######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shamela_0022881 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: أبو الحسن علي بن محمد بن محمد بن حبيب البصري البغدادي، الشهير بالماوردي (المتوفى: 450هـ) #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 450 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: الأحكام السلطانية #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: السياسة الشرعية والقضاء #META# 022.BookVOLS :: 1 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shamela_0022881 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shamela.ws/browse.php/book-22881 #META# 031.LibURL :: http://shamela.ws/index.php/book/22881 #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: NODATA #META# 041.EdNUMBER :: NODATA #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: دار الحديث - القاهرة #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: NODATA #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# ### | مقدمة المؤلف # بسم الله الرحمن الرحيم # وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم # قال الشيخ الإمام أبو الحسن الماوردي: الحمد لله الذي أوضح لنا معالم ~~الدين، ومن علينا بالكتاب المبين، وشرع لنا من الأحكام، وفصل لنا من الحلال ~~والحرام ما جعله على الدنيا حكما تقررت به مصالح الخلق، وثبتت به قواعد ~~الحق، ووكل إلى ولاة الأمور ما أحسن فيه التقدير، وأحكم به التدبير، فله ~~الحمد على ما قدر ودبر، وصلواته وسلامه على رسوله الذي صدع بأمره، وقام ~~بحقه محمد النبي وعلى آله وصحابته. # ولما كانت الأحكام السلطانية بولاة الأمور أحق، وكان امتزاجها بجميع ~~الأحكام يقطعهم عن تصفحها مع تشاغلهم بالسياسة والتدبير، أفردت لها كتابا ~~امتثلت فيه أمر من لزمت طاعته؛ ليعلم مذاهب الفقهاء فيما له منها فيستوفيه، ~~وما عليه منها فيوفيه؛ توخيا للعدل في تنفيذه وقضائه، وتحريا للنصفة في ~~أخذه وعطائه، وأنا أسأل الله تعالى حسن معونته، وأرغب إليه في توفيقه ~~وهدايته، وهو حسبي وكفى. # أما بعد: # فإن الله جلت قدرته ندب للأمة زعيما خلف به النبوة، وحاط به الملة، وفوض ~~إليه السياسة؛ ليصدر التدبير عن دين مشروع، وتجتمع الكلمة على رأي متبوع، ~~فكانت الإمامة أصلا عليه استقرت قواعد الملة، وانتظمت به مصالح الأمة حتى ~~استثبتت بها الأمور العامة، وصدرت عنها الولايات الخاصة، فلزم تقديم حكمها ~~على كل حكم سلطاني، ووجب ذكر ما اختص بنظرها على كل نظر ديني؛ لترتيب أحكام ~~الولايات على نسق متناسب الأقسام، متشاكل الأحكام. # والذي تضمنه هذا الكتاب من الأحكام السلطانية والولايات الدينية عشرون ~~بابا؛ # فالباب الأول: في عقد الإمامة. # والباب الثاني: في تقليد الوزارة. PageV01P013 # والباب الثالث: في تقليد الإمارة على البلاد. # والباب الرابع: في تقليد الإمارة على الجهاد. # والباب الخامس في الولاية على المصالح. # والباب السادس: في ولاية القضاء. # والباب السابع: في ولاية المظالم. # والباب الثامن: في ولاية النقابة على ذوي الأنساب. # والباب التاسع: في الولاية على إمامة الصلوات. # والباب العاشر: في الولاية على الحج. # والباب الحادي عشر: في ولاية الصدقات. # والباب الثاني عشر: ms001 في قسم الفيء والغنيمة. # والباب الثالث عشر: في وضع الجزية والخراج. # والباب الرابع عشر: فيما تختلف أحكامه من البلاد. # والباب الخامس عشر: في إحياء الموات واستخراج المياه. # والباب السادس عشر: في الحمى والأرفاق. # والباب السابع عشر: في أحكام الإقطاع. # والباب الثامن عشر: في وضع الديوان وذكر أحكامه. # والباب التاسع عشر: في أحكام الجرائم. # والباب العشرون: في أحكام الحسبة. PageV01P014 ### | الباب الأول: في عقد الإمامة ### || مدخل # الإمامة1: موضوعة لخلافة النبوة في حراسة الدين وسياسة الدنيا، وعقدها ~~لمن يقوم بها في الأمة واجب بالإجماع وإن شذ عنهم الأصم. # هل الخلافة واجبة بالشرع أم بالعقل؟ # واختلف في وجوبها2 هل وجبت بالعقل أو بالشرع؟ فقالت طائفة: وجبت بالعقل ~~لما في طباع العقلاء من التسليم لزعيم يمنعهم من التظالم، ويفصل بينهم في ~~التنازع والتخاصم، ولولا الولاة لكانوا فوضى مهملين، وهمجا مضاعين، وقد قال ~~الأفوه الأودي3، وهو شاعر جاهلي "من البسيط": # لا يصلح الناس فوضى لا سراة لهم %~% ولا سراة إذا جهالهم سادوا # وقالت طائفة أخرى: بل وجبت بالشرع دون العقل؛ لأن الإمام يقوم بأمور ~~شرعية قد PageV01P015 # كان مجوزا في العقل أن لا يرد التعبد بها، فلم يكن العقل موجبا لها، ~~وإنما أوجب العقل أن يمنع كل واحد نفسه من العقلاء عن التظالم والتقاطع، ~~ويأخذ بمقتضى العدل في التناصف والتواصل، فيتدبر بعقله لا بعقل غيره، ولكن ~~جاء الشرع بتفويض الأمور إلى وليه في الدين، قال الله -عز وجل: {يا أيها ~~الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم} [النساء: 59] . # ففرض علينا طاعة أولي الأمر فينا، وهم الأئمة المتأمرون علينا1. # وروى هشام بن عروة عن أبي صالح عن أبي هريرة أن رسول الله -صلى الله عليه ~~وسلم قال: {سيليكم بعدي ولاة، فيليكم البر ببره، ويليكم الفاجر بفجوره، ~~فاسمعوا لهم وأطيعوا في كل ما وافق الحق، فإن أحسنوا فلكم ولهم، وإن أساءوا ~~فلكم وعليهم} 2. PageV01P016 ### || فصل: "في بيان حكم الخلافة" # فإذا ثبت وجوب الإمامة ففرضها على الكفاية كالجهاد وطلب العلم، فإذا قام ~~بها من هو من أهلها سقط فرضها ms002 على الكفاية، وإن لم يقم بها أحد خرج من ~~الناس فريقان: # أحدهما: أهل الاختيار حتى يختاروا إماما للأمة1. # والثاني: أهل الإمامة حتى ينتصب أحدهم للإمامة، وليس على من عدا هذين ~~الفريقين من الأمة في تأخير الإمامة حرج ولا مأثم، وإذا تميز هذان الفريقان ~~من الأمة في فرض الإمامة وجب أن يعتبر كل فريق منهما بالشروط المعتبرة فيه. # فأما أهل الاختيار فالشروط المعتبرة فيهم ثلاثة: # أحدها: العدالة الجامعة لشروطها2 PageV01P017 # والثاني: العلم1 الذي يتوصل به إلى معرفة من يستحق الإمامة على الشروط ~~المعتبرة فيها. # والثالث: الرأي والحكمة2 المؤديان إلى اختيار من هو للإمامة أصلح، ~~وبتدبير المصالح أقوم وأعرف، وليس لمن كان في بلد الإمام على غيره من أهل ~~البلاد فضل مزية تقدم بها عليه، وإنما صار من يحضر ببلد الإمام متوليا لعقد ~~الإمامة عرفا لا شرعا؛ لسبوق علمهم بموته، ولأن من يصلح للخلافة في الأغلب ~~موجودون في بلده. PageV01P018 ### || فصل: "الشروط التي ينبغي توافرها في الخليفة" # وأما أهل الإمامة فالشروط المعتبرة فيهم سبعة: # أحدها: العدالة على شروطها الجامعة1. # والثاني: العلم المؤدي إلى الاجتهاد في النوازل والأحكام2. # والثالث: سلامة الحواس من السمع والبصر واللسان؛ ليصح معها مباشرة ما ~~يدرك بها. # والرابع: سلامة الأعضاء من نقص يمنع عن استيفاء الحركة وسرعة النهوض3. ~~PageV01P019 # والخامس: الرأي المفضي إلى سياسة الرعية وتدبير المصالح1. # والسادس: الشجاعة والنجدة المؤدية إلى حماية البيضة وجهاد العدو2. # والسابع: النسب، وهو أن يكون من قريش3؛ لورود النص فيه وانعقاد الإجماع ~~عليه، ولا اعتبار بضرار4 حين شذ فجوزها في جميع الناس؛ لأن أبا بكر الصديق ~~-رضي الله عنه- احتج يوم السقيفة على الأنصار في دفعهم عن الخلافة لما ~~بايعوا سعد بن عبادة عليها بقول النبي -صلى الله عليه وسلم: "الأئمة من ~~قريش" 5 فأقلعوا عن التفرد بها ورجعوا عن المشاركة فيها حين قالوا: منا ~~أمير ومنكم أمير، تسليما لروايته وتصديقا لخبره ورضوا بقوله: نحن الأمراء ~~وأنتم الوزراء، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم: "قدموا قريشا ولا تقدموها" ~~6. # وليس مع هذا النص المسلم شبهة لمنازع فيه، ولا ms003 قول لمخالف له7. ~~PageV01P020 ### || فصل: "بم تنعقد الإمامة"؟ # والإمامة تنعقد من وجهين: # أحدهما: باختيار أهل العقد والحل1. PageV01P021 # والثاني: بعهد الإمام من قبل1. # فأما انعقادها باختيار أهل الحل والعقد2 فقد اختلف العلماء في عدد من ~~تنعقد به PageV01P022 # الإمامة منهم على مذاهب شتى، فقالت طائفة: لا تنعقد إلا بجمهور أهل العقد ~~والحل من كل بلد؛ ليكون الرضاء به عاما والتسليم لإمامته إجماعا، وهذا مذهب ~~مدفوع ببيعة أبي بكر -رضي الله عنه- على الخلافة باختيار من حضرها ولم ~~ينتظر ببيعته قدوم غائب عنها. # وقالت طائفة أخرى: أقل من تنعقد به منهم الإمامة خمسة يجتمعون على عقدها، ~~أو يعقدها أحدهم برضا الأربعة استدلالا بأمرين: # أحدهما: إن بيعة أبي بكر -رضي الله عنه- انعقدت بخمسة اجتمعوا عليها، ثم ~~تابعهم الناس فيها، وهم: عمر بن الخطاب وأبو عبيدة بن الجراح، وأسيد بن ~~حضير، وبشر بن سعد، وسالم مولى أبي حذيفة -رضي الله عنهم. # والثاني: عمر -رضي الله عنه- جعل الشورى في ستة ليعقد لأحدهم برضا ~~الخمسة، وهذا قول أكثر الفقهاء والمتكلمين من أهل البصرة. PageV01P023 # وقال آخرون من علماء الكوفة: تنعقد بثلاثة يتولاها أحدهم برضا الاثنين ~~ليكونوا حاكما وشاهدين، كما يصح عقد النكاح بولي وشاهدين. # وقالت طائفة أخرى: تنعقد بواحد؛ لأن العباس قال لعلي -رضوان الله عليهما: ~~امدد يدك أبايعك، فيقول الناس: عم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بايع ابن ~~عمه، فلا يختلف عليك اثنان، ولأنه حكم وحكم واحد نافذ. PageV01P024 ### || فصل: "في وجوب اختيار الأصلح" # فإذا اجتمع أهل العقد والحل للاختيار تصفحوا أحوال أهل الإمامة الموجودة ~~فيهم شروطها، فقدموا للبيعة منهم أكثرهم فضلا وأكملهم شروطا، ومن يسرع ~~الناس إلى طاعته، ولا يتوقفون عن بيعته، فإذا تعين لهم من بين الجماعة من ~~أداهم الاجتهاد إلى اختياره عرضوها عليه، فإن أجاب إليها بايعوه عليها، ~~وانعقدت ببيعتهم له الإمامة1، فلزم كافة PageV01P025 # الأمة الدخول في بيعته والانقياد لطاعته، وإن امتنع من الإمامة ولم يجب ~~إليها لم يجبر عليها؛ لأنها عقد مراضاة واختيار لا يدخله إكراه ولا إجبار، ~~وعدل عنه إلى من سواه من مستحقيها. # فلو ms004 تكافأ في شروط الإمامة اثنان قدم لها اختيارا أسنهما وإن لم تكن ~~زيادة السن مع كمال البلوغ شرطا، فإن بويع أصغرهما سنا جاز، ولو كان أحدهما ~~أعلم والآخر أشجع روعي في الاختيار ما يوجبه حكم الوقت، فإن كانت الحاجة ~~إلى فضل الشجاعة أدعى لانتشار الثغور وظهور البغاة كان الأشجع أحق، وإن ~~كانت الحاجة إلى فضل العلم أدعى لسكون الدهماء وظهور أهل البدع كان الأعلم ~~أحق، فإن وقف الاختيار على واحد من اثنين فتنازعاها، فقد قال بعض الفقهاء: ~~إن التنازع فيها لا يكون قدحا مانعا. # وليس طلب الإمامة مكروها، فقد تنازع فيها أهل الشورى، فما رد عنها طالب، ~~ولا منع منها راغب، واختلف الفقهاء فيما يقطع به تنازعهما مع تكافؤ ~~أحوالهما، فقالت طائفة: يقرع بينهما ويقدم من قرع منهما. # وقال آخرون: بل يكون أهل الاختيار بالخيار في بيعة أيهما شاءوا1 من غير ~~قرعة، فلو PageV01P026 # تعين لأهل الاختيار واحد هو أفضل الجماعة فبايعوه على الإمامة، وحدث بعده ~~من هو أفضل منه انعقدت ببيعتهم إمامة الأول، ولم يجز العدول عنه إلى من هو ~~أفضل منه؛ ولو ابتدءوا بيعة المفضول مع وجود الأفضل نظر، فإن كان ذلك لعذر ~~دعا إليه من كون الأفضل غائبا أو مريضا، أو كون المفضول أطوع في الناس ~~وأقرب في القلوب، انعقدت بيعة المفضول وصحت إمامته. # وإن بويع لغير عذر فقد اختلف في انعقاد بيعته وصحت إمامته؛ فذهبت طائفة ~~منهم الجاحظ إلى أن بيعته لا تنعقد؛ لأن الاختيار إذا دعا إلى أولى الأمرين ~~لم يجز العدول عنه إلى غيره مما ليس بأولى كالاجتهاد في الأحكام الشرعية. # وقال الأكثر من الفقهاء والمتكلمين: تجوز إمامته وصحت بيعته، ولا يكون ~~وجود الأفضل مانعا من إمامة المفضول إذا لم يكن مقصرا عن شروط الإمامة، كما ~~يجوز في ولاية القضاء تقليد المفضول مع وجود الأفضل؛ لأن زيادة الفضل ~~مبالغة في الاختيار، وليست معتبرة في شروط الاستحقاق، فلو تفرد في الوقت ~~بشروط الإمامة واحد لم يشرك فيها غيره تعينت فيه الإمامة، ولم يجز أن يعدل ~~بها ms005 عنه إلى غيره1. PageV01P027 # واختلف أهل العلم في ثبوت إمامته وانعقاد ولايته بغير عقد ولا اختيار؛ ~~فذهب بعض فقهاء العراق إلى ثبوت ولايته وانعقاد إمامته، وحمل الأمة على ~~طاعته وإن لم يعقدها أهل الاختيار؛ لأن مقصود الاختيار تمييز المولى وقد ~~تميز هذا بصفته. # وذهب جمهور الفقهاء والمتكلمين إلى أن إمامته لا تنعقد إلا بالرضا ~~والاختيار، لكن يلزم أهل الاختيار عقد الإمامة له، فإن اتفقوا أتموا؛ لأن ~~الإمامة عقد لا يتم إلا بعاقد، وكالقضاء إذا لم يكن من يصلح له إلا واحد لم ~~يصر قاضيا حتى يولاه؛ فركب بعض من قال بذلك المذهب هذا الباب وقال: يصير ~~قاضيا إذا تفرد بصفته كما يصير المنفرد بصفته إماما. # وقال بعضهم: لا يصير المنفرد قاضيا وإن صار المنفرد إماما، وفرق بينهما ~~بأن القضاء نيابة خاصة يجوز صرفه عنه مع بقائه على صفته، فلم تنعقد ولايته ~~إلا بتقليد مستنيب له، والإمامة من الحقوق العامة المشتركة بين حق الله ~~تعالى وحقوق الآدميين، لا يجوز صرف من استقرت فيه إذا كان على صفة، فلم ~~يفتقر تقليد مستحقها مع تميزه إلى عقد مستثبت له. PageV01P028 ### || فصل: "في البيعة لخليفتين في وقت واحد" # وإذا عقدت الإمامة لإمامين في بلدين لم تنعقد إمامتهما؛ لأنه لا يجوز أن ~~يكون للأمة إمامان في وقت واحد، وإن شذ قوم فجوزوه. # واختلف الفقهاء في الإمام منهما؛ فقالت طائفة: هو الذي عقدت له الإمامة ~~في البلد الذي مات فيه من تقدمه؛ لأنهم بعقدها أخص، وبالقيام بها أحق، وعلى ~~كافة الأمة في الأمصار كلها أن يفوضوا عقدها إليهم، ويسلموها لمن بايعوه ~~لئلا ينتشر الأمر باختلاف الآراء وتباين الأهواء. # وقال آخرون: بل على كل واحد منهما أن يدفع الإمامة عن نفسه ويسلمها إلى ~~صاحبه طلبا للسلامة وحسما للفتنة؛ ليختار أهل العقد أحدهما أو غيرهما، وقال ~~آخرون: بل يقرع بينهما دفعا للتنازع وقطعا للتخاصم، فأيهما قرع كان ~~بالإمامة أحق. # والصحيح في ذلك وما عليه الفقهاء المحققون أن الإمامة لأسبقهما بيعة ~~وعقدا، كالوليين في نكاح المرأة إذا زوجاها باثنين كان النكاح ms006 لأسبقهما ~~عقدا. # فإذا تعين السابق منهما استقرت له الإمامة، وعلى المسبوق تسليم الأمر ~~إليه والدخول في بيعته، وإن عقدت الإمامة لهما في حال واحد لم يسبق بها ~~أحدهما فسد العقدان واستؤنف العقد لأحدهما أو لغيرهما، وإن تقدمت بيعة ~~أحدهما وأشكل المتقدم منهما وقف أمرهما على الكشف، فإن تنازعاها وادعى كل ~~واحد منهما أنه الأسبق لم تسمع دعواه ولم يحلف عليها؛ لأنه لا يختص بالحق ~~فيها، وإنما هو حق المسلمين جميعا، فلا حكم ليمينه فيه ولا لنكوله عنه، ~~وهكذا لو قطع التنازع فيها وسلمها أحدهما إلى الآخر لم تستقر إمامته إلا ~~ببينة تشهد بتقدمه، ولو أقر له بالتقدم خرج منها المقر ولم تستقر للآخر؛ ~~لأنه مقر في حق المسلمين، فإن شهد له المقر بتقدمه فيها مع شاهد آخر سمعت ~~شهادته إن ذكر اشتباه الأمر عليه عند التنازع، ولم يسمع منه إن لم يذكر ~~الاشتباه لما في القولين من التكاذب. PageV01P029 ### || فصل: "هل يقرع بين مرشحين للخلافة"؟ # وإذا دام الاشتباه بينهما بعد الكشف ولم تقم بينة لأحدهما بالتقدم لم ~~يقرع بينهما لأمرين: # أحدهما: إن الإمامة عقد، والقرعة لا مدخل لها في العقود. # والثاني: إن الإمامة لا يجوز الاشتراك فيها، والقرعة لا مدخل لها فيما لا ~~يصح الاشتراك فيه كالمناكح، وتدخل فيما يصح فيه الاشتراك كالأموال، ويكون ~~دوام هذا الاشتباه مبطلا لعقدي الإمامة فيهما، ويستأنف أهل الاختيار عقدها ~~لأحدهما، فلو أرادوا العدول بها عنهما إلى غيرهما، فقد قيل بجوازه لخروجهما ~~عنها، وقيل: لا يجوز؛ لأن البيعة لهما قد صرفت الإمامة عمن عداهما؛ ولأن ~~الاشتباه لا يمنع ثبوتها في أحدهما. PageV01P030 ### || فصل: "هل تنعقد الخلافة بولاية العهد" # وأما انعقاد الإمامة بعهد من قبله فهو مما انعقد الإجماع على جوازه، ووقع ~~الاتفاق على صحته؛ لأمرين عمل المسلمون بهما ولم يتناكروهما: # أحدهما: إن أبا بكر -رضي الله عنه- عهد بها إلى عمر -رضي الله عنه- فأثبت ~~المسلمون إمامته بعهده1. PageV01P030 # والثاني: أن عمر -رضي الله عنه- عهد بها إلى أهل الشورى، فقبلت الجماعة ~~دخولهم فيها، وهم أعيان العصر اعتقادا لصحة العهد بها، ms007 وخرج باقي الصحابة ~~منها، وقال علي للعباس -رضوان الله عليهما- حين عاتبه على الدخول في ~~الشورى: كان أمرا عظيما من أمور الإسلام لم أر لنفسي الخروج منه، فصار ~~العهد بها إجماعا في انعقاد الإمامة، فإذا أراد الإمام أن يعهد بها فعليه ~~أن يجهد رأيه في الأحق بها، والأقوم بشروطها، فإذا تعين له الاجتهاد في ~~واحد نظر فيه، فإن لم يكن ولدا ولا والدا جاز أن ينفرد بعقد البيعة له، ~~وبتفويض العهد إليه، وإن لم يستشر فيه أحدا من أهل الاختيار، لكن اختلفوا: ~~هل يكون ظهور الرضا منهم شرطا في انعقاد بيعته أو لا؟ فذهب بعض علماء أهل ~~البصرة إلى أن رضا أهل الاختيار لبيعته شرط في لزومها للأمة؛ لأنها حق ~~يتعلق بهم، فلم تلزمهم إلا برضا أهل الاختيار منهم. # والصحيح أن بيعته منعقدة وأن الرضا بها غير معتبر1؛ لأن بيعة عمر -رضي ~~الله عنه- لم تتوقف على رضا الصحابة؛ ولأن الإمام أحق بها، فكان اختياره ~~فيها أمضى، وقوله فيها أنفذ؛ وإن كان ولي العهد ولدا أو والدا فقد اختلف في ~~جواز انفراده بعقد البيعة له على ثلاثة مذاهب: # أحدها: لا يجوز أن ينفرد بعقد البيعة لولد ولا لوالد حتى يشاور فيه أهل ~~الاختيار فيرونه أهلا لها، فيصح منه حينئذ عقد البيعة له؛ لأن ذلك منه ~~تزكية له تجري مجرى الشهادة، وتقليده على الأمة يجري مجرى الحكم، وهو لا ~~يجوز أن يشهد لوالد ولا لولد ولا يحكم لواحد منهما للتهمة العائدة إليه بما ~~جبل من الميل إليه. # والمذهب الثاني: يجوز أن ينفرد بعقدها لولد ووالد؛ لأنه أمير الأمة نافذ ~~الأمر لهم PageV01P031 # وعليهم فغلب حكم المنصب على حكم النسب ولم يجعل للتهمة طريقا على أمانته ~~ولا سبيلا إلى معارضته وصار فيها كعهده بها إلى غير ولده ووالده، وهل يكون ~~رضا أهل الاختيار بعد صحة العهد معتبرا في لزومه للأمة أو لا؟ على ما ~~قدمناه من الوجهين. # والمذهب الثالث: إنه يجوز أن ينفرد بعقد البيعة لوالده، ولا يجوز أن ~~ينفرد بها لولده؛ لأن الطبع يبعث ms008 على ممايلة الولد أكثر مما يبعث على ~~ممايلة الوالد، ولذلك كان كل ما يقتنيه في الأغلب مذخورا لولده دون والده؛ ~~فأما عقدها لأخيه ومن قاربه من عصبته ومناسبيه، فكعقدها للبعداء الأجانب في ~~جواز تفرده بها. PageV01P032 ### || فصل: "في عهد الخليفة بالخلافة إلى من يلي بعده" # وإذا عهد الإمام بالخلافة إلى من يصح العهد إليه على الشروط المعتبرة ~~فيه، كان العهد موقوفا على قبول المولى1. # واختلف في زمان قبوله فقيل: بعد موت المولي في الوقت الذي يصح فيه نظر ~~المولى؛ وقيل -وهو الأصح: إنه ما بين عهد المولي وموته لتنتقل عنه الإمامة ~~إلى المولى مستقرة بالقبول المتقدم، وليس للإمام المولى عزل من عهد إليه ما ~~لم يتغير حاله وإن جاز له عزل من استنابه من سائر خلفائه؛ لأنه مستخلف لهم ~~في حق نفسه، فجاز له عزلهم، ومستخلف لولي عهده في حق المسلمين، فلم يكن له ~~عزله، كما لم يكن لأهل الاختيار عزل من بايعوه إذا لم يتغير حاله، فلو عهد ~~الإمام بعد عزل الأول إلى ثان كان عهد الثاني باطلا والأول على بيعته، فإن ~~خلع الأول نفسه لم يصح بيعة الثاني حتى يبتدئ. # وإذا استعفى ولي العهد لم يبطل عهده بالاستعفاء حتى يعفى للزومه من جهة ~~المولى ثم نظر، فإن وجد غيره جاز استعفاؤه وخرج من العهد بإجماعهما على ~~الاستعفاء والإعفاء، وإن لم يوجد غيره لم يجز استعفاؤه ولا إعفاؤه، وكان ~~العهد على لزومه من جهتي المولى PageV01P032 # والمولي؛ ويعتبر شروط الإمامة في المولى من وقت العهد إليه، وإن كان ~~صغيرا أو فاسقا وقت العهد وبالغا عدلا عند موت المولي لم تصح خلافته حتى ~~يستأنف أهل الاختيار بيعته. # وإذا عهد الإمام إلى غائب هو مجهول الحياة لم يصح عهده؛ وإن كان معلوم ~~الحياة وكان موقوفا على قدومه؛ فإن مات المستخلف وولي العهد على غيبته ~~استقدمه أهل الاختيار، فإن بعدت واستضر المسلمون بتأخير النظر في أمورهم ~~استناب أهل الاختيار نائبا عنه يبايعونه بالنيابة دون الخلافة، فإذا قدم ~~الخليفة الغائب انعزل المستخلف النائب، وكان نظره ms009 قبل قدوم الخليفة ماضيا، ~~وبعد قدومه مردودا، ولو أراد ولي العهد قبل موت الخليفة أن يرد ما إليه من ~~ولاية العهد إلى غيره لم يجز؛ لأن الخلافة لا تستقر له إلا بعد موت ~~المستخلف؛ وهكذا لو قال: جعلته ولي عهدي إذا أفضت الخلافة إلي لم يجز؛ لأنه ~~في الحال ليس خليفة، فلم يصح عهده بالخلافة. # وإذا خلع الخليفة نفسه انتقلت إلى ولي عهده، وقام خلعه مقام موته، ولو ~~عهد الخليفة إلى اثنين لم يقدم أحدهما على الآخر جاز، واختار أهل الاختيار ~~أحدهما بعد موته كأهل الشورى، فإن عمر -رضي الله عنه- جعلها في ستة. # حكى ابن إسحاق عن الزهري عن ابن عباس قال: وجدت عمر ذات يوم مكروبا، ~~فقال: ما أدري ما أصنع في هذا الأمر؟ أقوم فيه وأقعد؟ فقلت: هل لك في علي؟ ~~فقال: إنه لها لأهل، ولكنه رجل فيه دعابة، وإني لأراه لو تولى أمركم لحملكم ~~على طريقة من الحق تعرفونها، قال: قلت: فأين أنت عن عثمان؟ فقال: لو فعلت ~~لحمل ابن أبي معيط على رقاب الناس، ثم لم تلتفت إليه العرب حتى تضرب عنقه، ~~والله لو فعلت لفعل، ولو فعل لفعلوا؛ قال: فقلت: فطلحة، قال: إنه لزهو، ما ~~كان الله ليوليه أمر أمة محمد -صلى الله عليه وسلم- مع ما يعلم من زهوه، ~~قال: قلت: فالزبير، قال: إنه لبطل ولكنه يسأل عن الصاع والمد بالبقيع ~~بالسوق، أفذاك يلي أمور المسلمين؟ قال: فقلت: سعد بن أبي وقاص، قال: ليس ~~هناك إنه لصاحب مقتب يقاتل عليه، فأما ولي أمر فلا، قال: فقلت: فعبد الرحمن ~~بن عوف، قال: نعم الرجل ذكرت لكنه ضعيف، إنه والله لا يصلح لهذا الأمر يا ~~ابن عباس إلا القوي في غير PageV01P033 # عنف، اللين من غير ضعف، والممسك من غير بخل، والجواد في غير إسراف. # قال ابن عباس: فلما جرحه أبو لؤلؤة وآيس الطبيب من نفسه وقالوا له: اعهد، ~~جعلها شورى في ستة وقال: هذا الأمر إلى علي وبإزائه الزبير، وإلى عثمان ~~وبإزائه عبد الرحمن بن عوف، وإلى ms010 طلحة وبإزائه سعد بن أبي وقاص، فلما جاز ~~الشورى بعد موت عمر -رضي الله عنه- قال عبد الرحمن: اجعلوا أمركم إلى ثلاثة ~~منكم، فقال الزبير: جعلت أمري إلى علي، وقال طلحة: جعلت أمري إلى عثمان، ~~وقال سعد: جعلت أمري إلى عبد الرحمن، فصارت الشورى بعد الستة في هؤلاء ~~الثلاثة، وخرج منها أولئك الثلاثة، فقال عبد الرحمن: أيكم يبرأ من هذا ~~الأمر ونجعله إليه، والله عليه شهيد؛ ليحرص على صلاح الأمة، فلم يجبه أحد، ~~فقال عبد الرحمن: أتجعلونه إلي وأخرج نفسي منه والله علي شهيد، على أني لا ~~آلوكم نصحا، فقالا: نعم، فقال: قد فعلت فصارت الشورى بعد الستة في ثلاثة، ~~ثم بعد الثلاثة في اثنين علي وعثمان، ثم مضى عبد الرحمن ليستعلم من الناس ~~ما عندهم، فلما أجنهم الليل استدعى المسور بن مخرمة وأشركه معه، ثم حضر ~~فأخذ على كل واحد منهما العهود أيهما بويع ليعملن بكتاب الله وسنة نبيه، ~~ولئن بايع لغيره ليسمعن وليطيعن، ثم بايع عثمان بن عفان. # فكانت الشورى التي دخل أهل الإمامة فيها وانعقد الإجماع عليها أصلا في ~~انعقاد الإمامة بالعهد، وفي انعقاد البيعة بعدد يتعين فيه الإمامة لأحدهم ~~باختيار أهل الحل والعقد1، فلا فرق بين أن تجعل شورى في اثنين أو أكثر إذا ~~كانوا عددا محصورا. # ويستفاد منها أن لا تجعل الإمامة بعده في غيرهم، فإذا تعينت بالاختيار في ~~أحدهم جاز لمن أفضت إليه الإمامة أن يعهد بها إلى غيرهم، وليس لأهل ~~الاختيار إذا جعلها الإمام شورى في عدد أن يختاروا أحدهم في حياة المستخلف ~~العاهد، إلا أن يأذن لهم في تقديم PageV01P034 # الاختيار في حياته؛ لأنه بالإمامة أحق، فلم يجز أن يشارك فيها، فإن خافوا ~~انتشار الأمر بعد موته استأذنوه واختاروا إن أذن لهم، فإن صار إلى حال إياس ~~نظر، فإن زال عنه أمره وغرب عنه رأيه، فهي كحاله بعد الموت في جواز ~~الاختيار، وإن كان على تمييزه وصحة رأيه، لم يكن لهم الاختيار إلا عن إذنه. # حكى ابن إسحاق أن عمر -رضي الله عنه- لما دخل ms011 منزله مجروحا سمع هدة فقال: ~~ما شأن الناس؟ قالوا: يريدون الدخول عليك، فأذن لهم، فقالوا: اعهد يا أمير ~~المؤمنين، استخلف علينا عثمان، فقال: كيف يحب المال والجنة، فخرجوا من ~~عنده، ثم سمع لهم هدة فقال: ما شأن الناس؟ قالوا: يريدون الدخول عليك، فأذن ~~لهم فقالوا: استخلف علينا علي بن أبي طالب، قال: إذن يحملكم على طريقة هي ~~الحق، قال عبد الله بن عمر: فاتكأت عليه عند ذلك وقلت: يا أمير المومنين، ~~وما يمنعك منه؟ فقال: يا بني، أتحملها حيا وميتا؟ # ويجوز للخليفة أن ينص على أهل الاختيار، كما يجوز له أن ينص على أهل ~~العهد، فلا يصح إلا اختيار من نص عليه، كما لا يصح إلا تقليد من عهد إليه؛ ~~لأنهما من حقوق خلافته. PageV01P035 ### || فصل: "في تعدي عهد الخليفة إلى من بعده" # ولو عهد الخليفة إلى اثنين أو أكثر، ورتب الخلافة فيهم، فقال الخليفة: ~~بعدي فلان، فإن مات فالخليفة بعد موته فلان، فإن مات فالخليفة بعده فلان ~~جاز وكانت الخلافة متنقلة إلى الثلاثة على ما رتبها، فقد استخلف رسول الله ~~-صلى الله عليه وسلم- على جيش مؤتة زيد بن حارثة، وقال: "فإن أصيب فجعفر بن ~~أبي طالب، فإن أصيب فعبد الله بن رواحة، فإن أصيب فليرتض المسلمون رجلا" ~~فتقدم زيد فقتل، فأخذ الراية جعفر وتقدم فقتل، فأخذ الراية عبد الله بن ~~رواحة فتقدم فقتل، فاختار المسلمون بعده خالد بن الوليد"1. # وإذ فعل النبي -صلى الله عليه وسلم- ذلك في الإمارة جاز مثله في الخلافة، ~~فإن قيل: هي عقد ولاية على صفة وشرط والولايات لا يقف عقدها على الشروط ~~والصفات، قيل: هذا من المصالح العامة التي يتسع حكمها على أحكام العقود ~~الخاصة، فقد عمل بذلك في الدولتين من لم ينكر عليه أحد من علماء العصر، هذا ~~سليمان بن عبد الملك عهد إلى عمر بن عبد العزيز ثم بعده إلى يزيد بن عبد ~~الملك2. # ولئن لم يكن سليمان حجة، فإقرار من عاصره من علماء التابعين ومن لا ~~يخافون في الحق PageV01P036 # لومة لائم هو الحجة، ms012 وقد رتبها الرشيد -رضي الله عنه- في ثلاثة من بنيه؛ ~~في الأمين ثم المأمون ثم المؤتمن، عن مشورة من عاصره من فضلاء العلماء؛ ~~فإذا عهد الخليفة إلى ثلاثة رتب الخلافة فيهم ومات والثلاثة أحياء، كانت ~~الخلافة بعد موته للأول؛ ولو مات الأول في حياة الخليفة كانت الخلافة بعده ~~للثاني، ولو مات الأول والثاني في حياة الخليفة فالخلافة بعده للثالث؛ لأنه ~~قد استقر لكل واحد من الثلاثة بالعهد إليه حكم الخلافة بعده، ولو مات ~~الخليفة والثلاثة من أولياء عهده أحياء، وأفضت الخلافة إلى الأول منهم، ~~فأراد أن يعهد بها إلى غير الاثنين مما يختاره لها، فمن الفقهاء من منعه من ~~ذلك حملا على مقتضى الترتيب، إلا أن يستنزل عنها مستحقها طوعا. # فقد عهد السفاح إلى المنصور -رحمهما الله، وجعل العهد بعده لعيسى بن ~~موسى، فأراد المنصور تقديم المهدي على عيسى فاستنزله عن العهد عفوا لحقه ~~فيه، وفقهاء الوقت على توافر وتكاثر لم يروا له فسحة في صرفه عن ولاية ~~العهد قسرا حتى استنزل واستطيب. # والظاهر من مذهب الشافعي -رحمه الله، وما عليه جمهور الفقهاء أنه يجوز ~~لمن أفضت إليه الخلافة من أولياء العهد أن يعهد بها إلى من شاء، ويصرفها ~~عمن كان مرتبا معه، ويكون هذا الترتيب مقصورا على من يستحق الخلافة منهم ~~بعد موت المستخلف، فإذا أفضت الخلافة منهم إلى أحدهم على مقتضى الترتيب صار ~~أملك بها بعده في العهد بها إلى من شاء؛ لأنه قد صار بإفضاء الخلافة إليه ~~عام الولاية، نافذ الأمر، فكان حقه فيها أقوى، وعهده بها أمضى، وخالف هذا ~~ما فعله رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من ترتيب أمرائه على جيش مؤتة؛ ~~لأنه كان ورسول الله -صلى الله عليه وسلم- في الحياة؛ حيث لم تنتقل أمورهم ~~إلى غيره، وهذا يكون بعد انتقال الأمر بموته إلى غيره، فافترق حكم العهدين. # وأما استطابة المنصور نفس عيسى بن موسى، فإنما أراد به تألف أهله؛ لأنه ~~كان في صدر الدولة والعهد قريب، والتكافؤ بينهم منتشر، وفي أحشائهم نفور ~~موهن، ففعله سياسة، وإن ms013 كان في الحكم سائغا؛ فعلى هذا لو مات الأول من ~~أولياء العهد الثلاثة بعد إفضاء الخلافة إليه، ولم يعهد إلى غيرهما، كان ~~الثاني هو الخليفة بعده بالعهد الأول، وقدم على الثالث اعتبارا PageV01P037 # بحكم الترتيب فيه، ولو مات هذا الثاني قبل عهد صار الثالث هو الخليفة ~~بعده؛ لأن صحة عهد العاهد تقتضي ثبوت حكمه في الثلاثة ما لم يجدد بعده عهدا ~~يخالفه، فيصير العهد في الأول من الثلاثة حتما، وفي الثاني والثالث موقوفا؛ ~~لأنه لا يجوز أن يعدل عن الأول فانحتم، ويجوز أن يعدل على هذا المذهب عن ~~الثاني والثالث فوقف. # ولو مات الأول من الثلاثة بعد إفضاء الخلافة إليه من غير أن يعهد إلى ~~أحد، فأراد أهل الاختيار أن يختاروا للخلافة غير الثاني لم يجز، وكذلك لو ~~مات الثاني بعد إفضاء الخلافة إليه لم يجز أن يختاروا لها غير الثالث، وإن ~~جاز أن يعهد بها الثاني إلى غير الثالث؛ لأن العهد نص لا يستعمل الاختيار ~~إلا مع عدمه، ولكن لو قال الخليفة العاهد: قد عهدت إلى فلان، فإن مات بعد ~~إفضاء الخلافة إليه فالخليفة بعده فلان، لم تصح خلافة الثاني، ولم ينعقد ~~عهده بها؛ لأنه لم يعهد إليه في الحال، وإنما جعله ولي عهده بعد إفضاء ~~الخلافة إلى الأول، وقد يجوز أن يموت قبل إفضائها إليه، فلا يكون عهد ~~الثاني بها منفذا، فلذلك بطل وجاز للأول بعد إفضاء الخلافة إليه أن يعهد ~~بها إلى غيره، وإن مات من غير عهد جاز لأهل الاختيار اختيار غيره. PageV01P038 ### || فصل: "في وجوب معرفة الأمة لمن تولى أمرها" # فإذا استقرت الخلافة لمن تقلدها، إما بعهد أو اختيار، لزم كافة الأمة أن ~~يعرفوا إفضاء الخلافة إلى مستحقها بصفاته، ولا يلزم أن يعرفوه بعينه واسمه، ~~إلا أهل الاختيار الذين تقوم بهم الحجة وببيعتهم تنعقد الخلافة. # وقال سليمان بن جرير: واجب على الناس كلهم معرفة الإمام بعينه واسمه، كما ~~عليهم معرفة الله ومعرفة رسوله. # والذي عليه جمهور الناس أن معرفة الإمام تلزم الكافة على الجملة دون ~~التفصيل، وليس ms014 على كل أحد أن يعرفه بعينه واسمه إلا عند النوازل التي تحوج ~~إليه، كما أن معرفة القضاة الذين تنعقد بهم الأحكام، والفقهاء الذين يفتون ~~في الحلال والحرام، تلزم العامة على الجملة دون التفصيل، إلا عند النوازل ~~المحوجة إليهم، ولو لزم كل واحد من الأمة أن يعرف الإمام بعينه واسمه للزمت ~~الهجرة إليه، ولما جاز تخلف الأباعد، ولأفضى ذلك إلى خلو الأوطان، ولصار من ~~العرف خارجا، وبالفساد عائدا، وإذا لزمت معرفته على التفصيل الذي ذكرناه، ~~فعلى كافة الأمة تفويض الأمور العامة إليه من غير افتيات عليه ولا معارضة ~~له؛ ليقوم بما وكل إليه من وجوه المصالح وتدبير الأعمال، ويسمى خليفة لأنه ~~خلف رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في أمته، فيجوز أن يقال: يا خليفة رسول ~~الله، وعلى الإطلاق فيقال: الخليفة. # واختلفوا هل يجوز أن يقال: يا خليفة الله؟ فجوزه بعضهم؛ لقيامه بحقوقه في ~~خلقه، ولقوله تعالى: {وهو الذي جعلكم خلائف الأرض ورفع بعضكم فوق بعض ~~درجات} [الأنعام: 165] . # وامتنع جمهور العلماء من جواز ذلك، ونسبوا قائله إلى الفجور وقالوا: ~~يستخلف من يغيب أو يموت، والله لا يغيب ولا يموت، وقد قيل لأبي بكر الصديق ~~-رضي الله عنه: يا خليفة الله، فقال: لست بخليفة الله، ولكني خليفة رسول ~~الله -صلى الله عليه وسلم. PageV01P039 ### || مهام الخليفة ومسئولياته ": # والذي يلزمه من الأمور العامة عشرة أشياء: # أحدها: حفظ الدين على أصوله المستقرة، وما أجمع عليه سلف الأمة، فإن نجم ~~مبتدع أو زاغ ذو شبهة عنه، أوضح له الحجة، وبين له الصواب، وأخذه بما يلزمه ~~من الحقوق والحدود؛ ليكون الدين محروسا من خلل، والأمة ممنوعة من زلل. # الثاني: تنفيذ الأحكام بين المتشاجرين، وقطع الخصام بين المتنازعين حتى ~~تعم النصفة، فلا يتعدى ظالم، ولا يضعف مظلوم. # الثالث: حماية البيضة والذب عن الحريم؛ ليتصرف الناس في المعايش، ~~وينتشروا في الأسفار آمنين من تغرير بنفس أو مال. # والرابع: إقامة الحدود؛ لتصان محارم الله تعالى عن الانتهاك، وتحفظ حقوق ~~عباده من إتلاف واستهلاك. # والخامس: تحصين الثغور بالعدة المانعة والقوة الدافعة حتى ms015 لا تظفر ~~الأعداء بغرة ينتهكون فيها محرما، أو يسفكون فيها لمسلم أو معاهد دما. # والسادس: جهاد من عاند الإسلام بعد الدعوة حتى يسلم أو يدخل في الذمة؛ ~~ليقام بحق الله تعالى في إظهاره على الدين كله. # والسابع: جباية الفيء والصدقات على ما أوجبه الشرع نصا واجتهادا من غير ~~خوف ولا عسف. # والثامن: تقدير العطايا وما يستحق في بيت المال من غير سرف ولا تقتير، ~~ودفعه في وقت لا تقديم فيه ولا تأخير. # التاسع: استكفاء الأمناء وتقليد النصحاء فيما يفوض إليهم من الأعمال ~~ويكله إليهم من الأموال؛ لتكون الأعمال بالكفاءة مضبوطة، والأموال بالأمناء ~~محفوظة. # العاشر: أن يباشر بنفسه مشارفة الأمور، وتصفح الأحوال؛ لينهض بسياسة ~~الأمة وحراسة الملة، ولا يعول على التفويض تشاغلا بلذة أو عبادة، فقد يخون ~~الأمين ويغش PageV01P040 # الناصح، وقد قال الله تعالى: {يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم ~~بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله} [ص: 26] . # فلم يقتصر الله سبحانه على التفويض دون المباشرة ولا عذره في الاتباع حتى ~~وصفه بالضلال، وهذا وإن كان مستحقا عليه بحكم الدين ومنصب الخلافة، فهو من ~~حقوق السياسة لكل مسترع، قال النبي -عليه الصلاة والسلام: "كلكم راع وكلكم ~~مسئول عن رعيته". # ولقد أصاب الشاعر1 فيما وصف به الزعيم المدبر حيث يقول "من البسيط": # وقلدوا أمركم لله دركم %~% رحب الذراع بأمر الحرب مضطلعا # لا مترفا إن رخاء العيش %~% ساعده ولا إذا عض مكروه به خشعا # ما زال يحلب در الدهر أشطره %~% يكون متبعا يوما ومتبعا # حتى استمر على شزر مريرته %~% مستحكم الرأي لا فخما ولا ضرعا # وقال محمد بن يزداد2 للمأمون -وكان وزيره- "من البسيط": # من كان حارس دنيا إنه قمن %~% أن لا ينام وكل الناس نوام # وكيف ترقد عينا من تضيفه %~% همان من أمره حل وإبرام PageV01P041 ### || فصل: "واجبات الأمة نحو الخليفة" # وإذا قام الإمام بما ذكرناه من حقوق الأمة، فقد أدى حق الله تعالى فيما ~~لهم وعليهم، ووجب له عليهم حقان: الطاعة1 والنصرة2 ما لم يتغير حاله. # والذي يتغير ms016 به حاله فيخرج به عن الإمامة شيئان: # أحدهما: جرح في عدالته. # والثاني: نقص في بدنه، فأما الجرح في عدالته وهو الفسق فهو على ضربين: # أحدهما: ما تابع فيه الشهوة. # والثاني: ما تعلق فيه بشبهة، فأما الأول منهما فمتعلق بأفعال الجوارح، ~~وهو ارتكابه للمحظورات، وإقدامه على المنكرات تحكيما للشهوة وانقيادا ~~للهوى، فهذا فسق يمنع من انعقاد الإمامة ومن استدامتها، فإذا طرأ على من ~~انعقدت إمامته خرج منها، فلو عاد إلى العدالة لم يعد إلى الإمامة إلا بعقد ~~جديد. # وقال بعض المتكلمين: يعود إلى الإمامة بعوده إلى العدالة من غير أن ~~يستأنف له عقد ولا بيعة؛ لعموم ولايته ولحوق المشقة في استئناف بيعته. # وأما الثاني منهما: فمتعلق بالاعتقاد المتأول بشبهة تعترض، فيتأول لها ~~خلاف الحق، PageV01P042 # فقد اختلف العلماء فيها. # فذهب فريق منهم إلى أنها تمنع من انعقاد الإمامة ومن استدامتها ويخرج ~~بحدوثه منها؛ لأنه لما استوى حكم الكفر بتأويل وغير تأويل وجب أن يستوي حال ~~الفسق بتأويل وغير تأويل. # وقال كثير من علماء البصرة: إنه لا يمنع من انعقاد الإمامة ولا يخرج به ~~منها، كما لا يمنع من ولاية القضاء وجواز الشهادة. # وأما ما طرأ على بدنه من نقص فينقسم ثلاثة أقسام: # أحدها: نقص الحواس، والثاني: نقص الأعضاء، والثالث: نقص التصرف. # فأما نقص الحواس فينقسم ثلاثة أقسام: # قسم يمنع من الإمامة، وقسم لا يمنع منها، وقسم مختلف فيه. # فأما القسم المانع منها فشيئان: # أحدهما: زوال العقل، والثاني: ذهاب البصر، فأما زوال العقل فضربان: # أحدهما: ما كان عارضا مرجو الزوال كالإغماء، فهذا لا يمنع من انعقاد ~~الإمامة، ولا يخرج منها؛ لأنه مرض قليل اللبس، سريع الزوال، وقد أغمي على ~~رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في مرضه. # والضرب الثاني: ما كان لازما لا يرجى زواله؛ كالجنون والخبل فهو على ~~ضربين: # أحدهما: أن يكون مطبقا دائما لا يتخلله إفاقة، فهذا يمنع من عقد الإمامة ~~واستدامتها، فإذا طرأ هذا بطلت به الإمامة بعد تحققه والقطع به. # والضرب الثاني: أن يتخلله إفاقة يعود بها إلى حال السلامة ms017 فينظر فيه، فإن ~~كان زمان الخبل أكثر من زمان الإفاقة فهو كالمستديم يمنع من عقد الإمامة ~~واستدامتها، ويخرج بحدوثه منها، وإن كان زمان الإفاقة أكثر من زمان الخبل ~~منع من عقد الإمامة. # واختلف في منعه من استدامتها، فقيل: يمنع من استدامتها كما يمنع من ~~ابتدائها، فإذا طرأ بطلت به الإمامة؛ لأن في استدامته إخلالا بالنظر ~~المستحق فيه، وقيل: لا يمنع من استدامة الإمامة، وإن منع من عقدها في ~~الابتداء؛ لأنه يراعي في ابتداء عقدها سلامة كاملة PageV01P043 # وفي الخروج منها نقص كامل. # وأما ذهاب البصر فيمنع من عقد الإمامة واستدامتها، فإذا طرأ بطلت به ~~الإمامة؛ لأنه لما أبطل ولاية القضاء، ومنع من جواز الشهادة، فأولى أن يمنع ~~من صحة الإمامة، وأما عشاء العين وهو أن لا يبصر عند دخول الليل، فلا يمنع ~~من الإمامة في عقد ولا استدامة؛ لأنه مرض في زمان الدعة يرجى زواله. # وأما ضعف البصر، فإن كان يعرف به الأشخاص إذا رآها لم يمنع من الإمامة، ~~وإن كان يدرك الأشخاص ولا يعرفها منع من الإمامة عقدا واستدامة. # وأما القسم الثاني من الحواس التي لا يؤثر فقدها في الإمامة فشيئان: # أحدهما: الخشم في الأنف الذي لا يدرك به شم الروائح. # والثاني: فقد الذوق الذي يفرق به بين الطعوم، فلا يؤثر على هذا في عقد ~~الإمامة؛ لأنهما يؤثران في اللذة ولا يؤثران في الرأي والعمل. # وأما القسم الثالث: من الحواس المختلف فيها فشيئان: # الصمم والخرس فيمنعان من ابتداء عقد الإمامة؛ لأن كمال الأوصاف بوجودهما ~~مفقود، واختلف في الخروج بهما من الإمامة، فقالت طائفة: يخرج بهما منها كما ~~يخرج بذهاب البصر لتأثيرهما في التدبير والعمل. # وقال آخرون: لا يخرج بهما من الإمامة لقيام الإشارة