خاصة ، ولوعكس قول الفراء فقيل له من قرأ ( كبير الإثم ) فالمراد به ~~كبائر كان أولى فى التأويل بدليل هذه الاثار الصحاح ، وبالمتعارف المشهور ~~فى كلام العرب ، وذلك أن يأتى لفظ الواحد يراد به الجمع كقوله تعالى : { ~~يخرجكم طفلا } وقوله : { لا نفرق بين أحد من رسله } والتفريق لايكون إلا ~~بين اثنين فصاعدا والعرب تقول : فلان كثير الدينار والدرهم ، يريدون ~~الدنانير والدراهم . وقولهم : إن الصغائر كلها كبائر فهذه دعوى وقد ميز ~~الله بين الكبائر وبين ماسماه سيئه من غيرها بقوله تعالى : { إن تجنبوا ~~كبائر ماتنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم } وأخبر أن الكبائر إذا جونبت كفر ~~ماسواها ، وماسوى الشىء هو غيره ولايكون هو ، ولا ضد للطبائر إلا الصغائر ، ~~والصغائر معلومه عند الأمة ، وهى ما أجمع المسلمون على رفع التحريج فى ~~شهادة من أتاها ، ولا يخفى هذا على ذى لب . وأما احتجاجهم بقوله عليه ~~السلام : ( إن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله لايظن أنها تبلغ حيث بلغت ~~) فليس فيه دليل أن تلك الكلمة ليست من الكبائر ، ومعنى الحديث : إن الرجل ~~ليتكلم بالكلمة PageV09P200 عند السلطان يغريه بعدو له ويطلب أذاه ، فربما ~~قتله السلطان أو أخذ ماله أو عاقبه اشد العقوبة ، والمتكلم بها لايعتقد أن ~~السلطان يبلغ به كل ذلك فيسخط الله عليه إلى يوم القيامة ، وهذا كقوله ~~تعالى : { وتحسبونه هينا وهو عند الله عظيم } . # | 6 - باب : صلة الوالد المشرك # / 8 - فيه : أسماء ، أتتنى أمى راغبة فى عهد النبى ، عليه السلام ، فسألت ~~النبى - صلى الله عليه وسلم - آصلها ؟ قال : ( نعم ) الحديث . قال المؤلف : ~~صلة الوالدين المشركين واجبة بكتاب الله تصديقا لحديث أسماء وذلك قوله : { ~~ووصينا الإنسان بوالديه حسنا } { وإن جاهدداك على أن تشرك بى ماليس لك به ~~علم فلا تطعهما وصاحبهما فى ms3172 الدنيا معروفا } فأمر ببرهما ومصاحبتهما ~~بالمعروف وإن كان مشركين ، وقد تقدم هذا فى كتاب الهبة واسماء هذه بنت أبى ~~بكر الصديق زوج الزوبير بن العوام وأمها قتيلة . وترجم لحديث اسماء : باب ~~المرأة أمها ولها زوج وفقه هذه الترجمة أن النبى عليه السلام أباح لأسماء ~~أن تصل أمها ولم يشترط لها فى ذلك مشاورة زوجها ، ففيه حجة لمن أجاز من ~~الفقهاء أن تتصرف المرأة فى مالها وتتصدق بغير إذن زوجها ، وقد تقدم فى ~~الهبة . PageV09P201 # | 7 - باب : صلة الأخ المشرك # / 9 - فيه : عمر بن الخطاب أن النبى ، عليه السلام ، أهدى له حلة سيراء ~~وقال : ( إنى لم أعطكها ، لتلبسها ، ولكن تبيعها أو تكسوها ) ، فأرسل بها ~~عمر إلى أخ له من أهل مكة قبل أن يسلم . # | 8 - باب : فضل صلة الرحم # / 10 - فيه : أبو أيوب ، أن رجلا قال : يا رسول الله ، أخبرنى بعمل ~~يدخلنى الجنة ؟ فقال عليه السلام : ( تعبد الله لا تشرك به شيئا ، وتقيم ~~الصلاة ، وتؤتى الزكاة ، وتصل الرحم . . . ) الحديث . وقد تقدم هذا الحديث ~~فى أو كتاب الزكاة ، والآثار كثيرة فى فضل صلة الرحم . منها ما ذكر بإسناده ~~عن النبى عليه السلام قال : ( إن الله ليعمر بالقوم الديار ويكثر لهم فى ~~الأموال ، وما نظر إليهم مذ خلقهم بغضا لهم . قيل : وكيف ذلك يارسول الله ؟ ~~قال : بصلتهم أرحامهم ) . وقال عليه السلام : ( إن أعجل الطاعة ثوابا صلة ~~الرحم ، حتى إن أهل البيت يكونون فجارا تنمى أموالهم ويكثر عددهم إذا وصلوا ~~أرحامهم ) . PageV09P202 # | 9 - باب : إثم القاطع # / 11 - فيه : جبير بن مطعم ، قال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( لا ~~يدخل الجنة قاطع ) . روى هذا الحديث سعيد عبد الرحمن ، عن سفيان ، عن ~~الزهرى وقال فيه : ( لا يدخل الجنة قاطع رحم ) . ومعناه عند أهل السنة : ~~لايدخل الجنة إن أنفذ الله عليه الوعيد ، لإجماعهم أن الله تعالى فى وعيده ~~لعصاة المسلمين بالخيار إن شاء عذبهم وإن شاء عفا عنهم . قال الطبرى : فإن ~~قال قائل : قد تقدم من قولك أن المتعاهد رحمة بأدنى البر كالسلام ونحوه غير ~~مستحق اسم قاطع ، فمن ms3173 القاطع الذى جاء فيه الوعيد فى هذا الحديث ؟ قال : هو ~~الذى يقطعهم بالهجرة لهم والمعاداة ، مع منعه إياهم معروفه ومعونته . وروى ~~ابن وهب ، عن سعيد بن أبى أيوب ، عن عبد الله بن الوليد ، عن أبى حجيرة ~~الأكبر أن رجلا أتاه ، فقال : انى نذرت ألا أكلم أخى . قال : إن الشيطان ~~ولد له ولد فسماه نذرا ، وإنه من قطع ماأمر الله به أن يوصل حلت عليه ~~اللعنة ، وهذا فى كتاب الله فى قوله : ( ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ~~أولئك لهم اللعنة ولهم سوء الدار ) . PageV09P203 # | 10 - باب : من بسط له فى الرزق لصلة الرحم # / 12 - فيه : أبو هريرة ، قال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( من سره ~~أن يبسط له فى رزقه ، وأن ينسأ له فى أثره ، فليصل رحمه ) . / 13 - وفيه : ~~أنس ، عن النبى - صلى الله عليه وسلم - مثله . قال الطبرى : فإن قيل كيف ~~ينسأ له فى أجله ، وقد قال تعالى : { فإذا جاء أجلهم لايستأخرون ساعة ~~ولايستقدمون } وقال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( إن ابن آدم يكتب فى ~~بطن أمه أثره وأجله ورزقه ) ؟ . فالجواب : أنه إن فعل ذلك به جزاء له على ~~ما كان له من العمل الذى يرضاه ، فإنه غير زائد فى علم الله تعالى شيئا لم ~~يكن له عالما قبل تكوينه ، ولا ناقص منه شيئا ، بل لم يزل عالما بما العبد ~~فاعل وبالزيادة التى هو زائد فى عمره بصلة رحمه ، والنقص الذى هو بقطعه ~~رحمة من عمره ناقص قبل خلقه لايعزب عنه شىء من ذلك . وقد تقدم الزيادة فى ~~بيان هذا المعنى فى كتاب البيوع فى باب : من أحب البسط فى الرزق . وقال ~~الخطابى : قوله : ( ينسأ له فى أثره ) معناه يؤخر فى أجله ويسمى الأجل أثرا ~~لأنه تابع للحياة وسابقها ، قال كعب بن زهير : والمرء ما عاش ممدود له أمل ~~لا ينتهى العين حتى ينتهى الأثر PageV09P204 # | 11 - باب : من وصلها وصله الله # / 14 - فيه : أبو هريرة ، عن النبى - صلى الله عليه وسلم - قال : ( إن ~~الله خلق الخلق حتى إذا فرغ ms3174 من خلقه ، قالت : الرحم هذا مقام العائذ بك من ~~القطيعة ؟ قال : نعم ، أما ترضين أن أصل من وصلك ، وأقطع من قطعك ؟ قالت : ~~بلى ، يا رب ، قال : فهو لك ، قال : رسول الله عليه السلام فاقرءوا إن شئتم ~~: { فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا فى الأرض وتقطعوا أرحامكم } ) [ محمد : ~~22 ] . / 15 - فيه : أبو هريرة ، قال النبي ، عليه السلام : ( إن الرحم ~~شجنة من الرحمن ، فقال الله تعالى : من وصلك وصلته ، ومن قطعك قطعته ) . / ~~16 - وفيه : عائشة عن النبى - صلى الله عليه وسلم - مثله . قال الطبرى : ~~معنى وصل الله تعالى عبده إذا وصل رحمه ، فهو تعطفه عليه بفضله ، إما فى ~~عاجل دنياه أو آجل آخرته ، والعرب تقول إذا تفضل رجل على آخر بمال أو هبة ~~هبة : ( وصل فلان فلانا بكذا و تسمى العطية صلة فتقول : وصلت إلى فلان صلة ~~فلان ) ، وكذلك قوله تعالى فى الرحم : ( من وصلها . . . . ) يعنى وصلته ~~بفضلى ونعمى ، وصلة العبد ربه فتعطفه على ذوى أرحامه من قبل أبيه وأمه ~~بنوافل فضله . فإن قال : أفما يكون المرء واصلا رحمه إلا بتعطفه عليهم بفضل ~~ماله ؟ . قيل : للبر بالأرحام مراتب ومنازل ، وليس من لم يبلغ أعلى تلك ~~المراتب يستحق اسم قاطع ، كما من لم يبلغ أعلى منازل PageV09P205 الفضل ~~يستحق اسم الذم ، فواصل رحمة بماله مستحق اسم واصل ، وواصلها بمعونته ~~ونصرته مستحق اسم واصل ، وقد بين ذلك قوله عليه السلام فى حديث أنس : ( ~~صلوا أرحامكم ولو بالسلام ) فأعلم عليه السلام أمته أن المتعاهد لرحمة ~~بالسلام خارج عن معنى القاطع وداخل فى معنى الواصل ، فواصلها بما هو أعلى ~~وأكثر أحق أن يكون خارجا من معنى القاطع . وقول غيره : يقال : هذا شجر ~~متشجن إذا التف بعضه ببعض . قال أبو عبيد : وفيه لغتان : شجنة وشجنة بكسر ~~الشين وضمها . قال الطبرى : الشجنة الفعلة من قولهم شجن فلان على فلان إذا ~~حزن عليه فشجن عليه شجنا ، والمعنى أن الرحم حزينة مستعيذة بالله من ~~القطيعة . # | 11 - باب : تبل الرحمن ببلالها # / 17 - فيه : عمرو بن العاص ، سمعت النبى - صلى الله عليه وسلم ms3175 - جهارا ~~غير سر ، يقول : ( إن آل أبى ليسوا بأوليائى ، إنما وليى الله وصالح ~~المؤمنين ، ولكن لهم رحم ، أبلها ببلاها ) . قال المهلب : إن آل أبى ليسوا ~~بأوليائى ، إنما وليى الله وصالح المؤمنين ، فأوجب عليه السلام الولاية ~~بالدين ونفاها عن أهل رحمه ، إذ يكونوا من أهل دينه ، فدل ذلك أن النسب ~~محتاج إلى PageV09P206 الولاية التى بها تقع الوراثة بين المتناسبين ~~والقارب ، فإن لم يكن لهم دين يجمعهم لم تكن ولاية ولا موارثة ، ودل عذا أن ~~الرحمن التى تضمن الله أن يصل من وصلها ويقطع من قعها ، إنما ذلك كان فى ~~الله وفيهما شرع ، وأما من قطعها فى الله وفيما شرع فقد وصل الله والشريعة ~~واستحق صلة الله بقطعه من قطع الله . قال الله تعالى : { يا أيها الذين ~~آمنوا لاتتخذوا عدوى وعدوكم } وقوله تعالى : { يا أيها الذين آمنوا ~~لاتتخذوا آباءكم وإخوانكم أولياء إن استحبوا الكفر على الإيمان } وقال : { ~~والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شىء حتى يهاجروا } فكيف بمن ~~لم يؤمن ؟ . وقوله : ( ولكن لهم رحم إبلها ببلالها ) يعنى : أصلها بمعروفها ~~والبل هو الترطيب والتنديه بالمعروف ، وشبه عليه السلام صلة الرحم بالمعروف ~~بالشىء اليابس يندى فيرطب ، وذلك أن العرب تصف الرجل إذا وصفته باللؤم ~~بجمود الكف فتقول : ماتندى كفه بخير وأنه لحجر صلد ، يعنى لا يرجى نائله ، ~~ولايطمع فى معروفه ، كما لايرجى من الحجر الصلد مايشرب ، فإذا وصل الرجل ~~رحمه بمعروفه قالوا : بل رحمه بلا وبلالا قال الأعشى : ووصال رحم قد نضحت ~~باللها وإنما ذلك تشبيه من النبى عليه السلام صلة الرجل رحمه بالنار يصب ~~عليها بالماء فتطفأ . PageV09P207 قال المهلب : فقوله عليه السلام : ( ولكن ~~لهم رحم ابلها ببلالها ) هو الذى أمره الله تعالى به فى كتابه فقال : { ~~وصاحبهما فى الدنيا معروفا } فلما عصوه وعاندوه دعا عليهم فقلا : ( اللهم ~~أعنى عليهم بسبع كسبع يوسف ) فلما مسهم الجوع أرسلوا اليه قالوا : يامحمد ، ~~إنك بعثت بصلة الرحم ، وإن أهلك قد جاعوا فادع الله لهم ، وذلك مما لايقدح ~~فى دين الله ، ألا ترى صنعه عليه ms3176 السلام فيهم إذ غلب عليهم يوم الفتح من ~~الرق الذى كان توجه إليهم فسموا بذلك الطلقاء ، ولم ينتهك حريمهم ، ولا ~~استباح أموالهم ومن عليهم ، وهذا كله من البلال . # | 12 - باب : ليس الواصل بالمكافىء # / 18 - فيه : عبدالله بن عمرو ، قال النبى - صلى الله عليه وسلم - ( ليس ~~الواصل بالمكافئ ، ولكن الواصل الذى إذا قطعت رحمه وصلها ) . قال المؤلف : ~~قوله عليه السلام : ( ليس الواصل بالمكافىء ) يعنى : ليس الواصل رحمه من ~~وصلهم مكافأة لهم على صلة تقدمت منهم إليه فكافأهم عليها بصلة مثلها . وقد ~~روى هذا المعنى عن عمر بن الخطاب ، روى عبد الرزاق ، عن معمر ، عمن سمع ~~عكرمة يحدث عن ابن عباس قال : قال عمر ابن الخطاب : ( ليس الواصل أن تصل من ~~وصلك ، ذلك القصاص ، ولكن الواصل أن تصل من قطعك ) . PageV09P208 قال ~~المؤلف : هذا حقيقة الواصل الذى وعد الله عباده عليه جزيل الأجر ، قال ~~تعالى : ( والذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل ويخشون ربهم . . ) الآيات . # | 13 - باب من وصل رحمه فى الشرك ثم اسلم # / 19 - فيه : حكيم ، أنه قال : يا رسول الله ، أرأيت أمورا كنت أتحنث بها ~~فى الجاهلية ، من صلة وعتاقة وصدقة ، هل لى فيها من أجر ؟ فقال عليه السلام ~~: ( أسلمت على ما سلف من خير ) . فى هذا الحديث تفضل الله على من أسلم من ~~أهل الكتاب وأنه بعطى ثواب ماعمله فى الجاهلية من أعمال البر ، وهو مثل ~~قوله عليه السلام : ( إذا أسلم الكافر فحسن إسلامه كتب الله كل حسنة كان ~~زلفها ) فهذا - والله أعلم - بركة الإسلام وفضله . وقد تقدم هذا فى كتاب ~~الزكاة فى باب من تصدق فى الشرك ثم أسلم . # | 14 - باب : من ترك صبية غيره حتى تلعب به أو قبلها أو مازحها # / 20 - فيه : أم خالد بنت خالد ، قالت : أتيت رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - مع أبى ، وعلى قميص أصفر ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ~~( سنه ، سنه ) - قال عبدالله وهى بالحبشية : حسنة - قالت : فذهبت ألعب ~~بخاتم النبوة ، فزبرنى أبى ، قال رسول الله - صلى الله عليه ms3177 وسلم - : ( ~~دعها ) ، ثم قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( أبلى وأخلقى ، ثم ~~أبلى وأخلقى ، ثم أبلى وأخلقى ) ، ثلاث مرات ، قال عبدالله : فبقيت حتى ذكر ~~. PageV09P209 قال المؤلف : فى هذا الحديث من الفقه أنه يجوز مباشرة الرجل ~~الصبية الصغيرة التى لايشتهى مثلها وممازحتها وإن لم تكن منه بذات محرم ؛ ~~لأن لعب أم خالد وهى صبية بمكان خاتم النبوة من جسد النبى عليه السلام ~~ماشرة منها لرسول الله ، ومباشرتها له كمباشرته لها وتقبيله إياها ، ولو ~~كان ذلك حراما لنهاها كما نهى الحسن بن على وهو صغير عن اكل التمرة الساقة ~~التى خشى أن تكون من الصدقة المحرمة على النبى عليه السلام وعلى آله . وقد ~~اختلف أصحاب مالك من هذا الصل فى الصبية الصغيرة تموت هل يغسلها الرجل غير ~~ذى الرحم منها ؟ فقال اشهب : لاباس أن يغسلها إذا لم تكن ممن تشتهى لصغرها ~~، وهو قول عيسى بن دينار ، وقال ابن القاسم : لايغسلها لحال . وقول عيسى ~~واشهب له هذا الحديث ، وذكر ابن مزين قول ابن القاسم وعيسى وذكر ابن حارث ~~قول اشهب . # | 15 - باب : رحمة الولد وتقبيله ومعانقته # وقال ثابت ، عن أنس : أخذ النبى - صلى الله عليه وسلم - إبراهيم فقبله ~~وشمه . / 21 - فيه : ابن عمر ، أن رجلا سأله عن دم البعوض ؟ فقال : ممن أنت ~~؟ فقال : من أهل العراق ، قال : انظروا إلى هذا يسألنى عن دم البعوض ، وقد ~~قتلوا ابن النبى - صلى الله عليه وسلم - ، وسمعت النبى - صلى الله عليه ~~وسلم - يقول : ( هما ريحانتاى من الدنيا ) . / 22 - وفيه : عائشة ، جاءتنى ~~امرأة ومعها ابنتان ، تسألنى فلم تجد عندى غير PageV09P210 تمرة واحدة ، ~~فأعطيتها فقسمتها بين ابنتيها ، ثم قامت فخرجت ، فدخل النبى - صلى الله ~~عليه وسلم - فحدثته ، فقال : ( من يلى من هذه البنات شيئا ، فأحسن إليهن ، ~~كن له سترا من النار ) . / 23 - وفيه : أبو قتادة ، خرج علينا النبى ، عليه ~~السلام ، وأمامة بنت أبى العاص على عاتقه ، فصلى فإذا ركع وضع ، وإذا رفع ~~رفعها . / 24 - وفيه : أبو هريرة ، قبل النبى - صلى الله عليه وسلم - الحسن ~~بن على ، وعنده الأقرع ms3178 بن حابس التميمى جالسا ، فقال الأقرع : إن لى عشرة ~~من الولد ما قبلت منهم أحدا ، فنظر إليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~، ثم قال : ( من لا يرحم لا يرحم ) . / 25 - وفيه : عائشة ، جاء أعرابى إلى ~~النبى - صلى الله عليه وسلم - فقال : تقبلون الصبيان ، فما نقبلهم ، فقال ~~النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( أوأملك لك أن نزع الله من قلبك الرحمة ) ~~. / 26 - وفيه : عمر ، قدم على النبى - صلى الله عليه وسلم - سبي ، فإذا ~~امرأة من السبى قد تحلب ثديها تسقى ، إذا وجدت صبيا فى السبى أخذته فألصقته ~~ببطنها وأرضعته ، فقال لنا النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( أترون هذه ~~طارحة ولدها فى النار ) ؟ قلنا : لا وهى تقدر على أن لا تطرحه ، فقال : ( ~~لله أرحم بعباده من هذه بولدها ) . قال المؤلف : رحمة الولد الصغير ~~ومعانقته وتقبيله والرفق به من الأعمال التى يرضاها الله ويجازى عليها ، ~~الا ترى قوله عليه السلام للأقرع بن حابس حين ذكر عند النبى أن له عشرة من ~~الولد ماقبل منهم أحدا : ( من لا يرحم لا يرحم ) فدل أن تقبيل PageV09P211 ~~الولد الصغير وحمله والتحفى به ممايستحق به رحمة الله ، ألا ترى حمل النبى ~~عليه السلام أمامه ابنه أبى العاص على هنقه فى الصلاة ، والصلاة أفضل ~~الأعمال عند الله ، وقد أمر عليه السلام بلزوم الخشوع فيها ولإقبال عليها ، ~~ولم يكن حمله لها مما يضاد الخشوع المأمور به فيها ، وكره أن يشق عليها لو ~~تركها ولم يحملها فى الصلاة و فى فعله عليه السلام ذلك أعظم السوة لنا ~~فينبغى الاقتداء به فى رحمته صغار الولد وكبارهم والرفق بهم ، ويجوز تقبيل ~~الولد الصغير فى سائر جسده . وروى جرير ، عن قابوس ، عن أبيه ، عن ابن عباس ~~: ( أن النبى عليه السلام أتى بالحسن بن على ففرج بين فخديه وقبل زبيبته ) ~~. وأما تقبيل كبار الولد وسائر الأهل فقد رخص فى ذلك العلماء . قال اشهب : ~~سئل مالم عن الذى يقدم من سفره فتلقاه ابنته تقبله أو اخته أو أخل بيته ؟ ~~قال : لابأس بذلك . وهذا على وجه الرقة ms3179 وليس على وجه اللذة ، وقد كان عليه ~~السلام يقبل ولده وبخاصة فاطمة ، وكان أبو بكر يقبل عائشة ، وقد فعل ذلك ~~أكثر أصحاب النبى عليه السلام وذلك على وجه الرحمة . وفى حديث ابن عمر من ~~الفقه أنه يجب على المرء أن يقدم تعليم ما هو أوكد عليه من أمر دينه ، وأن ~~يبدأ بالاستغفار والتوبة من أعظم ذنوبه وإن كانت التوبة من جميعها فرضا ~~عليه فهى من الأعظم أوكد ، ألا ترى ابن عمر أنكر على السائل سؤاله عن حكم ~~دم البعوض وتركه PageV09P212 الاستغفار والتوبة من دم الحسين ، وقرعه به ~~دون سائر ذنوبه لمكانته من النبى - عليه السلام . وقوله فى حديث عائشة : ( ~~من بلى من هذه البنات شيئا كن له سترا من النار ) دليل أن أجر القيام على ~~البنات أعظم من أجر القيام على البنين ، إذ لم يذكر عليه السلام مثل فى ~~القيام على البنين ، وذلك والله أعلم من أجل أن مؤنة البنات والاهتمام ~~بأمورهن أعظم من أمور البنين لأنهن عذرات لا يباشرون أمورهن ولا يتصرفن ~~تصرف البنين . # | 16 - باب : جعل الله الرحمة فى مائة جزء # / 27 - فيه : أبو هريرة ، أن النبى - صلى الله عليه وسلم - قال : ( جعل ~~الله الرحمة فى مائة جزء ، فأمسك عنده تسعة وتسعين جزءا ، وأنزل فى الأرض ~~جزءا واحدا ، فمن ذلك الجزء يتراحم الخلق حتى ترفع الفرس حافرها عن ولدها ~~خشية أن تصيبه ) . قال المؤلف : قد جاء هذا الحديث فى كتاب الزهد فى باب ~~الرجاء والخوف بغير هذا اللفظ أن النبى عليه السلام قال : ( إن الله خلق ~~الرحمة يوم خلقها مائة رحمة ، فأمسك عنده تسعة وتسعين رحمة ، وأرسل فى خلقه ~~كلهم رحمة واحدة ) . قال المهلب : هذه الرحمة هى رحمته التى خلقها لعباده ~~وجعلها فى نفوسهم ، والتى أمسك عند نفسه هى مايتراحمون به يوم القيامة ~~ويتغافرون من التباعات التى كانت بينهم فى الدنيا ، وقد يجوز أن ~~PageV09P213 تستعمل تلك الرحمة المخلوقة فيهم بها سوى رحمته التى وسعت كل ~~شىء ، التى لايجوز أن تكون مخلوقة ، وهى صفة من صفات ذاته تعالى لم ms3180 يزل ~~موصوفا بها ، فهى التى يرحمهم بها زائدا على الرحمة التى جعلها لهم ، وقد ~~يجوز أن تكون الرحمة التى أمسكها عند نفسه هى التى عند ملائكته المستغفرين ~~لمن فى الأرض ؛ لأن استغفارهم لهم دليل على أن فى نفوس الملائكة رحمة على ~~أهل الأرض ، والله أعلم . # | 17 - باب : قتل الولد خشية أن يأكل معه # / 28 - فيه : عبدالله ، قلت : يا رسول الله ، أى الذنب أعظم ؟ قال : ( أن ~~تجعل لله ندا ، وهو خلقك ) ، قلت : ثم أي ؟ قال : ( أن تقتل ولدك خشية أن ~~يأكل معك ) ؟ الحديث . إنما جعل النبى قتل الولد خشية أن يأكل مع أبيه أعظم ~~الذنوب بعد الشرك ؛ لأن ذلك يجمع القتل وقطع الرحم ونهاية البخل وإنما ذكر ~~البخارى هذا الحديث بإثر باب رحمة الولد وتقبيله ؛ ليعلمنا أن قتل الولد ~~خشية أن يأكل مع أبيه من أعظم الذنوب عند الله بعد الشرك به ، فإذا كان ~~كذلك فرحمته وصلته والإحساس إليه من أعظم أعمال البر بعد الإيمان . ~~PageV09P214 # | 18 - باب : وضع الصبى فى الحجر # / 29 - فيه : عائشة ، أن النبى - صلى الله عليه وسلم - وضع صبيا فى حجره ~~يحنكه ، فبال عليه ، فدعا بماء ، فأتبعه . كان المسلمون إذا ولد لهم ولد ~~يأتون به إلى الرسول فيحنكه بريقه ويدعو له عليه السلام تبركا بريقه ودعوتخ ~~، وكان يأخذ الصبى ويضعه فى حجره ، ولا يتقزز منه خشية مايكون منه من الحدث ~~، ألا ترى أنا بال فى ثوبه فأتبعه بالماء ولم يضجر من ذلك ، فينبغى ~~الاقتداء به فى ذلك ، وأن يتوخى المؤمنون بأولادهم أهل الفضل والصلاح منهم ~~فيحملونهم إليهم ليدعوا تاسيا بفعل النبى فى ذلك . # | 19 - باب : وضع الصبى على الفخد # / 30 - فيه : أسامة قال : كان النبى - صلى الله عليه وسلم - يأخذنى ، ~~فيقعدنى على فخذه ، ويقعد الحسن على فخذه الأخرى ، ثم يضمهما ، ثم يقول : ( ~~اللهم ارحمهما فإنى أرحمهما ) . وضع الصبى على الفخد هو من باب رحمة الولد ~~، وقد تقدم أنه عليه السلام كان يحمل ابنه أبى العاصى بن الربيع حفيدته على ~~عنقه فى الصلاة وهو أكثر من إجلاسه للحسن ولأسامة ms3181 على فخديه فى غير الصلاة ~~. وفيه : مساواة الرجل لبنه ولمن تبناه فى الرفق والرحمة والمنزلة . ~~PageV09P215 # | 20 - باب : حسن العهد من الإيمان # / 31 - فيه : عائشة ، قالت : ما غرت على امرأة ما غرت على خديجة ، ولقد ~~هلكت قبل أن يتزوجنى بثلاث سنين لما كنت أسمعه يذكرها ، ولقد أمره ربه أن ~~يبشرها ببيت فى الجنة من قصب ، وإن كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~ليذبح الشاة ، ثم يهدى فى خلتها منها . قال المؤلف : حسن العهد فى هذا ~~الحديث هو إهداء النبى عليه السلام اللحم لأجوار خديجة ومعارفها رعيا منه ~~لذمامها وحفظا لعهدها كذلك قال أبو عبيد : العهد فى هذا الحديث الحفاظ ~~ورعاية الحرمة والحق ، فجعل ذلك البخارى من الإيمان ؛ لأنه فعل بر وجميع ~~أفعال البر من الإيمان . وقولها : ( ولقد أمره ربه أن يبشرها ببيت فى الجنة ~~من قصب ) فالقصب قصب اللؤلؤ ، وهو مااستطال منه فى تجويف ، وكل مجوف قصب . ~~وقولها : ( ببيت ) أى بقصر يقال : هذا بيت فلان أى قصره . قاله أبو سليمان ~~الخطابى . وقد روى أن خديجة قالت لرسول الله حين بشرها بذلك : ( ما بيت من ~~قصب ؟ بيت من لؤلؤ مجبأة ) وفسره ابن وهب قال يريد : مجوفة . قال أبو ~~سليمان : وهذا لا يستقيم على ما قاله ابن وهب إلا أن PageV09P216 يكون من ~~المقلوب فتكون مجوبة من الجوب وهو القطع قدم الباء على الواو كقوله تعالى : ~~هار والصل هائر ، وكقول الشاعر : لاث به الشياء والعبرى وإنما هو لائث ~~وقوله : لاوصب فيه ولا نصب أى لا أذى فيه ولا عناء # | 21 - باب : فضل من يعول يتيما # / 32 - فيه : سهل ، قال النبى - صلى الله عليه وسلم - ( أنا وكافل اليتيم ~~فى الجنة هكذا ، وقال بإصبعيه السبابة والوسطى ) . قال المؤلف : حق على كل ~~مؤمن يسمع هذا الحديث أن يرغب فى العمل به ليكون فى الجنة رفيقا للنبى عليه ~~السلام ولجماعة النبيين والمرسلين - صلوات الله عليهم أجمعين - ولا منزلة ~~عند الله فى الآخرة أفضل من مرافقة الأنبياء . وقد روى أبان القطان وحماد ~~بن سلمة ، عن أبى عمران الجونى ms3182 ( أن رجلا شكا إلى النبى عليه السلام فسوة ~~قلبه فقال : امسح بيدك على راس اليتيم ، واطعمه من طعامك يلن قلبك وتقدر ~~على حاجتك ) . والسباحة : هى الأصبع التى تلى الابهام ، وسميت بذلك لأنها ~~يسبح بها فى الصلاة ، وتسمى أيضا السبابة لأنها يسب بها الشيطان فى التشهد ~~. PageV09P217 # | 22 - باب : الساعى على الأرملة والمسكين # / 33 - فيه : أبو هريرة ، قال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( الساعى ~~على الأرملة والمسكين كالمجاهد فى سبيل الله ، أو كالذى يصوم النهار ويقوم ~~الليل ) . قال المؤلف : من عجز عن الجهاد فى سبيل الله وعن قيام الليل ~~وصيام النهار ، فليعمل بهذا الحديث وليسع على الرامل والمساكين ليحشر يوم ~~القيامة فى جملة المجاهدين فى سبيل الله دون أن يخطو فى ذلك خطوة ، أو ينفق ~~درهما ، أو يلقى عدوا يرتاع بلقائه ، أو ليحشر فى زمرة الصائمين والقائمين ~~وينال درجتهم وهو طاعم نهاره نائم ليلة أيام حياتو ، فينبغى لكل مؤمن أن ~~يحرص على هذه التجارة التى لاتبور ، ويسعى على ارملة أو مسكين لوجه الله ~~تعالى فيربح فى تجارته درجات المجاهدين والصائمين والقائمين من غير تعب ~~ولانصب ، ذلك فضل الله يوتيه من يشاء . # | 23 - باب : رحمة الناس والبهائم # / 34 - فيه : مالك بن الحويرث ، أتينا النبى - صلى الله عليه وسلم - ونحن ~~شببة متقاربون ، فأقمنا عنده عشرين ليلة ، فظن أنا اشتقنا إلى أهلنا ، ~~وسألنا عمن تركنا فى أهلنا ، وكان رفيقا رحيما ، فقال : ( ارجعوا إلى ~~أهليكم ، فعلموهم . . . ) إلى آخر الحديث . / 35 - وفيه : أبو هريرة : قال ~~النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( بينما رجل يمشى بطريق اشتد عليه العطش ، ~~فوجد بئرا ، فنزل فيها فشرب ، ثم خرج ، فإذا كلب يلهث ، يأكل الثرى من ~~العطش ، فقال الرجل : لقد بلغ هذا الكلب PageV09P218 من العطش مثل الذى كان ~~بلغ بى ، فنزل البئر ، فملأ خفه ، ثم أمسكه بفيه ، فسقى الكلب ، فشكر الله ~~له ، فغفر له ) ، قالوا : يا رسول الله ، وإن لنا فى البهائم أجرا ؟ فقال : ~~( نعم ، فى كل ذات كبد رطبة أجر ) . / 36 - فيه : أبو هريرة ، قام النبى - ~~صلى الله عليه وسلم - لصلاة ، وقمنا ms3183 معه ، فقال أعرابى - وهو فى الصلاة - : ~~اللهم ارحمنى ومحمدا ، ولا ترحم معنا أحدا ، فلما سلم النبى - صلى الله ~~عليه وسلم - ، قال للأعرابى : ( لقد حجرت واسعا ، يريد رحمة الله ) . / 37 ~~- وفيه : النعمان بن بشير ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ~~( ترى المؤمنين فى تراحمهم وتوادهم وتعاطفهم كمثل الجسد ، إذا اشتكى عضوا ~~تداعى له سائر جسده بالسهر والحمى ) . / 38 - وفيه : أنس ، قال : قال النبى ~~- صلى الله عليه وسلم - : ( ما من مسلم غرس غرسا ، فأكل منه إنسان أو دابة ~~، إلا كان له به صدقة ) . / 39 - وفيه : جرير ، قال : قال عليه السلام : ( ~~من لا يرحم لا يرحم ) . قال المؤلف : فى هذه الأحاديث الحض على استعمال ~~الرحمة للخلق كلهم كافرهم ومؤمنهم ولجميع البهائم والرفق بها . وأن ذلك مما ~~يغفر الله به الذنوب ويكفر به الخطايا ، فينبغى لكل مؤمن عاقل أن يرغب فى ~~الأخذ بحظه من الرحمة ، ويستعملها فى أبناء جنسه وفى كل حيوان ، فلم يخلقه ~~الله عبثا ، وكل أحد مسئول عما استرعيه وملكه من إنسان أو يهيمة لاتقدر على ~~النطق وتبيين مابها من الضر ، وكذلك ينبغى أن يرحم كل بهيمة وإن كانت فى ~~غير ملكه ، ألا ترى أن الذى سقى الكلب الذى وجده بالفلاة لم يكن له ملكا ~~فغفر الله له PageV09P219 بتكلفة النزول فيالبئر وإخراجه الماء فى خفه ~~وسقيه إياه ، وكذلك كل مافى معنى السقى من الإطعام ، الا ترى قوله عليه ~~السلام : ( ما من مسلم غرس غرسا فأكل منه إنسان أو دابة إلا كان له صدقة ) ~~. مما يدخل فى معنى سقى البهائم وإطعامها التخفيف عنها فى أحمالها وتكليفها ~~ماتطيق حمله ، فذلك من رحمتها والإحسان اليها ، ومن ذلك ترك التعدى فى ~~ضربها وأذاها وتسخيرها فى الليل وفى غير أوقات السخرة ، وقد نهينا فى ~~العبيد أن نكلفهم الخدمة فى الليل فإن لهم الليل ولواليهم النهار ، والواب ~~وجميع البهائم داخلون فى هذا المعنى . وفى قوله عليه السلام : ( مامن مسلم ~~غرس غرسا فأكل منه إنسان أو بهيمة إلا كان له صدقة ) دليل على أن ماذهب من ~~مال ms3184 المسلم بغير علمه أنه يؤجر عليه . وأما إنكار على الأعرابى الذى قال : ~~اللهم ارحمنى ومحمدا ولاترحم معنا أحدا ، بقوله : ( لقد حجرت واسعا ) ولم ~~يعجبه دعاؤه لنفسه وحده ، فلأنه بخل برحمة الله على خلقه ، وقد أثنى الله ~~على من فعل خلاف ذلك بقوله : ( والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ~~ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولاتجعل فر قلوبنا غلا للذين آمنوا ) و ~~أخبر تعالى أن الملائكة يستغفرون لمن فى الأرض ، فينبغى للمؤمن الاقتداء ~~بالملائكة والصالحين من المؤمنين ليكون من جملة من أثنى الله عليه ورضى ~~فعله ، فلم يخص نفسه بالدعاء دون إخوانه المؤمنين حرصا على شمول الخير ~~لجميعهم . PageV09P220 # | 26 - باب : الوصاة بالجار وقوله عز وجل : { ولا تشركوا به شيئا ~~وبالوالدين إحسانا . . } الآية # / 40 - فيه : عائشة ، وابن عمر ، قال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( ~~ما زال يوصينى جبريل بالجار ، حتى ظننت أنه سيورثه ) . قال المؤلف : فى هذه ~~الآية والحديث الأمر بحفظ الجار والإحسان إليه والوصاة برعى ذمته والقيام ~~بحقوقه ، ألا ترى تأكيد الله لذكره بعد الوالدين والأقربين ، فقال تعالى : ~~( والجار ذى القربى والجار الجنب ) وقال أهل التفسير : ( الجار ذى القربى ) ~~هو الذى بينك وبينه قرابة فله حق القرابة وحق الجوار . وعن ابن عباس وغيره ~~: ( الجار ذى القربى ) أى الجار المجاور ، وقيل : هو الجار المسلم ، والجار ~~الجنب : الغريب عن ابن عباس . وقيل : هو الذى لاقرابة بينك وبينه . ~~والجنابة : البعد . ( والصاحب بالجنب ) الرفيق فى السفر عن ابن عباس ، وعن ~~على وابن مسعود : الزوجة . ( وابن السبيل ) المسافر الذى يجتاز بك مارا عن ~~مجاهد وغيره . # | 27 - باب : إثم من لايأمن جاره بوائقه # يوبقهن : يهلكهن ، موبقا : مهلكا / 41 - فيه : أبو شريح ، قال : قال ~~النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( والله لا يؤمن ، والله لا يؤمن ، والله ~~لا يؤمن ، قيل : ومن يا رسول الله ؟ قال الذى لا يأمن جاره بوائقه ) . ~~PageV09P221 قال المؤلف : وهذا الحديث شديد فى الحض على ترك أذى الجار ، ~~الا ترى أنه عليه السلام أكد ذلك بقسمه ثلاث مرات أنه لاؤمن من لايؤمن جاره ~~بوائقه ، ومعناه أنه ms3185 لايؤمن الإيمان الكامل ، ولا يبلغ أعلى درجاته من كان ~~بهذه الصفة ، فينبغى لكل مؤمن أن يحذر أذى جاره ويرغب أن يكون فى أعلى ~~درجات الإيمان ، وينتهى عما نهاه الله ورسوله عنه ، ويرغب فيما رضياه وحضا ~~العباد عليه . وقال أبو حازم المنزى : كان اهل الجاهلية أبر بالجار منكم ~~هذا قائلهم يقول : نارى ونار الجار واحدة وإليه قبلى القدر ماضر جارا لى ~~أجاوره أن لايكون لبابه ستر أعمى إذا ماجورتى برزت حتى يواري جارتى الخدر . ~~* * * # | 28 - باب : لا تحقرن جارة لجارتها # / 42 - فيه : أبو هريرة ، قال : قال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( يا ~~نساء المسلمات لا تحقرن جارة لجارتها ، ولو فرسن شاة ) . فى هذا الحديث ~~الحض على مهاداة الجار وصلته ، وإنما اشار النبى عليه السلام بفرسن الشاة ~~إلى القليل من الهدية ، لا إلى إعطاء الفرسن لأنه لافائدة فيه ، وقد قال ~~عليه السلام لأبى تميمة الهجيمى : ( لا تحقرن من المعروف شيئا ولو أن تضع ~~من دلوك فى إناء المستقى ) . وقد تقدم تفسير الفرسن فى كتاب الهبة . ~~PageV09P222 # | 29 - باب : حق الجوار فى قرب الأبواب # / 43 - فيه : عائشة ، قلت : يا رسول الله ، إن لى جارين ، فإلى أيهما ~~أهدى ؟ قال : ( إلى أقربهما منك بابا ) . قد تقدم فى آخر كتاب الشفعة وفى ~~كتاب الهبة . # | 30 - باب كل معروف صدقة # / 44 - فيه : جابر ، عن النبى عليه السلام قال : ( كل معروف صدقة ) . / ~~45 - وفيه : أبو موسى الأشعرى ، قال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( على ~~كل مسلم صدقة ، قالوا : فإن لم يجد ؟ قال : فيعمل بيديه ، فينفع نفسه ، ~~ويتصدق ، قالوا : فإن لم يستطع - أو لم يفعل - ؟ قال : فيعين ذا الحاجة ~~الملهوف ، قالوا : فإن لم يفعل ؟ قال : فيأمر بالخير - أو قال : بالمعروف - ~~قال : فإن لم يفعل ؟ قال : فيمسك عن الشر ، فإنه له صدقة ) . قال المؤلف : ~~المعروف مندوب إليه ، ودل هذا الحديث أن يفعله صدقة عند الله يثبت المؤمن ~~عليه ويجازيه به وإن قل لعموم قوله : ( كل معروف صدقة ) . وقوله فى حديث ~~أبى موسى : ( على كل مسلم صدقة ) معناه : أن ذلك فى كرم ms3186 الأخلاق وآداب ~~الإسلام ، وليس لك بفرض عليه للإجماع على أن كل فرض فى الشريعة مقدر محدود ~~. PageV09P223 وفي هذا الحديث تنبيه للمؤمن المعسر على أن يعمل بيده وينفق ~~على نفسه ويتصدق من ذلك ولايكون عيالا على غيره ، وقال مالك بن دينار : ~~قرأت فى التوراة : ( طوبى للذى يعمل بيده ويأكل ، طوبى لمحياه ، وطوبى ~~لمماته ) . وروى عن عمر بن الخطاب أنه قال : يامعشر القراء خذوا طريق من ~~كان قبلكم وارفعوا رءوسكم ، ولاتكونوا عيالا على الناس . وفيه : أن المؤمن ~~إذا لم يقدر على باب من أبواب الخير ولا فتح له فعله أن ينتقل إلى باب آخر ~~يقدر عليه ، فإن أبواب الخير كثيرة والطريق إلى مرضاه الله تعالى غير ~~معدومة ، الا ترى تفضل الله على عبده حين جعل له فى حال عجزه عن الفعل ~~عروضا من القول وهو الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر ، ثم جعل عوضا من ذلك ~~لمن لم يقدر الإمساك عن الشر صدقة . قال المهلب : وهذا يشبه الحديث الآخر : ~~( من هم بسيئة فلم يعملها كتبت له حسنة ) . وفيه : حجة لمن جعل الترك عملا ~~وكسبا للعبد بخلاف من قال من المتكلمين : إن الترك ليس بعمل ، وقد بين ~~النبى ذلك بقوله : ( فليمسك عن الشر فإنه له صدقة ) . # | 31 - باب : طيب الكلام # وقال أبو هريرة ، عن النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( الكلمة الطيبة ~~صدقة ) . / 46 - فيه : عدى ، ذكر النبى عليه السلام النار ، فتعوذ منها ، ~~وأشاح PageV09P224 بوجهه ، ثم ذكر النار ، فتعوذ منها ، وأشاح بوجهه ثم قال ~~: ( اتقوا النار ولو بشق تمرة ، فإن لم تجد فبكلمة طيبة ) . الكلام الطيب ~~مندوب إليه وهو من جليل أفعال البر ؛ لأن النبى عليه السلام جعله كالصدقة ~~بالمال ، ووجه تشبيهه على السلام الكلمة الطيبة بالصدقة بالمال هو أن ~~الصدقة بالمال تحيا بها نفس المتصدق عليه ويفرح بها ، والكلمة الطيبة يفرح ~~بها المؤمن ويحسن موقعها من قلبه فاشتبها من هذه الجهة ، الا ترى أنها تذهب ~~الشحناء وتجلى السخيمة كما قال تعالى : ( ادفع بالتى هى أحسن فإذا الذى ~~بينك وبينه عداوة كأنه ولى حميم ) والدفع ms3187 بالتى هى أحسن قد يكون بالقول كما ~~يكون بالفعل . قال صاحب العين : أشاح بوجهه عن الشىء إذا نحاه ، ورجل مشيح ~~، وشائح ، أى : حازم حذر . # | 32 - باب : الرفق فى الأمر كله # / 47 - فيه : عائشة ، قالت : دخل رهط من اليهود على رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - ، فقالوا : السام عليكم ، قالت : عائشة ففهمتها ، فقلت : ~~وعليكم السام واللعنة ، قالت : فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( ~~مهلا يا عائشة ، إن الله يحب الرفق فى الأمر كله ) ، فقلت : يا رسول الله ، ~~أولم تسمع ما قالوا ؟ قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( قد قلت ~~وعليكم ) . / 48 - فيه : أنس ، أن أعرابيا بال فى المسجد ، فقاموا إليه ، ~~فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( لا تزرموه ) ، ثم دعا بدلو من ~~ماء فصب عليه . PageV09P225 في هذين الحديثين أدب عظيم من أدب افسلام ، وحض ~~الرفق بالجاهل والصفح والإغضاء عنه ؛ لأن الرسول عليه السلام ترك مقابلة ~~اليهود بمثل قولهم ، ونهى عائشة من الإغلاط فى ردها ، وقال : مهلا ياعائشة ~~، إن الله يحب الرفق فى جميع الأمور ؛ لعموم قوله : ( إن الله يحب الرفق فى ~~الأمر كله ) وإن كان الانتصار بمثل ماقوبل به المرء جائز لقوله تعالى : ( ~~ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ماعليهم من سبيل ) فالصبر أعظم أجرا وأعلى درجة ~~لقوله تعالى : ( ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور ) والصبر أخلاق ~~النبيين والصالحين ، فيجب امتثال طريقتهم والتآسى بهم وقرع النفس عن ~~المغالبة رجاء ثواب الله على ذلك وكذلك رفق النبى بالأعرابى الجاهل حين بال ~~فى المسجد المعظم الذى الصلاة فيه أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد ~~الحرام ، وأمر أن لايهاج حتى يفرغ من بوله تأنيسا له ورفقا به ، فدل ذلك ~~على استعمال الرفق بالجاهل - فإنه بخلاف العالم - وترك اللوم له والنثريب ~~عليه . وقال أبو عبيد : قال الأصمعى : الإزرام : القطع ، يقال للرجل إذا ~~قطع بوله : قد أزرمت بولك ، وأزرمه غيره : قطعه ، وزرم البول نفسه . قال ~~الشاعر : أو كماء المثود بعد جمام زرم الدمع لايئوب نزورا والمثمود : الذى ~~قد ثمده الناس ms3188 أى : ذهبوا به فلم يبق منه إلا قليل ، والجمام : الكثير . ~~PageV09P226 | قال صاحب العين : زرم البول والدمع : انقطع . وزرم السنور ~~والكلب زرما إذا بقى جعره فى دبرة فهو أزرم . # | 33 - باب : تعاون المؤمنين بعضهم بعضا # / 49 - فيه : أبو موسى ، قال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( المؤمن ~~للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا ، ثم شبك بين أصابعه . . . . ) الحديث . قال ~~المؤلف : تعاون المؤمنين بعضهم بعضا فى أمور الدنيا والآخرة مندوب إليه ~~بهذا الحديث ، وذلك من مكارم الأخلاق ، وقد جاء فى حديث آخر عن النبى - صلى ~~الله عليه وسلم - : ( الله فى عون العبد ما دام العبد فى عون أخيه ) فينبغى ~~للمؤمنين استعمال آدب نبيهم والاقتداء بما وصف المؤمنين بعضهم لبعض من ~~الشفقة والنصيحة ، وتشبيكه بيه اصابعه تاكيدا لقوله وتمثيلا لهم كيف يكونون ~~فيما خولهم من ذلك . وفيه : أن العالم إذا أراد المبالغة فى البيان أنه ~~يمثل لهم معنى أقواله بحركاته وسيأتى شىء من الكلام فى معنى هذا الحديث فى ~~باب الحب فى الله بعد هذا - إن شاء الله تعالى . # | 34 - باب : قول الله تعالى : ( من يشفع شفاعة حسنة يكن له نصيب منها ) # / 50 - فيه : أبو موسى ، أن النبى عليه السلام كان إذا أتاه السائل ، أو ~~PageV09P227 صاحب الحاجة ، قال : ( اشفعوا ، فلتؤجروا ، وليقض الله على ~~لسان رسوله ما شاء ) . قال المؤلف : فى هذا الحديث الخص على الشفاعة ~~للمؤمنين فى حوائجهم ، وأن الشافع مأجور وإن لم يشفع فى حاجته ، وقال أهل ~~التأويل فى قوله تعالى : ( من يشفع شفاعة حسنة ) يعنى فى الدنيا ( يكن له ~~نصيب منها ) فى الآخرة . وقال مجاهد وغيره : نزلت هذه الآية فى شفاعة الناس ~~بعضهم لبعض . وقد قيل فى الاية أقوال أخر ، قيل : الشفاعة الحسنة : الدعاء ~~للمؤمنين ، والسيئة : الدعاء عليهم ، وكانت اليهود تدعو عليهم . وقيل : هو ~~فى قول اليهود : السام عليكم . وقيل : معناه من يكن شفيعا لصاحبه فى الجهاد ~~يكن له نصيبه من الأجر . ومن يكن شفيعا لآخر فى باطل يكن له نصيبه من الوزر ~~. والكفل : الوزر والإثم عن الحسن وقتادة . والقول الأول اشبه بالحديث ms3189 ~~وأولاها بتأويل الآية . # | 35 - باب لم يكن النبى عليه السلام فاحشا ولا متفحشا # / 51 - فيه : عبدالله بن عمرو وأنه ذكر النبى - صلى الله عليه وسلم - ، ~~فقال : لم يكن فاحشا ولا متفحشا . / 52 - وفيه : عائشة ، أن يهود أتوا ~~النبى - صلى الله عليه وسلم - ، فقالوا : السام عليكم ، فقالت : عليكم ، ~~ولعنكم الله وغضب الله عليكم ، فقال : ( مهلا يا عائشة ، عليك بالرفق ، ~~وإياك والعنف والفحش ) ، قالت : أولم تسمع PageV09P228 ما قالوا ؟ قال : ( ~~أولم تسمعى ما قلت ، رددت عليهم ، فيستجاب لى فيهم ، ولا يستجاب لهم فى ) . ~~/ 53 - وفيه : أنس ، قال : لم يكن النبى عليه السلام سبابا ، ولا فحاشا ، ~~ولا لعانا كان يقول لأحدنا عند المعتبة : ( ما له ترب جبينه ) . / 54 - ~~وفيه : عائشة : أن رجلا استأذن على النبى - صلى الله عليه وسلم - ، فلما ~~رآه قال : ( بئس أخو العشيرة ، وبئس ابن العشيرة ) ، فلما جلس ، تطلق النبى ~~عليه السلام فى وجهه ، وانبسط إليه ، فلما انطلق الرجل ، قالت له عائشة : ~~يا رسول الله ، حين رأيت الرجل ، قلت : له كذا وكذا ، ثم تطلقت فى وجهه ، ~~وانبسطت إليه ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( متى عهدتنى ~~فحاشا ؟ إن شر الناس عند الله منزلة يوم القيامة من تركه الناس اتقاء شره ) ~~. قال الطبرى : الفاحش : البذىء اللسان ، وأصل الفحش عند العرب فى كل شىء ~~خروج عن مقداره وحده حتى يستقبح ، ولذلك يقال للرجل المفرط الطول الخارج عن ~~طول الناس المستحسن : فاحش الطول ، يراد به قبيح الطول غير أن أكثر ما ~~استعمل ذلك فى الانسان إذا وصف بشىء فالأغلب أن معناه فاحش منطقه ، بذىء ~~لسانه ، ولذلك قيل للزنا فاحشة لقبحة وخروجه عما أباحه الله لخلقه . وقد ~~قيل فى قوله تعالى : ( والذين إذا فعلوا فاحشة ) معناه والذين إذا زنوا . ~~PageV09P229 قال المؤلف : والفحش والذاء مذموم كله ، وليس من أخلاق ~~المؤمنين . وقد روى مالك عن يحى بن سعيد أن عيسى ابن مريم لقى خنزيرا فى ~~طريق فقال له : أنفذ بسلام فقيل له : تقول هذا لخنزيرا ! فقال عيسى ابن ~~مريم : إنى أخاف أن أعود لسانى المنطق السوء . فيبغى ms3190 لمن الهمه الله رشه أن ~~يجنبه ويعود لسانه طيب القول ويقتدى فى ذلك بالآنبياء - عليهم السلام - فهم ~~الأسوة الحسنة . وفى حديث عائشة أنه لاغيبة فى الفاسق المعلن وإن ذكر بقبيح ~~أفعاله . وفيه : جواز مصانعه الفاسق وإلانه القول لمنفعة ترجى منه ، وهذا ~~ابن العشيرة هو عيينه بن بدر الفزارى وكان سيد قومه ، وكان يقال له : ~~الأحمق المطاع ، رجا النبى عليه السلام بإقباله عليه أن يسلم قومه ، كما ~~رجا حين أقبل على المشرك وترك حديثه مع ابن مكتوم الأعمى ، فأنزل الله ~~تعالى : ( عبس وتولى أن جاءه الأعمى ) وإنما أقبل عليه يحدثه رجاء أن تسلم ~~قبيلته بإسلامه . وسأذكر فى باب المدارة مع الناس فى الجزء الثانى من الأدب ~~زيادة فى هذا . PageV09P230 # | 36 - باب : حسن الخلق والسخاء ومايكره من البخل # وقال ابن عباس : كان النبى عليه السلام أجود الناس ، وأجود ما يكون فى ~~رمضان . وقال أبو ذر : لما بلغه مبعث النبى - صلى الله عليه وسلم - لأخيه : ~~اركب إلى هذا الوادى ، فاسمع من قوله ، فرجع ، فقال : رأيته يأمر بمكارم ~~الأخلاق . / 55 - فيه : أنس ، كان النبى عليه السلام أحسن الناس ، وأجود ~~الناس ، وأشجع الناس ، ولقد فزع أهل المدينة . . . الحديث . / 56 - وفيه : ~~جابر ، ما سئل النبى عليه السلام عن شىء قط ، فقال : لا . / 57 - وفيه : ~~عبدالله بن عمرو لم يكن النبى عليه السلام فاحشا ، ولا متفحشا ، وإنه كان ~~يقول : ( إن خياركم أحاسنكم أخلاقا ) . / 58 - وفيه : سهل بن سعد ، جاءت ~~امرأة إلى النبى ، عليه السلام ، ببردة - وهى شملة منسوجة - فقال رجل : ما ~~أحسن هذه ، فاكسنيها ؟ فقال : ( نعم ) ، فلما قام النبى - صلى الله عليه ~~وسلم - لامه أصحابه ، قالوا : ما أحسنت أخذها النبى عليه السلام محتاجا ~~إليها ، ثم سألته إياها ، وقد عرفت أنه لا يسأل شيئا فيمنعه . . . الحديث . ~~/ 59 - وفيه : أبو هريرة ، قال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( تقارب ~~الزمان ، وينقص العمل ، ويلقى الشح ، ويكثر الهرج ، وهو القتل ) . / 60 - ~~وفيه : أنس ، خدمت النبى عليه السلام عشر سنين ، فما قال لى : أف ، ولا لم ~~صنعت ، ولا ألا صنعت . قال المؤلف : حسن ms3191 الخلق من صفات النبيين والمرسلين ~~وخيار PageV09P231 المؤمنين ، وكذلك السخاء من أشرف الصفات ؛ لأن الله ~~تعالى سمى نفسه بالكريم الوهاب . وأما البخل فليس من صفات الأنبياء ولا ~~الجلة الفضلاء ، ألا ترى قول الرسول يوم حنين : ( لو كان عندى عدد سمر ~~تهامة نعما لقسمته بينكم ثم لا تجدونى بخيلا ) . وقال ابن مسعود : لاداء ~~أدوى من البخل ، وكان أبو حنيفة لايجيز شهادة البخيل ، فقيل له فى ذلك : ~~أنه يتقصى ويحمله التقصى على أن يأخذ فوق حقه . وقال الطبرى : إن قال قائل ~~: وجه قوله - صلى الله عليه وسلم - : ( خياركم أحسانكم أخلاقا ) وهل ~~الأخلاق مكتسبة فيتخر العبد منها أحسنها ويترك اقبحها ؟ فإن كان ذلك كذلك ~~فما وجه قوله - صلى الله عليه وسلم - : ( اللهم كما حسن خلقى فحسن خلقى ) ~~ومسألته عليه السلام ما سأل ربه من ذلك بتحسين خلقه ، ، وأنت عالم أنه لا ~~يحسن خلق العبد غير ربه ، فإذا كان الخلق فعلا له لم يكن له أيضا محسن غيره ~~، وفى ذلك بطلان حمد العبد عليه إن حسنا وترك ذمه إن كان سيئا ، فإن قلت ~~ذلك كذلك قيل لك ما وجه قوله عليه السلام : ( أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم ~~خلقا ، وإن الرجل ليبلغ بحسن خلقه درجة الصائم القائم ) وقد علمناه أن ~~العبد إنما يثاب على مااكتسب لا على ماخلق له من أعضاء جسده ؟ . قيل : قد ~~اختلف فى ذلك : فقال بعضهم : الخلق حسنة وقبيحه جبله فى العبد كلونه وبعض ~~أجزاء جسمه . ذكر من قال ذلك : PageV09P232 روي عن ابن مسعود أنه ذكر عنده ~~رجل فذكروا من خلقه فقال : أرأيتم لو قطعوا راسه أكنتم تستطيعون أن تجعلوا ~~له رأسا ؟ قالوا : لا . قال : فلو قطعتم يده أكنتم تجعلون له يدا ؟ قالوا : ~~لا ، قال : فإنكم لن تستطيعوا أن تغيروا خلقه حتى تغيروا خلقه . وقال ابن ~~مسعود : فرغ من اربعة : الخلق والخلق والرزق والأجل . وقال الحسن : من أعطى ~~حسن صورة وخلقا وزوجة صالحة فقد اعطى خير الدنيا والآخرة . واعتلوا بما ~~رواه الهمدانى : كان ابن مسعود يحدث عن النبى عليه السلام قال : ( إن الله ~~قسم ms3192 بينكم أخلاقكم كما قسم بينكم أرزاقكم ) قالوا : فهذا الحديث يبين أن ~~الأخلاق من إعطاء الله عباده ، ألا ترى تفاوتهم فيه كتفاوتهم بالجبن ~~والشجاعة والبخل والجود ، ولو كان الخلق اكتسابا للعبد لم تختلف أحوال ~~الناس فيه ولكن ذلك غريزة . فإن قيل : فإن كان كذلك فما وجه ثواب الله على ~~حسن الخق إن كان غريزة ؟ . قيل له : لم يثبت على خلقه ما خلق ، وإنما أثابه ~~على استعماله ما خلق فيه من ذلك فيما أمره باستعماله فيه ، نظير الشجاعة ~~التى خلقها فيه وأمره باستعمالها عند لقاء عدوه وأثابه على ذلك ، وإن ~~استعملها فى غير لقاء عدوه عاقبه على ذلك ، فالثواب والعقاب على الطاعة ~~والمعصية لا هى ما خلق فى العبد . وقال آخرون : أخلاق العبد حسنها وسيئها ~~إنما هى من كسبه واختياره فيحمد على الجميل منها ، ويثاب على ماكان منها ~~طاعة ، PageV09P233 ويعاقب على ماكان منها معصية ، ولولا أنها للعبد كسب ~~لبطل الأمر به والنهى عنه ، وفى قول النبى عليه السلام لمعاذ : ( اتق الله ~~حيثما كنت ، وخالق الناس بخلق حسن ) البيان عن صحة ما قلناه ؛ لأن ذلك لو ~~كان طبعا فى العبد هيأه الله عليه لاستحال الأمر به والنهى عن خلافه ، ~~كاستحالة أمر من لابصر له بأن يكون له بصر ، فلذلك كان الحكماء يوصون ~~بالحسن منه . وروى ابن عيينه ، عن عبد الملك بن عمير ، عن قبيصة بن جابر ~~قال : : قال لى عمر بن الخطاب : يا قبيصة ، أراك شابا فصيح اللسان فسيح ~~الصدر ، وقد يكون فى الرجل عشرة أخلاق تسعة صالحة وخلق سيىء فيفسد التسعة ~~الصالحة الخلق السيىء ، فاتق عثرات الشباب . وقال الشعبى : قال صعصعة بن ~~صوحان لابن أخية زيد بن صوحان : خالص المؤمن وخالق الفاجر ، فإن الفاجر ~~يرضى منك بالخلق الحسن . # | 37 - باب : كيف يكون الرجل فى أهله # / 61 - فيه : عائشة سئلت ما كان النبى عليه السلام يصنع فى أهله ؟ قالت : ~~كان فى مهنة أهله ، فإذا حضرت الصلاة قام إلى الصلاة . قال المؤلف : أخلاق ~~النبيين والمرسلين عليهم السلام التواضع والتذلل فى افعالهم ، والبعد عن ~~الترفه ms3193 والتنعم ، فكانوا يمتهنون أنفسهم فيما يعن لهم ليسنوا بذلك ، فيسلك ~~سبيلهم وتقتفى آثارهم . PageV09P234 وقول عائشة : ( كان فى مهنة أهله ) يدل ~~على دوام ذلك من فعله متى عرض له ما يحتاج إلى إصلاحه ؛ لئلا يخلد إلى ~~الدعة والرفاهية التى ذمها الله وأخبر أنها من صفات غير المؤمنين فقال ~~تعالى : { فذورنى والمكذبين أولى النعمة ومهلهم قليلا } . روى سفيان ، عن ~~هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة : ( أنه سالها : ماكان عمل رسول الله فى ~~بيه ؟ قالت : يخصف النعل ويرقع الثوب ) . وقال فى حديث آخر : ( أما أنا ~~فأتتزر بالكساء وأجلس بالأرض وأحلب شاة أهلى ) . وقال ابن مسعود : إن ~~الأنبياء من قبلكم كانوا يلبسون الصوف ويركبون الحمر ويحلبون الغنم . وهذه ~~كانت سيرة سلف هذه الأمة . وسيأتى فى آخر كتاب الرقائق فى باب التواضع كثير ~~من سيرتهم فى ذلك ، إن شاء الله تعالى . # | 38 - باب المقة من الله # / 62 - فيه : أبو هريرة ، عن النبى عليه السلام قال : ( إذا أحب الله ~~عبدا نادى جبريل : إن الله يحب فلانا فأحبه ، فيحبه جبريل ، فينادى جبريل ~~فى أهل السماء ؛ إن الله يحب فلانا فأحبوه ، فيحبه أهل السماء ، ثم يوضع له ~~القبول فى أهل الأرض ) . PageV09P235 قوله : ( ثم يوضع له القبول فى الأرض ~~) يريد المحبة فى الناس ، وقال بعض أهل التفسير فى قوله تعالى : ( وألقيت ~~عليك محبة مني ) أى حببتك إلى عبادى ، وقال ابن عباس فى قوله تعالى : ( إن ~~الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن ودا ) قال : يحبهم ويحببهم ~~إلى الناس . روى مالك حديث أبى هريرة ، عن سهيل ، عن أبيه ، عن أبى هريرة ~~وقال فيه مالك : لا أحسبه إلا قال فى البغض مثل ذلك . فدلت زيادة مالك فى ~~هذا الحديث على خلاف ماتقوله القدرية أن الشر من فعل العبد وليس بخلق الله ~~، وبان أن كل شىء من خير وشر ونفع وضر من خلق الله لا خالق غيره ، تعالى ~~عما يشركون . # | 39 - باب الحب فى الله # / 63 - فيه : أنس ، قال النبى عليه السلام : ( لا يجد أحد حلاوة الإيمان ~~حتى يحب المرء لا ms3194 يحبه إلا لله ، وحتى أن يقذف فى النار أحب إليه من أن ~~يرجع إلى الكفر بعد إذ أنقذه الله ، وحتى يكون الله ورسوله أحب إليه مما ~~سواهما ) . قال المؤلف : صفة التحاب فى الله تعالى أن يكون كل واحد منهما ~~لصاحبه فى تواصلهما وتحابهما بمنزلة نفسه فى كل مانابه ، كما روى الشعبى عن ~~النعمان بن بشير قال : سمعت النبى عليه السلام يقول : ( مثل المؤمنين مثل ~~الجسد إذا اشتكى منه شىء PageV09P236 تداعي له سائر الجسد ) وكقوله عليه ~~السلام : ( المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا ) . وروى شريك بن أبى نمر ~~عن أنس قال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( المؤمن مرآة المؤمن ) ورواه ~~عبد الله بن أبى رافع عن أبى هريرة ، عن النبى عليه السلام وزاد فيه : ( ~~إذا رأى فيه عيبا أصلحه ) . قال الطبرى : فالأخ فى الله كالذى وصف به رسول ~~الله المؤمن للمؤمن وأن كل واحد منهما لصاحبه بمنزلة الجسد الواحد ؛ لأن ~~ماسر أحدهما سر الآخر وماسء أحدهما ساء الآخر ، وأن كل واحد منهما عون ~~لصاحبه فى أمر الدنيا والآخرة كالبنيان يشد بعضه بعضا و كالمرآة له فى ~~توقيفه إياه على عيوبه ونصيحته له فى المشد والمغيب وتعريفه إياه من خطة ~~ومافيه صلاحه ما يخفى عليه ، وهذا النوع من الإخوان فى زماننا كالكبريت ~~الأحمر ، وقد قيل هذه قبل هذا الزمان ؛ كان يونس بن عبيد تقول : ما أنت ~~بواجد شيئا أقل من أخ فى الله صادق أو درهم طيب . فإن قال قائل : فأخبرنا ~~عن الحب فى الله والبغض فيه أواجب هو أم فضل ؟ قيل : بل واجب ، هو قول مالك ~~. فإن قيل : وما الدليل على ذلك ؟ قيل : مارواه الأعمش عن أبى صالح ، عن ~~أبى هريرة قال : قال رسول الله : ( والذى نفسى بيده لاتدخلون الجنة حتى ~~تؤمنوا ، ولا تؤمنوا حتى تحابوا ألا أدلكم على أمر إذا فعلتموه PageV09P237 ~~تحاببتم ، افشوا السلام بينكم ) وما أمرهم النبي فعليهم العمل به . ألا ترى ~~أن أقسم عليه السلام جهد النية أن الناس لن يؤمنوا حتى يتحابوا ولن يدخلوا ~~الجنة حتى يؤمنوا ms3195 . فحق على كل ذى لب أن يخلص المودة والحب لأهل افيمان ؛ ~~فقد روى عن النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( أن الحب فى الله والبغض فى ~~الله من أوثق عرى الإيمان ) ، من حديث ابن مسعود والبراء . وروى عن ابن ~~مسعود قال : ( أوحى الله إلى نبى من الأنبياء ان قل لفلان الزاهد : أما ~~زهدك فى الدنيا فتعجلت به راحة نفسك وأما انقطاعك إلى فقد تعززت بى ، فماذا ~~عملت فيما لى عليك ؟ قال : يارب وما لك على ؟ قال : هل واليت فى وليا أو ~~عاديت فى عدوا ) ؟ . # | 40 - باب قوله تعالى : { يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم } ~~الآية ( 1 ) # / 64 - فيه : عبدالله ابن زمعة ، نهى النبى عليه السلام أن يضحك الرجل ~~مما يخرج من الأنفس ، وقال : ( بم يضرب أحدكم امرأته ضرب الفحل ، أو العبد ~~، ثم لعله يعانقها ) . PageV09P238 / 65 - فيه : وقال ابن عمر : ، قال ~~النبى عليه السلام بمنى : ( إن الله حرم عليكم دماءكم وأموالكم وأعراضكم ~~كحرمة يومكم هذا ، فى شهركم هذا ، فى بلدكم هذا ) . قال المؤلف : قال أهل ~~التفسير فى قوله تعالى : ( لا يسخر قوم من قوم ) لا يطعن بعضكم على بعض . ~~وقال : لا يستهزى قوم بقوم ( عسى أن يكونوا خير منهم ) عند الله ، ومن هذا ~~المعنى نهيه عليه السلام أن يضحك مما يخرج من الأنفس : الأحداث الناقصة ~~للوضوء ؛ لأن الله تعالى سوى بين خلقه الأنبياء وغيرهم فى ذلك فقال تعالى ~~فى مريم وعيسى - عليهما السلام - : ( كانا يأكلان الطعام ) كناية عن الغائط ~~، ومن المحال أن يضحك أحد من غيره أو يعيره بما أتى هو مثله ولاينفك منه . ~~وقد حرم الله تعالى عرض المؤمن كما حرم دمه وماله فلا يحل الهزء والسخرة ~~بأحد ، واصل هذا إعجاب المرء بنفسه وازدراء غيره ، وكان يقال : من العجب ان ~~ترى لنفسك الفضل على الناس وتمقتهم ولاتمقت نفسك . وقد روى ثابت عن أنس أن ~~النبى عليه السلام قال : ( لو لم تكونوا تذنبون لخشيت عليكم ماهو أكبر من ~~ذلك : العجب العجب ) وقال مطرف : لأن أبيت نائما وأصبح نادما أحب ms3196 إلى من أن ~~أبيت قائما واصبح معجبا . وقال خالد الربعى : فى اإنجيل مكتوب : المستكبر ~~على أخيه بالدين بمنزلة القاتل . PageV09P239 # | 41 - باب : ما ينهى عنه من السباب واللعن # / 66 - فيه : عبدالله ، قال : قال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( سباب ~~المؤمن فسوق وقتاله كفر ) . / 67 - وفيه : أبو ذر ، سمع النبى - صلى الله ~~عليه وسلم - يقول : ( لا يرمى رجل رجلا بالفسوق ، ولا يرميه بالكفر ، إلا ~~ارتدت عليه ، إن لم يكن صاحبه كذلك ) . / 68 - وفيه : أنس ، قال : لم يكن ~~النبى عليه السلام فاحشا ، ولا لعانا ، ولا سبابا ، كان يقول عند المعتبة : ~~( ما له ترب جبينه ) . / 96 - وفيه : ثابت بن الضحاك ، أن النبى عليه ~~السلام قال : ( من حلف على ملة غير الإسلام ، فهو كما قال ، ومن لعن مؤمنا ~~فهو كقتله ، ومن قذف مؤمنا بكفر فهو كقتله ) . / 70 - وفيه : سليمان بن صرد ~~، استب رجلان عند النبى - صلى الله عليه وسلم - ، فغضب أحدهما ، فاشتد غضبه ~~حتى انتفخ وجهه وتغير ، فقال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( إنى لأعلم ~~كلمة لو قالها لذهب عنه الذى يجد ) ، فانطلق إليه الرجل ، فأخبره بقول ~~النبى - صلى الله عليه وسلم - ، وقال : ( تعوذ بالله من الشيطان الرجيم ، ~~فقال : أترى بى بأس ؟ أمجنون ؟ أنا اذهب . / 71 - فيه : عبادة ، خرج النبى ~~- صلى الله عليه وسلم - ليخبر الناس بليلة القدر ، فتلاحى رجلان من ~~المسلمين ، فقال عليه السلام : ( خرجت لأخبركم بها ، فتلاحى فلان وفلان ، ~~وإنها رفعت ، وعسى أن يكون خيرا . . . . ) الحديث . / 72 - وفيه : أبو ذر ، ~~قال : كان بينى وبين رجل كلام ، وكانت أمه أعجمية PageV09P240 فنلت منها ، ~~فذكرنى إلى النبى عليه السلام فقال لى : ( أساببت فلانا ) ؟ قلت : نعم ، ~~قال : ( إنك امرؤ فيك جاهلية ) . . . الحديث . قال المؤلف : سباب المسلم ~~فسوق ؛ لأن عرضه حرام كتحريم دمه وماله ، والفسوق فى لسان العرب : الخروج ~~من الطاعة ، فينبغى ببمؤمن أن لايكون سبابا ولا لعنا للمؤمنين ويقتدى فى ~~ذلك بالنبى عليه السلام لأن السب سب الفرقة والبغضة ، وقد من الله على ~~المؤمنين بما جمعهم عليه من الفة افسلام فقال : ( يا أيها الذين آمنوا ~~اذكروا نعمة ms3197 الله عليكم إذ كنتم أعداء فالف بين قلوبكم ) الآية ، وقال : ( ~~إنما المؤمنون إخوة ) فكما لا ينبغى سب أخيه فى النسب كذلك لاينبغى سب أخيه ~~فى الإسلام ولا ملاحاتة . إلا ترى أن الله تعالى رفع معرفة ليلة القدر عن ~~عباده وحرمهم علمها عقوبة لتلاحى الرجلين بحضرة النبى - عليه السلام . قال ~~عليه السلام لأبى ذر لما سب الرجل الذى أمه أعجمية : ( إنك أمرؤ فيك جاهلية ~~) . وهذا غاية فى ذم السب وتقبيحة ؛ لأن أمور الجاهلية حرام منسوخة ~~بالإسلام ، فوجب على كل مسلم هجرانها واجتنباها ، وكذلك الغضب هو من نزعات ~~الشيطان فينبغى للمؤمن مغالبة نفسه عليه والاستعاذة بالله من الشيطان ~~الرجيم فإن ذلك دواء للغضب ، لقوله عليه السلام : ( إنى لأعلم كلمة لو ~~قالها لذهب عنه الذى يجد ) يعنى التعوذ بالله من الشيطان . وأما قوله : ( ~~وقتاله كفر ) فمعناه التحذير له عن مقاتلة ومشادته والتغليظ فيه ، يراد به ~~: كالكفر فلا يقاتله وهذا كما يقال : الفقر PageV09P241 الموت ، أي كالموت ~~، ونظير هذا قوله عليه السلام : ( كفر بالله من انتفى من نسب وإن دق وادعى ~~نسبا لا يعرف ) ولم يرد أن من انتفى من نسبه أو أدعى غير نسبه كان كافرا ~~خارجا عن الإسلام ، ومثله فى الكلام كثير ، وقد تقدم فى باب خوف المؤمن أن ~~يحبط عمله فى كتاب الإيمان وكذلك تقدم معنى قوله - صلى الله عليه وسلم - : ~~( لعن المؤمن كقتله ) فى كتاب الإيمان والنذور . وقوله عليه السلام : ( ترب ~~جبينه ) معناه أصابه التراب ولم يرد الدعاء على مافسره أبو عمرو السيبانى ~~فى قوله عليه السلام : ( تربت يمينك ) . # | 42 - باب ما يجوز من ذكر الناس نحو قولهم الطويل والقصير # وقال النبى ، عليه السلام : ( ما يقول ذو اليدين ) ؟ ، وما لا يراد به ~~شين الرجل . / 73 - فيه : أبو هريرة ، قال : صلى بنا رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - الظهر ركعتين ، ثم سلم . . . الحديث . . . وكان فى القوم رجل ~~كان النبى عليه السلام يدعوه ذا اليدين ، فقال : صدق ذو اليدين . . . ~~الحديث . قال المؤلف : اختلف أهل التأويل فى قوله تعالى : ( ولا تنابزوا ~~بالألقاب ) فروى الأعمش ms3198 عن أبى جبيرة بن الضحاك قال : ( كان أهل الجاهلية ~~لهم الألقاب ، للرجل منهم الاسمان والثلاثة ، فدعا PageV09P242 النبي عليه ~~السلام رجلا منهم بلقبه فقالوا : يارسول الله ، إنه يكره ذلك ) ، فنزلت ~~الآية . وروى عن ابن مسعود والحسن وقتادة وعكرمة ، أن اليهودى والنصرانى ~~كان يسلم قيلقب به ، فيقال : يا يهودى ، يا نصارانى ، فنهوا عن ذلك ، ونزلت ~~الآية . وعو ابن عيينه : لاتقل : كان يهوديا ولا مشركا . قال الطبرى : وقد ~~رأى قوم من السلف أن وصف الرجل غيره بما فيه من الصفة غيبة له ، قال شعبة : ~~سمعت معاوية بن قرة يقول : لو مر بك أقطع فقلت : ذاك الأقطع ، كانت منك ~~غيبة . وعن الحسن : ألا تخافون أن يكون قولنا : حميد الطويل غيبة ؟ وكان ~~قتادة يكره أن يقال : كعب الأحبار ، وسلمان الفارسي ؛ ولكن كعب المسلم ~~وسلمان المسلم ، وروى سليمان الشيبانى ، عن حسان ابن المخارق ( أن امرأة ~~دخلت على عائشة فلما قامت لتخرج أشارت عائشة بيدها إلى النبى عليه السلام ~~أنها قصيرة ، فقال النبى - صلى الله عليه وسلم - : اغتبتها ) . وروى موسى ~~بن وردان عن أبىهريرة ( أن رجلا قام عند النبى فرأو فى قيامه عجزا ، فقالوا ~~: يا رسول الله ، ما أعجز فلانا قال رسول الله : أكلتم أخاكم واغتبتموه ) . ~~قال الطبرى : وإنما يكون ذلك غيبة من قائله إذا قاله على وجه الذم والعيب ~~للمقول فيه وهو له كاره ، وعن مثل هذا ورد النهى ، وأما إذا قاله على وجه ~~التعريف والتميز له من سائر الناس كقولهم : يزيد PageV09P243 الرشك ، وحميد ~~الأرقط ، والأحنف بن قيس ، والنسبية إلى الأمهات : كإسماعيل ابن علية وابن ~~عائشة ، فإن ذلك بعيد من معنى الغيبة ومن مكروه ماورد به الخبر . قال ~~المؤلف : ويشد لصحة هذا قصة ذى اليدين ، ويبين أن معنى النهى عن التنابز ~~بالألقاب فى الآية أن يراد به عيب الرجل وتنقصه . قوله عليه السلام : ( ~~أصدق ذو اليدين ) فعرفه بطول يديه ولم يذكر اسمه ، ولو لم يجز ذلك ما ذكره ~~النبى عليه السلام ولهذا استجاز العلماء ذكر العاهات لرواة الحديث ، وروى ~~أبو حاتم الرازى ، حدثنا عبده قال : سل ms3199 ابن المبارك عن الرجل يقول : حميد ~~الطويل ، وسليمان الأعمش ، وحميد الأعرج ، ومروان الأصفر . فقال عبد الله : ~~إذا أراد صفته ولم يرد غيبته فلا باس به . وسئل عبد الرحمن بن مهدى عن ذلك ~~. فقال : لا أراه غيبة ، ربما سمعت شعبة يقول ليحى بن سعيد : ياأحول ، ما ~~تقول ؟ يا أحول ، ما ترى ؟ ذكره ابن الفوطى فى كتاب الألقاب . # | 43 - باب : الغيبة وقوله تعالى : { ولا يغتب بعضكم بعضا } # / 74 - فيه : ابن عباس ، مر النبى عليه السلام على قبرين ، فقال : ( ~~إنهما ليعذبان ، وما يعذبان فى كبير ، أما هذا فكان لا يستتر من بوله ، ~~وأما هذا فكان يمشى بالنميمة ) . قال المؤلف : الغيبة قد فسرها النبى عليه ~~السلام فى مرسل مالك عن الوليد بن عبد الله بن صياد ( أن المطلب بن عبد ~~الله بن حنطب أخبره PageV09P244 أن رجلا سأل النبى عليه السلام ما الغيبة ؟ ~~قال : أن تذكر من المرء ما يكره أن تسمع وإن كان حقا ، فإن قلت باطلا فذلك ~~البهتان ) . وترجم البخارى باب الغيبة وذكر فيه حديث النميمة إذ هى فى معنى ~~الغيبة لكراهية المرء أن يذكر عنه بظهر الغيب ، فأشتبها من هذه الجهة ~~والغيبة المحرمة عند أهل العلم فى اغتياب أهل الستر من المؤمنين ومن لايعلن ~~بالمعاصى ، فأما من جاهز بالكبائر فلا غيبة فيه ، وروى عبد الرزاق عن معمر ~~، عن زيد بن اسلم قال : إنما الغيبة فيمن لم يعلن بالمعاصى . وسأذكر غيبة ~~أهل المعاصى فى باب مايجوز من اغتياب أهل الفساد ، والغيبة من الذنوب ~~العظام التى تحبط الأعمال . روى عن الرسول أنه قال : ( الغيبة تاكل الحسنات ~~كما تأكل النار الحطب ) . وقد قيل : أنها تفطر الصائم بإحباط أجره ، وقد ~~تأول بعض أهل العلم فى قوله عليه السلام : ( أفطر الحاجم والمحجوم ) أنهما ~~كانا يغتابان على ما تقدم فى باب الصيام ، ولذلك قال النخعى : ماأبالى ~~اغتبت رجلا أم شربت ماء بارا فى رمضان . وعنه عليه السلام أنه قال : ( ما ~~صام من ظل يأكل لحوم الناس ) . ولعظيم وزر الغيبة وكثرة ماتحبط من الأجر كف ~~جماعة من العلماء عن ms3200 اغتياب جميع الناس حتى لقد روى عن ابن المبارك أنه قال ~~: لو كنت مغتابا أحدا لاغتبت والدي ؛ لأنهما أحق الناس بحسناتى . وقال رجل ~~لبعض السلف : إنك قلت في . قال : أنت PageV09P245 إذا أكرم على من نفسى ؟ ! ~~وقيل للحسن البصرى : إن فلانا اغتابك ، فبعث إليه طبقا من الطرف ، وقال : ~~بلغنى أنك أهديت إلى حسناتك فأردت أن أكافئك بها . والآثار فى التشيد فيها ~~كثيرة ، وقد جاء حديث شريف فى أجر من نصر اغتيب عنده . روى عبد الرزاق ، عن ~~معمر ، عن أبان ، عن أنس : قال رسول الله : ( من اغتيب عنده أخوه المسلم ~~فنصره نصره الله فى الدنيا والآخرة ، وإن لم ينصره أدركه الله به الدنيا ~~والآخرة ) . # | 44 - باب : ما يجوز من اغتياب أهل الفساد والريب # / 75 - وفيه : عائشة ، استأذن رجل على النبى - صلى الله عليه وسلم - ، ~~فقال : ( ائذنوا له ، بئس أخو العشيرة ، أو ابن العشيرة ) ، فلما دخل ألان ~~له الكلام ، فقلت : يا رسول الله ، قلت الذى قلت ، ثم ألنت له الكلام ، قال ~~: ( أى عائشة ، إن شر الناس من تركه الناس ، أو ودعه الناس ، اتقاء فحشه ) ~~. قال المؤلف : هذا الحديث اصل فى جواز اغتياب أهل الفساد ، ألا ترى قوله ~~للرجل : ( بئس أخو العشيرة ) ؟ وإنما قال ذلك عليه السلام لما قد صح عنده ~~من شره ؛ لقوله عليه السلام فى آخر الحديث : ( إن شر الناس من تركه الناس ~~اتقاء فحشة ) وسيأتى معنى ذلك الكلام فى باب لم يكن النبى عليه السلام ~~فاحشا ولا متفحشا . روى ابن وضاح ، عن محمد بن المصفى حدثنا بقية بن ~~PageV09P246 الوليد ، عن الربيع بن يزيد ، عن أبان ، عن أنس ، عن النبى ~~عليه السلام قال : ( من خلع جلباب الحياء فلا غيبة فيه ) وفسره ابن سعدان ~~قال : معناه من عمل عملا قبيحا كشفه للناظرين ، ولم يرع وقوفهم عليه فلا ~~باس بذكره عنه من حيث لايسمع ؛ لأنه كمن أذن فى ذلك لكشفه عن نفسه ، فأما ~~من استتر بفعله فلا يحل ذكره لمن رآه ؛ لأنه غير آذن فى ذكره وإن كان كافرا ~~. وقد سئل وهب عن غيبة ms3201 النصرانى ، فقال : لا وقولوا للناس حسنا وهو من ~~الناس ( أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا فكرهتموه ) فجعل هذا لهم مثلا . ~~وفى الحديث : ( اذكروا الفاسق بما فيه كى يحذروه الناس ) . قال ابن أبى زيد ~~: يقال : لاغيبة فى أمير جائز ولاصاحب بدعة يدعو إليها ، ولافيمن يشاور فى ~~إنكاح أو شهادة ونحو ذلك ، وقد قال الرسول عليه السلام لفاطمة بنت قيس حين ~~شاورته فيمن خطبها إلى معاوية : ( إن معاوية صعلوك لا مال له ) وكذلك رأى ~~الأئمة أن يقبل قوله من أهل الفضل ويجوز له أن يبين له أمر من يخاف أن يتخذ ~~إماما فيذكر مافيه من كذب أو غيره مما يوجب ترك الراوية عنه ، وكان شعبه ~~يقول : اجلس بنا نغتاب فى الله . # | 45 - باب : قول النبى - صلى الله عليه وسلم - خير دور الأنصار # / 76 - فيه : أبو أسيد ، قال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( خير دور ~~الأنصار بنو النجار ) . قال المهلب : ترجم له باب خير دور الأنصار وأدخل ~~فيه : ( خير PageV09P247 الأنصار بنو النجار ) وإنما أراد عليه السلام ~~بقوله : ( خير دور الأنصار ) أهل الدور كما قال تعالى : ( واسأل القرية ) ( ~~والعير ) وهو يريد أهلها ، وقد جاء هذا الحديث فى غير هذا الموضع : ( خير ~~دور الأنصار بنو النجار ) . وقال ابن قتيبة : الدور فى هذا الحديث القبائل ~~، ويدل على ذلك الحديث الآخر : ( ما بقى دار إلا بنى فيها مسجد ) ما بقيت ~~قبيلة . قال المهلب : وإنما استوجب بنو النجار الخير فى هذا الحديث ~~لمساعتهم إلى الإسلان ، وقد بينه النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( إنما ~~بايعك سراق الحجيج من طيىء وأسلم وغفار ) - يريد تهجين هذه القبائل الضعيفة ~~القليلة العدد - المسارعة إليك لقتلها وضعفها لتكثر بك وبأصحابك ولتعز من ~~ذلتها ، فقال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( أرأيت إن كان أسلم وغفار ~~وزينة خيرا من بنى يتميم ) يريد بمسارعتها إلى الإسلام ، فاستوجب بذلك ~~ماأثنى الله عليها فى القرآن فى قوله : ( والسابقون الأولون من المهاجرين ~~والأنصار ) الآية ، فكذلك استوجب بنو النجار بالمساعرة إلى افسلام من ~~الخيرية ما لم يستوجبه بنو عبد الشهل ms3202 المتبطئون بالإسلام . قال المؤلف : ~~فإن قال قائل : مامعنى دخول هذا الحديث فى أبواب الغيبة ؟ قيل : معناه بين ~~فى ذلك ، وهو أنه يدل على أنه يجوز للعالم أن يفاضل بين الناس وينبه على ~~فضل الفاضل ونقص من لا يلحق بدرجته فى الفضل ، ولايكون ذلك من باب الغيبة ~~كما لم يكن ذكر PageV09P248 النبي صلى الله عليه وسلم لغير بنى النجار أنهم ~~دون بنى النجار فى الفضل من باب الغيبة ومثل هذا اتفاق المسلمين من أهل ~~السنة أن أبا بكر أفضل من عمر ، وليس ذلك غيبة لعمر ولا نقصا له ، ولذلك ~~جاز لابن معين وغيره من ائمة الحديث تجريح الضعفاء وتبين أحوالهم خشية ~~التباس أمرهم على العامة واتخاذهم أئمة وهو غير مستحقين للإمامة . # | 46 - باب النميمة من الكبائر # / 77 - فيه : وذكر حديث ابن عباس فى صحابى القبرين اللذين كان يعذبان ، ~~وقد تقدم فى باب الكبائر فى أول هذا الجزء فأغنى عن إعادته . # | 47 - باب : ما يكره من النميمة وقوله تعالى : { هماز مشاء بنميم } ~~وقوله : { ويل لكل همزة لمزة } # ( يهمز ) ويلمز ويعيب ( واحد ) / 78 - فيه : حذيفة ، سمعت النبى عليه ~~السلام يقول : ( لا يدخل الجنة قتات ) . قال أهل التأويل : الهماز الذى ~~يأكل لحوم الناس ، ويقال : هم المشاءون بالنميمة المفرقون بين الأحبة ، ~~الباغون للبراء العيب . والقتات : النمام عند أهل اللغة ، وقوله عليه ~~السلام : ( لا يدخل الجنة قتات ) معناه : إن أنفذ الله عليه الوعيد ؛ لأن ~~أهل السنة PageV09P249 مجمعون أن الله تعالى فى وعيده لعصاة المؤمنين ~~بالخيار ، إن شاء عذبهم وإن شاء عفا عنهم . وقد فرق أهل اللغة بين النمام ~~والقتات ، فذكر الخطابى أن النمام الذى يكون مع القوم يتحثون فينم حديثهم ، ~~والقتات : الذى يتسمع على القوم وهو لايعملون ثم ينم حديثهم ، والقساس : ~~الذى يقس الأخبار ، أى يسأل عنها ثم ينثرها على أصحابه . # | 48 - باب قوله تعالى : { واجتنبوا قول الزور } # / 79 - فيه : أبو هريرة ، قال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( من لم ~~يدع قول الزور ، والعمل به والجهل ، فليس لله حاجة أن يدع طعامه وشرابه ) . ~~قال المؤلف : قول ms3203 الزور هو الكذب ، وهو محرم على المؤمنين ، وهذا الحديث فى ~~شاهد الزور تغليظ شديد ووعيد كبير ، ودل قوله - صلى الله عليه وسلم - : ( ~~فليس لله حاجة فى أن يدع طعامه وشرابه ) على أن الزور يحبط أجر الصائم ، ~~وأن من نطق به فى صيامه كالآكل الشارب عند الله تعالى فى الإثم ، فينبغى ~~تجنيبه والحذر منه لإحباطه للصيام الذى أخبر النبى عليه السلام عن اله ~~تعالى أنه قال فيه : ( كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فأنه لى وأنا أجزى به ) ~~فما ظنك بسيئة غطت على هذا الفضل الجسيم والثواب العظيم ؟ ! . PageV09P250 # | 49 - باب ما قيل فى ذى الوجهين # / 80 - فيه : أبو هريرة ، قال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( تجد من ~~شر الناس يوم القيامة عند الله ذا الوجهين الذى يأتى هؤلاء بوجه ، وهؤلاء ~~بوجه ) . يريد أنه يأتى إلى كل قوم بما يرضيهم كان خيرا أو شرا ، وهذه هى ~~الماهنة المحرمة ، وإنما سمى ذو الوجهين مداهنا ؛ لأنه يظهر لأهل المنكر ~~أنه عنهم راض فيلقاهم بوجه سمح بالترحيب والبشر ، وكذلك يظهر لأهل الحق أنه ~~عنهم راض وفى باطنه أن هذا دابة فى أن يرضى كل فريق منهم ويريهم أنه منهم ، ~~وإن كان فى مصاحبته لأهل الحق مؤيدا لفعلهم ، وفى صحبته لأهل الباطل منكرا ~~لفعلهم ، فبخلطته لكلا الفريقين وإظهار الرضا بفعلهم استحق اسم المداهنة ~~للأسباب الظاهرة عليه المشبهة بالدهان الذى يظهر على ظواهر الأشياء ويستر ~~بواطنها ، ولو كان مع احخدى الطائفتين لم يكن مداهنا ، وإنما كان يسمى باسم ~~اطائفة المنفرد بصحبتها . وقد جاء فى ذى الوجهين وعيد شديد ، روى أبو هريرة ~~عن النبى عليه السلام أنه قال : ( ذو الوجهين لايكون عند الله وجيها ) وروى ~~أنس عن النبى عليه السلام أنه قال : ( من كان ذا لسانين فى الدنيا جعل الله ~~له لسانين من نار يوم القيامة ) فينبغى للمؤمن العاقل أن يرغب بنفسه عما ~~يوبقه ويخزيه عند الله - تعالى . PageV09P251 # | 50 - باب من أخبر صاحبه بما يقال فيه # / 81 - فيه : ابن مسعود ، قسم النبى - صلى الله عليه وسلم - قسمة ms3204 ، فقال ~~رجل من الأنصار : والله ما أراد محمد بهذا وجه الله ، فأتيت رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - فأخبرته ، فتمعر وجهه ، وقال : ( رحم الله موسى ، لقد ~~أوذى بأكثر من هذا فصبر ) . قال المؤلف : فى هذا الحديث من الفقه أنه يجوز ~~للرجل أن يخبر أهل الفضل والستر من إخوانه بما يقال فيهم مما لايليق بعم ~~ليعرفهم بذلك من يؤذيهم من الناس وينقصهم ، ولا حرج عليه فى مقابلته بذلك ~~وتبليغه له . وليس ذلك من باب النميمة ؛ لأن ابن مسعود حين أخبر النبى عليه ~~السلام يقول الأنصارى فيه وتجويره له فى القسمة ، لم يقل له : أتيت بما ~~لايجوز ، ونمت الأنصارى والنميمة حرام ، بل رضى ذلك عليه السلام وجاوبه ~~عليه بقوله ( يرحم الله موسى ، لقد أوذى بأكثر من هذا فصبر ) وإنما جاز ~~لابن مسعود نقل ذلك إلى النبى عليه السلام لأن الأنصارى فى تجويره للنبى - ~~عليه السلام - استباح إثما عظيما وركب جرما جسيما ، فلم يكن لحديثه حرمة ، ~~ولم يكن نقله من باب النميمة . وقد قال مالك - رحمه الله - فى الرجل يمر ~~بالرجل يقذف غائبا : فليشهد عليه إن كان معه غيره . وقال فى قوم سمعوا رجلا ~~يقذف رجلا فرفعوا إلى الإمام : فلا ينبغى أن يحده حتى يجىء الطالبب ، ولو ~~كان هذا نميمة لم تجز الشهادة ؛ لأن النميمة كبيرة ، والكبائر تسقط ~~الشهادات . وفى تمعر وجه النبى عليه السلام حين أخبر بقوله الأنصارى من ~~الفقه أن أهل الفضل والخير قد يعز عليهم مايقال فيهم من الباطل ، ~~PageV09P252 ويكبر عليهم ، فإن ذلك جبله فى البسر ، فطردهم الله عليها ، ~~إلا أن أهل الفضل يتلقون ذلك بالصبر الجميل اقتداء بمن تقدمهم من المؤمنين ~~، ألا ترى أن الرسول قد اقتدى فى ذلك بصبر موسى . وقد روى عن الحسن البصرى ~~أنه قيل له : فلان اغتباك ، فبعث إليه طبقا من الطرف وقال : بلغنى أنك ~~أهدبت وفى تمعر وجه النبى عليه السلام حين أخبر بقول الأنصارى من الفقه أن ~~أهل الفضل والخير قد يعز عليهم مايقال فيهم من الباطل ، ويكبر عليهم ، فإن ~~ذلك جبلة فى ms3205 البشر ، فطرهم الله عليها ، إلا أن أهل الفضل يلتقون ذلك ~~بالصبر الجميل اقتداء بمن تقدمهم من المؤمنين ، ألا ترى أن الرسول قد اقتدى ~~فى ذلك بصبر موسى . وقد روى عن الحسن البصرى أنه قيل له : فلان اغتابك ، ~~فبعث إليه طبقا من الطرف وقال : بلغنى انك أهدبت إلى حسناتك فأردت أن ~~أكافئك بها . # | 51 - باب : ما يكره من التمادح # / 82 - فيه : أبو موسى ، سمع النبى عليه السلام رجلا يثنى على رجل ويطريه ~~فى المدحة ، فقال : ( أهلكتم ، أو قطعتم ظهر الرجل ) . / 83 - وفيه : أبو ~~بكرة ، أن رجلا ذكر عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأثنى عليه رجل ~~خيرا ، فقال رسول الله : ( ويحك ، قطعت عنق صاحبك ، يقوله مرارا ، إن كان ~~أحدكم مادحا لا محالة ، فليقل : أحسب كذا وكذا ، إن كان يرى أنه كذلك ، ~~وحسيبه الله ، ولا يزكى على الله أحدا ) . قال وهيب ، عن خالد : ويلك . ~~معنى هذا الحديث - والله أعلم - النهى عن أن يفرط فى مدح الرجل بما ليس فيه ~~؛ فيدخله من ذلك الإعجاب ، ويظن أنه فى الحقيقة بتلك المنزلة ؛ ولذلك قال : ~~قطعتم ظهر الرجل . حين وصفتموه بما ليس فيه . فربما ذلك على العجب والكبر ، ~~وعلى تضييع PageV09P253 العمل وترك الازدياد من الفضل ، واقتصر على حاله من ~~حصل موصوفا بما وصف به ، وكذلك تأول العلماء فى قوله عليه السلام : ( احثوا ~~التراب فى وجه المداحين ) المراد به : المداحون الناس فى وجوههم بالباطل ~~وبما ليس فيهم . ولذلك قال عمر بن الخطاب : المدح هو الذبح . ولم يرد به من ~~مدح رجلا بما فيه ، فقد مدح رسول الله عليه السلام فى الشعر والخطب ~~والمخاطبة ، ولم يحث فى وجه المداحين ولا أمر بذلك كقول أبى طالب : وأبيض ~~يستسقى الغمام بوجهه تثمال اليتامى عصمة للأرامل وكمدح العباس وحسان له فى ~~كثير من شعره ، وكعب بن زهير ، وقد مدح رسول الله عليه السلام الأنصار فقال ~~: ( إنكم لتقلون عند الطمع وتكثرون عند الفزع ) ومثل هذا قوله عليه السلام ~~: ( لا تطردونى كما أطرت النصارى عيسى ابن مريم ، قالوا : عبد الله ؛ فإنما ~~أنا ms3206 عبد الله ورسوله ) أى : لاتصفونى بما ليس لى من الصفات تلتمسون بذلك ~~مدحى ، كما وصفت النصارى عيسى لما لم يكن فيه ، فنسبوه إلى أنه ابن الله ، ~~فكفروا بذلك وضلوا . فأما وصفه بما فضله الله به وشرفه فحق واجب على كل من ~~بعثه الله إليه من خلقه وذلك كوصفه عليه السلام بما وصفها به فقال : ( أنا ~~سيد ولد آدم ولا فخر ، وأنا أول من تنشق الأرض عنه ) . وفى هذا من الفقه أن ~~من رفع أمرأط فوق حده وتجاوز به مقداره بما ليس فيه ، فمعتد آثم ؛ لأن ذلك ~~لو جاز فى أحد لكان أولى الخلق PageV09P254 بذلك رسول الله ، ولكن الواجب ~~أن يقصر كل أحد على ما أعطاه الله من منزلته ، ولا يعدى به إلى غيرها من ~~غير قطع عليها ، ألا ترى قوله عليه السلام فى حديث أبى بكرة : ( إن كان ~~أحدكم مادحا أخاه لا محالة فليقل : أحسب كذا وحسيبه الله ، ولا أزكى على ~~الله أحدا ) . # | 52 - باب : من أثنى على أخيه بما يعلم # وقال سعد : ما سمعت النبى عليه السلام يقول لأحد يمشى على الأرض إنه من ~~أهل الجنة إلا لعبدالله بن سلام . / 84 - فيه : ابن عمر : أن النبى عليه ~~السلام حين ذكر فى الإزار ما ذكر ، قال أبو بكر : يا رسول الله ، إن إزارى ~~يسقط من أحد شقيه ، قال : ( إنك لست منهم ) . قال المؤلف : فيه من الفقه : ~~أنه يجوز الثناء على الناس بما فيهم على وجه الإعلام بصفاتهم لتعرف لهم ~~سابقتهم وتقدمهم فى الفضل فينزلزا منازلهم ويقدموا على من لايساويهم ويقتدى ~~بهم فى الخير ، ولو لم يجز وصفهم بالخير والثناء عليهم بأحوالهم لم يعلم ~~أهل الفضل من غيرهم ، ألا ترى أن النبى عليه السلام خص اصحابه بخواص من ~~الفضائل بانوا بها عن سائر الناس وعرفوا بها إلى يوم القيامة فشهد للعشرة - ~~رضى الله عنهم - بالجنة ، كما شهد لعبد الله ابن سلام . وليس قول سعد : ( ~~ما سمعت النى عليه السلام يقول لأحد PageV09P255 أنه من أهل الجنة إلا لعبد ~~الله بن سلام ) بمعارض ms3207 لمن سمعه عليه السلام يشهد بذلك لغيره ، بل يأخذ كل ~~واحد بما يسمع ، وكذلك قال فى أبى بكر الصديق : ( كل الناس قال لى : كذبت ، ~~وقال لى النبى - صلى الله عليه وسلم - : أرحم أمتى بأمتى أبو بكر ، وأقواهم ~~فى الله عمر ، وأصدقهم حياء عثمان ، وأقضاهم على ، وأمين أمتى أبو عبيدة بن ~~الجراح ، وأعلم أمتى بالحلال معاذ بن جبل ، وأقرؤهم أبى موسى ، وأفرضهم زيد ~~) . وقال عليه السلام فى حديث آخر : ( ما أظلت الخضراء ولا قلت الغبراء ~~أصدق لهجة من أبى ذر ) فأثنى عليهم بالحق وعرف أمته بفضائلهم ، وقال لبى ~~بكر الصديق حين قال له : إزارى سقط من أحد شقية : ( لست منهم ) فدل هذا كله ~~أن المدح بالحق جائز وأن الذى لا يجوز من ذلك إنما هو المدح بالكذب أو ~~القصد بالمدح إلى جهة الإعجاب والفخر وإن كان حقا ، والله الموفق . # | 53 - باب قوله تعالى : { إن الله يأمر بالعدل والإحسان } الآية وقال : ~~{ إنما بغيكم على أنفسكم } { ثم بغى عليه لينصرنه الله } وترك إثارة الشر ~~على مسلم أو كافر # / 85 - فيه : عائشة ، أن النبى عليه السلام سحره لبيد بن أعصم اليهودية ، ~~فى مشط ومشاقة فى بئر ذروان ، فأمر النبى عليه السلام فأخرج ، فقلت : ~~PageV09P256 يا رسول الله : هلا تنشرت ، فقال : ( أما الله فقد شفانى ، ~~وأكره أن أثير على الناس شرا ) . قال المؤلف : تأول البخارى من هذه الآيات ~~التى ذكرها ترك إثارة الشر على مسلم أو كافر دل عليه حديث عائشة ، ووجه ذلك ~~- والله أعلم - أنه تأول فى قوله تعالى : ( إن الله يأمر بالعدل والإحسان ) ~~الندب إلى الإحسان إلى المسىء وترك معاقبة على إساءته ، فإن قيل : فكيف يصح ~~هذا التأويل فى آيات البغى التى ذكرها ؟ قيل : فكيف يصح هذا التأويل فى ~~آيات البغى التى ذكرها ؟ قيل : وجه ذلك - والله أعلم - أنه لما أعلم الله ~~عباده أن البغى ينصرف على الباغى بقوله : ( إنما بغيكم على أنفسكم ) وضمن ~~تعالى نصره لمن بغى عليه بقوله تعالى : ( ثم بغى عليه لينصرنه الله ) كان ~~الأولى لمن بغى عليه _ شكر الله ms3208 على ما ضمن من نصره ومقابلة ذلك بالعفو عمن ~~بغى عليه ، وكذلك فعل النبى باليهودى الذى سحره حين عفا عنه ، وقد كان له ~~الانتقام بقوله : ( وإن عاقبتم فعاقبوه بمثل ما عوقبتم به ) لكن آر الصفح ~~عنه أخذا بقوله تعالى : { ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور } وكذلك ~~أخبرت عائشة عنه عليه السلام أنه كان لاينتقم لنفسه ، ويعفو عمن ظلمه . ~~وللسلف فى قوله : ( إن الله يأمر بالعدل والإحسان ) أقوال أكثرها يخالف قول ~~البخارى ، فقال ابن عباس : PageV09P257 العدل شهادة أن لا إله ألا الله ، ~~والإحسان أداء الفرائض . وقال غيره : العدل الفرض ، واإحسان النافلة ، وقال ~~ابن عيينه : العدل هاهنا العلانية . وقال ابن مسعود : أجمع آية فى القراآن ~~لخير أو شر : ( إن الله يأمركم بالعدل والإحسان ) الآية . ويمكن أن يتخرج ~~تأويل البخارى على هذا القول . وقوله : ( وينهى عن الفحشاء والمنكر ) يعنى ~~عن كل فعل أو قول قبيح ، وقال ابن عباس : هو الزنا . والبغى : قيل : هو ~~الكبر والظلم ، وقيل : هو التعدى ومجاوزة الحد . وقال ابن عيينه : ( إنما ~~بغيكم على أنفسكم متاع الحياة الدنيا ) المراد بها أن البغى تعجل عقوبته ~~لصاحبه فى الدنيا يقال : البغى مصرعه . # | 54 - باب : ما نهى عنه من التحاسد والتدابر وقوله تعالى : { ومن شر ~~حاسد إذا حسد } # / 86 - فيه : أبو هريرة ، قال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( إياكم ~~والظن ، فإن الظن أكذب الحديث ، ولا تحسسوا ولا تجسسوا ، ولا تحاسدوا ، ولا ~~تدابروا ، ولا تباغضوا ، وكونوا عباد الله إخوانا ) . في هذا الحديث : ~~الأمر ( بالصحبة والألفة ) والنهي عن PageV09P258 | التباغض والتدابر ، وما ~~أمرهم النبى عليه السلام فعليهم العمل به ومانهاهم عنه فعليهم الانتهاء عنه ~~، غير موسع عليهم مخالفة إلا أن يخبرهم عليه السلام أن مخرج أمره لهم ونهيه ~~على وجه الندب والإرشاد ، وقد تقدم فى باب الحب فى الله قوله - صلى الله ~~عليه وسلم - : ( والذى نفسى بيده لاتدخلون الجنة حتى تؤمنوا ، ولاتؤمنوا ~~حتى تحابوا ) . فذلك أن أمره عليه السلام ونهيه فى هذا الحديث على الوجوب ، ~~وقال أبو الدرداء : ( ألا أخبركم بخير لكم من الصدقة والصيام ms3209 : صلاح ذات ~~البين ، وإن البغضة هى الحالقة ) لأن فى تباغضهم افتراق كلمتهم وتشتت أمرهم ~~، وفى ذلك ظهور عدوهم عليهم ودروس دينهم . وفيه : النهى عن الحسد على النعم ~~، وقد نهى الله عباده المؤمنين عن أن يتمنوا مافضل الله به بعضهم على بعض ~~وأمرهم أن يسألوه من فضله ، وقد أجاز النبى الحسد فى الخير ، وسيأتى هذا ~~المعنى فى كتاب التمنى ، إن شاء الله تعالى . وفيه : النهى عن التجسس وهو ~~البحث عن باطن أمور الناس وأكثر ما يقال ذلك فى السر . وقال ابن الأعرابى ~~وأبو عمرو الشيبانى : الجاسوس : صاحب سر ، والناموس : صاحب سر الخير . وقال ~~سليمان الخطابى : وأما التحسس بالحاء فقد اختلف فى تفسيره فقال بعضهم : هو ~~كالتجسس سواء ، وقرأ الحسن : ولا تحسسوا . PageV09P259 ومنهم من فرق بينهما ~~، وروى الأوزاعى عن يحى بن أبى كثير أنه قال : التجسس : البحث عن عورات ~~المسلمين ، والتحسس : الاستماع لحديث القوم . وقال أبو عمر : التحسس بالحاء ~~أن تطلبه لنفسك ، وبالجيم أن تكون رسولا لغيرك . وقال صاحب العين : دابرت ~~الرجل : عاديته ، ومنه قولهم جعلته دبر أذنى أى خلفها . # | 55 - باب قوله تعالى : { يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا } الآية # / 87 - فيه : أبو هريرة ، قال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( إياكم ~~والظن ، فإن الظن أكذب الحديث ، ولا تحسسوا ولا تجسسوا . . . ) الحديث . / ~~88 - وفيه : أنس ، أن النبى - صلى الله عليه وسلم - قال : ( لا تباغضوا ، ~~ولا تحاسدوا . . . ) الحديث . قال أبو سليمان الخطابى : قوله : ( إياكم ~~والظن ) فإنه أراد النهى عن تحقيق ظن السوء وتصديقه دون مايهجس بالقلب من ~~خواطر الظنون فإنها لاتملك ، قال الله تعالى : { إن بعض الظن أثم } فلم ~~يجعل الظن كله إثما . قال غيره : فنهى عليه السلام أن تحقق على أخيك ظن ~~السوء إذا كان الخير غالبا عليه . وروى عن عمر أنه قال : لايحل لمسلم يسمع ~~من أخيه كلمة أن يظن بها سوء وهو يجد لها فى شىء من الخير مصدرا . وقال ~~PageV09P260 علي بن أبي طالب : من علم من أخيه مروءه جميله فلا يسمعن فيه ~~مقالات الرجال ، ومن حسنت علانيته فنحن لسريرته أرجى ms3210 . وروى معمر عن ~~إسماعيل بن أمية قال : ثلاث لايعجزن ابن آدم ، الطيرة ، وسوء الظن والحسد . ~~قال : فينجيك من سوء الظن أن لا تتكلم به ، وينجيك من الحسد أن لا تبغى ~~أخاك سوءا وينجيك من الطيرة أن لا تعمل بها . فإن قال قائل : لى فى حديث ~~أنس ذكر الظن فكيف ذكره فى هذا الباب ؟ ! . قال المهلب : فالجواب أن ~~التباغض والتحاسد أصلهما سوء الظن ، وذلك أن المباغض والمحاسد يتأول أفعال ~~من يبغضه ويحسده على أسوأ التأويل ، وقد أوجب الله تعالى أن يكون ظن المؤمن ~~بالمؤمن حسنا أبدا إذ يقول : لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات ~~بأنفسهم خيرا فإذا جعل الله سوء الظن بالمؤمنين إفكا مبينا فقد الزم أن ~~يكون حسن الظن بهم صدقا بينا والله الموفق . # | 56 - باب ما يجوز من الظن # / 89 - فيه : عائشة ، قال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( ما أظن فلانا ~~وفلانا يعرفان من ديننا شيئا ) . قال الليث : كانا رجلين من المنافقين . ~~وقال مرة : ( ما أظن فلانا وفلانا يعرفان ديننا الذي نحن عليه ) . ~~PageV09P261 قال المؤلف : سوء الظن جائز عن أهل العلم لمن كان مظهرا للقبيح ~~وجانبا لأهل الصلاح وغير مشاهد للصلوات فى الجماعة ، وقد قال ابن عمر : كنا ~~إذا فقدنا الرجل فى صلاة العشاء والصبح أسأنا الظن به . وأما قول النبى : ( ~~ماأظن فلانا وفلانا يعرفان ديننا ) فى رجلين من المنافقين ، فإن الظن هاهنا ~~بمعنى اليقين ؛ لأنه كان يعرف المنافقين حقيقة بإعلام الله له بهم فى سورة ~~براءة . وقال ابن عباس : كنا نسمى سورة براءة : الفاضحة . قال ابن عباس : ~~ما زالت تنزل ( ومنهم . . ) ( ومنهم . . ) حتى خشينا . لأن الله تعالى قد ~~حكى فيها اقوال المنافقين وأذاهم للنبى عليه السلام ولمزاهم فى الصدقات ~~وغيرها ، إلا أن الله لم يأمره بقتلهم ، ونحن لانعلم بالظن مثل ماعلمه ~~النبى - عليه السلام لأجل نزول الوحى عليه ، فلم يجب لنا القطع على الظن ~~غير أنه من ظهر منه فعل منكر فقد عرض نفسه لسوء الظن والتهمة فى دينه فلا ~~حرج على من أساء به الظن . # | 57 - باب ms3211 : ستر المؤمن على نفسه # / 90 - فيه : أبو هريرة ، قال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( كل أمتى ~~معافى إلا المجاهرين ، وإن من المجاهرة أن يعمل الرجل بالليل عملا ، ثم ~~يصبح وقد ستره الله عليه ، فيقول : يا فلان ، عملت البارحة كذا وكذا ، وقد ~~بات يستره ربه ، فيصبح يكشف ستر الله عليه ) . PageV09P262 / 91 - وفيه : ~~ابن عمر : أن رجلا سأله كيف سمعت النبى ، عليه السلام ، يقول فى النجوى ؟ ~~قال : ( يدنو أحدكم من ربه حتى يضع كنفه عليه ، فيقول : عملت كذا وكذا ؟ ~~فيقول : نعم ، فيقرره ، ثم يقول : إنى سترت عليك فى الدنيا ، وأنا أغفرها ~~لك اليوم ) . قال المؤلف : وروى عن ابن مسعود أنه قال : ماستر الله على عبد ~~فى الدنيا إلا ستر عليه فى الآخرة . وهذا مأخوذ من حديث النجوى . وقال ابن ~~عباس فى قوله تعالى : ( وأسبغ عليكم نعمة ظاهرة وباطنه ) قال : أما الظاهرة ~~بالإسلام وماحسن من خلقك وافضل عليك من الرزق ، وأما الباطنة فما ستر عليك ~~من الذنوب والعيوى . وفى ستر المؤمن على نفسه منافع . منها : أنه إذا اختفى ~~بالذنب عن العباد لم يستخفوا به ولا استذلوه ؛ لأن المعاصى تذل أهلها . ~~ومنها : أنه كان ذنبا يوجب الحد سقطت عنه المطالبة فى الدنيا . وفى ~~المجاهرة بالمعاصى استخفاف بحق الله وحق رسوله وضرب من العناد لهما فلذلك ~~قال عليه السلام : ( كل أمتى معافى إلا المجاهرون ) . قال المهلب : , اما ~~قوله فى حديث النجوى : ( يدنو أحدكم من ربه ) فقال ابن فورك : معناه يقرب ~~من رحمته وكرامته ولطفه لاستحالة حمله على قرب المسافة والنهاية إذ لايجوز ~~ذلك على الله ؛ لأنه لا PageV09P263 يحويه مكان ، ولايحيط به موضع ، ولاتقع ~~عليه الحدود ، والعرب تقول : فلان قريب من فلان يريدون قرب المنزلة وعلو ~~الدرجة عنده . وأما قوله : ( فيضع الجبار عليه كنفه ) فإنه يبين ما أشرنا ~~اليه فى معنى الدنو أنه على تأويل قرب المنزلة والدرجة ، وذلك أن لفظ الكنف ~~إنما يستعمل فى مثل هذا المعنى ، ألا ترى أنه يقال : أنا فى كنف فلان إذا ~~أراد أن يعرف إسباغ فضله عليه وتوقيره عنده . وقال ms3212 مهلب : عبر عليه السلام ~~بالكنف عن ترك إظهار جرمه للملائكة وغيرهم بإدامة الستر الذى من به على ~~العبد فى الدنيا ، وجعله سببا لمغرفته له فى الآخرة ، ودليلا للمذنب على ~~عفوه ، وتنبيها له على نعمة الخلاص من فضيحة الدنيا وعقوبة الآخرة التى هى ~~اشد من عقوبة الدنيا ، لقوله تعالى : ( ولعذاب الآخرة أشد وأبقي ) فيشكر ~~ربه ويذكر وهذا الحديث كقوله تعالى : ( إن رحمتى سبقت غضبى ) لأن تأخير ~~غضبه عنه عند مجاهرة ربه بالمعصية ، وهو يعلم أنه لاتخفى عنه خافية مما ~~يعلم بصحيح النظر أنه لم يؤخر عقوبته عنه لعجز عن إنفاذها عليه إلا لرحمته ~~التى حكم لها بالسبق لغضبه ؛ إذ ليس من صفة رحمته التى وسعت كل شىء أن تسبق ~~فى الدنيا بالستر من الفضيحة ويسبقها الغضب فى ذلك الذنب فى الآخرة ، فإذا ~~لم يكن بد من تغليب الرحمة على الغضب فليبشر المذنبون المستترون بسعة رحمة ~~الله ، وليحذر المجاهرون بالمعاصى من وعيد الله النافذ على من شاء من عباده ~~. وفى قوله تعالى : ( سترتها عليك فى الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم ) ~~PageV09P264 نص منه تعالى على صحة قول أهل السنة فى ترك إنفاذ الوعيد على ~~العصاة من المؤمنين ، والحجة فيه من طريق النظر أنه ليس مذموما من وجب له ~~حق على غيره فوهبه له ، والمرء قد يقول لعبده : إن صنعت كذا عاقبتك بكذا ~~على معنى أنك إن أتيت هذا الفعل كنت مستحقا عليه هذه المعاقبة ، لإذا جنى ~~العبد تلك الجناية كان السيد مخيرا فى حق نفسه إن شاء أمضاه وإن شاء تركه ، ~~وإذا قال : إن فعلت كذا وكذا فلك على كذا وكذا ففعل ماكلفه لم يجز أن يخلفه ~~بما وعده ؛ لأن فى تمام الوعد حقا للعبد ، وليس لأحد أن يدع حق غيره كما له ~~أن يدع حق نفسه . والعرب تفتخر بخلف الوعيد ، ولو مذموما لما جاز أن تفتخر ~~بخلفه وتمتدح به ، أنشد أبو عمرو الشيبانى : إنى متى أوعدته ووعدته لمخلف ~~إيعادى ومنجز موعدى قال المهلب : فإن أخذ الله المنفذين للوعيد بحكمهم ~~أنفذه عليهم دون ms3213 غيرهم لقطعهم على الله الواسع الرحمة بإنفاذه الوعيد لظنهم ~~بالله ظن السوء فعليهم دائرة السوء ، وكان لهم عند ظنهم كما وعد فقال : ( ~~أنا عند ظن عبدى بى فليظن بى ما شاء ) . # | 58 - باب : الكبر # وقال مجاهد : { ثانى عطفه } [ الحج : 9 ] : مستكبر فى نفسه ، عطفه : ~~رقبته / 92 - فيه : حارثة بن وهب ، قال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( ~~ألا أخبركم بأهل PageV09P265 الجنة ؟ كل ضعيف متضاعف ، لو أقسم على الله ~~لأبره ، ألا أخبركم بأهل النار ؟ كل عتل جواظ مستكبر ) . / 93 - فيه : أنس ~~قال : أنس ، قال : كانت الأمة من إماء أهل المدينة لتأخذ بيد النبى عليه ~~السلام فتنطلق به حيث شاءت . قال المؤلف : روى شعبة عن على بن زيد ، عن أنس ~~زيادة فى هذا الحديث قال : ( إن كانت الوليدة من ولائد المدينة لتأخذ بيد ~~النبى عليه السلام فما ينزع يدها من يده حتى تكون هى تنزعها ) . وروى شعبة ~~عن أبان بن تغلب ، عن فضيل الفقيمى عن النخعى ، عن عقلمة ، عن عبد الله ، ~~عن النبى عليه السلام قال : ( لا يدخل الجنة من كان فى قلبه مثقال ذرة من ~~كبر . فقال رجل : إن الرجل ليحب أن يكون ثوبه حسنأط ونعله حسنأط ، قال : إن ~~الله جميل يحب الجمال ، الكبر بطر الحق وغمص الناس ) . روى عبد الله بن ~~عمرو بن العاص عن النبى عليه السلام قال : ( إن المستكبرين يحشرون يوم ~~القيامة أشباه الذر على صور الناس ، يعلوهم كل شىء من الصغار ، يساقون حتى ~~يدخلون سجنا فى النار يسقون من طينه الخبال : عصارة أهل النار ) . قال ~~الطبرى : فإن قيل : قد وصف النبى عليه السلام العتل الجواظ المستكبر أنه من ~~أهل النار فبين تكبره على من هو ؟ قيل : هو الذى باطنه منطو على الكبر على ~~الله ، فهذا كافر لاشك فى كفره ، وذلك هو الكبر الذى عناه النبي صلى الله ~~عليه وسلم بقوله PageV09P266 في حديث ابن مسعود : ( لايدخل الجنة من كان فى ~~قلبه مثقال حبة من كبر ) . فإن قيل : فقد وصفت الكبر بغير ماوصفه به النبى ~~عليه السلام وذلك أنك رويت ms3214 عنه أنه قال : ( الكبر من سفه الحق وغمص الناس ~~وأزدراء الحق ووصفت أنت الكبر بأنه التكبر على الله ) . قيل : الكبر الذى ~~وصفناه هو خلاف خشوع القلب لله تعالى ولا ينكر أن يكون من الكبر ما هو ~~استكبار على غير الله ، والذى قلنا من معنى الكبر على الله فإنه غير خارج ~~من معنى مارويناه عنه عليه السلام أنه : ( غمص الناس وازدراء الحق ) وذلك ~~أن معتقد الكبر على ربه لاشك أنه للحق مزدر وللناس أشد استحقارا . ومما يدل ~~على أن المراد يمعنى الآثار فى ذلك عن النبى عليه السلام ماقلناه ماحدثناه ~~يونس ، عن ابن وهب ، عن عمرو بن الحارث أن دراجا أبا السمح حدثه عن أبى ~~الهيثم ، عن أبى سعيد الخدرى ، عن رسول الله قال : ( من تواضع لله درجة ~~رفعه الله درجة ، ومن تكبر على الله درجة يضعه الله درجة حتى يجعله فى أسفل ~~سافلين ) فلدل هذا الحديث أن غمص الحق وحقر الناس استكبارا على الله . وقد ~~روى حماد بن سلمة عن قتادة ، و على بن زيد عن سعيد بن المسيب ، عن أبى ~~هريرة ، عن النبى عليه السلام فيما حكى عن ربه تعالى قال : ( الكبرياء ~~ردائى فمن نازعنى ردائى قصمته ) PageV09P267 فالمستكبر على الله تعالى لاشك ~~أنه منازعه رداءه ، ومفارق دينه ، وحرام عليه جنته كما قال عليه السلام أنه ~~: ( لا يدخلها إلا نفس مسلمة ) ومن لم يخشع لله قلبه عليه مستكبر ؛ إذ معنى ~~الخشوع التواضع وخلاف الخشوع والتواضع التكبر والتعظم ، فالحق لله على كل ~~مكلف إشعار قلبه الخشوع بالذلة والاستكانة له بالعبودية خوف أليم عقابه ، ~~وقد روى عن محمد بن على أنه قال : ( ما دخل قلب أمرىء شىء من الكبر إلا نقص ~~من عقله قل ذلك أو كثر ) . وقد تقدم تفسير العتل والجواظ فى باب قول الله ~~تعالى : ( واقسموا بالله جهد أيمانهم ) فى كتاب الأيمان والنذور . # | 59 - باب الهجرة # وقول الرسول - صلى الله عليه وسلم - : ( لا يحل لرجل أن يهجر أخاه فوق ~~ثلاث ) . / 94 - فيه : عائشة أن عبدالله بن الزبير ، قال فى بيع ms3215 أو عطاء ~~أعطته عائشة : والله لتنتهين عائشة أو لأحجرن عليها ، فقالت : أهو قال هذا ~~؟ قالوا نعم ، قالت : هو لله على نذر أن لا أكلم ابن الزبير أبدا ، فاستشفع ~~ابن الزبير إليها حين طالت الهجرة ، فقالت : لا ، والله لا أشفع فيه أبدا ، ~~ولا أتحنث إلى نذرى ، فلما طال ذلك على ابن الزبير كلم المسور بن مخرمة ~~وعبدالرحمن بن الأسود بن عبديغوث - وهما من بنى زهرة - وقال لهما : أنشدكما ~~بالله لما أدخلتمانى على عائشة ، فإنها لا يحل لها أن تنذر قطيعتى ، فأقبل ~~به المسور وعبدالرحمن مشتملين بأرديتهما PageV09P268 حتى استأذنا على عائشة ~~، فقالا : السلام عليك ورحمة الله وبركاته ، أندخل ؟ قالت عائشة : ادخلوا ، ~~قالوا : كلنا ؟ قالت : نعم ، ادخلوا كلكم ، ولا تعلم أن معهما ابن الزبير ، ~~فلما دخلوا دخل ابن الزبير الحجاب ، فاعتنق عائشة ، وطفق يناشدها ويبكى ، ~~وطفق المسور وعبدالرحمن يناشدانها إلا ما كلمته وقبلت منه ، ويقولان إن ~~النبى - صلى الله عليه وسلم - نهى عما قد علمت من الهجرة ، فإنه لا يحل ~~لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث ليال ، فلما أكثروا على عائشة من التذكرة ~~والتحريج ، طفقت تذكرهما نذرها ، وتبكى وتقول : إنى نذرت ، والنذر شديد ، ~~فلم يزالا بها حتى كلمت ابن الزبير ، وأعتقت فى نذرها ذلك أربعين رقبة ، ~~وكانت تذكر نذرها بعد ذلك فتبكى حتى تبل دموعها خمارها . / 95 - وفيه : أنس ~~، قال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( لا تباغضوا ، ولا تحاسدوا ، ولا ~~تدابروا ، وكونوا عباد الله إخوانا ، ولا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث ~~ليال يلتقيان فيعرض هذا ، ويعرض هذا وخيرهما الذى يبدأ بالسلام ) . قال ~~الطبرى : فى حديث أنس وأبى أيوى البيان الواضح أنه غير جائز لمسلم أن يهجر ~~مسلما أكثر من ثلاثة أيام ، وأنه إن هجره أكثر من ثلاثة أيام أثم ، وكان ~~أمره إلى الله إن شاء عذبع وإن شاء شاء عفا عنه ؛ لأنه عليه السلام أخبر ~~أنه لا يحل ذلك ومن فعل ماهو محظور عليه فقد اقتحم حمى الله وانتهك حرمته . ~~وفيه دليل هجرته دون ثلاث أيام مباح لهما ولاتبعه عليهما فيها ms3216 . وقال غيره ~~: تجاوز الله لهما عما يعرض لهما من ذلك فى ثلاثة PageV09P269 أيام لما فطر ~~الله العباد عليه من ضعف الحيلة ، وضيق الصدر وحرم عليهما مازاد على الثلاث ~~؛ لأنه من الغل الذى لا يحل . وروى عيسى عن ابن القاسم فى الرجل يهجر أخاه ~~إلا أنه يسلم عليه من غير أن يكلمه بغير السلام هل يبرأ من الحناء ؟ فقال : ~~سمعت مالكا يقول : إن كان مؤذيا له برىء من الشحناء ، وإن كان غير مؤذ فلا ~~يبرأ من الشحنا . وقاله أحمد بن حنبل . وروى ابن وهب عن مالك قولا آخر : ~~إذا سلم عليه فقد قطع الهجرة ، وقوله عليه السلام : ( وخيرهما الذى يبدأ ~~بالسلام ) حجة لهذا القول . وقيل لابن القاسم : هل ترى شهادته عليه جائزة ~~باجتنابه كلامه وهو غير مؤذ له ؟ قال : لا تقبل شهادته عليه . قال الطبرى : ~~فإن قيل : فما أنت قائل فى حديث عائشة حين هجرت عبد الله بن الزبير وحلفت ~~أن لا تكلمه أبدا فتحمل عليها بالشفعاء حتى كلمته ؟ قال : معنى الهجرة هو ~~ترك الرجل كلام أخيه مع تلاقيهما واجتماعهما وإعراض كل واحد منهما عن صاحبه ~~مصارمة له وتركه السلام عليه وذلك أن من حق المسلم على المسلم إذا تلاقيا ~~أن يسلم كل واحد منهما على صاحبه ، فإذا تركا ذلك بالمصارمة فقد دخلا فيما ~~حظر الله ، واستحقا العقوبة إن لم يعف الله عنهما . فعائشة لم تكن ممن يلقى ~~ابن الزبير فتعرض عن السلام عليه صرما له ، وإنما كانت من وراء حجاب ، ولا ~~يدخل عليها أحد إلا بإذن ، PageV09P270 وكان لها منع ابن الزبير دخول ~~منزلها ، وليس من الهجرة المنهى عنها ، كما لو كانت فى بلدة وهو فى أخرى لا ~~يتلتقيان لم يكن ذلك من الهجرة التى يأثمان بتركهما الاجتماع ، وإن مرت ~~أعوام كثيرة ، ولم يكونا يجتماعان فيعرض أحدهما عن صاحبه . ويبين صحة ~~ماقلناه قوله فى حديث أبى أيوى : ( لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث ~~يلتقيان فيعرض هذا ويعرض هذا ) ، فأخبر عليه السلام بسبب حظر الله تعالى ~~هجرة المسلم أخاه إنما ms3217 ذلك من أجل تضييعهما ماأوجب الله عليهما عن تلاقيهما ~~فإذا لم يلتقيا فيفرط كل واحد منهما فى واجب أخيه عليه ، وذلك بعيد من معنى ~~الهجرة . وقد تأول غير الطبرى فى هجرة عائشة لابن الزبير وجها آخر فقال : ~~إنما ساغ لعائشة ذلك ؛ لأنها أم المؤمنين وواجب توقيرها وبرها لجميع ~~المؤمنين ، وتنقصها كالعقوق لها فهجرت ابن الزبير أدبا له ، ألا ترى أنه ~~لما نزع عن قوله ، وندم عليه وتشفع اليها رجعت إلى مكالمته وكفرت يمينها ، ~~وهذا من باب إباحة هجران من عصى والإعراض عنه حتى يفىء إلى الواجب عليه . # | 60 - باب ما يجوز من الهجران لمن عصى # وقال كعب حين تخلف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ونهى الرسول - صلى ~~الله عليه وسلم - المسلمين عن كلامنا وذكر خمسين ليلة . / 96 - فيه : عائشة ~~، أن النبى - صلى الله عليه وسلم - قال : ( إنى لأعرف غضبك PageV09P271 ~~ورضاك ) ، قلت : وكيف تعرف ذاك يا رسول الله ؟ قال : ( إنك إذا كنت راضية ، ~~قلت بلى ، ورب محمد ، وإذا كنت ساخطة ، قلت : لا ورب إبراهيم ) ، قالت : ~~قلت : أجل لست أهاجر إلا اسمك . قال المهلب : غرضه فى كتاب هذا الباب أن ~~يبين صفة الهجران الجائز وأن ذلك متنوع على قدر الإجرام ، فمن كان جرمه ~~كبيرا فينبغى هجرانه واجتنابه وترك مكالمته كما جاء فى أمر كعب بن مالك ~~وصاحبيه ، وماكان من المغاضبة بين الأهل والإخوان فالهجران الجائز فيهما ~~هجران التحية والتسمية وبسط الوجه كما فعلت عائشة فى مغاضبتها مع رسول الله ~~. قال الطبرى : وفى حديث كعب بن مالك أصل فى هجران أهل المعاصى والفسوق ~~والبدع ، ألا ترى أنه عليه السلام نهى عن كلامهم بتخلفهم عنه ، ولم يكن ذلك ~~كفرا ولا ارتدادا ، وإنما كان معصية ركبوها ، فأمر بهجرتهم حتى تاب الله ~~عليهم ، ثم أذن فى مراجعتهم ، فكذلك الحق فيمن أحداث ذنبا خالف به أمر الله ~~ورسوله فيما لا شبهة فيه ولا تأويل ، أو ركب معصية على علم أنها معصية لله ~~أن يهجر غضبا لله ورسوله ، ولا يكلم حتى يتوب وتعلم توبته علما ظاهرا كما ms3218 ~~قال فى قصة الثلاثة الذين خلفوا . فإن قيل : فيحرج مكلم أهل المعاصى والبدع ~~على كل وجه ؟ قيل : إن كلمهم بالتقريع لهم والموعظة والزجر لهم عما يأتونه ~~لم يكن حرجا فإن كلمهم على غير ذلك خشيت أن يكون إثما ، إلا من أمر لا يجد ~~من كلامه فيه بدا فيكلمه وهو كاره لطريقته وعليه PageV09P272 واجد كالذى ~~كان من أبى قتادة فى كعب بن مالك إذ ناشده الله هل تعلم أنى أحب الله ~~وروسوله ؟ كل ذلك لا يجيبه ، ثم أجابه أن قال : الله ورسوله أعلم ، ولم ~~يزده على ذلك . فإن قيل : إنك تبيح كلام أهل الشرك بالله ، ولاتوجب على ~~المسلمين هجرتهم فكيف ألزمتنا هجرة أهل البدع والفسوق ، وهم بالله وروسوله ~~مقرون ؟ قيل : إن حظرنا ماحظرنا وإطلاقنا ماأطلقناه لم يكن إلا عن أمر من ~~لا يسعنا خلاف أمره ، وذلك لنهيه عليه السلام عن كلام النفر المتخلفين عن ~~تبوك وهم بوحدانية الله مقرون ونبوة نبيه مصدقون وأما المشركون فإنما أطلقت ~~لأهل الإيمان كلامهم لإجماع الجميع على إجازتهم البيع والشراء منهم والأخذ ~~والإعطاء ، وقد يلزم من هجرة كثير من المسلمين فى بعض الأحوال مالايلزم من ~~هجرة كثير من أهل الكفر . وذلك أنهم أجمعوا على أن رجلا من المسلمين لو ~~لزمه حد من حدود الله فى غير الحرم ثم استعاذ بالحرم أنه لا يبايع ولايكلم ~~ولايجالس حتى يخرج من الحرم فيقام عليه حد الله تعالى ولله أحكام فى خلقه ~~جعلها بينهم مصلحة لهم هو أعلم بأسبابها وعليهم التسليم لأمره فيها ؛ لأن ~~الخلق والأمر لله ، تبارك الله رب العالمين . PageV09P273 # | 61 - باب هل يزور صاحبه كل يوم أو بكرة وعشيا # / 97 - فيه : عائشة ، قالت : لم أعقل أبوى إلا وهما يدينان الدين ، ولم ~~يمر عليهما يوم إلا يأتينا فيه النبى عليه السلام طرفى النهار بكرة وعشية ، ~~فبينما نحن جلوس فى بيت أبى بكر فى نحر الظهيرة ، قال قائل : هذا رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - ، فى ساعة لم يكن يأتينا فيها . . . . الحديث . قال ~~المؤلف : فى هذا الحديث جواز زيارة الصديق ms3219 الملاطف مرتين كل يوم ، وليس - ~~بمعاض لحديث أبى هريرة أن النبى عليه السلام قال : ( زد غبا تزدد حبا ) ~~ذكره أبو عبيد فى كتاب الأمثال ، وإنما فى قوله هذا إعلام منه عليه السلام ~~أن إغاب الزيارة أزيد فى المحبة وأثبت للمودة ؛ لأن مواترة الزيارة ~~والإكثار منها ربما أدت إلى الضجر ، وأبدت أخلاقا كامنة لا تظهر عند ~~الإغباب فآلت إلى البغضة ، وكانت سببا للقطيعة أو للزهد فى الصديق . وفى ~~حديث عائشة فى هذا الباب جواز الصديق الملاطف لصديقه كل يوم على قدر حاجته ~~إليه والانتفاع به فى مساركته له ، فهما حديثان مختلفان لك منهما معنى غير ~~معنى صاحبه وليسا بمتعاضين . # | 62 - باب : الزيارة ومن زار قوما فطعم عندهم # وزار سلمان أبا الدرداء فى عهد النبى عليه السلام فأكل عنده . / 98 - فيه ~~: أنس ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - زار أهل بيت من الأنصار ، ~~فطعم عندهم PageV09P274 طعاما ، فلما أراد أن يخرج أمر بمكان من البيت ، ~~فنضح له على بساط ، فصلى عليه ، ودعا لهم . قال المؤلف : من تمام الزيارة ~~إطعام الزائر ماحضر واتحافه بما تيسر وذلك من كريم الأخلاق ، وهو ممايثبت ~~المودة ويؤكد المحبة . وفيه : أن الزائر إذا أكرمه المزور أنه ينبغى له أن ~~يدعو له ولأهل بيته ويبارك فى طعامهم وفى رزقهم . # | 63 - باب من تجمل للوفود # / 99 - فيه : يحيى بن أبى إسحاق ، قال : قال لى سالم بن عبد الله : ما ~~الإستبرق ؟ قلت : ما غلظ من الديباج وخشن منه ، قال : سمعت عبدالله ، يقول ~~: رأى عمر على رجل حلة من إستبرق ، فأتى بها النبى - صلى الله عليه وسلم - ~~، فقال : يا رسول الله ، اشتر هذه ، فالبسها لوفد الناس إذا قدموا عليك ، ~~فقال : ( إنما يلبس الحرير من لا خلاق له . . . . ) الحديث . قال المؤلف : ~~فيه : جواز تجمل الخليفة والإمام للوفود القادمين عليه بحسن الزى وجميل ~~الهيئة ألا ترى قول عمر للنبى : ( اشتر هذه فالبسها لوفد الناس إذا قدموا ~~عليك ) وهذا يدل أن عادة النبى كانت جارية بالتجمل لهم ، فينبغى الاقتداء ~~بالنبى فى ذلك ، ففيه تفخيم الإسلام ms3220 ومباهته للعدو وغيظ الكفار . وقد تقدم ~~فى كتاب اللباس ماللعلماء فى لباس الحرير . PageV09P275 # | 64 - باب : الإخاء والحلف # وقال أبو جحيفة : آخى النبى عليه السلام بين سلمان وأبى الدرداء . وقال ~~عبدالرحمن بن عوف : لما قدمنا المدينة آخى النبى عليه السلام بينى وبين سعد ~~بن الربيع . / 100 - فيه : أنس ، قدم علينا عبدالرحمن بن عوف ، فآخى النبى ~~عليه السلام بينه وبين سعد بن الربيع . / 101 - وفيه : عاصم ، قلت لأنس بن ~~مالك : أبلغك أن النبى عليه السلام قال : ( لا حلف فى الإسلام ) ؟ فقال : ~~قد حالف النبى عليه السلام بين قريش والأنصار فى دارى . قال المؤلف : آخى ~~النبى بين المهاجرين والأنصار أول قدومه المدينة وحالف بينهم ، وكانوا ~~يتوارثون بذلك الإخاء والحلف دون ذوى الرحم ، قال سعيد بن الجبير : وقد ~~عاقد أبو بكر رجلا فورثه . قال الحسن : كان هذا قبل آية المواريث ، وكان ~~أهل الجاهلية يفعلون ذلك . وقال ابن عباس : فلما نزلت : { ولكل جعلنا موالى ~~مما ترك الوالدان } يعنى : ورثه ، ونسخت ثم قال : { والذين عقدت أيمانهم ~~فآتوهم نصيبهم } يعنى : من النصر والرفادة والنصيحة . وقد ذهب الميراث . ~~قال الطبرى : لا يجوز الحلف اليوم فى الإسلام لما حدثنا به أبو كريب وغيره ~~قالا : حدثنا محمد بن بشير ، حدثنا زكريا بن أبى زائدة ، حدثنا سعد بن ~~إبراهيم ، عن أبيه ، عن جبير بن مطعم ، عن النبى عليه السلام أنه قال : ( ~~لا حلف فى الإسلام وما كان من حلف فى الجاهلية فلا يزيده الإسلام إلا شدة ) ~~. وقال ابن عباس : PageV09P276 نسخ الله حلف الجاهلية وحلف الإسلام بقوله : ~~( وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض ) ورد المواريث إلى القرابات . فإن قيل : ~~فما معنى قوله عليه السلام : ( وما كان من حلف فى الجاهلية فلا يزيده ~~الإسلام إلا شدة ) . قيل : الذى أمر به النبى عليه السلام - بالوفاء به من ~~ذلك هو ما لم ينسخه الإسلام ولم يبطله حكم القرآن ، وهو التعاون على الحق ~~والنصرة على الأخذ على يد الظالم الباغى . # | 65 - باب : التبسم والضحك # وقالت فاطمة : أسر إلى النبى - عليه السلام فضحكت . وقالت فاطمة : أسر ~~إلى النبى ms3221 ، عليه السلام ، فضحكت . ذكر فى هذا الباب أحاديث كثيرة فيها أن ~~النبى عليه السلام ضحك وفى بعضها أنه تبسم وذكر حديث عائشة قالت : ما رأيت ~~النبى - صلى الله عليه وسلم - مستجمعا قط ضاحكا حتى أرى منه لهواته إنما ~~كان يبتسم . وفى حديث أبى هريرة فى الذى وقع على أهله فى رمضان : أنه عليه ~~السلام ضحك حتى بدت نواجذه . والنواجذ آخر الأسنان ، وهى أسنان الحلم عند ~~العرب . فإن قيل : إن هذا الخلاف لما روته عائشة ( أنها لم تره عليه السلام ~~مستجمعا ضاحكا قط حتى تبدو لهواته . ولا تبدو النواجذ على ما قال أبو هريرة ~~إلا عند الاستغراق فى الضحك وظهور اللهوات . PageV09P277 قيل : ليس هذا ~~بخلاف لأن أبا هريرة شهد مالم تشهد عائشة ، وأثبت ماليس فى خبرها ، والمثبت ~~أولى وذلك زيادة يجب الأخذ بها ، وليس فى قول عائشة قطع منها أنه لم يضحك ~~قط حتى تبدو لهواته فى وقت من الأوقات ، وإنما أخبرت بما رأت كما أخبر أبو ~~هريرة بما رأى ، وذلك إخبار عن وقتين مختلفين . ووجه تأويل هذه الآار - ~~والله أعلم - أنه كان عليه السلام فى أكثر أحواله يبتسم ، وكان أيضا يضحك ~~فى أحوال أخر ضحكا أعلى من التبسم ، واقل من الاستغراق الذى تبدو فيه ~~اللهوات ، هذا كان شأنه ، وكان فى النادر عند إفراط تعجبه ربما ضحك حتى ~~تبدو نواجذه ، ويجرى على عادة البشر فى ذلك لأنه قد قال : ( إنما أنا بشر ) ~~فيبين لأمته بضحكة الذى بدت فيه نواجذه أنه غير محرم على أمته ، وبان بحديث ~~عائشة أن التبسم ولاقتصار فى الضحك هو الذى ينبغى لأمته فعله والاقتداء به ~~فيه للزومه عليه السلام له فى أكثر أحواله . وفيه وجه آخر : من الناس من ~~يسمى الأنياب الضواحك نواجذ واستشهد بقول لبيد : وإذا الأسنة اشرعت لنحورها ~~أبرزن حد نواجذ الأنياب فتكون النواجذ الأنياب على معنى إضافة الشىء إلى ~~نفسه ، وذلك جائز إذا اختلف اللفظان كما يجوز عطف الشىء على نفسه إذا اختلف ~~اللفظان ، ومن إضافة الشىء إلى نفسه قوله تعالى : ( ونحن أقرب إليه ms3222 من حبل ~~الوريد ) ( وحب الحصيد ) ، وقولهم : مسجد الجامع ، وقال رؤبة : إذا استعبرت ~~من جفون الأغماد PageV09P278 والجفون على الأغماد وإضافة الشىء إلى نفسه ~~مذهب الكوفيين ، وقد وجدنا أن النواجذ يعبر عنها بالأنيبا فى حديث الذى وقع ~~على أهله فى رمضان وقع فى هذا الباب : ( أن النبى عليه السلام ضحك حتى بدت ~~نواجذه ) ووقع فى كتاب الصيام فى هذا الحديث : ( أنه ضحك حتى بدت أنيابه ) ~~فارتفع اللبس بذلك وزال الاختلاف بين الأحاديث ، وهذا الوجه أولى ، والله ~~أعلم . وهذا الباب يرد ما روى عن الحسن البصرى أنه كان لا يضحك ، وروى جعفر ~~عن أسماء قالت : ما رأيت الحسن فى جماعة ولا فى أهله ولا وحده ضاحك قط إلا ~~مبتسما . ولا أحد زهد كزهد النبى - صلى الله عليه وسلم - وقد ثبت عنه أنه ~~ضحك ، وكان ابن سيرين يضحك ويحتج على الحسن ويقول : الله هو الذى أضحك ~~وأبكى . وكان الصحابة يضحكون ، وروى عبد الرواق ، عن معمر ، عن قتادة قال : ~~سئل ابن عمر هل كان أصحاب النبى عليه السلام يضحكون ؟ قال : نعم ، والإيمان ~~فى قلوبهم أعظم من الجبال . وفى رسول الله واصحابه المهتدين السوة الحسنة . ~~وأما المكروه من هذا الباب فهو الإكثار من الضحك كما قال لقمان لأبنه : ~~يابنى إياك وكثرة الضحك فإنه يميت القلب فلإكثار منه وملازمته حتى يغلب على ~~صاحبه ، مذموم منهى عنه ، وهو من فعل أهل السفه والبطالة . PageV09P279 # | 66 - باب : قوله تعالى : { يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع ~~الصادقين } وما ينهى عنه من الكذب # / 102 - فيه : عبدالله ، عن النبى - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : ( إن ~~الصدق يهدى إلى البر ، وإن البر يهدى إلى الجنة ، وإن الرجل ليصدق حتى يكون ~~صديقا ، وإن الكذب يهدى إلى الفجور ، وإن الفجور يهدى إلى النار ، وإن ~~الرجل ليكذب حتى يكتب عند الله كذابا ) . / 103 - وفيه : أبو هريرة : قال : ~~قال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( آية المنافق ثلاث : إذا حدث كذب ، ~~وإذا وعد أخلف ، وإذا اؤتمن خان ) . / 104 - وفيه : سمرة ، قال : قال النبى ~~- صلى الله عليه ms3223 وسلم - : ( رأيت الليلة رجلين أتيانى ، قالا : الذى رأيته ~~يشق شدقه ، فكذاب يكذب بالكذبة ، تحمل عنه حتى تبلغ الآفاق ، فيصنع به إلى ~~يوم القيامة ) . قال المؤلف : مصداق حديث عبد الله فى كتاب الله : ( إن ~~الأبرار لفى نعيم وإن الفجار لفى جحيم ) والصدق أرفع خلال المؤمنين إلا ترى ~~قوله : ( ياأيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين ) فجعل الصدق ~~مقارنا للتقوى ، وقيل للقمان الحكيم : مابلغ بك ما نرى ؟ قال : صدق الحديث ~~، وأداء الأمانة ، وتركى ما لا يعنينى . وروى مالك عن صفوان بن سليم أنه ~~قيل للنبى - صلى الله عليه وسلم - : ( أيكون المؤمن كذابا ؟ قال : لا ) . ~~وظاهر هذا معارض لحديث عبد الله ، والتأويل الجامع بينهما أن معنى حديث ~~صفوان لا يكون المؤمن المستكمل لأعلى درجات PageV09P280 الإيمان كذابا حتى ~~يغلب عليه الكذب لأن كذابا وزنه فعال ، وهو من أبنية المبالغة لمن يكثر منه ~~الكذب ويكرر حتى يعرف به ، ومثاله الكذوب أيضا ، ويبين هذا قوله عليه ~~السلام : ( إن الرجل ليصدق حتى يكتب عند الله صدوقا ) ، يعنى لا يزال يتكرر ~~الصدق منه حتى يستحق اسم المبالغة فى الصدق وكذلك قوله : ( إن الرجل يكذب ~~حتى يكتب عند الله كذابا ) يعنى لا يزال يتكرر الكذب منه حتى يغلب عليه ، ~~وهذه الصفة ليست صفة عليه المؤمنين بل هى من صفات المنافقين وعلاماتهم كما ~~قال عليه السلام فى حديث أبى هريرة ، وقد تقدم معناه فى كتاب الإيمان فى ~~باب علامة المنافق . وأخبر عليه السلام فى حديث سمرة بعقوبة الكاذب الذى ~~كذبه الآفاق أنه يشق شدقه فى النار إلى يوم القيامة ، فعوقب فى موضع ~~المعصية وهو فمه الذى كذب به . # | 67 - باب الهدي الصالح # / 105 - فيه : حذيفة ، قال : إن أشبه الناس دلا وسمتا وهديا برسول الله ~~عليه السلام لابن أم عبد من حين يخرج من بيته إلى أن يرجع إليه ، لا ندرى ~~ما يصنع فى أهله إذا خلا . / 106 - وفيه : عبد الله بن عمر ، قال : إن أحسن ~~الحديث كتاب الله ، وأحسن الهدى هدي محمد . PageV09P281 قال المؤلف : قال ~~أبو عبيد : الهدى والدل ms3224 أحدهما قرريب المعنى من الآخر وهما من السكينة ~~والوقار فى الهيئة والمنظر والشمائل وغير ذلك ، قال الأخطل يصف الكذاب : ~~حتى تناهين عنه ساميا جرحا وماهدى هدى مهزوم ولا نكلا يقول : لم أسرع إسراع ~~المنهزم ولكن على سكون وحسن هدى . وقال عدى بن زيد يصف امرأة بحسن الدل : ~~لم تطلع من خدرها تبتغى خب با ولا ساء دلها فى العناق والسمت يكون فى ~~معنيين : أحدهما : حسن الهيئة والمنظر فى مذهب الدين ، وليس من الجمال ~~والزينة ، ولكن يكون له هيئة أهل الخير ومنظرهم . والوجه الآخر : السمت : ~~الطريق يقال : الزم هذا السمت . وكلاهما له معنى جيد بكون : أن يلزم طريقه ~~أهل الإسلام فتكون له هيئة أهل افسلام ، وذكر أبو عبيد فى حديث عمر بن ~~الخطاب أن أصحاب عبد الله كانوا يدخلون إليه فينظرون إلى مته وهديه ودله ~~فيشتبهون به . قال المؤلف : فى هذا من الفقه أنه ينبغى للناس الاقتداء بأهل ~~الفضل والصلاح فى جميع أحواليهم فى هيئتهم وتواضعهم ورحمتهم للخلق ، ~~وإنصافهم من أنفسهم ، ورفقهم فى أخذ الحق إذا وجب لهم إن أحبوا الاقتصاص أو ~~عفوهم عن ذلك إن آثروا العفو ، وفى مأكلهم ومشربهم واقتصادهم فى أمرورهم ~~تبركا به . PageV09P282 # | 68 - باب : الصبر على الأذى وقول الله تعالى : { إنما يوفى الصابرون ~~أجرهم بغير حساب } # / 107 - فيه : أبو موسى قال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( ليس أحد - ~~أو ليس شىء - أصبر على أذى سمعه من الله ، إنهم ليدعون له ولدا ، وإنه ~~ليعافيهم ويرزقهم ) . / 108 - وفيه : عبد الله : قسم النبى - صلى الله عليه ~~وسلم - قسمة كبعض ما كان يقسم ، فقال رجل من الأنصار : والله إنها لقسمة ما ~~أريد بها وجه الله ، قلت : أما أنا لأقولن للنبى - صلى الله عليه وسلم - ~~فأتيته ، وهو فى أصحابه ، فساررته ، فشق ذلك على النبى عليه السلام وتغير ~~وجهه ، وغضب حتى وددت أنى لم أكن أخبرته ، ثم قال : قد أوذى موسى بأكثر من ~~ذلك فصبر . قال المؤلف : ذكر الله جزاء الأعمال وجعل له نهاية وحدا فقال : ~~( من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها ) وجعل ms3225 جزاء الصدقة فى سبيل الله فوق هذا ~~القول : ( مثل الذين ينفقون أموالهم فى سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل ~~فى كل سنبلة مائة حبة والله يضاعف لمن يشاء ) وجعل أجر الصابرين بغير حساب ~~ومدح أهله فقال : ( ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور ) والصبر على ~~الأذى من باب جهاد النفس وقمعها من شهواتها ومنعها عن تطاولها ، وهو من ~~أخلاق الأنبياء والصالحين ، وإن كان قد جبل الله النفوس على تألمها من ~~الأذى ومشقته ، الا ترى أن النبى عليه السلام شق عليه تجوير الأنصارى له فى ~~القسمة حتى تغير وجهه وغضب ، ثم سكن ذلك منه علمه بما PageV09P283 وعد الله ~~ذلك من جزيل الأجر ، واقتدى بصبر موسى على أكثر من أذى الأنصارى له رجاء ما ~~عند الله . وللصبر أبواب غير الصبر على الأذى روى عن على بن أبى طالب أن ~~النبى عليه السلام قال : ( الصبر ثلاثة : فصبر على الكصيبة ، وصبر على ~~الطاعة ، وصبر على المعصية ، فمن صبر على المصيبة حتى يردها بحسن عزائها ~~كتب الله له ثلثمائة درجة مابين الدرجة إلى الدرجة ما بين السماء والأرض ، ~~ومن صبر على الطاعة كتب الله له ستمائة درجة مابين الدرجة إلى الدرجة مابين ~~تخوم الأرض السابعة إلى منتهى العرش ، ومن صبر على المعصية كتب الله له ~~تسعمائة درجة مابين الدرجة إلى الدرجة مابين تخوم الأرض السابعة إلى منتهى ~~العرش مرتين ) . وقد روى يزيد الرقاشى عن أنس أن النبى عليه السلام قال : ( ~~الإيمان نصفان نصف فى الصبر والنصف فى الشكر ) . وروى ابن المنكدر عن جابر ~~بن عبد الله ( أن النبى عليه السلام سئل عن الإيمان فقال : السماحة والصبر ~~) . وقال الشعبى : قال على بن أبى طالب : الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من ~~الجسد . قال الطبرى : وصدق على ، وذلك أن الإيمان معرفة بالقلب وإقرار ~~باللسان وعمل بالحوارج ، فمن لم يصبر على العمل بشرائع لم يستحق اسم ~~الإيمان بالإطلاق ، والصبر على العمل بالشرائع نظير الرأس من جسد الإنسان ~~الذى لاتمام له إلا له ، وهذا فى معنى حديث أنس ms3226 وجابر أن الصبر نصف الإيمان ~~، وعامة المواضع التي ذكر الله PageV09P284 فيها الصبر وحث عليه عباده إنما ~~هى مواضع الشدائد ومواطن المكاره الذى يعظم على النفوس ثقلها ، ويشتد عندها ~~جزعها وكل ذلك محن وبلاء ، الا ترى قوله عليه السلام للأنصار : ( لن تعطوا ~~عطاءا خيرا وأوسع من الصبر ) . والصبر فى لسان العرب : حبس النفس عن ~~المطلوب حتى يدرك ، ومنه نهيه عليه السلام عن صبر البهائم . يعنى أنه نهى ~~عن حبسها على التمثيل بها . ورميها كما ترمى الأغراض ، ومنه قولهم : صبر ~~الحاكم يمين فلان يعنى حبسه على حلفه . فإن قال قائل : فهذه صفات توجب ~~التغير وحوث الحواث لمن وصف بها فما معنى وصف الله تعالى بالصبر ؟ . قيل : ~~معنى وصفه بذلك هو بمعنى الحلم ، ومعنى وصفه بالحلم هو تأخير العقوبة عن ~~المستحقين لها ، ووصفه تعالى بالصبر لم يرد فى التنزيل ، وإنما ورد فى حديث ~~أبى موسى ، وتأوله أهل السنة على تأويل الحلم ، هذا قول ابن فورك . # | 69 - باب : من لم يواجه الناس بالعتاب # / 109 - فيه : عائشة ، صنع النبى عليه السلام شيئا ، فرخص فيه ، فتنزه ~~عنه قوم ، فبلغ ذلك النبى عليه السلام فخطب فحمد الله ، ثم قال : ( ما بال ~~أقوام يتنزهون عن الشيء أصنعه ، فوالله إنى لأعلمهم بالله ، وأشدهم له خشية ~~) . / 110 - وفيه : أبو سعيد الخدرى ، قال : كان النبى عليه السلام أشد ~~حياء من العذراء فى خدرها ، فإذا رأى شيئا يكرهه عرفناه فى وجهه . ~~PageV09P285 قال المؤلف : إنما كان عليه السلام لا يواجه الناس بالعتاب ~~يعنى على مايكون فى خاصة نفسه كالصبر على جهل الجاهل وجفاء الأعرابى ألا ~~ترى أن ترك الذى حبذ البردة من عنقه حتى أثرت حبذته فيه ؛ لأنه كان لا ~~ينتقم لنفسه ، وهذا معنى حديث أبى سعيد ، فأما أن تنتهك من الدين حرمة فإنه ~~كان لا يترك العتاب عليها والتقريع فيها ويصدع بالحق فيما يجب على منتهكها ~~ويقتص منه ، سواء كان حقا لله ، أو من حقوق العباد . فإن قيل : فإن كان ~~معنى حديث أبى سعيد ماذكرت من أنه عليه السلام كان لا يعاتب ms3227 فيما يكون فى ~~خاصة نفسه فقد وجه بالعتاب فى حديث عائشة ، وخطب بذلك ذكره فى باب من لم ~~يواجه الناس بالعتاب ؟ . فالجواب : أن هذا العتاب وإن كان خطب به فلم يعين ~~من أراد به ، ولايقرعه من بين الناس ، وكل ما جرى هذا المجرى من عتاب يعم ~~الكل ولايقصد به أحد بعينه فهو رفق بمن عنى به وستر له كما أراد عمر بن ~~الخطاب - حين أمر الناس كلهم بالوضوء يوم الجمعة ، وهو يخطب - ومن أجل ~~الرجل الذى أحدث بين يديه للستر له والرفق به ، وليس ذلك بمنزلة أمره له ~~بالوضوء من بينهم وحده فى الستر له لو فعل ذلك ، وإنما فعل ذلك عليه السلام ~~- والله أعلم - لأن كل رخصة فى دين الله فالعباد مخيرون بين الأخذ بها ~~والترك لها ، وكان عليه السلام رفيقا بأمته حريصا على التخفيف عنهم ، فلذلك ~~خفف عنهم العتاب لأنهم فعلوا مايجوز لهم من الأخذ بالشدة ، وقد ترك عتابهم ~~مرة أخرى على ترك الرخصة ، وأخذهم بالشدة حين PageV09P286 صاموا فى السفر ~~وهو مفطر ، وإن كان قد جاء فى الحديث ( إن دين الله يسر ) . قال الشعبى : ~~إن الله يحب أن يعمل برخصة كما يحب أن يعمل بعزائمه . فليس ذلك دليلا على ~~تحريم الأخذ بالعزائم ؛ لأن ذلك لو كان حراما لأمر الذين خالفوا رخصته ~~بالرجوع من فعلهم إلى فعله . وفى حديث أبى سعيد الحكم بالدليل ؛ لأنهم ~~كانوا يعرفون كراهية النبى الشىء بتغير وجهه ، كما كانوا يعرفون قراءءته ~~فيما أسر فيه فى الصلاة باضطراب لحيتة . # | 70 - باب : من كفر أخاه بغير تأويل فهو كما قال # / 111 - فيه : أبو هريرة ، وابن عمر ، أن النبى عليه السلام قال : ( إذا ~~قال الرجل لأخيه : يا كافر ، فقد باء به أحدهما ) . / 112 - وفيه : ثابت بن ~~الضحاك ، قال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( من حلف بملة غير الإسلام ~~كاذبا فهو كما قال ، ومن قتل نفسه بشىء ، عذب به فى نار جهنم ، ولعن المؤمن ~~كقتله ، ومن رمى مؤمنا بكفر فهو كقتله ) . قال المؤلف : قوله عليه السلام : ~~( من قال لأخيه ms3228 ياكافر فقد باء به أحدهما ) يعنى : باء بأثم رميه لأخيه ~~بالكفر ورجع وزر ذلك عليه إن كان كاذبا . وقد روى هذا المعنى من حديث أبى ~~ذر أن النبى قال : ( لا يرمى رجل رجلا بالفسوق ولا يرميه بالكفر إلا ارتدت ~~عليه إن لم يكن صاحبه PageV09P287 كذلك ) ذكره البخارى فى باب ماينهى عنه ~~من السباب واللعن فى أول كتاب الأدب . قال المهلب : وهذا معنى تبويبه من ~~كفر أخاه بغير تأويل فهو كما قال ، أن المكفر له الذى يرجع عليه إثم ~~التكفير ؛ لأن الذى رمى به عند الرامى صحيح الإيمان إذا لم يتأول عليه شيئا ~~يخرجه من الإيمان فكما هو صحيح الإيمان كصحة إيمان الرامى فقد صح أنه أراد ~~برميه له بالكفر كل من هو على دينه فقد كفر نفسه ؛ لأنه على دينه ومساو له ~~فى إيمانه ، فإن استحق ذلك الكفر المرمى به استحق مثله الرامى وغيره . وقد ~~يجيب الفقهاء من هذا بأن يقولوا : فقد كفر بحق أخيه المسلم ، وليس ذلك مما ~~يسمى به الجاحد بحق أخيه المسلم كافرا لأنه لا يستحق من جحد حق أخيه فى بر ~~أو مال . وقد روى اشهب عن مالك أنه سئل عن قوله عليه السلام : ( من قال ~~لأخيه ياكافر فقد باء بها أحدهما ) قال مالك : أراهم الحرورية . قيل له : ~~أفتراهم بذلك كفارا ؟ قال : لا أدرى ما هذا . والحجة لقول مالك قوله عليه ~~السلام : ( سباب المسلم فسوق ) والفسوق غير الكفر . وقوله : ( فقد باء بها ~~أحدهما ) هو على مذهب العرب فى استعمالها الكناية فى كلامها وترك التصريح ~~بالشر ، وهذا كقول الرجل لمن أراد أن يكذبه : والله إن أحدنا لكاذب ، وهذا ~~كقوله تعالى : ( وإنا أو إياكم لعلى هدى أو فى ضلال مبين ) . وقوله : ( من ~~حلف بمله غير الإسلام كاذبا فهو كما قال ) قد PageV09P288 تقدم معناه فى ~~كتاب الجنائز فى باب قاتل النفس ، وفى كتاب الإيمان والنذور فى باب من حلف ~~بمله سوى الإسلام بما فيه فكاية لكنى كرهت أن أخلى هذا الباب من الكلام فيه ~~لأنى كثيرا ماكنت أسأل المهلب ms3229 عن هذا الحديث لصعوبته فيجيبنى هنه بألفاظ ~~وطرق مختلفة والمعنى واحد . فقال لى : قوله : ( فهو كما قال ) يعنى : فهو ~~كاذب لا كافر إلا أنه تعمد بالكذب الذى حلف عليه التزام المللة التى حلف ~~بها قال عليه السلام : ( فهو كما قال ) من التزام اليهودية والنصرانية ~~وعيدا منه عليه السلام لمن صح قصده بكذبه إلى التزام تلك المللة فى حين ~~كذبه فى وقت ثان ، إذ كان ذلك على سبيل المكر والخديعة للمحلوف له . يبين ~~ذلك قوله عليه السلام : ( لا يزنى حين يزنى وهو مؤمن ) فلم ينف عنه الإيمان ~~إلا وقت الزنا خاصة ، وكذلك هذا الحالف بملة غير الإسلام ؛ لقيام الدليل ~~على أنه لم يرد نبذ الإسلام بتعليقه يمينه بشرط المحلوف عليه ، ولو أراد ~~الارتداد لم يعلق قوله أنا يهودى لمحلوف عليه من معانى الدنيا . ولذلك قال ~~عليه السلام : ( من حلف باللات والعزى فليقل : لا إله إلا الله ) خشية منه ~~عليه استدامة حاله على ماقال وقتئذ فينفذ عليه الوعيد فيحبط عمله ، ويطبع ~~على قلبه لما قال من كلمة الكفر بعد الإيمان ، فتكون كلمة وافقت قدرا فيزين ~~له سوء عمله فيراه حسنا فيستديم ما قال ويصر عليه . وأما من حلف بملة غير ~~الإسلام وهو فيما حلف عليه صادق فهو تصحيح براءته من تلك الملة مثل أن يقول ~~: أنا يهودي إن طعمت اليوم PageV09P289 أو شربت ، وهو صادق لم يشرب ولم ~~يأكل ، فلما عقد يمينه بشرط هو فى الحقيقة معدوم ماربطه به وهو الأكل ~~والشرب اللذان لم يقعا منه لم يتعين عليه وعيد يخشى إنفاذه عليه ، ولم ~~يتوجه إليه إثم الملة التى حلف عليها لعقده نبيته على نفيها كنفى شرطها لكن ~~لا يبرأ من الملامة لمخالفته لقوله عليه السلام : ( من كان حالفا فليحلف ~~بالله ) . قال الطبرى : وقوله عليه السلام : ( لعن المؤمن كقتله ) يريد فى ~~بعض معناه لا فى الإثم والعقوبة ، ألا ترى أن من قتل مؤمنا أن عليه القود ~~ومن لعنه لا قود عليه ؟ . واللعن فى اللغة الإبعاد من الرحمة ، وكذلك القتل ~~إبعاد المقتول من الحياة ms3230 التى يجب بها نصره المؤمنين وعون بعضهم لبعض وقد ~~قال عليه السلام : ( المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا ) وكذلك قوله : ~~( من رمى مؤمنا بكفر فهو كقتله ) لما أجمع المسلمون أنه لا قتل عليه فى ~~رميه له بالكفر ، علم أن التشبيه إنما وقع بينهما فى معنى يجمعهما وهو ~~ماقلناه أن اللعن الإبعاد من الرحمة كما أن القتل إبعاد من الحياة وإعدام ~~منها ، وقد بعض العلماء : إن معنى قوله : ( لعن المؤمن كقتله ) يريد فى ~~تحريم ذلك عليه وقد ذكرته فى كتاب الإيمان والنذور . # | 71 - باب : من لم ير إكفار من قال ذلك متأولا أو جاهلا # وقال عمر لحاطب : إنه منافق ، فقال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( وما ~~يدريك ، لعل الله قد اطلع إلى أهل بدر ، فقال : قد غفرت لكم ) . ~~PageV09P290 / 113 - فيه : جابر ، أن معاذ بن جبل كان يصلى مع النبى - صلى ~~الله عليه وسلم - ، ثم يأتى قومه ، فيصلى بهم الصلاة ، فقرأ بهم البقرة ، ~~قال : فتجوز رجل ، فصلى صلاة خفيفة ، فبلغ ذلك معاذ فقال : إنه منافق ، ~~فبلغ ذلك الرجل ، فأتى النبى - صلى الله عليه وسلم - ، فقال : يا رسول الله ~~، إنا قوم نعمل بأيدينا ، ونسقى بنواضحنا ، وإن معاذا صلى بنا البارحة ، ~~فقرأ البقرة ، فتجوزت ، فزعم أنى منافق ، فقال النبى - صلى الله عليه وسلم ~~- : ( يا معاذ ، أفتان أنت ، ثلاثا ؟ اقرأ : { والشمس وضحاها } [ الشمس : 1 ~~] { وسبح اسم ربك الأعلى } [ الأعلى : 1 ] ونحوها ) . / 114 - وفيه : أبو ~~هريرة ، قال : قال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( من حلف منكم ، فقال فى ~~حلفه : باللات والعزى ، فليقل : لا إله إلا الله ، ومن قال لصاحبه : تعال ، ~~أقامرك ، فليتصدق ) . / 115 - وفيه : ابن عمر ، أنه أدرك عمر بن الخطاب فى ~~ركب ، وهو يحلف بأبيه ، فناداهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( ألا ~~إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم ، فمن كان حالفا ، فليحلف بالله ، وإلا ~~فليصمت ) . قال المهلب : معنى هذا الباب أن المتأول معذور غير مأثوم ، ألا ~~ترى أن عمر بن الخطاب قال لحاطب لما كاتب المشركين بخبر النبى إنه منافق ، ~~فعذر النبى عليه السلام ms3231 عمر لما نسبه إلى النفاق ، وهوأسوأ الكفر ، ولم ~~يكفر عمر بذلك من أجل ما جناه حاطب ، وكذلك عذرا عليه السلام معاذ حين قال ~~للذى خفف الصلاة وقعطها خلفه إنه منافق ؛ لأنه كان متأولا فلم يكفر معاذ ~~بذلك . ومثل ذلك قوله عليه السلام حين سمع عمر يحلف بأبيه : ( إن الله ~~ينهاكم أن تحلفوا بآباكم ) فلم ير النبى إكفار عمر حين حلف بأبيه وترك ~~الحلف بربه الذى خلقه ورزقه وهداه ، وقصده اليمين بغير الله تشريك لله فى ~~حقه لاسيما على طراوة عباده غير الله ، فلما لم يعرفه PageV09P291 عليه ~~السلام بأن يمينه بأبيه ليس بكفر من أجل تأويله أن له أن يحلف بأبيه للحق ~~الذى له بالأبوة ، عذر عمر فى ذلك لجهالته أن الله لا يريد أن يشرك معه ~~غيره فى الإيمان ؛ إذ لا يحلف الحالف إلا بأعظم ماعنده من الحقوق ، ولا ~~أعظم من حق الله على عباده هذا وجه حديث عمر فى هذا الباب . قال المؤلف : ~~وكذلك عذر عليه السلام من حلف من أصحابه باللات والعزى لقرب عهدهم يجرى ذلك ~~على ألسنتهم فى الجاهلية ، وروى عن سعد بن أبى وقاص ( أنه حلف بذلك فأتى ~~النبى عليه السلام فقال : يارسول الله ، إن العهد كان قريبا فحلفت باللات ~~والعزى ، فقال النبى عليه السلام قل : لا إله إلا الله ) وقد تقدم بيان هذا ~~فى باب لا يحلف باللات والعزى فى كتاب الأيمان و النذور ، فتأمله هناك . ~~وليس فى قوله - صلى الله عليه وسلم - : ( من حلف باللات والعزى فليقل : لا ~~إله إلا الله ) إطلاق منه لهم على الحلف بذلك وكفارته بقول : لا إله إلا ~~الله ، فإنه علمهم عليه السلام أنه من نسى أو جهل فحلف بذلك أن كفارته أن ~~يشهد بشهادة التوحيد ؛ لأنه قد تقدم إليهم عليه السلام بالنهى عن أن يحلف ~~أحد بغير الله ، فعذر الناسى والجاهل ، ولذلك سوى البخارى فى ترجمته الجاهل ~~مع المتأول فى سقوط الحرج عنه ؛ لأن حديث أبى هريرة فى الجاهل والناسى ، ~~والله أعلم . PageV09P292 # | 72 - باب : ما يجوز من الغضب والشدة ms3232 فى أمر الله # وقال تعالى : { جاهد الكفار والمنافقين وأغلظ عليهم } / 116 - فيه : ~~عائشة ، دخل على النبى عليه السلام وفى البيت قرام فيه صور ، فتلون وجهه ، ~~ثم تناول الستر فهتكه ، وقالت : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( ~~إن من أشد الناس عذابا يوم القيامة الذين يصورون هذه الصور ) . / 117 - ~~وفيه : أبو مسعود ، أتى رجل النبى - صلى الله عليه وسلم - ، فقال : إنى ~~لأتأخر عن صلاة الغداة من أجل فلان مما يطيل بنا ، قال : فما رأيت رسول ~~الله عليه السلام قط أشد غضبا فى موعظة منه يومئذ ، قال : فقال : ( يا أيها ~~الناس ، إن منكم منفرين ، فأيكم ما صلى بالناس ، فليتجوز ، فإن فيهم المريض ~~والكبير ، وذا الحاجة ) . / 118 - وفيه : ابن عمر ، بينا النبى - صلى الله ~~عليه وسلم - يصلى رأى فى قبلة المسجد نخامة ، فحكها بيده ، فتغيظ ، ثم قال ~~: ( إن أحدكم إذا كان فى الصلاة فإن الله حيال وجهه فلا يتنخمن حيال وجهه ~~فى الصلاة ) . / 119 - وفيه : زيد بن خالد ، أن رجلا سأل النبى - صلى الله ~~عليه وسلم - عن اللقطة ، فقال : ( عرفها سنة . . . . ) ، إلى قوله : فضالة ~~الإبل ؟ فغضب رسول الله عليه السلام حتى احمرت وجنتاه . / 120 - وفيه : زيد ~~بن ثابت ، قال : احتجر رسول الله عليه السلام حجيرة مخصفة ، أو حصيرا ، ~~فخرج رسول الله عليه السلام يصلى فيها ، فتتبع إليه رجال وجاءوا يصلون ~~بصلاته ، ثم جاءوا ليلة ، فحضروا وأبطأ عنهم ، فلم يخرج إليهم ، فرفعوا ~~أصواتهم وحصبوا الباب ، فخرج إليهم مغضبا . . . . الحديث . قال المؤلف : ~~الغضب والشدة فى أمر الله وذلك من باب الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر ، ~~وأجمعت الأمة على أن ذلك فرض PageV09P293 على الأئمة والأمراء أن يقوموا به ~~ويأخذوا على أيدى الظالمين وينصفوا المظلومين ويحفظوا أمور الشريعة حتى لا ~~تغير ولاتبديل ، ألا ترى أن النبى عليه السلام غضب وتلون وجهه لما رأى ~~التصاوير فى القرام وهتكه ، وقال : ( إن أشد الناس عذابا يوم القيامة ~~المصورون ) وكذلك غضب من أجل تطويل الرجل فى صلاته بالناس ونهى عن ذلك ، ~~وتغيظ حين رأى النخامة فى القبلة فحكمها بيده ونهى ms3233 عنها ، وكذلك غضب حتى ~~احمر وجهه حين سئل عن ضالة الإبل وقال : ( ما لم ولها . . . ) الحديث ، ~~وغضب عليه السلام على الذين صلوا فى مسجده بصلاته بغير إذنه ولم يخرج إليهم ~~، ففيه من الفقه جواز الغضب للإمام والعالم فى التعليم والموعظة إذا رأى ~~منكرا يجب تغييره . وقال مالك : الأمر بالمعروف واجب على جماعة المؤمنين من ~~الأئمة والسلاطين وعامة المؤمنين لا يسعهم التخلف عنه ، غير أن بعض الناس ~~يحمله عن بعض بمنزلة الجهاد . واحتج فى ذلك بعض العلماء فقال : كل شىء وجب ~~على الانسان فعله من الفرائض والسنن للازمة ، وكل شىء وجب عليه تركه من ~~المحارم التى نهى الله عنها ورسوله فإنه واجب عليه فى القياس أن يأمر بذلك ~~من ضيع شيئا منه ، وينهى كل من أتى شيئا من المحرمات التى وجب عليه تركها . ~~وقال بعض العلماء : الأمر بالمعروف منه فرض ومنه نافلة ، فكل شىء وجب عليه ~~العمل به وجب عليه الأمر به كالمحافظة على الوضوء وتمام الركوع والسجود ~~وإخراج الزكاة وماأشبه ذلك ، وماكان نافلة لك فإن أمرك به نافلة وأنت غير ~~آثم فى ترك الأمر به إلا عند السؤال عنه لواجب النصيحة التى هى فرض على ~~جميع المؤمنين ، وهذا كله عند جمهور العلماء ما لم تخف على نفسك الأذى ، ~~فإن خفت PageV09P294 وجب عليك تغيير المنكر وإنكاره بقلبك وهو أضعف الإيمان ~~؛ لأن الله لا يكلف نفسا إلا وسعها . وقوله : ( حجيرة مخصفة ) يعنى ثوبا أو ~~حصيرا قطع به مكانا فى المسجد واستتر وراءه ، والعرب تقول : خصفت النعل ~~خصفا : أطبقتها فى الخرز بالمخصف ، وهو الإشفاء ، وخصفت على نفس ثوابا أو ~~حصيرا قطع به مكانا فى المسجد واستتر وراءه ، والعرب تقول : خصفت النعل ~~خصفا : أطبقتها فى الخرز بالمخصف ، وهو الإشفاء ، وخصفت على نفسى ثوابا : ~~جمعت بين طرفيه بعود أو خيط ، وفى التنزيل : ( وطفقا يخصفان عليهما من ورق ~~الجنة ) عن صاحب الفعال . # | 73 - باب : الحذر من الغضب # لقول الله تعالى : { والذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش وإذا ما غضبوا ~~هم يغفرون } [ الشورى : 37 ] وقوله : { الذين ينفقون فى ms3234 السراء والضراء ~~والكاظمين الغيظ } [ آل عمران : 134 ] . / 121 - فيه : أبو هريرة ، قال ~~النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( ليس الشديد بالصرعة ، إنما الشديد الذى ~~يملك نفسه عند الغضب ) . / 122 - وفيه : سليمان بن صرد ، استب رجلان عند ~~النبى - صلى الله عليه وسلم - ، ونحن عنده جلوس ، وأحدهما يسب صاحبه مغضبا ~~قد احمر وجهه ، فقال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( إنى لأعلم كلمة لو ~~قالها لذهب عنه ما يجد ، لو قال : أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ) ، فقالوا ~~للرجل ، ألا تسمع ما يقول النبى - صلى الله عليه وسلم - ؟ قال : إنى لست ~~بمجنون . PageV09P295 / 123 - وفيه : أبو هريرة ، أن رجلا قال للنبي - صلى ~~الله عليه وسلم - : أوصنى ، قال : ( لا تغضب ) ، فردد مرارا ، قال : ( لا ~~تغضب ) . قال المؤلف : مدح الله تعالى الذين يغفرون عند الغضب وأثنى عليهم ~~، وأخبر أن ماعنده خير وأبقى لهم من متاع الحياة الدنيا وزينتها ، وأثنى ~~على الكاظمين الغيظ والعافين عن الناس ، وأخبر أنه يحبهم بإحسانهم فى ذلك ، ~~وقد روى معاذ بن جبل عن النبى عليه السلام أنه قال : ( من كظم غيظا وهو ~~قادر على أن ينفذه دهاه الله على رؤوس الخلائق يوم القيامة حتى يخبره فى أى ~~الحور شاء ) . وقال عليه السلام : ( ليس الشديد بالصرعة ) والصرعة : الذى ~~يصرع الناس ويكثر منه ذلك ، كما يقال للكثير النوم نومه ، وللكثير الحفظ ~~حفظه ، فأراد عليه السلام أن الذى يقوى على ملك نفسه عند الغضب ويردها عنه ~~هو القوى الشديد والنهاية فى الشدة لغلبته هواه المردى الذى زينه له ~~الشيطان المغوى ، فدل هذا أن مجاهدة النفس أشد من مجاهدة العدو ؛ لأن النبى ~~عليه السلام جعل للذى يمكل نفسه عند الغضب من القوة والشدة ماليس للذى يغلب ~~الناس ويصرعهم . ومن هذا الحديث قال الحسن البصرى حين سئل أى الجهاد أفضل ؟ ~~فقال : جهادك نفسك وهواك . وفى حديث سليمان بن صرد أن الاستعاذة بالله من ~~الشيطان الرجيم تذهب الغضب ، وذلك أن الشيطان هو الذى يزين للإنسان الغضب ~~PageV09P296 وكل ما لا تحمده عاقبته ليرديه ويغويه ويبعده من رضا الله ~~تعالى فالاستاذة بالله ms3235 تعالى منه من أقوى السلاح على دفع كيده ، وذكر أيضا ~~أبو داود فى حديث أبى ذر عن النبى عليه السلام أنه قال : ( إذا غضب أحدكم ~~وهو قائم فليجلس ، فإن ذهب عنه الغضب ولا فليضطجع ) . وذكر أيضا من حديث ~~عطية عن النبى عليه السلام أنه قال : ( إن الغضب من الشيطان ، وإن الشيطان ~~خلق من النار ، وإنما تطفأ النار بالماء فإذا غضب أحدكم فليتوضأ ) . وقال ~~أبو الدرداء : أقرب مايكون العبد من غضب الله تعالى إذا غضب ، وفى بعض ~~الكتب قال الله تعالى : ابن آدم اذكرنى إذا غضبت أذكرك إذا غضبت . وقال بكر ~~بن عبد الله : أطفئوا نار الغضب بذكر نار جهنم . # | 74 - باب : الحياء # / 124 - فيه : عمران بن حصين ، قال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( ~~الحياء لا يأتى إلا بخير ) . فقال بشير بن كعب : مكتوب فى الحكمة : إن من ~~الحياء وقارا ، وإن من الحياء سكينة ، فقال له عمران : أحدثك عن رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - وتحدثنى عن صحيفتك . / 125 - وفيه : ابن عمر ، مر ~~النبى عليه السلام على رجل ، وهو يعاتب أخاه فى الحياء ، يقول : إنك ~~لتستحيى حتى كأنه يقول : قد أضر بك ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- : ( دعه ، فإن الحياء من الإيمان ) . PageV09P297 / 126 - وفيه : أبو ~~سعيد ، كان النبى - صلى الله عليه وسلم - أشد حياء من العذراء فى خدرها . ~~وقوله عليه السلام : ( الحياء لا يأتى إلا بخير ) معناه أن من استحيا من ~~الناس أن يروه يأتى الفجور ويرتكب المحارم ، فذلك داعية له إلى أن يكون أشد ~~حياء من ربه وخالقه ، ومن استحيا من ربه فإن حياءه زاجر له عن تضييع فرائضه ~~وركوب معاصيه ؛ لأن كل ذى فطرة صحيحة يعلم أن الله تعالى النافع له والضار ~~والرزاق والمحى والمميت ، فإذا علم ذلك فينبغى له أن يستحى منه عز وجل ، ~~وهو قوله عليه السلام : ( دعه فإن الحياء من الإيمان ) معناه أن الحياء من ~~أسباب الإيمان وأخلاق أهله . وذلك أنه لما كان الحياء يمنع من الفواحش ، ~~ويحمل على الصبر والخير كما يمنع الإيمان ms3236 صاحبه من الفجور ، ويقيده عن ~~المعاصى ويحمله على الطاعة صار كالإيمان لمساواته له فى ذلك ، وإن كان ~~الحياء غريزة والإيمان فعل المؤمن فاشتبها من هذه الجهة ، وقد تقدم فى كتاب ~~الإيمان . وإنما غضب عمران بن حصين ؛ لأن بشير كعب حدثه عن صحيفته فيما كان ~~حدثه به عمران عن النبى عليه السلام فهذا أصل أن الحجة إنما هى فى سنة رسول ~~الله لا فيما يروى عن كتب الحكمة ؛ لأنه لا يدرى مافى حقيقتها ، وقد روى فى ~~هذا الحديث عمران أن بشير بن كعب قال له : إن من الحياء ضعفا ، وعى هذه ~~اللفظة يكون غضب عمران أوكد لمخالفة لقوله عليه السلام : PageV09P298 ( ~~الحياء لا يأتى إلا بخير ) ولقوله للذى كان يقول صاحبه إنك تستحى حتى أضر ~~بك الحياء : ( دعه فإن الحياء من الإيمان ) فدلت هذه الآثار أن الحياء ليس ~~بضار فى حالة من الأحوال ولا بمذموم . # | 75 - باب : إذا لم تستحى فاصنع ما شئت # / 127 - فيه : أبو مسعود ، قال : قال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( ~~إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى : إذا لم تستحى فاصنع ما شئت ) . ~~قال الخطابى : قوله : ( إن مما أدرك الناس من كلام النبوة ) يريد أن الحياء ~~لم يزل مستحسنا فى شرائع الأنبياء الأولين ، وأنه لم ينسخ فى جملة مانسخ من ~~شرائعهم . قال المؤلف : قوله : ( فاصنع ما شئت ) فيه وجهان : أحدهما : أن ~~يكون خرج بلفظ الأمر على معنى الوعيد والتهدد لمن ترك الحياء كما قال تعالى ~~: ( اعملوا ما شئتم ) ولم يطلقهم تعالى على الكفر وفعل المعاصى ، بل توعدهم ~~بهذا اللفظ ؛ لأنه تعالى قد بين لهم مايأتون ومايتركون ، وكقوله : ( من باع ~~الخمر فليشقص الخنازير ) فلم يكن فى هذا إباحة تشقيص الخنازير ، إذا الخمر ~~محرم شربها محظور بيعها . والوجه الثانى : أن يكون معناه : اصنع ماشئت من ~~أمر لا تستحى منه تفعله ، والتأويل الأول أولى وهو الشائع فى لسان العرب ، ~~ولم يقل أحد فى تأويل الآية المذكورة غيره . PageV09P299 # | 76 - باب ما لا يستحيا منه من الحق للتفقه فى الدين # / 128 - فيه ms3237 : أم سلمة ، أن أم سليم قالت : يا رسول الله ، إن الله لا ~~يستحى من الحق ، فهل على المرأة غسل إذا احتلمت ؟ فقال : ( نعم ، إذا رأت ~~الماء ) . / 129 - وفيه : ابن عمر ، أن النبى عليه السلام قال : ( مثل ~~المؤمن مثل شجرة خضراء ، لا يسقط ورقها ، ولا يتحات ) ، فأردت أن أقول هى ~~النخلة ، وأنا غلام شاب ، فاستحييت ، فقال : ( هى النخلة ) ، فقال عمر : لو ~~كنت قلتها لكان أحب إلى من كذا وكذا . / 130 - وفيه : أنس ، جاءت امرأة إلى ~~النبى عليه السلام تعرض عليه نفسها ، فقالت : هل لك حاجة فى ؟ فقالت ابنته ~~: ما أقل حياءها ، فقال : هى خير منك ، عرضت على رسول الله عليه السلام ~~نفسها . قولها : ( إن الله لا يستحى من الحق ) يدل على أنه لا يجوز الحياء ~~عن السؤال فى أمر الدين ، وجميع الحقائق التى تعبد الله عباده بها ، وأن ~~الحياء فى ذلك مذموم . وفى حديث ابن عمر أن الحياء مكروه لمن علم علما فلم ~~يخبر به بحضرة من هو فوقه إذا سئل عنه ، ألا ترى حرص عمر على أن يقول ابنه ~~أنها النخلة ، وقد تقدم فى كتاب العلم . وقول النبى عليه السلام : فى ~~المرأة التى عرضت نفسها عليه لابنته ( هى خير منك ) حجة فى أن لا يستحيا ~~فيما يحتاج إليه . وقوله : ( لا يتحات ) أى لا يسقط من احتكاك بعضهم ببعض ، ~~تقول العرب : حت الورق والطين اليابس من الثوب حتا : فركه ونقضه . ~~PageV09P300 # | 77 - باب قول النبي - صلى الله عليه وسلم - : ( يسروا ولا تعسروا ) # وكأن يحب التخفيف واليسر على الناس / 131 - فيه : أنس ، قال النبى - صلى ~~الله عليه وسلم - : ( يسروا ولا تعسروا ، وسكنوا ، ولا تنفروا ) . / 132 - ~~وفيه : أبو موسى ، لما بعثه النبى عليه السلام ومعاذ بن جبل قال لهما : ( ~~يسرا ولا تعسرا ، وبشرا ولا تنفرا ، وتطاوعا . . . . ) الحديث . / 133 - ~~وفيه : عائشة ، ما خير رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بين أمرين قط إلا ~~أخذ أيسرهما ، ما لم يكن إثما ، فإن كان إثما كان أبعد الناس منه ، وما ~~انتقم رسول الله عليه السلام لنفسه فى شىء ms3238 قط ، إلا أن تنتهك حرمة الله ، ~~فينتقم لله بها . / 134 - وفيه : الأزرق بن قيس ، قال : كنا على شاطئ نهر ~~بالأهواز قد نضب عنه الماء ، فجاء أبو برزة الأسلمى على فرس ، فصلى وخلى ~~فرسه ، فانطلقت الفرس ، فخلى صلاته ، وتبعها حتى أدركها ، فأخذها ثم جاء ~~فقضى صلاته ، وفينا رجل له رأي ، فأقبل يقول : انظروا إلى هذا الشيخ ، ترك ~~صلاته من أجل فرس ، فأقبل فقال : ما عنفنى أحد منذ فارقت رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - وقال : إن منزلى متراخ ، فلو صليت وتركته ، لم آت أهلى ~~إلى الليل ، وذكر أنه قد صحب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فرأى من ~~تيسيره . / 135 - وفيه : أبو هريرة ، أن أعرابيا بال فى المسجد ، فثار إليه ~~الناس ؟ ليقعوا به ، فقال لهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( دعوه ، ~~وأهريقوا على بوله ذنوبا من ماء - أو سجلا من ماء - فإنما بعثتم ميسرين ، ~~ولم تبعثوا معسرين ) . PageV09P301 قد تقدمت هذه الأحاديث بأمر النبي عليه ~~السلام بتيسر فى كتاب الحدود ، وفى كتاب الأحكام . قال الطبرى : ومعنى قوله ~~: ( يسروا ولا تعسروا ) فيما كان من نوافل الخير دون ماكان فرضا من الله ، ~~وفيما خفف الله عمله من فرائضه فى حال العذر كالصلاة قاعدا فى حال العجز عن ~~القيام ، وكالإفطار فى رمضان فى السفر والمرض وشبه ذلك فيما رخص الله فيه ~~لعباده وأمر بالتيسير فى النوافل والإتيان بما لم يكن شاقا ولافادحا خشية ~~الملل لها ورفها ، وذلك أن أفضل العمل إلى الله أدومه وإن قل ، وقال عليه ~~السلام لبعض أصحابه : ( لا تكن كفلان كان يقوم الليل فتركه ) . قال غير ~~الطبرى : ومن تيسره عليه السلام أنه لم يعنف البائل فى المسجد ورفق به ، ~~ومن ذلك أبى برزة لصلاته فرسه ، وأنه رأى من تيسير النبى ماحمله على ذلك ، ~~وجماعة الفقهاء يرون أن من كان فى صلاة فانلتت دابته أنه يقطع صلاته ~~ويتبعها ؛ لأن الصلاة تدرك إعادتها وميسر دابته قاطع له . وقد تقدم فى ~~الصلاة . قال الطبرى : وفى أمره عليه السلام بالتيسير فى ذلك معان أحدهما : ~~الأمان ms3239 من الملال . والثانية : الأمان من مخالصة العجب قلب صاحبه حتى يرى ~~كأن له فضلا على من قصر عن مثل فعله فيهلك ، ولهذا قال عليه السلام : ( هلك ~~المتنطعون ) وبلغ النبى أن قوما أرادوا أن يختصوا وحرموا الطيبات واللحم ~~على أنفسهم فقام النبى عليه السلام وأوعد في PageV09P302 ذلك أشد الوعيد ، ~~وقال : ( لم أبعث بالرهبانية وإن خير الدين عند الله الحنفية السمحة ، وإن ~~أهل الكتاب هلكوا بالتشديد شدوا فشدد عليهم ) . وفى هذا من الفقه أن أمور ~~الدنيا نظير ذلك فى أن الغلو وتجاوز القصد فيها مذموم ، وبذلك نزل القرآن ~~قال تعالى : ( والذين أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما ) ~~فحمد الله فى نفقاتهم ترك الإسراف والإقتار وقال : ( وآت ذا القربى حقه ~~والمسكين وابن السبيل ولا تبذر تبذيرا ) الآية ، فأمر تعالى بترك التبذير ~~فى سبله التى ترجى بها الزلفة لربه ، فالواجب على كل ذى لب أن تكون أموره ~~كلها قصدا فى عبادة ربه كان أو فى أمر دنياه ، فى عداوة كان أو محبة ، فى ~~أكل أو شرب أو لباس أو عرى ، وبكل هذا ورد الخبر عن السلف أنهم كانوا ~~يفعلون . وأما اجتهاده عليه السلام فى عبادة ربه ؛ فإن الله كان خصه من ~~القوة بما لم يخص به غيره ، فكان مافعل من ذلك سهلا عليه على أنه عليه ~~السلام لم يكن يحى ليله كله قياما ولا شهرا كله صياما غير رمضان . وقد قيل ~~: إنه كان يصوم شعبان كله فيصله برمضان ، فأما سائر شهور السنة فإنه كان ~~يصوم بعضه ويفطر بعضه ، ويقوم بعض الليل وينام بعضه ، وكان إذا عمل عملا ~~داوم عليه ، فأحق من اقتدى به رسول الله الذى اصطفاه الله لرسالته وانتخبه ~~لوحيه . PageV09P303 # | 78 - باب : الانبساط إلى الناس # وقال ابن مسعود : خالط الناس ودينك لا تكلمنه والدعابة مع الأهل . / 136 ~~- فيه : أنس ، إن كان النبى عليه السلام ليخالطنا ، حتى يقول لأخ لى صغير : ~~( يا أبا عمير ، ما فعل النغير ) . / 137 - وفيه : عائشة ، قالت : كنت ألعب ~~بالبنات عند النبى ، عليه السلام ، وكان لى صواحب ms3240 يلعبن معى - فكان رسول ~~الله عليه السلام إذا دخل يتقمعن منه ، فيسربهن إلى فيلعبن معى . قال ~~المؤلف : كان النبى عليه السلام أحسن الأمة أخلاقا وابسطهم وجها ، وقد وصف ~~الله ذلك بقوله : ( إنك لعلى خلق عظيم ) فكان ينبسط إلى النساء والصبيان ~~ويمازحهم ويداعبهم ، وروى عنه أنه قال : ( إنى لأمزح ولا أقول إلا حقا ) ~~وكان يسرح إلى عائشة صواحباتها ليلعبن معها ، فينبغى للمؤمنين الاقتداء ~~بحسن أخلاقه وطلاقة وجهه - صلى الله عليه وسلم - . وقال أبو عبيد : قوله : ~~( يتقمعن ) يعنى دخل البيت وتغيبن ، يقال للإنسان قد انقمع وقمع إذا دخل فى ~~الشىء أو دخل فى بعضه بعض . وقال الصمعى : فيه سمى القمع الذى يصب فيه ~~الدهن وغيره ؛ لأنه يدخل فى الإناء . والذى يراد من الحديث : الرخصة فى ~~اللعب التى تلعب بها الجوارى وهى البنات فجاءت فيها الرخصة وهى تماثيل ، ~~وليس وجه ذلك عندنا إلا من أجل أنها لهو الصبيان ولو كان فى الكبار لكان ~~مكروها كما جاء النهى فى التماثيل كلها وفى الملاهي . PageV09P304 وقال ~~غيره : ( كنت العب ) : منسوخ بنهى النبى عليه السلام عن الصور ؛ لأن كل من ~~رخص فى الصور فيما كان رقما أو فى تصوير الشجر ومالاروح له ، كلهم قد ~~أجمعوا أنه لا يجوز تصوير ماله روح . وذكر ابن أبى زيد أنه كره أن يشترى ~~الرجل لأبنته الصور . # | 79 - باب : المدارة مع الناس # ويذكر عن أبى الدرداء : إنا لنكشر فى وجوه أقوام ، وإن قلوبنا لتلعنهم . ~~/ 138 - فيه : عائشة ، أنه استأذن على النبى عليه السلام رجل ، فقال : ( ~~ائذنوا له ، فبئس ابن العشيرة ، أو بئس أخو العشيرة ) فلما دخل ، ألان له ~~الكلام ، فقلت : يا رسول الله ، قلت ما قلت ، ثم ألنت له فى القول ، فقال : ~~( أى عائشة ، إن شر الناس منزلة عند الله من تركه - أو ودعه الناس - اتقاء ~~فحشه ) . / 139 - وفيه : المسور أهديت إلى النبى عليه السلام أقبية من ~~ديباج مزررة بالذهب ، فقسمها فى ناس من أصحابه ، وعزل منها واحدا لمخرمة ، ~~فلما جاء ، قال : ( قد خبأت هذا لك ) ، قال أيوب : بثوبه ، وأنه يريه إياه ms3241 ~~، وكان فى خلقه شىء . قال المؤلف : المدارة من أخلاق المؤمنين وهى خفض ~~الجناح للناس ، ولين الكلمة وترك الإغلاظ لهم فى القول وذلك من اقوى أسباب ~~الألفة وسل السخيمة . وقد روى عن النبى عليه السلام أنه قال : ( مدارة ~~الناس صدقة ) . PageV09P305 وقال بعض العلماء : وقد ظن من لم ينعم النظر أن ~~المدارة هى المداهنة ، وذلك غلط ، لأن المدارة مندوب اليها والمداهنة محرمة ~~، والفرق بينهما بين ، وذلك أن المادهنة اشتق اسمها من الدهان الذى يظهر ~~على ظواهر الشياء ويستر بواطنها ، وفسرها العلماء فقالوا : المداهنة هى أن ~~يلقى الفاسق المظر فيؤالفه ويؤاكله ، ويشاربه ، ويى أفعاله المنكرة ويريه ~~الرضا بها ولاينكرها عليه ولو بقلبه وهو اضعف الإيمان ، فهذه المداهنة التى ~~برأ الله عز وجل منها نبيه عليه السلام بقوله : ( ودوا لوتدهن فيدهنون ) . ~~والمدارة هى الرفق بالجاهل الذى يستتر بالمعاصى ولايجاهر بالكبائر ، ~~والمعاطفة فى رد أهل الباطل إلى مراد الله بلين ولطف حتى يرجعوا عما هم ~~عليه . فإن قال قائل : فأين أنت فى قولك هذا من فعل النبى عليه السلام حين ~~دخل عليه المنافق فقال عند دخوله : ( بئس ابن العشيرة ) ثم حدثه وأثنى عليه ~~شرا عند خروجه ؟ . قيل له : إن رسول الله كان مأمورا بأن لا يحكم على أحد ~~إلا بما ظهر منه للناس لا بما يعلمه دون غيره ، وكان المنافقون لا يظهرون ~~له إلا التصديق والطاعة ، فكان الواجب عليه أن لا يعاملهم إلا بمثل ما ~~أظهروا له ، إذ لو حكم بعلمه فى شىء من الأشياء لكانت سنة كل حاكم أن يحكم ~~بما أطلع عليه فيكون شاهدا وحاكما ، والأمة مجمعة أنه لا يجوز ذلك ، وقد ~~قال عليه السلام فى المنافقين : ( أولئك الذى نهانى الله عن قتلهم ) . ~~PageV09P306 والداخل على النبي - عليه السلام - إنما كان يظهر فى ظاهر لفظه ~~الإيمان ، فقال فيه النبى قبل وصوله إليه وبعد خروجه ماعلمه منه دون أن ~~يظهر له فى وجهه ؛ إذ لو أظهره صار حكما ، وأفاد كلامه بما علمه منه إعلام ~~عائشة بحاله ، ولو أنه كان من أهل الشرك ورجا رسول الله ms3242 إيمانه واستئلافه ~~هو وقومه وإنابتهم إلى الإسلام لم يكن هذا ماهنة ؛ لأنه ليس عليه حكم إلا ~~منة الدعاء أى الإسلام لا من وجهة الإنكار والمقاطعة كما فعل عليه السلام ~~مع المشرك رجاء منه وابن أم مكتوم يساله أن يدنيه ويعلمه ، فأقبل على ~~المشرك رجاء أن يدخل فى افسلام وتولى عن ابن أم مكتوم ، فعاتبه الله فى ذلك ~~، فبان أنه من رسول الله إنصاف أن يظهر لإنسان مايظهر له مما يظهره للناس ~~أجمعين من أحواله مما لا يعلمون منه غيره كما فعل الرسول بابن العشيرة . # | 80 - باب : لا يلدغ المؤمن من حجر مرتين # وقال معاوية : لا حكيم إلا ذو تجربة . / 140 - فيه : أبو هريرة ، قال ~~النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( لا يلدغ المؤمن من جحر واحد مرتين ) . ~~قال أبو عبيد : تأويل هذا الحديث عننا أنه ينبغى للمؤمن إذا نكب من وجه أن ~~لا يعود لمثله . وترجم له فى كتاب الأمثال باب المحاذرة للرجل من الشىء قد ~~ابتلى بمثله مرة . وفيه : أدب شريف ، أدب به النبى أمته ونبههم كيف يحذرون ~~ما يخافون سوء عاقبته ، وهذا الكلام مما لم يسبق إليه النبي PageV09P307 - ~~عليه السلام - وقاله لأبي عزة الشاعر ، وكان أسر يوم بدر فسأل النبى عليه ~~السلام أن يمن عليه وذكر فقرا ، فمن عليه النبى وأخذ عليه عهدا أن لا يخصص ~~عليه ولايهجوه ، ففعل ثم رجع إلى مكة فاستهواه صفوان بن أمية وضمن له ~~القيام بعياله ، فخرج مع قريش وحضض على النبى - عليه السالم - فأسر ، فسأل ~~النبى أن يمن عليه فقال : ( لا يلدغ المؤمن من حجر مرتين لا تمسح عارضيك ~~بمكة وتقول : سخرت من محمد مرتين ثم أمر به فقتل ) . وقول معاوية : لا حلم ~~إلا لذى تجربة . يريد أن من جرب الأمور وعرف عواقبها ومايئول إليه أمر من ~~ترك الحلم وركب السفه والسباب من سوء الانتصار منه ؛ آثر الحلم وصبر على ~~قليل من الأذى ليدفع به ماهو أكثر منه . وقال الخطابى : معنى قوله : ( لا ~~حلم إلا لذى تجربة ) أن المرء لا يوصف بالحلم ولا ms3243 يترقى إلى درجته حتى يركب ~~الأمور ويجربها فيعثر مرة بعد أخرى فيعتبر ويتبين مواضع الخطأ ويجتنبها . ~~وقال ضمرة : الحلم أنفع من العقل ؛ لأن الله تسمى به . # | 81 - باب : حق الضيف # / 141 - فيه : عبدالله بن عمرو ، أن النبى - صلى الله عليه وسلم - قال : ~~( إن لزورك عليك حقا . . . ) ، الحديث . وقد ذكرته فى كتاب الصوم . ~~PageV09P308 # | 82 - باب : إكرام الضيف وخدمته إياه بنفسه وقوله تعالى : { ضيف إبراهيم ~~المكرمين } # / 142 - فيه : أبو شريح الكعبى ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~قال : ( من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه ، جائزته يوم وليلة ، ~~والضيافة ثلاثة أيام ، وما كان بعد ذلك فهو صدقة ، ولا يحل له أن يثوى عنده ~~حتى يحرجه ) . / 143 - وفيه : عقبة ، قلنا : يا رسول الله ، إنك تبعثنا ، ~~فننزل بقوم ، لا يقروننا ، فما ترى ؟ فقال لنا النبى - صلى الله عليه وسلم ~~- : ( إن نزلتم بقوم ، فأمروا لكم بما ينبغى للضيف فاقبلوا ، فإن لم يفعلوا ~~، فخذوا منهم حق الضيف الذى ينبغى له ) . سئل مالك عن جائزته يوم وليلة ، ~~فقال : تكرمه وتتحفه يوما وليلة ، وثلاثة أيام ضيافة . قسم رسول الله عليه ~~السلام أمره إلى ثلاث اقسام : إذا نزل به الضيف أتحفه فى اليوم الأول ، ~~وتكلف له على قدر وجه ، فإذا كان اليوم الثانى قدم إليه مابحضرته ، فذا ~~جاوز هذه الثلاثة كان مخيرا بين أن يستمر على وتيرته أو يمسك ، وجعله ~~كالصدقة النافلة . وقوله : ( لا يثوى عنه ) لا يقيم ، والثواء : الإقامة ~~بالمكان ، يعنى لا يقيم عنده بعد الثلاث حتى يضيق صدره ، وأصل الحرج الضيق ~~، وإنما كره له المقام عنده بعد الثلاثة لئلا يضيق صدره بمقامه فتكون ~~الصدقة منه على وجه المن والأذى فيبطل أجره قال الله تعالى : { لا تبطلوا ~~صداقتكم بالمن والأذى } . PageV09P309 وقوله : ( من كان يؤمن بالله واليوم ~~الآخر فليكرم ضيفه ) يعنى من كان إيمانه بالله واليوم الآخر إيمانا كاملا ~~فينبغى أن تكون هذه حالة وصفته فالضيافة من سنن المرسلين . واختلف العلماء ~~فى وجوب الضيافة ، فأوجبها الليث بن سعد فرضا ليلة واحدة ، وأجاز للعبد ~~المأذون له أن يضيف ms3244 مما بيده ، واحتج بحديث عقبة بن عامر . وقال جماعة من ~~أهل العلم : الضيافة من مكارم الأخلاق فى بادية وحاضرة وهو قول الشافعى . ~~وقال مالك : ليس على أهل الحضر ضيافة . وقال سحنون : إنما الضيافة على أهل ~~القرى ، وأما الحضر فالفندق ينزل فيه المسافر . واحتج الليث بقوله تعالى : ~~( لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم ) أنها نزلت فيمن منع ~~الضيافة فأبيح للضيف لوم من لم يحسن ضيافته ، وذكر قبيح فعله ، وروى ذلك عن ~~مجاهد وغيره . فيقال لهم : إن الحقوق لا ينتصف منها بالقول ، وإنما ينتصف ~~منها بالأداء والإبراء ، فلو كانت الضيافة واجبة لوجب عليهم الخروج إلى ~~القوم مما يلزم من ضيافتهم . وفى قوله عليه السلام : ( جائزته يوم وليلة ) ~~دليل أن الضيافة ليست بفريضة ، والجائزة فى لسان العرب : النحلة والعطية ، ~~وذلك تفضل وليس بواجب . PageV09P310 وأما حديث عقبة بن عامر فتأويله عند ~~جمهور العلماء أنه كان فى أول الإسلام حين كانت المواساة واجبة ، فأما إذا ~~أتى الله بالخير والسعة فالضيافة مندوب إليها . # | 83 - باب : صنع الطعام والتكلف للضيف # / 144 - فيه : أبو جحيفة ، قال : آخى النبى عليه السلام بين سلمان وأبى ~~الدرداء ، فزار سلمان أبا الدرداء ، فرأى أم الدرداء متبذلة ، فقال لها : ~~ما شأنك ؟ قالت : أخوك أبو الدرداء ليس له حاجة فى الدنيا ، فجاء أبو ~~الدرداء ، فصنع له طعاما ، فقال : كل فإنى صائم قال : ما أنا بآكل حتى تأكل ~~، فأكل ، فلما كان الليل ، ذهب أبو الدرداء يقوم ، فقال : نم ، فنام ثم ذهب ~~ليقوم فقال : نم ، فلما كان آخر الليل ، قال سلمان : قم الآن ، قال : فصليا ~~. . . . الحديث . قال المؤلف : التكلف للضيف لمن قدر على ذلك من سنن ~~المرسلين وآداب النبيين ، ألا ترى أن إبراهيم الخليل ذبح لضيفه عجلا سمينا ~~. قال أهل التأويل : كانوا ثلاثة أنفس : جبريل وميكائيل وإسرافيل فتكلف لهم ~~ذبح عجل وقربه إليهم . وقول نبينا - صلى الله عليه وسلم - : ( جائزته يوم ~~وليلة ) يقتضى معنى التكلف له يوما وليلة لمن وجد ، ومن لم يكن من أهل ~~الوجود واليسار فليقدم لضيفه ماتيسر عنده ولايتكلف ms3245 له مالايقدر عليه ، وقد ~~ورد بذلك الخبر عن النبى - عليه السلام . PageV09P311 ذكر الطبرى قال : ~~حدثنا محمد بن خالد ، عن خراش ، حدثنا سلم بن قتيبة ، عن قيس بن الربيع ، ~~عن عثمان بن شابور عن شقيق بن سلمه قال : ( دخلت على سلمان فقرب إلى خبز ~~شعير وملحا ، وقال : لولا أن رسول الله عليه السلام نهى أن تكلف أحدنا ~~ماليس عنه تكلفت لك ) . فدل بهذا الحديث أن المرء إذا أضافه ضيف أن الحق ~~عليه أن يأتيه من الطعام بما حضره ، وأن لا يتكلف له بما ليس عنده ، وإن ~~كان ما حضره من ذلك دون مايراه للضيف أهلا ؛ لأن فى تكلفة ماليس عنه معان ~~مكروهة . منها : حبس الضيف عن القرى ولعله أن يكون جائعا فيضر به . ومنها : ~~أن يكون مستعهجلا فى سفره فيقطعه عنه بحبسه إياه عن إحضاره ماحضره من ~~الطعام إلى إصلاح ما لم يحضر . ومنها : احتقاره ما عظم الله قدره من الطعام ~~. ومنها : خلافه أمر رسول الله وإتيانه ماقد نهى عنه من التكلف . وروى عبد ~~الله بن الوليد عن عبد الله بن عبيد بن عمير قال : ( دخل على جابر بن عبد ~~الله نفر من أصحاب النبى عليه السلام فقرب إليهم خبزا ثم قال : كلوا فإنى ~~سمعت رسول الله يقول : نعم الإدام الخل ، هلاك بالرجل أن يدخل إليه الرجل ~~من إخوانه فيحقر ما فى بيته أن يقدمه إليه ، وهلاك بالقوم أن يحتقروا ما ~~قدم إليه ) . وقال سفيان الثورى : قال ابن سيرين : لا تكرم أخاك بما يشق ~~PageV09P312 عليه وفسره الثوري فقال : أئته بحاضر ماعندك ولاتحبسه فعسى أن ~~يشق ذلك عليه . وفى حديث أبى جحيفة زيارة الرجل الصالح صديقه الملاطف ~~ودخوله داره فى غيبته وجلوسه مع أهله . وفيه : شكوى المرأة زوجها إلى صديقه ~~الملاطف ليأخذ على يده ويرده عما يضر بأهله . وفيه : أنه لا بأس أن يأكل ~~الضيف حتى يأكل رب الدار معه . وفيه : أنه لا بأس أن يفطر رب الدار لضيفه ~~فى صيام التطوع . وفيه : كراهية التشدد فى العبادة والغلو فيها خشية مايخاف ~~من ms3246 عاقبة ذلك ، وأن الأفضل فى العبادة القصد والتوسط فهو أحرى بالدوام ، ~~ألا ترى قول النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( صدق سلمان ) . وفيه : أن ~~الصلاة آخر الليل أفضل ؛ لأنه وقت تنزل الله إلى سماء الدنيا فيستجيب ~~الدعاء . # | 84 - باب ما يكره من الغضب والجزع عند الضيف # / 145 - فيه : عبد الرحمن بن أبى بكر ، أن أباه تضيف رهطا ، فقال لعبد ~~الرحمن : دونك أضيافك ، فإنى منطلق إلى النبى - صلى الله عليه وسلم - ، ~~فافرغ من قراهم ، قبل أن أجيء ، فانطلق عبدالرحمن ، فأتاهم بما عنده ، فقال ~~: اطعموا ، فقالوا : أين رب منزلنا قال اطعموا ، قالوا : ما نحن ~~PageV09P313 بآكلين حتى يجيء رب منزلنا ؟ قال : اقبلوا عنا قراكم ، فإنه إن ~~جاء ولم تطعموا لنلقين منه ، فأبوا ، فعرفت أنه يجد على ، فلما جاء تنحيت ~~عنه ، فقال : ما صنعتم ؟ فأخبروه ، فقال : يا عبدالرحمن ، فسكت ، ثم قال : ~~يا عبدالرحمن ، فسكت ، فقال : يا غنثر ، أقسمت عليك إن كنت تسمع صوتى لما ~~جئت ، فخرجت ، فقلت : سل أضيافك ، فقالوا : صدق ، أتانا به ، قال : فإنما ~~انتظرتمونى ، والله لا أطعمه الليلة ، فقال الآخرون : والله لا نطعمه حتى ~~تطعمه ، قال : لم أر فى الشر كالليلة ، ويلكم ، ما أنتم ؟ لم لا تقبلون عنا ~~قراكم ، هات طعامك ، فجاءه فوضع يده ، فقال : باسم الله ، الأولى للشيطان ، ~~فأكل وأكلوا . قال المؤلف : فقه هذا الحديث أنه ينبغى استعمال أحسن الأخلاق ~~للضيف وترك الضجر لكى تنبسط نفسه ، ولا تنقبض وتسقط المؤنة والرقبة خشية أن ~~يظن أن الضجر والغضب من أجله ، فلذلك من أدب الإسلام ومايثبت المودة ، الا ~~ترى أن الصديق لما رأى إبائة أضيافه من الأكل حتى يأكل معهمآثر الأكل معهم ~~وحنت نفسه ، وإنما حمله على الحلف - والله أعلم - أنه استنقص ابنه وأهله فى ~~القيام ببر أضيافه ، واشتد عليه تأخير عشائهم إلى ذلك الوقت من الليل ، ~~فلحقه ما يلحق البشر من الغضب ، ثم لم يسعه مخالفة أضيافه لما أبوا من ~~الأكل دونه ، فرأى أن من تمام برهم إسعاف رغبتهم وترك التمادى فى الغضب ، ~~وأخذ فى ذلك بقوله عليه السلام : ( من حلف على يمين ms3247 فرأى غيرها خيرا منها ~~فليكفر عن يمينه ، وليأت الذى هو خير ) ، وكان مذهبه اختيار الكفارة بعد ~~الحنث . وقوله : ( بسم الله الأولى للشيطان ) : يعنى اللقمة الأولى إخزاء ~~PageV09P314 للشيطان ؛ لأنه هو الذى حمله على الحلف وسول له أن لا يأكل مع ~~أضيافه ، وباللقمة الأولى وقع الحنث وبها وجبت الكفارة . وقد تقدم تفسيره ~~قوله : ( يا عنثر ) فى كتاب الصلاة فى الجزء الثانى فى باب السمر مع الضيف ~~، وسيأتى بعد . # | 85 - باب قول الضيف لصاحبه : لا آكل حتى تأكل # فيه : أبو جحيفة عن النبى - صلى الله عليه وسلم - / 143 - وفيه : ~~عبدالرحمن بن أبى بكر ، مثل حديث الباب قبل هذا ، وزاد فيه : فجعلوا لا ~~يرفعون لقمة إلا ربا من أسفلها أكثر منها ، فقال : يا أخت بنى فراس ، ما ~~هذا ؟ فقالت : وقرة عينى إنها الآن لأكثر قبل أن يأكلوا ، وبعث بها إلى ~~النبى - صلى الله عليه وسلم - فذكر أنه أكل منها . قال المؤلف : صاحب ~~المنزل فى منزله كالأمير لا ينبغى لحد التقدم عليه فى أمر ، يدل على ذلك ~~الحديث الذى جاء عن النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( لا يؤمن أحد فى ~~سلطانه ولا يقعد على تكرمته إلا بإذنه ) فكان هذا الحديث أصلا لهذا المعنى ~~، ودل هذا أنه ينبغى للضيف المصير إلى مايحمله عليه ضيفه ، ويشهد لهذا ~~المعنى حديث أنس ( أن غلاما خاياطا دعا النبى عليه السلام للطعام فقدمه بين ~~يديه ، فاكل النبى وأقبل الخياط على عمله ) وقد ترجم البخارى فى كتاب ~~الأطعمة باب من أضاف رجلا إلى طعامه وأقبل هو على عمله فدل هذا الحديث أن ~~أكل صاحب الطعام مع الضيف ليس من الواجبات ، إلا أنه جاء فى حديث ضيف أبى ~~بكر معنى يختص PageV09P315 بخلاف هذا الصل المتقدم ، وذلك أن اضيافه اقسموا ~~أن لا يفطروا حتى ينصرف من عند النبى عليه السلام فاحتبس عنده إلى هوى من ~~الليل فبقوا دون أكل . وقد كان ينبغى على ظاهر الأصل المتقدم من أن صاحب ~~المنزل لا ينبغى لأحد التسور عليه فى منزله فى أمرهم أن يفطروا حين عرض ~~عليهم ms3248 الأكل ولا يأبوه ، فلما امتنعوا من ذلك وبقوا غير مفطرين إلى إقبال ~~أبى بكر حنث نفسه أبو بكر فى يمينه التى بدرت منه إيثارا لموافقتهم ؛ بان ~~بذلك أن يجوز للضيف أن يخالف صاحب المنزل فى تأخير الطعام ، وشبهه إذا رأى ~~لذلك وجها من وجوه المصلحة وأنه لا حرج عليه فى ذلك ، ألا ترى أن الصديق ~~وإن كان غضب لتأخر قراهم إلى وقت قدومه لم ينكر عليهم يمينهم ، ولا قال لهم ~~: أتيتم مايجوز لكم فعله . ولا شك أن أبا بكر أعلم بذلك النبى عليه السلام ~~حين حمل إليه بقية الطعام ، ولم يعنف القوم ولا خطأهم فى يمينهم - والله ~~أعلم - هذا الذى يغل على الوهم ؛ لأن أصاحبه كانوا لا يخفون عنه كل مايعرض ~~لهم ليسن لهم فيه . وقد تقدم فى باب السمر مع الضيف والأهل فى كتاب الصلاة ~~شىء من الكلام فى هذا الحديث . PageV09P316 # | 86 - باب إكرام الكبير ويبدأ الأكبر بالكلام والسؤال # / 147 - فيه : رافع بن خديج ، وسهل بن أبى حثمة ، أنهما حدثاه ، أو حدثا ~~أن عبدالله بن سهل ومحيصة بن مسعود أتيا خيبر فتفرقا فى النخل ، فقتل ~~عبدالله بن سهل فجاء عبدالرحمن بن سهل ، وحويصة ، ومحيصة ابنا مسعود إلى ~~النبى عليه السلام فتكلموا فى أمر صاحبهم ، فبدأ عبدالرحمن - وكان أصغر ~~القوم - فقال له النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( كبر الكبر ) - قال يحيى ~~: يعنى ليلى الكلام الأكبر . . . الحديث . / 148 - وفيه : ابن عمر ، أن ~~النبى - صلى الله عليه وسلم - قال : ( أخبرونى بشجرة مثلها كمثل المسلم ، ~~تؤتى أكلها كل حين ، بإذن ربها ، ولا تحت ورقها ، فوقع فى نفسى أنها النخلة ~~، فكرهت أن أتكلم وثم أبو بكر وعمر . . . ) الحديث . قال المؤلف : إكرام ~~الكبير وتقديمه فى الكلام وجميع الأمور من أدب الإسلام ومعالى الأخلاق ، ~~وذكر عبد الرازق أن فى الحديث من تعظيم جلال الله أن يوقر ذو الشبيه فى ~~الإسلام ، ولهذا المعنى قال عليه السلام : ( كبر الكبر ) فأمر أن يبدأ ~~الأكبر بالكلام ، فكان ذلك سنة إلا أنه دل حديث ابن عمر أن معنى ذلك ليس ~~على ms3249 العموم ، وأنه إنما ينبغى أن يبدأ بالأكبر فيما يستوى فيه علم الكبير ~~والصغير ، فأما إذا علم الصغير مايجهل الكبير ؛ فإنه ينبغى لمن كان عنده ~~علم أن يذكره وينزع به وإن كان صغيرا ، ولا يعد ذلك منه سوء أدب ، ولا ~~تنقصالحق الكبير فى التقدم عليه ؛ لأن النبى عليه السلام حين سل أصحابه عن ~~الشجرة التى شببها بالمؤمن وفيهم ابنعمر وغيره ممن كان دونه فى السن لم ~~يوقف الجواب على الكبار منهم خاصة ، وإنما سأل دونه فى السن لم يوقف الجواب ~~على الكبار منهم خاصة ، وإنما سأل جماعتهم ليجيب كل بما علم ، وعلى ذلك دل ~~قول عمر لابنه : PageV09P317 لو كنت قلتها كان أحب إلى من كذا وكذا . لأن ~~عمر لا يحب ما يخالف أدب افسلام سننه ، وقد كان رضى الله عنه يسأل ابن عباس ~~وهو صبى مع المشيخة وكان ذلك معدودا من فضائله ، وقد تقدم هذا المعنى فى ~~باب الحياء فى العلم فى آخر كتاب العلم . # | 87 - باب ما يجوز من الشعر والرجز والحداء وما يكره منه # وقوله تعالى : { والشعراء يتبعهم الغاوون } [ الشعراء : 224 ] إلى آخر ~~السورة . قال ابن عباس وقوله : { فى كل واد يهيمون } فى كل لغو يخوضون . / ~~149 - فيه : أبى بن كعب ، أن النبى عليه السلام قال : ( إن من الشعر حكمة ) ~~. / 150 - وفيه : جندب ، بينما النبى عليه السلام يمشى ؛ إذ أصابه حجر ، ~~فعثر ، فدميت إصبعه ، فقال : ( هل أنت إلا إصبع دميت ، وفى سبيل الله ما ~~لقيت ) . / 151 - وفيه : أبو هريرة ، قال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( ~~أصدق كلمة قالها الشاعر ، كلمة لبيد : ألا كل شىء ما خلا الله باطل ) . ~~وكاد أمية بن أبى الصلت أن يسلم . / 152 - وفيه : سلمة بن الأكوع ، خرجنا ~~مع النبى عليه السلام إلى خيبر فسرنا ليلا ، فقال رجل من القوم لعامر بن ~~الأكوع : ألا تسمعنا من هنيهاتك ؟ قال : وكان عامر رجلا شاعرا ، فنزل يحدو ~~بالقوم ، يقول : | # % اللهم لولا أنت ما اهتدينا % % ولا تصدقنا ولا صلينا % # % فاغفر فداء لك ما اقتقينا % % إلى آخرها . PageV09P318 فقال النبي - ~~صلى الله ms3250 عليه وسلم - : ( من هذا السائق ) ؟ قالوا : عامر بن الأكوع ، فقال ~~: ( يرحمه الله ) ، فقال رجل من القوم : وجبت يا نبى الله ، لولا أمتعتنا ~~به ، قال : فأتينا خيبر ، فحاصرناهم ، حتى أصابتنا مخمصة شديدة ، ثم إن ~~الله فتحها عليهم ، فلما أمسى الناس اليوم الذى فتحت عليهم ، أوقدوا نيرانا ~~كثيرة ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ما هذه النيران ؟ على أى ~~شىء توقدون ؟ قالوا : على لحم ، قال : على أى لحم ؟ قالوا : على لحم حمر ~~إنسية ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : أهرقوها واكسروها ، فقال ~~رجل : يا رسول الله ، أو نهريقها ونغسلها ؟ قال : أو ذاك ، فلما تصاف القوم ~~كان سيف عامر فيه قصر ، فتناول به يهوديا ؛ ليضربه ، ويرجع ذباب سيفه ، ~~فأصاب ركبة عامر ، فمات منه ، فلما قفلوا ، قال سلمة : رآنى رسول الله عليه ~~السلام شاحبا ، فقال لى : ما لك ؟ فقلت فدى لك أبى وأمى ، زعموا أن عامرا ~~حبط عمله ، قال : من قاله ؟ قلت : قاله فلان وفلان وفلان وأسيد بن الحضير ~~الأنصارى ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( كذب من قاله ، إن له ~~لأجرين - وجمع بين إصبعيه - إنه لجاهد مجاهد قل عربى نشأ بها مثله ) . / ~~153 - وفيه : أنس ، أتى النبى عليه السلام على بعض نسائه ، ومعهن أم سليم ، ~~فقال : ( ويحك ، يا أنجشة ، رويدك سوقا بالقوارير ) . قال أبو قلابة : ~~فتكلم النبى عليه السلام بكلمة لو تكلم بها بعضكم لعبتموها عليه قوله سوقك ~~بالقوارير . قال المؤلف : الشعر والرجز والحداء كسائر الكلام ، فما كان فيه ~~ذكر تعظيم لله ووحدانيته وقدرته وإيثار طاعته وتصغير الدنيا والاستسلام له ~~تعالى كنحو ماأورده البخارى فى هذا الباب فهو حسن مرغب فيه ، وهو الذى قال ~~فيه عليه السلام : ( إن من الشعر حمة ) وما كان منه كذبا وفحشا فهو الذى ~~ذمه الله ورسوله . وقال الشافعى : الشعر كلام ، وحسنه كحسن الكلام وقبيحه ~~كقبيحه . وسماع الحداء ونشيد الأعراب لا بأس به ؛ فإن الرسول قد سمعه وأقره ~~ولم ينكره . PageV09P319 وهذا الباب رد على من نهى عن قليل الشعر وكثيره ، ~~واتعتلوا بحديث جبير بن معظم عن ms3251 النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( أنه كان ~~إذا فتتح الصلاة يستعيذ من الشيطان وهمزه ونفثه ونفخه ) وفسره عمرو بن مرة ~~وهو راوى الحديث فقال : نفثه : الشعر ، ونفخه : الكبر ، وهمزة الموتة التى ~~تأخذ صاحب المس ، وبحديث أبى أمامة الباهلى أن النبى عليه السلام قال : لما ~~أنزل إبليس إلى الأرض قال : يارب ، وبما روى ابن لهيعة عن أبى قبيل قال : ~~سمعت عبد الله بن عمر يقول : ( من قلا ثلاثة أبيات من الشعر من تلقاء نفسه ~~لم يدخل الفردوس ) . قال الأعمش : تمثل مسروق بأول بيت شعر ثم سكت ، فقيل ~~له : لم سكت ؟ قال : أخاف أن أجد فى صحيفتى شعرا . وقال ابن مسعود : الشعر ~~مزامير الشيطان . وكان الحسن لا ينشد الشعر . قال الطبرى : وهذه أخبار ~~واهية والصحيح فى ذلك أنه عليه السلام كان يتمثل أحيانا بالبيت فقال : هل ~~أنت إلا إصبع دميت وفى سبيل الله مالقيت وقال عليه السلام : ( أصدق كلمة ~~قالها الشاعر لبيت لبيد ) ثم تمثل بأول البيت وترك آخرون وقالت عائشة : ( ~~كان النبى يتمثل يحدو بالشعر بحضرة النبى وقال : من هذا السائق ؟ فقالوا : ~~عامر بن الأكوع فقال : يرحمه الله ) وأمر حسان بن ثابت وغيره بهجاء ~~PageV09P320 المشركين وأعلمهم أن لهم على ذلك جزيل الأجر وقال : ( هو أشد ~~عليهم من نضح النبل ) . وذكر الطبرى عن عمر بن الخطاب وعلى بن أبى طالب ~~وجله الصحابة أنهم أنشدوا الأشعار ، وتمثل معاوية بالشعر ، وكان ابن أبى ~~مليكة وعكرمة ينشدان الشعر وكان ابن أبى ليلى ينشد والمؤذن يقيم ، وعن ابن ~~سيرين أنه كان ينشد الشعر الريق وقال معمر : سمعت الزهرى وقتادة ينشدان ~~الشعر . قال قتادة : وكان ابن مسعود ربما تمثل بالبيت من وقائع العرب . قال ~~شعبة : وكان قتادة ينشد الشعر فأقول له : أنشدك بيتا وتحدثنى بحديث . وقال ~~أهل التأويل فى قوله تعالى : ( والشعراء يتبعهم الغاوون ) عم شعراء ~~المشركين يتبعهم غواة الناس ومردة الشياطين وعصاة الجن ، ويروون شعرهم ؛ ~~لأن الغاوى لا يتبع إلا غاويا مثله . عن ابن عباس وغيره . وقوله : { ألم تر ~~أنهم فى كل واد يهيمون } أى : يمرحون ms3252 ويمرقون ببما ليس فى الممدوح والمذموم ~~فهم كالهائم على وجهه ، والهائم : المخالف القصد . عن أبى عبيدة . { وأنهم ~~يقولون مالا يفعلون } أى يكذبون والمراد بقوله : { إلا الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات } ابن رواحة وحسان وكعب بن مالك . عن ابن عباس . وقوله : { وذكروا ~~الله كثيرا } قال ابن عباس : فى خلال PageV09P321 كلامهم الناس . وقال ابن ~~زيد : فى شعرهم . وقيل : لم يشغلهم الشعر عن ذكر الله . ( وانتصروا من بعد ~~ما ظلموا ) يعنى : ردوا على الكفار الذين يهجون النبى - عليه السلام . قال ~~الطبرى : ولا خلاف أن حكم المستثنى مخالف لحكم المستثنى منه ، فوضح أن ~~المذموم من الشعراء غير الذين آمنوا وعملوا الصالحات وأن الذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات منهم محمودون غير مذمومين . وقول عامر بن الأكوع : ( فاغفر ~~فداء لك ما اقتفينا ) فقد زعم بعض أهل الغفلة أن قوله : ( فداء لك ) تصحيف ~~لا يجوز أن يقال ذلك لله تعالى وليس ذلك كما ظن والشعر صحيح و المعنى فاغفر ~~مااقتفينا أى ماارتكبنا من الذنوب ، تقول العرب : قفوت الشىء قفوا : اتبعت ~~أثره ، ومنه قوله تعالى : ( ولا تقف ما ليس لك به علم ) . وقوله : ( فداء ~~لك ) دعاء منه ربه أن يفديه من عقابه على مااقترف من ذنوبه فكأنه قال : ~~اللهم اغفر لى وافدنى لك أى فدء من عندك فلا تعاقبنى ، وقوله : ( لك ) تبين ~~الفاعل للفداء المعنى بالدعاء كما تقول فى الدعاء سقيا لك ، فلك هاهنا ~~مذكور لتبيين المعنى بالدعاء له ، والمعنى : سقاك الله ، فكذلك قوله : ( ~~فداء لك ) معناه افدنا من عقابك ، وقد جاء هذا الشعر فى كتاب المغازى بلفظ ~~آخر ( فاغفر فداء لك ما ابقينا من الذنوب ) أى : مارتكناه مكتوبا علينا ~~ونحو ذلك ، فداء لك بالرفع والخفض أيضا ، فوجه الرفع : أن يكون خبر مبتدأ ~~مضمر ونحن فداء لك ، كأنك قلت : نحن لتفدنا أو أفدنا كما PageV09P322 تقول ~~: نحن ارحمنا وزيد ارحمه ، ومن خفض ( فداء ) شبهه بأمس فبناه على الكسر ~~كبناء الأصوات عليه نحو قولهم : قال الغراب : غاق والجبل طاق ، وأنشد ~~سيبويه : مهلا فداء لك الأقوام كلهم وتقديره : اغفر افندنا . وأما قول ~~الرجل ms3253 : ( وجبت يا رسول الله ) فإنه يعنى الجنة ، فهم من دعاء النبى لعامر ~~بالرحمة أنه يستشهد فى تلك الغزاة ويكون من أهل الجنة كما فهم ابن عباس من ~~وقوله : { ورأيت الناس يدخلون فى دين الله افواجا فسبح بحمد ربك واستغفر ~~إنه كان توابا } حضور أجل النبى عليه السلام فلذلك قال الرجل : وجبت يا ~~رسول الله هلا أمتعتنا به . وأما قوله عليه السلام : ( وإن له لأجرين إنه ~~لجاهد مجاهد ) فيحتمل معنيين - والله أعلم - : أحدهما : أن يكون لما اصاب ~~نفسه وقتلها فى سبيل الله تفضل الله عليه بأن ضاعف أجره مرتين . ويحتمل أن ~~يكون أحد الأجرين لموته فى سبيل الله والأجر الثانى لما كان يحدو به القوم ~~من شعره ويدعو الله فى ثيابهم عند لقاء عدوهم ولك تحضيض للمسلمين وتقوية ~~لنفوسهم ، وقد روى نحو هذا المعنى عن النبى . روى معمر ، عن الزهرى ، عن ~~عبد الرحمن بن كعب بن مالك ، عن أبيه أنه قال للنبى - صلى الله عليه وسلم - ~~: ( إن الله قد أنزل في الشعر PageV09P323 ما أنزل ، قال : إن المؤمن ~~ليجاهد بنفسه ولسانه ، والذى نفسى بيده لكأنما ترمون به فيهم نصح النبل ) . ~~وقوله : ( ألا أسمعتنا من هنيهاتك ) فإن العرب تقول لكل شىء صغير : هنه ، ~~والهنوات من الكلام : ماصغر منها ولم يكن له كبير معنى كما قال الشاعر : ~~على هنوات كلها متتابع يريد على صغار من الكلم المستحق بها القطيعة ، ~~والنهة كل شىء صغير برز من معظم شىء أو بان منه كزمعه ظلف الشاة وحلمه ~~الثدى والضرع ، ويجوز أن يقال : هنية وهنية ، وفى كتاب الدعاء : ( ألا ~~أسمعتنا من هنياتك ) ويقال ذلك للبرهة من الدهر أيضا . وقوله عليه السلام : ~~( يا أنجشية ، رويداك سوقك بالقوارير ) فإن القوارير هنا كناية عن النساء ~~الذى على الأبل ، أمره بالرفق فى الحداء والإنشاد ؛ لأن الحداء يحث الإبل ~~حتى تسرع السير ، فلإذا مشت الإبل رويدا أمن على النساء السقوط ، وتشبيهه ~~النساء بالقوارير من الاستعارة البديعة ؛ لأن القوارير أسرع الأشياء ، ~~فأفادت الاستعارة هاهنا من الحض على الرفق بالنساء فى السير ما لم تفده ms3254 ~~الحقيقة ؛ لأنه لو قال له عليه السلام : ارفق فى مشيتك بهن أو ترسل لهم ~~يفهم من ذلك أن التحفظ بالنساء كالتحفظ بالقوارير كما فهم ذلك من الاستعارة ~~لتضمنها من المبالغة فى الرفق ما لم تضمنه الحقيقة . وأنجشة : اسم غلام ~~أسود للنبي - عليه السلام . PageV09P324 # | 88 - باب : هجاء المشركين # / 154 - فيه : عائشة ، استأذن حسان النبى عليه السلام فى هجاء المشركين ، ~~فقال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( فكيف بنسبى ) ؟ فقال حسان : لأسلنك ~~منهم كما تسل الشعرة من العجين . / 155 - وفيه : عروة ، ذهبت أسب حسان عند ~~عائشة ، فقالت : لا تسبه ، فإنه كان ينافح عن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - . / 156 - وفيه : أبو هريرة فى قصصه يذكر النبى - صلى الله عليه ~~وسلم - ، يقول : ( إن أخا لكم لا يقول : الرفث - يعنى بذاك ابن رواحة - قال ~~: إذا انشق معروف من الفجر ساطع به موقنات أن ما قال واقع إذا استثقلت ~~بالكافرين المضاجع وفينا رسول الله يتلو كتابه أرانا الهدى بعد العمى ~~فقلوبنا يبيت يجافى جنبه عن فراشه / 157 - وفيه : أبو سلمة ، أنه سمع حسان ~~بن ثابت يستشهد أبا هريرة ، فيقول : نشدتك بالله ، هل سمعت النبى عليه ~~السلام يقول : ( يا حسان أجب عن رسول الله : اللهم أيده بروح القدس ) ؟ قال ~~أبو هريرة : نعم . PageV09P325 / 158 - وفيه : البراء ، قال النبى - صلى ~~الله عليه وسلم - لحسان : ( اهجهم - أو هاجهم - وجبريل معك ) . قال المؤلف ~~: هجاء المشركين أهل الحرب وسبهم جائز بهذه الأحاديث وأنه لا حرمة لهم إذا ~~سبوا المسلمين ، والانتصار منهم بذمهم وذكر كفرهم وقبيح افعالهم من أفضل ~~الأمال عند الله تعالى ألا ترى قوله عليه السلام لحسان : ( أهجهم وجبريل ~~معك ) وقوله : ( اللهم أيده بروح القدس ) وكفى بهذا فضلا وشرفا للعمل ~~والعامل به ، فأما إذا لم يسب أهل الحرب المسلمين فلا وجه لسبهم ؛ لأن الله ~~قد أنزل على نبيه فى قنوته على أهل الكفر : إن الله لم يبعثك لعانا ولا ~~سبابا ، وإنما بعثك عذابا ، فترك سبهم . فإن قيل : فما دليلك أن النبى عليه ~~السلام إنما أمر حسانا بهجاء المشركين لينتصر منهم ms3255 لهجوهم المسلمين ؟ . قيل ~~: قول عائشة : ( إنه كان ينافح عن رسول الله ) يقتضى ذلك تقول العرب : ~~نافحت عن فلان ونفحت عنه إذا خاصمت عنه ، والمخاصمة والمنافحة لا تكون إلا ~~من اثنين ؛ لأنها مفاعلة وكل مفاعلة تكون كذلك ، ويبين هذا قوله لأبى هريرة ~~: نشدتك الله هل سمعت النبى يقول : ياحسان أجب عن رسول الله ؟ قال : نعم . ~~فبان أن هجاء المشركين إنما كان مجازاة لهم على قبيح قولهم . روى ابن وهب ~~عن جرير بن حازم قال : سمعت ابن سيرين يقول : ( هجاء رسول الله والمسلمين ~~ثلاثة رهط من المشركين عمرو بن العاص ، وعبد الله بن الزبعرى ، وابو سفيان ~~، فقال المهاجرون : يارسول الله ، ألا تأمر عليا أن يهجو عنا هؤلاء القوم ؟ ~~PageV09P326 فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس على نالك . ثم قال رسول ~~الله : إذا القوم نصروا النبى بأيديهم وأسلحتهم فبألسنتهم أحق أن ينصروه . ~~فقالت الأنصار : أرادنا . فأتو حسان بن ثابت ، فذكروا له ذلك ، فأقبل حتى ~~وقف على النبى عليه السلام فقال : يارسول الله ، والذى بعثك بالحق ماأحب أن ~~لى بمقولى مابين صنعاء وبصرى . فقال رسول الله : أنت لها ياحسان . قال . ~~يارسول الله ، لا علم لى بقريش . فقال رسول الله لأبى بكر : أخبره عنهم ~~ونقب له فى مثالبهم . فهجاهم حسان وعبد الله بن رواحة وكعب بن مالك ) . ~~ورواه معمر ، عن أيوب ، عن ابن سيرين وقال : العصاص بن وائل مكان عمرو بن ~~العاص . قال المهلب : وأما قوله : ( كيف بنسبى ؟ ) فإنه أراد كيف تهجوهم ~~ونسبى المهذب الشريف فيهم فربما مسنى من الهجو ونصيب ! فقال حسان : ( ~~لأسلنك منهم ) أى : لأخلصنك من بينهم بالسلامة من الهجاء ، أى أهجوهم بما ~~لا يقدح فى نسبهم الماس له عليه السلام ، ولكن أهجوهم بسىء أفعالهم وبما ~~يخصهم عارة فى أنفسهم ، وتبقى فيهم وصمة من الأخلاق والأفعال المذمومة التى ~~طهر الله نبيه منها ونزهه من عيبها . وقوله فى عبد الله بن رواحة : ( إنه ~~لا يقول الرفث فى شعره ) فهو حجة أن ماكان من الشعر فيه ذكر الله والأعمال ~~الصالحة ، فهو حسن وهو الذى ms3256 قال فيه عليه السلام : ( إن من الشعر حكمة ) ~~وليس من المذموم الذى قال فيه عليه السلام : ( لأن يمتلىء جوف أحدكم قيحا ~~خير له من أن يمتلىء شعرا ) . PageV09P327 # | 89 - باب : ما يكره أن يكون الغالب على الإنسان الشعر حتى يصده عن ذكر ~~الله والعلم والقرآن # / 159 - فيه : ابن عمر ، قال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( لأن يمتلئ ~~جوف أحدكم قيحا خير له من أن يمتلئ شعرا ) . / 160 - وفيه : أبو هريرة ، ~~قال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( لأن يمتلئ جوف رجل قيحا حتى يريه خير ~~من أن يمتلئ شعرا ) . قال أبو عبيد : فسر العشبى هذا الحديث قال ومعنى قوله ~~: ( خير له من أن يمتلىء شعرا ) يعنى : الشعر الذى هجى به النبى - عليه ~~السلام . قال أبو عبيد : ولاذى عندى فى هذا الحديث غير هذا القول ؛ لأن ~~الذى هجى به النبى عليه السلام لو كان شطر بيت لكان كفرا ، فكأنه إذا حمل ~~وجه الحديث على امتلاء القلب منه أنه قد رخص فى القليل منه عن القرآن وعن ~~ذكر الله فيكون الغالب عليه ، فأما إذا كان القرآن والعلم الغالبين عليه ~~فليس جوفه ممتلئا من الشعر . وقوله : ( حتى يريه ) قال الأصمعى : هو من ~~الورى على مثال الرمى ، يقال منه : ( رجل مور ) غير مهموز مشدد وهو أن يروى ~~جوفه . وقال أبو عبيد : الورى هو أن يأكل القيح جوفه . وأنشد الصمعى : قالت ~~له وريا إذا تنحنحا . أى تدعو عليه بالوري . PageV09P328 # | 90 - باب : قول النبي - صلى الله عليه وسلم - ( تربت يمينك ) و ( وعقرى ~~حلقى ) # / 161 - فيه : عائشة ، إن أفلح أخا أبى القعيس استأذن على بعد ما نزل ~~الحجاب ، فقلت : والله لا آذن له حتى أستأذن النبى - صلى الله عليه وسلم - ~~، فقال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( إنه عمك ، تربت يمينك ) الحديث . ~~/ 162 - وفيه : عائشة ، أن النبى عليه السلام أراد أن ينفر ، فرأى صفية على ~~باب خبائها كئيبة حزينة ؛ لأنها كانت حاضت ، فقال : ( عقرى حلقى - لغة ~~لقريش . . . ) الحديث . قال المؤلف : قال ابن السكيت : يقال : تربت يداه ~~إذا افتقر ولم يدع ms3257 عليه بذهاب ماله ، وإنما أراد المثل ليرى المأمور بذلك ~~الجد وأنه إن خالفه فقد اساء ، وقال الأصمعى : فى قوله - صلى الله عليه ~~وسلم - : ( تربت يمينك ) ، و ( وتربت يداك ) معناه الاستثاث كما تقول : انج ~~تكلتك أمك ، وأنت لا تريد أن يثكل ، وقال أبو عمرو : أصابه التراب ولم يدع ~~بالفقر عليها . وقال أبو زيد : ترب إذا افتقر وإنما أراد بهذا أن فى يديه ~~التراب . قال النحاس : أى ليس يحصل فى يديه إلا التراب . وقال ابن كيسان : ~~المثل جرى على أنه إن فاتك ما أغريتك به افتقرت الذى عرف معناه ، وقال غيره ~~: هى كلمة لا يراد بها الدعاء ، وإنما تستعمل فى المدح كما قالوا للشاعر ~~إذا أجاد : قاتله الله لقد أجاد ، وكما قالوا : ويل أمة مسعر حرب ، وهو ~~يتعجب منه ويمدحه ولكنه دعاء PageV09P329 على أمه يالويل ، وهولايريد ~~الدعاء عليها من غضب ، وهذا كلامهم وهو مثل تربت يمينك . واختلف أهل اللغة ~~أيضا فى تأويل قوله : عقرى حلقى فقال صاحب العين : يقال للمرأة : عقرى حلقى ~~أى مشئومة ، ويقال : هو دعاء عليها على يراد عقرها الله وحلقها . وقال أبو ~~على القالى : عقرى من العقر دعاء على الإنسان وعقرا أيضا ، وحلقى من حلق ~~الرأس دعاء على الإنسان أيضا ، وحلقا أيضا . وقال ابن قتيبة : عقرى حلق أى ~~عقرها الله وأصابها بوجع فى حلقها . وقال أبو عبيد فى كتاب الأمثال : ومن ~~الدعاء قولهم عقرا حلقا وأهل الحديث يقولون : عقرى حلقى ، وقال فى غريب ~~الحديث : عقرى حلقى وعقرا حلقا . # | 91 - باب : ما جاء فى زعموا # / 163 - فيه : أم هانئ بنت أبى طالب ، قالت : يا رسول الله ، زعم ابن أمى ~~أنه قاتل رجلا قد أجرته ، فقال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( قد أجرنا ~~من أجرت ) . قال صاحب الأفعال : يقال : زعم زعما وزعما وزعما ذكر خبرا لا ~~يدرى أحق هو أم باطل ، وزعمت غير مزعم أى قلت غير مقول وادعيت مالا يمكن ، ~~وقد روى عن الرسول عليه السلام أنه قال : ( زعموا بئس مطية الجرل ) رواه ~~وكيع عن الأوزاعى ، عن يحيى ، عن أبى ms3258 قلابة ، عن أبى مسعود أو عن أبى عبد ~~الله ، عن النبى ، ومعناه أن من أكثر من الحديث بما لا يصح عنده ولايعلم ~~صدقه لم يؤمن عليه الكذب . PageV09P330 وفائدة حديث أم هانى أنها تكلمت ~~بهذه الكلمة بحضرة النبى عليه السلام ولم ينكرها ولا جعلها كاذبة بذكرها . # | 92 - باب ما جاء فى قول الرجل ويلك # / 164 - فيه : أنس ، أن رسول الله عليه السلام رأى رجلا يسوق بدنة ، فقال ~~: ( اركبها ) ، قال : إنها بدنة ، قال : ( اركبها ) ، ويلك ، فى الثانية أو ~~الثالثة . / 165 - وفيه : أنس ، كان النبى عليه السلام فى سفر ، وكان معه ~~غلام له أسود ، يقال له : أنجشة ، يحدو ، فقال : ( ويحك يا أنجشة ، رويدك ~~بالقوارير ) . / 166 - وفيه : أبو بكرة ، أثنى رجل على رجل عند النبى - صلى ~~الله عليه وسلم - ، فقال : ( ويلك ، قطعت عنق أخيك ، ثلاثا . . . ) ، ~~الحديث . / 167 - وفيه : أبو سعيد ، بينا النبى عليه السلام يقسم ذات يوم ~~يقسم قسما ، فقال ذو الخويصرة - رجل من بنى تميم - : يا رسول الله اعدل ، ~~قال : ( ويلك ، من يعدل إذا لم أعدل . . . ) ؟ الحديث . / 168 - وفيه : أبو ~~هريرة ، أن رجلا أتى النبى عليه السلام فقال : هلكت فقال : ( ويحك وما ~~أهلكك ) ؟ قال : وقعت على امرأتى فى رمضان ) . / 169 - وفيه : أبو سعيد ، ~~أن أعرابيا قال : يا رسول الله ، أخبرنى عن الهجرة ، فقال : ( ويحك ، إن ~~شأن الهجرة شديد . . . ) ، الحديث . / 170 - وفيه : ابن عمر ، قال النبى - ~~صلى الله عليه وسلم - : ( ويلكم - أو ويحكم ، شك شعبة - لا ترجعوا بعدى ~~كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض ) . / 171 - وفيه : أنس ، أن رجلا من أهل ~~البادية أتى النبى - صلى الله عليه وسلم - ، فقال : يا رسول الله ، متى ~~الساعة قائمة ؟ قال : ( ويلك ، وما أعددت لها ) ؟ . PageV09P331 قال سيبوية ~~: ويلك كلمة تقال لمن وقع فى هلكه ، ويحك ترحم بمعنى ويل . وقال بعض أهل ~~اللغة : ولا يراد بها الدعاء بإيقاع الهلكة لمن خوطب بها ، وإنما يراد به ~~المدح والتعجب كما تقول العرب : ويل أمه مسعر حرب على عادتها فى نقلها ~~الألفاظ الموضوعة فى بابها إلى غيره ، كما يقال : انج ، ثكلتك أمك ، وتربت ~~يداك ms3259 . وروى يحى بن معين قال : حدثنا معتمر بن سليمان قال : قال لى أبى : ~~أنت حدثتنى عنى عن عبيد الله بن عمر أن عمر بن الخطاب قال : ويح كلمة رحمة ~~. # | 93 - باب : علامة الحب فى الله لقوله تعالى : { إن كنتم تحبون الله ~~فاتبعونى يحببكم الله } # / 172 - فيه : عبد الله ، قال : قال النبى عليه السلام : ( المرء مع من ~~أحب ) . / 173 - فيه : وقال ابن مسعود ، مرة : جاء رجل إلى النبى عليه ~~السلام فقال : يا رسول الله كيف تقول فى رجل أحب قوما ، ولم يلحق بهم ؟ ~~فقال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( المرء مع من أحب ) . / 174 - وفيه : ~~أنس ، أن رجلا سأل النبى عليه السلام فقال : متى الساعة يا رسول الله ؟ قال ~~: ( ما أعددت لها ) ؟ قال : ما أعددت لها من كثير صلاة ولا صوم ولا صدقة ، ~~ولكنى أحب الله ورسوله ، قال : ( أنت مع من أحببت ) . قال المؤلف : علامة ~~حب الله حب رسوله واتباع سبيله والاقتداء PageV09P332 بسنته ؛ لقوله تعالى ~~: { إن كنتم تحبون الله فاتبعونى يحببكم الله } وقوله عليه السلام : ( ~~المرء مع من أحب ) فدل هذا أن من أحب عبدا فى الله فإن الله جامع بينه ~~وبينه فى جنته ومدخله مدخلة وإن قصر عن عمله ، وهذا معنى قوله : ( ولم يلحق ~~بهم ) يعنى فى العمل والمنزلة ، وبيان هذا المعنى - والله أعلم - أنه لما ~~كان المحب للصالحين وإنما أحبهم من أجل طاعتهم لله ، وكانت المحبة عملا من ~~أعمال القلوب واعتقادا لها أثاب الله معتقدا ذلك ثواب الصالحين إذ النية هى ~~الأصل والعمل تابع لها ، والله يوتى فضله من يشاء . # | 94 - باب : قول الرجل للرجل اخسأ # / 175 - فيه : ابن عباس ، أن النبى - صلى الله عليه وسلم - قال لابن صائد ~~: ( قد خبأت لك خبيئا ، فما هو ) ؟ قال : الدخ قال : ( اخسأ ) . / 176 - ~~وفيه : عمر ، أن النبى - صلى الله عليه وسلم - قال لابن صائد : ( اخسأ ، ~~فلن تعدو قدرك . . . ) ، وذكر الحديث . قال المؤلف : أخسأ زجر للكب وإبعاد ~~له ، هذا أصل هذه الكلمة عند العرب ثم استعملت فى كل من قال أو فعل ~~مالاينبغى ms3260 له مما زجره فبعد ، وفى القرآن : ( كونوا قردة خاسئين ) أى : ~~مبعدين ، وقال تعالى : ( اخسئوا فيها ولا تكلمون ) أى : ابعدوا بعد الكلاب ~~PageV09P333 ( ولا تكلمون ) فى رفع العذاب عنكم فكل من عصى الله سقطت حرمته ~~ووجب خطابه بالغلظة والشدة والذم له لينزع عن مذهبه ويرجع عن قبيح فعله . ~~وقالوا : ( فرضه النبى ) من رواه بالضاد فمعناه دفعه حتى وقع فتكسر يقال : ~~رض الشىء فهو رضيض ومرضوض إذا انكسر ، ومن رواه بالصاد فمعناه رصه حتى دخل ~~بعضه فى بعض يقال : رص البنيان والقوم فى الحرب رصا ، إذا قرب بعضها إلى ~~بعض ، ومنه قوله تعالى : ( كأنهم بنيان مرصوص ) . وفيه : أن الله لم يطلع ~~نبيه على الدجال متى يخرج فى أمته وأخفى عنه ذلك لما هو أعلم به ، فلا علم ~~لنبى مرسل ولاملك مقرب إلا بما أعلمه الله به ولذلك قالت الملاكة : ( لا ~~علم لنا إلا ما علمتنا ) . # | 95 - باب قول الرجل مرحبا # وقالت عائشة : قال النبى عليه السلام لفاطمة : ( مرحبا بابنتى ) وقالت أم ~~هانئ : جئت إلى النبى - صلى الله عليه وسلم - ، فقال : ( مرحبا بأم هانئ ) ~~. / 177 - فيه : ابن عباس ، قال النبى - صلى الله عليه وسلم - لوفد ~~عبدالقيس : ( مرحبا بالوفد الذين جاءوا غير خزايا ولا ندامى ) ، الحديث . ~~قال الأصمعى : معنى قوله ( مرحبا ) لقيت رحبا وسعة ، وقال الفراء : هو ~~منصوب على المصدر وفيه معنى الدعاء والرحب ، والترحب : السعة ، وتقول العرب ~~: مرحبا وأهلا وسهلا أى لقيت أهلا كأهلك ولقيت سهلا أى سهلت عليك أمورك . ~~PageV09P334 وقوله عليه السلام : ( غير خزايا ) يعنى غير مخزنين بل مكرمين ~~مرفعين . ولا ندامى يعنى : غير نادمين بل مغتبطين فرحين بما أنعم الله ~~عليهم من عز الإسلام ، وتصديق النبى ونصرته ودعاء قومهم إلى دينه . # | 96 - باب : هل يدعى الناس بآبائهم # / 178 - فيه : ابن عمر ، أن النبى عليه السلام قال : ( إن الغادر يرفع له ~~لواء يوم القيامة يقال هذه غدرة فلان بن فلان ) . قال المؤلف : مصداق هذا ~~الحديث فى قوله تعالى : ( وجعلناكم شعوبا وقبائل ) قال أهل التفسير : ~~الشعوب النسب الأبعد والقبائل النسب الأقرب يقال فلان من ms3261 بنى فلان ، غير أن ~~النسب إلى الآباء وإن كان هو الأصل فقد جاء فى الحديث أن يدعى المرء بأحب ~~أسمائه إليه ، وأحبها إليه أن يدعى بكنيته لما فى ذلك من توقيرة والدعاء ~~بالآباء أشد فى التعريف وأبلغ فى التميز ، وبذلك نطق القرآن والسنة . وقد ~~كان الأعراب الجفاء يأتون النبى عليه السلام وهو جالس مع أصاحبه فيقولون : ~~أيكم محمد بن عبد المطلب ، ولايذكرون ما شرفه الله من النوبة المعصومة ~~والرسالة المؤيدة فلا ينكر ذلك عليهم لما خصه الله به من الخلق العظيم ، ~~وجبله عليه من الطبع الشريف . وفى قوله عليه السلام : ( هذه غدرة فلان بن ~~فلان ) رد لقوله من زعم أنه لا يدعى الناس يوم القيامة إلا بأمتهم ؛ لأن فى ~~ذلك سترا على آبائهم ، وهذا الحديث خلاف قولهم . وفيه : جواز الحكم بظواهر ~~الأمور إذا لم يمكن علم بواطنها ؛ لأنه PageV09P335 قد يجوز أن يكون كثير ~~من الناس ممن يدعى إلى أبيه فى الظاهر ، وليس كذلك فى الباطن ، ودل عموم ~~هذا الحديث على أنه إنما يدعى الناس بالآباء ولايلزم داعيهم البحث عن حقيقة ~~أمورهم والتنقير عنهم . # | 97 - باب لا يقل خبثت نفسى ولكن ليقل لقست نفسى # / 179 - فيه : عائشة ، وسهل بن سعد ، قال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ~~( لا يقولن أحدكم : خبثت نفسى ، ولكن ليقل : لقست نفسى ) . قال المؤلف : ~~كان النبى يعجبه الاسم الحسن ويتفائل به ويكره الاسم القبيح ويغيره ، وكره ~~عليه السلام لفظ الخبيث إذ الخبث حرام على المؤمنين ، وقال أبو عبيد : ~~لقسمت وخبثت واحد لكنه استقبح لفظ خبثت . قال المؤلف : وليس قوله عليه ~~السلام ( لا يقولن أحدكم خبثت نفسى ) على معنى الأيحاء والحتم ، وإنما هو ~~من باب الأدب ، فقد قال فى الذى يعقد الشيطان على رأسه ثلاث عقد وينام عن ~~صلاة : ( أصبح خبيث النفس كسلان ) وقد نطق القرآن بهذه اللفظة فقال تعالى : ~~( ومثل كلمة خبيئة كشجرة خبيثة ) . PageV09P336 # | 98 - باب لا تسبوا الدهر # / 180 - فيه : أبو هريرة ، قال النبيى - صلى الله عليه وسلم - : ( قال ~~الله جل ثناؤه : يسب بنو آدم الدهر ، وأنا ms3262 الدهر ، بيدى الليل والنهار ) . ~~/ 181 - وفيه : أبو هريرة ، قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : ( لا تسموا ~~العنب الكرم ، ولا تقولوا : خيبة الدهر ، فإن الله هو الدهر ) . قال ~~الخطابى : كان أهل الجاهلية يضيفون المصائب والنوائب إلى الدهر الذى هو مر ~~الليل والنهار ، وهم فى ذلك فريقان ، فرقة لا تؤمن بالله ولا تعرف إلا ~~الدهر الليل والنهار اللذين هما محل للحوادث وظرف لمساقط الأقدار ، فنسبت ~~المكارة إليه على أنها من فعله ، ولا ترى أن لها مدبرا غيره وهذه الفرقة هى ~~الدهرية التى حكى الله عنهم : { وقالوا ما هى إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا ~~وما يهلكنا إلا الدهر } . وفرقة ثانية : تعرف الخالق فتنزهه أن تنسب إليه ~~المكارة فتضيفها إلى الدهر والزمان ، وعلى هذين الوجهين كانوا يذمون الدهر ~~ويسبونه ، فيقول القائل منهم : ياخيبة الدهر ، ويا بؤس الدهر ، فقال لهم ~~النبى - عليه السلام - مبطلا ذلك من مذهبهم : ( لا تسبوا الدهر على أنه ~~الدهر ، فإن الله هو الدهر ) يريد والله أعلم : لا تسبوا الدهر على أنه ~~الفاعل لهذا الصنع بكم ، فإن الله هو الفاعل له ، فإذا سببتم الذى أنزل بكم ~~المكارة رجع السب إلى الله وانصرف إليه . ومعنى قوله : ( أنا الدهر ) : أنا ~~ملك الدهر ومصرفه فحذف اختصارا للفظ واتساعا فى المعنى ، وبيان هذا فى حديث ~~أبى هريرة PageV09P337 حدثنا ابن الأعرابى ، حدثنا محمد سعيد بن غالب ، ~~حدثنا ابن نمير حدثنا هشام بن سعد ، عن زيد بن أسلم ، عن أبى صالح ، عن أبى ~~هريرة قال : قال رسول الله : ( يقول الله : أنا الدهر ، بيدى الليل والنهار ~~أجده وأبليه ، وأذهب بالملوك وآتى بهم ) . روى عبد الرزاق عن معمر ، عن ~~الزهرى ، عن ابن المسيب ، عن أبى هريرة قال : قال رسول الله : ( يقول الله ~~تعالى : يؤذينى ابن آدم ، يقول : ياخيبة الدهر ، فلا يقولن أحدكم ياخيبة ~~الدهر ، وإنى أنا الدهر أقلب ليله ونهاره ، وإذا شئت قبضتها ) . وقال ابن ~~النحاس : يجوز فيه نصب الراء من قوله : ( إن الله هو الدهر ) والمعنى : فإن ~~الله معمر الدهر أى : مقيم أبدأ الدهر . # | 99 - باب : قول النبى عليه ms3263 السلام وإنما الكرم قلب المؤمن # وقد قال : إنما المفلس الذى يفلس يوم القيامة ، كقوله : إنما الصرعة الذى ~~يملك نفسه عند الغضب ، كقوله : لا ملك إلا لله ، فوصفه بانتهاء الملك ، ثم ~~ذكر الملوك أيضا ، فقال : { إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها } [ النمل 34 ~~] . / 182 - فيه : أبو هريرة ، قال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( ~~ويقولون الكرم ، إنما الكرم قلب المؤمن ) . قال المهلب : قوله : ( إنما ~~الكرم قلب المؤمن ) وإنما المفلس والصرعة وإنما هو على المبالغة ، أى ليس ~~المفلس كل والإفلاس إلا من لم تكن له حسنات يوم القيامة من أجل أنه قد يكون ~~فى الدنيا مفلس من المال ، وهو غنى يوم القيامة بحسناته ، والغنى فى الدنيا ~~قد PageV09P338 يكون مفلسا يوم القيامة ، وهذا على المبالغة ، وكذلك الصرعة ~~، ليس الذى يغلب الناس ويصرعهم بقوته ، وإنما الصرعة الذى يملك نفسه . ~~وغرضه فى هذا الباب - والله أعلم - أن يعرف بمواقع الألفاظ المشتركة ، وأن ~~يقتصر فى الوصف على ترك المبالغة والإغراق فى الصفات إذا لم تستحق الموصوف ~~ذلك ولا يبلغ النهايات فى ذلك إلا فى مواضعها ، وحيث يليق الوصف بالنهاية ~~وقال ابن الأنبارى : سمى الكرم كرما ؛ لأن الخمر المشروبة من عنبه تحث على ~~السخاء وتأمر بمكارم الأخلاق كما سموها راحا قال الشاعر : والخمر مشتقه ~~المعنى من الكرم ولذلك قال عليه السلام : ( لا تسموا العنب الكرم ) كره أن ~~يسمى أصل الخمر باسم مأخوذ من الكرم ، وجعل المؤمن الذى يتقى شربها ويرى ~~الكرم فى تركها أحق بهذا الاسم الحسن . وقال أبو حاتم : قال رجل من أهل ~~الطائف : شققت من الصبا واشتق منى كما اشتقت من الكرم الكروم # | 100 - باب قول النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( فداك أبى وأمى ) # فيه الزبير / 183 - وفيه : على ، قال : ما سمعت النبى عليه السلام يفدى ~~أحدا غير سعد ، سمعته يقول : ( ارم فداك أبى وأمى ) ، أظنه يوم أحد . ~~PageV09P339 قد تقدم معنى تفدية الرجل لأخيه فى كتاب الجهاد ونذكر هنا مالم ~~يمض هناك . قال الطبرى : إن قال قائل : قول على : ( ماسمعت النبى - على ~~السلام - يفدى رجلا غير ms3264 سعد ) هل يعارض حديث الزبير ؛ فقد روى هشام بن عروة ~~، عن أبيه ( أن عبد الله بن الزبير قال يوم الخندق للزبير : ياأبه ، لقد ~~رأيتك تحمل على فرسك الأشقر . قال : هل رأيتنى أى بنى ؟ قلت : نعم . قال : ~~كان رسول الله يجمع لأبيك أبويه ، يقول : احمل فداك أبى وأمى ) . قال ~~الطبرى : وقول الزبير غير دافع صحة ماقال علي ؛ لأن عليا إنما أخبر عن نفسه ~~أنه لم يسمع النبى جمع أبويه لأحد غير سعد ، فجائز أن يكون جمع للزبير ~~أبويه ولم يسمعه على وسمعه الزبير ، فأخبر كل واحد منهما بما سمع ، وليس فى ~~قول من قال : لم أسمع فلانا يقول كذا نفى منه أن يكون سمع ذلك منه غيره ، ~~ولا فى قول من قال : سمعت فلانا يقول يقول كذا إيجاب منه أن يكون لا أحد ~~إلا وقد سمع ذلك الخبر منه . # | 101 - باب قول الرجل : جعلنى الله فداك # وقال أبو بكر للنبى عليه السلام : فديناك بآبائنا وأمهاتنا . / 184 - فيه ~~: أنس ، أنه أقبل هو وأبو طلحة مع النبى عليه السلام ومعه صفية مردفها على ~~راحلته ، فلما كانوا ببعض الطريق عثرت الناقة ، فصرع النبى عليه السلام ~~والمرأة ، وأن أبا طلحة قال : أحسب اقتحم عن بعيره ، فأتى PageV09P340 ~~النبي عليه السلام فقال : يا نبى الله ، جعلنى الله فداك ، هل أصابك من شىء ~~؟ قال : ( لا ، ولكن عليك بالمرأة ) ، فألقى أبو طلحة ثوبه على وجهه ، فقصد ~~قصدها ، فألقى ثوبه عليها ، فقامت المرأة ، فشد لهما على راحلتهما فركبا . ~~. . . الحديث . قال المؤلف : وفى هذا الباب رد قول من لم يجز تفديه الرجل ~~للرجل بنفسه أو بأبويه ، زعموا أنه فدى النبى سعدا بأبويه ، لأنهما كانا ~~مشتركين ، فأما المسلم فلا يجوز له ذلك . قالوا : وروى عن عمر بن الخطاب أن ~~رجلا قال له : جعلنى الله فداك . قال : إذا يهينك الله . . وقد ثبت فى هذا ~~الباب عن الصديق ، وعن أبى طلحة أنهما فديا النبى فلم ينكر ذلك عليهما ، ~~ولأنهاهما عنه ، وقد تقدم فى كتاب الجهاد متصلا بباب الترسة . # | 102 - باب : قول الرجل لصاحبه يا ms3265 أبا فلان وأحب الأسماء إلى الله # / 185 - فيه : جابر ، قال : ولد لرجل منا غلام ، فسماه القاسم ، فقلنا : ~~لا نكنيك أبا القاسم ، ولا كرامة ، فأخبر النبى عليه السلام فقال : ( سم ~~ابنك عبدالرحمن ) . قال المؤلف : جاء فى هذا الحديث عن عمر بن الخطاب أنه ~~قال : يصفى للمرء ود أخيه المسلم أن يدعوه بأحب الأسماء إليه ، ويوسع له فى ~~المجلس ويسلم عليه إذا لقيه ، وإذا قال له يا أبا فلان وكناه فقد أكرمه ~~وتلطف له فى القول ، وذلك مما يثبت الود . PageV09P341 وروى ابن لهيعة عن ~~أبى قبيل عن عبد الله بن عمر ، عن النبى عليه السلام قال : ( تكنوا فإنه ~~أكرم للمكنى والمكنى ) . وأما أحب الأسماء إلى الله فذكر أبو داود بإسناده ~~عن عبيد الله ، عن نافع ، عن ابن عمر عليه السلام أنه قال : ( أحب الأسماء ~~إلى الله - عز وجل - عبد الله وعبد الرحمن ) وعن عوف ، عن الحسن قال : ~~بلغنى أن رسول الله قال : ( من خير أسمائكم عبد الله وعبد الرحمن ) . # | 103 - باب قول النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( سموا باسمى ولا تكنوا ~~بكنيتى ) # ( 1 ) / 186 - فيه : [ سقط ] قال الطبرى : إن قال قائل : ماوجه هذا ~~الحديث وقد جمع جماعة من أصحاب النبى عليه السلام بين اسمه وكنيته منهم على ~~بن أبى طالب كنى ابنه محمد ابن الحنفية : أبا القاسم ؟ قيل : قد اختلف ~~السلف فبلنا فى ذلك ، فقالت طائفة : غير جازلأحد أن يكنى نفسه أو ولده أبا ~~القاسم ، أو إن يسميه قاسما ليكنى الأب أبا القاسم ، فأما أن يسمى ابنه ~~محمدا فذلك له ، واعتلوا بحديث جابر وأبى هريرة ، قالوا : فأذن النبى ~~بالتسمى باسمه ، ونهى عن التكنى بكنيته . PageV09P342 ذكر من روى ذلك عنه : ~~روى ابن سيرين قال : كان مروان بن الحكم يسمى ابنه القاسم ، وكان رجل ~~الأنصار يسمى ابنه القاسم ، فلما بلغهما هذا الحديث بالنهى سمى مروان عبد ~~الملك ، وغير الأنصارى اسم ابنه . وقال ابن عون : سالت ابن سيرين عن الرجل ~~يكنى بكنية النبى ولم يسم باسمه ، أيكره ؟ قال : نعن . وقال زبيد الأيامى : ~~كان الرجل منا ms3266 إذا يكنى بأبى القاسم كنيناه أبا القاسم . وقالت طائفة : غير ~~جائز أن يجمع أحد بين اسم النبى وكنيته ، فإن سماه محمدا لم يكن له أن ~~يكنيه أبا القاسم ، فإن كناه أبا القاسم ولم يكن له أن يسميه محمدا ولا ~~أحمد ، واعتلوا بما حدثنا به يوسف بن موسى القطان ، حدثنا مسلم بن إبراهيم ~~، حدثنا هشام الدستوائى ، حدثنا أبو الزبير عن جابر أن رسول الله قال : ( ~~من تسمى باسمى فلا يتكنين بكنيتى ، ومن تكنى بكنيتى فلا يستمين باسمى ) . ~~وقال آخرون : جائز : أن يجمع بين اسم النبى وكنيته ، واعتلوا بما حدثنا ~~محمد بن خلف ، حدثنا محمد بن الصلات ، حدثنا الربيع بن منذر الثورى ، عن ~~أبيه ، عن محمد ابن الحنيفة قال : ( وقع بين على وبين طلحة كلام ، فقال له ~~طلحة : إنك لجرىء جمعت بين اسم رسول الله وكنيته ، وقد نهى رسول الله عن ~~ذلك . فقال له على : الجرىء كل الجررىء من قال على رسول الله مالم يقل . ثم ~~استشهد على أناسا فشهدوا له أن رسول الله رخص له فى ذلك ، وقد سمى ~~PageV09P343 طلحة ابنه محمدا وكناه أبا القاسم ) ولو صح حديثه ماخالف ~~مارواه عن النبى عليه السلام وقال : إذن النبى لعلى أن يسمى ابنه محمدا ~~ويكنيه أباالقاسم إطلاق منه ذلك لجميع أمته ؛ إذ لم يخبر أنه خص بذلك عليا ~~دون سائر أمته . وقد سمى ولده باسم النبى وكناه بكنيته جماعة من السلف . ~~وروى عشيم عن كغيرة عن إبراهيم أن محمد بن الأشعث كان يكنى أبا القاسم وكان ~~يدخل على عائشة فتكنيه بذلك روان بن معاوية ، عن محمد بن عمران الحجبى عن ~~جدته صفية بنت شيبة ، عن عائشة قالت : جاءت امرأة إلى النبى عليه السلام ~~فقالت : يارسول الله ، ولد لى غلم فسميته محمدا وكنيته بأبى القاسم ، ~~فبلغنى أنك تكره ذلك ، فقال رسول الله : ( ما حرم اسمى وأحل كنيتى وما حرم ~~كنيتى وأحل اسمي ) . وقال آخرون : غير جائز لأحد أن يسمى باسم النبى عليه ~~السلام ذكر من قال ذلك : حدثنا محمد بن بشار ، حدثنا معاذ بن ms3267 هشام قال : ~~حدثنى أبى ، عن قتادة ، عن سالم بن أبى الجعد قال : كتب عمر إلى أهل الكوفة ~~الا تسموا أحدا باسم نبى . واعتلوا بما حدثنى محمد بن بشار ، حدثنا أبو ~~داود ، حدثنا الحكم بن عطية ، عن ثابت ، عن أنس قال : قال النبى - عله ~~السلام - ( تسمون أولادكم محمدا ثم تلعنوهم ) . PageV09P344 قال الطبري : ~~والصواب عندنا أن يقال كل هذه الأخبار عن النبي صحيح ، وليس فى شىء منها ~~مايدفع غيره ولا ينسخه ، ولو كان فيها ناسخ أو منسوخ لنقلت الأمة بيان ذلك ~~، وإنما كان نهى النبي عن التكنى بكنيته تكرها إعلاما منه أمته أن الجميع ~~بين اسمه وكنيته أو التكنى بكنيته على الكراهة لا على التحريم ، وذلك أنه ~~لو كان على التحريم لم تجهل الأمة ذلك ولم يطلق المهاجرون والأنصار ذلك لمن ~~فعله ولأنكروه ، وفى تركهم إنكاره دليل على صحة قولنا . وقال غير الطبرى : ~~وإنما نهى النبي عليه السلام أن يجمع بين اسمه وكنيته تعزيزا له وتوقرا ؛ ~~لئلا يدعى غيره باسمه فيظن عليه السلام أنه هو المدعو به فيعنت بذلك ، وقد ~~روى غيره أن هذا المعنى كان سبب هذا الحديث ، روى أبو عيسى الترمذى : حدثنا ~~الحسن بن على الخلال ، حدثنا يزيد بن هارون ، عن حميد ، عن أنس ، عن النبي ~~: ( أنه سمع رجلا ينادى فى السوق ياأبا القاسم ، فالتفت عليه السلام ، فقال ~~له الرجل : لم أعنك ، فقال عليه السلام : لا تكنوا بكنيتى ) وقد أمر الله ~~عباده المؤمنين أن لا يجعلوا دعاء الرسول بينهم كدعاء بعضهم بعضا ، وأن لا ~~يرفعوا أصواتهم فوق صوته ، ولايجهروا له بالقول ، وهذا كله حض على توقره ~~وإجلاله وتخصيصه بكنيته لا يدعى بها غيره من إجلاله وتوقرة . # | 104 - باب : اسم الحزن # / 187 - فيه : ابن المسيب ، عن أبيه ، أن أباه جاء إلى النبي ، عليه ~~السلام ، PageV09P345 فقال : ( ما اسمك ) ؟ قال : حزن ، قال : ( أنت سهل ) ~~، قال : لا أغير اسما سمانيه أبى . قال ابن المسيب : فما زالت الحزونة فينا ~~بعده . قال المؤلف : هذا الحديث يدل أن أمره عليه السام بتغيير الأسماء ~~المكروهة ليس على وجه ms3268 الوجوب ، وأن ذلك على معنى الكراهية ؛ لأنه لو كان ~~على معنى الوجوب لم يجز لجد سعيد الثبات على حزن ، ولاسوغ النبي ذلك ، ~~وسيأتى بعد هذا . وروى أبو دود : حدثنا مسدد ، حدثنا هشيم ، عن داود بن ~~عمرو ، عن عبد الله بن أبى زكريا ، عن أبى الدرداء قال : قال رسول الله : ( ~~إنكم تدعون يوم القيامة بأسمائكم وأسماء آبائكم ، فأحسنوا أسماءكم ) . # | 105 - باب : تحويل الاسم إلى اسم أحسن منه # / 188 - فيه : سهل ، أتى بالمنذر بن أبى أسيد إلى النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - حين ولد ، فوضعه على فخذه ، وأبو أسيد جالس ، فلها النبي عليه ~~السلام بشىء بين يديه ، فأمر أبو أسيد بابنه ، فاحتمل من فخذ النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - ، فاستفاق النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فقال : ( أين ~~الصبى ) ؟ فقال أبو أسيد : قلبناه يا رسول الله ، قال : ( ما اسمه ) ؟ قال ~~: فلان ، قال : ( لكن أسمه المنذر ) ، فسماه يومئذ المنذر . / 189 - وفيه : ~~أبو هريرة ، أن زينب كان اسمها برة ، فقيل : تزكى نفسها ، فسماها رسول الله ~~عليه السلام زينب . / 190 - وفيه : ابن المسيب ، أن جده حزنا قدم على النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - فقال : ( ما اسمك ) ؟ قال : اسمى حزن ، قال : ( بل ~~، أنت سهل ) ، قال : ما أنا بمغير اسما سمانيه أبى . قال المؤلف : قد قدمنا ~~قبل هذا أن النبي عليه السلام كان PageV09P346 يعجبه تغيير الاسم القبيح ~~بالاسم الحسن على وجه التفاؤل والتيمن ؛ لأنه كان يعجبه الفأل الحسن ، وقد ~~غير رسول الله عدة أسامى ، غير برة بزينب وحول اسم عبد الله بن عمرو بن ~~العاص إلى عبد الله كراهة لاسم العصيان الذى هو مناف لصفة المؤمن ، وإنما ~~شعار المؤمن الطاعة وسمته العبودية . قال الطبرى : فلا ينبغى لأحد أن يتسمى ~~باسم قبيح المعنى ، ولا باسم معناه التزكية والمدجح ، ولا باسم معناه الذم ~~والسب ، بل الذى ينبغى أن يسمى به ما كان حقا وصدقا ، كما أمر الذى سمى بنه ~~القاسم أن يسميه عبد الرحمن ، إذ كان الصدق الذى لا شك فيه أنه عبد الرحمن ~~فسماه بحقيقة معناه ، وإن كانت الأسماء ms3269 العوارى لم توضع على المسميات ~~لصفاتها بل للدلالة على أشخاصها خشية أن يسمع سامع باسم العاصى فيظن أن ذلك ~~له صفة ، وأنه إنما سمى بذلك لمعصية ربه ، فحول ذلك عليه السلام إلى ما ~~لإذا دعى به كان صدقا . وأما تحويله بره إلى زينب ؛ فلأن ذلك كان تزكية ~~ومدحا فحوله إلى ما لا تزكيه فيه ولا ذم ، وعلى هذا النحو سائر الأسماء ~~التى غيرها رسول الله ، فأولى الأسماء أن يتسمى بها أقربها إلى الصدق ~~وأحرها أن لا يشكل على سامعها ؛ لأن الأسماء إنما هى للدلالة والتعريف ، ~~وبهذا وردت الآثار عن النبى - عليه السلام . روى أبو داود فى مصنفه حدثنا ~~عن أبى وهب الخشنى - وكانت له صحبة ، عن النبى عليه السلام أنه قال : ( أحب ~~الأسماء إلى الله : PageV09P347 عبد الله وعبد الرحمن ، وأصدقها حارث وهمام ~~، وأقبها حرب ومرة ) وروى عطاء عن أبى سعيد الخدرى قال : قال النبى - صلى ~~الله عليه وسلم - : ( لا تسموا أبناءكم حكما ولا أبا الحكم ، فإن الله هو ~~الجكيم العليم ) . قال الطبرى : وليس تغيير رسول الله ماغير من الأسماء على ~~وجه المنع للتسمى بها ؛ بل ذلك على وجه الاختيار ؛ لأن الأسماء لم يسم لها ~~لوجود معانيها فى المسمى بها ، وإنما هى للتمييز ، ولذلك أباح المسلمون أن ~~يتسمى الرجل القبيح بحسن ، والرجل الفاسد بصالح ، يدل على ذلك قول جد ابن ~~المسيب للنبى عليه السلام حين قال له أنت سهل : ماكنت أغير اسما سمانيه أبى ~~، فلم يلزمه الانتقال عنه على كل حال ، ولا جعله بثباته عليه آثما بربه ، ~~ولو كان آثما بذلك لجبره على النقلة عنه ، إذ غير جائز فى صفته عليه السلام ~~أن يرى منكرا وله إلى تغييره سبيل . # | 106 - باب : من تسمى بأسماء الأنبياء عليهم السلام # / 191 - فيه : إسماعيل ، قلت لابن أبى أوفى : رأيت إبراهيم ابن النبى - ~~صلى الله عليه وسلم - ؟ قال : مات صغيرا ، ولو قضى أن يكون بعد محمد عليه ~~السلام نبى عاش ابنه ، ولكن لا نبى بعده . / 192 - وفيه : البراء ، قال : ~~لما مات إبراهيم قال النبى - صلى الله ms3270 عليه وسلم - : ( إن له مرضعا فى ~~الجنة ) . / 193 - وفيه : جابر ، قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : ( ~~سموا باسمى ، ولا تكتنوا بكنيتى . . . ) الحديث . PageV09P348 / 194 - وفيه ~~: أبو هريرة ، عن النبى مثله . / 195 - وفيه : أبو موسى ، قال : ولد لى ~~غلام ، فأتيت به النبى - صلى الله عليه وسلم - ، فسماه إبراهيم ، وحنكه ~~بتمرة . . . الحديث . / 196 - وفيه : المغيرة بن شعبة ، قال : كسفت الشمس ~~يوم مات إبراهيم . ورواه أبو بكرة ، عن النبى عليه السلام . قال المؤلف : ~~هذه الأحاديث تدل على جواز التسمية بأسماء الأنبياء عليهم السلام ، وقد قال ~~سعيد بن المسيب : أحب الأسماء إلى الله أسماء الأنبياء ، وقد يرد قول من ~~كره التسمية بأسماء الأنبياء ، وهى رواية جاءت عن عمر بن الخطاب ، عن طريق ~~قتادة ، عن سالم بن أبى الجعد قال : كتب عمر إلى أهل الكوفة ألا يتسمى أحد ~~باسم نبى ، وقد مر فى باب قوله : ( تسموا باسمى ، ولاتكنوا بكنيتى ) . وذكر ~~الطبرى أن حجة هذا القول حديث الحكم بن عطية عن ثابت عن أنس قال النبى : ( ~~تسمون أولادكم محمدا ثم تلعنوهم ) والحكم بن عطية ضعيف ، ذكره البخارى فى ~~كتاب الضعفائ ، وقال : كان أبو الوليد يضعفه ، وليس قوله عليه السلام : ( ~~تسمون أولادكم محمدا ثم تلعنوهم ) لو صح عن النبى عليه السلام بمانع أن ~~يتسمى أحد باسم محمد ، فقد أطلق ذلك وأباحه بقوله : ( تسموا باسمى ) وسمى ~~ابنه إبراهيم باسم الخليل - عليل السلام وإنما فيه النهى عن أن يسمى أحد ~~ابنه محمدا ثم يلعنه . PageV09P349 # | 107 - باب : تسمية الوليد # / 197 - فيه : أبو هريرة ، قال : لما رفع النبى عليه السلام رأسه من ~~الركعة ، قال : ( اللهم أنج الوليد بن الوليد . . . ) الحديث . قال المؤلف ~~: هذا الحديث يرد ماروى معمر الزهرى قال : ( أراد رجل أن يسمى ابنا له ~~الوليد ، فنهاه النبى وقال : إنه سيكون رجل اسمه الوليد يعمل فى أمتى كما ~~عمل فرعون فى قومه ) و حديث أبى هريرة أثبت فى الحجة من بلاغ الزهرى ، فهو ~~أولى منه . # | 108 - باب : من دعا صاحبه فنقص من اسمه حرفا # وقال أبو هريرة : قال لى النبى - صلى الله ms3271 عليه وسلم - : ( يا أبا هر ) . ~~/ 198 - فيه : عائشة ، قال النبى ، عليه السلام : ( يا عائش ، هذا جبريل ~~يقرئك السلام ) ، قلت : وعليه السلام ورحمة الله ، قالت : وهو يرى ما لا ~~أرى . / 199 - وفيه : أنس ، قال النبى - صلى الله عليه وسلم - لأنجشة : ( ~~يا أنجش ، رويدك ، سوقك بالقوارير ) . أما قوله عليه السلام : ( ياعائش ) ( ~~يا أنجش ) فهو من باب النداء المرخم ، والترخيم : نقصان أواخر الأسماء ، ~~تفعل ذلك العرب على وجه التخفيف ، ولاترخم ماليس منادى إلا فى ضرورة الشعر ~~ولاترخم من الأسماء إلا ماكان من ثلاثة أحرف ؛ لأن الثلاثة أقل الأصول إلا ~~ماكان فى آخره هاء التأنيث فإنه يرخم PageV09P350 قلت حروفه أو كثرت ، ~~فتقول فى ترخيم عائشة وأنجشة : ياعائش ، وياأنجش ، وفى ترخيم مالك : يامال ~~أقبل ، ويا حار للحارث ، وفى ترخيم جعفر : ياجعف أقبل فنخذف الراء وندع ~~ماقبلها على حركته ، ومن العرب من إذا رخم الاسم حذف منه آخره وجعل مابقى ~~اسما على حيالة بمنزلة اسم لم يكن فيه ماحذف منه فبناه على الضم فقال : ~~يامال ، وياحار ، وياجعف ، فيجوز على هذا ياعائش وياأنجش . وأما قوله : ( ~~ياأبا هر ) فليس من باب الترخيم ، وإنما هو نقل اللفظ من التصغير والتأنيث ~~إلى التكبير والتذكير ؛ لأن أبا هريرة كناه النبى عليه السلام بتصغير هرة ~~كانت له فخطابه باسمها مذكرا فهو وإن كا نقصانا من اللفظ ففيه زيادة فى ~~المعنى . # | 109 - باب : الكنية للصبى وقبل أن يولد للرجل # / 200 - فيه : أنس ، كان النبى عليه السلام أحسن الناس خلقا ، وكان لى أخ ~~يقال له : أبو عمير - قال أحسبه فطيما - وكان إذا جاء ، قال : ( يا أبا ~~عمير ، ما فعل النغير ) ؟ نغر كان يلعب به ، فربما حضر الصلاة ، وهو فى ~~بيتنا ، فيأمر بالبساط الذى تحته ، فيكنس ، وينضح ، ثم يقوم ونقوم خلفه ~~فيصلى بنا . الكنية إنما هى على معنى الكرامة والتفاؤل أن يكون أبا ويكون ~~له ابن ، وإذا جاز أن يكنى الصبى فى صغره ، فالرجل قبل أن يولد له أولى ~~بذلك . PageV09P351 وروي عن عمر بن الخطاب أنه قال : عجلوا بكنى أولادكم لا ~~تسرع إليهم ألقاب السوء ms3272 . وهذا كله من حسن الأدب ومما يثبت الود ، وفى هذا ~~الحديث جواز المزاح مع الصبى الصغير . وفيه : جواز لعب الصبيان الصغار ~~بالطير ، واتخاذها لهم وتسليتهم بها . وفيه : استعمال النضح فيما يشك فى ~~طهارته ولم تتيقن نجاسته . # | 110 - باب : التكنى بأبى تراب وإن كانت له كنية أخرى # / 201 - فيه : سهل ، إن كانت أحب أسماء على إليه لأبو تراب ، وإن كان ~~ليفرح أن ندعوه بها ، وما سماه أبو تراب إلا النبى - صلى الله عليه وسلم - ~~، غاضب يوما فاطمة ، فخرج فاضطجع إلى الجدار إلى المسجد ، فجاءه النبى عليه ~~السلام يتبعه ، فقال : هو ذا مضطجع فى الجدار ، فجاءه النبى - صلى الله ~~عليه وسلم - ، وامتلأ ظهره ترابا ، فجعل النبى عليه السلام يمسح التراب عن ~~ظهره ، ويقول : ( اجلس يا أبا تراب ) . قال المؤلف : الكنية موضوعة لإكرام ~~المدعو بها وإتيان مسرته ؛ لأنه لا يتكنى المرء إلا بأحب الكنى إليه ، وهو ~~مباح له أن يتكنى بكنيتين إن اختار ذلك ولاسيما إن كناه بإحداهما رجل صالح ~~أو عالم ، فله أن يتبرك بكنيته لأن عليا كان أحب الكنى اليه : أبا تراب . ~~وفى هذا الحديث أن أهل الفضل قد يقع بينهم وبين أزواجه ماجبل الله عليه ~~البشر من الغضب والحرج حتى يدعوهم ذلك إلى الخروج عن بيوتهم ، وليس ذلك ~~بعائب لهم . PageV09P352 وفيه ما جبل الله عليه رسوله من كرم الأخلاق وحسن ~~المعاشرة وشدة التواضع ، وذلك أنه طلب عليا وأتبعه حتى عرف مكانه ولقيه ~~بالدعابة ، وقال له : ( اجلس أبا تراب ) ومسح التراب عن ظهره ليبسطه ويذهب ~~غيظه وتسكن نفسه بذلك ، ولم يعاتبه على مغاضبته لابنته . وفيه من الفقه ~~الرفق بالأصهار وترك معاتبتهم وقد تقدم هذا المعنى فى كتاب الاستئذان فى ~~باب القائلة فى المسجد ، وتقدم الحديث أيضا فى باب نوم الرجل فى المسجد فى ~~كتاب الصلاة . # | 11 - باب : أبغض الأسماء إلى الله # / 202 - فيه : أبو هريرة ، قال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( أخنى ~~الأسماء عند الله يوم القيامة رجل تسمى ملك الأملاك ) . / 203 - وفيه : أبو ~~هريرة رواية ، قال : ( أخنع اسم عند الله ms3273 - وقال سفيان غير مرة : أخنع ~~الأسماء عند الله - رجل تسمى بملك الأملاك ) ، قال سفيان : يقول غيره ~~تفسيره : شاهان شاه . قال المؤلف : شاهان شاه بالفارسية هو ملك الملوك . ~~وقد روى سفيان ، عن ابن أبى نجيح ، عن مجاهد قال : أكره الأسماء إلى الله ~~ملك الأملاك وإنما كان ملك الأملاك أبغض إلى الله وأكره إليه أن يسمى به ~~مخلوق ؛ لأنه صفة الله ، ولا تليق بمخلوق صفاته ولا أسماؤه ، ولا ينبغى أن ~~يتسمى أحد PageV09P353 بشيء من ذلك لأن العباد لا يصفون إلا بالذل والخضوع ~~والعبودية وقد تقدم حديث عطاء عن أبى سعيد الخدرى ، عن النبى عليه السلام ~~أنه قال : ( لا تسموا أبناءكم حكما ولا أبا الحكم ؛ فإن الله هو الحكيم ~~العليم ) . وقوله : ( أخنع الأسماء عند الله ) معناه : أذل الأسماء عند ~~الله قال صاحب الأفعال : يقال : خنع الرجل إذا ذل وأعطى الحق من نفسه . ~~فعاتب الله من طلب الرفعة فى الدنيا بما لا يحل له من صفات ربه بالذل يوم ~~القيامة ، كما جاء فى الحديث : ( إن المتكبرين يحشرون يوم القيامة فى صور ~~الذر يطوؤهم الناس بأقدامهم ) . # | 112 - باب كنية المشرك # وقال المسور : سمعت النبى عليه السلام يقول : ( إلا أن يريد ابن أبى طالب ~~) . / 204 - فيه : أسامة ، أن النبى - صلى الله عليه وسلم - ركب على حمار ~~عليه قطيفة فدكية ، وأسامة وراءه يعود سعد بن عبادة . . . الحديث ، فقال ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( أى سعد ، ألم تسمع ما قال أبو حباب ) ~~- يريد عبدالله بن أبى - ؟ فعفا عنه النبى - صلى الله عليه وسلم - ، وكان ~~النبى - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه يعفون عن المشركين وأهل الكتاب كما ~~أمرهم الله ، ويصبرون على الأذى ، قال الله تعالى : { ولتسمعن من الذين ~~أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيرا } وكان النبى عليه ~~السلام يتأول فى العفو عنهم ما أمره الله به حتى أذن له فيهم . . . الحديث ~~. / 205 - وفيه : عباس بن عبد المطلب ، قلت : يا رسول الله ، هل نفعت أبا ~~PageV09P354 طالب بشيء ؛ فإنه كان يحوطك ويغضب لك ؟ قال : ( نعم ، هو فى ms3274 ~~ضحضاح من نار ، ولولا أنا لكان فى الدرك الأسفل من النار ) . فيه : جواز ~~كنية المشركين على وجه التألف لهم بذلك رجاء رجوعهم وإسلامهم أو لمنفعة ~~عندهم فأما إذا لم يرج ذلك منهم فلا ينبغى تكنتيتهم ، بل يلقون بالإغلاظ ~~والشدة فى ذات الله ألا ترى قوله فى الحديث ( إن النبى عليه السلام كان ~~يتأول فى العفو عنهم ماأمره الله به حتى أذن له فيهم ) يعنى أذن له فى ~~قتالهم والشدة عليهم ، وآيات الشدة والقتال ناسخة لآيات الصفح والعفو . فإن ~~قال قائل : قولك إنه لا يجوز تكنية المشرك إلا على وجه التألف له ورجاء ~~المنفعة بذلك قول حسن ، فما معنى تكنية أبى لهب فى القرآن المتلو إلى يوم ~~القيامة ، وماوجه التألف ورجاء المنفعة فى ذلك ؟ قيل له : ليست تكنية أبى ~~لهب من هذا الباب ، ولا من طريق التعظيم للمكنى فى شىء ، وقد تأول أهل ~~العلم فى ذلك وجوها ، أحدها ذكره ثعلب قال : إنما كنى الله أبا لهب ؛ لأن ~~اسمه عبد العزى ، والله تعالى ولايجعله عبدا لغيره . والثانى : أخبرت به عن ~~الفقيه ابن أبى زمنين أنه قال : اسم أبى لهب عبد العزى ، وكنيته أبو عتبة ، ~~وأبو لهب لقبه ، وأنما لقب به فيما ذكر ابن عباس - لأنه وجهه كان يتلهب ~~جمالا ، فليس بكنية . والثالث : يحتمل أن تكون تكنيته من طريق التجنيس فى ~~البلاغة ومقابلة اللفظ بما شابهه ، فكنى فى أول السورة بأبى لهب ؛ لقوله في ~~آخرها : PageV09P355 ( سيصلى نارا ذات لهب ) فجعل الله ماكان يفخر به فى ~~الدنيا ويوينه فى جماله سببا إلى المبالغة فى خزيه وعذابه ، وليس ذلك من ~~طريق الترفيع والتعظيم . وقال الطبرى فى حديث العباس : فيه الدليل على أن ~~الله تعالى قد يعطى الكافر عوضا من أعماله التى مثلها تكون قربة لأهل ~~الإيمان بالله ؛ لأنه عليه السلام أخبر أن عمه أبا طالب قد نفعته نصرته ~~إياه وحياطته له أن يخفف عنه من العذاب فى الآخرة الذى لو لم ينصره فى ~~الدنيا لم يخفف عنه ، فعلم بذلك أن ذلك عوض من الله له ms3275 مع كفره به لنصرته ~~لرسوله ، لا على قرابته منه ، فقد كان لأبى لهب من القرابة مثل ماكان لأبى ~~طالب ، فلم ينفعه ذلك إذ كان له مؤذيا ؛ بل قال تعالى : ( تبت يدا أبى لهب ~~) . والضحضاح من النار : الرقيق الخفيف ، وكذلك الضحضاح من الماء ، ومن كل ~~شىء : هو القليل الرقيق منه . والدرك الأسفل من النار : الطبقة السفلى من ~~أطباق جهنم . وقد تأول بعض السلف أن الدرك الأسفل توابيت من نار تطبق عليهم ~~. # | 113 - باب : المعارض مندوحة عن الكذب # وقال أنس : مات ابن لأبى طلحة ، فقال : كيف الغلام ؟ قالت أم سليم : هدأ ~~نفسه ، وأرجو أن يكون قد استراح وظن أنها صادقة . / 206 - فيه : أنس ، كان ~~النبى عليه السلام فى سفر له ، فحدا الحادي PageV09P356 فقال رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - : ( أرفق يا أنجشة - ويحك - بالقوارير ) . قال أبو ~~قلابة : يعنى النساء . / 207 - فيه : وقال أنس مرة : ( لا تكسر القوارير ) ~~. قال قتادة : يعنى ضعفة النساء . / 208 - وفيه : أنس ، كان بالمدينة فزع ، ~~فركب النبى عليه السلام فرسا لأبى طلحة ، فقال : ( ما رأينا من شىء ، وإن ~~وجدناه لبحرا ) . ذكر الطبرى فى إسناده عن عمر بن الخطاب : إن فى المعاريض ~~لمندوحة عن الكذب . وعن ابن عباس قال : ماأحب أن لى بمعاريض الكلام كذا ~~وكذا . ومعنى مندوحة متسع . يقال منه : انتدح فلان بكذا ينتدح به انتداحا ~~إذا اتسع به ، وقال ابن الأنبارى : يقال : ندحت الشىء إذا وسعته . وقال ~~الطبرى : ويقال : انتدحت الغنم فى مرابضها إذا تبددت واتسعت من البطنة . ~~وانتدح بطن فلان واندحى - يعنى : استخرى واتسع . قال المهلب : ( وظن أنها ~~صادقة ) يعنى : بما وردت به من استراحة الحياة وهدوء النفس من تعب العلة ، ~~وهى صادقة فى الذى قصدته ولم تكن صادقة فيما اعتقده أبو طلحة وفهمه من ظاهر ~~كلامها ، ومثل هذا لا يسمى كذبا على الحقيقة . وقوله فى النساء ( القوارير ~~) شبههن بها ؛ لأنهن عند حركة الإبل بالحداء وزيادة مشيها به يخاف عليهن ~~السقوط ، فيحدث لهن ما يحدث بالقوارير من التكسر ، وكذلك قوله : ( إنه لبحر ~~) شبه جريه بالبحر الذى لا ms3276 ينقطع ، فهذا كله أصل فى جواز المعاريض ~~واستعمالها فيما يجوز ويحل ، ونحو هذا ماروى عن ابن سيرين أنه قال : ( كان ~~رجل من باهلة عيونا فرأى بغله شريح فأعجبته ، فقال له PageV09P357 شريح : ~~إنها إذا ربضت لم تقم حتى تقام - يعنى أن الله هو الذى يقيمها بقدرته - ~~فقال الرجل : أف أف - يعنى أنه استصغرها والأف يقال للنتن ) . وذكر الطبرى ~~عن الثورى فى الرجل يزوره إخوانه وهو صائم فيكره أن يعلموه بصومه ، وهو يحب ~~أن يطعموه عنده ، فأى ذلك أفضل ؛ ترك ذلك أو إطعامهم ؟ قال : إطعامهم أحب ~~إلى ، وإن شاء قام عليهم وقال : قد أصبت من الطعام . ويقول : قد تغديت - ~~يعنى : أمس أو قبل ذلك . وقال بعض العلماء : المعاريض شىء يتخلص بها الرجل ~~من الحرام إلى الحلال فيتحيل بها ، وإنما يكره أن يحتال فى حق فيبطله أو فى ~~باطل حتى يموهه ويشبه أمره . وقد قال إبراهيم النخعى : اليمين على نية ~~الحالف إذا كان مظلوما ، وإن كان ظالما فعلى نية المحلوف له . وقد رخص رسول ~~الله فى الكذب للإصلاح بين الناس ، والرجل يكذب لامرأته ، والكذب فى الحرب ~~فيما يجوز فيه المعاريض ، ماروى عن عقبة بن العيزار أنه قال : كنا نأتى ~~فيما يجوز فيه المعاريض ، ماروى عن عقبة بن العيزار أنه قال : كنا نأتى ~~إبراهيم النخعى وكان مختفيا من الحجاج ، فكنا إذا خرجنا من عنده يقول لنا : ~~إن سئلتم عنى وحلفتم ، فاحلفوا بالله ماتدرون أين أنا ولا لنا به علم ، ولا ~~فى أى موضع هو ، و اعنوا أنكم لا تدرونى فى أى موضع أنا فيه قاعد أو قائم ~~فتكونون قد صدقتم . قال عقبة : وأتاه رجل فقال : إنى آت الديوان وإنى ~~اعترضت على دابة وقد نفقت ، وهم يريدون أن يحلفونى بالله أنها هذه التى ~~اعترضت PageV09P358 عليها ، فكيف أحلف ؟ قال إبراهيم : اركب دابة واعترض ~~عليها - يعنى : بظنك راكبا - ثم احلف بالله أنها الدابة التى اعترضت - يعنى ~~بظنك . وعاتبت إبراهيم النخعى امرأته فى جاريه له وبيده مروحة ، فقال ~~أشهدكم أنها لها - وأشار بالمروحة - فلما خرجنا من عنده قال ms3277 : على أى شىء ~~أشهدكم ؟ قالوا : على الجارية . قال : ألم ترونى أشير بالمروحة . وسئل ~~النخعى عن رجل مر بعشار فادعى حقا ، فقال : أحلف بالمشى إلى بيت الله ما له ~~عندك شىء ، واعن مسجد حيك . وقال رجل لإبراهيم : إن الشيطان أمرنى أن آتى ~~مكان كذا وكذا ، وأنا لا أقدر على ذلك المكان فكيف الحيلة ؟ قال : قل : ~~والله ماأبصر إلا ماسددنى غيرى تعنى : إلا مابصرنى ربى . # | 114 - باب : قول الرجل للشىء ليس بشىء وهو ينوى أنه ليس بحق # قال ابن عباس : وقال النبى عليه السلام للقبرين : ( يعذبان بلا كبير ، ~~وإنه لكبير ) . / 209 - فيه : عائشة : سأل أناس النبى - صلى الله عليه وسلم ~~- عن الكهان ، فقال لهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( ليسوا بشىء ) ~~، قالوا : يا رسول الله ، فإنهم يحدثون أحيانا بالشيء يكون حقا ، فقال رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - : ( تلك الكلمة من الحق ، يخطفها الجنى ، ~~فيقرها فى أذن وليه قر الدجاجة ، فيخلطون فيها ، أكثر من مائة كذبة ) . ~~PageV09P359 قال المؤلف : هذا الباب أصل لما تقوله العرب من نفيهم العمل ~~كله إذا نفت التجويد فيه والإتقان ، فتقول للصائع إذا لم يحكم صنعته : ~~ماصنعت شيئا ، وتقول للسامر والمتكلم إذا لم يحسن القول : ماقلت شيئا . على ~~سبيل المبالغة فى النفى ، ولا يكون ذلك كذبا كما قال عليه السلام فى الكهان ~~: ( ليسوا بشىء ) لما يأتون به من الكذب ، يعنى الذى ليس بشىء وهو خلق ~~موجود ، وهذا الحديث نص الترجمة . وقوله عليه السلام : ( يعذبان بلا كبير ) ~~عندكم ليسارة التحرز من البول والتحفظ منه ، فنفى عنه أنه كبير لانتفاء ~~المشقة عنا فى غسله على سبيل المبالغة فى التحرز مما يوجب العذاب ، وإن صغر ~~فى نفسه ، ثم قال : ( وإنه لكبير ) يعنى عند الله ، لو ورد الشرع بالأمر ~~بغسل البول وأن من خالفه فقد استحق الوعيد إن لم يعف الله عنه . # | 115 - باب رفع البصر إلى السماء وقوله تعالى : { أفلا ينظرون إلى الإبل ~~كيف خلقت وإلى السماء كيف رفعت } # وقالت عائشة : رفع النبي - صلى الله عليه وسلم - رأسه إلى السماء . / 210 ms3278 ~~- فيه : جابر ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( ثم فتر عنى ~~الوحى ، فبينا أنا أمشى ، سمعت صوتا من السماء ، فرفعت بصرى إلى السماء ، ~~فإذا الملك الذى جاءنى بحراء قاعد على كرسى بين السماء والأرض ) . / 211 - ~~وفيه : ابن عباس : بت عند ميمونة والنبى عندها ، فلما كان ثلث الليل الآخر ~~قعد فنظر إلى السماء . PageV09P360 قال المؤلف : هذا الباب رد على بعض أهل ~~الزهد فى قولهم أنه لا ينبغى النظر إلى السماء تخشعا وتذللا لله تعالى . ~~وروى عن عطاء السلمى أنه مكث أربعين سنة لا ينظر إلى السماء فحانت منه نظرة ~~فخر مغشيا عليه ، فأصابه فتق فى بطنه . وذكر الطبرى عن إبراهيم التيمى أنه ~~كان يكره أن يرفع الرجل بصره الس السماء فى الدعاء ، قال الطبرى : ولا أؤثم ~~فاعل ذلك ؛ لأنه لم يأت بالنهى عن ذلك خبر ، وإنما عن ذلك المصلى فى دعاء ~~كان أو غيره . قال المؤلف : والحجة فى كتاب الله تعالى وسنة رسول الله ~~ثابتة بخلاف هذا القول فلا معنى له ، وروى ابن إسحاق عن يعقوب بن عتبة ، عن ~~عمر بن عبد العزيز ، عن يوسف بن عبد الله ابن سلام ، عن أبيه قال : ( كان ~~رسول الله إذا جلس يتحدث يكثر أن يرفع طرفه إلى السماء ) ذكره أبو داود . # | 116 - باب من نكت العود فى الماء والطين # / 212 - فيه : أبو موسى ، أنه كان مع النبى - صلى الله عليه وسلم - فى ~~حائط من حيطان المدينة ، وفى يد النبى - صلى الله عليه وسلم - عود يضرب به ~~بين الماء والطين ، فجاء رجل يستفتح ، فقال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ~~( افتح له ، وبشره بالجنة . . . ) الحديث . قال المؤلف : من عادة العرب أخذ ~~المخصرة والعصا والاعتماد عليها عند الكلام و فى المحافل والخطب ، وأنكرت ~~الشعوبية على PageV09P361 خطباء العرب أخذ المخصرة والإشارة بها إلى ~~المعانى ، والشعوبية طائفة تبغض العرب وتذكر مثالبها وتفضل العجم ، وفى ~~استعمال النبى عليه السلام للمحضرة الحجة البالغة على من أنكرها وسأزيد فى ~~بيان المحاضرة والعصى فى الباب بعد هذا إن شاء الله . # | 117 ms3279 - باب : الرجل ينكت الشىء بيده فى الأرض # / 213 - وفيه : على ، كنا مع النبى - صلى الله عليه وسلم - فى جنازة ، ~~فجعل ينكت فى الأرض بعود ، وقال : ( ليس منكم من أحد إلا وقد فرغ من مقعده ~~من الجنة والنار ) ، فقالوا : أفلا نتكل ؟ قال : ( اعملوا ، فكل ميسر ، { ~~فأما من أعطى واتقى } الآية ) [ الليل : 5 ] . / 214 - وفيه : أم سلمة ، ~~استيقظ النبى عليه السلام فقال : ( سبحان الله ، ماذا أنزل من الخزائن ؟ ~~وماذا أنزل من الفتن ؟ من يوقظ صواحب الحجر - يريد به أزواجه - حتى يصلين . ~~. . . ) ؟ الحديث . وقد تقدم فى الباب قبل هذا أن الشعوبية تطعن على خطباء ~~الهرب فى أخذ المخصرة عند مناقلة الكلام ومساجله الخصوم ، وعابوا الإشارة ~~بالعصا والإتكاء على أطراف القسى ، وخد وجه الأرض بها والاعتماد عليها . ~~وحديثه عليه السلام أنه نكت الأرض بحضرة ، وقال : ( ليس منكم من أحد إلا ~~وقد فرغ من مقعده من الجنة والنار ) حجة على من أنكرها ، والعصا مأخوذة من ~~أصل كريم ومعدن PageV09P362 شريف ولا ينكرها إلا جاهل ، وقد جمع الله لموسى ~~فى عصاه من البراهيم العظام والآيات الجسام ما آمن به السحرة المعاندون . ~~واتخذها سليمان بن داود لخبتهه وموعظته وطول صلاته ، وكان ابن مسعود صاحب ~~عصا النبى عليه السلام وعنترته ، وكان النبى عليه السلام يخطب بالقضيب وكفى ~~بذلك دلايلا على شرف حال العصا ، وعلى ذلك الخلفاء وكبراء الخطباء ، وروى ~~عن النبى عليه السلام أنه طاف بالبيت يستلم الركن بمحجنه ، والمحجن : العصا ~~المعوجه ، وكانت العصا لا تفارق يد سليمان بن داود فى مصافاته وصلواته ~~وموته ، وقال مالك : كان عطاء بن يسار المخصرة يستعين بها . قال مالك : ~~والرجل إذا كبر لم يكن مثل الشاب يتقوى بها عند قيامه وقد كان الناس إذا ~~جاءهم المطر خرجوا بالعصى يتكئون عليها ، حتى لقد كان الشباب يحبسون عصيهم ~~، وربما أخذ ربيعة العصا من بعض من يجلس إليه حتى يقوم . وسألت المهلب عن ~~حديث أم سلمة فقلت له : ليس فيه معنى الترجمة ، قال : إنما هو مقو لمعنى ~~الحديث الذى قبله الموافق للترجمة بالقدر السابق على كل ms3280 نفس وفى كتاب ~~مقعدها من الجنة والنار فى أم الكتاب بقوله : ( ماذا أنزل الليلة من الفتن ~~) يحذر أسباب القدر بالتعرض للفتن التى بالغ فى التحذير منها PageV09P363 ~~بقوله عليه السلام : ( القاتل والمقتول فى النار ) فلما ذكر أن لكل نفس ~~مقعدها من الجنة والنار ، أكد التحذير من النار بأن ذكر الناس بأقوى أسباب ~~النار وهى الفتن والعبية فيها والتقاتل على الولاية ، وما يفتح على الناس ~~من الخزائن التى تطغى وتبطر ، وليس عليه تقصير فى أن أدخل مايوافق الترجمة ~~ثم أتبعه بما يوافق معناها . # | 118 - باب التكبير والتسبيح عند التعجب وقال عمر : قلت للنبى - صلى ~~الله عليه وسلم - : أطلقت نساءك ؟ قال : ( لا ) ، قلت : الله أكبر # . / 215 - فيه : صفية ، أنها جاءت النبى - صلى الله عليه وسلم - تزوره ، ~~وهو معتكف فى المسجد ، حتى إذا بلغت باب المسجد الذى عند مسكن أم سلمة مر ~~بهما رجلان من الأنصار ، فسلما على النبى - صلى الله عليه وسلم - ، ثم نفذا ~~، فقال لهما النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( على رسلكما ، إنما هى صفية ) ~~، قالا : سبحان الله ، يا رسول الله ، وكبر عليهما . قال المؤلف : التكبير ~~والتسبيح معناهما تعظيم الله وتنزيه من السوء ، واستعمال عند التعجب ~~واستعظام الأمور حسن ، وفيه تمرين اللسان على ذكر الله ، وذلك من أفضل ~~الأعمال . # | 119 - باب : النهى عن الحذف # / 216 - فيه : عبدالله بن مغفل المزنى ، نهى النبى عليه السلام عن الخذف ~~، وقال : ( إنه لا يقتل الصيد ، ولا ينكأ العدو ، وإنه يفقأ العين ، ويكسر ~~السن ) . الحذف عند العرب : الرمى بالسبابة والابهام ، وأكثر ذلك فى الرمى ~~بالحجر ، ومنه حصى الحذف فى الحج ، وهذا من باب النهى عن أذى المؤمنين ، ~~وهو مثل قوله عليه السلام للذى مر فى المسجد PageV09P364 بالسهام : ( أمسك ~~بنصالها لا تعقرن بها مسلما ) وهذا من باب أدب الإسلام . # | 120 - باب : الحمد للعاطس # / 217 - فيه : أنس ، عطس رجلان عند النبى عليه السلام فشمت أحدهما ، ولم ~~يشمت الآخر فقيل له : فقال : ( إن هذا حمد الله ، وهذا لم يحمد الله ) . ~~وترجم له باب لا يشمت العاطس إذا لم يحمد الله ms3281 . اختلف العلماء أنه من عطس ~~وحمد الله فإنه ينبغى لمن سمعه أن يشمته ، وإنما اختلفوا فى وجوب ذلك على ~~مايأتى بعد هذا ، وأجمعوا أنه إذا لم يحمد الله أنه لا يجب على من سمعه ~~تشميته . والتشميت عند العرب : الدعاء ، قال الخليل : يقال : سمث وشمت - ~~بالسين والشين . قال ثعلب : التشميت معناه : أبعد الله عنك الشماتة ، وجنبك ~~مايشمت به عليك ، وأما التسميت فمعناه جعلك الله على سمت حسن . # | 121 - باب : تشميت العاطس إذا حمد الله # / 218 - فيه : أبو هريرة ، وفيه : البراء ، أمر النبى عليه السلام بتشميت ~~العاطس . . . الحديث . قال المؤلف : إن قال قائل : كيف قال البخارى فى ~~ترجمته باب PageV09P365 تشميت العاطس إذا حمد الله ، ولم يأت بذلك فى حديث ~~البراء ، وأنما دل حديث البراء على أن كل عاطس يجب تشميته ، وإن لم يحمد ~~الله ؛ لقوله فيه : ( أمرنا رسول الله بتشميت العاطس ) وهذا لفظ عام ؟ قيل ~~له : إنما أشار البخارى إلى حديث أبى هريرة الذى لم يأت بنصه فى الباب ، ~~وذكره فى الباب بعد هذا وفى الباب الآخر الذى بعده ، وفيه أن النبى عليه ~~السلام ذكر فيه التشميت للعاطس إذا حمد الله على ماتقدم فى حديث أنس قبل ~~هذا فدل حديث أبى هريرة وأنس أن قول البراء أمرنا رسول الله بتشميت العاطس ~~، وإن كان ظاهرة العموم فمعناه الخصوص وأن المراد به بعض العاطسين ، وهم ~~الحامدون لله تعالى كان ينبغى للبخارى أن يذكر حديث أبى هريرة بنصه فى هذا ~~الباب ويجعله بعد حديث البراء ، وهذا من الأبواب التى عجلته المنية عن ~~تهذيبها ، لكن قد فهم المعنى الذى ترجم به . # | 122 - باب : ما يستحب من العاطس ويكره من التثاؤب # / 219 - فيه : أبو هريرة ، قال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( إن الله ~~يحب العطاس ، ويكره التثاؤب ، فإذا عطس فحمد الله ، فحق على كل مسلم سمعه ~~أن يشمته ، وأما التثاؤب ، فإنما هو من الشيطان ، فليرده ما استطاع ، فإذا ~~قال : ها ، ضحك منه الشيطان ) . اختلف العلماء فى وجوب التشميت ، فذهبت ~~طائفة إلى أنه واجاب متعين على كل من ms3282 سمع حمد العاطس ، هذا قول أهل الظاهر ~~، واحتجوا بهذا الحديث وقالوا : ألا ترى قوله عليه السلام : ( فحق ~~PageV09P366 على كل مسلم أن يشمته ) فوجب على كل سامع ، وذهبت طائفة إلى ~~أنه واجب على الكفاية ، كرد السلام ، هذا قول مالك وجماعة ، وقال آخرون : ~~هو إرشاد وندب وليس بواجب ، وتأولوا قوله عليه السلام : ( فحق على كل مسلم ~~أن يشمته ) أن ذلك فى حسن الأدب وكرم الأخلاق كما قال عليه السلام : ( من ~~حق الإبل أن تحلب على الماء ) أى أن ذلك حق فر كرم المواساة لا أن ذلك فرض ~~؛ لاتفاق أئمة الفتوى أنه لا حق فى المال سوى الزكاة . # | 123 - باب : إذا عطس كيف يشمت # / 220 - فيه : أبو هريرة ، قال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( إذا عطس ~~أحدكم ، فليقل : الحمد لله ، وليقل له أخوه أو صاحبه : يرحمك الله ، فإذا ~~قال له : يرحمك الله ، فليقل : يهديكم الله ، ويصلح بالكم ) . اختلف السلف ~~فيما يقول العاطس ، فاختارت طائفة أن يقول : الحمد لله ، على ماجاء فى ~~الحديث ، وروى ذلك عن ابن مسعود وأنس ، واختارت طائفة الحمد لله رب ~~العالمين ، وروى ذلك عن ابن عباس وابن مسعود أيضا وهو قول النخغى ، واختارت ~~طائفة أن يقول : الحمد لله على كل حال ، روى ذلك عن أبى هريرة وابن عمر ، ~~وقال ابن عمر : هكذا علمنا رسول الله . قال الطبرى : والصواب فى ذلك أن ~~العاطس مخير فى أى هذه المحامد شاء ، وقد حدثنا محمد بن عمارة ، حدثنا عمرو ~~بن حماد بن أبى طلحة ، عن عمرو بن قيس ، عن عطاء بن أبى رباح ، PageV09P367 ~~عن مولى لأم سلمة ، عن أم سلمة زوج النبى قالت : ( عطس رجل فى جانب بيت ~~النبى فقال : الحمد لله ، فقال له النبى : يرحمك الله . ثم عطس آخر فقال : ~~الحمد لله ربا العالمين حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه ، فقال النبى - صلى ~~الله عليه وسلم - : ( ارتفع هذا على تسع عشرة درجة ) . وقد روى عن النبى كل ~~ذلك فعله ، وفعله السلف الصالحون فلم ينكر بعضهم من ذلك شيئا على بعض ، وقد ~~اختلف أيضا فى ms3283 قول المشمت للعاطس ، فقالت طائفة : يقول له يرحمك الله ، ~~يخصه بالدعاء وحده على ماجاء فى هذا الحديث ، روى ذلك عن أنس ورواية عن ابن ~~مسعود ، واحتجوا أيضا بما روى عمرو بن دينار عن عبيد ابن عمير قال : ( لما ~~فرغ الله من خلق آدم عطس آدم ، فألقى عليه الحمد ، فقال له ربه تعالى : ~~يرحمك ربك ) . وقالت طائفة : يعم بالتشميت العاطس وغيره روى عن إبراهيم قال ~~: كانوا يعمون بالتشميت والسلام . وكان الحسن يقول : الحمد لله يرحكمكم ~~الله . وقالت طائفة : يقول يرحمنا الله وإياكم ، روى ذلك عن ابن مسعود وابن ~~عمر وسالم وابراهيم . واختلف السلف أيضا فى الرد على المشمت فقالت طائفة : ~~يقول يهديكم الله ويصلح بالكم على حديث أبى هريرة ، روى ذلك عن أبى هريرة ~~وكان الشعبى يقول : يهديكم الله . وأنكرت طائفة أن يقول يهديكم الله ويصلح ~~بالكم ، واختارت أن يقول : يغفر الله لنا ولكم ، روى ذلك عن ابن مسعود وابن ~~عمر وأبى وائل والنخعى وهو قول الكوفيين ، واحتجوا بحديث أبى بردة بن أبى ~~موسى عن أبيه : ( أن اليهود كانوا PageV09P368 يتعاطسون عند النبي عليه ~~السلام جاء أن يقول يرحمكم الله ، فيقول : يهديكم الله ويصلح بالكم ) . ~~وقال مالك والشافعى : إن شاء أن يقول : يهديكم الله ويصلح بالكم ، أو : ~~يغفر الله لكم لا بأس بذلك كله . وقال الطبرى : لا وجه لقول من أنكر ( ~~يهديكم الله ويصلح بالكم ) لأن الأخبار بذلك عن النبى عليه السلام أثبت من ~~غيرها . واحتج الطحاوى لقول مالك بقول الله تعالى : ( وإذا حييتم بتحية ~~فحيوا بأحسن منها أو ردوها ) فإذا قال جواب قوله يرحمكم الله : يغفر لكم ، ~~فقد رد مثل ماحياه به ، وإذا قال : يهديكم الله ويصلح بالكم . فقد حياة ~~بأحسن مما حساه ؛ لأن المغفرة إنما هى ستر الذنوب ، والرحمة ترك العقاب ~~عليها ، ومن حصلت له الهداية وكان مهديا ، وكان بعيدا من الذنوب ، ومن أصلح ~~باله فحاله فوق حال المغفور له ، فكان ذلك أولى . # | 124 - باب : إذا تثاءب فليضع يده على فيه # / 221 - فيه : أبو هريرة ، قال : قال النبى - صلى الله ms3284 عليه وسلم - : ( ~~إن الله يحب العطاس ، ويكره التثاؤب . . . ) إلى قوله : ( وأما التثاؤب ، ~~فإنما هو من الشيطان ، فإذا تثاءب أحدكم ، فليرده ما استطاع ، فإن أحدكم ~~إذا تثاءب ، ضحك منه الشيطان ) . قال المؤلف : قد جاء فى آخر هذا الحديث ~~معنى كراهية التثاءب وهو من أجل ضحك الشيطان منه فواجب إخزاؤه ودحره برد ~~التثاؤب كما أمر النبى عليه السلام بأن يضع يده على فيه . PageV09P369 فإن ~~قيل : ليس فى الحديث وضع اليد على الفم وإنما فيه ( فليرده ) ، وقد يمكن ~~رده بإلاق الفم . قيل قد روى لك سفيان عن ابن عجلان ، عن المقبرى ، عن أبى ~~هريرة أن النبى عليه السلام قال : ( العطاس من الله والتثاؤب من الشيطان ، ~~فإذا تثاءب أحدكم فليضع يده على فيه ، فإذا قال : آه آه ، ضحك الشيطان من ~~جوفه ) ذكره الترمذى فى مصنفه ، وقال ابن القاسم : رأيت مالكا إذا تثاءب ~~يضع يده على فيه ، وينفث فى غير الصلاة ، ولا أدرى ماكان يفعل فى الصلاة ، ~~وروى عنه فى المتسخرجة أنه كان لا ينفث فى الصلاة . ومعنى إضافة التثاؤب ~~إلى الشيطان إضافة رضى وإرادة أى أن الشيطان يحب أن يرى تثاؤب الانسان ؛ ~~لأنها حال المثله وتغيير لصورته فيضحك من جوفه ، لا أن الشيطان يفعل ~~التثاؤب فى الانسان لأنه لا خالق للخير والشر غير الله ، وكذلك كل ما جاء ~~من الأفعال المنسوبة إلى الشيطان فإنها على معنيين إما إضافة رضى وإرادة أو ~~إضافة بمعنى الوسوسة فى الصدر والتزيين ، وقد روى أبو داود من حديث أبى ~~سعيد الخدرى أن النبى عليه السلام قال : ( إذا تثاءب أحدكم فليمسك يده على ~~فيه ؛ فإن الشيطان يدخل ) . * * * PageV09P370 # | 68 - كتاب المرضى # # | 1 - ما جاء فى كفارة المرضى وقوله تعالى : { من يعمل سوءا يجز به } # / 1 - فيه : عائشة ، قال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( ما من مصيبة ~~تصيب المسلم إلا كفر الله بها عنه حتى الشوكة يشاكها ) . / 2 - وفيه : أبو ~~سعيد ، وأبو هريرة ، قال النبى عليه السلام : ( ما يصيب المسلم من نصب ولا ~~وصب ، ولا هم ولا حزن ، ولا أذى ولا غم ms3285 حتى الشوكة يشاكها ، إلا كفر الله ~~بها من خطاياه ) . / 3 - وفيه : كعب ، قال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ~~( مثل المؤمن كالخامة من الزرع ، تفيئها الريح مرة ، وتعدلها مرة ، ومثل ~~المنافق كالأرزة ، لا تزال حتى يكون انجعافها مرة واحدة ) . / 4 - وفيه : ~~أبو هريرة ، قال : النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( مثل المؤمن كمثل ~~الخامة من الزرع من حيث أتتها الريح كفأتها ، فإذا اعتدلت تكفأ بالبلاء ، ~~والفاجر كالأرزة صماء معتدلة حتى يقصمها الله إذا شاء ) . / 5 - وفيه : أبو ~~هريرة ، قال قال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( من يرد الله به خيرا يصب ~~منه ) قال كثير من أهل التأويل فى قوله تعالى : ( من يعمل سوءا يجز ~~PageV09P371 به ) معناه أن المسلم يجزى بمصائب الدنيا فتكون له كفارة ، روى ~~هذا أبى بن كعب وعائشة ومجاهد ، وروى عن الحسن وابن زيد أنه فى الكفار خاصة ~~، وحديث عائشة وأبى سعيد وأبى هريرة يشهد بصحة القول الأول ، وروى عن ابن ~~مسعود أنه قال : الوجع لا يكتب به الأجر ولكن تكفر به الخطيئة . فإن قيل : ~~إن ظاهرة هذه الآثار يدل على أن المريض إنما يحط عنه بمرضه السيئات فقط دون ~~زيادة . وقد ذكر البخارى فى كتاب الجهاد فى باب يكتب للمسافر ماكان يعمل فى ~~الإقامة فى حديث أبى موسى عن النبى عليه السلام أنه قال : ( إذا مرض العبد ~~أو سافر كتب له ما كان يعمل مقيما صحيحا ) وظاهرة مخالف لآثار هذا الباب ~~لأن فى حديث أبى موسى أنه يزاد على التكفير . قيل له : ليس ذلك بخلاف وإنما ~~هو زيادة بيان على آثار هذا الباب التى جاءت بتكفير الخطايا بالوجع لكل ~~مؤمن لقوله عليه السلام : ( مايصيب المؤمن من وصب ولا نصب فعم جميع ~~المؤمنين ) . وفى حديث أبى موسى معنى آخر وهو أنه من كانت له عادة من عمل ~~صالح ومنعه الله منه بالمرض أو السفر وكانت نبيته لو كان صحيحا أو مقيما أن ~~يدوم عليه ولايقطعه ، فإن الله تعالى يتفضل عليه بأن يكتب له ثوابه ، فأما ~~من لم له تنفل ولاعمل ms3286 صالح فلا يدخل فى معنى الحديث لأنه لم يكن يعمل فى ~~صحته أو لإقامته مايكتب له فى مرضه وسفره ، فحديث أبى موسى المراد به ~~الخصوص ، وأحاديث هذا الباب المراد بها العموم . وكل واحد منهما يفيد معنى ~~غير معنى صاحبه ، فلا خلاف فى شىء منها ، وقد بينا معنى حديث أبى موسى فى ~~كتاب الجهاد . PageV09P372 قال المهلب : وأما قوله عليه السلام : ( مثل ~~المؤمن الخامة من الزرع يفىء ورقه من حيث أتته الريح ) يعنى من حيث جاء أمر ~~الله انطاع له ولان ورضيه ، وإن جاءه مكروه رجا فيه الخير والأجر ، فإذا ~~سكن البلاء عنه اعتدل قائما بالشكر له على البلاء والاختبار وعلى المعافاة ~~من الأمر والاجتياز ومنتظرا لاختيار الله له ماشاء مما حكم له بخيره فى ~~دنياه وكريم مجازاته فى أخراه ، والكافر كالأرزة صماء معتدلة لا يتفقده ~~الله باختبار بل يعافيه فى دنياه وييسر عليه فى أموره ليعسر عليه فى معاده ~~، حتى إذا أراد الله إهلاكه قصمه قصم الأرزة الصماء فيكون موته أشد عذابا ~~عليه وأكثر ألما فى خروج نفسه من ألم النفس الملينة بالبلاء المأجور عليه . ~~والأرز من أصلب الخشب . وقال صاحب العين : الخامة : الزرع أول ماينبت على ~~ساق واحد . # | 2 - باب شدة المرض # / 6 - فيه : عائشة ، ما رأيت أحدا الوجع أشد عليه من رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - . / 7 - وفيه : عبد الله ، رأيت النبى عليه السلام فى ~~مرضه ، وهو يوعك وعكا شديدا ، وقلت : إنك لتوعك وعكا شديدا ، قلت : إن ذاك ~~بأن لك أجرين ؟ قال : ( أجل ، ما من مسلم يصيبه أذى إلا حات الله عنه ~~خطاياه كما تحات ورق الشجر ) . PageV09P373 وترجم لحديث عبد الله باب أشد ~~الناس بلاء الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل . وقال فيه بعد قوله : ( إنك لتوعك ~~وعكا شديدا . قال : أجل إنى أوعك كما يوعك رجلان منكم . قلت : ذاك أن لم ~~لأجرين . قال أجل ذلك كذلك . . ) الحديث . قال المؤلف : خص الله أنبياءه ~~الأوجاع والأصواب لما خصهم به من قوة اليقين وشدة الصبر والاحتساب ليكمل ~~لهم الثواب ويتم لهم الأجر وذكر ms3287 عبد الرزاق من حديث أبى سعيد الخدرى : ( أن ~~رجلا وضع يده على النبى فقال : والله ماأطيق أن أضع يدى عليك من شدة حماك . ~~فقال النبى - صلى الله عليه وسلم - : إنا معشر الأنبياء يضاعف لنا البلاء ~~كما يضاعف لنا الأجر ، إن كان النبي من الأنبياء ليبتلى بالقمل حتى يقتله ، ~~وإن كان النبي من من الأنبياء ليبتلى بالفقر حتى يأخذ العباءة فيجوبها ، ~~وإن كانوا ليفرحون بالبلاء كما تفرحون بالرخاء ) . وقوله : باب أشد الناس ~~بلاء الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل فقد روى هذا اللفظ عن النبى عليه السلام ~~رواه الترمدذى قال : حدثنا قتيبة ، حدثنا حماد بن زيد ، عن عاصم بن بهدلة ، ~~عن مصعب ابن سعد ، عن أبيه قال : ( يارسول الله ، أى الناس أشد بلاء . قال ~~: الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل فيبتلى الرجل على حسب دينه ، فإن كان دينه ~~صلبا أشتد بالؤه ، وإن كان فى دينه رقه ابتلى على حسبه ، فما يبرح البلاء ~~بالعبد حتى يمشى على الأرض وما عليه خطيئة ) . قال الترمذى : هذا الحديث ~~حسن صحيح ، وفى الباب عن أبى هريرة وأخت حذيفة اليمان . PageV09P374 # | 3 - باب : وجوب عيادة المريض # / 8 - فيه : أبو موسى ، أن النبى عليه السلام قال : ( أطعموا الجائع ، ~~وعودوا المريض ، وفكوا العانى ) . / 9 - وفيه : البراء ، أمرنا النبى عليه ~~السلام أن نعود المريض . يحتمل أن تكون عيادة المريض من فروض الكفاية ، ~~كإطعام الجائع وفك الأسير ، وهو ظاهر الكلام ، ويحتمل أن يكون معناه الندب ~~والحض على المؤاخاة والألفة كما قال عليه السلام : ( مثل المؤمنين فى ~~تواصلهم وتعاطفهم كمثل الجسد إذا تداعى منه عضو تداعى سائره ) . وقد جاء فى ~~فضل عيادة المريض آثار منها قوله قوله عليه السلام : ( عائد المريض على ~~مخارف الجنة ) و روى مالك أنه بلغه عن جابر ابن عبد الله أن رسول الله عليه ~~السلام قال : ( إذا عاد الرجل المريض خاض الرحمة حتى إذا قعد عنده قرت فيه ~~) أسنده ابن معين وابن أبى شيبة ، عن هشيم ، حدثنا عبد الحميد بن جعفر ، عن ~~عمر بن الحكم بن ثوبان ، عن جابر . # | 4 - باب عيادة المغمى ms3288 عليه # / 10 - فيه : جابر ، مرضت مرضا ، فأتانى النبى عليه السلام يعودنى وأبو ~~بكر - وهما ماشيان - فوجدانى أغمى على ، فأفقت . . . . الحديث . الإغماء ~~كسائر الأمراض تنبغى العيادة فيه تأسيا بالنبي عليه PageV09P375 السلام ~~وأبى بكر الصديق ، وقوله عليه السلام ( عودوا المريض ) يدخل فى عمومه جميع ~~الأمراض ، وفيه رد لما يعتقده عامة الناس أنه لا يجوز عندهم عيادة من مرض ~~من عينيه وزعموا ذلك لأنهم يرون فى بيته مالا يراه هو ، وحالة الإغماء أشد ~~من حالة مرض العينين ؛ لأن المغمى عليه يزيد عليه بفقد عقله ، وقد جلس ~~النبى عليه السلام فى بيت جابر فى حالة إغمائه حتى أفاق وهو الحجة فيه . ~~وفيه أن عائد المريض قد يطول فى جلوسه عند العليل إذا رأى لذلك وجها . # | 5 - باب فضل من يصرع # / 11 - فيه : ابن عباس أنه قال لعطاء : ( ألا أريك امرأة من أهل الجنة ) ~~؟ فقلت : بلى ، قال : هذه المرأة السوداء أتت النبى - صلى الله عليه وسلم - ~~، فقالت : إنى أصرع ، وإنى أتكشف فادع الله لى ، قال : ( إن شئت صبرت ولك ~~الجنة ، وإن شئت دعوت الله أن يعافيك ) ، فقالت : أصبر ، فقالت : إنى أتكشف ~~، فادع الله لى أن لا أتكشف ، فدعا لها . وقال عطاء : أنه رأى أم زفر تلك ~~امرأة طويلة سوداء على ستر الكعبة . قال المؤلف : فيه فضل الصع ، وفيه أن ~~اختيار البالء والصبر عليه يورث الجنة ، وأن الأخذ بالشدة أفضل من الأخذ ~~بالرخصة لمن علم من نفسه أنه يطيق التمادى على الشدة ولايضعف عن التزامها . ~~PageV09P376 # | 6 - باب : فضل من ذهب بصره # / 12 - فيه : أنس ، سمعت النبى - صلى الله عليه وسلم - يقول : ( قال الله ~~: إذا ابتليت عبدى بحبيبتيه ، فصبر ، عوضته منهما الجنة ) ، يريد عينيه . ~~هذا الحديث أيضا حجة فى أن الصبر على البلاء ثوابه الجنة ، ونعمة البصر على ~~العبد وإن كانت من أجل الله تعالى فعوض الله عليها الجنة أفضل من نعمتها فى ~~الدنيا لنفاذ مدة الالتذاذ بالبصر فى الدنيا وبقاء مدة الالتذاذ به فى ~~الجنة . فمن ابتلى من المؤمنين بذهاب بصره فى الدنيا فلم يفعل ذلك ms3289 به لسخط ~~منه عليه ، وإنما أراد تعالى الإحسان إليه إما بدفع مكروه عنه يكون سببه ~~نظر عينيه لا صبر له على عقابه فى الآخرة أو ليكفر عنه ذنوبا سلفت لا ~~يكفرها عنه إلا بأخذ أعظم جوارحه فى الدنيا ليلقى ربه طاهرا من ذنوبه أو ~~ليبلغ به من الأجر إلى درجة لم يكن يبلغها بعمله وكذلك جميع أنواع البالء ، ~~فقد أخبر عليه السلام أن أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل يبتلى ~~الرجل على حسب دينه . وجاء عنه عليه السلام : ( إن أهل العافية فى الدنيا ~~يودون لو أن لحومهم قرضت بالمقاريض فى الدنيا لما يرون من ثواب الله لأهل ~~البلاء ) فمن ابتلى بذهاب بصره أو بفقد جارحه من جوارحه فليتلق ذلك بالصبر ~~والشكر والاحتساب وليرض باختبار الله له ذلك ليحصل على أفضل العوضين وأعظم ~~النعمتين وهى الجنة التى من صار إليها PageV09P377 فقد ربحت تجارته وكرمت ~~صفقته ولم يضره مالقى من شدة البلاء فيما قاده إليها . # | 7 - باب عيادة النساء الرجال # / 13 - فيه : عائشة ، لما قدم النبى عليه السلام المدينة وعك أبو بكر ~~وبلال ، قالت : فدخلت عليهما ، فقلت : يا أبت ، كيف تجدك ؟ ويا بلال ، كيف ~~تجدك ؟ . . . . الحديث . حديث عائشة كان فى أول الإسلام عند قدزمهم المدينة ~~فوجدوها وبئة فدعا لها النبى أن يصححها وينقل حماها إلى الجحفة فأجاب الله ~~دعوته . وعيادة أم الدرداء تحمل على أنها عادت الأنصارى وهى متجالة فلا ~~تزورون امرأة رجلا إلا أن تكون ذات محرم أو تكون متجالة يؤمن من مثلها ~~الفتنة بها . وفيه عيادة السادة الجلة لعبيدهم ؛ لأن بلالا وعامر بن فهيرة ~~اعتقلهما أبو بكر رضى الله عنه . # | 8 - باب : عيادة الأعراب # / 14 - فيه : ابن عباس ، أن النبى عليه السلام دخل على أعرابى يعوده ، ~~قال : وكان النبى عليه السلام إذا دخل على مريض يعوده ، فقال له : ( لا بأس ~~طهور ، إن شاء الله ) ، قال : قلت : طهور ، كلا بل هى حمى تفور أو تثور على ~~شيخ كبير تزيره القبور ، فقال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( فنعم إذا ) ~~. PageV09P378 قال المؤلف ms3290 : عيادة الأعراب داخله فى عموم قوله : ( عودوا ~~المريض ) إذ هم من جملة المؤمنين . قال المهلب : وفائدة هذا الحديث أنه لا ~~نقص على السلطان فى عيادة مريض من رعيته أو واحد من باديته ولا على العالم ~~فى عيادة الجاهل ؛ لأن الأعراب شأنهم الجهل كما وصفهم الله ، ألا ترى رد ~~هذا الأعرابى لقول النبى عليه السلام وتهوينه عليه مرضه بتذكيره ثوابه عليه ~~فقال له : بل هى حمى تفوز على شيخ كبير تزيره القبور ، وهذا غاية الجهل ، ~~وقد روى معمر عن زيد بن مسلم فى هذا الحديث أن النبى حين قال للأعرابى : ( ~~فنعم إذا ) أنه مات الأعرابى ، وسيأتى زيادة فى هذا فى باب مايقال للمريض ~~ومايجيب بعد . # | 9 - باب : عيادة الصبيان # / 15 - فيه : أسامة ، أن بنتا للنبى عليه السلام أرسلت إليه أن ابنتي قد ~~حضرت فاشهدنا . . . . إلى قوله : . . . . فقام النبى عليه السلام وقمنا ، ~~فرفع الصبى فى حجر النبى عليه السلام ونفسه تقعقع . . . قال المؤلف : فيه ~~من الفقه عيادة الرؤساء وأهل الفضل للصبيان المرضى وفى ذلك صلة لآبائهم ولا ~~يعدم من ذلك بركة دعائهم للمرضى وموعظة الآباء وتصبيرهم واحتسابهم لما ينزل ~~بهم من المصائب عند الله تعالى . وهذا الحديث لم يضبطه الراوى فمرة قال : ( ~~إن بنتا للنبى أرسلت PageV09P379 إليه أن ابنتى قد احتضرت ) ومرة قال فى ~~آخر الحديث : ( فرفع الصبى فى حجر النبى ونفسه تقعقع ) ، فأخبر مرة عن صبيه ~~ومرة عن صبى والله أعلم . # | 10 - باب : عيادة المشرك # / 16 - فيه : أنس ، أن غلاما ليهودى كان يخدم النبى عليه السلام فمرض ، ~~فأتاه النبى عليه السلام يعوده ، فقال : ( أسلم ) ، فأسلم . وقال سعيد بن ~~المسيب عن أبيه : ( لما حضر أبو طالب جاءه النبى - عليه السلام ) . إنما ~~يعاد المشرك ليدعى إلى الإسلام إذا رجا إجابته إليه ، ألا ترى أن اليهودى ~~أسلم حين عرض عليه النبى الإسلام وكذلك عرض الإسلام على عمه أبى طالب ، فلم ~~يقض الله له به ، فأما إذا لم يطمع بإسلام الكافر ولا رجيت إنابته فلا ~~تنبغى عيادته . # | 11 - باب إذا عاد مريضا فحضرت الصلاة فصلى ms3291 بهم جماعة # / 17 - فيه : عائشة ، أن النبى عليه السلام دخل عليه ناس يعودونه فى مرضه ~~، فصلى بهم جالسا ، فجعلوا يصلون قياما ، فأشار إليهم أن اجلسوا . . . . ~~الحديث . وقال الحميدى : هذا مسنوخ لأن النبى عليه السلام آخر ماصلى قاعدا ~~والناس خلفه قيام . PageV09P380 قال المؤلف : من السنة المعروفة أن صاحب ~~المنزل يتقدم للصلاة على من حضره من الناس إلا أن يقدم غيره ، وصلاة النبى ~~بمن عاده فى مرضه هو الواجب من وجهين : أحدهما : ماذكرناه من أن صاحب ~~المنزل أولى من غيره بالإمامة ، والوجه الثانى : أن النبى لا يجوز أن ~~يتقدمه أحد فى كل مكان ، ولا يجوز اليوم لمن كان مريضا أن يؤم أحد فى بيته ~~جالسا ؛ لأن إمامه الجالس منسوخة عند أكثر العلماء ، وقد تقدم اختلافهم فى ~~ذلك فى كتاب الصلاة . # | 12 - باب : وضع اليد على المريض # / 18 - فيه : عائشة بنت سعد ، أن أباها قال : تشكيت بمكة شكوا شديدا ، ~~فجاءني النبي عليه السلام يعودنى ، فقلت : يا نبي الله ، إنى أترك مالا . . ~~. . الحديث ثم وضع يده على جبهته ، ثم مسح وجهى وبطنى ، ثم قال : ( اللهم ~~اشف سعدا ، وأتمم له هجرته ) . / 19 - وفيه : عبد الله ، دخلت على النبى ~~عليه السلام وهو يوعك وعكا شديدا ، فمسسته بيدى ، فقلت : يا رسول الله ، ~~إنك لتوعك . . . الحديث . قال المؤلف : فى وضع اليد على المريض تأنيس له ~~وتعرف لشدة مرضه ليدعو له العائد على حسب مايبدو له منه ، وربما رقاه بيده ~~ومسح على ألمه فانتفع العليل به إذا كان العائد صالحا تبرك بيده ودعائه كما ~~فعل النبى ، وذلك من حسن الأدب واللطف بالعليل وينبغى امتثال أفعال النبى ~~عليه السلام كلها والاقتداء به فيها . PageV09P381 # | 13 - باب ما يقال للمريض وما يجيب # / 20 - فيه : عبد الله : أتيت النبى عليه السلام فى مرضه فمسسته وهو يوعك ~~وعكا شديدا ، فقلت : إنك لتوعك وعكا شديدا ، وذلك أن لك أجرين ؟ قال : ( ~~أجل ، ما من مسلم يصيبه أذى إلا حاتت عنه خطاياه كما تحات ورق الشجر ) . / ~~21 - فيه : ابن عباس ، أن رسول الله عليه السلام دخل على ms3292 رجل يعوده ، فقال ~~: ( لا بأس طهور ، إن شاء الله ) ، فقال : كلا ، بل هى حمى تفور على شيخ ~~كبير كيما تزيره القبور ، قال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( فنعم إذا ) ~~. قال المهلب : فيه أن السنة أن يخاطب العليل بما يسليه من ألمه وبغطة ~~بأسقامه بتذكيره بالكفارة لذنوبه وتطهيرة من آثامه ويطمعه بالإقالة لقوله : ~~لا بأس عليك مما تجده بل يكفر الله به ذنوبك ثم يفرج عنك فيجمع لك الأجر ~~والعافية لئلا يسخط أقدار الله ، واختياره له وتفقده إياه بأسباب الرحمة ~~ولايتركه إلى نزعات الشيطان والسخط فربما جازاه الله بالتسخط وبسوء الظن ~~عقابا فيوافق قدرا يكون سببا إلى أن يحل به مالفظ به من الموت الذى حكم على ~~نفسه . وقوله عليه السلام لابن مسعود : ( أجل ) أنه ينبغى للمريض أن يحسن ~~جواب زائره ويتقبل مايعده من ثواب مرضه ومن إقالته ولا يرد عليه بمثل مارد ~~الأعرابى على النبى عليه السلام وسيأتى فى باب يريد الله بكم اليسر ولايريد ~~بكم العسر فى كتاب الاعتصام . PageV09P382 # | 14 - باب : عيادة المريض راكبا وماشيا # / 22 - فيه : أسامة ، أن النبى عليه السلام ركب على حمار على إكاف على ~~قطيفة فدكية ، وأردف أسامة وراءه يعود سعد بن عبادة قبل وقعة بدر . . . ~~وذكر الحديث . / 23 - وفيه : جابر ، جاءنى النبى عليه السلام يعودنى ليس ~~براكب بغل ولا برذون . فيه أن عيادة المريض راكبا وماشيا كل ذلك سنة مرجو ~~بركة العمل بها و ثواب الأعمال على صحة النية وإخلاصها لله تعالى وإن قلت ~~المشقة فيها . # | 15 - باب : قول المريض إنى وجع ، أو وارأساه أو أشتد بى الوجع وقول ~~أيوب : { مسنى الضر وأنت أرحم الراحمين } # / 24 - فيه : كعب بن عجرة ، مر بى النبى عليه السلام وأنا أوقد تحت القدر ~~، فقال : ( أيؤذيك هوام رأسك - صلى الله عليه وسلم - ؟ قلت : نعم ، فدعا ~~الحلاق فحلقه ، ثم أمرنى بالفداء . / 25 - وفيه : عائشة ، قالت : وا رأساه ~~، فقال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( ذاك لو كان وأنا حى ، فأستغفر لك ~~، وأدعو لك ) ، فقالت عائشة : وا ثكلياه ، والله إنى لأظنك تحب ms3293 موتى ، فلو ~~كان ذاك لظللت آخر يومك معرسا ببعض أزواجك ، فقال النبى - صلى الله عليه ~~وسلم - : ( بل أنا وا رأساه ، لقد هممت - أو أردت - أن أرسل إلى أبى بكر ~~وابنه ، وأعهد . . . ) الحديث . / 26 - وفيه : عبد الله بن مسعود ، دخلت ~~على النبي عليه السلام وهو يوعك ، PageV09P383 فمسسته بيدي ، فقلت : إنك ~~لتوعك وعكا شديدا ؟ قال : ( أجل كما يوعك رجلان منكم ) ، قال : لك أجران ؟ ~~قال : ( نعم ، ما من مسلم يصيبه أذى مرض فما سواه إلا حط الله سيئاته كما ~~تحط الشجرة ورقها ) . / 27 - وفيه : سعد ، جاءنى النبى عليه السلام يعودنى ~~من وجع اشتد بى زمن حجة الوداع . . . . الحديث . قال الطبرى : اختلف ~~العلماء فى هذا الباب فقالت طائفة : لا أحد من ينى آدم إلا وهو يألم من ~~الوجع ويشتكى المرض لأن نفوس بنى آدم بنيت على الجزع من ذلك والألم ، فغير ~~قادر أحد على تغييرها عما خلقها الله بارئها ، ولا كلف أحد أن يكون بخلاف ~~الجبلة التى جبل عليها ، وإنما كلف العبد فى حالة المصيبة أن يفعل ماله إلى ~~ترك فعله سبيل وذلك ترك البكاء على الرزية والتأوه من المرض والبلية . فمن ~~تأو من مرضه أو بكى من مصيبة تحدث عليه أو فعل نظيرا لذلك فقد خرج من معانى ~~أهل الصبر ودخل فى معانى أهل الجزع وممن روى ذلك عنه مجاهد وطاوس ، قال ~~مجاهد : يكتب على المريض ماتكلم به حتى الأنين . وقال ليث : قلت لطلحة بن ~~مصرف : إن طاوسا كره الأنين فى المرض ، فما سمع لطلحة أنين حتى مات . ~~واعتلوا لقولهم بإجماع على كراهة شكوى العبد ربه على ضر ينزل به أو أشتد ~~تحدث به ، وشكواه ذلك إنما هو ذكره للناس ما امتحنه به ربه عز وجل على وجه ~~الضجر به ، قالوا : فالمتوجع المتأوه فى معنى ذكراه للناس متضجرا به أو ~~أكثر منه به . PageV09P384 وقال آخرون : ليس الذى قال هؤلاء بشىء وقالوا : ~~إنما الشاكى ربه تعالى من أخبر عما أصابه من الضر والبلاء متسخطا قضاء الله ~~فيه ، فأما من أخبر به إخوانه ليدعو له ms3294 بالشفاء والعافية وأن استراحة إلى ~~الأنين والتأوه فليس ذلك بشاك ربه ، وقد شكا الألم والوجع المؤذى للنبى ~~عليه السلام وأصاحبه وأن جماعة من القدوة ممن ذكرهم البخارى فى هذا الباب ~~وغيرهم ، روى عن الحسن البصرى أنه دخل عليه أصحابه وهو يشتكى ضرسه فقال : ~~رب مسنى الضر وأنت أرحم الراحمين ، وهذا القول أولى بالصواب لما يشهد له من ~~فعل النبى وأصحابه ، وأيضا فإن الأنين من الم العلة والتأوه قد يغلبان ~~الإنسان ولايطيق كفهما عنه ، ولا يجوز إضافة موأخذة العبد به إلى الله ~~تعالي ؛ لأنه قد أخبر أنه لا يكلف نفسا إلا وسعها ، وليس فى وسع ابن آدم ~~ترك الاستراحة إلى الأنين عند الوجع يشتد به والألم ينزل به فيؤمر به أو ~~ينهى عن خلافه . # | 16 - باب : قول المريض قوموا عنى # / 28 - فيه : ابن عباس ، لما حضر النبى عليه السلام وفى البيت رجال فيهم ~~عمر بن الخطاب ، قال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( هلم أكتب لكم كتابا ~~لا تضلوا بعده ) ، فقال عمر : إن النبى عليه السلام قد غلب عليه الوجع ، ~~وعندكم القرآن ، حسبنا كتاب الله ، فاختلف أهل البيت ، فلما أكثروا اللغو ~~والاختلاف عند النبى - صلى الله عليه وسلم - ، قال : ( قوموا . . . . ) ~~الحديث . PageV09P385 قال المؤلف : فيه من الفقه أن المريض إذا اشتد به ~~المرض أنه يجوز أن يقول لزوره قوموا عنى ويأمرهم بالخروج لينفرد بألطافه ~~ويمرضه من يخف عليه مباشرته له من أهله وذوى رحمة ، ولا يعد ذلك جفاء على ~~الزائرين بل الجفاء منهم طول الجلوس عند المريض إذا اشتد مرضه ، والصواب ~~لهم تخفيف القعود عنده وترك إحراجه وأذاه ، وقد تقدم فى كتاب العلم فى باب ~~كتابه العلم وسيأتى فى كتاب الاعتصام فى باب النهى على التحريم إلا بما ~~يعرف إباحتع إن شاء الله تعالى # | 17 - باب : من ذهب بالصبى المريض ليدعى له # / 29 - فيه : السائب ، ذهبت بى خالتى إلى النبى - صلى الله عليه وسلم - ، ~~قالت : يا رسول الله ، إن ابن أختى وجع ، فمسح رأسى ودعا لى بالبركة ، ثم ~~توضأ فشربت من وضوئه . . . . الحديث ms3295 . لا بأس بالذهاب بالصبيان إلى ~~الصالحين وأهل الفضل رغبة فى بركة دعائم والانتفاع بهم ، ألا ترى أن هذا ~~الصبى مسح النبى عليه السلام رأسه ودعا له وسقاه من وضوئه فبرىء حتى قام ~~خلف ظهره عليه السلام ورأى بين كتفيه خاتم النبوة . وفيه أن شرب صاحب الوجع ~~من وضوء الرجل الفاضل مما يذهب وجعه . # | 18 - باب تمنى المريض الموت # / 30 - فيه : أنس ، قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : ( لا يتمنين أحد ~~الموت من PageV09P386 مرض أصابه ، فإن كان لا بد فاعلا فليقل : اللهم أحيني ~~ما كانت الحياة خيرا لي ، وتوفني إذا كانت الوفاة خيرا لي ) . / 31 - وفيه ~~: قيس بن أبى حازم ، دخلنا على خباب نعوده - وقد اكتوى سبع كيات - فقال : ~~إن أصحابنا الذين سلفوا مضوا ، ولم تنقصهم الدنيا ، وإنا أصبنا ما لا نجد ~~له موضعا إلا التراب ، ولولا أن النبى عليه السلام نهانا أن ندعو بالموت ~~لدعوت به ، ثم أتيناه مرة أخرى ، وهو يبنى حائطا له ، فقال : إن المسلم ~~ليؤجر فى كل شىء ينفقه إلا فى شىء يجعله فى هذا التراب . / 32 - وفيه : أبو ~~هريرة ، قال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( لن يدخل أحدا عمله الجنة ) ، ~~قالوا : ولا أنت يا رسول الله ؟ قال : ( ولا أنا ، إلا أن يتغمدنى الله ~~بفضل ورحمة ، فسددوا وقاربوا ، ولا يتمنين أحدكم الموت ، إما محسنا ، فلعله ~~أن يزداد خيرا ، وإما مسيئا ، فلعله أن يستعتب ) . / 33 - وفيه : عائشة ، ~~قال النبى - صلى الله عليه وسلم - وهو مستند إلى : ( اللهم اغفر لى ، ~~وارحمنى ، وألحقنى بالرفيق ) . قال المؤلف : نهى النبى أمته عن تمنى الموت ~~عند نزول البلاء بهم وأمرهم أن يدعوا بالموت ما كان الموت خيرا لهم فى حديث ~~أبى هريرة : ( لا يتمنى أحدكم الموت ، إما محسنا فلعله أن يزداد خيرا ، ~~وإما مسيئا فلعله أن يستعتب ) . قال الطبرى : فإن قيل : هذا الحديث جاء ~~بلفظ ( لعلى ) وهى موضوعة لغير التحقيق . قيل : قد جاء هذا الحديث بلفظ ( ~~إن ) التى هى موضوعة للتحقيق من رواية معمر ، عن همام بن منبه ، عن أبى ~~هريرة قال : قال ms3296 النبى : ( لا يتمنى أحدكم الموت ولايدعو به قبل أن يأتيه ، ~~PageV09P387 فإنه إذا مات أحدكم انقطع أمله وعمله ، وإنه لا يزيد المؤمن ~~عمره إلا خيرا ) فإن قال قائل : إن قول النبى عليه السلام عند موته : ( ~~اللهم ألحقنى بالرفيق ) تمن للموت ، وذلك معارض للأحاديث المتقدمة وقد تمنى ~~الموت عمر بن الخطاب ، وعلى بن أبى طالب . فأما حديث عمر فرواه معمر عن على ~~بن زيد ، عن الحسن ، عن سعيد بن أبى العاص قال : ( رصدت عمر ليلة فخرج إلى ~~البقيع وذلك فى السحر فاتبعته فصلى فرفع يديه ثم قال : اللهم كبرت سنى ~~وضعفت قوتى وخشيت الانتشار من رعيتى فاقبضنى إليك غير عاجز ولا ملوم ) قال ~~الزهرى ، عن ابن المسيب : فما انسلخ الشهر حتى مات . وأما حديث على فرواه ~~معمر عن أيوب ، عن ابن سيرين ، عن عبيدة قال : سمعت عليا يخطب فقال : ( ~~اللهم إنى قد سئمتهم وسئمونى فارحمنى منهم وارحمهم منى ، مايمنع أشقاكم أن ~~يخضبها بدم - وأشار إلى لحيته ) . قيل : لا تعارض بين شىء مما ذكرت ولكل ~~خبر منها وجه صحيح ، فأما قول النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( اللهم ~~ألحقنى بالرفيق ) فإنما قال ذلك بعد أن علم أنه ميت فى يومه برؤية الملائكة ~~المبشرة له عن ربه بالسرور الكامل الا تسمعه يقول لابنته فاطمة حين ندبته : ~~( لا كرب على أبيك بعد اليوم ) فكانت نفسه مفزعة فى اللحاق بكرامة الله ~~تعالى والمصير إلى ماوعده به من سعادة الأبد ، وكذلك قالت عائشة : سمعت ~~النبى عليه السلام يقول : ( لا يقبض نبى حتى يخير ، فلما سمعته يقول : ~~الرفيق الأعلى علمت أنه ذاهب وأنه لا يختارها ) وهذا خير له من كونه فى ~~الدنيا وبهذا أمر أمته فقال : PageV09P388 ( كان لابد فاعلا فليقل اللهم ~~توفنى ما كانت الوفاة خيرا لى ) . وأما حديث عمر وعلى ففيها بيان معنى نهيه ~~عليه السلام عن تمنى الموت وأن المراد بذلك إذا نزل بالمؤمن ضر أو ضيق فى ~~دنياه فلا يتمنى الموت عند ذلك ، فأما إذا خشى أن يصاب فى دينه فمباح له أن ~~يدعو بالموت قبل ms3297 مصابه بدينه ، ويشهد لصحة هذا قوله عليه السلام : ( وإذا ~~أردت بالناس قتنة ، فأقبضنى إليك غير مفتون ) فاستعمل عمر هذا المعنى حين ~~خشى عند كبر سنه وضعف قوته أن يعجز عن القيام بما فرض الله عليه من أمر ~~الأمة أو أن يفعل مايلام عليه فى الدنيا والآخرة ، فلذلك قال : فاقبضنى ~~إليك غير عاجز ولاملوم ، فأجاب الله دعاءه وأماته قبل انسلاخ الشهر . وكذلك ~~خشى على بن أبى طالب من سآمته لرعيته وسآمتهم له أن يحملهم ذلك على مايئول ~~إلى سخط الله وإلى مالا يرقع فتقه ، فكان ذلك من قبلهم فقتلوه وتقلدوا دمه ~~وباءه وبإثمه وهو إمام عدل بر تقى لم يأت مايستحق عليه التأنيب فضلا عن ~~غيره ؛ فلذلك سأل الله أن يريحه منهم فليس فى شىء من ذلك تعارض ولا اختلاف ~~، بل كل ذلك يفسر بعضه بعضا . وقول خباب : ( إن المسلم ليؤجر فى كل شىء ~~ينفقه إلا فى شىء يجعله فى هذا التراب ) يعنى البنيان ، ومعنى الحديث أن من ~~بنى مايكنه ولا غنى به عنه فلا يدخل فى معنى الحديث بل هو مما يؤجر فيه ، ~~وإنما أراد خباب من بنى مايفضل عنه ولا يضطر إليه فذلك الذى لا يؤجر عليه ~~لأنه من التكاثر الملهى لأهله . PageV09P389 وقد تقدم فى باب البناء فى آخر ~~الاستئذان وسيأتى معنى قوله - صلى الله عليه وسلم - : ( لا يدخل أحدا عمله ~~الجنة ) وتأويل قوله تعالى : { وتلك الجنة التى أورثتموها بما كنتم تعملون ~~} فى باب القصد والداومة على العمل فى كتاب الرقاق ، إن شاء الله تعالى . # | 19 - باب : دعاء العائد للمريض # وقالت عائشة بنت سعد ، عن أبيها : قال النبى عليه السلام : ( اللهم اشف ~~سعدا ) . / 34 - وفيه : عائشة ، أن النبى عليه السلام كان إذا أتى مريضا ، ~~أو أتى به ، قال : ( أذهب الباس رب الناس ، اشف وأنت الشافى ، لا شفاء إلا ~~شفاؤك ، شفاء لا يغادر سقما ) . قال الطبرى : فى هذه الآثار من الفقه أن ~~الرغبة إلى الله فى عافية فى الجسم أفضل للعبد وأصلح له من الرغبة اليه فى ~~البلاء ، وذلك أنه ms3298 عليه السلام كان يدعو للمرضى بالشفاء من عللهم . فإن قال ~~قائل : ماوجه دعائه عليه السلام لسعد بالشفاء ، وقد تظاهرت الأخبار عنه ~~عليه السلام أنه قال يوما لأصحابه : من أحب أن يصح ولايسقم ؟ فقالوا : نحن ~~يارسول الله . فقال : أتحبون أن تكونوا مثل الحمر الصيالة ؟ وتغير وجه ~~النبى عليه السلام ثم قال : ألا تحبون أن تكونوا أصحاب بلاء وأصحاب كفارات ~~؟ قالوا : بلى يارسول الله . قال : فوالذى نفس أبى القاسم بيده إن الله ~~تعالى ليبتلى المؤمن ، وما يبتليه إلا لكرامته عليه ، وإلا أن له عنده ~~PageV09P390 منزلة لا يبلغها شيء من عمله دون أن يبلغ من البلاء ما يبلغه ~~تلك المنزلة . من حديث أبى عقيل مسلم بن عقيل ، عن عبد الله بن إياس بن أبى ~~فاطمة ، عن أبيه ، عن جده ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - . وروى زيد بن ~~أبى أنيسة ، عن عمرو بن مرة ، عن سعيد بن المسيب ، عن أبى هريرة قال : ( ~~جاء رجل مصح إلى النبى عليه السلام فقال له رسول الله : أصابتك أم ملدم قط ~~؟ قال له : لا يارسول الله . فلما ولى الرجل قال لهم رسول الله : من سره أن ~~ينظر إلى رجل من أهل النار فلينظر إلى هذا ) . وروى الليث عن يزيد أبى حبيب ~~، عن سعد بن يسار عن أنس بن مالك ، عن النبى عليه السلام أنه قال : ( إن ~~أعظم الجزاء مع عظم البلاء ، وإن الله إذا أحب قوما ابتلاهم ، فمن رضى فله ~~الرضا ، ومن سخط فله السخط ) مع كثرة من كان يؤثر العلل والأسقام من السلف ~~. قيل : ليس شىء من هذه الآثار يعارض أحاديث هذا الباب ولكل حديث منها وجه ~~مفهوم وذلك أن العلل والأمراض كفارات لأهل الإيمان وعقويات يمحص الله بها ~~عمن شاء منهم فى الدنيا ليلقوه مطهرين من دنس الذنوب ، كما روى أيوب ، عن ~~أبى قلابة ، عن أنس قال : ( كان أبو بكر الصديق يأكل مع النبى فنزلت هذه ~~الآية : ( فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال PageV09P391 ذرة شرا ~~يره ) فرفع أبو بكر يده فقال : يارسول ms3299 الله ، إنى أجزى بما عملت من مثقال ~~ذرة من شر ؟ فقال : ياأبا بكر ، مارأيت فى الدنيا مما تكره فبمثقال ذر الشر ~~ويدخر لك مثاقيل الخير حتى توفاه يومه القيامة ) . فإذا كانت العلل ~~والأوجاع إنما هى عقوبات على التبعات ثبت أنه النبى عليه السلام إنما دعا ~~بالشفاء من الأمراض لمن لا كبائر له ، ومن سلم من الذنوب الموجبة للعقوبات ~~وبرىء من مظالم العباد وكره اختيار الصحة على البلاء فى هذه الأحاديث الأخر ~~لأهل الإجرام ولمن اقترف على نفسه الآثام ، فكره له أن يختار لنفسه لقاء ~~ربه بآثمه وموافاته بإجرامه غير متحمص ولا متطهر من الأدناس ، فليس شىء من ~~الاخبار خلاف لصاحبه ، والله الموفق . # | 20 - باب : وضوء العائد المريض # / 35 - فيه : جابر ، دخل على النبى عليه السلام وأنا مريض ، فتوضأ فصب ~~على فعقلت ، فقلت : لا يرثنى إلا كلالة ، فنزلت آية الفرائض . وضوء العائد ~~للمريض إذا كان إماما فى الخير ورئيسا فى الفضل يتبرك به وصبه عليه مما ~~يرجى نفعه ، وقد يمكن أن يكون مرض جابر الذى صب عليه النبى ( ص ) الماء من ~~الحمى الذى أمر النبى بإبرادها بالماء لأنها من فيح جهنم ، فتكون صفه من ~~الإبراد هكذا أن يتوضأ الرجل الفاضل ويصب ذلك الماء طار من وضوئه على ~~المريض . PageV09P392 # | 21 - باب : من دعا برفع الوباء والحمى # / 36 - فيه : وذكر حديث عائشة حين وعك أبو بكر وبلال بتمامه إلى قوله : ( ~~اللهم حبب إلينا المدينة وانقل حماها فاجعلها بالجحفة ) . وقد تقدم فى باب ~~عيادة الرجال النساء . قال المؤلف : فيه من الفقه جواز الدعاء إلى الله ~~تعالى فى رفع الوباء والحمى والرغبة إليه فى الصحة والعافية ، وهذا رد على ~~الصوفية فى قولهم : إن الولى لا تتم له بالولاية إلا إذا رضى بجميع مانزل ~~به من البلاء ولا يدع الله فى كشفه ، وقد تقدم فى آخر كتاب الحج فى أبواب ~~فضائل المدينة . * * * PageV09P393 # | 69 - كتاب الطب # # | 1 - باب ما أنزل الله داء إلا أنزل له شفاء # / 1 - فيه : أبو هريرة ، قال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( ما ms3300 أنزل ~~الله داء إلا أنزل له شفاء ) . قال الترمذى فى هذا الحديث : عن ابن مسعود ، ~~وأبى هريرة ، وأبى خزامة ، عن أبيه وابن عباس ، وعن أسامة بن شريك . وفيه ~~إباحة التداوى وجواز الطب ، وهو رد على الصوفية الذى يزعمون أن الولاية لا ~~تتم إلا إذا رضى بجميع مانزل من البلاء ، ولا يجوز له له مداوته . وقد أباح ~~عليه السلام التداوى وقال للرجلين : ( أيكما أطب ؟ فقالا : أو فى الطب خير ~~يارسول الله ؟ فقال : أنزل الدواء الذى أنزل الأدواء ) فلا معنى لقول من ~~أنكر ذلك . # | 2 - باب هل يداوى الرجل المرأة والمرأة الرجل # / 2 - فيه : ربيع بنت معوذ ، قالت : كنا نغزو مع النبى عليه السلام نسقى ~~القوم ونخدمهم ، ونرد القتلى والجرحى إلى المدينة . قال المؤلف : هذا إنما ~~يجوز للنساء المتجالات اللاتي لا تخشى من PageV09P394 قبلهن الفتنة وأما ~~الجواري فلا يباشرون الرجال غير ذوي المحارم منهن . # | 3 - باب : الدواء بالعسل وقوله تعالى : ( فيه شفاء للناس ) # / 3 - فيه : عائشة ، كان النبى عليه السلام يعجبه الحلواء والعسل . / 4 - ~~وفيه : جابر ، قال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( إن كان فى شىء من ~~أدويتكم خير ففى شرطة محجم ، أو شربة عسل ، أو لذعة بنار ، توافق الداء ، ~~وما أحب أن أكتوى ) . / 5 - وفيه : أبو سعيد ، أن رجلا أتى النبى عليه ~~السلام فقال : أخى يشتكى بطنه ، فقال : ( اسقه عسلا ) ، ثم أتى الثانية ، ~~فقال : ( اسقه عسلا ) ، ثم أتاه الثالثة ، فقال : ( اسقه عسلا ) ، ثم أتاه ~~، فقال : قد فعلت ، فقال : ( صدق الله ، وكذب بطن أخيك ، اسقه عسلا ، فسقاه ~~فبرأ ) . اختلف أهل التأويل فيما عادت عليه الهاء التى فى قوله : ( فيه ~~شفاء للناس ) فقال بعضهم : عادت على القرآن وهو قول مجاهد . وقال آخرون : ~~يراد بها العسل روى ذلك عن ابن مسعود وابن عباس ، وهو قول الحسن وقتادة ، ~~وهذا القول أولى بدليل حديث جابر وأبى سعيد ، وقال قتادة فى حديث سعيد : ( ~~صدق القرآن وكذب بطن أخيك ) وقال بعض العلماء فى قوله : ( شفاء للناس ) ~~المعنى فيه شفاء لبعض الناس . وتأولوا الآية . وحديث جابر وأبى سعيد على ms3301 ~~الخصوص . PageV09P395 وقالوا : الحجامة وشرب العسل والكى إنما هو شفاء لبعض ~~الأمراض دون بعض ، ألا ترى قوله عليه السلام : ( أو لذعة بنار توافق الداء ~~) فشرط موافقتها للداء فدل هذا أنها إذا لم توافق الداء فلا دواء فيها ، ~~وقد جاء فى القرآن مالفظه العموم والمراد به الخصوص كقوله تعالى : ( ~~وماخلقت الجن واإنس إلا ليعبدون ) يريد المؤمنين منهم لقوله تعالى : ( ولقد ~~ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس ) أى : خلقنا ، وقال تعالى فى بلقيس : ( ~~وأوتيت من كل شىء ) ولم تؤت ملك سليمان ، ومثله كثير . # | 4 - باب : الدواء بأوبوال الإبل وألبانها # / 6 - فيه : أنس ، أن ناسا اجتووا فى المدينة فأمرهم النبى ، عليه السلام ~~، أن يلحقوا براعيه - يعنى الإبل - فيشربوا من ألبانها وأبوالها ، فشربوا ~~من ألبانها وأبوالها ، ففعلوا حتى صلحت أبدانهم ، فقتلوا الراعى . . . . ~~الحديث . قال مالك : لا بأس بشرب أبواب الإبل فى الداء ، كذلك أبواب ~~الإنعام والبقر والغنم ، قيل له : فأبوال الخيل ؟ قال : لا خير فيه . قيل ~~له : تحلب فتبول فى اللبن . قال : أرجو أن لا يكون بذلك بأس . وأبوالها ~~عنده طاهرة كلحومها . وقال مالك مرة : تشرب أبوال الأنعام الثمانية التى ~~ذكر الله سبحانه ، وقد تقدم فى كتاب الوضوء فى باب أبواب الإبل والدواب ~~والغنم ومرابضها وقوله : ( يكدم الأرض بلسانه ) فالكدم عض بأدنى الفم . ~~PageV09P396 # | 5 - باب : الحبة السوداء # / 7 - فيه : خالد بن سعد ، خرجنا ومعنا غالب بن أبجر ، فمرض فى الطريق ، ~~فقدمنا المدينة ، وهو مريض ، فعاده ابن أبى عتيق ، فقال لنا : عليكم بهذه ~~الحبيبة السوداء ، فخذوا منها خمسا أو سبعا فاسحقوها ، ثم اقطروها فى أنفه ~~بقطرات زيت فى هذا الجانب ، وفى هذا الجانب ، فإن عائشة حدثتنى أن النبى - ~~صلى الله عليه وسلم - يقول : ( إن هذه الحبة السوداء شفاء من كل داء إلا من ~~السام ) ، قلت : وما السام ؟ قال : ( الموت ) . / 8 - وفيه : أبو هريرة قال ~~النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( فى الحبة السوداء شفاء من كل داء إلا ~~السام ) . قال ابن شهاب : والسام الموت ، والحبة السوداء الشونيز . هذا ~~الحديث يدل عمومه على الانتفاع بالحبة السوداء فى كل ms3302 داء غير داء الموت كما ~~قال عليه السلام ، إلا أن أمر ابن أبى عتيق بتقطير الحبة السوداء بالزيت فى ~~أنف المريض لا يدل أن هكذا سبيل التداوى بها فى كل مرض ، فقد يكون من ~~الأمراض مايصلح للمريض شربها أيضا ويكون منها مايصلح خلطها ببعض الأدوية ~~فيعم الانتفاع بها منفردة ومجموعة مع غيرها ، والله أعلم . # | 6 - باب : التلبية للمريض # / 9 - فيه : عائشة ، أنها كانت تأمر بالتلبين للمريض وللمحزون على الهالك ~~، وكانت تقول : إنى سمعت النبى عليه السلام يقول : ( إن التلبينة تجم فؤاد ~~المريض ، وتذهب ببعض الحزن ، وكانت تقول : هو [ البغيض ] النافع ) . ~~PageV09P397 ويروى ( تخم ) ومعناه : تنفى والمخمة المكنسة ، ومنه قوله عليه ~~السلام حين سئل أى المؤمنين أفضل ؟ قال : ( الصادق اللسان المخموم القلب . ~~قيل : قد عرفنا الصادق اللسان ، فما المخموم القلب ؟ قال : الذى لا غل فيه ~~ولا حسد ) ومن روى تجم بالجيم ، فمعناه قريب من هذا وهو من خفة النفس ~~ونشاطها ، تقول العرب : جم الفرس يجم ويجم جماما وأجم إذا ترك ولم يركب ولم ~~يتعب . # | 7 - باب : السعوط # / 10 - فيه : ابن عباس ، أن النبى - صلى الله عليه وسلم - احتجم ، وأعطى ~~الحجام أجره ، واستعط . روى الترمذى من حديث عبادة بن منصور عن عكرمة ، عن ~~ابن عباس قال : قال النبى - صلى الله عليه وسلم - : إن خير ماتداويتم به ~~السعوط والحجامة شفاء لبعض الناس دون بعض ، وكلك اللدود والمشى . # | 8 - باب : السعوط بالقسط الهندي # وهو الكست مثل الكافور ، والقافور ، وقرأ عبد الله : قشطت ، وكشطت . / 11 ~~- فيه : أم قيس أن النبى عليه السلام قال : ( عليكم بهذا العود الهندى ، ~~فإن فيه سبعة أشفية ، يستعط به من العذرة ، ويلد به من ذات الجنب . . . . ) ~~الحديث . PageV09P398 وفي كتاب العين : العذرة : وجع فى الحلق ، ويلد : ~~يداوى ، واللدود ماكان من السقى فى أحد شقى الفم ، وسيأتى فى باب اللدود . # | 9 - باب : أى ساعة يحتجم # واحتجم أبو موسى ليلا . / 12 - فيه : ابن عباس ، احتجم النبى عليه السلام ~~وهو صائم . الحجامة فى الليل والنهار وفى كل وقت احتيج اليها مباحة ، وقد ~~روى أبو داود عن ms3303 الربيع بن نافع ، حدثنا سعيد بن عبد الرحمن الجمحى ، عن ~~سهيل ، عن أبيه ، عن أبى هريرة قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~: ( من احتجم لسبع عشرة وتسع عشرة وإحدى وعشرين ، كان شفاء من كل داء ) . ~~وسئل مالك عن الحجامة فى خمس وسبع عشرة وثلاث وعشرين ، فكره أن يكون لذلك ~~يوم محدود ، وقال أبو داود : حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا أبو بكرة بكار بن ~~عبد العزيز قال : أخبرتنى عمتى كبشة بنت أبى بكر : ( أن أباها كان ينهى ~~أهله عن الحجامة يوم الثلاثاء ، ويزعم عن رسول الله أن يوم الثلاثاء يوم ~~الدم وفيه ساعة لا يرقأ ) . وقال مالم : لا أرى بأسا بالحجامة يوم السبت ~~ويوم الأربعاء والأيام كلها ، وكذلك السفر والنكاح ، وأراه عظيما أن يكون ~~يوما من لأتقى الحجامة يوم السبت والأربعاء لحديث بلغني . PageV09P399 # | 10 - باب : الحجامة من الدواء # / 13 - فيه : أنس ، أنه سئل عن أجر الحجام ، فقال : احتجم النبى عليه ~~السلام حجمه أبو طيبة ، وأعطاه صاعين من طعام ، وكلم مواليه فخففوا ، عنه ، ~~وقال : إن أمثل ما تداويتم به الحجامة ، والقسط البحرى ، وقال : ( لا ~~تعذبوا صبيانكم بالغمز من العذرة ، وعليكم بالقسط ) . ( 1 ) / 14 - وفيه : ~~جابر ، أنه عاد المقنع ، ثم قال : لا أبرح حتى تحتجم ، فإنى سمعت النبى ~~عليه السلام يقول : ( إن فيه شفاء ) . قال الطبرى : فإن قال قائل : قول ~~النبى ( أمثل ما تداويتم به الحجامة ) و ( إن فيه الشفاء ) هل هو على ~~العموم أو الخصوص ، فإن قلت : أنها على العموم فما أنت قائل فيما روى ابن ~~علية عن ابن عون ، عن ابن سيرين أنه قال : إذا بلغ الرجل أربعين لم يحتجم ، ~~قال ابن عون : فتركت الحجامة وكانت نعمة من الله . وإن قلت : هى على الخصوص ~~. فما الدليل على ذلك ؟ . قال الطبرى : فالجواب أن أمر النبى بذلك أمته ~~إنما هو ندب لا إيجاب وهو عام فيما ندبهم إليه من معناه ، وذلك أنه أمرهم ~~بالحجامة حضا منه لهم على مافيه نفعهم ، ودفع مايخاف من غائلة الدم على ~~أجسامهم إذا كثر وتبيغ فندبهم ms3304 إلى استعمال ذلك فى الحين الذى إخراجه فيه ~~صلاح لأبدانهم ، وقد بين عليه السلام فى خبر حميد عن أنس أنه قال عليه ~~السلام : ( إذا هاج بأحدكم الدم فليحتجم ، PageV09P400 فإن الدم إذا تبيغ ~~بصاحبه قتله ) وغير بعيد ماروى عن ابن سيرين من نهيه ابن أربعين سنة عن ~~الحجامة ، وذلك أنه فى انتفاض من عمره وانحلال من قوى جسمه ، وفى ذلك غناء ~~له عن معونته عليه بما يزيد وهنا على وهن ، إلا أن يتبيغ به الدم حتى يكون ~~الأغلب من أمره خوف الضرر بتركه إخراجه فيحق عليه حينئذ إخراجه والأخذ بما ~~ندبه اليه نبيه عليه السلام والغمر : العصر باليد . # | 11 - باب : الحجامة على الرأس # / 15 - فيه : ابن بحينة ، أن النبى عليه السلام احتجم بلحى جمل من طريق ~~مكة ، وهو محرم ، فى وسط رأسه . / 16 - وفيه : ابن عباس أن النبى - صلى ~~الله عليه وسلم - احتجم فى رأسه . ذكر الطبرى روى شيبان عن جابر ، عن محمد ~~بن على عن عبد الله بن جعفر قال : ( احتجم رسول الله عليه السلام على قرنه ~~بعدما سم ) . روى طاوس عن ابن عباس أن النبى عليه السلام قال : ( الحجامة ~~فى الرأس شفاء من سبع : من الجنون والجذام والبرص والصداع والنعاس وظلمة ~~العينين ووجع الأضراس ) . # | 12 - باب : الحجامة من الشقيقة والصداع # / 17 - فيه : ابن عباس أن النبى عليه السلام احتجم فى رأسه ، وهو محرم ، ~~من وجع كان به ، وقال مرة : من شقيقة كانت به . PageV09P401 / 18 - وفيه : ~~جابر ، قال عليه السلام : ( إن كان فى شىء من أدويتكم خير ، ففى شربة عسل ، ~~أو شرطة محجم . . . . ) الحديث . قال الطبري : وقد روى عن النبي أنه كان ~~يحتجم على رأسه وبين كتفيه من حديث أبى كبشة الأنمارى وسلمى خادمة عليه ~~السلام ومن حديث جرير ، عن قتادة ، عن أنس أنه كان يحتجم فى الأخدعين وبين ~~الكتفين ، وصحة هذا غير مبطلة صحة الخبر عنه أنه احتجم على رأسه وذلك أن ~~حجم المحتجم من جسده مايرجو نفعه فى بعض أحايينه غير موجب علينا إحالة ~~احتجامة على هامته ونفره ms3305 قفاه ، وغيرها من أماكن جسده لاختلاف العلل ، وقد ~~ذكر عن المتقدمين فى العلم بحجامة الأدواء أن حجامة الأخدعين على النقرة ~~لأدواء العينين ، والرأس والعنق والظهر ، وأن الحجامة على الكاهل نفعها من ~~داء الجسد كله وأن الحجامة فوق القحف نفعها من السدد وقروح الفخد واحتباس ~~الطمث ، فإذا كانت منافع الحجامة مختلفة لاختلاف أماكنها فمعلوم أن حجمه ~~عليه السلام من جسده ما حجم كان لاختلاف أسباب الحاجة إليه ، وروى عنه عليه ~~السلام أن حجمه هامته كان لوجع أصابه فى رأسه من أكلة الطعام المسموم بخيير ~~. # | 13 - باب : الحلق من الأذى # / 19 - فيه : كعب بن عجرة ، أتى على النبي عليه السلام زمن PageV09P402 ~~الحديبية ، وأنا أوقد تحت برمة ، والقمل يتناثر على رأسى ، فقال : ( أيؤذيك ~~هوامك ) ؟ قلت : نعم ، قال : ( فاحلق وصم . . . ) الحديث . فيه : أن ما ~~مايتأذى به المؤمن وإن صغر أذاه فمباح له إزالته وإماطته عنه ؛ لأن إنتاثر ~~القمل عليه كان من شعث الإحرام وذلك لا محالة أهون من علة لو كانت بجسده ، ~~فكما أمره عليه السلام بإماطة أذى القمل عنه كان مداواة أسقام الأجساد أولى ~~بإمطاتها بالدواء بخلاف قول الصوفية الذين لا يرون المداواة . # | 14 - باب : من اكتوى أو كى غيره وفضل من لم يكتو # / 20 - فيه : جابر ، قال عليه السلام : ( إن كان فى شىء من أدويتكم شفاء ~~، ففى شرطة محجم ، أو لذعة بنار ، وما أحب أن أكتوى ) . / 21 - وفيه : ابن ~~عباس ، قال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( عرضت على الأمم ، فجعل النبى ~~والنبيان يمرون ومعهم الرهط ، والنبى ليس معه أحد حتى رفع لى سواد عظيم ، ~~قلت : ما هذا ؟ أمتى هذه ؟ قيل : بل هذا موسى وقومه ، قيل : انظر إلى الأفق ~~، فإذا سواد يملأ الأفق ، ثم قيل لى : انظر هاهنا وها هنا فى آفاق السماء ، ~~فإذا سواد قد ملأ الأفق ، قيل : هذه أمتك ، ويدخل الجنة من هؤلاء سبعون ~~ألفا بغير حساب ) ، ثم دخل ولم يبين لهم ، فأفاض القوم ، وقالوا : نحن ~~الذين آمنا بالله ، واتبعنا رسوله ، فنحن هم أو أولادنا الذين ولدوا فى ~~الإسلام ، وإنا ولدنا ms3306 فى الجاهلية ، فبلغ النبى - صلى الله عليه وسلم - ، ~~فخرج ، فقال : ( هم الذين لا يسترقون ، PageV09P403 ولا يتطيرون ، ولا ~~يكتوون ، وعلى ربهم يتوكلون ) ، فقال عكاشة : أمنهم أنا يا رسول الله ، قال ~~: ( نعم ) ، فقام آخر ، فقال : أمنهم أنا ، قال : ( سبقك بها عكاشة ) . قال ~~المؤلف : فى حديث جابر إباحة الكي والحجامة وأن الشفاء فيهما ؛ لأنه عليه ~~السلام لايدل أمته على مافيه الشفاء لهم إلا ومباح لهم الاستشفاء والتداوى ~~. فإن قال قائل : مامعنى قوله عليه السلام : ( لا أحب أن أكتوى ) ؟ قيل : ~~معنى ذلك - والله أعلم - أن الكي إحراق بالنار وتعذيب وقد كان عليه السلام ~~يتعوذ كثيرا من فتنة النار وعذاب النار فلو اكتوى بها لكان قد عجل لنفسه ~~ألم ما قد استعاذ بالله منه . فإن قيل : فهل نجد فى الشريعة مثل هذا مما ~~أباحه النبى عليه السلام لأمته ولم يفعله هو فى خاصة نفسه فتسكن النفس إلى ~~ذلك ؟ قيل : بلى وذلك أنه عليه السلام أباح لأصحابه أكل الضب على مائدته ~~ولم يأكله هو وبين علة امتناعه منه فقال : ( لم يكن بأرض قومى فأجدنى أعافه ~~) ومثله أنه لم يأكل الثوم والبصل والخضروات المنتنه الريح وأباحها لأمته ، ~~وقال : ( إنى أناجى من لا تناجى ) وقال مرة : ( إنه يحضرنى من الله حاضرة ) ~~فكذلك أباح الكي وكرهه فى خاصة نفسه عليه السلام . وقال الطبرى : أما قوله ~~عليه السلام : ( لايتطيرون ولا يسترقون ) فمعناه - والله أعلم - الذين ~~لايفعلون شيئا من ذلك معتقدين أن البرء إن حدث عقيب ذلك كان من عند الله ~~وأنه كان بسبب الكي والرقية ، PageV09P404 وأن الذي يتطير منه لو لم ينصرف ~~من أجله ومضى فى مضيه إن أصابه مكروه من قبل مضيه لا من قبل الله . فأما من ~~انصرف ومضى وهو فى كلا حالية معتقد أنه لا ضار ولا نافع غير الله تعالى وأن ~~الأمور كلها بيده ، فإنه غير معنى بقوله : ( لا يكتوون ولا يتطيرون ) . قال ~~أبو الحسن بن القابسى : معنى لا يسترقون . يريد الاسترقاء الذى كانوا ~~يسترقونه فى الجاهلية عند كهانهم وهو استرقاء لما ليس فى كتاب الله ms3307 ولا ~~بأسمائه وصفاته ، وإنما هو ضرب من السحر ، فأما الاسترقاء بكتاب الله ~~والتعوذ بأسمائه وكلماته فقد فعله الرسول وأمر به ولا يخرج ذلك من التوكل ~~على الله ، ولايرجى فى التشفى به إلا رضا الله . وأما قوله : ( وعلى ربهم ~~يتوكلون ) فقال الطبرى : اختلف الناس فى حد التوكل ، فقالت طائفة : لايستحق ~~اسم التوكل حتى لايخالط قلبه خوف شىء غير الله من سبع عاد وعدو لله كافر ~~حتى يترك السعى على نفسه فى طلب رزقه ؛ لأن الله تعالى قد ضمن أرزاق العباد ~~والشغل بطلب المعاش شاغل عن الخدمة . واحتجوا بما رواه فضيل بن عياض ، عن ~~هشام ، عن الحسن ، عن عمران بن حصين قال : قال رسول الله : ( من انقطع إلى ~~الله كفاه الله كل مؤمن ورزقه من حيث لا يحتسب ، ومن انقطع إلى الدنيا وكله ~~الله إليها ) وبما رواه فضيل عن عطيه عن أبى سعيد الخدرى قال : قال رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - : ( لو فر أحدكم من رزقه لأدركه كما يدركه ~~الموت ) . PageV09P405 وقالت طائفة : حد التوكل على الله : الثقة به ~~ولاستسلام لأمره والإيقان بأن قضاءه عليه ماض واتباع سنته وسنة رسوله ومن ~~اتباع سنته سعى العبد فيما لابد له من مطعم ومشرب وملبس لقوله تعالى : ( ~~وما جعلناهم جسدا لا يأكلون الطعام ) ومن سنته أن يحترز من عدوه كما فعل ~~النبى عليه السلام يوم أحد من مظاهرته بين درعين وتغفره بمغفر يتقى به سلاح ~~المشركين ، وإقعاده الرماة على فم الشعب ليدفعوا من أدراد إتيانه ، وكصنيعة ~~الخندق حول المدينة حصنا للمسلمين وأموالهم مع كونه من التوكل والثقة بربه ~~بمحل لم يبلغه أحد ثم كان من أصحابه ما لا يجهله أحد من تحولهم عن منازلهم ~~مرة إلى الحبشة ومرة إلى مدينته عليه السلام خوفا على أنفسهم من مشركى مكة ~~وهربا بدينهم أن يفتنوهم عنه بتعذيبهم إياهم . وقد أحسن الحسن البصرى حين ~~قال - للمخبر عن عامر بن عبد الله أنه نزل مع أصحابه فى طريق الشام على ماء ~~فحال الأسد بينهم وبين الماء فجاء عامر إلى الماء ms3308 فأخذ منه حاجته ، فقيل له ~~: قد خاطرت بنفسك ! قال : لأن تختلف الأسنة فى جوفى خير لى من أن يعلم الله ~~أنى أخاف شيئا سواه - : قد خاف من كان خيرا من عامر موسى عليه السلام حين ~~قيل له : ( إن الملأ يأتمرون بك ليقتلوك فاخرج إنى لك من الناصحين فخرج ~~منها خائفا يترقب قال رب نجنى من القوم الظالمين ) وقال : ( فأصبح فى ~~المدينة خائفا يترقب ) وقال حين القى السحرة حبالهم وعصيهم : ( فأوجس فى ~~نفسه خيفة موسى قلنا لاتخف إنك أنت الأعلي ) قالوا : فالمخبر عن نفسه بخلاف ~~ماطبع الله نفوس بنى آدم كاذب ، وقد طبعهم الله على الهرب مما يضرهم ، ~~PageV09P406 وقد أمر الله عباده بالإنفاق من طيبات ماكسبوا وقال تعالى : ( ~~فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه ) فأحل للمضطر ماكان حرم عليه عند ~~عدمه للغذاء الذى أمره باكتسابه والاغتذاء به ، ولم يأمره بانتظار طعام ~~ينزل عليه من السماء ، ولو ترك السعى فى طلب مايتغذى به حتى هلك كان لنفسه ~~قاتلا ، وقد كان رسول الله يتلوى من الجوع مايجد مايأكله ، ولم ينزل عليه ~~طعام من السماء وهو أفضل البشر وكان يدخل لنفسه قوت سنه حين فتح الله عليه ~~الفتوح . وقد روى أنس بن مالك ( أن رجلا أتى النبى عليه السلام ببعير ، ~~فقال : يارسول الله أعقله وأتوكل أو أطلقه وأتوكل ؟ قال : اعقله وتوكل ) . ~~وأما اعتلالهم بقوله عليه السلام : ( يدخل الجنة من أمتى سبعون الفا بغير ~~حساب الذين لايسترقون ولايتطيرون ولايكتوون ةعلى ربهم يتوكلون ) فذلك إغفال ~~منهم ، ومعنى ذلك الذين يايكتوون معتقدين أن الشفاه الله بعلاجه أن الله هو ~~الذى شفاه به فهو المتوكل على ربه التوكل الصحيح ولا أحد يتقدم النبى عليه ~~السلام فى دخول الجنة ولايسبقه إليها وقد قال : ( أنا أول من يقرع باب ~~الجنة فيقال لى : من أنت ؟ فأقول : محمد فيقول الخازن : أمرت ألا أفتح لأحد ~~قبلك ) قالوا : وقد كوى عليه السلام جماعة من أصحابه ، كوى أبا أمامه أسعد ~~بن زرارة من الذبحة ، وكوى سعد بن معاذ من كلمه يوم الخندق ms3309 ، PageV09P407 ~~وكوى أبى بن كعب على أكحله حين أصابه السهم يوم أحد ، وكوى أبو طلحة فى زمن ~~النبى عليه السلام وقال جرير بن عبد الله : أقسم على بن عمر بن الخطاب ~~لأكتوين ، واكتوى خباب بن الأرت سبعا على بطنه واكتوى من اللقوة ابن عمر ~~ومعاوية وعبد الله بن عمرو روى ذلك كله الطبرى بأسانيد صحاح . قال الطبرى : ~~فبان أن معنى الحديث ماقلناه وأن الصواب فى حد التوكل الثقة بالله تعالى ~~والاعتماد فى الأمور عليه ، وتفويض كل ذلك إليه بعد استفراغ الوسع فى السعى ~~فيما بالعبد الحاجة إليه من أمر دينه ودنياه على ما أمر به من السعى فيه لا ~~مالقله الزاعمون أن حدة الاستسلام للسباع وترك الاحتراز من الاعداء ورفض ~~السعى للمكاسب والمعاش ، والإعراض عن علاج العلل ؛ لأن ذلك جهل وخلاف لحكم ~~الله فى بعاده . وخلاف حكم رسوله فى أمته وفعل الأثمه الراشدين . قال غيره ~~: وأما قوله : ( سبقك بها عكاشة ) فمعناه - والله أعلم - أن ذلك الرجل لم ~~يكن ممن بلغت درجته فى الفضل إلى منزلة الذين لايسترقون ولايتطيرون ~~ولايكتوون وعلى ربهم يتوكلون ، فكره عليه السلام أن يفزعه بأنه ليس من هذه ~~الطبقة فيحزنه بذلك ، وكان عليه السلام رحيما رفيقا فجابه بكلام مشترك ألف ~~به به القول وهو قوله : ( سبقك بها عكاشة ) أى سبقك بهذه الحال الرفيعة من ~~الإيمان حين كان من أهل تلك الصفات المذكورة ، فبذلك استحق أن PageV09P408 ~~يكون منهم وأنت لم يبلغ بك عملك إلى تلك الدرجات فكيف تكون منهم ، وهذا من ~~معاريض الكلام والرفق بالجاهل فى الخطاب ، وقد قيل : إنما كان منافعقا ~~فأراد عليه السلام الستر له والإبقاء عليه ولعله أن يتوب فرده ردا جميلا ، ~~وهذا خلقه عليه السلام . # | 15 - باب : الإثمد والكحل من الرمد فيه عن أم عطية # / 22 - فيه : أم سلمة ، أن امرأة توفى زوجها فاشتكت عينها ، فذكروها ~~للنبى عليه السلام وذكروا له الكحل ، وأنه يخاف على عينها ، فقال : ( قد ~~كانت إحداكن تمكث فى بيتها فى شر أحلاسها فإذا مر كلب رمت بعرة . . . ) ~~الحديث . روى إسرائيل عن ms3310 عباد بن منصور ، عن عكرمة ، عن ابن عباس قال : ( ~~كان النبى عليه السلام يكتحل قبل أن ينام بالأثمد فى كل عين ثلاثا ) . وروى ~~ابن إسحاق عن محمد بن المنكدر ، عن جابر قال رسول الله : ( عليكم بالأثمد ~~عند النوم ؛ فإنه يجلوا البصر وينبت الشعر ) . # | 16 - باب : الجذام # / 23 - فيه : أبو هريرة ، قال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( لا عدوى ~~، ولا طيرة ، ولا هامة ، ولا صفر ، وفر من المجذوم كما تفر من الأسد ) . ~~PageV09P409 قال أبو بكر بن الطيب : زعم الجاحظ عن النظام أن قوله عليه ~~السلام : ( فر من المجذوم كما تفر من الأسد ) معارض قوله عليه السلام ( لا ~~عدوى ) قال ابن الطيب : وهذا جهل وتعسف من قائله ؛ لأن قوله : ( لا عدوى ) ~~مخصوص ويراد به شىء دون شىء وإن كان الكلام ظاهرة العموم فليس ينكر أن يخص ~~العموم بقول آخر له أو استثناء ، فيكون قوله : ( لا عدوى ) المراد به إلا ~~من الجذام والبرص والجرب ، فكأنه قال : ( لا عدوى ) إلا ماكنت بينته لكم أن ~~فيه عدو وطيره فلا تناقص فى هذا إذا رتب الأحاديث على ماوصفناه . قال ~~الطبرى : اختلف السلف فى صحة هذا الحديث ، فأنكر بعضهم أن يكون عليه السلام ~~أمر بالبعد من ذى عاهه جذاما كانت برصا أو غيره وقالوا قد أكل رسول الله مع ~~مجذوم وأقعده معه وفعل ذلك أصحابه المهديون حدثنا ابن بشار ثنا عبد الرحمن ~~حدثنا سفيان ، عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه : ( أن وفد ثقيف أتوا أبا ~~بكر الصديق فأتى بطعام فدعاهم فتنحى رجل ، فقال مالك ؟ قال : مجذوم . فدعاه ~~وأكل معه ) وعن سلمان وابن عمر أنهما كانا يصنعان الطعام للمجذومين ويأكلان ~~معهم ، وعن عكرمة أنه تنحى من مجذوم ، فقال له ابن عباس : ياماض ، لعله خير ~~منى ومنك . وعن عائشة : ( أن امرأة سألتها أكاد رسول الله يقول فى ~~المجذومين فروا منهم فراركم من الأسد ؟ فقالت عائشة كلا والله ولكنه قال : ~~لا عدوى فمن أعدى الأول ) وكان مولى لى أصابه ذلك الداء فكان يأكل فى صحافى ~~ويشرب فى أقداحى وينام ms3311 على فراشى . قالوا : وقد أبطل رسول الله العدوى . ~~PageV09P410 روينا عنه عليه السلام أنه أكل مع مجذوم خلافا لأهل الجاهلية ~~فيما كانوا يفعلونه من ترك مؤاكلته خوفا أن يعديهم داؤه ، حدثنا به العباس ~~ابن محمد ، حديثنا يونس بن محمد ، عن مفضل بن فضالة ، عن حبيب بن الشهيد ، ~~عن محمد بن المنكدر ، عن جابر : ( أن النبى عليه السلام أخذ بيد مجذوم ~~فأقعده معه ، وقال : كل ثقة بالله وتوكلا عليه ) . وقال آخرون بتصحيح هذا ~~الخبر ، وقالوا : أمر النبى بالفرار من المجذوم واتقاء مؤاكلته ومشاربته ، ~~فغير جائز لمن علم أمره بذلك إلا الفرار من المجذوم ، وغير جائز إدامته ~~النظر إليهم لنهيه عليه السلام عن ذلك ، ذكر من قال لك روى معمر عن الزهرى ~~أن عمر بن الخطاب قال لمعقيب : ( اجلس منى قيد رمح . وكان به ذلك الداء ~~وكان بدريا ) وروى أبو الزناد عن خارجة بن زيد قال : ( كان عمر إذا أتى ~~بالطعام وعنده معيقيب قال : كل مما يليك ، وايم الله لو غيرك به مابك ماجلس ~~منى على أدنى من قيد رمح ) وكان أبو قلابة يتقى المجذوم . قال الطبرى : ~~والصواب عندنا ما صح به الخبر عنه ( ص ) ، أنه قال : ( لا عدوى ) وأنه لا ~~يصيب نفسا إلا ما كتب عليها فأما دنو عليل من صحيح فإنه غير موجب للصحيح ~~عله وسقما غير أنه لا ينبغى لذى صحة الدنو من الجذام والعاهة التى يكرها ~~الناس لا أن ذلك حرام ، ولكن حذار من أن يظن الصحيح إن نزل ذلك الداء يوما ~~أن ماأصابه لدنوه منه فيوجب له ذلك الدخول فيما نهى عنه عليه السلام وأبطله ~~من أمر الجاهلية فى العدوى . PageV09P411 وليس فى أمره عليه السلام بالفرار ~~من المجذوم خلاف معه لأنه يأمر بالأمر على وجه الندب أحيانا وعلى وجه ~~الإباحة أخرى ثم يترك فعله ليعلم بذلك أن أمره لم يكن على وجه الإلتزام ~~وكان ينهى عن الشىء على وجه التكره والتنزه أحيانا وعلى وجه التأديب أخرى ~~ثم يفعله ليعلم أن هيه لم يكن على وجه التحريم . قال غيره ms3312 : وقد قال بعض ~~العلماء : هذا الحديث يدل أنه يفرق بين المجذوم وامرأته إذا حدث به الجذام ~~وهى عنده لموضع الضرر ، إلا أن ترضى بالمقام معه . وقال ابن القاسم : يحال ~~بينه وبين وطء رقيقة إذا كان فى ذلك ضرر . قال سحنون : لا يحال بينه وبيه ~~وطء إمائه . ولم يختلفوا فى الزوجة . قال ابن حبيب : وكذلك يمنع المجذوم من ~~المسجد والدخول بين الناس واختلاطة بهم كما روى عن عمر أنه مر بامرأة ~~مجذومة تطوف بالبيت فقال لها : ياأمة الله ، اقعدى فى بيتك ولاتؤذي الناس . ~~وقال مطرف وابن الماجشون فى المرضى إذا كانوا يسيرا : لايخرجون عن قرية ~~ولاحاضرة ولاسوق ، وإن كثروا رأينا أن يتخذوا لأنفسهم موضعا كما صنع مرضى ~~مكة عند التنعيم منزلهم وفيه جماعتهم ، ولا أرى أن يمنعوا من الأسواق ~~لتجارتهم والنظر والمسألة إذا لم يكن لهم إمام عادل يرزقهم ، ولايمنعوا من ~~الجمعة يمنعون من غيرها . وقال أصبغ : ليس على مرضى الحواضر أن يخرجوا منها ~~إلى نايحة بقضاء يحكم به عليهم ، ولكنهم إن كفاهم الإمام مؤنتهم وأجرى ~~عليهم الرزق منعوا من مخالطة الناس . قال ابن حبيب : والحكم بتنحيتهم إذا ~~كثروا أعجب إلى ، وهو الذي عليه الناس . PageV09P412 # | 17 - باب : المن شفاء للعين # / 24 - فيه : سعيد بن زيد ، سمعت النبى عليه السلام يقول : ( الكمأة من ~~المن ، وماؤها شفاء للعين ) . ذكر الطبرى عن محمد بن المنكدر ، عن جابر بن ~~عبد الله قال : ( كثرت الكمأة على عهد رسول الله عليه السلام فامتنع أقوام ~~من أكلها ، وقالوا : هى جدى الأرض ، فبلغ ذلك النبى عليه السلام فقال : إن ~~الكمأة ليست من جدى الأرض ، ألا إن الكمأة من المن وماؤها شفاء للعين ) قال ~~الطبرى : إن قيل مامعنى قوله : ( الكمأة من المن ) والكمأة معروفة كما أن ~~المن معروف ، كل واحد منهما غير نوع صاحبه ؟ قيل : الكمأة وإن لم تكن من ~~نوع المن فإنه يجمعهما فى المعنى أنهما مما يحدث الله رزقا لعباده من غير ~~أصل له ومن غير صنع منهم ولاعلاج ، إذ كانت جميع أقوات العباد لا سبيل ~~إليها إلا ms3313 بأصل عندهم وغرس وليس كذلك فى الكمأة والمن . # | 18 - باب : اللدود # / 25 - فيه : ابن عباس ، وعائشة ، أن أبا بكر قبل النبى عليه السلام وهو ~~ميت ، قال : وقالت عائشة : لددناه فى مرضه ، فجعل يشير إلينا أن لا تلدونى ~~، فقلنا : كراهية المريض للدواء ، فلما أفاق ، قال : ألم أنهكم أن تلدونى ؟ ~~قلنا : كراهية المريض للدواء ، فقال : لا يبقى فى البيت أحد إلا لد ، وأنا ~~أنظر إلا العباس ، فإنه لم يشهدكم . PageV09P413 وفيه : أم قيس : < < دخلت ~~بابن لي على النبي - عليه السلام - وقد أعلقت عنه من العذرة ، فقال : علام ~~تدغرن أولادكن بهذا العلاق ، عليكم بهذا العود الهندي فإنه فيه سبعة أشفية ~~منها ذات الجنب ويسعط من العذرة ويلد من ذات الجنب > > . [ قلت ] لسفيان : ~~فإن [ معمرا ] يقول : أعلقت عليه . قال : لم يحفظ إنما قال أعلقت عنه ، ~~حفظته من الزهري ، ووصف سفيان الغلام يحنك بالأصبع وأدخل سفيان في حنكه ، ~~وإنما يعني رفع حنكه بأصبعه ولم يقل أعلقوا عنه شيئا . وفيه : عائشة : < < ~~لما ثقل النبي - صلى الله عليه وسلم - واشتد وجعه استأذن أزواجه في أن يمرض ~~في بيتي فأذن له ، فخرج بين رجلين تخط رجلاه في الأرض فقال النبي - عليه ~~السلام - بعد ما دخل بيتها واشتد وجعه : هريقوا علي من سبع قرب لم تحلل ~~أوكيتهن لعلي أعهد إلى الناس . قالت : فأجلسناه في مخضب لحفصة زوج النبي ثم ~~طفقنا نصب عليه من تلك القرب حتى جعل يشير إلينا أن قد فعلتم ، وخرج إلى ~~الناس فصلى بهم وخطبهم > > . قال المؤلف : اللدود من أدوية الخدر وذات ~~الجنب ، تقول العرب : لددت المريض لدا [ ألقيت الدواء في شق ] فيه : وهو ~~التحنيك بالأصبع كما قال أبو سفيان ، واسم الشيء الذي يلد به المريض اللدود ~~بفتح اللام . فإن قال قائل : لم أمر النبي أن يلد كل من في الببت ؟ قال ~~PageV09P414 المهلب : وجه ذلك - والله أعلم - أنه لما فعل به من ذلك ما لم ~~يأمرهم به من المداواة بل نهاهم عنه ، وألم بذلك ألما شديدا أمر أن يقتص من ~~كل [ من ] فعل به ذلك ، ألا ترى ms3314 قوله : < < لا يبقى في البيت أحد إلا لد ~~إلا العباس فإنه لم يشهدكم > > . فأوجب القصاص على كل من لده من أهل البيت ~~ومن ساعده فى ذلك ورآه لمخالفتهم نهيه عليه السلام ، وقد جاء هذا المعنى فى ~~رواية ابن إسحاق عن الزهرى ، عن عبد الله بن كعب بن مالك ( أنهم لدوا النبى ~~عليه السلام فى مرضه ، فلما أفاق قال : لم فعلتم ذلك ؟ قالوا خشينا يارسول ~~الله أن تكون بك ذات الجنب . فقال : إن ذلك لداء ماكان الله ليقذفنى به . ~~لا يبقى فى البيت أحد إلا لد إلا عمى ) فقد لدت ميمونة وهى صائمة لقسم رسول ~~الله عقوبة لهم لما صنعوا برسول الله وقد أشرت إلى شىء من هذا المعنى فى ~~باب إذا أصاب قوم من رجل هل يعاقبون أو يقتص منهم كلهم فى آخر كتاب الديات ~~، وقد قال بعض العلماء : إن من هذا الحديث فهم عمر ابن الخطاب قتل من تمالأ ~~على قتل الغلام بصنعاء . فإن قال قائل : ماوجه ذكر حديث عائشة الذى فى آخر ~~فى هذه الترجمة وليس فيه ذكر اللدود الذى ترجم به ؟ قيل : يحتمل ذلك - ~~والله أعلم - أنه أراك أن مافعل بالمريض مما أن يفعل به أنه لايلزم فاعل ~~ذلك به لوم ولاقصاص حين لم يأمر بصب الماء على كل من حضره ، وأنه بخلاف ما ~~أولم له مما نهى أن يفعل به ؛ لأن ذلك من باب الجناية عليه ، وفيه القصاص . ~~وقوله فى حديث أم قيس : ( أعلقت عنه ) فالإعلاق أن ترفع PageV09P415 العذرة ~~باليد والعذرة قريبة من اللهاة ، وقال ابن قتيبة : العذرة : وجع الحلق ~~وأكثر مايعترى الصبيان فيعلق عنهم ، والاعلاق والدغر شىء واحد وهو أن ترفع ~~اللهاة ، ونى رسول الله عن ذلك وأمر بالقسط البحرى . قال عبدة بن الطيب : ~~غمز الطيب نغانغ المعذور . يقال : دغرت المرأة الصبى : رفعت لهاته بأصبعها ~~إذا أخذته العذزرة . والصواب أعلق عنه كذلك خكاه أهل اللغة ولم يعدوه إلا ~~بعن . # | 19 - باب دواء المبطون # / 28 - فيه : أبو سعيد ، جاء رجل إلى النبى عليه السلام فقال : إن ms3315 أخى ~~استطلق ، بطنه فقال : ( اسقه عسلا ) فسقاه فقال : إنى سقيته فلم يزده إلا ~~استطلاقا ، فقال : ( صدق الله ، وكذب بطن أخيك ) . فيه أن ماجعل الله فيه ~~شفاء من الأدوية قد يتأخر تأثيرة فى العلة حتى يتم أمره وتنقضى مدته ~~المكتوبة فى أم الكتاب . وقوله : ( صدق الله وكذب بطن أخيك ) يدل أن الكلام ~~لايحمل على ظاهرة ولو حمل على ظاهرة لبرىء المريض عند أول شربة العسل ، ~~فلما لم يبرأ إلا بعد تكرر شربه له دل أن الألفاظ مفتقرة إلى معرفة معانيها ~~، وليست على ظواهرها . PageV09P416 # | 20 - باب : لاصفر وهو داء يأخذ البطن # / 29 - فيه : أبو هريرة ، قال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( لا عدوى ~~، ولا صفر ، ولا هامة ) ، فقال أعرابي : يا رسول الله ، فما بال إبلى تكون ~~فى الرمل كأنها الظباء ، فيأتى البعير الأجرب ، فيدخل بينها فيجربها ، فقال ~~: ( فمن أعدى الأول ) . قال الطبرى : ذكر أبو عبيدة معمر بن المثنى قال : ~~سمعت يونس الجرمى سأل رؤبة العجاج عن الصفر فقال : هى حبة تكون فى البطن ~~تصيب الماشية والناس ، وهى أعدى من الجرب عن العرب . ويقال إن قوله : ( لا ~~صفر ) إبطال ما كان أهل الجاهلية يفعلونه من تأخير المحرم إلى صفر فى ~~التحريم ، وقد روى عن مالك مثل هذا القول . قال الطبرى : والصواب عندى ~~ماقال رؤبة ، ويدل على صحة قوله قول الأعشى : ولا يعض على سرشوفه الصفر قال ~~ابن وهب : كان أهل الجاهلية يقولون إن الصفار التى فى الجوف تقتل صاحبها ، ~~فرد ذلك رسول الله ، وقال : لايموت أحد إلا بأجله ، وقد فسر جابر بن عبد ~~الله وهو رواى الحديث عن النبى - عليه السلام . قال الطبرى : وقوله : ( لا ~~هامة ) فإن الهامة طائر كانت العرب تسميه الصدى ، وقيل : إنه ذكر البوم . ~~وأشبه عندى بالصواب من قال أنه ذكر البوم ، وإنما أراد النبى بقوله : ( لا ~~هامة ) إبطال ما كان PageV09P417 أهل الجاهلية يقولونه فى ذلك ، وذلك أنهم ~~كانوا يقولون : إذا قتل الرجل فلم يطلب وليه بدمه ولم يثأر به خرج من هامته ~~طائر يسمى الهامة فلا يزال يزفر عند ms3316 قبره حتى يثأر به . وقد تقدم معنى قوله ~~: ( لا عدوى ) فى باب الجذام ونذكر هاهنا طرفا منه ، قال ابن قتيبه : ~~والعدوى جنسان : عدوى الجذام ، والطاعون ، فأما عدوى الجذام فإن المجذوم ~~تشتد رائحته حتى يسقم من أطال مجلسه معه ومؤاكلته ، وربما جذمت امرأته بطول ~~مصاحبتهات له وربما نزع أولاده فى الكبر إليه ، وكذلك من كان به سل ، ~~والأطباء تأمر أن لا يجالس المسلول ولا المجذوم ولايريدون بذلك معنى العدو ~~وإنما بذلك تغير الرائحة وأنها تسقم من أطال اشتمامها والأطباء أبعد الناس ~~من الإيمان بيمن أو شؤم . وكذلك الجرب الرطب يكون بالبعير الإبل وحاكها ~~وأوى فى مباركها وصل إليها بالماء الذى يسيل منه نحوا مما به فلهذا المعنى ~~نهى رسول الله أن يورد ذو عاهة على مصح كراهية أن يخالط ذو العاهة الصحيح ~~فيناله من حكة ودائه نحوا مما به ، وقد ذهب قوم إلى أنه أراد بذلك ألا يظن ~~أن الذى نال إبله من ذى العاهة قيأثم ، وسيأتى الكلام فى الطاعون فى باب من ~~خرج من أرض لاتلائمه بعد هذا . # | 21 - باب : ذات الجنب # / 30 - فيه : أم قيس ، أن النبي عليه السلام قال : ( عليكم بهذا العود ~~PageV09P418 الهندي ، فإن فيه سبعة أشفية ، منها ذات الجنب ) - يريد الكست ~~- يعنى القسط ، قال : وهى لغة . / 31 - وفيه : أنس ، أن أبا طلحة وأنس بن ~~النضر كوياه ، وكواه أبو طلحة بيده . وقال أنس مرة : أذن النبى عليه السلام ~~لأهل بيت من الأنصار أن يرقوا من الحمة والأذن . قال أنس : كويت من ذات ~~الجنب ، والنبى عليه السلام حى ، وشهدنى أبو طلحة وأنس بن النضر ، وزيد بن ~~ثابت ، وأبو طلحة كوانى . وفيه أن ذات الجنب تداوى بالكست وتداوى بالكى ~~أيضا ، وفى حديث أنس جواز الكى والاسترقاء ، وقد تقدم ماللعلماء فى الكى فى ~~باب من اكتوى أو كوى غيره ، وفضل من لم يكتو قبل هذا والحمة : سم كل شىء ~~يلدغ ، عن صاحب العين ، والأذن : وجع الأذن . # | 22 - باب : حرق الحصير ليسد به الدم # / 32 - فيه : سهل ، لما كسرت على رأس النبى ms3317 عليه السلام البيضة وأدمى ~~وجهه ، وكسرت رباعيته ، وكان على يختلف بالماء فى المجن ، وفاطمة تغسل الدم ~~عن وجهه ، فلما رأت فاطمة الدم يزيد على الماء كثرة عمدت إلى حصير ، ~~فأحرقتها ، وألصقتها على جرح النبى عليه السلام فرقأ الدم . قال المهلب : ~~فيه أن قطع الدم بالرماد من المعلوم القديم المعمول به PageV09P419 لا سيما ~~إذا كان الحصير من ديس السعدى فهى معلومه بالقبض وطيب الرائحة ، فالقبض يسد ~~أفواه الجراح وطيب الرائحة يذهب بزهم الدم وإذا غسل الدم بالماء كما فعل ~~اولا بجرح النبى فليجمد الدم ببرد الماء إذا كان الجرح سهلا غير غائر ، ~~وأما إذا كان غائرا فلا تؤمن فيه آفاة الماء وضررة ، وكان أبو الحسن بن ~~القابسى يقول : لوددنا أن نعلم ذلك الحصير ماكان فنجعله دواء لقطع الدم . | ~~المؤلف : وأهل الطب يزعمون أن كل حصير إذا أحرق يقطع رماده الدم ، بل ~~الأرمدة كلها تفعل ذلك ؛ لأن الرماد من شأنه القبض وقد ترجم أبو عيسى ~~الترمذى لحديث سهل بن سعد بهذا المعنى فقال : باب التداوى بالرماد ، ولم ~~يقل باب التداوى برماد الحصير ، وقد تقدم تفسير رق الدم فى باب الترسة ~~والمجن فى كتاب الجهاد . # | 23 - باب : الحمى من فيح جهنم # / 33 - فيه : ابن عمر ، قال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( الحمى من ~~فيح جهنم فأطفئوها بالماء ) ، وكان عبدالله يقول : اكشف عنا الرجز . / 34 - ~~وفيه : أسماء ، كانت إذا أتيت بالمرأة قد حمت ، تدعو لها ، أخذت الماء ~~فصبته بينها وبين جيبها ، قالت : وكان النبى عليه السلام يأمرنا أن نبردها ~~بالماء . / 35 - وفيه : عائشة ، قال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( ~~الحمى من فيح جهنم ، فابردوها بالماء ) . PageV09P420 وروى رافع بن خديج ، ~~عن النبى عليه السلام وقال : ( من فوح جهنم ) . وقد فسرت أسماء أن إبرام ~~الحمى صب الماء على جسد المحموم وقد تختلف أحوال المحمومين ، فمنهم من يصلح ~~أن يبرد بصب الماء عليه ، وآخر يصلح بأن يشرب الماء ، وزعم بعض العلماء أن ~~بعض الحميات هى التى يجب إبرادها بالماء قال : وهى التى عنى النبى عليه ~~السلام وهى ms3318 الحميات الحادة التى يكون أصلها من الحر ، والحديث يراد به ~~الخصوص ، واستدل على ذلك بقوله عليه السلام : ( الحمى من فيح جهنم ) والفيح ~~عند العرب سطوع الحر . عن صاحب العين . وفى كتاب الأفعال : فاحت النار ~~والحر فيحا انتشرا واشتد واستدل بقوله عليه السلام : ( فأطفئوها بالماء ) و ~~( أبردوها بالماء ) قال : ودل قوله أنه عليه السلام لم يأمر بإبراد الحميات ~~الباردة التى يكون أصلها البرد وإنما أمر بإبراد الحميات الحارة التى يكون ~~أصلها الحر والله أعلم . والفوح والفيح لغتان . # | 24 - باب : من خرج من أرض لا تلائمه # / 36 - فيه : أنس ، أن ناسا من عكل وعرينة ، قدموا على النبى عليه السلام ~~وتكلموا بالإسلام ، فقالوا : يا نبى الله إنا كنا أهل ضرع ، ولم نكن أهل ~~ريف ، واستوخموا المدينة ، فأمر لهم النبى عليه السلام بذود وبراع ، وأمرهم ~~أن يخرجوا فيه . . . . الحديث . / 37 - فيه : سعد ، أن النبى عليه السلام ~~قال : ( إذا سمعتم بالطاعون بأرض فلا تدخلوها ، وإذا وقع بأرض وأنتم بها ، ~~فلا تخرجوا منها ) . PageV09P421 / 38 - وفيه : ابن عباس ، أن عمر خرج إلى ~~الشأم حتى إذا كان بسرغ لقيه أمراء الأجناد أبو عبيدة بن الجراح وأصحابه ، ~~فأخبروه أن الوباء قد وقع بأرض الشأم ، قال ابن عباس : فقال عمر : ادع لى ~~المهاجرين الأولين ، فدعاهم ، فاستشارهم وأخبرهم أن الوباء قد وقع بالشأم ، ~~فاختلفوا ، فقال بعضهم : قد خرجت لأمر ، ولا نرى أن ترجع عنه ، وقال بعضهم ~~: معك بقية الناس وأصحاب رسول الله عليه السلام ، ولا نرى أن تقدمهم على ~~هذا الوباء ، فقال : ارتفعوا عنى ، ثم قال : ادعوا لى الأنصار ، فدعوتهم ، ~~فاستشارهم ، فسلكوا سبيل المهاجرين ، واختلفوا كاختلافهم ، فقال : ارتفعوا ~~عنى ، ثم قال : ادع لى من كان ها هنا من مشيخة قريش من مهاجرة الفتح ، ~~فدعوتهم ، فلم يختلف منهم عليه رجلان ، فقالوا : نرى أن ترجع بالناس ، ولا ~~تقدمهم على هذا الوباء ، فنادى عمر فى الناس : إنى مصبح على ظهر ، فأصبحوا ~~عليه ، قال أبو عبيدة بن الجراح : أفرارا من قدر الله ، فقال عمر : لو غيرك ~~قالها يا أبا عبيدة ، نعم نفر من قدر الله ms3319 إلى قدر الله ، أرأيت لو كان لك ~~إبل هبطت واديا له عدوتان : إحداهما خصبة والأخرى جدبة ، أليس إن رعيت ~~الخصبة رعيتها بقدر الله ، وإن رعيت الجدبة رعيتها بقدر الله ، قال : فجاء ~~عبدالرحمن بن عوف ، وكان متغيبا فى بعض حاجته ، فقال : إن عندى فى هذا علما ~~سمعت رسول الله عليه السلام يقول : إذا سمعتم به بأرض ، فلا تقدموا عليه ، ~~وإذا وقع بأرض وأنتم بها ، فلا تخرجوا فرارا منه ، قال فحمد الله عمر ، ثم ~~انصرف . وفيه : أبو هريرة ، قال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( لا يدخل ~~المدينة المسيح ولا الطاعون ) . / 39 - وفيه : حفصة بنت سيرين ، قالت : قال ~~لى أنس : يحيى بم مات ؟ PageV09P422 قلت : من الطاعون ، قال : قال النبى - ~~صلى الله عليه وسلم - : ( الطاعون شهادة لكل مسلم ) . / 40 - وفيه : أبو ~~هريرة ، قال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( المبطون شهيد ، والمطعون ~~شهيد ) . قال الطبرى فى حديث سعد : فيه الدلالة على أن على المرء توقى ~~المكاره قبل وقوعها وتجنب الشياء المخوفه قبل هجومها ، وأن عليه الصبر وترك ~~الجزع بعد نزولها ، وذلك أنه عليه السلام نهى من لم يكن فى أرض الوباء عن ~~دخولها إذا وقع فيها ، ونهى من هو فيها عن الخروج منها بعد وقوعه فيها ~~فرارا منه ، فكذلك الواجب أن يكون حكم كل متق من الأمور سبيله فى ذلك سبيل ~~الطاعون وهذا المعنى نظير قوله عليه السلام : ( لا تتمنوا لقاء العدو ~~واسألوا الله العافية وإذا لقيتموهم فاصبروا ) . فإن قال قائل : فإن كان ~~كما ذكرت فما أنت قائل فيما روى شعبه عن يزيد بن أبى زياد ، عن سليمان بن ~~عمرو بن الأحوص أن أبا موسى بعث بنيه إلى الأعراب من الطاعون ، وروى شعبه ~~عن قيس بن مسلم ، عن طارق بن شهاب ، عن أبى موسى الأشعرى : ( أن عمر بن ~~الخطاب كتب إلى أبى عبيدة فى الطاعون الذى وقع فى الشام إنه عرضت به حاجة ~~لا غنى بى عنك فيها فإذا أتاك كتابى ليلا فلا تصبح حتى ترد إلى وإن أتال ~~نهارا فلا تمس حتى ترد إلى ms3320 ، فلما قرأ أبو عبيدة الكتاب قال : عرفت حاجة ~~أمير المؤمنين أراد أن يستبقى من ليس بباق . ثم كتب إليه أنى قد عرفت حاجتك ~~فحللنى من عزمتك ياأمير المؤمنين ؛ فإنى فى جند المسلمين ولن أرغب ~~PageV09P423 بنفسي عنهم . فلما عمر الكتاب بكى ، فقيل له : توفى أبو عبيدة ~~؟ قال : لا وكان قد كتب إليه عمر أن الأردن أرض غمقة وأن الجابية أرض نزهة ~~فاظهر بالمسلمين إلى الجابية . فلما قرأ أبو عبيدة الكتاب قال : هذا نسمع ~~فيه لأمير المؤمنين ونطيعه . فأراد ليركب بالناس فوجد وخزة فطعن وتوفى أبو ~~عبيدة وإنكشف الطاعون ) . وروى شعبة أنه سأل الأشعث هل فر أبوك من الطاعون ~~؟ قال كان إذا اشتد الطاعون فر هو والأسود بن هلال . وروى شعبه عن الحكم أن ~~مسروقا كان يفر من الطاعون ؟ . قيل : قد خالف هؤلاء من القدوة مثلهم ، وإذا ~~اختلف فى أمر كان أولى بالحق من كان موافقا أمر رسول الله . فإن قيل : ~~فاذكر لنا من خالفهم . قيل . روى شعبه عن يزيد بن خمير ، عن شر حبيل ابن ~~شفعة قال : ( وقع الطاعون ، فقال عمرو بن العاص : إنه رجز فتفرقوا عنه . ~~فبلغ شرحبيل بن حسنة فقال : لقد صحبت رسول الله وعمرو أضل من بعير أهله ، ~~وإنه دعوة نبيكم ورحمة من ربكم وموت الصالحين قبلكم ، فاجتمعوا له ولا ~~تفرقوا عنه ، فبلغ ذلك عمرو بن العاص فقال : صدق ) . وروى أيوب عن أبى ~~قلابة ، عن عمرو بن العاص قال : ( تفرقوا عن هذا الرجز فى الشعبا والأدوية ~~ورؤوس الجبال . فقال معاذ بن جبل : بل هو شهادة ورحمة ودعوة بيكم : اللهم ~~أعط معاذا وأهله PageV09P424 نصيبهم من رحمتك . فطعن فى كفه ، قال أبو ~~قلابة : قد عرفت الشهادة والرحمة مادعوة نبيكم ، فسألت عنها فقيل : دعا ~~عليه السلام أن يجعل فناء أمته بالطعن والطاعون حين دعا أن لايجعل بأس أمته ~~بينهم فمنعها ، فدعا بهذا ) . وقالت عمرة : سألت عائشة عن الفرار من ~~الطاعون ، فقالت : هو كالفرار من الزحف . وسئل الثورى عن الرجل يخرج أيام ~~الوباء بغير تجارة معروفة ، قال : لم يكونوا يفعلون ذلك وماأحبه ms3321 . فإنقال : ~~فهل من أحد إلا وهو ميت بعد استيفائه مدة أجله الذى كتب له ؟ قيل : نعم . ~~قال : فإن كان كذلك فما وجه النهى عن دخول أرض بها الطاعون أو الخروج منها ~~؟ قيل : لم ينه عن ذلك أحد حذارا عليه من أن يصيبه غير ماكتب عليه أو أن ~~يهلك قبل الأجل الذيلايستأخر عنه ولايستقدم ، ولكن حذار الفتنة على الحى من ~~أن يظن إنما كتان هلاكه من أجل قدومه عليه وأن من فر عنه فنجا من الموت أن ~~نجاتهكانت من أجل خروجه عنه . فكره رسول الله ذلك ، ونهيه عليه السلام عن ~~ذلك نظير نهيه عن الدنو من المجذوم ، وقال : ( فر منه فرارك من الأسد ) مع ~~إعلامه أمته أن لا عدوى ولا صفر . وقال غير الطبرى : فإن قال : فإن فى حديث ~~أنس فى الذين استوخموا المدينة فأمرهم النبى أن يخرجوا منها حجة لمن أجاز ~~الفرار من أرض الوباء والطاعون . قيل : ليس ذلك كما توهمته ، وذلك أن القوم ~~شكوا إلى النبى أنهم كانوا أهل ضرع ولم تلائمهم PageV09P425 المدينة ~~واستوخموها لمفارقهم هواء بلادهم فهم الذين استوخموا المدينة دون سائر ~~الناس ، فأمرهم النبى عليه السلام بالخروج منها ففى هذا من الفقه أن من قدم ~~إلى بلده ولم يوافقه هواها أنه مباح له الخروج عنها والتماس هوى أفضل منها ~~، وليس ذلك بفرار من الطاعون وإنما الفرار منه إذا عم الموت فى البلدة ~~الساكنين فيها والطائرين عليها وفى ذلك جاء النهى ، والله أعلم . وقوله : ( ~~وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فرار منه ) دليل أنه يجوز الخروج من ~~بلدة الطاعون على غير سبيل الفرار منه إذا اعتقد أن ماأصابه لم يكن ليخطئه ~~، وكذلك حكم الداخل فى بلدة الطاعون إذا أيقن أن دخوله لايجلب إليه قدرا لم ~~يكن قدره الله عليه ، فمباح له الدخول إليه . وقد روى عن عروة بن رويم أنه ~~قال : بلغنا أن عمر كتب إلى عامله بالشام إذا سمعت بالطاعون قد وقع عندكم ~~فاكتب إلى حتى أخرج إليه . وروى القاسم عن عبد الله بن عمر أن ms3322 عمر قال : ~~اللهم اغفر لى رجوعى من سرغ وروى عن ابن مسعود قال : الطاعون فتنة على ~~المقيم والفار ، أما الفار فيقول : فررت فنجوت ، وأما المقيم فيقول أقمت ~~فمت ، وكذلك فر من لم يجىء أجله وأقام فمات من جاء أجله . وقال المدائنى ~~يقال : إنه قل مافر أحد من الطاعون فسلم من الموت . وقوله عليه السلام : ( ~~الطاعون شهادة لكل مسلم ) سيأتى تفسيرة فى الباب المتصل بهذا . PageV09P426 # | 25 - باب : أجر الصابر فى الطاعون # / 41 - فيه : عائشة ، أنها سألت النبى عليه السلام عن الطاعون ، فأخبرها ~~أنه كان عذابا يبعثه الله على من يشاء ، فجعله الله رحمة للمؤمنين ، فليس ~~من عبد يقع الطاعون ، فيمكث فى بلده صابرا يعلم أنه لن يصيبه إلا ما كتب ~~الله له إلا كان له مثل أجر الشهيد . قال المؤلف : هذا الحديث مثل قوله : ( ~~الطاعون شهادة ) ، ( والمطعون شهيد ) أنه الصابر عليه المحتسب أجره على ~~الله ، العالم أنه لم يصيبه إلا ماكتب الله عليه ، ولذلك تمنى معاذ بن جبل ~~أن يموت فيه لعله إن مات فيه فهو شهيد ، وأما من جزع من الطاعون وكرهه وفر ~~منه فليس بداخل فى معنى الحديث . # | 26 - باب : الرقى بالقرآن والمعوذات # / 42 - فيه : عائشة ، أن النبى عليه السلام كان ينفث على نفسه فى المرض ~~الذى مات فيه بالمعوذات ، فلما ثقل ، كنت أنفث عليه بهن ، وأمسح بيد نفسه ~~لبركتها ، فسألت الزهرى : كيف ينفث ؟ قال : كان ينفث على يديه ، ثم يمسح ~~بهما وجهه . فى الاسترقاء بالمعوذات استاذة بالله تعالى من شر كل من خلق ~~ومن شر النفاثات فى السحر ومن شر الحاسد ومن شر الشيطان ووسوسته ، وهذه ~~جوامع من الدعاء تعم أكثر المكروهات ولذلك كان عليه السلام يسترقى بهما ، ~~وهذا الحديث أصل ألا يسترقى إلا بكتاب الله وأسمائه وصفاته . PageV09P427 ~~وقد روى مالك فى الموطأ أن أبا بكر الصديق دخل على عائشة وهى تشتكى ويهودية ~~ترقيها ، فقال أبو بكر : ارقيها بكتاب الله . يعنى بالتوراة والانجيل ؛ لأن ~~ذلك كلام الله الذى فيه الشفاء . وقد روى عن مالك جواز رقية اليهودية ~~والنصرانى ms3323 للمسلم إذا رقى بكتاب الله ، وهو قول الشافعى ، وفى المستخرجة أن ~~مالكا كره رقى أهل الكتاب وقال : لا أحبه . وذلك والله أعلم لأنه لايدرى هل ~~يرقون بكتاب الله أو الرقى المكروهات التى تضاهى السحر . وروى ابن وهب عن ~~مالك أنه سئل عن المرأة التى ترقى بالحديدة والملح وعن التى تكتب الكتاب ~~للإنسان ليعلقه عليه من الوجع ، وتعقد فى الخيط الذى يربط به الكتاب سبع ~~عقد ، والذى يكتب خاتم سليمان فى الكتاب فكرهه كله وقال : لم يكن ذلك من ~~أمر الناس القديم . # | 27 - باب : الرقى بفاتحة الكتاب # / 43 - وفيه : أبو سعيد ، أن ناسا من أصحاب النبى عليه السلام أتوا على ~~حى من أحياء العرب ، فلم يقروهم ، فبينما هم كذلك ؛ إذ لدغ سيد أولئك ، ~~فقالوا : هل معكم من دواء ، أو راق ؟ فقالوا : إنكم لم تقرونا ، ولا نفعل ~~حتى تجعلوا لنا جعلا ، فجعلوا لهم قطيعا من الشاء ، فجعل يقرأ بأم القرآن ، ~~ويجمع بزاقه ، ويتفل فبرأ ، فأتوا بالشاء ، فقالوا : لا نأخذه ، حتى نسأل ~~النبى - صلى الله عليه وسلم - فسألوه فضحك ، وقال : ( وما أدراك أنها رقية ~~، خذوها واضربوا لي بسهم ) . PageV09P428 فيه : جواز الرقى بفاتحة الكتاب ~~وهو يرد ماروى شعبه عن الزكى قال : سمعت القاسم بن حسان يحدث عبد الرحمن بن ~~حرملة عن ابن مسعود ( أن النبى عليه السلام كان يكره الرقى إلا بالمعوذات ) ~~. قال الطبرى : وهذا حديث لا يجوز الاحتجاج به فى الدين إذ فى نقلته من ~~لايعرف ، ولو كان صحيحا لكان إما غلطا أو منسوخا ؛ لقوله عليه السلام فيه : ~~( ما أدراك أنها رقية ) فأثبت أنها رقية بقوله عليه السلام فيه : ( ما ~~أدراك أنها رقية ) ، فأثبت أنها رقية بقوله هذا ، وقال : ( اضربوا لى معكم ~~بسهم ) وإذا جازت الرقية بالمعوذتين وهما سورتان من القرآن كانت الرقية ~~بسائر القرآن مثلها فى الجواز ؛ إذ كله قرآن قال المهل : فى ( الحمد لله ) ~~من معنى الرقى شبيه بمعنى مافى المعوذات منه وهو قوله : ( وإياك نستعين ) ~~والاستعانة به فى ذلك دعاء فى كشف الضر وسؤال الفرج ، وقد بينا هذا المعنى ~~فى ms3324 كتاب الإجارة فى باب أخذ الأجرة على الرقى وذكرنا معنى قوله عليه السلام ~~: ( ما يدريك أنها رقية ) والاختلاف فى جواز أخذ الأجرة على الرقى فلذلك ~~تركنا باب الشرط فى الرقية بقطيع من الغنم إذ أغنى عنه ماتقدم فى كتاب ~~الإجارة . # | 2 - باب : رقية العين # / 44 - فيه : عائشة رضى الله عنها ، قالت : أمرنى النبى - صلى الله عليه ~~وسلم - أن يسترقى من العين . / 45 - وفيه : أم سلمة أن النبى - صلى الله ~~عليه وسلم - رأى فى بيتها جارية فى وجهها سفعة ، فقال : استرقوا لها ، فإن ~~بها النظرة . PageV09P429 الرقية من العين والنظرة وغير ذلك باسم الله ~~تعالى وكتابه مرجو بركتها ؛ لأمر النبى عليه السلام بذلك ، وقد أمر رسول ~~الله عليه السلام باغتسال العائن وصب ذلك بالماء على العين . روى مالك عن ~~ابن شهاب ، عن أبى أمامه بن سهل بن حنيف أنه قال : ( رأى عامر بن ربيعة سهل ~~بن حنيف يغتسل فقال : مارأيت كاليوم ولاجلد مخبأ ، فلبط سهل ، فأخبر النبى ~~عليه السلام بمرضه ، فقال : هل تتهمون أحدا قالوا : نتهم عامر بن ربيعة ، ~~فدعا عليه السلام عامرا فتغيظ عليه ، وقال : علام يقتل أحدكم أخاه ؟ ألا ~~بركب ، اغتسل له . فغسل عامر وجهه ومرفقيه وركبتيه وأطراف رجليه وداخله ~~إزاره فى قدح ثم صب عليه فراح سهل مع الناس ليس به بأس ) . فيه من الفقه ~~أنه إذا عرف العائن أنه يقضى عليه بالوضوء لأمر النبى عليه السلام بذلك ~~وأنها نشرة ينتفع بها . وقوله : ( ألا بركت ) فيه أن من رأى شيئا فأعجبه ~~فقال : تبارك الله أحسن الخالقين وبرك فيه ؛ فإنه لايضره بالعين وهى رقية ~~منه . والسفع : سواد وشحوب فى الوجه ، وامرأة سفعاء الخدين ، والسفع ~~الأثافى لسوادها من كتاب العين . قال المؤلف : وقوله : ( فلبط سهل ) من ~~حديث مالك . قال أبو زيد : رجل ملبوط ، وقد لبطا وهو سعال وزكام . ~~PageV09P430 # | 29 - باب : العين حق # / 46 - فيه : أبو هريرة قال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( العين حق ، ~~ونهى عن الوشم ) . وروى مالك عن حميد بن قيس : ( أن النبى قال لحاضنة ابنى ~~جعفر : ما لى ms3325 أراها ضارعين ؟ فقالت : يا رسول الله ، تسرع إليهما العين . ~~فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : استرقوا لهما فلو يسبق شىء القدر ~~لسبقته العين ) . وقال بعض أهل العلم إذا عرف أحد بالإصابة بالعين فينبغى ~~اجتنابه والتحرز منه ، وإذا ثبت عند الإمام فينبغى للإمام منعه من مداخله ~~الناس والتعرض لأذاهم ويأمره بلزوم بيته ، فإن كان فقيرا رزقه مايقوم به ، ~~وكف عن الناس عاديته فضره أشد من ضر آكل الثوم الذى منعه النبى مشاهدة صلاة ~~الجماعة ، وضره أشد من ضر المجذومة التى منعها عمر بن الخطاب الطواف مع ~~الناس . # | 30 - باب رقية الحية والعقرب # / 47 - وفيه : عائشة ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - رخص فى الرقية من ~~كل ذى حمة . هذا الحديث يبين ماروى عن على وابن مسعود أنهما قالا : الرقى ~~والتمائم والتوله شرك . أن المراد بذلك رقى الجاهلية ومايضاهى السحر من ~~الرقى المكروهة ، روى ابن وهب عن يونس بن يزيد ، عن ابن PageV09P431 شهاب ~~قال : بلغني عن رجال من أهل العلم أنهم كانوا يقولون إن رسول الله نهى عن ~~الرقي حتى قدم المدينة ، وكان الرقي فى ذلك الزمان فيها كثير من كلام الشرك ~~، فلما قدم المدينة لدغ رجل من أصحابه ، قالوا : يارسول الله قد كان آل حزم ~~يرقون من الحمة ، فلما نهيت عن الرقى تركوها ، فقال رسول الله عليه السلام ~~ادعوا إلى عمارة - وكان قد شهد بدرا - فقال : اعرض على رقبتك . فعرضها عليه ~~فلم ير بها بأسا ، وأذن له فيها . # | 31 - باب : رقية النبي - صلى الله عليه وسلم - # / 48 - فيه : عبد العزيز ، دخلت مع ثابت على أنس ، فقال : ثابت يا أبا ~~حمزة ، اشتكيت ، قال أنس : ألا أرقيك برقية رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- ؟ قال : بلى ، قال : ( اللهم رب الناس ، مذهب الباس ، اشف أنت الشافى لا ~~شافى إلا أنت ، شفاء لا يغادر سقما ) . / 49 - وفيه : عائشة ، أن النبى ~~عليه السلام كان يعوذ بعض أهله يمسح بيده اليمنى ، ويقول : ( اللهم رب ~~الناس ، أذهب الباس ، اشفه وأنت الشافى لا شفاء إلا شفاؤك ، شفاء لا ms3326 يغادر ~~سقما ) . / 50 - وفيه : عائشة ، أن النبى عليه السلام كان يقول للمريض : ( ~~بسم الله ، تربة أرضنا ، بريقة بعضنا ، يشفى سقيمنا ، بإذن ربنا ) . وترجم ~~لحديث عائشة الأول باب مسح الراقى الوجع بيده اليمنى . قال الطبرى : فيه ~~البيان عن جواز الرقية بكل ما كان دعاء PageV09P432 للعليل بالشفاء . وذلك ~~أن النبي عليه السلام كان إذا عاد مريضا قال القول الذى تقدم ، وذلك كان ~~رقيته التى كان يرقى بها أهل العلل ، وإذا كان ذلك دعاء ومسالة للعليل ~~بالشفاء فمثله كل مارقى به ذو عله من رقية إذ كان دعاء لله ومسألة من ~~الراقي ربه للعليل الشفاء فى أنه لابأس به . وذكر عبد الرازق عن معمر قال : ~~الرقية التى بها جبريل النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( بسم الله أرقيك ، ~~ولله يشفيك من كل يؤذيك و من كل عيد حاسد ، وبسم الله أرقيك ) . قال الطبرى ~~: ومعنى مسحه الوجع بيده فى الرقية ولله أعلم تفاؤلا لذهاب الوجع لمسحة ~~بالرقى . # | 32 - باب : النفث فى الرقية # / 51 - فيه : أبو قتادة ، قال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( الرؤيا ~~من الله ، والحلم من الشيطان ، فإذا رأى أحدكم شيئا يكرهه ، فلينفث حين ~~يستيقظ ثلاث مرات ، ويتعوذ ، من شرها ، فإنها لا تضره ) . وقال أبو سلمة : ~~وإن كنت لأرى الرؤيا هى أثقل على من الجبل ، فما هو إلا أن سمعت هذا الحديث ~~فما أباليها . / 52 - وفيه : عائشة ، كان النبى - صلى الله عليه وسلم - إذا ~~أوى إلى فراشه نفث فى كفيه : ( بقل هو الله أحد وبالمعوذتين جميعا ، ثم ~~يمسح بهما وجهه ، وما PageV09P433 بلغت يداه من جسده ) ، قالت عائشة : فلما ~~اشتكى ، كان يأمرنى أن أفعل ذلك به . وكان ابن شهاب يصنع ذلك إذا أوى إلى ~~فراشه . / 53 - وفيه : أبو سعيد ، أن رهطا من أصحاب النبى عليه السلام ~~نزلوا بحى من أحياء العرب فلدغ سيد ذلك الحى ، فصالحوهم على قطيع من الغنم ~~، فجعل يتفل ويقرأ : { الحمد لله رب العالمين } ، حتى لكأنما نشط من عقال . ~~. . الحديث . وترجم لحديث عائشة باب المرأة ترقى الرجل . قال الطبرى : فى ~~هذه الآثار ms3327 البيان عن أن التفل على العليل إذا رقى أو دعى له بالشفاء جائز ~~والرد على من لم يجز ذلك ، وبمثل هذه الآثارقال جماعة من الصحابة وغيرهم ، ~~وأنكر قوم من أهل العلم النفث والتفل فى الرقى وأجازوا النفخ فيها ، روى ~~جرير عن مغيره عن إبراهيم قال : كان الأسود يكره النفث ولا يرى بالنفخ بأسا ~~. وقال سفيان عن الأعمش عن إبراهيم : إذا دعوت بما فى القرآن فلا تنفث . ~~وكره النفث عكرمة والحكم وحماد ، وأحسب أن السود كره النفث لذكر الله تعالى ~~له فى كتابه وأمره بالاستعاذة منه ومن فاعله فقال : ( ومن شر النفاثات فى ~~العقد ) وليس فى ذمة تعالى نفث أهل الباطل مايوجب أن يكون كل نافث ونافثة ~~بالحق فى معناه ؛ لأن النفاثات التى أمر الله نبيه بالاستعاذة من شرهن ~~السحرة . فأما من نفث بالقرآن وبذكر الله على النحو الذى كان رسول الله ~~وأصحابه ينفثون فليس ممن أمر الله بالاستعاذة من شره ، وإذ قد صح عن النبى ~~أنه نفث على نفسه بالمعوذات وإطلاقه التفل بفاتحة الكتاب PageV09P434 راقيا ~~بها ، فبين أن التفل و النفث بكتاب الله شفاء من العلل ، ومن استشفى بذلك ~~مصيب ، وفى فعله ذلك برسول الله مقتد ، وقد روت عائشة عن الرسول أن ريق ابن ~~آدم شفاء قالت : كان إذا اشتكى الإنسان قال النبى عليه السلام هكذا بريقه ~~فى الأرض وقال : ( تربة أرضنا بريقه بعضنا يشفى سقيمنا بإذن ربنا ) . وقوله ~~: ( لكأنما نشط من عقال ) قال صاحب الأفعال يقال : أنشطت العقدة : حللتها ، ~~ونشطتها عقدتها بأنشوطة وهى حديدة يعقد بها . # | 33 - باب : من لم يرق # / 54 - فيه : ابن عباس ، عن النبى - صلى الله عليه وسلم - ، فى : ( الذين ~~لا يتطيرون ، ولا يسترقون ، ولا يكتوون ، وعلى ربهم يتوكلون ) . وقد تقدم ~~الكلام فيه فى باب من اكتوب من اكتوى وفضل من لم يكتو ، فأغنى عن إعادته . # | 34 - باب : الطيرة # / 55 - فيه : ابن عمر ، قال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( لا عدوى ، ~~ولا طيرة ، والشؤم فى ثلاث : فى المرأة والدار والدابة ) . / 56 - وفيه : ~~أبو هريرة ، قال عليه ms3328 السلام : ( لا طيرة ، وخيرها الفأل ) ، قالوا : وما ~~الفأل ؟ قال : ( الكلمة الصالحة يسمعها أحدكم ) . / 57 - وفيه : أنس ، قال ~~النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( لا عدوى ، ولا طيرة ، ويعجبنى الفأل ~~الصالح ، والكلمة الحسنة ) . PageV09P435 قال الخطابى : الفرق بين الفأل ~~والطيرة أن الفأل إنما هو من طريق حسن الظن بالله تعالى والطيرة وإنما هى ~~من طريق الاتكال على شىء سواه . | وقال الأصمعى : سألت ابن عون عن الفأل ~~فقال : هو أن تكون مريضا فتسمع يا سالم ، أو تكون باغيا فتسمع يا واجد . ~~قال المؤلف : وكان النبى يسأل عن اسم الخيل والأرض والإنسان فإن كان حسنا ~~سر بذلك واستبشر به وإن كان سيئا ساء ذلك ، وزعم بعض المعتزلة أن قوله عليه ~~السلام : ( لا طيرة ) يعارض قوله : ( الشئوم فى ثلاث ) قال ابن قتيبة وغيره ~~: وهذا تعسف وبعد عن العلم ، ولكل شىء منها موضع إذا وضع فيه زال الخلاف ~~وارتفع التعارض . ووجه ذلك أن يكون قوله عليه السلام : ( لا طيرة ) مخصوصا ~~بحديث الشؤم ، فكأنه قال : لاطيرة إلا فى المرأة والدار والفرس لمن التزم ~~الطيرة ، يدل على صحة هذا مارواه زهير بن معاوية ، عن عتبة ابن حميد ، عن ~~عبيد الله بن أبى بكر أنه سمع أنس بن مالك يقول : قال رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - : ( لا طيرة ، والطيرة على من تطير ، وإن يكن فى شىء ففى الدار ~~والمرأة والفرس ) . فبان بهذا الحديث أن الطيرة إنما تلزم من تطير بها ، ~~وأنها فى بعض الأشياء دون بعض ، وذلك أن أهل الجاهلية كانوا يقولون : ~~الطيرة في PageV09P436 الدار والفرس والمرأة ، فهناهم النبى عليه السلام عن ~~الطيرة فلم ينتهوا فبقيت فى هذه الثلاثة الشياء التى كانوا يلزمون التطير ~~فيها . ومثله قوله تعالى عن أهل القرية حين قالوا : ( إنا تطيرنا بكم لئن ~~لم تنتهوا لنرجمنكم . . . قالوا طائركم معكم ) أى : حظكم من الخير والشر ~~معكم ليس هو من شؤمنا وكذلك قوله عليه السلام فى الدار : ( اتركوها ذميمة ) ~~فإنما قال ذلك لقوم علم منهم أن الطيرة والتشاؤم غلب عليهم وثبت فى نفوسهم ~~؛ لأن ازاحة مايثبت فى ms3329 النفس عسير ، وقد قال عليه السلام : ( ثلاثة لا يسلم ~~منهن أحد : الطيرة والظن والحسد ؛ فإذا تطيرت فلا ترجع ، وإذا حسدت فلا تبغ ~~، وإذا ظننت فلا تحقق ) . وليس فى قوله عليه السلام : ( دعوها ذميمة ) أمر ~~منه بالتطير ، وكيف وقد قال : لايطرة ؟ ! وإنما أمرهم بالتحول عنها لما قد ~~جعل الله فى غرائز الناس من استثقال مانالهم فيه الشر وإن كان لاسبب له فى ~~ذلك ، وحب من جرى لهم الخير على يديه وإن لم يردهم به ، وكان النبى عليه ~~السلام يستحب الاسم الحسن والفأل الصالح ، وقد جعل الله فى فطرة الناس محبة ~~الكلمة الطيبة والفأل الصالح والأنس به ، كما جعل فيهم الارتياح للبشرى ~~والمنظر الأنيق ، وقد يمر الرجل بالماء الصافى فعجبه وهو لايشربه وبالروضه ~~المنثورة فتسره وهي لاتنفعه ، وفى بعض الحديث ( أن الرسول عليه السلام كان ~~يعجبه الأترج ويعجبه الفغية وهي نور الحناء ) . PageV09P437 وهذا مثل ~~اعجابه بالاسم الحسن والفأل الحسن وعلى حسب هذا كانت كراهيته الاسم القبيح ~~كبنى النار وبنى حزن وشبهه ، وقد كان كثير من أهل الجاهلية لا يرون الطيرة ~~شيئا ويمدحون من كذب بها قال المرقش : ولقد عذروت وكنت لا أغدو على واق ~~وحائم فإذا الأشائك كالأيا من والأيامن كالأشائم وقال عكرمة : كنت عند ابن ~~عباس فمر طائر يصيح ، فقال رجل من القوم : خير خير . فقال ابن عباس : ما ~~عند هذا لا خير ولا شر . # | 35 - باب الكهانة والسحر # / 58 - فيه : أبو هريرة ، أن النبى عليه السلام قضى فى امرأتين من هذيل ~~اقتتلتا ، فرمت إحداهما الأخرى بحجر ، فأصاب بطنها ، وهى حامل ، فقتلت ~~ولدها الذى فى بطنها ، فاختصموا إلى النبى - صلى الله عليه وسلم - ، فقضى ~~أن دية ما فى بطنها غرة عبد أو أمة ، فقال ولى المرأة التى غرمت : كيف أغرم ~~يا رسول الله من لا شرب ، ولا أكل ، ولا نطق ، ولا استهل ، فمثل ذلك يطل ؟ ~~فقال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( إنما هذا من إخوان الكهان ) . / 59 ~~- وفيه : أبو مسعود نهى الرسول عليه السلام عن حلوان الكاهن . . . . . ~~الحديث . / 60 - وفيه : عائشة ms3330 ، سأل رسول الله عليه السلام ناس عن الكهان ، ~~فقال : ( ليس بشيء ) ، PageV09P438 قالوا : يا رسول الله إنهم يحدثونا ~~أحيانا بشىء ، فيكون حقا ، فقال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( تلك ~~الكلمة من الحق ، يخطفها الجنى ، فيقرها فى أذن وليه ، فيخلطون معها مائة ~~كذبة ) . قال المؤلف : فى هذه الآثار ذم الكهان وذم من تشبه بهم فى ألفاظهم ~~؛ لأنه عليه السلام كره قول ولى المرأة لما أشبه سجع الكهان الذين ~~يستعملونه فى الباطل ودفع الحق ، ألا ترى أنه أتى بسجعه محتجا على رسول ~~الله فى دفع شىء قد أوجبه عليه فاستحق بذلك غاية الذم وشديد العقوبة فى ~~الدنيا والآخرة ، غير أن النبى عليه السلام جبله الله على الصفح عن ~~الجاهلين وترك الانتقام لنفسه فلم يعاقبه فى اعتراضه عليه كما لم يعاقب ~~الذى قال له : إنك لم تعدل منذ اليوم . ولم يعاقب موالى بريرة فى اشتراطهم ~~مايخالف كتاب الله وأنفذ حكم الله فى كل ذلك . فإن قال قائل : فالسجع كله ~~مكروه ؟ قيل له : لا قد أتى به كلام رسول رب العالمين ، ومنه قوله عليه ~~السلام : ( يقول العبد : ما لى ما لى ، وما لك من مالك إلا ما أكلت فأفنيت ~~، أو لبست فأبليت ، أو أعطيت فأمضيت ) قاله ابن النحاس . وأما نهيه عن ~~حلوان الكاهن فالأمة مجمعة على تحريمه ؛ لأنهم يأخذون أجره مالا يصلح فيه ~~أخذ عوض وهو الكذب الذى يخلطونه مع مايسترقه الجن فيفسدون تلك الكلمة من ~~الصدق بمائة كذبة أو أكثر كما جاء فى بعض الروايات فلم يسغ أن يلتفت اليهم ~~، ولذلك قال PageV09P439 عليه السلام : ( ليسوا بشىء ) وقد جاء فيمن أتى ~~الكهان آثار شديدة روى الطبرى عن عبد الله بن شبويه ، حدثنا أبى ، حدثنا ~~أيوب بن سليمان ، حدثنا أبو بكر بن أبى أويس ، عن سليمان بن بلال ، عن عبيد ~~الله بن عمر ، عن نافع ، عن صفية بنت أبى عبيد ، عن عمر بن الخطاب أن النبى ~~عليه السلام قال : ( من أتى عرافا لم تقبل صلاته أربعين ليلة ولم ينظر الله ~~أربعين ليلة ) . وحدثنا أبو كريب ، حدثنا ms3331 وكيع ، عن حماد بن سلمه ، عن حكيم ~~الأثرم ، عن أبى تميمة ، عن أبى هريرة أن النبى عليه السلام قال : ( من أتى ~~كاهنا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل هلى محمد ) وقال ابن دريد : أهل ~~الحديث يقولون : ( بطل ) وهو تصحيف وإنما هو ( يطل ) قال صاحب الأفعال : طل ~~الدم وطل إذا هدر ، قال الشاعر : وما مات منا ميت فى فراشه ولا طلمنا حيث ~~كان قتيل وقد قيل : أطل الدم بمعنى طل ، ولم يعرفه الأصمعى . # | 36 - باب السحر # وقول الله تعالى : { ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر } الآية [ ~~البقرة : 102 ] ، وقوله تعالى : { ولا يفلح الساحر حيث أتى } ، وقوله : { ~~أفتأتون السحر وأنتم تبصرون } [ طه : 20 ] وقوله : { يخيل إليه من سحرهم ~~أنها تسعى } [ طه : 66 ] وقوله : { ومن شر النفاثات فى العقد } والنفاثات : ~~السواحر ، تسحرون : تعمون . PageV09P440 / 61 - فيه : عائشة ، قالت : سحر ~~النبي عليه السلام رجل من بنى زريق ، يقال له : لبيد بن الأعصم ، حتى كان ~~رسول الله عليه السلام يخيل إليه أنه كان يفعل الشىء وما فعله حتى إذا كان ~~ذات يوم - أو ذات ليلة - وهو عندى لكنه دعا ودعا ، ثم قال : يا عائشة ، ~~أشعرت أن الله أفتانى فيما استفتيته فيه ، أتانى رجلان ، فقعد أحدهما عند ~~رأسى ، والآخر عند رجلى ، فقال أحدهما لصاحبه : ما وجع الرجل ؟ فقال : ~~مطبوب ، قال : من طبه ؟ قال لبيد بن الأعصم ، قال : فى أى شىء قال فى مشط ~~ومشاطة ، وجف طلع نخلة ذكر ، قال : وأين هو ؟ قال : فى بئر ذروان ، فأتاها ~~رسول الله عليه السلام فى ناس من أصحابه ، فجاء فقال : يا عائشة ، كأن ~~ماءها نقاعة الحناء - أو كأن رءوس نخلها رءوس الشياطين - قلت : يا رسول ~~الله ، أفلا استخرجته ؟ قال : ( قد عافانى الله ، فكرهت أن أثور على الناس ~~فيه شرا ، فأمر بها ، فدفنت ) . هذه رواية عيسى بن يونس عن هشام بن عروة ، ~~وقال الليث وابن عيينة عن هشام : ( فى مشط ومشاقة ) قال أبو عبد الله يقال ~~المشاطة مايخرج من الشعر إذا مشط ، والمشاقة من مشاقة الكتان . قال المهلب ~~: والجف غشاء الطلع ms3332 ، وقال أبو عمرو الشيبانى : الجف : شىء ينقر من جذوع ~~النخل ، ونقاعة الحناء : الماء الذى يصب عليها وتقع فيه ، وقد تقدم فى آخر ~~كتاب الجهاد حكم الذمى إذا سحر المسلم فى باب هل يعفى عن الذمى إذا سحر ، ~~والجواب عن اعتراض الملحدين بحديث عائشة فى جواز السحر على النبي عليه ~~السلام فأغنى عن إعادته . وقال ابن القصار : ذهب مالك وأبو حنيفة والشافعى ~~إلى أن السحر PageV09P441 له حقيقة ، وقد يمرض من يفعل ويموت ويتغير عن ~~طبعه . وقال بعض الناس : السحر تخييل وشعوذة وليس له حقيقة ولايمرض منه ~~ولايقتل به أحد ، واستدلوا على لك بقوله تعالى : ( يخيل إليه من سحرهم أنها ~~تسعى ) فأخبر أن حبالهم وعصيهم ماسعت فى الحقيقة ، فلو كان للسحر حقيقة ~~لتحقق فى ذلك الوقت ؛ لأن فرعون كان قد جمع السحرة من البلدان ، فلما ~~أخبرنا الله تعالى أن ما فعلوه خيالا علم لا حقيقة له . قال ابن القصار : ~~والحجة على هذه المقالة حديث عائشة وهو نص لا يحتمل التأويل ؛ لأنهم سحروا ~~النبى عليه السلام حتى وصل المرض إلى بدنه ، لأنه قال لما حل السحر : إن ~~الله شفانى . والشفاء إنما يكون برفع العلة وزوال المرض ، وأيضا قوله تعالى ~~: ( ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر ) فنفى الله السحر عن سليمان ~~وأضافة إلى الشياطين وأخبر أنهم يعلمونه الناس . واختلف العلماء فى المسلم ~~إذا سحر بنفسه ، فذهب مالك إلى أن السحر كفر وأن الاسحر يقتل ولاتقبل توبته ~~؛ لأن الله - تعالى سمى السحر كفرا بقوله تعالى : ( وما يعلمان من أحد حتى ~~يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر ) وهو قول أحمد بن حنبل ، وروى قتل الساحر عن ~~عمر وعثمان وعبد الله بن عمر ، وحذيفة ، وحفصة ، وأبى موسى ، وقيس بن سعد ، ~~وعن سبعة من التابعين . وقال الشافعى : لا يقتل الساحر إلا أن يقتل بسحره ، ~~وروى عنه أيضا أنه يسأل عن سحره ، فإن كان كفرا استتيب منه . PageV09P442 ~~واحتج أصحاب مالك بأنه لم تقبل توبته ؛ لأن السحر باطن لايظهره صاحبه فلا ~~تعرف توبته كالزنديق ، وإنما يستتاب من أظهر الكفر كالمرتد ms3333 . قال مالك : ~~فإن جاء الساحر أو الزنديق تائبا قبل أن يشهد عليهما بذلك قبلت توبتها ، ~~والحجة لذلك قوله تعالى : ( فلم ويك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا ) فدل ~~أنه كان ينفعهم إيمانهم قبل نزول العذاب بهم ، فكذلك هذان قال مالك فى ~~المرأة تعقد زوجها عن نفسها أو عن غيرها : تنكل ولا تقتل . # | 37 - باب : هل يستخرج السحر # وقال قتادة : قلت لسعيد بن المسيب : رجل به طب - أو يؤخذ عن امرأته - ~~أيحل عنه أو ينشر ؟ قال : لا بأس به ، إنما يريدون به الإصلاح ، فأما ما ~~ينفع فلم ينه عنه . / 62 - فيه : عائشة ، أن النبى عليه السلام سحر ، حتى ~~كان يرى أنه يأتى النساء ، ولا يأتيهن - قال سفيان : وهذا أشد ما يكون من ~~السحر إذا كان كذا - فقال : يا عائشة ، أعلمت أن الله قد أفتانى فيما ~~استفتيته فيه ، أتانى رجلان ، فقعد أحدهما عند رأسى ، والآخر عند رجلى ، ~~فقال الذى عند رأسى للآخر : ما بال الرجل ؟ قال : مطبوب ، قال : ومن طبه ؟ ~~قال : لبيد بن أعصم ، رجل من بنى زريق ، حليف ليهود ، كان منافقا ، قال : ~~وفيم ؟ قال : فى مشط ومشاقة ، قال : وأين ؟ قال : فى جف طلعة ذكر ، تحت ~~راعوفة فى بئر ذروان ، قالت : فأتى النبى عليه السلام البئر حتى استخرجه ، ~~قال : هذه PageV09P443 البئر التى أريتها ، وكأن ماءها نقاعة الحناء ، وكأن ~~نخلها رءوس الشياطين ، قال : فاستخرج ، قالت : فقلت : أفلا - أى - تنشرت ، ~~فقال : ( أما الله ، فقد شفانى ، وأكره أن أثير على أحد من الناس شرا ) . ~~قال المهلب : وقع فى هذا الحديث فاستخرج السحر ، ووقع فى باب السحر ( قلت : ~~يا رسول الله ، أفلا استخرجت فأمر بها فدفنت ) . وهذا اختلاف من الرواة ، ~~ومدار الحديث على هشام بن عروة ، واصحابه مختلفون فى استخراجه فأثبته سفيان ~~فى روايته من طريقين فى هذا الباب ، وأوقف سؤال عائشة النبى عليه السلام عن ~~النشرة ونفى الاستخراج عن عيسى بن يونس وأوقف سؤالها للنبى على الاستخراج ~~ولم يذكر أنه جاوب على الاستخراج بشىء ، وحقق أبو أسامة جوابه عليه السلام ~~؛ إذ سألته عائشة عن استخراجه بلا ms3334 . فكان الاعتبار يعطى أبو سفيان أولى ~~بالقول لتقدمه فى الضبط ، وأن الوهم على أبى أسامة فى أنه لم يستخرجه ، ~~ويشهد لذلك أنه لم يذكر النشرة فى حديثه فوهم فى أمرها فرد جوابه عليه ~~السلام بلا على الاستخراج فلم يذكر النشرة . وكذلك عيسى بن يونس لم يذكر ~~أنه عليه السلام جاوب على استخراجه بلا ولا ذكر النشرة ، والزيادة من سفيان ~~مقبولة ؛ لأنه أثبتهم وقوى ثبوت الاستخراج فى حديثه لتكرره فيه مرتين فبعد ~~من الوهم فيما حقق من الاستخراج ، وفى ذكره للنشرة فى جوابه عليه السلام ~~مكان الاستخراج . وفيه : وجه آخر يحتمل أن يحكم بالاستخراج لسفيان ، ويحكم ~~لأبي PageV09P444 أسامة بقوله : لا على أنه استخرج الجف بالمشاقة ، ولم ~~يستخرج صورة ما فى الجف من المشط وما ربط به لئلا يراه الناس فيتعلمونه إن ~~أرادوا استعمال السحر فهو عندهم مستخرج من البئر وغير مستخرج من الجف ، ~~والله أعلم . واختلف السلف ، هل يسأل الساحر عن حل السحر عن المسحور فأجازة ~~سعيد بن المسيب على ماذكره البخارى ، وكرهه الحسن البصرى وقال : لايعلم ذلك ~~إلا ساحر ولا يجوز إتيان الساحر . لما روى سفيان ، عن أبى إسحاق ، عن هبيرة ~~، عن عبد الله بن مسعود قال : ( من مشى إلى ساحر أو كاهن فصدقه بما يقول ~~فقد كفر بما أنزل على محمد - عليه السلام ) . قال الطبرى : وليس ذلك عندى ~~سواء ؛ وذلك أن مسالة الساحر عقد السحر مسألة منه أن يضر من لا يحل ضرره ~~وذلك حرام ، من غير حصر معالجتهم منها على صفة دون صفة فسواء كان المعالج ~~مسلما تقيا أو مشركا ساحرا بعد أن يكون الذى يتعالج به غير محرم ، وقد أذن ~~النبى 0 عليه السلام - فى التعالج وأمر به أمته فقال : ( إن الله لم ينزل ~~داء إلا وأنزل له شفاء ، وعلمه من علمه وجهله من جهله ) . فسواء كان عليم ~~ذلك وحله عند ساحر أو غير ساحر ، وأما معنى نهيه عليه السلام عن إتيان ~~السحرة ؛ فإنما ذلك على التصديق لهم فيما يقولون على علم من أتاهم بأنهم ~~سحرة أو ms3335 كهان ، فأما من أتاهم لغير ذلك وهو عالم به وبحاله فليس بمنهى عنه ~~عن إتيانه . واختلفوا فى النشرة أيضا فذكر عبد الرزاق عن عقيل بن معقل ~~PageV09P445 عن همام بن منبه قال : ( سئل جابر بن عبد الله عن النشرة فقال ~~: من عمل الشيطان ) ، وقال عبد الرزاق : قال الشعبى : لا بأس بالنشرة ~~العربية التى لاتضر إذا وطئت ، وهى أن يخرج الإنسان فى موضع عصاه فيأخذ عن ~~يمينه وشماله من كل ثم يدقه ويقرأ فيه ثم يغتسل به . وفى كتب وهب بن منبه ~~أن يأخذ سبع ورقات من سدر أخضر فيدقه بين حجرين ثم يضربه بالماء ويقرأ فيه ~~آية الكرسى وذوات قل ، ثم يحسو منه ثلاث حسوات ويغتسل به ؛ فإنه يذهب عنه ~~كل ما به إن شاء الله ، وهو جيد للرجل إذا حبس عن أهله . وقولها للنبى : ( ~~هلا تنشرت ) يدل على جواز النشرة كما قال الشعبى ، وأنها كانت معروفة عندهم ~~لمداوة السحر وشبهه ، ويدل قوله عليه السلام : ( أما الله فقد شفانى ) ~~وتركه الإنكار على عائشة على جواز استعماله لها لو لم يشفه فلا معنى لقول ~~من أنكر النشرة . وراعوفه البئر وأرعوفتها : حجر يأتى فى أسفلها ، ويقال : ~~بل هو على رأس البئر يقوم عليه المستقى . # | 38 - باب من البيان سحر # / 63 - فيه : ابن عمر ، قدم رجلان من المشرق ، فخطبا ، فعجب الناس ~~لبيانهما ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( إن من البيان لسحرا ~~، أو إن بعض البيان لسحر ) . قال المؤلف : الرجلان اللذان خطبا : عمرو بن ~~الأهتم والزبرقان ابن بدر . روى حماد بن زيد عن محمد بن الزبير قال : ( قدم ~~على PageV09P446 رسول الله الزبرقان بن بدر وعمر بن الأهتم ، فقال رسول ~~الله لعمرو : أخبرنى عن الزبرقان . فقال : هو مطاع فى ناديه ، شديد ~~المعارضة ، مانع لما وراء ظهره . قال الزبرقان : هو والله يارسول الله يعلم ~~أنى أفضل منه ولكنه حسدنى شرفى فقصرنى . قال عمرو : إنه لزمر المروءة ضيق ~~العطن أحمق الأب ، لئيم الخال يارسول الله صدقت فى الأولى وماكذبت فى ~~الأخرى ، ولكنى رضيت فقلت أحسن ماعلمت ms3336 ، وسخطت فقلت أسوأ ماعلمت ، فقال ~~رسول الله : إن من البيان لسحرا ) ، واختلف العلماء فى تأويله . فقال قوم ~~من أصحاب مالك : إن هذا الحديث خرج على الذم للبيان . وقالوا على هذا يدل ~~مذهب مالك ، واستدلوا بإدخاله للحديث فى باب مايكره من الكلام ، وقالوا : ~~إن النبى شبه البيان بالسحر ، والسحر مذموم محرم قليله وكثيره وذلك لما فى ~~البيان من التفيهق وتصوير الباطل فى صورة الحق . وقد قال رسول الله : ( ~~أبغضكم إلى الثرثارون المتفيهقون ) وقد فسره عامر بنحو هذا المعنى وهو رواه ~~الحديث عن رسول الله ، وكذلك فسره صعصعة بن صوحان فقال : أما قوله عليه ~~السلام : ( إن من البيان لسحرا ) فالرجل يكون الحق وهو ألحن بالحجج من صاحب ~~الحق فيسحر القوم ببيانه فيذهب بالحق وهو عليه . وقال آخرون : هو كلام خرج ~~على مدح البيان واستدلوا بقوله فى الحديث : ( فعجب الناس لبيانها ) ~~والإعجاب لايقع إلا بما يحسن PageV09P447 ويطيب سماعه ، قالوا وتشبيهه ~~بالسحر مدح له ؛ لأن معنى السحر الاستمالة ، وكل من استمالك فقد سحرك ، ~~وكان رسول الله عليه السلام أميز الناس بفضل البلاغة لبلاغته فأعجبه ذلك ~~القول واستحسنه ولذلك شبهه بالسحر ، قالوا : وقد تكلم رجل فى حاجة عند عمر ~~ابن عبد العزيز وكان فى قضائها مشقة بكلام رقيق موجز وتأنى لها وتلطف ، ~~فقال عمر بن العزيز : هذا السحر الحلال . وكان زيد ابن إياس يقول للشعبى : ~~يا مبطل الحاجات ، يعنى أنه يشغل جلساءه بحسن حديثه عن حاجاتهم . وأحسن ~~مايقال فى ذلك أن هذا الحديث ليس بذم للبيان كله ولا بمدح للبيان كله ألا ~~ترى قوله عليه السلام : ( إن من البيان لسحرا ) و ( من ) للتبعيض عند العرب ~~، وقد شك المحدث إن كان قال : إن من البيان أو أن من بعض البيان ، وكيف يذم ~~البيان كله ، وقد عدد الله به النعمة على عباده فقال : ( خلق الإنسان علمه ~~البيان ) ولايجوز أن يعدد على عباده إلا مافيه عظيم النعمة عليهم وماينبغى ~~إدامة شكره عليه ؟ فإذا ثبت الاحتجاج للشىء الواحد مرة بالفضل ومرة بالنقص ~~وتزيينه مرة وعيبه أخرى ؛ ثبت أن ما ms3337 جاء من البيان مزينا للحق ومبينا له ~~فهو ممدوح وهو الذى قال فيه عمر بن عبد العزيز : هذا السحر الحلال . ومعنى ~~ذلك أنه يعمل فى استمالة النفوس مايعمل السحر من استهوائها ، فهو سحر على ~~معنى التشبيه لا أنه السحر الذذى هو الباطل الحرام ، والله أعلم . ~~PageV09P448 # | 39 - باب : الدواء بالعجوة # / 64 - فيه : سعد ، قال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( من اصطبح كل ~~يوم بسبع تمرات عجوة ، لم يضره سم ولا سحر ، ذلك اليوم إلى الليل ) . وروى ~~ابن نمير عن هشام بن عروة عن أبيه ، عن عائشة ( أنها كانت تأمر من الدواء ~~بسبع تمرات عجوة فى سبع غدوات على الريق ) . # | 40 - باب : لا هامة ولا صفر # / 65 - فيه : أبو هريرة ، قال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( لا عدوى ~~، ولا هامة ، ولا صفر ) ، قال أعرابي : يا رسول الله ، فما بال الإبل ، ~~تكون فى الرمل كأنها الظباء ، فيخالطها البعير الأجرب ، فيجربها ؟ فقال ~~النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( فمن أعدى الأول ؟ ) . وعن أبى سلمة سمع ~~أبا هريرة يقول : قال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( لا يوردن ممرض على ~~مصح ) . وأنكر أبو هريرة الحديث الأول ، قلنا : ألم تحدثنا به أنه لاعدوى ؟ ~~فرطن بالحبشية . قال أبو سلمة : فما رأيته نسى حدينا غيره . وترجم له باب ~~لاعدوى وقد تقدم تفسير لوله : ( لا هامة ولا صفر ) فى باب قوله لاصفر قبل ~~هذا وزعم بعض أهل البدع أن قوله عليه السلام : ( لا عدوى ) يعارض قوله : ( ~~لا يوردن ممرض على مصح ) كما يعارض قوله : ( فر من PageV09P449 المجذوم ~~كفرارك من الأسد ) وقد تقدم فى باب الجذام وجه الجمع بين قوله : ( فر من ~~المجذوم ) ، وبين قوله : ( لا عدوى ) وتقدم فى باب قوله لاصفر بعض ذلك ، ~~ونتكلم هاهنا على قوله : ( لا عدوى ) إعلام منه أمته ألا يكون لذلك حقيقة ~~وقوله : ( لا يوردن ممرض على مصح ) نهى منه الممرض أن يورد ماشيته المرضى ~~على ماشية أخيه الصحيحة لئلا يتوهم المصح إن مرضت ماشيته الصحيحة أن مرضها ~~حدث من أجل ورود المرضى عليها فيكون داخلا بتوهمه ms3338 ذلك فى تصحيح ماقد أبطله ~~النبى عليه السلام من أمر العدوى . والممرض : ذو الماشية المريضة ، والمصح ~~: ذو الماشية الصحيحة ، وقد تأول يحيى بن يحيى الأندلوسى فى قوله : ( لا ~~يحل الممرض على المصح ) تأويلا آخر ، قال : لا يحل من أصابه جذام محله ~~الأصحاء فيؤذيهم برائحته وإن كان لا يعدو ، والأنفس تكره ذلك . قال : وكذلك ~~الرجل يكون به المرض لا ينبغى له أن يحل مورده الصحاء إلا أن لايجد عنها ~~غناء فيرد . قلت : فالقوم يكونون شركاء فى القرية ويريدون منعهم من ذلك ، ~~قال يحيى : إن كانوا يجدون من ذلك الماء غناء بماء غيره يستقون منه من غير ~~ضرر بهم أو يقومون على حفر بئر أو جرى عين فأرى أن يؤمروا بذلك ، وإن كانوا ~~لايجدون من ذلك غناء إلا بما يضرهم ، قيل لمن تأذى بهم : استنبط لهم بئرا ~~أو أجر لهم عينا أو أؤمر من يستقى من البعد وإلا فكل ذي PageV09P450 حق ~~أولى بحقه ، وأعظم الضرر أن يمنع أحد ملكه بغير عوض ، وقد تقدم فى باب ~~الجذام فاطلبه هناك . والرطانة : التكلم بالعجمية وقد تراطنا . # | 41 - باب : ما يذكر فى سم النبى عليه السلام # رواه عروة عن عائشة عن النبى - صلى الله عليه وسلم - . / 66 - فيه : أبو ~~هريرة ، لما فتحت خيبر أهديت إلى النبى عليه السلام شاة فيها سم ، فقال ~~النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( اجمعوا لى من كان هاهنا من اليهود ) ، ~~فجمعوا له ، فقال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( إنى سائلكم عن شىء ، ~~فهل أنتم صادقى عنه ) ؟ فقالوا : نعم ، يا أبا القاسم ، فقال لهم النبى - ~~صلى الله عليه وسلم - : ( من أبوكم ) ؟ قالوا : أبونا فلان ، فقال رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - : ( كذبتم ، بل أبوكم فلان ) ؟ فقالوا : صدقت ~~، وبررت ، فقال : هل أنتم صادقى عن شىء إن سألتكم عنه ؟ فقالوا : نعم ، يا ~~أبا القاسم ، وإن كذبناك عرفت كذبنا كما عرفته فى أبينا ، قال لهم رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - : ( من أهل النار ) ؟ فقالوا : نكون فيها ~~يسيرا ، ثم تخلفوننا فيها ، فقال لهم رسول الله - صلى ms3339 الله عليه وسلم - : ( ~~اخسئوا فيها ، والله لا نخلفكم فيها أبدا ) ، ثم قال لهم : ( فهل أنتم ~~صادقى عن شىء إن سألتكم عنه ) ؟ قالوا : نعم ، فقال : ( هل جعلتم فى هذه ~~الشاة سما ) ؟ فقالوا : نعم ، فقال : ( ما حملكم على ذلك ) ؟ فقالوا : ~~أردنا إن كنت كذابا نستريح منك ، وإن كنت نبيا لم يضرك . PageV09P451 لا ~~أعلم خلافا فيمن سم طعاما أو شرابا لرجل فلم يمت به أنه لاقصاص عليه ولاحد ~~، وفيه العقوبة الشديدة والأدب البالغ قدر ما يراه الإمام فى ذلك ، فإن قيل ~~: كيف وجب فيه العقوبة والنبى لم يعاقب من وضع له السم فيها ؟ قيل : كان ~~النبى ( ص ) لاينتقم لنفسه ما لم تنتهك لله حرمة ، وكان يصبر على أذى ~~المنافقين واليهود ، وقد سحره لبيد بن الأعصم وناله من ضرر السحر مالم ينله ~~من ضرر السم فى الشاة ولم يعاقب الذى سحره ؛ لأن الله تعالى كان قد ضمن ~~لنبيه عليه السلام أنه لايناله مكروه وأن لايموت حتى يبلغ دينه ويصدع ~~بتأدية شريعته ، وكان معصوما من ضرر الأعداء قال الله تعالى : { والله ~~يعصمك من الناس } وغيره من الناس بخلافه فهذا الفرق بينه وبين غيره - صلى ~~الله عليه وسلم - . واختلفوا فيمن سم طعاما أو شرابا لرجل فمات منه ، فذكر ~~ابن المنذر عن الكوفيين : إذا سقاه سما أو جربه به فقتله فلا قصاص عليه ~~وعلى عاقلته الدية ، وقال مالك : إذا استكرهه فسقاه سما فقتله فعليه القود ~~. قال الكوفيون : ولو أعطاه إياه فشربه هو لم يكن عليه فيه شىء ولا على ~~عاقلته من قبل أنه هو شربه . وقال الشافعى : إذا جعل السم فى طعام رجل أو ~~شربه فأطعمه أو سقاه غير مكروه له ففيها قولان : أحدهما أن عليه القود ، ~~وهذا اشبههما والثانى : أن لاقود عليه وهو آثم لأن الآخر شربه وإن خلطه ~~فوضعه فأكله الرجل فلا عقل ولاقود ولاكفارة ، وقيل : يضمن . PageV09P452 ~~وفى حديث أبى هريرة الدليل الواضح على صحة نبوة نبينا عليه السلام من وجه ~~منها : إخباره عن الغيب الذى لايعلمه إلا من أعلمه الله بذلك ، وذلك معرفته ~~بأبيهم ms3340 وبالسم الذى وضوعا له فى الشاة ومنها تصديق اليهود له حين أخبرهم ~~بأبيهم ، ومنها : قول اليهود له : إن كنت نبيا لم يضرك ، فرأوا أنه لم ~~يقتله السم وتمادوا فى غيهم ، ولم يؤمنوا بما رأوا من برهانه عليه السلام ~~فى السم وفى إخباره عن الغيب ، وهذا الحديث يشهد بمباهة اليهود وعنادهم ~~للحق ، كما قال عبد الله بن سلام : اليهود قوم بهت . # | 42 - باب شرب السم والدواء به ومايخاف منه والخبيث # / 67 - فيه : أبو هريرة ، قال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( من تردى ~~من جبل ، فقتل نفسه ، فهو فى نار جهنم ، يتردى فيه خالدا مخلدا فيها أبدا ، ~~ومن تحسى سما ، فقتل نفسه ، فسمه فى يده يتحساه فى نار جهنم خالدا مخلدا ~~فيها أبدا ، ومن قتل نفسه بحديدة ، فحديدته فى يده ، يجأ بها فى بطنه فى ~~نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا ) . / 68 - وفيه : سعد ، قال النبى - صلى ~~الله عليه وسلم - : ( من اصطبح بسبع تمرات عجوة ، لم يضره ذلك اليوم سم ولا ~~سحر ) . قال المؤلف : هذا الحديث يشهد لصحة نهى الله تعالى فى كتابه المؤمن ~~عن قتل نفسه فقال تعالى : ( ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما ومن ~~يفعل ذلك ) الآية ، فأما من شرب سما للتداوى ولم يقصد به قتل نفسه وشرب منه ~~مقدرا مثله ، أو خلطه بغيره مما يكسر PageV09P453 ضره فليس بداخل فى الوعيد ~~؛ لأنه لم يقتل نفسه غير أنه يكره له ذلك لما روى الترمذى قال : حدثنا بن ~~نصر ، حدثنا ابن المبارك ، عن يونس بن أبى إسحاق ، عن مجاهد ، عن أبى هريرة ~~قال : ( نهى النبى عن الدواء الخبيث ) . قال أبو عيسى : يعنى : السم . وقد ~~تعلق بقوله : ( خالدا مخلدا ) فى حديث أبى هريرة من أنفذ الوعيد على القاتل ~~وهو قول روى عن قوم من الصحابة قد ذكرناهم فى أول كتاب الديات وجمهور ~~التابعين وجماعة الفقهاء على خلافه ، ولا يجوز عندهم إنفاذ الوعيد على ~~القاتل وأنه فى مشيئة الله تعالى لحديث عباده بن الصامت على ماتقدم فى كتاب ~~الديات . فإن قيل ظاهر ms3341 حديث أبى هريرة يدل على أن قاتل نفسه مخلدا فى النار ~~أبدا ، قيل : هذا قول تقلده الخوارج وهو مرغوب عنه ، ومن حجة الجماعة أن ~~لفظ التأبيد فى كلام العرب لا يدل على ما توهتموه ، وقد يقع البد على المدة ~~من الزمان التى قضى الله تعالى فيها بتخليد القاتل إن أنفذ عليه الوعيد ، ~~وذلك أن العرب تجمع الأبد على آباد كما تجمع على دهور فإذا كان الأبد عندها ~~واحد الآباد لايدل الأبد على ماقالوه ، ويدل على صحة هذا إجماع المؤمنين ~~كلهم غير الخوارج على أنه يخرج من النار من كان فى قلبه مثقال ذرة من إيمان ~~وأنه لايخلد فى النار بالتوحيد مع الكفار ، فسقط قولهم . وقوله : ( يجأ بها ~~فى بطنه ) قال صاحب الأفعال : وجأت البعير طعنت منخره ، ووجأة وجئا : طعنه ~~مثل وجأه ، والأصل فى المستقبل يوجأ . PageV09P454 # | 43 - باب ألبان الأتن # / 69 - فيه : أبو ثعلبة ، نهى النبى عليه السلام عن أكل كل ذى ناب من ~~السبع . وزاد الليث ، حدثنا يونس ، عن ابن شهاب ، قال : وسألته هل نتوضأ ، ~~أو نشرب ألبان الأتن ، أو مرارة السبع ، أو أبوال الإبل ، قال : قد كان ~~المسلمون يتداوون بها ، فلا يرون بذلك بأسا ، فأما ألبان الأتن ، فقد بلغنا ~~أن النبى - صلى الله عليه وسلم - نهى عن لحومها ، ولم يبلغنا عن ألبانها ~~أمر ولا نهي ، وأما مرارة السبع ، قال ابن شهاب : أخبرنى أبو إدريس ~~الخولانى أن أبا ثعلبة الخشنى أخبره أن النبى - صلى الله عليه وسلم - نهى ~~عن أكل كل ذى ناب من السبع . قال المؤلف : أما قول ابن شهاب قد كان ~~المسلمون يتداوون بها فلا يرون بذلك باسا ، فإنه اراد أبوال الإبل فإن ~~النبى عليه السلام أباح للعرنيين شربها والتداوى بها . وقوله فى أبان الأتن ~~أن النبى عليه السلام نهى عن لحومها ولم يبلغنا عن البانها أمر ولا نهى ، ~~فما نهى عن لحمه فلبنه منهى عنه ؛ لأن اللبن متولد من اللحم ، ألا ترى أنه ~~استدل ابن شهاب على النهى عن مرارة السبع بنهيه عليه السلام عن أكل ذى ms3342 ناب ~~من السباع ، فكذلك ألبان الأتن . وقد سئل مالك عن ألبان الأتن فقال : لاخير ~~فيها . # | 44 - باب : إذا وقع الذباب فى إناء # / 70 - فيه : أبو هريرة ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : ( إذا ~~وقع الذباب فى إناء أحدكم ، فليغمسه كله ، ثم ليطرحه ، فإن في أحد جناحيه ~~شفاء ، وفي الآخر داء ) . PageV09P455 قال المؤلف : هذا الحديث يتأول على ~~وجهين أحدهما : حمله على ظاهرة وهو أن يكون فى أحد جناحيه داء وفى الآخر ~~دواء كما قال عليه السلام ، فيذهب الداء بغمسه ويحدث مع الغمس دواء الداء ~~الذى فى الجناح الواقع أولا ، وقد جاء فى بعض طرق هذا الحديث وأنه يقدم ~~الداء . والوجه الآخر : أن يكون الداء مايحدث فى نفس الآكل من التفرز ~~والتقدر للطعام إذا وقع فيه الذباب ، والدواء الذى فى الجناح الآخر رفع ~~التفرز والتكبر بغمسه كله فى الطعام وقله المبالاة بوقعه فيه ؛ لأن الذباب ~~لانفس لها سائله وليس فيه يخشى منه إفساد الطعام فلا معنى لتقذره ، والله ~~أعلم بما أراد النبي عليه السلام من ذلك . * * * PageV09P456 # | 70 - كتاب الأطعمة # وقول الله تعالى : { كلوا من طيبات مارزقناكم } وقوله } أنفقوا من طيبات ~~ما كسبتم } وقوله : { كلوا من الطيبات واعملوا صالحا } / 1 - فيه : أبو ~~موسى ، قال عليه السلام : ( أطعموا الجائع . . . ) الحديث . / 2 - وفيه : ~~أبو هريرة ، قال : ( ما شبع آل محمد - صلى الله عليه وسلم - من طعام ثلاثة ~~أيام حتى قبض ) . / 3 - وقال أبو هريرة : أصابنى جهد شديد ، فلقيت عمر بن ~~الخطاب ، فاستقرأته آية من كتاب الله ، فدخل داره ، وفتحها على فمشيت غير ~~بعيد ، فخررت لوجهى من الجهد ، فإذا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قائم ~~على رأسى ، قال : ( يا أبا هريرة ) ، فقلت : لبيك رسول الله وسعديك ، فأخذ ~~بيدى فأقامنى وعرف الذى بى ، فانطلق بى إلى رحله ، فأمر لى بعس من لبن ، ~~فشربت منه ، ثم قال : ( عد يا أبا هريرة ) ، فعدت فشربت ، ثم قال : ( عد ) ~~، فعدت فشربت ، حتى استوى بطنى ، فصار كالقدح ، قال : فلقيت عمر ، وذكرت له ~~الذى كان من أمرى ، وقلت له : فولى الله ms3343 ذلك من كان أحق به منك يا عمر ، ~~والله لقد استقرأتك الآية ، ولأنا أقرأ لها منك ، قال عمر : والله لأن أكون ~~أدخلتك أحب إلى من أن يكون لي مثل حمر النعم . PageV09P457 قال المؤلف : ~~وقع فى النسخ كلها قوله تعالى : ( كلوا من طيبات ماكسبتم ) ، وهو وهم من ~~الكاتب وصواب الآيه ماذكره الله تعالى فى سورة البقرة : ( ياأيها الذين ~~آمنوا أنفقوا من طيبات ماكسبتم ومما أخرجنا لكم من الأرض ) واختلف أهل ~~التأويل فى معى الآية على قولين ، فقالت طائفة : المراد بالطيبات الحلال . ~~وقالت طائفة : المراد بها جيد الطعام وطيبه ، وقال البراء بن عازب : كانوا ~~يتصدقون بأردأ ثمرهم وطعامهم فنزلت الاية . وقوله : { كلوا من الطيبات ~~واعملوا صالحا } تأويلها كتأويل الآية المتقدمة ولم يختلف أهل التأويل فى ~~قوله تعالى : { يا أيها الذين آمنوا لاتحرموا طيبات ماأحل الله لكم } أنها ~~نزلت فيمن خرم على نفسه لذيذ الطعام واللذات المباحة ، قال عكرمة : إنها ~~نزلت فى عثمان بن مظعون وأصحابه حين هموا بترك النساء واللحم والخصاء ~~وأرادوا التخلى من الدنيا والترهب ، منهم على بن أبى طالب وعثمان ابن مظعون ~~، وقد تقدم فى كتاب النكاح فى باب مايكره من التبتل والخصاء ، وفى حديث أبى ~~موسى الأمر بالمواساة وإطعام الجائع وذلك من فروض الكفاية قال الداودى : ~~إلا أن يحتاج الرجل ولايجد مايقيمه يأخذ ذلك منه كرها وأن يختفى به إن لم ~~يقدر عليه إلا بذلك ، ومنه إعطاء السائل إن صادف شيئا موضوعا كان حقا على ~~المسئول أن يقبله منه ، وإن لم يجد شيئا حاضرا وعلم المسئول أن ليس له شىء ~~يقيمه وجب عليه أن يغنيه وإن لم يعلم حاله فليقل له قولا سديدا ، وقد تقدم ~~فى باب فكاك الأسير في الجهاد . PageV09P458 وفي حديث أبي هريرة إباحة ~~الشبع عند الجوع لقوله : ( فشربت حتى استوى بطنى فصار كالقدح ) يعنى كالسهم ~~يعنى فى استوائه ؛ لأنه لما روى من اللبن استقام بطنه وصار كأنه سهم لأنه ~~كان بالجوع ملتصقا منثنيا . وفيه : ماكان السلف عليه من الصبر من التقلل ~~وشظف العيش والرضا ياليسير من ms3344 الدنيا ، ألا ترى أن أبا هريرة لم يكن له هم ~~إلا سد عمر جوعته فقط فلما سقاه النبى حتى روى أقنعه ذلك ولم يطلب سواه ، ~~ودل ذلك على إيثارهم للبلغة من الدنيا وطلبهم للكفاية ، ألا ترى قول أبى ~~هريرة : ( ما شبع آل محمد من طعام ثلاثا حتى قبض ) وسيأتى معنى هذا الحديث ~~والآحاديث المعارضة له فى باب ماكان النبى عليه السلام وأصحابه يأكلون ، إن ~~شاء الله . وفيه : سد الرجل خله أخيه المؤمن إذا علم منه حاجة من غير أن ~~يسأله ذلك . وفيه أنه كان من عادتهم إذا استقر أحدهم صاحبه القرآن أن يحمله ~~إلى بيته ويطعمه ماتيسر عنده ، والله أعلم لم لم يحمل عمر أبا هريرة حين ~~استقرأه أبو هريرة ألشغل كان به أو لأنه لم يتيسر له حيئذ مايطعمه . وقد ~~روى عن أبى هريرة أنه قال : والله مااستقرأت عمر الآية ، وأنا أقأ بها منه ~~إلا طعما فى أن يذهب بى ويطعمنى . وفيه : الحرص على أفعال البر لتأسف عمر ~~على مافاته من حمل أبى هريرة إلى بيته وإطعامة ؛ إذ كان محتاجا إلى الأكل ، ~~وأن ذلك كان أحب اليه من حمر النعم . PageV09P459 # | 2 - باب التسمية على الطعام # / 4 - فيه : عمر بن أبى سلمة ، يقول : كنت غلاما فى حجر النبى - صلى الله ~~عليه وسلم - ، وكانت يدى تطيش فى الصحفة ، فقال لى رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - : ( يا غلام ، سم الله ، وكل بيمينك ، وكل مما يليك ) ، فما ~~زالت تلك طعمتى بعد . وترجم له باب : الأكل ممايليه ، قال أنس : قال النبى ~~- صلى الله عليه وسلم - : ( وليأكل كل رجل مما يليه ) وقال عمر بن أبى سلمه ~~: ( كنت آكل يوما مع النبى عليه السلام من نواحى الصحفة ) . التسمية على ~~الطعام سنة مؤكدة ؛ لقوله عليه السلام : ( يا غلام ، سم الله ، فإن نسى أن ~~يسمى الله فى أول طعامه فليسم الله فى آخره - أو متى ذكر - وليقل : بسم ~~الله أولا وآخر ) ، وروى ذلك فى الحديث . وفيه أن الأكل ممايليه من أدب ~~الطعام إلا أن يكون الطعام ألوانا ms3345 مختلفة فلا بأس من أيها شاء ؛ لقول النبى ~~عليه السلام لعكراش لما أتو بطبق من تمر أو رطب : ( كل من حيث شئت ؛ فإنه ~~غير لون واحد ) ذكره ابن المنذر فى كتاب الأطعمة وذكره الترمذيفى مصنفه ~~وقال : لايعرف لعكراش عن النبى عليه السلام غير هذا الحديث . وفيه أن السنة ~~الأكل ياليمين ، وقد نهى عليه السلام أن يأكل الرجل بشماله أو يشرب بشماله ~~، وقال : ( إن الشيطان يفعل ذلك ) ، ورواه مالك ، وعبيد الله ، وابن عيينة ~~، عن الزهري ، عن سالم ، عن ابن عمر ، عن النبي عليه السلام ولم يخرجه ~~البخارى ؛ لأنه قد رواه معمر وعقيل عن الزهرى ، عن سالم ، عن ابن عمر ~~ورواية مالك أصح ، قال الترمذي . PageV09P460 وذكره الطبري من حديث ابن عمر ~~عن أبيه عن النبى عليه السلام فالله أعلم لم لم يخرجه البخارى . قال الطبرى ~~: فى هذا الحديث لايجوز الأكل والشرب باليد اليسرى إلا لمن كانت بيمين عله ~~مانعة من استعمالها ومثله الأخذ والإعطاء بها والرفع والوضع والبطش . فإن ~~قال قائل : ( شهدت عليا شوررا له كبد أضحية فأخذ رغيفا بيده والكبد بالأخرى ~~فأكل ) قلنا : هذا غير دافع حقيقة ما قلناه ، وذلك أن هذا الخبر إنما يدل ~~أنه استعمل اليسرى فى وقت شغل اليمنى بالطعام ، وإذا كانت كذلك فصاحبها ~~معذور فى إعماله الأخرى فيما هو محظور عليه إعمالها فيه فى غير حال العذر ~~كما لو كانت مقطوعة لكان له استعمال اليسرى فى مطعمه ومشربه ، وماكان ~~محظورا عليه استعمالها فيه ، وبنحو ماقلناه جاء الخبر عن عمر حدثنا سوار بن ~~عبد الله ، أخربنا يحى بن سعيد ، عنعمارة بن مطرف ، حدثنى يزيد بن أبى مريم ~~، عن أبيه قال : ( رأى عمر رجلا قد صوب يده اليسرى ليأكل بها ، فقال : لا ~~إلا أن تكون يدك معتلة ) فرأى عمر أن لمن كانت يده معتلة أن يأكل بيسراه ~~مثل ما لو كانت يمناه بائنة . فإن قيل : فهل روى عن أحد من السلف كراهية ~~الأخذ والإعطاء باليسرى ؟ قيل : روى ذلك نافع مولى ابن عمر ، وعن عطاء قالا ~~لاتأكل بشمالك ولاتصدق بها ms3346 . قال المؤلف : روى ابن وهب ، عن عمر بن محمد بن ~~زيد قال : كان نافع يزيد فيها : ( ولا تأخذن بها ولاتعطين - يعني : الشمال ~~) . PageV09P461 روى ابن وهب ، عن جرير بن حازم ، عن هشام بن أبى عبد الله ~~عن يحى بن أبى كثير ، عن عبد الله بن أبى قتادة ، عن أبيه ( أن رسول الله ~~نهى أن يعطى الرجل بشماله شيئا أو يأخذ شيئا ) . | # | باب : من تتبع حوالي القصعة مع صاحبه إذا لم يعرف منه كراهية # | فيه : أنس : < < أن خياطا دعا النبي - عليه السلام - لطعام صنعه ، قال ~~أنس : فذهبت مع رسول الله [ فرأيته ] يتبع الدباء من حوالي القصعة فلم أزل ~~أحب الدباء من يومئذ > > . هذا الحديث يفسر قوله عليه السلام في حديث عمر ~~بن أبي سلمة : < < كل مما يليك > > ويدل عل أن المراد بذلك إذا كان يأكل مع ~~غير عياله ومن يتقذر جولان يده في الطعام ، فأما إذا أكل مع أهله ومن لا ~~مؤنة عليه منهم من خالص إخوانه فلا بأس أن تجول يده في الطعام استدلالا ~~بهذا الحديث ، وإنما جالت يده عليه السلام في الطعام ؛ لأنه علم أن أحدا لا ~~يتكره ذلك ولا يتقززه منه ؛ بل كل مؤمن ينبغي له أن يتبرك بريقه وما مسه ~~بيده ، ألا ترى أنهم كانوا يتبادرون إلى نخامته فيتدلكون بها ، فكذلك من لم ~~تتقزز مؤاكلته [ له ] أن تجول يده في الصفحة ، والله أعلم . | وقول أنس : < ~~< فلم أزل أحب الدباء من يومئذ > > فيه الحرص على التشبه بالصالحين ~~والاقتداء بأهل الخير في مطاعمهم ، واقتفاء آثارهم في جميع أحوالهم تبركا ~~بذلك . PageV09P462 # | باب : التيمن في الأكل وغيره # فيه : عائشة : < < كان النبي - عليه السلام - يحب التيمن ما استطاع في ~~طهوره وتنعله وترجله > > وكان قال بواسط قبل هذا : < < في شأنه كله > > . ~~معنى قول باب التيمن في الأكل وغيره يعني [ باليد ] اليمنى في جميع أفعاله ~~، وكذلك في مناولة الأكل والشرب ومناولة سائر الأشياء من على اليمين وهو ~~قول الفقهاء وقد تقدم في كتاب الأشربة . # | 5 - باب من أكل حتى شبع # / 7 - فيه : أنس ، قال أبو ms3347 طلحة لأم سليم : لقد سمعت صوت رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - ضعيفا أعرف فيه الجوع ، فهل عندك من شىء ؟ فأخرجت أقراصا ~~من شعير ، ثم أخرجت خمارا لها ، فلفت الخبز ببعضه ، ثم دسته تحت ثوبى ، ~~وردتنى ببعضه ، ثم أرسلتنى إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، قال : ~~فذهبت به ، فوجدت رسول الله عليه السلام فى المسجد ومعه الناس ، فقمت عليهم ~~فقال ، لى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : أرسلك أبو طلحة ؟ فقلت : نعم ~~، قال : بطعام ؟ قال : فقلت : نعم ، فقال رسول الله عليه السلام لمن معه : ~~قوموا ، فانطلق وانطلقت بين أيديهم حتى جئت أبا طلحة ، فقال أبو طلحة : يا ~~أم سليم ، قد جاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، بالناس وليس عندنا من ~~الطعام ما نطعمهم ، فقالت : الله ورسوله أعلم ، قال : فانطلق أبو طلحة حتى ~~لقى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فأقبل أبو طلحة ورسول الله عليه ~~السلام حتى دخلا ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : هلمى يا أم ~~سليم ، ما عندك ؟ فأتت بذلك الخبز ، فأمر به ففت وعصرت أم سليم عكة لها ، ~~فأدمته ، ثم قال فيه رسول الله عليه السلام ما شاء الله أن يقول ، ثم قال : ~~ائذن لعشرة ، PageV09P463 فأذن لهم ، فأكلوا حتى شبعوا ، ثم خرجوا ، ثم قال ~~: ائذن لعشرة ، فأذن لهم ، فأكلوا حتى شبعوا ، ثم خرجوا ، ثم قال : ائذن ~~لعشرة ، فأذن لهم ، فأكلوا حتى شبعوا ، ثم خرجوا ، ثم أذن لعشرة ، فأكل ~~القوم كلهم ، وشبعوا والقوم ثمانون رجلا . / 8 - وفيه : عبد الرحمن بن أبى ~~بكر ، قال : كنا مع النبى ، عليه السلام ، ثلاثين ومائة ، فقال النبى - صلى ~~الله عليه وسلم - : ( هل مع أحد منكم طعام ) ؟ قلنا : مع رجل صاع من طعام - ~~أو نحوه - فعجن ثم جاء رجل مشرك مشعان طويل بغنم يسوقها ، فقال النبى - صلى ~~الله عليه وسلم - : ( أبيع أم عطية ) ؟ - أو قال : هبة - قال : لا ، بل بيع ~~، قال : فاشترى منه شاة ، فصنعت فأمر النبى عليه السلام بسواد البطن يشوى ، ~~وايم الله ما فى الثلاثين ومائة ، إلا قد حز ms3348 له حزة من سواد بطنها ، إن كان ~~شاهدا أعطاها إياه ، وإن كان غائبا خبأها له ، ثم جعل فيها قصعتين ، فأكلنا ~~أجمعون ، وشبعنا وفضل فى القصعتين ، فحملته على البعير - أو كما قال - . / ~~9 - وفيه : عائشة ، قالت : توفي النبي عليه السلام حين شبعنا من الأسودين ~~الماء والتمر . | قوله : ( لقد سمعت صوت رسول الله ضعيفا أعرف فيه الجوع ~~فيه أن الأنبياء تزوى عنهم الدنيا حتى يدركهم الم الجوع ابتلاءا واختبارا ) ~~وقد خير رسول الله بين أن يكون نبيا عبدا أو نبيا ملكا ، فأختيار أن يكون ~~نبيا عبدا ، وعرضت عليه الدنيا فردها واختار ماعند الله لتتأسى به أمته فى ~~ذلك ويمتثلون زهيده فى الدنيا . وفيه سد الرجل خله إذا علم منه حاجة ، نزلت ~~به من حيث لا يسأله ذلك ، وهذا من مكارم الأخلاق ، وعليم النبى من أبى طلحة ~~PageV09P464 أنه يسره ميسرة مع أصحابه ، ولذلك تلقاه أبو طلحة مسرورا به ~~وبأصحابه وليس العمل على هذا ؛ من أجل أنه لايحتملة كل الناس ولذلك قال ~~مالك : أنه من دعى إلى طعام وليمة أو غيرها فلا ينبغى أن يحمل معه غيره إذ ~~لايدرى هل يسر بذلك صاحب الوليمة أم لا ، إلا أن يقال له : ادع من لقيت ، ~~فمباح له ذلك حينئذ . وفيه الخروج إلى الطريق للضيف والزائر إكراما له وبرا ~~به ، وفى قوله : ( لقد سمعت صوت رسول الله ضعيفا أعرف فيه الجوع ) دليل على ~~جواز الشهادة على الصوت . وفيه أنه لا حرج على الصديق أن يأمر فى دار صديقه ~~بما شاء مما يعلم أنه يسره به ، ألا ترى أن اشترط عليهم أن يفتوا الخبز ، ~~وقال لأم سليم : هات ماعندك . وفيه بركة الثريد . وفيه جواز الأكل حتى يشبع ~~الإنسان وأن الشبع مباح ، وكذلك حديث عبد الرحمن بن أبى بكر وحديث عائشة ~~جواز الشبع أيضا وإن كان ترك الشبع فى بعض الأحايين افضل وقد وردت فى ذلك ~~آثار عن سلمان وأبى جحيفة أن النبى عليه السلام قال : ( إن أكثر الناس شبعا ~~فى الدنيا أطولهم جوعا فى الآخرة ) . قال الطبرى : غير ms3349 أن الشبع وإن كان ~~مباحا فإن له حدا ينتهى إليه ومازاد على ذلك فهو سرف ، فالمطلق منه ماأعان ~~الآكل على طاعة ربه ولم يشغله ثقله عن أداء واجب عليه ، وذلك دونما أثقل ~~المعدة وثبط آكله عن خدمة ربه والأخذ بحظه من نوافل الخير ، فالحق لله على ~~عبده المؤمن أن لايتعدى فى مطعمه ومشربه ماسد الجوع وكسر الظمأ . ~~PageV09P465 فإن تعدى فى ذلك إلى مافوقه مما يمنعه القيام بالواجب عليه لله ~~كان قد أسرف فى مطعمه ومشربه ، وبنحو هذا ورد الخبر عن النبي عليه السلام ~~روى ابن وهب ، عن ماضى بن محمد ، عن محمد بن عمرو بن علقمة ، عن أبى سلمة ، ~~عن أبى هريرة قال : قال رسول الله : ( إذا سددت كلب الجوع برغيف وكوز من ~~الماء القراح فعلى الدنيا الدمار ) وروى أبو داود عن حريثبن السائب قال : ~~حدثنا الحسن ، حدثنا حمران بن أبان ، عن عثمان بن عفان قال : قال رسول الله ~~عليه السلام ( كل شىء فضل عن ظل بيت وجلف الخبز - يعنى : كسر الخبز - وثوب ~~يستره فضل ليس لابن آدم منه حق ) فأخبر عليه السلام أن لابن آدم من الطعام ~~ماسد به كلب جوعه ، ومن الماء ما قطع ظمأه ، ومن اللباس ماستر عورته ، ومن ~~المساكن ماأظله وكنه من حر وقر ، وأن لاحق له فيما عدا ذلك فالمتجاوز من ~~ذلك ما حده رسول الله خاطب على نفسه ، متحمل ثقل وباله ، ولو لم يكتسب ~~المقل من الأكل إلا التخفيف من بدنه من كظ المعدة ونتن التخمة لكان حريا به ~~تحرى ذلك لها طلب الترويح عنها ، فكيف والإكثار منه الداء العضال ، وبه كان ~~يتعاير أهل الجاهلية والإسلام ، وفى حديث أنس وعبد الرحمن ابن أبى بكر ~~علامات النبوة ؛ لأنه أكل من الطعام اليسير العدد الكثير حتى شبعوا ببركة ~~النبي - عليه السلام . PageV09P466 # | باب : { ليس على الأمى حرج ولا على الأعرج حرج ولا على المريض حرج } ~~الآية # والنهد والاجتماع فى الطعام / 10 - فيه : سويد بن النعمان ، قال : خرجنا ~~مع رسول الله عليه السلام إلى خيبر ، فلما كنا بالصهباء ms3350 - قال يحيى وهى من ~~خيبر على روحة - دعا رسول الله عليه السلام بطعام ، فما أتى إلا بسويق ~~فلكناه ، فأكلنا منه ، ثم دعا بماء فمضمض ومضمضنا فصلى ، بنا المغرب ولم ~~يتوضأ . قال سفيان : سمعته منه عودا وبدءا . وترجم له باب السويق . إن قال ~~قائل : مامعنى ذكره حديث سويد بن النعمان فى هذه الترجمة قال المهلب : ~~فالمعنى الجامع بينهما هو فأباح لهم الأكل مجتمعين ومفترقين من بيت ملكوا ~~مفاتحة بائتمان أو قرابة أو صداقة وذلك أكل بغير مساواة . وذكر الكبى فى ~~قوله تعالى : ( ليس عليكم جناح أن تأكلوا جميعا أو أشتاتا ) قال : كانوا ~~إذا اجتمعوا ليأكلوا عزل الأعمى على حدة والأعرج على حدة والمريض على حدة ~~لتقصير أصحاب هذه الآفات عن أكل الاصحاء ، وكانوا يتحرجون أن يتفضلوا عليهم ~~فنزلت هذه الآية رخصت لهم فى الأكل جميعا . وقال عطاء بن يزيد : كان الأعمى ~~يتحرج أن يأكل طعام غيره لجعله يده فى غير موضعها ، وكان الأعرج يتحرج ذلك ~~لاتساعه فى موضع الأكل والمريض لرائحته فأباح الله تعالى لهم الأكل مع ~~غيرهم ، ومعنى الآية كمعنى حديث سويد بن النعمان سواء ، ألا ترى أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم PageV09P467 حين أملقوا فى السفر جعل أيديهم جميعا فيما ~~بقى من الأزواد سواء ، ولايمكن أن يكون أكلهم بالسواد أصلا لاختلاف أحوالهم ~~فى الأكل ، وقد سوغهم النبي ذلك من الزيادة والنقصان فصار ذلك سنة فى ~~الجماعات التى تدعى إلى الطعام فى النهد والولائم والإملاق فى السفر ~~وماملكت مفاتحة بأمة أو قرابه أو صداقة ، فلك أن تأكل مع القريب أو الصديق ~~ووحدك ، وقد تقدم تفسير النهد فى أول كتاب الشركة . # | 7 - باب : الخبز المرقق والأكل على الخوان والسفرة # / 11 - فيه : قتادة ، كنا عند أنس وعنده خباز له ، فقال : ما أكل النبى ~~عليه السلام خبزا مرققا ولا شاة مسموطة حتى لقى الله تعالى . / 12 - وقال ~~أنس مرة : ما علمت النبى عليه السلام أكل على سكرجة قط ، ولا خبز له مرقق ~~قط ، ولا أكل على خوان قط ، قيل لقتادة : فعلام كانوا يأكلون ms3351 ؟ قال : على ~~السفر . / 13 - وفيه : أنس ، قام النبى عليه السلام يبنى بصفية ، فدعوت ~~المسلمين إلى وليمته ، أمر بالأنطاع فبسطت ، فألقى عليها التمر والأقط ~~والسمن . / 14 - وقال وهب بن كيسان : كان أهل الشأم يعيرون ابن الزبير ، ~~يقولون : يا ابن ذات النطاقين ، فقالت له أسماء : يا بنى ، إنهم يعيرونك ~~بالنطاقين ، هل تدرى ما كان النطاقان ؟ إنما كان نطاقى شققته نصفين ، ~~فأوكيت قربة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بأحدهما ، وجعلت فى سفرته ~~آخر ، قال : فكان أهل الشأم إذا عيروه بالنطاقين ، يقول : إيها والإله ( ~~تلك شكاة ظاهر عنك عارها ) . PageV09P468 / 15 - فيه : ابن عباس ، أن أم ~~حفيد بنت الحارث بن حزن - خالة ابن عباس - أهدت إلى النبى عليه السلام سمنا ~~وأقطا وأضبا ، فدعا بهن ، فأكلن على مائدته ، وتركهن النبى عليه السلام ~~كالمستقذر لهن ، ولو كن حراما ما أكلن على مائدة النبى - صلى الله عليه ~~وسلم - ولا أمر بأكلهن . قال المؤلف : أكل المرقق مباح ولم يجتنب النبى ~~عليه السلام أكله إلا زهدا فى الدنيا وتركا للتنعيم وإيثارا عند الله كما ~~ترك كثيرا مما كان مباحا له وكذلك الأكل على الخوان مباح أيضا ، وليس نفى ~~أنس أن النبى عليه السلام لم يأكل على خوان ولا أكل شاة مسموطة يرد قول من ~~روى عن النبى عليه السلام أنه أكل على خوان وأنه أكل شواء ، وإنما أخبر كل ~~بما علم . وهذا ابن عباس يقول فى الأضب أنهن أكلن على مائدة النبى ، فأثبت ~~له مائدة ، وقد أنزل الله على قوم عيسى ابن مريم المائدة حين سألوه إياها ، ~~وأكل المرقق والشاة المسموطة داخل فى قوله تعالى : ( قل من حرم زينة الله ~~التى أخرج لعباده والطيبات من الرزق ) فجميع الطيبات حلال أكلها إلا أن ~~يتركها تارك زهدا وتوضعا وشحا على طيباته فى الآخرة أن ينتقصها فى الدنيا ~~كما فعل النبى عليه السلام وذلك مباح له . وقول ابن الزبير : ( فتلك شكاة ~~ظاهر عنك عارها ) فهو قول أبى ذؤيب الهذلى : # % وعيرها الواشون أني أحبها % % وتلك شكاة ظاهر عنك عارها % . ~~PageV09P469 وقال ابن قتيبة : لست ms3352 أدرى أخذ ابن الزبير هذا من أبى ذؤيب أم ~~ابتدأه هو ، وهى كلمة مقولة . والشكأة : العيب والذم . وقوله : ( ظاهر عنك ~~عارها ) لاتعلق بك ولكنه ينبو عنك وهو من قولك : ظهر فلان على السطح أى : ~~علا عليه ، وقال ثعلب أى لايلزمك عارها . # | 8 - باب ما كان النبى - صلى الله عليه وسلم - يأكل شيئا حتى يسمى له ~~فيعلم ما هو # / 16 - فيه : ابن عباس ، أن خالد بن الوليد - سيف الله - دخل مع النبى - ~~صلى الله عليه وسلم - على ميمونة - وهى خالته وخالة ابن عباس - فوجد عندها ~~ضبا محنوذا ، قدمت به إليه أختها حفيدة بنت الحارث من نجد ، فقدمت الضب ~~لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - وكان قلما يقدم يده لطعام حتى يحدث به ، ~~ويسمى له ، فأهوى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يده إلى الضب ، فقالت ~~امرأة من النسوة الحضور : أخبرن رسول الله ) ما قدمتم إليه . . . . وذكر ~~الحديث . قال المؤلف : كانت العرب لاتعاف شيئا من المآكل لقلتها عندها ~~فلذلك كان النبى يسأل عن الطعام قبل الأكل . وفيه من الفقه أنه يجوز ~~للإنسان تجنب مايعافه ، ولم تجر بأكله عادته وإن كان حلالا ولاحرج عليه فى ~~ذلك ولاإثم ، وقد تقدمت أقوال العلماء فى أكل الضب فى كتاب الذبائح . * * * ~~PageV09P470 # | 9 - باب : طعام الواحد يكفى الاثنين # / 17 - فيه : أبو هريرة ، قال : قال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( ~~طعام الاثنين كافى الثلاثة ، وطعام الثلاثة كافى الأربعة ) . يريد أنه ما ~~شبع اثنان يكفى ثلاثة رجال ومايشبع منه ثلاثة يكفى أربعة والكفاية ليست ~~بالشبع والاستنباط كما أنها ليست بالغنى والإكثار ، ، ألا ترى قول أبى حازم ~~: ابن آدم إذا كان مايكفيك لايغنيك فليس شىء يغنيك . وقد روى لفظ الترجمة ~~عن النبى عليه السلام من حديث ابن وهب عن ابن لهيعة عن أبى الزبير ، عن ~~جابر قال : سمعت النبى عليه السلام يقول : ( طعام الواحد يكفى الأثنين ، ~~وطعام الأثنين يكفى الأربعة ، وطعام الأربعة يكفى الثمانية ) . قال المهلب ~~: والمراد بهذه الأحاديث الحض على المكارمة فى الأكل والموساة والإيثار على ~~النفس الذى مدح الله ms3353 به أصحاب نبيه ، فقال : { ويؤثرون على أنفسهم ولو كان ~~بهم خصاصة } ولا يراد بها معنى التساوى فى الأكل والتشاح ؛ لأن قوله عليه ~~السلام : ( كافى الثلاثة ) دليل على الأثرة التى كانوا يمتدحون بها والتقنع ~~بالكفاية ، وقد هم عمر بن الخطاب فى سنة مجاعة أن يجعل مع كل أهل بيت مثلهم ~~وقال : لن يهلك أحد عن نصف قوته . قال ابن المنذر : وحديث أبى هريرة يدل ~~على أنه يستحب الاجتماع على الطعام وألا يأكل المرء وحده ؛ فإن البركة فى ~~ذلك على ما جاء PageV09P471 في حديث وحشي عن النبي ، وسيأتي فى باب من أدخل ~~الضيفان عشرة عشرة - إن شاء الله . * * * # | 10 - باب : المؤمن يأكل فى معاء واحد # / 18 - فيه : ابن عمر كان لا يأكل حتى يأتى بمسكين يأكل معه ، قال نافع : ~~فأدخلت رجلا يأكل معه ، فأكل كثيرا ، فقال : يا نافع ، لا تدخل هذا على ، ~~سمعت النبى - صلى الله عليه وسلم - يقول : ( المؤمن يأكل فى معى واحد ، ~~والكافر يأكل فى سبعة أمعاء ) . / 19 - وقال عمرو : كان أبو نهيك رجلا ~~أكولا ، فقال له ابن عمر : إن النبى عليه السلام قال : ( إن الكافر يأكل فى ~~سبعة أمعاء ) ، فقال : فأنا أومن بالله ورسوله . / 20 - وفيه : أبو هريرة ، ~~أن رجلا كان يأكل أكلا كثيرا ، فأسلم فكان يأكل أكلا قليلا فذكر ذلك للنبى ~~- صلى الله عليه وسلم - ، فقال : ( إن المؤمن يأكل فى معى واحد ، والكافر ~~يأكل فى سبعة أمعاء ) . قال المؤلف : ذكر ابن إسحاق قال بلغنى عن أبى سعيد ~~المقبرى عن أبى هريرة أن الذى قال فيه النبى هذا الحديث ثمامة بن أثال ~~الحنفى ، وذكر غيره أنه جهجاه الغفارى ، والله أعلم . فإن قال قائل : ~~مامعنى هذا الحديث وقد نجد مؤمنا كثير الأكل كأبى نهيك وغيره ، ونجد أيضا ~~كافرا قليل الأكل ؟ فالجواب وبالله التوفيق أن النبى عليه السلام وإنما ~~أراد بقوله : ( المؤمن يأكل فى معاء واحد ) المؤمن التام الإيمان ؛ لأنه من ~~حسن إسلامه وكمل إيمانه PageV09P472 تفكر فى خلق الله له وفيما يصير إليه ~~من الموت ومابعده ، فيمنعه الخوف والإشفاق من تلك ms3354 الأهوال من استيفاء ~~شهواته ، وقد روى هذا المعنى عن النبى عليه السلام من حديث أبى أمامة قال ~~أبو أمامة : سمعت النبى عليه السلام يقول : ( عليكم بقله الأكل تعرفون فى ~~الآخرة ، فمن كثر تفكره قل طعمه وكل لسانه ومن قل تفكره كثر طعمه وعظم ذنبه ~~وقسا قلبه ، والقلب القاسى بعيد من الله ) . فأخبر عليه السلام أن من تفكر ~~فيما ينبغى له التفكر فيه من قرب أجله ومايصير إليه فى معاده قل طمعه وكل ~~لسانه وحق ذلك . قوله عليه السلام : ( المؤمن يأكل فى معاء واحد ) الحض على ~~التقلل من الدنيا والزهد فيها والقناعةبالبلغة ، ألا ترى قوله عليه السلام ~~: ( إن هذا المال خضرة حلوة ، فمن أخذخ بسخاوة نفس بورك له فيه ، ومن أخذخ ~~بإشراف نفس كان كالذى يأكل ولا يشبع ) . فدل هذا المعنى أن المؤمن الذى ~~وصفه النبى عليه السلام أنه يأكل معاء واحد هو التام الإيمان المقتصد فى ~~مطعمه وملبسه الذى قبل وصية نبيه فأخذ المال بسخاوة نفس فبورك له فيه ~~واستراح من داء الحرص . فإن قال قائل : فإن كان معنى الحديث ماذكرت ، فما ~~أنت قائل فيما روى عن عمر بن الخطاب أنه كان يأكل صاع تمر حتى تتبع حشفه ، ~~ولا أتم من إيمانه . قيل له : من علم بسيرة عمر وتقلله فى مطعمه وملبسه لم ~~يعترض بهذا ولم يتوهم أن قوت عمر كل يوم كان صاع تمر ؛ لأنه كان من التقلل ~~فى مطعمه وملبسه فى ابعد الغايات ، وكان أشد الناس اقتداء برسول الله فى ~~سيرته ، وإنما كان يأكل عمر PageV09P473 الصاع فى بعض الأوقات إذا غالبه ~~الجوع وآلمه فكثيرا كان يجوع نفسه ولايبلغ من الكل نهمته ، وقد كانت العرب ~~فى الجاهلية تمتدح بقلة الأكل وتذم بكثرته ، قال الشاعر : يكفيه حزة فلذ ان ~~ألم بها من الشواة ويروى شربه الغمر وقالت أم زرع فى ابن أبى زرع : وتشبعه ~~ذراع الجفرة وقال حاتم الطائى يذم كثرة الأكل : فإنك إن أعطيت بطنك سؤله ~~وفرجك نالا منتهى الذم أجمعا . وقد شبه الله تعالى أكل الكفار بأكل البهائم ms3355 ~~فقال تعالى : { والذين كفروا ويتمتعون ويأكلون كما تأكل الأنعام } أى : ~~أنهم يأكلون بالشرة والنهم كالأنعام ؛ لأنهم جهال ، وذلك لأن الأكل على ~~ضربين : أكل نهمة وأكل حكمة ، فأكل النهمة للشهوة فقط ، وأكل الحكمة للشهوة ~~والمصلحة . # | 11 - باب : الأكل متكأ # / 21 - فيه : أبو جحيفة ، قال : قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : ( لا ~~آكل متكئا ) . إنما فعل ذلك والله أعلم توضعا لله وتذللا له ، وقد بين هذا ~~أبو أيوب فى حديثه عن الزهرى : ( أن النبى عليه السلام أتاه ملك لم يأتيه ~~قبل تلك المرة ولابعدها فقال : إن ربك يخيرك بين أن تكون عبدا نبيا أو ملكا ~~نبيا ، قال فنظر إلى جبريل كالمستشير له ، فأومأ إليه أن يتواضع ، فقال : ~~بل عبدا نبيا ، فما أكل متكئا ) . PageV09P474 وقال مجاهد : ( لم يأكل ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - متكأ قط إلا مرة ، ففزع فجلس فقال : اللهم ~~أنا عبدك ورسولك ) . قال المؤلف : من أكل متكئا فلم يأت حراما ، وإنما يكره ~~ذلك ؛ لأنه خلاف التواضع الذى اختاره الله لأنبيائه وصفوته من خلقه ، وقد ~~أجاز ابن سيرين والزهرى الأكل متكئا . # | 12 - باب الشواء وقوله تعالى : { فجاء بعجل حنيذ } مشوي # / 22 - فيه : ابن عباس ، عن خالد بن الوليد ، أتى النبى - صلى الله عليه ~~وسلم - بضب مشوى ، فأهوى إليه ليأكله ، فقيل : إنه ضب . . . الحديث . قال ~~مالك ، عن ابن شهاب : بضب محنوذ . قال صاحب العين : حنذت اللحم أحنذه إذا ~~شويته بالحجارة المسخنة ، واللحم حنيذ حنذ ، والشمس تحنذ أيضا . وفيه : ~~صاحب جواز أكل الشواء ؛ لأنه عليه السلام أهوى ليأكل منه ، ولو كان مما لا ~~يقتذر أكله غير الضب . # | 13 - باب الخزيرة # قال النضر : الخزيرة من النخالة والحريرة من اللبن . / 23 - فيه : عتبان ~~، أنه قال : يا رسول الله ، إنى أنكرت بصرى - الحديث - فصلى ركعتين ، ثم ~~سلم ، وحبسناه على خزير صنعناه . . . . الحديث . وذكر الطبري أن الخزيرة ~~شيء يتخذ كهيئة العصيدة غير أنه أرق منها . PageV09P475 # | 14 - باب الأقط # / 24 - فيه : أنس : بنى النبى عليه السلام بصفية ، فألقى التمر والأقط ~~والسمن . / 25 - وفيه : ابن عباس ، أهدت خالتى إلى النبى ms3356 عليه السلام ضبابا ~~وأقطا ولبنا . . . الحديث . الأقط : هو شىء يصنع من اللبن ، وذلك أن يؤخذ ~~ماء اللبن فيطبخ فكلما طفا عليه من بياض اللبن شىء جمع فى إناء فذلك الأقط ~~، وهو أطعمة العرب . # | 15 - باب : السلق والشعير # / 26 - فيه : سهل ، إن كنا لنفرح بيوم الجمعة ، كانت لنا عجوز تأخذ أصول ~~السلق ، فتجعله فى قدر لها ، فتجعل فيه حبات من شعير ، إذا صلينا زرناها ، ~~فقربته إلينا ، وكنا نفرح بيوم الجمعة من أجل ذلك ، وما كنا نتغدى ولا نقيل ~~إلا بعد الجمعة ، والله ما فيه شحم ولا ودك . فيه ماكان السلف عليه من ~~الاقتصار فى مطعمهم وتقللهم واقتصارهم على الدون من ذلك ، ألا ترى حرصهم ~~على السلق والشعير ، وهذا يدل أنهم كانوا لايأكلون ذلك فى كل وقت ولم تكن ~~همتهم اتباع شهواتهم ، وإنما كانت همتهم من القوت فيما يبلغهم المحل ~~ويدفعون سورة الجوع بما يمكن ، فمن كان حريصا أن يكون فى الآخرة مع صالح ~~سلفه فليسلك سبيلهم وليجر على طريقتهم وليقتد بهديهم ، والله أعلم . ~~PageV09P476 # | 16 - باب : النهس وانتشال اللحم # / 27 - فيه : ابن سيرين ، عن ابن عباس ، تعرق رسول الله عليه السلام كتفا ~~، ثم قام فصلى ، ولم يتوضأ . وقال عكرمة ، عن ابن عباس : انتشل النبى عليه ~~السلام عرقا من قدر فأكل ثم صلى ولم يتوضأ . لا يصح لابن سيرين سماع من ابن ~~عباس ولا من ابن عمر ، وإنما يسند الحديث برواية عكرمة عن ابن عباس . وقال ~~أهل اللغة : نهس الرجل والسبع اللحم نهسا : قبض عليه ثم نتره ، والنهس ~~والنهش عند الأصمعى واحد ، وخالفه أبو زيد وغيره ، فقالوا : النهس بمقدم ~~الفم كنهس الحية ، وانتشال اللحم نتفه وقطعه ، يقال : نشلت اللحم من المرق ~~نشلا : أخرجته منه ، وقال بعضهم نشلت اللحم نشلا : إذا أخذت بيدك عضوا ~~فانتشلت ماعليه ، وتعرق اللحم : إذا أكله على عظمه . # | 17 - باب : تعرق العضد # / 28 - فيه : أبو قتادة ، أنه كان غير محرم ، فى طريق مكة ، فرأى حمارا ~~وحشيا ، فعقره . . . . وذكر الحديث ، إلى قوله : فناولت النبى العضد ، ~~فأكلها فتعرقها ، وهو محرم قال صاحب ms3357 العين : تعرقت العظم وأعرقته وعرقته ~~أعرقه عرقا ؛ أكلت ماعليه ، والعراق العظم بال لحم ، فإن كان عليه لحم فهو ~~عرق . PageV09P477 # | 18 - باب : قطع اللحم بالسكين # / 29 - فيه : عمرو بن أمية ، أنه رأى النبى عليه السلام يحتز من كتف شاة ~~فى يده ، فدعى إلى الصلاة ، فألقاها والسكين التى يحتز بها ، ثم قام فصلى ، ~~ولم يتوضأ . هذا الحديث يرد حديث أبى معشر ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، ~~عن عائشة قالت : قال رسول الله : ( لا تقطعوا اللحم بالسكين ؛ فإنه من صنيع ~~الأعاجم ، وانهشوه فإنه أهنأ وأمرأ ) قال أبو داود : وهو حديث ليس بالقوى . # | 19 - باب : ما عاب النبى عليه السلام طعاما # / 30 - فيه : أبو هريرة ، ما عاب النبى عليه السلام طعاما قط ، إن اشتهاه ~~أكله ، وإن كرهه تركه . هذا من حسن الأدب على الله تعالى لأنه إذا عاب ~~المرء ما كرهه من الطعام فقد رد على الله رزقه ، وقد يكره بعض الناس من ~~الطعام مالايكرهه غيره ، ونعم الله تعالى لا تعاب وإنما يجب الشكر عليها ، ~~والحمد لله لأجلها ؛ لأنه لا يجب لنا عليه شىء منها ، بل هو متفضل فى ~~إعطائه عادل فى منعه . # | 20 - باب : النفخ فى الشعير # / 31 - فيه : أبو حازم ، أنه سأل سهلا : هل رأيتم فى زمان النبى عليه ~~السلام النقي ؟ قال : لا ، فقلت : فهل كنتم تنخلون الشعير ؟ قال : لا ، ~~ولكن كنا ننفخه . PageV09P478 وفي هذا الحديث أيضا ماكان عليه السلف من ~~التخشن فى مأكلهم وترك الترقيق لها والتباين فيها ، وكانوا فى سعة من ~~تنحيله ؛ لأن ذلك مباح لهم فآثروا التخشن وتركوا التنعيم ليقتدى بهم من ~~يأتي بعدهم ، فخالفناهم فى ذلك وآثرنا الترقيق فى مأكلنا ، ولم نرض بما ~~رضوا به من ذلك رضوان الله عليهم فكيف نرجو اللحاق بهم ؟ ! . # | 21 - باب : ما كان النبي عليه السلام وأصحابه يأكلون # / 32 - فيه : أبو هريرة ، قسم النبى عليه السلام يوما بين أصحابه تمرا ، ~~فأعطى كل إنسان سبع تمرات ، فأعطانى سبع تمرات إحداهن حشفة ، فلم يكن فيهن ~~تمرة أعجب إلى منها ، شدت فى مضاغى . / 33 - وفيه ms3358 : قيس ، عن سعد ، رأيتنى ~~مع النبى ، عليه السلام ، سابع سبعة ، ما لنا طعام إلا ورق الحبلة - أو ~~الحبلة - حتى يضع أحدنا ما تضع الشاة ، ثم أصبحت بنو أسد تعزرنى على ~~الإسلام خسرت إذا وضل سعى . / 34 - وفيه : أبو حازم ، سألت سهلا ، هل أكل ~~النبى عليه السلام النقي ؟ فقال سهل : ما رأى رسول الله عليه السلام النقى ~~من حين ابتعثه الله حتى قبضه الله ، قال : فقلت : هل كانت لكم فى عهد رسول ~~الله عليه السلام مناخل ؟ قال : ما رأى رسول الله عليه السلام منخلا من حين ~~ابتعثه الله حين PageV09P479 قبضه . قال : قلت : كيف كنتم تأكلون الشعير ~~غير منخول ؟ قال : كنا نطحنه وننفخه ، فيطير ما طار ، وما بقى ثريناه ~~فأكلناه . / 35 - وفيه : أبو هريرة ، أنه مر بقوم بين أيديهم شاة مصلية ~~فدعوه ، فأبى أن يأكل ، وقال : خرج رسول الله عليه السلام من الدنيا ، ولم ~~يشبع من خبز الشعير . / 36 - وفيه : أنس ، ما أكل النبى عليه السلام على ~~خوان ، ولا فى سكرجة ، ولا خبز له مرقق . / 37 - وفيه : عائشة ، ما شبع آل ~~محمد - صلى الله عليه وسلم - منذ قدم المدينة من طعام البر ثلاث ليال تباعا ~~حتى قبض . قال الطبرى : إن قال قائل : ماوجه هذه الأخبار ومعانيها وقد علمت ~~صحة الخبر عن النبى أنه كان يرفع مما أفاء الله عليه من النضير وفدك قوته ~~وقوت عياله لسنة ثم يجعل مافضل من ذلك فى الكراع والسلاح عدة فى سبيل الله ~~، وأنه بين اربعة أنفس زهاء الف بعير من نصيبه مما أفاء الله عليه من أموال ~~هوازن ، وأنه ساق فى حجة الوداع مائة بعير فنحرها وأطعمها المساكين ، وأنه ~~كان يأمر للأعرابى يسلم بقطيع من الغنم . هذا مع ما يكثر تعداده من عطاياه ~~التى لايذكر مثلها عمن تقدم قبله من ملوك الأمم السالفة مع كونه بين ارباب ~~الأموال الجسام كابى بكر الصديق وعمر وعثمان وأمثالهم فى كثرة الأموال ~~وبذلهم مهجهم وأولادهم ، وخروج أحدهم من جميع ماله تقربا إلى الله تعالى مع ~~إشراك الأنصار فى أموالهم من ms3359 قدم عليهم من المهاجرين وبذلهم نفائسها فى ذات ~~الله ، فكيف بإنفاقها على رسول الله PageV09P480 وبه إليها الحاجة العظمى ، ~~وأنكر النكير تضاد الآثار فى ذلك إذ غير جائز اجتماع قشف المعيشة وشظفها ~~والرخاء والسعة فيها فى حال واحدة ؟ . قيل : كل هذه الأخبار صحاح ولاشىء ~~منها يدفع غيره ولاينقصه فأما حديث سعد قال : ( رأيتنى مع النبى عليه ~~السلام مالنا طعام إلا ورق الحبلة ) وغيرها من الأحاديث أنه كان عليه ~~السلام يظل اليوم يتلوى من الجوع مايجد مايملأ بطنه ، فإن ذلك كان يكون فى ~~الحين بعد الحين من أجل أن من كان منهم ذا مال كانت تستغرق نوائب الحقوق ~~وماله وموساة الضيفان ، ومن قدم عليهم من وفود العرب حتى يقل كثيره أو يذهب ~~جميعه . وكيف لا يكون كذلك وقد روينا عن عمر أن النبى أمر بالصدقة فجاء أبو ~~بكر الصديق بجميع ماله فقال : هذا صدقة لله ، فكيف يستنكر لمن هذا فعله أن ~~يملق صاحبه ثم لا يجد السبيل إلى سد جوعته وإرفاقه بمايغنيه ؛ وعلى هذه ~~الخليفة كانت خلائق أصحابه ، كالذى ذكر عن عثمان أنه كهز جيشا من ماله حتى ~~لم يفقدوا حبلا ولاقتبا ، وكالذى روى عن عبد الرحمن بن عوف أن رسول الله حث ~~على الصدقة فجاء بأربعة آلاف دينار صدقة ، فمعلوم أن من كانت هذه أخلاقه ~~وأفعاله أنه لا يخطئه أن تأتى عليه التارة من الزمان والحين من الايام ~~مملقا لاشىء له ، إلا أن يثوب له مال . فبان خطأ قول القائل : كيف يجوز أن ~~يرهن النبى درعه عند اليهود بوسق شعير ، وفى أصحابه من أهل الغنى والسعة من ~~لايجهل موضعه ؟ أم كيف يجوز أن يوصف أنه كان يطوى الأيام ذوات العدد خميصا ~~وأصحابه يمتهنون أموالهم لمن هو دونه من أصحابه ، فكيف له PageV09P481 إذ ~~كان معلوما وجوده وكرمه عليه السلام وإيثاره ضيفانه القادمين عنده من ~~الأقوات والأموال على نفسه . واحتماله المشقة والمجاع فى ذات الله ، ومن ~~كان كذلك هو واصحابه فغير مستنكر لهم حال ضيق يحتاجون معها إلى الاستسلاف ~~وإلى طى الأيام على ms3360 المجاعة والشدة وأكلهم ورق الحبلة . فأما ما روى عنه : ~~( أنه لم يشبع من البر ثلاثة أيام تباعا حتى قبض ) فإن البر كان بالمدينة ~~قليلا ، وكان الغالب عليهم الشعير والتمر فغير نكير أن يؤثر قوت أهل بلده ~~ويكره أن يخص نفسه لما لاسبيل للمسلمين إليه من الغذاء ، وهذا هو الأشبه ~~بأخلاقه عليه السلام . وما روى عنه أنه خرج من الدنيا ولم يشبع من خبز ~~الشعير ، فإن ذلك لم يكن منه فى كل أحواله لعوز ولا ضيق وكيف ذلك وقد كان ~~الله أفاء عليه قبل وفاته بلاد العرب كلها ونقل إليه الخراج من بعض بلاد ~~العجم كأيله والبحرين وهجر ؛ ولكن كان بعضه لما وصفت من إيثار نوائب حقوق ~~الله ، وبعضه كراهية منه الشبع وكثرة الأكل ، فإنه كان يكرهه ويؤدب أصحابه ~~به . وروى عن زيد وهب ، عن عطية بن عامر الجهنى قال : ( أكره سلمان على ~~طعام يأكله فقال : حسبى ؛ فإنى سمعت النبى عليه السلام يقول : إن أكثر ~~الناس شبعا فى الدنيا أطولهم جوعا PageV09P482 في الآخرة ) وروى أسد ابن ~~موسى من حديث عون بن أبى جحيفة عن أبيه قال : ( أكلت ثريدة بر بلحم سمين ، ~~فأتيت النبى عليه السلام وأنا أتجشأ ، فقال : اكفف عليك من جشائك أبا جحيفة ~~، فإن أكثر الناس شبعا فى الدنيا أطولهم جوعا فى الآخرة ) فما أكل أبو ~~جحيفة ملىء جحيفة ملء بطنه فارق الدنيا كان إذا تغذى لايتعشى وإذا نعتشى ~~لايتغدى . وعلى إيثار الجوع وقله الشبع مع وجود السبيل إليه مرة وعدمه أخرى ~~مضى الخيار من الصحباة والتابعين ، وروى وهب بن كيسان ، عن جابر قال : ( ~~لقينى عمر بن الخطاب ومعى لحم اشتريته بدرهم ، فقال : ما هذا ؟ فقلت : ~~ياأمير المؤمنين ، اشتريته للصبيان والنساء . فقال عمر : لا يشتهى أحدكم ~~شيئا إلا وقع فيه أو لا يطوى أحدكم بطنه لجاره وابن عمه ، أين تذهب عنكم ~~هذه الآية : ( أذهبتم طيباتكم فى حياتكم الدنيا واستمتعتم بها ) ؟ . وقال ~~هشيم عن منصور ، عن ابن سيرين : ( أن رجلا قال لابن عمر : اجعل جوارشنا ؟ ~~قال : ما هو ؟ قال : شىء إذا ms3361 كظمك الطعام فأصبت منه سهل عليك . قال ابن عمر ~~: ماشبعت منذ أربعة أشهر ، وماذاك إلا أكون له واجدا ، ولكنى عهدت قوما ~~يشبعون مرة ويجوعون مرة ) . وقال الزهرى : ( إن عبد الله بن مطيع قال لصفية ~~: لو ألطفت هذا الشيخ - يعنى ابن عمر - قالت : إن عبد الله بن مطيع قال ~~لصفية : لو ألطفت هذا الشيخ - يعنى ابن عمر - قالت : قد أعيانى أن لا يأكل ~~إلا ومعه آكل فو كلمته . قال : فكلمته ، فقال : الآن تأمرنى بالشبع ولم يبق ~~من عمرى إلا ظمء حمار ، فما شبعت منذ ثمانى سنين ) . وقال مجاهد : لو أكلت ~~كل ماأشتهى ماسويت حشفة . وقال الفضيل : خصلتان تقسيان القلب : كثرة الأكل ~~والكلام . وقوله : ( ثم أصبحت بنو أسد تعزرنى على الإسلام ) يعنى : يقومونى ~~عليه ويعلمونيه ، من قولهم : ( عزر السلطان فلانا إذا أدبه وقومه ) . وأصل ~~العزير التأديب ، ولهذا سمى الضرب دون الحد PageV09P483 تعزيرا ، وكان هذا ~~القول عن سعد حين شكاه أهل الكوفة إلى عمر وقالوا : إنه لايحسن الصلاة وعمر ~~بن الخطاب من بنى أسد . وفيه من الفقه أنه لابأس أن يذكر الرجل فضائله ~~وسوابقه فى الإسلام عندما ينتقصه أهل الباطل ويضعون من قدره ، ولايكون ذكره ~~لفضائله من باب الفخر المنهى عنه . وقال صاحب العين : الحبلة : بضم الحاء ~~ثمر العضاة ، والحبلة : بفت الحاء والباء قضبان الكرم . وقال أبو حنيفة : ~~الزرجون حبلة وجمعها حبل . وقال صاحب العين : والحبلة أيضا ضرب من الشجر . ~~وقوله : ( شاة مصلية ) يعنى : مشوية ، يقال : صليت اللحم أصلية صليا : ~~شويته ، فالصلاء : الشواء ، وأصليته : ألقيته فى النار . # | باب التلبينة # / 38 - فيه : عائشة ، سمعت النبى - صلى الله عليه وسلم - يقول : ( ~~التلبينة مجمة لفؤاد المريض تذهب ببعض الحزن ) . وقد تقدم فى كتاب الطب . # | 23 - باب الثريد # / 39 - فيه : أبو موسى ، قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : ( كمل من ~~الرجال كثير ، ولم يكمل من النساء إلا مريم بنت عمران وآسية امرأة فرعون ، ~~وفضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام ) . PageV09P484 / 40 - ~~وفيه : أنس ، قال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( فضل عائشة على النساء ~~كفضل الثريد ms3362 على سائر الطعام ) . / 41 - وفيه : أنس ، دخلت مع النبى عليه ~~السلام على غلام له خياط ، فقدم إليه قصعة فيها ثريد ، قال : وأقبل على ~~عمله . . . . الحديث . قال المؤلف : الثريد أزكى الطعام بركة ، وهو طعام ~~العرب وقد شهد له النبى بالفضل على سائر الطعام وكفى بذلك تفضيلا له وشرفا ~~. فإن قال قائل : فقد شهد النبى عليه السلام بالكمال لمريم وآسية ، ثم قال ~~: ( وفضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام ) ولايبين فى ظاهر ~~هذا اللفظ تفضيل مريم وآسية على عائشة ولافضل عائشة عليهما . فالجواب فى ~~ذلك أن التفضيل لا يدرك بالرأى ، وإنما يؤخذ بالتوقيف ، فإذا عدم التوقيف ~~بالقطع فى ذلك رجع إلى الدلائل ، وقد اختلفت الدلائل فى ذلك لاحتمال اللفظ ~~للتأويل . فمما استدل به من فضل مريم على عائشة قوله تعالى لمريم : ( إن ~~الله اصطفاك ) أى : اختارك وطهرك من الكفر ، عن مجاهد والحسن . وقيل : ~~وطهرك من الأدناس : الحيض والنفاس ، عن الزجاج وغيره . وقوله : ( واصطفاك ~~على نساء العالمين ) يدل على تفضيلها على جميع نساء الدنيا ؛ لأن العالمين ~~جمع عالم ، ألا ترى أن الله جعلها وأبنها آية أن ولدت من غير فحل ، وهذا ~~شىء لم يخص به غيرها من نساء الدنيا وجاءها جبريل ولم يأت غيرها من النساء ~~قال تعالى : ( فأرسلنا إليها روحنا فتمثل لها بشرا سويا . . ) إلى ( زكيا ) ~~. PageV09P485 وقال ابن وهب صاحب مالك صاحب مالك بنوتها واختاره أبو إسحاق ~~الزجاج وهو إمام سنة ، وهو قول أبى بكر بن اللباد فقيه المغرب ، وقول أبى ~~محمد بن أبى زيد ، وأبى الحسن بن القابس ، وعلى هذا القول يكون أول الحديث ~~على العموم فى مريم وآسية وآخره على الخصوص فى عائشة ، ويكون المعنى فضل ~~مريم ولآسية على جميع نساء كل عالم ، وفضل عائشة على نساء عالمها خاصة . ~~وأبى هذا طائفة أخرى ، وقالوا : بفضل عائشة على جميع النساء ولم يقولوا ~~بنبوة مريم ولا أحد من النساء ، وحملوا آخر الحديث على العموم وأوله على ~~الخصوص وقالوا : قوله تعالى : ( يا مريم إن الله اصطفاك وطهرك ) و ( اصطفاك ~~على نساء ms3363 العالمين ) يعنى عالم زمانها وهو الحسن وابن جريح ، ويكون قوله : ~~( فضل عائشة ) على نساء الدنيا كلها ، ومن حجتهم على ذلك قوله عز وجل : ( ~~كنتم خير أمة أخرجن للناس ) فعلم بهذا الخطاب أن المسلمين أفضل جميع الأمم ~~، ألا ترى قوله عز وجل : ( وكذلك جعلناهم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ~~) والوسط : العدل عند أهل التأويل فدل هذا كله أن من شهد له النبى بالفضل ~~من أمته وعينه فهو أفضل ممن شهد له بالفضل من الأمم الخالية ، ويؤيد هذا ~~التأويل قوله تعالى : ( يا نساء النبى لستن كأحد من النساء ) فدل عموم هذا ~~اللفظ على فضل أزواجه على كل من قبلهن وبعدهن ، وأجمعت الأمة أن نبينا ~~محمدا أفضل من جميع الأنبياء ، فكذلك نساؤه لهن من الفضل على سائر الدنيا ~~ماللنبى على سائر الأنبياء ، وقد صح أن نساءه معه فى الجنة ، ومريم مع ~~ابنها ، وابنها فى الجنة ، ودرجة PageV09P486 محمد في الجنة فوق درجة هؤلاء ~~كلهم . والله أعلم بحقيقة الفضل فى ذلك . # | 24 - باب : الشاة المسموطة والكتف والجنب # / 42 - فيه : قتادة ، كنا نأتى أنس بن مالك ، وخبازه قائم ، ثم قال : ~~كلوا ، فما أعلم النبى عليه السلام رأى رغيفا مرققا حتى لحق بالله ، ولا ~~رأى شاة سميطا بعينه قط . / 43 - وفيه : جعفر بن عمرو بن أمية الضمرى ، عن ~~أبيه ، قال : رأيت رسول الله عليه السلام يحتز من كتف شاة ، فأكل منها ، ~~فدعى إلى الصلاة فقام فطرح السكين ، فصلى ولم يتوضأ . إن قال قائل : كيف ~~يتفق قول أنس بن مالك : ( ما أعلم أن الرسول رأى سميطا بعينه قط ) مع قول ~~عمرو بن أمية : ( أنه رأى النبى عليه السلام يحتز من كتف شاة ) مع ما روى ~~الترمذى قال : حدثنا الحسن بن محمد الزعفرانى حدثنا حجاج بن محمد حدثنا ابن ~~جريج أخبرنى محمد بن يوسف أن عطاء بن يسار أخبره أن أم سلمة أخبرته : ( ~~أنها قربت إلى رسول الله عليه السلام جنبا مشويا ، فأكل منه ثم قام إلى ~~الصلاة وما توضأ ) قال الترمذى : وهذا حديث صحيح غريب ، وفى الباب ms3364 عن عبد ~~الله بن الحارث والمغيرة وأبى رافع . قال المؤلف : فالجواب أن قول أنس ~~يحتمل تأويلين : أحدهما : أن يكون النبى عليه السلام لم يتفق له قط أن تسمط ~~له شاة بكمالها ، لأنه قد احتز من الكتف مرة ومن الجنب أخرى ، وذلك لحم ~~مسموط لا محالة . والثانى : أن أنسا قال : لا أعلم ولم يقطع PageV09P487 ~~على أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يأكل لحما مشويا ، فأخبربما علم وأخبر ~~عمرو ابن أمية أم سلمه وغيرها أنه رأى النبى يحتز من الكتف والجنب المشوى ، ~~وكل واحد أخبر بما علم ، وليس قول أنس برافع قول من علم لأن من علم حجه على ~~من لم يعلم ؛ لأنه زاد عليه فوجب قبول الزيادة . والمسموطة : المشوية بجلها ~~، قال صاحب العين : سمطت الجمل أسمطة سمطأط : تنقيته من الصوف بعد إدخاله ~~فى الماء الحار . وقال صاحب الأفعال : سمطت الجدى ، وغيره : علقه من السموط ~~، وهى معاليق من سيور تعلق من السرج . # | 25 - باب ما كان السلف يدخرون فى بيوتهم وأسفارهم من الطعام واللحم ~~وغيره # وقالت عائشة وأسماء : صنعنا للنبى - صلى الله عليه وسلم - وأبى بكر سفرة ~~. / 44 - فيه : عائشة ، سئلت أنهى النبى - صلى الله عليه وسلم - أن تؤكل ~~لحوم الأضاحى فوق ثلاث ، قالت : ما فعله إلا فى عام جاع الناس فيه ، فأراد ~~أن يطعم الغنى الفقير ، وإن كنا لنرفع الكراع ، فنأكله بعد خمس عشرة ، قيل ~~ما اضطركم إليه ؟ فضحكت ، قالت : ما شبع آل محمد عليه السلام من خبز بر ~~مأدوم ثلاثة أيام حتى لحق بالله . / 45 - وفيه : جابر ، كنا نتزود لحوم ~~الهدى على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى المدينة . هذا الباب ~~رد على الصوفية فى قولهم إنه لايجوز ادخالر طعام الغد ، وأن المؤمن الكامل ~~الإيمان لا يستحق اسم الولاية لله حتى PageV09P488 يتصدق بما فضل عن شبعه ~~ولا يترك طعاما لغد ولايصبح عنده شىء من عين ولا عرض ويمسى كذلك ومن خالف ~~ذلك فقد اساء الظن بالله ولم يتوكل عليه حق توكله ، وهذه الآثار ثابتة ~~بإدخار الصحابة وتزود ms3365 النبى وأصحابه فى أسفارهم وهى المقنع والحجة الكافية ~~فى رد قولهم ، والله الموفق . وقد تقدم فى كتاب الخمس فى حديث مالك بن أوس ~~بن الحدثان قول عمر لعلى والعباس حين جاءا يطلبان ماأفاء الله على رسوله من ~~بنى النضير إلى قول عمر : ( فكان النبى ينفق على أهله نفقة سنتهم من هذا ~~المال ) وقد صح بهذا إدخاره عليه السلام لأهله قوت سنتهم وفيه الأسوة ~~الحسنة ، وفى باب نفقة نساء النبى عليه السلام وبعد وفاته . فى كتاب الخمس ~~أيضا استقصاء الحجة فى هذه المسألة والأحاديث المعارضة . # | 26 - باب الحيس # / 46 - فيه : أنس : ( أن النبى - صلى الله عليه وسلم - بنى بصفية بنت حى ~~بالصهباء حين أقبلنا من خيبر صنع حيسا فى نطع ثم أرسلنى فدعوت رجالا فأكلوا ~~. . الحديث ) . والحيس عند العرب خلط الأقط بالسمن والتمر تقول حته حيسا ~~وحيسة ، عن صاحب العين ، وقد تقدم فى النكاح . PageV09P489 # | 27 - باب الأكل فى إناء مفضض # / 47 - فيه : ابن أبى ليلى ، أن حذيفة استسقى فسقاه مجوسى فلما وضع القدح ~~فى يده رماه به ، وقال : لولا أنى نهيته غير مرة ولا مرتين ، كأنه يقول : ~~لم أفعل هذا ، ولكنى سمعت النبى عليه السلام يقول : ( لا تشربوا فى آنية ~~الذهب والفضة ، ولا تأكلوا فى صحافها ، فإنها لهم فى الدنيا ولك فى الآخرة ~~) . قد تقدم هذا فى كتاب الأشربة روى ابن القاسم عن مالك أنه كره مداهن ~~الفضة ، والاستجمار فى آنية الفضة ، والمرأة فيها حلقة فضة لنهيه عليه ~~السلام عن استمال آنية الذهب والفضة ، وقال : هى لهم فى الدنيا يعنى الكفار ~~ولكم فى الآخرة . * * * # | 28 - باب ذكر الطعام # / 48 - فيه : أبو موسى ، قال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( مثل ~~المؤمن الذى يقرأ القرآن كمثل الأترجة ، ريحها طيب وطعمها طيب ، ومثل ~~المؤمن الذى لا يقرأ القرآن مثل التمرة ، لا ريح لها وطعمها حلو . . . ) ~~الحديث . / 49 - وفيه : أنس ، قال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( فضل ~~عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام ) . / 50 - وفيه : أبو هريرة ~~، قال النبى - صلى الله عليه وسلم ms3366 - : ( السفر قطعة من العذاب ، يمنع أحدكم ~~نومه وطعامه . . . ) . قال المؤلف : معنى هذه الترجمة - والله أعلم - إباحة ~~أكل الطعام PageV09P490 الطيب وكراهة أكل المر ، وأن الزهد ليس فى خلاف ذلك ~~ألا ترى أن النبى عليه السلام شبه المؤمن الذى يقرأ القرآن بالأترجة التى ~~طعمها طيب وريحها طيب ، وشبه المؤمن الذى لايقرأ بالتمرة طعمها طيب ولاريح ~~لها ، ففى هذا الترغيب فى أكل الطعام الطيب وأكل الحلو ، ولو كان الزهد فيه ~~أفضل لماشبه النبى - عليه السلام - ذلك مرة بقرأة القرآن ومرة بالإيمان ، ~~فكما يفضل المؤمن بقرأة القرآن وبالإيمان فكذلك فضل الطعام الطيب سائر ~~الطعام ، ويشهد لهذا أنه فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام ~~، وهذا تنبيه منه على أكل الثريد واستعماله لفضله ، وتشبيهه المنافق ~~بالحنظلة والريحانة اللتين طعمهما مر ؛ فذلك غاية الذم للطعام المر ، إلا ~~أن السلف كرهوا الأكثار من أكل الطيبات وإدمانها خشية أن يصير ذلك لهم عادة ~~، فلا تصبر نفوسهم على فقدها رياضة لهم وتذليلا وتواضعا . فإن قيل : فما ~~معنى حديث أبى هريرة وليس فيه ذكر أفضل الطعام ولا أدناه ؟ قيل : يحتمل أن ~~يريد به أن ابن آدم لابد له فى الدنيا من طعام يقيم به جسده ويقوى به على ~~طاعة ربه ، وأن الله تعالى جبل النفوس على الأكل والشرب والنوم وذلك قوام ~~الحياة ، والناس فى ذلك بين مقل ومكثر ، فالمؤمن يأخذ من ذلك قدر إيثاره ~~للآخر والدنيا . # | 29 - باب الأدم # / 51 - فيه : عائشة ، أن النبى - صلى الله عليه وسلم - دخل بيتها وعلى ~~النار برمة تفور ، فدعا بالغداء ، فأتى بخبز وأدم من أدم البيت ، فقال : ( ~~ألم أر PageV09P491 لحما ) ؟ قالوا : بلى ، يا رسول الله ، ولكنه لحم تصدق ~~به على بريرة ، فأهدته لنا ، فقال : ( هو صدقة عليها ، وهدية لنا ) . قال ~~الطبرى : فى هذا الحديث البيان البين أن النبى - عليه السلام كان يؤثر فى ~~طعامه اللحم على غيره إذا وجد إليه سبيلا ، وذلك أنه لما رأى اللحم فى ~~منزله قال : ( ألم أر لحما ؟ فقالوا : إنه تصدق به على بريرة ) فدل هذا على ~~إيثاره ms3367 عليه السلام للحم إذا وجد إليه السبيل ، لأنه قال ذلك بعد أن قرب ~~إليه أدم من أدم البيت ، فالحق على كل ذى لب أن يؤثر اللحم على طعامه ~~لإيثار النبى له ولما حدثنا سعيد بن عنبسه الرازى حدثنا أبو عبيدة الحداد ~~حدثنا أبو هلال ، عن ابن بريدة عن أبيه أن النبى عليه السلام قال : ( سيد ~~الإدام فى الدنيا والآخرة اللحم ) . فإن قيل : فقد قال عمر بن الخطاب لرجل ~~رآه يكثر الاختلاف إلى القصابين : اتقوا هذه المجازر على أموالكم ، فإن لها ~~ضرواة كضراوة الخمر ، وعلاه بالدرة . وقال أبو أمامة : إنى لأبغض أهل اليت ~~أن يكونوا لحميين . قيل : وما اللحميون ؟ قال : يكون لهم قوت شهر فيأكلونه ~~فى اللحم فى أيام . وقد قال يزيد بن أبى حبيب : القنية طعام الأنبياء . ~~وقال ابن عون : ما رأيت على خوان لحما يشتريه إلا أن PageV09P492 يهدى له ، ~~وكان يأكل السمن والكامخ ، فيقول : سأصبر على هذا حتى يأذن الله بالفرج . ~~قال الطبرى : وهذه أخبار صحاح ليس فيها خلاف لشىء مماتقدم ، فأما كراهة عمر ~~فإنما كان خوفا منه عليه الاحجاف بماله لكثرة شرائه اللحم إذ كان اللحم ~~قليلا عندهم ، وأراد أن يأخذ بحظه من ترك شهوات الدنيا وقمع نفسه ، يدل على ~~ذلك قوله لابنه : كفى بالمرء سرفا أن يأكل كل ما اشتهى ، وأما أبو أمامة ~~فقد أخبر بالعلة التى لها كره أن يكون أهل البيت لحميين وهو تبذيرهم ~~وتدميرهم . وأما ابن سيرين فإنما ترك شراء اللحم ؛ إذ لزمه الدين وفلس من ~~أجله ، فلم يكن عنده لها فضاء ، والحق عليه مافعل من التقصير فى عيشه وترك ~~التوسع فى مطعمه حتى يؤدى ماعليه لغرمائه ، وكان إذا وجده من غير الشراء لم ~~يؤثر عليه غيره . وأما قول يزيد بن أبى حبيب أن القطنية طعام الأنبياء ، ~~فمعنى ذلك والله أعلم نحو معنى فعل عمر فى تركه ذلك إشفاقا ممن يكون بأكله ~~مم يكون فى جملة من أذهب طيباته فى حيانه الدنيا مع أن التأسى بنبينا عليه ~~السلام لايؤثر على اللحم شيئا ما وجد ms3368 إليه السبيل . حدثنى محمد بن عمار ~~الرازى حدثنا سهل بن بكار حدثنا أبو عوانة ، عن الأسود بن قيس ، عن نبيح ~~العنزى ، عن جابر بن عبد الله قال : ( ذبحت للنبى عليه السلام عناقا ~~واصحلتها ، فلما وضعتها بين يديه ، نظر إلى وقال : كأنك قد علمت حبنا اللحم ~~) . وبمثل الذى قلنا كان السلف يعملون ، روى الأعمش عن أبى عباد عن أبى ~~عمرو الشيبانى قال : ( رأى عبد الله مع رجل دراهم فقال : ما PageV09P493 ~~تصنع بها ؟ قال : أشترى بها سمنا . قال : أعطها أمراتك تضعها تحت فراشها ، ~~ثم اشتر كل يوم بدرهم لحما . وكان للحسن كل يوم لحم بنصف درهم ، وقال ابن ~~عون : إذا فاتنى اللحم فما أدرى ما أئتدم ) . # | 30 - باب : الحلواء والعسل # / 52 - فيه : عائشة ، كان النبى - صلى الله عليه وسلم - يحب الحلواء ~~والعسل . / 53 - وفيه : أبو هريرة ، كنت ألزم رسول عليه السلام لشبع بطنى ~~حين لا آكل الخمير ، ولا ألبس الحرير ، ولا يخدمنى فلان ولا فلانة ، وألصق ~~بطنى بالحصباء ، وأستقرئ الرجل الآية - وهى معى - كى ينقلب بى فيطعمنى ، ~~وخير الناس للمساكين جعفر بن أبى طالب ، ينقلب بنا ، فيطعمنا ما كان فى ~~بيته حتى إن كان ليخرج إلينا العكة ليس فيها شىء ، فنشتقها ، فنلعق ما فيها ~~. الحلواء والعسل من جملة الطيبات المباحة فى قوله تعالى : ( ياأيها الذين ~~آمنوا لاتحرموا طيبات ماأحل الله لكم ) وقوله تعالى : ( قل من حرم زينة ~~الله التى أخرج لعباده والطيبات من الرزق ) على قول من ذهب إلى أن الطيبات ~~من الرزق فى الآية المستلذ من الطعام ، ودل حديث عائشة على صحة هذا التأويل ~~لمحبة رسول الله الحلواء والعسل ، وأن ذلك من طعام الصالحين والأبرار ~~اقتداء بحب النبى عليه السلام لهما ، ودخل فى معنى هذا الحديث كل ماشاكل ~~الحلواء والعسل من أنواع المآكل اللذيذة الحلوة المطعم ، كالتمر والتين ~~والزبيب والعنب ، والرمان ذلك من الفواكه . PageV09P494 وفي حديث أبي هريرة ~~من الفقه الاقتصاد فى المعيشة والأخذ منها بالبلغة الباعثه على الزهد فى ~~الدنيا . وفيه فضل جعفر بن أبى طالب ووصفه بالكرم والتواضع لتعاهده ms3369 ~~للمساكين وإطعامه لهم فى بيته وإكرامهم بذلك ، وفى قول أبى هريرة : ( إن ~~كان ليخرج إلينا العكة ليس فيها شىء فنشتقها ونلعق ما فيها ) جواز الصدقة ~~باشىء التافه ؛ لأن ذلك لايخلو أن يكون فيه مثاقيل ذر كثيرة . # | 31 - باب الرجل يتكلف لإخوانه الطعام # / 54 - فيه : أبو مسعود ، كان من الأنصار رجل ، يقال له : أبو شعيب ، ~~وكان له غلام لحام ، فقال : اصنع لى طعاما أدعو النبى عليه السلام خامس ~~خمسة ، فدعا النبى عليه السلام خامس خمسة ، فتبعهم رجل ، فقال النبى - صلى ~~الله عليه وسلم - : ( إنك دعوتنا خامس خمسة ، وهذا رجل قد تبعنا ، فإن شئت ~~أذنت له ، وإن شئت تركته ) ، قال : بل أذنت له . قال المؤلف : فيه الترجمة ~~وأنه فى باب ماقيل فى اللحام والجزار وقد تقدم هنالك الكلام فى هذا الحديث ~~وذكرت فيه وجه قوله - صلى الله عليه وسلم - : ( هذا رجل قد تبعنا فإن شئت ~~أذنت له ) ولم يقل ذلك لأبى طلحة حين حمل جماعة أصحابه مع نفسه إلى طعامه . ~~فتأمله هناك ، وقد تقدم أيضا فى كتاب باب صنع الطعام والتكلف للضيف فى حديث ~~سلمان وأبي الدرداء . PageV09P495 # | 32 - باب من أضاف رجلا إلى طعامه وأقبل هو على عمله # / 55 - فيه : أنس ، كنت غلاما أمشى مع النبى عليه السلام فدخل رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - على غلام له خياط ، فأتاه بقصعة فيها طعام ، وعليه ~~دباء ، فجعل النبى عليه السلام يتتبع الدباء ، قال : فلما رأيت ذلك جعلت ~~أجمعه بين يديه ، قال : فأقبل الغلام على عمله ، قال أنس : ما أزال أحب ~~الدباء بعد ما رأيت النبى عليه السلام صنع ما صنع . فى هذا الحديث حجة أن ~~للمضيف أن يقدم الطعام إلى ضيفه ولا يأكل منه ، ولايكون ذلك من سوء الأدب ~~بضيفه ولا إخلالا بإكرامه ، لأن ذلك صنع بحضرة النبى عليه السلام فلم ينه ~~عنه ، ولو كان من دنىء الأخلاق لنهى عنه لأنه بعث معلما ، ولا أعلم فى ~~الأكل مع الضيف وجها غير أنه أبسط لنفسه وأذهب لاحتشامه ، فمن قدر على ذلك ~~فهو أبلغ فى ms3370 بر الضيف ، ومن ترك ذلك فواسع إن شاء الله . وقد تقدم فى كتاب ~~ذكر حديث أبى بكر الصديق لامرأته أن تطعم أضيافه . PageV09P496 # | 33 - باب المرق # / 56 - فيه : أنس ، أن خياطا دعا النبى عليه السلام لطعام صنعه ، فذهبت ~~مع النبى عليه السلام فقرب خبز شعير ومرقا فيه دباء وقديد . . . . الحديث . ~~فيه أن السلف كانوا يأكلون الطعام الممرق ، وفى بعض الآحاديث : ( المرق أحد ~~اللحمين ) روى أبو عيسى الترمذى حدثنا الحسين بن على بن الأسود ، حدثنا ~~عمرو بن محمد العنقرى ، حدثنا إسرائيل ، عن صالح بن رستم أبى عامر الخزاز ، ~~عن أبى عمران الجونى ، عن عبد الله بن الصامت ، عن أبى ذر قال النبى - عليه ~~السلام : ( لا يحقرن أحدكم شيئا لحما أو طبخت قدرا فأكثر مرقته وأغرف لجارك ~~منه ) قال أبو عيسى : وهذا حديث صحيح ، وقد رواه شعبة عن أبى عمران الجونى ~~. وترجم لحديث أنس باب : القديد . / 57 - وفيه : عائشة ، ما فعله إلا فى ~~عام جاع الناس ، أراد أن يطعم الغنى الفقير ، وإن كنا لنرفع الكراع بعد خمس ~~عشرة . . . . الحديث . فيه : أن القديد كان من طعام النبى عليه السلام وسلف ~~الأمة ، وأما قول عائشة : ( ما فعله إلا فى عام جاع الناس ) تريد نهيه أن ~~يأكلوا من لحوم نسكهم فوق ثلاث من أجل الدافة التى كان بها الجهد فأطلق لهم ~~عليه السلام بعد زوال الجهد الأكل من الضحايا ما شاءوا ، ولذلك قالت : ( إن ~~كنا لنرفع الكراع بعد خمس عشرة ) PageV09P497 . # | 34 - باب : من ناول أو قدم إلى أصحابه على المائدة شيئا # وقال ابن المبارك : لا بأس أن يناول بعضهم بعضا ، ولا يناول من هذه ~~المائدة إلى أخرى . / 58 - فيه : أنس ، إن خياطا دعا النبى عليه السلام ~~لطعام ، فرأيت النبى عليه السلام يتتبع الدباء من حول الصحفة ، فجعلت أجمع ~~الدباء بين رسول الله - صلى الله عليه وسلم - . إنما جاز أن يناول بعضهم ~~بعضا من على مائدة واحدة لأن ذلك الطعام إنما قدم لهم بأعيانهم ليأكلوا فقد ~~صار من حقوقهم ، وهم فيه شركاء ، فمن ناول صاحبه مما بين ms3371 يديه فكأنه آثره ~~بنصيبه ومايجوز له أكله فمباح له ذلك ، وقد قال النبى عليه السلام لابن أم ~~سلمة : ( كل ما يليك ) فجعل ما يليه من المائدة حلالا له ، وأما من كان على ~~مائدة أخرى فلا حق له فى ذلك الطعام ولا شركة ، فلذلك كره العلماء أن يناول ~~رجل من كان على مائدة أخرى . * * * # | باب : الرطب بالقثاء # / 59 - فيه : عبدالله بن جعفر بن أبى طالب ، رأيت النبى عليه السلام يأكل ~~الرطب بالقثاء . / 60 - وفيه : أبو عثمان ، قال : تضيفت أبا هريرة سبعا ، ~~فكان هو وامرأته وخادمه يعتقبون الليل أثلاثا ، يصلى هذا ثم يوقظ هذا ، ~~وسمعته يقول : قسم النبى عليه السلام بين أصحابه تمرا ، فأصابنى سبع تمرات ~~إحداهن حشفة . PageV09P498 قال ابن المنذر : ومن لذيذ المطعم جمع الآكل بين ~~الشىء الحار والبارد فى الأكل ليعتلا كان النبى عليه السلام يأطل الرطب ~~بالقثاء ، وقد قال : ( كلوا البلح بالتمر ، فإن الشيطان يغضب ويقول : عاش ~~ابن آدم حتى أكل الجديد والخلق ) . # | 36 - باب الرطب التمر وقوله تعالى : { وهزى إليك بجذع النخلة تساقط ~~عليك رطبا جنيا } # / 61 - فيه : عائشة ، توفى النبى عليه السلام وقد شبعنا من الأسودين ~~التمر والماء . / 62 - وفيه : حديث جابر حين طاف النبى فى نخله وبرك فيها ~~وأكل من رطبها ، وقضى اليهودى كل ما عليه وبقى له مثل ما قضاه . . . وذكر ~~الحديث . الرطب والتمر من طيب ماخلق الله وأباحه لعباده فهو جل طعام أهل ~~الحجاز وعمدة أقواتهم ، وقد دعا إبراهيم عليه السلام لتمر مكة بالبركة ، ~~ودعا النبى عليه السلام لتمر المدينة بمثل ما دعا به إبراهيم لمكة ومثله ~~معه ، فلا تزال البركة فى تمرهم وثمارهم إلى قيام الساعة . PageV09P499 # | 37 - باب : أكل الجمار # / 63 - فيه : ابن عمر ، بينا نحن عند النبى عليه السلام إذا أتى بجمار ~~نخلة ، فقال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( إن من الشجر لما بركته كبركة ~~المسلم ، فظننت أنه يعنى النخلة . . . . ) الحديث . # | 38 - باب : العجوة # / 64 - فيه : سعد ، قال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( من تصبح كل يوم ~~سبع تمرات عجوة لم يضره ms3372 فى ذلك اليوم سم ولا سحر ) . قد تقدم فى كتاب الطب ~~. * * * # | 39 - باب : القران فى التمر # / 65 - فيه : جبلة بن سحيم ، أصابنا عام سنة مع ابن الزبير فرزقنا تمرا ، ~~فكان عبدالله يمر بنا ونحن نأكل ، فيقول : لا تقارنوا ، فإن النبى عليه ~~السلام نهى عن القران ، ثم يقول : إلا أن يستأذن الرجل أخاه . قد تقدم فى ~~كتاب الشركة . * * * PageV09P500 # | 40 - باب - جمع اللونين أو الطعامين بمرة # / 66 - فيه : عبدالله بن جعفر ، رأيت النبى عليه السلام يأكل الرطب ~~بالقثاء . قال المهلب : لا أعلم من نهى عن خلط الأدم ، إلا شيئا يروى عن ~~عمر ، ويمكن أن يكون ذلك من السرف ، والله أعلم . لأنه كان يمكن أن يأتدم ~~بأحدهما ويرفع الآخر إلى مرة أخرة ، ولم يحرم ذلك عمر لأن النبى عليه ~~السلام قد جمع بين إدامين وأكل الرطب بالقثاء وأكل القديد مع الدباء ، وقد ~~روى عن النبى عليه السلام مايبين هذا . روى عبد الله بن عمر القواريرى ~~حدثنا حمزة بن نجيح الرقاشى حدثنا سلمة ابن أبى حبيب عن أهل بيت رسول الله ~~( أن رسول الله نزل قباء ذات يوم وهو صائم ، فانتظر رجل يقال له أوس بن ~~خولى ، حتى إذا دنا إفطاره أتاه بقدح فيه لبن وعسل فناوله رسول الله عليه ~~السلام فذاقه ثم وضعه فى الأرض ثم قال : ياأوس بن خولى ما شرابك هذا ؟ قال ~~: لبن وعسل يارسول الله . قال : إنى لا أحرمه ، ولكنى أدعه تواضعا لله ، ~~فإنه من تواضع لله رفعه الله ، ومن تكبر قصمه الله ، ومن بذر أفقر الله ، ~~ومن اقتصد أغناه الله ، ومن ذكر الله أحبه الله ) . # | 41 - باب : من أدخل الضيفان عشرة عشرة والجلوس على الطعام عشرة عشرة # / 67 - فيه : أنس ، أن أمه أم سليم ، عمدت إلى مد من شعير جشته ، وجعلت ~~PageV09P501 منه خطيفة ، وعصرت عكة عندها ، ثم بعثتنى إلى النبى عليه ~~السلام فأتيته ، وهو فى أصحابه ، فدعوته ، قال : ( ومن معى ) ، قال : فجئت ~~، فقلت : إنه يقول ، ومن معى ، فخرج إليه أبو طلحة ، قال : يا رسول الله ~~إنما هو شىء صنعته ms3373 أم سليم ، فدخل فجىء به ، وقال : ( أدخل على عشرة ) ، ~~فدخلوا فأكلوا حتى شبعوا ، ثم قال : ( أدخل على عشرة ) ، فدخلوا فأكلوا حتى ~~شبعوا ، ثم قال : ( أدخل على عشرة ) ، حتى عد أربعين ، ثم أكل النبى - صلى ~~الله عليه وسلم - ، ثم قام ، فجعلت أنظر هل نقص منها شىء ؟ . فيه أن ~~الاجتماع على الطعام من أسباب البركة فيه ، وقد روى ( أن أصحاب النبى عليه ~~السلام قالوا : يا رسول الله إنا نأكل ولا نشبع . قال : فلعلكم تأكلون ~~وأنتم مفترقون ؟ قالوا : نعم . قال : فاجتمعوا على طعامكم واذكروا اسم الله ~~تعالى يبارك لكم ) رواه أبو داود ، قال : حدثنا إبراهيم بن موسى أخبرنا ~~الوليد بن مسلم حدثنا وحشى ابن حرب ، عن أبيه ، عن جده أن أصحاب النبى عليه ~~السلام قالوا . . . وإنما أدخلهم النبى عليه السلام عشرة عشرة - والله أعلم ~~- ولم يجمعهم كلهم على الأكل لأنها كانت قصعة واحدة فيها مد من شعير ~~ولايمكن مثل هذه الجماعو الكثيرة أن يقدروا على التناول من هذا المقدار ~~القليل ، فجعلهم عليه السلام عشرة عشرة ليتمكنوا من الأكل ، ولاؤذى بعضهم ~~بعضا فى التزاحم على الطعام ، وليس فى الحديث دليل أنه لايجوز أن يجلس على ~~مائدة أكثر من عشرة كما ظن من لم ينعم النظر فى ذلك لأن أصحاب النبى عليه ~~السلام قد أكلوا فى الولائم مجتمعين . وفيه علامة النبوة لأن الطعام كان ~~مدا PageV09P502 من شعير وأكل منه أربعون رجلا ببركة النبوة المعصومة ، ثم ~~أكل منه النبى بعد ذلك وبقى الطعام على حاله ، وهذا من أعظم البراهين وأكبر ~~المعجزات . وقال ابن السكيت : الخطيفة : الدقيق يذر على اللبن ثم يطبخ ~~فيلعقه الناس . # | 42 - باب : مايكره من أكل الثوم والبصل # فيه ابن عمر عن النبى عليه السلام / 68 - وفيه : أنس ، قيل له : ما سمعت ~~من النبى عليه السلام يقول فى الثوم ؟ فقال : ( من أكل فلا يقربن مسجدنا ) ~~. / 69 - وفيه : جابر ، قال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( من أكل ثوما ~~أو بصلا فليعتزلنا ، أو ليعتزل مسجدنا ) . وقد تقدمت هذا فى كتاب الصلاة . # | 43 - باب : الكباث وهو ورق ms3374 الأراك # / 70 - فيه : جابر ، كنا مع النبى - صلى الله عليه وسلم - بمر الظهران ~~نجنى الكباث ، فقال : ( عليكم بالأسود منه ، فإنه أيطب ) ، فقيل : أكنت ~~ترعى الغنم ؟ قال : ( نعم ، وهل من نبى إلا رعاها ) ؟ . الكباث ثمر الأراك ~~الغض منه خاصة ، والبرير ثمر الأراك PageV09P503 الرطب منه واليابس ، وكان ~~هذا فى أول الإسلام عند عدم الأقوات ؛ فإذا قد أغنى الله عباده بالحنطة ~~والحبوب الكثيرة وسعة الرزق فلا حاجة بهم إلى ثمر الأراك . وقوله : ( أيطب ~~) بمعنى أطيب وهما لغتان بمعنى واحد ، ذكره أهل اللغة كما يقال : جذب وجبذ ~~. # | 44 - باب : المضمضة بعد الطعام # / 71 - فيه : سويد بن النعمان ، خرجنا مع النبى - صلى الله عليه وسلم - ~~إلى خيبر ، فلما كنا بالصهباء دعا بطعام ، فما أتى إلا بسويق ، فأكلنا ، ~~فقام إلى الصلاة ، فتمضمض ومضمضنا . المضمضة بعد الطعام سنة مؤكدة ، وكان ~~النبى عليه السلام يواظب على فعل ذلك ويحض أمته على تنظيف أفواههم وتطيبها ~~لأنها طرق القرآن ، ولذلك قال أبو هريرة : ( لولا أن يشق على أمته لأمرهم ~~بالسواك عند كل صلاة ) . فالمضمضة بالماء بعد الطعام من أجل الصلاة ومن أجل ~~مباشرة كلام الناس أيضا تغنى عن السواك ، ولا شىء أنظف من الماء ، وبه أمر ~~الله أن يطهر كل شىء . وقد روى عن النبى فى وضوء اليدين قبل الطعام وبعده ~~بركة . رواه أبو داود حدثنا موسى بن اسماعيل حدثنا قيس ، عن أبى هاشم ، عن ~~زاذان ، عن سليمان عن النبى - صلى الله عليه وسلم - . قال ابن المنذر : ~~وليس ذلك بواجب لأن النبى عليه السلام قد أكل لما خرج من البراز قبل أن ~~يغسل يديه . رواه أبو داود PageV09P504 من حيدث ابن أبي مليكة عن ابن عباس ~~، وأنكر مالك غسل اليدين قبل الطعام ، وقال إنه من فعل الأعاجم ، وبه قال ~~الثورى . وقال البهرى : لا نحفظ ذلك عن النبى ولا عن أصحابه . # | 45 - باب : لعق الأصابع ومصها قبل أن تمسح بالمنديل # / 72 - فيه : ابن عباس ، أن النبى - صلى الله عليه وسلم - ، قال : ( إذا ~~أكل أحدكم ، فلا يمسح يده حتى يلعقها ، أو يلعقها ) . قد ms3375 جاء معنى هذا ~~الحديث فى حديث آخر ، روى ابن وهب عن عياض بن عبد الله القرشى وابن لهيعة ، ~~عن أبى الزبير ، عن جابر قال : قال رسول الله : ( لا يمسح أحدكم يده ~~بالمنديل حتى يلعق أصابعه ، فإنه لايدرى فى أى الطعام يبارك له فيه ) . قال ~~ابن المنذر : فى حديث ابن عباس إباحة مسح اليد بالمنديل ، وترجم له أبو ~~داود باب المنديل بعد الطعام . # | 46 - باب : المنديل # / 73 - فيه : جابر ، أنه سئل عن الوضوء مما مست النار ، فقال : لا ، قد ~~كنا زمان النبى عليه السلام لا نجد مثل ذلك من الطعام إلا قليلا ، فإذا نحن ~~وجدناه لم يكن لنا مناديل إلا أكفنا وسواعدنا وأقدامنا ، ثم نصلى ولا نتوضأ ~~. قال ابن وهب : سئل مالك عن الحديث الذى جاء من باب فى يده غمر فلا يلومن ~~إلا نفسه . فقال مالك : لا أعرف هذا الحديث ، وقد سمعت أنه كان يقال : ~~PageV09P505 منديل عمر بطن قدميه ، وما كان هذا إلا شيئا حديثا ، والحديث ~~الذى لم يعرفه مالك رواه أبو داود قال : حدثنا أحمد بن يونس حدثنا زهير ~~حدثنا سهيل بن أبى صالح ، عن أبيه ، عن أبى هريرة قال : قال رسول الله : ( ~~من نام وفى يده غمر لم يغسله فأصابه شىء فلا يلومن إلا نفسه ) . ورواه ~~الأعمش عن أبى صالح عن أبى هريرة . وقيل لمالك : أيغسل يده بالدقيق ؟ قال : ~~غيره أعجب إلى منه ، ولو فعل لم أر به بأسا ، قد تمندل عمر بباطن قدمه . ~~وروى ابن وهب فى الجلباب وشبه ذلك : أنه لابأس أن يتوضأ به ، ويتلك به فى ~~الحمام ، وقد يدهن جسده بالزيت والسمن من الشقاق ، وروى أنه سئل عن الوضوء ~~بالدقيق والنخالة والفول قال : لا علم به ، ولم يتوضأ به ؟ إن أعياه شىء ~~فليتوضأ بالتراب . # | 47 - باب : ما يقول إذا فرغ من طعامه # / 74 - فيه : أبو أمامة ، أن النبى عليه السلام كان إذا رفع مائدته ، قال ~~: ( الحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه ، غير مكفى ولا مودع ولا مستغنى ~~عنه ربنا ) . / 75 - قال أبو أمامة مرة ms3376 : كان النبى عليه السلام إذا فرغ من ~~طعامه ، قال : الحمد لله الذى كفانا ، وأروانا غير مكفى ولا مكفور . وقال ~~مرة : ( لك الحمد ربنا غير مكفى ، ولا مودع ولا مستغنى عنه ) . PageV09P506 ~~أهل العلم يستحبون حمد الله عند تمام الأكل والأخذ بهذا الحديث وشبهه ، فقد ~~روى عن النبى عليه السلام فى ذلك أنواع من الحمد والشكر كان يقول إذا فرغ ~~من طعامه ، وقد روى عنه عليه السلام أنه قال : ( من سمى الله على أول طعامه ~~وحمده إذا فرغ منه لم يسئل عن نعيمه ) . وقوله : ( غير مكفى ) يحتمل أن ~~يكون من قولهم : كفأت اإناء فيكون معناه : غير مردود عليه إنعامه وإفضاله ~~إذا فضل الطعام على الشبع ، فكأنه قال : ليست تلك الفضيلة مردودة ولامهجروة ~~، ويحتمل أن يكون معناه أن الله غير مكفى رزق عباده ، أى ليس أحد يرزقهم ~~غيره ، الا ترى أن فى بعض الأسانيد مستغنى عنه ربنا ، فيكون هو قد كفى ~~رزقهم ، والله أعلم . * * * # | 48 - باب : الأكل مع الخادم # / 76 - فيه : أبو هريرة ، قال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( إذا أتى ~~أحدكم خادمه بطعامه ، فإن لم يجلسه معه ، فليناوله أكلة أو أكلتين ، أو ~~لقمة أو لقمتين ، فإنه ولى حره وعلاجه ) . الأكل مع الخادم من التواضع ~~والتذلل وترك التكبر ، وذلك من آداب المؤمنين وأخلاق المرسلين ، وقد تقدم ~~فى كتاب العتق . # | 49 - باب : الطاعم الشاكر مثل الصائم الصابر # والرجل يدعى إلى الطعام فيقول : وهذا معي . PageV09P507 وقال أنس : إذا ~~دخلت على مسلم لا يتهم ، فكل من طعامه واشرب من شرابه . / 77 - فيه : أبو ~~مسعود ، قال : أن أبا شعيب كان له غلام ، فأتى النبى - صلى الله عليه وسلم ~~- وهو فى أصحابه ، فعرف الجوع فى وجهه ، ، فقال لغلامه : اصنع لنا طعاما ~~يكفى خمسة لعلى أدعو فأتاهم ، فتبعهم رجل ، فقال النبى - صلى الله عليه ~~وسلم - : ( إن شئت أذنت له . . . . ) الحديث . قال المؤلف : لم يذكر ~~البخارى حديثا فى الطاعم الشاكر ، وذكر ابن المنذر قال فى حديث سنان بن سنة ~~أن النبى عليه السلام قال : ( الطاعم الشاكر له مثل أجر الصائم ms3377 الصابر ) ~~ورواه عبد الرزاق عن معمر ، عن رجل من غفار أنه سمع سعيد المقبرى يحدث عن ~~أبى هريرة عن النبى - صلى الله عليه وسلم - . وهذا من عظيم تفضل الله على ~~عباده ، أن جعل للطاعم إذا شكر لله على طعامه وشرباه ثواب الصائم الصابر . ~~ومعنى الحديث - والله أعلم - التنبيه على لزوم الشكر لله تعالى على جميع ~~نعمه ، صغيرها وكبيرها ، فكما الحق عليه السلام الطاعم الشاكر بالصائم ~~الصابر فى الثواب ، دل على أنه تعالى كذلك يفعل فى شكر سائر النعم ؛ لأنها ~~كلها من عند الله تعالى لاصنع فى شىء منها للمخلوقين فهو المبتدىء بها ~~والمللهم للشكر عليها والمثيب على ذلك ، فينبغى للمؤمن لزوم الشكر لربه فى ~~جميع حركاته وسكونه وعند كل نفس وكل طرفة ، وليعلم العبد تحت ماهو من نعم ~~مولاه ولايفتر لسانه عن شكرها ، فتستديم النعم والعافية ، لقوله تعالى : ( ~~لئن شكرتم لأزيدنكم ) وروى معمر عن قتادة والحسن ، قالا : PageV09P508 ( ~~عرضت على آدم ذريته فرأى فضل بعضهم على بعض فقال : أى رب ، هلا سويت بينهم ~~؛ فقال : إنى أحب أن أشكر ) . فإن قال قائل : فهل يسمى الحامد لله على نعمة ~~شاكرا ؟ قيل : نعم ؛ روى معمر ، عن قتادة ، عن ابن عمر أن النبى عليه ~~السلام قال : ( الحمد رأس الشكر ، وماشكر الله عبد لا يحمده ) . وقال الحسن ~~: ما أنعم الله على عبد نعمة فحمد الله عليها ؛ إلا كان حمده أعظم منها ~~كائنة ماكانت . وقال النخعى : شكر الطعام أن تسمى إذا أكلت ، وتحمد إذا ~~فرغت . وقد تقدم فى البيوع فى باب مايل فى اللحام والجزار # | 50 - باب : إذا حضر العشاء فلا يعجل عن عشائه # وقد تقدم فى كتاب الصلاة . * * * # | 51 - باب : قوله تعالى : ( فإذا طعمتم فانتشروا ) # / 78 - فيه : أنس ، قال : أنا أعلم الناس بالحجاب . . . وذكر الحديث . ~~وجلوس الرجال فى بيته عليه السلام بعد ما طعموا ، وبعد قيامه ورجوعه ثلاث ~~مرات إلى آخر الحديث . قال المؤلف : بين الله تعالى فى آخر هذه الآية معنى ~~هذا الحديث وذلك قوله تعالى : ( إن ذلكم كان يؤذى النبى فيستحى منكم والله ~~لا ms3378 يستحيي من الحق ) . PageV09P509 وأذى النبي حرام على جميع أمته وكذلك ~~أذى المؤمنين بعضهم لبعض حرام . وفيه من الفقه أن من أطال الجلوس فى بيت ~~غيره حتى أضر بصاحب المنزل أنه مباح له أن يقوم عنه أو يخبره أن له حاجة ~~إلى قيامه لكى يقوم وليس ذلك من سوء الأدب ، وقد تقدم هذا فى كتاب ~~الإستئذان فى باب من قام من مجلسه ولم يستأذن وتهيأ للقيام ليقوم الناس . * ~~* * PageV09P510 # | 71 - كتاب التعبير # # | باب : أول ما بدئ به الرسول - عليه السلام - من الوحى الرؤيا الصالحة # / 1 - فيه : عائشة ، قالت : أول ما بدئ به رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - من الوحي الرؤيا الصادقة في النوم ، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل ~~فلق الصبح . . . وذكر الحديث بطوله . قال المهلب : الرؤيا الصالحة الصادقة ~~قد يراها الرجل المسلم والكافر والناس كلهم ، إلا أن ذلك يقع لهم فى النادر ~~والوقت دون الأوقات ، وخص النبى عليه السلام بعموم صدق رؤياه كلها ، ومنع ~~الشيطان أن يتمثل فى صورته لئلا يتسور بالكذب على لسانه عليه السلام فى ~~النوم ، والرؤيا جزء من أجزاء الوحى ، فإن قيل : فإن الشيطان قد تسور عليه ~~فى اليقظة وألقى فى أمنيته عليه السلام . قيل : ذلك التسور لم يستتم ؛ بل ~~تلاقاه الله فى الوقت بالنسخ وأحكم آياته ، وكانت فائدة تسوره إبقاء دليل ~~البشرية عليه لئلا يغلو مغلون فيه ، فيعبدونه من دون الله كما فعل بعيسى ~~وعزير . فإن قيل : كيف يمنع الشيطان أن يتصور بصورة النبى فى المنام وأطلق ~~له أن يتمثل ويدعى أنا البارى تعالى والصورة لاتجوز على البارى ؟ قيل له : ~~إنما منع أن يتصور فى صورة النبى الذى هو صورة فى الحقيقة دلالة للعلم ~~وعلامة على صحة الرؤيا من PageV09P511 ضغثها وأطلق له أن يتصور على ماليس ~~بصورة على ماليس بصورة ، ولايجوز عليه دلالة للعلم أيضا وسببا إليه ؛ لأنه ~~قد تقرر فى نفوس البشر أنه لايجوز التجسم على البارى - تعالى فجاز أن يجعل ~~لنا هذا الوهم فى النوم دليل على علم ما لاسبيل إلى معرفته إلا ms3379 من طريق ~~التمثيل فى البارى - تعالى ، مرة ، وفى سائر الأرباب والسلاطين مرة . وكذلك ~~قال أبو بكر بن الطيب الباقلانى : إن رؤية البارى فى النوم أوهام وخواطر فى ~~القلب فى أمثال لاتليق به فى الحقيقة وتعالى سبحانه عنها دلالة للرائى على ~~أمر كان أو يكون مسائر المرئيات . وهذا كلام حسن ؛ لأنه لما كان خرق العادة ~~دلالا على صحة العلم فى اليقظة للأنبياء يهد بها الخلق ، جعل خرق العادة ~~الجارية على النبى يتصور الشيطان على مثاله بالمنع من ذلك دليلا على صحة ~~العلم . فإن قيل : كان يجب أن تكون الرؤيا إذا رأى فيها البارى صادقة أبدا ~~كما كانت الرؤيا التى رأى فيها النبى عليه السلام فالجواب أنه لما كان الله ~~تعالى قد يعبر به فى النوم علس سائر السلاطين لأنه سلطان السلاطين ويعبر له ~~على الاباء والسادة والمالكين ، ووجدنا سائر السلاطين يجوز عليهم الصدق ~~والكذب فأبقيت رؤياهم على العادة فيهم . ووجدنا النبيين لا يجوز الكذب على ~~أحد منهم ، ولا على شىء من حالهم فابقيت حال النبوة فى النوم على ماهى عليه ~~فى اليقظة من الصدق برؤية النبى ، وإذا قام الدليل عند العابر على الرؤيا ~~التى يرى فيها البارى لايراد به غيره لم يجز فى تلك الرؤيا التى قام فيها ~~دليل الحق على الله كذبا أصلا ، لا في PageV09P512 مقال ولا فى فعال ، ~~فتشابهت الرؤيا من حيث اتفقت فى معنى الصدق ، واختلفت من حيث جاز غير ذلك ، ~~وهذا مالاذهاب عنه . وقوله : ( فسكن لذلك جاشة ) قال صاحب العين : الجأش : ~~النفس . # | باب : رؤيا الصالحين # وقوله تعالى : { لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق } الآية / 2 - فيه : ~~أنس ، أن النبى - صلى الله عليه وسلم - قال : ( الرؤيا الحسنة من الرجل ~~الصالح جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة ) . قال المهلب : ( الرؤيا ~~الحسنة من الرجل الصالح ) إنما يريد عامة رؤيا الصالحين ، وهى التى يرجى ~~صدقها ؛ لأنه قد يجوز على الصالحين الأضغاث فى رؤياهم ؛ لكن لما كان الأغلب ~~عليهم الخير والصدق وقلة تحكم الشيطان عليهم فى النوم أيضا ، لما جعل الله ms3380 ~~فيهم من الصلاح ، وبقى سائر الناس غير الصالحين تحت تحكم الشيطان عليهم فى ~~النوم ؛ مثل تحكمه عليهم فى اليقظة فى ألب أمورهم ، وإن كان قد يجوز منهم ~~الصدق فى اليقظة فكذلك يجوز فى رؤياهم صدق أيضا . # | باب الرؤيا من الله # / 3 - فيه : أبو قتادة ، قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : ( الرؤيا ~~الصادقة من الله والحلم من الشيطان ) . PageV09P513 / 4 - وفيه : أبو سعيد ~~، أنه سمع النبى ، عليه السلام ، يقول : ( إذا رأى أحدكم رؤيا يحبها ، ~~فإنما هى من الله ، فليحمد الله عليها ، وليحدث بها ، وإذا رأى غير ذلك مما ~~يكره فإنما هى من الشيطان ، فليستعذ من شرها ، ولا يذكرها لأحد فإنها لا ~~تضره ) . فإن قال قائل : مامعنى قوله - صلى الله عليه وسلم - : ( الرؤيا من ~~الله والحلم من الشيطان ) وقد تقرر أنه لا خالق والشر غير الله ، وأن كل ~~شىء بقدره وخلقه ؟ . قال المهلب : فالجواب أن النبى عليه السلام سمى ريا من ~~خلص من الأضغاث وكان صادقا تأويله موافقا لما فى اللح الحفوظ ، فحسنت ~~إضافته إلى الله ، وسمى الريا الكاذبة التى هى من حيز الأضغاث حلما وأضافها ~~إلى الشيطان ؛ إذ كانت مخلوقة على شاكلة الشيطان وطبعه ، وليعلم الناس ~~مكائدة فلا يحزنزن لها ولايتعذبون بها ، وإنما سميت ضغثا لأن فيها اشياء ~~متضادة . قال غيره : والدليل على أنه لايضاف إلى الله تعالى إلا الشىء ~~الطيب الطاهر قوله تعالى : ( إن عبادى ليس لك عليهم سلطان ) فأضافهم إلى ~~نفسه لأنهم أولياؤه ومعلوم أن غير أوليائه عباد الله أيضا ، وقال تعالى : ( ~~فإذا نفخت فيه من روحى ) ، ( وطهر بيتى للطائفين ) وقال تعالى : ( والذين ~~كفروا أولياؤهم الطاغوت ) ، فأضافهم إلى ما هم أهله وإن كان الكل خلقه ~~وعبيده ( وما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها ) قال المهلب : وإن كان المحزن ~~من الأحلام مضافا إلى الشيطان فى الأغلب وقد يكون المحزن فى النادر من الله ~~تعالى لكن لحكمة PageV09P514 بالغه ، وهو أن ينذر بوقوع المحزن من الأحلام ~~بالصبر لوقوع ذلك الشىء لئلا يقع على غرة فيقتل ، فإذا وقع على مقدمة ~~وتوطين نفس كان أقوى ms3381 النفوس وأبعد لها من أذى البغثة ، وقال ( فإنها لا ~~تضره ) يعنى بها ماكان من قبل الشيطان جعل الله الاستعاذةمنها مما يدفع به ~~أذاها ، ألا ترى قول أبى قتادة : ( إن كنت لأرى الرؤيا هى أثقل على من ~~الجبل فلما سمعت بهذا الحديث كنت لاأعدها شيئا ) . وروى قتادة ، عن ابن ~~سيرين ، عن أبى هريرة ، عن النبى عليه السلام فى هذا الحديث : ( فمن رأى ~~منكم مايكره فليقم ويصلى ) . # | باب الرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة # / 5 - فيه : عبادة ، قال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( رؤيا المؤمن ~~جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة ) . ورواه أنس ، وأبو هريرة ، وأبو سعيد ~~، عن النبى . ذكر الطبرى فى تهذيب الآثار أحاديث كثيرة مخالفة لحديث هذا ~~الباب فى الأجزاء ، منها حديث ابن عباس : ( أن الرؤيا جزء من أربعين جزءا ~~من النبوة ) وحديث عبد الله بن عمرو : ( أنها جزء من تسعة وأربعين جزءا من ~~النبوة ) وحديث العباس : ( جزء من خمسين جزءا من النبوة ) وحديث ابن عمر ~~وابن عباس وأبى هريرة : ( جزء من سبعين جزءا من النبوة ) . قال الطبرى : ~~والصواب أن يقال إن عامة هذه الأحاديث أو أكثرها صحاح ، ولكل حديث منها ~~مخرج معقول . فأما قوله : ( من PageV09P515 سبعين جزءا من النبوة ) . فإن ~~ذلك قول عام فى كل رؤيا صالحة صادقة لكل مسلم رآها فى منامه على أى أحواله ~~كان . وهذا قول ابن مسعود وأبى هريرة والنخعى أن الرؤيا جزء من سبعين جزءا ~~من النبوة . وأما قوله أنها جزء من اربعين أو ستة وأربعين فإنه يريد بذلك ~~ماكان صاحبها بالحال التى ذكر عن الصديق - رضى الله عنه - أنه يكون بها . ~~روى ابن وهب عن عمرو بن الحارث أن بكر بن سوادة حدثه أن زياد بن نعيم حدثه ~~أن أبا بكر الصديق كان يقول : لأن يرى الرجل المسلم يسبغ الوضوء رؤيا صالحة ~~أحب إلى من كذا وكذا . قال الطبرى : فمن كان من أهل إسباغ الوضوء فى ~~السبرات والصبر فى الله على المكروهات وانتظار الصلاة بعد الصلاة فرؤيا ~~الصالحة إن ms3382 شاء الله جزء من أربعين جزءا من النبوة ، ومن كانت حالة فى ذاته ~~بين ذلك فروياه الصادقة بين الجزء من الأربعين إلى السبعين لاينتقص عن ~~سبعين ولايزاد على الأربعين . قال المؤلف : أصح ما فى هذا الباب أحاديث ~~الستة وأربعين جزءا ويتلوها فى الصحة حديث السبعين جزءا ، ولم يذكر مسلم فى ~~كتابه غير هذين الحدثين ، فأما حديث السبعين جزءا فرواه عن أبو بكر ابن أبى ~~شيبة ، عن أبى أسامة ، عن عبيد الله ، عن نافع ، عن ابن عمر ، عن النبى ~~عليه السلام ورواه ابن نمير ويحى بن سعيد ، عن عبيد الله ، عن نافع ، عن ~~ابن عمر ، ورواه الليث أيضا عن نافع ، عن ابن عمر وأما سائرها فهى من ~~أحاديث الشيوخ . PageV09P516 السبعين جزءا وحديث الستة واربعين جزءا ، وهذا ~~تعارض ولايجوز النسخ فى الأخبار ؟ فالجواب : أنه يجب أن نعلم مامعنى كون ~~الرؤيا جزءا من أجزاء النبوة فلو كانت جزءا من الف جزء منها لكان ذلك كثيرا ~~. فنقول وبالله التوفيق : إن لفظ النبوة مأخوذ من النبأ والإنباء ، وهو ~~الإعلام فى اللغة والمعنى أن الرؤيا إنباء صادق من الله ، لاكذب فيه كما أن ~~معنى النبوة الإنباء الصادق من الله الذى لايجوز عليه الكذب فتشاهبهت الؤيا ~~النبوة فى صدق الخبر عن الغيب . فإن قيل : فما معى اختلاف الأجزاء فى ذلك ~~فى القلة والكثرة ؟ قيل : وجدنا الرؤيا تنقسم قسمين لا ثالث لهما ، وهو أن ~~يرى الرجل رؤيا جلية ظاهرة التأويل مثل من رأى أنه يعطى شيئا فى المنام ~~فيعطى مثله بعينه فى اليقظة ، وهذا الضرب من الرؤيا لا إغراق فى تأويلها ~~ولا رمز فى تعبيرها ، والقسم الثانى مايراه من المنامات المرموزة البعيدة ~~المرام فى التأويل وهذا الضرب يعسر تأويله إلا الحذاق بالتعبير لبعد ضرب ~~المثل فيه ، فيمكن أن يكون هذا القسم من السبعين جزءا كانت الرؤيا أقرب إلى ~~النبأ الصادق ، وآمن من وقوع الغلط فى تأويلها ، وإذا كثرت الأجزاء بعدت ~~بمقدار ذلك وخفى تأويلها ، والله أعلم بما أراد نبيه - صلى الله عليه وسلم ~~- . وقد عرضت هذا القول على ms3383 جماعة من أصحابى ممن وثقت بدينة وفهمه فحسنوه ~~وزادنى فيه بعضهم مرة ، وقال لى : الدليل على صحته أن النبوة على مثل هذه ~~الصفة تلقاها نبينا عليه السلام PageV09P517 جبريل بالوحى فيكلمه بكلام ~~فيعيه بغير مؤمنة ولا مشة ، ومرة يلقى إليه جملا وجوامع يشتد عليه فكها ~~وتبيينها ، حتى تأخذه الرحضاء ويتحدر منه العرق مثل الجمان فى اليوم الشديد ~~البرد ، ثم يعينه الله على تبيين ماألقى إليه من الوحى ، فلما كان تلقيه ~~عليه السلام للنبوة المعصومة بهذه الصفة كان تلقى المؤمن من عند الملك ~~الآتى بها من أم الكتاب بهذه الصفة ، والله أعلم . وفيه : تأويل ذكره أبو ~~سعيد السفسقى عن بعض أهل العلم قال معنى قوله : ( جزء من ستة وأربعين جزءا ~~من النبوة ) . فإن الله تعالى - أوحى إلى محمد عليه السلام فى الرؤيا ستة ~~أشهر ، ثم بعد ذلك أوحى إليه بإعلام باقى عمره ، وكان عمره فى النبوة ثلاثة ~~وعشرين عاما فيما رواه عكرمة وعمرو بن دينار ، عن ابن عباس ، فإذا نسبنا ~~ستة أشهر من ثلاثة وعشرين عاما وجدنا ذلك من ستة وأربعين . وهذا التأويل ~~يفسد من وجهين : أحدهما : أنه قد اختلف فى مدة النبى - صلى الله عليه وسلم ~~- ، فقيل : إنها كانت عشرين عاما . رواه أبو سلمة عن ابن عباس وعائشة ، ~~والوجه الثانى : أنه يبقى حديث السبعين جزءا بغير معنى . # | باب : المبشرات # / 6 - فيه : أبو هريرة ، قال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( لم يبق من ~~النبوة إلا المبشرات ) ، قالوا : وما المبشرات ؟ قال : ( الرؤيا الصالحة ) ~~. قال المؤلف : وذكر ابن أبى شيبة بإسناده عن أبى الدرداء : ( أنه سأل ~~النبى عليه السلام عن قوله تعالى : { لهم البشرى في الحياة الدنيا } . ~~PageV09P518 قال : هي الرؤيا الصالحة يراها المسلم أو ترى له ، وفى الآخرة ~~الجنة ) . روى مثله عن ابن عباس وعروة ومجاهد . قال المهلب : وحديث أبى ~~هريرة خرج لفظه على العموم ، ومعناه الخصوص ؛ وذلك أن المبشرات هى الرؤيا ~~الصادقة من الله التى تسر رأئيها وقد تكون صادقة منذرة من الله تعالى لاتسر ~~رأئيهايريها الله المؤمن رفقا به ورحمة له ؛ ليستعد ms3384 لنزول البلاء قبل وقوعه ~~فقوله : ( لم يبق بعدى إلا المبشرات ) خرج على الأغلب من حال الرؤيا ، وقد ~~قال محمد بن واسع : الرؤيا بشرى للمؤمن ، ولا تغره . قال الطبري : فإن قال ~~قائل : فإن كانت كل رؤيا حسنة وحى من الله وبشرى للمؤمنين ، فما باله يرى ~~الرؤيا الحسنة أحيانا ، ولايجد لها حقيقة فى اليقظة ؟ فالجواب : أن الرؤيا ~~مختلفة الأسباب فمنها من وسوسة وتخزين للمؤمن ، ومنها من حديث النفس فى ~~اليقظة فيراه فى نومه ، ومنها ماهو وحى من الله ، فما كان من حديث النفس ~~ووسوسة الشيطان فإنه الذى يكذب ، وماكان من قبل الله فإنه لا يكذب . وبنحو ~~هذا ورد الخبر عن النبى عليه السلام وروى ابن وهب ، عن جرير بن حازم ، عن ~~أبيه ، عن أيوب وهشام ، عن ابن سيرين ، عن أبى هريرة قال : قال رسول الله : ~~( الرؤيا ثلاث : رؤيا بشرى من الله ، ورؤيا مما يحدث به الرجل نفسه ، ورؤيا ~~تخزين من الشيطان ) . PageV09P519 # | باب : رؤيا يوسف عليه السلام # وقوله تعالى : { إذ قال يوسف لأبيه يا أبت إنى رأيت أحد عشر كوكبا } ~~الآية [ يوسف : 4 ] ، وقوله : { يا أبت هذا تأويل رؤياى من قبل } إلى { ~~بالصالحين } [ يوسف : 100 ] . قال المؤلف : رؤيا يوسف حق ووحى من الله ~~كرؤيا سائر الأنبياء ، ألا ترى قول يوسف لأبيه يعقوب : ( يا أبت هذا تأويل ~~رؤياى من قبل قد جعلها ربى حقا ) . وقول بعقوب ليوسف : ( لا تقصص رؤياك على ~~إخواتك فيكيدوا لك كيدا ) قال له ذلك علم من تأويل الرؤيا فخاف أن يحسدوه ، ~~وكان تبين له الحسد منهم له ، وهذا أصل أن لاتقص الرؤيا على غير شفيق ~~ولاناصح ، ولاتقص على من لا يحسن التأويل . PageV09P520 # | باب : رؤيا إبراهيم عليه السلام # وقوله تعالى : { فلما بلغ معه السعى } الآيات وقال مجاهد : { أسلما } : ~~سلما لأمرا الله ، { وتله } وضع وجهه بالأرض . قال المهلب : هذا دليل أن ~~رؤيا الأنبياء وحى لايجوز فيها الضغث لأ ، إبراهيم عليه السلام حكم بصدقها ~~، ولم يشك أنها من عند الله فسهل عليه ذبح ابنه والتقرب به إلى الله ، ~~وكذلك فعل إسحاق حين أعلمه ms3385 أبوه إبراهيم برؤياه ، فسلم لحكم الله ورضى ~~وانقاد له وفوض أمره إلى الله فقال : ( يا أبت افعل ماتؤمر ستجدنى إن شاء ~~الله من الصابرين ) بهذه الآية استدل ابن عباس على أن رؤيا الأنبياء وحى . # | باب : التواطؤ على الرؤيا # / 7 - فيه : ابن عمر ، أن أناسا أروا ليلة القدر فى السبع الأواخر ، وأن ~~أناسا أروا أنها فى العشر الأواخر ، فقال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( ~~التمسوها فى السبع الأواخر ) . قال المهلب : فيه الحكم على صحة الرؤيا ~~بتوطئها وتكريرها ، وهذا أصل فى ذلك يجب لنا أن نحكم به إذا ترادفت الريا ~~وتواطأت بالصحة ؛ كما حكم النبي - عليه السلام - . PageV09P521 # | باب : رؤيا أهل السجن وأهل الفساد والشرك لقوله تعالى : { ودخل معه ~~السجن } إلى : { يعصرون } # / 8 - فيه : أبو هريرة ، قال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( لو لبثت ~~فى السجن ما لبث يوسف ، ثم أتانى الداعى لأجبته ) . قال المهلب : إنما ترجم ~~بهذا لجواز أن يكون فى ريا أهل الشرك رؤيا صادقة كما كانت رؤية الفتيين ~~صادقة إلا أنه لايجوز أن تضاف إلى النبوة إضافة رؤيا المؤمن إلى النبوة فى ~~التجزئة لقوله - صلى الله عليه وسلم - : ( الرؤيا الحسنة يراها العبد ~~الصالح أو ترى له جزء له ستة وأربعين جزءا من النبوة ) . فدل هذا أنه ليس ~~كل ما يصح له تأويل من الرؤيا وله حقيقة يكون جزءا من ستة واربعين جزءا من ~~النبوة ، قال أبو الحسن بن أبى طالب : وفى صدق رؤيا الفتين حجة على من زعم ~~أن الكافر لايرى رؤيا صادقة . فإن قيل : فإذا رأى الكافر رؤيا صادقة فما ~~مزيه المؤمن عليه فى رؤياه ، ومعنى خصوصه عليه السلام المؤمن بالرؤيا ~~الصادق فى قوله : ( يراها الرجل الصالح أو ترى له ) ؟ . فالجواب : أن لمنام ~~المؤمن مزية على منام الكافر فى إنباء والإعلام والفضل والإكرام ، وذلك أن ~~المؤمن يجوز أن يبشر على إحسانه وينبأ بقبول أعماله ويحذر من ذنب عمله ~~ويردع من سوء قد أمله ، ويجوز أن يبشر بنعيم الدنيا وينبأ ببؤسها ، والكافر ~~فإن جاز أن يحذر ويتوعد على كفره فليس ms3386 عنده ما عند المؤمن من الأعمال ~~الموجبة لثواب الآخرة وكل مابشر به الكافر من حالة وغبط به من أعماله ، ~~فذلك PageV09P522 غرور من عدوه ولطف من مكائده فنقص لذلك حظه من الرؤيا ~~الصادقة عن حظ المؤمن لأن النبى عليه السلام حين قال : ( رؤيا المؤمن ورؤيا ~~الصالح جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة ) لم يذكر فى ذلك كافرا ~~ولامبتدعا فأخرجنا لذلك مايراه الكافر من هذه التقدير والتجزئة لما فى ~~الأخبار من صريح الشرط لرؤيا المؤمن ، وأدخلنا ما يراه الكافر من صالح ~~الرؤيا فى خبره المطلق عليه السلام : ( الرؤيا من منامات الكفار فهى من ~~الله ) ، ولم نقل كذا وكذا من النبوة لاسيما أن الشعرى وابن الطيب يريان أن ~~جميع مايرى فى المنام من حق أو باطل خلق لله فما كان منه صادقا خلقه بحضور ~~الملك ، وما كان باطلا خلقه بحضور الشيطان ، فيضاف بذلك إليه . فإن قال : ~~يجوز أن نسمى مايراه الكافر صالحا ؟ قيل له : نعم وبشارة أيضا كانت الرؤيا ~~له أو لغيره من المؤمنين لقوله عليه السلام : ( الرؤيا الصالحة يراها الرجل ~~أو ترى له ) . فاحتمل هذا الكلام أن يراها الكافر لغيره من المؤمنين وهو ~~صالح للمؤمنين ، كما أن يراه الكافر ممايدل على هدايته وإيمانه فهو صالح له ~~فى عاقبته ، وذلك حجة الله عليه وزجر له فى منامه ، وقد خرج البخارى فى بعض ~~طرق حديث عائشة ( أول ما بدئ به رسول الله من الوحى الرؤيا الصالحة ) أنها ~~الصادقة ؛ لأنها صالح مايرى فى المنام من PageV09P523 الأضغاث ، وأباطيل ~~الأحلام ، وكما أنبأ الله الكفار فى اليقظة بالرسل وبالمؤمنين من عباده دون ~~المشركين من أعدائه قامت الحجة على المشركين بذلك إلى يوم الدين فكذلك يجوز ~~إنباؤهم فى المنام بما يكون حجة عليهم أيضا . قال المهلب : وقوله : ( لو ~~لثبت فى السجن ما لبث يوسف ثم أتانى الداعى لأجبته ) . هذا من تواضعه عليه ~~السلام لئلا يغلى فى مدحه فقال عليه السلام : ( لا تطرونى كما أطرت النصارى ~~المسيح وقولوا عبد الله ورسوله ) ( أنا سيد ولد آدم ولا فخر ) لكن فى ms3387 حكم ~~الأدب إذا ذكر الأنبياء والرسل أن يتواضع . وفيه : الترفيع لشأن يوسف لأنه ~~حين دعى للإطلاق من السجن قال : ارجع إلى ربك . ولم يرد الخروج منه إلا بعد ~~أن تقر امرأة العزيز على نفسها أنها راودته عن نفسه فأقرت وصدقته ، وقالت : ~~أنا راودته عن نفسه وإنه لمن الصادقين ، فخرج حينئذ . قال ابن قتيبة : ~~فوصفه بالأناة والصبر وأنه لم يخرج حين دعى ، وقلا : لو كنت مكانه ثم دعيت ~~إلى مادعى إليه من الخروج من السجن لأجبت ولم ألبث ، وهذا من حسن تواضعه ~~على السلام ؛ لأنه لو كان مكان يوسف فبادر وخرج ولم يكن عليه نقص أو على ~~يوسف عليه السلام لو خرج مع الرسول من السجن نقص ولاأثر ، وإنما أراد أن ~~يوسف لم يكن يستثقل محنة الله قيبادر ويتعجل ؛ ولكنه كان صابرا محتسبا . ~~وفى هذا الحديث زيادة ذكرها البخارى فى كتاب الأنبياء قال النبي ~~PageV09P524 - عليه السلام - : ( نحن أحق بالشك من إبراهيم ؛ إذ قال : رب ~~أرنى كيف تحيى الموتى قال أو لم تؤمن ، ورحم الله لوطا لقد كان ياوى إلى ~~ركن شديد ، ولو ثبت فى السجن . . . ) الحديث قال ابن قتيبة : وقوله : ( نحن ~~أحق بالشك من إبراهيم ) . فإنه لما نزل عليه : ( وإذا قال إبراهيم رب أرنى ~~كيف تحيى الموتي ) الآية . قال قوم سمعوا الآية : شك إبراهيم ولم يشك نبينا ~~، فقال رسول الله : ( أنا أحق بالشك من إبراهيم ) . تواضعا وتقديما ~~لإبراهيم على نفسه يريد : إنا لم نشك ونحن دونه ، فكيف يشك هو ؟ ! . ومثل ~~هذا من تواضعه عليه السلام قوله : ( لا تفضلونى على يونس ابن متى ) . فخص ~~يونس وليس كغيره من أولى العزم من الرسل ، فإذا كان لايحب أن يفضل على يونس ~~، فغيره من الأنبياء بأن لايحب أن يفضل عليهم ! . وتأويل قول إبراهيم : ( ~~ولكن ليطمئن قلبى ) أى بيقين البصر ، واليقين جنسان : أحدهما يقين السمع ، ~~والآخر يقين البصر ، ويقين البصر أعلاهما ؛ ولذلك قال النبى - صلى الله ~~عليه وسلم - : ( ليس الخبر كالمعاينة ) حين ذكر قوم موسى وعكوفيهم على ~~العجل قال : فأعلمه الله أن قومه عبدوا العجل فلم ms3388 يلق الألواح ؛ فلما ~~عاينهم وعاكفين عليه غضب وألقى الألواح فتكسرت ، وكذلك المؤمنون بالقيامة ~~والبعث والجنة والنار متيقنون أن ذلك كله حق وهم فى القيامة عند النظر ~~وعيان أعلى يقينا ، فأراد إبراهيم أن يطمئن قلبه بالنظر الذى هو أعلى ~~اليقين . وقال غير ابن قتيبة : لم يشك إبراهيم عليه السلام أن الله يحيى ~~الموتى وإنما قال : أرنى كيف ، والجهل بالكيفية لايقدح فى اليقين بالقدرة ~~إذ PageV09P525 ليس من المؤمنين أحد يؤمن بالغيوب وبخلق السموات والأرض إلا ~~وقد يجهل الكيفية ، وذلك لايقدح فى إيمانه . فضرب الله تعالى مثلا لإبراهيم ~~من نفسه فقال له : ( خذ اربعة من الطير ) الآية . فكما أحيى هذه الطير عن ~~دعوتك ، فكذلك أحيى أهل السموات والأرض عن نفخه الصور ( وأعلم أن الله عزيز ~~حكيم ) عزيز فى صنائعه إذ صنائعه له عن مباشرة إلا عن قوله : كن ، وماسواه ~~من الصانعين فلا يتم له صنع إلا بمباشرة ، وفى ذلك ذله ومفارقة للعزة ، ~~حكيم : أى فى أفعاله وإن كان بائنا عنها ، والصانع إذا بان من صنعته تختل ~~أفعاله إذا كان بائنا . قال ابن قتيبة : وقوله : ( يرحم الله لوطا إن كان ~~ليأوى إلى ركن شديد ) فإنه أراد قوله لقومه : ( لو أن لى بكم قوة أو آوى ~~إلى ركن شديد ) وفى الوقت الذى ضاق فيه صدره واشتد جزعه بنا دهمه من قومه ، ~~وهو يأوى إلى الله تعالى اشد اركان ، قالووا : فما بعث الله تعالى نبيا بعد ~~لوط إلا فى ثروة من قومه . قال غير ابن قتيبة : ولايخرج هذا لوطا من صفات ~~المتوكلين على الله الواثقين بتأيده ونصره ، لكن لوطا - عليه السلام أثار ~~منه الغضب فى ذات الله مايثير من البشر ، فكان ظاهر قول لوط كأنه خارج عن ~~التوكل ، وإن كان مقصده مقصد المتوكلين فنبه النبى على ظاهر قول لوط تنبيه ~~على ظاهر قول إبراهيم ، وإن كان مقصده غير الشك لأنهم كانوا صفوة الله ~~المخصوصين بغاية الكرامة PageV09P526 ونهاية القرية ، لايقنع منهم إلا ~~بظاهر مطابق للباطن بعيد عن الشبهة ؛ إذ العتاب والحجة من الله على قدر ~~مايصنع فيهم ms3389 . وفى كتاب مسلم عن بعض رواه الحديث قال : إنما شك إبراهيم : ~~هل يجيبه الله عز وجل أم لا ؟ . # | باب فى رؤية النبى عليه السلام فى المنام # / 90 - فيه : أبو هريرة ، قال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( من رآنى ~~فى المنام فسيرانى فى اليقظة ، ولا يتمثل الشيطان بى ) . / 10 - وفيه : أنس ~~، قال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( من رآنى فى المنام فقد رآنى ، فإن ~~الشيطان لا يتخيل بى . . . ) الحديث . هذا إخبار منه - صلى الله عليه وسلم ~~- عن الغيب وأن الله تعالى منع الشيطان أن يتصور على صورته ، وقد تقدم فى ~~أول كتاب العبارة وقوله : ( فسيرانى فى اليقظة ) يعنى تصديق تلك الرؤيا فى ~~اليقظة وصحتها وخروجها على الحق ؛ لأنه عليه السلام ستراه يوم القيامة فى ~~اليقظة جميع أمته من رآه فى النوم ، ومن لم يره منهم . # | باب رؤيا الليل # رواه سمرة . / 11 - فيه : أبو هريرة ، قال النبى - صلى الله عليه وسلم - ~~: ( أعطيت مفاتيح الكلم ، ونصرت بالرعب ، وبينما أنا نائم البارحة ؛ إذ ~~أتيت بمفاتيح خزائن الأرض حتى وضعت فى يدي . . . ) الحديث . PageV09P527 / ~~12 - وفيه : ابن عمر ، قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : ( أراني الليلة ~~عند الكعبة ، فرأيت رجلا آدم كأحسن ما أنت راء من أدم الرجال ، له لمة ~~كأحسن ما أنت راء من اللمم ، قد رجلها تقطر ماء . . . . ) وذكر الحديث . ~~ورواه ابن عباس أيضا . وقوله : ( عنبة طافية ) يقال : طفا الشىء على الماء ~~يطفوا ، إذا علا ، فعين الدجال طافية على وجهه قد برزت كالعنبة . * * * # | باب : رؤيا النهار # قال ابن عون ، عن ابن سيرين : رؤيا النهار مثل رؤيا الليل . / 13 - فيه : ~~أنس ، أن النبى عليه السلام كان يدخل على أم حرام بنت ملحان ، فدخل عليها ~~يوما ، فأطعمته ، وجعلت تفلى رأسه ، فنام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~ثم استيقظ ، وهو يضحك ، فقال : ناس من أمتى عرضوا على غزاة فى سبيل الله . ~~. . ) وذكر الحديث . قال المهلب : معنى هذهين البابين أنه لايخص نوم النهار ~~على نوم الليل ، ولانوم الليل على نوم النهار بشىء من صحة الرؤيا وكذبها ، ~~وأن ms3390 الرؤيا متى اريت فحكمها واحد ، وتأويل المفاتيح فى النوم أسباب الفتح ، ~~والمعنى أتيت مادلنى على أنه سيفتح لى ولأمتى خزائن الأرض مايرفع عنهم ~~المسغبة والفقر ومايدين لهم ملوك الأرض ؛ لأن خزائن الأرض بأيدى الملوك ، ~~وهو فى معنى قوله : ( وزويت لى الأرض . . . ) الحديث . PageV09P528 # | باب رؤيا النساء # / 14 - فيه : أم العلاء - امرأة من الأنصار بايعت النبى عليه السلام - ~~أخبرت أنهم اقتسموا المهاجرين قرعة ، قالت : فطار لنا عثمان بن مظعون ، ~~فأنزلناه فى أبياتنا ، فوجع وجعه الذى توفى فيه . . . . وذكر الحديث . قالت ~~: وأحزننى فنمت فرأيت لعثمان بن مظعون عينا تجرى فأخبرت رسول الله فقال : ( ~~ذلك عمله يجرى له ) . وترجم له باب العين الجارية فى المنام . رؤيا النساء ~~كرؤيا الرجال ، لافرق بينهما ، والمرأة المؤمنة داخلة فى معنى قوله عليه ~~السلام : ( رؤيا المؤمن جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة ) . والعين فى ~~المنام تختلف وجوهها ؛ فإذا تعرت من دلائل الهم وكان مأؤها صافيا دلت على ~~العمل الصالح كما فسر النبى ، وقد تدل من العمل على مالاينقطع ثوابه كوقف ~~أرض أو غله يجرى ثوابها دائما ، و علم علمه الناس عمل به من علمه ، فإن كان ~~ماؤها غير صاف فهو غم وحزن ، وقد تدل على العين الباكية وعلى الفتنة لقوله ~~تعالى : ( وفجرنا الأرض عيونا فالتقى الماء على أمر قد قدر ) فكانت فتنة ~~وجرت بهلاكهم ألا ترى قوله تعالى : ( ماء غدقا لنفتنهم فيه ) وقد تدل على ~~المال العين ، ويستدل العابر على هذه الوجوه بأحوال الرائين وبزيادة الرؤيا ~~ونقصانها . PageV09P529 # | باب : اللبن # / 15 - فيه : ابن عمر ، قال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( بينا أنا ~~نائم ، أتيت بقدح لبن فشربت منه حتى إنى لأرى الرى يخرج من أظفارى ، ثم ~~أعطيت فضلى عمر بن الخطاب ) ، قالوا : فما أولته يا رسول الله ؟ قال : ( ~~العلم ) . قال المهلب : رؤية اللبن فى النوم تدل على السنة والفطرة والعلم ~~والقرآن ؛ لأنه أول شىء ناله المولود من طعام الدنيا ، وهو الذى يفتق معاه ~~، وبه تقوم حياته كما تقوم بالعلم حياة القلوب ، فهو يشاكل العلم من هذه ~~الناحية . وقد يدل ms3391 على الحياة ؛ لأنها كانت به فى الصغر ، وقد يدل على ~~الثواب ؛ لأنه من نعيم الجنة إذا رئى نهر من لبن ، وقد يدل على المال ~~الحلال ، وإنما أوله عليه السلام فى عمر بالعلم والله أعلم ؛ لعلمه بصحة ~~فطرته ودينه ، والعلم زيادة فى الفطرة على اصل معلوم . # | باب : القميص فى المنام # / 16 - قال أبو سعيد : قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : ( بينما أنا ~~نائم ، رأيت الناس يعرضون على ، وعليهم قمص ، منها ما يبلغ الثدي ، ومنها ~~ما يبلغ دون ذلك ، ومر على عمر بن الخطاب ، وعليه قميص يجره ) ، قالوا : ما ~~أولته يا رسول الله ؟ قال : ( الدين ) . وترجم له : باب جر القميص فى ~~المنام . قال المهلب : أصل عبارته عليه السلام للقميص بالعلم فى كتاب الله ~~فى قوله تعالى : ( وثيابك فطهر ) يريد صلاح العمل PageV09P530 وتطهير ~~الأحوال التى كانت أهل الجاهلية تستبيحها ، هذا قول ابن عباس ، والعرب تقول ~~: فلان نقى الثوب إذا كان صالحا فى دينه . وفيه دليل على أن الرؤيا لاتخرج ~~كلها على نص مارؤيت عليه ، وإنما تخرج على ضرب الأمثال ، فضرب المثل على ~~الدين بالقميص ، وعلى الإيمان والعلم باللبن من أجل اشتراك ذلك فى المعانى ~~، وذلك أن القميص يستر العورات كما يستر الدين الأعمال التى كان الناس فى ~~حال الكفر يأتونها ، وفى حال الجهل يقترفونها . وقد تقدم أن اللبن حياة ~~الأجسام كما بالعلم حياة القلوب ، هذا وجه اشتباه المعانى فى هذه الأمثال ~~التى لها ضربت ؛ لأن المثل يقتضى المماثلة ، فإذا كان مثل لا مماثلة فيه لم ~~يصح التعبير به . فإن قيل : فإذا كان التعبير يقتضى المماثلة فما وجه كون ~~جر القميص فى النوم حسنأط ، وجره فى اليقظة منهى عنه وهو من الخيلاء ؟ قال ~~المهلب : فالجواب أن القميص فى الدنيا ستر وزينة كما سماه الله ، وأنه فى ~~الآخرة لباس لاتقوى . فلما كان فى الدنيا زينة حرم منها ماكان مخرجا إلى ~~الخيلاء والكبرياء الذى لايجمل بمخلوق مربوب ضعيف الخلقة سفيه الشهوة . ~~فالكبر مع هذه الحال لا يجمل به ولا يصح له لا ضراره إلى مدبر يديره ms3392 ورازق ~~يرزقه ، و دافع يدفع عنه ما لا امتناع له منه ، ويحميه من الآفات ، فوجب أن ~~تكون تلك الزينة فى الدنيا مقرونة بدليل الذلة وعلامة العبودية ، هذا معنى ~~وجوب تقصيرها فى الدنيا . ولما خلصت فى الآخرة من أن يقترن بها كبر أو يخطر ~~منه خارط على قلب بشر ، حصلت لباس التقوى كما سماها الله فحسن فيها ~~PageV09P531 الكمال والجر لفضولها على الأرض ، ودل ذلك الفضل المجرور على ~~بقايا من العلم والدين يخلد ويكون أثرا باقيا خلفه ، ولم يكن بسبيل إلى أن ~~يكون فيه من معنى الكبر شىء فى ذلك الموطن ، وليس هذا مما يحمل على أحوال ~~الرائين ، وإنما هو ابدا محمول على جوهر الشىء المرئى ، فجوهرالقميص فى ~~الدنيا بقرينة الجر له كبر وتعاظم ، وجوهرة فى الآخرة بالدين والعلم ، وليس ~~فى الآخرة فيه تحليل ولاتحريم ، وإنما يحمل الشىء على حال الرائى له إذا ~~تنوع جوهر الشىء المرئى به فيه أو عليه فى التفسير . وأكثر ما يكون ذلك فى ~~الدنيا لاختلاف الشىء أحوال أهلها ، وقد يكون فى الآخرة شىء من ذلك ليس هذا ~~منه . ولايجوز أن ينقل جوهر شىء من الثياب أو غيرها عما وضعت له فى أصل ~~العلم إلا بدليل ناقل لجوهر ذلك الشىء ، كمن رأى أحدا من الأموات فى نومه ~~وعليه ثياب يجرها من نار أو متقدة بنار فيفسرها أنه كافر يلبس فى الدنيا ~~ثياب الكبر والتبختر يجرها خيلاء فعوقب فى النار بصنعه ذلك فى الدنيا ، أو ~~يرى عليه ثيابا من قطران كما قال الله تعالى فيها فحينئذ تكون الثياب فى ~~الآخرة دليلا على العذاب بما كان عليه فى الدنيا ، ولايكون حيئذ لباس زينة ~~ولا لباس تقوى . هذا مما يحمل فى الآخرة على أحوال صاحب الرؤيا . # | باب : فى الخضر فى المنام والروضة الخضراء # / 17 - فيه : قيس بن عباد ، كنت فى حلقة فيها سعد بن مالك وابن عمر ، فمر ~~عبدالله بن سلام ، فقالوا : هذا رجل من أهل الجنة ، فقلت له : إنهم قالوا : ~~كذا وكذا ، قال سبحان الله ، ما كان ينبغى لهم أن ms3393 يقولوا ما ليس لهم به علم ~~، إنما رأيت كأنما عمود وضع فى روضة خضراء ، فنصب فيها ، PageV09P532 وفي ~~رأسها عروة ، وفى أسفلها منصف ، والمنصف الوصيف ، فقيل ارقه فرقيته حتى ~~أخذت بالعروة ، فقصصتها على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فقال رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - : ( يموت عبدالله ، وهو آخذ بالعروة الوثقى ) ~~. وترجم له باب التعلق بالعروة والحلقة وقال فيه : ( وقيل لى : أرقه فقلت : ~~لا أستطيع ، فأتانى وصيف فرفع ثيابى ، فرقيت . . . ) الحديث . قال المهلب : ~~قال أبو الحسن على بن أبى طالب العابر : الروضة التى لايعرف بيتها دالة على ~~الإسلام لنضرتها وحسن بهجتها ، وقد تأولها بذلك الرسول عليه السلام و ، وقد ~~تدل من الإسلام على كل مكان فاضل يطاع الله فيه كقبر رسول الله ، وحلق ~~الذكر ، وجوامع الخير ، وقبور الصالحين لقوله - صلى الله عليه وسلم - : ( ~~ما بين قبرى ومنبرى روضة من رياض الجنة ) . وقوله : ( ارتعوا فى رياض الجنة ~~أو حفرة من حفر النار ) . وقد تئول الروضة على المصحف وعلى كتب العلم ~~لقولهم : الكتب رياض الحكماء ، والعمود دال على كل ما يعتمد عليه القرآن ~~والسنن والفقه فى الدين ، وعلى الفقيه والحاكم ، والوالد والسيد ، والزوج ~~والزوجة والمال . وبمكان العمود وصفات المنام يستدل على تأويل الأمر وحقيقة ~~التعبير . وكذلك العروة بالإسلام والتوحيد وهى العروة الوثقى قال تعالى : ( ~~فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى لاانفصام لها ) . ~~فأخبر الرسول أن ابن سلام يموت على الإيمان ، ولما فى هذه الرؤيا من شواهد ~~ذلك حكم له اصحاب النبى بالجنة لحكم النبى عليه السلام بموته على الإسلام . ~~PageV09P533 وفيه القطع لكل من مات على دين الإسلام والتوحيد لله بالجنة ~~وإن نالت بعضهم عقوبات . وقول ابن سلام : ماكان ينبغى لهم أن يقولوا ماليس ~~لهم به علم ؛ إنما قاله على سبيل التواضع ، وكره أن يشار غليه بالأصابع ~~فيدخله العجب فيحبط عمله . # | 17 - باب : كشف المرأة فى المنام # / 18 - فيه : عائشة ، قال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( أريتك فى ~~المنام مرتين ، إذا رجل يحملك فى سرقة من حرير ، فيقول : هذه امرأتك ms3394 ، ~~فأكشفها ، فإذا هى أنت ، فأقول : إن يكن هذا من عند الله يمضه ) . وترجم له ~~باب : ثياب الحرير فى المنام . رؤية المرأة فى المنام تختلف على وجه فمنها ~~أن تدل على امرأة تكون له فى اليقظة تشبه التى رأى فى المنام كما كانت رؤية ~~النبى عليه السلام هذه ، وقد تدل المرأة عيل الدنيا والمنزلة فيها والسعة ~~فى الرزق ، وهذا أصل عند المعبرين فى ذلك ، وقد تدل المرأة أيضا على فتنة ~~بما يقترن إليها من دلائل ذلك . وقوله : ( إن يكن هذا من عند الله يمضه هذه ~~الرؤيا أريها النبى قبل زمن النبوة فى وقت تجوز عليه رؤيا سائر البشر فلما ~~أوحى الله غليه حصن رؤياه من الأضغاث وحرسه فى النوم كما حرسه فى اليقظة ~~وجعل رؤياه وحياه ) . ويحتمل وجها آخر : أن تكون هذه الرؤيا منه عليه ~~السلام بعد النبوة وبعد علمه بأن رؤياه وحى فعبر عليه السلام عما علمه بلفظ ~~يوهم الشك ظاهره ومعناه اليقين ، وهذا موجود فى لغة العرب أن يكون اللفظ ~~مخالفا لمعناه كما قال ذو الرمة : PageV09P534 أيا ظبية الوعساء بين جلاجل ~~وبين النقا آأنت أم أم سالم ولم يشك ذو الرمة أن الظبية ليست بأم سالم ، ~~وكما قال جرير : ألستم خير من ركب المطايا وأندى العالمين بطون راح . فعبر ~~عما هو قاطع عليه وعالم به بلفظ ظاهره الشك والمسالة عما لايقطع عليه فكذلك ~~قوله - صلى الله عليه وسلم - : ( إن يكن هذا ابن أبى طالب ) وثياب الحرير ~~يدل اتخاذها للنساء فى الرؤيا على النكاح وعلى الأزواج وعلى العز والغنى ~~وعلى الشحم ولبس الذهب ، قال واللباس دال على جسم لابسه لأنه محله ومشتمل ~~عليه ودافع عنه ، فهو معبر عنه لاسيما أن اللباس فى غالب الناس دال على ~~أقدارهم وأحوالهم ومذاهبهم وأجناسهم ، فيعرف كل جنس بلبسه وزيه من العرب ~~والعجم والأغنياء والفقراء ، ولاخير فى ثياب الحرير للرجال وهى صالحة فى ~~الجاه والسلطان وسعة المال . # | 18 - باب المفاتيح فى اليد # / 19 - فيه : أبو هريرة ، قال : النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( بعثت ~~بجوامع الكلم ms3395 ، ونصرت بالرعب ، وبينا أنا نائم أتيت بمفاتيح خزائن الأرض ، ~~فوضعت فى يدى ) . قال محمد : وبلغنى أن جوامع الكلم أن الله يجمع الأمور ~~الكثيرة التى كانت تكتب فى الكتب قبله فى الأمر الواحد والأمرين أو نحو ذلك ~~. PageV09P535 قال أبو الحسن على بن أبى طالب : المفتاح يدل على السلطان ~~وعلى المال والعلم والحكمة والصلاح ، فإن كان مفتاح الجنة نال سلطانا عظيما ~~فى الدينأو علما كثيرا من أعمال البر أو وجد كنزا أو مالا حلالا ميراثا ، ~~وإن كان مفتاح الكعبة حجب سلطانا أو أماما ، ثم على نحو هذا فى سائر ~~المفاتيح وجواهرها ، وقال الكرمانى : قد يكون المفتاح إذا فتح به بابا دعاء ~~يستجاب له . # | 19 - باب عمود الفسطاط تحت وسادته ودخول الجنة فى المنام # / 20 - فيه : ابن عمر ، رأيت فى المنام كأن فى يدى سرقة من حرير لا أهوى ~~بها إلى مكان فى الجنة إلا طارت بى إليه ، فقصصتها على حفصة ، فقصتها حفصة ~~على النبى - صلى الله عليه وسلم - ، فقال : ( إن أخاك رجل صالح ) . قال ~~المهلب : السرقة الكلة وهى كالهودج عند العرب وكون عمودها فى يد عمر دليل ~~على الإسلام وطنبها الدين والعلم بالشريعة الذى به يرزق التمكن من الجنة ~~حيث شاء ، وقد يعبر هنا بالحرير عن شرف الدين والعلم ؛ لأن الحرير أشرف ~~ملابس الدنيا ، فكذلك العلم بالدين اشرف العلوم ، ودخول الجنة فى المنام ~~يدل على دخولها فى اليقظة ؛ لأن من بعض وجوه الرؤيا وجها يكون فى اليقظة ~~كما يرى نصا ، وقد يكون دخول الجنة أيضا دخول الإسلام الذى هو سبب الجنة ، ~~فمن دخله دخل الجنة كما قال تعالى : ( فادخلنى فى عبادى وادخلى جنتي ) ~~وطيران الشرقة : قوة يرزقه الله على التمكن من الجنة حيث شاء كما فى الخبر ~~عن جعفر بن أبى طالب أنه أكرمه الله بأن جعل قوة على الطيران فى الجنة ، ~~وفى خبر آخر : ( إنما نسمه المؤمن طائر يعلق من شجر الجنة ) . PageV09P536 ~~وسألت المهلب فقلت : كيف ترجم البخارى باب عمود الفساط تحت وسادته ولم يذكر ~~فى الحديث عمود فسطاط ولاوسادة ؟ فقال ms3396 لى : الذى يدل عليه الباب ويقه فى ~~نفسى أنه رأى حديث السرقة أكمل مما ذكره فى كتابه ، وفيه أن السرقة مضروبة ~~فى الأرض على عمود كالخباء ، وأن ابن عمر اقتلعها من عمودها فوضعها تحت ~~وسادته وقام هو بالسرقة يمسكها ، وهى كالهودجة من إستبرق فلا ينوى موضعا من ~~الجنة إلا طارت إليه ، ولم يرض سنده بهذه الزيادة فلم يذكره وأدخله فى كتاب ~~من طريق وثقة والله أعلم . وقد نقل فى كتابه مثل هذا كثيرا فقال باب : إذا ~~حرق المشرك المسلم هل يحرق ، ثم أدخل سمل النبى عليه السلام أعين العرنين ~~ولم يذكر سمل العرنين أعين الرعاء ، وإنما ترجم بذلك ليدل أن ذلك من فعلهم ~~مروى ، وكما فعل بقول سهل بن أبى حثمة فى الأوسق الموسقة فى باب العرايا ~~فتركه للين سنده أولا ثم أعجلته المنية عن تهذيب كتابه . # | 20 - باب القيد فى المنام # / 21 - فيه : أبو هريرة ، قال قال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( إذا ~~اقترب الزمان لم تكد تكذب رؤيا المؤمن ، ورؤيا المؤمن جزء من ستة وأربعين ~~جزءا من النبوة ، وما كان من النبوة فإنه لا يكذب ) . قال محمد : وأنا أقول ~~هذه الأمة ، وكان يقال الرؤيا ثلاث : حديث النفس ، وتخويف الشيطان ، وبشرى ~~من الله ، فمن رأى شيئا يكرهه ، فلا يقصه على PageV09P537 أحد ، وليقم ~~فليصل ، قال : وكان يكره الغل فى النوم ، وكان يعجبهم القيد ، ويقال القيد ~~: ثبات فى الدين . وروى قتادة ويونس وهشام وأبو هلال ، عن ابن سيرين ، عن ~~أبى هريرة ، عن النبى - صلى الله عليه وسلم - . وأدرجه بعضهم كله فى الحديث ~~، وحديث عوف أبين . وقال يونس : لا أحسبه إلا عن النبى - صلى الله عليه ~~وسلم - فى القيد . قال البخارى : لا تكون الأغلال إلا فى الأعناق . قال ~~المهلب : روى عن النبى عليه السلام أنه قال : ( القيد ثبات فى الدين ) ، ~~ومن رواية قتادة ويونس وغيرهم ، وتفسير ذلك أنه يمنع من الخطايا ويقيد عنها ~~. قال غيره : وقد ينصرف القيد على وجوه أحدها : فمن رأى ذلك على رجله وهو ~~فى سفر فإنه يقيم بذلك ms3397 الموضع إلا أن يرى ذلك قدحل عنه ، وكذلك من رأى قيدا ~~فى رجليه فى مسجد أو فى موضع ينسب إلى الخير فإنه دين ولزوم لطاعة ربه ~~وعباده له ، فإن رآه مريض أو مسجون أو مكروب فهو طول بقائه فيه ، وكذلك إن ~~رآه صاحب دنيا فهو طول بقائه فيها أيضا . قال المهلب : والغل مكروه لأن ~~الله تعالى أخبر فى كتابه أنه من صفات أهل النار فقال : { إذ الأغلال فى ~~أعناقهم والسلاسل } فقد دل على الكفر ، وقد يكون الغل امرأة سوء تشين ~~صاحبها ، وأما غل اليدين لغير العنق فهو كفهما عن الشر . وقوله عليه السلام ~~: ( إذا اقترب الزمان لم تكد تكذب رؤيا المؤمن ) ، فمعناه - والله أعلم - ~~إذا اقتربت الساعة وقبض أكثر العلم PageV09P538 ودرست معالم الديانة بالهرج ~~والفتنة ، فكان الناس على فترة من الرسل يحتاجون إلى مذكر ومجدد لما درس من ~~الدين كما كانت الأمم قبلنا تذكر بالنبوة ، فلما كان نبينا محمد عليه ~~السلام خاتم الرسل ومابعده من الزمان مايشبه الفترة عوضوا مما منع من ~~النبوة بعده بالرؤيا الصادقة التى هى جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة ~~الآتية بالتبشير والإنذار . وقد ذكر أبو سليمان الخطابى فى غريب الحديث عن ~~أبى داود السجستانى أنه كان يقول فى تأويل قوله عليه السلام : ( إذا تقارب ~~الزمان لم تكد رؤيا المؤمن تكذب ) . قال : تقارب الزمان هو استواء الليل ~~والنهار قال والعبرون يزعمون أن أصدق الأزمان لوقوع التعبير وقت انبثاق ~~الأنوار ووقت ينع الثمار وإدراكها وهما الوقتان اللذان يتقارب الزمان فيهما ~~ويعتدل الليل والنهار . قال المؤلف : والتأويل الأول هو الصواب الذى أراده ~~النبى عليه السلام لأنه قد روى مرفوعا عنه روى معمر ، عن أيوب ، عن ابن ~~سيرين ، عن أبى هريرة ، عن النبى عليه السلام أنه قال : ( فى آخر الزمان لا ~~تكذب رؤيا المؤمن وأصدقهم رؤيا أصدقهم حديثا ) . قال المؤلف : وأما قول ابن ~~سيرين : وأنا اقول هذه الأمة . فتأويله والله أعلم أنه لما كان عنده معنى ~~قوله عليه السلام : ( رؤيا المؤمن جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة ms3398 ) . ~~ويراد به رؤيا الرجل الصالح لقوله عليه السلام : ( الرؤيا الحسنة يراها ~~الرجل الصالح جزء من ستة واربعين جزءا من النبوة ) . قال : ( إذا اقترب ~~الزمان لم تكد تكذب رؤيا المؤمن ) خشى ابن سيرين أن يتأول معناه أن عند ~~تقارب الزمان لا PageV09P539 تصدق إلا رؤيا الصالح المستكمل الإيمان خاصة ، ~~فقال : وأنا اقول هذه الأمة . يعنى تصدق رؤيا هذه الأمة كلها صالحها ~~وفاجرها ليكون صدق رؤياهم زاجرة لهم وحجة عليهم ؛ لدروس أعلام الدين وطموس ~~آثاره بموت العلماء وظهور المنكر ، والله أعلم . # | 21 - باب : نزع الماء من البئر حتى يروى الناس # رواه أبو هريرة عن النبى . / 22 - فيه : ابن عمر ، قال : قال النبى - صلى ~~الله عليه وسلم - : ( بينا أنا على بئر أنزع منها ؛ إذ جاء أبو بكر وعمر ، ~~فأخذ أبو بكر الدلو ، فنزع ذنوبا أو ذنوبين ، وفى نزعه ضعف ، يغفر الله له ~~، ثم أخذها ابن الخطاب من يد أبى بكر ، فاستحالت فى يده غربا ، فلم أر ~~عبقريا من الناس يفرى فريه ، حتى ضرب الناس بعطن ) . وترجم له باب : زع ~~الذنوب والذنوبين من البئر بضعف وقال ابن عمر عن النبى - صلى الله عليه ~~وسلم - : ( رأيت الناس اجتمعوا فقام أبو بكر فنزع ذنوبا ) . . الحديث وعن ~~أبى هريرة مثله . قال أبو سلمان : فسر أبو عبيد ، وابن قتيبة طائفة من لفظ ~~هذا الحديث ولم يتعرض أحد منهما لمعناه ، وقد علمنا أن هذا مثل فى رؤيا ~~النبى عليه السلام وإنما يراد بالمثل تقريب علم الشىء وإيضاحه بذكر نظيره ، ~~وفى إغفال بيانه والذهاب عن معناه وعن موضع التشبيه به إبطال فائدة المثل ~~وإثبات الفضيلة لعمر على أبى بكر ، إذ قد وصف بالقوة من حيث وصف أبو بكر ~~بالضعف PageV09P540 وتلك خطة أباها المسلمون ، والمعنى - والله أعلم - أنه ~~إنما أراد بهذا إثبات خلافتهما ، والإخبار عن مدة ولايتهما ، والإبانة عما ~~جرى عليه أحوال أمته فى أيامهما ، فشبه أمر المسلمين بالقليب وهو البئر ~~العادية ، وذلك لما يكون فيها من الماء الذى به حياة العباد وصلاح البلاد ~~وشبه الوالى عليهم والقائم بأمورهم بالنازع الذى يستقى ms3399 الماء ويقربه من ~~الوارد ، ونزع أبى بكر ذنوبا أو ذنوبين على ضعف فيه إنما هو قصر مدة خلافته ~~، والذنوبان مثل ما فى السنتين اللتين وليهما واشهر بعدهما ، وانقضت أيامه ~~فى قتال أهل الردة واستصلاح أهل الدعوة ولم يتفرغ لافتتاح الأمصار وجباية ~~الأموال ، فذلك ضعف نزعه ، وأما عمر فطالت أيامه واتسعت ولايته ، وفتح الله ~~على يديه العراق والسواد وأرض مصر وكثيرا من بلاد الشام ، وقد غنم أموالها ~~وقسمتها فى المسلمين فأخصبت رحالهم وحسنت بها أحوالهم فكان جودة نزعه مثلا ~~لما نالوا من الخير فى زمانه والله أعلم . قال المؤلف : فذكر الطبرى مثل ~~ماحكى الخطابى عن ابن عباس أنه قال : فتأول الناس معنى قوله : ( حتى ضرب ~~الناس بعطن ) أبى بكر وعمر - رضى الله عنهما . قال الخطابى : والعرب تضرب ~~المثل فى المفاخرة والمغالبة بالمساقاة والمساجلة فتقول فلان يساجل فلانا ~~أى : يقاومه ويغالبه ، واصل ذلك أن يستقى ساقيان فيخرج كل واحد منهما فى ~~سجله مايخرج الآخر فأيهما نكل غلب ، قال العباس بن الفضل يذكر ذلك : # % من يساجلنى يساجل ماجدا % % يملأ الدلو إلى عقد الكرب % . PageV09P541 ~~وقوله : ( بينا أنا على بئر أنزع منها ) . قال صاحب العين يقال : نزعت ~~الشىء نزعا : قلعته ، وبئر نزوع إذا نزعت دلاؤها بالأيدى ، وجمل نزوع ينزع ~~عليه الماء . والذنوب : الدلو الملأى ، ويكون النصيب أو الغرب أعظم من ~~الدلو ، عن صاحب العين . وقال أبو عبيد : قوله : ( يفرى فريه ) كقوله يعمل ~~عمله ، ويقول كقوله ونحو هذا ، وأنشد الأحمر : قد أطعمتنى وقلا حوليا مسوسا ~~مدودا حجريا قد كنت تفرين به الفريا أى قد كنت تكثرين فيه القول وتعظمينه . ~~ومنه قوله تعالى : ( لقد جئت شيئا فريا ) أى مشينا عظيما ، وقال الأصمعى : ~~سألت أبا عمرو بن العلاء عن العبقرى فقال : يقال هذا عبقرى قوم يعنون : سيد ~~قوم وكبيرهم وقويهم . قال أبو عبيد : أصله فيما يقال أنه نسب إلى عبقر ، ~~وهى أرض يسكنها الجن فصارت مثلا لك منسوب إلى شىء رفيه ، ويقال فى عبقر ~~الجن أرض تعمل فيها البرود ؛ ولذلك نسب الوشى إليها ؛ ومن هذا قيل للبسط ~~عبقرية ms3400 لأنها نسبت إلى تلك البلاد . قال ابن دريد : فإذا استحسنوا شيئا ~~وعجبوا من شدته ومضائه نسبوه إلى عبقر ، وقالوا : ظلم عبقرى شديد فاحش وفى ~~التنزيل : ( عبقرى حسان ) خوبطوا بما عرفوا . وقال ابن الأنبارى : أصل ~~العطن الموضع الذى تبرك فيه الإبل قرب الماء إذا شربت لتعاد إاليها إن ~~أرادت ذلك ، يقال عطنت الإبل وأعطنها صاحبها . PageV09P542 # | 22 - باب : الاستراحة فى المنام # / 23 - فيه : أبو هريرة ، قال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( بينا أنا ~~نائم ، رأيت أنى على حوض أسقى الناس ، فأتانى أبو بكر ، فأخذ الدلو من يدى ~~؛ ليريحنى ، فنزع ذنوبين ، وفى نزعه ضعف ، والله يغفر له ، فأتى ابن الخطاب ~~، فأخذ منه ، فلم يزل ينزع حتى تولى الناس ، والحوض يتفجر ) . قال المهلب : ~~فيه دليل أن الدنيا للصالحين دار نصب وتعب وأن الراحة منها الموت على ~~الصلاح والدين كما استراح النبى عليه السلام من تعب ذلك السقى بالموت . ~~والحوض خاهنا : معدن العلم وهو القرآن الذى يغرف الناس كلهم منه دون أن ~~ينتقص حتى يروا وهو معدن لايفنى ولاينتقص . # | 23 - باب القصر فى المنام # / 24 - فيه : أبو هريرة ، بينا نحن جلوس عند النبى - صلى الله عليه وسلم ~~- فقال : ( بينا أنا نائم ، رأيتنى فى الجنة ، فإذا امرأة تتوضأ إلى جانب ~~قصر ، قلت : لمن هذا القصر ؟ قالوا : لعمر ، فذكرت غيرته ، فوليت مدبرا ) . ~~قال أبو هريرة : فبكى عمر بن الخطاب ، ثم قال : أعليك بأبي أنت وأمي يا ~~رسول الله أغار . / 25 - ورواه جابر ، عن النبيى - صلى الله عليه وسلم - ، ~~وقال فيه : فقلت : ( لمن هذا القصر ؟ فقالوا : لرجل من قريش . وترجم له باب ~~: الوضوء فى المنام . قال المهلب : هذه الرؤيا بشرى لعمر بن الخطاب بقصر فى ~~الجنة وهذه الرؤيا مما تخرج على حسب مارؤيت بغير رمز ولا غموض تفسير ، ~~والجارية كذلك والوضوء إنما يؤخذ منه اسمه من الوضاءة ، لأنه ليس فى الجنة ~~وضوء لصلاة ولاعبادة ، وفيه دليل على PageV09P543 الحكم لكل رجل بما يعلم ~~من خلقه ألاترى أن النبى - عليه السلام - لم يدخل القصر حين ذكر غيره عمر ، ~~وقد علم ms3401 عليه السلام أنه لايغار عليه لأنه أبو المؤمنين ، وكل مانال بنوه ~~المؤمنين من خير الدنيا والآخرة فسببه وعلى يديه - صلى الله عليه وسلم - ، ~~لكن أراد أن يأتى ما يعلم أنه يوافق عمر أدبا منه . وقال ابن سيرين : من ~~رأى أنه يدخل الجنة فإنه يدخلها إن شاء الله ؛ لأن ذلك بشارة لما قدم من ~~خير أو يقدمه . وقال الكرمانى : وأما بنيانها فهى نعيمها . وأما نساؤها فهى ~~أجور فى أعمال البر على قدر جمالهن . قال على بن أبى طالب : وقد ينصرف دخول ~~الجنة فى المنام على وجوه فيدل لمن يحج على تمام حجه ، ووصوله إلى الكعبة ~~المؤدية إلى الجنة ، وإن كان كافرا أو مذنبا بطالا ورأى ذلك غيره له أسلم ~~من كفره وتاب من بطالته ، وإن كان مريضا مات من مرضه ؛ لأن الجنة هى أجر ~~المؤمنين إن كان المريض مؤمنا ، وإن كان كافرا أفاق من علته لأن الدنيا جنة ~~الكافرين ، وإن كان عزبا تزوج لأن الآخرة على السعى إلى الجمعة والجماعة ، ~~ودار العلم وحلق الذكر ، والجهاد والرباط وكل مكان يؤدى إليها . وقال : ومن ~~رأى أنه يتوضا فى المنام فإنه وسيلة السلطان أو إلى عمل من الأعمال فمن تم ~~له فى النوم تم له مايؤمله فى اليقظة ، وإن تعذر عليه إن عجز الماء أو توضأ ~~بما لايجوز له الصلاة به لم يتم له ما يحاوله ، والوضوء للخائف فى اليقظة ~~أمان له لما جاء فى فضل الوضوء ، وربما دل الوضوء على الثواب وتكفير ~~PageV09P544 الخطايا لما جاء أنها تخرج من آخر قطر الماء ، وربما دل الوضوء ~~على الصوم ؛ لأن الصائم ممتنع من كثير من لذاته والمتوضىء يدانيه فى ذلك ، ~~والوضوء والصوم واللجام ورباط اليد والقيد شركان فى التأويل ويتعاقبون فى ~~التعبير ، وقد تقدم حديث أبى هريرة فى كتاب النكاح فى باب الغيرة . # | 24 - باب : الطواف بالكعبة فى المنام # / 26 - فيه : ابن عمر ، قال : قال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( بينا ~~أنا نائم ، رأيتنى أطوف بالكعبة ، فإذا رجل آدم سبط الشعر بين رجلين ، ينطف ~~رأسه ماء ms3402 ، فقلت : من هذا ؟ قالوا : ابن مريم ، فذهبت ألتفت ، فإذا رجل ~~أحمر جسيم ، جعد الرأس ، أعور العين اليمنى ، كأن عينه عنبة طافية ، قلت : ~~من هذا ؟ قالوا : هذا الدجال ، أقرب الناس به شبها ابن قطن ) . قال بعض ~~التأويل : الطواف بالبيت ينصرف عى وجوه ، فمن رأى أنه يطوب بالبيت فإنه يحج ~~إن شاء الله ، وقد يكون تأويل ذلك إن كان يطلب حاجة من الإمام بشارة نيلها ~~منه ؛ لأن الكعبة إمام الخلق كلهم ، وقد يكون الطواف تطهيرا من الذنوب ~~لقوله تعالى : ( وطهر بيتى للطائفين ) ، وقد يكون الطواف لمن يريد أن يسترى ~~أو يتزوج امرأة حسناء دليلا على تمام إرادته ، وقال على بن أبى طالب العابر ~~: وقد يكون الطواف لمن كان ذا والدين والدين أن يحسن برهما وزوجة يسعى ~~عليها أو كان يخدم عالما أو كان عبدا ينصح سيدة بشارة بالثواب عن فعله في ~~اليقظة . PageV09P545 وقال المهلب : ووصف عليه السلام عيسى بن مرين ووصف ~~الدجال بصفاتها التى خلقهما الله عليها ؛ لكونها فى زمن واحد ، ولأن الحديث ~~قد جاء عنه عليه السلام أن عيسى يقتل الدجال ، فوصف الدجال بصفة لا تشكل ~~عليهم على حسب مارأه ، وهى العور ، والذي لايجوز على ذوي العقول أن يصفوا ~~بالإلهية والقدرة من كان بتلك الصفة ؛ إذ الإله لاتجوز عليه الآفات وهذا ~~مدعيها وقد جازت عليه الآفة ، فهى برهان على تكذيبه ، وقوله : ( ينطف رأسه ~~ماء ) فالمنطف : الصب ، وليلة نطوف : ماطرة ، من كتاب العين . * * * # | 25 - باب : الأمن وذهاب الروع فى المنام # / 27 - فيه : ابن عمر ، قال : إن رجالا من أصحاب النبى - صلى الله عليه ~~وسلم - كانوا يرون الرؤيا على عهد رسول الله عليه السلام فيقصونها على رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - ، فيقول فيها رسول الله عليه السلام ما شاء ~~الله ، وأنا غلام حديث السن ، وبيتى المسجد قبل أن أنكح ، فقلت فى نفسى لو ~~كان فيك خير ؛ لرأيت مثل ما يرى هؤلاء ، فلما اضطجعت ذات ليلة ، قلت : ~~اللهم إن كنت تعلم فى خيرا ، فأرنى رؤيا ، فبينما أنا كذلك ؛ إذ جاءنى ~~ملكان فى يد ms3403 كل واحد منهما مقمعة من حديد ، يقبلان بى إلى جهنم ، وأنا ~~بينهما أدعو الله : اللهم إنى أعوذ بك من جهنم ، ثم أرانى لقينى ملك فى يده ~~مقمعة من حديد ، فقال : لن تراع ، نعم الرجل أنت ، لو كنت تكثر الصلاة ، ~~فانطلقوا بى حتى وقفوا بى على شفير جهنم ، فإذا هى مطوية كطى البئر ، له ~~قرون كقرن البئر ، بين كل قرنين ملك بيده مقمعة من حديد ، وأرى فيها رجالا ~~معلقين بالسلاسل ، رءوسهم أسفلهم ، PageV09P546 عرفت فيها رجالا من قريش ، ~~فانصرفوا بى عن ذات اليمين ، فقصصتها على حفصة ، فقصتها حفصة على رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : إن ~~عبدالله رجل صالح ، لو كان يصلى من الليل ) . فقال نافع : فلم يزل بعد ذلك ~~يكثر الصلاة . وترجم له باب الأخذ على اليمين فى النوم ، وقال فيه : ( وقلت ~~: اللهم إن كان لى عندك خير فأنرى مناما يعبر لى رسول الله ، فقال النبى - ~~صلى الله عليه وسلم - : عبد الله رجل صالح لو كان يكثر الصلاة من الليل ) . ~~قال المهلب : هذا الحديث مما فسرت فيه الرؤيا على وجهها ، وفيه دليل على ~~توعد الله عباده وجواز تعذيبهم على ترك السنن . وقول الملك : ( لم ترع ، ~~نعم الرجل أنت لو تكثر الصلاة بالليل ) هذه الزيادة تفسر سائر طرق هذا ~~الحديث . وفيه : الحكم بالدليل ؛ عبد الله استدل على أن اللذين أتياه ملكان ~~؛ لأنهما أوقفاه على جهنم ووعظاه بها ، والشيطان لايعظ ولايذكر بالخير ، ~~فاستدل بوعظهما وتذكيرهما أنهما ملكان . وقوله : ( لم ترع ) هذا خرج على ~~ماراه ، وعلى أنه ليس من أهل مارآه لأنه إذا قام الدليل أنهما ملكان فلا ~~يكون كلامهما إلا حقا . وفيه : دليل على أن مافسر فى النوم فهو تفسير فى ~~اليقظة ؛ لأن النبى عليه السلام لم يزد فى تفسيرها على ما فسرها الملك . ~~وفيه : دليل على أن أصل التعبير من قبل الأنبياء ؛ ولذلك كانوا يتمنون أن ~~يروا رؤيا فيفسرها النبى لتكون عندهم أصلا ، وهو مذهب الأشعرى أن أصل ~~التعبير بالتوقيف من قبل الأنبياء وعلى ألسنتهم ms3404 ، وهو كما قال ، لكن ~~المحظوظ على الأنبياء وإن كان أصلا فلا يعم اشخاص الرؤيا ، فلا بد للبارع ~~فى هذا العلم أن يستدل بحسن نظره PageV09P547 فيرد مالم ينص عليه إلى حكم ~~التمثيل ، ويحكم له بحكم الشبيه الصحيح فيجعل أصلا يقاس عليه كما يفعل فى ~~فروع الفقه . وقد تقدم فى باب فضل قيام الليل فى آخر كتاب الصلاة شىء من ~~معنى هذا الحديث . # | 26 - باب : إذا طار الشىء فى المنام # / 28 - فيه : ابن عباس ، قال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( بينا أنا ~~نائم ، رأيت أنه وضع فى يدى سواران من ذهب ، فقطعتهما وكرهتهما ، فأذن لى ~~فنفختهما فطارا ، فأولتهما : كذابين يخرجان ) . قال عبيدالله : أحدهما ~~العنسى الذى قتله فيروز باليمن ، والآخر مسيلمة . قال المهلب : هذه الرؤيا ~~ليست على وجهها ، وإنما هى على ضرب المثل ، وإنما أولهما النبى بالكذابين ؛ ~~لأن الكذب إنما هو الإخبارعن الشىء بخلاف ما هو به ووضعه فى غير موضوعه ، ~~فلما رآهما فى ذراعيه وليسا موضعا للسوارين ؛ لأنهما ليسا من حلية الرجال ~~علم أنه سيقضى على يدى النبى - يعنى على أوامره ونواهيه - من يدعى ما ليس ~~له ، كما وضعا حيث ليس لهما ، وكونهما من ذهب ، والذهب منهى عنه فى الدين ~~دليل على الكذب من وجوه : أحدها : وضع الشىء غير موضوعه . والثانى : كون ~~الذهب مستعملا فى الرجال وهو منهى عنه والذهب مشتق منه الذهاب ، فعلم أنه ~~شيء يذهب عنه ولايبقى ، ثم وكد له الأمر فأذن له فى نفخهما فطارا عباره ~~أنهما لايثبت لهما أمر ، وأن كلامه عليه السلام بالوحي الذى جاءه به ~~يزيلهما PageV09P548 الذي قاما فيه ، والنفخ دليل على الكلام . وقال ~~الكرمانى : من رأى أنه يطير بين السما والأرض أو من مكان إلى مكان فإن كانت ~~من الأضغاث فإنه كثير التمنى والفكر والاغترار بالأمانى ، وإن كانت رؤيا ~~صحيحة وكان يطير فى عرض السما فإنه يسافر سفرا بعيدا وينال رفعة ( بقدر ما ~~استقل من الأرض فى طيرانه ، فإن طار إلى السماء مستويا لا يتعرج ناله ضر ، ~~فإن وصل إلى السماء بلغ الغاية فى ضره ms3405 ، فإن غاب فيها ولم يرجع مات ، وإن ~~رجع إلى الأرض أفاق ) . وقال ابن أبى طالب العابر : وإن كان ذلك بجناح فقد ~~يكون جناحه مالا ينهض به أو سلطانا يسافر تحت كنفه ، فإن كان بغير جناح دل ~~على التغرير فيما يدخل فيه . وقوله : ( سواران ) والأكثر عند أهل اللغة ~~سوار بغير الف ، قال أبو عبيدة : سوار المرأة وسوارها . قال أبو على ~~الفارسى : وحكى قطرب إسوار ، وذكر أن اساور جمع إسوار على حذف الياء ؛ لأن ~~جمع إسوار أساوير . # | 27 - باب : إذا رأى بقرا تنحر # / 29 - فيه : أبو موسى : قال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( رأيت فى ~~المنام أنى أهاجر من مكة إلى أرض بها نخل ، فذهب وهلى إلى أنها اليمامة ، ~~أو هجر ، فإذا هى المدينة يثرب ، ورأيت فيها بقرا ، والله خير ، فإذا هم ~~المؤمنون يوم أحد ، وإذا الخير ما جاء الله من الخير وثواب الصدق الذى ~~آتانا الله به بعد يوم بدر ) . PageV09P549 قال المهلب : هذه الرؤيا فيها ~~نوعان من التأويل فيها الرؤيا على حسب مارئيت وهو قوله : ( أهاجر إلى أرض ~~بها نخل وكذلك هاجر فخرج على ما رأى ، وفيها ضرب المثل ؛ لأنه رأى بقرا ~~تنحر ، فكانت البقر أصحابه ، فعبر عليه السلام عن حال الحرب بالبقر من أجل ~~مالها من السلاح والقرون شبهت بالرماح ، ولما كان من طبع البقر المناطحة ~~والدفاع عن أنفسها بقرونها كما يفعل رجال الحرب ، وشبه عليه السلام النحر ~~بالقتل ) . وقوله : ( والله خير ) يعنى ماعند الله من ثواب القتل فى سبيل ~~الله خير للمقتول من الدنيا . وقيل : معى : ( والله خير ) إن صنع الله خير ~~لهم وهو قتلهم يوم أحد ، وقد تدل البقر على أهل البادية لعمارتهم الأرض ، ~~وعيشهم من نباتها ، وقد يدل الثور الواحد على التأثر ؛ لأنه يثير الأرض عن ~~حالها ، فكذلك الثأر أيضا يثير الناحية التى يقوم فيها ويحرك أهلها ويقلب ~~اسفلها أعلاها . قال ابن أبى طالب : والبقر إذا دخلت المدينة فإن كانت ~~سمانا فهى سنى رخاء ، وإن كانت عجافا كانت شدادا وإن كانت المدينة مدينة ~~بحر وإبان السفر قدمت ms3406 سفن على عددها وحالها إلا كانت فتن مترادفة كأنها ~~وجوه البقر كما فى الخبر : ( يشبه بعضها بعضا وفى خير آخر فى الفت ) كأنها ~~صياصى البقر ( يريد لتشابهها بعضا ) صفرا كلها فإنها أمراض تدخل على الناس ~~، وإن كانت مختلفة الألوان شنيعة القرون أو كان الناس ينفرون منها ، أو كان ~~النار والدخان يخرج من أفواهها فإنه عسكر أو غارة أو عدو يضرب عليهم فينزل ~~بساحتهم ، وقد يدل البقر على الوةجة والخادم والأرض والغلة والسنة ؛ ~~لمايكون فيها من الولد والغلة والنبات . وقوله : ( وهلى ) يعنى وهمى ، عن ~~صاحب العين . PageV09P550 # | 28 - باب : النفخ فى المنام # / 30 - فيه : همام ، قال : هذا ما حدثنا به أبو هريرة ، عن النبى - صلى ~~الله عليه وسلم - قال : ( نحن الآخرون السابقون ) ، وقال رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - : ( بينا أنا نائم ؛ إذ أوتيت خزائن الأرض ، فوضع فى يدى ~~سواران من ذهب ، فكبرا على ، وأهمانى ، فأوحى إلى أن انفخهما ، فنفختهما ~~فطارا ، فأولتهما : الكذابين اللذين أنا بينهما : صاحب صنعاء ، وصاحب ~~اليمامة ) . النفخ فى المنام إزالة الشىء المنفوخ فيه ، وإهاب له بغير تكلف ~~شديد لسهولة النفخ على النافخ ، والنفخ دليل على الكلام ، وكذلك أهلك الله ~~الكذابين صاحب صنعاء واليمامة بكلامه عليه السلام وأمر بقتليهما ، وقد تقدم ~~هذا المعنى فى باب إذا طار الشىء فى المنام . وأما قول همام : هذا ماحدثنا ~~به أبو هريرة عن النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( نحن الآخرون السابقون ) ~~وأتى بحديث السوارين ، فمعنى ذلك - والله أعلم - أن هماما روى عن أبى هريرة ~~أحاديث ليست بالكثيرة تعرف بقطعة همام وفى أولها : ( نحن الآخرون السابقون ~~) فأراد أن يذكر ذلك فى مواضع من هذا المصنف وقد نبهنا على هذا المعنى فى ~~باب لايبول فى الماء الدائم ، فى كتاب الوضوء . PageV09P551 # | 29 - باب : إذا رأى أنه أخرج الشىء من كورة فأسكنه موضعا آخر # / 31 - فيه : ابن عمر ، قال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( رأيت كأن ~~امرأة سوداء ثائرة الرأس ، خرجت من المدينة حتى قامت بمهيعة ، وهى الجحفة ، ~~فأولت أن وباء المدينة نقل إليها ) . وترجم له : باب ms3407 المرأة السوداء ، وباب ~~المرأة الثائرة الرأس . قال المهلب : هذه الرؤيا ليست على وجهها ، وهى مما ~~ضرب بها المثل فبعض المعبرين يجهل وجه التمثيل فى ذلك فتأول النبى عليه ~~السلام خروجها مشخصة ماجمع اسمها ، وقد اختلف فى معنى إسكانها الجحفة ، ~~فقيل : لعدوان أهلها وأذاهم للناس . وقيل : لأن الجحفة قليلة البشر . فكأنه ~~رأى أن يعافى منها الكثير مع بلية القليل . وأما ثوران راسها فتأول منه ~~أنها لما كانت الحمى مثيرة للبدن بالاقشعرار وارتفاع الشعر عبر عن حالها فى ~~النوم باتفاح شعر رأسها ، فكأنه قيل له : الداء الذى يسوء ويثير الشعر يخرج ~~من المدينة . وقيل : إن معنى الاقشعرار : الاستيحاش ، فكذلك هذا الداء ~~تستوحش النفوس منه . وقال على بن أبى طالب العابر : أى شىء دلت عليه ~~السوداء فى أكثر وجوهها فهو مكروه ، فربما دلت على الدنيا الحرام والزوجة ~~الحرام ، فمن وطئها فى المنام دخل فيما لايليق به ، فإما طعاما حراما يأكله ~~أو شرابا يشربه أو ثوبا على ذلك النعت يلبسه أو دارا مغصوبة يسكن فيها . ~~PageV09P552 قال صاحب العين : الكور : الرحل والجمع أكوار وكيران . # | 30 - باب : إذا هز سيفا فى المنام # / 32 - فيه : أبو موسى ، قال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( رأيت فى ~~رؤياى أنى هززت سيفا ، فانقطع صدره ، فإذا هو ما أصيب من المؤمنين يوم أحد ~~، ثم هززته أخرى ، فعاد أحسن ما كان ، فإذا هو ما جاء الله به من الفتح ~~واجتماع المؤمنين ) . قال المهلب : هذه الرؤيا على ضرب المثل وغير الوجه ~~المرئى والسيف ليس هو أصحاب النبى - صلى الله عليه وسلم - لكنهم لما كانوا ~~ممن يصول بهم النبى عليه السلام كما يصول بالسيف ويغنون عنه غنى السيف عبر ~~عنهم بالسيف ، وللسيف وجوه ، فمن تقلده فى المنام فإنه ينال سلطانا أو ~~ولاية ، أو إمامة أو وديعة يعطاها أو زوجة ينكحها إن كان عزبا أو تلد زوجته ~~غلاما إن كانت حاملا ، فإن سله من غمدة وتكسر الغمد وسلم السيف فإن امرأته ~~تموت وينجو ولده ، فإن تكسر السيف وسلم الغمد هلك الولد وسلمت الأم ، وربما ~~يكون ms3408 السيف أباه أو عمه أو أهاه يموت ، فإن انكسرت النعلة ماتت أمه أو ~~خالته أو نظيرهما و القائم أبدا فى اآباء والنعلة فى الأمهات ، فإن رآه ~~بيده وتهيأ ليلقى به عدوا أو يضرب به شخصا ، فسيفه لسانه يجرده فى خصومه أو ~~منازعه ، فإن لم تكن له نية وكان بذلك فى مسجد أو كان الناس يتوضئون من ~~عنده ، أو رأى شيئا فى لحيته فإنه PageV09P553 يقوم مقاما بحجة ويبدى لسانه ~~بالنصيحة والعلم والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر ، وربما يكون السيف ~~سلطانا جائرا . # | 31 - باب من كذب فى حلمه # / 33 - فيه : ابن عباس ، قال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( من تحلم ~~بحلم لم يره كلف أن يعقد بين شعيرتين ، ولن يفعل ، ومن استمع إلى حديث قوم ~~، وهم له كارهون - أو يفرون منه - صب فى أذنه الآنك يوم القيامة ، ومن صور ~~صورة عذب وكلف أن ينفخ فيها وليس بنافخ ) . عن أبى هريرة قوله : ( من كذب ~~فى رؤياه ) ، ( ومن صور صورة ، ومن تحلم واستمع ) وروى عن ابن عباس مثله . ~~( 1 ) / 34 - وفيه : ابن عمر : قال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( إن من ~~أفرى الفرى أن يرى عينيه ما لم تر ) . قال محمد بن جرير : إن قال قائل : ~~ماوجه خصوص النبى عليه السلام الكاذب فى رؤياه بما خصه به من تكليف العقد ~~بين طرفى شعرتين يوم القيامة ، وهل الكاذب فى رؤياه إلا كالكاذب فى اليقظة ~~، وقد يكون الكذب فى اليقظة أعظم فى الجرم إذا كان شهادة توجب على المشهود ~~عليه بها حدا أو قتلا أو مالا يؤخذ منه ، وليس ذلك فى كذبه فى منامه ؛ لأن ~~ضرر ذلك عليه فى منامه وحده دون غيره . قيل له : اختلفت حالتهما فى كذبهما ~~، فكان الكاذب على عينيه فى منامه أحق بأعظم النكالين وذلك لتظاهر الأخبار ~~عن النبى عليه السلام أن الرؤيا الصادقة جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة ~~، والنبوة لاتكون إلا وحيا من الله ، فكان معلوما بذلك أن الكاذب فى نومه ~~كاذب على الله أنه اراه مالم ير ، والكاذب ms3409 على الله أعظم فرية وأولى بعظيم ~~العقوبة من الكاذب على نفسه ، بما أتلف به حقا لغيره أو PageV09P554 أوجبه ~~عليه ، وبذلك نطق محكم التنزيل فقال تعالى : ( ومن أظلم ممن افترى على الله ~~كذبا أولئك يعرضون على ربهم ويقول الشهاد هؤلاء الذين كذبوا على ربهم لعنة ~~الله على الظالمين ) . فابان ذلك صحة ماقلناه أن الكذب فى الرؤيا ليس ~~كالكذب فى اليقظة ؛ لأن أحداهما كذب على الله والآخر كذب على المخلوقين . ~~قال المهلب فى قوله : كلف أن يعقد بين شعرتين حجة للأشعرية فى تجويزهم ~~تكليف مالا يطاق ، وفى كتاب الله مايزيد ذلك بيانا وهو قوله تعالى : { يوم ~~يدعون إلى السجود فلا يستطيعون } ولله أن يفعل فى عباده ماشاء لايسأل عما ~~يفعل وهم يسألون . ومنع من ذلك الفقهاء والمعتزلة واحتجوا بقوله تعالى : ( ~~لايكلف الله نفسا إلا وسعها ) . وقالوا : قوله تعالى : ( يوم يدعون إلى ~~السجود ) وتكليفه عليه السلام العقد بين شعرتين وما أشبهه من أحكام الآخرة ~~وليست الآخرة دار تكليف ، وإنما هى دار مجازاة فلا حجة لهم فى ذلك ؛ لأن ~~الله تعالى قد أخبر فى كتابه بأنه لايكلف نفسا من العبادات فى الدنيا إلا ~~وسعها ، ولو كلفهم ما لايقدرون عليه فى الدنيا لكان فى ذلك كون خبره الصادق ~~على خلاف إخبار الله تعالى ، وعلى هذا التأويل لاتضاد الآيات . وقال الطبرى ~~: إن سأل سائل عن معنى قوله : ( من استمع إلى حديث قوم وهم له كارهون . . ) ~~الحديث . فقال : أرأيت إن استمع إلى حديث قوم لا ضرر على المحدثين فى ~~استماعه إليهم ، وللمستع فيه نفع عظيم إما فى دينه أو دنياه ، أيجوز ~~استماعه إليه وإن كره ذلك PageV09P555 المتحدثون ؟ قيل : المستمع لا يعلم ~~هل له فيه نفع إلا بعد استماعه إليه ، وبعد دخوله فيما كره له رسول الله ~~عليه السلام فغير جائز له اسماع حديثهم ، وإن كان ضرر عليهم فيه ؛ لنهى ~~النبى عليه السلام عن الاستماع إلى حديثهم نهيا عاما ، فلا يجوز لأحد من ~~الناس أن يستمع إلى حديث قوم يكرهون استماعه ، فإن فعل ذلك فأمره إلى خالفه ~~إن ms3410 شاء غفر له وإن شاء عذبه . فإن قيل : أفرأيت من استمع إلى حديثهم وهو ~~لايعلم هل يكرهون ذلك ، هل هو داخل فيمن يصب فى أذنيه الآنك يوم القيامة ؟ ~~قيل : إن الخبر إنما ورد بالوعيد لمستمع ذلك وأهله له كارهون ، فأما من لم ~~يعلم كراهتهم لذلك فالصواب ألا يستمع حديثهم ألا بإذنهم له في ذلك ؛ للخبر ~~الذي روى عن النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( أنه نهى عن الدخول بين ~~المتناجيين ) فى كراهية ذلك إلا بإذنهم . والآنك : الرصاص المذاب . وقولهم ~~: أفرى الفرى يعنى : أكذب الكذب ، والفرية : الكذبة العظيمة التى يتعجب ~~منها . وجمعهافرى مقصور مثل لحية ولحى ، وقد تقدم القول فى التصوير فى كتاب ~~الزينة . # | 32 - باب : إذا رأى ما يكره فلا يخبر بها ولا يذكرها # / 35 - فيه : أبو سلمة ، لقد كنت أرى الرؤيا فتمرضنى حتى سمعت أبا قتادة ~~، يقول : وأنا كنت لأرى الرؤيا تمرضنى حتى سمعت النبى - صلى الله عليه وسلم ~~- يقول : ( الرؤيا الحسنة من الله ، فإذا رأى أحدكم ما يحب ، فلا يحدث به ~~PageV09P556 إلا من يحب ، وإذا رأى ما يكره ، فليتعوذ بالله من شرها ، ومن ~~شر الشيطان ، وليتفل ثلاثا ، ولا يحدث بها أحدا فإنها لن تضره ) . / 36 - ~~وفيه : أبو سعيد ، قال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( إذا رأى أحدكم ~~الرؤيا يحبها ، فإنها من الله ، فليحمد الله عليها ، وليحدث بها ، وإذا رأى ~~غير ذلك مما يكره ، فإنما هى من الشيطان ، فليستعذ من شرها ، ولا يذكرها ~~لأحد فإنها لن تضره ) . قال المؤلف : جاء فى حديث أبى قتادة فى الأبواب ~~المتقدمة أن التفل ثلاثا إنما يكون عن شماله ، فمرة جاء ( فليبصق عن يساره ~~) ومرة جاء ( فلينفث عن شماله ) ، وفى هذا الباب ( فليتفل ) والمعنى فيه ~~تقارب ، وإنما أمر الله عليه السلام - والله أعلم - إذا رأى ما يحب إلا ~~يحدث بها إلا من يحب ؛ لأن المحب لايسوءه مايسر به صديقه ، بل هو مسرور بما ~~سره وغير حريص أن يتأول الرؤيا الحسنة شر التأويل ، ولو أخبر بها من لايحبه ~~لم يأمن أن يتأولها شر التأويل ، فربما وافق ms3411 ذلك وجها من الحق فى تأويلها ~~فتخرج كذلك لقوله عليه السلام : ( الرؤيا لأول عابر ) وأما إذا رأى ما يكره ~~فقد أمره عليه السلام بمداة مايخاف من ضرها وتلافيه بالتعوذ بالله من شرها ~~ومن شر الشيطان ، ويتفل ثلاثا عن يساره ، ولايحدث بها فإنها لن تضره . فإن ~~قال قائل : قد تقدم من قولك قد يكون من ضروب الرؤيا منذرة ومنبهة للمرء على ~~الاستعداد للبلاء قبل وقوعه رفقا من الله لعباده لئلا يقع وعلى غرة فيقتل ، ~~وإذا وقع على مقدمة وتوطين كان أقوى للنفس وابعد لها من أذى البغتة ، وقد ~~سبق في علم الله PageV09P557 إذا كانت الرؤيا الصحيحة من قبل الله محزنة أن ~~تضر من رآها ، فما وجه الحكمة فى كتمانها ؟ . قال المهلب : فالجواب أنه إذا ~~أخبر بالرؤيا المكروهة لم يأمن أن تفسر له بالمكروه فيستعجل الهم ، ويتعذب ~~بها ويترقب وقوع المكروه به ، فيسوء حاله ، ويغلب عليه اليأس من الخلاص من ~~شرها ، ويجعل ذلك نصب عينيه ، وقد كان داود النبى عليه السلام من هذا ~~البلاء الذى كان عجلة لنفسه بما أمره به من كتمانها والتعوذ بالله من شرها ~~، وإذا لم تفسر له بالمكروه بقى بين الطمع والرجاء المجبولة عليه النفس ~~أنها لاتجزع إما لأنها من قبل الشيطان أو أن لها تأويلا آخر على المحبوب ، ~~فأراد الرؤيا قد يبطؤ خروجها وعلى أن أكثر مايراه الإنسان مما يكرهه فهو من ~~قبل الشيطان ، ولو أخبر بذلك كله لم ينفك دهره دائما من الاهتمام بما ~~لايؤذيه أكثره ، وهذه حمة بالغة واحتياط على المؤمنين ، فيجزى الله نبينا ~~عنا خيرا وصلى الله عليه وسلم . قال الطبرى : ووجه أمره عليه السلام بالنفث ~~عن الشمال ثلاثا - والله أعلم - إخساء للشيطان كما يتفل اإنسان عند الشىء ~~القذر يراه أو يذكره ، ولاشىء أقذر من الشيطان فأمره عليه السلام بالتفل ~~عند ذكره ، وأما خصوصه بذلك الشمال دون اليمين فلأن تأتى الشرور كلها عند ~~العرب من قبل الشمال ، ولذلك سمتها الشؤمى ولذلك كانوا يتشاءمون بماجاء من ~~قبلها من طائر وحشى أخذ إلى ناحية اليمين فسمى ms3412 ذلك بعضهم بارحا وكانوا ~~يتطيرون منه ، وسماه بعضهم سانحا ، PageV09P558 وأنه ليس فيه كثير اعتمال ~~من بطش وأخذ وإعطاء ، وأكل وشرب وأصل طريق الشيطان إلى ابن آدم لدعائه إلى ~~مايكرهه الله من قبلها . # | 33 - باب من لم ير الرؤيا لأول عابر إذا لم يصب # / 37 - فيه : ابن عباس ، أن رجلا أتى النبى - صلى الله عليه وسلم - ، ~~فقال : ( إنى رأيت الليلة فى المنام ظلة تنطف السمن والعسل ، فأرى الناس ~~يتكففون منها ، فالمستكثر والمستقل ، وإذا سبب واصل من الأرض إلى السماء ، ~~فأراك أخذت به ، فعلوت ، ثم أخذ به رجل آخر فعلا به ، ثم أخذ به رجل آخر ~~فعلا به ، ثم أخذ به رجل آخر فانقطع ثم وصل ، فقال أبو بكر : يا رسول الله ~~، بأبى أنت والله ، لتدعنى فأعبرها ، فقال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ~~اعبرها ، قال : أما الظلة فالإسلام ، وأما الذى ينطف من العسل والسمن ~~فالقرآن ، حلاوته تنطف ، فالمستكثر من القرآن والمستقل ، وأما السبب الواصل ~~من السماء إلى الأرض فالحق الذى أنت عليه ، تأخذ به فيعليك الله ، ثم يأخذ ~~به ، رجل من بعدك فيعلو به ثم يأخذ به ، رجل آخر فيعلو به ثم يأخذه رجل آخر ~~فينقطع به ثم يوصل له ، فيعلو به ، فأخبرنى يا رسول الله ، بأبى أنت أصبت ~~أم أخطأت ؟ قال النبى - صلى الله عليه وسلم - : أصبت بعضا ، وأخطأت بعضا ، ~~قال : فوالله يا رسول الله ، لتحدثنى بالذى أخطأت ، قال : لا تقسم ) . قال ~~المهلب : إنما عبر بالظله عن الإسلام ؛ لأن الظله نعمة من نعم الله عن أهل ~~الجنة ، وكذلك كانت على بنى إسرائيل ، وكذلك كانت تظل النبى عليه السلام ~~أينما مشى قبل نوته ، فكذلك الإسلام PageV09P559 يقي ويقي الأذى وينعم ~~المؤمن فى الدنيا والآخرة ، وأما العسل ، فإن الله تعالى جعله شفاء للناس ~~وقال فى القرآن : ( شفاء لما فى الصدور ) وهو ابدا حلو على الأسماع كحلاوة ~~العسل على المذاق ، وكذلك جاء فى الحديث أن فى السمن شفاء من كل داء . ~~والسبب : هو الحبل والعهد والميثاق ، قال تعالى : ( أينما ثقفوا إلا بحبل ~~من الله ) أى ms3413 : بعهده وميثاق ، والرجل الذى يأخذ الحبل بعد النبى - صلى ~~الله عليه وسلم - : أبو بكر الصديق يقوم بالحق فى أمته بعده ، ثم يقوم ~~بالحق بعده عمر ، ثم يقوم بالحق بعده عثمان ، وهو الذى انقطع به . قال ~~المهلب : موضع الخطأ الذى قال له النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( وأخطأت ~~بعضا ) فى قوله : ( ثم وصل له ) إنما الخطأ فى قوله : له ، لأن فى الحديث : ~~( ثم وصل ) ولم يذكر له فالوصل إنما يكون لغيره ، وكان ينبغى لأبى بكر أن ~~يقف حيث وقفت الرؤيا ، ويقول : ثم يوصل على نص الرؤيا ، ولايذكر الموصول له ~~، ومعنى كتمان النبى موضع الخطأ ؛ لئلا يحزن الناس بالعارض لعثمان ، فهو ~~الرابع الذى انقطع له ثم وصل ، أى وصلت الخلافة لغيره ، وفى هذا تفسير ~~للحديث الذى رواه أبو معاوية ، عن الأعمش ، عن يزيد الرقاشى ، عن أنس بن ~~مالك أن النبى عليه السلام قال : ( الرؤيا لأول عابر ) . وقال أبو عبيد ~~وغيره من العلماء : تأويل قوله : ( الرؤيا لأول عابر ) إذا أصاب الأول وجه ~~العبارة وإلا فهى لمن أصابها بعده ، إذ ليس المدار إلا على إصابة الصواب ~~فيما يرى النائم ليوصل بذلك إلى مراد الله بما ضربه من الأمثال فى المنام ، ~~فإذا اجتهد العابر وأصاب الصواب فى معرفة المراد بما ضربه الله فى المنام ~~فلا PageV09P560 تفسير إلا تفسيره ولاينبغي أن يسال عنها غيره ، إلا أن ~~يكون الأول قد قصر به تاويله فخالف اصول التأويل ، فاللعابر الثانى أن يبين ~~ماجهله ويخبر بما عنده كما فعل النبى عليه السلام بالصديق فقال : ( أصبت ~~بعضا وأخطأت بعضا ) ولو كانت الرؤيا لأول عابر سواء أصاب أو أخطأ ماقال له ~~الرسول - صلى الله عليه وسلم - : ( وأخطأت بعضا ) وقال الكرمانى : لا تغير ~~الرؤيا عن وجهها التى رئيت له عبارة عابر ولاغيره ، وكيف يستطيع مخلوق أن ~~يغير ماجاءت نسخته من أم الكتاب ، غير أن الذى يستحب لمن لم يتدرب فى علم ~~التأويل ولااتسع فى التعبير الا يتعرض لما قد سبق إليه من لايشك فى إمامته ~~ودينه ، وله من التجربة فوق تجربته . قال ابن ms3414 قتية : وليس ينبغى أن يسأل ~~صاحب الرؤيا عن رؤياه إلا عالما ناصحا أمينا كما جاء فى الخبر عن النبى - ~~صلى الله عليه وسلم - : ( لا تقصص رؤياك إلا على عالم أو ناصح أوذى رأى من ~~أهلك ، فإنه سوف يقول خيرا ) وليس معنى ذلك أن الرؤيا التى يقول عليها خيرا ~~كانت دلالة على المكروه والشر ، فقد قيل لمالك : أتعبر الرؤيا على الخير ~~وهى عنده على الشر لوقل من قال : أنها على ماأولت ؟ فقال : معاذ الله ، ~~والرؤيا من أجزاء النبوة فيتلاعب بالنبوة ؟ ! ولكن الخير الذى يرجى من ~~العالم والناصح هو التأويل بالحق أو يدعو له بالخير ودفع الشر ، فيقول خيرا ~~لك وشرا لعدوك إذا جهل التأويل . قال المهلب : وفيه أن للعالم أن يسكت عن ~~تعبير بعض الرؤيا إذا خشى منها فتنة على الناس غما شاملا ، فأما إن كان ~~الغم PageV09P561 يخص واحدا من الناس ، واستفسر العابر عنه فلا بأس أن يخبر ~~بالعبارة ليعد الصبر ويكون على أهبته من نزول الحادثة لئلا تفجأة فتفزعه ، ~~وقد فسر أبو بكر الصديق رضى الله عنه للمرأة التى رأت جائز بيتها انكسر ، ~~فقال : ( يموت زوجك وتلدين غلاما ) لماخصها من الحزن وسالت عن التفسير . ~~وفيه : تخصيص معنى أمره عليه السلام بإبرار القسم ؛ لأن أبا بكر قد أقسم ~~على النبى عليه السلام ليخبره بموضع الخطأ ، فلم يبر قسمه فعلم أن إبرار ~~القسم إنما يجوز إذا لم يكن فى ذلك ضرر على المسلمين ، وكذلك إذا أقسم على ~~ما لا يجوز أن يقسم عليه لم ينبغ أن يبر قسمه ، الا ترى أن رجلا لو أقسم ~~على أخيه ليشربن بالخمر ، أو لعصين الله ، لكان فرضا عليه أن لا يبر قسمه . ~~وفيه : أنه لا بأس للتلميذ أن يقسم على استاذه أن يدعه يفتى فى المسألة ؛ ~~لأن هذا القسم إنما هو بمعنى الرغبة والتدرب . وفيه : جواز فتوى المفضول ~~بحضرة الفاضل إذا كان مشارا إليه بالعلم والأمانة . والظلة : سبحانه لها ظل ~~. وتنطف : تمطر . والسبب : الحبل . وقوله : ( يتكففون ) قال صاحب العين : ~~تكفف واستكف : إذا بسط كفه ليأخذ . PageV09P562 # | 34 ms3415 - باب تعبير الرؤيا بعد الصبح # / 38 - فيه : سمرة ، كان النبى - صلى الله عليه وسلم - مما يكثر أن يقول ~~لأصحابه : هل رأى أحد منكم من رؤيا ؟ قال : فيقص عليه من شاء الله أن يقص ، ~~وإنه قال ذات غداة : إنه أتانى الليلة آتيان ، وإنهما ابتعثانى ، وإنهما ~~قالا لى : انطلق وإنى انطلقت معهما ، وإنا أتينا على رجل مضطجع ، وإذا آخر ~~قائم عليه بصخرة ، وإذا هو يهوى بالصخرة لرأسه ، فيثلغ رأسه فيتهدهد الحجر ~~ها هنا ، فيتبع الحجر ، فيأخذه فلا يرجع إليه حتى يصح رأسه ، كما كان ثم ~~يعود عليه فيفعل به مثل ما فعل المرة الأولى ، قال : قلت لهما : سبحان الله ~~، ما هذان ؟ قال : قالا لى : انطلق ، انطلق . وذكر الحديث بطوله ، إلى قوله ~~: قلت : إنى قد رأيت منذ الليلة عجبا ، فما هذا الذى رأيت ، قال : قالا لى ~~: أما إنا سنخبرك ، أما الرجل الأول الذى أتيت عليه يثلغ رأسه بالحجر ، ~~فإنه الرجل يأخذ القرآن ، فيرفضه وينام عن الصلاة المكتوبة ، وأما الرجل ~~الذى أتيت عليه يشرشر شدقه إلى قفاه ومنخره إلى قفاه ، وعينه إلى قفاه فإنه ~~الرجل يغدو من بيته ، فيكذب الكذبة تبلغ الآفاق ، وأما الرجال والنساء ~~العراة الذين فى مثل بناء التنور ، فإنهم الزناة والزوانى ، وأما الرجل ~~الذى أتيت عليه يسبح فى النهر ، ويلقم الحجر ، فإنه آكل الربا ، وأما الرجل ~~الكريه المرآة الذى عند النار يحشها ويسعى حولها ، فإنه مالك خازن جهنم ، ~~وأما الرجل الطويل الذى فى الروضة ، فإنه إبراهيم - صلى الله عليه وسلم - ، ~~وأما الولدان الذين حوله فكل مولود مات على الفطرة ، قال : فقال : بعض ~~المسلمين يا رسول الله ، وأولاد المشركين ؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - : وأولاد المشركين ، وأما الذين كانوا شطر منهم حسنا وشطر قبيح ، ~~فإنهم خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا فتجاوز الله عنهم ) . قال المهلب : أما ~~معنى الترجمة في سؤاله عليه السلام عن الرؤيا PageV09P563 عند صلاة الصبح ~~أولى من غيره من الأوقات لحفظ صاحبها لها وقرب عهده لها ، وأن النسيان قلما ~~يعترض عليه فيها ولجام ذهن العابر وقله ابتدائه بالفكره ms3416 فى أخبار معاشه ~~ومداخلته للناس فى شعب دنياهم ، وليعرف الناس مايعرض لهم فى نومهم ذلك ، ~~فيستبشرون بالخير ويحذرون موارد الشر ، ويتأهبون لورود الأسباب الماوية ~~عليهم ، فربما كانت الرؤيا تحذيرا عن معصية لاتقع إن جهدت ، وربما كانت ~~إنذارا لما لابد من وقوعه ، لا تقع إن جهدت ، وربما كانت البشرى الخير سببا ~~لسماعها إلى الازدياد منه وقويت فيه نبيته وانشرحت له نفسه وتسبب إليه ، ~~وفى هذا الحديث حجة لمن قال إن أطفال المشركين فى الجنة كأطفال المسلمين ، ~~وقد تقدم فى الجنائز . وقوله : ( يثلغ رأسه ) يعنى : يشدخه ، والمثلغ من ~~الرطب والتمر : ماأسقطه المطر ، الدهدهة : فنزول الشىء دهده من أعلاه إلى ~~أسفل ، والكلوب ، والكلاب لغتان وقد تقدم تفسير الكلول والدهدهة فى الجنائز ~~بزيادة على ما فى هذا الباب . وشرشر : قطع . من كتاب العين . والضوضاء : ~~الصوت والجلبة ، وقد ضوضا الناس . وفغرفاه يفغر ، إذا فتحه . وقوله : يحشها ~~، قال صاحب العين : حششت النار حشا : أوقدتها وجمعت الحطب إليها ، وكل ما ~~قوى بشىء فقد حش به . ومغن إذا كثر شجرة ودغله . ولايعرف الأصمعى إلا أغن ~~وحده . PageV09P564 وقال صاحب العين : روضة غناء : كثيرة العشب والذباب ، ~~وقرية غناء : كثيرة الأهل ، وواد أغن . وقوله : ( كأن ماءه المحض فى البياض ~~) ، قال صاحب العين المحض : اللبن بلا رغوه ، وكل شىء خالص فهو محض ، وقال ~~: الرباب : السحاب واحدتها ربابة . * * * PageV09P565 # | كتاب الفتن # 1 - قول الله تعالى : { واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة } [ ~~الأنفال 25 ] وما كان النبى - صلى الله عليه وسلم - يحذر من الفتن / 1 - ~~فيه : أسماء ، قالت : قال النبى - صلى الله عليه وسلم - قال : ( أنا على ~~حوضى أنتظر من يرد على ، فيؤخذ بناس من دونى ، فأقول : أمتى ، فيقال : لا ~~تدرى ، مشوا على القهقرى ) . وقال ابن أبى مليكة : اللهم إنا نعوذ بك أن ~~نرد على أعقابنا أو نفتن . / 2 - وفيه : عبدالله ، قال النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - : ( أنا فرطكم على الحوض ، ليرفعن إلى رجال منكم حتى إذا أهويت ~~لأناولهم اختلجوا دونى ، فأقول : أى رب ، أصحابى ، يقول : لا تدرى ما ~~أحدثوا بعدك ) . / 3 - وفيه ms3417 : سهل ، قال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( ~~أنا فرطكم على الحوض ، فمن ورده شرب منه ، ومن شرب منه لم يظمأ بعده أبدا ، ~~ليرد على أقوام أعرفهم ويعرفونى ، ثم يحال بينى وبينهم ) . وزاد أبو سعيد ~~قال : ( إنهم منى ) ، فيقال : إنك لا تدري ما بدلوا بعدك ، فأقول : سحقا ، ~~سحقا ، لمن بدل بعدي ) . PageV10P005 قال المؤلف : كان النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - يستعيذ من الفتن ومن شرها ويتخوف من وقوعها ؛ لأنها تذهب ~~بالدين وتتلفه ، وقال : قول الله : { واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا ~~منكم خآصة } [ الأنفال : 25 ] قال : إن الفتنة إذا عمت هلك الكل ، وذلك عند ~~ظهور المعاصى وانتشار المنكر . وقد سألت زينب النبى - صلى الله عليه وسلم - ~~عن هذا المعنى فقالت : يا رسول الله أنهلك وفينا الصالحون ؟ قال : ( نعم ~~إذا كثر الخبث ) وفسر العلماء الخبث أولاد الزنا ، فإذا ظهرت المعاصى ولم ~~تغير ، وجب على المؤمنين المنكرين لها بقلوبهم هجران تلك البلدة والهرب ~~منها ، فإن لم يفعلوا فقد تعرضوا للهلاك ، إلا أن الهلاك طهارة للمؤمنين ~~ونقمة على الفاسقين ، وبهذا قال السلف . وروى ابن وهب عن مالك أنه قال : ~~تهجر الأرض التى يصنع فيها المنكر جهارا ولا يستقر فيها . واحتج بصنيع أبى ~~الدرداء فى خروجه عن أرض معاوية حين أعلن بالربا وهو من الكبائر ، وأجاز ~~بيع سقاية الذهب بأكثر من وزنها فقال له أبو الدرداء : ( سمعت رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - ينهى عن مثل هذا إلا مثلا بمثل . فقال معاوية : ما ~~أرى بمثل هذا بأسا . فقال أبو الدرداء : من يعذرنى من معاوية ، أنا أخبره ~~عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ويخبرنى عن رأيه لا أساكنك بأرض أنت ~~بها ) . وأما أحاديث أهل هذا الباب فى ذكر من يعرفهم النبى من أمته ، ويحال ~~بينهم وبينه ، لما أحدثوا بعده ، فذلك كل حدث فى الدين لا يرضاه الله من ~~خلاف جماعة المسلمين ، وجميع أهل البدع كلهم فيهم مبدلون محدثون ، وكذلك ~~أهل الظلم والجور ، وخلاف الحق وأهله كلهم محدث مبدل ليس فى الإسلام داخل ~~فى معنى هذا الحديث ms3418 . وقوله : ( اختلجوا دوني ) . قال صاحب العين : خلجت ~~الشيء ، PageV10P006 واختلجته : جذبته . وقوله : ( فسحقا سحقا لمن بدل بعدي ~~) يعنى : بعدا له والسحيق : البعيد ومنه قوله تعالى : { فسحقا لأصحاب ~~السعير } [ الملك : 11 ] ، ومعنى ذلك : الدعاء على من بدل وغير كقوله : ~~أبعده الله . قال أبو جعفر الداودى : وليس هذا مما يحتم به للمختلجين بدخول ~~النار ؛ لأنه يحتمل أن يختلجوا وقتا فيلحقهم من هول ذلك اليوم وشدته ما شاء ~~الله ، ثم يتلقاهم الله بما شاء من رحمته ، ولا يدل قوله : ( سحقا سحقا ) ~~أنه لا يشفع لهم بعد ؛ لأن الله تعالى قد يلقى لهم ذلك فى قلبه وقتا ~~ليعاقبهم بما شاء إلى وقت يشاء ، ثم يعطف قلبه عليهم فيشفع لهم ، وقد جاء ~~فى الحديث : ( شفاعتى لأهل الكبائر من أمتى ) . وقد قال بعض السلف : فالذين ~~يعرفهم النبى ويحال بينهم وبينه أنهم هم المرتدون ، واستدل على ذلك بقوله : ~~( أى رب أصحابى ، فيقال : إنهم ارتدوا بعدك على أدبارهم القهقرى ) ذكره فى ~~باب الحوض فى آخر الرقاق وفى هذه الأحاديث الإيمان بحوض النبى - صلى الله ~~عليه وسلم - على ما ذهب إليه أهل السنة . * * * # | 2 - باب قول النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( سترون بعدى أمورا ~~تنكرونها ) # وقال عبدالله بن زيد : قال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( اصبروا حتى ~~تلقون على الحوض ) . / 4 - فيه : ابن مسعود ، قال النبى - صلى الله عليه ~~وسلم - : ( إنكم سترون بعدى أثرة ، وأمورا PageV10P007 تنكرونها ) ، قالوا ~~: فما تأمرنا يا رسول الله ؟ قال : ( أدوا إليهم حقهم ، وسلوا الله حقكم ) ~~. / 5 - وفيه : ابن عباس ، قال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( من كره من ~~أميره شيئا ، فليصبر ، فإنه من خرج من السلطان شبرا مات ميتة جاهلية ) . / ~~6 - وفيه : عبادة ، بايعنا النبى - صلى الله عليه وسلم - على السمع والطاعة ~~فى منشطنا ومكرهنا ، وعسرنا ويسرنا ، وأثرة علينا ، وأن لا ننازع الأمر ~~أهله ، إلا أن تروا كفرا بواحا عندكم من الله فيه برهان . / 7 - وفيه : ~~أسيد بن حضير ، أن رجلا أتى النبى - صلى الله عليه وسلم - فقال : يا رسول ~~الله استعملت فلانا ، ولم تستعملنى ، قال ms3419 : ( إنكم سترون بعدى أثرة ، ~~فاصبروا حتى تلقونى ) . قال المؤلف : فى هذه الأحاديث حجة فى ترك الخروج ~~على أئمة الجور ، ولزوم السمع والطاعة لهم والفقهاء مجمعون على أن الإمام ~~المتغلب طاعته لازمة ، ما أقام الجمعات والجهاد ، وأن طاعته خير من الخروج ~~عليه ؛ لما فى ذلك من حقن الدماء وتسكين الدهماء ، ألا ترى قوله - صلى الله ~~عليه وسلم - لأصحابه : ( سترون بعدى أثرة وأمورا تنكروها ) فوصف أنهم سيكون ~~عليهم أمراء يأخذون منهم الحقوق ويستأثرون بها ، ويؤثرون بها من لا تجب له ~~الأثرة ، ولا يعدلون فيها ، وأمرهم بالصبر عليهم والتزام طاعتهم على ما ~~فيهم من الجور ، وذكر على بن معبد ، عن على بن أبى طالب أنه قال : لابد من ~~إمامة برة أو فاجرة . قيل له : البرة لابد منها ، PageV10P008 فما بال ~~الفاجرة ؟ قال : تقام بها الحدود ، وتأمن بها السبل ، ويقسم بها الفئ ، ~~ويجاهد بها العدو . ألا ترى قوله - صلى الله عليه وسلم - فى حديث ابن عباس ~~: ( من خرج من السلطان شبرا مات ميتة جاهلية ) . وفى حديث عبادة : ( بايعنا ~~رسول الله على السمع والطاعة ) إلى قوله : ( وألا ننازع الأمر أهله ، إلا ~~أن تروا كفرا بواحا ) فدل هذا كله على ترك الخروج على الأئمة ، وألا يشق ~~عصا المسلمين ، وألا يتسبب إلى سفك الدماء وهتك الحريم ، إلا أن يكفر ~~الإمام ويظهر خلاف دعوة الإسلام ، فلا طاعة لمخلوق عليه ، وقد تقدم فى كتاب ~~الجهاد ، وكتاب الأحكام هذا . قال الخطابى : ( بواحا ) يريد ظاهرا باديا ، ~~ومنه قوله : باح بالشىء يبوح به بوحا وبئوحا ، إذا أذاعه وأظهره ومن رواه ( ~~براحا ) فالبراح بالشىء مثل البواح أو قريب منه ، وأصل البراح الأرض القفر ~~التى لا أنيس ولا بناء فيها ، وقال غيره : البراح : البيان ، يقال : برح ~~الخفاء أى ظهر . * * * # | 3 - باب قول النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( هلاك أمتى على يدي ~~أغيلمة سفهاء من قريش ) # / 8 - فيه : أبو هريرة : قال : قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : ( ~~هلكة أمتي على يدي غلمة من قريش ) . فقال مروان : لعنة الله عليهم غلمة ، ~~فقال أبو هريرة : لو شئت أن ms3420 أقول بنى فلان ، وبنى فلان لفعلت . PageV10P009 ~~قال المؤلف : وفى هذا الحديث أيضا حجة لجماعة الأمة فى ترك القيام على أئمة ~~الجور ووجوب طاعتهم والسمع والطاعة لهم ، ألا ترى أنه - صلى الله عليه وسلم ~~- قد أعلم أبا هريرة بأسمائهم وأسماء آبائهم ، ولم يأمره بالخروج عليهم ولا ~~بمحاربتهم ، وإن كان قد أخبر أن هلاك أمته على أيديهم ، إذ الخروج عليهم ~~أشد فى الهلاك وأقوى فى الاستئصال ، فاختار - صلى الله عليه وسلم - لأمته ~~أيسر الأمرين وأخف الهلاكين ، إذ قد جرى قدر الله وعلمه أن أئمة الجور أكثر ~~من أئمة العدل وأنهم يتغلبون على الأمة ، وهذا الحديث من أقوى ما يرد به ~~على الخوارج . فإن قال قائل : ( ما أراد النبى - صلى الله عليه وسلم - ~~بقوله : ( هلاك أمتى ) أهلاكهم فى الدين أم هلاكهم فى الدنيا بالقتل ؟ . ~~قيل : أراد الهلاكين معا ، وقد جاء ذلك بينا فى حديث على بن معبد عن ~~إسماعيل بن عياش ، عن يحيى بن عبيد الله ، عن أبيه قال : سمعت أبا هريرة ~~يقول : قال رسول الله : ( أعوذ بالله من إمارة الصبيان . فقال أصحابه : وما ~~إمارة الصبيان ؟ فقال : إن أطعتموهم هلكتم ، وإن عصيتموهم أهلكوكم ، ~~فهلاكهم فى طاعتهم هلاك الدين ، وهلاككم فى عصيانهم هلاك الأنفس ) . فإن ~~قيل : فلم ذكر البخارى فى الترجمة أغيلمة سفهاء من قريش ، ولم يذكر ( سفهاء ~~) فى حديث الباب ؟ . قيل : كثيرا ما يفعل مثل هذا ، وذلك أن تأتى فى حديث ~~لا يرضى إسناده لفظة تبين معنى الحديث فيترجم بها ليدل على المراد بالحديث ~~، وعلى أنه قد روى عن العلماء ثم لا يسعه أن يذكر فى حشو الباب إلا أصح ما ~~روى فيه لاشتراطه الصحة فى كتابه ، وقد روى ذلك على بن معبد قال حدثنا أشعث ~~بن PageV10P010 سعيد ، عن سماك ، عن أبى هريرة قال : قال رسول الله : ( إن ~~فساد أمتى ، أو هلاك أمتى على رءوس غلمة سفهاء من قريش ) . فبان بهذا ~~الحديث أن الغلمة سفهاء ، وأن الموجب لهلاك الناس بهم أنهم رؤساء وأمراء ~~متغلبين . * * * # | 4 - باب قول النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( ويل ms3421 للعرب من شر قد ~~اقترب ) # / 9 - فيه : زينب ، قالت : استيقظ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من ~~النوم محمرا وجهه ، يقول : ( لا إله إلا الله ، ويل للعرب ، من شر قد اقترب ~~، فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه ) ، وعقد سفيان تسعين أو مائة ، ~~قيل : أنهلك وفينا الصالحون ؟ قال : ( نعم ، إذا كثر الخبث ) . / 10 - وفيه ~~: أسامة ، أشرف النبى - صلى الله عليه وسلم - على أطم من آطام المدينة ، ~~فقال : ( هل ترون ما أرى ) ؟ قالوا : لا ، قال : ( فإنى لأرى الفتن تقع ~~خلال بيوتكم كوقع القطر ) . قال المؤلف : هذه الأحاديث كلها مما أنذر النبى ~~- صلى الله عليه وسلم - بها أمته وعرفهم قرب الساعة لكى يتوبوا قبل أن يهجم ~~عليهم وقت غلق باب التوبة حين لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل ، ~~وقد ثبت أن خروج يأجوج ومأجوج من آخر الأشراط ، فإذا فتح من ردمهم فى وقته ~~- صلى الله عليه وسلم - مثل عقد التسعين أو المائة فلا يزال الفتح يستدير ~~ويتسع على مر الأوقات ، وهذا الحديث فى معنى قوله - صلى الله عليه وسلم - : ~~( بعثت أنا والساعة كهاتين . وأشار بأصبعيه السبابة والتى تليها ) وقد روى ~~النضر بن شميل ، عن محمد بن عمرو ، عن أبى سلمة ، عن أبي PageV10P011 هريرة ~~قال : قال رسول الله : ( ويل للعرب من شر قد اقترب ، موتوا إن استطعتم ) ~~وهذا غاية فى التحذير من الفتن والخوض فيها حين جعل الموت خيرا من مباشرتها ~~، وكذلك أخبر فى حديث أسامة بوقوع الفتن خلال بيوتهم ليتوقفوا ولا يخوضوا ~~فيها ويتأهبوا لنزولها بالصبر ، ويسألوا الله العصمة منها والنجاة من شرها ~~. قال ابن قتيبة : والخبث : الفسوق والفجور ، والعرب تدعو الزنا خبثا ~~وخبيثة ، وفى الحديث أن رجلا وجد مع امرأة يخبث بها أى يزني . قال الله ~~تعالى : { الخبيثات للخبيثين } [ النور : 26 ] والأطم : حصن مبنى بالحجارة ~~. * * * # | 5 - باب ظهور الفتن # / 11 - فيه : أبو هريرة ، قال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( يتقارب ~~الزمان ، وينقص العمل ، ويلقى الشح ، وتظهر الفتن ، ويكثر الهرج ) ، قالوا ~~: يا رسول الله أيم هو ؟ قال : ( القتل ms3422 ، القتل ) . / 12 - وفيه : عبدالله ~~، وأبو موسى ، قال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( إن بين يدى الساعة ~~لأياما ، ينزل فيها الجهل ، ويرفع فيها العلم ، ويكثر فيها الهرج ) . ~~والهرج بلسان الحبشة : القتل . / 13 - وقال عبد الله لأبى موسى : تعلم ~~الأيام التى ذكر النبى - صلى الله عليه وسلم - أيام الهرج ، قال سمعت النبى ~~- صلى الله عليه وسلم - يقول : ( من شرار الناس من تدركهم الساعة وهم أحياء ~~) . PageV10P012 قال المؤلف : هذا كله إخبار من النبي بأشراط الساعة ، وقد ~~رأينا هذه الأشراط عيانا وأدركناها ، فقد نقص العلم ، وظهر الجهل ، وألقى ~~بالشح فى القلوب ، وعمت الفتن ، وكثر القتل ، وليس فى الحديث ما يحتاج إلى ~~تفسير غير قوله : ( يتقارب الزمان ) ومعنى ذلك ، والله أعلم ، تقارب أحوال ~~أهله فى قلة الدين حتى لا يكون فيهم من يأمر بمعروف ولا ينهى عن منكر لغلبة ~~الفسق وظهور أهله ، وقد جاء فى الحديث : ( لا يزال الناس بخير ما تفاضلوا ، ~~فإذا تساووا هلكوا ) يعنى لا يزالون بخير ما كان فيهم أهل فضل وصلاح وخوف ~~لله يلجأ إليهم عند الشدائد ، ويستشفى بآرائهم ، ويتبرك بدعائهم ، ويؤخذ ~~بتقويمهم وآثارهم . وقال الطحاوى : قد يكون معناه فى ترك طلب العلم خاصة ~~والرضا بالجهل ، وذلك أن الناس لا يتساوون فى العلم ؛ لأن درج العلم تتفاوت ~~، قال الله تعالى : { وفوق كل ذى علم عليم } [ يوسف : 76 ] وإنما يتساوون ~~إذا كانوا جهالا . قال الخطابى : وأما حديثه الآخر : ( أنه يتقارب الزمان ~~حتى تكون السنة كالشهر ، والشهر كالجمعة ، والجمعة كاليوم ، واليوم كالساعة ~~) فإن حماد بن سلمة قال : سألت عنه أبا سلمان فقال : ذلك من استلذاذ العيش ~~. يريد ، والله أعلم ، خروج المهدى ووقوع الأمنة فى الأرض ببسطه العدل فيها ~~فيستلذ العيش عند ذلك وتستقصر مدته ، ولا يزال الناس يستقصرون أيام الرخاء ~~وإن طالت ، ويستطيلون أيام المكروه وإن قصرت ، وللعرب فى مثل هذا : مر بنا ~~يوم كالعرقوب القطا قصرا . وقوله - صلى الله عليه وسلم - : ( إن من شرار ~~الناس من تدركهم الساعة PageV10P013 أحياء ) فإنه وإن كان لفظه العموم ~~فالمراد به الخصوص ، ومعناه : أن الساعة تقوم فى ms3423 الأكثر والأغلب على شرار ~~الناس بدليل قوله - صلى الله عليه وسلم - : ( لا تزال طائفة من أمتى على ~~الحق منصورة لا يضرها من ناوأها حتى تقوم الساعة ) . فدل هذا الخبر أن ~~الساعة تقوم أيضا على قوم فضلاء ، وأنهم فى صبرهم على دينهم كالقابض على ~~الجمر ، وذكر فى مواضع . * * * # | 6 - باب لا يأتى زمان إلا الذى بعده شر منه # / 14 - فيه : الزبير بن عدى ، أتينا أنس بن مالك فشكونا إليه ما نلقى من ~~الحجاج ، فقال : اصبروا ، فإنه لا يأتى عليكم زمان إلا الذى بعده شر منه ~~حتى تلقوا ربكم ، سمعته من نبيكم - صلى الله عليه وسلم - . / 15 - وفيه : ~~أم سلمة ، استيقظ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليلة فزعا يقول : ( ~~سبحان الله ، ماذا أنزل الله من الخزائن ؟ وماذا أنزل من الفتن ؟ من يوقظ ~~صواحب الحجرات ، يريد أزواجه ، لكى يصلين ، رب كاسية فى الدنيا عارية فى ~~الآخرة ) . قال المؤلف : حديث أنس من علامات النبوة لإخبار النبى - صلى ~~الله عليه وسلم - بتغير الزمان وفساد الأحوال ، وذلك غيب لا يعلم بالرأى ، ~~وإنما يعلم بالوحى ، ودل حديث أم سلمة على الوجه الذى يكون به الفساد ، وهو ~~ما يفتح الله عليهم من الخزائن وأن الفتن مقرونة بها ، ويشهد PageV10P014 ~~لذلك قول الله تعالى : { كلا إن الإنسان ليطغى * أن رآه استغنى } [ العلق : ~~6 ، 7 ] فمن فتنة المال ألا ينفق فى طاعة الله ، وأن يمنع منه حق الله ، ~~ومن فتنته السرف فى إنفاقه ألا ترى قوله - صلى الله عليه وسلم - : ( رب ~~كاسية فى الدنيا عارية في الآخرة ) . قال المهلب : فأخبر أن فيما فتح من ~~الخزائن فتنة الملابس ، فحذر - صلى الله عليه وسلم - أزواجه وغيرهن أن يفتن ~~فى لباس رفيع الثياب التى يفتن النفوس فى الدنيا رقيقها وغليظها ، وحذرهن ~~التعرى يوم القيامة منها ومن العمل الصالح ، وحضهن بهذا القول أن يقدمن ما ~~يفتح عليهن من تلك الخزائن للآخرة وليوم يحشر الناس عراة ، فلا يكسى إلا ~~الأول فالأول فى الطاعة والصدقة ، والإنفاق فى سبيل الله ، فمن أراد أن ~~تسبق إليه الكسوة فليقدمها ms3424 لآخرته ، ولا يذهب طيباته فى الدنيا وليرفعها ~~إلى يوم الحاجة . وقوله : ( من يوقظ صواحب الحجرات ) ندب بعض خدمه لذلك ، ~~كما قال يوم الخندق : ( من يأتينى بخبر القوم ) وكذلك قال من يسهل عليه فى ~~الليل أن يدور على حجر نسائه ، فيوقظهن للصلاة والاستعاذة مما أراه الله من ~~الفتن النازلة كى يوافقن الوقت المرجو فيه الإجابة ، وأخبرنا - صلى الله ~~عليه وسلم - أن حين نزول البلاء ينبغى الفزع إلى الصلاة والدعاء ، فيرجى ~~كشفه لقوله تعالى : { فلولا إذ جاءهم بأسنا تضرعوا } [ الأنعام : 42 ] ~~الآية ، وقد تقدم حديث أم سلمة فى كتاب الصلاة فى باب تحريض النبى - صلى ~~الله عليه وسلم - على صلاة الليل وذكرنا فيه معنى زائدا . PageV10P015 # | 7 - باب قول النبي - صلى الله عليه وسلم - : ( من حمل علينا السلاح ~~فليس منا ) # / 16 - فيه : ابن عمر ، وأبو موسى ، قالا : قال النبى - صلى الله عليه ~~وسلم - : ( من حمل علينا السلاح فليس منا ) . / 17 - وفيه : أبو هريرة ، ~~قال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( لا يشير أحدكم على أخيه بالسلاح ، ~~فإنه لا يدرى ، لعل الشيطان ينزع فى يده ، فيقع فى حفرة من النار ) . / 18 ~~- وفيه : سفيان ، قلت لعمرو : يا أبا محمد ، سمعت جابر بن عبدالله ، يقول : ~~مر رجل بسهام فى المسجد ، فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( ~~أمسك بنصالها ) ، قال : نعم . / 19 - وفيه : أبو موسى ، قال النبى - صلى ~~الله عليه وسلم - : ( إذا مر أحدكم فى مسجدنا ، أو سوقنا ، ومعه نبل ، ~~فليمسك على نصالها ، أو فليقبض بكفه ، أن يصيب أحدا من المسلمين منها شىء ) ~~. قال المؤلف : قوله - صلى الله عليه وسلم - : ( فليس منا ) يعنى ليس متبعا ~~لسنتنا ولا سالكا سبيلنا ، كما قال - صلى الله عليه وسلم - : ( ليس منا من ~~شق الجيوب ودعا بدعوى الجاهلية ) لأن من حق المسلم على المسلم أن ينصره ولا ~~يخذله ولا يسلمه ، وأن المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا ، فمن خرج ~~عليهم بالسيف بتأويل فاسد رآه ، فقد خالف ما سنه النبى - صلى الله عليه ~~وسلم - من نصرة المؤمنين وتعاون بعضهم لبعض ، والفقهاء مجمعون ms3425 على أن ~~الخوارج من جملة المؤمنين لإجماعهم كلهم على أن الإيمان لا يزيله غير الشرك ~~بالله ورسوله والجحد لذلك ، وأن المعاصى غير الكفر لا يكفر مرتكبها ، ذكر ~~أسد بن موسى فى كتاب الكف عن PageV10P016 أهل القبلة قال : حدثنا هشيم بن ~~بشير قال : حدثنا كوثر بن حكيم قال : حدثنا نافع ، عن ابن عمر : أن رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - قال لابن مسعود : ( أتدرى كيف حكم الله فيمن ~~بغى من هذه الأمة ؟ قال : الله ورسوله أعلم ، قال : حكم الله فيها أن لا ~~يقتل أسيرها ولا يقسم فيئها ، ولا يجهز على جريحها ولا يتبع مدبرها ) . ~~وبهذا عمل على بن أبى طالب ، ورضيت الأمة بفعله هذا فيهم ، وقال الحسن بن ~~على : لولا على بن أبى طالب لم يعلم الناس كيف يقاتلون أهل القبلة ، ~~فقاتلهم على بما كان عنده من العلم فيهم من النبى - صلى الله عليه وسلم - ~~فلم يكفرهم ولا سباهم ولا أخذ أموالهم ، فمواريثهم قائمة ، ولهم حكم ~~الإسلام . وقوله - صلى الله عليه وسلم - : ( لا يشير أحدكم على أخيه ~~بالسلاح ) وأمره للذى مر بالسهام فى المسجد أن يمسك نصالها ، هو من باب ~~الأدب وقطع الذرائع ألا يشير أحد بالسلاح خوف ما يئول منها ويخشى من نزع ~~الشيطان . وقوله : ( فيقع فى حفرة من النار ) معناه : إن أنفذ الله عليه ~~الوعيد ، وهذا مذهب أهل السنة ، ومن روى فى الحديث ( ينزغ فى يده ) فقال ~~صاحب العين : نزغ بين القوم نزغا : حمل بعضهم على بعض بفساد بينهم ، ومنه ~~نزغ الشيطان . وقال صاحب الأفعال : نزغ : طعن ، ومن روى ( ينزع ) بالعين ~~فهو قريب من هذا المعنى . قال صاحب العين : نزعت الشىء نزعا : قلعته ، ونزع ~~بالسهم : من رمى به . * * * PageV10P017 # | 8 - باب قول النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( لا ترجعوا بعدى كفارا ~~يضرب بعضكم رقاب بعض ) # / 20 - فيه : عبدالله ، قال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( سباب ~~المسلم فسوق ، وقتاله كفر ) . / 21 - وفيه : ابن عمر ، وابن عباس ، قال ~~النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( لا ترجعوا بعدى كفارا ، يضرب بعضكم رقاب ~~بعض ) . / 22 ms3426 - وفى حديث أبى بكرة : فلما كان يوم حرق ابن الحضرمى ، حين ~~حرقه جارية بن قدامة ، قال : أشرفوا على أبى بكرة ، قالوا : هذا أبو بكرة ~~يراك . قال عبدالرحمن ، فحدثتنى أمى عن أبى بكرة أنه قال : لو دخلوا على ما ~~بهشت بقصبة . قال المؤلف : هذا الباب فى معنى الذى قبله ، فيه النهى عن قتل ~~المؤمنين بعضهم بعضا ، وتفريق كلمتهم وتشتيت شملهم ، وليس معنى قوله : ( لا ~~ترجعوا بعدى كفارا ) النهى عن الكفر الذى هو ضد الإيمان بالله ورسوله ، ~~وإنما المراد بالحديث النهى عن كفر حق المسلم الذى أمر به النبى - صلى الله ~~عليه وسلم - من التناصر والتعاضد ، والكفر فى لسان العرب : التغطية ، وكذلك ~~قوله : ( سباب المسلم فسوق ، وقتاله كفر ) يعنى : قتاله كفر بحقه وترك ~~موالاته ، للإجماع على أن أهل المعاصى لا يكفرون بارتكابها . وقال أبو ~~سليمان الخطابى : قيل : معناه لا يكفر بعضكم بعضا فتستحلوا أن تقاتلوا ~~ويضرب بعضكم رقاب بعض ، وقيل : إنه أراد بالحديث أهل الردة أخبرنى إبراهيم ~~بن فراس قال : سمعت موسى بن هارون يقول : هؤلاء أهل الردة قتلهم أبو بكر . ~~وقد تقدم في كتاب PageV10P018 الحج فى باب الخطبة فى أيام منى زيادة فى ~~معنى هذا الحديث من كلام الطبري . قال المهلب : وابن الحضرمى رجل امتنع من ~~الطاعة فأخرج إليه جارية بن قدامة جيشا فظفر به فى ناحية من العراق ، وكان ~~أبو بكرة يسكنها ، فأمر جارية بصلبه فصلب ، ثم ألقى النار فى الجذع الذى ~~صلب فيه بعد أيام ، ثم أمر جارية خيثمة أن يشرفوا على أبى بكرة ليختبر إن ~~كان يحارب فيعلم أنه على غير طاعة أو يستسلم فيعرف أنه على الطاعة ، فقال ~~له خيثمة : هذا أبو بكرة يراك وما صنعت فى ابن الحضرمى وما أنكر عليك بكلام ~~ولا بسلاح ، فلما سمع أبو بكرة ذلك وهو فى علية له قال : لو دخلوا على دارى ~~ما بهشت بقصبة فكيف أن أقاتلهم بسلاح ؛ لأنى لا أرى الفتنة فى الإسلام ، ~~ولا التحرك فيها مع إحدى الطائفتين . قال الطبرى : ( ما بهشت إليهم بقصبة ) ~~يعنى ما تناولتهم ms3427 ولا مددت يدى إليهم بسوء ، يقال للرجل إذا أراد معروف ~~الرجل أو أراد مكروهه وتعرض لخيره أو شره : بهش فلان إلى كذا وكذا ، ومنه ~~قول النابغة : # % سبقت الرجال الباهشين إلى العلا % % كسبق الجواد اصطاد قبل الطوارد % % ~~وفي كتاب الأفعال : بهشت إلى فلان : خففت إليه ، ورجل بهش وباهش . * * * ~~PageV10P019 # | 9 - باب تكون فتنة القاعد فيها خير من القائم # / 23 - فيه : أبو هريرة ، قال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( ستكون ~~فتن ، القاعد فيها خير من القائم ، والقائم فيها خير من الماشى ، والماشى ~~فيها خير من الساعى ، من تشرف لها تستشرفه ، فمن وجد منها ملجأ أو معاذا ، ~~فليعذ به ) . قال الطبرى : إن قال قائل : ما معنى هذا الحديث ، وهل المراد ~~به كل فتنة بين المسلمين أو بعض الفتن دون البعض ؟ فإن قلت : المعنى به كل ~~فتنة ، فما أنت قائل فى الفتن التى مضت ، وقد علمت أنه نهض فيها من خيار ~~المسلمين خلق كثير ، وإن قلت المعنى به البعض ، فأيتها المعنية به ، وما ~~الدليل على ذلك ؟ قيل : قد اختلف السلف فى ذلك ، فقال بعضهم : المراد به ~~جميع الفتن وغير جائز للمسلم النهوض فى شىء منها ، قالوا : وعليه أن يستسلم ~~للقتل إن أريدت نفسه ولا يدفع عنها ، والفتنة : الاختلاف الذى يكون بين أهل ~~الإسلام ولا إمام لهم مجتمع على الرضا بإمامته لما يستنكر من سيرته فى ~~رعيته ، فافترقت رعيته عليه حتى صار افتراقهم إلى القتال بأن رضيت منهم ~~فرقة إماما غيره ، وأقامت فرقة على الرضا به ، قالوا : وإذا كان كل واحد من ~~هذين المعنيين ، فهى التى أمر النبى - صلى الله عليه وسلم - بكسر السيوف ~~فيها ولزوم البيوت وهى التى قال - صلى الله عليه وسلم - : ( القاعد فيها ~~خير من القائم ) وممن قعد فى الفتنة حذيفة ، ومحمد بن سلمة ، وأبو ذر ، ~~وعمران بن حصين ، وأبو موسى الأشعرى ، وأسامة بن زيد ، وأهبان بن صيفى ، ~~وسعد بن أبى وقاص ، وابن عمر ، وأبو بكرة ، ومن التابعين شريح والنخعي ، ~~PageV10P020 وحجتهم من طريق النظر أن كل فريق من المقتتلين فى الفتنة فإنه ~~يقاتل ms3428 على تأويل ، وإن كان فى الحقيقة خطأ فهو عند نفسه فيه محق وغير جائز ~~لأحد قتله ، وسبيله سبيل حاكم من المسلمين يقضى بقضاء مما اختلف فيه ~~العلماء على ما يراه صوابا ، فغير جائز لغيره من الحكام نقضه إذا لم يخالف ~~بقضائه ذلك كتابا ولا سنة ولا جماعة ، فكذلك المقتتلون فى الفتنة كل حزب ~~منهم عند نفسه محق دون غيره بما يدعون من التأويل ، وغير جائز لأحد قتالهم ~~، وإن هم قصدوا لقتله فغير جائز دفعهم بضرب أو جرح ، لأن ذلك إنما يستحقه ~~من قاتل وهو متعمد الإثم فى قتاله ، والواجب على الناس إذا اقتتل حزبان من ~~المسلمين بهذه الصفة ترك معاونة أحدهما على الآخر وعليهم لزوم البيوت ، كما ~~أمر النبى - صلى الله عليه وسلم - أبا ذر ومحمد بن سلمة وعبد الله بن عمر ، ~~وما عمل به من تقدم ذكرهم من الصحابة . وقال آخرون : إذا كانت فتنة بين ~~المسلمين ، فالواجب على المسلمين لزوم البيوت وترك معاونة أحد الحزبين ، ~~ولكن إن دخل على بعض من قد اعتزل الفريقين منزله ، فأتى من يريد نفسه ، ~~فعليه دفعه عن نفسه وإن أتى الدفع على نفسه ، روى ذلك عن عمران بن حصين ~~وابن عمر وعبيدة السلمانى ، واحتجوا بعلة الذين تقدم قولهم غير أنهم اعتلوا ~~فى إباحة الدفع عن أنفسهم بالأخبار الواردة عن النبى أنه قال : ( من أريدت ~~نفسه وماله فقتل فهو شهيد ) . فالواجب على كل من أريدت نفسه وماله ظلما دفع ~~ذلك ما وجد إليه السبيل ، متأولا كان المريد أو معتمدا للظلم ، ؛ لأن ذلك ~~عندهم ظلم وعلى كل أحد دفع الظلم عن نفسه بما قدر عليه . PageV10P021 وقال ~~آخرون : كل فرقتين اقتتلتا فغير خارج أحدهما من أحد وجهين من أن تكون ~~الفرقتان مخطئتين فى قتال لعضهم بعضا ، وذلك كقتال أهل الغصب والمقتتلين ~~على النهب وأشباه ذلك مما لا شبهة فى أن اقتتالهم حرام ، وأن على المسلمين ~~الأخذ على أيديهم وعقوبتهم بما يكون نكالا لهم ، أو تكون إحداهما مخطئة ~~والأخرى مصيبة ، فالواجب على المسلمين الأخذ على أيدى المخطئة ومعونة ms3429 ~~المصيبة ؛ لأن النبى - صلى الله عليه وسلم - قد أمر بالأخذ على يدى الظالم ~~بقوله : ( لتأخذن على يدى الظالم حتى تأطروه على الحق أطرا أو ليسلطن الله ~~عليكم شراركم ، فيدعو خياركم فلا يستجاب لهم ) فإذا كان كما قلنا ، وكان ~~غير جائز أن تكون فرقتان تقاتل كل واحدة منهما صاحبتها أو يسفك بعضها دماء ~~بعض كلاهما مصيبة ؛ لأن ذلك لو جاز جاز أن يكون الشىء الواحد حراما وحلالا ~~فى حالة واحدة ، وإذا كان كذلك فالواجب على المسلمين معونة المحقة من ~~الفئتين ، وقتال المخطئة حتى ترجع إلى حكم الله ، فلا وجه لكسر السيوف ~~والاختفاء فى البيوت عند هيج الفتنة ، روى ذلك عن على بن أبى طالب وعمار بن ~~ياسر وعائشة وطلحة ، ورواية عن ابن عمر ، روى الزهرى ، عن حمزة بن عبد الله ~~بن عمر ، عن أبيه أنه قال : ما وجدت فى نفسى من شىء ما وجدت أنى لم أقاتل ~~هذه الفئة الباغية كما أمرنى الله . وروى سفيان عن يحيى بن هانئ أنه قال ~~لعبد الله بن عمرو : ( على كان أولى أو معاوية ؟ قال : علي . قال : فما ~~أخرجك ؟ قال : إنى لم أضرب بسيف ولم أطعن برمح ، ولكن رسول الله قال : أطع ~~أباك فأطعته ) . وقال إبراهيم بن سعد : قتل أويس القرني PageV10P022 مع علي ~~فى الرجالة . وقيل لإبراهيم النخعي : من كان أفضل علقمة أو الأسود ؟ فقال : ~~علقمة ؛ لأنه شهد صفين وخضب بسيفه فيها . وقال ابن إسحاق : شهد مع على ~~عبيدة السلمانى وعلقمة وأبو وائل وعمرو بن شرحبيل . وقال ابن إسحاق : خرج ~~مع ابن الأشعث فى الجماجم ثلاثة آلاف من التابعين ليس فى الأرض مثلهم : أبو ~~البخترى ، والشعبى ، وسعيد بن جبير ، وعبد الرحمن بن أبى ليلى ، والحسن ~~البصري . وقال آخرون : كل قتال وقع بين المسلمين ولا إمام لجماعتهم يأخذ ~~للمظلوم من الظالم فذلك القتال هو الفتنة التى أمر رسول الله بالاختفاء فى ~~البيوت فيها وكسر السيوف ، كان الفريقان مخطئين أو كان أحدهما مخطئا والآخر ~~مصيبا ، روى ذلك عن الأوزاعى قال : ما كانت منذ بعث الله نبيه إلى ms3430 اليوم ~~طائفتان من المؤمنين اقتتلتا إلا كان قتالهم خطأ ومعصية ، فإن كانتا فى ~~سواد العامة ، فإمام الجماعة المصلح بينهم يأخذ من الباغية القصاص فى القتل ~~والجراح كما كان بين تينك الطائفتين اللتين نزل فيهما القرآن إلى رسول الله ~~وإلى الولاة بعده وإن كان قتالهم وليس للناس إمام يجمعهم فهى الفتنة التى ~~النجاة منها الأخذ بعهد النبى - صلى الله عليه وسلم - أن يعتزل تلك الفرق ~~كلها ولو أن يعض بأصل الشجرة حتى يدركه الموت ، وإن كانت خارجة فشهدت على ~~أختها بالضلالة فى إيمانها وبالكفر لم تسم فئة باغية ، وقد برئت من ولايتها ~~قبل خروجها عليها ، فكفى بالخروج براءة وبرجوع فلهم إذا هزموا إلى مقرهم ~~مروقا . PageV10P023 قال الطبري : وأنا قائل بالصواب فى ذلك ومبين معنى ~~الفتنة التى القاعد فيها خير من القائم وأمره - صلى الله عليه وسلم - بكسر ~~السيوف ولزوم البيوت والهرب فى الجبال ، والخبر المعارض لهما وهو أمره - ~~صلى الله عليه وسلم - بقتال الناكثين والقاسطين والمارقين والأخذ على يد ~~السفهاء والظالمين ، إذ غير جائز التعارض فى أخباره - صلى الله عليه وسلم - ~~؛ إذ كل ما قال حق وصدق . فنقول : الفتنة فى كلام العرب الابتلاء والاختبار ~~، فقد يكون ذلك بالشدة والرخاء والطاعة والمعصية ، وكان حقا على المسلمين ~~إقامة الحق ونصرة أهله ، وإنكار المنكر والأخذ على أيدى أهله ، كما وصفهم ~~الله تعالى بقوله : { الذين إن مكناهم فى الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة ~~} [ الحج : 41 ] كان معلوما أن من أعان فى الفتنة فريق الحق على فريق ~~الباطل فهو مصيب أمر الله تعالى ومن أنكر ما قلناه قيل له : أرأيت ~~المفتئتين . الملتمسين ولاية أمر الأمة فى حال لا إمام لهم يقيم عليهم الحق ~~هل خلوا عندك من أحد أمور ثلاثة : إما أن يكون كلاهما محقين أو كلاهما ~~مبطلين أو أحدهما محقا والآخر مبطلا ؟ فإن قال : نعم . قيل له : أو ليس ~~الفريقان إذا كانوا مبطلين حق على المسلمين الأخذ على أيديهما إن قدروا على ~~ذلك ، وإن لم تكن لهم طاقة ؛ فكراهة أمرهما والقعود عنهما وترك معونة ~~أحدهما ms3431 على الآخر فقد أوجب معونة الظالم على ظلمه ، وذلك خلاف حكم الله . ~~وإن قال : بل الواجب عليهم ترك الفريقين يقتتلون واعتزالهما ، أباح ~~للمسلمين ترك إنكار المنكر وهم على ذلك قادرون ، وسئل عن رجل PageV10P024 ~~غصب امرأة نفسها للفجور بها على أعين الناس وهم على منعه قادرون ، هل يجوز ~~لهم تركه ؟ فإن أجاز ذلك لم يمكن خصمه الإبانة عن خطأ قوله بأكثر من ذلك ، ~~فإن أوجب منعه والأخذ على يده ، قيل له : فما الفرق بينه وبين من رآه يريد ~~قتل رجل ظلما وعدوانا ، وما الذى أوجب عليهم منع ذلك ظاهرا وأباح لهم ترك ~~من يريد قتل النفس التى حرمها الله ؟ ويقال له : أرأيت إن كان أحد الفريقين ~~محقا والآخر مبطلا أيجب على المسلمين معونة المحق على المبطل ؟ فإن قال : ~~لا أوجب ترك الساعى فى الأرض بالفساد ، وهذا خلاف قوله تعالى : { إنما جزاء ~~الذين يحاربون الله ورسوله } [ المائدة : 33 ] الآية . فإن قال : تجب معونة ~~المحق على المبطل ، أوجب قتال الفرقة الباغية . وأما الحالة الثالثة فإنها ~~حالة ممتنع فى العقل وجودها ، وذلك حال حرب فريقين من المسلمين يقتلان وهما ~~جميعا محقان فى ذلك ، ولو جاز أن يكون كل واحد منهما مصيب حقيقة حكم الله ~~فى ذلك لجاز أن يكون الشىء الواحد بحكم الله حلالا وحراما فى حالة واحدة ~~وشخص واحد ، وهذا ما لا يجوز أن يوصف به تعالى . فإن قيل : فما تنكر أن ~~يكون الفريقان المقتتلان مصيبين فى قتال كل واحد منهما صاحبه حقيقة حكم ~~الله إذا كان قتالهما فى وجهة التأويل لا من وجهة الخلاف للنص الذى لا ~~يحتمل التأويل ، فقد علمت قول من قال باجتهاد الرأى فيما لا نص فيه من أن ~~كل مجتهد مصيب ، وأن حكم الله فى الحادثة على كل مجتهد ما أداه إليه ~~اجتهاده ، وأنه لا خطأ في شيء من ذلك . PageV10P025 صحة ذلك بما يكون من ~~الصحابة ، رضوان الله عليهم ، فيما لا نص فيه الله وللرسول من الاختلاف ~~بينهم ، ثم لم يظهر واحد منهم لصاحبه البراء ولا الخروج من ms3432 ولايته ، قال : ~~فكذلك الفريقان المقتتلان إذا كانا كلاهما طالبى الحق عند أنفسهما ورأى كل ~~واحد منهما أنه محق كالمختلفين من أصحاب رسول الله . قيل له : أما قول من ~~قال : كل مجتهد وإن كان غير مصيب فى خطئه حكم الله الذى طلبه فأضله فقد ~~أخطأ ، وذلك كالملتمس عين القبلة للصلاة إليها فى يوم دخن فى فلاة من الأرض ~~بالدلائل غير موجب له التماسه إياها ، وقد أخطأها أن يكون مصيبا فى طلب ~~جهتها ، فكذلك المقتتلان على التأويل الذى يعذر فيه المخطئ ؛ إذا أخطأ ~~أحدهما حكم الله فى قتاله الفريق المصيب حكم الله . وإن عذر بالخطأ الذى ~~وضع عنه الوزر فيه إذا كان سبيله فيما كلف فيه سبيل المحنة والابتلاء ، إذا ~~لم يوقفوا على عينه بالنص الذى لا يحتمل التأويل ، وأما استشهاد من قال : ~~كل مجتهد مصيب بإختلاف أصحاب النبى - صلى الله عليه وسلم - فيما لا نص فيه ~~بعينه ، فإن أصحاب النبى - صلى الله عليه وسلم - لم ينكروا فيما قالوا فيه ~~من الاجتهاد والاستنباط أن يكون فيهم مصيب ومخطئ ، فلا حجة لمحتج باختلافهم ~~، فإذا بطل الوجه الثالث وهو أن يكونا معا محقين ثبت أن قوله - صلى الله ~~عليه وسلم - : ( ستكون فتنة القاعد فيها خير من القائم ) غير معنى به ~~القتال الذى هو معونة المسلمين للمحق والقتال الذى يكون من المسلمين لأهل ~~السفه والفسق للأخذ على أيديهم ومنعهم من السعى فى الأرض بالفساد . فإن قيل ~~: فأى حالة هى التى وصف النبى - صلى الله عليه وسلم - من الفتنة أن القاعد ~~فيها خير من القائم ؟ قيل : هذه PageV10P026 حالة لها ثلاث منازل : أحدها : ~~أن يكون الفريقان المقتتلان مبطلين ، وسائر المسلمين مقهورين بينهما لا ~~طاقة لمن أراد الأخذ على أيديهما على النهوض فى ذلك ، فإن هو نهض عرض نفسه ~~للهلاك ولم يرج إصلاحا بينهما فهذه حالة هو فيها معذور بالتخلف ، والسلامة ~~له فى الهرب وكسر السيوف ، وهذه التى قال - صلى الله عليه وسلم - : ( ~~القاعد فيها خير من القائم ) يعنى القاعد عن هذه الفتنة خير من القائم فيها ~~للنهوض ms3433 إليها معين أهلها ؛ لأنه خير من القائم بذكر الله والعمل بطاعته . ~~والحالة الثانية : أن يكون أحد الفريقين مخطئا والآخر مصيبا ، وأمرهما مشكل ~~على كثير من الناس لا يعرفون المحق فيها من المبطل ، فمن أشكل عليه أمرهما ~~فواجب عليه اعتزال الفريقين ولزوم المنازل حتى يتضح له الحق ويتبين المحق ~~منهما ، وتنكشف عنه الشبهة فيلزمه من معونة أهل الحق ما لزم أهل البصائر . ~~وأما المنزلة الثالثة : فأن يكون مخرج الكلام من رسول الله فى ذلك كان فى ~~خاص من الناس على ما روى عن عمار بن ياسر أنه قال لأبى موسى حين روى عن ~~النبى أنه قال : ( إذا وقعت الفتنة فاضربوا سيوفكم بالحجارة . . . ) الحديث ~~فقال له عمار : أنشدك الله يا أبا موسى قال هذا رسول الله لك أنت خاصة ؟ ~~قال : نعم . ولو كان الواجب فى كل اختلاف يكون بين الفريقين من المسلمين ~~الهرب منه ولزوم المنازل وكسر السيوف ؛ لما أقيم لله تعالى حق ولا أبطل ~~باطل ، ولو وجد أهل النفاق والفجور سبيلا إلى استحلال كل ما حرم الله عليهم ~~من أموال المسلمين ونسائهم ، وسفك دمائهم بأن يتحزبوا عليهم ويكف المسلمون ~~أيديهم عنهم بأن يقولوا هذه PageV10P027 فتنة قد نهينا عن القتال فيها ، ~~وأمرنا بكف الأيدى والهرب منها . وذلك مخالفة لقوله - صلى الله عليه وسلم - ~~: ( خذوا على أيدى سفهائكم ) ولقوله : ( مثل القائم والمنتهك والمدهن فى ~~حدود الله مثل ثلاثة نفر اصطحبوا فى سفينة ، فقال أحدهم : نحفر لنأخذ الماء ~~وقال الأخر : دعه فإنما يحفر مكانه . فإن أخذوا على يده نجا ونجوا جميعا . ~~. . ) الحديث . فإن قال قائل : فإنك قد ذكرت أنه لا فتنة تخلو من الأسباب ~~الثلاثة ، ثم أوجبت فى جميعها على أهل البصائر بالحق النهوض مع أهله على ~~أهل الباطل لقمعه ، وقد علمت أنه لا فتنة كانت ولا تكون منذ بعث الله نبيه ~~- صلى الله عليه وسلم - أفضل أهلا ولا أقوم بالحق ولا أطلب له من قوم نهضوا ~~فيها بعد مقتل عثمان فإنهم كانوا أهل السابقة والهجرة وخيار الأمة ، ولم ~~تكن فتنة يرجى بالنهوض لمعونة ms3434 أحد فريقيها على الآخر ما كان يرجى فيها لو ~~كان النهوض فى فتن المسلمين جائزا ، وقد علمت من تثبط عن النهوض فيها ، ~~ونهى عن المشى إليها وأمر بالجلوس عنها من جلة الصحابة كسعد وأسامة ومحمد ~~بن مسلمة وأبى مسعود الأنصارى وابن عمر وأبى موسى وغيرهم يكثر إحصاؤهم . ~~قيل له : إن سبيل كل ما احتج من أمر الدين إلى الاستخراج بالقياس ~~والاستنباط بالعقول والأفهام سبيل ما كان من الأختلاف بين الذين نهضوا فى ~~الفتنة التى قعد عنها من ذكرت من القاعدين فيها ، ولذلك عذر أهل العلم من ~~قعد عنها ، ومن نهض فيها من أهل الدين ، ولولا ذلك PageV10P028 عظمت ~~المصيبة وجسمت البلية ، ولكن قعود من قعد عنها لما كان بتأويل ونهوض من نهض ~~فيها بمثله رجا العالمون بالله للمصيب منهم الثواب الجزيل ، وعذروا المخطئ ~~فى خطئه ؛ إذ كان خطؤه بالتأويل ، لا بالخلاف للنص المحكم الذى لا يحتاج ~~للتأويل ، ولا شك أن الناهضين فى الفتنة التى قعد عنها سعد ومحمد بن مسلمة ~~وأسامة كانوا أفضل وأعلم بالله ممن قعد عنها ، وذلك أن الناهضين فيها كان ~~منهم من يقر له جميع أهل ذلك الزمان بالفضل والعلم ، ومنهم من لا يدفعه ~~جميعهم عن أنه إن لم يكن أفضل منه وأعلم أنه ليس بدونه . وإذا كان الأمر ~~كذلك لم يكن المحتج إذا أغفل سبيل الصواب ، لتأويل تأوله وإن كان خطأ ، حجة ~~على من خالفه فى تأويله . فإن قال : فإن جلوس من جلس ممن ذكرنا لم يكن ~~تأويلا ، ولكنه كان نصا لا يحتمل التأويل لقوله : ( القاعد فيها خير من ~~القائم ) قيل : إنه لا أحد روى عن النبى - صلى الله عليه وسلم - فى الفتنة ~~التى قعد عنها أنه - صلى الله عليه وسلم - نهاه عن النهوض فيها بعينها نصا ~~، وإنما قال - صلى الله عليه وسلم - : ( القاعد فيها خير من القائم ) من ~~غير نص على فتنة بعينها أنها هى تلك الفتنة ، من غير تسميته بها باسم ~~وتوقيته لها بوقت . وقد روى أهل العراق عن على وعبد الله : ( أن النبى - ~~صلى ms3435 الله عليه وسلم - أمر عليا بقتال الناكثين والقاسطين والمارقين ) . وعن ~~أبى سعيد وغيره أن النبى - صلى الله عليه وسلم - قال : ( لتقاتلن على ~~تأويله كما قاتلت على تنزيله ) وروى أهل الشام عن النبى - صلى الله عليه ~~وسلم - فى معاوية أنه الذى يقاتل على الحق وأنه - صلى الله عليه وسلم - ذكر ~~فتنة فمر به عثمان ، فقال : ( هذا وأصحابه يومئذ على الحق ) . وكل راو منهم ~~لرواية يدعى أنها الحق ، وأن تأويله أولى ، فإذا كان الأمر كذلك علم ~~PageV10P029 أن القول فى ذلك من غير وجه النص الذى لا يحتمل التأويل ، وأن ~~الاختلاف بينهم كان من جهة الاستنباط والقياس ، والذى لا يوجد فى مثله ~~إجماع من الأمة على معنى واحد ، ولذلك قيل فى قتلى الفريقين ما قيل من رجاء ~~الفريق الآخر الإصابة وأمن على فريق الشبهة . وكذلك ما حدثنا خلاد بن أسلم ~~قال : حدثنا النضر بن شميل عن ابن عون عن ابن سيرين : ( أن عائشة سمعت صوتا ~~فقالت : من هذا أخالد ابن الواشمة ؟ قال : نعم . قالت : أنشدك الله إن سألت ~~عن شىء أتصدقني ؟ قال : نعم . قالت : ما فعل طلحة ؟ قال : قتل . قالت : ما ~~فعل الزبير ؟ قال : قتل . قالت : إنا لله وإنا إليه راجعون . قال : قلت : ~~بل نحن إنا لله وإنا إليه راجعون على زيد وأصحاب زيد ، والله لا يجمعهم ~~الله وقد قتل بعضهم بعضا . قالت : أو لا تدري ؟ وسعت رحمته كل شىء وهو على ~~كل شىء قدير . قال : فكانت أفضل منى ) . وحدثنا مجاهد بن موسى ، حدثنا يزيد ~~، حدثنا العوام بن حوشب ، عن عمرو بن مرة ، عن أبى وائل قال : ( رأى عمرو ~~بن شرحبيل أبا ميسرة وكان من أفضل الناس عند الله ، قال : رأيت كأنى دخلت ~~الجنة ، فإذا قباب مضروبة فقلت : لمن هذه ؟ فقالوا : لذى الكلاع وحوشب ، ~~كانا ممن قتل مع معاوية . قلت : فأين عمار وأصحابه ؟ فقال : أمامك . فقلت : ~~قد قتل بعضهم بعضا ؟ قيل : إنهم لقوا الله فوجدوه واسع المغفرة . قلت : فما ~~فعل أهل النهر ؟ قال : لقوا برجاء ) . * * * PageV10P030 # | 10 - باب إذا التقى المسلمان بسيفيهما # / 24 - فيه ms3436 : أبو بكرة ، قال : قال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( إذا ~~تواجه المسلمان بسيفيهما فكلاهما من أهل النار ) ، قيل : فهذا القاتل ، فما ~~بال المقتول ؟ قال : ( إنه أراد قتل صاحبه ) . قال المؤلف : ولهذا الحديث ~~أيضا قعد من قعد من الصحابة عن الدخول فى الفتنة ولزموا بيوتهم ، وفسر أهل ~~العلم هذا الحديث فقالوا : قوله - صلى الله عليه وسلم - : ( القاتل ~~والمقتول فى النار ) ليس هو على الحتم لهما بالنار ، وإنما معناه أنهما ~~يستحقان النار إلا أن يشاء الله أن يغفر لهما ؛ لأنه - صلى الله عليه وسلم ~~- سماهما مسلمين وإن قتل أحدهما صاحبه ، ومذهب جماعة أهل السنة أن الله ~~تعالى فى وعيده لعصاة المؤمنين بالخيار إن شاء عذبهم ، وإن شاء عفا عنهم ، ~~وقد تقدم فى كتاب الإيمان . وقال المؤلف : فى حديث أبى بكرة أنه إذا التقى ~~المسلمان بسيفيهما واختلفت طائفتان على التأويل فى الدين ، ولم يتبين البغى ~~من أحدهما أنه يجب القعود عنهما وملازمة البيوت ، ولهذا تخلف محمد بن مسلمة ~~، وسعد بن أبى وقاص ، وأسامة بن زيد ، وعبد الله بن عمر ، وحذيفة وجماعة عن ~~تلك المشاهد ؛ لأنه لم يتبين لهم ما قام فيه المقتتلون ، وأخذوا بقوله - ~~صلى الله عليه وسلم - : ( تكون فتن القاعد فيها خير من القائم ) فأما إذا ~~ظهر البغى فى إحدى الطائفتين لم يحل لمسلم أن يتخلف عن قتال الباغية لقوله ~~تعالى : { فقاتلوا التى تبغى حتى تفىء إلى أمر الله } [ الحجرات : 9 ] ولو ~~أمسك PageV10P031 المسلمون عن قتال أهل البغى لبطلت فريضة الله تعالى وهذا ~~يدل أن قوله : ( فالقاتل والمقتول فى النار ) ليس فى أحد من أصحاب محمد ؛ ~~لأنهم قاتلوا على التأويل ، وقال بعض العلماء : فإن قال قائل : فبأى ~~الطائفتين كانت أولى بالحق ؟ قيل : كلا الطائفتين عندنا محمودة مجتهدة برة ~~تقية ، وقد قعد عنها أصحاب النبى ولم يروا فى ذلك بيانا ، وهم كانوا أولى ~~بمعرفة الحق فكيف يحكم لأحد الفريقين على الآخر ، ألا ترى أن النبى شهد ~~لعلى وطلحة والزبير بالشهادة ، فكيف يكون شهيدا من يحل دمه ، وكيف يحكم ~~لأحد الفريقين على الآخر وكلاهما ms3437 شهداء ؟ روى خالد بن خداش ، عن الدراوردى ~~، عن سهيل عن أبيه ، عن أبى هريرة قال : ( كان النبى - صلى الله عليه وسلم ~~- وأبو بكر وعمر وعثمان وعلى وطلحة والزبير على حراء فتحرك ، فقال رسول ~~الله : اسكن حراء ، فإنه ليس عليك إلا نبى وصديق وشهيد ) وكل أصحاب رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - يجب على المسلمين توقيرهم والإمساك عن ذكر ~~زللهم ونشر محاسنهم ، وكل من ذهب منهم إلى تأويل فهو معذور ، وإن كان بعضهم ~~أفضل من بعض وأكثر سوابق . * * * # | 11 - باب كيف الأمر إذا لم تكن جماعة ؟ # / 25 - فيه : حذيفة ، كان الناس يسألون رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~عن الخير ، وكنت أسأله عن الشر ؛ مخافة أن يدركنى ، فقلت : يا رسول الله ، ~~إنا كنا فى جاهلية وشر ، فجاءنا الله بهذا الخير ، فهل بعد هذا الخير من شر ~~؟ قال : ( نعم ) ، قلت : وهل بعد ذلك الشر من خير ؟ قال : ( نعم ، وفيه دخن ~~) ، قلت : وما دخنه ؟ قال : ( قوم يهدون بغير هديى ، تعرف منهم وتنكر ) . ~~PageV10P032 قلت : فهل بعد ذلك الخير من شر ؟ قال : ( نعم ، دعاة على أبواب ~~جهنم من أجابهم إليها قذفوه فيها ) ، قلت : يا رسول الله ، صفهم لنا ، قال ~~: ( هم من جلدتنا ، ويتكلمون بألسنتنا ) ، قلت : فما تأمرنى إن أدركنى ذلك ~~؟ قال : ( تلزم جماعة المسلمين وإمامهم ) ، قلت : فإن لم يكن لهم جماعة ولا ~~إمام ؟ قال : ( فاعتزل تلك الفرق كلها ، ولو أن تعض بأصل شجرة حتى يدركك ~~الموت وأنت على ذلك ) . قال المؤلف : هذا الحديث من أعلام النبوة ، وذلك ~~أنه - صلى الله عليه وسلم - أخبر حذيفة بأمور مختلفة من الغيب لا يعلمها ~~إلا من أوحى إليه بذلك من أنبيائه الذين هم صفوة خلقه ، وفيه حجة لجماعة ~~الفقهاء فى وجوب لزوم جماعة المسلمين وترك القيام على أئمة الجور ، ألا ترى ~~أنه - صلى الله عليه وسلم - وصف أئمة زمان الشر فقال : ( دعاة على أبواب ~~جهنم من أجابهم إليها قذفوه فيها ) فوصفهم بالجور والباطل والخلاف لسنته ؛ ~~لأنهم لا يكونون دعاة على أبواب جهنم إلا وهم على ضلال ، ولم يقل فيهم ms3438 تعرف ~~منهم وتنكر ، كما قال فى الأولين ، وأمر مع ذلك بلزوم جماعة المسلمين ~~وإمامهم ، ولم يأمر بتفريق كلمتهم وشق عصاهم . قال الطبرى : اختلف أهل ~~العلم فى معنى أمر النبى بلزوم الجماعة ونهيه عن الفرقة ، وصفة الجماعة ~~التى أمر بلزومها ، فقال بعضهم : هو أمر إيجاب وفرض ، والجماعة التى أمرهم ~~بلزومها : السواد الأعظم ، وقالوا : كل ما كان عليه السواد الأعظم من أهل ~~الإسلام من أمر دينهم فهو الحق الواجب والفرض الثابت ، الذى لا يجوز لأحد ~~من المسلمين خلافه ، وسواء خالفهم فى حكم من الأحكام أو خالفهم فى إمامهم ~~القيم بأمرهم وسلطانهم ، فهو للحق مخالف . PageV10P033 ذكر من قال ذلك : ~~روى عن ابن سيرين قال : لما قتل عثمان ، رضى الله عنه ، أتيت أبا مسعود ~~الأنصارى ، فسألته عن الفتنة ، فقال : عليك بالجماعة ، فإن الله لم يكن ~~ليجمع أمة محمد على ضلالة ، والجماعة حبل الله ، وإن الذى تكرهون من ~~الجماعة هو خير من الذى تحبون من الفرقة . واحتجوا بما روى الأوزاعى قال : ~~حدثنى قتادة ، عن أنس بن مالك قال : قال رسول الله : ( إن بنى إسرائيل ~~افترقت على إحدى وسبعين فرقة ، وإن أمتى على ثنتين وسبعين فرقة كلها فى ~~النار إلا واحدة ، وهى الجماعة ) . وروى معتمر بن سليمان ، عن عبد الله بن ~~دينار ، عن ابن عمر قال : قال رسول الله : ( لا يجمع الله أمتى على ضلالة ~~أبدا ، ويد الله على الجماعة هكذا ، فاتبعوا السواد الأعظم ، فإنه من شذ شذ ~~فى النار ) . وقال آخرون : الجماعة التى أمر النبى - صلى الله عليه وسلم - ~~بلزومها هى جماعة أئمة العلماء ، وذلك أن الله جعلهم حجة على خلقه ، وإليهم ~~تفزع العامة فى دينها ، وهى تبع لها ، وهم المعنيون بقوله - صلى الله عليه ~~وسلم - : ( إن الله لن يجمع أمتى على ضلالة ) . ذكر من قال ذلك : روى عن ~~المسيب بن رافع قال : كانوا إذا جاءهم شىء ليس فى كتاب الله ولا فى سنة ~~رسول الله سموه صوافى الأمر ، فجمعوا له العلماء ، فما اجتمع عليه رأيهم ~~فهو الحق . وسئل عبد الله بن المبارك عن الجماعة ms3439 الذين ينبغي PageV10P034 ~~أن يقتدي بهم ، فقال : أبو بكر وعمر . فلم يزل يجئ حتى انتهى إلى محمد بن ~~ثابت بن الحسين بن واقد ، قلت : هؤلاء قد ماتوا فمن الأحياء ؟ قال : أبو ~~حمزة السكرى . وقال آخرون : الجماعة التى أمر رسول الله بلزومها : هم جماعة ~~الصحابة الذين قاموا بالدين بعد مضيه - صلى الله عليه وسلم - ، حتى أقاموا ~~عماده وأرسوا أوتاده وردوه ، وقد كاد المنافقون أن ينزعوا أواخيه ويقلبوه ~~من أواسيه إلى نصابه وسلكوا فى الدعاء منهاجه ، فأولئك الذين ضمن الله ~~لنبيه أن لا يجمعهم على ضلالة ، قالوا : ولو كان معناه لا تجتمع أمته فى ~~زمن من الأزمان من يوم بعثه الله إلى قيام الساعة على ضلالة ؛ بطل معنى ~~قوله - صلى الله عليه وسلم - : ( لا تقوم الساعة إلا على شرار الناس ) وشبه ~~ذلك من الأخبار المروية عنه - صلى الله عليه وسلم - أن من الأزمان أزمانا ~~تجتمع فيها أمته على ضلالة وكفر . وقال آخرون : الجماعة التى أمر رسول الله ~~بلزومها : جماعة أهل الإسلام ما كانوا مجتمعين على أمر واجب على أهل الملل ~~اتباعها ، فإذا كان فيهم مخالف منهم فليسوا بمجتمعين ، ووجب تعرف وجه ~~الصواب فيما اختلفوا فيه . قال الطبرى : والصواب فى ذلك أنه أمر منه - صلى ~~الله عليه وسلم - بلزوم إمام جماعة المسلمين ونهى عن فراقهم فيما هم عليه ~~مجتمعون من تأميرهم إياه فمن خرج من ذلك فقد نكث بيعته ونقض عهده بعد وجوبه ~~، وقد قال - صلى الله عليه وسلم - : ( من جاء إلى أمتى ليفرق جماعتهم ~~فاضربوا عنقه كائنا من كان ) . PageV10P035 قال المؤلف : وحديث أبى بكرة ~~حجة فى ذلك لأنه - صلى الله عليه وسلم - أمره بلزوم جماعة المسلمين وإمامهم ~~، فبان أن الجماعة المأمور باتباعها هى السواد الأعظم مع الإمام الجامع لهم ~~، فإذا لم يكن لهم إمام فافترق أهل الإسلام أحزابا فواجب اعتزال تلك الفرق ~~كلها على ما أمر به النبى - صلى الله عليه وسلم - أبا ذر ولو أن يعض بأصل ~~شجرة حتى يدركه الموت ، فذلك خير له من الدخول بين طائفة لا إمام لها خشية ms3440 ~~ما يئول من عاقبة ذلك من فساد الأحوال باختلاف الأهواء وتشتت الآراء . وقال ~~صاحب العين : الدخن : الحقد ، ويوم دخنان : شديد الغم . * * * # | 12 - باب من كره أن يكثر سواد الفتن والظلم # / 26 - فيه : أبو الأسود ، قطع على أهل المدينة بعث ، فاكتتبت فيه ، ~~فلقيت عكرمة ، فأخبرته ، فنهانى أشد النهى ، ثم قال : أخبرنى ابن عباس أن ~~أناسا من المسلمين كانوا مع المشركين ، يكثرون سواد المشركين على رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - ، فيأتى السهم ، فيرمى فيصيب أحدهم فيقتله ، أو ~~يضربه فيقتله ، فأنزل الله تعالى : { إن الذين توفاهم الملائكة ظالمى ~~أنفسهم } [ النساء : 97 ] . قال المؤلف : ثبت عن النبى أنه قال : من كان مع ~~قوم راضيا بحالهم فهو منهم صالحين كانوا أو فاسقين ، هم شركاء فى الأجر أو ~~الوزر ، ومما يشبه معنى هذا الحديث فى مشاركة أهل الظلم فى الوزر قوله - ~~صلى الله عليه وسلم - : ( من آوى محدثا فعليه لعنة الله والملائكة والناس ~~أجمعين ) . PageV10P036 وأما مشاركة مجالس الصالحين فى الأجر فما فى الحديث ~~: ( إن لله ملائكة يطوفون فى الطرق يلتمسون أهل الذكر ، فإن وجدوا قوما ~~يذكرون الله تنادوا هلموا إلى حاجتكم . . ) وذكر الحديث بطوله ( قال : ~~فيقول الله : اشهدوا أنى قد غفرت لهم . فيقول ملك من الملائكة : فيهم فلان ~~ليس منهم إنما جاء لحاجته . قال : هم الجلساء لا يشقى جليسهم ) . فإن كان ~~مجالس أهل الفسق كارها لهم ولعملهم ، ولم يستطع مفارقتهم خوفا على نفسه أو ~~لعذر منعه فترجى له النجاة من إثم ذلك ، يدل على ذلك قوله فى آخر الآية ~~التى نزلت فيمن كثر سواد المشركين { إلا المستضعفين من الرجال والنساء } [ ~~النساء : 98 ] الآية وقد كره السلف الكلام فى الفتنة ، ذكر ابن جريج عن ابن ~~عباس قال : إنما الفتنة باللسان . وقال سفيان عن شريح : ما أخبرت ولا ~~استخبرت تسعة أعوام منذ كانت الفتنة ، فقال له مسروق : لو كنت مثلك لسرنى ~~أن أكون قد مت . قال : شريح : فكيف بأكثر من ذلك مما فى الصدور تلتقى ~~الفئتان إحداهما أحب إلى من الأخرى . وقال الحسن : السلامة من الفتنة : ~~سلامة ms3441 القلوب والأيدى والألسن . وكان إبراهيم يستخبر ولا يخبر . * * * # | 13 - باب إذا بقى فى حثالة من الناس # / 27 - فيه : حذيفة ، قال : حدثنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~حديثين ، رأيت أحدهما وأنا أنتظر الآخر ، حدثنا : ( أن الأمانة نزلت فى جذر ~~قلوب الرجال ، ثم علموا من القرآن ، ثم علموا من السنة ) ، وحدثنا عن رفعها ~~، فقال : ( ينام الرجل PageV10P037 النومة ، فتقبض الأمانة من قلبه ، فيظل ~~أثرها مثل أثر الوكت ، ثم ينام النومة ، فتقبض ، فيبقى فيها أثرها مثل أثر ~~المجل كجمر دحرجته على رجلك فنفط ، فتراه منتبرا ، وليس فيه شىء ، ويصبح ~~الناس يتبايعون فلا يكاد أحد يؤدى الأمانة ، فيقال : إن فى بنى فلان رجلا ~~أمينا ) ، ويقال للرجل : ما أعقله ، وما أظرفه ، وما أجلده ، وما فى قلبه ~~مثقال حبة خردل من إيمان ، ولقد أتى على زمان ولا أبالى أيكم بايعت ، لئن ~~كان مسلما رده على الإسلام ، وإن كان نصرانيا رده على ساعيه ، وأما اليوم ~~فما كنت أبايع إلا فلانا وفلانا . قال المؤلف : هذا الحديث من أعلام النبوة ~~؛ لأن فيه الإخبار عن فساد أديان الناس وقلة أمانتهم فى آخر الزمان ، ولا ~~سبيل إلى معرفة ذلك قبل كونه إلا من طريق الوحى ، وهذا كقوله : ( بدأ ~~الإسلام غريبا وسيعود غريبا كما بدأ ) وروى ابن وهب ، عن يعقوب بن عبد ~~الرحمن ، عن عمر مولى المطلب ، عن العلاء بن عبد الرحمن ، عن أبيه ، عن أبى ~~هريرة قال : ( قال رسول الله لعبد الله بن عمرو : كيف بك يا عبد الله إذا ~~بقيت فى حثالة من الناس ، قد مرجت عهودهم وأماناتهم واختلفوا فصاروا هكذا ، ~~وشبك بين أصابعه ؟ قال : قلت : يا رسول الله ، فما تأمرني ؟ قال : عليك ~~بخاصتك ، ودع عنك عوامهم ) ومن هذا الحديث ترجم البخارى ترجمة هذا الباب ، ~~والله أعلم ، وأدخل معناه فى حديث حذيفة ولم يذكر الحديث بنص الترجمة ؛ ~~لأنه من رواية العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه ، عن أبى هريرة ، ولم يخرج عن ~~العلاء حديثا فى كتابه . والحثالة : سفلة الناس ، وأصلها فى اللغة ما تساقط ~~من قشور التمر والشعير وغيرها وهى ms3442 الحفالة والسخافة . PageV10P038 وقوله فى ~~حديث حذيفة : ( فى جذر قلوب الرجال ) قال الأصمعى وأبو عمرو ، وغيرهما : ~~الجذر : الأصل . قال الأصمعى : بفتح الجيم ، وقال أبو عمرو : بكسر الجيم . ~~وقال صاحب العين : الوكت : شبيه نكتة فى العين ، وعين موكوتة ، والوكت : ~~سواد اللون . وقال أبو عبيد : الوكت : أثر الشىء اليسير منه . وقال الأصمعى ~~: يقال للبسر إذا بدا فيه الإرطاب : بسر موكت . والمجل : أثر العمل باليد ~~يعالج به الإنسان الشىء حتى تغلظ جلودها ، يقال منه : مجلت يده ومجلت لغتان ~~، وذكر الحربى عن ابن الأعرابى : المجل : النفط باليد ممتلئ ماء ، وقال أبو ~~زيد : إذا كان بين الجلد واللحم ماء قيل : مجلت يده تمجل ، ونفطت تنفط نفطا ~~ونفيطا . والمنتبر : المتنفط . قال الطوسى : انتبر الجرح : إذا ورم ، ويقال ~~: سمعت نبرات من كلامه أى : ارتفاعات من صوته . قال أبو عبيد : وقوله : ( ~~ما أبالى أيكم بايعت ) حمله كثير من الناس على بيعة الخلافة ، وهذا خطأ فى ~~التأويل ، وكيف يكون على بيعة الخلافة وهو يقول : ( لئن كان يهوديا أو ~~نصرانيا رده على ساعيه ) فهو يبايع على الخلافة اليهودى والنصرانى ؟ ! ومع ~~هذا إنه لم يكن يجوز أن يبايع كل أحد فيجعله خليفة ، وهو لا يرضى بأحد بعد ~~عمر ، فكيف يتأول هذا عليه مع مذهبه فيه ؟ إنما أراد مبايعة البيع والشراء ~~؛ لأنه ذكر الأمانة وأنها قد ذهبت من الناس يقول : فليس أثق اليوم بأحد ~~أئتمنه على البيع والشراء إلا فلانا وفلانا لقلة الأمانة فى الناس . ~~PageV10P039 وقوله : ( رده على ساعيه ) يعنى : الوالى الذى عليه ، يقول : ~~ينصفنى منه ، وإن لم يكن له إسلام ، وكل من ولى على قوم فهو ساع عليهم ، ~~وأكثر ما يقال هذا فى ولاة الصدقة قال الشاعر : سعى عقالا فلم يترك لنا ~~سبدا * * * # | 14 - باب التعرب فى الفتنة # / 28 - فيه : سلمة ابن الأكوع ، أنه دخل على الحجاج ، فقال : يا ابن ~~الأكوع ، ارتددت على عقبيك ، تعربت ؟ قال : لا ، ولكن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - أذن لى فى البدو . ولما قتل عثمان خرج سلمة بن الأكوع إلى ~~الربذة ، وتزوج هناك امرأة ، وولدت له ms3443 أولادا ، فلم يزل بها حتى قبل أن ~~يموت بليال ، فنزل المدينة . / 29 - وفيه : أبو سعيد ، قال النبى - صلى ~~الله عليه وسلم - : ( يوشك أن يكون خير مال المسلم غنم ، يتبع بها شعف ~~الجبال ، ومواقع القطر ، يفر بدينه من الفتن ) . التعرب : معناه أن يرجع ~~أعرابيا بعد الهجرة ، وكانوا يستعيذون بالله أن يعودوا كالأعراب بعد هجرتهم ~~؛ لأن الأعراب لم يتعبدوا بالهجرة التى يحرم بها على المهاجر الرجوع إلى ~~وطنه ، كما فرض على أهل مكة البقاء مع النبى - صلى الله عليه وسلم - ونصرته ~~، ولذلك قال الحجاج : ( يا ابن الأكوع ارتددت على عقبيك ، تعربت ؟ ) أى : ~~رجعت عن الهجرة التى فعلتها لوجه الله تعالى بخروجك من المدينة ، فأخبره أن ~~رسول الله أذن له فى سكنى البادية ، فلم يكن خروجه من المدينة فرارا منها ~~ولا رجوعا فى الهجرة ، وهذا لا يحل لأحد فعله ، PageV10P040 ولذلك دعا ~~النبى - صلى الله عليه وسلم - لأصحابه ألا يموتوا فى غير المدينة التى ~~هاجروا إليها لله تعالى ، فقال : ( اللهم أمض لأصحابى هجرتهم ولا تردهم على ~~أعقابهم ، لكن البائس سعد بن خولة . يرثى له رسول الله أن مات بمكة ) فتوجع ~~رسول الله حين مات بمكة فى الأرض التى هاجر منها . وذكر البخارى أن سعد بن ~~خولة شهد بدرا ، ثم انصرف إلى مكة ومات بها ، وأنه من المهاجرين . وقوله : ~~( يوشك أن يكون خير مال المسلم غنما يتبع بها شعف الجبال ومواقع القطر يفر ~~بدينه من الفتن ) من أعلام نبوته - صلى الله عليه وسلم - لأنه أخبر عما ~~يكون فى آخر الزمان . وفيه أن اعتزال الناس عند الفتن والهرب عنهم أفضل من ~~مخالطتهم وأسلم للدين ، وسأذكر تفسير شعف الجبال فى حديث أبى سعيد فى كتاب ~~الرقاق فى باب العزلة راحة من خلطاء السوء . * * * # | 15 - باب التعوذ من الفتن # / 30 - فيه : أنس ، سألوا النبى - صلى الله عليه وسلم - حتى أحفوه ~~بالمسألة ، فصعد النبى - صلى الله عليه وسلم - ذات يوم المنبر ، فقال : ( ~~لا تسألونى عن شىء إلا بينت لكم ) ، فجعلت أنظر يمينا وشمالا ، فإذا كل رجل ~~لاف رأسه فى ms3444 ثوبه يبكى ، فأنشأ رجل كان إذا لاحى يدعى إلى غير أبيه ، فقال ~~: يا نبى الله ، من أبى ؟ فقال : ( أبوك حذافة ) ؟ ثم أنشأ عمر ، فقال : ~~رضينا بالله ربا ، وبالإسلام PageV10P041 دينا ، وبمحمد - صلى الله عليه ~~وسلم - رسولا ، نعوذ بالله من سوء الفتن ، فقال - صلى الله عليه وسلم - : ( ~~ما رأيت فى الخير والشر كاليوم قط ، إنه صورت لى الجنة والنار حتى رأيتهما ~~دون الحائط . . . ) الحديث . وقال قتادة يذكر هذا الحديث عند هذه الآية : { ~~يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم } [ المائدة 101 ~~] . وقال : كل رجل لافا رأسه فى ثوبه يبكى ، وقال : عائذا بالله من سوء ~~الفتن ، أو أعوذ بالله من سوأى الفتن . وقال معتمر ، عن أبيه ، عن قتادة ، ~~عن أنس ، عن النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( عائذا بالله من شر الفتن ) . ~~قال صاحب الأفعال : أحفى الرجل فى السؤال : ألح ، وفى التنزيل { إن ~~يسألكموها فيحفكم تبخلوا } [ محمد : 37 ] أى يلح عليكم فيما يوجبه فى ~~أموالكم ، ولما ألحوا على النبى - صلى الله عليه وسلم - فى المسألة كره ~~مسائلهم وعز على المسلمين ما رأوا من الإلحاح على النبى - صلى الله عليه ~~وسلم - والتعنيت له ، وتوقعوا عقوبة الله أن تحل بهم ؛ ولذلك بكوا ، فمثل ~~الله له الجنة والنار ، وأراه كل ما يسأل عنه فى ذلك الوقت ، فقال : ( لا ~~تسألونى عن شى إلا بينت لكم ) وقال للرجل : ( أبوك حذافة ) وروى أن أم ابن ~~حذافة قالت له : ( يا بنى ما رأيت ابنا أعق منك أن تكون أمك قد قارفت بعض ~~ما تقارف نساء الجاهلية فتفضحها على أعين الناس . فقال ابنها : ( والله لو ~~ألحقنى بعبد أسود للحقت به ) . PageV10P042 وفي هذا الحديث فضل عمر بن ~~الخطاب وفهمه ، ومكانه من الحماية عن الدين والذب عن رسول الله إذ قال : ( ~~رضينا بالله ربا وبالإسلام دينا ومحمد نبيا ) ومنع تعنيته والإلحاح عليه ؛ ~~لأن الله تعالى قد أمر بتعزيزه وتوقيره وألا يرفع الصوت فوق صوته ، واستعاذ ~~بالله من شر الفتن ، وكذلك استعاذ النبى بالله من شر الفتن ، واستعاذ من ~~فتنة ms3445 المحيا والممات ، وإن كان قد أعاذه الله تعالى من كل فتنة ، وعصمه من ~~شرها ليسن ذلك لأمته ، فتستعيذ مما أستعاذ منه نبينا - صلى الله عليه وسلم ~~- وهذا خلاف ما يروى عن بعض من قصر علمه أنه قال : اسألوا الله الفتنة ~~فإنها حصاد المنافقين ، وزعم أن ذلك مروى عن رسول الله ، وهو حديث لا يثبت ~~، والصحيح خلافه من رواية أنس وغيره عن النبى - صلى الله عليه وسلم - . * * ~~* # | 16 - باب قول النبى - صلى الله عليه وسلم - الفتنة من قبل المشرق # / 31 - فيه : ابن عمر ، أن النبى - صلى الله عليه وسلم - ، قام إلى جنب ~~المنبر ، فقال : ( الفتنة هاهنا ، الفتنة هاهنا من حيث يطلع قرن الشيطان ، ~~أو قال : قرن الشمس ) . / 32 - وقال ابن عمر مرة : ( أنه سمع النبى - صلى ~~الله عليه وسلم - وهو مستقبل ، المشرق يقول : ( ألا إن الفتنة هاهنا ، من ~~حيث يطلع قرن الشيطان ) . / 33 - وفيه : ابن عمر ، قال النبى - صلى الله ~~عليه وسلم - : ( اللهم بارك لنا فى شأمنا ، اللهم بارك لنا فى يمننا ) ، ~~قالوا : يا رسول الله ، وفى نجدنا ، فأظنه قال فى الثالثة : ( هناك الزلازل ~~والفتن ، وبها يطلع قرن الشيطان ) . / 34 - وقيل لابن عمر : حدثنا عن ~~القتال فى الفتنة ، والله تعالى يقول : PageV10P043 { وقاتلوهم حتى لا تكون ~~فتنة } [ البقرة : 193 ] ، فقال : هل تدرى ما الفتنة ثكلتك أمك ؟ إنما كان ~~محمد - صلى الله عليه وسلم - يقاتل المشركين ، وكان الدخول فى دينهم فتنة ، ~~وليس كقتالكم على الملك . قال المؤلف : قال الخطابى : القرن فى الحيوان ~~يضرب به المثل فيما لا يحمد من الأمور ، كقوله - صلى الله عليه وسلم - فى ~~الفتنة وطلوعها من ناحية المشرق : ( ومنه يطلع قرن الشيطان ) وقال فى الشمس ~~أنها تطلع بين قرنى الشيطان ، والقرن : الأمة من الناس يحدثون بعد فناء ~~آخرين ، قال الشاعر : إذا ما مضى القرن الذى أنت منهم وخلفت فى قرن فأنت ~~غريب وقال غيره : كان أهل المشرق يومئذ أهل كفر فأخبره - صلى الله عليه ~~وسلم - أن الفتنة تكون من تلك الناحية ، وكذلك كانت الفتنة الكبرى التى ~~كانت مفتاح فساد ذات ms3446 البين وهى مقتل عثمان ، رضى الله عنه ، وكانت سبب وقعة ~~الجمل وصفين ، ثم ظهور الخوارج فى أرض نجد والعراق وما وراءها من المشرق ، ~~ومعلوم أن البدع إنما ابتدأت من المشرق ، وإن كان الذين اقتتلوا بالجمل ~~وصفين بينهم كثير من أهل الشام والحجاز فإن الفتنة وقعت فى ناحية المشرق ، ~~وكان ذلك سببا إلى افتراق كلمة المسلمين وفساد نيات كثير منهم إلى يوم ~~القيامة ، وكان رسول الله يحذر من ذلك ويعلمه قبل وقوعه ، وذلك دليل على ~~نبوته . * * * PageV10P044 # | 17 - باب الفتنة التى تموج كموج البحر # وقال ابن عيينة ، عن خلف بن حوشب : كانوا يستحبون أن يتمثلوا بهذه ~~الأبيات عند الفتن ، قال امرؤ القيس : الحرب أول ما تكون فتية حتى إذا ~~اشتعلت وشب ضرامها شمطاء ينكر لونها وتغيرت تسعى بزينتها لكل جهول ولت ~~عجوزا غير ذات حليل مكروهة للشم والتقبيل / 35 - فيه : حذيفة ، قال عمر : ~~أيكم يحفظ قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فى الفتنة ؟ قال : فتنة ~~الرجل فى أهله وماله وولده وجاره تكفرها الصلاة والصدقة والأمر بالمعروف ~~والنهى عن المنكر ، قال : ليس عن هذا أسألك ، ولكن التى تموج كموج البحر ، ~~قال : ليس عليك منها بأس يا أمير المؤمنين ، إن بينك وبينها بابا مغلقا ، ~~قال عمر : أيكسر الباب أم يفتح ؟ قال : بل يكسر ، قال عمر : إذا لا يغلق ~~أبدا ، قلت : أجل ، قلنا لحذيفة : أكان عمر يعلم الباب ، قال : نعم ، كما ~~يعلم أن دون غد ليلة ، وذلك أنى حدثته حديثا ليس بالأغاليط ، فهبنا أن ~~نسأله من الباب ، فأمرنا مسروقا فسأله ، فقال : من الباب ؟ فقال : الباب ~~عمر . / 36 - وفيه : أبو موسى ، خرج النبى - صلى الله عليه وسلم - إلى حائط ~~من حوائط المدينة لحاجته وخرجت فى إثره ، فلما دخل الحائط ، جلست على بابه ~~، وقلت : لأكونن اليوم بواب النبى - صلى الله عليه وسلم - ولم يأمرنى ، ~~فذهب النبى - صلى الله عليه وسلم - وقضى حاجته ، وجلس على قف البئر ، فكشف ~~عن ساقيه ودلاهما فى البئر ، فجاء أبو بكر يستأذن عليه ليدخل ، فقلت : كما ~~أنت حتى أستأذن لك ، فوقف ، فجئت ms3447 إلى النبى - صلى الله عليه وسلم - ، فقلت ~~: يا نبي الله ، PageV10P045 أبو بكر يستأذن عليك ؟ قال : ( ائذن له ، ~~وبشره بالجنة ) ، فدخل ، فجاء عن يمين النبيى - صلى الله عليه وسلم - فكشف ~~عن ساقيه ودلاهما فى البئر ، فجاء عمر ، فقلت : كما أنت حتى أستأذن لك ، ~~فقال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( ائذن له ، وبشره بالجنة ) ، فجاء عن ~~يسار النبي - صلى الله عليه وسلم - فكشف عن ساقيه فدلاهما فى البئر ، ~~فامتلأ القف ، فلم يكن فيه مجلس ، ثم جاء عثمان ، فقلت : كما أنت حتى ~~أستأذن لك ، فقال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( ائذن له ، وبشره بالجنة ~~، معها بلاء يصيبه ) ، فدخل ، فلم يجد معهم مجلسا ، فتحول حتى جاء مقابلهم ~~على شفة البئر ، فكشف عن ساقيه ، ثم دلاهما فى البئر ، فجعلت أتمنى أخا لى ~~وأدعو الله أن يأتى . قال ابن المسيب : فتأولت ذلك قبورهم اجتمعت هاهنا ، ~~وانفرد قبر عثمان . / 37 - وفيه : أبو وائل ، قيل لأسامة : ألا تكلم هذا ؟ ~~قال : قد كلمته ما لم أفتح بابا أكون أول من يفتحه ، وما أنا بالذى أقول ~~لرجل بعد أن يكون أميرا على رجلين : أنت خير ، بعد ما سمعت من رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - يقول : ( يجاء برجل ، فيطرح فى النار ، فيطحن فيها ~~كطحن الحمار برحاه ، فيطيف به أهل النار ، فيقولون : أى فلان ألست كنت تأمر ~~بالمعروف وتنهى عن المنكر ؟ فيقول : إنى كنت آمر بالمعروف ولا أفعله ، ~~وأنهى عن المنكر وأفعله ) . / 38 - وفيه : أبو بكرة ، قال : لقد نفعنى الله ~~بكلمة أيام الجمل لما بلغ النبى - صلى الله عليه وسلم - أن فارسا ملكوا ~~ابنة كسرى ، قال : ( لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة ) . / 39 - وفيه : أبو ~~مريم ، لما سار طلحة والزبير وعائشة إلى البصرة بعث PageV10P046 علي إلى ~~عمار بن ياسر وحسن بن على ، فقدما علينا الكوفة ، فصعدا المنبر ، فكان ~~الحسن بن على فوق المنبر فى أعلاه ، وقام عمار أسفل من الحسن ، فاجتمعنا ~~إليه ، فسمعت عمارا ، يقول : إن عائشة ، قد سارت إلى البصرة ، ووالله إنها ~~لزوجة نبيكم - صلى الله عليه وسلم - فى الدنيا ms3448 والآخرة ، ولكن الله تبارك ~~وتعالى ابتلاكم ؛ ليعلم إياه تطيعون أم هى . وقال مرة : ولكنها مما ابتليتم ~~، يعنى عائشة . / 40 - وفيه : أبو وائل ، دخل أبو موسى وأبو مسعود على عمار ~~حيث بعثه على إلى أهل الكوفة يستنفرهم ، فقالا : ما رأيناك أتيت أمرا أكره ~~عندنا من إسراعك فى هذا الأمر منذ أسلمت ، فقال عمار : ما رأيت منكما منذ ~~أسلمتما أمرا أكره عندى من إبطائكما عن هذا الأمر ، وكساهما حلة حلة ، ثم ~~راحوا إلى المسجد . / 41 - وروى أيضا قال أبو مسعود وكان موسرا : يا غلام ، ~~هات حلتين ، فأعطى إحداهما أبا موسى والأخرى عمارا ، وقال : روحا فيه إلى ~~الجمعة . قال المؤلف : حديث حذيفة وأبى موسى من أعلام النبوة ؛ لأن فيهما ~~الإخبار عما يكون من الفتن والغيب ، وذلك لا يعلم إلا بوحى من الله . وقال ~~الخطابى : إنما كان يسأل حذيفة عن الشر ليعرف موضعه فيتوقاه ، وذلك أن ~~الجاهل بالشر أسرع إليه وأشد وقوعا فيه وروى عن بعض السلف أنه قيل له : إن ~~فلانا لا يعرف الشر . قال : ذاك أجدر أن يقع فيه ، ولهذا صار عامة ما يروى ~~من أحاديث الفتن وأكثر ما يذكر من أحوال المنافقين ونعوتهم منسوبة إليه ~~ومأخوذة عنه . وقال غيره : وإنما تنكب حذيفة حين سأله عمر عن الفتنة ~~PageV10P047 فجاوبه عن فتنة الرجل فى أهله وماله وولده وجاره ولم يجاوبه عن ~~الفتنة الكبرى التى تموج كموج البحر لئلا يغمه ويشغل باله ، ألا ترى قوله ~~لعمر : ( ليس عليك منها بأس يا أمير المؤمنين فإن بينك وبينها بابا مغلقا ) ~~ولم يقل له أنت الباب ، وهو يعلم أن الباب عمر ، فإنما أراد حذيفة ألا ~~يواجهه بما يشق عليه ويهمه ، وعرض له بما فهم عنه عمر أنه هو الباب ولم ~~يصرح له بذلك ، وهذا من حسن أدب حذيفة ، رضى الله عنه . قال المهلب : فإن ~~قال قائل : فمن أين علم عمر أن الباب إذا كسر لم يغلق أبدا . فالجواب : أنه ~~استدل عمر على ذلك ؛ لأن الكسر لا يكون إلا غلبة ، والغلبة لا تكون إلا فى ~~الفتنة ، وقد علم ms3449 عمر وغيره من النبى - صلى الله عليه وسلم - أنه سأل ربه ~~ألا يجعل بأس أمته بينهم فمنعها ، فلم يزل الهرج إلى يوم القيامة ، وروى ~~معمر ، عن أيوب ، عن أبى قلابة ، عن أبى الأشعث الصنعانى ، عن أبى أسماء ~~الرحبى ، عن شداد بن أوس ، عن النبى - صلى الله عليه وسلم - قال : ( إذا ~~وضع السيف فى أمتى لم يرفع عنهم إلى يوم القيامة ) وفيه أن الصحابة كان ~~يأخذ بعضهم العلم عن بعض ، ويصدق بعضهم بعضا ، وكلهم عدول رضى ، وهم خير ~~أمة أخرجت للناس . وفى حديث أبى موسى البشرى بالجنة لأبى بكر وعمر وعثمان ، ~~إلا أنه قال فى عثمان ( مع بلاء يصيبه ) وكان ذلك البلاء أنه قتل مظلوما ~~شهيدا . فإن قيل : فكيف خص عثمان بذكر البلاء ؛ وقد أصاب عمر مثله ؛ لأنه ~~طعنه أبو لؤلؤة فمات من طعنته شهيدا كما مات عثمان شهيدا ؟ . فالجواب : أن ~~عمر وإن كان مات من الطعنة شهيدا ، PageV10P048 فإنه لم يمتحن بمثل محنة ~~عثمان من تسلط طائفة باغية متغلبة عليه ، ومطالبتهم له أن ينخلع من الإمامة ~~، وهجومهم عليه فى داره ، وهتكهم ستره ، ونسبتهم إليه الجور والظلم وهو برئ ~~عند الله من كل سوء ، بعد أن منع الماء مع أشياء كثيرة يطول إحصاؤها ، وعمر ~~لم يلق مثل هذا ، ولا تسور عليه أحد داره ، ولا هتك ستره ، ولا قتله من شهد ~~شهادة التوحيد فيحاجه بها عند الله يوم القيامة ؛ ولذلك حمد الله عمر على ~~ذلك ، فكان الذى أصاب عثمان من البلاء غير قتله بلاء شديدا لم يصب عمر مثله ~~. قال المهلب : وأما قول أبى وائل : ( قيل لأسامة : ألا تكلم هذا الرجل ) ~~يعنى عثمان بن عفان ليكلمه فى شأن الوليد ؛ لأنه ظهر عليه ريح نبيذ وشهر ~~أمره ، وكان أخا عثمان لأمه ، وكان عثمان يستعمله على الأعمال ، فقيل ~~لأسامة : ألا تكلمه فى أمره ؛ لأنه كان من خاصة عثمان ، وممن يخف عليه ، ~~فقال : قد كلمته فيما بينى وبينه ، وما دون أن أفتح بابا أكون أول من يفتحه ~~، يريد لا أكون أول من يفتح باب الإنكار على ms3450 الأئمة علانية فيكون بابا من ~~القيام على أئمة المسلمين فتفترق الكلمة وتتشتت الجماعة ، كما كان بعد ذلك ~~من تفرق الكلمة بمواجهة عثمان بالنكير ، ثم عرفهم أنه لا يداهن أميرا أبدا ~~بل ينصح له فى السر جهده بعدما سمع النبى يقول فى الرجل الذى كان فى النار ~~كالحمار يدور برحاه ، من أجل أنه كان يأمر بالمعروف ولا يفعله وينهى عن ~~الشر ويفعله يعرفهم أن هذا الحديث جعله ألا يداهن أحدا ، يتبرأ إليهم مما ~~ظنوا به من سكوته عن عثمان في أخيه . PageV10P049 فإن قال قائل : فإن ~~الإنكار على الأمراء فى العلانية من السنة لما روى سفيان عن علقمة بن مرثد ~~، عن طارق بن شهاب : ( أن رجلا سأل النبى - صلى الله عليه وسلم - أى الجهاد ~~أفضل ؟ قال : كلمة حق عند سلطان جائر ) . قال الطبرى : قد اختلف السلف ~~قبلنا فى تأويل هذا الحديث فقال بعضهم : إنما عنى النبى - صلى الله عليه ~~وسلم - بقوله : ( كلمة حق عند سلطان جائر ) إذا أمن على نفسه القتل أو أن ~~يلحقه من البلاء ما لا قبل له به ، هذا مذهب أسامة بن زيد ، وروى ذلك عن ~~ابن مسعود وابن عباس وحذيفة ، وروى عن مطرف بن الشخير أنه قال : والله لو ~~لم يكن لى دين حتى أقوم إلى رجل معه ألف سيف فأنبذ إليه كلمة فيقتلنى إن ~~دينى إذا لضيق . وقال آخرون : الواجب على من رأى PageV10P050 منكرا من ذى ~~سلطان أن ينكره علانية وكيف أمكنه ، روى ذلك عن عمر بن الخطاب وأبى بن كعب ~~، واحتجوا بقوله - صلى الله عليه وسلم - : ( من رأى منكم منكرا فليغيره ~~بيده ، فإن لم يستطيع فبلسانه ، فإن لم يستطيع فبقلبه ، وذلك أضعف الإيمان ~~) وبقوله : ( إذا هابت أمتى أن تقول للظالم : يا ظالم ، فقد تودع منهم ) . ~~وقال آخرون : من رأى من سلطانه منكرا فالواجب عليه أن ينكره بقلبه دون ~~لسانه ، واحتجوا بحديث أم سلمة عن النبى - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : ~~( يستعمل عليكم أمراء بعدى ، تعرفون وتنكرون ، فمن كره فقد برئ ، ومن أنكر ~~فقد سلم ، ولكن ms3451 من رضى وتابع ، قالوا : يا رسول الله ، أفلا نقاتلهم ؟ قال ~~: لا ، ما صلوا ) . قال الطبرى : والصواب : أن الواجب على كل من رأى منكرا ~~أن ينكره إذا لم يخف على نفسه عقوبة لا قبل له بها ؛ لورود الأخبار عن ~~النبى - صلى الله عليه وسلم - بالسمع والطاعة للأئمة ، وقوله - صلى الله ~~عليه وسلم - : ( لا ينبغى للمؤمن أن يذل نفسه . قالوا : وكيف يذل نفسه ؟ ~~قال : يتعرض من البلاء ما لا يطيق ) . فإن قال قائل فى حديث أسامة : فكيف ~~صار الذين كان يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر معه فى النار وهو لهم ~~بالمعروف آمر ، وعن المنكر ناه ؟ قيل : لم يكونوا أهل طاعة ، وإنما كانوا ~~أهل معصية . وأما حديث أبى بكرة فإن فى ظاهره توهية لرأى عائشة فى الخروج . ~~قال المهلب : وليس كذلك لأن المعروف من مذهب أبى بكرة أنه كان على رأى ~~عائشة وعلى الخروج معها ، ولم يكن خروجها على نية القتال ، وإنما قيل لها : ~~اخرجى لتصلحى بين الناس فإنك أمهم ولم يعقوك بقتال . فخرجت لذلك ، وكان نية ~~بعض أصحابها إن ثبت لهم البغى أن يقاتلوا التى تبغى ، وكان منهم أبو بكرة ~~ولم يرجع عن هذا الرأى أصلا وإنما تشاءم بقول الرسول - صلى الله عليه وسلم ~~- فى تمليك فارس امرأة أنهم يغلبون ، لأن الفلاح فى اللغة البقاء ؛ لا أن ~~أبا بكرة وهن رأى عائشة ، ولا فى الإسلام أحد يقوله إلا الشيعة ، فلم يرد ~~أبو بكرة بكلامه إلا أنهم يغلبون إن قوتلوا ، وليس الغلبة بدلالة على أنهم ~~على باطل ؛ لأن أهل الحق قد يغلبون ، وتكون لهم العاقبة كما وعد الله ~~المتقين ، وذلك عيان فى أصحاب النبى - صلى الله عليه وسلم - يوم حنين وأحد ~~، وجعل الله لهم العاقبة ، كما جعلها لمن غضب لعثمان وأنف من قتله وطلب دمه ~~، وليس فى الإسلام أحد يقول : إن عائشة دعت إلى أمير معها ، ولا عارضت عليا ~~فى الخلافة ، ولا نازعته لأخذ الإمارة ، وإنما أنكرت عليه منعه من قتلة ~~عثمان ، وتركهم دون أن يأخذ منهم حدود الله ودون أن يقتص لعثمان ms3452 منهم ، لا ~~غير ذلك ، فهم الذين خشوها وخشوا على أنفسهم فورشوا ودسوا فى جمع عائشة من ~~PageV10P051 يقول لهم : إن عليا يقاتلكم فخذوا حذركم وشكوا سلاحكم وعبئوا ~~حربكم ، وقالوا لعلى : إنهم يريدون أن يخلعوك ويقاتلوك على الإمارة ، ثم ~~استشهدوا بما يرونه من أخذ أصحاب الجمل بالحزم وتعبئتهم الصفوف وحمل السلاح ~~ثم يقولون له : هل يفعلون ذلك إلا لقتالك حتى حركوه ، وكانوا أول من رمى ~~فيهم بالسهام وضربوا بالسيوف والرماح حتى اشتبك القتال ووقع ما راموه ، ~~وكان فى ذلك خلاصهم مما خشوه من اجتماع الفريقين على الاستقادة لعثمان منهم ~~، هذا أحسن ما قيل فى ذلك . وأما حديث أبى موسى وأبى مسعود حين دخلا على ~~عمار ، فإن عمارا بعثه على إلى الكوفة ليستنفرهم ، فجرى بينهم ما جرى من ~~تقبيح رأى عمار وإسراعه فى الفتنة بالخروج وكشف الوجه وقد علم نهى النبى عن ~~حمل السلاح على المسلمين ، ثم توبيخ عمار لأبى موسى وأبى مسعود على قعودهما ~~عن ذلك ، وكل فريق منهم مجتهد له وجه فى الصواب ، وكان اجتماعهم عند أبى ~~مسعود بعد أن خطب عمار الناس على المنبر بالنفير ، وكان أبو مسعود كثير ~~المال جوادا وكان ذلك يوم جمعة فكساهما حلتين ليشهدا بها الجمعة ؛ لأن ~~عمارا كان فى ثياب السفر وهيئة الحرب فكره أن يشهد الجمعة فى تلك الثياب ، ~~وكره أن يكسوه بحضرة أبى موسى ولا يكسو أبا موسى ؛ لأنه كان كريما . والقف ~~: ما ارتفع عن الأرض ، عن صاحب العين . * * * PageV10P052 # | 18 - باب إذا أنزل الله بقوم عذابا # / 42 - فيه : ابن عمر ، قال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( إذا أنزل ~~الله بقوم عذابا أصاب العذاب من كان فيهم ، ثم بعثوا على أعمالهم ) . قال ~~المؤلف : هذا الحديث يبين حديث زينب بنت جحش أنها قالت : ( يا رسول الله ، ~~أنهلك وفينا الصالحون ؟ قال : نعم ، إذا كثر الخبث ) فيكون إهلاك جميع ~~الناس عند ظهور المنكر والإعلان بالمعاصى ، ودل قوله : ( ثم بعثوا على ~~أعمالهم ) أن ذلك الهلاك العام يكون طهرة للمؤمنين ونقمة للفاسقين وقد تقدم ~~هذا فى أول كتاب الفتن ms3453 . * * * # | 19 - باب قول النبى - صلى الله عليه وسلم - للحسن بن على : ( إن ابنى ~~هذا لسيد ، ولعل الله أن يصلح به بين فئتين من المسلمين ) # / 43 - فيه : إسرائيل ، أنه جاء إلى ابن شبرمة ، فقال : أدخلنى على عيسى ~~أعظه ، فكأن ابن شبرمة خاف عليه ، فلم يفعل ، قال : حدثنا الحسن ، قال : ~~لما سار الحسن ابن على إلى معاوية بالكتائب ، قال عمرو بن العاص لمعاوية : ~~أرى كتيبة لا تولى حتى تدبر أخراها ، قال معاوية : من لذرارى المسلمين ؟ ~~فقال : أنا ، فقال عبدالله بن عامر ، وعبدالرحمن بن سمرة : نلقاه ، فنقول ~~له : الصلح ، قال الحسن : ولقد سمعت أبا بكرة ، قال : بينا النبى - صلى ~~الله عليه وسلم - يخطب ، جاء الحسن ، فقال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ~~( إن ابنى هذا سيد ، ولعل الله أن يصلح به بين فئتين من المسلمين ) . / 44 ~~- وفيه : حرملة مولى أسامة ، قال : أرسلنى أسامة إلى علي بن أبي ~~PageV10P053 طالب ، وقال : إنه سيسألك الآن ، فيقول : ما خلف صاحبك ؟ فقل ~~له : يقول لك : لو كنت فى شدق الأسد لأحببت أن أكون معك فيه ، ولكن هذا أمر ~~لم أره ، فلم يعطنى شيئا ، فذهبت إلى حسن وحسين وابن جعفر ، فأوقروا لي ~~راحلتي . قال المؤلف : فيه فضل السعى بين المسلمين فى حسم الفتن والإصلاح ~~بينهم وأن ذلك مما تستحق به السيادة والشرف ، وقول معاوية : ( من لذرارى ) ~~يدل على أنه كره الحرب وخشى سوء عاقبة الفتنة ؛ ولذلك بعث عبد الله بن عامر ~~وعبد الرحمن بن سمرة إلى الحسن ابن على يسأله الصلح ، فأجاب الحسن بن على ~~رغبة فيه وحقنا لدماء المسلمين وحرصا على رفع الفتنة ، وقد تقدم فى الصلح . ~~وأما قول إسرائيل لابن شبرمة أدخلنى على عيسى أعظه يعنى : عيسى بن موسى ، ~~فخاف عليه ابن شبرمة من ذلك ، فدل أن مذهب ابن شبرمة أن من خاف على نفسه لا ~~يلزمه الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر . وأما حديث أسامة فإنه أرسل مولاه ~~إلى على بن أبى طالب يعرفه أنه من أحب الناس إليه وأنه يحب مشاركته فى ~~السراء والضراء ، ويعتذر إليه من ms3454 تخلفه عن الحرب معه ، وأنه لا يرى ذلك لما ~~روى عنه : ( أن النبى - صلى الله عليه وسلم - لما بعثه إلى الحرقة أدرك ~~رجلا بالسيف فقال له الرجل : لا إله إلا الله ، فقتله فأخبر النبى بذلك ، ~~فقال له : يا أسامة قتلته بعدما قال : لا إله إلا الله . فقال : يا رسول ~~الله إنما قالها تعوذا . PageV10P054 فقال رسول الله : أقتلته بعدما قال : ~~لا إله إلا الله ؟ فما زال يكررها حتى تمنيت أن لم أكن أسلمت قبل ذلك اليوم ~~) فآلى أسامة على نفسه أن لا يقاتل مسلما أبدا ، فلذلك قعد عن على ، رضى ~~الله عنه ، فى الجمل وصفين . * * * # | 20 - باب إذا قال عند قوم شيئا ، ثم خرج فقال بخلافه # / 45 - فيه : نافع ، لما خلع أهل المدينة يزيد بن معاوية جمع ابن عمر ~~حشمه وولده ، فقال : إنى سمعت النبى - صلى الله عليه وسلم - يقول : ( ينصب ~~لكل غادر لواء يوم القيامة ) ، وإنا قد بايعنا هذا الرجل على بيع الله ~~ورسوله ، وإنى لا أعلم غدرا أعظم من أن يبايع رجل على بيع الله ورسوله ، ثم ~~ينصب له القتال : وإنى لا أعلم أحدا منكم خلعه ، ولا بايع فى هذا الأمر إلا ~~كانت الفيصل بينى وبينه . / 46 - وفيه : أبو المنهال ، لما كان ابن زياد ~~ومروان بالشأم ، ووثب ابن الزبير بمكة ، ووثب القراء بالبصرة ، فانطلقت مع ~~أبى إلى أبى برزة الأسلمى حتى دخلنا عليه فى داره وهو جالس فى ظل علية له ~~من قصب ، فجلسنا إليه ، فأنشأ أبى يستطعمه الحديث ، فقال : يا أبا برزة ، ~~ألا ترى ما وقع فيه الناس ؟ فأول شىء سمعته تكلم به : إنى احتسبت عند الله ~~أنى أصبحت ساخطا على أحياء قريش ، إنكم يا معشر العرب ، كنتم على الحال ~~الذى علمتم من الذلة والقلة والضلالة ، وإن الله أنقذكم بالإسلام وبمحمد - ~~صلى الله عليه وسلم - حتى بلغ بكم ما ترون ، وهذه الدنيا التى أفسدت بينكم ~~، إن ذلك الذي بالشأم ، والله إن PageV10P055 يقاتل إلا على الدنيا ، وإن ~~ذلك الذي بمكة والله إن يقاتل إلا على الدنيا وإن هؤلاء الذين ms3455 بين أظهركم ، ~~والله إن يقاتلون إلا على الدنيا . / 47 - وفيه : حذيفة ، قال : إن ~~المنافقين اليوم شر منهم على عهد النبى - صلى الله عليه وسلم - كانوا يومئذ ~~يسرون واليوم يجهرون . / 48 - وقال مرة : إنما كان النفاق على عهد رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - ، فأما اليوم فإنما هو الكفر بعد الإيمان . ~~قال المؤلف : معنى الترجمة إنما هو فى خلع أهل المدينة يزيد بن معاوية ~~ورجوعهم عن بيعته وما قالوا له ، وقالوا بغير حضرته خلاف ما قالوا بحضرته ، ~~وذلك أن ابن عمر بايع يزيد ابن معاوية فقال عنده بالطاعة لخلافته ، ثم خشى ~~على بنيه وحشمه النكث مع أهل المدينة حين نكثوا بيعة يزيد ، فجمعهم ووعظهم ~~وأخبرهم أن النكث أعظم الغدر . وأما قول أبى برزة : ( إنى أحتسب عند الله ~~أنى أصبحت ساخطا على أحياء قريش ) فوجه موافقته الترجمة أن هذا قول لم يقله ~~عند مروان حين بايعه بل بايع واتبع ، ثم سخط ذلك لما بعد عنه ، وكأنه أراد ~~منه أن يترك ما نوزع فيه للآخرة ولا يقاتل عليه كما فعل عثمان فلم يقاتل من ~~نازعه ، بل ترك ذلك لمن قاتله عليه ، وكما فعل الحسن بن على حين ترك القتال ~~لمعاوية حين نازعه أمر الخلافة فسخط أبو برزة من مروان تمسكه بالخلافة ~~والقتال عليها ، فقد تبين أن قوله لأبى المنهال وابنه بخلاف ما قال لمروان ~~حين بايع له ، وأما يمينه أن الذى بالشام إن يقاتل إلا على الدنيا ، فوجهه ~~أنه كان يريد أن يأخذ بسيرة عثمان والحسن رضى الله عنهما ، وأما يمينه على ~~الذى بمكة ، يعنى ابن الزبير ، فإنه لما وثب بمكة بعد أن دخل فيما دخل فيه ~~PageV10P056 المسلمون جعله نكثا منه وحرصا على الدنيا ، وهو فى هذه أقوى ~~رأيا منه فى الأولى ، وكذلك القراء بالبصرة ؛ لأنه كان رحمه الله لا يرى ~~الفتنة فى الإسلام أصلا ، فكان يرى أن يترك صاحب الحق حقه لمن نازعه فيه ~~لأنه مأجور فى ذلك ، وممدوح بالإيثار على نفسه ، وكان يريد من المقاتل له ~~أن يقتحم النار فى قيامه ms3456 وتفريقه الجماعة وتشتيته الكلمة ، ولا يكون سببا ~~لسفك الدماء واستباحة الحرم أخذا بقوله - صلى الله عليه وسلم - : ( إذا ~~التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول فى النار ) فلم ير القتال البتة ~~. وأما حديث حذيفة وقوله : ( إن المنافقين اليوم شر منهم على عهد النبى - ~~صلى الله عليه وسلم - ) لأنهم كانوا يسرون قولهم فلا يتعدى شرهم إلى غيرهم ~~، وأما اليوم فإنهم يجهرون بالنفاق ويعلنون بالخروج على الجماعة ويورثون ~~بينهم ويحزبونهم أحزابا ، فهم اليوم شر منهم حين لا يضرون بما يسرونه . ~~ووجه موافقته للترجمة أن المنافقين بالجهر وإشهار السلاح على الناس هو ~~القول بخلاف ما قالوه حين دخلوا فى بيعة من بايعوه من الأئمة ؛ لأنه لا ~~يجوز أن يتخلف عن بيعة من بايعه الجماعة ساعة من الدهر ؛ لأنها ساعة جاهلية ~~، ولا جاهلية فى الإسلام ، وقد قال تعالى : { واعتصموا بحبل الله جميعا ولا ~~تفرقوا } [ آل عمران : 103 ] فالتفرق محرم فى الإسلام وهو الخروج عن طاعة ~~الأئمة . وأما قول أبى برزة واحتسابه سخطه على أحياء قريش عند الله ، فكأنه ~~قال : اللهم إنى لا أرضى ما تصنع قريش من التقاتل على الخلافة ، فاعلم ذلك ~~من نيتى ، وأنى أسخط فعلهم واستباحتهم للدماء PageV10P057 والأموال ، فأراد ~~أن يحتسب مما يكرهه من إنكار القتال فى الإسلام عند الله أجرا وذخرا ، فإنه ~~لم يقدر من التغيير عليهم إلا بالقول والنية التى بها يأجر الله عباده . * ~~* * # | 21 - باب لا تقوم الساعة حتى يغبط أهل القبور # / 49 - فيه : أبو هريرة ، قال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( لا تقوم ~~الساعة حتى يمر الرجل بقبر الرجل ، فيقول : يا ليتنى مكانه ) . قال المؤلف ~~: تغبيط أهل القبور وتمنى الموت عند ظهور الفتن إنما هو خوف ذهاب الدين ~~لغلبة الباطل وأهله وظهور المعاصى والمنكر . وروى ابن المبارك عن سعيد بن ~~عبد العزيز ، عن ابن عبد ربه أن أبا الدرداء كان إذا جاءه موت الرجل على ~~الحال الصالحة قال : هنيئا له ليتنى بدله ، فقالت له أم الدرداء : لم تقول ~~هذا ؟ فقال : إن الرجل ليصبح مؤمنا ويمسى كافرا ، قالت : وكيف ؟ قال : يسلب ms3457 ~~إيمانه وهو لا يشعر ، فلأنا أغبط لهذا بالموت أغبط من هذا فى الصوم والصلاة ~~. وقد روى عن النعمان بن بشير ، عن النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( إن ~~بين يدى الساعة فتنا كقطع الليل المظلم يصبح الرجل فيها مؤمنا ويمسى كافرا ~~، ويمسى مؤمنا ويصبح كافرا ، يبيع فيها أقوام دينهم بعرض من الدنيا يسير ) ~~. ومن حديث الحسن عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : ( بين يدى الساعة ~~فتن يموت فيها قلب الرجل كما يموت بدنه ) . وعن ابن مسعود قال : سيأتى ~~عليكم زمان لو وجد فيه أحدكم PageV10P058 الموت يباع لاشتراه ، وسيأتى ~~عليكم زمان يغبط فيه الرجل بخفة الحاذ كما يغبط فيه بكثرة المال والولد . ~~وأما من لم يخف فساد دينه وذهاب إيمانه فلا يتمنى الموت ذلك الزمان ~~لمشابهته بأهله وحرصه فيما دخلوا فيه ، بل ذلك وقت يسود فيه أهل الباطل ، ~~ويعلو فيه سفلة الناس ورذالتهم ويسعد بالدنيا لكع بن لكع . * * * # | 22 - باب تغيير الزمان حتى تعبد الأوثان # / 50 - فيه : أبو هريرة ، قال : قال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( لا ~~تقوم الساعة حتى تضطرب أليات نساء دوس على ذى الخلصة ) ، وذو الخلصة طاغية ~~دوس التى كانوا يعبدون فى الجاهلية . / 51 - وفيه : أبو هريرة ، قال النبى ~~، عليه الساتم : ( لا تقوم الساعة حتى يخرج رجل من قحطان يسوق الناس بعصاه ~~) . قال المؤلف : ذكر مسلم فى كتابه ما يبين حديث أبى هريرة قال : حدثنا ~~أبو كامل الجحدرى قال : حدثنا خالد بن الحارث ، حدثنا عبد الحميد بن جعفر ، ~~عن الأسود بن العلاء ، عن أبى سلمة ، عن عائشة قالت : سمعت رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - يقول : ( لا يذهب الليل والنهار حتى تعبد اللات والعزى ~~فقلت : يا رسول الله إن كنت لأظن حين أنزل الله : { هو الذى أرسل رسوله ~~بالهدى } إلى { المشركون } [ التوبة : 33 ] أن ذلك تام قال : إنه سيكون من ~~ذلك ما شاء PageV10P059 الله ، ثم يبعث الله ريحا طيبة فيتوفى كل من فى ~~قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان ، فيبقى من لا خير فيه فيرجعون إلى دين ms3458 ~~آبائهم ) . قال المؤلف : هذه الأحاديث وما جانسها معناها الخصوص ، وليس ~~المراد بها أن الدين ينقطع كله فى جميع أقطار الأرض حتى لا يبقى منه شىء ؛ ~~لأنه قد ثبت عن النبى - صلى الله عليه وسلم - أن الإسلام يبقى إلى قيام ~~الساعة إلا أنه يضعف ويعود غريبا كما بدأ ، وروى حماد بن سلمة ، عن قتادة ، ~~عن مطرف ، عن عمران بن حصين قال : قال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( لا ~~تزال طائفة من أمتى يقاتلون على الحق ظاهرين حتى يقاتل آخرهم المسيح الدجال ~~) وكان مطرف يقول : هم أهل الشام ، فبين - صلى الله عليه وسلم - فى هذا ~~الخبر خصوصه سائر الأخبار التى خرجت مخرج العموم ، وصفة الطائفة التى على ~~الحق مقيمة إلى قيام الساعة أنها بيت المقدس دون سائر البقاع ، فبهذا تأتلف ~~الأخبار ولا تتعارض ، وقد تقدم فى كتاب العلم فى باب من يرد الله به خيرا ~~يفقهه فى الدين . فإن قال قائل : فما وجه ذكر حديث القحطانى الذى يسوق ~~الناس بعصاه فى هذا الباب ؟ قال المهلب : وجه ذلك أنه إذا قام رجل من قحطان ~~ليس من فخذ النبوة ولا من رهط الشرف الذين جعل الله فيهم الخلافة فذلك من ~~أكبر تغير الزمان وتبديل أحكام الإسلام أن يدعى الخلافة ، وأن يطاع فى ~~الدين من ليس أهل ذلك . * * * PageV10P060 # | 23 - باب خروج النار # وقال أنس : قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : ( أول أشراط الساعة نار ~~تحشر الناس من المشرق إلى المغرب ) . / 52 - فيه : أبو هريرة ، قال النبى - ~~صلى الله عليه وسلم - : ( لا تقوم الساعة حتى تخرج نار من أرض الحجاز تضىء ~~أعناق الإبل ببصرى ) . / 53 - وفيه : أبو هريرة ، قال النبى - صلى الله ~~عليه وسلم - : ( يوشك الفرات أن يحسر عن كنز من ذهب ، فمن حضره فلا يأخذ ~~منه شيئا ) . وقال مرة : ( جبل من ذهب ) . / 54 - وفيه : حارثة بن وهب ، ~~قال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( تصدقوا ، فسيأتى على الناس زمان يمشى ~~الرجل بصدقته ، فلا يجد من يقبلها ) . / 55 - وفيه : أبو هريرة ، قال رسول ~~الله - صلى الله عليه ms3459 وسلم - : ( لا تقوم الساعة حتى تقتتل فئتان عظيمتان ~~يكون بينهما مقتلة عظيمة ، دعوتهما واحدة ، وحتى يبعث دجالون كذابون قريب ~~من ثلاثين ، كلهم يزعم أنه رسول الله ، وحتى يقبض العلم ، وتكثر الزلازل ، ~~ويتقارب الزمان ، وتظهر الفتن ، ويكثر الهرج وهو القتل ، وحتى يكثر فيكم ~~المال ، فيفيض حتى يهم رب المال من يقبل صدقته ، وحتى يعرضه عليه ، فيقول ~~الذى يعرضه عليه : لا أرب لى به ، وحتى يتطاول الناس فى البنيان ، وحتى يمر ~~الرجل بقبر الرجل ، فيقول : يا ليتنى مكانه ، وحتى تطلع الشمس من مغربها ، ~~فإذا طلعت ورآها الناس ، يعنى آمنوا ، أجمعون ، فذلك حين { لا ينفع نفسا ~~إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت فى إيمانها خيرا } [ الأنعام : 185 ] ، ~~ولتقومن الساعة ، وقد نشر الرجلان ثوبهما بينهما ، فلا يتبايعانه ، ولا ~~يطويانه ، ولتقومن الساعة ، وقد انصرف الرجل بلبن لقحته فلا يطعمه ، ~~ولتقومن الساعة وهو يليط حوضه فلا يسقى فيه ، ولتقومن الساعة وقد رفع أكلته ~~إلى فيه فلا يطعمها ) . PageV10P061 قال المؤلف : ترجم البخارى فى باب خروج ~~النار ولم يسنده فى هذه المواضع اكتفاء بما تقدم من إسناده فى كتاب ~~الأنبياء ، رواه عن ابن سلام ، عن الفزارى ، عن حميد ، عن أنس عن النبى - ~~صلى الله عليه وسلم - ، وروى حسين المروزى ، عن عبد الوهاب حدثنا عبيد بن ~~عمر ، عن نافع ، عن عبد الله بن عمر ، عن كعب قال : ( تخرج نار من قبل ~~اليمن تحشر الناس تغدو معهم إذا غدوا ، وتقيل معهم إذا قالوا ، وتروح معهم ~~إذا راحوا ، فإذا سمعتم بها فاخرجوا إلى الشام ) . وكل ما ذكرناه فى هذا ~~الحديث من الأشراط فهى علامات لقيام الساعة كخروج النار ومعناها واحد ، وقد ~~جاء فى حديث أن النار آخر أشراط الساعة ، رواه ابن عيينة ، عن فرات القزاز ~~، عن أبى الطفيل ، عن أبى سريحة حذيفة بن أسيد قال : ( أشرف علينا النبى - ~~صلى الله عليه وسلم - من غرفة فقال : ما تذكرون ؟ قلنا : نتذاكر الساعة قال ~~: إنها لا تقوم حتى يكون قبلها عشر آيات : الدجال والدخان ، والدابة وطلوع ~~الشمس من مغربها ، ويأجوج ومأجوج ونزول ms3460 عيسى بن مريم ، وثلاثة خسوف : خسف ~~بالمشرق وخسف بالمغرب وخسف بجزيرة العرب ، وآخر ذلك نار تخرج من اليمن تطرد ~~الناس إلى محشرهم ) . وذكر ابن أبى شيبة ، حدثنا محمد بن بشر ، عن أبى حيان ~~، عن أبى زرعة ، عن عبد الله ابن عمرو ، قال النبى - صلى الله عليه وسلم - ~~: ( إن أول الآيات PageV10P062 خروجا طلوع الشمس من مغربها وخروج الدابة ~~على الناس ضحى ، وأيهما كانت قبل صاحبتها فالأخرى على إثرها قريبا منها . ~~وحديث أنس أصح من هذه الأحاديث ، وقد روى حماد بن سلمة عن أبى المهزم يزيد ~~ابن سفيان ، عن أبى هريرة قال : ( خروج الآيات كلها فى ثمانية أشهر ) أبو ~~المهزم ضعيف ، وقال أبو العالية : الآيات كلها فى ستة أشهر . وقوله : ( تضئ ~~أعناق الإبل ببصرى ) فالعرب تقول : أضاءت النار وأضاءت النار غيرها . * * * # | 24 - باب ذكر الدجال # / 56 - فيه : المغيرة بن شعبة : ( ما سأل أحد النبى - صلى الله عليه وسلم ~~- عن الدجال أكثر ما سألته ، وإنه قال لى : ( ما يضرك منه ) ؟ قلت : لأنهم ~~يقولون : إن معه جبل خبز ، ونهر ماء ، قال : ( هو أهون على الله من ذلك ) . ~~/ 57 - وفيه : ابن عمر ، قال : ( أعور عين اليمنى كأنها عنبة طافية ) . / ~~58 - وفيه : أنس ، قال : قال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( يجىء الدجال ~~حتى ينزل فى ناحية المدينة ، فترجف المدينة ثلاث رجفات ، فيخرج إليه كل ~~كافر ومنافق ) . / 59 - وفيه : أبو بكرة ، قال النبى - صلى الله عليه وسلم ~~- : ( لا يدخل المدينة رعب المسيح ، ولها يومئذ سبعة أبواب ، على كل باب ~~ملكان ) . / 60 - وفيه : ابن عمر ، قام النبى - صلى الله عليه وسلم - فى ~~الناس ، فأثنى على الله PageV10P063 بما هو أهله ، ثم ذكر الدجال ، فقال : ~~( إنى لأنذركموه ، وما من نبى إلا وقد أنذره قومه ، ولكنى سأقول لكم فيه ~~قولا لم يقله نبى لقومه ، إنه أعور ، وإن الله ليس بأعور ) . / 61 - وزاد ~~ابن عباس ، وأنس ، وأبو هريرة ، عن النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( بين ~~عينيه مكتوب كافر ) . / 62 - وفيه : ابن عمر ، أن قال النبى - صلى الله ~~عليه وسلم - : ( بينا أنا نائم ms3461 أطوف بالكعبة ، فإذا رجل آدم سبط الشعر ينطف ~~، أو يهراق رأسه ماء ، قلت : من هذا ؟ قالوا : ابن مريم ، ثم ذهبت ألتفت ، ~~فإذا رجل جسيم أحمر ، جعد الرأس ، أعور العين كأن عينه عنبة طافية ، قالوا ~~: هذا الدجال ، أقرب الناس به شبها ابن قطن ، رجل من خزاعة ) . / 63 - وفيه ~~: عائشة ، سمعت النبى - صلى الله عليه وسلم - يستعيذ فى صلاته من فتنة ~~الدجال . / 64 - وفيه : حذيفة ، وأبو مسعود ، أن النبى - صلى الله عليه ~~وسلم - قال : ( الدجال معه ماء ونارا ، فناره ماء بارد ، وماؤه نار ) . إن ~~قال قائل : ما معنى قوله - صلى الله عليه وسلم - : ( ترجف المدينة ثلاث ~~رجفات ) وقد قال فى حديث أبى بكرة : ( إنه لا يدخل المدينة رعب المسيح ) ؟ ~~قال المهلب : فالجواب : أن رجفات المدينة ليست من رعبه ولا من خوفه ، وإنما ~~ترجف المدينة لمن يتشوف إلى الدجال من المنافقين فيخرجهم أهل المدينة كما ~~قال - صلى الله عليه وسلم - : ( إنها تنفى خبثها ) . والدليل على أن ~~المؤمنين فيها لا يرعبون من الدجال ؛ أنه يخرج إليه PageV10P064 منهم رجل ~~يناظره وهو الذى يقول له الدجال : أرأيت إن قتلت هذا ثم أحييته أتشكون فى ~~الأمر ؟ فيقولون : لا . يعنى فيقول المنافقون الذين معه غير ذلك الرجل ~~الصالح فيقتله ثم يحييه ، فيقول ذلك الرجل : والله ما كنت قط أشد بصيرة منى ~~اليوم ، فيريد الدجال أن يقتله فلا يسلط عليه ، فهل يدخل رعبه المدينة ~~وأحدهم يناظره ويقارعه ويجهر له بأنه الدجال ، ولا يوهن قلبه ما يراه من ~~قدرة الله الذى أقدره على أن يقتل رجلا ثم يحييه ولا يخافه على مهجته وهو ~~وحده لا يمتنع منه بعدد ولا عدة ولا جماعة . فإن قال قائل : فإذا سلط ~~الدجال على قتل رجل وإحيائه فهذا أن الله قد يعطى آيات الأنبياء وقلب ~~الأعيان أهل الكذب على الله وأشد أعدائه فرية عليه . قال الطبرى : فنقول : ~~إنه لا يجوز أن تعطى أعلام الرسل أهل الكذب والإفك فى الحال التى لا سبيل ~~لمن عاين ما أتى به الفريقان إلى الفصل بين المحق منهم والمبطل ، فأما ms3462 إذا ~~كان لمن عاين ذلك السبيل إلى علم الصادق ممن ظهر ذلك على يده من الكاذب ، ~~فلا ينكر إعطاه الله ذلك الكذابين لعلة من العلل كالذى أعطى الدجال من ذلك ~~فتنة لمن شاهده ، ومحنة لمن عاينه ليعلم الله الذين صدقوا ويعلم الكاذبين . ~~فإن قيل : وما السبب الذى يصيب به من عاين ما يظهر من ذلك على يد الدجال ~~أنه مبطل ؟ قيل : أبين الأسباب فى ذلك أنه ذو أجزاء مؤلفة ، وتأليفه ~~PageV10P065 عليه بكذبه شاهد ، وأن تأثير الصنعة فيه لمن ركب أعضاءه خلق ~~ذليل وعبد مهين ، مع آفة به لازمة من عور إحدى عينيه ، يدعو الناس إلى ~~الإقرار بأنه ربهم الذى خلقهم ، فأسوأ حالات من يراه من ذوى العقول أن يعلم ~~أنه لم يكن ليسوى خلق غيره ويعدله ويحسنه ، وهو على دفع العاهات عن نفسه ~~غير قادر . فأقل ما يجب أن يقول له من يدعوه إلى الإقرار له بالألوهية : ~~إنك تزعم أنك خالق السموات والأرض وما فيهما وأنت أعور ناقص الصورة ، فصور ~~نفسك وعدلها على صورة من أنت فى صورته إن كنت محقا فى ذلك ، فإن زعمت أن ~~الرب لا يحدث فى نفسه شيئا فإنك راكب من الخطايا أرذلها ، فتحول من الجماد ~~إلى أشرف منه وأزل ما هو مكتوب بين عينيك من الكتاب الشاهد على كذبك . قال ~~المهلب : وأما قوله فى حديث المغيرة : ( إنهم يقولون أن معه جبل خبر ونهر ~~ماء . قال - صلى الله عليه وسلم - : هو أهون على الله من ذلك ) . يريد ~~والله أعلم هو أهون من أن يفتن الناس به فيملكه معايش أرزاقهم وحياة ~~أرماقهم ، فتعظم بذلك فتنتهم ، بل تبقى عليه ذلة العبودية بتحويجه إلى ~~معالجة المعاش ، وقد ملكه ما لا يضر به إلا من قضى الله له بالشقاء فى أم ~~الكتاب ، وإنما يوهم الناس أن هذه نار يشير إليها ليخافه من لا بصيرة له فى ~~دين الله فيتبعه مخافتها على نفسه ، ولو أنعم النظر لرأى أنها ماء بارد ~~وكذلك لما توهن به وهو ماء لمن لا بصيرة له ولا ms3463 عنده علم بما قدمه الرسول ~~من العلم لأمته بأن ناره ماء ، وماءه نار ، ومن أعطى فتنته ثم جعل له على ~~تلك الفتنة علم بطلانها ومحالها لم تكن فتنة شاملة ، ولا يفتتن PageV10P066 ~~بها إلا الأول لافتضاحها بأول من يلقى فيها فيجدها بخلاف ما أوهم فيها ، ~~ولولا انتقاله من بلد إلى بلد لأمنت تلك الفتنة إلا على الأول ، لكنه يرد ~~كل يوم بلدة لا يعرف أهلها ما افتضح من أمره فى غيرها فيظل يفتن ، ويعصم ~~الله العلماء منه ، ومن علم علامة الرسول وثبته الله واستدل بأن من كان ذا ~~عاهة لا يكون إلها ، فقد بان أنه أهون على الله من أن يمكنه من المعجزات ~~تمكينا صحيحا ، لأن إقداره على قتل الرجل وإحيائه لم يستمر له فى غيره ولا ~~استضر به المقتول إلا ساعة ألمه ، وقد لا يجد لقتله ألما لقدرة الله على ~~دفع ألمه عنه ، فإن آلمه آجره بذلك فى الآخرة ، وإن لم يؤلمه فقد أدام له ~~الحياة بإحيائه ، ثم لا يسلط على قتل أحد ولا إحيائه . وذكر على بن معبد عن ~~عبد الله بن عمر ، وعن زيد بن أبى أنيسة ، عن أشعث بن أبى الشعثاء عن أبيه ~~، عن ابن مسعود قال : إن الدجال يرحل فى الأرض أربعين ليلة ، وعن أبى مجلز ~~قال : إذا خرج الدجال فالناس ثلاث فرق : فرقة تقاتله ، وفرقة تفر منه ، ~~وفرقة تشايعه ، فمن تحرز منه فى رأس جبل أربعين ليلة أتاه رزقه ، وأكثر من ~~يشايعه أصحاب العيال يقولون : إنا لنعرف ضلالته ، ولكن لا نستطيع ترك ~~عيالنا ، فمن فعل ذلك كان منه . وذكر الطبرى بإسناده عن أبى أمامة الباهلى ~~، عن النبى - صلى الله عليه وسلم - أنه حدثهم عن الدجال : ( أنه يخرج بين ~~الشام والعراق فيقول أنه نبى ، ثم يثنى فيقول : أنا ربكم وإنه يأتى بجنة ~~ونار ، فناره جنة وجنته نار . PageV10P067 فمن ابتلى بناره فليستعن بالله ، ~~فإنها تكون عليه بردا وسلاما ومن ابتلى به فليقرأ عليه فواتح سورة الكهف ~~وليتفل فى وجهه ، فإنه لا يعدو ذلك ، ويقتل رجلا ثم يحييه ms3464 وليس يحيى أحدا ~~بعده ، وإن له أربعين يوما يوم كالسنة ويوم كالشهر ويوم كجمعة ويوم كسائر ~~الأيام ، ويعدو الرجل من باب المدينة فلا يبلغ بابها الآخر حتى تغيب الشمس ~~) . وروى الطبرى بإسناده عن قتادة ، عن شهر بن حوشب ، عن أسماء بنت يزيد أن ~~النبى - صلى الله عليه وسلم - ذكر عندها الدجال فقال : ( إن قبل خروجه ~~ثلاثة أعوام تمسك السماء ثلث قطرها والأرض ثلث نباتها ، والعام الثانى تمسك ~~السماء ثلثى قطرها والأرض ثلثى نباتها ، والعام الثالث تمسك السماء قطرها ~~والأرض نباتها حتى لا يبقى ذات ضرس ولا ذات ظلف إلا مات ، ومن أعظم فتنته ~~أنه يأتى الرجل فيقول له : إن أحييت لك أباك أو أخاك أو عمك تعلم أنى ربك ؟ ~~فيقول : نعم . فيمثل له شياطين عنده . ويأتى الأعرابى فيقول : إن أحييت لك ~~إبلك عظاما ضروعها ، طوالا أسنمتها ؛ تعلم أنى ربك ؟ فيقول : نعم . فيتمثل ~~له شياطين عنده . فبكى القوم فقال النبى - صلى الله عليه وسلم - : إن يخرج ~~فيكم فأنا حجيجه ، وإلا فالله خليفتى على كل مؤمن . قالت أسماء : ما يكفى ~~المؤمن يومئذ من الطعام يا رسول الله ؟ قال : يكفيه ما يكفى أهل السماء ~~التسبيح والتقديس ) . وذكر ابن أبى شيبة بإسناده عن عائشة أن النبى - صلى ~~الله عليه وسلم - قال : ( يخرج مع الدجال يهود أصبهان فيقتله عيسى ابن مريم ~~بباب لد ، ثم يمكث عيسى فى الأرض أربعين سنة أو قريبا منها إماما عدلا ~~وحكما مقسطا ) . قال الخطابى : قال ثعلب : الطافية : العنبة التى قد خرجت ~~عن PageV10P068 حد بنية أخواتها فعلت ونتأت وظهرت ، يقال : طفا الشىء إذا ~~علا وظهر ، ومنه الطافى من السمك . * * * # | 25 - باب لا يدخل الدجال المدينة # / 65 - فيه : أبو سعيد ، حدثنى النبى - صلى الله عليه وسلم - عن الدجال ، ~~فقال : ( يأتى الدجال ، وهو محرم عليه أن يدخل نقاب المدينة ، فينزل بعض ~~السباخ التى تلى المدينة ، فيخرج إليه يومئذ رجل ، وهو خير الناس ، أو من ~~خيار الناس ، فيقول : أشهد أنك الدجال الذى حدثنا رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - حديثه ، فيقول الدجال : أرأيتم إن ms3465 قتلت هذا ، ثم أحييته ، هل ~~تشكون فى الأمر ؟ فيقولون : لا ، فيقتله ، ثم يحييه ، فيقول : والله ما كنت ~~فيك أشد بصيرة منى اليوم ، فيريد الدجال أن يقتله ، فلا يسلط عليه ) . / 66 ~~- وفيه : أبو هريرة ، قال : قال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( على ~~أنقاب المدينة ملائكة ، لا يدخلها الطاعون ، ولا الدجال ) . قال المؤلف : ~~قد تقدم الكلام فى حديث أبى سعيد وأبى هريرة ، وفيه فضل المدينة وأنها خصت ~~بهذه الفضيلة والله أعلم لبركة النبى - صلى الله عليه وسلم - ودعائه لها ، ~~وقد أراد الصحابة أن يرجعوا إلى المدينة عندما وقع الوباء بالشام ثقة منهم ~~بقول رسول الله الذى أمنهم دخول الطاعون بلده ، وكذلك توقن أن الدجال لا ~~يستطيع دخولها البتة ، وفى ذلك من الفقه أن الله تعالى يوكل ملائكته بحفظ ~~بنى آدم من الآفات والفتن والعدو إذا أراد حفظهم وقد وصف الله تعالى ~~PageV10P069 ذلك فى قوله : { له معقبات من بين يديه } [ الرعد : 11 ] يعنى ~~بأمر الله لهم بحفظه . وروى على بن معبد قال : ثنا بشر بن بكر ، عن ~~الأوزاعى ، عن إسحاق بن عبد الله ، عن أنس بن مالك قال : قال رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - : ( ليس من بلد إلا سيطؤه الدجال إلا مكة والمدينة ~~ليس من نقب من أنقابها إلا عليه الملائكة صافين يحرسونها ، فينزل بالسبخة ~~فترجف المدينة ثلاث رجفات يخرج إليه كل منافق ) . والأنقاب : الطرق ، ~~واحدها نقب ، ومنه قوله تعالى : { فنقبوا فى البلاد } [ ق : 36 ] أى جعلوا ~~فيها طرقا ومسالك ، وقال صاحب العين : النقب والنقب والمنقبة : الطريق فى ~~رأس الجبل . * * * # | 26 - باب يأجوج ومأجوج # / 67 - فيه : زينب بنت جحش ، أن النبى - صلى الله عليه وسلم - دخل عليها ~~يوما فزعا يقول : ( لا إله إلا الله ، ويل للعرب ، من شر قد اقترب ، فتح ~~اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه ) ، وحلق بإصبعيه الإبهام والتى تليها ، ~~قالت زينب بنت جحش : فقلت : يا رسول الله ، أنهلك وفينا الصالحون ؟ قال : ( ~~نعم ، إذا كثر الخبث ) . / 68 - وفيه : أبو هريرة ، قال النبى - صلى الله ~~عليه وسلم - : ( يفتح الردم ، ردم ms3466 يأجوج ومأجوج ، مثل هذه ) ، وعقد تسعين . ~~PageV10P070 قال المؤلف : ذكر يحيى بن سلام ، عن سعيد بن أبى عروبة ، عن ~~قتادة ، عن أبى رافع ، عن أبى هريرة : أن رسول الله قال : ( إن يأجوج ~~ومأجوج يخرقون السد كل يوم حتى إذا كادوا يرون شعاع الشمس قال الذى عليهم : ~~ارجعوا فتخرقونه غدا فيعيده الله كأشد ما كان إذا بلغت مدتهم وأراد الله أن ~~يبعثهم على الناس حفروا ، حتى إذا كادوا يرون شعاع الشمس قال الذى عليهم : ~~ارجعوا فستخرقونه غدا إن شاء الله . فيغدون إليه وهو كهيئته حين تركوه ~~فيخرقونه ، فيخرجون على الناس فينشفون المياه ، ويتحصن الناس منهم فى ~~حصونهم فيرمون سهامهم فترجع إليهم والدماء فيها ، فيقولون قهرنا أهل الأرض ~~وعلونا أهل السماء فيبعث الله عليهم نغفا فى أقفائهم فيقتلهم بها ) . وذكر ~~على بن معبد ، عن أشعث بن شعبة ، عن أرطاة بن المنذر قال : إذا خرج يأجوج ~~ومأجوج أوحى الله إلى عيسى ابن مريم : إنى قد أخرجت خلقا من خلقى لا يطيقهم ~~أحد غيرى ، فمر بمن معك إلى جبل الطور ومعك من الذرارى اثنا عشر ألفا . قال ~~: ويأجوج ومأجوج ذرء جهنم ، وهم على ثلاث أثلاث : ثلث على طور الأرز والسرس ~~، وثلث مربع طوله وعرضه واحد وهم أشد ، وثلث يفترش أحدهم أذنه يلتحف ~~بالأخرى وهم ولد يافث ابن نوح . وعن الأوزاعى عن ابن عباس قال : الأرض ستة ~~أجزاء فخمسة أجزاء منها يأجوج ومأجوج ، وجزء فيه سائر الخلق . وعن كعب ~~الأحبار قال : معاقل المسلمين من يأجوج ومأجوج الطور . * * * PageV10P071 # | كتاب الدعاء # # | 1 - باب قول الله تعالى : { ادعونى أستجب لكم } [ غافر : 60 ] وقول ~~النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( لكل نبى دعوة مستجابة ) # / 1 - فيه : أبو هريرة : قال : قال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( لكل ~~نبى دعوة مستجابة يدعو بها ، وأريد أن أختبئ دعوتى شفاعة لأمتى فى الآخرة ) ~~. / 2 - وفيه : أنس ، قال : قال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( كل نبى ~~سأل سؤلا ، أو قال : لكل نبى دعوة ، قد دعا بها ، فاستجيبت ، فجعلت دعوتى ~~شفاعة لأمتى يوم القيامة ) . قال المؤلف : أمر ms3467 الله تعالى عباده بالدعاء ~~وضمن لهم الإجابة فى قوله : { ادعونى أستجب لكم } [ غافر : 60 ] فإن قيل : ~~فقد علمت تأويل من تأول قوله تعالى : { ادعونى أستجب لكم } [ غافر : 60 ] ~~ادعونى بطاعتكم إياى وعبادتكم لى : أستجب لكم فى الذى التمستم منى بعبادتكم ~~إياى . قال الطبرى : فالجواب : أن من طاعة العبد ربه دعاءه إياه ورغبته فى ~~حاجته إليه دون ما سواه ، والمخلص له العبادة المتضرع إليه فى حاجته موقن ~~أن قضاءها بيده متعرض لنجحها منه ، ومن عبادته إياه تضرعه إليه فيها ، وقد ~~روى وكيع عن سفيان ، عن صالح مولى PageV10P072 التوءمة ، عن أبى هريرة قال ~~: قال رسول الله : ( من لم يدع الله غضب الله عليه ) . وروى شعبة ، عن ~~منصور ، عن ذر ، عن يسيع الحضرمى ، عن النعمان بن بشير عن النبى - صلى الله ~~عليه وسلم - قال : ( الدعاء هو العبادة ) وقرأ : { ادعونى أستجب لكم إن ~~الذين يستكبرون عن عبادتى } [ غافر : 60 ] فسمى الدعاء عبادة ، وروى ~~الأوزاعى ، عن الزهرى ، عن عروة ، عن عائشة ، عن النبى - صلى الله عليه ~~وسلم - قال : ( إن الله يحب الملحين فى الدعاء ) . فإن ظن ظان أن قول أبى ~~الدرداء يكفى من الدعاء مع العمل ما يكفى من الملح . وقيل لسفيان : أدع ~~الله ؟ فقال : إن ترك الذنوب هو الدعاء . مخالف لما جاء من فضل الإلحاح فى ~~الدعاء والأمر بالدعاء والضراعة إلى الله ، فقد ظن خطئا . وذلك أن الذى ~~جبلت عليه النفوس أن من طلب حاجة ممن هو عليه ساخط لأمر تقدم منه استوجب به ~~سخطه أنه بالحرمان أولى ممن هو عنه راض لطاعته له واجتنابه سخطه ، فإذا علم ~~من عبده المطيع له حاجة إليه كفاه اليسير من الدعاء . فإن قيل : هل من ~~علامة يعلم بها إجابة الله العبد فى دعائه ؟ . قيل : قد جاء فى ذلك غير شىء ~~، منها ما روى شهر بن حوشب : ( أن أم الدرداء قالت له : يا شهر إن شفق ~~المؤمن فى قلبه كسعفة أحرقتها فى النار ، ثم قالت : يا شهر ألا تجد ~~القشعريرة ؟ قلت : نعم . قالت : فادع الله فإن الدعاء يستجاب ms3468 عند ذلك ) . ~~وروى ابن وهب ، عن ابن لهيعة ، عن يزيد بن أبى حبيب ، عن أبى الخير ( أنه ~~سمع أبا رهم السماعى يقول : ما يشعر به عند الدعاء والعطاس ) . PageV10P073 ~~قال المؤلف : فإن قيل : ما معنى قوله - صلى الله عليه وسلم - : ( لكل نبى ~~دعوة مستجابة ) . وقد قال الله تعالى للناس كافة : { ادعونى أستجب لكم } [ ~~غافر : 60 ] فعم كل الدعاء ، وهذا وعد من الله لعباده وهو لا يخلف الميعاد ~~، وإنما خص كل نبى بدعوة واحدة مستجابة ، فأين فضل درجة النبوة ؟ قيل : ليس ~~الأمر كما ظننت ، ولا يدل قوله تعالى : { ادعونى أستجب لكم } [ غافر : 60 ] ~~على أن كل دعاء مستجاب لداعيه ، وقد قال قتادة : إنما يستجاب من الدعاء ما ~~وافق القدر . وليس قوله : ( لكل نبى دعوة مستجابة ) . مما يدل أنه لا ~~يستجاب للأنبياء غير دعوة واحدة ، وقد ثبت عن النبى - صلى الله عليه وسلم - ~~أنه أجيبت دعوته فى المشركين حين دعا عليهم بسبع كسبع يوسف ، ودعا على ~~صناديد قريش المعاندين له ، فقتلوا يوم بدر ، وغير ذلك مما يكثر إحصاؤه مما ~~أجيب من دعائه ، بل لم يبلغنا أنه رد من دعائه - صلى الله عليه وسلم - إلا ~~سؤاله أن لا يجعل الله بأس أمته بينهم خاصة ، لما سبق فى أم الكتاب من كون ~~ذلك ، قال تعالى : { ولو شاء الله ما اقتتلوا ولكن الله يفعل ما يريد } [ ~~البقرة : 253 ] . ومعنى قوله : ( لكل نبى دعوة مستجابة ) . يريد أن لكل نبى ~~عند الله من رفيع الدرجة وكرامة المنزلة أن جعل له أن يدعوه فيما أحب من ~~الأمور ويبلغه أمنيته ، فيدعو فى ذلك وهو عالم بإجابة الله له على ما ثبت ~~عنه : ( أن جبريل قال له : يا محمد ، إن أردت أن يحول الله لك جبال تهامة ~~ذهبا فعل ) . وخيره بين أن يكون نبيا عبدا وبين أن يكون نبيا ملكا ، فاختار ~~الآخرة على الدنيا ، وليست هذه الدرجة لأحد من الناس ، وإنما أمروا بالدعاء ~~راجين الإجابة غير قاطعين عليها ؛ ليقفوا تحت الرجاء والخوف . PageV10P074 ~~وفي هذا الحديث بيان فضيلة نبينا - صلى الله عليه ms3469 وسلم - على سائر الأنبياء ~~عليهم السلام حين آثر أمته بما خصه الله به من إجابة الدعوة بالشفاعة لهم ، ~~ولم يجعل ذلك فى خاصة نفسه وأهل بيته فجزاه الله عن أمته أفضل الجزاء ، ~~وصلى الله عليه أطيب الصلاة ، فهو كما وصفه الله : { بالمؤمنين رؤوف رحيم } ~~[ التوبة : 128 ] . * * * # | 2 - باب فضل الاستغفار # وقوله تعالى : { استغفروا ربكم إنه كان غفارا يرسل السماء عليكم مدرارا } ~~[ نوح : 10 ، 11 ] { والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم } [ آل عمران ~~: 135 ] الآية . / 3 - فيه : شداد بن أوس ، أن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - قال : ( سيد الاستغفار أن تقول : اللهم أنت ربى لا إله إلا أنت ، ~~خلقتنى وأنا عبدك ، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت ، أعوذ بك من شر ما صنعت ~~، أبوء لك بنعمتك على ، وأبوء لك بذنبى ، فاغفر لى ، فإنه لا يغفر الذنوب ~~إلا أنت ، من قالها من النهار موقنا بها ، فمات من يومه ، قبل أن يمسى ، ~~فهو من أهل الجنة ، ومن قالها من الليل ، وهو موقن بها ، فمات قبل أن يصبح ~~، فهو من أهل الجنة ) . قال المؤلف : قوله - صلى الله عليه وسلم - : ( وأنا ~~على عهدك ووعدك ما استطعت ) يعنى : العهد الذى أخذه الله على عباده فى أصل ~~خلقهم حين أخرجهم من أصلاب آبائهم أمثال الذر ، وأشهدهم على أنفسهم : ~~PageV10P075 { ألست بربكم قالوا بلى } [ الأعراف : 172 ] فأقروا له فى أصل ~~خلقهم بالربوبية ، وأذعنوا له بالوحدانية ، والوعد : هو ما وعدهم تعالى أنه ~~من مات لا يشرك منهم بالله شيئا وأدى ما افترض الله عليه أن يدخل الجنة ، ~~فينبغى لكل مؤمن أن يدعو الله تعالى أن يميته على ذلك العهد ، وأن يتوفاه ~~الله على الإيمان ؛ لينال ما وعد تعالى من وفى بذلك اقتداء بالنبى - صلى ~~الله عليه وسلم - فى دعائه بذلك ، ومثل ذلك سأل الأنبياء عليهم السلام الله ~~تعالى فى دعائهم ، فقال إبراهيم - صلى الله عليه وسلم - : { واجنبنى وبنى ~~أن نعبد الأصنام } [ إبراهيم : 35 ] وقال يوسف : { توفنى مسلما وألحقنى ~~بالصالحين } [ يوسف : 101 ] وقال نبينا : ( وإذا أردت بقوم فتنة فاقبضنى ms3470 ~~إليك غير مفتون ) . وأعلم أمته بقوله : ( أنا على عهدك ووعدك ما استطعت ) . ~~إن أحدا لا يقدر على الإتيان بجميع ما لله ، ولا الوفاء بجميع الطاعات ~~والشكر على النعم ، إذ نعمه تعالى كثيرة ولا يحاط بها ، ألا ترى قوله تعالى ~~: { وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة } [ لقمان : 20 ] فمن يقدر مع هذا أن ~~يؤدى شكر النعم الظاهرة ، فكيف الباطنة ؟ لكن قد رفق الله بعباده فلم ~~يكلفهم من ذلك إلا وسعهم وتجاوز عما فوق ذلك ، وكان - صلى الله عليه وسلم - ~~يمتثل هذا المعنى فى مبايعته للمؤمنين ، فيقول : أبايعكم على السمع والطاعة ~~فيما استطعتم . فإن قيل : أين لفظ الاستغفار فى هذا الدعاء ، وقد سماه ~~النبى - صلى الله عليه وسلم - سيد الاستغفار ؟ قيل : الاستغفار فى لسان ~~العرب هو طلب المغفرة من الله تعالى وسؤاله غفران الذنوب السالفة والاعتراف ~~بها ، وكل PageV10P076 دعاء كان فى هذا المعنى فهو استغفار ، مع أن فى ~~الحديث لفظ الاستغفار وهو قوله : ( فاغفر لى فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت ) ~~. وقال : ( من قالها موقنا بها ) يعنى مخلصا من قلبه ومصدقا بثوابها فهو من ~~أهل الجنة ، وهذا كمعنى قوله - صلى الله عليه وسلم - : ( من قام رمضان ~~إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه ) . وقوله : ( أبوء لك بنعمتك ~~وأبوء بذنبى ) قال صاحب الأفعال : باء بالذنب : أقر . * * * # | 3 - باب استغفار النبى - صلى الله عليه وسلم - فى اليوم والليلة # / 4 - فيه : أبو هريرة : سمعت النبى - صلى الله عليه وسلم - يقول : ( ~~والله إنى لأستغفر الله وأتوب إليه فى اليوم أكثر من سبعين مرة ) . قال ~~المؤلف : أولى العباد بالاجتهاد فى العبادة الأنبياء ، عليهم السلام ، لما ~~حباهم الله به من معرفته ، فهم دائبون فى شكر ربهم معترفون له بالتقصير لا ~~يدلون عليه بالأعمال ، مستكينون خاشعون ، روى عن مكحول عن أبى هريرة قال : ~~( ما رأيت أحدا أكثر استغفارا من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ) . ~~وقال مكحول : ما رأيت أكثر استغفارا من أبى هريرة . وكان مكحول كثير ~~الاستغفار . وقال أنس : أمرنا أن نستغفر بالأسحار سبعين مرة . وروى أبو ~~إسحاق ms3471 عن مجاهد ، عن ابن عمر قال : ( كنت مع النبى - صلى الله عليه وسلم - ~~فسمعته يقول : أستغفر الله الذى لا إله إلا هو الحى القيوم وأتوب إليه مائة ~~مرة قبل أن يقوم ) وروى عن حذيفة أنه شكا إلى النبى - صلى الله عليه وسلم - ~~ذرب لسانه على أهله ، فقال : أين PageV10P077 أنت يا حذيفة من الممحاة ؟ ~~قال : وما هى ؟ قال : ( الاستغفار ، إنى لأستغفر الله فى اليوم سبعين مرة ) ~~وقال - صلى الله عليه وسلم - لعائشة وقت الإفك : ( إن كنت ألممت بذنب ~~فاستغفرى الله وتوبى إليه ) فإن التوبة من الذنب الندم والاستغفار ، وقالت ~~عائشة : ( كان النبى - صلى الله عليه وسلم - قبل أن يموت يكثر من قوله ~~سبحان الله وبحمده ، أستغفر الله وأتوب إليه ، فسألته عن ذلك ، فقال : ~~أخبرنى ربى أنى سأرى علامة فى أمتى ، فإذا رأيتها أكثرت من ذلك ، فقد ~~رأيتها : { إذا جاء نصر الله والفتح } ) [ النصر : 1 ] . وقال أبو أيوب ~~الأنصارى : ما من مسلم يقول : ( أستغفر الله الذى لا إله إلا هو الحى ~~القيوم وأتوب إليه ثلاث مرات ، إلا غفرت ذنوبه ، وإن كانت أكثر من زبد ~~البحر ، وإن كان فر من الزحف ) وكان ابن عمر كثيرا ما يقول : الحمد لله ~~وأستغفر الله ، فقيل له فى ذلك ، فقال : إنما هى نعمة فأحمد الله عليها أو ~~خطيئة فأستغفر الله منها . وقال عمر بن عبد العزيز : رأيت أبى فى النوم ~~كأنه فى بستان فقلت له : أى عملك وجدت أفضل ؟ قال : الاستغفار . وروى أبو ~~عثمان عن سلمان قال : إذا كان العبد يدعو الله فى الرخاء ، فنزل به البلاء ~~فدعا ، قالت الملائكة : صوت معروف من امرئ ضعيف . فيشفعون له ، وإذا كان لا ~~يكثر من الدعاء فى الرخاء ، فنزل به البلاء فدعا ، فقالت الملائكة : صوت ~~منكر من امرئ ضعيف ، فلا يشفعون له . * * * # | 4 - باب { توبوا إلى الله توبة نصوحا } [ التحريم : 8 ] # وقال قتادة : { توبة نصوحا } ، الصادقة الناصحة . / 5 - فيه : الحارث بن ~~سويد ، حدثنا ابن مسعود حديثين : أحدهما عن النبي PageV10P078 - عليه ~~السلام - والآخر عن نفسه ، قال : ( إن المؤمن يرى ذنوبه كأنه ms3472 قاعد تحت جبل ~~يخاف أن يقع عليه ، وإن الفاجر يرى ذنوبه كذباب مر على أنفه ، فقال : به ، ~~هكذا قال أبو شهاب ، بيده فوق أنفه ، ثم قال : لله أفرح بتوبة عبده من رجل ~~نزل منزلا وبه مهلكة ، ومعه راحلته عليها طعامه وشرابه ، فوضع رأسه ، فنام ~~نومة ، فاستيقظ ، وقد ذهبت راحلته حتى إذا اشتد عليه الحر والعطش ، أو ما ~~شاء الله ، قال : أرجع إلى مكانى ، فرجع فنام نومة ، ثم رفع رأسه ، فإذا ~~راحلته عنده ) . / 6 - وفيه : أنس ، قال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( ~~الله أفرح بتوبة عبده من أحدكم سقط على بعيره ، وقد أضله فى أرض فلاة ) . ~~قال صاحب العين : التوبة النصوحة : الصادقة . وقيل : إنما سمى الله التوبة ~~نصوحا ؛ لأن العبد ينصح فيه نفسه ويقيها النار لقوله تعالى : { قوا أنفسكم ~~وأهليكم نارا } [ التحريم : 6 ] ، وأصل قوله تعالى : { توبة نصوحا } [ ~~التحريم : 8 ] توبة منصوحا فيها ، إلا أن أخبر عنها باسم الفاعل للنصح على ~~ما ذكره سيبويه عن الخليل فى قوله تعالى : { عيشة راضية } [ الحاقة : 21 ] ~~أى ذات رضا ، وذكر أمثلة لهذا كثيرة عن العرب كقولهم : ليل نائم ، وهم ناصب ~~، أى : ينام فيه وينصب ، فكذلك { توبة نصوحا } [ التحريم : 8 ] أى : ينصح ~~فيها ، والتوبة فرض من الله تعالى على كل من علم من نفسه ذنبا صغيرا أو ~~كبيرا ؛ لقوله تعالى : { يا أيها الذين آمنوا توبوا إلى الله توبة نصوحا } ~~[ التحريم : 8 ] . وقال : { وتوبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون لعلكم ~~تفلحون } [ النور : 31 ] ، وقال تعالى : { إنما التوبة على الله للذين ~~يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب } [ النساء : 17 ] . PageV10P079 ~~فكل مذنب فهو عند مواقعة الذنب جاهل وإن كان عالما ، ومن تاب قبل الموت تاب ~~من قريب ، وقال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( الندم توبة ) . وقال : ( ~~إن العبد ليذنب الذنب فيدخل به الجنة . قيل : كيف ذلك يا رسول الله ؟ قال : ~~يكون نصب عينيه تائبا منه فارا حتى يدخل الجنة ) . وقال سفيان بن عيينة : ~~التوبة نعمة من الله أنعم بها على هذه الأمة دون غيرهم من الأمم ، وكانت ms3473 ~~توبة بنى إسرائيل القتل . وقال الزهرى : لما قيل لهم : { فتوبوا إلى بارئكم ~~فاقتلوا أنفسكم } [ البقرة : 54 ] قاموا صفين وقتل بعضهم بعضا ، حتى قيل ~~لهم : كفوا . فكانت لهم شهادة للمقتول وتوبة للحى ، وإنما رفع الله عنهم ~~القتل لما أعطوا المجهود فى قتل أنفسهم ، فما أنعم الله على هذه الأمة نعمة ~~بعد الإسلام هى أفضل من التوبة . إن الرجل ليفنى عمره أو ما أفنى منه فى ~~المعاصى والآثام ، ثم يندم على ذلك ويقلع عنه ويقوم وهو حبيب الله ، قال ~~تعالى : { إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين } [ البقرة : 222 ] ، وقال ~~- صلى الله عليه وسلم - : ( التائب من الذنب كمن لا ذنب له ) . وقال ابن ~~المبارك : حقيقة التوبة لها ست علامات : أولها : الندم على ما مضى . ~~والثانية : العزم على أن لا تعود . والثالثة : أن تعمد إلى كل فرض ضيعته ~~فتؤديه . والرابعة : أن تعمد إلى مظالم العباد ، فتؤدى إلى كل ذى حق حقه . ~~والخامسة : أن تعمد إلى البدن الذى ربيته بالسحت والحرام فتذيبه بالهموم ~~والأحزان حتى يلصق الجلد بالعظم ، ثم تنشىء بينهما لحما طيبا إن هو نشأ . ~~والسادسة : أن تذيق البدن ألم الطاعة كما أذقته لذة PageV10P080 المعصية . ~~وقال ميمون ابن مهران عن ابن عباس : كم تائب يرد يوم القيامة يظن أنه تائب ~~وليس بتائب ، لأنه لم يحكم أبواب التوبة . وقال عبد الله بن سميط : ما دام ~~قلب العبد مصرا على ذنب واحد ، فعمله معلق فى الهواء ، فإن تاب من ذلك ~~الذنب وإلا بقى عمله أبدا معلقا . وروى الأصيلى عن أبى القاسم يعقوب بن ~~محمد بن صالح البصرى إملاء من حفظه قال : حدثنا بكر بن أحمد بن مقبل قال : ~~حدثنا عمران بن عبد الرحيم الأصبهانى ، حدثنا خليفة ، عن عبد الوهاب ، عن ~~محمد بن زياد ، عن على بن زيد بن جدعان ، عن سعيد بن المسيب ، عن أبى ~~الدرداء قال : قال رسول الله : يقول الله تعالى : ( إذا تاب عبدى إلى نسيت ~~جوارحه ، ونسيت البقاع ، ونسيت حافظيه حتى لا يشهدوا عليه ) . وأما الحديث ~~الذى حدث ابن مسعود عن نفسه فقوله ms3474 : ( إن المؤمن يرى ذنوبه كأنه قاعد تحت ~~جبل يخاف أن يقع عليه ، والفاجر يرى ذنوبه كذباب مر على أنفه ) . فينبغى ~~لمن أراد أن يكون من جملة المؤمنين أن يخشى ذنوبه ، ويعظم خوفه منها ، ولا ~~يأمن عقاب الله عليها فيستصغرها ، فإن الله تعالى يعذب على القليل وله ~~الحجة البالغة فى ذلك . وأما فرح الله بتوبة العبد فقال أبو بكر بن فورك : ~~الفرح فى كلام العرب بمعنى السرور ، من ذلك قوله تعالى : { حتى إذا كنتم فى ~~الفلك وجرين بهم بريح طيبة وفرحوا بها } [ يونس : 22 ] أى سروا بها ، فهذا ~~المعنى لا يليق بالله تعالى لأنه يقتضى جواز الحاجة عليه ونيل PageV10P081 ~~المنفعة ، والفرح بمعنى البطر والأشر ومنه قوله تعالى : { إن الله لا يحب ~~الفرحين } [ القصص : 76 ] . والوجه الثالث من الفرح الذى يكون بمعنى الرضا ~~من قوله تعالى : { كل حزب بما لديهم فرحون } [ المؤمنون : 53 ] أى راضون ، ~~ولما كان من بشر بالشىء قد رضيه ، قيل : إنه قد فرح به على معنى أنه به راض ~~، وعلى هذا تتأول الآثار ؛ لأن البطر والسرور لا يليقان بالله عز وجل . * * ~~* # | 5 - باب الضجع على الشق الأيمن # / 7 - فيه : عائشة ، كان النبى - صلى الله عليه وسلم - يصلى من الليل ~~إحدى عشرة ركعة ، فإذا طلع الفجر صلى ركعتين خفيفتين ، ثم اضطجع على شقه ~~الأيمن حتى يجىء المؤذن فيؤذنه . هذه هيئة من الهيئات كان يفعلها - صلى ~~الله عليه وسلم - والله أعلم للأرفق به فى الاضطجاع ، أو كان يفعلها لفضل ~~الميامن على المياسر ، وهذا كله مباح ليس من باب الوجوب . * * * # | 6 - باب إذا بات طاهرا # / 8 - فيه : البراء ، ، قال : قال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( إذا ~~أتيت مضجعك ، فتوضأ وضوءك للصلاة ، ثم اضطجع على شقك الأيمن ، وقل : اللهم ~~أسلمت وجهى إليك ، وفوضت أمرى إليك ، وألجأت ظهرى إليك ، رهبة ورغبة إليك ، ~~لا ملجأ ولا منجا منك إلا إليك ، آمنت بكتابك الذى أنزلت ، PageV10P082 ~~وبنبيك الذي أرسلت ، فإن مت مت على الفطرة ، فاجعلهن آخر ما تقول ) . وقد ~~بين ابن عباس معنى المبيت على الطهارة ، ذكر ms3475 عبد الرزاق عن أبى بكر بن عياش ~~قال : أخبرنى أبو يحيى أنه سمع مجاهدا يقول : قال لى ابن عباس : لا تنامن ~~إلا على وضوء ، فإن الروح تبعث على ما قبضت عليه . وهذا معنى قوله - صلى ~~الله عليه وسلم - : ( فإن مت مت على الفطرة ) . وذكر عن الأعمش أنه بال ، ~~ثم تيمم بالجدار ، فقيل له فى ذلك ، فقال : أخاف أن يدركنى الموت قبل أن ~~أتوضأ . وعن الحكم بن عتيبة أنه سأله رجل : أينام الرجل على غير وضوء ؟ قال ~~: يكره ذلك وإنا لنفعله . وروى معمر عن سعيد الجريرى عن أبى السليل عن أبى ~~توبة العجلى قال : من أوى إلى فراشه طاهرا أو نام ذاكرا كان فراشه مسجدا ، ~~وكان فى صلاة أو ذكر حتى يستيقظ . وقال طاوس : من بات على طهر وذكر كان ~~فراشه له مسجدا حتى يصبح ، ومثل هذا لا يدرك بالرأى وإنما يؤخذ بالتوقيف . ~~* * * # | 7 - باب ما يقول إذا نام # / 9 - فيه : حذيفة ، قال : كان النبى - صلى الله عليه وسلم - إذا أوى إلى ~~فراشه ، قال : ( باسمك أموت وأحيا ) ، وإذا قام قال : ( الحمد لله الذى ~~أحيانا بعد ما أماتنا وإليه النشور ) . ينشرها : يخرجها . / 10 - وفيه : ~~البراء ، قال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( إذا أردت مضجعك ، فقل : ~~اللهم أسلمت نفسى إليك ، وفوضت أمرى إليك ، ووجهت وجهي إليك ، PageV10P083 ~~وألجأت ظهري إليك ، رغبة ورهبة إليك ، لا ملجا ولا منجا منك إلا إليك ، ~~آمنت بكتابك الذى أنزلت ، وبنبيك الذي أرسلت ، فإن مت ، مت على الفطرة ) . ~~ذكر الله مستحب عند النوم ليكون الذكر آخر فعله ، وهذا معنى قوله - صلى ~~الله عليه وسلم - : ( واجعلهن آخر ما تقول ) أى لا تتكلم بعدهن بشىء من ~~أحاديث الدنيا ، وليكن هذا الذكر خاتمة عملك ، ألا ترى قوله : ( فإن مت مت ~~على الفطرة ) وقد تقدم حديث معمر عن الجريرى فى فضل من بات على ذكر وطهر فى ~~الباب قبل هذا . * * * # | 8 - باب وضع اليد تحت الخد اليمنى # / 11 - فيه : حذيفة ، كان النبى - صلى الله عليه وسلم - إذا أخذ مضجعه من ~~الليل وضع يده تحت ms3476 خده ، ثم يقول : ( اللهم باسمك أموت وأحيا ) ، وإذا ~~استيقظ قال : ( الحمد لله الذى أحيانا بعد ما أماتنا ، وإليه النشور ) . ~~يحتمل أن يكون وضع النبى - صلى الله عليه وسلم - يده تحت خده عند النوم ~~تذللا لله عز وجل واستشعارا لحال الموت ، وتمثيله لنفسه لتتأسى أمته بذلك ، ~~ولا يأمنوا هجوم الموت عليهم فى حال نومهم ، ويكونوا على رقبة من مفاجأته ~~فيتأهبوا له فى يقظتهم وجميع أحوالهم ، ألا ترى قوله - صلى الله عليه وسلم ~~- عند نومه : ( اللهم بك أموت وأحيا وإليك النشور ) . * * * PageV10P084 # | 9 - باب الدعاء إذا انتبه بالليل # / 12 - فيه : ابن عباس ، قال : بت عند ميمونة ، فقام النبى - صلى الله ~~عليه وسلم - فأتى حاجته ، فغسل وجهه ويديه ، ثم نام ، ثم قام ، فأتى القربة ~~، فأطلق شناقها ، ثم توضأ وضوءا بين وضوءين لم يكثر ، وقد أبلغ ، فصلى فقمت ~~، فتمطيت كراهية أن يرى أنى كنت أتقيه ، فتوضأت ، فقام يصلى ، فقمت عن ~~يساره ، فأخذ بأذنى ، فأدارنى عن يمينه ، فتتامت صلاته ثلاث عشرة ركعة ، ثم ~~اضطجع ، فنام حتى نفخ ، وكان إذا نام نفخ ، فآذنه بلال بالصلاة فصلى ولم ~~يتوضأ ، وكان يقول فى دعائه : ( اللهم اجعل فى قلبى نورا ، وفى بصرى نورا ، ~~وفى سمعى نورا ، واجعل لى نورا ) . قال كريب : وسبع فى التابوت ، فلقيت ~~رجلا من ولد العباس ، فحدثنى بهن ، فذكر عصبى ، ولحمى ، ودمى ، وشعرى ، ~~وبشرى ، وذكر خصلتين . / 13 - وفيه : ابن عباس : كان النبى - صلى الله عليه ~~وسلم - إذا قام من الليل يتهجد قال : ( اللهم لك الحمد أنت نور السموات ~~والأرض ، ومن فيهن ، ولك الحمد أنت قيم السموات والأرض ومن فيهن ، ولك ~~الحمد أنت الحق ووعدك حق ، وقولك حق ، ولقاؤك حق ، والجنة حق ، والنار حق ، ~~والساعة حق ، والنبيون حق ، ومحمد حق ، اللهم لك أسلمت ، وعليك توكلت ، وبك ~~آمنت ، وإليك أنبت ، وبك خاصمت ، وإليك حاكمت فاغفر لى ما قدمت وما أخرت ، ~~وما أعلنت وما أسررت ، أنت المقدم وأنت المؤخر ، لا إله إلا أنت ، أو لا ~~إله غيرك ) . قال المؤلف : كان النبى - صلى الله عليه وسلم - يدعو الله عز ~~وجل فى ms3477 أوقات ليله ونهاره ، وعند نومه ويقظته بنوع من الدعاء يصلح لحاله ~~تلك ولوقته PageV10P085 ذلك . فمنها : أوقات كان يدعو فيها إلى ربه تعالى ، ~~ويعين له ما يدعو فيه فى أوقات الخلوة ، وعند فراغ باله وعلمه بأوقات ~~الغفلة التى ترجى فيها الإجابة ، فكان يلح عند ذلك ويجتهد فى دعائه ، ألا ~~ترى سؤاله - صلى الله عليه وسلم - ربه حين انتبه من نومه أن يجعل فى قلبه ~~نورا ، وفى بصره نورا ، وفى سمعه وجميع جوارحه ؟ ومنها : أوقات كان يدعو ~~فيها بجوامع الدعاء ويقتصر على المعانى دون تعيين وشرح ، فينبغى الاقتداء ~~بالنبى - صلى الله عليه وسلم - فى دعائه فى تلك الأوقات ، والتأسى به فى كل ~~الأحوال ، وقد تقدم حديث ابن عباس فى باب التهجد والكلام عليه . وقول كريب ~~: وسبع فى التابوت يعنى : أنه أنسى سبع خصال من الحديث على ما يقال لمن لم ~~يحفظ العلم ؛ علمه فى التابوت ، وعلمه مستودع فى الصحف ، وليس كريب القائل ~~: فلقيت رجلا من ولد العباس فحدثنى بهن ، وإنما قاله سلمة بن كهيل الراوى ~~عن كريب سأل العباس عنهن حين نسيهن كريب فحفظ سلمة منهن خمسا ونسى أيضا ~~خصلتين . قال المؤلف : وقد وجدت الخصلتين من رواية داود بن على بن عبد الله ~~بن عباس عن أبيه وهما : ( اللهم اجعل نورا فى عظامى ونورا فى قبرى ) . ~~وقوله : ( فتمطيت كراهية أن يرى أنى كنت أبغيه ) التمطى : التمدد ، وأبغيه ~~: أرصده ، قال الخليل : يقال : بغيت الشىء أبغيه إذا نظرت إليه ورصدته ، ~~وإنما فعل ذلك ابن عباس ليرى النبي - عليه السلام - أنه كان نائما وأنه لم ~~يرصده ؛ إذ كل أحد إذا خلا في PageV10P086 بيته يأتى من الأفعال ما يحب أن ~~لا يطلع عليه أحد ، وإنما حمل ابن عباس على ذلك الحرص على التعليم ، ومعرفة ~~حركات النبى - صلى الله عليه وسلم - فى ليله ، وقد تقدم فى كتاب الصلاة أن ~~أباه العباس كان أوصى لابنه بذلك . وفيه : الحرص على التعليم والرفق ~~بالعلماء ، وترك التعرض إلى ما يعلم أنه يشق عليهم . ذكر الطبرى عن معقل بن ~~يسار ، عن أبى ms3478 بكر الصديق ، رضى الله عنه ، أن النبى - صلى الله عليه وسلم ~~- قال : ( الشرك أخفى فيكم من دبيب النمل . فقلت : يا رسول الله فكيف ~~المنجا من ذلك ؟ قال : ألا أعلمك شيئا إذا فعلته برئت من قليله وكثيره ~~وصغيره وكبيره . قلت : بلى يا رسول الله . قال : قل : اللهم إنى أعوذ بك أن ~~أشرك بك وأنا أعلم ، وأستغفرك لما لا أعلم ، تقولها ثلاث مرات ) . * * * # | 10 - باب التكبير والتسبيح عند المنام # / 14 - فيه : على : أن فاطمة اشتكت ما تلقى فى يدها من الرحى ، فأتت ~~النبى - صلى الله عليه وسلم - تسأله خادما ، فلم تجده ، فذكرت ذلك لعائشة ، ~~فلما جاء أخبرته ، قال : فجاءنا وقد أخذنا مضاجعنا ، فذهبت أقوم ، فقال : ( ~~مكانك ) فجلس بيننا حتى وجدت برد قدميه على صدرى ، فقال : ( ألا أدلكما على ~~ما هو خير لكما من خادم ؟ إذا أويتما إلى فراشكما ، أو أخذتما مضاجعكما ، ~~فكبرا ثلاثا وثلاثين ، وسبحا ثلاثا وثلاثين ، واحمدا ثلاثا وثلاثين ، فهذا ~~خير لكما من خادم ) . وقال ابن سيرين : التسبيح أربع وثلاثون . PageV10P087 ~~وهذا نوع من الذكر عند النوم غير ما جاء فى حديث البراء ، وحديث حذيفة ~~والأحاديث الأخر ، وقد يمكن أن يكون النبي - عليه السلام - يجمع ذلك كله ~~عند نومه ، وقد يمكن أن يقتصر منها على بعضها إعلاما منه لأمته أن ذلك ~~معناه الحض والندب ، لا الوجوب والفرض ، وفى هذا الحديث حجة لمن فضل الفقر ~~على الغنى ؛ لأنه - صلى الله عليه وسلم - قال : ( ألا أدلكما على ما هو خير ~~لكما من خادم ) فعلمهما الذكر ، ولو كان الغنى أفضل من الفقر لأعطاهما ~~الخادم وعلمهما الذكر ، فلما منعهما الخادم وقصرهما على الذكر خاصة علم أنه ~~- صلى الله عليه وسلم - إنما اختار لهما الأفضل عند الله ، والله الموفق . ~~* * * # | 11 - باب التعوذ والقراءة عند المنام # / 15 - فيه : عائشة ، أن النبى - صلى الله عليه وسلم - كان إذا أخذ مضجعه ~~نفث فى يديه ، وقرأ بالمعوذات ، ومسح بهما جسده . / 16 - وفيه : أبو هريرة ~~، قال : قال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( إذا أوى أحدكم إلى فراشه ، ~~فلينفض فراشه بداخلة إزاره ، فإنه ms3479 لا يدرى ما خلفه عليه ، ثم يقول : باسمك ~~رب وضعت جنبى ، وبك أرفعه ، إن أمسكت نفسى فارحمها ، وإن أرسلتها فاحفظها ~~بما تحفظ به عبادك الصالحين ) . وهذه أنواع أخر أيضا غير ما مر من الأحاديث ~~المتقدمة ، وفيها استسلام لله وإقرار له بالإحياء والإماتة ، وفى حديث ~~عائشة رد قول من زعم أنه لا تجوز الرقى واستعمال العوذ إلا عند حلول المرض ~~ونزول ما يتعوذ بالله منه ، ألا ترى أن النبى - صلى الله عليه وسلم - نفث ~~فى يديه وقرأ المعوذات ومسح بهما جسده ، واستعاذ بذلك من شر ما يحدث عليه ~~فى ليلته مما يتوقعه وهذا من أكبر الرقى ، وفي حديث PageV10P088 أبي هريرة ~~أدب عظيم علمه النبى أمته ، وذلك أمره بنفض فراشه عند النوم خشية أن يأوى ~~إليه بعض الهوام الضارة فيؤذيه سمها ، والله أعلم . * * * # | 12 - باب الدعاء نصف الليل # / 17 - فيه : أبو هريرة ، أن النبى - صلى الله عليه وسلم - قال : ( يتنزل ~~ربنا ، عز وجل ، كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر ، ~~يقول : من يدعونى فأستجيب له ، من يسألنى فأعطيه ، من يستغفرنى فأغفر له ) ~~. هذا وقت شريف مرغب فيه خصه الله تعالى بالتنزل فيه ، وتفضل على عباده ~~بإجابة من دعا فيه ، وإعطاء من سأله ، إذ هو وقت خلوة وغفلة واستغراق فى ~~النوم واستلذاذ به ، ومفارقة الدعة واللذة صعب على العباد ، لا سيما لأهل ~~الرفاهية فى زمن البرد ، ولأهل التعب والنصب فى زمن قصر الليل ، فمن آثر ~~القيام لمناجاة ربه والتضرع إليه فى غفران ذنوبه ، وفكاك رقبته من النار ~~وسأله التوبة فى هذا الوقت الشاق على خلوة نفسه بلذتها ومفارقة دعتها ~~وسكنها ، فذلك دليل على خلوص نيته وصحة رغبته فيما عند ربه ، فضمنت له ~~الإجابة التى هى مقرونة بالإخلاص وصدق النية فى الدعاء ، إذ لا يقبل الله ~~دعاء من قلب غافل لاه . وقد أشار النبى - صلى الله عليه وسلم - إلى هذا ~~المعنى بقوله : ( والصلاة بالليل والناس نيام ) . فلذلك نبه الله عباده على ~~الدعاء فى هذا الوقت الذى تخلو فيه النفس من خواطر ms3480 الدنيا ، وعلقها ليستشعر ~~العبد الجد والإخلاص لربه فتقع الإجابة منه تعالى رفقا من الله بخلقه ~~PageV10P089 ورحمة لهم فله الحمد دائما والشكر كثيرا على ما ألهم إليه ~~عباده من مصالحهم ، ودعاهم إليه من منافعهم لا إله إلا هو الكريم الوهاب . ~~فإن قيل : كيف ترجم باب الدعاء نصف الليل ، وذكر فى الحديث أن التنزل فى ~~ثلث الليل الآخر ؟ . قيل : إنما أخذ ذلك من قوله تعالى : { قم الليل إلا ~~قليلا نصفه أو انقص منه قليلا } [ المزمل : 2 ، 3 ] ، فالترجمة تقوم من ~~دليل القرآن ، والحديث يدل على أن وقت الإجابة ثلث الليل إلا أن ذكر النصف ~~فى كتاب الله يدل على تأكيد المحافظة على وقت التنزل قبل دخوله ليأتى أول ~~وقت الإجابة ، والعبد مرتقب له مستعد للإنابة فيكون ذلك سببا للإجابة ، ~~وينبغى ألا يمر وقت من الليل والنهار إلا أحدث العبد فيه دعاء وعبادة لله ~~تعالى . * * * # | 13 - باب الدعاء عند الخلاء # / 18 - فيه : أنس ، كان النبى - صلى الله عليه وسلم - إذا دخل الخلاء ، ~~قال : ( اللهم إنى أعوذ بك من الخبث والخبائث ) . قال المؤلف : الخبث ~~والخبائث هو الشيطان الرجيم ، روى هذا عن الحسن ومجاهد ، وقد جاء معنى أمره ~~- صلى الله عليه وسلم - بالاستعاذة عند دخول الخلاء فى حديث رواه معمر عن ~~قتادة ، عن النضر بن أنس عن أنس بن مالك أن رسول الله قال : ( إن هذه ~~الحشوش محتضرة ، فإذا دخلها أحدكم فليقل : اللهم إنى أعوذ بك من الخبث ~~والخبائث ) . فأخبر فى هذا الحديث أن الحشوش مواطن للشياطين ، فلذلك أمر ~~بالاستعاذة عند دخولها ، وروى ابن وهب عن PageV10P090 حيوة بن شريح ، عن ~~أبى عقيل أنه سمع سعيدا المقبرى يقول : إذا دخل الرجل الكنيف لحاجته ، ثم ~~ذكر اسم الله كان سترا بينه وبين الجن ، فإذا لم يذكر الله نظر إليه الجن ~~يسخرون ويستهزئون به . وروى عن النبى أنه قال : ( إذا خرج أحدكم من الغائط ~~فليقل : الحمد لله الذى أخرج عنى ما يؤذينى وأمسك على ما ينفعنى ) . * * * # | 14 - باب ما يقول إذا أصبح # / 19 - فيه : شداد بن أوس ، عن ms3481 النبى - صلى الله عليه وسلم - قال : ( سيد ~~الاستغفار ) ، وذكر الحديث ( من قالها حين يمسى ، فمات دخل الجنة ، وإن ~~قالها حين يصبح ، فمات من يومه دخل الجنة ) . / 20 - وفيه : حذيفة ، كان ~~النبى - صلى الله عليه وسلم - إذا أراد أن ينام قال : ( باسمك اللهم أموت ~~وأحيا ) ، وإذا استيقظ من منامه ، قال : ( الحمد لله الذى أحيانا بعد ما ~~أماتنا وإليه النشور ) . وعن أبى ذر مثله . قال المؤلف : معنى ذكر الله عند ~~الصباح ليكون مفتتح الأعمال وابتداؤها ذكر الله ، وكذلك ذكر الله عند النوم ~~ليختم عمله بذكره تعالى ، فتكتب الحفظة فى أول صحيفته عملا صالحا وتختمها ~~بمثله ، فيرجى له مغفرة ما بين ذلك من ذنوبه . وروى الطبرى من حديث الحسن ~~عن أبى هريرة قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( يقول الله عز ~~وجل : اذكرنى من أول النهار ساعة ، ومن آخره ساعة أكفيك ما بينهما ) . وكان ~~الصالحون من السوقة يجعلون أول يومهم وآخره لأمر الآخرة ، ووسطه لمعيشة ~~الدنيا ، وإنما كانوا يعملون ذلك لترغيبه - صلى الله عليه وسلم - على ~~الدعاء طرفي النهار ، PageV10P091 وكان عمر بن الخطاب يأمر التجار فيقول : ~~اجعلوا أول نهاركم لآخرتكم ، وما سوى ذلك لدنياكم ، وقد روى عن النبي - ~~عليه السلام - ما يدل على هذا المعنى ، قال - صلى الله عليه وسلم - : ( ~~يقول الله تعالى : يا ابن آدم لا تعجزن عن أربع ركعات أول النهار أكفيك ~~آخره ) . * * * # | 15 - باب الدعاء فى الصلاة # / 21 - فيه : أبو بكر ، أنه قال للنبى - صلى الله عليه وسلم - : علمنى ~~دعاء أدعو به فى صلاتى ، قال : ( قل : اللهم إنى ظلمت نفسى ظلما كثيرا ، ~~ولا يغفر الذنوب إلا أنت ، فاغفر لى مغفرة من عندك ، وارحمنى إنك أنت ~~الغفور الرحيم ) . / 22 - وفيه : عائشة ، { ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها ~~} [ الإسراء : 110 ] نزلت فى الدعاء . / 23 - وفيه : ابن مسعود ، عن النبى ~~- صلى الله عليه وسلم - أنه ذكر التشهد ، إلى قوله : ( ثم يتخير من الثناء ~~ما شاء ) . قال الطبرى : فى حديث أبى بكر من الفقه أن للمصلى أن يدعو الله ~~فى جميع صلواته ms3482 بما بدا له من حاجات دنياه وآخرته ، وذلك أنه - صلى الله ~~عليه وسلم - علم أبا بكر مسألة ربه المغفرة لذنوبه فى صلاته ، وذلك من أعظم ~~حاجات العبد إلى ربه ، فكذلك حكم مسألته إياه سائر حاجاته . وقد روى عن أبى ~~الدرداء أنه قال : إنى لأدعو وأنا ساجد لسبعين أخا من إخوتى أسميهم ~~بأسمائهم وأسماء آبائهم . وكان على يقول إذا قال الإمام : سمع الله لمن ~~حمده : اللهم بحولك وقوتك أقوم وأقعد . وكان ابن مسعود يلبى فى سجوده . ~~ومعنى لبيك : PageV10P092 أجبتك يا رب إلى ما دعوتني إليه إجابة بعد إجابة ~~، وأقمت عندك . وقد ذكرت من قال بهذا من الفقهاء فى كتاب الصلاة . قال ~~الطبرى : وفى حديث أبى بكر الدليل الواضح على تكذيب مقالة من زعم أنه لا ~~يستحق اسم الإيمان إلا من كان لا خطيئة له ولا جرم ، لأن أهل الإجرام زعموا ~~غير مؤمنين ، وزعموا أن كبائر الذنوب وصغائرها كبائر ، وذلك أن أبا بكر كان ~~من الصديقين من أهل الإيمان ، وقد أمره - صلى الله عليه وسلم - أن يقول : ~~اللهم إنى ظلمت نفسى ظلما كثيرا فاغفر لي ) . وفيه : دليل أن الواجب على ~~العبد أن يكون على حذر من ربه فى كل أحواله ، وإن كان من أهل الاجتهاد فى ~~عبادته فى أقصى غاياته ، إذ كان الصديق مع موضعه من الدين لم يسلم مما ~~يحتاج إلى استغفار ربه منه . * * * # | 16 - باب الدعاء بعد الصلاة # / 24 - فيه : أبو هريرة ، قالوا : يا رسول الله ، ذهب أهل الدثور ~~بالدرجات والنعيم المقيم ، قال : ( كيف ذاك ) ؟ قالوا : صلوا كما صلينا ، ~~وجاهدوا كما جاهدنا ، وأنفقوا من فضول أموالهم ، وليست لنا أموال ، قال : ( ~~أفلا أخبركم بأمر تدركون من كان قبلكم ، وتسبقون من جاء بعدكم ، ولا يأتى ~~أحد بمثل ما جئتم به إلا من جاء بمثله ، تسبحون فى دبر كل PageV10P093 صلاة ~~عشرا ، وتحمدون عشرا وتكبرون عشرا ) . / 25 - وفيه : المغيرة ، أنه كتب إلى ~~معاوية أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يقول في دبر كل صلاة إذا سلم : ~~( لا إله إلا الله وحده لا شريك ms3483 له ، له الملك ، وله الحمد ، وهو على كل ~~شىء قدير ، اللهم لا مانع لما أعطيت ، ولا معطى لما منعت ، ولا ينفع ذا ~~الجد منك الجد ) . فى حديث هذا الباب الحض على التسبيح والتحميد فى أدبار ~~الصلوات ، وأن ذلك يوازي فى الفضل إنفاق المال فى طاعة الله لقوله : ( أفلا ~~أخبركما بما تدركون به من كان قبلكم ) . وروى عن النبى - صلى الله عليه ~~وسلم - أنه قال : ( وضعت الصلوات فى خير الساعات فاجتهدوا فى الدعاء دبر ~~الصلوات ) . قال الطبري : حدثنا ابن المثني ، وابن بشار ، قالا : حدثنا ~~يحيى بن سعيد ، عن سليمان التيمي ، عن قتادة ، عن أنس بن مالك قال : ( إذا ~~أقيمت الصلاة فتحت أبواب السماء واستجيب الدعاء ) . وروى الطبري عن جعفر بن ~~محمد قال : الدعاء بعد المكتوبة أفضل من الدعاء بعد النافلة كفضل المكتوبة ~~على النافلة . فإن قال قائل : فقد روى عبد الرحمن بن الأسود عن أبيه قال : ~~قال عبد الله بن مسعود : إنما هذه القلوب أوعية فاشغلوها بالقرآن ولا ~~تشغلوها بغيره . فأى الأمرين عندك أفضل ، ذكر الله بالتسبيح والتحميد ~~والتهليل ، أم قراءة القرآن ؟ فالجواب : أن عمرو بن سلمة سأل الأوزاعي عن ~~ذلك ، فقال له : سل سعيدا ، فسأله فقال : بل القرآن . فقال الأوزاعى لسعيد ~~: إنه ليس بشىء يعدل القرآن ، ولكن إنما كان هدى من سلف يذكرون الله قبل ~~طلوع الشمس وقبل الغروب . قال الطبرى : والذى قال الأوزاعي أقرب إلى الصواب ~~لما روى PageV10P094 أنس وأبو هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه ~~قال : ( لأن أقعد مع قوم يذكرون الله بعد الفجر إلى طلوع الشمس أحب إلى من ~~الدنيا وما فيها ، ولأن أقعد مع قوم يذكرون الله بعد العصر إلى أن تغيب ~~الشمس أحب إلى من الدنيا وما فيها ) وقال عبد الله بن عمرو : وذكر الله ~~بالغداة والعشى أفضل من حطم السيوف فى سبيل الله وإعطاء المال سحا . وقد ~~تقدم فى باب ما يقول إذا أصبح حديث الحسن عن أبى هريرة عن النبى - صلى الله ~~عليه وسلم - قال : ( يقول عز وجل : ابن آدم اذكرنى ms3484 من أول النهار ساعة ~~وآخره ساعة ، أكفيك ما بينهما ) . وترجم لحديث المغيرة باب : لا مانع لما ~~أعطى الله فى كتاب القدر ، وسيأتى الكلام هناك إن شاء الله تعالى ، واحتج ~~بحديث أبى هريرة من فضل الغنى على الفقر ، وسيأتى الكلام فيه فى كتاب ~~الرقائق إن شاء الله . * * * # | 17 - باب قول الله تعالى : { وصل عليهم } [ التوبة : 103 ] ومن خص أخاه ~~بالدعاء دون نفسه # وقال أبو موسى : قال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( اللهم اغفر لعبيد ~~أبى عامر ، اللهم اغفر لعبدالله بن قيس ذنبه ) . / 26 - وفيه : سلمة ، ~~خرجنا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى خيبر ، فقال رجل من القوم : أيا ~~عامر ، لو أسمعتنا من هنياتك ، فنزل يحدو لهم : تالله لولا الله ما ~~PageV10P095 اهتدينا ، قال النبي - عليه السلام - : ( من هذا السائق ) ؟ ~~قالوا : عامر بن الأكوع ، قال : ( يرحمه الله ) . / 27 - وفيه : ابن أبى ~~أوفى ، قال : كان النبى - صلى الله عليه وسلم - إذا أتاه رجل بصدقة ، قال : ~~( اللهم صل على آل فلان ) ، فأتاه أبى ، فقال : ( اللهم صل على آل أبى أوفى ~~) . / 28 - وفيه : جرير ، قلت : يا رسول الله ، إنى لا أثبت على الخيل ، ~~فصك فى صدرى ، فقال : ( اللهم ثبته ، واجعله هاديا مهديا ) . / 29 - وفيه : ~~أنس ، قالت أم سليم للنبى - صلى الله عليه وسلم - : أنس خادمك ، قال : ( ~~اللهم أكثر ماله وولده ، وبارك له فيما أعطيته ) . / 30 - وفيه : عائشة ، ~~سمع النبى - صلى الله عليه وسلم - رجلا يقرأ فى المسجد ، فقال : ( رحمه ~~الله ، لقد أذكرنى كذا وكذا آية أسقطتهن ) . / 31 - وفيه : عبدالله ، قسم ~~النبى - صلى الله عليه وسلم - قسما ، فقال رجل : ما أريد بها وجه الله ، ~~فأخبرت النبي - صلى الله عليه وسلم - فغضب ، وقال : ( يرحم الله موسى ، لقد ~~أوذى بأكثر من هذا ، فصبر ) . قال المؤلف : فى هذه الأحاديث كلها من الفقه ~~دعاء المسلم لأخيه دون نفسه كما ترجم ، وقد جاء عن النبي - عليه السلام - ~~أن دعاء المرء لأخيه مجاب . روى الطبرى قال : حدثنا أبو هشام الرفاعى قال : ~~حدثنا ابن فضيل ، حدثنا أبى ، عن طلحة بن عبد الله بن ms3485 كريز ، عن أم الدرداء ~~عن أبى الدرداء قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( ما من مسلم ~~يدعو لأخيه بظهر الغيب إلا قال له الملك : ولك مثل ذلك ) . وروى سعيد بن ~~جبير عن ابن عباس عن النبى - صلى الله عليه وسلم - قال : ( خمس PageV10P096 ~~دعوات مستجابات : دعوة المظلوم حتى ينتصر ، ودعوة الحاج حتى يصدر ، ودعوة ~~المجاهد حتى يقفل ، ودعوة المريض حتى يبرأ ، ودعوة الأخ لأخيه ) . روى عن ~~بعض السلف : أنه قال : إذا دعا لأخيه فليبدأ بنفسه . قال سعيد بن يسار : ~~ذكرت رجلا عند ابن عمر فترحمت عليه ، فلهز فى صدرى وقال لى : ابدأ بنفسك ، ~~وقال إبراهيم : كان يقال : إذا دعوت فابدأ بنفسك ، فإنك لا تدرى أى دعاء ~~يستجاب لك . * * * # | 18 - باب ما يكره من السجع فى الدعاء # / 32 - فيه : ابن عباس ، أنه قال لعكرمة : حدث الناس كل جمعة مرة ، فإن ~~أبيت فمرتين ، فإن أكثرت فثلاث مرار ، ولا تمل الناس هذا القرآن ، ولا ~~ألفينك تأتى القوم ، وهم فى حديث من حديثهم ، فتقص عليهم ، فتقطع عليهم ~~حديثهم ، فتملهم ، ولكن أنصت ، فإذا أمروك ، فحدثهم ، وهم يشتهونه ، وانظر ~~السجع من الدعاء ، فاجتنبه ، فإنى عهدت النبى - صلى الله عليه وسلم - ~~وأصحابه لا يفعلون ذلك . قال المؤلف : إنما نهى عن السجع فى الدعاء ، والله ~~أعلم ؛ لأن طلب السجع فيه تكلف ومشقة ، وذلك مانع من الخشوع وإخلاص التضرع ~~لله تعالى وقد جاء فى الحديث : ( إن الله لا يقبل من قلب غافل لاه ) . ~~وطالب السجع فى دعائه همته في [ تزويج ] PageV10P097 الكلام وسجعه ، ومن ~~شغل فكره وكد خاطره بتكلفه ، فقلبه عن الخشوع غافل لاه لقول الله تعالى : { ~~ما جعل الله لرجل من قلبين فى جوفه } [ الأحزاب : 4 ] . فإن قيل : فقد وجد ~~فى دعاء النبى - صلى الله عليه وسلم - نحو ما نهى عنه ابن عباس ، وهو قوله ~~: ( اللهم منزل الكتاب سريع الحساب اهزم الأحزاب ) . وقال فى تعويذ حسن أو ~~حسين : ( أعيذه من الهامة والسامة وكل عين لامة ) . وإنما أراد ملمة ~~فللمقاربة بين الألفاظ واتباع الكلمة أخواتها فى الوزن قال : ( لامة ms3486 ) . ~~قيل : هذا يدل أن نهيه - صلى الله عليه وسلم - عن السجع إنما أراد به من ~~يتكلف السجع فى حين دعائه ، فيمنعه من الخشوع كما قدمنا ، وأما إذا تكلم به ~~طبعا من غير مؤنة ولا تكلف ، أو حفظه قبل وقت دعائه مسجوعا فلا يدخل فى ~~النهى عنه ؛ لأنه لا فرق حينئذ بين المسجوع وغيره ؛ لأنه لا يتكلف صنعته ~~وقت الدعاء فلا يمنعه ذلك من إخلاص الدعاء والخشوع والله أعلم . وفيه من ~~الفقه : أنه يكره الإفراط فى الأعمال الصالحة خوف الملل لها والانقطاع عنها ~~، وكذلك كان النبى - صلى الله عليه وسلم - يفعل ، كان يتخول أصحابه ~~بالموعظة فى الأيام كراهة السآمة عليهم ، وقال : ( اكفلوا من العمل ما ~~تطيقون ، فإن الله تعالى لا يمل حتى تملوا ) . وفيه : أنه لا ينبغى أن يحدث ~~بشىء من كان فى حديث حتى يفرغ منه . وفيه : أنه لا ينبغى نشر الحكمة والعلم ~~ولا الحديث بهما من لا يحرص على سماعهما وتعلمهما ، فمتى حدث به من يشتهيه ~~ويحرص عليه ، كان أحرى أن ينتفع به ويحسن موقعه عنده ، ومتى حدث به ~~PageV10P098 من لا يشتهيه لم يحسن موقعه عنده ، وكان فى ذلك إذلال للعلم ~~وحط له ، والله تعالى قد رفع قدره حين جعله سببا إلى معرفة توحيده وصفاته ~~تعالى ، والى علم دينه وما تعبد به خلقه . * * * # | 19 - باب ليعزم المسألة فإنه لا مكره له # / 33 - فيه : أنس ، أن النبى - صلى الله عليه وسلم - قال : ( إذا دعا ~~أحدكم ، فليعزم المسألة ) ، ولا يقولن : ( اللهم إن شئت فأعطنى ، فإنه لا ~~مستكره له ) . / 34 - وفيه : أبو هريرة ، مثله . قال المؤلف : فيه دليل أنه ~~ينبغى للمؤمن أن يجتهد فى الدعاء ويكون على رجاء من الإجابة ولا يقنط من ~~رحمه الله ؛ لأنه يدعو كريما ، فبذلك تواترت الآثار عن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - ، روى شعبة عن العلاء عن أبيه عن أبى هريرة عن النبي - عليه ~~السلام - قال : ( إذا دعا أحدكم فلا يقولن : اللهم إن شئت فأعطنى ، ولكن ~~ليعظم رغبته ، فإن الله تعالى لا يتعاظم عليه شىء أعطاه ، قال ms3487 : قال الله ~~تعالى : أنا عند ظن عبدى بى ، وأنا معه إذا دعاني ، فإن تقرب منى شبرا ~~تقربت منه ذراعا . . . ) الحديث . وروى أبو عاصم عن ابن جريج ، عن أبى ~~الزبير ، عن جابر ، عن النبي - عليه السلام - قال : ( لا يموتن أحد منكم ~~إلا وهو حسن الظن بالله تعالى ) . وقال ابن مسعود : والله الذى لا إله إلا ~~هو ما أعطى عبد مؤمن قط شيئا خير من حسن الظن بالله . والله الذى لا إله ~~إلا هو لا يحسن عبد الظن إلا أعطاه الله ظنه ، وذلك أن الخير فى يديه . ~~وقال سفيان بن عيينة : لا يمنعن أحد من الدعاء ما يعلم من نفسه ، ~~PageV10P099 فإن الله تعالى قد أجاب دعاء شر الخلق إبليس { قال أنظرنى إلى ~~يوم يبعثون قال إنك من المنظرين } [ الأعراف : 14 ، 15 ] . * * * # | 20 - باب يستجاب للعبد ما لم يعجل # / 35 - فيه : أبو هريرة ، قال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( يستجاب ~~لأحدكم ما لم يعجل ، يقول : دعوت ، فلم يستجب لى ) . قال بعض العلماء : ~~قوله : ( ما لم يعجل ) يعنى يسأم الدعاء ويتركه فيكون كالمان بدعائه ، وأنه ~~قد أتى من الدعاء ما كان يستحق به الإجابة ، فيصير كالمبخل لرب كريم ، لا ~~تعجزه الإجابة ، ولا ينقصه العطاء ، ولا تضره الذنوب . وروى ابن وهب ، عن ~~معاوية ، عن ربيعة بن يزيد ، عن أبى إدريس الخولانى ، عن أبى هريرة ، عن ~~النبى - صلى الله عليه وسلم - قال : ( لا يزال يستجاب للعبد ما لم يدع بإثم ~~أو قطيعة رحم ، وما لم يستعجل . قيل : يا رسول الله وما الاستعجال ؟ قال : ~~يقول : قد دعوت وقد دعوت ، فلم يستجب لى ، فيستحسر عند ذلك أو يدع الدعاء ) ~~. وقال أبو هريرة : ( مرة يقول : لقد دعوت فما استجاب ، أو ما أغنيت شيئا ) ~~. وقالت عائشة فى هذا الحديث : ( ما لم يعجل أو يقنط ) . وقال بعضهم : إنما ~~يعجل العبد إذا كان غرضه من الدعاء نيل ما سأل ، وإذا لم ينل ما يريد ثقل ~~عليه الدعاء ، ويجب أن يكون غرض العبد من الدعاء هو الدعاء لله ، والسؤال ~~منه ، والافتقار إليه أبدا ms3488 ، ولا يفارق سمة العبودية وعلامة الرق ، ~~والانقياد للأمر والنهي PageV10P100 والاستسلام لربه تعالى بالذلة والخشوع ~~، فإن الله تعالى يحب الإلحاح فى الدعاء . وقال بعض السلف : لأنا أشد خشية ~~أن أحرم الدعاء من أن أحرم الإجابة ، وذلك أن الله تعالى يقول : { ادعونى ~~أستجب لكم } [ غافر : 60 ] فقد أمر بالدعاء ووعد بالإجابة وهو لا يخلف ~~الميعاد ، وروى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - : ( ما من داع يدعو إلا ~~كان بين إحدى ثلاث ، إما أن يستجاب له ، وإما أن يدخر له ، وإما أن يكفر ~~عنه ) . ففى هذا الحديث دليل أن الدعاء مجاب إما معجلا وإما مؤخرا . وقد ~~روى عن قتادة أنه قال : إنما يجاب من الدعاء ما وافق القدر ؛ لأن النبى - ~~صلى الله عليه وسلم - قد دعا ألا يجعل الله بأس أمته بينهم فمنعها ، لما ~~سبق فى علم الله وقدره من كون الاختلاف والبأس بينهم . * * * # | 21 - باب رفع الأيدى فى الدعاء # وقال أبو موسى : دعا النبى - صلى الله عليه وسلم - ثم رفع يديه ورأيت ~~بياض إبطيه . وقال ابن عمر : رفع النبى - صلى الله عليه وسلم - يديه ، وقال ~~: ( اللهم إنى أبرأ إليك مما صنع خالد ) . / 36 - وفيه : أنس ، أن النبى - ~~صلى الله عليه وسلم - رفع يديه حتى رأيت بياض إبطيه . قال الطبرى : اختلف ~~الناس فى رفع اليدين فى الدعاء فى غير الصلاة ، فكان بعضهم يختار إذا دعا ~~الله تعالى فى حاجته أن يشير PageV10P101 بأصبعه السبابة ، ويقول ذلك ~~الإخلاص ويكره رفع اليدين . ذكر من قال ذلك : روى شعبة وعبثر وخالد عن حصين ~~، عن عمارة بن روبية : ( أنه رأى بشر بن مروان رافعا يديه على المنبر ، ~~فسبه وقال : لقد رأيت رسول الله لا يزيد على هذا يعنى أن يشير بالسبابة ) . ~~وروى سعيد عن قتادة قال : رأى ابن عمر قوما رفعوا أيديهم ، فقال : من ~~يتناول هؤلاء فوالله لو كانوا على رأس أطول جبل ما ازدادوا من الله قربا . ~~وكرهه جبير بن مطعم ، ورأى شريح رجلا رافعا يديه يدعو ، فقال : من تتناول ~~بها ، لا أم لك . وقال مسروق لقوم ms3489 رفعوا أيديهم : قد رفعوها قطعها الله . ~~وكره ابن المسيب رفع الأيدى والصوت فى الدعاء ، وكان قتادة يشير بأصبعيه ~~ولا يرفع يديه ، ورأى سعيد بن جبير رجلا يدعو رافعا يديه فقال : ليس فى ~~ديننا تكفير . واعتلوا بحديث عمارة بن روبية المتقدم . وكان بعضهم يختار أن ~~يبسط كفيه رافعهما ، ثم يختلفون فى صفة رفعهما ، حذو صدره بطونهما إلى وجهه ~~، روى ذلك عن ابن عمر ، وقال ابن عباس إذا رفع يديه حذو صدره فهو الدعاء . ~~وكان على بن أبى طالب يدعو بباطن كفيه ، وعن أنس مثله ، واحتجوا بما رواه ~~صالح بن كيسان عن محمد بن كعب القرظى ، عن ابن عباس ، عن النبى - صلى الله ~~عليه وسلم - قال : ( إذا سألتم الله تعالى فاسألوه ببطون أكفكم ولا تسألوه ~~بظهورها ، وامسحوا بها وجوهكم ) . وكان آخرون يختارون رفع أيديهم إلى ~~وجوههم ، روى ذلك عن ابن عمر وابن الزبير ، واعتلوا بما رواه حماد بن سلمة ~~عن بشر بن حرب قال : سمعت أبا سعيد الخدرى يقول : ( وقف رسول الله بعرفة ، ~~فجعل يدعو ، وجعل ظهر كفيه مما يلى وجهه ورفعهما فوق ثدييه وأسفل من منكبيه ~~) . PageV10P102 وكان آخرون يختارون رفع أيديهم حتى يحاذوا بها وجوههم ~~وظهورها مما يلى وجوههم ، وروى يحيى بن سعيد عن القاسم قال : رأيت ابن عمرو ~~بن العاص يرفع يديه يدعو حتى يحاذى منكبيه ظاهرهما يليانه . وعن ابن عباس ~~قال : إذا أشار أحدكم بأصبع واحدة فهو الإخلاص ، وإذا رفع يديه حذو صدره ~~فهو الدعاء ، وإذا رفعهما حتى يجاوز بهما رأسه ، وظاهرهما يلى وجهه فهو ~~الابتهال . واحتجوا بحديث أبى موسى وابن عمر وأنس : ( أن النبى - صلى الله ~~عليه وسلم - كان يرفع يديه فى الدعاء حتى يرى بياض إبطيه ) . قال الطبرى : ~~والصواب أن يقال إن كل هذه الآثار المروية عن النبى - صلى الله عليه وسلم - ~~متفقة غير مختلفة المعانى ، وللعمل بكل ذلك وجه صحيح ، فأما الدعاء ~~بالإشارة بالأصبع الواحدة ، فكما قال ابن عباس أنه الإخلاص ، والدعاء بسط ~~اليدين ، والابتهال رفعهما ، وقد حدثنى محمد بن خالد بن خراش قال : حدثنى ~~مسلم ms3490 عن عمر بن نبهان ، عن قتادة ، عن أنس قال : ( رأيت النبى - صلى الله ~~عليه وسلم - يدعو بظهر كفيه وبباطنهما ) . وجائز أن يكون ذلك كان من النبى ~~لاختلاف أحوال الدعاء كما قال ابن عباس ، وجائز أن يكون إعلاما منه بسعة ~~الأمر فى ذلك ، وأن لهم فعل أى ذلك شاءوا فى حال دعائهم ، غير أن أحب الأمر ~~فى ذلك إلى أن يكون اختلاف هيئة الداعى على قدر اختلاف حاجته ، وأما ~~الاستعاذة والاستجارة ، فأحب الهيئات إلى فيهما هيئة المبتهل ؛ لأنها أشبه ~~بهيئة المستخبر ، وقد قال شهر بن حوشب : المسألة ببطن الكفين ، والتعوذ مثل ~~التكبير إذا افتتح الصلاة . PageV10P103 فإن قال : فقد جعلت للداعى رفع ~~يديه فى كل حال فما أنت قائل فيما روى يزيد بن زريع ، حدثنا سعيد بن أبى ~~عروبة ، عن قتادة ، أن أنس بن مالك حدثه : ( أن النبى - صلى الله عليه وسلم ~~- كان لا يرفع يديه فى شىء من الدعاء إلا عند الاستسقاء ، فأنه كان يرفعهما ~~حتى يرى بياض إبطيه . قيل : قد روى ابن جريج ، عن مقسم ، عن ابن عباس ، عن ~~النبى - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : ( لا ترفع الأيدى إلا فى سبعة ~~مواطن فى بدء الصلاة ، وإذا رأيت البيت ، وعلى الصفا والمروة ، وعشية عرفة ~~، وبجمع ، وعند الجمرتين ) . وهذا مخالف لحديث سعيد بن أبى عروبة عن قتادة ~~، وقد ثبت عن النبى - صلى الله عليه وسلم - رفع الأيدى فى الدعاء مطلقا من ~~وجوه . منها : حديث أبى موسى وابن عمر وأنس من طرق أثبت من حديث سعيد بن ~~أبى عروبة عن قتادة عن أنس ، وذلك أن سعيد بن أبى عروبة كان قد تغير عقله ~~وحاله فى آخر عمره ، وقد خالفه شعبة قى روايته عن قتادة ، عن أنس فقال فيه ~~: ( كان رسول الله يرفع يديه حتى يرى بياض إبطيه ) . ولا شك أن شعبة أثبت ~~من سعيد بن أبى عروبة . وحدثنا ابن المثنى قال : حدثنا ابن أبى عدى عن جعفر ~~بن ميمون صاحب الأنماط عن أبى عثمان ، عن سلمان قال : قال رسول الله - صلى ~~الله ms3491 عليه وسلم - : ( إن ربكم حيى كريم يستحى من عبده إذا رفع يديه إليه أن ~~يردهما صفرا ) . فإن قيل : قد روى عن عطاء وجابر وطاوس ومجاهد أنهم كرهوا ~~رفع الأيدى فى دبر الصلاة قائما . قيل : يمكن أن يكون ذلك إذا لم ينزل ~~بالمسلمين نازلة يحتاجوا معها إلى الاستعانة إلى الله تعالى بالتضرع ~~والاستكانة ، فالقول كما قال عطاء وطاوس ومجاهد ، وإن نزلت بهم نازلة ~~احتاجوا معها إلى الاستعانة إلى الله بالتضرع والاستكانة لكشفها عنهم ، ~~فرفع الأيدى عند مالك حسن وجميل . * * * PageV10P104 # | 22 - باب الدعاء غير مستقبل القبلة # ( 1 ) / 37 - فيه : أنس ، بينا النبى - صلى الله عليه وسلم - يخطب يوم ~~الجمعة ، فقام رجل : يا رسول الله ، ادع الله أن يسقينا . . . الحديث . ~~الدعاء حسن كيفما تيسر للمؤمنين على جميع أحوالهم ، ألا ترى قوله تعالى : { ~~الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم } [ آل عمران : 191 ] فمدحهم ~~الله تعالى ولم يشترط فى ذلك حالة دون حالة ، ولذلك دعا النبى - صلى الله ~~عليه وسلم - فى خطبته يوم الجمعة وهو غير مستقبل القبلة . * * * # | 23 - باب الدعاء مستقبل القبلة # / 38 - فيه : عبدالله بن زيد ، خرج النبى - صلى الله عليه وسلم - إلى هذا ~~المصلى يستسقى ، فدعا واستسقى ، ثم استقبل القبلة وقلب رداءه . فإن قال ~~قائل : ليس فى هذا الحديث الدعاء إلا قبل استقبال النبى - صلى الله عليه ~~وسلم - القبلة لقوله : ( فدعا ثم استقبل القبلة ) فكيف ترجم له باب الدعاء ~~مستقبل القبلة ؟ ! قيل : إنما أشار البخارى إلى الحديث ليدل على المعنى ~~المعروف منه ، فقد جاء هذا الحديث فى كتاب الاستسقاء فى باب كيف حول النبى ~~- صلى الله عليه وسلم - ظهره إلى الناس ، وقال فيه : ( واستقبل القبلة يدعو ~~، ثم حول رداءه ، ثم صلى ركعتين جهر فيهما ) . * * * PageV10P105 # | 24 - باب دعوة النبي - صلى الله عليه وسلم - لخادمه بطول العمر وكثرة ~~ماله # / 39 - فيه : أنس ، قالت أمى للنبي - صلى الله عليه وسلم - : خادمك ، ادع ~~الله له ، قال : ( اللهم أكثر ماله وولده ، وبارك له فيما أعطيته ) . وترجم ~~له بعد هذا باب الدعاء وكثرة المال مع البركة ، وباب ms3492 الدعاء بكثرة الولد مع ~~البركة . فإن قال قائل : كيف ترجم البخارى فى هذا الحديث باب دعوة النبى - ~~صلى الله عليه وسلم - لخادمه بطول العمر ، وإنما فى الحديث ( اللهم أكثر ~~ماله وولده ) . وليس فيه وطول عمره ؟ قيل : يحتمل أن يكون ذلك من دليل ~~الحديث من موضعين : أحدهما : أن دعوته - صلى الله عليه وسلم - له بكثرة ~~الولد يدل على أن ذلك لا يكون إلا فى كثير من السنين ، فدعاؤه له بكثرة ~~الولد دعاء له بطول العمر ، والثانى : قوله - صلى الله عليه وسلم - : ( ~~وبارك له فيما أعطيته ) ، فالعمر مما أعطاه الله هذا الوجه للمهلب . فإن ~~قيل : فما معنى دعائه له بطول العمر ، وقد علم - صلى الله عليه وسلم - أن ~~الآجال لا يزاد فيها ولا ينقص منها على ما كتب فى بطن أمه ؟ قيل : معنى ذلك ~~والله أعلم أن الله تعالى يكتب أجل عبده إن أطاع الله واتقاه فيكون عمره ~~مدة كذا ، فإن لم يطع الله وعصاه كان أجله أقل منها . يدل على صحة ذلك قوله ~~عز وجل فى قصة نوح حين قال لقومه : { اعبدوا الله واتقوه وأطيعون يغفر لكم ~~من ذنوبكم ويؤخركم إلى أجل مسمى } [ نوح : 3 ، 4 ] ، يريد أجلا قد قضى به ~~لكم إن أطعتم ، فإن عصيتم لم يؤخركم إلى ذلك الأجل ، وكل قد سبق فى علم ~~الله مقدار أجله على ما يكون من فعله ، قال ابن قتيبة : ومثله ما روي أن ~~PageV10P106 الصدقة تدفع القضاء المبرم ، وأن الدعاء يدفع البلاء ، وقد ثبت ~~أنه لا راد لقضاء الله ، ومعنى ذلك أن المرء قد يستحق بالذنوب قضاء من ~~العقوبة ، فإن هو تصدق دفع عن نفسه ما استحق من ذلك ، يدل على ذلك قوله : ( ~~إن صدقة السر تطفئ غضب الرب ) ألا ترى أن من غضب الله عليه قد تعرض لعقابه ~~، فإذا زال ذلك الغضب بالصدقة زال العقاب ، وكذلك الدعاء يرتفع إلى الله ~~تعالى فيوافق البلاء نازلا من السماء فيزيله ويصرفه ، وكل ذلك قد جرى به ~~القلم فى علم الله تعالى أنه إن تصدق أو دعا ms3493 ، صرف عنه غضب الله وبلاؤه ، ~~وفى هذا الحديث حجة لمن قال . الغنى أفضل من الفقر ، وهى مسألة اختلف الناس ~~فيها قديما ، وسيأتى الكلام فيها فى موضعها فى كتاب الرقاق إن شاء الله ~~تعالى . * * * # | 25 - باب الدعاء عند الكرب # / 40 - فيه : ابن عباس ، كان النبي - عليه السلام - يدعو عند الكرب : ( ~~لا إله إلا الله العظيم الحليم ، لا إله إلا الله رب السموات والأرض ورب ~~العرش العظيم ) . / 41 - وقال مرة : ( لا إله إلا الله العظيم الحليم ، لا ~~إله إلا الله رب العرش العظيم ، لا إله إلا الله رب السموات ورب الأرض ورب ~~العرش الكريم ) . قال المؤلف : وقد روى هذا الحديث عن النبي - عليه السلام ~~- علي بن أبي PageV10P107 طالب بزيادة واختلاف فى لفظه ذكر ابن أبى شيبة من ~~حديث أبى إسحاق عن عبد الله بن مرة ، عن عبد الله بن سلمة ، عن على قال : ( ~~قال لى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ألا أعلمك كلمات إذا قلتهن غفر ~~الله لك مع أنه مغفور لك : لا إله إلا الله الحليم الكريم ، لا إله إلا ~~الله العلى العظيم ، سبحان الله رب السماوات السبع ورب العرش العظيم ، ~~الحمد لله رب العالمين ) . قال الطبرى : وكان السلف يدعون بهذا الدعاء ، ~~قال أبو أيوب : كتب إليه أبو قلابة بدعاء الكرب ، وأمره أن يعلمه ابنه . ~~فإن قال قائل : فإن دعاء الكرب إنما هو تهليل وتعظيم لله ، فما معنى قول ~~ابن عباس كان النبى - صلى الله عليه وسلم - يدعو بدعاء الكرب وتسمية السلف ~~له بذلك ؟ قيل : يحتمل معنيين : أحدهما : أن يقدم هذا التهليل قبل الدعاء ، ~~ثم يدعو بعده بما أراد على ما روى حماد بن سلمة ، عن يوسف بن عبد الله بن ~~الحارث ، عن أبى العالية ، عن ابن عباس : ( إن رسول الله كان إذا حزبه أمر ~~قال : لا إله إلا الله الحليم الكريم ، لا إله إلا الله رب العرش العظيم ، ~~لا إله إلا الله رب السماوات السبع ورب العرش الكريم ، ثم يدعو ) . ويبين ~~هذا المعنى ما روى الأعمش عن النخعى قال ms3494 : كان يقال : إذا بدأ الرجل ~~بالثناء قبل الدعاء استجيب ، وإذا بدأ بالدعاء قبل الثناء كان على الرجاء . ~~وقد نبه على ذلك المعنى ابن مسعود فقال : إذا خشيتم من أمير ظلما فقولوا : ~~اللهم رب السماوات السبع PageV10P108 ورب العرش العظيم كن لى جارا من فلان ~~وأشياعه من الجن والإنس وأن يفرطوا على وأن يطغوا ، عز جارك وجل ثناؤك ولا ~~إله غيرك ، فإنه لا يصل إليكم منه شىء تكرهونه . والمعنى الثانى : ما روى ~~عن حسين المروزى قال : سألت ابن عيينة ما كان أكثر قول النبى - صلى الله ~~عليه وسلم - بعرفة ؟ فقال : لا إله إلا الله ، سبحان الله ، والحمد لله ، ~~والله أكبر ولله الحمد ، ثم قال لى سفيان : إنما هو ذكر وليس فيه دعاء ثم ~~قال لى : أما علمت قول الله حيث يقول : إذا شغل عبدى ثناؤه على عن مسألتى ~~أعطيته أفضل ما أعطى السائلين ؟ قلت : نعم ، حدثتنى أنت وابن مهدى بذلك عن ~~منصور ابن المعتمر ، عن مالك بن الحارث ، ثم قال سفيان : أما علمت قول أمية ~~بن أبى الصلت حين أتى ابن جدعان يطلبه نائلة وفضله ؟ قلت : لا . قال : قال ~~أمية : أأطلب حاجتى أم قد كفانى إذا أثنى عليك المرء يوما غناؤك إن شيمتك ~~الحياء كفاه من تعرضك الثناء قال سفيان : هذا مخلوق حين نسب إلى أن يكتفى ~~بالثناء عليه دون مسألته ، فكيف بالخالق ؟ . قال المؤلف : وحدثنى أبو بكر ~~الرازى قال : كنت بأصبهان عند الشيخ أبى نعيم أكتب عنه الحديث ، وكان هناك ~~شيخ آخر يعرف بأبى بكر بن على ، وكان عليه مدار الفتيا ، فحسده بعض أهل ~~البلد فبغاه عند السلطان ، فأمر بسجنه ، وكان ذلك فى شهر رمضان ، قال أبو ~~PageV10P109 بكر : فرأيت النبي - عليه السلام - فى المنام وجبريل عن يمينه ~~يحرك شفتيه لا يفتر من التسبيح ، فقال لى النبي - عليه السلام - : قل لأبى ~~بكر بن على : يدعو بدعاء الكرب الذى فى صحيح البخارى حتى يفرج الله عنه ، ~~فأصبحت فأتيت إليه وأخبرته بالرؤيا ، فدعا به فما بقى إلا قليلا حتى أخرج ~~من السجن . ففى هذه ms3495 الرؤيا شهادة النبى - صلى الله عليه وسلم - لكتاب ~~البخارى بالصحة بحضرة جبريل - صلى الله عليه وسلم - والشيطان لا يتصور ~~بصورة النبى فى المنام . * * * # | 26 - باب التعوذ من جهد البلاء # / 42 - فيه : أبو هريرة ، كان النبى - صلى الله عليه وسلم - يتعوذ من جهد ~~البلاء ، ودرك الشقاء ، وسوء القضاء ، وشماتة الأعداء . قال المؤلف : كل ما ~~أصاب الإنسان من شدة المشقة والجهد مما لا طاقة له بحمله ولا يقدر على دفعه ~~عن نفسه فهو من جهد البلاء ، وروى عن ابن عمر أنه سئل عن جهد البلاء ، فقال ~~: قله المال وكثرة العيال . ودرك الشقاء ينقسم قسمين فيكون فى أمور الدنيا ~~وفى أمور الآخرة ، وكذلك سوء القضاء وهو عام أيضا فى النفس والمال والأهل ~~والخاتمة والمعاد . وشماتة الأعداء مما ينكأ القلب ، ويبلغ من النفس أشد ~~مبلغ ، وهذه جوامع ينبغى للمؤمن التعوذ بالله منها كما تعوذ النبى - صلى ~~الله عليه وسلم - ، وإنما دعا بذلك - صلى الله عليه وسلم - معلما لأمته ما ~~يتعوذ بالله منه ، فقد كان أمنه الله من كل سوء ، وذكر عن أيوب صلى الله ~~عليه أنه سئل عن أى حال بلائه كان أشد عليه ؟ قال : شماتة الأعداء . أعاذنا ~~الله من جميع ذلك بمنه وفضله . * * * PageV10P110 # | 27 - باب الدعاء بالموت والحياة # / 43 - فيه : خباب ، أنه اكتوى سبعا ، قال : لولا أن النبى - صلى الله ~~عليه وسلم - نهانا أن ندعو بالموت لدعوت به . / 44 - وفيه : أنس ، قال ~~النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( لا يتمنين أحدكم الموت لضر نزل به ، فإن ~~كان لا بد متمنيا للموت ، فليقل ، اللهم أحينى ما كانت الحياة خيرا لى ، ~~وتوفنى إذا كانت الوفاة خيرا لى ) . معنى هذين الحديثين على الخصوص ، وقد ~~بين - صلى الله عليه وسلم - ذلك فى الحديث فقال : ( لا يتمنين أحدكم الموت ~~لضر نزل به ) . فقد يكون له فى ذلك الضر خير لدينه ودنياه ، إما تمحيص ~~لذنوب سلفت له وطهور من سيئات ، كما قال - صلى الله عليه وسلم - للشيخ الذى ~~زاره فى مرضه وقد أصابته الحمى فقال - صلى الله عليه وسلم - : ( لا ms3496 بأس ~~طهور إن شاء الله ) . وقد يكون له فى المرض منافع ، منها : أن يكون المرض ~~سببا إلى امتناعه من سيئات كان يعملها لو كان صحيحا ، أو بلاء يندفع عنه فى ~~نفسه وماله ، فالله أنظر لعبده المؤمن فينبغى له الرضا عن الله تعالى فى ~~مرضه وصحته ولا يتهم قدره ، ويعلم أنه أنظر له من نفسه ، ولا يسأله الوفاة ~~عند ضيق نفسه بمرضه أو تعذر أمور دنياه عليه . وقد جاء وجه سؤال الموت فيه ~~مباح ، وهو خوف فتنة تكون سببا لإتلاف الدين ، فقد قال - صلى الله عليه ~~وسلم - : ( وإذا أردت بقوم فتنة فاقبضنى إليك غير مفتون ) . وجه آخر وهو ~~عند خوف المؤمن أن يضعف عن القيام بما قلده PageV10P111 الله كما قال عمر : ~~اللهم كبرت سنى وضعفت قوتى وانتشرت رعيتى فاقبضنى إليك غير مضيع ولا مفرط . ~~فخشى عمر رضى الله عنه أن يطول عمره ويزيد ضعفه ، ولا يقدر على القيام بما ~~قلده الله وألزمه القيام به من أمور رعيته ، وكان سنه حين دعا بذلك ستين ~~سنة أو نحوها ، وكذلك فعل عمر بن عبد العزيز إذ سأل لنفسه الوفاة وسنة فى ~~الأربعين حرصا على السلامة من التغيير ، فهذان الوجهان مباح أن يسأل فيهما ~~الموت ، وقد تقدم فى كتاب المرضى فى باب تمنى المريض الموت . * * * # | 28 - باب الدعاء للصبيان بالبركة ومسح رءوسهم # وقال أبو موسى : ولد لى غلام فدعا النبى - صلى الله عليه وسلم - له ~~بالبركة . / 45 - وفيه : السائب ، ذهبت بى خالتى إلى رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - فقالت : يا رسول الله ، إن ابن أختى وجع ، فمسح رأسى ، ودعا لى ~~بالبركة . . . الحديث . / 46 - وفيه : أبو عقيل ، أنه كان يخرج به جده ، ~~عبدالله بن هشام ، فيشترى الطعام ، فيلقاه ابن الزبير وابن عمر ، فيقولان ~~له : أشركنا ، فإن النبى - صلى الله عليه وسلم - قد دعا لك بالبركة ، ~~فيشركهم ، فربما أصاب الراحلة كما هى فيبعث بها إلى المنزل . / 47 - وفيه : ~~محمود بن الربيع ، وهو الذى مج النبى - صلى الله عليه وسلم - فى وجهه وهو ~~غلام من بئرهم . / 48 ms3497 - وفيه : عائشة ، قالت : كان النبى - صلى الله عليه ~~وسلم - يؤتى بالصبيان ، فيدعو لهم . فيه : الذهاب بالصبيان إلى الصالحين ~~وسؤالهم الدعاء لهم بالبركة ، ومسح رءوسهم تفاؤلا لهم بذلك وتبركا بدعائهم ~~، وفي حديث PageV10P112 محمود بن الربيع مداعبة الأئمة وأهل الفضل للصبيان ~~، وأن ذلك من أخلاق الصالحين ، وفى حديث أبى عقيل رغبة السلف الصالح فى ~~الربح الحلال ، وحرصهم على بركة التجارة ، وأنهم كانوا يتحرفون فى التجارات ~~ويسعون فى طلب الرزق ليستغنوا بذلك عن الحاجة إلى الناس ، ولا يكونوا عالة ~~ولا كلا على غيرهم . * * * # | 29 - باب الصلاة على النبى - صلى الله عليه وسلم - # / 49 - فيه : كعب بن عجرة ، خرج علينا النبى - صلى الله عليه وسلم - ~~فقلنا : يا رسول الله ، قد علمنا كيف نسلم عليك ، فكيف نصلى عليك ؟ قال : ( ~~قولوا : اللهم صل على محمد وعلى آل محمد ، كما صليت على آل إبراهيم ، إنك ~~حميد مجيد ، اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد ، كما باركت على آل إبراهيم ~~، إنك حميد مجيد ) . / 50 - فيه : عن أبى سعيد الخدرى نحوه . اختلف العلماء ~~فى الصلاة على النبى هل هى فرض أم لا ؟ فذهب جمهور العلماء إلى أنها ليست ~~بفرض فى الصلاة ، وذكر ابن القصار عن ابن المواز أنها واجبة ، قال : ~~والمشهور عن أصحابنا أنها واجبة فى الجملة على الإنسان أن يأتى بالشهادتين ~~مرة فى دهره مع القدرة عليه ، وشذ الشافعي فزعم أن ذلك فرض فى الصلاة ، ~~واحتج بحديث كعب بن عجرة ، رواه عن إبراهيم بن محمد عن سعيد بن إسحاق بن ~~كعب بن عجرة ، وفى حديثه : ( وذلك فى الصلاة ) . قال الطحاوي : وكان من حجة ~~من خالفه عليه أن إبراهيم بن محمد PageV10P113 ليس ممن يحتج بحديثه ، ولو ~~ثبت حديثه هذا لم يكن فيه دليل أن ذلك فرض ؛ لأنا قد وجدنا مثل ذلك عن ~~النبى - صلى الله عليه وسلم - من آى القرآن ومن الأمر منه أن يجعل ذلك فى ~~الصلاة ، فلم يكن مراده ذلك الفرض ، وهو حديث عقبة بن عامر عن النبى - صلى ~~الله عليه وسلم - ( أنه لما نزل : { فسبح باسم ms3498 ربك العظيم } [ الواقعة : 74 ~~] ، قال : اجعلوها فى ركوعكم ، ولما نزلت : { سبح اسم ربك الأعلى } [ ~~الأعلى : 1 ] قال : اجعلوها فى سجودكم ، وكان من ترك التسبيح فى الركوع ~~والسجود غير مفسد لصلاته ، وكذلك روى عن النبى - صلى الله عليه وسلم - أنه ~~علمهم التشهد فى الصلاة ، وليس منه الصلاة على النبى - صلى الله عليه وسلم ~~- وقد تقدم ذلك فى كتاب الصلاة فانتفى أن يكون على المصلى فرض غير ما علمه ~~النبى - صلى الله عليه وسلم - ودل ذلك أن قوله : { يا أيها الذين آمنوا ~~صلوا عليه وسلموا تسليما } [ الأحزاب : 56 ] على الندب ، لا على الفرض ، ~~ونحو هذا ذكر الطبرى ، وقال : الصلاة على النبى - صلى الله عليه وسلم - ندب ~~وفضل فى كل حال ، وعلى هذا تأويل هذه الآية . * * * # | 30 - باب هل يصلى على غير النبى - صلى الله عليه وسلم - # وقوله تعالى : { وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم } [ التوبة : 103 ] / 50 - ~~فيه : ابن أبى أوفى ، قال : كان إذا جاء رجل بصدقته النبى - صلى الله عليه ~~وسلم - قال : ( اللهم صل عليه ) ، فأتاه أبى بصدقته ، فقال : ( اللهم صل ~~على آل أبى أوفى ) . / 52 - وفيه : أبو حميد الساعدى ، أنهم قالوا : يا ~~رسول الله كيف نصلي PageV10P114 عليك ؟ قال : ( قولوا : اللهم صل على محمد ~~وأزواجه وذريته ، كما صليت على آل إبراهيم ، وبارك على محمد وأزواجه وذريته ~~، كما باركت على آل إبراهيم ، إنك حميد مجيد ) . قال الضحاك : صلاة الله : ~~رحمته ، وصلاة الملائكة : الدعاء ، والصلاة على غير النبى - صلى الله عليه ~~وسلم - جائزة بدليل الكتاب والسنة ، ألا ترى أنه - صلى الله عليه وسلم - ~~كان يصلى على من أتاه بصدقته ، وفى حديث أبى حميد أمر بالصلاة على أزواجه ~~وذريته وأزواجه من غير نسبة وهذا الباب رد لقول من أنكر الصلاة على غير ~~النبى - صلى الله عليه وسلم - . وروى ابن أبى شيبة قال : حدثنا هشيم حدثنا ~~عثمان بن حكيم ، عن عكرمة عن ابن عباس قال : ما أعلم الصلاة تنبغى من أحد ~~على أحد إلا على النبى - صلى الله عليه وسلم - والحجة فى السنة لا فيما ms3499 ~~خالفها . * * * # | 31 - باب قول النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( من آذيته ، فاجعله له ~~زكاة ورحمة ) # / 53 - فيه : أبو هريرة ، أنه سمع النبى - صلى الله عليه وسلم - يقول : ( ~~اللهم ، فأيما مؤمن سببته ، فاجعل ذلك له قربة إليك يوم القيامة ) . هذا ~~الحديث يصدقه ما ذكره الله تعالى فى كتابه من صفة رسوله - صلى الله عليه ~~وسلم - فى قوله : { لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم ~~بالمؤمنين رؤوف رحيم } [ التوبة : 128 ] وهو - صلى الله عليه وسلم - لا يسب ~~أحدا ولا يؤذيه ظلما له ، وإنما يفعل من ذلك الواجب فى شريعته ، ~~PageV10P115 وقد يدع الانتقام لنفسه ، لما جبله الله عليه من العفو وكريم ~~الخلق صلى الله عليه ومعنى هذا الحديث والله أعلم ، التأنيس للمسبوب لئلا ~~يستولى عليه الشيطان ، ويقنطه ويوقع بنفسه أن سيلحقه من ضرر سبه ما يحبط به ~~عمله إذا سبه - صلى الله عليه وسلم - هو دعاء على المسبوب ، ودعاؤه مجاب ، ~~فسأل الله أن يجعل سبه للمؤمنين قربة عنده يوم القيامة وصلاة ورحمة ، ولا ~~يجعله نقمة ولا عذابا . * * * # | 32 - باب التعوذ من الفتن # / 54 - فيه : . أنس ، سئل النبى - صلى الله عليه وسلم - حتى أحفوه ~~بالمسألة فغضب ، فصعد المنبر ، فقال : ( لا تسألونى اليوم عن شىء إلا بينته ~~لكم ) ، فإذا كل رجل لاف رأسه فى ثوبه يبكى ، وإذا رجل كان إذا لاحى الرجال ~~، يدعى لغير أبيه ، فقال : من أبى يا رسول الله ؟ فقال : ( حذافة ) . . . ~~وذكر الحديث إلى قول عمر : ( نعوذ بالله من الفتن ) . وقد تقدم فى كتاب ~~الفتن . * * * # | 33 - باب التعوذ من فتنة المحيا والممات # 55 - فيه : أنس ، كان النبى - صلى الله عليه وسلم - يقول : ( اللهم إنى ~~أعوذ بك من العجز والكسل ، والجبن والبخل والهرم ، وأعوذ بك من عذاب القبر ~~، وأعوذ بك من فتنة المحيا والممات ) PageV10P116 / . * * * # | 34 - باب التعوذ من المأثم والمغرم # / 56 - فيه : عائشة ، أن النبى - صلى الله عليه وسلم - كان يقول : ( ~~اللهم إنى أعوذ بك من الكسل والهرم ، والمأثم والمغرم ، ومن فتنة القبر ، ~~وعذاب القبر ، ومن فتنة النار ، وعذاب النار ms3500 ومن شر فتنة الغنى ، وأعوذ بك ~~من فتنة الفقر ، وأعوذ بك من فتنة المسيح الدجال ، اللهم اغسل عنى خطاياى ~~بماء الثلج والبرد ، ونق قلبى من الخطايا كما نقيت الثوب الأبيض من الدنس ، ~~وباعد بينى وبين خطاياى كما باعدت بين المشرق والمغرب ) . وترجم له باب ~~الاستعاذة من فتنة الغنى ، وترجم له باب الاستعاذة من فتنة الفقر ، وترجم ~~لحديث أنس باب الاستعاذة من الجبن والكسل وفيه : اللهم إنى أعوذ بك من الهم ~~والحزن والبخل ، وضلع الدين وغلبة الرجال ) . وترجم له باب التعوذ من البخل ~~وفيه سعد عن النبى - صلى الله عليه وسلم - : إنى أعوذ بك من البخل والجبن ، ~~وأعوذ بك من الرد إلى أرذل العمر ) ، وترجم له ولحديث عائشة باب الاستعاذة ~~من أرذل العمر ، وترجم لحديث أنس باب التعوذ من أرذل العمر ، وفيه : ( أعوذ ~~بك من الهرم ) . قال المؤلف : جميع أبواب الاستعاذة التى ترجم بها تدل ~~آثارها على أنه ينبغى سؤال الله والرغبة إليه فى كل ما ينزل بالمرء من ~~حاجاته ، وأن يعين كل ما يدعو فيه ، ففى ذلك إطالة الرغبة إلى الله تعالى ~~والتضرع إليه وذلك طاعة الله تعالى ، وكان النبى - صلى الله عليه وسلم - ~~يتعوذ بالله من كل ذلك ويعينه باسمه ، وإن كان الله قد عصمه PageV10P117 من ~~كل شر ، ليلزم نفسه خوف الله تعالى وإعظامه ، وليسن ذلك لأمته ويعلمهم كيف ~~الاستعاذة من كل شىء ، وقد روى ثابت البنانى عن أنس قال : قال رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - : ( ليسأل أحدكم ربه حاجاته كلها ، حتى يسأله شسع ~~نعله إذا انقطع ) . ليستشعر العبد الافتقار إلى ربه فى كل أمر وإن دق ولا ~~يستحيى من سؤاله ذلك ، فالتعوذ من فتنة المحيا والممات دعاء جامع لمعان ~~كثيرة لا تحصى وكذلك التعوذ من المأثم والمغرم ، روى عن عائشة : ( أن رجلا ~~قال للنبى - صلى الله عليه وسلم - ما أكثر ما تستعيذ من المأثم والمغرم . ~~فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : إن الرجل إذا غرم ، حدث فكذب ، ~~ووعد فأخلف ) . وضلع الدين : هو الذى لا يجد دينه ms3501 من حيث يؤديه ، وهو مأخوذ ~~من قول العرب : حمل مضلع أى : ثقيل ، ودابة مضلع : لا تقوى على الحمل ، عن ~~صاحب العين ، فمن كان هكذا فلا محالة أنه يؤكد ذلك عليه الكذب فى حديثه ، ~~والخلف فى وعده . قال الطبرى : فإن قال قائل : فإذا قد صح تعوذ النبى - صلى ~~الله عليه وسلم - من المغرم ، فما أنت قائل فى ما روى جعفر بن محمد عن أبيه ~~، عن عبد الله بن جعفر قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( إن ~~الله مع الدائن حتى يقضى دينه ، ما لم يكن فيما كره الله عز وجل ) . وكان ~~عبد الله بن جعفر يقول : اذهب فخذ لى بدين ، فإنى أكره أن أبيت ليلة إلا ~~والله معى بعد ما سمعت من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - . قيل : كلا ~~الخبرين صحيح ، وليس فى أحدهما دفع PageV10P118 للآخر فأما قوله - عليه ~~السلام - : ( إن الله مع الدائن حتى يقضى دينه ما لم يكن فيما يكره الله ~~تعالى ) . فهو المستدين الذى ينوى قضاء دينه ، وعنده فى الأغلب ما يقضيه ~~فالله تعالى فى عونه على قضائه ، وأما المغرم الذى استعاذ منه - صلى الله ~~عليه وسلم - ، فإنه الدين الذى استدين على أحد ثلاثة أوجه : إما فيما يكرهه ~~الله ولا يجد سبيلا إلى قضائه فحق الله تعالى أن يؤديه ، ومستدين فيما لا ~~يكرهه ؛ ولكنه لا وجه عنده لقضائه إن طالب به صاحبه ، فهو معرض لهلاك أموال ~~الناس ومتلف لها ، ومستدين له إلى القضاء سبيل ؛ غير أنه نوى ترك القضاء ~~وعزم على جحده ، فهو عاص لربه وظالم لنفسه ، فكل هؤلاء فى القضاء مخلفون ~~وفى حديثهم كاذبون . فكان معلوما بذلك أن الحال التى كره - صلى الله عليه ~~وسلم - الدين فيها غير الحال التى ترخص لنفسه فيها ، وذلك أنه - صلى الله ~~عليه وسلم - مات ودرعه رهن عند يهودى بعشرين صاعا من شعير ، وأما فتنة ~~الغنى فيخشى منها بطر المال وما يئول من عواقب الإسراف فى إنفاقه ، وبذله ~~فيما لا ينبغى ، ومنع حقوق الله فيه ، ففتنة الغنى متشعبة إلى ms3502 ما لا يحصى ~~عده ، وكذلك فتنة الفقر يخشى منها قلة الصبر على الإقلال والتسخط له وتزيين ~~الشيطان للمرء حال الغنى وما يئول من عاقبة ذلك لضعف البشرية ، وكذلك ~~الاستعاذة من العجز والكسل لأنهما يمنعان العبد من أداء حقوق الله وحقوق ~~نفسه وأهله ، وتضييع النظر فى أمر معاده وأمر دنياه ، وقد أمر المؤمن ~~بالاجتهاد فى العمل والإجمال فى الطلب ولا PageV10P119 يكون عالة ولا عيالا ~~على غيره ما متع بصحة جوارحه وعقله ، وكذلك الجبن مهانة فى النفس وذلة ، ~~ولا ينبغى للمؤمن أن يكون ذليلا بالإيمان ولزوم طاعة الله التى تؤدى إلى ~~النعيم المقيم ، فينبغى للمؤمن أن يكثر التعوذ من ذلك والهرم هو أرذل العمر ~~الذى ينتهى بصاحبه إلى الخوف وذهاب العقل ، فيعود العالم جاهلا ويصير إلى ~~حال من لا تمييز له ، ولا يقدر على أداء ما يلزمه من حقوق الله وحاجة نفسه ~~، ومثل هذا خشى عمر رضى الله عنه حين قال : اللهم كبرت سنى ، وضعفت قوتى ، ~~وانتشرت رعيتى فاقبضنى إليك غير مفرط ولا مضيع . وكان سنه حينئذ فيما قال ~~مالك ستين سنة ، وقيل : خمس وخمسين . فخشى ، رضى الله عنه ، مزيد ضعفه ~~فيضيع مما قلده الله شيئا ، ومن متعه الله بصحة لم يزده طول العمر إلا خيرا ~~يستكثر من الحسنات ويستعتب من السيئات ، وكذلك الهم والحزن لا ينبغى للمؤمن ~~أن يكون مهموما بشىء من أمور الدنيا ، فإن الله تعالى قد قدر الأمور ~~فأحكمها وقدر الأرزاق ، فلا يجلب الهم للعبد فى الدنيا خيرا ، ولا يأتيه ~~بما لم يقدر له ، وفى طول الهم قلة رضا بقدر الله وسخطه على ربه . وقد كان ~~عمر بن عبد العزيز يقول : اللهم رضنى بالقضاء ، وحبب إلى القدر حتى لا أحب ~~تقديم ما أخرت ولا تأخير ما قدمت . ومن آمن بالقدر فلا ينبغى له أن يهتم ~~على شىء فاته من الدنيا ولا يتهم ، ربه ففيما قضى له الخيرة ، وإنما ينبغى ~~للعبد الاهتمام بأمر الآخرة ويفكر فى معاده وعرضه على ربه ، وكيف ينجو من ~~سؤاله عن الفتيل والقطمير ولذلك قال - صلى ms3503 الله عليه وسلم - : ( لو تعلمون ~~ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا ) . فهاهنا يحسن الهم والبكاء . ~~PageV10P120 وغلبة الرجال أشد من الموت ؛ لأن المغلوب يصير كالعبد لمن غلبه ~~وقهره ، وكذلك البخل استعاذ منه - عليه السلام - لقوله تعالى : { ومن يوق ~~شح نفسه فأولئك هم المفلحون } [ الحشر : 9 ] ، وقال - عليه السلام - : ( ~~وأى داء أدوى من البخل ) . ومعنى ذلك أن البخيل يمنع حقوق الله ، وحقوق ~~الآدميين ، ويمنع معروفه ورفده ، ويسئ عشرة أهله وأقاربه . قال الطبرى : ~~فإن قال قائل : قد دعا النبى - صلى الله عليه وسلم - بالمفصلات والجوامع ، ~~وكان السلف يستحبون الدعاء إلى الله تعالى بالجوامع كنحو الرغبة فى العفو ~~والعافية ، والمعافاة فى الدنيا والآخرة اكتفاء منهم بعلم الله بموضع ~~حاجتهم ومبلغا . قيل : لكل نوع من ذلك حالة يختار العمل به فيها على الآخر ~~فالجوامع تحتاج فى حال الحاجة إلى الإنجاز والاقتصاد ، والمفصلات بالأسماء ~~والصفات فى حالة الحاجة إلى إدامة الرغبة إلى من بيده مفاتيح خزائن ~~السماوات والأرض استفتاحا بذلك مغاليقها ، وقد دعا - صلى الله عليه وسلم - ~~بكل ذلك فى مواضعه . * * * # | 35 - باب الدعاء برفع الوباء والوجع # / 57 - فيه : عائشة ، قال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( اللهم حبب ~~إلينا المدينة كحبنا مكة أو أشد ، وانقل حماها إلى الجحفة ) . / 58 - وفيه ~~: سعد ، عادنى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فى حجة الوداع من شكوى ~~أشفيت منها على الموت . . . وذكر الحديث . PageV10P121 لم يذكر فى حديث سعد ~~فى هذا الباب دعاء النبى - صلى الله عليه وسلم - له برفع الوجع ، وذكر فى ~~كتاب المرضى ، فى باب دعاء العائد للمريض وقال فيه : ( اللهم اشف سعدا ) . ~~وفى دعائه - صلى الله عليه وسلم - برفع الوباء والوجع رد على من زعم أن ~~الولى لا يكره شيئا مما قضى الله عليه ، ولا يسأله كشفه عنه ، ومن فعل ذلك ~~لم تصح له ولاية الله ، ولا خفاء بسقوط هذا لأنه قال : ( اللهم حبب إلينا ~~المدينة وانقل حماها ) . فدعا بنقل الحمى عن المدينة ، ومن فيها ، وهو - ~~صلى الله عليه وسلم - داخل فى تلك الدعوة ، ولا توكل أحد يبلغ ms3504 توكله ، فلا ~~معنى لقولهم ، وقد استقصيت هذا فى كتاب الحج . * * * # | 36 - باب الدعاء عند الاستخارة # / 59 - فيه : جابر ، كان النبى - صلى الله عليه وسلم - يعلمنا الاستخارة ~~فى الأمور كلها كما يعلمنا السورة من القرآن ، إذا هم بالأمر فليركع ركعتين ~~، ثم يقول : ( اللهم إنى أستخيرك بعلمك ، وأستقدرك بقدرتك ، وأسألك من فضلك ~~العظيم ، فإنك تقدر ولا أقدر ، وتعلم ولا أعلم ، وأنت علام الغيوب ، اللهم ~~إن كنت تعلم أن هذا الأمر خير لى فى دينى ومعاشى وعاقبة أمرى ، أو قال : فى ~~عاجل أمرى وآجله ، فاقدره لى ، وإن كنت تعلم أن هذا الأمر شر لى فى دينى ~~ومعاشى وعاقبة أمرى ، أو قال : عاجل أمرى وآجله ، فاصرفه عنى واصرفنى عنه ، ~~واقدر لى الخير ورضنى به ، ويسمى حاجته ) . PageV10P122 فقه هذا الحديث أنه ~~يجب على المؤمن رد الأمور كلها إلى الله ، وصرف أزمتها والتبرؤ من الحول ~~والقوة إليه ، وينبغى له أن لا يروم شيئا من دقيق الأمور وجليلها ، حتى ~~يستخير الله فيه ويسأله أن يحمله فيه على الخير ويصرف عنه الشر ؛ إذعانا ~~بالافتقار إليه فى كل أمر والتزاما لذلة العبودية له ، وتبركا باتباع سنة ~~نبيه - صلى الله عليه وسلم - فى الاستخارة ، ولذلك كان النبى - صلى الله ~~عليه وسلم - يعلمهم هذا الدعاء كما يعلمهم السورة من القرآن لشدة حاجتهم ~~إلى الاستخارة فى الحالات كلها كشدة حاجتهم إلى القراءة فى كل الصلوات ، ~~وفى هذا الحديث حجة على القدرية الذين يزعمون أن الله تعالى لا يخلق الشر ، ~~تعالى الله عما يفترون ، وقد أبان النبى - صلى الله عليه وسلم - فى هذا ~~الحديث أن الله تعالى هو المالك للشر والخالق له ؛ إذ هو المدعو لصرفه عن ~~العبد ، ومحال أن يسأله العبد أن يصرف عنه ما يملكه العبد من نفسه ، وما ~~يقدر على اختراعه دون تقدير الله عليه ، وسيأتى فى كتاب القدر . * * * # | 37 - باب الوضوء عند الدعاء # / 60 - فيه : أبو موسى ، قال : ( دعا النبى - صلى الله عليه وسلم - بماء ~~فتوضأ به ، ثم رفع يديه ، فقال : ( اللهم اغفر لعبيد أبى عامر ) ، ورأيت ~~بياض إبطيه ms3505 ، فقال : ( اللهم اجعله يوم القيامة فوق كثير من خلقك من الناس ~~) . قال المؤلف : فيه استعمال الوضوء عند الدعاء ، وعند ذكر الله ، وذلك من ~~كمال أحوال الداعى والذاكر ، ومما يرجى له به الإجابة لتعظيمه لله تعالى ~~وتنزيهه له حين لم يذكره إلا على طهارة ، PageV10P123 ولهذا المعنى تيمم ~~النبي - عليه السلام - بالجدار عند بئر جمل حين سلم عليه الرجل ، وكذلك رد ~~السلام - عليه السلام - على حال تيمم ، ولم يكن له سبيل إلى الوضوء بالماء ~~، وعلى هذا مضى - عليه السلام - ومضى سلف الأمة ، كانوا لا يفارقون حال ~~الطهارة ما قدروا لكثرة ذكرهم لله تعالى وكثرة تنفلهم ، وقد روى عن ابن ~~عباس أن النبى - صلى الله عليه وسلم - كان يبول ويتيمم ، فأقول : ( إن ~~الماء قريب ، فيقول : لعلى لا أبلغه ) . وفيه حجة لمن استحب رفع اليدين فى ~~الدعاء . * * * # | 38 - باب الدعاء إذا علا عقبة # وقد تقدم فى كتاب الجهاد . * * * # | 39 - باب الدعاء إذا أراد سفرا أو رجع منه # وقد تقدم أيضا فى الجهاد . * * * # | 40 - باب الدعاء للمتزوج # وقد تقدم فى النكاح . * * * # | 41 - باب ما يقول إذا أتى أهله ؟ # وقد تقدم فى كتاب الوضوء * * * # | 42 - باب قول النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( ربنا آتنا فى الدنيا ~~حسنة ) # / 61 - فيه : أنس بن مالك ، كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أكثر ~~ما يدعو : ( اللهم ربنا آتنا فى الدنيا حسنة ، وفى الآخرة حسنة ، وقنا عذاب ~~النار ) . PageV10P124 اختلف المفسرون فى تأويل هذه الآية ، فقال الحسن : ~~الحسنة فى الدنيا العلم والعبادة ، وفى الآخرة الجنة . وقال قتادة : فى ~~الدنيا عافية ، وفى الآخرة عافية . وقيل : الحسنة فى الدنيا المال ، وفى ~~الآخرة الجنة ، عن السدى . * * * # | 43 - باب تكرير الدعاء # / 62 - فيه : عائشة ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - طب حتى إنه ~~ليخيل إليه أنه قد صنع الشىء ، وما صنعه ، فدعا ربه ، ودعا . . . وذكر ~~الحديث . تكرير الدعاء عند حال الحاجة إلى إدامة الرغبة لله تعالى فى ~~المهمات والشدائد النازلة بالعبد ، وفى تكرير العبد الدعاء إظهار لموضع ~~الفقر والحاجة إلى الله والتذلل له والخضوع ms3506 ، وقد قال - صلى الله عليه وسلم ~~- : ( إن الله يحب الملحين فى الدعاء ) ، وإن ( الدعاء هو العبادة ) ، و ( ~~من لم يدع غضب الله عليه ) . وقد تقدم فى أول كتاب الدعاء ، من حديث ابن ~~عيينة : ( أن النبى - صلى الله عليه وسلم - أوصى رجلا ، فقال : عليك ~~بالدعاء ، فإنك لا تدرى متى يستجاب لك ) . * * * # | 44 - باب الدعاء على المشركين # وقال ابن مسعود : قال النبي - عليه السلام - : ( اللهم أعنى عليهم بسبع ~~كسبع يوسف ) ، وقال : ( اللهم عليك بأبي جهل ) . PageV10P125 وقال ابن عمر ~~: دعا النبي - عليه السلام - في الصلاة : ( اللهم العن فلانا وفلانا ) ، ~~حتى أنزل الله : { ليس لك من الأمر شىء } [ آل عمران : 128 ] . / 63 - فيه ~~: ابن أبى أوفى ، دعا النبى - صلى الله عليه وسلم - على الأحزاب ، فقال : ( ~~اللهم منزل الكتاب سريع الحساب ، اهزم الأحزاب ، اهزمهم وزلزلهم ) . / 64 - ~~وفيه : أبو هريرة ، كان النبى - صلى الله عليه وسلم - إذا قال : ( سمع الله ~~لمن حمده فى الركعة الآخرة من صلاة العشاء قنت : اللهم اشدد وطأتك على مضر ~~، اللهم اجعلها عليهم سنين كسنى يوسف ) . / 65 - وفيه : أنس ، بعث النبى - ~~صلى الله عليه وسلم - سرية يقال لهم : القراء ، فأصيبوا ، فما رأيت النبى - ~~صلى الله عليه وسلم - وجد على شىء ما وجد عليهم ، فقنت شهرا فى صلاة الفجر ~~، ويقول : ( إن عصية عصوا الله ورسوله ) . / 66 - وفيه : عائشة ، كانت ~~اليهود يسلمون على النبى - صلى الله عليه وسلم - يقولون : السام عليك ، ~~فغضبت عائشة ، رضى الله عنها ، فقالت : عليكم السام واللعنة ، فقال النبى - ~~صلى الله عليه وسلم - : ( مهلا يا عائشة ، إن الله يحب الرفق فى الأمر كله ~~) ، فقالت : يا نبى الله ، أولم تسمع ما يقولون ؟ قال : ( أولم تسمعى أنى ~~أرد ذلك عليهم فأقول : وعليكم ) . / 67 - وفيه : على ، قال النبى - صلى ~~الله عليه وسلم - يوم الخندق : ( ملأ الله قبورهم وبيوتهم نارا ، كما ~~شغلونا عن صلاة الوسطى ) . قال المؤلف : قد تقدم هذا فى كتاب الجهاد ~~والاستسقاء ، ونذكر هاهنا طرفا من معناه ، إنما كان - صلى الله عليه وسلم - ~~يدعو على المشركين على حسب ذنوبهم وإجرامهم ، فكان يبالغ فى ms3507 الدعاء على من ~~اشتد أذاه للمسلمين ، ألا ترى PageV10P126 أنه لما يئس من قومه قال : ( ~~اللهم أشدد وطأتك على مضر واجعلها كسنى يوسف ) . وقال مرة : ( اللهم أعنى ~~عليهم بسبع كسبع يوسف ) . ودعا على أبى جهل بالهلاك ودعا على الأحزاب ~~بالهزيمة والزلزلة ، فأجاب الله دعاءه فيهم ، ودعا على الذين قتلوا القراء ~~شهرا فى القنوت ، ودعا على أهل الأحزاب أن يحرقهم الله فى بيوتهم وقبورهم ، ~~فبالغ فى الدعاء عليهم لشدة إجرامهم ، ونهى عائشة عن الرد على اليهود ~~باللعنة وأمرها بالرفق فى المقارضة لهم ، والرد عليهم مثل قولهم ولم يبح ~~لها الزيادة والتصريح ، فيمكن أن يكون كان ذلك منه - صلى الله عليه وسلم - ~~على وجه التألف لهم والطمع فى إسلامهم والله أعلم . وأما قوله فى حديث ابن ~~عمر حين لعن النبى - صلى الله عليه وسلم - المنافقين فى الصلاة فأنزل الله ~~عز وجل : { ليس لك من الأمر شىء } [ آل عمران : 128 ] فذهب بعض أهل التأويل ~~أن هذه الآية ناسخة للعن النبى - صلى الله عليه وسلم - المنافقين فى الصلاة ~~والدعاء عليهم ، وأنه عوض من ذلك القنوت فى الصبح ، رواه ابن وهب وغيره . ~~وأكثر العلماء على أن الآية ليست ناسخة ولا منسوخة ، وأن الدعاء على ~~المشركين بالهلاك وغيره جائز لدعاء النبى - صلى الله عليه وسلم - عليهم فى ~~هذه الآثار المتواترة الثابتة . * * * # | 45 - باب الدعاء للمشركين # / 68 - فيه : أبو هريرة ، أن طفيل بن عمرو قدم على النبي - عليه السلام - ~~فقال : PageV10P127 يا رسول الله ، إن دوسا قد عصت وأبت ، فادع الله عليها ~~، فظن الناس أنه يدعو عليهم ، فقال : ( اللهم اهد دوسا ، وأت بهم ) . قد ~~تقدم هذا الباب فى كتاب الجهاد ، ونبه البخارى على معناه فى الترجمة فقال : ~~باب الدعاء للمشركين بالهدى ليتألفهم ، ومر هناك . * * * # | 46 - باب قول النبي - عليه السلام - : ( اللهم اغفر لي ما قدمت وما ~~أخرت ) # / 69 - فيه : أبو موسى ، أن النبى - صلى الله عليه وسلم - كان يدعو بهذا ~~الدعاء : ( رب اغفر لى خطيئتى وجهلى وإسرافى فى أمرى كله ، وما أنت أعلم به ~~منى ، اللهم اغفر لى خطاياى ms3508 وعمدى وجهلى وهزلى ، وكل ذلك عندى ، اللهم اغفر ~~لى ما قدمت ، وما أخرت ، وما أسررت ، وما أعلنت ، أنت المقدم وأنت المؤخر ، ~~وأنت على كل شىء قدير ) . قال الطبرى : إن قال قائل : ما وجه دعاء النبى - ~~صلى الله عليه وسلم - الله أن يغفر له خطيئته وجهله وما تقدم من ذنبه ، وقد ~~أعلمه الله تعالى أنه قد غفر له ذلك كله ، فما وجه سؤاله ربه مغفرة ذنوبه ، ~~وهى مغفورة ، وهل يجوز إن كان كذلك أن يسأل العبد ربه أن يجعله من بنى آدم ~~، وهو منهم ، وأن يجعل له يدين ورجلين وقد جعلهما له ؟ فالجواب : أنه - صلى ~~الله عليه وسلم - كان يسأل ربه فى صلاته حين اقترب أجله ، وبعد أن أنزل ~~عليه : { إذا جاء نصر الله والفتح } [ النصر : 1 ] ناعيا إليه نفسه فقال له ~~: { فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا } [ النصر : 3 ] . وكان - عليه ~~السلام - يقول : PageV10P128 ( إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم سبعين ~~مرة ) . فكان هذا من فعله فى آخر عمره وبعد فتح مكة ، وقد قال الله تعالى ~~له : { ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر } [ الفتح : 2 ] ، ~~باستغفارك منه ، فلم يسأل النبى - صلى الله عليه وسلم - أن يغفر له ذنبا قد ~~غفر له ، وإنما غفر له ذنبا وعده مغفرته له باستغفاره ، ولذلك قال : { فسبح ~~بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا } [ النصر : 3 ] . قال غير الطبرى : وقد ~~اختلف العلماء فى الذنوب هل تجوز على الأنبياء ؟ فذهب أكثر العلماء إلى أنه ~~لا تجوز عليهم الكبائر لعصمتهم ، وتجوز عليهم الصغائر . وذهبت المعتزلة إلى ~~أنه لا تجوز عليهم الصغائر كما لا تجوز عليهم الكبائر ، وتأولوا قوله تعالى ~~: { ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر } [ الفتح : 2 ] ، فقالوا : ~~إنما غفر له تعالى ما يقع منه من سهو وغفلة ، واجتهاد فى فعل خير لا يوافق ~~به حقيقة ما عند ربه ، فهذا هو الذى غفر له ، وسماه : ذنبا ؛ لأن صفته صفة ~~الذنب المنهى عنه ، إلا أن ذلك تعمد ، وهذا بغير قصد . هذا تأويل ms3509 بعيد من ~~الصواب ، وذلك أنه لو كان السهو والغفلة ذنوبا للأنبياء يجب عليهم ~~الاستغفار منها ؛ لكانوا أسوأ حالا من سائر الناس غيرهم ؛ لأنه قد وردت ~~السنة المجمع عليها أنه لا يؤاخذ العباد بالخطأ والنسيان فلا يحتاجون إلى ~~الاستغفار من ذلك ، وما لم يوجب عليهم الاستغفار فلا يسمى عند العرب ذنبا . ~~فالنبى - صلى الله عليه وسلم - المخبر لنا بذلك عن ربه أولى بأن يدخل مع ~~أمته فى معنى ذلك ، ولا يلزمه حكم السهو والخطأ ، وإنما يقع استغفاره - صلى ~~الله عليه وسلم - كفارة PageV10P129 للصغائر الجائزة عليه ، وهى التى سأل ~~الله غفرانها له بقوله : ( اغفر لى ما قدمت وما أخرت ) . وسأذكر هذه ~~المسالة فى حديث الشفاعة فى باب قوله تعالى : { لما خلقت بيدى } [ ص : 75 ] ~~فى كتاب الاعتصام إن شاء الله تعالى ؛ لأن الحديث يقتضى ذلك . وفيها قول ~~آخر يحتمل والله أعلم ، أن يكون دعاؤه - صلى الله عليه وسلم - ليغفر الله ~~له ذنبه على وجه ملازمة الخضوع لله تعالى ، واستصحاب حال العبودية ~~والاعتراف بالتقصير شكرا لما أولاه ربه تعالى مما لا سبيل له إلى مكافأة ~~بعمل ، فكما كان يصلى - صلى الله عليه وسلم - حتى ترم قدماه ، فيقال له : ~~قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر فيقول : ( أفلا أكون عبدا شكورا ) ~~. فكان اجتهاده فى الدعاء ، والاعتراف بالذلل والتقصير ، والأعواز ~~والافتقار إلى الله تعالى شكرا لربه ، كما كان اجتهاده في الصلاة حتى ترم ~~قدماه شكرا لربه ، إذ الدعاء لله تعالى من أعظم العبادة له ، وليسن ذلك ~~لأمته - صلى الله عليه وسلم - فيستشعروا الخوف والحذر ولا يركنوا إلى الأمن ~~، وإن كثرت أعمالهم وعبادتهم لله تعالى ، وقد رأيت المحاسبى أشار إلى هذا ~~المعنى ، فقال : خوف الملائكة والأنبياء لله تعالى هو خوف إعظام لأنهم ~~آمنون فى أنفسهم بأمان الله لهم ، فخوفهم تعبد لله إجلالا وإعظاما . * * * # | 47 - باب الدعاء فى الساعة التى فى يوم الجمعة # قد تقدم فى كتاب الصلاة . * * * PageV10P130 # | 48 - باب قول النبي - عليه السلام - : ( يستجاب لنا فى اليهود ، ولا ~~يستجاب لهم فينا ) # / 70 - فيه ms3510 : عائشة ، أن اليهود أتوا النبي - عليه السلام - فقالوا : ~~السام عليك ، قال : ( وعليكم ) ، فقالت عائشة : السام عليكم ، ولعنكم الله ~~، وغضب عليكم ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( مهلا يا عائشة ، ~~عليك بالرفق ، وإياك والعنف ، أو الفحش ) ، قالت : أولم تسمع ما قالوا ؟ ~~قال : ( أولم تسمعى ما قلت ، رددت عليهم ، فيستجاب لى فيهم ، ولا يستجاب ~~لهم فى ) . قال المؤلف : معنى هذا الحديث ، والله أعلم ، أنه - صلى الله ~~عليه وسلم - إنما يستجاب له فى اليهود ؛ لأنهم على غير طريق الحق وضالين عن ~~الهدى ، ومعاندين فى التمادى على كفرهم بعدما تبين لهم الحق بالآيات ~~الباهرات ، فلذلك يستجاب له فيهم ، ولهذا المعنى لم يستجب لهم فى النبى - ~~صلى الله عليه وسلم - لأنهم ظالمون فى دعائهم عليه ، قال تعالى : { وما ~~دعاء الكافرين إلا فى ضلال } [ الرعد : 14 ] ، وهذا أصل فى دعاء الظالم أنه ~~لا يستجاب فيمن دعا عليه ، وإنما يرتفع إلى الله تعالى من الدعاء ما وافق ~~الحق وسبيل الصدق . * * * # | 49 - باب فضل التهليل # / 71 - فيه : أبو هريرة ، أن النبى - صلى الله عليه وسلم - قال : ( من ~~قال : لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، له الملك وله الحمد ، وهو على كل ~~شىء قدير فى يوم مائة مرة ، كانت له عدل عشر رقاب ، وكتب له مائة حسنة ، ~~ومحيت عنه مائة سيئة ، وكانت له حرزا من الشيطان يومه ذلك حتى يمسى ، ولم ~~يأت أحد بأفضل مما جاء إلا رجل عمل أكثر منه ) . PageV10P131 قال المؤلف : ~~روى جابر بن عبد الله عن النبي - عليه السلام - أنه قال : ( أفضل الذكر ~~التهليل لا إله إلا الله ، وأفضل الدعاء الحمد لله ) وقال - عليه السلام - ~~: ( أفضل ما قلت أنا والنبيون من قبلى : لا إله إلا الله ) . وقد قيل : إنه ~~اسم الله الأعظم ، وذكر الطبرى من حديث سعيد بن أبى عروبة ، عن عبد الله بن ~~باباه المكى ، عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال : ( إن الرجل إذا قال : لا ~~إله إلا الله فهى كلمة الإخلاص التى لا يقبل الله عملا حتى يقولها ، فإذا ms3511 ~~قال : الحمد لله ، فهى كلمة الشكر التى لم يشكر الله أحد حتى يقولها ) . ~~وروى عن الأعمش ، عن مجاهد ، عن ابن عباس قال : ( من قال لا إله إلا الله ، ~~فليقل على إثرها : الحمد لله رب العالمين ) . وقد روى سعيد بن جبير ، عن ~~ابن عباس قال : قال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( أول من يدخل الجنة ~~الحمادون ، الذين يحمدون الله فى السراء والضراء ) وقال - صلى الله عليه ~~وسلم - : ( من قال : أشهدك أن ما أصبح بى من نعمة فمنك وحدك ، لا شريك لك ، ~~لك الحمد والشكر ، فقد أدى شكر ذلك اليوم ) وكان - صلى الله عليه وسلم - ~~إذا أتاه أمر يكرهه قال : ( الحمد لله على كل حال ، وإذا رأى أمرا يسره قال ~~: الحمد لله الذى بنعمته تتم الصالحات ) . * * * # | 50 - باب فضل التسبيح # / 72 - فيه : أبو هريرة ، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( من ~~قال سبحان الله وبحمده فى يوم مائة مرة ، حطت خطاياه ، وإن كانت مثل زبد ~~البحر ) . / 73 - وفيه : أبو هريرة ، قال النبي - عليه السلام - : ( كلمتان ~~خفيفتان على اللسان ، PageV10P132 ثقيلتان فى الميزان ، حبيبتان إلى الرحمن ~~: سبحان الله وبحمده ، سبحان الله العظيم ) . معنى قولهم فى لغة العرب ~~سبحان الله تنزيه الله من الأولاد والصاحبة والشركاء . وقال وهب بن منبه : ~~ما من عبد يقول سبحان الله وبحمده ، إلا قال الله تعالى : ( صدق عبدى ~~سبحانى وبحمدى ، فإن سأل أعطى ما سأل ، وإن سكت غفر له ما لا يحصى ) . وروى ~~عن النبي - عليه السلام - أنه قال : ( صلاة الملائكة التسبيح ، فأهل السماء ~~الدنيا سجود إلى يوم القيامة يقولون : سبحان ذى الملك والملكوت ، وأهل ~~السماء الثانية قيام إلى يوم القيامة يقولون : سبحان ذي العزة والجبروت ، ~~وأهل السماء الثالثة قيام إلى يوم القيامة يقولون : سبحان الحى الذى لا ~~يموت ) . وروى الليث ، عن ابن عجلان قال : جئت إلى القعقاع بن حكيم فى ~~السحر أسأله فلم يجبنى ، فلما فرغ قال : هذه الساعة يوكل الله الملائكة ~~بالناس يقولون سبحان الملك القدوس . وروى عن ابن عباس قى قوله تعالى : { ~~والباقيات الصالحات } [ الكهف : 46 ms3512 ] سبحان الله ، والحمد لله ، ولا إله ~~إلا الله ، والله أكبر ، وهو قول سعيد بن المسيب ومجاهد . فإن قيل : هل ~~ينوب شىء عن تكرار التسبيح والتحميد ؟ قيل : قد روى عن صفية قالت : ( مر بى ~~النبى - صلى الله عليه وسلم - وأنا أسبح بأربعة آلاف PageV10P133 نواة ، ~~فقال : لقد قلت كلمة هى أفضل من تسبيحك . قلت : وما قلت ؟ قال : قلت : ~~سبحان الله عدد ما خلق ) . وعن كريب عن ابن عباس : ( أن النبى - صلى الله ~~عليه وسلم - مر على جويرية فى مصلاها باكرا تسبح وتذكر الله ، فمضى لحاجته ~~، فرجع إليها بعد ما ارتفع النهار ، فقال لها : ما زلت فى مكانك هذا ؟ قالت ~~: نعم . فقال النبى - صلى الله عليه وسلم - : لقد تكلمت بكلمات لو وزنت بما ~~قلت لرجحت ، سبحان الله عدد ما خلق ، سبحان الله رضا نفسه ، سبحان الله زنة ~~عرشه ، سبحان الله مداد كلماته ، والحمد لله مثل ذلك ) . وقال بعض الناس : ~~هذه الفضائل التى جاءت عن النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( من قال سبحان ~~الله وبحمده مائة مرة غفر له . . . ) وما شاكلها إنما هى لأهل الشرف فى ~~الدين والكمال والطهارة من الجرائم العظام ، ولا يظن أن من فعل هذا وأصر ~~على ما شاء من شهواته وانتهك دين الله وحرماته أنه يلحق بالسابقين المطهرين ~~، وينال منزلتهم فى ذلك بحكاية أحرف ليس معها تقى ولا إخلاص ، ولا عمل ، ما ~~أظلمه لنفسه من يتأول دين الله على هواه . * * * # | 51 - باب فضل ذكر الله # / 74 - فيه : أبو موسى ، قال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( مثل الذى ~~يذكر ربه ، والذى لا يذكر ربه ، مثل الحى والميت ) . / 75 - وفيه : أبو ~~هريرة ، قال النبي - عليه السلام - : ( إن لله تعالى ملائكة يطوفون فى ~~الطرق ، يلتمسون أهل الذكر ، فإذا وجدوا قوما يذكرون الله ، تنادوا هلموا ~~إلى PageV10P134 حاجتكم ، قال : فيحفونهم بأجنحتهم إلى السماء الدنيا ، قال ~~: فيسألهم ربهم ، وهو أعلم منهم : ما يقول عبادى ؟ قالوا : يقولون : ~~يسبحونك ويكبرونك ويحمدونك ويمجدونك ، قال : فيقول : هل رأوني ؟ قال : ~~فيقولون : لا ، والله ما رأوك ، قال : فيقول : وكيف لو رأوني ؟ قال ms3513 : ~~يقولون : لو رأوك كانوا أشد لك عبادة ، وأشد لك تمجيدا وتحميدا ، وأكثر لك ~~تسبيحا ، قال : يقول فما يسألوني ؟ قال : يسألونك الجنة ، قال : يقول : وهل ~~رأوها ؟ قال : يقولون : لا ، والله يا رب ما رأوها ، قال : يقول : فكيف لو ~~أنهم رأوها ؟ قال : يقولون : لو أنهم رأوها كانوا أشد عليها حرصا ، وأشد ~~لها طلبا ، وأعظم فيها رغبة ، قال : فمم يتعوذون ؟ قال : يقولون : من النار ~~: قال : يقول : وهل رأوها ؟ قال : يقولون : لا ، والله يا رب ما رأوها ، ~~قال : يقول : فكيف لو رأوها ؟ قال : يقولون : لو رأوها كانوا أشد منها ~~فرارا ، وأشد لها مخافة ، قال : فيقول : فأشهدكم أنى قد غفرت لهم قال : ~~يقول ملك من الملائكة فيهم : فلان ليس منهم ، إنما جاء لحاجة ، قال : هم ~~الجلساء لا يشقى بهم جليسهم ) . قال المؤلف : هذا حديث شريف فى فضل ذكر ~~الله ، عز وجل ، وتسبيحه وتهليله ، وقد وردت فى ذلك أخبار كثيرة منها ما ~~روى زيد بن أسلم : سمعت عبد الله بن عمر قال : قلت لأبى ذر : يا عم ، أوصنى ~~. قال : سألت رسول الله كما سألتنى ، فقال : ( ما من يوم وليلة إلا ولله ~~فيه صدقة يمن بها على من يشاء من عباده ، وما من الله على عباده بمثل أن ~~يلهمهم ذكره ) . وروى شعبة وسفيان عن أبى إسحاق عن أبى مسلم الأغر أنه شهد ~~على أبى هريرة وأبى سعيد ، أنهما شهدا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- أنه قال : PageV10P135 ( ما من قوم يذكرون الله إلا حفت بهم الملائكة ، ~~وغشيتهم الرحمة ، ونزلت عليهم السكينة ، وذكرهم الله فيمن عنده ) . وقال ~~معاذ : ليس شىء أنجى من عذاب الله من ذكر الله . وقال ابن عباس ، يرفع ~~الحديث : ( من عجز منكم عن الليل أن يكابده ، وبخل بالمال أن ينفقه ، وجبن ~~عن العدو أن يجاهده ، فليكثر من ذكر الله ) . وروى أبو سلمة عن أبى هريرة ~~قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( سيروا ، سبق المستهترون . ~~قيل : ومن هم يا رسول الله ؟ قال : الذين أهتروا واستهتروا بذكر الله ، يضع ~~الذكر عنهم أثقالهم ، ويأتون يوم ms3514 القيامة خفافا ) . وروى أبو هريرة عن ~~النبى - صلى الله عليه وسلم - قال : ( ما جلس قوم مجلسا لم يذكروا الله فيه ~~، ولم يصلوا على نبيهم إلا كان عليهم ترة ) . وعن جابر قال : قال رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - : ( ارتعوا فى رياض الجنة . قالوا : يا رسول الله ، ~~وما رياض الجنة ؟ قال : مجالس الذكر ، واغدوا وروحوا فى ذكر الله ، واذكروه ~~فى أنفسكم ، من أحب أن يعلم منزلته عند الله فلينظر كيف منزلة الله عنده ، ~~فإن الله ينزل العبد من نفسه حيث أنزله من نفسه ) . وروى الأعمش عن سالم بن ~~أبى الجعد قال : قيل لأبى الدرداء : إن رجلا أعتق مائة نسمة قال : إن ذلك ~~من مال رجل لكثير ، وأفضل من ذلك إيمان ملزوم بالليل والنهار ، ولا يزال ~~لسان أحدكم رطبا من ذكر الله . PageV10P136 وعن ابن عباس قال : ( سأل موسى ~~صلوات الله عليه ربه تعالى فقال : رب ، أى عبادك أحب إليك ؟ قال : الذى ~~يذكرنى ولا ينسانى ) . ثم قال ابن عباس : ما جلس قوم فى بيت من بيوت الله ، ~~يذكرون الله ، إلا كانوا أضيافا لله عز وجل ما داموا فيه حتى يتصدعوا عنه ، ~~وأظلتهم الملائكة بأجنحتها ما داموا فيه . ذكر هذه الآثار كلها الطبرى فى ~~آداب النفوس ، قال المؤلف : وفقه هذا الباب أن معنى أمر الله تعالى العبد ~~بذكره وترغيبه فيه ؛ ليكون ذلك سببا لمغفرته تعالى له ورحمته إياه ، لقوله ~~تعالى : { فاذكرونى أذكركم } [ البقرة : 152 ] وذكر الله للعبد رحمه له ، ~~قال ثابت البنانى : قال أبو عثمان النهدى : إنى لأعلم الساعة التى يذكرنا ~~الله تعالى فيها . قيل : ومن أين تعلمتها ؟ قال : يقول الله : { فاذكرونى ~~أذكركم } [ البقرة : 152 ] . وقال السدى : ليس من عبد يذكر الله إلا ذكره ~~الله ، لا يذكره مؤمن إلا ذكره الله برحمته ، ولا يذكره كافر إلا ذكره الله ~~بعذاب . وروى معناه عن ابن عباس وقيل : المعنى : اذكروا نعمتى عليكم شكرا ~~لها ، أذكركم برحمتى والزيادة من النعم . وروى عن عمر بن الخطاب : إن الذكر ~~ذكران : أحدهما : ذكر الله عند أوامره ونواهيه ، والثانى : ذكر الله ~~باللسان ms3515 ، وكلاهما فيه الأجر ، إلا أن ذكر الله تعالى عند أوامره ونواهيه ~~إذا فعل الذاكر ما أمر به ، وانتهى عما نهى عنه ؛ أفضل من ذكره باللسان مع ~~مخالفة أمره ونهيه ، والفضل كله والشرف والأجر فى اجتماعهما من الإنسان ، ~~وهو ألا ينسى ذكر الله عند أمره ونهيه فينتهى ، ولا ينساه من ذكره بلسانه ، ~~وسأذكر فى كتاب الرقاق فى باب من هم بحسنة أو سيئة ، PageV10P137 هل يكتب ~~الحفظة الذكر بالقلب ؟ وما للسلف فى ذلك إن شاء الله تعالى . وذكر البخارى ~~فى كتاب الاعتصام فى باب قوله تعالى : { ويحذركم الله نفسه } [ آل عمران : ~~28 ] حديث أبى هريرة عن النبى - صلى الله عليه وسلم - قال : ( إذا ذكرنى ~~عبدى فى نفسه ذكرته فى نفسى ، وإذا ذكرنى فى ملأ ذكرته فى ملأ خير منهم . . ~~. ) الحديث . قال الطبرى : ومن جسيم ما يرجى به للعبد الوصول إلى رضا ربه ~~ذكره إياه بقلبه ، فإن ذلك من شريف أعماله عنده ؛ لحديث أبى هريرة . فإن ~~قيل : فهل من أحوال العبد حال يجب عليه فيها ذكر الله فرضا بقلبه ؟ قيل : ~~نعم هى أحوال أداء فرائضه ، من صلاة ، وصيام ، وزكاة ، وحج ، وسائر الفرائض ~~، فإن على كل من لزمه عمل شىء من ذلك أن يكون عند دخوله فى كل ما كان من ~~ذلك له تطاول بابتداء بأول وانقضاء بآخر أن يتوجه إلى الله تعالى بعمله ، ~~ويذكره فى حال ابتدائه فيه ، وما لم يكن له تطاول منه ، فعليه توجهه إلى ~~الله بقلبه فى حال عمله وذكره ، ما كان مشتغلا به ، وما كان نفلا وتطوعا ~~فإنه وإن لم يكن فرضا عليه فلا ينتفع به عامله إن لم يرد به وجه الله ، ولا ~~ذكره عند ابتدائه فيه . * * * # | 52 - باب قول الرجل : لا حول ولا قوة إلا بالله # / 76 - فيه : أبو موسى ، أخذ النبى - صلى الله عليه وسلم - فى عقبة ، أو ~~قال : فى ثنية ، قال : فلما علا عليها رجل نادى ، فرفع صوته : لا إله إلا ~~الله ، والله أكبر ، قال : والنبى - صلى الله عليه وسلم - على بغلته ، فقال ~~: ( فإنكم لا ms3516 تدعون أصم ولا غائبا ، ثم قال يا أبا موسى ، أو يا عبدالله ، ~~ألا أدلك على كلمة من كنز الجنة ؟ قلت : يلى قال : لا حول ولا قوة إلا ~~بالله ) . PageV10P138 قال الطبري : إن قال قائل : أى أنواع الذكر أفضل ؛ ~~فإن ذلك أنواع كثيرة ، منها التسبيح والتحميد والتهليل والتكبير ؟ قيل : ~~أعلى ذلك وأشرفه الكلمة التى لا يصح لأحد عمل إلا بها ، ولا إيمان إلا ~~بالإقرار بها ، وذلك التهليل ، وهو لا إله إلا الله ، على ما تقدم فى حديث ~~جابر فى باب فضل التهليل ، روى أبو هريرة عن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - : ( الإيمان بضع وستون خصلة ، أكبرها شهادة أن لا إله إلا الله ~~وأصغرها إماطة الأذى عن الطريق ) . وقال - صلى الله عليه وسلم - : ( أفضل ~~ما قلت أنا والنبيون من قبلى : لا إله إلا الله ) . فإن قيل : ما معنى قول ~~النبى - صلى الله عليه وسلم - للذى رفع صوته بلا إله إلا الله ، ألا أدلك ~~على كنز الجنة فقال : لا حول ولا قوة إلا بالله ، ولا إله إلا الله تغنى عن ~~غيرها ، وهى المنجية من النار ؟ فالجواب : أن النبى - صلى الله عليه وسلم - ~~كان معلما لأمته ، وكان لا يراهم على حالة من الخير ، إلا أحب لهم الزيادة ~~عليها فأحب للذى رفع صوته بكلمة الإخلاص والتوحيد أن يردفها بالتبرؤ من ~~الحول والقوة لله تعالى وإلقاء القدرة إليه ، فيكون قد جمع مع التوحيد ~~الإيمان بالقدر . وقد جاء نحو هذا المعنى فى حديث عبد الله بن باباه المكى ~~، عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال : إن الرجل إذا قال : لا إله إلا الله ~~، فهى كلمة الإخلاص التى لا يقبل الله من أحد عملا حتى يقولها ، فإذا قال : ~~الحمد لله ، فهى كلمة الشكر التى لم يشكر الله أحد حتى يقولها ، فإذا قال : ~~الله أكبر فهى كلمة تملأ ما بين السماء والأرض ، فإذا قال : سبحان الله فهى ~~صلاة الخلائق التي لم يدع الله PageV10P139 أحدا حتى قرره بالصلاة والتسبيح ~~، وإذا قال : لا حول ولا قوة إلا بالله . قال : استسلم ms3517 عبدى . وروى عن سالم ~~بن عبد الله ، عن أبى أيوب الأنصارى : ( أن النبى - صلى الله عليه وسلم - ~~ليلة أسرى به مر على إبراهيم خليل الله ، فقال له : مر أمتك فليكثروا من ~~غراس الجنة ، فإن تربتها طيبة وأرضها واسعة . قال له النبى - صلى الله عليه ~~وسلم - : وما غراس الجنة ؟ قال : لا حول ولا قوة إلا بالله ) . ومن حديث ~~جابر عن النبى - صلى الله عليه وسلم - قال : ( أكثروا من قول : لا حول ولا ~~قوة إلا بالله فإنها تدفع تسعا وتسعين داء أدناها الهم ) . وقال مكحول : من ~~قالها كشف عنه سبعون بابا من الضر ، أدناها الفقر . ومعنى لا حول ولا قوة ~~إلا بالله : لا حول عن معاصى الله إلا بعصمة الله ، ولا قوة على طاعة الله ~~إلا بالله ، قال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( كذلك أخبرنى جبريل عن ~~الله تعالى ) . وروى عن على بن أبى طالب تفسير آخر قال تفسيرها : إنا لا ~~نملك مع الله شيئا ، ولا نملك من دونه شيئا ، ولا نملك إلا ما ملكنا مما هو ~~أملك به منا . وحكى أهل اللغة أن معنى لا حول : لا حيلة ، يقال : ما للرجل ~~حيلة ولا قوة ولا احتيال ولا محتال ولا محالة ولا محال ، وقوله : { وهو ~~شديد المحال } [ الرعد : 13 ] ، يعنى المكر والقوة والشدة . * * * # | 53 - باب لله مائة اسم غير واحد # / 77 - فيه : أبو هريرة رواية ، قال : ( لله تسعة وتسعون اسما مائة إلا ~~واحدا ، لا يحفظها أحد إلا دخل الجنة ، وهو وتر يحب الوتر ) . PageV10P140 ~~قال المهلب : اختلف الناس فى الاستدلال من هذا الحديث ، فذهب قوم إلى أن ~~ظاهره يقتضى أن لا اسم لله تعالى غير التسعة والتسعين اسما التى نص عليها ~~النبى - صلى الله عليه وسلم - إذ لو كان له غيرها لم يكن لتخصيص هذه العدة ~~معنى ، قالوا : والشريعة متناهية والحكمة فيها بالغة ، وذهب آخرون إلى أنه ~~يجوز أن تكون له أسماء زائدة على التسعة والتسعين ، إذا لا يجوز أن تتناهى ~~أسماء الله تعالى ، لأن مدائحه وفواضله غير متناهية كما قال تعالى فى ms3518 ~~كلماته وحكمه : { ولو أنما فى الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده ~~سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله } [ لقمان : 27 ] . ومعنى ما أخبرنا به النبى ~~من التسعة وتسعين اسما إنما هو معنى الشرع لنا فى الدعاء بها ، وغيرها من ~~الأسماء لم يشرع لنا الدعاء بها ؛ لأن حديث النبى - صلى الله عليه وسلم - ~~مبنى على قوله تعالى : { ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها } [ الأعراف : 180 ~~] ، فكان ذكر هذا العدد إنما هو لشرع الدعاء به ، وهذا القول أميل إلى ~~النفوس ؛ لإجماع الأمة على أن الله تعالى لا يبلغ كنهه الواصفون ولا ينتهى ~~إلى صفاته المقرظون دليل لازم أن له أسماء غير هذه وصفات ، وإلا فقد تناهت ~~صفاته تعالى عن ذلك ، وهذا قول أبى الحسن الأشعرى ، وابن الطيب وجماعة من ~~أهل العلم . قال ابن الطيب : وليس فى الحديث دليل على أن ليس لله تعالى ~~أكثر من تسعة وتسعين اسما ، لكن ظاهر الحديث يقتضى من أحصى تلك التسعة ~~وتسعين اسما على وجه التعظيم لله دخل الجنة ، وإن كان له أسماء أخر . وقال ~~أبو الحسن بن القابسى ، رحمه الله : أسماء الله وصفاته لا تعلم إلا ~~بالتوقيف ، والتوقيف كتاب الله تعالى وسنة PageV10P141 نبيه - عليه السلام ~~- أو اتفاق أمته ، وليس للقياس فى ذلك مدخل ، وما أجمعت عليه الأمة ، فإنما ~~هو عن سمع علموه من بيان الرسول . قال : ولم يذكر فى كتاب الله لأسمائه ~~تعالى عدد مسمى ، وقد جاء حديث أبى هريرة عن النبى - صلى الله عليه وسلم - ~~( إن لله تسعة وتسعين اسما ) . وقد أخرج بعض الناس من كتاب الله تعالى تسعة ~~وتسعين اسما ، والله أعلم بما خرج من هذا العدد إن كان كل ذلك أسماء ، أو ~~بعضها أسماء وبعضها صفات ، ولا يسلم له ما نقله من ذلك . وقال الداودى : لم ~~يثبت عن النبى - صلى الله عليه وسلم - أنه نص على التسعة والتسعين اسما . ~~قال ابن القابسى : وقد روى مالك ، عن سمى ، عن القعقاع بن حكيم أن كعب ~~الأحبار أخبره : لولا كلمات أقولهن لجعلتنى يهود حمارا . فقيل له ms3519 : ما هن ؟ ~~فقال : أعوذ بوجه الله العظيم الذى ليس شىء أعظم منه ، وبكلمات الله ~~التامات التى لا يجاوزهن بر ولا فاجر ، وبأسماء الله الحسنى كلها ما علمت ~~منها وما لم أعلم ؛ من شر ما خلق وذرأ وبرأ . فهذا كعب على علمه واتساعه لم ~~يتعاط أن يحصر معرفة الأسماء فى مثل ما حصرها هذا الذى زعم أنه عرفها من ~~القرآن ، والدعاء فى هذا بدعاء كعب أولى وأسلم من التكلف ، وسمعت أبا إسحاق ~~الشيبانى يدعو بذلك كثيرا ، وسيأتى تفسير الإحصاء ، والمراد بهذا الحديث فى ~~كتاب الاعتصام فى باب قول النبى - صلى الله عليه وسلم - باسم الله الأعظم ، ~~فمنها ما رواه وكيع ، عن مالك بن مغول ، عن عبد الله بن بريدة ، عن أبيه : ~~( أن رسول الله سمع رجلا يقول : اللهم إنى أسألك بأنى أشهد أنك لا إله إلا ~~أنت الأحد الصمد الذى لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد . فقال : لقد ~~دعا باسم الله الأعظم الذى إذا دعى به أجاب ، وإذا سئل به أعطى ) . ~~PageV10P142 ومنها حديث شهر بن حوشب عن أسماء بنت يزيد عن النبي - عليه ~~السلام - قال : ( اسم الله الأعظم فى هاتين الآيتين : { وإلهكم إله واحد لا ~~إله إلا هو الرحمن الرحيم } ) [ البقرة : 163 ] . ومنها ما رواه على بن زيد ~~بن جدعان ، عن سعيد بن المسيب قال : سمعت سعد بن مالك يقول : سمعت النبى - ~~صلى الله عليه وسلم - يقول : ( اسم الله الذى إذا سئل به أعطى وإذا دعى به ~~أجاب دعوة يونس بن متى ، ألم تسمع قوله : { فنادى فى الظلمات أن لا إله إلا ~~أنت سبحانك إنى كنت من الظالمين فاستجبنا له ونجيناه من الغم وكذلك ننجى ~~المؤمنين } [ الأنبياء : 87 ، 88 ] ، فهو شرط الله لمن دعا بها ) . قال ~~الطبرى : قد اختلف من قبلنا فى ذلك ، فقال بعضهم فى ذلك ما قال قتادة : اسم ~~الله الأعظم : اللهم إنى أعوذ بأسمائك الحسنى كلها ما علمت منها وما لم ~~أعلم ، وأعوذ بأسمائك التى إذا دعيت بها أجبت ، وإذا سئلت بها أعطيت . وقال ~~آخرون ms3520 : اسم الله الأعظم : هو الله ، ألم تسمع قوله : { هو الله الذى لا ~~إله إلا هو عالم الغيب والشهادة هو الرحمن الرحيم هو الله الذى لا إله إلا ~~هو } [ الحشر : 22 ، 23 ] إلى آخر السورة . وقال آخرون بأقوال مختلفة ~~لروايات رووها عن العلماء قال الطبرى : والصواب فى كل ما روينا فى ذلك عن ~~النبى - صلى الله عليه وسلم - وعن السلف أنه صحيح . فإن قيل : وكيف يكون ~~ذلك صحيحا مع اختلاف ألفاظ ومعانيه ؟ فالجواب : أنه لم يرو عن أحد منهم أنه ~~قال فى شىء من ذلك قد دعا باسمه الأعظم الذى لا اسم له أعظم منه فيكون ذلك ~~من روايتهم اختلافا ، وأسماء الله تعالى كلها عندنا عظيمة جليلة ، ليس منها ~~صغير وليس منها اسم أعظم من اسم ، ومعنى قوله - صلى الله عليه وسلم - : لقد ~~دعا باسمه الأعظم ؛ لقد دعا باسمه العظيم ، كما قال PageV10P143 تعالى : { ~~وهو الذى يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه } [ الروم : 27 ] بمعنى وهو ~~هين عليه ، وكما قال ابن أوس : لعمرك ما أدرى وإنى لأوجل بمعنى إنى لوجل ، ~~ويبين صحة ما قلناه حديث حفص ابن أخى أنس بن مالك ، عن أنس ، عن النبى - ~~صلى الله عليه وسلم - أنه قال : ( لقد دعا باسمه العظيم الذى إذا دعى به ~~أجاب ) . فقال : باسمه العظيم ، إذ كان معنى ذلك ومعنى الأعظم واحدا . وقال ~~أبو الحسن بن القابسى : لا يجوز أن يقال فى أسماء الله وصفاته ما يشبه ~~المخلوقات ، ولو كان فى أسماء الله اسما أعظم من اسم لكان غيره ومنفصلا منه ~~، والاسم هو المسمى على قول أهل السنة فلا يجوز أن يكون الاسمان متغايرين ، ~~ومن جعل اسما أعظم من اسم صار إلى قول من يقول : القرآن مخلوق . قال الطبرى ~~: فإن قيل : فلو كان كما وصفت كل اسم من أسماء الله عظيما ، لا شىء منها ~~أعظم من شىء ، لكان كل من دعا باسم من أسمائه مجابا دعاؤه كما استجيب دعاء ~~صاحب سليمان - صلى الله عليه وسلم - الذى أتاه بعرش بلقيس من مسيرة شهر قبل ms3521 ~~أن يرتد إلى سليمان طرفه ؛ لأنه كان عنده علم من اسم الله الأعظم ، وكذلك ~~عيسى ، صلوات الله عليه ، به كان يحيى الموتى ويبرئ الأكمه والأبرص وقد ~~يدعو أحدنا الدهر الطويل بأسمائه فلا يستجاب له ، فدل أن الأمر بخلاف ذلك . ~~قيل : بل الأمر فى ذلك كما قلناه ، ولكن أحوال الداعين تختلف ، فمن داع ربه ~~تعالى لا ترد دعوته ، ومن داع محله محل من غضب الله عليه وعرضه للبلاء ~~والفتنة فلا يرد كثيرا من دعائه ليبتليه به ويبتلي به PageV10P144 غيره ، ~~ومن داع يوافق دعاؤه محتوم قضائه ومبرم قدره ، وقد قال - صلى الله عليه ~~وسلم - : ( ما من مسلم يدعو إلا استجيب له ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم ، ~~إما أن يعجل له فى الدنيا ، وإما أن يدخر له فى الآخرة ، وإما أن يصرف عنه ~~من السوء بقدر ما دعا ) . ويبين ما قلناه أنا وجدنا أنه يدعو بالذى دعا به ~~الذين عجلت لهم الإجابة فلا يجاب له ، فدل إن الذى أوجب الإجابة لمن أجيب ، ~~وترك الاستجابة لمن لم يستجب له اختلاف حال الداعين ، لا الدعاء باسم من ~~أسماء الله بعينه . وقد وقع فى هذا الحديث من رواية سفيان عن أبى الزناد : ~~( مائة إلا واحدة ) . ولا يجوز فى العربية ، وقد جاء هذا الحديث فى كتاب ~~الاعتصام : ( مائة إلا واحدا ) . من رواية شعيب عن أبى الزناد ، وهو الصحيح ~~فى العربية ؛ لأن الاسم مذكر ، فلا يستثنى منه إلا مذكر مثله . * * * ~~PageV10P145 # | كتاب الرقاق # # | 1 - باب لا عيش إلا عيش الآخرة # / 1 - فيه : ابن عباس ، قال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( نعمتان ~~مغبون فيهما كثير من الناس : الصحة والفراغ ) . / 2 - وفيه : أنس ، وسهل ، ~~كنا مع النبى - صلى الله عليه وسلم - بالخندق ، وهو يحفر ، ونحن ننقل ~~التراب ، وبصر بنا فقال : ( اللهم لا عيش إلا عيش الآخره ، فاغفر للأنصار ~~والمهاجره ) قال المؤلف : قال بعض العلماء : إنما أراد - صلى الله عليه ~~وسلم - بقوله : ( الصحة والفراغ نعمتان ) ، تنبيه أمته على مقدار عظيم نعمة ~~الله على عباده فى الصحة والكفاية ؛ لأن المرء لا ms3522 يكون فارغا حتى يكون ~~مكيفا مؤنة العيش فى الدنيا ، فمن أنعم الله عليه بهما فليحذر أن يغبنهما ، ~~ومما يستعان به على دفع الغبن أن يعلم العبد أن الله تعالى خلق الخلق من ~~غير ضرورة إليهم ، وبدأهم بالنعم الجليلة من غير استحقاق منهم لها ، فمن ~~عليهم بصحة الأجسام وسلامة العقول ، وتضمن أرزاقهم وضاعف لهم الحسنات ولم ~~يضاعف عليهم السيئات وأمرهم أن يعبدوه ويعتبروا بما ابتدأهم به من النعم ~~الظاهرة والباطنة ، ويشكروه عليها بأحرف يسيرة ، وجعل مدة طاعتهم فى الدنيا ~~منقضية بانقضاء PageV10P146 أعمارهم ، وجعل جزاءهم على ذلك خلودا دائما فى ~~جنات لا انقضاء لها مع ما ذخر لمن أطاعه مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا ~~خطر على قلب بشر ، فمن أنعم النظر فى هذا كان حريا ألا يذهب عنه وقت من ~~صحته وفراغه إلا وينفقه فى طاعة ربه ، ويشكره على عظيم مواهبه والاعتراف ~~بالتقصير عن بلوغ كنه تأدية ذلك ، فمن لم يكن هكذا وغفل وسها عن التزام ما ~~ذكرنا ، ومرت أيامه عنه فى سهو ولهو وعجز عن القيام بما لزمه لربه تعالى ~~فقد غبن أيامه ، وسوف يندم حيث لا ينفعه الندم ، وقد روى الترمذى من حديث ~~ابن المبارك ، عن يحيى بن عبيد الله بن موهب ، عن أبيه ، عن أبى هريرة قال ~~: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( ما من أحد يموت إلا ندم ، ~~قالوا : وما ندامته يا رسول الله ؟ قال : إن كان محسنا ندم ألا يكون ازداد ~~، وإن كان مسيئا ندم ألا يكون نزع ) . وأما قوله : ( اللهم لا عيش إلا عيش ~~الآخرة ) . فإنه نبه بذلك أمته على تصغير شأن الدنيا وتقليلها ، وكدر ~~لذاتها وسرعة فنائها ، وما كان هكذا فلا معنى للشغل به عن العيش الدائم ~~الذى لا كدر فى لذاته ، بل فيه ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين . * * * # | 2 - باب مثل الدنيا فى الآخرة وقوله تعالى : { إنما الحياة الدنيا لعب ~~ولهو } إلى قوله تعالى : { إلا متاع الغرور } [ الحديد : 20 ] # . / 3 - فيه : سهل ، قال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( موضع سوط ms3523 فى ~~الجنة خير من الدنيا وما فيها ) . PageV10P147 قال المؤلف : قد بين رسول ~~الله منزلة الدنيا من الآخرة ، بأن جعل موضع سوط من الجنة أو غدوة فى سبيل ~~الله أو روحة خير من الدنيا وما فيها ، وإنما أراد ثواب الغدوة أو الروحة ~~فى الآخرة ؛ لينبه أمته على هوان الدنيا عند الله تعالى وضعتها ، ألا ترى ~~أنه لم يرضها دار جزاء لأوليائه ولا نقمة لأعدائه ؛ بل هى كما وصفها تعالى ~~{ لعب ولهو وزينة } [ الحديد : 20 ] الآية . وقد روى الترمذى ، عن محمد بن ~~بشار ، عن يحيى بن سعيد ، عن إسماعيل ابن أبى خالد ، عن قيس بن أبى حازم ~~قال : سمعت مستورد بن شداد الفهرى يقول : قال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - : ( ما الدنيا فى الآخرة إلا مثل ما يجعل أحدكم أصبعه فى اليم ~~فلينظر بماذا يرجع ) . قال : وحدثنا قتيبة ، حدثنا عبد الحميد بن سليمان ، ~~عن أبى حازم ، عن سهل بن سعد قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ~~( لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى كافرا منها شربة ) . * * ~~* # | 3 - باب قول النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( كن فى الدنيا كأنك غريب ~~) # / 4 - فيه : ابن عمر ، أخذ النبى - صلى الله عليه وسلم - بمنكبى ، وقال : ~~( كن فى الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل ) . وكان ابن عمر يقول : إذا أمسيت ~~، فلا تنتظر الصباح ، وإذا أصبحت ، فلا تنتظر المساء ، وخذ من صحتك لمرضك ، ~~ومن حياتك لموتك . قال أبو الزناد : معنى هذا الحديث الحض على قلة المخالطة ~~وقلة الاقتناء والزهد فى الدنيا . قال المؤلف : بيان ذلك أن الغريب قليل ~~الانبساط إلى الناس ؛ بل هو مستوحش منهم ؛ إذ لا يكاد يمر بمن يعرفه فيأنس ~~به ، ويستكثر بخلطته فهو ذليل فى نفسه خائف ، وكذلك PageV10P148 عابر ~~السبيل لا ينفذ فى سفره إلا بقوته عليه وخفته من الأثقال غير متشبث بما ~~يمنعه من قطع سفره ، معه زاد وراحلة يبلغانه إلى بغيته من قصده ، وهذا يدل ~~على إيثار الزهد فى الدنيا وأخذ البلغة منها والكفاف ، فكما لا يحتاج ms3524 ~~المسافر إلى أكثر مما يبلغه إلى غاية سفره ، فكذلك لا يحتاج المؤمن فى ~~الدنيا إلى أكثر مما يبلغه المحل . وقوله : ( إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح ، ~~وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء ) حض منه على أن يجعل الموت نصب عينيه ، ~~فيستعد له بالعمل الصالح ، وحض له على تقصير الأمل ، وترك الميل إلى غرور ~~الدنيا . وقوله : ( خذ من صحتك لمرضك ) حض على اغتنام أيام صحته فيمهد فيها ~~لنفسه خوفا من حلول مرض به يمنعه من العمل . وكذلك قوله : ( ومن حياتك ~~لموتك ) تنبيه على اغتنام أيام حياته ، ولا يمر عمره باطلا فى سهو وغفلة ، ~~لأن من مات فقد انقطع عمله وفاته أمله وحضره على تفريطه ندمه ، فما أجمع ~~هذا الحديث لمعانى الخير وأشرفه . * * * # | 4 - باب فى الأمل وطوله # وقوله تعالى : { فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز وما الحياة ~~الدنيا إلا متاع الغرور } [ آل عمران : 185 ] وقوله تعالى : { ذرهم يأكلوا ~~ويتمتعوا ويلههم الأمل فسوف يعلمون } [ الحجر : 15 ] . وقال على بن أبى ~~طالب : ارتحلت الدنيا مدبرة ، وارتحلت الآخرة مقبلة ، ولكل واحدة منهما ~~بنون ، فكونوا من أبناء الآخرة ، ولا تكونوا من أبناء الدنيا ، فإن اليوم ~~عمل ولا حساب ، وغدا حساب ولا عمل . PageV10P149 / 5 - فيه : ابن مسعود ، ~~قال : خط النبي - عليه السلام - خطا مربعا ، وخط خطا فى الوسط خارجا منه ، ~~وخط خططا صغارا إلى هذا الذى فى الوسط من جانبه الذى فى الوسط ، وقال : ( ~~هذا الإنسان ، وهذا أجله محيط به ، أو قد أحاط به ، وهذا الذى خارج أمله ، ~~وهذه الخطط الصغار الأعراض ، فإن أخطأه هذا نهشه هذا ، وإن أخطأه هذا نهشه ~~هذا ) . / 6 - وفيه : أنس ، خط النبى - صلى الله عليه وسلم - خطوطا ، فقال ~~: ( هذا الأمل ، وهذا أجله ، فبينما هو كذلك ؛ إذ جاءه الخط الأقرب ) . قال ~~المؤلف : مثل النبى - صلى الله عليه وسلم - فى حديث ابن مسعود أمل ابن آدم ~~وأجله وإعراض الدنيا التى لا تفارقه بالخطوط ، فجعل أجله الخط المحيط ، ~~وجعل أمله وإعراضه خارجة من ذلك الخط ، ومعلوم فى العقول أن ذلك الخط ~~المحيط به الذى ms3525 هو أجله ؛ أقرب إليه من الخطوط الخارجة منه ، ألا ترى قوله ~~- صلى الله عليه وسلم - فى حديث أنس : ( فبينا هو كذلك إذ جاءه الخط الأقرب ~~) . يريد أجله ؟ وفى هذا تنبيه من النبى - صلى الله عليه وسلم - لأمته على ~~تقصير الأمل ، واستشعار الأجل خوف بغتة الأجل ، ومن غيب عنه أجله فهو حرى ~~بتوقعه وانتظاره خشية هجومه عليه فى حال غرة وغفلة ، ونعوذ بالله من ذلك ، ~~فليرض المؤمن نفسه على استشعار ما نبه عليه ، ويجاهد أمله وهواه ويستعين ~~بالله على ذلك ، فإن ابن آدم مجبول على الأمل كما قال - صلى الله عليه وسلم ~~- فى الباب بعد هذا : ( لا يزال قلب الكبير شابا فى حب الدنيا وطول الأمل ) ~~. وقال الطبرى : فى قوله : { ذرهم يأكلوا ويتمتعوا ويلههم الأمل } [ الحجر ~~: 3 ] ، يعنى ذر المشركين يا محمد يأكلوا فى هذه الدنيا ويتمتعوا من ~~شهواتها ولذاتها إلى أجلهم الذى أجلت لهم ، ويلههم الأمل عن الأخذ ~~PageV10P150 بطاعة الله فيها ، وتزودهم لمعادهم منها بما يقربهم من ربهم . ~~فسوف يعلمون غدا إذا وردوا عليه ، وقد هلكوا بكفرهم بالله حين يعاينون عذاب ~~الله أنهم كانوا فى تمتعهم بلذات الدنيا فى خسار وتباب ) . * * * # | 5 - باب من بلغ ستين سنة فقد أعذر الله إليه فى العمر # لقوله : { أولم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر وجاءكم النذير } [ فاطر : 37 ~~] يعنى الشيب . / 7 - فيه : أبو هريرة ، قال النبى - صلى الله عليه وسلم - ~~: ( أعذر الله إلى امرئ أخر أجله حتى بلغه ستين سنة ) . / 8 - وفيه : أبو ~~هريرة ، قال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( لا يزال قلب الكبير شابا فى ~~اثنتين : فى حب الدنيا ، وطول الأمل ) . / 9 - وفيه : أنس ، عن النبى - صلى ~~الله عليه وسلم - قال : ( يكبر ابن آدم ويكبر معه اثنان : حب المال وطول ~~العمر ) . / 10 - وفيه : عتبان بن مالك ، قال النبى - صلى الله عليه وسلم - ~~: ( لن يوافى عبد يوم القيامة يقول : لا إله إلا الله ، يبتغى به وجه الله ~~إلا حرم الله عليه النار ) . PageV10P151 / 11 - وفيه : أبو هريرة ، قال - ~~صلى الله عليه وسلم - : ( يقول الله ms3526 تعالى : ما لعبدى المؤمن عندى جزاء إذا ~~قبضت صفيه من أهل الدنيا ، ثم احتسبه إلا الجنة ) . قال المؤلف : روى عن ~~على بن أبى طالب وابن عباس وأبى هريرة فى قوله تعالى : { أولم نعمركم ما ~~يتذكر فيه من تذكر } [ فاطر : 37 ] قالوا : يعنى : ستين سنة ، وروى عن ابن ~~عباس أيضا أربعون سنة ، وعن الحسن البصرى ومسروق مثله ، وحديث أبى هريرة ~~حجة لقول على ومن وافقه فى تأويل الآية . وقول من قال : أربعون سنة . له ~~وجه صحيح أيضا ، والحجة له قوله تعالى : { حتى إذا بلغ أشده وبلغ أربعين ~~سنة } [ الأحقاف : 15 ] الآية فذكر تعالى أن من بلغ الأربعين ، فقد آن له ~~أن يعلم مقدار نعم الله عليه وعلى والديه ويشكرهما . قال مالك : أدركت أهل ~~العلم ببلدنا وهم يطلبون الدنيا والعلم ، ويخالطون الناس حتى يأتى لأحدهم ~~أربعون سنة ، فإذا أتت عليهم اعتزلوا الناس واشتغلوا بالعبادة حتى يأتيهم ~~الموت . فبلوغ الأربعين نقل لابن آدم من حالة إلى حالة أرفع منها فى ~~الاستبصار والإعذار إليه . وقوله - صلى الله عليه وسلم - : ( أعذر الله إلى ~~أمرئ أخر أجله حتى بلغ ستين سنة ) . أى أعذر إليه غاية الإعذار ، الذى لا ~~إعذار بعده ، لأن الستين قريب من معترك العباد ، وهو سن الإنابة والخشوع ~~والاستسلام لله تعالى وترقب المنية ولقاء الله تعالى فهذا إعذار بعد إعذار ~~فى عمر ابن آدم ، لطفا من الله لعباده حين نقلهم من حالة الجهل إلى حالة ~~العلم ، وأعذر إليهم مرة بعد أخرى ، ولم يعاقبهم PageV10P152 إلا بعد الحجج ~~اللائحة المبكتة لهم ، وإن كانوا قد فطرهم الله تعالى على حب الدنيا وطول ~~الأمل ، فلم يتركهم مهملين دون إعذار لهم وتنبيه ، وأكبر الإعذار إلى بنى ~~آدم بعثه الرسل إليهم ، واختلف السلف فى تأويل قوله تعالى : { وجاءكم ~~النذير } [ فاطر : 37 ] فروى عن على ابن أبى طالب أنه محمد ، عليه أفضل ~~الصلاة والسلام ، وهو قول ابن زيد وجماعة ، وعن ابن عباس أنه الشيب . وحجة ~~القول الأول أن الله تعالى بعث الرسل مبشرين ومنذرين إلى عباده قطعا لحجتهم ~~، وقال الله تعالى ms3527 : { وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا } [ الإسراء : 15 ] ~~ولقول ابن عباس أن النذير : الشيب . وجه يصح ، وذلك أن الشيب يأتى فى سن ~~الاكتهال ، وهو علامة لمفارقة سن الصبا الذى هو سن اللهو واللعب ، فهو نذير ~~أيضا ، ألا ترى قول إبراهيم - صلى الله عليه وسلم - حين رأى الشيب قال : ( ~~يا رب ما هذا ؟ فقال له : وقار . قال : ربى زدنى وقارا ) . فبان رفق الله ~~بعباده المؤمنين وعظيم لطفه بهم حين أعذر إليهم ثلاث مرات : الأولى بالنبى ~~- صلى الله عليه وسلم - والمرتان فى الأربعين وفى الستين ؛ ليتم حجته عليهم ~~، وهذا أصل لإعذار الحاكم إلى المحكوم عليهم مرة بعد أخرى . فإن قيل : فما ~~وجه حديث عتبان فى هذا الباب ؟ قيل : له وجه صحيح المعنى ، وذلك أنه لما ~~كان بلوغ الستين غاية الإعذار إلى ابن آدم خشى البخارى ، رحمه الله ، أن ~~يظن من لا يتسع فهمه أن من بلغ الستين ، وهو غير تائب ، أن ينفذ عليه ~~الوعيد ، فذكر قول النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( لن يوافى عبد يوم ~~القيامة بكلمة الإخلاص والتوحيد يبتغى بها وجه الله ؛ إلا حرمه الله على ~~النار ) . وسواء أتى بها بعد الستين أو بعد المائة لو عمرها . PageV10P153 ~~وقد ثبت بالكتاب والسنة أن التوبة مقبولة ما لم يغرغر ابن آدم ، ويعاين قبض ~~روحه ، وكذلك قوله - صلى الله عليه وسلم - : ( يقول الله تعالى : ما لعبدى ~~المؤمن عندى جزاء إذا قبضت صفيه من أهل الدنيا ثم احتسب إلا الجنة ) . وهذا ~~عام المعنى فى كل عمر ابن آدم ؛ بلغ الستين أو زاد عليها ، فهو ينظر إلى ~~معنى حديث عتبان فى قوله : ( ما لعبدى المؤمن عندى جزاء إذا قبضت صفيه إلا ~~الجنة ) دليل أن من مات له ولد واحد فاحتسبه أن له الجنة ، وهو تفسير قول ~~المحدث : ( ولم نسأله عن الواحد ) حين قال - صلى الله عليه وسلم - : ( من ~~مات له ثلاثة من الولد أدخله الله الجنة . قيل : واثنان يا رسول الله ؟ قال ~~: واثنان . ولم نسأله عن الواحد ) ؛ إذ لا صفى أقرب إلى النفوس من الولد ، ~~وقد ms3528 ذكرته فى الجنائز . * * * # | 6 - باب ما يحذر من زهرة الدنيا والتنافس فيها # / 12 - فيه : عمرو بن عوف ، أن النبى - صلى الله عليه وسلم - بعث أبا ~~عبيدة بن الجراح إلى البحرين ، يأتى بجزيتها ، فقدم بالمال ، فسمعت الأنصار ~~بقدومه ، فوافته صلاة الصبح مع النبى - صلى الله عليه وسلم - ، فلما انصرف ~~، تعرضوا له ، فتبسم فقال : ( أظنكم سمعتم بقدوم أبى عبيدة ) ؟ قالوا : أجل ~~، قال : ( فأبشروا ، وأملوا ما يسركم ، فوالله ما الفقر أخشى عليكم ، ولكن ~~أخشى عليكم أن تبسط عليكم الدنيا ، كما بسطت على من كان قبلكم ، فتنافسوها ~~كما تنافسوها ، وتلهيكم كما ألهتهم ) . / 13 - وفيه : عقبة بن عامر ، خرج ~~النبي - عليه السلام - يوما فصلى على أهل أحد صلاته على الميت . . . الحديث ~~، ثم قال : ( وإني والله ما أخاف عليكم أن تشركوا بعدي ، ولكني أخاف عليكم ~~أن تنافسوا فيها ) . PageV10P154 / 14 - وفيه : أبو سعيد ، قال النبى - صلى ~~الله عليه وسلم - : ( إن أكثر ما أخاف عليكم ما يخرج الله لكم من بركات ~~الأرض ) ، قيل : وما بركات الأرض يا رسول الله ؟ قال : ( زهرة الدنيا . . . ~~) ، الحديث على ما جاء فى كتاب الزكاة ، فى باب الصدقة على اليتامى . / 15 ~~- وفيه : عمران ، قال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( خير القرون قرنى ، ~~ثم الذين يلونهم ، ثم الذين يلونهم ، ثم يكون بعدهم ، قوم يشهدون ولا ~~يستشهدون ، ويخونون ولا يؤتمنون ، وينذرون ولا يفون ، ويظهر فيهم السمن ) . ~~/ 16 - وفيه : خباب ، قال : إن أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم - مضوا ، ~~ولم تنقصهم الدنيا بشىء ، وإنا أصبنا من الدنيا ما لا نجد له موضعا إلا ~~التراب . قال المؤلف : هذه الأحاديث تنبيه فى أن زهرة الدنيا ينبغى أن يخشى ~~سوء عاقبتها وشر فتنتها من فتح الله عليه الدنيا ، ويحذر التنافس فيها ~~والطمأنينة إلى زخرفها الفانى ؛ لأن النبى - صلى الله عليه وسلم - خشى ذلك ~~على أمته ، وحذرهم منه لعلمه أن الفتنة مقرونة بالغنى ، ودل حديث عمران بن ~~حصين أن فتنة الدنيا لمن يأتى بعد القرن الثالث أشد لقوله - صلى الله عليه ~~وسلم - : ( ثم يكون بعدهم قوم يشهدون ولا يستشهدون ) إلى قوله ms3529 ( ويظهر فيهم ~~السمن ) . فجعل - صلى الله عليه وسلم - ظهور السمن فيهم وشهادتهم بالباطل ، ~~وخيانتهم الأمانة ، وتنافسهم فى الدنيا وأخذهم لها من غير وجهها كما ، قال ~~- صلى الله عليه وسلم - فى حديث أبى سعيد : ( ومن أخذه بغير حقه فهو كالذى ~~يأكل ولا يشبع ) . وكذلك خشى عمر بن الخطاب فتنة المال ، فروى عنه أنه لما ~~أتى بأموال كسرى بات هو وأكابر الصحابة عليه فى المسجد ، فلما أصبح وأصابته ~~الشمس التمعت تلك التيجان فبكى ، فقال له عبد الرحمن بن عوف : ليس هذا حين ~~بكاء ، إنما هو حين شكر . فقال عمر : إني PageV10P155 أقول : ما فتح الله ~~هذا على قوم قط إلا سفكوا دماءهم وقطعوا أرحامهم وقال : اللهم منعت هذا ~~رسولك إكراما منك له ، وفتحته على لتبتلينى به ، اللهم اعصمنى من فتنته . ~~فهذا كله يدل أن الغنى بلية وفتنة ، ولذلك استعاذ النبى - صلى الله عليه ~~وسلم - من شر فتنته ، وقد أخبر الله تعالى بهذا المعنى فقال لرسوله : { ولا ~~تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم زهرة الحياة الدنيا لنفتنهم فيه ~~ورزق ربك خير وأبقى } [ طه : 131 ] ، وقال تعالى : { إنما أموالكم وأولادكم ~~فتنة } [ التغابن : 15 ] ، ولهذا آثر أكثر سلف الأمة التقلل من الدنيا وأخذ ~~البلغة ؛ إذ التعرض للفتن غرر . وقوله - صلى الله عليه وسلم - فى حديث أبى ~~سعيد : ( وإن مما ينبت الربيع يقتل حبطا أو يلم ) فهو أبلغ الكلام فى تحذير ~~الدنيا والركون إلى غضارتها ، وذلك أن الماشية يروقها نبت الربيع فيكثر ~~أكلها فربما تفتقت سمنا فهلكت ، فضرب النبى - صلى الله عليه وسلم - هذا ~~المثل للمؤمن أن لا يأخذ من الدنيا إلا قدر حاجته ، ولا يروقه زهرتها ~~فتهلكه . وقال الأصمعى : والحبط : هو أن تأكل الدابة فتكثر ، حتى تنتفخ ~~بذلك بطنها وتمرض عنه . وقوله : ( أو يلم ) يعني يدنى من الموت ، وقد تقدم ~~الكلام فى هذا الحديث فى باب الصدقة على اليتامى فى كتاب الزكاة . | وأما ~~قول خباب : ( إن أصحاب محمد مضوا ولم تنقصهم الدنيا شيئا ) . فإنه لم يكن ~~فى عهد النبي - عليه السلام - من الفتوحات والأموال ms3530 ما كان بعده ، فكان ~~أكثر الصحابة ليس لهم إلا القوت ، ولم ينالوا من طيبات العيش ما يخافون أن ~~ينقصهم ذلك من طيبات الآخرة ، PageV10P156 ألا ترى قول عمر بن الخطاب حين ~~اشترى لحما بدرهم : أين تذهب هذه الآية : { أذهبتم طيباتكم فى حياتكم ~~الدنيا واستمتعتم بها } [ الأحقاف : 20 ] ، فدل أن التنعم فى الدنيا ~~والاستمتاع بطيباتها تنقص كثيرا من طيبات الآخرة . وقوله : ( إنا أصبنا من ~~الدنيا ما لا نجد له موضعا إلا التراب ) . قال أبو ذر : يعنى البنيان ، ~~ويدل على صحة هذا التأويل أن خبابا قال هذا القول وهو يبنى حائطا له ، وقد ~~تقدم فى كتاب المرضى فى باب تمنى المريض الموت ، فتأمله هناك فهو بين فى ~~حديث خباب . * * * # | 7 - باب قوله تعالى : { يا أيها الناس إن وعد الله حق فلا تغرنكم ~~الحياة الدنيا } الآية [ فاطر : 5 ] # قال مجاهد : { الغرور } : الشيطان . / 17 - فيه : عثمان ، أنه توضأ فأحسن ~~الوضوء ، ثم قال : من توضأ مثل هذا الوضوء ، ثم أتى المسجد فركع ركعتين ، ~~ثم جلس غفر له ما تقدم من ذنبه ، قال : وقال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - : ( لا تغتروا ) . قال المؤلف : نهى الله عباده عن الاغترار بالحياة ~~الدنيا وزخرفها الفانى ، وعن الاغترار بالشيطان ، وبين لنا تعالى عداوته ~~لنا لئلا نلتفت إلى تسويله وتزيينه لنا الشهوات المردية ، وحذرنا تعالى ~~طاعته وأخبر أن أتباعه وحزبه من أصحاب السعير ، والسعير : النار . فحق على ~~المؤمن العاقل أن يحذر ما حذره منه ربه عز وجل ونبيه PageV10P157 - عليه ~~السلام - وأن يكون مشفقا خائفا وجلا ، وإن واقع ذنبا أسرع الندم عليه ~~والتوبة منه وعزم ألا يعود إليه ، وإذا أتى حسنة استقلها واستصغر عمله ولم ~~يدل بها ، ألا ترى قول عثمان : ( من أتى المسجد ، فركع ركعتين ثم جلس ، غفر ~~له ما تقدم من ذنبه ) . وهذا لا يكون إلا من قول النبى - صلى الله عليه ~~وسلم - ثم أتبع ذلك بقول النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( لا تغتروا ) . ~~ففهم عثمان رضى الله عنه من ذلك أن المؤمن ينبغى له ألا يتكل على عمله ، ~~ويستشعر ms3531 الحذر والإشفاق بتجنب الاغترار ، وقد قال غير مجاهد فى تفسير ~~الغرور قال : هو أن يغتر بالله ، فيعمل المعصية ويتمنى المغفرة . * * * # | 8 - باب ذهاب الصالحين # / 18 - فيه : مرداس ، قال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( يذهب ~~الصالحون الأول فالأول ، ويبقى حفالة كحفالة الشعير أو التمر ، لا يباليهم ~~الله بالة ) . قال المؤلف : ذهاب الصالحين من أشراط الساعة ، إلا إنه إذا ~~بقى الناس فى حفالة كحفالة الشعير أو التمر ؛ فذلك إنذار بقيام الساعة ~~وفناء الدنيا ، وهذا الحديث معناه الترغيب فى الاقتداء بالصالحين والتحذير ~~من مخالفة طريقهم خشية أن يكون من خالفهم ممن لا يباليه الله ولا يعبأ به . ~~وبالة : مصدر باليت محذوف منه الياء التى هى لام الفعل ، وكان أصله ( بالية ~~) فكرهوا ياء قبلها كسرة ، لكثرة استعمال هذه اللفظة فى نفى كل ما لا يحفل ~~به ، وتقول العرب أيضا فى مصدر باليت مبالاة كما تقول بالة . والحفالة : ~~سفلة الناس وأصلها فى اللغة ما PageV10P158 تساقط من قشور التمر والشعير ~~وغيرهما ، والحثالة والحشافة مثله ، وقد ذكرت هذا فى كتاب الفتن فى باب إذا ~~بقى فى حثالة من الناس . * * * # | 9 - باب ما يتقى من فتنة المال # وقوله تعالى : { إنما أموالكم وأولادكم فتنة } [ التغابن : 15 ] / 19 - ~~فيه : أبو هريرة ، قال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( تعس عبد الدينار ~~والدرهم ، والقطيفة ، والخميصة ، إن أعطى رضى ، وإن لم يعط لم يرض ) . / 20 ~~- وفيه : ابن عباس ، قال : قال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( لو كان ~~لابن آدم واديان من مال لابتغى ثالثا ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب ، ~~ويتوب الله على من تاب ) . / 21 - وفى رواية ابن عباس : ( ولا يملأ عين ابن ~~آدم إلا التراب ) . وروى مثله ابن الزبير ، وأنس ، عن النبى - صلى الله ~~عليه وسلم - وقال أنس فى حديثه : ( ولن يملأ فاه إلا التراب ) . / 22 - ~~وفيه : أنس ، عن أبى ، كنا نرى هذا من القرآن حتى نزلت : { ألهاكم التكاثر ~~} [ التكاثر : 1 ] . قال المؤلف : معنى الفتنة فى كلام العرب : الاختبار ~~والابتلاء ، ومنه قوله تعالى : { وفتناك فتونا } [ طه : 40 ] أى اختبرناك ، ~~والفتنة ms3532 : الإمالة عن القصد ، ومنه قوله تعالى : { وإن كادوا ليفتنونك } [ ~~الإسراء : 73 ] أى ليميلونك ، والفتنة أيضا : الإحراق من قوله تعالى : { ~~يوم هم على النار يفتنون } [ الذاريات : 13 ] أى يحرقون ، هذا قول ابن ~~الأنبارى . والاختبار PageV10P159 والابتلاء بجمع ذلك كله ، وقد أخبر الله ~~تعالى عن الأموال والأولاد أنها فتنة ، وقال تعالى : { ألهاكم التكاثر } [ ~~التكاثر : 1 ] ، وخرج لفظ الخطاب على العموم ؛ لأن الله تعالى فطر العباد ~~على حب المال والولد ، ألا ترى قوله - صلى الله عليه وسلم - : ( لو كان ~~لابن آدم واديان من ذهب لابتغى ثالثا ) . فأخبر عن حرص العباد على الزيادة ~~فى المال ، وأنه لا غاية له يقنع بها ويقتصر عليها ، ثم أتبع ذلك بقوله : ( ~~ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب ) ، يعنى إذا مات وصار فى قبره ملأ جوفه ~~التراب ، وأغناه بذلك عن تراب غيره حتى يصير رميما . وأشار - صلى الله عليه ~~وسلم - بهذا المثل إلى ذم الحرص على الدنيا والشره على الازدياد منها ؛ ~~ولذلك آثر أكثر السلف التقلل من الدنيا والقناعة والكفاف فرارا من التعرض ~~لما لا يعلم كيف النجاة من شر فتنته ، واستعاذ النبى - صلى الله عليه وسلم ~~- من شر فتنة الغنى ، وقد علم كل مؤمن أن الله تعالى قد أعاذه من شر كل ~~فتنة ، وإنما دعاؤه بذلك - صلى الله عليه وسلم - تواضعا لله وتعليما لأمته ~~، وحضا لهم على إيثار الزهد فى الدنيا . وقوله : ( تعس عبد الدينار . . ) ~~إلى آخر الحديث فيه ذم من فتنه متاع الدنيا الفانى ، وتعس قيل : معناه هلك ~~، وقيل : التعس : أن يخر على وجهه ، وقد ذكرت اختلاف أهل اللغة فى تفسير ~~هذه الكلمة فى كتاب الجهاد فى باب الحراسة فى الغزو فى سبيل الله . * * * # | 10 - باب قول النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( إن هذا المال خضرة حلوة ~~) # وقال الله تعالى : { زين للناس حب الشهوات } الآية [ آل عمران : 14 ] . ~~وقال عمر : اللهم إنا لا نستطيع إلا أن نفرح بما زينته لنا ، اللهم إنى ~~أسألك أن أنفقه فى حقه . PageV10P160 / 23 - فيه : حكيم ، سألت النبي - ~~عليه السلام - فأعطانى ثلاثا ، ثم ms3533 قال لى : ( يا حكيم ، إن هذا المال خضرة ~~حلوة ، فمن أخذه بطيب نفس بورك له فيه ، ومن أخذه بإشراف نفس ، لم يبارك له ~~فيه ، وكان كالذى يأكل ولا يشبع ، واليد العليا خير من اليد السفلى ) . قال ~~المؤلف : هذا الباب فى معنى الذى قبله يدل على أن فتنة المال والغنى مخوفة ~~على من فتحه الله عليه لتزيين الله تعالى له ، ولشهوات الدنيا فى نفوس ~~عباده ؛ فلا سبيل لهم إلى بعضته إلا بعون الله على ذلك ، ولهذا قال عمر : ~~اللهم إنا لا نستطيع إلا أن نفرح بما زينت لنا ، ثم دعا الله أن يعينه على ~~إنفاقه فى حقه ، فمن أخذ المال من حقه ووضعه فى حقه فقد سلم من فتنته ، ~~وحصل على ثوابه ، وهذا معنى قوله - صلى الله عليه وسلم - : ( فمن أخذه بطيب ~~نفس بورك فيه ) ، وفى قوله أيضا : ( ومن أخذه بطيب نفس ) تنبيه لأمته على ~~الرضا بما قسم لهم ، وفى قوله : ( ومن أخذه بإشراف نفس لم يبارك له فيه ، ~~وكان كالذى يأكل ولا يشبع ) ذم الحرص والشره إلى الاستكثار ، ألا ترى أنه ~~شبه فاعل ذلك بالبهائم التى تأكل ولا تشبع وهذا غاية الذم له لأن الله ~~تعالى وصف الكفار بأنهم يأكلون كما تأكل الأنعام ، يعنى : أنهم لا يشبعون ~~كما لا تشبع الأنعام ؛ لأن الأنعام لا تأكل لإقامة أرماقها ، وإنما تأكل ~~للشره والنهم . فينبغى للمؤمن العاقل الفهم عن الله تعالى وعن رسوله أن ~~يتشبه بالسلف الصالح فى أخذ الدنيا ولا يتشبه بالبهائم التى لا تعقل ، وقد ~~فسرنا قوله : ( خضرة حلوة ) فى كتاب الزكاة . * * * PageV10P161 # | 11 - باب ما قدم من ماله فهو له # / 24 - فيه : عبدالله ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( ~~أيكم مال وارثه أحب إليه من ماله ) ؟ قالوا : يا رسول الله ، ما منا أحد ~~إلا ماله أحب إليه ، قال : ( فإن ماله ما قدم ومال وارثه ما أخر ) . قال ~~المؤلف : هذا الحديث تنبيه للمؤمن على أن يقدم من ماله لآخرته ، ولا يكون ~~خازنا له وممسكه عن إنفاقه فى طاعة الله ، فيخيب ms3534 من الانتفاع به فى يوم ~~الحاجة إليه ، وربما أنفقه وارثه فى طاعة الله فيفوز بثوابه . فإن قيل : ~~هذا الحديث يدل على أن إنفاق المال فى وجوه البر أفضل من تركه لوارثه ، ~~وهذا يعارض قوله - صلى الله عليه وسلم - لسعد : ( إنك إن تترك ورثتك أغنياء ~~خير من أن تتركهم عالة يتكففون الناس ) . قيل : لا تعارض بينهما ، وإنما خص ~~النبى - صلى الله عليه وسلم - سعدا على أن يترك مالا لورثته ؛ لأن سعدا ~~أراد أن يتصدق بماله كله فى مرضه ، وكان وارثه ابنته والابنة لا طاقة لها ~~على الكسب ، فأمره - صلى الله عليه وسلم - بأن يتصدق منه بثلثه ويكون باقيه ~~لابنته ولبيت مال المسلمين ، وله أجر فى كل من يصل إليه من ماله شىء بعد ~~موته . وحديث ابن مسعود إنما خاطب به - صلى الله عليه وسلم - أصحابه فى ~~صحتهم ونبه به من شح على ماله ، ولم تسمح نفسه بإنفاقه فى وجوه البر أن ~~ينفق منه فى ذلك ؛ لئلا يحصل وارثه عليه كاملا موفرا ، ويخيب هو من أجره ، ~~وليس فيه الأمر بصدقة المال كله فيكون معارضا لحديث سعد ، بل حديث عبد الله ~~مجمل يفسره حديث سعد ، ويدل على صحة هذا التأويل ما ذكره أهل السير ، عن ~~ابن شهاب أن أبا لبابة قال : ( يا رسول ، إن من توبتى أن أهجر دار قومى ~~التى أصبت فيها الذنب ، وأنخلع من مالى صدقة إلى الله ورسوله . قال : يجزئك ~~الثلث ) فلم يأمره بصدقة ماله كله . * * * PageV10P162 # | 12 - باب المكثرون هم المقلون # وقوله تعالى : { من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم ~~فيها } إلى { يعملون } [ هود : 15 ] . / 25 - فيه : أبو ذر ، قال النبى - ~~صلى الله عليه وسلم - : ( إن المكثرين هم المقلون يوم القيامة إلا من أعطاه ~~الله خيرا ، فنفح فيه يمينه وشماله وبين يديه ووراءه ، وعمل فيه خيرا ) ، ~~وذكر الحديث بطوله . قال المؤلف : هذا الحديث يدل على أن كثرة المال تئول ~~بصاحبه إلى الإقلال من الحسنات يوم القيامة ، إذا لم ينفقه فى طاعة الله ، ~~فإن أنفقه فى طاعة الله كان ms3535 غنيا من الحسنات يوم القيامة ، وقد احتج بهذا ~~الحديث من فضل الغنى على الفقر ؛ لأنه استثنى فيه من المكثرين من نفح ~~بالمال عن يمينه وشماله وبين يديه ، وقد اختلف العلماء فى هذه المسألة ، ~~وسنذكر مذاهبهم فيها فى باب فضل الفقر بعد هذا إن شاء الله . وقوله : ( نفح ~~فيه ) قال صاحب الأفعال : نفح بالعطاء : أعطى ، والله نفاح بالخيرات ، قال ~~صاحب العين : نفح بالمال ، والسيف ، ونفحات المعروف : دفعه ، ونفحت الدابة ~~: رمحت بحافرها الأرض . وقوله تعالى : { من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها ~~} [ هود : 15 ] الآيتين ، قال أهل التأويل : هذا عام فى لفظ خاص فى الكفار ~~، بدليل قوله : { أولئك الذين ليس لهم فى الآخرة إلا النار وحبط ما صنعوا ~~فيها وباطل ما كانوا يعملون } [ هود : 16 ] ، PageV10P163 وإنما ذكرها ~~البخاري في هذا الباب تحذيرا للمؤمنين من مشابهة أفعال الكافرين فى بيعهم ~~الآخرة الباقية بزينة الدنيا الفانية ، فيدخلوا فى معنى قوله تعالى : { ~~أذهبتم طيباتكم فى حياتكم الدنيا واستمتعتم بها } [ الأحقاف : 20 ] الآية . ~~* * * # | 13 - باب قول النبي - عليه السلام - : ( ما أحب أن لي أحد ذهبا ) # / 26 - فيه : أبو ذر ، قال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( ما يسرنى أن ~~عندى مثل أحد ذهبا ، تمضى على ثالثة ، وعندى منه دينار ، إلا شيئا أرصده ~~لدين ، إلا أن أقول به فى عباد الله هكذا وهكذا وهكذا ، عن يمينه وعن شماله ~~ومن خلفه . . . ) الحديث بطوله ، وروى أبو هريرة مثله مختصرا . قال المؤلف ~~: فى هذا الحديث أن المؤمن لا ينبغى له أن يتمنى كثرة المال إلا بشريطة أن ~~يسلطه الله على إنفاقه فى طاعته اقتداء بالنبى - صلى الله عليه وسلم - فى ~~ذلك . وفيه : أن المبادرة إلى الطاعة أفضل من التوانى فيها ، ألا ترى أن ~~النبى - صلى الله عليه وسلم - لم يحب أن يبقى عنده من مقدار جبل أحد ذهبا ، ~~لو كان له ، بعد ثلاث إلا دينار يرصده لدين . وفيه : أن النبى - صلى الله ~~عليه وسلم - كان يكون عليه الدين لكثرة مواساته بقوته وقوت عياله ، وإيثاره ~~على نفسه أهل الحاجة ، والرضا بالتقلل والصبر على ms3536 خشونة العيش ، وهذه سيرة ~~الأنبياء والصالحين ، وهذا كله يدل على أن فضل المال فى إنفاقه فى سبيل ~~الله لا فى إمساكه وادخاره . * * * PageV10P164 # | 14 - باب الغنى غنى النفس # وقوله تعالى : { أيحسبون أنما نمدهم به من مال وبنين } [ المؤمنون : 55 ] ~~إلى { عاملون } [ المؤمنون : 63 ] . قال ابن عيينة : لم يعملوها لا بد من ~~أن يعملوها . / 27 - فيه : أبو هريرة ، قال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ~~( ليس الغنى عن كثرة العرض ، ولكن الغنى غنى النفس ) . قال المؤلف : قوله - ~~صلى الله عليه وسلم - : ( ليس الغنى عن كثرة العرض ) يريد ليس حقيقة الغنى ~~عن كثرة متاع الدنيا ، لأن كثيرا ممن وسع الله عليه فى المال يكون فقير ~~النفس لا يقنع بما أعطى فهو يجتهد دائبا فى الزيادة ، ولا يبالى من أين ~~يأتيه ، فكأنه فقير من المال ؛ لشدة شرهه وحرصه على الجمع ، وإنما حقيقة ~~الغنى غنى النفس ، الذى استغنى صاحبه بالقليل وقنع به ، ولم يحرص على ~~الزيادة فيه ، ولا ألح فى الطلب ، فكأنه غنى واجد أبدا ، وغنى النفس هو باب ~~الرضا بقضاء الله تعالى والتسليم لأمره علم أن ما عند الله خير للأبرار ، ~~وفى قضائه لأوليائه الأخيار ، روى الحسن ، عن أبى هريرة قال : ( قال لى ~~رسول الله : أرض بما قسم الله تكن أشكر الناس ) . وقوله تعالى : { أيحسبون ~~أنما نمدهم به من مال وبنين } [ المؤمنون : 55 ] ، نزلت فى الكفار ، فليست ~~بمعارضة لدعائه - صلى الله عليه وسلم - لأنس بكثرة المال والولد ، وقال أهل ~~التأويل فى معناها : أيحسبون أنما نمدهم به من مال وبنين مجازاة لهم وخيرا ~~لهم ، بل هو استدراج لهم ، ولذلك قال تعالى : { بل قلوبهم فى غمرة من هذا } ~~[ المؤمنون : 63 ] ، أى فى غطاء عن PageV10P165 المعرفة أن الذى نمدهم به ~~من مال استدراج لهم ، وقال بعض أهل التأويل فى قوله تعالى : { أنما نمدهم ~~به } [ المؤمنون : 55 ] هى الخيرات : فالمعنى نسارع فيه ثم أظهر فقال : { ~~فى الخيرات } [ المؤمنون : 56 ] ، أى نسارع لهم به فى الخيرات . * * * # | 15 - باب فضل الفقر # / 28 - فيه : سهل ، مر رجل على النبى - صلى الله عليه ms3537 وسلم - فقال لرجل ~~عنده جالس : ( ما رأيك فى هذا ) ؟ فقال : رجل من أشراف الناس هذا ، والله ~~حرى إن خطب أن ينكح ، وإن شفع أن يشفع ، قال : فسكت النبى - صلى الله عليه ~~وسلم - ثم مر رجل آخر ، فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( ما ~~رأيك فى هذا ) ؟ فقال : يا رسول الله ، هذا رجل من فقراء المسلمين ، هذا ~~حرى إن خطب أن لا ينكح ، وإن شفع أن لا يشفع ، وإن قال أن لا يسمع لقوله ، ~~فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( هذا خير من ملء الأرض مثل هذا ) ~~. / 29 - وفيه : خباب ، قال : هاجرنا مع النبي - عليه السلام - نريد وجه ~~الله ، فوقع أجرنا على الله ، فمنا من مضى لم يأخذ من أجره شيئا ، منهم ~~مصعب بن عمير قتل يوم أحد ، وترك نمرة ، فإذا غطينا رأسه بدت رجلاه ، وإذا ~~غطينا رجليه بدا رأسه ، فأمرنا النبى - صلى الله عليه وسلم - أن نغطى رأسه ~~ونجعل على رجليه شيئا من الإذخر ، ومنا من أينعت له ثمرته ، فهو يهدبها ) . ~~PageV10P166 / 30 - وفيه : عمران ، قال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( ~~اطلعت فى الجنة ، فرأيت أكثر أهلها الفقراء ، واطلعت فى النار ، فرأيت أكثر ~~أهلها النساء ) . / 31 - وفيه : أنس : أنس ، لم يأكل النبى - صلى الله عليه ~~وسلم - على خوان حتى مات ، وما أكل خبزا مرققا حتى مات . / 32 - وفيه : ~~عائشة ، قالت : لقد توفى النبى - صلى الله عليه وسلم - وما فى رفى من شىء ~~يأكله ذو كبد ، إلا شطر شعير فى رف لى ، فأكلت منه حتى طال على ، فكلته ~~ففنى . قال المؤلف : فى ظاهر هذه الأحاديث فضل الفقر ، كما ترجم البخارى ، ~~وقد طال تنازع الناس فى هذه المسألة ، فذهب قوم إلى تفضيل الفقر ، وذهب ~~آخرون إلى تفضيل الغنى ، واحتج من فضل الفقر بهذه الآثار بغيرها ، فمنها ~~أنه - صلى الله عليه وسلم - كان يقول فى دعائه : ( اللهم أحينى مسكينا ، ~~وأمتنى مسكينا ، واحشرنى فى زمرة المساكين ) . من حديث ثابت بن محمد العابد ~~العوفى ، عن الحارث بن النعمان الليثى ، عن أنس بن مالك ms3538 ، عن النبى - صلى ~~الله عليه وسلم - ذكره الترمذى ، ومنها قوله - صلى الله عليه وسلم - : ( ~~اللهم من آمن بى وصدق ما جئت به ، فأقلل له فى المال والولد ) . وقوله - ~~صلى الله عليه وسلم - : ( إن الفقراء يدخلون الجنة وأصحاب الجد محبوسون ) . ~~روى الترمذى ، عن محمود بن غيلان ، عن قبيصة ، عن سفيان ، عن محمد بن عمرو ~~، عن أبى سلمة ، عن أبى هريرة ، عن النبى - صلى الله عليه وسلم - قال : ( ~~يدخل الفقراء الجنة قبل الأغنياء بخمسمائة سنة ، نصف يوم ) قال الترمذى : ~~وهذا حديث صحيح . واحتج من فضل الغنى بقوله - صلى الله عليه وسلم - : ( إن ~~المكثرين هم الأقلون ، إلا من قال بالمال هكذا وهكذا ) . وبقوله - صلى الله ~~عليه وسلم - : ( لا حسد إلا فى اثنتين ، أحدهما : رجل آتاه الله مالا فسلطه ~~على هلكته في الحق ) الحديث . PageV10P167 وبقوله لسعد : ( إنك إن تذر ~~ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس ) . وقال لأبى لبابة حين ~~قال : يا رسول الله ، إن توبتى أن أنخلع من مالى صدقة إلى الله ورسوله : ( ~~أمسك عليك بعض مالك فإنه خير لك ) . وقال فى معاوية : ( إنه لصعلوك لا مال ~~له ) ، ولم يكن - صلى الله عليه وسلم - ليذم حالة فيها الفضل . وأحسن ما ~~رأيت فى هذه المسألة ما قاله أحمد بن نصر الداودى قال : الفقر والغنى ~~محنتان من الله تعالى وبليتان يبلو بهما أخيار عباده ليبدى صبر الصابرين ~~وشكر الشاكرين وطغيان البطرين ، وإنما أشكل ذلك على غير الراسخين ، فوضع ~~قوم الكتب فى تفضيل الغنى على الفقر ، ووضع آخرون فى تفضيل الفقر ، وأغفلوا ~~الوجه الذى يجب الحض عليه والندب إليه ، وأرجو لمن صحت نيته وخلصت لله ~~طويته ، وكانت لوجهه مقالته أن يجازيه الله على نيته ويعلمه ، قال تعالى : ~~{ إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم أيهم أحسن عملا } [ الكهف : 7 ] ~~، وقال تعالى : { ونبلوكم بالشر والخير فتنة } [ الأنبياء : 35 ] ، وقال : ~~{ وإذا أنعمنا على الإنسان أعرض ونأى بجانبه وإذا مسه الشر فذو دعاء عريض } ~~[ فصلت : 51 ] ، وقال : { إن الإنسان خلق هلوعا إذا مسه الشر جزوعا وإذا ms3539 ~~مسه الخير منوعا } [ المعارج : 19 - 21 ] ، وقال تعالى : { فأما الإنسان ~~إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه ونعمه فيقول ربى أكرمن وأما إذا ما ابتلاه فقدر ~~عليه رزقه فيقول ربى أهانن } [ الفجر : 15 ، 16 ] ، وقال : { ولو بسط الله ~~الرزق لعباده لبغوا في الأرض } [ الشورى : 27 ] PageV10P168 الآية ، وقال : ~~{ ولولا أن يكون الناس أمة واحدة لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم } [ ~~الزخرف : 33 ] الآية ، وقال : { كلا إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى } [ ~~العلق : 6 ، 7 ] ، وقال : { وإنه لحب الخير لشديد } [ العاديات : 8 ] ، ~~يعنى لحب المال ، وقال - صلى الله عليه وسلم - : ( ما الفقر أخشى عليكم ، ~~ولكن أخاف عليكم أن تفتح الدنيا عليكم . . ) الحديث . وكان - صلى الله عليه ~~وسلم - يستعيذ من فتنة الفقر ، وفتنة الغنى ، فدل هذا كله أن ما فوق الكفاف ~~محنة ، لا يسلم منها إلا من عصمه الله ، وقد قال - صلى الله عليه وسلم - : ~~( ما قل وكفى خير مما كثر وألهى ) . وقال عمر ابن الخطاب لما أوتى بأموال ~~كسرى : ( ما فتح الله هذا على قوم إلا سفكوا دماءهم وقطعوا أرحامهم . وقال ~~: اللهم إنا لا نستطيع إلا أن نفرح بما زينت لنا ، اللهم إنك منعت هذا ~~رسولك إكراما منك له ، وفتحته على لتبتلينى به ، اللهم سلطنى على هلكته فى ~~الحق واعصمنى من فتنته ) . فهذا كله يدل على فضل الكفاف ، لا فضل الفقر كما ~~خيل لهم ، بل الفقر والغنى بليتان كان النبى - صلى الله عليه وسلم - يستعيذ ~~من فتنتهما ، ويدل على هذا قوله تعالى : { ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ~~ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوما محسورا } [ الإسراء : 29 ] ، وقال : { ~~والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما } [ الفرقان : ~~67 ] ، وقال : { ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التى جعل الله لكم قياما } [ ~~النساء : 5 ] ، وقال فى ولى اليتيم : { ومن كان غنيا فليستعفف ومن كان ~~فقيرا فليأكل PageV10P169 بالمعروف } [ النساء : 6 ] ، وقال : { وليخش ~~الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافا خافوا عليهم } [ النساء : 9 ] ، وقال - ~~صلى الله عليه وسلم - لأبى لبابة : ( أمسك عليك بعض مالك ) . وقال لسعد : ( ~~إنك ms3540 إن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس ) . وهذا من ~~الغنى الذى لا يطغى ، ولو كان كل ما زاد كان أفضل لنهاه النبى - صلى الله ~~عليه وسلم - أن يوصى بشىء ، واقتصرت أيدى الناس عن الصدقات وعن الإنفاق فى ~~سبيل الله ، وقال لعمرو بن العاص : ( هل لك أن أبعثك فى جيش يسلمك الله ~~ويغنمك ، وأرغب لك رغبة من المال ؟ فقال : ما للمال كانت هجرتى ، إنما كانت ~~لله ولرسوله . فقال : نعم المال الصالح للرجل الصالح ) . ولم يكن - صلى ~~الله عليه وسلم - ليحض أحدا على ما ينقص حظه عند الله ، فلا يجوز أن يقال ~~إن إحدى هاتين الخصلتين أفضل من الأخرى ؛ لأنهما محنتان ، وكأن قائل هذا ~~يقول : إن ذهاب يد الإنسان أفضل عند الله من ذهاب رجله ، وإن ذهاب سمعه ~~أفضل من ذهاب بصره ؛ فليس هاهنا موضع للفضل ، وإنما هى محن يبلو الله بها ~~عباده ؛ ليعلم الصابرين والشاكرين من غيرهما ، ولم يأت فى الحديث ، فيما ~~علمنا ، أن النبى - صلى الله عليه وسلم - كان يدعو على نفسه بالفقر ، ولا ~~يدعو بذلك على أحد يريد به الخير ، بل كان يدعو بالكفاف ويستعيذ بالله من ~~شر فتنة الفقر وفتنة الغنى ، ولم يكن يدعو بالغنى إلا بشريطة يذكرها فى ~~دعائه . فأما ما روى عنه أنه كان يقول : ( اللهم أحينى مسكينا وأمتنى ~~مسكينا ، واحشرنى فى زمرة المساكين ) . فإن ثبت فى النقل فمعناه ~~PageV10P170 ألا يجاوز به الكفاف ، أو يريد به الاستكانة إلى الله ، ويدل ~~على صحة هذا التأويل أنه ترك أموال بنى النضير وسهمه من فدك وخيبر ، فغير ~~جائز أن يظن به أن يدعو إلى الله ألا يكون بيده شىء ، وهو يقدر على إزالته ~~من يده بإنفاقه . وما روى عنه أنه قال : ( اللهم من آمن بى وصدق ما جئت به ~~، فأقلل له من المال والولد ) . فلا يصح فى النقل ولا فى الاعتبار ، ولو ~~كان إنما دعا بذلك فى المال وحده لكان محتملا أن يدعو لهم بالكفاف ، وأما ~~دعاؤه بقلة الولد فكيف يدعو أن يقل المسلمون ، وما ms3541 يدفعه العيان مدفوع عنه ~~- صلى الله عليه وسلم - ، وأحاديثه لا تتناقض . كيف يذم معاوية ، ويأمر أبا ~~لبابة وسعدا أن يبقيا ما ذكر من المال ويقول : إنه خير ، ثم يخالف ذلك ، ~~وقد ثبت أنه دعا لأنس بن مالك وقال : ( اللهم أكثر ماله وولده ، وبارك له ~~فيما أعطيته ) . قال أنس : فلقد أحصت ابنتى أنى قدمت من ولد صلبى مقدم ~~الحجاج البصرة مائة وبضعة وعشرين نسمة بدعوة رسول الله ، وعاش بعد ذلك سنين ~~وولد له ) . فلم يدع له بكثرة المال إلا وقد أتبع ذلك بقوله : ( وبارك له ~~فيما أعطيته ) . فإن قيل : فأى الرجلين أفضل : المبتلى بالفقر ، أو المبتلى ~~بالغنى إذا صلحت حال كل واحد منهما ؟ قيل : السؤال عن هذا لا يستقيم ؛ إذ ~~قد يكون لهذا أعمال سوى تلك المحنة يفضل بها صاحبه والآخر كذلك ، وقد يكون ~~هذا الذى صلح حاله على الفقر لا يصلح حاله على الغنى ، ويصلح حال الآخر على ~~الفقر والغنى . فإن قيل : فإن كان كل واحد منهما يصلح حاله فى الأمرين ، ~~وهما فى غير ذلك من الأعمال متساويان قد أدى الفقير ما يجب عليه فى فقره من ~~الصبر والعفاف والرضا ، وأدى الغنى ما يجب عليه من الإنفاق والبذل ~~PageV10P171 والشكر والتواضع ، فأى الرجلين أفضل ؟ قيل : علم هذا عند الله ~~. وأما قوله : ( وأصحاب الجد محبوسون ) . فإنما يحبس لهذا أهل التفاخر ~~والتكاثر ، وإنما من أدى حق الله فى ماله ، ولم يرد به التفاخر وأرصد باقيه ~~لحاجته إليه ، فليس أولئك بأولى منه فى السبق إلى شىء ، ويدل على هذا قوله ~~- صلى الله عليه وسلم - : ( لا حسد إلا فى اثنتين : رجل آتاه الله مالا ~~فسلطه على هلكته فى الحق ) . فبين أنه لا شىء أرفع من هاتين الحالتين ، وهو ~~المبين عن الله تعالى معنى ما أراد ، ولو كان من هذه حاله مسبوقا فى الأخرى ~~لما حض النبى - صلى الله عليه وسلم - على أن يتنافس فى عمله ، ولحض أبا ~~لبابة على الحالة التى يسبق بها إلى الجنة ، ألا ترى قوله - صلى الله عليه ~~وسلم - فى حديث : ( الخيل ms3542 لثلاثة : لرجل أجر ، ولرجل ستر ، وعلى رجل وزر ، ~~فالذى هى عليه وزر فرجل ربطها فخرا ورياء ونواء لأهل الإسلام ) . فهذا من ~~المحبوسين للحساب ، والأولان فهو كفافهما ، غير أن آفات الغنى أكثر ، ~~والناجون من أهل الغنى أقل ، إذ لا يكاد يسلم من آفاته إلا من عصمه الله ؛ ~~فلذلك عظمت منزلة المعصوم فيه ؛ لأن الشيطان يسول فيه إما فى الأخذ بغير ~~حقه ، أو فى الوضع فى غير حقه ، أو فى منعه من حقه ، أو فى التجبر والطغيان ~~من أجله ، أو فى قلة الشكر عليه أو فى المنافسة فيه إلى ما لا يبلغ صفته . ~~قال المهلب : وليس فى قوله - صلى الله عليه وسلم - : ( يدخل فقراء أمتى ~~الجنة قبل أغنيائهم بخمسمائة عام ) تفضيل للفقر ؛ لأن تقديم دخول الجنة لا ~~تستحق به الفضيلة ، ألا ترى أن النبي - عليه السلام - أفضل البشر ولا يتقدم ~~بالدخول فى الجنة حتى يشفع فى أمته ، وكذلك صالح المؤمنين PageV10P172 ~~يشفعون فى قوم دونهم فى الدرجة ، وإنما ينظر يوم القيامة بين الناس فيقدم ~~الأقل حسابا فالأقل ، فلذلك قدم الفقراء ، لأنهم لا علقة عليهم فى حساب ~~الأموال ، فيدخلون الجنة قبل الأغنياء ، ثم يحاسب أصحاب الأموال فيدخلون ~~الجنة ، وينالون فيها من الدرجات ما قد لا يبلغه الفقراء ، وكذلك ليس فى ~~قوله - صلى الله عليه وسلم - : ( اطلعت فى الجنة فرأيت أكثر أهلها الفقراء ~~) . ما يوجب فضل الفقراء ، وإنما معناه أن الفقراء فى الدنيا أكثر من ~~الأغنياء ، فأخبر عن ذلك كما نقول أكثر أهل الدنيا الفقراء ، لا من جهة ~~التفضيل ، وإنما هو إخبار عن الحال ، وليس الفقر أدخلهم الجنة ، إنما ~~أدخلهم الله الجنة بصلاحهم مع الفقر ؛ أرأيت الفقير إذا لم يكن صالحا فلا ~~فضل له فى الفقر ، وأما حديث سهل فلا يخلو أن يكون فضل الرجل الفقير على ~~الغنى من أجل فقره أو من أجل فضله ، فإن كان من أجل فضله فلا حجة فيه لمن ~~فضل الفقر ، وإن كان من أجل فقره فكان ينبغى أن يشترط فى ملء الأرض مثله لا ~~فقير فيهم . ولا دليل فى ms3543 الحديث يدل على تفضيله عليه مع جهة فقره ؛ لأنا ~~نجد الفقير إذا لم يكن صالحا ؛ فكل غنى صالح خير منه ، وفى حديث خباب أن ~~هجرتهم لم تكن لدنيا يصيبونها ، ولا نعمة يستعجلونها ، وإنما كانت لله ؛ ~~ليثبتهم عليها فى الآخرة بالجنة والنجاة من النار ، فمن قتل منهم قبل أن ~~يفتح الله عليهم البلاد قالوا : مر ولم يأخذ من أجره شيئا فى الدنيا ، وكان ~~أجره فى الآخرة موفرا له وكان الذى بقى منهم حتى فتح الله عليهم الدنيا ، ~~ونالوا من الطيبات ؛ خشوا أن يكون عجل لهم أجر طاعتهم وهجرتهم فى الدنيا ~~بما نالوا PageV10P173 منها من النعيم ؛ إذ كانوا على نعيم الآخرة أحرص . ~~وتركه - صلى الله عليه وسلم - الأكل على الخوان وأكل المرقق ، فإنما فعل ~~ذلك كأنه رفع الطيبات للحياة الدائمة فى الآخرة ، ولم يرض أن يستعجل فى ~~الدنيا الفانية شيئا منها أخذا منه بأفضل الدارين ، وكان قد خيره الله بين ~~أن يكون نبيا عبدا أو نبيا ملكا ، فأختار عبدا ، فلزمه أن يفى الله بما ~~اختاره ، والمال إنما يرغب فيه مع مقارنة الدين ليستعان به على الآخرة ، ~~والنبى - صلى الله عليه وسلم - قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر ، فلم ~~يحتج إلى المال من هذه الوجوه ، وكان قد ضمن الله له رزقه بقوله : { نحن ~~نرزقك والعاقبة للتقوى } [ طه : 132 ] . وقول عائشة : ( لقد توفى رسول الله ~~وما فى بيتى شىء يأكله ذو كبد ، إلا شطر شعير ) هو فى معنى حديث أنس الذى ~~قبله من الأخذ بالاقتصاد وبما يسد الجوعة ، وفيه بركة النبى - صلى الله ~~عليه وسلم - . وفيه أن الطعام المكيل يكون فناؤه معلوما للعلم بكيله وأن ~~الطعام غير المكيل فيه البركة ؛ لأنه غير معلوم مقداره . * * * # | 16 - باب كيف كان عيش النبى - صلى الله عليه وسلم - ، وأصحابه وتخليهم ~~من الدنيا # / 33 - فيه : أبو هريرة أنه كان يقول : ( أالله الذى لا إله إلا هو ، إن ~~كنت لأعتمد بكبدى على الأرض من الجوع ، وإن كنت لأشد الحجر على بطنى من ~~الجوع ، ولقد قعدت يوما على ms3544 طريقهم الذى يخرجون منه ، فمر أبو بكر فسألته ~~عن آية من كتاب الله ما سألته إلا ليشبعنى ، فمر ولم يفعل ، ثم مر بى عمر ~~فسألته عن آية من كتاب الله ما سألته إلا ليشبعنى ، فمر فلم يفعل ، ثم مر ~~بى أبو القاسم - صلى الله عليه وسلم - فتبسم حين رآنى ، وعرف ما فى نفسى ، ~~وما في وجهي ، ثم قال : يا أبا هر ، PageV10P174 قلت : لبيك يا رسول الله ، ~~قال : الحق ومضى ، فتبعته فدخل ، فاستأذن فأذن لى ، فدخل ، فوجد لبنا فى ~~قدح ، فقال : من أين هذا اللبن ؟ قالوا : أهداه لك فلان أو فلانة ، قال : ~~أبا هر ، قلت : لبيك يا رسول الله ، قال الحق إلى أهل الصفة ، فادعهم لى ، ~~قال : وأهل الصفة أضياف الإسلام ، لا يأوون إلى أهل ولا مال ولا على أحد ، ~~إذا أتته صدقة بعث بها إليهم ، ولم يتناول منها شيئا ، وإذا أتته هدية أرسل ~~إليهم ، وأصاب منها ، وأشركهم فيها فساءنى ذلك ، فقلت : وما هذا اللبن فى ~~أهل الصفة ، كنت أحق أنا أن أصيب من هذا اللبن شربة أتقوى بها ، فإذا جاء ، ~~أمرنى فكنت أنا أعطيهم ، وما عسى أن يبلغنى من هذا اللبن ، ولم يكن من طاعة ~~الله وطاعة رسوله - صلى الله عليه وسلم - بد ، فأتيتهم ، فدعوتهم ، فأقبلوا ~~، فاستأذنوا ، فأذن لهم ، وأخذوا مجالسهم من البيت ، قال : يا أبا هر ، قلت ~~: لبيك يا رسول الله ، قال : خذ فأعطهم ، قال : فأخذت القدح ، فجعلت أعطيه ~~الرجل ، فيشرب حتى يروى ، ثم يرد على القدح ، فأعطيه الرجل ، فيشرب حتى ~~يروى ثم ، يرد على القدح ، فيشرب حتى يروى ، ثم يرد على القدح ، حتى انتهيت ~~إلى النبى - صلى الله عليه وسلم - ، وقد روى القوم كلهم ، فأخذ القدح ، ~~فوضعه على يده ، فنظر إلى فتبسم ، فقال : أبا هر ، قلت : لبيك يا رسول الله ~~، قال : بقيت أنا وأنت ، قلت : صدقت يا رسول الله ، قال ، اقعد فاشرب ، ~~فقعدت فشربت ، فقال : اشرب فشربت ، فما زال يقول : اشرب حتى قلت : لا ، ~~والذى بعثك بالحق ، ما أجد له مسلكا ، قال : فأرنى ، فأعطيته القدح ، فحمد ~~الله وسمى ms3545 ، وشرب الفضلة ) . / 34 - وفيه : سعد قال : إنى لأول العرب رمى ~~بسهم فى سبيل الله ، ورأيتنا نغزو ، وما لنا طعام إلا ورق الحبلة ، وهذا ~~السمر ، وإن أحدنا ليضع كما تضع الشاة ما له خلط ، ثم أصبحت بنو أسد تعزرنى ~~على الإسلام ، خبت إذا وضل سعيى . / 35 - وفيه : عائشة ، ما شبع آل محمد - ~~صلى الله عليه وسلم - منذ قدم المدينة من طعام بر ثلاث ليال تباعا حتى قبض ~~. PageV10P175 / 36 - وقالت : ما أكل آل محمد - صلى الله عليه وسلم - ~~أكلتين فى يوم إلا إحداهما تمر . / 37 - وقالت : كان فراش النبى - صلى الله ~~عليه وسلم - من أدم وحشوه من ليف . / 38 - وعن : أنس ، كنا نأتيه وخبازه ~~قائم ، قال : كلوا فما أعلم النبى - صلى الله عليه وسلم - رأى رغيفا مرققا ~~حتى لحق بالله ، ولا رأى شاة سميطا بعينه قط . / 39 - وفيه : عائشة ، قالت ~~: كان يأتى علينا الشهر وما نوقد فيه نارا ، إنما هو التمر والماء إلا أن ~~نؤتى باللحيم . / 40 - وفيه : أبو هريرة ، قال النبى - صلى الله عليه وسلم ~~- : ( اللهم ارزق آل محمد قوتا ) . قال الطبري : فى اختيار رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - وخيار السلف من الصحابة والتابعين شظف العيش ، والصبر على ~~مرارة الفقر والفاقة ومقاساة خشونة خشن الملابس والمطاعم على خفض ذلك ودعته ~~، وحلاوة الغنى ونعيمه ما أبان عن فضل الزهد فى الدنيا وأخذ القوت والبلغة ~~خاصة . وكان نبينا - صلى الله عليه وسلم - يطوى الأيام ، ويعصب على بطنه ~~الحجر من الجوع ؛ إيثارا منه شظف العيش والصبر عليه ، مع علمه بأنه لو سأل ~~ربه أن يسير له جبال تهامة ذهبا وفضة لفعل ، وعلى هذه الطريقة جرى الصالحون ~~، ألا ترى قول أبى هريرة أنه كان يشد الحجر على بطنه من الجوع ، وخرج يتعرض ~~من يمر به من الصحابة يسأله عن آى القرآن ليحمله ويطعمه . وفيه أن كتمان ~~الحاجة أحرى بإظهارها وأشبه بأخلاق الصابرين ، وإن كان جائزا له الإخبار ~~بباطن أمره وحاجته لمن يرجوه لكشف فاقته . PageV10P176 وهذا الحديث علم ~~عظيم من أعلام النبوة ، وذلك أن النبى ms3546 - صلى الله عليه وسلم - عرف ما فى ~~نفس أبى هريرة ، ولم يعلم ذلك أبو بكر ولا عمر . وفيه شرب العدد الكثير من ~~اللبن القليل حتى شبعوا ببركة النبوة . وفيه ما كان - صلى الله عليه وسلم - ~~من إيثار البلغة وأخذ القوت فى كرم نفسه وأنه لم يستأثر بشىء من الدنيا دون ~~أمته . وقوله : ( اللهم ارزق آل محمد قوتا ) . فيه دليل على فضل الكفاف ~~وأخذ البلغة من الدنيا ، والزهد فيما فوق ذلك رغبة فى توفير نعيم الآخرة ، ~~وإيثارا لما يبقى على ما يفنى لتقتدى بذلك أمته ، ويرغبوا فيما رغب فيه ~~نبيهم - صلى الله عليه وسلم - . وروى الطبرى بإسناده عن ابن مسعود قال : ~~حبذا المكروهان الموت والفقر ، والله ما هو إلا الغنى والفقر وما أبالى ~~بأيهما ابتليت ، إن حق الله فى كل واحد منها واجب ، إن كان الغنى ففيه ~~التعطف ، وإن كان الفقر ففيه الصبر ، قال الطبرى : فمحنة الصابر أشد من ~~محنة الشاكر ، وإن كانا شريفى المنزلة ، غير أنى أقول كما قال مطرف بن عبد ~~الله : لأن أعافى فأشكر أحب إلى من أن أبتلى فأصبر . ومن فضل قلة الأكل ما ~~روى يحيى بن أبى كثير ، عن أبى سلمة ، عن أبى هريرة قال : قال رسول الله : ~~( إن أهل البيت ليقل طعمهم فتستنير بيوتهم ) . وروى إسحاق بن عبد الله بن ~~أبى طلحة ، عن محمد بن على ، عن أبيه ، عن النبى - صلى الله عليه وسلم - ~~قال : ( من سره أن يكون حكيما فليقل طعمه ، فإنه يغشى جوفه نور الحكمة ) . ~~وقال مالك ابن دينار : سمعت PageV10P177 عبد الله الرازي يقول : كان أهل ~~العلم بالله والقبول عنه يقولون : إن الشبع يقسى القلب ، ويفتر البدن . ومن ~~سير السلف فى تخليهم من الدنيا ما روى وكيع ، عن الأعمش ، عن شقيق بن سلمة ~~عن مسروق ، عن عائشة قالت : قال أبو بكر في مرضه الذى مات فيه : انظروا ما ~~زاد فى مالى منذ دخلت فى الخلافة ؛ فابعثوا به إلى الخليفة بعدى ، فإنى قد ~~كنت أستحله ، وقد كنت أصيب من الودك نحوا مما كنت أصيب ms3547 من التجارة . قالت ~~عائشة : فلما مات نظرنا فإذا عبد نوبى يحمل صبيانه وناضح كان يسنى عليه ، ~~فبعثناهما إلى عمر فأخبرنى جدى أن عمر بكى وقال : رحمة الله على أبى بكر ~~لقد أتعب من بعده . والحبلة والسمر : نوعان من الشجر أو النبات ، عن أبى ~~عبيد . وقد تقدم الكلام فى حديث سعد وما فيه فى كتاب الأطعمة فى باب ما كان ~~النبى - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه يأكلون وتقدم فيه أيضا الكلام فى ~~حديث عائشة وأنس وأبى هريرة مع الأحاديث المعارضة لها . * * * # | 17 - باب القصد والمداومة على العمل # / 41 - فيه : عائشة ، سئلت أى العمل كان أحب إلى رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - ؟ قالت : الدائم ، قال : قلت : فأى حين كان يقوم ؟ قالت : كان ~~يقوم إذا سمع الصارخ . / 42 - وفيه : أبو هريرة ، قال النبى - صلى الله ~~عليه وسلم - : ( لن ينجي أحدا PageV10P178 منكم عمله ) ، قالوا : ولا أنت ~~يا رسول الله ؟ قال : ( ولا أنا ، إلا أن يتغمدنى الله برحمة ، سددوا ، ~~وقاربوا واغدوا ، وروحوا ، وشىء من الدلجة ، والقصد القصد تبلغوا ) . / 43 ~~- وفيه : عائشة ، قال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( سددوا ، وقاربوا ، ~~واعلموا أن لن يدخل أحدكم عمله الجنة ، وأن أحب الأعمال إلى الله أدومها ، ~~وإن قل ) . / 44 - وقال فى حديث آخر : ( اكلفوا من العمل ما تطيقون ) . / ~~45 - وقال علقمة : سألت عائشة ، كيف كان عمل النبى - صلى الله عليه وسلم - ~~هل كان يخص شيئا من الأيام ؟ قالت : لا ، كان عمله ديمة ، وأيكم يستطيع ما ~~كان النبى - صلى الله عليه وسلم - يستطيع . / 46 - وفيه : أنس ، صلى لنا ~~النبى - صلى الله عليه وسلم - يوما الصلاة ، ثم رقى المنبر ، فأشار بيده ~~قبل قبلة المسجد ، فقال : ( قد أريت الآن منذ صليت لكم الصلاة الجنة والنار ~~ممثلتين فى قبل هذا الجدار ، فلم أر كاليوم فى الخير والشر ) ، مرتين . قال ~~المؤلف : إنما حض النبى - صلى الله عليه وسلم - أمته على القصد والمداومة ~~على العمل ، وإن قل خشية الانقطاع عن العمل الكثير فكأنه رجوع فى فعل ~~الطاعات ، وقد ذم الله ذلك ، ومدح من أوفى ms3548 بالنذر ، وقد تقدم بيان هذا ~~المعنى فى أبواب صلاة الليل فى آخر كتاب الصلاة . فإن قال قائل : إن قول ~~عائشة : إن النبى لم يكن يخص شيئا من الأيام بالعمل ؛ يعارضه قولها : ما ~~رأيت رسول الله أكثر صياما منه فى شعبان . قيل : لا تعارض بين شىء من ذلك ، ~~وذلك أنه كان كثير الأسفار فى الجهاد ، فلا يجد سبيلا إلى صيام PageV10P179 ~~الثلاثة الأيام من كل شهر ، فيجمعها فى شعبان ، ألا ترى قول عائشة : كان ~~يصوم حتى نقول لا يفطر ، ويفطر حتى نقول لا يصوم فهذا يبين أنه كان لا يخص ~~شيئا من الزمان ؛ بل كان يوقع العبادة على قدر نشاطه ، وفراغه لذلك من ~~جهاده وأسفاره ، فيقل مرة ويكثر أخرى ، هذا قول المهلب ، وقد قيل فى معنى ~~كثرة : صيامه فى شعبان وجوه آخر قد ذكرتها فى باب صوم شعبان فى كتاب الصيام ~~. فإن قيل : فما معنى ذكر حديث أنس فى هذا الباب ؟ قيل : معناه أن يوجب ~~ملازمة العمل وإدمانه ما مثل له من الجنة للرغبة ، ومن النار للرهبة ، فكان ~~فى ذلك فائدتان : إحداهما : تنبيه للناس أن يتمثلوا الجنة والنار بين ~~أعينهم إذا وقفوا بين يدى الله ، كما مثلها الله لنبيه ، وشغله بالفكرة ~~فيهما عن سائر الأفكار الحادثة عن تذكير الشيطان بما يسهيه حتى لا يدرى كم ~~صلى ، والثانية : أن يكون الخوف من النار الممثلة والرغبة فى الجنة نصب ~~عينى المصلى فيكونا باعثين له على الصبر ، والمداومة على العمل المبلغ إلى ~~رحمة الله والنجاة من النار برحمته . فإن قال قائل : فإن قوله - صلى الله ~~عليه وسلم - : ( لن يدخل أحدكم عمله الجنة ) يعارض قوله تعالى : { وتلك ~~الجنة التى أورثتموها بما كنتم تعملون } [ الزخرف : 72 ] . قيل : ليس كما ~~توهمت ، ومعنى الحديث غير معنى الآية ، أخبر النبى - صلى الله عليه وسلم - ~~فى الحديث أنه لا يستحق أحد دخول الجنة بعمله ، وإنما يدخلها العباد برحمة ~~الله ، وأخبر الله تعالى فى الآية أن الجنة تنال المنازل فيها بالأعمال ، ~~ومعلوم أن درجات العباد فيها متباينة على قدر تباين أعمالهم ، فمعنى ms3549 الآية ~~فى ارتفاع الدرجات وانخفاضها والنعيم فيها ، ومعنى الحديث فى الدخول فى ~~الجنة والخلود فيها ، فلا تعارض بين شيء من ذلك . PageV10P180 فإن قيل : ~~فقد قال تعالى فى سورة النحل : { سلام عليكم ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون ~~} [ النحل : 32 ] ، فأخبر أن دخول الجنة بالأعمال أيضا . فالجواب : أن قوله ~~: { ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون } [ النحل : 32 ] كلام مجمل يبينه الحديث ~~، وتقديره ادخلوا منازل الجنة وبيوتها بما كنتم تعملون ، فالآية مفتقرة إلى ~~بيان الحديث . وللجمع بين الحديث وبين الآيات وجه آخر هو أن يكون الحديث ~~مفسرا للآيات ، ويكون تقديرها : { وتلك الجنة التى أورثتموها بما كنتم ~~تعملون } [ الزخرف : 72 ] ، و { كلوا واشربوا هنيئا بما كنتم تعملون } [ ~~الطور : 19 ] ، و { ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون } [ النحل : 32 ] مع رحمة ~~الله لكم وتفضله عليكم ؛ لأن فضله تعالى ورحمته لعباده فى اقتسام المنازل ~~فى الجنة ، كما هو فى دخول الجنة لا ينفك منه ، حين ألهمهم إلى ما نالوا به ~~ذلك ، ولا يخلو شىء من مجازاة الله عباده من رحمته وتفضله ، ألا ترى أنه ~~تعالى جازى على الحسنة عشرا ، وجازى على السيئة واحدة ، وأنه ابتدأ عباده ~~بنعم لا تحصى ، لم يتقدم لهم فيها سبب ولا فعل ، منها أن خلقهم بشرا سويا ، ~~ومنها نعمة الإسلام ونعمة العافية ونعمة تضمنه تعالى لأرزاق عباده ، وأنه ~~كتب على نفسه الرحمة ، وأن رحمته سبقت غضبه ، إلى ما لا يهتدى إلى معرفته ~~من ظاهر النعم وباطنها . وقوله : ( إلا أن يتغمدنى الله ) قال أبو عبيد : ~~لا أحسب يتغمدنى إلا مأخوذ من غمد السيف ، لأنك إذا غمدته فقد ألبسته إياه ~~وغشيته به . وقول عائشة : ( كان عمله ديمة ) يعنى دائما ، وأصل الديمة : ~~المطر الدائم مع سكون ، قال لبيد : PageV10P181 # % باتت وأسبل واكف من ديمة % يروى الخمائل دائما تسجامها % % فأخبر أن ~~الديمة : الدائم ، فشبهت عائشة عمله - صلى الله عليه وسلم - فى دوامه مع ~~الاقتصاد وترك الغلو بديمة المطر . * * * # | 18 - باب الصبر عن محارم الله # وقوله : { إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب } [ الزمر : 10 ] . وقال ~~عمر : وجدنا خير عيشنا بالصبر ms3550 . / 47 - فيه : أبو سعيد ، أن أناسا من ~~الأنصار سألوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلم يسأله أحد إلا أعطاه ~~حتى نفد ما عنده ، فقال : ( لهم ما يكون عندى من خير لا أدخره عنكم ، وإنه ~~من يستعف يعفه الله ، ومن يتصبر يصبره الله ، ومن يستغن يغنه الله ، ولن ~~تعطوا عطاء خيرا وأوسع من الصبر ) . / 48 - وفيه : المغيرة ، كان النبى - ~~صلى الله عليه وسلم - يصلى حتى ترم أو تنتفخ قدماه ، فيقال له ، فيقول : ( ~~أفلا أكون عبدا شكورا ) . قال المؤلف : أرفع الصابرين منزلة عند الله من ~~صبر عن محارم الله ، وصبر على العمل بطاعة الله ، ومن فعل ذلك فهو من خالص ~~عباد الله وصفوته ، ألا ترى قوله - صلى الله عليه وسلم - : ( لن تعطوا عطاء ~~خيرا وأوسع من الصبر ) وسئل الحسن عن قوله - صلى الله عليه وسلم - حين سئل ~~عن الإيمان فقال : ( الصبر والسماح ) فقيل للحسن : ما الصبر والسماح ؟ فقال ~~: السماح بفرائض الله ، والصبر عن محارم الله . PageV10P182 وقال الحسن : ~~وجدت الخير فى صبر ساعة . وقوله - صلى الله عليه وسلم - : ( من يستعفف يعفه ~~الله ومن يتصبر يصبره الله ، ومن يستغن يغنه الله ) معناه من يعفه الله ~~يستعفف ، ومن يصبره الله يتصبر ، ومن يغنه الله يستغن ، وهذا مثل قوله ~~تعالى : { فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى } [ الليل : 5 ، 6 ] الآية . ~~يبين صحة هذا قوله تعالى : { ثم تاب عليهم ليتوبوا } [ التوبة : 118 ] ، ~~فلولا ما سبق فى علمه أنه قضى لهم بالتوبة ما تابوا ، وكذلك لولا ما سبق فى ~~علم الله أنهم ممن يستعفف ويستغنى ويصبر ما قدروا على شىء من ذلك بفعلهم . ~~يبين ذلك قوله - صلى الله عليه وسلم - : ( اعملوا فكل ميسر لما خلق له ) ~~وهذا حجة فى أن أفعال العباد خلق لله تعالى والصبر فى حديث المغيرة صبر على ~~العمل بطاعة الله ، لأنه كان - صلى الله عليه وسلم - يصلى بالليل حتى ترم ~~قدماه ، ويقول : ( أفلا أكون عبدا شكورا ) . قال الطبرى : وقد اختلف السلف ~~فى حد الشكر فقال بعضهم : شكر العبد لربه على أياديه عنده رضاؤه ms3551 بقضائه ، ~~وتسليمه لأمره فيما نابه من خير أو شر ، ذكره الربيع بن أنس عن بعض أصحابه ~~. وقال آخرون : الشكر لله هو الإقرار بالنعم أنها منه ، وأنه المتفضل بها ، ~~وقالوا الحمد والشكر بمعنى واحد روى ذلك عن ابن عباس وابن زيد . قال الطبرى ~~: والصواب فى ذلك أن شكر العبد هو إقراره بأن ذلك من الله دون غيره وإقرار ~~الحقيقة الفعل ، ويصدقه العمل ، فأما PageV10P183 الإقرار الذى يكذبه العمل ~~، فإن صاحبه لا يستحق اسم الشاكر بالإطلاق ، ولكنه يقال شكر باللسان ~~والدليل على صحة ذلك قوله تعالى : { اعملوا آل داوود شكرا } [ سبأ : 13 ] ، ~~ومعلوم أنه لم يأمرهم ، إذ قال لهم ذلك ، بالإقرار بنعمه ؛ لأنهم كانوا لا ~~يجحدون أن يكون ذلك تفضلا منه عليهم ، وإنما أمرهم بالشكر على نعمه بالطاعة ~~له بالعمل ، وكذلك قال - صلى الله عليه وسلم - حين تفطرت قدماه فى قيام ~~الليل : ( أفلا أكون عبدا شكورا ) . فإن قال قائل : فأى المنزلتين أعلى ~~درجة : الصبر أو الشكر ؟ قيل : كل رفيع الدرجة شريف المنزلة ، وما ذو ~~العافية والرخاء كذى الفاقة والبلاء ، وفى قوله تعالى : { إنما يوفى ~~الصابرون أجرهم بغير حساب } [ الزمر : 10 ] ، وخصوصه إياهم من الأجر على ~~صبرهم دون سائر من ضمن له ثوابا على عمله ما يبين عن فضل الصبر . وقد روى ~~الأعمش ، عن أبى الزبير ، عن جابر قال : قال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - : ( يود أهل العافية يوم القيامة أن جلودهم فى الدنيا كانت تقرض ~~بالمقاريض لما يرون من ثواب الله تعالى لأهل البلاء ) وذكر ابن أبى الدنيا ~~من حديث أم هانئ قالت : ( دخل على رسول الله فقال : أبشرى ، فإن الله قد ~~أنزل لأمتى الخير كله ، قد أنزل { إن الحسنات يذهبن السيئات } [ هود : 114 ~~] ، قلت : بأبى وأمى وما الحسنات ؟ قال الصلوات الخمس ودخل على فقال : ~~أبشرى فإنه قد أنزل خير لا شر بعده . قلت : بأبى وأمى ما هو ؟ قال : أنزل ~~الله { من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها } [ الأنعام : 160 ] ، فقلت : يا رب ~~زد أمتى ، فأنزل الله تعالى : { مثل الذين ينفقون أموالهم فى ms3552 سبيل الله ~~كمثل حبة أنبتت سبع سنابل فى كل سنبلة مائة حبة } [ البقرة : 261 ] ، ~~PageV10P184 فقلت : يا رب زد أمتى . فأنزل الله : { إنما يوفى الصابرون ~~أجرهم بغير حساب } [ الزمر : 10 ] . * * * # | 19 - باب حفظ اللسان ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ~~ليصمت ) ، وقول الله : { ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد } [ ق : 18 ] # . / 49 - فيه : سهل بن سعد ، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( ~~من يضمن لى ما بين لحييه ، وما بين رجليه ، أضمن له الجنة ) . / 50 - وفيه ~~: أبو هريرة ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( من كان يؤمن ~~بالله واليوم الآخر ، فليقل خيرا أو ليصمت ، ومن كان يؤمن بالله واليوم ~~الآخر فلا يؤذ جاره ، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه ) . ~~ورواه أبو شريح ، عن النبى - صلى الله عليه وسلم - . / 51 - وفيه : أبو ~~هريرة ، أن النبى - صلى الله عليه وسلم - قال : ( إن العبد ليتكلم بالكلمة ~~، ما يتبين فيها يزل بها فى النار أبعد مما بين المشرق والمغرب ) . / 52 - ~~وفيه : أبو هريرة ، عن النبى - صلى الله عليه وسلم - قال : ( إن العبد ~~ليتكلم بالكلمة من رضوان الله ، لا يلقى لها بالا ، يرفعه الله بها درجات ، ~~وإن العبد ليتكلم بالكلمة من سخط الله ، لا يلقى لها بالا ، يهوى بها فى ~~جهنم ) . قال المؤلف : ما أحق من علم أن عليه حفظة موكلين به ، يحصون عليه ~~سقط كلامه وعثرات لسانه ، أن يحزنه ويقل كلامه فيما لا يعنيه ، PageV10P185 ~~وما أحراه بالسعى فى أن لا يرتفع عنه ما يطول عليه ندمه من قول الزور ~~والخوض فى الباطل ، وأن يجاهد نفسه فى ذلك ويستعين بالله ويستعيذ من شر ~~لسانه ، وقوله - صلى الله عليه وسلم - : ( من كان يؤمن بالله واليوم الآخر ~~فليقل خيرا أو ليصمت ) يعنى من كان يؤمن بالله واليوم الآخر الإيمان التام ~~فإنه ستبعثه قوة إيمانه على محاسبة نفسه فى الدنيا والصمت عما يعود عليه ~~ندامة يوم القيامة ، وكان الحسن يقول : ابن آدم ، نهارك ضيفك فأحسن إليه ، ~~فإنك إن أحسنت ms3553 إليه ارتحل يحمدك ، وإن أسأت إليه ارتحل يذمك . وقال عمر بن ~~عبد العزيز لرباح بن عبيد : بلغنى أن الرجل ليظلم بالمظلمة ، فما زال ~~المظلوم يشتم ظالمه حتى يستوفى حقه ويفضل للظالم عليه . وروى أسد عن الحسن ~~البصرى قال : لا يبلغ أحد حقيقة الإيمان حتى لا يعيب أحدا بعيب هو فيه ، ~~وحتى يبتدئ بصلاح ذلك العيب من نفسه ، فإنه إن فعل ذلك لم يصلح عيبا إلا ~~وجد فى نفسه عيبا آخر ، فينبغى له أن يصلحه ، فإذا كان المرء كذلك شغله فى ~~خاصته واجبا ، وأحب العباد إلى الله من كان كذلك . وقوله : ( من ضمن لى ما ~~بين لحييه ) يعنى لسانه فلم يتكلم بما يكتبه عليه صاحب الشمال ( وما بين ~~رجليه ) يعنى فرجه فلم يستعمله فيما لا يحل له ( ضمنت له الجنة ) . ودل ~~بهذا الحديث أن أعظم البلاء على العبد فى الدنيا اللسان والفرج ، فمن وقى ~~شرهما فقد وقى أعظم الشر ، ألا ترى قوله - صلى الله عليه وسلم - : ( إن ~~العبد ليتكلم بالكلمة لا يلقى لها بالا يزل بها فى النار أبعد مما بين ~~المشرق والمغرب ) . وقال أهل العلم : هى الكلمة عند السلطان بالبغي والسعي ~~على PageV10P186 المسلم ، فربما كانت سببا لهلاكه ، وإن لم يرد ذلك الباغى ~~، لكنها آلت إلى هلاكه ، فكتب عليه إثم ذلك ، والكلمة التى يكتب الله له ~~بها رضوانه الكلمة يريد بها وجه الله بين أهل الباطل ، أو الكلمة يدفع بها ~~مظلمة عن أخيه المسلم ، ويفرج عنه بها كربة من كرب الدنيا ، فإن الله تعالى ~~يفرج عنه كربة من كرب الآخرة ، ويرفعه بها درجات يوم القيامة . * * * # | 20 - باب البكاء من خشية الله # / 53 - فيه : أبو هريرة ، عن النبى - صلى الله عليه وسلم - قال : ( سبعة ~~يظلهم الله فى ظله : رجل ذكر الله ففاضت عيناه . . . ) الحديث . قال المؤلف ~~: قد تقدم الكلام فى هذا الحديث فى كتاب المحاربين فى باب فضل من ترك ~~الفواحش ، ونذكر فى هذا الباب ما روى فى البكاء من خشية الله تعالى عن ~~الأنبياء ، عليهم السلام ، وعن السلف أيضا ، روى أسد ms3554 بن موسى ، عن عمران بن ~~زيد ، عن يزيد الرقاشي ، عن أنس بن مالك قال : قال رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - : ( أيها الناس ، ابكوا ، فإن لم تبكوا فتباكوا ، فإن أهل ~~النار يبكون فى النار حتى تسيل دموعهم فى وجوههم كأنها جداول ، ثم تنقطع ~~الدموع وتسيل الدماء فتقرح العيون ، فلو أن السفن أجرين فيها لجرت ) وكان - ~~صلى الله عليه وسلم - إذا قام إلى الصلاة سمع لجوفه أزيز كأزيز المرجل من ~~البكاء ، وهذه كانت سيرة الأنبياء والصالحين كأن خوف الله أشرب قلوبهم ~~واستولى عليهم الوجل حتى كأنهم عاينوا الحساب ، وعن يزيد PageV10P187 ~~الرقاشى قال : يا لهفاه سبقنى العابدون ، وقطع بى نوح ؛ يبكى على خطيئته ، ~~ويزيد لا يبكى على خطيئته ، إنما سمى نوحا لطول ما ناح على نفسه فى الدنيا ~~. وذكر ابن المبارك عن مجاهد قال : كان طعام يحيى بن زكريا العشب ، وكان ~~يبكى من خشية الله ، ما لو كان القار على عينيه لخوفه ولقد كانت الدموع ~~اتخذت فى وجهه مجرى . وقال ابن عباس : قال النبي - عليه السلام - : ( كان ~~مما ناجى الله موسى أنه لم يتعبد العابدون بمثل البكاء من خيفتى ، أما ~~البكاءون من خيفتى فلهم الرفيق لا يشاركون فيه ) . وعن وهيب بن الورد أن ~~زكريا قال ليحيى ابنه شيئا فقال له : يا أبة ، إن جبريل أخبرنى أن بين ~~الجنة والنار مفازة لا يقطعها إلا كل بكاء . وقال الحسن : أوحى الله إلى ~~عيسى ابن مريم : أكحل عينيك بالبكاء إذا رأيت البطالين يضحكون . وعن وهب بن ~~منبه عن النبي - عليه السلام - قال : ( لم يزل أخى داود باكيا على خطيئته ~~مدة حياته كلها ) ، وكان يلبس الصوف ويفترش الشعر ويصوم يوما ويفطر يوما ، ~~ويأكل خبز الشعير بالملح والرماد ، ويمزج شرابه بالدموع ، ولم ير ضاحكا بعد ~~الخطيئة ، ولا شاخصا ببصره إلى السماء حياء من ربه وهذا بعد المغفرة ، وكان ~~إذا ذكر خطيئته خر مغشيا عليه يضطرب كأنه أعجب به ، فقال : وهذه خطيئة أخرى ~~. وروى عن محمد بن كعب فى قوله تعالى : { وإن له عندنا لزلفى PageV10P188 ~~وحسن مآب } [ ص ms3555 : 25 ] ، قال : الزلفى : أول من يشرب من الكأس يوم القيامة ~~داود وابنه . قال بعض الناس : أرى هذه الخاصة لشربه دموعه من خشية الله عز ~~وجل وكان عثمان بن عفان إذا وقف على قبر بكى حتى يبل لحيته ، فقيل له : قد ~~تذكر الجنة والنار ولا تبكى وتبكى من هذا ؟ قال : رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - قال لى : ( إن القبر أول منزلة من منازل الآخرة ، فمن نجا منه ~~فما بعده أيسر منه ، وإن لم ينج منه فما بعده أشد منه ) . وقال أبو رجاء : ~~رأيت مجرى الدموع من ابن عباس كالشراك البالى من البكاء . * * * # | 21 - باب الخوف من الله # / 54 - فيه : حذيفة ، وأبو سعيد ، عن النبى - صلى الله عليه وسلم - قال : ~~( كان رجل ممن كان قبلكم يسىء الظن بعمله ، فقال لأهله : إذا أنا مت ، ~~فخذونى ، فذرونى فى البحر فى يوم صائف ، ففعلوا به ، فجمعه الله ، ثم قال : ~~ما حملك على الذى صنعت ؟ قال : ما حملنى إلا مخافتك ، فغفر له ) . / 55 - ~~وقال أبو سعيد فى حديثه : ( إنه لم يبتئر عند الله خيرا ، فسرها قتادة ، لم ~~يدخر ، وإن يقدم على الله يعذبه ، فانظروا ، فإذا مت فأحرقونى حتى إذا صرت ~~فحما ، فاسحقونى ، أو قال : فاسهكونى ، ثم إذا كان ريح عاصف ، فأذرونى فيها ~~، فأخذ مواثيقهم على ذلك وربي ، ففعلوا ، PageV10P189 فقال الله : كن ، ~~فإذا رجل قائم ، ثم قال : أى عبدى ، ما حملك على ما فعلت ؟ قال : مخافتك ، ~~أو فرق منك ، فما تلافاه أن رحمه الله ) . قال المؤلف : ذكر البخارى فى باب ~~ما ذكر عن بنى إسرائيل ، قال حذيفة : ( وكان نباشا ) . قال المؤلف : فغفر ~~الله له بشدة مخافته ، وأقرب الوسائل إلى الله خوفه وألا يأمن المؤمن مكره ~~، قال خالد الربعى : وجدت فاتحة زبور داود : رأس الحكمة خشية الرب . وكان ~~السلف الصالح قد أشرب الخوف من الله قلوبهم واستقلوا أعمالهم ويخافون ألا ~~يقبل منهم مع مجانبتهم الكبائر ، فروى عن عائشة : ( أنها سألت النبى - صلى ~~الله عليه وسلم - عن قوله تعالى : { والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة } [ ~~المؤمنون : 60 ] ، قال ms3556 : يا ابنة الصديق ، هم الذين يصلون ويصومون ويتصدقون ~~، ويخافون ألا يقبل منهم ) . وقال مطرف بن عبد الله : كاد خوف النار يحول ~~بينى وبين أن أسأل الله الجنة . وقال بكر ، لما نظر إلى أهل عرفات : ظننت ~~أنه قد غفر لهم لولا أنى كنت معهم . فهذه صفة العلماء بالله الخائفين له ، ~~يعدون أنفسهم من الظالمين الخاطئين ، وهم أنزاه برآه مع المقصرين ، وهم ~~أكياس مجتهدون لا يدلون عليه بالأعمال فهم مروعون خاشعون وجلون PageV10P190 ~~وقال عبد الله بن مسعود : وددت أنى انفلقت عن روثة لا أنتسب إلا إليها ، ~~فيقال : عبد الله بن روثة ، وأن الله قد غفر لى ذنبا واحدا . وقال الحسن ~~البصري : يخرج من النار رجل بعد ألف عام ، وليتنى كنت ذلك الرجل ، لقد شهدت ~~أقواما كانوا أزهد فيما أحل لهم منكم فيما حرم عليكم ، ولهم كانوا أبصر ~~بقلوبهم منكم بأبصاركم ، ولهم كانوا أشفق أن لا تقبل حسناتهم منكم ألا ~~تؤخذوا بسيئاتكم . وقال حكيم من الحكماء : إذا أردت أن تعلم قدرك عند الله ~~فاعلم قدر طاعة الله فى قلبك . وقال ميمون بن مهران : ما فينا خير إلا أنا ~~نظرنا إلى قوم ركبوا الجرائم وعففنا عنها ، فظننا أن فينا خيرا وليس فينا ~~خير . فإن قال قائل : كيف غفر لهذا الذى أوصى أهله بإحراقه وقد جهل قدرة ~~الله على إحيائه ، وذلك أنه قال : ( إن يقدر على الله يعذبنى ) وقال فى ~~رواية أخرى : ( فوالله لئن قدر الله على ليعذبنى ) . قال الطبري : قيل : قد ~~اختلف الناس فى تأويل هذا الحديث ، فقال بعضهم : أما ما كان من عفو الله ~~عما كان منه فى أيام صحته من المعاصى ؛ فلندمه عليها وتوبته منها عند موته ~~، ولذلك أمر ولده بإحراقه وذروه فى البر والبحر خشية من عقاب ربه ~~PageV10P191 والندم توبة ، ومعنى رواية من روى : ( فوالله لئن قدر الله ~~عليه ) أى ضيق عليه ، كقوله : { ومن قدر عليه رزقه } [ الطلاق : 7 ] ، ~~وقوله : { وأما إذا ما ابتلاه فقدر عليه رزقه } [ الفجر : 16 ] ، لم يرد ~~بذلك وصف بارئه بالعجز عن إعادته حيا ، ويبين ذلك قوله ms3557 فى الحديث حين أحياه ~~ربه ( قال : ما حملك على ما صنعت ؟ قال : مخافتك يا رب ) . وبالخوف والتوبة ~~نجا من عذابه عز وجل . وقال آخرون فى معنى قوله ( لئن قدر الله على ) : ~~معناه القدرة التى هى خلاف العجز ، وكان عنده أنه إذا أحرق وذرى فى البر ~~والبحر أعجز ربه عن إحيائه ، قالوا : وإنما غفر له جهله بالقدرة ؛ لأنه لم ~~يكن تقدم من الله تعالى فى ذلك الزمان بأنه لا يغفر الشرك به ، وليس فى ~~العقل دليل على أن ذلك غير جائز فى حكمة الله ؛ بل الدليل فيه على أنه ذو ~~الفضل والإحسان والعفو عن أهل الآثام ، وإنما نقول : لا يجوز أن يغفر الشرك ~~بعد قوله تعالى : { إن الله لا يغفر أن يشرك به } [ النساء : 48 ] ، فأما ~~جواز غفران الله ذلك لولا الخبر فى كتابه فهو كان الأولى بفضله والأشبه ~~بإحسانه لأنه لا يضره كفر كافر ، ولا ينفعه إيمان مؤمن . وقال آخرون : بل ~~غفر له وإن كان كفرا من قوله ، من أجل أنه قاله على جهل منه بخطئه ؛ فظن أن ~~ذلك صواب . قالوا : وغيرجائز فى عدل الله وحكمته أن يسوى بين من أخطأ وهو ~~يقصد الصواب ، وبين من تعمد الخطأ والعناد للحق فى العقاب . وقال آخرون : ~~إنما غفر له ، وإن كان كفرا ممن قصد قوله وهو يعقل PageV10P192 ما يقول ؛ ~~لأنه قاله وهو لا يعقل ما يقول . وغير جائز وصف من نطق بكلمة كفر وهو لا ~~يعلمها كفرا بالكفر ، وهذا قاله وقد غلب على فهمه من الجزع الذى كان لحقه ~~لخوفه من عذاب الله تعالى وهذا نظير الخبر الذى روى عن النبى - صلى الله ~~عليه وسلم - فى الذى يدخل الجنة آخر من يدخلها فيقال له : ( إن لك مثل ~~الدنيا وعشرة أمثالها ) فيقول للفرح الذى يدخله : ( يا رب أنت عبدى وأنا ~~ربك مرتين ) قالوا فهذا القول لو قاله على فهم منه بما يقول كان كفرا ، ~~وإنما لم يكن منه كفرا لأنه قاله وقد استخفه الفرح مريدا به أن يقول : أنت ~~ربى وأنا عبدك ، فلم ms3558 يكن مأخوذا بما قال من ذلك . ويشهد لصحة هذا المعنى ~~قوله تعالى : { وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به ولكن ما تعمدت قلوبكم } [ ~~الأحزاب : 5 ] . قال المؤلف : وسأذكر كلام الأشعرى ومذهبه فى هذا الحديث فى ~~كتاب الاعتصام فى باب قوله تعالى : { يريدون أن يبدلوا كلام الله } [ الفتح ~~: 15 ] ، فهو حديث أكثر الناس فيه القول إن شاء الله . وقوله : ( لم يبتئر ~~خيرا ) فإن الأصمعى والكسائى كانا يقولان فيه : لم يقدم خيرا . وقال غيرهما ~~: معناه أنه لم يقدم لنفسه خيرا خبأه لها ، وقال : إن أصل الابتئار الإخفاء ~~، يقال منه : بأرت الشىء وابتأرته ابتئارا ، ومنه سميت الحفرة : البؤرة ، ~~وفيه لغتان ابتأرت وابتيرت ، ومصدره ابتئارا . وقال صاحب العين : البئرة ~~بوزن فعلة : ما ادخرت من شيء . * * * PageV10P193 # | 22 - باب الانتهاء عن المعاصى # / 56 - فيه : أبو موسى ، قال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( مثلى ومثل ~~ما بعثنى الله به كمثل رجل أتى قوما ، فقال : رأيت الجيش بعينى ، وأنا ~~النذير العريان ، فالنجا النجاء ، فأطاعته طائفة ، فأدلجوا على مهلهم ، ~~فنجوا ، وكذبته طائفة ، فصبحهم الجيش ، فاجتاحهم ) . / 57 - وفيه : أبو ~~هريرة ، قال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( إنما مثلى ومثل الناس كمثل ~~رجل استوقد نارا ، فلما أضاءت ما حوله جعل الفراش ، وهذه الدواب التى تقع ~~فى النار ، يقعن فيها ، وجعل ينزعهن ويغلبنه ، فيقتحمن فيها ، فأنا آخذ ~~بحجزكم عن النار ، وهم يقتحمون فيها ) . / 58 - وفيه : عبد الله بن عمرو ، ~~قال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( المسلم من سلم المسلمون من لسانه ~~ويده ، والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه ) . قال المؤلف : هذه أمثال ضربها ~~النبى - صلى الله عليه وسلم - لأمته لينبههم بها على استشعار الحذر ، خوف ~~التورط فى محارم الله والوقوع فى معاصيه ، ومثل لهم ذلك بما عاينوه وشاهدوه ~~من أمور الدنيا ؛ ليقرب ذلك من أفهامهم ، ويكون أبلغ فى موعظتهم ، فمثل - ~~صلى الله عليه وسلم - اتباع الشهوات المؤدية إلى النار بوقوع الفراش فى ~~النار ؛ لأن الفراش من شأنه اتباع ضوء النار حتى يقع فيها ، فكذلك متبع ~~شهوته يئول به ذلك إلى العذاب ، وشبه ms3559 جهل راكب الشهوات بجهل الفراش ؛ لأنها ~~لا تظن أن النار تحرقها حتى تقتحم فيها . والنذير العريان : رجل من خثعم ~~حمل عليه يوم ذى الخلصة فقطع PageV10P194 يده ويد امرأته ، فرجع إلى قومه ، ~~فضرب - عليه السلام - المثل لأمته لأنه تجرد لإنذارهم ، لما يصير إليه من ~~اتبعه من كرامة الله ، وبما يصير إليه من عصاه من نقمته وعذابه ؛ تجرد من ~~رأى من الحقيقة ما رأى النذير العريان الذى قطعت يده ويد امرأته حتى ضرب به ~~المثل فى تحقيق الخبر . وقوله : ( المهاجر من هجر ما نهى الله عنه ) يعنى ~~المهاجر التام الهجرة من هجر المحارم ، كما قال - صلى الله عليه وسلم - أن ~~جهاد النفس أكبر من جهاد العدو . * * * # | 23 - باب قول النبي - عليه السلام - : ( لو تعلمون ما أعلم لضحكتم ~~قليلا ) # / 59 - فيه : أبو هريرة ، وأنس ، عن النبى - صلى الله عليه وسلم - قال : ~~( لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ، ولبكيتم كثيرا ) . قال المؤلف : روى ~~سنيد ، عن هشيم ، عن كوثر بن حكيم ، عن نافع ، عن ابن عمر قال : ( خرج رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - إلى المسجد ، فإذا قوم يتحدثون ويضحكون ، قال ~~: أكثروا ذكر الموت ، أما والذى نفسى بيده لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ~~ولبكيتم كثيرا ) . وخشية الله إنما تكون على مقدار العلم به ، كما قال ~~تعالى : { إنما يخشى الله من عباده العلماء } [ فاطر : 28 ] ، ولما لم يعلم ~~أحد كعلم النبى - صلى الله عليه وسلم - لم يخش كخشيته ، فمن نور الله قلبه ~~وكشف الغطاء عن بصيرته ، وعلم ما حباه الله من النعم ، وما يجب عليه من ~~الطاعة والشكر ، وأفكر فيما يستقبل من أهوال يوم القيامة ، PageV10P195 وما ~~يلقى العباد فى تلك المواقف من الشدائد ، وما يعاينوه من مساءلة الله عباده ~~عن مثاقيل الذر ، وعن الفتيل والقطمير كان حقيقا بكثرة الحزن وطول البكاء ، ~~ولهذا قال أبو ذر : لو تعلمون العلم ما ساغ لكم طعام ولا شراب ، ولا نمتم ~~على الفرش ، ولاجتنبتم النساء ، ولخرجتم إلى الصعدات تجأرون وتبكون . وقال ~~عبد الله بن عمرو : ابكوا ، فإن لم تجدوا بكاء ms3560 فتباكوا ، فلو تعلمون العلم ~~لصلى أحدكم حتى ينكسر ظهره ، ولبكى حتى ينقطع صوته . وقال الفضيل : بلغنى ~~عن طلحة أنه ضحك يوما فوثب على نفسه ، وقال : فيم تضحك ، إنما يضحك من قطع ~~الصراط ، ثم قال : آليت على نفسى ألا أكون ضاحكا حتى أعلم متى تقع الواقعة ~~، فلم ير ضاحكا حتى صار إلى الله . وقال الحسن : يحق لمن عرف أن الموت ~~مورده والقيامة موعده ، وأن الوقوف بين يدى الله مشهده ، أن يطول فى الدنيا ~~حزنه . وقال سفيان فى قوله تعالى : { وكانوا لنا خاشعين } [ الأنبياء : 91 ~~] ، قال : الحزن الدائم فى القلب ، وقال : إنما الحزن على قدر البصر . وقال ~~بعضهم : الحزن والخشية هى مواريث القلوب التى تنال بما قبلها من الأعمال ، ~~فمن رام أن يقيم فرضه تاما فيصلى لله بكمال الصلاة ، ويصوم بكمال الصيام ، ~~ويؤدى كذلك سائر الفرائض ، ويقوم بالحق على نفسه وأهله ومن يسأل عنه فى ~~مداخلته ومخالطته ، ويقيم ما أمر به فى لسانه وسمعه وبصره ، وجميع ~~PageV10P196 جوارحه حتى يدخل فى قوله تعالى : { إن الذين قالوا ربنا الله ~~ثم استقاموا } [ فصلت : 30 ] ، وجد نفسه عن ذلك عاجزا مقصرا ، فإذا رأى ذلك ~~بعين جلية وعلم قرب أجله وعظيم خطبه ، وأن الوقوف بين يدى الله من ورائه ~~حزن على نفسه ، بتخلفه عن السابقة التى يسمعها لغيره ، ووجب عليه الجد فى ~~أمره واستجلاب معونة الله بالاعتصام به ، قال تعالى : { إنهم كانوا يسارعون ~~فى الخيرات ويدعوننا رغبا ورهبا وكانوا لنا خاشعين } [ الأنبياء : 90 ] . ~~وقال مطرف بن عبد الله : دع أعمال الشر ؛ فإن فى الخير شرا كثيرا فلو لم ~~تكن لنا ذنوب إلا أن الله تعالى يؤاخذنا بصحة أعمالنا وإتقانها وإحكامها ~~وإصلاحها وصوابها لكان فى هذا شغل كثير لمن يعقل . وقد تقدم فى كتاب ~~الإيمان فى باب خوف المؤمن أن يحبط عمله ولا يشعر ما يشبه هذا المعنى . * * ~~* # | 24 - باب حجبت النار بالشهوات # / 60 - فيه : أبو هريرة ، قال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( حجبت ~~النار بالشهوات ، وحجبت الجنة بالمكاره ) . / 61 - وفيه : ابن مسعود ، قال ~~النبى - صلى الله عليه ms3561 وسلم - : ( الجنة أقرب إلى أحدكم من شراك نعله ، ~~والنار مثل ذلك ) . / 62 - وفيه : أبو هريرة ، قال النبى - صلى الله عليه ~~وسلم - : ( أصدق كلمة قالها الشاعر : ألا كل شىء ما خلا الله باطل ) . ~~PageV10P197 قال المؤلف : قوله - صلى الله عليه وسلم - : ( حجبت النار ~~بالشهوات والجنة بالمكاره ) من جوامع الكلم وبديع البلاغة فى ذم الشهوات ~~والنهى عنها ، والحض على طاعة الله ، وإن كرهتها النفوس وشق عليها ؛ لأنه ~~إذا لم يكن يوم القيامة غير الجنة والنار ولم يكن بد من المصير إلى إحداهما ~~فواجب على المؤمنين السعى فيما يدخل إلى الجنة وينقذ من النار ، وإن شق ذلك ~~عليهم ؛ لأن الصبر على النار أشق ، فخرج هذا الخطاب منه - صلى الله عليه ~~وسلم - بلفظ الخبر وهو من باب النهى والأمر . وقوله : ( الجنة أقرب إلى ~~أحدكم من شراك نعله ، والنار مثل ذلك ) فدليل واضح أن الطاعات الموصلة إلى ~~الجنة والمعاصى المقربة من النار قد تكون فى أيسر الأشياء ، ألا ترى قوله - ~~صلى الله عليه وسلم - : ( إن الرجل ليتكلم بالكلمة من رضوان الله لا يلقى ~~لها بالا ؛ يكتب الله له بها رضوانه إلى يوم يلقاه ، وإن الرجل ليتكلم ~~بالكلمة من سخط الله لا يلقى لها بالا ؛ يكتب الله له بها سخطه إلى يوم ~~يلقاه ) . فينبغى للمؤمن ألا يزهد فى قليل من الخير يأتيه ، ولا يستقل ~~قليلا من الشر يجتنيه فيحسبه هينا ، وهو عند الله عظيم ، فإن المؤمن لا ~~يعلم الحسنة التى يرحمه الله بها ، ولا يعلم السيئة التى يسخط الله عليه ~~بها ، وقد قال الحسن البصرى : من تقبلت منه حسنة واحدة دخل الجنة . وقوله - ~~صلى الله عليه وسلم - : ( أصدق كلمة قالها الشاعر : ألا كل شىء ما خلا الله ~~باطل ) فالمراد به الخصوص ؛ لأن كل ما قرب من الله فليس بباطل ، وإنما أراد ~~أن كل شىء من أمور الدنيا التى لا تئول إلى طاعة الله ، ولا تقرب منه فهى ~~باطل . * * * PageV10P198 # | 25 - باب لينظر إلى من هو أسفل منه # / 63 - فيه : أبو هريرة ، قال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( إذا ms3562 نظر ~~أحدكم إلى من فضل عليه فى المال والخلق ، فلينظر إلى من هو أسفل منه ) . ~~قال الطبرى : وهذا حديث جامع لمعانى الخير ، وذلك أن العبد لا يكون بحال من ~~عبادة ربه مجتهدا فيها ؛ إلا وجد من هو فوقه فى ذلك ، فمتى طلب نفسه ~~باللحاق بمن هو فوقه استقصر حاله التى هو عليها ، فهو أبدا فى زيادة تقربه ~~من ربه ، ولا يكون على حالة خسيسة من دنياه إلا وجد من أهلها من هو أخس منه ~~حالا ، فإذا تأمل ذلك وتفكره وتبين نعم الله عليه ؛ علم أنها وصلت إليه ولم ~~تصل إلى كثير من خلقه ، فضله الله بها من غير أمر أوجب ذلك له على خالقه ، ~~ألزم نفسه من الشكر عليها أن وفق لها ما يعظم به اغتباطه فى معاده . * * * # | 26 - باب من هم بحسنة أو سيئة # / 64 - فيه : ابن عباس ، قال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( إن الله ~~كتب الحسنات والسيئات ، ثم بين ذلك ، فمن هم بحسنة ، فلم يعملها كتبها الله ~~له عنده حسنة كاملة ، فإن هو هم بها فعملها كتبها الله له عنده عشر حسنات ~~إلى سبع مائة ضعف إلى أضعاف كثيرة ، ومن هم بسيئة ، فلم يعملها كتبها الله ~~له عنده حسنة كاملة ، فإن هو هم بها فعملها كتبها الله له سيئة واحدة ) . ~~قال المؤلف : هذا حديث شريف بين فيه النبى - صلى الله عليه وسلم - مقدار ~~تفضل الله على عباده بأن جعل هموم العبد بالحسنة ، وإن لم يعملها حسنة ، ~~وجعل همومه بالسيئة إن لم يعملها حسنة ، وإن عملها PageV10P199 كتبت سيئة ~~واحدة ، وإن عمل الحسنة كتبت عشرا ، ولولا هذا التفضل العظيم لم يدخل أحد ~~الجنة ؛ لأن السيئات من العباد أكثر من الحسنات ، فلطف الله بعباده بأن ~~ضاعف لهم الحسنات ، ولم يضاعف عليهم السيئات ، وإنما جعل الهموم بالحسنة ~~حسنة ، لأن الهموم بالخير هو فعل القلب بعقد النية على ذلك . فإن قيل : ~~فكان ينبغى على هذا القول أن يكتب لمن هم بالشر ولم يعمله سيئة ؛ لأن ~~الهموم بالشر عمل من أعمال القلب للشر ms3563 . قيل : ليس كما توهمت ، ومن كف عن ~~فعل الشر فقد نسخ اعتقاده للسيئة باعتقاد آخر نوى به الخير وعصى هواه ~~المريد للشر ، فذلك عمل للقلب من أعمال الخير ، فجوزى على ذلك بحسنة ، وهذا ~~كقوله - صلى الله عليه وسلم - : ( على كل مسلم صدقة . قالوا : فإن لم يفعل ~~؟ قال : يمسك عن الشر فإنه صدقة ) ذكره فى كتاب الأدب فى باب كل معروف صدقة ~~. وحديث ابن عباس معناه الخصوص لمن هم بسيئة ، فتركها لوجه الله تعالى وأما ~~من تركها مكرها على تركها بأن يحال بينه وبينها ، فلا تكتب له حسنة ولا ~~يدخل فى معنى الحديث . قال الطبرى : وفى هذا الحديث تصحيح مقالة من يقول : ~~إن الحفظة تكتب ما يهم به العبد من حسنة أو سيئة وتعلم اعتقاده لذلك ، ورد ~~مقالة من زعم أن الحفظة ، إنما تكتب ما ظهر من عمل العبد وسمع ، واحتجوا ~~بما روى ابن وهب ، عن معاوية بن صالح ، عن كثير بن الحارث ، عن القاسم مولى ~~معاوية ، عن عائشة زوج النبى - صلى الله عليه وسلم - قالت : ( لأن أذكر ~~الله تعالى فى نفسى أحب إلي من أن أذكره PageV10P200 بلساني سبعين مرة ، ~~وذلك لأن ملكا لا يكتبها ، وبشرا لا يسمعها ) والصواب فى ذلك ما صح به ~~الحديث عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : ( من هم بحسنة فلم يعملها ~~كتبت له حسنة ) والهم بالحسنة إنما هو فعل العبد بقلبه دون سائر الجوارح ، ~~كذكر الله بقلبه ، فالمعنى الذى به يصل الملكان الموكلان بالعبد إلى علم ما ~~يهم به بقلبه ؛ هو المعنى الذى به يصل إلى علم ذكر ربه بقلبه ، ويجوز أن ~~يكون جعل الله لهما إلى علم ذلك سبيلا كما جعل لكثير من أنبيائه السبيل إلى ~~كثير من علم الغيب ، وقد أخبر الله عن عيسى ابن مريم أنه قال لبنى إسرائيل ~~: { وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون فى بيوتكم } [ آل عمران : 49 ] ، وقد ~~أخبر نبينا - صلى الله عليه وسلم - بكثير من علم الغيب ، قالوا : فغير ~~مستنكر أن يكون الكاتبان الموكلان بابن آدم ، قد جعل لهما ms3564 سبيلا إلى علم ما ~~فى قلوب بنى آدم من خير أو شر ، فيكتبانه إذا حدث به نفسه أو عزم عليه . ~~وقد قيل : إن ذلك بريح يظهر لهما من القلب ، سئل أبو معشر عن الرجل يذكر ~~الله بقلبه ، كيف يكتب الملك ؟ قال : يجد الريح . وسأذكر اختلاف السلف فى ~~أى الذكرين أعظم ثوابا الذكر الذى هو بالقلب أو الذكر الذى هو باللسان عند ~~قوله - صلى الله عليه وسلم - عن الله تعالى : ( وإن ذكرنى عبدى فى نفسه ~~ذكرته فى نفسى ) فى باب قوله تعالى : { ويحذركم الله نفسه } [ آل عمران : ~~28 ] فى كتاب الاعتصام . * * * PageV10P201 # | 27 - باب ما يتقى من محقرات الذنوب # / 65 - فيه : أنس ، إنكم لتعملون أعمالا هى أدق فى أعينكم من الشعر ، إن ~~كنا لنعدها على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من الموبقات . قال ~~أبو عبد الله : يعنى المهلكات . قال المؤلف : إنما كانوا يعدون الصغائر من ~~الموبقات لشدة خشيتهم لله ، وإن لم تكن لهم كبائر ، ألا ترى أن إبراهيم - ~~صلى الله عليه وسلم - إذا سئل الشفاعة يوم القيامة يذكر ذنبه ، وأنه كذب ~~ثلاث كذبات ، وهى قوله فى زوجته : هذه أختى . وهى أخته فى الدين ، وقوله : ~~إنى سقيم . أى : سأسقم ، وقوله : فعله كبيرهم هذا . يعنى الصنم ، فرأى ذلك ~~- صلى الله عليه وسلم - من الذنوب ، وإن كان لقوله وجه صحيح ، فلم يقنع من ~~نفسه إلا بظاهر يطابق الباطن ، وهذا غاية الخوف . والمحقرات إذا كثرت صارت ~~كبائر بالإصرار عليها والتمادى فيها ، وقد روى ابن وهب ، عن عمرو بن الحارث ~~، عن يزيد بن أبى حبيب ، عن أسلم أبى عمران أنه سمع أبا أيوب يقول : إن ~~الرجل ليعمل الحسنة فيثق بها ويغشى المحقرات ، فيلقى الله يوم القيامة وقد ~~أحاطت به خطيئته ، وإن الرجل ليعمل السيئة ، فما يزال منها مشفقا حذرا حتى ~~يلقى الله يوم القيامة آمنا . وذكر أسد بن موسى عن ابن مسعود قال : إياكم ~~ومحقرات الذنوب ، فإنها تجتمع حتى تهلك صاحبها ، وإن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - قد ضرب لنا مثلا كمثل ركب نزلوا ms3565 بأرض فلاة ، فلم يجدوا فيها ~~حطبا ، فانطلق كل واحد منهم ، فجاء بعود حتى اجتمعت أعواد ، PageV10P202 ~~فأوقدوا نارا أنضجت ما جعل فيها ) ورواه سهل بن سعد عن النبى - صلى الله ~~عليه وسلم - وقال أبو عبد الرحمن الحبلى : مثل الذى يجتنب الكبائر ويقع فى ~~المحقرات ، كرجل لقاه سبع فاتقاه حتى نجا منه ، ثم لقيه فحل إبل فاتقاه ~~فنجا منه ، فلدغته نملة فأوجعته ، ثم أخرى ، ثم أخرى حتى اجتمعن عليه ~~فصرعنه ، وكذلك الذى يجتنب الكبائر ويقع فى المحقرات . وقال أبو بكر الصديق ~~: إن الله يغفر الكبائر فلا تيئسوا ، ويعذب على الصغائر فلا تغتروا . * * * # | 28 - باب الأعمال بالخواتيم وما يخاف منها # / 66 - فيه : سهل ، نظر النبى - صلى الله عليه وسلم - إلى رجل يقاتل ~~المشركين ، وكان من أعظم المسلمين غناء عنهم ، فقال : ( من أحب أن ينظر إلى ~~رجل من أهل النار ، فلينظر إلى هذا ) ، فتبعه رجل ، فلم يزل على ذلك حتى ~~جرح ، فاستعجل الموت ، فقال بذبابة سيفه ، فوضعه بين ثدييه ، فتحامل عليه ~~حتى خرج من بين كتفيه ، فقال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( إن العبد ~~ليعمل فيما يرى الناس عمل أهل الجنة ، وإنه لمن أهل النار ، ويعمل فيما يرى ~~الناس عمل أهل النار ، وهو من أهل الجنة ، وإنما الأعمال بالخواتيم ) . قال ~~المؤلف : فى تغييب الله عن عباده خواتيم أعمالهم حكمة بالغة وتدبير لطيف ، ~~وذلك أنه لو علم أحد خاتمة عمله لدخل الإعجاب والكسل من علم أنه يختم له ~~بالإيمان ، ومن علم أنه يختم له بالكفر يزداد غيا وطغيانا وكفرا فاستأثر ~~الله تعالى بعلم ذلك ليكون العباد بين خوف ورجاء ، فلا يعجب المطيع لله ~~بعمله ولا PageV10P203 ييأس العاصي من رحمته ، ليقع الكل تحت الذل والخضوع ~~لله والافتقار إليه ، وقال حفص بن حميد : قلت لابن المبارك : رأيت رجلا قتل ~~رجلا ، فوقع فى نفسى أنى أفضل منه . فقال عبد الله : أمنك على نفسك أشد من ~~ذنبه . قال الطبرى : ومعنى قوله : إن أمنه على نفسه أنه من الناجين عند ~~الله من عقابه أشد من ذنب القاتل ؛ لأنه لا يدرى ms3566 إلى ما يئول إليه أمره ~~وعلى من يموت ، ولا يعلم أيضا حال القاتل إلى ما يصير إليه ، لعله يتوب ~~فيموت تائبا فيصير إلى عفو الله ، وتصير أنت إلى عذابه لتغير حالك من ~~الإيمان بالله إلى الشرك به ، فالمؤمن فى حال إيمانه وإن كان عالما بأنه ~~محسن فيه ، غير عالم على ما هو ميت عليه ، وإلى ما هو صائر إليه ، فغير ~~جائز أن يقضى لنفسه ، وإن كان محسنا بالحسنى عند الله ، ولغيره وإن كان ~~مسيئا بالسوء ، وعلى هذا مضى خيار السلف . * * * # | 29 - باب العزلة راحة من خلطاء السوء # / 67 - فيه : أبو سعيد ، جاء أعرابى إلى النبى - صلى الله عليه وسلم - ~~فقال : يا رسول الله ، أى الناس خير ؟ قال : ( رجل جاهد بنفسه وماله ، ورجل ~~فى شعب من الشعاب يعبد ربه ويدع ، الناس من شره ) . / 68 - وفيه : أبو سعيد ~~، قال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( يأتى على الناس زمان ، خير مال ~~الرجل المسلم الغنم ، يتبع بها شعف الجبال ، ومواقع القطر ، يفر بدينه من ~~الفتن ) . فيه : أن اعتزال الناس عند ظهور الفتن والهرب عنهم أسلم للدين من ~~مخالطتهم ، ذكر على بن معبد ، عن الحسين بن واقد قال : قال PageV10P204 ~~النبي - عليه السلام - ( إذا كانت سنة ثمانين ومائة فقد أحللت لأمتي العزبة ~~والعزلة والترهب فى رءوس الجبال ) . وذكر على بن معبد عن عبد الله بن ~~المبارك عن مبارك بن فضالة ، عن الحسن يرفعه إلى رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - قال : ( يأتى على الناس زمان لا يسلم لذى دين دينه ، إلا من فر ~~بدينه من شاهق إلى شاهق وحجر إلى حجر ، فإذا كان كذلك لم تنل المعيشة إلا ~~بمعصية الله ، فإذا كان كذلك حلت العزلة ، قالوا : يا رسول الله ، كيف تحل ~~العزلة وأنت تأمرنا بالتزويج ؟ قال : إذا كان كذلك كان هلاك الرجل على يدى ~~أبويه ، فإن لم يكن له أبوان كان هلاكه على يدى زوجته ، فإن لم تكن له زوجة ~~كان هلاكه على يدى ولده ، فإن لم يكن له ولد كان هلاكه على يدى القرابات ~~والجيران ms3567 . قالوا : وكيف ذلك يا رسول الله ؟ قال : يعيرونه بضيق المعيشة ~~ويكلفونه ما لا يطيق ، فعند ذلك يورد نفسه الموارد التى يهلك فيها ) . وقال ~~صاحب العين : شعف الجبال : رءوسها ، وكذلك شعف الأثافى ، وشعفة كل شىء : ~~أعلاه ، ومواقع القطر : بطون الأودية ، والشعب : ما انفرج بين جبلين ، عن ~~صاحب العين . * * * # | 30 - باب رفع الأمانة # / 69 - فيه : أبو هريرة ، قال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( إذا ضيعت ~~الأمانة ، فانتظر الساعة ) ، قال : PageV10P205 كيف إضاعتها يا رسول الله ؟ ~~قال : ( إذا أسند الأمر إلى غير أهله ، فانتظر الساعة ) . / 70 - وفيه : ~~حذيفة ، قال : حدثنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حديثين ، رأيت ~~أحدهما وأنا أنتظر الآخر ، حدثنا : ( أن الأمانة نزلت فى جذر قلوب الرجال ، ~~ثم علموا من القرآن ، ثم علموا من السنة ) . وحدثنا عن رفعها ، قال : ( ~~ينام الرجل النومة ، فتقبض الأمانة من قلبه ، فيظل أثرها مثل أثر الوكت ، ~~ثم ينام النومة ، فتقبض فيبقى أثرها مثل المجل كجمر دحرجته على رجلك ، فنفط ~~فتراه منتبرا وليس فيه شىء ، فيصبح الناس يتبايعون ، فلا يكاد أحد يؤدى ~~الأمانة ، فيقال : إن فى بنى فلان رجلا أمينا ، ويقال للرجل : ما أعقله ، ~~وما أظرفه ، وما أجلده ، وما فى قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان . . . ) ~~الحديث . / 71 - فيه : ابن عمر ، أن النبى - صلى الله عليه وسلم - قال : ( ~~إنما الناس كالإبل المائة ، لا تكاد تجد فيها راحلة ) . قال المؤلف : حديث ~~أبى هريرة وحذيفة من أعلام النبوة ؛ لأنه - صلى الله عليه وسلم - ذكر فيها ~~فساد أديان الناس وتغير أماناتهم ، وقد ظهر كثير من ذلك . وقوله : ( إذا ~~ضيعت الأمانة فانتظر الساعة ) هو كلام مجمل أحب الأعرابى السائل النبي - ~~عليه السلام - شرحه له فقال له : ( كيف إضاعتها يا رسول الله ؟ قال : إذا ~~أسند الأمر إلى غير أهله ) فأجابه - صلى الله عليه وسلم - بجواب عام دخل ~~فيه تضييع الأمانة ، وما كان فى معناها مما لا يجرى على طريق الحق ، كاتخاذ ~~العلماء PageV10P206 الجهال عند موت أهل العلم ، واتخاذ ولاة الجور وحكام ~~الجور عند غلبة الباطل وأهله ، وقد ذكر ابن أبى شيبة ms3568 من حديث المقبرى عن ~~أبى هريرة قال : قال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( سيأتى على الناس ~~سنوات خداعات يصدق فيها الكاذب ، ويكذب فيها الصادق ، ويؤتمن فيها الخائن ، ~~ويخون فيها الأمين ، وينطق الرويبضة . قيل : وما الرويبضة ؟ قال : الرجل ~~التافه فى أمر العامة ) وقد رأينا أكثر هذه العلامات وما بقى منها فغير ~~بعيد ، روى ابن عيينة عن عبد العزيز بن رفيع قال : سمعت شداد بن معقل قال : ~~سمعت ابن مسعود يقول : أول ما تفقدون من دينكم الأمانة ، وآخر ما تفقدون ~~الصلاة . وروى يونس بن زيد ، عن الزهرى ، عن الصنابحى ، عن حذيفة قال : ~~لتنقضن عرى الإسلام عروة عروة ، ويكون أول نقضه الخشوع . وقد تقدم معنى ~~حديث حذيفة وما فيه من غرائب اللغة فى باب إذا بقى فى حثالة من الناس فى ~~كتاب الفتن . وقوله : ( الناس كإبل مائة لا تكاد تجد فيها راحلة ) يريد - ~~صلى الله عليه وسلم - أن الناس كثير والمرضى منهم قليل ، كما أن المائة من ~~الإبل لا تكاد تصاب فيها الراحلة الواحدة وهذا الحديث إنما يراد به القرون ~~المذمومة فى آخر الزمان ، ولذلك ذكره البخارى فى رفع الأمانة ، ولم يرد به ~~- صلى الله عليه وسلم - زمن أصحابه وتابعيهم ؛ لأنه قد شهد لهم بالفضل فقال ~~: ( خير القرون قرنى ، ثم الذين يلونهم ، ثم الذين يلونهم ، ثم يجئ بعدهم ~~قوم يخونون ولا يؤتمنون ، ويشهدون ولا يستشهدون ، وينذرون ولا يوفون . . ) ~~الحديث ، فهؤلاء أراد بقوله : ( الناس كإبل مائة ) والله الموفق . * * * ~~PageV10P207 # | 31 - باب الرياء والسمعة # / 72 - فيه : جندب ، قال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( من سمع سمع ~~الله به ، ومن يرائى يرائى الله به ) . قال المؤلف : قوله : ( من سمع ) ~~معناه من سمع بعمله الناس وقصد به اتخاذ الجاه والمنزلة عندهم ، ولم يرد به ~~وجه الله ، فإن الله تعالى يسمع به خلقه ، أى يجعله حديثا عند الناس الذى ~~أراد نيل المنزلة عندهم بعمله ، ولا ثواب له فى الآخرة عليه ، وكذلك من ~~راءى بعمله الناس راءى الله به ، أى أطلعهم على أنه فعل ذلك لهم ولم يفعله ~~لوجهه ، فاستحق ms3569 على ذلك سخط الله وأليم عقابه ، وقد جاء فى الحديث عن النبى ~~- صلى الله عليه وسلم - أنه قال : ( يقال للعبد يوم القيامة : فعلت كذا ~~وكذا ليقال فقد قيل ، اذهبوا به إلى النار ) . قال الطبرى : فإن قال قائل : ~~كيف يسلم من الرياء فى العمل الظاهر ، وقد روى عن عمر وعثمان وابن مسعود ~~وجماعة من السلف أنهم كانوا يتهجدون من الليل فى مساجدهم بحيث يعلم ذلك من ~~فعلهم معارفهم ، وكانوا يتذاكرون إظهار المحاسن من أعمالهم مع ما تواترت به ~~الآثار أن أفضل العمل ما استسر به صاحبه ، وذلك على نوعين : فأما من كان ~~إماما يقتدى به ويستن بعمله ، عالما بما لله عليه فى فرائضه ونوافله ، ~~قاهرا لكيد عدوه ، فسواء عليه ما ظهر من عمله وما خفى منه ؛ لإخلاصه نيته ~~لله وانقطاعه إليه بعمله ، بل إظهاره ما يدعو عباد الله إلى الرغبة فى مثل ~~حاله من أعماله السالمة أحسن إن شاء الله تعالى . وإن كان ممن لا يقتدى به ~~، ولا يأمن من عدوه قهره ، ومن هواه غلبته حتى يفسد عليه عمله ؛ فإخفاؤه ~~PageV10P208 النوافل أسلم له ، وعلى هذا كان السلف الصالح ، روى حماد ، عن ~~ثابت ، عن أنس ، عن النبى - صلى الله عليه وسلم - أنه : ( سمع رجلا يقرأ ~~ويرفع صوته بالقرآن فقال : أواب . وسمع آخر يقرأ فقال : مرائى . فنظروا ~~فإذا الأواب المقداد بن عمرو ) وروى الزهرى ، عن أبى سلمة ، عن أبى هريرة : ~~( أن عبد الله بن حذافة صلى فجهر بالقراءة ، فقال له رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - : يا ابن حذافة ، لا تسمعنى وأسمع الله ) . قال وهيب بن الورد ~~: لقى عالم عالما هو فوقه فى العلم ، فقال : يرحمك الله ما الذى أخفى من ~~عملى ؟ قال : حتى يظن بك أنك لم تعمل حسنة قط إلا الفرائض . قال : يرحمك ~~الله فما الذى أعلن ؟ قال الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر . وقال الحسن : ~~لقد أدركت أقواما ما كان أحدهم يقدر على أن يسر عمله فيعلنه ، قد علموا أن ~~أحرز العملين من الشيطان عمل السر ، قال : وإن كان أحدهم ليكون ms3570 عنده الزور ~~وإنه ليصلى وما يشعر به زوره . وكان عمل الربيع بن خثيم سرا كان يقرأ فى ~~المصحف ، ويدخل عليه الداخل فيغطيه . وقال بشر بن الحارث : لما ودع الخضر ~~داود ، عليهما السلام ، قال له : ستر الله عليك بطاعته . وروى عن ابن سيرين ~~قال : نبئت أن أبا بكر كان إذا صلى فقرأ خفض صوته ، وكان عمر يرفع صوته ، ~~فقيل لأبى بكر : لم تصنع هذا ؟ قال : أناجى ربى وقد علم حاجتى . قيل : ~~أحسنت . وقيل لعمر : لم تصنع هذا ؟ قال : أطرد الشيطان وأوقظ الوسنان . قال ~~: أحسنت . فلما نزلت : { ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها وابتغ بين ذلك ~~سبيلا } [ الإسراء : 110 ] ، قيل لأبى بكر : ارفع شيئا ، وقيل لعمر : اخفض ~~شيئا . فهؤلاء الأئمة المقتدى بهم . * * * PageV10P209 # | 32 - باب من جاهد نفسه فى طاعة الله # / 73 - فيه : معاذ ، قال : بينما أنا رديف رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - ليس بينى وبينه إلا آخرة الرحل ، فقال : ( يا معاذ ) ، قلت : لبيك ~~يا رسول الله وسعديك ، ثلاث مرات ، قال : ( هل تدرى ما حق الله على عباده ) ~~؟ قلت : الله ورسوله أعلم ، قال : ( حق الله على عباده أن يعبدوه ولا ~~يشركوا به شيئا ) ، ثم سار ساعة ، فقال : ( يا معاذ ، هل تدرى ما حق العباد ~~على الله إذا فعلوه ) ؟ قلت : الله ورسوله أعلم ، قال : ( حق العباد على ~~الله أن لا يعذبهم ) . قال المؤلف : جهاد المرء نفسه هو الجهاد الأكبر وحرب ~~العدو الأضر قال تعالى : { وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فإن ~~الجنة هى المأوى } [ النازعات : 40 ، 41 ] . وروى عن النبى - صلى الله عليه ~~وسلم - أنه قال لأصحابه ، وقد انصرفوا من الجهاد : ( أتيتم من الجهاد ~~الأصغر إلى الجهاد الأكبر . قالوا : وما الجهاد الأكبر يا رسول الله ؟ قال ~~: مجاهدة النفس ) . وقال سفيان الثورى : ليس عدوك الذى إن قتلته كان لك به ~~أجر ، إنما عدوك نفسك التى بين جنبيك ، فقاتل هواك أشد مما تقاتل عدوك . ~~وقال أويس القرني لهرم بن حيان : ادع الله أن يصلح قلبك ونيتك فإنك لن ~~تعالج شيئا هو أشد ms3571 عليك منهما ، بينما قلبك مقبل إذ هو مدبر ، فاغتنم ~~إقباله قبل إدباره ، والسلام عليك . وقال علي بن أبي طالب : أول ما تفقدون ~~من دينكم جهاد PageV10P210 أنفسكم . وقد يكون جهاد النفس منعها الشهوات ~~المباحة توفيرا لها فى الآخرة ؛ لئلا تدخل فى معنى قوله : { أذهبتم طيباتكم ~~فى حياتكم الدنيا } [ الأحقاف : 20 ] الآية ، وعلى هذا جرى سلف الأمة ، ~~وقال سالم الخواص : أوحى الله إلى داود : لا تقرب الشهوات ، فإنى خلقتها ~~لضعفاء خلقى ، فإن أنت قربتها ، أهون ما أصنع بك أسلبك حلاوة مناجاتى ، يا ~~داود ، قل لبنى إسرائيل ، لا تقربوا الشهوات ، فالقلب المحجوب بالشهوات ~~حجبت صوته عنى . قد تقدم معنى قوله : ( هل تدرى ما حق الله على عباده ) فى ~~باب من أجاب بلبيك وسعديك فى كتاب الاستئذان ، وسنأتى بزيادة فى بيانه فى ~~باب قوله تعالى : { وكان عرشه على الماء } [ هود : 7 ] فى كتاب الاعتصام إن ~~شاء الله تعالى . * * * # | 33 - باب التواضع # / 74 - فيه : أنس ، كانت ناقة النبى ، لا تسبق ، فجاء أعرابى على قعود له ~~فسبقها ، فاشتد ذلك على المسلمين ، وقالوا : سبقت العضباء ، فقال النبى - ~~صلى الله عليه وسلم - : ( إن حقا على الله أن لا يرفع شيئا من الدنيا إلا ~~وضعه ) . / 75 - وفيه : أبو هريرة ، قال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( ~~إن الله تعالى قال : من عادى لى وليا ، فقد آذنته بالحرب ، وما تقرب إلى ~~عبدى بشىء أحب إلى مما افترضت عليه ، وما يزال عبدى يتقرب إلى بالنوافل حتى ~~أحبه ، فإذا أحببته كنت سمعه الذى يسمع به ، وبصره الذى يبصر به ، ويده ~~التى يبطش بها ، ورجله PageV10P211 التي يمشى بها ، وإن سألنى لأعطينه ، ~~ولئن استعاذنى لأعيذنه ، وما ترددت عن شىء أنا فاعله ترددى عن نفس المؤمن ~~يكره الموت ، وأنا أكره مساءته ) . قال المؤلف : فى حديث أنس بيان مكان ~~الدنيا عند الله من الهوان والضعة ، ألا ترى قوله - صلى الله عليه وسلم - : ~~( إن حقا على الله ألا يرفع شيئا من الدنيا إلا وضعه ) فنبه بذلك أمته - ~~صلى الله عليه وسلم - على ترك المباهاة والفخر بمتاع الدنيا ، وأن ms3572 ما كان ~~عند الله فى منزلة الضعة ، فحق على كل ذى عقل الزهد فيه وقلة المنافسة فى ~~طلبه ، وترك الترفع والغبطة بنيله ، لأن المتاع به قليل والحساب عليه طويل ~~. وفى حديث أبى هريرة من معنى الباب أن التقرب إلى الله بالنوافل حتى تستحق ~~المحبة منه تعالى لا يكون ذلك إلا بغاية التواضع والتذلل له . وفيه أن ~~النوافل إنما يزكو ثوابها عند الله لمن حافظ على فرائضه وأداها . ورأيت ~~لبعض الناس أن معنى قوله تعالى : ( فأكون عينيه اللتين يبصر بهما وأذنيه ~~ويديه ورجليه ) قال : وجه ذلك أنه لا يحرك جارحة من جوارحه إلا فى الله ~~ولله ، فجوارحه كلها تعمل بالحق ، فمن كان كذلك لم ترد له دعوة . وقد جاء ~~فى فضل التواضع آثار كثيرة ، روى الطبرى من حديث شعبة ، عن العلاء بن عبد ~~الرحمن ، عن أبيه ، عن أبى هريرة قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- : ( ما تواضع رجل إلا رفعه الله بها درجة ) وعن عكرمة ، عن ابن عباس أن ~~النبى - صلى الله عليه وسلم - قال : ( ما من بنى آدم أحد إلا وفى رأسه ~~سلسلتان : إحداهما فى السماء السابعة ، والأخرى فى الأرض السابعة ، فإذا ~~تواضع رفعه الله بالسلسلة التى فى السماء ، PageV10P212 وإذا أراد أن يرفع ~~رأسه وضعه الله ) وقالت عائشة : إنكم لتغفلون عن أفضل العبادة : التواضع . ~~قال الطبرى : والتواضع من المحن التى امتحن الله بها عباده المؤمنين ، ~~لينظر كيف طاعتهم إياه فيها ، ولما علم تعالى من مصلحة خلقه فى ذلك فى عاجل ~~دنياهم وآجل أخراهم ، فمصلحة الدنيا به لو استعمله الناس لارتفع والله أعلم ~~الشحناء بينهم والعداوة ، واستراحوا من تعب المباهاة والمفاخرة والتذوا بما ~~قسم لهم ، وكان لهم فيه صلاح ذات البين وارتفاع الحسد والشح . روى النعمان ~~بن بشير عن النبى - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : ( للشيطان مضال وفخوخ ، ~~منها البطر بأنعم الله ، والفخر بعطاء الله ، والتكبر على عباد الله ) . ~~وتواضعه - صلى الله عليه وسلم - معلوم لا يحصى ، ومنه أنه لما دخل مكة جعل ~~الناس يقولون : هو هذا ، هو ms3573 هذا ، فجعل يحنى ظهره على الرحل ويقول : ( الله ~~أعلى وأجل ) وهذه سيرة السلف المهديين . روى سفيان ، عن أيوب الطائى ، عن ~~قيس بن مسلم ، عن طارق بن شهاب قال : لما قدم عمر الشام عرضت له مخاضة ، ~~فنزل عن بعيره ونزع خفيه ، فأمسكهما بيده ، وخاض الماء ومعه بعيره ، فقال ~~له أبو عبيدة : لقد صنعت اليوم صنيعا عظيما عند أهل الأرض . فصك فى صدره ~~وقال : لو غيرك قالها يا أبا عبيدة ، إنكم كنتم أذل الناس وأحقر الناس ، ~~فأعزكم الله بالإسلام ، فمهما تطلبون العز فى غيره يذلكم الله . ~~PageV10P213 وروى ابن وهب بإسناده عن أبى هريرة أنه أقبل فى السوق يحمل ~~حزمة حطب وهو يومئذ خليفة لمروان فقال : أوسع الطريق للأمير . فقيل له : ~~تكفى ، أصلحك الله . فقال : أوسع الطريق ، والحزمة عليه . وعن عبد الله بن ~~سلام أنه خرج من حائط له بحزمة حطب يحملها فقيل له : لقد كان فى ولدك ~~وعبيدك من يكفيك هذا . قال : أردت أن أجرب قلبى هل ينكر هذا . وعن سالم بن ~~عبد الله أنه كان يخرج إلى السوق فيشترى حوائج نفسه . وكان الربيع بن خثيم ~~يكنس الحش بنفسه ، فقيل له : إنك تكفى هذا . فقال : أحب أن آخذ نصيبى من ~~المهنة . ولو تقصينا تواضعهم ، رضى الله عنهم ، لطال به الكتاب ، وفيما ~~ذكرناه دليل على ما تركناه إن شاء الله . * * * PageV10P214 # | كتاب فضائل القرآن # # | 1 - باب كيف نزل الوحى وأول ما نزل # قال ابن عباس : المهيمن الأمين ، القرآن أمين على كل كتاب قبله . / 1 - ~~فيه : عائشة ، وابن عباس ، لبث النبى - صلى الله عليه وسلم - بمكة عشر سنين ~~ينزل عليه القرآن وبالمدينة عشرا . / 2 - وقال أبو عثمان : أنبئت أن جبريل ~~أتى النبى - صلى الله عليه وسلم - وعنده أم سلمة ، فجعل يتحدث ، فقال النبى ~~- صلى الله عليه وسلم - لأم سلمة : ( من هذا ) ؟ أو كما قال ، قالت : هذا ~~دحية ، فلما قام ، قالت : والله ما حسبته إلا إياه حتى سمعت خطبة النبى - ~~صلى الله عليه وسلم - يخبر خبر جبريل ، أو كما قال . / 3 - وفيه : أبو ~~هريرة ، قال النبى ms3574 - صلى الله عليه وسلم - : ( ما من الأنبياء نبى إلا أعطى ~~ما مثله آمن عليه البشر ، وإنما كان الذى أوتيت وحيا ، أوحاه الله إلى ، ~~فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة ) . / 4 - وفيه : أنس ، أن الله ~~تعالى تابع على رسوله - صلى الله عليه وسلم - قبل وفاته حتى توفاه أكثر ما ~~كان الوحى ، ثم توفى - صلى الله عليه وسلم - بعد . / 5 - وفيه : جندب ، ~~اشتكى النبى - صلى الله عليه وسلم - فلم يقم ليلة أو ليلتين ، فأتته امرأة ~~، فقالت : يا محمد ، ما أرى شيطانك إلا قد تركك ، فأنزل الله تعالى : { ~~والضحى والليل إذا سجى ما ودعك ربك وما قلى } [ الضحى : 2 ] . PageV10P215 ~~قال المؤلف : معنى هذا الباب إثبات نزول الوحي على النبي - عليه السلام - ~~وأن جبريل - عليه السلام - نزل عليه به ، ومصداق هذه الأحاديث في قوله ~~تعالى : { وإنه لتنزيل رب العالمين نزل به الروح الأمين على قلبك } [ ~~الشعراء : 192 - 194 ] . وقال أهل التفسير : الروح الأمين جبريل . وذكر أبو ~~عبيد عن يزيد بن هارون ، عن داود بن أبى هند ، عن عكرمة ، عن ابن عباس قال ~~: أنزل القرآن جملة واحدة إلى السماء الدنيا فى ليلة القدر ، ثم نزل بعد ~~ذلك فى عشرين سنة ، وقرأ : { وقرآنا فرقناه لتقرأه على الناس على مكث ~~ونزلناه تنزيلا } [ الإسراء : 106 ] . وقال أبو عبيد : وحدثنا ابن أبى عدى ~~، عن داود بن أبى هند قال : قلت للشعبى : { شهر رمضان الذى أنزل فيه القرآن ~~} [ البقرة : 185 ] ، أما نزل عليه القرآن فى سائر السنة إلا فى شهر رمضان ~~؟ قال : بلى ، ولكن جبريل كان يعارض محمدا بما نزل عليه فى سائر السنة فى ~~شهر رمضان . وذكر أبو عبيد بإسناده عن جابر بن عبد الله قال : أول شىء نزل ~~من القرآن : { يا أيها المدثر قم فأنذر } [ المدثر : 1 ، 2 ] . قال ابن ~~عباس : { اقرأ باسم ربك } [ العلق : 1 ] هى أول شىء نزل على محمد . وهو قول ~~مجاهد وزاد : { ن والقلم } [ القلم : 1 ] . وأما آخر القرآن نزولا ، فقال ~~عثمان بن عفان : كانت براءة من آخر PageV10P216 القرآن نزولا ، وقال البراء ~~: آخر ms3575 آية نزلت : { يستفتونك قل الله يفتيكم فى الكلالة } [ النساء : 176 ] ~~. وقال ابن عباس : وآخر ما أنزل على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - آية ~~الربا . وقال عطاء وابن شهاب آخر القرآن عهدا بالعرش آية الربا وآية الدين ~~{ واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله } [ البقرة : 281 ] . واختلف فى مدة ~~بقاء النبى بمكة ، فروى أبو سلمة عن ابن عباس وعائشة فى هذا الباب : أنه - ~~صلى الله عليه وسلم - أقام بمكة عشر سنين . وذكر البخارى فى كتاب مبعث ~~النبى - صلى الله عليه وسلم - فى باب الهجرة ، من رواية عكرمة ، وعمرو بن ~~دينار ، عن ابن عباس ، أنه - صلى الله عليه وسلم - أقام بمكة ثلاث عشرة سنة ~~يوحى إليه . ولم يختلف فى مدة بقائه - صلى الله عليه وسلم - بالمدينة أنه ~~كان عشرا ، وسيأتى فى كتاب الاعتصام الكلام فى حديث أبى هريرة إن شاء الله ~~. * * * # | 2 - باب نزل القرآن بلسان قريش والعرب وقول الله تعالى : { قرآنا عربيا ~~} ، { بلسان عربى مبين } [ الشعراء : 195 ] # / 6 - فيه : أنس بن مالك ، قال : فأمر عثمان زيد بن ثابت وسعيد بن العاص ~~، وعبدالله بن الزبير ، وعبدالرحمن بن الحارث بن هشام ، أن ينسخوها فى ~~المصاحف ، وقال لهم : إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت فى عربية من عربية ~~القرآن ، فاكتبوها بلسان قريش ، فإن القرآن أنزل بلسانهم ففعلوا . ~~PageV10P217 . / 7 - وفيه : يعلى بن أمية ، كان يقول : ليتنى أرى النبى - ~~صلى الله عليه وسلم - حين ينزل عليه الوحى ، فلما كان النبى - صلى الله ~~عليه وسلم - بالجعرانة عليه ، ثوب قد أظل عليه ومعه ناس من أصحابه ؛ إذ ~~جاءه رجل متضمخ بطيب ، فقال : يا رسول الله ، كيف ترى فى رجل أحرم فى جبة ~~بعد ما تضمخ بطيب ؟ فنظر النبى - صلى الله عليه وسلم - ساعة ، فجاءه الوحي ~~، فأشار عمر إلى يعلى ، أن تعال ، فجاء يعلى ، فأدخل رأسه ، فإذا هو محمر ~~الوجه ، يغط كذلك ساعة ، ثم سرى عنه ، فقال : ( أين الذى يسألنى عن العمرة ~~آنفا ) ؟ فالتمس الرجل ، فجىء به إلى النبى - صلى الله عليه وسلم - فقال : ~~( أما الطيب الذى بك فاغسله ms3576 ثلاث مرات ، وأما الجبة فانزعها ، ثم اصنع فى ~~عمرتك كما تصنع فى حجك ) . قال المهلب : فى حديث أنس عن عثمان بن عفان معنى ~~الترجمة . فإن قال قائل : فما وجه حديث يعلى بن أمية فى هذا الباب ؟ . قيل ~~: معناه أن الوحى كله من قرآن وسنة نزل بلسان العرب قريش وغيرهم من طوائف ~~العرب كلها ، وأنه - صلى الله عليه وسلم - لم يخاطب من الوحى كله إلا بلسان ~~العرب ، وبه تكلم النبى للسائل له عن الطيب للمحرم ، وبين هذا قوله تعالى : ~~{ وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه } [ إبراهيم : 4 ] . فهذا حتم من الله ~~تعالى لكل أمة بعث إليها رسولا ليبين لهم ما أنزل إليهم من ربهم ، فإن عزب ~~معناه على بعض من سمعه ؛ بينه الرسول له بما يفهمه المبين له ، ودل قول ~~عثمان : PageV10P218 إذا اختلفتم في عربية من عربية القرآن فاكتبوها بلسان ~~قريش ، فإنه نزل بلسانهم على تشريف قريش على سائر الناس وتخصيصهم بالفضيلة ~~الباقية إلى الأبد حين اختار الله إثبات وحيه الذى هدى به من الضلالة ~~بلغتهم تعبيره بلسانهم وحسبك بهذا من شرف باق . قال أبو بكر بن الطيب : ~~ومعنى قول عثمان : فإنه نزل بلسان قريش ، يريد معظمه وأكثره ، ولم تقم ~~دلالة قاطعة على أن القرآن بأسره منزل بلغة قريش فقط ، وأنه لا شىء فيه من ~~لغة غيرهم ؛ فإنه قد ثبت أن فى القرآن همزا كثيرا وثبت أن قريشا لا تهمز ~~وثبت فيه كلمات وحروف هى خلاف لغة قريش ، وقد قال تعالى : { إنا جعلناه ~~قرآنا عربيا } [ الزخرف : 3 ] ، ولم يقل قرشيا ، وهذا يدل أنه منزل بجميع ~~لسان العرب ؛ وليس لأحد أن يقول أراد قريشا من العرب دون غيرها ، كما أنه ~~ليس له أن يقول أراد لغة عدنان دون قحطان ، أو ربيعة دون مضر ؛ لأن اسم ~~العرب يتناول جميع هذه القبائل تناولا واحدا . ولو ساغ لمدع أن يدعى أنه ~~أراد قبيلة من قبائل العرب لساغ لآخر أن يقول : إن قوله أنه منزل بلسان ~~قريش أنه أريد به قبيلة من قريش دون غيرها ms3577 ، ومن قال هذا فقد ظهر تخليطه . ~~وقد قال سعيد بن المسيب : نزل القرآن بلغة هذا الحى من لدن هوازن وثقيف إلى ~~ضربه . وقال ابن عباس : نزل القرآن بلغة قريش ولسان خزاعة ، وذلك أن الدار ~~كانت واحدة ، وقد قال - صلى الله عليه وسلم - : ( أنا أفصحكم لأنى من قريش ~~، ونشأت فى بنى سعد بن بكر ) . PageV10P219 فلا يجب لذلك أن يكون القرآن ~~منزلا بلغة بنى سعد بن بكر ؛ بل لا يمتنع أن ينزل بلغة أفصح العرب وبلغة من ~~هو دونهم فى الفصاحة ؛ إذا كانت فصاحتهم غير متفاوتة . وقد جاءت الروايات ~~بأن النبى - صلى الله عليه وسلم - كان يقرأ بلغة قريش وغير لغتها . فروى ~~ابن أبى شيبة عن الفضل بن أبى خلدة قال : سمعت أبا العالية يقول : قرئ ~~القرآن على النبى - صلى الله عليه وسلم - من خمسة رجال فاختلفوا فى اللغة ~~فرضى قراءتهم كلها . وكانت بنو تميم أعرب القوم ، فهذا يدل أنه كان يقرأ ~~بلغة تميم وخزاعة وأهل لغات مختلفة ، قد أقر جميعها ورضيها . * * * # | 3 - باب جمع القرآن # / 8 - فيه : زيد بن ثابت ، أرسل إلى أبو بكر مقتل أهل اليمامة ، فإذا عمر ~~بن الخطاب عنده ، قال أبو بكر رضى الله عنه : إن عمر أتانى ، فقال : إن ~~القتل قد استحر يوم اليمامة بقراء القرآن ، وإنى أخشى أن يستحر القتل ~~بالقراء بالمواطن ، فيذهب كثير من القرآن ، وإنى أرى أن تأمر بجمع القرآن ، ~~قلت لعمر : كيف تفعل شيئا لم يفعله رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ؟ قال ~~عمر : هذا والله خير ، فلم يزل عمر يراجعنى حتى شرح الله صدرى لذلك ، ورأيت ~~فى ذلك الذى رأى عمر ، قال زيد : قال أبو بكر إنك رجل شاب عاقل لا نتهمك ، ~~وقد كنت تكتب الوحى لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فتتبع القرآن ~~فاجمعه ، فوالله لو كلفونى نقل جبل من الجبال ما كان أثقل علي مما ~~PageV10P220 أمرني به من جمع القرآن ، قلت : كيف تفعلون شيئا لم يفعله رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - ؟ قال : هو والله خير ، فلم يزل أبو بكر ms3578 ~~يراجعني حتى شرح الله صدري للذي شرح له صدر أبي بكر وعمر رضي الله عنهما ، ~~فتتبعت القرآن أجمعه من العسب واللخاف وصدور الرجال حتى وجدت آخر سورة ~~التوبة مع أبى خزيمة الأنصارى لم أجدها مع أحد غيره : { لقد جاءكم رسول من ~~أنفسكم عزيز عليه ما عنتم } [ التوبة : 128 ] حتى خاتمة براءة ، فكانت ~~الصحف عند أبى بكر حتى توفاه الله ، ثم عند عمر حياته ، ثم عند حفصة بنت ~~عمر . / 9 - وفيه : أنس أن حذيفة قدم على عثمان ، وكان يغازى أهل الشأم فى ~~فتح إرمينية وأذربيجان مع أهل العراق ، فأفزع حذيفة اختلافهم فى القراءة ، ~~فقال حذيفة لعثمان : يا أمير المؤمنين ، أدرك هذه الأمة قبل أن يختلفوا فى ~~الكتاب اختلاف اليهود والنصارى ، فأرسل عثمان إلى حفصة أن أرسلى إلينا ~~بالصحف ننسخها فى المصاحف ، ثم نردها إليك ، فأرسلت بها حفصة إلى عثمان ، ~~فأمر زيد بن ثابت وعبدالله بن الزبير وسعيد بن العاص وعبدالرحمن بن الحارث ~~بن هشام فنسخوها فى المصاحف ، وقال عثمان للرهط القرشيين الثلاثة : إذا ~~اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت فى شىء من القرآن ، فاكتبوه بلسان قريش ، فإنما ~~نزل بلسانهم ، ففعلوا حتى إذا نسخوا الصحف فى المصاحف رد عثمان الصحف إلى ~~حفصة ، وأرسل إلى كل أفق بمصحف مما نسخوا ، وأمر بما سواه من القرآن فى كل ~~صحيفة أو مصحف أن يحرق . قال ابن شهاب : فأخبرنى خارجة بن زيد بن ثابت ، ~~أنه سمع أباه زيد بن ثابت ، قال : فقدت آية من الأحزاب حين نسخنا المصحف ، ~~PageV10P221 قد كنت أسمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقرأ بها ، ~~فالتمسناها فوجدناها مع خزيمة بن ثابت الأنصارى : { من المؤمنين رجال صدقوا ~~ما عاهدوا الله عليه } [ الأحزاب : 23 ] ، فألحقناها فى سورتها فى المصحف . ~~قال أبو بكر بن الطيب : فإن قال قائل : ما وجه نفور أبى بكر وزيد بن ثابت ~~مع فضلهما عن جمع القرآن ؟ فالجواب : أنهما لم يجدا رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - قد بلغ فى جمعه إلى هذا الحد من الاحتياط من تجليده ، وجمعه ~~بين لوحين ، فكرها ms3579 أن يجمعاه جزعا من أن يحلا أنفسهما محل من يجاوز احتياطه ~~للدين احتياط رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فلما أنبههما عمر ، وقال ~~: هو والله خير . وخوفهما من تغير حال القرآن فى المستقبل ؛ لقلة حفظته ، ~~ومصيره إلى حالة الخفاء والغموض بعد الاستفاضة والظهور ، علما صواب ما أشار ~~به وأنه خير ، وأن فعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليس على الوجوب ، ~~ولا تركه لما تركه على الوجوب إلا أن يكون قد بين فى شريعته أن مثل فعله ~~لما فعله ، أو تركه لمثل ما تركه لازم لنا وواجب علينا ، فلما علما أنه لم ~~يحظر جمع القرآن ولا منع منه بسنة ولا بنص آية ، ولا هو مما يفسده العقل ~~ويحيله ، ولا يقتضى فساد شىء من أمر الدين ولا مخالفة رأى صواب ما أشار به ~~عمر ، وأسرعا إليه كما فعل عمر وسائر الصحابة فى رجوعهم إلى رأى أبى بكر فى ~~قتاله أهل الردة ، ورأوا ذلك صوابا لم يشكوا فيه . وربما يشمئز الإنسان ~~أحيانا من فعل المباح المطلق ويسبق إلى قلبه أنه ليس مما له فعله لفرط ~~احتياطه وتحريه ، ثم تبين له بعد PageV10P222 ذلك أنه مما له فعله ، كرجل ~~قيل له : قد سقط عنك فرض الجهاد والصيام والصلاة قائما لزمانتك وعجزك . ~~فأنكر مفارقة العادة عند أول وهلة ، فلما رجع إلى نفسه ، وعلم أن الصيام ~~يجهده والحركة والقيام يزيده فى مرضه علم جواز تركه . وقد تقدم فى كتاب ~~الأحكام فى باب يستحب للكاتب أن يكون أمينا عاقلا زيادة بيان فى تصويب جمع ~~الصديق للقرآن وأنه من أعظم فضائله . قال أبو بكر بن الطيب : فإن قيل : فما ~~وجه جمع عثمان الناس على مصحفه ، وقد سبقه أبو بكر إلى ذلك وفرغ منه ؟ قيل ~~لهم : إن عثمان لم يقصد بما صنع جمع الناس على تأليف المصحف فقط ، ولا كان ~~التشاجر الواقع فى أيامه فى إقرارهم أنه كتاب الله بأسره ، وإنما اختلفوا ~~فى القراءات ، فاشتد الأمر فى ذلك بينهم وعظم اختلافهم وتشتتهم ، وأظهر ~~بعضهم إكفار بعض والبراءة منه ، وتلاعن ms3580 أهل الشام وأهل العراق ، وكتب الناس ~~بذلك إلى عثمان من الأمصار وناشدوه الله فى جمع الكلمة ورفع الشتات والفرقة ~~، فجمع عثمان المهاجرين والأنصار وجلة أهل الإسلام وشاورهم فى ذلك فاتفقوا ~~على جمع القرآن وعرضه وأخذه للناس بما صح وثبت من القراءات المشهورة عن ~~النبي - عليه السلام - ، وطرح ما سواها واستصوبوا رأيه ، وكان رأيا سديدا ~~موفقا ، فرحمة الله عليه وعليهم . وقد ذكر أبو عبيد بإسناده عن على بن أبى ~~طالب قال : لو وليت لفعلت فى المصاحف الذى فعل عثمان . PageV10P223 قال ~~غيره وقوله : ( حتى وجدت آخر التوبة مع أبى خزيمة الأنصارى لم أجدها مع أحد ~~غيره ) يدل على تصحيح الروايات الأخر أن الصديق أمر زيدا ألا يثبت آية فى ~~المصحف إلا بشاهدين يشهدان عليها . وقال أبو بكر بن الطيب : وجه طلبه ~~للشاهدين أن إثبات القرآن حكم من أحكام الشريعة ، ولا يجب إمضاء حكم فى ~~الشريعة إلا بشاهدين عدلين . ويحتمل أن يكون أمره بطلب الشاهدين فيما لا ~~يحفظه زيد من كلمات القرآن ، وقد ورد بذلك خبر . وروى أسامة بن زيد عن ~~القاسم بن محمد قال : قال أبو بكر لزيد بن ثابت : اقعد فمن آتاك من القرآن ~~بما لا تحفظه ولم تقرأه بشاهدين فاقبله . ولسنا ننكر أن يكون أبو بكر أمر ~~زيدا بطلب الشاهدين على كل ما يؤتى به مما يحفظه ومما لا يحفظه ؛ لأجل ~~حاجته إلى إمضاء الحكم من جهة الظاهر . قال المؤلف : وأفضل ما قيل فى ذلك ، ~~ما حدثنا به عبد الرحمن بن عبد الله بن خالد ، قال : حدثنا على بن محمد بن ~~لؤلؤ ببغداد ، قال : حدثنا أحمد بن الصقر بن ثوبان ، قال : حدثنا محمد بن ~~عبيد بن حساب ، حدثنا حماد بن زيد ، عن أيوب ، عن أبى قلابة ، عن رجل من ~~بنى تميم يقال له ، أحسب ، أنس بن مالك ، قال : اختلف المعلمون فى القرآن ~~حتى اقتتلوا ، PageV10P224 فبلغ ذلك عثمان ، فقال : عندى تختلفون وتكذبون ~~به وتلحنون فيه ؟ يا أصحاب محمد اجتمعوا ، فاكتبوا للناس إماما يجمعهم ، ~~فكانوا فى المسجد فكثروا ، فكانوا إذا تماروا فى ms3581 الآية يقولون : إنه أقرأ ~~رسول الله هذه الآية فلان بن فلان ، وهو على رأس أميال من المدينة ، فيبعث ~~إليه فيجئ ، فيقولون : كيف أقرأك رسول الله آية كذا وكذا ؟ فيكتبون كما قال ~~. رواه إسماعيل بن إسحاق ، عن سليمان بن حرب ، حدثنا حماد بن زيد ، عن أيوب ~~، عن أبى قلابة ، قال : حدثنى من كان يكتب معهم ، قال حماد : أظنه أنس بن ~~مالك القشيرى ، قال : كانوا يختلفون فى الآية ، فيقولون : أقرأها رسول الله ~~فلان بن فلان ، فعسى أن يكون على ثلاث أميال من المدينة ، فيرسل إليه فيجاء ~~به . وذكر الحديث سواء وقد أشار أبو بكر بن الطيب إلى هذا المعنى غير أنه ~~لم يذكر الرواية بذلك ، وقد ذكرته فى كتاب الجهاد فى باب قوله : { من ~~المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه } [ الأحزاب : 23 ] . فإن قيل : ~~فى حديث زيد بن ثابت أنه وجد آخر سورة التوبة مع أبى خزيمة الأنصارى ، وفى ~~آخر الباب قول ابن شهاب عن خارجة بن زيد أنه سمع أباه زيد بن ثابت قال : ~~فقدت آية من الأحزاب كنت أسمع النبى - صلى الله عليه وسلم - يقرأ بها ، ~~فالتمسناها فوجدناها مع خزيمة بن ثابت : { من المؤمنين رجال } [ الأحزاب : ~~23 ] وهذا اختلاف يوجب التضاد . قال المهلب : ولا تضاد فى هذا ، وهذه غير ~~قصة الأحزاب ؛ PageV10P225 لأن الآية التي في التوبة مع أبي خزيمة ، وهو ~~معروف من الأنصار وقد عرفه أنس ، وقال : نحن ورثناه . والتى فى الأحزاب ~~ليست صفة النبى - صلى الله عليه وسلم - وهذه وجدت مع خزيمة بن ثابت ، وهو ~~غير أبى خزيمة ، فلا تعارض فى هذا ، والقصة غير القصة لا إشكال فيها ولا ~~التباس والسورة غير السورة ، والتى فى الأحزاب سمعها زيد وخزيمة من النبى ~~فهما شاهدان على سماعها منه ، وإنما أثبتت التى فى التوبة بشهادة أبى خزيمة ~~وحده لقيام الدليل على صحتها فى صفة النبى فهى قرينة تغنى عن طلب شاهد آخر ~~. وفى أمر عثمان بتحريق الصحف والمصاحف حين جمع القرآن جواز تحريق الكتب ~~التى فيها أسماء الله تعالى وأن ذلك ms3582 إكرام لها ، وصيانة من الوطء بالأقدام ~~وطرحها فى ضياع من الأرض . وروى معمر ، عن ابن طاوس ، عن أبيه أنه كان يحرق ~~الصحف إذا اجتمعت عنده الرسائل فيها بسم الله الرحمن الرحيم ، وحرق عروة بن ~~الزبير كتب فقه كانت عنده يوم الحرة ، وكره إبراهيم أن تحرق الصحف إذا كان ~~فيها ذكر الله ، وقول من حرقها أولى بالصواب . وقد قال أبو بكر بن الطيب : ~~جائز للإمام تحريق الصحف التى فيها القرآن إذا أداه الاجتهاد إلى ذلك . ~~وقال أبو عبيد : اللخاف : الحجارة الرقاق ، والعسب : جمع عسيب وهى جريدة من ~~النخل ، وجمعه عسبان وأعسب من كتاب العين . * * * PageV10P226 # | 4 - باب ذكر كاتب النبي - صلى الله عليه وسلم - # / 10 - فيه : زيد بن ثابت ، قال : أرسل إلى أبو بكر الصديق ، قال : إنك ~~كنت تكتب الوحى لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - فاتبع القرآن ، فتتبعت ~~حتى وجدت آخر سورة التوبة آيتين مع أبى خزيمة الأنصارى لم أجدهما مع أحد ~~غيره : { لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم } [ التوبة : 128 ] . ~~/ 11 - وفيه : البراء ، قال : لما نزلت : { لا يستوى القاعدون من المؤمنين ~~غير أولى الضرر } [ النساء : 95 ] ، { والمجاهدون فى سبيل الله } قال النبى ~~- صلى الله عليه وسلم - : ( ادع لى زيدا ، وليجئ باللوح والدواة والكتف ، ~~أو الكتف والدواة ، ثم قال اكتب : { لا يستوى القاعدون } وخلف ظهر النبى - ~~صلى الله عليه وسلم - عمرو بن أم مكتوم الأعمى ، قال : يا رسول الله ، فما ~~تأمرنى ؟ فإنى رجل ضرير البصر ؟ فنزلت مكانها : { لا يستوى القاعدون من ~~المؤمنين } ، { والمجاهدون فى سبيل الله } ، { غير أولى الضرر } . قال أبو ~~بكر بن الطيب : فيه أن النبى - صلى الله عليه وسلم - سن جمع القرآن وكتابته ~~وأمر بذلك وأملاه على كتبته ، وأن أبا بكر الصديق وعمر الفاروق وزيد بن ~~ثابت وجماعة الأمة أصابوا فى جمعه وتحصينه وإحرازه ، وجروا فى كتابته على ~~سنن الرسول وسنته ، وأنهم لم يثبتوا منه شيئا غير معروف ، وما لم تقم الحجة ~~به . قال المهلب : وفيه أن السنة للخليفة والإمام أن يتخذ كاتبا يقيد له ما ms3583 ~~يحتاج إلى النظر فيه من أمور الرعية ، ويعينه على تنفيذ أحكام الشريعة ، ~~لأن الخليفة يلزمه من الفكرة والنظر فى أمور من استرعاه الله أمرهم ما ~~يشغله عن الكتاب وشبهه من أنواع المهن ، ألا ترى قول عمر بن الخطاب : ( ~~لولا الخلافة لأذنت ) يريد أن PageV10P227 الخلافة حالة شغل بأمور المسلمين ~~عن الأذان وغيره ؛ لأن هذا يوجد فيه من يقوم مقام الخليفة وينوب عنه ، ولا ~~ينوب عنه أحد فى الإمامة ، وقد استدل بقوله تعالى : { لا يستوى القاعدون من ~~المؤمنين غير أولى الضرر } [ النساء : 95 ] الآية . ومن قال : إن الغنى ~~أفضل من الفقر . قال : ألا ترى قوله تعالى : { فضل الله المجاهدين بأموالهم ~~وأنفسهم على القاعدين درجة وكلا وعد الله الحسنى } [ النساء : 95 ] ففضيلة ~~الجهاد وبذل المال فى إعلاء كلمة الله درجة لا يبلغها الفقير أبدا ، وقوله ~~تعالى : { غير أولى الضرر } [ النساء : 95 ] يدل أن أهل الأعذار لا حرج ~~عليهم فيما لا سبيل لهم إلى فعله من الفرائض اللازمة للأصحاء القادرين ، ~~وفى هذا حجة للفقهاء فى قولهم : إنه لا يجوز تكليف ما لا يطاق . وهو قول ~~جمهور الفقهاء . * * * # | 5 - باب أنزل القرآن على سبعة أحرف # / 12 - فيه : ابن عباس ، قال النبى ، عليه السلام : ( أقرأنى جبريل على ~~حرف فراجعته ، فلم أزل أستزيده ويزيدنى حتى انتهى إلى سبعة أحرف ) . / 13 - ~~وفيه : عمر بن الخطاب ، سمعت هشام بن حكيم ، يقرأ سورة الفرقان فى حياة ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فاستمعت لقراءته ، فإذا هو يقرأ على ~~حروف كثيرة لم يقرئنيها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فكدت أساوره فى ~~الصلاة ، فتصبرت حتى سلم ، فلببته بردائه ، فقلت : من أقرأك هذه السورة ~~التى سمعتك تقرأ ؟ قال : أقرأنيها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فقلت ~~: كذبت ، فإن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد أقرأنيها على غير ما ~~قرأت ، فانطلقت به أقوده إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فقلت : ~~إني PageV10P228 سمعت هذا يقرأ بسورة الفرقان على حروف لم تقرئنيها ، فقال ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( أرسله ، اقرأ يا هشام ms3584 ) ، فقرأ عليه ~~القراءة التى سمعته يقرأ ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( كذلك ~~أنزلت ) ، ثم قال : ( اقرأ يا عمر ) ، فقرأت القراءة التى أقرأنى ، فقال ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( كذلك أنزلت ، إن هذا القرآن أنزل على ~~سبعة أحرف ، فاقرءوا ما تيسر منه ) . قال المؤلف : قد أكثر الناس فى تأويل ~~هذا الحديث ولم أجد فيه قولا يسلم من المعارضة ، وأحسن ما رأيت فيه ما نقله ~~أبو عمر عثمان بن سعيد المقرئ فى بعض كتبه ، ولم يسم قائله ، قال : إنى ~~تدبرت معنى هذا الحديث وأمعنت النظر فيه بعد وقوفى على أقاويل السلف والخلف ~~، فوجدته متعلقا بخمسة أوجه ، هى محيطة بجميع معانيه : فأولها : أن يقال : ~~ما معنى الأحرف التى أرادها النبى - صلى الله عليه وسلم - ؟ وكيف تأويلها ؟ ~~والثانى : ما وجه إنزال القرآن على هذه السبعة الأحرف ، وما المراد بذلك ؟ ~~والثالث : فى أى شىء يكون اختلاف هذه السبعة الأحرف ؟ والرابع : على كم ~~معنى تشتمل هذه السبعة الأحرف ؟ والخامس : هل هذه السبعة الأحرف كلها ~~متفرقة فى القرآن ، موجودة فيه فى ختمة واحدة ، حتى إذا قرأ القارئ بأى حرف ~~من حروف أئمة القراء بالأمصار المجتمع على إمامتهم فقد قرأ بها كلها ؟ أو ~~ليست كلها متفرقة فيه وموجودة فى ختمة واحدة ؟ وأنا مبين ذلك إن شاء الله . ~~فأما معنى الأحرف التى أوردها النبى - صلى الله عليه وسلم - هاهنا فإنه ~~يتوجه إلى وجهين : أحدهما : أن يكون أراد سبعة أوجه من اللغات بدليل قوله ~~تعالى : { ومن الناس من يعبد الله على حرف فإن أصابه خير اطمأن به } [ الحج ~~: 11 ] ، PageV10P229 فالمراد بالحرف هاهنا الوجه الذى تقع عليه العبادة . ~~والمعنى : ومن الناس من يعبد الله على النعمة تصيبه ، والخير يناله من ~~تثمير المال ، وعافية البدن ، وإعطاء السؤل ، ويطمئن إلى ذلك ما دامت له ~~هذه الأمور واستقامت ، فإن تغيرت حاله ، وامتحنه الله بالشدة فى عيشه والضر ~~فى بدنه ترك عبادة ربه وكفر به ، فهذا عبد الله على وجه واحد ، وذلك معنى ~~الحرف والوجه . الثانى : أن يكون النبى - صلى الله عليه ms3585 وسلم - سمى ~~القراءات أحرفا على طريق السعة كنحو ما جرت عليه عادة العرب فى تسميتهم ~~الشىء باسم ما هو منه وما قاربه وما جاوره ، وتعلق به ضربا من التعلق ~~وتسميتهم الجملة باسم البعض منها ، فسمى النبى القراءة حرفا ، وإن كان ~~كلاما كثيرا من أجل أن منها حرفا قد غير بضمة أو كسر أو قلب إلى غيره ، أو ~~أميل أو زيد فيه أو نقص منه على ما جاء فى المختلف فيه من القراءات ، فنسب ~~النبى القراءة والكلمة التامة إلى ذلك الحرف المغير ، فسمى القراءة به ؛ إذ ~~كان ذلك الحرف منها على عادة العرب فى ذلك كما يسمون القصيدة قافية ، إذ ~~كانت القافية كقول الخنساء : وقافية مثل حد السنان تبقى ويهلك من قالها ~~تعنى : قصيدة ، فسميت قافية على طريق الاتساع ، كما يسمون الرسالة والخطبة ~~: كلمة ، إذ كانت الكلمة منها . قال تعالى : { وتمت كلمت ربك الحسنى } [ ~~الأعراف : 137 ] ، PageV10P230 وقيل : إنه تعالى عنى بالكلمة هاهنا قوله فى ~~سورة القصص : { ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض } [ القصص : 5 ] ~~الآية . وقال مجاهد : قوله تعالى : { وألزمهم كلمة التقوى } [ الفتح : 26 ] ~~، قال : لا إله إلا الله . فخاطبهم - صلى الله عليه وسلم - بما جرى تعارفهم ~~عليه فى خطابهم . وأما وجه إنزال القرآن على هذه السبعة الأحرف ، وما أراد ~~الله بذلك ، فإنما ذلك توسعة من الله على عباده ورحمة لهم وتخفيفا عنهم لما ~~هم عليه من اختلاف اللغات واستصعاب مفارقة كل فريق منهم لطبعه وعادته فى ~~الكلام إلى غيره ، فخفف الله عنهم بأن أقرأهم على مألوف طبعهم وعادتهم فى ~~كلامهم ، يدل على ذلك ما روى أبو عبيدة من حديث حذيفة عن النبى - صلى الله ~~عليه وسلم - قال : ( لقيت جبريل عند أحجار المرى فقلت : يا جبريل ، إنى ~~أرسلت إلى أمة أمية : الرجل والمرأة والغلام والجارية والشيخ الفانى الذى ~~لم يقرأ كتابا قط . قال : إن القرآن أنزل على سبعة أحرف ) . روى حماد بن ~~سلمة من حديث أبى بكرة ( أن جبريل أتى النبى - صلى الله عليه وسلم - فقال : ~~اقرأ القرآن على ms3586 حرف . فقال ميكائيل : استزده . فقال : اقرأ على حرفين . ~~فقال ميكائيل : استزده حتى بلغ سبعة أحرف كل كاف شاف ) . ويمكن أن تكون هذه ~~السبعة أوجه من اللغات هى أفصح اللغات ، فلذلك أنزل القرآن عليها . ذكر ~~ثابت السرقطى فى هذا المعنى : قوله : ( سبعة أحرف ) يريد والله أعلم على ~~لغات شعوب من العرب سبعة أو PageV10P231 جماهيرها كما قال الكلبي : خمسة ~~منها لهوازن وحرفان لسائر الناس . وقال ابن عباس : نزل القرآن على سبعة ~~أحرف صارت فى عجز هوازن منها خمسة . وقال أبو حاتم : عجز هوازن ثقيف ، وبنو ~~سعد ابن بكر ، وبنو جشم ، وبنو مضر ، قال أبو حاتم : خص هؤلاء دون ربيعة ~~وسائر العرب لقرب جوارهم من مولد النبي - عليه السلام - ومنزل الوحي ، ~~وإنما مضر وربيعة أخوان . قال قتادة عن سعيد بن المسيب : نزل القرآن على ~~لغة هذا الحي من لدن هوازن وثقيف إلى ضربه . وأما فى أى شيء يكون اختلاف ~~هذه السبعة أحرف فإنه يكون فى أوجه كثيرة منها تغير اللفظ نفسه وتحويله إلى ~~لفظ آخر ، كقوله تعالى : { ملك يوم الدين } [ الفاتحة : 4 ] بغير ألف ، و { ~~مالك } بألف ، والسراط بالسين والصاد والزاى ومنها الإثبات والحذف كقوله ~~تعالى : { وقالوا اتخذ الله ولدا } [ البقرة : 116 ] ، { وسارعوا إلى مغفرة ~~من ربكم } [ آل عمران : 133 ] ، { والذين اتخذوا مسجدا } [ التوبة : 107 ] ~~بالواو وبغير واو ، ومنها تبديل الأدوات كقوله تعالى : { وتوكل على العزيز ~~الرحيم } [ الشعراء : 217 ] فى الشعراء بالفاء ، وتوكل بالواو ( فلا يخاف ~~عقابها ) بالفاء ، ولا يخاف عقابها بالواو ، ومنها التوحيد والجمع ، كقوله ~~تعالى : { الريح } و { الرياح } ، ومنها { فما بلغت رسالته } [ المائدة : ~~67 ] ، و { رسالاته } و { آية للسائلين } و { آيات } . ومنها : التذكير ~~والتأنيث كقوله تعالى : { ولا يقبل منها شفاعة } [ البقرة : 48 ] بالياء ~~والتاء ، و ( فناداه الملائكة ) و { فنادته } [ آل عمران : 39 ] ، و ( ~~استهواه الشياطين ) و { استهوته } [ الأنعام : 71 ] ، ومنها التشديد ~~والتخفيف كقوله تعالى : { بما كانوا PageV10P232 يكذبون } [ البقرة : 10 ] ~~بتشديد الذال وتخفيفها ، ومنها الخطاب والإخبار كقوله تعالى : { وما الله ~~بغافل عما يعملون } [ البقرة : 144 ] و { أفلا يعقلون } [ يس : 68 ] ، { ~~ولكن لا ms3587 يعلمون } [ البقرة : 13 ] ، وشبه ذلك بالتاء على الخطاب ، وبالياء ~~على الإخبار ، ومنها الإخبار عن النفس ، والإخبار عن غير النفس ، كقوله ~~تعالى : { نتبوأ من الجنة حيث نشاء } [ الزمر : 74 ] بالنون وبالياء ، { ~~ويجعل الرجس } [ يونس : 100 ] بالنون والياء ، ومنها التقديم والتأخير ~~كقوله تعالى : ( وقتلوا وقاتلوا ) ، { وقاتلوا وقتلوا } [ آل عمران : 195 ] ~~و { فيقتلون ويقتلون } [ التوبة : 111 ] ، وكذلك ( زين لكثير من المشركين ~~قتل أولادهم شركائهم ) و { قتل أولادهم شركآؤهم } [ الأنعام : 137 ] وشبهه ~~. ومنها : النهى والنفى كقوله تعالى : ( ولا تسل عن أصحاب الجحيم ) بالجزم ~~على النهى { ولا تسأل } [ البقرة : 119 ] بالرفع على النفى ، ( ولا تشرك فى ~~حكمه أحدا ) بالتاء والجزم على النهى { ولا يشرك } [ الكهف : 26 ] بالياء ~~والرفع على النفى . ومنها : الأمر والإخبار كقوله تعالى : { واتخذوا من ~~مقام إبراهيم مصلى } [ البقرة : 125 ] بكسر الخاء على الأمر ( واتخذوا ) ~~بالفتح على الإخبار ، و ( قل سبحان الله ) و ( قل ربى يعلم ) على الأمر ، ~~وقال على الخبر ، وشبهه . ومنها : تغير الإعراب وحده كقوله تعالى : { وصية ~~لأزواجهم } [ البقرة : 240 ] بالنصب وبالرفع و { تجارة حاضرة } [ البقرة : ~~282 ] بالرفع والنصب ، { وأرجلكم إلى الكعبين } [ المائدة : 6 ] بالنصب ~~والجر ، وما أشبهه . ومنها : تغيير الحركات اللوازم كقوله : { ولا تحسبن } ~~[ آل عمران : 169 ] بكسر السين PageV10P233 وفتحها { ومن يقنط } [ الحجر : ~~56 ] ، و { يقنطون } [ الروم : 36 ] بكسر النون وفتحها ، و { يعرشون } [ ~~الأعراف : 137 ] و { يعكفون } [ الأعراف : 138 ] بكسر الراء والكاف وضمها و ~~{ الولاية } [ الكهف : 44 ] بكسر الواو وفتحها . ومنها : التحريك والتسكين ~~كقوله : { خطوات الشيطان } [ البقرة : 168 ] بضم الطاء وإسكانها ، و { على ~~الموسع قدره وعلى المقتر قدره } [ البقرة : 236 ] بفتح الدال وإسكانها . ~~ومنها : الاتباع وتركه كقوله تعالى : { فمن اضطر } [ البقرة : 174 ] ، و { ~~أن اعبدوا الله } [ المائدة : 117 ] ، { ولقد استهزئ } [ الأنعام : 10 ] ، ~~بالضم والكسر ؛ فالضم لالتقاء الساكنين اتباعا لضم ما بعدهن ، وبالكسر ~~للساكنين من غير اتباع ، ومنها الصرف وتركه كقوله : { وعاد وثمود } [ ~~التوبة : 70 ] ، و { ألا بعدا لثمود } [ هود : 68 ] بالتنوين وتركه . ومنها ~~: اختلاف اللغات كقوله : { جبريل } بكسر الجيم من غير همز ، وبفتحها كذلك ، ~~وجبرئيل بفتح الجيم والراء مع الهمز ms3588 من غير مد ، وبالهمز والمد . ومنها : ~~التصرف فى اللغات نحو الإظهار والإدغام ، والمد والقصر والإمالة ، والفتح ~~وبين بين والهمز وتخفيفه بالحذف والبدل وبين بين ، والإسكان والروم ~~والإشمام عند الوقف على أواخر الكلم ، والسكون على الساكن قبل الهمزة وما ~~أشبهه ، وقد ورد التوقيف عن النبى - صلى الله عليه وسلم - بهذا الضرب من ~~PageV10P234 الاختلاف وأذن فيه لأمته بالأخبار الثابتة ، وفيما روى أبو ~~عبيد قال : حدثنا نعيم بن حماد حدثنا بقية بن الوليد ، عن حصين بن مالك قال ~~: سمعت شيخا يكنى أبا محمد ، عن حذيفة قال : قال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - : ( اقرءوا القرآن بلحن العرب وأصواتها ) ولحونها وأصواتها : ~~مذاهبها وطباعها . ووجه هذا الاختلاف فى القرآن أن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - كان يعرض القرآن على جبريل فى كل عام عرضة ، فلما كان العام ~~الذى توفى فيه عرضه عليه مرتين ، فكان جبريل يأخذ عليه فى كل عرضة بوجه من ~~هذه الوجوه والقراءات المختلفة ، ولذلك قال - صلى الله عليه وسلم - : ( إن ~~القرآن أنزل عليها ، وإنها كلها كاف شاف ) وأباح لأمته القراءة بما شاءت ~~منها مع الإيمان بجميعها ؛ إذ كانت كلها من عند الله منزلة ، ومنه - صلى ~~الله عليه وسلم - مأخوذة ، ولم يلزم أمته حفظها كلها ولا القراءة بأجمعها ؛ ~~بل هى مخيرة فى القراءة بأى حرف شاءت منها كتخييرها إذا حنثت فى يمين أن ~~تكفر إن شاءت بعتق أو بإطعام أو بكسوة ، وكالمأمور فى الفدية بالصيام أو ~~الصدقة أو النسك ، ألا ترى أن النبى - صلى الله عليه وسلم - صوب من قرأ ~~ببعضها كما صوب قراءة هشام بن حكيم وقراءة عمر بن الخطاب حين تناكرا ~~القراءة وأقر أنه كذلك قرئ عليه ، وكذلك أنزل عليه . وأما على كم وجه يشتمل ~~اختلاف هذه السبعة الأحرف ؛ فإنه يشتمل على ثلاثة معان : أحدها : اختلاف ~~اللفظ والمعنى واحد ، نحو قوله تعالى : { الصراط } [ الفاتحة : 6 ] بالصاد ~~والسين والزاى و { عليهم } و { إليهم } بضم الهاء مع إسكان الميم ، وبكسر ~~الهاء مع ضم الميم وإسكانها وشبه ذلك . والثانى : اختلاف اللفظ ، والمعنى ~~جميعا ms3589 مع جواز أن يجتمعا فى شىء واحد ، لعدم تضاد اجتماعهما فيه ، نحو قوله ~~: ( ملك يوم الدين ) بغير الألف ، و { مالك } بالألف لأن المراد ~~PageV10P235 بهاتين القراءتين هو الله سبحانه ، وذلك أنه مالك يوم الدين ~~وملكه ، فقد اجتمع له الوصفان جميعا فأخبر بذلك فى القراءتين ونحو ذلك : { ~~بما كانوا يكذبون } [ البقرة : 10 ] ، بتخفيف الذال وتشديدها ؛ لأن المراد ~~بهاتين القراءتين جميعا هم المنافقون ، وذلك أنهم كانوا يكذبون فى أخبارهم ~~ويكذبون النبي - صلى الله عليه وسلم - . والثالث : اختلاف اللفظ والمعنى ~~جميعا مع امتناع جواز اجتماعهما فى شىء واحد كقوله تعالى : { وظنوا أنهم قد ~~كذبوا } [ يوسف : 110 ] بالتشديد ؛ لأن المعنى : وتيقن الرسل أن قومهم قد ~~كذبوهم فيما أخبروهم به من أنه إن لم يؤمنوا بهم نزل العذاب بهم ، فالظن فى ~~القراءة الأولى يقين والضمير الأول للرسل ، والثانى للمرسل إليهم ، والظن ~~فى القراءة الثانية شك ، والضمير الأول للمرسل إليهم والثانى للرسل ، ويشبه ~~ذلك من اختلاف القراءتين اللتين لا يصح أن تجتمعا فى شىء واحد لتضاد المعنى ~~، وكل قراءة منهما بمنزلة آية قائمة بنفسها . وأما هذه السبعة الأحرف ؛ ~~فإنه لا يمكن القراءة بها فى ختمة واحدة ، فإذا قرأ القارئ برواية من رواية ~~القراء ، فإنما قرأ ببعضها لا بكلها ؛ لأنا قد أوضحنا قبل أن المراد ~~بالسبعة أحرف سبعة أوجه من اللغات كنحو اختلاف الإعراب والحركات والسكوت ، ~~والإظهار والإدغام ، والمد والقصر وغير ذلك مما قدمناه . وإذا كان كذلك ~~فمعلوم أنه من قرأ بوجه من هذه الأوجه ، فإنه لا يمكنه أن يحرك الحرف ~~ويسكنه فى حالة واحدة أو يقدمه ويؤخره ، أو يظهره ويدغمه ، أو يمده ويقصره ~~، أو يفتحه ويمليه وشبه ذلك ، غير أنا لا ندري أى هذه السبعة أحرف كان آخر ~~العرض ، وأن جميع هذه الأحرف قد ظهر واستفاض عن النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- وضبطتها الأمة PageV10P236 على اختلافها عنه ، وأن معنى إضافة كل حرف إلى ~~من أضيف إليه كأبى وزيد وغيرهم من قبل أنه كان أضبط له وأكثر قراءة وأقرأ ~~به ، وكذلك إضافة القراءات إلى أئمة القراء بالأمصار ، على ms3590 معنى أن ذلك ~~الإمام اختار القراءة بذلك الحرف ، وآثره على غيره ، ولزمه وأخذ عنه فلذلك ~~أضيف إليه ، وهذه إضافة اختيار لا إضافة اختراع . قال أبو جعفر الداودى : ~~والسبع المقارئ التى يتعلمها الناس اليوم ليس كل حرف منها هو أحد السبعة ~~التى أنزلت على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، قد يكون فى حرف من هذه ~~شىء من إحدى أولئك السبع ، وشىء من الأخرى . وقال أبو عبد الله بن أبى صفرة ~~: وهذه السبع القراءات التى بأيدى الناس إنما تفرعت من حرف واحد من السبعة ~~التى فى الحديث وهو الحرف الذى جمع عليه عثمان المصحف ذكر ذلك ابن النحاس ~~وغيره . * * * # | 6 - باب تأليف القرآن # / 14 - فيه : عائشة ، جاءها عراقى ، فقال : أى الكفن خير ؟ قالت : ويحك ، ~~وما يضرك ؟ قال : يا أم المؤمنين ، أرينى مصحفك ، قالت : لم ؟ قال : لعلى ~~أولف القرآن عليه ، فإنه يقرأ غير مؤلف ، قالت : وما يضرك أيه قرأت قبل ؟ ~~إنما نزل أول ما نزل منه سورة من المفصل فيها ذكر الجنة والنار ، حتى إذا ~~ثاب الناس إلى الإسلام نزل الحلال والحرام ، ولو نزل أول شىء لا تشربوا ~~الخمر ، لقالوا : لا ندع الخمر أبدا ، ولو نزل : لا تزنوا ، لقالوا : لا ~~ندع الزنا أبدا ، لقد نزل بمكة على محمد - صلى الله عليه وسلم - وإنى ~~لجارية ألعب : { بل الساعة موعدهم والساعة أدهى وأمر } [ القمر : 46 ] ~~PageV10P237 وما نزلت سورة البقرة والنساء إلا وأنا عنده ، قال : فأخرجت له ~~المصحف ، فأملت عليه آى السور . / 15 - وفيه : ابن مسعود ، قال فى بنى ~~إسرائيل والكهف ومريم وطه والأنبياء : إنهن من العتاق الأول ، وهن من تلادى ~~. / 16 - وفيه : البراء ، قال : تعلمت : { سبح اسم ربك الأعلى } [ الأعلى : ~~1 ] قبل أن يقدم النبى - صلى الله عليه وسلم - . / 17 - وفيه : ابن مسعود ، ~~قال : لقد تعلمت النظائر التى كان النبى - صلى الله عليه وسلم - يقرؤهن ~~اثنين اثنين فى كل ركعة ، فسألنا علقمة ، فقال : عشرون سورة من أول المفصل ~~على تأليف ابن مسعود آخرهن الحواميم ( حم الدخان ) ، و ( عم يتساءلون ) . ~~قال أبو بكر بن الطيب ms3591 : إن قال قائل : قد اختلف السلف فى ترتيب سور القرآن ~~فمنهم من كتب فى مصحفه السور على تاريخ نزولها وقدم المكى على المدنى ، ~~ومنهم من جعل فى أول مصحفه { الحمد لله } [ الفاتحة : 2 ] ، ومنهم من جعل ~~فى أوله { اقرأ باسم ربك } [ العلق : 1 ] ، وهذا أول مصحف على . وأما مصحف ~~ابن مسعود فإن أوله ( ملك يوم الدين ) ، ثم البقرة ثم النساء على ترتيب ~~يختلف . روى ذلك طلحة بن مصرف أنه قرأه على يحيى بن وثاب ، وقرأ يحيى بن ~~وثاب على علقمة ، وقرأ علقمة على عبد الله ، ومصحف أبى كان أوله : الحمد ~~لله ثم البقرة ، ثم النساء ثم آل عمران ، ثم الأنعام ثم الأعراف ، ثم ~~المائدة ثم كذلك على اختلاف شديد . قال أبو بكر : فالجواب : أنه يحتمل أن ~~يكون ترتيب السور على ما هى عليه اليوم فى المصحف كان على وجه الاجتهاد من ~~الصحابة ، وقد قال قوم من أهل العلم : PageV10P238 إن تأليف سور القرآن على ~~ما هو عليه فى مصحفنا كان على توقيف من النبى - صلى الله عليه وسلم - لهم ~~على ذلك وأمر به . وأما ما روى من اختلاف مصحف أبى وعلى وعبد الله إنما كان ~~قبل العرض الأخير ، وأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رتب لهم تأليف ~~السور بعد أن لم يكن فعل ذلك . روى يونس عن ابن وهب قال : سمعت مالكا يقول ~~: إنما ألف القرآن على ما كانوا يسمعونه من قراءة رسول الله ، ومن قال هذا ~~القول لا يقول : إن تلاوة القرآن فى الصلاة والدرس يجب أن يكون مرتبا على ~~حسب الترتيب الموقف عليه فى المصحف ؛ بل إنما يجب تأليف سوره فى الرسم ~~والكتابة خاصة . ولا نعلم أن أحدا منهم قال : إن ترتيب ذلك واجب فى الصلاة ~~، وفى قراءة القرآن ودرسه وإنه لا يحل لأحد أن يتلقن الكهف قبل البقرة ، ~~ولا الحج بعد الكهف ، ألا ترى قول عائشة للذى سألها أن تريه مصحفها ليكتب ~~مصحفا على تأليفه : لا يضرك أيه قرأت قبل ؟ ! وأن ما روى عن ابن مسعود وابن ms3592 ~~عمر أنهما كرها أن يقرأ القرآن منكوسا ، وقالا : ذلك منكوس القلب . فإنما ~~عنيا بذلك من يقرأ السورة منكوسة ويبتدئ من آخرها إلى أولها ؛ لأن ذلك حرام ~~محظور ، ومن الناس من يتعاطى هذا فى القرآن والشعر ليذلل لسانه بذلك ، ~~ويقتدر على الحفظ وهذا مما حظره الله ومنعه فى قراءة القرآن ؛ لأنه إفساد ~~لسوره ، ومخالفة لما قصد بها ، ومما يدل أنه لا يجب إثبات القرآن فى ~~المصاحف على تاريخ نزوله ؛ لأنهم لو فعلوا ذلك لوجب أن يجعلوا بعض آية سورة ~~فى سورة أخرى وأن ينقصوا ما وقفوا عليه من سياقه ترتيب السور ونظامها ؛ ~~لأنه قد صح وثبت أن الآيات كانت تنزل بالمدينة فيؤمروا بإثباتها في السورة ~~PageV10P239 المكية ، ويقال لهم : ضعوا هذه الآية فى السورة التى يذكر فيها ~~كذا . ألا ترى قول عائشة : وما نزلت سورة البقرة والنساء إلا وأنا عنده ، ~~يعنى بالمدينة ، وقد قدمنا فى المصحف على ما نزل قبلهما من القرآن بمكة ، ~~ولو ألفوه على تاريخ النزول لوجب أن ينتقض ترتيب آيات السور ، وقد كان ~~النبى - صلى الله عليه وسلم - يقرأ بالناس فى الصلاة السورة فى الركعة ثم ~~يقرأ فى ركعة أخرى بغير السورة التى تليها ، وقول ابن مسعود فى بنى إسرائيل ~~والكهف ومريم وطه والأنبياء : هى من العتاق الأول وهن من تلادى ، يعنى هن ~~مما نزل من القرآن أولا . قال صاحب العين : العتيق القديم من كل شىء ، ~~والتلاد : ما كسب من المال قديما فيريد أنهن من أول ما حفظه من القرآن . ~~وقوله : ( ثاب الناس إلى الإسلام ) : رجعوا إليه . قال صاحب العين : ثاب ~~الشىء يثوب ثؤوبا رجع . ومنه قوله تعالى : { وإذ جعلنا البيت مثابة للناس } ~~[ البقرة : 125 ] ، أى يرجعون إليه . * * * # | 7 - باب القراء من أصحاب النبى - صلى الله عليه وسلم - # / 18 - فيه : عبدالله بن عمرو ذكر ابن مسعود ، فقال : لا أزال أحبه سمعت ~~النبى - صلى الله عليه وسلم - يقول : ( خذوا القرآن من أربعة : من عبدالله ~~بن مسعود ، وسالم ، ومعاذ ، وأبى بن كعب ) . / 19 - وقال فيه مسروق : خطبنا ~~عبدالله بن مسعود ، فقال ms3593 : والله لقد أخذت من فى رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - بضعا وسبعين سورة ، والله لقد علم أصحابى أنى من أعلمهم بكتاب الله ~~، وما أنا بخيرهم . قال شقيق : فجلست فى الحلق أسمع ما يقولون ، فما سمعت ~~رادا يقول غير ذلك . / 20 - وقال فيه علقمة : كنا بحمص ، فقرأ ابن مسعود ~~سورة يوسف ، فقال PageV10P240 رجل : ما هكذا أنزلت ، قال : قرأت على رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - ، فقال : ( أحسنت ) ، ووجد منه ريح الخمر ، ~~فقال : أتجمع أن تكذب بكتاب الله وتشرب الخمر ؟ فضربه الحد . / 21 - وفيه : ~~مسروق ، قال : قال عبدالله : والله الذى لا إله غيره ما أنزلت سورة من كتاب ~~الله إلا أنا أعلم ، أين أنزلت ؟ ولا أنزلت آية من كتاب الله إلا أنا أعلم ~~فيم أنزلت ؟ ولو أعلم أحدا أعلم منى بكتاب الله تبلغه الإبل لركبت إليه . / ~~22 - وفيه : أنس ، جمع القرآن على عهد الرسول - صلى الله عليه وسلم - ؟ ~~أربعة كلهم من الأنصار : أبى بن كعب ، ومعاذ بن جبل ، وزيد بن ثابت ، وأبو ~~زيد . / 23 - وقال أنس مرة : مات النبى - صلى الله عليه وسلم - ولم يجمع ~~القرآن غير أربعة : أبو الدرداء ، ومعاذ بن جبل ، وزيد بن ثابت ، وأبو زيد ~~. ونحن ورثناه . / 24 - وفيه : ابن عباس ، قال عمر : أبى أقرؤنا ، وإنا ~~لندع من لحن أبى ، وأبى يقول : أخذته من فى رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- فلا أتركه لشىء . قال تعالى : { ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها ~~أو مثلها } [ البقرة 106 ] . قال أبو بكر بن الطيب : لا تدل هذه الآثار على ~~أن القرآن لم يحفظه فى حياة النبى - صلى الله عليه وسلم - غير عبد الله ~~وسالم ، ومعاذ وأبى ابن كعب ، وأنه لم يجمعه غير أربعة من الأنصار كما قال ~~أنس بن مالك ، فقد ثبت بالطرق المتواترة أنه جمع القرآن عثمان وعلى ، وتميم ~~الدارى وعبادة بن الصامت ، وعبد الله بن عمرو بن العاص ، وثبت أنه ~~PageV10P241 سأل النبي في كم يقرأ القرآن ؟ فقال : في شهر . فقال : إني ~~أطيق أكثر من ذلك . . ) الحديث ms3594 . فجمعه عمرو بن العاص وغيره . روى أن النبى ~~- صلى الله عليه وسلم - أقرأ خمس عشرة سجدة فى القرآن ، منها ثلاث فى ~~المفصل ، وفى الحج سجدتان . ذكر الأسانيد بذلك أبو بكر بن الطيب فى كتاب ~~الانتصار . فقول أنس : لم يجمع القرآن غير أربعة . قول يتعذر العلم بحقيقة ~~ظاهره ، وله وجوه من التأويل : أحدها : أنه لم يجمعه على جميع الوجوه ~~والأحرف ، والقراءات التى نزل بها إلا أولئك النفر فقط وهذا غير بعيد ؛ ~~لأنه لا يجب على سائرهم ولا على أولئك النفر أيضا أن يجمعوا القرآن على ~~جميع حروفه ووجوهه السبعة ، والثانى : أنه لم يجمع القرآن ويأخذه تلقينا من ~~فى النبى - صلى الله عليه وسلم - غير تلك الجماعة فإن أكثرهم أخذ بعضه عنه ~~وبعضه عن غيره ، والثالث : أن يكون لم يجمع القرآن على عهد النبى من انتصب ~~لتلقينه ، وأقرأ الناس له غير تلك الطبقة المذكورة . وقد تظاهرت الروايات ~~بأن الأئمة الأربعة جمعوا القرآن على عهد النبى - صلى الله عليه وسلم - ~~لأجل سبقهم إلى الإسلام وإعظام الرسول - صلى الله عليه وسلم - لهم ، وقد ~~ثبت عن الصديق بقراءته فى المحراب بطوال السور التى لا يتهيأ حفظها إلا ~~لأهل القدرة على الحفظ والإتقان ، فروى ابن عيينة ، عن الزهرى ، عن أنس أن ~~أبا بكر الصديق قرأ فى الصبح بالبقرة فقال عمر : كادت الشمس أن تطلع فقال : ~~لو طلعت لم تجدنا غافلين ، وقد علم أن كثيرا من الحفاظ وأهل الدربة بالقرآن ~~يتهيبون الصلاة بالناس بمثل PageV10P242 هذه السور الطوال وما هو دونها ، ~~وهذا يقتضى أن أبا بكر كان حافظا للقرآن ، وقد صح الخبر أنه بنى مسجدا ~~بفناء داره بمكة قبل الهجرة ، وأنه كان يقوم فيه بالقرآن ويكثر بكاؤه ~~ونشيجه عند قراءته فتقف عليه نساء المشركين وولدانهم يسمعون قراءته ، لولا ~~علم النبى - صلى الله عليه وسلم - بذلك من أمره لم يقدمه لإمامة المسلمين ~~مع قوله : يؤم القوم أقرؤهم . وكذلك تظاهرت الروايات عن عمر أنه كان يؤم ~~الناس بالسور الطوال ، وقد أمهم بسورة يوسف فى الصبح فبلغ إلى قوله : { ~~وابيضت عيناه ms3595 من الحزن فهو كظيم } [ يوسف : 84 ] ، فنشج حتى سمع بكاؤه من ~~وراء الصفوف . وقرأ مرة سورة الحج فسجد فيها سجدتين . وروى عبد الملك بن ~~عمير عن زيد بن وهب ، عن ابن مسعود قال : كان عمر أعلمنا بالله وأقرأنا ~~لكتاب الله وأفقهنا فى دين الله ، ولولا أن هذه كانت حالته ، وأنه من أقرأ ~~الناس لكتاب الله لم يكن أبو بكر الصديق بالذى يضم إليه زيد بن ثابت ، ~~ويأمرهما بجمع القرآن واعتراض ما عند الناس ، ويجعل زيدا تبعا له ؛ لأنه لا ~~يجوز أن ينصب لجمع القرآن واعتراضه من ليس بحافظ . وأما عثمان فقد اشتهر ~~أنه كان ممن جمع القرآن على عهد النبى - صلى الله عليه وسلم - وأنه كان من ~~أهل القيام به ، وقد قال حين أرادوا قتله فضربوه بالسيف على يده فمدها وقال ~~: والله إنها لأول يد خطت المفصل ، وقالت نائلة زوجته : إن نقتلوه فإنه كان ~~يحيى الليل بجميع القرآن فى ركعة . وكذلك على بن أبى طالب ، قد عرفت حاله ~~فى فضله وثاقب فهمه ، وسعة علمه ومشاورة الصحابة له ، وإقرارهم لفضله ~~وتربية النبي له PageV10P243 وأخذه له بفضائل الأخلاق ، وترغيبه - صلى الله ~~عليه وسلم - فى تخريجه وتعليمه ، وما كان يرشحه له ويثيبه عليه من أمره نحو ~~قوله : أقضاكم على ، ومن البعيد أن يقول هذا فيه وليس من قراء الأمة ، وقد ~~كان يقرأ القرآن ، وقرأ عليه أبو عبد الرحمن السلمى وغيره ، وروى همام ، عن ~~ابن أبى نجيح ، عن عطاء بن السائب أن أبا عبد الرحمن حدثه قال : ما رأيت ~~رجلا أقرأ للقرآن من على بن أبى طالب ، صلى بنا الصبح ، فقرأ سورة الأنبياء ~~فأسقط آية ، فقرأ ثم رجع إلى الآية التى أسقطها فقرأها ، ثم رجع إلى مكانه ~~الذى انتهى إليه لا يتتعتع . فإذا صح ما قلناه مع ما ثبت من تقدمهم وتقدمة ~~الرسول لهم وجب أن يكونوا حفاظا للقرآن ، وأن يكون ذلك أولى من الأخبار ~~التى ذكر فيها أن الحفاظ كانوا على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~أربعة ليس منهم أحد من ms3596 هؤلاء الأئمة القادة الذين هم عمدة الدين وفقهاء ~~المسلمين . * * * # | 8 - باب فضل فاتحة الكتاب # / 25 - فيه : أبو سعيد بن المعلى ، كنت أصلى ، فدعانى النبى - صلى الله ~~عليه وسلم - فلم أجبه ، قلت : يا رسول الله ، إنى كنت أصلى ، قال : ( ألم ~~يقل الله : { استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم } ) [ الأنفال : 24 ] ، ثم ~~قال : ( ألا أعلمك أعظم سورة فى القرآن قبل أن تخرج من المسجد ) ، فأخذ ~~بيدى ، فلما أردنا أن نخرج ، قلت : يا رسول الله ، إنك قلت : لأعلمنك ~~PageV10P244 أعظم سورة من القرآن ، قال : ( { الحمد لله رب العالمين } [ ~~الفاتحة : 2 ] ، هي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيته ) . / 26 - ~~وفيه : أبو سعيد الخدرى ، كنا فى مسير لنا ، فجاءت جارية ، فقالت : إن سيد ~~الحى سليم ، وإن نفرنا غيب ، فهل منكم راق ؟ فقام معها رجل ما كنا نأبنه ~~برقية ، فرقاه ، فبرأ فأمر له بثلاثين شاة ، وسقانا لبنا ، فلما رجع ، قلنا ~~له : أكنت تحسن رقية أو كنت ترقى ؟ قال : لا ، ما رقيت إلا بأم الكتاب ، ~~قلنا : لا تحدثوا شيئا حتى نسأل النبى - صلى الله عليه وسلم - قدمنا ~~المدينة ، فذكرناه للنبى - صلى الله عليه وسلم - فقال : ( وما كان يدريك ~~أنها رقية ؟ اقسموا واضربوا لى بسهم ) . قال المؤلف : إن قال قائل : قوله - ~~صلى الله عليه وسلم - : ( لأعلمنك أعظم سورة من القرآن ) يدل على تفاضل ~~القرآن ، قيل له : ليس كما توهمت ؛ لأنه يحتمل أن يكون معنى قوله - صلى ~~الله عليه وسلم - : أعظم سورة فى القرآن ، أى أعظم نفعا للمتعبدين ؛ لأن أم ~~القرآن لا تجزئ الصلاة إلا بها ، وليس ذلك لغيرها من السور ، ولذلك قيل لها ~~: السبع المثانى ؛ لأنها تثنى فى كل صلاة هذا قول على بن أبى طالب ، وأبى ~~هريرة وغيرهما ، ويشهد لهذا قوله - صلى الله عليه وسلم - : ( لا صلاة إلا ~~بفاتحة الكتاب ) . وفيه : قوله - صلى الله عليه وسلم - : هى السبع المثانى ~~تفسير لقوله تعالى : { ولقد آتيناك سبعا من المثانى } [ الحجر : 87 ] ، أن ~~المراد بها فاتحة الكتاب ، وقد روى عن السلف أقوال أخر فى تفسير السبع ~~المثانى ، فروى عن ابن عباس وابن ms3597 مسعود أنها السبع الطوال ؛ لأن الفرائض ~~والقصص تثنى فيها ، ويجوز أن يكون المثانى القرآن كله كما قال تعالى : { ~~كتابا متشابها مثانى } [ الزمر : 23 ] ؛ لأن الأخبار تثني فيه . ~~PageV10P245 ومما يدل أن قوله - صلى الله عليه وسلم - : ( لأعلمنك أعظم ~~سورة ) لا يوجب تفاضل القرآن بعضه على بعض فى ذاته . قوله تعالى : { ما ~~ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها } [ البقرة : 106 ] ، ولم ~~يختلف أهل التأويل فى أن الله تعالى لم يرد بقوله : { نأت بخير منها } [ ~~البقرة : 106 ] ، تفضيل بعض الآيات على بعض ، وإنما المراد بخير منها ~~لعباده المؤمنين التالين لها ، إما بتخفيف وعفو ، أو بثواب على عمل ، ولو ~~قال قائل : أيما أفضل : آية رحمة ، أو آية عذاب ، أو آية وعد ، أو آية وعيد ~~؟ لم يكن لهذا جواب . ومن اختار التفاضل فى القرآن فقد أوجب فيه النقص ، ~~وأسماء الله تعالى وصفاته وكلامه لا نقص فى شىء منها فيكون بعضه أفضل من ~~بعض ، وكيف يجوز أن يكون شىء من صفاته منقوصا غير كامل وهو قادر على أن يتم ~~المنقوص حتى يكون فى غاية الكمال ، فلا يلحقه فى شىء من صفاته نقص ، تعالى ~~الله عن ذلك ، وسأزيد فى بيان هذا فى فضل { قل هو الله أحد } [ الإخلاص : 1 ~~] . ويحتمل قوله : لأعلمنك أعظم سورة وجها آخر ، وهو أن يكون أعظم بمعنى ~~سورة عظيمة كما قيل الله أكبر ، بمعنى : كبير ، وكما قيل فى اسم الله ~~الأعظم بمعنى : عظيم ، وقد تقدم الكلام فى حديث أبى سعيد الخدرى فى كتاب ~~الإجازة فى باب ما يعطى في الرقية بفاتحة الكتاب ومعنى قوله ما يدريك أنها ~~رقية فتأمله هناك . PageV10P246 وقوله : ما كنا نأبنه ، قال صاحب الأفعال : ~~أبنت الرجل بخير أو شر نسبتهما إليه . أبنه أبنا . * * * # | 9 - باب فضل البقرة # / 27 - فيه : أبو مسعود ، قال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( من قرأ ~~بالآيتين من آخر سورة البقرة فى ليلة كفتاه ) . / 28 - وفيه : أبو هريرة ، ~~قال : وكلنى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بحفظ زكاة رمضان ، فأتانى آت ~~، فجعل يحثو ms3598 من الطعام ، فأخذته ، فقلت : لأرفعنك إلى رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - . . . فقص الحديث ، فقال : ( إذا أويت إلى فراشك ، فاقرأ آية ~~الكرسى ، فإنه لن يزال عليك من الله حافظ ، ولا يقربك شيطان حتى تصبح ) ، ~~فقال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( صدقك ، وهو كذوب ذاك شيطان ) . قال ~~المؤلف : إذا كان من قرأ الآيتين من آخر سورة البقرة كفتاه ، ومن قرأ آية ~~الكرسى كان عليه من الله حافظ ولا يقربه شيطان حتى يصبح ، فما ظنك بمن ~~قرأها كلها من كفاية الله له وحرزه وحمايته من الشيطان وغيره ، وعظيم ما ~~يدخر له من ثوابها . وقد روى هذا المعنى عن النبى - صلى الله عليه وسلم - ~~وروى معمر ، عن يحيى بن أبى كثير ، عن أبى سلمة ، عن أبى أمامة قال : قال ~~رسول الله : ( تعلموا القرآن ؛ فإنه شافع لأصحابه يوم القيامة ، تعلموا ~~البقرة وآل عمران ، تعلموا الزهراوين ، فإنهما تأتيان يوم PageV10P247 ~~القيامة كأنهما غمامتان أو غيايتان أو كأنهما فرقان من طير صواف يحاجان عن ~~صاحبهما ، وتعلموا البقرة فإن تعلمها بركة وإن فى تركها حسرة ولا تطيقها ~~البطلة ) . وقال ابن مسعود : إن الشيطان يخرج من البيت الذى يقرأ سورة ~~البقرة فيه . * * * # | 10 - باب فضل الكهف # / 29 - فيه : البراء ، كان رجل يقرأ سورة الكهف ، وإلى جانبه حصان مربوط ~~بشطنين ، فتغشته سحابة ، فجعل يدنو ويدنو ، وجعل فرسه ينفر ، فلما أصبح أتى ~~النبى - صلى الله عليه وسلم - فذكر ذلك له ، فقال : ( تلك السكينة تنزلت ~~بالقرآن ) . قال المؤلف : روى الثورى ، عن أبى هاشم الواسطى ، عن أبى مجلز ~~، عن قيس بن عبادة عن أبى سعيد الخدرى قال : من قرأ سورة الكهف كما أنزلت ~~ثم أدرك الدجال لم يسلط عليه ، ومن قرأ آخر سورة الكهف أضاء نوره من حيث ~~قرأها ما بينه وبين مكة . وقال قتادة : من قرأ عشر آيات من أول سورة الكهف ~~عصم من فتنة الدجال . والحصان : الفحل من الخيل ، والشطن : الحبل ، عن صاحب ~~العين . واختلف أهل التأويل فى تفسير السكينة ، فروى عن على بن أبى طالب ~~أنه قال : هى ريح هفافة ms3599 لها وجه كوجه الإنسان . PageV10P248 وروي عنه أنها ~~ريح حجوج ولها رأسان . وقال مجاهد : السكينة لها رأس الهر وجناحان وذنب ~~كذنب الهر . وعن ابن عباس والربيع : هى دابة مثل الهر ، لعينها شعاع فإذا ~~التقى الجمعان أخرجت يدها فنظرت إليهم فيهزم إليهم ذلك الجيش من الرعب . ~~وعن ابن عباس والسدى : هى طست من ذهب من الجنة يغسل فيها قلوب الأنبياء . ~~وعن أبى مالك : طست من ذهب ألقى موسى فيه التوراة والألواح والعصا , وعن ~~وهب : السكينة : روح من الله تتكلم إذا اختلفوا فى شىء بين لهم ما يريدون . ~~وعن الضحاك : السكينة : الرحمة . وعن عطاء : السكينة : ما تعرفون من الآيات ~~فتستكينون إليها . وهذ اختيار الطبرى . وتنزل السكينة لسماع القرآن يدل على ~~خلاف قول السدى أنها طست من ذهب ، ويشهد لصحة قول من قال : أنها روح أو شيء ~~فيه روح ، والله أعلم . * * * # | 11 - باب فضل سورة الفتح # / 30 - فيه : عمر بن الخطاب أنه كان يسير مع رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - ، فى بعض أسفاره ليلا ، فسأله عمر فلم يجبه ، ثلاثا ، فقال عمر : ~~ثكلتك أمك ، نزرت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثلاث مرات كل ذلك لا ~~يجيبك ، قال عمر : فحركت بعيرى حتى كنت أمام الناس ، وخشيت أن ينزل فى قرآن ~~، فما فجئت النبى - صلى الله عليه وسلم - ، فقال : ( لقد أنزلت على الليلة ~~سورة لهى أحب إلى مما طلعت عليه الشمس ) ، ثم قرأ { إنا فتحنا لك فتحا ~~مبينا } [ الفتح : 1 ] . PageV10P249 قال الطبري : فإن قال قائل : ما معنى ~~قوله - صلى الله عليه وسلم - : لهى أحب إلى مما طلعت عليه الشمس ؟ أكان ~~النبى يحب الدنيا الحب الذى يقارب حبه ، ما أخبره الله به أنه أعطاه من ~~الكرامة ، وشرفه به من الفضيلة بقوله : { إنا فتحنا لك فتحا مبينا } [ ~~الفتح : 1 ] الآية ، وقد علمت أن المخبر إنما أراد المبالغة فى الخبر عن ~~رفعة قدر النبى عنده على غيره أنه يجمع بين رفيعين من الأشياء عنده ، وعن ~~المخبرين به فيخبرهم عن فضل مكان أحدهما على الآخر عنده ، وقد علمت أن ms3600 ~~النبى - صلى الله عليه وسلم - لم يكن للدنيا عنده من القدر ما يعدك أدنى ~~كرامة أكرمه الله تعالى بها فما وجه قوله : هى أحب إلى من الدنيا مع خساسة ~~قدر الدنيا عنده وضعة منزلتها . قيل : لذلك وجهان أحدهما : أن يكون معنى ~~قوله : هى أحب إلى مما طلعت عليه الشمس ، هى أحب إلى من كل شىء ؛ لأنه لا ~~شىء إلا الدنيا والآخرة ، فأخرج الخبر عن ذكر الشىء بذكر الدنيا ؛ إذ كان ~~لا شىء سواها إلا الآخرة . والوجه الثانى : أن يكون خاطب أصحابه بذلك ، على ~~ما قد جرى من استعمال الناس بينهم فى مخاطبتهم ، من قولهم إذا أراد أحدهم ~~الخبر عن نهاية محبته للشئ : هو أحب إلى من الدنيا ، وما أعدل به من الدنيا ~~شيئا ، كما قال تعالى : { كلا لئن لم ينته لنسفعا بالناصية } [ العلق : 15 ~~] ، ومعنى ذلك : لنهيننه ولنذلنه ؛ لأن الذين خوطبوا هذا الخطاب كان فى ~~إذلالهم من أرادوا إذلاله PageV10P250 السفع بالناصية ، فخاطبهم بالذى ~~كانوا يتعارفون بينهم ، ومثله قوله - صلى الله عليه وسلم - : ( أحب إلى مما ~~طلعت الشمس ) . * * * # | 12 - باب فضل { قل هو الله أحد } [ الإخلاص : 1 ] # / 31 - فيه : أبو سعيد ، أن رجلا سمع رجلا يقرأ : { قل هو الله أحد } [ ~~الإخلاص : 1 ] يرددها ، فلما أصبح جاء إلى النبى - صلى الله عليه وسلم - ~~فذكر ذلك له ، وكأن الرجل يتقالها ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~: ( والذى نفسى بيده ، إنها لتعدل ثلث القرآن ) . / 32 - وقال أبو سعيد فى ~~حديثه مرة : إن النبى - صلى الله عليه وسلم - لأصحابه : ( أيعجز أحدكم أن ~~يقرأ ثلث القرآن فى ليلة ) ؟ فشق ذلك عليهم ، وقالوا : أينا يطيق ذلك يا ~~رسول الله ؟ فقال : ( الله الواحد الصمد ثلث القرآن ) . اختلف العلماء فى ~~معنى قوله : إنها تعدل ثلث القرآن ، فقال أبو الحسن بن القابسى : لعل الرجل ~~الذى بات يردد { قل هو الله أحد } [ الإخلاص : 1 ] كانت منتهى حفظه ، فجاء ~~يقلل عمله ، فقال له النبى - صلى الله عليه وسلم - : إنها لتعدل ثلث القرآن ~~ترغيبا له فى عمل الخير وإن قل ، ولله تعالى ms3601 أن يجازى عبدا على يسير بأفضل ~~مما يجازى آخر على كثير ، وقال غيره : معنى قوله : إنها تعدل ثلث القرآن أن ~~الله جعل القرآن ثلاثة أجزاء : أحدها : القصص والعبر والأمثال ، والثانى : ~~الأمر والنهى والثواب والعقاب ، والثالث : التوحيد والإخلاص ، وتضمنت هذه ~~السورة صفة توحيده تعالى وتنزيهه عن الصاحبة والوالد والولد ، فجعل لقارئها ~~من الثواب كثواب من قرأ ثلث القرآن . PageV10P251 واحتجوا بحديث أبى ~~الدرداء أن النبى - صلى الله عليه وسلم - قال لأصحابه : أيعجز أحدكم أن ~~يقرأ كل ليلة ثلث القرآن ؟ قالوا : نحن أعجز . قال : إن الله جزء القرآن ~~فجعل { قل هو الله أحد } [ الإخلاص : 1 ] جزءا من أجزاء القرآن . قال ~~المهلب : وحكاه عن الأصيلى ، وهو مذهب الأشعرى وأبى بكر بن الطيب ، وابن ~~أبى زيد والداودى ، وابن القابسى وجماعة علماء السنة : أن القرآن لا يفضل ~~بعضه على بعض ؛ إذ كله كلام الله وصفته ، وهو غير مخلوق ، ولا يجوز التفاضل ~~إلا فى المخلوقات ؛ لأن المفضول ناقص عن درجة الفاضل وصفات الله تعالى لا ~~نقص فيها ؛ ولذلك لم يجز فيها التفاضل وقد قال إسحاق بن منصور : سألت إسحاق ~~بن راهويه عن هذا الحديث فقال لى : معناه : أن الله جعل لكلامه فضلا على ~~سائر الكلام ، ثم فضل بعض كلامه على بعض بأن جعل لبعضه ثوابا أضعاف ما جعل ~~لبعض تحريضا منه - صلى الله عليه وسلم - على تعليمه وكثرة قراءته ، وليس ~~معناه : أنه لو قرأ : { قل هو الله أحد } ثلاث مرات ، كان كأنه قرأ القرآن ~~كله ، ولو قرأها أكثر من مائتى مرة . * * * # | 13 - باب المعوذات # / 33 - فيه : عائشة ، كان النبى - صلى الله عليه وسلم - إذا اشتكى يقرأ ~~على نفسه بالمعوذات وينفث ، فلما اشتد وجعه كنت أقرأ عليه ، وأمسح بيده ~~رجاء بركتها . / 34 - وقالت أيضا : كان النبى - صلى الله عليه وسلم - كان ~~إذا أوى إلى فراشه كل ليلة جمع كفيه ، ثم نفث فيهما ، فقرأ فيهما : { قل هو ~~الله أحد } والمعوذات ، ثم يمسح بهما ما استطاع من جسده ، يبدأ بهما على ~~رأسه ووجهه وما أقبل من جسده ، PageV10P252 يفعل ذلك ثلاث ms3602 . وقد تقدم حديث ~~عائشة فى كتاب الطب فى باب الرقى بالمعوذات . ودل فعل النبى - صلى الله ~~عليه وسلم - فى رقية نفسه عند شكواه وعند نومه متعوذا بهما على عظيم البركة ~~فى الرقى بهما ، والتعوذ بالله من كل ما يخشى فى النوم ، وقد روى عبد ~~الرزاق ، عن الثورى ، عن إسماعيل بن أبى خالد ، عن قيس بن أبى حازم ، عن ~~عقبة بن عامر قال : قال النبى - صلى الله عليه وسلم - : أنزل على آيات لم ~~أسمع بمثلهن : المعوذتين . وقال عقبة فى حديثه مرة أخرى : قال لى النبى - ~~صلى الله عليه وسلم - : { قل هو الله أحد } [ الإخلاص : 1 ] و { قل أعوذ ~~برب الفلق } [ الفلق : 1 ] ، و { قل أعوذ برب الناس } [ الناس : 1 ] تعوذ ~~بهن ، فإنه لم يتعوذ بمثلهن قط . وقد تقدم فى كتاب المرضى فى باب النفث فى ~~الرقية من كره النفث من العلماء فى الرقية ومن أجازه . * * * # | 14 - باب نزول السكينة والملائكة عند القراءة # / 35 - وفيه : محمد بن إبراهيم ، أن أسيد بن حضير ، بينا هو يقرأ من ~~الليل سورة البقرة وفرسه مربوطة عنده ؛ إذ جالت الفرس ، فسكت فسكتت ، ثم ~~قرأ ، فجالت الفرس ، ثم انصرف ، وكان ابنه يحيى قريبا منها ، فأشفق أن ~~تصيبه ، فلما أصبح حدث النبى - صلى الله عليه وسلم - ، فقال : ( اقرأ يا ~~ابن حضير ) ، قال : فأشفقت ، يا رسول الله ، أن تطأ يحيى ، وكان منها قريبا ~~، فرفعت رأسى ، فانصرفت إليه ، فرفعت رأسى إلى السماء ، فإذا مثل الظلة ~~فيها أمثال المصابيح ، فخرجت حتى لا أراها ، قال : ( وتدرى ما ذاك ) ؟ قال ~~: لا ، قال : ( تلك الملائكة دنت لصوتك ، ولو قرأت لأصبحت ينظر الناس إليها ~~لا تتوارى منهم ) . PageV10P253 في هذا الحديث أن أسيد بن حضير رأى مثل ~~الظلة فيها أمثال المصابيح فقال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( تلك ~~الملائكة تنزلت للقرآن ) ، وقال - صلى الله عليه وسلم - فى حديث البراء فى ~~سورة الكهف : ( تلك السكينة نزلت للقرآن ) . فمرة أخبر - صلى الله عليه ~~وسلم - عن نزول السكينة ، ومرة أخرى عن نزول الملائكة ، فدل على أن السكينة ~~كانت فى تلك ms3603 الظلة وأنها تنزل أبدا مع الملائكة ، والله أعلم ، ولذلك ترجم ~~البخارى باب نزول السكينة والملائكة عند القراءة . وفى هذا الحديث أن ~~الملائكة تحب أن تسمع القرآن من بنى آدم لا سيما قراءة المحسنين منهم ، ~~وكان أسيد بن حضير حسن الصوت بالقرآن ودل قوله - صلى الله عليه وسلم - ~~لأسيد : لو قرأت لأصبحت تنظر الناس إليها لا تتوارى منهم على حرص الملائكة ~~على سماع كتاب الله من بنى آدم . وقد جاء فى الحديث أن البيت الذى يقرأ فيه ~~القرآن يضئ لأهل السماء كما يضئ النجم لأهل الأرض وتحضره الملائكة ، وهذا ~~كله ترغيب فى حفظ القرآن ، وقيام الليل به ، وتحسين قراءته . وفيه جواز ~~رؤية بنى آدم للملائكة إذا تصورت فى صورة يمكن للآدميين رؤيتها ، كما كان ~~جبريل - صلى الله عليه وسلم - يظهر للنبى - صلى الله عليه وسلم - فى صورة ~~رجل فيكلمه ، وكثيرا ما كان يأتيه فى صورة دحية الكلبى وقد تقدم فى باب ~~الكهف تفسير السكينة بما أغنى عن إعادته . وقوله : ( لو قرأت لأصبحت ينظر ~~الناس إليها لا تتوارى منهم ) حجة لمن قال : إن السكينة روح أو شىء فيه روح ~~؛ لأنه لا يصح حب استماع القرآن إلا لمن يعقل . * * * PageV10P254 15 - باب ~~من قال : لم يترك النبي - صلى الله عليه وسلم - إلا ما بين الدفتين / 36 - ~~فيه : ابن عباس ، أنه سئل : هل ترك النبى - صلى الله عليه وسلم - من شىء ؟ ~~قال : ما ترك إلا ما بين الدفتين . ومحمد بن الحنفية مثله . # | 16 - باب الوصاة بكتاب الله # / 37 - فيه : طلحة ، أنه سأل عبدالله بن أبى أوفى : آوصى النبى - صلى ~~الله عليه وسلم - ؟ فقال : لا ، قلت : كيف كتب على الناس الوصية ؟ أمروا ~~بها ولم يوص ، قال : ( أوصى بكتاب الله ) . هذان البابان يردان قول من زعم ~~أن النبى - صلى الله عليه وسلم - أوصى إلى أحد ، وأن على بن أبى طالب الوصى ~~، وكذلك قال على بن أبى طالب حين سئل عن ذلك فقال : ما عندنا إلا كتاب الله ~~وما فى هذه الصحيفة ، الصحيفة مقرونة بسيفه ، فيها العقل وفكاك ms3604 الأسير ، ~~ولا يقتل مؤمن بكافر ، وقد تقدم ذلك فى غير موضع . * * * # | 17 - باب فضل القرآن على سائر الكلام # / 38 - فيه : أبو موسى ، قال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( مثل الذى ~~يقرأ القرآن كالأترجة طعمها طيب وريحها طيب ، والذى لا يقرأ القرآن كالتمرة ~~طعمها طيب ولا ريح لها ، PageV10P255 ومثل الفاجر الذي يقرأ القرآن كمثل ~~الريحانة ريحها طيب وطعمها مر ، ومثل الفاجر الذي لا يقرأ القرآن كمثل ~~الحنظلة ، طعمها مر ولا ريح لها ) . / 39 - وفيه : ابن عمر ، قال النبى - ~~صلى الله عليه وسلم - : ( إنما أجلكم فيما خلا من الأمم كمثل ما بين صلاة ~~العصر ومغرب الشمس ، ومثلكم ومثل اليهود والنصارى كمثل رجل استعمل عمالا ، ~~فقال : من يعمل لى إلى نصف النهار على قيراط ؟ فعملت اليهود ، فقال : من ~~يعمل لى من نصف النهار إلى العصر ، على قيراط ؟ فعملت النصارى ، ثم أنتم ~~تعملون من العصر إلى المغرب بقيراطين قيراطين ، قالوا : نحن أكثر عملا ، ~~وأقل عطاء ، قال : هل ظلمتكم من حقكم ؟ قالوا : لا ، قال : فذاك فضلى أوتيه ~~من شئت ) . قال المؤلف : وجه ذكر البخارى لهذين الحديثين فى هذا الباب هو ~~أنه لما كان ما جمع طيب الريح وطيب المطعم أفضل المأكولات ، وشبه النبى ~~المؤمن الذى يقرأ القرآن بالأترجة التى جمعت طيب الريح وطيب المطعم ؛ دل ~~ذلك أن القرآن أفضل الكلام ، ودل هذا الحديث على مثل القرآن وحامله والعامل ~~به والتارك له ، وكذلك حديث ابن عمر ، لما كان المسلمون أكثر أجرا من أهل ~~التوراة وأهل الإنجيل دل ذلك على فضل القرآن على التوراة والإنجيل ؛ لأن ~~المسلمين إنما استحقوا هذه الفضيلة بالقرآن الذى فضلهم الله به ، وجعل فيه ~~للحسنة عشر أمثالها وللسيئة واحدة ، وتفضل عليهم بأن أعطاهم على تلاوته لكل ~~حرف عشر حسنات كما قال ابن مسعود ، وقد أسنده عن النبى أيضا ، وقد وردت ~~آثار كثيرة فى فضائل القرآن والترغيب فى قراءته . روى سفيان عن عاصم ، عن ~~زر عن عبد الله بن عمرو ، عن النبى - صلى الله عليه وسلم - قال : ( يقال ~~لصاحب القرآن : اقرأ وارتق ورتل كما ms3605 كنت ترتل فى الدنيا ؛ فإن منزلتك عند ~~آخر آية تقرؤها ) . PageV10P256 وقالت عائشة : جعلت درج الجنة على عدد آى ~~القرآن ، فمن قرأ ثلث القرآن كان على الثلث من درج الجنة ، ومن قرأ نصفه ~~كان على النصف من درج الجنة ، ومن قرأ القرآن كله كان فى عاليه لم يكن فوقه ~~أحد إلا نبى أو صديق أو شهيد . وروى أبو قبيل : عن عبد الله بن عمرو قال : ~~قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( إن القرآن والصيام يشفعان يوم ~~القيامة لصاحبهما ، فيقول الصيام : يا رب ، إنى منعته الطعام والشراب ~~فشفعنى فيه ، ويقول القرآن : يا رب ، إنى منعته النوم بالليل فشفعنى فيه ~~فيشفعان فيه ) . وروى أبو نعيم ، عن بشير بن المهاجر ، عن عبد الله بن ~~بريدة ، عن أبيه قال : كنت جالسا عند النبى - صلى الله عليه وسلم - فسمعته ~~يقول : إن القرآن يلقى صاحبه يوم القيامة حين ينشق عنه قبره كالرجل الشاب ~~فيقول : هل تعرفنى ؟ فيقول : ما أعرفك . فيقول : أنا صاحبك القرآن الذى ~~أظمأتك فى الهواجر وأسهرت ليلك ، وإن كل تاجر من وراء تجارته ، وإنك من ~~وراء كل تجارة ، فيعطى الملك بيمينه والخلد بشماله ، ويوضع على رأسه تاج ~~الوقار ، ويكسى والداه حلتين لا تقوم لهما الدنيا ، فيقولان : بما كسينا ~~هذا ؟ فيقال لهما : بأخذ ولدكما القرآن ، ثم يقال : اقرأ واصعد فى درج ~~الجنة وغرفها ، فهو فى صعود ما دام يقرأ هذا كان أو ترتيلا . وقال ابن عباس ~~: من قرأ القرآن لم يرد إلى أرذل العمر . * * * PageV10P257 # | 18 - باب من لم يتغن بالقرآن وقوله تعالى : { أولم يكفهم أنا أنزلنا ~~عليك الكتاب يتلى عليهم } [ العنكبوت : 51 ] # . / 40 - فيه : أبو هريرة ، قال النبى ، عليه السلام : ( لم يأذن الله ~~لشىء ما أذن للنبى أن يتغنى بالقرآن ) . وقال صاحب له : يريد : يجهر به . / ~~41 - وقال مرة : ما أذن لنبى ما أذن الله للنبى - صلى الله عليه وسلم - أن ~~يتغنى بالقرآن . قال سفيان : تفسيره يستغنى به . وذكر فى كتاب الاعتصام ~~حديث أبى هريرة ، عن النبى - صلى الله عليه وسلم - قال : ( ليس منا من ms3606 لم ~~يتغن بالقرآن ) . وزاد غيره : ( يجهر به ) . وذكره فى باب قوله تعالى : { ~~وأسروا قولكم أو اجهروا به } [ الملك : 13 ] . واختلف الناس فى معنى التغنى ~~بالقرآن ؛ ففسره ابن عيينة على أن المراد بالاستغناء ، الذى هو ضد الافتقار ~~، ورواه عن سعد ابن أبى وقاص ، ذكر الحميدى ، عن سفيان ، حدثنا ابن جريج ، ~~عن ابن أبى مليكة ، عن عبد الله بن أبى نهيك قال : لقينى سعد بن أبى وقاص ~~فى السوق فقال : أتجار كبسة ، سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول ~~: ( ليس منا من لم يتغن بالقرآن ) . وهكذا فسره وكيع ، ومن تأول هذا ~~التأويل كره قراءة القرآن بالألحان والترجيع . روى ذلك عن أنس بن مالك ~~وسعيد بن المسيب ، والحسن ، وابن سيرين ، وسعيد بن جبير والنخعى ، وقال ~~النخعى : كانوا يكرهون القراءة بتطريب ، وكانوا إذا قرأوا القرآن قرأوه ~~حدرا ترتيلا بحزن ، وهو قول مالك : روى ابن القاسم عنه أنه سئل عن الإلحان ~~فى الصلاة فقال : لا يعجبنى ، وأعظم القول فيه ، وقال : إنما هو غناء ~~يتغنون به ليأخذوا عليه الدراهم . PageV10P258 وقد روي عن ابن عيينة وجه ~~آخر ، ذكره إسحاق بن راهويه قال : كان ابن عيينة يقول : معنى قوله - صلى ~~الله عليه وسلم - : ( ما أذن الله لشىء ما أذن لنبى أن يتغنى بالقرآن ) . ~~يريد يستغنى به عما سواه من الأحاديث . وقالت طائفة : معنى التغنى بالقرآن ~~: تحسين الصوت به والترجيع بقرائته ، والتغنى بما شاء من الأصوات واللحون ~~وهو معنى قوله : وقال صاحب له يريد : يجهر به . قال الخطابى : والعرب تقول ~~: سمعت فلانا يغنى بهذا الحديث ، أى يجهر به ، ويصرح لا يكنى . وقال أبو ~~عاصم : أخذ بيدى ابن جريج ووقفنى على أشعب الطماع وقال : عن ابن أخى ، ما ~~بلغ من طمعكم ؟ قال : ما زفت امرأة بالمدينة إلا كشحت بيتى رجاء أن تهدى ~~إلى . يقول أخبر ابن أخى بذلك مجاهدا غير مساتر ومنه قول ذى الرمة : أحب ~~المكان القفر من أجل أننى بها أتغنى باسمها غير معجم أى أجهر بالصوت بذكرها ~~، لا أكنى عنها حذار كاشح أو خوف رقيب . قال ms3607 المؤلف : ذكر عمر بن شيبة قال ~~: ذكرت لأبى عاصم النبيل تأويل ابن عيينة فى قوله - صلى الله عليه وسلم - : ~~يتغنى بالقرآن : يستغنى به . فقال : لم يصنع ابن عيينة شيئا ، حدثنا ابن ~~جريج ، عن عطاء ، عن عبيد بن عمير قال : كانت لداود نبى الله معزفة يتغنى ~~عليها وتبكى ويبكى . وقال ابن عباس : إنه كان يقرأ الزبور بسبعين لحنا ، ~~يلون فيهن ، ويقرأ قراءة يطرب منها المحموم ، فإذا أراد أن يبكى نفسه لم ~~تبق دابة فى بر أو بحر إلا أنصتن يسمعن ويبكين . PageV10P259 ومن الحجة ~~لهذا القول أيضا حديث ابن معقل فى وصف قراءة رسول الله وفيه ( ثلاث مرات ) ~~وهذا غاية الترجيع ذكره البخارى فى كتاب الاعتصام وسئل الشافعى عن تأويل ~~ابن عيينة فقال : نحن أعلم بهذا ، لو أراد - صلى الله عليه وسلم - ~~الاستغناء لقال : من لم يستغن بالقرآن . ولكن لما قال - صلى الله عليه وسلم ~~- : يتغن بالقرآن . علمنا أنه أراد به التغنى ، وكذلك فسر ابن أبى مليكة ~~التغنى أنه تحسين الصوت به ، وهو قول ابن المبارك والنضر بن شميل . وممن ~~أجاز الإلحان فى القراءة : ذكر الطبرى عن عمر بن الخطاب أنه كان يقول لأبى ~~موسى ذكرنا ربنا ، فيقرأ أبو موسى ويتلاحن . وقال مرة : من استطاع أن يغني ~~بالقرآن غناء أبي موسى فليفعل . وكان عقبة بن عامر من أحسن الناس صوتا ~~بالقرآن . فقال له عمر : اعرض على سورة كذا ، فقرأ عليه فبكى عمر وقال : ما ~~كنت أظن أنها نزلت . وأجازه ابن عباس وابن مسعود ، وروى عن عطاء بن أبى ~~رباح ، واحتج بحديث عبيد بن عمير ، وكان عبد الرحمن بن الأسود بن يزيد ~~يتتبع الصوت الحسن فى المساجد فى شهر رمضان . وذكر الطحاوى عن أبى حنيفة ~~وأصحابه أنهم كانوا يسمعون القرآن بالألحان ، وقال محمد بن عبد الحكم : ~~رأيت أبى والشافعى ويوسف بن عمير يسمعون القرآن بالألحان . واحتج الطبرى ~~لهذا القول ، وقال : الدليل على أن معنى الحديث : تحسين الصوت والغناء ~~المعقول الذى هو تحزين القارئ سامع قراءته ، كما الغناء بالشعر هو الغناء ~~المعقول الذى يطرب ms3608 السامع ؛ ما روى سفيان عن الزهرى عن أبى سلمة عن أبى ~~هريرة أن النبي - عليه السلام - قال : ( ما أذن الله لشىء ما أذن لنبي ~~PageV10P260 حسن الترنم بالقرآن ) ، ومعقول عند ذوى الحجا أن الترنم لا ~~يكون إلا بالصوت إذا حسنه المترنم وطرب به . وروى فى هذا الحديث : ما أذن ~~الله لشىء ما أذن لنبى حسن الصوت يتغنى بالقرآن يجهر به ، رواه يزيد بن ~~الهاد عن محمد بن إبراهيم عن أبى سلمة عن أبى هريرة عن النبى - صلى الله ~~عليه وسلم - . قال الطبرى : وهذا الحديث أبين البيان أن ذلك كما قلنا ، ولو ~~كان كما قال ابن عيينة لم يكن كذلك ، وحسن الصوت والجهر به معنى . والمعروف ~~فى كلام العرب أن التغنى إنما هو الغناء الذى هو حسن الصوت بالترجيع ، وقال ~~الشاعر : تغن بالشعر أما كنت قائله إن الغناء لهذا الشعر مضمار قال : وأما ~~ادعاء الزاعم أن تغنيت بمعنى استغنيت فاش فى كلام العرب وأشعارها ، فلا ~~نعلم أحدا من أهل العلم بكلام العرب قاله ، وأما احتجاجه ليصح قوله بقول ~~الأعشى : وكنت امرءا زمنا بالعراق عفيف المناح طويل التغن وزعم أنه أراد ~~بقوله : طويل التغن : طويل الاستغناء ، أى الغنى ، فإنه غلط ، وإنما عنى ~~الأعشى بالتغنى فى هذا الموضع الإقامة من قول العرب : غنى فلان بمكان كذا ~~إذا أقام به ، ومنه قوله تعالى : { كأن لم يغنوا فيها } [ الأعراف : 92 ] ، ~~وأما استشهاده بقوله : كلانا غنى عن أخيه حياته ونحن إذا متنا أشد تغانيا ~~فإنه إغفال منه ، وذلك أن التغانى تفاعل من نفسين ، إذا استغنى كل واحد ~~منهما عن صاحبه كما يقال : تضارب الرجلان إذا ضرب كل واحد منهما صاحبه ، ~~وتشاتما وتقاتلا ، ومن قال هذا القول فى فعل اثنين لم يجز أن يقول مثله فى ~~فعل الواحد ، وغير جائز PageV10P261 أن يقال : تغاني زيد وتضارب عمرو ، ~~وكذلك غير جائز أن يقال : تغنى زيد بمعنى استغنى ، إلا أن يريد قائله أنه ~~أظهر الاستغناء وهو به غير مستغن كما يقال : تجلد فلان إذا أظهر الجلد من ~~نفسه ، وهو غير جليد ms3609 ، وتشجع وهو غير شجاع ، وتكرم وهو غير كريم ، فإن وجه ~~موجه الغنى بالقرآن إلى هذا المعنى على بعده عن مفهوم كلام العرب كانت ~~المصيبة فى خطابه فى ذلك أعظم ؛ لأنه لا يوجب ذلك من تأويله أن يكون الله ~~تعالى لم يأذن لنبيه أن يستغنى بالقرآن ، وإنما أذن له أن يظهر للناس من ~~نفسه خلاف ما هو به من الخلال ، وهذا لا يخفى فساده . قال : ومما بين فساد ~~تأويل ابن عيينة أيضا ألا يستغنى عن الناس بالقرآن . من المحال أن يوصف أحد ~~بأنه يؤذن له فيه أو لا يؤذن إلا أن يكون الإذن عند ابن عيينة بمعنى الإذن ~~الذى هو إطلاق وإباحة ، فإن كان كذلك فهو غلط من وجهين : أحدهما : من اللغة ~~، والثانى : من إحالة المعنى عن وجهه ، فأما اللغة فإن الإذن مصدر قوله أذن ~~فلان لكلام فلان ، فهو يأذن له إذا استمع له وأنصت ، كما قال تعالى : { ~~وأذنت لربها وحقت } [ الانشقاق : 2 ] ، بمعنى سمعت لربها وحق لها ذلك ، كما ~~قال عدى بن يزيد : إن همى فى سماع وأذن يمعنى : فى سماع واستماع . فمعنى ~~قوله : ما أذن الله لشىء إنما هو ما استمع الله إلى شىء من كلام الناس إلى ~~نبى يتغنى بالقرآن . وأما الإحالة فى المعنى فلأن الاستغناء بالقرآن عن ~~الناس غير جائز وصفه بأنه مسموع ومأذون له . PageV10P262 قال المؤلف : وقد ~~رفع الإشكال فى هذه المسألة أيضا ما رواه ابن أبى شيبة قال : حدثنا يزيد بن ~~الحباب قال : حدثنا موسى بن على بن رباح عن أبيه عن عقبة بن عامر قال : قال ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( تعلموا القرآن وتغنوا به واكتبوه ، ~~فوالذى نفسى بيده لهو أشد تقصيا من المخاض من العقل ) . وذكر أهل التأويل ~~فى قوله تعالى : { أولم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم } [ ~~العنكبوت : 51 ] أن هذه الآية نزلت فى قوم أتوا النبى بكتاب فيه خبر من ~~أخبار الأمم . فالمراد بالآية الاستغناء بالقرآن عن علم أخبار الأمم على ما ~~ذكره إسحاق بن راهويه عن ابن عيينة ms3610 ، وليس المراد بالآية الاستغناء الذى هو ~~ضد الفقر واتباع البخارى الترجمة بهذه الآية يدل أن هذا كان مذهبه فى ~~الحديث ، والله أعلم . وسيأتى شىء من هذا المعنى فى آخر كتاب الاعتصام فى ~~باب ذكر النبى - صلى الله عليه وسلم - وروايته عن ربه عز وجل ، وفى باب قول ~~النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( الماهر بالقرآن مع الكرام البرررة ، إن ~~شاء الله ، عز وجل ) . * * * # | 19 - باب اغتباط صاحب القرآن # / 42 - فيه : ابن عمر ، سمعت النبى - صلى الله عليه وسلم - قال : ( لا ~~حسد إلا على اثنتين : رجل آتاه الله الكتاب ، وقام به آناء الليل ، ورجل ~~أعطاه الله مالا ، فهو يتصدق به آناء الليل والنهار ) . / 43 - وفيه : أبو ~~هريرة ، قال - صلى الله عليه وسلم - : ( لا حسد إلا فى اثنتين : رجل علمه ~~PageV10P263 الله القرآن ، فهو يتلوه آناء الليل وآناء النهار ، فسمعه جار ~~له ، فقال : ليتنى أوتيت مثل ما أوتى فلان ، فعملت مثل ما يعمل ، ورجل آتاه ~~الله مالا ، فهو يهلكه فى الحق ، فقال رجل : ليتنى أوتيت مثل ما أوتى فلان ~~، فعملت مثل ما يعمل ) . قال المؤلف : ذكر أبو عبيد بإسناده عن عبد الله بن ~~عمر بن العاص قال : من جمع القرآن فقد حمل أمرا عظيما ، وقد استدرجت النبوة ~~بين جنبيه إلا أنه لا يوحى إليه ، فلا ينبغى لصاحب القرآن أن يرفث فيمن ~~يرفث ولا يجهل فيمن يجهل ، وفى جوفه كلام الله . وقال سفيان بن عيينة : من ~~أعطى القرآن فمد عينيه إلى شىء ما صغر القرآن فقد خالف القرآن ، ألم يسمع ~~قوله عز وجل : { ولقد آتيناك سبعا من المثانى والقرآن العظيم } [ الحجر : ~~87 ] الآية . قال : يعنى القرآن ، وقوله عز وجل : { تتجافى جنوبهم عن ~~المضاجع يدعون ربهم خوفا } [ السجدة : 16 ] الآية . قال : هو القرآن . قال ~~أبو عبيد : ومن ذلك قول النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( ما أنفق عبد من ~~نفقة أفضل من نفقة فى قول ) . ومنه قول شريح لرجل سمعه يتكلم فقال له : ~~أمسك عليك نفقتك . وفى حديث ابن عمر وأبى هريرة : أن حامل القرآن ينبغى له ms3611 ~~القيام به آناء الليل والنهار ، ومن فعل ذلك فهو الذى يحسد على فعله فيه ، ~~وكذلك من آتاه الله مالا وتصدق به آناء الليل والنهار ، فهو المحسود عليه ، ~~ومن لم يتصدق به وشح عليه فلا ينبغى حسده عليه لما يجتنى من سوء عاقبته ~~وحسابه عليه . * * * PageV10P264 # | 20 - باب خيركم من تعلم القرآن وعلمه # / 44 - فيه : عثمان ، عن النبى - صلى الله عليه وسلم - قال : ( خيركم من ~~تعلم القرآن وعلمه ) . قال أبو عبدالرحمن وذاك الذى أقعدنى مقعدى هذا . ~~وقال مرة : ( إن أفضلكم من تعلم القرآن وعلمه ) . / 45 - وفيه : سهل بن سعد ~~، أن امرأة قال : ( أتت النبى - صلى الله عليه وسلم - فقالت : إنى قد وهبت ~~نفسها لله ولرسوله - صلى الله عليه وسلم - . . . الحديث ، فقال رجل : ~~زوجنيها . . . إلى قوله : ( قد زوجتكها بما معك من القرآن ) . قال المؤلف : ~~حديث عثمان يدل أن قراءة القرآن أفضل أعمال البر كلها ؛ لأنه لما كان من ~~تعلم القرآن أو علمه أفضل الناس وخيرهم دل ذلك على ما قلناه ؛ لأنه إنما ~~وجبت له الخيرية والفضل من أجل القرآن ، وكان له فضل التعليم جاريا ما دام ~~كل من علمه تاليا . وحديث سهل إنما ذكره فى هذا الباب ؛ لأنه زوجه المرآة ~~لحرمة القرآن . ومما روى فى فضل تعلم القرآن وحمله ما ذكره أبو عبيد من ~~حديث عقبة بن عامر قال : خرج علينا رسول الله ونحن فى الصفة ، فقال : ( ~~أيكم يحب أن يغدو كل يوم إلى بطحان أو العقيق فيأخذ ناقتين كوماوين زهراوين ~~فى غير إثم ولا قطيعة رحم . قلنا : كلنا يا رسول الله نحب ذلك قال : فلأن ~~بعد يغدو أحدكم كل يوم إلى المسجد فيتعلم آيتين من كتاب الله خير له من ~~ناقتين ومن ثلاث ومن أعدادهن من الإبل . وذكر عن كعب الأحبار أن فى التوراة ~~أن الفتى إذا تعلم القرآن وهو حديث السن وعمل به وحرص عليه وتابعه ؛ خلطه ~~الله بلحمه PageV10P265 ودمه وكتبه عنده من السفرة الكرام البررة ، وإذا ~~تعلم الرجل القرآن وقد دخل فى السن وحرص عليه ، وهو فى ذلك يتابعه وينفلت ms3612 ~~منه كتب له أجره مرتين . وروى عن الأعمش قال : مر أعرابى بعبد الله بن ~~مسعود وهو يقرئ قوما القرآن فقال : ما يصنع هؤلاء ؟ فقال ابن مسعود : ~~يقتسمون ميراث محمد - صلى الله عليه وسلم - . وقال عبد الله بن عمرو : ~~عليكم بالقرآن ، فتعلموه وعلموه أبنائكم ، فإنكم عنه تسألون ، وبه تجزون ، ~~وكفى به واعظا لمن عقل . وقال ابن مسعود : لا يسأل أحد عن نفسه غير القرآن ~~، فإن كان يحب القرآن فإنه يحب الله ورسوله ، وعن أنس عن النبى - صلى الله ~~عليه وسلم - قال : ( إن لله أهلين من الناس . قيل : من هم يا رسول الله ؟ ~~قال : هم أهل القرآن ، أهل الله وخاصته ) . * * * # | 21 - باب القراءة على ظهر قلبه # / 46 - فيه : سهل بن سعد ، وذكر حديث الموهوبة ، وقال النبى - صلى الله ~~عليه وسلم - للرجل ( ماذا معك من القرآن ) ؟ قال : معى سورة كذا ، وسورة ~~كذا ، وسورة كذا ، عدها ، قال : ( أتقرؤهن عن ظهر قلبك ) ؟ قال : نعم ، قال ~~: ( اذهب فقد ملكتكها بما معك من القرآن ) . قال المؤلف : هذا الحديث يدل ~~على خلاف ما تأوله الشافعى فى إنكاح النبى - صلى الله عليه وسلم - الرجل ~~بما معه من القرآن ، أنه إنما زوجه إياها بأجرة تعليمها . وقوله فى هذا ~~الحديث : أتقرؤهن عن ظهر قلبك ؟ قال : نعم . فزوجه لذلك . فدل أنه - صلى ~~الله عليه وسلم - إنما زوجها منه لحرمه استظهاره PageV10P266 للقرآن . وقد ~~روى عن النبي - عليه السلام - تعظيم حامل القرآن وإجلاله وتقديمه . ذكر أبو ~~عبيد من حديث طلحة بن عبيد الله بن كريز قال : قال رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - : ( إن من تعظيم جلال الله إكرام ثلاثة : الإمام المقسط ، وذى ~~الشيبة المسلم ، وحامل القرآن ) . وكان - صلى الله عليه وسلم - يأمر يوم ~~أحد بدفن الرجلين والثلاثة فى قبر واحد ، ويقول : قدموا أكثرهم قرآنا . وقد ~~روى عن النبى - صلى الله عليه وسلم - أنه أمر بالقراءة فى المصحف نظرا من ~~حديث زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبى سعيد الخدرى قال : قال رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - : ( أعطوا أعينكم حظها من ms3613 العبادة ، قالوا : يا ~~رسول الله ، وما حظها من العبادة ؟ قال : النظر فى المصحف والتفكر فيه ، ~~والاعتبار عند عجائبه ) . وقال يزيد بن أبى حبيب : من قرأ القرآن فى المصحف ~~خفف عن والديه العذاب وإن كانا كافرين . وعن عبد الله بن حسان قال : اجتمع ~~اثنا عشر من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على أن من أفضل ~~العبادة قراءة القرآن نظرا ، وقال أسد بن وداعة : ليس من العبادة شىء أشد ~~على الشيطان من قراءة القرآن نظرا . وقال وكيع : قال الثورى : سمعنا أن ~~تلاوة القرآن فى الصلاة أفضل من تلاوته فى غير الصلاة ، وتلاوة القرآن أفضل ~~من الذكر ، والذكر أفضل من الصدقة ، والصدقة أفضل من الصوم ، والقراءة فى ~~المصحف أفضل من القراءة ظاهرا ؛ لأنها رياء . هذه الآثار من رواية ابن وضاح ~~. * * * # | 22 - باب استذكار القرآن وتعاهده # / 47 - فيه : ابن عمر ، قال : قال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( إنما ~~مثل صاحب القرآن كمثل صاحب الإبل المعقلة ، إن عاهد عليها أمسكها ، وإن ~~أطلقها ذهبت ) . PageV10P267 / 48 - وفيه : ابن مسعود ، عن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - : ( استذكروا القرآن ، فإنه أشد تفصيا من صدور الرجال من ~~النعم من عقلها ) . أبو موسى ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وقال : ( ~~تعاهدوا القرآن ) . قال المؤلف : إنما شبه - صلى الله عليه وسلم - صاحب ~~القرآن بصاحب الإبل المعلقة إن عاهد عليها أمسكها وأنه يتفصى من صدور ~~الرجال ؛ لقوله تعالى : { إنا سنلقى عليك قولا ثقيلا } [ المزمل : 5 ] ، ~~فوصفه تعالى بالثقل ، ولولا ما أعان على حفظه ما حفظوه ، فقال : { إن علينا ~~جمعه وقرآنه } [ القيامة : 17 ] ، وقال : { ولقد يسرنا القرآن للذكر } [ ~~القمر : 17 ] ، فبتيسير الله وعونه لهم عليه بقى فى صدورهم ، فهذان ~~الحديثان يفسران آيات التنزيل ؛ فكأنه قال تعالى : { إن علينا جمعه وقرآنه ~~} [ القيامة : 17 ] ، { ولقد يسرنا القرآن للذكر } [ القمر : 17 ] ، إذا ~~تعوهد وقرئ أبدا وتذكر . وقوله : أشد تفصيا ، أى تفلتا ، قال صاحب العين : ~~فصى اللحم عن العظم إذا انفسخ ، والإنسان يتفصى من الشىء إذا تخلص منه ، ~~والاسم الفصية . * * * # | 23 - باب القراءة على الدابة # / 49 ms3614 - فيه : ابن مغفل ، رأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - يوم فتح مكة ~~، وهو يقرأ على راحلته سورة الفتح . إنما أراد بهذا الباب والله أعلم ليدل ~~أن القراءة على الدابة سنة موجودة ، وأصل هذه السنة فى كتاب الله تعالى ، ~~وهو قوله : PageV10P268 { لتستووا على ظهوره ثم تذكروا نعمة ربكم إذا ~~استويتم عليه } [ الزخرف : 13 ] . * * * # | 24 - باب تعليم الصبيان القرآن # / 50 - فيه : ابن جبير ، قال : إن الذى تدعونه المفصل هو المحكم . وقال ~~ابن عباس : توفى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأنا ابن عشر سنين ، وقد ~~قرأت المحكم . قيل له : وما المحكم ؟ قال : المفصل . ذكر ابن أبى زيد قال : ~~روى أن تعليم القرآن الصبيان يطفئ غضب الرب ، وإنما سمى المفصل لكثرة السور ~~والفصول فيه ، عن ابن عباس . وقيل : إنما سمى بالمحكم أيضا ؛ لأن أكثره لا ~~نسخ فيه . واختلف فى سن ابن عباس حين مات النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~فروى أبو بشير ، عن سعيد بن جبير فى هذا الباب ما تقدم . | وقال أبو إسحاق ~~عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس : قبض النبى - صلى الله عليه وسلم - وأنا ~~ختين . وروي شعبة ، عن أبي إسحاق ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس : توفي ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - وأنا ابن خمس عشرة سنة . وذكر الزبير ~~والواقدى أن ابن عباس ولد فى الشعب ، وذلك قبل الهجرة بثلاث سنين ، وكان ~~ابن ثلاث عشرة سنة حين توفي النبي - صلى الله عليه وسلم - . * * * ~~PageV10P269 # | 25 - باب نسيان القرآن وهل يقول نسيت آية كذا وكذا ؟ وقول الله عز وجل ~~: { سنقرئك فلا تنسى } [ الأعلى : 6 ] # / 51 - فيه : عائشة ، سمع النبى - صلى الله عليه وسلم - رجلا يقرأ فى ~~المسجد ، فقال : ( يرحمه الله ، لقد أذكرنى كذا وكذا آية من سورة كذا ) . / ~~52 - وفيه : عبدالله ، قال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( ما لأحدهم ، ~~يقول : نسيت آية كيت وكيت ، بل هو نسى ) . قال المؤلف : قد نطق القرآن ~~بإضافة النسيان إلى العبد فى قوله تعالى : { سنقرئك فلا تنسى } [ الأعلى : ~~6 ] وشهد ذلك بصدق حديث عائشة أنه ms3615 - صلى الله عليه وسلم - قال : ( يرحمه ~~الله ، لقد أذكرنى كذا وكذا آية أسقطتهن من سورة كذا ) . فأضاف الإسقاط إلى ~~نفسه ، والإسقاط هو النسيان بعينه . وحديث عبد الله خلاف هذا ، وهو قوله - ~~صلى الله عليه وسلم - : ( ما لأحدهم يقول : نسيت آية كيت وكيت ، بل هو نسى ~~) . فاستحب - صلى الله عليه وسلم - أن يضيف النسيان إلى خالقه الذى هو الله ~~تعالى وقد جاء فى القرآن عن موسى - صلى الله عليه وسلم - أنه أضاف النسيان ~~مرة إلى نفسه ومرة إلى الشيطان فقال : { فإنى نسيت الحوت وما أنسانيه إلا ~~الشيطان أن أذكره } [ الكهف : 63 ] . وقال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ~~( إنى لأنسى أو أنسى ) ، يعنى إنى لأنسى أنا أو ينسينى ربى ، فنسب النسيان ~~مرة إلى نفسه ، ومرة إلى الله تعالى هذا على قول من لم يجعل قوله : إنى ~~لأنسى أو أنسى شكا من المحدث فى أى الكلمتين قال . وهو قول عيسى بن دينار ، ~~وليس فى شىء من ذلك اختلاف ولا تضاد فى المعنى ، لأن لكل إضافة منها معنى ~~صحيحا فى كلام العرب ، فمن أضاف النسيان إلى الله فلأنه خالقه وخالق ~~الأفعال كلها ، ومن نسبه إلى نفسه فلأن النسيان PageV10P270 فعل منه مضاف ~~إليه من جهة الاكتساب والتصرف ، ومن نسبه إلى الشيطان فهو بمعنى الوسوسة فى ~~الصدور وحديث الأنفس بما جعل الله للشيطان من السلطان على هذه الوسوسة ، ~~فلكل إضافة منها وجه صحيح ، وإنما أراد - صلى الله عليه وسلم - بقوله والله ~~أعلم : ( ما لأحدهم يقول نسيت آية كذا وكذا ؛ بل هو نسى ) أن يجرى على ألسن ~~العباد نسبة الأفعال إلى بارئها وخالقها ، وهو الله ؛ ففى ذلك إقرار له ~~بالعبودية واستسلام لقدرته ، وهو أولى من نسبة الأفعال إلى مكتسبها فإن ~~نسبها إلى مكتسبها فجائز بدليل الكتاب والسنة . * * * # | 26 - باب من لم ير بأسا أن يقول : سورة البقرة # / 53 - فيه : أبو مسعود الأنصارى ، قال - صلى الله عليه وسلم - : ( ~~الآيتان من آخر سورة البقرة من قرأ بهما كفتاه ) . / 54 - وفيه : عمر ، أنه ~~سمع هشام بن حكيم ، يقرأ سورة الفرقان ms3616 فى حياة رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - ، على حروف كثيرة . . . الحديث . / 55 - وفيه : عائشة ، أن النبى - ~~صلى الله عليه وسلم - سمع قارئا يقرأ من الليل فى المسجد ، فقال : ( يرحمه ~~الله لقد أذكرنى كذا وكذا آية ، أسقطتها من سورة كذا وكذا ) . فى هذه ~~الأحاديث رد قول من يقول أنه لا يجوز أن يقول سورة البقرة ، ولا سورة آل ~~عمران ، وزعم أن الصواب فى ذلك أن يقال : السورة التى يذكر فيها البقرة ~~ويذكر فيها آل عمران ، وهو قول يروى عن بعض السلف . وقالوا : إذا قال سورة ~~البقرة وسورة آل عمران فقد أضاف السورة PageV10P271 إلى البقرة ، والبقرة ~~لا سورة لها ، وقد تقدم فى كتاب الحج فى باب يكبر مع كل حصاة . * * * # | 27 - باب الترتيل فى القراءة وقوله تعالى : { ورتل القرآن ترتيلا } [ ~~المزمل : 4 ] ، وقوله : { وقرآنا فرقناه لتقرأه على الناس على مكث ونزلناه ~~تنزيلا } [ الإسراء : 106 ] # ، وما يكره أن يهذ كهذ الشعر . قال ابن عباس : { فرقناه } فصلناه . / 56 ~~- فيه : عبدالله ، أن رجلا قال : قرأت المفصل البارحة ، فقال : هذا كهذ ~~الشعر ، إنا قد سمعنا القراءة ، وإنى لأحفظ القرناء التى كان يقرأ بهن ~~النبى - صلى الله عليه وسلم - ثمانى عشرة سورة من المفصل وسورتين من آل حم ~~. / 57 - وفيه : ابن عباس ، فى قوله تعالى : { لا تحرك به لسانك لتعجل به } ~~[ القيامة : 16 ] ، قال : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا نزل ~~جبريل بالوحى ، وكان مما يحرك به لسانه وشفتيه ، فيشتد عليه ، وكان يعرف ~~منه ، فأنزل الله تعالى : { لا تحرك به لسانك } الحديث . قال المؤلف : ذكر ~~أبو عبيد عن مجاهد فى قوله تعالى : { ورتل القرآن ترتيلا } [ المزمل : 4 ] ~~، قال : ترسل ترسلا . وقال أبو حمزة : قلت لابن عباس : إنى سريع القرآءة ، ~~وإنى أقرأ القرآن فى ثلاث ، فقال : لأن أقرأ البقرة فى ليلة فأتدبرها ~~PageV10P272 وأرتلها خير من أن أقرأ كما تقول . وقال مرة : خير من أجمع ~~القرآن هذرمة ، وأكثر العلماء يستحبون الترتيل فى القراءة ليتدبره القارئ ~~ويتفهم معانيه . روى علقمة عن ابن مسعود قال : لا تنثروه نثر ms3617 الدقل ولا ~~تهذوه هذ الشعر ، قفوا عند عجائبه ، وحركوا به القلوب ، ولا يكن هم أحدكم ~~آخر السورة . وذكر أبو عبيد أن رجلا سأل مجاهدا عن رجل قرأ البقرة وآل ~~عمران ، ورجل قرأ البقرة قيامهما واحد وركوعهما واحد وسجودهما واحد ، أيهما ~~أفضل ؟ قال : الذى قرأ البقرة . وقرأ : { وقرآنا فرقناه لتقرأه على الناس ~~على مكث } [ الإسراء : 106 ] . الآية . وقال الشعبى : إذا قرأتم القرآن ~~فاقرءوه قراءة تسمعه آذانكم ، وتفهمه قلوبكم ، فإن الأذنين عدل بين اللسان ~~والقلب ، فإذا مررتم بذكر الله فاذكروا الله ، وإذا مررتم بذكر النار ~~فاستعيذوا بالله منها ، وإذا مررتم بذكر الجنة فاسألوها الله . وفيها قول ~~آخر ؛ روى ابن القاسم وابن وهب عن مالك فى الهذ قى القراءة قال : من الناس ~~من إذا هذ أخف عليه وإذا رتل أخطأ ، ومن الناس من لا يحسن الهذ ، والناس فى ~~هذا على قدر حالاتهم وما يخف عليهم ، وكل واسع . وقد روى عن جماعة من السلف ~~أنهم كانوا يختمون القرآن فى ركعة ، وهذا لا يتمكن إلا بالهذ ، والحجة لهذا ~~القول حديث أبى هريرة عن النبى - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : ( خفف على ~~داود القرآن ، فكان يأمر بدوابه فتسرح فيقرأ القرآن قبل أن تسرح ) ، وهذا ~~لا يتم إلا بالهذ وسرعة القراءة ، والمراد بالقرآن فى هذا الحديث الزبور . ~~PageV10P273 ذكره البخاري في كتاب الأنبياء وداود - صلى الله عليه وسلم - ~~ممن أنزل الله فيه : { أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده } [ الأنعام : ~~90 ] ، وإنما ذكر النبى - صلى الله عليه وسلم - هذا الفعل من داود - صلى ~~الله عليه وسلم - على وجه الفضيلة له والإعجاب بفعله ، ولو ذكره على غير ~~ذلك لنسخه ولأمر بمخالفته ، فدل على إباحة فعله والله أعلم ، وسأذكر من كان ~~يقرأ القرآن فى ركعة بعد هذا فى باب : فى كم يقرأ القرآن ، إن شاء الله . * ~~* * # | 28 - باب مد القراءة # / 58 - فيه : أنس أنه سئل عن قراءة النبى - صلى الله عليه وسلم - ، فقال ~~: كان يمد مدا ، ثم قرأ : { بسم الله الرحمن الرحيم } يمد ببسم الله ، ويمد ~~بالرحمن ، ويمد بالرحيم . وذكر ms3618 أبو عبيد عن الليث عن ابن أبى مليكة ، عن ~~يعلى بن مالك عن أم سلمة أنها نعتت قراءة رسول الله قراءة مفسرة حرفا حرفا ~~. وقالت أم سلمة أيضا : كان النبى - صلى الله عليه وسلم - يقطع قراءته ، ~~وإنما كان يفعل ذلك والله أعلم لأمر الله له بالترتيل ، وأن يقرأه على مكث ~~، وألا يحرك به لسانه ليعجل به ، فامتثل أمر ربه تعالى فكان يقرؤه على مهل ~~ليبين لأمته كيف يقرءون ، وكيف يمكنهم تدبر القرآن وفهمه . وذكر أبو عبيد ~~عن إبراهيم قال : قرأ علقمة على عبد الله فكأنه عجل ؛ فقال عبد الله : فداك ~~أبى وأمى ، رتل قراءته ، زين القرآن . وكان علقمة حسن الصوت بالقرآن . * * ~~* PageV10P274 # | 29 - باب الترجيع # / 59 - فيه : عبدالله بن مغفل ، قال : رأيت النبى - صلى الله عليه وسلم - ~~وهو على ناقته أو جمله ، وهو يقرأ سورة الفتح قراءة لينة يقرأ ، ويرجع . ~~فذكر البخارى هذا الحديث فى آخر كتاب الاعتصام ، وزاد فيه : ثم قرأ معاوية ~~قراءة لينة ورجع ، ثم قال : لولا أنى أخشى أن يجتمع الناس عليكم لرجعت كما ~~رجع ابن مغفل ، يعنى عن النبى - صلى الله عليه وسلم - ، فقلت لمعاوية : كيف ~~كان ترجيعه قال : آ ا ثلاث مرات . وفى هذا الحديث من الفقه إجازة قراءة ~~القرآن بالترجيع والإلحان ؛ لقوله فى وصف قراءته - صلى الله عليه وسلم - : ~~آ ا ثلاثا ، وهذا غاية الترجيع ، وقد تقدم فى باب : من لم يتغن بالقرآن . * ~~* * # | 30 - باب حسن الصوت بالقراءة # / 60 - فيه : أبو موسى ، أن النبى - صلى الله عليه وسلم - قال له : ( لقد ~~أوتيت مزمارا من مزامير آل داود ) . وروى ابن شهاب عن أبى سلمة قال : كان ~~عمر إذا رأى أبا موسى قال : ذكرنا ربنا يا أبا موسى . فيقرأ عنده . وقال ~~أبو عثمان النهدى : كان أبو موسى يصلى بنا فلو قلت : إنى لم أسمع صوت صنج ~~قط ولا صوت بربط ولا شيئا قط أحسن من صوته . قال أبو عبيد : ومحمل الأحاديث ~~التى جاءت فى حسن الصوت إنما هو على طريق الحزن والتخويف والتشويق . ~~PageV10P275 يبين ذلك حديث أبى ms3619 موسى أن أزواج النبى سمعوا قراءته فأخبر ~~بذلك فقال : لو علمت لشوقت تشويقا وحبرت تحبيرا ، فهذا وجهه ، لا الألحان ~~المطربة الملهية . روى سفيان ، عن ابن جريج ، عن ابن طاوس ، عن أبيه ، قال ~~: سئل رسول الله ، أى الناس أحسن صوتا بالقرآن ؟ قال : الذى إذا سمعته ~~رأيته يخشى الله . وعن ابن أبى مليكة عن عبد الرحمن بن السائب قال : قدم ~~علينا سعد بعد ما كف بصره فأتيته مسلما فانتسبنى فانتسبت له ، فقال : مرحبا ~~بابن أخى ، بلغنى أنك حسن الصوت بالقرآن ، وسمعت النبى - صلى الله عليه ~~وسلم - يقول : إن هذا القرآن نزل بحزن ، فإذا قرأتموه فابكوا ، فإن لم ~~تبكوا فتباكوا . وذكر أبو عبيد بإسناده قال : كنا على سطح ، ومعنا رجل من ~~أصحاب النبى - صلى الله عليه وسلم - ، قال المحدث : ولا أعلمه إلا عيسى ~~الغفارى ، فرأى الناس يخرجون فى الطاعون يفرون فقال : يا طاعون ، خذنى إليك ~~، فقيل : أتتمنى الموت وقد نهى النبى - صلى الله عليه وسلم - عن ذلك ؟ قال ~~: إنى أبادر خصالا ، سمعت النبى - صلى الله عليه وسلم - يتخوفهن على أمته : ~~بيع الحكم ، والاستخفاف بالدم ، وقطيعة الرحم ، وقوم يتخذون القرآن مزامير ~~يقدمون أحدهم ليس بأفقههم ولا أفضلهم إلا ليغنيهم به غناء ، وقال أبو ~~سليمان الخطابى : قوله : آل داود ، فإنه أراد داود نفسه لأنا لا نعلم أحدا ~~من آله أعطى من حسن الصوت ما أعطى داود قال غيره : والآل عند العرب : الشخص ~~. قال أبو سليمان : وسئل أبو عبيدة معمر بن المثنى عن رجل أوصى لآل فلان ، ~~ألفلان نفسه المسمى من هذا شىء ؟ قال : نعم . قال PageV10P276 تعالى : { ~~أدخلوا آل فرعون أشد العذاب } [ غافر : 46 ] ، ففرعون أولهم وأنشد : ولا ~~تبك ميتا بعد ميت أحبه على وعباس وآل أبى بكر يريد أبا بكر نفسه ، وقال ابن ~~عون : كان الحسن إذا صلى على النبى قال : اللهم اجعل صلواتك على آل محمد ~~كما جعلتها على آل إبراهيم ، إنك حميد مجيد . يريد بآل محمد نفسه ؛ لأن ~~الأمر من الله بالصلاة إنما يتوجه إليه بقوله تعالى : { يا أيها الذين ~~آمنوا صلوا عليه ms3620 } [ الأحزاب : 56 ] الآية . وقد يكون آل الرجل أهل بيته ~~الأدنين ، وقال زيد بن أرقم : آل محمد آل عباس وآل عقيل ، وآل جعفر وآل على ~~. وقال أبو عبيد فى قوله تعالى : { وإذ نجيناكم من آل فرعون } [ البقرة : ~~49 ] ، قال : هم أهل دينه قال : ولا يجوز ذلك إلا فى الرئيس الذى الباقون ~~له تبع ، وكذلك آل محمد إنما هم أمته وأهل دينه قال : فإذا جاوزت هذا فآل ~~الرجل : أهل بيته خاصة . وقال بعض الناس : قول أبى عبيدة خطأ عند الفقهاء ~~لم يقل به أحد منهم . * * * # | 31 - باب من أحب أن يسمع القرآن من غيره # / 61 - فيه : عبدالله ، قال لى النبي - صلى الله عليه وسلم - : ( اقرأ ~~على القرآن ) ، قلت : آقرأ عليك وعليك أنزل ؟ قال : ( إنى أحب أن أسمعه من ~~غيرى ) . معنى استماعه القرآن من غيره والله أعلم ليكون عرض القرآن سنة ، ~~ويحتمل أن يكون كى يتدبره ويفهمه ، وذلك أن المستمع أقوى PageV10P277 على ~~التدبر ، ونفسه أخلى وأنشط من نفس القارئ ؛ لأنه فى شغل بالقراءة وأحكامها ~~. فإن قيل : فقد يجوز أن يكون سماعه - صلى الله عليه وسلم - للقرآن من غيره ~~كما قلت ، فما وجه قراءته - صلى الله عليه وسلم - القرآن على أبى ، وقد ~~ذكره البخارى فى فضائل الصحابة فى فضائل أبى . قيل : يحتمل أن يكون وجه ذلك ~~ليتلقنه أبى من فيه - صلى الله عليه وسلم - ، فلا يتخالجه شك فى اختلاف ~~القراءات بعده ، وذلك أنه خاف عليه الفتنة فى هذا الباب ؛ لأنه لا يجوز أن ~~يكون أحد أقرأ للقرآن من النبى - صلى الله عليه وسلم - ، ولا أوعى له وأعلم ~~به ؛ لأنه نزل به الروح الأمين على قلبك لتكون من المنذرين بلسان عربى مبين ~~، قاله الخطابى ، وقال أبو بكر بن الطيب نحوه ، قال : قرأ النبى على أبى ~~وهو أعلم بالقرآن منه وأحفظ ؛ ليأخذ أبى نمط قراءته وسنته ويحتذى حذوه . ~~وقد روى هذا التأويل عن أبى وابنه . * * * # | 32 - باب قول المقرئ للقارئ حسبك # / 62 - فيه : عبد الله ، قال لى النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( اقرأ ~~على ) ، قلت : يا ms3621 رسول الله ، آقرأ عليك وعليك أنزل ؟ قال : ( نعم ) ، ~~فقرأت سورة النساء حتى أتيت إلى هذه الآية : { فكيف إذا جئنا من كل أمة ~~بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا } [ النساء : 41 ] قال : ( حسبك الآن ) ، ~~فالتفت إليه ، فإذا عيناه تذرفان . قال المؤلف : فى جواز قطع القراءة على ~~القارئ إذا حدث على المقرئ عذر أو شغل بال ؛ لأن القراءة على نشاط المقرئ ~~أولى ليتدبر معانى القرآن ويتفهم عجائبه ، ويحتمل أن يكون أمره - صلى الله ~~عليه وسلم - بقطع القراءة تنبيها له على الموعظة والاعتبار فى قوله تعالى : ~~{ فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد } [ النساء : 41 ] الآية . ألا ترى أنه - ~~صلى الله عليه وسلم - بكى عندها ، وبكاؤه PageV10P278 إشارة منه إلى معنى ~~الوعظ ؛ لأنه مثل لنفسه أهوال يوم القيامة وشدة الحال الداعية له إلى ~~شهادته لأمته بتصديقه ، والإيمان به وسؤاله الشفاعة لهم ليريحهم من طول ~~الموقف وأهواله ، وهذا أمر يحق له طول البكاء والحزن . * * * # | 33 - باب فى كم يقرأ القرآن وقول الله تعالى : { فاقرءوا ما تيسر منه } ~~[ المزمل : 20 ] # . / 63 - فيه : سفيان ، قال لى ابن شبرمة : نظرت كم يكفى الرجل من القرآن ~~؟ فلم أجد سورة أقل من ثلاث آيات ، فقلت : لا ينبغى لأحد أن يقرأ أقل من ~~ثلاث آيات . / 64 - وفيه : ابن مسعود ، قال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ~~( من قرأ بالآيتين من آخر سورة البقرة فى ليلة كفتاه ) . / 65 - وفيه : ~~عبدالله بن عمرو ، قال : أنكحنى أبى امرأة ذات حسب ، فكان يتعاهد كنته ، ~~فيسألها عن بعلها ، فتقول : نعم الرجل من رجل لم يطأ لنا فراشا ، ولم يفتش ~~لنا كنفا منذ أتيناه ، فلما طال ذلك عليه ذكر للنبى - صلى الله عليه وسلم - ~~، فقال : ( القنى به ) ، فلقيته بعد ، فقال : ( كيف تصوم ) ؟ قال : كل يوم ~~، قال : ( وكيف تختم ) ؟ قال : كل ليلة ، قال : ( صم من كل شهر ثلاثة ، ~~واقرأ القرآن فى كل شهر ) ، قال : قلت : أطيق أكثر ، قال : ( اقرأ فى كل ~~سبعة ليال مرة ) ، فليتنى قبلت رخصة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - . . ~~. الحديث . قال البخارى : قال بعضهم : فى ms3622 ثلاث أو فى خمس أو فى سبع وأكثرهم ~~على سبع ، وقال - صلى الله عليه وسلم - لعبد الله بن عمرو : اقرأه فى سبع ~~ولا تزد على ذلك . PageV10P279 قال المؤلف : ذكر أهل التفسير فى تأويل قوله ~~تعالى : { فاقرءوا ما تيسر منه } [ المزمل : 20 ] ، قالوا : ثلاث آيات ~~فصاعدا . ويقال : أقصر سورة فى القرآن كما قال ابن شبرمة . قوله - صلى الله ~~عليه وسلم - : من قرأ بالآيتين من آخر سورة البقرة كفتاه . نص فى أن قارئ ~~الآيتين داخل فى معنى قوله : { فاقرءوا ما تيسر منه } [ المزمل : 20 ] ، ~~وفى حديث عبد الله بن عمرو أن النبى - صلى الله عليه وسلم - أمره أن يقرأ ~~فى سبع ليال ، وكان جماعة من السلف يأخذون بهذا الحديث . روى ذلك عن عثمان ~~بن عفان وابن مسعود وتميم الدارى ، وعن إبراهيم النخعى مثله . وذكر أبو ~~عبيد عن زيد بن ثابت أنه سئل عن قراءة القرآن فى سبع فقال : حسن ، ولأن ~~أقرأه فى عشرين أو فى النصف أحب إلى من أن أقرأه فى سبع ، وسلنى لم ذلك ؟ ~~أردده واقف عليه ، وكان أبى بن كعب يختمه فى ثمان ، وكان الأسود يختم ~~القرآن فى ست ، وكان علقمة يختمه فى خمس ، وروى الطيب بن سليمان ، عن عمرة ~~، عن عائشة أن رسول الله كان لا يختم القرآن فى أقل من ثلاث . وعن قتادة عن ~~يزيد بن عبد الله الشخير عن عبد الله بن عمرو قال : قال رسول الله : ( لا ~~يفقه من قرأه فى أقل من ثلاث ) . وروى عن معاذ بن جبل : وكانت طائفة تقرأ ~~القرآن كله فى ليلة أو ركعة . روى ذلك عن عثمان بن عفان وتميم الدارى ، وعن ~~علقمة وسعيد بن جبير أنهما قرأا القرآن فى ليلة بمكة ، وكان ثابت البنانى ~~يختم القرآن فى كل يوم وليلة من شهر رمضان ، وكان سليمان يختم القرآن فى ~~ليلة ثلاث مرات ، ذكر ذلك كله أبو عبيد وقال : الذى أختار من ذلك ألا يقرأ ~~القرآن فى أقل من ثلاث ، لما روى عن النبى وأصحابه من الكراهة لذلك . * * * ~~PageV10P280 # | 34 - باب البكاء ms3623 عند قراءة القرآن # / 66 - فيه : ابن مسعود ، أن النبى - صلى الله عليه وسلم - قال : ( اقرأ ~~على ) ، قلت : أقرأ عليك وعليك أنزل ؟ فقرأت النساء ، حتى إذا بلغت : { ~~وجئنا بك على هؤلاء شهيدا } [ النساء : 41 ] قال لى : ( كف ، أو أمسك ) ~~فرأيت عينيه تذرفان . قال المؤلف : البكاء عند قراءة القرآن حسن ، قد فعله ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - وكبار الصحابة ، وإنما بكى - صلى الله عليه ~~وسلم - عند هذا لأنه مثل لنفسه أهوال يوم القيامة ، وشدة الحال الداعية له ~~إلى شهادته لأمته بتصديقه والإيمان به ، وسؤاله الشفاعة لهم ليريحهم من طول ~~الموقف وأهواله ، وهذا أمر يحق له طول البكاء والحزن . ذكر أبو عبيد عن ~~مطرف بن عبد الله بن الشخير ، عن أبيه قال : انتهيت إلى رسول الله وهو يصلى ~~ولجوفه أزيز كأزيز المرجل من البكاء . وعن الأعمش عن أبى صالح قال : لما ~~قدم أهل اليمن فى زمن أبى بكر سمعوا القرآن فجعلوا يبكون قال أبو بكر : ~~هكذا كنا ثم قست القلوب . وقال الحسن : قرأ عمر بن الخطاب : { إن عذاب ربك ~~لواقع ما له من دافع } [ الطور : 7 ، 8 ] فربا ربوة عيد منها عشرين يوما . ~~وقال عبيد بن عمير : صلى بنا عمر صلاة الفجر فقرأ سورة يوسف حتى إذا بلغ : ~~{ وابيضت عيناه من الحزن فهو كظيم } [ يوسف : 84 ] بكى حتى انقطع فركع . ~~PageV10P281 وفي حديث آخر لما قرأ : { إنما أشكو بثى وحزنى إلى الله } [ ~~يوسف : 86 ] ، بكى حتى سمع نشيجه من وراء الصفوف . وعن ابن المبارك ، عن ~~مسعر ، عن عبد الأعلى التيمى قال : من أوتى من العلم ما لا يبكيه ، فليس ~~بخليق أن يكون أوتى علما ينفعه ؛ لأن الله تعالى نعت العلماء فقال : { إن ~~الذين أوتوا العلم من قبله إذا يتلى عليهم يخرون للأذقان سجدا } [ الإسراء ~~: 107 ] الآيتين . وقرأ عبد الرحمن بن أبى ليلى سورة مريم ؛ فلما انتهى إلى ~~قوله : { خروا سجدا وبكيا } [ مريم : 58 ] ، فسجد بها ، فلما رفع رأسه قال ~~: هذه السجدة فأين البكاء ؟ وكره السلف الصعق والغشى عند قراءة القرآن . ~~ذكر أبو عبيد بإسناده ms3624 عن أبى حازم قال : مر ابن عمر برجل من أهل العراق ~~ساقط والناس حوله ، فقال : ما هذا ؟ فقالوا : إذا قرئ عليه القرآن أو سمع ~~الله يذكر خر من خشية الله ، فقال ابن عمر : والله إنا لنخشى الله وما نسقط ~~. وعن عكرمة قال : سئلت أسماء : هل كان أحد من السلف يغشى عليه من القراءة ~~؟ فقالت : لا ، ولكنهم كانوا يبكون . وقال هشام بن حسان : سئلت عائشة عمن ~~يصعق عند قراءة القرآن فقالت : القرآن أكرم من أن تنزف عنه عقول الرجال ، ~~ولكنه كما قال الله : { تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم ~~وقلوبهم إلى ذكر الله } [ الزمر : 23 ] . PageV10P282 وسئل ابن سيرين عن ~~ذلك فقال : ميعاد بيننا وبينه أن يجلس على حائط ثم يقرأ عليه القرآن كله ، ~~فإن وقع فهو كما قال . * * * # | 35 - باب من راءى بقراءة القرآن ، أو تأكل به ، أو فخر به # / 67 - فيه : على ، قال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( يأتى فى آخر ~~الزمان قوم حدثاء الأسنان ، سفهاء الأحلام ، يقولون من خير قول البرية ، ~~يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية ، لا يجاوز إيمانهم حناجرهم ، ~~فأينما لقيتموهم فاقتلوهم ، فإن قتلهم أجر لمن قتلهم يوم القيامة ) . / 68 ~~- وفيه : أبو سعيد ، قال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( يخرج فيكم قوم ~~تحقرون صلاتكم مع صلاتهم ، وصيامكم مع صيامهم ، وعملكم مع عملهم ، ويقرءون ~~القرآن لا يجاوز حناجرهم ، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية ، ~~ينظر فى النصل فلا يرى شيئا وينظر فى القدح فلا يرى شيئا ، وينظر فى الريش ~~فلا يرى شيئا ، ويتمارى فى الفوق ) . / 69 - وفيه : أبو موسى ، قال النبى - ~~صلى الله عليه وسلم - : ( المؤمن الذى يقرأ القرآن . . . ) ، الحديث إلى ~~قوله : ( ومثل المنافق الذى يقرأ القرآن كالريحانة ، ريحها طيب وطعمها مر ) ~~. قال المؤلف : قوله : يقرءون القرآن ، لا يجاوز حناجرهم . يعنى : لا يرتفع ~~إلى الله ، ولا يؤجرون عليه لعدم خلوص النية بقراءته لله تعالى ولذلك شبه ~~قراءة المنافق لما كانت رياء وسمعة بطعم الريحانة المر الذى لا يلتذ به ~~آكله ، كما ms3625 لا يلتذ المنافق والمرائى بأجر قراءته وثوابها . PageV10P283 ~~وقال حذيفة : أقرأ الناس بالقرآن منافق يقرؤه ، لا يترك منه ألفا ولا واوا ~~، لا يجاوز ترقوته ، وقال ابن مسعود : أعربوا القرآن ، فإنه يأتى عربى ~~فسيأتى قوم يتقفونه ليسوا بخياركم . وروى أبو عبيد من حديث أبى سعيد الخدرى ~~عن النبى - صلى الله عليه وسلم - قال : تعلموا القرآن واسألوا الله به قبل ~~أن يتعلمه قوم يسألون به الدنيا ، فإن القرآن يتعلمه ثلاثة نفر : رجل يباهى ~~به ، ورجل يستأكل به الناس ، ورجل يقرأ لله . وذكر أيضا عن زادان قال : من ~~قرأ القرآن ليستأكل به الناس ، جاء يوم القيامة ووجهه عظم ليس عليه لحم . ~~وقال ابن مسعود : سيجئ على الناس زمان يسئل فيه بالقرآن ، فإذا سألوكم فلا ~~تعطوهم . وقوله : ( ينظر فى النصل ) فالنصل : حديدة السهم . والقدح : عوده ~~والفرق منه : موضع الوتر . وجمعه أفواق وفوق وقفا . * * * # | 36 - باب اقرءوا القرآن ما ائتلفت عليه قلوبكم # / 70 - وفيه : جندب ، قال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( اقرءوا ~~القرآن ما ائتلفت قلوبكم ، فإذا اختلفتم فقوموا عنه ) . / 71 - وفيه : ~~عبدالله ، أنه سمع رجلا يقرأ آية سمع النبى - صلى الله عليه وسلم - يقرأ ~~خلافها ، فأخذت بيده ، فانطلقت به إلى النبى - صلى الله عليه وسلم - فقال : ~~( كلاكما محسن ، فاقرآ أكبر علمى ) ، قال : ( فإن من كان قبلكم اختلفوا ~~فأهلكهم الله ) . قال المؤلف : قوله : اقرءوا ما ائتلفت قلوبكم . فيه الحض ~~PageV10P284 على الألفة والتحذير من الفرقة فى الدين ، فكأنه قال : اقرءوا ~~القرآن والزموا الائتلاف على ما دل عليه وقاد إليه ، فإذا اختلفتم فقوموا ~~عنه ، أى فإذا عرض عارض شبهة توجب المنازعة الداعية إلى الفرقة فقوموا عنه ~~: أى فاتركوا تلك الشبهة الداعية إلى الفرقة ، وارجعوا إلى المحكم الموجب ~~للألفة ، وقوموا للاختلاف وعما أدى إليه ، وقاد إليه لا أنه أمر بترك قراءة ~~القرآن باختلاف القراءات التى أباحها لهم لأنه قال لابن مسعود والرجل الذى ~~أنكر عليه مخالفته له فى القراء : كلاكما محسن ، فدل أنه لم ينهه عما جعله ~~فيه محسنا ، وإنما نهاه عن الاختلاف المؤدى إلى الهلاك بالفرقة فى الدين ms3626 . ~~* * * PageV10P285 # | كتاب التمنى # # | 1 - باب من يتمنى الشهادة # / 1 - فيه أبو هريرة : أبو هريرة ، قال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( ~~والذى نفسى بيده ، لولا أن رجالا يكرهون أن يتخلفوا بعدى ، ولا أجد ما ~~أحملهم ما تخلفت ، لوددت أنى أقتل فى سبيل الله ، ثم أحيا ، ثم أقتل ، ثم ~~أحيا ، ثم أقتل ، ثم أحيا ، ثم أقتل ) . فيه من الفقه : جواز تمنى الخير ~~وأفعال البر والرغبة فيها ، وإن علم أنه لا ينالها حرصا على الوصول إلى ~~أعلى درجات الطاعة . وفيه : فضل الشهادة على سائر أعمال البر لأنه - صلى ~~الله عليه وسلم - تمناها دون غيرها ، وذلك لرفيع درجتها ، وكرامة أهلها لأن ~~الشهداء أحياء عند ربهم يرزقون ، وذلك والله أعلم لسماحة أنفسهم ببذل ~~مهجتهم فى مرضاة الله وإعزاز دينه ، ومحاربة من حاده وعاداه ، فجازاهم بأن ~~عوضهم من فقد حياة الدنيا الفانية الحياة الدائمة فى الدار الباقية ، فكانت ~~المجازاة من حسن الطاعة . * * * # | 2 - باب تمنى الخير ، وقول النبي - عليه السلام - : ( لو كان لى أحد ~~ذهبا ) # / 2 - فيه : أبو هريرة ، قال - صلى الله عليه وسلم - : ( لو كان لى أحد ~~ذهبا PageV10P286 ، لأحببت أن لا يأتى على ثلاث وعندى منه دينار ، ليس شىء ~~أرصده فى دين على أجد من يقبله ) . فى هذا الحديث من الفقه جواز تمنى الخير ~~وأفعال البر لأنه - صلى الله عليه وسلم - تمنى لو كان له مثل أحد ذهبا لأحب ~~أن ينفقه فى طاعة الله قبل أن يأتى عليه ثلاث ليال . وقد تمنى الصالحون ما ~~يمكن كونه وما لا يمكن حرصا منهم على الخير ، فتمنى بنو الزبير منازل من ~~الدنيا لتنفذ أموالهم فى الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر . روى أن عبد ~~الله وعروة وصعبا بنى الزبير بن العوام اجتمعوا عند الكعبة ، فقال عبد الله ~~: أحب أن لا أموت حتى أكون خليفة . وقال مصعب : أحب أن ألى العراقين : ~~الكوفة والبصرة ، وأتزوج سكينة بنت الحسين وعائشة بنت طلحة . وقال عروة : ~~لكننى أسأل الله الجنة ، فصار عبد الله ومصعب إلى تمنيا ، وترون أن عروة ~~صار إلى الجنة إن شاء الله ms3627 ، وما تمنوه مما لا سبيل إلى كونه تصغيرا ~~لأنفسهم وتحقيرا لأعمالهم ، فتمنوا أنهم لم يخلقوا وأنهم أقل الموجودات . ~~روى عن أبى بكر الصديق أنه قال : وددت أنى خضرة تأكلنى الدواب . وتناول عمر ~~بن الخطاب تبنة من الأرض فقال : ليتنى كنت هذه ، ليتنى لم أك شيئا ، ليت ~~أمى لم تلدنى ، ليتنى كنت نسيا منسيا . وقرأ عمر : { هل أتى على الإنسان ~~حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا } [ الإنسان : 1 ] ، فقال : يا ليتها تمت ~~. وقال عمران بن حصين : وددت أنى رماد على أكمة تسفينى الرياح فى يوم عاصف ~~. PageV10P287 وقال أبو ذر : وددت أن الله خلقنى شجرة تقضم . ومرت عائشة ~~بشجرة فقالت : يا ليتنى كنت ورقة من هذه الشجرة . وقال أبو عبيدة : وددت ~~أنى كبش فيذبحنى أهلى فيأكلون لحمى ويحسون مرقى . وإنما حملهم على ذلك شدة ~~الخوف من مسائلة الله والعرض عليه ، وعلى قدر العلم بالله يكون الخشية منه ~~، ولذلك قال الفضيل : من مقت نفسه فى الله أمنه الله من مقته . * * * # | 3 - باب قول النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( لو استقبلت من أمرى ما ~~استدبرت ما سقت الهدى ، ولحللت مع الناس حين حلوا ) # وذكره من حديث جابر أيضا . قوله : ( لو استقبلت من أمرى ما استدبرت ) أى ~~لو علمت أن أصحابى يأتون من العمرة فى أشهر الحج ما أحرمت بالحج مفردا ، ~~ولأحرمت بالعمرة فلو أحرمت بالعمرة لم يكرهها أحد منهم ، وللانت نفوسهم ~~لفعلى لها واختيارى فى نفسى ، فكرهوها حين أمرهم بها ؛ لكونهم على خلاف فعل ~~نبيهم ؛ مع أنهم كانوا فى الجاهلية يكرهون العمرة فى أشهر الحج فتمنى - صلى ~~الله عليه وسلم - موافقة أصحابه وكره ما ظهر منهم من الإشفاق لمخالفتهم له ~~، ففى هذا من الفقه أن الإمام والعالم ينبغى له أن يسلك سبيل الجمهور وألا ~~يخالف الناس فى سيرته وطريقته . * * * PageV10P288 # | 4 - باب قول النبي - صلى الله عليه وسلم - : ( ليت كذا وكذا ) # / 3 - فيه : عائشة ، قالت : أرق النبى - عليه السلام - ذات ليلة ، فقال : ~~( ليت رجلا صالحا من أصحابى يحرسنى الليلة ) ؛ فأتى سعد : فحرسه . وقال ~~بلال ms3628 : ألا ليت شعرى هل أبيتن ليلة بواد وحولى إذخر وجليل فأخبرت عائشة ~~النبى - صلى الله عليه وسلم - . قال المؤلف : فيه أباحة تمنى ما ينتفع به ~~فى الدنيا ، ويمكن أن يكون هذا الحديث قبل أن ينزل عليه : { والله يعصمك من ~~الناس } [ المائدة : 67 ] ، فلما علم ذلك لم يحتج إلى حارس بعد ، ويمكن أن ~~يفعله - صلى الله عليه وسلم - بعد نزول الآية عليه ليستن به الأمراء ، ولا ~~يضيعوا حرس أنفسهم فى أوقات الغرة والغفلة ، والله أعلم . * * * # | 5 - باب تمنى القرآن والعلم # / 4 - فيه : أبو هريرة ، قال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( لا تحاسد ~~إلا فى اثنتين : رجل آتاه الله القرآن فهو يتلوه آناء الليل والنهار ، يقول ~~: لو أوتيت مثل ما أوتى هذا لفعلت كما يفعل ، ورجل آتاه الله مالا ينفقه فى ~~حقه ، فيقول : لو أوتيت مثل ما أوتى لفعلت كما يفعل ) . هذا من الحسد ~~الحلال ، والحاسد فيه مشكور ؛ لأنه إنما حسده على العمل بالقرآن والعلم ، ~~وحسد صاحب المال على نفقته له فى حقه فلم يقع الحسد على شيء من أمور الدنيا ~~، وإنما وقع على ما يرضى الله ويقرب منه ، فلذلك كان تمنيه حسنا ، وكذلك ~~تمنى سائر أبواب PageV10P289 الخير إنما يجوز منه ما كان فى معنى هذا ~~الحديث إذا خلصت النية فى ذلك لله ، وخلص ذلك من البغى والحسد . * * * # | 6 - باب ما يكره من التمنى قول الله تعالى : { ولا تتمنوا ما فضل الله ~~به بعضكم على بعض } [ النساء : 32 ] # / 5 - فيه : أنس : لولا أنى سمعت النبى - صلى الله عليه وسلم - يقول : ( ~~لا تتمنوا الموت لتمنيت ) . / 6 - فيه : خباب مثله . / 7 - وفيه : أبو ~~هريرة ، قال - صلى الله عليه وسلم - : ( لا يتمنى أحدكم الموت ، إما محسنا ~~فلعله يزداد ، وإما مسيئا فلعله يستعتب ) . قال المهلب : بين الله تعالى فى ~~هذه الآية ما لا يجوز تمنيه ، وذلك ما كان من عرض الدنيا وأشباهه . قال ~~الطبرى : وقيل : إن هذه الآية نزلت فى نساء تمنين منازل الرجال ، وأن يكون ~~لهن ما لهم فنهى الله تعالى عن الأمانى الباطلة ؛ إذ ms3629 كانت الأمانى الباطلة ~~تورث أهلها الحسد والبغى بغير الحق . وقال ابن عباس فى هذه الآية : لا ~~يتمنى الرجل يقول : ليت لى مال فلان وأهله ، فنهى الله عن ذلك وأمر عباده ~~أن يسألوه من فضله . وسئل الحسن البصرى فقيل له : الرجل يرى الدار فتعجبه ~~والدابة فتعجبه فيقول : ليت لي مثل هذه الدار ، ليت لى مثل هذه الدابة . ~~قال الحسن : لا يصلح هذا . قيل له : فيقول : ليت لى مثل هذه الدار . فقال : ~~ولا هذا . قيل له : إنا كنا لا نرى بأسا بقوله : ليت لي مثل PageV10P290 ~~هذا . فقال الحسن : ألا ترى قوله عز وجل : { يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ~~ويقدر له } [ العنكبوت : 62 ] أتدرى ما يقدر له ؟ ينظر إن كان خيرا أن ~~يبسطه له بسطه ، وإن كان خيرا أن يمسكه عنه أمسكه ، فينطلق إلى شىء نظر ~~الله فيه أنه خير لك فأمسكه عنك فتسأله إياه ، فلعلك لو أعطيت ذلك كان فيه ~~هلكة فى دينك ودنياك ، ولكن إذا سألت فقل : اللهم إنى أسألك من فضلك ، فإن ~~أعطاك أعطاك خيارا ، وإن أمسك عنك أمسك خيارا . ومعنى نهيه - صلى الله عليه ~~وسلم - عن تمنى الموت ، فإن الله قد قدر الآجال فمتمنى الموت غير راض بقدر ~~الله ولا مسلم لقضائه ، وقد بين النبى - صلى الله عليه وسلم - ما للمحسن ~~والمسئ فى أن لا يتمنى الموت ، وذلك ازدياد المحسن من الخير ورجوع المسئ عن ~~الشر ، وذلك نظر من الله للعبد وإحسان منه إليه خير له من تمنيه الموت ، ~~وقد تقدم فى كتاب المرضى حيث يجوز تمنى الموت ، وحيث لا يجوز ، والأحاديث ~~المعارضة فى ذلك وبيان معانيها فى باب تمنى الموت . * * * # | 7 - باب قول الرجل : لولا الله ما اهتدينا # / 8 - فيه : البراء ، قال : كان النبى - صلى الله عليه وسلم - ينقل معنا ~~التراب يوم الأحزاب ، ولقد رأيته وارى التراب بياض بطنه ، يقول : ( لولا ~~أنت ما اهتدينا ، نحن ولا تصدقنا ولا صلينا ) . لولا عند العرب يمتنع بها ~~الشىء لوجود غيره يقول : لولا زيد ما صرت إليك : أى كان مصيرى إليك ms3630 من أجل ~~زيد ، وكذلك قوله : ( لولا الله ما اهتدينا ) . أى كان هدانا من أجل هداية ~~الله لنا PageV10P291 فوجود الهدى منع وقوع الضلال ، وذلك كله من فعل الله ~~بعباده فلا يفعل العبد الطاعة ولا يجتنب المعصية إلا بقدر الله وقضائه على ~~العبد . * * * # | 8 - باب كراهة التمنى لقاء العدو # / 9 - فيه : عبدالله بن أبى أوفى ، قال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( ~~لا تتمنوا لقاء العدو ، وسلوا الله العافية ) . قد تقدم هذا الباب فى كتاب ~~الجهاد ، وجملة معناه : النهى عن تمنى المكروهات والتصدى للمحذورات ، ولذلك ~~سأل السلف العافية من الفتن والمحن ؛ لأن الناس مختلفون فى الصبر على ~~البلاء . * * * # | 9 - باب ما يجوز من اللو ، وقوله تعالى : { لو أن لى بكم قوة } [ هود : ~~80 ] # / 10 - فيه : ابن عباس ، ذكر المتلاعنين ، فقال عبدالله بن شداد : أهى ~~التى قال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( لو كنت راجما امرأة من غير بينة ~~؟ ) قال : لا ، تلك امرأة أعلنت . / 11 - وفيه : ابن عباس ، أعتم النبى - ~~صلى الله عليه وسلم - بالعشاء ، فخرج عمر ، فقال الصلاة : يا رسول الله ، ~~رقد النساء والصبيان ، فخرج ورأسه يقطر ، يقول : ( لولا أن أشق على أمتى ~~لأمرتهم بالصلاة هذه الساعة ) . PageV10P292 / 12 - وفيه : أبو هريرة ، قال ~~النبى ، عليه السلام : ( لولا أن أشق على أمتى لأمرتهم بالسواك ) . / 13 - ~~وفيه : أنس ، واصل النبى - صلى الله عليه وسلم - آخر الشهر ، وواصل أناس من ~~الناس ، فبلغ النبى - صلى الله عليه وسلم - ، فقال : ( لو مد بى الشهر ~~لواصلت وصالا يدع المتعمقون تعمقهم ) . وقال مرة : ( لو تأخر لزدتكم ، ~~كالمنكل لهم ) . / 14 - وفيه : عائشة ، قال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ~~( لولا أن قومك حديث عهدهم بالجاهلية ، فأخاف أن تنكر قلوبهم أن أدخل الجدر ~~فى البيت ، وأن ألصق بابه فى الأرض ) . / 15 - وفيه : أبو هريرة ، قال - ~~صلى الله عليه وسلم - : ( لولا الهجرة ؛ لكنت امرا من الأنصار ، ولو سلك ~~الناس واديا ، وسلكت الأنصار واديا أو شعبا لسلكت وادى الأنصار أو شعب ~~الأنصار ) . / 16 - وعن عبد الله بن زيد ، مثله . ( لو ) : تدل عند العرب ~~على امتناع الشىء ms3631 لامتناع غيره كقوله : لو جاءنى زيد لأكرمتك . معناه : أنى ~~امتنعت من كرامتك لامتناع زيد من المجئ . وقوله : { لو أن لى بكم قوة } [ ~~هود : 80 ] جواب لو محذوف كأنه قال : لحلت بينكم وبين ما جئتم له من الفساد ~~، وحذفه أبلغ ؛ لأنه يحصر النفى بضروب المنع . فإن قيل : لم قال : ( أو آوى ~~إلى ركن شديد ) مع أنه يأوى إلى الله ؟ فالجواب : أنه إنما أراد العدة من ~~PageV10P293 الرجال ، وإلا فله ركن وثيق مع معونة الله ونصره ، وتضمنت ~~الآية البيان عما يوجبه حال المحق إذا رأى منكرا لا يمكنه إزالته مع التحسر ~~على قوة أو معين على دفعه لحرصه على طاعة ربه ، وجزعه من معصيته ، فامتنع ~~من الانتقام من قومه لامتناع من يعينه على ذلك . وقوله : ( لو كنت راجعا ~~بغير بينة ) : امتنع من رجم المرأة لامتناع وجود البينة ، وكذلك امتنع من ~~معاقبتهم بالوصال لامتناع امتداد الشهر ، ومثله : لو سلك الناس واديا لسلكت ~~وادى الأنصار . قال المهلب : وإنما قال ذلك للأنصار تأنيسا لهم ليغبطهم ~~بحالهم ، وأنها مرضية عنده وعند ربهم ، لكنه أعلمهم بأنه امتنع من أن ~~يساويهم فى حالهم لوجود الهجرة التى لا يمكنه تركها ، وسائر ما فى الباب من ~~الأحاديث ؛ فإنها بلفظ لولا التى تدل على امتناع الشىء لوجود غيره كقوله : ~~( لولا أن أشق على أمتى لأمرتهم بالصلاة هذه الساعة ) ، و ( لأمرتهم ~~بالسواك مع كل صلاة ) فامتنع من أمرهم بذلك لوجود المشقة بهم عند امتثالهم ~~أمره . وقوله : ( لولا أن قومك حديث عهدهم بالكفر فأخاف أن تنكر قلوبهم أن ~~أدخل الجدر فى البيت ) . فامتنع - صلى الله عليه وسلم - من هدم البيت ~~وبنيانه على قواعد إبراهيم من أجل الإنكار الحاصل لذلك . قال الطبرى : فإن ~~قال قائل : فقد روى ابن عيينة عن ابن عجلان عن الأعرج عن أبى هريرة أن ~~النبى - صلى الله عليه وسلم - قال : ( احرص على ما ينفعك ، واستعن بالله ~~ولا تعجز ، فإن أصابك شىء فلا تقل : لو أنى فعلت كذا وكذا ، ولكن قل : قدر ~~الله وما شاء فعل ، فإن لو مفتاح PageV10P294 الشيطان ) . فنهى عن ms3632 لو فى ~~هذا الحديث ، وهذا معارض لما جاء من إباحة لو فى كتاب الله ، وفى الأحاديث ~~المروية فى ذلك . قيل له : لا تعارض بين شىء من ذلك ، ولكل وجه ومعنى غير ~~معنى صاحبه ؛ فأما نهيه عن اللو فى حديث ابن عجلان فمعناه : لا تقل أنى لو ~~فعلت كذا لكان كذا على القضاء والحتم ، فإنه كائن لا محالة ، فأنت غير مضمر ~~فى نفسك شرط مشيئة الله ، هذا الذى نهى عنه ؛ لأنه قد سبق فى علم الله كل ~~ما يناله المرء . قال تعالى : { ما أصاب من مصيبة فى الأرض ولا فى أنفسكم ~~إلا فى كتاب من قبل أن نبرأها } [ الحديد : 22 ] . فأما إذا كان قائله ممن ~~يوقن بأن الشرط إذا وجد لم يكن المشروط إلا بمشيئة الله وإرادته ، فذلك هو ~~الصحيح من القول ، وقد قال أبو بكر الصديق للنبى - صلى الله عليه وسلم - ~~وهو فى الغار : لو أن أحدهم رفع قدمه أبصرنا . فقال : يا أبا بكر ما ظنك ~~باثنين الله ثالثهما ، ولم ينكر ذلك عليه صلى الله عليه ؛ إذا كان عالما ~~بمخرج كلامه ، وأنه إنما قال ذلك على ما جرت به العادة ، واستعمله الناس ~~علة ما الأغلب كونه عند وقوع السبب الذى ذكره ، وإن كان قد كان جائزا أن ~~يرفع جميع المشركين الذين كانوا فوق الغار أقدامهم ثم ينظروا فيحجب الله ~~أبصارهم عن رسوله ، وعن صاحبه فلا يراهما منهم أحد ، وكان جائز أن يحدث ~~الله عمى فى أبصارهم ، فلا يبصرونهما ، مع أسباب غير ذلك كثيرة ، وأن أبا ~~بكر لم يقل ذلك إلا على إيمان منه بأنهم لو رفعوا أقدامهم لم يبصروا رسول ~~الله إلا أن يشاء الله ذلك ، فهذا مفسرا لحديث ابن عجلان وناف للتعارض فى ~~ذلك ، والله الموفق . * * * PageV10P295 # | كتاب القدر # # | 1 - باب فى القدر # / 1 - فيه : عبدالله ، قال : حدثنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، ~~وهو الصادق المصدوق : ( إن أحدكم يجمع فى بطن أمه أربعين يوما ، ثم علقة ~~مثل ذلك ، ثم يكون مضغة مثل ذلك ، ثم يبعث الله ملكا ، فيؤمر بأربع ms3633 ، برزقه ~~وأجله وشقى أو سعيد ، فوالله إن أحدكم ، أو الرجل ، يعمل بعمل أهل النار ~~حتى ما يكون بينه وبينها غير باع أو ذراع ، فيسبق عليه الكتاب ، فيعمل بعمل ~~أهل الجنة ، فيدخلها ، ( وإن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة ، حتى ما يكون ~~بينه وبينها غير ذراع ، أو ذراعين ، فيسبق عليه الكتاب ، فيعمل بعمل أهل ~~النار ، فيدخلها ) . / 2 - وفيه : أنس ، عن النبى - صلى الله عليه وسلم - : ~~( وكل الله بالرحم ملكا ، فيقول : أى رب ، نطفة ، أى رب ، علقة ، أى رب ، ~~مضغة ، فإذا أراد الله أن يقضى خلقها ، قال : أى رب ، أذكر أم أنثى ؟ أشقى ~~أم سعيد ؟ فما الرزق ؟ فما الأجل ؟ فيكتب كذلك فى بطن أمه ) . قال المهلب : ~~فى هذا الحديث رد لقول القدرية واعتقادهم أن العبد يخلق أفعاله كلها من ~~الطاعات والمعاصى ، وقالوا : إن الله منزه PageV10P296 عن أن يخلق المعاصي ~~والزنا والكفر وشبهه ، فبان فى هذا الحديث تكذيب قولهم ، بما أخبر - صلى ~~الله عليه وسلم - أنه يكتب فى بطن أمه شقى أو سعيد مع تعريف الله العبد أن ~~سبيل الشقاء هو العمل بالمعاصى والكفر ، فكيف يجوز أن يعمل بما أعلمه الله ~~أنه يعذبه عليه ، ويشقيه به ، مع قدرة العبد على اختياره لنفسه ، وخلقه ~~لأعماله دون الله ، تعالى الله أن يكون معه خالق غيره . ثم قطع القدرية ~~بقوله : فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها ، فلو كان الأمر ~~إلى اختياره أتراه كان يختار خسارة عمله طول عمره بالخير ، ثم يخلق لنفسه ~~عملا من الشر والكفر ، فيدخل به النار ؟ وهل السابق له إلا فعل ربه وخلقه ~~له ، وخلق عمله للشئ كسبا له فاكتسبه العبد لشهوة نفسه الأمارة بالسوء ~~مستلذا بذلك العمل الذى أقدره الله عليه بقدرة خلقها له بحضرة الشيطان ~~المغوى لنفسه الأمارة له مع الشيطان بالسوء فاستحق العقاب على ذلك . ~~فانقطعت حجة العبد بالنذارة ، وانقطعت حجة القدرية بسابق كتاب الله على ~~العبد العارف بما آل أمره ، باكتسابه للعمل القبيح ، لخلق الله له قدرة على ~~عمله بحضرة عدويه : نفسه وشيطانه ، ولذلك نسب الشر إلى الشيطان ms3634 لتزيينه له ~~، ونسب الخير إلى الله لخلقه لعبده ، وإقداره للعبد عليه بحضرة الملك ~~المسدد له ، الدافع لشيطانه عنه بعزة الله وعصمته . هذا هو أصل الكلام على ~~القدرية ثم يلزم القدرية أن يكون العبد شريكا لله فى خلقه بأن يكون العبد ~~يخلق أفعاله والله قد أبى من ذلك بقوله تعالى : { الله خالق كل شىء وهو على ~~كل شىء وكيل } [ الزمر : 62 ] ، وقوله : { هل من خالق غير الله } [ فاطر : ~~3 ] ، فخالفوا النص PageV10P297 وأوجبوا للعبد من القدرة على خلق أعماله ما ~~أوجبه الله لنفسه تعالى من الانفراد بالخلق ، ولذلك سميت القدرية : مجوس ~~هذه الأمة لقولها بخالقين مثل ما قالته المجوس من اعتبارها لأرباب من الشمس ~~والقمر والنور ، والنار والظلمة ، كل على اختياره ، وقد نص الله سبحانه ~~وتعالى على إبطال قول القدرية لعلمه بضلالتهم ليهدى بذلك أهل سنته فقال : { ~~والله خلقكم وما تعملون } [ الصافات : 96 ] . وقوله : يجمع فى بطن أمه : قد ~~فسره ابن مسعود ، سئل الأعمش عن قوله : يجمع فى بطن أمه قال : حدثنى خيثمة ~~قال : قال عبد الله : إن النطفة إذا رفعت فى الرحم ، فأراد الله أن يخلق ~~منها بشرا طارت فى بشر المرأة تحت كل ظفر وشعر ، ثم تمكث أربعين ليلة ثم ~~تصير دما فى الرحم فذلك جمعها . * * * # | 2 - باب جف القلم على علم الله قوله تعالى : { وأضله الله على علم } [ ~~الجاثية : 23 ] # وقال أبو هريرة : قال لى النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( جف القلم بما ~~أنت لاق ) . قال ابن عباس : { لها سابقون } [ المؤمنون : 61 ] سبقت لهم ~~السعادة . / 3 - فيه : عمران بن حصين ، قال رجل : يا رسول الله ، أيعرف أهل ~~الجنة من أهل النار ؟ قال : ( نعم ) ، قال : فلم يعمل العاملون ؟ قال : ( ~~كل يعمل لما خلق له ، أو لما يسر له ) . قال المهلب : غرض البخارى فى هذا ~~الباب غرضه المتقدم من PageV10P298 إدحاض حجة القدرية بهذه النصوص من كلام ~~رسوله ، فأخبر أنه قد فرغ من الحكم على كل نفس ، وكتب القلم ما يصير إليه ~~العبد من خير أو شر فى أم الكتاب ، وجف مداده ms3635 على المقدور من علم الله . ~~فأضله الله على علم به ، ومعرفة بما كان يصير إليه أمره لو أهمله ألا يسمعه ~~قد بين ذلك فى كتابه حيث يقول : { هو أعلم بكم إذ أنشأكم من الأرض وإذ أنتم ~~أجنة فى بطون أمهاتكم فلا تزكوا أنفسكم هو أعلم بمن اتقى } [ النجم : 32 ] ~~. فعرفنا أنه كان بنا عالما حين خلق آدم من طينة الأرض المختلفة وأحاط علما ~~بما يقع من تلك الطينة لكل شخص من أشخاص ولده إلى يوم القيامة ، المتناسلين ~~من صلب إلى صلب فى أعداد لا يحيط بها إلا محيصها ، وعلم ما قسمه من تلك ~~الطينة من طيب أو خبيث ، وعلم ما يعمل كل واحد من الطاعة والمعصية ليشاهد ~~أعماله بنفسه ، وكفى بنفسه شهيدا عليه ، وتشهد له عليه ملائكته وما عاينه ~~من خلقه ، فتنقطع حجته ، وتحقق عقوبته ولذلك قال لأبى هريرة حين أراد أن ~~يختصى خشية الزنا على نفسه : ( قد جف القلم بما أنت لاق ) . فاختص على ذلك ~~أبو ذر ، فعرفه أنه لا يعدو ما جرى به القلم عليه من خير أو شر ، فإنه لابد ~~عامله ومكتسبه ، فنهاه عن الاختصاء بهذا القول الذى ظاهره التخيير ، ومعنى ~~النهى والتبكيت لمن أراد الهروب عن القدر والتعريف له أن إن فعل ، فإنه ~~أيضا من القدر المقدور عليه فيما جف به القلم عليه . PageV10P299 وقد سئل ~~الحسن البصرى عن القدر فقال : إن الله خلق الخلق للابتلاء ، لم يطيعوه ~~بإكراه منه ، ولم يعصوه بغلبة ، ولم يهملهم من المملكة ؛ بل كان المالك لما ~~ملكهم فيه ، والقادر لما قدره عليهم ، فإن تأثم العباد بطاعة الله لم يكن ~~الله صادا عنها ، ولا مبطئا ؛ بل يزيدهم هدى إلى هداهم ، وتقوى إلى تقواهم ~~، وإن تأثم العباد بمعصية الله كان القادر على صرفهم ؛ إن شاء فعل وإن شاء ~~خلى بينهم وبين المعصية فيكسبونها ، فمن بعد الإعذار والإنذار لله الحجة ~~البالغة ، لا يسئل عما يفعل وهم يسألون ، فلو شاء لهداكم أجمعين . وقال ~~المهلب : فى حديث عمران حجة لأهل السنة على المجبرة من أهل القدر وذلك ms3636 قوله ~~: ( اعملوا ، فكل ميسر لما خلق له ) . ولم يقل : فكل مجبر على ما خلق له ، ~~وإنما أراد لما خلق له من عمله للخير أو للشر . وقيل : إنما أراد بقوله : ~~لما خلق له الإنسان من جنة أو نار ، فقد أخبر أنه ميسر لأعمالها ومختار لا ~~مجبر ؛ لأن الخبر لا يكون باختيار ، وإنما هو بإكراه . * * * # | 3 - باب الله أعلم بما كانوا عاملين # / 4 - فيه : ابن عباس ، سئل النبي - صلى الله عليه وسلم - عن أولاد ~~المشركين ، فقال : ( الله أعلم بما كانوا عاملين ) . / 5 - وفيه : أبو ~~هريرة ، مثله . وقال عن النبى - عليه السلام - : ( ما PageV10P300 من مولود ~~إلا يولد على الفطرة ، فأبواه يهودانه وينصرانه ، كما تنتجون البهيمة . . . ~~) إلى قوله : ( أفرأيت من يموت وهو صغير ؟ قال : الله أعلم بما كانوا ~~عاملين ) . قال المؤلف : غرضه فى هذا الباب الرد على الجهمية فى قولهم : إن ~~الله لا يعلم أفعال العباد حتى يعملوها . فرد النبى - صلى الله عليه وسلم - ~~ذلك من قولهم ، وأخبر فى هذا الحديث أن الله تعالى يعلم ما لا يكون أن لو ~~كان كيف كان يكون ، ومصداق هذا الحديث فى قوله تعالى : { ولو ردوا لعادوا ~~لما نهوا عنه } [ الأنعام : 28 ] ، وقال فى آية أخرى : { ولو علم الله فيهم ~~خيرا لأسمعهم ولو أسمعهم لتولوا وهم معرضون } [ الأنفال : 23 ] ، فإذا ثبت ~~بهاتين الآيتين المصدقتين لحديثه - صلى الله عليه وسلم - أنه يعلم ما لا ~~يكون لو كان كيف كان يكون ، فأحرى أن يعلم ما يكون ، وما قدره وقضاه فى ~~كونه . وهذا يقوى ما يذهب إليه أهل السنة أن القدر هو علم الله وغيبه الذى ~~استأثر به فلم يطلع عليه ملكا مقربا ، ولا نبيا مرسلا . وروى روح بن عبادة ~~عن حبيب بن الشهيد عن محمد بن سيرين قال : ما ينكر هؤلاء ، يعنى القدرية ، ~~أن يكون الله علم علما فجعله كتابا . وقد قيل : إن بعض الأنبياء كان يسأل ~~الله عن القضاء والقدر ، فمحى من النبوة . وروى ابن عباس عن النبى - صلى ~~الله عليه وسلم - أنه قال : ( إذا ذكر القدر فأمسكوا ) . وقال ms3637 بلال بن أبى ~~بردة لمحمد بن واسع : ما تقول فى القضاء والقدر ؟ فقال : أيها الأمير ، إن ~~الله لا يسأل عباده يوم القيامة عن قضائه وقدره ، وإنما يسألهم عن أعمالهم ~~. وكتب عمر بن عبد العزيز إلى الحسن البصرى : إن الله لا يطالب PageV10P301 ~~خلقه بما قضى عليهم ، ولكن يطالبهم بما نهاهم عنه ، وأمرهم به ، فطالب نفسك ~~من حيث يطالبك ربك . وسئل أعرابى عن القدر ، فقال : الناظر فى قدر الله ~~كالناظر فى عين الشمس يعرف ضوءها ، ولا يقف على حدودها . وقوله : ( كما ~~تنتجون الناقة ) . قال أبو عبيد : يقال : تنتجت الناقة إذا أعنتها على ~~النتاج . * * * # | 4 - باب { وكان أمر الله قدرا مقدورا } [ الأحزاب : 38 ] # / 6 - فيه : أبو هريرة ، قال - صلى الله عليه وسلم - : ( لا تسأل المرأة ~~طلاق أختها ؛ لتستفرغ صحفتها ولتنكح ، فإن لها ما قدر لها ) . / 7 - وفيه : ~~أسامة ، أتى إلى النبى - صلى الله عليه وسلم - رسول إحدى بناته ، أن ابنها ~~يجود بنفسه ، فبعث إليها : ( لله ما أخذ ، ولله ما أعطى ، فكل بأجل ، ~~فلتصبر ولتحتسب ) . / 8 - وفيه : أبو سعيد ، بينما هو جالس عند إذ جاءه رجل ~~من الأنصار ، فقال : كيف ترى فى العزل ؟ فقال ليس بنسمة كتب الله أن تخرج ~~إلا هى كائنة ) . / 9 - وفيه : حذيفة ، خطبنا النبى - صلى الله عليه وسلم - ~~خطبة ما ترك فيها شيئا إلى قيام الساعة إلا ذكره ، علمه من علمه ، وجهله من ~~جهله ، إن كنت لأرى الشىء قد نسيت فأعرف ما يعرف الرجل إذا غاب عنه فرآه ~~فعرفه . / 10 - وفيه : على ، كنا مع النبى - صلى الله عليه وسلم - ومعه عود ~~ينكت فى الأرض ، فقال : ( ما منكم من أحد إلا قد كتب مقعده من النار ، أو ~~من الجنة ) ، قال رجل من PageV10P302 القوم : أفلا نتكل يا رسول الله ؟ قال ~~: ( لا اعملوا ، فكل ميسر لما خلق له ) ، ثم قرأ { فأما من أعطى واتقى } ~~الآية [ الليل : 5 ] . وقال المهلب : غرضه فى هذا الباب أن يبين أن جميع ~~مخلوقات الله من المكونات بأمره بكلمة كن من حيوان أو غيره ، أو حركات ~~العباد واختلاف إرادتهم ms3638 وأعمالهم بمعاص أو طاعات ؛ كل مقدر بالأزمان ~~والأوقات ، لا مزيد فى شىء منها ، ولا نقصان عنها ، ولا تأخير لشىء منها عن ~~وقته ، ولا تقديم قبل وقته ، ألا ترى قوله - صلى الله عليه وسلم - : ( لا ~~تسأل المرأة طلاق أختها ) لتصرف حظها إلى نفسها ، ولتنكح ، فإنها لا تنال ~~من الرزق إلا ما قدر لها ، كانت له زوجة أخرى أو لم تكن . وقوله : ( اعملوا ~~فكل ميسر لما خلق له ) . فيه دليل على إبطال قول أهل الجبر ؛ لأن التيسير ~~غير الجبر ، واليسرى العمل بالطاعة ، والعسرى العمل بالمعصية . قال الطبرى ~~: فى حديث على أن الله لم يزل عالما بمن يطيعه فيدخله الجنة ، وبمن يعصيه ~~فيدخله النار ، ولم يكن استحقاق من يستحق الجنة منهم بعلمه السابق فيهم ، ~~ولا استحقاقه النار لعلمه السابق فيهم ، ولا اضطر أحدا منهم علمه السابق ~~إلى طاعة أو معصية ، ولكنه تعالى نفذ علمه فيهم قبل أن يخلقهم ، وما هم ~~عاملون وإلى ما هم صائرون ، إذ كان لا تخفى عليه خافية قبل أن يخلقهم ، ولا ~~بعد ما خلقهم ، ولذلك وصف أهل الجنة فقال : { ثلة من الأولين وقليل من ~~الآخرين } [ الواقعة : 13 ، 14 ] ، إلى قوله : { وحور عين كأمثال ~~PageV10P303 اللؤلؤ المكنون جزاء بما كانوا يعملون } [ الواقعة : 22 - 24 ] ~~، وقال تعالى : { فلا تعلم نفس ما أخفى لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا ~~يعملون } [ السجدة : 17 ] . وكذلك قال فى أهل النار : { ذلك جزاء أعداء ~~الله النار لهم فيها دار الخلد جزاء بما كانوا بآياتنا يجحدون } [ فصلت : ~~28 ] ، فأخبر أنه أثاب أهل طاعته جنته بطاعته ، وجازى أهل معصيته النار ~~بمعصيتهم إياه ، ولم يخبرنا أنه أدخل من أدخل منهم النار والجنة لسابق علمه ~~فيهم ، ولكنه سبق فى علمه أن هذا من أهل السعادة والجنة وأنه يعمل بطاعته . ~~وفى هذا أنه من أهل الشقاء وأنه يعمل بعمل أهل النار فيدخلها بمعصيته ؛ ~~فلذلك أمر تعالى ونهى ؛ ليطيعه المطيع منهم فيستوجب بطاعته الجنة ويستحق ~~العقاب منهم بمعصيته العاصى فيدخل بها النار ، ولتتم حجة الله على خلقه . ~~فإن قال قائل : فما معنى ms3639 قوله - صلى الله عليه وسلم - : ( اعملوا فكل ميسر ~~لما خلق له ) إن كان الأمر كما وصف من أن الذى سبق لأهل السعادة والشقاء لم ~~يضطر واحدا من الفريقين إلى الذى كان يعمل ويمهد لنفسه فى الدنيا ولم يجبره ~~على ذلك ؟ قيل : هو أن كل فريق من هذين مسهل له العمل الذى اختاره لنفسه ، ~~مزين ذلك له كما قال تعالى : { ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزينه فى ~~قلوبكم } [ الحجرات : 7 ] الآية . وأما أهل الشقاء ، فإنه زين لهم سوء ~~أعمالهم لإيثارهم لها على PageV10P304 الهدى كما قال تعالى : { إن الذين لا ~~يؤمنون بالآخرة زينا لهم أعمالهم فهم يعمهون } [ النمل : 4 ] ، وكما قال ~~تعالى : { أفمن زين له سوء عمله فرآه حسنا } [ فاطر : 8 ] ، وهذا يصحح ما ~~قلناه من أن علم الله النافذ فى خلقه بما هم به عاملون ، وكتابه الذى كتبه ~~قبل خلقه إياهم بأعمالهم لم يضطر أحدا منهم إلى عمله ذلك ؛ بل هو أن المضطر ~~إلى الشىء لا شك أنه مكره عليه ، لا محب له ؛ بل هو له كاره ومنه هارب ، ~~والكافر يقاتل دون كفره أهل الإيمان ، والفاسق يناصب دون فسقه الأبرار ؛ ~~محاماة من هذا عن كفره الذى اختاره على الإيمان ، وإيثارا من هذا لفسقه على ~~الطاعة ، وكذلك المؤمن يبذل مهجته دون إيمانه ، ويؤثر العناء والنصب دون ~~ملاذه وشهواته حبا لما هو له مختار من طاعة ربه على معاصيه ، وأنى يكون ~~مضطرا إلى ما يعمله من كانت هذه صفاته ؟ فبان أن معنى قوله : ( اعملوا فكل ~~ميسر لما خلق له ) هو أن كل فريقى السعادة والشقاوة مسهل له العمل الذى ~~اختاره ، مزين ذلك له . * * * # | 5 - باب العمل بالخواتيم # / 11 - فيه : أبو هريرة ، شهدنا مع النبي - عليه السلام - خيبر ، فقال ~~لرجل ممن كان معه يدعى الإسلام : ( هذا من أهل النار ) ، فلما حضر القتال ، ~~قاتل الرجل من أشد القتال ، وكثرت به الجراح ، فقال النبي PageV10P305 - ~~عليه السلام - : ( أما إنه من أهل النار ) ، فكاد بعض المسلمين يرتاب ، ~~فبينما هو على ذلك ، إذ وجد الرجل ألم الجراح ، فأهوى بيده ms3640 إلى كنانته ، ~~فانتزع منها سهما ، فانتحر بها ، فاشتد رجال إلى رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - ، فقالوا : صدق الله حديثك ، قد انتحر فلان ، وقتل نفسه ، فقال ~~النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( قم يا بلال ، فأذن : لا يدخل الجنة إلا ~~مؤمن ، وإن الله ليؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر ) . / 12 - وروى : سهل ، عن ~~النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( إن العبد ليعمل عمل أهل النار ، وإنه من ~~أهل الجنة ، ويعمل عمل أهل الجنة ، وإنه من أهل النار ، وإنما الأعمال ~~بالخواتيم ) . قال المهلب : قوله - صلى الله عليه وسلم - : ( إنما الأعمال ~~بالخواتيم ) هو حكم الله فى عباده فى الخير والشر ، فيغفر الكفر وأعماله ~~بكلمة الحق يقولها العبد قبل الموت قبل المعاينة لملائكة العذاب ، وكذلك ~~يحبط عمل المؤمن إذا ختم له بالكفر . ثم كذلك هذا الحكم موجود فى الشرع كله ~~كقوله : ( من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة ، ومن أدرك ركعة من ~~الصبح قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح ) فكذلك فى العصر فجعله مدركا لفضل ~~الوقت بإدراك الخاتمة ، وإن كان لم يدرك منه إلا أقله ، وكذلك من أدرك ليلة ~~عرفة الوقوف بها قبل طلوع الفجر فقد أدرك الحج ، وتم له ما فاته من مقدماته ~~، كما عهد الذى لم يعمل خيرا قط أن يحرق ويذرى فكانت خاتمة سوء عمله خشية ~~أدركته لربه ، تلافاه الله بها فغفر له سوء عمله طول عمره ، هذا فعل من لا ~~تضره الذنوب ، ولا تنفعه العبادة ، وإنما تنفع وتضر المكتسب لها الدائم ~~عليها إلى أن يموت . وفى قوله : ( العمل بالخواتيم ) حجة قاطعة على أهل ~~القدر في PageV10P306 قولهم : إن الإنسان يملك أمر نفسه ، ويختار لها الخير ~~والشر ، فمهما اتهموا اختيار الإنسان لأعماله الشهوانية واللذيذة عنده ، ~~فلا يتهمونه باختيار القتل لنفسه الذى هو أوجع الآلام ، وأن الذى طيب عنده ~~ذلك غير اختياره ، والذى يسره له دون جبر عليه ، ولا مغالب له هو قدر الله ~~السابق فى عمله ، والحتم من حكمه . * * * # | 6 - باب إلقاء النذر العبد إلى القدر # / 13 - فيه : ابن عمر ، نهى النبى ms3641 - صلى الله عليه وسلم - عن النذر ، ~~وقال : ( إنه لا يرد شيئا ، وإنما يستخرج به من البخيل ) . / 14 - وفيه : ~~أبو هريرة ، قال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( لا يأتى ابن آدم النذر ~~بشىء لم يكن قد قدرته ، ولكن يلقيه ، القدر وقد قدرته له ، ولكن أستخرج به ~~من البخيل ) . قال المهلب : هذا أبين شىء فى القدر وأنه شىء قد فرغ الله ~~منه وأحكمه ، لا أنه شىء يختاره العبد ، فإذا أراد أن يستخرج به من البخيل ~~شيئا ينفعه به فى آخرته أو دنياه سبب له شيئا مخيفا أو مطمعا فيحمله ذلك ~~الخوف أو الطمع على أن ينذر لله نذرا من عتق أو صدقة أو صيام ، إن صرف الله ~~عنه ذلك الخوف أو أتاه بذلك المطموع فيه ، فلا يكون إلا ما قد قضى الله فى ~~أم الكتاب ، لا يحيله النذر الذى نذره عما قدره ، وقد استخرج به منه ما لم ~~يسمح به PageV10P307 لولا المخوف الذى هرب منه ، أو المطموع الذى حرص عليه ~~حتى طابت نفسه بما لم تكن تطيب قبل ذلك . ونهيه - صلى الله عليه وسلم - عن ~~النذر ، وهو من أعمال الخير أبلغ زاجر عن توهم العبد أنه يدفع عن نفسه ضرا ~~أو يجلب إليها نفعا ، أو يختار لها ما يشاء ، ومتى اعتقد ذلك فقد جعل نفسه ~~مشاركا لله فى خلقه ومجوزا عليه ما لم يقدره ، تعالى الله عما يقولون . ودل ~~هذا أن اعتقاد القلب لما لا يجب اعتقاده أعظم فى الإثم من أن يكفر بالصدقة ~~والصلاة والصوم والحج ، وسائر أعمال الجوارح التى ينذرها ؛ لأن نهيه - صلى ~~الله عليه وسلم - عن هذا النذر ، وإن كان خيرا ظاهرا يدل على أنه حابط من ~~الفعل حين توهم به الخروج عما قدره الله تعالى فإن سلم من هذا الظن واعترف ~~أن نذره لا يرد عنه شيئا قد قدره الله عليه وأن الله تسبب له بما أخافه به ~~استخراج صدقة هو شحيح بمثلها ، فإنه مأجور بنذره ولم يكن حيئذ نذره منهيا ~~عنه ، ولذلك والله أعلم عرف الله نبيه ms3642 بهذا الحديث ليعرف أمته بما يجب أن ~~يعتقدوا فى النذر فلا يحبط عملهم به . * * * # | 7 - باب لا حول ولا قوة إلا بالله # / 15 - فيه : أبو موسى ، كنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فى ~~غزاة ، فجعلنا لا نصعد شرفا ، ولا نهبط واديا ، إلا رفعنا أصواتنا بالتكبير ~~، قال : فدنا منا النبى - صلى الله عليه وسلم - فقال : ( يا أيها الناس ، ~~اربعوا على أنفسكم ، فإنكم لا تدعون أصم ولا غائبا ، إنما تدعون سميعا ~~بصيرا ) ، ثم قال : ( يا عبدالله بن قيس ، ألا أعلمك كلمة هى من كنوز الجنة ~~؟ لا حول ولا قوة إلا بالله ) . PageV10P308 هذا باب جليل فى الرد على ~~القدرية ، وذلك أن معنى لا حول ولا قوة إلا بالله : لا حول للعبد ، ولا قوة ~~له إلا بالله أى : بخلق الله له الحول والقوة ، التى هى القدرة على فعله ~~للطاعة والمعصية . قال المهلب : فأخبر - صلى الله عليه وسلم - أن البارئ ~~خالق لحول العبد وقدرته على مقدوره ، وإذا كان خالقا للقدرة ، فلا شك أنه ~~خالق للشىء المقدور ، فيكون المقدور كسبا للعبد خلقا لله تعالى بدليل قوله ~~تعالى : { خالق كل شىء } [ الأنعام : 102 ] ، وقوله تعالى : { إنا كل شىء ~~خلقناه بقدر } [ القمر : 49 ] ، وقال محمد بن كعب القرظى : نزلت هذه الآية ~~يعنى الأخيرة تعبيرا لأهل القدر . والدليل على أن أفعالهم خلق لله أن ~~أيديهم التى هى عندهم خالقة لأعمال الشر من التعدى والظلم وفروجهم التى هى ~~خالقة للزنا قد توجد عاطلة عن الأعمال ، عاجزة عنها ، ألا ترى أن من الناس ~~من يريد الزنا وهو يشتهيه بعضو لا آفة فيه ، فلا يقدر عليه عند إرادته ~~للزنا ، ولو كان العبد خالقا لأعماله لما عجزت أعضاؤه عند إرادته ومستحكم ~~شهوته ؛ فثبت أن القدرة ليست لها ، وأنها لمقدر يقدرها إذ شاء ، ويعطلها ~~إذا شاء ، لا إله إلا هو . وإنما أمرهم - صلى الله عليه وسلم - بالربع على ~~أنفسهم على جهة الرفق بهم ، وقد بينا هذا المعنى فى باب : ما يكره من رفع ~~الصوت بالتكبير فى كتاب الجهاد ، وعرفهم أن ما يعلنون ms3643 به من التكبير ~~ويجتهدون فيه من الجهاد هو من فضل الله عليهم إذ لا حول لهم ولا قوة في شيء ~~PageV10P309 منه إلا بالله الذى أقدرهم عليه ، وحببه إليهم ، وإن كان فيه ~~إتلاف نفوسهم ؛ رغبة فى جزيل الأجر وعظيم الثواب . وفيه : أن التكبير يسمى ~~دعاء ؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم - : ( إنكم لا تدعون أصم ولا غائبا ) ~~فجعل قولهم : الله أكبر دعاء لله تعالى من أجل أنهم كانوا يريدون به إسماعه ~~الشهادة له بالحق . * * * # | 8 - باب المعصوم من عصم الله عاصم : مانع . # قال مجاهد : { سدا } [ الكهف : 94 ] عن الحق ، يترددون فى الضلالة ، { ~~دساها } [ الشمس : 10 ] أغواها . / 16 - فيه : أبو سعيد ، قال - صلى الله ~~عليه وسلم - : ( ما استخلف خليفة إلا له بطانتان : بطانة تأمره بالخير ، ~~وتحضه عليه ، وبطانة تأمره بالشر ، وتحضه عليه ، والمعصوم من عصمه الله ) . ~~قال المهلب : عرض البخارى فى هذا الباب إثبات الأمور لله ، فهو الذى يعصم ~~من نزعات الشيطان ، ومن شر كل وسواس خناس من الجنة والناس ، وليس من خليفة ~~ولا أمير إلا والناس حوله رجلان : رجل يريد الدنيا والاستكثار منها ، فهو ~~يأمره بالشر ويحضه عليه ليجد به السبيل إلى انطلاق اليد على المحظورات ~~ومخالفة الشرع ، ويوهمه أنه إن لم يقتل ويغضب ويخف الناس لم يتم له شىء ، ~~ولم يرض بسياسة الله لعباده ببسط العدل وبخمد الأيدى ، وأن فى ذلك صلاحا ~~لعباد والبلاد . PageV10P310 ولا يخلو سلطان أن يكون فى بطانته رجل يحضه ~~على الخير ، ويأمره به لتقوم به الحجة عليه من الله فى القيامة ، وهم الأقل ~~، والمعصوم من الأمراء من عصمه لا من عصمته نفسه الأمارة بالسوء بشهادة ~~الله عليها الخالق لها ، ومن أصدق من الله حديثا . * * * # | 9 - باب { وحرام على قرية أهلكناها أنهم لا يرجعون } [ الأنبياء : 95 ] ~~وقوله : { أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن } [ هود : 36 ] ، { ولا يلدوا ~~إلا فاجرا كفارا } [ نوح : 27 ] . # قال ابن عباس : { وحرم } بالحبشية : وجب . / 17 - فيه : ابن عباس ، قال : ~~ما رأيت شيئا أشبه باللمم ، مما قال أبو هريرة عن النبى - صلى ms3644 الله عليه ~~وسلم - : ( إن الله كتب على ابن آدم حظه من الزنا ، أدرك ذلك لا محالة ، ~~فزنا العين النظر ، وزنا اللسان المنطق ، والنفس تمنى وتشتهى ، والفرج يصدق ~~ذلك ، أو يكذبه ) . قال المهلب : معنى قوله تعالى : { وحرام على قرية ~~أهلكناها أنهم لا يرجعون } [ الأنبياء : 95 ] ، أى وجب عليهم أنهم لا ~~يتوبون ، وحرام وحرم معناها واحد ، والتقدير : وحرام على قرية أردنا ~~إهلاكها التوبة من كفرهم ، وهذا كقوله تعالى : { أنه لن يؤمن من قومك إلا ~~من قد آمن } [ هود : 36 ] ، أى قد نفذ علم الله فى قوم نوح أنه لا يؤمن ~~منهم إلا من قد آمن ، ولذلك قال نوح : { رب لا تذر على الأرض من الكافرين ~~ديارا } [ نوح : 26 ] ، PageV10P311 إذ قد أعلمتني أنه لن يؤمن منهم إلا من ~~قد آمن ، فأهلكهم لعلمه أنهم لا يرجعون إلى الإيمان ، وموافقة الترجمة ~~للحديث هو قوله - صلى الله عليه وسلم - : ( إن الله كتب على ابن آدم حظه من ~~الزنا ) فأخبر أن الزنا ودواعيه كل ذلك مقدر على العبد غير خارج من سابق ~~قدره . وقوله : ( أدرك ذلك لا محالة ) إدراكه له من أجل أن الله كتبه عليه ~~، وإنما سمى النظر والمنطق ومنى النفس وشهوتها زنا لما كانت دواعى إلى ~~الزنا ، والسبب قد يسمى باسم المسبب مجازا واتساعا لما بينهما من التعلق ، ~~غير أن زنا العين وزنا اللسان وتمنى النفس غير مؤاخذ به من اجتنب الزنا ~~بفرجه ؛ لأنه كذب زنا جوارحه بترك الزنا بفرجه ، فاستخف زنا عينه ولسانه ~~وقلبه ؛ لأن ذلك من اللمم الذى يغفر باجتناب الكبائر ، وزنا الفرج من أكبر ~~الكبائر ، فمن فعله فقد صدق زنا عينه ولسانه وقلبه ؛ فيؤاخذ بإثم ذلك كله . ~~وفى قوله : ( النفس تمنى وتشتهى ) دليل على أن فعل العبد ما نهاه الله عنه ~~، مع تقدم تقديره تعالى وسابق علمه بفعله له باختيار منه أو إيثار ، وليس ~~بمجبر عليه ولا مضطر إلى فعله ، وعلى هذا علق الثواب والعقاب ، فسقط قول ~~جهم بالإجبار بنص قوله - صلى الله عليه وسلم - : ( والنفس تمنى وتشتهى ) ~~لأن المجبر مكره مضطر ms3645 ، وهو بخلاف المتمنى والمشتهى ، واللمم صغار الذنوب ~~وهى مغفورة باجتناب الكبائر ، وقد تقدم فى كتاب الأدب . * * * PageV10P312 # | 10 - باب قوله تعالى : { وما جعلنا الرؤيا التى أريناك إلا فتنة للناس ~~} [ الإسراء : 60 ] # / 18 - فيه : ابن عباس ، قى هذه الآية هى رؤيا عين أريها النبى - صلى ~~الله عليه وسلم - ليلة أسرى به إلى بيت المقدس ، قال : { والشجرة الملعونة ~~} [ الإسراء : 60 ] ؟ هى شجرة الزقوم . قال المهلب : معنى ذكر هذا الحديث ~~فى كتاب القدر هو ما ختم الله على الناس المكذبين لرؤياه من المشركين حين ~~جعلها فتنة لهم فى تكذيب النبى الصادق فكانت زيادة فى طغيانهم ، وكذلك جعل ~~الشجرة الملعونة فى القرآن فتنة فقالوا : كيف يكون فى النار شجرة ؟ النار ~~تحرق الشجر اليابس والأخضر ، فجعل ذلك فتنة تزيد فى ضلالهم ، فلا يؤمنوا ~~على ما سبق فى علمه . قال غيره : وقوله : { وما جعلنا الرؤيا التى أريناك ~~إلا فتنة للناس } [ الإسراء : 60 ] يقتضى خلق الله للكفر به ، ودواعى الكفر ~~هى الفتنة ، وذلك عدل منه تعالى . وهذا مثل قوله تعالى : { ويضل الله ~~الظالمين } [ إبراهيم : 27 ] ، فهذا عام فى فعله كفر الكافرين ، وإيمان ~~المؤمنين ودواعى الإيمان والكفر خلافا لمن زعم أن الله غير خالق أعمال ~~العباد . وقوله : ( الشجرة الملعونة يعنى : الملعون آكلها ، وهم الكفار ، ~~كما قال تعالى : { إن شجرة الزقوم طعام الأثيم } [ الدخان : 43 ، 44 ] ، ~~وقال تعالى : { إنها شجرة تخرج فى أصل الجحيم } [ الصافات : 64 ] ، فأخبر ~~أنها تنبت فى النار ، PageV10P313 وأما قول الكفار : كيف يكون فى النار ~~شجرة ، والنار تأكل الشجر ، فإن هذه الشجرة التى أخبر الله أنها فى أصل ~~الجحيم هى مخلوقة من جوهر لا تأكله النار كسلاسل النار وأغلالها وعقاربها ~~وحياتها ، وليس شىء من ذلك من جنس ما فى الدنيا مما لا يبقى على النار ، ~~وإنما خلقت من جنس لا تأكله النار ، وكما خلق الله فى البحار من الحيوان ما ~~لا يهلك فى الماء ، وخلق فى الخل دودا يعيش فيه ولا يهلكه ، على أن الخل ~~يفت الحجارة ويهرى الأجسام ، ولم يكن ذلك إلا لموافقة ذلك الدود لجنس ms3646 الخل ~~وموافقة حيوان البحر جنس الماء ، فكذلك ما خلق فى النار من الشجر والحيوان ~~موافق لجنس النار ، والله تعالى قادر أن يجعل النار بردا وسلاما ، وأن يجعل ~~الماء نارا ؛ لأنه على كل شىء قدير ، فما أنكره الكفار من خلق الشجر فى ~~النار عناد بين ، وضلال واضح ، أعاذنا الله من الضلال برحمته . * * * # | 11 - باب محاجة آدم موسى # / 19 - فيه : أبو هريرة ، قال النبي - عليه السلام - : ( احتج آدم وموسى ~~، فقال له موسى : يا آدم أنت أبونا ، خيبتنا وأخرجتنا من الجنة ، قال له ~~آدم : يا موسى ، اصطفاك الله بكلامه ، وخط لك بيده ، أتلومنى على أمر قدره ~~الله على قبل أن يخلقنى بأربعين سنة ؟ فحج آدم موسى ، قاله ثلاثا ) . قال ~~المؤلف : معنى قوله - صلى الله عليه وسلم - : ( احتج آدم وموسى ) : أى ~~التقت أرواحهما فى السماء ، فوقع هذا الحجاج بينهما ، وقد جاءت الرواية ~~بذلك . PageV10P314 روى الطبرى ، عن يونس بن عبد الأعلى ، حدثنا ابن وهب ، ~~حدثنا هشام بن سعد ، عن زيد بن أسلم ، عن أبيه ، عن عمر بن الخطاب قال : ~~قال رسول الله : ( إن موسى قال : يا رب ، أبونا آدم الذى أخرجنا ونفسه من ~~الجنة . فأراه الله آدم فقال : أنت آدم ؟ قال : نعم . قال : أنت الذى نفخ ~~الله فيك من روحه ، وعلمك الأسماء كلها ، وأمر ملائكته أن يسجدوا لك ، فما ~~حملك أن أخرجتنا ونفسك من الجنة ؟ قال : ومن أنت ؟ قال : أنا موسى . قال : ~~أنت نبى بنى إسرائيل الذى كلمك الله من وراء حجاب ، لم يجعل بينك وبينه ~~رسولا ؟ قال : نعم . قال : فما وجدت فى كتاب الله أن ذلك كائن قبل أن أخلق ~~؟ قال : نعم . . ) وذكر الحديث . قال المهلب وغيره : ( فحج آدم موسى ) أى : ~~غلبه بالحجة . قال الليث بن سعد : وإنما صحت الحجة فى هذه القصة لآدم على ~~موسى ؛ من أجل أن الله قد غفر لآدم خطيئته ، وتاب عليه ، فلم يكن لموسى أن ~~يعير بخطيئة قد غفرها الله له ، ولذلك قال له آدم : أنت موسى الذى آتاك ~~الله التوراة ، وفيها علم كل شىء فوجدت فيها أن الله ms3647 قد قدر على المعصية ، ~~وقدر على التوبة منها ، وأسقط بذلك اللوم عنى ، أتلومنى أنت ، والله لا ~~يلومنى . وبمثل هذا احتج ابن عمر على الذى قال له : إن عثمان فر يوم أحد ، ~~فقال ابن عمر : ما على عثمان ذنب ؛ لأن الله تعالى قد عفا عنه بقوله : { ~~ولقد عفا الله عنهم } [ آل عمران : 155 ] ، وأما من عمل الخطايا ولم تأته ~~المغفرة ، فإن العلماء مجمعون أنه لا يجوز له أن يحتج بمثل حجة آدم ~~PageV10P315 فيقول : أتلومني على أن قتلت أو زنيت أو سرقت ، وقد قدر الله ~~على ذلك . والأمة مجمعة على جواز حمد المحسن على إحسانه ، ولوم المسئ على ~~إساءته وتعديد ذنوبه عليه . فإن قال قائل : فإن القدرية احتجت بقول موسى : ~~أنت آدم ، خيبتنا وأخرجتنا من الجنة فنسب التخييب والإخراج إليه ، قالوا : ~~هذا يدل أن العباد يخلقون أفعالهم طاعتها ومعصيتها ، ولو كانت خلقا لله لم ~~يصح أن يأمرهم ولا ينهاهم ، قال : وكذلك احتجت الجهمية على صحة الجبر بقول ~~آدم : أتلومني على أمر قدر علي . فالجواب : أنه ليس فى قول موسى دليل قاطع ~~على اعتقاد القول بالقدر ، وأن العبد خالق لأفعاله دون ربه كما زعمت ~~القدرية ؛ لأنه ليس فى قوله : ( أنت آدم ، خيبتنا وأخرجتنا من الجنة ) . ~~أكثر من إضافة التخييب والإخراج إليه ، وإضافة ذلك إليه لا يقتضى كونه ~~خالقا لهما ؛ إذ يصح فى اللغة إضافة الفعل إلى من يقع منه على سبيل الخلق ، ~~وإلى من يقع منه على سبيل الاكتساب ، وإذا احتملت إضافة التخييب والإخراج ~~الوجهين جميعا لم يقبض بظاهره على أحد الاحتمالين دون الآخر إلا بدليل قاطع ~~، وقد قام الدليل الواضح على استحالة اختراع المخلوق أفعاله دون إقدار الله ~~له على ذلك بقوله تعالى : { خالق كل شىء } [ الأنعام : 102 ] ، وبقوله ~~تعالى : { والله خلقكم وما تعملون } [ الصافات : 96 ] ، وليس يجوز أن يريد ~~تعالى بهذا الحجارة ؛ لأن الحجارة أجسام ، والأجسام لا يجوز أن يعملها ~~العباد فدل أنه تعالى خالق أعمالهم وقوله تعالى : PageV10P316 { ومن آياته ~~خلق السماوات والأرض وما بث فيهما من دابة وهو على جمعهم ms3648 إذا يشاء قدير } [ ~~الشورى : 29 ] ، واجتماعهم فعل لهم ، وقد أخبر أنه تعالى خلقهم ، وقد ثبت ~~أنه تعالى قادر على جميع أجناس الحركات التى يحدثها العباد بدلالة أنه ~~أقدرهم عليها ، وما أقدرهم عليه فهو عليه أقدر ، كما أنه ما أعلمهم إياه ~~فهو به أعلم ، فثبت أن الله خالق للأفعال ، والعبد مكتسب لها ، كما تقول : ~~إن الله منفرد بخلق الولد ، والوالد منفرد بكون الولد له لا شركة فيه لغيره ~~. فنسبة الأفعال إلى الله تعالى من جهة خلقه لها ، ونسبتها إلى العباد من ~~جهة اكتسابهم لها ، هذا مذهب أهل السنة والحق ، وهو مذهب موسى - صلى الله ~~عليه وسلم - من قوله : { إن هى إلا فتنتك تضل بها من تشاء وتهدى من تشاء } ~~[ الأعراف : 155 ] ، فأضاف موسى الهداية والإضلال إلى الله تعالى ، ولا تصح ~~هذه الإضافة إلا على سبيل خلقه لها دون من وجدت منه ، وأما قول الجهمية : ~~إن الله أجبر العباد على أفعالهم ، وهم مكرهون على الطاعة والمعصية . ~~واحتجوا بقول آدم : أتلومنى على أمر قد قدر على قبل أن أخلق . فلا حجة لهم ~~فيه أيضا ؛ لأن الموجود بالاعتبار والمشاهدة خلاف قولهم ، وذلك أن العباد ~~لا يأتون الذنوب إلا مشتهين لها ، راغبين فيها ، والإجبار عند أهل اللغة : ~~هو اضطرار المرء إلى الفعل وإدخاله فيه غير راغب فيه ولا محب له كالمحسوب ~~على وجهه ، والمرتعش من الحمى ، والفالج . وأهل الجبر معتقدون لوم من وقعت ~~منه معصية الله وتأنيبه عليها أشد التأنيب ، ومدح من وقعت منه الطاعة ~~وإثباته عليها ، PageV10P317 وإذا كان هذا اعتقادهم ؛ فاحتجاجهم بتأنيب آدم ~~موسى على لومه له على أمر قد قدره عليه ، وكرهه عليه فاسد متناقض على ~~مذهبهم ، ومحاجة آدم موسى هى أنه ذاكره ما قد عرفه ووقف عليه فى التوراة من ~~توبة الله على آدم من خطيئته وإسقاطه اللوم عليها ؛ فوجب على موسى ترك لومه ~~وعتابه على ما كان منه . وقد ثبت أن جعفر بن محمد الصادق قيل له : قد أجبر ~~الله العباد ؟ قال : الله أعدل من ذلك . قيل : هل فوض إليهم ؟ قال ms3649 : الله ~~أغير من ذلك ، لو أجبرهم ما عذبهم ، ولو فرض إليهم ما كان للأمر والنهى ~~معنى . قلت : فكيف تقول إذا ؟ قال : منزلة بين منزلتين هى أبعد مما بين ~~السماء والأرض ؛ ولله فى ذلك سر لا تعلمونه . واحتجت أيضا طائفة من القدرية ~~المجبرة غير الجهمية بهذا الحديث ، فقالت : إن كان صحيحا قول آدم لموسى : ~~أتلومنى على أمر قدره الله على قبل أن أخلق ؛ فلا لوم على كافر فى كفره ، ~~ولا فاسق فى فسقه ، ولا يجوز أن يجور عليهم ويعذبهم على ما اضطرهم إليه . ~~قال الطبرى : فالجواب أنه ليس معنى قوله : أتلومنى على أمر كتبه الله على ~~قبل أن أخلق ، كما توهمته ، وكيف يجوز أن يكون ذلك معناه ، وقد عاقبه الله ~~على خطيئته تلك بإخراجه من الجنة ، ولو لم يكن ملوما لكان وكنا فى الجنة ~~كما أسكنه الله ؛ ولكنه جل جلاله أخرجه منها لخطيئته تلك عقوبة عليها ، ولم ~~يعاقبه على ما قضى PageV10P318 عليه ؛ لأنه لو عاقبه عليه لما كان يسكنه ~~الجنة حين أسكنه إياها ، وذلك أن القضاء عليه بذلك قد كان مضى قبل أن يخلقه ~~؛ فإنما استحق العقوبة على فعله ، لا على ما قضى عليه ؛ وبمثل هذا أقر موسى ~~لآدم بصحة حجته ، ولم يقل له كما زعمت القدرية : ليس الأمر كما تزعم ؛ لأن ~~الله لو قضى عليك ذلك قبل أن يخلقك لم يعاقبك ، ولكن لما كان من دين الله ~~الذى أخذ بالإقرار به عهود أنبيائه ومواثيقهم أنه لا شىء كان فيما مضى ولا ~~فيما يحدث إلا قد مضى به قضاؤه ؛ فإنه غير معاقبهم على قضائه ، ولكن على ~~طاعتهم ومعاصيهم ، وكان ذلك معلوما عند الأنبياء والرسل ، أقر موسى لآدم ~~صلى الله عليهما بأن الذى احتج به عليه له حجة ؛ وحقق صحة ذلك نبينا - صلى ~~الله عليه وسلم - بقوله : فحج آدم موسى . قال غير الطبرى : وفى حديث أبى ~~هريرة حجة لما يقوله أهل السنة : أن الجنة التى أهبط منها أبونا آدم - صلى ~~الله عليه وسلم - هى جنة الخلد ، ورد قول من زعم أنها لم ms3650 تكن جنة الخلد ، ~~قالوا : وإنما كانت جنة بأرض عدن ، واحتجوا على بدعتهم فقالوا : أن الله ~~خلق الجنة لا لغو فيها ولا تأثيم ، وقد لغا فيها إبليس حين كذب لآدم ، وأثم ~~فى كذبه ، وأنه لا يسمع أهلها لغوا ولا كذبا ، وأنه لا يخرج منها أهلها ، ~~وقد أخرج منها آدم وحواء بمعصيتهم ، قالوا : وكيف يجوز على آدم مع مكانه من ~~الله وكمال عقله أن يطلب شجرة الخلد ، وهو فى دار الخلود والملك الذى لا ~~يبلى ؟ وأيضا فإن جنة الخلد دار القدس : قدست عن الخطايا والمعاصى كلها ~~تطهيرا لها ؛ فيقال لهم : PageV10P319 الدليل على إبطال قولكم قول موسى ~~لآدم : أنت الذى أشقيت ذريتك وأخرجتهم من الجنة ، فأدخل الألف واللام ليدل ~~على أنها الجنة المعروفة ؛ جنة الخلد التى وعد الله المؤمنين بها ، التى لا ~~عوض لها فى الدنيا فلم ينكر ذلك آدم عليه من قوله ، ولو كانت غير جنة الخلد ~~لرد آدم على موسى ، وقال : إنى أخرجتهم من دار فناء وشقاء وزوال وعرى إلى ~~مثلها ، فلما سكت آدم على ما قرره موسى ؛ صح أن الدار التى أخرجهم الله ~~منها بخلاف الدار التى أخرجوا إليها فى جميع الأحوال ، ويقال لهم فيما ~~احتجوا به : إن الله خلق الجنة لا لغو فيها ولا تأثيم ، ولا كذب ، ولا يخرج ~~منها أهلها هذا كله بما جعله الله فيها بعد دخول أهلها فيها يوم القيامة ، ~~وقد أخبر : أن آدم إن عصاه فيما نهاه عنه أخرجه عنها ، ولا يمتنع أن تكون ~~دار الخلد فى وقت لمن أراد تخليده فيها ، وقد يخرج منها من قضى عليه الفناء ~~. وقد أجمع أهل التأويل على أن الملائكة يدخلون الجنة على أهل الجنة ~~ويخرجون منها ، وأنها كانت بيد إبليس مفاتيحها ثم انتزعت منه بعد المعصية ، ~~وقد دخلها النبى - صلى الله عليه وسلم - ليلة الإسراء ، ثم خرج منها وأخبر ~~بما رأى فيها ، وأنها هى جنة الخلد حقا ، وقولهم كيف يجوز على آدم فى كمال ~~عقله أن يطلب شجرة الخلد وهو فى دار الخلد ؛ فيرد عليهم ، ، ويقال لهم : ~~كيف ms3651 يجوز على آدم فى كمال عقله أن يطلب شجرة الخلد فى دار الفناء ؛ هذا لا ~~يجوز على من له أدنى مسكة من عقل ، وأما عقولهم : إن الجنة دار القدس وقد ~~طهرها الله من الخطايا ؛ فهو جهل منهم ، وذلك أن الله سبحانه أمر بنى ~~إسرائيل أن يدخلوا الأرض المقدسة وهى بالشام ، وأجمع أهل PageV10P320 ~~الشرائع على أن الله قدسها ، وقد شاهدوا فيها المعاصى ، والكفر ، والكذب ، ~~ولم يكن تقديسها مما يمنع فيها المعاصى فكذلك دار الخلد ، وأهل السنة ~~مجمعون على أن جنة الخلد هى التى أهبط منها آدم ، فلا معنى لقول من خالفهم ~~، قاله بعض شيوخنا . * * * # | 12 - باب لا مانع لما أعطى الله # / 20 - فيه : المغيرة ، كان النبى - صلى الله عليه وسلم - يقول خلف ~~الصلاة : ( لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، اللهم لا مانع لما أعطيت ، ~~ولا معطى لما منعت ، ولا ينفع ذا الجد منك الجد ) . قال المؤلف : المراد ~~بهذا الحديث إثبات خلق الله تعالى جميع أعمال العباد ؛ لأن قوله : ( لا ~~مانع لما أعطيت ) يقتضى نفى جميع المانعين سواه ، وكذلك قوله : ( ولا معطى ~~لما منعت ) يقتضى نفى جميع المعطين سواه ، وأنه لا معطى ولا مانع على ~~الحقيقة بفعل المنع والعطاء سواه ، وإذا كان كذلك ثبت أن من أعطى أو منع من ~~المخلوقين فإعطاؤه ومنعه خلق لله وكسب للعبد ، والله تعالى هو المعطى وهو ~~المانع لذلك ، حقيقة من حيث كان مخترعا خالقا للإعطاء والمنع ، والعبد ~~مكتسب لهما بقدرة محدثة ، فبان أنه إنما نفى مانعا ومعطيا مخترعا للمنع ~~والإعطاء ويخلقهما . قال الطبرى : وقوله : ( لا ينفع ذا الجد منك الجد ) ، ~~بفتح الجيم فى الحرفين جميعا يقول : لا ينفع ذا الحظ فى الدنيا من المال ~~والولد منك حظه فى الآخرة ؛ لأنه إنما ينفع فى الآخرة عند الله العمل ~~PageV10P321 الصالح لا المال والبنون ، كما قال تعالى : { المال والبنون ~~زينة الحياة الدنيا } [ الكهف : 46 ] الآية . وحكى عن أبى عمرو الشيبانى ~~أنه كان يقول : إنما هو الجد ، بكسر الجيم فى الحرفين جميعا ، بمعنى : ولا ~~ينفع ذا الاجتهاد فى ms3652 العمل منك اجتهاده . قال الطبرى : وهذا خلاف ما يعرفه ~~أهل النقل والرواة لهذا الحديث ، ولا نعلم أحدا قال ذلك غيره مع بعد تأويله ~~من الصحة . * * * # | 13 - باب نعوذ بالله من درك الشقاء وسوء القضاء # وقال تعالى : { قل أعوذ برب الفلق من شر ما خلق } [ الفلق : 1 ] . / 21 - ~~فيه : أبو هريرة ، قال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( تعوذوا بالله من ~~جهد البلاء ، ودرك الشقاء ، وسوء القضاء ، وشماتة الأعداء ) . قال المؤلف : ~~المستفاد من قوله تعالى : { قل أعوذ برب الفلق } [ الفلق : 1 ] إلى آخر ~~السورة ، خلق الله تعالى لشر ما خلق ، ولشر غاسق ، ولشر النفاثات ، ولشر ~~حاسد ؛ لأنه لو كان هذا الشر كله خلقا لمن أضافه إليه من الغاسق والنفاثات ~~والحاسد ، مخترعا لا كسبا ؛ لم يكن لأمر الله تعالى لنبيه ولعباده بالتعوذ ~~به من شر ذلك كله معنى ، وإنما يصح التعوذ به عز وجل مما هو قادر عليه دون ~~من أضافه PageV10P322 إليه ، فتعبدنا تعالى بسؤاله دفع شر خلقه عنا ؛ لأنه ~~إذا كان قادرا على فعل ما أضافه إلى من ذكر فى السورة كان قادرا على فعل ~~ضده وتعبدنا بسؤاله تعالى فعل ضد ما أمرنا بالاستعاذة منه ، فبان أن الخير ~~والشر بهذا النص خلق الله تعالى . وأما قوله - صلى الله عليه وسلم - : ( ~~تعوذوا بالله من جهد البلاء ، ودرك الشقاء ، وسوء القضاء ، وشماتة الأعداء ~~) ، فإنما أمرنا بالتعوذ به تعالى من أن ينزل بنا فعلا من أفعاله سبق علينا ~~نزوله بنا لما يقتضيه من الشدة والمشقة ، وذلك بلاء وشقاء وسوء قضاء وشماتة ~~أعداء ، فالشقاء يكون فى دين ودنيا ، وإذا كان فى الدنيا كان تضييقا فى ~~العيش ، وتقتيرا فى الرزق ، وذلك فعل الله وإن كان فى الدين فذلك كفر أو ~~معاص ، وذلك فعل الله أيضا ، وكذلك سوء القضاء عام فى جميع ما قضاه تعالى ~~من أمر الدين والدنيا ، وشماتة الأعداء ، وإن كانت مضافة إليهم إضافة الفعل ~~إلى فاعله فى الظاهر ، فإنما ذلك على سبيل إضافة الكسب إلى مكتسبه ، لا على ~~سبيل الاختراع ، إذ لا يصح فى المخلوق ms3653 اختراع عين ، فبان أن جميع ما أمرنا ~~بالتعوذ منه به خلق الله بدليل قوله : { خالق كل شىء } [ الأنعام : 102 ] . ~~* * * # | 14 - باب يحول بين المرء وقلبه # / 22 - فيه : ابن عمر ، كثيرا ما كان النبى - صلى الله عليه وسلم - يحلف ~~: ( لا ، ومقلب القلوب ) . / 23 - وفيه : ابن عمر ، قال النبيى - صلى الله ~~عليه وسلم - لابن صياد : ( اخسأ ، فلن تعدو قدرك ) ، قال عمر : ائذن لي ~~فأضرب عنقه ، قال : ( دعه إن يكن هو فلا تطيقه ، وإن لم يكن هو ، فلا خير ~~لك في قتله ) . PageV10P323 وقوله تعالى : { يحول بين المرء وقلبه } [ ~~الأنفال : 24 ] ، يقتضى النص منه تعالى على خلقه الكفر والإيمان بأن يحول ~~بين قلب الكافر والإيمان الذى أمره به ، فلا يكتسبه إذ لم يقدره عليه ؛ بل ~~أقدره على ضده وهو الكفر ، ويحول بين المؤمن وبين الكفر الذى نهاه عنه بأن ~~لم يقدر عليه ؛ أقدره على الإيمان الذى هو به ملتبس وإذا خلق تعالى لهما ~~القدرة على ما هما مكتسبان له مختاران لاكتسابه ، فلا شك أنه خالق لكفرهما ~~وإيمانهما ؛ لأن خلقه لكفر أحدهما ، وإيمان الآخر من جنس خلق قدرتيهما ~~عليهما ، ومحال كونه قادرا على شىء غير قادر على خلافه أو ضده أو مثله ، ~~فبان أنه خالق بهذا النص لجميع كسب العباد ، خيرها وشرها ، وهذا معنى قوله ~~- صلى الله عليه وسلم - : ( لا ومقلب القلوب ) لأن معنى ذلك تقليبه قلب ~~عبده عن إيثار الإيمان إلى إيثار الكفر ، وعن إيثار الكفر إلى إيثار ~~الإيمان ، وكان فعل الله ذلك عدلا فيمن أضله وخذله ؛ لأنه لم يمنعهم حقا ~~وجب عليه فتزول صفة العدل ، وإنما منعهم ما كان له أن يتفضل به عليهم لا ما ~~وجب لهم وأضلهم ؛ لأنهم ملك من ملكه خلقهم على إرادته ، لا على إرادتهم ، ~~فكان ما خلق فيهم من قوة الهداية والتوفيق على وجه الفضل ، وقد بين هذا ~~المعنى إياس بن معاوية ؛ ذكر الآجرى بإسناده عن حبيب بن الشهيد قال : ( ~~جاءوا برجل يتكلم فى القدر إلى إياس بن معاوية فقال له إياس : ما تقول ؟ ~~قال : أقول إن الله ms3654 أمر العباد ونهاهم فإن الله لا يظلمهم شيئا . فقال له ~~إياس : أخبرنى عن الظلم ، تعرفه أو لا تعرفه . قال : بل PageV10P324 أعرفه ~~. قال : ما الظلم ؟ قال : أن يأخذ الرجل ما ليس له . قال : فمن أخذ ما له ~~ظلم ؟ ! قال : لا . قال إياس : فإن لله تعالى كل شىء . وقال عمران بن حصين ~~لأبى الأسود الدؤلى : لو عذب الله أهل السموات والأرض لعذبهم وهو غير ظالم ~~لهم ، ولو رحمهم لكانت رحمته أوسع لهم ، ولو أنفقت مثل أحد ذهبا ما تقبل ~~منك حتى تؤمن بالقدر خيره وشره . وروى مثل ذلك عن ابن مسعود ، وأبى بن كعب ~~، وسعد بن أبى وقاص ، وزيد بن ثابت ، وقال زيد : سمعته من رسول الله إلا ~~أنه قال : ( ولو رحمهم كانت رحمته لهم خيرا من أعمالهم ) . وموافقة الحديث ~~للترجمة قول النبى - صلى الله عليه وسلم - لعمر : ( إن يكن هو فلا تطيقه ، ~~وإن لم يكن هو فلا خير لك فى قتله ) يعنى إنه إن كان الدجال قد سبق فى علم ~~الله خروجه وإضلاله للناس ، فلن يقدرك خالقك على قتل من سبق فى عمله أنه ~~يخرج ويضل الناس ؛ إذ لو أقدرك على ذلك لكان فيه انقلاب علمه ، والله تعالى ~~منزه عن ذلك . * * * # | 15 - باب { قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا } [ التوبة : 51 ] # قال مجاهد : { بفاتنين } : بمضلين إلا من كتب الله أنه يصلى الجحيم ، { ~~قدر فهدى } [ الأعلى : 3 ] : قدر الشقاء والسعادة ، وهدى الأنعام لمراتعها ~~. / 24 - فيه : عائشة ، أنها سألت النبي - صلى الله عليه وسلم - عن الطاعون ~~، فقال : ( كان عذابا يبعثه الله على من يشاء ، فجعله الله رحمة للمؤمنين ، ~~ما من عبد يكون في بلدة PageV10P325 يكون فيه ، ويمكث فيه لا يخرج من البلد ~~صابرا محتسبا ، يعلم أنه لا يصيبه إلا ما كتب الله له ، إلا كان له مثل أجر ~~شهيد ) . معنى هذا الباب أن الله أعلم عباده أن ما يصيبهم فى الدنيا من ~~الشدائد والمحن والضيق والخصب والجدب ، أن ذلك كله فعل الله يفعل من ذلك ما ~~يشاء بعباده ويبتليهم بالخير والشر ms3655 ، وذلك كله مكتوب فى اللوح المحفوظ ، ~~ولا خلاف فى هذا بين جماعة الأمة من قدرى وسنى ، وإنما اختلفوا فى أفعال ~~العباد الواقعة منهم على ما تقدم وهذه الآية إنما جاءت فيما أصاب العباد من ~~أفعال الله التى اختص باختراعها دون خلقة ، ولم يقدرهم على كسبها دون ما ~~أصابوه مكتسبين له مختارين . # | 16 - باب { وما كنا لنهتدى لولا أن هدانا الله } [ الأعراف : 43 ] و { ~~لو أن الله هدانى لكنت من المتقين } [ الزمر : 57 ] # / 25 - فيه : البراء ، رأيت النبى - صلى الله عليه وسلم - يوم الخندق ، ~~وهو يقول : ( والله لولا الله ما اهتدينا ، ولا صمنا ولا صلينا ) . فى ~~هاتين الآيتين وفى الحديث نص أن الله تعالى انفرد بخلق الهدى والضلال ، ~~وإنما قدر العباد على اكتساب ما أراد منهم اكتسابهم له من إيمان أو كفر ، ~~وأن ذلك ليس بخلق للعباد كما زعمت القدرية . وروى أن على بن أبى طالب لقى ~~رجلا من القدرية فقال له : خالفتم الله وخالفتم الملائكة ، وخالفتم أهل ~~الجنة وخالفتم أهل النار ، وخالفتم الأنبياء وخالفتم الشيطان ، فأما خلافكم ~~الله فقوله : { إنك لا تهدى من أحببت ولكن الله يهدى من يشاء } [ القصص : ~~56 ] ، وأما خلافكم PageV10P326 الملائكة فقولهم : { لا علم لنا إلا ما ~~علمتنا } [ البقرة : 32 ] ، وأما خلافكم الأنبياء ، فقول نوح : { ولا ~~ينفعكم نصحى إن أردت أن أنصح لكم إن كان الله يريد أن يغويكم } [ هود : 34 ~~] ، وأما خلافكم أهل الجنة ، فقولهم : { الحمد لله الذى هدانا لهذا وما كنا ~~لنهتدى لولا أن هدانا الله } [ الأعراب : 43 ] ، وأما خلافكم لأهل النار ، ~~فقولهم : { ربنا غلبت علينا شقوتنا وكنا قوما ضالين } [ المؤمنون : 106 ] ، ~~وأما خلافكم الشيطان ، فقول إبليس : { رب بما أغويتنى } [ الحجر : 39 ] . ~~وذكر الآجرى بإسناده عن على بن أبى طالب أن رجلا أتاه فقال : أخبرنى عن ~~القدر ، فقال : طريق مظلم فلا تسلكه . قال : أخبرنى عن القدر . قال : بحر ~~عميق فلا تلجه ، قال : أخبرنى عن القدر ، قال : سر الله فلا تكلفه ، ثم ولى ~~الرجل غير بعيد ، ثم رجع فقال لعلى : فى المشيئة الأولى أقوم وأقعد ، وأقبض ms3656 ~~وأبسط فقال له على : إنى سائلك عن ثلاث خصال ولن يجعل الله لك مخرجا ، قال ~~: أخبرنى أخلقك الله لما شاء أم لما شئت ؟ قال : بل لما شاء ، قال : أخبرنى ~~أتجئ يوم القيامة كما يشاء أو كما شئت ؟ قال : بل كما يشاء . قال : أخبرنى ~~أجعلك الله كما شاء أو كما شئت ؟ قال : بل كما شاء . قال : فليس لك من ~~المشيئة شىء . وقال محمد بن كعب القرظى : لقد سمى الله المكذبين بالقدر ~~باسم نسبهم إليه فى القرآن فقال : { إن المجرمين فى ضلال وسعر يوم يسحبون ~~فى النار على وجوههم ذوقوا مس سقر إنا كل شىء خلقناه بقدر } [ القمر : 47 - ~~49 ] فهم المجرمون . * * * PageV10P327 # | كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة # / 1 - فيه : طارق بن شهاب ، قال رجل من اليهود لعمر : يا أمير المؤمنين ، ~~لو أن علينا نزلت هذه الآية : { اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتى ~~ورضيت لكم الإسلام دينا } [ المائدة : 3 ] لاتخذنا ذلك اليوم عيدا ، فقال ~~عمر : إنى لأعلم أى يوم نزلت : هذه الآية نزلت : يوم عرفة ، فى يوم جمعة . ~~/ 2 - وفيه : أنس ، سمع عمر الغد حين بايع المسلمون أبا بكر ، واستوى على ~~منبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، تشهد قبل أبى بكر ، فقال : أما ~~بعد ، فاختار الله لرسوله - صلى الله عليه وسلم - الذى عنده على الذى عندكم ~~، وهذا الكتاب الذى هدى الله به رسولكم ، ن فخذوا به تهتدوا ، وإنما هدى ~~الله به رسوله . / 3 - وفيه : ابن عباس ، ضمنى النبى - صلى الله عليه وسلم ~~- إليه وقال : ( اللهم علمه الكتاب ) . / 4 - وفيه : أبو برزة ، قال : إن ~~الله يغنيكم بالإسلام وبمحمد - صلى الله عليه وسلم - . / 5 - وفيه : ابن ~~عمر ، أنه كتب إلى عبدالملك بن مروان يبايعه ، وأقر لك : بالسمع والطاعة ~~على سنة الله وسنة رسوله فيما استطعت . لا عصمة لأحد إلا فى كتاب الله وسنة ~~رسوله - صلى الله عليه وسلم - أو فى إجماع العلماء على معنى فى أحدهما . ~~والسنة تنقسم قسمين : منها واجبة ، ومنها غير واجبة ، فأما الواجبة فما كان ~~تفسيرا من النبى - صلى الله عليه ms3657 وسلم - لفرض الله ، وكل ما أمر به النبى ~~أو نهى عنه أو فعله فهو سنة ، ما PageV10P328 لم يكن خاصا له ، وأما غير ~~الواجب من سنته - صلى الله عليه وسلم - فما كان من فعله تطوعا ولا يحرج أحد ~~فى تركه كقوله - صلى الله عليه وسلم - : ( إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثلما ~~يقول ) . وكقوله : ( لا تتخذوا الضيعة فترغبوا فى الدنيا ) . وأكثر أصحابه ~~كان لهم ضياع ، فدل أنه أدب منه نستعين به على دفع الرغبة فى الدنيا ، ومثل ~~ذلك مما أمر به تأديبا لأمته بأكرم الأخلاق من غير أن يوجب ذلك عليهم ، ~~ومثل ذلك ما فعله فى خاصة نفسه من أمر الدنيا كاتخاذه لنعله قبالين ، ولبسه ~~النعال السبتية ، وصبغه إزاره بالورس ، وحبه القرع ، وإعجابه الطيب ، وحبه ~~من الشاة الذراع ، ونومه على الشق الأيمن ، وسرعته فى المشى ، وخروجه فى ~~السفر يوم الخميس ، وقدومه فى الضحى وشبه ذلك ، فلم يسنه لأمته ، ولا دعاهم ~~إليه ومن تشبه به - صلى الله عليه وسلم - حبا له كان أقرب إلى ربه كفعل ابن ~~عمر فى ذلك . * * * # | 2 - باب قول النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( بعثت بجوامع الكلم ) # / 6 - فيه : أبو هريرة ، قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : ( بعثت ~~بجوامع الكلم ، ونصرت بالرعب ، وبينا أنا نائم ، رأيتنى أتيت بمفاتيح خزائن ~~الأرض ، فوضعت فلا يدى ) . قال أبو هريرة : فقد ذهب رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - وأنتم تلغثونها ، أو ترغثونها ، أو كلمة تشبهها . / 7 - وفيه : ~~أبو هريرة ، قال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( ما من الأنبياء نبى إلا ~~أعطى من الآيات ما مثله أومن ، أو آمن ، عليه البشر ، وإنما كان الذى أوتيت ~~وحيا أوحاه الله إلى ، فأرجو أنى أكثرهم تابعا يوم PageV10P329 القيامة ) . ~~أى : صدق بتلك الآيات لإعجازها لمن شهدها ، كقلب العصا حية ، وفلق البحر ~~لموسى وكإبراء الأكمه والأبرص وإحياء الموتى لعيسى ، وكان الذى أعطيت أنا ~~وحيا أوحاه الله إلى فكان آية باقية دعى إلى الإتيان بمثله أهل التعاطى له ~~، ومن نزل بلسانهم ، فعجزوا عنه ثم بقى آية ماثلة للعقول إلى من يأتى ms3658 إلى ~~يوم القيامة ، يرون إعجاز الناس عنه رأى العين ، والآيات التى أوتيها غيره ~~من الأنبياء قبله رئى إعجازها فى زمانهم ، ثم لم تصحبهم إلا مدة حياتهم ، ~~وانقطعت بوفاتهم ، وكان القرآن باقيا بعد النبى - صلى الله عليه وسلم - ~~يتحدى الناس إلى الإتيان بمثله ، ويعجزهم على مرور الأعصار فكان آية باقية ~~لكل من أتى ، فلذلك رجا أن يكون أكثرهم تابعا يوم القيامة ، مع أن الله ~~تعالى قد ضمن هذه الآية ألا يدخلها الباطل إلى أن تقوم الساعة بقوله تعالى ~~: { إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون } [ الحجر : 9 ] ، وضمن نبينا - ~~صلى الله عليه وسلم - بقاء شريعته وإن ضيع بعضها قوم بقوله : ( لا تزال ~~طائفة من أمتى على الحق لا يضرهم من خالفهم حتى يأتى أمر الله وهم على ذلك ~~) . وقوله : وأنتم تلغثونها أو ترغثونها . شك فى أى الكلمتين قال النبى - ~~صلى الله عليه وسلم - فأما لغث باللام فلم أجده فيما تصفحت من اللغة ، وأما ~~رغث بالراء فهو معروف عندهم يقال : رغثت كل أنثى ولدها وأرغثته أرضعته فهى ~~رغوث . * * * PageV10P330 # | 3 - باب الاقتداء بسنن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقول الله ~~تعالى : { واجعلنا للمتقين إماما } [ الفرقان : 74 ] # وقال : أيمة نقتدى بمن قبلنا ، ويقتدى بنا من بعدنا . وقال ابن عون : ~~ثلاث أحبهن لنفسى ولإخوانى : هذه السنة ، أن يتعلموها ، ويسألوا عنها ، ~~والقرآن أن يتفهموه ويسألوا عنه ، ويدعوا الناس إلا من خير . / 8 - فيه : ~~أبو وائل ، قال : جلست إلى شيبة فى هذا المسجد ، قال : جلس إلى عمر فى ~~مجلسك هذا ، فقال : لقد هممت أن لا أدع فيها صفراء ولا بيضاء إلا قسمتها ~~بين المسلمين ، قلت : ما أنت بفاعل ، قال : لم ؟ قلت : لم يفعله صاحباك ، ~~قال : هما المرءان يقتدى بهما . / 9 - وفيه : حذيفة ، قال النبى - صلى الله ~~عليه وسلم - : ( أن الأمانة نزلت من السماء فى جذر قلوب الرجال ، ونزل ~~القرآن ، فقرءوا القرآن ، وعلموا من السنة ) . / 10 - وفيه : عبدالله : إن ~~أحسن الحديث كتاب الله ، وأحسن الهدى هدى محمد - صلى الله عليه وسلم - ، ~~وشر الأمور محدثاتها و { إن ما ms3659 توعدون لآت وما أنتم بمعجزين } [ الأنعام : ~~134 ] . / 11 - وفيه : أبو هريرة ، وزيد بن خالد ، قال النبى - صلى الله ~~عليه وسلم - : ( لأقضين بينكما بكتاب الله ) . / 12 - وفيه : جابر ، قال : ~~جاءت ملائكة إلى النبى - صلى الله عليه وسلم - وهو نائم ، فقال بعضهم : إنه ~~نائم ، وقال بعضهم : إن العين نائمة ، والقلب يقظان ، PageV10P331 فقالوا : ~~إن لصاحبكم هذا مثلا ، فاضربوا له مثلا ، فقالوا : مثله كمثل رجل بنى دارا ~~، وجعل فيها مأدبة ، وبعث داعيا ، فمن أجاب الداعى دخل الدار ، وأكل من ~~المأدبة ، ومن لم يجب الداعى لم يدخل الدار ، ولم يأكل من المأدبة ، فقالوا ~~: أولوها له : يفقهها ، قالوا : فالدار الجنة ، والداعى محمد - صلى الله ~~عليه وسلم - ، فمن أطاع محمدا - صلى الله عليه وسلم - فقد أطاع الله ، ومن ~~عصى محمدا - صلى الله عليه وسلم - فقد عصى الله ، ومحمد - صلى الله عليه ~~وسلم - فرق بين الناس . / 13 - وفيه : حذيفة ، قال : يا معشر القراء ، ~~استقيموا ، فقد سبقتم سبقا بعيدا ، فإن أخذتم يمينا وشمالا لقد ضللتم ضلالا ~~بعيدا . / 14 - وفيه : أبو موسى ، قال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( ~~إنما مثلى ومثل ما بعثنى الله به كمثل رجل أتى قوما ، فقال : يا قوم إنى ~~رأيت الجيش بعينى ، وإنى أنا النذير العريان ، فالنجاء ، فأطاعه طائفة من ~~قومه فأدلجوا فانطلقوا على مهلهم فنجوا وكذبت طائفة منهم فأصبحوا مكانهم ، ~~فصبحهم الجيش فأهلكهم واجتاحهم ، فذلك مثل من أطاعنى فاتبع ما جئت به ، ~~ومثل من عصانى وكذب بما جئت به من الحق ) . / 15 - وفيه : أبو هريرة ، لما ~~النبى - صلى الله عليه وسلم - واستخلف أبو بكر ، وكفر من كفر من العرب ، ~~قال : والله لو منعونى عقالا كانوا يؤدونه إلى رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - لقاتلتهم على منعه . / 16 - وفيه : ابن عباس ، أن عيينة بن حصن قال ~~لعمر : والله ما تعطينا PageV10P332 الجزل ، وما تحكم بيننا بالعدل ، فغضب ~~عمر حتى هم بأن يقع به ، فقال الحر بن قيس : يا أمير المؤمنين ، إن الله ~~تعالى قال لنبيه - صلى الله عليه وسلم - : { خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن ~~الجاهلين } [ الأعراف ms3660 : 199 ] وهذا من الجاهلين ، فوالله ما جاوزها عمر حين ~~تلاها عليه ، وكان وقافا عند كتاب الله . / 17 - وفيه : أسماء فى حديث ~~الخسوف : قال النبي - عليه السلام - : ( فأما المؤمن ، فيقول : محمد ، ~~جاءنا بالبينات فأجبناه فآمنا ، واتبعنا ) الحديث . / 18 - وفيه : أبو ~~هريرة ، قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : ( فدعونى ما تركتكم ، إنما هلك ~~من كان قبلكم بسؤالهم واختلافهم على أنبيائهم ، فإذا نهيتكم عن شىء ~~فاجتنبوه ، وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم ) . قال المؤلف : أمر ~~الله عباده باتباع نبيه والاقتداء بسنته فقال : { فآمنوا بالله ورسوله ~~النبى الأمى الذى يؤمن بالله وكلماته واتبعوه لعلكم تهتدون } [ الأعراف : ~~158 ] ، وقال : { فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذى أنزل ~~معه أولئك هم المفلحون } [ الأعراف : 157 ] ، وتوعد من خالف سبيله ورغب عن ~~سنته فقال : { فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب ~~أليم } [ النور : 63 ] ، وهذه الآيات مصدقة لأحاديث هذا الباب . وأما قول ~~عمر : ( لقد هممت ألا أدع فيها صفراء ولا بيضاء ) يعنى : ذهبا ولا فضة ، ~~أراد أن يقسم المال الذى يجمع بمكة ، PageV10P333 وفضل عن نفقتها ومؤنتها ~~ويضعه فى مصالح المسلمين ، فلما ذكره شيبة أن النبى - صلى الله عليه وسلم - ~~وأبا بكر بعده لم يعرضا له ؛ لم يسعه خلافهما ، ورأى أن الاقتداء بهما واجب ~~، فربما تهدم البيت أو خلق بعض آلاته فصرف ذلك المال فيه ، ولو صرف ذلك ~~المال فى منافع المسلمين لكان كأنه قد خرج من وجهه الذى سبل فيه . قال ~~المهلب : وأما الأمانة التى فى حديث حذيفة ، فإنها الإيمان وجميع شرائعه ، ~~والتنزه عن الخيانة وشبهها . والجذر : أصل الشىء ، فدل ذلك أن الإيمان ~~مفروض على القلب ولابد من النية فى كل عمل ما يذهب إليه الجمهور . وقوله : ~~( نزلت فى جذر قلوب الرجال ) يعنى : بعض الرجال الذين ختم الله لهم ~~بالإيمان ، وأما من لم يقدر له به فليس بداخل فى معنى ذلك ، ألا ترى قوله : ~~( ونزل القرآن ثم قرءوا من القرآن وعلموا من السنة ) يعنى المؤمنين خاصة ~~المذكورين فى أول الحديث . وقوله : ( جاءت ms3661 الملائكة ، فقال بعضهم : العين ~~نائمة والقلب يقظان ) يدل أن رؤيا الأنبياء وحى لثبات القلب ، ولذلك قال - ~~صلى الله عليه وسلم - : ( إن عينى تنامان ولا ينام القلب ) وفيه دليل أن ~~الفهم والمعرفة فى القلب . وقول الملك : ( أولوها له ) . يدل أن الرؤيا على ~~ما عبرت فى النوم . ومعنى قول الحر ( فما جاوزها عمر وكان وقافا عند كتاب ~~الله ) . فهو معنى الترجمة ، والإعراض عن الجهل إن صح أنه جهل مرغب فيه ~~مندوب إليه ، وأما إذا كان الجفاء على السلطان تعمدا أو استخفافا بحقه فله ~~تغييره والتشديد فيه . PageV10P334 واستعمال عمر لهذه الآية يدل على أنها ~~غير منسوخة ، وهو قول مجاهد وقتادة ، وروى هشام بن عروة عن أبيه ، وعن عبد ~~الله ابن الزبير قالا : نزلت هذه الآية فى أخذ العفو من أخلاق الناس ~~وأعمالهم وما لا يجهدهم . فعلى هذا القول هى محكمة وهذا لفظه لفظ الأمر ، ~~وهو تأديب من الله لنبيه ، وفيه تأديب لأمته ، فهو تعليم للمعاشرة الجميلة ~~والأخذ بالفضل ، وقد روى عن ابن عباس فى قوله : { خذ العفو } [ الأعراف : ~~199 ] ، يعنى الفضل من أموال الناس ، ثم نسخ ذلك وهو قول الضحاك والسدى . ~~وفيها قول ثالث عن ابن زيد قال : أمر الله نبيه بالعفو عن المشركين وترك ~~الغلظة عليهم ، قبل أن يفرض عليه قتالهم ثم نسخت بالقتال . فأما قوله - صلى ~~الله عليه وسلم - : ( فإذا نهيتكم عن شىء فاجتنبوه وإذا أمرتكم بشىء فائتوا ~~منه ما استطعتم ) فقد احتج به من قال : إن الأمر موضوع على الندب دون ~~الإيجاب ، قالوا : ألا تراه - صلى الله عليه وسلم - علق الأمر بمشيئتنا ~~واستطاعتنا ، وألزمنا الاتنهاء عما نهى عنه ، فوجب حمل النهى على الوجوب ~~دون الأمر . قال أبو بكر بن الطيب : والتعلق بهذا غير صحيح ومعنى قوله : ( ~~فائتوا منه ما استطعتم ) إذا كنتم مستطيعين ، وقد يأمر بالفعل الذى يستطيعه ~~على طريق الوجوب كما يأمر به على وجه الندب ، ولا يدل على أنه ليس بواجب ~~قال الله تعالى : { فاتقوا الله ما استطعتم } [ التغابن : 16 ] ، ولم يرد ~~به ندبنا إلى التقوى دون إيجابه ms3662 ، ومعنى الآية والخبر : أن اتقوه إذا كنتم ~~سالمين PageV10P335 غير عجزة قادرين ، ولم يرد أنه لا يؤمر إلا من قد وجدت ~~قدرته على الفعل كما تقول القدرية . وقال المهلب : من احتج بهذا الحديث أن ~~النواهى أوجب من الأوامر فهو خطأ ؛ لأنه - صلى الله عليه وسلم - لم ينه ~~بهذا الحديث عن المحرمات التى نهى الله عنها فى كتابه بأن حرم الفواحش ما ~~ظهر منها وما بطن ، وإنما أراد فإذا نهيتكم عما هو مباح لكم أن تأتوه ، ~~فإنما نهيتكم رفقا بكم ، كنهيه عن الوصال إبقاء عليهم ، وكنهيه عبد الله بن ~~عمرو عن صيام الدهر وقيام الليل كله ، وكنهيه عن إضاعة المال ؛ لئلا يكون ~~سببا لهلاكهم ، وكنهيه عن كسب الحجام وعسب الفحل تنزها واعتلاء عن الأعمال ~~الوضيعة . وأما الأمر الذى أمرهم أن يأتوا منه ما استطاعوا ، فهو الأمر من ~~التواصى بالخير ، والصدقات وصلة الرحم ، وغير ذلك مما سنه ، وليس بفرض ~~ولذلك قال لهم : فائتوا ما استطعتم أى : لم آمركم بذلك أمر إلزام ولا أمر ~~حتم أن تبلغوا غاياته لكن ما استطعتم من ذلك ؛ لأن الله تعالى عفا عما لا ~~يستطاع . وعلى هذا المعنى خرج معنى الحديث منه - صلى الله عليه وسلم - ؛ ~~لأن أصحابه كانوا يكثرون سؤاله عن أعماله من الطاعات يحرصون على فعلها فكان ~~ينهاهم عن التشديد ويأمرهم بالرفق ؛ خشية الانقطاع وسأتقصى مذاهب العلماء ~~فى الأمر والنهى فى باب النهى على التحريم إلا ما يعرف إباحته بعد هذا إن ~~شاء الله تعالى . * * * PageV10P336 # | 4 - باب ما يكره من كثرة السؤال وتكلف ما لا يعني وقوله الله : { لا ~~تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم } [ المائدة : 101 ] # / 19 - فيه : سعد ، قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : ( إن أعظم ~~المسلمين جرما من سأل عن شيء لم يحرم ، فحرم من أجل مسألته ) . / 20 - وفيه ~~: زيد بن ثابت ، أن النبى - صلى الله عليه وسلم - اتخذ حجرة فى المسجد من ~~حصير ، فصلى فيها ليالى حتى اجتمع إليه ناس ، ثم فقدوا صوته ليلة ، فظنوا ~~أنه قد نام ، فجعل بعضهم يتنحنح ؛ ليخرج ms3663 إليهم ، فقال : ( ما زال بكم الذى ~~رأيت من صنيعكم حتى خشيت أن يكتب عليكم ، ولو كتب عليكم ما قمتم به ، فصلوا ~~أيها الناس فى بيوتكم فإن أفضل صلاة المرء فى بيته إلا الصلاة المكتوبة ) . ~~/ 21 - وفيه : أبو موسى ، سئل النبى - صلى الله عليه وسلم - عن أشياء كرهها ~~، فلما أكثروا عليه المسألة غضب ، وقال : ( سلونى ) ، فقام رجل ، فقال : يا ~~رسول الله ، من أبى ؟ قال : ( أبوك حذافة ) ، ثم قام آخر ، فقال : يا رسول ~~الله ، من أبى ؟ فقال : ( أبوك ، سالم مولى شيبة ) ، فلما رأى عمر ما بوجه ~~النبى - صلى الله عليه وسلم - من الغضب ، قال : إنا نتوب إلى الله . / 22 - ~~وذكر قصة حذافة من رواية أنس وفيه : فقام رجل ، فقال : أين مدخلى يا رسول ~~الله ؟ قال : ( النار ) ، فقام عبدالله بن حذافة ، فقال : من أبى يا رسول ~~الله ؟ قال : ( أبوك حذافة ) ، فبرك عمر على ركبتيه ، فقال : رضينا بالله ~~ربا ، وبالإسلام دينا ، وبمحمد - صلى الله عليه وسلم - رسولا ، فسكت النبى ~~- صلى الله عليه وسلم - عند ذلك ، ثم قال : ( والذى نفسى بيده ، لقد عرضت ~~على الجنة والنار آنفا فلا عرض هذا الحائط . . . ) الحديث . وقال أنس ، لما ~~قال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( أبوك فلان ) ، نزلت : { يا أيها ~~الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم } [ المائدة : 101 ] ~~الآية . PageV10P337 / 23 - وفيه : المغيرة ، أن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - كان ينهى عن قيل وقال ، وكثرة السؤال ، وإضاعة المال . . . الحديث . ~~/ 24 - وفيه : أنس ، قال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( لن يبرح الناس ~~يتسألون حتى يقولوا : هذا الله خالق كل شىء ، فمن خلق الله ؟ ) . / 25 - ~~وفيه : ابن مسعود ، أن النبى - صلى الله عليه وسلم - مر عليه نفر من اليهود ~~، فقال بعضهم : سلوه ، عن الروح ، وقال بعضهم : لا تسألوه لا يسمعكم فيه ما ~~تكرهون . . . الحديث . قال ابن عون : سألت نافعا عن قوله تعالى : { لا ~~تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم } [ المائدة : 101 ] ، فقال : لم تزل ~~كثرة السؤال منذ قط تكره . وقال الحسن البصرى : فى هذه الآية سألوا النبى ms3664 - ~~صلى الله عليه وسلم - عن أمور الجاهلية التى عفا الله عنها ، ولا وجه ~~للسؤال عما عفا الله عنه ، وقيل : كان الرجل الذى سأل النبى - صلى الله ~~عليه وسلم - عن أبيه يتنازعه رجلان فأخبره النبى - صلى الله عليه وسلم - ~~بأبيه منهما ، وأعلم - صلى الله عليه وسلم - أن السؤال عن مثل هذا لا ينبغى ~~، وأنه إذا ظهر فيه الجواب ساء ذلك السائل ، وأدى ذلك إلى فضيحته لا سيما ~~وقت سؤال النبى ونزول الآيات فى ذلك . وقد تقدم فى كتاب الفتن كراهية أم ~~حذافة لسؤاله النبى - صلى الله عليه وسلم - عن أبيه وما قالت له فى ذلك . ~~فلسؤالهم له - صلى الله عليه وسلم - عما لا ينبغى وتعنيته - صلى الله عليه ~~وسلم - للذى قال له : أين مدخلى يا رسول الله ؟ قال : النار ؛ لأن تعنيته - ~~صلى الله عليه وسلم - يوجب النار ، وقد أمر الله المسلمين بتعزيزه وتوقيره ~~وألا يرفع الصوت فوق صوته ، وتوعد على ذلك بحبوط العمل بقوله تعالى : { أن ~~تحبط أعمالكم وأنتم لا PageV10P338 تشعرون } [ الحجرات : 2 ] ، ألا ترى فهم ~~عمر لهذا الأمر وتلافيه له ؛ بأن برك على ركبتيه ، وقال : رضينا بالله ربا ~~وبالإسلام دينا وبمحمد نبيا وقال مرة : إنا نتوب إلى الله . فسكت - صلى ~~الله عليه وسلم - وسكن غضبه ، ورضى قول عمر حين ذب عن نبيه ونبه على التوبة ~~مما فيه إغضابه أن يؤدى إلى غضب الله ، وقد ذكرنا شيئا من هذا المعنى فى ~~كتاب الفتن فى باب التعوذ من الفتن الدليل على صواب فعل عمر قول النبى - ~~صلى الله عليه وسلم - بعد ذلك : ( أولى والذى نفسى بيده ) يعنى : أولى لمن ~~عنت نبيه فى المسألة وأغضبه ، ومعنى أولى عند العرب التهدد والوعيد . وقال ~~المهلب : يقال للرجل : إذا أفلت من عظيمة : أولى لك . أى : كدت تهلك ثم ~~أفلت ، ويروى عن ابن الحنفية أنه كان يقول : إذا مات ميت فى جواره : أولى ~~لى ، كدت والله أن أكون السواد المخترم . قال المهلب : وأصل النهى عن كثرة ~~السؤال والتنطع فى المسائل مبين فى كتاب الله تعالى فى بقرة ms3665 بنى إسرائيل ~~أمرهم الله بذبح بقرة فلو ذبحوا أى بقرة كانت لكانوا مؤتمرين غير عاصين ، ~~فلما سألوا ما هى وما لونها ؟ قيل لهم : لا فارض ولا بكر . ضيق عليهم وقد ~~كان ذلك مباح ، وكذلك ضيق عليهم فى لونها فقيل لهم : صفراء . فمنعوا من ~~سائر الألوان ، وقد كان ذلك مباحا لهم ، ثم لما قالوا : إن البقر تشابه ~~علينا ، قيل لهم : لا ذلول حراثه ولا ساقية للحرث أى معلمة لاستحراج الماء ~~وقد كان ذلك مباحا لهم ، فعز عليهم وجود هذه الصفة المضيق عليهم فيها حتى ~~أمرهم أن يشتروها بأضعاف ثمنها عقوبة بسؤالهم عما لو يكن لهم به حاجة . ~~PageV10P339 وقوله تعالى : { لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم } [ ~~المائدة : 101 ] يحذر مما نزل بهؤلاء القوم ثم وعد أنه إن سألوا عنها حين ~~نزول القرآن ضيق عليهم ، وقد قال بعض أصحابنا : إنه بقيت منه بقية مكروهة ~~وهو أن التنطع فى المسألة والبحث عن حقيقتها يلزم منها أن يأتى بذلك الشرع ~~على الحقيقة التى انكشفت له فى البحث وذلك مثل أن يسأل عن سلع الأسواق ~~الممكن فيها الغصب والنهب هل له شراء ذلك فى سوق المسلمين ، وهو يمكن فيه ~~ذلك المكروه أم لا ؟ فيفتى بأن له أن يبتاع ذلك ، ثم إن تنطع ، فقال : إن ~~قام الدليل على السلعة أنها من نهب أو غصب هل لى أن أشتريها ؟ فيفتى بأن لا ~~يشتريها فهذا الذى بقى من كراهة السؤال والتنطع حتى الآن فى النسخ الذى كان ~~يمكن حين نزول القرآن والتضيق المشروع . وقد سئل مالك عن قيل وقال وكثرة ~~السؤال ؟ فقال : لا أدرى أهو ما أنهاكم عنه من كثرة المسائل ، فقد كره رسول ~~الله المسائل وعابها ، أو هو مسألة الناس أموالهم . وكان زيد ابن ثابت وأبى ~~بن كعب وجماعة من السلف يكرهون السؤال فى العلم عما لم ينزل ، ويقولون : ~~إذا نزلت النازلة وفق المسئول عنها ، ويرون الكلام فيما لم ينزل من التكلف ~~. وقال مالك : أدركت أهل هذا البلد وما عند أحدهم علم غير الكتاب والسنة ، ~~فإدا ms3666 نزلت النازلة جمع الأمير لها من حضر من العلماء ، فما اتفقوا عليه ~~أنفذه ، وأنتم تكثرون المسائل وقد كرها رسول الله . فإن قيل : فإذا ثبت ~~النهى عن كثرة السؤال والبحث فى هذه الأحاديث ، فقد جاء فى كتاب الله ما ~~يعارض ذلك ، وهو PageV10P340 الأمر بسؤال العلماء والبحث عن العلم ؛ بقوله ~~تعالى : { فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون } [ النحل : 43 ] . فالجواب ~~عنه : أن الذى أمر الله عباده بالسؤال عنه هو ما ثبت وتقرر وجوبه مما يجب ~~عليهم العمل به ، والذى جاء فيه النهى هو ما لم يتعبد الله عباده به ، ولم ~~يذكره فى كتابه ، وقد سئل ابن عباس عن قوله تعالى : { لا تسألوا عن أشياء ~~إن تبد لكم } [ المائدة : 101 ] الآية قال : ما لم يذكر فى القرآن فهو مما ~~عفا الله عنه ، ألا ترى أن الله لم يجب اليهود عن سؤالهم عن الروح لما لم ~~يكن مما لهم به الحاجة إلى علمه ، وكان من علم الله الذى لم يطلع عليه أحدا ~~فقال لنبيه - صلى الله عليه وسلم - : { قل الروح من أمر ربى وما أوتيتم من ~~العلم إلا قليلا } [ الإسراء : 85 ] ، فنسبهم تعالى فى سؤالهم عما لم ينبغى ~~لهم السؤال عنه إلى قلة العلم ، وقال مالك : قيل وقال هو هذه الأخبار ~~والأراجيف فى رأيى ، أعطى فلان كذا ومنع كذا بقوله : { ولئن سألتهم ليقولن ~~إنما كنا نخوض ونلعب } [ التوبة : 65 ] ، فهؤلاء يخوضون ، رواه عنه أشهب فى ~~جامع المستخرجة . وأما قول بعض اليهود حين سألوه عن الروح : لا تسألوه ~~يسمعكم ما تكرهون . فإنما قال ذلك لعلمه أنهم كانوا معنتين والمعنت من ~~عقوبته أن يخاطب بما يكره . وأما قول - صلى الله عليه وسلم - فى حديث أنس : ~~( لن يبرح الناس يسألون : PageV10P341 هذا الله خالق كل شىء فمن خلق الله ؟ ~~) هذا من السؤال الذى لا يحل وقد جاء هذا الحديث بزيادة فيه من حديث أبى ~~هريرة أن النبى - صلى الله عليه وسلم - قال : ( لا يزال الشيطان يأتى أحدكم ~~فيقول : من خلق كذا من خلق كذا ، حتى يقول : من ms3667 خلق الله ، فإذا وجد ذلك ~~أحدكم فليقل : آمنت بالله ) . وفى حديث آخر : فذلك ( صريح الإيمان ) . رواه ~~أبو داود حدثنا أحمد بن يونس ، حدثنا زهير ، حدثنا سهيل ، عن أبيه ، عن أبى ~~هريرة ( أن النبى - صلى الله عليه وسلم - جاءه ناس من أصحابه فقالوا : يا ~~رسول الله ، نجد فى أنفسنا الشىء يعظم أن نتكلم به ما نحب أن لنا الدنيا ~~وأنا تكلمنا به ، فقال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( أو قد وجدتموه ، ~~ذلك صريح الإيمان ) . وقد ذكر ابن أبى شيبة من حديث الأعمش ، عن ذر ، عن ~~عبد الله بن شداد ، عن ابن عباس قال : ( جاء رجل إلى النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - فقال : إنى أحدث نفسى بالأمر لأن أكون حممة أحب إلى من أن أتكلم به ~~. فقال له رسول الله : الحمد لله الذى رده إلى الوسواس ) . فإن قيل : كيف ~~سمى هذه الخطرة الفاسدة من خطرات الشيطان على القلب صريح الإيمان ؟ قال ~~الخطابى : يريد أن صريح الإيمان هو الذى يعظم ما تجدونه فى صدوركم ويمنعكم ~~من قول ما يلقيه الشيطان فى قلوبكم ولولاه لم يتعاظموه ، ولم ينكروه ولم ~~يرد أن الوسوسة نفسها صريح الإيمان ، وكيف تكون إيمانا وهى من قبل الشيطان ~~وكيده ، ألا تراه - صلى الله عليه وسلم - حين سئل عن هذا قال : ( الحمد لله ~~الذى رد كيده إلى الوسوسة ) . وفيه وجه آخر ، قال المهلب : قوله : ( صريح ~~الإيمان ) يعنى : الانقطاع فى إخراج الأمر إلى ما لا نهاية له فلابد عند ~~ذلك من إيجاب PageV10P342 خالق لا خالق له ، لأن المفكر يجد المخلوقات كلها ~~لها خالق بأثر الصنعة فيها والحدث الجارى عليها والله تعالى بخلاف هذه ~~الصفة لمباينته صفات المخلوقين ، فوجب أن يكون خالق الكل ، فهذا هو صريح ~~الإيمان ، لا البحث الذى هو من كيد الشيطان المؤدى إلى هذا الانقطاع ليحير ~~العقول ، فنبه - صلى الله عليه وسلم - على موضع كيده وتحييره . قال غيره : ~~فإن وسوس الشيطان فقال : ما المانع أن يخلق الخالق نفسه . قيل له : هذه ~~وسوسة ينقض بعضها بعضا ؛ لأن بقولك يخلق قد أوجبت ms3668 وجوده تعالى ، وبقولك ~~نفسه قد أوجبت عدمه ، والجمع بين كونه موجودا ومعدوما معا تناقض فاسد ؛ لأن ~~من شرط الفاعل تقدم وجوده على وجود فعله فيستحيل كون نفسه فعلا له ؛ ~~لاستحالة أن يقال إن النفس تخلق النفس التى هى هو وهذا بين فى حل هذه الشبه ~~وهو صريح الإيمان . وقال غيره : إن سأل سائل عن حديث سعد وزيد بن ثابت ، ~~فقال : فى هذين الحديثين دلالة على أن الله تعالى يفعل شيئا من أجل شىء ~~وسببه ، وهذا يؤدى إلى قول القدرية . فالجواب : أنه قد ثبت أن الله على كل ~~شىء قدير ، وأنه بكل شىء عليم ، وأنه لا يكون من أفعاله التى انفرد بالقدرة ~~عليها ولا تدخل تحت قدرة العباد ، ولا تكون من مقدورات العباد التى هى كسب ~~لهم وخلق لله إلا والله مريد لجميع ذلك ، فسواء كان أمرا بذلك عباده أو ~~ناهيا لهم عنه ، فغير جائز أن يقال أنه فعل فعلا من أفعاله بسبب من الأسباب ~~أو من أجل داع يدعوه إلى فعله ؛ PageV10P343 لأن السبب والداعى فعل من ~~أفعاله ، والقول أنه فاعل بسبب يقضى إلى تعجيزه لحاجته إلى ما لا يصح وقوعه ~~من فعله إلا بوقوع غيره تعالى الله عن ذلك ، فإذا فسد ذلك وجب حمل قوله - ~~صلى الله عليه وسلم - : ( إن أعظم المسلمين جرما من سأل عن شىء لم يحرم ~~فحرم من أجله ) . على غير ظاهره وصرفه إلى أن الله تعالى فاعل بسؤال السائل ~~الذى نهاه عنه ، ومقدر أن يحرم الشىء المسئول عنه إذا وقع السؤال فيه ، كل ~~ذلك قد سبق به القضاء والقدر لا أن السؤال موجه للتحريم وعلة له . وكذلك ~~قوله - صلى الله عليه وسلم - : ( ما زال بكم الذى رأيت من صنيعكم ) يعنى : ~~من كثرة مطالبتكم بالخروج إلى الصلاة حتى خشيت أن تكتب عليكم عقابا لكم على ~~كثرة ملازمتكم لى فى مداومة الصلاة بكم ، لا أن ملازمتهم له موجبة لكتاب ~~الله عليهم الصلاة ؛ لما ذكرناه من أن الملازمة والكتب فعلان لله تعالى غير ~~جائز وقوع أحدهما شرطا فى وقوع ms3669 الآخر ، ولو وقعت الملازمة ووقع كتاب الصلاة ~~عليهم لكان ذلك مما قد سبق به القضاء والقدر فى علم الله . وإنما نهاهم ، ~~عليه السلام ، عن مثل هذا وشبهه تنبيها لهم على ترك الغلو فى العبادة وركوب ~~القصد فيها ؛ خشية الانقطاع والعجز عن الإتيان بما طلبوه من الشدة فى ذلك ، ~~ألا ترى قوله تعالى فيمن فعل مثل ذلك : { قد سألها قوم من قبلكم } [ ~~المائدة : 102 ] ، ففرضت عليهم ، فعجزوا عنها فأصبحوا بها كافرين وكان - ~~صلى الله عليه وسلم - رءوفا بالمؤمنين PageV10P344 رفيقا بهم ، وقد تقدم ~~مثل حديث زيد من رواية عائشة فى أبواب قيام الليل فى كتاب الصلاة ، وذكرنا ~~فى توجيهه ما لم يذكر فى هذا الباب فتأمله هناك . فإن قيل : فإذا حمل قوله ~~- صلى الله عليه وسلم - : ( إن أعظم المسلمين جرما من سأل عن شىء لم يحرم ~~فحرم من أجله ) على غير ظاهره ما وجه ذلك وإثم الجرم به ؟ . قيل : هو على ~~ما تقرر علمه من نسبة اللوم والمكروه إلى من تعلق بسبب من فعل ما يلام عليه ~~، وإن قل تحذيرا من موافقته له فعظم جرم فاعل ذلك لكثرة الكارهين لفعله . ~~وعرض الحائط : وسطه ، وكذلك عرض البحر وعرض النهر وسطهما ، واعترضت عرضه ~~نحوت نحوه عن صاحب العين . * * * # | 5 - باب الاقتداء بأفعال النبى - صلى الله عليه وسلم - # / 26 - فيه : ابن عمر ، اتخذ النبى - صلى الله عليه وسلم - خاتما من ذهب ~~، فاتخذ الناس خواتيم من ذهب ، فقال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( إنى ~~اتخذت خاتما من ذهب فنبذه ) ، وقال : ( إنى لن ألبسه أبدا ) ، فنبذ الناس ~~خواتيمهم . قال أبو تمام المالكى ، وأبو بكر بن الطيب : ما كان من أفعال ~~الرسول بيانا لمجمل كالصلاة ، والصيام ، والحج ، وما دعا إلى فعله كقوله : ~~( خذوا عنى مناسككم ، وصلوا كما رأيتمونى أصلى ) . فلا خلاف بين العلماء ~~أنها على الوجوب ، واختلفوا فيما كان منها واقعا موقع القرب لا على وجه ~~البيان والامتثال لتمثيل أمر لزمه ، فقال مالك وأكثر أهل العراق : إنها على ~~الوجوب ، PageV10P345 إلا أن يمنع من ذلك دليل ، وهو قول ابن ms3670 سريج وابن ~~خيران من أصحاب الشافعى ، وقال بعض أصحاب الشافعى : إنها على الندب وإن ~~المتأسى به فيها مندوب إليه أن يقوم دليل على وجوبها ، وقال كثير من أهل ~~الحجاز والعراق وأصحاب الشافعى : إنها على الوقف إلا أن يقوم دليل على ~~كونها ندبا أو إباحة أو محظورة . قال أبو بكر بن الطيب : وبهذا نقول . ~~واحتج لذلك بأنه لما كانت القربة الواقعة محتملة لكونها فرضا ونفلا لم يجز ~~أن يكون الفعل منه دليلا على أننا متعبدون مثله ، ولا على كونه واجبا علينا ~~دون كونه نفلا ؛ لأن فعله مقصور عليه دون متعد إلى غيره ، وأمره لنا ونهيه ~~متعديان إلى الغير والغرض فيهما امتثالهما فافترقا . وحجة من قال : إنها ~~على الوجوب . أن النبى - صلى الله عليه وسلم - خلع خاتمه ، فخلعوا خواتيمهم ~~وأنه خلع نعليه فى الصلاة ، فخلعوا نعالهم ، وأنه أمرهم عام الحديبية ~~بالتحلل فوقفوا ، فشكا ذلك إلى أم سلمة فقالت له : اخرج إليهم واذبح واحلق ~~. ففعل ذلك ، فذبحوا وحلقوا اتباعا لفعله ، فعلم أن الفعل أكد عندهم من ~~القول ، وقال لأم سلمة حين سألتها المرأة عن القبلة للصائم : ( ألا ~~أخبرتيها أنى أقبل وأنا صائم ) . وقال للرجل مثل ذلك ، فقال : إنك لست ~~مثلنا . فقال : ( إنى لأرجو أن أكون أتقاكم لله ) . فدل هذا على أن الأسوة ~~واقعة إلا ما منع منه الدليل ، ويدل على ذلك أنه لما نهاهم عن الوصال قالوا ~~: إنك تواصل . قال : ( إنى لست مثلكم ، إنى أطعم وأسقى ) . فلولا أن لهم ~~الاقتداء به لقال لهم : وما فى مواصلتى ما يبيح لكم فعل ذلك ، PageV10P346 ~~وأفعالي مخصوصة بي ، فلم يقل لهم ذلك ، ولكن بين لهم المعنى فى اختصاصه ~~بالمواصلة ، وهو أن الله يطعمه ويسقيه ، وأنهم بخلافه فى ذلك ، وكذلك خص ~~الله الموهوبة أنها خالصة له من دون أمته ، ولولا ذلك لكانت مباحا لهم . * ~~* * # | 6 - باب ما يكره من التعمق والتنازع والغلو فى الدين ، لقوله تعالى : { ~~يا أهل الكتاب لا تغلوا فى دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق } الآية [ ~~النساء : 171 ] # / 27 - فيه : أبو هريرة ، قال النبى ms3671 - صلى الله عليه وسلم - : ( لا ~~تواصلوا ، قالوا : إنك تواصل ، قال : إنى لست مثلكم ، إنى أبيت يطعمنى ربى ~~ويسقينى . . . ) الحديث ، ثم رأوا الهلال ، فقال : ( لو تأخر الهلال لزدتكم ~~، كالمنكل لهم ) . / 28 - وفيه : على ، أنه خطب وعليه سيف وفيه صحيفة معلقة ~~، فقال : والله ما عندنا من كتاب يقرأ إلا كتاب الله وما فى هذه الصحيفة . ~~. . وذكر الحديث . / 29 - وفيه : عائشة ، صنع النبى - صلى الله عليه وسلم - ~~شيئا ترخص فيه ، وتنزه عنه قوم ، فبلغ ذلك النبى - صلى الله عليه وسلم - ~~فحمد الله ، ثم قال : ( ما بال أقوام يتنزهون عن الشىء ، أصنعه ، فوالله ~~إنى أعلمهم بالله ، وأشدهم له خشية ) . / 30 - وفيه : ابن أبى مليكة ، كاد ~~الخيران أن يهلكا أبو بكر وعمر ، لما قدم على النبى - صلى الله عليه وسلم - ~~وفد بنى تميم أشار أحدهما بالأقرع بن حابس التميمى الحنظلى أخى بنى مجاشع ، ~~وأشار الآخر PageV10P347 بغيره ، فقال أبو بكر لعمر : إنما أردت خلافى ، ~~فقال عمر : ما أردت خلافك ، فارتفعت أصواتهما عند النبى - صلى الله عليه ~~وسلم - فنزلت : { يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبى } ~~الآية [ الحجرات : 2 ] ، فكان عمر إذا حدث النبى - صلى الله عليه وسلم - ~~بحديث حدثه كأخى السرار لا يسمعه حتى يستفهمه . / 31 - وفيه : عائشة ، أن ~~النبى - صلى الله عليه وسلم - قال فى مرضه : ( مروا أبا بكر فليصل بالناس ) ~~، إلى قوله : ( إنكن لأنتن صواحب يوسف . . . ) الحديث . / 32 - وفيه : حديث ~~مالك بن أوس ، أن العباس وعليا جاءا إلى عمر يطلبان ميراثهما من النبى ، ~~عليه السلام ، وتنازعهما فى ذلك مع عمر . . . الحديث بطوله . قال المهلب فى ~~قوله : { يا أهل الكتاب لا تغلوا فى دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق } ~~[ النساء : 171 ] : الغلو مجاوزة الحد . فهذا يدل أن البحث عن أسباب ~~الربوبية من نزغات الشيطان ، ومما يؤدى إلى الخروج عن الحق ؛ لأن هؤلاء ~~غلوا فى الفكرة حتى آل بهم الأمر أن جعلوا الآلهة ثلاثة ، وأما الذين غلوا ~~فى صيام فهو اتباعهم للوصال بعد أن نهاهم النبى - صلى الله عليه وسلم - ~~فعاقبهم بأن ms3672 زادهم مما تعمقوا به . وقول على : ( ما عندنا إلا كتاب الله ، ~~وما فى هذه الصحيفة ) فإنه أراد به تبكيت من تنطع وجاء بغير ما فى كتاب ~~الله وغير ما فى سنة رسول الله فهو مذموم . وحديث القبلة للصائم الذى تنزه ~~قوم عنها ورخص فيها النبى - صلى الله عليه وسلم - فذمهم بتعمقهم ومخالفته - ~~عليه السلام - . PageV10P348 وقصة بني تميم لما آل التنازع بين أبي بكر ~~وعمر إلى المخاشنة فى التفاضل بين الأقرع بن حابس وعيينة بن حصن ، ورمى ~~بعضهم بعضا بالمناواة والقصد إلى المخالفة والفرقة ، كذلك ينبغى أن تذم كل ~~حالة تخرج صاجبها إلى افتراق الكلمة واستشعار العداوة . وقوله : ( مروا أبا ~~بكر يصلى بالناس ) . ذم عائشة لتعمقها فى المعانى التى خشيتها من مقام ~~أبيها فى مقام رسول الله مما روى عنها أنها قصدته بذلك ، وذكرتها فى كتاب ~~الصلاة ، وذم حفصة أيضا ؛ لأنها أدخلتها فى المعارضة للنبى - صلى الله عليه ~~وسلم - ، وكذلك كراهية رسول الله مسائل اللعان وعيبه لها وهو نص فى هذا ~~الباب ؛ لأنه خشى أن ينزل من القرآن ما يكون تضييقا ، فنزل فيه اللعان وهو ~~وعيد عظيم وسبب إلى عذاب الآخرة لمن أراد الله إنفاذه عليه . وحديث العباس ~~وعلى خشى أن يئول ما ذم من تنازعهما إلى انقطاع الرحم التى بينهما ~~بالمخاصمة فى هذا المال الموقوف لا سيما بعدما نص عليه حديث رسول الله ، ~~فلم ينتهيا عن طلب هذا الوقف ليلياه كما كان يليه الخليفة من توزيعه حيث ~~يحب ، وانفرادهما بالحكم وقد تقدم الكلام فى معناه فى كتاب فرض الخمس من ~~كتاب الجهاد والحمد لله كثيرا . * * * PageV10P349 # | 7 - باب إثم من آوى محدثا رواه على ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - # . / 33 - فيه : أنس ، حرم النبى - صلى الله عليه وسلم - المدينة ؟ فقال : ~~لا يقطع شجرها ، ومن أحدث فيها حدثا فعليه لعنة الله والملائكة والناس ~~أجمعين . وقال موسى بن أنس ، عن أبيه : أو آوى محدثا . فى هذا الحديث فضل ~~عظيم للمدينة ، وذلك تغليظ الوعيد بلعنة الله والملائكة والناس أجمعين لمن ~~أحدث فيها حدثا ms3673 أو آوى محدثا ، وفى حديث على : ( لا يقبل منه صرف ولا عدل ) ~~. ذكره فى آخر كتاب الحج ، ودل الحديث على أنه من آوى أهل المعاصى والبدع ~~أنه شريك فى الأثم ، وليس يدل الحديث على أن من أحدث حدثا أو آوى محدثا فى ~~غير المدينة أنه غير متوعد ولا ملوم على ذلك ؛ لتقدم العلم بأن من رضى فعل ~~قوم وعملهم أنه منهم ، وإن كان بعيدا عنهم . فهذا الحديث نص فى تحذير فعل ~~شىء من المنكر فى المدينة وهو دليل فى التحذير من إحداث مثل ذلك فى غيرها ، ~~وإنما خصت المدينة بالذكر فى هذا الحديث ؛ لأن اللعنة على من أحدث فيها ~~حدثا أشد والوعيد له آكد ؛ لانتهاكه ما حذر عنه ، وإقدامه على مخالفة رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - فيما كان يلزمه من تعظيم شأن المدينة التى ~~شرفها الله بأنها منزل وحيه وموطن نبيه - صلى الله عليه وسلم - ، ومنها ~~انتشر الدين فى أقطار الأرض فكان لها بذلك فضل مزية على سائر البلاد ، وقد ~~تقدم اختلاف العلماء فيما يجوز قطعه من شجر المدينة ، وما يجوز من الصيد فى ~~حرمها فى آخر كتاب الحج . * * * PageV10P350 # | 8 - باب ما يذكر من ذم الرأى وتكلف القياس وقوله تعالى : { ولا تقف ما ~~ليس لك به علم } [ الإسراء : 36 ] # / 34 - فيه : عبدالله بن عمرو ، قال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( إن ~~الله لا ينزع العلم بعد أن أعطاكموه انتزاعا ، ولكن ينتزعه منهم مع قبض ~~العلماء بعلمهم ، فيبقى ناس جهال ، يستفتون فيفتون برأيهم ، فيضلون ويضلون ~~) . / 35 - وفيه : أبو وائل ، شهدت صفين ، فسمعت سهل بن حنيف يقول : يا ~~أيها الناس ، اتهموا رأيكم على دينكم ، لقد رأيتنى يوم أبى جندل ، ولو ~~أستطيع أن أرد أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عليه لرددته ، وما ~~وضعنا سيوفنا على عواتقنا إلى أمر يفظعنا إلا أسهلن بنا إلى أمر نعرفه غير ~~هذا الأمر ، قال : وقال أبو وائل : شهدت صفين ، وبئست صفون . قال الطبرى : ~~روى مبارك بن فضالة ، عن عبيد الله بن عمر ، عن نافع ، عن ms3674 ابن عمر ، عن عمر ~~قال : يا أيها الناس اتهموا الرأى على الدين . كقول سهل سواء . قال المهلب ~~: وغيره : إذا كان الرأى والقياس على أصل من كتاب الله وسنة رسول الله أو ~~إجماع الأمة فهو محمود ، وهو الاجتهاد والاستنباط الذى أباحه الله للعلماء ~~، وأما الرأى المذموم والقياس المتكلف المنهى عنه ، فهو ما لم يكن على هذه ~~الأصول ؛ لأن ذلك ظن ونزع من الشيطان ، والدليل على صحة هذا قوله تعالى : { ~~ولا تقف ما ليس لك به علم } [ الإسراء : 36 ] . قال ابن عباس : لا تقل ما ~~ليس لك به علم . وقال قتادة : لا تقل رأيت ولم تر ، وسمعت ولم PageV10P351 ~~تسمع ، وعلمت ولم تعلم . وأصل القفو العضه والبهت ، فنهى الله عباده عن قول ~~ما لا علم لهم به ، فإنه سائل السمع والبصر والفؤاد عما قال صاحبها فتشهد ~~عليه جوارحه بالحق ، ومثل هذا قوله - صلى الله عليه وسلم - : ( إن الله ~~يقبض العلم بقبض العلماء فيبقى ناس جهال فيفتون برأيهم فيضلون ويضلون ) . ~~ألا ترى أنه وصفهم بالجهل ، فلذلك جعلهم ضالين هو خلاف الذين قال فيهم : { ~~لعلمه الذين يستنبطونه منهم } [ النساء : 83 ] ، وأمر بالرجوع إلى قولهم . ~~قال الطبرى : فإن قيل : فإن قول سهل بن حنيف ، وعمر بن الخطاب : اتهموا ~~الرأى . ويرد قول من استعمل الرأى فى الدين ، وأنه لا يجوز شىء من الرأى ~~والقياس لأنهم أخطئوا يوم أبى جندل فى مخالفتهم رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - فى صلحه المشركين ، ورده لأبى جندل لأبيه وهو يستغيث ، وكان قد عذب ~~فى الله ، وهم يظنون أنهم محسنون فى مخالفة رسول الله . قيل : وجه قولهما : ~~اتهموا الرأى الذى هو خلاف لرأى رسول الله وأمره على الدين ، الذى هو نظير ~~آرائنا التى كنا خالفنا بها رسول الله يوم أبى جندل ، فإن ذلك خطأ ، فأما ~~الاجتهاد والاستنباط من كتاب الله وسنة رسوله وإجماع الأمة فذلك هو الحق ~~الواجب والفرض اللازم لأهل العلم ، وبنحو هذا جاءت الأخبار عن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - ، وعن جماعة الصحابة والتابعين ، روى ابن عمر أن النبي - ~~صلى ms3675 الله عليه وسلم - لما انصرف من الأحزاب قال : ( لا يصلين أحد العصر إلا ~~فى بنى قريظة فأبطأ ناس فتخوفوا فوت الصلاة ، فصلوا ، وقال آخرون : لا نصلى ~~إلا حيث أمرنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وإن فاتنا العصر ، فما ~~عنف PageV10P352 رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أحد الفريقين ) . وهذا ~~الخبر نظير خبر سهيل بن حنيف ، ومن حرص يوم أبى جندل على القتال اجتهادا ~~منهم ورسول الله يرى ترك قتالهم فى أنه لم يؤثمهم كما لم يؤثم أحد الفريقين ~~: لا الذين صلوا قبل وصولهم إلى بنى قريظة ؛ لأن معنى ذلك كان عندهم ما لم ~~يخشوا فوت وقتها ، وكذلك لم يؤثم أيضا الذين لم يصلوا حتى فاتهم وقتها إلى ~~أن صاروا إلى بنى قريظة ؛ لأن معنى أمره - صلى الله عليه وسلم - بذلك كان ~~عندهم لا يصلوها إلا فى بنى قريظة ، وإن فاتكم وقتها ، فعذر كل واحد منهم ~~لهذه العلة ، وروى سفيان ، عن الشيبانى عن الشعبى ، عن شريح ( أنه كتب إلى ~~عمر بن الخطاب يسأله ، فكتب إليه : أن اقض بما فى كتاب الله ، فإن لم يكن ~~فى كتاب الله ففى سنة رسول الله ، فإن لم يكن فيما قضى الصالحون ، فإن لم ~~يكن فإن شئت تقدم وإن شئت تأخر ، ولا أرى التأخر إلا خيرا لك ، والسلام ) . ~~وروى هشيم ، حدثنا سيار ، عن الشعبى قال : ( لما بعث عمر شريحا على قضاء ~~الكوفة قال : انظر ما تبين لك فى كتاب الله ولا تسأل عنه أحدا ، وما لم ~~يتبين لك فى كتاب الله فاتبع فيه سنة رسول الله وما لم يتبين لك فى السنة ~~فاجتهد رأيك فقد أنبأت هذه الأخبار عن عمر أن معنى قوله : اتهموا الرأى على ~~الدين . أنه الرأى الذى وصفنا ؛ لأنه محال أن يقول : اتهموا واستعملوه ، ~~لأن النهى عن الشىء والأمر به فى حالة واحدة ينقض بعضه بعضا ، ولا يجوز أن ~~يظن ذلك بعمر ونظرائه ، ويزيد ذلك بيانا روى مجاهد ، عن الشعبي ، عن ~~PageV10P353 عمرو بن حريث قال : قال عمر بن الخطاب : ( إياكم وأصحاب الرأى ~~فإنهم ms3676 أعداء السنن ، أعيتهم الأحاديث أن يحفظوها ، فقالوا بالرأى ، فضلوا ~~وأضلوا ) . فقد بين هذا القول من عمر أنه أمر باتهام الرأى فيما خالف أحكام ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وسنته ، وذلك أنه قال : ( إنهم أعداء ~~السنن أعيتهم أن يحفظوها ) . وأخبر أنه لما أعياهم حفظ سنن رسول الله قالوا ~~بآرائهم وخالفوها ، جهلا منهم بأحكام رسول الله وسننه وذلك هو الجرأة على ~~الله بما لم يأذن به فى دينه ، والتقدم بين يدى رسول الله ، فأما اجتهاد ~~الرأى فى استنباط الحق من كتاب الله وسنة رسوله فذلك الذى أوجب الله على ~~العلماء فرضا ، وعمل به المسلمون بمحضر من رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- ، فلم يعنفهم ولا نهاهم عنه ؛ إذ كان هو الحق عنده والدين ، واقتفى أثرهم ~~فيه الخلف من بعدهم ، روى ذلك عن ابن مسعود ، وابن عباس ، وروى أبو معاوية ~~، عن الأعمش ، عن عمارة ، عن عبد الرحمن بن يزيد ، قال ابن مسعود : ( ومن ~~عرض له منكم قضاء بما فى كتاب الله ، فإن جاء أمرا ليس فى كتاب الله فليقض ~~بما قضى به نبيه - صلى الله عليه وسلم - ، فإن جاءه أمر ليس فى سنة نبيه ~~فليقض بما قضى به الصالحون ، فإن جاءه ما ليس فى ذلك ، فليجتهد رأيه ، ولا ~~يقل : إنى أرى وإنى أخاف فإن الحلال بين والحرام بين وبينهما أمور مشتبهات ~~، فدع ما يريبك إلى ما لا يريبك ) . وقد تقدم حديث سهل فى أخر كتاب الجهاد ~~ومر فيه من معناه ما لم أذكره هنا خوف التكرار . وقول أبى وائل : ( وبئست ~~الصفون ) . سمى المكان بالجمع المسلم كما سمى الرجل يزيدين أو عمرين فيجريه ~~فى حال التسمية به مجراه في PageV10P354 حال الجمع ، وما كان من الواحد عن ~~بناء الجمع فإعرابه كإعراب الجمع كقولك دخلت فلسطين وهذه فلسطون وأتيت ~~قنسرين وهذه قنسرون ، وأنشد المبرد : وشاهدنا الحل والياسمون والمستعاب ~~بقضائها ومن هذا قول الله تعالى : { كلا إن كتاب الأبرار لفى عليين وما ~~أدراك ما عليون } [ المطففين : 18 ، 19 ] ، فيه مذهب آخر كقولك : هذه ~~السلحين ، ومررت بالسلحين ms3677 ، ورأيت السلحين . * * * # | 9 - باب ما كان النبى ، عليه السلام ، يسأل فما لم ينزل عليه الوحى ~~فيقول : ( لا أدرى ) ، أو لم يجب حتى ينزل عليه الوحى ، ولم يقل برأى ولا ~~بقياس ؛ لقوله تعالى { بما أراك الله } [ النساء : 105 ] # وقال ابن مسعود : سئل النبى - صلى الله عليه وسلم - عن الروح ، فسكت حتى ~~نزلت الآية . / 36 - فيه : جابر ، مرضت ، فجاءنى النبى - صلى الله عليه ~~وسلم - يعودنى وأبو بكر وهما ماشيان ، فأتانى وقد أغمى على ، فتوضأ النبى - ~~صلى الله عليه وسلم - ، ثم صب وضوءه على فأفقت ، فقلت : يا رسول الله كيف ~~أقضى فى مالى ؟ قال : فما أجابنى بشىء حتى نزلت آية المواريث . قال المهلب ~~: هذا الباب ليس على العموم فى أمر النبى - صلى الله عليه وسلم - ؛ لأنه قد ~~علم أمته كيفية القياس والاستنباط فى مسائل لها أصول ومعانى فى كتاب الله ~~ومشروع سنته ؛ ليريهم كيف يصنعون فيما عدموا فيه PageV10P355 النصوص ؛ إذ ~~قد علم أن الله تعالى لابد أن يكمل له الدين . والقياس : هو تشبيه ما لا ~~حكم فيه بما حكم فى المعنى فشبه - صلى الله عليه وسلم - الحمر بالخيل ، ~~فقال : ما أنزل على فيها شىء غير هذه الآية الفاذة الجامعة : { فمن يعمل ~~مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره } [ الزلزلة : 7 ، 8 ] ، ~~وشبه دين الله بدين العباد فى اللزوم ، وقال للتى أخبرته أن أباها لم يحج : ~~( أرأيت لو كان على أبيك دين أكنت قاضيته ؟ فالله أحق بالقضاء ) وهذا هو ~~نفس القياس عند العرب ، وعند العلماء بمعانى الكلام . وأما سكوت النبى حتى ~~نزل عليه الوحى ، فإنما سكت فى أشياء معضلة ليست لها أصول فى الشريعة فلابد ~~فيها من إطلاع الوحى ، ونحن الآن قد فرغت لنا الشرائع واكتمل لنا الدين ، ~~وإنما ننظر ونقيس على موضاعاتها فيما أعضل من النوازل . وقد اختلف العلماء ~~: هل يجوز للأنبياء الاجتهاد ؟ فقالت طائفة : لا يجوز لهم ذلك ولا يحكمون ~~إلا بوحى منه . وقال آخرون : يجوز أن يحكموا بما يجرى مجرى من منام وشبهه . ~~قال أبو التمام المالكى : ولا ms3678 أعلم فيه نصا لمالك ، والأشبه عندى جوازه ~~لوجود ذلك من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - . والاجتهاد علو درجة وكمال ~~فضيلة والأنبياء أحق الناس به ؛ بل لا يجوز أن يمتنعوا منها لما فيها من ~~جزيل الثواب ، وقال تعالى : { فاعتبروا يا أولى الأبصار } [ الحشر : 2 ] ، ~~والأنبياء أفضل أولى الأبصار وأعلمهم ، وقد ثبت عنه - صلى الله عليه وسلم - ~~أنه اجتهد فى أمر الحروب وتنفيذ الجيوش ، وقدر الإعطاء للمؤلفة قلوبهم وأمر ~~بنصب العريش يوم بدر فى موضع ، فقال له الحباب بن المنذر : أبوحى نصبته هنا ~~أم برأيك ؟ فقال : بل برأيى . قال : الصواب نصبه بموضع PageV10P356 كذا . ~~فسماه النبي - صلى الله عليه وسلم - : ذا الرأيين . فعمل برأيه ولم ينتظر ~~الوحى وحكم بالمفاداة والمن على الأسرى يوم بدر بعد المشورة ، وقال تعالى : ~~{ وشاورهم فى الأمر } [ آل عمران : 159 ] ، ولا تكون المشورة إلا فيما لا ~~نص فيه . وروى أنه - صلى الله عليه وسلم - أراد أن يضمن لقوم من الأعراب ~~ثلث ثمر المدينة ، فقال له سعد بن المعاذ : والله يا رسول الله كنا كفارا ~~فما طمع أحد أن يأخذ من ثمارنا شيئا ، فلما أعزنا الله بك نعطيهم ثلث ~~ثمارنا ! فعمل بذلك رسول الله ، وقد ذكر الله فى كتابه قصة داود وسليمان ~~حين اجتهدا فى الحكم فى الحرث ، ولا يجوز أن يختلفا مع ما فيه من نص موجود ~~. * * * # | 10 - باب تعليم النبى - صلى الله عليه وسلم - أمته من الرجال والنساء ~~مما علمه الله ليس برأى ولا تمثيل # / 37 - فيه : بو سعيد ، جاءت امرأة إلى النبى - صلى الله عليه وسلم - ~~فقالت : يا رسول الله ، ذهب الرجال بحديثك ، فاجعل لنا من نفسك يوما ، ~~نأتيك فيه ، تعلمنا مما علمك الله ، فقال : اجتمعن فى يوم كذا وكذا فى مكان ~~كذا وكذا ، فاجتمعن ، فأتاهن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فعلمهن مما ~~علمه الله ، ثم قال : ( ما منكن امرأة تقدم بين يديها من ولدها ثلاثة إلا ~~كان لها حجابا من النار ) ، فقالت امرأة منهن : يا رسول الله ، أو اثنين ؟ ~~فأعادتها مرتين ، ثم قال : ( واثنين ms3679 ، واثنين ، واثنين ) . قال المهلب : ~~فيه من الفقه أن العالم إذا أمكنه أن يحدث بالنصوص عن الله ورسوله فلا يحدث ~~بنظره ولا قياسه ، هذا معنى PageV10P357 الترجمة ؛ لأن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - حدثهم حديثا عن الله لا يبلغه قياس ولا نظر ، وإنما هو توقيف ~~ووحى ، وكذلك ما حدثهم به من سنته فهو عن الله أيضا ؛ لقوله تعالى : { وما ~~ينطق عن الهوى } [ النجم : 3 ] ، وقال - صلى الله عليه وسلم - : ( أوتيت ~~الكتاب ومثله معه ) قال أهل العلم : أراد بذلك السنة التى أوتى . وفيه سؤال ~~الطلاب العالم أن يجعل لهم يوما يسمعون فيه عليه العلم ، وإجابة العالم إلى ~~ذلك ، وجواز الإعلام بذلك المجلس للاجتماع فيه ، وترجم له فى كتاب العلم هل ~~يجعل للنساء يوما على حده فى العلم . * * * # | 11 - باب قول النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( لا تزال طائفة من أمتى ~~ظاهرين على الحق يقاتلون ) ، وهم أهل العلم # / 38 - فيه : المغيرة ، قال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( لا تزال ~~طائفة من أمتى ظاهرين حتى يأتيهم أمر الله وهم ظاهرون ) . / 39 - وفيه : ~~معاوية ، قال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( لن يزال أمر هذه الأمة ~~مستقيما حتى تقوم الساعة ، أو حتى يأتى أمر الله تعالى ) . قال المؤلف : إن ~~قيل : إن قوله - صلى الله عليه وسلم - : ( لا تزال طائفة من أمتى ظاهرين ~~على الحق ) لفظه لفظ الخصوص فى بعض الناس دون بعض ، وقال فى حديث معاوية : ~~( لن يزال أمر هذه الأمة مستقيما حتى تقوم الساعة ) . فعم الأمة وهذا معارض ~~للحديث الأول ، مع ما يقوى ذلك مما رواه محمد بن بشار قال : ثنا ابن أبى ~~عدى ، عن حميد ، عن أنس قال : PageV10P358 ( لا تقوم الساعة حتى لا يقال فى ~~الأرض الله الله ) وما رواه شعبة عن على بن الأقمر ، عن أبى الأحوص ، عن ~~عبد الله قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( لا تقوم الساعة ~~إلا على شرار الناس ) وهذه أخبار معارضة لحديث معاوية . قال الطبرى : ولا ~~معارضة بين شىء منها ، بل بعضها يدل على صحة بعض ، ولكن ms3680 بعضها خرج على ~~العموم ، والمراد به الخصوص ، فقوله : ( لا تقوم الساعة حتى لا يقال فى ~~الأرض الله ) ، و ( لا تقوم إلا على شرار الناس ) يعنى : فى موضع كذا ، فإن ~~به طائفة من أمتى لا يضرهم من خالفهم وهم الذين عنى بقوله - صلى الله عليه ~~وسلم - : ( لن يزال أمر هذه الأمة مستقيما ) يريد : فى موضع دون موضع . فإن ~~قيل : وما الدليل على ذلك ؟ قيل : هو أنه لا يجوز ، وأن يكون فى الخبر ناسخ ~~ولا منسوخ ، وإذا ورد منه القولان من أن أمته طائفة على الحق ، وأن الساعة ~~لا تقوم إلا على شرار الخلق بالأسانيد الصحاح ، وكان غير جائز أن توصف ~~الطائفة التى على الحق بأنها شرار الناس ، وأنها لا توحد الله ، على أن ~~الموصوفين بأنهم شرار الناس غير هؤلاء الموصوفين بأنهم على الحق ، وقد بين ~~ذلك أبو أمامة فى حديثه حدثنا أحمد بن الفرح الحمصى قال : ثنا ضمرة بن ~~ربيعة ، عن يحيى بن أبى عمرو الشيبانى ، عن عمرو بن عبد الله الحمصى ، عن ~~أبى أمامة الباهلى أن النبى - صلى الله عليه وسلم - قال : ( لا تزال طائفة ~~من أمتى ظاهرين على الحق ، لعدوهم قاهرين ، حتى يأتيهم أمر الله وهم كذلك . ~~قيل : يا رسول الله ، وأين هم ؟ قال : ببيت المقدس وأكناف بيت المقدس ) . ~~فثبت أنه ليس أحد هذه الأخبار معارضا لصاحبه . * * * PageV10P359 # | 12 - باب قوله تعالى : { أو يلبسكم شيعا } [ الأنعام : 65 ] # / 40 - فيه : جابر ، لما نزلت على النبى - صلى الله عليه وسلم - : { قل ~~هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم } ، قال : ( أعوذ بوجهك ) { أو ~~من تحت أرجلكم } ، قال : ( أعوذ بوجهك ) ، فلما نزلت : { أو يلبسكم شيعا ~~ويذيق بعضكم بأس بعض } [ الأنعام : 65 ] ، قال : ( هاتان أهون أو أيسر ) . ~~ذكر المفسرون فى قوله تعالى : { قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من ~~فوقكم } ، قالوا : يحصبكم بالحجارة ، أو يغرقكم بالطوفان الذى غرق به قوم ~~نوح { أو من تحت أرجلكم } ، الخسف الذى نال قارون ومن خسف به ، وقيل : ~~الريح { أو يلبسكم شيعا } يعنى : يخلط أمركم فيجعلكم ms3681 مختلفى الأهواء ، يقال ~~: لبست عليكم الأمر ألبسته إذا لم أبينه ، ومعنى شيعا أى : فرقا ، لا نكون ~~شيعة واحدة . { ويذيق بعضكم بأس بعض } [ الأنعام : 65 ] ، يعنى بالحرب ~~والقتل ، ويروى أن النبى - صلى الله عليه وسلم - سأل ربه عز وجل أن لا ~~يستأصل أمته بعذاب ، ولا يذيق بعضهم بأس بعض ، فأجابه عز وجل فى صرف العذاب ~~ولم يجبه فى أن لا يذيق بعضهم بأس بعض وأن لا تختلف ؛ فلذلك قال - صلى الله ~~عليه وسلم - : ( هاتان أهون وأيسر ) أى : الاختلاف والفتنة أيسر من ~~الاستئصال والانتقام بعذاب الله ، وإن كانت الفتنة من عذاب الله لكن هى أخف ~~؛ لأنها كفارة للمؤمنين ، أعاذنا الله من عذابه ونقمه . * * * # | 13 - باب من شبه أصلا معلوما بأصل مبين فبين الله حكمهما ليفهم السائل # / 41 - فيه : أبو هريرة ، أن أعرابيا أتى النبى - صلى الله عليه وسلم - ، ~~فقال : إن امرأتى ولدت غلاما PageV10P360 أسود ، وإنى أنكرته ، فقال له ~~النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( هل لك من إبل ) ؟ قال : نعم ، قال : ( ~~فما ألوانها ) ؟ قال : حمر ، قال : ( هل فيها من أورق ) ؟ قال : إن فيها ~~لورقا ، قال : ( فأنى ترى ذلك جاءها ) ، قال : يا رسول الله ، عرق نزعها ، ~~قال : ( ولعل هذا عرق نزعه ) ، ولم يرخص له فى الانتفاء منه . / 42 - وفيه ~~: بن عباس ، أن امرأة جاءت إلى النبى - صلى الله عليه وسلم - ، فقالت : إن ~~أمى نذرت أن تحج ، فماتت قبل أن تحج ، أفأحج عنها ؟ قال : ( نعم ، حجى عنها ~~، أرأيت لو كان على أمك دين أكنت قاضيته ) ؟ قالت : نعم ، فقال : ( اقضوا ~~الله الذى له ، فإن الله أحق بالوفاء ) . قال المؤلف : قوله : من شبه أصلا ~~معلوما بأصل مبين ، فبين ليفهم السائل . هذا هو القياس بعينه والقياس فى ~~لغة العرب : التشبيه والتمثيل ، ألا ترى أن النبى - صلى الله عليه وسلم - ~~شبه له ما أنكر من لون الغلام بما عرف فى نتاج الإبل فقال له : ( هل لك من ~~إبل ؟ ) إلى قوله : ( لعل عرقا نزعه ) فأبان له - صلى الله عليه وسلم - بما ~~يعرف أن الإبل الحمر تنتج الأورق أن كذلك المرأة ms3682 البيضاء تلد الأسود ، ~~وكذلك قوله - صلى الله عليه وسلم - للمرأة التى سألته الحج عن أمها فقال ~~لها : ( أرأيت لو كان على أمك دين أكنت قاضيته ؟ قالت : نعم . قال : فدين ~~الله أحق بالوفاء ) . فشبه لها - صلى الله عليه وسلم - دين الله بما يعرف ~~من دين العباد ، غير أنه قال لها : ( فدين الله أحق ) . وهذا كله هو عين ~~القياس وبهذين الحديثين احتج المزنى على من أنكر القياس ، قال أبو تمام ~~المالكى : اجتمعت الصحابة على القياس ، فمن ذلك أنهم أجمعوا على قياس الذهب ~~على ورق فى الزكاة . وقال أبو بكر الصديق : أقيلونى بيعتى . فقال على : ~~والله لا نقيلك ، رضيك رسول الله لديننا ، فلا نرضاك لدنيانا ؟ ! ! فقياس ~~الإمامة على الصلاة ، وقياس الصديق الزكاة على الصلاة ، وقال : والله لا ~~أفرق بين PageV10P361 ما جمع الله . وصرح على بالقياس فى شارب الخمر بمحضر ~~الصحابة ، وقال : إنه إذا سكر هذى وإذا هذى افترى ، فحده حد القاذف . وكذلك ~~لما قال له الخوارج : لم حكمت ؟ قال : قد أمر الله تعالى بالحكمين فى ~~الشقاق الواقع بين الزوجين فما بين المسلمين أعظم . وهذا ابن عباس يقول : ~~ألا اعتبروا ، الأصابع بالأسنان اختلفت منافعها واستوت أورشها ، وقال : ألا ~~يتقى الله زيد ، يجعل ابن الابن ابنا ، ولا يجعل أبا الأب أبا ، وكتب عمر ~~بن الخطاب إلى أبى موسى الأشعرى يعلمه القضاء فقال له : اعرف الأشباه ~~والأمثال وقس الأمور عند ذلك . واختلف على وزيد فى قياس الجد على الإخوة ، ~~فقاسه على بسبيل انشعبت منه شعبة ثم انشعبت من الشعبة شعبتان ، وقاس ذلك ~~زيد بشجرة انشعب منها غصن ، وانشعب من الغصن غصنان . وقال ابن عمر : وقت ~~النبى - صلى الله عليه وسلم - لأهل نجد قرنا ولم يوقت لأهل العراق ، فقال ~~عمر : قيسوا من نحو العراق كنحو قرن . قال ابن عمر : فقاس الناس من ذات عرق ~~. ولو ذكرنا كل ما قاسه الصحابة لكثر به الكتاب غير أنه موجود فى الكتب لمن ~~ألهمه الله رشده ، وقد قيل للنخعى : هذا الذى تفتى به أشيئا سمعته ؟ قال : ~~سمعت بعضه فقست ما لم ms3683 أسمع على ما سمعت . وربما قال : إنى لأعرف بالشىء ~~الواحد مائة شىء . قال المزنى : فوجدنا بعد النبى - صلى الله عليه وسلم - ~~أئمة الدين فهموا عن الله تعالى ما أنزل إليهم وعن الرسول - صلى الله عليه ~~وسلم - ما أوجب عليهم ، ثم الفقهاء إلى اليوم هلم جرا ، استعملوا المقاييس ~~والنظائر فى أمر دينهم ، فإذا ورد عليهم ما لم ينص عليه نظروا ، فإن وجدوه ~~مشبها لما سبق الحكم فيه من النبى - صلى الله عليه وسلم - أجروا حكمه عليه ~~، وإن كان مخالفا له PageV10P362 فرقوا بينه وبينه ، فكيف يجوز لأحد إنكار ~~القياس ؟ ! ولا ينكر ذلك إلا من أعمى الله قلبه وحبب إليه مخالفة الجماعة . ~~قال المؤلف : وإنما أنكر القياس : النظام ، وطائفة من المعتزلة ، واقتدى ~~بهم فى ذلك من ينسب إلى الفقه داود بن على ، والجماعة هم الحجة ولا يلتفت ~~إلى من شذ عنها . * * * # | 14 - باب اجتهاد القضاة بما أنزل الله # لقوله تعالى : { ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون } [ ~~المائدة : 44 ] ومدح النبى - صلى الله عليه وسلم - صاحب الحكمة حين يقضى ~~بها ويعلمها لا يتكلف من قبل نفسه ، ومشاورة الخلفاء وسؤالهم أهل العلم . / ~~43 - فيه : عبدالله ، قال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( لا حسد إلا فى ~~اثنتين رجل آتاه الله مالا فسلط على هلكته فى الحق ، وآخر آتاه الله حكمة ~~فهو يقضى بها ويعلمها ) . / 44 - وفيه : المغيرة بن شعبة ، قال : ( سأل عمر ~~بن الخطاب عن إملاص المرأة ، هى التى يضرب بطنها ، فتلقى جنينا ، فقال : ~~أيكم سمع من النبى - صلى الله عليه وسلم - فيه شيئا ؟ فقلت : أنا ، فقال : ~~ما هو ؟ قلت : سمعت النبى - صلى الله عليه وسلم - يقول : ( فيه غرة عبد أو ~~أمة ) ، فقال : لا تبرح حتى تجيئنى بالمخرج فيما قلت ، فخرجت فوجدت محمد بن ~~مسلمة ، فجئت به فشهد معى أنه سمع النبى - صلى الله عليه وسلم - يقول : ( ~~فيه غرة عبد أو أمة ) . الاجتهاد فرض واجب على العلماء عند نزول الحادثة ، ~~والواجب على الحاكم أو العالم إذا كان من أهل الاجتهاد أن يلتمس حكم ms3684 ~~الحادثة فى الكتاب أو السنة ، ألا ترى أن عمر ابن الخطاب لما احتاج إلى أن ~~يقضى فى إملاص المرأة سأل الصحابة من عنده علم من النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - فى ذلك ؟ فأخبره المغيرة بن شعبة ومحمد بن مسلمة PageV10P363 بحكم ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - فى ذلك ، فحكم به ولم يسغ له الحكم فى ذلك ~~باجتهاده إلا بعد طلب النصوص من السنة ، فإذا عدم النص رجع إلى الإجماع ، ~~فإن لم يجده نظر هل يصح حمل حكم الحادثة على بعض الأحكام المتقررة لعلة ~~تجمع بينهما ، فإن وجد ذلك لزمه القياس عليها إذا لم تعارضها علة أخرى . ~~ولا فرق بين أن يجعل العلة مما هو من باب الحادثة أو غيره ؛ لأن الأصول ~~كلها يجب القياس عليها إذا صحت العلة ، فإن لم يجد العلة استدل بشواهد ~~الأصول وغلبة الأشباه إذا كان ممن يرى ذلك ، فإن لم يتوجه له وجه من بعض ~~هذه الطرق وجب أن يقر الأمر فى النازلة على حكم العقل ، ويعلم أنه لا حكم ~~لله فيها شرعيا زائدا على العقل . هذا قول ابن الطيب . قال غيره : وهذا هو ~~الاستنباط الذى أمر الله عباده بالرجوع إلى العلماء فيه بقوله تعالى : { ~~ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولى الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم } [ ~~النساء : 83 ] ، والاستنباط هو الاستخراج ، ولا يكون إلا فى القياس ؛ لأن ~~النص ظاهر جلى وليس يجوز أن يقال : إن عدم النص على الحادثة من كتاب الله ~~أو سنة رسوله . يوجب حكم لله فيها لقوله تعالى : { ما فرطنا فى الكتاب من ~~شىء } [ الأنعام : 38 ] ، إذ لو خلا بعض الحوادث أن تكون لا حكم لله فيها ~~بطل إخباره إيانا بقوله : { ما فرطنا فى الكتاب من شىء } [ الأنعام : 38 ] ~~، وفى علمنا أن النصوص لم تحط بجميع الحوادث دلالة أن الله تعالى قد أبان ~~لنا حكمها بغير جهة النص ، وهو القياس على علة النص ، ولو لم PageV10P364 ~~يتعبدنا الله إلا بما نص عليه فقط لمنع عباده الاستنباط الذى أباحه لهم ، ~~والاعتبار فى كتابه الذى دعاهم ms3685 إليه ، ولو نص على كل ما يحدث إلى قيام ~~الساعة لطال الخطاب ، وبعد إدراك فهمه على المكلفين ، بل كانت بنية الخلق ~~تعجز عن حفظه ، فالحكمة فيما فعل من وجوب الاجتهاد والاستنباط والحكم ~~للأشياء بأشباهها ونظائرها فى المعنى ، وهذا هو القياس الذى نفاه أهل ~~الجهالة القائلون بالظاهر المنكرون للمعانى والعلل ويلزمهم التناقض فى ~~نفيهم القياس ؛ لأن أصلهم الذى بنوا عليه مذهبهم أنه لا يجوز إثبات فرض فى ~~دين الله إلا بإجماع من الأمة ، والاجتهاد والقياس فرض على العلماء عند عدم ~~النصوص فيلزمهم أن يأتوا بإجماع من الأمة على إنكار القياس ، وحينئذ يصح ~~قولهم ، ولا سبيل لهم إلى ذلك . * * * # | 15 - باب قول النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( لتتبعن سنن من كان ~~قبلكم ) # / 45 - فيه : أبو هريرة ، قال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( لا تقوم ~~الساعة حتى تأخذ أمتى بأخذ القرون قبلها ، شبرا بشبر ، وذراعا بذراع ، فقيل ~~: يا رسول الله ، كفارس والروم ، فقال : ومن الناس إلا أولئك ) . / 46 - ~~وفيه : أبو سعيد ، قال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( لتتبعن سنن من كان ~~قبلكم ، شبرا شبرا ، وذراعا بذراع ، حتى لو دخلوا جحر ضب تبعتموهم ، قلنا : ~~يا رسول الله ، اليهود والنصارى ، قال : فمن ؟ ) . PageV10P365 قال المهلب ~~: قوله : ( لتتبعن سنن من كان قبلكم ) . بفتح السين هو أولى من ضمها ؛ لأنه ~~لا يستعمل الشبر والذراع إلا فى السنن وهو الطريق فأخبر - صلى الله عليه ~~وسلم - أن أمته قبل قيام الساعة يتبعون المحدثات من الأمور ، والبدع ~~والأهواء المضلة كما اتبعتها الأمم من فارس والروم حتى يتغير الدين عند ~~كثير من الناس ، وقد أنذر - صلى الله عليه وسلم - فى كثير من حديثه أن ~~الآخر شر ، وأن الساعة لا تقوم إلا على شرار الخلق ، وأن الدين إنما يبقى ~~قائما عند خاصة من المسلمين لا يخافون العداوات ، ويحتسبون أنفسهم على الله ~~فى القول بالحق ، والقيام بالمنهج القويم فى دين الله وفى رواية الأصيلى : ~~( بما أخذ القرون ) . وللنسفى وابن السكن : ( بأخذ القرون ) . وقال ثعلب : ~~أخذ أخذ الجهة : إذا قصد نحوها . * * * # | 16 - باب إثم من ms3686 دعا إلى ضلالة أو سن سنة سيئة لقول الله تعالى { ومن ~~أوزار الذين يضلونهم } الآية [ النحل : 25 ] # / 47 - فيه : عبدالله ، قال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( ليس من نفس ~~تقتل ظلما إلا كان على ابن آدم ، الأول كفل منها وربما قال سفيان : من دمها ~~لأنه أول من سن القتل ) . قال المهلب : فيه الأخذ بالمآل ، والحديث على ~~معنى الوعيد . وهذا الباب والذى قبله فى معنى التحذير من الضلال واجتناب ~~البدع ومحدثات الأمور فى الدين ، والنهى عن مخالفة سبيل المؤمنين المتبعين ~~لسنة الله وسنة رسوله التى فيها النجاة . * * * PageV10P366 # | 17 - باب ما ذكر النبى - صلى الله عليه وسلم - وحض على اتفاق أهل العلم ~~وما أجمع عليه الحرمان مكة والمدينة ، وما كان بها من مشاهد النبى - صلى ~~الله عليه وسلم - والمهاجرين والأنصار ، ومصلى النبى - صلى الله عليه وسلم ~~- والمنبر والقبر # / 48 - فيه : جابر ، أن أعرابيا بايع الرسول - صلى الله عليه وسلم - على ~~الإسلام . . . الحديث . فقال : أقلنى بيعتى . . . الحديث . فقال النبى - ~~صلى الله عليه وسلم - : ( إنما المدينة كالكير تنفى خبثها ، وينصع طيبها ) ~~. / 49 - وفيه : ابن عباس ، كنت أقرئ عبدالرحمن بن عوف ، فلما كان آخر حجة ~~حجها عمر ، فقال عبدالرحمن بمنى : لو شهدت أمير المؤمنين أتاه رجل قال : إن ~~فلانا يقول : لو مات أمير المؤمنين لبايعنا فلانا ، فقال عمر : لأقومن ~~العشية ، فأحذر هؤلاء الرهط الذين يريدون أن يغصبوهم ، قلت : لا تفعل ، فإن ~~الموسم يجمع رعاع الناس يغلبون على مجلسك ، فأخاف أن لا ينزلوها على وجهها ~~، فيطير بها كل مطير ، فأمهل حتى تقدم المدينة دار الهجرة ودار السنة ، ~~فتخلص بأصحاب النبى - صلى الله عليه وسلم - من المهاجرين والأنصار ، ~~فيحفظوا مقالتك ، وينزلوها على وجهها . . . الحديث . / 50 - وفيه : محمد ، ~~كنا عند أبى هريرة ، وعليه ثوبان ممشقان من كتان فتمخط ، فقال : بخ بخ أبو ~~هريرة ، يتمخط فى الكتان ، لقد رأيتنى وإنى لأخر فيما بين منبر النبى - صلى ~~الله عليه وسلم - وحجرة عائشة مغشيا عليه ، فيجىء الجائى فيضع رجله على ~~عنقى ، ويرى أنى مجنون ، وما بى من جنون ما بى إلا ms3687 الجوع . / 51 - وفيه : ~~ابن عباس ، قيل له : أشهدت العيد مع النبي - عليه السلام - ؟ قال : ~~PageV10P367 نعم ، ولولا منزلتى منه من الصغر ما شهدته ، فأتى العلم الذى ~~عند دار كثير بن الصلت ، فصلى ، وخطب . . . الحديث . / 52 - وفيه : ابن عمر ~~، أن النبى - صلى الله عليه وسلم - كان يأتى قباء راكبا وماشيا . / 53 - ~~وفيه : عائشة ، قالت لعبدالله بن الزبير : ادفنى مع صواحبى ، ولا تدفنى مع ~~النبى - صلى الله عليه وسلم - فى البيت ، فإنى أكره أن أزكى . / 54 - وفيه ~~: أن عمر أرسل إلى عائشة : ائذنى لى أن أدفن مع صاحبى ، فقالت : إى والله ، ~~قال : وكان الرجل إذا أرسل إليها من الصحابة ، قالت : لا والله ، لا أوثرهم ~~بأحد أبدا . / 55 - وفيه : أنس ، أن النبى - صلى الله عليه وسلم - كان يصلى ~~العصر ، فيأتى العوالى ، والشمس مرتفعة . وقال يونس : وبعد العوالى أربعة ~~أميال أو ثلاثة . / 56 - وفيه : السائب ، كان الصاع على عهد النبى - صلى ~~الله عليه وسلم - مدا وثلثا بمدكم اليوم ، وقد زيد فيه . / 57 - وفيه : أنس ~~، أن النبى - صلى الله عليه وسلم - قال : ( اللهم بارك لهم فى مكيالهم ، ~~وبارك لهم فى صاعهم ومدهم ) ، يعنى أهل المدينة . / 58 - وفيه : ابن عمر ، ~~أن اليهود جاءوا إلى النبى - صلى الله عليه وسلم - برجل وامرأة زنيا ، فأمر ~~بهما فرجما قريبا من حيث توضع الجنائز عند المسجد . / 59 - وفيه : أنس ، أن ~~النبى - صلى الله عليه وسلم - طلع له أحد ، فقال : ( هذا جبل يحبنا ونحبه ، ~~اللهم إن إبراهيم حرم مكة ، وإنى أحرم ما بين لابتيها ) . / 60 - وفيه : ~~سهل ، أنه كان بين جدار المسجد مما يلى القبلة وبين المنبر ممر الشاة . ~~PageV10P368 / 61 - وفيه : أبو هريرة ، قال - صلى الله عليه وسلم - : ( ما ~~بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة ، ومنبري على حوضي ) . / 62 - وفيه : ~~ابن عمر ، سابق النبى - صلى الله عليه وسلم - بين الخيل ، فأرسلت التى ضمرت ~~منها ، وأمدها إلى الحفياء إلى ثنية الوداع ، والتى لم تضمر أمدها ثنية ~~الوداع إلى مسجد بنى زريق . / 63 - وفيه : ابن عمر ، سمعت عمر على منبر ~~النبى - صلى الله ms3688 عليه وسلم - . / 64 - وفيه : أن السائب ، سمع عثمان بن ~~عفان خطبنا على منبر النبى - صلى الله عليه وسلم - . / 65 - وفيه : عائشة ، ~~كان يوضع لى ولرسول الله - صلى الله عليه وسلم - هذا المركن ، فنشرع فيه ~~جميعا . / 66 - وفيه : أنس ، حالف النبى - صلى الله عليه وسلم - بين ~~الأنصار وقريش فى دارى التى بالمدينة ، وقنت شهرا يدعو على أحياء من بنى ~~سليم . / 67 - وفيه : أبو بردة ، قدمت المدينة ، فلقينى عبدالله بن سلام ، ~~فقال لى : انطلق إلى المنزل ، فأسقيك فى قدح شرب فيه النبى - صلى الله عليه ~~وسلم - وتصلى فى مسجد صلى فيه النبى - صلى الله عليه وسلم - ، فانطلقت معه ~~، فسقانى سويقا ، وأطعمنى تمرا ، وصليت فى مسجده . / 68 - وفيه : عمر ، أن ~~النبى - صلى الله عليه وسلم - قال : ( أتانى الليلة آت من ربى ، وهو ~~بالعقيق ، أن صل فى هذا الوادى المبارك ، وقل : عمرة وحجة ) . وروى ( عمرة ~~فى حجة ) . / 69 - وفيه : ابن عمر ، أن النبى - صلى الله عليه وسلم - أرى ~~وهو فى معرسه بذى الحليفة ، فقيل له : إنك ببطحاء مباركة . PageV10P369 / ~~70 - وفيه : ابن عمر ، وقت النبي - صلى الله عليه وسلم - قرنا لأهل نجد ، ~~والجحفة لأهل الشأم ، وذا الحليفة لأهل المدينة ، وبلغني أن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - قال : ( ولأهل اليمن يلملم ، وذكر له العراق ؟ فقال : ( ~~لم يكن عراق يومئذ ) . قال المهلب : غرضه فى هذا الباب تفضيل المدينة بما ~~خصها الله به من معالم الدين ، وأنها دار الوحى ومهبط الملائكة بالهدى ~~والرحمة ، وبقعة شرفها الله بسكنى رسوله وجعل فيه قبره ومنبره وبينهما روضة ~~من رياض الجنة ، وجعلها كالكير تنفى خبث الفضة وتخلص من بقى فيها من أن ~~يشوبهم ميل عن الحق ، ألا ترى قول ابن عوف لعمر بن الخطاب : إنها دار ~~الهجرة والسنة ، وإن أهلها أصحاب النبى الذين خصهم الله بفهم العلم وقوة ~~التمييز والمعرفة بإنزال الأمور منازلها . وأما حديث أبى هريرة فإنما ذكر ~~وقوعه بين المنبر وحجرة عائشة الذين هما من معالم الدين وروضة من رياض ~~الجنة ، إعلاما منه بصبره على الجوع فى طلب العلم ، ولزوم ms3689 النبى - صلى الله ~~عليه وسلم - حتى حفظ من العلم ما كان حجة على الآفاق ببركة صبره على ~~المدينة . فأما قول ابن عباس : شهدت العيد ولولا مكانى من الصغر ما شهدته . ~~فمعناه : أن صغير أهل المدينة وكبيرهم ونسائهم وخدمهم ضبطوا العلم والسنن ~~معاينة منهم فى مواطن العمل من شارعها المبين عن الله تعالى وليس لغيرهم ~~هذه المنزلة . وأما إتيان النبى - صلى الله عليه وسلم - قباء فمعناه : ~~معاينة النبى ماشيا وراكبا فى قصده مسجد قباء ، وهو معلم من معالم الفضل ~~ومشهد من مشاهده - صلى الله عليه وسلم - وليس ذلك لغير المدينة . ~~PageV10P370 وأما حديث عائشة وأمرها أن تدفن مع صواحبها كراهة أن تزكى ~~بالدفن فى بيتها مع النبى - صلى الله عليه وسلم - وصاحبيه ؛ لئلا يظن أحد ~~أنها أفضل الصحابة بعد النبى وصاحبيه ، ألا تسمع قول مالك للرشيد حين سأله ~~عن منزلة أبى بكر وعمر من النبى فى حياته ، فقال له : منزلتهما منه فى ~~حياته كمنزلتهما منه بعد مماته . فزكاهما بالقرب منه فى البقعة المباركة ~~والتربة التى خلق الله منها خير البرية ، وأعاده فيها بعد مماته . فقام ~~لمالك الدليل من دفنهما معه على أنهما أفضل الصحابة لاختصاصهما بذلك . وقد ~~احتج الأبهرى على أن المدينة أفضل من مكة ، فإن النبى - صلى الله عليه وسلم ~~- مخلوق من تربة المدينة ، وهو أفضل البشر ؛ فكانت تربته أفضل الترب . قال ~~المهلب : وأما حديث أنس أن النبى - صلى الله عليه وسلم - كان يصلى العصر ~~فيأتى العوالى والشمس مرتفعة فمعناه : أن بين العوالى ومسجد المدينة للماشى ~~معلم من معالم ما بين الصلاتين يستغنى الماشى فيها يوم الغيم عن معرفة ~~الشمس ، وذلك معدوم فى سائر الأرض ، فإذا كانت مقادير الزمان معينة ~~بالمدينة لمكان باد للعيان ينقله العلماء إلى أهل الآفاق ليتمثلوه فى أقاصى ~~البلدان ، فكيف يساويهم أهل بلدة غيرها ، وكذلك دعاؤه لهم بالبركة فى ~~مكيالهم خصهم من بركة دعوته ما اضطر أهل الآفاق إلى القصد إلى المدينة فى ~~ذلك المعيار المدعو له بالبركة ، ليمتثلوه ويجعلوه سنة فى معاشهم وما فرض ~~الله عليهم ms3690 فى عيالهم ، وظهرت البركة لأهل كل بلدة فى ذلك المكيال . وأما ~~رجمه اليهوديين عند موضع الجنائز ، فإن الموضع قد صار علما PageV10P371 ~~لإقامة الحدود وللصلاة على الجنائز خارج المسجد ، وبه قال مالك فهما من ~~الحديث . وأما قوله : ( هذا جبل يحبنا ونحبه ) فمحبته للجبل توجب له بركة ~~ترغب فى مجاورته لها ، وعلى هذا التأويل تكون محبته للجبل ومحبة الجبل له ~~حقيقة لا مجازا بأن يحدث الله فى الجبل محبة ، ويكون ذلك من آيات نبوته ، ~~وقيل فيه وجه آخر : أن قوله : ( هذا جبل يحبنا ونحبه ) . هو على المجاز ~~يريد أهل الجبل كقوله : { واسأل القرية التى كنا فيها والعير } [ يوسف : 82 ~~] ، يريد أهل القرية . وأما مقدار ممر الشاة بين الجدار والمنبر ، فذلك ~~معلم للناس وسنة ممتثلة فى موضع المنابر ليدخل إليها من ذلك الموضع فينقض ~~من القبر وينظف . وأما ذكر مدى ما بين الحفياء وثنية الوداع ، فمسافة ذلك ~~سنة ممتثلة ميدانا لخيل الله المضمرة . وأما خطبة عمر ، وعثمان على منبر ~~النبى - صلى الله عليه وسلم - فإن ذلك سنة ممتثلة ، فإن الخطبة تكون على ~~المنابر لا بجانبها ليوصل الموعظة إلى أسماع الناس إذا أشرف عليهم ، وكذلك ~~مركن الماء الذى كانت تشرع فيه عائشة مع النبى - صلى الله عليه وسلم - ~~للغسل ، ومقدار ما يكفيها من الماء سنة ، ولا يوجد ذلك المركن إلا بالمدينة ~~، وكذلك موضع مخالفته - صلى الله عليه وسلم - بين قريش والأنصار بالمدينة ~~معروف ثبتت ببقائه جواز المحالفة فى الإسلام على أمر الدين والتعاضد فيه ~~على المخالفين ، وقد ذكر فى كتاب الأدب ما يجوز من الحلف في الإسلام ~~PageV10P372 وما لا يجوز ، في باب الإخاء والحلف ، فتأمله فيه ، وكذلك قدحه ~~- صلى الله عليه وسلم - ومكان صلاته لا يوجد فى غير المدينة ، وكذلك وادى ~~العقيق المبارك يوحى الله إلى رسوله وأن الله أنزل فيه بركة إحلال الاعتمار ~~فى أشهر الحج ، وكان محرما قبل ذلك على الأمم ، وأمره بالصلاة فيه لبركته ، ~~وليس ذلك مأمورا به إلا فى هذا الوادى الذى يقصده أهل الآفاق للصلاة فيه ~~والتبرك به . وكذلك ms3691 توقيت النبى - صلى الله عليه وسلم - المواقيت لأهل ~~الآفاق معالم للحج وللعمرة رفقا من الله بعباده وتيسيرا عليهم مشقة الإحرام ~~من كل فج عميق ، فهذه بركة من الله فى الحجاز موقوفة للعباد وليست فى غيره ~~من البلاد ، وفى جعل الله بطحاء العقيق المباركة مهلا للنبى - صلى الله ~~عليه وسلم - ولأهل المدينة ، وهى آخر جزائر المدينة ، على رأس عشرة أيام من ~~مكة وغيرها من المواقيت على رأس ثلاثة أيام من مكة فضل كبير ولأهل المدينة ~~؛ لحمله تعالى عليهم من مشقة الإحرام أكثر مما حمل على غيرهم ، وذلك لعلمه ~~بتبصرهم على العبادة واحتباسهم لتحملها . وكذلك صبرهم على لأواء المدينة ~~وشدتها حرصا على البقاء فى منزل الوحى ومثبت الدين ؛ ليكون الناس فى ~~موازنهم إلى يوم القيامة كما صاروا فى موازنهم بإدخالهم أولا فى الدين ؛ ~~لما وضع فيهم من القوة والشجاعة التى تعاطوا بها مقارعة أهل الدنيا ، ~~وضمنوا عن أنفسهم نصرة نبى الهدى فوفى الله بضمانهم على أعدائهم ، وتمت ~~كلمة ربك ودينه بهم فكانوا أفضل الناس ؛ لقربهم من رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - وعلمهم بأحوالهم وأحكامه وآدابه وسيره . PageV10P373 ووجب لمن ~~كان على مذاهب أهل المدينة حيث كان من أهل الأرض نصيب وافر من بركة المدينة ~~واستحقوا أن يكونوا من أهلها لاتباعهم سنن رسوله الثابتة عندهم من علمائهم ~~والمتبعين لهم بإحسان قال تعالى : { والذين اتبعوهم بإحسان رضى الله عنهم ~~ورضوا عنه } [ التوبة : 100 ] ، والمرء مع من أحب . ووجب أيضا أن يكون لأهل ~~مكة من ذلك نصيب ؛ لأن عندهم معالم فريضة الحج كلها ، وقد عاينوا من صلاته ~~وأقواله - صلى الله عليه وسلم - فى المرات التى دخلها ما صاروا به عالمين ، ~~ولهم من بركة ذلك نصيب وافر وحظ جزيل ، وقد اختلف أهل العلم فيما هم فيه ~~أهل المدينة حجة على غيرهم من الأمصار ، فكان الأبهرى يقول : أهل المدينة ~~حجة على غيرهم من طريق الاستنباط ، ثم رجع فقال : قولهم من طريق النقل أولى ~~من طريق غيرهم ، وهم وغيرهم سواء فى الاجتهاد . وهذا قول الشافعى . وذهب ~~أبو بكر ms3692 بن الطيب إلى أن قولهم أولى من طريق الاجتهاد والنقل جميعا . وذهب ~~أصحاب أبى حنيفة إلى أنهم ليسوا حجة على غيرهم لا من طريق النقل ، ولا من ~~طريق الاجتهاد ، واحتج من قال : هم أولى بالاجتهاد من غيرهم بأنهم شاهدوا ~~التنزيل وأقاويل النبى - صلى الله عليه وسلم - وعرفوا معانى خطابه وفحوى ~~كلامه ، فلذلك هم أولى من غيرهم بالاستنباط . واحتج أصحاب الشافعى فقالوا : ~~من قال هذا القول فقد قال بالتقليد وقد أخذ علينا النظر فى أقاويل الصحابة ~~والترجيح فى اختلافهم ، فإذا قام لنا الدليل على أحد القولين وجب المصير ~~إليه ، وإذا صح هذا بطل التقليد ، وإنما هم أولى من غيرهم من طريق النقل ~~لصحة عدالتهم ومعاينتهم التنزيل ومشاهدتهم للعمل فأما الاستنباط فالناس فيه ~~كلهم سواء . PageV10P374 وقوله بخ بخ : كلمة تقال عند الإعجاب بالتخفيف ~~والتثقيل . والمركن : شبيه تور من خزف يستعمل للماء . * * * # | 18 - باب قوله تعالى : { ليس لك من الأمر شىء } [ آل عمران : 128 ] # / 71 - فيه : ابن عمر ، سمع النبى - صلى الله عليه وسلم - يقول فى صلاة ~~الفجر ورفع رأسه من الركوع ، قال : ( اللهم ربنا ولك الحمد ، فى الأخيرة ) ~~، ثم قال : ( اللهم العن فلانا وفلانا ) ، فأنزل الله عز وجل : { ليس لك من ~~الأمر شىء أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون } ) [ آل عمران : 128 ] . ~~قوله : { ليس لك من الأمر شىء } [ آل عمران : 128 ] ، يعنى ليس لك من أمر ~~خلقى شىء ، وإنما أمرهم والقضاء فيهم بيدى دون غيرى فيهم ، وأقضى الذى أشاء ~~من التوبة على من كفر بى وعصانى أو العذاب : إما فى عاجل الدنيا بالقتل ~~والنقم ، وإما فى الآجل بما أعددت لأهل الكفر بى . ففى هذا من الفقه أن ~~الأمور المقدرة لا تغير عما أحكمت عليه ؛ لقوله : { ما يبدل القول لدى } [ ~~ق : 29 ] ، وقوله : { يمحو الله ما يشاء } فإنما هو فى النسخ أى : ينسخ مما ~~أمر به ما يشاء ، { ويثبت } أى : ويبقى من أمره ما يشاء . وعن ابن عباس ، ~~وقتادة ، وغيرهما . وقيل : { يمحو الله ما يشاء } مما يكتبه الحفظة على ~~العباد مما لم ms3693 يكن خيرا أو شرا كل يوم اثنين وخميس ، ويثبت ما سوى ذلك . ~~وعن ابن عباس أيضا : { يمحو الله ما يشاء ويثبت } أى من آتى أجله محى ، ومن ~~لم يمض أجله أثبت ، وعن الحسن . { وعنده أم الكتاب } [ الرعد : 39 ] ، يعنى ~~أصل الكتاب وهو اللوح المحفوظ . PageV10P375 والدعاء جائز من جميع الأمم ، ~~لكن ما ختم الله به من الأقدار على ضربين : منه ما قدر وقضى ، وإذا دعى ~~وتضرع إليه صرف البلاء ، وضرب آخر : وهو الذى فى هذا الحديث الذى ختم ~~بإمضائه ، وقال لنبيه : { ليس لك من الأمر شىء } [ آل عمران : 128 ] فى ~~الدعاء على هؤلاء ؛ لأن منهم من قد قضيت له بالتوبة ، ومنهم من قد قضيت ~~عليه بالعقاب فلابد منه لكن لانفراد الله بالمشيئة ، وتعذر علم ذلك على ~~العقول جاز الدعاء لله تعالى إذ الدعوة من أوصاف العبودية ، فعلى العبد ~~التزامها ، ومن صفة العبودية الضراعة والمسكنة ، ومن صفة الملك الرأفة ~~والرحمة ، ألا ترى قوله - صلى الله عليه وسلم - : ( لا يقولن أحدكم : اللهم ~~ارحمنى إن شئت ، وليعزم المسألة ، فإنه لا مكره له ) إذ كان السائل إنما ~~يسأل الله من حيث له أن يفعل لا من حيث له ترك الفعل ، وهذا الباب وإن كان ~~متعلقا بباب القدر فله مدخل فى كتاب الاعتصام لدعاء النبى - صلى الله عليه ~~وسلم - لهم إلى الإيمان الذى الاعتصام به يمنعهم القتل ويحقن الدم . * * * # | 19 - باب قول الله تعالى : { وكان الإنسان أكثر شىء جدلا } وقوله : { ~~ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتى هى أحسن } الآية [ العنكبوت : 46 ] # / 72 - فيه : على ، أن النبى - صلى الله عليه وسلم - طرقه وفاطمة ابنة ~~النبى - صلى الله عليه وسلم - ، فقال لهم : ( ألا تصلون ) ؟ فقلت : يا رسول ~~الله ، إنما أنفسنا بيد الله ، فإذا شاء PageV10P376 أن يبعثنا بعثنا ، ~~فانصرف النبى - صلى الله عليه وسلم - ، ولم يرجع إليه شيئا ، وهو مدبر ، ~~يضرب فخذه ، ويقول : { وكان الإنسان أكثر شىء جدلا } [ الكهف : 54 ] . / 73 ~~- وفيه : أبو هريرة ، قال النبى ، عليه السلام : ( انطلقوا إلى يهود ) ، ~~فخرجنا معه حتى جئنا ، بيت المدراس ، فناداهم النبى ms3694 - صلى الله عليه وسلم - ~~: ( يا معشر اليهود ، أسلموا تسلموا ) ، قالها ثلاثا ، فقالوا : قد بلغت يا ~~أبا القاسم ، فقال : ( ذلك أريد ، أسلموا تسلموا ) ، قالها ثلاثا ، فقال : ~~( اعلموا أنما الأرض لله ورسوله ، وأنى أريد أن أجليكم من هذه الأرض ، فمن ~~وجد منكم بماله شيئا فليبعه ، وإلا فاعلموا أنما الأرض لله ورسوله ) . قال ~~المهلب : الجدال موضوعه فى اللغة المدافعة ، فمنه مكروه ، ومنه حسن ، فما ~~كان منه تثبيتا للحقائق وتثبيتا للسنن والفرائض ، فهو الحسن وما كان منه ~~على معنى الاعتذار والمدافعات للحقائق فهو المذموم . وأما قول على فهو من ~~باب المدافعة ، فاحتج عليه النبى - صلى الله عليه وسلم - بقوله تعالى : { ~~وكان الإنسان أكثر شىء جدلا } [ الكهف : 54 ] . وقال غيره : وجه هذه الآية ~~فى كتاب الاعتصام أن النبى - صلى الله عليه وسلم - عرض على على وفاطمة ~~الصلاة فاحتج عليه على بقوله : إنما أنفسنا بيد الله . فلم يكن له أن يدفع ~~ما دعاه النبى إليه بقوله هذا بل كان الواجب عليه قبول ما دعاه إليه ، وهذا ~~هو نفس الاعتصام بسنته - صلى الله عليه وسلم - ؛ فلأجل تركه الاعتصام بقبول ~~ما دعاه إليه من الصلاة قال تعالى : { وكان الإنسان أكثر شىء جدلا } [ ~~الكهف : 54 ] ، ولا حجة لأحد فى ترك أمر الله ، وأمر رسوله بمثل ما احتج به ~~على . وأما حديث أبى هريرة ، فموضع الترجمة منه أن اليهود لما بلغهم النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - PageV10P377 ما لزمهم العمل به والإيمان بموجبه ~~قالوا له : قد بلغت يا أبا القاسم . رادين لأمره فى عرضه عليهم الإيمان ، ~~فبالغ فى تبليغهم ، وقال : ذلك أريد . ومن روى ( ذلك أريد ) بمعنى : أريد ~~بذلك بيانا بتكرير التبليغ ، وهذه مجادلة من النبى - صلى الله عليه وسلم - ~~لأهل الكتاب بالتى هى أحسن . وقد اختلف العلماء فى تأويل هذه الآية ، فقالت ~~طائفة : هى محكمة ، ويجوز مجادلة أهل الكتاب بالتى هى أحسن على معنى الدعاء ~~لهم إلى الله والتنبيه على حججه وآياته رجاء إجابتهم إلى الإيمان وقوله ~~تعالى : { إلا الذين ظلموا منهم } [ البقرة : 150 ] ، معناه : إلا الذين ~~نصبوا للمؤمنين الحرب ms3695 ، فجادلوهم بالسيف حتى يسلموا أو يعطوا الجزية . هذا ~~قول مجاهد ، وسعيد بن جبير . وقال ابن زيد : معناه : ولا تجادلوا أهل ~~الكتاب . يعنى : إذا أسلموا وأخبروكم بما كان فى كتبهم . إلا بالتى هى أحسن ~~: فى المخاطبة ، إلا الذين ظلموا : بإقامتهم على الكفر فخاطبوهم بالشر ، ~~وقال : وهى محكمة . وقال قتادة : هى منسوخة بآية القتال . * * * # | 20 - باب قوله تعالى : { وكذلك جعلناكم أمة وسطا } وما أمر النبى - صلى ~~الله عليه وسلم - بلزوم الجماعة وهم أهل العلم # . / 74 - فيه : أبو سعيد ، قال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( يجاء ~~بنوح يوم القيامة ، فيقال له : هل بلغت ؟ فيقول : نعم ، يا رب ، فتسأل أمته ~~، هل بلغكم ؟ فيقولون : ما جاءنا من نذير ، فيقول : من يشهد لك ؟ فيقول : ~~محمد وأمته ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( فيجاء بكم فتشهدون ~~) ، PageV10P378 ثم قرأ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : { وكذلك ~~جعلناكم أمة وسطا } [ البقرة : 143 ] أى عدلا ، إلى قوله : { شهيدا } [ ~~البقرة : 143 ] . ( معنى هذا الباب ) الاعتصام بالجماعة ، ألا ترى قوله : { ~~لتكونوا شهداء على الناس } [ البقرة : 143 ] ، ولا يجوز أن يكونوا شهداء ~~غير مقبولى القول ، ولما كان الرسول واجبا اتباعه وجب اتباع قولهم ؛ لأن ~~الله جمع بينه وبينهم فى قبول قولهم وزكاهم وأحسن الثناء عليهم بقوله : { ~~وكذلك جعلناكم أمة وسطا } [ البقرة : 143 ] يعنى عدلا . والاعتصام بالجماعة ~~كالاعتصام بكتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - ؛ لقيام الدليل ~~على توثيق الله ورسوله صحة الإجماع وتحذيرهما من مفارقته بقوله تعالى : { ~~ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى } [ النساء : 115 ] الآية ، ~~وقوله : { كنتم خير أمة أخرجت للناس } [ آل عمران : 110 ] الآية . وهاتان ~~الآيتان قاطعتان على أن الأمة لا تجتمع على ضلال ، وقد أخبر الرسول بذلك ~~فهما من كتاب الله فقال : ( لا تجتمع أمتى على ضلال ) ولا يجوز أن يكون ~~أراد جميعها من عصره إلى قيام الساعة ؛ لأن ذلك لا يفيد شيئا ؛ إذ الحكم لا ~~يعرف إلا بعد انقراض جميعها ، فعلم أنه أراد أهل الحل والعقد من كل عصر . * ~~* * PageV10P379 # | 21 - باب إذا اجتهد العامل ms3696 أو الحاكم فأخطأ خلاف الرسول من غير علم ~~فحكمه مردود ، لقوله - صلى الله عليه وسلم - : ( من عمل عملا ليس عليه ~~أمرنا فهو رد ) # / 75 - فيه : أبو سعيد ، وأبو هريرة ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~بعث أخا بني عدي الأنصاري ، إلى خيبر ، واستعمله على خيبر ، فقدم بتمر جنيب ~~، فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( أكل تمر خيبر هكذا ) ؟ قال ~~: لا ، والله يا رسول الله إنا لنشترى الصاع بالصاعين من الجمع ، فقال رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - : ( لا تفعلوا ، ولكن مثلا بمثل أو بيعوا هذا ~~، واشتروا بثمنه من هذا ، وكذلك الميزان ) . قد تقدم هذا الباب فى كتاب ~~الأحكام وفى كتاب الاعتصام ومعناه أن الواجب على من حكم بغير السنة جهلا ~~وغلطا ، ثم تبين له أن سنة الرسول خلاف حكمه فإن الواجب عليه الرجوع إلى ~~حكم السنة وترك ما خالفها امتثالا لأمره تعالى بوجوب طاعته وطاعة رسوله ألا ~~يحكم بخلاف سنته ، وهذا هو نفس الاعتصام بالسنة ، وقد تقدم فيه ، وأن ~~الرسول أمر برد هذا البيع فى البيوع . وقوله : ( وكذلك الميزان ) معناه : ~~وكذلك ما يوزن أن يباع مثلا بمثل مثل ما يكال . * * * PageV10P380 # | 22 - باب أجر الحاكم إذا اجتهد فأصاب أو أخطأ # / 76 - فيه : عمرو بن العاص ، أنه سمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~يقول : ( إذا حكم الحاكم فاجتهد ، ثم أصاب فله أجران ، وإذا حكم فاجتهد ، ~~ثم أخطأ فله أجر ) . قال ابن المنذر : وإنما يكون الأجر للحاكم المخطئ إذا ~~كان عالما بالاجتهاد والسنن ، وأما من لم يعلم ذلك فلا يدخل فى معنى الحديث ~~، يدل على ذلك ما رواه الأعمش ، عن سعيد ابن عبيدة ، عن ابن بريدة ، عن ~~أبيه قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( القضاة ثلاثة : ~~قاضيان فى النار ، وقاض فى الجنة ، فقاض قضى بغير الحق وهو يعلم ، فذلك فى ~~النار ، وقاض قضى وهو لا يعلم فأهلك حقوق الناس فذلك فى النار ، وقاض قضى ~~بالحق ، فذلك فى الجنة ) . قال ابن المنذر : إنما يؤجر على اجتهاده فى طلب ~~الصواب ms3697 لا على الخطأ ، ومما يؤيد هذا قوله تعالى : { وداوود وسليمان } [ ~~الأنبياء : 78 ] الآية . قال الحسن : أثنى على سليمان ولم يذم داود . وذكر ~~أبو التمام المالكى أن مذهب مالك أن الحق فى واحد من أقاويل المجتهدين ، ~~وليس ذلك فى جميع أقاويل المتخلفين وبه قال أكثر الفقهاء . قال : وحكى ابن ~~القاسم أنه سأل مالكا عن اختلاف الصحابة ، فقال : مخطئ ومصيب وليس الحق فى ~~جميع أقاويلهم . قال أبو بكر ابن الطيب : اختلفت الروايات عن أئمة الفتوى ~~فى هذا الباب كمالك وأبى حنيفة والشافعى : فأما مالك ، فالمروى عنه منعه ~~المهدى من حمله الناس على العمل والفتيا بما فى الموطأ ، وقال له : دع ~~الناس يجتهدون وظاهر هذا إيجابه على كل مجتهد القول بما يؤديه الاجتهاد ~~إليه ، ولو رأى أن الحق فى قوله فقط ، أو قطع عليه لكان الواجب عليه ~~PageV10P381 المشورة على السلطان بالعمل به ، ويبعد أن يعتقد مالك أن كل ~~مجتهد مأمور بالحكم والفتيا باجتهاده ، وإن كان مخطئا فى ذلك ، وذكر عن أبى ~~حنيفة والشافعى القولين جميعا . واحتج من قال : إن الحق فى واحد من أقاويل ~~المجتهدين بقوله - صلى الله عليه وسلم - : ( إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله ~~أجران ، وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر ) . قالوا : وهذا نص على أن فى المجتهدين ~~وفى الحاكمين مخطئا ومصيبا ، قالوا : والقول بأن كل مجتهد مصيب يؤدى إلى ~~كون الشىء حلالا حراما وواجبا ندبا ويلزم الحاكم اعتقاد كونه حلالا إذا رأى ~~ذلك بعض أهل الاجتهاد ، وحراما إذا رأى ذلك غيره ، وأن تكون الزوجة محللة ~~محرمة ، والمال ملك الإنسان وغير ملك له إذا اختلف فى ذلك أهل الاجتهاد . ~~واحتج كل من قال : كل مجتهد مصيب ، فقالوا : اتفق الكل من الفقهاء على أن ~~فرض كل عالم الحكم والفتيا بما أداه الاجتهاد إليه ، وما هو الحق عنده وفى ~~غالب ظنه ، وأنه حرام عليه أن يفتى ويحكم بقول مخالفه ، ولو كان فى ~~الأقاويل المختلف فيها ما هو خطأ وخلاف دين الله لم يجز أن تجمع الأمة على ~~أن فرض القائل به ؛ لأن إجماعها على ذلك ms3698 إجماع على خطأ ، وقد نهى الله عنه ~~وشرع خلافه . ولو جاز أن يكون أحدهما مخطئا لأدى ذلك إلى أن الله تعالى أمر ~~أحدهما بإصابة عين الباطل ، وفى هذا القول بأن الله أمر بالباطل ، وإذا فسد ~~هذا مع كونه مأمورا بالاجتهاد وجب كونه بفتياه ممتثلا أمر ربه وطائعا له ~~ومصيبا عند الله ، فثبت أن الحق مع كل واحد منهما بدليل قوله تعالى : { إن ~~الله لا يأمر بالفحشاء } [ الأعراف : 28 ] ، ومع قيام الدليل على أن طاعة ~~البارى إنما كانت طاعة لأمره بها كما أن المعصية كانت معصية لنهيه عنها . ~~PageV10P382 وقد أجاب الشافعي عن هذا الحديث فى الرسالة بنحو هذا فقال : لو ~~كان فى الاجتهاد خطأ وصواب فى الحقيقة لم يجز أن يثاب على أحدهما أكثر من ~~الآخر ؛ لأن الثواب لا يجوز فيما لا يسوغ ولا فى الخطأ الموضوع إثمه عنا . ~~وقال ابن الطيب : هذا الخبر يدل على أن كل مجتهد مصيب أولى وأقرب ؛ لأن ~~المخطئ لحكم الله والحاكم بغيره مع الأمر له به لا يجوز أن يكون مأجورا على ~~الحكم بالخطأ بل أقصى حالاته أن يكون إثمه موضوعا عنه فأما أن يكون بمخالفة ~~حكم الله مأجورا فإنه باطل باتفاق ، والنبى - صلى الله عليه وسلم - قد جعله ~~مأجورا ، فدل ذلك على أن هذا ليس بخطأ فى شىء من الأحكام وجب عليه ولزمه ~~الحكم به . ويحتمل أن يكون معناه إذا اجتهد فى البحث والطلب للنص فأصابه ~~وحكم بموجبه فله أجران : أحدهما على البحث والطلب ، والآخر على الحكم ~~بموجبه ، وأراد بقوله : ( إن حكم فأخطأ ) أى : أخطأ الخبر ، بأن لم يبلغه ~~مع الاجتهاد فى طلبه ، ثم حكم باجتهاده المخالف لحكم النص كان مخطئا للنص ~~ومصيبه لا محالة فى الحكم ؛ لأن الحكم بالاجتهاد عند ذلك هو فرضه . ولهذا ~~كان يقول عمر عندما كان يبلغه الخبر : لولا هذا لقضينا فيه برأينا ، ولم ~~يقل له أحد من الصحابة : لو قضيت فيه برأيك ولم يبلغك الخبر لكنت بذلك ~~عاصيا ، ولم أردت أن تقضى بالرأى وهذا الخبر كان موجودا ، فدل إمساك ms3699 الكل ~~عن ذلك أن فرض الحاكم والمجتهد الحكم والفتيا برأيه ، وإن خالف موجب الخبر ~~، فإذا بلغه تغير عند ذلك فرضه ولزمه الحكم بموجبه . ولا نقول : إن كل ~~مجتهد مصيب إلا فى الفروع ومسائل الاجتهاد PageV10P383 التي يجوز للعامى ~~فيها التقليد ، وأما القول بوجوب الصلوات الخمس والصيام والحج وكل فرض يثبت ~~العمل به بالتواتر والاتفاق فأصل من أصول الدين الذى يحرم خلافه كالتوحيد ~~والنبوة وما يتصل بها . * * * # | 23 - باب الحجة على من قال : إن أحكام النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~كانت ظاهرة ، وما كان يغيب بعضهم من مشاهد النبى - صلى الله عليه وسلم - ~~وأمور الإسلام # / 77 - فيه : أبو موسى أنه استأذن على عمر ، فوجده مشغولا ، فقال عمر : ~~ألم أسمع صوت عبدالله بن قيس ؟ ائذنوا له ، فدعى له ، فقال : ما حملك على ~~ما صنعت ؟ فقال : إنا كنا نؤمر بهذا ، قال : فأتنى على هذا ببينة ، أو ~~لأفعلن بك ، فانطلق إلى مجلس من الأنصار ، فقالوا : لا يشهد إلا أصاغرنا ، ~~فقام أبو سعيد الخدرى ، فقال : قد كنا نؤمر بهذا ، فقال عمر : خفى على هذا ~~من أمر النبى - صلى الله عليه وسلم - ألهانى الصفق بالأسواق . / 78 - وفيه ~~: أبو هريرة ، إنكم تزعمون أن أبا هريرة يكثر الحديث عن النبى - صلى الله ~~عليه وسلم - والله الموعد ، إنى كنت امرا مسكينا ألزم النبى - صلى الله ~~عليه وسلم - على ملء بطنى ، وكان المهاجرون يشغلهم الصفق بالأسواق ، وكانت ~~الأنصار يشغلهم القيام على أموالهم ، فشهدت من رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - ذات يوم ، وقال : ( من يبسط رداءه حتى أقضى مقالتى ، ثم يقبضه ، فلن ~~ينسى شيئا سمعه منى ) ، فبسطت بردة ، كانت على ، فوالذى بعثه بالحق ، ما ~~نسيت شيئا سمعته منه . هذا الباب يرد به على الرافضة وقوم من الخوارج زعموا ~~بأن أحكام PageV10P384 النبي وسننه منقولة عنه نقل تواتر ، وأنه لا سبيل ~~إلى العمل بما لم ينقل نقل تواتر ، وقولهم فى غاية الجهل بالسنن وطرقها ، ~~فقد صحت الآثار أن أصحاب النبى - صلى الله عليه وسلم - أخذ بعضهم السنن من ~~بعض ورجع بعضهم إلى ما ms3700 رواه غيره عن النبى - صلى الله عليه وسلم - وانعقد ~~الإجماع على القول بالعمل بأخبار الآحاد ، وبطل قول من خرج عن ذلك من أهل ~~البدع ، هذا أبو بكر الصديق على مكانه لم يعلم النص فى الجدة حتى أخبره ~~محمد بن مسلمة والمغيرة بالنص فيها ، فرجع إليه ، وأخذ عمر بن الخطاب بما ~~رواه عبد الرحمن بن عوف فى حديث الوباء ، فرجع إليه ، وكذلك أخذ أيضا عمر ~~بما رواه أبو موسى فى دية الأصابع ، فرجع إليه وأخذ أيضا عمر بما رواه ~~المغيرة بن شعبة ومحمد بن مسلمة فى دية الجنين ، ورجع عمر إلى أبى موسى ~~وأبى سعيد فى الاستئذان ، وابن عمر يحكى عن رافع بن خديج النهى عن المخابرة ~~فرجع إليه ، والصحابة ترجع إلى قول عائشة : ( إذا التقى الختانان وجب الغسل ~~) وأيضا ترجع إليها فى أن النبى - صلى الله عليه وسلم - كان يصبح جنبا من ~~جماع غير احتلام ثم يصوم . وأبو موسى يرجع إلى حديث ابن مسعود فى ابنة ~~وابنة ابن وأخت وهذا الباب أكثر من أن يحصى . * * * # | 24 - باب من رأى ترك النكير من النبى - صلى الله عليه وسلم - حجة لا من ~~غيره # / 79 - فيه : ابن المنكدر ، رأيت جابر بن عبدالله ، يحلف بالله أن ابن ~~الصائد الدجال ، قلت : تحلف بالله ؟ قال : إنى سمعت عمر يحلف على ذلك عند ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فلم ينكره النبي - صلى الله عليه وسلم - . ~~PageV10P385 قال المؤلف : ترك النكير من النبى - صلى الله عليه وسلم - حجة ~~وسنة يلزم أمته العمل بها لا خلاف بين العلماء فى ذلك ؛ لأن النبى - صلى ~~الله عليه وسلم - لا يجوز أن يرى أحدا من أمته يقول قولا أو يفعل فعلا ~~محظورا فيقره عليه لأن الله تعالى فرض عليه النهى عن المنكر ، فإذا كان ~~كذلك علم أنه لا يرى أحدا عمل شيئا فيقره عليه إلا وهو مباح له ، وثبت أن ~~إقرار النبى - صلى الله عليه وسلم - عمر على حلفه أن ابن صياد الدجال إثبات ~~أنه الدجال ، وكذلك فهم جابر بن عبد الله من ms3701 يمين عمر . فإن اعترض بما روى ~~من قول عمر للنبي : دعنى أضرب عنقه . فقال : ( إن يكن هو فلن تسلط عليه ، ~~وإن لم يكن هو فلا خير لك فى قتله ) فهذا يدل على شكه - صلى الله عليه وسلم ~~- فيه ، وترك القطع عليه أنه الدجال . قيل : عن هذا جوابان : أحدهما أنه ~~يمكن أن يكون هذا الشك منه - صلى الله عليه وسلم - كان متقدما ليمين عمر ~~أنه الدجال ، ثم أعلمه الله أنه الدجال فلذلك ترك إنكار يمينه عليه لتيقنه ~~بصحة ما حلف عليه . الوجه الآخر : أن الكلام وإن خرج مخرج الشك فقد يجوز أن ~~يراد به التيقن والقطع كقوله : { لئن أشركت ليحبطن عملك } [ الزمر : 65 ] ، ~~وقد علم تعالى أنه لا يقع منه الشرك ، وإنما خرج منه هذا - صلى الله عليه ~~وسلم - على المتعارف عند العرب فى تخاطبها . قال الشاعر : أيا ظبية الوعساء ~~بين جلاجل بين النقا آأنت أم أم سالم PageV10P386 فأخرج كلامه مخرج الشك مع ~~كونه غير شاك فى أنها ليست بأم سالم ، وكذلك خرج كلامه - صلى الله عليه ~~وسلم - مخرج الشك لطفا منه بعمر فى صرفه عن عزمه على قتله ، وقد ذكر عبد ~~الرزاق ، عن معمر ، عن الزهرى ، عن سالم ، عن ابن عمر قال : لقيت ابن صياد ~~يوما ومعه رجل من اليهود ، فإذا عينه قد طفت وهى خارجة مثل عين الجمل ، ~~فلما رأيتها قلت : أنشدك الله يا ابن صياد ، متى طفت عينك ؟ قال : لا أدرى ~~والرحم . فقلت : كذبت ، لا تدرى وهى فى رأسك ؟ قال : فمسحها ونخر ثلاثا ~~فزعم اليهودي أني ضربت بيدي على صدره وقلت له : أخسأ فلن تعدو قدرك ، فذكرت ~~ذلك لحفصة فقالت : اجتنب هذا الرجل ، فإنا نتحدث أن الدجال يخرج عند غضبة ~~يغضبها . فإن قيل : هذا كله يدل على الشك فى أمره . قيل : إن وقع الشك فى ~~أنه الدجال الذى يقتله عيسى ابن مريم - صلى الله عليه وسلم - ، فلم يقع ~~الشك فى أنه أحد الدجالين الذين أنذر بهم النبي - صلى الله عليه وسلم - من ~~قوله : ( إن بين يدى الساعة دجالين ms3702 كذابين أزيد من ثلاثين ) فلذلك لم ينكر ~~على عمر يمينه والله أعلم ؛ لأن الصحابة قد اختلفوا فى مسائل : فمنهم من ~~أنكر على مخالفة قوله ، ومنهم من سكت عن إنكار ما خالف اجتهاده ومذهبه ، ~~فلم يكن سكوت من سكت رضا بقول مخالفه ، إذ قد يجوز أن يكون الساكت لم يبين ~~له وجه الصواب فى المسألة وأخرها إلى وقت آخر ينظر فيها ، وقد يجوز أن يكون ~~سكوته ليبين خلافها فى وقت آخر إذا كان ذلك أصلح فى المسألة . فإن اعترض أن ~~سكوت البكر حجة عليها . PageV10P387 قيل : ليس هذا بمفسد لما تقدم ؛ لأن من ~~شرط كون سكوتها حجة عليها تقديم الإعلام لها بذلك ؛ فسكوتها بعد الإعلام ~~أنه لازم لها رضا منها وإقرار . * * * # | 25 - باب الأحكام التى تعرف بالدلائل وكيف معنى الدلالة وتفسيرها ؟ # وقد أخبر النبى - صلى الله عليه وسلم - أمر الخيل وغيرها ، ثم سئل عن ~~الحمر ، فدلهم على قوله تعالى : { فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره } [ الزلزلة ~~: 7 ] ، وسئل عن الضب ، فقال : ( لا آكله ، ولا أحرمه ) ، وأكل على مائدة ~~النبى - صلى الله عليه وسلم - الضب ، فاستدل ابن عباس بأنه ليس بحرام . / ~~80 - وفيه : أبو هريرة ، قال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( الخيل ~~لثلاثة : لرجل أجر ، ولرجل ستر ، وعلى رجل وزر . . . ) ، الحديث وسئل النبى ~~- صلى الله عليه وسلم - عن الحمر ، فقال : ( ما أنزل الله على فيها إلا هذه ~~الآية الفاذة الجامعة : { فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة ~~شرا يره } ) . / 81 - وفيه : عائشة ، أن امرأة سألت النبى - صلى الله عليه ~~وسلم - عن الحيض ، كيف تغتسل منه ؟ قال : ( تأخذين فرصة ممسكة ، فتوضئين ~~بها ) ، قالت : كيف أتوضأ بها يا رسول الله ؟ قال : ( توضئى ) ، قالت : كيف ~~أتوضأ بها ؟ قال : ( توضئين بها ) ، قالت عائشة : فعرفت الذى يريد النبى - ~~صلى الله عليه وسلم - فجذبتها إلى فعلمتها . / 82 - وفيه : ابن عباس ، أن ~~أم حفيد أهدت إلى النبى - عليه السلام - سمنا وأقطا وأضبا ، PageV10P388 ~~فدعا بهن النبي - عليه السلام - فأكلن على مائدته ، فتركهن النبى - صلى ~~الله عليه وسلم - كالمتقذر ms3703 له ، ولو كن حراما ما أكل على مائدته ، ولا أمر ~~بأكله ) . / 83 - وفيه : جابر ، قال النبي - عليه السلام - : ( من أكل ثوما ~~أو بصلا ، فليعتزلنا ، أو ليعتزل مسجدنا ، وليقعد فى بيته ) ، وإنه أتى ~~ببدر ، قال ابن وهب : يعنى طبقا ، فيه خضرات من بقول ، فوجد لها ريحا ، ~~فسأل عنها ، فأخبر بما فيها من البقول ، فقال : ( قربوها ) ، فقربوها إلى ~~بعض أصحابه كان معه ، فلما رآه كره أكلها ، قال : ( كل ، فإنى أناجى من لا ~~تناجى ) . وعن ابن وهب : بقدر فيه خضرات . / 84 - وفيه : جبير بن مطعم ، أن ~~امرأة أتت النبي - عليه السلام - وكلمته بشىء فأمرها بأمر ، فقالت : أرأيت ~~يا رسول الله ، إن لم أجدك ؟ قال : ( إن لم تجدينى فأتى أبا بكر ) . زاد ~~الحميدى ، عن إبراهيم بن سعد ، كأنها تعنى الموت . قال المهلب وغيره : هذا ~~كله بين فى جواز القياس والاستدلال وموضع الاستدلال على أن فى الحمر أجرا ~~قوله تعالى : { فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره } [ الزلزلة : 7 ] ، فحمل - ~~صلى الله عليه وسلم - الآية على عمومها استدلالا بها . وأما استدلال ابن ~~عباس أن الضب حلال على مائدته - صلى الله عليه وسلم - بحضرته ، ولم ينكره ~~ولا منع منه بقوله : ( ولا أحرمه ) . فيحتمل أن يكون استدلالا لا نصا ~~لاحتمال قوله - صلى الله عليه وسلم - : ( ولا أحرمه ) الندب إلى ترك أكله ، ~~فلما أكل بحضرته استدل ابن عباس بذلك على أنه لم يحرمه ولا ندب إلى تركه ، ~~ويحتمل أن يكون نصا ؛ لأن قوله : ( ولا أحرمه ) فلا يتضمن الندب إلى ترك ~~أكله فيكون نصا في تحليله . PageV10P389 وأما حديث الحائض فهو استدلال صحيح ~~؛ لأن السائلة لم تفهم غرض النبي - صلى الله عليه وسلم - حين أعرض عن ذكر ~~موضع الأذى والدم حياء منه - صلى الله عليه وسلم - ولم تدر أن التتبع لأثر ~~الدم بالحرقة سمى توضؤا ففهمت ذلك عائشة من إعراضه فهو استدلال صحيح . وأما ~~حديث جابر فى الثوم والبصل فهو نص منه - صلى الله عليه وسلم - على جواز ~~أكله بقوله : ( كل ، فإنى أناجى من لا تناجى ) . وأما حديث المرأة فهو ~~استدلال ms3704 صحيح استدل النبى بظاهر قولها : فإن لم أجدك . أنها أرادت الموت ، ~~فأمرها بإتيان أبى بكر . قيل له : قد يمكن أنه اقترن بسؤالها إن لم أجدك ؟ ~~حالة من الأحوال ، وإن لم يكن نقلها دلته - صلى الله عليه وسلم - على ~~مرادها ، فوكلها إلى أبى بكر ، وفى هذا دليل على استخلاف أبى بكر ، وقد أمر ~~الله عباده بالاستدلال والاستنباط من نصوص الكتاب والسنة وفرض ذلك على ~~العلماء القائمين به . * * * # | 26 - باب قول النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( لا تسألوا أهل الكتاب ~~عن شىء ) # / 85 - فيه : عبدالرحمن ، سمع معاوية ، يحدث رهطا من قريش بالمدينة ، ~~وذكر كعب الأحبار ، فقال : إن كان من أصدق هؤلاء المحدثين الذين يحدثون عن ~~أهل الكتاب ، وإن كنا مع ذلك لنبلو عليه الكذب . / 86 - وفيه : أبو هريرة ، ~~قال : كان أهل الكتاب يقرءون التوراة بالعبرانية ، ويفسرونها بالعربية لأهل ~~الإسلام ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( لا تصدقوا ~~PageV10P390 أهل الكتاب ولا تكذبوهم ، { وقولوا آمنا بالذى أنزل إلينا ~~وأنزل إليكم } [ العنكبوت : 46 ] الآية ) . / 87 - وفيه : ابن عباس ، قال : ~~كيف تسألون أهل الكتاب عن شىء وكتابكم الذى أنزل على رسوله - صلى الله عليه ~~وسلم - أحدث ، تقرءونه محضا لم يشب ، وقد حدثكم أن أهل الكتاب بدلوا كتاب ~~الله وغيروه ، وكتبوا بأيديهم الكتاب ، وقالوا : هو من عند الله ؛ ليشتروا ~~به ثمنا قليلا ، ألا ينهاكم ما جاءكم من العلم عن مسألتهم ؟ لا والله ما ~~رأينا منهم رجلا يسألكم عن الذى أنزل عليكم . قال المهلب : قوله - صلى الله ~~عليه وسلم - : ( لا تسألوا أهل الكتاب عن شئ ) إنما هو فى الشرائع لا ~~تسألوهم عن شرعهم فيما لا نعرفه من شرعنا لنعمل به ؛ لأن شرعنا مكتف وما لا ~~نص فيه عندنا ففى النظر والاستدلال ما يقوم الشرع منه . وأما سؤالهم عن ~~الأخبار المصدقة لشرعنا ، وما جاء به نبينا - صلى الله عليه وسلم - من ~~الأخبار عن الأمم السالفة فلم ننه عنه . فإن قيل : فقد أمر الله رسوله ~~بسؤال أهل الكتاب فقال تعالى : { فإن كنت فى شك مما أنزلنا إليك فاسأل ~~الذين ms3705 يقرؤون الكتاب من قبلك } [ يونس : 94 ] . قيل : ليس هذا بمفسد لما ~~تقدم من النهى عن سؤالهم ؛ لأنه - صلى الله عليه وسلم - لم يكن شاكا ولا ~~مرتابا ، وقال أهل التأويل : الخطاب للنبى - صلى الله عليه وسلم - والمراد ~~به غيره من الشكاك كقوله تعالى : { يا أيها النبى إذا طلقتم النساء } [ ~~الطلاق : 1 ] ، وتقديره : إن كنت أيها السامع فى شك مما أنزلنا على نبينا . ~~كقولهم : إن كنت ابنى فبرنى . وهو يعلم أنه ابنه . PageV10P391 فإن قيل : ~~فإذا كان المراد بالخطاب غير النبى - صلى الله عليه وسلم - فكيف يجوز سؤال ~~الذين يقرءون الكتاب مع جحدهم النبوة ؟ ففيه قولان : أحدهما : سل من آمن من ~~أهل الكتاب كابن سلام ، وكعب الأخبار . عن ابن عباس والضحاك ، ومجاهد وابن ~~زيد . الثانى : سلهم عن صفة النبى - صلى الله عليه وسلم - المبشر به فى ~~كتبهم ، ثم انظر ما يوافق تلك الصفة . * * * # | 27 - باب النهى على التحريم إلا ما تعرف إباحته وكذلك أمره نحو قوله : ~~حين أحلوا : أصيبوا من النساء # وقال جابر : ولم يعزم عليهم ولكن أحلهن لهم ، وقالت أم عطية : نهينا عن ~~اتباع الجنازة ، ولم يعزم علينا . / 88 - فيه : جابر ، أهللنا أصحاب النبى ~~- صلى الله عليه وسلم - فى الحج خالصا ليس معه عمرة ، فقدم النبى - صلى ~~الله عليه وسلم - صبح رابعة مضت من ذى الحجة ، فلما قدمنا أمرنا النبى - ~~صلى الله عليه وسلم - أن نحل ، وقال : ( أحلوا وأصيبوا من النساء ) ، قال ~~جابر : ولم يعزم عليهم ، ولكن أحلهن لهم ، فبلغه أنا نقول : لما لم يكن ~~بيننا وبين عرفة إلا خمس أمرنا أن نحل إلى نسائنا ، فنأتى عرفة تقطر ~~مذاكيرنا المذى ، قال : ويقول جابر بيده هكذا وحركها ، فقام النبى - صلى ~~الله عليه وسلم - فقال : ( قد علمتم أنى أتقاكم لله ، وأصدقكم وأبركم ، ~~ولولا هديى لحللت كما تحلون ، فحلوا فلو استقبلت من أمرى ما استدبرت ما ~~أهديت ) ، فحللنا ، وسمعنا وأطعنا . / 89 - وفيه : عبدالله المزنى ، قال ~~النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( صلوا قبل صلاة المغرب ) قال فى الثالثة : ~~( لمن شاء ) ، كراهية أن يتخذها الناس سنة . PageV10P392 / 90 ms3706 - وفيه : ~~جندب ، قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : ( اقرءوا القرآن ، ما ائتلفت ~~قلوبكم ، فإذا اختلفتم ، فقوموا عنه ) . / 91 - وفيه : ابن عباس ، لما حضر ~~النبى - صلى الله عليه وسلم - قال وفى البيت رجال منهم عمر ابن الخطاب ، ~~قال : ( هلم أكتب لكم كتابا لن تضلوا بعده ) ، قال عمر بن الخطاب : إن ~~النبى - صلى الله عليه وسلم - غلبه الوجع ، وعندكم القرآن ، فحسبنا كتاب ~~الله ، واختلف أهل البيت ، واختصموا فمنهم من يقول : قربوا يكتب لكم كتابا ~~لن تضلوا بعده ، ومنهم من يقول : ما قال عمر ، فلما أكثروا اللغط والاختلاف ~~عند النبى - صلى الله عليه وسلم - ، قال : ( قوموا عنى ) . قال عبيدالله : ~~فكان ابن عباس يقول : إن الرزية كل الرزية ما حال بين رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - وبين أن يكتب لهم ذلك الكتاب من اختلافهم ولغطهم . اختلف ~~العلماء فى هذا الباب فذكر ابن الباقلانى ، عن الشافعى أن النهى عنده على ~~التحريم والإيجاب وقاله كثير من الناس ، قال الجمهور من أصحاب مالك وأبى ~~حنيفة والشافعى وجميع أهل الظاهر : النهى عن الشىء يدل على فساد المنهى عنه ~~. قال المؤلف : وهذا يدل على أنه عندهم على التحريم والإيجاب ، وكذلك الأمر ~~عند الدهماء من الفقهاء وغيرهم موضوع لإيجاب المأمور وحتمه إلا أن يقوم ~~الدليل على أنه ندب ، وحكى أبو تمام عن مالك أن الأمر عنده على الوجوب ، ~~وإلى هذا ذهب البخارى فى هذا الباب إلى أن النهى والأمر على الوجوب إلا ما ~~قام الدليل على خلاف ذلك فيه ، وذهبت الأشعرية إلى أن النهى لا يقتضى ~~التحريم ؛ بل يتوقف فيه إلى أن يرد الدليل . قال ابن الطيب : وقال هذا فريق ~~من الفقهاء . قال : وقال PageV10P393 كثير من أصحاب الشافعي : إن الأمر ~~موضوع للندب إلى الفعل فإن اقترن به ما يدل على كراهية تركه من ذم أو عقاب ~~كان واجبا ، وقال به كثير من الفقهاء ، واستشهد عليه الشافعى بقوله تعالى : ~~{ وأشهدوا إذا تبايعتم } [ البقرة : 282 ] ، وأمثاله مما ورد الأمر به على ~~سبيل الندب . قال ابن الطيب : وقد دل بعض كلامه على ms3707 أن مذهبه الوقف . وقال ~~أبو الحسن الأشعرى وكثير من الفقهاء والمتكلمين : إنه محتمل للأمرين . قال ~~ابن الطيب : وهذا الذى نقول به . قال غيره : والحجة للجماعة أن النهى على ~~التحريم أنه موجب اللغة ومقتضاها ، فإن من فعل ما نهى عنه استحق اسم ~~العصيان ؛ لأنه لا ينهى إلا عن قبيح قبل النهى ، وعما هو له كاره ، وقد ~~فهمت الأمة تحريم الزنا ، ونكاح المحرمات ، والجمع بين الأختين ، وتحريم ~~بيع الغرر ، وبيع ما لم يقبض بمجرد نهى الله تعالى ونهى رسوله عن ذلك لا ~~شىء سواه . قال أبو التمام : وأما الحجة لوجوب الأمر فإن الله تعالى أطلق ~~أوامره فى كتابه ولم يقرنها بقرينة ، وكذلك فعل النبى - صلى الله عليه وسلم ~~- فعلم أن إطلاق الأمر يقتضى وجوبه ، ولو افتقر إلى قرينة لقرنت به . ~~والعرب لا تعرف القرائن ، وإنما هو شىء أحدثه متأخرو المتكلمين فلا يجوز أن ~~يقال : إن لفظ الأمر لا تأثير له فى اللغة وأنه يحتاج إلى قرينة ، وقد قال ~~تعالى : { فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب ~~أليم } [ النور : 63 ] ، فوجب بهذا الوعيد حمل الأمر على الوجوب . وحجة ~~الذين قالوا بالوقف وطلب الدليل على المراد بالأمر أن الأمر قد يرد على ~~معان ، فالواجب أن ينظر فإن وجد ما يدل على غير الواجب حمل عليه ، وإلا ~~فظاهره الوجوب ؛ لأن قول القائل : افعل PageV10P394 لا يفهم منه لاتفعل ولا ~~افعل إن شئت ، إلا أن يصله بما يعقل به التخيير ، فإذا عدم ذلك وجب تنفيذ ~~الأمر ، واحتجوا على وجوب طلب الدليل والقرينة على المراد بالأمر ، فقالوا ~~: اتفق الجميع على جنس الاستفهام عن معنى الأمر غذا ورد هل هو على الوجوب ~~أو الندب ؟ ولو لم يصلح استعماله فيه لقبح الاستفهام عنه ؛ لأنه لا يحسن أن ~~يستفهم هل أريد باللفظ ما لا يصلح إجراؤه عليه إذا لا يصلح إذا قال القائل ~~: رأيت إنسانا . أن يقال له : هل رأيت إنسانا أو حمارا . وحسن أن يقال له : ~~أذكرا رأيت أم أنثى لصلاح وقوعه عليهما . وقد ثبت قبح ms3708 الاستفهام مع القرائن ~~الدالة بالمحتمل من اللفظ ، وإنما يسوغ الاستفهام مع التباس الحال وعدم ~~القرائن الكاشفة عن المراد . قال المؤلف : وما ذكر البخارى فى هذا الباب من ~~الآثار يبطل هذا القول ؛ لأنه - صلى الله عليه وسلم - حين أمرهم بالحل ~~وإصابة النساء بين لهم أن أمره إياهم بإصابة النساء ليس على العزم ، ولولا ~~بيانه ذلك لكانت إصابتهم للنساء واجبة عليهم وكذلك بين لهم - صلى الله عليه ~~وسلم - بنهيه النساء عن اتباع الجنائز أنه لم يكن نهى عزم ولا تحريم ، ~~ولولا بيانه ذلك لفهم من النهى بمجرده التحريم ، وكذلك بين لهم بالقيام عن ~~القراءة عند الاختلاف ليس على الوجوب ؛ لأنه أمرهم بالائتلاف على ما دل ~~عليه القرآن وحذرهم الفرقة . فإذا حدثت شبهة توجب المنازعة فيه أمرهم ~~بالقيام عن الاختلاف ولم يأمرهم بترك قراءة القرآن إذا اختلفوا فى تأويله ~~لإجماع الأمة على قراءة القرآن لمن فهمه ولمن لم يفهمه ، فدل أن قوله : ( ~~قوموا PageV10P395 عنه ) على وجه الندب لا على وجه التحريم للقراءة عند ~~الاختلاف . وكذلك رآى عمر فى ترك كتاب رسول الله لهم حين غلبه الوجع من أجل ~~تقدم العلم عنده وعند جماعة المؤمنين أن الدين قد أكمله الله ، وأن الأمة ~~قد اكتفت بذلك ، فلا يجوز أن يتوهم أن هناك شيئا بقى على النبى تبليغه فلم ~~يبلغه لقوله تعالى : { يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل ~~فما بلغت رسالته } [ المائدة : 67 ] ، وبقوله : { فتول عنهم فما أنت بملوم ~~} [ الذاريات : 54 ] ، وقد أنبأنا الله أنه أكمل به الدين فقال : { اليوم ~~أكملت لكم دينكم } [ المائدة : 3 ] . وإذا ثبت هذا بأن قوله - صلى الله ~~عليه وسلم - : ( هلموا اكتب لكم كتابا لن تضلوا بعده ) محمول على ما أشار ~~به عمر بأنه قول من قد غلبه الوجع وشغل بنفسه ، واكتفى بما أخبر الله تعالى ~~به من إكمال الدين ، وبأن بهذا مقدار علم عمر وتبريزه على ابن عباس فكل أمر ~~لله تعالى وللرسول لم يكن واجبا على العباد قد جاء معه من بيان النبى - صلى ms3709 ~~الله عليه وسلم - بتصريح أو بدليل ما فهم به أنه على غير اللزوم . وقد فهم ~~الصحابة ذلك من فحوى خطابه - صلى الله عليه وسلم - وكل أمر عرى عن دليل ~~يخرجه عن الوجوب ، وجب حمله على الوجوب ؛ إذ لو كان مراد الله به غير ~~الوجوب لبينه النبى - صلى الله عليه وسلم - لأمته ، فوجب أن يكون ما عرى من ~~بيانه - صلى الله عليه وسلم - أنه على غير الوجوب غير مفتقر إلى طلب دليل ~~أو قرينة أن المراد به الوجوب ؛ لقيام لفظ الأمر بنفسه ، وكذلك ما عرى من ~~نهيه - صلى الله عليه وسلم - من دليل PageV10P396 يخرجه عن التحريم وجب ~~حمله على التحريم كحكم الأمر سواء ، على ما ذهب إليه جمهور الفقهاء . ووقع ~~فى بعض الأمهات فى هذا الباب النهى عن التحريم وهو غلط من الناسخ والصواب ~~فيه باب النهى على التحريم يعنى أن النهى محمول على التحريم إلا ما علمت ~~إباحته على حديث أم عطية . * * * # | 28 - باب قوله تعالى : { وأمرهم شورى بينهم } [ الشورى : 38 ] { ~~وشاورهم فى الأمر } # وأن المشاورة قبل العزم والتبين ، لقوله : { فإذا عزمت فتوكل على الله } ~~[ آل عمران : 159 ] فإذا عزم الرسول - صلى الله عليه وسلم - لم يكن لبشر ~~التقدم على الله ورسوله ، وشاور النبى - صلى الله عليه وسلم - أصحابه يوم ~~أحد فى المقام والخروج ، فرأوا له الخروج ، فلما لبس لأمته وعزم ، قالوا : ~~أقم ، فلم يمل إليهم بعد العزم ، وقال : لا ينبغى لنبى يلبس لأمته ، فيضعها ~~حتى يحكم الله ، وشاور عليا وأسامة فيما رمى به أهل الإفك عائشة ، فسمع ~~منهما حتى نزل القرآن ، فجلد الرامين ، ولم يلتفت إلى تنازعهم ، ولكن حكم ~~بما أمره الله . وكانت الأئمة بعد النبى - صلى الله عليه وسلم - يستشيرون ~~الأمناء من أهل العلم فى الأمور المباحة ؛ ليأخذوا بأسهلها ، فإذا وضح ~~الكتاب أو السنة لم يتعدوه إلى غيره ؛ اقتداء بالنبى - صلى الله عليه وسلم ~~- . ورأى أبو بكر قتال من منع الزكاة ، فقال عمر : كيف تقاتل الناس ، وقد ~~قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : أمرت أن أقاتل الناس ms3710 حتى يقولوا : ~~لا إله إلا الله ، فإذا قالوا : لا إله إلا الله ، عصموا منى دماءهم ~~وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله ، فقال أبو بكر : والله لأقاتلن من ~~فرق بين ما جمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، ثم تابعه بعد عمر ، فلم ~~يلتفت أبو بكر إلى مشورة ؛ إذ كان عنده حكم رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- فى الذين فرقوا بين الصلاة والزكاة ، وأرادوا تبديل الدين وأحكامه ، وقال ~~النبى - صلى الله عليه وسلم - : من بدل دينه فاقتلوه ، وكان القراء أصحاب ~~مشورة PageV10P397 عمر كهولا كانوا ، أو شبانا ، وكان وقافا عند كتاب الله ~~. / 92 - فيه : عائشة ، حين قال لها أهل الإفك ما قالوا ، ودعا النبى - صلى ~~الله عليه وسلم - عليا ، وأسامة بن زيد ، حين استلبث الوحى يسألهما ، ~~ويستشيرهما فى فراق أهله ، فأما أسامة فأشار بالذى يعلم من براءة أهله ، ~~وأما على فقال : لم يضيق الله عليك ، والنساء سواها كثير ، وسل الجارية ~~تصدقك . . . الحديث . اختلف أهل التأويل فى المعنى الذى أمر الله نبيه أن ~~يشاور أصحابه ، فقالت طائفة : أمر الله أن يشاورهم فى مكائد الحروب وعند ~~لقاء العدو تطييبا لنفوسهم وتألفا لهم على دينهم وليروا أنه يسمع منهم ~~ويستعين بهم ، وإن كان الله قد أغناه عن رأيهم بوحيه . روى هذا عن قتادة ~~والربيع وابن إسحاق . وقال آخرون : إنما أمر بمشورتهم فيما لم يأته فيه وحى ~~، ليبين لهم صواب الرأى . روى ذلك عن الحسن البصرى والضحاك قالا : ما أمر ~~الله نبيه بالمشاورة لحاجة منه إلى رأيهم ، وإنما أراد أن يعلمهم ما فى ~~المشورة من الفضل . قال الحسن : وما شاور قوم إلا هدوا لأرشد أمورهم . وقال ~~آخرون : إنما أمره الله بمشاورة أصحابه مع غناه عنهم بتدبيره تعالى له ~~وسياسته إياه ؛ ليستن به من بعده ويقتدوا به فيما ينزل بهم من النوازل . ~~قال سفيان الثورى : وقد سن رسول الله الاستشارة فى غير موضع ، استشار أبا ~~بكر وعمر فى أسارى بدر ، واستشار أصحابه فى يوم الحديبية . PageV10P398 ~~وأما قوله تعالى : { فإذا عزمت فتوكل على الله } [ آل عمران : 159 ms3711 ] قال ~~قتادة : أمر الله نبيه إذا عزم على أمر أن يمضى فيه ويتوكل على الله . قال ~~المهلب : وامتثل هذا النبى - صلى الله عليه وسلم - فقال : ( لا ينبغى لنبى ~~لبس لأمته أن يضعها حتى يحكم الله ) أى : ليس ينبغى له إذا عزم أن ينصرف ؛ ~~لأنه نقض التوكل الذى شرط الله مع العزيمة ، فلبسه لأمته دال على العزيمة ، ~~وفى أخذ النبى - صلى الله عليه وسلم - بما أمره الله من الرأى بعد المشورة ~~حجة لمن قال من الفقهاء أن الأنبياء يجوز لهم الاجتهاد فيما لا وحى عندهم ~~فيه . وقد تقدم بيان ذلك قبل هذا . وفيه من الفقه : أن للمستشير والحاكم أن ~~يعزم من الحكم على غير ما قال به مشاوره إذا كان من أ - صلى الله عليه وسلم ~~- ل الرسوخ فى العلم ، وأن يأخذ بما يراه كما فعل النبى - صلى الله عليه ~~وسلم - فى مسألة عائشة فإنه شاور عليا وأسامة ، فأشار عليه أسامة بإمساكها ~~، وأشار عليه على بفراقها ، فلم يأخذ بقول أحدهما وتركها عند أهلها حتى نزل ~~القرآن فأخذ به ، وكذلك فعل أبو بكر الصديق فإنه شاور أصحابه فى مقاتلة من ~~منع الزكاة ، وأخذ بخلاف ما أشاروا به عليه من ترك قتالهم لما كان عنده ~~متضحا من قول النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( إلا بحقها ) وفهمه هذه ~~النكتة مع ما يعضدها من قوله : ( من غير دينه فاقتلوه ) . وأما قول البخارى ~~: فكان الأمة بعد النبى - صلى الله عليه وسلم - يستشيرون الأمناء من أهل ~~العلم ، فبذلك تواصى العلماء والحكماء . قال سفيان الثورى : ليكن أهل ~~مشورتك أهل التقوى والأمانة ومن يخشى الله ، فإذا أشار أحد برأى سأله : من ~~أين قاله ؟ فإن اختلفوا أخذ بأشبههم قولا بالكتاب والسنة ، ولا يحكم بشىء ~~حتى يتبين له حجة يجب الحكم بها . PageV10P399 وقول البخاري : فإذا وضح ~~الكتاب والسنة يعنى : إن وجد فيهما نص لم يتعدوه ، وإن لم يوجد نص وسعهم ~~الاجتهاد . وقال الشافعى : وإنما يؤمر الحاكم بالمشورة ؛ لأن المشير ينبهه ~~لما يغفل عنه ويدله من الأخبار على ما يجهله ، فأما أن ms3712 يقلد مشيرا فلم يجعل ~~الله هذا لأحد بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - . وقال أبو الحسن بن ~~القابسى : قوله : فجلد الرامين لها . لم يأت فيه بإسناد وذكره غير مسندا ~~وقوله : فسمع منهما . يعنى : فسمع قول على وأسامة على اختلافهما فيه . ~~وقوله : لم يلتفت إلى تنازعهم . يعنى : عليا وأسامة ، وأراد : تنازعهما . ~~وأظن الألف سقطت من الكتاب . * * * PageV10P400 # | كتاب التوحيد والرد على الجهمية وغيرهم # # | 1 - باب ما جاء فى دعاء النبي - عليه السلام - أمته إلى توحيد الله # / 1 - فيه : ابن عباس ، أن النبى ، عليه السلام ، بعث معاذا إلى اليمن ، ~~فقال له : ( إنك تقدم على قوم من أهل الكتاب ، فليكن أول ما تدعوهم إلى أن ~~يوحدوا الله تعالى ، فإذا عرفوا ذلك ، فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم خمس ~~صلوات فى يومهم وليلتهم ، فإذا صلوا ، فأخبرهم أن الله افترض عليهم زكاة فى ~~أموالهم ، تؤخذ من غنيهم ، فترد على فقيرهم ، فإذا أقروا بذلك ، فخذ منهم ، ~~وتوق كرائم أموال الناس ) . / 2 - وفيه : معاذ ، قال النبى - صلى الله عليه ~~وسلم - : ( يا معاذ ، أتدرى ما حق الله على العباد ) ؟ قال : الله ورسوله ~~أعلم ، قال : ( أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا ، أتدرى ما حقهم عليه ؟ قال : ~~الله ورسوله أعلم ، قال : أن لا يعذبهم ) . / 3 - وفيه : أبو سعيد ، أن ~~رجلا سمع رجلا يقرأ { قل هو الله أحد } [ الإخلاص : 1 ] يرددها فلما أصبح ~~جاء إلى النبى - صلى الله عليه وسلم - فذكر ذلك له ، وكأن الرجل يتقالها ، ~~فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( والذى نفسى بيده ، إنها لتعدل ~~ثلث القرآن ) . PageV10P401 / 4 - وفيه : عائشة ، أن النبي - عليه السلام - ~~بعث رجلا على سرية ، وكان يقرأ لأصحابه فى صلاتهم ، فيختم : بقل هو الله ~~أحد ، فلما رجعوا ، ذكروا ذلك للنبى - صلى الله عليه وسلم - فقال : ( سلوه ~~لأى شىء يصنع ذلك ) ؟ فسألوه ، فقال : لأنها صفة الرحمن ، وأنا أحب أن أقرأ ~~بها ، فقال النبي - عليه السلام - : ( أخبروه أن الله يحبه ) . قال المؤلف ~~: أمر الله تعالى نبيه بدعاء العباد إلى دينه وتوحيده ففعل ما ألزمه من ذلك ~~، فبلغ ms3713 ما أمره بتبليغه وأنزل عليه : { فتول عنهم فما أنت بملوم } [ ~~الذاريات : 54 ] ، ووجه ذكر حديث قل هو الله أحد فى هذا الباب ؛ لأنها سورة ~~تشتمل على توحيد الله وصفاته الواجبة له وعلى نفى ما يستحيل عليه من أنه لم ~~يلد ولم يولد ، ولم يكن له كفوا أحد وتضمنت ترجمة هذا الباب أن الله واحد ~~وأنه ليس بجسم ؛ لأن الجسم ليس بشىء واحد بل هو أشياء كثيرة مؤلفة ، ففى ~~نفس الترجمة الرد على الجهمية فى قولها أنه تعالى جسم . والدليل على ~~استحالة كونه جسما أن الجسم موضوع فى اللغة للمؤلف المجتمع ، وذلك محال ~~عليه تعالى ؛ لأنه لو كان كذلك لم ينفك من الأعراض المتعاقبة عليه الدالة ~~بتعاقبها عليه على حدثها لفناء بعضها عند مجئ أضدادها ، وما لم ينفك من ~~المحدثات فمحدث مثلها ، وقد قام الدليل على قدمه تعالى ، فبطل كونه جسما . ~~* * * PageV10P402 # | 2 - باب قوله تعالى : { قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أيا ما تدعوا ~~فله الأسماء الحسنى } [ الإسراء : 110 ] # / 5 - فيه : جرير ، قال - صلى الله عليه وسلم - : ( لا يرحم الله من لا ~~يرحم الناس ) . / 6 - وفيه : أسامة ، جاء النبى ، النبى - صلى الله عليه ~~وسلم - رسول إحدى بناته يدعوه إلى ابنها فى الموت ، فقال : ( ارجع إليها ، ~~فأخبرها أن لله ما أخذ ، وله ما أعطى ، وكل شىء عنده بأجل مسمى ، فمرها ~~فلتصبر ولتحتسب ) ، فأعادت الرسول أنها قد أقسمت لتأتينها ، فقام النبى - ~~صلى الله عليه وسلم - وقام معه سعد بن عبادة ، ومعاذ بن جبل ، فدفع الصبى ~~إليه ، ونفسه تقعقع ، كأنها فى شن ، ففاضت عيناه . فقال له سعد : يا رسول ~~الله ، ما هذا ؟ قال : ( هذه رحمة جعلها الله فى قلوب عباده ، وإنما يرحم ~~الله من عباده الرحماء ) . غرضه فى هذا الباب إثبات الرحمة وهى صفة من صفات ~~ذاته لا من صفات أفعاله ، والرحمن وصف به نفسه تعالى وهو متضمن لمعنى ~~الرحمة كتضمن وصفه لنفسه بأنه عالم وقادر وحى وسميع وبصير ومتكلم ومريد ~~للعلم والقدرة والحياة والسمع والبصر والكلام والإرادة ، التى جميعها صفات ~~ذاته لا صفات ms3714 أفعاله ، لقيام الدليل على أنه تعالى لم يزل ولا يزال حيا ~~عالما قادرا سميعا بصيرا متكلما مريدا ، ومن صفات ذاته الغضب والسخط ، ~~والمراد برحمته تعالى إرادته لنفع من سبق فى علمه أنه ينفعه ويثنيه على ~~أعماله ، فسماها رحمة ، والمراد بغضبه وسخطه إرادته لإضرار من سبق فى علمه ~~إضراره وعقابه على ذنوبه فسماها غضبا وسخطا ، PageV10P403 ووصف نفسه بأنه ~~راحم ورحيم ورحمن وغاضب وساخط بمعنى أنه مريد لما تقدم ذكره . وإنما لم ~~يعرف بعض العرب الرحمن من أسماء الله تعالى لأن أسماءه كلها واجب استعمالها ~~ودعاؤه بها سواء ؛ لكون كل اسم منها راجعا إلى ذات واحدة ، وهو البارى ~~تعالى وإن دل كل واحد منها على صفة من صفاته تعالى يختص الاسم بالدلالة ~~عليها ، وأما الرحمة التى جعلها الله فى قلوب عباده يتراحمون بها فهى من ~~صفات أفعاله ، ألا تراه - صلى الله عليه وسلم - قد وصفها بأن الله خلقها فى ~~قلوب عباده ، وجعله لها فى القلوب خلق منه تعالى لها فيها ، وهذه الرحمة ~~رقة على المرحوم ، والله تعالى أن يوصف بذلك . * * * # | 3 - باب قول تعالى : { إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين } [ الذاريات ~~: 58 ] # / 7 - فيه : أبو موسى ، قال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( ما أحد ~~أصبر على أذى سمعه من الله ، يدعون له الولد ، ثم يعافيهم ويرزقهم ) . قال ~~المؤلف : تضمن هذا الباب صفتين لله تعالى : صفة فعل ، وصفة ذات . فصفة ~~الفعل ما تضمنه اسمه الذى أجراه تعالى عليه وهو قوله تعالى : { الرزاق } ~~والصفة الرزق ، والرزق فعل من أفعاله لقيام الدليل على استحالة كونه تعالى ~~فيما لم يزل رازقا ، إذ رازق يقتضى مرزوقا ، والبارى تعالى مذ كان ولا ~~مرزوق ، فمحال كونه فاعلا للرزق فيما لم يزل ، PageV10P404 فثبت أن ما لم ~~يكن ثم كان محدث مخلوق ، فرزقه إذا صفة من صفات أفعاله ، وأما وصفه بأنه ~~الرزاق فلم يزل البارى واصفا لنفسه بأنه الرزاق ، ومعنى ذلك أنه سيرزق إذا ~~خلق المرزوقين ، وأما صفة الذات فالقوة ، والقوة والقدرة اسمان مترادفان ~~على معنى واحد ، والبارى تعالى لم ms3715 يزل قادرا قويا ذا قدرة وقوة ، وإذا كان ~~معنى القوة معنى القدرة ، فالقدرة لم تزل موجودة قائمة به موجبة له حكم ~~القادرين . وقوله تعالى : { المتين } : الثابت الصحيح الوجود ، ومعنى قوله ~~- صلى الله عليه وسلم - : ( ما أحد أصبر على أذى سمعه من الله ترك المعاجلة ~~بالنقمة والعقوبة ، لا أن الصبر منه معناه كمعناه منا ، كما أن رحمته تعالى ~~لمن يرحمه ليس معناها معنى الرحمة منا ؛ لأن الرحمة منا رقة وميل طبع إلى ~~نفع المرحوم ، والله عز وجل يتعالى عن وصفه بالرقة وميل الطبع ؛ لأنه - صلى ~~الله عليه وسلم - ليس بذى طبع وإنما ذلك من صفات المحدثين . وقوله : ( على ~~أذى سمعه ) معناه : أذى لرسله وأنبيائه والصالحين من عباده لاستحالة تعلق ~~أذى المخلوقين به تعالى ؛ لأن الأذى من صفات النقص التى لا تليق بالله إذ ~~الذى يلحقه العجز والتقصير على الانتصار ويصبر جبرا هو الذى يلحقه الأذى ~~على الحقيقة ، والله تعالى لا يصبر خبرا وإنما يصبر تفضلا ، والكناية فى ~~الأذى راجعة إلى الله والمراد بها أنبياؤه ورسله ؛ لأنهم جاءوا بالتوحيد ~~لله تعالى ونفى الصاحبة والولد عنه ، فتكذيب الكفار لهم فى إضافة الولد له ~~تعالى أذى لهم ورد PageV10P405 لما جاءوا به ، فلذلك جاز أن يضاف الأذى فى ~~ذلك إلى الله تعالى إنكارا لمقالتهم وتعظيما لها ؛ إذ فى تكذيبهم للرسل فى ~~ذلك إلحاد فى صفاته تعالى ، ونحوه قوله تعالى : { إن الذين يؤذون الله ~~ورسوله } [ الأحزاب : 57 ] ، تأويله الذين يؤذون أولياء الله وأولياء رسوله ~~، ثم حذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه فى الإعراب ، والمحذوف مراد ، نحو ~~قوله : { واسأل القرية } [ يوسف : 82 ] ، يعنى أهل القرية . وقد تضمن هذا ~~الباب الرد على من أنكر أن لله صفة ذات هى قدرة وقوة لاعتقادهم أنه قادر ~~بنفسه لا بقدرة ، والله تعالى قد نص على أن له قدرة بخلاف ما تعتقد القدرية ~~من أنه قوى بنفسه لا بقوة . وفيه : رد على المجسمة القائسين للغائب على ~~الشاهد قالوا : كما لم نجد قويا ولا ذا قوة فيما بيننا إلا جسما كذلك ~~الغائب حكمه ms3716 حكم الشاهد ، فيقال لهم : إن كنتم على الشاهد تقولون وعليه ~~تعتمدون فى قياس الغائب عليه ، فكذلك لم تجدوا جسما إلا ذا أبعاض وأجزاء ~~مؤلفة ، فيصح عليه الموت والحياة والعلم والجهل والقدرة والعجز ، فاقضوا ~~على أن الغائب حكمه حكم هذا فإن مروا عليه ألحدوا وأبطلوا الحدوث والمحدث ، ~~وإن أبوه نقضوا استدلالهم ولا انفكاك لهم من أحد الأمرين . ومن هذه الجهة ~~دخل على المعتزلة الخطأ فى قياسهم صفات الله على صفات المخلوقين ، والله ~~تعالى لا يشبه المخلوقين ؛ لأنه الخالق ولا خالق له وقد أعلمنا الله تعالى ~~بالحكم فى ذلك فقال : { ليس كمثله شىء } [ الشورى : 11 ] ، فكيف يشبه ~~الخالق بالمخلوق ، ومن ليس كمثله شىء كمن له مثل من الأشياء المخلوقة ؟ ! ~~وهذا ما لا يخفى فساده وإبطاله . * * * PageV10P406 # | 4 - باب قوله تعالى : { عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا } [ الجن : ~~26 ] # و { إن الله عنده علم الساعة } و { أنزله بعلمه } { وما تحمل من أنثى ولا ~~تضع إلا بعلمه } { إليه يرد علم الساعة } قال يحيى : الظاهر على كل شىء ~~علما ، والباطن على كل شىء علما . / 8 - فيه : ابن عمر ، قال النبى - صلى ~~الله عليه وسلم - : ( مفاتيح الغيب خمس لا يعلمها إلا الله : لا يعلم ما ~~تغيض الأرحام إلا الله ، ولا يعلم ما فى غد إلا الله ، ولا يعلم متى يأتى ~~المطر أحد إلا الله ، ولا تدرى نفس بأى أرض تموت إلا الله ، ولا يعلم متى ~~تقوم الساعة إلا الله ) . / 9 - وفيه : عائشة ، قالت : من حدثك أن محمدا - ~~صلى الله عليه وسلم - رأى ربه ، فقد كذب ، وهو يقول : { لا تدركه الأبصار } ~~[ الأنعام : 103 ] ومن حدثك أنه يعلم الغيب فقد كذب ، وهو يقول : { لا يعلم ~~الغيب إلا الله } . غرضه فى هذا الباب إثبات علم الله تعالى صفة لذاته ؛ إذ ~~العلم حقيقة فى كون العالم عالما ، إذ من المحال كون العالم عالما ولا علم ~~له ، وكذلك سائر أوصافه المقتضية للصفات التى هى حقيقة فى ثبات الأوصاف ~~المجرأة عليه تعالى من كونه حيا وقادرا وما شابه ذلك خلافا لما تقوله ms3717 ~~القدرية من أنه عالم قادر حى بنفسه لا بقدرة ولا بعلم ولا بحياة ، ثم إذا ~~ثبت كون علمه قديما وجب تعلقه بكل معلوم على حقيقته ، وقد نص البارى تعالى ~~على إثبات PageV10P407 علمه بقوله تعالى : { إن الله عنده علم الساعة } [ ~~لقمان : 34 ] ، وبقوله تعالى : { أنزله بعلمه } [ النساء : 166 ] ، وبقوله ~~: { ولا تضع إلا بعلمه } [ فاطر : 11 ] ، وبقوله : { إليه يرد علم الساعة } ~~[ فصلت : 47 ] ، فمن دفع علم البارى تعالى الذى هو حقيقة فى كونه عالما ، ~~وزعم أنه عالم بنفسه لا بعلم فقد رد نصه تعالى على إثبات العلم الذى هو ~~حقيقة فى كونه عالما ولا خلاف بين رد نصه على أنه ذو علم وبين نصه على أنه ~~عالم ، فالنافى لعلمه كالنافى لكونه عالما ، واجتمعت الأمة على أن من نفى ~~كونه عالما فهو كافر ، فينبغى أن يكون من نفى كونه ذا علم كافرا ؛ إذ من ~~نفى أحد الأمرين كمن نفى الآخر ، والقول فى العلم بهذا كاف من القول به فى ~~جميع صفاته ، وتضمن هذا الباب الرد على هشام بن الحكم ومن قال بقوله من أن ~~علمه تعالى محدث وأنه لا يعلم الشىء قبل وجوده . وقد نبه الله تعالى على ~~خلاف هذا بقوله تعالى : { إن الله عنده علم الساعة } [ لقمان : 34 ] الآية ~~، وجميع الآيات الواردة بذلك ، وأخبرنا النبى - صلى الله عليه وسلم - بمثل ~~ذلك فى حديث ابن عمر وعائشة فلا يلتفت إلى من رد نصوص الكتاب والسنة . * * ~~* # | 5 - باب قول الله تعالى : { السلام المؤمن المهيمن } # / 10 - فيه : عبدالله ، قال : كنا نصلى خلف النبى - صلى الله عليه وسلم - ~~، فنقول : السلام على الله ، فقال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( إن ~~الله هو السلام ، ولكن قولوا : التحيات لله والصلوات والطيبات . . . ) ~~الحديث . PageV10P408 | غرضه في هذا الباب إثبات اسما من أسماء الله ، ~~فالسلام اسم من أسمائه ، ومعناه : السالم من النقائص والآفات الدالة على ~~حدث من وجدت به متضمن لمعنى السلامة من ذلك كله ، وقوله تعالى : { والله ~~يدعو إلى دار السلام } [ يونس : 25 ] ، مختلف فى تأويله فقيل : معناه : ~~والله يدعو إلى ms3718 دار السلامة ، يعنى : الجنة ؛ لأنه لا آفة فيها ولا كدر ~~فالسلام على هذا والسلامة بمعنى ، كاللذاذ واللذاذة ، والرضاع والرضاعة ~~وقيل : السلام اسم لله تعالى قال قتادة : الله السلام وداره الجنة . فأما ~~المؤمن فهو على وجهين : أحدهما : أن يكون صفة ذات ، وهو أن يكون متضمنا ~~لكلام الله الذى هو تصديقه لنفسه فى أخباره ولرسله فى صحة دعواهم الرسالة ~~عليه ، وتصديقه هو قوله ، وقوله صفة من صفات ذاته لم يزل موجودا به حقيقة ~~فى كونه قائلا متكلما مؤمنا مصدقا . والوجه الثانى : أن يكون متضمنا صفة ~~فعل هى أمانة رسله وأوليائه المؤمنين به من عقابه وأليم عذابه من قولك : ~~آمنت فلانا من كذا ، وأمنته منه ، كأكرمت وكرمت ، وأنزلت ونزلت ، ومنه قوله ~~تعالى : { وآمنهم من خوف } [ قريش : 4 ] . وأما المهيمن : فهو راجع إلى ~~معنى الحفظ والرعاية ، وذلك صفة فعل له تعالى ، وأما منعه - صلى الله عليه ~~وسلم - من القول السلام على الله . فقد بين - صلى الله عليه وسلم - معنى ~~ذلك بقوله : ( إن الله هو السلام ) ويستحيل أن يقال السلام على الله ؛ ~~لاستحالة القول الله على الله ، وعلى قول من جعل السلام بمعنى السلامة ~~يستحيل أيضا أن يدعو له PageV10P409 بالسلامة . وقوله : قولوا : التحيات ~~لله . . . إلى آخر الحديث فهو صرف منه - صلى الله عليه وسلم - لهم بما ~~يستحيل الكلام به إلى ما يحسن ، ويجمل لما فى ذلك من الإقرار لله بملك كل ~~شىء ، وشرع ما شرعه لعباده مما أوجبه عليهم من الصلوات المفروضة ، وندبه ~~إليهم من النوافل والتقرب إليه بالدعاء والكلام الطيب الذى وصف تعالى أنه ~~يصعد إليه بقوله : { إليه يصعد الكلم الطيب } [ فاطر : 10 ] . والتحية فى ~~كلام العرب الملك . قال الشاعر : ولكل ما نال الفتى قد نلته إلا التحية ~~يعنى : الملك . فمعنى قوله : التحيات لله : الملك لله . * * * # | 6 - باب قوله تعالى : { ملك الناس } [ الناس : 2 ] # / 11 - فيه : ابن عمر ، عن النبى ، عليه السلام . / 12 - فيه : أبو هريرة ~~، عن النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( يقبض الله الأرض يوم القيامة ، ~~ويطوى السماء بيمينه ، ثم يقول : أنا الملك ms3719 ، أين ملوك الأرض ) ؟ . قوله ~~تعالى : { ملك الناس } هو داخل فى معنى ما أمرهم به النبى - صلى الله عليه ~~وسلم - من قولهم : التحيات لله . يريد : الملك لله ، وكأنه - صلى الله عليه ~~وسلم - إنما أمرهم بذلك من حيث أمره الله بالاعتراف بذلك بقوله تعالى : { ~~قل } يا محمد : { أعوذ برب الناس ملك الناس } ووصفه PageV10P410 تعالى ~~لنفسه أنه ملك الناس على وجهين : أحدهما : أن يكون راجعا إلى صفة ذاته وهو ~~القدرة ؛ لأن الملك بمعنى القدرة . والثانى : أن يكون راجعا إلى صفة فعل ~~وذلك بمعنى : القهر والصرف لهم عما يريدونه إلى ما أراده تعالى ، فتكون ~~أفعال العباد ملكا له تعالى لا قدرة لهم عليها . وفيه إثبات اليمين لله صفة ~~من صفات ذاته ليست بجارحة خلافا لما تعتقده الجسمية فى ذلك لاستحالة جواز ~~وصفه بالجوارح والأبعاض ، واستحالة كونه جسما ، وقد تقدم القول فى حل شبههم ~~فى ذلك . * * * # | 7 - باب قول الله تعالى : { وهو العزيز الحكيم } { سبحان ربك رب العزة ~~عما يصفون } [ الصافات : 180 ] { ولله العزة ولرسوله } ومن حلف بعزة الله ~~وصفاته # وقال أنس : قال - صلى الله عليه وسلم - : ( تقول جهنم : قط ، قط ، وعزتك ~~) . وقال أبو هريرة : عن النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( يبقى رجل بين ~~الجنة والنار ، آخر أهل النار دخولا الجنة ، فيقول : يا رب اصرف وجهى عن ~~النار ، لا وعزتك ، لا أسألك غيرها ) . وقال أيوب : وعزتك لا غنى بى عن ~~بركتك . / 13 - فيه : ابن عباس ، قال - عليه السلام - : ( أعوذ بعزتك الذي ~~لا إله إلا أنت الذي لا تموت ، والإنس والجن يموتون ) . PageV10P411 / 14 - ~~وفيه : أنس ، قال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( يلقى فى النار { وتقول ~~هل من مزيد } [ ق : 30 ] حتى يضع فيها رب العالمين قدمه ، فينزوى بعضها إلى ~~بعض ، فتقول : قد قد ، بعزتك وكرمك ، ولا تزال الجنة تفضل حتى ينشئ الله ~~لها خلقا ، فيسكنهم أفضل الجنة ) . قال المؤلف : فالكلام فى هذا الباب على ~~معنى العزيز الحكيم والعزة والحكمة والقدم . أحدهما : أن تكون صفة ذات ~~بمعنى القدرة والعظمة . والثانى : أن تكون صفة فعل بمعنى القهر لمخلوقاته ms3720 ~~والغلبة لهم ، ولهذا صح إضافته تعالى اسمه إليها فقال : { سبحان ربك رب ~~العزة } [ الصافات : 180 ] ، والمربوب مخلوق لا محالة . والحكيم متضمن ~~لمعنى الحكمة ، وهو على وجهين أيضا : صفة ذات تكون بمعنى العلم ، والعلم من ~~صفات ذاته . والثانى : أن تكون بمعنى الإحكام للفعل والإتقان له ، وذلك من ~~صفات الفعل وإحكام الله لمخلوقاته فعل من أفعاله ، وليس إحكامه لها شيئا ~~يزيد على ذواتها ؛ بل إحكامه لها جعلها نفسا وذاتا ما ذهب إليه أهل السنة ~~إن خلق الشىء وإحكامه هو نفس الشىء ، وإلا أدى القول بأن الإحكام والخلق ~~غير المحكم المخلوق إلى التسلسل إلى ما لا نهاية له ، والخروج إلى ما لا ~~نهاية له إلى الوجود مستحيل ، فبان الفرق بين الحالف بعزة الله PageV10P412 ~~التي هي صفة ذاته ، وبين من حلف بعزة الله التي هي صفة فعله أنه حانث فى ~~حلفه بصفة الذات دون صفة الفعل ؛ بل هو منهى عن الحلف بصفة الفعل كقول ~~الحالف : وحق السماء وحق زيد ؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم - : ( من كان ~~حالفا فليحلف بالله ) وقد تضمن كتاب الله العزة التى هى بمعنى القوة ، وهو ~~قوله : { فعززنا بثالث } [ يس : 14 ] ، أى قوينا والعزة التى هى الغلبة ~~والقهر وهو قوله : { وعزنى فى الخطاب } [ ص : 23 ] ، أى غلبنى وقهرنى . ~~وأما القدم فلفظ مشترك يصلح استعماله فى الجارحة وفيما ليس بجارحة فيستحيل ~~وصفه تعالى بالقدم الذى هو الجارحة ؛ لأن وصفه بذلك يوجب كونه جسما والجسم ~~مؤلف حامل للصفات وأضدادها غير متوهم خلوه منها ، وقد بان أن المتضادات لا ~~يصح وجودها معا ، وإذا استحال هذا ثبت وجودها على طريق التعاقب ، وعدم ~~بعضها عند مجئ بعض وذلك دليل على حدوثها ، وما لا يصح خلوه من الحوادث ~~فواجب كونه محدثا ، فثبت أن المراد بالقدم فى هذا الحديث خلق من خلقه تقدم ~~علمه أنه لا تملأ جهنم إلا به . وقال النضر بن شميل : القدم هاهنا : هم ~~الكفار الذين سبق فى علم الله أنهم من أهل النار وأنه تملأ النار بهم حتى ~~ينزوى بعضها إلى بعض من الملئ ms3721 لتضايق أهلها فتقول : قط قط ، أى امتلأت . ~~ومنه قوله تعالى : { وبشر الذين آمنوا أن لهم قدم صدق عند ربهم } [ يونس : ~~2 ] ، أى سابقة صدق . وقال ابن الأعرابى : القدم : هو التقدم فى الشرف ~~والفضل . وقد قد ، وقط قط ، بمعنى : PageV10P413 حسبي أي : كفاني ، ويقال : ~~قدني ، وقطني بمعنى ذلك ، واختلفت الرواية فى قوله : فيسكنهم أفضل الجنة ، ~~وروى فضل الجنة ، فمن روى فضل الجنة فهو أحسن يعنى : ما فضل منها وبقى . ~~ومن روى أفضل الجنة فمعناه : فاضل الجنة . وفضل وفاضل الجنة عائدان إلى ~~معنى واحد ، وليس بمعنى أفضل من كذا الذى هو بمعنى المفاضلة قال تعالى : { ~~وهو أهون عليه } [ الروم : 27 ] ، على أحد التأويلين . قال الشاعر : لعمرك ~~لا أدرى وإنى لأوجل يريد : لوجل . * * * # | 8 - باب قول الله تعالى : { وهو الذى خلق السموات والأرض بالحق } # / 15 - فيه : ابن عباس ، كان النبى - صلى الله عليه وسلم - يدعو من الليل ~~: ( اللهم لك الحمد أنت رب السموات والأرض ، لك الحمد ، أنت قيم السموات ~~والأرض ، ومن فيهن ، لك الحمد أنت نور السموات والأرض ، قولك الحق ، ووعدك ~~الحق ، ولقاؤك حق ، والجنة حق ، والنار حق ، والساعة حق ، اللهم لك أسلمت ، ~~وبك آمنت ، وعليك توكلت ، وإليك أنبت ، وبك خاصمت ، وإليك حاكمت ، فاغفر لى ~~ما قدمت ، وما أخرت ، وأسررت ، وأعلنت أنت إلهى لا إله لى غيرك ) . وقال ~~سفيان مرة : أنت الحق ، وقولك الحق . قوله تعالى : { خلق السماوات والأرض ~~بالحق } [ الأنعام : 73 ] ، كقوله : PageV10P414 خالق السموات والأرض بالحق ~~أى : أبدعهما وأنشأهما بالحق . وقوله : ( رب السموات والأرض ) كقوله : خالق ~~السموات والأرض ، وأما قوله : ( أنت الحق ) . فعلى معنيين : يكون اسما ~~راجعا إلى ذاته فقط لقوله - صلى الله عليه وسلم - : أنت الحق . أى : أنت ~~الموجود الثابت حقا الذى لا يصح عليك تغيير ولا زوال . والمعنى الثانى : ~~يكون الحق راجعا إلى صفة ذاته ؛ لقوله : خلق السموات والأرض بالحق أى قال ~~لها : كونى فكانت . وقوله صفة من صفات ذاته عند أهل الحق والسنة على ما ~~يأتى بيانه بعد هذا إن شاء الله . وأما قوله : ( أنت نور السموات والأرض ) ~~وقوله : { الله ms3722 نور السماوات والأرض } [ النور : 35 ] ، فواجب صرفه عن ~~ظاهره لقيام الدليل على أنه لا يجوز أن يوصف بأنه نور ، والمعنى : أنت منور ~~السموات والأرض بأن خلقتهما دلالة لعبادك على وجودك وربوبيتك بما فيهما من ~~دلائل الحدث المفتقرة إلى محدث فكأنه نور السموات والأرض بالدلائل عليه ~~منهما وجعل فى قلوب الخلائق نورا يهتدون به إليه ، وقال ابن عباس : { الله ~~نور السماوات والأرض } [ النور : 35 ] ، أى هاديهن ، وعنه أيضا مدبرهما ، ~~ومدبر ما فيهما وتقديره : الله نور السموات والأرض . وأما قيم السموات ~~والأرض ، فالكلام فيه من وجهين : أحدهما : أن يكون بمعنى العالم بمعلوماته ~~، فتكون صفة ذات . PageV10P415 والوجه الثاني : أن يكون بمعنى الحفظ ~~لمخلوقاته ، والرزق للحى منها ، فتكون صفة فعل . * * * # | 9 - باب قوله تعالى : { وكان الله سميعا بصيرا } [ النساء : 58 ] # وقالت عائشة : الحمد لله الذى وسع سمعه الأصوات ، فأنزل الله : { قد سمع ~~الله قول التى تجادلك فى زوجها } الآية [ المجادلة : 1 ] . / 16 - فيه : ~~أبو موسى ، كنا مع النبى - صلى الله عليه وسلم - فى سفر ، فكنا إذا علونا ~~كبرنا ، فقال : ( اربعوا على أنفسكم ، فإنكم لا تدعون أصم ولا غائبا ، ~~تدعون سميعا بصيرا . . . ) الحديث . / 17 - وفيه : أبو بكر الصديق ، قال ~~للنبى - صلى الله عليه وسلم - : علمنى دعاء أدعو به فى صلاتى ، قال : ( قل ~~: اللهم إنى ظلمت نفسى ظلما كثيرا ، ولا يغفر الذنوب إلا أنت ، فاغفر لى من ~~عندك مغفرة ، إنك أنت الغفور الرحيم ) . / 18 - وفيه : عائشة ، قال النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - : ( إن جبريل نادانى ، فقال : إن الله قد سمع قول ~~قومك ، وما ردوا عليك ) . غرضه فى هذا الباب أن يرد على من يقول : إن معنى ~~سميع بصير . معنى عليم لا غير ؛ لأن كونه كذلك يوجب مساواته تعالى للأعمى ~~والأصم الذى يعلم أن السماء خضراء ولا يراها ، وأن فى العالم أصواتا ولا ~~يسمعها ولا شك أن من سمع الصوت وعلمه ورأى خضرة السماء وعلمها أدخل فى صفات ~~الكمال ممن انفرد بإحدى هاتين الصفتين ، وإذا استحال كونه أحدنا ممن لا آفة ~~به أكمل PageV10P416 صفة من خالقه وجب ms3723 كونه تعالى سميعا بصيرا مفيدا أمرا ~~زائدا على ما يفيده كونه عليما . ثم نرجع إلى ما تضمنه كونه سميعا بصيرا ، ~~فنقول : هما منضمنتان لسمع وبصر بهما كان سميعا بصيرا كما تضمن كونه عالما ~~علما لأجله كان عالما وكما أنه لا خلاف بين إثباته عالما وبين إثباته ذا ~~علم ، فإن من نفى أحد الأمرين كمن نفى الآخر ، وهذا مذهب أهل السنة والحق . ~~ومعنى قول عائشة : ( الحمد لله الذى وسع سمعه الأصوات ) . أدرك سمعه ~~الأصوات ، لا أنه اتسع سمعه لها ؛ لأن الموصوف بالسعة يصح وصفه بالضيق بدلا ~~منه والوصفان جميعا من صفات الأجسام ، وإذا استحال وصفه بما يؤدى إلى القول ~~بكونه جسما ، وجب صرف قولها عن ظاهره إلى ما اقتضى صحته الدليل ، ومعنى ~~قوله - صلى الله عليه وسلم - : ( فإنكم لا تدعون أصم ولا غائبا ) . نفى ~~الآفة المانعة من السمع ، ونفى الجهل المانع من العلم وفى هذا القول منه - ~~صلى الله عليه وسلم - دليل على أنه لم يزل سميعا بصيرا عالما ، ولا تصح ~~أضداد هذه الصفات عليه . وقوله : قريبا . إخبار عن كونه عالما بجميع ~~المعلومات لا يعزب عنه شىء ، ولم يرد بوصفه بالقرب قرب المسافة ؛ لأن الله ~~تعالى لا يصح وصفه بالحلول فى الأماكن ؛ لأن ذلك من صفات الأجسام والدليل ~~على ذلك قوله تعالى : { ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم } [ المجادلة ~~: 7 ] الآية معناه : إلا هو عالم بهم وبجميع أحوالهم ما يسرونه وما يظهرونه ~~، ومعنى حديث أبى بكر فى هذا الباب هو أن PageV10P417 دعاءه الله بما علمه ~~النبي - عليه السلام - يقتضى اعتقاد كونه تعالى سميعا لدعائه ومجازيا له ~~عليه . * * * # | 10 - باب قوله تعالى : { قل هو القادر } [ الأنعام : 65 ] # / 19 - فيه : جابر ، قال : كان النبى - صلى الله عليه وسلم - يعلم أصحابه ~~الاستخارة فى الأمور كلها كما يعلمهم السورة من القرآن ، يقول : ( إذا هم ~~أحدكم بالأمر ، فليركع ركعتين من غير الفريضة ، ثم ليقل : اللهم إنى ~~أستخيرك بعلمك ، وأستقدرك بقدرتك ، وأسألك من فضلك ، فإنك تقدر ، ولا أقدر ~~وتعلم ، ولا أعلم وأنت علام الغيوب . . . ) . القادر ms3724 والقدرة من صفات الذات ~~، وقد تقدم فى باب قوله تعالى : { إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين } [ ~~الذاريات : 58 ] ، أن القوة والقدرة بمعنى واحد ، وكذلك القادر والقوى ~~بمعنى واحد ، وذكر الأشعرى أن القدرة والقوة والاستطاعة معناها واحد ، لكن ~~لم يشتق لله تعالى من الاستطاعة اسم ، ولا يجوز أن يوصف بأنه مستطيع لعدم ~~التوقيف بذلك ، وإن كان قد جاء القرآن بالاستطاعة فقال : { هل يستطيع ربك } ~~[ المائدة : 112 ] ، فإنما هو خبر عنهم ولا يقتضى إثباته صفة له تعالى فدل ~~على ذلك أمران : تأنيبه لهم عقيب هذا ، وقراءة من قرأ : ( هل تستطيع ربك ) ~~بمعنى : هل تسطيع ربك ، وقد أخطئوا فى الأمرين جميعا لاقتراحهم على نبيهم ~~وخالقه ما لم يأذن لهم فيه ربهم تعالى . * * * PageV10P418 # | 11 - باب مقلب القلوب وقوله تعالى : { ونقلب أفئدتهم وأبصارهم } [ ~~الأنعام : 110 ] # / 20 - فيه : ابن عمر ، كان النبى - صلى الله عليه وسلم - أكثر ما يحلف : ~~لا ، ومقلب القلوب ) . قد تقدم الكلام فى هذا الحديث فى كتاب القدر ، ومر ~~فيه أن تقليبه لقلوب عباده صرفه لها من إيمان إلى كفر ، ومن كفر إلى إيمان ~~وذلك كله مقدور لله تعالى وفعل له ، بخلاف قول القدرية . * * * # | 12 - باب قول النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( إن لله مائة اسم إلا ~~واحدامن أحصاها دخل الجنة ) # قال ابن عباس : { ذو الجلال } [ الرحمن : 27 ] ذو العظمة { البر } اللطيف ~~. / 21 - فيه : أبو هريرة ، قال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( إن لله ~~تسعة وتسعين اسما مائة إلا واحدا ، من أحصاها دخل الجنة ) . { أحصيناه } ~~حفظناه . الإحصاه فى اللغة على وجهين : أحدهما بمعنى : الإحاطة بعلم عدد ~~الشىء وقدره ، ومنه قوله تعالى : { وأحصى كل شىء عددا } [ الجن : 28 ] وهذا ~~قول الخليل . والثانى : بمعنى : الإطاقة له ، كقوله تعالى : { علم أن لن ~~تحصوه } [ المزمل : 20 ] ، أى لن تطيقوه . وقال النبى - صلى الله عليه وسلم ~~- : ( استقيموا ولن تحصوا ) أى : لن تطيقوا العمل بكل ما لله عليكم ، ~~والمعنى فى ذلك كله متقارب ، وقد يجوز أن يكون المعنى : من أحصاها عددا ~~PageV10P419 وحفظا وعلما بما يمكن علمه من معانيها ms3725 المستفاد منها علم ~~الصفات التى تفيدها ؛ لأن تحت وصفنا له بعالم إثبات علم له تعالى لم يزل ~~موصوفا به لا كالعلوم ، وتحت وصفنا له بقادر إثبات قدرة لم يزل موصوفا بها ~~لا كقدرة المخلوقين ، وكذلك القول فى الحياة وسائر صفاته ، وفيه وجه آخر ~~يحتمل أن يكون الإحصاء المراد فى هذا الحديث والله أعلم العمل بالأسماء ~~والتعبد لمن سمى بها . فإن قال قائل : كيف وجه إحصائها عملا ؟ قيل له : وجه ~~ذلك أن ما كان من أسماء الله تعالى مما يجب على المؤمن الاقتداء بالله ~~تعالى فيه كالرحيم والكريم والعفو والغفور والشكور والتواب وشبهها ، فإن ~~الله تعالى يحب أن يرى على عبده حلاها ويرضى له معناها ، والاقتداء به ~~تعالى فيها . فهذا العمل بهذا النوع من الأسماء وما كان منها مما لا يليق ~~بالعبد معانيها كالله والأحد والقدوس والجبار والمتعال والمتكبر والعظيم ~~والعزيز والقوى وشبهها ، فإنه يجب على العبد الإقرار بها والتذلل لها ~~والإشفاق منها ، وما كان بمعنى الوعيد كشديد العقاب ، وعزيز ذى انتقام ~~وسريع الحساب وشبهها ، فإنه يجب على العبد الوقوف عند أمره واجتناب نهيه . ~~واستشعار خشية الله تعالى من أجلها خوف وعيده ، وشديد عقابه هذا وجه ~~إحصائها عملا فهذا يدخل الجنة إن شاء الله ، وأخبرنى بعض أهل العلم عن أبى ~~محمد الأصيلى أنه أشار إلى هذا المعنى غير PageV10P420 أنه لم يشرحه فقال : ~~الإحصاء لأسمائه تعالى هو العمل بها لا عدها وحفظها فقط ؛ لأنه قد يعدها ~~المنافق والكافر وذلك غير نافع له . قال المؤلف : والدليل على أن حقيقة ~~الإحصاء والحفظ فى الشريعة إنما هو العمل قوله - صلى الله عليه وسلم - فى ~~وصف الخوارج : ( يقرءون القرآن لا يجاوز حناجرهم ، يمرقون من الدين مروق ~~السهم من الرمية ) فبين أن من قرأ القرآن ولم يعمل به لم ترفع قراءته إلى ~~الله ، ولا جازت حنجرته ، فلم يكتب له أجرها وخاب من ثوابها كما قال تعالى ~~: { إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه } [ فاطر : 10 ] ، يعنى أن ~~العمل الصالح يرفع الكلم الطيب إلى الله تعالى . وكما قال ms3726 ابن مسعود لرجل : ~~إنك فى زمان كثير فقهاؤه قليل قراؤه تحفظ فيه حدود القرآن وتضيع فيه حروفه ~~، وسيأتى على الناس زمان قليل فقهاؤه كثير قراؤه تحفظ فيه حروف القرآن ~~وتضيع حدوده . فذم من حفظ الحروف وضيع العمل ولم يقف عند الحدود ، ومدح من ~~عمل بمعانى القرآن وإن لم يحفظ الحروف ، فدل هذا على أن الحفظ والإحصاء ~~المندوب إليه هو العمل . ويوضح هذا أيضا ما كتب به عمر بن الخطاب إلى عماله ~~: إن أهم أموركم عندى الصلاة فمن حفظها وحافظ عليها دينه . ولم يرد عمر ~~بحفظها إلا المبالغة فى إتقان العمل بها من إتمام ركوعها وسجودها وإكمال ~~حدودها لا حفظ أحكامها وتضييع العمل بها ، والله الموفق . * * * ~~PageV10P421 # | 13 - باب السؤال بأسماء الله تعالى والاستعاذة بها # / 22 - فيه : أبو هريرة ، قال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( إذا جاء ~~أحدكم فراشه فلينفضه بصنفة ثوبه ثلاث مرات ، وليقل : باسمك رب وضعت جنبى ، ~~وبك أرفعه ، إن أمسكت نفسى ، فاغفر لها ، وإن أرسلتها فاحفظها بما تحفظ به ~~عبادك الصالحين ) . / 23 - وفيه : حذيفة ، كان النبى - صلى الله عليه وسلم ~~- إذا أوى إلى فراشه ، قال : ( اللهم باسمك أحيا وأموت ) ، وإذا أصبح ، قال ~~: ( الحمد لله الذى أحيانا بعد ما أماتنا وإليه النشور ) . / 24 - وفيه : ~~ابن عباس ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( لو أن أحدكم ~~إذا أراد أن يأتى أهله ، فقال : باسم الله ، اللهم جنبنا الشيطان ، وجنب ~~الشيطان ما رزقتنا ، فإنه إن يقدر بينهما ولد فى ذلك لم يضره شيطان أبدا ) ~~. / 25 - وفيه : عدى ، سألت النبى - صلى الله عليه وسلم - فقلت : أرسل ~~كلابى المعلمة ؟ قال : ( إذا أرسلت كلابك المعلمة ، وذكرت اسم الله ، ~~فأمسكن فكل . . . ) الحديث . / 26 - وفيه : عائشة ، قالوا : يا رسول الله ، ~~إن هاهنا أقواما حديث عهدهم بشرك ، يأتونا بلحمان ، لا ندرى أيذكرون اسم ~~الله عليها أم لا ؟ قال : ( اذكروا أنتم اسم الله ، وكلوا ) . / 27 - وفيه ~~: أنس ، ضحى النبى - صلى الله عليه وسلم - بكبشين يسمى ويكبر . / 28 - وفيه ~~: جندب ، أن النبى - صلى الله عليه وسلم - قال يوم النحر ms3727 : ( من ذبح قبل أن ~~يصلى ، فليذبح مكانها أخرى ، ومن لم يذبح فليذبح باسم الله ) . PageV10P422 ~~/ 29 - وفيه : ابن عمر ، قال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( لا تحلفوا ~~بآبائكم ، ومن كان حالفا فليحلف بالله ) . غرضه فى هذا الباب أن يثبت أن ~~الاسم هو المسمى فى الله على ما ذهب إليه أهل السنة ، وموضع الاستدلال منه ~~قوله - صلى الله عليه وسلم - : ( باسمك ربى وضعت جنبى ، وبك أرفعه ) وقوله ~~فى حديث حذيفة : ( باسمك أحيا وأموت ) ومعناه : بإقدارك إياى على وضع جنبى ~~وضعته ، وبإقدارك إياى على رفعه أرفعه ، وبإحيائك أحيا وبإماتتك أموت ، ~~فحذف - صلى الله عليه وسلم - باسمك ربى وضعت جنبى ، ثم قال : وبك أرفعه ، ~~فذكر الاسم مرة ، ولم يذكره أخرى ، فدل أن معنى قوله : باسمك . معنى قوله : ~~بك ؛ إذ لو كان ذكره للاسم يفيد غير ما يفيد ترك ذكره لتخالف المعنيان ، ~~ولوجب أن يكون اسمه غيره وذلك محال ؛ لأن ذلك يؤدى إلى أن يكون قوله - صلى ~~الله عليه وسلم - : باسمك وضعت جنبى كقوله : بغيرك وضعت جنبى . وقوله : ~~وباسمك أحيا وأموت : بغيرك أحيا وأموت . وهذا كفر بالله تعالى . ويكون قوله ~~: وبك أرفعه ، وقوله : الحمد لله الذى أحيانا بعد ما أماتنا وإليه النشور ~~يراد به الله فيكون بعض الدعاء لله وصرف الأمر فيه إليه ، ويكون بعض الدعاء ~~وصرف الأمر فيه إلى غير الله ، وهذا كفر صريح لا يخفى ، ومما يدل على أن ~~اسم الله هو قوله سبحانه : { فسبح باسم ربك العظيم } [ الواقعة : 74 ] أى ~~سبح ربك العظيم ونزهه باسمائه الحسنى ، ولو كان اسمه غيره لكان الله أمر ~~نبيه بتنزيه معنى هو غير الله وهذا مستحيل ، ومما يدل على ذلك قوله تعالى : ~~{ تبارك اسم ربك ذى الجلال والإكرام } [ الرحمن : 78 ] فى قراءة من قرأ { ~~ذو } PageV10P423 وذو وصف الاسم لا شك فيه فإذا قد وصف الاسم بالجلال ~~والإكرام ، وهذا خلاف قول القدرية التى تزعم كون كلامه محدثا ، وأنه تعالى ~~لم يزل غير ذى اسم ولا صفة حتى خلق الخلق وخلق كلامه فسماه خلقه بأسماء ~~محدثة وسمى نفسه بمثلها ms3728 ، وهذا بين الفساد بما قدمناه أنه تعالى لا يجوز أن ~~يأمر نبيه بتنزيه غيره . فإن قال قائل : فإن قلتم : إن اسم الله هو هو فما ~~معنى قوله - صلى الله عليه وسلم - : ( إن لله تسعة وتسعين اسما ) وكيف تكون ~~الذات الواحدة تسعة وتسعون شيئا ؟ ! قالوا : وهذا كفر ممن قال به ، فبان من ~~هذا الحديث أن اسمه غيره . فالجواب : أنه لو كان اسمه غيره لم يأمر نبيه ~~بتنزيه مخلوق غيره على ما قدمناه ، ونرجع إلى تأويل الحديث فنقول : إن ~~المراد بقوله : تسعة وتسعين اسما التسمية ؛ لأنه فى نفسه واحد والاسم يكون ~~بمعنيين يكون بمعنى المسمى ، ويكون بمعنى التسمية التى هى كلامه فالذى ~~بمعنى المسمى يقال فيه : هو المسمى ، والذى بمعنى التسمية لا يقال فيه : هو ~~المسمى ، ولا هو غيره ، وإنما لم نقل فيه أيضا : هو غيره ؛ لأن تسميته ~~لنفسه كلام له ولا يقال فى كلامه أنه غيره . ومعنى الترجمة معنى قوله تعالى ~~: { ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها } [ الأعراف : 180 ] ، فأمر بدعائه بها ~~ووصفه لها بالحسنى يقتضى نفى تضمن كل اسم منها نقيض ما يوصف أنه حسن ، ~~ونقيض الحسن قبيح PageV10P424 لا يجوز على الله ، ومعنى هذا أن عالما من ~~أسمائه يقتضى علما ينفى نقيضه من الجهل وقادرا يقتضى قدرة تنفى نقيضها من ~~العجز ، وحيا يقتضى حياة تنفى ضدها من الموت ، وكذلك سائر صفاته كلها ~~ففائدة ، كل واحدة منها خلاف فائدة الأخرى ، فأمر تعالى عباده بالدعاء ~~بأسمائه كلها لما يتضمن كل اسم منها ويخصه من الفائدة ليجتمع للعباد ~~الداعين له بجميعها فوائد عظيمة ، ويكون معبودا بكل معنى . * * * # | 14 - باب ما يذكر فى الذات والنعوت وأسامى الله # وقال خبيب : وذلك فى ذات الإله ، فذكر الذات باسمه . / 30 - فيه : أبو ~~هريرة ، بعث النبى - صلى الله عليه وسلم - عشرة ، منهم خبيب الأنصارى ، ~~فأخبرنى عبيدالله بن عياض ، أن ابنة الحارث أخبرته أنهم حين اجتمعوا ، ~~استعار منها موسى يستحد بها ، فلما خرجوا من الحرم ليقتلوه ، قال خبيب : ما ~~أبالى حين أقتل مسلما وذلك فى ذات الإله وإن يشأ على ms3729 أى شق كان لله مصرعي ~~يبارك على أوصال شلو ممزع فقتله ابن الحارث ، وأخبر النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - أصحابه خبرهم يوم أصيبوا . PageV10P425 اعلم أن أسماء الله تعالى ~~على ثلاث أضرب : ضرب منها يرجع إلى ذاته ووجوده فقط لا إلى معنى يزيد على ~~ذلك كقولنا : شىء وموجود وذات نفس . والضرب الثانى : يرجع إلى إثبات معان ~~قائمة به تعالى هى صفات له كقولنا : حى وقادر وعالم ومريد ، يرجع ذلك كله ~~إلى حياة وقدرة وعلم وإرادة ؛ لأجلها كان حيا قادرا عالما مريدا . والضرب ~~الثالث : يرجع إلى صفات من صفات أفعاله كقولنا : خالق ورزاق ومحيى ومميت ، ~~يرجع بذلك إلى خلق ورزق وحياة وموت ، وذلك كله فعل له تعالى . فأما إثباته ~~ذاتا وشيئا ونفسا فطريقه السمع ، وقد سمع النبى - صلى الله عليه وسلم - قول ~~خبيب ( وذلك فى ذات الإله ) فلم ينكره ، فصار طريق العلم به التوقيف من ~~الرسول - صلى الله عليه وسلم - وذاته هو هى ، ومعنى قوله فى ذات الإله : أى ~~فى دين الله وطاعته ، فجميع هذه الأضرب الثلاثة أسماء لله فى الحقيقة كان ~~منها ما يتضمن صفة ترجع إلى ذاته أو إلى فعل من أفعاله أم لا ، فكل صفة اسم ~~لله تعالى وليس كل اسم صفة . ومذهب أهل السنة أنه محال أن يقال فى صفات ~~ذاته أن كل واحدة منها غير الأخرى ، كما استحال القول عندهم بأنها غيره ~~تعالى ؛ لأن حد الغيرين ما جاز وجود أحدهما مع عدم الآخر ، ولما لم يجز على ~~شىء من صفاته عدم إحداهما مع وجود سائرها استحال وصفها بالتغاير كما استحال ~~وصفه بأنه غيرها ؛ لقيام الدليل على استحالة وجوده تعالى مع عدم صفاته ، ~~التى هى حياته وعلمه وقدرته وسائر وجود بعضها مع عدم سائرها كالرزق ~~والإحياء والإماتة ، وسائر PageV10P426 صفات أفعاله التى تتضمنها أسماء له ~~أطلقها تعالى على نفسه كرازق وخالق ومحيى ومميت وبديع ، وما شاكل ذلك ، ~~فهذه كلها أسماء له تعالى سمى نفسه بها ، وتسميته : قوله ، وقوله ليس غيره ~~كسائر صفات ذاته ، ومتضمن هذه الأسماء متغاير على ما ms3730 ذكرنا وغير له تعالى ~~لقيام الدليل على وجوده فى أزله مع عدم جميع أفعاله . * * * # | 15 - باب قوله تعالى : { ويحذركم الله نفسه } [ آل عمران : 28 ] وقوله ~~تعالى : { تعلم ما فى نفسى ولا أعلم ما فى نفسك } # / 31 - فيه : عبدالله ، قال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( ما من أحد ~~أغير من الله من أجل ذلك حرم الفواحش ، وما أحد أحب إليه المدح من الله ) . ~~/ 32 - وفيه : أبو هريرة ، قال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( لما خلق ~~الله الخلق كتب فى كتابه ، وهو يكتب على نفسه ، وهو وضع عنده على العرش : ~~إن رحمتى تغلب غضبى ) . / 33 - فيه : أبو هريرة ، قال - صلى الله عليه وسلم ~~- : ( يقول الله : أنا عند ظن عبدى بى ، وأنا معه إذا ذكرنى ، فإن ذكرنى فى ~~نفسه ذكرته فى نفسى ، وإن ذكرنى فى ملأ ذكرته فى ملإ خير منهم ، وإن تقرب ~~إلى بشبر تقربت إليه ذراعا ، وإن تقرب إلى ذراعا تقربت إليه باعا ، وإن ~~أتانى يمشى أتيته هرولة ) . قوله : { ويحذركم الله نفسه } [ آل عمران : 28 ~~] ، وقوله : { ولا أعلم ما فى نفسك } [ المائدة : 116 ] ، وما ذكر فى ~~الأحاديث من ذكر النفس ، فالمراد به إثبات نفس لله ، والنفس لفظة تحتمل ~~معان ، والمراد بنفسه تعالى ذاته ، فنفسه ليس بأمر يزيد عليه ، فوجب أن ~~تكون نفسه PageV10P427 هي هو ، وهذا إجماع ، وللنفس وجوه أخر لا حاجة بنا ~~إلى ذكرها ؛ إذ الغرض من الترجمة خلاف ذلك . أما قوله - صلى الله عليه وسلم ~~- : ( ما أحد أغير من الله ) . فليس هذا موضع الكلام فيه ، وسيأتى . وأما ~~قوله : ( وضع عنده ) فعند فى ظاهر اللغة تقتضى أنها للموضع ، والله يتعالى ~~عن الحلول فى المواضع ؛ لأن ذلك من صفات الأجسام إذ الحال فى موضع لا يكون ~~بالحلول فيه بأولى منه بالحلول فى غيره إلا لأمر يخصه حلوله فيه ، والحلول ~~فيه عرض من الأعراض يفنى بمجىء حلول آخر يحل به فى غير ذلك المكان . ~~والحلول محدث والحوادث لا تليق به تعالى ، لدلالتها على حدث من قامت به ~~فوجب صرف ( عند ) عن ظاهرها إلى ms3731 ما يليق به تعالى ، وهو أنه أراد - صلى ~~الله عليه وسلم - إثبات علمه بإثابة من سبق علمه أنه عامل بطاعته ، وعقاب ~~من سبق علمه بأنه عامل بمعصيته . ( وعند ) وإن كان وضعها فى اللغة للمكان ~~فقد يتوسع فيها فتجعل لغير المكان كقوله - صلى الله عليه وسلم - : ( أنا ~~عند ظن عبدى بى ) ولا مكان هناك . وأما قوله : ( إن رحمتي تغلب PageV10P428 ~~غضبي ) . فقد تقدم أن رحمته تعالى إرادته لإثابة المطيعين له وغضبه لعقاب ~~العاصين له ، وإذا كان ذلك كذلك كان معنى قوله : ( إن رحمتى تغلب غضبى ) إن ~~إرادتى ثواب الطائعين لى هى إرادتى ألا أعذبهم . وهو معنى قوله تعالى : { ~~يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر } [ البقرة : 185 ] ، فإرادته بهم ~~اليسر هى إرادته ألا يريد بهم العسر ، وما كان ما أراد من ذلك بهم ، ولم ~~يكن ما لم يرده فعبر - صلى الله عليه وسلم - عن هذا المعنى بقوله : ( إن ~~رحمتى تغب غضبى ) وتسبق غضبى ، فظاهر قوله يفيد أن رحمته وغضبه معنيان ~~أحدهما غالب للآخر وسابق له ، وإذا ثبت أن إرادته واحدة وصفة من صفات ذاته ~~، وأن رحمته وغضبه ليستا بمعنى أكثر من إرادته التى هى متعلقة بكل ما يصح ~~لأكونه مرادا وجب صرف كلامه عن ظاهره ؛ لأن إجراء الكلام على ظاهره يقتضى ~~حدث إرادته لو كانت له إرادات كثيرة متغايرة . وقوله : ( فى ملأ خير منهم ) ~~هذا نص من النبى - صلى الله عليه وسلم - أن الملائكة أفضل من بنى آدم ، وهو ~~مذهب جمهور أهل العلم وعلى هذا شواهد من كتاب الله منها قوله تعالى : { ما ~~نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين } [ ~~الأعراف : 20 ] ، ولا شك أن الخلود أفضل من الفناء فكذلك الملائكة أفضل من ~~بنى آدم وإلا فلا يصح معنى الكلام . وأما وصفه تعالى بأنه يتقرب إلى عبده ~~ووصفه بالتقرب إليه ووصفه بإتيانه هرولة ، فإن التقرب والإتيان والمشى ~~والهرولة محتملة للحقيقة والمجاز ، وحملها على الحقيقة يقتضى قطع المسافات ~~وتواتى الأجسام ، وذلك لا يليق بالله تعالى فاستحال ms3732 حملها على الحقيقة ، ~~ووجب حملها على المجاز ؛ لشهرة ذلك فى كلام العرب ، فوجب أن يكون وصف العبد ~~بالتقرب إليه شبرا وذراعا وإتيانه ومشيه معناه : التقرب إليه بطاعته وأداء ~~مفترضاته ، ويكون تقربه تعالى من عبده قوله تعالى : ( أتيته هرولة ) أى : ~~أتاه ثوابى مسرعا . قال الطبرى : وإنما مثل القليل من الطاعة بالشبر من ~~الدنو منه PageV10P429 والضعف من الكرامة والثواب بالذراع ، فجعل ذلك دليلا ~~على مبلغ كرامته لمن أكرم عليه مجاوز حده إلى ما بينه عز وجل . فإن قيل : ~~فما معنى قوله : ( إذا ذكرنى فى نفسه ذكرته فى نفسى ؟ ) قيل : معنى ذلك : ~~وإذا ذكرنى بقلبه مخفيا ذلك عن خلقى ذكرته برحمتى وثوابى مخفيا ذلك عن خلقى ~~حتى لا يطلع عليه أحد منهم ، وإذا ذكرنى فى ملأ من عبادى ، ذكرته فى ملأ من ~~خلقى أكثر منهم وأطيب . قال الطبرى : فإن قيل : أى الذكرين أعظم ثوابا ~~الذكر الذى هو بالقلب ، أو الذكر الذى هو باللسان ؟ قيل : قد اختلف السلف ~~فى ذلك ، فروى عن عائشة أنها قالت : لأن أذكر الله فى نفسى أحب إلى أن ~~أذكره بلسانى سبعين مرة . وقال آخرون : ذكر الله باللسان أفضل . روى عن أبى ~~عبيدة بن عبد الله بن مسعود قال : ما دام قلب الرجل يذكر الله تعالى فهو فى ~~صلاة ، وإن كان فى السوق ، وإن تحرك بذلك اللسان والشفتان فهو أعظم . قال ~~الطبرى : والصواب عندى أن إخفاء النوافل أفضل من ظهورها لمن لم يكن إماما ~~يقتدى به ، وإن كان فى محفل اجتمع أهله لغير ذكر الله أو فى سوق وذلك أنه ~~أسلم له من الرياء ، وقد روينا من حديث سعد بن أبى وقاص عن النبى - صلى ~~الله عليه وسلم - أنه قال : ( خير الرزق ما يكفى ، وخير الذكر الخفى ) ولمن ~~كان بالخلاء أن يذكر الله بقلبه ولسانه ؛ لأن شغل جارحتين بما يرضى الله ~~تعالى أفضل من شغل PageV10P430 جارحة واحدة ، وكذلك شغل ثلاث جوارح أفضل من ~~شغل جارحتين ، وكلما زاد فهو أفضل إن شاء الله تعالى . * * * # | 16 - باب قوله تعالى : { كل شىء هالك ms3733 إلا وجهه } [ القصص : 88 ] # / 34 - فيه : جابر ، لما نزلت على النبى - صلى الله عليه وسلم - : { قل ~~هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم } [ الأنعام : 65 ] ، قال - ~~صلى الله عليه وسلم - : ( أعوذ بوجهك ) ، فقال : { أو من تحت أرجلكم } ، ~~قال عليه السلام : ( أعوذ بوجهك ) ، قال : { أو يلبسكم شيعا } ، قال النبى ~~- صلى الله عليه وسلم - : ( هذا أيسر ) . استدلاله من هذه الآية والحديث ~~على أن لله تعالى وجها هو صفة ذاته لا يقال : هو هو ، ولا هو غيره بخلاف ~~قول المعتزلة ، ومحال أن يقال : هو جارحة كالذى نعلمه من الوجوه ، كما لا ~~يقال : هو تعالى فاعل وحى وعالم ، كالفاعلين والأحياء والعلماء الذين ~~نشاهدهم ، وإذا استحال قياسه على المشاهدين فالحكم له بحكمهم مع مشاركتهم ~~له فى التسمية كذلك يستحيل الحكم لوجهه الذى هو صفة ذاته بحكم الوجوه التى ~~نشاهدها ، وإنما لم يجز أن يقال : إن وجهه جارحة لاستحالة وصفه بالجوارح ~~لما فيها من أثر الصنعة ، ولم يقل فى وجهه أنه هو لاستحالة كونه تعالى وجها ~~، وقد أجمعت الأمة على أنه لا يقال : يا وجه ، اغفر لى ، ولم يجز أن يكون ~~وجهه غيره ؛ لاستحالة مفارقته له بزمان أو مكان أو عدم أو وجود ، فثبت أن ~~له وجها لا كالوجوه ؛ لأنه ليس كمثله شىء . * * * PageV10P431 # | 17 - باب قوله تعالى : { ولتصنع على عينى } [ طه : 39 ] # يعنى : تغذى ، وقوله تعالى : { تجرى بأعيننا } / 35 - فيه : ابن عمر ، ~~ذكر الدجال عند النبى - صلى الله عليه وسلم - فقال : ( إن الله لا يخفى ~~عليكم ، إن الله ليس بأعور ، وأشار بيده إلى عينه ، وإن المسيح الدجال أعور ~~العين اليمنى ) . / 36 - وفيه : أنس ، قال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ~~( ما بعث الله من نبى إلا أنذر قومه الأعور الكذاب ، إنه أعور ، وإن ربكم ~~ليس بأعور ، مكتوب بين عينيه كافر ) . استدلاله من هذه الآية والحديث على ~~أن لله صفة سماها عينا ليست هو ولا غيره ، وليست كالجوارح المعقولة بيننا ؛ ~~لقيام الدليل على استحالة وصفه بأنه ذو جوارح وأعضاء . خلافا لما تقوله ~~المجسمة من أنه جسم ms3734 لا كالأجسام ، واستدلوا على ذلك بهذه الآيات كما ~~استدلوا بالآيات المتضمنة لمعنى الوجه واليدين ، ووصفه لنفسه بالإتيان ~~والمجئ والهرولة فى حديث الرسول ، وذلك كله باطل وكفر من متأوله ؛ لقيام ~~الدليل على تساوى الأجسام فى دلائل الحدث القائمة بها واستحالة كونه من جنس ~~المحدثات ، إذ المحدث إنما كان محدثا من حيث هو متعلق بمحدث أحدثه ، وجعله ~~بالوجود أولى منه بالعدم . فإن قالوا : الدليل على صحة ما نذهب إليه من أنه ~~تعالى جسم قوله - صلى الله عليه وسلم - : ( إن الله ليس بأعور ، وإشارته ~~إلى عينه بيده ، وأن المسيح الدجال أعور عينه اليمنى ) ففى إشارته إلى عينه ~~بيمينه تنبيه منه على أن عينه كسائر الأعين . PageV10P432 قلنا : تقدم فى ~~دليلنا استحالة كونه جسما ؛ لاستحالة كونه محدثا ، وإذا صح ذلك وجب صرف ~~قوله - صلى الله عليه وسلم - وإشارته إلى عينه إلى معنى يليق به تعالى وهو ~~نفى النقائص والعور منه ، وأنه ليس كمن لا يرى ولا يبصر ، بل هو منتف عنه ~~جميع النقائص والآفات التى هى أضداد السمع والبصر وسائر صفات ذاته التى ~~يستحيل وصفه بأضدادها ؛ إذ الموصوف بها تارة وأضدادها أخرى محدث مربوب ، ~~لدلالة قيام الحوادث به على محدثه . * * * # | 18 - باب قوله تعالى : { هو الله الخالق البارئ المصور } [ الحشر : 24 ~~] # / 37 - فيه : أبو سعيد ، أنهم أصابوا سبايا فى غزوة بنى المصطلق ، ~~فأرادوا أن يستمتعوا بهن ، ولا يحملن ، فسألوا النبى - صلى الله عليه وسلم ~~- عن العزل ، فقال : ( ما عليكم أن لا تفعلوا ، فإن الله قد كتب من هو خالق ~~إلى يوم القيامة ) . وقال أبو سعيد مرة ، عن النبى - صلى الله عليه وسلم - ~~: ( ليست نفس مخلوقة إلا الله خالقها ) . الكلام فى معنى قوله تعالى : { ~~الخالق } من وجهين : أحدهما أن يكون بمعنى المبدع والمنشىء لأعيان ~~المخلوقات ، وهذا معنى لا يشاركه فيه أحد من خلقه ، لم يزل الله مسميا ~~لنفسه خالقا ورازقا على معنى أنه سيخلق وسيرزق ، لا على معنى أنه خلق الخلق ~~فى أزله لاستحالة قدم الخلق . والثانى : أن يكون الخلق بمعنى التصوير ، ~~وهذا أمر يصح مشاركة ms3735 الخلق فيه له ، فالخلق المذكور فى هذا الباب بمعنى ~~الإبداع والاختراع PageV10P433 لأعيان السموات والأرض ، والخلق بمعنى ~~التصوير فى قوله تعالى : { وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير } [ المائدة : ~~110 ] ، أى تصور لا تخترع ومنه قول الشاعر : ولأنت تفرى ما خلقت وبعض القوم ~~يخلق ثم لا يفرى * * * # | 19 - باب قوله تعالى : { لما خلقت بيدى } [ ص : 75 ] # / 38 - فيه : أنس ، قال - صلى الله عليه وسلم - : ( يجمع المؤمنين يوم ~~القيامة كذلك ، فيقولون : لو استشفعنا إلى ربنا حتى يريحنا من مكاننا هذا ، ~~فيأتون آدم ، فيقولون : يا آدم ، أما ترى الناس ؟ خلقك الله بيده ، وأسجد ~~لك ملائكته ، وعلمك أسماء كل شىء ، اشفع لنا إلى ربنا حتى يريحنا من مكاننا ~~هذا ، فيقول لست هناك ويذكر لهم خطيئته التى أصابها ، ولكن ائتوا نوحا ، ~~فإنه أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض ، فيأتون نوحا ، فيقول : لست هناكم ~~، ويذكر خطيئته التى أصاب ، ولكن ائتوا إبراهيم خليل الرحمن ، فيأتون ~~إبراهيم ، فيقول : لست هناكم ، ويذكر لهم خطاياه التى أصابها ، ولكن ائتوا ~~موسى ، عبدا آتاه الله التوراة وكلمه تكليما ، فيأتون موسى ، فيقول : لست ~~هناكم ، ويذكر لهم خطيئته التى أصاب ، ولكن ائتوا عيسى عبد الله ورسوله ~~وكلمته وروحه ، فيأتون عيسى ، فيقول : لست هناكم ، ولكن ائتوا محمدا - صلى ~~الله عليه وسلم - ، عبدا غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر ، فيأتونى ، ~~فأنطلق ، فأستأذن على ربى ، فيؤذن لى عليه ، فإذا رأيت ربى وقعت له ساجدا ، ~~فيدعني ما شاء PageV10P434 الله أن يدعنى ، ثم يقال لى : ارفع محمد ، وقل ~~يسمع ، وسل تعطه ، واشفع تشفع ، فأحمد ربى بمحامد علمنيها ، ثم أشفع فيحد ~~لى حدا ، فأدخلهم الجنة ، ثم أرجع ، فإذا رأيت ربى وقعت ، ساجدا ، فيدعنى ~~ما شاء الله أن يدعنى ، ثم يقال : ارفع محمد ، ن وقل يسمع ، وسل تعطه ، ~~واشفع تشفع ، فأحمد ربى ، بمحامد علمنيها ربى ، ثم أشفع فيحد لى حدا ، ~~فأدخلهم الجنة ، ثم أرجع ، فإذا رأيت ربى وقعت ساجدا ، فيدعنى ما شاء الله ~~أن يدعنى ، ثم يقال : ارفع محمد ، قل يسمع ، وسل تعطه ، واشفع تشفع ، فأحمد ~~ربى بمحامد علمنيها ms3736 ، ثم أشفع ، فيحد لى حدا ، فأدخلهم الجنة ، ثم أرجع ~~فأقول : يا رب ، ما بقى فى النار إلا من حبسه القرآن ، ووجب عليه الخلود ، ~~قال النبى - صلى الله عليه وسلم - : يخرج من النار من قال ، لا إله إلا ~~الله وكان فى قلبه من الخير ما يزن شعيرة ، ثم يخرج من النار من قال : لا ~~إله إلا الله وكان فى قلبه من الخير ما يزن برة ، ثم يخرج من النار من قال ~~لا إله إلا الله وكان فى قلبه ما يزن من الخير ذرة ) . / 39 - وفيه : أبو ~~هريرة ، قال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( يد الله ملأى ، لا يغيضها ~~نفقة سحاء الليل والنهار ، وقال : أرأيتم ما أنفق منذ خلق السموات والأرض ؟ ~~فإنه لم يغض ما فى يده ، وقال : عرشه على الماء ، وبيده الأخرى الميزان ~~يخفض ويرفع ) . / 40 - وفيه : ابن عمر ، قال النبي ، عليه السلام : ( إن ~~الله يقبض يوم القيامة الأرضين ، فإنه لم يغض ما فى يده ، وقال : عرشه على ~~الماء وبيده الأخرى الميزان يخفض ويرفع ) . / 41 - وفيه : ابن عمر ، قال ~~النبي - عليه السلام - : ( إن الله يقبض يوم القيامة الأرضين ، وتكون ~~السموات بيمينه ، ثم يقول : أنا الملك ) . / 42 - وفيه : أبو هريرة ، قال ~~النبي - عليه السلام - : ( يقبض الله الأرض ) . PageV10P435 / 43 - وفيه : ~~عبدالله ، أن يهوديا جاء إلى النبى - صلى الله عليه وسلم - فقال : يا محمد ~~، إن الله يمسك السموات على إصبع ، والأرضين على إصبع ، والجبال على إصبع ، ~~والشجر على إصبع ، والخلائق على إصبع ، ثم يقول : أنا الملك ، فضحك رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - حتى بدت نواجذه ، ثم قرأ : { وما قدروا الله ~~حق قدره } [ الأنعام : 92 ] . وقال مرة : فضحك النبى - صلى الله عليه وسلم ~~- تعجبا وتصديقا له . استدلاله من قوله تعالى : { لما خلقت بيدى } [ ص : 75 ~~] ، وسائر أحاديث الباب على إثبات يدين الله هما صفتان من صفات ذاته ليستا ~~بجارحتين بخلاف قول المجثمة المثبتة أنهما جارحتان وخلاف قول القدرية ~~النفاة لصفات ذاته ، ثم إذا لم يجز أن يقال : إنهما جارحتان لم يجز أن يقال ~~: إنهما ms3737 قدرتان ، ولا إنهما نعمتان ؛ لأنهما لو كانتا قدرتين لفسد ذلك من ~~وجهين : أحدهما : أن الأمة أجمعت من بين ناف لصفات ذاته ، وبين مثبت لها أن ~~لها تعالى ليس له قدرتان بل له قدرة واحدة فى قول المثبتة ، ولا قدرة له فى ~~قول النافية لصفاته ؛ لأنهم يعتقدون كونه قادرا لنفسه لا بقدرة والوجه ~~الآخر أن الله تعالى قال لإبليس : { ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدى أستكبرت ~~أم كنت من العالين } [ ص : 75 ] ، قال إبليس مجيبا له : أنا خير منه . ~~فأخبر بالعلة التى من أجلها لم يسجد ، وأخبره تعالى بالعلة التى لها أوجب ~~عليه السجود ، وهو أن خلقه بيديه ، فلو كانت اليد القدرة التى خلق آدم بها ~~وبها خلق إبليس لم يكن لاحتجاجه PageV10P436 تعالى عليه بأن خلقه بما يوجب ~~عليه السجود معنى ؛ إذ إبليس مشارك لآدم فيما خلقه به تعالى من قدرته ، ولم ~~يعجز إبليس بأن يقول له : أى رب ، وأى فضل له على وأنا خلقتنى بقدرتك كما ~~خلقته ؟ ولم يعدل إبليس عن هذا الجواب إلى أن يقول : أنا خير منه ؛ لأنه ~~خلقه من نار وخلق آدم من طين ، فعدول إبليس عن هذا الاحتجاج مع وضوحه دليل ~~على أن آدم خصه الله تعالى من خلقه بيديه بما لم يخص به إبليس . وكيف يسوغ ~~للقدرية القول بأن اليد هنا القدرة مع نفيهم للقدرة ؟ ! وظاهر الآية مع هذا ~~يقتضى يدين ، فينبغى على الظاهر إثبات قدرتين ، وذلك خلاف لأمة . ولا يجوز ~~أن يكون المراد باليدين نعمتين لاستحالة خلق المخلوق بمخلوق مثله ؛ لأن ~~النعم مخلوقة كلها وإذا استحال كونهما جارحتين ، وكونهما نعمتين ، وكونهما ~~قدرتين ثبت أنهما يدان صفتان لا كالأيدى والجوارح المعروفة عندنا ، اختص ~~آدم بأن خلقه بهما من بين سائر خلقه تكريما له وتشريفا . وفى هذا الحديث ~~دليل على إثبات شفاعة النبى - صلى الله عليه وسلم - لأهل الكبائر من أمته ~~خلافا لقول من أنكرها من المعتزلة والقدرية والخوارج ، وهذا الحديث فى غاية ~~الصحة والقوة تلقاه المسلمون بالقبول إلى أن حدث أهل العناد والرد لسنن ms3738 ~~الرسول ، وفى كتاب الله تعالى ما يدل على صحة الشفاعة قوله تعالى إخبارا عن ~~الكفار ؛ إذ قيل لهم : { ما سلككم فى سقر قالوا لم نك من المصلين ولم نك ~~نطعم المسكين وكنا نخوض مع الخائضين وكنا نكذب بيوم الدين حتى أتانا اليقين ~~} [ المدثر : 42 - 47 ] ، فأخبروا عن أنفسهم بالعلل التى من أجلها سلكوا فى ~~سقر ، ثم قال تعالى : { فما تنفعهم شفاعة الشافعين } [ المدثر : 48 ] ~~PageV10P437 زجرا لأمثالهم من الكافرين وترغيبا للمؤمنين فى الإيمان لتحصل ~~لهم به شفاعة الشافعين ، وهذا دليل قاطع على ثبوت الشفاعة . فإن عارض ~~الشفاعة معارض بقوله - صلى الله عليه وسلم - : ( من قتل نفسه بحديدة عذب ~~بها فى نار جهنم خالدا ، ومن تحسى سما . . ) الحديث . قيل له : يمكن الجمع ~~بين هذا الحديث ، وحديث الشفاعة بوجوه صحاح : فيجوز أن يكون فيمن قتل نفسه ~~وأنفذ الله عليه الوعيد بأن خلده فى النار مدة أكثر من مدة من خرج بالشفاعة ~~، ثم خرج من النار بعد ذلك مدة بشفاعة النبى - صلى الله عليه وسلم - بما فى ~~قلبه من الإيمان المنافى للكفر ؛ لأن الخلود الأبدى الدائم إنما يكون فى ~~الكفار الجاحدين وما جاء فى كتاب الله من ذكر الخلود للمؤمنين كقوله تعالى ~~: { ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزآؤه جهنم خالدا فيها } [ النساء : 93 ] ، ~~فإنما يراد بالتخليد تطويل المدة عليه فى العذاب ولا يقتضى التأبيد كما ~~يقتضى خلود الكافرين ، ويحتمل أن يكون تأويل الحديث من قتل نفسه على وجه ~~الاستحلال والردة فجزاؤه ما ذكر فى الحديث ؛ لأن فاعل ذلك كافر لا محالة ، ~~ويشهد لهذا ما قاله قبيصة فى البخارى فى تأويل قوله - صلى الله عليه وسلم - ~~: ( فسحقا سحقا ) . قال : هو من المرتدين . وقد سلمت طائفة من المعتزلة ~~شفاعة الرسول على الأمة لها ولشهادة ظواهر كتاب الله لها ، فقالوا : تجوز ~~شفاعته - صلى الله عليه وسلم - للتائب من الكبائر ، ولمن أتى صغيرة مع ~~اجتنابه الكبائر أو PageV10P438 مؤمن لا ذنب له لتائب ، وهذا كله فاسد على ~~أصولهم لاعتقادهم أن الله يستحيل منه تعذيب التائب من كبيرته أو فاعل ~~الصغائر ms3739 إذا اجتنب الكبائر ، أو تأخير ما استحق الذى لا ذنب له من الثواب ؛ ~~لأنه لو عذب من ذكرنا وأخر ثواب الآخر ولم يوف التائب والمجتنب للكبائر مع ~~فعله الصغائر ثوابه على أعماله ، لكان ذلك خارجا عن الحكمة وظالما ، وذلك ~~من صفات المخلوقين . وإذا كان هذا أصلهم ، فإثباتهم الشفاعة على هذا الوجه ~~لا معنى له فبطل قولهم ولزمهم الشفاعة على الوجه الذى تقول به أهل السنة ~~والحق ، وهذا بين والحمد لله . وذكر الأنبياء - صلى الله عليه وسلم - فى ~~حديث الشفاعة لخطاياهم ، فإن الناس اختلفوا هل يجوز وقوع الذنوب منهم ؟ ~~فأجمعت الأمة على أنهم معصومون فى الرسالة ، وأنه لا تقع منهم الكبائر ، ~~واختلفوا فى جواز الصغائر عليهم فأطبقت المعتزلة والخوارج على أنه لا يجوز ~~وقوعها منهم ، وزعموا أن الرسل لا يجوز أن تقع منهم ما ينفر الناس عنهم ~~وأنهم معصومون من ذلك . وهذا باطل لقيام الدليل مع التنزيل وحديث الرسول : ~~( أنه ليس كل ذنب كفرا ) . وقولهم : إن البارى تجب عليه عصمة الأنبياء ، ~~عليهم السلام ، من الذنوب فلا ينفر الناس عنهم بمواقعهم لها هو فاسد بخلاف ~~القرآن له ، وذلك أن الله تعالى قد أنزل كتابه وفيه متشابه مع سابق علمه ~~أنه سيكون ذلك سببا لكفر قوم ، فقال تعالى : { فأما الذين فى قلوبهم زيغ ~~فيتبعون ما تشابه منه } [ آل عمران : 7 ] ، وقال PageV10P439 تعالى : { ~~وإذا بدلنا آية مكان آية والله أعلم بما ينزل قالوا إنما أنت مفتر } [ ~~النحل : 101 ] فكان التبديل الذى هو النسخ سببا لكفرهم كما كان إنزاله ~~متشابها سببا لكفرهم ، وقال أهل السنة : جائز وقوع الصغائر من الأنبياء ، ~~واحتجوا بقوله تعالى مخاطبا لرسوله : { ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما ~~تأخر } [ الفتح : 2 ] فأضاف إليه الذنب ، وقد ذكر الله فى كتابه ذنوب ~~الأنبياء فقال تعالى : { وعصى آدم ربه فغوى } [ طه : 121 ] ، وقال نوح لربه ~~: { إن ابنى من أهلى } [ هود : 45 ] ، فسأله أن ينجيه ، وقد كان تقدم إليه ~~تعالى فقال : { ولا تخاطبنى فى الذين ظلموا إنهم مغرقون } [ هود : 37 ] ، ~~وقال إبراهيم : { والذى أطمع ms3740 أن يغفر لى خطيئتى يوم الدين } [ الشعراء : 82 ~~] ، وفى كتاب الله تعالى من ذكر خطايا الأنبياء ما لا خفاء به ، وقد تقدم ~~الاحتجاج فى هذه المسألة فى كتاب الدعاء فى باب قول النبى : ( أللهم اغفر ~~لى ما تقدم وتأخر ) ما لم أذكره هاهنا . فإن قال قائل : ما معنى قول آدم : ~~ولكن ائتوا نوحا ؛ فإنه أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض . وقد تقدم آدم ~~قبله ؟ فالجواب : أن آدم لم يكن رسولا ؛ لأن الرسول يقتضى مرسلا إليه فى ~~وقت الإرسال وهو أهبط إلى الأرض وليس فيها أحد . فإن قيل : لما تناسل منه ~~ولده وجب أن يكون رسولا إليهم ؟ قيل : إنما أهبط - صلى الله عليه وسلم - ~~إلى الأرض وقد علمه الله أمر دينه وما يلزمه من طاعة ربه فلما حدث ولده ~~بعده حملهم على دينه ، وما هو PageV10P440 عليه من شريعة ربه ، كما أن ~~الواحد منا إذا ولد له ولد يحمله على سنته وطريقته ، ولا يستحق بذلك أن ~~يسمى رسولا ، وإنما سمى نوح رسولا ؛ لأنه بعث إلى قوم كفار ليدعهم إلى ~~الإيمان . وأما حديث الإصبع فإنه لما لم تصح أن تكون جارحة لما قدمنا من ~~إبطال التجسيم فتأويله ما قال أبو الحسن الأشعرى : من أن هذا وشبهه مما ~~أثبته الرسول لله ووصفه به راجع إلى أنه صفة ذات لا يجوز تحديدها ولا ~~تكييفها . وقال أبو بكر بن فورك : يجوز أن يكون الإصبع خلقا لله يخلقه ~~يحمله ما حملت الإصبع ، ويحتمل أن يكون المراد بالإصبع : إذا أراد الإخبار ~~عن جريان قدرته عليه فذكر معظم المخلوقات ، وأخبر عن قدرة الله على جميعها ~~معظما لشأن الرب تعالى فى قدرته وسلطانه ، فضحك رسول الله كالمتعجب منه أنه ~~يستعظم ذلك فى قدرته ، وأنه ليسير فى جنب ما يقدر عليه ، ولذلك قرأ عليه ~~قوله تعالى : { وما قدروا الله حق قدره } [ الأنعام : 91 ] ، أى ليس قدره ~~فى القدرة على ما يخلق على الحد الذى ينتهى إليه الوهم ويحيط به الحد ~~والحصر ؛ لأنه تعالى يقدر على إمساك جميع مخلوقاته على غير ms3741 شىء كما هى ~~اليوم ، لقوله تعالى : { رفع السماوات بغير عمد ترونها } [ الرعد : 2 ] . ~~وقوله : ( لا يغيضها ) أى : لا ينقصها . وقال أبو زيد : غاض ثمن السلعة أى ~~: نقص ، ومنه قوله تعالى : { وغيض الماء } [ هود : 44 ] . PageV10P441 ~~وقوله : سحاء . يقال : سح المطر والدمع وغيرهما سحوحا وسحا : انصب وسال . * ~~* * # | 20 - باب قول النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( لا أحد أغير من الله ) # / 44 - فيه : المغيرة ، قال : قال سعد : لو رأيت رجلا مع امرأتى لضربته ~~بالسيف غير مصفح ، فبلغ ذلك الرسول - صلى الله عليه وسلم - ، فقال : ( ~~أتعجبون من غيرة سعد ، والله لأنا أغير منه ، والله أغير منى ، ومن أجل ~~غيرة الله حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن ، ولا أحد أحب إليه العذر من ~~الله ، ومن أجل ذلك بعث المبشرين والمنذرين ، ولا أحد أحب إليه المدحة من ~~الله ، ومن أجل ذلك وعد الله الجنة ) . وقال عبيدالله بن عمرو ، عن ~~عبدالملك : ( لا شخص أغير من الله ) . اختلفت ألفاظ هذا الحديث فروى ابن ~~مسعود ، عن النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( لا أحد أغير من الله ) ذكره ~~فى آخر كتاب النكاح ، وفى رواية عبيد الله ، ورواية ابن مسعود مبينة أن لفظ ~~الشخص موضوع موضع أحد على أنه من باب المستثنى من غير جنسه وصفته كقوله ~~تعالى : { ما لهم به من علم إلا اتباع الظن } [ النساء : 157 ] ، وليس الظن ~~من نوع العلم بوجه ، وأجمعت الأمة على أن الله لا يجوز أن يوصف بأنه شخص ؛ ~~لأن التوقيف لم يرد به ، وقد منعت المجسمة من إطلاق الشخص عليه مع قولهم : ~~إنه جسم . وأحد لفظ موضوع للأشتراك بين الله تعالى وبين خلقه ، وقد نص الله ~~على تسمية نفسه PageV10P442 فقال : { قل هو الله أحد } [ الإخلاص : 1 ] ، ~~وقد تقدم فى كتاب النكاح فى باب الغيرة ، معنى الغيرة من الله أنها معنى : ~~الزجر عن الفواحش والتحريم لها ، ومعنى الحديث : أن الأشخاص الموصوفة ~~بالغيرة لا تبلغ غيرتها غيرة الله وإن لم يكن شخصا . وقوله : ( لا أحد أحب ~~إليه المدحة من الله ) فالمحبة من الله تعالى للمدحة ms3742 : إرادته من عباده ~~طاعته وتنزيهه والثناء عليه ؛ ليجازيهم على ذلك . وقوله : ( لا أحد أحب ~~إليه العذر من الله ) فمعناه ما ذكر فى قوله تعالى : { وهو الذى يقبل ~~التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات } [ الشورى : 25 ] ، فالعذر فى هذا ~~الحديث : التوبة والإنابة . * * * # | 21 - باب قوله : { قل أى شىء أكبر شهادة قل الله } [ الأنعام : 19 ] # فسمى الله نفسه شيئا ، وسمى النبى ، عليه السلام ، القرآن شيئا ، وهو صفة ~~من صفات الله ، وقال : { كل شىء هالك إلا وجهه } [ القصص : 88 ] . / 45 - ~~فيه : سهل بن سعد ، قال النبى - صلى الله عليه وسلم - لرجل : ( أمعك من ~~القرآن شىء ) ؟ قال : نعم سورة كذا وسورة كذا ، لسور سماها . قال عبد ~~العزيز صاحب كتاب الحيدة : إنما سمى الله نفسه شيئا إثباتا للوجود ونفيا ~~PageV10P443 للعدم ، وكذلك أجرى على كلامه ما أجراه على نفسه فلم يتسم ~~بالشئ ولم يجعل الشىء من أسمائه ، ولكنه دل على نفسه أنه شىء أكبر الأشياء ~~، إثباتا للوجود ونفيا للعدم ، وتكذيبا للزنادقة والدهرية ومن أنكر ربوبيته ~~من سائر الأمم فقال لنبيه - صلى الله عليه وسلم - : { قل أى شىء أكبر شهادة ~~قل الله شهيد بينى وبينكم } [ الأنعام : 19 ] ، فدل على نفسه أنه شىء لا ~~كالأشياء لعلمه السابق أن جهما وبشرا ومن وافقهما سيلحدون فى أسمائه ~~ويشبهون على خلقه ويدخلونه وكلامه فى الأشياء المخلوقة فقال تعالى : { ليس ~~كمثله شىء } [ الشورى : 11 ] ، فأخرج نفسه وكلامه وصفاته عن الأشياء ~~المخلوقة بهذا الخبر تكذيبا لمن ألحد فى كتابه ، وشبهه بخلقه . ثم عدد ~~أسماءه فى كتابه فلم يتسم بالشىء ، ولم يجعله من أسمائه فى قوله - صلى الله ~~عليه وسلم - : ( لله تسعة وتسعون اسما ) ثم ذكر كلامه كما ذكر نفسه ودل ~~عليه بما دل على نفسه ليعلم الخلق أنه صفة من صفات ذاته فقال تعالى : { وما ~~قدروا الله حق قدره إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شىء } [ الأنعام : 91 ~~] ، فذم الله اليهود حين نفت أن تكون التوراة شيئا ، وقال : { ومن أظلم ممن ~~افترى على الله كذبا أو قال أوحى إلى ولم يوح ms3743 إليه شىء } [ الأنعام : 93 ] ~~، فدل أن الوحى شىء بالمعنى ، والذم لمن جحد أن كلامه شىء ، فكل صفة من ~~صفاته باسم الشىء ، وإنما أظهره باسم الهدى والنور والكتاب ، ولم يقل من ~~أنزل الشىء الذى جاء به موسى . قال غيره : وتسمية الله نفسه بشىء ، يرد قول ~~من زعم من أهل PageV10P444 البدع لا يجوز أن يسمى الله بشىء وهو قول ~~الناشىء ونظراته ، وقولهم خلاف ما نص الله عليه فى كتابه وهو القائل : شىء ~~إثبات موجود ، ولا شىء نفى . فبان أن المعدوم ليس بشىء خلافا لقول المعتزلة ~~من أن المعدمات أشياء وأعيان على ما تكون عليه فى الوجود ، وهذا قول يقتضى ~~بقائله إلى قدم العالم ونفى الحدث والمحدث ؛ لأن المعدومات إذا كانت على ما ~~تكون عليه فى الوجود أعيانا لم تكن لقدرة الله على خلقها وحدثها تعلق ، ~~وهذا كفر ممن قال به . * * * # | 22 - باب { وكان عرشه على الماء } [ هود : 7 ] { وهو رب العرش العظيم } ~~[ التوبة : 129 ] # قال أبو العالية : { استوى إلى السماء } [ البقرة : 29 ] : ارتفع ، { ~~فسواهن } . خلقهن . وقال مجاهد : { استوى } علا على العرش . وقال ابن عباس ~~: { المجيد } الكريم ، و { الودود } [ البروج : 14 ] الحبيب ، يقال : { ~~حميد مجيد } [ هود : 73 ] كأنه فعيل من ماجد محمود من حمد . / 46 - فيه : ~~عمران ، قال : إنى عند النبى - صلى الله عليه وسلم - إذ جاءه قوم من بنى ~~تميم ، فقال : ( اقبلوا البشرى يا بنى تميم ) ، قالوا : بشرتنا ، فأعطنا ، ~~فدخل ناس من أهل اليمن ، فقال : ( اقبلوا البشرى ، يا أهل اليمن ) ، إذ لم ~~يقبلها بنو تميم ، قالوا : قبلنا جئناك لنتفقه فى الدين ، ولنسألك عن أول ~~هذا الأمر ما كان ؟ قال : ( كان الله ، ولم PageV10P445 يكن شىء قبله ، ~~وكان عرشه على الماء ، ثم خلق السموات والأرض ، وكتب فى الذكر كل شىء ) . / ~~47 - وفيه : أبو هريرة ، قال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( يمين الله ~~ملأى . . . ) الحديث ( وعرشه على الماء . . . ) الحديث . / 48 - وفيه : أنس ~~، جاء زيد بن حارثة يشكو ، فجعل النبى - صلى الله عليه وسلم - يقول : ( اتق ~~الله ، وأمسك عليك زوجك ) ، وكانت تفخر على أزواج النبى - صلى ms3744 الله عليه ~~وسلم - تقول : زوجكن أهاليكن ، وزوجنى الله من فوق سبع سموات . / 49 - وفيه ~~: أبو هريرة ، قال - صلى الله عليه وسلم - : ( إن الله لما قضى الخلق كتب ~~عنده فوق عرشه : إن رحمتى سبقت غضبى ) . / 50 - وفيه : أبو هريرة ، قال ~~النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( من آمن بالله ورسوله ، وأقام الصلاة ، ~~وصام رمضان ، كان حقا على الله أن يدخله الجنة ، هاجر فى سبيل الله ، أو ~~جلس فى أرضه التى ولد فيها ) ، قالوا : يا رسول الله ، أفلا ننبئ الناس ~~بذلك ، قال : ( إن فى الجنة مائة درجة ، أعدها الله للمجاهدين فى سبيله ، ~~كل درجتين ما بينهما كما بين السماء والأرض ، فإذا سألتم الله فسلوه ~~الفردوس ، فإنه أوسط الجنة وأعلى الجنة وفوقه عرش الرحمن ومنه تفجر أنهار ~~الجنة ) . / 51 - وفيه : أبو ذر ، دخلت المسجد والنبى - صلى الله عليه وسلم ~~- جالس ، فلما غربت الشمس ، قال : ( يا أبا ذر ، هل تدرى أين تذهب هذه ) ؟ ~~قلت : الله ورسوله أعلم ، قال : ( إنها تذهب تستأذن فى السجود ، يؤذن لها ، ~~وكأنها قد قيل لها : ارجعى من حيث جئت ، فتطلع من مغربها ) ، ثم قرأ : { ~~ذلك مستقر لها } فى قراءة عبدالله . PageV10P446 / 52 - وفيه : زيد ، أرسل ~~إلى أبو بكر ، فتتبعت القرآن حتى وجدت آخر سورة التوبة مع خزيمة ، أو أبى ~~خزيمة الأنصارى ، لم أجدها مع أحد غيره : { لقد جاءكم رسول من أنفسكم } [ ~~التوبة : 128 ] حتى خاتمة براءة ، يعنى { وهو رب العرش العظيم } . / 53 - ~~وفيه : ابن عباس ، كان النبى - صلى الله عليه وسلم - يقول عند الكرب : ( لا ~~إله إلا الله العليم الحليم ، لا إله إلا الله رب العرش العظيم ، لا إله ~~إلا الله رب السموات ، ورب الأرض ، رب العرش الكريم ) . / 54 - وفيه : أبو ~~سعيد ، عن النبى - صلى الله عليه وسلم - قال : ( الناس يصعقون يوم القيامة ~~، فإذا أنا بموسى آخذ بقائمة من قوائم العرش ) . / 55 - وقال أبو هريرة ، ~~عن النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( فأكون أول من بعث ، فإذا موسى آخذ ~~بالعرش ) . غرضه فى هذا الباب إثبات حديث العرش بدليل قوله تعالى : { وهو ~~رب العرش ms3745 العظيم } [ التوبة : 129 ] ، وبدليل قوله - صلى الله عليه وسلم - ~~: ( فإذا موسى آخذ بقائمة من قوائم العرش ) فوصفه تعالى بأنه مربوب كسائر ~~المخلوقات ووصفه - صلى الله عليه وسلم - بأنه ذو أبعاض وأجزاء منها ما سمى ~~قائمة ، والمتبعض والمتجزئ لا محالة جسم ، والجسم مخلوق ، لقيام دلائل ~~الحدث به من التأليف خلافا لما تقوله الفلاسفة أن العرش هو الصانع الخالق . ~~وأما الاستواء فاختلف الناس فى معناه : فقالت المعتزلة : إنه بمعنى ~~الاستيلاء والقهر والغلبة ، واحتجوا بقول الشاعر : PageV10P447 | # % قد استوى بشر على العراق % % من غير سيف ودم مهراق % % بمعنى : قهر ~~وغلب ، ثم اختلف من سواهم فى العبارة عن الاستواء . فقال أبو العالية : ~~استوى : ارتفع . وقال مجاهد : استوى : علا . وقال غيرهما : استوى : استقر . ~~فأما قول من جعل الاستواء بمعنى القهر والاستيلاء فقول فاسد ؛ لأن الله ~~تعالى لم يزل قاهرا غالبا مستوليا . وقوله تعالى : { ثم استوى } يقتضى ~~استفتاح هذا الوصف واستحقاقه بعد أن لم يكن ، كما أن المذكور فى البيت إنما ~~حصل له هذا الوصف بعد أن لم يكن ، وتشبيههم أحد الاستواءين بالآخر غير صحيح ~~، ومؤد إلى أنه تعالى كان مغالبا فى ملكه ، وهذا منتف عن الله ؛ لأن الله ~~تعالى هو الغالب لجميع خلقه ، وأما من قال تأويله : استقر . فقول فاسد أيضا ~~؛ لأن الاستقرار من صفات الأجسام ، وأما قول من قال : تأويله : ارتفع . ~~فنقول مرغوب عنه لما فى ظاهره من إيهام الانتقال من سفل إلى علو ، وذلك لا ~~يليق بالله ، وأما قول من قال : علا . فهو صحيح وهو مذهب أهل السنة والحق . ~~فإن قيل : ما ألزمته فى ارتفع مثله يلزم فى علا . قيل : الفرق بينهما أن ~~الله وصف نفسه بالعلو بقوله : { سبحانه وتعالى عما يشركون } [ يونس : 18 ] ~~، فوصف نفسه بالتعالى والتعالى من صفات الذات ، ولم يصف نفسه بالارتفاع . ~~وقال غيره : الاستواء ينصرف فى لسان العرب إلى ثلاثة أوجه : فالوجه الأول : ~~قوله تعالى فى ركوب الأنعام : { ثم تذكروا نعمة ربكم إذا PageV10P448 ~~استويتم عليه } [ الزخرف : 13 ] ، فهذا الاستواء بمعنى الحلول ، وهو منتف ~~عن الله تعالى لأن الحلول يدل على ms3746 التحديد والتناهى ، فبطل أن يكون حلا على ~~العرش لهذا الوجه . والوجه الثانى : الاستواء بمعنى الملك للشىء والقدرة ~~عليه كما قال بعض الأعراب ، وسئل عن الاستواء فقال : خضع له ما فى السموات ~~وما فى الأرض ، ودان له كل شىء وذل ، كما نقول للملك إذا دانت له البلاد ~~بالطاعة : قد استوت له البلاد . والوجه الثالث : الاستواء بمعنى التمام ~~للشىء والفراغ منه كقوله تعالى : { حتى إذا بلغ أشده } [ الأحقاف : 15 ] ، ~~فالاستواء فى هذا الموضع : التمام ، كقوله تعالى : { الرحمن على العرش ~~استوى } [ طه : 5 ] ، أراد التمام للخلق كله ، وإنما قصد بذكر العرش ؛ لأنه ~~أعظم الأشياء ، ولا يدل قوله تعالى : { وكان عرشه على الماء } [ هود : 7 ] ~~أنه حال عليه ، وإنما أخبر عن العرش خاصة أنه على الماء ولم يخبر عن نفسه ~~أنه جعله للحلول ، لأن هذا كان يكون حاجة منه إليه ، وإنما جعله ليعبد به ~~ملائكته فقال تعالى : { الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم } [ ~~غافر : 7 ] الآية . وكذلك تعبد الخلق بحج بيته الحرام ولم يسمه بيته ، ~~بمعنى أنه سكنه وإنما سماه بيته بأنه الخالق له والمالك ، وكذلك العرش سماه ~~عرشه ؛ لأنه مالكه والله تعالى ليس لأوليته حد ولا منتهى ، وقد كان فى ~~أزليته وحده ولا عرش معه سبحانه وتعالى ، ثم اختلف أهل السنة : هل الاستواء ~~صفة PageV10P449 ذات أو صفة فعل ؟ فمن قال هو بمعنى علا جعله صفة ذات ، وأن ~~الله تعالى لم يزل مستويا بمعنى أنه لم يزل عاليا . ومن قال : إنه صفة فعل ~~قال : إن الله تعالى فعل فعلا سماه استواء على عرشه لا أن ذلك الفعل قائم ~~بذاته تعالى لاستحالة قيام الحوادث به . وأما قول بنى تميم للنبى - صلى ~~الله عليه وسلم - : ( بشرتنا فأعطنا ) فإنما قالوه جريا على عاداتهم فى أن ~~البشرى إنما كانت تستعمل فى فوائد الدنيا . قال المهلب : وفى حديث عمران أن ~~السؤال عن مبادئ الأشياء والبحث عنها جائز فى الشريعة وجائز للعالم أن يجيب ~~السائل عنها بما انتهى إليه علمه فيها إذا كان تثبيتا للإيمان وأما إن خشى ms3747 ~~من السائل إيهام شك أو تقصير فهم ، فلا يجيب فيه ولينهه عن ذلك ، ويزجره . ~~وقول عمران : ( وددت أن ناقتى ذهبت ) ، ولم أقم فيه دليل على جواز إضاعة ~~المال فى طلب العلم بل فى مسألة منه . قال غيره : وأما قوله : ( يمين الله ~~ملأى ) ففيه إثبات اليمين صفة ذات الله تعالى لا صفة فعل ، وليست بجارحة ~~لما تقدم قبل هذا . وقوله : ( ملأى ) ليس حلول المال فيها ؛ لأن ذلك من ~~صفات الأجسام وإنما هو إخبار منه - صلى الله عليه وسلم - عن أن ما يقدر ~~عليه من النعم وإرزاق عباده لا غاية له ولا نفاذ ، لقيام الديل على تعلق ~~وجوب قدرته بما لا نهاية له من مقدوراته ؛ لأنه لو تعلقت قدرته متناهية ~~لكان ذلك نقصا لا يليق به . PageV10P450 وأما قوله : ( فإن حقا على الله أن ~~يدخله الجنة ) ففيه تعلق للمعتزلة والقدرية القائلين بأن واجب عليه الوفاء ~~لعبده الطائع بأجر عمله ، وأنه لو أخره عنه فى الآخرة كان ظلما له . هذا ~~متقرر عندهم فى العقول ، قالوا : وجاءت السنة بتأكيد ما فى العقول من ذلك . ~~وقولهم فاسد ، ومذهب أهل السنة أن لله تعالى أن يعذب الطائعين من عباده ~~وينعم على الكافرين ، غير أن الله تعالى أخبرنا فى كتابه وعلى لسان رسوله ~~أنه لا يعذب إلا من كفر به ، ومن وافاه بكبيرة ممن شاء لله تعذيبه عليها . ~~فمعنى قوله - صلى الله عليه وسلم - : ( إن حقا على الله أن يدخلها الجنة ) ~~. ليس على أن معنى ذلك واجب عليه ؛ لأن واجبا يقتضى موجبا له عليه والله ~~تعالى ليس فوقه آمر ولا ناه يوجب عليه ما يلزمه المطالبة به ، وإنما معناه ~~: إنجاز ما وعد به من فعل ما ذكر فى الحديث ؛ لأن وعده تعالى عبده على فعل ~~تقدم إعلامه قبل فعله ، ووعده خبر ولا يصح منه تعالى إخلاف عبده ما وعده ~~لقيام الدليل على أن الصدق من صفات ذاته ، فعبر - صلى الله عليه وسلم - فى ~~هذا المعنى بقوله : ( فإن حقا على الله أن يدخله الجنة ) بمعنى : أنه ~~يستحيل عليه إخلاف ms3748 ما وعد عبده على عمله . وأما استئذان الشمس فى السجود ، ~~فالاستئذان قول لها ، والله على كل شىء قدير ، فيمكن أن يخلق الله فيها ~~حياة توجد القول عندها فتقبل الأمر والنهى ؛ لأن الله قادر على إحياء ~~الجماد والموت ، وأعلم - صلى الله عليه وسلم - أن طلوعها من مغربها شرط من ~~أشراط الساعة . * * * PageV10P451 # | 23 - باب قول الله تعالى : { تعرج الملائكة والروح إليه } [ المعارج : ~~4 ] وقوله : { إليه يصعد الكلم الطيب } [ فاطر : 10 ] # وقال ابن عباس : بلغ أبا ذر مبعث النبى - صلى الله عليه وسلم - فقال ~~لأخيه : اعلم لى علم هذا الرجل الذى يزعم أنه يأتيه الخبر من السماء ، وقال ~~مجاهد : { العمل الصالح } يرفع الكلم الطيب ، يقال : { ذى المعارج } : ~~الملائكة تعرج إلى الله . / 56 - فيه : أبو هريرة ، أن النبى - صلى الله ~~عليه وسلم - : ( يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار ويجتمعون فى ~~صلاة العصر ، وصلاة الفجر ، ثم يعرج الذين باتوا فيكم ، فيسألهم ، وهو أعلم ~~بكم ، كيف تركتم عبادى ؟ فيقولون : تركناهم وهم يصلون ، وأتيناهم وهم يصلون ~~) . / 57 - وفيه : أبو هريرة ، قال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( من ~~تصدق بعدل تمرة من كسب طيب ، ولا يصعد إلى الله إلا الطيب . . . ) الحديث . ~~/ 58 - وفيه : ابن عباس ، أن النبى - صلى الله عليه وسلم - كان يدعو بهن ~~عند الكرب : ( لا إله إلا الله العظيم الحليم ، لا إله إلا الله رب العرش ~~العظيم ، لا إله إلا الله رب السموات ورب العرش الكريم ) . / 59 - وفيه : ~~أبو سعيد ، بعث على إلى النبي - عليه السلام - من اليمن بذهيبة فى تربتها ، ~~فقسمها بين أربعة ، فتغيظت قريش والأنصار ، وقالوا : يعطيه صناديد أهل نجد ~~، ويدعنا ، قال : إنما أتألفهم ، فأقبل رجل غائر العينين ، ناتئ الجبين ، ~~كث اللحية ، مشرف الوجنتين ، محلوق الرأس ، فقال : يا محمد ، اتق الله ، ~~فقال : ( فمن يطيع الله إذا عصيته ، فيأمننى على أهل الأرض ، ولا تأمنوني . ~~. . ) الحديث . PageV10P452 / 60 - وفيه : أبو ذر ، سألت النبى - صلى الله ~~عليه وسلم - عن قوله تعالى : { والشمس تجرى لمستقر لها } [ يس : 38 ] قال : ~~( مستقرها تحت العرش ) . غرضه فى هذا الباب رد شبهة الجهمية ms3749 المجسمة فى ~~تعلقها بظاهر قوله : { ذى المعارج تعرج الملائكة والروح إليه } [ المعارج : ~~3 ، 4 ] ، وقوله : { إليه يصعد الكلم الطيب } [ فاطر : 10 ] ، وما تضمنته ~~أحاديث الباب من هذا المعنى ، وقد تقدم الكلام فى الرد عليهم وهو أن ~~الدلائل الواضحة قد قامت على أن البارى تعالى ليس بجسم ولا محتاجا إلى مكان ~~يحله ويستقر فيه ؛ لأنه تعالى قد كان ولا مكان وهو على ما كان ، ثم خلق ~~المكان فمحال كونه غنيا عن المكان قبل خلقه إياه ، ثم يحتاج إليه بعد خلقه ~~له هذا مستحيل ، فلا حجة لهم فى قوله : { ذى المعارج } لأنه إنما أضاف ~~المعارج إليه إضافة فعل ، وقد كان لا فعل له موجود ، وقد قال ابن عباس فى ~~قوله : { ذى المعارج } هو بمعنى : العلو والرفعة ، وكذلك لا شبهة لهم فى ~~قوله تعالى : { إليه يصعد الكلم الطيب } [ فاطر : 10 ] ، لأن صعود الكلم ~~إلى الله تعالى لا يقتضى كونه فى جهة العلو لأن البارى تعالى لا تحويه جهة ~~؛ إذ كان موجودا ولا جهة ، وإذا صح ذلك وجب صرف هذا عن ظاهره وإجراؤه على ~~المجاز ؛ لبطلان إجرائه على الحقيقة ، فوجب أن يكون تأويل قوله : { ذى ~~المعارج } رفعته واعتلاؤه على خليقته وتنزيهه عن الكون فى جهة ؛ لأن فى ذلك ~~ما يوجب كونه جسما تعالى الله عن ذلك ، وأما وصف الكلام بالصعود إليه فمجاز ~~أيضا واتساع ؛ لأن الكلم عرض والعرض لا يصح أن يفعل ؛ لأن من PageV10P453 ~~شرط الفاعل كونه حيا قادرا عالما مريدا ، فوجب صرف الصعود المضاف إلى الكلم ~~إلى الملائكة الصاعدين به . * * * # | 24 - باب قول تعالى : { وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة } [ القيامة : ~~22 ، 23 ] # / 61 - فيه : جرير ، كنا عند النبى - صلى الله عليه وسلم - إذ نظر إلى ~~القمر ليلة البدر ، فقال : ( إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر ، لا ~~تضامون فى رؤيته ، فإن استطعتم أن لا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وصلاة ~~قبل غروب الشمس فافعلوا ) . وقال جرير مرة : قال النبى - صلى الله عليه ~~وسلم - : ( إنكم سترون ربكم عيانا ) . / 62 - وفيه : أبو هريرة ms3750 ، أن الناس ~~قالوا : هل نرى ربنا يوم القيامة ؟ فقال النبى - عليه السلام - : ( هل ~~تضارون فى القمر ليلة البدر ) . قالوا : لا يا رسول الله ؛ قال : ( فهل ~~تضارون فى الشمس ليس دونها سحاب ) ؟ قالوا : لا يا رسول الله ، قال : ( ~~فإنكم ترونه كذلك ، يجمع الله الناس يوم القيامة ، فيقول : من كان يعبد ~~شيئا فليتبعه ، فيتبع من كان يعبد الشمس الشمس ، ويتبع من كان يعبد القمر ~~القمر ، ويتبع من كان يعبد الطواغيت ، الطواغيت ، وتبقى هذه الأمة فيها ~~شافعوها ، أو منافقوها ، شك إبراهيم ، فيأتيهم الله ، فيقول : أنا ربكم ، ~~فيقولون : هذا مكاننا ، حتى يأتينا ربنا ، فإذا جاءنا ربنا عرفناه ، ~~فيأتيهم الله فى صورته التى يعرفون ، فيقول : أنا ربكم ، فيقولون : أنت ~~ربنا ، فيتبعونه ويضرب الصراط بين ظهرى جهنم ، فأكون أنا وأمتى أول من ~~يجيزها ، ولا يتكلم يومئذ إلا الرسل ، ودعوى الرسل يومئذ : اللهم سلم ، سلم ~~، وفى جهنم PageV10P454 كلاليب مثل شوك السعدان ، هل رأيتم السعدان ؟ قالوا ~~: نعم ، يا رسول الله قال : فإنها مثل شوك السعدان ، غير أنه لا يعلم ما ~~قدر عظمها إلا الله ، تخطف الناس بأعمالهم ، فمنهم الموبق بقى بعمله ، أو ~~الموثق بعمله ، ومنهم المخردل ، أو المجازى ، أو نحوه ، ثم يتجلى حتى إذا ~~فرغ الله من القضاء بين العباد ، وأراد أن يخرج برحمته من أراد من أهل ~~النار ، أمر الملائكة أن يخرجوا من النار من كان لا يشرك بالله شيئا ممن ~~أراد الله أن يرحمه ممن يشهد أن لا إله إلا الله ، فيعرفونهم فى النار بأثر ~~السجود ، تأكل النار ابن آدم إلا أثر السجود حرم الله على النار ، أن تأكل ~~أثر السجود ، فيخرجون من النار قد امتحشوا ، فيصب عليهم ماء الحياة ، ~~فينبتون تحته كما تنبت الحبة فى حميل السيل ، ثم يفرغ الله من القضاء بين ~~العباد ، ويبقى رجل منهم مقبل بوجهه على النار هو آخر أهل النار دخولا ~~الجنة ، فيقول : أى رب ، اصرف وجهى عن النار ، فإنه قد قشبنى ريحها ، ~~وأحرقنى ذكاؤها ، فيدعو الله بما شاء أن يدعوه ، ثم يقول : الله هل عسيت إن ~~أعطيتك : ذلك أن ms3751 تسألنى غيره ، فيقول : لا وعزتك ، لا أسألك غيره ، ويعطى ~~ربه من عهود ومواثيق ما شاء ، فيصرف الله وجهه عن النار ، فإذا أقبل على ~~الجنة ، ورآها سكت ما شاء الله أن يسكت ، ثم يقول : أى رب ، قدمنى إلى باب ~~الجنة ، فيقول الله ، له : ألست قد أعطيت عهودك ومواثيقك أن لا تسألنى غير ~~الذى أعطيت أبدا ، ويلك يا ابن آدم ، ما أغدرك ، فيقول : أى رب ، ويدعو ~~الله حتى يقول : هل عسيت إن أعطيت ذلك أن تسأل غيره ؟ فيقول : لا وعزتك ، ~~لا أسألك غيره ، ويعطى ما شاء من عهود ومواثيق ، فيقدمه إلى باب الجنة ، ~~فإذا قام إلى باب الجنة ، PageV10P455 انفهقت له الجنة ، فرأى ما فيها من ~~الحبرة والسرور ، فيسكت ما شاء الله أن يسكت ، ثم يقول : أى رب ، أدخلنى ~~الجنة ، فيقول الله : ألست قد أعطيت عهودك ومواثيقك : أن لا تسأل غير ما ~~أعطيت ؟ فيقول : ويلك يا ابن آدم ، ما أغدرك ، فيقول : أى رب ، لا أكونن ~~أشقى خلقك ، فلا يزال يدعو حتى يضحك الله منه ، فإذا ضحك منه ، قال له : ~~ادخل الجنة ، فإذا دخلها ، قال الله له : تمنه ، فسأل ربه وتمنى حتى إن ~~الله ليذكره يقول كذا وكذا حتى انقطعت به الأمانى ، قال الله : ذلك لك ~~ومثله ) . معه قال عطاء بن يزيد وأبو سعيد الخدرى ، مع أبى هريرة لا يرد ~~عليه من حديثه شيئا حتى إذا حدث أبو هريرة أن الله تبارك وتعالى قال : ذلك ~~لك ومثله معه ، قال أبو سعيد الخدري : وعشرة أمثاله معه ، يا أبا هريرة ، ~~قال أبو هريرة : ما حفظت إلا قوله ذلك : لك ومثله معه ، قال أبو سعيد ~~الخدرى ، أشهد أنى حفظت من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قوله : ذلك ، ~~لك وعشرة ، أمثاله قال أبو هريرة ، فذلك الرجل آخر أهل الجنة دخولا الجنة . ~~/ 63 - وفيه : ابن عباس ، كان النبى - صلى الله عليه وسلم - إذا تهجد من ~~الليل ، قال : ( اللهم ربنا لك الحمد ، أنت قيم السموات والأرض ) ، إلى ~~قوله : ( أنت الحق ، ووعدك الحق ، ولقاؤك حق . . . ) الحديث . / 64 - وفيه ~~: عدى بن ms3752 حاتم ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( ما منكم ~~من أحد إلا سيكلمه ربه ليس بينه وبينه ترجمان ، ولا حجاب يحجبه ) . / 65 - ~~وفيه : أبو سعيد ، مثل حديث أبى هريرة الطويل ، إلى قوله : فيذهب أصحاب كل ~~آلهة مع آلهتهم ، حتى يبقى من كان يعبد الله من بر أو فاجر ، وغبرات من أهل ~~الكتاب ، ثم يؤتى بجهنم تعرض كأنها PageV10P456 سراب ، فيقال لليهود : ما ~~كنتم تعبدون ؟ قالوا : كنا نعبد عزير ابن الله : فيقال : كذبتم ، لم يكن ~~لله صاحبة ولا ولد ، فما تريدون ؟ قالوا : نريد أن تسقينا ، فيقال : اشربوا ~~، فيتساقطون فى جهنم ، ثم يقال للنصارى : ما كنتم تعبدون ؟ فيقولون : كنا ~~نعبد المسيح ابن الله ، فيقال : كذبتم ، لم يكن لله صاحبة ولا ولد ، فما ~~تريدون ؟ فيقولون : نريد أن تسقينا ، فيقال : اشربوا ، فيتساقطون فى جهنم ، ~~حتى يبقى من كان يعبد الله من بر أو فاجر فيقال لهم : ما يحبسكم : وقد ذهب ~~الناس ، فيقولون : فارقناهم ، ونحن أحوج منا إليه اليوم ، وإنا سمعنا ~~مناديا ينادى : ليلحق كل قوم بما كانوا يعبدون ، وإنما ننتظر ربنا ، قال : ~~فيأتيهم الجبار فى صورة غير صورته التى رأوه فيها أول مرة ، فيقول : أنا ~~ربكم ، فيقولون : أنت ربنا ، فلا يكلمه إلا الأنبياء ، فيقول : هل بينكم ~~وبينه آية تعرفونه ؟ فيقولون : الساق ، فيكشف عن ساقه ، فيسجد له كل مؤمن ، ~~ويبقى من كان يسجد لله رياء وسمعة ، فيذهب كيما يسجد ، فيعود ظهره طبقا ~~واحدا ، ثم يؤتى بالجسر ، فيجعل بين ظهرى جهنم ، قلنا : يا رسول الله ، وما ~~الجسر ؟ قال : مدحضة مزلة عليه خطاطيف وكلاليب ، وحسكة مفلطحة لها شوكة ~~عقيفاء تكون بنجد ، يقال لها : السعدان ، المؤمن عليها كالطرف وكالبرق ~~وكالريح وكأجاويد الخيل والركاب ، فناج مسلم ، وناج مخدوش ومكدوس فى نار ~~جهنم حتى يمر آخرهم ، يسحب سحبا ، فما أنتم بأشد لى مناشدة فى الحق قد تبين ~~لكم من المؤمن يومئذ للجبار ، وإذا رأوا أنهم قد نجوا فى إخوانهم ، يقولون ~~: ربنا إخواننا كانوا يصلون معنا ، ويصومون معنا ، ويعملون معنا ، فيقول ~~الله تعالى : اذهبوا فمن وجدتم فى قلبه مثقال دينار ms3753 من إيمان فأخرجوه ، ~~ويحرم الله صورهم على النار ، فيأتونهم وبعضهم قد PageV10P457 غاب في النار ~~إلى قدمه وإلى أنصاف ساقيه ، فيخرجون من عرفوا ، ثم يعودون ، فيقول : ~~اذهبوا فمن وجدتم فى قلبه مثقال نصف دينار فأخرجوه ، فيخرجون من عرفوا ، ثم ~~يعودون ، فيقول : اذهبوا فمن وجدتم فى قلبه مثقال ذرة من إيمان فأخرجوه ، ~~فيخرجون من عرفوا . قال أبو سعيد : فإن لم تصدقونى فاقرءوا : { إن الله لا ~~يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها } [ النساء : 40 ] فيشفع النبيون ~~والملائكة والمؤمنون ، فيقول الجبار : بقيت شفاعتى فيقبض قبضة من النار ، ~~فيخرج أقواما قد امتحشوا ، فيلقون فى نهر ، بأفواه الجنة ، يقال له : ماء ~~الحياة ، فينبتون فى حافتيه كما تنبت الحبة فى حميل السيل قد رأيتموها إلى ~~جانب الصخرة وإلى جانب الشجرة ، فما كان إلى الشمس منها كان أخضر ، وما كان ~~منها إلى الظل كان أبيض ، فيخرجون كأنهم اللؤلؤ ، فيجعل فى رقابهم الخواتيم ~~، فيدخلون الجنة ، فيقول أهل الجنة : هؤلاء عتقاء الرحمن ، أدخلهم الجنة ~~بغير عمل عملوه ، ولا خير قدموه ، فيقال لهم : لكم ما رأيتم ومثله معه ) . ~~/ 66 - وفيه : أنس ، قال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( يحشر الناس يوم ~~القيامة حتى يهموا بذلك ، فيقولون : لو استشفعنا إلى ربنا فيريحنا من ~~مكاننا ، فيأتون آدم . . . ) فذكر حديث الشفاعة ، ( فيأتونى ، فأستأذن على ~~ربى فى داره ، فيؤذن لى عليه ، فإذا رأيته وقعت ساجدا . . . ) ، الحديث ، ( ~~فأشفع ، فيحد لى حدا ، فأخرجهم ، وأدخلهم الجنة ، فلا يبقى فى النار إلا من ~~حبسه القرآن ، أى وجب عليه الخلود ) ، ثم تلا : PageV10P458 { عسى أن يبعثك ~~ربك مقاما محمودا } [ الإسراء : 79 ] ، قال : وهذا المقام المحمود الذي ~~وعده نبيكم . / 67 - وفيه : أنس ، أن النبي - عليه السلام - أرسل إلى ~~الأنصار فجمعهم فى قبة ، وقال لهم : ( اصبروا حتى تلقوا الله ورسوله ، فإنى ~~على الحوض ) . / 68 - وفيه : أبو موسى قال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ~~( جنتان من فضة آنيتهما وما فيهما ، وجنتان من ذهب كذلك ، وما بين القوم ~~وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداء الكبر على وجهه فى جنة عدن ) . / 69 - ~~وفيه : عبد الله ms3754 ، قال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( من اقتطع مال امرئ ~~مسلم بيمين كاذبة لقى الله وهو عليه غضبان ، ثم قرأ النبى - صلى الله عليه ~~وسلم - مصداقه من كتاب الله : { إن الذين يشترون بعهد الله } الآية [ آل ~~عمران : 77 ] ) . / 70 - وفيه : أبو هريرة ، قال النبي - عليه السلام - : ( ~~ثلاثة لا يكلمهم الله ، ولا ينظر إليهم : رجل حلف على سلعة ، لقد أعطى بها ~~أكثر مما أعطى ، وهو كاذب ، ورجل حلف على يمين كاذبة بعد العصر ؛ ليقتطع ~~بها مال امرئ مسلم ، ورجل منع فضل ماء ، فيقول الله : اليوم أمنعك فضلى ، ~~كما منعت فضل ما لم تعمل يداك ) . / 71 - وفيه : أبو بكرة ، قال النبي - ~~عليه السلام - : ( إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض ~~) ، الحديث ( وستلقون ربكم فيسألكم عن أعمالكم ) . PageV10P459 قال المؤلف ~~: استدل البخارى بقوله تعالى : { وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة } [ ~~القيامة : 22 ، 23 ] ، وبأحاديث هذا الباب على أن المؤمنين يرون ربهم فى ~~جنات النعيم وهذا باب اختلف الناس فيه ، فذهب أهل السنة وجمهور الأمة إلى ~~جواز رؤية الله تعالى فى الآخرة ، ومنعت من ذلك الخوارج والمعتزلة وبعض ~~المرجئة واستدلوا على ذلك بأن الرؤية توجب كون المرئى محدثا وحالا فى مكان ~~فى شبه أخر نقض بعضها مغن عن نقض سائرها وزعموا أن قوله : { وجوه يومئذ ~~ناضرة إلى ربها ناظرة } بمعنى منتظرة . فيقال لهم : هذا جهل بموضع اللغة ؛ ~~لأن النظر فى كلام العرب ينقسم أربعة أقسام : يكون بمعنى الانتظار ، ويكون ~~بمعنى التفكر والاعتبار ، ويكون بمعنى التعطف والرحمة ، ويكون بمعنى الرؤية ~~للأبصار ؛ فخطأ كونه فى الآية بمعنى الانتظار من وجهين : أحدهما أنه قد عدى ~~إلى مفعوله ( بإلى ) وهو إذا كان بمعنى الانتظار لا يتعدى بها ، وإنما ~~يتعدى بنفسه قال تعالى : { هل ينظرون إلا الساعة } [ الزخرف : 66 ] فعداه ~~بنفسه لما كان بمعنى ينتظرون . قال الشاعر : فإنكما إن تنظرانى ساعة من ~~الدهر تنفعنى أرى أم جندب بمعنى : تنتظرانى . والوجه الثانى : أن حمله على ~~معنى الانتظار لا يخلو إما أن يراد به منتظرة ربها أو منتظرة ثوابه ms3755 ، وعلى ~~أى الوجهين حمل فهو خطأ ؛ لأن المنتظر لما ينتظره فى تنغيص وتكدير ، والله ~~تعالى قد PageV10P460 وصف أهل الجنة بغير ذلك وأن لهم فيها ما يشاءون . ~~فبطل كون النظر فى الآية بمعنى الاعتبار والتفكر ؛ لأن الآخرة ليست بدار ~~اعتبار وتفكر ؛ إذ ليست بدار محنة وعبادة ؛ ولأن ذاته تعالى ليست مما يعتبر ~~بها ؛ فبطل قولهم . ويبطل كون النظر فى الآية بمعنى التعطف والرحمة ؛ لأن ~~ذاته تعالى ليست مما يتعطف عليها وترحم . فإذا بطلت هذه الأقسام الثلاثة ؛ ~~صح القسم الرابع وهو النظر إلى ربها بمعنى الرؤية بالأبصار له تعالى ، وهو ~~ما ذهب إليه جمهور المسلمين قبل حدوث القائلين بهذه الضلالة ، وشهدت له ~~السنن الثابتة من الطرق المختلفة . وما احتج به من نفى الرؤية من أنها توجب ~~كون المرئى محدثا فهو فاسد ؛ لقيام الدلائل على أن الله تعالى موجود وأن ~~الرؤية منزلتها فى تعلقها بالمرئى منزلة العلم فى تعلقه بالمعلوم ، فكما أن ~~العلم المتعلق بالموجود لا يختص بموجود دون موجود ، ولا توجب تعلقه به حدثه ~~كذلك للرؤية فى تعلقها بالمرئى لا يوجب حدثه . واحتج نفاة الرؤية بقوله ~~تعالى : { لا تدركه الأبصار } [ الأنعام : 103 ] ، وبقوله تعالى لموسى : { ~~لن ترانى } [ الأعراف : 143 ] فى جوابه سؤاله الرؤية ، وهذا لا تعلق لهم ~~فيه ؛ لأن قوله : { لا تدركه الأبصار } وقوله : { لن ترانى } لفظ عام ، ~~وقوله : { وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة } [ القيامة : 22 ، 23 ] ، خاص ~~، والخاص يقضى على العام ويبينه ، فمعنى الآية لا تدركه الأبصار فى الدنيا ~~؛ لأنه تعالى قد أشار إلى أن المراد بقوله : { وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ~~ناظرة } الآخرة ؛ لقوله : PageV10P461 يومئذ ، وكذلك يكون معنى قوله لموسى ~~: { لن ترانى } فى الدنيا ، ولأنه قد ثبت أن نفى الشىء لا يقتضى إحالته ؛ ~~بل قد يتناول المستحيل وجوده والجائز وجوده ، فلا تعلق لهم بالآيتين مع ما ~~يشهد لصحة الرؤية لله تعالى من الأحاديث الثابتة التى تلقاها المسلمون ~~بالقبول من عصر الصحابة والتابعين ، رضى الله عنهم أجمعين إلى حدوث ~~المارقين المنكرين للرؤية . وأما وصفه - صلى الله عليه وسلم - لله تعالى ms3756 ~~بالإتيان بقوله : ( فيأتيهم الله ) . فليس على معنى الإتيان المعهود فيما ~~بيننا الذى هو انتقال وحركة ؛ لاستحالة وصفه بما توصف به الأجسام ، فوجب ~~حمله على أنه يفعل فعلا يسميه إتيانا وصف تعالى به نفسه ، ويحتمل أن يكون ~~الإتيان المعهود فيما بيننا خلقه تعالى لغيره من ملائكة فأضافه إلى نفسه ~~كما يقول القائل : قطع الأمير اللص ، وهو لم يل ذلك بنفسه إنما أمر به . ~~وأما وصفه تعالى بالصورة فى قوله : فيأتيهم الله فى صورته . ففيه إيهام ~~للمجسمة أنه تعالى ذو صورة ، ولا حجة لهم فيه ؛ لأن الصورة هاهنا يحتمل أن ~~تكون بمعنى العلامة وضعها الله تعالى دليلا لهم على معرفته والتفرقة بينه ~~وبين مخلوقاته ، فسمى الدليل والعلامة صورة مجازا كما تقول العرب : صورة ~~حديثك كيت وكيت ، وصورة أمرك كذا وكذا ، والحديث والأمر لا صورة لهما ، ~~وإنما يريدون حقيقة حديثك وأمرك كذا وكذا . قال المهلب : وأما قوله : ( ~~فإذا رأينا ربنا عرفناه ) فإنما ذلك أن الله PageV10P462 تعالى يبعث إليهم ~~ملكا ليفتنهم ويختبرهم فى اعتقاد صفات ربهم الذى ليس كمثله شىء فإذا قال ~~لهم الملك : أنا ربكم ، رأوا عليه دليل الخلقة التى تشبه المخلوقات فيقولون ~~: هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا فإذا جاءنا عرفناه . أى أنك لست ربنا ، ~~فيأتيهم الله فى صورته التى يعرفون أى يظهر إليهم فى ملك لا ينبغى لغيره ~~وعظمة لا تشبه شيئا من مخلوقاته ، فيعرفون أن ذلك الجلال والعظمة لا تكون ~~لغيره ، فيقولون : أنت ربنا لا يشبهك شىء . فالصورة يعبر بها عن حقيقة الشئ ~~. وأما قوله : ( فيقال : هل بينكم وبينه آية تعرفونها ؟ فيقولون : الساق ) ~~فهذا يدل والله أعلم أن الله عرف المؤمنين على ألسنة الرسل يوم القيامة أو ~~على ألسنة الملائكة المتلقين لهم بالبشرى أن الله قد جعل علامة تجلبه لكم ~~الساق وعرفهم أنه سيبتلى المكذبين بأن يرسل إليهم من يقول : أنا ربكم . ~~فتنة لهم ويدل على ذلك قوله تعالى : { يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت ~~فى الحياة الدنيا وفى الآخرة } [ إبراهيم : 27 ] ، فى سؤال القبر ، وفى هذا ~~الموطن ، وقال ابن عباس ms3757 فى قوله تعالى : { يوم يكشف عن ساق } [ القلم : 42 ~~] عن شدة الأمر ، وروى عن عمر بن الخطاب فى قوله تعالى : { والتفت الساق ~~بالساق } [ القيامة : 29 ] أى : أعمال الدنيا بمحاسبة الآخرة . وذلك أمر ~~عظيم ، والعرب تقول : قامت الحرب على ساق . إذا كانت شديدة فيظهر الله على ~~الخلائق هذه الشدة التى لا يكون مثلها من مخلوق ليبكت بها الكافرين ، وينزع ~~عنهم قدرتهم التى كانوا يدعونها ، فيعلمون حينئذ أنه الحق ، فيذهبون إلى ~~السجود مع المؤمنين لما يرون من العظمة والشدة فلا PageV10P463 يستطيعون ؛ ~~فيثبت الله المؤمنين فيسجدون له ، وذكر ابن فورك قال : روى أبو موسى ~~الأشعرى عن النبى - صلى الله عليه وسلم - فى قوله تعالى : { يوم يكشف عن ~~ساق } قال : عن نور عظيم قال : ومعنى ذلك ما يتجدد للمؤمنين عند رؤية الله ~~تعالى من الفوائد والألطاف ، ويظهر لهم من فضل سرائرهم التى لم يطلع عليها ~~غيره تعالى . قال المهلب : هذا يدل على أن كشف الساق للكافرين نقمة وعذاب ، ~~وللمؤمنين نور ورحمة ونعمة ، والضحك منه تعالى بخلاف ما هو فينا وهو بمعنى ~~إظهاره لعباده لطائف وكرامة لم تكن تظهر لهم قبل ذلك ، والضحك المعهود فيما ~~بيننا هو إظهار الضاحك لمن شاهده ما لم يكن يظهر له منه قبل من كشره عن ~~أسنانه . وأما قوله - صلى الله عليه وسلم - : ( ويبقى من كان يسجد لله رياء ~~وسمعة ، فيذهب كيما يسجد فيعود ظهره طبقا واحدا ) هذا استدل به من أجاز ~~تكليف عباده ما لا يطيقون ، واحتجوا على ذلك بأن الله تعالى قد كلف أبا لهب ~~الإيمان به مع إعلامه تعالى له أنه لا يؤمن ، وأنه يموت على الكفر الذى له ~~يصلى نارا ذات لهب . ومنع الفقهاء من ذلك ، وقالوا : لا يجوز أن يكلف الله ~~عباده ما لا يطيقون واحتجوا بقوله تعالى : { لا يكلف الله نفسا إلا وسعها } ~~[ البقرة : 286 ] ، قالوا : وقدا أخبر فلا يجوز أن يقع بخلاف خبره ، وقالوا ~~: ليس فى PageV10P464 قوله تعالى : { يوم يكشف عن ساق ويدعون إلى السجود ~~فلا يستطيعون } [ القلم : 42 ] حجة لمن خالفنا ؛ لأنهم ms3758 إنما يدعون إلى ~~السجود تبكيتا لهم ؛ إذ أدخلوا أنفسهم بزعمهم فى جملة المؤمنين الساجدين فى ~~الدنيا وعلم الله منهم الرياء فى سجودهم ، فدعوا فى الآخرة إلى السجود كما ~~دعى المؤمنون المحقون ؛ فتعذر السجود عليهم وعادت ظهورهم طبقا واحدا ، ~~وأظهر الله عليهم نفاقهم ؛ فأخزاهم وأوقع الحجة عليهم ، فلا حجة فى هذه ~~الآية لهم ، ومثل هذا من التبكيت قوله تعالى للكفار : { ارجعوا وراءكم ~~فالتمسوا نورا فضرب بينهم بسور } [ الحديد : 13 ] ، وليس فى هذا شىء من ~~تكليف ما لا يطاق ، وإنما هو خزى وتوبيخ . ومثله قوله - صلى الله عليه وسلم ~~- : ( من كذب فى حلمه كلف يوم القيامة أن يعقد بين شعيرتين وليس بعاقدهما ) ~~فهذه عقوبة وليس من تكليف ما لا يطاق . وأما قوله - صلى الله عليه وسلم - : ~~( فيشفع النبيون والملائكة والمؤمنون ) ففيه حجة لأهل السنة فى إثباتهم ~~الشفاعة ، وقد تقدم . وقوله : ( فأستأذن على ربى فى داره ) فداره جنته ، ~~ولا تعلق فيه للمجسمة أنه تعالى فى مكان ؛ لأن قوله : ( فى داره ) يحتمل أن ~~تكون هذه الإضافة لله إضافة إلى نفسه تعالى من أفعاله ، ويحتمل أن يكون ~~قوله فى داره . راجعا إلى النبى تأويله : فأستأذن على ربى وأنا فى داره . ~~فالظرف والمكان هاهنا للنبى - صلى الله عليه وسلم - لا لله تعالى لقيام ~~الدليل على استحالة حلوله فى المواضع . PageV10P465 وقوله : ( حتى تلقوا ~~الله ورسوله فإنى على الحوض ) ففيه إثبات الحوض له - صلى الله عليه وسلم - ~~خلافا لمنكريه من المعتزلة وغيرهم ممن يدفع أخبار الآحاد ، وجمهور الأمة ~~على خلافهم مؤمنون بالحوض على ما ثبت فى السنن الصحاح . وقوله : ( ما منكم ~~من أحد إلا سيكلمه ربه ليس بينه وبينه حجاب ولا ترجمان ) ففيه إثبات الرؤية ~~لله تعالى وإثبات كلامه لعباده . ورفع الحجاب بينه تعالى وبين خلقه هو ~~تجليه لهم ، وليس ذلك بمعنى الظهور والخروج من سواتر وحجب حائلة بينه وبين ~~عباده ؛ لأن ذلك من أوصاف الأجسام وهو مستحيل على الله ، وإنما رفع الحجاب ~~بمعنى إزالته الآفات من أبصار خلقه المانعة لهم من رؤيته ؛ فيرونه ~~لارتفاعها عنهم بخلق ضدها ms3759 فيهم ، وهو الرؤية ، وبخلاف هذا وصف الله الكفار ~~فقال : { كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون } [ المطففين : 15 ] ، فالحاجب ~~هنا الآفة المانعة من رؤيته التى لو فعل تعالى ضدها فيهم لرأوه ، وهى التى ~~فعل فى المؤمنين . وقوله فى الحديث الآخر : ( وما بين القوم وبين أن ينظروا ~~إلى ربهم إلا رداء الكبرياء على وجهه فى جنة عدن ) فلا تعلق فيه للمجسمة فى ~~إثبات الجسم والمكان لما تقدم من استحالة كونه جسما أو حالا فى مكان ؛ فوجب ~~أن يكون تأويل الرداء مصروفا إلى أن المراد به الآفة المانعة لهم من رؤيته ~~الموجودة بأبصارهم ، وذلك فعل من أفعاله تعالى يفعله فى محل رؤيتهم له بدلا ~~من فعله الرؤية ، فلا يرونه ما دام ذلك المانع لهم من رؤيته وسماه رداء ~~مجازا واتساعا ؛ إذ منزلته في PageV10P466 المنع من رؤيته منزلة الرداء ~~وسائر ما يحتجب به والله تعالى لا يليق به الحجب والستار ؛ إذ ذاك من صفات ~~الأجسام . وقوله : ( على وجهه ) المراد به : أن الآفة المانعة لهم من رؤية ~~وجهه تعالى التى هى صفة من صفات ذاته كأنها على وجهه ؛ لكونها فى أبصارهم ~~ومانعة لهم من رؤيته ، فعبر عن هذا المعنى بهذا اللفظ ، والمراد به غير ~~ظاهره ؛ إذ يستحيل كون وجهه محجوبا برداء أو غيره من الحجب ؛ إذ ذاك من ~~صفات الأجسام . وقوله : ( فى جنة عدن ) ليس بمكان له تعالى ، وإنما هو راجع ~~إلى القوم كأنه قال : وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم وهم فى جنة ~~عدن إلا المانع المخلوق فى محل رؤيتهم له من رؤيته فلا حجة لهم فيه . وقوله ~~فى حديث أبى سعيد : ( ونحن أحوج منا إليه اليوم ) . لا يخرج معناه إلا أن ~~يكون بمعنى محتاجين ، وهذا موجود فى القرآن قال تعالى : { إن ربك هو أعلم ~~بمن ضل عن سبيله } [ النحل : 125 ] ، بمعنى عالم ، فسقط على هذا التأويل ~~شيئا من تقدير الكلام ، ومعناه : فارقناهم : يريد من لم يعبد الله . ونحن ~~أحوج ما كنا إليه : يعنون الله . وقوله : ( فما أنتم بأشد لى مناشدة فى ms3760 ~~الحق قد تبين لكم من المؤمن يومئذ للجبار ، فإذا راوا أنهم قد نجوا فى ~~إخوانهم ) يريد أن المؤمنين إذا نجوا من الصراط يناشدون الله فى إخوانهم ~~ويشفعون فيهم فيقول الله عز وجل : ( اذهبوا فمن وجدتم فى قلبه مثقال ~~PageV10P467 نصف دينار . . إلى مثقال ذرة من إيمان فأخرجوه ، فيخرجون من ~~عرفوا من النار ) وفى هذا إثبات شفاعة المؤمنين بعضهم لبعض . وقوله : ( فى ~~جهنم كلاليب ) جمع كلوب ، وهو الذى يتناول به الحداد الحديد من النار ، ~~والخطاطيف جمع خطاف ، والخطاف حديدة معوجة الطرف يجذب بها الأشياء ، قال ~~النابغة : خطاطيف حجن فى حبال متينة والحسك : معروف ، وهو شىء مضرس ذو شوك ~~ينشب به كل ما مر به . وقوله : ( فمنهم الموبق بعمله ) يعنى : الهالك ~~بذنوبه . يقال : أوبقت فلانا ذنوبه أى : أهلكته . وقوله : ( ومنهم المخردل ~~) قال صاحب العين : خردلت اللحم : فصلته ، وخردلت الطعام : أكلت خياره . ~~وقال غيره : خردلته : صرعته ، وهذا الوجه يوافق معنى الحديث ، والجردلة ~~بالجيم ، الإشراف على السقوط والهلكة . وقوله : ( امتحشوا ) قال صاحب العين ~~: المحش : إحراق الجلد ، وامتحش الجلد احترق ، وألسنة المحوش : اليابسة . ~~وقال صاحب الأفعال : محشت النار الشىء محشا : أحرقته لغة ، PageV10P468 ~~والمعروف أمحشته ، وكان أبو زيد ينكر محشته ، وقعد يوما إلى أبى حنيفة ~~فسمعه يقول : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( يخرج من النار قوم ~~قد محشتهم النار ) . فقال أبو زيد : ليس كذلك الحديث ، يرحمك الله ، إنما ~~هو : ( أمحشتهم النار ) فقال أبو جنيفة : من أى موضع أنت ؟ قال أبو زيد : ~~من البصرة . قال أبو حنيفة : أبالبصرة مثلك ؟ قال أبو زيد : إنى لمن أخس ~~أهلها . فقال أبو حنيفة : طوبى لبلد أنت أخس أهلها . والحبة : بزور البقل ، ~~وقد ذكرته فى كتاب الإيمان فى باب تفاضل أهل الإيمان فى الأعمال وقال أبو ~~عبيد : وأما الحبة فكل ما ينبت له حب فاسم الحب منه الحبة . وقال الفراء : ~~الحبة بزور البقل . وقال أبو عمرو : الحبة نبت ينبت فى الحشيش صغار . وقال ~~الكسائى : الحبة حب الرياحين وواحد الحبة حبة . وأما الحنطة ونحوها فهو ~~الحب لا غير . وقال الأصمعى : الحميل ما ms3761 حمله السيل من كل شىء وكل محمول ~~فهو حميل كما يقال للمقتول قتيل . وقوله : ( قشبنى ريحها ) تقول العرب : ~~قشبت الشئ : قذرته وقشبت الشىء ، بكسر الشين ، قشبا قذر صاحب الأفعال . ~~وقال ابن قتيبة : قشبنى ريحها من القشب والقشب : السم كأنه قال : سمنى ~~ريحها ، ويقال لكل مسموم قشيب . وقال الخطابى : قشبه الدخان إذا مل خياشيمه ~~وأخذ يكظمه وإن كانت ريحه طيبة ، وأصل القشب خلط السم بالطعام يقال : قشبه ~~إذا سمه وقشبتنا الدنيا فصار حبها كالسم الضار ، ثم قيل على هذا قشبه ~~الدخان والريح الذكية إذا بلغت منه الكظم . PageV10P469 وقوله : انفهقت ~~يعنى : اتسعت وفهق الغدير فهقا إذا امتلأ ومنه التفيهق فى القول ، وهو كثرة ~~الكلام . وغبرات : بقايا وكذلك غبر الشىء بقيته ؛ وقوله : الجسر مدحضة مزلة ~~. يقال دحضت رجله دحضا زلفت ، والدحض ما يكون عنه الزلق ، ودحضت الشمس عن ~~كبد السماء : زالت ، ودحضت حجته : بطلت ، والمزلة : موضع الزلل ، فزلت ~~القدم : سقطت ، وقوله : مكدوس فى نار جهنم . قال صاحب العين : التكدس فى ~~سير الدواب : ركوب بعضها بعضا ، والكدس ما يجمع من طعام وغيره ، وأفواه ~~الجنة : أبوابها واحدها فوهة ، وفى كتاب العين الفوهة : فم النهر وفم ~~الزقاق . * * * # | 25 - باب قوله تعالى : { إن رحمة الله قريب من المحسنين } [ الأعراف : ~~56 ] # / 72 - فيه : أسامة ، كان ابن لبعض بنات النبى - صلى الله عليه وسلم - ~~يقضى ، إلى قوله : ( فبكى النبى - صلى الله عليه وسلم - فقال سعد : أتبكى ؟ ~~فقال : ( إنما يرحم الله من عباده الرحماء ) . / 73 - وفيه : أبو هريرة ، ~~قال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( اختصمت الجنة والنار إلى ربهما ، ~~فقالت الجنة : يا رب ، ما لها لا يدخلها إلا ضعفاء الناس وسقطهم ، وقالت ~~النار : يعنى أوثرت بالمتكبرين ، فقال الله تعالى للجنة : أنت رحمتى ، وقال ~~للنار : أنت عذابى ، أصيب بك من أشاء ولكل واحدة منكما ملؤها ، قال : فأما ~~الجنة ، فإن الله لا يظلم من خلقه أحدا ، وإنه ينشئ للنار من يشاء ، فيلقون ~~فيها ف { تقول هل من مزيد } [ ق : 30 ] ثلاثا ، حتى يضع فيها قدمه ، فتمتلئ ~~، ويرد بعضها إلى بعض ، وتقول : قط ms3762 ، قط ، قط ) . PageV10P470 / 74 - وفيه ~~: أنس ، قال - صلى الله عليه وسلم - : ( ليصيبن أقواما سفع من النار بذنوب ~~أصابوها عقوبة ، ثم يدخلهم الله الجنة بفضل رحمته ، يقال لهم : الجهنميون ) ~~. قال المؤلف : الرحمة تنقسم قسمين : تكون صفة ذات لله ، وتكون صفة فعل ، ~~فصفة الذات مرجوع بها إلى إرادته تعالى إثابة الطائعين من عباده ، وقوله ~~تعالى : { إن رحمة الله قريب من المحسنين } [ الأعراف : 56 ] ، يحتمل ~~الرحمة هاهنا أن تكون صفة ذات ترجع إلى إرادته إثابة المحسنين كما قلنا ~~وإرادته صفة ذاته . ومثله قوله - صلى الله عليه وسلم - : ( إنما يرحم الله ~~من عباده الرحماء ) معناه إنما يريد إثابة الرحماء لعباده من خلقه ، ويحتمل ~~أن تكون صفة فعل فيكون المعنى أن نعمة الله على عباده ورزقه لهم ونزول ~~المطر وشبهه قريب من المحسنين ، فسمى ذلك رحمة لهم لكونه بقدرته وعن إرادته ~~مجازا واتساعا ؛ لأن من عادة العرب تسمية الشىء باسم سببه وما يتعلق به ~~ضربا من التعلق ، وعلى هذا المعنى سمى الله الجنة رحمة فقال : ( أنت رحمتى ~~) فسماها مع كونها فعلا من أفعاله رحمة ؛ إذ كانت حادثة بقدرته وإرادته ~~تنعيم الطائعين من عباده . قال المهلب : وأما اختصام الجنة والنار فيجوز أن ~~يكون حقيقة ، ويجوز أن يكون مجازا ، فكونه حقيقة يخلق الله فيهما حياة ~~وفهما وكلاما لقيام الدليل على كونه تعالى قادرا على ذلك ، وكونه مجازا ~~واتساعا فهو على ما تقوله العرب من نسبة الأفعال إلى ما لا يجوز وقوعها منه ~~فى تلك الحال كقولهم : امتلأ الحوض وقال قطنى . والحوض لا يقول ، وإنما ذلك ~~عبارة عن امتلائه ، وأنه لو PageV10P471 كان ممن يقول لقال ذلك ، وقولهم : ~~قالت الضفدع ، وعلى هذين التأويلين يحمل قوله تعالى : { وتقول هل من مزيد } ~~[ ق : 30 ] ، واختصام الجنة والنار هو افتخار بعضهما على بعض بمن يسكنهما ، ~~فالنار تتكبر بمن يلقى فيها من المتكبرين وتظن أنها آثر بذلك عند الله من ~~الجنة وسقط قول النار من هذا الحديث فى جميع النسخ ، وهو محفوظ فى الحديث : ~~( وقالت النار : أوثرت بالمتكبرين والمتجبرين ) رواه ابن وهب ، عن مالك ms3763 ، ~~عن أبى الزناد ، عن الأعرج ، عن أبى هريرة من رواية الدارقطنى ، وتظن الجنة ~~ضد ذلك لقولها : ( ما لى لا يدخلنى إلا ضعفاء الناس وسقطهم ) فكأنها أشفقت ~~من إيضاع المنزلة عند الرب تعالى . فحكم تعالى للجنة بأنها رحمته لا يسكنها ~~إلا الرحماء من عباده ، وحكم للنار بأنها عذابه يصيب بها من يشاء من ~~المتكبرين ، وأنه ليس لإحديهما فضل من طريق من يسكنها الله تعالى من خلقه ، ~~إذ هما اللتان للرحمة والعذاب ، ولكن قد قضى لهما بالملء من خلقه . وقوله : ~~( وينشىء للنار خلقا ) يريد من قد شاء أن يلقى فيها ممن قد سبق له الشقاء ~~ممن عصاه وكفر به ، قاله المهلب . وقال غيره : ينشىء الله لها خلقا لم يكن ~~فى الدنيا ، قال : وفيه حجة لأهل السنة فى قولهم إن لله أن يعذب من لم يكن ~~يكلفه عبادته فى الدنيا ولا يخرجه إليها لقوله : { ويفعل الله ما يشاء } [ ~~إبراهيم : 27 ] بخلاف PageV10P472 من يقول إن الله لو عذب من لم يكلفه لكان ~~ظالما ، وهذا الحديث حجة عليهم . وقوله : ( حتى يضع فيها قدمه ) قد تقدم فى ~~باب قوله : { وهو العزيز الحكيم } [ إبراهيم : 4 ] من كتاب التوحيد . * * * # | 26 - باب قوله تعالى : { إن الله يمسك السموات والأرض أن تزولا } الآية ~~[ فاطر : 41 ] # / 75 - فيه : عبدالله بن مسعود ، جاء حبر إلى النبى - صلى الله عليه وسلم ~~- فقال : يا محمد ، إن الله يضع السماء على إصبع ، والجبال على إصبع ، ~~والشجر والأنهار على إصبع ، وسائر الخلق على إصبع ، ثم يقول بيده أنا الملك ~~، فضحك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وقال : { وما قدروا الله حق ~~قدره } [ الأنعام : 91 ] . وقد تقدم تفسير هذا الحديث فى باب قوله تعالى : ~~{ لما خلقت بيدى } [ ص : 75 ] ، قال المهلب : فإن قيل : ما وجه حديث الحبر ~~فى هذا الباب مع قوله : { إن الله يمسك السموات والأرض أن تزولا } [ فاطر : ~~41 ] ، وظاهر الآية وعمومها يقتضى أن السموات والأرض ممسكة بغير آلة يعتمد ~~عليها ، وقد ذكر الحبر للنبى - صلى الله عليه وسلم - أن الله يمسك السموات ~~على إصبع ms3764 والأرض على إصبع ، فدل أن حديث الحبر وتفسيره الإمساك بالأصابع ~~هذا لبيان المجمل من الإمساك فى الآية ؟ قيل له : ليس كما توهمت ، وتفسير ~~النبى ورده على الحبر ، وقوله : { وما قدروا الله حق قدره } [ الأنعام : 91 ~~] هو رد لما توهمه الحبر من PageV10P473 الأصابع أى أن الله أجل مما قدرت ، ~~وذلك أن اليهود تعتقد التجسيم ، فنفى النبى - صلى الله عليه وسلم - ذلك عنه ~~بقوله : { وما قدروا الله حق قدره } . فإن قيل : فإن تصديق النبى للحبر ~~وتعجبه من قوله يدل أنه لم ينكر قوله كل الإنكار ، ولو لم يكن لقوله بذكر ~~الأصابع وجه لأعلن بإبطاله . فالجواب : أنه لو كانت السموات وغيرها مفتقرة ~~إلى الأصابع لكانت الأصابع مفتقرة إلى أمثالها تعتمد عليها ، وأمثال ~~أمثالها إلى مثلها ، ثم كذلك إلى ما لا نهاية له ، وهذا فاسد ، وقد تقدم ~~قول الأشعرى وابن فورك وأن الإصبع يجوز أن تكون صفة ذات لله تعالى ويجوز أن ~~تكون صفة خلق له من بعض ملائكته كلفهم حمل الخلائق وتعبدهم بذلك من غير ~~حاجة إليهم فى حملها ، بل البارى ممسكهم وممسك ما يحملونه بقدرته تعالى ، ~~ويصدق هذا التأويل قوله : { ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية } [ الحاقة : ~~17 ] . * * * # | 27 - باب ما جاء فى خلق السموات والأرض وغيرهما من المخلوقات # وهو فعل الرب تعالى وأمره ، فالرب بصفاته وفعله وأمره وقوله ، وهو الخالق ~~المكون غير مخلوق ، وما كان بفعله وأمره ، وتخليقه وتكوينه ، فهو مفعول ~~مكون مخلوق . / 76 - فيه : ابن عباس ، بت فى بيت ميمونة ليلة ، والنبي - ~~عليه السلام - عندها ؛ لأنظر كيف صلاة النبى - عليه السلام - فتحدث النبي - ~~عليه السلام - مع أهله ساعة ، ثم رقد ، فلما كان ثلث الليل الآخر أو بعضه ، ~~قعد فنظر إلى السماء ، فقرأ : { إن فى خلق السموات والأرض } [ آل عمران : ~~190 ] إلى قوله : { لأولى الألباب } الحديث . PageV10P474 غرضه فى هذا ~~الباب أن يعرفك أن السموات والأرض وما بينهما كل ذلك مخلوق دلائل الحدث بها ~~من الآيات المشاهدات ، من انتظام الحكمة واتصال المعيشة للخلق فيهما ، وقام ~~برهان العقل على ألا خالق غير الله ms3765 وبطل قول من يقول : إن الطبائع خالقة ~~العالم ، وأن الأفلاك السبعة هى الفاعلة ، وأن النور والظلمة خالقان ، وقول ~~من زعم أن العرش هو الخالق . وفسدت جميع هذه الأقوال لقيام الدليل على حدوث ~~ذلك كله وافتقاره إلى محدث لاستحالة وجود محدث لا محدث له ، كاستحالة وجود ~~مضروب لا ضارب له ، وكتاب الله شاهد بصحة هذا ، وهو قوله تعالى : { هل من ~~خالق غير الله } [ فاطر : 3 ] ، فنفى خالقا سواه ، وقال تعالى : { أم جعلوا ~~لله شركاء خلقوا كخلقه } [ الرعد : 16 ] ، وقال عقيب ذلك : { فتشابه الخلق ~~عليهم } [ الرعد : 16 ] ، ثم قال لنبيه : { قل الله خالق كل شىء وهو الواحد ~~القهار } [ الرعد : 16 ] ، ودل على ذلك أيضا بقوله تعالى : { إن فى خلق ~~السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولى الألباب } [ آل عمران : ~~190 ] . فاستدل بآيات السموات والأرض على قدرة الله ووحدانيته فوجب أن يكون ~~الخلاق العليم بجميع صفاته من الخلق والأمر والفعل والسمع والبصر والتكوين ~~للمخلوقات كلها خالقا غير مخلوق الذات والصفات ، وأن القرآن صفة له غير ~~مخلوق ، ووجب أن يكون الخالق مخالفا لسائر المخلوقات ، ووجه خلافه لها ~~انتفاء قيام الحوادث عنه الدالة على حدث من تقوم به ، ولزم أن يكون ما سواه ~~من مخلوقاته التى كانت عن قوله وأمره وفعله وتكوينه مخلوقات له ، هذا موجب ~~العقل . * * * PageV10P475 # | 28 - باب قوله : { إنما قولنا لشىء } [ النحل : 40 ] # / 77 - فيه : المغيرة ، سمعت النبى ، عليه السلام ، يقول : ( لا يزال من ~~أمتى قوم ظاهرين على الناس حتى يأتيهم أمر الله ) . وقال مرة : ( لا تزال ~~من أمتى أمة قائمة بأمر الله ، ما يضرهم من كذبهم ، ولا من خالفهم ) . وقال ~~معاوية : وهم بالشأم . / 78 - وفيه : ابن عباس ، وقف النبى - صلى الله عليه ~~وسلم - على مسيلمة فى أصحابه ، فقال : ( لو سألتنى هذه القطعة ما أعطيتكها ~~، ولن تعدو أمر الله فيك ، ولئن أدبرت ليعقرنك الله ) . / 79 - وفيه : ابن ~~مسعود ، بينما أنا أمشى مع النبى - صلى الله عليه وسلم - وهو يتوكأ على ~~عسيب معه ، فمررنا على نفر من اليهود ، فسألوه عن الروح ، فأنزل عليه : { ~~ويسألونك ms3766 عن الروح قل الروح من أمر ربى } [ الإسراء : 85 ] الآية . غرضه فى ~~هذا الباب الرد على المعتزلة فى قولهم : إن أمر الله الذى هو كلامه مخلوق ، ~~فأراد البخارى أن يعرفك أن الأمر هو قوله للشىء إذا أراده كن فيكون بأمره ~~له وأن أمره وقوله فى معنى واحد ، وذلك غير مخلوق وأنه سبحانه يقول كن على ~~الحقيقة ، وأن الأمر غير الخلق لقوله تعالى : { ألا له الخلق والأمر } [ ~~الأعراف : 54 ] ، ففصل بينهما بالواو وهو قول جميع أهل السنة ، وزعمت ~~المعتزلة أن وصفه نفسه بالأمر PageV10P476 وبالقول فى هذه الآية مجاز ~~واتساع على نحو ما تقول العرب : قال الحائط فمال وامتلأ الحوض ، وقال قطنى ~~. وقولهم فاسد ؛ لأنه عدول عن ظاهر الآية وحملها على غير حقيقتها ، وإنما ~~وجب حمل الآية على ظاهرها وحقيقتها لثبات كونه حيا ، والحى لا يستحيل أن ~~يكون متكلما . وقوله - صلى الله عليه وسلم - : ( حتى يأتيهم أمر الله ) ~~يعنى أمر الله بالساعة . وقوله : ( لن تعدو أمر الله فيك ) أى ما قدر فيك ~~من الشقاء أو السعادة . وقوله : { قل الروح من أمر ربى } [ الإسراء : 85 ] ~~أى من أمره المتقدم بما سبق فى علمه من القضاء المحتوم الذى أمر به الملك ~~أن يكتبه فى بطن أمه قبل نفخ الروح فيه . * * * # | 29 - باب فى المشيئة والإرادة # وقوله تعالى : { تؤتى الملك من تشاء } [ آل عمران : 26 ] ، { وما تشاءون ~~إلا أن يشاء الله رب العالمين } [ الإنسان : 30 ] ، { ولا تقولن لشىء إنى ~~فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء الله } [ الكهف : 23 ] { إنك لا تهدى من أحببت ~~ولكن الله يهدى من يشاء } [ القصص : 56 ] . قال سعيد بن المسيب ، عن أبيه : ~~نزلت فى أبى طالب . معنى هذا الباب : إثبات المشيئة والإرادة لله تعالى وأن ~~مشيئته وإرادته ورحمته وغضبه وسخطه وكراهيته كل ذلك بمعنى واحد أسماء ~~مترادفة هى راجعة كلها إلى معنى الإرادة ، كما يسمى الشىء الواحد بأسماء ~~كثيرة ، وإرادته تعالى هى صفة من صفات ذاته خلافا لمن يقول من المعتزلة ~~أنها مخلوقة من أوصاف أفعاله ، وقولهم فاسد لأنهم إذا أثبتوه ms3767 تعالى مريدا ، ~~وزعموا أن إرادته محدثة لم تخل من أن يحدثها في PageV10P477 نفسه أو فى ~~غيره ، أو لا فى نفسه ولا فى غيره ، وهذا الذى ذهبوا إليه ، فيستحيل إحداثه ~~لها فى نفسه ؛ لأنه لو أحدثها فى نفسه لم يخل منها ومن ضدها على سبيل ~~التعاقب ، ولا يجوز تعاقب الحوادث على الله تعالى لقيام الدليل على قدمه ~~قبلها ، ويستحيل أن يحدثها فى غيره ؛ لأنه لو أحدثها فى غيره لوجب أن يكون ~~ذلك الغير مريدا بها دونه ، فبطل كونه مريدا بإرادة أحدثها فى غيره كما ~~يبطل كونه عالما بعلم يحدثه فيه ، أو قادرا بقدرة يحدثها فيه ؛ لأن قياس ~~ذلك كله واحد ، ومن شرط المريد وحقيقته أن تكون الإرادة موجودة فيه دون من ~~سواه ، ويستحيل إحداثه لها إلا فى نفسه ولا فى غيره ؛ لأن ذلك يوجب قيامها ~~بنفسها واحتمالها للصفات وأضدادها ، ولو صح ذلك لم تكن إرادته له أولى أن ~~تكون لغيره ، وإذا فسدت هذه الأقسام الثلاث وجب أن الإرادة قديمة قائمة به ~~تعالى لأجل قيامها به وصح كونه مريدا ، ووجب تعلقها بكل ما يصح كونه مرادا ~~له ، وهذه المسألة مبنية على صحة القول بكونه تعالى خالقا لأفعال العباد ، ~~وأنهم لا يفعلون إلا ما يشاء ، وقد دل الله على ذلك بقوله تعالى : { وما ~~تشاءون إلا أن يشاء } [ الإنسان : 30 ] ، وما تلاه من الآيات ، وبقوله : { ~~ولو شاء الله ما اقتتلوا ولكن الله يفعل ما يريد } فنص الله تعالى على أنه ~~لو شاء أن لا يقتتلوا لما اقتتلوا ، فدل أنه تعالى شاء ما شاءوه من ~~اقتتالهم ، وأنه لو لم يشأ اقتتالهم لم يشاءوه ولا كان موجودا ، ثم أكد ذلك ~~بقوله : { ولكن الله يفعل ما يريد } يدل أنه فعل اقتتالهم الواقع منهم ~~لكونه شائيا له ، وإذا كان شائيا PageV10P478 لاقتتالهم وفاعلا له ، ووجب ~~كونه شائيا لمشيئتهم وفاعلا لها ، فثبت بهذه الآية أنه لا كسب للعباد طاعة ~~ومعصية إلا وهو فعل له ومراد له تعالى ، وإن لم يرده منهم لم يصح وقوعه ، ~~وما أراده منهم فواجب قول القدرية ms3768 أنه مريد للطاعة من عباده ، وغير مريد ~~للمعصية وقد بان فساد هذا من قولهم أن أفعال العباد خلق لله فى هذا الباب ~~وغيره . * * * # | 30 - باب : { يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر } [ البقرة : 185 ~~] # / 80 - فيه : أنس ، وأبو هريرة ، قال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( ~~إذا دعوتم الله فاعزموا فى الدعاء ، ولا يقولن أحدكم : إن شئت فأعطنى ، فإن ~~الله لا مستكره له ) . / 81 - وفيه : على ، أن النبى - صلى الله عليه وسلم ~~- طرقه وفاطمة ابنته ، فقال لهم : ( ألا تصلون ) ؟ قال على : فقلت : يا ~~رسول الله ، إنما أنفسنا بيد الله ، فإذا شاء أن يبعثنا بعثنا . . . الحديث ~~. / 82 - وفيه : أبو هريرة ، قال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( مثل ~~المؤمن كمثل خامة الزرع يفىء ورقه من حيث أتتها الريح تكفئها فإذا سكنت ~~اعتدلت ، وكذلك المؤمن يكفأ بالبلاء ، ومثل الكافر كمثل الأرزة ، صماء ~~معتدلة حتى يقصمها الله إذا شاء ) . / 83 - وفيه : ابن عمر ، قال النبي - ~~عليه السلام - : ( إنما بقاؤكم فيما سلف PageV10P479 من الأمم ، كما بين ~~صلاة العصر إلى غروب الشمس . . . ) وذكر الحديث إلى قوله : ( فذلك فضلى ~~أوتيه من أشاء ) . / 84 - وفيه : عبادة ، قال : ( بايعت النبى - صلى الله ~~عليه وسلم - فى رهط ، فقال : ( أبايعكم على أن لا تشركوا بالله شيئا ، ولا ~~تسرقوا ، ولا تزنوا ، ولا تقتلوا أولادكم ، ولا تأتوا ببهتان تفترونه بين ~~أيديكم وأرجلكم ، ولا تعصونى فى معروف ، فمن وفى منكم فأجره على الله ، ومن ~~أصاب من ذلك شيئا ، فأخذ به فى الدنيا ، فهو له كفارة وطهور ، ومن ستره ~~الله فذلك إلى الله إن شاء عذبه ، وإن شاء غفر له ) . / 85 - وفيه : أبو ~~هريرة ، أن سليمان كان له ستون امرأة ، فقال : لأطوفن الليلة على نسائى ، ~~فلتحملن كل امرأة ، ولتلدن فارسا ، يقاتل فى سبيل الله ، فطاف على نسائه ، ~~فما ولدت منهن إلا امرأة ولدت شق غلام ) ، قال نبى الله - صلى الله عليه ~~وسلم - : ( ولو استثنى لحملت كل امرأة منهن ، فولدت فارسا يقاتل فى سبيل ~~الله ) . / 86 - وفيه : أبو قتادة ، حين ناموا عن الصلاة ، قال النبى - صلى ms3769 ~~الله عليه وسلم - : ( إن الله قبض أرواحكم حين شاء ، وردها حين شاء . . . ) ~~الحديث . / 87 - وفيه : أبو هريرة ، استب رجل من المسلمين ورجل من اليهود . ~~. . وذكر الحديث إلى قول النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( لا تخيرونى على ~~موسى ، فإن الناس يصعقون ، فأكون أول من يفيق ، فإذا موسى باطش بجانب ~~PageV10P480 العرش ، فلا أدرى أكان فيمن صعق فأفاق قبلى ، أو كان ممن ~~استثنى الله ) . / 88 - وفيه : أنس ، قال النبي - عليه السلام - : ( ~~المدينة يأتيها الدجال ، فيجد الملائكة يحرسونها ، فلا يقربها الدجال ، ولا ~~الطاعون إن شاء الله ) . / 89 - وفيه : أبو هريرة ، قال - صلى الله عليه ~~وسلم - : ( لكل نبى دعوة ، فأريد إن شاء الله أن أختبى دعوتى شفاعة لأمتى ~~يوم القيامة ) . / 90 - وفيه : أبو هريرة ، قال النبى ، عليه السلام : ( ~~بينا أنا نائم ، رأيتنى على قليب ، فنزعت ما شاء الله أن أنزع . . . ) ~~الحديث . / 91 - وفيه : أبو موسى ، كان النبى - صلى الله عليه وسلم - إذا ~~أتاه السائل ، أو صاحب الحاجة ، قال : ( اشفعوا فلتؤجروا ، وليقضى الله على ~~لسان نبيه ما شاء ) . / 92 - وفيه : ابن عباس ، أن أبى بن كعب حدثه بحديث ~~الخضر . . . إلى قوله : { فإنى نسيت الحوت } [ الكهف : 63 ] الحديث . / 93 ~~- وفيه : أبو هريرة ، قال - صلى الله عليه وسلم - : ( ننزل غدا إن شاء الله ~~بخيف بنى كنانة حيث تقاسموا على الكفر ) ، يريد المحصب . / 94 - وفيه : ~~عبدالله ابن عمر ، حاصر النبى - صلى الله عليه وسلم - أهل الطائف ، فلم ~~يفتحها ، فقال : ( إنا قافلون غدا ، إن شاء الله . . . ) ، وذكر الحديث . ~~معنى هذا الباب كمعنى الذى قبله فى إثبات الإرادة لله تعالى والمشيئة ، وأن ~~العباد لا يريدون شيئا إلا وقد سبقت إرادة الله له ، PageV10P481 وأنه خالق ~~لأعمالهم : طاعة كانت أو معصية ، وأما تعلقهم بقوله تعالى : { يريد الله ~~بكم اليسر ولا يريد بكم العسر } [ البقرة : 185 ] فى أنه لا يرد المعصية ~~فليس على العموم ؛ وإنما هو خاص فيمن ذكر ، ولم يكلفه ما لا يطيق . مثل هذا ~~للمؤمنين المفترض عليهم الصيام ، ومن هداه الله إلى دينه فقد يسره وأراد به ~~اليسر ، فكان المعنى : يريد الله ms3770 بكم اليسر الذى هو التخيير بين صومكم فى ~~السفر ، وإفطاركم فيه بشرط قضاء ما أفطرتموه من أيام أخر ، ولا يريد بكم ~~العسر ، الذى هو إلزامكم الصوم فى السفر على كل حال ؛ فبان من نفس الآية أن ~~الله رفع هذا العسر عنا ولم يرد وقوعه بنا ، إذ لم يلزمنا الصيام فى السفر ~~على كل حال ، ورحمة منه ورأفة بنا ؛ فسقط تعلقهم بالآية ، وكذلك تأويل قوله ~~تعالى : { ولا يرضى لعباده الكفر } [ الزمر : 7 ] هو على الخصوص فى ~~المؤمنين الذين أراد منهم الإيمان ، فكان ما أراده من ذلك ، ولم يرد منهم ~~الكفر فلم يكن ، فلا تعلق لهم فى هذه الآية أيضا . فإن قيل : قد تقدم من ~~قولكم أن الله تعالى خالق لأعمال العباد ، فما وجه إضافة فتى موسى نسيان ~~الحوت إلى نفسه مرة ، وإلى الشيطان أخرى . فالجواب : أن فتى موسى نبى وخادم ~~نبى ، وقد تقدم من قول موسى أن أفعاله مخلوقة لله تعالى : { إن هى إلا ~~فتنتك تضل بها من تشاء وتهدى من تشاء } [ الأعراف : 155 ] ، فثبت أن إضافة ~~النسيان إلى نفسه لأجل قيامه به ، لا أنه مخترع له ، والعرب تضيف الفعل إلى ~~PageV10P482 من وجد منه ، وإن لم يكن مخترعا له ، وقد نطق بذلك القرآن فى ~~مواضع كثيرة ، وكذلك إضافته النسيان إلى الشيطان ، فليس على معنى أن ~~الشيطان فاعل لنسيانه ، وإنما تأويله أنه وسوس إلى حتى نسيت الحوت ؛ لأن ~~فتى موسى إذ لم يمكنه أن يفعل نسيانه القائم به كان الشيطان أبعد من أن ~~يفعل فيه نسيانا ، وكانت إضافته إليه على سبيل المجاز والاتساع . قال ~~المهلب : وقوله - صلى الله عليه وسلم - : ( لا يقولن أحدكم ، إن شئت فاعطنى ~~) فمعناه والله أعلم أن سؤاله الله على شرط المشيئة يوهم أن إعطاءه تعالى ~~يمكن على غير مشيئته ، وليس بعد المشيئة وجه إلا الإكراه ؛ والله لا مكره ~~له كما قال - صلى الله عليه وسلم - ، والعبارة الموهمة فى صفات الله غير ~~جائزة عند أهل السنة ؛ لما فى ذلك من الزيغ بأقل توهم يقع فى نفس السامع ~~لنلك العبارة ms3771 ثم إن حقيقة السؤال من الله تعالى ، هو أن يكون السائل محتاجا ~~إلى ما سأل ، محققا فى سؤاله ، ومتى طلب بشرط لم يحقق الطلب ؛ فلذلك أمره ~~بالعزم فى طلب الحاجة . وأما قول على : ( إن أنفسنا بيد الله ، فإذا شاء أن ~~يبعثنا بعثنا ) ففيه : أن إرادة العبد للعمل ولتركه لا يكون إلا عن إرادة ~~الله ومشيئته ، بخلاف قول القدرية أن للإنسان إرادة ومشيئة دون إرادة الله ~~، وقد تقدم أن ذلك كله من عمل العبد مخلوق لله ، مراد له على حسب ما أراد ~~PageV10P483 من طاعة أو معصية ، ومعنى قوله - صلى الله عليه وسلم - : ( ~~المؤمن كخامة الزرع ) فى هذا الباب : أن المؤمن يألم فى الدنيا بما يبتليه ~~الله به من المراض التى يمتحنه بها ، فييسره للصبر عليها والرضا بحكم ربه ~~واختياره له ؛ ليفرح بثواب ذلك فى الآخرة ، والكافر كلما صح فى الدنيا وسلم ~~من آفاتها كان موته أشد عذابا عليه ، وأعظم ألما فى مفارقة الدنيا ، فثبت ~~أن الله تعالى قد أراد بالمؤمن بكل عسر يسرا ، وأراد بكل ما آتاه الكافر من ~~اليسر عسرا ، وقد تقدم فى أول كتاب المرضى . وقوله : ( فذلك فضلى أوتيه من ~~أشاء ) فذلك بين فى أن الإرادة هى المشيئة على ما تقدم بيانه ؛ إذ الفضل ~~عطاء من له أن يتفضل به ، وله ألا يتفضل ، وليس من كان عليه حق فأداه أو ~~فعل ما عليه فعله يسمى متفضلا ، وإنما هو من باب الأداء والوفاء بحق ما ~~لزمه . وقوله : ( فلو قال إن شاء الله لقاتلوا فرسانا أجمعون ) فوجهه أنه ~~لما نسى أن يرد الأمر لله الخالق العليم ، ويجعل المشيئة إليه كما شرط فى ~~كتابه ، إذ يقول : { وما تشاءون إلا أن يشاء الله } [ الإنسان : 30 ] ، { ~~ولا تقولن لشىء } [ الكهف : 23 ] . فأشبه قوله : ( لأطوفن الليلة ) قول من ~~جعل لنفسه الحول والقوة ؛ فحرمه الله تعالى مراده وما أمله . وأما قوله ~~للأعرابى : ( لا بأس عليك طهور إن شاء الله ) فإنما أراد تأنيسه من مرضه ~~بأن الله يكفر ذنوبه ، ويقيله ، ويؤخر وفاته فوقع الاستثناء على ما رجا ms3772 له ~~من الإقالة والفرج ؛ لأن المرض معلوم أنه كفارة للذنوب ، وإن كان الاستثناء ~~قد يكون بمعنى رد المشيئة إلى PageV10P484 الله تعالى ، وفى جواب الأعرابي ~~ما يدل على ما قلناه ، وهو قوله : حمى تفور على شيخ كبير تزيره القبور . أى ~~ليس كما رجوت من الإقالة . وقوله - صلى الله عليه وسلم - : ( فنعم إذا ) ~~دليل على أن قوله : ( لا بأس عليك ) ، أنه على طريق الرجاء لا على طريق ~~الخبر عن الغيب ، وكذلك قوله : ( إن الله قبض أرواحنا حين شاء ، وردها حين ~~شاء ) . وحديث عبادة ، وحديث أبى هريرة فى قصة موسى - صلى الله عليه وسلم - ~~، وقوله - صلى الله عليه وسلم - : ( لا أدرى أكان فيمن صعق ، فأفاق قبلى ، ~~أو ممن استثنى الله ) ، فيها كلها إثبات المشيئة لله تعالى ، وفيه فضيلة ~~موسى ؛ لأن الأمة أجمعت على أن النبى - صلى الله عليه وسلم - أفضل البشر ، ~~فإن كان لم يصعق موسى حين صعق الناس ، ففيه من الفقه أن المفضول قد يكون ~~فيه فضيلة خاصة لا تكون فى الفاضل . واستثناء النبى - صلى الله عليه وسلم - ~~فى دخول الدجال والطاعون المدينة ، هو من باب التأدب لا على الشك الذى لا ~~يجوز على الله تعالى ووجه التحريض على سكنى المدينة لأمته ؛ ليحترسوا بها ~~من الفتنة فى الدين ؛ لأن المدينة أصل دينه فلم يسلط الله على سكانها ~~المعتصمين بها فتنة الدجال ، ولا الطاعون لاعتصام سكانها بها من الفتنة ~~الكبرى ، وهى الكفر المستأصل عقوبته ، فكذلك لا يستأصلهم بالموت بالطاعون ~~الذى كان من عقوبات بنى إسرائيل . وأما قوله فى الصديق ( أنه نزع من البئر ~~ما شاء الله أن ينزع ) ، فهذا استثناء صحيح ، وأن حركات العباد لا تكون إلا ~~عن مشيئة الله PageV10P485 وإرادته ، وكذلك قوله : ويقضى الله على لسان ~~رسوله ما شاء ، أى أن الإنسان لا يتكلم إلا بمشيئة الله المحرك للسانه ، ~~والمقلب لقلبه ، وكذلك قوله : ( إنا قافلون غدا إن شاء الله ) . فاستثنى ~~فيما يستقبل من الأفعال ، كما أمره الله برد الحول والقوة إليه فى قوله : { ~~ولا تقولن لشىء إنى فاعل ذلك غدا إلا أن ms3773 يشاء الله } [ الكهف : 23 ] . * * ~~* # | 31 - باب قوله تعالى : { ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين } [ ~~الصافات : 171 ] # / 95 - فيه : أبو هريرة ، قال - صلى الله عليه وسلم - : ( لما قضى الله ~~الخلق ، كتب عنده فوق عرشه : إن رحمتى سبقت غضبى ) . / 96 - وفيه : ابن ~~مسعود ، حدثنا النبى - صلى الله عليه وسلم - وهو الصادق المصدوق : ( أن خلق ~~أحدكم يجمع فى بطن أمه . . . ) إلى قوله : ( ثم يبعث إليه الملك ، فيؤذن ~~بأربع كلمات . . . ) الحديث ، ( فإن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى لا ~~يكون بينها وبينه إلا ذراع ، فيسبق عليه الكتاب ، فيعمل بعمل أهل النار ، ~~فيدخلها . . . ) الحديث . / 97 - وفيه : ابن عباس ، أن النبى - صلى الله ~~عليه وسلم - قال : ( يا جبريل ، ما يمنعك أن تزورنا ، فنزلت : { وما نتنزل ~~إلا بأمر ربك } [ مريم : 64 ] الآية . / 98 - وفيه : كنت أمشى مع النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - فمر بنفر من اليهود ، فقال PageV10P486 بعضهم : سلوه ~~عن الروح ، وقال بعضهم : لا تسألوه ، فسألوه فقام متوكئا على العسيب ، وأنا ~~خلفه ، فظننت أنه يوحى إليه ، فقال : { ويسألونك عن الروح } إلى { قليلا } ~~[ الإسراء : 85 ] . / 99 - وفيه : أبو هريرة ، قال - صلى الله عليه وسلم - ~~: ( تكفل الله لمن جاهد فى سبيله لا يخرجه إلا الجهاد فى سبيله وتصديق ~~كلماته ، بأن يدخله الجنة . . . ) الحديث . / 100 - وفيه : أبو موسى ، جاء ~~رجل إلى النبى - صلى الله عليه وسلم - فقال : الرجل يقاتل حمية ، ويقاتل ~~شجاعة ، ويقاتل رياء ، فأى ذلك فى سبيل الله ، قال : ( من قاتل لتكون كلمة ~~الله هى العليا فهو فى سبيل الله ) . قال المهلب : الكلمة السابقة : هى ~~كلمة الله بالقضاء المتقدم منه قبل أن يخلق خلقه فى أم الكتاب ؛ الذى جرى ~~به القلم للمرسلين إنهم لهم المنصورون فى الدنيا والآخرة ، وقد تقدم فى ~~كتاب القدر ، ومعنى هذا الباب إثبات الله متكلما وذا كلام ، خلافا لمن يقول ~~من المعتزلة : أنه غير متكلم فيما مضى ، وكذلك هو فيما بقى . وهذا كفر قد ~~نص الله على إبطاله بقوله : { ولقد سبقت كلمتنا } [ الصافات : 171 ] فى ~~آيات أخر ، وقد نص النبى - صلى الله عليه وسلم - على بيان ms3774 هذا المعنى فى ~~أحاديث هذا الباب ، فقال : ( كتب عنده فوق عرشه ) ، وقال : ثم يبعث الله ~~إليه الملك فيؤذن بأربع كلمات يوحيها الله إلى الملك ، فيكتبها فى أم ~~الكتاب ، وقال : فيسبق عليه الكتاب بالقضاء المتقدم فى سابق علمه ، والكتاب ~~يقتضي كلاما مكتوبا ، ودل ذلك على PageV10P487 أنه لم يزل عالما بما سيكون ~~قبل كونه ، خلافا لمن يقول : لا يعلم الأشياء قبل كونها ، ووجه مشاكلة حديث ~~ابن عباس للترجمة ، هو أن الذى يتنزل به جبريل هو كلام الله ووحيه ، وكذلك ~~قوله فى حديث ابن مسعود { قل الروح من أمر ربى } [ الإسراء : 85 ] يريد أن ~~الروح خلق من خلقه تعالى ، خلقه بقوله : كن وكن : كلامه الذى هو أمره الذى ~~لم يزل ولا يزال . وقوله : { وما أوتيتم من العلم إلا قليلا } [ الإسراء : ~~85 ] فيه دليل على أنه لا تبلغ حقيقة العلم بالمخلوقات فضلا عن العلم ~~بالخالق سبحانه ، وأن من العلم ما يلزم التسليم فيه لله تعالى ويجب الإيمان ~~بمشكله ، وأن الراسخين فى العلم لا يعلمون تأويل المتشابه كما يزعم ~~المتكلمون ، إذ قد أعلمنا الله أن السؤال عن الروح ابتغاء ما لم يؤته من ~~العلم ، مع أنه وصف قلوب المتبعين ما تشابه منه بالزيغ وابتغاء الفتنة ، ~~ووصف الراسخين فى العلم بالإيمان به ، وأن كله من عند ربهم ، مستعيذين من ~~الزيغ الذى وسم الله به من اتبع تأويل المتشابه منه ، داعين إلى الله لا ~~يزيغ قلوبهم بابتغاء تأويله ، بعد إذ هداهم إلى الإيمان به . وأما قوله : ( ~~كتب عنده : إن رحمتى سبقت غضبى ) فهو والله أعلم كتابه فى أم الكتاب الذى ~~قضى به وخطه القلم ، فكان من رحمته تلك أن ابتدأ خلقه بالنعمة بإخراجهم من ~~العدم إلى الوجود ، PageV10P488 وبسط لهم من رحمته فى قلوب الأبوين على ~~الأبناء ، من الصبر على تربيتهم ، ومباشرة أقذارهم ما إذا تدبره متدبر أيقن ~~أن ذلك من رحمته تعالى ، ومن رحمته السابقة أنه يرزق الكفار وينعمهم ، ~~ويدفع عنهم الآلام ثم ربما أدخلهم الإسلام رحمة منه لهم ، وقد بلغوا من ~~التمرد عليه والخلع لربوبيته غايات ms3775 تغضبه ، فتغلب رحمته ويدخلهم جنته ، ومن ~~لم يتب عليه حتى توفاه فقد رحمه مدة عمره بتراخى عقوبته عنه ، وقد كان له ~~ألا يمهله بالعقوبة ساعة كفره به ومعصيته له ، لكنه أمهله رحمة له ، ومع ~~هذا فإن رحمة الله السابقة أكثر من أن يحيط بها الوصف . * * * # | 32 - باب قوله تعالى : { قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربى } إلى قوله ~~: { مددا } [ الكهف : 109 ] وقوله : { ولو أن ما فى الأرض من شجرة أقلام ~~والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله } [ لقمان : 27 ] # / 101 - فيه : أبو هريرة ، قال - صلى الله عليه وسلم - : ( تكفل الله لمن ~~جاهد فى سبيله لا يخرجه من بيته إلا الجهاد فى سبيله ، وتصديق كلمته ، أن ~~يدخله الجنة ) . قال مجاهد : { قل لو كان البحر مدادا } للقلم يستمد منه ~~للكتاب { لكلمات ربى } [ الكهف : 109 ] ، أى لعلم ربى . وقال قتادة : لنفد ~~ماء البحر قبل أن ينفد كلام ربى وحكمه . ومعنى هذا الباب إثبات الكلام لله ~~صفة لذاته ، وأنه لم يزل PageV10P489 متكلما ولا يزال ، كمعنى الباب الذى ~~قبله ، وإن كان قد وصف كلامه تعالى بأنه كلمات فإنه شىء واحد لا يتجزأ ولا ~~يقسم ، وكذلك يعبر عنه بعبارات مختلفة : تارة عربية ، وتارة سريانية ، ~~وبجميع الألسنة التى أنزلها الله على أنبيائه ، وجعلها عبارة عن كلامه ~~القديم الذى لا يشبه كلام المخلوقين ، ولو كانت كلماته مخلوقة لنفدت كما ~~تنفد البحار والأشجار وجميع المحدثات ، فكما لا يحاط بوصفه تعالى ، كذلك لا ~~يحاط بكلماته وجميع صفاته . * * * # | 33 - باب قوله تعالى : { ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له } الآية ~~{ قالوا ماذا قال ربكم قالوا الحق وهو العلى الكبير } [ سبأ : 23 ] ولم يقل ~~ماذا خلق ربكم وقال جل ذكره : { من ذا الذى يشفع عنده إلا بإذنه } [ البقرة ~~: 255 ] # وقال مسروق ، عن ابن مسعود : إذا تكلم الله بالوحى ، سمع أهل السموات ~~شيئا ، فإذا فزع عن قلوبهم ، وسكن الصوت عرفوا أنه الحق ، ونادوا : { ماذا ~~قال ربكم قالوا الحق } [ سبأ : 23 ] . ويذكر عن جابر ، عن عبدالله بن أنيس ~~، سمعت النبى ms3776 - صلى الله عليه وسلم - يقول : ( يحشر الله العباد ، فيناديهم ~~بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب : أنا الملك أنا الديان ) . / 102 - ~~فيه : أبو هريرة ، يبلغ به النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( إذا قضى الله ~~الأمر فى السماء ، ضربت الملائكة بأجنحتها خضعانا ، لقوله : كأنه سلسلة على ~~صفوان ) . PageV10P490 / 103 - قال على بن المدينى ، وقال غيره : صفوان ~~ينفذهم ذلك ، فإذا { فزع عن قلوبهم قالوا ماذا قال ربكم قالوا الحق وهو ~~العلى الكبير } [ سبأ : 23 ] . وقال عكرمة مرة عن أبى هريرة يرفعه : أنه ~~قرأ : فزغ . / 104 - وفيه : أبو هريرة ، قال النبى - صلى الله عليه وسلم - ~~: ( ما أذن الله لشىء ما أذن للنبى - صلى الله عليه وسلم - يتغنى بالقرآن ) ~~. / 105 - وفيه : أبو سعيد ، قال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( يقول ~~الله : يا آدم ، فيقول : لبيك وسعديك ، فينادى بصوت : إن الله يأمرك أن ~~تخرج من ذريتك بعثا إلى النار ) . / 106 - وفيه : عائشة ، ما غرت على امرأة ~~ما غرت على خديجة ، ولقد أمره ربه أن يبشرها ببيت فى الجنة . قال المهلب : ~~استدل البخارى بقوله تعالى : { ماذا قال ربكم } [ سبأ : 23 ] . ولم يقل : ~~ماذا خلق ربكم . على أن قوله تعالى قائم بذاته ، صفة من صفاته ، لم يزل ~~موجودا ولا يزال ، وأنه لا يشبه كلام المخلوقين ، وليس بذى حروف ، خلافا ~~للمعتزلة التى نفت كلام الله تعالى ، وقالت : إن كلامه كناية عن الفعل ~~والتكوين ، قالوا : وهذا سائغ فى كلام العرب ، ألا ترى أن الرجل يعبر عن ~~حركته بيده فيقول : قلت بيدى هكذا ، وهم يريدون حركت يدى ، ويحتجون بأنه ~~كلام لا يعقل منا إلا بأعضاء ولسان ، PageV10P491 والباري تعالى لا يجوز أن ~~يكون له أعضاء وآلات الكلام ؛ إذ ليس بجسم . فرد البخارى عليهم بقوله - صلى ~~الله عليه وسلم - : ( إذا قضى الله الأمر فى السماء ، فزعت الملائكة وضربت ~~بأجنحتها فكان لها صوت ، كأنه سلسلة على صفوان خضعانا ) لقوله تعالى : { ~~حتى إذا فزع عن قلوبهم } [ سبأ : 23 ] ، أى أذهب الفزع عن قلوبهم ، قالوا ~~للذى فوقهم : ماذا قال ربكم ؟ فدل ذلك على أنهم سمعوا ms3777 قولا لم يفهموا معناه ~~من أجل فزعهم ، فقالوا : ماذا قال ربكم ؟ ولم يقولوا : ماذا خلق ربكم ، ~~وأكد ذلك بما حكاه عن الملائكة أيضا ؟ { قالوا الحق } [ سبأ : 23 ] ، والحق ~~إحدى صفتى القول الذى لا يجوز على الله غيره ؛ لأنه لا يجوز على كلامه ~~الباطل . ولو كان القول منه خلقا وفعلا لقالوا حين سألوا ماذا قال ، أخلق ~~خلقا كذا ، إنسانا ، أو جبلا ، أو شيئا من المخلوقات ، فلما وصفوا قوله بما ~~يوصف به الكلام من الحق ، لم يجز أن يكون القول بمعنى الخلق والتكوين ، ~~وكذلك قوله لآدم : يا آدم ، وهو كلام مسموع ، ولو كان بمعنى الخلق والتكوين ~~ما أجاب بلبيك وسعديك ، التى هى جواب المسموعات ، وكذلك قول عائشة : ( ولقد ~~أمره ربه أن يبشرها ) هو كلام ، وقول مسموع من الله تعالى ولو كان خلقا لما ~~فهم منه عن ربه له بالبشرى . * * * PageV10P492 # | 34 - باب كلام الرب مع جبريل ونداء الله تعالى الملائكة وقال معمر : { ~~وإنك لتلقى القرآن } [ النمل : 6 ] أى يلقى عليك ، وتلقاه أنت : أى تأخذه ~~عنهم ، ومثله : { فتلقى آدم من ربه كلمات } [ البقرة : 37 ] # . / 107 - وفيه : أبو هريرة ، قال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( إن ~~الله إذا أحب عبدا نادى جبريل : إن الله قد أحب فلانا ، فأحبه فيحبه جبريل ~~، ثم ينادى جبريل فى السماء ، إن الله قد أحب فلانا فأحبوه ، فيحبه أهل ~~السماء ، ويوضع له القبول فى أهل الأرض ) . / 108 - وفيه : أبو هريرة ، قال ~~- صلى الله عليه وسلم - : ( يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل ، وملائكة بالنهار ~~، ويجتمعون فى صلاة العصر وصلاة الفجر ، ثم يعرج الذين باتوا فيكم ، ~~فيسألهم وهو أعلم بهم ، كيف تركتم . . . ) الحديث . / 109 - وفيه : أبو ذر ~~، قال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( أتانى جبريل ، فبشرنى أنه من مات ~~لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة ، قلت : وإن سرق وإن زنى ؟ قال : وإن سرق وإن ~~زنى ) . هذا باب كالباب الذى قبله فى إثبات كلام الله وإسماعه إياه جبريل ~~والملائكة ، فيسمعون عند ذلك الكلام القديم القائم بذاته الذى لا يشبه كلام ~~المخلوقين ، إذ ليس بحرف ولا تقطيع ms3778 نغم وليس من شرطه أن يكون بلسان وشفتين ~~وآلات ، وحقيقته أن يكون مسموعا مفهوما ، ولا يليق بالبارى تعالى أن يستعين ~~فى كلامه بالجوارح والأدوات ، فمن قال : لم أشاهد كلاما إلا بأدوات ، لزمه ~~التشبيه ؛ إذ حكم على الله بحكم المخلوقين ، وخالف قوله تعالى : { ليس ~~كمثله شيء } [ الشورى : 11 ] . * * * PageV10P493 # | 35 - باب قول الله تعالى : { أنزله بعلمه والملائكة يشهدون } [ النساء ~~: 166 ] # قال مجاهد : { يتنزل الأمر بينهن } [ الطلاق : 12 ] بين السماء السابعة ~~والأرض السابعة . / 110 - فيه : البراء ، قال النبى - صلى الله عليه وسلم - ~~: ( يا فلان إذا أويت إلى فراشك ، فقل : اللهم أسلمت نفسى إليك . . . إلى ~~قوله : ( آمنت بكتابك الذى أنزلت . . . ) الحديث . / 111 - وفيه : ابن أبى ~~أوفى ، قال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( يوم الأحزاب : اللهم منزل ~~الكتاب : سريع الحساب ، اهزم الأحزاب ، وزلزل بهم ) . / 112 - وفيه : ابن ~~عباس ، { ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها } [ الإسراء : 110 ] أنزلت ورسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - متوار بمكة ، وكان إذا رفع صوته ، سمعه ~~المشركون ، فسبوا القرآن ، ومن أنزله ومن جاء به ، فقال تعالى : { ولا تجهر ~~بصلاتك } يسمع المشركون ، { ولا تخافت بها } عن أصحابك ، فلا تسمعهم ، { ~~وابتغ بين ذلك سبيلا } أسمعهم ، ولا تجهر حتى يأخذوا عنك القرآن . ولا تعلق ~~للقدرية فى قوله تعالى : { أنزله بعلمه } [ النساء : 166 ] أن القرآن مخلوق ~~؛ لأن كلامه قديم قائم بذاته ، ولا يجوز أن تكون صفة ذات القديم إلا قديمة ~~، فالمراد بالإنزال إفهام عباده المكلفين معانى كتابه وفرائضه التى افترضها ~~عليهم ، وليس إنزاله كإنزال الأجسام المخلوقة التى يجوز عليها الحركة ~~والانتقال من مكان إلى مكان ؛ لأن القرآن ليس بجسم ولا مخلوق ، والأفعال ~~التى يعبر بها PageV10P494 عن الأجسام كالحركة والانتقال من الأمكنة تستحيل ~~على الله وعلى كلامه وجميع صفاته . قال المهلب : وفى حديث البراء الرد على ~~القدرية الذين يزعمون أن لهم قدرة على الخير والشر استحقوا عليها الثواب ~~والعقاب لأمر النبى - صلى الله عليه وسلم - من آوى إلى فراشه بالتبرؤ عند ~~نومه من الحول والقوة والاستسلام لقدرة الله التى إليه بها النوم ، فلم ~~يستطع دفعه ، فلو ms3779 كان يملك لنفسه نفعا أو ضرا لدفع عن نفسه النوم الذى هو ~~موت إن أمسك الله نفسه فيه مات أبدا ، وإن أرسلها بعد موته ساعة أو ساعات ~~جدد لها حياة . وكيف يملك الإنسان لنفسه قدرة ، وقد أمره نبيه - صلى الله ~~عليه وسلم - أن يتبرأ من جميع وجوهها فى هذا الحديث ، ثم عرفك أن هذه ~~الفطرة التى فطر الله الناس عليها يجب أن تكون آخر ما يقوله المرء الذى ~~حضره أول الموت فيموت على الفطرة التى عليها خلقه ، وإن أحياه أصاب بتبرئه ~~إليه خيرا يريد أجرا فى الآخرة وخيرا من رزق وكفاية وحفظ فى الدنيا . وفى ~~حديث ابن أبى أوفى جواز الدعاء بالسجع ، إذا لم يكن متكلفا مصنوعا تفكره ، ~~وشغل بال بتهيئته فيضعف بذلك نية الداعى فلذلك كره السجع فى الدعاء ، وأما ~~إذا تكلم به طبعا فهو حسن وقد أشرنا إلى هذا المعنى فى كتاب الدعاء . وفى ~~حديث ابن عباس أن قطع الذرائع التى تنقص البارى تعالى وتنقص كتابه واجب وإن ~~كان المراد بها الخير لمنعه من رفع الصوت بالقرآن لئلا يسمعه من يسبه ومن ~~أنزله . * * * PageV10P495 # | 36 - باب قوله تعالى { يريدون أن يبدلوا كلام الله } [ الفتح : 15 ] { ~~إنه لقول فصل } [ الطارق : 13 ] حق { وما هو بالهزل } [ الطارق : 14 ] ~~باللعب . # / 113 - فيه : أبو هريرة ، قال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( قال ~~الله تعالى : يؤذينى ابن آدم يسب الدهر ، وأنا الدهر بيدى الأمر ، أقلب ~~الليل والنهار ) . / 114 - وفيه : أبو هريرة ، قال النبى - صلى الله عليه ~~وسلم - : ( يقول الله تعالى : الصوم لى وأنا أجزى به ، يدع شهوته وأكله ~~وشربه من أجلى . . . ) الحديث . / 115 - وفيه : أبو هريرة ، قال النبى - ~~صلى الله عليه وسلم - : ( بينما أيوب يغتسل عريانا خر عليه رجل جراد من ذهب ~~، فجعل يحثى فى ثوبه ، فنادى ربه : يا أيوب . . . ) . / 116 - وفيه : أبو ~~هريرة ، قال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( قال الله تعالى : أنفق أنفق ~~عليك ) . / 117 - وفيه : أبو هريرة ، قال : ( هذه خديجة ، أتتك بإناء فيه ~~طعام ، أو شراب ، فأقرئها من ربها السلام ، وبشرها ms3780 ببيت من قصب ، لا صخب ~~فيه ولا نصب ) . / 118 - وفيه : أبو هريرة ، عن النبى - صلى الله عليه وسلم ~~- : ( قال الله : أعددت لعبادى الصالحين ما لا عين رأت . . . ) الحديث . / ~~119 - وفيه : ابن عباس ، كان النبى - صلى الله عليه وسلم - إذا تهجد من ~~الليل ، قال : ( اللهم لك الحمد ، أنت نور السموات والأرض ، ولك أنت الحق ، ~~وقولك الحق . . . ) ، الحديث . PageV10P496 / 120 - وفيه : عائشة ، فى حديث ~~الإفك : ولشأنى فى نفسى كان أحقر من أن يتكلم الله فى بأمر يتلى . . . ) ~~الحديث . / 121 - وفيه : أبو هريرة ، قال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( ~~يقول الله : إذا أراد عبدى أن يعمل سيئة فلا تكتبوها عليه حتى يعملها . . . ~~) الحديث . / 122 - وفيه : أبو هريرة ، قال - صلى الله عليه وسلم - : ( لما ~~فرغ الله من الخلق قامت الرحم ، فقال : مه ، قالت : هذا مقام العائذ بك من ~~القطيعة ، فقال : ألا ترضين أن أصل من وصلك . . . ) الحديث . / 123 - وفيه ~~: أبو هريرة : قال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( قال الله تعالى : إذا ~~أحب عبدى لقائى أحببت لقاءه ، وإذا كره لقائى كرهت لقاءه ) . / 124 - وفيه ~~: أبو هريرة ، قال - صلى الله عليه وسلم - : ( قال الله تعالى : أنا عند ظن ~~عبدى بى ) . / 125 - وفيه : أبو هريرة ، وأبو سعيد ، قال النبى - صلى الله ~~عليه وسلم - : ( قال رجل لأهله ، لم يعمل خيرا قط ، احرقونى ، فقال له : لم ~~فعلت ؟ قال : من خشيتك ، فغفر له ) . / 126 - وفيه : أبو هريرة ، قال النبى ~~- صلى الله عليه وسلم - : ( إن عبدا أصاب ذنبا ، فقال : رب أذنبت ، فقال ~~ربه ، جل ثناءه : علم عبدى أن له ربا يغفر الذنب ، ويأخذ به ، غفرت لعبدى . ~~. . ) الحديث . قال المهلب : غرضه فى هذا الباب كغرضه فى الأبواب التى قبله ~~، PageV10P497 ومعنى قوله تعالى : { يريدون أن يبدلوا كلام الله } [ الفتح ~~: 15 ] ، هو أن المنافقين تخلفوا عن الخروج مع النبى - صلى الله عليه وسلم ~~- إلى غزوة تبوك ، واعتذروا فأعلم الله إفكهم فيه ، فأمر الله رسوله أن ~~يقرأ عليهم قوله تعالى : { فقل لن تخرجوا معى أبدا ولن تقاتلوا معى عدوا } ~~[ التوبة : 83 ] فأعلمهم بذلك وقطع أطماعهم من ms3781 الخروج معه . فلما رأوا ~~الفتوحات قد تهيأت للنبى - صلى الله عليه وسلم - أرادوا الخروج معه رغبة ~~منهم فى المغانم ، فأنزل الله على : { سيقول المخلفون إذا انطلقتم إلى ~~مغانم لتأخذوها ذرونا نتبعكم يريدون أن يبدلوا كلام الله } [ الفتح : 15 ] ~~، أى أمره لرسوله بأن لا يخرجوا معه بأن يخرجوا معه . فقطع الله أطماعهم من ~~ذلك مدة أيامه - صلى الله عليه وسلم - ؛ لقوله : { لن تخرجوا معى أبدا } [ ~~التوبة : 83 ] ، ثم قال آمرا لرسوله - صلى الله عليه وسلم - : { قل ~~للمخلفين من الأعراب } يعنى : المريدين تبديل كلام الله : { ستدعون إلى قوم ~~أولى بأس شديد تقاتلونهم أو يسلمون فإن تطيعوا يؤتكم الله أجرا حسنا وإن ~~تتولوا كما توليتم من قبل } [ الفتح : 16 ] ، يعنى توليتم عن إجابته - صلى ~~الله عليه وسلم - حين دعاهم إلى الخروج معه فى سورة براءة { يعذبكم عذابا ~~أليما } [ الفتح : 16 ] ، والداعى لهم غيره - صلى الله عليه وسلم - ممن ~~يقوم بأمره من خلفائه ، فقيل : الداعى لهم بعده أبو بكر دعاهم لقتال أهل ~~الردة ، وقيل : الداعى عمر ، دعاهم لقتال المشركين . وسائر الأحاديث فيها ~~إثبات كلامه ، وقد مر القول على أنه صفة قائمة به لا يصح مفارقتها له ، ~~وأنه لم يزل متكلما ، ولا يزال كذلك . PageV10P498 وأما قوله : ( يؤذيني ~~ابن آدم ، يسب الدهر ) قد تقدم فى باب قوله : { إن الله هو الرزاق ذو القوة ~~المتين } [ الذاريات : 58 ] ، أن الأذى لا يلحق بالله ، وإنما يلحق من ~~تتعاقب عليه الحوادث ، ويلحقه العجز والتقصير عن الانتصار ، والله تعالى ~~منزه عن ذلك ، فوجب أن يرجع الأذى المضاف إليه تعالى إلى أنبيائه ورسله ، ~~والمعنى يؤذى ابن آدم أنبيائى ورسلى بسب الدهر ؛ لأن ذلك ذريعة إلى سب خالق ~~الدهر ، ومصرف أقضيته وحوادثه . وقوله : ( وأنا الدهر ) أى : أفعل ما يجرى ~~به الدهر من السراء والضراء ، ألا ترى قوله تعالى : ( بيدى الأمر أقلب ~~الليل والنهار ) فالأيام والليالى ظروف للحوادث ، فإذا سببتم الدهر وهو لا ~~يفعل شيئا فقد وقع السب على الله . وقد بينت هذا الحديث بأكثر من هذا فى ~~كتاب الأدب فى باب : لا تسبوا ms3782 الدهر . قال المهلب : وأما قوله تعالى : ( ~~أعددت لعبادى الصالحين ما لا عين رأت ، ولا أذن سمعت ، ولا خطر على قلب بشر ~~) فهو كقوله تعالى : { ويخلق ما لا تعلمون } [ النحل : 8 ] مما لا عين رأت ~~، ولا أذن سمعت ، ولا توهمه قلب بشر . هو على الحقيقة ما لا يعلمه بشر ممن ~~له الأذن والقلب والبصر ، فتخصيصه قلب بشر بأن لا يعلمه ، يدل والله أعلم ~~أنه يجوز أن يخطر على قلوب الملائكة ، ألا ترى أنه إذا أفردنا بالمخاطبة ~~بقوله : { ويخلق ما لا تعلمون } فدل على جواز أن يعلمه غيرنا . وقوله فى ~~حديث أبى هريرة : ( لما فرغ الله من الخلق قامت الرحم PageV10P499 فقالت : ~~هذا مقام العائذ بك من القطيعة . فقال تعالى : ألا ترضين . . . ) الحديث . ~~فلا تعلق فيه لمن يقول : بحدث كلامه تعالى من أجل أن الفاء فى قوله فقال : ~~توجب فى الظاهر كون قوله تعالى عقيب قول الرحم ، وذلك مقتض للحدث لقيام ~~الدليل على أن الله لم يزل قائلا متكلما قبل أن يخلق خلقه بما لا أول له من ~~الأزمان ، وإذا كان ذلك كذلك وجب حمل قوله تعالى على معنى إفهامه تعالى ~~إياها معنى كلامه الذى لم يزل به متكلما وقائلا ، وعلى هذا المعنى يحمل نحو ~~هذا اللفظ إذا أتى فى الحديث . وقد يحتمل أن يكون يأمر ملكا من ملائكته بأن ~~يقول للرحم هذا القول عنه تعالى ، وأضاف إليه ، إذ كان قول الملك عن أمره ~~تعالى له ، ويدل على صحة هذا التأويل رواية من روى فى حديث الشفاعة : ( ~~فأستأذن على ربى وأخر له ساجدا فيقال : يا محمد ، ارفع رأسك . . ) بترك ~~إسناد القول إلى الله تعالى جاءت هذه الرواية فى الباب بعد هذا . وقوله ~~للرحم : مه ، فمعنى مه فى لسان العرب : الزجر والردع . فمحال توجه ذلك إلى ~~الله ، فوجب توجهه إلى من عاذت الرحم بالله تعالى من قطعه إياها . وقوله : ~~( أنا عند ظن عبدى بى ) لا يتوجه إلا إلى المؤمنين خاصة أى : أنا عند ظن ~~عبدى المؤمن بى ، وفى القرآن آيات تشهد أن عباده المؤمنين ms3783 وإن أسرفوا على ~~أنفسهم أنه عند ظنهم به من المغفرة والرحمة ، PageV10P500 وإن أبطأت حينا ~~وتراخت وقتا لإنفاذ ما حتم به ، على من سبق عليه إنفاذ الوعيد تحلة القسم ؛ ~~لأنه قد كان له أن يعذب واحد أبدا كإبليس ، فهو عند ظن عبده ، وإن عاقبه ~~برهة فإن كان ظنه به ألا يعذبه برهة ، ولا تحلة فإنه كذلك يجده كما ظن إن ~~شاء الله فهو أهل التقوى وأهل المغفرة . وأما حديث الذى لم يعمل خيرا قط ، ~~ففيه دليل على أن الإنسان لا يدخل الجنة بعمله ما لم يتغمده الله برحمته ~~كما قال - صلى الله عليه وسلم - . وفيه أن الإنسان يدخل الجنة بحسن نيته فى ~~وصيته لقوله : خشيتك يا رب . وفيه أن من جهل بعض الصفات فليس بكافر خلافا ~~لبعض المتكلمين ؛ لأن الجهل بها هو العلم ؛ إذ لا تبلغ كنه صفاته تعالى ، ~~فالجاهل بها هو المؤمن حقيقة ولهذا قال بعض السلف : عليكم بدين العذارى ، ~~أفترى العذارى يعلمن حقيقة صفات الله تعالى . وللأشعرى فى تأويل هذا الحديث ~~قولان : كان قوله الأول : من جهل القدرة أو صفة من صفات الله تعالى فليس ~~بمؤمن . وقوله فى هذا الحديث : ( لئن قدر الله على ) لا يرجع إلى القدرة ~~وإنما يرجع إلى معنى التقدير الذى هو بمعنى التضييق كما قال تعالى فى قصة ~~يونس : { فظن أن لن نقدر عليه } [ الأنبياء : 87 ] ، أى لن نضيق عليه ، ثم ~~رجع عن هذا القول وقال : لا يخرج المؤمن من الإيمان بجهله بصفة من صفات ~~الله تعالى قدرة كانت أو سائر صفات ذاته تعالى إذا لم يعتقد فى ذلك اعتقادا ~~يقطع أنه الصواب PageV10P501 والدين المشروع ، ألا ترى أن الرجل قال : لئن ~~قدر الله عليه ليعذبنه فأخرج ذلك مخرج الظن دون القطع على أنه تعالى غير ~~قادر على جمعه وإحيائه إخراج خائف من عذاب ربه ذاهل العقل . يدل على ذلك ~~قوله مجيبا لربه لما قال له : لم فعلت ؟ قال : من خشيتك . وأنت أعلم . ~~فأخبر بالعلة التى لها فعل ما فعل ، ويدل على صحة هذا القول من ms3784 روى قوله : ~~لعلى أضل الله . و ( لعل ) فى كلام العرب موضوعة لتوقع مخوف لا يقطع على ~~كونه ، ولا على انتفائه ، ومعنى قوله : لعلى أضل على الله وحذف حرف الجر ، ~~وذلك مشهور فى اللغة كما قال الشاعر : استغفر الله ذنبا والمعنى من ذنب . ~~ومن كان خائفا عند حضور أجله فجدير أن تختلف أحواله لفرط خوفه ، وينطق بما ~~لا يعتقد ، ومن كان هكذا فغير جائز إخراجه من الإيمان الثابت له ؛ إذ لم ~~يعتقد ما قاله دينا وشرعا ، وإنما يكفر من اعتقده تعالى على خلاف ما هو به ~~، وقطع على أن ذلك هو الحق ، ولو كفر من جهل بعض صفات الله لكفر عامة الناس ~~؛ إذ لا يكاد نجد منهم من يعلم أحكام صفات ذاته ، ولو اعترضت جميع العامة ~~وكثيرا من الخاصة وسألتهم : هل لله تعالى قدرة أو علم أو سمع أو بصر أو ~~إرادة ، وهل قدرته متعلقة بجميع ما يصح كونه معلوما لما عرفوا حقيقة ذلك ؟ ~~فلو حكم بالكفر على من جهل صفة من صفات الله تعالى لوجب الحكم به على جميع ~~العامة ، وأكثر الخاصة وهذا محال . PageV10P502 والدليل على صحة قولنا حديث ~~السوداء ، وأن الرسول قال لها : ( أين الله ؟ ) فقالت : فى السماء . فقال : ~~من أنا ؟ فقالت : أنت رسول الله . فقال : أعتقها ؛ فإنها مؤمنة ) . فحكم ~~لها بالإيمان ، ولم يسألها عن صفات الله وأسمائه ، ولو كان علم ذلك شرطا فى ~~الإيمان لسألها عنه كما سألها عن أنه رسول الله ، وكذلك سؤال أصحاب رسول ~~الله ، عمر بن الخطاب وغيره ، رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن القدر ، ~~فقالوا : يا رسول الله ، أرأيت ما نعمل لأمر مستأنف أم لأمر قد سبق ؟ فقال ~~: ( بل لأمر قد سبق ، قال : ففيم يعمل العاملون ؟ ! قال : اعملوا ، فكل ~~ميسر لما خلق له ) وأعلمهم أن ما أخطأهم لم يكن ليصيبهم ، ومعلوم أنهم ~~كانوا قبل سؤاله مؤمنين ، ولا يسع مسلما أن يقول غير ذلك فيهم ، ولو كان لا ~~يسعهم جهل القدرة وقدم العلم لعلمهم ذلك مع شهادة التوحيد ، ولجعله عمودا ~~سادسا للإسلام ، وهذا بين ms3785 . وأما حديث أبى هريرة فى الرجل الذى واقع الذنب ~~مرة بعد مرة ثم استغفر ربه فغفر له ، ففيه دليل على أن المصر فى مشيئة الله ~~تعالى إن شاء عذبه وإن شاء غفر له مغلبا لخشيته التى جاء بها وهى اعتقاده ، ~~وأن له ربا خالقا يعذبه ويغفر له واستغفاره إياه على ذلك ، يدل على ذلك ~~قوله : { من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها } [ الأنعام : 160 ] ، ولا حسنة ~~أعظم من توحيد الله والإقرار بوجوده والتضرع إليه فى المغفرة . فإن قيل : ~~فإن استغفاره ربه توبة منه ، ولم يكن مصرا ! قيل له : ليس الاستغفار أكثر ~~من طلب غفرانه ، وقد يطلب الغفران المصر والنائب ، ولا دليل فى الحديث على ~~أنه قد كان تاب مما سأل الغفران PageV10P503 منه ؛ لأن التوبة الرجوع من ~~الذنب والعزم ، على ألا يعود إلى مثله والاستغفار لا يفهم منه ذلك ، وبالله ~~والتوفيق . # | 37 - باب كلام الرب تعالى مع الأنبياء وغيرهم يوم القيامة # / 127 - فيه : أنس ، قال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( إذا كان يوم ~~القيامة ، شفعت ، فقلت : يا رب ، أدخل الجنة من كان فى قلبه خردلة ، ~~فيدخلون ، ثم أقول : أدخل الجنة من كان فى قلبه أدنى شىء . / 128 - وقال ~~أنس مرة عن النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( إذا كان يوم القيامة وماج ~~الناس بعضهم فى بعض ، فيأتون آدم . . . ) إلى قوله : ( فيأتونى ، فأقول : ~~أنا لها ، فأستأذن على ربى ، فيؤذن لى ، ويلهمنى محامد أحمده بها ، لا ~~تحضرنى الآن ، فأحمده بتلك المحامد ، وأخر له ساجدا ، فيقول : يا محمد ، ~~ارفع رأسك وقل : يسمع لك ، وسل تعط ، واشفع تشفع ، فأقول : يا رب ، أمتى ، ~~أمتى ، فيقول : انطلق ، فأخرج منها من كان فى قلبه مثقال شعيرة من إيمان . ~~. . ) وذكر الحديث إلى قوله : ( أدنى مثقال حبة خردل من إيمان ) ، إلى قوله ~~: ( فمررنا بالحسن ، وهو متوار فى منزل أبى خليفة ، فقلنا : يا أبا سعيد ، ~~جئناك من عند أخيك أنس ابن مالك ، فلم نر مثل ما حدثنا فى الشفاعة ، قال : ~~هيه ، فحدثناه بالحديث فقال : لقد حدثا ، وهو جميع منذ عشرين سنة أنه قال ms3786 : ~~( ثم أعود الرابعة ، فأحمده بتلك المحامد ، ثم أخر له ساجدا . . . ) إلى ~~قوله : ( فيقول وعزتى وجلالى وكبريائى وعظمتى لأخرجن منها من قال : لا إله ~~إلا الله ) . PageV10P504 / 129 - وفيه : عبدالله ، قال النبى - صلى الله ~~عليه وسلم - : ( إن آخر أهل الجنة دخولا الجنة وآخر أهل النار خروجا من ~~النار ، رجل يخرج حبوا ، فيقول له ربه : ادخل الجنة ، فيقول : رب ، الجنة ~~ملأى ، فيقول له ذلك ثلاثا ، كل ذلك يعيد عليه : الجنة ملأى ، فيقول : إن ~~لك مثل الدنيا عشر مرات ) . / 130 - وفيه : عدى ، قال النبى - صلى الله ~~عليه وسلم - : ( ما منكم أحد إلا سيكلمه ربه ليس بينه وبينه ترجمان ) . / ~~131 - وفيه : عبدالله ، جاء حبر من اليهود ، إلى النبى - صلى الله عليه ~~وسلم - فقال : ( إنه إذا كان يوم القيامة ، جعل الله السموات على إصبع . . ~~. ) الحديث ( ثم يهزهن ، ثم يقول : أنا الملك . . . ) الحديث . / 132 - ~~وفيه : ابن عمر ، سأله رجل : كيف سمعت النبى - صلى الله عليه وسلم - يقول ~~فى النجوى ؟ قال : ( يدنو أحدكم من ربه حتى يضع كنفه عليه ، فيقول : عملت ~~كذا وكذا ؟ فيقرره ، فيقول : نعم ، ثم يقول : إنى سترت عليك فى الدنيا ، ~~وأنا أغفرها لك اليوم ) . قال المهلب : قد تقدم إثبات كلام الله مع ~~الملائكة المشاهدة له وأثبت فى هذا الباب كلامه تعالى مع النبيين يوم ~~القيامة بخلاف ما حرمهم إياه فى الدنيا بحجابه الأبصار عن رؤيته فيها ، ~~فيرفع فى الآخرة ذلك الحجاب عن أبصارهم ، ويكلمهم على حال المشاهدة كما قال ~~- صلى الله عليه وسلم - : ( ليس بينه وبينهم ترجمان ) وجميع أحاديث الباب ~~فيها كلام الله مع عباده ، ففى حديث الشفاعة قوله تعالى لمحمد : ~~PageV10P505 ( أخرج من النار من فى قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان ) إلى ~~قوله : ( وعزتى وجلالى وكبريائى لأخرجن منها من قال : لا إله إلا الله ) ~~فهذا كلامه للنبى - صلى الله عليه وسلم - بدليل قوله : ( فأستأذن على ربى ) ~~وفى بعض طرق الحديث ( فإذا رأيته أخر له ساجدا ) وكذلك قوله فى حديث آخر من ~~يدخل الجنة . قوله تعالى : ( ادخل الجنة . فيقول : رب الجنة ملأى ) إلى ~~قوله ms3787 : ( لك مثل الدنيا عشر مرات ) فأثبت بذلك كلامه تعالى مع غير الأنبياء ~~مشافهة ، ونظرهم إليه ، وكذلك حديث النجوى : يدنيه الله فى رحمته وكرامته ~~ويقول : سترتها عليك فى الدنيا ، وأنا أغفرها لك اليوم على الانفراد عن ~~الناس . وقد تقصيت الكلام فى النجوى فى باب : ستر المؤمن على نفسه فى كتاب ~~الأدب فى موضعه . وقوله : ( هيه ) : هى كلمة استزادة للكلام . عن صاحب ~~العين . وقوله : ( ثم يهزهن ) . قال صاحب العين : الهزهزة : تحريك اليد . * ~~* * # | 38 - باب قول الله تعالى : { وكلم الله موسى تكليما } [ النساء : 146 ] # / 133 - فيه : أبو هريرة ، قال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( احتج ~~آدم وموسى ، قال موسى : أنت آدم ، الذى أخرجت ذريتك من الجنة ، قال : أنت ~~موسى الذى اصطفاك الله برسالاته وكلامه . . . ) الحديث . / 134 - وفيه : ~~أبو هريرة ، قال النبى ، عليه السلام : ( يجمع المؤمنون يوم القيامة ، ~~فيقولون : لو استشفعنا إلى ربنا ، فيريحنا من مكاننا هذا . . . ) . / 135 - ~~وفيه : أنس ، قال : ليلة أسرى بالنبى - صلى الله عليه وسلم - من مسجد ~~الكعبة ، جاءه ثلاثة نفر قبل أن يوحى إليه ، وهو نائم فى المسجد الحرام ، ~~فقال أولهم : PageV10P506 أيهم هو ؟ فقال : أوسطهم هو خيرهم ، فقال آخرهم : ~~خذوا خيرهم ، فكانت تلك الليلة ، فلم يرهم حتى أتوه ليلة أخرى ، فيما يرى ~~قلبه ، وتنام عينه ولا ينام قلبه ، وكذلك الأنبياء ، عليهم السلام ، تنام ~~أعينهم ولا تنام قلوبهم ، فلم يكلموه حتى احتملوه ، فوضعوه عند بئر زمزم ~~فتولاه منهم جبريل ، فشق جبريل ما بين نحره إلى لبته حتى فرغ من صدره وجوفه ~~، فغسله من ماء زمزم بيده حتى أنقى جوفه ، ثم أتى بطست من ذهب فيه تور من ~~ذهب محشوا حكمة وإيمانا فحشا به صدره ولغاديده ، يعنى عروق حلقه ، ثم أطبقه ~~، ثم عرج به إلى السماء ، فضرب بابا من أبوابها ، فناداه أهل السماء . . . ~~) ، فذكر حديث المعراج : ( فذكر فى السماء الدنيا آدم ، وإدريس فى الثانية ~~، وهارون فى الرابعة ، وآخر فى لم أحفظ اسمه ، وإبراهيم فى السادسة ، وموسى ~~فى السابعة ، بتفضيل كلام الله ، فقال موسى : رب لم أظن أن يرفع على أحد ، ~~ثم علا ms3788 به فوق ذلك بما لا يعلمه إلا الله حتى جاء سدرة المنتهى ، ودنا ~~للجبار رب العزة ، فتدلى حتى كان منه قاب قوسين أو أدنى ، فأوحى الله تعالى ~~إليه خمسين صلاة ، فقال له موسى : ارجع ربك . فراجع ربه حتى خفف عنه إلى ~~خمس صلوات ، فقال النبى - صلى الله عليه وسلم - : يا موسى ، قد والله ~~استحييت من ربى مما اختلفت إليه ، قال : فاهبط باسم الله ، قال : واستيقظ ~~وهو فى مسجد الحرام ) . قال المؤلف : بوب البخارى لحديث أنس فى كتاب ~~الأنبياء باب : PageV10P507 كان النبي - صلى الله عليه وسلم - تنام عينه ~~ولا ينام قلبه . وبوب له فى تفسير القرآن باب : قوله تعالى : { وما جعلنا ~~الرؤيا التى أريناك } [ الإسراء : 60 ] . استدل البخارى على إثبات كلام ~~الله ، وإثباته متكلما بقوله تعالى : { وكلم الله موسى تكليما } [ النساء : ~~164 ] ، وأجمع أهل السنة على أن الله كلم موسى بلا واسطة ولا ترجمان ، ~~وأفهمه معانى كلامه ، وأسمعه إياها ؛ إذ الكلام مما يصح سماعه . فإن قال ~~قائل من المعتزلة أو غيرهم : فإذا سمع موسى كلام الله بلا واسطة ولا ترجمان ~~، فلا يخلو أن يكون من جنس الكلام المسموع المعهود فيما بيننا أو لا يكون ~~من جنسه ، فإن كان من جنسه فقد وجب أن يكون محدثا ككلام المحدثين ، وإن لم ~~يكن من جنسه فكيف السبيل إلى إسماعه إياه وفهمه معانيه ؟ فالجواب : أنه لو ~~لزم من حيث سمعه منه تعالى وفهم معانيه أن يكون كسائر كلام المحدثين قياسا ~~عليه للزم أن يكون بكونه فاعلا وقادرا وعالما وحيا ومريدا ، وسائر صفاته من ~~جنس جميع الموصوفين بهذه الصفات فيما بيننا . فإن قالوا : نعم ، خرجوا من ~~التوحيد ، وإن أبوه نقضوا دليلهم واعتمادهم على قياس الغائب على حكم الشاهد ~~. ثم يقال لهم : لو وجب أن يكون كلامه من جنس كلام المخلوقين من حيث اشترك ~~كلامه تعالى وكلامهم فى إدراكهما بالأسماع لوجب إذا كان البارى تعالى ~~موجودا وشيئا أن يكون من جنس الموجودات وسائر الأشياء المشاهدة لنا ، فإن ~~لم يجب هذا لم يجب PageV10P508 ما عرضوا به ، وقد ثبت ms3789 أنه تعالى قادر على ~~أن يعلمنا اضطرارا كل شىء يصح أن يعلمناه استدلالا ونظرا ، وإذا كان ذلك ~~كذلك وجب أن يكون تعالى قادرا على أن يعلم موسى معانى كلامه الذى لا يشبه ~~كلام المخلوقين الخارج عن كونه حروفا منظمة وأصواتا مقطعة اضرارا أو ينصب ~~له دليلا إذا نظر فيه أداه إلى العلم بمعانى كلامه ، فإذا كان قادرا على ~~الوجهين جميعا زالت شبهة المعتزلة . قال المهلب : فى إفهام الله تعالى موسى ~~من كلامه ما لا عهد له بمثله بتنوير قلبه له وشرحه له وشرحه لقبوله لا يخلو ~~أن يكون ما أفهم الله سليمان من كلام الطير ومنطقها هو مثل كلام سليمان أو ~~لا يشبه كلامه ، فإن كان يشبه كلام سليمان ومن جنسه فلا وجه لاختصاص سليمان ~~وداود بتعليمه دون بنى جنسه ، ولا معنى لفخره - صلى الله عليه وسلم - ~~بالخاصة وامتداحه بقوله : { علمنا منطق الطير } إلى قوله : { إن هذا لهو ~~الفضل المبين } [ النمل : 16 ] ، أو يكون منطق الطير الذى فهمه سليمان غير ~~منطق سليمان والطير وبنى جنسهن فقد أفهمه الله ما لم يفهمه غيره من كلام ~~الهدهد وكلام النملة التى تبسم ضاحكا من قولها لفهمه عنها ما لم يفهمه غيره ~~منها . وإنما ذكر حديث أبى هريرة فى حديث الشفاعة مختصرا لما فى الحديث ~~الطويل من قول إبراهيم ( ولكن ائتوا موسى عبدا آتاه الله التوراة ، وكلمه ~~تكليما ) وكذلك فى حديث أنس فى الإسراء ( فوجد موسى فى السماء السابعة ~~بتفضيل كلامه عز وجل ) وهذا يدل على أن الله تعالى لم يكلم من الأنبياء غير ~~موسى - عليه السلام - PageV10P509 بخلاف ما زعم الأشعريون ، ذكروا عن ابن ~~عباس وابن مسعود أن الله كلم محمدا - صلى الله عليه وسلم - بقوله : { فأوحى ~~إلى عبده ما أوحى } [ النجم : 10 ] ، وأنه رأى ربه تعالى ، وقد دفعت هذا ~~عائشة وأعظمت فرية من افترى فيه على الله تعالى . وأما قول موسى إذ علا ~~جبريل بمحمد : ( يا رب ، لم أظن أنك ترفع على أحدا . موسى أن الله لم يكلم ~~أحدا من البشر فى الدنيا ms3790 غيره ؛ إذ بذلك استحق أن يرفع إلى السماء السابعة ~~، وفهم من قوله تعالى : { إنى اصطفيتك على الناس برسالاتى وبكلامى } [ ~~الأعراف : 144 ] أنه أراد البشر كلهم . ولم يعلم والله أعلم أن الله تعالى ~~فضل محمدا عليه بما أعطاه الله من الوسيلة والدعوة المقبولة منه شفاعة ~~لأمته ولسائر الأنبياء من شدة موقفهم يوم الحشر حين أحجم الأنبياء عن ~~الوسيلة إلى ربهم لشدة غضبه ، وفضله بالإسعاف بالمقام المحمود الذى وعده فى ~~كتابه ، فبهذا رفع الله محمدا على موسى . وأما قوله : ( فدنا الجبار رب ~~العزة ) فهو دنو محبة ورحمة وفضيلة لا دنو مسافة ونقلة لاستحالة النقلة ~~والحركة على البارى إذ لا يجوز أن تحويه الأمكنة . وقوله : ( حتى كان قاب ~~قوسين أو أدنى ) فهو جبريل الذى تولى ، فكان من الله أو من أمره على مقدار ~~ذلك . عن الحسن { فأوحى إلى عبده ما أوحى } [ النجم : 10 ] ، إلى جبريل ما ~~أوحى ، وكتب القلم وحتى سمع PageV10P510 محمد صريفه فى كتابه ، وبلغ جبريل ~~محمدا ، وهو عند سدرة المنتهى ، قيل : إليها منتهى أرواح الشهداء { ما كذب ~~الفؤاد ما رأى } [ النجم : 11 ] . قال ابن عباس : رأى محمد ربه بقلبه . وعن ~~ابن مسعود وعائشة : رأى جبريل وهو قول قتادة . وقال الحسن : ما رأى من ~~مقدور الله وملكوته . وقوله : { أفتمارونه على ما يرى } [ النجم : 12 ] ، ~~هو محمد رأى جبريل - صلى الله عليه وسلم - فى صورته التى خلقه الله عليها ~~له ستمائة جناح رفرفا أخضر سد ما بين الخافقين ، ولم يره قط فى صورته التى ~~هو عليها إلا مرتين ، وإنما كان يراه فى صورة كان يتشكل عليها من صور ~~الآدميين وأكثرها صورة دحية الكلبى . وفى قوله : { أفتمارونه على ما يرى } ~~دليل على أن العيان أكبر أسباب العلم فلا يتمارى فيه ولذلك قال - صلى الله ~~عليه وسلم - : ( ليس الخبر كالمعاينة ) ورأيت لبعض الناس فى لقاء النبى - ~~صلى الله عليه وسلم - للأنبياء فى السموات دون عليين ، والأنبياء مقرهم فى ~~ساحة الجنة ورياضها تحت العرش ، ومن دونهم من المقربين هناك فما وجه لقائه ~~لآدم فى السماء الدنيا ms3791 ، ولإدريس فى السماء الثانية ، وهارون فى الرابعة ، ~~وآخر فى الخامسة ، وإبراهيم فى السادسة ، وموسى فى السابعة ؟ قال : فوجهه ~~أنهم تلقوه - صلى الله عليه وسلم - كما يتلقى القادم يسابق الناس إليه على ~~قدر سرورهم بلقائه . وقد روى عن أنس فى رتبة الأنبياء فى السموات خلاف حديث ~~البخارى ، روى ابن وهب ، عن يعقوب بن عبد الرحمن PageV10P511 الزهري ، عن ~~أبيه ، عن عبد الرحمن بن هاشم بن عتبة بن أبى وقاص ، عن أنس بن مالك فذكر ~~حديث الإسراء ( فوجد آدم فى السماء الدنيا ، وفى السماء الثانية عيسى ويحيى ~~بن زكريا ابنا الخالة ، وفى الثالثة يوسف ، وفى السماء الرابعة إدريس ، وفى ~~الخامسة هارون ، وفى السادسة موسى ، وفى السابعة إبراهيم ) . وأما قوله : ( ~~فاستيقظ وهو فى المسجد الحرام ) فإن أهل العلم اختلفوا فى صفة مسرى النبى ، ~~فقالت طائفة : أسرى الله بجسده ونفسه ، وروى ذلك عن ابن عباس والضحاك وسعيد ~~بن جبير وقتادة ، وإبراهيم ومسروق ومجاهد وعكرمة . وقالت طائفة ممن قال : ~~أسرى بجسده أنه صلى بالأنبياء ببيت المقدس ثم عرج به إلى السماء فأوحى الله ~~إليه ، وفرض عليه الصلاة ، ثم رجع إلى المسجد الحرام من ليلته فصلى به صلاة ~~الصبح ، روى ذلك الطبرى فى حديث الإسراء عن أنس : ذكر من حديث أبي سعيد ~~الخدرى أنه صلى - صلى الله عليه وسلم - فى بيت المقدس ، ولم يذكر أنه صلى ~~خلفه أحد ، وقالت طائفة : أسرى برسول الله بجسمه ونفسه غير أنه لم يدخل بيت ~~المقدس ، ولم يصل فيه ، ولم ينزل عن البراق حتى رجع إلى مكة . روى ذلك عن ~~حذيفة قال فى قوله تعالى : { سبحان الذى أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام ~~إلى المسجد الأقصى } [ الإسراء : 1 ] ، قال : لم يصل فيه النبي - عليه ~~السلام - ، ولو صلى فيه لكتب عليكم الصلاة فيه كما كتب عليكم الصلاة عند ~~الكعبة . وقال آخرون : أسرى بروحه ولم يسر بجسده ، روى ذلك عن عائشة ~~ومعاوية بن أبى سفيان والحسن البصري ، وذكر ابن فورك عن PageV10P512 الحسن ~~قال : عرج بروح النبي - عليه السلام - وجسده فى الأرض ، وهو اختيار محمد ms3792 بن ~~إسحاق صاحب السير . ومن حجة أهل المقالة الأولى ما روى عن ابن عباس فى قوله ~~تعالى : { وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس } [ الإسراء : 60 ] ~~، قال : هى رؤيا عين أريها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليلة أسرى به ~~إلى بيت المقدس ، وليست رؤيا منام ، رواه ابن عيينة ، عن عمرو ، عن عكرمة ، ~~عن ابن عباس قالوا : ولو أسرى بروحه دون جسده ، وكان الإسراء فى المنام لما ~~أنكرت قريش ذلك من قوله - صلى الله عليه وسلم - ؛ لأنهم كانوا لا ينكرون ~~الرؤيا ؟ ولا ينكرون أحدا يرى فى المنام ما على مسيرة سنة ، فكيف ما هو على ~~مسيرة شهر أو أقل . ومن حجة الذين قالوا : أسرى بروحه دون جسده قول أنس فى ~~حديث الإسراء ، قال حين أسرى به : ( جاءه ثلاثة نفر وهو نائم فى المسجد ~~الحرام . . ) وذكر الحديث إلى قوله : ( حتى أتوه ليلة أخرى فيما يرى قلبه ~~وتنام عينه ولا ينام قلبه ، وكذلك الأنبياء عليهم السلام تنام أعينهم ولا ~~تنام قلوبهم ) فذكر النوم فى أول الحديث ، وقال فى آخره : ( فاستيقظ وهو فى ~~المسجد الحرام ) وهذا بين لا إشكال فيه ، وإلى هذا ذهب البخارى ، ولذلك ~~ترجم له فى كتاب الأنبياء وتفسير القرآن ما ذكرته فى صدر هذا الباب . قال ~~ابن إسحاق : وأخبرنى بعض آل أبي بكر الصديق أن عائشة كانت تقول : ما فقد ~~جسد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولكن أسرى بروحه . قال ابن إسحاق : ~~وحدثنى يعقوب بن عيينة بن المغيرة أن معاوية بن أبي سفيان كان إذا سئل عن ~~مسرى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : كانت رؤيا PageV10P513 من ~~الله صادقة . قال ابن إسحاق : فلم ينكر ذلك من قولهما لقول الحسن البصرى : ~~إن هذه الآية نزلت فى ذلك يعنى : قول الله عز وجل : { وما جعلنا الرؤيا ~~التى أريناك إلا فتنة للناس } [ الإسراء : 60 ] ولقول الله عز وجل عن ~~إبراهيم - صلى الله عليه وسلم - إذ قال لابنه : { يا بنى إنى أرى فى المنام ~~أنى أذبحك } [ الصافات : 102 ] ، ثم مضى على ms3793 ذلك فعرف أن الوحى من الله عز ~~وجل يأتى الأنبياء أيقاظا ونياما . قال ابن إسحاق : وكان رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - يقول : ( تنام عينى ، وقلبى يقظان ) فالله أعلم أى ذلك ~~كان قد جاءه ، وعاين فيه ما عاين من أمر الله تعالى على أى حاليه كان نائما ~~أو يقظان كل ذلك حق وصدق . وذكر ابن فورك فى مشكل القرآن قال : كان النبى - ~~صلى الله عليه وسلم - ليلة الإسراء فى بيت أم هانئ بنت أبى طالب . فالله ~~أعلم . واحتج أهل هذه المقالة فقالوا : ما اعتل به من قال : إن الإسراء لو ~~كان فى المنام لما أنكرته قريش ؛ لأنهم كانوا لا ينكرون الرؤيا فلا حجة فيه ~~؛ لأن قريشا كانت تكذب العيان ، وترد شهادة الله التى هى أكبر شهادة عليهم ~~بذلك ؛ إذ قال عنهم حين انشق القمر : { وإن يروا آية يعرضوا ويقولوا سحر ~~مستمر } [ القمر : 2 ] ، فأخبر عنهم أنهم يكذبون ما يرون عيانا ، وكذلك قال ~~عنهم : { ولو فتحنا عليهم بابا من السماء فظلوا فيه يعرجون لقالوا إنما ~~سكرت أبصارنا بل نحن قوم مسحورون } [ الحجر : 14 ، 15 ] ، وقال تعالى عنهم ~~أنهم قالوا : { لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا } [ الإسراء : 90 ~~] ، إلى قوله : { أو ترقى فى السماء } [ الإسراء : 93 ] ، ثم قالوا بعدما ~~تمنوه : { ولن نؤمن لرقيك حتى تنزل علينا كتابا } [ الإسراء : 93 ] ، وقال ~~تعالى : { وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءتهم آية ليؤمنن بها } [ ~~الأنعام : 109 ] ، إلى قوله : PageV10P514 { وما يشعركم أنها إذا جاءت لا ~~يؤمنون } [ الأنعام : 109 ] الآية ، فأخبر تعالى أنه يكيد عقولهم وأبصارهم ~~حتى ينكروا العيان القاطع للارتياب . ومثله قوله تعالى : { ولو أننا نزلنا ~~إليهم الملآئكة وكلمهم الموتى وحشرنا عليهم كل شىء قبلا ما كانوا ليؤمنوا ~~إلا أن يشاء الله } [ الأنعام : 111 ] ، وإنما كان إنكار قريش لقوله : ( ~~أسرى بى الليلة إلى بيت المقدس ) حرصا منهم على التشنيع عليه ، وإثارة اسم ~~الكذب عليه عند العامة المستهواة بمثل هذا التشنيع فلم يسألوه فى اليقظة ~~كان ذلك الإسراء أو فى النوم وأقبلوا على التقريع له ms3794 ، وتعظيم قوله ، وهذا ~~غير معدوم من تشنيعهم ، ألا ترى تكذيبهم قبل وقعة بدر لرؤيا عاتكة بنت عبد ~~المطلب ، عمة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، إذ قالت : رأيت كأن صخرة ~~وقعت من أبى قبيس فانفلقت فما تركت دارا بمكة إلا دخلت فيها منها فلقة . ~~فلما رأوا قبح تأويلها عليهم قالوا : يا بنى عبد المطلب ، ما أهل بيت فى ~~العرب أكذب منكم ، أما كفاكم أن تدعوا النبوة فى رجالكم حتى جعلتم منكم ~~نبية : فشنعوا رؤياها ، وأخبروا عنها بالنفى طمعا فى إثارة العامة عليهم ، ~~فكذلك كان قولهم فى مسراه - صلى الله عليه وسلم - . وفسر فى الحديث ~~اللغاديد : عروق الحلق . وأهل اللغة يقولون : اللغاديد هى كالزوائد من لحم ~~يكون فى باطن الأذنين من داخل ، واحدها لغدود وبعض العرب تسميها : الألغاد ~~، واحدها : لغد . ذكره ثابت فى خلق الإنسان . * * * PageV10P515 # | 39 - باب كلام الله تعالى مع أهل الجنة # / 136 - فيه : أبو سعيد ، ، قال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( إن ~~الله يقول لأهل الجنة : يا أهل الجنة ، فيقولون : لبيك ربنا وسعديك والخير ~~فى يديك ، فيقول : هل رضيتم ؟ فيقولون : وما لنا لا نرضى يا رب ، وقد ~~أعطيتنا ما لم تعط أحدا من خلقك ، فيقول : ألا أعطيكم أفضل من ذلك ؟ ~~فيقولون : يا رب ، وأى شىء أفضل من ذلك ؟ فيقول : أحل عليكم رضوانى ، فلا ~~أسخط عليكم بعده أبدا ) . / 137 - وفيه : أبو هريرة ، أن النبى - صلى الله ~~عليه وسلم - كان يوما يحدث وعنده رجل من أهل البادية : ( أن رجلا من أهل ~~الجنة استأذن ربه فى الزرع ، فقال له : أولست فيما شئت ؟ قال : بلى ، ولكنى ~~أحب أن أزرع ، فأسرع وبذر ، فتبادر الطرف نباته واستواؤه واستحصاده وتكويره ~~أمثال الجبال ، فيقول الله : دونك يا ابن آدم ، فإنه لا يشبعك شىء . . . ) ~~الحديث . قال المهلب : قد تقدم إثبات كلام الله مع الأنبياء ومع الملائكة ، ~~وفى هذا الباب إثبات كلامه مع أهل الجنة بقوله - صلى الله عليه وسلم - : ( ~~إن الله يقول لأهل الجنة : يا أهل الجنة ، فيقولون : لبيك ربنا وسعديك ) ~~فإن قال قائل من القدرية : إن فى ms3795 هذا الحديث ما يدل على وهنه وسقوطه ، وهو ~~قوله : ( أحل عليكم رضوانى فلا أسخط عليكم بعده أبدا ) لأن فيه ما يوهم أن ~~له أن يسخط على من صار فى الجنة ، وقد نطق القرآن بخلاف ذلك قال تعالى : { ~~فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز } [ آل عمران : 185 ] ، وقال : { ~~الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون } [ ~~الأنعام : 82 ] ، وأنهم خالدون في الجنة أبدا PageV10P516 فكيف يحل عليهم ~~رضوانه ، وقد أوجبه لأهل الجنة بقوله : { خالدين فيها أبدا رضى الله عنهم ~~ورضوا عنه } [ البينة : 8 ] ، فيقال له : لما ثبت أن الله تفضل بخلق العباد ~~، وأخرجهم من العدم إلى الوجود ، وأنعم عليهم بخلق الحياة وإدامة الصحة ~~والالتذاذ بنعمه ، وكان له تعالى ألا يخرجهم ويبقيهم على العدم ، ثم لما ~~خلقهم كان له ألا يخلقهم أحياء ملتذين ، وألا يديم لهم الصحة . فكان تعالى ~~فى مجازاة المحسنين وإنجاز ما وعدهم من إحسانه متفضلا عليهم ، ولم يجب ~~تعالى عليه لأحد شىء يلزمه ، إذ ليس فوقه تعالى من شرع له شرعا ، ولا ألزمه ~~حكما ، وللمتفضل أن يتفضل وألا يتفضل ، كما له أن يتعبد عباده بلا جزاء ولا ~~شكور ، تسخيرا كسائر المخلوقات ، وله أن يجازى مدة بمدة ، ومدة العمل فى ~~الدنيا متناهية فيقطع ما تفضل به من المجازاة على ما تفضل به عليهم من ~~العمل والمعونة . وعلموا أن آدم - عليه السلام - كلف فى الجنة اجتناب أكل ~~الشجرة ، فجاز عليه التكليف والمعصية ، لم يأمنوا ما لله تعالى فى خلقه مثل ~~ذلك من ابتداء التكليف وجواز المعصية ، فزاد الله سرورهم بأن أمنهم ما كان ~~له أن يفعله فيهم ، ورفعه عنهم بالرضوان عليهم وإسقاط التكليف لهم وعصمهم ~~من جواز المعصية عليهم ، فلو عبد الله العبد ألف سنة بعد تقدم أمره إليه ~~بذلك لما وجب له عليه جزاء على عبادة . وكيف يجب له ثواب وأقل نعمة من نعمه ~~تستغرق جميع أعماله التى تقرب بها إليه ، فحلول رضوانه عليهم أنعم لنفوسهم ~~من PageV10P517 كل ما خولهم فى جناته تعالى ، فسقط اعتراضهم ، وصح ms3796 معنى ~~الحديث . وأدخل حديث الزارع فى الجنة لتكلم الله له . وقوله : ( دونك يا ~~ابن آدم ، فإنه لا يشبعك شىء ) فإن ظن من لم ينعم النظر أن قوله : لا يشبعك ~~شىء . معارض لقوله : { إن لك ألا تجوع فيها } [ طه : 118 ] ، فليس كما ظن ؛ ~~لأن نفى الشبع لا يوجب الجوع ؛ لأن بينهما واسطة الكفاية والشبع بعده ، ~~وأكل أهل الجنة لا عن جوع أصلا لنفى الله تعالى الجوع منهم ، واختلف فى ~~الشبع فيها ، والصواب : ألا شبع ؛ لأنه لو كان فيها طول الأكل المستلذ منها ~~مدة الشبع ، وإنما أراد بقوله - صلى الله عليه وسلم - : ( لا يشبعك شىء ) ~~ذم ترك القناعة بما كان فيه ، وطلب الزيادة عليه ، أى لا تشبع عينك ولا ~~نفسك بشىء ، والله الموفق . # | 40 - باب ذكر الله تعالى بالأمر وذكر العباد بالدعاء والتضرع والرسالة ~~والإبلاغ لقوله تعالى : { فاذكرونى أذكركم } [ البقرة : 152 ] { واتل عليهم ~~نبأ نوح } الآية إلى قوله : { وأمرت أن أكون من المسلمين } [ المائدة : 27 ~~] # غمة : هم وضيق . قال مجاهد : اقضوا إلى ما فى أنفسكم ، يقال : افرق : اقض ~~. وقال مجاهد : { وإن أحد من المشركين استجارك فأجره } [ التوبة : 6 ] ~~إنسان PageV10P518 يأتيه ، فيستمع ما يقول ، وما أنزل عليه ، فهو آمن حتى ~~يأتيه ، فيسمع كلام الله وحتى يبلغ مأمنه حيث جاءه النبأ العظيم القرآن ، { ~~صوابا } حقا فى الدنيا وعمل به . معنى قوله باب ذكر الله بالأمر : أى ذكر ~~الله لعباده يكون مع أمره لهم بعبادته ، والتزام طاعته ، ويكون مع رحمته ~~لهم ، وإنعامه عليهم إذا أطاعوه ، وبعذابه إذا عصوه . قال ابن عباس فى قوله ~~: { فاذكرونى أذكركم } [ البقرة : 152 ] : إذا ذكر الله العبد وهو على ~~طاعته ؛ ذكره برحمته ، وإذا ذكره وهو على معصيته ؛ ذكره بلعنته . وقال سعيد ~~بن جبير : اذكرونى بالطاعة أذكركم بالمغفرة . قال المهلب : ذكر العباد ~~بالدعاء والتضرع فى الغفران ، والتفضل عليهم بالرزق والهداية ، وقوله : ~~والرسالة والإبلاغ معناه : وذكر الله الأنبياء بالرسالة والإبلاغ بما ~~أرسلهم به إلى عباده بما يأمرهم به من عبادته وينهاهم ، وقوله : { واتل ~~عليهم نبأ نوح } ، فهذا ذكر الله لرسوله نوح بما بلغ ms3797 من أمره ، وتذكيره ~~قومه بآيات الله ، وكذلك فرض على كل نبى تبليغ كتابه وشريعته ، ولذلك ذكر ~~قوله تعالى : { وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله } [ ~~التوبة : 6 ] الذى أمر بتلاوته عليهم ، وإنبائهم به . وقال مجاهد : النبأ ~~العظيم : القرآن ، سمى نبأ لأنه منبا به ، وهو متلو للنبى - صلى الله عليه ~~وسلم - ولهذا ذكر فى الباب هذه الآية من أجل أمر الله تعالى محمدا - صلى ~~الله عليه وسلم - إجارة المشرك PageV10P519 حتى يسمع الذكر ، وقوله صوابا ~~حقا ، يريد قوله عز وجل : { لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمن وقال صوابا } ~~[ النبأ : 38 ] ، يريد وقال حقا فى الدنيا ، وعمل به فذلك الذى يؤذن له فى ~~الكلام بين يدى الله تعالى بالشفاعة لمن أذن له ، وكان يصلح أن يذكر فى هذا ~~الباب قوله - صلى الله عليه وسلم - عن ربه تعالى : ( من ذكرنى فى نفسه ~~ذكرته فى نفسى ، ومن ذكرنى فى ملأ ذكرته فى ملأ خير منه ) أى من ذكرنى فى ~~نفسه متضرعا داعيا ؛ ذكرته فى نفسى مجيبا مشفقا ، فإن ذكرنى فى ملأ من ~~الناس بالدعاء والتضرع ذكرته فى ملأ من الملائكة ، الذين هم أفضل من ملأ ~~الناس ، بالمغفرة والرحمة والهداية ، يفسره قوله - صلى الله عليه وسلم - فى ~~حديث التنزل : ( هل من سائل فأعطيه ، هل من مستغفر فأغفر له ، هل من تائب ~~فأتوب عليه ) هذا ذكر الله للعباد بالنعم والإجابة لدعائهم . * * * # | 41 - باب قول الله تعالى : { فلا تجعلوا لله أندادا } [ البقرة : 22 ] ~~وقوله تعالى : { والذين لا يدعون مع الله إلها آخر } [ الفرقان : 68 ] ~~وقوله : { ولقد أوحى إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت } الآية [ الزمر : ~~65 ] # وقال عكرمة : { وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون } [ يوسف : 106 ] ~~PageV10P520 يسألهم من خلقهم وخلق السموات والأرض ، فيقولون : الله ، وذلك ~~إيمانهم ، وهم يعبدون غيره . وما ذكر فى خلق أفعال العباد وأكسابهم ؛ لقوله ~~تعالى : { وأسروا قولكم أو اجهروا به } الآية ، وقوله : { والله خلقكم وما ~~تعملون } [ الصافات : 96 ] ، وقوله : { وخلق كل شىء فقدره تقديرا } [ ~~الفرقان : 2 ] . وقال مجاهد : { ما ms3798 تنزل الملائكة إلا بالحق } [ الحجر : 8 ~~] بالرسالة والعذاب ، { ليسأل الصادقين } [ الأحزاب : 8 ] المبلغين المؤدين ~~من الرسل ، { وإنا له لحافظون } عندنا { والذى جاء بالصدق } [ الزمر : 33 ] ~~القرآن { وصدق به } المؤمن يقول يوم القيامة : هذا الذى أعطيتنى عملت بما ~~فيه . / 138 - فيه : عبدالله ، سألت النبى - صلى الله عليه وسلم - أى الذنب ~~أعظم عند الله ؟ قال : ( أن تجعل لله ندا وهو خلقك ) ، قلت : ثم أي ؟ قال : ~~( ثم أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك ) ، قلت : ثم أي ؟ قال : ( ثم أن تزانى ~~بحليلة جارك ) . قال المهلب : غرضه فى هذا الباب إثبات الأفعال كلها لله ~~تعالى كانت من المخلوقين ، خيرا أو شرا ، فهى لله خلق وللعباد كسب ، ولا ~~ينسب منها شىء إلى غير الله تعالى فيكون شريكا له ، وندا مساويا له فى نسبة ~~الفعل إليه ، ونبه الله عباده على ذلك بقوله : { فلا تجعلوا لله أندادا ~~وأنتم تعلمون } [ البقرة : 22 ] أنه الخالق لكم ولأفعالكم وأرزاقكم ، ردا ~~على من زعم من القدرية أنه يخلق أفعاله ، فمن علم PageV10P521 أن الله خلق ~~كل شىء فقدره تقديرا ، فلا ينسب شيئا من الخلق إلى غيره ، فلهذا ذكر هذه ~~الآيات فى نفى الأنداد والآلهة المدعوة معه ، فمنها ما حذر به المؤمنين ، ~~ومنها ما وبخ به الكافرين الضالين ، ثم أثنى على المؤمنين فى قوله : { ~~والذين لا يدعون مع الله إلها آخر } [ الفرقان : 68 ] ، يريد كما يدعو عبدة ~~الأوثان لترزقهم ، وتعافيهم ، وهى لا تملك لهم ضرا ولا نفعا . وقوله : ( أى ~~الذنب أعظم ؟ قال : أن تجعل لله ندا وهو خلقك ) معناه : رزقك بدليل قوله : ~~( ثم أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك ) كيف تقتله وقد خلق رزقه ، فلا يأكل ~~من رزقك شيئا ، فمن خلقك وخلقه ، ورزقك ورزقه ، أحق بالعبادة من الند الذى ~~اتخذت معه شريكا ، ثم أن تزانى حليلة جارك ، وقد خلق لك زوجة فتقطع بالزنا ~~الرحم والنسب ، وتقاطع الرحام سبب إلى قطع الرحمة من الله ، والتراحم بين ~~الناس ، ألا ترى غضب القبائل لبنى عمها من أجل الرحم ، وأن الغدر وخسيس ~~الفعل منسوب إلى أولاد ms3799 الزنا ، لانقطاع أرحامهم . * * * # | 42 - باب قوله تعالى : { وما كنتم تستترون أن يشهد عليكم سمعكم } الآية ~~[ فصلت : 22 ] # / 139 - فيه : عبدالله بن مسعود ، اجتمع عند البيت ثقفيان وقرشى ، أو ~~قرشيان وثقفى ، كثيرة شحم بطونهم ، قليلة فقه قلوبهم ، فقال أحدهم : أترون ~~أن الله يسمع ما نقول ؟ قال الآخر : يسمع إن جهرنا ، ولا يسمع إن أخفينا ، ~~وقال الآخر : إن كان يسمع إذا جهرنا PageV10P522 فإنه يسمع إذا أخفينا ، ~~فأنزل الله : { وما كنتم تستترون أن يشهد عليكم } الآية . غرضه فى هذا ~~الباب إثبات السمع لله تعالى والعلم بنيات الكلام له فى هذه الآية ومن سائر ~~الآيات فى الأبواب المتقدمة ، وإذا ثبت أنه سميع فواجب كونه سامعا بسمع ، ~~كما أنه لما ثبت كونه عالما وجب كونه عالما بعلم خلافا لمن أنكر صفات الله ~~من المعتزلة ، وقالوا : معنى وصفه بأنه سامع للمسموعات : بمعنى وصفه بأنه ~~عالم بالمعلومات ولا سمع له ، ولا هو سامع حقيقة ، وهذه شناعة ورد لظواهر ~~كتاب الله وسنن رسوله ، وموجب كون المخلوق أكمل أوصافا من الخالق ؛ لأن ~~السامع هنا يسمع الشىء ويعلمه حقيقة ، وكذلك البصير منا يرى الشىء ويعلمه ~~حقيقة ، فلو كان البارى سامعا لما يسمعه ، ويعلمه بمعنى أنه عالم فقط ؛ ~~لكنا أكمل وصفا منه تعالى من حيث أدركنا الشىء من جهة السمع والعلم ، ~~وأدركه هو من جهة العلم فقط ، ومن أدرك الشىء من وجهين أولى يكون بصفة ~~الكمال من مدركه من وجه واحد ، وهذا يوجب عليهم أن يكون خالقهم بصفة الصم ~~الذى يعلم الشىء ولا يسمعه ، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا . وفى حديث ~~الثقفى والقرشيين من الفقه : إثبات القياس الصحيح ، وإبطال القياس الفاسد ، ~~ألا ترى أن الذى قال : ( يسمع إن جهرنا ، PageV10P523 ولا يسمع إن أخفينا ) ~~قد أخطأ فى قياسه ؛ لأنه شبه الله تعالى بخلقه الذين يسمعون الجهر ، ولا ~~يسمعون السر ، والذى قال : ( إن كان يسمع إن جهرنا ، فإنه يسمع إن أخفينا ) ~~أصاب فى قياسه حين لم يشبه الله بالمخلوقين ، ونزهه عن مماثلتهم . فإن قيل ~~: فإن كان أصاب فى قياسه ، فكيف جعله النبى ms3800 - صلى الله عليه وسلم - من جملة ~~الذين شهد لهم بقلة الفقة . قيل له : لما لم يعتقد حقيقة ما قال : ، وشك ~~فيه ، ولم يقطع على سمع الله تعالى بقوله : إن كان يسمع ، لم يحكم له النبى ~~- صلى الله عليه وسلم - بالفقه ، وسوى بينهم فى أنه قليل فقه قلوبهم . * * ~~* # | 43 - باب قوله تعالى : { كل يوم هو فى شأن } [ الرحمن : 29 ] و { ما ~~يأتيهم من ذكر من ربهم محدث } [ الأنبياء : 2 ] وقوله : { لعل الله يحدث ~~بعد ذلك أمرا } [ الطلاق : 1 ] # وأن حدثه لا يشبه حدث المخلوقين ؛ لقوله تعالى : { ليس كمثله شىء وهو ~~السميع البصير } [ الشورى : 11 ] . وقال ابن مسعود ، عن النبى - صلى الله ~~عليه وسلم - : ( إن الله يحدث من أمره ما يشاء ، وإن مما أحدث أن لا تكلموا ~~فى الصلاة ) . / 140 - فيه : ابن عباس ، قال : كيف تسألون أهل الكتاب عن ~~كتبهم وعندكم كتاب الله أقرب الكتب عهدا بالله ، تقرءونه محضا لم يشب . / ~~141 - وقال مرة : كتابكم الذى أنزل الله على نبيكم أحدث الأخبار بالله . ~~PageV10P524 غرضه في هذا الباب الفرق بين وصف كلام الله بأنه مخلوق ، وبين ~~وصفه بأنه محدث ، فأحال وصفه بالخلق ، وأجاز وصفه بالحدث ، اعتمادا على ~~قوله تعالى : { ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث } [ الأنبياء : 2 ] ، وهذا ~~القول لبعض المعتزلة ولبعض أهل الظاهر ، وهو خطأ فى القول ؛ لأن الذكر ~~الموصوف فى الآية بالإحداث ، ليس هو نفس كلامه تعالى ؛ لقيام الدليل على أن ~~محدثا ، ومخلوقا ، ومنشئا ، ومخترعا : ألفاظ مترادفة على معنى واحد . فإذا ~~لم يجز وصف كلامه تعالى القائم بذاته بأنه مخلوق ، لم يجز وصفه بأنه محدث ، ~~وإذا كان ذلك كذلك كان الذكر الموصوف فى الآية بأنه محدث راجعا إلى أنه ~~الرسول - صلى الله عليه وسلم - ؛ لأنه قد سماه الله تعالى فى آية أخرى ذكرا ~~، فقال تعالى : { قد أنزل الله إليكم ذكرا رسولا } [ الطلاق : 10 ، 11 ] ، ~~فسماه ذكرا فى هذه الآية ، فيكون المعنى ما يأتيهم ذكر من ربهم ، بمعنى : ~~ما يأتيهم رسول . ويحتمل أن يكون الذكر فى الآية هو وعظ الرسول ، وتحذيره ms3801 ~~إياهم من معاصى الله ، فسمى وعظه ذكرا ، وأضافه إليه ، إذ هو فاعل له ، ~~ومقدر رسوله على اكتسابه . وقال بعض المتكلمين فى هذه الآية : يحتمل أن ~~يرجع الإحداث إلى الإتيان ، لا إلى الذكر القديم ؛ لأن نزول القرآن على ~~النبى كان شيئا بعد شىء ، فكان يحدث نزوله حينا بعد حين ، ألا ترى أن ~~العالم يعلم ما لا يعلمه الجاهل ، فإذا علمه الجاهل حدث عنده العلم ، ولم ~~يكن إحداثه عند المتعلم إحداث عين العلم . * * * PageV10P525 # | 44 - باب قوله تعالى : { لا تحرك به لسانك } [ القيامة : 16 ] وفعل ~~النبى - صلى الله عليه وسلم - حين ينزل عليه الوحى # وقال أبو هريرة ، عن النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( قال الله تعالى : ~~أنا مع عبدى حيثما ذكرنى ، وتحركت بى شفتاه ) . / 142 - فيه : ابن عباس ، ~~فى قوله تعالى : { لا تحرك به لسانك } ، قال : كان النبى - صلى الله عليه ~~وسلم - يعالج من التنزيل شدة ، وكان يحرك شفتيه ، فقال لى ابن عباس : فأنا ~~أحركهما لك كما كان النبى - صلى الله عليه وسلم - يحركهما ، فحرك شفتيه ، ~~فأنزل الله تعالى : { لا تحرك به لسانك لتعجل به إن علينا جمعه وقرآنه } ~~قال : جمعه فى صدرك ، ثم تقرؤه ، { فإذا قرأناه فاتبع قرآنه } [ القيامة : ~~18 ] قال : فاستمع له وأنصت ، ثم إن علينا أن تقرأه ، قال : فكان رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - إذا أتاه جبريل - صلى الله عليه وسلم - استمع ، ~~فإذا انطلق جبريل قرأه النبى - صلى الله عليه وسلم - كما أقرأه . قال ~~المهلب : غرضه فى هذا الباب ، أن يعرفك أن وعاء القلب لما يسمعه من القرآن ~~، وأن قراءة الإنسان وتحريك شفتيه ولسانه ، عمل له وكسب يؤجر عليه ، فكان - ~~صلى الله عليه وسلم - يحرك به لسانه عند قراءة جبريل عليه مبادرة ألا يفلت ~~منه ما سمع ، فنهاه الله عن ذلك ، ورفع عنه الكلفة والمشقة التى كانت تناله ~~فى ذلك ، مع ضمانه تعالى تسهيل الحفظ على نبيه ، وجمعه له فى صدره ، وأمره ~~أن يقرأه إذا فرغ جبريل من قراءته ، وهو معنى قوله تعالى : { فإذا قرأناه ~~فاتبع قرآنه } [ القيامة : 18 ms3802 ] . وقيل معنى قوله تعالى : { فإذا قرأناه ~~فاتبع قرآنه } ، أي PageV10P526 اعمل بما فيه ، فأما إضافته فعل القراءة ~~إليه بقوله : { فإذا قرأناه } والقارئ لكلامه تعالى على محمد - صلى الله ~~عليه وسلم - وهو جبريل دونه تعالى فهذه إضافة فعل فعله فى غيره ، كما تقول ~~: قتل الأمير اللص وصلبه ، وهو لم يل ذلك بنفسه ، إنما أمر من فعله . ففيه ~~بيان لما يشكل من كل فعل ينسب إلى الله تعالى ، مما لا يليق به فعله من ~~الإتيان ، والنزول ، والمجئ ، أن ذلك الفعل إنما هو منتسب إلى الملك المرسل ~~به ، كقوله : { وجاء ربك } [ الفجر : 22 ] ، والمجئ مستحيل عليه لاستحالة ~~الحركة ، وإنما معناه : وجاء أمر ربك ورسول ربك ، فكما استحالت عليه الحركة ~~والانتقال ، كذلك استحالت عليه القراءة المعلومة منا لأنها محاولة حركة ~~أعضاء وآلات ، والله يتعالى عن ذلك ، وعن شبه الخليقة فى قول أو عمل . وأما ~~قوله : ( أنا مع عبدى ما ذكرنى وتحركت بى شفتاه ) فمعناه : أنا مع عبدى ~~زمان لى أى : أنا معه بالحفظ والكلاءة ، لا على أنه معه بذاته حيث حل العبد ~~وتقلب ، ومعنى قوله : ( وتحركت بى شفتاه ) : تحركت باسمى وذكره لى وبسائر ~~أسمائه تعالى الدالة عليه ، لا أن شفتيه ولسانه تتحرك بذاته تعالى ، إذ ~~محال حلوله فى الأماكن ، ووجوده فى الأفواه ، وتعاقب الحركات عليه . * * * # | 45 - باب قوله تعالى : { وأسروا قولكم أو اجهروا به } إلى { الخبير } [ ~~الملك : 13 ] { يتخافتون } : يتسارون # / 143 - فيه : ابن عباس ، فى قوله : { ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت ~~PageV10P527 بها } نزلت والنبي - عليه السلام - مختف بمكة ، فكان إذا صلى ~~بأصحابه رفع صوته بالقرآن ، فإذا سمعه المشركون سبوا القرآن ، ومن أنزله ~~ومن جاء به ، فقال الله لنبيه - صلى الله عليه وسلم - : { ولا تجهر بصلاتك ~~} أى بقراءتك ، فيسمع المشركون ، فيسبوا القرآن { ولا تخافت بها } عن ~~أصحابك فلا تسمعهم { وابتغ بين ذلك سبيلا } [ الإسراء : 110 ] . / 144 - ~~وفيه : أبو هريرة ، قال النبي - عليه السلام - : ( ليس منا من لم يتغن ~~بالقرآن ) . وزاد غيره : ( يجهر به ) . معنى هذا الباب إثبات العلم لله ~~تعالى صفة بذاتية ؛ لاستواء علمه من القول ms3803 والجهر ، وقد بينه تعالى فى آية ~~أخرى ، فقال : { سواء منكم من أسر القول ومن جهر به } [ الرعد : 10 ] ، ~~وفيه دليل أن اكتساب العباد من القول والفعل خلق لله تعالى ألا ترى قوله : ~~{ وأسروا قولكم أو اجهروا به إنه عليم بذات الصدور } [ الملك : 13 ] ، ثم ~~قال عقيب ذلك : { ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير } [ الملك : 14 ] ، ~~فدل أنه ممتدح بكونه عالما بما أسروه من قولهم وجهروا به ، وأنه خالق لذلك ~~منهم . فإن قال قائل من القدرية الذين يزعمون أن أفعال العباد ليست خلقا ~~لله تعالى : قوله : { ألا يعلم من خلق } غير راجع بالخلق إلى القول ، وإنما ~~هو راجع إلى القائلين ، فليس فى الآية بدليل لكم على كونه تعالى خالقا لقول ~~القائلين . قيل له : هذا تأويل فاسد ؛ لأن الله تعالى أخرج هذا الكلام مخرج ~~التمدح PageV10P528 منه بعلمه ما أسروه من قولهم وجهروا به ، وخلقه لذلك مع ~~خلقه خلقه ، دليلا على كونه عالما به . فلو كان غير خالق له ، وممتدحا ~~بكونه عالما بقوله ، وخالقا لهم دون قولهم ؛ لم يكن فى الآية دليل على صحة ~~كونه عالما بقولهم ، كما ليس فى عمل العامل ظرفا من الظروف دليل على علمه ~~ما أودعه غيره فيه . والله تعالى قد جعل خلقه دليلا على كونه عالما بقولهم ~~؛ فيجب رجوع خلقه تعالى إلى قولهم ؛ ليصح له التمدح بالأمرين ، وليكون ~~أحدهما دليلا على الآخر ، وإذا كان ذلك كذلك ، ولا أحد من الأمة يفرق بين ~~القول وسائر الأفعال ، وقد دلت الآية على كون الأقوال خلقا له تعالى ؛ وجب ~~كون سائر أفعال العباد خلقا له . وأما قوله - صلى الله عليه وسلم - : ( ليس ~~منا من لم يتغن بالقرآن ) فقد تقدم فى فضائل القرآن ، وتلخيص معناه : الحض ~~على تحسين الصوت به ، والغناء الذى أمر النبى - صلى الله عليه وسلم - أن ~~يقرأ القرآن به ، وهو الجهر بالصوت وإخراج تلاوته من حدود مساق الإخبار ~~والمحادثة ؛ حتى يتميز التالى له من المتحدث تعظيما له فى النفوس وتحبيبا ~~إليها . فإن قال قائل : فإن كان معنى قوله - صلى ms3804 الله عليه وسلم - : ( ليس ~~منا من لم يتغن بالقرآن ) ما ذكرت من تحسين الصوت به ، أفعندك من لم يحسن ~~صوته بالقرآن فليس من النبي - صلى الله عليه وسلم - ؟ . قيل : معناه لم ~~يستن بنا فى تحسين الصوت بالقرآن ؛ لأنه - صلى الله عليه وسلم - كان يحسن ~~صوته به ، ويرجع فى تلاوته على ما حكاه ابن مغفل ، على ما يأتى بعد ، فمن ~~لم يفعل مثل ذلك فليس بمتبع لسنته - صلى الله عليه وسلم - ، ولا مقتديا به ~~فى تلاوته . * * * PageV10P529 # | 46 - باب قول النبي - عليه السلام - : ( رجل آتاه الله القرآن ، فهو ~~يقوم به آناء الليل وآناء النهار ، ورجل يقول : لو أوتيت مثل ما أوتى هذا ~~فعلت كما يفعل ) فبين أن قيامه بالكتاب هو فعله ، وقال : { ومن آياته خلق ~~السموات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم } [ الروم : 22 ] وقال تعالى : { ~~وافعلوا الخير لعلكم تفلحون } [ الحج : 77 ] # . / 145 - فيه : أبو هريرة ، قال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( لا ~~حسد إلا فى اثنتين : رجل آتاه الله القرآن ، فهو يتلوه آناء الليل وآناء ~~النهار ، فهو يقول : لو أوتيت مثل ما أوتى هذا لفعلت كما يفعل ، ورجل آتاه ~~الله مالا فهو ينفقه فى حقه ، فيقول : لو أوتيت مثل ما أوتى عملت فيه مثل ~~ما يعمل ) . هذا الباب مستغنى عن الكلام فيه لبيانه ووضوح معناه لمن تأمله ~~من ذوى الألباب . * * * # | 47 - باب قوله تعالى : { يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك } ~~الآية [ المائدة : 67 ] # وقال الزهرى : من الله الرسالة وعلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~البلاغ وعلينا التسليم : وقال الله تعالى : { ليعلم أن قد أبلغوا رسالات ~~ربهم } [ الجن : 28 ] ، وقال : { أبلغكم رسالات ربى } . وقال فى قصة كعب ~~حين تخلف عن النبى - عليه السلام - : PageV10P530 { وسيرى الله عملكم ~~ورسوله } [ التوبة : 105 ] ، وقالت عائشة : إذا أعجبك حسن عمل امرئ ، فقل { ~~اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون } ولا يستخفنك أحد . وقال معمر : ~~{ ذلك الكتاب } هذا القرآن ، { هدى للمتقين } [ البقرة : 2 ] بيان ودلالة ، ~~كقوله : { ذلكم حكم الله } هذا حكم الله ، { لا ريب فيه } لا شك ms3805 ، { تلك ~~آيات } يعنى هذه أعلام القرآن ومثله ، { حتى إذا كنتم فى الفلك وجرين بهم } ~~[ يونس : 22 ] ، يعنى بكم . وقال أنس : بعث النبى - صلى الله عليه وسلم - ~~خاله حراما إلى قومه ، وقال : أتؤمنونى أبلغ رسالة رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - فجعل يحدثهم . / 146 - فيه : المغيرة ، أخبرنا نبينا - صلى ~~الله عليه وسلم - عن رسالة ربنا أنه من قتل منا صار إلى الجنة . وفيه : ~~عائشة ، قالت : من حدثك أن محمدا - صلى الله عليه وسلم - كتم شيئا من الوحى ~~فلا تصدقه ، إن الله تعالى يقول : { يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ~~ربك } الآية [ المائدة : 67 ] . / 147 - وفيه : عبدالله ، قال رجل : يا ~~رسول الله ، أى الذنب أكبر عند الله ؟ قال : ( أن تدعو لله ندا وهو خلقك . ~~. . ) الحديث ، فأنزل الله تصديقها : { والذين لا يدعون مع الله إلها آخر } ~~الآية [ الفرقان : 68 ] . قال المهلب : هذا الباب كالذى قبله ، وهو فى ~~معناه وتبليغ الرسول فعل من أفعاله . وقول الزهرى : من الله الرسالة ، وعلى ~~رسوله البلاغ يبين هذا ، وأنه قول أئمة الدين . PageV10P531 وقوله : { ~~فسيرى الله عملكم } [ التوبة : 105 ] ، يعنى : تلاوتهم وجميع أعمالهم ، ~~ومعنى قوله : { بلغ ما أنزل إليك من ربك } [ المائدة : 67 ] ، يريد بلغه ~~جهارا وعلانية ، فإن لم تفعل فما بلغت كل التبليغ . وقول عائشة : ( إذا ~~أعجبك حسن عمل امرئ ) : تلاوته من عمله . وقوله : ( ولا يستخفنك أحد ) أى ~~لا يستخفنك بعمله ، فتظن به الخير ، لكن حتى تراه عاملا على ما شرع الله ، ~~ورسوله على ما سن ، والمؤمنون على ما عملوا . وقول معمر فى قوله تعالى : { ~~ذلك الكتاب } ففسر ذلك بهذا وذلك مما يخبر به عن الغائب ، وهذا إشارة إلى ~~الحاضر ، والكتاب حاضر ، ومعنى ذلك أنه لما ابتدأ جبريل بتلاوة القرآن ~~لمحمد ، عليهما السلام ، كفت حضرة التلاوة عن أن يقول هذا الذى يسمع ، هو ~~ذلك الكتاب لا ريب فيه ، فاستغنى بأحد الضميرين عن الآخر . وقوله تعالى : { ~~حتى إذا كنتم فى الفلك وجرين بهم } [ يونس : 22 ] فلما جاز أن يخبر عنهم ~~بضميرين مختلفين ، ضمير المخاطبة والحضرة ، وضمير الخبر ms3806 عن الغيبة ، فلذلك ~~أخبر بضمير الغائب بقوله : { ذلك } ، وهو يريد هذا الحاضر ، وهذا مذهب ~~مشهور للعرب ، سمته أصحاب المعانى : الالتفاف ، وهو انصراف المتكلم عن معنى ~~يكون فيه إلى معنى آخر . PageV10P532 وقوله تعالى : { كنتم } ثم قال : { ~~بهم } يدل أنه خاطب الكل ، ثم أخبر عن الراكبين للفلك خاصة إذا قد يركبها ~~الأقل من الناس ، لكن لجواز أن يركبها كل واحد من المخاطبين خاطبهم بضمير ~~الكل ، ولأن لا يركبها إلا الأقل أخبر عن ذلك الأقل بقوله : { بهم } . * * ~~* # | 48 - باب قوله تعالى : { فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين } [ آل ~~عمران : 93 ] # وقول النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( أعطى أهل التوراة التوراة ، ~~فعملوا بها ، وأعطى أهل الإنجيل الإنجيل ، فعملوا به ، وأعطيتم القرآن ، ~~فعملتم به ) . وقال أبو رزين : { يتلونه حق تلاوته } [ البقرة : 121 ] ~~يتبعونه ويعملون به حق عمله ، يقال { يتلى } يقرأ ، حسن التلاوة : حسن ~~القراءة للقرآن ، { لا يمسه } لا يجد طعمه ونفعه إلا من آمن بالقرآن ، ولا ~~يحمله بحقه إلا الموقن ؛ لقوله تعالى : { مثل الذين حملوا التوراة ثم لم ~~يحملوها } [ الجمعة : 5 ] . وسمى النبى - صلى الله عليه وسلم - الإيمان ~~والإسلام والصلاة عملا . قال أبو هريرة : قال النبى - صلى الله عليه وسلم - ~~لبلال : ( أخبرنى أرجى عمل عملته فى الإسلام ) ، قال : ما عملت عملا أرجى ~~عندى أنى لم أتطهر إلا صليت ، وسئل أى العمل أفضل ؟ قال : ( إيمان بالله ~~ورسوله ، ثم الجهاد ، ثم حج مبرور ) . / 148 - فيه : ابن عمر ، قال النبى - ~~صلى الله عليه وسلم - : ( إنما بقاؤكم فيمن سلف من الأمم كما بين صلاة ~~العصر إلى غروب الشمس ، أوتى أهل التوراة التوراة ، فعملوا بها حتى انتصف ~~النهار ، ثم عجزوا فأعطوا قيراطا ، قيراطا ثم أوتى أهل الإنجيل PageV10P533 ~~الإنجيل ، فعملوا به حتى صليت العصر ، ثم عجزوا فأعطوا قيراطا ، قيراطا ثم ~~أوتيتم القرآن ، فعملتم به حتى غربت الشمس . . . ) ، الحديث فأعطيتم ~~قيراطين قيراطين ، فقال أهل الكتاب : هؤلاء أقل منا عملا وأكثر أجرا ، قال ~~الله : هل ظلمتكم من حقكم شيئا ؟ قالوا : لا ، قال : فهو فضلى أوتيه من ~~أشاء ) . وسمى النبى - صلى الله عليه وسلم ms3807 - الصلاة عملا ، وقال : ( لا ~~صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب ) . / 149 - وفيه : ابن مسعود ، أن رجلا ~~سأل النبى - صلى الله عليه وسلم - أى الأعمال أفضل ؟ قال : ( الصلاة لوقتها ~~، وبر الوالدين ، ثم الجهاد فى سبيل الله ) . قال المهلب : معنى هذا الباب ~~كالذى قبله ، أن كل ما يكسبه الإنسان مما يؤمر به من صلاة أو حج أو جهاد ~~وسائر الشرائع عمل له يجازى على فعله ، ويعاقب على تركه ؛ إن أنفذ الله ~~عليه الوعيد . وأما قوله - صلى الله عليه وسلم - حين سئل أى العمل أفضل ، ~~فقال : ( الصلاة لوقتها ، وبر الوالدين ، والجهاد ) فقرن حق الوالدين بحق ~~الله عز وجل على عباده بواو العطف ، وليس هذا بمخالف للحديث الآخر ( أن ~~النبى - صلى الله عليه وسلم - سئل أى العمل أفضل ، فقال : إيمان بالله ، ثم ~~الجهاد ، ثم حج مبرور ) ولم يذكر بر الوالدين ، وإنما يفتى السائل بحسب ما ~~يعلم من حاله ، أو ما يتقى عليه من فتنة الشيطان . فلذلك اختلف ترتيب أفضل ~~الأعمال ، مع أنه قد يكون العمل فى وقت أوكد وأفضل منه فى وقت آخر ، ~~كالجهاد الذى يتأكد مرة ، ويتراخى مرة ، ألا تراه أمر وفد عبد القيس بأمر ~~فصل باشتراطهم ذلك منه ، فلم يرتب لهم الأعمال ، ولا ذكر لهم الجهاد ولا بر ~~الوالدين ، وإنما ذكر لهم أداء الخمس مما يغنمون ، وذكر لهم الانتباذ فى ~~المزفت فيما نهاهم عنه ، وفى المنهيات ما هو أوكد منه مرارا . * * * ~~PageV10P534 # | 50 - باب قوله تعالى : { إن الإنسان خلق هلوعا } ضجورا { إذا مسه الشر ~~جزوعا وإذا مسه الخير منوعا } [ المعارج : 19 ، 20 ، 21 ] # / 150 - فيه : عمرو بن تغلب ، قال : أتى النبى - صلى الله عليه وسلم - ~~مال فأعطى قوما ، ومنع آخرين ، فبلغه أنهم عتبوا ، فقال : ( إنى أعطى الرجل ~~: وأدع الرجل ، والذى أدع أحب إلى من الذى أعطى ، أعطى أقواما لما فى ~~قلوبهم من الجزع والهلع ، وأكل أقواما إلى ما جعل الله فى قلوبهم من الغنى ~~والخير منهم عمرو بن تغلب ) ، فقال عمرو : ما أحب أن لى بكلمة النبى - صلى ~~الله عليه وسلم - حمر النعم ms3808 . قال المهلب : معنى هذا الباب إثبات خلق الله ~~للإنسان بأخلاقه التى خلقه عليها من الهلع ، والمنع ، والإعطاء ، والصبر ~~على الشدة ، واحتسابه ذلك على الله عز وجل وفسر هلوعا بقول من قال : ضجورا ~~؛ لأن الإنسان إذا مسه الشر ضجر به ، ولم يصبر محتسبا ، ويلزم من آمن ~~بالقدر خيره وشره ، وعلم أن الذى أصابه لم يكن ليخطئه ، وما أخطأه لم يكن ~~ليصيبه ، الصبر على كل شدة تنزل به . ألا ترى أن الله تعالى قد استثنى ~~المصلين الذين هم على صلاتهم دائمون ، لا يضجرون بتكررها عليهم ، ولا يملون ~~؛ لأنهم محتسبون لها ، ومكتسبون بها التجارة الرابحة فى الدنيا والآخرة ، ~~وكذلك لا يمنعون حقوق الله فى أموالهم ، فعرفك بما خلق الله عليه أهل الجنة ~~من حسن الأخلاق ، وما استثنى به العارفين المحتسبين بالصبر على الصلاة ~~والصدقة . فقد أفهمك أن من ادعى لنفسه قدرة وحولا بالإمساك والشح والضجر من ~~الإملاق والفقر ، وقلة الصبر لقدر الله الجارى عليه بما سبق فى عمله ليس ~~بقادر ولا عابد لله على حقيقة ما يلزمه ، فمن PageV10P535 ادعى أن له قدرة ~~على نفع نفسه ، أو دفع الضر عنها ، فقد ادعى أن فيه صفة الإلهية من القدرة ~~. وفى حديث عمرو بن تغلب دليل أن أرزاق العباد ليست من الله تعالى على قدر ~~الاستحقاق بالدرجة والرفعة عنده ، ولا عند السلطان فى الدنيا ، وإنما هى ~~على وجه المصلحة ، والسياسة لنفوس العباد الأمارة بالسوء ، ألا ترى أنه - ~~صلى الله عليه وسلم - كان يعطى أقواما ؛ ليداوى ما بقلوبهم من جزع ، وكذلك ~~المنع ، هو على وجه الثقة بتميزه بما قسم الله له لمنعه - صلى الله عليه ~~وسلم - أهل البصائر واليقين . قال غيره : وفيه من الفقه أن البشر فاضلهم ~~ومفضولهم ، قد جبلوا على حب العطاء ، وبغض المنع ، والإسراع إلى إنكار ذلك ~~قبل الفكرة فى عاقبته ، وهل لفاعل ذلك مخرج ؟ وفيه أن المنع قد لا يكون ~~مذموما ، ويكون أفضل للممنوع لقوله - صلى الله عليه وسلم - : ( وأكل أقواما ~~إلى ما جعل فى قلوبهم من الغنى والخير ) . وهذه المنزلة التى شهد لهم ms3809 بها ~~النبى - صلى الله عليه وسلم - أفضل من العطاء الذى هو عرض الدنيا ، ألا ترى ~~أن عمرو بن تغلب اغتبط بذلك بعد جزعه منه ، وقال : ( ما أحب أن لى ذلك حمر ~~النعم ) وفيه استئلاف من يخشى منه ، والاعتذار إلى من ظن ظنا والأمر بخلاف ~~ظنه ، وهذا موضع كان يحتمل التأنيب للظان ، واللوم له لكنه - صلى الله عليه ~~وسلم - رءوف رحيم كما وصفه الله . * * * # | 51 - باب ذكر النبي - عليه السلام - وروايته عن ربه # / 151 - فيه : أنس ، عن النبي - عليه السلام - يرويه عن ربه ، قال : ( ~~إذا تقرب العبد PageV10P536 إلي شبرا ، تقربت إليه ذراعا . . . ) الحديث . ~~/ 152 - وفيه : أبو هريرة ، عن النبى - صلى الله عليه وسلم - يرويه عن ربه ~~، قال : ( لكل عمل كفارة ، والصوم لى . . . ) الحديث . / 153 - وفيه : ابن ~~عباس ، عن النبى - صلى الله عليه وسلم - فيما يروى عن ربه ، قال : ( لا ~~ينبغى لعبد أن يقول : إنه خير من يونس بن متى ) . / 154 - وفيه : ابن مغفل ~~، رأيت النبى - صلى الله عليه وسلم - يوم الفتح على ناقة له يقرأ سورة ~~الفتح ، قال : فرجع فيها ، قال : ثم قرأ معاوية يحكى قراءة ابن مغفل ، وقال ~~: لولا أن يجتمع الناس عليكم لرجعت كما رجع ابن مغفل ، يحكى النبى - صلى ~~الله عليه وسلم - ، فقلت لمعاوية : كيف كان ترجيعه ؟ قال : آ آ آ ثلاث مرات ~~. قال المهلب : معنى هذا الباب أن النبى - صلى الله عليه وسلم - روى عن ربه ~~السنة ، كما روى عنه القرآن ، وهذا مبين فى كتاب الله فى قوله : { وما ينطق ~~عن الهوى إن هو إلا وحى يوحى } [ النجم : 3 ، 4 ] ، ومعنى حديث ابن مغفل فى ~~هذا الباب التنبيه على أن القرآن ، بالترجيع ، والألحان الملذة للقلوب بحسن ~~الصوت المنشود لا المكفوف عن مداه الخارج عن مساق المحادثة ، ألا ترى أن ~~النبى - صلى الله عليه وسلم - أراد أن يبالغ فى تزيين قراءته لسورة الفتح ~~التى كان وعده الله فيها بفتح مكة ، فأنجزه له ليستمل قلوب المشركين العتاة ~~على الله ، بفهم ما يتلوه من إنجاز وعد الله له فيهم ، بإلذاذ ms3810 أسماعهم بحسن ~~الصوت المرجع فيه بنغم ، ثلاث فى المدة الفارغة من التفصيل . PageV10P537 ~~وقول معاوية : ( لولا أن يجتمع الناس إلى ، لرجعت كما رجع ابن مغفل ، يحكى ~~عن النبى ) يدل أن القراءة بالترجيع والألحان تجمع نفوس الناس إلى الإصغاء ~~والتفهم ، ويستميلها ذلك حتى لا تكاد تصبر عن استماع المشوب بلذة الحكمة ~~المفهومة منه ، وقد تقدم فى كتاب فضائل القرآن ، فى باب من لم يتغن بالقرآن ~~، اختلاف أهل العلم فى التغنى . # | 52 - باب ما يجوز من تفسير التوراة وكتب الله بالعربية وغيرها لقول ~~الله تعالى : { فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين } [ آل عمران : 93 ] # وقال ابن عباس : أخبرنى أبو سفيان بن حرب ، أن هرقل دعا ترجمانه ، ثم دعا ~~بكتاب النبى - صلى الله عليه وسلم - فقرأه : ( بسم الله الرحمن الرحيم ، من ~~محمد عبد الله ورسوله إلى هرقل ، و { يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء ~~بيننا وبينكم } الآية ) ، [ آل عمران : 64 ] . / 155 - وفيه : أبو هريرة ، ~~قال : كان أهل الكتاب يقرءون التوراة بالعبرانية ، ويفسرونها بالعربية لأهل ~~الإسلام ، فقال : رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( لا تصدقوا أهل ~~الكتاب ولا تكذبوهم وقولوا : { آمنا بالله وما أنزل } الآية ) [ البقرة : ~~136 ] . / 156 - وفيه : ابن عمر ، أن النبى - صلى الله عليه وسلم - أتى ~~برجل وامرأة زنيا من اليهود ، فقال : { فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم ~~صادقين } فقالوا PageV10P538 لرجل ممن يرضون : يا أعور ، اقرأ ، فقرأ حتى ~~انتهى إلى موضع منها فوضع يده عليها ، قال : ( ارفع يدك ) ، فرفع يده ، ~~فإذا فيه آية الرجم تلوح . . . الحديث . تفسير كتب الله بالعربية جائز وقد ~~كان وهب بن منبه وغيره يترجمون كتب الله ، إلا أنه لا يقطع على صحتها ؛ ~~لقوله - صلى الله عليه وسلم - : ( لا تصدقوا أهل الكتاب فيما يفسرونه من ~~التوراة بالعربية ) لثبوت كتمانهم لبعض الكتاب وتحريفهم له . واحتج أبو ~~حنيفة بحديث هرقل ، وأنه دعا ترجمانه ، وترجم له كتاب النبى بلسانه حتى ~~فهمه ، فأجاز قراءة القرآن بالفارسية ، وقال : إن الصلاة تصح بذلك . وخالفه ~~سائر الفقهاء ، وقالوا : لا تصح الصلاة بها . وقال أبو يوسف ومحمد : إن ms3811 كان ~~يحسن العربية فلا تجزئه الصلاة ، وإن كان لا يحسن أجزأه . ومن حجة أبى ~~حنيفة أن المقروء يسمى قرآنا ، وإن كان بلغة أخرى إذا بين المعنى ، ولم ~~يغادر شيئا ، وإن أتى بما لا ينبئ عنه اللفظ ، نحو الشكر مكان الحمد لم يجز ~~، واستدلوا بأن الله تعالى حكى قول الأنبياء بلسانهم ، بلسان عربى فى ~~القرآن ، كقول نوح : { يا بنى اركب معنا } [ هود : 42 ] ، وأن نوحا قال هذا ~~بلسانه ، قالوا : فكذلك يجوز أن يحكى القرآن بلسانهم ، وقال تعالى : { ~~وأوحى إلى هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ } [ الأنعام : 19 ] ، فأنذر به ~~سائر الناس ، والإنذار إنما يكون بما يفهمونه من لسانهم ، فيقرأ أهل كل لغة ~~بلسانهم ؛ حتى يقع لهم الإنذار به ، وإذا فسر لهم بلسانهم فقد بلغهم ، ~~PageV10P539 وسمى ذلك قرآنا ، وكذلك الإيمان يصح أن يقع بالعربية ~~وبالفارسية ، وحجة من لم يجز قراءة القرآن بالفارسية قوله تعالى : { إنا ~~أنزلناه قرآنا عربيا } [ يوسف : 2 ] ، فأخبر تعالى أنه أنزله عربيا فبطل أن ~~يكون القرآن الأعجمى منزلا ، ويقال لهم : أخبرونا إذا قرأ فاتحة الكتاب ~~بالفارسية ، هل تسمى فاتحة الكتاب أو تفسير فاتحة الكتاب ، فإن قالوا : ~~تفسير فاتحة الكتاب . قيل لهم : قد قال - صلى الله عليه وسلم - : ( لا صلاة ~~لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب ) ، ولم يقل بتفسير فاتحة الكتاب . ألا ترى أنه ~~لو قرأ تفسيرها بالعربية فى الصلاة لم يجز ، فتفسيرها بالفارسية أولى ألا ~~يجوز . وقولهم : إن الله حكى قول الأنبياء ، عليهم السلام ، الذى بلسانهم ~~بلسان عربى فى القرآن ، كقوله نوح : { يا بنى اركب معنا } [ هود : 42 ] وأن ~~نوحا قال هذا بلسانه ، فكذلك يجوز أن يحكى القرآن بلسانهم . فالجواب أنا ~~نقول : أنهم ما نطقوا بما حكى عنهم إلا كما فى القرآن ، ولو قلنا ما ذكروه ~~لم يلزمنا نحن أن نحكى القرآن بلغة أخرى ؛ لأنه يجوز أن يحكى الله تعالى ~~قولهم بلسان العرب ، ثم يتعبدنا نحن بتلاوته على ما أنزله فلا يجوز أن ~~نتعداه ، وما يحتجون به أنه فى الصحف الأولى ، وما يحتجون به من قوله : { ~~وأوحى إلى هذا القرآن ms3812 لأنذركم به ومن بلغ } [ الأنعام : 19 ] فأنذر به على ~~لسان كل أمة ، فالجواب أن العرب إذا حصل عندها أن ذلك معجز ، وهم أهل ~~الفصاحة كانت العجم أتباعا لهم ، كما كانت العامة أتباعا للسحرة فى زمن ~~موسى ، وأتباعا للطب فى زمن عيسى ، فقد يمكن العجم أن يتعلموه بلسان العرب ~~. PageV10P540 وأما قولهم : إن الإيمان يصح أن يقال بالفارسية ، فالجواب أن ~~الإيمان يقع بالاعتقاد دون اللفظ ؛ ولهذا جاز اللفظ بالشهادتين بكل لغة ؛ ~~لأن المقصود سقط المعجز ، الذى هو النظم والتأليف . فإن قيل : أنتم تجوزونه ~~بالفارسية إذا لم يقدر على العربية ؛ فينبغى ألا يفترق الحكم . قيل : إنما ~~أجزناه للضرورة ، وليس ما جاز مع الضرورة يجوز مع القدرة ، ولو كان كذلك ~~لجاز التيمم مع وجود الماء ، ولجاز ترك الصلاة مع القدرة ؛ لأنه يسقط مع ~~العذر . * * * # | 53 - باب قول النبى - صلى الله عليه وسلم - الماهر بالقرآن مع الكرام ~~البررة وزينوا القرآن بأصواتكم # / 157 - فيه : أبو هريرة ، قال : ( ما أذن الله لشىء ما أذن لنبى حسن ~~الصوت بالقرآن يجهر به ) . / 158 - وفيه : عائشة ، حين قال لها أهل الإفك ~~ما قالوا ، قالت : والله ما كنت أظن أن الله ينزل فى شأنى وحيا يتلى ، ~~ولشأنى فى نفسى كان أحقر من أن يتكلم الله فى بأمر يتلى ، فأنزل الله : { ~~إن الذين جاءوا بالإفك } العشر الآيات . / 159 - فيه : البراء ، سمعت النبى ~~- صلى الله عليه وسلم - يقرأ فى العشاء ب { التين والزيتون } فما سمعت أحدا ~~أحسن صوتا ، أو قراءة منه . / 160 - وفيه : ابن عباس ، كان النبى - صلى ~~الله عليه وسلم - متواريا بمكة ، وكان يرفع صوته PageV10P541 بالقرآن فإذا ~~سمعه المشركون سبوا القرآن ، ومن جاء به ، فقال الله لنبيه - صلى الله عليه ~~وسلم - : { ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها } . / 161 - وفيه : أبو سعيد ، ~~قال لابن أبى صعصعة : إنى أراك تحب الغنم والبادية ، فإذا كنت فى غنمك أو ~~باديتك ، فأذنت للصلاة ، فارفع صوتك بالنداء ، فإنه لا يسمع مدى صوت المؤذن ~~جن ولا إنس ولا شىء إلا شهد له يوم القيامة ، سمعته من النبى - صلى الله ms3813 ~~عليه وسلم - . / 162 - وفيه : عائشة ، كان النبى - صلى الله عليه وسلم - ~~يقرأ القرآن ورأسه فى حجرى ، وأنا حائض . قال المهلب : المهارة بالقرآن : ~~جودة التلاوة له بجودة الحفظ ، فلا يتلعثم فى قراءته ، ولا يتغير لسانه ~~بتشكك فى حرف أو قصة مختلفة النص ، وتكون قراءته سمحة بتيسير الله له كما ~~يسره على الملائكة الكرام البررة ، فهو معها فى مثل حالها من الحفظ ، ~~وتيسير التلاوة ، وفى درجة الأجر إن شاء الله ، فيكون بالمهارة عند كريما ~~برا ، وكأن البخارى أشار بهذه الترجمة وما ضمنها من الأحاديث فى حسن الصوت ~~، إلى أن الماهر بالقرآن هو الحافظ له مع حسن الصوت به ، ألا تراه أدخل ~~بأثر ذكر الماهر قوله - صلى الله عليه وسلم - ( زينوا القرآن بأصواتكم ) ~~فأحال - صلى الله عليه وسلم - على الأصوات التى تتزين بها التلاوة فى ~~الأسماع ، لا الأصوات التى تمجها الأسماع لإنكارها ، وجفائها على حاسة ~~السمع ، وتألمها بقرع الصوت المنكر وقد قال تعالى : { إن أنكر الأصوات لصوت ~~الحمير } [ لقمان : 19 ] PageV10P542 لجهارته والله أعلم وشدة قرعه للسمع ، ~~وفى اتباعه أيضا لهذا المعنى بقوله : ( ما أذن الله لشىء ما أذن لنبى حسن ~~الصوت بالقرآن ) ما يقوى قولنا ويشهد له ، وقد تقدم فى فضائل القرآن ، ~~ونزيده هاهنا وضوحا ، فنقول : إن الجهر المراد فى قوله : ( يجهر به ) هو ~~إخراج الحروف فى التلاوة عن مساق المحادثة بالأخبار ، بإلذاذ أسماعهم بحسن ~~الصوت وترجيعه لا الجهر المنهى عنه الجافى على السامع ، كما قال عز وجل ~~للنبى - صلى الله عليه وسلم - : { ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها وابتغ بين ~~ذلك سبيلا } [ الإسراء : 110 ] ، وكما قال تعالى فى النبى : { ولا تجهروا ~~له بالقول كجهر بعضكم لبعض } [ الحجرات : 2 ] ، وقوله : { أن تحبط أعمالكم ~~وأنتم لا تشعرون } [ الحجرات : 2 ] ، دليل أن رفع الصوت على المتكلم بأكثر ~~من صوته من الأذى له ، والأذى خطيئة . ويدل على أن المقاومة فى مقدار ~~المتكلمين معافاة من الخطأ ، إلا فى النبى - صلى الله عليه وسلم - وحده ، ~~فمنع الله من مقاومته فى الآية ، توقيرا له وإعظاما ، وقد روى لفظ الترجمة ms3814 ~~عن النبى - صلى الله عليه وسلم - من حديث قتادة ، عن زرارة بن أوفى ، عن ~~سعيد بن هشام ، عن عائشة قالت : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( ~~الذى يقرأ القرآن وهو به ماهر مع السفرة الكرام البررة ، والذى يقرأ القرآن ~~وهو يشتد عليه فله أجران ) . وتأويل قوله : ( أجران ) والله أعلم تفسيره ~~حديث ابن مسعود : ( من قرأ القرآن فله بكل حرف عشر حسنات ، فيضاعف الأجر ~~لمن يشتد عليه حفظ القرآن فيعطى بكل حرف عشرون حسنة ، PageV10P543 ولأجر ~~الماهر أضعاف هذا إلى ما لا يعلم مقداره ؛ لأنه مساو للسفرة الكرام البررة ~~، وهم الملائكة ) وفى هذا تفضيل الملائكة على بنى آدم ، وقد تقدم . وكذلك ~~لم يسند البخارى قوله - صلى الله عليه وسلم - : ( زينوا القرآن بأصواتكم ) ~~ورواه شعبة ومنصور ، عن طلحة بن مصرف ، عن عبد الرحمن بن عوسجة ، عن البراء ~~بن عازب ، عن النبى - صلى الله عليه وسلم - وقوله : ( زينوا القرآن ~~بأصواتكم ) تفسير قوله - صلى الله عليه وسلم - : ( ليس منا من لم يتغن ~~بالقرآن ) لأن تزيينه بالصوت لا يكون إلا بصوت يطرب سامعيه ويلتذون بسماعه ~~وهو التغنى الذى أشار إليه النبى ، وهو الجهر الذى قيل فى الحديث ، يجهر به ~~بتحسين الصوت الملين للقلوب من القسوة إلى الخشوع ، وهذا التزيين الذى أمر ~~به - صلى الله عليه وسلم - أمته . وإلى هذا أشار أبو عبيد فقال : مجمل ~~الأحاديث التى جاءت فى حسن الصوت بالقرآن ، إنما هو من طريق التخزين ~~والتخويف والتشويق ، وقال : إنما نهى أيوب شعبة أن يحدث بقوله - صلى الله ~~عليه وسلم - : ( زينوا القرآن بأصواتكم ) لئلا يتأول الناس فيه الرخصة من ~~رسول الله فى هذه الألحان المبتدعة . وفسر أبو سليمان الخطابى الحديث ~~بتفسير آخر ، قال : معنى قوله - صلى الله عليه وسلم - : ( زينوا القرآن ~~بأصواتكم ) أى زينوا أصواتكم بالقرآن على مذهبهم فى قلب الكلام ، وهو كثير ~~فى كلامهم ، يقال : عرضت الناقة على الحوض : أى عرضت الحوض على الناقة ، ~~PageV10P544 وإنما تأولنا الحديث على هذا المعنى ؛ لأنه لا يجوز على القرآن ~~وهو كلام الخالق أن يزينه صوت مخلوق . وقال شعبة ms3815 : نهانى أيوب أن أحدث بهذا ~~الحديث . وهكذا رواه سهيل بن أبى صالح ، عن أبيه ، عن أبى هريرة ، عن النبى ~~- صلى الله عليه وسلم - قال : ( زينوا أصواتكم بالقرآن ) والمعنى : أشغلوا ~~أصواتكم بالقرآن ، والهجوا بقراءته ، واتخذوا شعارا . ولم يرد تطريب الصوت ~~به والتزيين له ، إذ ليس ذلك فى وسع كل أحد ، لعل من الناس من يريد التزيين ~~له ، فيفضى ذلك به إلى التهجين ، وهذا معنى قوله - صلى الله عليه وسلم - : ~~( ليس منا من لم يتغن بالقرآن ) إنما هو أن يلهج بتلاوته كما يلهج الناس ~~بالغناء والطرب عليه . وهكذا فسره أبو سعيد بن الأعرابى ، سأله عنه إبراهيم ~~ابن فراس فقال : كانت العرب تتغنى بالركبانى ، وهو النشيد بالتمطيط والمد ، ~~إذا ركبت الإبل ، وإذا جلست فى الأفنية ، وعلى أكثر أحوالها ، فلما نزل ~~القرآن أحب النبى أن يكون القرآن هجيرهم ، مكان التغنى بالركبانى . قال ~~المؤلف : والقول الأول هو الذى عليه الفقهاء ، وعليه تدل الآثار ، وما اعتل ~~به الخطابى من أن كلام الله لا يجوز أن يزينه صوت مخلوق ، فقد نقضه بقوله : ~~( وليس التزيين فى وسع كل أحد ، لعل من الناس من يريد التزيين فيقع فى ~~التهجين ) فقد نفى عنه التزيين وأثبت له التهجين ، وهذا خلف من القول . ~~PageV10P545 ولو كان المعنى زينوا أصواتكم بالقرآن كما زعم هذا القائل ؛ ~~لدخل فى الخطاب من كان قبيح الصوت وحسنه ، ولم يكن للحسن الصوت فضل على ~~غيره ؛ ولا عرف للحديث معنى ، ولما ثبت أن النبى - صلى الله عليه وسلم - ~~قال لأبى موسى الأشعرى ، حين سمع قراءته وحسن صوته : ( لقد أوتى هذا مزمارا ~~من مزامير آل داود ) . وثبت أن عقبة بن عامر كان حسن الصوت بالقرآن ، فقال ~~له عمر ابن الخطاب : اقرأ سورة كذا ، فقرأها عليه ، فبكى عمر وقال : ما كنت ~~أظن أنها نزلت . فدل ذلك أن التزيين للقرآن إنما هو تحسين الصوت به ليعظم ~~موقعه من القلوب ، وتستميل مواعظه النفوس ، ولا ينكر أن يكون القرآن يزين ~~صوت من أدمن قراءته ، وآثره على حديث الناس ، غير أن جلالة موقعه من القلوب ~~، والتذاذ ms3816 السامعين به لا يكون إلا مع تحسين الصوت به . وقوله فى حديث أبى ~~سعيد : ( ارفع صوتك بالنداء ) ففيه دليل أن رفع الصوت وتحسينه بذكر الله فى ~~القرآن وغيره من أفعال البر ؛ لأن ذلك تعظيم أمر الله ، والإعلان بشريعته ، ~~وذلك يزيد فى التخشع ، وترقيق النفوس . قال المهلب : وأما حديث عائشة أن ~~النبى - صلى الله عليه وسلم - كان يقرأ القرآن ورأسه فى حجرها وهى حائض ، ~~ففيه معنى ما ترجم به من معنى المهارة بالقرآن ؛ لأنه كان قد يسر الله عليه ~~قراءته حتى كان يقرأه على كل أحواله لا يحتاج أن يتهيأ له بقعود ، ولا ~~بإحضار حفظه ؛ لاستحكامه فيه ، فلا يخاف عليه توقفا ؛ فلذلك كان يقرؤه ~~راكبا وماشيا وقاعدا وقائما ولا يتأهب لقوة حفظه ومهارته - عليه السلام - ، ~~PageV10P546 ومنه أن المؤمن لا ينجس كما قال - صلى الله عليه وسلم - ، وأن ~~وصف المؤمن بالنجاسة إنما هو إخبار عن حال مباشرة الصلاة ، ونقض غسله ~~ووضوئه ، ألا ترى سماع عائشة قراءة الرسول وهى حائض ، والسماع عمل من أعمال ~~المؤمنين مدخور لهم به الحسنات ورفع الدرجات . * * * # | 54 - باب قوله تعالى : { فاقرءوا ما تيسر من القرآن } [ المزمل : 20 ] # / 163 - فيه : عمر ، سمعت هشام بن حكيم يقرأ سورة الفرقان فى حياة رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - على حروف كثيرة لم يقرئنيها رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - ، فكدت أساوره فى الصلاة ، فتصبرت حتى سلم ، فلببته ~~بردائه . . . فذكر الحديث إلى قوله : ( إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف ، ~~فاقرءوا ما تيسر منه ) . وقد تقدم فى فضائل القرآن . قال المهلب : ومعنى ~~قوله : { فاقرءوا ما تيسر من القرآن } [ المزمل : 20 ] ، ما تيسر على القلب ~~حفظه من آياته ، وعلى اللسان من لغاته ، وإعراب حركاته ، كما فسره النبى فى ~~هذا الحديث . ونذكر فى هذا الموضع ما لم يمض فى فضائل القرآن إن قال قائل : ~~إذا ثبت أن القرآن أنزل على سبعة أحرف فكيف ساغ للقراء تكثير الروايات ~~وقراءتهم بسبعين رواية وبأزيد من مائة ؟ قال المهلب : فالجواب : أن عثمان ~~لما أمر بكتابة المصاحف التى بعث ms3817 بها إلى البلدان أخذ كل إمام من أئمة ~~القراء في PageV10P547 كل أفق نسخته ، فما انفك له من سوادها وحروف مدادها ~~مما وافق قراءته التى كان يقرأ لم يمكنه مفارقته لقيامه من سواد الحفظة ، ~~وأنه كان عنده فيه رواية إلى أحد من الصحابة ، مع أنه لم تكن النسخ التى ~~بعث بها عثمان مضبوطة بشكل لا يمكن تعديه ، ولا تحقيق هجاء يعين معانيه ؛ ~~إذ كانوا يسمحون فى الهجاء بإسقاط الألف من كلمة لعلمهم بها استخفافا لكثرة ~~تكرر هذا كألف العالمين والمساكين ، وكل ألف هى فى المصحف ملحقة بالحمرة . ~~وقال يزيد الرقاشى : كان فى المصحف كانوا : كنوا ، وقالوا : قلوا ، فزدنا ~~فيها ألفا ، يريد جماعة القراء حين جمعهم الحجاج ، وكذلك ما زادوا فى الخط ~~وقد كان فى المصحف : ( ماء غير يسن ) فردها الحجاج مع جماعة القراء { آسن } ~~وفى الزخرف : ( معايشهم ) فردها { معيشتهم } . فكل تأول من ذلك الخط ما ~~وافق قراءته كيفما كان من طريق الشكل وحركات الحروف مما يبدل المعنى ، وقد ~~يجوز أن يكون ذلك من وهل الأقلام ، ويدل على ذلك استجلاب الحجاج مصحف أهل ~~المدينة ورد مصاحف البصرة والكوفة إليه وإبقاء ما لا يغير معنى ، وما له ~~وجه جائز من وجوه ذلك المعنى وصار خط مصحف أهل المدينة سنة متبعة لا يجوز ~~فيها التغيير ؛ لأنها القراءة المنقولة سمعا ، وأن الستة المتروكة قطعا ~~لذريعة الاختلاف ما وافق منها المنفك من سواد الخط لأهل الأمصار فتواطئوا ~~عليها جوز PageV10P548 لهم تأويلهم فيه بما وافق روايتهم عن صحابى لخشية ~~التحزب الذى منه هربوا ، ولكثرة من اتبع القراء فى تلك الأمصار من العامة ~~غير المأمونة عند منازعتها ، فهذا وجه تجويز العلماء أن يقرأ بخلاف أهل ~~المدينة وبروايات كثيرة . وأما ما ذكر من قراءة ابن مسعود فهذا تبديل كلمة ~~بأخرى كقوله : { صيحة واحدة } [ يس : 29 ] ، قرأها هو : ( زقية واحدة ) و { ~~بيضاء لذة للشاربين } [ الصافات : 46 ] قرأها : ( صفراء ) فهذا تبديل اللفظ ~~والمعنى ، ولذلك أجمعت الأمة على ترك القراءة بها ، ولو سمح فى تبديل ~~السواد لما بقى منه إلا الأقل ، لكن ms3818 الله حفظه علينا من تحكم المتأولين ~~وتسلط أيدى الكاتبين على تبديل حرف بحرام إلى حلال ، وحلال بحرام ، وكلمة ~~عذاب برحمة ، ورحمة بعذاب ، ونهى بأمر ، وأمر بنهى ، وإنما هو ذلك مما هو ~~جائز فى كلام العرب من نصب وخفض ورفع مما لا يحيل معنى ولا حرج فيه . وقد ~~روى البغوى : حديث محمد بن زياد ، حدثنا ابن شهاب الخياط ، حدثنا داود بن ~~أبى هند ، عن عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن جده قال : ( جلس ناس من أصحاب ~~النبى - صلى الله عليه وسلم - على بابه ، فقال بعضهم : إن الله قال فى آية ~~كذا كذا ، وقال بعضهم : لم يقل كذا . فخرج رسول الله كأنما فقئ فى وجهه حب ~~الرمان وقال : أبهذا أمرتم ؟ إنما ضلت الأمم فى مثل هذا ، انظروا ما ~~PageV10P549 أمرتم به فاعلموا به ، وما نهيتم عنه فانتهوا ) فدل هذا أنه لم ~~يك فى السبع الذى نزل بها القرآن ما يحيل الأمر والنهى عن مواضعه ، ولا ~~يحيل الصفات عن مواضعها ؛ لأنها مأمور باعتقادها ومنهى عن قياسها على ~~المعانى ؛ لأنه تعالى برئ من الأشياء والأنداد ، وبقيت حركات الإعراب ~~مستعملة لما انفك من سواد الخط فى المجتمع عليه ، وعلى هذا استقر أمر ~~القراءات عند العلماء . * * * # | 55 - باب قوله تعالى : { ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر } [ ~~القمر : 32 ] # وقال - صلى الله عليه وسلم - : ( كل ميسر لما خلق له ) . مهيأ / 164 - ~~فيه : عمران ، قلت : ( يا رسول الله ، فيما يعمل العاملون ؟ قال : ( كل ~~ميسر لما خلق له ) . وروى على معناه عن النبى - صلى الله عليه وسلم - ، وقد ~~تقدم فى كتاب القدر . وتيسير القرآن للذكر هو تسهيله على اللسان ، ومسارعته ~~إلى القراءة حتى أنه ربما سبق اللسان إليه فى القراءة فيجاوز الحرف إلى ما ~~بعده ، ويحذف الكلمة حرصا على ما بعدها . وقوله : { فهل من مدكر } [ القمر ~~: 15 ] ، أى : متفكر ومتدبر لما يقرأ ومستيقظ لما يسمع ، يأمرهم أن يعتبروا ~~، ويحذرهم أن ينزل بهم ما نزل بمن هلك من الأمم قبلهم ، وأصله : مذتكر ، ~~مفتعل من الذكر ، أدغمت الذال فى التاء ، ثم ms3819 قلبت دالا ، وأدغمت الذال فى ~~الدال ؛ لأنها أشبه بالدال من التاء . * * * PageV10P550 # | 56 - باب قوله تعالى { بل هو قرآن مجيد فى لوح محفوظ } [ البروج : 21 ، ~~22 ] { والطور وكتاب مسطور فى رق منشور } # قال قتادة : { يسطرون } [ القلم : 1 ] يخطون { فى أم الكتاب } الزخرف : 4 ~~جملة الكتاب ، وأصله { ما يلفظ } [ ق : 18 ] ما يتكلم من شىء إلا كتب عليه ~~. وقال ابن عباس : يكتب الخير والشر ، { يحرفون } : يزيلون ، وليس أحد يزيل ~~لفظ كتاب من كتب الله عز وجل ولكنهم يحرفونه يتأولونه على غير تأويله ، ~~دراستهم : تلاوتهم ، { واعية } حافظة { وتعيها } تحفظها ، { وأوحى إلى هذا ~~القرآن لأنذركم به } [ الأنعام : 19 ] يعنى أهل مكة ، { ومن بلغ } هذا ~~القرآن ، فهو له نذير . / 165 - فيه : أبو هريرة ، قال - صلى الله عليه ~~وسلم - : ( لما قضى الله الخلق كتب كتابا عنده : غلبت ، أو قال : سبقت ~~رحمتى غضبى ، وهو عنده فوق العرش ) . وقال مرة عن النبى - صلى الله عليه ~~وسلم - : ( إن الله كتب كتابا قبل أن يخلق الخلق : إن رحمتى سبقت غضبى ، ~~وهو مكتوب عنده فوق العرش ) . قال أهل التفسير : { بل هو قرآن مجيد } [ ~~البروج : 21 ] ، أى كريم على الله تعالى { فى لوح محفوظ } [ البروج : 22 ] ~~، وهو أم الكتاب عند الله . وقرأ نافع : ( محفوظ ) بالرفع من نعت ( قرآن ) ~~المعنى : بل هو قرآن مجيد محفوظ فى لوح . وقرأه غيره : ( محفوظ ) بالخفض من ~~نعت اللوح ، واختلف أهل التأويل فى قوله : { والطور PageV10P551 وكتاب ~~مسطور فى رق منشور } [ الطور : 1 - 3 ] ، قال الحسن : هو القرآن فى أيدى ~~السفرة . وقال الزجاج : الكتاب هاهنا ما أثبت على بنى آدم من أعمالهم . قال ~~المهلب : وما ذكره النبى - صلى الله عليه وسلم - من سبق رحمة الله لغضبه ~~فهو ظاهر ؛ لأن من غضب الله عليه من خلقه لم يخيبه فى الدنيا من رحمته ~~ورأفته ، بأن رزقه ونعمه وخوله مدة عمره أو وقتا من دهره ، ومكنه من آماله ~~وملاذه ، وهو لا يستحق بكفره ومعاندته غير أليم العذاب ، فكيف رحمته بمن ~~آمن به واعترف بذنوبه ، ورجا غفرانه ، ودعاه تضرعا وخفية . وقد قال بعض ms3820 ~~المتكلمين : إن رحمته تعالى لم تنقطع عن أهل النار المخلدين الكفار ، إذ من ~~قدرته أن يخلق لهم عذابا يكون عذاب النار لأهلها رحمة وتخفيفا بالإضافة إلى ~~ذلك العذاب . * * * # | 57 - باب قوله تعالى : { والله خلقكم وما تعملون } [ الصافات : 96 ] { ~~إنا كل شىء خلقناه بقدر } [ القمر : 49 ] # ويقال للمصورين : أحيوا ما خلقتم ، { إن ربكم الله الذى خلق السموات ~~والأرض } الآية [ الأعراف : 54 ] . وقال ابن عيينة : بين الله الخلق من ~~الأمر ؛ بقوله تعالى : { ألا له الخلق والأمر } [ الأعراف : 54 ] وسمى ~~النبى - صلى الله عليه وسلم - الإيمان عملا . قال أبو ذر ، وأبو هريرة : ~~سئل النبى - صلى الله عليه وسلم - أى الأعمال أفضل ؟ قال : إيمان بالله ، ~~وجهاد فى سبيله ، وقال : { جزاء بما كانوا يعملون } [ السجدة : 17 ] ، ~~PageV10P552 وقال : وفد عبد القيس للنبي - صلى الله عليه وسلم - مرنا بجمل ~~من الأمر إن عملنا بها دخلنا الجنة ، فأمرهم بالإيمان والشهادة ، وإقام ~~الصلاة ، وإيتاء الزكاة ، فجعل ذلك كله عملا . / 166 - فيه : أبو موسى ، ~~أتيت النبى - صلى الله عليه وسلم - فى نفر من الأشعريين نستحمله ، قال : ( ~~والله لا أحملكم . . . ) وذكر الحديث إلى قوله : ( لست أنا أحملكم ، ولكن ~~الله حملكم . . . ) إلى آخره . / 167 - وفيه : ابن عباس ، ( قدم وفد ~~عبدالقيس على النبى - صلى الله عليه وسلم - ، فقالوا : مرنا بعمل من الأمر ~~، إن عملنا بها دخلنا الجنة ، وندعو إليها من وراءنا ، قال : ( آمركم ~~بالإيمان بالله ، شهادة أن لا إله إلا الله . . . ) ، الحديث . / 168 - ~~وفيه : عائشة ، قال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( إن أصحاب هذه الصور ~~يعذبون يوم القيامة ، ويقال لهم : أحيوا ما خلقتم ) . / 169 - وفيه : أبو ~~هريرة ، قال النبى عليه السلام : ( قال الله : ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقى ~~، فليخلقوا ذرة ، وليخلقوا حبة أو شعيرة ) . قال المهلب : غرضه فى هذا ~~الباب إثبات أفعال العباد وأقوالهم خلقا لله تعالى كسائر الأبواب المتقدمة ~~، واحتج بقوله : { والله خلقكم وما تعملون } [ الصافات : 96 ] ، ثم فصل بين ~~الأمر بقوله للشئ : كن ، وبين خلقه قطعا للمعتزلة القائلين بأن الأمر هو ~~الخلق ، وأنه إذا قال للشئ : كن . معناه أنه كونه ms3821 نفيا منهم للكلام عن الله ~~خلافا لقوله : { وكلم الله موسى تكليما } [ النساء : 164 ] ، وقد تقدم بيان ~~الرد عليهم فى باب : المشيئة والإرادة ثم زاد في PageV10P553 بيان الأمر ~~فقال : { والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره } [ الأعراف : 54 ] ، فجعل ~~الأمر غير خلقه لها ، وغير تسخيرها الذى هو عن أمره ، ثم ذكر قول ابن عيينة ~~أنه فصل بين الخلق والأمر وجعلهما شيئين بإدخال حرف العطف بينهما ، والأمر ~~منه تعالى قول ، وقوله صفة من صفاته غير مخلوق . ثم بين لك أن قول الإنسان ~~بالإيمان وغيره قد سماه رسول الله عملا حين سئل : أى العمل أفضل ؟ قال : ~~إيمان بالله . والإيمان قول باللسان ، واعتقاد بالقلب ، وعمل بالجوارح ، ~~وكذلك أمره وفد عبد القيس حين سألوه أن يدلهم على ما إن عملوه دخلوا الجنة ~~فأمرهم بالإيمان بالقلب ، والشهادة باللسان ، وسائر أعمال الجوارح . فثبت ~~أن كلام ابن آدم بالإيمان وغيره عمل من أعماله وفعل له ، وأن كلام الله ~~المنزل بكلمة الإيمان غير مخلوق ، ثم بين لك أن أعمالنا كلها مخلوقة لله ~~تعالى خلافا للقدرية الذين يزعمون أنها غير مخلوقة له تعالى بقوله فى حديث ~~أبى موسى لست أنا حملتكم على الإبل بعد أن حلف لهم أن ما عندى ما أحملكم ~~عليه ، وإنما الله هو الذى حملكم عليها ، ويسرها لكم فأثبت ذلك كله فعلا ~~لله تعالى ، وهذا بين لا إشكال فيه . وقوله فى حديث عائشة : يقال للمصورين ~~: أحيوا ما خلقتم ) فإنما نسب خلقها إليهم توبيخا لهم وتقريعا لهم فى ~~مضاهاتهم الله عز وجل فى خلقه فبكتهم بأن قال لهم : فإذ قد شابهتم بما ~~صورتم مخلوقات الرب ، فأحيوا ما خلقتم كما أحيا هو تعالى ما خلق فينقطعون ~~بهذه المطالبة حين لا يستطيعون نفخ الروح في ذلك . PageV10P554 ومثل هذا ~~قوله فى حديث أبى هريرة : قال الله تعالى : ( ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقى ~~) يريد يصور صورة تشبه خلقى فسمى فعل الإنسان فى تصوير مثالها خلقا له ~~توبيخا له على تشبهه بالله فيما صور فأحكم وأتقن على غير مثال احتذاه ولا ~~من شىء قديم ms3822 ابتداه ، بل أنشأ من معدوم ، وابتدع من غير معلوم ، وأنتم ~~صورتم من خشب موجود وحجر غير مفقود على شبه معهود مضاهين له ، وموهمين ~~الأغمار أنكم خلقتم كخلقه ، فاخلقوا أقل مخلوقاته وأحقرها الذرة المتعدية ~~فى أدق من الشعر ، وأنفذ منكم بغير آله فى نحت الحجر فتتخذه مسكنا وتدخر ~~فيه قوتها نظرا فى معاشها ، أو اخلقوا حبة من هذه الأقوات التى خلقها الله ~~لعباده ، ثم يخرج منها زرعا لا يشبهها نباته ، ثم يطلع منها بقدرته من ~~جنسها بعد أن أعدم شخصها عددا من غير نوع نباتها الأخضر قدرة بالغة لمعتبر ~~، وإعجازا لجميع البشر . # | 58 - باب قراءة الفاجر والمنافق وأصواتهم وتلاوتهم لا تجاوز حناجرهم # / 170 - فيه : أبو موسى ، قال - صلى الله عليه وسلم - : ( مثل المؤمن ~~الذى يقرأ القرآن كالأترجة ، طعمها طيب ، وريحها طيب ، ومثل الذى لا يقرأ ~~القرآن كالتمرة ، طعمها طيب ولا ريح لها ، ومثل الفاجر الذى يقرأ القرآن ~~كمثل الريحانة ، ريحها طيب وطعمها مر ، ومثل الفاجر الذى لا يقرأ القرآن ~~كمثل الحنظلة ، طعمها مر ولا ريح لها ) . / 171 - وفيه : عائشة ، سأل أناس ~~النبى - صلى الله عليه وسلم - عن الكهان ، PageV10P555 فقال : ( إنهم ليسوا ~~بشىء ) ، فقالوا : يا رسول الله ، فإنهم يحدثون بالشىء يكون حقا ، قال : ~~فقال النبي - عليه السلام - : ( تلك الكلمة من الحق ، يخطفها الجنى ، ~~فيقرقرها فى أذن وليه ، كقرقرة الدجاجة فيخلطون ، فيه أكثر من مائة كذبة ) ~~. / 172 - وفيه : أبو سعيد ، قال ، عليه السلام : ( يخرج ناس من قبل المشرق ~~، ويقرءون القرآن ، لا يجاوز تراقيهم ، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من ~~الرمية ، ثم لا يعودون فيه حتى يعود السهم إلى فوقه ، قيل : ما سيماهم ؟ ~~قال : سيماهم التحليق ، أو قال : التسبيد ) . معنى هذا الباب أن قراءة ~~الفاجر والمنافق لا ترتفع إلى الله ولا تزكو عنده ، وإنما يزكو عنده ويرتفع ~~إليه من الأعمال ما أريد به وجهه ، وكان عن نية وقربة إليه تعالى ، ألا ترى ~~أنه شبه الفاجر الذى يقرأ القرآن بالريحانة ، ريحها طيب وطعمها مر حين لم ~~ينتفع ببركة القرآن ، ولم يفز بحلاوة أجره فلم ms3823 يجاوز الطيب حلوقهم من موضع ~~الصوت ، ولا بلغ إلى قلوبهم ذلك الطيب ؛ لأن طعم قلوبهم مر وهو النفاق ~~المستسر كما استسر طعم الريحانة فى عودها مع ظهور رائحتها وهؤلاء هم الذين ~~يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية . وأما قوله : ( ثم لا يعودون ~~فيه حتى يعود السهم إلى فوقه ) فهذا الحديث أخرجهم من الإسلام ، وهو بخلاف ~~الحديث الذى قال فيه عليه الصلاة السلام : ( ويتمارى فى الفوق ) لأن ذلك ~~التمارى أبقاهم فى الإسلام . وهذا الحديث أخرجهم من الإسلام ؛ لأن السهم لا ~~يعود إلى فوقه بنفسه أبدا ، فيمكن أن يكون هذا الحديث فى قوم عرفهم النبي - ~~عليه PageV10P556 السلام - بالوحي أنهم يمرقون قبل التوبة ، وقد خرجوا ~~ببدعتهم وسوء تأويلهم إلى الكفر ، ألا ترى أنه - صلى الله عليه وسلم - ~~وسمهم بسيما خصهم بها من غيرهم وهو التسبيد أو التحليق ، كما وسمهم بالرجل ~~السود الذى إحدى يديه مثل ثدى المرأة ، وهم الذين قتل على بالنهروان حين ~~قالوا : إنك ربنا ، فاغتاظ عليهم وأمر بحرقهم بالنار فزادهم الشيطان فتنة ~~فقالوا : الآن أيقنا أنك ربنا ؛ إذ لا يعذب بالنار إلا الله فثبت بذلك ~~كفرهم ، وقد قال بعض العلماء : إن من وسمه النبى - صلى الله عليه وسلم - ~~بتحليق أو غيره أنه لا يستتاب إذا وجدت فيه السيما ، ألا ترى أن عليا ، رضى ~~الله عنه ، لم ينقل عنه أنه استتاب أحدا منهم . وقد روى على عن النبى - صلى ~~الله عليه وسلم - أنه قال : ( أينما لقيتموهم فاقتلوهم فإن فى قتلهم أجر ~~لمن قتلهم ، وقال : لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد ) . وأما حديث الكهان ~~فإنما ذكره فى هذا الباب لقوله - صلى الله عليه وسلم - : ( ليسوا بشئ ) وإن ~~كان فى كلامهم شىء من الحق والصدق فإنهم يفسدون تلك الكلمة من الصدق بمائة ~~كذبة أو أكثر ، فلم ينتفعوا بتلك الكلمة من الصدق لغلبة الكذب عليهم ، كما ~~لم ينتفع المنافق بقراءته لفساد عقد قلبه . وأما قوله : ( فيقرقرها فى أذن ~~وليه كقرقرة الدجاجة ) أى يضعها فى الأذن بصوت شبيه بقرقرة الدجاجة . قال ~~الأصمعى : قرقر البعر قرقرة ms3824 إذا صفا ورجع . وقد روى : كقرقرة الزجاجة ، ~~وكلا الروايتين صواب ، ويدل على PageV10P557 صحة الرواية بالزجاجة رواية من ~~روى : كما تقر القارورة ؛ لأن القرقرة قد تكون فى الزجاجة عند وضع الأشياء ~~فيها كما تقرقر الدجاجة أيضا ، وكما تكون القراقر فى البطن ، ووقع فى كتاب ~~بدء الخلق : فيقرها فى أذن وليه كما تقر القارورة ، والمعنى فيه : أن ~~الشياطين تقرأ الكلمة فى أذن الكاهن كما يقر الشىء فى القارورة ، وهذا على ~~الاتساع كقوله تعالى : { بل مكر الليل والنهار } [ سبأ : 33 ] ، والمعنى : ~~بل مكرهم فى الليل والنهار لأن القارورة لا تقر ، وإنما يقر فيها كما لا ~~يكون المكر لليل والنهار وإنما يكون فيهما . قال صاحب الأفعال : قررت الماء ~~فى السقاء : صببته فيه ، وأقررته وقررت الخبر فى أذنه أقره قرا : أودعته ~~فيها . وعن أبى زيد : أقره ، بكسر القاف . وقال الأصمعى : يقال : قر ذلك فى ~~أذنه يقر قرا إذا صار فى أذنه فيكون معناه أنه يقر الكلمة فى أذن الكاهن من ~~غير صوت ، وفى حديث القرقرة أنه يضعها بصوت ، فدل اختلاف لفظ الحديثين أنه ~~مرة يضعها فى أذن الكاهن بصوت ، ومرة بغير صوت . وقوله : ( سيماهم التحليق ~~أو التسبيد ) شك من المحدث فى أى اللفظين قال - صلى الله عليه وسلم - ، ~~ومعناهما متقارب . قال صاحب العين : سبد رأسه : استأصل شعره . والتسبيد أن ~~ينبت شعره بعد أيام . * * * # | 59 - باب قوله تعالى : { ونضع الموازين القسط ليوم القيامة } [ ~~الأنبياء : 47 ] وأن أعمال بنى آدم وقولهم توزن # وقال مجاهد : القسطاس : العدل بالرومية ، ويقال : القسط مصدر المقسط ، ~~وهو العادل ، وأما القاسط فهو الجائر . PageV10P558 / 173 - قال أبو هريرة ~~: قال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( كلمتان حبيبتان إلى الرحمن خفيفتان ~~على اللسان ، ثقيلتان فى الميزان : سبحان الله وبحمده ، سبحان الله العظيم ~~) . قال الزجاج : القسط : العدل ، المعنى : ونضع الموازين ذوات القسط ، ~~وقسط مثل عدل مصدر يوصف به ، يقال : ميزان قسط ، وميزانان قسط وموازين قسط ~~. وأجمع أهل السنة على الإيمان بالميزان ، وأن أعمال العباد توزن يوم ~~القيامة ، وأن الميزان له لسان وكفتان وتمثل الأعمال بما يوزن ، وخالف ms3825 ذلك ~~المعتزلة وأنكروا الميزان وقالوا : الميزان عبارة عن العدل . وهو خلاف لنص ~~كتاب الله ، وقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - . قال المهلب : فأخبر ~~الله تعالى أنه يضع الموازين لتوزن أعمال العباد بها ، فيريهم أعمالهم ~~ممثلة فى الميزان لأعين العاملين ؛ ليكونوا على أنفسهم شاهدين قطعا لحججهم ~~وإبلاغا فى إنصافهم عن أعمالهم الحسنة ، وتبكيتا لمن قال : إن الله لا يعلم ~~كثيرا مما يعملون ، وتقصيا عليهم لأعمالهم المخالفة لما شرع لهم ، وبرهانا ~~على عدله على جميعهم ، وأنه لا يظلم مثقال حبة من خردل حتى يعترف كل بما قد ~~نسيه من عمله ، ويميز ما عساه قد احتقره من فعله . ويقال له عند اعترافه : ~~كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا . وقوله : ثقيلتان يدل أن تسبيح الله وتقديسه ~~من أفضل النوافل ، وأعظم الذخائر عنده تعالى ، ألا ترى قوله - صلى الله ~~عليه وسلم - : ( حبيبتان إلى الرحمن ) . PageV10P559 وقول البخاري : ويقال ~~: القسط مصدر المقسط فإنما أراد المصدر المحذوف الزوائد ، كالقدر مصدر قدرت ~~إذا حذفت زوائده ، قال الشاعر : وإن تهلك فذلك كان قدرى بمعنى : تقديرى ~~محذوف زوائده ، ورده إلى الأصل ، ومثله كثير ، وإنما تحذف العرب زوائد ~~المصادر لترد الكلام إلى أصله ، ويدل عليه . ومصدر المقسط : الجارى على ~~فعله الإقساط . * * * ms3826