######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shamela_0000765 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: أبو الحسن علي بن محمد بن محمد بن حبيب البصري البغدادي، الشهير بالماوردي (المتوفى: 450هـ) #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 450 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: أدب الدنيا والدين #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: الرقاق والآداب والأذكار #META# 022.BookVOLS :: 1 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shamela_0000765 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shamela.ws/browse.php/book-765 #META# 031.LibURL :: http://shamela.ws/index.php/book/765 #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: NODATA #META# 041.EdNUMBER :: بدون طبعة #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: دار مكتبة الحياة #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: 1986م #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # PageV00P000 ### | [مقدمة الكتاب] # مقدمة المؤلف الحمد لله ذي الطول والآلاء، وصلى الله على سيدنا محمد خاتم ~~الرسل والأنبياء، وعلى آله وأصحابه الأتقياء. أما بعد فإن شرف المطلوب بشرف ~~نتائجه، وعظم خطره بكثرة منافعه، وبحسب منافعه تجب العناية به، وعلى قدر ~~العناية به يكون اجتناء ثمرته، وأعظم الأمور خطرا وقدرا وأعمها نفعا ورفدا ~~ما استقام به الدين والدنيا وانتظم به صلاح الآخرة والأولى؛ لأن باستقامة ~~الدين تصح العبادة، وبصلاح الدنيا تتم السعادة. وقد توخيت بهذا الكتاب ~~الإشارة إلى آدابهما، وتفصيل ما أجمل من أحوالهما، على أعدل الأمرين من ~~إيجاز وبسط أجمع فيه بين تحقيق الفقهاء، وترقيق الأدباء، فلا ينبو عن فهم، ~~ولا يدق في وهم، مستشهدا من كتاب الله - جل اسمه - بما يقتضيه، ومن سنن ~~رسول الله - صلوات الله عليه - بما يضاهيه، ثم متبعا ذلك بأمثال الحكماء، ~~وآداب البلغاء، وأقوال الشعراء؛ لأن القلوب ترتاح إلى الفنون المختلفة ~~وتسأم من الفن الواحد. # وقد قال علي بن أبي طالب - رضي الله عنه -: إن القلوب تمل كما تمل ~~الأبدان فاهدوا إليها طرائف الحكمة. فكأن هذا الأسلوب، يحب التنقل في ~~المطلوب، من مكان إلى مكان وكان المأمون - رحمه الله تعالى -، يتنقل كثيرا ~~في داره من مكان إلى مكان وينشد قول أبي العتاهية: # لا يصلح النفس إذ كانت مدبرة ... إلا التنقل من حال إلى حال # وجعلت ما تضمنه هذا الكتاب خمسة أبواب: # PageV01P013 # الباب الأول: في فضل العقل وذم الهوى. # الباب الثاني: في أدب العلم. # الباب الثالث: في أدب الدين. # الباب الرابع: في أدب الدنيا. # الباب الخامس: في أدب النفس. وإنما أستمد من الله تعالى حسن معونته، ~~وأستودعه حفاظ موهبته، بحوله ومشيئته، وهو حسبي من معين وحفيظ. # PageV01P014 ### | [الباب الأول ### | فضل العقل # وذم الهوى] [فضل العقل] # PageV01P015 # اعلم أن لكل فضيلة أسا ولكل أدب ينبوعا، وأس الفضائل وينبوع الآداب هو ~~العقل الذي جعله الله تعالى للدين أصلا وللدنيا عمادا، فأوجب الدين بكماله ~~وجعل الدنيا مدبرة بأحكامه، وألف به بين خلقه مع اختلاف هممهم ومآربهم، ~~وتباين أغراضهم ومقاصدهم، وجعل ما تعبدهم ms001 به قسمين: قسما وجب بالعقل فوكده ~~الشرع، وقسما جاز في العقل فأوجبه الشرع فكان العقل لهما عمادا. # وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «ما اكتسب المرء مثل عقل ~~يهدي صاحبه إلى هدى، أو يرده عن ردى» . وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- أنه قال: «لكل شيء عمل دعامة ودعامة عمل المرء عقله فبقدر عقله تكون ~~عبادته لربه أما سمعتم قول الفجار {لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب ~~السعير} [الملك: 10] » . # وقال عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -: أصل الرجل عقله، وحسبه دينه، ~~ومروءته خلقه. وقال الحسن البصري: ما استودع الله أحدا عقلا إلا استنقذه به ~~يوما ما. وقال بعض الحكماء: العقل أفضل مرجو، والجهل أنكى عدو. وقال بعض ~~الأدباء: صديق كل امرئ عقله وعدوه جهله. # وقال بعض البلغاء: خير المواهب العقل، وشر المصائب الجهل. وقال بعض ~~الشعراء، وهو إبراهيم بن حسان: # يزين الفتى في الناس صحة عقله ... وإن كان محظورا عليه مكاسبه # يشين الفتى في الناس قلة عقله ... وإن كرمت أعراقه ومناسبه # PageV01P017 # يعيش الفتى بالعقل في الناس إنه ... على العقل يجري علمه وتجاربه # وأفضل قسم الله للمرء عقله ... فليس من الأشياء شيء يقاربه # إذا أكمل الرحمن للمرء عقله ... فقد كملت أخلاقه ومآربه # واعلم أن بالعقل تعرف حقائق الأمور ويفصل بين الحسنات والسيئات. # وقد ينقسم قسمين: غريزي ومكتسب. فالغريزي هو العقل الحقيقي. وله حد يتعلق ~~به التكليف لا يجاوزه إلى زيادة ولا يقصر عنه إلى نقصان. وبه يمتاز الإنسان ~~عن سائر الحيوان، فإذا تم في الإنسان سمي عاقلا وخرج به إلى حد الكمال كما ~~قال صالح بن عبد القدوس: # إذا تم عقل المرء تمت أموره ... وتمت أمانيه وتم بناؤه # وروى الضحاك في قوله تعالى: {لينذر من كان حيا} [يس: 70] أي من كان عاقلا ~~واختلف الناس فيه وفي صفته على مذاهب شتى. فقال قوم: هو جوهر لطيف يفصل به ~~بين حقائق المعلومات. ومن قال بهذا القول اختلفوا في محله. فقالت طائفة ~~منهم محله الدماغ؛ لأن الدماغ ms002 محل الحس. # وقالت طائفة أخرى منهم محله القلب؛ لأن القلب معدن الحياة ومادة الحواس. ~~وهذا القول في العقل بأنه جوهر لطيف فاسد من وجهين: # أحدهما: إن الجواهر متماثلة فلا يصح أن يوجب بعضها ما لا يوجب سائرها. ~~ولو أوجب سائرها ما يوجب بعضها لاستغنى العاقل بوجود نفسه عن وجود عقله. ~~والثاني: أن الجوهر يصح قيامه بذاته. # فلو كان العقل جوهرا لجاز أن يكون عقل بغير عاقل كما جاز أن يكون جسم ~~بغير عقل فامتنع بهذين أن # PageV01P018 # يكون العقل جوهرا. وقال آخرون: العقل هو المدرك للأشياء على ما هي عليه ~~من حقائق المعنى. وهذا القول وإن كان أقرب مما قبله فبعيد من الصواب من وجه ~~واحد وهو أن الإدراك من صفات الحي، والعقل عرض يستحيل ذلك منه كما يستحيل ~~أن يكون متلذذا أو آلما أو مشتهيا. # وقال آخرون من المتكلمين العقل هو جملة علوم ضرورية وهذا الحد غير محصور ~~لما تضمنه من الإجمال، ويتأوله من الاحتمال. والحد إنما هو بيان المحدود ~~بما ينفي عنه الإجمال والاحتمال. وقال آخرون، وهو القول الصحيح: إن العقل ~~هو العلم بالمدركات الضرورية. وذلك نوعان: # أحدهما ما وقع عن درك الحواس. # والثاني: ما كان مبتدئا في النفوس. # فأما ما كان واقعا عن درك الحواس فمثل المرئيات المدركة بالنظر، والأصوات ~~المدركة بالسمع، والطعوم المدركة بالذوق، والروائح المدركة بالشم، والأجسام ~~المدركة باللمس، فإذا كان الإنسان ممن لو أدرك بحواسه هذه الأشياء ثبت له ~~هذا النوع من العلم؛ لأن خروجه في حال تغميض عينيه من أن يدرك بهما ويعلم ~~لا يخرجه من أن يكون كامل العقل من حيث علم من حاله أنه لو أدرك لعلم. # وأما ما كان مبتدئا في النفوس فكالعلم بأن الشيء لا يخلو من وجود أو عدم، ~~وأن الموجود لا يخلو من حدوث أو قدم، وأن من المحال اجتماع الضدين، وأن ~~الواحد أقل من الاثنين. وهذا النوع من العلم لا يجوز أن ينتفي عن العاقل مع ~~سلامة حاله، وكمال عقله، فإذا صار عالما بالمدركات الضرورية من هذين ms003 ~~النوعين فهو كامل العقل وسمي بذلك تشبيها بعقل الناقة؛ لأن العقل يمنع ~~الإنسان من الإقدام على شهواته إذا قبحت، كما يمنع العقل الناقة من الشرود ~~إذا نفرت. # ولذلك قال عامر بن قيس: إذا عقلك عقلك عما لا ينبغي فأنت عاقل. وقد جاءت ~~السنة بما يؤيد هذا القول في العقل وهو ما روي عن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - أنه قال «العقل نور في القلب يفرق بين الحق والباطل» . وكل من نفى ~~أن يكون العقل جوهرا أثبت محله في القلب؛ لأن القلب محل العلوم كلها. قال ~~الله تعالى: # PageV01P019 # {أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها} [الحج: 46] . # فدلت هذه الآية على أمرين: # أحدهما: أن العقل علم، والثاني: أن محله القلب. وفي قوله تعالى: {يعقلون ~~بها} [الحج: 46] ، تأويلان: أحدهما: يعلمون بها، والثاني يعتبرون بها. فهذه ~~جملة القول في العقل الغريزي. # وأما العقل المكتسب فهو نتيجة العقل الغريزي وهو نهاية المعرفة، وصحة ~~السياسة، وإصابة الفكرة. وليس لهذا حد؛ لأنه ينمو إن استعمل وينقص إن أهمل. ~~ونماؤه يكون بأحد وجهين: إما بكثرة الاستعمال إذا لم يعارضه مانع من هوى ~~ولا صاد من شهوة، كالذي يحصل لذوي الأسنان من الحنكة وصحة الروية بكثرة ~~التجارب وممارسة الأمور. ولذلك حمدت العرب آراء الشيوخ حتى قال بعضهم: ~~المشايخ أشجار الوقار، ومناجع الأخبار، لا يطيش لهم سهم، ولا يسقط لهم وهم، ~~إن رأوك في قبيح صدوك، وإن أبصروك على جميل أمدوك. # وقيل: عليكم بآراء الشيوخ فإنهم إن فقدوا ذكاء الطبع فقد مرت على عيونهم ~~وجوه العبر، وتصدت لأسماعهم آثار الغير. # وقيل في منثور الحكم: من طال عمره نقصت قوة بدنه وزادت قوة عقله. وقيل ~~فيه: لا تدع الأيام جاهلا إلا أدبته. وقال بعض الحكماء: كفى بالتجارب تأدبا ~~وبتقلب الأيام عظة. وقال بعض البلغاء: التجربة مرآة العقل، والغرة ثمرة ~~الجهل. # وقال بعض الأدباء: كفى مخبرا عما بقي ما مضى وكفى عبرا لأولي الألباب ما ~~جربوا. وقال بعض الشعراء: # ألم تر أن العقل زين لأهله ... ولكن تمام العقل طول التجارب ms004 # وقال آخر: # إذا طال عمر المرء في غير آفة ... أفادت له الأيام في كرها عقلا # وأما الوجه الثاني فقد يكون بفرط الذكاء وحسن الفطنة. وذلك جودة الحدس في ~~زمان غير مهمل للحدس، فإذا امتزج بالعقل الغريزي صارت # PageV01P020 # نتيجتهما نمو العقل المكتسب كالذي يكون في الأحداث من وفور العقل وجودة ~~الرأي، حتى قال هرم بن قطبة حين تنافر إليه عامر بن الطفيل وعلقمة بن ~~علاثة: عليكم بالحديث السن، الحديد الذهن. ولعل هرما أراد أن يدفعهما عن ~~نفسه فاعتذر بما قال. لكن لم ينكرا قوله إذعانا للحق فصارا إلى أبي جهل ~~لحداثة سنه، وحدة ذهنه، فأبى أن يحكم بينهما فرجعا إلى هرم فحكم بينهما. # وفيه قال لبيد: # يا هرم ابن الأكرمين منصبا ... إنك قد أوتيت حكما معجبا # وقد قالت العرب عليكم بمشاورة الشباب فإنهم ينتجون رأيا لم ينله طول ~~القدم، ولا استولت عليه رطوبة الهرم. # وقد قال الشاعر: # رأيت العقل لم يكن انتهابا ... ولم يقسم على عدد السنينا # ولو أن السنين تقاسمته ... حوى الآباء أنصبة البنينا # وحكى الأصمعي - رحمه الله - قال: قلت لغلام حدث من أولاد العرب كان ~~يحادثني فأمتعني بفصاحة وملاحة: أيسرك أن يكون لك مائة ألف درهم، وأنت ~~أحمق؟ قال: لا والله. قال: فقلت: ولم؟ قال: أخاف أن يجني علي حمقي جناية ~~تذهب بمالي ويبقى علي حمقي. فانظر إلى هذا الصبي كيف استخرج بفرط ذكائه، ~~واستنبط بجودة قريحته ما لعله يدق على من هو أكبر منه سنا، وأكثر تجربة. # وأحسن من هذا الذكاء والفطنة ما حكى ابن قتيبة أن عمر بن الخطاب - رضي ~~الله عنه - مر بصبيان يلعبون وفيهم عبد الله بن الزبير فهربوا منه إلا عبد ~~الله. فقال له عمر - رضي الله عنه -: ما لك؟ لم لا تهرب مع أصحابك؟ فقال: ~~يا أمير المؤمنين لم أكن على ريبة فأخافك، ولم يكن الطريق ضيقا فأوسع لك. ~~فانظر ما تضمنه هذا الجواب من الفطنة وقوة المنة وحسن البديهة. كيف نفى عنه ~~اللوم، وأثبت له الحجة فليس للذكاء غاية، ولا لجودة القريحة ms005 نهاية. # وحكي أن # PageV01P021 # سليمان بن عبد الملك أمر الفرزدق بضرب أعناق أسارى من الروم فاستعفاه ~~الفرزدق فلم يفعل، وأعطاه سيفا لا يقطع شيئا فقال الفرزدق بل أضربهم بسيف ~~أبي رغوان مجاشع، يعني سيف نفسه، فقام فضرب به عنق رومي منهم فنبا السيف ~~عنه، فضحك سليمان ومن حوله فقال الفرزدق: # أيعجب الناس أن أضحكت سيدهم ... خليفة الله يستسقى به المطر # لم ينب سيفي من رعب ولا دهش ... عن الأسير ولكن أخر القدر # ولن يقدم نفسا قبل ميتتها ... جمع اليدين ولا الصمصامة الذكر # ثم غمد سيفه وهو يقول: # ما إن يعاب سيد إذا صبا ... ولا يعاب صارم إذا نبا # ولا يعاب شاعر إذا كبا # ثم جلس وهو يقول: كأن بابن المراغة قد هجاني فقال: # بسيف أبي رغوان سيف مجاشع ... ضربت ولم تضرب بسيف ابن ظالم # ثم قام فانصرف وحضر جرير وخبر بالخبر ولم ينشد له الشعر فأنشأ يقول: # بسيف أبي رغوان سيف مجاشع ... ضربت ولم تضرب بسيف ابن ظالم # ثم قال: يا أمير المؤمنين كأن بابن القين وقد أجابني فقال: # ولا نقتل الأسرى ولكن نفكهم ... إذا أثقل الأعناق حمل المغارم # فاستحسن سليمان حدس الفرزدق على جرير ثم أخبر الفرزدق بشعر جرير ولم ~~يخبره بحدسه فقال الفرزدق: # كذاك سيوف الهند تنبو ظباتها ... وتقطع أحيانا مناط التمائم # ولن نقتل الأسرى ولكن نفكهم ... إذا أثقل الأعناق حمل المغارم # PageV01P022 # وهل ضربة الرومي جاعلة لكم ... أبا عن كليب أو أخا مثل دارم # فشاع حديث الفرزدق بهذا حتى حكي أن المهدي أتى بأسرى من الروم فأمر ~~بقتلهم وكان عنده شبيب بن شيبة فقال له: اضرب عنق هذا العلج. # فقال: يا أمير المؤمنين قد علمت ما ابتلي به الفرزدق فعير به قوم إلى ~~اليوم. # فقال: إنما أردت تشريفك وقد أعفيتك. وكان أبو الهول الشاعر حاضرا فقال: # جزعت من الرومي وهو مقيد ... فكيف ولو لاقيته وهو مطلق # دعاك أمير المؤمنين لقتله ... فكاد شبيب عند ذلك يفرق # تنح شبيبا عن قراع كتيبة ... وادن شبيبا من كلام يلفق # وليس العجب من كلام ms006 الفرزدق إن صح من جودة القريحتين ولكن من اتفاق ~~الخاطرين. # ولمثل ذلك قالت الحكماء: آية العقل سرعة الفهم، وغايته إصابة الوهم، وليس ~~لمن منح جودة القريحة وسرعة الخاطر عجز عن جواب وإن أعضل، كما قيل لعلي - ~~رضي الله عنه -: كيف يحاسب الله العباد على كثرة عددهم؟ قال: كما يرزقهم ~~على كثرة عددهم. # وقيل لعبد الله بن عباس: أين تذهب الأرواح إذا فارقت الأجساد؟ قال: أين ~~تذهب نار المصابيح عند فناء الأدهان؟ وهذان الجوابان جوابا إسكات تضمنا ~~دليلي إذعان وحجتي قهر. # ومن غير هذا الفن وإن كان مسكتا ما حكي عن إبليس - لعنه الله - أنه حين ~~ظهر لعيسى ابن مريم - عليه السلام - فقال: ألست تقول أنه لن يصيبك إلا ما ~~كتبه الله عليك؟ قال: نعم. قال: فارم نفسك من ذروة هذا الجبل فإنه إن يقدر ~~لك السلامة تسلم. فقال له: يا ملعون إن لله أن يختبر عباده وليس للعبد أن ~~يختبر ربه. # ومثل هذا الجواب لا يستغرب من أنبياء الله تعالى الذين أمدهم بوحيه، ~~وأيدهم بنصره، وإنما يستغرب ممن يلجأ إلى خاطره ويعول على بديهته. # وروى قثم بن العباس - رضي الله عنهما - قال: قيل لعلي بن أبي طالب - رضي ~~الله عنه -: كم بين السماء والأرض؟ قال: دعوة مستجابة. قيل: فكم بين المشرق ~~والمغرب؟ قال: مسيرة يوم للشمس. فكان هذا السؤال من سائله إما اختبارا، ~~وإما استبصارا فصدر عنه # PageV01P023 # من الجواب ما أسكت. # فأما إذا اجتمع هذان الوجهان في العقل المكتسب وهو ما ينميه فرط الذكاء ~~بجودة الحدس وصحة القريحة بحسن البديهة، مع ما ينميه الاستعمال بطول ~~التجارب ومرور الزمان بكثرة الاختبار، فهو العقل الكامل على الإطلاق في ~~الرجل الفاضل الاستحقاق. روى أنس بن مالك - رضي الله عنه - قال: «أثني على ~~رجل عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بخير فقال: كيف عقله؟ قالوا: يا ~~رسول الله إن من عبادته، إن من خلقه، إن من فضله، إن من أدبه. فقال: كيف ~~عقله؟ قالوا: يا رسول الله نثني عليه بالعبادة، وأصناف الخير وتسألنا ms007 عن ~~عقله؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: إن الأحمق العابد يصيب بجهله ~~أعظم من فجور الفاجر وإنما يقرب الناس من ربهم بالزلف على قدر عقولهم» . # واختلف الناس في العقل المكتسب إذا تناهى وزاد هل يكون فضيلة أم لا فقال ~~قوم: لا يكون فضيلة؛ لأن الفضائل هيئات متوسطة بين فضيلتين ناقصتين، كما أن ~~الخير توسط بين رذيلتين فما جاوز التوسط خرج عن حد الفضيلة. وقد قالت ~~الحكماء للإسكندر: أيها الملك عليك بالاعتدال في كل الأمور، فإن الزيادة ~~عيب والنقصان عجز. هذا مع ما وردت به السنة عن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - أنه قال: «خير الأمور أوساطها» . وقال علي بن أبي طالب - رضي الله ~~عنه -: خير الأمور النمط الأوسط، إليه يرجع العالي، ومنه يلحق التالي. # وقال الشاعر: # لا تذهبن في الأمور فرطا ... لا تسألن إن سألت شططا # وكن من الناس جميعا وسطا # قالوا: لأن زيادة العقل تفضي بصاحبها إلى الدهاء والمكر وذلك مذموم ~~وصاحبه ملوم. وقد أمر عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أبا موسى الأشعري أن ~~يعزل زيادا عن ولايته فقال زياد: يا أمير المؤمنين أعن موجدة أو خيانة؟ ~~فقال: لا عن واحدة منهما، ولكن خفت أن أحمل على الناس فضل عقلك. ولأجل هذا ~~المحكي عن عمر ما قيل قديما: إفراط # PageV01P024 # العقل مضر بالجسد. وقال بعض الحكماء: كفاك من عقلك ما دلك على سبيل رشدك. ~~وقال بعض البلغاء: قليل يكفي خير من كثير يطغي. وقال آخرون، وهو أصح ~~القولين: زيادة العقل فضيلة؛ لأن المكتسب غير محدود، وإنما تكون زيادة ~~الفضائل المحمودة نقصا مذموما؛ لأن ما جاوز الحد لا يسمى فضيلة كالشجاع إذا ~~زاد على حد الشجاعة نسب إلى التهور، والسخي إذا زاد على حد السخاء نسب إلى ~~التبذير. # وليس كذلك حال العقل المكتسب؛ لأن الزيادة فيه زيادة علم بالأمور وحسن ~~إصابة بالظنون ومعرفة ما لم يكن إلى ما يكون، وذلك فضيلة لا نقص. وقد روي ~~عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «أفضل الناس أعقل الناس» ms008 . وروي ~~عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «العقل حيث كان مألوف» . # وقد قيل في تأويل قوله تعالى: {قل كل يعمل على شاكلته} [الإسراء: 84] أي ~~بحسب عقله. وقال القاسم بن محمد كانت العرب تقول: من لم يكن عقله أغلب خصال ~~الخير عليه، كان حتفه في أغلب خصال الخير عليه. وقيل في منثور الحكم: كل ~~شيء إذا كثر رخص إلا العقل فإنه إذا كثر غلا. # وقال بعض البلغاء: إن العاقل من عقله في إرشاد، ومن رأيه في إمداد، فقوله ~~سديد، وفعله حميد، والجاهل من جهله في إغواء، ومن هواه في إغراء، فقوله ~~سقيم، وفعله ذميم، وأنشدني ابن لنكك لأبيه. # من لم يكن أكثر عقله ... أهلكه أكثر ما فيه # فأما الدهاء والمكر فهو مذموم؛ لأن صاحبه صرف فضل عقله إلى الشر ولو صرفه ~~إلى الخير لكان محمودا. # وقد ذكر المغيرة بن شعبة عمر بن الخطاب فقال: كان والله أفضل من أن يخدع، ~~وأعقل من أن يخدع. وقال عمر: لست بالخب ولا يخدعني # PageV01P025 # الخب. واختلف الناس فيمن صرف فضل عقله إلى الشر كزياد، وأشباهه من ~~الدهاة، هل يسمى الداهية منهم عاقلا أم لا. # فقال بعضهم: أسميه عاقلا؛ لوجود العقل منه. وقال آخرون: لا أسميه عاقلا ~~حتى يكون خيرا دينا؛ لأن الخير والدين من موجبات العقل. فأما الشرير فلا ~~أسميه عاقلا وإنما أسميه صاحب روية وفكر. # وقد قيل: العاقل من عقل عن الله أمره ونهيه حتى قال أصحاب الشافعي - رضي ~~الله عنه - فيمن أوصى بثلث ماله لأعقل الناس أنه يكون مصروفا في الزهاد؛ ~~لأنهم انقادوا للعقل ولم يغتروا بالأمل. # وروى لقمان بن أبي عامر عن أبي الدرداء أن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - قال: «يا عويمر ازدد عقلا تزدد من ربك قربا. قلت: بأبي أنت وأمي، ~~ومن لي بالعقل؟ قال: اجتنب محارم الله، وأد فرائض الله تكن عاقلا ثم تنفل ~~بصالحات الأعمال تزدد في الدنيا عقلا وتزدد من ربك قربا وبه عزا» . # وأنشدني بعض أهل الأدب هذه الأبيات، وذكر أنها لعلي بن أبي ms009 طالب - رضي ~~الله عنه -: # إن المكارم أخلاق مطهرة ... فالعقل أولها والدين ثانيها # والعلم ثالثها والحلم رابعها ... والجود خامسها والعرف ساديها # والبر سابعها والصبر ثامنها ... والشكر تاسعها واللين عاشيها # والنفس تعلم أني لا أصدقها ... ولست أرشد إلا حين أعصيها # والعين تعلم في عيني محدثها ... من كان من حزبها أو من أعاديها # عيناك قد دلتا عيني منك على ... أشياء لولاهما ما كنت تبديها # واعلم أن العقل المكتسب لا ينفك عن العقل الغريزي؛ لأنه نتيجة منه. وقد ~~ينفك العقل الغريزي عن العقل المكتسب فيكون صاحبه مسلوب الفضائل، موفور ~~الرذائل، كالأنوك الذي لا يجد له فضيلة، والأحمق الذي قل ما يخلو من رذيلة. # وقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «الأحمق كالفخار لا ~~يرقع ولا يشعب» . وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «الأحمق ~~أبغض خلق الله إليه، إذ حرمه أعز الأشياء عليه» . وقال بعض الحكماء: الحاجة ~~إلى العقل أقبح من الحاجة إلى المال، وقال بعض البلغاء: دولة الجاهل عبرة ~~العاقل، وقال أنوشروان لبزرجمهر: أي الأشياء خير للمرء؟ قال: عقل يعيش به. ~~قال: فإن لم يكن؟ قال: # PageV01P026 # فإخوان يسترون عيبه. قال: فإن لم يكن؟ قال: فمال يتحبب به إلى الناس. ~~قال: فإن لم يكن؟ قال: فعي صامت. قال: فإن لم يكن؟ قال: فموت جارف. # وقال سابور بن أردشير: العقل نوعان: أحدهما مطبوع، والآخر مسموع. ولا ~~يصلح واحد منهما إلا بصاحبه، فأخذ ذلك بعض الشعراء فقال: # رأيت العقل نوعين ... فمسموع ومطبوع # ولا ينفع مسموع ... إذا لم يك مطبوع # كما لا تنفع الشمس ... وضوء العين ممنوع # وقد وصف بعض الأدباء العاقل بما فيه من الفضائل، والأحمق بما فيه من ~~الرذائل، فقال: العاقل إذا والى بذل في المودة نصره، وإذا عادى رفع عن ~~الظلم قدره، فيسعد مواليه بعقله، ويعتصم معاديه بعدله. إن أحسن إلى أحد ترك ~~المطالبة بالشكر، وإن أساء إليه مسيء سبب له أسباب العذر، أو منحه الصفح ~~والعفو. # والأحمق ضال مضل إن أونس تكبر، وإن أوحش تكدر، وإن استنطق تخلف، ms010 وإن ترك ~~تكلف. مجالسته مهنة، ومعاتبته محنة، ومحاورته تعر، وموالاته تضر، ومقاربته ~~عمى، ومقارنته شقا. # وكانت ملوك الفرس إذا غضبت على عاقل حبسته مع جاهل. والأحمق يسيء إلى ~~غيره ويظن أنه قد أحسن إليه فيطالبه بالشكر، ويحسن إليه فيظن أنه قد أساء ~~فيطالبه بالوتر. فمساوئ الأحمق لا تنقضي وعيوبه لا تتناهى ولا يقف النظر ~~منها إلى غاية إلا لوحت ما وراءها مما هو أدنى منها، وأردى، وأمر، وأدهى. # فما أكثر العبر لمن نظر، وأنفعها لمن اعتبر. وقال الأحنف بن قيس: من كل ~~شيء يحفظ الأحمق إلا من نفسه. وقال بعض البلغاء: إن الدنيا ربما أقبلت على ~~الجاهل بالاتفاق، وأدبرت عن العاقل بالاستحقاق. فإن أتتك منها سهمة مع جهل، ~~أو فاتتك منها بغية مع عقل، فلا يحملنك ذلك على الرغبة في الجهل، والزهد في ~~العقل. فدولة الجاهل من الممكنات، ودولة العاقل من الواجبات. وليس من أمكنه ~~شيء من ذاته، كمن استوجبه بآلته، وأدواته. # وبعد فدولة الجاهل كالغريب الذي يحن إلى النقلة، ودولة العاقل كالنسيب ~~الذي يحن إلى الوصلة. فلا يفرح # PageV01P027 # المرء بحالة جليلة نالها بغير عقل، ومنزلة رفيعة حلها بغير فضل. فإن ~~الجهل ينزله منها، ويزيله عنها، ويحطه إلى رتبته، ويرده إلى قيمته، بعد أن ~~تظهر عيوبه، وتكثر ذنوبه، ويصير مادحه هاجيا، ووليه معاديا. # واعلم أنه بحسب ما ينشر من فضائل العاقل، كذلك يظهر من رذائل الجاهل، حتى ~~يصير مثلا في الغابرين، وحديثا في الأخرين، مع هتكه في عصره، وقبح ذكره في ~~دهره، كالذي رواه عطاء عن جابر قال: كان في بني إسرائيل رجل له حمار. فقال: ~~يا رب لو كان لك حمار لعلفته مع حماري. فهم به نبي من أنبياء الله، فأوحى ~~الله إليه: إنما أثيب كل إنسان على قدر عقله. # واستعمل معاوية رجلا من كلب فذكر المجوس يوما عنده فقال: لعن الله المجوس ~~ينكحون أمهاتهم، والله لو أعطيت عشرة آلاف درهم ما نكحت أمي. فبلغ ذلك ~~معاوية فقال: - قبحه الله - أترونه لو زادوه فعل؟ وعزله وولى الربيع ~~العامري - وكان ms011 من النوكى - على سائر اليمامة فأقاد كلبا بكلب فقال فيه ~~الشاعر: # شهدت بأن الله حقا لقاؤه ... وأن الربيع العامري رقيع # أقاد لنا كلبا بكلب ولم يدع ... دماء كلاب المسلمين تضيع # وليس لمعار الجهل غاية، ولا لمضار الحمق نهاية. # قال الشاعر: # لكل داء دواء يستطب به ... إلا الحماقة أعيت من يداويها # PageV01P028 ### | [فصل في الهوى] # الهوى فصل: وأما الهوى فهو عن الخير صاد، وللعقل مضاد؛ لأنه ينتج من ~~الأخلاق قبائحها، ويظهر من الأفعال فضائحها، ويجعل ستر المروءة مهتوكا، ~~ومدخل الشر مسلوكا. قال عبد الله بن عباس - رضي الله عنهما -: الهوى إله ~~يعبد من دون الله. ثم تلا: {أفرأيت من اتخذ إلهه هواه} [الجاثية: 23] وقال ~~عكرمة في قوله تعالى: {ولكنكم فتنتم أنفسكم} [الحديد: 14] يعني بالشهوات ~~{وتربصتم} [الحديد: 14] يعني بالتوبة {وارتبتم} [الحديد: 14] يعني في أمر ~~الله {وغرتكم الأماني} [الحديد: 14] يعني بالتسويف {حتى جاء أمر الله} ~~[الحديد: 14] يعني الموت {وغركم بالله الغرور} [الحديد: 14] يعني الشيطان. # وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «طاعة الشهوة داء، ~~وعصيانها دواء» . وقال عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -: اقدعوا هذه النفوس ~~عن شهواتها فإنها طلاعة تنزع إلى شر غاية. إن هذا الحق ثقيل مري، وإن ~~الباطل خفيف وبي، وترك الخطيئة خير من معالجة التوبة ورب نظرة زرعت شهوة، ~~وشهوة ساعة أورثت حزنا طويلا. # وقال علي بن أبي طالب - رضي الله عنه -: أخاف عليكم اثنين: اتباع الهوى ~~وطول الأمل. فإن اتباع الهوى يصد عن الحق وطول الأمل ينسي الآخرة. وقال ~~الشعبي: إنما سمي الهوى هوى؛ لأنه يهوي بصاحبه. # وقال أعرابي: الهوى هوان ولكن غلط باسمه، فأخذه الشاعر وقال: # إن الهوان هو الهوى قلب اسمه ... فإذا هويت فقد لقيت هوانا # وقيل في منثور الحكم: من أطاع هواه، أعطى عدوه مناه. وقال بعض الحكماء: ~~العقل صديق مقطوع، والهوى عدو متبوع. # وقال بعض # PageV01P029 # البلغاء أفضل الناس من عصى هواه، وأفضل منه من رفض دنياه. وقال هشام بن ~~عبد الملك بن مروان: # إذا أنت لم تعص الهوى قادك الهوى ... إلى كل ما ms012 فيه عليك مقال # قال ابن المعتز - رحمه الله -: لم يقل هشام بن عبد الملك سوى هذا البيت. ~~وقال الشاعر: # إذا ما رأيت المرء يعتاده الهوى ... فقد ثكلته عند ذاك ثواكله # وقد أشمت الأعداء جهلا بنفسه ... وقد وجدت فيه مقالا عواذله # وما يردع النفس اللجوج عن الهوى ... من الناس إلا حازم الرأي كامله # فلما كان الهوى غالبا وإلى سبيل المهالك موردا جعل العقل عليه رقيبا ~~مجاهدا يلاحظ عثرة غفلته، ويدفع بادرة سطوته، ويدفع خداع حيلته؛ لأن سلطان ~~الهوى قوي، ومدخل مكره خفي. ومن هذين الوجهين يؤتى العاقل حتى تنفذ أحكام ~~الهوى عليه أعني بأحد الوجهين: قوة سلطانه وبالآخر خفاء مكره. # فأما الوجه الأول فهو أن يقوى سلطان الهوى بكثرة دواعيه حتى يستولي عليه ~~مغالبة الشهوات فيكل العقل عن دفعها، ويضعف عن منعها، مع وضوح قبحها في ~~العقل المقهور بها، وهذا يكون في الأحداث أكثر وعلى الشباب أغلب؛ لقوة ~~شهواتهم؛ وكثرة دواعي الهوى المتسلط عليهم وإنهم ربما جعلوا الشباب عذرا ~~لهم، كما قال محمد بن بشير: # كل يرى أن الشباب له ... في كل مبلغ لذة عذرا # ولذلك قال بعض الحكماء: الهوى ملك غشوم، ومتسلط ظلوم. وقال بعض الأدباء: ~~الهوى عسوف، والعدل مألوف. وقال بعض الشعراء: # يا عاقلا أردى الهوى عقله ... مالك قد سدت عليك الأمور # أتجعل العقل أسير الهوى ... إنما العقل عليه أمير # وحسم ذلك أن يستعين بالعقل على النفس النفورة فيشعرها ما في عواقب # PageV01P030 # الهوى من شدة الضرر، وقبح الأثر، وكثرة الإجرام، وتراكم الآثام. فقد قال ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -: «حفت الجنة بالمكاره وحفت النار بالشهوات» . ~~أخبر أن الطريق إلى الجنة احتمال المكاره، والطريق إلى النار اتباع ~~الشهوات. # قال علي بن أبي طالب - رضي الله عنه -: إياكم وتحكيم الشهوات على أنفسكم ~~فإن عاجلها ذميم، وآجلها وخيم، فإن لم ترها تنقاد بالتحذير والإرهاب، ~~فسوفها بالتأميل والإرغاب، فإن الرغبة والرهبة إذا اجتمعا على النفس ذلت ~~لهما وانقادت. وقد قال ابن السماك: كن لهواك مسوفا، ولعقلك مسعفا، وانظر ~~إلى ما تسوء عاقبته فوطن ms013 نفسك على مجانبته فإن ترك النفس وما تهوى داؤها، ~~وترك ما تهوى دواؤها، فاصبر على الدواء، كما تخاف من الداء. # وقال الشاعر: # صبرت على الأيام حتى تولت ... وألزمت نفسي صبرها فاستمرت # وما النفس إلا حيث يجعلها الفتى ... فإن طمعت تاقت وإلا تسلت # فإذا انقادت النفس للعقل بما قد أشعرت من عواقب الهوى لم يلبث الهوى أن ~~يصير بالعقل مدحورا، وبالنفس مقهورا، ثم له الحظ الأوفى في ثواب الخالق ~~وثناء المخلوقين. # قال الله تعالى: {وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى} [النازعات: ~~40] {فإن الجنة هي المأوى} [النازعات: 41] وقال الحسن البصري: أفضل الجهاد ~~جهاد الهوى. وقال بعض الحكماء: أعز العز الامتناع من ملك الهوى. وقال بعض ~~البلغاء: خير الناس من أخرج الشهوة من قلبه، وعصى هواه في طاعة ربه. وقال ~~بعض الأدباء: من أمات شهوته، فقد أحيا مروءته. # وقال بعض العلماء: ركب الله الملائكة من عقل بلا شهوة، وركب البهائم من ~~شهوة بلا عقل، وركب ابن آدم من كليهما؛ فمن غلب عقله على شهوته فهو خير من ~~الملائكة، ومن غلبت شهوته على عقله فهو شر من البهائم. وقيل لبعض الحكماء: ~~من أشجع الناس، وأحراهم بالظفر في مجاهدته؟ قال: من جاهد الهوى طاعة لربه، ~~واحترس في مجاهدته من ورود خواطر الهوى على قلبه. وقال بعض الشعراء: # PageV01P031 # قد يدرك الحازم ذو الرأي المنى ... بطاعة الحزم وعصيان الهوى # وأما الوجه الثاني: فهو أن يخفي الهوى بكره حتى تتموه أفعاله على العقل ~~فيتصور القبيح حسنا والضرر نفعا. وهذا يدعو إليه أحد شيئين: إما أن يكون ~~للنفس ميل إلى ذلك الشيء فيخفى عنها القبيح لحسن ظنها وتتصوره حسنا لشدة ~~ميلها. ولذلك قال النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ «حبك الشيء يعمي ويصم» . ~~أي يعمي عن الرشد ويصم عن الموعظة. # وقال علي - رضي الله عنه -: الهوى عمى. قال الشاعر: # حسن في كل عين من تود # وقال عبيد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب - رضي الله ~~عنه -: # ولست براء عيب ذي الود كله ms014 ... ولا بعض ما فيه إذا كنت راضيا # فعين الرضى عن كل عيب كليلة ... ولكن عين السخط تبدي المساويا # وأما السبب الثاني: فهو اشتغال الفكر في تمييز ما اشتبه فيطلب الراحة في ~~اتباع ما استسهل حتى يظن أن ذلك أوفق أمريه، وأحمد حاليه، اغترارا بأن ~~الأسهل محمود والأعسر مذموم فلن يعدم أن يتورط بخدع الهوى وريبة المكر في ~~كل مخوف حذر، ومكروه عسر. # ولذلك قال عامر بن الظرب: الهوى يقظان والعقل راقد فمن ثم غلب. وقال ~~سليمان بن وهب: الهوى أمنع، والرأي أنفع. وقيل في المثل: العقل وزير ناصح، ~~والهوى وكيل فاضح. # وقال الشاعر: # إذا المرء أعطى نفسه كلما ... اشتهت ولم ينهها تاقت إلى كل باطل # وساقت إليه الإثم والعار بالذي ... دعته إليه من حلاوة عاجل # وحسم السبب الأول أن يجعل فكر قلبه حكما على نظر عينه. فإن العين رائد ~~الشهوة، والشهوة من دواعي الهوى، والقلب رائد الحق والحق من دواعي العقل. # وقال بعض الحكماء: نظر الجاهل بعينه وناظره، ونظر # PageV01P032 # العاقل بقلبه وخاطره. ثم يتهم نفسه في صواب ما أحبت وتحسين ما اشتهت؛ ~~ليصح له الصواب ويتبين له الحق، فإن الحق أثقل محملا، وأصعب مركبا فإن أشكل ~~عليه أمران اجتنب أحبهما إليه، وترك أسهلهما عليه. # فإن النفس عن الحق أنفر، وللهوى آثر. وقد قال العباس بن عبد المطلب: إذا ~~اشتبه عليك أمران فدع أحبهما إليك، وخذ أثقلهما عليك. وعلة هذا القول هو أن ~~الثقيل يبطئ النفس عن التسرع إليه فيتضح مع الإبطاء وتطاول الزمان صواب ما ~~استعجم، وظهور ما استبهم. وقد قال علي بن أبي طالب: من تفكر أبصر والمحبوب ~~أسهل شيء تسرع النفس إليه، وتعجل بالإقدام عليه، فيقصر الزمان عن تصفحه ~~ويفوت استدراكه لتقصير فعله فلا ينفع التصفح بعد العمل ولا الاستبانة بعد ~~الفوت. # وقال بعض الحكماء: ما كان عنك معرضا، فلا تكن به متعرضا. وقال الشاعر: # أليس طلاب ما قد فات جهلا ... وذكر المرء ما لا يستطيع # ولقد وصف بعض البلغاء حال الهوى وما يقارنه من محن الدنيا فقال: ms015 الهوى ~~مطية الفتنة، والدنيا دار المحنة، فانزل عن الهوى تسلم، واعرض عن الدنيا ~~تغنم، ولا يغرنك هواك بطيب الملاهي ولا تفتنك دنياك بحسن العواري. # فمدة اللهو تنقطع وعارية الدهر ترتجع، ويبقى عليك ما ترتكبه من المحارم، ~~وتكتسبه من المآثم. # وقال علي بن عبد الله الجعفري: سمعتني امرأة بالطواف، وأنا أنشد: # أهوى هوى الدين واللذات تعجبني ... فكيف لي بهوى اللذات والدين # فقالت: هما ضرتان فذر أيهما شئت وخذ الأخرى. فأما فرق ما بين الهوى ~~والشهوة مع اجتماعهما في العلة والمعلول، واتفاقهما في الدلالة والمدلول، ~~فهو أن الهوى مختص بالآراء والاعتقادات، والشهوة مختصة بنيل اللذة. فصارت ~~الشهوة من نتائج الهوى وهي أخص، والهوى أصل هو أعم. # ونحن نسأل الله تعالى أن يكفينا دواعي الهوى، ويصرف عنا سبل الردى، ويجعل ~~التوفيق لنا قائدا، والعقل لنا مرشدا. فقد روي أن الله تعالى أوحى إلى عيسى ~~- عليه السلام -: عظ # PageV01P033 # نفسك فإن اتعظت فعظ الناس وإلا فاستحي مني. # وقال محمد بن كناسة: # ما من روى أدبا فلم يعمل به ... ويكف عن زيغ الهوى بأديب # حتى يكون بما تعلم عاملا ... من صالح فيكون غير معيب # ولقلما تغني إصابة قائل ... أفعاله أفعال غير مصيب # وقال آخر: # يا أيها الرجل المعلم غيره ... هلا لنفسك كان ذا التعليم # تصف الدواء لذي السقام وذي الضنى ... كيما يصح به وأنت سقيم # ابدأ بنفسك فانهها عن غيها ... فإذا انتهت عنه فأنت حكيم # فهناك تعذر إن وعظت ويقتدى ... بالقول منك ويقبل التعليم # لا تنه عن خلق وتأتي مثله ... عار عليك إذا فعلت عظيم # حكى أبو فروة أن طارقا صاحب شرطة خالد القسري مر بابن شبرمة وطارق في ~~موكبه فقال ابن شبرمة: # أراها وإن كانت تخب كأنها ... سحابة صيف عن قريب تقشع # اللهم لي ديني ولهم دنياهم. فاستعمل ابن شبرمة بعد ذلك على القضاء فقال ~~له ابنه أبو بكر: أتذكر قولك يوم كذا إذ مر بك طارق في موكبه؟ فقال: يا بني ~~إنهم يجدون مثل أبيك ولا يجد أبوك مثلهم. إن أباك أكل من حلاوتهم، ms016 فحط في ~~أهوائهم. # أما ترى هذا الدين الفاضل كيف عوجل بالتقريع وقوبل بالتوبيخ من أخص ذويه، ~~ولعله من أبر بنيه. فكيف بنا ونحن أطلق منه عنانا، وأقلق منه جنانا. إذا ~~رمقتنا أعين المتتبعين، وتناولتنا ألسن المتعتبين. هل نجد غير توفيق الله ~~تعالى ملاذا، وسوى عصمته معاذا؟ # PageV01P034 ### | [الباب الثاني أدب العلم] # PageV01P035 # اعلم أن العلم أشرف ما رغب فيه الراغب، وأفضل ما طلب وجد فيه الطالب، ~~وأنفع ما كسبه واقتناه الكاسب؛ لأن شرفه يثمر على صاحبه، وفضله ينمي على ~~طالبه. قال الله تعالى: {قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون} ~~[الزمر: 9] فمنع المساواة بين العالم والجاهل لما قد خص به العالم من فضيلة ~~العلم. # وقال تعالى: {وما يعقلها إلا العالمون} [العنكبوت: 43] فنفى أن يكون غير ~~العالم يعقل عنه أمرا، أو يفهم منه زجرا. وروي عن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - أنه قال: «أوحي إلى إبراهيم - عليه السلام - أني عليم أحب كل عليم» ~~. وروى أبو أمامة قال: «سئل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن رجلين ~~أحدهما عالم والآخر عابد فقال - صلى الله عليه وسلم - فضل العالم على ~~العابد كفضلي على أدناكم رجلا» . # وقال علي بن أبي طالب - رضي الله عنه -: الناس أبناء ما يحسنون. وقال ~~مصعب بن الزبير: تعلم العلم فإن يكن لك مال كان لك جمالا وإن لم يكن لك مال ~~كان لك مالا. وقال عبد الملك بن مروان لبنيه: يا بني تعلموا العلم فإن كنتم ~~سادة فقتم، وإن كنتم وسطا سدتم، وإن كنتم سوقة عشتم. # وقال بعض الحكماء: العلم شرف لا قدر له، والأدب مال لا خوف عليه. وقال ~~بعض الأدباء: العلم أفضل خلف، والعمل به أكمل شرف. وقال بعض البلغاء: تعلم ~~العلم فإنه يقومك ويسددك صغيرا، ويقدمك ويسودك كبيرا، ويصلح زيفك وفاسدك، ~~ويرغم عدوك وحاسدك، ويقوم عوجك وميلك، ويصحح همتك، وأملك. # وقال علي - رضي الله تعالى عنه -: قيمة كل امرئ ما يحسن. فأخذه الخليل ~~فنظمه شعرا فقال: # لا يكون العلي مثل الدني ... لا ولا ذو الذكاء مثل الغبي ms017 # قيمة المرء قدر ما يحسن المرء ... قضاء من الإمام علي # وليس يجهل فضل العلم إلا أهل الجهل؛ لأن فضل العلم إنما يعرف # PageV01P036 # بالعلم. # وهذا أبلغ في فضله؛ لأن فضله لا يعلم إلا به. فلما عدم الجهال العلم الذي ~~به يتوصلون إلى فضل العلم جهلوا فضله، واسترذلوا أهله، وتوهموا أن ما تميل ~~إليه نفوسهم من الأموال المقتناة، والطرف المشتهاة، أولى أن يكون إقبالهم ~~عليها، وأحرى أن يكون اشتغالهم بها. وقد قال ابن المعتز في منثور الحكم: ~~العالم يعرف الجاهل؛ لأنه كان جاهلا، والجاهل لا يعرف العالم؛ لأنه لم يكن ~~عالما. وهذا صحيح، ولأجله انصرفوا عن العلم، وأهله انصراف الزاهدين، ~~وانحرفوا عنه وعنهم انحراف المعاندين؛ لأن من جهل شيئا عاداه. # وأنشدني ابن لنكك لأبي بكر بن دريد: # جهلت فعاديت العلوم وأهلها ... كذاك يعادي العلم من هو جاهله # ومن كان يهوى أن يرى متصدرا ... ويكره لا أدري أصيبت مقاتله # وقيل لبزرجمهر: العلم أفضل أم المال؟ فقال: بل العلم. قيل: فما بالنا نرى ~~العلماء على أبواب الأغنياء ولا نكاد نرى الأغنياء على أبواب العلماء؟ ~~فقال: ذلك لمعرفة العلماء بمنفعة المال وجهل الأغنياء لفضل العلم. وقيل ~~لبعض الحكماء: لم لا يجتمع العلم والمال؟ فقال: لعز الكمال. فأنشدت لبعض ~~أهل هذا العصر: # وفي الجهل قبل الموت موت لأهله ... فأجسامهم قبل القبور قبور # وإن امرأ لم يحي بالعلم ميت ... فليس له حتى النشور نشور # ووقف بعض المتعلمين بباب عالم ثم نادى: تصدقوا علينا بما لا يتعب ضرسا، ~~ولا يسقم نفسا. فأخرج له طعاما ونفقة. فقال: فاقتي إلى كلامكم، أشد من ~~فاقتي إلى طعامكم، إني طالب هدى لا سائل ندى. # فأذن له العالم، وأفاده من كل ما سأل عنه فخرج جذلا فرحا، وهو يقول: علم ~~أوضح لبسا، خير من مال أغنى نفسا. واعلم أن كل العلوم شريفة، ولكل علم منها ~~فضيلة، والإحاطة بجميعها محال. # قيل لبعض الحكماء: من يعرف كل العلوم؟ فقال: كل الناس. وروي عن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - أنه قال: من ظن أن # PageV01P037 # للعلم غاية ms018 فقد بخسه حقه، ووضعه في غير منزلته التي وصفه الله بها حيث ~~يقول: {وما أوتيتم من العلم إلا قليلا} [الإسراء: 85] . # وقال بعض العلماء: لو كنا نطلب العلم لنبلغ غايته كنا قد بدأنا العلم ~~بالنقيصة، ولكنا نطلبه لننقص في كل يوم من الجهل ونزداد في كل يوم من ~~العلم. # وقال بعض العلماء: المتعمق في العلم كالسابح في البحر ليس يرى أرضا، ولا ~~يعرف طولا ولا عرضا. وقيل لحماد الراوية: أما تشبع من هذه العلوم؟ فقال: ~~استفرغنا فيها المجهود، فلم نبلغ منها المحدود، فنحن كما قال الشاعر: # إذا قطعنا علما بدا علم # وأنشد الرشيد عن المهدي بيتين وقال أظنهما له: # يا نفس خوضي بحار العلم أو غوصي ... فالناس ما بين معموم ومخصوص # لا شيء في هذه الدنيا نحيط به ... إلا إحاطة منقوص بمنقوص # وإذا لم يكن إلى معرفة جميع العلوم سبيل وجب صرف الاهتمام إلى معرفة ~~أهمها والعناية بأولاها، وأفضلها. وأولى العلوم، وأفضلها علم الدين؛ لأن ~~الناس بمعرفته يرشدون، وبجهله يضلون. إذ لا يصح أداء عبادة جهل فاعلها صفات ~~أدائها، ولم يعلم شروط إجزائها. ولذلك قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~-؛ «فضل العلم خير من فضل العبادة» . وإنما كان كذلك؛ لأن العلم يبعث على ~~فضل العبادة والعبادة مع خلو فاعلها من العلم بها قد لا تكون عبادة، فلزم ~~علم الدين كل مكلف. وكذلك قال النبي: - صلى الله عليه وسلم - «طلب العلم ~~فريضة على كل مسلم» . # وفيه تأويلان: أحدهما: علم ما لا يسع جهله من العبادات. والثاني: جملة ~~العلم إذا لم يقم بطلبه من فيه كفاية. وإذا كان علم الدين قد أوجب الله ~~تعالى فرض بعضه على الأعيان، وفرض جميعه على الكافة كان أولى مما لم يجب ~~فرضه على الأعيان ولا على الكافة. # قال الله تعالى: {فلولا نفر من كل فرقة منهم # PageV01P038 # طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون} ~~[التوبة: 122] وروى عبد الله بن عمر «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~دخل المسجد فإذا هو بمجلسين، أحدهما ms019 يذكرون الله تعالى، والآخر يتفقهون. ~~فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: كلا المجلسين على خير، وأحدهما أحب ~~إلي من صاحبه. أما هؤلاء فيسألون الله تعالى ويذكرونه فإن شاء أعطاهم وإن ~~شاء منعهم. وأما المجلس الآخر فيتعلمون الفقه ويعلمون الجاهل. وإنما بعثت ~~معلما وجلس إلى أهل الفقه» . # وروى مروان بن جناح عن يونس بن ميسرة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- أنه قال: «الخير عادة والشر لجاجة ومن يرد الله به خيرا يفقهه في الدين» ~~. # وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «خيار أمتي علماؤها وخيار ~~علمائها فقهاؤها» . وروى معاذ بن رفاعة، عن إبراهيم بن عبد الرحمن العذري ~~قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «ليحمل هذا العلم من كل خلف ~~عدوله ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين» . وروي ~~عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «علي بخلفائي. قالوا: ومن ~~خلفاؤك؟ قال: الذين يحيون سنتي ويعلمونها عباد الله» . وروى حميد عن أنس أن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «التفقه في الدين حق على كل مسلم ألا ~~فتعلموا وعلموا وتفقهوا ولا تموتوا جهالا» . # وروى سليمان بن يسار عن أبي هريرة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ~~«ما عبد الله بشيء أفضل من فقه في الدين، ولفقيه واحد أشد على الشيطان من ~~ألف عابد، ولكل شيء عماد وعماد الدين الفقه» . # وربما مال بعض المتهاونين بالدين إلى العلوم العقلية ورأى أنها أحق ~~بالفضيلة، وأولى بالتقدمة استثقالا لما تضمنه الدين من التكليف، واسترذالا ~~لما جاء به الشرع من التعبد والتوقيف. والكلام مع مثل هذا في أصل، لا يتسع ~~له هذا الفصل. # ولن ترى ذلك فيمن سلمت فطنته، وصحت رويته # PageV01P039 # لأن العقل يمنع من أن يكون الإنسان هملا أو سدى. # يعتمدون على آرائهم المختلفة وينقادون لأهوائهم المتشعبة لما تؤول إليه ~~أمورهم من الاختلاف والتنازع، ويفضي إليه أحوالهم من التباين والتقاطع. فلم ~~يستغنوا عن دين يتألفون به ويتفقون عليه. ثم العقل موجب له أو مانع ولو ~~تصور ms020 هذا المختل التصور أن الدين ضرورة في العقل، وأن العقل في الدين أصل، ~~لقصر عن التقصير، وأذعن للحق ولكن أهمل نفسه فضل وأضل. # وقد يتعلق بالدين علوم قد بين الشافعي فضيلة كل واحد منها فقال: من تعلم ~~القرآن عظمت قيمته، ومن تعلم الفقه نبل مقداره، ومن كتب الحديث قويت حجته، ~~ومن تعلم الحساب جزل رأيه، ومن تعلم العربية رق طبعه، ومن لم يصن نفسه لم ~~ينفعه عمله. # ولعمري إن صيانة النفس أصل الفضائل؛ لأن من أهمل صيانة نفسه ثقة بما منحه ~~العلم من فضيلته، وتوكلا على ما يلزم الناس من صيانته، سلوه فضيلة علمه ~~ووسموه بقبيح تبذله، فلم يف ما أعطاه العلم بما سلبه التبذل؛ لأن القبيح ~~أنم من الجميل والرذيلة أشهر من الفضيلة؛ لأن الناس لما في طبائعهم من ~~البغضة والحسد ونزاع المنافسة تنصرف عيونهم عن المحاسن إلى المساوئ، فلا ~~ينصفون محسنا ولا يحابون مسيئا لا سيما من كان بالعلم موسوما وإليه منسوبا، ~~فإن زلته لا تقال وهفوته لا تعذر إما لقبح أثرها واغترار كثير من الناس ~~بها. # وقد قيل في منثور الحكم: إن زلة العالم كالسفينة تغرق ويغرق معها خلق ~~كثير، وقيل لعيسى ابن مريم - عليه السلام - من أشد الناس فتنة؟ قال: زلة ~~العالم إذا زل زل بزلته عالم كثير. فهذا وجه. # وإما لأن الجهال بذمه أغرى، وعلى تنقصه أحرى؛ ليسلبوه فضيلة التقدم ~~ويمنعوه مباينة التخصيص عنادا لما جهلوه ومقتا لما باينوه؛ لأن الجاهل يرى ~~العلم تكلفا ولوما، كما أن العالم يرى الجهل تخلفا وذما. # وأنشدت عن الربيع للشافعي - رضي الله عنه -: # ومنزلة السفيه من الفقيه ... كمنزلة الفقيه من السفيه # فهذا زاهد في قرب هذا ... وهذا فيه أزهد منه فيه # إذا غلب الشقاء على سفيه ... تقطع في مخالفة الفقيه # PageV01P040 # وقال يحيى بن خالد لابنه: عليك بكل نوع من العلم فخذ منه، فإن المرء عدو ~~ما جهل، وأنا أكره أن تكون عدو شيء من العلم، وأنشد: # تفنن وخذ من كل علم فإنما ... يفوق امرؤ في كل فن له علم ms021 # فأنت عدو للذي أنت جاهل ... به ولعلم أنت تتقنه سلم # وإذا صان ذو العلم نفسه حق صيانتها، ولازم فعل ما يلزمها أمن تعيير ~~الموالي وتنقيص المعادي، وجمع إلى فضيلة العلم جميل الصيانة وعز النزاهة ~~فصار بالمنزلة التي يستحقها بفضائله. # وروى أبو الدرداء أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «العلماء ورثة ~~الأنبياء لأن الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما وإنما ورثوا العلم» . ~~وروى أبو هريرة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «للأنبياء على ~~العلماء فضل درجتين وللعلماء على الشهداء فضل درجة» . # وقال بعض البلغاء: إن من الشريعة أن تجل أهل الشريعة، ومن الصنيعة أن ترب ~~حسن الصنيعة. فينبغي لمن استدل بفطرته على استحسان الفضائل، واستقباح ~~الرذائل، أن ينفي عن نفسه رذائل الجهل بفضائل العلم وغفلة الإهمال باستيقاظ ~~المعاناة، ويرغب في العلم رغبة متحقق لفضائله واثق بمنافعه، ولا يلهيه عن ~~طلبه كثرة مال وجده ولا نفوذ أمر وعلو منزلة. # فإن من نفذ أمره فهو إلى العلم أحوج، ومن علت منزلته فهو بالعلم أحق. # وروى أنس بن مالك عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «إن الحكمة ~~تزيد الشريف شرفا، وترفع العبد المملوك حتى تجلسه مجالس الملوك» . # وقد قال بعض الأدباء: كل عز لا يوطده علم مذلة، وكل علم لا يؤيده عقل ~~مضلة. # وقال بعض علماء السلف: إذا أراد الله بالناس خيرا جعل العلم في ملوكهم، ~~والملك في علمائهم. وقال بعض البلغاء: العلم عصمة الملوك؛ لأنه يمنعهم من ~~الظلم، ويردهم إلى الحلم، ويصدهم عن الأذية، ويعطفهم على الرعية. # فمن حقهم أن يعرفوا حقه، ويستبطنوا أهله. فأما المال فظل زائل وعارية ~~مسترجعة وليس في كثرته فضيلة، ولو # PageV01P041 # كانت فيه فضيلة لخص الله به من اصطفاه لرسالته، واجتباه لنبوته. وقد كان ~~أكثر أنبياء الله تعالى مع ما خصهم الله به من كرامته وفضلهم على سائر ~~خلقه، فقراء لا يجدون بلغة ولا يقدرون على شيء حتى صاروا في الفقر مثلا، ~~فقال البحتري: # فقر كفقر الأنبياء وغربة ... وصبابة ليس البلاء بواحد # ولعدم الفضيلة في ms022 المال منحه الله الكافر وحرمه المؤمن. # قال الشاعر: # كم كافر بالله أمواله ... تزداد أضعافا على كفره # ومؤمن ليس له درهم يزداد ... إيمانا على فقره # يا لائم الدهر وأفعاله ... مشتغلا يزري على دهره # الدهر مأمور له آمر ... ينصرف الدهر على أمره # وقد بين علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - فضل ما بين العلم والمال فقال: ~~العلم خير من المال. العلم يحرسك، وأنت تحرس المال. العلم حاكم والمال ~~محكوم عليه. مات خزان الأموال وبقي خزان العلم أعيانهم مفقودة، وأشخاصهم في ~~القلوب موجودة. وسئل بعض العلماء: أيما أفضل المال أم العلم؟ فقال: الجواب ~~عن هذا أيما أفضل المال أم العقل. وقال صالح بن عبد القدوس: # لا خير فيمن كان خير ثنائه ... في الناس قولهم غني واجد # وربما امتنع الإنسان من طلب العلم لكبر سنه واستحيائه من تقصيره في صغره ~~أن يتعلم في كبره، فرضي بالجهل أن يكون موسوما به وآثره على العلم أن يصير ~~مبتدئا به. # وهذا من خدع الجهل وغرور الكسل؛ لأن العلم إذا كان فضيلة فرغبة ذوي ~~الأسنان فيه أولى. والابتداء بالفضيلة فضيلة. ولأن يكون شيخا متعلما أولى ~~من أن يكون شيخا جاهلا. # حكي أن بعض الحكماء رأى شيخا كبيرا يحب النظر في العلم ويستحي فقال له: ~~يا هذا أتستحي أن تكون في آخر عمرك أفضل مما كنت في أوله، وذكر أن إبراهيم ~~بن المهدي دخل على المأمون وعنده جماعة يتكلمون في الفقه # PageV01P042 # فقال: يا عم ما عندك فيما يقول هؤلاء: فقال: يا أمير المؤمنين شغلونا في ~~الصغر واشتغلنا في الكبر. فقال: لم لا نتعلمه اليوم؟ قال: أو يحسن بمثلي ~~طلب العلم؟ قال: نعم. والله لأن تموت طالبا للعلم خير من أن تعيش قانعا ~~بالجهل. قال: وإلى متى يحسن بي طلب العلم؟ قال: ما حسنت بك الحياة؛ ولأن ~~الصغير أعذر وإن لم يكن في الجهل عذر؛ لأنه لم تطل به مدة التفريط ولا ~~استمرت عليه أيام الإهمال. # وقد قيل في منثور الحكم: جهل الصغير معذور، وعلمه محقور، فأما الكبير ~~فالجهل ms023 به أقبح، ونقصه عليه أفضح؛ لأن علو السن إذا لم يكسبه فضلا ولم يفده ~~علما وكانت أيامه في الجهل ماضية، ومن الفضل خالية، كان الصغير أفضل منه؛ ~~لأن الرجاء له أكثر، والأمل فيه أظهر، وحسبك نقصا في رجل يكون الصغير ~~المساوي له في الجهل أفضل منه. # وأنشدت لبعض أهل الأدب: # إذا لم يكن مر السنين مترجما ... عن الفضل في الإنسان سميته طفلا # وما تنفع الأيام حين يعدها ... ولم يستفد فيهن علما ولا فضلا # أرى الدهر من سوء التصرف مائلا ... إلى كل ذي جهل كأن به جهلا # وربما امتنع من طلب العلم لتعذر المادة وشغله اكتسابها عن التماس العلم. ~~وهذا، وإن كان أعذر من غيره مع أنه قل ما يكون ذلك إلا عند ذي شره وعيب ~~وشهوة مستعبدة، فينبغي أن يصرف إلى العلم حظا من زمانه. فليس كل الزمان ~~زمان اكتساب. ولا بد للمكتسب من أوقات استراحة، وأيام عطلة. # ومن صرف كل نفسه إلى الكسب حتى لم يترك لها فراغا إلى غيره، فهو من عبيد ~~الدنيا، وأسراء الحرص. # وقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «لكل شيء فترة، فمن ~~كانت فترته إلى العلم فقد نجا» . وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه ~~قال: «كونوا علماء صالحين، فإن لم تكونوا علماء صالحين فجالسوا العلماء ~~واسمعوا علما يدلكم على الهدى، ويردكم عن الردى» . # وقال بعض العلماء: من أحب العلم أحاطت به فضائله. وقال بعض الحكماء: من ~~صاحب العلماء وقر، ومن جالس السفهاء حقر. # وربما منعه من طلب العلم ما يظنه من # PageV01P043 # صعوبته، وبعد غايته، ويخشى من قلة ذهنه وبعد فطنته. # وهذا الظن اعتذار ذوي النقص وخيفة أهل العجز؛ لأن الأخبار قبل الاختبار ~~جهل، والخشية قبل الابتلاء عجز. وقد قال الشاعر: # لا تكونن للأمور هيوبا ... فإلى خيبة يصير الهيوب # وقال رجل لأبي هريرة - رضي الله عنه -: أريد أن أتعلم العلم، وأخاف أن ~~أضيعه. فقال: كفى بترك العلم إضاعة. وليس، وإن تفاضلت الأذهان وتفاوتت ~~الفطن، ينبغي لمن قل منها حظه أن ms024 ييأس من نيل القليل وإدراك اليسير الذي ~~يخرج به من حد الجهالة إلى أدنى مراتب التخصيص. # فإن الماء مع لينه يؤثر في صم الصخور فكيف لا يؤثر العلم الزكي في نفس ~~راغب شهي، وطالب خلي، لا سيما وطالب العلم معان. قال النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -: «إن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضا بما يطلب.» # وربما منع ذا السفاهة من طلب العلم أن يصور في نفسه حرفة أهله وتضايق ~~الأمور مع الاشتغال به حتى يسمهم بالإدبار ويتوسمهم بالحرمان، فإن رأى ~~محبرة تطير منها وإن رأى كتابا أعرض عنه، وإن رأى متحليا بالعلم هرب منه ~~كأنه لم ير عالما مقبلا وجاهلا مدبرا. # ولقد رأيت من هذه الطبقة جماعة ذوي منازل، وأحوال كنت أخفي عنهم ما ~~يصحبني من محبرة وكتاب لئلا أكون عندهم مستثقلا، وإن كان البعد عنهم مؤنسا ~~ومصلحا، والقرب منهم موحشا ومفسدا. # فقد قال بزرجمهر: الجهل في القلب كالنز في الأرض، يفسد ما حوله. لكن ~~اتبعت فيهم الحديث المروي عن أبي الأشعث عن أبي عثمان عن ثوبان عن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «خالطوا الناس بأخلاقهم وخالفوهم في ~~أعمالهم» . ولذلك قال بعض البلغاء: رب جهل وقيت به علماء، وسفه حميت به ~~حلماء. # وهذه الطبقة ممن لا يرجى لها صلاح، ولا يؤمل لها فلاح. لأن من اعتقد أن ~~العلم شين، وأن تركه زين، وأن للجهل إقبالا مجديا، وللعلم إدبارا مكديا، ~~كان ضلاله مستحكما ورشاده مستعبدا، وكان هو الخامس الهالك الذي قال فيه علي ~~بن أبي طالب - رضي الله عنه -: «اغد عالما أو متعلما أو مستمعا أو محبا ولا ~~تكن الخامس فتهلك» . وقد رواه خالد الحذاء عن عبد الرحمن بن أبي بكر عن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - مسندا وليس لمن هذه # PageV01P044 # حاله: في العذل نفع ولا في الإصلاح مطمع. # وقد قيل لبزرجمهر: ما لكم لا تعاتبون الجهال؟ فقال: إنا لا نكلف العمي أن ~~يبصروا، ولا الصم أن يسمعوا. وهذه الطائفة التي تنفر من العلم هذا النفور، ~~وتعاند أهله هذا ms025 العناد، ترى العقل بهذه المثابة وتنفر من العقلاء هذا ~~النفور، وتعتقد أن العاقل محارف، وأن الأحمق محظوظ. # وناهيك بضلال من هذا اعتقاده في العقل والعلم هل يكون لخير أهلا، أو ~~لفضيلة موضعا. وقد قال بعض البلغاء: أخبث الناس المساوي بين المحاسن ~~والمساوئ؛ وعلة هذا أنهم ربما رأوا عاقلا غير محظوظ، وعالما غير مرزوق، ~~فظنوا أن العلم والعقل هما السبب في قلة حظه ورزقه. # وقد انصرفت عيونهم عن حرمان أكثر النوكى وإدبار أكثر الجهال؛ لأن في ~~العقلاء والعلماء قلة وعليهم من فضلهم سمة. ولذلك قيل: العلماء غرباء لكثرة ~~الجهال. # فإذا ظهرت سمة فضلهم وصادف ذلك قلة حظ بعضهم تنوهوا بالتمييز واشتهروا ~~بالتعيين، فصاروا مقصودين بإشارة المتعنتين، ملحوظين بإيماء الشامتين. # والجهال والحمقى لما كثروا ولم يتخصصوا انصرفت عنهم النفوس فلم يلحظ ~~المحروم منهم بطرف شامت، ولا قصد المجدود منهم بإشارة عائب. فلذلك ظن ~~الجاهل المرزوق أن الفقر والضيق مختص بالعلم، والعقل دون الجهل والحمق ولو ~~فتشت أحوال العلماء والعقلاء، مع قلتهم، لوجدت الإقبال في أكثرهم. # ولو اختبرت أمور الجهال والحمقى، مع كثرتهم، لوجدت الحرمان في أكثرهم. ~~وإنما يصير ذو الحال الواسعة منهم ملحوظا مشتهرا؛ لأن حظه عجيب وإقباله ~~مستغرب. كما أن حرمان العاقل العالم غريب وإقلاله عجيب. ولم تزل الناس على ~~سالف الدهور من ذلك متعجبين وبه معتبرين حتى قيل لبزرجمهر: ما أعجب ~~الأشياء؟ فقال: نجح الجاهل وإكداء العاقل. لكن الرزق بالحظ والجد، لا ~~بالعلم والعقل، حكمة منه تعالى يدل بها على قدرته وإجراء الأمور على ~~مشيئته. # وقد قالت الحكماء: لو جرت الأقسام على قدر العقول لم تعش البهائم. فنظمه ~~أبو تمام فقال: # ينال الفتى من عيشه وهو جاهل ... ويكدي الفتى من دهره وهو عالم # ولو كانت الأرزاق تجري على الحجا ... هلكن إذن من جهلهن البهائم # PageV01P045 # وقال كعب بن زهير بن أبي سلمى: # لو كنت أعجب من شيء لأعجبني ... سعي الفتى وهو مخبوء له القدر # يسعى الفتى لأمور ليس يدركها ... والنفس واحدة والهم منتشر # على أن العلم والعقل سعادة وإقبال، وإن قل ms026 معهما المال، وضاقت معهما ~~الحال. # والجهل والحمق حرمان وإدبار وإن كثر معهما المال، واتسعت فيهما الحال؛ ~~لأن السعادة ليست بكثرة المال فكم من مكثر شقي ومقل سعيد. وكيف يكون الجاهل ~~الغني سعيدا والجهل يضعه. أم كيف يكون العالم الفقير شقيا والعلم يرفعه؟ ~~وقد قيل في منثور الحكم: كم من ذليل أعزه علمه، ومن عزيز أذله جهله. وقال ~~عبد الله بن المعتز: الجاهل كروضة على مزبلة. # وقال بعض الحكماء: كلما حسنت نعمة الجاهل ازداد قبحا. وقال بعض العلماء ~~لبنيه: يا بني تعلموا العلم فإن لم تنالوا به من الدنيا حظا فلأن يذم ~~الزمان لكم أحب إلي من أن يذم الزمان بكم. وقال بعض الأدباء: من لم يفد ~~بالعلم مالا كسب به جمالا، وأنشد بعض أهل الأدب لابن طباطبا: # حسود مريض القلب يخفي أنينه ... ويضحى كئيب البال عندي حزينه # يلوم علي أن رحت للعلم طالبا ... أجمع من عند الرواة فنونه # فأعرف أبكار الكلام وعونه ... وأحفظ مما أستفيد عيونه # ويزعم أن العلم لا يكسب الغنى ... ويحسن بالجهل الذميم ظنونه # فيا لائمي دعني أغالي بقيمتي ... فقيمة كل الناس ما يحسنونه # وأنا أستعيذ بالله من خدع الجهل المذلة، وبوادر الحمق المضلة. وأسأله ~~السعادة بعقل رادع يستقيم به من زل، وعلم نافع يستهدي به من ضل. فقد روي عن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: إذا استرذل الله عبدا حظر عليه ~~العلم. # فينبغي لمن زهد في العلم أن يكون فيه راغبا ولمن رغب فيه أن يكون له ~~طالبا، ولمن طلبه أن يكون منه مستكثرا، ولمن استكثر منه أن يكون به عاملا، ~~ولا يطلب لتركه احتجاجا ولا للتقصير فيه عذرا. # وقد قال الشاعر: # PageV01P046 # فلا تعذراني في الإساءة إنه ... شرار الرجال من يسيء فيعذر # ولا يسوف نفسه بالمواعيد الكاذبة ويمنيها بانقطاع الأشغال المتصلة، فإن ~~لكل وقت شغلا ولكل زمان عذرا. # وقال الشاعر: # نروح ونغدو لحاجاتنا ... وحاجة من عاش لا تنقضي # تموت مع المرء حاجاته ... وتبقى له حاجة ما بقي # ويقصد طلب العلم واثقا بتيسير الله قاصدا وجه ms027 الله تعالى بنية خالصة ~~وعزيمة صادقة. فقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «من تعلم ~~علما لغير الله وأراد به غير الله فليتبوأ مقعده من النار» . # وروى أبو هريرة - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ~~«تعلموا العلم قبل أن يرفع، ورفعه ذهاب أهله. فإن أحدكم لا يدري متى يحتاج ~~إليه أو متى يحتاج إلى ما عنده» . # وليحذر أن يطلبه لمراء أو رياء فإن المماري به مهجور لا ينتفع، والمرائي ~~به محقور لا يرتفع. وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «لا ~~تعلموا العلم لتماروا به السفهاء، ولا تعلموا العلم لتجادلوا به العلماء، ~~فمن فعل ذلك منكم فالنار مثواه» . وليس المماري به هو المناظر فيه طلبا ~~للصواب منه، ولكنه القاصد لدفع ما يرد عليه من فاسد أو صحيح. وفيهم جاءت ~~السنة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «لا يجادل إلا منافق ~~أو مرتاب» . # وقال الأوزاعي: إذا أراد الله بقوم شرا أعطاهم الجدل، ومنعهم العمل. ~~وأنشد الرياشي لمصعب بن عبد الله: # أجادل كل معترض ظنين ... وأجعل دينه غرضا لديني # وأترك ما عملت لرأي غيري ... وليس الرأي كالعلم اليقين # وما أنا والخصومة وهي شيء ... يصرف في الشمال وفي اليمين # فأما ما علمت فقد كفاني ... وأما ما جهلت فجنبوني # وقد بين ذلك بعض العلماء فقال لصاحبه: لا يمنعنك حذر المراء من حسن ~~المناظرة، فإن المماري هو الذي لا يريد أن يتعلم منه أحد ولا يرجو # PageV01P047 # أن يتعلم من أحد. # واعلم أن لكل مطلوب باعثا. والباعث على المطلوب شيئان: رغبة أو رهبة، ~~فليكن طالب العلم راغبا راهبا. أما الرغبة ففي ثواب الله تعالى لطالبي ~~مرضاته، وحافظي مفترضاته. # وأما الرهبة فمن عقاب الله تعالى لتاركي أوامره، ومهملي زواجره. فإذا ~~اجتمعت الرغبة والرهبة أديا إلى كنه العلم وحقيقة الزهد؛ لأن الرغبة أقوى ~~الباعثين على العلم، والرهبة أقوى السببين في الزهد. # وقد قالت الحكماء: أصل العلم الرغبة وثمرته السعادة، وأصل الزهد الرهبة ~~وثمرته العبادة فإذا اقترن ms028 الزهد والعلم فقد تمت السعادة وعمت الفضيلة، وإن ~~افترقا فيا ويح مفترقين ما أضر افتراقهما، وأقبح انفرادهما. # وقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «من ازداد في العلم ~~رشدا، فلم يزدد في الدنيا زهدا، لم يزدد من الله إلا بعدا» . وقال مالك بن ~~دينار: من لم يؤت من العلم ما يقمعه، فما أوتي منه لا ينفعه. وقال بعض ~~الحكماء: الفقيه بغير ورع كالسراج يضيء البيت ويحرق نفسه. ### | [فصل في التعلم] # التعلم فصل: واعلم أن للعلوم أوائل تؤدي إلى أواخرها، ومداخل تفضي إلى ~~حقائقها. فليبتدئ طالب العلم بأوائلها لينتهي إلى أواخرها، وبمداخلها لتفضي ~~إلى حقائقها. ولا يطلب الآخر قبل الأول، ولا الحقيقة قبل المدخل. # فلا يدرك الآخر ولا يعرف الحقيقة؛ لأن البناء على غير أس لا يبنى، والثمر ~~من غير غرس لا يجنى. ولذلك أسباب فاسدة ودواع واهية. # فمنها: أن يكون في النفس أغراض تختص بنوع من العلم فيدعو الغرض إلى قصد ~~ذلك النوع ويعدل عن مقدماته، كرجل يؤثر القضاء # PageV01P048 # ويتصدى للحكم فيقصد من علم الفقه أدب القاضي وما يتعلق به من الدعوى ~~والبينات، أو يحب الاتسام بالشهادة فيتعلم كتاب الشهادات فيصير موسوما بجهل ~~ما يعاني. # فإذا أدرك ذلك ظن أنه قد حاز من العلم جمهوره، وأدرك منه مشهوره، ولم ير ~~ما بقي منه إلا غامضا طلبه عناء، وغويصا استخراجه فناء؛ لقصور همته على ما ~~أدرك، وانصرافها عما ترك. # ولو نصح نفسه لعلم أن ما ترك أهم مما أدرك؛ لأن بعض العلم مرتبط ببعض، ~~ولكل باب منه تعلق بما قبله فلا تقوم الأواخر إلا بأوائلها. # وقد يصح قيام الأوائل بأنفسها فيصير طلب الأواخر بترك الأوائل تركا ~~للأوائل والأواخر فإذن ليس يعرى من لوم وإن كان تارك الآخر ألوم. # ومنها: أن يحب الاشتهار بالعلم إما لتكسب أو لتجمل فيقصد من العلم ما ~~اشتهر من مسائل الجدل وطريق النظر. # ويتعاطى علم ما اختلف فيه دون ما اتفق عليه؛ ليناظر على الخلاف وهو لا ~~يعرف الوفاق، ويجادل الخصوم وهو لا يعرف ms029 مذهبا مخصوصا. ولقد رأيت من هذه ~~الطبقة عددا قد تحققوا بالعلم تحقق المتكلفين، واشتهروا به اشتهار ~~المتبحرين. إذا أخذوا في مناظرة الخصوم ظهر كلامهم، وإذا سئلوا عن واضح ~~مذهبهم ضلت أفهامهم، حتى إنهم ليخبطون في الجواب خبط عشواء فلا يظهر لهم ~~صواب، ولا يتقرر لهم جواب. # ولا يرون ذلك نقصا إذا نمقوا في المجالس كلاما موصوفا، ولفقوا على ~~المخالف حجابا مألوفا. وقد جهلوا من المذاهب ما يعلم المبتدئ ويتداوله ~~الناشئ. فهم دائما في لغط مضل، أو غلط مذل ورأيت قوما منهم يرون الاشتغال ~~بالمذاهب تكلفا، والاستكثار منه تخلفا. # وحاجني بعضهم عليه فقال: لأن علم حافظ المذاهب مستور، وعلم المناظر عليه ~~مشهور. فقلت: فكيف يكون علم حافظ المذهب مستورا وهو سريع عليه الجواب، كثير ~~الصواب؟ فقال: لأنه إن لم يسأل سكت فلم يعرف، والمناظر إن لم يسأل سائل ~~يعرف. فقلت: أليس إذا سئل الحافظ فأصاب بان فضله؟ قال: نعم. قلت: أفليس إذا ~~سئل المناظر فأخطأ بان نقصه، وقد قيل: عند الامتحان يكرم المرء أو # PageV01P049 # يهان؟ فأمسك عن جوابي؛ لأنه إن أنكر كابر المعقول، ولو اعترف لزمته ~~الحجة. # والإمساك إذعان والسكوت رضى، وأن ينقاد إلى الحق أولى من أن يستفزه ~~الباطل. وهذه طريقة من يقول اعرفوني وهو غير عروف ولا معروف وبعيد ممن لا ~~يعرف العلم أن يعرفه. وقد قال زهير: # ومهما تكن عند امرئ من خليقة ... وإن خالها تخفى على الناس تعلم. # ومن أسباب التقصير أيضا أن يغفل عن التعلم في الصغر، ثم يشتغل به في ~~الكبر فيستحي أن يبتدئ بما يبتدئ الصغير، ويستنكف أن يساويه الحدث الغرير، ~~فيبدأ بأواخر العلوم، وأطرافها، ويهتم بحواشيها، وأكنافها؛ ليتقدم على ~~الصغير المبتدي، ويساوي الكبير المنتهي. # وهذا ممن رضي بخداع نفسه، وقنع بمداهنة حسه؛ لأن معقوله إن أحس ومعقول كل ~~ذي حس يشهد بفساد هذا التصور، وينطق باختلال هذا التخيل؛ لأنه شيء لا يقوم ~~في وهم. وجهل ما يبتدئ به المتعلم أقبح من جهل ما ينتهي إليه العالم. # وقد قال الشاعر: # ترق إلى صغير الأمر ms030 حتى ... يرقيك الصغير إلى الكبير # فتعرف بالتفكر في صغير ... كبيرا بعد معرفة الصغير # ولهذا المعنى، وأشباهه كان المتعلم في الصغر أحمد. # روى مروان بن سالم عن إسماعيل بن أبي الدرداء قال: قال رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -؛ «مثل الذي يتعلم في صغره كالنقش على الصخر والذي يتعلم ~~في كبره كالذي يكتب على الماء.» . # وقال علي بن أبي طالب كرم الله وجهه: قلب الحدث كالأراضي الخالية ما ألقي ~~فيها من شيء قبلته وإنما كان كذلك؛ لأن الصغير أفرغ قلبا، وأقل شغلا، وأيسر ~~تبذلا، وأكثر تواضعا. # وقد قيل في منثور الحكم: المتواضع من طلاب العلم أكثرهم علما، كما أن ~~المكان المنخفض أكثر البقاع ماء. فأما أن يكون الصغير أضبط من الكبير إذا ~~عري من هذه الموانع، وأوعى منه إذا خلا من هذه القواطع فلا. # حكي أن الأحنف بن قيس سمع رجلا يقول: التعليم في الصغر كالنقش على الحجر. ~~فقال # PageV01P050 # الأحنف: الكبير أكثر عقلا ولكنه أشغل قلبا. ولعمري لقد فحص الأحنف عن ~~المعنى ونبه على العلة؛ لأن قواطع الكبير كثيرة: فمنها: ما ذكرنا من ~~الاستحياء. وقد قيل في منثور الحكم: من رق وجهه رق علمه. وقال الخليل بن ~~أحمد: يرتع الجهل بين الحياء والكبر في العلم. # ومنها: وفور شهواته وتقسم أفكاره. وقال الشاعر: # صرف الهوى عن ذي الهوى عزيز ... إن الهوى ليس له تمييز # وقال بعض البلغاء: إن القلب إذا علق كالرهن إذا غلق. # ومنها: الطوارق المزعجة والهموم المذهلة. وقد قيل في منثور الحكم: الهم ~~قيد الحواس. وقال بعض البلغاء: من بلغ أشده لاقي من العلم أشده. # ومنها: كثرة اشتغاله وترادف حالاته حتى أنها تستوعب زمانه وتستنفد أيامه. ~~فإذا كان ذا رئاسة ألهته، وإن كان ذا معيشة قطعته. ولذلك قيل: تفقهوا قبل ~~أن تسودوا. وقال بزرجمهر: الشغل مجهدة والفراغ مفسدة. # فينبغي لطالب العلم أن لا يني في طلبه وينتهز الفرصة به، فربما شح الزمان ~~بما سمح وضن بما منح. ويبتدئ من العلم بأوله ويأتيه من مدخله ولا يتشاغل ~~بطلب ما لا يضر ms031 جهله فيمنعه ذلك من إدراك ما لا يسعه جهله. # فإن لكل علم فصولا مذهلة وشذورا مشغلة، إن صرف إليها نفسه قطعته عما هو ~~أهم منها. وقال ابن عباس - رضي الله عنهما -: العلم أكثر من أن يحصى فخذوا ~~من كل شيء أحسنه. # وقال المأمون: ما لم يكن العلم بارعا فبطون الصحف أولى به من قلوب ~~الرجال. وقال بعض الحكماء: بترك ما لا يعنيك تدرك ما يغنيك. ولا ينبغي أن ~~يدعوه ذلك إلى ترك ما # PageV01P051 # استصعب عليه إشعارا لنفسه أن ذلك من فضول علمه وإعذارا لها في ترك ~~الاشتغال به، فإن ذلك مطية النوكى وعذر المقصرين. # ومن أخذ من العلم ما تسهل وترك منه ما تعذر كان كالقناص إذا امتنع عليه ~~الصيد تركه فلا يرجع إلا خائبا إذ ليس يرى الصيد إلا ممتنعا. كذلك العلم ~~كله صعب على من جهله، سهل على من علمه؛ لأن معانيه التي يتوصل إليها ~~مستودعة في كلام مترجم عنها. # وكل كلام مستعمل فهو يجمع لفظا مسموعا ومعنى مفهوما، فاللفظ كلام يعقل ~~بالسمع والمعنى تحت اللفظ يفهم بالقلب. وقد قال بعض الحكماء: العلوم ~~مطالعها من ثلاثة أوجه: قلب مفكر، ولسان معبر، وبيان مصور. # فإذا عقل الكلام بسمعه فهم معانيه بقلبه. وإذا فهم المعاني سقط عنه كلفة ~~استخراجها وبقي عليه معاناة حفظها واستقرارها؛ لأن المعاني شوارد تضل ~~بالإغفال، والعلوم وحشية تنفر بالإرسال. فإذا حفظها بعد الفهم أنست، وإذا ~~ذكرها بعد الأنس رست. # وقال بعض العلماء: من أكثر المذاكرة بالعلم لم ينس ما علم واستفاد ما لم ~~يعلم. وقال الشاعر: # إذا لم يذاكر ذو العلوم بعلمه ... ولم يستفد علما نسي ما تعلما # فكم جامع للكتب في كل مذهب ... يزيد مع الأيام في جمعه عمى # وإن لم يفهم معاني ما سمع كشف عن السبب المانع منها ليعلم العلة في تعذر ~~فهمها فإنه بمعرفة أسباب الأشياء وعللها يصل إلى تلافي ما شذ وصلاح ما فسد. # وليس يخلو السبب المانع من ذلك من ثلاثة أقسام: إما أن يكون لعلة في ~~الكلام المترجم عنها. ms032 وإما أن يكون لعلة في المعنى المستودع فيها. وإما أن ~~يكون لعلة في السامع المستخرج. # فإن كان السبب المانع من فهمها لعلة في الكلام المترجم عنها لم يخل ذلك ~~من ثلاثة أحوال: # أحدها: أن يكون لتقصير اللفظ عن المعنى فيصير تقصير اللفظ عن ذلك المعنى ~~سببا مانعا من فهم ذلك المعنى. وهذا يكون من أحد وجهين: إما من حصر المتكلم ~~وعيه، وإما من بلادته وقلة فهمه. # PageV01P052 # الحال الثاني: أن يكون لزيادة اللفظ على المعنى فتصير الزيادة علة مانعة ~~من فهم المقصود منه. وهذا قد يكون من أحد وجهين: إما من هذر المتكلم ~~وإكثاره، وإما لسوء ظنه بفهم سامعه. # والحال الثالث: أن يكون لمواضعة يقصدها المتكلم بكلامه، فإذا لم يعرفها ~~السامع لم يفهم معانيها. وأما تقصير اللفظ وزيادته فمن الأسباب الخاصة دون ~~العامة؛ لأنك لست تجد ذلك عاما في كل الكلام، وإنما تجده في بعضه. # فإن عدلت عن الكلام المقصر إلى الكلام المستوفي، وعن الزائد إلى الكافي ~~أرحت نفسك من تكلف ما يكد خاطرك. وإن أقمت على استخراجه إما لضرورة دعتك ~~إليه عند إعواز غيره، أو لحمية داخلتك عند تعذر فهمه، فانظر في سبب الزيادة ~~والتقصير. # فإن كان التقصير لحصر والزيادة لهذر سهل عليك استخراج المعنى منه؛ لأن ما ~~له من الكلام محصول لا يجوز أن يكون المختل منه أكثر من الصحيح وفي الأكثر ~~على الأقل دليل. وإن كانت زيادة اللفظ على المعنى دليلا لسوء ظن المتكلم ~~بفهم السامع كان استخراجه أسهل. وإن كان تقصير اللفظ عن المعنى لسوء فهم ~~المتكلم فهو أصعب الأمور حالا، وأبعدها استخراجا؛ لأن ما لم يفهمه مكلمك ~~فأنت من فهمه أبعد إلا أن يكون بفرط ذكائك وجودة خاطرك تتنبه بإشارته على ~~استنباط ما عجز عنه واستخراج ما قصر فيه فتكون فضيلة الاستيفاء لك وحق ~~التقدم له. # وأما المواضعة فضربان: عامة وخاصة. أما العامة فهي مواضعة العلماء فيما ~~جعلوه ألقابا لمعان لا يستغني المتعلم عنها ولا يقف على معنى كلامهم إلا ~~بها، كما جعل المتكلمون الجواهر، والأعراض ms033 والأجسام ألقابا تواضعوها لمعان ~~اتفقوا عليها. ولست تجد من العلوم علما يخلو من هذا. وهذه المواضعة العامة ~~تسمى عرفا. # وأما الخاصة فمواضعة الواحد يقصد بباطن كلامه غير ظاهره. فإذا كانت في ~~الكلام كانت رمزا، وإن كانت في الشعر كانت لغزا. # فأما الرمز فلست تجده في علم معنوي، ولا في كلام لغوي وإنما يختص غالبا ~~بأحد # PageV01P053 # شيئين: إما بمذهب شنيع يخفيه معتقده ويجعل الرمز سببا لتطلع النفوس إليه ~~واحتمال التأويل فيه سببا لدفع التهمة عنه. وإما لما يدعي أربابه أنه علم ~~معوز، وأن إدراكه بديع معجز، كالصنعة التي وضعها أربابها اسما لعلم ~~الكيمياء فرمزوا بأوصافه، وأخفوا معانيه؛ ليوهموا الشح به والأسف عليه ~~خديعة للعقول الواهية والآراء الفاسدة. # وقد قال الشاعر: # منعت شيئا فأكثرت الولوع به ... أحب شيء إلى الإنسان ما منعا # ثم ليكونوا براء من عهدة ما قالوه إذا جرب. ولو كان ما تضمن هذين ~~النوعين، وأشباههما من الرموز معنى صحيحا وعلما مستفادا لخرج من الرمز ~~الخفي إلى العلم الجلي، فإن أغراض الناس مع اختلاف أهوائهم لا تتفق على ستر ~~سليم وإخفاء مفيد. وقد قال زهير: # الستر دون الفاحشات ولا ... يلقاك دون الخير من ستر # وربما استعمل الرمز من الكلام فيما يراد تفخيمه من المعاني، وتعظيمه من ~~الألفاظ؛ ليكون أحلى في القلوب موقعا، وأجل في النفوس موضعا، فيصير بالرمز ~~سائرا وفي الصحف مخلدا. كالذي حكي عن فيثاغورس في وصاياه المرموزة أنه قال: ~~احفظ ميزانك من البذيء، وأوزانك من الصديء. يريد بحفظ الميزان من البذيء ~~حفظ اللسان من الخنا، وحفظ الأوزان من الصدى حفظ العقل من الهوى. # فصار بهذا الرمز مستحسنا ومدونا ولو قاله باللفظ الصريح والمعنى الصحيح، ~~لما سار عنه، ولا استحسن منه. وعلة ذلك أن المحجوب عن الأفهام كالمحجوب عن ~~الأبصار فيما يحصل له في النفوس من التعظيم، وفي القلوب من التفخيم. وما ~~ظهر منها ولم يحتجب هان واسترذل، وهذا إنما يصح استحلاؤه فيما قل وهو ~~باللفظ الصريح مستقل. # فأما العلوم المنتشرة التي تتطلع النفوس إليها فقد استغنت بقوة الباعث ms034 ~~عليها وشدة الداعي إليها عن الاستدعاء إليها برمز مستحل ولفظ مستغرب. بل ~~ذلك منفر عنها؛ لما في التشاغل باستخراج رموزها من الإبطاء عن إدراكها، ~~فهذا حال الرمز. # PageV01P054 # وأما اللغز فهو تحري أهل الفراغ وشغل ذوي البطالة؛ ليتنافسوا في تباين ~~قرائحهم، ويتفاخروا في سرعة خواطرهم، فيستكدوا خواطر قد منحوا صحتها فيما ~~لا يجدي نفعا ولا يفيد علما، كأهل الصراع الذين قد صرفوا ما منحوه من صحة ~~أجسامهم إلى صراع كدود يصرع عقولهم ويهد أجسامهم ولا يكسبهم حمدا ولا يجدي ~~عليهم نفعا. انظر إلى قول الشاعر: # رجل مات وخلف رجلا ... ابن أم ابن أبي أخت أبيه # معه أم بني أولاده ... وأبا أخت بني عم أخيه # أخبرني عن هذين البيتين وقد روعك صعوبة ما تضمنهما من السؤال. # إذا استكديت الفكر في استخراجه فعلمت أنه أراد ميتا خلف أبا وزوجة وعما، ~~ما الذي أفادك من العلم ونفى عنك من الجهل؟ ألست بعد علمه تجهل ما كنت ~~جاهلا من قبله؟ ولو أن السائل قلب لك السؤال فأخر ما قدم وقدم ما أخر لكنت ~~في الجهل به قبل استدراجه كما كنت في الجهل الأول وقد كددت نفسك، وأتعبت ~~خاطرك ثم لا تعدم أن يرد عليك مثل هذا مما تجهله فتكون فيه كما كنت قبله. ~~فاصرف نفسك - تولى الله رشدك - عن علوم النوكى وتكلف البطالين. فقد روي عن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «من حسن إسلام المرء تركه ما لا ~~يعنيه» . # ثم اجعل ما من الله به عليك من صحة القريحة وسرعة الخاطر مصروفا إلى علم ~~ما يكون إنفاق خاطرك فيه مذخورا، وكد فكرك فيه مشكورا. وقد روى سعيد بن أبي ~~هند عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: قال: رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: «نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس الصحة والفراغ» . ونحن نستعيذ ~~بالله من أن نغبن بفضل نعمته علينا، ونجهل نفع إحسانه إلينا. وقد قيل في ~~منثور الحكم: من الفراغ تكون الصبوة. وقال بعض البلغاء: من أمضى يومه في ~~غير حق ms035 قضاه، أو فرض أداه، أو مجد أثله أو حمد حصله، أو خير أسسه أو علم ~~اقتبسه، فقد عق يومه وظلم نفسه. وقال بعض الشعراء: # لقد أهاج الفراغ عليك شغلا ... وأسباب البلاء من الفراغ # PageV01P055 # فهذا تعليل ما في الكلام من الأسباب المانعة من فهم معانيه حتى خرج بنا ~~الاستيفاء والكشف إلى الإغماض. # وأما القسم الثاني: وهو أن يكون السبب المانع من فهم السامع لعلة في ~~المعنى المستودع فلا يخلو حال المعنى من ثلاثة أقسام: إما أن يكون مستقلا ~~بنفسه، أو يكون مقدمة لغيره، أو يكون نتيجة من غيره. # فأما المستقل بنفسه فضربان: جلي وخفي. فأما الجلي فهو يسبق إلى فهم ~~متصوره من أول وهلة، وليس هو من أقسام ما يشكل على من تصوره. وأما الخفي ~~فيحتاج في إدراكه إلى زيادة تأمل وفضل معاناة لينجلي عما أخفى وينكشف عما ~~أغمض، وباستعمال الفكر فيه يكون الارتياض به وبالارتياض به يسهل منه ما ~~استصعب ويقرب منه ما بعد، فإن للرياضة جراءة وللدراية تأثيرا، وأما ما كان ~~مقدمة لغيره فضربان: # أحدهما: أن تقوم المقدمة بنفسها وإن تعدت إلى غيرها، فتكون كالمستقل ~~بنفسه في تصوره وفهمه مستدعيا لنتيجته. # والثاني: أن يكون مفتقرا إلى نتيجته فيتعذر فهم المقدمة إلا بما يتبعها ~~من النتيجة؛ لأنها تكون بعضا وتبعيض المعنى أشكل له وبعضه لا يغني عن كله، ~~وأما ما كان نتيجة لغيره فهو لا يدرك إلا بأوله ولا يتصور على حقيقته إلا ~~بمقدمته والاشتغال به قبل المقدمة عناء، وإتعاب الفكر في استنباطه قبل ~~قاعدته إيذاء. فهذا يوضح تعليل ما في المعاني من الأسباب المانعة من فهمها. # وأما القسم الثالث: وهو أن يكون السبب المانع لعلة في المستمع فذلك ~~ضربان. أحدهما: من ذاته. والثاني: من طارئ عليه. فأما ما كان من ذاته ~~فيتنوع نوعين: أحدهما: ما كان مانعا من تصور المعنى، والثاني: ما كان مانعا ~~من حفظه بعد تصوره وفهمه. فأما ما كان مانعا من تصور المعنى وفهمه فهو ~~البلادة وقلة الفطنة وهو الداء العياء. وقد قال بعض الحكماء: إذا ms036 فقد ~~العالم الذهن قل على الأضداد احتجاجه، وكثر إلى الكتب احتياجه. وليس لمن ~~بلي به إلا الصبر والإقلال؛ لأنه على القليل أقدر، وبالصبر أحرى أن ينال ~~ويظفر. # وقد قال بعض الحكماء: قدم # PageV01P056 # لحاجتك بعض لجاجتك. وليس يقدر على الصبر من هذا حاله إلا أن يكون غالب ~~الشهوة، بعيد الهمة، فيشعر قلبه الصبر؛ لقوة شهوته، وجسده احتمال التعب؛ ~~لبعد همته. # فإذا تلوح له المعنى بمساعدة الشهوة أعقبه ذلك إلحاح الآملين ونشاط ~~المدركين فقل عنده كل كثير، وسهل عليه كل عسير. # وقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «لا تنالون ما تحبون ~~إلا بالصبر على ما تكرهون، ولا تبلغون ما تهوون إلا بترك ما تشتهون» . وقيل ~~في منثور الحكم: أتعب قدمك، فإن تعب قدمك. وقال بعض البلغاء: إذا اشتد ~~الكلف، هانت الكلف، وأنشد بعض أهل الأدب لعلي بن أبي طالب كرم الله وجهه -: # لا تعجزن ولا يدخلك مضجرة ... فالنجح يهلك بين العجز والضجر # وأما المانع من حفظه بعد تصوره وفهمه فهو النسيان الحادث عن غفلة التقصير ~~وإهمال التواني. فينبغي لمن بلي به أن يستدرك تقصيره بكثرة الدرس ويوقظ ~~غفلته بإدامة النظر. فقد قيل لا يدرك العلم من لا يطيل درسه، ويكد نفسه. ~~وكثرة الدرس كدود لا يصبر عليه إلا من يرى العلم مغنما، والجهالة مغرما. ~~فيحتمل تعب الدرس ليدرك راحة العلم وينفي عنه معرة الجهل. # فإن نيل العظيم بأمر عظيم، وعلى قدر الرغبة تكون المطالب، وبحسب الراحة ~~يكون التعب. # وقد قيل: طلب الراحة قلة الاستراحة. وقال بعض الحكماء: أكمل الراحة ما ~~كانت عن كد التعب، وأعز العلم ما كان عن ذل الطلب. وربما استثقل المتعلم ~~الدرس والحفظ واتكل بعد فهم المعاني على الرجوع إلى الكتب والمطالعة فيها ~~عند الحاجة فلا يكون إلا كمن أطلق ما صاده ثقة بالقدرة عليه بعد الامتناع ~~منه فلا تعقبه الثقة إلا خجلا والتفريط إلا ندما. # وهذه حال قد يدعو إليها أحد ثلاثة أشياء: إما الضجر من معاناة الحفظ ~~ومراعاته وطول الأمل في التوفر عليه ms037 عند نشاطه وفساد الرأي في عزيمته. وليس ~~يعلم أن الضجور خائب، وأن الطويل الأمل مغرور، وأن الفاسد الرأي مصاب. # والعرب تقول في أمثالها: حرف في قلبك، خير من ألف في كتبك. وقالوا: لا ~~خير في علم لا يعبر # PageV01P057 # معك الوادي، ولا يعمر بك النادي، وأنشدت عن الربيع للشافعي - رضي الله ~~عنه -: # علمي معي حيث ما يممت ينفعني ... قلبي وعاء له لا بطن صندوقي # إن كنت في البيت كان العلم فيه معي ... أو كنت في السوق كان العلم في ~~السوق # وربما اعتنى المتعلم بالحفظ من غير تصور ولا فهم حتى يصير حافظا لألفاظ ~~المعاني قيما بتلاوتها. وهو لا يتصورها ولا يفهم ما تضمنها يروي بغير روية، ~~ويخبر عن غير خبرة. # فهو كالكتاب الذي لا يدفع شبهة، ولا يؤيد حجة. وقد روي عن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - أنه قال: «همة السفهاء الرواية وهمة العلماء الرعاية» . ~~وقال ابن مسعود - رضي الله عنه -: كونوا للعلم رعاة، ولا تكونوا له رواة، ~~فقد يرعوي من لا يروي، ويروي من لا يرعوي. وحدث الحسن البصري بحديث فقال له ~~رجل: يا أبا سعيد، عمن؟ قال: ما تصنع بعمن، أما أنت فقد نالتك عظته، وقامت ~~عليك حجته. وربما اعتمد على حفظه وتصوره، وأغفل تقييد العلم في كتبه ثقة ~~بما استقر في ذهنه وهذا خطأ منه؛ لأن الشكل معترض والنسيان طارق. # وقد روى أنس بن مالك عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «قيدوا ~~العلم بالكتاب» . وروي أن «رجلا شكا إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~النسيان فقال له: استعمل يدك، أي اكتب حتى ترجع إذا نسيت إلى ما كتبت» . ~~وقال الخليل بن أحمد: اجعل ما في الكتب رأس المال، وما في القلب النفقة. ~~وقال مهبود. لولا ما عقدته الكتب من تجارب الأولين، لانحل مع النسيان عقود ~~الآخرين. وقال بعض البلغاء: إن هذه الآداب نوافر تند عن عقل الأذهان ~~فاجعلوا الكتب عنها حماة، والأقلام لها رعاة. # وأما الطوارئ فنوعان: أحدهما: شبهة تعترض المعنى فتمنع عن نفس تصوره ~~وتدفع ms038 عن إدراك حقيقته، فينبغي أن يزيل تلك الشبهة عن # PageV01P058 # نفسه بالسؤال والنظر؛ ليصل إلى تصور المعنى وإدراك حقيقته. ولذلك قال بعض ~~العلماء: لا تخل قلبك من المذاكرة فتعد عقيما، ولا تعف طبعك من المناظرة ~~فيعد سقيما. # وقال بشار بن برد: # شفاء العمى طول السؤال وإنما ... دوام العمى طول السكوت على الجهل # فكن سائلا عما عناك فإنما ... دعيت أخا عقل لتبحث بالعقل # والثاني: أفكار تعارض الخاطر فيذهل عن تصور المعنى. # وهذا سبب قلما يعرى منه أحد لا سيما فيمن انبسطت آماله واتسعت أمانيه. ~~وقد يقل فيمن لم يكن له في غير العلم أرب، ولا فيما سواه همة، فإن طرأت على ~~الإنسان لم يقدر على مكابرة نفسه على الفهم وغلبة قلبه على التصور؛ لأن ~~القلب مع الإكراه أشد نفورا، وأبعد قبولا. وقد جاء الأثر بأن القلب إذا ~~أكره عمي، ولكن يعمل في دفع ما طرأ عليه من هم مذهل أو فكر قاطع ليستجيب له ~~القلب مطيعا. وقد قال الشاعر: # وليس بمغن في المودة شافع ... إذا لم يكن بين الضلوع شفيع # وقال بعض الحكماء: إن لهذه القلوب تنافر كتنافر الوحش فتألفوها بالاقتصاد ~~في التعليم، والتوسط في التقديم؛ لتحسن طاعتها، ويدوم نشاطها. فهذا تعليل ~~ما في المستمع من الأسباب المانعة من فهم المعاني. # وها هنا قسم رابع يمنع من معرفة الكلام وفهم معانيه. ولكنه قد يعرى من ~~بعض الكلام، فلذلك لم يدخل في جملة أقسامه، ولم نستجز الإخلال بذكره؛ لأن ~~من الكلام ما كان مسموعا لا يحتاج في فهمه إلى تأمل الخط به. # والمانع من فهمه هو على ما ذكرنا من أقسامه ومنه ما كان مستودعا بالخط، ~~محفوظا بالكتابة، مأخوذا بالاستخراج، فكان الخط حافظا له ومعبرا عنه. وقد ~~روي عن ابن عباس - رضي الله عنهما - في قوله تعالى: {أو أثارة من علم} ~~[الأحقاف: 4] قال: يعني الخط. وروي عن مجاهد # PageV01P059 # في قوله تعالى: {يؤتي الحكمة من يشاء} [البقرة: 269] يعني الخط {ومن يؤت ~~الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا} [البقرة: 269] يعني الخط. والعرب تقول: الخط ~~أحد اللسانين، ms039 وحسنه أحد الفصاحتين. وقال جعفر بن يحيى: الخط سمط الحكمة به ~~يفصل شذورها، وينظم منثورها. # وقال ابن المقفع: اللسان مقصور على القريب الحاضر والقلم على الشاهد ~~والغائب وهو للغابر الكائن مثله للقائم الدائم. وقال حكيم الروم: الخط ~~هندسة روحانية، وإن ظهرت بآلة جسمانية. وقال حكيم العرب: الخط أصل في الروح ~~وإن ظهر بحواس الجسد. # واختلف في أول من كتب الخط فذكر كعب الأحبار أن أول من كتب آدم - عليه ~~السلام - كتب سائر الكتب قبل موته بثلاثمائة سنة في طين ثم طبخه فلما غرقت ~~الأرض في أيام نوح - على نبينا وعليه السلام - بقيت الكتابة فأصاب كل قوم ~~كتابهم. وبقي الكتاب العربي إلى أن خص الله تعالى به إسماعيل فأصابه ~~وتعلمها. # وحكى ابن قتيبة أن أول من كتب إدريس - على نبينا وعليه السلام - وكانت ~~العرب تعظم قدر الخط وتعده من أجل نافع حتى قال عكرمة: بلغ فداء أهل بدر ~~أربعة آلاف حتى إن الرجل ليفادى على أنه يعلم الخط، لما هو مستقر في نفوسهم ~~من عظم خطره وجلالة قدره وظهور نفعه وأثره. وقد قال الله تعالى لنبيه - صلى ~~الله عليه وسلم -: {اقرأ وربك الأكرم} [العلق: 3] {الذي علم بالقلم} ~~[العلق: 4] . فوصف نفسه بالكرم، وأعد ذلك من نعمه العظام، ومن آياته ~~الجسام، حتى أقسم به في كتابه فقال سبحانه وتعالى: {ن والقلم وما يسطرون} ~~[القلم: 1] . فأقسم بالقلم وما يخط بالقلم. # واختلف في أول من كتب بالعربية فذكر كعب الأحبار أن أول من كتب # PageV01P060 # به آدم - عليه السلام - ثم وجدها بعد الطوفان إسماعيل - على نبينا وعليه ~~السلام - وحكى ابن عباس - رضي الله عنه - أن أول من كتب بها ووضعها إسماعيل ~~- عليه السلام - على لفظه ومنطقه. وحكى عروة بن الزبير - رضي الله عنه - أن ~~أول من كتب بها قوم من الأوائل أسماؤهم أبجد، وهوز، وحطي، وكلمن، وسعفص، ~~وقرشت، وكانوا ملوك مدين. # وحكى ابن قتيبة في المعارف أن أول من كتب بالعربي مرامر بن مرة من أهل ~~الأنبار ومن الأنبار انتشرت. وحكى المدائني أن أول من كتب ms040 بها مرامر بن ~~مرة، وأسلم بن سدرة وعامر بن حدرة. فمرامر وضع الصور،، وأسلم فصل ووصل، ~~وعامر وضع الإعجام. # ولما كان الخط بهذا الحال وجب على من أراد حفظ العلم أن يعبأ بأمرين: ~~أحدهما: تقويم الحروف على أشكالها الموضوعة لها. والثاني: ضبط ما اشتبه ~~منها بالنقط والأشكال المميزة لها. # ثم ما زاد على هذين من تحسين الخط وملاحة نظمه فإنما هو زيادة حذق بصنعته ~~وليس بشرط في صحته. وقد قال علي بن عبيدة: حسن الخط لسان اليد وبهجة ~~الضمير. وقال أبو العباس المبرد: رداءة الخط زمانة الأدب. وقال عبد الحميد: ~~البيان في اللسان والخط في البنان. # وأنشدني بعض أهل العلم لأحد شعراء البصرة: # اعذر أخاك على نذالة خطه ... واغفر نذالته لجودة ضبطه # فإذا أبان عن المعاني لم يكن ... تحسينه إلا زيادة شرطه # واعلم بأن الخط ليس يراد من ... تركيبه إلا تبين سمطه # ومحل ما زاد على الخط المفهوم من تصحيح الحروف وحسن الصورة محل ما زاد ~~على الكلام المفهوم من فصاحة الألفاظ وصحة الإعراب. # ولذلك قالت العرب: حسن الخط أحد الفصاحتين. وكما أنه لا يعذر من أراد ~~التقدم في الكلام أن يطرح الفصاحة والإعراب وإن فهم، وأفهم. كذلك لا يعذر ~~من أراد التقدم في الخط أن يطرح تصحيح الحروف وتحسين الصورة، وإن فهم، ~~وأفهم. وربما تقدم بالخط من كان الخط من جل فضائله، وأشرف خصائله، حتى صار ~~عالما مشهورا، وسيدا مذكورا. # غير # PageV01P061 # أن العلماء أطرحوا صرف الهمة إلى تحسين الخط؛ لأنه يشغلهم عن العلم ~~ويقطعهم عن التوفر عليه. ولذلك تجد خطوط العلماء في الأغلب رديئة لا يخط ~~إلا من أسعده القضاء. وقد قال الفضل بن سهل: من سعادة المرء أن يكون رديء ~~الخط؛ لأن الزمان الذي يفنيه بالكتابة يشغله بالحفظ والنظر. وليست رداءة ~~الخط هي السعادة، وإنما السعادة أن لا يكون له صارف عن العلم. وعادة ذي ~~الخط الحسن أن يتشاغل بتحسين خطه عن العلم فمن هذا الوجه صار برداءة خطه ~~سعيدا، وإن لم تكن رداءة الخط سعادة. # وإذا كان ms041 ذلك كذلك فقد يعرض للخط أسباب تمنع من قراءته ومعرفته كما يعرض ~~للكلام أسباب تمنع من فهمه وصحته. والأسباب المانعة من قراءة الخط وفهم ما ~~تضمنه قد تكون من ثمانية أوجه: أحدها: إسقاطه ألفاظ من أثناء الكلام يصير ~~الباقي بها مبتورا لا يعرف استخراجه، ولا يفهم معناه. وهذا يكون إما من سهو ~~الكاتب أو من فساد نقله. # وهذا يسهل استنباطه على من كان مرتاضا بذلك النوع فيستدل بحواشي الكلام ~~وما سلم منه على ما سقط أو فسد، لا سيما إذا قل؛ لأن الكلمة تستدعي ما ~~يليها ومعرفة المعنى توضح عن الكلام المترجم عنه. # فأما من كان قليل الارتياض بذلك النوع فإنه يصعب عليه استنباط المعنى ~~منه، لا سيما إذا كان كثيرا؛ لأنه يحتاج في فهم المعاني إلى الفكرة والروية ~~فيما قد استخرجه بالكتابة. فإذا هو لم يعرف تمام الكلام المترجم عن المعنى ~~قصر فهمه عن إدراكه وضل فكره عن استنباطه. # والوجه الثاني: زيادة ألفاظ في أثناء الكلام يشكل بها معرفة الصحيح غير ~~الزائد من معرفة السقيم الزائد فيصير الكل مشكلا. # وهذا لا يكاد يوجد كثيرا إلا أن يقصد الكاتب تعمية كلامه فيدخل في أثنائه ~~ما يمنع من فهمه، فيصير ذلك رمزا يعرف بالمواضعة. فأما وقوعه سهوا فقد يكون ~~بالكلمة والكلمتين وذلك لا يمنع من فهمه على المرتاض وغيره. # والوجه الثالث: إسقاط حروف من أثناء الكلمة يمنع من استخراجها على الصحة ~~وقد يكون هذا تارة من السهو فيقل، وتارة من ضعف الهجاء # PageV01P062 # فيكثر. والقول فيه كالقول في الوجه الأول. # والوجه الرابع: زيادة حروف في أثناء الكلمة يشكل بها معرفة الصحيح من ~~حروفها. وهذا يكون تارة من سهو الكاتب فيقل فلا يمنع من استخراج الصحيح، ~~ويكون تارة لتعمية ومواضعة يقصد بها الكاتب إخفاء غرضه فيكثر كالتراجم. ~~ويكون القول فيه كالقول في الوجه الثاني. # والوجه الخامس: وصل الحروف المفصولة وفصل الحروف الموصولة، فيدعو ذلك إلى ~~الإشكال؛ لأن الكلمة ينبه عليها وصل حروفها ويمنع فصلها من مشاركة غيرها. ~~فإن كان ذلك من سهو قل ms042 فسهل استخراجه، وإن كان ذلك من قلة معرفة بالخط أو ~~مشقا تشبق به اليد كثيرا فصعب استخراجه إلا على المرتاض به، ولذلك قال عمر ~~بن الخطاب - رضي الله عنه -: شر الكتابة الشبق كما أن شر القراءة الهذرمة. ~~وإن كان للتعمية والرمز لم يعرف إلا بالمواضعة. # والوجه السادس: تغيير الحروف عن أشكالها وإبدالها بأغيارها حتى يكتب ~~الحاء على شكل الباء، والصاد على شكل الراء. وهذا يكون في رموز التراجم ولا ~~يوقف عليه إلا بالمواضعة إلا لمن قد زاد فيه الذكاء فقدر على استخراج ~~المعنى. # والوجه السابع: ضعف الخط عن تقويم الحروف على الأشكال الصحيحة وإثباتها ~~على الأوصاف الحقيقية حتى لا تكاد الحروف تمتاز عن أغيارها حتى تصير العين ~~الموصولة كالفاء والمفصولة كالحاء. وهذا يكون من رداءة الخط وضعف اليد، ~~واستخراج ذلك ممكن بفضل المعاناة وشدة التأمل، وربما أضجر قارئه، وأوهى ~~معانيه، ولذلك قيل: إن الخط الحسن ليزيد الحق وضوحا. # والوجه الثامن: إغفال النقط والأشكال التي تتميز بها الحروف المشتبهة. ~~وهذا أيسر أمرا، وأخف حالا؛ لأن من كان مميزا بصحة الاستخراج ومعرفة الخط ~~لم تخف عليه معرفة الخط وفهم ما تضمنه مع إغفال النقط # PageV01P063 # والأشكال، بل استقبح الكتاب ذلك في المكاتبات ورأوه من تقصير الكاتب أو ~~سوء ظنه بفهم المكاتب، وإن كان استقباحهم له في مكاتبة الرؤساء أكثر. # حكى قدامة بن جعفر أن بعض كتاب الدواوين حاسب عاملا فشكا العامل منه إلى ~~عبيد الله بن سليمان وكتب رقعة يذكر فيها احتجاجا لصحة دعواه، ووضوح شكواه. ~~فوقع فيها عبيد الله بن سليمان هذا، هذا، فأخذها العامل وقرأها فظن أن عبيد ~~الله أراد بهذا هذا إثباتا لصحة دعواه وصدق قوله، كما يقال في إثبات الشيء ~~هو هو، فحمل الرقعة إلى كاتب الديوان، وأراه خط عبيد الله وقال له: إن عبيد ~~الله قد صدق قولي، وصحح ما ذكرت. # فخفي على الكاتب ذلك، وأطيف به على كتاب الدواوين فلم يقفوا على مراد ~~عبيد الله. ورد إليه ليسأل عن مراده به فشدد عبيد الله الكلمة الثانية وكتب ms043 ~~تحتها والله المستعان استعظاما منه لتقصيرهم في استخراج مراده حتى احتاج ~~إلى إبانته بالشكل. فهذه حال الكتاب في استقباحهم إعجام المكاتبات بالنقط ~~والأشكال. # فأما غير المكاتبات من سائر العلوم فلم يروه قبيحا بل استحسنوه لا سيما ~~في كتب الأدب التي يقصد بها معرفة صيغة الألفاظ وكيفية مخارجها مثل كتب ~~النحو واللغة والشعر الغريب فإن الحاجة إلى ضبطها بالشكل والإعجام أكثر، ~~وهي فيما سواه من العلوم أيسر. # وقد قال النوري: الخطوط المعجمة كالبرود المعلمة. وقال بعض البلغاء: ~~إعجام الخط يمنع من استعجامه، وشكله يؤمن من إشكاله. # وقال بعض الأدباء: رب علم لم تعجم فصوله فاستعجم محصوله. وكما استقبح ~~الكتاب الشكل والإعجام في المكاتبات، وإن كان في كتب العلوم مستحسنا، فكذلك ~~استحسنوا مشق الخط في المكاتبات وإن كان في كتب العلوم مستقبحا. # وسبب ذلك أنهم لفرط إدلالهم في الصنعة وتقدمهم في الكتابة يكتفون ~~بالإشارة ويقتصرون على التلويح، ويرون الحاجة إلى استيفاء شروط الإبانة ~~تقصيرا ولفصل ما يعتقدونه من التقدم بهذا الحال رأوا ما نبه عليه من سواد # PageV01P064 # المداد أثرا جميلا، وعلى الفضل والتخصيص دليلا. حكي أن عبيد الله بن ~~سليمان رأى على بعض ثيابه أثر صفرة فأخذ من مداد الدواة فطلاه به ثم قال: ~~المداد بنا أحسن من الزعفران، وأنشد: # إنما الزعفران عطر العذارى ... ومداد الدوي عطر الرجال # فهذه جملة كافية في الإبانة على الأسباب المانعة من فهم الكلام ومعرفة ~~معانيه لفظا كان أو خطا، والله ولي التوفيق. # فينبغي لطالب العلم أن يكشف عن الأسباب المانعة عن فهم المعنى ليسهل عليه ~~الوصول إليه، ثم يكون من بعد ذلك سائسا لنفسه مدبرا لها في حال تعلمه. فإن ~~للنفس نفورا يفضي إلى تقصير ووفورا يئول إلى سرف وقيادها عسر ولها أحوال ~~ثلاث: فحال عدل وإنصاف، وحال غلو وإسراف، وحال تقصير وإجحاف. # فأما حال العدل والإنصاف فهي أن تختلف قوى النفس من جهتين متقابلتين: ~~طاعة مسعدة وشفقة كافة. فطاعتها تمنع التقصير، وشفقتها ترد عن السرف ~~والتبذير. وهذه أحمد الأحوال؛ لأن ما منع من التقصير نما، ms044 وما صد عن السرف ~~مستديم. والنمو إذا استدام فأخلق به أن يستكمل. # وقال بعض الحكماء: إياك ومفارقة الاعتدال، فإن المسرف مثل المقصر في ~~الخروج عن الحد. # وأما حال الغلو والإسراف فهي أن تختص النفس بقوى الطاعة وتقدم قوى الشفقة ~~فيبعثها اختصاص الطاعة على إفراغ الجهد، ويفضي إفراغ الجهد إلى عجز الكلال، ~~فيؤدي عجز الكلال إلى الترك والإهمال، فتصير الزيادة نقصانا، والربح ~~خسرانا. وقد قالت الحكماء: طالب العلم وعامل البر كآكل الطعام إن أخذ منه ~~قوتا عصمه، وإن أسرف فيه أبشمه. # وربما كان فيه منيته كأخذ الأدوية التي فيها شفاء ومجاوزة القصد فيها ~~السم المميت، وأما حال التقصير والإجحاف فهي أن تختص النفس بقوى الشفقة ~~وتعدم قوى الطاعة فيدعوها الإشفاق إلى المعصية، وتمنعها المعصية من الإجابة ~~فلا تطلب شاردا، ولا تقبل عائدا، ولا تحفظ مستودعا. # ومن لم يطلب الشارد، ويقبل العائد، ويحفظ المستودع فقد الموجود، ولم يجد ~~المفقود. # ومن فقد ما وجد فهو مصاب محزون، ومن لم يجد ما فقد فهو # PageV01P065 # خائب مغبون. وقد قال بعض الحكماء: العجز مع الواني، والفوت مع التواني. ~~وقد يكون للنفس مع الأحوال الثلاث حالتان مشتركتان بغلبة إحدى القوتين، ~~فيكون للنفس طاعة وإشفاق، وأحدهما أغلب من الآخر. فإن كانت الطاعة أغلب ~~كانت إلى الوفور أميل، وإن كان الإشفاق أغلب كانت إلى التقصير أقرب. # فإذا عرف من نفسه قدر طاعتها، وخبر منها كنه إشفاقها راض نفسه لتثبت على ~~أحد حالاتها. # وقد أشار إلى ما وصفنا من حال النفس الفرزدق في قوله: # لكل امرئ نفسان نفس كريمة ... وأخرى يعاصيها الفتى ويطيعها # ونفسك من نفسيك تشفع للندى ... إذا قل من إحرازهن شفيعها # وإن أهمل سياستها، فأغفل رياضتها، ورام أن يأخذها بالعنف، ويقهرها ~~بالعسف، استشاطت نافرة ولحت معاندة فلم تنقد إلى طاعة ولم تنكف عن معصية ~~وقال سابق البربري: # إذا زجرت لجوجا زدته علقا ... ولجت النفس منه في تماديها # فعد عليه إذا ما نفسه جنحت ... باللين منك فإن اللين يثنيها # فإذا استصعب عليه قياد نفسه ودام منه نفور قلبه مع ms045 سياستها، ومعاناة ~~رياضتها، تركها ترك راحة، ثم عاودها بعد الاستراحة، فإن إجابتها تسرع، ~~وطاعتها ترجع. وقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «إن القلب ~~يموت ويحيى ولو بعد حين» . # وقال ابن مسعود: للقلوب شهوة وإقبال وفترة وإدبار فأتوها من قبل شهوتها ~~ولا تأتوها من قبل فترتها. # وقال الشاعر: # وما سمي الإنسان إلا لأنسه ... ولا القلب إلا أنه يتقلب # فأما الشروط التي يتوفر بها علم الطالب وينتهي معها كمال الراغب مع ما ~~يلاحظ به من التوفيق ويمد به من المعونة فتسعة شروط: أحدها: العقل # PageV01P066 # الذي يدرك به حقائق الأمور. والثاني: الفطنة التي يتصور بها غوامض ~~العلوم. والثالث: الذكاء الذي يستقر به حفظ ما تصوره وفهم ما علمه. ~~والرابع: الشهوة التي يدوم بها الطلب ولا يسرع إليه الملل. # والخامس: الاكتفاء بمادة تغنيه عن كلف الطلب. والسادس: الفراغ الذي يكون ~~معه التوفر ويحصل به الاستكثار. والسابع: عدم القواطع المذهلة من هموم، ~~وأمراض. والثامن: طول العمر واتساع المدة؛ لينتهي بالاستكثار إلى مراتب ~~الكمال. والتاسع: الظفر بعالم سمح بعلمه متأن في تعليمه. # فإذا استكمل هذه الشروط التسعة فهو أسعد طالب، وأنجح متعلم. وقد قال ~~الإسكندر: يحتاج طالب العلم إلى أربع: مدة وجدة وقريحة وشهوة. وتمامها في ~~الخامسة معلم ناصح. ### | [فصل في أدب المتعلم] # أدب المتعلم فصل: وسأذكر طرفا مما يتأدب به المتعلم ويكون عليه العالم. ~~اعلم أن للمتعلم تملقا وتذللا فإن استعملهما غنم، وإن تركهما حرم؛ لأن ~~التملق للعالم يظهر مكنون عمله، والتذلل له سبب لإدامة صبره. وبإظهار ~~مكنونه تكون الفائدة وباستدامة صبره يكون الإكثار. وقد روى معاذ عن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «ليس من أخلاق المؤمن الملق إلا في طلب ~~العلم» . # وقال عبد الله بن عباس - رضي الله عنهما -: ذللت طالبا فعززت مطلوبا. ~~وقال بعض الحكماء: من لم يحتمل ذل التعلم ساعة بقي في ذل الجهل أبدا. وقال ~~بعض حكماء الفرس؛ إذا قعدت، وأنت صغير حيث تحب قعدت، وأنت كبير حيث لا تحب. ~~ثم ليعرف له فضل علمه ms046 وليشكر له جميل فعله فقد روت عائشة - رضي الله عنها - ~~عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «من وقر عالما فقد وقر ربه» . ~~وقال علي بن أبي طالب - رضي الله عنه -: لا يعرف فضل أهل العلم إلا أهل ~~الفضل. # وقال بعض الشعراء: # PageV01P067 # إن المعلم والطبيب كلاهما ... لا ينصحان إذا هما لم يكرما # فاصبر لدائك إن أهنت طبيبه ... واصبر لجهلك إن جفوت معلما # ولا يمنعه من ذلك علو منزلته إن كانت له، وإن كان العالم خاملا؛ فإن ~~العلماء بعلمهم قد استحقوا التعظيم لا بالقدرة والمال. # وأنشدني بعض أهل الأدب لأبي بكر بن دريد: # لا تحقرن عالما وإن خلقت ... أثوابه في عيون رامقه # وانظر إليه بعين ذي أدب ... مهذب الرأي في طرائقه # فالمسك بينا تراه ممتهنا ... بفهر عطاره وساحقه # حتى تراه في عارضي ملك ... وموضع التاج من مفارقه # وليكن مقتديا بهم في أخلاقهم، متشبها بهم في جميع أفعالهم؛ ليصير لها ~~آلفا، وعليها ناشئا، ولما خالفها مجانبا. فقد قال النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -: «خيار شبانكم المتشبهون بشيوخكم وشرار شيوخكم المتشبهون بشبانكم» . # وروى ابن عمر - رضي الله عنهما - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ~~«من تشبه بقوم فهو منهم» . وأنشدني بعض أهل الأدب لأبي بكر بن دريد: # العالم العاقل ابن نفسه ... أغناه جنس علمه عن جنسه # كن ابن من شئت وكن مؤدبا ... فإنما المرء بفضل كيسه # وليس من تكرمه لغيره ... مثل الذي تكرمه لنفسه # وليحذر المتعلم البسط على من يعلمه وإن آنسه، والإدلال عليه وإن تقدمت ~~صحبته. # قيل لبعض الحكماء: من أذل الناس؟ فقال: عالم يجري عليه حكم جاهل. «وكلمت ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جارية من السبي فقال لها: من أنت؟ فقالت: ~~بنت الرجل الجواد حاتم. # PageV01P068 # فقال - صلى الله عليه وسلم -: ارحموا عزيز قوم ذل، ارحموا غنيا افتقر، ~~ارحموا عالما ضاع بين الجهال» . # ولا يظهر له الاستكفاء منه والاستغناء عنه، فإن في ذلك كفرا لنعمته، ~~واستخفافا بحقه. وربما وجد بعض المتعلمين قوة في نفسه لجودة ذكائه وحدة ~~خاطره، فقصد ms047 من يعلمه بالإعنات له والاعتراض عليه إزراء به وتبكيتا له، ~~فيكون كمن تقدم فيه المثل السائر لأبي البطحاء: # أعلمه الرماية كل يوم ... فلما اشتد ساعده رماني # وهذه من مصائب العلماء وانعكاس حظوظهم أن يصيروا عند من يعلموه مستجهلين، ~~وعند من قدموه مسترذلين. # وقال صالح بن عبد القدوس: # وإن عناء أن تعلم جاهلا ... فيحسب أهلا أنه منك أعلم # متى يبلغ البنيان يوما تمامه ... إذا كنت تبنيه وغيرك يهدم # متى ينتهي عن سيئ من أتى به ... إذا لم يكن منه عليه تندم # وقد رجح كثير من الحكماء حق العالم على حق الوالد حتى قال بعضهم: # يا فاخرا للسفاه بالسلف ... وتاركا للعلاء والشرف # آباء أجسادنا هم سبب ... لأن جعلنا عرائض التلف # من علم الناس كان خير أب ... ذاك أبو الروح لا أبو النطف # ولا ينبغي للمتعلم أن يبعثه معرفة الحق له على قبول الشبهة منه، ولا ~~يدعوه ترك الإعنات له على التقليد فيما أخذ عنه، فإنه ربما غلا بعض الأتباع ~~في عالمهم حتى يروا أن قوله دليل، وإن لم يستدل، وأن اعتقاده حجة، وإن لم ~~يحتج، فيفضي بهم الأمر إلى التسليم له فيما أخذ منه فلا يبعد أن تبطل تلك ~~المقالة إن انفردت أو يخرج أهلها من عداد العلماء فيما شاركت؛ لأنه قد لا ~~يرى لهم من يأخذ عنهم ما كانوا يرونه لمن أخذوا عنه فيطالبهم بما قصروا فيه ~~فيضعفوا عن إبانته، ويعجزوا عن نصرته، فيذهبوا ضائعين # PageV01P069 # ويصيروا عجزة مضعوفين. # ولقد رأيت من هذه الطبقة رجلا يناظر في مجلس حفل وقد استدل عليه الخصم ~~بدلالة صحيحة فكان جوابه عنها أن قال: إن هذه دلالة فاسدة، وجه فسادها أن ~~شيخي لم يذكرها وما لم يذكره الشيخ لا خير فيه. فأمسك عنه المستدل تعجبا؛ ~~ولأن شيخه كان محتشما. وقد حضرت طائفة يرون فيه مثل ما رأى هذا الجاهل، ثم ~~أقبل المستدل علي وقال لي: والله لقد أفحمني بجهله وصار سائر الناس ~~المبرئين من هذه الجهالة ما بين مستهزئ ومتعجب، ومستعيذ بالله من جهل مغرب. # فهل ms048 رأيت كذلك عالما أوغل في الجهل، وأدل على قلة العقل. وإذا كان ~~المتعلم معتدل الرأي فيمن يأخذ عنه، متوسط الاعتقاد ممن يتعلم منه، حتى لا ~~يحمله الإعنات على اعتراض المبكتين، ولا يبعثه الغلو على تسليم المقلدين، ~~برئ المتعلم من المذمتين، وسلم العالم من الجهتين. # وليس كثرة السؤال فيما التبس إعناتا، ولا قبول ما صح في النفس تقليدا. ~~وقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «العلم خزائن ومفتاحه ~~السؤال فاسألوا - رحمكم الله - فإنما يؤجر في العلم ثلاثة: القائل والمستمع ~~والآخذ» . # وقال - عليه الصلاة والسلام -: «هلا سألوا إذا لم يعلموا فإنما شفاء العي ~~السؤال» . فأمر بالسؤال وحث عليه، ونهى آخرين عن السؤال وزجر عنه، فقال - ~~صلى الله عليه وسلم -: «أنهاكم عن قيل وقال وكثرة السؤال وإضاعة المال» . ~~وقال - عليه الصلاة والسلام -: «إياكم وكثرة السؤال فإنما هلك من قبلكم ~~بكثرة السؤال» . # وليس هذا مخالفا للأول وإنما أمر بالسؤال من قصد به علم ما جهل، ونهى عنه ~~من قصد به إعنات ما سمع، وإذا كان السؤال في موضعه أزال الشكوك ونفى ~~الشبهة. # وقد قيل لابن عباس - رضي الله عنهما -: بم نلت هذا العلم؟ قال: بلسان ~~سئول وقلب عقول. وروى نافع عن ابن عمر - رضي الله عنهما - أن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - قال: «حسن السؤال نصف العلم» . وأنشد المبرد عن أبي ~~سليمان الغنوي: # فسل الفقيه تكن فقيها مثله ... لا خير في علم بغير تدبر # وإذا تعسرت الأمور فأرجها ... وعليك بالأمر الذي لم يعسر # PageV01P070 # وليأخذ المتعلم حظه ممن وجد طلبته عنده من نبيه وخامل، ولا يطلب الصيت ~~وحسن الذكر باتباع أهل المنازل من العلماء إذا كان النفع بغيرهم أعم، إلا ~~أن يستوي النفعان فيكون الأخذ عمن اشتهر ذكره وارتفع قدره أولى؛ لأن ~~الانتساب إليه أجمل والأخذ عنه أشهر. # وقد قال الشاعر: # إذا أنت لم يشهرك علمك لم تجد ... لعلمك مخلوقا من الناس يقبله # وإن صانك العلم الذي قد حملته ... أتاك له من يجتنيه ويحمله # وإذا قرب منك العلم فلا تطلب ما بعد، ms049 وإذا سهل من وجه فلا تطلب ما صعب. # وإذا حمدت من خبرته فلا تطلب من لم تختبره، فإن العدول عن القريب إلى ~~البعيد عناء، وترك الأسهل بالأصعب بلاء، والانتقال من المخبور إلى غيره ~~خطر. # وقد قال علي بن أبي طالب - رضي الله عنه -: عقبى الأخرق مضرة، والمتعسف ~~لا تدوم له مسرة. وقال بعض الحكماء: القصد أسهل من التعسف، والكف أودع من ~~التكلف. وربما تتبع نفس الإنسان من بعد عنه استهانة بمن قرب منه، وطلب ما ~~صعب احتقارا لما سهل عليه، وانتقل إلى من لم يخبره مللا لمن خبره، فلا يدرك ~~محبوبا ولا يظفر بطائل. وقد قالت العرب في أمثالها: العالم كالكعبة يأتيها ~~البعداء، ويزهد فيها القرباء. # وأنشدني بعض شيوخنا لمسيح بن حاتم: # لا ترى عالما يحل بقوم ... فيحلوه غير دار الهوان # قل ما توجد السلامة ... والصحة مجموعتين في إنسان # فإذا حلتا مكانا سحيقا ... فهما في النفوس معشوقتان # هذه مكة المنيعة بيت الله ... يسعى لحجها الثقلان # ويرى أزهد البرية في الحج لها ... أهلها لقرب المكان # PageV01P071 ### | [فصل في آداب العلماء] # فصل: فأما ما يجب أن يكون عليه العلماء من الأخلاق التي بهم أليق، ولهم ~~ألزم، فالتواضع ومجانبة العجب؛ لأن التواضع عطوف والعجب منفر. # وهو بكل أحد قبيح وبالعلماء أقبح؛ لأن الناس بهم يقتدون وكثيرا ما ~~يداخلهم الإعجاب لتوحدهم بفضيلة العلم. ولو أنهم نظروا حق النظر وعملوا ~~بموجب العلم لكان التواضع بهم أولى، ومجانبة العجب بهم أحرى؛ لأن العجب نقص ~~ينافي الفضل لا سيما مع قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إن العجب ليأكل ~~الحسنات كما تأكل النار الحطب» . فلا يفي ما أدركوه من فضيلة العلم بما ~~لحقهم من نقص العجب. # وقد روى عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما - قال: قال رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -: «قليل العلم خير من كثير العبادة. وكفى بالمرء علما إذا ~~عبد الله عز وجل، وكفى بالمرء جهلا إذا أعجب برأيه» . وقال عمر بن الخطاب - ~~رضي الله عنه -: تعلموا العلم وتعلموا للعلم السكينة والحلم وتواضعوا لمن ms050 ~~تعلمون وليتواضع لكم من تعلمونه، ولا تكونوا من جبابرة العلماء فلا يقوم ~~علمكم بجهلكم. # وقال بعض السلف: من تكبر بعلمه وترفع وضعه الله به، ومن تواضع بعلمه رفعه ~~به. وعلة إعجابهم انصراف نظرهم إلى كثرة من دونهم من الجهال، وانصراف نظرهم ~~عمن فوقهم من العلماء فإنه ليس متناه في العلم إلا وسيجد من هو أعلم منه إذ ~~العلم أكثر من أن يحيط به بشر. قال الله تعالى: {نرفع درجات من نشاء} ~~[يوسف: 76] . يعني في العلم: {وفوق كل ذي علم عليم} [يوسف: 76] قال أهل ~~التأويل: فوق كل ذي علم من هو أعلم منه حتى ينتهي ذلك إلى الله تعالى وقيل ~~لبعض الحكماء: من يعرف كل العلم؟ قال: كل الناس. وقال الشعبي: ما رأيت مثلي ~~وما أشاء أن ألقى رجلا أعلم مني إلا لقيته. # لم يذكر الشعبي هذا القول تفضيلا لنفسه فيستقبح منه، وإنما ذكره تعظيما ~~للعلم عن أن يحاط به. فينبغي لمن علم أن ينظر إلى نفسه بتقصير ما قصر فيه ~~ليسلم من عجب ما أدرك منه. # وقد قيل في منثور الحكم: إذا علمت فلا تفكر في كثرة من دونك من الجهال، ~~ولكن انظر # PageV01P072 # إلى من فوقك من العلماء، وأنشدت لابن العميد: # من شاء عيشا هنيئا يستفيد به ... في دينه ثم في دنياه إقبالا # فلينظرن إلى من فوقه أدبا ... ولينظرن إلى من دونه مالا # وقلما تجد بالعلم معجبا وبما أدرك مفتخرا، إلا من كان فيه مقلا ومقصرا؛ ~~لأنه قد يجهل قدره، ويحسب أنه نال بالدخول فيه أكثره. # فأما من كان فيه متوجها ومنه مستكثرا فهو يعلم من بعد غايته، والعجز عن ~~إدراك نهايته، ما يصده عن العجب به. # وقد قال الشعبي: العلم ثلاثة أشبار فمن نال منه شبرا شمخ بأنفه وظن أنه ~~ناله. ومن نال الشبر الثاني صغرت إليه نفسه وعلم أنه لم ينله، وأما الشبر ~~الثالث فهيهات لا يناله أحد أبدا. ومما أنذرك به من حالي أنني صنفت في ~~البيوع كتابا جمعت فيه ما استطعت من كتب الناس، وأجهدت فيه ms051 نفسي وكددت فيه ~~خاطري، حتى إذا تهذب واستكمل وكدت أعجب به وتصورت أنني أشد الناس اضطلاعا ~~بعلمه، حضرني، وأنا في مجلسي أعرابيان فسألاني عن بيع عقداه في البادية على ~~شروط تضمنت أربع مسائل لم أعرف لواحدة منهن جوابا، فأطرقت مفكرا، وبحالي ~~وحالهما معتبرا فقالا: ما عندك فيما سألناك جواب، وأنت زعيم هذه الجماعة؟ ~~فقلت: لا. فقالا: واها لك، وانصرفا. ثم أتيا من يتقدمه في العلم كثير من ~~أصحابي فسألاه فأجابهما مسرعا بما أقنعهما وانصرفا عنه راضيين بجوابه ~~حامدين لعلمه، فبقيت مرتبكا، وبحالهما وحالي معتبرا وإني لعلى ما كنت عليه ~~من المسائل إلى وقتي، فكان ذلك زاجر نصيحة ونذير عظة تذلل بها قياد النفس، ~~وانخفض لها جناح العجب، توفيقا منحته ورشدا أوتيته. # وحق على من ترك العجب بما يحسن أن يدع التكلف لما لا يحسن. فقديما نهى ~~الناس عنهما، واستعاذوا بالله منهما. # ومن أوضح ذلك بيانا استعاذة الجاحظ في كتاب البيان حيث يقول: اللهم إنا ~~نعوذ بك من فتنة القول كما نعوذ بك من فتنة العمل، ونعوذ بك من التكلف لما ~~لا نحسن، كما نعوذ بك من العجب بما نحسن، ونعوذ بك من شر السلاطة والهذر، ~~كما نعوذ بك من شر العي والحصر. ونحن نستعيذ # PageV01P073 # بالله تعالى مثل ما استعاذ فليس لمن تكلف ما لا يحسن غاية ينتهي إليها ~~ولا حد يقف عنده. ومن كان تكلفه غير محدود فأخلق به أن يضل ويضل. # وقال بعض الحكماء: من العلم أن لا تتكلم فيما لا تعلم بكلام من يعلم ~~فحسبك جهلا من عقلك أن تنطق بما لا تفهم. ولقد أحسن زرارة بن زيد حيث يقول: # إذا ما انتهى علمي تناهيت عنده ... أطال فأملى أو تناهى فأقصرا # ويخبرني عن غائب المرء فعله ... كفى الفعل عما غيب المرء مخبرا # فإذا لم يكن إلى الإحاطة بالعلم سبيل فلا عار أن يجهل بعضه، وإذا لم يكن ~~في جهل بعضه عار لم يقبح به أن يقول لا أعلم فيما ليس يعلم. # وروي «أن رجلا قال: يا رسول الله ms052 أي البقاع خير، وأي البقاع شر؟ فقال: لا ~~أدري حتى أسأل جبريل» . وقال علي بن أبي طالب - رضي الله عنه -: وما أبردها ~~على القلب إذا سئل أحدكم فيما لا يعلم أن يقول الله أعلم، وإن العالم من ~~عرف أن ما يعلم فيما لا يعلم قليل. وقال عبد الله بن عباس - رضي الله عنهما ~~-: إذا ترك العالم قول لا أدري أصيبت مقاتله. # وقال بعض العلماء: هلك من ترك لا أدري. وقال بعض الحكماء: ليس لي من ~~فضيلة العلم إلا علمي بأني لست أعلم. # وقال بعض البلغاء: من قال لا أدري علم فدرى، ومن انتحل مما لا يدري أهمل ~~فهوى، ولا ينبغي للرجل وإن صار في طبقة العلماء الأفاضل أن يستنكف من تعلم ~~ما ليس عنده ليسلم من التكلف. # وقد قال عيسى ابن مريم - على نبينا وعليه السلام -: يا صاحب العلم تعلم ~~من العلم ما جهلت وعلم الجهال ما علمت. # وقال علي بن أبي طالب - رضي الله عنه -: خمس خذوهن عني فلو ركبتم الفلك ~~ما وجدتموهن إلا عندي: ألا لا يرجون أحد إلا ربه، ولا يخافن إلا ذنبه، ولا ~~يستنكف العالم أن يتعلم لما ليس عنده وإذا سئل أحدكم عما لا يعلم فليقل لا ~~أعلم، ومنزلة الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد. # وقال عبد الله بن عباس - رضي الله عنهما -: لو كان أحدكم يكتفي من العلم ~~لاكتفى منه موسى - على نبينا وعليه السلام - لما قال: {هل أتبعك على أن ~~تعلمني مما علمت # PageV01P074 # رشدا} [الكهف: 66] وقيل للخليل بن أحمد: بم أدركت هذا العلم؟ قال: كنت ~~إذا لقيت عالما أخذت منه، وأعطيته. # وقال بزرجمهر: من العلم أن لا تحتقر شيئا من العلم، ومن العلم تفضيل جميع ~~العلم وقال المنصور لشريك: أنى لك هذا العلم؟ قال: لم أرغب عن قليل ~~أستفيده، ولم أبخل بكثير أفيده. # على أن العلم يقتضي ما بقي منه ويستدعي ما تأخر عنه، وليس للراغب فيه ~~قناعة ببعضه. # وروى عون بن عبد الله عن ابن مسعود - رضي الله عنه - أنه قال: ms053 منهومان لا ~~يشبعان: طالب علم وطالب دنيا. أما طالب العلم فإنه يزداد للرحمن رضى، ثم ~~قرأ {إنما يخشى الله من عباده العلماء} [فاطر: 28] . وأما طالب الدنيا فإنه ~~يزداد طغيانا ثم قرأ: {كلا إن الإنسان ليطغى} [العلق: 6] {أن رآه استغنى} ~~[العلق: 7] # وليكن مستقلا للفضيلة منه ليزداد منها، ومستكثرا للنقيصة فيه لينتهي ~~عنها، ولا يقنع من العلم بما أدرك؛ لأن القناعة فيه زهد، وللزهد فيه ترك، ~~والترك له جهل. # وقد قال بعض الحكماء: عليك بالعلم والإكثار منه فإن قليله أشبه شيء بقليل ~~الخير، وكثيره أشبه شيء بكثيره، ولن يعيب الخير إلا القلة، فأما كثرته ~~فإنها أمنية. # وقال بعض البلغاء: من فضل علمك استقلالك لعلمك، ومن كمال عقلك استظهارك ~~على عقلك. ولا ينبغي أن يجهل من نفسه مبلغ علمها، ولا يتجاوز بها قدر حقها. ~~ولأن يكون بها مقصرا فيذعن بالانقياد، أولى من أن يكون بها مجاوزا، فيكف عن ~~الازدياد؛ لأن من جهل حال نفسه كان لغيرها أجهل. # وقد قالت عائشة - رضي الله عنها -: «يا رسول الله، متى يعرف الإنسان ربه؟ ~~قال: إذا عرف نفسه» . وقد قسم الخليل بن أحمد أحوال الناس فيما علموه أو ~~جهلوه أربعة أقسام متقابلة لا يخلو الإنسان منها فقال: الرجال أربعة: رجل ~~يدري ويدري أنه يدري فذلك عالم فاسألوه، ورجل يدري ولا يدري أنه يدري فذلك ~~ناس فذكروه، ورجل لا يدري ويدري أنه لا يدري فذلك مسترشد # PageV01P075 # فأرشدوه، ورجل لا يدري ولا يدري أنه لا يدري فذلك جاهل فارفضوه. # وأنشد أبو القاسم الآمدي: # إذا كنت لا تدري ولم تكن بالذي ... يسائل من يدري فكيف إذا تدري # جهلت ولم تعلم بأنك جاهل ... فمن لي بأن تدري بأنك لا تدري # إذا كنت من كل الأمور معميا ... فكن هكذا أرضا يطأك الذي يدري # ومن أعجب الأشياء أنك لا تدري ... وأنك لا تدري بأنك لا تدري # وليكن من شيمته العمل بعلمه، وحث النفس على أن تأتمر بما يأمر به، ولا ~~يكن ممن قال الله تعالى فيهم {مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها ms054 كمثل ~~الحمار يحمل أسفارا} [الجمعة: 5] . فقد قال قتادة في قوله تعالى: {وإنه لذو ~~علم لما علمناه} [يوسف: 68] : يعني أنه عامل بما علم. # وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «ويل لجماع القول ويل ~~للمصرين» . يريد الذين يستمعون القول ولا يعملون به. وروى عبد الله بن وهب ~~عن سفيان أن الخضر - على نبينا وعليه السلام - قال لموسى - عليه السلام -: ~~يا ابن عمران تعلم العلم لتعمل به، ولا تتعلمه لتحدث به فيكون عليك بوره، ~~ولغيرك نوره. وقال علي بن أبي طالب: إنما زهد الناس في طلب العلم لما يرون ~~من قلة انتفاع من علم بما علم. # وقال أبو الدرداء: أخوف ما أخاف إذا وقفت بين يدي الله أن يقول: قد علمت ~~فماذا عملت إذ علمت؟ وكان يقال: خير من القول فاعله، وخير من الصواب قائله، ~~وخير من العلم حامله. # وقيل في منثور الحكم: لم ينتفع بعلمه من ترك العمل به. وقال بعض العلماء: ~~ثمرة العلم أن يعمل به، وثمرة العمل أن يؤجر عليه. وقال بعض الصلحاء: العلم ~~يهتف بالعمل، فإن أجابه أقام وإلا ارتحل. # وقال بعض العلماء: خير العلم ما نفع، وخير القول ما ردع. وقال بعض ~~الأدباء: ثمرة العلوم العمل بالعلوم. وقال بعض البلغاء: من تمام العلم # PageV01P076 # استعماله، ومن تمام العمل استقلاله. فمن استعمل علمه لم يخل من رشاد، ومن ~~استقل عمله لم يقصر عن مراد. وقال حاتم الطائي: # ولم يحمدوا من عالم غير عامل ... خلافا ولا من عامل غير عالم # رأوا طرقات المجد عوجا قطيعة ... وأفظع عجز عندهم عجز حازم # لأنه لما كان علمه حجة على من أخذ عنه واقتبسه منه حتى يلزمه العمل به ~~والمصير إليه كان عليه أحج وله ألزم؛ لأن مرتبة العلم قبل مرتبة القول، كما ~~أن مرتبة العلم قبل مرتبة العمل. # وقد قال أبو العتاهية - رحمه الله -: # اسمع إلى الأحكام ... تحملها الرواة إليك عنكا # واعلم هديت بأنها ... حجج تكون عليك منكا # ثم ليتجنب أن يقول ما لا يفعل، وأن يأمر بما لا يأتمر به، ms055 وأن يسر غير ما ~~يظهر، ولا يجعل قول الشاعر هذا: # اعمل بقولي وإن قصرت في عملي ... ينفعك قولي ولا يضررك تقصيري # عذرا له في تقصير يضمره وإن لم يضر غيره. فإن إعذار النفس يغريها ويحسن ~~لها مساوئها. # فإن من قال ما لا يفعل فقد مكر، ومن أمر بما لا يأتمر فقد خدع، ومن أسر ~~غير ما يظهر فقد نافق. وقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: ~~«المكر والخديعة وصاحباهما في النار» . على أن أمره بما لا يأتمر مطرح، ~~وإنكاره ما لا ينكره من نفسه مستقبح. # بل ربما كان ذلك سببا لإغراء المأمور بترك ما أمر به عنادا، وارتكاب ما ~~نهى عنه كيادا. # وحكي أن أعرابيا أتى ابن أبي ذئب فسأله عن مسألة طلاق فأفتاه بطلاق ~~امرأته، فقال: انظر حسنا. قال: نظرت وقد بانت فولى الأعرابي وهو يقول: # أتيت ابن ذئب أبتغي الفقه عنده ... فطلق حتى البت تبت أنامله # PageV01P077 # أطلق في فتوى ابن ذئب حليلتي ... وعند ابن ذئب أهله وحلائله # فظن بجهله أنه لا يلزمه الطلاق بقول من لم يلتزم الطلاق. فما ظنك بقول ~~يجب فيه اشتراك الآمر والمأمور كيف يكون مقبولا منه وهو غير عامل به ولا ~~قابل له كلا. وقال أحمد بن يوسف: # وعامل بالفجور يأمر ... بالبر كهاد يخوض في الظلم # أو كطبيب قد شفه سقم ... وهو يداوي من ذلك السقم # يا واعظ الناس غير متعظ ... ثوبك طهر أولا فلا تلم # وقال آخر: # عود لسانك قلة اللفظ ... واحفظ كلامك أيما حفظ # إياك أن تعظ الرجال وقد ... أصبحت محتاجا إلى الوعظ # وأما الانقطاع عن العلم إلى العمل، والانقطاع عن العمل إلى العلم إذا عمل ~~بموجب العلم، فقد حكي عن الزهري فيه ما يغني عن تكلف غيره، وهو أنه قال: ~~العلم أفضل من العمل لمن جهل، والعمل أفضل من العلم لمن علم. # وأما فضل ما بين العلم والعبادة إذا لم يخل بواجب ولم يقصر في فرض، فقد ~~روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: يبعث العالم ms056 والعابد فيقال ~~للعابد: ادخل الجنة، ويقال للعالم: اتئد حتى تشفع للناس. # ومن آداب العلماء أن لا يبخلوا بتعليم ما يحسنون ولا يمتنعوا من إفادة ما ~~يعلمون. فإن البخل به لوم وظلم، والمنع منه حسد وإثم. وكيف يسوغ لهم البخل ~~بما منحوه جودا من غير بخل، وأوتوه عفوا من غير بذل. أم كيف يجوز لهم الشح ~~بما إن بذلوه زاد ونما، وإن كتموه تناقص ووهي. # ولو استن بذلك من تقدمهم لما وصل العلم إليهم ولانقرض عنهم بانقراضهم، ~~ولصاروا على مرور الأيام جهالا، وبتقلب الأحوال وتناقصها أرذالا. وقد قال ~~الله تعالى: {وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا # PageV01P078 # الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه} [آل عمران: 187] . # وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «لا تمنعوا العلم أهله ~~فإن في ذلك فساد دينكم والتباس بصائركم، ثم قرأ: {إن الذين يكتمون ما ~~أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب أولئك يلعنهم ~~الله ويلعنهم اللاعنون} [البقرة: 159] » . وروي عن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - أنه قال: «من كتم علما يحسنه ألجمه الله يوم القيامة بلجام من نار» ~~. # وروي عن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه أنه قال: ما أخذ الله العهد على ~~أهل الجهل أن يتعلموا، حتى أخذ على أهل العلم العهد أن يعلموا. وقال بعض ~~الحكماء: إذا كان من قواعد الحكمة بذل ما ينقصه البذل فأحرى أن يكون من ~~قواعدها بذل ما يزيده البذل. وقال بعض العلماء: كما أن الاستفادة نافلة ~~للمتعلم، كذلك الإفادة فريضة على المعلم. # وقد قيل في منثور الحكم: من كتم علما فكأنه جاهل. وقال خالد بن صفوان: ~~إني لأفرح بإفادتي المتعلم أكثر من فرحي باستفادتي من المعلم. ثم له ~~بالتعليم نفعان: أحدهما ما يرجوه من ثواب الله تعالى. # فقد جعل النبي - صلى الله عليه وسلم - التعليم صدقة فقال: «تصدقوا على ~~أخيكم بعلم يرشده، ورأي يسدده» . وروى ابن مسعود عن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - أنه قال: «تعلموا وعلموا فإن أجر العالم والمتعلم سواء» . قيل: وما ~~أجرهما؟ ms057 قال: مائة مغفرة ومائة درجة في الجنة. والنفع الثاني: زيادة العلم ~~وإتقان الحفظ. # فقد قال الخليل بن أحمد: اجعل تعليمك دراسة لعلمك، واجعل مناظرة المتعلم ~~تنبيها على ما ليس عندك. وقال ابن المعتز في منثور الحكم: النار لا ينقصها ~~ما أخذ منها، ولكن يخمدها أن لا # PageV01P079 # تجد حطبا. كذلك العلم لا يفنيه الاقتباس، ولكن فقد الحاملين له سبب عدمه. ~~فإياك والبخل بما تعلم. وقال بعض العلماء: علم علمك وتعلم علم غيرك. # فإذا علمت ما جهلت، وحفظت ما علمت، فاعلم أن المتعلمين ضربان: مستدعى ~~وطالب. فأما المستدعى إلى العلم فهو من استدعاه العالم إلى التعليم لما ظهر ~~له من جودة ذكائه، وبان له من قوة خاطره. فإذا وافق استدعاء العالم شهوة ~~المتعلم كانت نتيجتها درك النجباء، وظفر السعداء؛ لأن العالم باستدعائه ~~متوفر، والمتعلم بشهوته مستكثر. # وأما طالب العلم لداع يدعوه، وباعث يحدوه، فإن كان الداعي دينيا، وكان ~~المتعلم فطنا ذكيا، وجب على العالم أن يكون عليه مقبلا وعلى تعليمه متوفرا ~~لا يخفي عليه مكنونا، ولا يطوي عنه مخزونا. # وإن كان بليدا بعيد الفطنة فينبغي أن لا يمنع من اليسير فيحرم، ولا يحمل ~~عليه بالكثير فيظلم. ولا يجعل بلادته ذريعة لحرمانه فإن الشهوة باعثة ~~والصبر مؤثر. # وقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «لا تمنعوا العلم أهله ~~فتظلموا، ولا تضعوه في غير أهله فتأثموا» . وقال بعض الحكماء: لا تمنعوا ~~العلم أحدا فإن العلم أمنع لجانبه. فأما إن لم يكن الداعي دينيا نظر فيه ~~فإن كان مباحا، كرجل دعاه إلى طلب العلم حب النباهة وطلب الرئاسة فالقول ~~فيه يقارب القول الأول في تعليم من قبل؛ لأن العلم يعطفه إلى الدين في ثاني ~~حال، وإن لم يكن مبتدئا به في أول حال. # وقد حكي عن سفيان الثوري أنه قال: تعلمنا العلم لغير الله تعالى فأبى أن ~~يكون إلا لله. وقال عبد الله بن المبارك: طلبنا العلم للدنيا فدلنا على ترك ~~الدنيا. وإن كان الداعي محظورا، كرجل دعاه إلى طلب العلم شر ms058 كامن، ومكر ~~باطن يريد أن يستعملهما في شبه دينية، وحيل فقهية، لا تجد أهل السلامة منها ~~مخلصا، ولا عنها مدافعا # PageV01P080 # كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «أهلك أمتي رجلان: عالم فاجر ~~وجاهل متعبد. وقيل: يا رسول الله أي الناس أشر؟ قال: العلماء إذا فسدوا» . ~~فينبغي للعالم إذا رأى من هذه حاله أن يمنعه عن طلبته، ويصرفه عن بغيته. # فلا يعينه على إمضاء مكره، وإعمال شره. # فقد روى أنس بن مالك عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «واضع ~~العلم في غير أهله كمقلد الخنازير اللؤلؤ والجوهر والذهب» . وقال عيسى ابن ~~مريم - على نبينا وعليه السلام -: لا تلقوا الجوهر للخنزير فالعلم أفضل من ~~اللؤلؤ، ومن لا يستحقه شر من الخنزير. # وحكي أن تلميذا سأل عالما عن بعض العلوم فلم يفده، فقيل له: لم منعته؟ ~~فقال: لكل تربة غرس، ولكل بناء أس. وقال بعض البلغاء: لكل ثوب لابس، ولكل ~~علم قابس. وقال بعض الأدباء: إرث لروضة توسطها خنزير، وابك لعلم حواه شرير. # وينبغي أن يكون للعالم فراسة يتوسم بها المتعلم ليعرف مبلغ طاقته، وقدر ~~استحقاقه ليعطيه ما يتحمله بذكائه، أو يضعف عنه ببلادته فإنه أروح للعالم، ~~وأنجح للمتعلم، وقد روى ثابت عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -: «إن لله عبادا يعرفون الناس بالتوسم» . وقال عمر بن الخطاب - ~~رضي الله عنه -: إذا أنا لم أعلم ما لم أر فلا علمت ما رأيت. # وقال عبد الله بن الزبير: لا عاش بخير من لم ير برأيه ما لم ير بعينيه. ~~وقال ابن الرومي: # ألمعي يرى بأول رأي ... آخر الأمر من وراء المغيب # لوذعي له فؤاد ذكي ... ما له في ذكائه من ضريب # لا يروي ولا يقلب طرفا ... وأكف الرجال في تقليب # وإذ كان العالم في توسم المتعلمين بهذه الصفة، وكان بقدر استحقاقهم ~~خبيرا، لم يضع له عناء ولم يخب على يديه صاحب. # وإن لم # PageV01P081 # يتوسمهم وخفيت عليه أحوالهم ومبلغ استحقاقهم كانوا وإياه في عناء مكد ~~وتعب غير ms059 مجد؛ لأنه لا يعدم أن يكون فيهم ذكي محتاج إلى الزيادة، وبليد ~~يكتفي بالقليل فيضجر الذكي منه ويعجز البليد عنه ومن يردد أصحابه بين عجز ~~وضجر ملوه وملهم. # وقد حكى عبد الله بن وهب أن سفيان بن عبد الله قال: قال الخضر لموسى - ~~عليهما السلام -: يا طالب العلم إن القائل أقل ملالة من المستمع فلا تمل ~~جلساءك إذا حدثتهم يا موسى، واعلم أن قلبك وعاء فانظر ما تحشو في وعائك. # وقال بعض الحكماء: خير العلماء من لا يقل ولا يمل. # وقال بعض العلماء: كل علم كثر على المستمع ولم يطاوعه الفهم ازداد القلب ~~به عمى. وإنما ينفع سمع الآذان، إذا قوي فهم القلوب في الأبدان. # وربما كان لبعض السلاطين رغبة في العلم لفضيلة نفسه، وكرم طبعه فلا يجعل ~~ذلك ذريعة في الانبساط عنده، والإدلال عليه، بل يعطى ما يستحقه بسلطانه ~~وعلو يده. # فإن للسلطان حق الطاعة والإعظام، وللعالم حق القبول والإكرام. ثم لا ~~ينبغي أن يبتدئه إلا بعد الاستدعاء، ولا يزيده على قدر الاكتفاء، فربما أحب ~~بعض العلماء إظهار علمه للسلطان فأكثره فصار ذلك ذريعة إلى ملل ومفضيا إلى ~~بعده، فإن السلطان متقسم الأفكار مستوعب الزمان، فليس له في العلم فراغ ~~المنقطعين إليه ولا صبر المنفردين به. # وقد حكى الأصمعي - رحمه الله - قال: قال لي الرشيد: يا عبد الملك أنت ~~أعلم منا ونحن أعقل منك لا تعلمنا في ملاء، ولا تسرع إلى تذكيرنا في خلاء، ~~واتركنا حتى نبتدئك بالسؤال فإذا بلغت من الجواب حد الاستحقاق فلا تزد إلا ~~أن يستدعى ذلك منك، وانظر إلى ما هو ألطف في التأديب، وأنصف في التعليم، ~~وبلغ بأوجز لفظ غاية التقويم. وليخرج تعليمه مخرج المذاكرة والمحاضرة لا ~~مخرج التعليم والإفادة؛ لأن لتأخير التعلم خجلة تقصير يجل السلطان عنها، ~~فإن ظهر منه خطأ أو زلل في قول أو عمل لم يجاهره بالرد وعرض باستدراك زلله، ~~وإصلاح خلله. # وحكي أن عبد الملك بن مروان قال للشعبي: كم عطاؤك؟ قال: ألفين. قال: ~~لحنت. قال لما ترك أمير ms060 المؤمنين الإعراب كرهت أن أعرب كلامي عليه. # PageV01P082 # ثم ليحذر اتباعه فيما يجانب الدين ويضاد الحق موافقة لرأيه ومتابعة ~~لهواه، فربما زلت أقدام العلماء في ذلك رغبة أو رهبة فضلوا، وأضلوا مع سوء ~~العاقبة وقبح الآثار. # وقد روى الحسن البصري - رحمه الله - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: «لا تزال هذه الأمة تحت يد الله وفي كنفه ما لم يمار قراؤها ~~أمراءها، ولم يزك صلحاؤها فجارها، ولم يمار أخيارها أشرارها. فإذا فعلوا ~~ذلك رفع عنهم يده ثم سلط عليهم جبابرتهم فساموهم سوء العذاب، وضربهم ~~بالفاقة والفقر وملأ قلوبهم رعبا» . # ومن آدابهم: نزاهة النفس عن شبه المكاسب، والقناعة بالميسور عن كد ~~المطالب. فإن شبهة المكسب إثم وكد الطلب ذل، والأجر أجدر به من الإثم والعز ~~أليق به من الذل. # وأنشدني بعض أهل الأدب لعلي بن عبد العزيز القاضي - رحمه الله تعالى -: # يقولون لي فيك انقباض وإنما ... رأوا رجلا عن موقف الذل أحجما # أرى الناس من داناهم هان عندهم ... ومن أكرمته عزة النفس أكرما # ولم أقض حق العلم إن كان كلما ... بدا طمع صيرته لي سلما # وما كل برق لاح لي يستفزني ... ولا كل من لاقيت أرضاه منعما # إذا قيل هذا منهل قلت قد أرى ... ولكن نفس الحر تحتمل الظما # انهها عن بعض ما لا يشينها ... مخافة أقوال العدا فيم أو لما # ولم أبتذل في خدمة العلم مهجتي ... لأخدم من لاقيت لكن لأخدما # أأشقى به غرسا وأجنيه ذلة ... إذا فاتباع الجهل قد كان أحزما # ولو أن أهل العلم صانوه صانهم ... ولو عظموه في النفوس لعظما # ولكن أهانوه فهان ودنسوا ... محياه بالأطماع حتى تجهما # على أن العلم عوض من كل لذة، ومغن عن كل شهوة. ومن كان صادق النية فيه لم ~~يكن له همة فيما يجد بدا منه. وقال بعض البلغاء: من تفرد بالعلم لم توحشه ~~خلوة، ومن تسلى بالكتب لم تفته سلوة. ومن آنسه قراءة القرآن، لم توحشه ~~مفارقة الإخوان. وقال بعض العلماء: لا سمير كالعلم، ولا ظهير كالحلم. # ومن آدابهم: ms061 أن يقصدوا وجه الله بتعليم من علموا ويطلبوا ثوابه # PageV01P083 # بإرشاد من أرشدوا، من غير أن يعتاضوا عليه عوضا، ولا يلتمسوا عليه رزقا. ~~قال الله تعالى: {ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا} [البقرة: 41] قال أبو ~~العالية: لا تأخذوا عليه أجرا وهو مكتوب عندهم في الكتاب الأول يا ابن آدم ~~علم مجانا كما علمت مجانا. وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: ~~«أجر المعلم كأجر الصائم القائم» . وحسب من هذا أجره أن يلتمس عليه أجرا. # ومن آدابهم: نصح من علموه والرفق بهم، وتسهيل السبيل عليهم وبذل المجهود ~~في رفدهم، ومعونتهم، فإن ذلك أعظم لأجرهم، وأسنى لذكرهم، وأنشر لعلومهم، ~~وأرسخ لمعلومهم. وقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - «أنه قال لعلي - ~~كرم الله وجهه -: يا علي لأن يهدي الله بك رجلا خير مما طلعت عليه الشمس» . # ومن آدابهم: أن لا يعنفوا متعلما، ولا يحقروا ناشئا، ولا يستصغروا مبتدئا ~~فإن ذلك أدعى إليهم، وأعطف عليهم، وأحث على الرغبة فيما لديهم. # وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «علموا ولا تعنفوا فإن ~~المعلم خير من المعنف» . وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: ~~«وقروا من تتعلمون منه، ووقروا من تعلمونه» . # ومن آدابهم: أن لا يمنعوا طالبا ولا يؤيسوا متعلما لما في ذلك من قطع ~~الرغبة فيهم والزهد فيما لديهم، واستمرار ذلك مفض إلى انقراض العلم ~~بانقراضهم. فقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «ألا أنبئكم ~~بالفقيه كل الفقيه. قالوا: بلى يا رسول الله. قال: من لم يقنط الناس من ~~رحمة الله تعالى، ولا يؤيسهم من روح الله، ولا يدع القرآن رغبة إلى ما ~~سواه. ألا لا خير في عبادة ليس فيها تفقه، ولا علم ليس فيه تفهم، ولا قراءة ~~ليس فيها تدبر» . فهذه جملة كافية، والله ولي التوفيق. # PageV01P084 ### | [الباب الثالث أدب الدين] # PageV01P085 # اعلم أن الله سبحانه وتعالى إنما كلف الخلق متعبداته، وألزمهم مفترضاته، ~~وبعث إليهم رسله وشرع لهم دينه لغير حاجة دعته إلى تكليفهم، ولا من ms062 ضرورة ~~قادته إلى تعبدهم، وإنما قصد نفعهم تفضلا منه عليهم كما تفضل بما لا يحصى ~~عدا من نعمه. بل النعمة فيما تعبدهم به أعظم؛ لأن نفع ما سوى المتعبدات ~~مختص بالدنيا العاجلة، ونفع المتعبدات يشتمل على نفع الدنيا والآخرة، وما ~~جمع نفع الدنيا والآخرة كان أعظم نعمة وأكثر تفضلا. # وجعل ما تعبدهم به مأخوذا من عقل متبوع، وشرع مسموع فالعقل متبوع فيما لا ~~يمنع منه الشرع، والشرع مسموع فيما لا يمنع منه العقل؛ لأن الشرع لا يرد ~~بما يمنع منه العقل، والعقل لا يتبع فيما يمنع منه الشرع. فلذلك توجه ~~التكليف إلى من كمل عقله فأرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين ~~كله ولو كره المشركون. فبلغهم رسالته، وألزمهم حجته، وبين لهم شريعته، وتلا ~~عليهم كتابه، فيما أحله وحرمه، وأباحه وحظره، واستحبه وكرهه، وأمر به ونهى ~~عنه، وما وعد به من الثواب لمن أطاعه وأوعد به من العقاب لمن عصاه. # فكان وعده ترغيبا، ووعيده ترهيبا؛ لأن الرغبة تبعث على الطاعة، والرهبة ~~تكف عن المعصية، والتكليف يجمع أمرا بطاعة ونهيا عن معصية. ولذلك كان ~~التكليف مقرونا بالرغبة والرهبة، وكان ما تخلل كتابه من قصص الأنبياء ~~السالفة، وأخبار القرون الخالية، عظة واعتبارا تقوى معهما الرغبة، وتزداد # PageV01P087 # بهما الرهبة. وكان ذلك من لطفه بنا وتفضله علينا. فالحمد لله الذي نعمه ~~لا تحصى وشكره لا يؤدى. # ثم جعل إلى رسوله: - صلى الله عليه وسلم - بيان ما كان مجملا، وتفسير ما ~~كان مشكلا، وتحقيق ما كان محتملا؛ ليكون له مع تبليغ الرسالة ظهور الاختصاص ~~به ومنزلة التفويض إليه. قال الله تعالى: {وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ~~ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون} [النحل: 44] . ثم جعل إلى العلماء استنباط ما ~~نبه على معانيه، وأشار إلى أصوله بالاجتهاد فيه إلى علم المراد، فيمتازوا ~~بذلك عن غيرهم ويختصوا بثواب اجتهادهم. قال الله تعالى: {يرفع الله الذين ~~آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات} [المجادلة: 11] # وقال الله تعالى: {وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم} [آل ~~عمران: 7] فصار الكتاب ms063 أصلا والسنة فرعا واستنباط العلماء إيضاحا وكشفا. ~~وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «القرآن أصل علم الشريعة ~~نصه ودليله» ، والحكمة بيان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والأمة ~~المجتمعة حجة على من شذ عنها. # وكان من رأفته بخلقه وتفضله على عباده أن أقدرهم على ما كلفهم، ورفع ~~الحرج عنهم فيما تعبدهم؛ ليكونوا مع ما قد أعده لهم ناهضين بفعل الطاعات ~~ومجانبة المعاصي. قال الله تعالى: {لا يكلف الله نفسا إلا وسعها} [البقرة: ~~286] وقال: {وما جعل عليكم في الدين من حرج} [الحج: 78] وجعل ما كلفهم ~~ثلاثة أقسام: # قسما أمرهم باعتقاده، وقسما أمرهم بفعله، وقسما أمرهم بالكف عنه؛ ليكون ~~اختلاف جهات التكليف أبعث على قبوله، وأعون على فعله، حكمة منه ولطفا. وجعل ~~ما أمرهم باعتقاده # PageV01P088 # قسمين: قسما إثباتا، وقسما نفيا. فأما الإثبات فإثبات توحيده، وصفاته، ~~وإثبات بعثته رسله، وتصديق محمد - صلى الله عليه وسلم - فيما جاء به. # وأما النفي فنفي الصاحبة، والولد، والحاجة، والقبائح أجمع. وهذان القسمان ~~أول ما كلفه العاقل وجعل ما أمرهم بفعله ثلاثة أقسام: قسما على أبدانهم ~~كالصلاة والصيام، وقسما في أموالهم كالزكاة والكفارة، وقسما على أموالهم ~~وأبدانهم كالحج والجهاد، ليسهل عليهم فعله ويخف عنهم أداؤه نظرا منه تعالى ~~لهم، وتفضلا منه عليهم. وجعل ما أمرهم بالكف عنه ثلاثة أقسام: قسما لإحياء ~~نفوسهم وصلاح أبدانهم، كنهيه عن القتل، وأكل الخبائث والسموم، وشرب الخمور ~~المؤدية إلى فساد العقل وزواله. وقسما لائتلافهم وإصلاح ذات بينهم، كنهيه ~~عن الغضب، والغلبة، والظلم، والسرف المفضي إلى القطيعة، والبغضاء. وقسما ~~لحفظ أنسابهم وتعظيم محارمهم، كنهيه عن الزنا ونكاح ذوات المحارم. فكانت ~~نعمته فيما حظره علينا كنعمته فيما أباحه لنا، وتفضله فيما كفنا عنه كتفضله ~~فيما أمرنا به. # فهل يجد العاقل في رويته مساغا أن يقصر فيما أمر به وهو نعمة عليه، أو ~~يرى فسحة في ارتكاب ما نهى عنه وهو تفضل منه عليه؟ وهل يكون من أنعم عليه ~~بنعمة فأهملها، مع شدة فاقته إليها، إلا مذموما في العقل مع ما جاء من ms064 وعيد ~~الشرع؟ # ثم من لطفه بخلقه وتفضله على عباده أن جعل لهم من جنس كل فريضة نفلا، ~~وحمل لها من الثواب قسطا، وندبهم إليه ندبا، وجعل لهم بالحسنة عشرا ليضاعف ~~ثواب فاعله، ويضع العقاب عن تاركه. ومن لطيف حكمته أن جعل لكل عبادة ~~حالتين: حالة كمال وحالة جواز، رفقا منه بخلقه لما سبق في علمه أن فيهم ~~العجل المبادر والبطيء المتثاقل، ومن لا صبر له على أداء الأكمل ليكون ما ~~أخل به من هيئات عبادته غير قادح في فرض، ولا مانع من أجر، فكان ذلك من ~~نعمه علينا وحسن نظره إلينا. # وكان أول ما فرض بعد تصديق نبيه - صلى الله عليه وسلم - عبادات الأبدان، ~~وقد قدمها على ما يتعلق بالأموال؛ لأن النفوس على الأموال أشح # PageV01P089 # وبما يتعلق بالأبدان أسمح، وذلك الصلاة والصيام. فقدم الصلاة على الصيام؛ ~~لأن الصلاة أسهل فعلا، وأيسر عملا، وجعلها مشتملة على خضوع له وابتهال ~~إليه. فالخضوع له رهبة منه، والابتهال إليه رغبة فيه. ولذلك قال النبي - ~~صلى الله عليه وسلم -: «إذا قام أحدكم إلى صلاته فإنما يناجي ربه فلينظر ~~بما يناجيه» . # وروي عن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - أنه كان كلما دخل عليه وقت ~~صلاة اصفر لونه مرة واحمر أخرى فقيل له في ذلك، فقال: أتتني الأمانة التي ~~عرضت على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملتها أنا ~~فلا أدري أأسيء فيها أم أحسن. ثم جعل لها شروطا لازمة من رفع حدث، وإزالة ~~نجس؛ ليستديم النظافة للقاء ربه، والطهارة لأداء فرضه. ثم ضمنها تلاوة ~~كتابه المنزل ليتدبر ما فيه، من أوامره ونواهيه، ويعتبر إعجاز ألفاظه ~~ومعانيه. ثم علقها بأوقات راتبة، وأزمان مترادفة؛ ليكون ترادف أزمانها ~~وتتابع أوقاتها سببا لاستدامة الخضوع له والابتهال إليه، فلا تنقطع الرهبة ~~منه ولا الرغبة فيه، وإذا لم تنقطع الرغبة والرهبة استدام صلاح الخلق. ~~وبحسب قوة الرغبة والرهبة يكون استيفاؤها على الكمال أو التقصير فيها حال ~~الجواز. # وقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: «الصلاة مكيال فمن ms065 وفى وفي له ~~ومن طفف فقد علمتم ما قال الله في المطففين» . وروي عن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - أنه قال: «من هانت عليه صلاته كانت على الله تعالى وعز وجل ~~أهون» . وأنشدت لبعض الفصحاء في ذلك: # أقبل على صلواتك الخمس ... كم مصبح وعساه لا يمسي # واستقبل اليوم الجديد بتوبة ... تمحو ذنوب صبيحة الأمس # فليفعلن بوجهك الغض البلى ... فعل الظلام بصورة الشمس # ثم فرض الله تعالى الصيام وقدمه على زكاة الأموال لتعلق الصيام بالأبدان. # وكان في إيجابه حث على رحمة الفقراء وإطعامهم وسد جوعاتهم لما عاينوه من ~~شدة المجاعة في صومهم. وقد قيل ليوسف - على نبينا وعليه السلام -: أتجوع ~~وأنت على خزائن الأرض؟ فقال: أخاف أن أشبع فأنسى # PageV01P090 # الجائع. ثم لما في الصوم من قهر النفس وإذلالها وكسر الشهوة المستولية ~~عليها وإشعار النفس ما هي عليه من الحاجة إلى يسير الطعام والشراب. # والمحتاج إلى الشيء ذليل به. وبهذا احتج الله تعالى - على من اتخذ عيسى - ~~على نبينا وعليه السلام - وأمه إلهين من دونه، فقال: {ما المسيح ابن مريم ~~إلا رسول قد خلت من قبله الرسل وأمه صديقة كانا يأكلان الطعام} [المائدة: ~~75] . فجعل احتياجهما إلى الطعام نقصا فيهما عن أن يكونا إلهين. وقد وصف ~~الحسن البصري نقص الإنسان بالطعام والشراب فقال: مسكين ابن آدم محتوم ~~الأجل، مكتوم الأمل، مستور العلل. يتكلم بلحم وينظر بشحم، ويسمع بعظم. أسير ~~جوعه، صريع شبعه تؤذيه البقة، وتنتنه العرقة وتقتله الشرقة. لا يملك لنفسه ~~ضرا، ولا نفعا ولا موتا، ولا حياة، ولا نشورا. # فانظر إلى لطفه بنا، فيما أوجبه من الصيام علينا. كيف أيقظ العقول له، ~~وقد كانت عنه غافلة أو متغافلة. ونفع النفوس به ولم تكن منتفعة ولا نافعة. # ثم فرض زكوات الأموال وقدمها على فرض الحج؛ لأن في الحج مع إنفاق المال ~~سفرا شاقا، فكانت النفس إلى الزكاة أسرع إجابة منها إلى الحج، فكان في ~~إيجابها مواساة للفقراء، ومعونة لذوي الحاجات، تكفهم عن البغضاء وتمنعهم من ~~التقاطع وتبعثهم على التواصل؛ لأن الآمل وصول والراجي ms066 هائب، وإذا زال الأمل ~~وانقطع الرجاء واشتدت الحاجة وقعت البغضاء واشتد الحسد فحدث التقاطع بين ~~أرباب الأموال والفقهاء، ووقعت العداوة بين ذوي الحاجات والأغنياء، حتى ~~تفضي إلى التغالب على الأموال والتغرير بالنفوس. # هذا مع ما في أداء الزكاة من تمرين النفس على السماحة المحمودة ومجانبة ~~الشح المذموم؛ لأن السماحة تبعث على أداء الحقوق والشح يصد عنها. وما يبعث ~~على أداء الحقوق فأجدر به حمدا، وما صد عنها فأخلق به ذما. وقد روى أبو ~~هريرة - رضي الله عنه - أن النبي # PageV01P091 # - صلى الله عليه وسلم - قال: «شر ما أعطي العبد شح هالع، وجبن خالع» . # فسبحان من دبرنا بلطيف حكمته، وأخفى عن فطنتنا جزيل نعمته، حتى استوجب من ~~الشكر بإخفائها أعظم مما استوجبه بإبدائها. ثم فرض الحج فكان آخر فروضه؛ ~~لأنه يجمع عملا على بدن وحقا في مال. فجعل فرضه بعد استمرار فروض الأبدان ~~وفروض الأموال؛ ليكون استئناسهم بكل واحد من النوعين ذريعة إلى تسهيل ما ~~جمع بين النوعين. # فكان في إيجابه تذكير ليوم الحشر بمفارقة المال والأهل، وخضوع العزيز ~~والذليل في الوقوف بين يديه، واجتماع المطيع والعاصي في الرهبة منه والرغبة ~~إليه، وإقلاع أهل المعاصي عما اجترحوه، وندم المذنبين على ما أسلفوه، فقل ~~من حج إلا وأحدث توبة من ذنب وإقلاعا من معصية، ولذلك قال النبي - صلى الله ~~عليه وسلم -: «من علامة الحجة المبرورة أن يكون صاحبها بعدها خيرا منه ~~قبلها» . # وهذا صحيح؛ لأن الندم على الذنوب مانع من الإقدام عليها، والتوبة مكفرة ~~لما سلف منها. فإذا كف عما كان يقدم عليه أنبأ عن صحة توبته، وصحة التوبة ~~تقتضي قبول حجته. ثم نبه بما يعاني فيه من مشاق السفر المؤدي إليه على موضع ~~النعمة برفاهة الإقامة وأنسة الأوطان ليحنو على من سلب هذه النعمة من أبناء ~~السبيل. ثم أعلم بمشاهدة حرمه الذي أنشأ منه دينه، وبعث فيه رسوله. ثم ~~بمشاهدة دار الهجرة التي أعز الله بها أهل طاعته، وأذل بنصرة نبيه محمد - ~~عليه الصلاة والسلام - أهل معصيته، حتى خضع له عظماء المتجبرين، ms067 وتذلل له ~~زعماء المتكبرين. إنه لم ينتشر عن ذلك المكان المنقطع، ولا قوي بعد الضعف ~~البين حتى طبق الأرض شرقا وغربا إلا بمعجزة ظاهرة ونصر عزيز. # فاعتبر - ألهمك الله الشكر ووفقك للتقوى - إنعامه عليك فيما كلفك، ~~وإحسانه إليك فيما تعبدك. فقد وكلتك إلى فطنتك وأحلتك على بصيرتك بعد أن ~~كنت لك رائدا صدوقا، وناصحا شفوقا هل تحسن نهوضا بشكره إذا فعلت ما أمرك، ~~وتقبلت ما كلفك؟ كلا إنه لا يوليك نعمة توجب الشكر إذا وصلها قبل شكر ما ~~سلف بنعمة توجب الشكر في المؤتنف. # وقال # PageV01P092 # الحسن بن علي: نعم الله أكثر من أن تشكر إلا ما أعان عليه، وذنوب ابن آدم ~~أكثر من أن تغفر إلا ما عفا عنه. وأنشدت لمنصور بن إسماعيل الفقيه المصري - ~~رحمه الله تعالى -: # شكر الإله نعمة ... موجبة لشكره # فكيف شكري بره ... وشكره من بره # وإذا كنت عن شكر نعمه عاجزا فكيف بك إذا قصرت فيما أمرك، أو فرطت فيما ~~كلفك، ونفعه أعود عليك لو فعلته. هل تكون لسوابغ نعمه إلا كفورا، وببداية ~~العقول إلا مزجورا؟ وقد قال الله تعالى: {يعرفون نعمت الله ثم ينكرونها} ~~[النحل: 83] قال مجاهد: أي يعرفون ما عدد الله عليهم من نعمه وينكرونها ~~بقولهم أنهم ورثوها عن آبائهم واكتسبوها بأفعالهم. # وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «يقول الله يا ابن آدم ما ~~أنصفتني أتحبب إليك بالنعم وتتمقت إلي بالمعاصي. خيري إليك نازل وشرك إلي ~~صاعد كم من ملك كريم يصعد إلي منك بعمل قبيح» . وقال بعض صلحاء السلف: قد ~~أصبح بنا من نعم الله تعالى ما لا نحصيه، مع كثرة ما نعصيه، فلا ندري أيهما ~~نشكر، أجميل ما ينشر، أم قبيح ما يستر. # فحق على من عرف موضع النعمة أن يقبلها ممتثلا لما كلف منها وقبولها يكون ~~بأدائها، ثم يشكر الله تعالى على ما أنعم من إسدائها. فإن بنا من الحاجة ~~إلى نعمه أكثر مما كلفنا من شكر نعمه. فإن نحن أدينا حق النعمة في التكليف ~~تفضل بإسداء النعمة ms068 من غير جهة التكليف، فلزمت النعمتان ومن لزمته النعمتان ~~فقد أوتي حظ الدنيا والآخرة، وهذا هو السعيد بالإطلاق. وإن قصرنا في أداء ~~ما كلفنا من شكره قصر عنا ما لا تكليف فيه من نعمه، فنفرت النعمتان ومن ~~نفرت عنه النعمتان فقد سلب حظ الدنيا والآخرة، فلم يكن له في الحياة حظ ولا ~~في الموت راحة، وهذا هو الشقي بالاستحقاق. وليس يختار الشقوة على السعادة ~~ذو لب صحيح ولا عقل سليم. وقد قال الله # PageV01P093 # تعالى: {ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب من يعمل سوءا يجز به} ~~[النساء: 123] . # وروى الأعمش عن سليم قال، قال أبو بكر الصديق - رضي الله عنه -: «يا رسول ~~الله ما أشد هذه الآية: {من يعمل سوءا يجز به} [النساء: 123] . فقال: يا ~~أبا بكر إن المصيبة في الدنيا جزاء» . واختلف المفسرون في تأويل قوله ~~تعالى: {سنعذبهم مرتين} [التوبة: 101] . فقال بعضهم: أحد العذابين الفضيحة ~~في الدنيا، والثاني عذاب القبر. وقال عبد الرحمن بن يزيد: أحد العذابين ~~مصائبهم في الدنيا في أموالهم وأولادهم، والثاني عذاب الآخرة في النار. # وليس وإن نال أهل المعاصي لذة من عيش أو أدركوا أمنية من دنيا كانت عليهم ~~نعمة، بل قد يكون ذلك استدراجا ونقمة. # وروى ابن لهيعة عن عقبة بن مسلم بن عامر أن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - قال: «إذا رأيت الله تعالى يعطي العباد ما يشاؤن على معاصيهم إياه ~~فإنما ذلك استدراج منه لهم ثم تلا: {فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم ~~أبواب كل شيء حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون} ~~[الأنعام: 44] .» # فأما المحرمات التي يمنع الشرع منها واستقر التكليف، عقلا أو شرعا، ~~بالنهي عنها فتنقسم قسمين. منها ما تكون النفوس داعية إليها، والشهوات ~~باعثة عليها، كالسفاح وشرب الخمر، فقد زجر الله عنها؛ لقوة الباعث عليها، ~~وشدة الميل إليها بنوعين من الزجر: # أحدهما: حد عاجل يرتدع به الجريء. # والثاني: وعيد آجل يزدجر به التقي. ومنها ما تكون النفوس نافرة منها، ~~والشهوات مصروفة عنها، كأكل الخبائث والمستقذرات وشرب ms069 السموم المتلفات، ~~فاقتصر الله في الزجر عنها بالوعيد وحده دون الحد؛ لأن النفوس مستعدة في ~~الزجر عنها، ومصروفة عن ركوب المحظور منها. ثم أكد الله زواجره بإنكار ~~المنكرين لها فأوجب الأمر بالمعروف # PageV01P094 # والنهي عن المنكر ليكون الأمر بالمعروف تأكيدا لأوامره، والنهي عن المنكر ~~تأييدا لزواجره. # لأن النفوس الأشرة قد ألهتها الصبوة عن اتباع الأوامر، وأذهلتها الشهوة ~~عن تذكار الزواجر. وكان إنكار المجالسين أزجر لها، وتوبيخ المخاطبين أبلغ ~~فيها. ولذلك قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «ما أقر قوم المنكر بين ~~أظهرهم إلا عمهم الله بعذاب محتضر» . وإذا كان ذلك فلا يخلو حال فاعلي ~~المنكر من أحد الأمرين: # أحدهما: أن يكونوا آحادا متفرقين، وأفرادا متبددين، لم يتحزبوا فيه، ولم ~~يتضافروا عليه، وهم رعية مقهورون، وأفذاذ مستضعفون، فلا خلاف بين الناس أن ~~أمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر، مع المكنة وظهور القدرة واجب على من شاهد ~~ذلك من فاعليه، أو سمعه من قائليه. # وإنما اختلفوا في وجوب ذلك على منكريه هل وجب عليهم بالعقل أو بالشرع. ~~فذهب بعض المتكلمين إلى وجوب ذلك بالعقل؛ لأنه لما وجب بالعقل وجب أن يمتنع ~~من القبيح، ووجب أيضا بالعقل أن يمنع غيره منه؛ لأن ذلك أدعى إلى مجانبته، ~~وأبلغ في مفارقته. وقد روى عبد الله بن المبارك - رحمه الله - قال: قال ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إن قوما ركبوا سفينة فاقتسموا فأخذ كل ~~واحد منهم موضعا، فنقر رجل منهم موضعا بفأس. فقالوا: ما تصنع؟ فقال: هو ~~مكاني أصنع فيه ما شئت. فلم يأخذوا على يديه فهلك وهلكوا» . # وذهب آخرون إلى وجوب ذلك بالشرع دون العقل؛ لأن العقل لو أوجب النهي عن ~~المنكر، ومنع غيره من القبيح، لوجب مثله على الله تعالى، ولما جاز ورود ~~الشرع بإقرار أهل الذمة على الكفر، وترك النكير عليهم،؛ لأن واجبات العقول ~~لا يجوز إبطالها بالشرع، وفي ورود الشرع بذلك دليل على أن العقل غير موجب ~~لإنكاره. # فأما إذا كان في ترك إنكاره مضرة لاحقة بمنكره وجب إنكاره بالعقل على ~~القولين معا. ms070 وأما إن لحق المنكر مضرة من إنكاره ولم تلحقه من كفه وإقراره ~~لم يجب عليه الإنكار بالعقل ولا بالشرع. # أما العقل فلأنه يمنع من اجتلاب المضار التي لا يوازيها نفع. وأما الشرع ~~فقد روى أبو سعيد الخدري # PageV01P095 # - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «أنكر المنكر ~~بيدك فإن لم تستطع فبلسانك، فإن لم تستطع فبقلبك، وذلك أضعف الإيمان» . فإن ~~أراد الإقدام على الإنكار مع لحوق المضرة به نظر. # فإن لم يكن إظهار النكير مما يتعلق بإعزاز دين الله، ولا إظهار كلمة ~~الحق، لم يجب عليه النكير إذا خشي، بغالب الظن، تلفا أو ضررا، ولم يخش منه ~~النكير أيضا. وإن كان في إظهار النكير إعزاز دين الله تعالى، وإظهار كلمة ~~الحق، حسن منه النكير مع خشية الإضرار والتلف، وإن لم يجب عليه، إذا كان ~~الغرض قد يحصل له بالنكير وإن انتصر أو قتل. # وعلى هذا الوجه قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إن من أفضل الأعمال ~~كلمة حق عند سلطان جائر» . فأما إذا كان يقتل قبل حصول الغرض قبح في العقل ~~أن يتعرض لإنكاره، وكذلك لو كان الإنكار يزيد المنهى إغراء بفعل المنكر، ~~ولجاجا في الإكثار منه، قبح في العقل إنكاره. # والحال الثانية: أن يكون فعل المنكر من جماعة قد تضافروا عليه، وعصبة قد ~~تحزبت ودعت إليه. وقد اختلف الناس في وجوب إنكاره على مذاهب شتى فقالت ~~طائفة من أصحاب الحديث وأهل الآثار: لا يجب إنكاره والأولى بالإنسان أن ~~يكون كافا، ممسكا، وملازما لبيته، وادعا غير منكر ولا مستفز. وقالت طائفة ~~أخرى ممن يقول بظهور المنتظر: لا يجب إنكاره ولا التعرض لإزالته إلا أن ~~يظهر المنتظر فيتولى إنكاره بنفسه ويكونوا أعوانه. # وقالت طائفة أخرى، منهم الأصم: لا يجوز للناس إنكاره إلا أن يجتمعوا على ~~إمام عدل، فيجب عليهم الإنكار معه. وقال جمهور المتكلمين: إنكار ذلك واجب، ~~والدفع عنه لازم على شروطه في وجود أعوان يصلحون له. فأما مع فقد الأعوان ~~فعلى الإنسان الكف؛ لأن الواحد قد يقتل ms071 قبل بلوغ الغرض، وذلك قبيح في العقل ~~أن يتعرض له. فهذا ما أكد الله تعالى به أوامره وأيد به زواجره من الأمر ~~بالمعروف والنهي عن المنكر، وما يختلف من أحوال الآمرين به والناهين عنه. # ثم ليس يخلو حال الناس فيما أمروا به ونهوا عنه، من فعل الطاعات # PageV01P096 # واجتناب المعاصي، من أربعة أحوال: فمنهم من يستجيب إلى فعل الطاعات، ويكف ~~عن ارتكاب المعاصي. وهذا أكمل أحوال أهل الدين، وأفضل صفات المتقين. فهذا ~~يستحق جزاء العاملين، وثواب المطيعين. # روى محمد بن عبد الملك المدائني. عن نافع عن ابن عمر - رضي الله عنهما - ~~قال، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «الذنب لا ينسى والبر لا يبلى، ~~والديان لا يموت، فكن كما شئت، وكما تدين تدان» . وقد قيل: كل يحصد ما ~~يزرع، ويجزى بما يصنع. بل قالوا: زرع يومك حصاد غدك. ومنهم من يمتنع من فعل ~~الطاعات ويقدم على ارتكاب المعاصي، وهي أخبث أحوال المكلفين. فهذا يستحق ~~عذاب اللاهي عن فعل ما أمر به من طاعته، وعذاب المجترئ على ما أقدم عليه من ~~معاصيه. # وقد قال ابن شبرمة: عجبت لمن يحتمي من الطيبات مخافة الداء، كيف لا يحتمي ~~من المعاصي مخافة النار. فأخذ ذلك بعض الشعراء فقال: # جسمك قد أفنيته بالحمى ... دهرا من البارد والحار # وكان أولى بك أن تحتمي ... من المعاصي حذر النار # وقال ابن صباوة: إنا نظرنا فوجدنا الصبر على طاعة الله تعالى أهون من ~~الصبر على عذاب الله تعالى. # وقال آخر: اصبروا عباد الله على عمل لا غنى بكم عن ثوابه، واصبروا عن عمل ~~لا صبر لكم على عقابه. وقيل للفضيل بن عياض - رضي الله عنه -: رضي الله ~~عنك. فقال: كيف يرضى عني ولم أرضه. # ومنهم من يستجيب إلى فعل الطاعات ويقدم على ارتكاب المعاصي. فهذا يستحق ~~عذاب المجترئ؛ لأنه تورط بغلبة الشهوة على الإقدام على المعصية، وإن سلم من ~~التقصير في فعل الطاعة. وقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: ~~«أقلعوا عن المعاصي قبل أن يأخذكم ms072 الله هتا بتا» : الهت الكسر والبت القطع. ~~ولذلك قال بعض العلماء: أفضل الناس من لم تفسد الشهوة دينه، ولم تترك ~~الشبهة يقينه. # وقال حماد بن زيد: عجبت لمن يحتمي من الأطعمة لمضراتها، كيف لا يحتمي من ~~الذنوب لمعراتها. وقال بعض الصلحاء: أهل الذنوب مرضى # PageV01P097 # القلوب وقيل للفضيل بن عياض - رحمه الله -: ما أعجب الأشياء؟ فقال: قلب ~~عرف الله عز وجل ثم عصاه. وقال بعض الألباء: يدل بالطاعة العاصي وينسى عظيم ~~المعاصي. وقال رجل لابن عباس - رضي الله عنه -: أيما أحب إليك رجل قليل ~~الذنوب قليل العمل، أو رجل كثير الذنوب كثير العمل؟ فقال ابن عباس - رضي ~~الله عنه -: لا أعدل بالسلامة شيئا. وقيل لبعض الزهاد: ما تقول في صلاة ~~الليل؟ فقال: خف الله بالنهار ونم بالليل. وسمع بعض الزهاد رجلا يقول لقوم: ~~أهلككم النوم. فقال: بل أهلكتكم اليقظة. # وقيل لأبي هريرة - رضي الله عنه -: ما التقوى؟ فقال: أجزت في أرض فيها ~~شوك؟ فقال: نعم. فقال: كيف كنت تصنع؟ فقال: كنت أتوقى. قال: فتوق الخطايا. ~~وقال عبد الله بن المبارك: # أيضمن لي فتى ترك المعاصي ... وأرهنه الكفالة بالخلاص # أطاع الله قوم واستراحوا ... ولم يتجرعوا غصص المعاصي # ومنهم من يمتنع من فعل الطاعات، ويكف عن ارتكاب المعاصي فهذا يستحق عذاب ~~اللاهي عن دينه، المنذر بقلة يقينه. # وروى أبو إدريس الخولاني عن أبي ذر الغفاري - رضي الله عنه - عن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «كانت صحف موسى - على نبينا وعليه السلام - ~~كلها عبرا. عجبت لمن أيقن بالنار ثم يضحك، وعجبت لمن أيقن بالقدر ثم يتعب، ~~وعجبت لمن رأى الدنيا وتقلبها بأهلها ثم يطمئن إليها، وعجبت لمن أيقن ~~بالموت ثم يفرح، وعجبت لمن أيقن بالحساب غدا ثم لا يعمل» . # وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «اجتهدوا في العمل فإن ~~قصر بكم ضعف فكفوا عن المعاصي» . وهذا واضح المعنى؛ لأن الكف عن المعاصي ~~ترك وهو أسهل، وعمل الطاعات فعل وهو أثقل. ولذلك لم يبح الله تعالى ارتكاب ~~المعصية بعذر ولا ms073 بغير عذر؛ لأنه ترك والترك لا يعجز المعذور عنه، وإنما ~~أباح ترك الأعمال بالأعذار؛ لأن العمل قد يعجز المعذور عنه. وقال بكر بن ~~عبد الله: رحم الله امرأ كان قويا فأعمل قوته في طاعة الله تعالى أو كان ~~ضعيفا فكف عن معصية الله تعالى. # وقال عبد الأعلى بن عبد الله الشامي # PageV01P098 # - رحمه الله تعالى -: # العمر ينقص والذنوب تزيد ... وتقال عثرات الفتى فيعود # هل يستطيع جحود ذنب واحد ... رجل جوارحه عليه شهود # والمرء يسأل عن سنيه فيشتهي ... تقليلها وعن الممات يحيد # واعلم أن لأعمال الطاعات ومجانبة المعاصي آفتين: إحداهما تكسب الوزر ~~والأخرى توهن الأجر. فأما المكسبة للوزر فإعجاب بما سلف من عمله، وقدم من ~~طاعته؛ لأن الإعجاب به يفضي إلى حالتين مذمومتين: إحداهما: أن المعجب بعمله ~~ممتن به والممتن على الله تعالى جاحد لنعمه. قال ابن عباس - رضي الله عنه ~~-: أوحى الله تعالى إلى نبي من أنبيائه: أما زهدك في الدنيا فقد استعجلت به ~~الراحة، وأما انقطاعك إلي فهو عز لك، فهذان لك وبقيت أنا. # والثانية أن المعجب بعمله مدل به والمدل بعمله مجترئ، والمجترئ على الله ~~عاص. وقال مورق العجلي: خير من العجب بالطاعة أن لا يأتي بطاعة. وقال بعض ~~السلف: ضاحك معترف بذنبه، خير من باك مدل على ربه، وباك نادم على ذنبه خير ~~من ضاحك معترف بلهوه. وأما الموهنة للأجر فالثقة بما أسلف والركون إلى ما ~~قدم؛ لأن الثقة تئول إلى أمرين شينين: أحدهما يحدث اتكالا على ما مضى ~~وتقصيرا فيما يستقبل. ومن قصر واتكل لم يرج أجرا ولم يؤد شكرا. # والثاني: أن الواثق آمن. والآمن من الله تعالى غير خائف، ومن لم يخف الله ~~تعالى هانت عليه أوامره، وسهلت عليه زواجره. وقال الفضيل بن عياض: رهبة ~~المرء من الله تعالى على قدر علمه بالله تعالى. وقال مورق العجلي: لأن أبيت ~~نائما وأصبح نادما أحب إلي من أن أبيت قائما وأصبح ناعما. # وقال الحكماء: ما بينك وبين أن لا يكون فيك خير إلا أن ترى أن فيك خيرا. ms074 ~~وقيل لرابعة العدوية - رحمها الله -: هل عملت عملا قط ترين أنه يقبل منك؟ ~~قالت: إن كان شيء فخوفي أن يرد علي عملي. وقال ابن السماك - رحمة الله عليه ~~-: إنا لله فيما مضى ما أعظم فيه الخطر، وإنا لله فيما بقي ما أقل منه ~~الحذر. # وحكي أن بعض الزهاد وقف على جمع فنادى # PageV01P099 # بأعلى صوته: يا معشر الأغنياء لكم أقول: استكثروا من الحسنات فإن ذنوبكم ~~كثيرة، ويا معشر الفقراء لكم أقول: أقلوا من الذنوب فإن حسناتكم قليلة. # فينبغي - أحسن الله إليك بالتوفيق - أن لا تضيع صحة جسمك وفراغ وقتك ~~بالتقصير في طاعة ربك، والثقة بسالف عملك. فاجعل الاجتهاد غنيمة صحتك، ~~والعمل فرصة فراغك، فليس كل الزمان مستسعدا ولا ما فات مستدركا، وللفراغ ~~زيغ أو ندم، وللخلوة ميل أو أسف. # وقال عمر بن الخطاب: الراحة للرجال غفلة وللنساء غلمة. وقال بزرجمهر: إن ~~يكن الشغل مجهدة، فالفراغ مفسدة. وقال بعض الحكماء: إياكم والخلوات فإنها ~~تفسد العقول، وتعقد المحلول. وقال بعض البلغاء: لا تمض يومك في غير منفعة، ~~ولا تضع مالك في غير صنعة. فالعمر أقصر من أن ينفد في غير المنافع، والمال ~~أقل من أن يصرف في غير الصنائع. والعاقل أجل من أن يفني أيامه فيما لا يعود ~~عليه نفعه وخيره، وينفق أمواله فيما لا يحصل له ثوابه وأجره. وأبلغ من ذلك ~~قول عيسى ابن مريم - على نبينا وعليه السلام -: البر ثلاثة: المنطق والنظر ~~والصمت. فمن كان منطقه في غير ذكر فقد لغا، ومن كان نظره في غير اعتبار فقد ~~سها، ومن كان صمته في غير فكر فقد لها. # واعلم أن للإنسان فيما كلف من عباداته ثلاث أحوال: # إحداها أن يستوفيها من غير تقصير فيها ولا زيادة عليها. # والثانية: أن يقصر فيها. والثالثة: أن يزيد عليها. فأما الحال الأولى: ~~فهي أن يأتي بها على حال الكمال من غير زيادة فيها، ولا زيادة تطوع على ~~راتبتها. فهي أوسط الأحوال وأعدلها؛ لأنه لم يكن منه تقصير فيذم، ولا تكثير ~~فيعجز. وقد روى سعيد بن أبي ms075 سعيد - رضي الله عنه - عن أبي هريرة - رضي الله ~~عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «سددوا وقاربوا ويسروا ~~واستعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدلجة» . # وقال الشاعر: # PageV01P100 # عليك بأوساط الأمور فإنها ... نجاة ولا تركب ذلولا ولا صعبا # وأما الحال الثانية: وهو أن يقصر فيها. فلا يخلو حال تقصيره من أربعة ~~أحوال: إحداهن: أن يكون لعذر أعجزه عنه، أو مرض أضعفه عن أداء ما كلف به. ~~فهذا يخرج عن حكم المقصرين، ويلحق بأحوال العاملين، لاستقرار الشرع على ~~سقوط ما دخل تحت العجز. وقد جاء الحديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~أنه قال: «ما من عامل كان يعمل عملا فيقطعه عنه مرض إلا وكل الله تعالى به ~~من يكتب له ثواب عمله.» والحال الثانية: أن يكون تقصيره فيه اغترارا ~~بالمسامحة فيه، ورجاء العفو عنه. فهذا مخدوع العقل مغرور بالجهل، فقد جعل ~~الظن ذخرا والرجاء عدة. فهو كمن قطع سفرا بغير زاد ظنا بأنه سيجده في ~~المفاوز الجدبة فيفضي به الظن إلى الهلكة، وهلا كان الحذر أغلب عليه وقد ~~ندب الله تعالى إليه. # وحكي أن إسرائيل بن محمد القاضي قال: لقيني مجنون كان في الخرابات فقال: ~~يا إسرائيل خف الله خوفا يشغلك عن الرجاء فإن الرجاء يشغلك عن الخوف، وفر ~~إلى الله ولا تفر منه. وقيل لمحمد بن واسع - رحمه الله -: ألا تبكي؟ فقال: ~~تلك حلية الآمنين. وحكي أن أبا حازم الأعرج أخبر سليمان بن عبد الملك بوعيد ~~الله للمذنبين، فقال سليمان: أين رحمة الله؟ قال: قريب من المحسنين. # وقال عبد الله بن عباس - رضي الله عنهما -: ما انتفعت ولا اتعظت بعد رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - بمثل كتاب كتبه إلي علي بن أبي طالب - كرم ~~الله وجهه -: أما بعد فإن الإنسان ليسره درك ما لم يكن ليفوته ويسوءه فوت ~~ما لم يكن ليدركه، فلا تكن بما نلته من دنياك فرحا، ولا لما فاتك منها ~~ترحا، ولا تكن ممن يرجو الآخرة بغير عمل، ويؤخر التوبة بطول الأمل، فكأن قد ~~والسلام. ms076 وقال محمود الوراق - رحمه الله -: # أخاف على المحسن المتقي ... وأرجو لذي الهفوات المسي # فذلك خوفي على محسن ... فكيف على الظالم المعتدي # على أن ذا الزيغ قد يستفيق ... ويستأنف الزيغ قلب التقي # PageV01P101 # والحال الثالثة: أن يكون تقصيره فيه ليستوفي ما أخل به من بعد فيبدأ ~~بالسيئة في التقصير قبل الحسنة في الاستيفاء اغترارا بالأمل في إمهاله، ~~ورجاء لتلافي ما أسلف من تقصيره وإخلاله، فلا ينتهي به الأمل إلى غاية، ولا ~~يفضي به إلى نهاية؛ لأن الأمل هو في ثاني حال، كهو في أول حال. فقد روي عن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «من يؤمل أن يعيش غدا، فإنه يؤمل أن ~~يعيش أبدا» . # ولعمري إن هذا صحيح؛ لأن لكل يوم غدا. فإذا يفضي به الأمل إلى الفوت من ~~غير درك، ويؤديه الرجاء إلى الإهمال من غير تلاف، فيصير الأمل خيبة والرجاء ~~إياسا. وقد روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- قال: «أول صلاح هذه الأمة بالزهد واليقين، وفسادها بالبخل والأمل» . # وقال الحسن البصري - رحمه الله -: ما أطال عبد الأمل، إلا أساء العمل. ~~وقال رجل لبعض الزهاد بالبصرة: ألك حاجة ببغداد؟ قال: ما أحب أن أبسط أملي ~~إلى أن تذهب إلى بغداد وتجيء. وقال بعض الحكماء: الجاهل يعتمد على أمله، ~~والعاقل يعتمد على عمله. وقال بعض البلغاء: الأمل كالسراب غر من رآه، وخاب ~~من رجاه. وقال محمد بن يزدان: دخلت على المأمون وكنت يومئذ وزيره فرأيته ~~قائما وبيده رقعة فقال: يا محمد أقرأت ما فيها؟ فقلت: هي في يد أمير ~~المؤمنين. # فرمى بها إلي فإذا فيها مكتوب: # إنك في دار لها مدة ... يقبل فيها عمل العامل # أما ترى الموت محيطا بها ... قطع فيها أمل الآمل # تعجل بالذنب لما تشتهي ... وتأمل التوبة من قابل # والموت يأتي بعد ذا بغتة ... ما ذاك فعل الحازم العاقل # فلما قرأتها قال المأمون - رحمه الله تعالى -: هذا من أحكم شعر قرأته. ~~وقال أبو حازم الأعرج: نحن لا نريد أن نموت ms077 حتى نتوب، ونحن لا نتوب حتى ~~نموت. وقال بعض البلغاء: زائد الإمهال رائد الإهمال. # والحال الرابعة: أن يكون تقصيره فيه استثقالا للاستيفاء، وزهدا في # PageV01P102 # التمام، واقتصارا على ما سنح، وقلة اكتراث فيما بقي. فهذا على ثلاثة ~~أضرب: أحدها: أن يكون ما أخل به وقصر فيه غير قادح في فرض، ولا مانع من ~~عبادة، كمن اقتصر في العبادة على فعل واجباتها، وعمل مفترضاتها، وأخل ~~بمسنوناتها وهيئاتها. فهذا مسيء فيما ترك إساءة من لا يستحق وعيدا ولا ~~يستوجب عتابا؛ لأن أداء الواجب يسقط عنه العقاب، وإخلاله بالمسنون يمنع من ~~إكمال الثواب. وقد قال بعض الحكماء: من تهاون بالدين هان، ومن غالب الحق ~~لان. وقال الشاعر: # ويصون توبته ويترك ... غير ذلك لا يصونه # وأحق ما صان الفتى ... ورعى أمانته ودينه # والضرب الثاني: أن يكون ما أخل به من مفروض عبادته، لكن لا يقدح ترك ما ~~بقي فيما مضى كمن أكمل عبادات وأخل بغيرها. فهذا أسوأ حالا ممن تقدمه لما ~~استحقه من الوعيد واستوجبه من العقاب. # والضرب الثالث: أن يكون ما أخل به من مفروض عبادته وهو قادح فيما عمل ~~منها كالعبادة التي يرتبط بعضها ببعض، فيكون المقصر في بعضها تاركا لجميعها ~~فلا يحتسب له ما عمل لإخلاله بما بقي. فهذا أسوأ أحوال المقصرين وحاله ~~لاحقة بأحوال التاركين، بل قد تكلف ما لا يسقط فرضا ولا يؤدي حقا. # فقد ساوى التاركين في استحقاق الوعيد، وزاد عليهم في تكلف ما لا يفيد. ~~فصار من الأخسرين أعمالا الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وفي الآخرة. ثم ~~لعله لا يفطن لشأنه، ولا يشعر بخسرانه، وقد خسر الدنيا والآخرة، ويفطن ~~لليسير من ماله إن وهى واختل. وأنشدني بعض أهل العلم: # أبني إن من الرجال بهيمة ... في صورة الرجل السميع المبصر # فطن بكل مصيبة في ماله ... وإذا يصاب بدينه لم يشعر # وأما الحال الثالثة: وهو أن يزيد فيما كلف. فهذا على ثلاثة أقسام: أحدها: ~~أن تكون الزيادة رياء للناظرين، وتصنعا للمخلوقين، حتى # PageV01P103 # يستعطف به القلوب النافرة، ويخدع به العقول ms078 الواهية، فيتبهرج بالصلحاء ~~وليس منهم، ويتدلس في الأخيار وهو ضدهم. وقد ضرب رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - للمرائي بعمله مثلا فقال: «المتشبع بما لا يملك كلابس ثوبي زور» . ~~يريد بالمتشبع بما لا يملك المتزين بما ليس فيه. وقوله كلابس ثوبي زور هو ~~الذي يلبس ثياب الصلحاء، فهو بريائه محروم الأجر، مذموم الذكر؛ لأنه لم ~~يقصد وجه الله تعالى فيؤجر عليه، ولا يخفى رياؤه على الناس فيحمد به. # قال الله تعالى: {فمن كان يرجوا لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك ~~بعبادة ربه أحدا} [الكهف: 110] . قال جميع أهل التأويل: معنى قوله {ولا ~~يشرك بعبادة ربه أحدا} [الكهف: 110] أي لا يرائي بعمله أحدا، فجعل الرياء ~~شركا؛ لأنه جعل ما يقصد به وجه الله تعالى مقصودا به غير الله تعالى. # وقال الحسن البصري - رحمه الله تعالى -، في قوله تعالى: {ولا تجهر بصلاتك ~~ولا تخافت بها} [الإسراء: 110] . قال: لا تجهر بها رياء، ولا تخافت بها ~~حياء. وكان سفيان بن عيينة - رحمه الله - يتأول قوله تعالى: {إن الله يأمر ~~بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي} ~~[النحل: 90] . أن العدل استواء السريرة والعلانية في العمل لله تعالى، ~~والإحسان أن تكون سريرته أحسن من علانيته، والفحشاء والمنكر أن تكون ~~علانيته أحسن من سريرته. وكان غيره يقول: العدل شهادة أن لا إله إلا الله، ~~والإحسان الصبر على أمره ونهيه وطاعة الله في سره وجهره، وإيتاء ذي القربى ~~صلة الأرحام، وينهى عن الفحشاء يعني الزنا، والمنكر القبائح، والبغي الكبر ~~والظلم. وليس يخرج الرياء بالأعمال من هذا التأويل أيضا؛ لأنه من جملة ~~القبائح. # وقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «أخوف ما أخاف على ~~أمتي الرياء الظاهر والشهوة الخفية» . وروي عن النبي # PageV01P104 # - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «أشد الناس عذابا يوم القيامة من يرى أن ~~فيه خيرا ولا خير فيه» . وقال علي بن أبي طالب كرم الله وجهه: لا تعمل شيئا ~~من الخير رياء ولا تتركه حياء. وقال بعض العلماء: كل حسنة ms079 لم يرد بها وجه ~~الله تعالى فعلتها قبح الرياء، وثمرتها سوء الجزاء. وقد يفضي الرياء بصاحبه ~~إلى استهزاء الناس به كما حكي أن طاهر بن الحسين قال لأبي عبد الله ~~المروزي: منذ كم صرت إلى العراق يا أبا عبد الله؟ قال: دخلت العراق منذ ~~عشرين سنة وأنا منذ ثلاثين سنة صائم. فقال: يا أبا عبد الله، سألتك عن ~~مسألة فأجبت عن مسألتين. # وحكى الأصمعي - رحمه الله - أن أعرابيا صلى فأطال وإلى جانبه قوم فقالوا: ~~ما أحسن صلاتك، فقال: وأنا مع ذلك صائم: # صلى فأعجبني وصام فرابني ... نح القلوص عن المصلي الصائم # فانظر إلى هذا الرياء، مع قبحه، ما أدله على سخف عقل صاحبه. وربما ساعد ~~الناس مع ظهور ريائه على الاستهزاء بنفسه، كالذي حكي أن زاهدا نظر إلى رجل ~~في وجهه سجادة كبيرة واقفا على باب السلطان فقال: مثل هذا الدرهم بين عينيك ~~وأنت واقف ههنا؟ فقال: إنه ضرب على غير السكة. وهذا من أجوبة الخلاعة التي ~~يدفع بها تهجين المذمة. ولقد استحسن الناس من الأشعث بن قيس قوله، وقد خفف ~~صلاته مرة، فقال بعض أهل المسجد: خففت صلاتك جدا. فقال: إنه لم يخالطها ~~رياء. فتخلص من تنقيصهم بنفي الرياء عن نفسه، ورفع التصنع في صلاته. وقد ~~كان النكار لولا ذلك متوجها عليه واللوم لاحقا به. # ومر أبو أمامة ببعض المساجد فإذا رجل يصلي وهو يبكي فقال له: أنت أنت لو ~~كان هذا في بيتك. فلم ير ذلك منه حسنا؛ لأنه اتهمه بالرياء، ولعله كان ~~بريئا منه، فكيف بمن صار الرياء أغلب صفاته، وأشهر سماته، مع أنه آثم فيما # PageV01P105 # عمل، أنم من هبوب النسيم بما حمل. # ولذلك قال عبد الله بن المبارك: أفضل الزهد إخفاء الزهد. وربما أحس ذو ~~الفضل من نفسه ميلا إلى المراءاة، فبعثه الفضل على هتك ما نازعته النفس من ~~المراءاة فكان ذلك أبلغ في فضله، كالذي حكي عن عمر بن الخطاب - رضي الله ~~عنه - أنه أحس على المنبر بريح خرجت منه، فقال: أيها الناس إني قد ms080 مثلت بين ~~أن أخافكم في الله تعالى، وبين أن أخاف الله فيكم، فكان أن أخاف الله فيكم ~~أحب إلي ألا وإني قد فسوت، وها أنا نازل أعيد الوضوء. فكان ذلك منه زجرا ~~لنفسه لتكف عن نزاعها إلى مثله. # وقال عمر بن عبد العزيز لمحمد بن كعب القرظي: عظني فقال: لا أرضى نفسي لك ~~واعظا؛ لأني أجلس بين الغني والفقير فأميل على الفقير وأوسع للغني، ولأن ~~طاعة الله تعالى في العمل لوجهه لا لغيره. وحكي أن قوما أرادوا سفرا فحادوا ~~عن الطريق، فانتهوا إلى راهب فقالوا: قد ضللنا، فكيف الطريق؟ فقال: ههنا ~~وأومأ بيده إلى السماء. # والقسم الثاني: أن يفعل الزيادة اقتداء بغيره. وهذا قد تثمره مجالسة ~~الأخيار الأفاضل، وتحدثه مكاثرة الأتقياء الأماثل. ولذلك قال النبي - صلى ~~الله عليه وسلم -: «المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل» . فإذا ~~كاثرهم المجالس، وطاولهم المؤانس، أحب أن يقتدي بهم في أفعالهم، ويتأسى بهم ~~في أعمالهم، ولا يرضى لنفسه أن يقصر عنهم، ولا أن يكون في الخير دونهم، ~~فتبعثه المنافسة على مساواتهم، وربما دعته الحمية إلى الزيادة عليهم ~~والمكاثرة لهم فيصيروا سببا لسعادته، وباعثا على استزادته. # والعرب تقول: لولا الوئام لهلك الأنام. أي لولا أن الناس يرى بعضهم بعضا ~~فيقتدي بهم في الخير لهلكوا. ولذلك قال بعض البلغاء: من خير الاختيار صحبة ~~الأخيار، ومن شر الاختيار مودة الأشرار. # وهذا صحيح؛ لأن للمصاحبة تأثيرا في اكتساب الأخلاق، فتصلح أخلاق المرء ~~بمصاحبة أهل الصلاح وتفسد بمصاحبة أهل الفساد. ولذلك قال الشاعر: # رأيت صلاح المرء يصلح أهله ... ويعديهم عند الفساد إذا فسد # PageV01P106 # يعظم في الدنيا بفضل صلاحه ... ويحفظ بعد الموت في الأهل والولد # وأنشدني بعض أهل الأدب لأبي بكر الخوارزمي: # لا تصحب الكسلان في حالاته ... كم صالح بفساد آخر يفسد # عدوى البليد إلى الجليد سريعة ... والجمر يوضع في الرماع فيخمد # والقسم الثالث: أن يفعل الزيادة ابتداء من نفسه التماسا لثوابها ورغبة في ~~الزلفة بها. فهذا من نتائج النفس الزاكية، ودواعي الرغبة الوافية، الدالين ~~على خلوص الدين، وصحة ms081 اليقين، وذلك أفضل أحوال العاملين، وأعلى منازل ~~العابدين. وقد قيل: الناس في الخير أربعة: منهم من يفعله ابتداء، ومنهم من ~~يفعله اقتداء، ومنهم من يتركه استحسانا، ومنهم من يتركه حرمانا. فمن فعله ~~ابتداء فهو كريم، ومن فعله اقتداء فهو حكيم، ومن تركه استحسانا فهو رديء، ~~ومن تركه حرمانا فهو شقي. ثم لما يفعله من الزيادة حالتان: # إحداهما: أن يكون مقتصدا فيها، وقادرا على الدوام عليها. فهي أفضل ~~الحالتين، وأعلى المنزلتين. عليها انقرض أخيار السلف، وتتبعهم فيها فضلاء ~~الخلف. وقد روت عائشة - رضي الله عنها - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~قال: «أيها الناس افعلوا من الأعمال ما تطيقون، فإن الله لا يمل من الثواب ~~حتى تملوا من العمل، وخير الأعمال ما ديم عليه» . # والعرب تقول: القصد والدوام وأنت السابق الجواد. ولأن من كان صحيح الرغبة ~~في ثواب الله تعالى لم يكن له مسرة إلا في طاعته. # وقال عبد الله بن المبارك: قلت لراهب: متى عيدكم؟ قال: كل يوم لا أعصي ~~الله فيه فهو يوم عيد. انظر إلى هذا القول منه وإن لم يكن من مقاصد الطاعة ~~ما أبلغه في حب الطاعة، وأحثه على بذل الاستطاعة. وخرج بعض الزهاد في يوم ~~عيد في هيئة رثة فقيل له: لم تخرج في مثل هذا اليوم في مثل هذه الهيئة ~~الناس متزينون؟ فقال: ما يتزين لله تعالى بمثل طاعته. # والحالة الثانية: أن يستكثر منها استكثار من لا ينهض بدوامها، ولا # PageV01P107 # يقدر على اتصالها. فهذا ربما كان بالمقصر أشبه؛ لأن الاستكثار من الزيادة ~~إما أن يمنع من أداء اللازم فلا يكون إلا تقصيرا؛ لأنه تطوع بزيادة أحدثت ~~نقصا، وبنفل منع فرضا. وإما أن يعجز عن استدامة الزيادة ويمنع من ملازمة ~~الاستكثار من غير إخلال بلازم ولا تقصير في فرض. # فهي إذا قصيرة المدى قليلة اللبث، والقليل العمل في طويل الزمان أفضل عند ~~الله - عز وجل - من كثير العمل في قصير الزمان؛ لأن المستكثر من العمل في ~~الزمان القصير قد يعمل زمانا ويترك زمانا فربما صار ms082 في زمان تركه لاهيا أو ~~ساهيا. والمقلل في الزمان الطويل مستيقظ الأفكار، مستديم التذكار. وقد روى ~~أبو صالح عن أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~أنه قال: «إن الإسلام شرة وللشرة فترة فمن سدد وقارب فأرجوه، ومن أشير إليه ~~بالأصابع فلا تعدوه» . فجعل الإسلام شرة وهي الإيغال في الإكثار، وجعل ~~للشرة فترة وهي الإهمال بعد الاستكثار. # فلم يخل بما أثبت من أن تكون هذه الزيادة تقصيرا أو إخلالا ولا خير في ~~واحد منهما. # واعلم - جعل الله العلم حاكما لك وعليك، والحق قائدا لك وإليك - أن ~~الدنيا إذا وصلت فتبعات موبقة، وإذا فارقت ففجعات محرقة. وليس لوصلها دوام ~~ولا من فراقها بد، فرض نفسك على قطيعتها لتسلم من تبعاتها، وعلى فراقها ~~لتأمن فجعاتها. فقد قيل: المرء مقترض من عمره المنقرض. مع أن العمر وإن طال ~~قصير، والفراغ وإن تم يسير. # وأنشدت لعلي بن محمد - رحمه الله تعالى -: # إذا كملت للمرء ستون حجة ... فلم يحظ من ستين إلا بسدسها # ألم تر أن النصف بالليل حاصل ... وتذهب أوقات المقيل بخمسها # فتأخذ أوقات الهموم بحصة ... وأوقات أوجاع تميت بمسنها # فحاصل ما يبقى له سدس عمره ... إذا صدقته النفس عن علم حدسها # ورياضة نفسك، لذلك، تترتب على أحوال ثلاث، وكل حالة منها تتشعب، وهي ~~لتسهيل ما يليها سبب. # PageV01P108 # فالحالة الأولى: أن تصرف حب الدنيا عن قلبك فإنها تلهيك عن آخرتك، ولا ~~تجعل سعيك لها فتمنعك حظك منها، وتوق الركون إليها، ولا تكن آمنا لها. فقد ~~روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: من أشرب قلبه حب الدنيا وركن ~~إليها التاط منها بشغل لا يفرغ عناه، وأمل لا يبلغ منتهاه، وحرص لا يدرك ~~مداه. # وقال عيسى ابن مريم - على نبينا وعليه السلام -: الدنيا لإبليس مزرعة ~~وأهلها له حراث وقال علي بن أبي طالب: مثل الدنيا مثل الحية لين مسها قاتل ~~سمها، فأعرض عما أعجبك منها لقلة ما يصحبك منها، وضع عنك همومها لما أيقنت ~~من فراقها، وكن أحذر ما ms083 تكون لها وأنت آنس ما تكون بها، فإن صاحبها كلما ~~اطمأن منها إلى سرور أشخصه عنها مكروه، وإن سكن منها إلى إيناس أزاله عنها ~~إيحاش وقال بعض البلغاء: الدنيا لا تصفو لشارب، ولا تبقى لصاحب، ولا تخلو ~~من فتنة، ولا تخلي محنة، فأعرض عنها قبل أن تعرض عنك، واستبدل بها قبل أن ~~تستبدل بك، فإن نعيمها يتنقل، وأحوالها تتبدل، ولذاتها تفنى، وتبعاتها ~~تبقى. وقال بعض الحكماء: انظر إلى الدنيا نظر الزاهد المفارق لها، ولا ~~تتأملها تأمل العاشق الوامق بها. # وقال بعض الشعراء: # ألا إنما الدنيا كأحلام نائم ... وما خير عيش لا يكون بدائم # تأمل إذا ما نلت بالأمس لذة ... فأفنيتها هل أنت إلا كحالم # فكم غافل عنه وليس بغافل ... وكم نائم عنه وليس بنائم # وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «من هوان الدنيا على الله ~~ألا يعصى إلا فيها، ولا ينال ما عنده إلا بتركها» . وروى سفيان أن الخضر ~~قال لموسى - عليهما السلام -: يا موسى أعرض عن الدنيا وانبذها وراءك فإنها ~~ليست لك بدار، ولا فيها محل قرار، وإنما جعلت الدنيا للعباد؛ ليتزودوا منها ~~للمعاد. وقال عيسى ابن مريم - عليه السلام -: الدنيا قنطرة فاعبروها ولا ~~تعمروها. وقال علي كرم الله وجهه يصف الدنيا: أولها عناء، وآخرها فناء، ~~حلالها حساب، وحرامها عقاب، من صح فيها # PageV01P109 # أمن ومن مرض فيها ندم، ومن استغنى فيها فتن، ومن افتقر فيها حزن، ومن ~~ساعاها فاتته، ومن قعد عنها أتته، ومن نظر إليها أعمته، ومن نظر بها بصرته. # وقال بعض البلغاء: إن الدنيا تقبل إقبال الطالب، وتدبر إدبار الهارب، ~~وتصل وصال الملول، وتفارق فراق العجول، فخيرها يسير، وعيشها قصير، وإقبالها ~~خديعة، وإدبارها فجيعة، ولذاتها فانية، وتبعاتها باقية، فاغتنم غفوة ~~الزمان، وانتهز فرصة الإمكان، وخذ من نفسك لنفسك، وتزود من يومك لغدك. # وقال وهب بن منبه: مثل الدنيا والآخرة مثل ضرتين إن أرضيت إحداهما أسخطت ~~الأخرى. وقال عبد الحميد: الدنيا منازل، فراحل ونازل. وقال بعض الحكماء: ~~الدنيا إما نقمة نازلة، وإما نعمة زائلة. وقيل ms084 في منثور الحكم: من الدنيا ~~على الدنيا دليل. وقال الشاعر: # تمتع من الأيام إن كنت حازما ... فإنك منها بين ناه وآمر # إذا أبقت الدنيا على المرء دينه ... فما فاته منها فليس بضائر # فلن تعدل الدنيا جناح بعوضة ... ولا وزن ذر من جناح لطائر # فما رضي الدنيا ثوابا لمؤمن ... ولا رضي الدنيا جزاء لكافر # وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «الدنيا يومان: يوم فرح ~~ويوم هم، وكلاهما زائل عنك فدعوا ما يزول، وأتعبوا نفوسكم في العمل لما لا ~~يزول» . وقال عيسى ابن مريم - عليه السلام -: لا تنازعوا أهل الدنيا في ~~دنياهم فينازعوكم في دينكم، فلا دنياهم أصبتم، ولا دينكم أبقيتم. # وقال علي بن أبي طالب: لا تكن ممن يقول في الدنيا بقول الزاهدين، ويعمل ~~فيها عمل الراغبين، فإن أعطي منها لم يشبع، وإن منع منها لم يقنع. يعجز عن ~~شكر ما أوتي، ويبتغي الزيادة فيما بقي، وينهى الناس ولا ينتهي، ويأمر بما ~~لا يأتي. يحب الصالحين ولا يعمل بعملهم، ويبغض الطالحين وهو منهم. وقال ~~الحسن البصري: الدنيا كلها غم فما كان منها من سرور فهو ريح. # وقال بعض العلماء: إن الدنيا كثيرة التغيير، سريعة التنكير، شديدة المكر، ~~دائمة الغدر، فاقطع أسباب الهوى عن # PageV01P110 # قلبك، واجعل أبعد أملك بقية يومك، وكن كأنك ترى ثواب أعمالك وقال بعض ~~الحكماء: الدنيا إما مصيبة موجعة، وإما منية مفجعة، وقال الشاعر: # خل دنياك إنها ... يعقب الخير شرها # هي أم تعق من ... نسلها من يبرها # كل نفس فإنها ... تبتغي ما يسرها # والمنايا تسوقها ... والأماني تغرها # فإذا استحلت الجنى ... أعقب الحلو مرها # يستوي في ضريحه ... عبد أرض وحرها # فإذا رضت نفسك من هذه الحالة بما وصفت اعتضت منها بثلاث خلال: # إحداهن: أن تكفي إشفاق المحب وحذر الوامق فليس لمشفق ثقة، ولا لحاذر ~~راحة. # والثانية: أن تأمن الاغترار بملاهيها فتسلم من عادية دواهيها، فإن اللاهي ~~بها مغرور، والمغرور فيها مذعور. # والثالثة: أن تستريح من تعب السعي لها، ووصب الكد فيها، فإن من أحب شيئا ~~طلبه، ومن ms085 طلب شيئا كد له، والمكدود فيها شقي إن ظفر ومحروم إن خاب. # وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال لكعب: «يا كعب، الناس ~~غاديان: فغاد بنفسه فمعتقها، وموبق نفسه فموثقها» . وقال عيسى ابن مريم - ~~عليهما السلام -: تعملون للدنيا وأنتم ترزقون فيها بغير عمل، ولا تعملون ~~للآخرة وأنتم لا ترزقون فيها إلا بعمل. # وقال بعض البلغاء: من نكد الدنيا أن لا تبقى على حالة، ولا تخلو من ~~استحالة، تصلح جانبا بإفساد جانب، وتسر صاحبا بمساءة صاحب، فالركون إليها ~~خطر، والثقة بها غرر. # وقال بعض الحكماء: الدنيا مرتجعة الهبة والدهر حسود لا يأتي على شيء إلا ~~غيره ولمن عاش حاجة لا تنقضي. ولما بلغ مزدك من الدنيا أفضل ما سمت إليه ~~نفسه نبذها وقال: هذا سرور، لولا أنه # PageV01P111 # غرور، ونعيم، لولا أنه عديم، وملك، لولا أنه هلك، وغناء، لولا أنه فناء، ~~وجسيم، لولا أنه ذميم، ومحمود، لولا أنه مفقود، وغنى، لولا أنه منى، ~~وارتفاع، لولا أنه اتضاع، وعلاء، لولا أنه بلاء، وحسن، لولا أنه حزن، وهو ~~يوم لو وثق له بغد. # وقال بعض الحكماء: قد ملك الدنيا غير واحد، من راغب وزاهد، فلا الراغب ~~فيها استبقت، ولا عن الزاهد فيها كفت. وقال أبو العتاهية: # هي الدار دار الأذى والقذى ... ودار الفناء ودار الغير # فلو نلتها بحذافيرها ... لمت ولم تقض منها الوطر # أيا من يؤمل طول الخلود ... وطول الخلود عليه ضرر # إذا ما كبرت وبان الشباب ... فلا خير في العيش بعد الكبر # وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «اللهم إني أعوذ بك من ~~علم لا ينفع، ونفس لا تشبع، وقلب لا يخشع، وعين لا تدمع. هل يتوقع أحدكم ~~إلا غنى مطغيا أو فقرا منسيا، أو مرضا مفسدا أو هرما مقيدا، أو الدجال فهو ~~شر غائب ينتظر أو الساعة والساعة أدهى وأمر» . # وحكي أن الله تعالى أوحى إلى عيسى ابن مريم - عليه السلام - أن هب لي من ~~قلبك الخشوع، ومن بدنك الخضوع، ومن عينك الدموع، فإني قريب. وقال عيسى ms086 ابن ~~مريم - عليه السلام - أوحى الله إلى الدنيا: من خدمني فاخدميه، ومن خدمك ~~فاستخدميه. وقال بعض البلغاء: زد من طول أملك في قصير عملك، فإن الدنيا ظل ~~الغمام، وحلم النيام، فمن عرفها ثم طلبها فقد أخطأ الطريق، وحرم التوفيق. # وقال بعض الحكماء: لا يؤمننك إقبال الدنيا عليك من إدبارها عنك، ولا دولة ~~لك من إذالة منك. وقال آخر: ما مضى من الدنيا كما لم يكن، وما بقي منها كما ~~قد مضى. وقيل لزاهد: قد خلعت الدنيا فكيف سخت نفسك عنها؟ فقال: أيقنت أني ~~أخرج منها كارها، فرأيت أن أخرج منها طائعا. وقيل لحرقة بنت النعمان: ما لك ~~تبكين؟ فقالت: رأيت لأهلي غضارة، ولن تمتلئ دار فرحا، إلا امتلأت ترحا. ~~وقال ابن السماك: من جرعته الدنيا حلاوتها # PageV01P112 # بميله إليها، جرعته الآخرة مرارتها لتجافيه عنها. # وقال صاحب كليلة ودمنة: طالب الدنيا كشارب ماء البحر كلما ازداد شربا ~~ازداد عطشا. وكان عمر بن عبد العزيز يتمثل بهذه الأبيات: # نهارك يا مغرور سهو وغفلة ... وليلك نوم والأسى لك لازم # تسر بما يفنى وتفرح بالمنى ... كما سر باللذات في النوم حالم # وشغلك فيما سوف تكره غبه ... كذلك في الدنيا تعيش البهائم # وسمع رجل رجلا يقول لصاحبه: لا أراك الله مكروها، فقال: كأنك دعوت على ~~صاحبك بالموت، إن صاحبك ما صاحب الدنيا فلا بد أن يرى مكروها. وقال أبو ~~العتاهية: # إن الزمان ولو يلين ... لأهله لمخاشن # خطواته المتحركات ... كأنهن سواكن. # والحال الثانية: من أحوال رياضتك لها أن تصدق نفسك فيما منحتك من ~~رغائبها، وأنالتك من غرائبها فتعلم أن العطية فيها مرتجعة، والمنحة فيها ~~مستردة، بعد أن تبقي عليك ما احتقنت من أوزار وصولها إليك، وخسران خروجها ~~عنك. فقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «لا تزول قدما ابن ~~آدم حتى يسأل عن ثلاث: شبابه فيما أبلاه، وعمره فيما أفناه، وماله من أين ~~اكتسبه وفيم أنفقه» . # وروي عن عيسى ابن مريم - عليه السلام -، أنه قال: في المال ثلاث خصال. ~~قالوا: وما هن يا روح ms087 الله؟ قال: يكسبه من غير حله. قالوا: فإن كسبه من ~~حله؟ قال: يضعه في غير حقه. قالوا: فإن وضعه في حقه؟ قال: يشغله عن عبادة ~~ربه. # ودخل أبو حازم على بشر بن مروان فقال: يا أبا حازم ما المخرج مما نحن ~~فيه؟ قال: تنظر ما عندك فلا تضعه إلا في حقه، وما ليس عندك فلا تأخذه إلا ~~بحقه. قال: ومن يطيق هذا يا أبا حازم؟ قال: فمن أجل ذلك ملئت جهنم من الجنة ~~والناس أجمعين. وعيرت اليهود عيسى ابن مريم - عليه السلام - بالفقر فقال: ~~من الغنى دهيتم. ودخل قوم منزل عابد فلم يجدوا # PageV01P113 # شيئا يقعدون عليه فقال: لو كانت الدنيا دار مقام لاتخذنا لها أثاثا. # وقيل لبعض الزهاد: ألا توصي؟ قال: بماذا أوصي والله ما لنا شيء، ولا لنا ~~عند أحد شيء، ولا لأحد عندنا شيء. انظر إلى هذه الراحة كيف تعجلها وإلى ~~السلامة كيف صار إليها. ولذلك قيل: الفقر ملك ليس فيه محاسبة. # وقيل لعيسى ابن مريم - عليهما السلام -: ألا تتزوج؟ فقال: إنما نحب ~~التكاثر في دار البقاء. وقيل: لو دعوت الله تعالى أن يرزقك حمارا؟ فقال: ~~أنا أكرم على الله من أن يجعلني خادم حمار. وقيل لأبي حازم - رضي الله عنه ~~-: ما مالك؟ قال: شيئان: الرضى عن الله، والغنى عن الناس. وقيل له: إنك ~~لمسكين. فقال: كيف أكون مسكينا ومولاي له ما في السموات وما في الأرض وما ~~بينهما وما تحت الثرى. # وقال بعض الحكماء: رب مغبوط بمسرة هي داؤه، ومرحوم من سقم هو شفاؤه. وقال ~~بعض الأدباء: الناس أشتات ولكل جمع شتات. وقال بعض البلغاء: الزهد بصحة ~~اليقين، وصحة اليقين بنور الدين، فمن صح يقينه زهد في الثراء، ومن قوي دينه ~~أيقن بالجزاء، فلا تغرنك صحة نفسك، وسلامة أمسك، فمدة العمر قليلة، وصحة ~~النفس مستحيلة. وقال بعض الشعراء: # رب مغروس يعاش به ... عدمته عين مغترسه # وكذاك الدهر مأتمه ... أقرب الأشياء من عرسه # فإذا رضت نفسك من هذه الحال بما وصفت اعتضت منها ثلاث خلال: إحداهن: نصح ~~نفسك ms088 وقد استسلمت إليك، والنظر لها وقد اعتمدت عليك، فإن غاش نفسه مغبون، ~~والمنحرف عنها مأفون. # والثانية: الزهد فيما ليس لك لتكفى تكلف طلبه وتسلم من تبعات كسبه. ~~والثالثة: انتهاز الفرصة في مالك أن تضعه في حقه، وأن تؤتيه لمستحقه، ليكون ~~لك ذخرا، ولا يكون عليك وزرا. فقد روي «أن رجلا قال: يا رسول الله إني أكره ~~الموت. قال: ألك مال؟ قال: نعم. قال: قدم مالك فإن قلب المؤمن عند ماله» . ~~وقالت عائشة - رضي الله عنها -: «ذبحنا شاة فتصدقنا بها. فقلت: يا رسول ~~الله ما بقي إلا كتفها. قال: كلها بقي إلا كتفها» . # PageV01P114 # وحكي أن عبد الله بن عبيد الله بن عتبة بن مسعود باع دارا بثمانين ألف ~~درهم فقيل له: اتخذ لولدك من هذا المال ذخرا. فقال: أنا أجعل هذا المال ~~ذخرا لي عند الله عز وجل وأجعل الله ذخرا لولدي، وتصدق بها. # وعوتب سهل بن عبد الله المروزي في كثرة الصدقة فقال: لو أن رجلا أراد أن ~~ينتقل من دار إلى دار أكان يبقي في الأولى شيئا، وقال سليمان بن عبد الملك ~~لأبي حازم: ما لنا نكره الموت؟ قال: لأنكم أخربتم آخرتكم، وعمرتم دنياكم، ~~فكرهتم أن تنتقلوا من العمران إلى الخراب. وقيل لعبد الله بن عمر: ترك زيد ~~بن خارجة مائة ألف درهم، فقال: لكنها لا تتركه. # وقال الحسن البصري - رحمه الله -: ما أنعم الله على عبد نعمة إلا وعليه ~~فيها تبعة إلا سليمان بن داود - عليه السلام - فإن الله تعالى قال له: {هذا ~~عطاؤنا فامنن أو أمسك بغير حساب} [ص: 39] . وقال أبو حازم: إن عوفينا من شر ~~ما أعطينا لم يضرنا فقد ما زوي عنا. # وقال بعض السلف: قدموا كلا ليكون لكم، ولا تخلفوا كلا فيكون عليكم. وقال ~~إبراهيم: نعم القوم السؤال يدقون أبوابكم يقولون أتوجهون للآخرة شيئا. وقال ~~سعيد بن المسيب: مر بي صلة بن أشيم فما تمالكت أن نهضت إليه فقلت: يا أبا ~~الصهباء، ادع لي. فقال: رغبك الله فيما يبقى، وزهدك فيما يفنى، ووهب لك ms089 ~~اليقين الذي لا تسكن النفس إلا إليه، ولا يعول في الدين إلا عليه. ولما ثقل ~~عبد الملك بن مروان رأى غسالا يلوي بيده ثوبا فقال: وددت أني كنت غسالا لا ~~أعيش إلا بما أكتسبه يوما فيوما. فبلغ ذلك أبا حازم فقال: الحمد لله الذي ~~جعلهم يتمنون عند الموت ما نحن فيه، ولا نتمنى نحن عنده ما هم فيه. # وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «يقول ابن آدم مالي مالي. ~~وهل لك يا ابن آدم من مالك إلا ما أكلت فأفنيت أو لبست فأبليت، أو أعطيت ~~فأمضيت» . وقال خالد بن صفوان: بت ليلتي أتمنى فكسبت البحر الأخضر والذهب ~~الأحمر، فإذا يكفيني من # PageV01P115 # ذلك رغيفان وكوزان وطمران. # وقال مورق العجلي: يا ابن آدم تؤتى كل يوم برزقك وأنت تحزن، وينقص عمرك ~~وأنت لا تحزن، تطلب ما يطغيك وعندك ما يكفيك. وقال أبو حازم: إنما بيننا ~~وبين الملوك يوم واحد. أما أمس فقد مضى فلا يجدون لذته. وإنا وهم من غد على ~~وجل، وإنما هو اليوم فما عسى أن يكون. # وقال بعض السلف: تعز عن الشيء إذا منعته لقلة ما يصحبك إذا أعطيته. وقال ~~بعض الحكماء: من ترك نصيبه من الدنيا استوفى حظه من الآخرة. وقال آخر: ترك ~~التلبس بالدنيا قبل التشبث بها أهون من رفضها بعد ملابستها. وقال آخر: ليكن ~~طلبك للدنيا اضطرارا، وتذكرك في الأمور اعتبارا، وسعيك لمعادك ابتدارا. # وقال آخر: الزاهد لا يطلب المفقود حتى يفقد الموجود. وقال آخر: من آمن ~~بالآخرة لم يحرص على الدنيا، ومن أيقن بالمجازاة لم يؤثر على الحسنى. وقال ~~آخر: من حاسب نفسه ربح ومن غفل عنها خسر. وقال أبو العتاهية: # أرى الدنيا لمن هي في يديه ... عذابا كلما كثرت لديه # تهين المكرمين لها بصغر ... وتكرم كل من هانت عليه # إذا استغنيت عن شيء فدعه ... وخذ ما أنت محتاج إليه # وحكى الأصمعي - رحمه الله - قال: دخلت على الرشيد - رحمة الله عليه - ~~يوما وهو ينظر في كتاب ودموعه تسيل على خده. فلما أبصرني ms090 قال: أرأيت ما كان ~~مني؟ قلت: نعم يا أمير المؤمنين. فقال: أما إنه لو كان لأمر الدنيا ما كان ~~هذا. ثم رمى إلي بالقرطاس فإذا فيه شعر أبي العتاهية - رحمه الله تعالى -: # هل أنت معتبر بمن خربت ... منه غداة قضى دساكره # وبمن أذل الدهر مصرعه ... فتبرأت منه عساكره # وبمن خلت منه أسرته ... وتعطلت منه منابره # أين الملوك وأين عزهم ... صاروا مصيرا أنت صائره # يا مؤثر الدنيا للذته ... والمستعد لمن يفاخره # PageV01P116 # نل ما بدا لك أن تنال من الد ... نيا فإن الموت آخره # فقال الرشيد - رحمة الله عليه -: والله لكأني أخاطب بهذا الشعر دون ~~الناس، فلم يلبث بعد ذلك إلا يسيرا حتى مات - رحمه الله -. # ثم الحالة الثالثة: من أحوال رياضتك لها أن تكشف لنفسك حال أجلك، وتصرفها ~~عن غرور أملك حتى لا يطيل لك الأمل أجلا قصيرا، ولا ينسيك موتا ولا نشورا. ~~وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال في بعض خطبه: «أيها الناس إن ~~الأيام تطوى، والأعمار تفنى، والأبدان تبلى، وإن الليل والنهار يتراكضان ~~كتراكض البريد، يقربان كل بعيد، ويخلقان كل جديد، وفي ذلك عباد الله ما ~~ألهى عن الشهوات، ورغب في الباقيات الصالحات» . # وقال مسعر كم من مستقبل يوما وليس يستكمله، ومنتظر غدا وليس من أجله. ولو ~~رأيتم الأجل ومسيره، لأبغضتم الأمل وغروره. وقال رجل من الأنصار للنبي - ~~صلى الله عليه وسلم -: «من أكيس الناس؟ قال: أكثرهم ذكرا للموت وأشدهم ~~استعدادا له. أولئك الأكياس ذهبوا بشرف الدنيا وكرامة الآخرة» . # وقال عيسى ابن مريم - عليه السلام -: كما تنامون كذلك تموتون، وكما ~~تستيقظون كذلك تبعثون. وقال علي بن أبي طالب كرم الله وجهه: أيها الناس ~~اتقوا الله الذي إن قلتم سمع، وإن أضمرتم علم، وبادروا الموت الذي إن هربتم ~~أدرككم، وإن أقمتم أخذكم. وقال العلاء بن المسيب: ليس قبل الموت شيء إلا ~~والموت أشد منه، وليس بعد الموت شيء إلا الموت أيسر منه. # وقال بعض الحكماء: إن للباقي بالماضي معتبرا، وللآخر بالأول مزدجرا، ~~والسعيد لا يركن إلى الخدع، ms091 ولا يغتر بالطمع. وقال بعض الصلحاء: إن بقاءك ~~إلى فناء، وفناءك إلى بقاء، فخذ من فنائك الذي لا يبقى؛ لبقائك الذي لا ~~يفنى. وقال بعض العلماء: أي عيش يطيب، وليس للموت طبيب. # وقال بعض البلغاء: كل امرئ يجري من عمره إلى غاية تنتهي إليها مدة أجله، ~~وتنطوي عليها صحيفة عمله، فخذ من نفسك لنفسك، وقس يومك بأمسك، وكف عن ~~سيئاتك، وزد في حسناتك قبل أن تستوفي مدة الأجل # PageV01P117 # وتقصر عن الزيادة في السعي والعمل. # وقيل في منثور الحكم: من لم يتعرض للنوائب تعرضت له. وقال أبو العتاهية: # ما للمقابر لا تجيب ... إذا دعاهن الكئيب # حفر مسقفة عليهن ... الجنادل والكثيب # فيهن ولدان وأطفال ... وشبان وشيب # كم من حبيب لم تكن ... نفسي بفرقته تطيب # غادرته في بعضهن ... مجندلا وهو الحبيب # وسلوت عنه وإنما ... عهدي برؤيته قريب # ووعظ النبي - صلى الله عليه وسلم - رجلا فقال: «أقلل من الدنيا تعش حرا، ~~وأقلل من الذنوب يهن عليك الموت، وانظر حيث تضع ولدك فإن العرق دساس» . # وقال الرشيد لابن السماك - رحمهما الله تعالى -: عظني وأوجز. فقال: اعلم ~~أنك أول خليفة يموت. وعزى أعرابي رجلا عن ابن صغير له فقال: الحمد لله الذي ~~نجاه مما ههنا من الكدر، وخلصه مما بين يديه من الخطر. وقال بعض السلف: من ~~عمل للآخرة أحرزها والدنيا، ومن آثر الدنيا حرمها والآخرة. وقال بعض ~~الصلحاء: استغنم تنفس الأجل، وإمكان العمل، واقطع ذكر المعاذير والعلل، ~~فإنك في أجل محدود، ونفس معدوم، وعمر غير ممدود. # وقال بعض الحكماء: الطبيب معذور، إذا لم يقدر على دفع المحذور. وقال بعض ~~البلغاء: اعمل عمل المرتحل فإن حادي الموت يحدوك، ليوم ليس يعدوك. وروي عن ~~علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - أنه قال: بعد وفاة رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -: # غر جهولا أمله ... يموت من جا أجله # ومن دنا من حتفه ... لم تغن عنه حيله # وما بقاء آخر ... قد غاب عنه أوله # والمرء لا يصحبه ... في القبر إلا عمله # PageV01P118 # وقال أبو العتاهية: # لا تأمن الموت في ms092 لحظ ولا نفس ... وإن تمنعت بالحجاب والحرس # واعلم بأن سهام الموت قاصدة ... لكل مدرع منها ومترس # ترجو النجاة ولم تسلك مسالكها ... إن السفينة لا تجري على اليبس # فإذا رضت نفسك من هذه الحالة بما وصفت اعتضت منها ثلاث خلال: # إحداها: أن تكفى تسويف أمل يرديك، وتسويل محال يؤذيك. فإن تسويف الأمل ~~غرار، وتسويل المحال ضرار. # والثانية: أن تستيقظ لعمل آخرتك، وتغتنم بقية أجلك بخير عملك. فإن من قصر ~~أمله، واستقل أجله، حسن عمله. # والثالثة: أن يهون عليك نزول ما ليس عنه محيص، ويسهل عليك حلول ما ليس ~~إلى دفعه سبيل. فإن من تحقق أمرا توطأ لحلوله، فهان عليه عند نزوله. وروي ~~عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال لأبي ذر: «نبه بالتفكر قلبك، وجاف ~~عن النوم جنبك، واتق الله ربك» . # وقال عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - لأبي ذر - رضي الله عنه -: عظني. ~~فقال: ارض بالقوت وخف من الفوت، واجعل صومك الدنيا وفطرك الموت. # وقال عمر بن عبد العزيز - رضي الله عنه -: ما رأيت يقينا لا شك فيه، أشبه ~~بشك لا يقين فيه، من يقين نحن فيه. فلئن كنا مقرين إنا لحمقى، ولئن كنا ~~جاحدين إنا لهلكى. وقال الحسن البصري - رحمة الله عليه -: نهارك ضيفك فأحسن ~~إليه فإنك إن أحسنت إليه ارتحل بحمدك، وإن أسأت إليه ارتحل بذمك، وكذلك ~~ليلك. وقال الجاحظ، في كتاب البيان وجد مكتوبا في حجر: يا ابن آدم لو رأيت ~~يسير ما بقي من أجلك، لزهدت في طويل ما ترجو من أملك، ولرغبت في الزيادة من ~~عملك، ولقصرت من حرصك وحيلك، وإنما يلقاك غدا ندمك، لو قد زلت بك قدمك، ~~وأسلمك أهلك وحشمك، وتبرأ منك القريب، وانصرف عنك الحبيب. # ولما حضر بشر بن منصور الموت فرح، فقيل له: أتفرح بالموت؟ فقال: أتجعلون ~~قدومي على خالق أرجوه كمقامي مع مخلوق أخافه؟ وقيل لأبي بكر الصديق - رضي ~~الله عنه - في مرضه الذي مات فيه: لو أرسلت إلى الطبيب؟ فقال: قد رآني. ~~قالوا: فما قال لك؟ قال: قال: ms093 إني فعال لما أريد. # وقيل للربيع بن خثيم، وقد اعتل: ندعو لك بالطبيب؟ قال: # PageV01P119 # قد أردت ذلك فذكرت عادا وثمود وأصحاب الرس وقرونا بين ذلك كثيرا وعلمت ~~أنه كان فيهم الداء والمداوي فهلكوا جميعا. # وسأل أنوشروان: متى يكون عيش الدنيا ألذ؟ قال: إذا كان الذي ينبغي أن ~~يعمله في حياته معمولا. وقال بعض الحكماء: من ذكر المنية نسي الأمنية. وقال ~~بعض الأدباء: عن الموت تسل، وهو كريشة تسل، وقال بعض البلغاء: الأمل حجاب ~~الأجل. وأنشد بعض أهل الأدب ما ذكر أنه لعلي - رضي الله عنه -: # ولو أنا إذا متنا تركنا ... لكان الموت راحة كل حي # ولكنا إذا متنا بعثنا ... ونسأل بعد ذا عن كل شي # وقال بعض الشعراء: # ألا إنما الدنيا مقيل لراكب ... قضى وطرا من منزل ثم هجرا # وراح ولا يدري علام قدومه ... ألا كل ما قدمت تلقى موفرا # وروى سعيد بن مسعود - رضي الله عنه - أن أبا الدرداء - رضي الله عنه - ~~قال: «يا رسول الله أوصني. فقال - صلى الله عليه وسلم -: اكسب طيبا، واعمل ~~صالحا، واسأل الله تعالى رزق يوم بيوم، واعدد نفسك من الموتى» . وكتب ~~الربيع بن خيثم إلى أخ له: قدم جهازك، وافرغ من زادك، وكن وصي نفسك ~~والسلام. # وقال بعض السلف: أصاب الدنيا من حذرها، وأصابت الدنيا من أمنها. ومر محمد ~~بن واسع - رحمة الله عليه - بقوم فقيل: هؤلاء زهاد. فقال: ما قدر الدنيا ~~حتى يحمد من زهد فيها. وقال بعض الحكماء: السعيد من اعتبر بأمسه، واستظهر ~~لنفسه، والشقي من جمع لغيره وبخل على نفسه. وقال بعض البلغاء: لا تبت عن ~~غير وصية إن كنت من جسمك في صحة، ومن عمرك في فسحة، فإن الدهر خائن، وكل ما ~~هو كائن كائن. # وقال بعض الشعراء: # من كان يعلم أن الموت مدركه ... والقبر مسكنه والبعث مخرجه # وأنه بين جنات ستبهجه ... يوم القيامة أو نار ستنضجه # PageV01P120 # فكل شيء سوى التقوى به سمج ... وما أقام عليه منه أسمجه # ترى الذي اتخذ الدنيا له وطنا ... لم يدر أن المنايا سوف ms094 تزعجه # وروى جعفر بن محمد عن جابر بن عبد الله - رضي الله عنهما - عن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم -، أنه قال في بعض خطبه: «أيها الناس إن لكم نهاية ~~فانتهوا إلى نهايتكم، وإن لكم معالم فانتهوا إلى معالمكم، وإن المؤمن بين ~~مخافتين: أجل قد مضى لا يدري ما الله صانع فيه، وأجل قد بقي لا يدري ما ~~الله قاض فيه. فليتزود العبد من نفسه لنفسه، ومن دنياه لآخرته، ومن الحياة ~~قبل الموت، فإن الدنيا خلقت لكم وأنتم خلقتم للآخرة. فوالذي نفس محمد بيده ~~ما بعد الموت من مستعتب ولا بعد الدنيا دار، إلا الجنة أو النار» . وقال ~~الحسن البصري - رحمة الله عليه -: أمس أجل، واليوم عمل، وغدا أمل. فأخذ أبو ~~العتاهية هذا المعنى فنظمه شعرا: # ليس فيما مضى ولا في الذي ... يأتيك من لذة لمستحليها # إنما أنت طول عمرك ما ... عمرت في الساعة التي أنت فيها # علل النفس بالكفاف وإلا ... طلبت منك فوق ما يكفيها # وقيل لزاهد: ما لك تمشي على العصا ولست بكبير ولا مريض؟ فقال: إني أعلم ~~أني مسافر وأنها دار بلغة وإن العصا من آلة السفر. فأخذه بعض الشعراء فقال: # حملت العصا لا الضعف أوجب حملها ... علي ولا أني تحنيت من كبر # ولكنني ألزمت نفسي حملها ... لأعلمها أني مقيم على سفر # وقال بعض المتصوفة: الدنيا ساعة، فاجعلها طاعة. # وقال ذو القرنين - رضي الله عنه -: رتعنا في الدنيا جاهلين، وعشنا فيها ~~غافلين، وأخرجنا منها كارهين. وقال عبد الحميد: المرء أسير عمر يسير. وقيل ~~في بعض المواعظ: عجبا لمن يخاف العقاب كيف لا يكف عن المعاصي، وعجبا لمن ~~يرجو الثواب كيف لا يعمل. # وقال بعض الحكماء: المسيء # PageV01P121 # ميت وإن كان في دار الحياة، والمحسن حي وإن كان في دار الأموات، وكل ~~بالأثر يومه أو غده. وقال بعض السلف: الله المستعان على ألسنة تصف، وقلوب ~~تعرف، وأعمال تخالف. وقال آخر: الليل والنهار يعملان فيك فاعمل فيهما. # وقال آخر: اعملوا لآخرتكم في هذه الأيام التي تسير، كأنها تطير. وقال ~~آخر: الموت ms095 قصاراك، فخذ من دنياك لأخراك. وقال آخر: عباد الله، الحذر ~~الحذر، فوالله لقد ستر، حتى كأنه قد غفر، ولقد أمهل، حتى كأنه قد أهمل. ~~وقال آخر: الأيام صحائف أعمالكم، فخلدوها أجمل أفعالكم. # وقيل في منثور الحكم: اقبل نصح المشيب وإن عجل. وقيل: ما طلعت شمس، إلا ~~وعظت بأمس. وقال محمد بن بشير - رحمه الله -: # مضى أمسك الأدنى شهيدا معدلا ... ويومك هذا بالفعال شهيد # فإن تك بالأمس اقترفت إساءة ... فثن بإحسان وأنت حميد # ولا ترج فعل الخير منك إلى غد ... لعل غدا يأتي وأنت فقيد # وروى أبو هريرة - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه ~~قال: «ما رأيت مثل الجنة نام طالبها، وما رأيت مثل النار نام هاربها» . ~~وقال عيسى ابن مريم - عليهما السلام -: ألا إن أولياء الله الذين لا خوف ~~عليهم ولا هم يحزنون الذين نظروا إلى باطن الدنيا حين نظر الناس إلى ~~ظاهرها، وإلى آجل الدنيا حين نظر الناس إلى عاجلها، فأماتوا منها ما خشوا ~~أن يميت قلوبهم، وتركوا منها ما علموا أنه سيتركهم. # وقال عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -: الناس طالبان يطلبان: فطالب يطلب ~~الدنيا فارفضوها في نحره فإنه ربما أدرك الذي يطلبه منها فهلك بما أصاب ~~منها، وطالب يطلب الآخرة فإذا رأيتم طالبا يطلب الآخرة فنافسوه فيها. # ودخل أبو الدرداء - رضي الله عنه - الشام فقال: يا أهل الشام اسمعوا قول ~~أخ ناصح، فاجتمعوا عليه # PageV01P122 # فقال: ما لي أراكم تبنون ما لا تسكنون، وتجمعون ما لا تأكلون. إن الذين ~~كانوا قبلكم بنوا مشيدا، وأملوا بعيدا، وجمعوا كثيرا فأصبح أملهم غرورا، ~~وجمعهم ثبورا، ومساكنهم قبورا. # وقال أبو حازم: إن الدنيا غرت أقواما فعملوا فيها بغير الحق فعاجلهم ~~الموت فخلفوا مالهم لمن لا يحمدهم وصاروا لمن لا يعذرهم، وقد خلقنا بعدهم ~~فينبغي أن ننظر للذي كرهناه منهم فنجتنبه، والذي غبطناهم به فنستعمله. ومر ~~بعض الزهاد بباب ملك فقال: باب جديد، وموت عتيد، وسفر بعيد. ومر بعض الزهاد ~~برجل قد اجتمع عليه الناس فقال: ما هذا؟ قالوا: ms096 مسكين سرق منه رجل جبة. ومر ~~به آخر فأعطاه جبة، فقال: صدق الله {إن سعيكم لشتى} [الليل: 4] . # وقال بعض الحكماء: ما أنصف من نفسه من أيقن بالحشر والحساب، وزهد في ~~الأجر والثواب. # وقال آخر: بطول الأمل تقسو القلوب، وبإخلاص النية تقل الذنوب. وقال آخر: ~~إياك والمنى فإنها من بضائع النوكى، وتثبط عن الآخرة والأولى. وقال آخر: ~~قصر أملك فإن العمر قصير، وأحسن سيرتك فالبر يسير. وقال عبد الله بن المعتز ~~- رحمه الله -: # نسير إلى الآجال في كل ساعة ... وأيامنا تطوى وهن رواحل # ولم نر مثل الموت حقا كأنه ... إذا ما تخطته الأماني باطل # وما أقبح التفريط في زمن الصبا ... فكيف به والشيب في الرأس نازل # ترحل عن الدنيا بزاد من التقى ... فعمرك أيام تعد قلائل # وكان عبد الملك بن مروان يتمثل بهذين البيتين: # فاعمل على مهل فإنك ميت ... واكدح لنفسك أيها الإنسان # فكأن ما قد كان لم يك إذ مضى ... وكأن ما هو كائن قد كان # ونظر سليمان بن عبد الملك في المرآة فقال: أنا الملك الشاب. فقالت له ~~جارية له: # أنت نعم المتاع لو كنت تبقى ... غير أن لا بقاء للإنسان # PageV01P123 # ليس فيما بدا لنا منك عيب ... كان في الناس غير أنك فان # وروى عبد العزيز بن عبد الصمد عن أنس قال: «خطبنا رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - على ناقته الجدعاء فقال: أيها الناس كأن الموت فيها على غيرنا ~~كتب، وكأن الحق فيها على غيرنا وجب. وكأن الذين نشيع من الأموات سفر عما ~~قليل إلينا راجعون، نبوئهم أجداثهم ونأكل تراثهم كأنا مخلدون بعدهم قد ~~نسينا كل واعظة، وأمنا كل جائحة. طوبى لمن شغله عيبه عن عيب غيره، وأنفق من ~~مال كسبه من غير معصية، ورحم أهل الدين والمسكنة، وخالط أهل الفقه والحكمة. ~~طوبى لمن أدب نفسه وحسنت خليقته، وصلحت سريرته. طوبى لمن عمل بعلم، وأنفق ~~من فضل، وأمسك من قوله ووسعته السنة، ولم يعدها إلى بدعة» . # وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «زوروا القبور تذكروا ms097 بها ~~الآخرة وغسلوا الموتى فإنها معالجة الأجساد الخاوية وموعظة بليغة» . وحفر ~~الربيع بن خيثم في داره قبرا فكان إذا وجد في قلبه قسوة جاء فاضطجع في ~~القبر فمكث ما شاء الله ثم يقول: {رب ارجعون} [المؤمنون: 99] {لعلي أعمل ~~صالحا فيما تركت} [المؤمنون: 100] . ثم يرد على نفسه فيقول: قد أرجعتك ~~فجدي. فمكث كذلك ما شاء الله. # وقال أبو محرز الطفاوي كفتك القبور مواعظ الأمم السالفة. وقيل لبعض ~~الزهاد: ما أبلغ العظات؟ قال: النظر إلى محلة الأموات، فأخذه أبو العتاهية ~~فقال: # وعظتك أجداث صمت ... ونعتك أزمنة خفت # وتكلمت عن أوجه ... تبلى وعن صور سبت # وأرتك قبرك في الحياة ... وأنت حي لم تمت # يا شامتا بمنيتي ... إن المنية لم تفت # PageV01P124 # فلربما انقلب الشمات ... فحل بالقوم الشمت # ووجد على قبر مكتوب: قهرنا من قهرنا فصرنا للناظرين عبرة. وعلى آخر: من ~~أمل البقاء وقد رأى مصارعنا فهو مغرور. وقيل في منثور الحكم: ما أكثر من ~~يعرف الحق ولا يطيعه. وقال بعض الحكماء: من لم يمت لم يفت. وقال بعض ~~الصلحاء: لنا من كل ميت عظة بحاله، وعبرة بماله. وقال بعض العلماء: من لم ~~يتعظ بموت ولد، لم يتعظ بقول أحد. وقال بعض البلغاء: ما نقصت ساعة من أمسك، ~~إلا ببضعة من نفسك. فأخذه أبو العتاهية فقال: # إن مع الدهر فاعلمن غدا ... فانظر بما ينقضي مجيء غده # ما ارتد طرف امرئ بلذته ... إلا وشيء يموت من جسده # ولما مات الإسكندر قال بعض الحكماء: كان الملك أمس أنطق منه اليوم، وهو ~~اليوم أوعظ منه أمس. فأخذ أبو العتاهية هذا المعنى فقال: # كفى حزنا بدفنك ثم إني ... نفضت تراب قبرك عن يديا # وكانت في حياتك لي عظات ... وأنت اليوم أوعظ منك حيا # وقال بعض الحكماء: لو كان للخطايا ريح لافتضح الناس ولم يتجالسوا. فأخذ ~~هذا المعنى أبو العتاهية فقال: # أحسن الله بنا ... أن الخطايا لا تفوح # فإذا المستور منا ... بين ثوبيه فضوح # وهذا جميعه مأخوذ من قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لو تكاشفتم ما ~~تدافنتم» . وكتب رجل ms098 إلى أبي العتاهية - رحمه الله -: # يا أبا إسحاق إني ... واثق منك بودك # فأعني بأبي أنت ... على عيبي برشدك # فأجابه بقوله: # أطع الله بجهدك ... راغبا أو دون جهدك # PageV01P125 # أعط مولاك الذي ... تطلب من طاعة عبدك # وقال بعض الحكماء: من سره بنوه ساءته نفسه. فأخذ هذا المعنى أبو العتاهية ~~فقال: # ابن ذي الابن كلما زاد منه ... مشرع زاد في فناء أبيه # ما بقاء الأب الملح عليه ... بدبيب البلى شباب بنيه # وفي معناه ما حكي عن زر بن حبيش أنه عاش مائة وعشرين سنة، فلما حضرته ~~الوفاة أنشد يقول: # إذا الرجال ولدت أولادها ... وارتعشت من كبر أجسادها # وجعلت أسقامها تعتادها ... تلك زروع قد دنا حصادها # وكتب رجل إلى صالح بن عبد القدوس: # الموت باب وكل الناس داخله ... فليت شعري بعد الباب ما الدار # فأجابه بقوله: # الدار جنات عدن إن عملت بما ... يرضي الإله وإن خالفت فالنار # هما محلان ما للناس غيرهما ... فانظر لنفسك ماذا أنت مختار # PageV01P126 ### | [الباب الرابع أدب الدنيا] # PageV01P127 # اعلم أن الله تعالى لنافذ قدرته وبالغ حكمته، خلق الخلق بتدبيره وفطرهم ~~بتقديره، فكان من لطيف ما دبره وبديع ما قدره، أنه خلقهم محتاجين وفطرهم ~~عاجزين، ليكون بالغنى منفردا وبالقدرة مختصا حتى يشعرنا بقدرته أنه خالق، ~~ويعلمنا بغناه أنه رازق، فنذعن بطاعته رغبة ورهبة ونقر بنقائصنا عجزا ~~وحاجة. ثم جعل الإنسان أكثر حاجة من جميع الحيوان؛ لأن من الحيوان ما يستقل ~~بنفسه عن جنسه، والإنسان مطبوع على الافتقار إلى جنسه. واستعانته صفة لازمة ~~لطبعه، وخلقة قائمة في جوهره. ولذلك قال الله سبحانه وتعالى: {وخلق الإنسان ~~ضعيفا} [النساء: 28] . يعني عن الصبر عما هو إليه مفتقر واحتمال ما هو عنه ~~عاجز. # ولما كان الإنسان أكثر حاجة من جميع الحيوان كان أظهر عجزا؛ لأن الحاجة ~~إلى الشيء افتقار إليه، والمفتقر إلى الشيء عاجز به. وقال بعض الحكماء ~~المتقدمين: استغناؤك عن الشيء خير من استغنائك به. وإنما خص الله تعالى ~~الإنسان بكثرة الحاجة وظهور العجز نعمة عليه ولطفا به؛ ليكون ذل الحاجة ~~ومهانة العجز يمنعانه من طغيان ms099 الغنى وبغي القدرة؛ لأن الطغيان مركوز في ~~طبعه إذا استغنى، والبغي مستول عليه إذا قدر. # وقد أنبأ الله تعالى بذلك عنه فقال: {كلا إن الإنسان ليطغى} [العلق: 6] ~~{أن رآه استغنى} [العلق: 7] . ثم ليكون أقوى الأمور # PageV01P129 # شاهدا على نقصه، وأوضحها دليلا على عجزه. وأنشدني بعض أهل الأدب لابن ~~الرومي - رحمه الله -: # أعيرتني بالنقص والنقص شامل ... ومن ذا الذي يعطى الكمال فيكمل # وأشهد أني ناقص غير أنني ... إذا قيس بي قوم كثير تقللوا # تفاضل هذا الخلق بالفضل والحجا ... ففي أيما هذين أنت مفضل # ولو منح الله الكمال ابن آدم ... لخلده والله ما شاء يفعل # ولما خلق الله الإنسان ماس الحاجة ظاهر العجز جعل لنيل حاجته أسبابا، ~~ولدفع عجزه حيلا دله عليها بالعقل، وأرشده إليها بالفطنة. # قال الله تعالى: {والذي قدر فهدى} [الأعلى: 3] . قال مجاهد: قدر أحوال ~~خلقه فهدى إلى سبيل الخير والشر # وقال ابن مسعود في قوله تعالى: {وهديناه النجدين} [البلد: 10] . يعني ~~الطريقين: طريق الخير وطريق الشر. ثم لما كان العقل دالا على أسباب ما تدعو ~~إليه الحاجة، جعل الله تعالى الإدراك والظفر موقوفا على ما قسم وقدر كي لا ~~يعتمدوا في الأرزاق على عقولهم، وفي العجز على فطنهم، لتدوم له الرغبة ~~والرهبة، ويظهر منه الغنى والقدرة. وربما عزب هذا المعنى على من ساء ظنه ~~بخالقه حتى صار سببا لضلاله. # كما قال الشاعر: # سبحان من أنزل الأيام منزلها ... وصير الناس مرفوضا ومرموقا # فعاقل فطن أعيت مذاهبه ... وجاهل خرق تلقاه مرزوقا # هذا الذي ترك الألباب حائرة ... وصير العاقل النحرير زنديقا # ولو حسن ظن العاقل في صحة نظره لعلم من علل المصالح ما صار به صديقا لا ~~زنديقا؛ لأن من علل المصالح ما هو ظاهر، ومنها ما هو غامض، ومنها ما هو ~~مغيب حكمة استأثر بها. # ولذلك قال النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ «حسن الظن بالله من عبادة الله» ~~. ثم إن الله تعالى جعل أسباب حاجاته وحيل عجزه في الدنيا التي جعلها دار ~~تكليف وعمل، كما جعل # PageV01P130 # الآخرة دار قرار وجزاء، فلزم لذلك أن ms100 يصرف الإنسان إلى دنياه حظا من ~~عنايته؛ لأنه لا غنى به عن التزود منها لآخرته، ولا له بد من سد الخلة فيها ~~عند حاجته. وليس في هذا القول نقض لما ذكرنا قبل من ترك فضولها، وزجر النفس ~~عن الرغبة فيها. بل الراغب فيها ملوم، وطالب فضولها مذموم. والرغبة إنما ~~تختص بما جاوز قدر الحاجة، والفضول إنما ينطلق على ما زاد على قدر الكفاية. # وقد قال الله تعالى لنبيه - صلى الله عليه وسلم - {فإذا فرغت فانصب} ~~[الشرح: 7] {وإلى ربك فارغب} [الشرح: 8] . قال أهل التأويل: فإذا فرغت من ~~أمور دنياك فانصب في عبادة ربك. وليس هذا القول منه ترغيبا لنبيه - صلى ~~الله عليه وسلم - فيها، ولكن ندبه إلى أخذ البلغة منها. وعلى هذا المعنى ~~قال - صلى الله عليه وسلم -: «ليس خيركم من ترك الدنيا للآخرة ولا الآخرة ~~للدنيا، ولكن خيركم من أخذ من هذه وهذه» . وروي عن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - أنه قال: «نعم المطية الدنيا فارتحلوها تبلغكم الآخرة» . وذم رجل ~~الدنيا عند علي بن أبي طالب - كرم الله وجهه - فقال - رضي الله عنه -: ~~الدنيا دار صدق لمن صدقها، ودار نجاة لمن فهم عنها، ودار غنى لمن تزود ~~منها. وحكى مقاتل أن إبراهيم الخليل - على نبينا وعليه الصلاة والسلام - ~~قال: يا رب حتى متى أتردد في طلب الدنيا؟ فقيل له: أمسك عن هذا فليس طلب ~~المعاش من طلب الدنيا. # وقال سفيان الثوري - رحمة الله عليه -: مكتوب في التوراة: إذا كان في ~~البيت بر فتعبد وإذا لم يكن فاطلب، يا ابن آدم حرك يدك يسبب لك رزقك. وقال ~~بعض الحكماء: ليس من الرغبة في الدنيا اكتساب ما يصون العرض فيها. وقال بعض ~~الأدباء: ليس من الحرص اجتلاب ما يقوت البدن. وقال محمود الوراق: # لا تتبع الدنيا وأيامها ... ذما وإن دارت بك الدائره # من شرف الدنيا ومن فضلها ... أن بها تستدرك الآخره # PageV01P131 # فإذا قد لزم بما بيناه النظر في أمور الدنيا فوجب ستر أحوالها، والكشف عن ~~جهة انتظامها واختلالها، لنعلم أسباب صلاحها وفسادها، ms101 ومواد عمرانها ~~وخرابها، لتنتفي عن أهلها شبه الحيرة، وتنجلي لهم أسباب الخيرة، فيقصدوا ~~الأمور من أبوابها، ويعتمدوا صلاح قواعدها وأسبابها. واعلم أن صلاح الدنيا ~~معتبر من وجهين: # أولهما ما ينتظم به أمور جملتها. # والثاني: ما يصلح به حال كل واحد من أهلها. # فهما شيئان لا صلاح لأحدهما إلا بصاحبه؛ لأن من صلحت حاله مع فساد الدنيا ~~واختلال أمورها لن يعدم أن يتعدى إليه فسادها، ويقدح فيه اختلالها؛ لأن ~~منها ما يستمد، ولها يستعد. ومن فسدت حاله مع صلاح الدنيا وانتظام أمورها ~~لم يجد لصلاحها لذة، ولا لاستقامتها أثرا؛ لأن الإنسان دنيا نفسه، فليس يرى ~~الصلاح إلا إذا صلحت له ولا يجد الفساد إلا إذا فسدت عليه؛ لأن نفسه أخص ~~وحاله أمس. فصار نظره إلى ما يخصه مصروفا، وفكره على ما يمسه موقوفا. # واعلم أن الدنيا لم تكن قط لجميع أهلها مسعدة، ولا عن كافة ذويها معرضة؛ ~~لأن إعراضها عن جميعهم عطب وإسعادها لكافتهم فساد لائتلافهم بالاختلاف ~~والتباين، واتفاقهم بالمساعدة والتعاون. فإذا تساوى جميعهم لم يجد أحدهم ~~إلى الاستعانة بغيره سبيلا، وبهم من الحاجة والعجز ما وصفنا، فيذهبوا ضيعة ~~ويهلكوا عجزا. وإذا تباينوا واختلفوا صاروا مؤتلفين بالمعونة متواصلين ~~بالحاجة؛ لأن ذا الحاجة وصول، والمحتاج إليه موصول. # وقد قال الله تعالى: {ولا يزالون مختلفين} [هود: 118] {إلا من رحم ربك ~~ولذلك خلقهم} [هود: 119] . قال الحسن: مختلفين في الرزق فهذا غني وهذا ~~فقير، ولذلك خلقهم يعني للاختلاف بالغنى والفقر. وقال الله تعالى: {والله ~~فضل بعضكم على بعض في الرزق} [النحل: 71] . غير أن الدنيا إذا صلحت كان ~~إسعادها موفورا، وإعراضها ميسورا. إلا أنها إذا منحت هنت وأودعت # PageV01P132 # وإذا استردت رفقت وأبقت. # وإذا فسدت الدنيا كان إسعادها مكرا، وإعراضها غدرا؛ لأنها إذا منحت كدت ~~وأتعبت، وإذا استردت استأصلت وأجحفت. ومع هذا فصلاح الدنيا مصلح لسائر ~~أهلها لوفور أماناتهم، وظهور دياناتهم. وفسادها مفسد لسائر أهلها لقلة ~~أماناتهم، وضعف دياناتهم. وقد وجد ذلك في مشاهد الحال تجربة وعرفا، كما ~~يقتضيه دليل الحال تعليلا وكشفا، فلا شيء أنفع من ms102 صلاحها، كما لا شيء أضر ~~من فسادها؛ لأن ما تقوى به ديانات الناس وتتوفر أماناتهم فلا شيء أحق به ~~نفعا، كما أن ما به تضعف دياناتهم وتذهب أماناتهم فلا شيء أجدر به ضررا. ~~وأنشدت لأبي بكر بن دريد: # الناس مثل زمانهم ... قد الحذاء على مثاله # ورجال دهرك مثل دهرك ... في تقلبه وحاله # وكذا إذا فسد الزمان ... جرى الفساد على رجاله # وإذ قد بلغ بنا القول إلى ذلك، فسنبدأ بذكر ما يصلح الدنيا، ثم نتلوه ~~بوصف ما يصلح به حال الإنسان فيها. اعلم أن ما به تصلح الدنيا حتى تصير ~~أحوالها منتظمة، وأمورها ملتئمة، ستة أشياء هي قواعدها، وإن تفرعت، وهي: ~~دين متبع وسلطان قاهر وعدل شامل وأمن عام وخصب دائم وأمل فسيح. # فأما القاعدة الأولى: فهي الدين المتبع فلأنه يصرف النفوس عن شهواتها، ~~ويعطف القلوب عن إرادتها، حتى يصير قاهرا للسرائر، زاجرا للضمائر، رقيبا ~~على النفوس في خلواتها، نصوحا لها في ملماتها. وهذه الأمور لا يوصل بغير ~~الدين إليها، ولا يصلح الناس إلا عليها. فكأن الدين أقوى قاعدة في صلاح ~~الدنيا واستقامتها، وأجدى الأمور نفعا في انتظامها وسلامتها. # ولذلك لم يخل الله تعالى خلقه، مذ فطرهم عقلاء، من تكليف شرعي، واعتقاد ~~ديني ينقادون لحكمه فلا تختلف بهم الآراء، ويستسلمون لأمره فلا تتصرف بهم ~~الأهواء. وإنما اختلف العلماء - رضي الله عنهم -، في العقل والشرع هل جاءا ~~مجيئا واحدا، أم سبق العقل ثم تبعه الشرع؟ . # PageV01P133 # فقالت طائفة: جاء العقل والشرع معا مجيئا واحدا لم يسبق أحدهما صاحبه. ~~وقالت طائفة أخرى: سبق العقل ثم تبعه الشرع؛ لأن بكمال العقل يستدل على صحة ~~الشرع. وقد قال الله تعالى: {أيحسب الإنسان أن يترك سدى} [القيامة: 36] . ~~وذلك لا يوجد منه إلا عند كمال عقله، فثبت أن الدين من أقوى القواعد في ~~صلاح الدنيا، وهو الفرد الأوحد في صلاح الآخرة. # وما كان به صلاح الدنيا والآخرة فحقيق بالعقل أن يكون به متمسكا وعليه ~~محافظا، وقال بعض الحكماء: الأدب أدبان: أدب شريعة وأدب سياسة. فأدب ~~الشريعة ما أدى ms103 الفرض، وأدب السياسة ما عمر الأرض. وكلاهما يرجع إلى العدل ~~الذي به سلامة السلطان، وعمارة البلدان؛ لأن من ترك الفرض فقد ظلم نفسه، ~~ومن خرب الأرض فقد ظلم غيره. وقال سعيد بن حميد: # ما صحة أبدا بنافعة ... حتى يصح الدين والخلق # وأما القاعدة الثانية: فهي سلطان قاهر تتألف من رهبته الأهواء المختلفة، ~~وتجتمع لهيبته القلوب المتفرقة، وتكف بسطوته الأيدي المتغالبة، وتمتنع من ~~خوفه النفوس العادية؛ لأن في طباع الناس من حب المغالبة على ما آثروه ~~والقهر لمن عاندوه، ما لا ينكفون عنه إلا بمانع قوي، ورادع ملي. وقد أفصح ~~المتنبي بذلك في قوله: # لا يسلم الشرف الرفيع من الأذى ... حتى يراق على جوانبه الدم # والظلم من شيم النفوس فإن تجد ... ذا عفة فلعلة لا يظلم # وهذه العلة المانعة من الظلم لا تخلو من أحد أربعة أشياء: إما عقل زاجر، ~~أو دين حاجر، أو سلطان رادع، أو عجز صاد. فإذا تأملتها لم تجد خامسا يقترن ~~بها ورهبة السلطان أبلغها؛ لأن العقل والدين ربما كانا مضعوفين، أو بدواعي ~~الهوى مغلوبين. فتكون رهبة السلطان أشد زجرا وأقوى ردعا. وقد روي عن النبي ~~- صلى الله عليه وسلم -: أنه قال: # PageV01P134 # «السلطان ظل الله في الأرض يأوي إليه كل مظلوم» . # وروي عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «إن الله ليزع بالسلطان أكثر ~~مما يزع بالقرآن» . وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «إن لله ~~حراسا في السماء وحراسا في الأرض، فحراسه في السماء الملائكة، وحراسه في ~~الأرض الذين يقبضون أرزاقهم يذبون عن الناس» . # وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «الإمام الجائر خير من ~~الفتنة، وكل لا خير فيه، وفي بعض الشر خير» . وقال أبو هريرة - رضي الله ~~عنه -: «سبت العجم بين يدي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فنهى عن ذلك ~~وقال: لا تسبوها فإنها عمرت بلاد الله تعالى فعاش فيها عباد الله تعالى» . ~~وقال بعض البلغاء: السلطان في نفسه إمام متبوع، وفي سيرته دين مشروع، فإن ~~ظلم لم يعدل ms104 أحد في حكم، وإن عدل لم يجسر أحد على ظلم. # وقال بعض الأدباء: إن أقرب الدعوات من الإجابة دعوة السلطان الصالح، ~~وأولى الحسنات بالأجر والثواب أمره ونهيه في وجوه المصالح. # فهذه آثار السلطان في أحوال الدنيا وما ينتظم به أمورها. ثم لما في ~~السلطان من حراسة الدين والدنيا والذب عنهما ودفع الأهواء منه، وحراسة ~~التبديل فيه، وزجر من شذ عنه بارتداد، أو بغى فيه بعناد، أو سعى فيه بفساد. ~~وهذه أمور إن لم تنحسم عن الدين بسلطان قوي ورعاية وافية أسرع فيه تبديل ~~ذوي الأهواء، وتحريف ذوي الآراء، فليس دين زال سلطانه إلا بدلت أحكامه، ~~وطمست أعلامه. وكان لكل زعيم فيه بدعة، ولكل عصر فيه وهاية أثر. # كما أن السلطان إن لم يكن على دين تجتمع به القلوب حتى يرى أهله الطاعة ~~فيه فرضا، والتناصر عليه حتما، لم يكن للسلطان لبث ولا لأيامه صفو، وكان ~~سلطان قهر، ومفسدة دهر. ومن هذين الوجهين وجب إقامة إمام يكون سلطان الوقت ~~وزعيم الأمة ليكون الدين محروسا بسلطانه، والسلطان جاريا على سنن الدين ~~وأحكامه. # قال عبد الله بن المعتز: الملك بالدين يبقى، والدين بالملك يقوى. واختلف ~~الناس هل وجب ذلك بالعقل أو بالشرع. فقالت طائفة: # PageV01P135 # وجب بالعقل؛ لأنه معلوم من حال العقلاء على اختلافهم، الفزع إلى زعيم ~~مندوب للنظر في مصالحهم. وذهب آخرون إلى وجوبه بالشرع؛ لأن المقصود بالإمام ~~القيام بأمور شرعية، كإقامة الحدود واستيفاء الحقوق، وقد كان يجوز ~~الاستغناء عنها بأن لا يراد التعبد بها فبأن يجوز الاستغناء عما يراد إلا ~~لها أولى. # وعلى هذا اختلفوا في وجوب بعثة الأنبياء. فمن قال بوجوب ذلك بالعقل، قال ~~بوجوب بعثة الأنبياء. ومن قال بوجوب ذلك بالشرع، منع من وجوب بعثة ~~الأنبياء؛ لأنه لما كان المقصود ببعثتهم تعريف المصالح الشرعية، وكان يجوز ~~من المكلفين أن لا تكون هذه الأمور مصلحة لهم، لم يجب بعثة الأنبياء إليهم. # فأما إقامة إمامين أو ثلاثة في عصر واحد، وبلد واحد فلا يجوز إجماعا. ~~فأما في بلدان شتى وأمصار متباعدة فقد ms105 ذهبت طائفة شاذة إلى جواز ذلك؛ لأن ~~الإمام مندوب للمصالح. وإذا كان اثنين في بلدين أو ناحيتين كان كل واحد ~~منهما أقوم بما في يديه، وأضبط لما يليه. ولأنه لما جاز بعثة نبيين في عصر ~~واحد ولم يؤد ذلك إلى إبطال النبوة، كانت الإمامة أولى ولا يؤدي ذلك إلى ~~إبطال الإمامة. # وذهب الجمهور إلى أن إقامة إمامين في عصر واحد لا يجوز شرعا لما روي عن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «إذا بويع أميران فاقتلوا أحدهما» . ~~وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «إذا وليتم أبا بكر تجدوه ~~قويا في دين الله عز وجل ضعيفا في بدنه. وإذا وليتم عمر تجدوه قويا في دين ~~الله عز وجل قويا في بدنه، وإن وليتم عليا تجدوه هاديا مهديا» . فبين بظاهر ~~هذا الكلام أن إقامة جميعهم في عصر واحد لا يصح، ولو صح لأشار إليه، ولنبه ~~عليه. # والذي يلزم سلطان الأمة من أمورها سبعة أشياء: أحدها: حفظ الدين من تبديل ~~فيه، والحث على العمل به من غير إهمال له. والثاني: حراسة البيضة والذب عن ~~الأمة من عدو في الدين أو باغي نفس أو مال. # PageV01P136 # والثالث: عمارة البلدان باعتماد مصالحها، وتهذيب سبلها ومسالكها. ~~والرابع: تقدير ما يتولاه من الأموال بسنن الدين من غير تحريف في أخذها ~~وإعطائها. والخامس: معاناة المظالم والأحكام بالتسوية بين أهلها واعتماد ~~النصفة في فصلها. # والسادس: إقامة الحدود على مستحقها من غير تجاوز فيها، ولا تقصير عنها. # والسابع: اختيار خلفائه في الأمور أن يكونوا من أهل الكفاية فيها، ~~والأمانة عليها. فإذا فعل من أفضى إليه سلطان الأمة ما ذكرنا من هذه ~~الأشياء السبعة كان مؤديا لحق الله تعالى فيهم، مستوجبا لطاعتهم ومناصحتهم، ~~مستحقا لصدق ميلهم ومحبتهم. وإن قصر عنها، ولم يقم بحقها وواجبها، كان بها ~~مؤاخذا ثم هو من الرعية على استبطان معصية ومقت يتربصون الفرص لإظهارهما ~~ويتوقعون الدوائر لإعلانهما. وقد قال الله تعالى: {قل هو القادر على أن ~~يبعث عليكم عذابا من فوقكم أو من تحت ms106 أرجلكم أو يلبسكم شيعا} [الأنعام: 65] ~~. # وفي قوله تعالى {عذابا من فوقكم أو من تحت أرجلكم} [الأنعام: 65] ~~تأويلان: # أحدهما أن العذاب الذي هو من فوقهم أمراء السوء، والذي من تحت أرجلهم ~~عبيد السوء، وهذا قول ابن عباس - رضي الله عنهما -. # والثاني: أن العذاب الذي هو من فوقهم الرجم، والذي من تحت أرجلهم الخسف، ~~وهذا قول مجاهد وسعيد بن جبير. وفي قوله تعالى {أو يلبسكم شيعا} [الأنعام: ~~65] تأويلان: # أحدهما: أنه الأهواء المختلفة، وهذا قول ابن عباس - رضي الله عنهما -. # والثاني: أنه الفتن والاختلاط، وهذا قول مجاهد. وروي عن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - أنه قال: «ما من أمير على عشرة إلا وهو يجيء يوم القيامة ~~مغلولة يداه إلى عنقه حتى يكون عمله هو الذي يطلقه أو يوبقه» . وروي عن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «خير أئمتكم الذين تحبونهم ~~ويحبونكم، وشر أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم، وتلعنونهم ويلعنونكم» . # وهذا صحيح؛ لأنه إذا كان ذا خير أحبهم وأحبوه، وإذا كان ذا شر أبغضهم ~~وأبغضوه. وقد كتب عمر بن الخطاب # PageV01P137 # - رضي الله عنه - إلى سعد بن أبي وقاص - رضي الله عنه - إن الله تعالى ~~إذا أحب عبدا حببه إلى خلقه، فاعرف منزلتك من الله تعالى بمنزلتك من الناس، ~~واعلم أن ما لك عند الله مثل ما لله عندك. فكان هذا موضحا لمعنى ما ذكرنا. # وأصل هذا أن خشية الله تبعث على طاعته في خلقه، وطاعته في خلقه تبعث على ~~محبته، فلذلك كانت محبتهم دليلا على خيره وخشيته، وبغضهم دليلا على شره ~~وقلة مراقبته. وقد قال عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - لبعض خلفائه: أوصيك ~~أن تخشى الله في الناس، ولا تخشى الناس في الله. # وقال عمر بن عبد العزيز لبعض جلسائه: إني أخاف الله فيما تقلدت. فقال له: ~~لست أخاف عليك أن تخاف الله وإنما أخاف عليك أن لا تخاف الله. وهذا واضح؛ ~~لأن الخائف من الله تعالى مأمون كالذي روي عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه ~~- أنه قال لأبي مريم السلولي، وكان ms107 هو الذي قتل أخاه زيدا: والله إني لا ~~أحبك حتى تحب الأرض الدم. قال: أفيمنعني ذلك حقا؟ قال: لا. قال: فلا ضير، ~~إنما يأسى على الحب النساء. # وروى عبد الرحمن بن محمد قال: أصدق طلحة بن عبد الله أم كلثوم بنت أبي ~~بكر مائة ألف درهم، وهو أول من أصدق هذا القدر، فمر بالمال على عمر بن ~~الخطاب - رضي الله عنه - فقال: ما هذا؟ قالوا: صداق أم كلثوم ابنة أبي بكر ~~فقال: أدخلوه بيت المال. فأخبر بذلك طلحة وقيل له: كلمه في ذلك. فقال: ما ~~أنا بفاعل، لئن كان عمر يرى له فيه حقا لا يرده لكلامي، وإن كان لا يرى فيه ~~حقا ليردنه. قال: فلما أصبح عمر أمر بالمال فدفع إلى أم كلثوم. # وحكي أن الرشيد حبس أبي العتاهية فكتب على حائط الحبس: # أما والله إن الظلم شؤم ... وما زال المسيء هو الظلوم # إلى ديان يوم الدين نمضي ... وعند الله تجتمع الخصوم # ستعلم في المعاد إن التقينا ... غدا عند المليك من الظلوم # فأخبر الرشيد بذلك فبكى بكاء شديدا، ودعا بأبي العتاهية فاستحله ووهب له ~~ألف دينار وأطلقه. # PageV01P138 # وأما القاعدة الثالثة: فهي عدل شامل يدعو إلى الألفة، ويبعث على الطاعة، ~~وتتعمر به البلاد، وتنمو به الأموال، ويكثر معه النسل، ويأمن به السلطان. ~~فقد قال المرزبان لعمر، حين رآه وقد نام متبذلا: عدلت فأمنت فنمت. وليس شيء ~~أسرع في خراب الأرض ولا أفسد لضمائر الخلق من الجور؛ لأنه ليس يقف على حد ~~ولا ينتهي إلى غاية، ولكل جزء منه قسط من الفساد حتى يستكمل. وقد روي عن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «بئس الزاد إلى المعاد، العدوان على ~~العباد» . # وقال - صلى الله عليه وسلم -: «ثلاث منجيات، وثلاث مهلكات. فأما ~~المنجيات: فالعدل في الغضب والرضا، وخشية الله في السر والعلانية، والقصد ~~في الغنى والفقر. وأما المهلكات: فشح مطاع، وهوى متبع، وإعجاب المرء بنفسه» ~~. وحكي أن الإسكندر قال لحكماء الهند، وقد رأى قلة الشرائع بها: لم صارت ~~سنن بلادكم قليلة؟ قالوا: ms108 لإعطائنا الحق من أنفسنا، ولعدل ملوكنا فينا. ~~فقال لهم: أيما أفضل، العدل أو الشجاعة؟ قالوا: إذا استعمل العدل أغنى عن ~~الشجاعة. # وقال بعض الحكماء: بالعدل والإنصاف تكون مدة الائتلاف. وقال بعض البلغاء: ~~إن العدل ميزان الله الذي وضعه للخلق، ونصبه للحق، فلا تخالفه في ميزانه، ~~ولا تعارضه في سلطانه، واستعن على العدل بخلتين: قلة الطمع، وكثرة الورع. # فإذا كان العدل من إحدى قواعد الدنيا التي لا انتظام لها إلا به، ولا ~~صلاح فيها إلا معه، وجب أن نبدأ بعدل الإنسان في نفسه، ثم بعدله في غيره. ~~فأما عدله في نفسه فيكون بحملها على المصالح، وكفها عن القبائح، ثم بالوقوف ~~في أحوالها على أعدل الأمرين من تجاوز أو تقصير. فإن التجاوز فيها جور، ~~والتقصير فيها ظلم. ومن ظلم نفسه فهو لغيره أظلم، ومن جار عليها فهو على ~~غيره أجور. # وقد قال بعض الحكماء: من توانى في نفسه ضاع. وأما عدله في غيره فقد ينقسم ~~حال الإنسان مع غيره على ثلاثة أقسام: فالقسم الأول: عدل الإنسان فيمن دونه ~~كالسلطان في رعيته، والرئيس مع صحابته، فعدله فيهم يكون بأربعة أشياء: ~~باتباع الميسور، وحذف المعسور، وترك التسلط بالقوة، وابتغاء الحق في # PageV01P139 # الميسور. فإن اتباع الميسور أدوم، وحذف المعسور أسلم، وترك التسلط أعطف ~~على المحبة، وابتغاء الحق أبعث على النصرة. # وهذه أمور إن لم تسلم للزعيم المدبر كان الفساد بنظره أكثر، والاختلاف ~~بتدبيره أظهر. روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «أشد الناس ~~عذابا يوم القيامة من أشركه الله في سلطانه فجار في حكمه» . وقال بعض ~~الحكماء الملك يبقى على الكفر ولا يبقى على الظلم. وقال بعض الأدباء: ليس ~~للجائر جار، ولا تعمر له دار. # وقال بعض البلغاء: أقرب الأشياء صرعة الظلوم، وأنفذ السهام دعوة المظلوم. ~~وقال بعض حكماء الملوك: العجب من ملك استفسد رعيته وهو يعلم أن عزه ~~بطاعتهم. وقال أزدشير بن بابك: إذا رغب الملك عن العدل رغبت الرعية عن ~~طاعته. وعوتب أنوشروان على ترك عقاب المذنبين فقال: هم المرضى ونحن ms109 الأطباء ~~فإذا لم نداوهم بالعفو فمن لهم. # والقسم الثاني: عدل الإنسان مع من فوقه، كالرعية مع سلطانها، والصحابة مع ~~رئيسها. فقد يكون بثلاثة أشياء: بإخلاص الطاعة، وبذل النصرة، وصدق الولاء. ~~فإن إخلاص الطاعة أجمع للشمل، وبذل النصرة أدفع للوهن، وصدق الولاء أنفى ~~لسوء الظن. وهذه أمور إن لم تجتمع في المرء تسلط عليه من كان يدفع عنه ~~واضطر إلى اتقاء من يتقي به كما قال البحتري: # متى أحوجت ذا كرم تخطى ... إليك ببعض أخلاق اللئام # وفي استمرار هذا حل نظام جامع، وفساد صلاح شامل. وقال إبرويس: أطع من ~~فوقك، يطعك من دونك. وقال بعض الحكماء: إن الله تعالى لا يرضى عن خلقه إلا ~~بتأدية حقه، وحقه شكر النعمة، ونصح الأمة، وحسن الصنيعة، ولزوم الشريعة. # والقسم الثالث عدل الإنسان مع أكفائه ويكون بثلاثة أشياء: بترك ~~الاستطالة، ومجانبة الإدلال، وكف الأذى؛ لأن ترك الاستطالة آلف، ومجانبة ~~الإدلال أعطف، وكف الأذى # PageV01P140 # أنصف. وهذه أمور إن لم تخلص في الأكفاء أسرع فيهم تقاطع الأعداء ففسدوا ~~وأفسدوا. وقد روى عمر بن عبد العزيز عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: ~~قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «ألا أنبئكم بشرار الناس؟ قالوا: ~~بلى يا رسول الله قال: من أكل وحده ومنع رفده وجلد عبده ثم قال: ألا أنبئكم ~~بشر من ذلك؟ قالوا: بلى يا رسول الله قال: من يبغض الناس ويبغضونه» . وروي ~~أن عيسى ابن مريم - عليهما السلام - قام خطيبا في بني إسرائيل فقال: يا بني ~~إسرائيل لا تتكلموا بالحكمة عند الجهال فتظلموها، ولا تمنعوها أهلها ~~فتظلموهم، ولا تكافئوا ظالما فيبطل فضلكم. يا بني إسرائيل الأمور ثلاثة: ~~أمر تبين رشده فاتبعوه، وأمر تبين غيه فاجتنبوه، وأمر اختلفتم فيه فردوه ~~إلى الله تعالى. # وهذا الحديث جامع لآداب العدل في الأحوال كلها. وقال بعض الحكماء: كل عقل ~~لا يدارى به الكل فليس بعقل تام. وقال بعض الشعراء: # ما دمت حيا فدار الناس كلهم ... فإنما أنت في دار المدارات # من يدر دارى ومن لم يدر سوف يرى ... عما ms110 قليل نديما للندامات # وقد يتعلق بهذه الطبقات أمور خاصة يكون عدلهم فيها بالتوسط في حالتي ~~التقصير والسرف؛ لأن العدل مأخوذ من الاعتدال، فما جاوز الاعتدال فهو خروج ~~عن العدل. وقد قالت الحكماء: الفضائل هيئات متوسطة بين خلتين ناقصتين، ~~وأفعال الخير تتوسط بين رذيلتين. فالحكمة واسطة بين الشر والجهالة. ~~والشجاعة واسطة بين التقحم والجبن. والعفة واسطة بين الشره وضعف الشهوة. ~~والسكينة واسطة بين السخط وضعف الغضب. والغيرة واسطة بين الحسد وسوء ~~العادة. والظرف واسطة بين الخلاعة والعرامة. والتواضع واسطة بين الكبر ~~ودناءة النفس. والسخاء واسطة بين التبذير والتقتير. والحلم واسطة بين إفراط ~~الغضب وعدمه. # PageV01P141 # والمودة واسطة بين الخلابة وحسن الخلق. والحياء واسطة بين القحة والحقد. ~~والوقار واسطة بين الهزء والسخافة. # وإذا كان ما خرج عن الاعتدال إلى ما ليس باعتدال خروجا عن العدل إلى ما ~~ليس بعدل، فالأولى اجتنابه والوقوف مع الأوسط اقتداء بالحديث. وقال بعض ~~البلغاء: البلد السوء يجمع السفل ويورث العلل، والولد السوء يشين السلف ~~ويهدم الشرف، والجار السوء يفشي السر ويهتك الستر. فجعل هذه الأشياء، ~~بخروجها عن الأولى إلى ما ليس بأولى، خروجا عن العدل إلى ما ليس بعدل. ولست ~~تجد فسادا إلا وسبب نتيجته الخروج فيه من حال العدل إلى ما ليس بعدل من ~~حالتي الزيادة والنقصان فإذن لا شيء أنفع من العدل كما لا شيء أضر مما ليس ~~بعدل. # وأما القاعدة الرابعة: فهي أمن عام تطمئن إليه النفوس وتنتشر فيه الهمم، ~~ويسكن إليه البريء، ويأنس به الضعيف. فليس لخائف راحة، ولا لحاذر طمأنينة. ~~وقد قال بعض الحكماء، الأمن أهنأ عيش، والعدل أقوى جيش؛ لأن الخوف يقبض ~~الناس عن مصالحهم، ويحجزهم عن تصرفهم، ويكفهم عن أسباب المواد التي بها ~~قوام أودهم وانتظام جملتهم؛ لأن الأمن من نتائج العدل، والجور من نتائج ما ~~ليس بعدل. # وقد يكون الجور تارة بمقاصد الآدميين الخارجة عن العدل، وتارة يكون ~~بأسباب حادثة من غير مقاصد الآدميين فلا تكون خارجة عن حال العدل. فمن أجل ~~ذلك لم يكن ما سبق من حال العدل ms111 مقنعا عن أن يكون الأمن في انتظام الدنيا ~~قاعدة كالعدل. فإذا كان ذلك كذلك فالأمن المطلق ما عم والخوف قد يتنوع تارة ~~ويعم. فتنوعه بأن يكون تارة على النفس، وتارة على الأهل، وتارة على المال. # وعمومه أن يستوجب جميع الأحوال، ولكل واحد من أنواعه حظ من الوهن، ونصيب ~~من الحزن. وقد يختلف باختلاف أسبابه ويتفاضل بتباين جهاته، ويكون بحسب ~~اختلاف الرغبة فيما خيف عليه. فمن أجل ذلك لم يجز أن يتصف حال كل واحد من ~~أنواعه بمقدار من الوهن ونصيب من الحزن، لا سيما والخائف على الشيء مختص ~~الهم به # PageV01P142 # منصرف الفكر عن غيره. فهو يظن أن لا خوف له إلا إياه، فيغفل عن قدر ~~النعمة بالأمن فيما سواه، فصار كالمريض الذي هو بمرضه متشاغل، وعما سواه ~~غافل. # ولعل ما صرف عنه أعظم مما ابتلي به، وإنما يوكل بالأدنى وإن جل ما يمضي. ~~وحكي أن رجلا قال - وأعرابي حاضر -: ما أشد وجع الضرس، فقال الأعرابي: كل ~~داء أشد داء. وكذلك من عمه الأمن كمن استولت عليه العافية، فهو لا يعرف قدر ~~النعمة بأمنه حتى يخاف، كما لا يعرف المعافى قدر النعمة حتى يصاب. وقال بعض ~~الحكماء: إنما يعرف قدر النعمة بمقاساة ضدها. فأخذ ذلك أبو تمام الطائي ~~فقال: # والحادثات وإن أصابك بؤسها ... فهو الذي أنباك كيف نعيمها # فالأولى بالعاقل أن يتذكر عند مرضه وخوفه قدر النعمة فيما سوى ذلك من ~~عافيته وأمنه، وما انصرف عنه مما هو أشد من مرضه وخوفه، فيستبدل بالشكوى ~~شكرا، وبالجزع صبرا، فيكون فرحا مسرورا. حكي أن يعقوب قال ليوسف - عليهما ~~السلام -، حين لقيه: أي شيء كان خبرك بعدي؟ قال: لا تسأل عما فعله بي إخوتي ~~سلني عما صنعه بي ربي. وقال الشاعر: # لا تنس في الصحة أيام السقم ... فإن عقبى تارك الحزم ندم # وأما القاعدة الخامسة: فهي خصب دار تتسع النفوس به في الأحوال وتشترك فيه ~~ذو الإكثار والإقلال. فيقل في الناس الحسد، وينتفي عنهم تباغض العدم، وتتسع ~~النفوس في التوسع، وتكثر المواساة والتواصل. وذلك ms112 من أقوى الدواعي لصلاح ~~الدنيا وانتظام أحوالها، ولأن الخصب يئول إلى الغنى والغنى يورث الأمانة ~~والسخاء. # وكتب عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - إلى أبي موسى الأشعري: لا تستقضين ~~إلا ذا حسب ومال، فإن ذا الحسب يخاف العواقب وذا المال لا يرغب في مال ~~غيره. وقال بعض السلف: إني وجدت خير الدنيا والآخرة في التقى والغنى، وشر ~~الدنيا والآخرة في الفجور والفقر. وقال بعض الشعراء: # ولم أر بعد الدين خيرا من الغنى ... ولم أر بعد الكفر شرا من الفقر # PageV01P143 # وبحسب الغنى يكون إقلال البخيل وإعطاؤه، وإكثار الجواد وسخاؤه، كما قال ~~دعبل: # لئن كنت لا تولي ندى دون إمرة ... فلست بمول نائلا آخر الدهر # وأي إناء لم يفض عند ملئه ... وأي بخيل لم ينل ساعة الوفر # وإذا كان الخصب يحدث من أسباب الصلاح ما وصفت، كان الجدب يحدث من أسباب ~~الفساد ما ضادها. وكما أن صلاح الخصب عام، فكذلك فساد الجدب عام، وما عم به ~~الصلاح إن وجد، وما عم به الفساد إن فقد، فأحرى أن يكون من قواعد الصلاح ~~ودواعي الاستقامة. والخصب يكون من وجهين: خصب في المكاسب، وخصب في المواد. ~~فأما خصب المكاسب فقد يتفرع من خصب المواد وهو من نتائج الأمن المقترن بها. ~~وأما خصب المواد فقد يتفرع عن أسباب إلهية وهو من نتائج العدل المقترن بها. # وأما القاعدة السادسة: فهي أمل فسيح يبعث على اقتناء ما يقصر العمر عن ~~استيعابه ويبعث على اقتناء ما ليس يؤمل في دركه بحياة أربابه. ولولا أن ~~الثاني يرتفق بما أنشأه الأول حتى يصير به مستغنيا، لافتقر أهل كل عصر إلى ~~إنشاء ما يحتاجون إليه من منازل السكنى وأراضي الحرث، وفي ذلك من الإعواز ~~وتعذر الإمكان ما لا خفاء به. # فلذلك ما أرفق الله تعالى خلقه باتساع الآمال إلا حتى عمر به الدنيا فعم ~~صلاحها وصارت تنتقل بعمرانها إلى قرن بعد قرن، فيتم الثاني ما أبقاه الأول ~~من عمارتها، ويرمم الثالث ما أحدثه الثاني من شعثها لتكون أحوالها على ~~الأعصار ملتئمة، وأمورها ms113 على ممر الدهور منتظمة. # ولو قصرت الآمال ما تجاوز الواحد حاجة يومه، ولا تعدى ضرورة وقته، ولكانت ~~تنتقل إلى من بعده خرابا لا يجد # PageV01P144 # فيها بلغة، ولا يدرك منها حاجة. ثم تنتقل إلى من بعد بأسوأ من ذلك حالا ~~حتى لا ينمى بها نبت، ولا يمكن فيها لبث. # وقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: الأمل رحمة من الله ~~لأمتي، ولولاه لما غرس غارس شجرا ولا أرضعت أم ولدا. # وقال الشاعر: # وللنفوس وإن كانت على وجل ... من المنية آمال تقويها # فالمرء يبسطها والدهر يقبضها ... والنفس تنشرها والموت يطويها # وأما حال الأمل في أمر الآخرة فهو من أقوى الأسباب في الغفلة عنها، وقلة ~~الاستعداد لها. وقد أفصح لبيد مع أعرابية بما تبين به حال الأمل في ~~الأمرين، فقال: # وأكذب النفس إذا حدثتها ... إن صدق النفس يزري بالأمل # غير أن لا تكذبنها بالتقى ... واجزها بالبر لله الأجل # وفرق ما بين الآمال والأماني. أن الآمال ما تقيدت بأسباب، والأماني ما ~~تجردت عنها. # فهذه القواعد الست التي تصلح بها أحوال الدنيا، وتنتظم أمور جملتها، فإن ~~كملت فيها كمل صلاحها. وبعيد أن يكون أمر الدنيا تاما كاملا، وأن يكون ~~صلاحها عاما شاملا؛ لأنها موضوعة على التغيير والفناء، منشأة على التصرم ~~والانقضاء. وسمع بعض الحكماء رجلا يقول: قلب الله الدنيا، قال: فإذن تستوي؛ ~~لأنها مقلوبة. وقال بعض الشعراء: # ومن عادة الأيام أن خطوبها ... إذا سر منها جانب ساء جانب # وما أعرف الأيام إلا ذميمة ... ولا الدهر إلا وهو للثأر طالب # وبحسب ما اختل من قواعدها يكون اختلالها. # PageV01P145 ### | [فصل ما يصلح به حال الإنسان في الدنيا] # فصل: وأما ما يصلح به حال الإنسان فيها فثلاثة أشياء، هي قواعد أمره ~~ونظام حاله، وهي: نفس مطيعة إلى رشدها منتهية عن غيها، وألفة جامعة تنعطف ~~القلوب عليها ويندفع المكروه بها، ومادة كافية تسكن نفس الإنسان إليها ~~ويستقيم أوده بها. # فأما القاعدة الأولى التي هي نفس مطيعة: فلأنها إذا أطاعته ملكها، وإذا ~~عصته ملكته ولم يملكها. ومن لم ms114 يملك نفسه فهو بأن لا يملك غيرها أحرى، ومن ~~عصته نفسه كان بمعصية غيرها أولى. وقال بعض الحكماء: لا ينبغي للعاقل أن ~~يطلب طاعة غيره ونفسه ممتنعة عليه. وقد قال الشاعر: # أتطمع أن يطيعك قلب سعدى ... وتزعم أن قلبك قد عصاك # وطاعة نفسه تكون من وجهين: أحدهما نصح، والثاني انقياد. فأما النصح فهو ~~أن ينظر إلى الأمور بحقائقها فيرى الرشد رشدا ويستحسنه، ويرى الغي غيا ~~ويستقبحه. وهذا يكون من صدق النفس إذا سلمت من دواعي الهوى. ولذلك قيل: من ~~تفكر أبصر. فأما الانقياد فهو أن تسرع إلى الرشد إذا أمرها، وتنتهي عن الغي ~~إذا زجرها. وهذا يكون من قبول النفس إذا كفيت منازعة الشهوات. قال الله ~~تعالى: {ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلا عظيما} [النساء: 27] . ~~وللنفس آداب هي تمام طاعتها، وكمال مصلحتها. وقد أفردنا لها من هذا الكتاب ~~بابا واقتصرنا في هذا الموضع على ما قد اقتضاه الترتيب، واستدعاه التقريب. # وأما القاعدة الثانية وهي الألفة الجامعة: فلأن الإنسان مقصود بالأذية، ~~محسود بالنعمة. فإذا لم يكن آلفا مألوفا تخطفته أيدي حاسديه، وتحكمت فيه ~~أهواء أعاديه، فلم تسلم له نعمة، ولم تصف له مدة. فإذا كان آلفا مألوفا ~~انتصر بالألفة على أعاديه، وامتنع من حاسديه، فسلمت نعمته منهم، وصفت مدته ~~عنهم، وإن كان صفو الزمان عسرا، وسلمه خطرا. # وقد روى ابن جريج عن عطاء رحمهما الله عن جابر - رضي الله عنه - عن النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «المؤمن آلف # PageV01P146 # مألوف، ولا خير فيمن لا يألف ولا يؤلف، وخير الناس أنفعهم للناس» . وروي ~~عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «إن الله تعالى يرضى لكم ثلاثا ~~ويكره لكم ثلاثا. يرضى لكم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا وأن تعتصموا بحبله ~~جميعا ولا تتفرقوا وأن تناصحوا من ولاه الله أمركم، ويكره لكم قيل وقال ~~وكثرة السؤال وإضاعة المال» . # وكل ذلك حث منه - صلى الله عليه وسلم - على الألفة. والعرب تقول: من قل ~~ذل وقال قيس بن عاصم: # إن القداح إذا ms115 اجتمعن فرامها ... بالكسر ذو حنق وبطش أيد # عزت فلم تكسر وإن هي بددت ... فالوهن والتكسير للمتبدد # وإذا كانت الألفة بما أثبت تجمع الشمل وتمنع الذل، اقتضت الحال ذكر ~~أسبابها. وأسباب الألفة خمسة وهي: الدين والنسب والمصاهرة والمودة والبر. # فأما الدين: وهو الأول من أسباب الألفة فلأنه يبعث على التناصر، ويمنع من ~~التقاطع والتدابر. وبمثل ذلك وصى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أصحابه، ~~فروى سفيان عن الزهري عن أنس - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -: «لا تقاطعوا ولا تدابروا ولا تحاسدوا وكونوا عباد الله ~~إخوانا لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث» . # وهذا وإن كان اجتماعهم في الدين يقتضيه فهو على وجه التحذير من تذكر تراث ~~الجاهلية وإحن الضلالة. فقد بعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والعرب ~~أشد تقاطعا وتعاديا، وأكثر اختلافا وتماديا، حتى إن بني الأب الواحد ~~يتفرقون أحزابا فتثير بينهم بالتحزب والافتراق أحقاد الأعداء، وإحن ~~البعداء. # وكانت الأنصار أشدهم تقاطعا وتعاديا، وكان بين الأوس والخزرج من الاختلاف ~~والتباين أكثر من غيرهم إلى أن أسلموا فذهبت # PageV01P147 # إحنهم وانقطعت عداواتهم وصاروا بالإسلام إخوانا متواصلين، وبألفة الدين ~~أعوانا متناصرين. قال الله تعالى: {واذكروا نعمت الله عليكم إذ كنتم أعداء ~~فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا} [آل عمران: 103] . يعني أعداء في ~~الجاهلية فألف بين قلوبكم بالإسلام. وقال تعالى: {إن الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات سيجعل لهم الرحمن ودا} [مريم: 96] . يعني حبا. # وعلى حسب التآلف على الدين تكون العداوة فيه إذا اختلف أهله فإن الإنسان ~~قد يقطع في الدين من كان به برا وعليه مشفقا. هذا أبو عبيدة بن الجراح، وقد ~~كانت له المنزلة العالية في الفضل والأثر المشهور في الإسلام، قتل أباه يوم ~~بدر وأتى برأسه إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - طاعة لله عز وجل ~~ولرسوله، حين بقي على ضلاله وانهمك في طغيانه. فلم يعطفه عليه رحمة ولا كفه ~~عنه شفقة، وهو من أبر الأبناء، تغليبا للدين على النسب وطاعة الله تعالى ~~على طاعة ms116 الأب. وفيه أنزل الله: {لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر ~~يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو ~~عشيرتهم} [المجادلة: 22] . # وقد يختلف أهل الدين على مذاهب شتى وآراء مختلفة فيحدث بين المختلفين فيه ~~من العداوة والتباين مثل ما يحدث بين المختلفين في الأديان. وعلة ذلك أن ~~الدين والاجتماع على العقد الواحد فيه لما كان أقوى أسباب الألفة، كان ~~الاختلاف فيه أقوى أسباب الفرقة. وإذا تكافأ أهل الأديان المختلفة والمذاهب ~~المتباينة، ولم يكن أحد الفريقين أعلى يدا، وأكثر عددا، كانت العداوة بينهم ~~أقوى والإحن فيهم أعظم؛ لأنه ينضم إلى عداوة الاختلاف تحاسد الأكفاء، ~~وتنافس النظراء. # وأما النسب: وهو الثاني من أسباب الألفة فلأن تعاطف الأرحام # PageV01P148 # وحمية القرابة يبعثان على التناصر والألفة، ويمنعان من التخاذل والفرقة، ~~أنفة من استعلاء الأباعد على الأقارب، وتوقيا من تسلط الغرباء الأجانب. وقد ~~روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «إن الرحم إذا تماست تعاطفت» ~~. ولذلك حفظت العرب أنسابها لما امتنعت عن سلطان يقهرها ويكف الأذى عنها ~~لتكون به متظافرة على من ناوأها، متناصرة على من شاقها وعاداها، حتى بلغت ~~بألفة الأنساب تناصرها على القوي الأيد وتحكمت به تحكم المتسلط المتشطط. # وقد أعذر نبي الله لوط - عليه السلام - نفسه حين عدم عشيرة تنصره، فقال ~~لمن بعث إليهم: {لو أن لي بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد} [هود: 80] . يعني ~~عشيرة مانعة. وروى أبو سلمة عن أبي هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - قال: «رحم الله لوطا، لقد كان يأوي إلى ركن شديد» . يعني الله عز ~~وجل. # وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «ما بعث الله تعالى من بعده نبيا ~~إلا في ثروة من قومه» . وقال وهب: لقد وردت الرسل على لوط وقالوا: إن ركنك ~~لشديد. وروي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، «أنه كان لا يترك المرء ~~مفرجا حتى يضمه إلى قبيلة يكون فيها» . قال الرياشي: المفرج الذي لا ينتمي ~~إلى قبيلة يكون منها. وكل ms117 ذلك حث منه - صلى الله عليه وسلم - على الألفة ~~وكف عن الفرقة. ولذلك قال - صلى الله عليه وسلم -: «من كثر سواد قوم فهو ~~منهم» . # وإذا كان النسب بهذه المنزلة من الألفة فقد تعرض له عوارض تمنع منها، ~~وتبعث على الفرقة المنافية لها. فإذن قد لزم أن نصف حال الأنساب، وما يعرض ~~لها من الأسباب. فجملة الأنساب أنها تنقسم ثلاثة أقسام: قسم والدون، وقسم ~~مولودون، وقسم مناسبون. ولكل قسم منهم منزلة من البر والصلة، وعارض يطرأ ~~فيبعث على العقوق والقطيعة. # فأما الوالدون فهم الآباء والأمهات والأجداد والجدات. وهم موسومون مع ~~سلامة أحوالهم بخلقين: أحدهما لازم بالطبع، والثاني حادث باكتساب. فأما ما ~~كان لازما بالطبع فهو الحذر والإشفاق. وذلك لا ينتقل # PageV01P149 # عن الوالد بحال، وقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: ~~«الولد مبخلة مجهلة مجبنة محزنة» . # فأخبر أن الحذر عليه يكسب هذه الأوصاف، ويحدث هذه الأخلاق. وقد كره قوم ~~طلب الولد كراهة لهذه الحالة التي لا يقدر على دفعها عن نفسه، للزومها ~~طبعا، وحدوثها حتما. # وقيل ليحيى بن زكريا - عليهما السلام -: ما بالك تكره الولد؟ فقال: ما لي ~~وللولد، إن عاش كدني، وإن مات هدني. وقيل لعيسى ابن مريم - عليهما السلام ~~-: ألا تتزوج؟ فقال: إنما يحب التكاثر في دار البقاء. وأما ما كان حادثا ~~بالاكتساب فهي المحبة التي تنمى مع الأوقات، وتتغير مع تغير الحالات. # وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «الولد أنوط» . يعني أن ~~حبه يلتصق بنياط القلب. وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: ~~«لكل شيء ثمرة، وثمرة القلب الولد» . فإن انصرف الوالد عن حب الولد فليس ~~ذلك لبعض منه، ولكن لسلوة حدثت من عقوق أو تقصير، مع بقاء الحذر والإشفاق ~~الذي لا يزول عنه، ولا ينتقل منه. فقد قال محمد بن علي - رضي الله عنه - إن ~~الله تعالى رضي الآباء للأبناء فحذرهم فتنتهم ولم يوصهم بهم، ولم يرض ~~الأبناء للآباء فأوصاهم بهم. وإن شر الأبناء من دعاه التقصير إلى العقوق، ~~وشر ms118 الآباء من دعاه البر إلى الإفراط. والأمهات أكثر إشفاقا وأوفر حبا لما ~~باشرن من الولادة وعانين من التربية فإنهن أرق قلوبا وألين نفوسا. # وبحسب ذلك وجب أن يكون التعطف عليهن أوفر جزاء لفعلهن، وكفاء لحقهن، وإن ~~كان الله تعالى قد أشرك بينهما في البر وجمع بينهما في الوصية، فقال تعالى: ~~{ووصينا الإنسان بوالديه حسنا} [العنكبوت: 8] . وقد روي أن «رجلا أتى إلى ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: إن لي أما أنا مطيعها أقعدها على ظهري، ~~ولا أصرف عنها وجهي، وأرد إليها كسبي، فهل جزيتها؟ قال لا ولا بزفرة واحدة. ~~قال: ولم؟ قال: لأنها كانت تخدمك وهي تحب حياتك، وأنت تخدمها وتحب # PageV01P150 # موتها» . # وقال الحسن البصري: حق الوالد أعظم، وبر الوالد ألزم. وروي عن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «أنهاكم عن عقوق الأمهات، ووأد البنات، ومنع ~~وهات» . وروى خالد بن معدان عن المقدام قال: سمعت رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - يقول: «إن الله يوصيكم بأمهاتكم ثم يوصيكم بالأقرب فالأقرب» . # وأما المولودون فهم الأولاد وأولاد الأولاد. والعرب تسمي ولد الولد ~~الصفوة. وهم مختصون مع سلامة أحوالهم بخلقين: أحدهما لازم، والآخر منتقل. ~~فأما اللازم فهو الأنفة للآباء من تهضم أو خمول. والأنفة في الأبناء في ~~مقابلة الإشفاق في الآباء. وقد لحظ أبو تمام الطائي هذا المعنى في شعره ~~فقال: # فأصبحت يلقاني الزمان لأجله ... بإعظام مولود وإشفاق والد # فأما المنتقل فهو الإدلال، وهو أول حال الولد، والإدلال في الأبناء في ~~مقابلة المحبة في الآباء؛ لأن المحبة بالآباء أخص، والإدلال بالأبناء أمس. ~~وقد روي عن عمر أنه قال: «قلت يا رسول الله ما بالنا نرق على أولادنا ولا ~~يرقون علينا؟ قال: لأنا ولدناهم ولم يلدونا» . ثم الإدلال في الأبناء قد ~~ينتقل مع الكبر إلى أحد أمرين: إما البر والإعظام، وإما إلى الجفاء ~~والعقوق. فإن كان الولد رشيدا أو كان الأب برا عطوفا صار الإدلال برا ~~وإعظاما. # وقد روى الزهري، عن عامر بن شراحيل، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال ~~لجرير بن ms119 عبد الله: «إن حق الوالد على الولد أن يخشع له عند الغضب، ويؤثره ~~على نفسه عند النصب والسغب. فإن المكافئ ليس بالواصل ولكن الواصل من إذا ~~قطعت رحمه وصلها» . وإن كان الولد غاويا أو كان الوالد جافيا صار الإدلال ~~قطيعة وعقوقا. ولذلك قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «رحم الله امرأ ~~أعان ولده على بره» . وبشر عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - بمولود فقال: ~~ريحانة أشمها ثم هو عن قريب # PageV01P151 # ولد بار أو عدو ضار. وقد قيل في منثور الحكم: العقوق ثكل من لم يثكل. ~~وقال بعض الحكماء: ابنك ريحانك سبعا، وخادمك سبعا ووزيرك سبعا، ثم هو صديق ~~أو عدو. # وأما المناسبون فهم من عدا الآباء والأبناء ممن يرجع بتعصيب أو رحم. ~~والذي يختصون به الحمية الباعثة على النصرة، وهي أدنى رتبة الأنفة؛ لأن ~~الأنفة تمنع من التهضم والخمول معا، والحمية تمنع من التهضم وليس لها في ~~كراهة الخمول نصيب إلا أن يقترن بها ما يبعث على الألفة. وحمية المناسبين ~~إنما تدعو إلى النصرة على البعداء والأجانب، وهي معرضة لحسد الأداني ~~والأقارب، موكولة إلى منافسة الصاحب بالصاحب، فإن حرست بالتواصل والتلاطف ~~تأكدت أسبابها واقترن بحمية النسب مصافاة المودة، وذلك أوكد أسباب الألفة. # وقد قيل لبعض قريش: أيما أحب إليك أخوك أو صديقك؟ قال: أخي إذا كان ~~صديقا. وقال مسلمة بن عبد الملك: العيش في ثلاث: سعة المنزل، وكثرة الخدم، ~~وموافقة الأهل. وقال بعض الحكماء: البعيد قريب بمودته، والقريب بعيد ~~بعداوته. وإن أهملت الحال بين المتناسبين ثقة بلحمة النسب، واعتمادا على ~~حمية القرابة، غلب عليها مقت الحسد ومنازعة التنافس، فصارت المناسبة عداوة ~~والقرابة بعدا. وقال الكندي في بعض رسائله: الأب رب، والولد كمد والأخ فخ، ~~والعم غم والخال وبال، والأقارب عقارب. وقال عبد الله بن المعتز: # لحومهم لحمي وهم يأكلونه ... وما داهيات المرء إلا أقاربه # ومن أجل ذلك أمر الله تعالى بصلة الأرحام، وأثنى على واصلها # PageV01P152 # فقال تعالى: {والذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل ويخشون ربهم ويخافون ~~سوء الحساب} ms120 [الرعد: 21] . قال المفسرون: هي الرحم التي أمر الله بوصلها، ~~ويخشون ربهم في قطعها، ويخافون سوء الحساب في المعاقبة عليها. وروى عبد ~~الرحمن بن عوف أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «يقول الله - عز ~~وجل - أنا الرحمن وهي الرحم اشتققت لها من اسمي اسما فمن وصلها وصلته، ومن ~~قطعها قطعته» . # وروي عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «صلة الرحم منماة للعدد، مثراة ~~للمال، محبة في الأهل، منسأة في الأجل» . وقال بعض الحكماء: بلوا أرحامكم ~~بالحقوق، ولا تجفوها بالعقوق. وقال بعض البلغاء: صلوا أرحامكم فإنها لا ~~تبلى عليها أصولكم، ولا تهضم عليها فروعكم. وقال بعض الأدباء: من لم يصلح ~~لأهله لم يصلح لك، ومن لم يذب عنهم لم يذب عنك. وقال بعض الفصحاء: من وصل ~~رحمه وصله الله ورحمه، ومن أجار جاره أعانه الله وجاره. وقال محمد بن عبد ~~الله الأزدي: # وحسبك من ذل وسوء صنيعة ... مناواة ذي القربى وإن قيل قاطع # ولكن أواسيه وأنسى ذنوبه ... لترجعه يوما إلي الرواجع # ولا يستوي في الحكم عبدان: واصل ... وعبد لأرحام القرابة قاطع # وأما المصاهرة: وهي الثالث من أسباب الألفة فلأنها استحداث مواصلة، ~~وتمازج مناسبة، صدرا عن رغبة واختيار، انعقدا على خير وإيثار، فاجتمع فيها ~~أسباب الألفة ومواد المظاهرة. قال الله تعالى: {ومن آياته أن خلق لكم من ~~أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة} [الروم: 21] يعني ~~بالمودة المحبة، وبالرحمة الحنو والشفقة، وهما من # PageV01P153 # أوكد أسباب الألفة. # وفيها تأويل آخر قاله الحسن البصري - رحمه الله -: أن المودة النكاح، ~~والرحمة الولد. وقال تعالى: {والله جعل لكم من أنفسكم أزواجا وجعل لكم من ~~أزواجكم بنين وحفدة} [النحل: 72] . اختلف المفسرون في الحفدة، فقال عبد ~~الله بن مسعود: هم أختان الرجل على بناته. وقال عبد الله بن عباس - رضي ~~الله عنهما -: هم ولد الرجل وولد ولده. وروي عنه أنهم بنو امرأة الرجل من ~~غيره، وسموا حفدة لتحفدهم في الخدمة وسرعتهم في العمل، ومنه قولهم في ~~القنوت، وإليك نسعى، ونحفد أي نسرع إلى العمل بطاعتك. ولم ms121 تزل العرب تجتذب ~~البعداء، وتتألف الأعداء بالمصاهرة حتى يرجع المنافر مؤانسا، ويصير العدو ~~مواليا، وقد يصير للصهر بين الاثنين ألفة بين القبيلتين وموالاة بين ~~العشيرتين. حكي عن خالد بن يزيد بن معاوية أنه قال: كان أبغض خلق الله عز ~~وجل إلي آل الزبير حتى تزوجت منهم أرملة فصاروا أحب خلق الله عز وجل إلي. ~~وفيها يقول: # أحب بني العوام طرا لأجلها ... ومن أجلها أحببت أخوالها كلبا # فإن تسلمي نسلم وإن تتنصري ... يحط رجال بين أعينهم صلبا # ولذلك قيل: المرء على دين زوجته، لما يستنزله الميل إليها من المتابعة، ~~ويجتذبه الحب لها من الموافقة، فلا يجد إلى المخالفة سبيلا، ولا إلى ~~المباينة والمشاقة طريقا. وإذا كانت المصاهرة للنكاح بهذه المنزلة من ~~الألفة فقد ينبغي لعقدها أحد خمسة أوجه وهي: المال والجمال والدين والألفة ~~والتعفف. وقد روى سعيد بن أبي سعيد عن أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - أنه قال: «تنكح المرأة لأربع: لمالها ولجمالها ولحسبها ولدينها، ~~فعليك بذات الدين تربت يداك» . # PageV01P154 # فإن كان عقد النكاح لأجل المال وكان أقوى الدواعي إليه، فالمال إذا هو ~~المنكوح فإن اقترن بذلك أحد الأسباب الباعثة على الائتلاف جاز أن يلبث ~~العقد وتدوم الألفة فإن تجرد عن غيره من الأسباب وعري عما سواه من المواد ~~فأخلق بالعقد أن ينحل وبالألفة أن تزول، لا سيما إذا غلب الطمع وقل الوفاء؛ ~~لأن المال إن وصل إليه فقد ينقضي سبب الألفة به. # فقد قيل: من ودك لشيء تولى مع انقضائه. وإن أعوز الوصول إليه وتعذرت ~~القدرة عليه أعقب ذلك استهانة الآيس بعد شدة الأمل فحدثت منه عداوة الخائب ~~بعد استحكام الطمع، فصارت الوصلة فرقة والألفة عداوة. وقد قيل: من ودك طمعا ~~فيك أبغضك إذا أيس منك. وقال عبد الحميد: من عظمك لإكثارك استقلك عند ~~إقلالك. # فإن كان العقد رغبة في الجمال، فذلك أدوم للألفة من المال؛ لأن الجمال ~~صفة لازمة، والمال صفة زائلة. ولذلك قيل: حسن الصورة أول السعادة. وقد روي ~~عن النبي - صلى الله عليه وسلم ms122 - أنه قال: «أعظم النساء بركة أحسنهن وجها ~~وأقلهن مهرا» . فإن سلمت الحال من الإدلال المفضي إلى الملال استدامت ~~الألفة واستحكمت الوصلة. وقد كانوا يكرهون الجمال البارع إما لما يحدث عنه ~~من شدة الإدلال وقد قيل: من بسطه الإدلال قبضه الإذلال وإما لما يخاف من ~~محنة الرغبة، وبلوى المنازعة. وقد حكي أن رجلا شاور حكيما في التزوج فقال ~~له: افعل وإياك والجمال البارع، فإنه مرعى أنيق. فقال الرجل: وكيف ذلك؟ ~~قال: كما قال الأول: # ولن تصادف مرعى ممرعا أبدا ... إلا وجدت به آثار منتجع # وإما لما يخافه اللبيب من شدة الصبوة، ويتوقاه الحازم من سوء عواقب ~~الفتنة. # وقد قال بعض الحكماء: إياك ومخالطة النساء فإن لحظ المرأة سهم، ولفظها ~~سم. ورأى بعض الحكماء صيادا يكلم امرأة فقال: يا صياد، احذر أن تصاد. وقال ~~سليمان بن داود - عليهما السلام -، لابنه: امش وراء الأسد ولا تمش وراء ~~المرأة. وسمع عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - # PageV01P155 # امرأة تقول هذا البيت: # إن النساء رياحين خلقن لكم ... وكلكم يشتهي شم الرياحين # فقال - رضي الله عنه -: # إن النساء شياطين خلقن لنا ... نعوذ بالله من شر الشياطين # وإن كان العقد رغبة في الدين فهو أوثق العقود حالا وأدومها ألفة وأحمدها ~~بدءا وعاقبة؛ لأن طالب الدين متبع له ومن اتبع الدين انقاد له، فاستقامت له ~~حاله، وأمن زلله. ولذلك قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «فاظفر بذات ~~الدين تربت يداك» وفيه تأويلان: # أحدهما: تربت يداك إن لم تظفر بذات الدين. والثاني: أنها كلمة تذكر ~~للمبالغة ولا يراد بها سوء، كقولهم: ما أشجعه قاتله الله. # وإن كان العقد رغبة في الألفة فهذا يكون على أحد وجهين. إما أن يقصد به ~~المكاثرة باجتماع الفريقين، والمظافرة بتناصر الفئتين، وإما أن يقصد به ~~تألف أعداء متسلطين استكفاء لعاديتهم، وتسكينا لصولتهم. وهذان الوجهان قد ~~يكونان في الأماثل وأهل المنازل. وداعي الوجه الأول هو الرغبة، وداعي الوجه ~~الثاني هو الرهبة، وهما سببان في غير المتناكحين، فإن استدام السبب دامت ~~الألفة، وإن زال السبب بزوال الرغبة ms123 والرهبة، خيف زوال الألفة. إلا أن ينضم ~~إليها أحد الأسباب الباعثة عليها، والمقربة لها. # وإن كان العقد رغبة في التعفف فهو الوجه الحقيقي المبتغى بعقد النكاح، ~~وما سوى ذلك فأسباب معلقة عليه ومضافة إليه وروي أنه لما نزل قوله تعالى: ~~{يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها} ~~[النساء: 1] قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «خلق الرجل من التراب فهمه ~~في التراب، وخلقت المرأة من الرجل فهمها في الرجل» . # وروى عطية بن بشر عن عكاف بن رفاعة الهلالي أن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - # PageV01P156 # قال له: «يا عكاف ألك زوجة؟ قال: لا. قال: فأنت إذا من إخوان الشياطين، ~~إن كنت من رهبان النصارى فالحق بهم، وإن كنت منا فمن سنتنا النكاح» . فكان ~~هذا القول منه حثا على ترك الفساد وباعثا على التكاثر بالأولاد. # ولهذا المعنى كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول للقفال من غزوهم: ~~«إذا أفضيتم إلى نسائكم فالكيس الكيس» . يعني في طلب الولد. فلزم حينئذ في ~~عقد التعفف تحكم الاختيار فيه والتماس الأدوم من دواعيه. وهي نوعان: نوع ~~يمكن حصر شروطه، ونوع لا يمكن لاختلاف أسبابه وتغاير شروطه. # فأما الشروط المحصورة فيه فثلاثة شروط: أحدها: الدين المفضي إلى الستر ~~والعفاف، والمؤدي إلى القناعة والكفاف. قال أبو هريرة، - رضي الله عنه -: ~~لا يعذل مؤمن مؤمنة، إن كره منها خلقا رضي منها خلقا. وخطب رجل من عبد الله ~~بن عباس - رضي الله عنهما - يتيمة كانت عنده فقال: لا أرضاها لك. قال: ولم ~~وفي دارك نشأت؟ قال: إنها تتشرف. قال: لا أبالي. فقال: الآن لا أرضاك لها. ~~وفي معنى هذا قول بعض العلماء: من رضي بصحبة من لا خير فيه لم يرض بصحبته ~~من فيه خير. # والشرط الثاني: العقل الباعث على حسن التقدير، الآمر بصواب التدبير. فقد ~~روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «العقل حيث كان ألوف ومألوف» ~~. وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «عليكم بالودود الولود ~~ولا تنكحوا الحمقاء ms124 فإن صحبتها بلاء وولدها ضياع» . والشرط الثالث: الأكفاء ~~الذين ينتفي بهم العار ويحصل بهم الاستكثار. فقد روي عن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - أنه قال: «تخيروا لنطفكم ولا تضعوها إلا في الأكفاء» . وروي أن ~~أكثم بن صيفي قال # PageV01P157 # لولده: يا بني لا يحملنكم جمال النساء عن صراحة النسب، فإن المناكح ~~الكريمة مدرجة للشرف. # وقال أبو الأسود الدؤلي لبنيه: قد أحسنت إليكم صغارا وكبارا وقبل أن ~~تولدوا. قالوا: وكيف أحسنت إلينا قبل أن نولد؟ قال: اخترت لكم من الأمهات ~~من لا تسبون بها. وأنشد الرياشي: # فأول إحساني إليكم تخيري ... لماجدة الأعراق باد عفافها # وقد تنضم إلى هذه الشروط من صفات الذات وأحوال النفس ما يلزم التحرز منه ~~لبعد الخير عنه، وقلة الرشد فيه، فإن كوامن الأخلاق بادية في الصور ~~والأشكال، كالذي روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه «قال لزيد بن ~~حارثة: أتزوجت يا زيد؟ قال: لا. قال: تزوج تستعفف مع عفتك، ولا تتزوج من ~~النساء خمسا. قال: وما هن يا رسول الله. قال: لا تتزوج شهبرة ولا لهبرة ولا ~~نهبرة ولا هبذرة ولا لفوتا. فقال: يا رسول الله إني لا أعرف مما قلت شيئا. ~~قال: أما الشهبرة فالزرقاء البذية، وأما اللهبرة فالطويلة المهزولة، وأما ~~النهبرة فالعجوز المدبرة، وأما الهبذرة فالقصيرة الدميمة، وأما اللفوت فذات ~~الولد من غيرك» . # وقال شيخ من بني سليم لابنه: يا بني إياك والرقوب الغضوب القطوب. الرقوب ~~التي تراقبه أن يموت فتأخذ ماله. وأوصى بعض الأعراب ابنه في التزوج فقال: ~~إياك والحنانة والمنانة والأنانة. فالحنانة التي تحن لزوج كان لها، ~~والمنانة التي تمن على زوجها بمالها، والأنانة التي تئن كسلا وتمارضا. وقال ~~أوفى بن دلهم: النساء أربع: فمنهن مقمع لها سنها أجمع، ومنهن ممنع تضر ولا ~~تنفع، ومنهن مصدع تفرق ولا تجمع، ومنهن غيث وقع ببلد فأمرع. # وقال الشاعر: # أرى صاحب النسوان يحسب أنها ... سوء وبون بينهن بعيد # فمنهن جنات يفيء ظلالها ... ومنهن نيران لهن وقود # وأنشد أبو العيناء عن أبي زيد: # إن النساء كأشجار نبتن ms125 معا ... منهن مر وبعض المر مأكول # إن النساء ولو صورن من ذهب ... فيهن من هفوات الجهل تخييل # PageV01P158 # إن النساء متى ينهين عن خلق ... فإنه واجب لا بد مفعول # وما وعدنك من شر وفين به ... وما وعدنك من خير فممطول # فأما النوع الآخر فإنه لا يمكن حصر شروطه؛ لأنه قد يختلف باختلاف ~~الأحوال، وينتقل بتنقل الإنسان والأزمان، فإنه لا يستغنى به عن موافقة ~~النفس ومتابعة الشهوة؛ ليكون أدوم لحال الألفة وأمد لأسباب الوصلة. فإن ~~الرأي المعلول لا يبقى على حاله، والميل المدخول لا يدوم على دخله. فلا بد ~~أن ينتقل إلى إحدى حالتين: إما إلى الزيادة والكمال، وإما إلى النقصان ~~والزوال. # حكي أن رجلا قال لعلي كرم الله وجهه: إني أحبك وأحب معاوية. فقال - رضي ~~الله عنه -: أما الآن فأنت أعور، فإما أن تبرأ وإما أن تعمى. فإذا كان ~~كذلك، فلا بد من كشف السبب الباعث على هذا النوع، فإنه لا يخلو من ثلاثة ~~أحوال: # أحدها: أن يكون لطلب الولد. والأحمد فيه التماس الحداثة والبكارة؛ لأنها ~~أخص بالولادة. وقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «عليكم ~~بالأبكار فإنهن أعذب أفواها وأنتق أرحاما وأرضى باليسير.» ومعنى قوله أنتق ~~أرحاما أي أكثر أولادا. وقال معاذ بن جبل - رضي الله عنه -: عليكم بالأبكار ~~فإنهن أكثر حبا وأقل خنا. وهذا الحال هي أولى الأحوال الثلاث؛ لأن النكاح ~~موضوع لها، والشرع وارد بها. وقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه ~~قال: «سوداء ولود خير من حسناء عاقر» . والعرب تقول: من لا يلد لا ولد. وقد ~~كانوا يختارون لمثل هذه الحال إنكاح البعداء الأجانب، ويرون أن ذلك أنجب ~~للولد وأبهى للخلقة، ويجتنبون إنكاح الأهل والأقارب، ويرونه مضرا بخلق ~~الولد بعيدا من نجابته. روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: ~~«اغتربوا ولا تضووا» . # وروي عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أنه قال: يا بني السائب قد ضويتم ~~فانكحوا في الغرائب. وقال الشاعر: # تجاوزت بنت العم وهي حبيبة ... مخافة أن يضوى ms126 علي سليلي # وكانت حكماء المتقدمين يرون أن أنجب الأولاد خلقا وخلقا من كانت سن أمه ~~بين العشرين والثلاثين وسن أبيه ما بين الثلاثين والخمسين # PageV01P159 # والعرب تقول: إن ولد الغيرى لا ينجب، وإن أنجب النساء الفروك؛ لأن الرجل ~~يغلبها على الشبق لزهدها في الرجال. وقالوا: إن الرجل إذا أكره المرأة وهي ~~مذعورة ثم أذكرت أنجبت. # والحالة الثانية: أن يكون المقصود به القيام بما يتولاه النساء من تدبير ~~المنازل. فهذا وإن كان مختصا بمعاناة النساء فليس بألزم حالتي الزوجات؛ ~~لأنه قد يجوز أن يعانيه غيرهن من النساء. ولذلك، قيل: المرأة ريحانة وليست ~~بقهرمانة. وليس في هذا القصد تأثير في دين ولا قدح في مروءة. والأحمد في ~~مثل هذا التماس ذوات الأسنان والحنكة ممن قد خبرن تدبير المنازل وعرفن ~~عادات الرجال، فإنهن أقوم بهذا الحال. # والحالة الثالثة: أن يكون المقصود به الاستمتاع وهي أذم الأحوال الثلاث ~~وأوهنها للمروءة؛ لأنه ينقاد فيه لأخلاقه البهيمية، ويتابع شهوته الذميمة. ~~وقد قال الحارث بن النضر الأزدي: شر النكاح نكاح الغلمة إلا أن يفعل ذلك ~~لكسر الشهوة وقهرها بالإضعاف لها عند الغلبة، أو تسكين النفس عند المنازعة، ~~حتى لا تطمح له عين لريبة ولا تنازعه نفس إلى فجور، ولا يلحقه في ذلك ذم، ~~ولا يناله وصم، وهو بالحمد أجدر وبالثناء أحق. ولو تنزه في مثل هذه الحال ~~عن استبذال الحرائر إلى الإماء كان أكمل لمروءته، وأبلغ في صيانته. وهذه ~~الحال تقف على شهوات النفوس لا يمكن أن يرجح فيها أولى الأمور وهي أخطر ~~الأحوال بالمنكوحة؛ لأن للشهوات غايات متناهية يزول بزوالها ما كان متعلقا ~~بها، فتصير الشهوة في الابتداء، كراهية في الانتهاء. # ولذلك كرهت العرب البنات ووأدتهن إشفاقا عليهن وحمية لهن من أن يتبذلهن ~~اللئام بهذه الحال. وكان من تحوب من قتل البنات لرقة ومحبة كان موتهن أحب ~~إليه وآثر عنده. ولما خطب إلى عقيل بن علقمة ابنته الحرباء قال: إني وإن ~~سبق إلي المهر، ألف وعبدان # PageV01P160 # وذود عشر، أحب أصهاري إلي القبر. وقال عبد الله بن طاهر: ms127 # لكل أبي بنت يراعي شئونها ... ثلاثة أصهار إذا حمد الصهر # فبعل يراعيها وخدر يكنها ... وقبر يواريها وأفضلها القبر ### | [فصل من أسباب الألفة المؤاخاة بالمودة] # فصل وأما المؤاخاة بالمودة، وهي الرابع من أسباب الألفة؛ لأنها تكسب ~~بصادق الميل إخلاصا ومصافاة، ويحدث بخلوص المصافاة وفاء ومحاماة. وهذا أعلى ~~مراتب الألفة، ولذلك آخى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بين أصحابه؛ ~~لتزيد ألفتهم، ويقوى تظافرهم. وتناصرهم. # وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «عليكم بإخوان الصفاء ~~فإنهم زينة في الرخاء وعصمة في البلاء» ، وروى أبو الزبير، عن سهل بن سعد، ~~أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «المرء كثير بأخيه ولا خير في صحبة ~~من لا يرى لك من الحق مثل ما ترى له» . وقال عمر بن الخطاب - رضي الله عنه ~~-: لقاء الإخوان جلاء الأحزان. وقال خالد بن صفوان: إن أعجز الناس من قصر ~~في طلب الإخوان، وأعجز منه من ضيع من ظفر به منهم. # وقال علي كرم الله وجهه لابنه الحسن: يا بني الغريب من ليس له حبيب. وقال ~~ابن المعتز: من اتخذ إخوانا كانوا له أعوانا. وقال بعض الأدباء: أفضل ~~الذخائر أخ وفي. وقال بعض البلغاء: صديق مساعد عضد وساعد. وقال بعض ~~الشعراء: # هموم رجال في أمور كثيرة ... وهمي من الدنيا صديق مساعد # نكون كروح بين جسمين قسمت ... فجسماهما جسمان والروح واحد # وقيل: إنما سمي الصديق صديقا لصدقه، والعدو عدوا لعدوه عليك. وقال ثعلب: ~~إنما سمي الخليل خليلا؛ لأن محبته تتخلل القلب فلا تدع فيه خللا إلا ملأته. ~~وأنشد الرياشي قول بشار: # قد تخللت مسلك الروح مني ... وبه سمي الخليل خليلا. # والمؤاخاة في الناس قد تكون على وجهين: أحدهما أخوة مكتسبة بالاتفاق ~~الجاري مجرى الاضطرار. والثانية: مكتسبة بالقصد والاختيار. فأما # PageV01P161 # المكتسبة بالاتفاق فهي أوكد حالا؛ لأنها تنعقد عن أسباب تعود إليها. ~~والمكتسبة بالقصد تعقد لها أسباب تنقاد إليها. وما كان جاريا بالطبع فهو ~~ألزم مما هو حادث بالقصد. ونحن نبدأ بالوجه الأول المكتسب بالاتفاق ثم ~~نعقبه بالوجه الثاني المكتسب ms128 بالقصد. # أما المكتسب بالاتفاق فله أسباب نبتدئ بها ثم ننتقل في غاية أحواله ~~المحدودة إلى سبع مراتب ربما استكملتهن وربما وقفت على بعضهن ولكل مرتبة من ~~ذلك حكم خاص وسبب موجب. قال الشاعر: # ما هوى إلا له سبب ... يبتدي منه وينشعب # فأول أسباب الإخاء: التجانس في حال يجتمعان فيها ويأتلفان بها، فإن قوي ~~التجانس قوي الائتلاف به وإن ضعف كان ضعيفا ما لم تحدث علة أخرى يقوى بها ~~الائتلاف. وإنما كان ذلك كذلك؛ لأن الائتلاف بالتشاكل، والتشاكل بالتجانس، ~~فإذا عدم التجانس من وجه انتفى التشاكل من وجه، ومع انتفاء التشاكل يعدم ~~الائتلاف. فثبت أن التجانس، وإن تنوع، أصل الإخاء وقاعدة الائتلاف. # وقد روى يحيى بن سعيد، عن عمر، عن عائشة - رضي الله عنها - عن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «الأرواح جنود مجندة فما تعارف منها ائتلف ~~وما تناكر منها اختلف» . وهذا واضح وهي بالتجانس متعارفة، وبفقده متناكرة. ~~وقيل في منثور الحكم: الأضداد لا تتفق، والأشكال لا تفترق. وقال بعض ~~الحكماء: بحسن تشاكل الأخوان يلبث التواصل. ولبعضهم: # فلا تحتقر نفسي وأنت خليلها ... فكل امرئ يصبو إلى من يشاكل # وقال آخر: # فقلت: أخي قالوا: أخ من قرابة ... فقلت لهم: إن الشكول أقارب # نسيبي في رأيي وعزمي وهمتي ... وإن فرقتنا في الأصول المناسب # ثم يحدث بالتجانس المواصلة بين المتجانسين، وهي المرتبة الثانية من مراتب ~~الإخاء. وسبب المواصلة بينهما وجود الاتفاق منهما فصارت # PageV01P162 # المواصلة نتيجة التجانس، والسبب فيه وجود الاتفاق؛ لأن عدم الاتفاق منفر. ~~وقد قال الشاعر: # الناس إن وافقتهم عذبوا ... أو لا فإن جناهم مر # كم من رياض لا أنيس بها ... تركت لأن طريقها وعر # ثم يحدث عن المواصلة رتبة ثالثة، وسببها الانبساط. ثم يحدث عن المؤانسة ~~رتبة رابعة وهي المصافاة، وسببها خلوص النية. ورتبة خامسة وهي المودة، ~~وسببها الثقة. وهذه الرتبة هي أدنى الكمال في أحوال الإخاء وما قبلها أسباب ~~تعود إليها فإن اقترن بها المعاضدة فهي الصداقة. # ثم يحدث عن المودة رتبة سادسة، وهي المحبة، وسببها الاستحسان. فإن كان ms129 ~~الاستحسان لفضائل النفس حدثت رتبة سابعة، وهي الإعظام. وإن كان الاستحسان ~~للصورة والحركات حدثت رتبة ثامنة، وهي العشق وسببه الطمع. وقد قال المأمون ~~- رحمه الله تعالى -: # أول العشق مزاح وولع ... ثم يزداد إذا زاد الطمع # كل من يهوى وإن غالت به ... رتبة الملك لمن يهوى تبع # وهذه الرتبة آخر الرتب المحدودة، وليس لما جاوزها رتبة مقدرة، ولا حالة ~~محدودة؛ لأنها قد تؤدي إلى ممازجة النفوس وإن تميزت ذواتها، وتفضي إلى ~~مخالطة الأرواح وإن تفارقت أجسادها. # وهذه حالة لا يمكن حصر غايتها، ولا الوقوف عند نهايتها. وقد قال الكندي: ~~الصديق إنسان هو أنت إلا أنه غيرك. ومثل هذا القول المروي عن أبي بكر ~~الصديق - رضي الله عنه - حين أقطع طلحة بن عبيد الله أرضا وكتب له بها ~~كتابا، وأشهد فيه ناسا منهم عمر بن الخطاب، - رضي الله عنه - فأتى طلحة ~~بكتابه إلى عمر ليختمه، فامتنع عليه، فرجع طلحة مغضبا إلى أبي بكر، - رضي ~~الله عنه - وقال: والله ما أدري أنت الخليفة أم عمر؟ فقال: بل عمر، لكنه ~~أنا. # وأما المكتسبة بالقصد فلا بد لها من داع يدعو إليها، وباعث يبعث # PageV01P163 # عليها، وذلك من وجهين: رغبة وفاقة. فأما الرغبة فهي أن يظهر من الإنسان ~~فضائل تبعث على إخائه، ويتوسم بجميل يدعو إلى اصطفائه. # وهذه الحالة أقوى من التي بعدها لظهور الصفات المطلوبة من غير تكلف ~~لطلبها، وإنما يخاف عليها من الاغترار بالتصنع لها. فليس كل من أظهر الخير ~~كان من أهله، ولا كل من تخلق بالحسنى كانت من طبعه. والمتكلف للشيء مناف له ~~إلا أن يدوم عليه مستحسنا له في العقل، أو متدينا به في الشرع، فيصير ~~متطبعا به لا مطبوعا عليه؛ لأنه قد تقدم من كلام الحكماء: ليس في الطبع أن ~~يكون ما ليس في التطبع. ثم نقول من المتعذر أن تكون أخلاق الفاضل كاملة ~~بالطبع، وإنما الأغلب أن يكون بعض فضائله بالطبع، وبعضها بالتطبع الجاري ~~بالعادة مجرى الطبع، حتى يصير ما تطبع به في العادة أغلب عليه مما كان ~~مطبوعا ms130 عليه إذ خالف العادة. # ولذلك قيل: العادة طبع ثان. وقال ابن الرومي - رحمه الله -: # واعلم بأن الناس من طينة ... يصدق في الثلب لها الثالب # لولا علاج الناس أخلاقهم ... إذن لفاح الحمأ اللازب # وأما الفاقة فهي أن يفتقر الإنسان؛ لوحشة انفراده ومهانة وحدته، إلى ~~اصطفاء من يأنس بمواخاته ويثق بنصرته وموالاته. وقد قالت الحكماء: من لم ~~يرغب بثلاث بلي بست: من لم يرغب في الإخوان بلي بالعداوة والخذلان، ومن لم ~~يرغب في السلامة بلي بالشدائد والامتهان، ومن لم يرغب في المعروف بلي ~~بالندامة والخسران. ولعمري إن إخوان الصدق من أنفس الذخائر وأفضل العدد؛ ~~لأنهم سهماء النفوس وأولياء النوائب. # وقد قالت الحكماء رب صديق أود من شقيق. وقيل لمعاوية: أيما أحب إليك؟ ~~قال: صديق يحببني إلى الناس. وقال ابن المعتز: القريب بعداوته بعيد، ~~والبعيد بمودته قريب. وقال الشاعر: # لمودة ممن يحبك مخلصا ... خير من الرحم القريب الكاشح # PageV01P164 # وقال آخر: # يخونك ذو القربى مرارا وربما ... وفى لك عند العهد من لا تناسبه # فإذا عزم على اصطفاء الإخوان سبر أحوالهم قبل إخائهم، وكشف عن أخلاقهم ~~قبل اصطفائهم؛ لما تقدم من قول الحكماء: أسبر تخبر. ولا تبعثه الوحدة على ~~الإقدام قبل الخبرة، ولا حسن الظن على الاغترار بالتصنع. فإن الملق مصائد ~~العقول، والنفاق تدليس الفطن، وهما سجية المتصنع. وليس فيمن يكون النفاق ~~والملق بعض سجاياه خير يرجى، ولا صلاح يؤمل. ولأجل ذلك قالت الحكماء: اعرف ~~الرجل من فعله لا من كلامه، واعرف محبته من عينه لا من لسانه. وقال خالد بن ~~صفوان: إنما أنفقت على إخواني؛ لأني لم أستعمل معهم النفاق ولا قصرت بهم عن ~~الاستحقاق. وقال حماد عجرد: # كم من أخ لك ليس تنكره ... ما دمت في دنياك في يسر # متصنع لك في مودته ... يلقاك بالترحيب والبشر # فإذا عدا والدهر ذو غير ... دهر عليك عدا مع الدهر # فارفض بإجمال مودة من ... يقلي المقل ويعشق المثري # وعليك من حالاه واحدة ... في العسر إما كنت واليسر # على أن الإنسان موسوم بسيماء من قارب، ومنسوب إليه أفاعيل ms131 من صاحب. قال ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «المرء مع من أحب» . # وقال علي بن أبي طالب - رضي الله عنه -: الصاحب مناسب. وقال عبد الله بن ~~مسعود - رضي الله عنه -: ما من شيء أدل على شيء ولا الدخان على النار من ~~الصاحب على الصاحب. وقال بعض الحكماء: اعرف أخاك بأخيه قبلك. وقال بعض ~~الأدباء: يظن بالمرء ما يظن بقرينه. وقال عدي بن زيد: # PageV01P165 # عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه ... فكل قرين بالمقارن يقتدي # إذا كنت في قوم فصاحب خيارهم ... ولا تصحب الأردى فتردى مع الردي # فلزم من هذا الوجه أيضا أن يتحرز من دخلاء السوء، ويجانب أهل الريب، ~~ليكون موفور العرض سليم العيب، فلا يلام بملامة غيره. ولهذا قيل: التثبت ~~والارتياء، ومداومة الاختيار والابتلاء، متعذر بل مفقود. وقد ضرب ذو الرمة ~~مثلا بالماء فيمن حسن ظاهره، وخبث باطنه، فقال: # ألم تر أن الماء يخبث طعمه ... وإن كان لون الماء أبيض صافيا # ونظر بعض الحكماء إلى رجل سوء حسن الوجه فقال: أما البيت فحسن، وأما ~~الساكن فرديء. فأخذ جحظة هذا المعنى فقال: # رب ما أبين التباين فيه ... منزل عامر وعقل خراب # وأنشد في بعض أهل العلم: # لا تركنن إلى ذي منظر حسن ... فرب رائقة قد ساء مخبرها # ما كل أصفر دينار لصفرته ... صفر العقارب أرداها وأنكرها # ثم قد تقدم من قول الحكماء: من لم يقدم الامتحان قبل الثقة، والثقة قبل ~~أنس، أثمرت مودته ندما. وقال بعض البلغاء: مصارمة قبل اختبار، أفضل من ~~مؤاخاة على اغترار. وقال بعض الأدباء: لا تثق بالصديق قبل الخبرة، ولا نفع ~~بالعدو قبل القدرة، وقال بعض الشعراء: # لا تحمدن امرأ حتى تجربه ... ولا تذمنه من غير تجريب # فحمدك المرء ما لم تبله خطأ ... وذمه بعد حمد شر تكذيب # PageV01P166 # وإذا قد لزم من هذين الوجهين سبر الإخوان قبل إخائهم، وخبرة أخلاقهم قبل ~~اصطفائهم. فالخصال المعتبرة في إخائهم بعد المجانسة التي هي أصل الاتفاق ~~أربع خصال: فالخصلة الأولى: عقل موفور يهدي إلى مراشد الأمور. فإن الحمق لا ms132 ~~تثبت معه مودة، ولا تدوم لصاحبه استقامة. وقد روي عن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - أنه قال: «البذاء لؤم، وصحبة الأحمق شؤم» . # وقال بعض الحكماء: عداوة العاقل أقل ضررا من مودة الأحمق؛ لأن الأحمق ~~ربما ضر وهو يقدر أن ينفع، والعاقل لا يتجاوز الحد في مضرته، فمضرته لها حد ~~يقف عليه العقل، ومضرة الجاهل ليست بذات حد. والمحدود أقل ضررا مما هو غير ~~محدود. وقال المنصور للمسيب بن زهير: ما مادة العقل؟ فقال: مجالسة العقلاء. ~~وقال بعض البلغاء: من الجهل صحبة ذوي الجهل، ومن المحال مجادلة ذوي المحال. # وقال بعض الأدباء: من أشار عليك باصطناع جاهل أو عاجز، لم يخل أن يكون ~~صديقا جاهلا أو عدوا عاقلا؛ لأنه يشير بما يضرك ويحتال فيما يضع منك. وقال ~~بعض الشعراء: # إذا ما كنت متخذا خليلا ... فلا تثقن بكل أخي إخاء # فإن خيرت بينهم فألصق ... بأهل العقل منهم والحياء # فإن العقل ليس له إذا ما ... تفاضلت الفضائل من كفاء # والخصلة الثانية: الدين الواقف بصاحبه على الخيرات، فإن تارك الدين عدو ~~لنفسه، فكيف يرجى منه مودة غيره. وقال بعض الحكماء: اصطف من الإخوان ذا ~~الدين والحسب والرأي والأدب، فإنه ردء لك عند حاجتك، ويد عند نائبتك، وأنس ~~عند وحشتك، وزين عند عافيتك. وقال حسان بن ثابت - رضي الله عنه -: # أخلاء الرخاء هم كثير ... ولكن في البلاء هم قليل # فلا يغررك خلة من تؤاخي ... فما لك عند نائبة خليل # وكل أخ يقول أنا وفي ... ولكن ليس يفعل ما يقول # PageV01P167 # سوى خل له حسب ودين ... فذاك لما يقول هو الفعول # وقال آخر: من لم يكن في الله خلته فخليله منه على خطر. # والخصلة الثالثة: أن يكون محمود الأخلاق مرضي الأفعال، مؤثرا للخير آمرا ~~به، كارها للشر ناهيا عنه، فإن مودة الشرير تكسب الأعداء وتفسد الأخلاق. ~~ولا خير في مودة تجلب عداوة وتورث مذمة، فإن المتبوع تابع صاحبه. وقال عبد ~~الله بن المعتز: إخوان الشر كشجر النارنج يحرق بعضها بعضا. # وقال بعض الحكماء: مخالطة الأشرار على خطر، ms133 والصبر على صحبتهم كركوب ~~البحر، الذي من سلم منه ببدنه من التلف فيه، لم يسلم بقلبه من الحذر منه. ~~وقال بعض البلغاء: صحبة الأشرار تورث سوء الظن بالأخيار. وقال بعض البلغاء: ~~من خير الاختيار صحبة الأخيار، ومن شر الاختيار صحبة الأشرار. وقال بعض ~~الشعراء: # مجالسة السفيه سفاه رأي ... ومن عقل مجالسة الحكيم # فإنك والقرين معا سواء ... كما قد الأديم من الأديم # والخصلة الرابعة: أن يكون من كل واحد منهما ميل إلى صاحبه، ورغبة في ~~مؤاخاته. فإن ذلك أوكد لحال المؤاخاة وأمد لأسباب المصافاة، إذ ليس كل ~~مطلوب إليه طالبا ولا كل مرغوب إليه راغبا. ومن طلب مودة ممتنع عليه، ورغب ~~إلى زاهد فيه، كان معنى خائبا، كما قال البحتري: # وطلبت منك مودة لم أعطها ... إن المعنى طالب لا يظفر # وقال العباس بن الأحنف: # فإن كان لا يدنيك إلا شفاعة ... فلا خير في ود يكون بشافع # PageV01P168 # وأقسم ما تركي عتابك عن قلى ... ولكن لعلمي أنه غير نافع # وإني إذا لم ألزم الصبر طائعا ... فلا بد منه مكرها غير طائع # فإذا استكملت هذه الخصال في إنسان وجب إخاؤه، وتعين اصطفاؤه. وبحسب ~~وفورها فيه يجب أن يكون الميل إليه والثقة به. # وبحسب ما يرى من غلبة إحداها عليه يجعل مستعملا في الخلق الغالب عليه. ~~فإن الإخوان على طبقات مختلفة وأنحاء متشعبة، ولكل واحد منهم حال يختص بها ~~في المشاركة، وثلمة يسدها في المؤازرة والمظافرة، وليس تتفق أحوال جميعهم ~~على حد واحد؛ لأن التباين في الناس غالب، واختلافهم في الشيم ظاهر. وقال ~~بعض الحكماء: الرجال كالشجر شرابه واحد وثمره مختلف. فأخذ هذا المعنى منصور ~~بن إسماعيل فقال: # بنو آدم كالنبت ... ونبت الأرض ألوان # فمنهم شجر الصندل ... والكافور والبان # ومنهم شجر ... أفضل ما يحمل قطران # ومن رام إخوانا تتفق أحوال جميعهم رام متعذرا، بل لو اتفقوا لكان ربما ~~وقع به خلل في نظامه، إذ ليس الواحد من الإخوان يمكن الاستعانة به في كل ~~حال، ولا المجبولون على الخلق الواحد يمكن أن يتصرفوا في جميع الأعمال ms134 ~~وإنما بالاختلاف يكون الائتلاف. وقد قال بعض الحكماء: ليس بلبيب من لم ~~يعاشر بالمعروف من لم يجد من معاشرته بدا. # وقال المأمون: الإخوان ثلاث طبقات: طبقة كالغذاء لا يستغنى عنه، وطبقة ~~كالدواء يحتاج إليه أحيانا، وطبقة كالداء لا يحتاج إليه أبدا. ولعمري إن ~~الناس على ما وصفهم، لا الإخوان منهم. وليس من كان منهم كالداء، من الإخوان ~~المعدودين، بل هم من الأعداء المحذورين. وإنما يداجون المودة استكفافا ~~لشرهم، وتحرزا من مكاشفتهم، فدخلوا في عداد الإخوان بالمظاهرة والمساترة، ~~وفي الأعداء عند المكاشفة والمجاهرة. # قال بعض الحكماء: مثل العدو الضاحك إليك كالحنظلة الخضراء أوراقها، ~~القاتل مذاقها. # وقد قيل في منثور الحكم: لا تغترن بمقاربة العدو فإنه كالماء وإن # PageV01P169 # أطيل إسخانه بالنار لم يمنع من إطفائها. وقال يزيد بن الحكم الثقفي: # تكاشرني ضحكا كأنك ناصح ... وعينك تبدي أن صدرك لي دوي # لسانك معسول ونفسك علقم ... وشرك مبسوط وخيرك ملتوي # فليت كفافا كان خيرك كله ... وشرك عني ما ارتوى الماء مرتوي # فإذا خرج من كان كالداء من عداد الإخوان، فالإخوان هم الصنفان الآخران ~~اللذان من كان منهم كالغذاء وكالدواء؛ لأن الغذاء أقوم للنفس وحياتها، ~~والدواء علاجها وصلاحها. # وأفضلهما من كان كالغذاء؛ لأن الحاجة إليه أعم. وإذا تميز الإخوان وجب أن ~~ينزل كل منهم حيث نزلت به أحواله إليه واستقرت خصاله وخلاله عليه. فمن قويت ~~أسبابه قويت الثقة به، وبحسب الثقة به يكون الركون إليه، والتعويل عليه. ~~وقال الشاعر: # ما أنت بالسبب الضعيف وإنما ... نجح الأمور بقوة الأسباب # فاليوم حاجتنا إليك وإنما ... يدعى الطبيب لشدة الأوصاب # وقد اختلفت مذاهب الناس في اتخاذ الإخوان. فمنهم من يرى أن الاستكثار ~~منهم أولى؛ ليكونوا أقوى منعة ويدا، وأوفر تحببا وتوددا، وأكثر تعاونا ~~وتفقدا. وقيل لبعض الحكماء: ما العيش؟ قال: إقبال الزمان، وعز السلطان، ~~وكثرة الإخوان. وقيل: حلية المرء كثرة إخوانه. # ومنهم من يرى أن الإقلال منهم أولى؛ لأنه أخف إثقالا وكلفا، وأقل تنازعا ~~وخلفا. وقال الإسكندر: المستكثر من الإخوان من غير اختيار كالمستوفر من ~~الحجارة، والمقل من الإخوان ms135 المتخير لهم كالذي يتخير الجوهر. وقال عمرو بن ~~العاص: من كثر أخوانه كثر غرماؤه. وقال إبراهيم بن العباس: مثل الإخوان ~~كالنار قليلها متاع وكثيرها بوار. ولقد أحسن ابن الرومي في هذا المعنى، ~~ونبه على العلة، حيث يقول: # عدوك من صديقك مستفاد ... فلا تستكثرن من الصحاب # فإن الداء أكثر ما تراه ... يكون من الطعام أو الشراب # ودع عنك الكثير فكم كثير ... يعاف وكم قليل مستطاب # PageV01P170 # فما اللجج الملاح بمرويات ... وتلقى الري في النطف العذاب # وقال بعض البلغاء: ليكن غرضك في اتخاذ الإخوان واصطناع النصحاء تكثير ~~العدة لا تكثير العدة، وتحصيل النفع لا تحصيل الجمع، فواحد يحصل به المراد ~~خير من ألف تكثر الأعداد. وإذا كان التجانس والتشاكل من قواعد الأخوة ~~وأسباب المودة، كان وفور العقل وظهور الفضل يقتضي من حال صاحبه قلة إخوانه؛ ~~لأنه يروم مثله، ويطلب شكله وأمثاله من ذوي العقل والفضل أقل من أضداده من ~~ذوي الحمق والنقص؛ لأن الخيار في كل شيء هو الأقل، فلذلك قل وفور العقل ~~والفضل. وقد قال الله تعالى: {إن الذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا ~~يعقلون} [الحجرات: 4] . # فقل بهذا التعليل إخوان أهل الفضل لقلتهم، وكثر إخوان ذوي النقص والجهل؛ ~~لكثرتهم. وقد قال في ذلك الشاعر: # لكل امرئ شكل من الناس مثله ... فأكثرهم شكلا أقلهم عقلا # وكل أناس آلفون لشكلهم ... فأكثرهم عقلا أقلهم شكلا # لأن كثير العقل لست بواجد ... له في طريق حين يسلكه مثلا # وكل سفيه طائش إن فقدته ... وجدت له في كل ناحية عدلا # وإذا كان الأمر على ما وصفنا، فقد تنقسم أحوال من دخل في عدد الإخوان ~~أربعة أقسام: منهم من يعين ويستعين، ومنهم من لا يعين ولا يستعين، ومنهم من ~~يستعين ولا يعين، ومنهم من يعين ولا يستعين. # فأما المعين والمستعين فهو معاوض منصف يؤدي ما عليه، ويستوفي ما له. فهو ~~القروض يسعف عند الحاجة ويسترد عند الاستغناء، وهو مشكور في معونته، ومعذور ~~في استعانته. فهذا أعدل الإخوان. # وأما من لا يعين ولا يستعين فهو منازل قد منع خيره، ms136 وقمع شره. فهو لا ~~صديق يرجى، ولا عدو يخشى. وقد قال المغيرة بن شعبة - رضي الله عنه -: ~~التارك للإخوان # PageV01P171 # متروك. وإذا كان ذلك فهو كالصورة الممثلة يروقك حسنها، ويخونك نفعها، فلا ~~هو مذموم لقمع شره، ولا هو مشكور لمنع خيره، وإن كان باللوم أجدر. وقد قال ~~الشاعر: # وأسوأ أيام الفتى يوم لا يرى ... له أحد يزري عليه وينكر # غير أن فساد الوقت وتغير أهله يوجب شكر من كان شره مقطوعا، وإن كان خيره ~~ممنوعا، كما قال المتنبي: # إنا لفي زمن ترك القبيح به ... من أكثر الناس إحسان وإجمال # وأما من يستعين ولا يعين فهو لئيم كل، ومهين مستذل، قد قطع عنه الرغبة، ~~وبسط فيه الرهبة، فلا خيره يرجى، ولا شره يؤمن. وحسبك مهانة من رجل مستثقل ~~عند إقلاله، ويستقل عند استقلاله، فليس لمثله في الإخاء حظ ولا في الوداد ~~نصيب. وهو ممن جعله المأمون من داء الإخوان لا من دوائهم، ومن سمهم لا من ~~غذائهم. وقال بعض الحكماء: شر ما في الكريم أن يمنعك خيره، وخير ما في ~~اللئيم أن يكف عنك شره. # وقال ابن الرومي: # عذرنا النخل في إبداء شوك ... يرد به الأنامل عن جناه # فما للعوسج الملعون أبدى ... لنا شوكا بلا ثمر نراه # وأما من يعين ولا يستعين فهو كريم الطبع، مشكور الصنع. وقد حاز فضيلتي ~~الابتداء والاكتفاء، فلا يرى ثقيلا في نائبة، ولا يقعد عن نهضة في معونة. ~~فهذا أشرف الإخوان نفسا وأكرمهم طبعا. فينبغي لمن أوجده الزمان مثله - وقل ~~أن يكون له مثل؛ لأنه البر الكريم والدر اليتيم - أن يثني عليه خنصره، ويعض ~~عليه ناجذه، ويكون به أشد ضنا منه بنفائس أمواله، وسني ذخائره؛ لأن نفع ~~الإخوان عام ونفع المال خاص، ومن كان أعم نفعا فهو بالإدخار أحق. # وقال الفرزدق: # يمضي أخوك فلا تلقى له خلفا ... والمال بعد ذهاب المال مكتسب # PageV01P172 # وقال آخر: # لكل شيء عدمته عوض ... وما لفقد الصديق من عوض # ثم لا ينبغي أن يزهد فيه لخلق أو خلقين ينكرهما منه إذا رضي سائر ms137 أخلاقه، ~~وحمد أكثر شيمه؛ لأن اليسير مغفور والكمال معوز. وقد قال الكندي: كيف تريد ~~من صديقك خلقا واحدا وهو ذو طبائع أربع؟ مع أن نفس الإنسان التي هي أخص ~~النفوس به ومدبرة باختياره وإرادته، لا تعطيه قيادها في كل ما يريد، ولا ~~تجيبه إلى طاعته في كل ما يحب، فكيف بنفس غيره، وحسبك أن يكون لك من أخيك ~~أكثره. # وقد قال أبو الدرداء - رضي الله عنه -: معاتبة الأخ خير من فقده، ومن لك ~~بأخيك كله؟ فأخذ الشعراء هذا المعنى، فقال أبو العتاهية: # أأخي من لك من بني الدنيا ... بكل أخيك من لك # فاستبق بعضك لا يملك ... كل من أعطيت كلك # وقال أبو تمام الطائي: # ما غبن المغبون مثل عقله ... من لك يوما بأخيك كله # ؟ وقال بعض الحكماء: طلب الإنصاف من قلة الإنصاف. وقال بعض البلغاء: لا ~~يزهدنك في رجل حمدت سيرته، وارتضيت وتيرته، وعرفت فضله، وبطنت عقله عيب ~~تحيط به كثرة فضائله، أو ذنب صغير تستغفر له قوة وسائله. # فإنك لن تجد، ما بقيت، مهذبا لا يكون فيه عيب، ولا يقع منه ذنب. فاعتبر ~~نفسك، بعد، أن لا تراها بعين الرضى، ولا تجري فيها على حكم الهوى، فإن في ~~اعتبارك واختيارك لها ما يؤيسك مما تطلب، ويعطفك على من يذنب. وقد قال ~~الشاعر: # ومن ذا الذي ترضى سجاياه كلها ... كفى المرء نبلا أن تعد معايبه # وقال النابغة الذبياني: # ولست بمستبق أخا لا تلمه ... على شعث أي الرجال المهذب # PageV01P173 # وليس ينقض هذا القول ما وصفنا من اختياره واختيار الخصال الأربع فيه؛ لأن ~~ما أعوز فيه معفو عنه. وهذا لا ينبغي أن توحشك فترة تجدها منه، ولا أن تسيء ~~الظن في كبوة تكون منه، ما لم تتحقق تغيره وتتيقن تنكره. # وليصرف ذلك إلى فترات النفوس واستراحات الخواطر، فإن الإنسان قد يتغير عن ~~مراعاة نفسه التي هي أخص النفوس به، ولا يكون ذلك من عداوة لها ولا ملل ~~منها. وقد قيل في منثور الحكم: لا يفسدنك الظن على صديق قد أصلحك اليقين ~~له. ms138 وقال جعفر بن محمد لابنه: يا بني من غضب من إخوانك ثلاث مرات فلم يقل ~~فيك سوءا فاتخذه لنفسك خلا. وقال الحسن بن وهب: من حقوق المودة أخذ عفو ~~الإخوان، والإغضاء عن تقصير إن كان. # وقد روي عن علي - رضي الله عنه - في قوله تعالى: {فاصفح الصفح الجميل} ~~[الحجر: 85] قال: الرضى بغير عتاب. وقال ابن الرومي: # هم الناس والدنيا ولا بد من قذى ... يلم بعين أو يكدر مشربا # ومن قلة الإنصاف أنك تبتغي المهذب ... في الدنيا ولست المهذبا # وقال بعض الشعراء: # تواصلنا على الأيام باق ... ولكن هجرنا مطر الربيع # يروعك صوبه لكن تراه ... على علاته داني النزوع # معاذ الله أن نلقى غضابا ... سوى ذل المطاع على المطيع # وأنشدني الأزدي: # لا يؤيسنك من صديق نبوة ... ينبو الفتى وهو الجواد الخضرم # فإذا نبا فاستبقه وتأنه ... حتى تفيء به وطبعك أكرم # وأما الملول وهو السريع التغير، الوشيك التنكر، فوداده خطر # PageV01P174 # وإخاؤه غرر؛ لأنه لا يبقى على حالة، ولا يخلو من استحالة. # وقد قال ابن الرومي: # إذا أنت عاتبت الملول فإنما ... تخط على صحف من الماء أحرفا # وهبه ارعوى بعد العتاب ألم تكن ... مودته طبعا فصارت تكلفا # وهم نوعان: منهم من يكون ملله استراحة، ثم يعود إلى المعهود من إخائه، ~~فهذا أسلم المللين وأقرب الرجلين يسامح في وقت استراحته وحين فترته، ليرجع ~~إلى الحسنى ويئوب إلى الإخاء، وإن تقدم المثل بما نظمه الشاعر حيث قال: # وقالوا يعود الماء في النهر بعد ما ... عفت منه آثار وجفت مشارعه # فقلت إلى أن يرجع الماء عائدا ... ويعشب شطاه تموت ضفادعه # لكن لا يطرح حقه بالتوهم، ولا يسقط حرمته بالظنون. # وقال الشاعر: # إذا ما حال عهد أخيك يوما ... وحاد عن الطريق المستقيم # فلا تعجل بلومك واستدمه ... فإن أخا الحفاظ المستديم # فإن تك زلة منه وإلا ... فلا تبعد عن الخلق الكريم # ومنهم من يكون ملله تركا وإطراحا، ولا يراجع أخا ولا ودا، ولا يتذكر ~~حفاظا ولا عهدا، كما قال أشجع بن عمر السلمي: # إني رأيت لها مواصلة ... كالسم تفرغه ms139 على الشهد # فإذا أخذت بعهد ذمتها ... لعب الصدود بذلك العهد # وهذا أذم الرجلين حالا؛ لأن مودته من وساوس الخطرات، وعوارض الشهوات. # وليس إلا استدراك الحال معه بالإقلاع قبل المخالطة، وحسن المتاركة بعد ~~الورطة، كما قال العباس بن الأحنف: # تداركت نفسي فعريتها ... وبغضتها فيك آمالها # وما طابت النفس عن سلوة ... ولكن حملت عليها لها # PageV01P175 # وما مثل من هذه حاله إلا كما قد قال إبراهيم بن هرمة: # فإنك واطراحك وصل سلمى ... لأحرى في مودتها نكوب # كثاقبة لحلي مستعار ... لأذنيها فشانهما الثقوب # فأدت حلي جارتها إليها ... وقد بقيت بأذنيها ندوب # وإذا صفت له أخلاق من سبره، وتمهدت لديه أحوال من خبره، وأقدم على ~~اصطفائه أخا، وعلى اتخاذه خدنا، لزمته حينئذ حقوقه، ووجبت عليه حرماته. # وقال عمر بن مسعدة: العبودية عبودية الإخاء لا عبودية الرق. وقال بعض ~~الحكماء: من جاد لك بمودته، فقد جعلك عديل نفسه. فأول حقوقه اعتقاد مودته ~~ثم إيناسه بالانبساط إليه في غير محرم، ثم نصحه في السر والعلانية، ثم ~~تخفيف الأثقال عنه، ثم معاونته فيما ينوبه من حادثة، أو يناله من نكبة. فإن ~~مراقبته في الظاهر نفاق، وتركه في الشدة لؤم. # وقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «خير أصحابك المعين لك ~~على دهرك، وشرهم من سعى لك بسوق يوم» . وقيل: «يا رسول الله أي الأصحاب ~~خير؟ قال: الذي إذا ذكرت أعانك وواساك، وخير منه من إذا نسيت ذكرك» . وكان ~~علي بن أبي طالب كرم الله وجهه يقول: اللهم إني أعوذ بك ممن لا يلتمس خالص ~~مودتي إلا بموافقة شهوتي، وممن ساعدني على سرور ساعتي، ولا يفكر في حوادث ~~غدي. # وقال بعض البلغاء: عقود الغادر محلولة، وعهوده مدخولة. وقال بعض البلغاء: ~~ما ودك من أهمل ودك، ولا أحبك من أبغض حبك. وقال بعض الشعراء: # وكل أخ عند الهوينا ملاطف ... ولكنما الإخوان عند الشدائد # وقال صالح بن عبد القدوس: شر الإخوان من كانت مودته مع الزمان إذا أقبل، ~~فإذا أدبر الزمان أدبر عنك. فأخذ هذا المعنى الشاعر فقال: ms140 # شر الأخلاء من كانت مودته ... مع الزمان إذا ما خاف أو رغبا # إذا وترت امرأ فاحذر عداوته ... من يزرع الشوك لا يحصد به عنبا # PageV01P176 # إن العدو وإن أبدى مسالمة ... إذا رأى منك يوما فرصة وثبا # وينبغي أن يتوقى الإفراط في محبته، فإن الإفراط داع إلى التقصير. ولئن ~~تكون الحال بينهما نامية أولى من أن تكون متناهية. وقد روى ابن سيرين عن ~~أبي هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «أحبب حبيبك هونا ما، ~~عسى أن يكون بغيضك يوما ما، وأبغض بغيضك هونا ما، عسى أن يكون حبيبك يوما ~~ما» . وقال عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -: لا يكن حبك كلفا، ولا بغضك ~~تلفا. وقال أبو الأسود الدؤلي: # وكن معدنا للخير واصفح عن الأذى ... فإنك راء ما علمت وسامع # وأحبب إذا أحببت حبا مقاربا ... فإنك لا تدري متى أنت نازع # وأبغض إذا أبغضت غير مباين ... فإنك لا تدري متى أنت راجع # وقال عدي بن زيد: # لا تأمنن من مبغض قرب داره ... ولا من محب أن يمل فيبعدا # وإنما يلزم من حق الإخاء بذل المجهود في النصح، والتناهي في رعاية ما ~~بينهما من الحق، فليس في ذلك إفراط وإن تناهى، ولا مجاوزة حد وإن كثر ~~وأوفى، فتستوي حالتاهما في المغيب والمشهد ولا يكون مغيبهما أفضل من ~~مشهدهما وأولى، فإن فضل المشهد على المغيب لؤم، وفضل المغيب على المشهد ~~كرم، واستواؤهما حفاظ. # وقال بعض الشعراء: # علي لإخواني رقيب من الصفا ... تبيد الليالي وهو ليس يبيد # يذكرنيهم في مغيبي ومشهدي ... فسيان منهم غائب وشهيد # وإني لأستحيي أخي أن أبره ... قريبا وأن أجفوه وهو بعيد # وهكذا يقصد التوسط في زيارته وغشيانه، غير مقلل ولا مكثر. # فإن تقليل الزيارة داعية الهجران، وكثرتها سبب الملال. وقد قال النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - لأبي هريرة - رضي الله عنه -: «يا أبا هريرة زر غبا ~~تزدد # PageV01P177 # حبا» . وقال لبيد: # توقف عن زيارة كل يوم ... إذا أكثرت ملك من تزور # وقال آخر: # أقلل زيارتك الصديق ولا تطل ... هجرانه فيلج ms141 في هجرانه # إن الصديق يلج في غشيانه ... لصديقه فيمل من غشيانه # حتى يراه بعد طول سروره ... بمكانه متثاقلا بمكانه # وإذا توانى عن صيانة نفسه ... رجل تنقص واستخف بشانه # وبحسب ذلك فليكن في عتابه فإن كثرة العتاب سبب للقطيعة وإطراح جميعه دليل ~~على قلة الاكتراث بأمر الصديق. وقد قيل: علة المعاداة قلة المبالاة. بل ~~تتوسط حالتا تركه وعتابه فيسامح بالمتاركة ويستصلح بالمعاتبة، فإن المسامحة ~~والاستصلاح إذا اجتمعا لم يلبث معهما نفور، ولم يبق معهما وجد. # وقد قال بعض الحكماء: لا تكثرن معاتبة إخوانك، فيهون عليهم سخطك. وقال ~~منصور النمري: # أقلل عتاب من استربت بوده ... ليست تنال مودة بعتاب # وقال بشار بن برد: # إذا كنت في كل الأمور معاتبا ... صديقك لم تلق الذي لا تعاتبه # وإن أنت لم تشرب مرارا على القذى ... ظمئت وأي الناس تصفو مشاربه # فعش واحدا أو صل أخاك فإنه ... مقارف ذنب مرة ومجانبه # ثم إن من حق الإخوان أن تغفر هفوتهم، وتستر زلتهم؛ لأن من رام بريئا من ~~الهفوات، سليما من الزلات، رام أمرا معوزا، واقترح وصفا معجزا. وقد قالت ~~الحكماء: أي عالم لا يهفو، وأي صارم لا ينبو، وأي جواد لا يكبو. وقالوا: من ~~حاول صديقا يأمن زلته ويدوم اغتباطه به، كان كضال الطريق الذي لا يزداد ~~لنفسه إتعابا إلا ازداد من غايته بعدا. وقيل لخالد بن صفوان: أي إخوانك أحب ~~إليك؟ قال: من غفر زللي، وقطع # PageV01P178 # عللي، وبلغني أملي. وقال بعض الشعراء: # ما كدت أفحص عن أخي ثقة ... إلا ندمت عواقب الفحص # وأنشدت عن الربيع للشافعي - رضي الله عنه -: # أحب من الإخوان كل مواتي ... وكل غضيض الطرف عن عثراتي # يوافقني في كل أمر أريده ... ويحفظني حيا وبعد وفاتي # فمن لي بهذا ليت أني أصبته ... فقاسمته ما لي من الحسنات # تصفحت إخواني وكان أقلهم ... على كثرة الإخوان أهل ثقاتي # وأنشد ثعلب: # إذا أنت لم تستقلل الأمر لم تجد ... بكفيك في إدباره متعلقا # إذا أنت لم تترك أخاك وزلة ... إذا زلها أوشكتما أن تفرقا # وحكى الأصمعي عن بعض ms142 الأعراب أنه قال: تناس مساوئ الإخوان يدم لك ودهم. ~~ووصى بعض الأدباء أخا له فقال: كن للود حافظا وإن لم تجد محافظا، وللخل ~~واصلا وإن لم تجد مواصلا. وقال رجل من إياد ليزيد بن المهلب: # إذا لم تجاوز عن أخ عند زلة ... فلست غدا عن عثرتي متجاوزا # وكيف يرجيك البعيد لنفعه ... إذا كان عن مولاك خيرك عاجزا # ظلمت أخا كلفته فوق وسعه ... وهل كانت الأخلاق إلا غرائزا # وقال أبو مسعود، كاتب الرضي: كنا في مجلس الرضي فشكا رجل من أخيه، فأنشد ~~الرضي: # اعذر أخاك على ذنوبه ... واستر وغط على عيوبه # واصبر على بهت السفيه ... وللزمان على خطوبه # ودع الجواب تفضلا ... وكل الظلوم إلى حسيبه # واعلم بأن الحلم ... عند الغيظ أحسن من ركوبه # PageV01P179 # وحكي عن بنت عبد الله بن مطيع أنها قالت لزوجها طلحة بن عبد الرحمن بن ~~عوف الزهري، وكان أجود قريش في زمانه: ما رأيت قوما ألأم من إخوانك، قال مه ~~ولم ذلك؟ قالت: أراهم إذا أيسرت لزموك، وإذا أعسرت تركوك. قال: هذا والله ~~من كرمهم، يأتوننا في حال القوة بنا عليهم، ويتركوننا في حال الضعف بنا ~~عنهم. فانظر كيف تأول بكرمه هذا التأويل حتى جعل قبيح فعلهم حسنا، وظاهر ~~غدرهم وفاء. وهذا محض الكرم ولباب الفضل، وبمثل هذا يلزم ذوي الفضل أن ~~يتأولوا الهفوات من إخوانهم. # وقد قال بعض الشعراء: # إذا ما بدت من صاحب لك زلة ... فكن أنت محتالا لزلته عذرا # أحب الفتى ينفي الفواحش سمعه ... كأن به عن كل فاحشة وقرا # سليم دواعي الصبر لا باسط أذى ... ولا مانع خيرا ولا قائل هجرا # والداعي إلى هذا التأويل شيئان: التغافل الحادث عن الفطنة، والتألف ~~الصادر عن الوفاء. وقال بعض الحكماء: وجدت أكثر أمور الدنيا لا تجوز إلا ~~بالتغافل. وقال أكثم بن صيفي: من شدد نفر، ومن تراخى تألف، والشرف في ~~التغافل. وقال شبيب بن شيبة الأديب: العاقل هو الفطن المتغافل. وقال ~~الطائي: # ليس الغبي بسيد في قومه ... لكن سيد قومه المتغابي # وقال أبو العتاهية: # إن في صحة ms143 الإخاء من الناس ... وفي خلة الوفاء لقله # فالبس الناس ما استطعت على ... النقص وإلا لم تستقم لك خله # عش وحيدا إن كنت لا تقبل العذر ... وإن كنت لا تجاوز زله # من أب واحد وأم خلقنا ... غير أنا في المال أولاد عله # ومما يتبع هذا الفصل تألف الأعداء بما ينئيهم عن البغضاء ويعطفهم على ~~المحبة. وذلك قد يكون بصنوف من البر ويختلف بسبب اختلاف الأحوال. فإن ذلك ~~من سمات الفضل وشروط السؤدد، فإنه ما أحد يعدم # PageV01P180 # عدوا ولا يفقد حاسدا. وبحسب قدر النعمة تكثر الأعداء والحسدة، كما قال ~~البحتري: # ولن تستبين الدهر موقع نعمة ... إذا أنت لم تدلل عليها بحاسد # فإن أغفل تألف الأعداء مع وفور النعمة وظهور الحسدة، توالى عليه من مكر ~~حليمهم، وبادرة سفيههم، ما تصير به النعمة غراما والزعامة ملاما. وروى ابن ~~المسيب عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: «رأس العقل بعد الإيمان بالله تعالى التودد إلى الناس» . وقال ~~سليمان بن داود - عليهما السلام -، لابنه: لا تستكثر أن يكون لك ألف صديق، ~~فالألف قليل. ولا تستقل أن يكون لك عدو واحد، فالواحد كثير. فنظم ابن ~~الرومي هذا المعنى فقال: # فكثر من الإخوان ما استطعت إنهم ... بطون إذا استنجدتهم وظهور # وليس كثيرا ألف خل وصاحب ... وإن عدوا واحدا لكثير # وقيل لعبد الملك بن مروان: ما أفدت في ملكك هذا؟ قال: مودة الرجال. وقال ~~بعض الحكماء: من علامة الإقبال اصطناع الرجال. وقال بعض البلغاء: من استصلح ~~عدوه زاد في عدده، ومن استفسد صديقه نقص من عدده. # وقال بعض الأدباء: العجب ممن يطرح عاقلا كافيا لما يضمره من عداوته، ~~ويصطنع عاجزا جاهلا لما يظهره من محبته، وهو قادر على استصلاح من يعاديه ~~بحسن صنائعه وأياديه. وأنشد عبد الله بن الزبير ثلاثة أبيات جامعة لكل ما ~~قالته العرب، وهي للأفوه واسمه صلاءة بن عمرو حيث يقول: # بلوت الناس قرنا بعد قرن ... فلم أر غير ختال وقالي # وذقت مرارة الأشياء جمعا ... فما طعم أمر من ms144 السؤال # ولم أر في الخطوب أشد هولا ... وأصعب من معاداة الرجال # PageV01P181 # وقال القاضي التنوخي: # إلق العدو بوجه لا قطوب به ... يكاد يقطر من ماء البشاشات # فأحزم الناس من يلقى أعاديه ... في جسم حقد وثوب من مودات # الرفق يمن وخير القول أصدقه ... وكثرة المزح مفتاح العداوات # وأنشدت عن الربيع، للشافعي - رضي الله عنه -: # لما عفوت ولم أحقد على أحد ... أرحت نفسي من هم العداوات # إني أحيي عدوي عند رؤيته ... لأدفع الشر عني بالتحيات # وأظهر البشر للإنسان أبغضه ... كأنما قد حشى قلبي محبات # الناس داء دواء الناس قربهم ... وفي اعتزالهم قطع المودات # وليس - وإن كان بتألف الأعداء مأمورا، وإلى مقاربتهم مندوبا - ينبغي أن ~~يكون لهم راكنا، وبهم واثقا، بل يكون منهم على حذر، ومن مكرهم على تحرز، ~~فإن العداوة إذا استحكمت في الطباع صارت طبعا لا يستحيل، وجبلة لا تزول. ~~وإنما يستكفى بالتألف إظهارها، ويستدفع به أضرارها، كالنار يستدفع بالماء ~~إحراقها، ويستفاد به إنضاجها، وإن كانت محرقة بطبع لا يزول وجوهر لا يتغير. ~~وقال الشاعر: # وإذا عجزت عن العدو فداره ... وامزح له إن المزاح وفاق # فالنار بالماء الذي هو ضدها ... تعطي النضاج وطبعها الإحراق ### | [فصل في البر] # البر فصل: وأما البر، وهو الخامس من أسباب الألفة فلأنه يوصل إلى القلوب ~~ألطافا، ويثنيها محبة وانعطافا. ولذلك ندب الله تعالى إلى التعاون به وقرنه ~~بالتقوى له فقال: {وتعاونوا على البر والتقوى} [المائدة: 2] # لأن في # PageV01P182 # التقوى رضى الله تعالى، وفي البر رضى الناس. ومن جمع بين رضى الله تعالى ~~ورضى الناس فقد تمت سعادته وعمت نعمته. وروى الأعمش عن خيثمة عن ابن مسعود ~~قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «جبلت القلوب على حب من ~~أحسن إليها، وبغض من أساء إليها» . # وحكي أن الله تعالى أوحى إلى داود - على نبينا وعليه السلام -: ذكر عبادي ~~إحساني إليهم ليحبوني فإنهم لا يحبون إلا من أحسن إليهم. وأنشدني أبو الحسن ~~الهاشمي: # الناس كلهم عيال ... الله تحت ظلاله # فأحبهم طرا إليه ... أبرهم لعياله # والبر نوعان: صلة ومعروف. ms145 فأما الصلة: فهي التبرع ببذل المال في الجهات ~~المحمودة لغير عوض مطلوب. وهذا يبعث عليه سماحة النفس وسخاؤها، ويمنع منه ~~شحها وإباؤها. قال الله تعالى: {ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون} ~~[الحشر: 9] # وروى محمد بن إبراهيم التيمي، عن عروة بن الزبير، عن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - أنه قال: «السخي قريب من الله عز وجل، قريب من الجنة، قريب من ~~الناس، بعيد من النار، والبخيل بعيد من الله عز وجل، بعيد من الجنة، بعيد ~~من الناس، قريب من النار» . # «وقال - صلى الله عليه وسلم - لعدي بن حاتم: رفع الله عن أبيك العذاب ~~الشديد لسخائه» . «وبلغه - صلى الله عليه وسلم - عن الزبير إمساك فجذب ~~عمامته إليه وقال: يا زبير أنا رسول الله إليك وإلى غيرك يقول أنفق أنفق ~~عليك ولا توك فأوك عليك» . # وروى أبو الدرداء قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: # PageV01P183 # «ما من يوم غربت فيه شمسه إلا وملكان يناديان: اللهم أعط منفقا خلفا ~~وممسكا تلفا» . وأنزل في ذلك القرآن: {فأما من أعطى واتقى} [الليل: 5] ~~{وصدق بالحسنى} [الليل: 6] {فسنيسره لليسرى} [الليل: 7] {وأما من بخل ~~واستغنى} [الليل: 8] {وكذب بالحسنى} [الليل: 9] {فسنيسره للعسرى} [الليل: ~~10] . # قال ابن عباس - رضي الله عنهما - يعني من أعطى فيما أمر واتقى فيما حظر ~~وصدق بالحسنى يعني بالخلف من عطائه. # فعند هذا قال ابن عباس - رضي الله عنهما -: لسادات الناس: في الدنيا ~~الأسخياء وفي الآخرة الأتقياء. وقيل في منثور الحكم: الجود عن موجود. # وقيل في المثل: سؤدد بلا جود، كملك بلا جنود. وقال بعض الحكماء: الجود ~~حارس الأعراض. وقال بعض الأدباء: من جاد ساد، ومن أضعف ازداد. وقال بعض ~~الفصحاء: جود الرجل يحببه إلى أضداده، وبخله يبغضه إلى أولاده. وقال بعض ~~الفصحاء: خير الأموال ما استرق حرا، وخير الأعمال ما استحق شكرا. # وقال صالح بن عبد القدوس: # ويظهر عيب المرء في الناس بخله ... ويستره عنهم جميعا سخاؤه # تغط بأثواب السخاء فإنني ... أرى كل عيب فالسخاء غطاؤه # وحد السخاء بذل ما يحتاج إليه عند الحاجة، وأن ms146 يوصل إلى مستحقه بقدر ~~الطاقة وتدبير ذلك مستصعب، ولعل بعض من يحب أن ينسب إلى الكرم ينكر حد ~~السخاء، ويجعل تقدير العطية فيه نوعا من البخل، وأن الجود بذل الموجود، ~~وهذا تكلف يفضي إلى الجهل بحدود الفضائل. ولو كان الجود بذل الموجود لما ~~كان للسرف موضع ولا للتبذير موقع. # وقد ورد الكتاب بذمهما وجاءت السنة بالنهي عنهما. وإذا كان السخاء محدودا ~~فمن وقف على حده سمي كريما وكان للحمد مستحقا، ومن قصر عنه بخيلا وكان # PageV01P184 # للذم مستوجبا. وقد قال الله تعالى: {ولا يحسبن الذين يبخلون بما آتاهم ~~الله من فضله هو خيرا لهم بل هو شر لهم سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة} ~~[آل عمران: 180] # وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «أقسم الله بعزته لا ~~يجاوره بخيل» . وروي عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «طعام الجواد ~~دواء، وطعام البخيل داء» . «وسمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رجلا ~~يقول: الشحيح أعذر من الظالم، فقال: لعن الله الشحيح ولعن الظالم» . # وقال بعض الحكماء: البخل جلباب المسكنة. وقال بعض الأدباء: البخيل ليس له ~~خليل. وقال بعض البلغاء: البخيل حارس نعمته، وخازن ورثته. # وقال بعض الشعراء: # إذا كنت جماعا لمالك ممسكا ... فأنت عليه خازن وأمين # تؤديه مذموما إلى غير حامد ... فيأكله عفوا وأنت دفين # وتظاهر بعض ذوي النباهة بحب الثناء مع إمساك فيه، فقال بعض الشعراء: # أراك تؤمل حسن الثنا ... ولم يرزق الله ذاك البخيلا # وكيف يسود أخو بطنة ... يمن كثيرا ويعطي قليلا # وقد بينا حب الثناء وحب المال، لأن الثناء يبعث على البذل وحب المال يمنع ~~منه، فإن ظهرا كان حب الثناء كاذبا. وقد قال بعض الشعراء: # جمعت أمرين ضاع الحزم بينهما ... تيه الملوك وأخلاق المماليك # أردت شكرا بلا بر ولا صلة ... لقد سلكت طريقا غير مسلوك # ظننت عرضك لم يقرع بقارعة ... وما أراك على حال بمتروك # لئن سبقت إلى مال حظيت به ... فما سبقت إلى شيء سوى النوك # وقد يحدث عن البخل من الأخلاق المذمومة، وإن كان ms147 ذريعة إلى كل مذمة، ~~أربعة أخلاق ناهيك بها ذما وهي: الحرص والشره وسوء الظن # PageV01P185 # ومنع الحقوق. فأما الحرص فهو شدة الكدح والإسراف في الطلب. وأما الشره ~~فهو استقلال الكفاية، والاستكثار لغير حاجة، وهذا فرق ما بين الحرص والشره. # وقد روى العلاء بن جرير عن أبيه عن سالم بن مسروق قال: قال رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم -: «من لا يجزيه من العيش ما يكفيه لم يجد ما عاش ما ~~يغنيه» . وقال بعض الحكماء: الشره من غرائز اللؤم. وأما سوء الظن فهو عدم ~~الثقة بمن هو لها أهل، فإن كان بالخالق كان شكا يئول إلى ضلال، وإن كان ~~بالمخلوق كان استخانة يصير بها مختانا وخوانا، لأن ظن الإنسان بغيره بحسب ~~ما يراه من نفسه، فإن وجد فيها خيرا ظنه في غيره، وإن رأى فيها سوءا اعتقده ~~في الناس. # وقد قيل في المثل كل إناء ينضح بما فيه. فإن قيل قد تقدم من قول الحكماء ~~أن الحزم سوء الظن قيل تأويله قلة الاسترسال إليهم لا اعتقاد السوء فيهم. # وأما منع الحقوق فإن نفس البخيل لا تسمح بفراق محبوبها. ولا تنقاد إلى ~~ترك مطلوبها، فلا تذعن لحق ولا تجيب إلى إنصاف. وإذا آل البخيل إلى ما ~~وصفنا من هذه الأخلاق المذمومة، والشيم اللئيمة، لم يبق معه خير مرجو ولا ~~صلاح مأمول. # وقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه «قال للأنصار: من سيدكم؟ ~~قالوا: الحر بن قيس على بخل فيه. فقال - صلى الله عليه وسلم -: وأي داء ~~أدوأ من البخل؟ قالوا: وكيف ذاك يا رسول الله؟ فقال - صلى الله عليه وسلم ~~-: إن قوما نزلوا بساحل البحر فكرهوا لبخلهم نزول الأضياف بهم، فقالوا: ~~ليبعد الرجال منا عن النساء حتى يعتذر الرجال إلى الأضياف ببعد النساء، ~~وتعتذر النساء ببعد الرجال، ففعلوا وطال ذلك بهم فاشتغل الرجال بالرجال ~~والنساء بالنساء» . # وأما السرف والتبذير فإن من زاد على حد السخاء فهو مسرف ومبذر، وهو بالذم ~~جدير. وقد قال الله تعالى: {ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين} ms148 [الأعراف: 31] # وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «ما عال من اقتصد» . # وقد قال المأمون - رحمه الله -: لا خير في السرف ولا سرف # PageV01P186 # في الخير. وقال بعض الحكماء: صديق الرجل قصده، وسرفه عدوه. وقال بعض ~~البلغاء: لا كثير مع إسراف ولا قليل مع احتراف. واعلم أن السرف والتبذير قد ~~يفترق معناهما. فالسرف: هو الجهل بمقادير الحقوق، والتبذير: هو الجهل ~~بمواقع الحقوق. وكلاهما مذموم، وذم التبذير أعظم؛ لأن المسرف يخطئ في ~~الزيادة، والمبذر يخطئ في الجهل. ومن جهل مواقع الحقوق ومقاديرها بماله ~~وأخطأها، فهو كمن جهلها بفعاله فتعداها وكما أنه بتبذيره قد يضع الشيء في ~~غير موضعه، فهكذا قد يعدل به عن موضعه؛ لأن المال أقل من أن يوضع في كل ~~موضع من حق وغير حق. # وقد قال معاوية - رضي الله عنه -: كل سرف فبإزائه حق مضيع. وقال بعض ~~الحكماء: الخطأ في إعطاء ما لا ينبغي ومنع ما ينبغي واحد. وقال سفيان ~~الثوري - رضي الله عنه -: الحلال لا يحتمل السرف، وليس يتم السخاء ببذل ما ~~في يده حتى تسخو نفسه عما بيد غيره فلا يميل إلى طلب ولا يكف عن بذل. وقد ~~حكي أن الله تعالى أوحى إلى إبراهيم الخليل - على نبينا وعليه السلام -: ~~أتدري لم اتخذتك خليلا؟ قال: لا يا رب. # قال: لأني رأيتك تحب أن تعطي ولا تحب أن تأخذ. وروى سهل بن سعد الساعدي - ~~رضي الله عنه - قال: «أتى رجل إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا ~~رسول الله مرني بعمل يحبني الله عليه ويحبني الناس. فقال: ازهد في الدنيا ~~يحبك الله وازهد فيما في أيدي الناس يحبك الناس» . وقال أيوب السختياني: لا ~~ينبل الرجل حتى يكون فيه خصلتان: العفة عن أموال الناس، والتجاوز عنهم. # وقيل لسفيان: ما الزهد في الدنيا؟ قال: الزهد في الناس. وكتب كسرى إلى ~~ابنه هرمز: يا بني استقل الكثير مما تعطي، واستكثر القليل مما تأخذ، فإن ~~قرة عيون الكرام في الإعطاء وسرور اللئام في الأخذ، ولا تعد الشحيح أمينا ~~ولا ms149 الكذاب حرا فإنه لا عفة مع الشح ولا مروءة مع الكذب. وقال بعض الحكماء: ~~السخاء سخاءان: أشرفهما سخاؤك عما بيد غيرك. وقال بعض البلغاء: السخاء أن ~~تكون بمالك متبرعا وعن مال غيرك متورعا. وقال بعض الصلحاء: الجود غاية ~~الزهد، والزهد غاية الجود. وقال بعض الشعراء: # PageV01P187 # إذا لم تكن نفس الشريف شريفة ... وإن كان ذا قدر فليس له شرف # والبذل على وجهين: أحدهما ما ابتدأ به الإنسان من غير سؤال، والثاني ما ~~كان عن طلب وسؤال. فأما المبتدئ به فهو أطبعهما سخاء، وأشرفهما عطاء. وسئل ~~علي - كرم الله وجهه - عن السخاء فقال: ما كان منه ابتداء فأما ما كان عن ~~مسألة فحياء. وقال بعض الحكماء: أجل النوال ما وصل قبل السؤال. وقال بعض ~~الشعراء: # وفتى خلا من ماله ... ومن المروءة غير خالي # أعطاك قبل سؤاله ... وكفاك مكروه السؤال # وهذا النوع من البذل قد يكون لتسعة أسباب. فالسبب الأول: أن يرى خلة يقدر ~~على سدها، وفاقة يتمكن من إزالتها، فلا يدعه الكرم والتدين إلا أن يكون ~~زعيم صلاحها، وكفيل نجاحها، رغبة في الأجر إن تدين وفي الشكر إن تكرم. # وقال أبو العتاهية: # ما الناس إلا آلة معتمله ... للخير والشر جميعا فعله # والسبب الثاني: أن يرى في ماله فضلا عن حاجته، وفي يده زيادة عن كفايته، ~~فيرى انتهاز الفرصة بها فيضعها حيث تكون له ذخرا معدا وغنما مستجدا. وقد ~~قال الحسن البصري - رحمه الله -: ما أنصفك من كلفك إجلاله ومنعك ماله. وقيل ~~لهند بنت الحسن: من أعظم الناس في عينك؟ قالت: من كان لي إليه حاجة. # وقال الشاعر: # وما ضاع مال ورث الحمد أهله ... ولكن أموال البخيل تضيع # والسبب الثالث: أن يكون لتعريض يتنبه عليه لفطنته، وإشارة يستدل عليها ~~بكرمه، فلا يدعه الكرم أن يغفل ولا الحياء أن يكف. وقد حكي أن رجلا ساير ~~بعض الولاة فقال: ما أهزل برذونك # ؟ فقال: يده مع أيدينا # PageV01P188 # فوصله اكتفاء بهذا التعريض الذي بلغ ما لا يبلغه صريح السؤال. ولذلك قال ~~أكثم بن صيفي: السخاء حسن الفطنة ms150 واللؤم سوء التغافل. # وحكي أن عبيد الله بن سليمان لما تقلد وزارة المعتضد كتب إليه عبيد الله ~~بن عبد الله بن طاهر: # أبى دهرنا إسعافنا في نفوسنا ... وأسعفنا فيمن نحب ونكرم # فقلت له: نعماك فيهم أتمها ... ودع أمرنا إن المهم مقدم # فقال عبيد الله: ما أحسن ما شكا أمره بين أضعاف مدحه، وقضى حاجته. # وقال بعض الشعراء: # ومن لا يرى من نفسه مذكرا لها ... رأى طلب المستنجدين ثقيلا # والسبب الرابع: أن يكون ذلك رعاية ليد أو جزاء على صنيعة، فيرى تأدية ~~الحق عليه طوعا إما أنفة وإما شكرا ليكون من أسر الامتنان طليقا، ومن رق ~~الإحسان وعبوديته عتيقا. قال بعض الحكماء: الإحسان رق، والمكافأة عتق. # وقال أبو العتاهية - رحمه الله تعالى -: # وليست أيادي الناس عندي غنيمة ... ورب يد عندي أشد من الأسر # والسبب الخامس: أن يؤثر الإذعان بتقديمه، والإقرار بتعظيمه، توطيدا ~~لرئاسة هو لها محب، وعلى طلبها مكب. وقد قال الشاعر: # حب الرئاسة داء لا دواء له ... وقلما تجد الراضين بالقسم # فتستصعب عليه إجابة النفوس له طوعا إلا بالاستعطاف، وإذعانها له إلا ~~بالرغبة والإسعاف. # وقد قال بعض الأدباء: بالإحسان يرتبط الإنسان. # وقال بعض البلغاء: من بذل ماله أدرك آماله. وقال بعض الشعراء: # أترجو أن تسود بلا عناء ... وكيف يسود ذو الدعة البخيل # والسبب السادس: أن يدفع به سطوة أعدائه، ويستكفي به نفار خصمائه، ليصيروا ~~له بعد الخصومة أعوانا، وبعد العداوة إخوانا، إما # PageV01P189 # لصيانة عرض، وإما لحراسة مجد. # وقد قال أبو تمام الطائي: # ولم يجتمع شرق وغرب لقاصد ... ولا المجد في كف امرئ والدراهم # ولم أر كالمعروف تدعى حقوقه ... مغارم في الأقوام وهي مغانم # وقال بعض الأدباء: من عظمت مرافقه أعظمه مرافقه. # والسبب السابع: أن يربي به سالف صنيعة أولاها، ويراعي به قديم نعمة ~~أسداها، كي لا ينسى ما أولاه أو يضاع ما أسداه، فإن مقطوع البر ضائع ومهمل ~~الإحسان ضال. وقد قال الشاعر: # وسمت امرأ بالبر ثم اطرحته ... ومن أفضل الأشياء رب الصنائع # وقال محمد بن داود الأصبهاني: # بدأت بنعمى ms151 أوجبت لي حرمة ... عليك فعد بالفضل فالعود أحمد # والسبب الثامن: المحبة يؤثر بها المحبوب على ماله فلا يضن عليه بمرغوب، ~~ولا يتنفس عليه بمطلوب، للذة التي هي عنده أحظى، وإلى نفسه أشهى؛ لأن النفس ~~إلى محبوبها أشوق وإلى ما يليه أسبق. وقد قال الشاعر: # فما زرتكم عمدا ولكن ذا الهوى إلى ... حيث يهوى القلب تهوي به الرجل # وهذا وإن دخل في أقسام العطاء فخارج عن حد السخاء، وهكذا الخامس والسادس ~~من هذه الأسباب. وإنما ذكرناها لدخولها تحت أقسام العطاء. # والسبب التاسع: وليس بسبب أن يفعل ذلك لغير ما سبب وإنما هي سجية قد فطر ~~عليها، وشيمة قد طبع بها، فلا يميز بين مستحق ومحروم، ولا يفرق بين محمود ~~ومذموم، كما قال بشار: # ليس يعطيك للرجاء ولا ... للخوف لكن يلذ طعم العطاء # وقد اختلف الناس في مثل هذا هل يكون منسوبا إلى السخاء # PageV01P190 # فيحمد، أو خارجا عنه فيذم. وقال قوم: هذا هو السخي طبعا والجواد كرما وهو ~~أحق من كان به ممدوحا وإليه منسوبا، وقال أبو تمام: # من غير ما سبب يدني كفى سببا ... للحر أن يجتدي حرا بلا سبب # وقال الحسن بن سهل: إذا لم أعط إلا مستحقا فكأن أعطيت غريما. وقال: الشرف ~~في السرف، فقيل له: لا خير في السرف. فقال: ولا سرف في الخير. # وقال الفضل بن سهل: العجب لمن يرجو من فوقه كيف يحرم من دونه. وقال بشار: # وما الناس إلا صاحباك فمنهم ... سخي ومغلول اليدين من البخل # فسامح يدا ما أمكنتك فإنها ... تقل وتثري والعواذل في شغل # وقال آخرون: هذا خارج من السخاء المحمود إلى السرف والتبذير المذموم؛ لأن ~~العطاء إذا كان لغير سبب كان المنع لغير سبب؛ لأن المال يقل عن الحقوق ~~ويقصر عن الواجبات فإذا أعطى غير المستحق فقد يمنع مستحقا وما يناله من ~~الذم بمنع المستحق أكثر مما يناله من الحمد لإعطاء غير المستحق. وحسبك ذما ~~بمن كانت أفعاله تصدر عن غير تمييز، وتوجد لغير علة. # وقد قال الله تعالى: {ولا تجعل يدك ms152 مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط ~~فتقعد ملوما محسورا} [الإسراء: 29] . # فنهى عن بسطها سرفا، كما نهى عن قبضها بخلا، فدل على استواء الأمرين ذما ~~وعلى اتفاقهما لوما. وقال الشاعر: # وكان المال يأتينا فكنا ... نبذره وليس لنا عقول # فلما أن تولى المال عنا ... عقلنا حين ليس لنا فضول # قالوا: ولأن العطاء والمنع إذا كانا لغير علة أفضيا إلى ذم الممنوع وقلة ~~شكر المعطي. أما الممنوع فلأنه قد فضل عليه من سواه، وأما المعطي فإنه وجد ~~ذلك اتفاقا وربما أمل بالاتفاق أضعافا، فصار ذلك مفضيا # PageV01P191 # إلى اجتلاب الذم وإحباط الشكر. وليس فيما أفضى إلى واحد منهما خير يرجى ~~وهو جدير أن يكون شرا يتقى. ولمثل هذا كان منع الجميع إرضاء للجميع وعطاء ~~يكون المنع أرضى منه خسران مبين. فأما إذا كان البذل والعطاء عن سؤال ~~فشروطه معتبرة من وجهين: أحدهما في السائل، والثاني في المسئول. # فأما ما كان معتبرا في السائل فثلاثة شروط: فالشرط الأول: أن يكون السؤال ~~لسبب، والطلب لموجب. فإن كان لضرورة ارتفع عنه الحرج وسقط عنه اللوم. وقد ~~قال بعض الحكماء: الضرورة توقح الصورة. وقال بعض الشعراء: # ألا قبح الله الضرورة إنها ... تكلف أعلى الخلق أدنى الخلائق # ولله در الاتساع فإنه ... يبين فضل السبق من غير سابق # وقال الكميت: # إذا لم تكن إلا الأسنة مركبا ... فلا رأي للمضطر إلا ركوبها # فإن ارتفعت الضرورة ودعت الحاجة فيما هو أولى الأمرين أن يكون وإن جاز أن ~~لا يكون فالنفس المسامحة تغلب الحاجة، وتسمح في الطلب، وتراعي ما استقام به ~~الأمر، وإن ناله ذل ولحقه وهن فيتأول صاحبها قول البحتري: # وربما كان مكروه الأمور إلى ... محبوبها سببا ما مثله سبب # والنفس الشريفة تطلب الصيانة، وتراعي النزاهة، وتحتمل من الضر ما احتملت، ~~ومن الشدة ما طاقت، فيبقى تحملها ويدوم تصونها، فتكون كما قال الشاعر: # وقد يكتسي المرء خز الثياب ... ومن دونها حاله مضنيه # PageV01P192 # كما يكتسي خده حمرة ... وعلته ورم في الريه # فلا يرى أن يتدنس بمطالب الشؤم، ومطامع اللؤم، فإن البهائم الوحشية ms153 تأبى ~~ذلك وتأنف منه، قال الشاعر: # وليس الليث من جوع بغاد ... على جيف تطيف بها الكلاب # فكيف بالإنسان الفاضل الذي هو أكرم الحيوان جنسا، وأشرفه نفسا، هل يحسن ~~به أن يرى لوحش البهائم عليه فضلا، وقد قال الشاعر: # على كل حال يأكل المرء زاده ... على البؤس والضراء والحدثان # والفضل في مثل ما قيل لبعض الزهاد: لو سألت جارك أعطاك؟ فقال: والله ما ~~أسأل الدنيا ممن يملكها فكيف ممن لا يملكها. ووصف بعض الشعراء قوما فقال: # إذا افترقوا أغضوا على الضر خشية ... وإن أيسروا عادوا سراعا إلى الفقر # فأما من يسأل من غير ضرورة مست، ولا حاجة دعت، فذلك صريح اللؤم ومحض ~~الدناءة. # وقلما تجد مثله ملحوظا أو ممولا محظوظا؛ لأن الحرمان قاده إلى أضيق ~~الأرزاق، واللؤم ساقه إلى أخبث المطاعم، فلم يبق لوجهه ماء إلا أراقه، ولا ~~ذل إلا ذاقه، كما قال عبد الصمد بن المعدل لأبي تمام الطائي: # أنت بين اثنتين تبرز للناس ... وكلتاهما بوجه مذال # لست تنفك طالبا لوصال ... من حبيب أو طالبا لنوال # أي ماء لحر وجهك يبقى ... بين ذل الهوى وذل السؤال # ولو استقبح العار وأنف من الذل لوجد غير السؤال مكتسبا يمونه، ولقدر على ~~ما يصونه، وقد قال الشاعر: # لا تطلبن معيشة بتذلل ... فليأتينك رزقك المقدور # واعلم بأنك آخذ كل الذي ... لك في الكتاب مقدر مسطور # PageV01P193 # والشرط الثاني: من شروط السؤال أن يضيق الزمان عن إرجائه، ويقصر الوقت عن ~~إبطائه، فلا يجد لنفسه في التأخير فسحة، ولا في التمادي مهلة، فيصير من ~~المعذورين وداخلا في عداد المضطرين. فأما إذا كان الوقت متسعا والزمان ~~ممتدا فتعجيل السؤال لؤم وقنوط. وقال الشاعر: # أبى لي إغضاء الجفون على القذى ... يقيني أن لا عسر إلا مفرج # ألا ربما ضاق الفضاء بأهله ... وأمكن من بين الأسنة مخرج # والشرط الثالث: اختيار المسئول أن يكون مرجو الإجابة مأمول النجح إما ~~لحرمة السائل أو كرم المسئول فإن سأل لئيما لا يرعى حرمة، ولا يولي مكرمة، ~~فهو في اختياره ملوم، وفي سؤاله محروم. وقد ms154 قال بعض البلغاء: المخذول من ~~كانت له إلى اللئام حاجة. وقد قال بعض البلغاء: أذل من اللئيم سائله، وأقل ~~من البخيل نائله. وقال بعض الشعراء: # من كان يؤمل أن يرى ... من ساقط نيلا سنيا # فلقد رجا أن يجتني ... من عوسج رطبا جنيا # وأما الشروط المعتبرة في المسئول فثلاثة. الشرط الأول: أن يكتفي بالتعريض ~~ولا يلجأ إلى السؤال الصريح؛ ليصون السائل عن ذل الطلب فإن الحال ناطقة ~~والتعريض كاف. # وقد قال الشاعر: # أقول وستر الدجى مسبل ... كما قال حين شكا الضفدع # كلامي إن قلته ضائع ... وفي الصمت حتفي فما أصنع # وربما فهم المسئول الإشارة فألجأ إلى التصريح بالعبارة تهجينا للسائل ~~فيخجل ويستحي فيكف كما قال أبو تمام: # PageV01P194 # من كان مفقود الحياء فوجهه ... من غير بواب له بواب # والشرط الثاني: أن يلقى بالبشر والترحيب، ويقابل بالطلاقة والتقريب، ~~ليكون مشكورا إن أعطى ومعذورا إن منع. وقد قال بعض الحكماء: إلق صاحب ~~الحاجة بالبشر فإن عدمت شكره لم تعدم عذره. وقال ابن لنكك: إن أبا بكر بن ~~دريد قصد بعض الوزراء في حاجة فلم يقضها له وظهر له منه ضجر، فقال: # لا تدخلنك ضجرة من سائل ... فلخير دهرك أن ترى مسئولا # لا تجبهن بالرد وجه مؤمل ... فبقاء عزك أن ترى مأمولا # تلقى الكريم فتستدل ببشره ... وترى العبوس على اللئيم دليلا # واعلم بأنك عن قليل صائر ... خبرا فكن خبرا يروق جميلا # والشرط الثالث: تصديق الأمل وتحقيق الظن به ثم اعتبار حاله وحال سائله ~~فإنها لا تخلو من أربع أحوال: فالحال الأولى: أن يكون السائل مستوجبا ~~والمسئول متمكنا. فالإجابة ههنا تستحق كرما وتستلزم مروءة وليس للرد سبيل ~~إلا لمن استولى عليه البخل، وهان عليه الذم، فيكون كما قال عبد الرحمن بن ~~حسان: # إني رأيت من المكارم حسبكم ... أن تلبسوا خز الثياب وتشبعوا # فإذا تذكرت المكارم مرة ... في مجلس أنتم به فتقنعوا # فنعوذ بالله ممن حرم ثروة ماله، ومنع حسن حاله، أن يكون مستودعا في صنيع ~~مشكور، وبر مذخور. # وقد قيل لبخيل: لم حبست مالك؟ قال: للنوائب. ms155 فقيل له: قد نزلت بك. وقال ~~بعض الشعراء: # ما لك من مالك إلا الذي ... قدمت فابذل طائعا مالكا # تقول أعمالي ولو فتشوا ... رأيت أعمالك أعمى لكا # وقد أسقط حق نفسه، ورفع أسباب شكره، فصار بأن لا حق له، مذموما كمشكور، ~~ومأثوما كمأجور. # وقال أبو العتاهية: # PageV01P195 # خزن البخيل علي صالحه ... إذ لم يثقل بره ظهري # ما فاتني خير امرئ وضعت ... عني يداه مؤنة الشكر # فإذا لم يكن للرد في مثل هذه الحال سبيل نظر فإن كان التأخير مضرا عجل ~~بذله، وقطع مطله. # وكانت إجابته فعلا، وقوله عملا. # وقد قالت الحكماء: من مروءة المطلوب منه أن لا يلجأ إلى إلحاح عليه. وقال ~~محمد بن حازم: # ومنتظر سؤالك بالعطايا ... وأشرف من عطاياه السؤال # إذا لم يأتك المعروف طوعا ... فدعه فالتنزه عنه مال # وإن كان في الوقت مهلة، وفي التأخير فسحة، فقد اختلفت مذاهب الفضلاء فيه. # فذهب بعضهم إلى أن الأولى تعجيل الوعد قولا، ثم يعقبه الإنجاز فعلا، ~~ليكون السائل مسرورا بتعجيل الوعد ثم بآجل الإنجاز، ويكون المسئول موصوفا ~~بالكرم ملحوظا بالوفاء. وقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: ~~«العدة عطية» . وقال الفضل بن سهل لرجل سأله حاجة: أعدك اليوم وأحبوك غدا ~~بالإنجاز لتذوق حلاوة الأمل وأتزين بثبوت الوفاء. # ووعد يحيى بن خالد رجلا بحاجة سأله إياها فقيل له: تعد وأنت قادر؟ فقال: ~~إن الحاجة إذا لم يتقدمها وعد ينتظر صاحبه نجحه لم يجد سرورها؛ لأن الوعد ~~طعم والإنجاز طعام، وليس من فاجأه الطعام كمن يجد ريحه ويطعمه فدع الحاجة ~~تختمر بالوعد؛ ليكون لها طعم عند المصطنع إليه. وقال بعض البلغاء: إذا ~~أحسنت القول فأحسن الفعل؛ ليجتمع لك ثمرة اللسان وثمرة الإحسان، ولا تقل ما ~~لا تفعل فإنك لا تخلو في ذلك من ذنب تكسبه، أو عجز تلتزمه. # ومنهم من ذهب إلى أن تعجيل البذل فعلا من غير وعد أولى، وتقديمه من غير ~~توقيت ولا انتظار أحرى، وإنما يقدم الوعد أحد رجلين: إما معوز ينتظر وجده، ~~وإما شحيح يروض نفسه توطئة. ms156 وليس للوعد في غير هاتين الحالتين وجه يصح ولا ~~رأي يتضح، مع ما يغيره # PageV01P196 # الليل والنهار وتتقلب به الحال من يسار وإعسار. # وقال بعض الشعراء: # يا أيها الملك المقدم ... أمره شرقا وغربا # امنن بختم صحيفتي ... ما دام هذا الطين رطبا # واعلم بأن جفافه ... مما يعيد السهل صعبا # قالوا: ولأن في الرجوع عنه من الانكسار، وفي توقع الوعد من مرارة ~~الانتظار، وفي العود إليه من ذلة الاقتضاء، وذلة الاجتداء، ما يكدر بره، ~~ويوهن شكره. وقال الشاعر: # إن الحوائج ربما أزرى بها ... عند الذي تقضي له تطويلها # فإذا ضمنت لصاحب لك حاجة ... فاعلم بأن تمامها تعجيلها # والحال الثانية: أن يكون السائل غير مستوجب والمسئول غير متمكن. ففي الرد ~~فسحة وفي المنع عذر. غير أنه يلين عند الرد لينا يقيه الذم، ويظهر عذرا ~~يدفع عنه اللوم. فليس كل مقل يعرف ولا معذور ينصف. وقد قال أبو العتاهية ~~يصف الناس: # يا رب إن الناس لا ينصفونني ... فكيف وإن أنصفتهم ظلموني # فإن كان لي شيء تصدوا لأخذه ... وإن جئت أبغي شيئهم منعوني # وإن نالهم بذلي فلا شكر عندهم ... وإن أنا لم أبذل لهم شتموني # وإن طرقتني نكبة فكهوا بها ... وإن صحبتني نعمة حسدوني # سأمنع قلبي أن يحن إليهم ... وأغمض عنهم ناظري وجفوني # وأقطع أيامي بيوم سهولة ... أقضي بها عمري ويوم حزون # ألا إن أصفى العيش ما طاب غبه ... وما نلته في لذة وسكون # والحال الثالثة: أن يكون السائل مستوجبا، والمسئول غير متمكن، فيأتي ~~بالحمل على النفس ما أمكن من يسير يسد به خلة، أو يدفع به مذمة أو يوضح من ~~أعذار المعوزين وتوجع المتألمين ما يجعله في المنع معذورا وبالتوجع مشكورا. # وقد قال أبو النصر العتبي - رحمه الله تعالى -: # الله يعلم أني لست ذا بخل ... ولست ملتمسا في البخل لي عللا # PageV01P197 # لكن طاقة مثلي غير خافية ... والنمل يعذر في القدر الذي حملا # وربما تحسر بحدوث العجز بعد تقدم القدرة على فوت الصنيعة وزوال العادة ~~حتى صار أضنى جسدا وأزيد كمدا، كما قال الشاعر: # وكنت كباز ms157 السوء قص جناحه ... يرى حسرات كلما طار طائر # يرى طائرات الجو تخفق حوله ... فيذكر إذ ريش الجناحين وافر # والحال الرابعة: أن يكون السائل غير مستوجب والمسئول متمكنا، وعلى البذل ~~قادرا، فينظر فإن خاف بالرد قدح عرض، أو قبح هجاء ممض، كان البذل مندوبا ~~صيانة لا جودا. فقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «ما وقى ~~به المرء عرضه فهو له صدقة» . وإن أمن من ذلك وسلم منه فمن الناس من غلب ~~المسألة وأمر بالبذل لئلا يقابل الرجاء بالخيبة والأمل بالإياس. ثم لما فيه ~~من اعتياد الرد واستسهال المنع المفضي إلى الشح. # وأنشد الأصمعي، عن الكسائي: # كأنك في الكتاب وجدت لاء ... محرمة عليك فلا تحل # فما تدري إذا أعطيت مالا ... أيكثر من سماحك أم يقل # إذا حضر الشتاء فأنت شمس ... وإن حضر المصيف فأنت ظل # ومن الناس من اعتبر الأسباب وغلب حال السائل وندب إلى المنع إذا كان ~~العطاء في غير حق ليقوى على الحقوق إذا عرضت، ولا يعجز عنها إذا لزمت ~~وتعينت. # وقد قال بعض الشعراء: # لا تجد بالعطاء في غير حق ... ليس في منع غير ذي الحق بخل # إنما الجود أن تجود على من ... هو للجود والندى منك أهل # فأما من أجاب السؤال، ووعد بالبذل والنوال، فقد صار بوعده مرهونا وصار ~~وفاؤه بالوعد مقرونا. فالاعتبار بحق السائل بعد الوعد ولا سبيل إلى مراجعة ~~نفسه في الرد، فيستوجب مع ذم المنع لؤم البخل ومقت القادر وهجنة الكذوب. # ثم لا سبيل لمطله بعد الوعد؛ لما في المطل من # PageV01P198 # تكدير الصنيع وتمحيق الشكر. والعرب تقول في أمثالها: المطل أحد المنعين، ~~واليأس أحد النجحين. وقال بشار بن برد: # أظلت علينا منك يوما غمامة ... أضاءت لنا برقا وأبطا رشاشها # فلا غيمها يجلي فييأس طامع ... ولا غيثها يأتي فيروي عطاشها # ثم إذا أنجز وعده، وأوفى عهده، لم يتبع نفسه ما أعطى ويسر إن كانت يده ~~العليا. # فقد قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «اليد العليا خير من اليد ~~السفلى» . وقال الشاعر: ms158 # فإنك لا تدري إذا جاء سائل ... أأنت بما تعطيه أم هو أسعد # عسى سائل ذو حاجة إن منعته ... من اليوم سؤلا أن يكون له غد # وليكن من سروره إذ كانت الأرزاق مقدرة أن تكون على يده جارية، ومن جهته ~~واصلة، لا تنتقل عنه بمنع ولا تتحول عنه بإياس. # وحكي أن رجلا شكا كثرة عياله إلى بعض الزهاد فقال: انظر من كان منهم ليس ~~رزقه على الله عز وجل فحوله إلى منزلي. وقال ابن سيرين لرجل كان يأتيه على ~~دابة ففقد الدابة: ما فعل برذونك؟ قال: اشتدت علي مؤنته فبعته. قال: أفتراه ~~خلف رزقه عندك؟ وقال ابن الرومي - رحمه الله -: # إن لله غير مرعاك مرعى ... يرتعيه وغير مائك ماء # إن لله بالبرية لطفا ... سبق الأمهات والآباء # ثم ليكن غالب عطائه لله تعالى وأكثر قصده ابتغاء ما عند الله عز وجل ~~كالذي حكاه أبو بكرة، عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أن أعرابيا أتاه ~~فقال: # يا عمر الخير جزيت الجنه ... اكس بنياتي وأمهنه # وكن لنا من الزمان جنه ... أقسم بالله لتفعلنه # فقال عمر - رضي الله عنه -: فإن لم أفعل يكون ماذا؟ فقال: إذا أبا حفص ~~لأذهبنه # PageV01P199 # فقال: فإذا ذهبت يكون ماذا؟ فقال: # يكون عن حالي لتسألنه ... يوم تكون الأعطيات هنه # وموقف المسئول بينهنه ... إما إلى نار وإما جنه # فبكى عمر - رضي الله عنه - حتى اخضلت لحيته ثم قال: يا غلام أعطه قميصي ~~هذا لذلك اليوم لا لشعره أما والله لا أملك غيره. # وإذا كان العطاء على هذا الوجه خلا من طلب جزاء وشكر، وعرى عن امتنان ~~ونشر، فكان ذلك أشرف للباذل، وأهنأ للقابل. وأما المعطي إذا التمس بعطائه ~~الجزاء، وطلب به الشكر والثناء فهو خارج بعطائه عن حكم السخاء؛ لأنه إن طلب ~~به الشكر والثناء، كان صاحب سمعة ورياء، وفي هذين من الذم ما ينافي السخاء. ~~وإن طلب به الجزاء كان تاجرا متربحا لا يستحق حمدا ولا مدحا. # وقد قال ابن عباس - رضي الله عنهما - في تأويل قوله تعالى: {ولا تمنن ms159 ~~تستكثر} [المدثر: 6] إنه لا يعطي عطية يلتمس بها أفضل منها. وكان الحسن ~~البصري - رضي الله عنه - يقول في تأويل ذلك: لا تمنن بعملك تستكثر على ربك. ~~وقال أبو العتاهية: # وليست يد أوليتها بغنيمة ... إذا كنت ترجو أن تعد لها شكرا # غنى المرء ما يكفيه من سد حاجة ... فإن زاد شيئا عاد ذاك الغنى فقرا # واعلم أن الكريم يجتدى بالكرامة واللطف، واللئيم يجتدي بالمهانة والعنف، ~~فلا يجود إلا خوفا، ولا يجيب إلا عنفا، كما قد قال الشاعر: # رأيتك مثل الجوز يمنع لبه ... صحيحا ويعطي خيره حين يكسر # فاحذر أن تكون المهانة طريقا إلى اجتدائك، والخوف سبيلا إلى إعطائك، ~~فيجري عليك سفه الطعام، وامتهان اللئام، وليكن جودك كرما ورغبة، لا لؤما ~~ورهبة، كي لا يكون مع الوصمة، كما قال العباس بن الأحنف: # PageV01P200 # صرت كأني ذبالة نصبت ... تضيء للناس وهي تحترق # وأما النوع الثاني من البر فهو المعروف ويتنوع أيضا نوعين: قولا وعملا. ~~فأما القول فهو طيب الكلام وحسن البشر والتودد بجميل القول. # وهذا يبعث عليه حسن الخلق ورقة الطبع. ويجب أن يكون محدودا كالسخاء فإنه ~~إن أسرف فيه كان ملقا مذموما، وإن توسط واقتصد فيه كان معروفا وبرا محمودا. ~~وقد قال ابن عباس - رضي الله عنهما -، في تأويل قوله تعالى: {والباقيات ~~الصالحات خير عند ربك ثوابا وخير أملا} [الكهف: 46] إنها الكلام الطيب وكان ~~سعيد بن جبير يتأول أنها الصلوات الخمس. # وروى سعيد عن أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «إنكم ~~لن تسعوا الناس بأموالكم فليسعهم منكم بسط الوجوه وحسن الخلق» . # وروي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنشد عنده قول الأعرابي هذا: # وحي ذوي الأضغان تسب قلوبهم ... تحيتك الحسنى فقد يرقع النعل # فإن دحسوا بالمكر فاعف تكرما ... وإن حبسوا عنك الحديث فلا تسل # فإن الذي يؤذيك منه سماعه ... وإن الذي قالوا وراءك لم يقل # فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إن من الشعر لحكمة، وإن من البيان ~~لسحرا» . وقيل للعتابي: إنك تلقى العامة ببشر وتقريب، قال: دفع صنيعة ms160 بأيسر ~~مؤنة واكتساب إخوان بأيسر مبذول. # وقيل في منثور الحكم: من قل حياؤه قل أحباؤه. وقال بعض الشعراء: # أبني إن البشر شيء هين ... وجه طليق وكلام لين # وقال بعضهم: # المرء لا يعرف مقداره ... ما لم تبن للناس أفعاله # وكل من يمنعني بشره ... فقلما ينفعني ماله # PageV01P201 # وأما العمل فهو بذل الجاه والإسعاد بالنفس والمعونة في النائبة. # وهذا يبعث عليه حب الخير للناس وإيثار الصلاح لهم، وليس في هذه الأمور ~~سرف، ولا لغايتها حد، بخلاف النوع الأول؛ لأنها وإن كثرت فهي أفعال خير ~~تعود بنفعين: نفع على فاعلها في اكتساب الأجر وجميل الذكر، ونفع على المعان ~~بها في التخفيف عنه والمساعدة له. وقد روى محمد بن المنكدر عن جابر أن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «كل معروف صدقة» ، وقال النبي - صلى ~~الله عليه وسلم -: «صنائع المعروف تقي مصارع السوء» . وعنه - عليه الصلاة ~~والسلام - أنه قال: «المعروف كاسمه وأول من يدخل الجنة يوم القيامة المعروف ~~وأهله» . # وقال علي بن أبي طالب كرم الله وجهه: لا يزهدنك في المعروف كفر من كفره ~~فقد يشكر الشاكر بأضعاف جحود الكافر. وقال الحطيئة: # من يفعل الخير لا يعدم جوائزه ... لا يذهب العرف بين الله والناس # وأنشد الرياشي: # يد المعروف غنم حيث كانت ... تحملها كفور أم شكور # ففي شكر الشكور لها جزاء ... وعند الله ما كفر الكفور # فينبغي لمن يقدر على ابتداء المعروف أن يعجله حذر فواته، ويبادر به خيفة ~~عجزه. وليعلم أنه من فرص زمانه، وغنائم إمكانه، ولا يهمله ثقة بقدرته عليه، ~~فكم واثق بقدرة فاتت فأعقبت ندما، ومعول على مكنة زالت فأورثت خجلا. وقد ~~قال الشاعر: # مازلت أسمع كم من واثق خجل ... حتى ابتليت فكنت الواثق الخجلا # ولو فطن لنوائب دهره، وتحفظ من عواقب مكره، لكانت مغانمه مذخورة، ومغارمه ~~مخبورة. فقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «لكل شيء ثمرة ~~وثمرة المعروف تعجيل السراح» . وقيل لأنوشروان: ما أعظم المصائب عندكم؟ ~~فقال: أن تقدر على المعروف ولا تصطنعه حتى يفوت. وقال عبد الحميد: ms161 من أخر ~~الفرصة عن وقتها فليكن # PageV01P202 # على ثقة من فوتها. # وقال بعض الشعراء: # إذا هبت رياحك فاغتنمها ... فإن لكل خافقة سكون # ولا تغفل عن الإحسان فيها ... فما تدري السكون متى يكون # وإن درت نياقك فاحتلبها ... فما تدري الفصيل لمن يكون # وروي أن بعض وزراء بني العباس مطل راغبا إليه في عمل يستكفيه إياه، فكتب ~~إليه بعد طول المطل به: # أما يدعوك طول الصبر مني ... على استئناف منفعتي وشغلي # وعلمك أن ذا السلطان غاد ... على خطرين من موت وعزل # وأنك إن تركت قضاء حقي ... إلى وقت التفرغ والتخلي # ستصبح نادما أسفا معزى ... على فوت الصنيعة عند مثلي # وكتب بعض ذي الحرمات إلى وال قد قصر في رعاية حرمته يقول: # أعلى الصراط تريد رعية حرمتي ... أم في الحساب تمن بالإنعام # للنفع في الدنيا أردتك فانتبه ... لحوائجي من رقدة النوام # وكتب أبو علي البصير إلى بعض الوزراء وقد اعتذر إليه بكثرة الأشغال يقول: # لنا كل يوم نوبة قد ننوبها ... وليس لنا رزق ولا عندنا فضل # فإن تعتذر بالشغل عنا فإنما ... تناط بك الآمال ما اتصل الشغل # واعلم أن للمعروف شروطا لا يتم إلا بها، ولا يكمل إلا معها. فمن ذلك ستره ~~عن إذاعة يستطيل لها، وإخفاؤه عن إشاعة يستدل بها. قال بعض الحكماء: إذا ~~اصطنعت المعروف فاستره، وإذا صنع إليك فانشره. ولقد قال دعبل الخزاعي: # إذا انتقموا أعلنوا أمرهم ... وإن أنعموا أنعموا باكتتام # يقوم القعود إذا أقبلوا ... وتقعد هيبتهم بالقيام # PageV01P203 # على أن ستر المعروف من أقوى أسباب ظهوره، وأبلغ دواعي نشره؛ لما جبلت ~~عليه النفوس من إظهار ما خفي وإعلان ما كتم. وقال سهل بن هارون: # خل إذا جئته يوما لتسأله ... أعطاك ما ملكت كفاه واعتذرا # يخفي ضائعه والله يظهرها ... إن الجميل إذا أخفيته ظهرا # ومن شروط المعروف تصغيره عن أن يراه مستكبرا، وتقليله عن أن يكون ~~مستكثرا، لئلا يصير به مدلا بطرا ومستطيلا أشرا. وقال العباس بن عبد المطلب ~~- رضي الله عنه -: لا يتم المعروف إلا بثلاث خصال: تعجيله وتصغيره وستره، ~~فإذا ms162 عجلته هنأته، وإذا صغرته عظمته، وإذا سترته أتممته. وقال بعض الشعراء: # زادك المعروف عندي عظما ... إنه عندك ميسور حقير # وتناسيت كأن لم تأته ... وهو عند الناس مشهور خطير # ومن شروط المعروف: مجانبة الامتنان به وترك الإعجاب بفعله؛ لما فيهما من ~~إسقاط الشكر، وإحباط الأجر. # فقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «إياكم والامتنان ~~بالمعروف فإنه يبطل الشكر، ويمحق الأجر. ثم تلا: {لا تبطلوا صدقاتكم بالمن ~~والأذى} [البقرة: 264] » # وسمع ابن سيرين رجلا يقول لرجل: فعلت إليك وفعلت. فقال ابن سيرين: اسكت ~~فلا خير في المعروف إذا أحصي. وقال بعض الحكماء: المن مفسدة الصنيعة. وقال ~~بعض الأدباء: كدر معروفا امتنان وضيع حسبا امتهان. وقال بعض البلغاء: من من ~~بمعروفه أسقط شكره، ومن أعجب بعمله أحبط أجره. # وقال بعض الفصحاء: قوة المنن من ضعف المنن. وقال بعض الشعراء: # أفسدت بالمن ما أسديت من حسن ... ليس الكريم إذا أسدى بمنان # PageV01P204 # وقال أبو نواس: # فامض لا تمنن علي يدا ... منك المعروف من كدره # وأنشدت عن الربيع للشافعي - رضي الله عنه -: # لا تحملن لمن يمن ... من الأنام عليك منه # واختر لنفسك حظها ... واصبر فإن الصبر جنه # منن الرجال على القلوب ... أشد من وقع الأسنه # ومن شروط المعروف أن لا يحتقر منه شيئا، وإن كان قليلا نزرا إذا كان ~~الكثير معوزا وكنت عنه عاجزا، فإن من حقر يسيره فمنع منه أعجزه كثيره ~~فامتنع عنه، وفعل قليل الخير أفضل من تركه. فقد روي عن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - أنه قال: «لا يمنعكم من المعروف صغيره» . وقال عبد الله بن ~~جعفر: لا تستح من القليل فإن المنع أقل منه، ولا تجبن عن الكثير فإنك أكثر ~~منه. # وقال الشاعر: # اعمل الخير ما استطعت وإن كان ... قليلا فلن تحيط بكله # ومتى تفعل الكثير من الخير ... إذا كنت تاركا لأقله # على أن من المعروف ما لا كلفة على موليه، ولا مشقة على مسديه، وإنما هو ~~جاه يستظل به الأدنى ويرتفق به التابع. وقال الشاعر: # ظل الفتى ينفع من ms163 دونه ... وما له في ظله حظ # واعلم أنك لن تستطيع أن تسع جميع الناس معروفك ولا أن توليهم إحسانك، ~~فاعتمد بذلك أهل الفضل منهم والحفاظ واقصد به ذوي الرعاية والوداد؛ ليكون ~~معروفك فيهم ناميا، وصنيعك عندهم زاكيا. وقد روي عن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - أنه قال «لا تنفع الصنيعة إلا عند ذي حسب ودين» . وقال النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - «إذا أراد الله بعبد خيرا جعل صنائعه في أهل الحفاظ» . ~~وقال حسان بن ثابت - رضي الله عنه -: # PageV01P205 # إن الصنيعة لا تكون صنيعة ... حتى يصاب بها طريق المصنع # فإذا صنعت صنيعة فاعمل بها ... لله أو لذوي القرابة أو دع # وقيل في منثور الحكم: لا خير في معروف إلى غير عروف. وقد ضرب الشاعر به ~~مثلا قال: # كحمار السوء إن أشبعته ... رمح الناس وإن جاع نهق # وقال بعض الحكماء: على قدر المغارس يكون اجتناء الغارس، فأخذه بعض ~~الشعراء فقال: # لعمرك ما المعروف في غير أهله ... وفي أهله إلا كبعض الودائع # فمستودع ضاع الذي كان عنده ... ومستودع ما عنده غير ضائع # وما الناس في شكر الصنيعة ... عندهم وفي كفرها إلا كبعض المزارع # فمزرعة طابت وأضعف نبتها ... ومزرعة أكدت على كل زارع # وأما من أسدي إليه المعروف واصطنع إليه الإحسان فقد صار بأسر المعروف ~~موثوقا، وفي ملك الإحسان مرقوقا، ولزمه، إن كان من أهل المكافأة، أن يكافئ ~~عليها. وإن لم يكن من أهلها أن يقابل المعروف بنشره، ويقابل الفاعل بشكره. ~~فقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «من أودع معروفا فلينشره ~~فإن نشره فقد شكره، وإن كتمه فقد كفره» . وروى الزهري عن عروة عن عائشة - ~~رضي الله عنها - قالت: «دخل علي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأنا ~~أتمثل بهذين البيتين: # ارفع ضعيفك لا يخونك ضعفه ... يوما فتدركه العواقب قد نما # يجزيك أو يثني عليك وإن من ... أثنى عليك بما فعلت فقد جزى # فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: ردي علي قول اليهودي - قاتله الله - ~~لقد أتاني جبرائيل برسالة من ms164 ربي تعالى: أيما رجل صنع إلى أخيه صنيعة فلم ~~يجد لها جزاء إلا الدعاء والثناء فقد كافأه» . وقيل في منثور الحكم: الشكر ~~قيد النعم. # وقال عبد الحميد: من لم يشكر الإنعام فاعدده من الأنعام. وقيل في منثور ~~الحكم # PageV01P206 # قيمة كل نعمة شكرها. وقال بعض الحكماء: كفر النعم من أمارات البطر وأسباب ~~الغير. وقال بعض الفصحاء: الكريم شكور أو مشكور، واللئيم كفور أو مكفور. ~~وقال بعض البلغاء: لا زوال للنعمة مع الشكر، ولا بقاء لها مع الكفر. وقال ~~بعض الأدباء: # شكر الإله بطول الثناء ... وشكر الولاة بصدق الولاء # وشكر النظير بحسن الجزاء ... وشكرك الدون بحسن العطاء # وقال بعض الشعراء: # فلو كان يستغني عن الشكر ماجد ... لعزة ملك أو علو مكان # لما أمر الله العباد بشكره ... فقال: اشكروا لي أيها الثقلان # فإن من شكر معروف من أحسن إليه، ونشر أفضال من أنعم عليه، فقد أدى حق ~~النعمة، وقضى موجب الصنيعة، ولم يبق عليه إلا استدامة ذلك إتماما لشكره ~~ليكون للمزيد مستحقا ولمتابعة الإحسان مستوجبا. # حكي أن الحجاج أتي إليه بقوم من الخوارج، وكان فيهم صديق له فأمر بقتلهم ~~إلا ذلك الصديق فإنه عفا عنه وأطلقه ووصله. فرجع الرجل إلى قطري بن الفجاءة ~~فقال له: عد إلى قتال عدو الله. فقال هيهات، غل يدا مطلقها # واسترق رقبة معتقها. وأنشأ يقول: # أأقاتل الحجاج في سلطانه ... بيد تقر بأنها مولاته # إني إذا لأخو الدناءة والذي ... شهدت بأقبح فعله غدراته # ماذا أقول إذا وقفت إزاءه ... في الصف واحتجت له فعلاته # أأقول جار علي لا إني إذا ... لأحق من جارت عليه ولاته # وتحدث الأقوام أن صنائعا ... غرست لدي فحنظلت نخلاته # وقيل في منثور الحكم: المعروف رق، والمكافأة عتق. ومن أشكر الناس الذي ~~يقول: # PageV01P207 # لأشكرنك معروفا هممت به ... إن اهتمامك بالمعروف معروف # ولا ألومك إن لم يمضه قدر ... فالشيء بالقدر المحتوم مصروف # وهذا النوع من الشكر الذي يتعجل المعروف ويتقدم البر قد يكون على وجوه: ~~فيكون تارة من حسن الثقة بالمشكور في وصول بره وإسداء عرفه ولا رأي ms165 لمن ~~يحسن به ظن شاكر أن يخلف حسن ظنه فيه، فيكون كما قال العتابي: # قد أورقت فيك آمالي بوعدك لي ... وليس في ورق الآمال لي ثمر # وقد يكون تارة من فرط شكر الراجي وحسن مكافأة الآمل، فلا يرضى لنفسه إلا ~~بتعجيل الحق وإسلاف الشكر. وليس لمن صادف لمعروفه معدنا زاكيا، ومغرسا ~~ناميا، أن يفوت نفسه غنما، ولا يحرمها ربحا فهذا وجه ثان. # وقد يكون تارة ارتهانا للمأمول، وحبا للمسئول. وبحسب ما أسلف من الشكر ~~يكون الذم عند الإياس. وقال بعض الأدباء من حكماء المتقدمين: من شكرك على ~~معروف لم تسده إليه فعاجله بالبر وإلا انعكس فصار ذما. وقال ابن الرومي: # وما الحقد إلا توأم الشكر في الفتى ... وبعض السجايا ينسبن إلى بعض # فحيث ترى حقدا على ذي إساءة ... فثم ترى شكرا على حسن القرض # إذا الأرض أدت ريع ما أنت زارع ... من البذر فيها فهي ناهيك من أرض # وأما من ستر معروف المنعم ولم يشكره على ما أولاه من نعمه، فقد كفر ~~النعمة وجحد الصنيعة. وإن من أذم الخلائق، وأسوأ الطرائق، ما يستوجب به قبح ~~الرد وسوء المنع. فقد روى أبو هريرة - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - أنه قال: «لا يشكر الله من لا يشكر الناس» . وقال بعض الأدباء: ~~من لم يشكر لمنعمه استحق قطع النعمة. # وقال بعض الفصحاء: من كفر نعمة المفيد استوجب حرمان المزيد. وقال بعض ~~البلغاء: من أنكر الصنيعة استوجب قبح القطيعة. وأنشدني بعض الأدباء ما ذكر ~~أنه لعلي بن أبي طالب - كرم الله وجهه -: # PageV01P208 # من جاوز النعمة بالشكر ... لم يخش على النعمة مغتالها # لو شكروا النعمة زادتهم ... مقالة الله التي قالها # لئن شكرتم لأزيدنكم ... لكنما كفرهم غالها # والكفر بالنعمة يدعو إلى ... زوالها والشكر أبقى لها # وهذا آخر ما يتعلق بالقاعدة الثانية من أسباب الألفة الجامعة. # فأما القاعدة الثالثة: فهي المادة الكافية؛ لأن حاجة الإنسان لازمة لا ~~يعرى منها بشر. قال الله تعالى: {وما جعلناهم جسدا لا يأكلون الطعام وما ~~كانوا خالدين} [الأنبياء: ms166 8] # فإذا عدم المادة التي هي قوام نفسه لم تدم له حياة، ولم تستقم له دنيا، ~~وإذا تعذر شيء منها عليه لحقه من الوهن في نفسه والاختلال في دنياه بقدر ما ~~تعذر من المادة عليه؛ لأن الشيء القائم بغيره يكمل بكماله ويختل باختلاله. # ثم لما كانت المواد مطلوبة لحاجة الكافة إليها أعوزت بغير طلب، وعدمت ~~لغير سبب. وأسباب المودة مختلفة، وجهات المكاسب متشعبة؛ ليكون اختلاف ~~أسبابها علة الائتلاف بها، وتشعب جهاتها توسعة لطلابها، كي لا يجتمعوا على ~~سبب واحد فلا يلتئمون، أو يشتركوا في جهة واحدة فلا يكتفون. # ثم هداهم إليها بعقولهم وأرشدهم إليها بطباعهم حتى لا يتكلفوا ائتلافهم ~~في المعايش المختلفة فيعجزوا ولا يعاونوا بتقدير موادهم بالمكاسب المتشعبة، ~~فيختلوا حكمة منه سبحانه وتعالى اطلع بها على عواقب الأمور. وقد أنبأ الله ~~تعالى في كتابه العزيز أخبارا وإذكارا فقال - سبحانه وتعالى -: {قال ربنا ~~الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى} [طه: 50] . # اختلف المفسرون في تأويل ذلك فقال قتادة: أعطى كل شيء ما يصلح ثم هداه. ~~وقال مجاهد: أعطى كل شيء زوجة ثم هداه لنكاحها. وقال تعالى: {يعلمون ظاهرا ~~من الحياة الدنيا} [الروم: 7] . # يعني # PageV01P209 # معايشهم متى يزرعون ومتى يغرسون: {وهم عن الآخرة هم غافلون} [الروم: 7] . # وقال تعالى: {وقدر فيها أقواتها في أربعة أيام سواء للسائلين} [فصلت: 10] # قال عكرمة: قدر في كل بلدة منها ما لم يجعله في الأخرى ليعيش بعضهم من ~~بعض بالتجارة من بلد إلى بلد. وقال الحسن البصري وعبد الرحمن بن زيد: قدر ~~أرزاق أهلها سواء للسائلين الزيادة في أرزاقهم. ثم إن الله تعالى جعل لهم ~~مع ما هداهم إليه من مكاسبهم وأرشدهم إليه من معايشهم دينا يكون حكما وشرعا ~~يكون قيما؛ ليصلوا إلى موادهم بتقديره، ويطلبوا أسباب مكاسبهم بتدبيره، حتى ~~لا ينفردوا بإرادتهم فيتغالبوا، وتستولي عليهم أهواؤهم فيتقاطعوا. # قال الله تعالى: {ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السماوات والأرض} ~~[المؤمنون: 71] # قال المفسرون: الحق في هذا الموضع هو الله - جل جلاله - فلأجل ذلك لم ~~يجعل المواد مطلوبة بالإلهام حتى جعل العقل ms167 هاديا إليها، والدين قاضيا ~~عليها؛ لتتم السعادة وتعم المصلحة. ثم إنه - جلت قدرته - جعل سد حاجتهم ~~وتوصلهم إلى منافعهم من وجهين: بمادة وكسب. فأما المادة فهي حادثة عن ~~اقتناء أصول نامية بذواتها. وهي شيئان: نبت نام وحيوان متناسل. قال الله ~~تعالى: {وأنه هو أغنى وأقنى} [النجم: 48] . # قال أبو صالح: أغنى خلقه بالمال، وأقنى جعل لهم قنية وهي أصول الأموال. # وأما المكسب فيكون بالأفعال الموصلة إلى المادة والتصرف المؤدي إلى ~~الحاجة. وذلك من وجهين: # أحدهما: تقلب في تجارة. والثاني: تصرف في صناعة. وهذان هما فرع لوجهي ~~المادة، فصارت أسباب المواد المألوفة، وجهات المكاسب المعروفة، من أربعة ~~أوجه: نماء زراعة، ونتاج حيوان، وربح تجارة، وكسب صناعة. وحكى الحسن بن ~~رجاء # PageV01P210 # مثل ذلك عن المأمون قال: سمعته يقول: معايش الناس على أربعة أقسام: زراعة ~~وصناعة وتجارة وإمارة. فمن خرج عنها كان كلا عليها. وإذ قد تقررت أسباب ~~المواد بما ذكرناه فسنصف حال كل واحد منها بقول موجز. # أما الأول من أسبابها وهي الزراعة: فهي مادة أهل الحضر وسكان الأمصار ~~والمدن، والاستمداد بها أعم نفعا، وأوفى فرعا. ولذلك ضرب الله تعالى به ~~المثل فقال: {مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع ~~سنابل في كل سنبلة مائة حبة والله يضاعف لمن يشاء} [البقرة: 261] . # وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «خير المال عين ساهرة ~~لعين نائمة» . وقال - صلى الله عليه وسلم -: «نعمت لكم النخلة تشرب من عين ~~خرارة وتغرس في أرض خوارة» . وقال - صلى الله عليه وسلم - «النخل: هي ~~الراسخات في الوحل المطعمات في المحل» . # وقال بعض السلف: خير المال عين خرارة في أرض خوارة تسهر إذا نمت، وتشهد ~~إذا غبت، وتكون عقبا إذا مت. وروى هشام بن عروة، عن عائشة - رضي الله عنها ~~- قالت: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «التمسوا الرزق في خبايا ~~الأرض» . يعني الزرع. وحكي عن المعتضد أنه قال: رأيت علي بن أبي طالب - رضي ~~الله عنه - في المنام يناولني المسحاة وقال: خذها فإنها ms168 مفاتيح خزائن ~~الأرض. # وقال كسرى للموبد: ما قيمة تاجي هذا؟ فأطرق ساعة ثم قال: ما أعرف له قيمة ~~إلا أن تكون مطرة في نيسان فإنها تصلح من معايش الرعية ما تكون قيمته مثل ~~تاج الملك. ولقي عبد الله بن عبد الملك ابن شهاب الزهري فقال له: ادللني ~~على ما أعالجه. فأنشأ ابن شهاب يقول: # تتبع خبايا الأرض وادع مليكها ... لعلك يوما أن تجاب فترزقا # فيؤتيك مالا واسعا ذا متانة ... إذا ما مياه الأرض غارت تدفقا # PageV01P211 # وقد اختلف الناس في تفضيل الزرع والشجر بما ليس يتسع كتابنا هذا لبسط ~~القول فيه، غير أن من فضل الزرع فلقرب مداه، ووفور جداه ومن فضل الشجر ~~فلثبوت أصله وتوالي ثمره. # وأما الثاني من أسبابها وهو نتاج الحيوان: فهو مادة أهل الفلوات وسكان ~~الخيام؛ لأنهم لما لم تستقر بهم دار، ولم تضمهم أمصار افتقروا إلى الأموال ~~المنتقلة معهم، وما لا ينقطع نماؤه بالظعن والرحلة، فاقتنوا الحيوان؛ لأنه ~~يستقل في النقلة بنفسه، ويستغني عن العلوفة برعيه. ثم هو مركوب ومحلوب، ~~فكان اقتناؤه على أهل الخيام أيسر لقلة مؤنته وتسهيل الكلفة به، وكانت ~~جدواه عليهم أكثر لوفور نسله واقتيات رسله إلهاما من الله لخلقه في تعديل ~~المصالح فيهم، وإرشاد العباد في قسم المنافع بينهم. # وقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «خير المال مهرة ~~مأمورة وسكة مأبورة» . ومعنى قوله - صلى الله عليه وسلم - مهرة مأمورة أي ~~كثيرة النسل. ومنه تأول الحسن وقتادة قوله تعالى: {أمرنا مترفيها} ~~[الإسراء: 16] . أي كثرنا عددهم. وأما السكة المأبورة فهي النخل المؤبرة ~~الحمل. # وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «في الغنم سمنها معاش، ~~وصوفها رياش» . وروي عن أبي ظبيان أنه قال: قال لي عمر بن الخطاب - رضي ~~الله عنه -: ما مالك يا أبا ظبيان؟ قال قلت: عطائي ألفان. قال: اتخذ من هذا ~~الحرث والسائبات قبل أن تليك غلمة من قريش لا تعد العطاء معهم مالا، ~~والسائبات النتاج. # وحكي أن «امرأة أتت النبي - صلى الله عليه وسلم - فقالت: ms169 يا رسول الله ~~إني اتخذت غنما أبتغي نسلها ورسلها وأنها لا تنمي. فقال لها النبي - صلى ~~الله عليه وسلم -: ما ألوانها؟ قالت: سود. فقال: عفري» . وهذا مثل «قوله - ~~صلى الله عليه وسلم - في مناكح الآدميين: اغتربوا ولا تضووا» . # وأما الثالث من أسبابها وهي التجارة: فهي فرع لمادتي الزرع # PageV01P212 # والنتاج. فقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «تسعة أعشار ~~الرزق في التجارة والحرث والباقي في السائبات» . وهي نوعان: تقلب في الحضر ~~من غير قلة ولا سفر، وهذا تربص واختصار وقد رغب عنه ذوو الاقتدار وزهد فيه ~~ذوو الأخطار. # والثاني: تقلب بالمال بالأسفار ونقله إلى الأمصار، فهذا أليق بأهل ~~المروءة وأعم جدوى ومنفعة، غير أنه أكثر خطرا، وأعظم غررا. فقد روي عن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «إن المسافر وماله لعلى قلت إلا ما ~~وقى الله» . # يعني على خطر، وفي التوراة: يا ابن آدم أحدث سفرا أحدث لك رزقا. # وأما الرابع من أسبابها وهو الصناعة: فقد يتعلق بما مضى من الأسباب ~~الثلاثة وتنقسم أقساما ثلاثة: صناعة فكر، وصناعة عمل، وصناعة مشتركة بين ~~فكر وعمل؛ لأن الناس آلات للصناعات، وأشرفهم نفسا متهيئ لأشرفها جنسا، كما ~~أن أرذلهم نفسا متهيئ لأرذلها جنسا؛ لأن الطبع يبعث على ما يلائمه، ويدعو ~~إلى ما يجانسه. # وحكي أن الإسكندر لما أراد الخروج إلى أقاصي الأرض قال لأرسطاطاليس: اخرج ~~معي. قال: قد نحل جسمي وضعفت عن الحركة فلا تزعجني. قال فما أصنع في عمالي ~~خاصة؟ قال انظر إلى من كان له عبيد فأحسن سياستهم فوله الجنود، ومن كانت له ~~ضيعة فأحسن تدبيرها فوله الخراج. فنبه باعتبار الطباع على ما أغناه عن كلفة ~~التجربة. وأشرف الصناعات صناعة الفكر وهي مدبرة، وأرذلها صناعة العمل؛ لأن ~~العمل نتيجة الفكر وتدبيره. # فأما صناعة الفكر فقد تنقسم قسمين: # أحدهما: ما وقف على التدبيرات الصادرة عن نتائج الآراء الصحيحة كسياسة ~~الناس وتدبير البلاد. وقد أفردنا للسياسة كتابا لخصنا فيه من جملها ما ليس ~~يحتمل هذا الكتاب زيادة عليها. # والثاني: ما ms170 أدت إلى المعلومات الحادثة عن الأفكار النظرية. وقد مضى في ~~فضل العلم من كتابنا هذا باب أغنى ما فيه عن زيادة قول فيه. وأما صناعة ~~العمل فقد تنقسم قسمين: عمل صناعي، وعمل بهيمي. # فالعمل الصناعي أعلاها رتبة؛ لأنه # PageV01P213 # يحتاج إلى معاطاة في تعلمه، ومعاناة في تصوره، فصار بهذه النسبة من ~~المعلومات الفكرية. والآخر إنما هو صناعة كد وآلة مهنة. وهي الصناعة التي ~~تقتصر عليها النفوس الرذلة، وتقف عليها الطباع الخاسئة. # كما قال أكثم بن صيفي: لكل ساقطة لاقطة، وكما قال المتلمس: # ولا يقيم على ضيم يسام به ... إلا الأذلان عير الحي والوتد # هذا على الخسف مربوط برمته ... وذا يشج فلا يرثي له أحد # وأما الصناعة المشتركة بين الفكر والعمل فقد تنقسم قسمين: # أحدهما: أن تكون صناعة الفكر أغلب والعمل تبعا كالكتابة. # والثاني: أن تكون صناعة العمل أغلب والفكر تبعا كالبناء. # أعلاهما رتبة ما كانت صناعة الفكر أغلب عليها والعمل تبعا لها. فهذه ~~أحوال الخلق التي ركبهم الله عز وجل عليها في ارتياد موادهم، ووكلهم إلى ~~نظرهم في طلب مكاسبهم، وفرق بين هممهم في التماسهم؛ ليكون ذلك سببا ~~لألفتهم، فسبحان من تفرد فينا بلطف حكمته، وأظهر فطننا بعزائم قدرته. # وإذ قد وضح القول في أسباب المواد وجهات الكسب، فليس يخلو حال الإنسان ~~فيها من ثلاثة أمور: # أحدها: أن يطلب منها قدر كفايته، ويلتمس وفق حاجته، من غير أن يتعدى إلى ~~زيادة عليها، أو يقتصر على نقصان منها. فهذه أحد أحوال الطالبين، وأعدل ~~مراتب المقتصدين. # وقد روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «أوحى الله تعالى ~~إلي كلمات فدخلن في أذني ووقرن في قلبي: من أعطى فضل ماله فهو خير له، ومن ~~أمسك فهو شر له، ولا يلم الله على كفاف» . وروى حميد عن معاوية بن جنيدة ~~قال: قلت: «يا # PageV01P214 # رسول الله ما يكفيني من الدنيا؟ قال: ما يسد جوعتك، ويستر عورتك. فإن كان ~~ذلك فذاك وإن كان حمادا فبخ بخ فلق من خبز وجزء من ماء وأنت مسئول ms171 عما فوق ~~الإزار» . # وقد روي عن ابن عباس ومجاهد في قوله تعالى: {إذ جعل فيكم أنبياء وجعلكم ~~ملوكا} [المائدة: 20] . أن كل من ملك بيتا وزوجة وخادما فهو ملك. # وروى زيد بن أسلم قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «من كان له ~~بيت وخادم فهو ملك» . وهو في المعنى صحيح؛ لأنه بالزوجة والخادم مطاع في ~~أمره، وفي الدار محجوب إلا عن إذنه. وليس على من طلب الكفاية ولم يجاوز ~~تبعات الزيادة إلا توخي الحلال منه، وإجمال الطلب فيه، ومجانبة الشبهة ~~الممازجة له. # وقد روى نافع عن ابن عمر - رضي الله عنه -، قال: قال رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -: «الحلال بين، والحرام بين، فدع ما يريبك إلى ما لا ~~يريبك، فلن تجد فقد شيء تركته لله» . «وسئل رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- عن الزهد فقال: أما إنه ليس بإضاعة المال، ولا تحريم الحلال، ولكن أن ~~تكون بما بيد الله أوثق منك بما في يديك، وأن يكون ثواب المصيبة أرجح عندك ~~من بقائها» . # وحكى عبد الله بن المبارك قال: كتب عمر بن عبد العزيز إلى الجراح بن عبد ~~الله الحكمي: إن استطعت أن تدع مما أحل الله لك ما يكون حاجزا بينك وبين ~~الحرام فافعل، فإنه من استوعب الحلال تاقت نفسه إلى الحرام. وقد اختلف أهل ~~التأويل في قوله تعالى: {فإن له معيشة ضنكا} [طه: 124] . # فقال عكرمة: يعني كسبا حراما. وقال ابن عباس هو إنفاق من لا يوقن بالخلف. # وقال يحيى بن معاذ: الدرهم عقرب فإن أحسنت رقيتها وإلا فلا تأخذها. وقيل: ~~من قل توقيه كثرت مساوئه. وقال بعض البلغاء: خير الأموال ما أخذته من ~~الحلال وصرفته في النوال، وشر الأموال ما أخذته من الحرام، وصرفته في ~~الآثام. وكان الأوزاعي الفقيه # PageV01P215 # كثيرا ما يتمثل بهذه الأبيات: # المال ينقد حله وحرامه ... يوما ويبقى بعد ذاك آثامه # ليس التقي بمتق لإلهه ... حتى يطيب شرابه وطعامه # ويطيب ما يجني ويكسب أهله ... ويطيب من لفظ الحديث كلامه # نطق النبي لنا به عن ربه ms172 ... فعلى النبي صلاته وسلامه # وحكي عن ابن المعتمر السلمي قال: الناس ثلاثة أصناف: أغنياء وفقراء ~~وأوساط. # فالفقراء موتى إلا من أغناه الله بعز القناعة، والأغنياء سكارى إلا من ~~عصمه الله تعالى بتوقع الغير. وأكثر الخير مع أكثر الأوساط، وأكثر الشر مع ~~أكثر الفقراء والأغنياء؛ لسخف الفقر وبطر الغني. # والأمر الثاني: أن يقصر عن طلب كفايته، ويزهد في التماس مادته. وهذا ~~التقصير قد يكون على ثلاثة أوجه: فيكون تارة كسلا، وتارة توكلا، وتارة زهدا ~~وتقنعا. فإن كان تقصيره لكسل فقد حرم ثروة النشاط، ومرح الاغتباط، فلن يعدم ~~أن يكون كلا قصيا، أو ضائعا شقيا. # وقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «كاد الحسد أن يغلب ~~القدر، وكاد الفقر أن يكون كفرا» . وقال بزرجمهر: إن كان شيء فوق الحياة ~~فالصحة. وإن كان شيء مثلها فالغنى، وإن كان شيء فوق الموت فالمرض، وإن كان ~~شيء مثله فالفقر. وقيل في منثور الحكم: القبر خير من الفقر. ووجد في نيل ~~مصر مكتوب على حجر: # عقب الصبر نجاح وغنى ... ورداء الفقر من نسج الكسل # وقال بعض الشعراء: # أعوذ بك اللهم من بطر الغنى ... ومن نكهة البلوى ومن ذلة الفقر # ومن أمل يمتد في كل شارف ... يرجعني منه بحظ يد صفر # إذا لم تدنسني الذنوب بعارها ... فلست أبالي ما تشعث من أمري # وإذا كان تقصيره لتوكل فذلك عجز قد أعذر به نفسه، وترك حزم قد # PageV01P216 # غير اسمه؛ لأن الله تعالى أمرنا بالتوكل عند انقطاع الحيل والتسليم إلى ~~القضاء بعد الإعواز. # وقد روى معمر، عن أيوب، عن أبي قلابة، قال: «ذكر عند النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - رجل فذكر فيه خيرا، فقالوا: يا رسول الله خرج معنا حاجا فإذا ~~نزلنا منزلا لم يزل يصلي حتى نرحل، فإذا ارتحلنا لم يزل يذكر الله عز وجل ~~حتى ننزل. فقال - صلى الله عليه وسلم -: فمن كان يكفيه علف ناقته وصنع ~~طعامه؟ قالوا كلنا يا رسول الله. قال: كلكم خير منه» . # وقال بعض الحكماء: ليس من توكل المرء إضاعته ms173 للحزم، ولا من الحزم إضاعة ~~نصيبه من التوكل. وإن كان تقصيره لزهد وتقنع فهذه حال من علم بمحاسبة نفسه ~~بتبعات الغنى والثروة، وخاف عليها بوائق الهوى والقدرة، فآثر الفقر على ~~الغنى، وزجر النفس عن ركوب الهوى. # فقد روى أبو الدرداء قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «ما من ~~يوم طلعت فيه شمسه إلا وعلى جنبتيها ملكان يناديان يسمعهما خلق الله كلهم ~~إلا الثقلين: يا أيها الناس هلموا إلى ربكم إن ما قل وكفى خير مما كثر ~~وألهى» . وروى زيد بن علي بن الحسين عن أبيه عن جده - رضي الله عنهم أجمعين ~~- أنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «انتظار الفرج من الله ~~بالصبر عبادة، ومن رضي من الله عز وجل بالقليل من الرزق رضي الله عز وجل ~~منه بالقليل من العمل» . وروي عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أنه قال: ~~من نبل الفقر أنك لا تجد أحدا يعصي الله ليفتقر. # فأخذه محمود الوراق فقال: # يا عائب الفقر ألا تزدجر ... عيب الغني أكثر لو تعتبر # من شرف الفقر ومن فضله ... على الغنى إن صح منك النظر # أنك تعصي لتنال الغنى ... ولست تعصي الله كي تفتقر # وقال ابن المقفع: # دليلك أن الفقر خير من الغنى ... وأن قليل المال خير من المثري # لقاؤك مخلوقا عصى الله بالغنى ... ولم تر مخلوقا عصى الله بالفقر # PageV01P217 # وهذه الحال إنما تصح لمن نصح نفسه فأطاعته، وصدقها فأجابته، حتى لان ~~قيادها، وهان عنادها. # وعلمت أن من لم يقنع بالقليل لم يقنع بالكثير، كما كتب الحسن البصري إلى ~~عمر بن عبد العزيز - رضي الله عنهما -: يا أخي، من استغنى بالله اكتفى، ومن ~~انقطع إلى غيره تعنى، ومن كان من قليل الدنيا لا يشبع، لم يغنه منها كثرة ~~ما يجمع، فعليك منها بالكفاف، وألزم نفسك العفاف، وإياك وجمع الفضول، فإن ~~حسابه يطول. وقال بعض الحكماء: هيهات منك الغنى إن لم يقنعك ما حويت. # فأما من أعرضت نفسه عن قبول نصحه، وجمحت به عن قناعة زهده، ms174 فليس إلى ~~إكراهها سبيل ولا للحمل عليها وجه إلا بالرياضة والمروءة. وأن يستنزلها إلى ~~اليسير الذي لا تنفر منه فإذا استقرت عليه أنزلها إلى ما هو أقل منه؛ ~~لتنتهي بالتدريج إلى الغاية المطلوبة وتستقر بالرياضة والتمرين على الحال ~~المحبوبة. وقد تقدم قول الحكماء: إن المكروه يسهل بالتمرين. فهذا حكم ما في ~~الأمر الثاني من التقصير عن طلب الكفاية. # وأما الأمر الثالث: فهو أن لا يقنع بالكفاية ويطلب الزيادة والكثرة، فقد ~~يدعو إلى ذلك أربعة أسباب: أحدها: منازعة الشهوات التي لا تنال إلا بزيادة ~~المال وكثرة المادة، فإذا نازعته الشهوة طلب من المال ما يوصله. وليس ~~للشهوات حد متناه فيصير ذلك ذريعة إلى أن ما يطلبه من الزيادة غير متناه. # ومن لم يتناه طلبه استدام كده وتعبه، ومن استدام الكد والتعب لم يف ~~التذاذه بنيل شهواته بما يعانيه من استدامة كده وإتعابه، مع ما قد لزمه من ~~ذم الانقياد لمغالبة الشهوات، والتعرض لاكتساب التبعات، حتى يصير كالبهيمة ~~التي قد انصرف طلبها إلى ما تدعو إليه شهوتها، فلا تنزجر عنه بعقل ولا تنكف ~~عنه بقناعة. وقد روي عن علي، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «من ~~أراد الله به خيرا حال بينه وبين شهوته، وحال بينه وبين قلبه، وإذا أراد به ~~شرا وكله إلى نفسه» . وقد قال الشاعر: # وإنك إن أعطيت بطنك همه ... وفرجك نالا منتهى الذم أجمعا # PageV01P218 # والسبب الثاني: أن يطلب الزيادة ويلتمس الكثرة ليصرفها في وجوه الخير، ~~ويتقرب بها في جهات البر، ويصطنع بها المعروف، ويغيث بها الملهوف. فهذا ~~أعذر وبالحمد أحرى وأجدر، إذا انصرفت عنه تبعات المطالب، وتوقى شبهات ~~المكاسب، وأحسن التقدير في حالتي فائدته وإفادته على قدر الزمان، وبقدر ~~الإمكان؛ لأن المال آلة للمكارم وعون على الدين ومتألف للإخوان، ومن فقده ~~من أهل الدنيا قلت الرغبة فيه والرهبة منه، ومن لم يكن منهم بموضع رهبة ولا ~~رغبة استهانوا به. # وقد روى عبد الله بن بريدة عن أبيه، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: «إن ms175 حساب أهل الدنيا هذا المال» . وقال مجاهد: الخير في القرآن كله ~~المال: {وإنه لحب الخير لشديد} [العاديات: 8] يعني المال و: {أحببت حب ~~الخير عن ذكر ربي} [ص: 32] يعني المال: {فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا} ~~[النور: 33] يعني مالا. # وقال شعيب النبي - عليه السلام -: إني أراكم بخير يعني المال. وإنما سمى ~~الله تعالى المال خيرا إذا كان في الخير مصروفا؛ لأن ما أدى إلى الخير فهو ~~في نفسه. # وقد اختلف أهل التأويل في قوله قوله تعالى: {ومنهم من يقول ربنا آتنا في ~~الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار} [البقرة: 201] # فقال السدي وعبد الرحمن بن زيد: الحسنة في الدنيا وفي الآخرة الجنة. وقال ~~الحسن البصري وسفيان الثوري: في الدنيا العلم والعبادة وفي الآخرة الجنة. ~~وقال ابن عباس: الدراهم والدنانير خواتم الله في الأرض لا تؤكل ولا تشرب ~~حيث قصدت بها قضيت حاجتك. # وقال قيس بن سعد: اللهم ارزقني حمدا ومجدا فإنه لا حمد إلا بفعال ولا مجد ~~إلا بمال. وقد قيل لأبي الزناد: لم تحب الدراهم وهي تدينك من الدنيا؟ فقال: ~~هي وإن # PageV01P219 # أدنتني منها فقد صانتني عنها. وقال بعض الحكماء: من أصلح ماله فقد صان ~~الأكرمين: الدين والعرض. وقيل في منثور الحكم: من استغنى كرم على أهله. # ومر رجل من أرباب الأموال ببعض العلماء فتحرك له وأكرمه فقيل له: بعد ذلك ~~أكانت لك إلى هذا حاجة؟ قال لا. ولكني رأيت ذا المال مهيبا. وسأل رجل محمد ~~بن عمير بن عطارد وعتاب بن ورقاء في عشر ديات فقال محمد: علي دية. وقال ~~عتاب: الباقي علي. فقال محمد: نعم العون اليسار على المجد. وقال الأحنف بن ~~قيس: # فلو كنت مثرى بمال كثير ... لجدت وكنت له باذلا # فإن المروءة لا تستطاع ... إذا لم يكن مالها فاضلا # وكان يقال: الدراهم مراهم؛ لأنها تداوي كل جرح، ويطيب بها كل صلح. وقال ~~ابن الجلال: # رزقت مالا ولم أرزق مروءته ... وما المروءة إلا كثرة المال # إذا أردت رقى العلياء يقعدني ... عما ينوه باسمي رقة الحال # وقيل في ms176 منثور الحكم الفقر مخذلة، والغنى مجدلة، والبؤس مرذلة، والسؤال ~~مبذلة. وقال أوس بن حجر: # أقيم بدار الحزم ما دام حزمها ... وأحرى إذا حالت بأن أتحولا # فإني وجدت الناس إلا أقلهم ... خفاف عهود يكثرون التثقلا # بني أم ذي المال الكثير يرونه ... وإن كان عبدا سيد الأمر جحفلا # وهم لمقل المال أولاد علة ... وإن كان محضا في العشيرة مخولا # وقال بشر الضرير: # كفى حزنا أني أروح وأغتدي ... وما لي من مال أصون به عرضي # وأكثر ما ألقى الصديق بمرحبا ... وذلك لا يكفي الصديق ولا يرضي # وقال آخر: # أجلك قوم حين صرت إلى الغنى ... وكل غني في العيون جليل # PageV01P220 # وليس الغنى إلا غنى زين الفتى ... عشية يقري أو غداة ينيل # وقد اختلف الناس في تفضيل الغنى والفقر مع اتفاقهم أن ما أحوج من الفقر ~~مكروه، وما أبطر من الغنى مذموم، فذهب قوم إلى تفضيل الغنى على الفقر؛ لأن ~~الغني مقتدر والفقير عاجز، والقدرة أفضل من العجز. وهذا مذهب من غلب عليه ~~حب النباهة. # وذهب آخرون إلى تفضيل الفقر على الغنى؛ لأن الفقير تارك والغني ملابس، ~~وترك الدنيا أفضل من ملابستها. وهذا مذهب من غلب عليه حب السلامة. وذهب ~~آخرون إلى تفضيل التوسط بين الأمرين بأن يخرج عن حد الفقر إلى أدنى مراتب ~~الغنى؛ ليصل إلى فضيلة الأمرين، ويسلم من مذمة الحالين، وهذا مذهب من يرى ~~تفضيل الاعتدال، وأن خيار الأمور أوساطها. وقد مضى شواهد كل فريق في موضعه ~~بما أغنى عن إعادته. # والسبب الثالث: أن يطلب الزيادة ويقتني الأموال؛ ليدخرها لولده، ويخلفها ~~على ورثته، مع شدة ضنه على نفسه، وكفه عن صرف ذلك في حقه، إشفاقا عليهم من ~~كدح الطلب، وسوء المنقلب، وهذا شقي بجمعها، مأخوذ بوزرها، قد استحق اللوم ~~من وجوه لا تخفى على ذي لب. # منها: سوء ظنه بخالقه أنه لا يرزقهم إلا من جهته. وقد قيل: قتل القنوط ~~صاحبه، وفي حسن الظن بالله راحة القلوب. وقال عبد الحميد: كيف تبقى على ~~حالتك والدهر في إحالتك. # ومنها: الثقة ببقاء ذلك على ms177 ولده مع نوائب الزمان ومصائبه. وقد قيل: ~~الدهر حسود لا يأتي على شيء إلا غيره. وقيل في منثور الحكم: المال ملول. ~~وقال بعض الحكماء: الدنيا إن بقيت لك لا تبقى لها. # ومنها: ما حرم من منافع ماله، وسلب من وفور حاله. وقد قيل: إنما مالك لك ~~أو للوارث أو للجائحة # فلا تكن أشقى الثلاثة. وقال عبد الحميد # PageV01P221 # اطرح كواذب آمالك: وكن وارث مالك. # ومنها: ما لحقه من شقاء جمعه، وناله من عناء كده، حتى صار ساعيا محروما، ~~وجاهدا مذموما. وقد قيل: رب مغبوط بمسرة هي داؤه، ومرحوم من سقم هو شفاؤه. # وقال الشاعر: # ومن كلفته النفس فوق كفافها ... فما ينقضي حتى الممات عناؤه # ومنها: ما يؤاخذ به من وزره وآثامه، ويحاسب عليه من تبعاته وأجرامه. وقد ~~حكي أن هشام بن عبد الملك لما ثقل بكاء ولده عليه قال لهم: جاد لكم هشام ~~بالدنيا وجدتم عليه بالبكاء، وترك لكم ما كسب وتركتم عليه ما اكتسب، ما ~~أسوأ حال هشام إن لم يغفر الله له. فأخذ هذا المعنى محمود الوراق فقال: # تمتع بمالك قبل الممات ... وإلا فلا مال إن أنت متا # شقيت به ثم خلفته ... لغيرك بعدا وسحقا ومقتا # فجادوا عليك بزور البكاء ... وجدت عليهم بما قد جمعتا # وأرهنتهم كل ما في يديك ... وخلوك رهنا بما قد كسبتا # وروي أن «العباس بن عبد المطلب جاء إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~فقال يا رسول الله ولني. فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: يا عباس يا عم ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - قليل يكفيك خير من كثير يرديك، يا عباس يا عم ~~النبي نفس تنجيها خير من إمارة لا تحصيها، يا عباس يا عم النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - إن الإمارة أولها ندامة، وأوسطها ملامة، وآخرها خزي يوم ~~القيامة. فقال: يا رسول الله إلا من عدل. فقال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: كيف تعدلون مع الأقارب» . # وقال رجل للحسن البصري - رحمه الله -: إني أخاف الموت وأكرهه. فقال: إنك ~~خلفت مالك ولو قدمته ms178 لسرك اللحوق به. وقيل في منثور الحكم # PageV01P222 # كثرة مال الميت تعزي ورثته عنه. فأخذ هذا المعنى ابن الرومي فقال وزاد: # أبقيت مالك ميراثا لوارثه ... فليت شعري ما أبقى لك المال # القوم بعدك في حال تسرهم ... فكيف بعدهم حالت بك الحال # ملوا البكاء فما يبكيك من أحد ... واستحكم القول في الميراث والقال # ولتهم عنك دنيا أقبلت لهم ... وأدبرت عنك والأيام أحوال # والسبب الرابع: أن يجمع المال ويطلبه استحلالا لجمعه، وشغفا باحترامه. ~~فهذا أسوأ الناس حالا فيه، وأشدهم حزنا له، قد توجهت إليه سائر الملاوم حتى ~~صار وبالا عليه ومذام. # «وفي مثله قال الله تعالى: {والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في ~~سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم} [التوبة: 34] فقال النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -: تبا للذهب تبا للفضة. فشق ذلك على أصحاب النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - فقالوا: أي مال نتخذ؟ فقال عمر - رضي الله عنه -: أنا أعلم لكم ذلك، ~~فقال: يا رسول الله إن أصحابك قد شق عليهم فقالوا: أي مال نتخذ؟ فقال: ~~لسانا ذاكرا، وقلبا شاكرا، وزوجة مؤمنة تعين أحدكم على دينه» . # وروى شهر بن حوشب عن أبي أمامة قال: «مات رجل من أهل الصفة فوجد في مئزره ~~دينار فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: كية. ثم مات آخر فوجد في مئزره ~~ديناران، فقال - صلى الله عليه وسلم - كيتان» . وإنما ذكر ذلك فيهما، وإن ~~كان قد مات على عهده من ترك أموالا جمة، وأحوالا ضخمة، فلم يكن فيه ما كان ~~في هذين؛ لأنهما تظاهرا بالقناعة واحتجنا ما ليس بهما إليه حاجة فصار ما ~~احتجناه وزرا عليهما، وعقابا لهما. وقد قال الشاعر: # إذا كنت ذا مال ولم تكن ذا ندى ... فأنت إذا والمقترون سواء # PageV01P223 # على أن في الأموال يوما تباعة ... على أهلها والمقترون براء # وأنشدت عن الربيع للشافعي - رضي الله عنه -: # إن الذي رزق اليسار ولم يصب ... حمدا ولا أجرا لغير موفق # والجد يدني كل شيء شاسع ... والجد يفتح كل باب مغلق # وأحق خلق الله بالهم امرؤ ... ذو همة عليا وعيش ms179 ضيق # ومن الدليل على القضاء وكونه ... بؤس اللبيب وطيب عيش الأحمق # فإذا سمعت بأن مجدودا حوى ... عودا فأورق في يديه فحقق # وإذا سمعت بأن مخذولا أتى ... ماء ليشربه فجف فصدق # اللب العقل. تقول: لبيب ذو لب. والجد في اللغة الحظ، وهو البخت، والجد ~~أيضا العظمة. ومنه قوله تعالى: {وأنه تعالى جد ربنا} [الجن: 3] . # والجد مصدر جد الشيء إذا قطع والجد بالكسر الانكماش في الأمور أي ~~الاجتهاد فيها، وهو أيضا الحق ضد الهزل. وبالحاء إذا منع الرزق ومجد مجدود ~~لا يقال فيهما إلا بما لم يسم فاعله. وآفة من بلي بالجمع والاستكثار، ومني ~~بالإمساك والادخار، حتى انصرف عن رشده فغوى، وانحرف عن سنن قصده فهوى، أن ~~يستولي عليه حب المال وبعد الأمل فيبعثه حب المال على الحرص في طلبه، ~~ويدعوه بعد الأمل على الشح به. # والحرص والشح أصل لكل ذم، وسبب لكل لؤم؛ لأن الشح يمنع من أداء الحقوق، ~~ويبعث على القطيعة والعقوق. ولذلك قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «شر ~~ما أعطى العبد شح هالع وجبن خالع» . وقال بعض الحكماء: الغني البخيل كالقوي ~~الجبان. # وأما الحرص فيسلب فضائل النفس؛ لاستيلائه عليها، ويمنع من التوفر على ~~العبادة؛ لتشاغله عنها، ويبعث على التورط في الشبهات؛ لقلة تحرزه منها. ~~وهذه الثلاث خصال هن # PageV01P224 # جامعات الرذائل، سالبات الفضائل، مع أن الحريص لا يستزيد بحرصه زيادة على ~~رزقه سوى إذلال نفسه، وإسخاط خالقه. وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~أنه قال: «الحريص الجاهد والقنوع الزائد يستوفيان أكلهما غير منتقص منه ~~شيء، فعلام التهافت في النار» . # وقال بعض الحكماء: الحرص مفسدة للدين والمروءة، والله ما عرفت من وجه رجل ~~حرصا فرأيت أن فيه مصطنعا. وقال آخر: الحريص أسير مهانة لا يفك أسره. وقال ~~بعض البلغاء: المقادير الغالبة لا تنال بالمغالبة، والأرزاق المكتوبة لا ~~تنال بالشدة والمطالبة، فذلل للمقادير نفسك واعلم بأنك غير نائل بالحرص إلا ~~حظك. وقال بعض الأدباء: رب حظ أدركه غير طالبه، ودر أحرزه غير جالبه. # وأنشدني بعض أهل الأدب لمحمد بن حازم: ms180 # يا أسير الطمع الكاذب ... في غل الهوان # إن عز اليأس خير ... لك من ذل الأماني # سامح الدهر إذا عز ... وخذ صفو الزمان # إنما أعدم ذو الحرص ... وأثري ذو التواني # وليس للحريص غاية مقصودة يقف عندها، ولا نهاية محدودة يقنع بها؛ لأنه إذا ~~وصل بالحرص إلى ما أمل أغراه ذلك بزيادة الحرص والأمل، وإن لم يصل رأى ~~إضاعة الغنى لؤما، والصبر عليه حزما، وصار بما سلف من رجائه أقوى رجاء ~~وأبسط أملا. # وقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال «يشيب ابن آدم ويبقى ~~معه خصلتان الحرص والأمل» . وقيل للمسيح - عليه السلام -: ما بال المشايخ ~~أحرص على الدنيا من الشباب؟ قال:؛ لأنهم ذاقوا من طعم الدنيا ما لم يذقه ~~الشباب. ولو صدق الحريص نفسه واستنصح عقله لعلم أن من تمام السعادة وحسن ~~التوفيق الرضاء بالقضاء والقناعة بالقسم. # وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «اقتصدوا في الطلب فإن ما ~~رزقتموه أشد طلبا لكم منكم له وما حرمتموه فلن تنالوه ولو حرصتم» . وروي ~~«أن جبريل - على نبينا وعليه السلام - هبط على النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- فقال: إن الله - تبارك وتعالى - # PageV01P225 # يقرأ عليك السلام ويقول لك: اقرأ بسم الله الرحمن الرحيم: {ولا تمدن ~~عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم زهرة الحياة الدنيا لنفتنهم فيه ورزق ~~ربك خير وأبقى} [طه: 131] . فأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - مناديا ~~ينادي: من لم يتأدب بأدب الله تعالى تقطعت نفسه على الدنيا حسرات» . # وقيل: مكتوب في بعض الكتب: ردوا أبصاركم عليكم فإن لكم فيها شغلا. وقال ~~مجاهد في تأويل قوله تعالى: {فلنحيينه حياة طيبة} [النحل: 97] قال: ~~بالقناعة. # وقال أكثم بن صيفي: من باع الحرص بالقناعة ظفر بالغنى والثروة. وقال بعض ~~السلف: قد يخيب الجاهد الساعي، ويظفر الوادع الهادي. فأخذه البحتري فقال: # لم ألق مقدورا على استحقاقه ... في الحظ إما ناقصا أو زائدا # وعجبت للمحدود يحرم ناصبا ... كلفا وللمجدود يغنم قاعدا # ما خطب من حرم الإرادة قاعدا ... خطب الذي حرم الإرادة جاهدا # وقال ms181 بعض الحكماء: إن من قنع كان غنيا وإن كان مقترا، ومن لم يقنع كان ~~فقيرا وإن كان مكثرا. # وقال بعض البلغاء إذا طلبت العز فاطلبه بالطاعة، وإذا طلبت الغنى فاطلبه ~~بالقناعة، فمن أطاع الله - عز وجل - عن نصره، ومن لزم القناعة زال فقره. ~~وقال بعض الأدباء: القناعة عز المعسر، والصدقة حرز الموسر. وقال بعض ~~الأدباء: # إني أرى من له قنوع ... يدرك ما نال أو تمنى # والرزق يأتي بلا عناء ... وربما فات من تعنى # والقناعة قد تكون على ثلاثة أوجه. فالوجه الأول: أن يقنع بالبلغة من ~~دنياه، ويصرف نفسه عن التعرض # PageV01P226 # لما سواه. # وهذا أعلى منازل القناعة. وقال الشاعر: # إذا شئت أن تحيا غنيا فلا تكن ... على حالة إلا رضيت بدونها # وقال مالك بن دينار: أزهد الناس من لا تتجاوز رغبته من الدنيا بلغته. ~~وقال بعض الحكماء: الرضى بالكفاف يؤدي إلى العفاف. وقال بعض الأدباء: يا رب ~~ضيق أفضل من سعة، وعناء خير من دعة. وأنشدني بعض أهل الأدب، وذكر أنه لعلي ~~بن أبي طالب - كرم الله وجهه -: # أفادتني القناعة كل عز ... وأي غنى أعز من القناعه # فصيرها لنفسك رأس مال ... وصير بعدها التقوى بضاعه # تحرز حين تغنى عن بخيل ... وتنعم في الجنان بصبر ساعه # والوجه الثاني: أن تنتهي به القناعة إلى الكفاية، ويحذف الفضول والزيادة. ~~وهذه أوسط حال المقتنع. وقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: ~~«ما من عبد إلا بينه وبين رزقه حجاب، فإن قنع واقتصد أتاه رزقه، وإن هتك ~~الحجاب لم يزد في رزقه» . وقال بعض الحكماء: ما فوق الكفاف إسراف. وقال بعض ~~البلغاء: من رضي بالمقدور قنع بالميسور. وقال البحتري: # تطلب الأكثر في الدنيا وقد ... تبلغ الحاجة منها بالأقل # وأنشدت لإبراهيم بن المدبر: # إن القناعة والعفاف ... ليغنيان عن الغنى # فإذا صبرت عن المنى ... فاشكر فقد نلت المنى # والوجه الثالث: أن تنتهي به القناعة إلى الوقوف على ما سنح فلا يكره ما ~~أتاه وإن كان كثيرا، ولا يطلب ما تعذر وإن كان يسيرا. وهذه الحال ms182 أدنى ~~منازل أهل القناعة؛ لأنها مشتركة بين رغبة ورهبة. أما الرغبة؛ فلأنه لا ~~يكره الزيادة على الكفاية إذا سنحت. وأما الرهبة؛ فلأنه لا يطلب المتعذر عن ~~نقصان المادة إذا تعذرت. وفي مثله قال ذو النون - رحمة الله عليه -: # PageV01P227 # من كانت قناعته سمينة طابت له كل مرقة. # وقد روى الحسن بن علي عن أبيه، عن جده - رضي الله عنهم - قال: قال رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -: «الدنيا دول فما كان منها لك أتاك على ضعفك، ~~وما كان منها عليك لم تدفعه بقوتك، ومن انقطع رجاؤه مما فات استراح بدنه، ~~ومن رضي بما رزقه الله تعالى قرت عينه» . وقال أبو حازم الأعرج وجدت شيئين: ~~شيئا هو لي لن أعجله قبل أجله ولو طلبته بقوة السموات والأرض، وشيئا هو ~~لغيري وذلك مما لم أنله فيما مضى ولا أناله فيما بقي يمنع الذي لي من غيري ~~كما يمنع الذي لغيري مني، ففي أي هذين أفني عمري وأهلك نفسي. # وقال أبو تمام الطائي: # لا تأخذوني بالزمان وليس لي ... تبعا ولست على الزمان كفيلا # من كان مرعى عزمه وهمومه ... روض الأماني لم يزل مهزولا # لو جار سلطان القنوع وحكمه ... في الخلق ما كان القليل قليلا # الرزق لا تكمد عليه فإنه ... يأتي ولم تبعث عليه رسولا # وأنشدني بعض أهل الأدب لابن الرومي: # جرى قلم القضاء بما يكون ... فسيان التحرك والسكون # جنون منك أن تسعى لرزق ... ويرزق في غشاوته الجنين # ونحن نسأل الله تعالى أكرم مسئول، وأفضل مأمول، أن يحسن إلينا التوفيق ~~فيما منح، ويصرف عنا الرغبة فيما منع؛ استكفافا لتبعات الثروة، وموبقات ~~الشهوة. روى شريك بن أبي نمر، عن أبي الجذع، عن أعمامه وأجداده، عن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «خير أمتي الذين لم يعطوا حتى يبطروا، ولم ~~يقتروا حتى يسألوا» وقال أبو تمام الطائي: # عندي من الأيام ما لو أنه ... أضحى بشارب مرقد ما غمضا # لا تطلبن الرزق بعد شماسه ... فترومه شبعا إذا ما غيضا # ما عوض الصبر امرؤ إلا رأى ... ما فاته ms183 دون الذي قد عوضا # PageV01P228 ### | [الباب الخامس أدب النفس] # PageV01P229 # اعلم أن النفس مجبولة على شيم مهملة، وأخلاق مرسلة، لا يستغني محمودها عن ~~التأديب، ولا يكتفي بالمرضي منها عن التهذيب؛ لأن لمحمودها أضدادا مقابلة ~~يسعدها هوى مطاع وشهوة غالبة، فإن أغفل تأديبها تفويضا إلى العقل أو توكلا ~~على أن تنقاد إلى الأحسن بالطبع أعدمه التفويض درك المجتهدين، وأعقبه ~~التوكل ندم الخائبين، فصار من الأدب عاطلا، وفي صورة الجهل داخلا؛ لأن ~~الأدب مكتسب بالتجربة، أو مستحسن بالعادة، ولكل قوم مواضعة. # وذلك لا ينال بتوقيف العقل ولا بالانقياد للطبع حتى يكتسب بالتجربة ~~والمعاناة، ويستفاد بالدربة والمعاطاة. ثم يكون العقل عليه قيما وزكي الطبع ~~إليه مسلما. ولو كان العقل مغنيا عن الأدب لكان أنبياء الله تعالى عن أدبه ~~مستغنين، وبعقولهم مكتفين. وقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه ~~قال: «بعثت لأتمم مكارم الأخلاق» . وقيل لعيسى ابن مريم - على نبينا وعليه ~~السلام -: من أدبك؟ قال: ما أدبني أحد ولكني رأيت جهل الجاهل فجانبته. وقال ~~علي بن أبي طالب - رضي الله عنه -: إن الله تعالى جعل مكارم الأخلاق ~~ومحاسنها وصلا بينه وبينكم، فحسب الرجل أن يتصل من الله تعالى بخلق منها. # وقال أزدشير بن بابك: من فضيلة الأدب أنه ممدوح بكل لسان، ومتزين به في ~~كل مكان، وباق ذكره على أيام الزمان. وقال مهبود: شبه العالم الشريف القديم ~~الأدب بالبنيان الخراب الذي كلما علا سمكه كان أشد لوحشته # PageV01P231 # وبالنهر اليابس الذي كلما كان أعرض وأعمق كان أشد لوعورته، وبالأرض ~~الجيدة المعطلة التي كلما طال خرابها ازداد نباتها غير المنتفع به التفافا ~~وصار للهوام مسكنا. # وقال ابن المقفع: ما نحن إلى ما نتقوى به على حواسنا من المطعم والمشرب ~~بأحوج منا إلى الأدب الذي هو لقاح عقولنا، فإن الحبة المدفونة في الثرى لا ~~تقدر أن تطلع زهرتها ونضارتها إلا بالماء الذي يعود إليها من مستودعها. ~~وحكى الأصمعي - رحمه الله تعالى - أن أعرابيا قال لابنه: يا بني العقل بلا ~~أدب كالشجر العاقر، ومع الأدب دعامة أيد الله ms184 بها الألباب، وحلية زين الله ~~بها عواطل الأحساب، فالعاقل لا يستغني وإن صحت غريزته، عن الأدب المخرج ~~زهرته، كما لا تستغني الأرض وإن عذبت تربتها عن الماء المخرج ثمرتها. # وقال بعض الحكماء: الأدب صورة العقل فصور عقلك كيف شئت. وقال آخر: العقل ~~بلا أدب كالشجر العاقر، ومع الأدب كالشجر المثمر. وقيل الأدب أحد المنصبين. ~~وقال بعض البلغاء: الفضل بالعقل والأدب، لا بالأصل والحسب؛ لأن من ساء أدبه ~~ضاع نسبه، ومن قل عقله ضل أصله. وقال بعض الأدباء: ذك قلبك بالأدب كما تذكى ~~النار بالحطب، واتخذ الأدب غنما، والحرص عليه حظا، يرتجيك راغب، ويخاف ~~صولتك راهب، ويؤمل نفعك، ويرجى عدلك. # وقال بعض العلماء: الأدب وسيلة إلى كل فضيلة، وذريعة إلى كل شريعة. وقال ~~بعض الفصحاء: الأدب يستر قبيح النسب. وقال بعض الشعراء فيه: # فما خلق الله مثل العقول ... ولا اكتسب الناس مثل الأدب # وما كرم المرء إلا التقى ... ولا حسب المرء إلا النسب # وفي العلم زين لأهل الحجا ... وآفة ذي الحلم طيش الغضب # وأنشد الأصمعي - رحمه الله -: # وإن يك العقل مولودا فلست أرى ... ذا العقل مستغنيا عن حادث الأدب # إني رأيتهما كالماء مختلطا ... بالترب تظهر منه زهرة العشب # وكل من أخطأته في موالده ... غريزة العقل حاكى البهم في الحسب # PageV01P232 # والتأديب يلزم من وجهين: أحدهما ما لزم الوالد لولده في صغره. والثاني ما ~~لزم الإنسان في نفسه عند نشوئه وكبره. فأما التأديب اللازم للأب فهو أن ~~يأخذ ولده بمبادئ الآداب ليأنس بها، وينشأ عليها، فيسهل عليه قبولها عند ~~الكبر لاستئناسه بمبادئها في الصغر؛ لأن نشوء الصغر على الشيء يجعله متطبعا ~~به. ومن أغفل تأديبه في الصغر كان تأديبه في الكبر عسيرا. # وقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال «ما نحل والد ولده نحلة ~~أفضل من أدب حسن يفيده إياه، أو جهل قبيح يكفه عنه ويمنعه منه» . وقال بعض ~~الحكماء: بادروا بتأديب الأطفال قبل تراكم الأشغال وتفرق البال. وقال بعض ~~الشعراء: # إن الغصون إذا قومتها اعتدلت ... ولا يلين إذا قومته ms185 الخشب # قد ينفع الأدب الأحداث في صغر ... وليس ينفع عند الشيبة الأدب # وقال آخر: # ينشو الصغير على ما كان والده ... إن الأصول عليها تنبت الشجر # وأما الأدب اللازم للإنسان عند نشوئه وكبره فأدبان: أدب مواضعة واصطلاح، ~~وأدب رياضة واستصلاح. فأما أدب المواضعة والاصطلاح فيؤخذ تقليدا على ما ~~استقر عليه اصطلاح العقلاء، واتفق عليه استحسان الأدباء. وليس لاصطلاحهم ~~على وضعه تعليل مستنبط، ولا لاتفاقهم على استحسانه دليل موجب، كاصطلاحهم ~~على مواضعات الخطاب، واتفاقهم على هيئات اللباس، حتى إن الإنسان الآن إذا ~~تجاوز ما اتفقوا عليه منها صار مجانبا للأدب، مستوجبا للذم. # لأن فراق المألوف في العادة، ومجانبة ما صار متفقا عليه بالمواضعة، مفض ~~إلى استحقاق الذم بالعقل ما لم يكن لمخالفته علة ظاهرة ومعنى حادث. وقد كان ~~جائزا في العقل أن يوضع ذلك على غير ما اتفقوا عليه فيرونه حسنا، ويرون ما ~~سواه قبيحا، فصار هذا مشاركا لما وجب بالعقل من حيث توجه الذم على تاركه ~~ومخالفا له من حيث أنه كان جائزا في العقل أن يوضع على خلافه. # وأما أدب الرياضة والاستصلاح فهو ما كان محمولا على حال لا يجوز في العقل ~~أن يكون # PageV01P233 # بخلافها، ولا أن تختلف العقلاء في صلاحها وفسادها. وما كان كذلك فتعليله ~~بالعقل مستنبط، ووضوح صحته بالدليل مرتبط. وللنفس على ما يأتي من ذلك شاهد ~~ألهمها الله تعالى إرشادا لها. قال الله تعالى: {فألهمها فجورها وتقواها} ~~[الشمس: 8] # قال ابن عباس - رضي الله عنه -: بين لها ما تأتي من الخير وتذر من الشر. ~~وسنذكر تعليل كل شيء في موضعه، فإنه أولى به وأحق. # فأول مقدمات أدب الرياضة والاستصلاح أن لا يسبق إلى حسن الظن بنفسه، ~~فيخفى عنه مذموم شيمه ومساوئ أخلاقه؛ لأن النفوس بالشهوات آمرة، وعن الرشد ~~زاجرة. وقد قال الله تعالى: {إن النفس لأمارة بالسوء} [يوسف: 53] . وقال - ~~صلى الله عليه وسلم -: «أعدى أعدائك نفسك التي بين جنبيك، ثم أهلك، ثم ~~عيالك» . # ودعت أعرابية لرجل فقالت: كبت الله كل عدو لك إلا نفسك. فأخذه بعض ~~الشعراء فقال: ms186 # قلبي إلى ما ضرني داعي ... يكثر أسقامي وأوجاعي # كيف احتراسي من عدوي إذا ... كان عدوي بين أضلاعي # فإذا كانت النفس كذلك فحسن الظن بها ذريعة إلى تحكيمها، وتحكيمها داع إلى ~~سلاطتها وفساد الأخلاق بها. فإذا صرف حسن الظن عنها وتوسمها بما هي عليه من ~~التسويف والمكر فاز بطاعتها، وانحاز عن معصيتها. # وقد قال عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -: العاجز من عجز عن سياسة نفسه. ~~وقال بعض الحكماء: من ساس نفسه ساد ناسه. فأما سوء الظن بها فقد اختلف ~~الناس فيه، فمنهم من كرهه لما فيه من اتهام طاعتها، ورد مناصحتها. فإن ~~النفس وإن كان لها مكر يردي فلها نصح يهدي. فلما كان حسن الظن بها يعمي عن ~~مساوئها، كان سوء الظن بها يعمي عن # PageV01P234 # محاسنها. # ومن عمي عن محاسن نفسه كان كمن عمي عن مساوئها، فلم ينف عنها قبيحا ولم ~~يهد إليها حسنا. وقد قال الجاحظ في كتاب البيان: يجب أن يكون في التهمة ~~لنفسه معتدلا، وفي حسن الظن بها مقتصدا، فإنه إن تجاوز مقدار الحق في ~~التهمة ظلمها فأودعها ذلة المظلومين، وإن تجاوز بها الحق في مقدار حسن الظن ~~أودعها تهاون الآمنين، ولكل ذلك مقدار من الشغل، ولكل شغل مقدار من الوهن، ~~ولكل وهن مقدار من الجهل. # وقال الأحنف بن قيس: من ظلم نفسه كان لغيره أظلم، ومن هدم دينه كان لمجده ~~أهدم. وذهب قوم إلى أن سوء الظن بها أبلغ في صلاحها، وأوفر في اجتهادها؛ ~~لأن للنفس جورا لا ينفك إلا بالسخط عليها، وغرورا لا ينكشف إلا بالتهمة ~~لها؛ لأنها محبوبة تجور إدلالا وتغر مكرا، فإن لم يسئ الظن بها غلب عليه ~~جورها، وتموه عليه غرورها فصار بميسورها قانعا، وبالشبهة من أفعالها راضيا. # وقد قالت الحكماء: من رضي عن نفسه أسخط عليه الناس. وقال كشاجم: # لم أرض عن نفسي مخافة سخطها ... ورضا الفتى عن نفسه إغضابها # ولو أنني عنها رضيت لقصرت ... عما تزيد بمثله آدابها # وتبينت آثار ذاك فأكثرت ... عذلي عليه فطال فيه عتابها # وقد استحسن قول ms187 أبي تمام الطائي: # ويسيء بالإحسان ظنا لا كمن ... هو بابنه وبشعره مفتون # فلم يروا إساءة ظنه بالإحسان ذما ولا استقلال علمه لوما، بل رأوا ذلك ~~أبلغ في الفضل وأبعث على الازدياد فإذا عرف من نفسه ما تجن، وتصور منها ما ~~تكن، ولم يطاوعها فيما تحب إذا كان غيا، ولا صرف عنها ما تكره إذا كان ~~رشدا، فقد ملكها بعد أن كان في ملكها، وغلبها بعد أن كان في غلبها. # وقد روى أبو حازم عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم -: «الشديد من غلب نفسه» . وقال عون بن عبد الله: إذا ~~عصتك نفسك فيما كرهت فلا تطعها فيما أحبت، ولا يغرنك # PageV01P235 # ثناء من جهل أمرك. وقال بعض البلغاء: من قوي على نفسه تناهى في القوة، ~~ومن صبر عن شهوته بالغ في المروة. # فحينئذ يأخذ نفسه عند معرفة ما أكنت، وخبرة ما أجنت بتقويم عوجها وإصلاح ~~فسادها. وقد روي عن عائشة - رضي الله عنها - أنها قالت «يا رسول الله متى ~~يعرف الإنسان ربه؟ قال إذا عرف نفسه» . ثم يراعي منها ما صلح واستقام من ~~زيع يحدث عن إغفال، أو ميل يكون عن إهمال؛ ليتم له الصلاح وتستديم له ~~السعادة، فإن المغفل بعد المعاناة ضائع، والمهمل بعد المراعاة زائغ. وسنذكر ~~من أحوال أدب الرياضة والاستصلاح فصولا تحتوي على ما يلزم مراعاته من ~~الأخلاق، ويجب معاناته من الأدب، وهي ستة فصول متفرعة. ### | [الفصل الأول في مجانبة الكبر والإعجاب] # مجانبة الكبر والإعجاب الفصل الأول في مجانبة الكبر والإعجاب: لأنهما ~~يسلبان الفضائل، ويكسبان الرذائل. وليس لمن استوليا عليه إصغاء لنصح، ولا ~~قبول لتأديب؛ لأن الكبر يكون بالمنزلة، والعجب يكون بالفضيلة. فالمتكبر يجل ~~نفسه عن رتبة المتعلمين، والمعجب يستكثر فضله عن استزادة المتأدبين. فلذلك ~~وجب تقديم القول فيهما بإبانة ما يكسبانه من ذم، ويوجبانه من لوم. # فنقول: أما الكبر فيكسب المقت ويلهي عن التألف ويوغر صدور الإخوان، وحسبك ~~بذلك سوءا عن استقصاء ذمه. ولذلك «قال النبي - صلى الله عليه وسلم ms188 - لعمه ~~العباس أنهاك عن الشرك بالله والكبر، فإن الله يحتجب منهما» . وقال أزدشير ~~بن بابك: ما الكبر إلا فضل حمق لم يدر صاحبه أين يذهب به فيصرفه إلى الكبر. ~~وما أشبه ما قال بالحق. # وحكي عن مطرف بن عبد الله بن الشخير نظر إلى المهلب بن أبي صفرة وعليه ~~حلة يسحبها ويمشي الخيلاء فقال: يا أبا عبد الله، ما هذه المشية التي ~~يبغضها # PageV01P236 # الله ورسوله؟ فقال المهلب: أما تعرفني؟ فقال: بل أعرفك، أولك نطفة مذرة، ~~وآخرك جيفة قذرة، وحشوك فيما بين ذلك بول وعذرة. فأخذ ابن عوف هذا الكلام ~~فنظمه شعرا فقال: # عجبت من معجب بصورته ... وكان بالأمس نطفة مذره # وفي غد بعد حسن صورته ... يصير في اللحد جيفة قذره # وهو على تيهه ونخوته ... ما بين ثوبيه يحمل العذره # وقد كان المهلب أفضل من أن يخدع نفسه بهذا الجواب غير الصواب، ولكنها زلة ~~من زلات الاسترسال، وخطيئة من خطايا الإدلال. # فأما الحمق الصريح، والجهل القبيح، فهو ما حكي عن نافع بن جبير بن مطعم ~~أنه جلس في حلقة العلاء بن عبد الرحمن الخرقي وهو يقرئ الناس، فلما فرغ ~~قال: أتدرون لم جلست إليكم؟ قالوا: جلست لتسمع. قال: لا ولكني أردت أن ~~أتواضع لله بالجلوس إليكم. فهل يرجى من هذا فضل أو ينفع فيه عذل، وقد قال ~~ابن المعتز: لما عرف أهل النقص حالهم عند ذوي الكمال استعانوا بالكبر ليعظم ~~صغيرا، ويرفع حقيرا، وليس بفاعل. # وأما الإعجاب فيخفي المحاسن ويظهر المساوئ ويكسب المذام ويصد عن الفضائل. ~~وقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «إن العجب ليأكل الحسنات ~~كما تأكل النار الحطب» . وقال علي بن أبي طالب كرم الله وجهه: الإعجاب ضد ~~الصواب وآفة الألباب. وقال بزرجمهر: النعمة التي لا يحسد صاحبها عليها ~~التواضع، والبلاء الذي لا يرحم صاحبه منه العجب. # وقال بعض الحكماء: عجب المرء بنفسه أحد حساد عقله. وليس إلى ما يكسبه ~~الكبر من المقت حد، ولا إلى ما ينتهي إليه العجب من الجهل غاية، حتى إنه ms189 ~~ليطفئ من المحاسن ما انتشر، ويسلب من الفضائل ما اشتهر. وناهيك بسيئة تحبط ~~كل حسنة وبمذمة تهدم كل فضيلة، مع ما يثيره من حنق ويكسبه من حقد. # حكى عمر بن حفص قال: قيل للحجاج كيف وجدت منزلك بالعراق؟ قال: خير منزل ~~لو كان الله # PageV01P237 # بلغني قتل أربعة فتقربت إليه بدمائهم: مقاتل بن مسمع ولي سجستان فأتاه ~~الناس فأعطاهم الأموال، فلما عزل دخل مسجد البصرة فبسط الناس له أرديتهم ~~فمشى عليها، وقال لرجل يماشيه: لمثل هذا فليعمل العاملون. # وعبد الله بن زياد بن ظبيان التيمي خوف أهل البصرة أمر فخطب خطبة أوجز ~~فيها، فنادى الناس من أعراض المسجد: أكثر الله فينا مثلك. فقال: لقد كلفتم ~~الله شططا. ومعبد بن زرارة كان ذات يوم جالسا في طريق فمرت به امرأة فقالت ~~له: يا عبد الله كيف الطريق إلى موضع كذا؟ فقال: يا هناه مثلي يكون من عبيد ~~الله. # وأبو شمال الأسدي أضل راحلته فالتمسها الناس فلم يجدوها، فقال: والله إن ~~لم يرد إلي راحلتي لا صليت له صلاة أبدا. فالتمسها الناس فوجدوها، فقالوا ~~له: قد رد الله راحلتك فصل. فقال: إن يميني يمين مصر. فانظر إلى هؤلاء كيف ~~أفضي بهم العجب إلى حمق صاروا به نكالا في الأولين، ومثلا في الآخرين. # ولو تصور المعجب المتكبر ما فطر عليه من جبلة، وبلي به من مهنة، لخفض ~~جناح نفسه واستبدل لينا من عتوه، وسكوتا من نفوره. وقال الأحنف بن قيس: ~~عجبت لمن جرى في مجرى البول مرتين كيف يتكبر، وقد وصف بعض الشعراء الإنسان ~~فقال: # يا مظهر الكبر إعجابا بصورته ... انظر خلاك فإن النتن تثريب # لو فكر الناس فيما في بطونهم ... ما استشعر الكبر شبان ولا شيب # هل في ابن آدم مثل الرأس مكرمة ... وهو بخمس من الأقذار مضروب # أنف يسيل وأذن ريحها سهك ... والعين مرفضة والثغر ملعوب # يا ابن التراب ومأكول التراب غدا ... أقصر فإنك مأكول ومشروب # وأحق من كان للكبر مجانبا، وللإعجاب مباينا، من جل في الدنيا قدره، وعظم ~~فيها خطره؛ لأنه ms190 قد يستقل بعالي همته كل كثير، ويستصغر معها كل كبير. # وقال محمد بن علي: لا ينبغي للشريف أن يرى شيئا من # PageV01P238 # الدنيا لنفسه خطيرا فيكون بها نابها. وقال ابن السماك لعيسى بن موسى: ~~تواضعك في شرفك أشرف لك من شرفك. وكان يقال: اسمان متضادان بمعنى واحد: ~~التواضع والشرف. # وللكبر أسباب: فمن أقوى أسبابه علو اليد، ونفوذ الأمر، وقلة مخالطة ~~الأكفاء. وحكي أن قوما مشوا خلف علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - فقال: ~~أبعدوا عني خفق نعالكم فإنها مفسدة لقلوب نوكى الرجال. ومشوا خلف ابن مسعود ~~فقال ارجعوا فإنها زلة للتابع وفتنة للمتبوع. وروى قيس بن حازم «أن رجلا ~~أتي به للنبي - صلى الله عليه وسلم - فأصابته رعدة، فقال له - صلى الله ~~عليه وسلم -: هون عليك فإنما أنا ابن امرأة كانت تأكل القديد» . # وإنما قال ذلك - صلى الله عليه وسلم - حسما لمواد الكبر، وقطعا لذرائع ~~الإعجاب، وكسرا لأشر النفس، وتذليلا لسطوة الاستعلاء. ومثل ذلك ما روي عن ~~عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أنه نادى الصلاة جامعة فلما اجتمع الناس ~~صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه وصلى على نبيه - صلى الله عليه وسلم - ثم ~~قال: أيها الناس لقد رأيتني أرعى على خالات لي من بني مخزوم فيقبض لي ~~القبضة من التمر والزبيب فأظل اليوم وأي يوم. فقال له عبد الرحمن بن عوف ~~والله يا أمير المؤمنين ما زدت على أن قصرت بنفسك. فقال عمر - رضي الله عنه ~~-: ويحك يا ابن عوف إني خلوت فحدثتني نفسي، فقالت أنت أمير المؤمنين فمن ذا ~~أفضل منك فأردت أن أعرفها نفسها. # وللإعجاب أسباب: فمن أقوى أسبابه كثرة مديح المتقربين وإطراء المتملقين ~~الذين جعلوا النفاق عادة ومكسبا، والتملق خديعة وملعبا، فإذا وجدوه مقبولا ~~في العقول الضعيفة أغروا أربابها باعتقاد كذبهم، وجعلوا ذلك ذريعة إلى ~~الاستهزاء بهم. وقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - «أنه سمع رجلا ~~يزكي رجلا فقال له: قطعت مطاه لو سمعها ما أفلح بعدها» . # PageV01P239 # وقال عمر بن الخطاب - رضي الله عنه ms191 - المدح ذبح. وقال ابن المقفع: قابل ~~المدح كمادح نفسه. وقال بعض الحكماء: من رضي أن يمدح بما ليس فيه فقد أمكن ~~الساخر منه. وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «إياكم ~~والتمادح فإنه الذبح إن كان أحدكم مادحا أخاه لا محالة فليقل أحسب ولا أزكي ~~على الله أحدا» . # وقيل فيما أنزل الله عز وجل من الكتب السالفة: عجبت لمن قيل فيه الخير ~~وليس فيه كيف يفرح، وعجبت لمن قيل فيه الشر وهو فيه كيف يغضب. وقال بعض ~~الشعراء: # يا جاهلا غره إفراط مادحه ... لا يغلبن جهل من أطراك علمك بك # أثنى وقال بلا علم أحاط به ... وأنت أعلم بالمحصول من ريبك # وهذا أمر ينبغي للعاقل أن يضبط نفسه عن أن يستفزها، ويمنعها من تصديق ~~المدح لها، فإن للنفس ميلا لحب الثناء وسماع المدح. وقال الشاعر: # يهوى الثناء مبرز ومقصر ... حب الثناء طبيعة الإنسان # فإذا سامح نفسه في مدح الصبوة، وتابعها على هذه الشهوة، تشاغل بها عن ~~الفضائل الممدوحة، ولها بها عن المحاسن الممنوحة، فصار الظاهر من مدحه ~~كذبا، والباطن من ذمه صدقا، وعند تقابلهما يكون الصدق ألزم الأمرين. وهذه ~~خدعة لا يرتضيها عاقل ولا ينخدع بها مميز. # وليعلم أن المتقرب بالمدح يسرف مع القبول ويكف مع الإباء، فلا يغلبه حسن ~~الظن على تصديق مدح هو أعرف بحقيقته ولتكن تهمة المادح أغلب عليه. فقل مدح ~~كان جميعه صدقا، وقل ثناء كان له حقا. ولذلك كره أهل الفضل أن يطلقوا ~~ألسنتهم بالثناء والمدح تحرزا من التجاوز فيه، وتنزيها عن التملق به. وقد ~~روى مكحول قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لا تكونوا عيابين ~~ولا تكونوا لعانين ولا متمادحين ولا متماوتين» . # وحكى الأصمعي أن أبا بكر الصديق - رضي الله عنه - كان إذا مدح قال: اللهم ~~أنت أعلم بي من نفسي، وأنا أعلم بنفسي منهم، اللهم # PageV01P240 # اجعلني خيرا مما يحسبون واغفر لي ما لا يعلمون، ولا تؤاخذني بما يقولون. ~~وقال بعض الشعراء: # إذا المرء لم يمدحه حسن فعاله ... فمادحه يهذي ms192 وإن كان مفصحا # وربما آل حب المدح بصاحبه إلى أن يصير مادح نفسه، إما لتوهمه أن الناس قد ~~غفلوا عن فضله، وأخلوا بحقه. # وإما ليخدعهم بتدليس نفسه بالمدح والإطراء، فيعتقدون أن قوله حق متبع، ~~وصدق مستمع. وإما لتلذذه بسماع الثناء وسرور نفسه بالمدح والإطراء، ما ~~يتغنى بنفسه طربا إذا لم يسمع صوتا مطربا ولا غناء ممتعا. ولأي ذلك كان فهو ~~الجهل الصريح، والنقص الفضيح. وقد قال بعض الشعراء: # وما شرف أن يمدح المرء نفسه ... ولكن أعمالا تذم وتمدح # وما كل حين يصدق المرء ظنه ... ولا كل أصحاب التجارة يربح # ولا كل من ترجو لغيبك حافظا ... ولا كل من ضم الوديعة يصلح # وينبغي للعاقل أن يسترشد إخوان الصدق الذين هم أصفياء القلوب، ومرائي ~~المحاسن والعيوب، على ما ينبهونه عليه من مساوئه التي صرفه حسن الظن عنها. ~~فإنهم أمكن نظرا، وأسلم فكرا، ويجعلون ما ينبهونه عليه من مساوئه عوضا عن ~~تصديق المدح فيه. # وقد روى أنس بن مالك عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «المؤمن ~~مرآة المؤمن إذا رأى فيه عيبا أصلحه» . وكان عمر بن الخطاب - رضي الله عنه ~~- يقول: رحم الله امرأ أهدى إلينا مساوئنا. # وقيل لبعض الحكماء: أتحب أن تهدى إليك عيوبك؟ قال: نعم، من ناصح. ومما ~~يقارب معنى هذا القول ما روي عن عمر - رضي الله عنه - أنه قال لابن عباس - ~~رضي الله عنهما -: من ترى أن نوليه حمص؟ فقال: رجلا صحيحا منك، صحيحا لك. ~~قال: تكون أنت ذلك الرجل. قال: لا تنتفع بي مع سوء ظني بك وسوء ظنك بي. # وقيل في منثور الحكم: من أظهر عيب نفسه فقد زكاها. فإذا قطع أسباب الكبر ~~وحسم مواد العجب اعتاض بالكبر تواضعا وبالعجب توددا. وذلك من أوكد # PageV01P241 # أسباب الكرامة وأقوى مواد النعم وأبلغ شافع إلى القلوب يعطفها إلى المحبة ~~ويثنيها عن البغض. # وقال بعض الحكماء: من برئ من ثلاث نال ثلاثا: من برئ من السرف نال العز. ~~ومن برئ من البخل نال الشرف. ومن برئ من الكبر نال ms193 الكرامة. # وقال مصعب بن الزبير: التواضع مصائد الشرف. وقيل في منثور الحكم: من دام ~~تواضعه كثر صديقه. وقد تحدث المنازل والولايات لقوم أخلاقا مذمومة يظهرها ~~سوء طباعهم، ولآخرين فضائل محمودة يبعث عليها زكاء شيمهم؛ لأن تقلب الأحوال ~~سكرة تظهر من الأخلاق مكنونها، ومن السرائر مخزونها، لا سيما إذا هجمت من ~~غير تدريج وطرقت من غير تأهب. # وقد قال بعض الحكماء: في تقلب الأحوال تعرف جواهر الرجال. وقال الفضل بن ~~سهل: من كانت ولايته فوق قدرة تكبر لها، ومن كانت ولايته دون قدرة تواضع ~~لها. # وقال بعض البلغاء: الناس في الولاية رجلان: رجل يجل العمل بفضله ومروءته، ~~ورجل يجل بالعمل لنقصه ودناءته. فمن جل عن عمله ازداد به تواضعا وبشرا، ومن ~~جل عنه عمله ازداد به تجبرا وتكبرا. ### | [الفصل الثاني في حسن الخلق] # حسن الخلق الفصل الثاني في حسن الخلق روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- أنه قال: «إن الله تعالى اختار لكم الإسلام دينا فأكرموه بحسن الخلق ~~والسخاء فإنه لا يكمل إلا بهما» . وقال الأحنف بن قيس: ألا أخبركم بأدوأ ~~الداء؟ قالوا بلى. قال الخلق الدني واللسان البذي. وقال بعض الحكماء: من ~~ساء خلقه ضاق رزقه. وعلة هذا القول ظاهرة. # وقال بعض البلغاء: الحسن الخلق من نفسه في راحة، والناس منه في سلامة. # والسيئ الخلق الناس منه في بلاء، وهو من نفسه في عناء، وقال بعض الحكماء: ~~عاشر أهلك بأحسن أخلاقك فإن الثواء فيهم قليل. وقال بعض الشعراء: # PageV01P242 # إذا لم تتسع أخلاق قوم ... تضيق بهم فسيحات البلاد # إذا ما المرء لم يخلق لبيبا ... فليس اللب عن قدم الولاد # فإذا حسنت أخلاق الإنسان كثر مصافوه، وقل معادوه، فتسهلت عليه الأمور ~~الصعاب، ولانت له القلوب الغضاب. وقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~أنه قال «حسن الخلق وحسن الجوار يعمران الديار ويزيدان في الأعمار» . وقال ~~بعض الحكماء: من سعة الأخلاق كنوز الأرزاق. وسبب ذلك ما ذكرنا من كثرة ~~الأصفياء المسعدين، وقلة الأعداء المجحفين. # ولذلك قال النبي - صلى الله عليه وسلم ms194 -: «أحبكم إلي أحسنكم أخلاقا، ~~الموطئون أكنافا، الذين يألفون ويؤلفون» . وحسن الخلق أن يكون سهل العريكة، ~~لين الجانب، طليق الوجه، قليل النفور، طيب الكلمة. وقد بين رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - هذه الأوصاف فقال: «أهل الجنة كل هين لين سهل طلق» . ولما ~~ذكرنا من هذه الأوصاف حدودا مقدرة ومواضع مستحقة، ما قال الشاعر: # أصفو وأكدر أحيانا لمختبري ... وليس مستحسنا صفو بلا كدر # وليس يريد بالكدر الذي هو البذاء وشراسة الخلق، فإن ذلك ذم لا يستحسن ~~وعيب لا يرتضي. وإنما يريد الكف والانقباض في موضع يلام فيه المساعد ويذم ~~فيه الموافق، فإذا كانت لمحاسن الأخلاق حدود مقدرة ومواضع مستحقة فإن تجاوز ~~بها الحد صارت ملقا وإن عدل بها عن مواضعها صارت نفاقا. والملق ذل، والنفاق ~~لؤم، وليس لمن وسم بهما ود مبرور ولا أثر مشكور. # وقد روى حكيم عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: «شر الناس ذو الوجهين الذي يأتي هؤلاء بوجه وهؤلاء بوجه» . وروى ~~مكحول عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لا ينبغي ~~لذي الوجهين أن يكون وجيها عند الله تعالى» . وقال سعيد بن عروة: لأن يكون ~~لي نصف وجه ونصف لسان على ما فيهما من قبح المنظر وعجز المخبر أحب إلي من ~~أن أكون ذا وجهين وذا لسانين وذا قولين مختلفين. وقال الشاعر: # PageV01P243 # خل النفاق لأهله ... وعليك فالتمس الطريقا # وارغب بنفسك أن ترى ... إلا عدوا أو صديقا # وقال إبراهيم بن محمد: # وكم من صديق وده بلسانه ... خئون بظهر الغيب لا يتذمم # يضاحكني عجبا إذا ما لقيته ... ويصدفني منه إذا غبت أسهم # كذلك ذو الوجهين يرضيك شاهدا ... وفي غيبه إن غاب صاب وعلقم # وربما تغير حسن الخلق والوطاء إلى الشراسة والبذاء لأسباب عارضة، وأمور ~~طارئة، تجعل اللين خشونة والوطاء غلظة والطلاقة عبوسا. فمن أسباب ذلك ~~الولاية التي تحدث في الأخلاق تغيرا، وعلى الخلطاء تنكرا، إما من لؤم طبع، ~~وإما من ضيق صدر. وقد قيل: من تاه في ولايته ms195 ذل في عزله. وقيل: ذل العزل ~~يضحك من تيه الولاية. ومنها: العزل فقد يسوء به الخلق ويضيق به الصدر إما ~~لشدة أسف أو لقلة صبر. # حكى حميد الطويل أن عمار بن ياسر عزل عن ولاية فاشتد ذلك عليه، وقال: إني ~~وجدتها حلوة الرضاع مرة الفطام. ومنها: الغنى فقد تتغير به أخلاق اللئيم ~~بطرا، وتسوء طرائقه أشرا. وقد قيل: من نال استطال. # وأنشد الرياشي: # غضبان يعلم أن المال ساق له ... ما لم يسقه له دين ولا خلق # فمن يكن عن كرام الناس يسألني ... فأكرم الناس من كانت له ورق # وقال بعض الشعراء: # فإن تكن الدنيا أنالتك ثروة ... فأصبحت ذا يسر وقد كنت ذا عسر # لقد كشف الإثراء منك خلائقا ... من اللؤم كانت تحت ثوب من الفقر # وبحسب ما أفسده الغنى كذلك يصلحه الفقر. # وكتب قتيبة بن مسلم إلى الحجاج أن أهل الشام قد التاثوا عليه فكتب إليه ~~أن اقطع عنهم # PageV01P244 # الأرزاق، ففعل فساءت حالهم فاجتمعوا إليه فقالوا: أقلنا. فكتب إلى الحجاج ~~فيهم فكتب إليه: إن كنت آنست منهم رشدا فأجر عليهم ما كنت تجري. واعلم أن ~~الفقر جند الله الأكبر يذل به كل جبار عنيد يتكبر. # وقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال «لولا أن الله تعالى ~~أذل ابن آدم بثلاث ما طأطأ رأسه لشيء: الفقر، والمرض، والموت» . # ومنها: الفقر فقد يتغير به الخلق إما أنفة من ذل الاستكانة أو أسفا على ~~فائت الغنى. # ولذلك قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «كاد الفقر أن يكون كفرا، وكاد ~~الحسد أن يغلب القدر» . # وقال أبو تمام الطائي: # وأعجب حالات ابن آدم خلقه ... يضل إذا فكرت في كنهه الفكر # فيفرح بالشيء القليل بقاؤه ... ويجزع مما صار وهو له ذخر # وربما تسلى من هذه الحالة بالأماني، وإن قل صدقها. # فقد قيل: قلما تصدق الأمنية ولكن قد يعتاض بها سلوة من هم أو مسرة برجاء. ~~وقد قال أبو العتاهية: # حرك مناك إذا اغتممت ... فإنهن مراوح # وقال آخر: # إذا تمنيت بت الليل مغتبطا ... إن ms196 المنى رأس أموال المفاليس # ومنها الهموم التي تذهل اللب، وتشغل القلب، فلا تتبع الاحتمال ولا تقوى ~~على صبر. وقد قيل: الهم كالسم. وقال بعض الأدباء: الحزن كالداء المخزون في ~~فؤاد المحزون. # وقال بعض الشعراء: # همومك بالعيش مقرونة ... فما تقطع العيش إلا بهم # إذا تم أمر بدا نقصه ... ترقب زوالا إذا قيل تم # إذا كنت في نعمة فارعها ... فإن المعاصي تزيل النعم # وحام عليها بشكر الإله ... فإن الإله سريع النقم # حلاوة دنياك مسمومة ... فما تأكل الشهد إلا بسم # فكم قدر دب في مهلة ... فلم يعلم الناس حتى هجم # PageV01P245 # ومنها الأمراض التي يتغير بها الطبع ما يتغير بها الجسم، فلا تبقى ~~الأخلاق على اعتدال ولا يقدر معها على احتمال. # وقد قال المتنبي: # آلة العيش صحة وشباب ... فإذا وليا عن المرء ولى # وإذا الشيخ قال أف فما مل ... حياة وإنما الضعف ملا # وإذا لم تجد من الناس كفئا ... ذات خدر أرادت الموت بعلا # أبدا تسترد ما تهب الدنيا ... فيا ليت جودها كان بخلا # ومنها علو السن وحدوث الهرم لتأثيره في آلة الجسد كذلك يكون تأثيره في ~~أخلاق النفس، فكما يضعف الجسد عن احتمال ما كان يطيقه من أثقال فكذلك تعجز ~~النفس عن أثقال ما كانت تصبر عليه من مخالفة الوفاق، ومضيق الشقاق. وكذلك ~~ما ضاهاه. # وقال منصور النمري: # ما كنت أوفي شبابي كنه عزته ... حتى مضى فإذا الدنيا له تبع # أصبحت لم تطعمي ثكل الشباب ولم ... تشجي لغصته فالعذر لا يقع # ما كان أقصر أيام الشباب وما ... أبقى حلاوة ذكراه التي تدع # ما واجه الشيب من عين وإن رمقت ... إلا لها نبوة عنه ومرتدع # قد كدت تقضي على فوت الشباب أسى ... لولا يعزيك أن العمر منقطع # فهذه سبعة أسباب أحدثت سوء خلق كان عاما. وها هنا سبب خاص يحدث سوء خلق ~~خاص وهو البغض الذي تنفر منه النفس فتحدث نفورا على المبغض، فيؤول إلى سوء ~~خلق يخصه دون غيره. فإذا كان سوء الخلق حادثا بسبب كان زواله مقرونا بزوال ~~ذلك السبب، ثم بالضد. ms197 # PageV01P246 ### | [الفصل الثالث في الحياء] # الحياء الفصل الثالث في الحياء: اعلم أن الخير والشر معان كامنة تعرف ~~بسمات دالة كما قالت العرب في أمثالها: تخبر عن مجهوله مرآته # وكما قال سلم بن عمرو الشاعر، # لا تسأل المرء عن خلائقه ... في وجهه شاهد من الخبر # فسمة الخير الدعة والحياء، وسمة الشر القحة والبذاء. وكفى بالحياء خيرا ~~أن يكون على الخير دليلا، وكفى بالقحة والبذاء شرا أن يكونا إلى الشر ~~سبيلا. # وقد روى حسان بن عطية عن أبي أمامة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: «الحياء والعي شعبتان من الإيمان، والبذاء والبيان شعبتان من ~~النفاق» . ويشبه أن يكون العي في معنى الصمت، والبيان في معنى التشادق، كما ~~جاء في الحديث الآخر: «إن أبغضكم إلي الثرثارون المتفيهقون المتشدقون» . ~~وروى أبو سلمة عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - قال: «الحياء من الإيمان والإيمان في الجنة، والبذاء من الجفاء ~~والجفاء في النار» . # وقال بعض الحكماء: من كساه الحياء ثوبه لم ير الناس عيبه. وقال بعض ~~البلغاء: حياة الوجه بحيائه، كما أن حياة الغرس بمائه. وقال بعض البلغاء ~~العلماء: يا عجبا كيف لا تستحيي من كثرة ما لا تستحيي وتبقى من طول ما لا ~~تبقى. وقال بعض الشعراء، وهو صالح بن عبد القدوس: # إذا قل ماء الوجه قل حياؤه ... ولا خير في وجه إذا قل ماؤه # حياؤك فاحفظه عليك وإنما ... يدل على فعل الكريم حياؤه # وليس لمن سلب الحياء صاد عن قبيح ولا زاجر عن محظور، فهو يقدم على ما ~~يشاء ويأتي ما يهوى، وبذلك جاء الخبر. # روى شعبة عن منصور بن ربعي عن أبي منصور البدري قال: قال رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -: «إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى: يا ابن آدم ~~إذا لم # PageV01P247 # تستح فاصنع ما شئت» . # وليس هذا القول إغراء بفعل المعاصي عند قلة الحياء كما توهمه بعض من جهل ~~معاني الكلام ومواضعات الخطاب، وفي مثل هذا الخبر قول الشاعر: # إذا لم ms198 تخش عاقبة الليالي ... ولم تستح فاصنع ما تشاء # فلا والله ما في العيش خير ... ولا الدنيا إذا ذهب الحياء # يعيش المرء ما استحيا بخير ... ويبقى العود ما بقي اللحاء # واختلف أهل العلم في معنى هذا الخبر، فقال أبو بكر بن محمد الشاشي في ~~أصول الفقه: معنى هذا الحديث أن من لم يستح دعاه ترك الحياء إلى أن يعمل ما ~~يشاء لا يردعه عنه رادع. فليستحي المرء فإن الحياء يردعه. وسمعت من يحكي عن ~~أبي بكر الرازي من أصحاب أبي حنيفة أن المعنى فيه إذا عرضت عليك أفعالك ~~التي هممت بفعلها فلم تستح منها لحسنها وجمالها فاصنع ما شئت منها. # فجعل الحياء حكما على أفعاله وكلا القولين حسن. والأول أشبه؛ لأن الكلام ~~خرج من النبي - صلى الله عليه وسلم - مخرج الذم لا مخرج المدح. لكن قد جاء ~~الحديث بما يضاهي القول الثاني وهو قوله - صلى الله عليه وسلم -: «ما أحببت ~~أن تسمعه أذناك فأته، وما كرهت أن تسمعه أذناك فاجتنبه» . ويجوز أن يحمل ~~هذا الحديث على المعنى الصريح فيه ويكون التأويل الأول في الحديث المتقدم ~~أصح إذ ليس يلزم أن تكون أحاديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كلها ~~متفقة المعاني بل اختلاف معانيها أدخل في الحكمة وأبلغ في الفصاحة إذا لم ~~يضاد بعضها بعضا. # واعلم أن الحياء في الإنسان قد يكون من ثلاثة أوجه: # أحدها: حياؤه من الله تعالى. # والثاني: حياؤه من الناس. # والثالث: حياؤه من نفسه. # فأما حياؤه من الله تعالى فيكون بامتثال أوامره والكف عن زواجره. وروى ~~ابن مسعود # PageV01P248 # أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «استحيوا من الله عز وجل حق ~~الحياء. فقيل: يا رسول الله فكيف نستحي من الله عز وجل حق الحياء؟ قال: من ~~حفظ الرأس وما حوى، والبطن وما وعى، وترك زينة الدنيا، وذكر الموت والبلى، ~~فقد استحى من الله عز وجل حق الحياء» . # وهذا الحديث من أبلغ الوصايا. وقال أبو الحسن الماوردي، مصنف الكتاب: ~~رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في المنام ms199 ذات ليلة فقلت: يا رسول ~~الله أوصني: فقال: استح من الله عز وجل حق الحياء. ثم قال: تغير الناس. ~~قلت: وكيف ذلك يا رسول الله؟ قال: كنت أنظر إلى الصبي فأرى من وجهه البشر ~~والحياء، وأنا أنظر إليه اليوم فلا أرى ذلك في وجهه. ثم تكلم بعد ذلك ~~بوصايا وعظات تصورتها، وأذهلني السرور عن حفظها ووددت أني لو حفظتها. فلم ~~يبدأ بشيء - صلى الله عليه وسلم - قبل الوصية بالحياء من الله عز وجل، وجعل ~~ما سلبه الصبي من البشر والحياء سببا لتغير الناس، وخص الصبي؛ لأن ما يأتيه ~~بالطبع من غير تكلف. فصلى الله وسلم على من هدى أمته، وتابع إنذارها، وقطع ~~أعذارها، وأوصل تأديبها، وحفظ تهذيبها، وجعل لكل عصر حظا من زواجره، ونصيبا ~~من أوامره. أعاننا الله على قبولها بالعمل، وعلى استدامتها بالتوفيق. # وقد روي أن علقمة بن علاثة قال: يا رسول الله عظني. فقال النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - «استح من الله تعالى استحياءك من ذوي الهيبة من قومك» . ~~وهذا الحياء يكون من قوة الدين وصحة اليقين. ولذلك قال النبي - صلى الله ~~عليه وسلم -: «قلة الحياء كفر» . يعني من الله؛ لما فيه من مخالفة أوامره. # وقال - صلى الله عليه وسلم -: «الحياء نظام الإيمان فإذا انحل نظام الشيء ~~تبدد ما فيه وتفرق» . وأما حياؤه من الناس فيكون بكف الأذى وترك المجاهرة ~~بالقبيح. وقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «من اتقى الله ~~اتقى الناس» . وروي أن حذيفة بن اليمان أتى الجمعة فوجد الناس قد انصرفوا ~~فتنكب الطريق عن الناس، وقال: لا خير فيمن لا يستحي من الناس. # وقال بشار بن برد: # PageV01P249 # ولقد أصرف الفؤاد عن الشيء ... حياء وحبه في السواد # أمسك النفس بالعفاف وأمسي ... ذاكرا في غد حديث الأعادي # وهذا النوع من الحياء قد يكون من كمال المروءة وحب الثناء. # ولذلك قال - صلى الله عليه وسلم -: «من ألقى جلباب الحياء فلا غيبة له» . ~~يعني - والله أعلم - لقلة مروءته، وظهور شهوته. # وروى الحسن عن أبي هريرة قال: ms200 قال - صلى الله عليه وسلم -: «إن مروءة ~~الرجل ممشاه ومدخله ومخرجه ومجلسه وإلفه وجليسه» . وقال بعض الشعراء: # ورب قبيحة ما حال بيني ... وبين ركوبها إلا الحياء # إذا رزق الفتى وجها وقاحا ... تقلب في الأمور كما يشاء # وقال آخر: # إذا لم تصن عرضا ولم تخش خالقا ... وتستحي مخلوقا فما شئت فاصنع # وأما حياؤه من نفسه فيكون بالعفة وصيانة الخلوات. # وقال بعض الحكماء: ليكن استحياؤك من نفسك أكثر من استحيائك من غيرك. وقال ~~بعض الأدباء: من عمل في السر عملا يستحي منه في العلانية فليس لنفسه عنده ~~قدر. ودعا قوم رجلا كان يألف عشرتهم، فلم يجبهم، وقال: إني دخلت البارحة في ~~الأربعين وأنا أستحي من سني. وقال بعض الشعراء: # فسري كإعلاني وتلك خليقتي ... وظلمة ليلي مثل ضوء نهاري # وهذا النوع من الحياء قد يكون من فضيلة النفس وحسن السريرة. # فمتى كمل حياء الإنسان من وجوهه الثلاثة، فقد كملت فيه أسباب الخير، ~~وانتفت عنه أسباب الشر، وصار بالفضل مشهورا، وبالجميل مذكورا. # وقال بعض الشعراء: # وإني ليثنيني عن الجهل والخنى ... وعن شتم ذي القربى خلائق أربع # PageV01P250 # حياء وإسلام وتقوى وطاعة ... لربي ومثلي من يضر وينفع # وإن أخل بأحد وجوه الحياء لحقه من النقص بإخلاله بقدر ما كان يلحقه من ~~الفضل بكماله. وقد قال الرياشي: يقال أن أبا بكر الصديق - رضي الله عنه - ~~كان يتمثل بهذا الشعر: # وحاجة دون أخرى قد سخت لها ... جعلتها للتي أخفيت عنوانا # إني كأني أرى من لا حياء له ... ولا أمانة وسط القوم عريانا ### | [الفصل الرابع في الحلم والغضب] # الحلم والغضب الفصل الرابع في الحلم والغضب: روى محمد بن حارث الهلالي ~~«أن جبريل نزل على النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا محمد إني أتيتك ~~بمكارم الأخلاق في الدنيا والآخرة: {خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن ~~الجاهلين} [الأعراف: 199] . وروى سفيان بن عيينة أن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - حين نزلت هذه الآية قال: يا جبريل ما هذا قال: لا أدري حتى أسأل ~~العالم. ثم عاد جبريل، وقال: يا محمد إن ms201 ربك يأمرك أن تصل من قطعك، وتعطي ~~من حرمك، وتعفو عمن ظلمك» . # وروى هشام عن الحسن أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «أيعجز أحدكم ~~أن يكون كأبي ضمضم كان إذا خرج من منزله قال: اللهم إني تصدقت بعرضي على ~~عبادك» . وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «إن الله يحب ~~الحليم الحيي، ويبغض الفاحش البذيء» . وقال - عليه الصلاة والسلام -: «من ~~حلم ساد، ومن تفهم ازداد» . وقال بعض الأدباء: من غرس شجرة الحلم اجتنى ~~ثمرة السلم. وقال بعض البلغاء: ما ذب عن الأعراض كالصفح والإعراض. وقال بعض ~~الشعراء: # PageV01P251 # أحب مكارم الأخلاق جهدي ... وأكره أن أعيب وأن أعابا # وأصفح عن سباب الناس حلما ... وشر الناس من يهوى السبابا # ومن هاب الرجال تهيبوه ... ومن حقر الرجال فلن يهابا # فالحلم من أشرف الأخلاق وأحقها بذوي الألباب؛ لما فيه من سلامة العرض ~~وراحة الجسد واجتلاب الحمد. # وقد قال علي بن أبي طالب - كرم الله وجهه -: أول عوض الحليم عن حلمه أن ~~الناس أنصاره. وحد الحلم ضبط النفس عن هيجان الغضب. وهذا يكون عن باعث ~~وسبب. وأسباب الحلم الباعثة على ضبط النفس عشرة: أحدها: الرحمة للجهال وذلك ~~من خير يوافق رقة. وقد قيل في منثور الحكم: من أوكد الحلم رحمة الجهال. # وقال أبو الدرداء - رضي الله عنه - لرجل أسمعه كلاما: يا هذا لا تغرقن في ~~سبنا، ودع للصلح موضعا، فإنا لا نكافئ من عصى الله فينا بأكثر من أن نطيع ~~الله عز وجل فيه. وشتم رجل الشعبي فقال: إن كنت ما قلت فغفر الله لي، وإن ~~لم أكن كما قلت فغفر الله لك. واغتاظت عائشة - رضي الله عنها - على خادم ~~لها ثم رجعت إلى نفسها فقالت: لله در التقوى ما تركت لذي غيظ شفاء. وقسم ~~معاوية - رضي الله عنه - قطافا فأعطى شيخا من أهل دمشق قطيفة فلم تعجبه، ~~فحلف أن يضرب بها رأس معاوية. فأتاه فأخبره فقال له معاوية: أوف بنذرك ~~وليرفق الشيخ بالشيخ. # والثاني: من أسبابه القدرة على الانتصار وذلك من سعة ms202 الصدر وحسن الثقة. ~~وقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «إذا قدرت على عدوك ~~فاجعل العفو شكرا للقدرة عليه» . وقال بعض الحكماء: ليس من الكرم عقوبة من ~~لا يجد امتناعا من السطوة. # وقال بعض البلغاء: أحسن المكارم عفو المقتدر، وجود المفتقر. # والثالث: من أسبابه: الترفع عن السباب وذلك من شرف النفس وعلو الهمة. كما ~~قالت الحكماء: شرف النفس أن تحمل المكاره كما # PageV01P252 # تحمل المكارم. وقد قيل: إن الله تعالى سمى يحيى - عليه السلام - سيدا ~~لحلمه. # وقد قال الشاعر: # لا يبلغ المجد أقوام وإن كرموا ... حتى يذلوا وإن عزوا لأقوام # ويشتموا فتى الألوان مسفرة ... لا صفح ذل ولكن صفح أحلام # والرابع من أسبابه: الاستهانة بالمسيء وذلك عن ضرب من الكبر والإعجاب، ما ~~حكي عن مصعب بن الزبير أنه لما ولي العراق جلس يوما لعطاء الجند وأمر ~~مناديه فنادى أين عمرو بن جرموز، وهو الذي قتل أباه الزبير، فقيل له: أيها ~~الأمير إنه قد تباعد في الأرض. فقال: أويظن الجاهل أني أقيده بأبي عبد ~~الله؟ فليظهر آمنا ليأخذ عطاءه موفرا. فعد الناس ذلك من مستحسن الكبر. # ومثل ذلك قول بعض الزعماء في شعره: # أوكلما طن الذباب طردته ... إن الذباب إذا علي كريم # وأكثر رجل من سب الأحنف وهو لا يجيبه فقال: والله ما منعه من جوابي إلا ~~هواني عليه. وفي مثله يقول الشاعر: # نجا بك لؤمك منجى الذباب ... حمته مقاذيره أن ينالا # وأسمع رجل ابن هبيرة فأعرض عنه فقال له الرجل: إياك أعنى. فقال له: وعنك ~~أعرض. وفي مثله يقول الشاعر: # فاذهب فأنت طليق عرضك إنه ... عرض عززت به وأنت ذليل # وقال عمرو بن علي: # إذا نطق السفيه فلا تجبه ... فخير من إجابته السكوت # سكت عن السفيه فظن أني ... عييت عن الجواب وما عييت # والخامس من أسبابه: الاستحياء من جزاء الجواب. وهذا يكون من صيانة النفس ~~وكمال المروءة. وقد قال بعض الحكماء: احتمال السفيه خير من التحلي بصورته، ~~والإغضاء عن الجاهل خير من مشاكلته. وقال بعض # PageV01P253 # الأدباء: ما أفحش ms203 حليم ولا أوحش كريم. # وقال لقيط بن زرارة: # وقل لبني سعد فما لي وما لكم ... ترقون مني ما استطعتم وأعتق # أغركم أني بأحسن شيمة ... بصير وأني بالفواحش أخرق # وإن تك قد فاحشتني فقهرتني ... هنيئا مريئا أنت بالفحش أحذق # والسادس من أسبابه: التفضل على السباب. فهذا يكون من الكرم وحب التألف، ~~كما قيل للإسكندر: إن فلانا وفلانا ينقصانك ويثلبانك فلو عاقبتهما. فقال: ~~هما بعد العقوبة أعذر في تنقصي وثلبي. فكان هذا تفضلا منه وتألفا. # وقد حكي عن الأحنف بن قيس أنه قال: ما عاداني أحد قط إلا أخذت في أمره ~~بإحدى ثلاث خصال: إن كان أعلى مني عرفت له قدره، وإن كان دوني رفعت قدري ~~عنه، وإن كان نظيري تفضلت عليه. فأخذه الخليل، فنظمه شعرا فقال: # سألزم نفسي الصفح عن كل مذنب ... وإن كثرت منه إلي الجرائم # فما الناس إلا واحد من ثلاثة ... شريف ومشروف ومثل مقاوم # فأما الذي فوقي فأعرف قدره ... وأتبع فيه الحق والحق لازم # وأما الذي دوني فأحلم دائبا ... أصون به عرضي وإن لام لائم # وأما الذي مثلي فإن زل أو هفا ... تفضلت إن الفضل بالفخر حاكم # والسابع من أسبابه: استنكاف السباب وقطع السباب. وهذا يكون من الحزم، كما ~~حكي أن رجلا قال لضرار بن القعقاع: والله لو قلت واحدة لسمعت عشرا. فقال له ~~ضرار: والله لو قلت عشرا لم تسمع واحدة. # وحكي أن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه قال لعامر بن مرة الزهري: من أحمق ~~الناس؟ قال: من ظن أنه أعقل الناس. قال: صدقت، فمن أعقل الناس؟ قال من لم ~~يتجاوز الصمت في عقوبة الجهال. وقال الشعبي: ما أدركت أمي فأبرها، ولكن لا ~~أسب أحدا فيسبها. وقال بعض الحكماء: في إعراضك صون أعراضك. # وقال بعض الشعراء: # وفي الحلم ردع للسفيه عن الأذى ... وفي الخرق إغراء فلا تك أخرقا # PageV01P254 # فتندم إذ لا تنفعنك ندامة ... كما ندم المغبون لما تفرقا # وقال آخر: # قل ما بدا لك من زور ومن كذب ... حلمي أصم وأذني غير صماء # والثامن من ms204 أسبابه: الخوف من العقوبة على الجواب. وهذا يكون من ضعف النفس ~~وربما أوجبه الرأي واقتضاه الحزم. وقد قيل في منثور الحكم: الحلم حجاب ~~الآفات. وقال الشاعر: # ارفق إذا خفت من ذي هفوة خرقا ... ليس الحليم كمن في أمره خرق # والتاسع من أسبابه: الرعاية ليد سالفة، وحرمة لازمة. وهذا يكون من الوفاء ~~وحسن العهد، وقد قيل في منثور الحكم: أكرم الشيم أرعاها للذمم. وقال ~~الشاعر: # إن الوفاء على الكريم فريضة ... واللؤم مقرون بذي الإخلاف # وترى الكريم لمن يعاشر منصفا ... وترى اللئيم مجانب الإنصاف # والعاشر من أسبابه: المكر وتوقع الفرص الخلفية. وهذا يكون من الدهاء. وقد ~~قيل في منثور الحكم: من ظهر غضبه قل كيده. وقال بعض الأدباء: غضب الجاهل في ~~قوله، وغضب العاقل في فعله. وقال بعض الحكماء: إذا سكت عن الجاهل فقد ~~أوسعته جوابا وأوجعته عقابا. وقال إياس بن قتادة: # تعاقب أيدينا ويحلم رأينا ... ونشتم بالأفعال لا بالتكلم # وقال بعض الشعراء: # وللكف عن شتم اللئيم تكرما ... أضر له من شتمه حين يشتم # فهذه عشرة أسباب تدعو إلى الحلم. وبعض الأسباب أفضل من بعض. وليس إذا كان ~~بعض أسبابه مفضولا ما يقتضي أن تكون نتيجته من الحلم مذمومة. وأما الأولى ~~بالإنسان أن يدعوه للحلم أفضل أسبابه، وإن # PageV01P255 # كان الحلم كله فضلا. وإن عري عن أحد هذه الأسباب كان ذلا ولم يكن حلما، ~~لأننا قد ذكرنا في حد الحلم أنه ضبط النفس عن هيجان الغضب، فإذا فقد الغضب ~~لسماع ما يغضب كان ذلك من ذل النفس وقلة الحمية. # وقد قال الحكماء: ثلاثة لا يعرفون إلا في ثلاثة مواطن: لا يعرف الجواد ~~إلا في العسرة، والشجاع إلا في الحرب، والحليم إلا في الغضب. وقال الشاعر: # ليست الأحلام في حال الرضى ... إنما الأحلام في حال الغضب # وقال آخر: # من يدعي الحلم أغضبه لتعرفه ... لا يعرف الحلم إلا ساعة الغضب # وأنشد النابغة الجعدي بحضرة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: # ولا خير في حلم إذا لم يكن له ... بوادر تحمي صفوه أن يكدرا # ولا خير ms205 في جهل إذا لم يكن له ... حليم إذا ما أورد الأمر أصدرا # فلم ينكر - صلى الله عليه وسلم - قوله عليه. ومن فقد الغضب في الأشياء ~~المغضبة حتى استوت حالتاه قبل الإغضاب وبعده، فقد عدم من فضائل النفس ~~الشجاعة، والأنفة، والحمية، والغيرة، والدفاع، والأخذ بالثأر؛ لأنها خصال ~~مركبة من الغضب. فإذا عدمها الإنسان هان بها ولم يكن لباقي فضائله في ~~النفوس موضع، ولا لوفور حلمه في القلوب موقع. # وقد قال المنصور: إذا كان الحلم مفسدة كان العفو معجزة. وقال بعض ~~الحكماء: العفو يفسد من اللئيم بقدر إصلاحه من الكريم. وقال عمرو بن العاص: ~~أكرموا سفهاءكم فإنهم يقونكم العار والشنار. وقال مصعب بن الزبير: ما قل ~~سفهاء قوم إلا ذلوا. وقال أبو تمام الطائي: # والحرب تركب رأسها في مشهد ... عدل السفيه به بألف حليم # وليس هذا القول إغراء بتحكم الغضب والانقياد إليه عند حدوث ما يغضب، ~~فيكسب بالانقياد للغضب من الرذائل أكثر مما يسلبه عدم الغضب # PageV01P256 # من الفضائل. ولكن إذا ثار به الغضب عند هجوم ما يغضبه كف سورته بحزمه، ~~وأطفأ ثائرته بحلمه، ووكل من استحق المقابلة إلى غيره. ولم يعدم مسيئا ~~مكافيا كما لم يعدم محسنا مجازيا. # والعرب تقول: دخل بيتا ما أخرج منه. أي إن أخرج منه خير دخله خير، وإن ~~أخرج منه شر دخله شر. وأنشد ابن دريد عن أبي حاتم: # إذا أمن الجهال جهلك مرة ... فعرضك للجهال غنم من الغنم # فعم عليه الحلم والجهل والقه ... بمنزلة بين العداوة والسلم # إذا أنت جازيت السفيه كما جزى ... فأنت سفيه مثله غير ذي حلم # ولا تغضبن عرض السفيه وداره ... بحلم فإن أعيا عليكم فبالصرم # فيرجوك تارات ويخشاك تارة ... ويأخذ فيما بين ذلك بالحزم # فإن لم تجد بدا من الجهل فاستعن ... عليه بجهال فذاك من العزم # وهذه من أحكم أبيات وجدتها في تدبير الحلم والغضب. وهذا التدبير إنما ~~يستعمل فيما لا يجد الإنسان بدا من مقارنته، ولا سبيل إلى إطراحه ومتاركته، ~~إما لخوف شره أو للزوم أمره. # فأما من أمكن إطراحه ولم ms206 يضر إبعاده، فالهوان به أولى والإعراض عنه أصوب. ~~فإذا كان على ما وصفت استفاد بتحريك الغضب فضائله وأمن بكف نفسه عن ~~الانقياد له رذائله، وصار الحلم مدبرا للأمور المغضبة بقدر لا يعتريه نقص ~~بعدم الغضب، ولا يلحقه زيادة بفقد الحلم. ولو عزب عنه الحلم حتى انقاد ~~لغضبه ضل عنه وجه الصواب فيه، وضعف رأيه عن خيرة أسبابه ودواعيه، حتى يصير ~~بليد الرأي، مغمور الروية، مقطوع الحجة، مسلوب العزاء، قليل الحيلة، مع ما ~~يناله من أثر ذلك في نفسه وجسده حتى يصير أضر عليه مما غضب له. # وقد قال بعض الحكماء: من كثر شططه كثر غلطه. وروي أن سلمان قال لعلي - ~~رضي الله عنه -: ما الذي يباعدني عن غضب الله عز وجل؟ قال: لا تغضب. وقال ~~بعض السلف: أقرب ما يكون العبد من غضب الله عز وجل، إذا غضب. # وقال بعض البلغاء: من رد غضبه هد من # PageV01P257 # أغضبه. وقال بعض الأدباء: ما هيج جأشك كغيظ أجاشك. وقال رجل لبعض الحكماء ~~عظني. قال: لا تغضب. فينبغي لذي اللب السوي والحزم القوي أن يتلقى قوة ~~الغضب بحلمه فيصدها، ويقابل دواعي شرته بحزمه فيردها، ليحظى بأجل الخبرة ~~ويسعد بحميد العاقبة. وقال بعض الأدباء: في إغضابك راحة أعصابك. وسبب الغضب ~~هجوم ما تكرهه النفس ممن دونها، وسبب الحزن هجوم ما تكرهه النفس ممن فوقها. # والغضب يتحرك من داخل الجسد إلى خارجه، والحزن يتحرك من خارج الجسد إلى ~~داخله. فلذلك قتل الحزن ولم يقتل الغضب لبروز الغضب وكمون الحزن. وصار ~~الحادث عن الغضب السطوة والانتقام لبروزه، والحادث عن الحزن المرض والأسقام ~~لكمونه. ولذلك أفضى الحزن إلى الموت ولم يفض إليه الغضب. فهذا فرق ما بين ~~الحزن والغضب. # واعلم أن لتسكين الغضب إذا هجم أسبابا يستعان بها على الحلم منها: أن ~~يذكر الله عز وجل فيدعوه ذلك إلى الخوف منه، ويبعثه الخوف منه على الطاعة ~~له، فيرجع إلى أدبه ويأخذ بندبه. فعند ذلك يزول الغضب. قال الله تعالى: ~~{واذكر ربك إذا نسيت} [الكهف: 24] # قال عكرمة: يعني إذا ms207 غضبت. وقال الله تعالى: {وإما ينزغنك من الشيطان نزغ ~~فاستعذ بالله} [فصلت: 36] # ومعنى قوله ينزغنك أي يغضبنك، فاستعذ بالله إنه هو السميع العليم يعني ~~أنه سميع بجهل من جهل، عليم بما يذهب عنك الغضب. وذكر أن في التوراة مكتوبا ~~يا ابن آدم اذكرني حين تغضب أذكرك حين أغضب، فلا أمحقك فيمن أمحق. وحكي أن ~~بعض ملوك الفرس كتب كتابا ودفعه إلى وزير له وقال: إذا غضبت فناولنيه. وكان ~~فيه: ما لك والغضب إنما أنت بشر، ارحم من في الأرض يرحمك من في # PageV01P258 # السماء. # وقال بعض الحكماء: من ذكر قدرة الله لم يستعمل قدرته في ظلم عباد الله. ~~وقال عبد الله بن مسلم بن محارب لهارون الرشيد: يا أمير المؤمنين أسألك ~~بالذي أنت بين يديه أذل مني بين يديك، وبالذي هو أقدر على عقابك منك على ~~عقابي لما عفوت عني. فعفا عنه لما ذكره قدرة الله تعالى. وروي أن «رجلا شكا ~~إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - القسوة فقال: اطلع في القبور واعتبر ~~بالنشور» . وكان بعض ملوك الطوائف إذا غضب ألقي عنده مفاتيح ترب الملوك ~~فيزول غضبه، ولذلك قال عمر - رضي الله عنه -: من أكثر من ذكر الموت رضي من ~~الدنيا باليسير. # ومنها: أن ينتقل عن الحالة التي هو فيها إلى حالة غيرها، فيزول عنه الغضب ~~بتغير الأحوال والتنقل من حال إلى حال. وكان هذا مذهب المأمون إذا غضب أو ~~شتم. وكانت الفرس تقول: إذا غضب القائم فليجلس وإذا غضب الجالس فليقم. ~~ومنها: أن يتذكر ما يئول إليه الغضب من الندم ومذمة الانتقام. # وكتب إبرويز إلى ابنه شيرويه: إن كلمة منك تسفك دما وأخرى منك تحقن دما، ~~وإن نفاذ أمرك مع كلامك، فاحترس، في غضبك، من قولك أن تخطئ، ومن لونك أن ~~يتغير، ومن جسدك أن يخف، فإن الملوك تعاقب قدرة، وتعفو حلما. وقال بعض ~~الحكماء: الغضب على من لا تملك عجز، وعلى من تملك لؤم. وقال بعض الأدباء: ~~إياك وعزة الغضب فإنها تفضي إلى ذل العذر. وقال بعض الشعراء: ms208 # وإذا ما اعترتك في الغضب العزة ... فاذكر تذلل الاعتذار # ومنها: أن يذكر ثواب العفو، وجزاء الصفح، فيقهر نفسه على الغضب رغبة في ~~الجزاء والثواب، وحذرا من استحقاق الذم والعقاب. # روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال «ينادي مناد يوم القيامة: ~~من له أجر على الله عز وجل فليقم. فيقوم العافون عن الناس. ثم تلا: # PageV01P259 # {فمن عفا وأصلح فأجره على الله} [الشورى: 40] » . # وقال رجاء بن حيوة لعبد الملك بن مروان، في أسارى ابن الأشعث: إن الله قد ~~أعطاك ما تحب من الظفر فأعط الله ما يحب من العفو. وقد روي عن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - أنه قال: «الخير ثلاث خصال فمن كن فيه فقد استكمل ~~الإيمان: من إذا رضي لم يدخله رضاه في باطل، وإذا غضب لم يخرجه غضبه من حق، ~~وإذا قدر عفا» . وأسمع رجل عمر بن عبد العزيز كلاما فقال عمر: أردت أن ~~يستفزني الشيطان لعزة السلطان فأنال منك اليوم ما تناله مني غدا انصرف رحمك ~~الله. # ومنها: أن يذكر انعطاف القلوب عليه، وميل النفوس إليه، فلا يرى إضاعة ذلك ~~بتغير الناس عنه فيرغب في التألف وجميل الثناء. وروى ابن أبي ليلى، عن ~~عطية، عن أبي سعيد، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «ما ازداد ~~أحد بعفو إلا عزا، فاعفوا يعزكم الله» . وقال بعض البلغاء: ليس من عادة ~~الكرام سرعة الانتقام، ولا من شروط الكرم إزالة النعم. وقال المأمون ~~لإبراهيم بن المهدي: إني شاورت في أمرك فأشاروا علي بقتلك إلا أني وجدت ~~قدرك فوق ذنبك فكرهت القتل للازم حرمتك. فقال: يا أمير المؤمنين إن المشير ~~أشار بما جرت به العادة في السياسة، إلا أنك أبيت أن تطلب النصر إلا من حيث ~~عودته من العفو فإن عاقبت فلك نظير، وإن عفوت فلا نظير لك. وأنشأ يقول: # البر بي منك وطا العذر عندك لي ... فيما فعلت فلم تعذل ولم تلم # وقام علمك بي فاحتج عندك لي ... مقام شاهد عدل غير متهم # لئن جحدتك معروفا مننت به ms209 ... إني لفي اللؤم أحظى منك بالكرم # تعفو بعدل وتسطو إن سطوت به ... فلا عدمناك من عاف ومنتقم # PageV01P260 ### | [الفصل الخامس في الصدق والكذب] # الصدق والكذب الفصل الخامس في الصدق والكذب: قال الله تعالى وهو أصدق ~~القائلين: {ثم نبتهل فنجعل لعنت الله على الكاذبين} [آل عمران: 61] . # وقال تعالى: {إنما يفتري الكذب الذين لا يؤمنون بآيات الله} [النحل: 105] # وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال للحسن بن علي - رضي الله ~~عنهما -: «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك فإن الكذب ريبة والصدق طمأنينة» . ~~وروي عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «رحم الله امرأ أصلح من لسانه، ~~وأقصر من عنانه، وألزم طريق الحق مقوله، ولم يعود الخطل مفصله» . وروى ~~صفوان بن سليم قال: «قيل للنبي - صلى الله عليه وسلم -: أيكون المؤمن ~~جبانا؟ قال: نعم. قيل: أفيكون بخيلا؟ قال: نعم. قيل: أفيكون كذابا؟ قال: ~~لا» . وقال ابن عباس - رضي الله عنهما - في قوله تعالى: {ولا تلبسوا الحق ~~بالباطل} [البقرة: 42] أي لا تخلطوا الصدق بالكذب. # وقيل في منثور الحكم: الكذاب لص؛ لأن اللص يسرق مالك، والكذاب يسرق عقلك. ~~وقال بعض الحكماء: الخرس خير من الكذب وصدق اللسان أول السعادة. # وقال بعض البلغاء: الصادق مصان خليل، والكاذب مهان ذليل. وقال بعض ~~الأدباء: لا سيف كالحق، ولا عون كالصدق. وقال بعض الشعراء: # وما شيء إذا فكرت فيه ... بأذهب للمروءة والجمال # من الكذب الذي لا خير فيه ... وأبعد بالبهاء من الرجال # والكذب جماع كل شر، وأصل كل ذم لسوء عواقبه، وخبث نتائجه؛ لأنه ينتج ~~النميمة، والنميمة تنتج البغضاء، والبغضاء تؤول إلى العداوة، وليس مع ~~العداوة أمن ولا راحة. ولذلك قيل: من قل صدقه قل صديقه. # PageV01P261 # والصدق والكذب يدخلان الأخبار الماضية، كما أن الوفاء والخلف يدخلان ~~المواعيد المستقبلة. فالصدق هو الإخبار عن الشيء على ما هو عليه، والكذب هو ~~الإخبار عن الشيء بخلاف ما هو عليه. ولكل واحد منها دواع. فدواعي الصدق ~~لازمة، ودواعي الكذب عارضة؛ لأن الصدق يدعو إليه عقل موجب وشرع مؤكد، ~~فالكذب يمنع منه ms210 العقل ويصد عنه الشرع. # ولذلك جاز أن تستفيض الأخبار الصادقة حتى تصير متواترة، ولم يجز أن ~~تستفيض الأخبار الكاذبة؛ لأن اتفاق الناس في الصدق والكذب إنما هو لاتفاق ~~الدواعي، فدواعي الصدق يجوز أن يتفق الجمع الكثير عليها، حتى إذا تلقوا ~~خبرا، وكانوا عددا ينتفي عن مثلهم المواطأة، وقع في النفس صدقه؛ لأن ~~الدواعي إليه نافعة، واتفاق الناس في الدواعي النافعة ممكن. # ولا يجوز أن يتفق العدد الكثير، الذي لا يمكن مواطأة مثلهم، على نقل خبر ~~يكون كذبا؛ لأن الدواعي إليه غير نافعة، وربما كانت ضارة. وليس في جاري ~~العادة أن يتفق الجمع الكثير على دواع غير نافعة. ولذلك جاز اتفاق الناس ~~على الصدق؛ لجواز اتفاق دواعيهم، ولم يجز أن يتفقوا على الكذب لامتناع ~~اتفاق دواعيهم. وإذا كان للصدق والكذب دواع فلا بد من ذكر ما سنح به الخاطر ~~من دواعيهما. # أما دواعي الصدق فمنها: العقل؛ لأنه موجب لقبح الكذب، لا سيما إذا لم ~~يجلب نفعا ولم يدفع ضررا. والعقل يدعو إلى فعل ما كان مستحسنا، ويمنع من ~~إتيان ما كان مستقبحا. وليس ما استحسن من مبالغات الشعراء، حتى صار كذبا ~~صراحا، استحسانا للكذب في العقل كالذي أنشدنيه الأزدي لبعض الشعراء: # توهمه فكري فأصبح خده ... وفيه مكان الوهم من فكرتي أثر # وصافحه كفي فآلم كفه ... فمن لمس كفي في أنامله عقر # ومر بقلبي خاطرا فجرحته ... ولم أر شيئا قط يجرحه الفكر # وكقول العباس بن الأحنف وإن كان دون هذه المبالغة: # تقول وقد كتبت دقيق خطي ... إليها: لم تجنبت الجليلا # PageV01P262 # فقلت لها: نحلت فصار خطي ... مساعدة لكاتبه نحيلا # لأنه خرج مخرج المبالغة في التشبيه والاقتدار على صنعة الشعر، وأن شواهد ~~الحال تخرجه عن تلبيس الكذب، وكذلك ما استحسن في الصنعة ولم يستقبح في ~~العقل وإن كان الكذب مستقبحا فيه. # ومنها: الدين الوارد باتباع الصدق وحظر الكذب؛ لأن الشرع لا يجوز أن يرد ~~بإرخاص ما حظره العقل، بل قد جاء الشرع زائدا على ما اقتضاه العقل من حظر ~~الكذب؛ لأن الشرع ورد بحظر ms211 الكذب وإن جر نفعا أو دفع ضررا. والعقل إنما حظر ~~ما لا يجلب نفعا ولا يدفع ضررا. # ومنها: المروءة فإنها مانعة من الكذب باعثة على الصدق؛ لأنها قد تمنع من ~~فعل ما كان مستكرها، فأولى من فعل ما كان مستقبحا. # ومنها: حب الثناء والاشتهار بالصدق حتى لا يرد عليه قول ولا يلحقه ندم. ~~وقد قال بعض البلغاء: ليكن مرجعك إلى الحق ومنزعك إلى الصدق، فالحق أقوى ~~معين، والصدق أفضل قرين. وقال بعض الشعراء: # عود لسانك قول الصدق تحظ به ... إن اللسان لما عودت معتاد # موكل بتقاضي ما سننت له ... في الخير والشر فانظر كيف ترتاد. # وأما دواعي الكذب فمنها: اجتلاب النفع واستدفاع الضر، فيرى أن الكذب أسلم ~~وأغنم فيرخص لنفسه فيه اغترارا بالخدع، واستشفافا للطمع. وربما كان الكذب ~~أبعد لما يؤمل وأقرب لما يخاف؛ لأن القبيح لا يكون حسنا والشر لا يصير ~~خيرا. وليس يجنى من الشوك العنب ولا من الكرم الحنظل. وقد روي عن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «تحروا الصدق وإن رأيتم أن فيه الهلكة فإن ~~فيه النجاة، وتجنبوا الكذب وإن رأيتم أن فيه النجاة فإن فيه الهلكة» . وقال ~~عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -: لأن يضعني الصدق وقلما يفعل، أحب إلي من ~~أن يرفعني الكذب وقلما يفعل. # وقال بعض الحكماء: الصدق منجيك وإن خفته، والكذب مرديك وإن أمنته. وقال ~~الجاحظ: الصدق والوفاء توأمان، والصبر والحلم توأمان فيهن تمام كل دين، ~~وصلاح كل دنيا، وأضدادهن سبب كل فرقة # PageV01P263 # وأصل كل فساد. # ومنها: أن يؤثر أن يكون حديثه مستعذبا وكلامه مستظرفا، فلا يجد صدقا يعذب ~~ولا حديثا يستظرف، فيستحلي الكذب الذي ليست غرائبه معوزة، ولا ظرائفه ~~معجزة. وهذا النوع أسوأ حالا مما قبل؛ لأنه يصدر عن مهانة النفس ودناءة ~~الهمة. وقد قال الجاحظ: لم يكذب أحد قط إلا لصغر قدر نفسه عنده. # وقال ابن المقفع: لا تتهاون بإرسال الكذبة من الهزل فإنها تسرع إلى إبطال ~~الحق. ومنها: أن يقصد بالكذب التشفي من عدوه فيسمه بقبائح يخترعها عليه، ms212 ~~ويصفه بفضائح ينسبها إليه. ويرى أن معرة الكذب غنم وأن إرسالها في العدو ~~سهم وسم. وهذا أسوأ حالا من النوعين الأولين؛ لأنه قد جمع بين الكذب المعر ~~والشر المضر. ولذلك ورد الشرع برد شهادة العدو على عدوه. # ومنها: أن تكون دواعي الكذب قد ترادفت عليه حتى ألفها، فصار الكذب له ~~عادة، ونفسه إليه منقادة، حتى لو رام مجانبة الكذب عسر عليه؛ لأن العادة ~~طبع ثان. وقد قالت الحكماء: من استحلى رضاع الكذب عسر فطامه. وقيل في منثور ~~الحكم: لا يلزم الكذاب شيء إلا غلب عليه. # واعلم أن للكذاب قبل خبرته أمارات دالة عليه. فمنها: أنك إذا لقنته ~~الحديث تلقنه ولم يكن بين ما لقنته وبين ما أورده فرق عنده. ومنها: أنك إذا ~~شككته فيه تشكك حتى يكاد يرجع فيه، ولولاك ما تخالجه الشك فيه. ومنها: أنك ~~إذا رددت عليه قوله حصر وارتبك ولم يكن عنده نصرة المحتجين، ولا برهان ~~الصادقين. ولذلك قال علي بن أبي طالب كرم الله وجهه: الكذاب كالسراب. # ومنها: ما يظهر عليه من ريبة الكذابين وينم عليه من ذلة المتوهمين؛ لأن ~~هذه أمور لا يمكن الإنسان دفعها عن نفسه؛ لما في الطبع من آثارها. ولذلك ~~قالت الحكماء: العينان أنم من اللسان. وقال بعض البلغاء: الوجوه مرايا تريك ~~أسرار البرايا. وقال بعض الشعراء: # تريك أعينهم ما في صدورهم ... إن العيون يؤدي سرها النظر # وإذا اتسم بالكذب نسبت إليه شوارد الكذب المجهولة، وأضيفت إلى # PageV01P264 # أكاذيبه زيادات مفتعلة حتى يصير الكاذب مكذوبا عليه، فيجمع بين معرة ~~الكذب منه ومضرة الكذب عليه. # وقد قال الشاعر: # حسب الكذوب من البلية ... بعض ما يحكى عليه # فإذا سمعت بكذبة ... من غيره نسبت إليه # ثم إنه إن تحرى الصدق اتهم، وإن جانب الكذب كذب، حتى لا يعتقد له حديث ~~يصدق، ولا كذب مستنكر. وقد قال الشاعر: # إذا عرف الكذاب بالكذب لم يكد ... يصدق في شيء وإن كان صادقا # ومن آفة الكذاب نسيان كذبه ... وتلقاه ذا حفظ إذا كان صادقا # وقد وردت السنة بإرخاص الكذب في ms213 الحرب وإصلاح ذات البين على وجه التورية، ~~والتأويل دون التصريح به. فإن السنة لا يجوز أن ترد بإباحة الكذب؛ لما فيه ~~من التنفير، وإنما ذلك على طريق التورية والتعريض، كما «سئل رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - وقد تطرف برداء وانفرد عن أصحابه، فقال له رجل: ممن ~~أنت؟ قال: من ماء» ، فورى عن الإخبار بنسبه بأمر يحتمل. فظن السائل أنه عنى ~~القبيلة المنسوبة إلى ذلك، وإنما أراد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~أنه من الماء الذي يخلق منه الإنسان، فبلغ ما أحب من إخفاء نفسه وصدق في ~~خبره. وكالذي حكي عن أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - أنه كان يسير خلف ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين هاجر معه فتلقاه العرب وهم يعرفون ~~أبا بكر ولا يعرفون رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيقولون: يا أبا بكر ~~من هذا؟ فيقول: هاد يهديني السبيل فيظنون أنه يعني هداية الطريق، وهو إنما ~~يريد هداية سبيل الخير، فيصدق في قوله ويوري عن مراده. # وقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «إن في المعاريض ~~لمندوحة عن الكذب» . وقال عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -: إن في المعاريض ~~ما يكفي أن يعف الرجل عن الكذب. وقال بعض أهل التأويل في قوله تعالى # PageV01P265 # {لا تؤاخذني بما نسيت} [الكهف: 73] . # أنه لم ينس ولكنه معاريض الكلام. وقال ابن سيرين: الكلام أوسع من أن يصرح ~~فيه بالكذب. # واعلم أن من الصدق ما يقوم مقام الكذب في القبح والمعرة ويزيد عليه في ~~الأذى والمضرة، وهي الغيبة والنميمة والسعاية. فأما الغيبة فإنها خيانة ~~وهتك ستر يحدثان عن حسد وغدر. قال الله تعالى: {ولا يغتب بعضكم بعضا أيحب ~~أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا} [الحجرات: 12] . # يعني أنه كما لا يحل لحمه ميتا لا تحل غيبته حيا. وروي «أن امرأتين صامتا ~~على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وجعلتا تغتابان الناس فأخبر بذلك ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: صامتا عما أحل لهما، وأفطرتا على ما ~~حرم ms214 عليهما» . # وروت أسماء بنت يزيد قالت: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «من ذب ~~عن لحم أخيه بظهر الغيب كان حقا على الله عز وجل أن يحرم لحمه على النار» . ~~وقال عدي بن حاتم: الغيبة رعي اللئام. وكان الحسن البصري - رحمه الله تعالى ~~-، يقول: الغيبة فاكهة النساء. وقال رجل لابن سيرين - رحمه الله -: إني ~~اغتبتك فاجعلني في حل. فقال ما أحب أن أحل لك ما حرم الله عليك. # وقال ابن السماك: لا تعن الناس على عيبك بسوء غيبك. وقال الشاعر: # لا تلتمس من مساوي الناس ما ستروا ... فيهتك الله سترا من مساويكا # واذكر محاسن ما فيهم إذا ذكروا ... ولا تعب أحدا منهم بما فيكا # وربما عذر المغتاب نفسه بأنه يقول حقا ويعلن فسقا. ويستشهد بما روي عن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «ثلاثة ليست غيبتهم بغيبة الإمام ~~الجائر وشارب الخمر والمعلن بفسقه» . فيبعد من الصواب ويجانب الأدب؛ لأنه ~~وإن كان بالغيبة صادقا فقد هتك سترا كان بصونه أولى # PageV01P266 # وجاهر من أسر وأخفى. # وربما دعا المغتاب ذلك إلى إظهار ما كان يستره، والمجاهرة بما كان يضمره، ~~فلم يفد ذلك إلا فساد أخلاقه من غير أن يكون فيه صلاح لغيره. وقد قيل ~~لأنوشروان: ما الذي لا خير فيه؟ قال: ما ضرني ولم ينفع غيري، أو ضر غيري ~~ولم ينفعني، فلا أعلم فيه خيرا. وقيل في منثور الحكم: لا تبد من العيوب ما ~~ستره علام الغيوب. # وقد روى العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: «سئل رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - عن الغيبة فقال: هي أن تقول لأخيك ما فيه فإن ~~كنت صادقا فقد اغتبته، وإن كنت كاذبا فقد بهته» . وقال عبد الرحمن بن زيد ~~في قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا ~~خيرا منهم} [الحجرات: 11] إنه استهزاء المسلم بمن أعلن بفسقه. # «ودخلت امرأة على النبي - صلى الله عليه وسلم - مستفتية فلما خرجت قالت ~~عائشة - رضي الله عنها -: يا ms215 رسول الله ما أقصرها. فقال: مهلا إياك ~~والغيبة. فقالت: يا رسول الله إنما قلت ما فيها. قال: أجل ولولا ذلك لكان ~~بهتانا» . # وسئل بعض الأدباء عن صفة اللئيم، فقال: اللئيم إذا غاب عاب، وإذا حضر ~~اغتاب. فأما الخبر فمحمول على الإنكار لأفعال هؤلاء ولا يكون الإنكار غيبة؛ ~~لأنه نهي عن منكر، وفرق بين إنكار المجاهر وغيبة المساتر. # وأما النميمة: فهي أن تجمع إلى مذمة الغيبة رداءة وشرا، وتضم إلى لؤمها ~~دناءة وغدرا. # ثم تؤول إلى تقاطع المتواصلين، وتباغض المتحابين. وروى شهر بن حوشب عن ~~أسماء بنت يزيد عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «ألا أخبركم ~~بشراركم؟ قالوا: بلى يا رسول الله. قال: من شراركم المشاءون بالنميمة، ~~المفسدون بين الأحبة الباغون العيوب» . وروى محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن ~~أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «ملعون ذو الوجهين، ~~ملعون ذو اللسانين ملعون # PageV01P267 # كل شفار، ملعون كل قتات، ملعون كل منان» . الشفار المحرش بين الناس يلقي ~~بينهم العداوة، والقتات النمام وقيل النمام الذي يكون مع القوم يتحدثون ~~فينم حديثهم، والقتات هو الذي يستمع عليهم وهم لا يعلمون فينم حديثهم، ~~والمنان هو الذي يصنع الخير ويمن به. وقيل في منثور الحكم: النميمة سيف ~~قاتل. # وقال بعض الأدباء: لم يمش ماش شر من واش. فأما السعاية فهي شر الثلاثة؛ ~~لأنها تجمع إلى مذمة الغيبة ولؤم النميمة، التغرير بالنفوس والأموال، ~~والقدح في المنازل والأحوال. وروى ابن قتيبة أن النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- قال: «الجنة لا يدخلها ديوث ولا قلاع» . الديوث هو الذي يجمع بين الرجال ~~والنساء، سمي بذلك؛ لأنه يدث بينهم. والقلاع هو الساعي الذي يقع في الناس ~~عند الأمراء، سمي بذلك؛ لأنه يأتي الرجل المتمكن عند الأمير فلا يزال يقع ~~فيه حتى يقلعه. وقال بعض الحكماء: الساعي بين منزلتين قبيحتين: إما أن يكون ~~صدق فقد خان الأمانة، وإما أن يكون قد كذب فخالف المروءة. # وقال بعض الحكماء: الصدق يزين كل أحد إلا السعاة، فإن الساعي أذم ms216 وآثم ما ~~يكون إذا صدق. وقال بعض البلغاء: النميمة دناءة والسعاية رداءة، وهما رأس ~~الغدر وأساس الشر فتجنب سبلهما، واجتنب أهلهما. ووقع الفضل بن سهل على قصة ~~ساع سعى إليه: نحن نرى قبول السعاية شرا منها؛ لأن السعاية دلالة، والقبول ~~إجازة، فاتقوا الساعي فإنه إن كان في سعايته صادقا كان في صدقه آثما، إذ لم ~~يحفظ الحرمة ويستر العورة. # وقال الإسكندر لرجل سعى إليه برجل: أتحب أن نقبل منك ما تقول فيه على أن ~~نقبل منه ما يقول فيك؟ قال: لا. قال: فكف عن الشر يكف عنك الشر. وروي أن ~~الله أوحى إلى موسى - على نبينا وعليه السلام - أن في بلدك ساعيا ولست ~~أخبرك وهو في أرضك. قال يا رب دلني عليه حتى أخرجه فقال: يا موسى أكره ~~النميمة وأنم. # PageV01P268 ### | [الفصل السادس في الحسد والمنافسة] # الحسد والمنافسة الفصل السادس في الحسد والمنافسة: اعلم أن الحسد خلق ~~ذميم مع إضراره بالبدن وفساده للدين، حتى لقد أمر الله بالاستعاذة من شره، ~~فقال تعالى: {ومن شر حاسد إذا حسد} [الفلق: 5] # وناهيك بحال ذلك شرا. وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «دب ~~إليكم داء الأمم قبلكم البغضاء والحسد هي الحالقة حالقة الدين لا حالقة ~~الشعر والذي نفس محمد بيده لا تؤمنوا حتى تحابوا ألا أنبئكم بأمر إذا ~~فعلتموه تحاببتم افشوا السلام بينكم» . # فأخبر - صلى الله عليه وسلم - بحال الحسد وأن التحابب ينفيه وأن السلام ~~يبعث على التحابب، فصار السلام إذا نافيا للحسد. وقد جاء كتاب الله تعالى ~~بما يوافق هذا القول وقال الله تعالى: {ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك ~~وبينه عداوة كأنه ولي حميم} [فصلت: 34] # قال مجاهد: معناه ادفع بالسلام إساءة المسيء. # وقال الشاعر: # قد يلبث الناس حينا ليس بينهم ... ود فيزرعه التسليم واللطف # وقال بعض السلف: الحسد أول ذنب عصي الله به في السماء، يعني حسد إبليس ~~لآدم - عليه السلام - وأول ذنب عصي الله به في الأرض، يعني حسد ابن آدم ~~لأخيه حتى قتله. وقال بعض الحكماء: من ms217 رضي بقضاء الله تعالى لم يسخطه أحد، ~~ومن قنع بعطائه لم يدخله حسد. وقال بعض البلغاء: الناس حاسد ومحسود، ولكل ~~نعمة حسود. # وقال بعض الأدباء: ما رأيت ظالما أشبه بمظلوم من الحسود نفس دائم، وهم ~~لازم، وقلب هائم. # فأخذه بعض الشعراء فقال: # إن الحسود الظلوم في كرب ... يخاله من يراه مظلوما # ذا نفس دائم على نفس ... يظهر منها ما كان مكتوما # ولو لم يكن من ذم الحسد إلا أنه خلق دنيء يتوجه نحو الأكفاء # PageV01P269 # والأقارب، ويختص بالمخالط والمصاحب، لكانت النزاهة عنه كرما، والسلامة ~~منه مغنما. فكيف وهو بالنفس مضر، وعلى الهم مصر، حتى ربما أفضى بصاحبه إلى ~~التلف من غير نكاية في عدو ولا إضرار بمحسود. # وقد قال معاوية - رضي الله عنه -: ليس في خصال الشر أعدل من الحسد، يقتل ~~الحاسد قبل أن يصل إلى المحسود. وقال بعض الحكماء: يكفيك من الحاسد أنه ~~يغتم في وقت سرورك. وقيل في منثور الحكم: عقوبة الحاسد من نفسه. وقال ~~الأصمعي: قلت لأعرابي: ما أطول عمرك، قال: تركت الحسد فبقيت. وقال رجل ~~لشريح القاضي: إني لأحسدك على ما أرى من صبرك على الخصوم، ووقوفك على غامض ~~الحكم. فقال: ما نفعك الله بذلك ولا ضرني. # وقال عبد الله بن المعتز - رحمه الله تعالى -: # اصبر على كيد الحسو ... د فإن صبرك قاتله # فالنار تأكل بعضها ... إن لم تجد ما تأكله # وحقيقة الحسد شدة الأسى على الخيرات تكون للناس الأفاضل وهو غير ~~المنافسة، وربما غلط قوم فظنوا أن المنافسة في الخير هي الحسد، وليس الأمر ~~على ما ظنوا؛ لأن المنافسة طلب التشبه بالأفاضل من غير إدخال ضرر عليهم. # والحسد مصروف إلى الضرر؛ لأن غايته أن يعدم الأفاضل فضلهم، من غير أن ~~يصير الفضل له، فهذا الفرق بين المنافسة والحسد. فالمنافسة إذا فضيلة؛ ~~لأنها داعية إلى اكتساب الفضائل والاقتداء بأخيار الأفاضل. وقد روي عن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «المؤمن يغبط والمنافق يحسد» . وقال ~~الشاعر: # نافس على الخيرات أهل العلا ... فإنما الدنيا أحاديث # كل امرئ في ms218 شأنه كادح ... فوارث منهم وموروث # واعلم أن دواعي الحسد ثلاثة: # أحدهما: بغض المحسود فيأسى عليه بفضيلة تظهر، أو منقبة تشكر، فيثير حسدا ~~قد خامر بغضا. وهذا النوع لا # PageV01P270 # يكون عاما وإن كان أضرها؛ لأنه ليس يبغض كل الناس. # والثاني: أن يظهر من المحسود فضل يعجز عنه فيكره تقدمه فيه واختصاصه به، ~~فيثير ذلك حسدا لولاه لكف عنه. وهذا أوسطها؛ لأنه لا يحسد الأكفاء من دنا، ~~وإنما يختص بحسد من علا. وقد يمتزج بهذا النوع ضرب من المنافسة ولكنها مع ~~عجز فلذلك صارت حسدا. # والثالث: أن يكون في الحاسد شح بالفضائل، وبخل بالنعم وليست إليه فيمنع ~~منها، ولا بيده فيدفع عنها؛ لأنها مواهب قد منحها الله من شاء فيسخط على ~~الله عز وجل في قضائه، ويحسد على ما منح من عطائه، وإن كانت نعم الله عز ~~وجل عنده أكثر، ومنحه عليه أظهر. # وهذا النوع من الحسد أعمها وأخبثها إذ ليس لصاحبه راحة، ولا لرضاه غاية، ~~فإن اقترن بشر وقدرة كان بورا وانتقاما، وإن صادف عجزا ومهانة كان كمدا ~~وسقاما. # وقد قال عبد الحميد: الحسود من الهم كساقي السم، فإن سرى سمه زال عنه ~~غمه. واعلم أن بحسب فضل الإنسان وظهور النعمة عليه يكون حسد الناس له. فإن ~~كثر فضله كثر حساده، وإن قل قلوا؛ لأن ظهور الفضل يثير الحسد، وحدوث النعمة ~~يضاعف الكمد. ولذلك قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «استعينوا على قضاء ~~الحوائج بسترها فإن كل ذي نعمة محسود» . # وقال عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -: ما كانت نعمة الله على أحد إلا وجد ~~لها حاسدا، فلو كان الرجل أقوم من القدح لما عدم غامزا. وقد قال الشاعر: # إن يحسدوني فإني غير لائمهم ... قبلي من الناس أهل الفضل قد حسدوا # فدام لي ولهم ما بي وما بهم ... ومات أكثرنا غيظا بما يجد # وربما كان الحسد منبها على فضل المحسود ونقص الحسود، كما قال أبو تمام ~~الطائي: # وإذا أراد الله نشر فضيلة ... طويت أتاح لها لسان حسود # PageV01P271 # لولا اشتعال النار فيما ms219 جاورت ... ما كان يعرف طيب عرف العود # لولا التخوف للعواقب لم يزل ... للحاسد النعمى على المحسود # فأما ما يستعمله من كان غالبا عليه الحسد، وكان طبعه إليه مائلا لينفي ~~عنه ويكفاه ويسلم من ضرره وعداوته، فأمور هي له حسم إن صادفها عزم. فمنها: ~~اتباع الدين في اجتنابه، والرجوع إلى الله عز وجل في آدابه، فيقهر نفسه على ~~مذموم خلقها، وينقلها عن لئيم طبعها. وإن كان نقل الطباع عسرا لك بالرياضة ~~والتدريج يسهل منها ما استصعب، ويحبب منها ما أتعب وإن تقدم قول القائل: من ~~ربه خلقه كيف يخلي خلقه، غير أنه إذا عانى تهذيب نفسه تظاهر بالتخلق دون ~~الخلق، ثم بالعادة يصير كالخلق. قال أبو تمام الطائي: # فلم أجد الأخلاق إلا تخلقا ... ولم أجد الأفضال إلا تفضلا # ومنها: العقل الذي يستقبح به من نتائج الحسد ما لا يرضيه، ويستنكف من ~~هجنة مساويه، فيذلل نفسه أنفة، ويقهرها حمية، فتذعن لرشدها، وتجيب إلى ~~صلاحها. وهذا إنما يصح لذي النفس الأبية، والهمة العلية، وإن كان ذو الهمة ~~يجل عن دناءة الحسد. وقد قال الشاعر: # أبي له نفسان نفس زكية ... ونفس إذا ما خافت الظلم تشمس # ومنها: أن يستدفع ضرره، ويتوقى أثره، ويعلم أن مكانته في نفسه أبلغ ومن ~~الحسد أبعد، فيستعمل الحزم في دفع ما كده وأكمده ليكون أطيب نفسا وأهنأ ~~عيشا. وقد قيل: العجب لغفلة الحساد عن سلامة الأجساد. وقد قال الشاعر: # بصير بأعقاب الأمور كأنما ... يرى بصواب الرأي ما هو واقع # ومنها: ما يرى من نفور الناس عنه وبعدهم منه فيخافهم إما على نفسه من ~~عداوة، أو على عرضه من ملامة، فيتألفهم بمعالجة نفسه ويراهم # PageV01P272 # إن صلحوا أجدى نفعا وأخلص ودا. وقال ابن العميد - رحمه الله تعالى -: # داوي جوى بجوى وليس بحازم ... من يستكف النار بالحلفاء # وقال المؤمل بن أميل: # لا تحسبوني غنيا عن مودتكم ... إني إليكم وإن أيسرت مفتقر # ومنها: أن يساعد القضاء ويستسلم للمقدور، ولا يرى أن يغالب قضاء الله ~~فيرجع مغلوبا، ولا أن يعارضه في أمره فيرد محروما ms220 مسلوبا. وقد قال أزدشير ~~بن بابك: إذا لم يساعدنا القضاء ساعدناه. وقال محمود الوراق: # قدر الله كائن ... حين يقضي وروده # قد مضى فيك علمه ... وانتهى ما يريده # فأرد ما يكون إن ... لم يكن ما تريده # فإن أظفرته السعادة بأحد هذه الأسباب، وهدته المراشد إلى استعمال الصواب، ~~سلم من سقامه، وخلص من غرامه، واستبدل بالنقص فضلا واعتاض من الذم حمدا. ~~ولمن استنزل نفسه عن مذمة فصرفها عن لائمة هو أظهر حزما وأقوى عزما ممن ~~كفته النفس جهادها، وأعطته قيادها. ولذلك قال علي بن أبي طالب - رضي الله ~~عنه -: خياركم كل مفتن تواب. # وإن صدته الشهوة عن مراشده، وأضله الحرمان عن مقاصده، فانقاد للطبع ~~اللئيم، وغلب عليه الخلق الذميم، حتى ظهر حسده واشتد كمده، فقد باء بأربع ~~مذام: # إحداهن: حسرات الحسد وسقام الجسد، ثم لا يجد لحسرته انتهاء، ولا يؤمل ~~لسقامه شفاء. وقال ابن المعتز: الحسد داء الجسد. # والثانية: انخفاض المنزلة وانحطاط المرتبة لانحراف الناس عنه، ونفورهم ~~منه وقد قيل في منثور الحكم: الحسود لا يسود. # PageV01P273 # والثالثة: مقت الناس له حتى لا يجد فيهم محبا، وعداوتهم له حتى لا يرى ~~فيهم وليا، فيصير بالعداوة مأثورا، وبالمقت مزجورا. ولذلك قال النبي - صلى ~~الله عليه وسلم -: «شر الناس من يبغض الناس ويبغضوه» . # والرابعة: إسخاط الله تعالى في معارضته، واجتناء الأوزار في مخالفته، إذ ~~ليس يرى قضاء الله عدلا، ولا لنعمه من الناس أهلا. ولذلك قال النبي - صلى ~~الله عليه وسلم -: «الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب» . وقال عبد ~~الله بن المعتز: الحاسد مغتاظ على من لا ذنب له، بخيل بما لا يملكه، طالب ~~ما لا يجده. وإذا بلي الإنسان بمن هذه حاله من حساد النعم وأعداء الفضل ~~استعاذ بالله من شره، وتوقى مصارع كيده، وتحرز من غوائل حسده، وأبعد عن ~~ملابسته. وإدنائه لعضل دائه، وإعواز دوائه. فقد قيل: حاسد النعمة لا يرضيه ~~إلا زوالها. وقال بعض الحكماء: من ضر بطبعه فلا تأنس بقربه، فإن قلب ~~الأعيان صعب المرام. # وقال عبد الحميد: أسد تقاربه ms221 خير من حسود تراقبه. وقال محمود الوراق: # أعطيت كل الناس من نفسي الرضى ... إلا الحسود فإنه أعياني # ما إن لي ذنبا إليه علمته ... إلا تظاهر نعمة الرحمن # وأبى فما يرضيه إلا ذلتي ... وذهاب أموالي وقطع لساني # وقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «ثلاثة لا يسلم أحد ~~منهن: الطيرة وسوء الظن، والحسد. فإذا تطيرت فلا ترجع، وإذا ظننت فلا ~~تتحقق، وإذا حسدت فلا تبغ» . ### | [فصل آداب المواضعة والإصلاح] ### | [الفصل الأول في الكلام والصمت] # المواضعة والإصلاح فصل: وأما آداب المواضعة والاصطلاح فضربان: أحدهما ما ~~تكون المواضعة في فروعه، والعقل موجب لأصوله. والثاني ما تكون المواضعة في ~~فروعه وأصوله. وذلك متضح في الفصول التي نذكرها إذا سبرت وهي ثمانية. # PageV01P274 # الفصل الأول في الكلام والصمت: اعلم أن الكلام ترجمان يعبر عن مستودعات ~~الضمائر، ويخبر بمكنونات السرائر، لا يمكن استرجاع بوادره، ولا يقدر على رد ~~شوارده. فحق على العاقل أن يحترز من زلله بالإمساك عنه أو بالإقلال منه. # روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «رحم الله من قال خيرا ~~فغنم، أو سكت فسلم» . وقال - صلى الله عليه وسلم - لمعاذ: «يا معاذ أنت ~~سالم ما سكت، فإذا تكلمت فعليك أو لك» . وقال علي بن أبي طالب كرم الله ~~وجهه: اللسان معيار أطاشه الجهل وأرجحه العقل. وقال بعض الحكماء: الزم ~~الصمت تعد حكيما، جاهلا كنت أو عالما. وقال بعض الأدباء: سعد من لسانه ~~صموت، وكلامه قوت. وقال بعض العلماء: من أعوذ ما يتكلم به العاقل أن لا ~~يتكلم إلا لحاجته أو محجته، ولا يفكر إلا في عاقبته أو في آخرته. # وقال بعض البلغاء: الزم الصمت فإنه يكسبك صفو المحبة، ويؤمنك سوء المغبة، ~~ويلبسك ثوب الوقار، ويكفيك مئونة الاعتذار. وقال بعض الفصحاء: اعقل لسانك ~~إلا عن حق توضحه، أو باطل تدحضه، أو حكمة تنشرها، أو نعمة تذكرها. وقال ~~الشاعر: # رأيت العز في أدب وعقل ... وفي الجهل المذلة والهوان # وما حسن الرجال لهم بحسن ... إذا لم يسعد الحسن البيان # كفى بالمرء عيبا ms222 أن تراه ... له وجه وليس له لسان # واعلم أن للكلام شروطا لا يسلم المتكلم من الزلل إلا بها، ولا يعرى من ~~النقص إلا بعد أن يستوفيها وهي أربعة: # فالشرط الأول: أن يكون الكلام لداع يدعو إليه إما في اجتلاب نفع أو دفع ~~ضرر. # والشرط الثاني: أن يأتي به في موضعه، ويتوخى به إصابة فرصته. # والشرط الثالث: أن يقتصر منه على قدر حاجته. # والشرط الرابع: أن يتخير اللفظ الذي يتكلم به. فهذه أربعة شروط متى أخل ~~المتكلم بشرط منها فقد أوهن فضيلة باقيها. وسنذكر تعليل كل شرط منها بما ~~ينبئ عن لزومه. # فأما الشرط الأول: وهو الداعي إلى الكلام؛ فلأن ما لا داعي له # PageV01P275 # هذيان، وما لا سبب له هجر. ومن سامح نفسه في الكلام، إذا عن ولم يراع صحة ~~دواعيه، وإصابة معانيه، كان قوله مرذولا، ورأيه معلولا، كالذي حكي عن ابن ~~عائشة أن شابا كان يجالس الأحنف ويطيل الصمت، فأعجب ذلك الأحنف فخلت الحلقة ~~يوما فقال له الأحنف: تكلم يا ابن أخي. فقال: يا عم لو أن رجلا سقط من شرف ~~هذا المسجد هل كان يضره شيء؟ قال: يا ابن أخي ليتنا تركناك مستورا. ثم تمثل ~~الأحنف بقول الأعور الشني: # وكائن ترى من صاحب لك معجب ... زيادته أو نقصه في التكلم # لسان الفتى نصف ونصف فؤاده ... فلم يبق إلا صورة اللحم والدم # وكالذي حكي عن أبي يوسف الفقيه أن رجلا كان يجلس إليه فيطيل الصمت، فقال ~~له أبو يوسف: ألا تسأل؟ قال: بلى. متى يفطر الصائم؟ قال: إذا غربت الشمس. ~~قال: فإن لم تغرب إلى نصف الليل؟ قال: فتبسم أبو يوسف - رحمه الله - وتمثل ~~ببيتي الخطفي جد جرير: # عجبت لإزراء العيي بنفسه ... وصمت الذي قد كان بالعلم أعلما # وفي الصمت ستر للغبي وإنما ... صحيفة لب المرء أن يتكلما # ومما أطرفك به عني أني كنت يوما في مجلسي بالبصرة وأنا مقبل على تدريس ~~أصحابي إذ دخل علي رجل مسن قد ناهز الثمانين أو جاوزها. فقال لي: قد قصدتك ~~بمسألة اخترتك لها. ms223 فقلت: اسأل - عافاك الله - وظننته يسأل عن حادث نزل به، ~~فقال: أخبرني عن نجم إبليس، ونجم آدم، ما هو؟ فإن هذين لعظم شأنهما لا يسأل ~~عنهما إلا علماء الدين. فعجبت وعجب من في مجلسي من سؤاله وبدر إليه قوم ~~منهم بالإنكار والاستخفاف فكففتهم وقلت: هذا لا يقنع مع ما ظهر من حاله إلا ~~بجواب مثله. فأقبلت عليه، وقلت: يا هذا إن المنجمين يزعمون أن نجوم الناس ~~لا تعرف إلا بمعرفة مواليدهم فإن ظفرت بمن يعرف ذلك فاسأله. فحينئذ أقبل ~~علي وقال: جزاك الله خيرا. ثم انصرف مسرورا. فلما كان بعد أيام عاد وقال: # PageV01P276 # ما وجدت إلى وقتي هذا من يعرف مولد هذين. # فانظر إلى هؤلاء كيف أبانوا بالكلام عن جهلهم، وأعربوا بالسؤال عن نقصهم، ~~إذ لم يكن لهم داع إليه، ولا روية فيما تكلموا به. ولو صدر عن روية ودعا ~~إليه داع لسلموا من شينه، وبرئوا من عيبه. ولذلك قال النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -: «لسان العاقل من وراء قلبه فإذا أراد الكلام رجع إلى قلبه، فإن كان ~~له تكلم وإن كان عليه أمسك. وقلب الجاهل من وراء لسانه يتكلم بكل ما عرض ~~له» . # وقال عمر بن عبد العزيز: من لم يعد كلامه من عمله كثرت خطاياه. # وقال بعض الحكماء: عقل المرء مخبوء تحت لسانه. وقال بعض البلغاء: احبس ~~لسانك قبل أن يطيل حبسك أو يتلف نفسك، فلا شيء أولى بطول حبس من لسان يقصر ~~عن الصواب، ويسرع إلى الجواب. # وقال أبو تمام الطائي: # ومما كانت الحكماء قالت ... لسان المرء من تبع الفؤاد # وكان بعض الحكماء يحسم الرخصة في الكلام ويقول: إذا جالست الجهال فأنصت ~~لهم، وإذا جالست العلماء فأنصت لهم، فإن في إنصاتك للجهال زيادة في الحلم، ~~وفي إنصاتك للعلماء زيادة في العلم. # وأما الشرط الثاني: فهو أن يأتي بالكلام في موضعه؛ لأن الكلام في غير ~~حينه لا يقع موقع الانتفاع به، وما لا ينفع من الكلام فقد تقدم القول بأنه ~~هذيان وهجر، فإن قدم ما يقتضي التأخير كان ms224 عجلة وخرقا وإن أخر ما يقتضي ~~التقديم كان توانيا وعجزا؛ لأن لكل مقام قولا، وفي كل زمان عملا. # وقد قال الشاعر: # تضع الحديث على مواضعه ... وكلامها من بعدها نزر # وأما الشرط الثالث: وهو أن يقتصر منه على قدر حاجته. فإن الكلام إن لم ~~ينحصر بالحاجة، ولم يقدر بالكفاية، لم يكن لحده غاية، ولا لقدره نهاية. وما ~~لم يكن من الكلام محصورا كان حصرا إن قصر، وهذرا إن كثر. وروي «أن أعرابيا ~~تكلم عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وطول # PageV01P277 # فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: كم دون لسانك من حجاب؟ قال: شفتاي ~~وأسناني. قال: فإن الله عز وجل يكره الانبعاق في الكلام» . فنضر الله وجه ~~امرئ أوجز في كلامه، فاقتصر على حاجته. # وحكي أن بعض الحكماء رأى رجلا يكثر الكلام ويقل السكوت فقال: إن الله ~~تعالى إنما خلق لك أذنين ولسانا واحدا ليكون ما تسمعه ضعف ما تتكلم به. ~~وقال بعض الحكماء: من كثر كلامه كثرت آثامه. وقال ابن مسعود: أنذركم فضول ~~المنطق. وقال بعض البلغاء: كلام المرء بيان فضله، وترجمان عقله، فاقصره على ~~الجميل واقتصر منه على القليل، وإياك ما يسخط سلطانك، ويوحش إخوانك، فمن ~~أسخط سلطانه تعرض للمنية ومن أوحش إخوانه تبرأ من الحرية. # وقال بعض الشعراء: # وزن الكلام إذا نطقت فإنما ... يبدي عيوب ذوي العيوب المنطق # ولمخالفة قدر الحاجة من الكلام حالتان: تقصير يكون حصرا، وتكثير يكون ~~هذرا، وكلاهما شين. وشين الهذر أشنع، وربما كان في الغالب أخوف. قال النبي ~~- صلى الله عليه وسلم -: «وهل يكب الناس على مناخرهم في نار جهنم إلا حصائد ~~ألسنتهم» . # وقال بعض الحكماء: مقتل الرجل بين فكيه، وقال بعض البلغاء: الحصر خير من ~~الهذر؛ لأن الحصر يضعف الحجة، والهذر يتلف المحجة. وقد قال الشاعر: # رأيت اللسان على أهله ... إذا ساسه الجهل ليثا مغيرا # وقال بعض الأدباء: يا رب ألسنة كالسيوف تقطع أعناق أصحابها. # وما ينقص من هيئات الرجال يزيد في بهائها وألبابها. وقد ذهب بعضهم إلى أن ~~الكلام إذا كثر عن ms225 قدر الحاجة، وزاد على حد الكفاية، وكان صوابا لا يشوبه ~~خطل، وسليما لا يتعوده زلل، فهو البيان والسحر الحلال. وقال سليمان بن عبد ~~الملك، وقد ذم الكلام في مجلسه: كلا إن من تكلم فأحسن قدر على أن يسكت ~~فيحسن، وليس من سكت فأحسن قدر على أن يتكلم فيحسن. ووصف بعضهم الكاتب فقال: ~~الكاتب من إذا أخذ شبرا # PageV01P278 # كفاه، وإذا وجد طومارا أملاه. # وأنشد بعضهم في خطباء إياد: # يرمون بالخطب الطوال وتارة ... وحي الملاحظ خيفة الرقباء # وقال الهيثم بن صالح لابنه: يا بني إذا أقللت من الكلام أكثرت من الصواب. ~~فقال: يا أبت فإن أنا أكثرت وأكثرت يعني كلاما وصوابا. فقال: يا بني ما ~~رأيت موعوظا أحق بأن يكون واعظا منك. وأنشدت لأبي الفتح البستي: # تكلم وسدد ما استطعت فإنما ... كلامك حي والسكوت جماد # فإن لم تجد قولا سديدا تقوله ... فصمتك عن غير السداد سداد # وقيل لإياس بن معاوية: ما فيك عيب إلا كثرة الكلام، فقال: أفتسمعون صوابا ~~أو خطأ؟ قالوا: لا بل صوابا. قال: فالزيادة من الخير خير. وقال أبو عثمان ~~الجاحظ: للكلام غاية، ولنشاط السامعين نهاية. وما فضل عن مقدار الاحتمال، ~~ودعا إلى الاستثقال والملال، فذلك الفاضل هو الهذر. وصدق أبو عثمان؛ لأن ~~الإكثار منه وإن كان صوابا يمل السامع ويكل الخاطر وهو صادر عن إعجاب به ~~لولاه قصر عنه. # ومن أعجب بكلامه استرسل فيه، والمسترسل في الكلام كثير الزلل دائم ~~العثار. وقال بعض الحكماء: من أعجب بقوله أصيب بعقله. وليس لكثرة الهذر ~~رجاء يقابل خوفه، ولا نفع يوازي ضره؛ لأنه يخاف من نفسه الزلل، ومن سامعيه ~~الملل. وليس في مقابلة هذين حاجة داعية ولا نفع مرجو. # وقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «أبغضكم إلي المتفيهق ~~المكثار والملح المهذار» . وسأل رجل حكيما فقال: متى أتكلم؟ قال: إذا ~~اشتهيت الصمت. فقال: متى أصمت؟ قال: إذا اشتهيت الكلام. وقال جعفر بن يحيى: ~~إذا كان الإيجاز كافيا كان الإكثار عيا، وإن كان الإكثار واجبا كان التقصير ~~عجزا. # وقيل ms226 في منثور الحكم: إذا تم العقل نقص الكلام. وقال بعض الأدباء: من ~~أطال صمته اجتلب من الهيبة ما ينفعه، ومن الوحشة ما لا يضره. وقال بعض ~~البلغاء: عي تسلم منه خير من منطق تندم عليه # PageV01P279 # فاقتصر من الكلام على ما يقيم حجتك، ويبلغ حاجتك، وإياك وفضوله فإنه يزل ~~القدم، ويورث الندم. وقال بعض الفصحاء: فم العاقل ملجم إذا هم بالكلام ~~أحجم، وفم الجاهل مطلق كلما شاء أطلق. وقال بعض الشعراء: # إن الكلام يغر القوم جلوته ... حتى يلج به عي وإكثار # وأما الشرط الرابع: وهو اختيار اللفظ الذي يتكلم به؛ فلأن اللسان عنوان ~~الإنسان يترجم عن مجهوله، ويبرهن عن محصوله، فيلزم أن يكون بتهذيب ألفاظه ~~حريا وبتقويم لسانه مليا. روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه «قال ~~لعمه العباس: يعجبني جمالك. قال: وما جمال الرجل يا رسول الله؟ قال: لسانه» ~~. # وقال خالد بن صفوان: ما الإنسان لولا اللسان هل إلا بهيمة مهملة أو صورة ~~ممثلة؟ وقال بعض الحكماء: اللسان وزير الإنسان. وقال بعض الأدباء: كلام ~~المريد وافد أدبه. وقال بعض البلغاء: يستدل على عقل الرجل بقوله، وعلى أصله ~~بفعله. وقال بعض الشعراء: # وإن لسان المرء ما لم تكن له ... حصاة على عوراته لدليل # وليس يصح اختيار الكلام لا لمن أخذ نفسه بالبلاغة، وكلفها لزوم الفصاحة، ~~حتى يصير متدربا بها معتادا لها، فلا يأتي بكلام مستكره اللفظ ولا مختل ~~المعنى؛ لأن البلاغة ليست على معان مفردة ولا لألفاظها غاية، وإنما البلاغة ~~أن تكون بالمعاني الصحيحة مستودعة في ألفاظ فصيحة. # فتكون فصاحة الألفاظ مع صحة المعاني هي البلاغة. وقد قيل لليوناني؛ ما ~~البلاغة؟ قال: اختيار الكلام وتصحيح الأقسام. وقيل ذلك للرومي، فقال: حسن ~~الاختصار عند البديهة والغزارة يوم الإطالة. وقيل للهندي فقال: معرفة الفصل ~~من الوصل. وقيل للعربي فقال: ما حسن إيجازه وقل مجازه. وقيل للبدوي فقال: ~~ما دون السحر وفوق الشعر، يفت الخردل ويحط الجندل. وقيل للحضري فقال: ما ~~كثر إعجازه وتناسبت صدوره وأعجازه. # وقال ابن المقفع: البلاغة قلة الحصر والجراءة ms227 على البشر. # وسأل الحجاج ابن القرية عن الإيجاز قال: أن تقول فلا تبطئ وأن # PageV01P280 # تصيب فلا تخطئ. وقال الشاعر: # خير الكلام قليل ... على كثير دليل # والعي معنى قصير ... يحوبه لفظ طويل # وفي الكلام فضول ... وفيه قال وقيل # وأما صحة المعاني فتكون من ثلاثة أوجه: # أحدها: إيضاح تفسيرها حتى لا تكون مشكلة ولا مجملة. # والثاني: استيفاء تقسيمها حتى لا يدخل فيها ما ليس منها ولا يخرج عنها ما ~~هو فيها. # والثالث: صحة مقابلاتها. # والمقابلة تكون من وجهين: # أحدهما مقابلة المعنى بما يوافقه وحقيقة هذه المقاربة؛ لأن المعاني تصير ~~متشاكلة. # والثاني مقابلته بما يضاده وهو حقيقة المقابلة. وليس للمقابلة إلا أحد ~~هذين الوجهين: الموافقة في الائتلاف والمضادة مع الاختلاف. فأما فصاحة ~~الألفاظ فتكون بثلاثة أوجه: # أحدها: مجانبة الغريب الوحشي حتى لا يمجه سمع ولا ينفر منه طبع. # والثاني: تنكب اللفظ المستبذل، والعدول عن الكلام المسترذل، حتى لا ~~يستسقطه خاصي ولا ينبو عن فهمه عامي. كما قال الجاحظ في كتاب البيان: أما ~~أنا فلم أر قوما أمثل طريقة في البلاغة من الكتاب وذلك أنهم قد التمسوا من ~~الألفاظ ما لم يكن متوعرا وحشيا ولا ساقطا عاميا. # والثالث: أن يكون بين الألفاظ كالقوالب لمعانيها فلا تزيد عليها ولا تنقص ~~عنها. وقال بشر بن المعتمر، في وصيته في البلاغة: إذا لم تجد اللفظة واقعة ~~موقعها، ولا صائرة إلى مستقرها، ولا حالة في مركزها، بل وجدتها قلقة في ~~مكانها، نافرة عن موضعها، فلا تكرهها على القرار في غير موضعها، فإنك إن لم ~~تتعاط قريض الشعر الموزون، ولم تتكلف اختيار الكلام المنثور، لم يعبك بترك ~~ذلك أحد. وإذا أنت تكلفتهما ولم تكن حاذقا فيهما عابك من أنت أقل عيبا منه، ~~وأزرى عليك من أنت فوقه. # وأما المناسبة فهي أن يكون المعنى يليق ببعض الألفاظ إما لعرف مستعمل، أو ~~لاتفاق مستحسن، حتى إذا ذكرت تلك المعاني بعد تلك الألفاظ كانت نافرة عنها، ~~وإن كانت أفصح وأوضح لاعتياد ما سواها. وقال بعض البلغاء: لا يكون البليغ ~~بليغا حتى # PageV01P281 # يكون ms228 معنى كلامه أسبق إلى فهمك من لفظه إلى سمعك. وأما معاطاة الإعراب ~~وتجنب اللحن فإنما هو من صفات الصواب والبلاغة أعلى منه رتبة، وأشرف منزلة. ~~وليس لمن لحن في كلامه مدخل في الأدباء فضلا عن أن يكون في عداد البلغاء. # واعلم أن للكلام آدابا إن أغفلها المتكلم أذهب رونق كلامه، وطمس بهجة ~~بيانه، ولها الناس عن محاسن فضله بمساوي أدبه، فعدلوا عن مناقبه بذكر ~~مثالبه. فمن آدابه: أن لا يتجاوز في مدح ولا يسرف في ذم وإن كانت النزاهة ~~عن الذم كرما والتجاوز في المدح ملقا يصدر عن مهانة. والسرف في الذم انتقام ~~يصدر عن شر، وكلاهما شين وإن سلم من الكذب. # يروى أنه «لما قدم على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وفد تميم سأل ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عمرو بن الأهتم عن قيس بن عاصم فمدحه، ~~فقال قيس: والله يا رسول الله لقد علم أني خير مما وصف ولكن حسدني، فذمه ~~عمرو وقال: والله يا رسول الله لقد صدقت في الأولى وما كذبت في الأخرى؛ ~~لأني رضيت في الأولى فقلت أحسن ما علمت وسخطت في الأخرى فقلت أقبح ما علمت. ~~فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: إن من البيان لسحرا» . # على أن السلامة من الكذب في المدح والذم متعذرة لا سيما إذا مدح تقربا ~~وذم تحنقا. وحكي عن الأحنف بن قيس أنه قال: سهرت ليلتي أفكر في كلمة أرضي ~~بها سلطاني ولا أسخط بها ربي فما وجدتها. وقال عبد الله بن مسعود: إن الرجل ~~ليدخل على السلطان ومعه دينه فيخرج وما معه دينه. قيل: وكيف ذلك؟ قال يرضيه ~~بما يسخط الله عز وجل. وسمع ابن الرومي رجلا يصف رجلا ويبالغ في مدحه فأنشأ ~~يقول: # إذا ما وصفت امرأ لامرئ ... فلا تغل في وصفه واقصد # فإنك إن تغل تغل الظنون ... فيه إلى الأمد الأبعد # فيضأل من حيث عظمته ... لفضل المغيب على المشهد # PageV01P282 # ومن آدابه: أن لا تبعثه الرغبة والرهبة على الاسترسال في وعد أو وعيد ~~يعجز ms229 عنهما ولا يقدر على الوفاء بهما. فإن من أطلق بهما لسانه وأرسل فيهما ~~عنانه، ولم يستثقل من القول ما يستثقله من العمل، صار وعده نكثا ووعيده ~~عجزا. وحكي أن سليمان بن داود - عليهما السلام -، مر بعصفور يدور حول ~~عصفورة فقال لأصحابه: هل تدرون ما يقول لها؟ قالوا: لا يا نبي الله. قال: ~~إنه يخطبها لنفسه ويقول لها زوجيني نفسك أسكنك أي غرف دمشق شئت. وقال ~~سليمان: كذب العصفور فإن غرف دمشق مبنية بالصخور لا يقدر أن يسكنها هناك، ~~ولكن كل خاطب كاذب. # ومن آدابه: إن قال قولا حققه بفعله، وإذا تكلم بكلام صدقه فعمله، فإن ~~إرسال القول اختيار، والعمل به اضطرار. ولئن يفعل ما لم يقل أجمل من أن ~~يقول ما لم يفعل. وقال بعض الحكماء: أحسن الكلام ما لا يحتاج فيه إلى ~~الكلام أي يكتفي بالفعل من القول. وقال محمود الوراق: # القول ما صدقه الفعل ... والفعل ما وكده العقل # لا يثبت القول إذا لم يكن ... يقله من تحته الأصل # ومن آدابه: أن يراعي مخارج كلامه بحسب مقاصده وأغراضه فإن كان ترغيبا ~~قرنه باللين واللطف، وإن كان ترهيبا خلطه بالخشونة والعنف، فإن لين اللفظ ~~في الترهيب وخشونته في الترغيب خروج عن موضعهما وتعطيل للمقصود بهما، فيصير ~~الكلام لغوا والغرض المقصود لهوا. وقد قال أبو الأسود الدؤلي لابنه: يا بني ~~إن كنت في قوم فلا تتكلم بكلام من هو فوقك فيمقتوك، ولا بكلام من هو دونك ~~فيزدروك. # ومن آدابه: أن لا يرفع بكلامه صوتا مستنكرا ولا ينزعج له انزعاجا ~~مستهجنا، وليكف عن حركة تكون طيشا وعن حركة تكون عيا، فإن نقص الطيش أكثر ~~من فضل البلاغة. وقد حكي أن الحجاج قال لأعرابي: أخطيب أنا؟ قال: نعم لولا ~~أنك تكثر الرد، وتشير باليد، وتقول أما بعد. # ومن آدابه: أن يتجافى هجر القول ومستقبح الكلام، وليعدل إلى # PageV01P283 # الكناية عما يستقبح صريحه ويستهجن فصيحه؛ ليبلغ الغرض ولسانه نزه وأدبه ~~مصون. # وقد قال محمد بن علي في قوله تعالى: {وإذا مروا باللغو مروا كراما} ~~[الفرقان: ms230 72] . # قال: كانوا إذا ذكروا الفروج كنوا عنها. وكما أنه يصون لسانه عن ذلك ~~فهكذا يصون عنه سمعه، فلا يسمع خناء ولا يصغي إلى فحش فإن سماع الفحش داع ~~إلى إظهاره، وذريعة إلى إنكاره. وإذا وجد عن الفحش معرضا كف قائله وكان ~~إعراضه أحد النكيرين، كما أن سماعه أحد الباعثين. وأنشدني أبو الحسن بن ~~الحارث الهاشمي: # تحر من الطرق أوساطها ... وعد عن الموضع المشتبه # وسمعك صن عن قبيح الكلا ... م كصون اللسان عن النطق به # فإنك عند استماع القبيح ... شريك لقائله فانتبه # ومما يجري مجرى فحش القول وهجره في وجوب اجتنابه، ولزوم تنكبه، ما كان ~~شنيع البديهة مستنكر الظاهر، وإن كان عقب التأمل سليما، وبعد الكشف والروية ~~مستقيما، كالذي رواه الأزدي عن الصولي لبعض المتكلفين من الشعراء # إنني شيخ كبير ... كافر بالله سيري # أنت ربي وإلهي ... رازق الطفل الصغير # يريد بقوله كافر أي لابس؛ لأن الكفر التغطية. ولذلك سمي الكافر بالله ~~كافرا؛ لأنه قد غطى نعمة الله بمعصيته. وقوله بالله سيري يقسم عليها أن ~~تسير. وقوله أنت ربي يعني ربي ولدك من التربية. وإلهي رازق الطفل الصغير ~~كما أنه رازق الولد الكبير. فانظر إلى هذا التكلف الشنيع، والتعمق البشيع، ~~ما اعتاض من حيث البديهة إذا سلم بعد الفكر والروية إلا لؤما إن حسن فيه ~~الظن، أو ذما إن قوي فيه الارتياب. وقلما يكون ذلك إلا من خليع بطر أو ~~مرتاب أشر. # فأما الحديث المروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - # PageV01P284 # أنه قال: «لا تصلوا على النبي» فخارج من هذا النوع من التلبيس. وفي ~~تأويله وجهان: أحدهما أنه أراد النهي عن الصلاة في المكان المرتفع ~~المحدودب، مأخوذ من النبوة. والثاني أنه أراد الطريق، ومنه سمي رسل الله ~~أنبياء؛ لأنهم الطرق إليه. إنما زال عنه التلبيس إذا قاله رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -. وإن كان من قول غيره تلبيسا شنيعا؛ لأن موضوع خطابه ~~وشواهد أحواله يصرفان كلامه عن التجوز والاسترسال في أمر أو نهي إلى ما ~~يجوز أن يرد به شرع وينهى ms231 عنه نبي. وليس يمتنع ذلك في غيره ولذلك افترق ~~وجوده منه ومن غيره. # ومن آدابه أن يجتنب أمثال العامة الغوغاء ويتخصص بأمثال العلماء الأدباء ~~فإن لكل صنف من الناس أمثالا تشاكلهم، فلا تجد لساقط إلا مثلا ساقطا ~~وتشبيها مستقبحا. وللسقاط أمثال فمنها تمثلهم للشيء المريب، كما قال ~~الصنوبري: # إذا ما كنت ذا بول صحيح ... ألا فاضرب به وجه الطبيب # ولذلك علتان. إحداهما: أن الأمثال من هواجس الهمم وخطرات النفوس، ولم يكن ~~لذي الهمة الساقطة إلا مثل مرذول، وتشبيه معلول. # والثانية: أن الأمثال مستخرجة من أحوال المتمثلين بها، فبحسب ما هم عليه ~~تكون أمثالهم. فلهاتين العلتين وقع الفرق بين أمثال الخاصة وأمثال العامة. ~~وربما ألف المتخصص مثلا عاميا أو تشبيها ركيكا؛ لكثرة ما يطرق سمعه من ~~مخالطة الأراذل فيسترسل في ضربه مثلا فيصير به مثلا، كالذي حكي عن الأصمعي ~~أن الرشيد سأله يوما عن أنساب بعض العرب فقال: على الخبير سقطت يا أمير ~~المؤمنين. فقال له الفضل بن الربيع: أسقط الله جنبيك أتخاطب أمير المؤمنين ~~بمثل هذا الخطاب؟ فكان الفضل بن الربيع، مع قلة علمه أعلم بما يستعمل من ~~الكلام في محاورة الخلفاء من الأصمعي الذي هو واحد عصره وقريع دهره. # وللأمثال من الكلام موقع في الأسماع وتأثير في القلوب لا يكاد الكلام ~~المرسل يبلغ مبلغها، ولا يؤثر تأثيرها؛ لأن المعاني بها لائحة، والشواهد ~~بها واضحة، والنفوس بها وامقة، والقلوب بها # PageV01P285 # واثقة، والعقول لها موافقة. فلذلك ضرب الله الأمثال في كتابه العزيز ~~وجعلها من دلائل رسله وأوضح بها الحجة على خلقه؛ لأنها في العقول معقولة، ~~وفي القلوب مقبولة. # ولها أربعة شروط: # أحدها: صحة التشبيه. # والثاني: أن يكون العلم بها سابقا والكل عليها موافقا. # والثالث: أن يسرع وصولها للفهم، ويعجل تصورها في الوهم، من غير ارتياء في ~~استخراجها ولا كد في استنباطها. # والرابع: أن تناسب حال السامع لتكون أبلغ تأثيرا وأحسن موقعا. فإذا ~~اجتمعت في الأمثال المضروبة هذه الشروط الأربعة كانت زينة للكلام وجلاء ~~للمعاني وتدبرا للأفهام. ### | [الفصل الثاني في الصبر والجزع] ms232 # الصبر والجزع الفصل الثاني في الصبر والجزع: اعلم أن من حسن التوفيق ~~وإمارات السعادة الصبر على الملمات والرفق عند النوازل، وبه نزل الكتاب ~~وجاءت السنة. قال الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا ~~واتقوا الله لعلكم تفلحون} [آل عمران: 200] . # يعني اصبروا على ما افترض الله عليكم، وصابروا عدوكم، ورابطوا فيه ~~تأويلان: أحدهما: على الجهاد. والثاني: على انتظار الصلوات. وعن أبي هريرة ~~قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «ألا أدلكم على ما يحبط الله ~~به الخطايا ويرفع به الدرجات؟ قالوا: بلى يا رسول الله. قال: إسباغ الوضوء ~~عند المكاره وكثرة الخطى إلى المسجد وانتظار الصلاة بعد الصلاة فذلكم ~~الرباط» . فنزل الكتاب بتأكيد الصبر فيما أمر به وندب إليه، وجعله من عزائم ~~التقوى فيما افترضه وحث عليه. # وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «الصبر ستر من الكروب ~~وعون على الخطوب» . وقال علي بن أبي طالب # PageV01P286 # كرم الله وجهه: الصبر مطية لا تكبو، والقناعة سيف لا ينبو. وقال عبد ~~الحميد: لم أسمع أعجب من قول عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -: لو أن الصبر ~~والشكر يعيران ما باليت أيهما ركبت. # وقال عبد الله بن عباس - رضي الله عنهما -: أفضل العدة الصبر على الشدة. ~~وقال بعض البلغاء: من خير خلالك الصبر على اختلالك. وقيل في منثور الحكم: ~~من أحب البقاء فليعد للمصائب قلبا صبورا. وقال بعض الحكماء: بالصبر على ~~مواقع الكره تدرك الحظوظ. # وقال بعض الشعراء، وهو عبيد بن الأبرص: # صبر النفس عند كل ملم ... إن في الصبر حيلة المحتال # لا تضيقن في الأمور فقد تكشف ... غماؤها بغير احتيال # ربما تجزع النفوس من الأمر ... له فرجة كحل العقال # وقال ابن المقفع في كتاب اليتيمة: الصبر صبران: فاللئام أصبر أجساما، ~~والكرام أصبر نفوسا. وليس الصبر الممدوح صاحبه أن يكون الرجل قوي الجسد على ~~الكد والعمل؛ لأن هذا من صفات الحمير، ولكن أن يكون للنفس غلوبا، وللأمور ~~متحملا، ولجأشه عند الحفاظ مرتبطا. # واعلم أن الصبر على ستة أقسام، وهو ms233 في كل قسم منها محمود. فأول أقسامه ~~وأولاها: الصبر على امتثال ما أمر الله - تعالى - به، والانتهاء عما نهى ~~الله عنه؛ لأن به تخلص الطاعة وبها يصح الدين وتؤدى الفروض ويستحق الثواب، ~~كما قال في محكم الكتاب: {إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب} [الزمر: 10] # ولذلك قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس ~~من الجسد» . # وليس لمن قل صبره على طاعة حظ من بر ولا نصيب من صلاح، ومن لم ير لنفسه ~~صبرا يكسبها ثوابا. ويدفع عنها عقابا، كان من سوء الاختيار بعيدا من الرشاد ~~حقيقا بالضلال. وقد قال الحسن البصري - رحمه الله تعالى -: يا من يطلب من # PageV01P287 # الدنيا ما لا يلحقه أترجو أن تلحق من الآخرة ما لا تطلبه. وقال أبو ~~العتاهية - رحمه الله تعالى -: # أراك امرأ ترجو من الله عفوه ... وأنت على ما لا يحب مقيم # تدل على التقوى وأنت مقصر ... فيا من يداوي الناس وهو سقيم # وهذا النوع من الصبر إنما يكون لفرط الجزع وشدة الخوف فإن من خاف الله - ~~عز وجل - وصبر على طاعته، ومن جزع من عقابه وقف عند أوامره. # والقسم الثاني: الصبر على ما تقتضيه أوقاته من رزية قد أجهده الحزن ~~عليها، أو حادثة قد كده الهم بها فإن الصبر عليها يعقبه الراحة منها، ~~ويكسبه المثوبة عنها. فإن صبر طائعا وإلا احتمل هما لازما وصبر كارها آثما. ~~وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: يقول الله تعالى: «من لم ~~يرض بقضائي ويصبر على بلائي فليختر ربا سواي» . # وقال علي بن أبي طالب كرم الله وجهه للأشعث بن قيس: إنك إن صبرت جرى عليك ~~القلم وأنت مأجور، وإن جزعت جرى عليك القلم وأنت مأزور. وقد ذكر ذلك أبو ~~تمام في شعره فقال: وقال علي في التعازي لأشعث وخاف عليه بعض تلك المآثم: # أتصبر للبلوى عزاء وخشية ... فتؤجر أو تسلو سلو البهائم # وقال شبيب بن شيبة للمهدي: إن أحق ما تصبر عليه ما لم تجد إلى دفعه ~~سبيلا. وأنشد: # ولئن تصبك ms234 مصيبة فاصبر لها ... عظمت مصيبة مبتل لا يصبر # وقال آخر: # تصبرت مغلوبا وإني لموجع ... كما صبر الظمآن في البلد القفر # وليس اصطباري عنك صبر استطاعة ... ولكنه صبر أمر من الصبر # والقسم الثالث: الصبر على ما فات إدراكه من رغبة مرجوة، وأعوز نيله من ~~مسرة مأمولة فإن الصبر عنها يعقب السلو منها، والأسف بعد # PageV01P288 # اليأس خرق. وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «من أعطي ~~فشكر، ومنع فصبر، وظلم فغفر، وظلم فاستغفر، فأولئك لهم الأمن وهم مهتدون» . ~~وقال بعض الحكماء: اجعل ما طلبته من الدنيا فلم تنله مثل ما لا يخطر ببالك ~~فلم تقله. وقال بعض الشعراء: # إذا ملك القضاء عليك أمرا ... فليس يحله غير القضاء # فما لك والمقام بدار ذل ... ودار العز واسعة الفضاء # وقال بعض الحكماء: إن كنت تجزع على ما فات من يدك فاجزع على ما لا يصل ~~إليك. فأخذه بعض الشعراء فقال: # لا تطل الحزن على فائت ... فقلما يجدي عليك الحزن # سيان محزون على فائت ... ومضمر حزنا لما لم يكن # والقسم الرابع: الصبر فيما يخشى حدوثه من رهبة يخافها، أو يحذر حلوله من ~~نكبة يخشاها فلا يتعجل هم ما لم يأت، فإن أكثر الهموم كاذبة وإن الأغلب من ~~الخوف مدفوع. وقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «بالصبر ~~يتوقع الفرج ومن يدمن قرع باب يلج» . وقال الحسن البصري - رحمه الله -: لا ~~تحملن على يومك هم غدك، فحسب كل يوم همه. # وأنشد الجاحظ لحارثة بن زيد: # إذا الهم أمسى وهو داء فأمضه ... ولست بممضيه وأنت تعاذله # ولا تنزلن أمر الشديدة بامرئ ... إذا هم أمرا عوقته عواذله # وقل للفؤاد إن تجد بك ثورة ... من الروع فافرح أكثر الهم باطله # والقسم الخامس: الصبر فيما يتوقعه من رغبة يرجوها، وينتظر من نعمة يأملها ~~فإنه إن أدهشه التوقع لها، وأذهله التطلع إليها انسدت عليه سبل المطالب ~~واستفزه تسويل المطامع فكان أبعد لرجائه وأعظم لبلائه. وإذا كان مع الرغبة ~~وقورا وعند الطلب صبورا انجلت عنه عماية الدهش وانجابت ms235 عنه حيرة الوله، ~~فأبصر رشده وعرف قصده. # وقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «الصبر ضياء» . يعني - ~~والله أعلم - أنه يكشف # PageV01P289 # ظلم الحيرة، ويوضح حقائق الأمور. وقال أكثم بن صيفي: من صبر ظفر. وقال ~~ابن المقفع: كان مكتوبا في قصر أزدشير: الصبر مفتاح الدرك. وقال بعض ~~الحكماء: بحسن التأني تسهل المطالب. وقال بعض البلغاء: من صبر نال المنى، ~~ومن شكر حصن النعمى. # وقال محمد بن بشير: # إن الأمور إذا سدت مطالبها ... فالصبر يفتق منها كل ما ارتتجا # لا تيأسن وإن طالت مطالبة ... إذا استعنت بصبر أن ترى فرجا # أخلق بذي الصبر أن يحظى بحاجته ... ومدمن القرع للأبواب أن يلجا # والقسم السادس: الصبر على ما نزل من مكروه أو حل من أمر مخوف. فبالصبر في ~~هذا تنفتح وجوه الآراء، وتستدفع مكائد الأعداء، فإن من قل صبره عزب رأيه، ~~واشتد جزعه، فصار صريع همومه، وفريسة غمومه. وقد قال الله تعالى: {واصبر ~~على ما أصابك إن ذلك من عزم الأمور} [لقمان: 17] . # وروي عن ابن عباس - رضي الله عنهما - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~أنه قال: «إن استطعت أن تعمل لله بالرضى في اليقين فافعل، وإن لم تستطع ~~فاصبر فإن في الصبر على ما تكره خيرا كثيرا» . # واعلم أن النصر مع الصبر، والفرج مع الكرب، واليسر مع العسر. وقال علي بن ~~أبي طالب - رضي الله عنه -: الصبر مستأصل الحدثان، والجزع من أعوان الزمان. ~~وقال بعض الحكماء: بمفتاح عزيمة الصبر تعالج مغاليق الأمور. وقال بعض ~~البلغاء: عند انسداد الفرج تبدو مطالع الفرج. # وروى ابن عباس - رضي الله عنهما - أن سليمان بن داود - عليهما السلام - ~~لما استكد شياطينه في البناء شكوا ذلك إلى إبليس، لعنه الله، فقال: ألستم ~~تذهبون فرغا وترجعون مشاغيل؟ قالوا: بلى. قال: ففي # PageV01P290 # ذلك راحة. فبلغ ذلك سليمان - على نبينا وعليه السلام - فشغلهم ذاهبين ~~وراجعين فشكوا ذلك إلى إبليس، لعنه الله، فقال: ألستم تستريحون بالليل؟ ~~قالوا: بلى. قال ففي هذا راحة لكم نصف دهركم. فبلغ ذلك سليمان - رضي الله ms236 ~~عنه - فشغلهم بالليل والنهار، فشكوا ذلك إلى إبليس، لعنه الله، فقال: الآن ~~جاءكم الفرج، فما لبث أن أصيب سليمان - عليه السلام - ميتا على عصاه. فإذا ~~كان هذا في نبي من أنبياء الله يعمل بأمره ويقف على حده فكيف بما جرت به ~~الأقدار من أيد عادية، وساقه القضاء من حوادث نازلة، هل تكون مع التناهي ~~إلا منقرضة وعند بلوغ الغاية إلا منحسرة؟ # وأنشد بعض الأدباء لعثمان بن عفان - رضي الله عنه -: # خليلي لا والله ما من ملمة ... تدوم على حي وإن هي جلت # فإن نزلت يوما فلا تخضعن لها ... ولا تكثر الشكوى إذا النعل زلت # فكم من كريم قد بلي بنوائب ... فصابرها حتى مضت واضمحلت # وكم غمرة هاجت بأمواج غمرة ... تلقيتها بالصبر حتى تجلت # وكانت على الأيام نفسي عزيزة ... فلما رأت صبري على الذل ذلت # فقلت لها: يا نفس موتي كريمة ... فقد كانت الدنيا لنا ثم ولت # ولتسهيل المصائب وتخفيف الشدائد أسباب إذا قارنت حزما، وصادفت عزما. هان ~~وقعها، وقل تأثيرها وضررها. فمنها: إشعار النفس بما تعلمه من نزول الفناء ~~وتقضي المسر وأن لها آجالا منصرمة ومددا منقضية، إذ ليس للدنيا حال تدوم ~~ولا لمخلوق فيها بقاء. # وروى ابن مسعود - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه ~~قال: «ما مثلي ومثل الدنيا إلا كمثل راكب مال إلى ظل شجرة في يوم صائف ثم ~~راح وتركها» . وسئل علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - عن الدنيا فقال: تغر ~~وتضر وتمر. وسأل بعض خلفاء بني العباس جليسا له عن الدنيا فقال: إذا أقبلت ~~أدبرت. وقال عمرو بن عبيد: الدنيا أمد # PageV01P291 # والآخرة أبد. وقال أنوشروان: إن أحببت أن لا تغتم فلا تقتن ما به تهتم. # فأخذه بعض الشعراء فقال: # ألم تر أن الدهر من سوء فعله ... يكدر ما أعطى ويسلب ما أسدى # فمن سره أن لا يرى ما يسوءه ... فلا يتخذ شيئا يخاف له فقدا # وأنشد بعض الحكماء: # لحكيمنا بقراط خير قضية ... ووصية تنفي الهموم الركدا # قال الهموم تكون من طبع ms237 الورى ... في لبث ما في طبعه أن ينفدا # فإذا اقتنيت من الزجاجة قابلا ... للكسر فانكسرت فلا تك مكمدا # وأنشدني بعض أهل العلم لسعيد بن مسلم: # إنما الدنيا هبات ... وعوار مسترده # شدة بعد رخاء ... ورخاء بعد شده # ولما قتل بزرجمهر وجد في جيب قميصه رقعة فيها مكتوب: إذا لم يكن جد ففيم ~~الكد، وإن لم يكن للأمر دوام ففيم السرور، وإذا لم يرد الله دوام ملك ففيم ~~الحيلة. وقال ابن الرومي: # رأيت حياة المرء رهنا بموته ... وصحته رهنا كذلك بالسقم # إذا طاب لي عيش تنغص طيبه ... بصدق يقيني أن سيذهب كالحلم # ومن كان في عيش يراعي زواله ... فذلك في بؤس وإن كان في نعم # ومنها: أن يتصور انجلاء الشدائد وانكشاف الهموم، وأنها تقدر بأوقات لا ~~تنصرم قبلها، ولا تستديم بعدها، فلا تقصر بجزع ولا تطول بصبر، وأن كل يوم ~~يمر بها يذهب منها بشطر ويأخذ منها بنصيب، حتى تنجلي وهو عنها غافل. # وحكي أن الرشيد حبس رجلا ثم سأل عنه بعد زمان، فقال للمتوكل به: قل له كل ~~يوم يمضي من نعمه يمضي من بؤسي مثله، والأمر قريب والحكم لله تعالى. فأخذ ~~هذا المعنى بعض الشعراء فقال: # PageV01P292 # لو أن ما أنتمو فيه يدوم لكم ... ظننت ما أنا فيه دائما أبدا # لكنني عالم أني وأنكم ... سنستجدي خلاف الحالتين غدا # وأنشد عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - حين حضرته الوفاة: # ألم تر أن ربك ليس تحصى ... أياديه الحديثة والقديمه # تسل عن الهموم فليس شيء ... يقوم ولا همومك بالمقيمه # لعل الله ينظر بعد هذا ... إليك بنظرة منه رحيمه # ومنها: أن يعلم أن في ما وقي من الرزايا، وكفي من الحوادث، ما هو أعظم من ~~رزيته وأشد من حادثته؛ ليعلم أنه ممنوح بحسن الدفاع. ولذلك قال النبي - صلى ~~الله عليه وسلم -: «إن لله تعالى في أثناء كل محنة منحة» . # وقيل للشعبي في نائبة كيف أصبحت؟ قال: بين نعمتين: خير منشور وشر مستور. ~~وقال بعض الشعراء: # لا تكره المكروه عند حوله ... إن العواقب لم تزل متباينه ms238 # كم نعمة لا تستقل بشكرها ... لله في طي المكاره كامنه # ومنها: أن يتأسى بذوي الغير، ويتسلى بأولي العبر. ويعلم أنهم الأكثرون ~~عددا والأسرعون مددا، فيستجد من سلوة الأسى وحسن العزا ما يخفف شجوه، ويقل ~~هلعه. وقال عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -: ألصقوا بذوي الغير تتسع ~~قلوبكم. # وعلى مثل ذلك كانت مراثي الشعراء. قال البحتري: # فلا عجب للأسد إن ظفرت بها ... كلاب الأعادي من فصيح وأعجمي # فحربة وحشي سقت حمزة الردى ... وموت علي من حسام ابن ملجم # وقال أبو نواس: # المرء بين مصائب لا تنقضي ... حتى يوارى جسمه في رمسه # فمؤجل يلقى الردى في أهله ... ومعجل يلقى الردى في نفسه # ومنها: أن يعلم أن النعم زائرة، وأنها لا محالة زائلة، وأن السرور # PageV01P293 # بها إذا أقبلت مشوب بالحذر من فراقها إذا أدبرت، وأنها لا تفرح بإقبالها ~~فرحا حتى تعقب بفراقها ترحا، فعلى قدر السرور يكون الحزن. وقد قيل في منثور ~~الحكم: المفروح به هو المحزون عليه. وقيل: من بلغ غاية ما يحب فليتوقع غاية ~~ما يكره. # وقال بعض الحكماء: من علم أن كل نائبة إلى انقضاء حسن عزاؤه عند نزول ~~البلاء. وقيل للحسن البصري - رحمه الله -: كيف ترى الدنيا؟ قال: شغلني توقع ~~بلائها عن الفرح برخائها. فأخذه أبو العتاهية فقال: # تزيده الأيام إن أقبلت ... شدة خوف لتصاريفها # كأنها في حال إسعافها ... تسمعه وقع تخويفها # ومنها: أن يعلم أن سروره مقرون بمساءة غيره، وكذلك حزنه مقرون بسرور ~~غيره. إذ كانت الدنيا تنقل من صاحب إلى صاحب، وتصل صاحبا بفراق صاحب. فتكون ~~سرورا لمن وصلته وحزنا لمن فارقته. وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: ~~«ما قرعت عصا على عصا إلا فرح لها قوم وحزن آخرون» . وقال البحتري: # متى أرت الدنيا نباهة خامل ... فلا ترتقب إلا خمول نبيه # وقال المتنبي: # بذا قضت الأيام ما بين أهلها ... مصائب قوم عند قوم فوائد # وأنشد بعض أهل الأدب: # ألا إنما الدنيا غضارة أيكة ... إذا اخضر منها جانب جف جانب # فلا تفرحن منها لشيء تفيده ... سيذهب يوما ms239 مثل ما أنت ذاهب # وما هذه الأيام إلا فجائع ... وما العيش واللذات إلا مصائب # ومنها: أن يعلم أن طوارق الإنسان من دلائل فضله، ومحنه من # PageV01P294 # شواهد نبله. ولذلك إحدى علتين: إما؛ لأن الكمال معوز والنقص لازم، فإذا ~~تواتر الفضل عليه صار النقص فيما سواه. وقد قيل: من زاد في عقله نقص من ~~رزقه. وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «ما انتقصت جارحة من ~~إنسان إلا كانت ذكاء في عقله» . وقال أبو العتاهية: # ما جاوز المرء من أطرافه طرفا ... إلا تخونه النقصان من طرف # وأنشدني بعض أهل الأدب، لإبراهيم بن هلال الكاتب: # إذا جمعت بين امرأين صناعة ... فأحببت أن تدري الذي هو أحذق # فلا تتفقد منهما غير ما جرت ... به لهما الأرزاق حين تفرق # فحيث يكون النقص فالرزق واسع ... وحيث يكون الفضل فالرزق ضيق # وإما؛ لأن ذا الفضل محسود، وبالأذى مقصود، فلا يسلم في بره من معاد ~~واشتطاط مناو. وقال الصنوبري: # محن الفتى يخبرن عن فضل الفتى ... كالنار مخبرة بفضل العنبر # وقلما تكون محنة فاضل إلا من جهة ناقص، وبلوى عالم إلا على يد جاهل. وذلك ~~لاستحكام العداوة بينهما بالمباينة، وحدوث الانتقام؛ لأجل التقدم. وقد قال ~~الشاعر: # فلا غرو أن يمنى عليم بجاهل ... فمن ذنب التنين تنكسف الشمس # ومنها: ما يعتاضه من الارتياض بنوائب عصره، ويستفيده من الحنكة ببلاء ~~دهره، فيصلب عوده ويستقيم عموده، ويكمل بأدنى شدته ورخائه، ويتعظ بحالتي ~~عفوه وبلائه. حكي عن ثعلب قال: دخلت على عبيد الله بن سليمان بن وهب وعليه ~~خلع الرضا بعد النكبة فلما مثلت بين يديه قال لي: يا أبا العباس اسمع ما ~~أقول: # نوائب الدهر أدبتني ... وإنما يوعظ الأديب # قد ذقت حلوا وذقت مرا ... كذاك عيش الفتى ضروب # لم يمض بؤس ولا نعيم ... إلا ولي فيهما نصيب # PageV01P295 # كذاك من صاحب الليالي ... تغدوه من درها الخطوب # فقلت: لمن هذه الأبيات؟ قال: لي. # ومنها: أن يختبر أمور زمانه، ويتنبه على صلاح شأنه، فلا يغتر برخاء، ولا ~~يطمع في استواء، ولا يؤمل أن ms240 تبقى الدنيا على حالة، أو تخلو من تقلب ~~واستحالة، فإن من عرف الدنيا وخبر أحوالها هان عليه بؤسها ونعيمها. # وأنشد بعض الأدباء: # إني رأيت عواقب الدنيا ... فتركت ما أهوى لما أخشى # فكرت في الدنيا وعالمها ... فإذا جميع أمورها تفنى # وبلوت أكثر أهلها فإذا ... كل امرئ في شأنه يسعى # أسنى منازلها وأرفعها ... في العز أقربها من المهوى # تعفو مساويها محاسنها ... لا فرق بين النعي والبشرى # ولقد مررت على القبور فما ... ميزت بين العبد والمولى # أتراك تدري كم رأيت من الأحياء ... ثم رأيتهم موتى # فإذا ظفر المصاب بأحد هذه الأسباب تخففت عنه أحزانه، وتسهلت عليه أشجانه، ~~فصار وشيك السلوة قليل الجزع حسن العزاء. وقال بعض الحكماء: من حاذر لم ~~يهلع، ومن راقب لم يجزع، ومن كان متوقعا لم يكن متوجعا. وقال بعض الشعراء: # ما يكون الأمر سهلا كله ... إنما الدنيا سرور وحزون # هون الأمر تعش في راحة ... قل ما هونت إلا سيهون # تطلب الراحة في دار الفنا ... ضل من يطلب شيئا لا يكون # فإن أغفل نفسه عن دواعي السلوة ومنعها من أسباب الصبر، تضاعف عليه من شدة ~~الأسى وهم الجزع ما لا يطيق عليه صبرا ولا يجد عنه سلوا. وقال ابن الرومي: # إن البلاء يطاق غير مضاعف ... فإذا تضاعف صار غير مطاق # PageV01P296 # فإذا ساعده جزعه بالأسباب الباعثة عليه، وأمده هلعه بالذرائع الداعية ~~إليه، فقد سعى في حتفه وأعان على تلفه. # فمن أسباب ذلك: تذكر المصاب حتى لا يتناساه، وتصوره حتى لا يعزب عنه، ولا ~~يجد من التذكار سلوة، ولا يخلط مع التصور تعزية. وقد قال عمر بن الخطاب - ~~رضي الله عنه -: لا تستفزوا الدموع بالتذكر. وقال الشاعر: # ولا يبعث الأحزان مثل التذكر # ومنها: الأسف وشدة الحسرة فلا يرى من مصابه خلفا، ولا يجد لمفقوده بدلا، ~~فيزداد بالأسف ولها، وبالحسرة هلعا. ولذلك قال الله تعالى: {لكيلا تأسوا ~~على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم} [الحديد: 23] . # وقال بعض الشعراء: # إذا بليت فثق بالله وارض به ... إن الذي يكشف البلوى هو الله # إذا قضى الله ms241 فاستسلم لقدرته ... ما لامرئ حيلة فيما قضى الله # اليأس يقطع أحيانا بصاحبه ... لا تيأسن فإن الصانع الله # ومنها: كثرة الشكوى وبث الجزع. فقد قيل في قوله تعالى: {فاصبر صبرا ~~جميلا} [المعارج: 5] . # إنه الصبر الذي لا شكوى فيه ولا بث. روى أنس بن مالك أن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - قال: «ما صبر من بث» . وحكى كعب الأحبار أنه مكتوب في التوراة: ~~من أصابته مصيبة فشكا إلى الناس فإنما يشكو ربه. وحكي أن أعرابية دخلت من ~~البادية فسمعت صراخا في دار فقالت: ما هذا؟ فقيل لها: مات لهم إنسان. ~~فقالت: ما أراهم إلا من ربهم يستغيثون، وبقضائه يتبرمون، وعن ثوابه يرغبون. # وقد قيل في منثور الحكم: من ضاق قلبه اتسع لسانه. وأنشد بعض أهل العلم: # PageV01P297 # لا تكثر الشكوى إلى الصديق ... وارجع إلى الخالق لا المخلوق # لا يخرج الغريق بالغريق # وقال بعض الشعراء: # لا تشك دهرك ما صححت به ... إن الغنى هو صحة الجسم # هبك الخليفة كنت منتفعا ... بغضارة الدنيا مع السقم # ومنها: اليأس من خير مصابه، ودرك طلابه، فيقترن بحزن الحادثة قنوط الإياس ~~فلا يبقى معها صبر، ولا يتسع لها صدر. وقد قيل: المصيبة بالصبر أعظم ~~المصيبتين. وقال ابن الرومي: # اصبري أيتها النفس ... فإن الصبر أحجى # ربما خاب رجاء ... وأتى ما ليس يرجى # وأنشدني بعض أهل العلم: # أتحسب أن البؤس للحر دائم ... ولو دام شيء عده الناس في العجب # لقد عرفتك الحادثات ببؤسها ... وقد أدبت إن كان ينفعك الأدب # ولو طلب الإنسان من صرف دهره ... دوام الذي يخشى لأعياه ما طلب # ومنها: أن يعرى بملاحظة من حيطت سلامته وحرست نعمته حتى التحف بالأمن ~~والدعة، واستمتع بالثروة والسعة. ويرى أنه قد خص من بينهم بالرزية بعد أن ~~كان مساويا، وأفرد بالحادثة بعد أن كان مكافيا، فلا يستطيع صبرا على بلوى، ~~ولا يلزم شكرا على نعمى. ولو قابل بهذه النظرة ملاحظة من شاركه في الرزية ~~وساواه في الحادثة لتكافأ الأمران فهان عليه الصبر وحان منه الفرج. # وأنشدت لامرأة من العرب: # أيها الإنسان صبرا ms242 ... إن بعد العسر يسرا # كم رأينا اليوم حرا ... لم يك بالأمس حرا # PageV01P298 # ملك الصبر فأضحى ... مالكا خيرا وشرا # اشرب الصبر وإن كان ... من الصبر أمرا # وأنشدت لبعض أهل الأدب: # يراع الفتى للخطب تبدو صدوره ... فيأسى وفي عقباه يأتي سروره # ألم تر أن الليل لما تراكمت ... دجاه بدا وجه الصباح ونوره # فلا تصحبن اليأس إن كنت عالما ... لبيبا فإن الدهر شتى أموره # واعلم أنه قل من صبر على حادثة وتماسك في نكبة إلا أن انكشافها وشيكا، ~~وكان الفرج منه قريبا. أخبرني بعض أهل الأدب أن أبا أيوب الكاتب حبس في ~~السجن خمس عشرة سنة حتى ضاقت حيلته وقل صبره فكتب إلى بعض إخوانه يشكو له ~~طول حبسه، فرد عليه جواب رقعته بهذا: # صبرا أبا أيوب صبر مبرح ... فإذا عجزت عن الخطوب فمن لها # إن الذي عقد الذي انعقدت له ... عقد المكاره فيك يملك حلها # صبرا فإن الصبر يعقب راحة ... ولعلها أن تنجلي ولعلها # فأجابه أبو أيوب يقول: # صبرتني ووعظتني وأنا لها ... وستنجلي بل لا أقول لعلها # ويحلها من كان صاحب عقدها ... كرما به إذ كان يملك حلها # فلم يلبث بعد ذلك في السجن إلا أياما حتى أطلق مكرما. # وأنشد ابن دريد عن أبي حاتم: # إذا اشتملت على اليأس القلوب ... وضاق لما به الصدر الرحيب # وأوطنت المكاره واطمأنت ... وأرست في مكانتها الخطوب # ولم تر لانكشاف الضر وجها ... ولا أغنى بحيلته الأريب # أتاك على قنوط منك غوث ... يمن به اللطيف المستجيب # وكل الحادثات إذا تناهت ... فموصول بها الفرج القريب # PageV01P299 ### | [الفصل الثالث في المشورة] # اعلم أن من الحزم لكل ذي لب أن لا يبرم أمرا ولا يمضي عزما إلا بمشورة ذي ~~الرأي الناصح، ومطالعة ذي العقل الراجح. فإن الله تعالى أمر بالمشورة نبيه ~~- صلى الله عليه وسلم - مع ما تكفل به من إرشاده، ووعد به من تأييده، فقال ~~تعالى: {وشاورهم في الأمر} [آل عمران: 159] . # قال قتادة: أمره بمشاورتهم تألفا لهم وتطييبا لأنفسهم. # وقال الضحاك: أمره بمشاورتهم لما علم فيها من الفضل. وقال الحسن البصري ms243 - ~~رحمه الله تعالى -: أمره بمشاورتهم ليستن به المسلمون ويتبعه فيها المؤمنون ~~وإن كان عن مشورتهم غنيا. وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: ~~«المشورة حصن من الندامة، وأمان من الملامة» . # وقال علي بن أبي طالب - رضي الله عنه -: نعم المؤازرة المشاورة وبئس ~~الاستعداد الاستبداد. وقال عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -: الرجال ثلاثة: ~~رجل ترد عليه الأمور فيسددها برأيه، ورجل يشاور فيما أشكل عليه وينزل حيث ~~يأمره أهل الرأي، ورجل حائر بأمره لا يأتمر رشدا ولا يطيع مرشدا. وقال عمر ~~بن عبد العزيز: إن المشورة والمناظرة بابا رحمة ومفتاحا بركة لا يضل معهما ~~رأي ولا يفقد معهما حزم. # وقال سيف بن ذي يزن: من أعجب برأيه لم يشاور، ومن استبد برأيه كان من ~~الصواب بعيدا. وقال عبد الحميد: المشاور في رأيه ناظر من ورائه. وقيل في ~~منثور الحكم: المشاورة راحة لك وتعب على غيرك. وقال بعض الحكماء: الاستشارة ~~عين الهداية وقد خاطر من استغنى برأيه. وقال بعض الأدباء: ما خاب من ~~استخار، ولا ندم من استشار. # وقال بعض البلغاء: من حق العاقل أن يضيف إلى رأيه آراء العقلاء، ويجمع ~~إلى عقله عقول الحكماء، فالرأي الفذ ربما زل والعقل الفرد ربما ضل. وقال ~~بشار بن برد: # إذا بلغ الرأي المشورة فاستعن ... برأي نصيح أو نصيحة حازم # ولا تجعل الشورى عليك غضاضة ... فإن الخوافي قوة للقوادم # PageV01P300 # فإذا عزم على المشاورة ارتاد لها من أهلها من قد استكملت فيه خمس خصال: ~~إحداهن: عقل كامل مع تجربة سالفة فإن بكثرة التجارب تصح الروية. وقد روى ~~أبو الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه ~~قال: «استرشدوا العاقل ترشدوا ولا تعصوه فتندموا» . # وقال عبد الله بن الحسن لابنه محمد: احذر مشورة الجاهل وإن كان ناصحا كما ~~تحذر عداوة العاقل إذا كان عدوا فإنه يوشك أن يورطك بمشورته فيسبق إليك مكر ~~العاقل وتوريط الجاهل. وقيل لرجل من عبس: ما أكثر صوابكم؟ قال: نحن ألف رجل ~~وفينا حازم ونحن نطيعه ms244 فكأنا ألف حازم. # وكان يقال: إياك ومشاورة رجلين: شاب معجب بنفسه قليل التجارب في غيره، أو ~~كبير قد أخذ الدهر من عقله كما أخذ من جسمه. وقيل في منثور الحكم: كل شيء ~~يحتاج إلى العقل، والعقل يحتاج إلى التجارب. ولذلك قيل: الأيام تهتك لك عن ~~الأستار الكامنة. وقال بعض الحكماء: التجارب ليس لها غاية، والعاقل منها في ~~زيادة. وقال بعض الحكماء: من استعان بذوي العقول فاز بدرك المأمول. # وقال أبو الأسود الدؤلي: # وما كل ذي نصح بمؤتيك نصحه ... ولا كل مؤت نصحه بلبيب # ولكن إذا ما استجمعا عند صاحب ... فحق له من طاعة بنصيب # والخصلة الثانية: أن يكون ذا دين وتقى، فإن ذلك عماد كل صلاح وباب كل ~~نجاح. ومن غلب عليه الدين فهو مأمون السريرة موفق العزيمة. روى عكرمة عن ~~ابن عباس - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «من ~~أراد أمرا فشاور فيه امرأ مسلما وفقه الله لأرشد أموره» . # والخصلة الثالثة: أن يكون ناصحا ودودا، فإن النصح والمودة يصدقان الفكرة ~~ويمحضان الرأي. وقال بعض الحكماء: لا تشاور إلا الحازم غير الحسود، واللبيب ~~غير الحقود، وإياك ومشاورة النساء فإن رأيهن إلى الأفن، وعزمهن إلى # PageV01P301 # الوهن. وقال بعض الأدباء: مشورة المشفق الحازم ظفر، ومشورة غير الحازم ~~خطر. # وقال بعض الشعراء: # أصف ضميرا لمن تعاشره ... واسكن إلى ناصح تشاوره # وارض من المرء في مودته ... بما يؤدي إليك ظاهره # من يكشف الناس لا يجد أحدا ... تصح منهم له سرائره # أوشك أن لا يدوم وصل أخ ... في كل زلاته تنافره # والخصلة الرابعة: أن يكون سليم الفكر من هم قاطع، وغم شاغل، فإن من عارضت ~~فكره شوائب الهموم لا يسلم له رأي ولا يستقيم له خاطر. وقد قيل في منثور ~~الحكم: كل شيء يحتاج إلى العقل والعقل يحتاج إلى التجارب. وكان كسرى إذا ~~دهمه أمر بعث إلى مرازبته فاستشارهم فإن قصروا في الرأي ضرب قهارمته وقال: ~~أبطأتم بأرزاقهم فأخطئوا في آرائهم. وقال صالح بن عبد القدوس: # ولا مشير كذي نصح ms245 ومقدرة ... في مشكل الأمر فاختر ذاك منتصحا # والخصلة الخامسة: أن لا يكون له في الأمر المستشار غرض يتابعه، ولا هوى ~~يساعده، فإن الأغراض جاذبة والهوى صاد، والرأي إذا عارضه الهوى وجاذبته ~~الأغراض فسد. وقد قال الفضل بن العباس بن عتبة بن أبي لهب: # وقد يحكم الأيام من كان جاهلا ... ويردي الهوى ذا الرأي وهو لبيب # ويحمد في الأمر الفتى وهو مخطئ ... ويعذل في الإحسان وهو مصيب # فإذا استكملت هذه الخصال الخمس في رجل كان أهلا للمشورة ومعدنا للرأي، ~~فلا تعدل عن استشارته اعتمادا على ما تتوهمه من فضل رأيك، وثقة بما تستشعره ~~من صحة رويتك، فإن رأي غير ذي الحاجة أسلم، وهو من الصواب أقرب، لخلوص ~~الفكر وخلو الخاطر مع عدم الهوى وارتفاع الشهوة. # وقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «رأس العقل بعد ~~الإيمان بالله التودد إلى الناس، وما استغنى مستبد # PageV01P302 # برأيه، وما هلك أحد عن مشورة، فإذا أراد الله بعبد هلكة كان أول ما يهلكه ~~رأيه» . وقال علي بن أبي طالب - رضي الله عنه -: الاستشارة عين الهداية وقد ~~خاطر من استغنى برأيه. وقال لقمان الحكيم لابنه: شاور من جرب الأمور فإنه ~~يعطيك من رأيه ما قام عليه بالغلاء وأنت تأخذه مجانا. # وقال بعض الحكماء: نصف رأيك مع أخيك فشاوره ليكمل لك الرأي. وقال بعض ~~الأدباء: من استغنى برأيه ضل، ومن اكتفى بعقله زل. وقال بعض البلغاء: الخطأ ~~مع الاسترشاد أحمد من الصواب مع الاستبداد. وقال الشاعر: # خليلي ليس الرأي في صدر واحد ... أشيرا علي بالذي تريان # ولا ينبغي أن يتصور في نفسه أنه إن شاور في أمره ظهر للناس ضعف رأيه، ~~وفساد رويته، حتى افتقر إلى رأي غيره. فإن هذه معاذير النوكى وليس يراد ~~الرأي للمباهاة به وإنما يراد للانتفاع بنتيجته والتحرز من الخطأ عند زلله. ~~وكيف يكون عارا ما أدى إلى صواب وصد عن خطأ. # وقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «لقحوا عقولكم ~~بالمذاكرة، واستعينوا على أموركم بالمشاورة» . وقال بعض ms246 الحكماء: من كمال ~~عقلك استظهارك على عقلك. وقال بعض البلغاء: إذا أشكلت عليك الأمور وتغير لك ~~الجمهور فارجع إلى رأي العقلاء، وافزع إلى استشارة العلماء، ولا تأنف من ~~الاسترشاد، ولا تستنكف من الاستمداد. فلأن تسأل وتسلم خير لك من أن تستبد ~~وتندم. وينبغي أن تكثر من استشارة ذوي الألباب لا سيما في الأمر الجليل ~~فقلما يضل عن الجماعة رأي، أو يذهب عنهم صواب، لإرسال الخواطر الثاقبة ~~وإجالة الأفكار الصادقة فلا يعزب عنها ممكن ولا يخفى عليها جائز. # وقد قيل في منثور الحكم: من أكثر المشورة لم يعدم عند الصواب مادحا، وعند ~~الخطأ عاذرا، وإن كان الخطأ من الجماعة بعيدا. فإذا استشار الجماعة فقد ~~اختلف أهل الرأي في اجتماعهم عليه وانفراد كل واحد منهم به. # فمذهب الفرس أن الأولى اجتماعهم على الارتياء وإجالة الفكر ليذكر كل واحد ~~منهم ما قدحه خاطره، وأنتجه فكره # PageV01P303 # حتى إذا كان فيه قدح عورض، أو توجه عليه رد نوقض، كالجدل الذي تكون فيه ~~المناظرة، وتقع فيه المنازعة والمشاجرة، فإنه لا يبقى فيه مع اجتماع ~~القرائح عليه خلل إلا ظهر، ولا زلل إلا بان. وذهب غيرهم من أصناف الأمم إلى ~~أن الأولى استسرار كل واحد بالمشورة ليجيل كل واحد منهم فكره في الرأي طمعا ~~في الحظوة بالصواب، فإن القرائح إذا انفردت استكدها الفكر واستفرغها ~~الاجتهاد، وإذا اجتمعت فوضت وكان الأول من بدائها متبوعا. ولكل واحد من ~~المذهبين وجه، ووجه الثاني أظهر. # والذي أراه في الأولى غير هذين المذهبين على الإطلاق، ولكن ينظر في ~~الشورى فإن كانت في حال واحدة هل هي صواب أم خطأ كان اجتماعهم عليها أولى؛ ~~لأن ما تردد بين أمرين فالمراد منه الاعتراض على فساده، أو ظهور الحجة في ~~صلاحه. وهذا مع الاجتماع أبلغ، وعند المناظرة أوضح، وإن كانت الشورى في خطب ~~قد استبهم صوابه، واستعجم جوابه، من أمور خافية وأحوال غامضة لم يحصرها عدد ~~ولم يجمعها تقسيم ولا عرف لها جواب يكشف عن خطئه وصوابه. فالأولى في مثله ~~انفراد كل واحد بفكره، وخلوه ms247 بخاطره، ليجتهد في الجواب ثم يقع الكشف عنه ~~أخطأ هو أم صواب، فيكون الاجتهاد في الجواب منفردا والكشف عن الصواب ~~مجتمعا؛ لأن الانفراد في الاجتهاد أصح، والاجتماع على المناظرة أبلغ، ~~فهكذا. # هذا وينبغي أن يسلم أهل الشورى من حسد أو تنافس، فيمنعهم من تسليم الصواب ~~لصاحبه. ثم يعرض المستشير ذلك على نفسه مع مشاركتهم في الارتياء والاجتهاد ~~فإذا تصفح أقاويل جميعهم كشف عن أصولها وأسبابها، وبحث عن نتائجها ~~وعواقبها، حتى لا يكون في الأمر مقلدا ولا في الرأي مفوضا، فإنه يستفيد ~~بذلك مع ارتياضه بالاجتهاد ثلاث خصال: # إحداهن: معرفة عقله وصحة رويته. # والثانية: معرفة عقل صاحبه وصواب رأيه. # والثالثة: وضوح ما استعجم من الرأي وافتتاح ما أغلق من الصواب. فإذا تقرر ~~له الرأي أمضاه فلم يؤاخذهم بعواقب الإكداء فيه، فإن ما على الناصح ~~الاجتهاد، وليس عليه ضمان النجح لا سيما والمقادير غالبة. ومتى عرف منه ~~تعقب المشير وكل إلى رأيه، وأسلم إلى نفسه، فصار فردا لا يعان برأي ولا # PageV01P304 # يمد بمشورة. # وقد قالت الفرس في حكمها: أضعف الحيلة خير من أقوى الشدة. وأقل التأني ~~خير من أكثر العجلة، والدولة رسول القضاء المبرم. # وإذا استبد الملك برأيه عميت عليه المراشد. وإذا ظفر برأي من خامل لا ~~يراه للرأي أهلا ولا للمشورة مستوجبا اغتنمه عفوا فإن الرأي كالضالة تؤخذ ~~أين وجدت، ولا يهون لمهانة صاحبه فيطرح، فإن الدرة لا يضعها مهانة غائصها، ~~والضالة لا تترك لذلة واجدها. وليس يراد الرأي لمكان المشير به فيراعى قدره ~~وإنما يراد لانتفاع المستشير. # وأنشد أبو العيناء عن الأصمعي: # النصح أرخص ما باع الرجال فلا ... تردد على ناصح نصحا ولا تلم # إن النصائح لا تخفى مناهجها ... على الرجال ذوي الألباب والفهم # ثم لا وجه لمن تقرر له رأي أن يني في إمضائه، فإن الزمان غادر والفرص ~~منتهزة والثقة عجز. وقيل لملك زال عنه ملكه: ما الذي سلبك ملكك؟ قال: ~~تأخيري عمل اليوم لغد. وقال الشاعر: # إذا كنت ذا رأي فكن ذا عزيمة ... ولا تك بالترداد للرأي مفسدا ms248 # فإني رأيت الريب في العزم هجنة ... وإنفاذ ذي الرأي العزيمة أرشدا # وينبغي لمن أنزل منزلة المستشار وأحل محل الناصح المواد حتى صار مأمول ~~النجح، مرجو الصواب، أن يؤدي حق هذه النعمة بإخلاص السريرة، ويكافئ على ~~الاستسلام ببذل النصح. فقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: ~~«إن من حق المسلم على المسلم إذا استنصحه أن ينصحه» . وربما أبطرته ~~المشاورة فأعجب برأيه فاحذره في المشاورة فليس للمعجب رأي صحيح ولا روية ~~سليمة، وربما شح في الرأي لعداوة أو حسد فورى أو مكر فاحذر العدو ولا تثق ~~بحسود. # ولا عذر لمن استشاره عدو أو صديق أن يكتم رأيا وقد استرشد ولا أن يخون ~~وقد اؤتمن. روى محمد بن المنكدر عن عائشة - رضي الله عنها - أن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - قال: «المستشير والمستشار مؤتمن» . وقال سليمان بن دريد: # PageV01P305 # وأجب أخاك إذا استشارك ناصحا ... وعلى أخيك نصيحة لا تردد # ولا ينبغي أن يشير قبل أن يستشار إلا فيما مس، ولا أن يتبرع بالرأي إلا ~~فيما لزم، فإنه لا ينفك من أن يكون رأيه متهما أو مطرحا، وفي أي هذين كان ~~وصمة. # وإنما يكون الرأي مقبولا إذا كان عن رغبة وطلب، أو كان لباعث وسبب. روى ~~أبو بلال العجلي، عن حذيفة بن اليمان، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه ~~قال: «قال لقمان لابنه: يا بني إذا استشهدت فاشهد، وإذا استعنت فأعن، وإذا ~~استشرت فلا تعجل حتى تنظر» . وقال بيهس الكلابي: # من الناس من إن يستشرك فتجتهد ... له الرأي يستغششك ما لا تبايعه # فلا تمنحن الرأي من ليس أهله ... فلا أنت محمود ولا الرأي نافعه ### | [الفصل الرابع في كتمان السر] # كتمان السر الفصل الرابع في كتمان السر: اعلم أن كتمان الأسرار من أقوى ~~أسباب النجاح، وأدوم لأحوال الصلاح. روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~أنه قال: «استعينوا على الحاجات بالكتمان فإن كل ذي نعمة محسود» . وقال علي ~~بن أبي طالب كرم الله وجهه: سرك أسيرك فإن تكلمت به صرت أسيره. وقال ms249 بعض ~~الحكماء لابنه: يا بني كن جوادا بالمال في موضع الحق، ضنينا بالأسرار عن ~~جميع الخلق. فإن أحمد جود المرء الإنفاق في وجه البر، والبخل بمكتوم السر. # وقال بعض الأدباء: من كتم سره كان الخيار إليه، ومن أفشاه كان الخيار ~~عليه. وقال بعض البلغاء: ما أسرك ما كتمت سرك. وقال بعض الفصحاء: ما لم ~~تغيبه # PageV01P306 # الأضالع فهو مكشوف ضائع. وقال بعض الشعراء، وهو أنس بن أسيد: # ولا تفش سرك إلا إليك ... فإن لكل نصيح نصيحا # فإني رأيت وشاة الرجال ... لا يتركون أديما صحيحا # وكم من إظهار سر أراق دم صاحبه، ومنع من نيل مطالبه، ولو كتمه كان من ~~سطوته آمنا، وفي عواقبه سالما، ولنجاح حوائجه راجيا. # وقال أنوشروان: من حصن سره فله بتحصينه خصلتان: الظفر بحاجته، والسلامة ~~من السطوات. وإظهار الرجل سر غيره أقبح من إظهاره سر نفسه؛ لأنه يبوء بإحدى ~~وصمتين: الخيانة إن كان مؤتمنا، أو النميمة إن كان مستودعا. فأما الضرر ~~فربما استويا فيه وتفاضلا. وكلاهما مذموم، وهو فيهما ملوم. وفي الاسترسال ~~بإبداء السر دلائل على ثلاثة أحوال مذمومة: إحداها: ضيق الصدر، وقلة الصبر، ~~حتى أنه لم يتسع لسر، ولم يقدر على صبر. # وقال الشاعر: # إذا المرء أفشى سره بلسانه ... ولام عليه غيره فهو أحمق # إذا ضاق صدر المرء عن سر نفسه ... فصدر الذي يستودع السر أضيق # والثانية: الغفلة عن تحذر العقلاء، والسهو عن يقظة الأذكياء. وقد قال بعض ~~الحكماء: انفرد بسرك ولا تودعه حازما فيزل، ولا جاهلا فيخون. والثالثة: ما ~~ارتكبه من الغدر، واستعمله من الخطر. وقال بعض الحكماء: سرك من دمك فإذا ~~تكلمت به فقد أرقته. # واعلم أن من الأسرار ما لا يستغنى فيه عن مطالعة صديق مساهم، واستشارة ~~ناصح مسالم. فليختر العاقل لسره أمينا إن لم يجد إلى كتمه سبيلا، وليتحر في ~~اختيار من يأتمنه عليه ويستودعه إياه. فليس كل من كان على الأموال أمينا ~~كان على الأسرار مؤتمنا. والعفة عن الأموال أيسر من العفة عن إذاعة ~~الأسرار؛ لأن الإنسان قد يذيع سر نفسه ببادرة ms250 لسانه، وسقط كلامه، ويشح ~~باليسير من ماله، حفظا له وضنا به، ولا يرى ما أذاع من سره كبيرا في جنب ما ~~حفظه من يسير ماله مع عظم الضرر الداخل # PageV01P307 # عليه. فمن أجل ذلك كان أمناء الأسرار أشد تعذرا وأقل وجودا من أمناء ~~الأموال. وكان حفظ المال أيسر من كتم الأسرار؛ لأن إحراز الأموال منيعة ~~وإحراز الأسرار بارزة يذيعها لسان ناطق، ويشيعها كلام سابق. وقال عمر بن ~~عبد العزيز - رضي الله عنه -: القلوب أوعية الأسرار، والشفاء أقفالها ~~والألسن مفاتيحها، فليحفظ كل امرئ مفتاح سره. # ومن صفات أمين السر أن يكون ذا عقل صاد، ودين حاجز، ونصح مبذول، وود ~~موفور، وكتوما بالطبع. فإن هذه الأمور تمنع من الإذاعة، وتوجب حفظ الأمانة، ~~فمن كملت فيه فهو عنقاء مغرب. # وقيل في منثور الحكم: قلوب العقلاء حصون الأسرار. وليحذر صاحب السر أن ~~يودع سره من يتطلع إليه، ويؤثر الوقوف عليه، فإن طالب الوديعة خائن. # وقيل في منثور الحكم: لا تنكح خاطب سرك. وقال صالح بن عبد القدوس: # لا تدع سرا إلى طالبه ... منك فالطالب للسر مذيع # وليحذر كثرة المستودعين لسره فإن كثرتهم سبب الإذاعة، وطريق إلى الإشاعة؛ ~~لأمرين: # أحدهما أن اجتماع هذه الشروط في العدد الكثير معوز، ولا بد إذا كثروا من ~~أن يكون فيهم من أخل ببعضها. والثاني: أن كل واحد منهم يجد سبيلا إلى نفي ~~الإذاعة عن نفسه، وإحالة ذلك على غيره، فلا يضاف إليه ذنب، ولا يتوجه عليه ~~عتب. وقد قال بعض الحكماء: كلما كثرت خزان الأسرار ازدادت ضياعا. وقال بعض ~~الشعراء: # وسرك ما كان عند امرئ ... وسر الثلاثة غير الخفي # وقال آخر: # فلا تنطق بسرك كل سر ... إذا ما جاوز الاثنين فاشي # ثم لو سلم من إذاعتهم لم يسلم من إدلالهم واستطالتهم، فإن لمن # PageV01P308 # ظفر بسر من فرط الإدلال وكثرة الاستطالة، ما إن لم يحجزه عنه عقل ولم ~~يكفه عنه فضل، كان أشد من ذل الرق وخضوع العبد. وقد قال بعض الحكماء: من ~~أفشى سره كثر عليه المتأمرون. فإذا اختار وأرجو ms251 أن يوفق للاختيار، واضطر ~~إلى استيداع سره وليته كفي الاضطرار، وجب على المستودع له أداء الأمانة فيه ~~بالتحفظ والتناسي له حتى لا يخطر له ببال ولا يدور له في خلد. ثم يرى ذلك ~~حرمة يرعاها ولا يدل إدلال اللئام. # وحكي أن رجلا أسر إلى صديق له حديثا ثم قال: أفهمت؟ قال: بل جهلت. قال: ~~أحفظت؟ قال: بل نسيت. وقيل لرجل: كيف كتمانك للسر؟ قال: أجحد الخبر وأحلف ~~للمستخبر. # وقال بعض الشعراء: # ولو قدرت على نسيان ما اشتملت ... مني الضلوع على الأسرار والخبر # لكنت أول من ينسى سرائره ... إذا كنت من نشرها يوما على خطر # وحكي أن عبد الله بن طاهر تذاكر الناس في مجلسه حفظ السر فقال ابنه: # ومستودعي سرا تضمنت سره ... فأودعته من مستقر الحشى قبرا # ولكنني أخفيه عني كأنني ... من الدهر يوما ما أحطت به خبرا # وما السر في قلبي كميت بحفرة ... لأني أرى المدفون ينتظر النشرا ### | [الفصل الخامس في المزاح والضحك] # المزاح والضحك الفصل الخامس في المزاح والضحك: اعلم أن للمزاح إزاحة عن ~~الحقوق، ومخرجا إلى القطيعة والعقوق، يصم المازح ويؤذي الممازح. فوصمة ~~المازح أن يذهب عنه الهيبة والبهاء، ويجري عليه الغوغاء والسفهاء. # وأما أذية الممازح فلأنه معقوق بقول كريه وفعل ممض إن أمسك عنه أحزن ~~قلبه، وإن قابل عليه جانب أدبه. فحق على العاقل أن يتقيه وينزه نفسه عن ~~وصمة مساوئه. # وقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه # PageV01P309 # قال: «المزاح استدراج من الشيطان واختداع من الهوى» . وقال عمر بن عبد ~~العزيز: اتقوا المزاح فإنها حمقة تورث ضغينة. وقال بعض الحكماء: إنما ~~المزاح سباب إلا أن صاحبه يضحك. # وقيل: إنما سمي المزاح مزاحا لأنه يزيح عن الحق. # وقال إبراهيم النخعي: المزاح من سخف أو بطر. وقيل في منثور الحكم: المزاح ~~يأكل الهيبة كما تأكل النار الحطب. وقال بعض الحكماء: من كثر مزاحه زالت ~~هيبته، ومن ذكر خلافه طابت غيبته. وقال بعض البلغاء: من قل عقله كثر هزله. ~~وذكر خالد بن صفوان المزاح فقال: يصك أحدكم ms252 صاحبه بأشد من الجندل، وينشقه ~~أحرق من الخردل، ويفرغ عليه أحر من المرجل، ثم يقول: إنما كنت أمازحك. وقال ~~بعض الحكماء: خير المزاح لا ينال، وشره لا يقال. فنظمه النيسابوري في ~~قصيدته الجامعة للآداب فقال وزاد: # شر مزاح المرء لا يقال ... وخيره يا صاح لا ينال # وقد يقال كثرة المزاح ... من الفتى تدعو إلى التلاح # إن المزاح بدؤه حلاوه ... لكنما آخره عداوه # يحتد منه الرجل الشريف ... ويجتري بسخفه السخيف # وقال أبو نواس: # خل جنبيك لرام ... وامض عنه بسلام # مت بداء الصمت خير ... لك من داء الكلام # إنما السالم من ألجم ... فاه بلجام # ربما استفتح بالمزح ... مغاليق الحمام # والمنايا آكلات ... شاربات للأنام # واعلم أنه قلما يعرى من المزاح من كان سهلا فالعاقل يتوخى بمزاحه إحدى ~~حالتين لا ثالث لهما: إحداهما: إيناس المصاحبين والتودد إلى المخالطين. ~~وهذا يكون بما أنس من جميل القول، وبسط من مستحسن الفعل. # وقد قال سعيد بن العاص لابنه: اقتصد في مزاحك فإن الإفراط فيه # PageV01P310 # يذهب البهاء، ويجرئ عليك السفهاء، وإن التقصير فيه يفض عنك المؤانسين، ~~ويوحش منك المصاحبين. والحالة الثانية: أن ينفي بالمزاح ما طرأ عليه من ~~سأم، وأحدث به من هم. فقد قيل: لا بد للمصدور أن ينفث. وأنشدت لأبي الفتح ~~البستي: # أفد طبعك المكدود بالجد راحة ... يجم وعلله بشيء من المزح # ولكن إذا أعطيته المزح فليكن ... بمقدار ما تعطي الطعام من الملح # وقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يمزح على هذا الوجه. روي عنه - صلى ~~الله عليه وسلم - أنه قال: «إني لأمزح ولا أقول إلا حقا» . فمن مزاحه - صلى ~~الله عليه وسلم - ما روي «أن عجوزا من الأنصار أتته فقالت: يا رسول الله ~~أدع لي بالمغفرة. فقال: أما علمت أن الجنة لا يدخلها العجائز، فصرخت. فتبسم ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقال: أما قرأت قول الله عز وجل: {إنا ~~أنشأناهن إنشاء} [الواقعة: 35] {فجعلناهن أبكارا} [الواقعة: 36] {عربا ~~أترابا} [الواقعة: 37] » . # «وأتته أخرى في حاجة لزوجها فقال لها: ومن زوجك؟ فقالت: فلان. فقال لها: ~~الذي في ms253 عينه بياض؟ فقالت: لا. فقال: بلى. فانصرفت عجلى إلى زوجها وجعلت ~~تتأمل عينيه فقال لها: ما شأنك؟ فقالت: أخبرني رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - أن في عينيك بياضا. فقال: أما ترين بياض عيني أكثر من سوادها» . ~~وأتى رجل علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - فقال: إني احتلمت على أمي. ~~فقال: أقيموه في الشمس واضربوا ظله الحد. # وسئل الشعبي عن أكل لحم الشيطان فقال: نحن نرضى منه بالكفاف. وقيل له: ما ~~اسم امرأة إبليس - لعنه الله -؟ فقال: ذاك نكاح ما شهدناه. وقال رجل لغلام: ~~بكم تعمل معي؟ قال: بطعامي. فقال له: أحسن قليلا. قال: فأصوم الاثنين ~~والخميس. # وحكي عن أبي صالح بن حسان، وكان محدثا، أنه قال يوما لأصحابه: أفقه الناس ~~وضاح اليمن في قوله: # PageV01P311 # إذا قلت هاتي نوليني تبرمت ... وقالت معاذ الله من فعل ما حرم # فما نولت حتى تضرعت عندها ... وأنبأتها ما رخص الله في اللمم # فأما الخروج إلى حد الخلاعة فهجنة ومذمة، كالذي حكي عن أبي معاوية ~~الضرير، وكان محدثا، أنه خرج يوما إلى أصحابه وهو يقول: # وإذا المعدة جاشت ... فارمها بالمنجنيق # بثلاث من نبيذ ... ليس بالحلو الرقيق # أما ترى كيف طرق بخلاعته التهمة على نفسه بهذا المزح فيما لعله بريء منه، ~~وبعيد عنه. وقد كان أبو هريرة - رضي الله عنه - مسترسلا في مزاحه. روى ابن ~~قتيبة في المعارف أن مروان ربما كان يستخلفه على المدينة فيركب حمارا قد شد ~~عليه برذعة فيسير فيلقى الرجل فيقول: الطريق قد جاء الأمير. وربما أتى ~~الصبيان وهم يلعبون لعبة الأعراب فلا يشعرون حتى يلقي نفسه بينهم ويضرب ~~برجله فيفزع الصبيان فينفرون، وهذا خروج عن القدر المستسمح به ويوشك أن ~~يكون لهذا الفعل منه تأويل سائغ. # وقد «كان صهيب بن سنان مزاحا فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم -: ~~أتأكل تمرا وبك رمد؟ فقال يا رسول الله إنما أمضغ على الناحية الأخرى» . ~~وإنما استجاز صهيب أن يعرض لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالمزح في ~~جوابه؛ لأن استخباره - صلى الله ms254 عليه وسلم - قد كان يتضمن المزح، فأجابه عن ~~استخباره بما يوافقه مساعدة لغرضه، وتقربا من قلبه، وإلا فليس لأحد أن يجعل ~~جواب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مزحا؛ لأن المزح هزل، ومن جعل جواب ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المبين عن الله عز وجل أحكامه، المؤدي ~~إلى خلقه أوامره، هزلا ومزحا فقد عصى الله ورسوله، وصهيب كان أطوع لله ~~سبحانه وتعالى من أن يكون بهذه المنزلة. # فقد قال - صلى الله عليه وسلم -: «أنا سابق العرب، وصهيب سابق الروم، ~~وسلمان سابق الفرس، وبلال سابق الحبش» . ومن مستحسن المزح ومستسمح الدعابة ~~ما حكى الزبير بن بكار عن # PageV01P312 # الكندي أن القشيري وقف على شيخ من الأعراب فقال: يا أعرابي ممن أنت؟ ~~فقال: من عقيل. قال: من أي عقيل؟ قال: من بني خفاجة. فقال القشيري: رأيت ~~شيخا من بني خفاجة. فقال الأعرابي: ما شأنه؟ قال: له إذا جن الظلام حاجة. ~~فقال الأعرابي: ما هي؟ قال: كحاجة الديك إلى الدجاجة. فاستعبر الأعرابي ~~ضاحكا، وقال: - قاتلك الله - ما أعرفك بسرائر القوم. فانظر كيف بلغ بهذا ~~المزح غايته، ولسانه نزه، وعرضه مصون. # وهذا غاية ما يتسامح به الفضلاء من الخلاعة وإن كان مستكره الفحوى ~~والنزاهة عن مثله أولى. وليحذر أن يسترسل في ممازحة عدو فيجعل له طريقا إلى ~~إعلان المساوئ وهو مجد، ويفسح له في التشفي مزحا وهو محق. وقد قال بعض ~~الحكماء: إذا مازحت عدوك ظهرت له عيوبك. # وأما الضحك فإن اعتياده شاغل عن النظر في الأمور المهمة، مذهل عن الفكر ~~في النوائب الملمة. وليس لمن أكثر منه هيبة ولا وقار، ولا لمن وصم به خطر ~~ولا مقدار. روى أبو إدريس الخولاني، عن أبي ذر الغفاري قال: قال رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم -: «إياك وكثرة الضحك فإنه يميت القلب ويذهب بنور ~~الوجه» . وروي عن ابن عباس في قوله تعالى: {مال هذا الكتاب لا يغادر صغيرة ~~ولا كبيرة إلا أحصاها} [الكهف: 49] إن الصغيرة الضحك. # وقال عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -: من كثر ضحكه ms255 قلت هيبته. وقال علي ~~بن أبي طالب كرم الله وجهه: إذا ضحك العالم ضحكة مج من العلم مجة. # وقيل في منثور الحكم: ضحكة المؤمن غفلة من قلبه. والقول في الضحك كالقول ~~في المزاح إن تجافاه الإنسان نفر عنه وأوحش منه، وإن ألفه كانت حاله ما ~~وصفنا. فليكن بدل الضحك عند الإيناس تبسما. وقال عمر بن الخطاب - رضي الله ~~عنه -: التبسم دعابة. # PageV01P313 # وهذا أبلغ في الإيناس من الضحك الذي هو قد يكون استهزاء وتعجبا. وليس ~~ينكر منه المرة النادرة لطارئ استغفل النفس عن دفعه. هذا رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - وهو أملك الخلق لنفسه، قد تبسم حتى بدت نواجذه. وإنما كان ~~ذلك منه - صلى الله عليه وسلم - على الوجه الذي ذكرناه. ### | [الفصل السادس في الطيرة والفأل] # : اعلم أنه ليس شيء أضر بالرأي ولا أفسد للتدبير من اعتقاد الطيرة، ومن ~~ظن أن خوار بقرة أو نعيب غراب يرد قضاء أو يدفع مقدورا فقد جهل. وقد روي عن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «لا عدوى ولا طيرة ولا هامة ولا ~~صفر» . فالعدوى ما يظنه الناس من تعدي العلل والأمراض فأخبر أنها لا تعدي، ~~فقيل: «يا رسول الله إنا نرى النقطة من الجرب في مشفر البعير فتتعدى إلى ~~جميعه. فقال - صلى الله عليه وسلم -: فما أعدى الأول؟» # وأما الهامة فهو ما كانت العرب في الجاهلية تعتقده من أن القتيل إذا طل ~~دمه فلم يدرك بثأره صاحت هامته في القبر: اسقوني. قال الزبرقان بن بدر ~~يعنيها: # يا عمرو إلا تدع شتمي ومنقصتي ... أضربك حتى تقول الهامة اسقوني # وقال إبراهيم بن هرمة: # وكيف وقد صاروا عظاما وأقبرا ... يصيح صداها بالعشي وهامها # تفانوا ولم يبقوا وكل قبيلة ... سريع إلى ورد الفناء كرامها # وأما الصفر فهو كالحية يكون في الجوف يصيب الماشية والناس، وهو أعدى ~~عندهم من الجرب. وفيه يقول الشاعر: # PageV01P314 # لا يمسك الساق من أين ولا وصب ... ولا يعض على شرسوفه الصفر # وروى أبو هريرة - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه ms256 وسلم - ~~قال: «إذا ظننتم فلا تحققوا، وإذا حسدتم فلا تبغوا، وإذا تطيرتم فامضوا ~~وعلى الله فتوكلوا» . وقال الشاعر: # طيرة الناس لا ترد قضاء ... فاعذر الدهر لا تشبه بلوم # أي يوم تخصه بسعود ... والمنايا ينزلن في كل يوم # ليس يوم إلا وفيه سعود ... ونحوس تجري لقوم وقوم # وقد كانت الفرس أكثر الناس طيرة. وكانت العرب إذا أرادت سفرا نفرت أول ~~طائر تلقاه فإن طار يمنة سارت وتيمنت، وإذا طار يسرة رجعت وتشاءمت، فنهى ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - عن ذلك وقال: «أقروا الطير على وكناتها» . ~~وحكى عكرمة قال: كنا جلوسا عند ابن عباس - رضي الله عنهما -، فمر طائر يصيح ~~فقال رجل من القوم: خير. فقال ابن عباس: لا خير ولا شر. # وقال لبيد: # لعمرك ما تدري الضوارب بالحصى ... ولا زاجرات الطير ما الله صانع # واعلم أنه قلما يخلو من الطيرة أحد لا سيما من عارضته المقادير في ~~إرادته، وصده القضاء عن طلبته، فهو يرجو واليأس عليه أغلب، ويأمل والخوف ~~إليه أقرب. فإذا عاقه القضاء، وخانه الرجاء، جعل الطيرة عذر خيبته، وغفل عن ~~قضاء الله عز وجل ومشيئته، فإذا تطير أحجم عن الإقدام ويئس من الظفر وظن أن ~~القياس فيه مطرد وأن العبرة فيه مستمرة. ثم يصير ذلك له عادة فلا ينجح له ~~سعي، ولا يتم له قصد. # فأما من ساعدته المقادير ووافقه القضاء فهو قليل الطيرة لإقدامه ثقة ~~بإقباله وتعويلا على سعادته، فلا يصده خوف ولا يكفه حزن ولا يئوب، إلا ~~ظافرا، ولا يعود إلا منجحا؛ لأن الغنم بالإقدام، والخيبة مع الإحجام، فصارت ~~الطيرة من سمات الإدبار # PageV01P315 # واطراحها من إمارات الإقبال. فينبغي لمن مني بها وبلي أن يصرف عن نفسه ~~وساوس النوكى ودواعي الخيبة وذرائع الحرمان، ولا يجعل للشيطان سلطانا في ~~نقض عزائمه ومعارضة خالقه. ويعلم أن قضاء الله تعالى عليه غالب، وأن رزقه ~~له طالب، إلا أن الحركة سبب فلا يثنيه عنها ما لا يضر مخلوقا ولا يدفع ~~مقدورا. وليمض في عزائمه واثقا بالله تعالى إن أعطي وراضيا به إن ms257 منع. # فقد روى أبو هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إن في ~~الإنسان ثلاثة: الطيرة والظن والحسد فمخرجه من الطيرة أن لا يرجع ومخرجه من ~~الظن أن لا يتحقق ومخرجه من الحسد أن لا يبغي» . وروي عنه - صلى الله عليه ~~وسلم - أنه قال: «كفارة الطيرة التوكل على الله تعالى» . وقيل في منثور ~~الحكم: الخير في ترك الطيرة. # وليقل إن عارضه في الطيرة ريب، أو خامره فيها وهم، ما روي عن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - أنه قال: «من تطير فليقل: اللهم لا يأتي بالخيرات إلا أنت ~~ولا يدفع السيئات إلا أنت، ولا حول ولا قوة إلا بالله» . وقد روي أن رجلا ~~جاء إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: «يا رسول الله إنا نزلنا دارا ~~فكثر فيها عددنا، وكثرت فيها أموالنا، ثم تحولنا عنها إلى أخرى فقلت فيها ~~أموالنا، وقل فيها عددنا. فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: ذروها فهي ~~ذميمة» . وليس هذا القول منه - صلى الله عليه وسلم - على وجه الطيرة ولكن ~~على طريق التبرك بما فارق وترك ما استوحش منه إلى ما أنس به. # وأما الفأل ففيه تقوية للعزم وباعث على الجد ومعونة على الظفر. فقد تفاءل ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في غزواته وحروبه. وروى أبو هريرة «أن ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سمع كلمة فأعجبته فقال: أخذنا فألك من ~~فيك» . فينبغي لمن تفاءل أن يتأول الفأل بأحسن تأويلاته ولا يجعل لسوء الظن ~~على نفسه سبيلا. فقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إن البلاء موكل ~~بالمنطق» . روي أن يوسف - عليه السلام - شكا إلى الله تعالى طول الحبس ~~فأوحى الله تعالى إليه يا يوسف أنت حبست نفسك # PageV01P316 # حيث قلت رب السجن أحب إلي ولو قلت العافية أحب إلي لعوفيت. # وحكي أن المؤمل بن أميل الشاعر لما قال يوم الحيرة: # شف المؤمل يوم الحيرة النظر ... ليت المؤمل لم يخلق له بصر # عمي فأتاه آت في منامه فقال له: هذا ما طلبت. وحكي أن ms258 الوليد بن يزيد بن ~~عبد الملك تفاءل يوما في المصحف فخرج له قوله تعالى: {واستفتحوا وخاب كل ~~جبار عنيد} [إبراهيم: 15] # فمزق المصحف وأنشأ يقول: # أتوعد كل جبار عنيد ... فها أنا ذاك جبار عنيد # إذا ما جئت ربك يوم حشر ... فقل يا رب مزقني الوليد # فلم يلبث إلا أياما حتى قتل شر قتلة، وصلب رأسه على قصره، ثم على سور ~~بلده. فنعوذ بالله من البغي ومصارعه، والشيطان ومكائده، وهو حسبنا وعليه ~~توكلنا. ### | [الفصل السابع في المروءة] # اعلم أن من شواهد الفضل ودلائل الكرم المروءة التي هي حلية النفوس وزينة ~~الهمم. فالمروءة مراعاة الأحوال التي تكون على أفضلها حتى لا يظهر منها ~~قبيح عن قصد ولا يتوجه إليها ذم باستحقاق. روي عن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - أنه قال: «من عامل الناس فلم يظلمهم، وحدثهم فلم يكذبهم، ووعدهم فلم ~~يخلفهم، فهو ممن كملت مروءته وظهرت عدالته ووجبت أخوته» . # وقال بعض البلغاء: من شرائط المروءة أن يتعفف عن الحرام، ويتصلف عن ~~الآثام، وينصف في الحكم، ويكف عن الظلم، ولا يطمع فيما لا يستحق، ولا ~~يستطيل على من لا يسترق، ولا يعين قويا على ضعيف، ولا يؤثر دنيا على شريف، ~~ولا يسر ما يعقبه الوزر والإثم، ولا يفعل ما يقبح الذكر والاسم. # وسئل بعض # PageV01P317 # الحكماء عن الفرق بين العقل والمروءة فقال: العقل يأمرك بالأنفع، ~~والمروءة تأمرك بالأجمل. ولن تجد الأخلاق على ما وصفنا من حد المروءة ~~منطبعة، ولا عن المراعاة مستغنية، وإنما المراعاة هي المروءة لا ما انطبعت ~~عليه من فضائل الأخلاق؛ لأن غرور الهوى ونازع الشهوة يصرفان النفس أن تركب ~~الأفضل من خلائقها، والأجمل من طرائقها، وإن سلمت منها، وبعيد أن تسلم إلا ~~لمن استكمل شرف الأخلاق طبعا، واستغنى عن تهذيبها تكلفا وتطبعا. وقال ~~الشاعر: # من لك بالمحض وليس محض ... يخبث بعض ويطيب بعض # ثم لو استكمل الفضل طبعا، وفي المعوز أن يكون مستكملا، لكان في المستحسن ~~من عادات دهره، والموضوع من اصطلاح عصره، من حقوق المروءة وشروطها ما لا ~~يتوصل إليه إلا ms259 بالمعاناة ولا يوقف عليه إلا بالتفقد والمراعاة. فثبت أن ~~مراعاة النفس على أفضل أحوالها هي المروءة. # وإذا كانت كذلك فليس ينقاد لها مع ثقل كلفها إلا من تسهلت عليه المشاق ~~رغبة في الحمد، وهانت عليه الملاذ حذرا من الذم. ولذلك قيل: سيد القوم ~~أشقاهم. وقال أبو تمام الطائي: # والحمد شهد لا يرى مشتاره ... يجنيه إلا من نقيع الحنظل # غل لحامله ويحسبه الذي ... لم يوه عاتقه خفيف المحمل # وقد لحظ المتنبي ذلك في قوله: # لولا المشقة ساد الناس كلهم ... الجود يفقر والإقدام قتال # وله أيضا: # وإذا كانت النفوس كبارا ... تعبت في مرادها الأجسام # والداعي إلى استسهال ذلك شيئان: أحدهما: علو الهمة. والثاني شرف النفس. ~~أما علو الهمة فلأنه باعث على التقدم وداع إلى التخصيص # PageV01P318 # أنفة من خمول الضعة، واستنكارا لمهانة النقص. # ولذلك قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إن الله يحب معالي الأمور ~~وأشرافها، ويكره دنيها وسفسافها» . وروي عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - ~~أنه قال: لا تصغرن همتكم فإني لم أر أقعد عن المكرمات من صغر الهمم. # وقال بعض الحكماء: الهمة راية الجد. وقال بعض البلغاء: علو الهمم بذر ~~النعم. وقال بعض العلماء: إذا طلب رجلان أمرا ظفر به أعظمهما مروءة. وقال ~~بعض الأدباء: من ترك التماس المعالي بسوء الرجاء لم ينل جسيما. # وأما شرف النفس: فإن به يكون قبول التأديب، واستقرار التقويم والتهذيب، ~~لأن النفس ربما جمحت عن الأفضل وهي به عارفة، ونفرت عن التأديب وهي له ~~مستحسنة؛ لأنها عليه غير مطبوعة، وله غير ملائمة، فتصير منه أنفر، ولضده ~~الملائم آثر. وقد قيل: ما أكثر من يعرف الحق ولا يطيعه. وإذا شرفت النفس ~~كانت للآداب طالبة، وفي الفضائل راغبة، فإذا مازحها صارت طبعا ملائما فنما ~~واستقر. # فأما من مني بعلو الهمة وسلب شرف النفس فقد صار عرضة لأمر أعوزته آلته، ~~وأفسدته جهالته، فصار كضرير يروم تعلم الكتابة، وأخرس يريد الخطبة، فلا ~~يزيده الاجتهاد إلا عجزا والطلب إلا عوزا. # ولذلك قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «ما هلك امرؤ ms260 عرف قدره» . وقيل ~~لبعض الحكماء: من أسوأ الناس حالا؟ قال: من بعدت همته، واتسعت أمنيته، ~~وقصرت آلته، وقلت مقدرته. وقال أفنون التغلبي: # ولا خير فيما يكذب المرء نفسه ... وتقواله للشيء يا ليت ذا ليا # لعمرك ما يدري امرؤ كيف يتقي ... إذا هو لم يجعل له الله واقيا # وقال بعض الحكماء: تجنبوا المنى فإنها تذهب ببهجة ما خولتم، وتستصغرون ~~بها نعمة الله عليكم. وقيل في منثور الحكم: المنى من # PageV01P319 # بضائع النوكى. فإن صادف بهمته حظا نال به أملا كان فيما ناله كالمغتصب، ~~وفيما وصل إليه كالمتغلب، إذ ليس في الحظوظ تقدير لحق، ولا تمييز لمستحق، ~~وإنما هي كالسحاب الذي يمسك عن منابت الأشجار إلى مغايص البحار ويترك حيث ~~صادف من خبيث وطيب، فإن صادف أرضا طيبة نفع وإن صادف أرضا خبيثة ضر. # كذلك الحظ إن صادف نفسا شريفة نفع، وكان نعمة عامة، وإن صادف نفسا دنية ~~ضر وكان نقمة طامة. وحكي أن موسى بن عمران - عليه السلام - دعا على قوم ~~بالعذاب فأوحي إليه قد ملكت سفلها على أعلاها فقال: يا رب كنت أحب لهم ~~عذابا عاجلا، فأوحى الله تعالى إليه أوليس هذا كل العذاب العاجل الأليم؟ ~~فأما شرف النفس إذا تجرد عن علو الهمة فإن الفضل به عاطل، والقدر به خامل، ~~وهو كالقوة في الجلد الكسل، والجبان الفشل، تضيع قوته بكسله، وجلده بفشله. # وقد قيل في منثور الحكم: من دام كسله خاب أمله. وقال بعض الحكماء: نكح ~~العجز التواني فخرج منهما الندامة، ونكح الشؤم الكسل فخرج منهما الحرمان. ~~وقال بعض الشعراء: # إذا أنت لم تعرف لنفسك حقها ... هوانا بها كانت على الناس أهونا # فنفسك أكرمها وإن ضاق مسكن ... عليك لها فاطلب لنفسك مسكنا # وإياك والسكنى بمنزل ذلة ... يعد مسيئا فيه من كان محسنا # وشرف النفس مع صغر الهمة أولى من علو الهمة مع دناءة النفس؛ لأن من علت ~~همته مع دناءة نفسه كان متعديا إلى طلب ما لا يستحقه، ومتخطيا إلى التماس ~~ما لا يستوجبه. ومن شرفت نفسه مع صغر همته ms261 فهو تارك لما يستحق ومقصر عما ~~يجب له. وفضل ما بين الأمرين ظاهر وإن كان لكل واحد منهما من الذم نصيب. # وقد قيل لبعض الحكماء: ما أصعب شيء على الإنسان؟ قال: أن يعرف نفسه ويكتم ~~الأسرار. فإذا اجتمع الأمران واقترن بشرف النفس علو الهمة كان الفضل بهما ~~ظاهرا، والأدب بهما وافرا، ومشاق الحمد بينهما مسهلة، وشروط المروءة بينهما ~~متبينة. وقد قال الحصين بن المنذر الرقاشي: # إن المروءة ليس يدركها امرؤ ... ورث المكارم عن أب فأضاعها # PageV01P320 # أمرته نفس بالدناءة والخنا ... ونهته عن سبل العلا فأطاعها # فإذا أصاب من المكارم خلة ... يبني الكريم بها المكارم باعها # واعلم أن حقوق المروءة أكثر من أن تحصى، وأخفى من أن تظهر؛ لأن منها ما ~~يقوم في الوهم حسا، ومنها ما يقتضيه شاهد الحال حدسا، ومنها ما يظهر بالفعل ~~ويخفى بالتغافل. فلذلك أعوز استيفاء شروطها إلى جمل يتنبه الفاضل عليها ~~بيقظته، ويستدل العاقل عليها بفطرته، وإن كان جميع ما تضمنه كتابنا هذا من ~~حقوق المروءة وشروطها. # وإنما نذكر في هذا الفصل الأشهر من قواعدها وأصولها، والأظهر من شروطها ~~وحقوقها، محصورا في تقسيم جامع وهو ينقسم قسمين: # أحدهما: شروط المروءة في نفسه. والثاني: شروطها في غيره. # فأما شروطها في نفسه بعد التزام ما أوجبه الشرع من أحكامه فيكون بثلاثة ~~أمور وهي: العفة والنزاهة والصيانة. فأما العفة فنوعان: أحدهما العفة عن ~~المحارم والثاني العفة عن المآثم. فأما العفة عن المحارم فنوعان: أحدهما ~~ضبط الفرج عن الحرام، والثاني كف اللسان عن الأعراض. # فأما ضبط الفرج عن الحرام فلأنه مع وعيد الشرع وزاجر العقل معرة فاضحة، ~~وهتكة واضحة. ولذلك قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «من وقي شر ذبذبه ~~ولقلقه وقبقبه فقد وقي» . يريد بذبذبه الفرج، وبلقلقه اللسان، وبقبقبه ~~البطن. وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «أحب العفاف إلى ~~الله تعالى عفاف الفرج والبطن» . # وحكي أن معاوية - رضي الله عنه - سأل عمر عن المروءة فقال: تقوى الله ~~تعالى وصلة الرحم. وسأل المغيرة فقال: هي العفة عما حرم ms262 الله تعالى والحرفة ~~فيما أحل الله تعالى. وسأل يزيد: فقال هي الصبر على البلوى، والشكر على ~~النعمى، والعفو عند القدرة، فقال معاوية: أنت مني حقا. وقال أنوشروان لابنه ~~هرمز: من الكامل المروءة؟ فقال: من حصن دينه ووصل رحمه وأكرم إخوانه. وقال ~~بعض الحكماء: من أحب المكارم اجتنب المحارم. وقيل: عار الفضيحة يكدر لذتها. # وقد أنشدني بعض أهل الأدب للحسن بن علي - رضي الله عنهما -: # الموت خير من ركوب العار ... والعار خير من دخول النار # والله من هذا وهذا جاري # PageV01P321 # والداعي إلى ذلك شيئان: # أحدهما: إرسال الطرف. والثاني: اتباع الشهوة. وقد روي عن النبي - عليه ~~السلام - أنه قال لعلي بن أبي طالب كرم الله وجهه: «يا علي لا تتبع النظرة ~~النظرة فإن الأولى لك والثانية عليك» . وفي قوله لا تتبع النظرة النظرة ~~تأويلان: أحدهما لا تتبع نظر عينيك نظر قلبك، والثاني لا تتبع الأولى التي ~~وقعت سهوا بالنظرة الثانية التي توقعها عمدا. وقال عيسى ابن مريم - عليه ~~السلام -: إياكم والنظرة بعد النظرة فإنها تزرع في القلب الشهوة، وكفى بها ~~لصاحبها فتنة. وقال علي بن أبي طالب - كرم الله وجهه -: العيون مصائد ~~الشيطان. # وقال بعض الحكماء: من أرسل طرفه استدعى حتفه. وقال بعض الشعراء: # وكنت متى أرسلت طرفك رائدا ... لقلبك يوما أتعبتك المناظر # رأيت الذي لا كله أنت قادر ... عليه ولا عن بعضه أنت صابر # وأما الشهوة فهي خادعة العقول وغادرة الألباب، ومحسنة القبائح، ومسولة ~~الفضائح. وليس عطب إلا وهي له سبب، وعليه ألب. ولذلك قال النبي - عليه ~~السلام -: «أربع من كن فيه وجبت له الجنة وحفظ من الشيطان: من ملك نفسه حين ~~يرغب، وحين يرهب، وحين يشتهي، وحين يغضب» . # وقهرها عن هذه الأحوال يكون بثلاثة أمور: أحدها غض الطرف عن إثارتها، ~~وكفه عن مساعدتها. فإنه الرائد المحرك، والقائد المهلك. روى سعيد بن سنان، ~~عن أنس بن مالك، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «تقبلوا إلي بست ~~أتقبل إليكم بالجنة. قالوا وما هي يا رسول الله؟ قال: إذا حدث أحدكم ms263 فلا ~~يكذب، وإذا وعد فلا يخلف، وإذا اؤتمن فلا يخون، غضوا أبصاركم، واحفظوا ~~فروجكم، وكفوا أيديكم» . # والثاني: ترغيبها في الحلال عوضا، وإقناعها بالمباح بدلا، فإن الله ما ~~حرم شيئا إلا وأغنى عنه بمباح من جنسه لما علمه من نوازع الشهوة، وتركيب ~~الفطرة، ليكون ذلك عونا على طاعته، وحاجزا عن مخالفته. وقال عمر بن الخطاب ~~- رضي الله عنه -: ما أمر الله تعالى بشيء إلا وأعان عليه، ولا نهى عن شيء ~~إلا وأغنى عنه. والثالث: إشعار النفس تقوى الله تعالى في # PageV01P322 # أوامره، واتقاءه في زواجره، وإلزامها ما ألزم من طاعته، وتحذيرها ما حذر ~~من معصيته، وإعلامها أنه لا يخفى عليه ضمير، ولا يعزب عنه قطمير. # وأنه يجازي المحسن ويكافئ المسيء، وبذلك نزلت كتبه وبلغت رسله. # روى ابن مسعود أن آخر ما نزل من القرآن: {واتقوا يوما ترجعون فيه إلى ~~الله ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون} [البقرة: 281] . # وآخر ما نزل من التوراة: إذا لم تستح فاصنع ما شئت. وآخر ما نزل من ~~الإنجيل: شر الناس من لا يبالي أن يراه الناس مسيئا. وآخر ما نزل من ~~الزبور: من يزرع خيرا حصد زرعه غبطة. فإذا أشعرها ما وصفت انقادت إلى الكف ~~وأذعنت بالاتقاء فسلم دينه وظهرت مروءته. # فهذا شرط وأما كف اللسان عن الأعراض فلأنه ملاذ السفهاء، وانتقام أهل ~~الغوغاء، وهو مستسهل الكلف إذا لم يقهر نفسه عنه برادع كاف وزاجر صاد تلبط ~~بمعاره، وتخبط بمضاره، وظن أنه لتجافي الناس عنه حمى يتقى، ورتبة ترتقى، ~~فهلك وأهلك. فلذلك قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «ألا إن دماءكم ~~وأموالكم وأعراضكم حرام عليكم حرام عليكم» . # فجمع بين الدم والعرض لما فيه من إيغار الصدور، وإبداء الشرور، وإظهار ~~البذاء، واكتساب الأعداء، ولا يبقى مع هذه الأمور وزن لموموق ولا مروءة ~~لملحوظ ثم هو بها موتور موزور؛ ولأجلها مهجور مزجور. وقد روي عن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «شر الناس من أكرمه الناس اتقاء لسانه» . ~~وقال بعض الحكماء: إنما هلك الناس بفضول ms264 الكلام وفضول المال. # وما قدح في الأعراض من الكلام نوعان: أحدهما: ما قدح في عرض صاحبه ولم ~~يتجاوزه إلى غيره، وذلك شيئان: الكذب وفحش القول. والثاني: ما تجاوزه إلى ~~غيره، وذلك أربعة أشياء: الغيبة والنميمة والسعاية والسب بقذف أو شتم. ~~وربما كان السب أنكاها للقلوب وأبلغها أثرا في النفوس. ولذلك زجر الله عنه ~~بالحد تغليظا وبالتفسيق تشديدا # PageV01P323 # وتصعيبا. وقد يكون ذلك لأحد شيئين: إما انتقام يصدر عن سفه أو بذاء يحدث ~~عن لؤم. وقد روى أبو سلمة عن أبي هريرة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~قال: «المؤمن غر كريم والفاجر خب لئيم» . وقال ابن المقفع: الاستطالة لسان ~~الجهال. وكف النفس عن هذه الحال بما يصدها من الزواجر أسلم وهو بذوي ~~المروءة أجمل. # فهذا شرط وأما العفة عن المآثم فنوعان: أحدهما: الكف عن المجاهرة بالظلم، ~~والثاني: زجر النفس عن الإسرار بخيانة. فأما المجاهرة بالظلم فعتو مهلك ~~وطغيان متلف، وهو يئول إن استمر إلى فتنة أو جلاء. # فأما الفتنة في الأغلب فتحيط بصاحبها، وتنعكس عن البادئ بها، فلا تنكشف ~~إلا وهو بها مصروع كما قال الله تعالى: {ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله} ~~[فاطر: 43] . # وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «الفتنة نائمة فمن أيقظها ~~صار طعاما لها» . وقال جعفر بن محمد: الفتنة حصاد للظالمين. وقال بعض ~~الحكماء: صاحب الفتنة أقرب شيء أجلا وأسوأ شيء عملا. وقال بعض الشعراء: # وكنت كعنز السوء قامت لحتفها ... إلى مدية تحت الثرى تستثيرها # وأما الجلاء فقد يكون من قوة الظالم وتطاول مدته فيصير ظلمه مع المكنة ~~جلاء وفناء، كالنار إذا وقعت في يابس الشجر فلا تبقي معها مع تمكنها شيئا ~~حتى إذا أفنت ما وجدت اضمحلت وخمدت. # فكذا حال الظالم مهلك ثم هالك. والباعث على ذلك شيئان: الجراءة والقسوة. ~~ولذلك قال النبي - عليه السلام -: «اطلبوا الفضل والمعروف عند الرحماء من ~~أمتي تعيشوا في أكنافهم» . والصاد عن ذلك أن يرى آثار الله تعالى في ~~الظالمين فإن له فيهم عبرا، ويتصور عواقب ظلمهم فإن فيها ms265 مزدجرا. وقد روي ~~عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «من أصبح ولم ينو ظلم أحد غفر ~~الله له ما اجترم» . # وروى جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جده، قال: قال # PageV01P324 # رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «يا علي اتق دعوة المظلوم فإنه إنما ~~يسأل الله حقه وإن الله لا يمنع ذا حق حقه» . وقيل في منثور الحكم: ويل ~~للظالم من يوم المظالم. # وقال بعض البلغاء: من جار حكمه أهلكه ظلمه. وقال بعض الشعراء: # وما من يد إلا يد الله فوقها ... ولا ظالم إلا سيبلى بظالم # وأما الاستسرار بالخيانة فضعة لأنه بذل الخيانة مهين، ولقلة الثقة به ~~مستكين. وقد قيل في منثور الحكم: من يخن يهن. وقال خالد الربعي: قرأت في ~~بعض الكتب السالفة أن مما تعجل عقوبة ولا تؤخر الأمانة تخان والإحسان يكفر ~~والرحم تقطع والبغي على الناس. # ولو لم يكن من ذم الخيانة إلا ما يجده الخائن في نفسه من المذلة لكفاه ~~زاجرا، ولو تصور عقبى أمانته وجدوى ثقته لعلم أن ذلك من أربح بضائع جاهه ~~وأقوى شفعاء تقدمه مع ما يجده في نفسه من العز ويقابل عليه من الإعظام. وقد ~~روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «أد الأمانة إلى من ائتمنك ~~ولا تخن من خانك» . وروى سعيد بن جبير قال: لما نزلت هذه الآية: {ومن أهل ~~الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤده ~~إليك إلا ما دمت عليه قائما ذلك بأنهم قالوا ليس علينا في الأميين سبيل} ~~[آل عمران: 75] . # يعنون أن أموال العرب حلال لهم؛ لأنهم من غير أهل الكتاب. قال رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم -: «كذب أعداء الله ما من شيء كان في الجاهلية إلا ~~وهو تحت قدمي إلا الأمانة فإنها مؤداة إلى البر والفاجر ولا يجعل ما يتظاهر ~~به من الأمانة زورا ولا ما يبديه من العفة غرورا فينهتك الزور وينكشف ~~الغرور فيكون مع هتكه للتدليس أقبح ولمعرة الرياء أفضح» . وقد روي عن ms266 النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «لا تزال أمتي بخير ما لم تر الأمانة ~~مغنما والصدقة مغرما» . # وقال بعض الحكماء: من التمس أربعا # PageV01P325 # بأربع التمس ما لا يكون، ومن التمس الجزاء بالرياء التمس ما لا يكون، ومن ~~التمس مودة الناس بالغلظة التمس ما لا يكون، ومن التمس وفاء الإخوان بغير ~~وفاء التمس ما لا يكون، ومن التمس العلم براحة الجسد التمس ما لا يكون. ~~والداعي إلى الخيانة شيئان: المهانة وقلة الأمانة، فإذا حسمهما عن نفسه بما ~~وصفت ظهرت مروءته، فهذا شرط قد استوفينا فيه أقسام العفة. # وأما النزاهة فنوعان: أحدهما: النزاهة عن المطامع الدنية. والثاني ~~النزاهة عن مواقف الريبة. فأما المطامع الدنية؛ فلأن الطمع ذل والدناءة ~~لؤم، وهما أدفع شيء للمروءة. وقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول في ~~دعائه: «اللهم إني أعوذ بك من طمع يهدي إلى طبع» . وقال بعض الشعراء: # لا تخضعن لمخلوق على طمع ... فإن ذلك نقص منك في الدين # واسترزق الله مما في خزائنه ... فإنما هو بين الكاف والنون # والباعث على ذلك شيئان: الشره وقلة الأنفة فلا يقنع بما أوتي، وإن كان ~~كثيرا؛ لأجل شرهه، ولا يستنكف مما منع، وإن كان حقيرا لقلة أنفته. وهذه حال ~~من لا يرى لنفسه قدرا، ويرى المال أعظم خطرا، فيرى بذل أهون الأمرين ~~لأجلهما مغنما، وليس لمن كان المال عنده أجل ونفسه عليه أقل إصغاء لتأنيب، ~~ولا قبول لتأديب. وروي أن رجلا قال: يا رسول الله أوصني. قال: عليك باليأس ~~مما في أيدي الناس، وإياك والطمع فإنه فقر حاضر، وإذا صليت صلاة فصل صلاة ~~مودع، وإياك وما يعتذر منه. وقال بعض الشعراء: # ومن كانت الدنيا مناه وهمه ... سبته المنى واستعبدته المطامع # وحسم هذه المطامع شيئان: اليأس والقناعة. وقد روى عبد الله بن مسعود عن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «إن روح القدس نفث في روعي أن نفسا ~~لن تموت حتى تستوفي رزقها، فاتقوا الله وأجملوا في # PageV01P326 # الطلب، ولا يحملنكم إبطاء الرزق على أن تطلبوه بمعاصي الله ms267 تعالى فإن ~~الله عز وجل لا يدرك ما عنده إلا بطاعته» . فهذا شرط. # وأما مواقف الريبة فهي التردد بين منزلتي حمد وذم، والوقوف بين حالتي ~~سلامة وسقم، فتتوجه إليه لائمة المتوهمين، ويناله ذلة المريبين، وكفى ~~بصاحبها موقفا إن صح افتضح، وإن لم يصح امتهن. وقد قال النبي - صلى الله ~~عليه وسلم -: «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك» . وسئل محمد بن علي عن المروءة ~~فقال: أن لا تعمل في السر عملا تستحي منه في العلانية. وقال حسان بن أبي ~~سنان: ما وجدت شيئا هو أهون من الورع. قيل له: وكيف؟ قال: إذا ارتبت بشيء ~~تركته. # والداعي إلى هذه الحال شيئان: الاسترسال، وحسن الظن. والمانع منهما ~~شيئان: الحياء، والحذر. وربما انتفت الريبة بحسن الثقة وارتفعت التهمة بطول ~~الخبرة. # وقد حكي عن عيسى ابن مريم - عليه السلام - أنه رآه بعض الحواريين وقد خرج ~~من منزل امرأة ذات فجور فقال: يا روح الله ما تصنع هنا؟ فقال: الطبيب إنما ~~يداوي المرضى. ولكن لا ينبغي أن يجعل ذلك طريقا إلى الاسترسال وليكن الحذر ~~عليه أغلب، وإلى الخوف من تصديق التهم أقرب، فما كل ريبة ينفيها حسن الثقة. ~~هذا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو أبعد خلق الله من الريب وأصونهم ~~من التهم، «وقف مع زوجته صفية ذات ليلة على باب مسجد يحادثها وكان معتكفا ~~فمر به رجلان من الأنصار فلما رأياه أسرعا فقال لهما: على رسلكما إنها صفية ~~بنت حيي. فقالا: سبحان الله أوفيك شك يا رسول الله؟ فقال: مه إن الشيطان ~~يجري من أحدكم مجرى لحمه ودمه فخشيت أن يقذف في قلبيكما سوءا» . فكيف من ~~تخالجت فيه الشكوك وتقابلت فيه الظنون فهل يعرى من في مواقف الريب من قادح ~~محقق، ولائم مصدق. # وقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «إذا لم يشق المرء إلا ~~بما عمل فقد سعد» . وإذا استعمل الحزم وغلب الحذر وترك مواقف الريب ومظان ~~التهم، ولم يقف موقف الاعتذار ولا عذر لمختار لم يختلج في نزاهته ms268 شك ولم ~~يقدح في # PageV01P327 # عرضه إفك. # وقد قال الشاعر: # أصونك أن أدل عليك ظنا ... لأن الظن مفتاح اليقين # وقال سهل بن هارون: مؤنة المتوقف أيسر من تكلف المعسف. # وقال بعض الحكماء: من حسن ظنه بمن لا يخاف الله تعالى فهو مخدوع. وأنشدني ~~بعض أهل الأدب، لأبي بكر الصولي - رحمه الله - قوله: # أحسنت ظني بأهل دهري ... فحسن ظني بهم دهاني # لا آمن الناس بعد هذا ... ما الخوف إلا من الأمان # فهذا شرط استوفينا فيه نوعي النزاهة. # وأما الصيانة وهي الثالث من شروط المروءة فنوعان: أحدهما: صيانة النفس ~~بالتماس كفايتها وتقدير مادتها. والثاني: صيانتها عن تحمل المنن من الناس ~~والاسترسال في الاستعانة. وأما التماس الكفاية وتقدير المادة؛ فلأن المحتاج ~~إلى الناس كل مهتضم وذليل مستثقل. وهو لما فطر عليه، محتاج إلى ما يستمده ~~ليقيم أود نفسه، ويدفع ضرورة وقته. وقد قالت العرب في أمثالها: كلب جوال ~~خير من أسد رابض. # وما يستمده نوعان: لازم وندب. فأما اللازم فما أقام بالكفاية وأفضى إلى ~~سد الخلة. وعليه في طلبه ثلاثة شروط: واحدها: استطابته من الوجوه المباحة ~~وتوقي المحظورة فإن المواد المحرمة مستخبثة الأصول، ممحوقة المحصول، إن ~~صرفها في بر لم يؤجر، وإن صرفها في مدح لم يشكر، ثم هو لأوزارها محتقب، ~~وعليها معاقب. # وقد قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لا يعجبك رجل كسب مالا من ~~غير حله فإن أنفقه لم يقبل منه، وإن أمسكه فهو زاده إلى النار» . وقال بعض ~~الحكماء: شر المال ما لزمك إثم مكسبه وحرمت أجر إنفاقه. # ونظر بعض الخوارج إلى رجل من أصحاب السلطان يتصدق على مسكين، فقال: انظر ~~إليهم حسناتهم من سيئاتهم. وقال علي بن الجهم: # سر من عاش ماله فإذا ... حاسبه الله سره الإعدام # PageV01P328 # والثاني: طلبه من أحسن جهاته التي لا يلحقه فيها غض، ولا يتدنس له بها ~~عرض، فإن المال يراد لصيانة الأعراض لا لابتذالها، ولعز النفوس لا ~~لإذلالها. وقال عبد الرحمن بن عوف - رضي الله عنه -: يا حبذا المال أصون به ~~عرضي وأرضي به ms269 ربي. وقال أبو بشر الضرير: # كفى حزنا أني أروح وأغتدي ... وما لي من مال أصون به عرضي # وأكثر ما ألقى الصديق بمرحبا ... وذلك لا يكفي الصديق ولا يرضي # وسئل ابن عائشة عن قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «اطلبوا الحوائج من ~~حسان الوجوه» . فقال: معناه من أحسن الوجوه التي تحل. # والثالث: أن يتأنى في تقدير مادته وتدبير كفايته بما لا يلحقه خلل ولا ~~يناله زلل، فإن يسير المال مع حسن التقدير، وإصابة التدبير، أجدى نفعا ~~وأحسن موقعا من كثيره مع سوء التدبير، وفساد التقدير، كالبذر في الأرض إذا ~~روعي يسيره زكا، وإن أهمل كثيره اضمحل. # وقال محمد بن علي - رضي الله عنه -: الكمال في ثلاثة: العفة في الدين، ~~والصبر على النوائب، وحسن التدبير في المعيشة. وقيل لبعض الحكماء: فلان ~~غني. فقال: لا أعرف ذلك ما لم أعرف تدبيره في ماله. فإذا استكمل هذه الشروط ~~فيما يستمده من قدر الكفاية فقد أدى حق المروءة في نفسه. # وسئل الأحنف بن قيس عن المروءة فقال: العفة والحرفة. وقال بعض الحكماء ~~لابنه: يا بني لا تكن على أحد كلا فإنك تزداد ذلا، واضرب في الأرض عودا ~~وبدءا، ولا تأسف لمال كان فذهب، ولا تعجز عن الطلب لوصب ولا نصب. فهذا حال ~~اللازم وقد كان ذوو الهمم العلية والنفوس الأبية يرون ما وصل إلى الإنسان ~~كسبا أفضل مما وصل إليه إرثا؛ لأنه في الإرث في جدوى غيره وبالكسب مجد إلى ~~غيره، وفرق ما بينهما في الفضل ظاهر. # وقال كشاجم: # لا أستلذ العيش لم أدأب له ... طلبا وسعيا في الهواجر والغلس # وأرى حراما أن يؤاتيني الغنى ... حتى يحاول بالعناء ويلتمس # PageV01P329 # فاصرف نوالك عن أخيك موفرا ... فالليث ليس يسيغ إلا ما افترس # وأما الندب فهو ما فضل عن الكفاية، وزاد على قدر الحاجة، فإن الأمر فيه ~~معتبر بحال طالبه فإن كان ممن تقاعد على مراتب الرؤساء، وتقاصر عن مطاولة ~~النظراء، وانقبض عن منافسة الأكفاء، فحسبه ما كفاه فليس في الزيادة إلا شره ~~ولا في الفضول إلا نهم، ms270 وكلاهما مذموم. وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم ~~-: «خير الرزق ما يكفي وخير الذكر الخفي» . # وقال علي بن أبي طالب كرم الله وجهه: الدنيا كل على العاقل. وقال عبد ~~الله بن مسعود: المستغني عن الدنيا بالدنيا كمطفئ النار بالتبن. وقال بعض ~~الحكماء: اشتر ماء وجهك بالقناعة وتسل عن الدنيا لتجافيها عن الكرام. فإن ~~كان ممن مني بعلو الهمم وتحركت فيه أريحية الكرم وآثر أن يكون رأسا ومقدما، ~~وأن يرى في النفوس معظما ومفخما فالكفاية لا تقله حتى يكون ماله فاضلا، ~~ونائله فائضا. # فقد قيل لبعض العرب: ما المروءة فيكم؟ قال: طعام مأكول، ونائل مبذول، ~~وبشر مقبول. وقد قال الأحنف بن قيس: # فلو مد سروي بمال ... كثير لجدت وكنت له باذلا # فإن المروءة لا تستطاع ... إذا لم يكن مالها فاضلا # وأما صيانتها عن تحمل المنن والاسترسال في الاستعانة؛ فلأن المنة استرقاق ~~الأحرار تحدث ذلة في الممنون عليه وسطوة في المان به. # والاسترسال في الاستعانة تثقيل ومن ثقل على الناس هان، ولا قدر عندهم ~~لمهان. وقال رجل لعمر - رضي الله عنه -: خدمك بنوك. فقال: أغناني الله ~~عنهم. وقال علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - لابنه الحسن في وصيته له: يا ~~بني إن استطعت أن لا يكون بينك وبين الله ذو نعمة فافعل، ولا تكن عبد غيرك ~~وقد جعلك الله حرا، فإن اليسير من الله تعالى أكرم وأعظم من الكثير من ~~غيره، وإن كان كل منه كثيرا. # وقال زياد لبعض # PageV01P330 # الدهاقين: ما المروءة فيكم؟ قال: اجتناب الريب فإنه لا ينبل مريب، وإصلاح ~~الرجل ماله فإنه من مروءته وقيامه بحوائجه وحوائج أهله فإنه لا ينبل من ~~احتاج إلى أهله ولا من احتاج أهله إلى غيره. وأنشد ثعلب: # من عف خف على الصديق لقاؤه ... وأخو الحوائج وجهه مملول # وأخوك من وفرت ما في كيسه ... فإذا عبثت به فأنت ثقيل # وإن كان الناس لحمة لا يستغنون عن التعاون ولا يستقلون عن المساعد ~~والمظافر، فإنما ذلك تعاون ائتلاف يتكافئون فيه ولا يتفاضلون وربما كان ~~المستعين ms271 فيه مفضلا، والمعين مستفضلا كاستعانة السلطان بجنده والمزارع ~~بأكرته فليس من هذا بد ولا لأحد عنه غنى، وإنما الذي يتصون عنه الكرام ~~تعاون التفضيل فينقبضون عن أن يستعينوا لئلا يكون عليهم يد، ويسارعون أن ~~يعينوا لأن يكون لهم يد. ومن أقدم من غير اضطرار على الاستعانة بجاه أو ~~بمال فقد أوهى مروءته، واستبذل صيانته، ومن دعاه الاضطرار لنائب ألم أو ~~حادث هجم إلى الاستعانة بمن يتنفس به من خناق كربه، ويتخلص به من وثاق ~~نوائبه، فلا لوم على مضطر. # فإن أغنته الاستعانة بالجاه عن الاستعانة بالمال، فلا عذر له في التعرض ~~للمال، ويعدل إلى ولاة الأمور فإن الحوائج عندهم أنجح وهي عليهم أسهل، وهم ~~لذلك مندوبون، فهم لا يجدون لهم مساويا وليصبرن على إبطائهم فإن تراكم ~~الأمور عليهم يشغلهم إلا عن الملح الصبور. # ولذلك قيل: قدم لحاجتك بعض لجاجتك. وقال أبو سارة سحيم بن الأعرف: # تعد قرابة وتعد صهرا ... ويسعد بالقرابة من رعاها # وما زرناك من عدم ولكن ... يهش إلى الإمارة من رجاها # وأيا ما فعلت فإن نفسي ... تعد صلاح نفسك من غناها # فإن تعذر عليه صلاح حاله إلا بمال يستعين به على نوائبه كان له مع ~~الضرورة فسحة. لكن إن وجده قرضا مردودا لم يأخذه صلة وجودا، فإن القرض ~~مستسمح به في المروآت. هذا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - # PageV01P331 # مع ما أعلى الله من قدره وفضله على خلقه، قد اقترض ثم قضى فأحسن، وقال - ~~صلى الله عليه وسلم -: «من أعياه رزق الله تعالى حلالا فليستدن على الله ~~وعلى رسوله» . وقال - صلى الله عليه وسلم -: «المستدين تاجر الله في أرضه» ~~. وقال البحتري: # إن لم يكن كثر فقل عطية ... يبلغ بها باغي الرضا بعض الرضا # أو لم يكن هبة فقرض يسرت ... أسبابه وكواهب من أقرضا # ولئن كان الدين رقا فهو أسهل من رق الإفضال. # وقد روي عن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - أنه قال: من أراد البقاء ~~ولا بقاء فليباكر الغداء وليخفف الرداء. قيل: وما في خفة الرداء ms272 من البقاء؟ ~~قال: قلة الدين. فإن أعوزه ذلك إلا استسماحا فهو الرق المذل. ولذلك قيل: لا ~~مروءة لمقل. وقال بعض الحكماء: من قبل صلتك فقد باعك مروءته وأذل لقدرك عزه ~~وجلالته. والذي يتماسك به الباقي من مروءة الراغبين، واليسير التافه من ~~صيانة السائلين، وإن لم يبق لذي رغبة مروءة ولا لسائل تصون أربعة أمور هي ~~جهد المضطر: أحدها: أن يتجافى ضرع السائلين، وأبهة المستقلين. فيذل بالضرع ~~ويحرم بالأبهة، وليكن من التجمل على ما يقتضيه حال مثله من ذوي الحاجات. ~~وقد قيل لبعض الحكماء: من يفحش زوال النعم؟ قال: إذا زال معها التجمل. ~~وأنشد بعض أهل الأدب لعلي بن الجهم: # هي النفس ما حملتها تتحمل ... وللدهر أيام تجور وتعدل # وعاقبة الصبر الجميل جميلة ... وأحسن أخلاق الرجال التفضل # ولا عار إن زالت عن الحر نعمة ... ولكن عارا أن يزول التجمل # والثاني: أن يقتصر في السؤال على ما دعته إليه الضرورة، وقادته إليه ~~الحاجة، ولا يجعل ذلك ذريعة إلى الاغتنام فيحرم باغتنامه، ولا يعذر في ~~ضرورته. وقد قال بعض الحكماء: من ألف المسألة ألفه المنع. والثالث: أن يعذر ~~في المنع ويشكر على الإجابة فإنه إن منع فعما لا # PageV01P332 # يملك، وإن أجيب فإلى ما لا يستحق. # فقد قال النمر بن تولب: # لا تغضبن على امرئ في ماله ... وعلى كرائم صلب مالك فاغضب # والرابع: أن يعتمد على سؤال من كان للمسألة أهلا، وكان النجح عنده ~~مأمولا، فإن ذوي المكنة كثير والمعين منهم قليل. ولذلك قال النبي - صلى ~~الله عليه وسلم -: «الخير كثير وقليل فاعله» . والمرجو للإجابة من تكاملت ~~فيه خصالها وهي ثلاث: إحداهن: كرم الطبع فإن الكريم مساعد، واللئيم معاند. ~~وقد قيل: المخذول من كانت له إلى اللئام حاجة. # والثانية: سلامة الصدر فإن العدو إلب على نكبتك، وحرب في نائبتك. وقد ~~قيل: من أوغرت صدره استدعيت شره، فإن رق لك بكرم طبعه، ورحمك بحسن ظفره، ~~فأعظم بها منحة أن يصير عدوك لك راحما. # وقد قال الشاعر: # وحسبك من حادث بامرئ ... ترى حاسديه له راحمينا # والخامس: ms273 ظهور المكنة فإن من سأل ما لا يمكن فقد أحال، وكان كمستنهض ~~المسجون، ومستسعف المديون، وكان بالرد خليقا، وبالحرمان حقيقا. وقد قال علي ~~كرم الله وجهه: من لا يعرف لا حتى يقال له لا فهو أحمق. # ووصى عبد الله بن الأهتم ابنه فقال: يا بني لا تطلب الحوائج من غير ~~أهلها، ولا تطلبها في غير حينها، ولا تطلب ما لست له مستحقا فإنك إن فعلت ~~ذلك كنت حقيقا بالحرمان. وقال الشاعر: # ولا تسألن امرأ حاجة ... يحاول من ربه مثلها # فيترك ما كنت حملته ... ويبدأ بحاجته قبلها # فهذا ما يختص بشروط المروءة في نفسه. # وأما شروط المروءة في غيره فثلاثة: المؤازرة والمياسرة والإفضال. أما ~~المؤازرة فنوعان: أحدهما: الإسعاف بالجاه، والثاني الإسعاف في النوائب. ~~فأما الإسعاف بالجاه فقد يكون من الأعلى قدرا، والأنفذ # PageV01P333 # أمرا، وهو أرخص المكارم ثمنا وألطف الصنائع موقعا، وربما كان أعظم من ~~المال نفعا. وهو الظل الذي يلجأ إليه المضطرون، والحمى الذي يأوي إليه ~~الخائفون. فإن أوطأه اتسع بكثرة الأنصار والشيع، وإن قبضه انقطع بنفور ~~الغاشية والتبع، فهو بالبذل ينمى ويزيد، وبالكف ينقص ويبيد، فلا عذر لمن ~~منح جاها أن يبخل به فيكون أسوأ حالا من البخيل بماله الذي قد يعده ~~لنوائبه، ويستبقيه للذته، ويكنزه لذريته. # وبضد ذلك من بخل بجاهه؛ لأنه قد أضاعه بالشح وبدده بالبخل وحرم نفسه ~~غنيمة مكنته، وفرصة قدرته، فلم يعقبه إلا ندما على فائت وأسفا على ضائع ~~ومقتا يستحكم في النفوس وذما قد ينتشر في الناس. وقد روي عن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - أنه قال: «الخلق كلهم عيال الله وأحب خلق الله تعالى إليه ~~أحسنهم صنيعا إلى عياله» . # وقال بعض الحكماء: اصنع الخير عند إمكانه يبقى لك حمده عند زواله، وأحسن ~~والدولة لك يحسن لك، والدولة عليك، واجعل زمان رخائك عدة لزمان بلائك. وقال ~~بعض البلغاء: من علامة الإقبال اصطناع الرجال. وقال بعض الأدباء: بذل الجاه ~~أحد الحباءين. # وقال ابن الأعرابي: العرب تقول: من أمل شيئا هابه ومن جهل شيئا عابه. ~~وبذل الجاه ms274 قد يكون من كرم النفس وشكر النعمة وضده من ضده وليس بذل الجاه ~~لالتماس الجزاء بذلا مشكورا، وإنما هو بائع جاهه ومعاوض على نعم الله تعالى ~~وآلائه فكان بالذم أحق. وأنشد بعض الأدباء لعلي بن عباس الرومي - رحمه الله ~~-: # لا يبذل العرف حين يبذله ... كمشتري الحمد أو كمعتاضه # بل يفعل العرف حين يفعله ... لجوهر العرف لا لأعراضه # وعلى من أسعد بجاهه ثلاثة حقوق يستكثر بها الشكر ويستمد بها المزيد من ~~الأجر: أحدها: أن يستسهل المعونة مسرورا، ولا يستثقلها كارها، فيكون بنعم ~~الله تعالى متبرما ولإحسانه مسخطا. # فقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «من عظمت نعمة الله ~~تعالى عليه عظمت مئونة الناس عليه» . فمن لم يحتمل تلك المئونة عرض تلك ~~النعمة للزوال. والثاني: مجانبة الاستطالة وترك الامتنان فإنهما من لؤم ~~الطبع # PageV01P334 # وضيق الصدر وفيهما هدم الصنيع، وإحباط الشكر. وقد قيل للحكيم اليوناني: ~~من أضيق الناس طريقا وأقلهم صديقا؟ قال: من عاشر الناس بعبوس وجهه واستطال ~~عليهم بنفسه. والثالث: أن لا يقرن بمشكور سعيه تقريعا بذنب ولا توبيخا على ~~هفوة فلا يفي مضض التوبيخ بإدراك النجح ويصير الشكر وجدا والحمد عيبا. # ولذلك قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم» . ~~وقال النابغة الجعدي: # ألم تعلما أن الملامة نفعها ... قليل إذا ما الشيء ولى فأدبرا # وأما الإسعاف في النوائب فلأن الأيام غادرة، والنوازل غائرة، والحوادث ~~عارضة، والنوائب راكضة، فلا يعذر فيها إلا عليم، ولا يستنقذه منها إلا ~~سليم. وقد قال عدي بن حاتم: # كفى زاجرا للمرء أيام دهره ... تروح له بالواعظات وتغتدي # فإذا وجد الكريم مصابا بحوادث دهره حثه الكرم وشكر النعم على الإسعاف ~~فيها بما استطاع سبيلا إليه ووجد قدرة عليه. روي عن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - أنه قال: خير من الخير معطيه وشر من الشر فاعله. # وقيل لبعض الحكماء: هل شيء خير من الذهب والفضة؟ قال: معطيهما. والإسعاف ~~في النوائب نوعان: واجب وتبرع. فأما الواجب فما اختص بثلاثة أصناف وهم: ~~الأهل والإخوان والجيران. أما ms275 الأهل فلمماسة الرحم وتعاطف النسب. وقد قيل: ~~لم يسد من احتاج أهله إلى غيره. وقال حسان بن ثابت: # وإن امرأ نال المنى ثم لم ينل ... قريبا ولا ذا حاجة لزهيد # وإن امرأ عادى الرجال على الغنى ... ولم يسأل الله الغنى لحسود # وأما الإخوان فلمستحكم الود ومتأكد العهد. سئل الأحنف بن قيس عن المروءة ~~فقال: صدق اللسان ومؤاساة الإخوان وذكر الله تعالى في كل مكان. وقال بعض ~~حكماء الفرس: صفة الصديق أن يبذل لك ماله عند الحاجة، ونفسه عند النكبة، ~~ويحفظك عند المغيب. ورأى بعض الحكماء # PageV01P335 # رجلين يصطحبان لا يفترقان فسأل عنهما فقيل: هما صديقان. # فقال: ما بال أحدهما فقير والآخر غني. وأما الجار فلدنو داره واتصال ~~مزاره. قال علي كرم الله وجهه: ليس حسن الجوار كف الأذى بل الصبر على ~~الأذى. وقال بعض الحكماء: من أجار جاره أعانه الله وأجاره. وقال بعض ~~البلغاء: من أحسن إلى جاره فقد دل على حسن نجاره. وقال بعض الشعراء: # وللجار حق فاحترز من إذائه ... وما خير جار لا يزال مؤاذيا # فيجب في حقوق المروءة وشروط الكرم في هؤلاء الثلاثة تحمل أثقالهم، ~~وإسعافهم في نوائبهم ولا فسحة لذي مروءة مع ظهور المكنة أن يكلهم إلى غيره، ~~أو يلجئهم إلى سؤاله، وليكن سائل كرم نفسه عنهم فإنهم عيال كرمه وأضياف ~~مروءته، فكما أنه لا يحسن أن يلجئ عياله وأضيافه إلى الطلب والرغبة فهكذا ~~من عاله كرمه وأضافته مروءته. وقال بعض الشعراء: # حق على السيد المرجو نائله ... والمستجار به في العرب والعجم # أن لا ينيل الأقاصي صوب راحته ... حتى يخص به الأدنى من الخدم # إن الفرات إذا جاشت غواربه ... روى السواحل ثم امتد في الأمم # وأما التبرع فيمن عدا هؤلاء الثلاثة من البعداء الذين لا يدلون بنسب، ولا ~~يتعلقون بسبب، فإن تبرع بفضل الكرم وفائض المروءة فنهض في حوادثهم، وتكفل ~~بنوائبهم، فقد زاد على شروط المروءة وتجاوزها إلى شروط الرئاسة. وقيل لبعض ~~الحكماء: أي شيء من أفعال الناس يشبه أفعال الإله؟ قال: الإحسان إلى الناس، ~~وإن كف ms276 تشاغلا بما لزم فلا لوم ما لم يلجأ إليه مضطر؛ لأن القيام بالكل ~~معوز والتكفل بالجميع متعذر. فهذا حكم المؤازرة. # وأما المياسرة فنوعان: أحدهما: العفو عن الهفوات، والثاني المسامحة في ~~الحقوق. فأما العفو عن الهفوات: فلأنه لا مبرأ من سهو # PageV01P336 # وزلل، ولا سليم من نقص أو خلل، ومن رام سليما من هفوة، والتمس بريئا من ~~نبوة، فقد تعدى على الدهر بشططه، وخادع نفسه بغلطه، وكان من وجود بغيته ~~بعيدا وصار باقتراحه فردا وحيدا. وقد قالت الحكماء: لا صديق لمن أراد صديقا ~~لا عيب فيه. وقيل لأنوشروان: هل من أحد لا عيب فيه؟ قال: من لا موت له، ~~وإذا كان الدهر لا يوجده ما طلب، ولا ينيله ما أحب، وكان الوحيد في الناس ~~مرفوضا قصيا، والمنقطع عنهم وحشيا، لزمه مساعدة زمانه في القضاء، ومياسرة ~~إخوانه في الصفح والإغضاء. # روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «إن الله تعالى أمرني ~~بمداراة الناس كما أمرني بأداء الفرائض» . وقال بعض الأدباء: ثلاث خصال لا ~~تجتمع إلا في كريم: حسن المحضر واحتمال الزلة وقلة الملال. وقال ابن ~~الرومي: # فعذرك مبسوط لذنب مقدم ... وودك مقبول بأهل ومرحب # ولو بلغتني عنك أذني أقمتها ... لدي مقام الكاشح المتكذب # فلست بتقليب اللسان مصارما ... خليلا إذا ما القلب لم يتقلب # وإذا كان الإغضاء حتما والصفح كرما ترتب بحسب الهفوة وتنزل بقدر الذنب. # والهفوات نوعان: صغائر وكبائر. فالصغائر مغفورة، والنفوس بها معذورة؛ لأن ~~الناس مع أطوارهم المختلفة، وأخلاقهم المتفاضلة، لا يسلمون منها. فكان ~~الوجد فيها مطرحا، والعتب مستقبحا. وقد قال بعض العلماء: من هجر أخاه من ~~غير ذنب كان كمن زرع زرعا ثم حصده في غير أوانه. # وقال أبو العتاهية: # وشر الأخلاء من لم يزل ... يعاتب طورا وطورا يذم # يريك النصيحة عند اللقاء ... ويبريك في السر بري القلم # وأما الكبائر فنوعان: أن يهفو بها خاطئا، ويزل بها ساهيا، فالحرج فيها ~~مرفوع، والعتب عنها موضوع؛ لأن هفوة الخاطر هدر ولومه هذر. # وقال بعض الحكماء: لا تقطع أخاك إلا بعد ms277 عجز الحيلة عن استصلاحه. # PageV01P337 # وقال الأحنف بن قيس: حق الصديق أن تحتمل له ثلاثا: ظلم الغضب، وظلم ~~الدالة، وظلم الهفوة. وحكى ابن عون أن غلاما هاشميا عربد على قوم فأراد عمه ~~أن يسيء به فقال: يا عم إني قد أسأت وليس معي عقلي فلا تسئ بي ومعك عقلك. # وقال أبو نواس: # لم أؤاخذك إذ جنيت لأني ... واثق منك بالإخاء الصحيح # فجميل العدو غير جميل ... وقبيح الصديق غير قبيح # فإن تشبه خطؤه بالعمد، وسهوه بالقصد، تثبت ولم يلم بالتوهم فيكون ملوما، ~~ولذلك قيل: التثبت نصف العفو. وقال بعض الحكماء: لا يفسدك الظن على صديق ~~أصلحك اليقين له. # وقال بعض شعراء هذيل: # فبعض الأمر تصلحه ببعض ... فإن الغث يحمله السمين # ولا تعجل بظنك قبل خبر ... فعند الخبر تنقطع الظنون # ترى بين الرجال العين فضلا ... وفيما أضمروا الفضل المبين # كلون الماء مشتبها وليست ... تخبر عن مذاقته العيون # والثاني: أن يعتمد ما اجترم من كبائره، ويقصد ما اجترح من سيئاته. # ولا يخلو فيما أتاه من أربع أحوال: فالحال الأولى: أن يكون موتورا قد ~~قابل على وترته وكافأ على مساءته فاللائمة على من وتره عائدة، وإلى البادئ ~~بها راجعة؛ لأن المكافئ أعذر، وإن كان الصفح أجمل. ولذلك قال النبي - صلى ~~الله عليه وسلم -: «إياكم والمشارة فإنها تميت الغيرة وتحيي الغرة» . وقال ~~بعض الحكماء: من فعل ما شاء لقي ما لم يشأ. # وقال بعض الأدباء: من نالته إساءتك همه مساءتك. وقال بعض البلغاء: من ~~أولع بقبح المعاملة أوجع بقبح المقابلة. وقال صالح بن عبد القدوس: # إذا وترت امرأ فاحذر عداوته ... من يزرع الشوك لا يحصد به عنبا # إن العدو وإن أبدى مسالمة ... إذا رأى منك يوما فرصة وثبا # والإغضاء عن هذا أوجب، وإن لم تكن المكافأة ذنبا لأنه قد رأى عقبى # PageV01P338 # إساءته، فإن واصل الشر واصلته المكافأة. وقد قيل: باعتزالك الشر يعتزلك ~~وبحسن النصفة يكون المواصلون. # وقال بعض الحكماء: من كنت سببا لبلائه وجب عليك التلطف له في علاجه من ~~دائه. وقد قال أوس بن حجر: ms278 # إذا كنت لم تعرض عن الجهل والخنا ... أصبت حليما أو أصابك جاهل # والحال الثانية: أن يكون عدوا قد استحكمت شحناؤه، واستوعرت سراؤه، ~~واستخشنت ضراؤه، فهو يتربص بدوائر السوء انتهاز فرصه، ويتجرع بمهانة العجز ~~مرارة غصصه، فإذا ظفر بنائبة ساعدها، وإذا شاهد نعمة عاندها، فالبعد منه ~~حذرا أسلم، والكف عنه متاركة أغنم، فإنه لا يسلم من عواقب شره، ولا يفلت من ~~غوائل مكره. وقد قالت الحكماء: لا تعرضن لعدوك في دولته فإذا زالت كفيت ~~شره. # وقال لقمان لابنه: يا بني كذب من قال إن الشر بالشر يطفأ، فإن كان صادقا ~~فليوقد نارين ولينظر هل تطفئ إحداهما الأخرى، وإنما يطفئ الخير الشر كما ~~يطفئ الماء النار. وقال جعفر بن محمد: كفاك من الله نصرا أن ترى عدوك يعصي ~~الله فيك. وقال بعض الحكماء: بالسيرة العادلة يقهر المعادي. # وقال البحتري: # وأقسم لا أجزيك بالشر مثله ... كفى بالذي جازيتني لك جازيا # والحال الثالثة: أن يكون لئيم الطبع خبيث الأصل قد أغراه لؤم الطبع على ~~سوء الاعتقاد، وبعثه خبث الأصل على إتيان الفساد، فهو لا يستقبح الشر ولا ~~يكف عن المكروه. فهذه الحالة أطم؛ لأن الأضرار بها أعم، ولا سلامة من مثله ~~إلا بالبعد والانقباض، ولا خلاص منه إلا بالصفح والإعراض، فإنه كالسبع ~~الضاري في سوارح الغنم وكالنار المتأججة في يابس الحطب لا يقربها إلا تالف ~~ولا يدنو منها إلا هالك. # روى مكحول عن أبي أمامة - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- أنه قال: «الناس كشجرة ذات جنى ويوشك أن يعودوا كشجرة ذات شوك إن # PageV01P339 # ناقدتهم ناقدوك، وإن هربت منهم طلبوك، وإن تركتهم لم يتركوك قيل: يا رسول ~~الله وكيف المخرج؟ قال: أقرضهم من عرضك ليوم فاقتك» . وقال عبد الله بن ~~العباس: العاقل الكريم صديق كل أحد إلا من ضره، والجاهل اللئيم عدو كل أحد ~~إلا من نفعه. وقال: شر ما في الكريم أن يمنعك خيره، وخير ما في اللئيم أن ~~يكف عنك شره. # وقال بعض البلغاء: أعداؤك داؤك وفي البعد عنهم ms279 شفاؤك. وقال بعض البلغاء: ~~شرف الكريم تغافله عن اللئيم. ووصى بعض الحكماء ابنه فقال: يا بني إذا سلم ~~الناس منك فلا عليك أن لا تسلم منهم فإنه قل ما اجتمعت هاتان النعمتان. ~~وقال عبد المسيح بن نفيلة: # الخير والشر مقرونان في قرن ... فالخير مستتبع والشر محذور # والحال الرابعة: أن يكون صديقا قد استحدث نبوة وتغيرا، أو أخا قد استجد ~~جفوة وتنكرا، فأبدى صفحة عقوقه، واطرح لازم حقوقه، وعدل عن بر الإخاء إلى ~~جفوة الأعداء. فهذا قد يعرض في المودات المستقيمة كما تعرض الأمراض في ~~الأجسام السليمة فإن عولجت أقلعت، وإن أهملت أسقمت ثم أتلفت. ولذلك قالت ~~الحكماء: دواء المودة كثرة التعاهد. # وقال كشاجم: # أقل ذا الود عثرته وقفه ... على سنن الطريق المستقيمه # ولا تسرع بمعتبة إليه ... فقد يهفو ونيته سليمه # ومن الناس من يرى أن متاركة الإخوان إذا نفروا أصلح، واطراحهم إذا فسدوا ~~أولى، كأعضاء الجسد إذا فسدت كان قطعها أسلم فإن شح بها سرت إلى نفسه، ~~وكالثوب إذا خلق كان اطراحه بالجديد له أجمل. وقد قال بعض الحكماء: رغبتك ~~فيمن يزهد فيك ذل نفس، وزهدك فيمن يرغب فيك صغر همة. وقد قال بزرجمهر: من ~~تغير عليك في مودته فدعه حيث كان قبل معرفته. وقال نصر بن أحمد الخبز أرزي: # PageV01P340 # صل من دنا وتناس من بعدا ... لا تكرهن على الهوى أحدا # قد أكثرت حواء إذ ولدت ... فإذا جفا ولد فخذ ولدا # فهذا مذهب من قل وفاؤه، وضعف إخاؤه، وساءت طرائقه، وضاقت خلائقه، ولم يكن ~~فيه فضل الاحتمال، ولا صبر على الإدلال، فقابل على الجفوة، وعاقب على ~~الهفوة، واطرح سالف الحقوق، وقابل العقوق بالعقوق، فلا بالفضل أخذ ولا إلى ~~العفو أخلد. # وقد علم أن نفسه قد تطغى عليه فترديه، وأن جسمه قد يسقم عليه فيؤلمه ~~ويؤذيه، وهما أخص به وأحنى عليه من صديق قد تميز بذاته، وانفصل بأدواته ~~فيريد من غيره لنفسه ما لا يجده من نفسه لنفسه. هذا عين المحال ومحض الجهل ~~مع أن من لم يحتمل بقي فردا وانقلب ms280 الصديق فصار عدوا. وعداوة من كان صديقا ~~أعظم من عداوة من لم يزل عدوا. ولذلك قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: ~~«أوصاني ربي بسبع: الإخلاص في السر والعلانية وأن أعفو عمن ظلمني وأعطي من ~~حرمني وأصل من قطعني وأن يكون صمتي فكرا، ونطقي ذكرا ونظري عبرة» . # وقال لقمان لابنه: يا بني لا تترك صديقك الأول فلا يطمئن إليك الثاني، يا ~~بني اتخذ ألف صديق والألف قليل ولا تتخذ عدوا واحدا والواحد كثير. وقيل ~~للمهلب بن أبي صفرة: ما تقول في العفو والعقوبة؟ قال: هما بمنزلة الجود ~~والبخل فتمسك بأيهما شئت. # وأنشد ثعلب: # إذا أنت لم تستقبل الأمر لم تجد ... بكفيك في إدباره متعلقا # إذا أنت لم تترك أخاك وزلة ... إذا زلها أوشكتما أن تفرقا # فإذا كان الأمر على ما وصفت فمن حقوق الصفح الكشف عن سبب الهفوة ليعرف ~~الداء فيعالجه فإن لم يعرف الداء لم يقف على الدواء كما قد قال المتنبي: # فإن الجرح ينفر بعد حين ... إذا كان البناء على فساد # وإذا كان ذلك كذلك فلا يخلو حال السبب من أن يكون لملل أو # PageV01P341 # زلل. فإن كان لملل فمودات الملول ظل الغمام وحلم النيام. وقد قيل في ~~منثور الحكم: لا تأمنن لملول، وإن تحلى بالصلة وعلاجه أن يترك على ملله ~~فيمل الجفاء كما مل الإخاء. وإن كان لزلل لوحظت أسبابه فإن كان لها مدخل في ~~التأويل وشبهة تئول إلى جميل حمله على أجمل تأويله وصرفه إلى أحسن جهة، ~~كالذي حكي عن خالد بن صفوان أنه مر به صديقان له فعرج عليه أحدهما وطواه ~~الآخر، فقيل له في ذلك فقال: نعم عرج علينا هذا بفضله، وطوانا ذاك بثقته ~~بنا. وأنشد بعض أهل الأدب لمحمد بن داود الأصفهاني: # وتزعم للواشين أني فاسد ... عليك وأني لست فيما عهدتني # وما فسدت لي يعلم الله نية ... عليك ولكن خنتني فاتهمتني # غدرت بعهدي عامدا وأخفتني ... فخفت ولو آمنتني لأمنتني # وإن لم يكن لزلله في التأويل مدخل نظر بعد زلله فإن ظهر ندمه وبان خجله ~~فالندم ms281 توبة والخجل إنابة، ولا ذنب لتائب ولا لوم على منيب، ولا يكلف عذرا ~~عما سلف، فيلجأ إلى ذل التحريف، أو خجل التعنيف. # ولذلك قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إياكم والمعاذر فإن أكثرها ~~مفاجر» . وقال علي - رضي الله عنه -: كفى بما يعتذر منه تهمة. وقال مسلم بن ~~قتيبة لرجل اعتذر إليه: لا يدعونك أمر قد تخلصت منه إلى الدخول في أمر لعلك ~~لا تخلص منه. وقال بعض الحكماء: شفيع المذنب إقراره، وتوبته اعتذاره. وقال ~~بعض البلغاء: من لم يقبل التوبة عظمت خطيئته، ومن لم يحسن إلى التائب قبحت ~~إساءته. # وقال بعض الحكماء: الكريم من أوسع المغفرة إذا ضاقت بالمذنب المعذرة. ~~وقال بعض الشعراء: # العذر يلحقه التحريف والكذب ... وليس في غير ما يرضيك لي أرب # وقد أسأت فبالنعمى التي سلفت ... إلا مننت بعفو ما له سبب # وإن عجل العذر قبل توبته وقدم التنصل قبل إنابته فالعذر توبة والتنصل # PageV01P342 # إنابة فلا يكشف عن باطن عذره، ولا يعنف بظاهر غدره، فيكون لئيم الظفر سيء ~~المكافأة. # وقد قيل: من غلبته الحدة فلا تغتر بمودته. وقال بعض الحكماء: شافع المذنب ~~خضوعه إلى عذره. وقال بعض الشعراء: # اقبل معاذير من يأتيك معتذرا ... إن بر عندك فيما قال أو فجرا # فقد أطاعك من يرضيك ظاهره ... وقد أجلك من يعصيك مستترا # وإن ترك نفسه في زلله، ولم يتدارك بعذره وتنصله، ولا محاه بتوبته، ~~وإنابته، راعيت في المتاركة فستجده لا ينفك فيها من أمور ثلاثة: # أحدها: أن يكون قد كف عن سيئ عمله، وأقلع عن سالف زلله، فالكف إحدى ~~التوبتين، والإقلاع أحد العذرين. فكن أنت المعتذر عنه بصفحك والمتنصل له ~~بفضلك. فقد قال عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -: المحسن على المسيء أمير. # والثاني: أن يكون قد وقف على ما أسلف من زلله غير تارك ولا متجاوز فوقوف ~~المرض أحد البرأين، وكفه عن الزيادة إحدى الحسنيين، وقد استبقى بالوقوف عن ~~المتجاوز أحد شطريه فعول به على صلاح شطره الآخر. وإياك وإرجاءه فإن ~~الإرجاء يفسد شطر صلاحه، والتلافي يصلح شطر ms282 فساده، فإن من سقم من جسمه ما ~~لم يعالجه سرى السقم إلى صحته، وإن عالجه سرت الصحة إلى سقمه. # والثالث: أن يتجاوز مع الأوقات فيزيد فيه على مرور الأيام، فهذا هو الداء ~~العضال فإن أمكن استدراكه وتأتى استصلاحه، وذلك باستنزاله عنه إن علا، ~~وبإرغابه إن دنا، وبعتابه إن ساوى، وإلا فآخر الداء العياء الكي. ومن بلغت ~~به الأعذار إلى غايتها فلا لائمة عليه والمقيم على شقاقه باغ مصروع. # وقد قيل: من سل سيف البغي أغمده في رأسه فهذا شرط. وأما المسامحة في ~~الحقوق؛ فلأن الاستيفاء موحش والاستقصاء منفر ومن أراد كل حقه من النفوس ~~المستصعبة بشح أو طمع لم يصل إليه إلا بالمنافرة والمشاقة، ولم يقدر عليه ~~إلا بالمخاشنة والمشاحة؛ لما استقر في الطباع من مقت من شاقها ونافرها، ~~وبغض من شاحها ونازعها، كما استقر حب من ياسرها وسامحها فكان أليق لأمور ~~المروءة استلطاف النفوس # PageV01P343 # بالمياسرة والمسامحة، وتألفها بالمقاربة والمساهلة. # وقال بعض الحكماء: من عاشر إخوانه بالمسامحة دامت له موداتهم. وقال بعض ~~الأدباء: إذا أخذت عفو القلوب زكا ريعك، وإن استقصيت أكديت. # والمسامحة نوعان في عقود وحقوق. فأما العقود فهو أن يكون فيها سهل ~~المناجزة، قليل المحاجزة مأمون الغيبة بعيدا من المكر والخديعة. روي عن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «أجملوا في طلب الدنيا فإن كلا ميسر ~~لما كتب له منها» . # وقال - صلى الله عليه وسلم -: «ألا أدلكم على شيء يحبه الله تعالى ~~ورسوله؟ قالوا: بلى يا رسول الله. قال: التغابن للضعيف» . وحكى ابن عون أن ~~عمر بن عبيد الله اشترى للحسن البصري إزارا بستة دراهم ونصف فأعطى التاجر ~~سبعة دراهم، فقال: ثمنه ستة دراهم ونصف. فقال: إني اشتريته لرجل لا يقاسم ~~أخاه درهما. # ومن الناس من يرى أن المساهلة في العقود عجز، وأن الاستقصاء فيها حزم، ~~حتى أنه لينافس في الحقير، وإن جاد بالجليل الكثير كالذي حكي عن عبد الله ~~بن جعفر وقد ماكس في درهم، وهو يجود بما يجود به، فقيل له في ذلك فقال: ذلك ms283 ~~مالي أجود به وهذا عقلي بخلت به. # وهذا إنما ينساع من أهل المروءة في دفع ما يخادعهم به الأدنياء، ويغابنهم ~~به الأشحاء، وهكذا كانت حال عبد الله بن جعفر. فأما مماكسة الاستنزال ~~والاستسماح فكلا؛ لأنه مناف للكرم ومباين للمروءة. # وأما الحقوق فتتنوع المسامحة فيها نوعين: أحدهما في الأحوال، والثاني في ~~الأموال. فأما المسامحة في الأحوال فهو إطراح المنازعة في الرتب وترك ~~المنافسة في التقدم. فإن مشاحة النفوس فيها أعظم والعناد عليها أكثر، فإن ~~سامح فيها ولم ينافس كان مع أخذه بأفضل الأخلاق # PageV01P344 # واستعماله لأحسن الآداب أوقع في النفوس من إفضاله برغائب الأموال، ثم هو ~~أزيد في رتبته وأبلغ في تقدمه. # وإن شاح فيها ونازع كان مع ارتكابه لأخشن الأخلاق واستعماله لأهجن الآداب ~~أنكى في النفوس من حد السيف وطعن السنان، ثم هو أخفض للمرتبة وأمنع من ~~التقدم. حكي أن فتى من بني هاشم تخطى رقاب الناس عند ابن أبي دؤاد فقال: يا ~~بني إن الآداب ميراث الأشراف ولست أرى عندك من سلفك إرثا. # وأما المسامحة في الأموال فتتنوع ثلاثة أنواع: مسامحة إسقاط لعدم، ~~ومسامحة تخفيف لعجز، ومسامحة إنكار لعسرة. وهي مع اختلاف أسبابها تفضل ~~مأثور وتآلف مشكور. وإذا كان الكريم قد يجود بما تحويه يده، وينفذ فيه ~~تصرفه، كان أولى أن يجود بما خرج عن يده فطاب نفسا بفراقه. # وقد تصل المسامحة في الحقوق إلى من لا يقبل البر ويأبى الصلة فيكون أحسن ~~موقعا وأزكى محلا. وربما كانت المسامحة فيها آمن من رد السائل ومنع ~~المجتدي؛ لأن السائل كما اجترأ على سؤالك فسيجترئ على سؤال غيرك إن رددته. ~~وليس كل من صار أسير حقك، ورهين دينك يجد بدا من مسامحتك ومياسرتك، ثم لك ~~مع ذلك حسن الثناء وجزيل الأجر. وقال محمود الوراق - رحمه الله -: # المرء بعد الموت أحدوثة ... يفنى وتبقى منه آثاره # فأحسن الحالات حال امرئ ... تطيب بعد الموت أخباره # فهذه حال المياسرة. # وأما الإفضال فنوعان: إفضال اصطناع، وإفضال استكفاف ودفاع. فأما إفضال ~~الاصطناع فنوعان: أحدهما: ما أسداه جودا في ms284 شكور. والثاني: ما تألف به نبوة ~~نفور. وكلاهما من شروط المروءة لما فيهما من ظهور الاصطناع، وتكاثر الأشياع ~~والأتباع. ومن قلت صنائعه في الشاكرين، وأعرض عن تألف النافرين، كان فردا ~~مهجورا، وتابعا محقورا. ولا مروءة لمتروك مطرح، ولا قدر لمحقور مهتضم. # وقال # PageV01P345 # عمر بن عبد العزيز: ما طاوعني الناس على شيء أردته من الحق حتى بسطت لهم ~~طرفا من الدنيا. # وقال بعض الحكماء: أقل ما يجب للمنعم بحق نعمته أن لا يتوصل بها إلى ~~معصيته. وأنشدت لبعض الأعراب: # من جمع المال ولم يجد به ... وترك المال لعام جدبه # هان على الناس هوان كلبه # يبقى الثناء وتذهب الأموال ... ولكل دهر دولة ورجال # ما نال محمدة الرجال وشكرهم ... إلا الجواد بماله المفضال # لا ترض من رجل حلاوة قوله ... حتى يصدق ما يقول فعال # فإن ضاقت به الحال عن الاصطناع بماله فقد عدم من آلة المكارم عمادها، ~~وفقد من شروط المروءة سنادها، فليواس بنفسه مواساة المساعف وليسعد بها ~~إسعاد المتألف. قال المتنبي: # فليسعد النطق إن لم تسعد الحال # وإن كان لا يراها، وإن أجهدها إلا تبعا للمفضلين قليلة بين المكثرين فإن ~~الناس لا يساوون بين المعطي والمانع، ولا يقنعهم القول دون الفعل، ولا ~~يغنيهم الكلام عن المال، ويرونه كالصدى إن رد صوتا لم يجد نفعا، كما قال ~~الشاعر: # يجود بالوعد ولكنه ... يدهن من قارورة فارغه # فكل ما خرج عندهم عن المال كان فارغا، وكل ما عدا الإفضال به كان هينا، ~~وقد قدمنا من القول في شروط الإفضال ما أقنع. # وأما إفضال الاستكفاف؛ فلأن ذا الفضل لا يعدم حاسد نعمة ومعاند فضيلة ~~يعتريه الجهل بإظهار عناده، ويبعثه اللؤم على البذاء بسفهه فإن غفل عن ~~استكفاف السفهاء، وأعرض عن استدفاع أهل البذاء، صار عرضه هدفا للمثالب، ~~وحاله عرضة للنوائب، وإذا استكفى السفيه واستدفع البذيء صان عرضه وحمى ~~نعمته. وقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه # PageV01P346 # قال: «ما وقى به المرء عرضه فهو صدقة» . وقالت عائشة - رضي الله عنها -: ~~ذبوا بأموالكم عن أحسابكم. # وامتدح ms285 رجل الزهري فأعطاه قميصه، فقال له رجل: أتعطي على كلام الشيطان؟ ~~فقال: من ابتغى الخير اتقى الشر. ولذلك قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: ~~«من أراد بر الوالدين فليعط الشعراء» . وهذا صحيح؛ لأن الشعر ساتر يستر به ~~ما ضمن من مدح أو هجاء ومن أجل ذلك قيل: لا تؤاخ شاعرا فإنه يمدحك بثمن ~~ويهجوك مجانا، ولاستكفاف السفهاء بالإفضال شرطان: # أحدهما: أن يخفيه حتى لا ينتشر فيه مطامع السفهاء فيتوصلون إلى اجتذابه ~~بسبه، وإلى ماله بثلبه. # والثاني: أن يتطلب له في المجاملة وجها ويجعله في الإفضال عليه سببا؛ ~~لأنه لا يرى أنه على السفه واستدامة البذاء. # واعلم أنك ما حييت ملحوظ المحاسن محفوظ المساوئ. ثم من بعد ذلك حديث ~~منتشر لا يراقبك صديق، ولا يحامي عنك شقيق، فكن أحسن حديث ينشر يكن سعيك في ~~الناس مشكورا، وأجرك عند الله مذخورا. فقد روى زياد بن الجراح، عن عمر بن ~~ميمون، أنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «اغتنم خمسا قبل ~~خمس: شبابك قبل هرمك وصحتك قبل سقمك وغناك قبل فقرك وفراغك قبل شغلك وحياتك ~~قبل موتك» . فهذا ما اقتضاه هذا الفصل من شروط المروءة، وإن كان كل كتابنا ~~هذا من شروطها وما اتصل بحقوقها، والله سبحانه وتعالى أعلم. ### | [الفصل الثامن في آداب منثورة] # آداب منثورة الفصل الثامن في آداب منثورة: اعلم أن الآداب مع اختلافها ~~بتنقل الأحوال وتغير العادات لا يمكن استيعابها، ولا يقدر على حصرها، وإنما ~~يذكر كل إنسان ما بلغه الوسع من آداب زمانه، واستحسن بالعرف من عادات دهره، ~~ولو أمكن ذلك لكان الأول قد أغنى الثاني عنها، والمتقدم # PageV01P347 # قد كفى المتأخر تكلفها، وإنما حظ الأخير أن يتعانى حفظ الشارد وجمع ~~المفترق. ثم يعرض ما تقدم على حكم زمانه، وعادات وقته، فيثبت ما كان ~~موافقا، وينفي ما كان مخالفا، ثم يستمد خاطره في استنباط زيادة واستخراج ~~فائدة فإن أسعف بشيء فاز بدركه، وحظي بفضيلته، ثم يعبر عن ذلك كله بما كان ~~مألوفا من كلام الوقت وعرف أهله فإن ms286 لأهل كل وقت في الكلام عادة تؤلف، ~~وعبارة تعرف؛ ليكون أوقع في النفوس وأسبق إلى الأفهام. # ثم يرتب ذلك على أوائله ومقدماته، ويثبته على أصوله وقواعده حسبما يقتضيه ~~الجنس فإن لكل نوع من العلوم طريقة هي أوضح مسلكا وأسهل مأخذا. فهذه خمسة ~~شروط هي حظ الأخير فيما يعانيه. وكذلك القول في كل تصنيف مستحدث ولولا ذلك ~~لكان تعاطي ما تقدم به الأول عناء ضائعا وتكلفا مستهجنا. ونرجو الله أن ~~يمدنا بالتوفيق لتأدية هذه الشروط، وتنهضنا المعونة بتوفية هذه الحقوق، حتى ~~نسلم من ذم التكلف ونبرأ من عيوب التقصير، وإن كان اليسير مغفورا والخاطئ ~~معذورا. # فقد قيل: من صنف كتابا فقد استهدف فإن أحسن فقد استعطف، وإن أساء فقد ~~استقذف. وقد مضت أبواب تضمنت فصولا رأيت إتباعها بما لم أحب الإخلال به. ~~فمن ذلك حال الإنسان في مأكله ومشربه فإن الداعي إلى ذلك شيئان: حاجة ماسة ~~وشهوة باعثة. فأما الحاجة فتدعو إلى ما سد الجوع وسكن الظمأ. وهذا مندوب ~~إليه عقلا وشرعا؛ لما فيه من حفظ النفس وحراسة الجسد. # ولذلك ورد الشرع بالنهي عن الوصال بين صوم اليومين؛ لأنه يضعف الجسد ~~ويميت النفس ويعجز عن العبادة. وكل ذلك يمنع منه الشرع ويدفع عنه العقل، ~~وليس لمن منع نفسه قدر الحاجة حظ من بر، ولا نصيب من زهد؛ لأن ما حرمها من ~~فعل الطاعات بالعجز والضعف أكثر ثوابا وأعظم أجرا، إذ ليس في ترك المباح ~~ثواب يقابل فعل الطاعات، وإتيان القرب، ومن أخسر نفسه ربحا موفورا، أو ~~أحرمها أجرا مذخورا، كان زهده في الخير أقوى من رغبته ولم يبق عليه من هذا ~~التكليف إلا الشهوة بريائه وسمعته. # وأما الشهوة فتتنوع نوعين: شهوة في الإكثار والزيادة # PageV01P348 # وشهوة في تناول الألوان الملذة. فأما النوع الأول وهو شهوة الزيادة على ~~قدر الحاجة، والإكثار على مقدار الكفاية، فهو ممنوع منه في العقل والشرع؛ ~~لأن تناول ما زاد على الكفاية نهم معر وشره مضر. وقد روي عن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - أنه قال: «إياكم والبطنة فإنها ms287 مفسدة للدين مورثة للسقم ~~مكسلة عن العبادة» . وقال علي - رضي الله عنه -: إن كنت بطنا فعد نفسك ~~زمنا. وقال بعض البلغاء: أقلل طعاما تحمد مناما. وقال بعض الأدباء: الرعب ~~لؤم والنهم شؤم. # وقال بعض الحكماء: أكبر الدواء تقدير الغذاء. وقال بعض الشعراء: # فكم من لقمة منعت أخاها ... بلذة ساعة أكلات دهر # وكم من طالب يسعى لأمر ... وفيه هلاكه لو كان يدري # وقال آخر: # كم دخلت أكلة حشا شره ... فأخرجت روحه من الجسد # لا بارك الله في الطعام إذا ... كان هلاك النفوس في المعد # ورب أكلة هاضت آكلا وحرمته مآكل. # روى أبو يزيد المدني، عن عبد الرحمن بن المرقع، قال: قال رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -: «إن الله لم يخلق وعاء مليئا شرا من بطن فإن كان لا بد ~~فاعلا فاجعلوا ثلثا للطعام وثلثا للشراب وثلثا للريح» . # وأما النوع الثاني وهو شهوة الأشياء الملذة ومنازعة النفوس إلى طلب ~~الأنواع الشهية فمذاهب الناس في تمكين النفس فيها مختلفة. فمنهم من يرى أن ~~صرف النفس عنها أولى، وقهرها عن اتباع شهواتها أحرى، ليذل له قيادها. ويهون ~~عليه عنادها؛ لأن تمكينها وما تهوى بطر يطغي وأشر يردي؛ لأن شهواتها غير ~~متناهية فإذا أعطاها المراد من شهوات وقتها تعدتها إلى شهوات قد استحدثتها، ~~فيصير الإنسان أسير شهوات لا تنقضي، وعبد هوى # PageV01P349 # لا ينتهي. # ومن كان بهذه الحال لم يرج له صلاح ولم يوجد فيه فضل. وأنشدت لأبي الفتح ~~البستي: # يا خادم الجسم كم تشقى بخدمته ... لتطلب الربح مما فيه خسران # أقبل على النفس واستكمل فضائلها ... فأنت بالنفس لا بالجسم إنسان # وللحذر من هذه الحال ما حكي أن أبا حزم - رحمه الله - كان يمر على ~~الفاكهة فيشتهيها فيقول: موعدك الجنة. وقال آخر: تمكين النفس من لذاتها ~~أولى، وإعطاؤها ما اشتهت من المباحات أحرى؛ لما فيه من ارتياح النفس بنيل ~~شهواتها، ونشاطها بإدراك لذاتها، فتنحسر عنها ذلة المقهور، وبلادة المجبور، ~~ولا تقصر عن درك ولا تعصي في نهضة ولا تكل عن استعانة. # وقال آخرون: بل توسط ms288 الأمرين أولى؛ لأن في إعطائها كل شهواتها بلادة ~~والنفس البليدة عاجزة، وفي منعها عن البعض كف لها عن السلاطة، وفي تمكينها ~~من البعض حسم لها عن البلادة. وهذا لعمري أشبه المواهب بالسلام؛ لأن التوسط ~~في الأمور أحمد. وإذ قد مضى الكلام في المأكول والمشروب فينبغي أن يتبع ~~بذكر الملبوس. # اعلم أن الحاجة، وإن كانت في المأكول والمشروب أدعى فهي إلى الملبوس ماسة ~~وبها إليه فاقة؛ لما في الملبوس من حفظ الجسد ودفع الأذى وستر العورة وحصول ~~الزينة. قال الله تعالى: {يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباسا يواري سوآتكم ~~وريشا ولباس التقوى ذلك خير} [الأعراف: 26] . # فمعنى قوله: (أنزلنا عليكم لباسا) ، أي خلقنا لكم ما تلبسون من الثياب. ~~يواري سوآتكم أي يستر عوراتكم وسميت العورة سوأة؛ لأنه يسوء صاحبها ~~انكشافها من جسده. # وقوله: وريشا، فيه أربعة تأويلات: أحدها أنه المال وهو قول مجاهد، ~~والثاني أنه اللباس والعيش والنعم وهو قول ابن عباس - رضي الله عنهما - ~~والثالث أنه المعاش وهو قول معبد الجهني، والرابع أنه الجمال # PageV01P350 # وهو قول عبد الرحمن بن زيد. وقوله: {ولباس التقوى} [الأعراف: 26] ، فيه ~~ستة تأويلات: # أحدها: أن لباس التقوى هو الإيمان وهو قول قتادة والسدي. # والثاني: أنه العمل الصالح وهو قول ابن عباس - رضي الله عنهما -. # والثالث: أنه السمت الحسن وهو قول عثمان بن عفان - رضي الله عنه -. # والرابع: هو خشية الله تعالى وهو قول عروة بن الزبير. # والخامس: أنه الحياء وهذا قول معبد الجهني. # والسادس: هو ستر العورة وهذا قول عبد الرحمن بن زيد. # وقوله: ذلك خير فيه تأويلان: # أحدهما: أن ذلك راجع إلى جميع ما تقدم من قوله: قد أنزلنا عليكم لباسا ~~يواري سوآتكم وريشا ولباس التقوى، ثم قال: ذلك خير، أي ذلك الذي ذكرته خير ~~كله. # والثاني: أن ذلك راجع إلى لباس التقوى ومعنى الكلام، وإن لباس التقوى خير ~~من الرياش واللباس وهذا قول قتادة والسدي. فلما وصف الله تعالى حال اللباس ~~وأخرجه مخرج الامتنان علم أنه معونة منه لشدة الحاجة إليه. # وإذا كان كذلك ms289 ففي اللباس ثلاثة أشياء: # أحدها دفع الأذى. والثاني: ستر العورة. # والثالث: الجمال والزينة. فأما دفع الأذى به فواجب بالعقل؛ لأن العقل ~~يوجب دفع المضار واجتلاب المنافع. وقد قال الله تعالى: {والله جعل لكم مما ~~خلق ظلالا وجعل لكم من الجبال أكنانا وجعل لكم سرابيل تقيكم الحر وسرابيل ~~تقيكم بأسكم} [النحل: 81] . # فأخبر بحالها ولم يأمر بها اكتفاء بما يقتضيه العقل، واستغناء بما يبعث ~~عليه الطبع. ويعني بالظلال الشجر وبالأكنان جمع كن وهو الموضع الذي يستكن ~~فيه، ويعني بقوله سرابيل تقيكم الحر ثياب القطن والكتان والصوف، وبقوله ~~وسرابيل تقيكم بأسكم الدروع التي تقي البأس وهو الحرب. # فإن قيل: كيف قال: تقيهم الحر ولم يذكر البرد، وقال: جعل لكم من الجبال ~~أكنانا ولم يذكر السهل، فعن ذلك جوابان: # أحدهما: أن القوم كانوا أصحاب جبال وخيام فذكر لهم الجبال وكانوا أصحاب ~~حر دون برد فذكر لهم نعمته عليهم فيما هو مختص بهم وهذا قول # PageV01P351 # عطاء. # والجواب الثاني: أنه اكتفاء بذكر أحدهما عن ذكر الآخر إذ كان معلوما أن ~~السرابيل التي تقي الحر أيضا تقي البرد ومن اتخذ من الجبال أكنانا اتخذ من ~~السهل، وهذا قول الجمهور. # وأما ستر العورة فقد اختلف الناس فيه هل وجب بالعقل أو بالشرع؟ فقالت ~~طائفة: وجب سترها بالعقل لما في ظهورها من القبح، وما كان قبيحا فالعقل ~~مانع منه. ألا ترى أن آدم وحواء لما أكلا من الشجرة التي نهيا عنها بدت ~~لهما سوآتهما وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة تنبيها لعقولهما في ستر ما ~~رأياه مستقبحا من سوآتهما؛ لأنهما لم يكونا قد كلفا ستر ما لم يبد لهما. ~~ولا كلفاه بعد أن بدت لهما وقبل سترها. # وقالت طائفة أخرى: بل ستر العورة واجب بالشرع؛ لأنه بعض الجسد الذي لا ~~يوجب العقل ستر باقيه، وإنما اختصت العورة بحكم شرعي فوجب أن يكون ما يلزم ~~من سترها حكما شرعيا. وقد كانت قريش وأكثر العرب مع ما كانوا عليه من وفور ~~العقل وصحة الألباب يطوفون بالبيت عراة ويحرمون على نفوسهم اللحم ms290 والودك. # ويرون ذلك أبلغ في القربة، وإنما القرب ما استحسنت في العقل حتى أنزل ~~الله تعالى: {يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد وكلوا واشربوا ولا تسرفوا ~~إنه لا يحب المسرفين} [الأعراف: 31] . # يعني بقوله: خذوا زينتكم، الثياب التي تستر عوراتكم، وكلوا واشربوا ما ~~حرمتموه على أنفسكم من اللحم والودك. وفي قوله تعالى: {ولا تسرفوا} ~~[الأعراف: 31] تأويلان: # أحدهما: لا تسرفوا في التحريم وهذا قول السدي. والثاني: لا تأكلوا حراما ~~فإنه إسراف وهذا قول ابن زيد. فأوجب بهذه الآية ستر العورة بعد أن لم يكن ~~العقل موجبا له فدل ذلك على أن سترها وجب بالشرع دون العقل. # PageV01P352 # وأما الجمال والزينة فهو مستحسن بالعرف والعادة من غير أن يوجبه عقل أو ~~شرع. وفي هذا النوع قد يقع التجاوز والتقصير والتوسط المطلوب فيه معتبر من ~~وجهين: # أحدهما: في صفة الملبوس وكيفيته. والثاني: في جنسه وقيمته. فأما صفته ~~فمعتبرة بالعرف من وجهين: أحدهما عرف البلاد فإن لأهل المشرق زيا مألوفا، ~~ولأهل المغرب زيا مألوفا، وكذلك لما بينهما من البلاد المختلفة عادات في ~~اللباس مختلفة. # والثاني: عرف الأجناس فإن للأجناد زيا مألوفا، وللتجار زيا مألوفا، وكذلك ~~لمن سواهما من الأجناس المختلفة عادات في اللباس. وإنما اختلفت عادات الناس ~~في اللباس من هذين الوجهين؛ ليكون اختلافهم سمة يتميزون بها، وعلامة لا ~~يخفون معها، فإن عدل أحد عن عرف بلده وجنسه كان ذلك منه خرقا وحمقا. ولذلك ~~قيل: العري الفادح خير من الزي الفاضح. # وأما جنس الملبوس وقيمته فمعتبر من وجهين: # أحدهما: بالمكنة من اليسار والإعسار فإن للموسر في الزي قدرا، وللمعسر ~~دونه. # والثاني: بالمنزلة والحال فإن لذي المنزلة الرفيعة في الزي قدرا، ~~وللمنخفض عنه دونه ليتفاضل فيه على حسب تفاضل أحوالهم فيصيروا به متميزين. ~~فإن عدل الموسر إلى زي المعسر كان شحا وبخلا، وإن عدل الرفيع إلى زي الدنيء ~~كان مهانة وذلا، وإن عدل المعسر إلى زي الموسر كان تبذيرا وسرفا، وإن عدل ~~الدنيء إلى زي الرفيع كان جهلا وتخلفا. # ولزوم العرف المعهود، واعتبار الحد المقصود، ms291 أدل على العقل وأمنع من ~~الذم. ولذلك قال عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -: إياكم لبستين: لبسة ~~مشهورة ولبسة محقورة. وقال بعض الحكماء: البس من الثياب ما لا يزدريك فيه ~~العظماء، ولا يعيبه عليك الحكماء. # وقال بعض الشعراء: # إن العيون رمتك إذ فاجأتها ... وعليك من شهر الثياب لباس # PageV01P353 # أما الطعام فكل لنفسك ما تشا ... واجعل لباسك ما اشتهاه الناس # واعلم أن المروءة أن يكون الإنسان معتدل الحال في مراعاة لباسه من غير ~~إكثار ولا اطراح، فإن اطراح مراعاتها وترك تفقدها مهانة وذل، وكثرة ~~مراعاتها وصرف الهمة إلى العناية لها دناءة ونقص. وربما توهم بعض من خلا من ~~فضل، وعري عن تمييز أن ذلك هو المروءة الكاملة، والسيرة الفاضلة؛ لما يرى ~~من تميزه بذلك عن الأكثرين، وخروجه عن جملة العوام المسترذلين. وخفي عليه ~~أنه إذا تعدى طوره، وتجاوز قدره، كان أقبح لذكره، وأبعث على ذمه. # فكان كما قال المتنبي: # لا يعجبن مضيما حسن بزته ... وهل يروق دفينا جودة الكفن # وحكى المبرد أن رجلا من قريش كان إذا اتسع لبس أرث ثيابه، وإذا ضاق لبس ~~أحسنها، فقيل له في ذلك، فقال: إذا اتسعت تزينت بالجود، وإذا ضقت فبالهيئة. ~~وقد أتى ابن الرومي بأبلغ من هذا المعنى في شعره فقال: # وما الحلي إلا زينة لنقيصة ... يتمم من حسن إذا الحسن قصرا # فأما إذا كان الجمال موفرا ... لحسنك لم يحتج إلى أن يزورا # ولذلك قالت الحكماء: ليست العزة حسن البزة. # وقال بعض الشعراء: # وترى سفيه القوم يدنس عرضه ... سفها ويمسح نعله وشراكها # وإذا اشتد كلفه بمراعاة لباسه قطعه ذلك عن مراعاة نفسه وصار الملبوس عنده ~~أنفس، وهو على مراعاته أحرص. # وقد قيل في منثور الحكم: البس من الثياب ما يخدمك ولا يستخدمك. وقال خالد ~~بن صفوان لإياس بن معاوية: أراك لا تبالي ما لبست؟ فقال: ألبس ثوبا أقي به ~~نفسي أحب إلي من ثوب أقيه بنفسي. فكما أنه لا يكون شديد الكلف بها فكذلك لا ~~يكون شديد الاطراح لها. فقد حكي عن ابن عائشة ms292 «أن رجلا جاء إلى # PageV01P354 # النبي - صلى الله عليه وسلم - فنظر إليه رث الهيئة فقال: ما مالك؟ قال: ~~من كل المال قد آتاني الله. فقال: إن الله تعالى يحب إذا أنعم على امرئ ~~نعمة أن ينظر إلى أثرها عليه» . وقد قيل: المروءة الظاهرة في الثياب ~~الطاهرة. # وهكذا القول في غلمانه وحشمه إن اشتد كلفه بهم صار عليهم قيما ولهم ~~خادما، وإن اطرحهم قل رشادهم وظهر فسادهم فصاروا سببا لمقته، وطريقا إلى ~~ذمه، لكن يكفهم عن سيئ الأخلاق ويأخذهم بأحسن الآداب ليكونوا كما قال فيهم ~~الشاعر: # سهل الفناء إذا مررت ببابه ... طلق اليدين مؤدب الخدام # وليكن في تفقد أحوالهم على ما يحفظ تجمله ويصون مبتذله. فقد روي عن النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «ادهنوا يذهب البؤس عنكم، والبسوا تظهر ~~نعمة الله عليكم، وأحسنوا إلى مماليككم فإنه أكبت لعدوكم» . # وليتوسط فيهم ما بين حالتي اللين والخشونة فإنه إن لان هان عليهم، وإن ~~خشن مقتوه وكان على خطر منهم. حكي أن المؤبذ سمع ضحك الخدام في مجلس ~~أنوشروان فقال: أما تمنع هؤلاء الغلمان؟ فقال أنوشروان: إنما بهم يهابنا ~~أعداؤنا. وقال أبو تمام الطائي: # حشم الصديق عيونهم بحاثة ... لصديقه عن صدقه ونفاقه # فلينظرن المرء من غلمانه ... فهم خلائفه على أخلاقه # واعلم أن للنفس حالتين: حالة استراحة إن حرمتها إياها كلت، وحالة تصرف إن ~~أرحتها فيها تخلت. فالأولى بالإنسان تقدير حاليه: حال نومه ودعته، وحال ~~تصرفه ويقظته، فإن لهما قدرا محدودا وزمانا مخصوصا يضر بالنفس مجاوزة ~~أحدهما، وتغير زمانهما. فقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: ~~«نومة الصبحة معجزة منفخة مكسلة مورمة مفشلة منسأة للحاجة» . وقال عبد الله ~~بن عباس - رضي الله عنهما -: النوم ثلاثة: نوم خرق وهي الصبحة، ونوم خلق ~~وهي القائلة، ونوم حمق وهو العشي. # وقد روى محمد بن يزدان، عن ميمون بن مهران، عن ابن عباس، قال # PageV01P355 # قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «نوم الضحى خرق، والقيلولة خلق، ~~ونوم العشي حمق» . وقيل في منثور الحكم: من لزم ms293 الرقاد عدم المراد. فإذا ~~أعطى النفس حقها من النوم والدعة، واستوفى حقه بالتصرف واليقظة، خلص ~~بالاستراحة من عجزها وكلالها، وسلم بالرياضة من بلادتها وفسادها. # وحكي أن عبد الله بن عمر بن عبد العزيز دخل على أبيه فوجده نائما فقال: ~~يا أبت أتنام والناس بالباب؟ فقال: يا بني نفسي مطيتي وأكره أن أتعبها فلا ~~تقوم بي. وينبغي أن يقسم حالة تصرفه ويقظته على المهم من حاجاته فإن حاجة ~~الإنسان لازمة والزمان يقصر عن استيعاب المهم، فكيف به إن تجاوز إلى ما ليس ~~بمهم هل يكون إلا: # كتاركة بيضها بالعراء ... وملبسة بيض أخرى جناحا # ثم عليه أن يتصفح في ليله ما صدر من أفعال نهاره، فإن الليل أخطر للخاطر ~~وأجمع للفكر. فإن كان محمودا أمضاه وأتبعه بما شاكله وضاهاه، وإن كان ~~مذموما استدركه إن أمكن وانتهى عن مثله في المستقبل. # فإنه إذا فعل ذلك وجد أفعاله لا تنفك من أربعة أحوال: إما أن يكون قد ~~أصاب فيها الغرض المقصود بها، أو يكون قد أخطأ فيها فوضعها في غير موضعها، ~~أو يكون قصر فيها فنقصت عن حدودها، أو يكون قد زاد فيها حتى تجاوزت ~~محدودها. وهذا التصفح إنما هو استظهار بعد تقديم الفكر قبل الفعل ليعلم به ~~مواقع الإصابة وينتهز به استدراك الخطأ. # وقد قيل: من كثر اعتباره قل عثاره. وكما يتصفح أحوال نفسه فكذا يجب أن ~~يتصفح أحوال غيره، فربما كان استدراكه الصواب منها أسهل بسلامة النفس من ~~شبهة الهوى، وخلو الخاطر من حسن الظن، فإن ظفر بصواب وجده من غيره، أو ~~أعجبه جميل من فعله زين نفسه بالعمل به. فإن السعيد من تصفح أفعال غيره ~~فاقتدى بأحسنها وانتهى عن سيئها. # وقد روى زيد بن خالد الجهني عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه ~~قال: «السعيد من وعظ بغيره» . وقال ` الشاعر: # إن السعيد له من غيره عظة ... وفي التجارب تحكيم ومعتبر # PageV01P356 # وأنشدني بعض أهل العلم لطاهر بن الحسين: # إذا أعجبتك خصال امرئ ... فكنه يكن منك ما يعجبك # فليس على المجد والمكرمات ms294 ... إذا جئتها حاجب يحجبك # فأما ما يرومه من أعماله، ويؤثر الإقدام عليه من مطالبه، فيجب أن يقدم ~~الفكر فيه قبل دخوله فإن كان الرجاء فيه أغلب من الإياس منه وحمدت العافية ~~فيه سلكه من أسهل مطالبه وألطف جهاته. وبقدر شرفه يكون الإقدام، وإن كان ~~الإياس أغلب عليه من الرجاء مع شدة التغرير ودناءة الأمر المطلوب فليحذر أن ~~يكون له متعرضا. # فقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «إذا هممت بأمر ففكر ~~في عاقبته فإن كان رشدا فأمضه، وإن كان غيا فانته عنه» . وقالت الحكماء: ~~طلب ما لا يدرك عجز. وقال بعض الشعراء: # فإياك والأمر الذي إن توسعت ... موارده ضاقت عليك المصادر # فما حسن أن يعذر المرء نفسه ... وليس له من سائر الناس عاذر # وليعلم أن لكل حين من أيام عمره خلقا، وفي كل وقت من أوقات دهره عملا فإن ~~تخلق في كبره بأخلاق الصغر، وتعاطى أفعال الفكاهة والبطر، استصغره من هو ~~أصغر وحقره من هو أقل وأحقر، وكان كالمثل المضروب بقول الشاعر: # وكل باز يمسه هرم ... تخرا على رأسه العصافير # فكن أيها العاقل مقبلا على شانك، راضيا عن زمانك، سلما لأهل دهرك، جاريا ~~على عادة عصرك، منقادا لمن قدمه الناس عليك، متحننا على من قدمك الناس ~~عليه، ولا تباينهم بالعزلة عنهم فيمقتوك، ولا تجاهرهم بالمخالفة لهم ~~فيعادوك، فإنه لا عيش لممقوت ولا راحة لمعادي. وأنشد بعض أهل الأدب لبعضهم: # إذا اجتمع الناس في واحد ... وخالفهم في الرضا واحد # فقد دل إجماعهم دونه ... على عقله أنه فاسد # PageV01P357 # واجعل نصح نفسك غنيمة عقلك، ولا تداهنها بإخفاء عيبك وإظهار عذرك، فيصر ~~عدوك أحظى منك في زجر نفسه بإنكارك ومجاهرتك من نفسك التي هي أخص بك ~~لإغرائك لها بأعذارك ومساءتك. فحسبك سوءا رجل ينفع عدوه ويضر نفسه. # وقال بعض الحكماء: أصلح نفسك لنفسك يكن الناس تبعا لك. وقال بعض البلغاء: ~~من أصلح نفسه أرغم أنف أعاديه، ومن أعمل جده بلغ كنه أمانيه. وقال بعض ~~الأدباء: من عرف معابه فلا يلم من ms295 عابه. وأنشدني أبو ثابت النحوي لبعض ~~الشعراء: # ومصروفة عيناه عن عيب نفسه ... ولو بان عيب من أخيه لأبصرا # ولو كان ذا الإنسان ينصف نفسه ... لأمسك عن عيب الصديق وقصرا # فهذب أيها الإنسان نفسك بأفكار عيوبك وانفعها كنفعك لعدوك فإن من لم يكن ~~له من نفسه واعظ لم تنفعه المواعظ. أعاننا الله، وإياك على القول بالعمل ~~وعلى النصح بالقبول وحسبنا الله وكفى. PageV01P358 ms296