مقامهما، فلم يخرج ~~منها إلا بنقص كامل، وقال آخرون: إن كان يحسن الكتابة لم يخرج بهما من ~~الإمامة، وإن كان لا يحسنها خرج من الإمامة بهما؛ لأن الكتابة مفهومة ~~والإشارة موهومة، والأول من المذاهب أصح. # وأما تمتمة اللسان وثقل السمع من إدراك الصوت إذا كان عاليا فلا ms018 يخرج ~~بهما من الإمامة إذا حدثا، واختلف في ابتداء عقدها معهما، فقيل بمنع ذلك من ~~ابتداء عقدها؛ لأنهما نقص يخرج بهما عن حال الكمال، وقيل: لا يمنع؛ لأن نبي ~~الله موسى -عليه السلام- لم تمنعه عقدة لسانه عن النبوة، فأولى أن لا يمنع ~~من الإمامة. PageV01P044 # فصل: # وأما فقد الأعضاء فينقسم إلى أربعة أقسام: # أحدها: ما لا يمنع من صحة الإمامة في عقد ولا استدامة، وهو ما لا يؤثر ~~فقده في رأي ولا عمل ولا نهوض، ولا يشين في المنظر، وذلك مثل قطع الذكر ~~والأنثيين، فلا يمنع من عقد الإمامة ولا من استدامتها بعد العقد؛ لأن فقد ~~هذين العضوين يؤثر في التناسل دون الرأي والحنكة، فيجري مجرى العنة، وقد ~~وصف الله تعالى يحيى بن زكريا بذلك وأثنى عليه فقال: {وسيدا وحصورا ونبيا ~~من الصالحين} [آل عمران: 39] . # وفي الحصور قولان: # أحدهما: إنه العنين الذي لا يقدر على إتيان النساء، قاله ابن مسعود وابن ~~عباس. # والثاني: إنه من لم يكن له ذكر يغشى به النساء، أو كان كالنواة، قاله ~~سعيد بن المسيب، فلما لم يمنع ذلك من النبوة فأولى أن لا يمنع من الإمامة، ~~وكذلك قطع الأذنين؛ لأنهما لا يؤثران في رأي ولا عمل، ولهما شين خفي يمكن ~~أن يستتر فلا يظهر. # والقسم الثاني: ما يمنع من عقد الإمامة ومن استدامتها، وهو ما يمنع من ~~العمل كذهاب اليدين أو من النهوض، كذهاب الرجلين، فلا تصح معه الإمامة في ~~عقد ولا استدامة؛ لعجزه عما يلزمه من حقوق الأمة في علم أو نهضة. # والقسم الثالث: ما يمنع من عقد الإمامة، واختلف في منعه من استدامتها، ~~وهو ما ذهب به بعض العمل أو فقد به بعض النهوض، كذهاب إحدى اليدين أو إحدى ~~الرجلين، فلا يصح معه عقد الإمامة لعجزه عن كمال التصرف، فإن طرأ بعد عقد ~~الإمامة ففي خروجه منها مذهبان للفقهاء: # أحدهما: يخرج به من الإمامة؛ لأنه عجز يمنع من ابتدائها فمنع من ~~استدامتها. # والمذهب الثاني: أنه لا يخرج به من الإمامة وإن منع من عقدها، ms019 لأن ~~المعتبر في عقدها كمال السلامة، وفي الخروج منها كمال النقص. # والقسم الرابع: ما لا يمنع من استدامة الإمامة، واختلف في منعه من ابتداء ~~عقدها وهو PageV01P045 # ما شان وقبح ولم يؤثر في عمل ولا في نهضة، كجدع الأنف وسمل إحدى العينين، ~~فلا يخرج به من الإمامة بعد عقدها؛ لعدم تأثيره في شيء من حقوقها. # وفي منعه من ابتداء عقدها مذهبان للفقهاء: # أحدهما: إنه لا يمنع من عقدها، وليس ذلك من الشروط المعتبرة فيها؛ لعدم ~~تأثيره في حقوقها. # والمذهب الثاني: إنه يمنع من عقد الإمامة، وتكون السلامة منه شرطا معتبرا ~~في عقدها؛ ليسلم ولاة الملة من شين يعاب ونقص يزدرى، فتقل به الهيبة، وفي ~~قلتها نفور عن الطاعة، وما أدى إلى هذا فهو نقص في حقوق الأمة. PageV01P046 ### || فصل: "في نقصان حرية التصرف" # وأما نقص التصرف فضربان: حجر وقهر. # فأما الحجر: فهو أن يستولي عليه من أعوانه من يستبد بتنفيذ الأمور من غير ~~تظاهر بمعصية، ولا مجاهرة بمشاقة، فلا يمنع ذلك من إمامته، ولا يقدح في صحة ~~ولايته، ولكن ينظر في أفعال من استولى على أموره، فإن كانت جارية على أحكام ~~الدين ومقتضى العدل جاز إقراره عليها تنفيذا لها وإمضاء لأحكامها؛ لئلا يقف ~~من الأمور الدينية ما يعود بفساد على الأمة. # وإن كانت أفعاله خارجة عن حكم الدين ومقتضى العدل لم يجز إقراره عليها، ~~ولزمه أن يستنصر من يقبض يده ويزيل تغلبه. # وأما القهر: فهو أن يصير مأسورا في يد عدو قاهر لا يقدر على الخلاص منه، ~~فيمنع ذلك عن عقد الإمامة له؛ لعجزه عن النظر في أمور المسلمين، وسواء كان ~~العدو مشركا أو مسلما باغيا، وللأمة اختيار من عداه من ذوي القدرة، وإن أسر ~~بعد أن عقدت له الإمامة، فعلى كافة الأمة استنقاذه لما أوجبته الإمامة من ~~نصرته، وهو على إمامته ما كان مرجو الخلاص مأمول الفكاك، إما بقتال أو ~~فداء، فإن وقع الإياس منه لم يخل حال من أسره من أن يكونوا مشركين أو بغاة ~~المسلمين، فإن كان في أسر ms020 المشركين خرج من الإمامة لليأس من خلاصه، واستأنف ~~أهل الاختيار بيعة غيره على الإمامة. # فإن عهد بالإمامة في حال أسره نظر في عهده؛ فإن كان بعد الإياس من خلاصه ~~كان عهده باطلا؛ لأنه عهد بعد خروجه من الإمامة، فلم يصح منه عهد، وإن عهد ~~قبل الإياس من خلاصه وقت هو فيه مرجو الخلاص صح عهده لبقاء إمامته، واستقرت ~~إمامة ولي عهده بالإياس من خلاصه لزوال إمامته، فلو خلص من أسره بعد عهده ~~نظر في خلاصه، فإن كان بعد الإياس منه لم يعد إلى إمامته؛ لخروجه منها ~~بالإياس، واستقرت في ولي عهده، وإن خلص قبل الإياس فهو على إمامته، ويكون ~~العهد في ولي العهد ثابتا وإن لم يصر إماما. # وإن كان مأسورا مع بغاة المسلمين، فإن كان مرجو الخلاص فهو على إمامته، ~~وإن لم PageV01P047 # يرج خلاصه لم يخل حال البغاة من أحد أمرين: إما أن يكونوا نصبوا لأنفسهم ~~إماما أو لم ينصبوا، فإن كانوا فوضى لا إمام لهم فالإمام المأسور في أيديهم ~~على إمامته؛ لأن بيعته لهم لازمة وطاعته عليهم واجبة، فصار معهم كمصيره مع ~~أهل العدل إذا صارت تحت الحجر، وعلى أهل الاختيار أن يستنيبوا عنه ناظرا ~~يخلفه إن لم يقدر على الاستنابة، فإن قدر عليها كان أحق باختيار من يستنيبه ~~منهم، فإن خلع المأسور نفسه أو مات لم يصر المستناب إماما؛ لأنها نيابة عن ~~موجود فزالت بفقده. # وإن كان أهل البغي قد نصبوا لأنفسهم إماما دخلوا في بيعته وانقادوا ~~لطاعته، فالإمام المأسور في أيديهم خارج من الإمامة بالإياس من خلاصه؛ ~~لأنهم قد انحازوا بدار تفرد حكمها عن الجماعة، وخرجوا بها عن الطاعة، فلم ~~يبق لأهل العدل بهم نصرة، وللمأسور معهم قدرة، وعلى أهل الاختيار في دار ~~العدل أن يعقدوا الإمامة لمن ارتضوا لها، فإن خلص المأسور لم يعد إلى ~~الإمامة لخروجه منها. PageV01P048 ### || فصل: "نواب الخليفة وولاته" # وإذا تمهد ما وصفناه من أحكام الإمامة وعموم نظرها في مصالح الملة وتدبير ~~الأمة، فإذا استقر عقدها للإمام انقسم ما صدر عنه من ms021 ولايات خلفائه أربعة ~~أقسام: # القسم الأول: من تكون ولايته عامة في الأعمال العامة وهم الوزراء؛ لأنهم ~~يستنابون في جميع الأمور من غير تخصيص. # والقسم الثاني: من تكون ولايته عامة في أعمال خاصة، وهم أمراء الأقاليم ~~والبلدان؛ لأن النظر فيما خصوا به من الأعمال عام في جميع الأمور. # والقسم الثالث: من تكون ولايته خاصة في الأعمال العامة، وهم كقاضي القضاة ~~ونقيب الجيوش وحامي الثغور ومستوفي الخراج وجابي الصدقات؛ لأن كل واحد منهم ~~مقصور على نظر خاص في جميع الأعمال. # والقسم الرابع: من تكون ولايته خاصة في الأعمال الخاصة، وهم كقاضي بلد أو ~~إقليم أو مستوفي خراجه أو جابي صدقاته أو حامي ثغره أو نقيب جند؛ لأن كل ~~واحد منهم خاص النظر مخصوص العمل، ولكل واحد من هؤلاء الولاة شروط تنعقد ~~بها ولايته، ويصح معها نظره، ونحن نذكرها في أبوابها ومواضعها بمشيئة الله ~~وتوفيقه. PageV01P049 ### | الباب الثاني: في تقليد الوزارة ### || مدخل # ... # الباب الثاني: في تقليد الوزارة # والوزارة على ضربين: وزارة تفويض1 ووزارة تنفيذ. # فأما وزارة التفويض فهو أن يستوزر الإمام من يفوض إليه تدبير الأمور ~~برأيه، وإمضاءها على اجتهاده، وليس يمتنع جواز هذه الوزارة، قال الله تعالى ~~حكاية عن نبيه موسى -عليه الصلاة والسلام: {واجعل لي وزيرا من أهلي، هارون ~~أخي، اشدد به أزري، وأشركه في أمري} [طه: 29-32] . # فإذا جاز ذلك في النبوة كان في الإمامة أجوز، ولأن ما وكل إلى الإمام من ~~تدبير الأمة لا يقدر على مباشرة جميعه إلا باستنابة، ونيابة الوزير المشارك ~~له في التدبير أصح في تنفيذ الأمور من تفرده بها؛ ليستظهر به على نفسه، ~~وبها يكون أبعد من الزلل وأمنع من الخلل. # ويعتبر في تقليد هذه الوزارة شروط الإمامة إلا النسب وحده؛ لأنه ممضي ~~الآراء ومنفذ الاجتهاد فاقتضى أن يكون على صفات المجتهدين. # ويحتاج فيها إلى شرط زائد على شروط الإمامة، وهو أن يكون من أهل الكفاية ~~فيما وكل إليه من أمر الحرب والخراج خبرة بهما ومعرفة بتفصيلهما، فإنه ~~مباشر لهما تارة ومستنيب فيهما أخرى، فلا يصل ms022 إلى استنابة الكفاة إلا أن ~~يكون منهم، كما لا يقدر على المباشرة إذا قصر عنهم، وعلى هذا الشرط مدار ~~الوزارة وبه تنتظم السياسة. PageV01P050 # حكي أن المأمون -رحمه الله- كتب في اختيار وزير: إني التمست لأموري رجلا ~~جامعا لخصال الخير، ذا عفة في خلائقه واستقامة في طرائقه، قد هذبته الآداب ~~وأحكمته التجارب، إن اؤتمن على الأسرار قام بها، وإن قلد مهمات الأمور نهض ~~فيها، يسكته الحلم وينطقه العلم، وتكفيه اللحظة وتغنيه اللمحة، له صولة ~~الأمراء وأناة الحكماء وتواضع العلماء وفهم الفقهاء، إن أحسن إليه شكر، وإن ~~ابتلي بالإساءة صبر، لا يبيع نصيب يومه بحرمان غده، يسترق قلوب الرجال ~~بخلابة لسانه وحسن بيانه، وقد جمع بعض الشعراء1 هذه الأوصاف فأوجزها، ووصف ~~بعض وزراء الدولة العباسية بها فقال "من الوافر": # بديهته وفكرته سواء %~% إذا اشتبهت على الناس الأمور # وأحزم ما يكون الدهر يوما إذا %~% أعيا المشاور والمشير # وصدر فيه للهم اتساع %~% إذا ضاقت من الهم الصدور # فهذه الأوصاف إذا كملت في الزعيم المدبر -وقل ما تكمل- فالصلاح بنظره ~~عام، وما يناط برأيه وتدبيره تام؛ وإن اختلت فالصلاح بحسبها يختل، والتدبير ~~على قدرها يعتل، ولئن لم يكن هذا من الشروط الدينية المحضة فهو من شروط ~~السياسة الممازجة لشروط الدين لما يتعلق بها من مصالح الأمة واستقامة ~~الملة. # فإذا كملت شروط هذه الوزارة فيمن هو أهل لها فصحة التقليد فيها معتبرة ~~بلفظ الخليفة المستوزر؛ لأنها ولاية تفتقر إلى عقد، والعقود لا تصح إلا ~~بالقول الصريح، فإن وقع له بالنظر وأذن له لم يتم التقليد، حكما، وإن أمضاه ~~الولاة عرفا حتى يعقد له الوزارة بلفظ يشتمل على شرطين: # أحدهما: عموم النظر. # والثاني: النيابة. PageV01P051 # فإن اقتصر على عموم النظر دون النيابة فكان بولاية العهد أخص؛ فلم تنعقد ~~به الوزارة، فإن اقتصر به على النيابة فقد أبهم ما استنابه فيه من عموم ~~وخصوص أو تنفيذ وتفويض فلم تنعقد به الوزارة، وإذا جمع بينهما انعقدت وتمت، ~~والجمع بينهما يكون من وجهين: # أحدهما: وهو بأحكام العقود أخص أن يقول: قد قلدتك ما ms023 إلي نيابة عني، ~~فتنعقد به الوزارة؛ لأنه قد جمع له بين عموم النظر والاستنابة في النظر، ~~فإن قال له: نب عني فيما إلي، احتمل أن تنعقد به الوزارة؛ لأنه قد جمع له ~~في هذا اللفظ بين الوجهين: عموم النظر والاستنابة، واحتمل أن لا تنعقد به ~~الوزارة؛ لأنه إذن يحتاج إلى أن يتقدمه عقد، والإذن في أحكام العقود لا تصح ~~به العقود، ولكن لو قال: قد استنبتك فيما إلي، انعقدت به الوزارة؛ لأنه عدل ~~عن مجرد الإذن إلى ألفاظ العقود. # ولو قال: انظر فيما إلي, لم تنعقد به الوزارة؛ لاحتماله أن ينظر في تصفحه ~~أو في تنفيذه أو في القيام به، والعقد لا ينبرم بلفظ محتمل حتى يصله بما ~~ينفي عنه الاحتمال، وليس يراعى فيما يباشره الخلفاء وملوك الأمم من العقود ~~العامة ما يراعى في الخاصة من الشروط المؤكدة لأمرين: # أحدهما: إن من عادتهم الاكتفاء بيسير القول عن كثيره، فصار ذلك فيهم عرفا ~~مخصوصا، وربما استثقلوا الكلام فاقتصروا على الإشارة، غير أنه ليس يتعلق ~~بها في الشرع حكم لناطق سليم، فكذلك خرجت بالشرع من عرفهم. # والثاني: إنهم لقلة ما يباشرونه من العقود تجعل شواهد الحال في تأهبهم ~~لها موجبا لحمل لفظهم المجمل على الغرض المقصود دون الاحتمال المجرد، فهذا ~~وجه. # والوجه الثاني: وهو بعرف المنصب أشبه أن يقول: قد استوزرتك تعويلا على ~~نيابتك، فتنعقد به هذه الوزارة؛ لأنه قد جمع بين عموم النظر فيما إليه ~~بقوله: استوزرتك؛ لأن نظر الوزارة عام، وبين النيابة بقوله: تعويلا على ~~نيابتك، فخرجت عن وزارة التنفيذ إلى وزارة التفويض. # ولو قال: قد فوضت إليك وزارتي، احتمل أن تنعقد به هذه الوزارة؛ لأن ذكر ~~التفويض PageV01P052 # فيها يخرجها عن وزارة التنفيذ إلى وزارة التفويض، ويحتمل أن لا تنعقد؛ ~~لأن التفويض من أحكام هذه الوزارة، فافتقر إلى عقد يتقدمه، والأول من ~~الاحتمالين أشبه بالصواب، فعلى هذا لو قال: قد فوضنا إليك الوزارة صح؛ لأن ~~ولاة الأمور يكنون عن أنفسهم بلفظ الجمع، ويعظمون عن إضافة الشيء إليهم ~~فيرسلونه، فيقوم قوله: ms024 قد فوضنا إليك، مقام قوله: فوضت إليك، وقوله: ~~الوزارة مقام قوله: وزارتي، وهذا أفخم قول عقدت به وزارة التفويض وأوجزه، ~~ولو كنى غير الملوك عن أنفسهم بالجمع وترك الإضافة لما تعلق به حكم التفرد ~~والإضافة؛ لخروجه عن العرف المعهود، فأما إذا قال: قد قلدتك وزارتي أو قد ~~قلدناك الوزارة، لم يصر بهذا القول من وزراء التفويض حتى يبينه بما يستحق ~~به التفويض؛ لأن الله تعالى يقول حكاية عن نبيه موسى -صلوات الله عليه: ~~{واجعل لي وزيرا من أهلي، هارون أخي، اشدد به أزري، وأشركه في أمري} [طه: ~~29-32] . # فلم يقتصر على مجرد الوزارة حتى قرنها بشد أزره وإشراكه في أمره؛ لأن اسم ~~الوزارة مختلف في اشتقاقه على ثلاثة أوجه: # أحدها: إنه مأخوذ من الوزر وهو الثقل؛ لأنه يحمل عن الملك أثقاله. # الثاني: إنه مأخوذ من الوزر وهو الملجأ، ومنه قوله تعالى: {كلا لا وزر} ~~[القيامة: 11] . # أي: لا ملجأ، فسمي بذلك؛ لأن الملك يلجأ إلى رأيه ومعونته. # والثالث: إنه مأخوذ من الأزر وهو الظهر؛ لأن الملك يقوى بوزيره، كقوة ~~البدن بالظهر، ولأي هذه المعاني كان مشتقا فليس في واحد منها ما يوجب ~~الاستبداد بالأمور. PageV01P053 # فصل: "في الفروق بين سلطات الوزير والإمام" # وإذا تقرر ما تنعقد به وزارة التفويض فالنظر فيها -وإن كان على العموم- ~~معتبر بشرطين، يقع الفرق بهما بين الإمامة والوزارة: # أحدهما: ما يختص بالوزير، وهو مطالعة الإمام لما أمضاه من تدبير، وأنفذه ~~من ولاية وتقليد، لئلا يصير بالاستبداد كالإمام. # والثاني: مختص بالإمام، وهو أن يتصفح أفعال الوزير وتدبيره الأمور؛ ليقر ~~منها ما وافق الصواب، ويستدرك ما خالفه؛ لأن تدبير الأمة إليه موكول، وعلى ~~اجتهاده محمول. # ويجوز لهذا الوزير أن يحكم بنفسه، وأن يقلد الحكام، كما يجوز ذلك للإمام؛ ~~لأن شروط الحكم فيه معتبرة، ويجوز أن ينظر في المظالم ويستنيب فيها؛ لأن ~~شروط المظالم فيه معتبرة، ويجوز أن يتولى الجهاد بنفسه، وأن يقلد من ~~يتولاه؛ لأن شروط الحرب فيه معتبرة، ويجوز أن يباشر تنفيذ الأمور التي ~~دبرها، وأن يستنيب في تنفيذها؛ ms025 لأن شروط الرأي والتدبير فيه معتبرة. # وكل ما صح من الإمام صح من الوزير إلا ثلاثة أشياء: # أحدها: ولاية العهد، فإن للإمام أن يعهد إلى من يرى، وليس ذلك للوزير. # الثاني: إن للإمام أن يستعفي الأمة من الإمامة، وليس ذلك للوزير. # والثالث: إن للإمام أن يعزل من قلده الوزير، وليس للوزير أن يعزل من قلده ~~الإمام. # وما سوى هذه الثلاثة فحكم التفويض إليه يقتضي جواز فعله وصحة نفوذه منه، ~~فإن عارضه الإمام في رد ما أمضاه، فإن كان في حكم نفذ على وجه، أو في مال ~~وضع في حقه لم يجز نقض ما نفذ باجتهاده من حكم، ولا استرجاع ما فرق برأيه ~~من مال، فإن كان في تقليد وال أو تجهيز جيش وتدبير حرب، جاز للإمام معارضته ~~بعزل المولى والعدول بالجيش إلى حيث يرى، وتدبير الحرب بما هو أولى؛ لأن ~~للإمام أن يستدرك ذلك من أفعال نفسه، فكان أولى أن يستدركه من أفعال وزيره. PageV01P054 # فلو قلد الإمام واليا على عمل، وقلد الوزير غيره على ذلك العمل، نظر في ~~أسبقهما بالتقليد، فإن كان الإمام أسبق تقليدا فتقليده أثبت، ولا ولاية لمن ~~قلده الوزير، وإن كان تقليد الوزير أسبق، فإن علم الإمام بما تقدم من تقليد ~~الوزير كان في تقليده الإمام لغيره عزل الأول، واستئناف تقليد الثاني، فصح ~~الثاني دون الأول، وإن لم يعلم الإمام بما تقدم من تقليد الوزير، فتقليد ~~الوزير أثبت، وتصح ولاية الأول دون الثاني؛ لأن تقليد الثاني مع الجهل ~~بتقليد الأول لا يكون عزلا لو علم بتقليده. # وقال بعض أصحاب الشافعي -رضي الله عنه: لا ينعزل الأول مع علم الإمام ~~بحاله إذا قلد غيره حتى يعزله قولا، فيصير بالقول معزولا لا بتقليد غيره، ~~فعلى هذا إن كان النظر مما يصح فيه الاشتراك صح تقليدهما، فكانا مشتركين في ~~النظر، فإن كان مما لا يصح فيه الاشتراك كان تقليدهما موقوفا على عزل ~~أحدهما وإقرار الآخر؛ فإن تولى ذلك الإمام جاز أن يعزل أيهما شاء ويقر ~~الآخر، وإن تولاه الوزير جاز ms026 أن يعزل من اختص بتقليده، ولم يجز أن يعزل من ~~قلده الإمام. PageV01P055 ### || فصل: "في الفرق بين وزارة التفويض ووزارة التنفيذ" # 1 # وأما وزارة التنفيذ فحكمها أضعف وشروطها أقل؛ لأن النظر فيها مقصور على ~~رأي الإمام وتدبيره، وهذا الوزير وسط بينه وبين الرعايا والولاة يؤدي عنه ~~ما أمر، وينفذ عنه ما ذكر، ويمضي ما حكم، ويخبر بتقليد الولاة وتجهيز ~~الجيوش، ويعرض عليه ما ورد من مهم وتجدد من حدث ملم؛ ليعمل فيه ما يؤمر به، ~~فهو معين في تنفيذ الأمور، وليس بوال عليها ولا متقلدا لها، فإن شورك في ~~الرأي كان باسم الوزارة أخص، وإن لم يشارك فيه كان باسم الواسطة والسفارة ~~أشبه، وليس تفتقر هذه الوزارة إلى تقليد، وإنما يراعى فيها مجرد الإذن، ولا ~~تعتبر في المؤهل لها الحرية ولا العلم؛ لأنه ليس له أن ينفرد بولاية ولا ~~تقليد، فتعتبر فيه الحرية، ولا يجوز له أن يحكم فيعتبر فيه العلم، وإنما هو ~~مقصور النظر على أمرين: PageV01P056 # أحدهما: أن يؤدي إلى الخليفة. # والثاني: أن يؤدي عنه، فيراعي فيه سبعة أوصاف1: # أحدها: الأمانة حتى لا يخون فيما قد اؤتمن عليه، ولا يغش فيما قد استنصح ~~فيه. # والثاني: صدق اللهجة حتى يوثق بخبره فيما يؤديه، ويعمل على قوله فيما ~~ينهيه. # والثالث: قلة الطمع حتى لا يرتشي فيما يلي، ولا ينخدع فيتساهل. # والرابع: أن يسلم فيما بينه وبين الناس من عداوة وشحناء، فإن العداوة تصد ~~عن التناصف وتمنع من التعاطف. # والخامس: أن يكون ذكورا لما يؤديه إلى الخليفة وعنه؛ لأنه شاهد له وعليه. # والسادس: الذكاء والفطنة؛ حتى لا تدلس عليه الأمور فتشتبه، ولا تموه عليه ~~فتلتبس، فلا يصح مع اشتباهها عزم، ولا يصلح مع التباسها حزم، وقد أفصح بهذا ~~الوصف وزير المأمون محمد بن يزداد2؛ حيث يقول "من الطويل": # إصابة معنى المرء روح كلامه %~% فإن أخطأ المعنى فذاك موات # إذا غاب قلب المرء عن حفظ لفظه %~% فيقظته للعالمين سبات # والسابع: أن لا يكون من أهل الأهواء، فيخرجه الهوى من الحق إلى الباطل، ~~ويتدلس عليه ms027 المحق من المبطل، فإن الهوى خادع الألباب، وصارف له عن الصواب، ~~ولذلك قال النبي -صلى الله عليه وسلم: "حبك الشيء يعمي ويصم". # قال الشاعر3 "من السريع": # إنا إذا قلت دواعي الهوى %~% وأنصت السامع للقائل PageV01P057 # واصطرع القوم بألبابهم %~% نقضي بحكم عادل فاصل # لا نجعل الباطل حقا ولا %~% نلفظ دون الحق بالباطل # نخاف أن تسفه أحلامنا %~% فنحمل الدهر مع الحامل # فإن كان هذا الوزير مشاركا في الرأي احتاج إلى وصف ثامن وهو الحنكة ~~والتجربة التي تؤديه إلى صحة الرأي وصواب التدبير، فإن في التجارب خبرة ~~بعواقب الأمور، وإن لم يشارك في الرأي لم يحتج إلى هذا الوصف، وإن كان ~~ينتهي إليه مع كثرة الممارسة، ولا يجوز أن تقوم بذلك امرأة وإن كان خبرها ~~مقبولا؛ لما تضمنه معنى الولايات المصروفة عن النساء؛ لقول النبي -صلى الله ~~عليه وسلم: "ما أفلح قوم أسندوا أمرهم إلى امرأة" 1. # ولأن فيها من طلب الرأي وثبات العزم ما تضعف عنه النساء، ومن الظهور في ~~مباشرة الأمور ما هو عليهن محظور، ويجوز أن يكون هذا الوزير من أهل الذمة، ~~وإن لم يجز أن يكون وزير التفويض منهم، ويكون الفرق بين هاتين الوزارتين ~~بحسب الفرق بينهما في النظرين، وذاك من أربعة أوجه: # أحدها: إنه يجوز لوزير التفويض مباشرة الحكم والنظر في المظالم؛ وليس ذلك ~~لوزير التنفيذ. # والثاني: إنه يجوز لوزير التفويض أن يستبد بتقليد الولاة وليس ذلك لوزير ~~التنفيذ. # والثالث: إنه يجوز لوزير التفويض أن ينفرد بتسيير الجيوش وتدبير الحروب، ~~وليس ذلك لوزير التنفيذ. # والرابع: إنه يجوز لوزير التفويض أن يتصرف في أموال بيت المال بقبض ما ~~يستحق له، وبدفع ما يجب فيه، وليس ذلك لوزير التنفيذ، وليس فيما عدا هذه ~~الأربعة ما يمنع أهل الذمة منها، إلا أن يستطيلوا فيكونوا ممنوعين من ~~الاستطالة. # ولهذه الفروق الأربعة بين النظيرين افترق في أربعة من شروط الوزارتين: ~~PageV01P058 # أحدها: أن الحرية معتبرة في وزارة التفويض، وغير معتبرة في وزارة ~~التنفيذ. # الثاني: أن الإسلام معتبر في وزارة التفويض، وغير معتبر في وزارة ~~التنفيذ. # والثالث: ms028 أن العلم بالأحكام الشرعية معتبر في وزارة التفويض، وغير معتبر ~~في وزارة التنفيذ. # والرابع: أن المعرفة بأمري الحرب والخراج معتبرة في وزارة التفويض، وغير ~~معتبرة في وزارة التنفيذ، فافترقا في شروط التقليد من أربعة أوجه، كما ~~افترقا في حقوق النظر من أربعة أوجه، واستويا فيما عداها من حقوق وشروط. PageV01P059 # فصل: # ويجوز للخليفة أن يقلد وزيري تنفيذ على اجتماع وانفراد، ولا يجوز أن يقلد ~~وزيري تفويض على الاجتماع؛ لعموم ولايتهما، كما لا يجوز تقليد إمامين؛ ~~لأنهما ربما تعارضا في العقد والحل والتقليد والعزل، وقد قال الله تعالى: ~~{لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا} [الأنبياء: 22] . # فإن قلد وزيري تفويض لم يخل حال تقليده لهما من ثلاثة أقسام: # أحدها: أن يفوض إلى كل واحد منهما عموم النظر، فلا يصح لما قدمناه من ~~دليل وتعليل، وينظر في تقليدهما، فإن كان في وقت واحد بطل تقليدهما معا، ~~وإن سبق أحدهما الآخر صح تقليد السابق وبطل تقليد المسبوق، والفرق بين فساد ~~التقليد والعزل أن فساد التقليد يمنع من نفوذ ما تقدم من نظره، والعزل لا ~~يمنع من نفوذ ما تقدم من نظره. # والقسم الثاني: أن يشرك بينهما في النظر على اجتماعهما فيه، ولا يجعل إلى ~~واحد منهما أن ينفرد به، فهذا يصح، وتكون الوزارة بينهما لا في واحد منهما، ~~ولهما تنفيذ ما اتفق رأيهما عليه، وليس لهما تنفيذ ما اختلفا فيه، ويكون ~~موقوفا على رأي الخليفة وخارجا عن نظر هذين الوزيرين، وتكون هذه الوزارة ~~قاصرة عن وزارة التفويض المطلقة من وجهين: # أحدهما: اجتماعهما على تنفيذ ما اتفقا عليه. # والثاني: زوال نظرهما عما اختلفا فيه. # فإن اتفقا بعد الاختلاف نظر، فإن كان عن رأي اجتمعا على صوابه بعد ~~اختلافهما فيه دخل في نظرهما وصح تنفيذه منهما؛ لأن ما تقدم من الاختلاف لا ~~يمنع من جواز الاتفاق، وإن كان من متابعة أحدهما لصاحبه مع بقائهما على ~~الرأي المختلف فيه فهو على خروجه من نظرهما؛ لأنه لا يصح من الوزير تنفيذ ~~ما لا يراه صوابا. # والقسم الثالث: أن ms029 لا يشرك بينهما في النظر، ويفرد كل واحد منهما بما ليس ~~فيه للآخر نظر، وهذا يكون على أحد وجهين: إما أن يخص كل واحد منهما بعمل ~~يكون فيه عام النظر خاص العمل، مثل أن يرد إلى أحدهما وزارة بلاد المشرق ~~وإلى الآخر وزارة بلاد المغرب، PageV01P060 # وإما أن يخص كل واحد منهما بنظر يكون فيه عام العمل خاص النظر، مثل أن ~~يستوزر أحدهما على الحرب والآخر على الخراج، فيصح التقليد على كلا الوجهين، ~~غير إنهما لا يكونان وزيري تفويض، ويكونان واليين على عملين مختلفين؛ لأن ~~وزارة التفويض ما عمت ونفذ أمر الوزيرين بها في كل عمل وكل نظر؛ ويكون ~~تقليد كل واحد منهما مقصورا على ما خص به، وليس له معارضة الآخر في نظره ~~وعمله، ويجوز للخليفة أن يقلد وزيرين: وزير تفويض ووزير تنفيذ، فيكون وزير ~~التفويض مطلق التصرف، ووزير التنفيذ مقصورا على تنفيذ ما وردت به أوامر ~~الخليفة. # ولا يجوز لوزير التنفيذ أن يولي معزولا ولا أن يعزل مولى، ويجوز لوزير ~~التفويض أن يولي المعزول ويعزل من ولاه، ولا يعزل من ولاه الخليفة، وليس ~~لوزير التنفيذ أن يوقع عن نفسه ولا عن الخليفة إلا بأمره، ويجوز لوزير ~~التفويض أن يوقع عن نفسه إلى عماله وعمال الخليفة، ويلزمهم قبول توقيعاته؛ ~~ولا يجوز أن يوقع عن الخليفة إلا بأمره في عموم أو خصوص، وإذا عزل الخليفة ~~وزير التنفيذ لم ينعزل به أحد من الولاة. # وإذا عزل وزير التفويض انعزل به عمال التنفيذ، ولم ينعزل به عمال ~~التفويض؛ لأن عمال التنفيذ نياب وعمال التفويض ولاة، ويجوز لوزير التفويض ~~أن يستخلف نائبا عنه، ولا يجوز لوزير التنفيذ أن يستخلف من ينوب عنه؛ لأن ~~الاستخلاف تقليد فصح من وزير التفويض، ولم يصح من وزير التنفيذ، وإذا نهى ~~الخليفة وزير التفويض عن الاستخلاف لم يكن له أن يستخلف، وإذا أذن لوزير ~~التنفيذ في الاستخلاف جاز له أن يستخلف؛ لأن كل واحد من الوزيرين يتصرف عن ~~أمر الخليفة ونهيه، وإن افترق حكمهما مع إطلاق التقليد. # وإذا فوض ms030 الخليفة تدبير الأقاليم إلى ولاتها ووكل النظر فيها إلى ~~المستولين عليها -كالذي عليه أهل زماننا- جاز لمالك كل إقليم أن يستوزر، ~~وكان حكم وزيره معه كحكم وزير الخليفة مع الخليفة في اعتبار الوزارتين ~~وأحكام النظرين. PageV01P061 ### | الباب الثالث: في تقليد الإمارة على البلاد # وإذا قلد الخليفة أميرا على إقليم أو بلد كانت إمارته على ضربين: عامة ~~وخاصة: فأما العامة فعلى ضربين: إمارة استكفاء بعقد عن اختيار. وإمارة ~~استيلاء بعقد عن اضطرار. # فإمارة الاستكفاء التي تنعقد عن اختياره فتشتمل على عمل محدود ونظر ~~معهود، والتقليد فيها أن يفوض إليه الخليفة إمارة بلد أو إقليم ولاية على ~~جميع أهله ونظرا في المعهود من سائر أعماله، فيصير عام النظر فيما كان ~~محدودا من عمل ومعهودا من نظر، فيشتمل نظره فيه على سبعة أمور: أحدها: ~~النظر في تدبير الجيوش وترتيبهم في النواحي وتقدير أرزاقهم، إلا أن يكون ~~الخليفة قدرها فيذرها عليهم. # والثاني: النظر في الأحكام وتقليد القضاة والحكام. # والثالث: جباية الخراج وقبض الصدقات وتقليد العمال فيهما وتفريق ما استحق ~~منها. # والرابع: حماية الدين والذب1 عن الحريم ومراعاة الدين من تغيير أو تبديل. # والخامس: إقامة الحدود في حق الله وحقوق الآدميين. # والسادس: الإمامة في الجمع والجماعات حتى يؤم بها أو يستخلف عليها. # والسابع: تسيير الحجيج من عمله ومن سلكه من غير أهله حتى يتوجهوا معانين ~~عليه، فإن كان هذا الإقليم ثغرا متاخما للعدو واقترن بها. # الثامن: وهو جهاد من يليه من الأعداء وقسم غنائمهم في المقاتلة وأخذ ~~خمسها لأهل الخمس وتعتبر في هذه الإمارة الشروط المعتبرة في وزارة التفويض؛ ~~لأن الفرق بينهما خصوص الولاية في الإمارة وعمومها في الوزارة وليس بين ~~عموم الولاية وخصوصها فرق PageV01P062 # في الشروط المعتبرة فيها ثم ينظر في عقد هذه الإمارة، فإن كان الخليفة قد ~~تولاه كان # لوزير التفويض عليه حق المراعاة والتصفح ولم يكن له عزله ولا نقله من ~~إقليم إلى غيره. # وإن كان الوزير قد تفرد بتقليده فهو على ضربين: # أحدهما: أن يقلده عن إذن الخليفة، فلا يجوز له عزله ولا ms031 نقله عن عمله إلى ~~غيره إلا عن إذن الخليفة وأمره، ولو عزل الوزير لم ينعزل هذا الأمير. # والضرب الثاني: أن يقلده عن نفسه فهو نائب عنه، فيجوز له أن ينفرد بعزله ~~والاستبدال به بحسب ما يؤديه الاجتهاد إليه من النظر في الأولى والأصح. # ولو أطلق الوزير تقليد هذا الأمير فلم يصرح فيه بأنه عن الخليفة ولا عن ~~نفسه كان التقليد عن نفسه؛ وله أن ينفرد بعزله، ومتى انعزل الوزير انعزل ~~هذا الأمير، إلا أن يقر الخليفة على إمارته، فيكون ذلك تجديد ولاية ~~واستئناف تقليد، غير أنه لا يحتاج في لفظ العقد إلى ما يحتاج إليه ابتداء ~~العقد أن يقول: قد قلدتك ناحية كذا إمارة على أهلها، ونظرا على جميع ما ~~يتعلق بها على تفصيل لا يدخله إجمال ولا يتناوله احتمال، فإذا قلد الخليفة ~~هذه الإمارة لم يكن فيها عزل للوزير عن تصفحها ومراعاتها، وإذا قلد الوزارة ~~لم يكن فيها عزل لهذا الأمير عن إمارته؛ لأنه إذا اجتمع عموم التقليد ~~وخصوصه في الولايات السلطانية كان عموم التقليد محمولا في العرف على مراعاة ~~الأخص وتصفحه، وكان خصوص التقليد محمولا على مباشرة العمل وتنفيذه. # ويجوز لهذا الأمير أن يستوزر لنفسه وزير تنفيذ بأمر الخليفة وبغير أمره، ~~ولا يجوز أن يستوزر وزير تفويض إلا عن إذن الخليفة وأمره؛ لأن وزير التنفيذ ~~معين ووزير التفويض مستبد. # وإذا أراد هذا الأمير أن يزيد في أرزاق1 جيشه لغير سبب لم يجز لما فيه من ~~استهلاك مال في غير حق، وإن زادهم لحدوث سبب يقتضيه نظر في السبب. # فإن كان مما يرجى زواله لا تستقر به الزيادة على التأبيد كالزيادة لغلاء ~~سعر، أو حدوث حدث، أو نفقة في حرب جاز للأمير أن يدفع هذه الزيادة من بيت ~~المال ولا يلزمه استثمار PageV01P063 # الخليفة؛ لأنها من حقوق السياسة الموكولة إلى اجتهاده، وإن كان سبب ~~الزيادة مما يقتضي استقرارها على التأبيد -كالزيادة لحرب- أبلوا فيها ~~وقاموا بالنصر حتى انجلت أوقفها على استثمار الخليفة فيها ولم يكن له ~~التفرد بإمضائها، ويجوز أن يرزق1 ms032 من بلغ من أولاد الجيش ويفرض لهم العطاء ~~بغير أمر، ولا يجوز أن يفرض لجيش مبتدإ إلا بأمر. # وإذا فضل من مال الخراج فاضل عن أرزاق جيشه حمله إلى الخليفة ليضعه في ~~بيت المال العام المعد للمصالح العامة، وإذا فضل من مال الصدقات فاضل عن ~~أهل عمله لم يلزمه حمله إلى الخليفة، وصرفه في أقرب أهل الصدقات من عمله، ~~وإذا نقص مال الخراج عن أرزاق جيشه طالب الخليفة بتمامه من بيت المال، ولو ~~نقص مال الصدقات عن أهل عمله لم يكن له مطالبة الخليفة بتمامه؛ لأن أرزاق ~~الجيش مقدرة بالكفاية، وحقوق أهل الصدقات معتبرة بالوجود. # إذا كان تقليد الأمير من قبل الخليفة لم ينعزل بموت الخليفة، وإن كان من ~~قبل الوزير انعزل بموت الوزير؛ لأن تقليد الخليفة نيابة عن المسلمين وتقليد ~~الوزير نيابة عن نفسه، وينعزل الوزير بموت الخليفة وإن لم ينعزل به الأمير؛ ~~لأن الوزارة نيابة عن الخليفة والإمارة نيابة على المسلمين، فهذا حكم أحد ~~قسمي الإمارة العامة وهي إمارة الاستكفاء المعقودة عن اختيار. # ونحن نقدم أمام القسم الأخير منها حكم الإمارة الخاصة لاشتراكهما في عقد ~~الاختيار، ثم نذكر القسم الثاني: في إمارة الاستيلاء المعقودة عن اضطرار ~~لنبني حكم الاضطرار على حكم الاختيار فيعلم فرق ما بينهما من شروط وحقوق. # فأما الإمارة الخاصة، فهو أن يكون الأمير مقصور الإمارة على تدبير الجيش ~~وسياسة الرعية وحماية البيضة والذب عن الحريم، وليس له أن يتعرض للقضاء ~~والأحكام ولجباية الخراج والصدقات. # فأما إقامة الحدود فما افتقر منها إلى اختيار لاختلاف الفقهاء فيه وافتقر ~~إلى إقامة بينة لتناكر المتنازعين فيه فليس له التعرض لإقامتها؛ لأنها من ~~الأحكام الخارجة عن خصوص PageV01P064 # إمارته، وإن لم يفتقر إلى اختيار ولا بينة أو افتقر إليهما فنفذ فيه ~~اجتهاد الحاكم أو إقامة البينة # عنده، فلا يخلو أن يكون من حقوق الله سبحانه أو من حقوق الآدميين. # فإن كان من حقوق الآدميين كحد القذف والقصاص في نفس أو طرف كان ذلك ~~معتبرا بحال الطالب، فإن عدل عنه إلى الحاكم ms033 كان الحاكم أحق باستيفائه ~~لدخوله في جملة الحقوق التي ندب الحاكم إلى استيفائها، وإن عدل الطالب ~~باستيفاء الحد والقصاص إلى هذا الأمير كان الأمير أحق باستيفائه، لأنه ليس ~~بحكم وإنما هو معونة على استيفاء الحق وصاحب المعونة هو الأمير دون الحاكم، ~~فإن كان هذا الحد من حقوق الله -تعالى- المحضة كحد الزنا -جلدا أو رجما- ~~فالأمير أحق باستيفائه من الحاكم لدخوله في قوانين السياسة وموجبات الحماية ~~والذب عن الملة، # ولأن تتبع المصالح موكول إلى الأمراء المندوبين إلى البحث عنها دون ~~الحكام المرصدين لفصل التنازع بين الخصوم، فدخل في حقوق الإمارة ولم يخرج ~~منها إلا بنص، وخرج من حقوق القضاء فلم يدخل فيها إلا بنص. # وأما نظره في المظالم، فإن كان مما نفذت فيه الأحكام وأمضاه القضاة ~~والحكام؛ جاز له النظر في استيفائه معونة للمحق على المبطل، وانتزاعا للمحق ~~من المعترف المماطل، لأنه موكول إلى المنع من التظالم والتغالب، ومندوب إلى ~~الأخذ بالتعاطف والتناصف، فإن كانت المظالم مما تستأنف فيها الأحكام ويبتدأ ~~فيها القضاء منع منه هذا الأمير؛ لأنه من الأحكام التي لم يتضمنها عقد ~~إمارته وردهم إلى حاكم بلده؛ فإن نفذ حكمه لأحدهم بحق قام باستيفائه إن ضعف ~~عنه الحاكم، فإن لم يكن في بلده حاكم عدل بها إلى أقرب الحكام من بلده إن ~~لم يلحقهما في المصير إليه مشقة، فإن لحقت لم يكفلهما ذلك واستأمر الخليفة ~~فيما تنازعا، ونفذ حكمه فيه. # وأما تسيير الحجيج من عمله، فداخل في أحكام إمارته،؛لأنه من جملة ~~المعونات التي ندب لها. # فأما إمامة الصلوات في الجمع والأعياد، فقد قيل: إن القضاة بها أخص وهو ~~بمذهب الشافعي أشبه، وقيل إن الأمراء بها أحق وهو بمذهب أبي حنيفة أشبه، ~~فإن تاخمت ولاية هذا الأمير ثغرا لم يكن له أن يبتدئ جهاد أهله إلا بإذن ~~الخليفة، وكان عليه حربهم ودفعهم PageV01P065 # إن هجموا عليه بغير إذنه؛ لأن دفعهم من حقوق الحماية ومقتضى الذب عن ~~الحريم. # ويعتبر في ولاية هذه الإمارة الشروط المعتبرة في وزارة التنفيذ وزيادة ~~شرطين عليها هما: الإسلام ms034 والحرية، لما تضمنتها من الولاية على أمور دينية ~~لا تصح مع الكفر والرق، ولا يعتبر فيها العلم والفقه، وإن كان فزيادة فضل، ~~فصارت شروط الإمارة العامة معتبرة بشروط وزارة التفويض لاشتراكهما في عموم ~~النظر وإن اختلفا في خصوص العمل. # وشروط الإمارة الخاصة تقصر عن شروط الإمارة العامة بشرط واحد وهو العلم؛ ~~لأن لمن عمت إمارته أن يحكم وليس ذلك لمن خصت إمارته: وليس على واحد من ~~هذين الأميرين مطالعة الخليفة بما أمضاه في عمله على مقتضى إمارته إذا كان ~~معهودا، إلا على وجه الاختيار تظاهرا بالطاعة، فإن حدث حادث غير معهود ~~أوقفاه على مطالعة الإمام وعملا فيه بأمره، فإن خافا من اتساع الخرق إن ~~أوقفاه، قاما بما يدفع هجومه حتى يرد عليهما إذن الخليفة فيما يعملان به، ~~لأن رأي الخليفة لإشرافه على عموم الأمور أمضى في الحوادث النازلة. # وأما إمارة الاستيلاء التي تعقد عن اضطرار، فهي أن يستولي الأمير بالقوة ~~على بلاد يقلده الخليفة إمارتها، ويفوض إليه تدبيرها وسياستها، فيكون ~~الأمير باستيلائه مستبدا بالسياسة والتدبير، والخليفة بإذنه منفذا لأحكام ~~الدين؛ ليخرج من الفساد إلى الصحة ومن الحظر إلى الإباحة، وهذا وإن خرج عن ~~عرف التقليد المطلق في شروطه وأحكامه ففيه من حفظ القوانين الشرعية وحراسة ~~الأحكام الدينية ما لا يجوز أن يترك مختلا مخذولا ولا فاسدا معلولا، فجاز ~~فيه مع الاستيلاء والاضطرار ما امتنع في تقليد الاستكفاء والاختيار؛ لوقوع ~~الفرق بين شروط المكنة والعجز. # والذي يتحفظ بتقليد المستولي من قوانين الشرع سبعة أشياء، فيشترك في ~~التزامها الخليفة الولي والأمير المستولي، ووجوبها في جهة المتولي أغلظ: # أحدها: حفظ منصب الإمامة في خلافة النبوة وتدبير أمور الملة، ليكون ما ~~أوجبه الشرع من إقامتها محفوظا، وما تفرع عنها من الحقوق محروسا. PageV01P066 # والثاني: ظهور الطاعة الدينية التي يزول معها حكم العناد فيه وينتفي بها ~~إثم المباينة1 له. # والثالث: اجتماع الكلمة على الألفة والتناصر؛ ليكون للمسلمين يد على من ~~سواهم. # والرابع: أن تكون عقود الولايات الدينية جائزة والأحكام والأقضية فيها ~~نافذة لا تبطل بفساد عقودها، ms035 ولا تسقط بخلل عهودها. # والخامس: أن يكون استيفاء الأموال الشرعية بحق تبرأ به ذمة مؤديها ~~ويستبيحه آخذها. # والسادس: أن تكون الحدود مستوفاة بحق وقائمة على مستحق؛ فإن جنب المؤمن ~~حمي إلا من حقوق الله وحدوده. # والسابع: أن يكون الأمير في حفظ الدين ورعا عن محارم الله يأمر بحقه إن ~~أطيع، ويدعو إلى طاعته إن عصي، فهذه سبع قواعد في قوانين الشرع يحفظ بها ~~حقوق الإمامة وأحكام الأمة فلأجلها وجب تقليد المستولي؛ فإن كملت فيه شروط ~~الاختيار كان تقليده حيا استدعاء لطاعته ودفعا لمشاقته ومخالفته، وصار ~~بالإذن له نافذ التصرف في حقوق الملة وأحكام الأمة، وجرى على من استوزره ~~واستنابه لأحكام من استوزره الخليفة واستنابه، وجاز أن يستوزر وزير تفويض ~~ووزير تنفيذ، فإن لم يكمل في المتولي شروط الاختيار جاز للخليفة إظهار ~~تقليده؛ استدعاء لطاعته وحسما لمخالفته ومعاندته، أو كان نفوذ تصرفه في ~~الأحكام والحقوق موقوفا على أن يستنيب له الخليفة فيها لمن قد تكاملت فيه ~~شروطها؛ ليكون كمال الشروط فيمن أضيف إلى نيابته جبرا لما أعوز من شروطها ~~في نفسه، فيصير التقليد للمستولي والتنفيذ من المستناب. # وجاز مثل هذا وإن شذ عن الأصول لأمرين: # أحدهما: أن الضرورة تسقط ما أعوز من شروط المكنة. # الثاني: أن ما خيف انتشاره من المصالح العامة تخفف شروطه عن شروط المصالح ~~الخاصة، فإذا صحت إمارة الاستيلاء كان الفرق بينها وبين إمارة الاستكفاء من ~~أربعة أوجه: PageV01P067 # أحدها: أن إمارة الاستيلاء متعينة في المتولي وإمارة الاستكفاء مقصورة ~~على اختيار المستكفي. # والثاني: أن إمارة الاستيلاء مشتملة على البلاد التي غلب عليها المتولي، ~~وإمارة الاستكفاء مقصورة على البلاد التي تضمنها عهد المتكفي. # والثالث: أن إمارة الاستيلاء تشتمل على معهود النظر ونادره، وإمارة ~~الاستكفاء مقصورة على معهود النظر دون نادره. # والرابع: أن وزارة التفويض تصح في إمارة الاستيلاء ولا تصح في إمارة ~~الاستكفاء؛ لوقوع الفرق بين المستولي ووزيره في النظر؛ لأن نظر الوزير ~~مقصور على المعهود، وللمستولي أن ينظر في النادر والمعهود، وإمارة ~~الاستكفاء مقصورة على النظر المعهود فلم تصح ms036 معها وزارة تشتمل على مثلها من ~~النظر المعهود لاشتباه حال الوزير بالمستوزر. PageV01P068 ### | الباب الرابع: في تقليد الإمارة على الجهاد # والإمارة على الجهاد مختصرة بقتال المشركين. وهي على ضربين: # أحدهما: أن تكون مقصورة على سياسة الجيش وتدبير الحرب؛ فيعتبر فيها شروط ~~الإمارة الخاصة. # والضرب الثاني: أن يفوض إلى الأمير فيها جميع أحكامها من قسم الغنائم ~~وعقد الصلح، فيعتبر فيها شروط الإمارة العامة، وهي أكبر الولايات الخاصة ~~أحكاما وأوفرها فصولا وأقساما، وحكمها إذا خصت داخل في حكمها إذا عمت، ~~فاقتصرنا عليه إيجازا. # والذي يتعلق بها من الأحكام إذا عمت ستة أقسام: # القسم الأول: في تسيير الجيش، وعليه في السير بهم سبعة حقوق: # أحدها: الرفق بهم في السير الذي يقدر عليه أضعفهم وتحفظ به قوة أقواهم، ~~ولا يجد السير فيهلك الضعيف ويستفرغ جلد القوي، وقد قال النبي -صلى الله ~~عليه وسلم: "هذا الدين متين فأوغلوا فيه برفق، فإن المنبت لا أرضا قطع ولا ~~ظهرا أبقى وشر السير الحقحقة1" 2. # وروي عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "المضعف أمير الرفقة"3. # يريد أن من ضعفت دابته كان على القوم أن يسيروا بسيره. # والثاني: أن يتفقد خيلهم التي يجاهدون عليها وظهورهم التي يمتطونها، فلا ~~يدخل في خيل الجهاد ضخما كبيرا، ولا ضرعا صغيرا، ولا حطما كسيرا، ولا أعجف ~~زارحا هزيلا؛ PageV01P069 # لأنها لا تقي وربما كان ضعفها وهنا، ويتفقد ظهور الامتطاء والركوب، فيخرج ~~منها ما لا يقدر على السير ويمنع من حمل زيادة على طاقتها، قال الله ~~-تعالى: {وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل} [الأنفال: 60] . # وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ارتبطوا الخيل، فإن ظهورها لكم عز، ~~وبطونها لكم كنز"1. # والثالث: أن يراعي من معه من المقاتلة وهم صنفان: مسترزقة ومتطوعة، فأما ~~المسترزقة فهم أصحاب الديوان من أهل الفيء والجهاد، يفرض لهم العطاء من بيت ~~المال من الفيء بحسب الغنى والحاجة. # وأما المتطوعة فهم الخارجون عن الديوان من البوادي والأعراب وسكان القرى ~~والأمصار الذين خرجوا في النفير الذي ندب الله -تعالى- إليه بقوله: {انفروا ms037 ~~خفافا وثقالا وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله} [التوبة: 41] . # وفي قوله -تعالى: {خفافا وثقالا} . # أربعة تأويلات2: # أحدها: شبانا وشيوخا. قاله الحسن وعكرمة. # والثاني: أغنياء وفقراء قاله أبو صالح. # والثالث: ركبانا ومشاة قاله أبو عمر. # والرابع: ذا عيال وغير ذي عيال قاله الفراء. وهؤلاء يعطون من الصدقات دون ~~الفيء من سهم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- المذكور في آية الصدقات، ولا ~~يجوز أن يعطوا من الفيء لأن حقهم في الصدقات ولا يعطى أهل الفيء المسترزقة ~~من الديوان من مال الصدقات؛ لأن حقهم في الفيء، ولكل واحد من الفريقين مال ~~لا يجوز أن يشارك غيره فيه، وجوز أبو حنيفة صرف كل واحد من المالين إلى كل ~~واحد من الفريقين بحسب الحاجة، وقد ميز الله تعالى PageV01P070 # بين الفريقين فلم يجز الجمع بين ما فرق. # والرابع: أن يعرف على الفريقين العرفاء1، وينقل عليهما النقباء؛ ليعرف من ~~عرفائهم ونقبائهم أحوالهم ويقربون عليه إذا دعاهم، فقد فعل رسول الله -صلى ~~الله عليه وسلم- ذلك في مغازيه وقال الله -تعالى: {وجعلناكم شعوبا وقبائل ~~لتعارفوا} [الحجرات: 13] .. # وفيها ثلاثة تأويلات: # أحدها: أن للشعوب النسب الأقرب. والقبائل النسب الأبعد قاله مجاهد. # والثاني: أن الشعوب عرب قحطان، والقبائل عرب عدنان. # والثالث: أن الشعوب بطون العجم، والقبائل بطون العرب. # والخامس: أن يجعل لكل طائفة شعارا يتداعون به ليصيروا متميزين وبالاجتماع ~~متظافرين. # روى عروة بن الزبير عن أبيه: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- جعل شعار ~~المهاجرين: يا بني عبد الرحمن، وشعار الخزرج: يا بني عبد الله، وشعار ~~الأوس: يا بني عبيد الله، وسمى خيله خيل الله. # والسادس: أن يتصفح الجيش ومن فيه؛ ليخرج منهم من كان فيه تخذيل للمجاهدين ~~وإرجاف للمسلمين، أو عينا عليهم للمشركين. # فقد رد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عبد الله بن أبي ابن سلول في بعض ~~غزواته لتخذيله المسلمين، وقال -تعالى: {وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون ~~الدين كله لله} [البقرة: 193] . # أي لا يفتن بعضكم بعضا. # والسابع: أن لا يمالئ من ناسبه أو وافق رأيه ومذهبه على من باينه في ms038 نسب ~~أو خالفه في رأي ومذهب، فيظهر من أحوال المباينة ما تفرق به الكلمة الجامعة ~~-تشاغلا بالتقاطع والاختلاف، وقد أغضى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن ~~المنافقين وهم أضداد في الدين، وأجرى عليهم حكم الظاهر حتى قويت بهم الشوكة ~~وكثر بهم العدد وتكاملت بهم القوة، ووكلهم فيما أضمرته قلوبهم من النفاق ~~إلى علام الغيوب المؤاخذ بضمائر القلوب. # قال الله -تعالى: PageV01P071 # {ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم} [الأنفال: 46] . # وفيه تأويلان: # أحدهما: إن المراد بالريح الدولة، قاله أبو عبيد. # والثاني: إن المراد بها القوة، فضرب الريح بها مثلا لقوتها1. # فصل: # والقسم الثاني من أحكام هذه الإمارة في تدبير الحرب، والمشركون في دار ~~الحرب صنفان: # صنف منهم بلغتهم دعوة الإسلام فامتنعوا منها وتابوا عليها، فأمير الجيش ~~مخير في قتالهم بين أمرين يفعل منهما ما علم أنه الأصلح للمسلمين، وأنكأ ~~للمشركين؛ من بياتهم ليلا ونهارا بالقتال والتحريق، وأن ينذرهم بالحرب ~~ويصافهم بالقتال. # والصنف الثاني: لم تبلغهم دعوة الإسلام، وقل أن يكونوا اليوم؛ لما قد ~~أظهر الله من دعوة رسوله، إلا أن يكون قوم من وراء من يقابلنا من الترك ~~والروم في مبادئ المشرق وأقاصي المغرب لا نعرفهم، فيحرم علينا الإقدام على ~~قتالهم غرة وبياتا بالقتل والتحريق، وأن نبدأهم بالقتل قبل إظهار دعوة ~~الإسلام لهم، وإعلامهم من معجزات النبوة وإظهار الحجة بما يقودهم إلى ~~الإجابة، فإن قاموا على الكفر بعد ظهورها لهم حاربهم، وصاروا فيه كمن ~~بلغتهم الدعوة، قال الله تعالى: {ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة ~~وجادلهم بالتي هي أحسن} [النحل: 125] . # يعني: ادع إلى دين ربك بالحكمة، وفيها تأويلان: # أحدهما: بالنبوة. # والثاني: بالقرآن. # قال الكلبي: وفي الموعظة الحسنة تأويلان: # أحدهما: القرآن في لين من القول، قاله الكلبي. PageV01P072 # والثاني: ما فيه من الأمر والنهي. # {وجادلهم بالتي هي أحسن} . # أي: يبين لهم الحق ويوضح لهم الحجة، فإن بدأ بقتالهم قبل دعائهم إلى ~~الإسلام وإنذارهم بالحجة وقتلهم غرة وبياتا ضمن ديات نفوسهم، وكانت على ~~الأصح من مذهب الشافعي كديات المسلمين، وقيل: بل كديات الكفار على اختلافها ~~اختلاف ms039 معتقدهم. # وقال أبو حنيفة: لا دية على قتلهم ونفوسهم هدر، وإذا تقاتلت الصفوف في ~~الحرب جاز لمن قاتل من المسلمين أن يعلمهم بما يشتهر به بين الصفين، ويتميز ~~به من جميع الجيش، بأن يركب الأبلق1 وإن كانت خيول الناس دهما وشقرا، ومنع ~~أبو حنيفة من الإعلام ركوب الأبلق، وليس لمنعه من ذلك وجه، روى عبد بن عون ~~الله بن عمير عن أبي إسحاق أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال يوم بدر: ~~"تسوموا فإن الملائكة قد تسومت"2. # ويجوز أن يجيب إلى البراز إذا دعي إليه. # فقد دعا أبي بن خلف رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلى البراز يوم أحد ~~فبرز إليه فقتله، وأول حرب شهدها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يوم بدر، ~~برز فيها من شرفاء قريش عتبة بن ربيعة وابنه الوليد وأخوه شيبة ودعوا إلى ~~البراز، فبرز إليهم من الأنصار عوف ومسعود ابنا عفراء وعبد الله بن رواحة ~~فقالوا: ليبرز أكفاؤنا إلينا فما نعرفكم، فبرز إليهم ثلاثة من بني هاشم، ~~برز علي بن أبي طالب إلى الوليد فقتله، وبرز حمزة بن عبد المطلب إلى عتبة ~~فقتله، وبرز عبيدة بن الحارث إلى شيبة فاختلفا بضربتين أثبت كل واحد منهما ~~صاحبه، ومات شيبة لوقته واحتمل عبيدة حيا قد قدت رجله فمات بالصفراء، فقال ~~فيه كعب بن مالك3 "من المتقارب": PageV01P073 # أيا عين جودي ولا تبخلي %~% بدمعك وكفا ولا تنزري # على سيد هدنا هلكه %~% كريم المشاهد والعنصري # عبيدة أمسى ولا نرتجي %~% ه لعرف غدا ولا منكر # وقد كان يحمي عداة القتا %~% ل حامية الجيش بالمبتر # ثم نذرت هند بنت عتبة لوحشي نذرا إن قتل حمزة بأبيها يوم أحد، فلما قتله ~~بقرت بطنه ولاكت كبده -رضوان الله عليه- وأنشأت تقول من السريع: # نحن جزيناكم بيوم بدر %~% والحرب بعد الحرب ذات سعر # ما كان عن عتبة لي من صبر %~% ولا أخي وعمه وبكر # شفيت نفسي وقضيت نذري %~% شفيت وحشي غليل صدري # فشكر وحشي علي عمري %~% حتى تضم أعظمي في قبري # هذا أقر عليه رسول الله -صلى ms040 الله عليه وسلم- أقرب أهله إليه من بني هاشم ~~وبني عبد المطلب من مبارزة يوم بدر مع ضنه بهم وإشفاقه عليهم، وبارز أبيا ~~بنفسه يوم أحد، وأذن لعلي -عليه السلام- في حرب الخندق والخطب أصعب، ~~وإشفاقه -صلى الله عليه وسلم- على علي أكثر، بارز عمرو بن عبد ود1 لما دعا ~~إلى البراز أول يوم فلم يجبه أحد، ثم دعا إلى البراز في اليوم الثاني فلم ~~يجبه أحد، ثم دعا إلى البراز في اليوم الثالث وقال حين رأى الإحجام عنه ~~والحذر منه: يا محمد، ألستم تزعمون أن قتلاكم في الجنة أحياء عند ربهم ~~يرزقون، وقتلانا في النار يعذبون؟ فما يبالي أحدكم ليقدم على كرامة من ربه ~~أو يقدم عدوا إلى النار وأنشأ يقول "من الكامل": # ولقد دنوت إلى النداء %~% لجمعهم هل من مبارز PageV01P074 # ووقفت إذ جبن المشجع %~% موقف القرن المناجز # إني كذلك لم أزل %~% متسرعا نحو الهزاهز # إن الشجاعة في الفتى %~% والجود من خير الغرائز # فقام علي -عليه السلام- فاستأذن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في ~~المبارزة، فأذن له وقال: "اخرج يا علي في حفظ الله وعياذه"، فخرج وهو يقول ~~من "الكامل": # أبشر أتاك يجيب صو %~% تك في الهزاهز غير عاجز # ذو نية وبصيرة %~% يرجو الغداة نجاة فائز # إني لأرجو أن أق %~% يم عليك نائحة الجنائز # من طعنة نجلاء يب %~% هر ذكرها عند الهزائز # وتجاولا وثارت عجاجة1 أخفتهما عن الأبصار، ثم انجلت عنهما وعلي -عليه ~~السلام- يمسح سيفه بثوب عمرو وهو قتيل؛ حكاه محمد بن إسحاق في مغازيه، فدل ~~هذان الخبران على جواز البراز مع التغرير بالنفس، فأما إذا أراد المقاتل أن ~~يدعو إلى البراز مبتدئا فقد منعه أبو حنيفة، لأن الدعاء إلى البراز ~~والابتداء بالتطاول بغي، وجوزه الشافعي؛ لأنه إظهار قوة في دين الله -تعالى ~~ونصرة رسوله، فقد ندب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلى مثله وحث عليه ~~وتخير له، مع استظهاره بنفسه من أقدم عليه وبدأ به. # حكى محمد بن إسحاق أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ظاهر يوم أحد بين ~~درعين وأخذ سيفا ms041 فهزه وقال: "من يأخذ هذا السيف بحقه"؟ فقام إليه عمر بن ~~الخطاب -رضي الله عنه- فقال: أنا آخذه بحقه، فأعرض عنه ثم هزه الثانية ~~وقال: "من يأخذ هذا السيف بحقه"؟ فقام إليه الزبير بن العوام وقال: أنا ~~آخذه بحقه، فأعرض عنه، فوجدا في أنفسهما، ثم عرضه الثالثة وقال: "من يأخذ ~~هذا السيف بحقه"؟ فقام إليه أبو دجانة سماك بن خرشة فقال: وما حقه يا رسول ~~الله؟ قال: "أن تضرب في العدو حتى ينحني"، فأخذه منه وأعلم بعصابة حمراء ~~PageV01P075 # كان إذا أعلم بها علم الناس أنه سيقاتل ويبلي، ومشى إلى الحرب وهو يقول ~~من السريع: # أنا الذي أخذته في رقه %~% إذ قال من يأخذه بحقه # قبلته بعدله وصدقه %~% للقادر الرحمن بين خلقه # المدرك الفائض فضل رزقه %~% من كان في مغربه وشرقه # ثم جعل يتبختر بين الصفين، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم: # "إنها لمشية يبغضها الله إلا في هذا الموطن"، ودخل في الحرب مبتدئا ~~بالقتال، فأبلى وأنكى وهو يقول من السريع: # أنا الذي عاهدني خليلي %~% ونحن بالسفح من النخيل # ألا أقوم الدهر في الكبول %~% أخذت سيف الله والرسول # وإذا جازت المبارزة بما استشهدنا من حال المبتدئ بها وأجيب إليها، كان ~~لتمكين المبارزة شرطان: # أحدهما: أن يكون ذا نجدة وشجاعة يعلم من نفسه أنه لن يعجز عن مقاومة ~~عدوه، فإن كان بخلافه منع. # والثاني: أن لا يكون زعيما للجيش يؤثر فقده فيهم، فإن فقد الزعيم المدبر ~~مفض إلى الهزيمة، ورسول الله -صلى الله عليه وسلم- أقدم على البراز ثقة ~~بنصر الله سبحانه وإنجاز وعده، وليس ذلك لغيره، ويجوز لأمير الجيش إذا حض ~~على الجهاد أن يحرض للشهادة من الراغبين فيها من يعلم أن مثله في المعركة ~~يؤثر أحد أمرين؛ إما تحريض المسلمين على القتال حمية له، وإما تخذيل ~~المشركين بجراءة عليهم في نصرة الله. # حكى محمد بن إسحاق أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- خرج من العريش يوم ~~بدر فحرض الناس على الجهاد وقال: "لكل امرئ ما أصاب"؟ وقال: "والذي نفسي ~~بيده، لا يقاتلهم ms042 اليوم رجل، فيقتل صابرا محتسبا، مقبلا غير مدبر، إلا ~~أدخله الله الجنة" فقال عمير بن حمام من بني مسلمة وفي يده تمرات يأكلهن: ~~بخ بخ، ما بقي بيني وبين الجنة إلا أن يقتلني هؤلاء القوم، ثم قذف بالتمرات ~~من يده وأخذ سيفه فقاتل القوم حتى قتل -رحمه الله، وهو يقول من PageV01P076 # السريع: # ركضا إلى الله بغير زاد %~% إلا التقى وعمل المعاد # والصبر في الله على الجهاد %~% وكل زاد عرضة النفاد # غير التقى والبر والرشاد # ويجوز للمسلم أن يقتل من ظفر به من مقاتلة المشركين محاربا وغير محارب، ~~واختلف في قتل شيوخهم ورهبانهم من سكان الصوامع والأديرة، فأحد القولين ~~فيهم: إنهم لا يقتلون حتى يقاتلوا؛ لأنهم موادعون كالذراري. # والثاني: يقتلون وإن لم يقاتلوا؛ لأنهم ربما أشاروا برأي هو أنكى ~~للمسلمين من القتال، وقد قتل دريد بن الصمة1 في حرب هوازن وهو يوم حنين، ~~وقد جاوز مائة سنة من عمره ورسول الله -صلى الله عليه وسلم- يراه فلم ينكر ~~قتله، وكان يقول حيث قتل "من الطويل": # أمرتهم أمري بمنعرج اللوى %~% يستبينوا الرشد إلا ضحى الغد # فلما عصوني كنت منهم وقد أرى %~% غوايتهم وأنني غير مهتد # ولا يجوز قتل النساء والولدان في حرب ولا في غيرها ما لم يقاتلوا؛ لنهي ~~رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن قتلهم. ونهى رسول الله -صلى الله عليه ~~وسلم- عن قتل العسفاء والوصفاء2. # والعسفاء: المستخدمون. # والوصفاء: المماليك، فإن قاتل النساء والولدان قوتلوا وقتلوا مقبلين ولا ~~يقتلوا مدبرين. # وإذا تترسوا في الحرب بنسائهم وأطفالهم عند قتلهم يتوقى قتل النساء ~~والأطفال، فإن لم يوصل إلى قتلهم إلا بقتل النساء والأطفال جاز. ~~PageV01P077 # ولو تترسوا بأسارى المسلمين ولم يوصل إلى قتلهم إلا بقتل الأسارى لم يجز ~~قتلهم، فإن أفضى الكف عنهم إلى الإحاطة بالمسلمين توصلوا إلى الخلاص منهم ~~كيف أمكنهم، وتحرزوا أن يعمدوا إلى قتل مسلم في أيديهم، فإن قتل ضمنه قاتله ~~بالدية والكفارة إن عرف أنه مسلم. # وضمن الكفارة وحدها إن لم يعرفه، ويجوز عقر خيلهم من تحتهم إذا قاتلوا ~~عليها. # ومنع بعض ms043 الفقهاء من عقرها، وقد عقر حنظلة بن الراهب1 فرس أبي سفيان بن ~~حرب يوم أحد، واستعلى عليه ليقتله فرآه ابن شعوب فبرز إلى حنظلة وهو يقول ~~من السريع: # لأحمين صاحبي ونفسي %~% بطعنة مثل شعاع الشمس # ثم طعن حنظلة فقتله، واستنقذ أبا سفيان منه، فخلص أبو سفيان وهو يقول من ~~الطويل: # وما زال مهري مزجر الكلب منهم %~% لدن غدوة حتى دنت لغروب # أقاتلهم طرا وأدعو لغالب %~% وأدفعهم عني بركن صليب # ولو شئت نجاني حصان طمرة %~% ولم أحمل النعماء لابن شعوب # فبلغ ذلك ابن شعوب، فقال مجيبا له حين لم يشكره من الطويل: # لولا دفاعي يا ابن حرب ومشهدي %~% لألفيت يوم النعف غير مجيب # ولولا مكر المهر بالنعف قرقرت %~% ضباع على أوصاله وكليب # فأما إذا أراد المسلم أن يعقر فرس نفسه، فقد روي أن جعفر بن أبي طالب ~~-رضي الله عنه- اقتحم يوم مؤتة بفرس له شقراء حتى التحم القتال، ثم نزل ~~عنها وعقرها، وقاتل حتى قتل -رضي الله عنه، فكان أول رجل من المسلمين عقر ~~فرسه في الإسلام، وليس لأحد من المسلمين أن يعقر فرسه؛ لأنه قوة أمر الله ~~تعالى بإعدادها في جهاد عدوه؛ حيث يقول: {وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن ~~رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم} [الأنفال: 60] . # وجعفر إنما عقر فرسه بعد أن أحيط به، فيجوز أن يكون عقره لها لئلا يتقوى ~~بها المشركون على المسلمين، فصار عقرها مباحا كعقر خيلهم وإلا فجعفر أحفظ ~~لدينه من PageV01P078 # أن يفعل ما يمنع منه الشرع، ولما عاد جيشه تلقاهم رسول الله -صلى الله ~~عليه وسلم- والمسلمون معه، فجعل الناس يحثون على الجيش التراب ويقولون: يا ~~فرار، لم فررتم في سبيل # الله؟ ورسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: "ليس بفرار، ولكنه الكرار ~~إن شاء الله". # فصل: # والقسم الثالث من أحكام هذه الإمارة ما يلزم من أمير الجيش في سياستهم، ~~والذي يلزمه فيهم عشرة أشياء: # أحدها: حراستهم من غرة يظفر بها العدو منهم، وذلك أن يتتبع المكامن ويحوط ~~سوادهم بحرس يأمنون به على نفوسهم ms044 ورجالهم؛ ليسكنوا في وقت الدعة، ويأمنوا ~~ما وراءهم في وقت المحاربة. # والثاني: أن يتخير لهم موضع نزولهم لمحاربة عدوهم، وذلك أن يكونوا أوطأ ~~الأرض مكانا وأكثر مرعى وماء وأحرسها أكنافا وأطرافا؛ ليكون أعون لهم على ~~المنازلة، وأقوى لهم على المرابطة. # والثالث: إعداد ما يحتاج الجيش إليه من زاد وعلوفة تفرق عليهم في وقت ~~الحاجة؛ حتى تسكن نفوسهم إلى مادة يستغنون عن طلبها؛ ليكونوا على الحرب ~~أوفر، وعلى منازلة العدو أقدر. # والرابع: أن يعرف أخبار عدوه حتى يقف عليها، ويتصفح أحواله حتى يخبرها، ~~فيسلم من مكره، ويلتمس الغرة في الهجوم عليه. # والخامس: ترتيب الجيش في مصاف الحرب، والتعويل في كل جهة على من يراه ~~كفؤا لها، ويتفقد الصفوف من الخلل فيها، ويراعي كل جهة يميل العدو عليها ~~بمدد يكون عونا لها. # والسادس: أن يقوي نفوسهم بما يشعرهم من الظفر، ويخيل إليهم من أسباب ~~النصر؛ ليقل العدو في أعينهم، فيكون عليه أجرأ وبالجرأة يتسهل الظفر، قال ~~الله تعالى: {إذ يريكهم الله في منامك قليلا ولو أراكهم كثيرا لفشلتم ~~ولتنازعتم في الأمر} [الأنفال: 43] . # والسابع: أن يعد أهل الصبر والبلاء منهم بثواب الله ولو كانوا من أهل ~~الآخرة، وبالجزاء والنفل من الغنيمة إن كانوا من أهل الدنيا، قال الله ~~تعالى: {ومن يرد ثواب الدنيا نؤته منها ومن يرد ثواب الآخرة نؤته منها} [آل ~~عمران: 145] ، وثواب الدنيا الغنيمة وثواب PageV01P079 # الآخرة الجنة، فجمع الله تعالى في ترغيبه بين أمرين؛ ليكون أرغب ~~الفريقين. # والثامن: أن يشاور ذوي الرأي فيما أعضل، ويرجع إلى أهل الحزم فيما أشكل؛ ~~ليأمن الخطأ ويسلم من الزلل، فيكون من الظفر أقرب؛ قال الله تعالى لنبيه: ~~{وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله} [آل عمران: 159] . # واختلف أهل التأويل في أمره لنبيه -صلى الله عليه وسلم- بالمشاورة مع ما ~~أمده به من التوفيق، وأعانه من التأييد على أربعة أوجه: # أحدها: أنه أمره بمشاورتهم في الحرب؛ ليستقر له الرأي الصحيح فيه فيعمل ~~عليه، وهذا قول الحسن، وقال: "ما تشاور قوم إلا هدوا لأرشد أمورهم" 1. # والثاني: أنه ms045 أمره بمشاورتهم تأليفا لهم وتطييبا لنفوسهم، وهذا قول ~~قتادة. # والثالث: أنه أمره بمشاورتهم لما علم فيها من الفضل وعاد بها من النفع، ~~وهذا قول الضحاك. # والرابع: أنه أمره بمشاورتهم ليستن به المسلمون ويتبعه فيها المؤمنون، ~~وإن كان عن مشورتهم غنيا، وهذا قول سفيان. # والتاسع: أن يأخذ جيشه بما أوجبه الله تعالى من حقوقه، وأمر به من حدوده، ~~حتى لا يكون بينهم تجوز في دين ولا تحيف في حق، فإن من جاهد عن الدين كان ~~أحق الناس بالتزام أحكامه والفصل بين حلاله وحرامه. # وقد روى حارث بن نبهان عن أبان بن عثمان عن النبي -صلى الله عليه وسلم- ~~أنه قال: # "انهوا جيوشكم عن الفساد، فإنه ما فسد جيش قط إلا قذف الله في قلوبهم ~~الرعب، وانهوا جيوشكم عن الغلول، فإنه ما غل جيش قط إلا سلط الله عليهم ~~الرجلة، وانهوا جيوشكم عن الزنا، فإنه ما زنى جيش قط إلا سلط الله عليهم ~~الموتان". # وقال أبو الدرداء: أيها الناس، اعملوا صالحا قبل الغزوة، فإنما تقاتلون ~~بأعمالكم. # والعاشر: أن لا يمكن أحدا من جيشه أن يتشاغل بتجارة أو زراعة؛ لصرفه ~~الاهتمام بها عن مصابرة العدو وصدق الجهاد، روي عن النبي -صلى الله عليه ~~وسلم- أنه قال: "بعثت مرغمة ومرحمة PageV01P080 # ولم أبعث تاجرا ولا زارعا، وإن شر هذه الأمة التجار والزراع إلا من شح ~~على دينه"1، وغزا نبي من أنبياء الله تعالى فقال: "لا يغزون معي رجل بنى ~~بناء لم يكمله، ولا رجل تزوج بامرأة ولم يدخل بها، ولا رجل زرع زرعا لم ~~يحصده"2. # فصل: # والقسم الرابع من أحكام هذه الإمارة ما يلزم المجاهدين معه من حقوق ~~الجهاد وهو ضربان: # أحدهما: ما يلزمهم في حق الله تعالى. # والثاني: ما يلزمهم في حق الأمير، فأما اللازم لهم في حق الله تعالى ~~فأربعة أشياء: # أحدها: مصابرة العدو عند التقاء الجمعين، بأن لا ينهزم عنه من مثليه فما ~~دونه، وقد كان الله تعالى فرض في أول الإسلام على كل مسلم أن يقاتل عشرة من ~~المشركين، فقال: {يا أيها النبي ms046 حرض المؤمنين على القتال، إن يكن منكم ~~عشرون صابرون يغلبوا مائتين، وإن يكن منكم مائة يغلبوا ألفا من الذين كفروا ~~بأنهم قوم لا يفقهون} [الأنفال: 65] . # ثم خفف الله -عز وجل- عنهم عند قوة الإسلام وكثرة أهله، فأوجب على كل ~~مسلم لاقى العدو أن يقاتل رجلين منهم، فقال: {الآن خفف الله عنكم وعلم أن ~~فيكم ضعفا، فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين، وإن يكن منكم ألف ~~يغلبوا ألفين بإذن الله والله مع الصابرين} [الأنفال: 66] . # وحرم على كل مسلم أن ينهزم من مثليه إلا لإحدى حالتين: إما أن يتحرف ~~لقتال فيولي لاستراحة أو لمكيدة ويعود إلى قتالهم، وإما أن يتحيز إلى فئة ~~أخرى يجتمع معها على قتالهم؛ لقول الله تعالى: {ومن يولهم يومئذ دبره إلا ~~متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة فقد باء بغضب من الله} [الأنفال: 16] . # وسواء قربت الفئة التي يتحيز إليها أو بعدت، فقد قال عمر -رضي الله عنه- ~~لأهل القادسية حين انهزموا إليه: أنا فئة لكل مسلم، ويجوز إذا زادوا على ~~مثليه ولم يجد إلى PageV01P081 # المصابرة سبيلا أن يولي عنهم غير متحرف لقتال ولا متحيز إلى فئة، هذا ~~مذهب الشافعي. # واختلف أصحابه فيمن عجز عن مقاومة مثليه، وأشرف على القتل في جواز ~~انهزامه، فقالت طائفة: لا يجوز أن يولي عنهم منهزما وإن قتل للنص فيه، ~~وقالت طائفة: يجوز أن يولي ناويا أن يتحرف لقتال، أو يتحيز إلى فئة ليسلم ~~من القتل، وما ثم خلاف، فإنه وإن عجز عن المصابرة فليس يعجز عن هذه النية. # وقال أبو حنيفة: لا اعتبار بهذا التفصيل والنص فيه منسوخ، وعليه أن يقاتل ~~ما أمكنه، وينهزم إذا عجز وخاف القتل، والثاني أن يقصد بقتاله نصرة دين ~~الله تعالى، وإبطال ما خالفه من الأديان: {ليظهره على الدين كله ولو كره ~~المشركون} [التوبة: 33] . # فيكون بهذا الاعتقاد حائزا لثواب الله تعالى ومطيعا له في أوامره ونصرة ~~دينه، ومستنصرا به على عدوه؛ ليستهل ما لقي؛ فيكون أكثر ثباتا وأبلغ نكاية، ~~ولا يقصد بجهاده استفادة المغنم فيصير من المكتسبين لا من ms047 المجاهدين، فإن ~~رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لما جمع أسرى بدر وكانوا أربعة وأربعين ~~رجلا بعد أن قتل في المعركة من أشراف قريش مثلهم شاور أصحابه فيهم، فقال ~~عمر: يا رسول الله، اقتل أعداء الله أئمة الكفر ورءوس الضلالة، فإنهم كذبوك ~~وأخرجوك. وقال أبو بكر: هم عشيرتك وأهلك، تجاوز عنهم يستنقذهم الله بك من ~~النار. فدخل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- المدينة قبل الأسرى بيوم، فمن ~~قائل: القول ما قاله عمر، ومن قائل: القول ما قال أبو بكر، ثم خرج رسول ~~الله -صلى الله عليه وسلم- على أصحابه وقال: "ما قولكم في هذين الرجلين؟ إن ~~مثلهما كمثل إخوة لهما كانوا من قبلهما قال نوح" {رب لا تذر على الأرض من ~~الكافرين ديارا} [نوح: 26] وقال موسى: {ربنا اطمس على أموالهم واشدد على ~~قلوبهم} [يونس: 88] ، وقال عيسى: {إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك ~~أنت العزيز الحكيم} [المائدة: 118] وقال إبراهيم: {فمن تبعني فإنه مني ومن ~~عصاني فإنك غفور رحيم} [إبراهيم: 36] ، إن الله سبحانه ليشدد قلوب رجال فيه ~~حتى تكون أشد من الحجارة، ويلين قلوب رجال حتى تكون ألين من اللبن، وإن يكن ~~منكم عيلة فلا ينقلب أحد منكم إلا بفداء أو ضربة عنق". # وفاداه كل أسير بأربعة آلاف درهم، وكان في الأسرى العباس بن عبد المطلب ~~أسره PageV01P082 # أبو اليسر، وكان العباس رجلا جسيما وأبو اليسر رجلا مجتمعا، فقال النبي ~~-صلى الله عليه وسلم- لأبي اليسر: "كيف أسرت العباس يا أبا اليسر"؟ قال: يا ~~رسول الله لقد أعانني عليه رجل ما رأيته قط، هيئته كذا وكذا. فقال رسول ~~الله -صلى الله عليه وسلم: "لقد أعانك عليه ملك كريم" 1. # وقال للعباس: "افد نفسك وابني أخيك عقيل بن أبي طالب، ونوفل بن الحارث ~~وحليفك عتبة بن عمر"، فقال: يا رسول الله، إني كنت مسلما ولكن القوم ~~استكرهوني، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم: "أعلم بإسلامك، فإن كان ما ~~قلت فإن الله سبحانه يجزيك"، ففدى العباس نفسه بمائة أوقية، وفدى كل واحد ~~من ابني أخيه وحليفه ms048 بأربعين أوقية، ونزل في العباس قوله تعالى: {يا أيها ~~النبي قل لمن في أيديكم من الأسرى إن يعلم الله في قلوبكم خيرا يؤتكم خيرا ~~مما أخذ منكم ويغفر لكم والله غفور رحيم} [الأنفال: 70] . # فلما أخذ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فداء أسرى بدر لفقر المهاجرين ~~وحاجتهم، عاتب الله تعالى نبيه على ما فعل فقال: {ما كان لنبي أن يكون له ~~أسرى حتى يثخن في الأرض} [الأنفال: 67] يعني به القتل {تريدون عرض الدنيا} ~~يعني مال الفداء: {والله يريد الآخرة} [الأنفال: 67] يعني: العمل بما يوجب ~~ثواب الآخرة، {والله عزيز حكيم} [الأنفال: 67] يعني: عزيز فيما كان من ~~نصركم، حكيم فيما أراده لكم، {لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب ~~عظيم} [الأنفال: 68] . # يعني به: مال الفداء المأخوذ من الأسر، وفيه ثلاثة تأويلات: # أحدها: لولا كتاب من الله سبق في أهل بدر أن لا يعذبهم لمسكم فيما أخذتم ~~من فداء أسرى بدر عذاب عظيم، وهذا قول مجاهد. # والثاني: لولا كتاب من الله سبق في أنه تستحل الغنائم لمسكم في تعجيلها ~~من أهل بدر عذاب عظيم، وهذا قول ابن عباس -رضوان الله عليه. # والثالث: لولا كتاب من الله سبق أن لا يؤاخذ أحدا بعمل أتاه على جهالة ~~لمسكم فيما أخذتموه عذاب عظيم، وهذا قول ابن إسحاق، فقال رسول الله -صلى ~~الله عليه وسلم- بعد نزول هذه الآية: "لو عذبنا الله في هذه الآية يا عمر ~~ما نجا غيرك" 2. PageV01P083 # والثالث: من حقوق الله تعالى أن يؤدي الأمانة فيما حازه من الغنائم، ولا ~~يغل أحد منهم شيئا حتى يقسم بين جميع الغانمين ممن شهد الواقعة وكان على ~~العدو يدا؛ لأن لكل واحد منهم فيها حقا؛ قال الله تعالى: {وما كان لنبي أن ~~يغل ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة} [آل عمران: 161] . # وفيه ثلاثة تأويلات: # أحدها: وما كان لنبي أن يغل أصحابه ويخونهم في غنائمهم، وهذا قول ابن ~~عباس -رضوان الله عليه1. # والثاني: وما كان لنبي أن يغله أصحابه ويخونوه في غنائمهم، وهذا قول ~~الحسن وقتادة2. # والثالث: ms049 ما كان لنبي أن يكتم أصحابه ما بعثه الله تعالى به إليهم؛ لرهبة ~~منهم ولا لرغبة فيهم، وهذا قول محمد بن إسحاق3. # والرابع: من حقوق الله تعالى أن لا يمايل من المشركين ذا قربى، ولا يحابي ~~في نصرة دين الله ذا مودة، فإن حق الله أوجب ونصرة دينه ألزم، قال الله ~~تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم ~~بالمودة وقد كفروا بما جاءكم من الحق} [الممتحنة: 1] . # نزلت في حاطب بن أبي بلتعة، وقد كتب كتابا إلى أهل مكة حين هم رسول الله ~~-صلى الله عليه وسلم- بغزوهم، يعلمهم فيه حال مسيره إليهم، وأنفذه مع سارة ~~مولاة لبني عبد المطلب، فأطلع الله نبيه عليها، فأنفذ عليا والزبير في ~~أثرها حتى أخرجاه من قرن رأسها، فدعا حاطبا وقال: "ما حملك على ما صنعت"؟ ~~فقال: والله يا رسول الله إني لمؤمن بالله ورسوله ما كفرت ولا بدلت، ولكني ~~امرؤ ليس لي في القوم أصل ولا عشيرة، وكان لي بين أظهرهم أهل ولد، فطالعتهم ~~بذلك، وعفا عنه رسول الله -صلى الله عليه وسلم. PageV01P084 # وأما ما يلزمهم في حق الأمير عليهم فأربعة أشياء: # أحدها: التزام طاعته والدخول في ولايته؛ لأن ولايته عليهم انعقدت وطاعته ~~بالولاية وجبت، قال الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا ~~الرسول وأولي الأمر منكم} [النساء: 59] . # وفي أولي الأمر تأويلان: # أحدهما: أنهم الأمراء، وهذا قول ابن عباس -رضوان الله عليه. # والثاني: أنهم العلماء2، وهذا قول جابر بن عبد الله والحسن وعطاء، وروى ~~أبو صالح PageV01P085 # عن أبي هريرة قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم: "من أطاعني فقد ~~أطاع الله، ومن أطاع أميري فقد أطاعني، ومن عصاني فقد عصى الله، ومن عصى ~~أميري فقد عصاني" 1. # والثاني: أن يفوضوا الأمر إلى رأيه، ويكلوه إلى تدبيره، حتى لا تختلف ~~آراؤهم، فتتلف كلمتهم ويفترق جمعهم، قال تعالى: {ولو ردوه إلى الرسول وإلى ~~أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم} [النساء: 83] . # فجعل تفويض الأمر إلى وليه سببا لحصول العلم وسداد ms050 الأمر، فإن ظهر لهم ~~صواب خفي عليه بينوه له وأشاروا به عليه؛ ولذلك ندب إلى المشاورة ليرجع بها ~~إلى الصواب. # والثالث: أن يسارعوا إلى امتثال الأمر والوقوف عنه نهيه وزجره؛ لأنهما من ~~لوازم طاعته. # فإن توقفوا عما أمرهم به وأقدموا على ما نهاهم عنه فله تأديبهم على ~~المخالفة بحسب أحوالهم ولا يغلظ، فقد قال الله تعالى: {فبما رحمة من الله ~~لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك} [آل عمران: 159] ، وروى ~~سعيد بن المسيب أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: {خير دينكم أيسره} 2. # والرابع: أن لا ينازعوه في الغنائم إذا قسمها، ويرضوا منه بتعديل القسمة ~~عليهم، فقد سوى الله تعالى فيها بين الشريف والمشروف، وماثل بين القوي ~~والضعيف. # وروى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: إن الناس اتبعوا رسول الله -صلى الله ~~عليه وسلم- عام حنين يقولون: اقسم علينا فيئنا، حتى ألجأه إلى شجرة فاختطف ~~عنه رداؤه، فقال: "ردوا علي ردائي أيها الناس، والله لو كان لكم عدد شجر ~~تهامة نعما لقسمته عليكم، وما ألفيتموني بخيلا ولا جبانا ولا كذوبا"، ثم ~~أخذ وبرة من سغام بعيره فرفعها وقال: "يا أيها الناس، والله مالي من فيئكم ~~ولا هذه الوبرة إلا الخمس، والخمس مردود فيكم، فأدوا الخيط والمخيط، فإن ~~الغلول يكون على أهله عارا ونارا وشنارا يوم القيامة"، فجاءه رجل من ~~PageV01P086 # الأنصار بكبة من خيوط شعر. فقال: يا رسول الله، أخذت هذه الكبة أعمل بها ~~برذعة بعير لي قد برد. فقال: "أما نصيبي منها فلك"، فقال: "أما إذا بلغت ~~هذا فلا حاجة لي فيها" ثم طرحها بين يديه 1. # فصل: # والقسم الخامس: من أحكام هذه الإمارة: مصابرة الأمير قتال العدو ما صابر ~~وإن تطاولت به المدة، ولا يولي عنه وفيه قوة. قال الله تعالى: {يا أيها ~~الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون} [آل عمران: ~~200] . # وفيه ثلاثة تأويلات: # أحدها: اصبروا على طاعة الله، وصابروا أعداء الله، ورابطوا في سبيل الله، ~~وهذا قول الحسن2. # والثاني: اصبروا على دينكم، وصابروا الوعد ms051 الذي وعدكم، ورابطوا عدوي ~~وعدوكم، وهذا قول محمد بن كعب3. # والثالث: اصبروا على الجهاد، وصابروا العدو، ورابطوا بملازمة الثغر، وهذا ~~قول زيد بن أسلم4. # وإذا كانت مصابرة القتال من حقوق الجهاد فهي لازمة حتى يظفر بخصلة من ~~أربع خصال: # إحداهن: أن يسلموا فيصير لهم بالإسلام ما لنا وعليهم ما علينا، ويقروا ~~على ما ملكوا من بلاد وأموال، قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم: "أمرت أن ~~أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، PageV01P087 # فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها" 1. # وتصير بلادهم إذا أسلموا دار الإسلام يجري عليهم حكم الإسلام، ولو أسلم ~~في معركة الحرب منهم طائفة -قلت أو كثرت- أحرزوا بإسلامهم ما ملكوا في دار ~~الحرب من أرض ومال، فإن ظهر الأمير على دار الحرب لم يغنم أموال من أسلم. # وقال أبو حنيفة: يغنم ما لا ينقل من أرض ودار، ولا يغنم ما ينقل من مال ~~ومتاع وهو خلاف السنة. # وقد أسلم في حصار بني قريظة ثعلبة وأسيد ابنا شعبة اليهوديان، فأحرز ~~إسلامهما أموالهما، ويكون إسلامهم إسلاما لصغار أولادهم ولكل حمل كان لهم. # وقال أبو حنيفة: إذا أسلم كافر في دار الإسلام لم يكن إسلاما لصغار ولده، ~~ولو أسلم في دار الحرب كان إسلاما لصغار ولده، ولا يكون إسلاما للحمل، ~~وتكون زوجته والحمل فيئا، ولو دخل مسلم دار الحرب فاشترى فيها أرضا ومتاعا، ~~لم يملك عليه إذا ظهر المسلمون عليها، وكان مشتريها أحق بها، وقال أبو ~~حنيفة: يكون ما ملكه من أرض فيئا. # والخصلة الثانية: أن يظفره الله تعالى بهم مع مقامهم على شركهم، فتسبى ~~ذراريهم، وتغنم أموالهم، ويقتل من لم يحصل في الأسر منهم. # ويكون في الأسرى مخيرا في استعمال الأصلح من أربعة أمور: # أحدها: أن يقتلهم صبرا بضرب العنق. # والثاني: أن يسترقهم ويجري عليهم أحكام الرق من بيع أو عتق. # والثالث: أن يفادي بهم على مال أو أسرى. # والرابع: أن يمن عليهم ويعفو عنهم، قال الله تعالى: {إذا لقيتم الذين ~~كفروا فضرب الرقاب} [محمد: 4] . # وفيه وجهان: ms052 # أحدهما: أنه ضرب رقابهم صبرا بعد القدرة عليهم. # والثاني: أنه قتالهم بالسلاح والتدبير حتى يفضي إلى ضرب رقابهم في ~~المعركة، ثم قال: {حتى إذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق} [محمد: 4] ، يعني ~~بالإثخان: الطعن، وبشد الوثاق: PageV01P088 # الأسر. {فإما منا بعد وإما فداء} [محمد: 4] . # وفي المن قولان: # أحدهما: أنه العفو والإطلاق كما من رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على ~~ثمامة بن أثال بعد أسره. # والثاني: أنه العتق بعد الرق، وهذا قول مقاتل، وأما الفداء ففيه ههنا ~~قولان: # أحدهما: أنه المفاداة على مال يؤخذ أو أسير يطلق، كما فادى رسول الله ~~-صلى الله عليه وسلم- أسرى بدر على مال، وفادى في بعض المواطن رجل برجلين. # والثاني: أنه البيع، وهو قول مقاتل: {حتى تضع الحرب أوزارها} [محمد: 4] . # وفيه تأويلان 1: # أحدهما: أوزار الكفر بالإسلام. # والثاني: أثقال الحرب وهو السلاح، وفي المقصود بهذا السلاح الموضوع ~~وجهان: # أحدهما سلاح المسلمين بالنصر. # والثاني: سلاح المشركين بالهزيمة، ولهذه الأحكام الأربعة شرح يذكر مع ~~قسمة الغنيمة بعد، والخصلة الثالثة: أن يبذلوا مالا على المسألة والموادعة؛ ~~فيجوز أن يقبله منهم ويوادعهم على ضربين: # أحدهما: أن يبذلوه لوقتهم ولا يجعلوه خراجا مستمرا، فهذا المال غنيمة؛ ~~لأنه مأخوذ بإيجاف خيل وركاب، فيقسم بين الغانمين ويكون ذلك أمانا لهم في ~~الانكفاف به عن قتالهم في هذا الجهاد، ولا يمنع من جهادهم فيما بعد. # والضرب الثاني: أن يبذلوه في كل عام، فيكون هذا خراجا مستمرا، ويكون ~~الأمان به مستقرا، والمأخوذ منهم في العام الأول غنيمة تقسم بين الغانمين، ~~وما يؤخذ في الأعوام المستقبلة يقسم في أهل الفيء، ولا يجوز أن يعاود ~~جهادهم ما كانوا مقيمين على بذل المال لاستقرار الموادعة عليه. # وإذا دخل أحدهم إلى دار الإسلام كان له بعقد الموادعة الأمان PageV01P089 # على نفسه وماله، فإن منعوا المال زالت الموادعة وارتفع الأمان ولزم ~~جهادهم كغيرهم من أهل الحرب. # وقال أبو حنيفة: لا يكون منعهم من مال الجزية والصلح نقضا لأمانهم؛ لأنه ~~حق عليهم، فلا ينتقض العهد، وجاز حربهم بعدها؛ لأن العهد ما كان عن عقد. # والخصلة الرابعة: أن ms053 يسألوا الأمان والمهادنة، فيجوز إذا تعذر الظفر بهم ~~وأخذ المال منهم أن يهادنهم على المسالمة في مدة مقدرة يعقد الهدنة عليها ~~إذا كان الإمام قد أذن له في الهدنة أو فوض الأمر إليه. # قد هادن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قريشا عام الحديبية عشر سنين. ~~ويقتصر في مدة الهدنة على أقل ما يمكن ولا يجاوز أكثرها عشر سنين، فإن ~~هادنهم أكثر منها بطلت المهادنة فيما زاد عليها، ولهم الأمان فيها إلى ~~انقضاء مدتها، ولا يجاهدون فيها ما أقاموا على العهد، فإن نقضوه صار حربا ~~يجاهدون من غير إنذار، قد نقضت قريش صلح الحديبية فسار إليهم رسول الله ~~-صلى الله عليه وسلم- عام الفتح محاربا حتى فتح مكة صلحا عند الشافعي، ~~وعنوة عند أبي حنيفة؛ ولا يجوز إذا نقضوا عهدهم أن يقتل ما في أيدينا من ~~رهائنهم، قد نقض الروم عهدهم زمن معاوية وفي يده رهائن فامتنع المسلمون ~~جميعا من قتلهم وخلوا سبيلهم وقالوا: وفاء بغدر خير من غدر بغدر. # وقال النبي -صلى الله عليه وسلم: "أد الأمانة لمن ائتمنك، ولا تخن من ~~خانك" 1. # فإذا لم يجز قتل الرهائن لم يجز إطلاقهم ما لم يحاربهم، فإذا حاربهم وجب ~~إطلاق رهائنهم، ثم ينظر فيهم، فإن كانوا رجالا وجب إبلاغهم مأمنهم، وإن ~~كانوا ذراري نساء وأطفالا وجب إيصالهم إلى أهاليهم؛ لأنهم أتباع لا ينفردون ~~بأنفسهم، ويجوز أن يشترط لهم في عقد الهدنة رد من أسلم من رجالهم، فإذا ~~أسلم أحد منهم رد إليهم إن كانوا مأمونين على دمه، ولم يرد إليهم أن يؤمنوا ~~عليه، ولا يشترط رد من أسلم من نسائهم؛ لأنهن ذوات فروج محرمة، فإن اشترط ~~ردهن لم يجز أن يردوا، ودفع إلى أزواجهن مهورهن إذا طلقن. # وإذا لم تدع إلى عقد المهادنة ضرورة لم يجز أن يهادنهم، ويجوز أن يوادعهم ~~أربعة أشهر فما دون PageV01P090 # ولا يزيد عليها؛ لقوله تعالى: {فسيحوا في الأرض أربعة أشهر} [التوبة: 2] ~~. # وأما الأمان الخاص فيصح أن يبذله كل مسلم من رجل وامرأة حر وعبد؛ لقول ~~النبي -صلى الله ms054 عليه وسلم: "المسلمون تتكافأ دماؤهم على من سواهم، يسعى ~~بذمتهم أدناهم" 1، يعني: عبيدهم. # وقال أبو حنيفة: لا يصح أمان العبد إلا أن يكون مأذونا له في القتال. # فصل: # والقسم السادس من أحكام هذه الإمارة: السيرة في نزال العدو وقتاله، ويجوز ~~لأمير الجيش في حصار العدو أن ينصب عليهم العرادات والمنجنيقات، قد نصب ~~رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على أهل الطائف منجنيقا، ويجوز أن يهدم ~~عليهم منازلهم، ويضع عليهم البيات والتحريق، وإذا رأى في قطع نخلهم وشجرهم ~~صلاحا يستضعفهم به؛ ليظفر بهم عنوة أو يدخلوا في السلم صلحا فعل، ولا يفعل ~~إن لم ير فيه صلاحا. قد قطع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كروم أهل ~~الطائف، فكان سببا في إسلامهم، وأمر في حرب بني النضير بقطع نوع من النخل ~~يقال له الأصفر، يرى نواه من وراء اللحاء، وكانت اللحاء منها أحب إليهم من ~~الوضيع، فقطع بهم وحزنوا له وقالوا: إنما قطعت نخلة وأحرقت نخلة، ولما قطع ~~نخلة قال سماك اليهودي في ذلك من المتقارب: # ألسنا ورثنا الكتاب الحكي %~% م على عهد موسى فلم نصرف # وأنتم رعاء لشاء عجاف %~% بسهل تهامة والأحنف # يرون الرعاية مجدا لكم %~% كذا كل دهر بكم مجحف # فيا أيها الشاهدون انتهوا %~% عن الظلم والمنطق الموكف # لعل الليالي وصرف الدهور %~% تديل من العادل المنصف # بقتل النضير وإجلائها %~% وعقر النخيل ولم تخطف # فأجابه حسان بن ثابت من الوافر: PageV01P091 # هم أوتوا الكتاب فضيعوه %~% فهم عمي عن التوراة بور # كفرتم بالقران وقد أتاكم %~% بتصديق الذي قال النذير # فهان على سراة بني لؤي %~% حريق بالبويرة مستطير # فلما فعل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ذلك بهم جل في صدور المسلمين ~~وقالوا: يا رسول الله -صلى الله عليه وسلم: هل لنا فيما قطعنا من أجر؟ وهل ~~علينا فيما تركناه من وزر؟ فأنزل الله تعالى: {ما قطعتم من لينة أو ~~تركتموها قائمة على أصولها فبإذن الله وليخزي الفاسقين} [الحشر: 5] ، وفي ~~"لينة" أربعة أقاويل1: # أحدها: أنها النخلة من أي الأصناف كانت؟ وهذا قول مقاتل. # والثاني: أنها كرام ms055 النخل، وهذا قول سفيان. # والثالث: أنه الفسيلة؛ لأنها ألين من النخلة. # والرابع: أنها جميع الأشجار للينها بالحياة، ويجوز أن يغور عليهم المياه ~~ويقطعها عنهم، وإن كان فيهم نساء وأطفال؛ لأنه من أقوى أسباب ضعفهم والظفر ~~بهم عنوة وصلحا، وإذا استسقى منهم عطشان كان الأمير مخيرا بين سقيه أو منعه ~~كما كان مخيرا فيه بين قتله أو تركه، ومن قتل منهم واراه عن الأبصار ولم ~~يلزم تكفينه، قد أمر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بقتلى بدر فألقوا في ~~القليب، ولا يجوز أن يحرق بالنار حيا ولا ميتا. # روي عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "لا تعذبوا عباد الله ~~بعذاب الله" 2. # وقد أحرق أبو بكر -رضي الله عنه- قوما من أهل الردة، ولعل ذلك كان منه ~~والخبر لم يبلغه، ومن قتل من شهداء المسلمين زمل في ثيابه التي قتل فيها ~~ودفن بها، ولم يغسل ولم يصل عليه. # قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في شهداء أحد: "زملوهم بكلومهم فإنهم ~~يبعثون يوم القيامة PageV01P092 # وأوداجهم تشخب دما، اللون لون الدم، والريح ريح المسك" 1. # وإنما فعل ذلك بهم تكريما لهم إجراء لحكم الحياة في ذلك، قال الله تعالى: ~~{ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون} [آل ~~عمران: 169] . # وفيه تأويلان: # أحدهما: أنهم أحياء في الجنة بعد البعث، وليسوا في الدنيا بأحياء. # والثاني: وهو قول الأكثرين: إنهم بعد القتل أحياء؛ لاستعمال ظاهر النص ~~فرقا بينهم وبين من لم يوصف بالحياة، ولا يمنع الجيوش في دار الحرب من أكل ~~طعامهم وعلوفة دوابهم غير محتسب به عليهم، ولا يتعدوا القوت والعلوفة إلى ~~ما سواهما من ملبوس ومركوب، فإن دعتهم الضرورة إلى ذلك كان ما لبسوه أو ~~ركبوه أو استعملوه مسترجعا منهم في المغنم إن كان باقيا ومحتسبا عليهم من ~~سهمهم إن كان مستهلكا؛ ولا يجوز لأحد منهم أن يطأ جارية من السبي إلا بعد ~~أن يعطاها بسهمه، فيطأها بعد الاستبراء، فإن وطئها قبل القسمة عزر ولا يحد؛ ~~لأن له فيها سهما ووجب ms056 عليه مهر مثلها، ويضاف إلى الغنيمة، فإن أحبلها لحق ~~به ولدها وصارت به أم ولد له إن ملكها، وإن وطئ من لم يدخل في السبي حد؛ ~~لأن وطأها زنا، ولم يلحق به ولدها إن علقت. # فإذا عقدت هذه الإمارة على غزوة واحدة، لم يكن لأميرها أن يغزو غيرها ~~سواء غنم فيها أو لم يغنم، وإذا عقدت عموما عاما بعد عام لزمه معاودة الغزو ~~في كل وقت يقدر على غزو، فيه ولا يفتر عنه مع ارتفاع الموانع إلا قدر ~~الاستراحة وأقل ما يجزيه أن لا يعطل عاما من جهاد ولهذا الأمير إذا فوضت ~~إليه الإمارة على المجاهدين أن ينظر في أحكامهم، ويقيم الحدود عليهم، وسواء ~~من ارتزق منهم أو تطوع، ولا ينظر في أحكام غيرهم ما كان سائرا إلى ثغره، ~~فإذا استقر في الثغر الذي تقلده جاز أن ينظر في أحكام جميع أهله من مقاتلته ~~ورعيته، وإن كانت إمارة خاصة أجري عليها حكم الخصوص. PageV01P093 ### | الباب الخامس: في الولاية على المصالح ### || الفصل الأول: في الولاية على الحروب # في قتال أهل الردة وما عدا جهاد المشركين من قتال ينقسم ثلاثة أقسام: ~~قتال أهل الردة، وقتال أهل البغي، وقتال المحاربين. # فأما القسم الأول: في قتال أهل الردة: فهو أن يرتد قوم حكم بإسلامهم، ~~سواء ولدوا على فطرة الإسلام أو أسلموا عن كفر، فكلا الفريقين في حكم الردة ~~سواء، فإذا ارتدوا عن الإسلام إلى أي دين انتقلوا إليه مما يجوز أن يقر ~~أهله عليه؛ كاليهودية والنصرانية، أو لا يجوز أن يقر أهله عليه؛ كالزندقة ~~والوثنية، لم يجز أن يقر من ارتد إليه؛ لأن الإقرار بالحق يوجب التزام ~~أحكامه. # قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم: "من بدل دينه فاقتلوه" 1. # فإذا كانوا ممن وجب قتلهم بما ارتدوا عنه من دين الحق إلى غيره من ~~الأديان، لم يخل حالهم من أحد أمرين: إما أن يكونوا في دار الإسلام شذاذا ~~وأفرادا لم يتحيزوا بدار يتميزون بها عن المسلمين، فلا حاجة بنا إلى قتالهم ~~لدخولهم تحت القدرة، ويكشف عن ms057 سبب ردتهم، فإن ذكروا شبهة في الدين أوضحت ~~لهم بالحجج والأدلة، حتى يتبين لهم الحق، وأخذوا بالتوبة مما دخلوا فيه من ~~الباطل، فإن تابوا قبلت توبتهم من كل ردة، وعادوا إلى حكم الإسلام كما ~~كانوا. # وقال مالك: لا أقبل توبة من ارتد إلى ما يستر به من الزندقة إلا أن ~~يبتدئها من نفسه، وأقبل توبة غيره من المرتدين، وعليهم بعد التوبة قضاء ما ~~تركوه من الصلاة والصيام في PageV01P094 # زمان الردة؛ لاعترافهم بوجوبه قبل الردة. # وقال أبو حنيفة: لا قضاء عليهم كمن أسلم عن كفر، ومن كان من المرتدين قد ~~حج في الإسلام قبل الردة لم يبطل حجه بها ولم يلزمه قضاؤه بعد التوبة. # وقال أبو حنيفة: قد بطل بالردة ولزمه القضاء بعد التوبة، ومن أقام على ~~ردته ولم يتب وجب قتله رجلا كان أو امرأة. # وقال أبو حنيفة: لا أقتل المرأة بالردة، وقد قتل رسول الله -صلى الله ~~عليه وسلم- بالردة امرأة كانت تكنى أم رومان، ولا يجوز إقرار المرتد على ~~ردته بجزية ولا عهد، ولا تؤكل ذبيحته، ولا تنكح منه امرأة. # واختلف الفقهاء في قتلهم: هل يعجل في الحال أو يؤجلون فيه ثلاثة أيام، ~~على قولين: # أحدهما: تعجيل قتلهم في الحال لئلا يؤخر لله -عز وجل- حق. # والثاني: ينظرون ثلاثة أيام لعلهم يستدركونه بالتوبة، وقد أنذر علي -عليه ~~السلام- المستورد العجلي بالتوبة ثلاثة ثم قتله بعدها، وقتل صبرا بالسيف. # وقال ابن سريج1 من أصحاب الشافعي: يضرب بالخشب حتى يموت؛ لأنه أبطأ قتلا ~~من السيف الموحي، وربما استدرك به التوبة، وإذا قتل لم يغسل ولم يصل عليه، ~~ووري مقبورا ولا يدفن في مقابر المسلمين؛ لخروجه بالردة عنهم، ولا في مقابر ~~المشركين لما تقدم له من حرمة الإسلام المباينة لهم، ويكون ماله فيئا في ~~بيت مال المسلمين مصروفا في أهل الفيء؛ لأنه لا يرثه عنه وارث من مسلم ولا ~~كافر. # وقال أبو حنيفة: يورث عنه ما اكتسبه قبل الردة، ويكون ما اكتسبه بعد ~~الردة فيئا. PageV01P095 # وقال أبو يوسف1: يورث عنه ما اكتسب قبل الردة ms058 وبعدها، فإذا لحق المرتد ~~بدار الحرب كان ماله في دار الإسلام موقوفا عليه، فإن عاد إلى الإسلام أعيد ~~عليه، وإن هلك على الردة صار فيئا. # وقال أبو حنيفة: أحكم بموته إذا صار إلى دار الحرب، وأقسم ماله بين ~~ورثته، فإن عاد إلى دار الإسلام استرجعت ما بقي في أيديهم من ماله، ولم ~~أغرمهم ما استهلكوه، فهذا حكم المرتدين إذا لم ينحازوا إلى دار وكانوا ~~شذاذا بين المسلمين. # والحالة الثانية: أن ينحازوا إلى دار ينفردون بها عن المسلمين حتى يصيروا ~~فيها ممتنعين، فيجب قتالهم على الردة بعد مناظرتهم على الإسلام وإيضاح ~~دلائله، ويجري على قتالهم بعد الإنذار والإعذار حكم قتال أهل الحرب في ~~قتالهم غرة وبيانا، ومصافتهم في الحرب جهارا، وقتالهم مقبلين ومدبرين. # ومن أسر منهم جاز قتله صبرا إن لم يتب، ولا يجوز أن يسترق عند الشافعي ~~-رحمه الله، وإذا ظهر عليهم لم تسب ذراريهم، وسواء من ولد منهم في الإسلام ~~أو بعد الردة، وقيل: إن من ولد منهم بعد الردة جاز سبيه. # وقال أبو حنيفة: يجوز سبي من ارتد من نسائهم إذا لحقن بدار الحرب؛ وإذا ~~غنمت أموالهم لم تقسم في الغانمين، وكان مال من قتل منها فيئا ومال الأحياء ~~موقوفا، إن أسلموا رد عليهم، وإن هلكوا على ردتهم صار فيئا، وما أشكل ~~أربابه من الأموال المغنومة صار فيئا إذا وقع الإياس من معرفتهم، وما ~~استهلكه المسلمون عليهم في نائرة الحرب لم يضمن PageV01P096 # إذا أسلموا، وما استهلكوا من أموال المسلمين في غير نائرة الحرب مضمون ~~عليهم. # واختلف في ضمان ما استهلكوه في نائرة الحرب على قولين: # أحدهما: يضمنونه؛ لأن معصيتهم بالردة لا تسقط عنهم غرم الأموال المضمونة. # والثاني: لا ضمان عليهم فيما استهلكوه من دم ومال. # قد أصاب أهل الردة على عهد أبي بكر -رضي الله عنه- نفوسا وأموالا عرف ~~مستهلكوها، فقال عمر -رضي الله عنه: يدون قتلانا ولا ندي قتلاهم، فقال أبو ~~بكر: لا يدون قتلانا ولا ندي قتلاهم، فجرت بذلك سيرته وسيرة من بعده. # وقد أسلم طليحة1 بعد ms059 أن سبي وكان قد قتل وسبى، فأقره عمر -رضي الله عنه- ~~بعد إسلامه، ولم يأخذه بدم ولا مال؛ ووفد أبو شجرة بن عبد العزى، وكان من ~~أهل الردة على عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- وهو يقسم الصدقات، فقال: أعطني ~~فإني ذو حاجة، فقال من أنت؟ فقال: أبو شجرة، فقال: أي عدو الله، ألست تقول ~~"من الطويل": # ورويت رمحي من كتيبة خالد %~% وإني لأرجو بعدها أن أعمرا # ثم جعل يعلوه بالدرة في رأسه حتى ولى راجعا إلى قومه وهو يقول "من ~~البسيط": # ضن علينا أبو حفص بنائله %~% وكل مختبط يوما له ورق # ما زال يضربني حتى حدثت له %~% وحال من دون بعض البغية الشفق # لما رهبت أبا حفص وشرطته %~% والشيخ يقرع أحيانا فينمحق # فلم يعرض له عمر -رضي الله عنه- بسوى التعزير لاستطالته بعد الإسلام؛ ~~ولدار الردة حكم تفارق به دار الإسلام ودار الحرب. # فأما ما تفارق به دار الإسلام فمن أربعة أوجه: PageV01P097 # أحدها: أنه لا يجوز أن يهادنوا على الموادعة في ديارهم، ويجوز أن يهادن ~~أهل الحرب. # والثاني: أنه لا يجوز أن يصالحوا على مال يقرون به على ردتهم، ويجوز أن ~~يصالح أهل الحرب. # والثالث: أنه لا يجوز استرقاقهم ولا سبي نسائهم، ويجوز أن يسترق أهل ~~الحرب وتسبى نساؤهم. # والرابع: أنه لا يملك الغانمون أموالهم، ويملكون ما غنموه من مال أهل ~~الحرب، وقال أبو حنيفة -رضي الله عنه: قد صارت ديارهم بالردة دار حرب، ~~ويسبون ويغنمون، وتكون أرضهم فيئا وهم عنده كعبدة الأوثان من العرب. # وأما ما تفارق به دار الإسلام فمن أربعة أوجه: # أحدها: وجوب قتالهم مقبلين ومدبرين كالمشركين. # والثاني: إباحة إمائهم أسرى وممتنعين. # والثالث: تصير أموالهم فيئا لكافة المسلمين. # والرابع: بطلان مناكحتهم بمضي العدة وإن اتفقوا على الردة. # وقال أبو حنيفة: تبطل مناكحتهم بارتداد أحد الزوجين، ولا تبطل بارتدادهما ~~معا، ومن ادعيت عليه الردة فأنكرها كان قوله مقبولا بغير يمينه، ولو قامت ~~عليه البينة بالردة لم يصر مسلما بالإنكار حتى يتلفظ بالشهادتين، وإذا ~~امتنع قوم من أداء الزكاة إلى الإمام ms060 العادل جحودا لها كانوا بالجحود ~~مرتدين يجري عليهم حكم أهل الردة، ولو امتنعوا من أدائها مع الاعتراف ~~بوجوبها كانوا من بغاة المسلمين، يقاتلون على المنع منه. # وقال أبو حنيفة -رحمه الله: لا يقاتلون. وقد قاتل أبو بكر -رضي الله عنه- ~~مانعي الزكاة، مع تمسكهم بالإسلام حتى قالوا: والله ما كفرنا بعد إيماننا ~~ولكن شححنا على أموالنا، فقال عمر -رضي الله عنه: علام تقاتلهم ورسول الله ~~-صلى الله عليه وسلم- يقول: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا ~~الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأولادهم إلا بحقها". قال أبو ~~PageV01P098 # بكر: هذا من حقها، أرأيت لو سألوا ترك الصلاة؟ أرأيت لو سألوا ترك ~~الصيام؟ أرأيت لو سألوا ترك الحج؟ فإذا لا تبقى عروة من عرى الإسلام إلا ~~انحلت؛ والله لو منعوني عناقا وعقالا مما أعطوه رسول الله -صلى الله عليه ~~وسلم- لقاتلتهم عليه، فقال عمر -رضي الله عنه: فشرح الله صدري للذي شرح له ~~صدر أبي بكر -رضي الله عنه، وقد أبان عن إسلامهم قول زعيمهم حارثة بن سراقة ~~في شعره "من الطويل": # ألا فاصحبينا قبل نائرة الفجر %~% لعل المنايا قريب ولا ندري # أطعنا رسول الله قد كان بيننا %~% فيا عجبا ما بال ملك أبي بكر # فإن الذي سألوكم فمنعتمو %~% لكالتمر أو أحلى إليهم من التمر # سنمنعكم ما كان فينا بقية %~% كرام على العزاء في ساعة العسر PageV01P099 ### || الفصل الثاني: في قتال أهل البغي # وإذا بغت طائفة من المسلمين وخالفوا رأي الجماعة وانفردوا بمذهب ابتدعوه، ~~فإن لم يخرجوا به عن المظاهرة بطاعة الإمام، ولا تحيزوا بدار اعتزلوا فيها، ~~وكانوا أفرادا متفرقين تنالهم القدرة وتمتد إليهم اليد تركوا ولم يحاربوا، ~~وأجريت عليهم أحكام العدل فيما يجب لهم وعليهم من الحقوق والحدود، وقد عرض ~~قوم من الخوارج لعلي بن أبي طالب -رضوان الله عليه- لمخالفة رأيه. # وقال أحدهم وهو يخطب على منبره: لا حكم إلا لله، فقال علي -رضي الله عنه: ~~كلمة حق أريد بها باطل، لكم علينا ثلاث: لا نمنعكم مساجد الله أن تذكروا ~~فيها اسم ms061 الله، ولا نبدؤكم بقتال، ولا نمنعكم الفيء ما دامت أيديكم معنا، ~~فإن تظاهروا باعتقادهم وهم على اختلاطهم بأهل العدل، أوضح لهم الإمام فساد ~~ما اعتقدوا، وبطلان ما ابتدعوا؛ ليرجعوا عنه إلى اعتقاد الحق وموافقة ~~الجماعة، وجاز للإمام أن يعزر منهم من تظاهر بالفساد أدبا وزجرا، ولم ~~يتجاوزه إلى قتل ولا حد. # روي عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "لا يحل دم امرئ مسلم إلا ~~بإحدى ثلاث: كفر بعد إيمان، أو زنا بعد إحصان، أو قتل نفس بغير نفس"1. # فإذا اعتزلت هذه الفئة الباغية أهل العدل، وتحيزت بدار تميزت فيها عن ~~مخالطة الجماعة، فإن لم تمتنع عن حق ولم تخرج عن طاعة، لم يحاربوا ما ~~أقاموا على الطاعة وتأدية الحقوق. # قد اعتزلت طائفة من الخوارج عليا -عليه السلام- بالنهروان، فولى عليهم ~~عاملا أقاموا على طاعته زمانا وهو لهم موادع إلى أن قتلوه، فأنفذ إليهم أن ~~سلموا إلي قاتله فأبوا وقالوا: كلنا قتله، قال: فاستسلموا إلي أقتص منكم، ~~وسار إليهم فقتل أكثرهم. وإن امتنعت هذه الطائفة الباغية من طاعة الإمام ~~ومنعوا ما عليهم من الحقوق، وتفردوا باجتباء الأموال PageV01P100 # وتنفيذ الأحكام، فإن فعلوا ذلك ولم ينصبوا لأنفسهم إماما ولا قدموا عليهم ~~زعيما، كان ما اجتبوه من الأموال غصبا لا تبرأ منه ذمة، وما نفذوه من ~~الأحكام مردودا لا يثبت به حق. # وإن فعلوا ذلك وقد نصبوا لأنفسهم إماما اجتبوا بقوله الأموال ونفذوا ~~بأمره الأحكام، لم يتعرض لأحكامهم بالرد، ولا لما اجتبوه بالمطالبة، ~~وحوربوا في الحالين على سواء؛ لينزعوا عن المباينة ويفيئوا إلى الطاعة، قال ~~الله -تبارك وتعالى: {وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن ~~بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله فإن فاءت ~~فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا إن الله يحب المقسطين} [الحجرات: 9] . # وفي قوله: {فإن بغت إحداهما على الأخرى} وجهان: # أحدهما: بغت بالتعدي في القتال. # والثاني: بغت بالعدول عن الصلح. # وقوله: {فقاتلوا التي تبغي} يعني: بالسيف ردعا عن البغي وزجرا عن ~~المخالفة. # وفي قوله تعالى: {حتى تفيء ms062 إلى أمر الله} وجهان: # أحدهما: حتى ترجع إلى الصلح الذي أمر الله تعالى به وهو قول سعيد بن ~~جبير. # والثاني: إلى كتاب الله تعالى وسنة رسوله فيما لهم وعليهم، وهذا قول ~~قتادة. # {فإن فاءت} أي: رجعت عن البغي، {فأصلحوا بينهما بالعدل} فيه وجهان: # أحدهما: بالحق. # والثاني: بكتاب الله تعالى، فإذا قلد الإمام أميرا على قتال الممتنعين من ~~البغاة قدم قبل القتال إنذارهم وإعذارهم، ثم قاتلهم إذا أصروا على البغي ~~كفاحا، ولا يهجم عليهم غرة وبياتا. # ويخالف قتالهم قتال المشركين والمرتدين من ثمانية أوجه: # أحدها: أن يقصد بالقتال ردعهم ولا يعتمد به قتلهم، ويجوز أن يعتمد قتل ~~المشركين PageV01P101 # والمرتدين. # والثاني: أن يقاتلهم مقبلين، ويكف عنهم مدبرين، ويجوز قتال أهل الردة في ~~الحرب مقبلين ومدبرين. # والثالث: أن لا يجهز على جريحهم، وإن جاز الإجهاز على جرحى المشركين ~~والمرتدين. # أمر علي -عليه السلام- مناديه أن ينادي يوم الجمل: ألا لا يتبع مدبر ولا ~~يذفف على جريح. # والرابع: أن لا يقتل أسراهم وإن قتل أسرى المشركين والمرتدين، # ويعتبر أحوال من في الأسر منهم، فمن أمنت رجعته إلى القتال أطلق، ومن لم ~~تؤمن منه الرجعة حبس إلى انجلاء الحرب ثم يطلق، ولم يجز أن يحبس بعدها. # أطلق الحجاج أسيرا من أصحاب قطري بن الفجاءة1 لمعرفة كانت بينهما، فقال ~~له قطري: عد إلى قتال عدو الله الحجاج، فقال: هيهات غل يدا مطلقها، واسترق ~~رقبة معتقها، وأنشأ يقول "من الكامل": # أأقاتل الحجاج عن سلطانه %~% بيد تقر بأنها مولاته # إني إذا لأخو الدناءة والذي %~% شهدت بأقبح فعله غدراته # ماذا أقول إذا برزت إزاءه %~% في الصف واحتجت له فعلاته # أأقول جار علي لا إني إذا ل %~% أحق من جارت عليه ولاته # وتحدث الأقوام أن صنائعا %~% غرست لدي فحنظلت نخلاته # والخامس: أن لا يغنم أموالهم، ولا يسبي ذراريهم. # روي عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "منعت دار الإسلام ما ~~فيها، وأباحت دار الشرك ما فيها". # والسادس: أن لا يستعان لقتالهم بمشرك معاهد ولا ذمي، وإن جاز أن يستعان ~~بهم ms063 على قتال أهل الحرب والردة. # والسابع: أن لا يهادنهم إلى مدة، ولا يوادعهم على مال، فإن هادنهم إلى ~~مدة لم يلزمه، فإن PageV01P102 # ضعف عن قتالهم انتظر بهم القوة عليهم، وإن وادعهم على مال بطلت الموادعة ~~ونظر في المال، فإن كان من فيئهم أو من صدقاتهم لم يرده عليهم، وصرف ~~الصدقات في أهلها، والفيء في مستحقيه، وإن كان من خالص أموالهم لم يجز أن ~~يملكه عليهم، ووجب رده إليهم. # الثامن: أن ينصب عليهم العرادات، ولا يحرق عليهم المساكن، ولا يقطع عليهم ~~النخيل والأشجار؛ لأنها دار إسلام تمنع ما فيها وإن بغى أهلها، فإن أحاطوا ~~بأهل العدل وخافوا منهم الاصطلام جاز أن يدفعوا عن أنفسهم ما استطاعوا من ~~اعتماد قتلهم ونصب العرادات عليهم، فإن المسلم إذا أريدت نفسه جاز له الدفع ~~عنها بقتل من أرادها إذا كان لا يندفع بغير القتل، ولا يجوز أن يستمتع ~~بدوابهم ولا سلاحهم، ولا يستعان به في قتالهم، ويرفع اليد عنه في وقت ~~القتال وبعده، وقال أبو حنيفة -رضي الله عنه: يجوز أن يستعان على قتالهم ~~بدوابهم وسلاحهم ما كانت الحرب قائمة، وقد قال رسول الله -صلى الله عليه ~~وسلم: "لا يحل مال امرئ مسلم بطيب نفس منه" 1. # فإذا انجلت الحرب ومع أهل العدل لهم أموال ردت عليهم، وما تلف منها في ~~غير قتال، فهو مضمون على متلفه، وما أتلفوه في نائرة الحرب من نفس ومال فهو ~~هدر، وما أتلفوه على أهل العدل في غير نائرة الحرب من نفس ومال فهو مضمون ~~عليهم، وما أتلفوه في نائرة الحرب ففي وجود ضمانه عليهم قولان: # أحدهما: يكون هدرا لا يضمن. # والثاني: يكون مضمونا عليهم؛ لأن المعصية لا تبطل حقا ولا تسقط غرما، ~~فتضمن النفوس بالقود في العمد والدية في الخطإ. ويغسل قتلى أهل البغي ويصلى ~~عليهم، ومنع أبو حنيفة من الصلاة عليهم عقوبة لهم، وليس على ميت في الدنيا ~~عقوبة، وقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم: "فرض على أمتي غسل موتاها ~~والصلاة عليهم" 2. # وأما قتلى أهل العدل في ms064 معركة الحرب في غسلهم والصلاة عليهم فقولان: # أحدهما: لا يغسلون ولا يصلى عليهم تكريما وتشريفا كالشهداء في قتال ~~المشركين. PageV01P103 # والثاني: يغسلون ويصلى عليهم وإن قتلوا بغيا، وقد صلى المسلمون على عمر ~~وعثمان -رضي الله عنهما، وصلي بعد ذلك على علي -عليه السلام، وإن قتلوا ~~ظلما وبغيا، ولا يرث باغ قتل عادلا، ولا عادل قتل باغيا؛ لقول النبي -صلى ~~الله عليه وسلم: "القاتل لا يرث" 1. # وقال أبو حنيفة: أورث العادل من الباغي؛ لأنه محق، ولا أورث الباغي من ~~العادل؛ لأنه مبطل. # قال أبو يوسف: أورث كل واحد منهما من صاحبه؛ لأنه متأول في قتله، وإذا مر ~~تجار أهل الذمة بعشار أهل البغي فعشر أموالهم ثم قدر عليهم عشروا، ولم ~~يجزهم المأخوذ منهم بخلاف المأخوذ من الزكاة، لأنهم مروا بهم مختارين، ~~والزكاة مأخوذة من المقيمين المكرهين، وإذا أتى أهل البغي قبل القدرة عليهم ~~حدودا، ففي إقامتها عليهم بعد القدرة وجهان PageV01P104 ### || الفصل الثالث: في قتال من امتنع من المحاربين وقطاع الطريق # وإذا اجتمعت طائفة من أهل الفساد على شهر السلاح وقطع الطريق وأخذ ~~الأموال وقتل النفوس، ومنع السابلة، فهم المحاربون الذين قال الله تعالى ~~فيهم: {إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن ~~يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض} ~~[المائدة: 33] . # فاختلف الفقهاء في حكم هذه الآية على ثلاثة مذاهب: # أحدها: أن الإمام ومن استنابه على قتالهم من الولاة بالخيار بين أن يقتل ~~ولا يصلب، وبين أن يقتل ويصلب، وبين أن يقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف، وبين ~~أن ينفيهم من الأرض، وهذا قول سعيد بن المسيب1 ومجاهد وعطاء2 وإبراهيم ~~النخعي3. # والمذهب الثاني: أن من كان منهم ذا رأي وتدبير قتله ولم يعف عنه، ومن كان ~~ذا بطش وقوة قطع يده ورجله من خلاف، ومن لم يكن منهم ذا رأي ولا بطش عزره ~~وحبسه، هذا قول PageV01P105 # مالك بن أنس وطائفة من فقهاء المدينة فجعلها مرتبة باختلاف صفاتهم لا ~~باختلاف أفعالهم. # والمذهب الثالث: # أنها مرتبة باختلاف ms065 أفعالهم لا باختلاف صفاتهم، فمن قتل وأخذ المال قتل ~~وصلب، ومن قتل ولم يأخذ المال قتل ولم يصلب، ومن أخذ المال ولم يقتل قطعت ~~يده ورجله من خلاف، ومن كثر وهيب ولم يقتل ولم يأخذ المال عزر ولم يقتل ولم ~~يقطع، وهو قول ابن عباس والحسن وقتادة والسدي، وهو مذهب الشافعي -رضي الله ~~عنه. # وقال أبو حنيفة: إن قتلوا وأخذوا المال فالإمام بالخيار بين قتلهم ثم ~~صلبهم، وبين قطع أيديهم وأرجلهم من خلاف ثم قتلهم، ومن كان معهم مهيبا ~~مكثرا فحكمه كحكمهم، وأما قوله تعالى: {أو ينفوا من الأرض} ، فقد اختلف أهل ~~التأويل فيه على أربعة أقاويل: # أحدها: أنه إبعادهم من بلاد الإسلام إلى بلاد الشرك، وهذا قول مالك بن ~~أنس والحسن وقتادة والزهري. # والثاني: أنه إخراجهم من مدينة إلى أخرى، وهذا قول عمر بن عبد العزيز ~~-رحمه الله، وسعيد بن جبير. # والثالث: أنه الحبس، وهو قول أبي حنيفة ومالك. # والرابع: وهو أن يطلبوا لإقامة الحدود عليهم فيبعدوا، وهذا قول ابن عباس ~~والشافعي. # وأما قوله تعالى: {إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم} [المائدة: ~~34] ففيه لأهل التأويل ستة أقاويل: # أحدها: أنه وارد في المحاربين المفسدين من أهل الكفر إذا تابوا من شركهم ~~بالإسلام. # وأما المسلمون فلا تسقط التوبة عنهم حدا ولا حقا، وهذا قول ابن عباس ~~والحسن ومجاهد وقتادة1 -رضي الله عنهم. PageV01P106 # والثاني: أنه وارد في المسلمين من المحاربين إذا تابوا بأمان الإمام قبل ~~القدرة عليهم، وأما التائب بغير أمان فلا تؤثر توبته في سقوط حد ولا حق، ~~وهذا قول علي بن أبي طالب -كرم الله وجهه، والشعبي. # والثالث: أنه وارد فيمن تاب من المسلمين بعد لحوقه بدار الحرب، ثم عاد ~~قبل القدرة وهو قول عروة بن الزبير -رضي الله عنه. # والرابع: أنه وارد فيمن كان في دار الإسلام في منعة وتاب قبل القدرة عليه ~~سقطت عقوبته، وإن لم يكن في منعة لم تسقط، وهذا قول ابن عمر وربيعة والحكم ~~بن عيينة -رضي الله عنه وعنهم. # والخامس: أن توبته ms066 قبل القدرة عليه وإن لم يكن في منعة تضع عنه جميع حدود ~~الله سبحانه، ولا تسقط عنه حقوق الآدميين، وهذا قول الشافعي. # والسادس: أن توبته قبل القدرة عليه تضع عنه جميع الحدود والحقوق إلا ~~الدماء، وهذا قول مالك بن أنس، فهذا حكم الآية واختلاف أهل التأويل فيها، ~~ثم نقول في المحاربين: إنهم إذا كانوا على امتناعهم مقيمين قوتلوا كقتال ~~أهل البغي في عامة أحوالهم ويخالفه من خمسة أوجه: # أحدها: إنهم يجوز قتالهم مقبلين ومدبرين؛ لاستيفاء الحقوق منهم، ولا يجوز ~~اتباع من ولى من أهل البغي. # والثاني: أنه يجوز أن يعمد في الحرب إلى قتل من قتل منهم، ولا يجوز أن ~~يعمد إلى قتل أهل البغي. # والثالث: أنهم يؤاخذون بما استهلكوه من دم ومال في الحرب وغيرها بخلاف ~~أهل البغي. PageV01P107 # والرابع: أنه يجوز حبس من أسر منهم لاستبراء حاله، وإن لم يجز حبس أحد من ~~أهل البغي. # والخامس: أن ما اجتبوه من خراج وأخذوه من صدقات فهو كالمأخوذ غصبا نهبا ~~لا يسقط عن أهل الخراج والصدقات حقا، فيكون غرمه عليهم مستحقا، وإذا كان ~~المولى على قتالهم مقصور الولاية على محاربتهم فليس له بعد القدرة أن يقيم ~~عليهم حدا، ولا أن يستوفي منهم حقا، ويلزمه حملهم إلى الإمام ليأمر بإقامة ~~الحدود عليهم، واستيفاء الحقوق منهم، وإن كانت ولايته عامة على قتالهم ~~واستيفاء الحدود والحقوق منهم، فلا بد أن يكون من أهل العلم والعدالة لينفذ ~~حكمه فيما يقيمه من حد ويستوفيه من حق، وإذا كان كذلك كشف عن أحوالهم من ~~أحد وجهين: # إما بإقرارهم طوعا من غير ضرب ولا إكراه. # وإما بقيام البينة العادلة على من أنكر، فإذا علم من أحد هذين الوجهين ما ~~فعله كل واحد منهم من جرائمه نظر، فمن كان منهم قد قتل، وأخذ المال قتله ~~وصلبه بعد القتل. # وقال مالك: يصلب حيا ثم يطعنه بالرمح حتى يموت وهذا القتل محتوم ولا يجوز ~~العفو عنه، وإن عفا عنه ولي الدم كان عفوه لغوا، ويصلب ثلاثة أيام لا ~~يتجاوزها، ثم يحطه ms067 بعدها، ومن قتل منهم ولم يأخذ المال قتله ولم يصلبه، ~~وغسله وصلى عليه. # وقال مالك: يصلي عليه غير من حكم بقتله، ومن أخذ منهم المال ولم يقتل قطع ~~يده ورجله من خلاف، فكان قطع يده اليمنى لسرقته، وقطع رجله اليسرى ~~لمجاهرته، ومن جرح منهم ولم يقتل ولم يأخذ المال اقتص منهم الجارح إن كان ~~في مثلها قصاص، وفي إحتام القصاص في الجروح وجهان: # أحدهما: أنه محتوم ولا يجوز العفو عنه كالقتل. # والثاني هو إلى خيار مستحقه تجب بمطالبته ويسقط بعفوه، وإن كان الجرح مما ~~لا قصاص فيه وجبت دية المجروح إن طلب بها، وتسقط إن عفا عنها، ومن كان منهم ~~مهيبا أو مكثرا لم يباشر قتلا ولا جرحا، ولا أخذ مال عزر أدبا وزجرا وجاز ~~حبسه، لأن الحبس أحد التعزيرين، ولا يجوز به ذلك؛ لا قطع ولا قتل. PageV01P108 # وجوز أبو حنيفة ذلك فيه إلحاقا بحكم المباشرين معه، فإن تابوا عن جرائمهم ~~بعد القدرة عليهم سقطت عنه المآثم دون المظالم، وأخذوا بما وجب عليهم من ~~الحدود والحقوق، فإن تابوا قبل القدرة عليهم سقطت عنهم مع المآثم حدود الله ~~سبحانه، ولم تسقط عنهم حقوق الآدميين، فمن كان منهم قد قتل فالخيار إلى ~~الولي في القصاص منه أو العفو عنه، ويسقط بالتوبة إحتام قتله، ومن كان منهم ~~قد أخذ المال سقط عنه القطع ولم يسقط عنه الغرم إلا بالعفو، ويجري على ~~المحاربين وقطاع الطريق في الأمصار حكم قطاعه في الصحاري والأسفار، وهم وإن ~~لم يكونوا بالجراءة في الأمصار أغلظ جرما لم يكونوا أخف حكما. # وقال أبو حنيفة: يختصون بهذا الحكم في الصحاري؛ حيث لا يدرك الغوث، فأما ~~في الأمصار أو خارجها بحيث يدرك الغوث، فلا يجري عليهم حكم الجرأة في ~~الأمصار، وإذا ادعوا التوبة قبل القدرة عليهم، فإن لم تقترن بالدعوى أمارات ~~تدل على التوبة لم تقبل دعواهم لها لما في سقوطها من حد قد وجب. # وإن اقترن بدعواهم أمارات تدل على التوبة ففي قبولها منهم بغير بينة ~~وجهان محتملان: # أحدهما: تقبل ليكون ms068 ذلك شبهة تسقط بها الحدود. # والثاني: لا تقبل إلا ببينة عادلة تشهد لهم بالتوبة قبل القدرة عليهم؛ ~~لأنها حدود قد وجبت، والشبهة ما اقترنت بالفعل لا ما تأخرت عنه. PageV01P109 ### | الباب السادس: في ولاية القضاء ### || مدخل # ... # الباب السادس: في ولاية القضاء 1 # ولا يجوز أن يقلد القضاء إلا من تكاملت فيه شروطه التي يصح معها تقليده، ~~وينفذ بها حكمه، وهي سبعة: # فالشرط الأول منها: # أن يكون رجلا، وهذا الشرط يجمع صفتين: البلوغ والذكورية، فأما البلوغ فإن ~~غير البالغ لا يجري عليه قلم ولا يتعلق بقوله على نفسه حكم، وكان أولى أن ~~لا يتعلق على غيره حكم. # وأما المرأة فلنقص النساء عن رتب الولايات وإن تعلق بقولهن أحكام. # وقال أبو حنيفة: يجوز أن تقضي المرأة فيما تصح فيها شهادتها، ولا يجوز أن ~~تقضي فيما لا تصح فيه شهادتها. # وشذ ابن جرير الطبري فجوز قضاءها في جميع الأحكام، ولا اعتبار بقول يرده ~~الإجماع مع قول الله تعالى: {الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم ~~على بعض} [النساء: 34] . # يعني: في العقل والرأي، فلم يجز أن يقمن على الرجال2. PageV01P110 # والشرط الثاني: وهو مجمع على اعتباره، ولا يكتفى فيه بالعقل الذي يتعلق ~~به التكليف من علمه بالمدركات الضرورية، حتى يكون صحيح التمييز، جيد ~~الفطنة، بعيدا عن السهو والغفلة، يتوصل بذكائه إلى إيضاح ما أشكل وفصل ما ~~أعضل. # والشرط الثالث: الحرية؛ لأن نقص العبد عن ولاية نفسه يمنع من انعقاد ~~ولايته على غيره؛ ولأن الرق لما منع من قبول الشهادة كان أولى أن يمنع من ~~نفوذ الحكم وانعقاد الولاية، وكذلك الحكم فيمن لم تكمل حريته من المدبر ~~والمكاتب، ومن رق بعضه، ولا يمنعه الرق أن يفتي، كما لا يمنعه الرق أن يروي ~~بعدم الولاية في الفتوى والرواية. # ويجوز له إذا عتق أن يقضي وإن كان عليه ولاء؛ لأن النسب غير معتبر في ~~ولاية الحكم. # والشرط الرابع: الإسلام لكونه شرطا في جواز الشهادة مع قول الله -سبحانه ~~وتعالى: {ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا} [النساء: 141] . # ولا ms069 يجوز أن يقلد الكافر القضاء على المسلمين ولا على الكفار. # قال أبو حنيفة: يجوز تقليده القضاء بين أهل دينه، وهذا وإن كان عرف ~~الولاة بتقليده جاريا فهو تقليد زعامة ورئاسة، وليس بتقليد حكم وقضاء، ~~وإنما يلزمهم حكمه لالتزامهم له لا لزومه لهم، ولا يقبل الإمام قوله فيما ~~حكم به بينهم. # وإذا امتنعوا من تحاكمهم إليه لم يجبروا عليه، وكان حكم الإسلام عليهم ~~أنفذ. PageV01P111 # والشرط الخامس: العدالة، وهي معتبرة في كل ولاية، والعدالة أن يكون صادق ~~اللهجة ظاهر الأمانة، عفيفا عن المحارم، متوقيا المآثم، بعيدا من الريب، ~~مأمونا في الرضا والغضب، مستعملا لمروءة مثله في دينه ودنياه، فإذا تكاملت ~~فيه فهي العدالة التي تجوز بها شهادته، وتصح معها ولايته، وإن انخرم منها ~~وصف منع من الشهادة والولاية، فلم يسمع له قول ولم ينفذ له حكم. # والشرط السادس: السلامة في السمع والبصر؛ ليصح بهما إثبات الحقوق، ويفرق ~~بين الطالب والمطلوب، ويميز المقر من المنكر؛ ليتميز له الحق من الباطل، ~~ويعرف المحق من المبطل، فإن كان ضريرا كانت ولايته باطلة، وجوزها مالك كما ~~جوز شهادته، وإن كان أصم فعلى الاختلاف المذكور في الأمانة؛ فأما سلامة ~~الأعضاء فغير معتبرة فيه وإن كانت معتبرة في الإمامة، فيجوز أن يقضي وإن ~~كان مقعدا ذا زمانة، وإن كانت السلامة من الآفات أهيب لذوي الولاية. # والشرط السابع: أن يكون عالما بالأحكام الشرعية وعلمه بها يشتمل على علم ~~أصولها والارتياض بفروعها. # وأصول الأحكام في الشرع أربعة: # أحدها: علمه بكتاب الله -عز وجل- على الوجه الذي تصح به معرفة ما تضمنه ~~من الأحكام ناسخا ومنسوخا، ومحكما ومتشابها، وعموما وخصوصا، ومجملا ومفسرا. # والثاني: علمه بسنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الثابتة من أقواله ~~وأفعاله، وطرق مجيئها في التواتر والآحاد والصحة والفساد، وما كان عن سبب ~~أو إطلاق. # والثالث: علمه بتأويل السلف فيما اجتمعوا عليه واختلفوا فيه؛ ليتبع ~~الإجماع ويجتهد برأيه في الاختلاف. # والرابع: علمه بالقياس1 الموجب لرد الفروع المسكوت عنها إلى الأصول ~~المنطوق PageV01P112 # بها والمجمع عليها، حتى يجد طريقا إلى العلم بأحكام ms070 النوازل، وتمييز الحق ~~من الباطل، فإذا أحاط علمه بهذه الأصول الأربعة في أحكام الشريعة صار بها ~~من أهل الاجتهاد في الدين، وجاز له أن يفتي ويقضي، وجاز له أن يستفتي ~~ويستقضي، وإن أخل بها أو بشيء منها خرج من أن يكون من أهل الاجتهاد، فلم ~~يجز أن يفتي ولا أن يقضي. # فإن قلد القضاء فحكم بالصواب أو الخطإ كان تقليده باطلا وحكمه وإن وافق ~~الحق والصواب مردودا، وتوجه الحرج فيما قضي به عليه وعلى من قلده الحكم ~~والقضاء. # وجوز أبو حنيفة تقليد القضاء من ليس من أهل الاجتهاد ليستفتي في أحكامه ~~وقضاياه، والذي PageV01P113 # عليه جمهور الفقهاء أن ولايته باطلة وأحكامه مردودة؛ ولأن التقليد في ~~فروع الشرع ضرورة فلم يتحقق إلا في ملتزم الحق دون ملزمه. # قد اختبر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- معاذا حين بعثه إلى اليمن واليا ~~وقال: "بم تحكم؟ " قال: بكتاب الله، قال: "فإن لم تجد؟ " قال: بسنة رسول ~~الله. قال: "فإن لم تجد؟ " قال: أجتهد برأيي، فقال رسول الله -صلى الله ~~عليه وسلم: "الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله لما يرضي رسوله"1. # فأما ولاية من لا يقول بخبر الواحد2 فغير جائزة؛ لأنه تارك لأصل قد ~~اجتمعت عليه الصحابة، وأكثر أحكام الشرع عنه مأخوذة، فصار بمنزلة من لا ~~يقول بحجة الإجماع الذي لا تجوز ولايته لرد ما ورد النص به. # وأما نفاة القياس فضربان: # ضرب منهم نفوه واتبعوا ظاهر النص، وأخذوا بأقاويل سلفهم فيما لم يرد فيه ~~نص، وطرحوا الاجتهاد وعدلوا عن الفكر والاستنباط، فلا يجوز تقليدهم القضاء ~~لقصورهم عن طرف الأحكام. # وضرب منهم نفوا القياس واجتهدوا في الأحكام تعلقا بفحوى الكلام ومفهوم ~~الخطاب كأهل الظاهر. # وقد اختلف أصحاب الشافعي -رضي الله عنه- في جواز تقليدهم القضاء على ~~PageV01P114 # وجهين: # أحدهما: لا يجوز للمعنى المذكور. # والثاني: يجوز لأنهم يعتبرونه واضح المعاني وإن عدلوا عن خفي القياس، ~~فإذا ثبت ما وصفنا من الشروط المعتبرة في ولاية القضاء، فلا يجوز أن يولى ~~إلا بعد العلم باجتماعها فيه؛ إما بتقدم معرفة، وإما ms071 باختبار ومسألة. # قد قلد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عليا -عليه السلام- قضاء اليمن، ~~ولم يختبره لعلمه به، ولكنه وصاه تنبيها على وجه القضاء فقال: # "إذا حضر خصمان بين يديك فلا تقض لأحدهما حتى تسمع كلام الآخر" 1. # فقال علي -عليه السلام: فما أشكلت علي قضية بعدها، وبعث معاذا إلى ناحية ~~من اليمن واختبره -صلى الله عليه وسلم. # فصل: # ويجوز لمن اعتقد مذهب الشافعي -رحمه الله- أن يقلد القضاء من اعتقد مذهب ~~أبي حنيفة؛ لأن للقاضي أن يجتهد برأيه في قضائه، ولا يلزمه أن يقلد في ~~النوازل والأحكام من اعتزى إلى مذهبه، فإذا كان شافعيا لم يلزمه المصير في ~~أحكامه إلى أقاويل الشافعي حتى يؤديه اجتهاده إليها، فإن أداه اجتهاده إلى ~~الأخذ بقول أبي حنيفة عمل عليه وأخذ به، وقد منع بعض الفقهاء من اعتزى إلى ~~مذهب أن يحكم بغيره، فمنع الشافعي أن يحكم بقول أبي حنيفة، ومنع الحنفي أن ~~يحكم بمذهب الشافعي إذا أداه اجتهاده إليه لما يتوجه إليه من التهمة ~~والممايلة في القضايا والأحكام، وإذا حكم بمذهب لا يتعداه كان أنفى للتهمة ~~وأرضى للخصوم، وهذا وإن كانت السياسة تقتضيه فأحكام الشرع لا توجبه؛ لأن ~~التقليد فيها محظور، والاجتهاد فيها مستحق، وإذا نفذ قضاؤه بحكم وتجدد مثله ~~من بعد أعاد الاجتهاد فيه، وقضى بما أداه اجتهاده إليه وإن خالف ما تقدم من ~~حكمه، فإن عمر -رضي الله عنه- قضى في المشركة بالتشريك في عام، وترك ~~التشريك في غيره، فقيل له: ما هكذا حكمت في PageV01P115 # العام الماضي، فقال: تلك على ما قضينا، وهذه على ما نقضي. # فلو شرط المولي وهو حنفي أو شافعي على من ولاه القضاء أن لا يحكم إلا ~~بمذهب الشافعي أو أبي حنيفة فهذا على ضربين: # أحدهما: أن يشترط ذلك عموما في جميع الأحكام، فهذا شرط باطل، سواء كان ~~موافقا لمذهب المولي أو مخالفا له، وأما صحة الولاية فإن لم يجعله شرطا ~~فيها، وأخرجه مخرج الأمر أو مخرج النهي، وقال: قد قلدتك القضاء فاحكم بمذهب ~~الشافعي -رحمه الله- على وجه الأمر، أو ms072 لا تحكم بمذهب أبي حنيفة -على وجه ~~النهي، كانت الولاية صحيحة والشرط فاسدا، سواء تضمن أمرا أو نهيا، ويجوز أن ~~يحكم بما أداه اجتهاده إليه، سواء وافق شرطه أو خالفه، ويكون اشتراط المولي ~~لذلك قدحا فيه إن علم أنه اشترط ما لا يجوز، ولا يكون قدحا إن جهل، لكن لا ~~يصح مع الجهل به أن يكون موليا ولا واليا، فإن أخرج ذلك مخرج الشرط في عقد ~~الولاية فقال: قد قلدتك القضاء على أن لا تحكم فيه إلا بمذهب الشافعي، أو ~~بقول أبي حنيفة، كانت الولاية باطلة؛ لأنه عقدها على شرط فاسد. # وقال أهل العراق: تصح الولاية ويبطل الشرط. # والضرب الثاني: أن يكون الشرط خاصا في حكم بعينه؛ فلا يخلو الشرط من أن ~~يكون أمرا أو نهيا، فإن كان أمرا فقال له: أقد من العبد بالحر، ومن المسلم ~~بالكافر، واقتص في القتل بغير الحديد، كان أمره بهذا الشرط فاسدا، ثم إن ~~جعله شرطا في عقد الولاية فسدت، وإن لم يجعله شرطا فيها صحت، وحكم في ذلك ~~بما يؤديه اجتهاده إليه، وإن كان نهيا فهو على ضربين: # أحدهما: أن ينهاه عن الحكم في قتل المسلم بالكافر والحر بالعبد، ولا يقضي ~~فيه بوجوب قود ولا بإسقاطه فهذا جائز؛ لأنه اقتصر بولايته على ما عداه فصار ~~ذلك خارجا عن نظره. # والضرب الثاني: أن لا ينهاه عن الحكم وينهاه عن القضاء في القصاص. # فقد اختلف أصحابنا في هذا النهي هل يوجب صرفه عن النظر فيه على وجهين: # أحدهما: أن يكون صرفا عن الحكم فيه، وخارجا عن ولايته، فلا يحكم فيه ~~بإثبات قود ولا بإسقاطه. # والثاني: أنه لا يقتضي الصرف عنه، ويجري عليه حكم الأمر به ويثبت صحة ~~النظر إن لم يجعله شرطا في التقليد، ويحكم فيه بما يؤديه اجتهاده إليه. PageV01P116 ### || فصل: "ما تنعقد به ولاية القضاء" # وولاية القضاء تنعقد بما تنعقد به الولايات، مع الحضور باللفظ مشافهة، ~~ومع الغيبة مراسلة ومكاتبة، ولكن لا بد مع المكاتبة من أن يقترن بها من ~~شواهد الحال ما يدل ms073 عليها عند المولى وأهل عمله. # والألفاظ التي تنعقد بها الولاية ضربان: صريح وكناية: # فالصريح أربعة ألفاظ: قد قلدتك، ووليتك، واستخلفتك، واستنبتك، فإذا أتى ~~بأحد هذه الألفاظ انعقدت ولاية القضاء وغيرها من الولايات، وليس يحتاج معها ~~إلى قرينة أخرى إلا أن يكون تأكيدا لا شرطا. # فأما الكناية فقد ذكر بعض أصحابنا أنها سبعة ألفاظ: قد اعتمدت عليك، ~~وعولت عليك، ورددت إليك، وجعلت إليك، وفوضت إليك، ووكلت إليك، وأسندت إليك، ~~فهذه الألفاظ لما تضمنته من الاحتمال تضعف في الولاية عن حكم الصريح حتى ~~يقترن بها في عقد الولاية ما ينفي عنها الاحتمال، فتصير مع ما يقترن بها في ~~حكم الصريح مثل قوله: فانظر فيما وكلته إليك، واحكم فيما اعتمدت فيه عليك، ~~فتصير الولاية بهذه القرينة مع ما تقدم من الكناية منعقدة، ثم تمامها موقوف ~~على قبول المولي، فإن كان التقليد مشافهة فقبوله على الفور لفظا، وإن كان ~~مراسلة أو مكاتبة جاز أن يكون على التراخي، ويجوز قبوله بالقول مع التراخي. # واختلف في صحة القبول بالشروع في النظر؛ فجوزه بعضهم وجعله كالنطق، وأباه ~~آخرون حتى يكون نطقا؛ لأن الشروع في النظر فرع لعقد الولاية فلم ينعقد به ~~قبولها. # ويكون تمام الولاية مع ما ذكرنا من لفظ التقليد معتبرا بأربعة شروط: PageV01P117 # أحدها: معرفة المولى للمولى بأنه على الصفة التي يجوز أن يولى معها، فإن ~~لم يعلم أنه على الصفة التي تجوز معها تلك الولاية لم يصح تقليده، فلو ~~عرفها بعد التقليد استأنفها ولم يجز أن يعول على ما تقدمها. # والشرط الثاني: معرفة المولى بما عليه المولي من استحقاق تلك الولاية ~~بصفاته التي يصير بها مستحقا لها، وأنه قد تقلدها وصار مستحقا للإنابة ~~فيها، إلا أن هذا شرط معتبر في قبول المولى وجواز نظره، وليس بشرط في عقد ~~تقليده وولايته، بخلاف الشرط المتقدم وليس يراعى في هذه المعرفة المشاهدة ~~بالنظر، وإنما يراعى انتشارها بتتابع الخبر. # والشرط الثالث: ذكر ما تضمنه التقليد من ولاية القضاء أو إمارة البلاد أو ~~جباية الخراج؛ لأن هذه شروط معتبرة في ms074 كل تقليد فافتقرت إلى تسمية ما ~~تضمنت؛ ليعلم على أي نظر عقدت فإن جهل فسدت. # والشرط الرابع: ذكر تقليد البلد الذي عقدت الولاية عليه؛ ليعرف به العمل ~~الذي يستحق النظر فيه، ولا تصح الولاية مع الجهل به، فإذا انعقدت تم تقليد ~~الولاية بما ذكرنا من الشروط، واحتاج في لزوم النظر إلى شرط زائد على شروط ~~العقد، وهو إشاعة تقليد المولى في أهل عمله؛ ليذعنوا بطاعته وينقادوا إلى ~~حكمه، وهو شرط في لزوم الطاعة وليس بشرط في نفوذ الحكم، فإذا صحت عقدا ~~ولزوما بما وصفنا صح فيها نظر المولي والمولى كالوكالة؛ لأنهما معا استنابة ~~ولم يلزم المقام عليها من جهة المولى، ولا من جهة المولي، وكان للمولي عزله ~~عنها متى شاء، وللمولى عزل نفسه عنها إذا شاء، غير أن الأولى بالمولي أن ~~يعزله إلا بعذر، وأن لا يعتزل المولى إلا من عذر لما في هذه الولاية من ~~حقوق المسلمين، فإذا عزل أو اعتزل وجب إظهار العزل كما وجب إظهار التقليد، ~~حتى لا يقدم على إنفاذ حكم ولا يغتر بالترافع إليه خصم، فإن حكم بعد عزله ~~وقد عرف عزله لم ينفذ حكمه، وإن حكم غير عالم بعزله كان في نفوذ حكمه وجهان ~~كاختلافهما في عقود الوكيل. PageV01P118 ### || فصل: "ولاية القاضي بين العموم والخصوص" # ولا تخلو ولاية القاضي من عموم أو خصوص، فإن كانت ولايته عامة مطلقة ~~التصرف في جميع ما تضمنته فنظره مشتمل على عشرة أحكام: # أحدها: فصل في المنازعات، وقطع التشاجر والخصومات، إما صلحا عن تراض، ~~ويراعى فيه الجواز، أو إجبارا بحكم بات يعتبر فيه الوجوب. # والثاني: استيفاء الحقوق ممن مطل بها، وإيصالها إلى مستحقيها بعد ثبوت ~~استحقاقها من أحد وجهين: إقرار، أو بينة، واختلف في جواز حكمه فيها بعلمه؛ ~~فجوزه مالك والشافعي -رضي الله عنهما- أصح قوليه، ومنع منه في القول الآخر. # وقال أبو حنيفة -رحمه الله: يجوز أن يحكم بعلمه فيما علمه في ولايته ولا ~~يحكم بما علمه قبلها1. PageV01P119 # والثالث: ثبوت الولاية على من كان ممنوع التصرف بجنون أو صغر، والحجر ms075 على ~~من يرى الحجر عليه لسفه أو فلس حفظا للأموال على مستحقيها، وتصحيحا لأحكام ~~العقود فيها. # والرابع: النظر في الأوقات بحفظ أصولها وتنمية فروعها، والقبض عليها ~~وصرفها في سبيلها، فإن كان عليها مستحق للنظر فيها راعاه، وإن لم يكن ~~تولاه؛ لأنه لا يتعين للخاص PageV01P120 # فيها إن عمت، ويجوز أن يفضي إلى العموم وإن خصت. # والخامس: تنفيذ الوصايا على شروط الموصي فيما أباحه الشرع ولم يحظره، وإن ~~كانت لمعينين كان تنفيذها بالإقباض، وإن كانت في موصوفين كان تنفيذها أن ~~يتعين مستحقوها بالاجتهاد ويملكوا بالإقباض، فإن كان فيها وصي راعاه، وإن ~~لم يكن تولاه. # والسادس: تزويج الأيامى بالأكفاء إذا عدمن الأولياء ودعين إلى النكاح، ~~ولا يجعله أبو حنيفة -رضي الله عنه- من حقوق ولايته؛ لتجويزه تفرد الأيم ~~بعقد النكاح. # والسابع: إقامة الحدود على مستحقيها، فإن كان من حقوق الله تعالى تفرد ~~باستيفائه من غير طالب إذا ثبت بإقرار أو بينة، وإن كان من حقوق الآدميين ~~كان موقوفا على طلب مستحقه. # وقال أبو حنيفة: لا يستوفيها معا إلا بخصم مطالب. # والثامن: النظر في مصالح عمله من الكف عن التعدي في الطرقات والأفنية، ~~وإخراج ما لا يستحق من الأجنحة والأبنية، وله أن ينفرد بالنظر فيها وإن لم ~~يحضره خصم، وقال أبو حنيفة: لا يجوز له النظر فيها إلا بحضور خصم مستعد، ~~وهي من حقوق الله تعالى التي يستوي فيها المستعدي وغير المستعدي، فكان تفرد ~~الولاية بها أخص. # والتاسع: تصفح شهوده وأمنائه، واختيار النائبين عنه من خلفائه في ~~إقرارهم، والتعويل عليهم، مع ظهور السلامة والاستقامة وصرفهم، والاستبدال ~~بهم مع ظهور الجرح والخيانة. # ومن ضعف منهم عما يعانيه كان موليه بالخيار من أصلح الأمرين: إما أن ~~يستبدل به من هو أقوى منه وأكفى، وإما أن يضم إليه من يكون اجتماعه عليه ~~أنفذ وأمضى. # والعاشر: التسوية في الحكم بين القوي والضعيف والعدل في القضاء بين ~~المشروف والشريف، ولا يتبع هواه في تقصير المحق أو ممايلة مبطل، قال الله ~~تعالى: {يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين ms076 الناس بالحق ولا تتبع ~~الهوى فيضلك عن سبيل الله إن الذين يضلون عن سبيل الله لهم عذاب شديد بما ~~نسوا يوم الحساب} [ص: 26] . # وقد استوفى عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- في عهده إلى أبي موسى الأشعري ~~شروط القضاء، وبين أحكام التقليد، فقال فيه: أما بعد، فإن القضاء فريضة ~~محكمة وسنة متبعة، PageV01P121 # فافهم إذا أدلي إليك، فإنه لا ينفع تكلم بحق لا نفاذ له، وآس بين الناس ~~في وجهك وعدلك ومجلسك، حتى لا يطمع شريف في حيفك، ولا ييأس ضعيف من عدلك. ~~البينة على من ادعى، واليمين على من أنكر، والصلح جائز بين المسلمين إلا ~~صلحا أحل حراما أو حرم حلالا؛ ولا يمنعك قضاء قضيته أمس فراجعت اليوم فيه ~~عقلك، وهديت فيه لرشدك، أن ترجع إلى الحق، فإن الحق قديم، ومراجعة الحق خير ~~من التمادي في الباطل، الفهم الفهم فيما تلجلج في صدرك مما ليس في كتاب ~~الله تعالى ولا سنة نبيه، ثم اعرف الأمثال والأشباه، وقس الأمور بنظائرها، ~~واجعل لمن ادعى حقا غائبا أو بينة أمدا ينتهي إليه، فمن أحضر بينة أخذت له ~~بحقه، وإلا استحللت القضية عليه، فإن ذلك أنفى للشك وأجلى للعمى، والمسلمون ~~عدول بعضهم على بعض، إلا مجلودا في حد، أو مجربا عليه شهادة زور، أو ظنينا ~~في ولاء أو نسب، فإن الله عفا عن الأيمان ودرأ بالبينات. وإياك والقلق ~~والضجر والتأفف بالخصوم، فإن الحق في مواطن الحق يعظم الله به الأجر ويحسن ~~به الذكر، والسلام. # فإن قيل: ففي هذا العهد خلل من وجهين: # أحدهما: خلوه من لفظ التقليد الذي تنعقد به الولاية. # والثاني: اعتباره في الشهود عدالة الظاهر والمعتبر فيه عدالة الباطن بعد ~~الكشف والمسألة. # قيل: أما خلوه عن لفظ التقليد ففيه جوابان: # أحدهما: أن التقليد تقدمه لفظا وجعل العهد مقصورا على الوصاية والأحكام. # والثاني: أن ألفاظ العهد تتضمن معاني التقليد مثل قوله: "فافهم إذا أدلي ~~إليك"، وكقوله: "فمن أحضر بينة أخذت له بحقه وإلا استحللت القضية عليه"، ~~فصار فحوى هذه الأوامر مع شواهد الحال مغنيا ms077 عن لفظ التقليد. # وأما اعتباره في الشهود عدالة الظاهر ففيه جوابان: # أحدهما: أنه يجوز أن يكون ممن يرى ذلك فذكره إخبارا عن اعتقاده فيه لا ~~أمرا به. # والثاني: معناه: أنهم بعد الكشف والمسألة عدول ما لم يظهر جرح إلا مجلودا ~~في حد، وليس لهذا القاضي وإن عمت ولايته جباية الخراج؛ لأن مصرفه موقوف على ~~رأي غيره من ولاة الجيوش، فأما أموال الصدقات فإن اختصت بناظر خرجت عن عموم ~~ولايته، وإن لم PageV01P122 # يندب لها ناظر فقد قيل: تدخل في عموم ولايته فيقبضها من أهلها ويصرفها في ~~مستحقيها؛ لأنها من حقوق الله تعالى فيمن سماه لها، وقيل: لا تدخل في ~~ولايته، ويكون ممنوعا من التعرض لها؛ لأنها من حقوق الأموال التي تحمل على ~~اجتهاد الأئمة، وكذلك القول في إمامة الجمع والأعياد، فأما إن كانت ولايته ~~خاصة فهي منعقدة على خصوصها، ومقصورة النظر على ما تضمنته، كمن قلد القضاء ~~في بعض ما قدمناه من الأحكام، أو في الحكم بإقرار دون البينة، أو في الديون ~~دون المناكح، أو في مقدر بنصاب، فيصح هذا التقليد ولا يصح للمولي أن ~~يتعداه؛ لأنها استنابة فصحت عموما وخصوصا كالوكالة. # فصل: # ويجوز أن يكون القاضي عام النظر خاص العمل، فيقلد النظر في جميع الأحكام ~~في أحد جانبي البلد أو في محلة منه، فينفذ جميع أحكامه في الجانب الذي ~~قلده، والمحلة التي عينت له، وينظر فيه بين ساكنيه وبين الطارئين إليه؛ لأن ~~الطارئ إليه كالساكن فيه، إلا أن يقتصر به على النظر بين ساكنيه دون ~~الغريبين والطارئين إليه فلا يتعداهم. # ولو قلد جميع البلد ليحكم في أحد جانبيه أو في محلة منه أو في دار من ~~دوره جاز له الحكم في كل موضع منه؛ لأنه لا يمكن الحجر عليه في مواضع جلوسه ~~مع عموم ولايته، فإن أخرج ذلك مخرج الشرط في عقد الولاية أبطلها، وكان ~~مردود الحكم في ذلك الموضع وغيره، ولو قلد الحكم فيمن ورد إليه في داره أو ~~في مسجده صح، ولم يجز أن يحكم في غير داره، ms078 ولا في غير مسجده؛ لأنه جعل ~~ولايته مقصورة على من ورد إلى داره أو مسجده، وهم لا يتعينون إلا بالورود ~~إليهما، فلذلك صار حكمه فيهما شرطا. # قال أبو عبد الله الزبيري: لم تزل الأمراء عندنا بالبصرة برهة من الدهر ~~يستقضون قاضيا على المسجد الجامع يسمونه قاضي المسجد، يحكم في مائتي درهم ~~وعشرين دينارا فما دونها، ويفرض النفقات ولا يتعدى موضعه ولا ما قدر له. PageV01P123 # فصل: # وإذا قلد قاضيان على بلد لم يخل حال تقليدهما من ثلاثة أقسام: # أحدها: أن يرد إلى أحدهما موضعا منه، وإلى الآخر غيره فيصح، ويقتصر كل ~~واحد منهما على النظر في موضعه. # والقسم الثاني: أن يرد إلى أحدهما نوع من الأحكام، وإلى الآخر غيره؛ كرد ~~المداينات إلى أحدهما والمناكح إلى الآخر، فيجوز ذلك، ويقتصر كل واحد منهما ~~على النظر في ذلك الحكم الخاص في البلد كله. # والقسم الثالث: أن يرد إلى كل واحد منهما جميع الأحكام في جميع البلد، ~~فقد اختلف أصحابنا في جوازه، فمنعت منه طائفة لما يفضي إليه أمرهما من ~~التشاجر في تجاذب الخصوم إليهما، وتبطل ولايتهما إن اجتمعت، وتصح ولاية ~~الأول منهما إن افترقت، وأجازته طائفة أخرى وهم الأكثرون؛ لأنها استنابة ~~كالوكالة، ويكون القول عند تجاذب الخصوم قول الطالب دون المطلوب، فإن ~~تساويا اعتبر أقرب الحاكمين إليهما، فإن استويا فقد قيل: يقرع بينهما، ~~وقيل: يمنعان من التحاكم حتى يتفقا على أحدهما. PageV01P124 # فصل: # ويجوز أن تكون ولاية القاضي مقصورة على حكومة معينة بين خصمين، فلا يجوز ~~أن ينفذ النظر بينهما إلى غيرهما من الخصوم، وتكون ولايته على النظر بينهما ~~باقية ما كان التشاجر بينهما باقيا، فإذا بت الحكم بينهما زالت ولايته، وإن ~~تجددت بينهما مشاجرة أخرى لم ينظر بينهما إلا بإذن مستجد، فلو لم يعين ~~الخصوم وجعل النظر مقصورا على الأيام، وقال: قلدتك النظر بين الخصوم في يوم ~~السبت وحده، جاز نظره فيه بين الخصوم في جميع الدعاوى، وتزول ولايته بغروب ~~الشمس منه، ولو قال: قلدتك النظر في كل يوم سبت جاز أيضا، وكان ms079 مقصور النظر ~~فيه. # فإذا خرج يوم السبت لم تزل ولايته لبقائها على أمثاله من الأيام، وإن كان ~~ممنوعا من النظر فيما عداه، ولو قال ولم يسم أحدا: من نظر في يوم السبت بين ~~الخصوم فهو خليفتي، لم يجز للجهل بالمولى؛ ولأنه قد يجوز أن ينظر فيه من ~~ليس من أهل الاجتهاد، فلو قال: من نظر فيه من أهل الاجتهاد فهو خليفتي، لم ~~يجز أيضا للجهل به، ولأنه يصير تمييز المجتهد موكولا إلى رأي غيره من ~~الخصوم. # ولو قال: من نظر فيه من مدرسي أصحاب الشافعي أو مفتيي أصحاب أبي حنيفة لم ~~يجز، وكذلك لو سمى عددا فقال: من نظر فيه من فلان أو فلان فهو خليفتي لم ~~يجز، سواء قل العدد أو كثر؛ لأن المولى منهم مجهول، لكن إذا قال: قد رددت ~~النظر فيه إلى فلان وفلان وفلان، جاز سواء قل العدد أو كثر؛ لأن جميعهم ~~مولى فإذا نظر فيه أحدهم تعين وزال نظر الباقين؛ لأنه لم يجمعهم على النظر، ~~وإنما أفرد به أحدهم، فإن جمعهم على النظر فيه لم يجز إن كثر عددهم، وفي ~~جوازهم إن قل وجهان من اختلاف أصحابنا في الجمع بين قاضيين. PageV01P125 # فصل: # فأما طلب القضاء وخطبة الولاة عليه: فإن كان من غير أهل الاجتهاد فيه كان ~~تعرضه لطلبه محظورا، وصار بالطلب مجروحا، وإن كان من أهله على الصفة التي ~~يجوز معها نظره فله في طلبه ثلاثة أحوال: # أحدها: أن يكون القضاء في غير مستحقه، إما لنقص علمه، وإما لظهور جوره ~~فيخطب القضاء دفعا لمن لا يستحقه؛ ليكون فيمن هو بالقضاء أحق، فهذا سائغ ~~لما تضمنه من دفع منكر، ثم ينظر فإن كان أكثر قصده إزالة غير المستحق كان ~~مأجورا، وإن كان أكثره اختصاصه بالنظر فيه كان مباحا. # والحالة الثانية: أن يكون القضاء في مستحقه ومن هو أهله ويريد أن يعزله ~~عنه، إما لعداوة بينهما، وإما ليجر بالقضاء إلى نفسه نفعا؛ فهذا الطلب ~~محظور، وهو بهذا الطلب مجروح. # والحالة الثالثة: أن لا يكون في القضاء ناظر ms080 وهو خال من وال عليه؛ فيراعي ~~في طلبه؛ فإن كان لحاجته إلى رزق القضاء المستحق في بيت المال كان طلبه ~~مباحا، وإن كان لرغبة في إقامة الحق وخوفه أن يتعرض له غير مستحق كان طلبه ~~مستحبا، فإن قصد بطلبه المباهاة والمنزلة فقد اختلف في كراهية ذلك، مع ~~الاتفاق على جوازه، فكرهته طائفة؛ لأن طلب المباهاة والمنزلة في الدنيا ~~مكروه، قال الله تعالى: {تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في ~~الأرض ولا فسادا والعاقبة للمتقين} [القصص: 83] . # وذهبت طائفة أخرى إلى أن طلبه لذلك غير مكروه؛ لأن طلب المنزلة مما أبيح ~~ليس بمكروه، وقد رغب نبي الله يوسف -عليه السلام- إلى فرعون1 في الولاية ~~والخلافة فقال: {اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم} [يوسف: 55] . ~~PageV01P126 # فطلب الولاية ووصف نفسه بما يستحقها به من قوله: {إني حفيظ عليم} وفيه ~~تأويلان: # أحدهما: حفيظ لما استودعتني عليم بما وليتني، وهذا قول عبد الرحمن بن ~~زيد. # والثاني: أنه حفيظ للحساب عليم بالألسن، وهذا قول إسحاق بن سفيان، وخرج ~~هذا القول عن حد التزكية لنفسه والمدح لها؛ لأنه كان لسبب دعا إليه، واختلف ~~لأجل ذلك في جواز الولاية من قبل الظالم، فذهب قوم إلى جوازها إذا عمل ~~بالحق فيما يتولاه؛ لأن يوسف -عليه السلام- تولى من قبل فرعون ليكون بعدله ~~دافعا لجوره. # وذهبت طائفة أخرى إلى حظرها والمنع من التعرض لها لما فيها من تولي ~~الظالمين والمعونة لهم وتزكيتهم بالتقليد أو أمرهم. # وأجابوا عن ولاية يوسف -عليه السلام- من قبل فرعون بجوابين: # أحدهما: أن فرعون يوسف كان صالحا، وإنما الطاغي فرعون موسى. # والثاني: أنه نظر في أملاكه دون أعماله. # فأما بذل المال على طلب القضاء فمن المحظورات؛ لأنها رشوة محرمة يصير ~~الباذل لها والقابل لها مجروحين. # روى ثابت عن أنس أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لعن الراشي والمرتشي ~~والرائش1. # والراشي: باذل الرشوة، والمرتشي: قابلها، والرايش: المتوسط بينهما. ~~PageV01P127 ### || فصل: "في أمور تتعلق بالقضاء" # وليس لمن تقلد القضاء أن يقبل هدية من خصم ولا من أحد من أهل عمله وإن ms081 لم ~~يكن له خصم؛ لأنه قد يستعديه فيما يليه1. # روي عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "هدايا الأمراء غلول"2. # فإن قبلها وعجل المكافأة عليها ملكها، وإن لم يعجل المكافأة عليها كان ~~بيت المال أحق بها إن تعذر ردها على المهدي؛ لأنه أولى بها منه، وليس ~~للقاضي تأخير الخصوم إذا تنازعوا إليه إلا من عذر. # ولا يجوز له أن يحجب إلا في أوقات الاستراحة، وليس له أن يحكم لأحد من ~~والديه ولا من أولاده لأجل التهمة ويحكم عليهم لارتفاعها، وكذلك لا يشهد ~~لهم PageV01P128 # ويشهد عليهم، ويشهد لعدوه ولا يشهد عليه. # ويحكم لعدوه ولا يحكم عليه؛ لأن أسباب الحكم ظاهرة وأسباب الشهادة خافية، ~~فانتفت التهمة عنه في الحكم، وتوجهت إليه في الشهادة، وإذا مات القاضي ~~انعزل خلفاؤه، ولو مات الإمام لم تنعزل قضاته. # ولو اتفق أهل بلد قد خلا من قاض على أن يقلدوا عليهم قاضيا، فإن كان إمام ~~الوقت موجودا بطل التقليد، وإن كان مفقودا صح التقليد، ونفذت أحكامه عليهم، ~~فإن تجدد بعد نظره إمام لم يستدم النظر إلا بإذنه، ولم ينقض ما تقدم من ~~حكمه. PageV01P129 ### | الباب السابع: في ولاية المظالم # ونظر المظالم هو قود المتظالمين إلى التناصف بالرهبة، وزجر المتنازعين عن ~~التجاحد بالهيبة، فكان من شروط الناظر فيها أن يكون جليل القدر، نافذ ~~الأمر، عظيم الهيبة، ظاهر العفة، قليل الطمع، كثير الورع؛ لأنه يحتاج في ~~نظره إلى سطوة الحماة وثبت القضاة، فيحتاج إلى الجمع بين صفات الفريقين، ~~وأن يكون بجلالة القدر نافذ الأمر في الجهتين، فإن كان ممن يملك الأمور ~~العامة -كالوزراء والأمراء- لم يحتج النظر فيها إلى تقليد، وكان له بعموم ~~ولايته النظر فيها، وإن كان ممن لم يفوض إليه عموم النظر احتاج إلى تقليد، ~~وتولية إذا اجتمعت فيه الشروط المتقدمة، وهذا إنما يصح فيمن يجوز أن يختار ~~لولاية العهد، أو لوزارة التفويض، أو لإمارة الأقاليم إذا كان نظره في ~~المظالم عاما، فإن اقتصر به على تنفيذ ما عجز القضاة عن تنفيذه، وإمضاء ما ~~قصرت يدهم عن إمضائه، جاز ms082 أن يكون دون هذه الرتبة في القدر والخطر بعد أن ~~لا تأخذه في الحق لومة لائم، ولا يستشفه الطمع إلى رشوة. # فقد نظر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- المظالم في الشرب الذي تنازعه ~~الزبير بن العوام -رضي الله عنه- ورجل من الأنصار، فحضره بنفسه، فقال ~~للزبير: "اسق أنت يا زبير ثم الأنصاري"، فقال الأنصاري: إنه لابن عمتك يا ~~رسول الله، فغضب من قوله وقال: "يا زبير أجره على بطنه حتى يبلغ الماء إلى ~~الكعبين" 1. # وإنما قال: أجره على بطنه أدبا له لجرأته عليه، واختلف لم أمره بإجراء ~~الماء إلى الكعبين، هل كان حقا بينه لهما حكما، أو كان مباحا، فأمره به ~~زجرا على جوابين، ولم ينتدب للمظالم من الخلفاء الأربعة أحد؛ لأنهم في ~~الصدر الأول مع ظهور الدين عليهم بين من يقوده التناصف إلى الحق، أو يزجره ~~الوعظ عن الظلم، وإنما كانت المنازعات تجري بينهم في أمور مشتبهة يوضحها ~~حكم القضاء، فإن تجور من جفاة أعرابهم متجور ثناه الوعظ أن يدبر، ~~PageV01P130 # وقاده العنف أن يحسن، فاقتصر خلفاء السلف على فصل التشاجر بينهم بالحكم ~~والقضاء تعيينا للحق في جهته؛ لانقيادهم إلى التزامه، واحتاج علي -رضي الله ~~عنه- حين تأخرت إمامته واختلط الناس فيها، وتجوزوا إلى فصل صرامة في ~~السياسة، وزيادة تيقظ في الوصول إلى غوامض الأحكام، فكان أول من سلك هذه ~~الطريقة واستقل بها، ولم يخرج فيها إلى نظر المظالم المحض لاستغنائه عنه. # وقال في المنبرية1: صار ثمنها تسعا، وقضى في القارصة والقامصة والواقصة ~~بالدية أثلاثا2. # وقضى في ولد تنازعته امرأتان بما أدى إلى فصل القضاء، ثم انتشر الأمر ~~بعده حتى تجاهر الناس بالظلم والتغالب، ولم يكفهم زواجر العظة عن التمانع ~~والتجاذب، فاحتاجوا في ردع المتغلبين وإنصاف المغلوبين إلى نظر المظالم ~~الذي يمتزج به قوة السلطنة بنصف القضاء، فكان أول من أفرد للظلامات يوما ~~يتصفح فيه قصص المتظلمين من غير مباشرة للنظر عبد الملك بن مروان، فكان إذا ~~وقف منها على مشكل، أو احتاج فيها إلى حكم منفذ رده إلى قاضيه أبي إدريس ms083 ~~الأودي، فنفذ فيه أحكامه لرهبة التجارب من عبد الملك بن مروان في علمه ~~بالحال، ووقوفه على السبب، فكان أبو إدريس هو المباشر وعبد الملك هو الآمر. # ثم زاد من جور الولاة وظلم العتاة ما لم يكفهم عنه إلا أقوى الأيدي وأنفذ ~~الأوامر، فكان عمر بن عبد العزيز -رحمه الله- أول من ندب نفسه للنظر في ~~المظالم، فردها وراعى السنن العادلة وأعادها، ورد مظالم بني أمية على ~~أهلها، حتى قيل له -وقد شدد عليهم فيها وأغلظ: إنا نخاف عليك من ردها ~~العواقب، فقال: كل يوم أتقيه وأخافه دون يوم القيامة لا وقيته. # ثم جلس لها من خلفاء بني العباس جماعة، فكان أول من جلس لها المهدي، ثم ~~الهادي، PageV01P131 # ثم الرشيد، ثم المأمون، فآخر من جلس لها المهتدي حتى عادت الأملاك إلى ~~مستحقيها. # وقد كان ملوك الفرس يرون ذلك من قواعد الملك وقوانين العدل الذي لا يعم ~~الصلاح إلا بمراعاته، ولا يتم التناصف إلا بمباشرته. وكانت قريش في ~~الجاهلية حين كثر فيهم الزعماء، وانتشرت فيهم الرياسة، وشاهدوا من التغالب ~~والتجاذب ما لم يكفهم عنه سلطان قاهر، عقدوا حلفا على رد المظالم وإنصاف ~~المظلوم من الظالم، وكان سببه ما حكاه الزبير بن بكار أن رجلا من اليمن من ~~بني زبيد قدم مكة معتمرا ببضاعة، فاشتراها منه رجل من بني سهم، وقيل: إنه ~~العاص بن وائل، فلوى الرجل بحقه، فسأله ماله أو متاعه فامتنع عليه، فقام ~~على الحجر وأنشد بأعلى صوته # "من البسيط": # يال قصي لمظلوم بضاعته %~% ببطن مكة نائي الدار والنفر # وأشعث محرم لم تقض حرمته %~% بين المقام وبين الحجر والحجر # أقائم من بني سهم بذمتهم %~% أو ذاهب في ضلال مال معتمر # ثم قيس بن شيبة السلمي باع متاعا على أبي بن خلف فلواه وذهب بحقه، ~~فاستجار برجل من بني جمح فلم يجره، فقال قيس من الرجز: # يال قصي كيف هذا في الحرم # ... # وحرمة البيت وأحلاف الكرم # أظلم لا يمنع عني من ظلم # فأجابه العباس بن مرداس السلمي1 "من البسيط": # إن كان جارك لم ms084 تنفعك ذمته %~% وقد شربت بكأس الذل أنفاسا # فأت البيوت وكن من أهلها صددا %~% لا تلق تأديبهم فحشا ولا باسا ~~PageV01P132 # ومن يكن بفناء البيت معتصما %~% يلق ابن حرب ويلق المرء عباسا # قومي قريش بأخلاق مكملة %~% بالمجد والحزم ما عاشا وما ساسا # ساق الحجيج وهذا ناشر فلج %~% والمجد يورث أخماسا وأسداسا # فقام أبو سفيان والعباس بن عبد المطلب فردا عليه ماله، واجتمعت بطون قريش ~~فتحالفوا في دار عبد الله بن جدعان على رد المظالم بمكة، وأن لا يظلم أحد ~~إلا منعوه وأخذوا للمظلوم حقه، وكان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يومئذ ~~معهم قبل النبوة، وهو ابن خمس وعشرين سنة، فعقدوا حلف الفضول في دار عبد ~~الله بن جدعان، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ذاكرا للحال: "لقد ~~شهدت في دار عبد الله بن جدعان حلف الفضول ما لو دعيت إليه لأجبت، وما أحب ~~أن لي به حمر النعم". # وإني بقصته وما يزيده الإسلام إلا شدة، فقال بعض قريش في هذا الحلف "من ~~البسيط": # تيم بن رة إن سألت وهاشما %~% وزهرة الخير في دار ابن جدعان # متحالفين على الندى ما غردت %~% ورقاء في فنن من جذع كتمان # وهذا وإن كان فعلا جاهليا دعتهم إليه السياسة، فقد صار بحضور رسول الله ~~-صلى الله عليه وسلم- له، وما قاله في تأكيد أمره حكما شرعيا وفعلا نبويا. PageV01P133 # فصل: # فإذا نظر في المظالم من انتدب لها، جعل لنظره يوما معروفا يقصده فيه ~~المتظلمون، ويراجعه فيه المتنازعون؛ ليكون ما سواه من الأيام لما هو موكول ~~إليه من السياسة والتدبير، إلا أن يكون من عمال المظالم المنفردين لها، ~~فيكون مندوبا للنظر في جميع الأيام، وليكن سهل الحجاب نزه الأصحاب، ويستكمل ~~مجلس نظره بحضور خمسة أصناف لا يستغني عنهم ولا ينتظم نظره إلا بهم: # أحدهم: الحماة والأعوان لجذب القوي وتقويم الجريء. # والصنف الثاني: القضاة والحكام؛ لاستعلام ما يثبت عندهم من الحقوق، ~~ومعرفة ما يجري في مجالسهم بين الخصوم. # والصنف الثالث: الفقهاء؛ ليرجع إليهم فيما أشكل، ويسألهم عما اشتبه ~~وأعضل. # والصنف الرابع: ms085 الكتاب؛ ليثبتوا ما جرى بين الخصوم، وما توجب لهم أو ~~عليهم من الحقوق. # والصنف الخامس: الشهود ليشهدهم على ما أوجبه من حق وأمضاه من حكم، فإذا ~~استكمل مجلس المظالم بمن ذكرنا من الأصناف الخمسة شرع حينئذ في نظرها. # والذي يختص بنظر المظالم يشتمل على عشرة أقسام: # فالقسم الأول: النظر في تعدي الولاة على الرعية، وأخذهم بالعسف في ~~السيرة، فهذا من لوازم النظر في المظالم الذي لا يقف على ظلامة متظلم؛ ~~فيكون لسيرة الولاة متصفحا عن أحوالهم، مستكشفا ليقويهم إن أنصفوا، ويكفهم ~~إن عسفوا، ويستبدل بهم إن لم ينصفوا. # حكي أن عمر بن عبد العزيز خطب على الناس في أول خلافته، وكانت من أول ~~خطبة فقال لهم: أوصيكم بتقوى الله، فإنه لا يقبل غيرها، ولا يرحب إلا ~~أهلها، وقد كان قوم من الولاة منعوا الحق حتى اشترى منهم شراء، وبذلوا ~~الباطل حتى افتدى منهم فداء، والله لولا سنة من الحق أميتت فأحييتها، وسنة ~~من الباطل أحييت فأمتها، ما باليت أن أعيش وقتا واحدا. PageV01P134 # أصلحوا آخرتكم تصلح لكم دنياكم، إن امرأ ليس بينه وبين آدم إلا الموت ~~لمعرق له في الموت. # والقسم الثاني: جور العمال فيما يجبونه من الأموال، فيرجع فيه إلى ~~القوانين العاذلة في دواوين الأئمة، فيحمل الناس عليها ويأخذ العمال بها، ~~وينظر فيما استزادوه، فإن رفعوه إلى بيت المال أمر برده، وإن أخذوه لأنفسهم ~~استرجعه لأربابه. # "فقد حكي" عن المهتدي -رضي الله عنه- أنه جلس يوما للمظالم، فرفعت إليه ~~قصص في الكسور فسأل عنها، فقال سليمان بن وهب: كان عمر بن الخطاب -رضي الله ~~عنه- قسط الخراج على أهل السواد، وما فتح من نواحي المشرق والمغرب ورقا ~~وعينا، وكانت الدراهم والدنانير مضروبة على وزن كسرى وقيصر، وكان أهل ~~البلدان يؤدون ما في أيديهم من المال عددا، ولا ينظرون في فضل بعض الأوزان ~~على بعض، ثم فسد الناس، فصار أرباب الخراج يؤدون الطبرية التي هي أربعة ~~دوانق، وتمسكوا بالوافي الذي وزنه وزن المثقال، فلما ولي زياد العراق طالب ~~بأداء الوافي، وألزمهم الكسور، وجار ms086 فيه عمال بني أمية، إلى أن ولي عبد ~~الملك بن مروان، فنظر بين الوزنين، وقدر وزن الدراهم على نصف وخمس المثقال، ~~وترك المثقال على حاله، ثم إن الحجاج من بعده أعاد المطالبة بالكسور حتى ~~أسقطها عمر بن عبد العزيز، وأعادها من بعده إلى أيام المنصور إلى أن خرب ~~السواد، فأزال المنصور الخراج عن الحنطة والشعير ورقا، وصيره مقاسمة، وهما ~~أكثر غلات السواد، وأبقى اليسير من الحبوب والنخل والشجر على رسم الخراج، ~~وهو كما يلزمون الآن الكسور والمؤن، فقال المهتدي: معاذ الله أن ألزم الناس ~~ظلما تقدم العمل به أو تأخر، أسقطوه عن الناس، فقال الحسن بن مخلد1: إن ~~أسقط أمير المؤمنين هذا ذهب من أموال السلطان في السنة اثنا عشر ألف ألف ~~درهم، فقال المهتدي: علي أن أقرر حقا وأزيل ظلما، وإن أجحف بيت المال. # والقسم الثالث: كتاب الدواوين؛ لأنهم أمناء المسلمين على ثبوت أموالهم ~~فيما PageV01P135 # يستوفونه له ويوفونه منه أعاده؛ فيتصفح أحوال ما وكل إليهم، فإن عدلوا ~~بحق من دخل أو خرج إلى زيادة أو نقصان إلى قوانينه، وقابل على تجاوزه. # حكي أن المنصور -رضي الله عنه- بلغه عن جماعة من كتاب دواوينه زوروا فيه ~~وغيروا، فأمر بإحضارهم وتقدم تأديبهم، فقال: حدث منهم وهو يضرب، "من ~~الوافر": # أطال الله عمرك في صلاح %~% وعز يا أمير المؤمنينا # بعفوك نستجير فإن تجزنا %~% فإنك عصمة للعالمينا # ونحن الكاتبون وقد أسأنا %~% فهبنا للكرام الكاتبينا # فأمر بتخليتهم، ووصل الفتى وأحسن إليه؛ لأنه ظهرت منه الأمانة وبانت فيه ~~النجابة؛ وهذه الأقسام الثلاثة لا يحتاج والي المظالم تصفحها إلى متظلم. # والقسم الرابع: تظلم المسترزقة من نقص أرزاقهم أو تأخرها عنهم، وإجحاف ~~النظر بهم، فيرجع إلى ديوانه في فرض العطاء العادل فيجريهم عليه، وينظر ~~فيما نقصوه أو منعوه من قبل، فإن أخذه ولاة أمورهم استرجعه منهم، وإن لم ~~يأخذوه قضاه من بيت المال. كتب بعض ولاة الأجناد إلى المأمون أن الجند ~~شعبوا ونهبوا، فكتب إليه: لو عدلت لم يشعبوا، ولو وفيت لم ينهبوا، وعزله ~~عنهم وأدر عليهم أرزاقهم. ms087 # والقسم الخامس: رد الغصوب، وهي ضربان: # أحدهما: غصوب سلطانية قد تغلب عليها ولاة الجور؛ كالأملاك المقبوضة عن ~~أربابها، إما لرغبة فيها، وإما لتعد على أهلها، فهذا إن علم به والي ~~المظالم عند تصفح الأمور أمر برده قبل التظلم إليه، وإن لم يعلم به فهو ~~موقوف على تظلم أربابه، ويجوز أن يرجع فيه عند تظلمهم إلى ديوان السلطنة، ~~فإذا وجد فيه ذكر قبضها على مالكها عمل عليه وأمر بردها إليه، ولم يحتج إلى ~~بينة تشهد به، وكان ما وجده في الديوان كافيا. # كما حكي أن عمر بن عبد العزيز -رحمه الله- خرج ذات يوم إلى الصلاة، ~~فصادفه رجل ورد من اليمن متظلما فقال -من البسيط: # تدعون حيران مظلوما ببابكم %~% فقد أتاك بعيد الدار مظلوم PageV01P136 # فقال: ما ظلامتك؟ فقال: غصبني الوليد بن عبد الملك ضيعتي، فقال: يا مراجم ~~ائتني بدفتر الصوافي، فوجد فيه: أصفى عبد الله الوليد بن عبد الملك ضيعة ~~فلان، فقال: أخرجها من الدفتر، وليكتب برد ضيعته إليه، ويطلق له ضعف نفقته. # والضرب الثاني: من الغصوب ما تغلب عليها ذوو الأيدي القوية، وتصرفوا فيه ~~تصرف الملاك بالقهر والغلبة، فهذا موقوف على تظلم أربابه، ولا ينتزع من يد ~~غاصبه إلا بأحد أربعة أمور، إما باعتراف الغاصب وإقراره، إما بعلم والي ~~المظالم، فيجوز له أن يحكم عليه لعلمه، وإما ببينة تشهد على الغاصب بغصبه، ~~أو تشهد للمغصوب منه بملكه، وإما بتظاهر الأخبار الذي ينفي عنها التواطؤ، ~~ولا يختلج فيها الشكوك؛ لأنه لما جاز للشهود أن يشهدوا في الأملاك بتظاهر ~~الأخبار، كان حكم ولاة المظالم بذلك أحق. # والقسم السادس: مشارفة الوقوف وهي ضربان: # عامة وخاصة، فأما العامة فيبدأ بتصفحها، وإن لم يكن فيها متظلم ليجريها ~~على سبيلها، ويمضيها على شروط واقفها إذا عرفها من أحد ثلاثة أوجه: # إما من دواوين الحكام المندوبين لحراسة الأحكام، وإما من دواوين السلطنة ~~على ما جرى فيها من معاملة أو ثبت لها من ذكر وتسمية، وإما من كتب فيها ~~قديمة تقع في النفس صحتها وإن لم يشهد الشهود بها؛ ms088 لأنه ليس يتعين الخصم ~~فيها، فكان الحكم أوسع منه في الوقوف الخاصة. # وأما الوقوف الخاصة فإن نظره فيها موقوف على تظلم أهلها عند التنازع ~~فيها؛ لوقفها على خصوم متعينين، فيعمل عند التشاجر فيها على ما تثبت به ~~الحقوق عند الحاكم، ولا يجوز أن يرجع إلى ديوان السلطنة، ولا إلى ما يثبت ~~من ذكرها في الكتب القديمة إذا لم يشهد بها شهود معدلون. # والقسم السابع: تنفيذ ما وقف القضاة من أحكامها لضعفهم عن إنفاذها، ~~وعجزهم عن المحكوم عليه؛ لتعززه وقوة يده، أو لعلو قدره وعظم خطره، فيكون ~~ناظر المظالم أقوى يدا وأنفذ أمرا، فينفذ الحكم على من توجه إليه بانتزاع ~~ما في يده، أو بإلزامه الخروج مما في ذمته. # والقسم الثامن: النظر فيما عجز عنه الناظرون من الحسبة في المصالح ~~العامة، كالمجاهرة بمنكر ضعف عن دفعه، والتعدي في طريق عجز عن منعه، ~~والتحيف في حق لم PageV01P137 # يقدر على رده، فيأخذهم بحق الله تعالى في جميعه، ويأمر بحملهم على موجبه. # والقسم التاسع: مراعاة العبادات الظاهرة؛ كالجمع والأعياد والحج والجهاد ~~من تقصير فيها وإخلال بشروطها، فإن حقوق الله أولى أن تستوفى، وفروضه أحق ~~أن تؤدى. # والقسم العاشر: النظر بين المتشاجرين والحكم بين المتنازعين، فلا يخرج في ~~النظر بينهم عن موجب الحق ومقتضاه، ولا يسوغ أن يحكم بينهم إلا بما يحكم به ~~الحكام والقضاة، وربما اشتبه حكم المظالم على الناظرين فيها، فيجورون في ~~أحكامها، ويخرجون إلى الحد الذي لا يسوغ فيها. # والفرق بين نظر المظالم ونظر القضاة من عشرة أوجه: # أحدها: أن لناظر المظالم من فضل الهيبة وقوة اليد ما ليس للقضاة في كف ~~الخصوم عن التجاحد، ومنع الظلمة من التغالب والتجاذب. # والثاني: أن نظر المظالم يخرج من ضيق الوجوب إلى سعة الجواز، فيكون ~~الناظر فيه أفسح مجالا وأوسع مقالا. # والثالث: أنه يستعمل من فضل الإرهاب وكشف الأسباب بالأمارات الدالة ~~وشواهد الأحوال اللائحة ما يضيق على الحكام، فيصل به إلى ظهور الحق ومعرفة ~~المبطل من المحق. # والرابع: أن يقابل من ظهر ظلمه بالتأديب، ويأخذ ms089 من بان عدوانه بالتقويم ~~والتهذيب. # والخامس: أن له من التأني في ترداد الخصوم عند اشتباه أمورهم واستبهام ~~حقوقهم؛ ليمعن في الكشف عن أسبابهم وأحوالهم ما ليس للحكام إذا سألهم أحد ~~الخصمين فصل الحكم، فلا يسوغ أن يؤخره الحاكم ويسوغ أن يؤخره والي المظالم. # والسادس: أن له رد الخصوم إذا أعضلوا وساطة الأمناء؛ ليفصلوا التنازع ~~بينهم صلحا عن تراض، وليس للقاضي ذلك إلا عن رضا الخصمين بالرد. # والسابع: أن يفسح في ملازمة الخصمين إذا وضحت أمارات التجاحد، ويأذن في ~~إلزام الكفالة فيما يسوغ فيه التكفل؛ لينقاد الخصوم إلى التناصف، ويعدلوا ~~عن التجاحد والتكاذب. PageV01P138 # والثامن: أنه يسمع من شهادات المستورين ما يخرج عن عرف القضاة في شهادة ~~المعدلين. # والتاسع: أنه يجوز له إحلاف الشهود عند ارتيابه بهم إذا بدلوا أيمانهم ~~طوعا، ويستكثر من عددهم ليزول عنه الشك وينفي عنه الارتياب؛ وليس ذلك ~~للحاكم. # والعاشر: أنه يجوز أن يبتدئ باستدعاء الشهود، ويسألهم عما عندهم في تنازع ~~الخصوم، وعادة القضاة تكليف المدعي إحضار بينة ولا يسمعونها إلا بعد ~~مسألته؛ فهذه عشرة أوجه يقع بها الفرق بين نظر المظالم ونظر القضاء في ~~التشاجر والتنازع وهما فيما عداهما متساويان، وسنوضح من تفصيلهما ما نبين ~~به إطلاق ما بينهما من هذه الفروق -إن شاء الله تعالى. # فصل: # وإذا كان كذلك لم يخل حال الدعوى عند الترافع فيها إلى والي المظالم من ~~ثلاثة أحوال: # إما أن يقترن بها ما يقويها، أو يقترن بها ما يضعفها، أو تخلو من ~~الأمرين، فإن اقترن بها ما يقويها فلما اقترن بها من القوة ستة أحوال، ~~تختلف بها قوة الدعوى على التدريج. # فأول أحوالها: أن يظهر معها كتاب فيه شهود معدلون حضور، والذي يختص نظر ~~المظالم في مثل هذه الدعوى شيئان: # أحدهما: يبتدئ الناظر فيها باستدعاء الشهود للشهادة. # والثاني: الإنكار على الجاحد بحسب حاله وشواهد أحواله، فإذا أحضر الشهود، ~~فإن كان الناظر في المظالم ممن يجل قدره؛ كالخليفة أو وزير التفويض أو أمير ~~إقليم، راعى من أحوال المتنازعين ما تقتضيه السياسة من مباشرة ms090 الناظر ~~بينهما إن جل قدرهما، أو رد ذلك إلى قاضيه بمشهد منه إن كانا متوسطين، أو ~~على بعد منه إن كانا خاملين. # حكي أن المأمون -رضي الله عنه- كان يجلس للمظالم في يوم الأحد، فنهض ذات ~~يوم من مجلس نظره، فلقيته امرأة في ثياب رثة فقالت "من البسيط": # يا خير منتصف يهدى له الرشد %~% ويا إماما به قد أشرق البلد PageV01P139 # تشكو إليك عميد الملك أرملة %~% عدا عليها فما تقوى به أسد # فابتز منها ضياعا بعد منعتها %~% لما تفرق عنها الأهل والولد # فأطرق المأمون يسيرا ثم رفع رأسه وقال "من البسيط": # من دون ما قلت عيل الصبر والجلد %~% وأقرح القلب هذا الحزن والكمد # هذا أوان صلاة الظهر فانصرفي %~% وأحضري الخصم في اليوم الذي أعد # المجلس السبت إن يقض الجلوس لنا %~% أنصفك منه وإلا المجلس الأحد # فانصرفت وحضرت يوم الأحد في أول الناس، فقال لها المأمون: من خصمك؟ ~~فقالت: القائم على رأسك العباس بن أمير المؤمنين، فقال المأمون لقاضيه يحيى ~~بن أكثم1، وقيل: لوزيره أحمد بن أبي خالد: أجلسها معه وانظر بينهما، ~~فأجلسها معه ونظر بينهما بحضرة المأمون، وجعل كلامها يعلو، فزجرها بعض ~~حجابه، فقال له المأمون: دعها، فإن الحق أنطقها، والباطل أخرسه، وأمر برد ~~ضياعها عليها، ففعل المأمون في النظر بينهما حيث كان بمشهده، ولم يباشره ~~بنفسه لما اقتضته السياسة من وجهين: # أحدهما: أن حكمه ربما توجه لولده، وربما كان عليه، وهو لا يجوز أن يحكم ~~لولده، وإن جاز أن يحكم عليه. # والثاني: أن الخصم امرأة يجل المأمون عن محاورتها، وابنه من جلالة القدر ~~بالمكان الذي لا يقدر غيره على إلزامه الحق، فرد النظر بمشهد منه إلى من ~~كفاه محاورة المرأة في استيفاء الدعوى واستيضاح الحجة، وباشر المأمون -رضي ~~الله عنه- تنفيذ الحكم وإلزام الحق. # والحالة الثانية في قوة الدعوى أن يقترن بها كتاب فيه من الشهود المعدلين ~~من PageV01P140 # هو غائب، فالذي يختص بنظر المظالم في مثل هذه الدعوى أربعة أشياء: # أحدها: إرهاب المدعى عليه، فربما تعجل من إقراره بقوة الهيبة ما يغني ms091 عن ~~سماع البينة. # والثاني: التقدم بإحضار الشهود إذا عرف مكانهم ولم يدخل الضرر الشاق ~~عليهم. # والثالث: الأمر بملازمة المدعى عليه ثلاثا، ويجهد رأيه في الزيادة عليها ~~بحسب الحال من قوة الإمارة ودلائل الصحة. # والرابع: أن ينظر في الدعوى، فإن كانت مالا في الذمة كلفه إقامة كفيل، ~~وإن كانت عينا قائما كالعقار حجر عليها فيها حجرا لا يرفع به حكم يده، ورد ~~استغلالها إلى أمين يحفظه على مستحقه منهما. # فإن تطاولت المدة ووقع الإياس من حضور الشهود، جاز لوالي المظالم أن يسأل ~~المدعى عليه عن دخول يده مع تجديد إرهابه، فإن مالك بن أنس -رضي الله عنه- ~~يرى في مثل هذا الحال سؤال المدعى عليه عن سبب دخول يده، وإن لم يره ~~الشافعي وأبو حنيفة، وللناظر في المظالم استعمال الجائز، ولا يلزم الاقتصار ~~على الواجب، فإن أجاب بما يقطع التنازع أمضاه وإلا فصل بينهما بمقتضى ~~الشرع. # والحالة الثالثة: في قوة الدعوى: أن يكون في الكتاب المقترن بها شهود ~~حضور، لكنهم غير معدلين عند الحاكم، فالذي يختص بنظر المظالم أن يتقدم ~~الناظر فيها بإحضارهم وسبر أحوالهم فإنه يجدهم على أحوال ثلاثة: # إما أن يكونوا من ذوي الهيئات وأهل الصيانات فالثقة بشهاداتهم أقوى، وإما ~~أن يكونوا أرذالا فلا يقوى عليهم، لكن يقوى بهم إرهاب الخصم، وإما أن ~~يكونوا أوساطا فيجوز له بعد الكشف عن أحوالهم أن يستظهر بإحلافهم إن رأى ~~قبل الشهادة أو بعدها. # ثم هو في سماع شهادة هذين الصنفين بين ثلاثة أمور: # أحدها: إما أن يسمعها بنفسه فيحكم بها. # وإما أن يرد إلى القاضي سماعها ليؤديها القاضي إليه، ويكون الحكم بها ~~موقوفا عليه؛ لأن القاضي لا يجوز أن يحكم إلا بشهادة من ثبت عنده عدالته. # وإما أن يرد سماعها إلى الشهود المعدلين، فإن رد إليهم نقل شهادتهم إليه ~~لم يلزمهم PageV01P141 # استكشاف أحوالهم، وإن رد الشهادة عنده بما يصح من شهادتهم لزمهم الكشف ~~عما يقتضي قبول شهادتهم؛ ليشهدوا بها بعد العلم لصحتها؛ ليكون تنفيذ الحكم ~~بحسبها. # والحالة الرابعة: في قوة الدعوى: أن يكون ms092 في الكتاب المقترن بها شهادة ~~شهود موتى معدلين، والكتاب موثوق بصحته، فالذي يختص بنظر المظالم فيه ثلاثة ~~أشياء: # أحدها: إرهاب المدعى عليه بما يضطره إلى الصدق والاعتراف بالحق. # والثاني: سؤاله عن دخول يده لجواز أن يكون من جوابه ما يتضح به الحق. # والثالث: أن يكشف عن الحال من جيران الملك ومن جيران المتنازعين فيه؛ ~~ليتوصل به إلى وضوح الحق ومعرفة المحق، فإن لم يصل إليه بواحد من هذه ~~الثلاثة ردها إلى وساطة محتشم مطاع، له بهما معرفة وبما تنازعاه خبرة؛ ~~ليضطرهما بكثرة الترداد وطول المدى إلى التصادق والتصالح، فإن أفضى الأمر ~~بينهما إلى أحدهما، وإلا بت الحكم على ما يوجبه حكم القضاء. # والحالة الخامسة: في قوة الدعوى: أن يكون مع المدعي خط المدعى عليه بما ~~تضمنته الدعوى، فنظر المظالم فيه يقتضي سؤال المدعى عليه عن الخط؛ وأن يقال ~~له أهذا خطك، فإن اعترف به يسأل بعد اعترافه عن صحة ما تضمنه، فإن اعترف ~~بصحته صار مقرا وألزم حكم إقراره، وإن لم يعترف بصحته، فمن ولاة المظالم من ~~حكم عليه بخطه إذا اعترف به وإن لم يعترف بصحته، وجعل ذلك من شواهد الحقوق ~~اعتبارا بالعرف، والذي عليه محققوهم، وما يراه جميع الفقهاء منهم، أنه لا ~~يجوز للناظر منهم أن يحكم بمجرد الخط حتى يعترف بصحة ما فيه؛ لأن نظر ~~المظالم لا يبيح من الأحكام ما حظره الشرع، ونظر المظالم فيه أن يرجع إلى ~~ما يذكره من خطه، فإن قال: كتبته ليقرضني وما أقرضني، أو ليدفع إلي ثمن ما ~~بعته وما دفع، فهذا مما يفعله الناس أحيانا، ونظر المظالم في مثله أن ~~يستعمل فيه من الإرهاب بحسب ما يشهد به الحال وتقوى به الأمارة، ثم يرد إلى ~~الوساطة، فإن أفضت إلى الصلح وإلا بت القاضي الحكم بينهما بالتحالف، وإن ~~أنكر الخط، فمن ولاة المظالم من يختبر الخط بخطوطه التي كتبها، ويكلفه من ~~كثرة الكتابة ما يمنع من التصنع فيها، ثم يجمع بين الخطين، فإذا تشابها حكم ~~به عليه، وهذا قول من جعل ms093 اعترافه الخط موجبا للحكم به، والذي عليه ~~المحققون منهم أنه لا يفعلون ذلك للحكم عليه، ولكن لإرهابه، PageV01P142 # وتكون الشبهة مع إنكاره للخط أضعف منها مع اعترافه به، وترفع الشبهة إن ~~كان الخط منافيا لخطه، ويعود الإرهاب على المدعي، ثم يردان إلى الوساطة، ~~فإن أفضت الحال إلى الصلح وإلا بت القاضي الحكم بينهما بالأيمان. # والحالة السادسة: في قوة الدعوى: إظهار الحساب بما تضمنت الدعوى، وهذا ~~يكون في المعاملات، ولا يخلو حال الحساب من أحد أمرين: # إما أن يكون حساب المدعي أو حساب المدعى عليه، فإن كان حساب المدعي ~~فالشبهة فيه أضعف، ونظر المظالم يرجع في مثله إلى مراعاة نظم الحساب، فإن ~~كان مختلا يحتمل فيه الإدغال كان مطرحا، وهو بضعف الدعوى أشبه منه بقوتها، ~~وإن كان نظمه متسقا ونقله صحيحا فالثقة به أقوى، فيقتضي من الإرهاب بحسب ~~شواهده، ثم يردان إلى الوساطة، ثم إلى الحكم البات. # وإن كان الحساب للمدعى عليه كانت الدعوى به أقوى، ولا يخلو أن يكون ~~منسوبا إلى خطه أو خط كاتبه، فإن كان منسوبا إلى خطه فلناظر المظالم فيه أن ~~يسأل عنه المدعى عليه أهذا خطك، فإن اعترف به قيل: أتعلم ما هو، فإن أقر ~~بمعرفته قيل: أتعلم صحته؟ فإن أقر بصحته صار بهذه الثلاثة مقرا بمضمون ~~الحساب، فيؤخذ بما فيه، فإن اعترف بأنه خطه وأنه لم يعلم ما فيه، ولم يعترف ~~بصحته، فمن حكم بالخط من ولاة المظالم حكم عليه بموجب حسابه، وإن لم يعترف ~~بصحته، وجعل الثقة بهذا أقوى من الثقة بالخط المرسل؛ لأن الحساب لا يثبت ~~فيه قبض ما لم يقبض، والذي عليه المحققون منهم وهو قول الفقهاء أنه لا يحكم ~~عليه بالحساب الذي لم يعترف بصحة ما فيه، ولكن يقتضي من فضل الإرهاب به ~~أكثر مما اقتضاه الخط المرسل لما تقدم ذكره من الفرق بينهما في العرف، ثم ~~يردان بعده إلى الوساطة، ثم إلى بت القضاء. # وإن كان الخط منسوبا إلى كاتبه سئل عنه المدعى عليه قبل سؤال كاتبه، فإن ~~اعترف بما فيه ms094 أخذ، به وإن لم يعترف يسأل عنه كاتبه، فإن أنكره ضعفت الشبهة ~~بإنكاره وأرهب إن كان متهما، ولم يرهب إن كان مأمونا، فإن اعترف به وبصحته ~~صار شاهدا به على المدعى عليه، فيحكم عليه بشهادته إن كان عدلا، ويقضي ~~بالشاهد واليمين إما مذهبا وإما سياسة تقتضيها شواهد الحال، فإن لشواهد ~~الحال في المظالم تأثيرا في اختلاف الأحكام، ولكل حال منها في الإرهاب حد ~~لا يتجاوزه تمييزا بين الأحوال بمقتضى شواهدها1. PageV01P143 # فصل: # وأما إن اقترن بالدعوى ما يضعفها، فلما اقترن بها من الضعف ستة أحوال ~~تنافي أحوال القوة، فينتقل الإرهاب بها من جنبة المدعى عليه إلى جنبة ~~المدعي. # فالحالة الأولى: أن يقابل الدعوى بكتاب شهوده حضور معدلون يشهدون بما ~~يوجب بطلان الدعوى، وذلك من أربعة أوجه: # أحدها: أن يشهدوا عليه ببيع ما ادعاه. # والثاني: أن يشهدوا على إقراره بأن لا حق له فيما ادعاه. # والثالث: أن يشهدوا على إقرار أبيه الذي ذكر انتقال الملك عنه أنه لا حق ~~له فيما ادعاه. # والرابع: أن يشهدوا للمدعى عليه بأنه مالك لما ادعاه عليه، فبطل دعواه ~~بهذه الشهادة، ويقتضي نظر تأديبه بحسب حاله. # فإن ذكر أن الشهادة بالابتياع كانت على سبيل رهب وإلجاء، وهذا قد يفعله ~~الناس أحيانا، فينظر في كتاب الابتياع، فإن ذكر فيه أنه من غير رهب ولا ~~إلجاء ضعفت شبهة هذه الدعوى، وإن لم يذكر ذلك فيه قويت شبهة الدعوى، وكان ~~الإرهاب في الجهتين بمقتضى شواهد الحالين، ورجع إلى الكشف بالمجاورين ~~والخلطاء، فإن بان ما يوجب العدول عن PageV01P144 # ظاهر الكتاب عمل عليه، وإن لم يبن كان إمضاء الحكم بما شهد به شهود ~~الابتياع أحق، فإن سأل إحلاف المدعى عليه بأن ابتياعه كان حقا، ولم يكن على ~~سبيل الرهب والإلجاء، فقد اختلف الفقهاء في جواز إحلافه لاختلاف ما ادعاه؛ ~~فذهب أبو حنيفة -رضي الله عنه، وطائفة من أصحاب الشافعي إلى جواز إحلافه؛ ~~لاحتمال ما ادعاه وإمكانه، وامتنع آخرون من أصحاب الشافعي من إحلافه؛ لأن ~~متقدم إقراره مكذب لمتأخر دعواه. # ولوالي المظالم أن ms095 يعمل من القوانين بما تقتضيه شواهد الحالين، وهكذا لو ~~كانت الدعوى دينا في الذمة، فأظهر المدعى عليه كتاب براءة منه، فذكر المدعي ~~أنه أشهد على نفسه قبل أن يقبض، ولم يقبض كان إحلاف المدعى عليه على ما ~~تقدم ذكره. # والحالة الثانية: أن يكون شهود الكتاب المقابل للدعوى عدولا غائبين، فهذا ~~على ضربين: # أحدهما: أن يتضمن إنكاره اعترافا بالسبب كقوله: لا حق له في هذه الضيعة؛ ~~لأنني ابتعتها منه ودفعت ثمنها إليه، وهذا كتاب عهدي بالإشهاد عليه، فيصير ~~المدعي مدعيا بكتاب قد غاب # شهوده، فيكون على ما مضى، وله زيادة يد وتصرف، فتكون الأمارة أقوى، وشاهد ~~الحال أظهر، فإن لم يثبت بها الملك فيرهبهما بحسب ما تقتضيه شواهد ~~أحوالهما، ويأمر بإحضار الشهود إن أمكن، ويضرب لحضورهم أجلا يردهما فيه إلى ~~الوساطة، فإن أفضت إلى صلح عن تراض استقر به الحكم، وعدل عن استماع الشهادة ~~إذا حضرت، وإن لم ينبرم ما بينهما صلحا أمعن في الكشف عن جيرانهما وجيران ~~الملك، وكان لوالي المظالم رأيه في زمان الكشف في خصلة من ثلاث: منها ما ~~يؤديه اجتهاده إليه بحسب الأمارات وشواهد الأحوال. # إما أن يرى انتزاع الضيعة من يد المدعى عليه وتسليمها إلى المدعي، إلى أن ~~تقوم عليه بينة بالبيع، وإما أن يسلمها إلى أمين تكون في يده، ويحفظ ~~استغلالها على مستحقه، وإما أن يقرها في يد المدعى عليه ويحجر عليه فيها، ~~وينصب أمينا يحفظ استغلالها، ويكون حالهما على ما يراه والي المظالم في ~~خصلة من هذه الثلاث ما كان راجيا أحد أمرين: # من ظهور الحق بالكشف، أو حضور الشهود للأداء، فإن وقع الإياس منهم بت ~~الحكم بينهما، فلو سأل المدعى عليه إحلاف المدعي أحلفه له، وكان ذلك بتا ~~للحكم بينهما. PageV01P145 # والضرب الثاني: أن لا يتضمن إنكاره اعترافا بالسبب، ويقول: هذه الضيعة لي ~~لا حق لهذا المدعي فيها، وتكون شهادة الكتاب على المدعي على أحد وجهين: إما ~~على إقراره بأن لا حق له فيها، وإما على إقراره بأنها ملك المدعى عليه، ~~فالضيعة مقرة في ms096 يد المدعى عليه لا يجوز انتزاعها منه، فأما الحجر عليه ~~فيها وحفظ استغلالها مدة الكشف والوساطة فمعتبر بشواهد أحوالهما، واجتهاد ~~والي المظالم فيما يراه بينهما إلى أن يثبت الحكم بينهما. # وأما الحالة الثالثة: أن شهود الكتاب المقابل لهذه الدعوى حضور غير ~~معدلين فيراعي والي المظالم فيهم ما قدمنا في جنبة المدعي من أحوالهم ~~الثلاث، ويراعى حال إنكاره هل يتضمن اعترافا بالسبب أم لا، فيعمل والي ~~المظالم في ذلك بما قدمناه تعويلا على اجتهاده برأيه في شواهد الأحوال. # والحالة الرابعة: أن يكون شهود الكتاب موتى معدلين، فليس يتعلق به حكم ~~إلا في الإرهاب المجرد الذي يقتضي فضل الكشف، ثم في بت الحكم على ما تضمنه ~~الإنكار من الاعتراف بالسبب أم لا. # والحالة الخامسة: أن يقابل المدعى عليه بخط المدعي بما يوجب إكذابه في ~~الدعوى، فيعمل بما قدمناه في الخط، ويكون الإرهاب معتبرا بشاهد الحال. # والحالة السادسة: أن يظهر في الدعوى حساب يقتضي بطلان الدعوى، فيعمل بما ~~قدمناه في الحساب، ويكون الكشف والإرهاب والمطاولة معتبرا بشواهد الأحوال، ~~ثم يبت الحكم بعد الإياس قطعا للنزاع. PageV01P146 # فصل: # فأما إن تجردت الدعوى عن أسباب القوة والضعف، فلم يقترن بها ما يقويها ~~ولا ما يضعفها، فنظر المظالم يقتضي مراعاة حال المتنازعين في غلبة الظن، ~~ولا يخلو حالهما فيه من ثلاثة أحوال: # أحدها: أن تكون غلبة الظن في جنبة المدعي. # والثاني: أن تكون في جنبة المدعى عليه. # والثالث: أن يتعدلا فيه، والذي يؤثره غلبة الظن في إحدى الجهتين هو ~~إرهابهما، وتغليب الكشف من جهتهما، وليس لفصل الحكم بينهما تأثير يعتبر فيه ~~الظنون الغالبة، فإن كانت غلبة الظن في جنبة المدعي، وكانت الريبة متوجهة ~~إلى المدعى عليه، فقد يكون من ثلاثة أوجه: # أحدها: أن يكون المدعي مع خلوه من حجة يظهر بها مضعوف اليد مستلان ~~الجنبة، والمدعى عليه ذا بأس وقدرة، فإذا ادعى عليه غصب دار أو ضيعة غلب في ~~الظن أن مثله مع لينه واستضعافه لا يتجوز في دعواه على من كان ذا بأس وذا ~~سطوة. # والثاني: ms097 أن يكون المدعي مشهورا بالصدق والأمانة والمدعى عليه مشهورا ~~بالكذب والخيانة، فيغلب في الظن صدق المدعي في دعواه. # والثالث: أن تتساوى أحوالهما، غير أنه قد عرف للمدعي يد متقدمة، وليس ~~يعرف لدخول يد المدعى عليه سبب حادث، فالذي يقتضيه نظر المظالم في هذه ~~الأحوال الثلاثة شيئان: # أحدهما: إرهاب المدعى عليه لتوجه الريبة. # والثاني: سؤاله عن سبب دخول يده وحدوث ملكه، فإن مالك بن أنس -رضي الله ~~عنه- يرى ذلك مذهبا في القضاء مع الارتياب، فكان نظر المظالم بذلك أولى، ~~وربما ألف المدعى عليه مع علو منزلته عن مساواة خصمه في المحاكمة، فينزل ~~عما في يده لخصمه عفوا، كالذي حكي عن موسى الهادي أنه جلس يوما للمظالم ~~وعمارة بن حمزة قائم على PageV01P147 # رأسه وله منزل، فحضر رجل في جملة المتظلمين يدعي أن عمارة غصب ضيعة له، ~~فأمره الهادي بالجلوس معه للمحاكمة، فقال: يا أمير المؤمنين إن كانت الضيعة ~~له فما أعارضه فيها، وإن كانت لي فقد وهبتها له، وما أبيع موضعي من مجلس ~~أمير المؤمنين. # وربما تلطف والي المظالم في إيصال المتظلم إلى حقه بما يحفظ معه حشمة ~~المطلوب، أو مواضعة المطلوب على ما يحفظ به حشمة نفسه أن يكون منسوبا إلى ~~تخيف ومنع من حق، كالذي حكاه عون بن محمد أن أهل نهر المرغاب بالبصرة ~~خاصموا فيه المهدي إلى قاضيه عبيد الله بن الحسن العنبري1، فلم يسلمه إليهم ~~ولا الهادي بعده، ثم قام الرشيد فتظلموا إليه، وجعفر بن يحيى ناظر في ~~المظالم فلم يرده إليهم، فاشتراه جعفر بن يحيى من الرشيد بعشرين ألف درهم ~~ووهبه لهم، وقال: إنما فعلت هذا لتعلموا أن أمير المؤمنين لحقه لجاج فيه، ~~وأن عبده اشتراه فوهبه لكم، فقال فيه أشجع السلمي2 "من الكامل": # رد السباح بذي يديه وأهلها %~% فيها بمنزلة السماك الأعزل # قد أيقنوا بذهابها وهلاكهم %~% والدهر يرعاها بيوم أعضل # فافتكها لهم وهم من دهرهم %~% بين الجران وبين حد الكلكل # ما كان يرجى غيره لفكاكها %~% إن الكريم لكل أمر معضل # فاحتمل ما فعله جعفر بن يحيى ms098 من أن يكون قد ابتدأه من نفسه، تنزيها ~~للرشيد عن التظلم فيه، واحتمل أن يكون الرشيد واضعه على هذا؛ لئلا ينسب ~~أبوه وأخوه إلى جور في حق وهو الأشبه، ولأيهما كان فقد عاد به الحق إلى ~~أهله مع حفظ الحشمة وحسم البذلة، أما إن كان غلبة الظن في جنبة المدعى ~~عليه، فقد يكون ذلك من ثلاثة أوجه: # أحدها: أن يكون المدعي مشهورا بالظلم والخيانة، والمدعى عليه مشهورا ~~بالنصفة والأمانة. PageV01P148 # والثاني: أن يكون المدعي دنيئا مبتذلا والمدعى عليه نزها منصوبا، فيطلب ~~إحلافه قصدا لبذلته. # والثالث: أن يكون لدخول يد المدعى عليه سبب معروف، وليس يعرف لدعوى ~~المدعي سبب، فيكون غلبة الظن في هذه الأحوال الثلاثة في جنبة المدعى عليه، ~~والريبة متوجهة إلى المدعي، فمذهب مالك -رحمه الله: إن كانت دعواه في مثل ~~هذه الحالة بعين قائمة لم يسمعها إلا بعد ذكر السبب الموجب لها، وإن كانت ~~في مال الذمة لم يسمعها إلا بعد أن يقيم المدعي بينة أنه كان بينه وبين ~~المدعى عليه معاملة، والشافعي وأبو حنيفة -رضي الله عنهما- لا يريان ذلك في ~~حكم القضاة. # فأما نظر المظالم الموضوع على الأصلح، فعلى الجائز دون الواجب، فيسوغ فيه ~~مثل هذا عند ظهور الريبة وقصد العناد، ويبالغ في الكشف بالأسباب المؤدية ~~إلى ظهور الحق، ويصون المدعى عليه بما اتسع في الحكم، فإن وقع الأمر على ~~التحالف، وهو غاية الحكم البات الذي لا يجوز دفع طالب عنه في نظر القضاء، ~~ولا في نظر المظالم إذا لم يكفه عنه الإرهاب ولا الوعظ، فإن فرق دعاويه ~~وأراد أن يحلف في كل مجلس منها على بعضها قصدا لإعانته وبذلته، فالذي يوجبه ~~حكم القضاء أن لا يمتنع من تبعيض الدعاوى وتفريق الأيمان، والذي ينتجه نظر ~~المظالم أن يؤمر المدعي بجمع دعاويه عند ظهور الإعنات منه، وإحلاف الخصم ~~على جميعها يمينا واحدة. # فأما إن اعتدلت حال المتنازعين وتقابلت بينة المتشاجرين ولم يترجح حجة، ~~أحدهما: بأمارة أو مظنة، فينبغي أن يساوي بينهما في العظة، وهذا مما يتفق ~~عليه القضاة وولاة ms099 المظالم، ثم يختص ولاة المظالم بعد العظة بالإرهاب لهما ~~معا لتساويهما، ثم بالكشف عن أصل الدعوى وانتقال الملك، فإن ظهر بالكشف ما ~~يعرف به المحقق منهما عمل عليه؛ وإن لم يظهر بالكشف ما ينفصل به تنازعهما ~~ردهما إلى وساطة وجوه الجيران وأكابر العشائر، فإن نجز بها ما بينهما، وإلا ~~كان فصل القضاء بينهما، وهو خاتمة أمرهما بحسب ما يراه من المباشرة لبت ~~الحكم والاستنابة فيه. # وربما ترافع إلى ولاة المظالم في غوامض الأحكام ومشكلات الخصام ما يرشده ~~إلى PageV01P149 # والثاني: أن يكون المدعي دنيئا مبتذلا والمدعى عليه نزها منصوبا، فيطلب ~~إحلافه قصدا لبذلته. # والثالث: أن يكون لدخول يد المدعى عليه سبب معروف، وليس يعرف لدعوى ~~المدعي سبب، فيكون غلبة الظن في هذه الأحوال الثلاثة في جنبة المدعى عليه، ~~والريبة متوجهة إلى المدعي، فمذهب مالك -رحمه الله: إن كانت دعواه في مثل ~~هذه الحالة بعين قائمة لم يسمعها إلا بعد ذكر السبب الموجب لها، وإن كانت ~~في مال الذمة لم يسمعها إلا بعد أن يقيم المدعي بينة أنه كان بينه وبين ~~المدعى عليه معاملة، والشافعي وأبو حنيفة -رضي الله عنهما- لا يريان ذلك في ~~حكم القضاة. # فأما نظر المظالم الموضوع على الأصلح، فعلى الجائز دون الواجب، فيسوغ فيه ~~مثل هذا عند ظهور الريبة وقصد العناد، ويبالغ في الكشف بالأسباب المؤدية ~~إلى ظهور الحق، ويصون المدعى عليه بما اتسع في الحكم، فإن وقع الأمر على ~~التحالف، وهو غاية الحكم البات الذي لا يجوز دفع طالب عنه في نظر القضاء، ~~ولا في نظر المظالم إذا لم يكفه عنه الإرهاب ولا الوعظ، فإن فرق دعاويه ~~وأراد أن يحلف في كل مجلس منها على بعضها قصدا لإعانته وبذلته، فالذي يوجبه ~~حكم القضاء أن لا يمتنع من تبعيض الدعاوى وتفريق الأيمان، والذي ينتجه نظر ~~المظالم أن يؤمر المدعي بجمع دعاويه عند ظهور الإعنات منه، وإحلاف الخصم ~~على جميعها يمينا واحدة. # فأما إن اعتدلت حال المتنازعين وتقابلت بينة المتشاجرين ولم يترجح حجة، ~~أحدهما: بأمارة أو مظنة، فينبغي أن يساوي ms100 بينهما في العظة، وهذا مما يتفق ~~عليه القضاة وولاة المظالم، ثم يختص ولاة المظالم بعد العظة بالإرهاب لهما ~~معا لتساويهما، ثم بالكشف عن أصل الدعوى وانتقال الملك، فإن ظهر بالكشف ما ~~يعرف به المحقق منهما عمل عليه؛ وإن لم يظهر بالكشف ما ينفصل به تنازعهما ~~ردهما إلى وساطة وجوه الجيران وأكابر العشائر، فإن نجز بها ما بينهما، وإلا ~~كان فصل القضاء بينهما، وهو خاتمة أمرهما بحسب ما يراه من المباشرة لبت ~~الحكم والاستنابة فيه. # وربما ترافع إلى ولاة المظالم في غوامض الأحكام ومشكلات الخصام ما يرشده ~~إلى PageV01P150 # تعبد فيهن ربك، ولها يوم وليلة، فقال عمر لكعب -رضي الله عنه: والله ما ~~أدري من أي أمريك أعجب، أمن فهمك أمرهما؟ أم من حكمك بينهما؟ اذهب فقد ~~وليتك القضاء بالبصرة، وهذا القضاء من كعب والإمضاء من عمر -رضي الله عنه- ~~كان حكما بالجائز دون الواجب؛ لأن الزوج لا يلزمه أن يقسم للزوجة الواحدة ~~ولا يجيبها إلى الفراش إذ أصابها دفعة واحدة، فدل هذا على أن لوالي المظالم ~~أن يحكم بالجائز دون الواجب. # فصل: في توقيعات الناظر في المظالم # وإذا وقع الناظر في المظالم في قصص المتظلمين إليه بالنظر بينهم، لم يخل ~~حال الموقع إليه من أحد أمرين: إما أن يكون واليا على ما وقع به إليه، أو ~~غير وال عليه، فإن كان واليا عليه كتوقيعه إلى القاضي بالنظر بينهما. # فلا يخلو حال ما تضمنه التوقيع من أحد أمرين: # إما أن يكون إذنا بالحكم، أو إذنا بالكشف والوساطة، فإن كان إذنا بالحكم ~~جاز له الحكم بينهما بأصل الولاية، ويكون التوقيع تأكيدا لا يؤثر فيه قصور ~~معانيه، وإن كان إذنا بالكشف للصورة أو التوسط بين الخصمين، فإن كان في ~~التوقيع بذلك نهيه عن الحكم فيه، لم يكن له أن يحكم بينهما، وكان هذا النهي ~~عزلا له عن الحكم بينهما، وهو على عموم ولايته فيما عداها؛ لأنه لما جاز أن ~~تكون الولاية نوعين عامة وخاصة، جاز أن يكون العزل نوعين عاما وخاصا، وإن ~~لم ينهه في ms101 التوقيع عن الحكم بينهما حين أمره بالكشف، فقد قيل: يكون نذره ~~على عمومه في جواز حكمه بينهما؛ لأن أمره ببعض ما إليه لا يكون منعا من ~~خيره، وقيل: بل يكون منعا من غيره، وقيل: بل يكون ممنوعا من الحكم بينهما ~~مقصورا على ما تضمنه التوقيع من الكشف والوساطة؛ لأن فحوى التوقيع دليل ~~عليه ثم ينظر؛ فإن كان التوقيع بالوساطة لم يلزمه إنهاء الحال إليه بعد ~~الوساطة، وإن كان بكشف الصورة لزمه إنهاء حالهما إليه؛ لأنه استخبار منه، ~~فلزمه إجابته عنه، فهذا حكم توقيعه إلى من له الولاية. # وأما الحالة الثانية: وهو أن يوقع إلى من لا ولاية له؛ كتوقيعه إلى فقيه ~~أو شاهد، فلا يخلو PageV01P151 # حال توقيعه من ثلاثة أحوال: # أحدها: أن يكون بكشف الصورة. # والثاني: أن يكون بالوساطة. # والثالث: أن يكون بالحكم، فإن كان التوقيع بكشف الصورة فعليه أن يكشفها ~~وينهي منها ما يصح أن يشهد به ليجوز للموقع أن يحكم به، فإن أنهى ما لا ~~يجوز أن يشهد به كان خبرا لا يجوز أن يحكم به الموقع، ولكن يجعله في نظر ~~المظالم من الأمارات التي يغلب بها حال أحد الخصمين في الإرهاب وفضل الكشف، ~~فإن كان التوقيع بالوساطة توسط بينهما، ولم يقف على ما تضمنه التوقيع من ~~تخصيص الوساطة؛ لأن الوساطة لا تفتقر إلى تقليد ولا ولاية، وإنما يفيد ~~التوقيع بالوساطة تعيين الوسيط باختيار الموقع، وقود الخصمين إليه اختيارا، ~~فإن أفضت الوساطة إلى صلح الخصمين لم يلزمه إنهاؤها، وكان شاهدا فيها متى ~~استدعي للشهادة أداها، وإن لم تفض الوساطة إلى صلحهما كان شاهدا عليهما ~~فيما اعترفا به عنده، يؤديه إلى الناظر في المظالم إن عاد الخصمان إلى ~~التظلم، ولا يلزمه أداؤه إن لم يعودا، وإن كان التوقيع بالحكم بينهما، فهذه ~~ولاية يراعى فيها معاني التوقيع؛ ليكون نظره محمولا على موجبه. # وإذا كان كذلك فللتوقيع حالان: # أحدهما: أن يحال به على إجابة الخصم إلى ملتمسه، فيعتبر فيه حينئذ ما سأل ~~الخصم في ظلامته، ويصير النظر مقصورا عليه، فإن سأل ms102 الوساطة أو الكشف ~~للصورة كان التوقيع موجبا له، وكان النظر مقصورا عليه، وسواء خرج التوقيع ~~مخرج الأمر كقوله: أجبه إلى ملتمسه، أو خرج مخرج الحكاية كقوله: رأيك في ~~إجابته إلى ملتمسه، كان موقعا؛ لأنه لا يقتضي ولاية يلزم حكمها، فكان أمرها ~~أخف، فإن سأل المتظلم في قصته الحكم بينهما، فلا بد أن يكون الخصم مسمى، ~~والخصومة مذكورة؛ لتصح الولاية عليها، فإن لم يسم الخصم ولم تذكر الخصومة ~~لم تصح الولاية؛ لأنها ليست ولاية عامة، فيحمل على عمومها، ولا خاصة للجهل ~~بها، وإن سمى رافع القصة خصمه وذكر خصومته نظر في التوقيع بإجابته إلى ~~ملتمسه، فإن خرج مخرج الأمر فوقع وأجاب إلى ملتمسه وعمل بما التمسه صحت ~~ولايته في PageV01P152 # الحكم بينهما، فهذا التوقيع، وإن خرج مخرج الحكاية للحال فوقع رأيك في ~~إجابته إلى ملتمسه، فهذا التوقيع خارج في الأعمال السلطانية مخرج الأمر، ~~والعرف باستعماله فيها معتاد، فأما في الأحكام الدينية فقد جوزته طائفة من ~~الفقهاء اعتبارا في العرف فيه، وصحت به الولاية، ومنعت طائفة أخرى من جوازه ~~وانعقاد الولاية به، حتى يقترن به أمر تنعقد ولايته به اعتبارا بمعاني ~~الألفاظ، فلو كان رافع القصة سأل التوقيع بالحكم بينهما فوقع بإجابته إلى ~~ملتمسه من يعتبر العرف المعتاد صحت الولاية بهذا التوقيع، وإن وقع من يعتبر ~~معاني الألفاظ لم تصح به الولاية؛ لأنه سأل التوقيع بالحكم ولم يسأل الحكم. # والحالة الثانية: في التوقيعات أن يحال فيه على إجابة الخصم إلى ما سأل ~~ويستأنف فيه الأمر بما تضمنه، فيصير ما تضمنه التوقيع هو المعتبر في ~~الولاية، فإن كان كذلك فله ثلاثة أحوال: # حال كمال. # وحال جواز. # وحال يخلو من الأمرين. # فأما الحالة التي يكون التوقيع فيها كمالا في صحة الولاية فهو أن يتضمن ~~شيئين: # أحدهما الأمر بالنظر. # والثاني: الأمر بالحكم، فيذكر فيه: انظر بين رافع هذه القصة وبين خصمه، ~~واحكم بينهما بالحق وموجب الشرع، فإذا كان كذلك جاز؛ لأن الحكم لا يكون إلا ~~بالحق الذي يوجهه حكم الشرع، وإنما يذكر ذلك في التوقيعات وصفا ms103 لا شرطا، ~~فإن كان هذا التوقيع جامعا لهذين الأمرين من النظر والحكم، فهو التوقيع ~~الكامل ويصح به التقليد والولاية. # وأما الحالة التي يكون فيها التوقيع جائزا مع قصوره عن حال الكمال، فهو ~~أن يتضمن الأمر بالحكم دون النظر فيذكر في توقيعه: احكم بين رافع هذه القصة ~~وبين خصمه، أو يقول: اقض بينهما، فتصح الولاية بذلك؛ لأن الحكم والقضاء ~~بينهما لا يكون إلا بعد تقدم النظر، فصار الأمر به متضمنا للنظر؛ لأنه لا ~~يخلو منه. PageV01P153 # وأما الحالة التي يكون التوقيع فيها خاليا من كمال وجواز، فهو أن يذكر في ~~التوقيع: # انظر بينهما، فلا تنعقد بهذا التوقيع ولاية؛ لأن النظر بينهما قد يحتمل ~~الوساطة الجائزة ويحتمل الحكم اللازم وهما في الاحتمال سواء، فلم تنعقد به ~~مع الاحتمال في الولاية، وإن ذكر فيه: انظر بينهما بالحق، فقد قيل: إن ~~الولاية به منعقدة؛ لأن الحق ما لزم، وقيل: لا تنعقد به؛ لأن الصلح ~~والوساطة حق وإن لم يلزمه، # والله أعلم. PageV01P154 ### | الباب الثامن: في ولاية النقابة على ذوي الأنساب # ... # الفصل الثامن: في ولاية النقابة على ذوي الأنساب # وهذه النقابة1 موضوعة على صيانة ذوي الأنساب الشريفة عن ولاية من لا ~~يكافئهم في النسب، ولا يساويهم في الشرف؛ ليكون عليهم أحبى وأمره فيهم ~~أمضى. # روي عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "اعرفوا أنسابكم تصلوا ~~أرحامكم، فإنه لا قرب بالرحم إذا قطعت وإن كانت قريبة، ولا بعد بها إذا ~~وصلت وإن كانت بعيدة" 2. # وولاية هذه النقابة تصح من إحدى ثلاث جهات: # إما من جهة الخليفة المستولي على كل الأمور. # وإما ممن فوض الخليفة إليه تدبير الأمور؛ كوزير التفويض وأمير الإقليم. # وإما من نقيب عام الولاية استخلف نقيبا خاص الولاية، فإذا أراد المولى أن ~~يولي على الطالبيين نقيبا أو على العباسيين نقيبا يخير منهم أجلهم بيتا ~~وأكثرهم فضلا وأجزلهم رأيا فيولى عليهم؛ لتجتمع فيه شروط الرياسة والسياسة، ~~فيسرعوا إلى طاعته برياسته، وتستقيم أمورهم بسياسته. # والنقابة على ضربين: خاصة وعامة، فأما الخاصة فهو أن يقتصر بنظره على ~~مجرد النقابة ms104 من غير تجاوز لها إلى حكم وإقامة حد، فلا يكون العلم معتبرا ~~في شروطها. PageV01P155 # ويلزمه في النقابة على أهله من حقوق النظر اثنا عشر حقا: # أحدها: حفظ أنسابهم من داخل فيها وليس منها، أو خارج عنها وهو منها، ~~فيلزمه حفظ الخارج منها كما يلزمه حفظ الداخل فيها؛ ليكون النسب محفوظا على ~~صحته معزوا إلى جهته. # والثاني: تمييز بطونهم ومعرفة أنسابهم، حتى لا يخفى عليه منهم بسنوات، ~~ولا يتداخل نسب في نسب، ويثبتهم في ديوانه على تمييز أنسابهم. # والثالث: معرفة من ولد منهم من ذكر أو أنثى فيثبته، ومعرفة من مات منهم ~~فيذكره حتى لا يضيع نسب المولود إن لم يثبته، ولا يدعي نسب الميت غيره إن ~~لم يذكره. # والرابع: أن يأخذهم من الآداب بما يضاهي شرف أنسابهم وكرم محتدهم؛ لتكون ~~حشمتهم في النفوس موفورة، وحرمة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فيهم ~~محفوظة. # والخامس: أن ينزههم عن المكاسب الدنيئة، ويمنعهم من المطالب الخبيثة، حتى ~~لا يستقل منهم مبتذل، ولا يستضام منهم متذلل. # والسادس: أن يكفهم عن ارتكاب المآثم، ويمنعهم من انتهاك المحارم؛ ليكونوا ~~على الدين الذي نصروه أغير، وللمنكر الذي أزالوه أنكر، حتى لا ينطلق بدمهم ~~لسان، ولا يشنأهم إنسان. # والسابع: أن يمنعهم من التسلط على العامة لشرفهم، والتشطط عليهم لنسبهم، ~~فيدعوهم ذلك إلى المقت والبغض، ويبعثهم على المناكرة والبعد، ويندبهم إلى ~~استعطاف القلوب وتأليف النفوس؛ ليكون الميل إليهم أوفى والقلوب لهم أصفى. # والثامن: أن يكون عونا لهم في استيفاء الحقوق حتى لا يضعفوا عنها، وعونا ~~عليهم في أخذ الحقوق منهم حتى لا يمنعوا منها؛ ليصيروا بالمعونة فهم ~~منتصفين، وبالمعونة عليهم منصفين، فإن عدل السيرة فيه إنصافهم وانتصافهم. # والتاسع: أن ينوب عنهم في المطالبة بحقوقهم العامة في سهم ذوي القربى في ~~الفيء والغنيمة الذي لا يختص به أحدهم، حتى يقسم بينهم بحسب ما أوجبه الله ~~تعالى لهم. PageV01P156 # والعاشر: أن يمنع أياماهم أن يتزوجن إلا من الأكفاء لشرفهن على سائر ~~النساء؛ صيانة لأنسابهن، وتعظيما لحرمتهن أن يزوجهن غير الولاة أو ينكحهن ~~غير ms105 الكفاة. # والحادي عشر: أن يقوم ذوي الهفوات منهم فيما سوى الحدود بما لا يبلغ به ~~حدا، ولا ينهر به دما، ويقيل ذو الهيئة منهم عثرته، ويغفر بعد الوعظ زلته. # والثاني عشر: مراعاة وقوفهم بحفظ أصولها وتنمية فروعها، وإذا لم يرد إليه ~~جبايتها راعى الجباة لها فيما أخذوه، وراعى قسمتها إذا قسموه، وميز ~~المستحقين لها إذا خصت، وراعى أوصافهم فيها إذا شرطت، حتى لا يخرج منهم ~~مستحق ولا يدخل فيها غير محق. # فصل: # وأما النقابة العامة فعمومها أن يرد إليه في النقابة عليهم مع ما قدمنا ~~من حقوق النظر خمسة أشياء: # أحدها: الحكم بينهم فيما تنازعوا فيه. # والثاني: الولاية على أيتامهم فيما ملكوه. # والثالث: إقامة الحدود عليهم فيما ارتكبوه. # والرابع: تزويج الأيامى اللاتي لا يتعين أولياؤهن أو قد تعينوا فعضلوهن. # والخامس: إيقاع الحجر على من عته منهم أو سفه، وفكه إذا أفاق ورشد، فيصير ~~بهذه الخمسة عامة النقابة، فيعتبر حينئذ في صحة نقابته وعقد ولايته أن يكون ~~عالما من أهل الاجتهاد؛ ليصح حكمه وينفذ قضاؤه، فإذا انعقدت ولايته لم يخل ~~حالها من أحد أمرين: # إما أن يتضمن صرف القاضي عن النظر في أحكامه أو لا يتضمن، فإن كانت ~~ولايته مطلقة العموم لا تتضمن صرف القاضي عن النظر في أحكامهم، ولم يكن ~~تقليد النقيب للنظر في أحكامهم موجبا لصرف القاضي عنها، جاز لكل واحد من ~~النقيب والقاضي النظر في أحكامهم، أما النقيب فخصوص ولايته التي أوجب ~~دخولهم فيها، وأما القاضي فعموم ولايته التي أوجب دخولهم فيها، فأيهما حكم ~~في تنازعهم وتشاجرهم، وفي تزويج أياماهم نفذ PageV01P157 # حكمه، وجرى أمرهما في الحكم على أهل هذا النسب مجرى قاضيين في بلد، ~~فأيهما حكم نفذ حكمه بين متنازعين، ولم يكن للآخر إذا كان بحكمه في ~~الاجتهاد مساغ أن ينقضه، وإن اختلف متنازعان منهم، فدعا أحدهما إلى حكم ~~النقيب، ودعا الآخر إلى حكم القاضي، فقد قيل: إن الداعي إلى نظر النقيب ~~أولى لخصوص ولايته، وقيل: بل هما سواء، فيكونان كالمتنازعين في التحاكم إلى ~~قاضيين في بلد، فيغلب ms106 قول الطالب على المطلوب؛ فإن تساويا كان على ما ~~قدمناه من الوجهين: # أحدهما: يقرع بينهما، ويعمل على قول من قرع منهما. # والثاني: يقطع التنازع بينهما حتى يتفقا على أحدهما، فإن كان في ولاية ~~النقيب صرف القاضي عن النظر بين أهل هذا النسب، لم يجز للقاضي أن يتعرض ~~للنظر في أحكامهم، سواء استعدى إليه منهم مستعد أو لم يستعد، وخالف ذلك حال ~~القاضيين في جانبي بلد إذا استعدى إليه من الجانب الآخر مستعد يلزمه أن ~~يعديه على خصمه للفرق بينهما، وذلك أن ولاية كل واحد من القاضيين محصورة ~~بمكانه، فاستوى حكم الطارئ إليه والقاطن فيه؛ لأنهما يصيران من أهله. # وولاية النقابة محصورة بالنسب الذي لا يختلف حاله باختلاف الأماكن؛ فلو ~~تراضى المتنازعان من أهل هذا النسب بحكم القاضي، لم يكن له النظر بينهما، ~~ولا أن يحكم لهما أو عليهما؛ لأنه بالصرف منهي عنه، وكان النقيب أحق بالنظر ~~بينهما إذا كان التنازع بينهم لا يتعداهم إلى غيرهم، فإن تعداهم فتنازع ~~طالبي وعباسي، فدعا الطالبي إلى حكم نقيبه، ودعا العباسي إلى حكم نقيبه، لم ~~تجب على واحد منهما الإجابة إلى حكم غير نقيبه لخروجه عن ولايته، فإذا ~~أقاما على تمانعهما من الإجابة إلى نقيب أحدهما ففيه وجهان: # أحدهما: يرجعان إلى حكم السلطان الذي هو عام الولاية عليهما، إذا كان ~~القاضي مصروفا عن النظر بينهما؛ ليكون السلطان هو الحاكم بينهما، إما بنفسه ~~أو بمن يستنيبه على الحكم بينهما. # والوجه الثاني: وهو أشبه أن يجتمع النقيبان ويحضر كل واحد منهما صاحبه، ~~ويشتركان في سماع الدعوى، وينفرد بالحكم بينهما نقيب المطلوب دون الطالب؛ ~~لأنه مندوب إلى أن PageV01P158 # يستوفي من أهله حقوق مستحقيها، فإن تعلق ثبوت الحق ببينة تسمع على ~~أحدهما، أو يمين يحلف بها أحدهما، سمع البينة نقيب المشهود عليه دون نقيب ~~المشهود له، وأحلف نقيب الحالف دون نقيب المستحلف؛ ليصير الحاكم بينهما هو ~~نقيب المطلوب دون الطالب، وإن تمانع النقيبان أن يجتمعا، لم يتوجه عليهما ~~في الوجه الأول مأثم، وتوجه عليهما المأثم في الوجه الثاني، ms107 وكان أغلظ ~~النقيبين مأثما نقيب المطلوب منهما؛ لاختصاصه بتنفيذ الحكم. # فلو تراضى الطالبي والعباسي بالتحاكم إلى أحد النقيبين، فحكم بينهما نقيب ~~أحدهما نظر، فإن كان الحاكم بينهما نقيب المطلوب صح حكمه وأخذ به خصمه، وإن ~~حكم بينهما نقيب الطالب، ففي نفوذ حكمه عليه وجهان: # ينفذ حكمه في أحدهما ويرد في الآخر، ولو أحضر أحدهما بينة عند القاضي ~~ليسمعها على خصمه، ويكتب بها إلى نقيبه وهو منصرف عن النظر بينهما، لم يجز ~~أن يسمع بينة، وإن كان يرى القضاء على الغائب؛ لأن حكمه لا ينفذ على من ~~تقوم عليه البينة لو حضر، فأولى أن لا ينفذ حكمه عليه مع الغيبة. # ولو أراد القاضي الذي يرى القضاء على الغائب سماع بينة على رجل من غير ~~عمله؛ ليكتب بما ثبت عنده منها إلى قاضي بلده جاز. # والفرق بينهما: إن كان في غير عمله لو حضر عنده نفذ حكمه عليه، فلذلك جاز ~~سماع البينة عليه، وأهل هذين النسبين إن حضر أحدهم عنده لم ينفذ حكمه عليه، ~~فكذلك لم يجز أن يسمع البينة عليه، ولو كان أحد هذين أقر عند القاضي لصاحبه ~~بحق جاز أن يكون القاضي شاهدا به عليه عند نقيبه، ولم يجز أن يجبر به حكما؛ ~~لأن حكمه لا ينفذ عليه، وهكذا لو أقر به عند غير النقيبين كان شاهدا فيه ~~عند نقيبه، جاز وكان حاكما عليه بإقراره، ولو أقر به عند نقيب خصمه ففيه ما ~~قدمناه من الوجهين، يكون في أحدهما شاهدا، ويكون في الوجه الآخر حاكما فيه؛ ~~لما بيناه من الفرق بين نقيب الطالب والمطلوب، وهكذا القول في ولايات زعماء ~~العشائر وولاة القبائل المنفردين بالولايات على عشائرهم وقبائلهم. PageV01P159 ### | الباب التاسع: في الولايات على إمامة الصلوات # والإمامة على الصلوات تنقسم ثلاثة أقسام: # أحدها: الإمامة في الصلوات الخمس. # والثاني: الإمامة في صلاة الجمعة. # والثالث: الإمامة في صلوات الندب. # فأما الإمامة في الصلوات الخمس فنصب الإمام فيها معتبر بحال المساجد التي ~~تقام فيها الصلوات، وهي ضربان: مساجد سلطانية ومساجد عامية. # فأما المساجد السلطانية فهي ms108 المساجد والجوامع والمشاهد، وما عظم وكثر ~~أهله من المساجد التي يقوم السلطان بمراعاتها، فلا يجوز أن ينتدب للإمامة ~~فيها إلا من ندبه السلطان لها وقلده الإمامة فيها؛ لئلا يفتئت الرعية عليه ~~فيما هو موكول إليه، فإذا قلد السلطان فيها إماما كان أحق بالإمامة فيها من ~~غيره، وإن كان أفضل منه وأعلم. # وهذه الولاية طريقها طريق الأولى لا طريق اللزوم والوجوب، بخلاف ولاية ~~القضاء والنقابة لأمرين: # أحدهما: إنه لو تراضى الناس بإمام وصلى بهم أجزأهم وصحت جماعتهم. # والثاني: إن الجماعة في الصلوات الخمس من السنن المختارة والفضائل ~~المستحسنة، وليست من الفروض الواجبة في قول جميع الفقهاء، إلا داود، فإنه ~~تفرد بإيجابها إلا من عذر، وإذا كانت من الندب المؤكد، وندب السلطان لهذه ~~المساجد إماما، لم يكن لغيره أن يتقدم فيها مع حضوره؛ فإن غاب واستناب كان ~~من استنابه فيها أحق بالإمامة، وإن لم يستنب في غيبته استؤذن الإمام فيمن ~~تقدم فيها إن أمكن. # وإن تعذر استئذانه تراضى أهل البلد فيمن يؤمهم لئلا تتعطل جماعتهم، فإذا ~~حضرت PageV01P160 # صلاة أخرى والإمام على غيبته، فقد قيل: إن المرتضى للصلاة الأولى يتقدم ~~في الثانية وما بعدها، إلى أن يحضر الإمام المولى، وقيل: بل يختار للصلاة ~~الثانية ثان يرتضى لها غير الأول؛ لئلا يصير هذا الاختيار تقلدا سلطانيا، ~~والذي أراه أولى من إطلاق هذين الوجهين: # أن يراعى حال الجماعة في الصلاة الثانية، فإن حضر لها من حضر في الأولى ~~كان المرتضى في الجماعة الأولى أحق بالإمامة في الصلاة الثانية، وإن حضرها ~~غيرهم كان الأول كأحدهم، واستأنفوا اختيار إمام يتقدمهم، فإذا صلى إمام هذا ~~المسجد بجماعة، وحضر من لم يدرك تلك الجماعة لم يكن لهم أن يصلوا فيه ~~جماعة، وصلوا فيه فرادى، لما فيه من إظهار المباينة والتهمة بالمشاقة ~~والمخالفة. # وإذا قلد السلطان لهذا المسجد إمامين، فإن خص كل واحد منهما ببعض الصلوات ~~الخمس جاز، وكان كل واحد منهما مقصورا على ما خص به؛ كتقليد أحدهما صلاة ~~النهار، وتقليد الآخر صلاة الليل، فلا يتجاوز كل واحد منهما ms109 ما رده إليه، ~~وإن قلد الإمامة من غير تخصيص كل واحد منهما ببعض الصلوات لكن رد إلى كل ~~واحد منهما يوما غير يوم صاحبه كان كل واحد منهما في يومه أحق بالإمامة فيه ~~من صاحبه، فإن أطلق تقليدهما من غير تخصيص كانا في الإمامة سواء، وأيهما ~~سبق إليها كان أحق بها، ولم يكن للآخر أن يؤم في تلك الصلاة بقوم آخرين؛ ~~لأنه لا يجوز أن يقام في المساجد السلطانية جماعتان في صلاة واحدة. # واختلف في السبق الذي يستحق به التقدم على وجهين: # أحدهما: سبقه بالحضور في المسجد. # والثاني: سبقه بالإمامة فيه، فإن حضر الإمامان في حالة واحدة لم يسبق ~~أحدهما صاحبه، فإن اتفقا على تقديم أحدهما كان أولى بالإمامة، وإن تنازعا ~~ففيه وجهان: # أحدهما يقرع بينهما ويتقدم من قرع منهما. # والثاني: يرجع إلى اختيار أهل المسجد لأحدهما. # ويدخل في ولاية هذا الإمام تقليد المؤذنين ما لم يصرح له بالصرف منه؛ لأن ~~الأذان من سنن الصلوات التي ولي القيام بها PageV01P161 # فصار داخلا في الولاية، وله أن يأخذ المؤذنين بما يؤديه اجتهاده إليه في ~~الوقت والأذان. # فإن كان شافعيا يرى تعجيل الصلوات في أول الأوقات، وترجيع الأذان وإفراد ~~الإقامة أخذ المؤذنين بذلك، وإن كان رأيهم بخلافه، وإن كان حنفيا يرى تأخير ~~الصلوات إلى آخر الأوقات إلا المغرب، ويرى ترك الترجيع في الأذان وتثنية ~~الإقامة أخذهم بذلك، وإن كان رأيهم بخلافه. # ثم يعمل الإمام على رأيه واجتهاده في أحكام صلاته، فإن كان شافعيا يرى ~~الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم والقنوت في الصبح، لم يكن للسلطان أن ينهاه ~~عن ذلك، ولا للمأمومين أن ينكروه عليه، وكذلك إن كان حنفيا يرى ترك القنوت ~~في الصبح وترك الجهر بالبسملة عمل على رأيه ولم يعارض فيه، والفرق بين ~~الصلاة والأذان أنه يؤدي الصلاة في حق نفسه، فلم يجز أن يعارض في اجتهاده، ~~والمؤذن يؤذن في حق غيره، فجاز أن يعارض في اجتهاده، فإن أحب المؤذن أنه ~~يؤذن لنفسه على اجتهاده أذن بعد الأذان العام أذانا خاصا لنفسه ms110 على رأيه ~~يسر به ولا يجهر. # فصل: "في إمامة الصلاة" # والصفات المعتبرة في تقليد هذا الإمام خمس: أن يكون رجلا عادلا قارئا ~~فقيها سليم اللفظ من نقص أو لثغ، فإن كان صبيا أو عبدا أو فاسقا صحت إمامته ~~ولم تنعقد ولايته؛ لأن الصغر والرق والفسق يمنع من الولاية ولا يمنع من ~~الإمامة. # قد أمر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عمرو بن مسلمة أن يصلي بقومه وكان ~~صغيرا؛ لأنه كان أقرأهم، وصلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- خلف مولى له، ~~وقال: "صلوا خلف كل بار وفاجر"1. PageV01P162 # ولا يجوز أن يكون هذا الإمام امرأة ولا خنثى ولا أخرس ولا ألثغ، وإن أمت ~~امرأة أو خنثى فسدت صلاة من ائتم بهما من الرجال والخناثى، وإن أم ألثغ أو ~~أخرس يبدل الحروف بأغيارها بطلت صلاة من ائتم به، إلا أن يكون على مثل خرسه ~~أو لثغه1. # وأقل ما على هذا الإمام من القراءة والفقه أن يكون حافظا لأم القرآن، ~~عالما بأحكام الصلاة؛ لأنه القدر المستحق فيها، وإن كان حافظا لجميع القرآن ~~عالما بجميع الأحكام كان أولى. # وإذا اجتمع فقيه ليس بقارئ، وقارئ ليس بفقيه، فالفقيه أولى من القارئ إذا ~~كان يفهم الفاتحة؛ لأن ما يلزم من القرآن محصور، وما ينوبه من الحوادث في ~~الصلاة غير محصور. # ويجوز أن يأخذ هذا الإمام ومأذونه رزقا على الإمامة والأذان من بيت المال ~~من سهم المصالح، ومنع أبو حنيفة من ذلك2. PageV01P163 # وأما المساجد العامة التي يبنيها أهل الشوارع والقبائل في شوارعهم ~~وقبائلهم، فلا اعتراض للسلطان عليهم في أئمة مساجدهم، وتكون الإمامة فيها ~~لمن اتفقوا على الرضا بإمامته، وليس لهم بعد الرضا به أن يصرفوه عن ~~الإمامة، إلا أن يتغير حاله، وليس لهم بعد رضاهم به أن يستخلفوا مكانه ~~نائبا عنه، ويكون لأهل المسجد حق بالاختيار. # وإذا اختلف أهل المسجد في اختيار إمام عمل على قول الأكثرين، فإن تكافأ ~~المختلفون اختار السلطان لهم؛ قطعا لتشاجرهم من هو أدين وأسن وأقرأ وأفقه، ~~وهل يكون اختياره مقصورا على العدد المختلف فيه، ms111 أو يكون عاما في جميع أهل ~~المسجد؟ على وجهين: # أحدهما: إنه يكون مقصورا على ذلك العدد المختلف في اختياره أحدهم، ولا ~~يتعداهم إلى غيرهم؛ لاتفاقهم على ترك من عداهم. # والثاني: إنه يختار من جميع أهل المسجد من يراه لإمامته مستحقا؛ لأن ~~السلطان لا يضيق عليه الاختيار. # وإذا بنى رجل مسجدا لم يستحق الإمامة فيه، كان هو وغيره من جيران المسجد ~~سواء في إمامته وأذانه، وقال أبو حنيفة: إنه أحق بالإمامة والأذان فيه. # وإذا حضرت جماعة منزل رجل للصلاة فيه كان مالك المنزل أحقهم بالإمامة ~~فيه، وإن كان دونهم في الفضل، فإن حضره السلطان كان في أحد القولين أحق من ~~المالك لعموم ولايته عليه، والمالك في القول الثاني أحق لاختصاصه بالتصرف ~~في ملكه. PageV01P164 # فصل: # وأما الإمامة في صلاة الجمعة فقد اختلف الفقهاء في وجوب تقليدها، فذهب ~~أبو حنيفة وأهل العراق إلى أنها من الولايات الواجبات، وأن صلاة الجمعة لا ~~تصح إلا بحضور السلطان، أو من يستنيبه فيها، وذهب الشافعي -رضي الله عنه، ~~وفقهاء الحجاز إلى أن التقليد فيها ندب، وأن حضور السلطان ليس بشرط فيها. # فإن أقامها المصلون على شرائطها انعقدت وصحت، ويجوز أن يكون الإمام فيها ~~عبدا وإن لم تنعقد ولايته. # وفي جواز إمامة الصبي قولان، ولا يجوز إقامتها إلا في وطن مجتمع المنازل ~~يسكنه من تنعقد بهم الجمعة، لا يظعنون عنه شتاء ولا صيفا، إلا ظعن حاجة ~~سواء كان مصرا أو قرية. # وقال أبو حنيفة: تختص الجمعة بالأمصار، ولا يجوز إقامتها في القرى، ~~واعتبر المصر بأن يكون فيه سلطان يقيم الحدود. # وقاض ينفذ الأحكام، واختلف في وجوب الجمعة على من كان خارج المصر؛ ~~فأسقطها أبو حنيفة عنهم، وأوجبها الشافعي عليهم إذا سمعوا نداءها منه. # واختلف الفقهاء في العدد الذي تنعقد به الجمعة، فذهب الشافعي -رضي الله ~~عنه- إلى أنها لا تنعقد إلا بأربعين رجلا من أهل الجمعة، ليس فيهم امرأة ~~ولا عبد ولا مسافر. # واختلف أصحابه في إمامهم، هل يكون زائدا على العدد أو واحدا منهم، فذهب ~~بعضهم إلى أنها ms112 لا تصح إلا بأربعين سوى الإمام، وقال أكثرهم يجوز أن يكونوا ~~أربعين مع الإمام. # وقال الزهري1 ومحمد بن الحسن2: تنعقد باثني عشر سوى الإمام، وقال أبو ~~حنيفة PageV01P165 # والمزني: تنعقد بأربعة أحدهم الإمام، وقال الليث1 وأبو يوسف: تنعقد ~~بثلاثة أحدهم الإمام. # وقال أبو ثور2: تنعقد باثنين كسائر الجماعات، وقال مالك: لا اعتبار ~~بالعدد في انعقادها، وإنما الاعتبار أن يكونوا عددا تبنى له الأوطان غالبا. # ولا يجوز أن تقام الجمعة في السفر ولا خارج المصر إلا أن يتصل بناؤه. # وإذا كان المصر جامعا لقرى قد اتصل بناؤها حتى اتسع بكثرة كبغداد، جاز ~~إقامة الجمعة في مواضعه القديمة، ولا يمنع اتصال البنيان من إقامتها في ~~مواضعها. # وإن كان المصر واحدا في موضوع الأصل وجامعه يسع جميع أهله كمكة، لم يجز ~~أن تقام الجمعة فيه إلا في موضع واحد منه. # وإن كان المصر واحدا متصل الأبنية لا يسع جامعه جميع أهله لكثرتهم ~~كالبصرة، فقد اختلف أصحاب الشافعي في جواز إقامة الجمعة في موضعين منه ~~للضرورة بكثرة أهله، فذهب بعضهم إلى جوازها، وأباه آخرون وقالوا: إن ضاق ~~بهم اتسعت لهم الطرقات، فلم يضطروا إلى تفريق الجمعة في مواضع منه. ~~PageV01P166 # وإن أقيمت الجمعة في موضعين في مصر قد منع أهله من تفريق الجمعة، فيه ~~ففيه قولان: # أحدهما: إن الجمعة لأسبقهما بإقامتها، وعلى المسبوق أن يعيد الصلاة ظهرا. # والقول الثاني: إن الجمعة للمسجد الأعظم الذي يحضره السلطان سابقا كان أو ~~مسبوقا، وعلى من صلوا في الأصغر إعادة صلاتهم ظهرا، وليس لمن قلد إمامة ~~الجمعة أن يؤم في الصلوات الخمس. # واختلف فيمن قلد إمامة الصلوات الخمس، هل يستحق الإمامة في صلاة الجمعة، ~~فمنعه منها من جعل الجمعة فردا مبتدأ، وجوزها له من جعلها ظهرا مقصورا. # وإذا كان الإمام في الجمعة يرى أنها لا تنعقد بأقل من أربعين رجلا، وكان ~~المأمومون وهم أقل من أربعين رجلا يرون انعقاد الجمعة بهم، لم يجز أن ~~يؤمهم، ووجب عليه أن يستخلف عليهم أحدهم، ولو كان الإمام يرى أنها تنعقد ~~بأقل من أربعين ms113 رجلا، والمأمومون لا يرونه وهم أقل، لم يلزم الإمام ولا ~~المأمومين إقامتها؛ لأن المأمومين لا يرونه، والإمام لم يجد معه من يصليها. # وإذا أمر السلطان الإمام في الجمعة أن لا يصلي بأقل من أربعين، لم يكن له ~~أن يصليها بأقل من أربعين، وإن كان يراه مذهبا؛ لأنه مقصور على الأربعين، ~~ومصروف عما دونها، ويجوز أن يستخلف عليهم من يصليها لصرف ولايته عنها، وإذا ~~أمره السلطان أن يصلي بأقل من أربعين، وهو لا يراه، ففي ولايته وجهان: # أحدهما إنها باطلة لتعذرها من جهته. # والثاني: إنها صحيحة، ويستخلف عليها من يراه منهم. PageV01P167 # فصل: # وأما الإمامة في الصلوات المسنونة مثل الجمعة فخمس: صلاة العيدين، ~~والخسوفين، والاستسقاء، وتقليد الإمامة فيما ندب لجوازها جماعة وفرادى، ~~واختلف في حكمها، فذهب بعض أصحاب الشافعي إلى أنها من السنن المؤكدة. # وذهب آخرون منهم إلى أنها من فروض الكفاية، وليس لمن قلد إمامة الصلوات ~~الخمس أو إمامة الجمعة حق في إقامتها، إلا أن يقلد جميع الصلوات فتدخل في ~~غيرها. # فأما صلاة العيد: فوقتها ما بين طلوع الشمس وزوالها، ويختار تعجيل الأضحى ~~وتأخير الفطر، ويكبر الناس في ليلتي العيدين من بعد غروب الشمس إلى حين ~~أخذهم في صلاة العيد، ويختص عيد الأضحى بالتكبير عقيب الصلوات المفروضة؛ من ~~صلاة الظهر من يوم النحر إلى بعد صلاة الصبح من آخر أيام التشريق، ويصلي ~~العيدين قبل الخطبة والجمعة بعدها اتباعا للسنة فيهما. # ويختص صلاة العيدين بالتكبيرات الزوائد، واختلف الفقهاء في عددها؛ فذهب ~~الشافعي -رضي الله عنه- إلى أنه يزيد في الأولى سبعا سوى تكبيرة الإحرام، ~~وفي الثانية خمسا سوى تكبيرة القيام قبل القراءة فيهما. وقال مالك: يزيد في ~~الأولى ستا وفي الثانية خمسا سوى تكبيرة القيام. وقال أبو حنيفة: ويكبر في ~~الأولى ثلاثا قبل القراءة، وفي الثانية أربعا سوى تكبيرة القيام قبل ~~القراءة، ويعمل الإمام في هذه التكبيرات الزوائد على رأيه واجتهاده، وليس ~~لمن ولاه أن يأخذه برأي نفسه، بخلاف العدد في صلاة الجمعة؛ لأنه يصير بذكر ~~العدد في صلاة الجمعة خاص الولاية، ولا ms114 يصير بذكر التكبير في صلاة العيد ~~خاص الولاية فافترقا. # فأما صلاة الخسوفين1: فيصليهما من ندبه السلطان لهما أو من عمت ولايته ~~فاشتملت عليهما، وهي ركعتان في كل ركعة ركوعان وقيامان، يطيل القراءة ~~فيهما، فيقرأ في القيام الأول من الركعة الأولى سرا بعد الفاتحة بسورة ~~البقرة أو بقدرها من غيرها، ويركع مسبحا بقدر مائة آية، ثم يرفع منتصبا ~~ويقرأ بعد الفاتحة بسورة آل عمران أو بقدرها، ويركع مسبحا بقدر PageV01P168 # ثمانين آية يسجد سجدتين كسائر الصلوات، ثم يصنع في الركعة الثانية كذلك، ~~يقرأ في قيامها ويسبح في ركوعها بثلثي ما قرأ أو سبح في الركعة الأولى، ثم ~~يخطب بعدها. # وقال أبو حنيفة: يصلي ركعتين كسائر الصلوات، ويصلي لخسوف القمر كصلاة ~~كسوف الشمس جهرا؛ لأنها من صلاة الليل، وقال مالك: لا يصلي لخسوف القمر ~~كصلاة كسوف الشمس1. # فأما صلاة الاستسقاء: فمذهوب إليها عند انقطاع المطر وخوف الجدب يتقدم من ~~قلدها بصيام ثلاثة أيام قبلها، والكف فيها عن التظالم والتخاصم، ويصلح فيها ~~بين المتشاجرين والمتخاصمين والمتهاجرين، وهي كصلاة العيد في وقتها. # وإذا قلد صلاة العيد في عام جاز مع إطلاق ولايته أن يصليها في كل عام ما ~~لم يصرف. # وإذا قلد صلاة الكسوف والاستسقاء في عام لم يكن له مع إطلاق ولايته أن ~~يصليها في غيره، إلا أن يقلد؛ لأن صلاة العيد راتبة وصلاة الخسوف ~~والاستسقاء عارضة، وإذا مطروا وهم في صلاة الاستسقاء أتموها، وخطب بعدها ~~شكرا، ولو مطروا قبل الدخول فيها لم يصلوا، وشكروا الله تعالى بغير خطبة، ~~وكذلك في الخسوف إذا انجلى، ولو اقتصر في الاستسقاء PageV01P169 # على الدعاء أجزأ. # وروى أبو مسلم عن أنس بن مالك: أن أعرابيا أتى رسول الله -صلى الله عليه ~~وسلم- فقال له: يا رسول الله، لقد أتيناك وما لنا بعير يئط، ولا صبي يصطبح، ~~ثم أنشده من "الطويل": # أتيناك والعذراء يدمى لبانها %~% وقد شغلت أم الصبي عن الطفل # وألقى بكفيه الصبي استكانة %~% من الجوع ضعفا لا يمر ولا يحلي # ولا شيء مما يأكل الناس عندنا %~% سوى الحنظل العامي ms115 والعلهز الغسل # وليس لنا إلا إليك فرارنا %~% وأين فرار الناس إلا إلى الرسل # فقام رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يجر رداءه حتى صعد المنبر، فحمد ~~الله وأثنى عليه وقال: "اللهم اسقنا غيثا غدقا مغيثا سحا طبقا غير رائث، ~~ينبت به الزرع، ويملى به الضرع، وتحيا به الأرض بعد موتها، وكذلك تخرجون". # فما استتم الدعاء حتى ألقت السماء بأرواقها، فجاء أهل البطانة يصيحون: يا ~~رسول الله الغرق، فقال: "حوالينا ولا علينا". # فانجابت السحاب عن المدينة كالإبل، فضحك رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ~~حتى بدت نواجذه، ثم قال: "لله در أبي طالب، لو كان حيا لقرت عيناه من الذي ~~ينشد شعره". # فقام علي بن أبي طالب فقال: كأنك يا رسول الله أردت قوله من "الطويل": # وأبيض يستسقى الغمام بوجهه %~% ثمال اليتامى عصمة للأرامل # يلوذ به الهلاك من آل هاشم %~% فهم عنده في نعمة وفواضل # كذبتم وبيت الله نبزي محمدا %~% ولما نقاتل دونه ونناضل # ونسلمه حتى نصرع حوله %~% ونذهل عن أبنائنا والحلائل # فقام رجل من كنانة فأنشد النبي -صلى الله عليه وسلم "من المتقارب": # لك الحمد والحمد ممن شكر %~% سقينا بوجه النبي المطر # دعا الله خالقه دعوة %~% وأشخص معها إليه البصر # فلم يك إلا كإلقاء الرداء %~% وأسرع حتى رأينا المطر # دفاق العزالي جم البعا %~% ق أغاث به الله عليا مضر # وكان كما قاله عمه %~% أبو طالب أبيض ذا غرر PageV01P170 # به الله أرسل صوب الغما %~% م وهذا العيان وذاك الخبر # فقال النبي -صلى الله عليه وسلم: "إن يكن شاعر يحسن فقد أحسنت" 1. # ولبس السواد مختص بالأئمة في الصلوات التي تقام فيها دعوة السلطان اتباعا ~~لشعاره الآن. # وتكره مخالفته فيه وإن لم يرد به شرع تحرزا من مباينته، وإذا تغلب من منع ~~الجماعة كان عذرا في ترك المجاهرة بها، وإذا أقامها المتغلب مع سوء معتقده ~~اتبع فيها، ولا يتبع على بدعة يحدثها. PageV01P171 ### | الباب العاشر: الولاية على الحج # هذه الولاية على الحج ضربان: # أحدهما: أن تكون على تسيير الحجيج. # والثاني: على إقامة الحج، فأما تسيير الحجيج ms116 فهو ولاية سياسة وزعامة ~~وتدبير. # والشروط المعتبرة في المولى أن يكون مطاعا ذا رأي وشجاعة وهيبة وهداية. # والذي عليه في حقوق هذه الولاية عشرة أشياء: # أحدها: جمع الناس في مسيرهم ونزولهم حتى لا يتفرقوا، فيخاف النوى ~~والتغرير. # والثاني: ترتيبهم في المسير والنزول بإعطاء كل طائفة منهم مقادا، حتى ~~يعرف كل فريق منهم مقاده إذا سار، ويألف مكانه إذا نزل، فلا يتنازعون فيه ~~ولا يضلون عنه. # والثالث: يرفق بهم في السير حتى لا يعجز عنه ضعيفهم ولا يضل عنه منقطعهم، ~~وروي عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "الضعيف أمير الرفقة" 1، يريد ~~أن من ضعفت دوابه كان على القوم أن يسيروا بسيره. # الرابع: أن يسلك بهم أوضح الطرق وأخصبها، ويتجنب أجدبها وأوعرها. # والخامس: أن يرتاد لهم المياه إذا انقطعت، والمراعي إذا قلت. # والسادس: أن يحرسهم إذا نزلوا، ويحوطهم إذا رحلوا، حتى لا يتخطفهم داعر، ~~ولا يطمع فيهم متلصص. # والسابع: أن يمنع عنهم من يصدهم عن المسير، ويدفع عنهم من يحصرهم عن الحج ~~بقتال إن قدر عليه، أو ببذل مال إن أجاب الحجيج إليه، ولا يسعه أن يجبر ~~أحدا على بذل الخفارة إن امتنع منها، حتى يكون باذلا لها عفوا، ومجيبا ~~إليها طوعا، فإن بذل المال على التمكين من الحج لا يجب. # والثامن: أن يصلح بين المتشاجرين، ويتوسط بين المتنازعين، ولا يتعرض ~~للحكم PageV01P172 # بينهم إجبارا، إلا أن يفوض الحكم إليه، فيعتبر فيه أن يكون من أهله، ~~فيجوز له حينئذ الحكم بينهم، فإن دخلوا بلدا فيه حاكم جاز له ولحاكم البلد ~~أن يحكم بينهم، فأيهما حكم نفذ حكمه، ولو كان التنازع بين الحجيج وأهل ~~البلد لم يحكم بينهم إلا حاكم البلد. # والتاسع: أن يقوم زائغهم ويؤدب خائنهم، ولا يتجاوز التعزير إلى الحد، إلا ~~أن يؤذن له فيه، فيستوفيه إذا كان من أهل الاجتهاد فيه. # فإن دخل بلدا فيه من يتولى إقامة الحدود على أهله نظر، فإن كان ما أتاه ~~المحدود قبل دخول البلد؛ فوالي الحجيج أولى بإقامة الحد عليه من والي ~~البلد، وإن ms117 كان ما أتاه المحدود في البلد فوالي البلد أولى بإقامة الحد ~~عليه من والي الحجيج. # والعاشر: أن يراعي اتساع الوقت حتى يؤمن الفوات، ولا يلجئهم ضيقه إلى ~~الحث في السير، فإذا وصل إلى الميقات أمهلهم للإحرام وإقامة سننه، فإن كان ~~الوقت متسعا عدل بهم إلى مكة؛ ليخرجوا مع أهلها إلى المواقف، وإن كان الوقت ~~ضيقا عدل بهم عن مكة إلى عرفة؛ خوفا من فواتها فيفوت الحج بها، فإن زمان ~~الوقوف بعرفة ما بين زوال الشمس من يوم عرفة إلى طلوع الفجر الثاني من يوم ~~النحر، فمن أدرك الوقوف بها في شيء من هذا الزمان من ليل أو نهار فقد أدرك ~~الحج، وإن فاته الوقوف بها حتى طلع الفجر من يوم النحر فقد فاته الحج، ~~وعليه إتمام ما بقي من أركانه وجبرانه بدم وقضاؤه في العام المقبل إن ~~أمكنه، وفيما بعده إن تعذر عليه، ولا يصير حجه عمرة بالفوات ولا يتحلل بعد ~~الفوات إلا بإحلال الحج، وقال أبو حنيفة -رحمه الله: يتحلل بعمل عمرة. # وقال أبو يوسف: يصير إحرامه بالفوات عمرة، وإذا أوصل الحجيج إلى مكة، فمن ~~لم يكن على العود منهم، فقد زالت عنه ولاية الوالي على الحجيج، فلم تكن له ~~عليه يد، ومن كان منهم على العود فهو تحت ولايته، وملتزم أحكام طاعته، فإذا ~~قضى الناس حجهم أمهلهم الأيام التي جرت بها العادة في إنجاز علائقهم، ولا ~~يرهقهم في الخروج فيضر بهم، فإذا عاد بهم سار بهم طريق المدينة لزيارة قبر ~~رسول الله -صلى الله عليه وسلم؛ ليجمع لهم بين حج بيت الله -عز وجل، وزيارة ~~قبر رسول الله -صلى الله عليه وسلم، رعاية لحرمته، وقياما بحقوق طاعته، ~~ولئن لم يكن ذلك من فروض الحج، فهو من ندب الشرع المستحبة، وعادات الحجيج ~~المستحسنة. PageV01P173 # روى نافع عن ابن عمر -رضي الله عنه، أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ~~قال: "من زار قبري وجبت له شفاعتي"1. # وحكى العتبي قال: كنت عند قبر رسول الله -صلى الله عليه وسلم، فأتاه ~~أعرابي فأقبل ms118 وسلم فأحسن، ثم قال: يا رسول الله، إني وجدت الله تعالى يقول: ~~{ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا ~~الله توابا رحيما} [النساء: 64] . # وقد جئتك تائبا من ذنبي، مستشفعا بك إلى ربي، ثم بكى وأنشأ يقول "من ~~البسيط": #يا خير من دفنت بالقاع أعظمه # فطاب من طيبهن القاع والأكم # نفسي الفداء لقبر أنت ساكنه # فيه العفاف وفيه الجود والكرم# # ثم ركب راحلته وانصرف، قال العتبي: فأغفيت إغفاءة فرأيت رسول الله -صلى ~~الله عليه وسلم- فقال لي: يا عتبي الحق الأعرابي وأخبره أن الله سبحانه قد ~~غفر له. # ثم يكون في عوده بهم ملتزما فيهم من الحقوق ما التزمه في صدرهم، حتى يصل ~~بهم إلى البلد الذي سار بهم منه، فتنقطع ولايته عنهم بالعود إليه، وإن كانت ~~الولاية على إقامة الحج فهو فيه بمنزلة الإمام في إقامة الصلوات، فمن شروط ~~الولاية عليه مع الشروط المعتبرة في أئمة الصلوات أن يكون عالما بمناسك ~~الحج وأحكامه، عارفا بمواقيته وأيامه، وتكون مدة ولايته مقدرة بسبعة أيام ~~أولها من صلاة الظهر في اليوم السابع من ذي الحجة، وآخرها يوم الحلاق، وهو ~~النفر الثاني في اليوم الثالث عشر من ذي الحجة، وهو فيما قبلها وبعدها أحد ~~الرعايا وليس من الولاة، وإذا كان مطلق الولاية على إقامة الحج فله إقامته ~~في كل عام ما لم يصرف عنه، وإن عقدت له خاصة على عام واحد لم يتعد إلى غيره ~~إلا عن ولاية. # والذي يختص بولايته ويكون نظره مقصورا عليه خمسة أحكام متفق عليها، وسادس ~~مختلف فيه: PageV01P174 # أحدها: إشعار الناس بوقت إحرامهم، والخروج إلى مشاعرهم؛ ليكونوا له ~~متبعين، وبأفعاله مقتدين. # والثاني: ترتيبهم للمناسك على ما استقر الشرع عليه؛ لأنه متبوع فيها فلا ~~يقدم مؤخرا ولا يؤخر مقدما، سواء كان الترتيب مستحقا أو مستحبا. # والثالث: تقدير المواقف بمقامه فيها ومسيره عنها، كما تقدر صلاة ~~المأمومين بصلاة الإمام. # والرابع: اتباعه في الأركان المشروعة فيها، والتأمين على أدعيته بها؛ ~~ليتبعوه في القول كما اتبعوه في العمل، وليكون اجتماع ms119 أدعيتهم أفتح لأبواب ~~الإجابة. # والخامس: إمامتهم في الصلوات في الأيام التي شرعت خطب الحج وجمع الحجيج ~~عليها، وهن أربع: فالأولى منهن وهي أول شروعه في مسنوناته ومندوباته بعد ~~تقدم إحرامه، وإن كان لو أخر إحرامه أجزأه أن يصلي بهم صلاة الظهر بمكة في ~~اليوم السابع، ويخطب بعدها، وهي الأولى من خطب الحج الأربع مفتتحا لها ~~بالتلبية إن كان محرما، والتكبير إن كان محلا، ويعلم الناس أن مسيرهم في غد ~~إلى منى؛ ليخرجوا إليها فيه وهو الثامن من العشر، فينزل بخيف منى ببني ~~كنانة؛ حيث نزل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- منه، ويبيت بها ويسير بهم ~~من غده وهو التاسع مع طلوع الشمس إلى عرفة على طريق ضب، ويعود على طريق ~~المأزمين اقتداء برسول الله -صلى الله عليه وسلم، وليكن عائدا من غير ~~الطريق الذي صدر منه؛ فإذا أشرف على عرفة نزل ببطن عرفة وأقام به حتى تزول ~~الشمس، ثم سار منه إلى مسجد إبراهيم -صلوات الله عليه- بوادي عرفة، يخطب ~~بهم الخطبة الثانية من خطب الحج قبل الصلاة كالجمعة، فإن جميع الخطب مشروعة ~~بعد الصلاة إلا خطبتين: خطبة الجمعة وخطبة عرفة، فإذا خطبها ذكر الناس فيها ~~ما يلزمهم من أركان الحج ومناسكه، وما يحرم عليهم من محظوراته، ثم يصلي بهم ~~بعد الخطبة صلاة الظهر والعصر جامعا بينهما في وقت الظهر، ويقصرهما ~~المسافرون ويتمها المقيمون اقتداء برسول الله -صلى الله عليه وسلم- في جمعه ~~وقصره، ثم يسير بعد فراغه منهما إلى عرفة وهو الموقف المفروض، قال رسول ~~الله -صلى الله عليه وسلم: "الحج عرفة، فمن أدرك عرفة أدرك الحج، PageV01P175 # ومن فاته عرفة فقد فاته الحج" 1. # وحد عرفة ما جاوز وادي عرفة الذي فيه المسجد، وليس المسجد ولا وادي عرفة ~~من عرفة إلى الجبال المقابلة على عرفة كلها، فيقف منها عند الجبال الثلاثة: ~~النبعة والنبيعة والتائب، فقد وقف رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على ضرس ~~من التائب، وجعل راحلته إلى المحراب، فهذا أحب المواقف أن يقف الإمام فيه، ~~وأينما وقف من عرفة والناس أجزأهم، ms120 ووقوفه على راحلته ليقتدي به الناس ~~أولى، ثم يسير بعد غروب الشمس إلى مزدلفة مؤخرا صلاة المغرب حتى يجمع بينها ~~وبين العشاء الآخرة بمزدلفة، ويؤم الناس فيهما، ويبيت بمزدلفة وحدها من حيث ~~يفيض من مأزمي عرفة، وليس المأزمان منها إلى أن يأتي إلى قرن محسر، وليس ~~القرن منها، ويلتقط الناس منها حصى الجمار بقدر الأنامل مثل حصى الخذف، ~~ويسير منها بعد الفجر، ولو سار قبله وبعد نصف الليل أجزأ، وليس المبيت بها ~~ركنا، ويجبره دم إن تركه، وجعله أبو حنيفة من الأركان الواجبة، ثم سار منها ~~إلى المشعر الحرام، فيقف منه بقزح داعيا، وليس الوقوف به فرضا، ثم يسير إلى ~~منى فيبدأ برمي جمرة العقبة قبل الزوال تسع حصيات ثم ينحر. # ومن ساق معه هديا من الحجيج ثم يحلق أو يقصر يفعل منهما ما شاء، والحلق ~~أفضل، ثم يتوجه إلى مكة فيطوف بها طواف الإفاضة وهو الفرض، ويسعى بعد طوافه ~~إن لم يسع قبل عرفة، ويجزئه سعيه قبل عرفة، ولا يجزئه طوافه قبلها، ثم يعود ~~إلى منى فيصلي بالناس الظهر، ويخطب بعدها وهي الخطبة الثالثة من خطب الحج ~~الأربع، ويذكر للناس ما بقي عليهم من مناسكهم، وحكم إحلالهم الأول والثاني، ~~وما يستبيحونه من محظورات الإحرام بكل واحد PageV01P176 # منهما على الانفراد، إن كان فقيها قال: هل من سائل، وإن لم يكن فقيها لم ~~يتعرض للسؤال، ويبيت بمنى ليلته ويرمي من غده -وهو يوم النفر يوم الحادي ~~عشر بعد الزوال- الجمار الثلاث بإحدى وعشرين حصاة، كل جمرة سبع حصيات، ~~ويبيت بها ليلته الثانية، ويرمي من غدها -وهو يوم النفر- الجمار الثلاث، ثم ~~يخطب بعد صلاة الظهر الخطبة الرابعة، وهي آخر الخطب المشروعة في الحج، ~~ويعلم الناس أن لهم في الحج نفرتين خيرهم الله تعالى فيهما بقوله: {واذكروا ~~الله في أيام معدودات فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم ~~عليه لمن اتقى} [البقرة: 203] . # ويعلمهم أن من نفر من منى قبل غروب الشمس من يومه هذا سقط عنه المبيت ~~بها، والرمي للجمار ms121 من غده، ومن أقام بها حتى غربت الشمس لزمه المبيت بها ~~والرمي في غده، وليس لهذا الإمام بحكم ولايته أن ينفر في النفر الأول ويقيم ~~ليبيت بها، وينفر في النفر الثاني من غده في يوم الحلاق، وهو اليوم الثالث ~~عشر بعد رمي الجمار الثلاث؛ لأنه متبوع، فلم ينفر إلا بعد استكمال المناسك، ~~فإذا استقر حكم النفر الثاني انقضت ولايته، وقد أدى ما لزمه، فهذه الأحكام ~~الخمسة المتعلقة بولايته. # وأما السادس المختلف فيه فثلاثة أشياء: # أحدها: إن فعل أحد الحجيج ما يقتضي تعزيرا أو يوجب فعله حدا، فإن كان مما ~~لا يتعلق بالحج لم يكن له تعزيره ولا حده؛ وإن كان مما يتعلق بالحج فله ~~تعزيره -زجرا وتأديبا، وفي إقامة الحد عليه وجهان: # أحدهما: يحده؛ لأنه من أحكام الحج، وفي الآخر لا يحده لخروجه عن أفعال ~~الحج. # والثاني: أنه لا يجوز أن يحكم بين الحجيج فيما تنازعوه من غير أحكام ~~الحج، وفي حكمه بينهما فيما تنازعوه من أحكام الحج؛ كالزوجين إذا تنازعا في ~~إيجاب كفارة للوطء ومؤنة القضاء وجهان: # أحدهما: يحكم بينهما. # والثاني: لا يحكم. # والثالث: أن يأتي أحد الحجيج ما يوجب الفدية، فله أن يجبره بوجوبها، ~~ويأمره بإخراجها، وهل يستحق إلزامه لها، ويصير خصما له في المطالبة أم لا؟ ~~على وجهين كما في إقامة الحدود، PageV01P177 # ويجوز لوالي الحج أن يفتي من استفتاه إذا كان فقيها، وإن لم يجز أن يحكم، ~~وليس له أن ينكر عليهم ما يسوغ فعله إلا فيما يخاف أن يجعله الجاهل قدوة، ~~فقد أنكر عمر -رضي الله عنه- على طلحة بن عبيد الله لبس المضرج في الحج، ~~وقال: أخاف أن يقتدي بك الجاهل، وليس له أن يحمل الناس في المناسك على ~~مذهبه، ولو أقام للناس الحج وهو حال غير محرم كره له ذلك وصح الحج معه، وهو ~~بخلاف الصلاة التي لا يصح أن يؤمهم فيها وهو غير مصل لها، ولو قصد الناس في ~~الحج التقدم على إمامهم فيه والتأخير عنه جاز، وإن كانت مخالفة المتبوع ~~مكروهة، ولو قصدوا ms122 مخالفته في الصلاة فسدت عليهم صلاتهم؛ لارتباط صلاة ~~المأموم بصلاة الإمام، وانفصال حج الناس عن حج الإمام. PageV01P178 ### | الباب الحادي عشر: ولاية الصدقات ### || مدخل # ... # الباب الحادى عشر: ولاية الصدقات # الصدقة زكاة، والزكاة صدقة، يفترق الاسم ويتفق المسمى، ولا يجب على ~~المسلم في ماله حق سواها، قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم: "ليس في ~~المال حق سوى الزكاة"1. PageV01P179 # والزكاة تجب في الأموال المرصدة للنماء، إما بأنفسها أو بالعمل فيها؛ ~~طهرة لأهلها ومعونة لأهل السهمان. # والأموال المزكاة ضربان: ظاهرة وباطنة، فالظاهرة: ما لا يمكن إخفاؤه؛ ~~كالزرع والثمار والمواشي، والباطنة: ما أمكن إخفاؤه من الذهب والفضة وعروض ~~التجارة، وليس لوالي الصدقات نظر في زكاة المال الباطن، وأربابه أحق بإخراج ~~زكاته منه، إلا أن يبذلها أرباب الأموال طوعا فيقبلها منهم، ويكون في ~~تفريقها عونا لهم؛ ونظره مختص بزكاة الأموال الظاهرة يؤمر أرباب الأموال ~~بدفعها إليه. # وفي هذا الأمر إذا كان عادلا فيها قولان: # أحدهما: إنه محمول على الإيجاب، وليس لهم التفرد بإخراجها ولا تجزئهم إن ~~أخرجوها. # والقول الثاني: إنه محمول على الاستحباب إظهارا للطاعة، وإن تفردوا ~~بإخراجها أجزأتهم، وله على القولين معا أن يقاتلهم عليها إذا امتنعوا من ~~دفعها، كما قاتل أبو بكر الصديق -رضي الله عنه- مانعي الزكاة؛ لأنهم يصيرون ~~بالامتناع من طاعة ولاة الأمر إذا عدلوا بغاة، ومنع أبو حنيفة -رضي الله ~~عنه- من قتالهم إذا أجابوا إلى إخراجها بأنفسهم. # والشروط المعتبرة في هذه الولاية أن يكون حرا مسلما عادلا عالما بأحكام ~~الزكاة إن كان من عمال التفويض، وإن كان منفذا قد عينه الإمام على قدر ~~يأخذه جاز أن لا يكون من أهل العلم بها، ويجوز أن يتقلدها من تحرم عليه ~~الصدقات من ذي القربى، ولكن يكون رزقه عن سهم المصالح. # وله إذا قلدها ثلاثة أحوال: # أحدها: أن يقلد أخذها وقسمها، فله الجمع بين الأمرين على ما سنشرح. ~~PageV01P180 # والثاني: أن يقلد أخذها، وينهى عن قسمتها، فنظره مقصور عن الأخذ، وهو ~~ممنوع من القسم، والمقلد بهما بتأخير قسمها مأثوم إلا أن يجعل تقليدها لمن ~~ينفرد ms123 بتعجيل قسمها. # والثالث: أن يطلق تقليده عليها، فلا يؤمر بقسمها، ولا ينهى عنه، فيكون ~~بإطلاقه محمولا على عمومه في الأمرين من أخذها وقسمها، فصارت الصدقات ~~مشتملة على الأخذ والقسم لكل واحد منهما حكم، وسنجمع بينهما في هذا الباب ~~على الاختصار. # "زكاة المواشي": # ونبدأ بأحكام أخذها فنقول: إن الأموال المزكاة أربعة: # أحدها: المواشي وهي الإبل والبقر والغنم، وسميت ماشية لرعيها وهي ماشية. # فأما الإبل: فأول نصابها خمس، وفيها إلى تسع شاة جذعة1 من الضأن أو ثنية2 ~~من المعز، والجذع من الغنم ما له ستة أشهر، والثني منها ما استكمل سنة، ~~فإذا بلغت الإبل عشرا ففيها إلى أربع عشرة شاتان، وفي خمس عشرة إلى تسع ~~عشرة ثلاث شياه، وفي العشرين إلى أربع وعشرين أربع شياه، فإذا بلغت خمسا ~~وعشرين عدل في فرضها عن الغنم، وكان فيها إلى خمس وثلاثين بنت مخاض، وهي ~~التي استكملت السنة، فإن عدمت فابن لبون ذكر، فإذا بلغت ستا وثلاثين ففيها ~~إلى خمس وأربعين ابنة لبون، وهي ما استكملت سنتين؛ فإذا بلغت ستا وأربعين ~~ففيها إلى ستين حقة 3، وهي ما استكملت ثلاث سنين، واستحقت PageV01P181 # الركوب وطروق الفحل، فإذا بلغت إحدى وستين ففيها إلى خمس وسبعين جذعة، ~~وهي ما استكملت أربع سنين، فإذا بلغت ستا وسبعين ففيها إلى تسعين بنتا ~~لبون، فإذا بلغت إحدى وتسعين ففيها إلى مائة وعشرين حقتان، وهذا ما ورد به ~~النص وانعقد عليه الإجماع، فإذا زادت على مائة وعشرين فقد اختلف الفقهاء في ~~حكم ذلك؛ فقال أبو حنيفة: يستأنف بها الفرض المبتدأ، وقال مالك: لا اعتبار ~~بالزيادة حتى تبلغ مائة وثلاثين فيكون بها حقة وابنتا لبون، وقال الشافعي: ~~إذا زادت على مائة وعشرين واحدة كان في كل أربعين بنت لبون، وفي كل خمسين ~~حقة، فيكون في مائة وإحدى وعشرين ثلاث بنات لبون، وفي مائة وثلاثين حقة ~~وبنتا لبون، وفي مائة وخمسين ثلاث حقاق، وفي مائة وستين أربع بنات لبون، ~~وفي مائة وسبعين حقة وثلاث بنات لبون، وفي مائة وثمانين حقتان وبنتا لبون، ~~وفي مائة وتسعين ms124 ثلاث حقاق وبنت لبون، فإذا بلغت مائتين ففيها أحد فرضين ~~إما أربع حقاق أو خمس بنات لبون، فإن لم يوجد فيها إلا أحد الفرضين أخذ، ~~وإن وجدا معا أخذ العامل أفضلهما، وقيل: يأخذ الحقاق لأنها أكثر منفعة وأقل ~~مؤنة، ثم على هذا القياس فيما زاد في كل أربعين بنت لبون؛ وفي كل خمسين ~~حقة. # وأما البقر: فأول نصابها ثلاثون، وفيها تبيع ذكر، وهو ما استكمل ستة أشهر ~~وقدر على اتباع أمه، فإن أعطى تبيعة أنثى قبلت منه، فإذا بلغت أربعين ففيها ~~مسنة أنثى، وهي التي قد استكملت سنة، فإن أعطى مسنا ذكرا لم يقبل منه إن ~~كان في بقره أنثى، وإن كانت كلها ذكورا فقد قيل: يقبل المسن الذكر وقيل: لا ~~يقبل. # واختلف فيما زاد على الأربعين من البقر، فقال أبو حنيفة في إحدى رواياته: ~~يؤخذ من خمسين بقرة مسنة وربع، وقال الشافعي: لا شيء فيها بعد الأربعين حتى ~~تبلغ ستين، فيجب فيها تبيعان، ثم فيما بعد الستين في كل ثلاثين تبيع؛ وفي ~~كل أربعين مسنة، فيكون في سبعين مسنة وتبيع، وفي ثمانين مسنتان، وفي تسعين ~~ثلاثة أتبعة، وفي مائة تبيعان ومسنة وفي مائة وعشرة مسنتان، وفي مائة ~~وعشرين أحد فرضين كالمائتين من الإبل، إما أربعة أتبعة أو ثلاث مسنات، ~~وقيل: يأخذ العامل منهما ما وجد، PageV01P182 # فإن وجدهما أخذ أفضلهما وقيل: يأخذ المسنات، ثم على هذا القياس فيما زاد ~~في كل ثلاثين تبيع، وفي كل أربعين مسنة. # وأما الغنم: فأول نصابها أربعون، وفيها إلى مائة وعشرين شاة جذعة أو ثنية ~~من المعز، إلا أن تكون كلها صغارا دون الجذاع والثنايا، فيؤخذ منها على ~~مذهب الشافعي صغيرة دون الجذع والثنية. # وقال مالك: لا يؤخذ إلا جذعة أو ثنية، فإذا صارت مائة وإحدى وعشرين ففيها ~~شاتان إلى مائتي شاة، فإذا صارت مائتي شاة وشاة ففيها ثلاث شياه، إلى أن ~~تبلغ أربعمائة شاة، فإذا بلغتها ففيها أربع شياه، ثم في كل مائة استكملها ~~من بعد الأربعمائة شاة، ويضم الضأن إلى المعز، والجواميس إلى ms125 البقر، ~~والبخاتي إلى العراب؛ لأنهما نوعان من جنس واحد، ولا يضم الإبل إلى البقر، ~~ولا البقر إلى الغنم لاختلاف الجنس، ويجمع مال الإنسان في الزكاة وإن تفرقت ~~أمواله، والخلطاء يزكون زكاة الواحد إذا اجتمعت فيها شرائط الخلطة، وقال ~~مالك: لا تأثير للخلطة حتى يملك واحد منهم نصابا، فيزكون زكاة الخلطة، وقال ~~أبو حنيفة: لا اعتبار بالخلطة، ويزكي كل واحد منهم ماله على انفراده1. # وزكاة المواشي تجب بشرطين2: # أحدهما: أن تكون سائمة ترعى الكلأ فتقل مؤنتها ويتوفر درها ونسلها، فإن ~~كانت PageV01P183 # عاملة أو معلوفة لم تجب فيها زكاة على مذهب أبي حنيفة والشافعي، وأوجبها ~~مالك كالسائمة1، والشرط الثاني: أن يحول عليها الحول الذي يستكمل فيه ~~النسل؛ لقول النبي -صلى الله عليه وسلم: "لا زكاة في مال حتى يحول عليه ~~الحول" 2. # والسخال3 تزكى بحول أمهاتها إذا ولدت قبل الحول وكانت الأمهات نصابا، فإن ~~نقصت الأمهات عن النصاب، فعند أبي حنيفة تزكى بحول الأمهات إذا بلغتا ~~نصابا، وعند الشافعي أنها يستأنف بها الحول بعد استكمال النصاب. # ولا زكاة في الخيل والبغال والحمير، وأوجب أبو حنيفة في إناث الخيل ~~السائمة دينارا عن كل فرس، وقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم: "عفوت لكم ~~عن صدقة الخيل والرقيق" 4. PageV01P184 # وإذا كان والي الصدقات من عمال التفويض أخذها فيما اختلف الفقهاء فيه على ~~رأيه واجتهاده، لا على اجتهاد الإمام، ولا على اجتهاد أرباب الأموال، ولم ~~يجز للإمام أن ينص له على قدر ما يأخذه، وإن كان من عمال التنفيذ عمل فيما ~~اختلف فيه على اجتهاد الإمام دون أرباب الأموال، ولم يجز لهذا العامل أن ~~يجتهد، ولزم الإمام أن ينص له على القدر المأخوذ، ويكون رسولا في القبض ~~منفذا لاجتهاد الإمام، فعلى هذا إن كان هذا العامل عبدا أو ذميا جاز، فإن ~~كان في زكاة عامة لم يجز؛ لأن فيها ولاية لا يصح ثبوتها مع الكفر والرق، ~~وإن كان في زكاة خاصة نظر، فإن كان في مال قد عرف مبلغ أصله وقدر زكاته جاز ~~أن يكون هذا المأمور ms126 بقبضه عبدا أو ذميا؛ لأنه تجرد من حكم الولاية وتخصص ~~بأحكام الرسالة، وإن كان في مال لم يعرف مبلغه ولا قدر زكاته، لم يجز أن ~~يكون المأمور بقبضه ذميا؛ لأنه اؤتمن على مال لا يعمل فيه على خبره، وجاز ~~أن يكون عبدا؛ لأن خبر العبد مقبول. # وإذا تأخر عامل الصدقات عن أرباب الأموال بعد وجوب زكاتهم فإن كان بعد ~~ورود عمله وتشاغله بغيرهم انتظروه؛ لأنه لا يقدر على أخذها إلا من طائفة ~~بعد طائفة، وإن تأخر عن جميعهم وتجاوز العرف في وقت زكاتهم أخرجوها ~~بأنفسهم؛ لأن الأمر بدفعها إليه مشروط بالمكنة، وساقط مع عدم الإمكان، وجاز ~~لمن يتولى إخراجها من أرباب الأموال أن يعمل فيها على اجتهاده إن كان من ~~أهل الاجتهاد، وإن لم يكن من أهله استفتى من الفقهاء من يأخذ بقوله، ولا ~~يلزمه أن يستفتي غيره، وإن استفتى فقيهين فأفتاه أحدهما بإيجابها، وأفتاه ~~الآخر بإسقاطها، أو أفتاه أحدهما بقدر، وأفتاه الآخر بأكثر منه، فقد اختلف ~~أصحاب الشافعي فيما يعمل به منهما، فذهب بعضهم إلى أنه يأخذ بأغلظ القولين ~~حكما، وقال آخرون: يكون مخيرا في الأخذ بقول من شاء منهما. # فلو حضر العامل بعد أن عمل رب المال على اجتهاد نفسه أو اجتهاد من ~~استفتاه، وكان اجتهاد العامل مؤديا إلى إيجاب ما أسقطه، أو الزيادة على ما ~~أخرجه، كان اجتهاد العامل أمضى إن كان وقت الإمكان باقيا، واجتهاد رب المال ~~أنفذ إن كان وقت الإمكان فائتا، ولو أخذ العامل الزكاة باجتهاده، وعمل في ~~وجوبها، وأسقطها على رأيه، وأدى اجتهاد رب المال إلى إيجاب ما أسقطه، أو ~~الزيادة على ما أخذه، لزم رب المال فيما بينه وبين الله تعالى PageV01P185 # إخراج ما أسقطه من أصل أو تركه من زيادة؛ لأنه معترف بوجوبها عليه لأهل ~~السهمان. # "زكاة الثمار": # والمال الثاني من أموال الزكاة: ثمار النخل والشجر، فأوجب أبو حنيفة ~~الزكاة في جميعها، وأوجبها الشافعي في ثمار النخل والكرم خاصة، ولم يوجب في ~~غيرهما من جميع الفواكه والثمار زكاة، وزكاتها تجب بشرطين: # أحدهما: ms127 بدو صلاحها واستطابة أكلها، وليس على من قطعها قبل بدو الصلاح ~~زكاة، ويكره أن يفعله فرارا من الزكاة، ولا يكره إن فعله لحاجة. # والشرط الثاني: أن تبلغ خمسة أوسق، فلا زكاة فيها عند الشافعي إن كانت ~~أقل من خمسة أوسق، والوسق ستون صاعا، والصاع خمسة أرطال وثلث بالعراقي، ~~وأوجبها أبو حنيفة في القليل والكثير1. # ومنع أبو حنيفة من خرص الثمار على أهلها؛ وجوزه الشافعي تقديرا للزكاة ~~واستظهارا PageV01P186 # لأهل السهمان؛ فقد ولى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على خرص الثمار ~~عمالا وقال لهم: "خففوا الخرص فإن في المال الوصية والعرية والواطئة ~~والنائبة". # فالوصية ما يوصي بها أربابها بعد الوفاة، والعرية: ما يعرى للصلات في حال ~~الحياة، والواطئة ما تأكله السابلة منهم، وسموها واطئة لوطئهم الأرض، ~~والنائبة: ما ينوب الثمار من الجوائح. # فأما ثمار البصرة فيخرص كرومها وهم في خرصها كغيرهم، ولا يخرص عليهم ~~نخلها لكثرته ولحوق المشقة في خرصه، فإنهم يبيحون في التعاون أكل المارة ~~منها، وإنما ما قدر لهم الصدر الأول من ثناياها في يومي الجمعة والثلاثاء ~~يصرف معظمه في أهل الصدقات، وجعل لهم في عوض الثنايا كبار الثمار، وحملها ~~إلى كرسي البصرة ليستوفى أعشارها منهم هناك، وليس يلزم هذا غيرهم، فصاروا ~~بذلك مخالفين لمن سواهم. # ولا يجوز خرص الكرم والنخل إلا بعد بدو الصلاح، فيخرصان بسرا وعنبا، ~~وينظر ما يرجعان إليه تمرا وزبيبا، ثم يخير أربابها إذا كانوا أمناء بين ~~ضمانها بمبلغ خرصها ليتصرفوا فيها ويضمنوا قدر زكاتها؛ وبين أن تكون في ~~أيديهم أمانة يمنعون من التصرف فيها حتى تتناهى، فتؤخذ زكاتها إذا بلغت. # وقدر للزكاة العشر إن سقيت عذبا أو سيحا، ونصف العشر إن سقيت غربا أو ~~نضحا؛ فإن سقيت بهما فقد قيل: يعتبر أعلاهما، وقيل: يؤخذ بقسط كل واحد ~~منهما، وإذا اختلف رب المال والعامل فيما سقيت به كان القول قول ربها، ~~وأحلفه العامل استظهارا، فإن نكل لم يلزمه إلا ما اعترف به، ويضم أنواع ~~النخل بعضها إلى بعض، وكذلك أنواع الكرم؛ لأن جميعها جنس واحد، ولا ms128 يضم ~~النخل إلى الكرم لاختلافهما في الجنس. # وإذا كانت ثمار النخل والكرم تصير تمرا وزبيبا لم تؤخذ زكاتهما إلا بعد ~~تناهي جفافهما تمرا أو زبيبا، وإن كانت مما لا يؤخذ إلا رطبا أو عنبا أخذ ~~عشر ثمنهما إذا بيعا، فإن احتاج أهل السهمان إلى حقهم منهما رطبا أو عنبا ~~جاز في أحد القولين إذا قيل: إن القسمة تمييز نصيب، ولم يجز في القول ~~الثاني إذا قيل: إن القسمة بيع، وإذا هلكت الثمار بعد خرصها بجائحة من أرض ~~أو سماء قبل إمكان أداء الزكاة منها سقطت، وإن هلكت بعد إمكان أدائها أخذت. PageV01P187 ### || فصل: "في زكاة الزروع" # والمال الثالث: الزروع: # أوجب أبو حنيفة الزكاة في جميعها، وعند الشافعي لا تجب إلا فيما زرعه ~~الآدميون قوتا مدخرا، ولا تجب عنده في البقول والخضر، ولا تجب عند الشافعي ~~فيهما، ولا فيما لا يؤكل من القطن والكتان، ولا فيما يزرعه الآدميون من ~~نبات الأودية والجبال، وهي مأخوذة عنده من عشرة أنواع: البر، والشعير، ~~والأرز، والذرة، والباقلاء، واللوبياء، والحمص، والعدس، والدخن، والجلبان. # فأما العلس: فهو نوع من البر يضم إليه، وعليه قشرتان، لا تجب الزكاة فيه ~~بقشرته إلا إذا بلغ عشرة أوسق، وكذلك الأرز في قشرته، وأما السلت فهو نوع ~~من الشعير يضم إليه، والجاورس: نوع من الدخن يضم إليه، وما عداهما أجناس لا ~~يضم بعضها إلى غيره، وضم مالك الشعير إلى الحنطة، وضم ما سواهما من ~~القطنيات بعضها إلى بعض. # وزكاة الزرع تجب فيه بعد قوته واشتداده، ولا تؤخذ منه إلا بعد دياسه ~~وتصفيته إذا بلغ النصف من خمسة أوسق، ولا زكاة فيما دونها، وأوجبها أبو ~~حنيفة في قليله وكثيره إذا جز المالك زرعه بقلا أو قصيلا لم تجب زكاته، ~~ويكره أن يفعله فرارا من الزكاة؛ ولا يكره إن كان لحاجة1. PageV01P188 # وإذا ملك الذمي أرض عشر فزرعها، فقد اختلف الفقهاء في حكمها، فذهب ~~الشافعي إلى أنه لا عشر فيها عليه ولا خراج، وقال أبو حنيفة: يوضع عليها ~~الخراج ولا يسقط عنها بإسلامه، وقال أبو يوسف: ms129 يؤخذ منها ضعف الصدقة ~~المأخوذة من المسلم، فإذا أسلم سقط عنها مضاعفة الصدقة، وقال محمد بن الحسن ~~وسفيان الثوري: يؤخذ منها صدقة المسلم ولا تضاعف1. # وإذا زرع المسلم أرض خراج أخذ منه عند الشافعي عشر الزرع مع خراج الأرض، ~~ومنع أبو حنيفة مع الجمع بينهما، واقتصر على أخذ الخراج وحده، وإذا استأجر ~~أرض خراج على مؤجرها والعشر على مستأجرها، وقال أبو حنيفة: عشر الزرع على ~~المؤجر وكذلك المعمر؛ فهذه الأموال الثلاثة كلها أموال ظاهرة. PageV01P189 # فصل: "زكاة الذهب والفضة" # وأما المال الرابع فهو: الفضة والذهب، وهما من الأموال الباطنة، وزكاتهما ~~ربع العشر، لقوله -عليه الصلاة والسلام: "في الورق ربع العشر" 1. # ونصاب الفضة مائتا درهم بوزن الإسلام الذي وزن كل درهم منه ستة دوانق، ~~وكل عشرة منها سبعة مثاقيل، وفيها إذا بلغت مائتي درهم خمسة دراهم هو ربع ~~عشرها، ولا زكاة فيها إذا نقصت عن مائتين، وفيما زاد عليها بحسابه، وقال ~~أبو حنيفة: لا زكاة فيما زاد على مائتين حتى يبلغ أربعين درهما، فيجب فيها ~~درهم سادس، والورق المطبوعة والنقار سواء. # وأما الذهب فنصابه عشرون مثقالا بمثاقيل الإسلام يجب فيه ربع عشره وهو ~~نصف مثقال، وفيما زاد بحسابه، ويستوي فيه خالصه ومطبوعه، ولا تضم الفضة إلى ~~الذهب، ويعتبر نصاب كل واحد منهما على انفراده، وضم مالك وأبو حنيفة الأقل ~~إلى الأكثر وقوماه بقيمة الأكثر، وإذا اتجر بالدراهم والدنانير تجب ~~زكاتهما، وربحهما تبع لهما إذا حال الحول؛ لأن زكاة الفضة والذهب تجب بحول ~~الحول عليهما، وأسقط داود زكاة مال التجارة، وشذ بهذا القول عن الجماعة، ~~وإذا اتخذ من الفضة والذهب حليا مباحا سقط زكاته في أصح قولي الشافعي وهو ~~مذهب مالك، ووجبت في أضعفهما، وهو قول أبي حنيفة، وإن اتخذ منهما ما حظر من ~~الحلي والأواني وجبت زكاته في قول الجمع2. PageV01P190 PageV01P191 ### || فصل: "زكاة المعادن" # وأما المعادن فهي من الأموال الظاهرة واختلف الفقهاء فيما تجب فيه الزكاة ~~منها، فأوجبها أبو حنيفة في كل ما ينطبع من فضة وذهب وصفر ونحاس، وأسقطها ~~عما لا ينطبع ms130 من مائع وحجر؛ وأوجبها أبو يوسف فيما يستعمل منها حليا ~~كالجواهر، وعلى مذهب الشافعي تجب في معادن الفضة والذهب خاصة إذا بلغ ~~المأخوذ من كل واحد منهما بعد السبك والتصفية نصابا، ففي قدر المأخوذ من ~~زكاته ثلاثة أقاويل: # أحدها: ربع العشر كالمقتنى من الذهب والفضة. # والقول الثاني: الخمس كالركاز. # والقول الثالث: يعتبر حاله، فإن كثرت مؤنته ففيه ربع العشر، وإن قلت ~~مؤنته ففيه الخمس، ولا يعتبر فيه الحول؛ لأنها فائدة تزكى لوقتها1. # أما الركاز: فهو كل مال وجد مدفونا من ضرب الجاهلية في موات أو طريق ~~سابل، يكون لواجده، وعليه خمسه يصرف في مصرف الزكاة؛ لقول النبي -صلى الله ~~عليه وسلم: "وفي الركاز الخمس" 2 وقال أبو حنيفة: واجد الركاز مخير بين ~~إظهاره وبين إخفائه، والإمام إذا ظهر له مخير بين أخذ الخمس أو تركه، وما ~~وجد في أرض مملوكة فهو في الظاهر لمالك الأرض لا حق فيه لواجده، ولا شيء ~~فيه على مالكه، إلا ما يجب من زكاة إن يكن قد أداها عنه، وما وجد ~~PageV01P192 # من ضرب الإسلام مدفونا أو غير مدفون، فهو لقطة يجب تعريفها حولا، فإن جاء ~~صاحبها، وإلا فللواجد أن يتملكها مضمونة في ذمته لمالكها إذا ظهر. # فصل: # وعلى عامل الصدقة أن يدعو لأهلها عند الدفع ترغيبا لهم في المسارعة، ~~وتمييزا لهم من أهل الذمة في الجزية، وامتثالا لقوله تعالى: {خذ من أموالهم ~~صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم} [التوبة: 103] . # ومعنى قوله -سبحانه وتعالى: {تطهرهم وتزكيهم بها} أي: تطهر ذنوبهم وتزكي ~~أعمالهم، وفي قوله تعالى: {وصل عليهم} وجهان: # أحدهما: استغفر لهم، وهو قول ابن عباس -رضي الله عنه. # والثاني: ادع لهم، وهو قول الجمهور، وفي قوله تعالى: {إن صلاتك سكن لهم} ~~أربع تأويلات: أحدها: قربة لهم، وهو قول ابن عباس. # والثاني: رحمة لهم، وهو قول طلحة. # والثالث: تثبيت لهم، وهو قول ابن قتيبة. # والرابع: أمن لهم، وهو من الاستحباب إن لم يسأل، وفي استحقاقه إذا سئل ~~وجهان: # أحدهما: مستحب، والثاني: مستحق. # وإذا ms131 كتم الرجل زكاة ماله وأخفاها عن العامل مع عدله، أخذها العامل منه ~~إذا ظهر عليها، ونظر في سبب إخفائها، فإن كان ليتولى إخراجها بنفسه لم ~~يعزره، وإن أخفاها ليغلها ويمنع حق الله عزره ولم يغرمه زيادة عليها، وقال ~~مالك: يأخذ منه شطر ماله؛ لقوله -عليه الصلاة والسلام: "من غل صدقة فأنا ~~آخذها وشطر ماله عزمة من عزمات الله، ليس لآل محمد فيها نصيب" 1. # وفي قول النبي -عليه الصلاة والسلام: "ليس في المال حق سوى الزكاة" 2. # ما يصرف هذا الحديث عن ظاهره من الإيجاب إلى الزجر والإرهاب، كما قال: ~~"من قتل PageV01P193 # عبده قتلناه" وإن كان لا يقتل بعبده، وإذا كان العامل جائرا في الصدقة ~~عادلا في قسمتها، جاز كتمها وأجزأ دفعها إليه، وإذا كان عادلا في أخذها ~~جائرا في قسمتها وجب كتمانها منه ولم يجز دفعها إليه؛ فإن أخذها طوعا أو ~~جبرا لم يجزهم عن حق الله تعالى في أموالهم، ولزمهم إخراجها بأنفسهم إلى ~~مستحقيها من أهل السهمان، وقال مالك: يجزئهم ولا يلزمهم إعادتها. # وإذا أقر عامل الصدقات بقبضها من أهلها قبل قوله وقت ولايته، سواء كان من ~~عمال التفويض أو من عمال التنفيذ، وفي قبول قوله بعد عزله وجهان تخريجا من ~~القولين في دفع زكاة الأموال الظاهرة إليه، هل هو مستحب أو مستحق؟ فإن قيل: ~~مستحب قبل قوله بعد العزل، وإن قيل: مستحق لم يقبل قوله إلا ببينة، ولم يجز ~~أن يكون شاهدا بقبضها وإن كان عدلا، وإذا ادعى رب المال إخراجها، فإن كان ~~مع تأخير العامل عنه بعد إمكان أدائها قبل قوله، وأحلفه العامل إن اتهمه. # وفي استحقاق هذه اليمين وجهان: # أحدهما: مستحقه إن نكل عنها أخذت منه الزكاة. # والوجه الثاني: استظهارا إن نكل عنها لم تؤخذ منه، وإن ادعى ذلك مع حضور ~~العامل لم يقبل قوله في الدفع إن قيل: إن دفعها إلى العامل مستحق، وقبل ~~قوله إن قيل: إنه مستحب. PageV01P194 ### || فصل: "مصارف الزكاة" # وأما قسم الصدقات في مستحقيها؛ فهي لمن ذكر الله تعالى في كتابه العزيز ~~بقوله: ms132 {إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم ~~وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل فريضة من الله والله عليم ~~حكيم} [التوبة: 60] . بعد أن كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقسمها ~~على رأيه واجتهاده، حتى لزمه بعض المنافقين وقال: اعدل يا رسول الله، فقال: ~~"ثكلتك أمك، إذا لم أعدل فمن يعدل". # ثم نزلت عليه آية الصدقات بعد، فعندها قال رسول الله -صلى الله عليه ~~وسلم: "إن الله تعالى لم يرض في قسمة الأموال بملك مقرب ولا بنبي مرسل حتى ~~تولى قسمتها بنفسه"1. # فواجب أن تقسم صدقات المواشي، وأعشار الزرع والثمار، وزكاة الأموال ~~والمعادن، وخمس الركاز؛ لأن جميعها زكاة على ثمانية أسهم للأصناف الثمانية ~~إذا وجدوا، ولا يجوز أن يخل بصنف منهم، وقال أبو حنيفة: يجوز أن يصرفها إلى ~~أحد الأصناف الثمانية مع وجودهم، ولا يجب أن يدفعها إلى جميعهم، وفي تسوية ~~الله تعالى بينهم في آية الصدقات ما يمنع من الاقتصار على بعضهم، فواجب على ~~عامل الصدقات بعد تكاملها ووجود جميع من سمي لها أن يقسمها على ثمانية أسهم ~~بالتسوية، فيدفع سهما منها إلى الفقراء، والفقير هو الذي لا شيء له، ثم ~~يدفع السهم الثاني إلى المساكين، والمسكين هو الذي له ما لا يكفيه، فكان ~~الفقير أسوأ حالا منه. # وقال أبو حنيفة: المسكين أسوأ حالا من الفقير، وهو الذي قد أسكنه العدم، ~~فيدفع إلى كل واحد منهما إذا اتسعت الزكاة ما يخرج به من اسم الفقر ~~والمسكنة إلى أدنى مراتب الغنى، وذلك معتبر بحسب حالهم، فمنهم من يصير ~~بالدينار الواحد غنيا إذا كان من أهل الأسواق يربح فيه قدر كفايته، فلا ~~يجوز أن يزاد عليه، ومنهم من لا يستغني إلا بمائة دينار فيجوز أن يدفع إليه ~~أكثر منه، ومنهم من يكون ذا جلد يكتسب بصناعته قدر كفايته، فلا يجوز أن ~~يعطى، وإن كان لا يملك درهما، وقدر أبو حنيفة -رضي الله عنه- أكثر ما يعطاه ~~الفقير PageV01P195 # والمسكين بما دون مائتي درهم من الورق، وما دون عشرين دينارا من الذهب؛ ~~لئلا ms133 تجب عليه الزكاة فيما أخذ من الزكاة. # ثم السهم الثالث سهم العاملين عليها وهم صنفان: # أحدهما: المقيمون بأخذها وجبايتها. # والثاني: المقيمون بقسمتها وتفريقها من أمين ومباشر متبوع وتابع. # جعل الله تعالى أجورهم في مال الزكاة لئلا يؤخذ من أرباب الأموال سواها، ~~فيدفع إليهم من سهمهم قدر أجور أمثالهم؛ فإن كان سهمهم منها أكثر رد الفضل ~~على باقي السهام، وإن كان أقل تممت أجورهم من مال الزكاة في أحد الوجهين، ~~ومن مال المصالح في الوجه الآخر. # والسهم الرابع: المؤلفة قلوبهم، وهم أربعة أصناف: صنف يتألفهم لمعونة ~~المسلمين، وصنف يتألفهم للكف عن المسلمين، وصنف يتألفهم لرغبتهم في ~~الإسلام، وصنف لترغيب قومهم وعشائرهم في الإسلام، فمن كان من هذه الأصناف ~~الأربعة مسلما جاز أن يعطى من سهم المؤلفة من الزكاة، ومن كان منهم مشركا ~~عدل به عن مال الزكاة إلى سهم المصالح من الفيء والغنائم. # والسهم الخامس: سهم الرقاب، وهو عند الشافعي وأبي حنيفة مصروف في ~~المكاتبين يدفع إليهم قدر ما يعتقون به، وقال مالك يصرف في شراء عبيد ~~يعتقون. # والسهم السادس: للغارمين، وهم صنفان: صنف منهم استدانوا في مصالح أنفسهم، ~~فيدفع إليهم مع الفقر دون الغنى ما يقضون به ديونهم، وصنف منهم استدانوا في ~~مصالح المسلمين، فيدفع إليهم مع الفقر والغنى قدر ديونهم من غير فضل. # والسهم السابع: سهم سبيل الله تعالى، وهم الغزاة يدفع إليهم من سهمهم قدر ~~حاجتهم في جهادهم، فإن كانوا يرابطون في الثغر دفع إليهم نفقة ذهابهم، وما ~~أمكن من نفقات مقامهم، وإن كانوا يعودون إذا جاهدوا أعطوا نفقة ذهابهم ~~وعودهم. # والسهم الثامن: سهم ابن السبيل، وهم المسافرون الذين لا يجدون نفقة ~~سفرهم، يدفع إليهم من سهمهم إذا لم يكن سفر معصية قدر كفايتهم في سفرهم، ~~وسواء من كان PageV01P196 # منهم مبتدئا بالسفر أو مجتازا، وقال أبو حنيفة: أدفعه إلى المجتاز دون ~~المبتدئ بالسفر. # وإذا قسمت الزكاة في الأصناف الثمانية لم يخل حالهم بعدها من خمسة أقسام: # أحدها: أن تكون وفق كفايتهم من غير نقص ولا زيادة، فقد خرجوا ms134 بما أخذوه ~~من أهل الصدقات، وحرم عليهم التعرض لها. # والقسم الثاني: أن تكون مقصرة عن كفايتهم، فلا يخرجون من أهلها، ويحالون ~~بباقي كفايتهم على غيرها. # والقسم الثالث: أن تكون كافية لبعضهم مقصرة عن الباقين، فيخرج المكتفون ~~عن أهلها، ويكون المقصرون على حالهم من أهل الصدقات. # والقسم الرابع: أن تفضل عن كفاية جميعهم فيخرجون من أهلها بالكفاية، ويرد ~~الفاضل من سهامهم على غيرهم من أقرب البلاد إليه. # والقسم الخامس: أن تفضل عن كفايات بعضهم وتعجز عن كفايات الباقين، فيرد ~~ما فضل عن المكتفين على من عجز من المقصرين حتى يكتفي الفريقان. # وإذا عدم بعض الأصناف الثمانية قسمت الزكاة على من يوجد منهم ولو كان ~~صنفا واحدا؛ ولا ينقل سهم من عدم منهم في جيران المال إلا سهم سبيل الله في ~~الغزاة، فإنه ينقل إليهم؛ لأنهم يسكنون الثغور في الأغلب؛ وتفرق زكاة كل ~~ناحية في أهلها، ولا يجوز أن تنقل زكاة بلد إلى غيره إلا عند عدم وجود أهل ~~السهمان فيه؛ فإن نقلها عنه مع وجودهم فيه لم يجزئه في أحد القولين، وأجزأه ~~في القول الآخر، وهو مذهب أبي حنيفة. # ولا يجوز دفع الزكاة إلى كافر، وجوز أبو حنيفة دفع زكاة الفطر خاصة إلى ~~الذمي دون المعاهد، ولا يجوز دفعها إلى ذوي القربى من بني هاشم وبني عبد ~~المطلب تنزيها لهم عن أوساخ الذنوب، وجوز أبو حنيفة دفعها إليهم، ولا يجوز ~~أن تدفع إلى عبد ولا مدبر، ولا أم ولد، ولا من رق بعضه؛ ولا يدفعها الرجل ~~إلى زوجته، ويجوز أن تدفع المرأة زكاتها إلى زوجها، ومنع أبو حنيفة من ذلك. # ولا يجوز أن يدفع أحد زكاته إلى من تجب عليه نفقته من والد أو ولد لغناهم ~~به، إلا من سهم الغارمين إذا كانوا منهم، ويجوز أن يدفعها إلى من سواهم من ~~أقاربه، وصرفها فيهم PageV01P197 # أفضل من الأجانب، وفي جيران المال أفضل من الأباعد، وإذا أحضر رب المال ~~أقاربه إلى العامل ليخصهم بزكاة ماله، فإن لم تختلط زكاته بزكاة غيره خصهم ~~بها، ms135 فإن اختلطت كانوا في المختلط أسوة بغيرهم، لكن لا يخرجهم منها؛ لأن ~~فيها ما هم به أحق وأخص. # وإذا استراب رب المال بالعامل في مصرف زكاته، وسأله أن يشرف على قسمتها ~~لم يلزمه إجابته إلى ذلك؛ لأنه قد برئ منها بدفعها إليه، ولو سأل العامل رب ~~المال أن يحضر قسمتها لم يلزمه الحضور لبراءته منها بالدفع، وإذا هلكت ~~الزكاة في يد العامل قبل قسمتها أجزأت رب المال، ولم يضمنها العامل إلا ~~بالعدوان، وإذا تلفت الزكاة في يد رب المال قبل وصولها إلى العامل لم تجزه ~~وأعادها، ولو تلف ماله قبل إخراج زكاته سقطت عنه، إن كان تلفه قبل إمكان ~~أدائها، ولا تسقط إن كان تلفه بعد إمكان أدائها، وإذا ادعى رب المال تلف ~~ماله قبل ضمان زكاته كان قولا مقبولا؛ وإن اتهمه العامل أحلفه استظهارا، ~~ولا يجوز للعامل أن يأخذ رشوة أرباب الأموال ولا يقبل هداياهم. # قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم: "هدايا العمال غلول" 1. # والفرق بين الرشوة والهدية: أن الرشوة ما أخذت طلبا، والهدية ما بذلت ~~عفوا، فإذا ظهرت على العامل خيانة، كان الإمام هو الناظر في حاله، المستدرك ~~لخيانته، دون أرباب الأموال، ولم يتعين لأهل السهمان في خصومته، إلا أن ~~يتظلموا إلى الإمام تظلم الحاجات، ولا تقبل شهادتهم على العامل للتهمة ~~اللاحقة بهم، فأما شهادة أرباب الأموال عليه؛ فإن كانت في أخذ الزكاة منهم ~~لم تسمع شهادتهم، وإن كانت في وضعه لها غير حقها سمعت. # وإذا ادعى أرباب الأموال دفع الزكاة إلى العامل وأنكرها، أحلف أرباب ~~الأموال على ما ادعوه وبرئوا، وأحلف العامل على ما أنكره وبرئ، فإن شهد بعض ~~أرباب الأموال لبعض بالدفع إلى العامل، فإن كان بعد التناكر والتخاصم لم ~~تسمع شهادتهم عليه، وإن كان قبلهما سمعت، وحكم على العامل بالغرم، فإن ادعى ~~بعد الشهادة أنه قسمها في أهل السهمان لم يقبل منه؛ لأنه قد أكذب هذه ~~الدعوى بإنكاره، فإن شهد له أهل السهمان بأخذها منه لم تقبل شهادتهم؛ لأنه ~~قد أكذبهم بإنكار الأخذ، وإذا ms136 أقر العامل بقبض الزكاة وادعى قسمتها في ~~PageV01P198 # أهل السهمان فأنكروه، كان قوله في قسمتها مقبولا؛ لأنه مؤمن فيها؛ وقولهم ~~في إنكار مقبول في بقاء فقرهم وحاجتهم، ومن ادعى من أهل السهمان فقرا قبل ~~منه، ومن ادعى غرما لم يقبل منه ولا ببينة؟ وإذا أقر رب المال عند العامل ~~بقدر زكاته ولم يخبره بمبلغ ماله، جاز أن يأخذها منه على قوله، ولم يأخذه ~~بإحضار ماله جبرا، وإذا أخطأ العامل في قسم الزكاة ووضعها في غير مستحق لم ~~يضمن فيمن يخفى حاله من الأغنياء، وفي ضمانه لها فيمن لا يخفى حاله من ذوي ~~القربى والكفار والعبيد قولان، ولو كان رب المال هو الخاطئ في قسمتها ضمنها ~~فيمن لا يخفى حاله من ذوي القربى والعبيد. # وفي ضمانها فيمن يخفى حاله من الأغنياء قولان: ويكون حكم العامل في سقوط ~~الضمان أوسع؛ لأن شغله أكثر فكان في الخطإ أعذر. PageV01P199 ### | الباب الثاني عشر: "في قسم الفيء والغنيمة" # وأموال الفيء1 والغنائم2 ما وصلت من المشركين أو كانوا سبب وصولها. # ويختلف المالان في حكمهما، وهما مخالفان لأموال الصدقات من أربعة أوجه: # أحدها: إن الصدقات مأخوذة من المسلمين تطهيرا لهم، والفيء والغنيمة ~~مأخوذان من الكفار انتقاما منهم. # والثاني: إن مصرف الصدقات منصوص عليه، ليس للأئمة اجتهاد فيه، وفي أموال ~~الفيء والغنيمة ما يقف مصرفه على اجتهاد الأئمة. # والثالث: إن أموال الصدقات يجوز أن ينفرد أربابها بقسمتها في أهلها، ولا ~~يجوز لأهل الفيء والغنيمة أن ينفردوا بوضعه في مستحقه حتى يتولاه أهل ~~الاجتهاد من الولاة. # والرابع: اختلاف المصرفين على ما سنوضح. # أما الفيء والغنيمة فهما متفقان من وجهين، ومختلفان من وجهين: # فأما وجها اتفاقهما فأحدهما: إن كل واحد من المالين واصل بالكفر. # والثاني: إن مصرف خمسهما واحد. # وأما وجها افتراقهما فأحدهما: إن مال الفيء مأخوذ عفوا، ومال الغنيمة ~~مأخوذ قهرا. # والثاني: إن مصرف أربعة أخماس الفيء مخالف الغنيمة لمصرف أربعة أخماس ~~الغنيمة ما سنوضح -إن شاء الله تعالى. # وسنبدأ بمال الفيء فنقول: إن كل مال وصل من المشركين عفوا من ms137 غير قتال، ~~ولا بإيجاف خيل ولا ركاب، فهو كمال الهدنة والجزية وأعشار متاجرهم، أو كان ~~واصلا بسبب PageV01P200 # من جهتهم كمال الخراج، ففيه إذا أخذ منهم أداء الخمس لأهل الخمس مقسوما ~~على خمسة. # وقال أبو حنيفة -رضي الله عنه: لا خمس في الفيء1، ونص الكتاب في خمس ~~الفيء يمنع من مخالفته، قال الله تعالى: {ما أفاء الله على رسوله من أهل ~~القرى فلله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل} [الحشر: ~~7] . # فيقسم الخمس على خمسة أسهم متساوية: سهم منها كان لرسول الله -صلى الله ~~عليه وسلم- في حياته، ينفق منه على نفسه وأزواجه، ويصرفه في مصالحه ومصالح ~~المسلمين، واختلف الناس فيه بعد موته؛ فذهب من يقول بميراث الأنبياء إلى ~~أنه موروث عنه مصروف إلى ورثته. # وقال أبو ثور2: يكون ملكا للإمام بعده؛ لقيامه بأمور الأمة مقامه. وقال ~~أبو حنيفة: قد سقط بموته، وذهب الشافعي -رضي الله عنه- إلى أنه يكون مصروفا ~~في مصالح المسلمين؛ كأرزاق الجيش وإعداد الكراع والسلاح، وبناء الحصون ~~والقناطر، وأرزاق القضاء والأئمة، وما جرى هذا المجرى من وجوه المصالح3. ~~PageV01P201 # والسهم الثاني: سهم ذوي القربى: زعم أبو حنيفة أنه قد سقط حقهم منه ~~اليوم، وعند الشافعي أن حقهم فيه ثابت، وهم بنو هاشم وبنو عبد المطلب ابنا ~~عبد مناف خاصة لا حق فيه لمن سواهم من قريش كلها، يسوى فيه بين صغارهم ~~وكبارهم، وأغنيائهم وفقرائهم، ويفضل فيه بين الرجال والنساء مثل حظ ~~الأنثيين؛ لأنهم أعطوه باسم القرابة، ولا حق فيه لمواليهم ولا لأولاد ~~بناتهم، ومن مات منهم بعد حصول المال وقبل قسمه كان سهمه منه مستحقا ~~لورثته1. # والسهم الثالث: لليتامى من ذوي الحاجات، واليتم: موت الأب مع الصغر، ~~ويستوي فيه حكم الغلام والجارية؛ فإذا بلغا زال اسم اليتم عنهما، قال رسول ~~الله -صلى الله عليه وسلم: "لا يتم بعد حلم" 2. # والسهم الرابع: للمساكين، وهم الذين لا يجدون ما يكفيهم من أهل الفيء؛ ~~لأن مساكين الفيء يتميزون عن مساكين الصدقات لاختلاف مصرفهما. PageV01P202 # والسهم الخامس: لبني السبيل، وهم المسافرون من أهل الفيء لا ms138 يجدون ما ~~ينفقون، وسواء منهم من ابتدأ بالسفر أو كان مجتازا، فهذا حكم الخمس في ~~قسمه، وأما أربعة أخماسه ففيه قولان: أحدهما: إنه للجيش خاصة لا يشاركهم ~~فيه غيرهم؛ ليكون معدا لأرزاقهم. # والقول الثاني: إنه مصروف في المصالح التي منها أرزاق الجيش، وما لا غنى ~~للمسلمين عنه. # ولا يجوز أن يصرف الفيء في أهل الصدقات، ولا تصرف الصدقات في أهل الفيء، ~~ويصرف كل واحد من المالين في أهله، وأهل الصدقة من لا هجرة له، وليس من ~~المقاتلة عن المسلمين، ولا من حماة البيضة، وأهل الفيء هم ذوو الهجرة ~~الذابون عن البيضة، والمانعون عن الحريم، والمجاهدون للعدو، وكان اسم ~~الهجرة لا ينطلق إلا على من هاجر من وطنه إلى المدينة لطلب الإسلام، وكانت ~~كل قبيلة أسلمت وهاجرت بأسرها تدعى البررة، وكل قبيلة هاجر بعضها تدعى ~~الخيرة، فكان المهاجرون بررة وخيرة، ثم سقط حكم الهجرة بعد الفتح وصار ~~المسلمون مهاجرين وأعرابا، فكان أهل الصدقة يسمون على عهد رسول الله -صلى ~~الله عليه وسلم- أعرابا، ويسمى أهل الفيء مهاجرين، وهو ظاهر في أشعارهم كما ~~قال فيه بعضهم1 "من السريع": # قد لفها الليل بعصلبي %~% أروع خراج من الدوي # مهاجر ليس بأعرابي # ولاختلاف الفريقين في حكم المالين ما تميز، وسوى أبو حنيفة بينهما، وجوز ~~صرف كل واحد من المالين في كل واحد من الفريقين. # وإذا أراد الإمام أن يصل قوما لتعود صلاتهم بمصالح المسلمين -كالرسل ~~والمؤلفة- جاز أن يصلهم من مال الفيء؛ فقد أعطى رسول الله -صلى الله عليه ~~وسلم- المؤلفة يوم حنين، فأعطى عيينة بن حصن الفزاري مائة بعير، والأقرع بن ~~حابس التميمي مائة بعير، والعباس بن مرداس السلمي خمسين بعيرا، فتسخطها ~~وعتب على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وقال "من المتقارب": PageV01P203 # كانت نهابا تلافيتها %~% بكري على المهر في الأجرع # وإيقاظي القوم أن يرقدوا %~% إذا هجع القوم لم أهجع # فأصبح نهبي ونهب العبي %~% د بين عيينة والأقرع # وقد كنت في الحرب ذا قدرة %~% فلم أعط شيئا ولم أمنع # وإلا أقاتل أعطيتها %~% عديد قوائمها الأربع # فما كان حصن ms139 ولا حابس %~% يفوقان مرداسا في مجمع # ولا كنت دون امرئ منهما %~% ومن تضع اليوم لا يرفع # فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لعلي بن أبي طالب: "اذهب فاقطع عني ~~لسانه". # فلما ذهب به قال: أتريد أن تقطع لساني؟ قال: لا. ولكن أعطيك حتى ترضى، ~~فأعطاه فكان ذلك قطع لسانه، فأما إذا كانت صلة الإمام لا تعود بمصلحة على ~~المسلمين، وكان المقصود بها نفع المعطي خاصة، كانت صلاتهم من ماله. # روي أن أعرابيا أتى عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- فقال "من السريع": # يا عمر الخير جزيت الجنه %~% اكس بنياتي وأمهنه # وكن لنا من الزمان جنه %~% أقسم بالله لتفعلنه # فقال عمر -رضي الله عنه: إن لم أفعل يكون ماذا؟ فقال: # إذا أبا حفص لأذهبنه # فقال: وإذا ذهبت يكون ماذا؟ فقال: # يكون عن حالي لتسألنه %~% يوم تكون الأعطيات هنه # وموقف المسئول بينهنه %~% إما إلى نار وإما جنه # قال: فبكى عمر -رضي الله عنه- حتى خضبت لحيته وقال: يا غلام، أعطه قميصي ~~هذا لذلك اليوم لا لشعره، أنا والله لا أملك غيره، فجعل ما وصل به من ماله ~~لا من مال المسلمين؛ لأن صلته لا تعود بنفع على غيره، فخرجت من المصالح ~~العامة، ومثل هذا PageV01P204 # الأعرابي يكون من أهل الصدقة، غير أن عمر -رضي الله عنه- لم يعطه منها، ~~إما لأجل شعره الذي استزله فيه، وإما لأن الصدقة مصروفة في جيرانها، ولم ~~يكن منهم، وكان مما نقمه الناس على عثمان -رضي الله عنه- أن جعل كل الصلات ~~من مال الفيء ولم ير الفرق بين الأمرين. # ويجوز للإمام أن يعطي ذكور أولاده مال الفيء1؛ لأنهم من أهله، فإن كانوا ~~صغارا كانوا في إعطاء الذراري من ذوي السابقة والتقدم، وإن كانوا كبارا ففي ~~إعطاء المقاتلة من أمثالهم. # حكى ابن إسحاق أن عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- لما بلغ أتى أباه عمر ~~بن الخطاب -رضي الله عنه- وسأله أن يفرض له، ففرض له فيء ألفين، ثم جاء ~~غلام من أبناء الأنصار قد بلغ، فسأله أن يفرض له، ففرض له فيء ms140 ثلاثة آلاف، ~~فقال عبد الله: يا أمير المؤمنين، فرضت لي فيء ألفين وفرضت لهذا فيء ثلاثة ~~آلاف، ولم يشهد أبو هذا ما قد شهدت، قال: أجل، لكني رأيت أبا أمك يقاتل ~~رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ورأيت أبا أم هذا يقاتل مع رسول الله -صلى ~~الله عليه وسلم، وللأم أكثر من الألف. # ولا يجوز للإمام أن يعطي أولاده من مال الفيء؛ لأنهم من جملة ذريته ~~الداخلين في عطائه، وأما عبيده وعبيد غيره، فإن لم يكونوا مقاتلة فنفقاتهم ~~في ماله ومال ساداتهم، وإن كانوا مقاتلة فقد كان أبو بكر -رضي الله عنه- ~~يفرض لهم في العطاء، ولم يفرض لهم عمر -رضي الله عنه، والشافعي -رحمه الله- ~~يأخذ فيهم بقول عمر -رضي الله عنه، فلا يفرض لهم في العطاء، ولكن تزاد ~~ساداتهم في العطاء لأجلهم؛ لأن زيادة العطاء معتبرة بحال الذرية؛ فإن عتقوا ~~جاز أن يفرض لهم في العطاء، ويجوز أن يفرض لنقباء أهل الفيء في عطاياهم، ~~ولا يجوز أن يفرض لعمالهم؛ لأن النقباء منهم والعمال يأخذون أجرا على ~~عملهم. # ويجوز أن يكون عامل الفيء من ذوي القربى من بني هاشم وبني عبد المطلب، ~~ولا يجوز أن يكون عامل الصدقات منهما إذا أراد سهمه منها إلا أن يتطوع؛ لأن ~~بني هاشم وبني عبد المطلب تحرم عليهم الصدقات ولا يحرم عليهم الفيء، ولا ~~يجوز لعامل الفيء أن يقسم ما جباه إلا بإذن. # ويجوز لعامل الصدقات أن يقسم ما جباه بغير إذن ما لم ينه عنه، لما ~~PageV01P205 # قدمناه من صرف مال الفيء عن اجتهاد الإمام، ومصرف الصدقة نص بالكتاب. # وصفة عامل الفيء مع وجود أمانته وشهامته تختلف بحسب اختلاف ولايته فيه: ~~هي تنقسم ثلاثة أقسام: # القسم الأول: أحدها: أن يتولى تقدير أموال الفيء، وتقدير وضعها في الجهات ~~المستحقة منها؛ كوضع الخراج والجزية، فمن شروط ولاية هذا العامل أن يكون ~~حرا مسلما مجتهدا في أحكام الشريعة مضطلعا بالحساب والمساحة. # والقسم الثاني: أن يكون عام الولاية على جباية ما استقر من أموال الفيء ~~كلها، فالمعتبر في صحة ولايته ms141 شروط الإسلام والحرية والاضطلاع بالحساب ~~والمساحة، ولا يعتبر أن يكون فقيها مجتهدا؛ لأنه يتولى قبض ما استقر بوضع ~~غيره. # والقسم الثالث: أن يكون خاص الولاية على نوع من أموال الفيء خاص فيعتبر ~~ما وليه منها، فإن لم يستغن فيه عن استنابة اعتبر فيه الإسلام والحرية، مع ~~اضطلاعه بشروط ما ولي من مساحة أو حساب، ولم يجز أن يكون ذميا ولا عبدا؛ ~~لأن فيها ولاية، وإن استغنى عن الاستنابة جاز أن يكون عبدا؛ لأنه كالرسول ~~المأمور، وأما كونه ذميا فينظر فيما رد إليه من مال الفيء، فإن كانت ~~معاملته فيه مع أهل الذمة كالجزية وأخذ العشر من أموالهم؛ جاز أن يكون ~~ذميا، وإن كانت معاملته فيه مع المسلمين كالخراج الموضوع على رقاب الأرضين ~~إذا صارت في أيدي المسلمين ففي جواز كونه ذميا وجهان. # وإذا بطلت ولاية العامل فقبض مال الفيء مع فساد ولايته برئ الدافع مما ~~عليه إذا لم ينهه عن القبض؛ لأن القابض منه مأذون له، وإن فسدت ولايته وجرى ~~في القبض مجرى الرسول، ويكون الفرق بين صحة ولايته وفسادها، أن له الإجبار ~~على الدفع مع صحة الولاية، وله الإجبار مع فسادها، فإن نهي عن القبض مع ~~فساد ولايته لم يكن له القبض ولا الإجبار، ولم يبرأ الدافع بالدفع إليه إذا ~~علم بنهيه، وفي براءته إذا لم يعلم بالنهي وجهان كالوكيل. PageV01P206 ### || فصل: "أحكام الغنيمة" # فأما الغنيمة فهي أكثر أقساما وأحكاما؛ لأنها أصل تفرع عنه الفيء، فكان ~~حكمها أعم. # وتشتمل على أقسام: أسرى، وسبي، وأرضين، وأموال. # فأما الأسرى: فهم المقاتلون من الكفار إذا ظفر المسلمون بأسرهم أحياء، ~~فقد اختلف الفقهاء في حكمهم؛ فذهب الشافعي -رحمه الله- إلى أن الإمام أو من ~~استنابه الإمام عليهم في أمر الجهاد مخير فيهم، إذا أقاموا على كفرهم في ~~الأصلح من أحد أربعة أشياء: إما القتل، وإما الاسترقاق، وإما الفداء بمال ~~أو أسرى، وإما المن عليهم بغير فداء1. # فإن أسلموا سقط القتل عنهم، وكان على خياره في أحد الثلاثة3، وقال مالك: ~~يكون مخيرا بين ثلاثة أشياء: القتل ms142 أو الاسترقاق أو المفاداة بالرجال دون ~~المال، وليس له المن، PageV01P207 # وقال أبو حنيفة: يكون مخيرا بين شيئين القتل أو الاسترقاق، وليس له المن ~~ولا المفاداة بالمال؛ وقد جاء القرآن بالمن والفداء، قال تعالى: {فإما منا ~~بعد وإما فداء حتى تضع الحرب أوزارها} [محمد: 4] ، ومن رسول الله -صلى الله ~~عليه وسلم- على أبي عزة الجمحي1 يوم بدر، وشرط عليه ألا يعود لقتاله فعاد ~~لقتاله يوم أحد، فأسر فأمر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بقتله، فقال: ~~امنن علي فقال: "لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين" 2. ولما قتل النضر بن الحارث ~~بالصفراء بعد انكفائه من بدر لما استوقفته ابنته قتيلة يوم فتح مكة وأنشدته ~~قولها "من الكامل": # يا راكبا إن الأثيل مظنة %~% عن صبح خامسة وأنت موفق # أبلغ به ميتا فإن تحية %~% ما إن تزال بها الركائب تخفق # مني إليه وعبرة مسفوحة %~% جاءت لمائحها وأخرى تخنق # أمحمد يا خير ضنء كريمة %~% في قومها والفحل فحل معرق # النضر أقرب من قتلت قرابة %~% وأحقهم إن كان عتق يعتق # ما كان ضرك لو مننت وربما %~% من الفتى وهو المغيظ المحنق # فقال النبي -صلى الله عليه وسلم: "لو سمعت شعرها ما قتلته" 3، ولو لم يجز ~~المن لما قال هذا؛ لأن أقواله أحكام مشروعة. # وأما الفداء: فقد أخذ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فداء أسرى بدر ~~وفادى بعدهم رجلا برجلين، فإذا ثبت خياره فيمن لم يسلم بين الأمور الأربعة، ~~تصفح أحوالهم واجتهد برأيه فيهم. # فمن علم منه قوة بأس وشدة نكاية ويئس من إسلامه، وعلم ما في قتله من وهن ~~قومه قتله صبرا من غير مثلة. # ومن رآه منهم ذا جلد وقوة على العمل، وكان مأمون الخيانة والخباثة ~~استرقه؛ ليكون عونا للمسلمين. # ومن رآه منهم مرجو الإسلام أو مطاعا في قومه، ورجا بالمن عليه إما إسلامه ~~أو تأليف PageV01P208 # قومه من عليه وأطلقه. # ومن وجد منهم ذا مال وجدة وكان بالمسلمين خلة وحاجة، فأداه على مال وجعله ~~عدة للإسلام وقوة للمسلمين. # وإن كان في أسرى عشيرته أحد من المسلمين من ms143 رجال أو نساء فأداه على ~~إطلاقهم، فيكون خياره في الأربعة على وجه الأحوط الأصلح، ويكون المال ~~المأخوذ في الفداء غنيمة تضاف إلى الغنائم، ولا يخص بها من أسر من ~~المسلمين، فإن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- دفع فداء الأسرى من أهل بدر ~~إلى من أسرهم قبل نزول قسم الغنيمة في الغانمين: ومن أباح الإمام دمه من ~~المشركين لعظم نكايته وشدة أذيته، ثم أسر جاز له المن عليه والعفو عنه. # قد أمر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بقتل ستة عام الفتح ولو تعلقوا ~~بأستار الكعبة: عبد الله بن سعد بن أبي سرح، كان يكتب الوحي لرسول الله ~~-صلى الله عليه وسلم- فيقول له: "اكتب غفور رحيم" فيكتب عليم حكيم، ثم ارتد ~~فلحق بقريش، وقال: إني أصرف محمدا حيث شئت، فنزل فيه قوله تعالى: {ومن قال ~~سأنزل مثل ما أنزل الله} [الأنعام: 93] . # وعبد الله بن خطل، كانت له قينتان تغنيان بسب رسول الله -صلى الله عليه ~~وسلم، والحويرث بن نفيل، كان يؤذي رسول الله -صلى الله عليه وسلم، ومقيس بن ~~حبابة، كان بعض الأنصار قتل أخا له خطأ فأخذ ديته ثم اغتال القاتل فقتله، ~~وعاد إلى مكة مرتدا وأنشأ يقول "من الطويل": # شفى النفس أن قد بات بالقاع مسندا %~% يضرج ثوبيه دماء الأخادع # وكانت هموم النفس من قبل قتله %~% تلم فتحفي عن وطاء المضاجع # ثأرت به قهرا وحملت عقله %~% سراة بني النجار أرباب فارع # وأدركت ثأري واضطجعت موسدا %~% وكنت عن الإسلام أول راجع # وسارة مولاة لبعض بني المطلب، كانت تسب وتؤذي، وعكرمة بن أبي جهل، كان ~~يكثر التأليب على النبي -صلى الله عليه وسلم- طلبا لثأر أبيه. # فأما عبد الله بن سعد بن أبي سرح، فإن عثمان -رضي الله عنه- استأمن له ~~رسول الله -صلى الله عليه وسلم، فأعرض عنه ثم أعاد الاستئمان ثانية، فلما ~~ولى قال: "ما كان فيكم من يقتله حين أعرضت عنه"، PageV01P209 # قالوا: هلا أومأت إلينا بعينك؟ قال: "ما كان لنبي أن تكون له خائنة ~~الأعين"، وأما عبد الله بن خطل1 فقتله ms144 سعد بن حريث المخزومي، وأبو برزة ~~الأسلمي2، وأما مقيس بن صبابة3 فقتله نميلة بن عبد الله رجل من قومه، وأما ~~الحويرث بن نفيل فقتله علي بن أبي طالب صبرا بأمر رسول الله -صلى الله عليه ~~وسلم، ثم قال: "لا يقتل قريشي بعد هذا إلا بقود". # وأما قينتا ابن خطل فقتلت إحداهما وهربت الأخرى حتى استؤمن لها من رسول ~~الله -صلى الله عليه وسلم- فأمنها، وأما سارة فتغيبت حتى استؤمن لها من ~~رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فأمنها، ثم تغيبت من بعد حتى أوطأها رجل من ~~المسلمين فرسا له في زمان عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- بالأبطح فقتلها، ~~وأما عكرمة بن أبي جهل فإنه سار إلى ناحية البحر وقال: لا أسكن مع رجل قتل ~~أبا الحكم -يعني: أباه، فلما ركب البحر قال له صاحب السفينة: أخلص قال: ~~ولم؟ قال: لا يصلح في البحر إلا الإخلاص، فقال: والله لئن كان لا يصلح في ~~البحر إلا الإخلاص فإنه لا يصلح في البر غيره فرجع، وكانت زوجته بنت الحارث ~~قد أسلمت وهي أم حليم، فأخذت له من رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أمانا، ~~وقيل: بل خرجت إليه بأمانه إلى البحر، فلما رآه رسول الله -صلى الله عليه ~~وسلم- قال: "مرحبا بالراكب المهاجر"4 فأسلم، فقال له رسول الله -صلى الله ~~عليه وسلم: "لا تسألني اليوم شيئا إلا أعطيتك". PageV01P210 # فقال: إني أسألك أن تسأل الله أن يغفر لي كل نفقة أنفقتها لأصد بها عن ~~سبيل الله، وكل موقف وقفته لأصد به عن سبيل الله، فقال رسول الله -صلى الله ~~عليه وسلم: "اللهم اغفر له ما سأل". # فقال: والله يا رسول الله، لا أدع درهما أنفقته في الشرك إلا أنفقت مكانه ~~في الإسلام درهمين، ولا موقفا وقفته في الشرك إلا وقفت مكانه في الإسلام ~~موقفين، فقتل يوم اليرموك -رضي الله عنه. # هذا الخبر يتعلق به في سيرة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أحكام، فلذلك ~~استوفيناه. PageV01P211 ### || فصل: "في النهي عن قتل الرهبان" # وأما قتل من أضعفه الهرم، أو أعجزته الزمانة، ms145 أو كان ممن تخلى من الرهبان ~~وأصحاب الصوامع، فإن كانوا يمدون المقاتلة برأيهم ويحرضونهم على القتال، ~~جاز قتلهم عند الظفر بهم، وكانوا في حكم المقاتلة بعد الأسر، وإن لم ~~يخالطوهم في رأي ولا تحريض، ففي إباحة قتلهم قولان. # فصل: # وأما السبي فهم النساء والأطفال، فلا يجوز أن يقتلوا إذا كانوا أهل كتاب؛ ~~لنهي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن قتل النساء والولدان، ويكون سبيا ~~مسترقا يقسمون مع الغنائم، وإن كان النساء من قوم ليس لهم كتاب -كالدهرية ~~وعبدة الأوثان- وامتنعن من الإسلام، فعند الشافعي يقتلن، وعند أبي حنيفة ~~يسترققن، لا يفرق فيمن استرققن بين والدة وولدها؛ لقول النبي -صلى الله ~~عليه وسلم: "لا توله والدة عن ولدها". # فإن فادى بالسبي على مال جاز؛ لأن هذا الفداء بيع، ويكون مال فدائهم ~~مغنوما مكانهم، ولم يلزمه استطابة نفوس الغانمين عنهم من سهم المصالح. # وإن أراد أن يفادي بهم عن أسرى من المسلمين في أيدي قومهم عوض الغانمين ~~عنهم من سهم المصالح، وإن أراد المن عليهم لم يجز إلا باستطابة نفوس ~~الغانمين عنهم إما بالعفو عن حقوقهم منهم، وإما بمال يعوضهم عنهم. PageV01P211 # فإن كان المن عليهم لمصلحة عامة جاز أن يعوضهم من سهم المصالح، وإن كان ~~لأمر يخصه عاوض عنهم من مال نفسه، ومن امتنع من الغانمين عن ترك حقه لم ~~يستنزل عنه إجبارا حتى يرضى، وخالف ذلك حكم الأسرى الذي لا يلزمه استطابة ~~نفوس الغانمين في المن عليهم؛ لأن قتل الرجال مباح، وقتل السبي محظور، فصار ~~السبي مالا مغنوما لا يستنزلون عنه إلا باستطابة النفوس. # قد استعطفت هوازن النبي -صلى الله عليه وسلم- حين سباهم بحنين، وأتاه ~~وفودهم وقد فرق الأموال وقسم السبي، فذكروه حرمة رضاعه فيهم من لبن حليمة، ~~وكانت من هوازن. # حكى ابن إسحاق أن هوازن لما سبيت وغنمت أموالهم بحنين، قدمت وفودهم ~~مسلمين على النبي -صلى الله عليه وسلم- وهو بالجعرانة، فقالوا: يا رسول ~~الله، لنا أصل وعشيرة، وقد أصابنا من البلاء ما لا يخفى عليك، فامنن علينا ~~من الله عليك، ثم ms146 قام منهم أبو صرد زهير بن صرد1 فقال: يا رسول الله، إنما ~~في الحظائر عماتك وخالاتك وحواضنك اللائي كن يكفلنك، ولو أنا ملكنا للحارث ~~بن أبي شمر2 أو النعمان بن المنذر، ثم نزلنا بمثل المنزل الذي نزلنا رجونا ~~عطفه وجائزته، وأنت خير الكفيلين، ثم أنشأ يقول "من البسيط": # امنن علينا رسول الله في كرم %~% فإنك المرء نرجوه وندخر # امنن على بيضة قد عاقها قدر %~% ممزق شملها في دهرها غبر # امنن على نسوة قد كنت ترضعها %~% إذ فوك يملؤه من محضها الدرر # الآن إذ كنت طفلا كنت ترضعها %~% وإذ تربيك ما تأتي وما تذر # لا تجعلنا كمن شالت نعامته %~% واستبق منا فإنا معشر زهر # إذ لم تداركنا نعماء تنشرها %~% يا أرجح الناس حلما حين يختبر ~~PageV01P212 # إنا لنشكرك النعمى وإن كثرت %~% وعندنا بعد هذا اليوم ندخر # فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم: "أبناؤكم ونساؤكم أحب إليكم أم ~~أموالكم "؟. # فقالوا: خيرتنا بين أموالنا وأحسابنا، بل ترد علينا أبناءنا ونساءنا، فهم ~~أحب إلينا، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم: "أما ما كان لي ولبني عبد ~~المطلب فهو لكم". # وقالت قريش: ما كان لنا فهو لرسول الله -صلى الله عليه وسلم، وقالت ~~الأنصار: ما كان لنا فهو لرسول الله، وقال الأقرع بن حابس: أما أنا وبنو ~~تميم فلا، وقال عيينة بن حصن: أما أنا وبنو فزارة فلا؛ وقال العباس بن ~~مرداس السلمي: أما أنا وبنو سليم فلا، فقالت بنو سليم: ما كان لنا فهو ~~لرسول الله -صلى الله عليه وسلم، فقال العباس بن مرداس لبني سليم: قد ~~وهنتموني، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم: "أما من تمسك منكم بحقه من ~~هذا السبي فله بكل إنسان ست قلائص، فردوا إلى الناس أبناءهم ونساءهم" 1. # فردوا، وكان عيينة قد أخذ عجوزا من عجائز هوازن وقال: إني لا أرى لها في ~~الحي نسبا، فعسى أن يعظم فداؤها، فامتنع من ردها بست قلائص، فقال أبو صرد: ~~خلها عنك، فوالله ما فوها ببارد، ولا ثديها بناهد، ولا بطنها ms147 بوالد، ولا ~~زوجها بواحد، ولا درها بماغد، فردها بست قلائص، ثم إن عيينة لقي الأقرع ~~فشكا إليه فقال: إنك ما أخذتها بيضاء غريرة ولا نصفاء وثيرة، وكان في السبي ~~الشيماء بنت الحارث بن عبد العزى أخت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من ~~الرضاعة، فعنف بها إلى أن أتته وهي تقول: أنا أخت رسول الله -صلى الله عليه ~~وسلم- من الرضاعة، فلما انتهت إليه قالت له: أنا أختك، فقال رسول الله -صلى ~~الله عليه وسلم: "وما علامة ذلك"؟ فقالت: عضة عضضتنيها وأنا متوركتك، فعرف ~~العلامة وبسط لها رداءه وأجلسها عليه، وخيرها بين المقام عنده مكرمة أو ~~الرجوع إلى قومها ممتعة، فاختارت أن يمتعها ويردها إلى قومها، ففعل النبي ~~-صلى الله عليه وسلم، وذلك قبل ورود الوفد ورد السبي؛ فأعطاها غلاما له ~~يقال له: محكل، وجارية فزوجت أحدهما بالآخر، ففيهم من نسلهما بقية. ~~PageV01P213 # وفي هذا الخبر مع الأحكام المستفادة منه سيرة يجب أن يتبعها الولاة فلذلك ~~استوفيناه. # وإذا كان في السبايا ذوات أزواج بطل نكاحهن بالسبي، سواء سبي أزواجهن ~~معهن أم لا، وقال أبو حنيفة: إن سبين مع أزواجهن فهن على النكاح، وإن أسلمت ~~منهن ذات زوج قبل حصولها في السبي فهي حرة، ونكاحها باطل بانقضاء العدة، ~~وإذا قسم السبايا في الغانمين حرم وطؤهن حتى يستبرأن بحيضة إن كن من ذوات ~~الأقراء، أو بوضع الحمل إن كن حوامل. # روي أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مر بسبي هوازن فقال: "ألا لا توطأ ~~حامل حتى تضع، ولا غير ذات حمل حتى تحيض" 1. # وما غلب عليه المشركون من أموال المسلمين وأحرزوه لم يملكوه، وكان باقيا ~~على ملك أربابه من المسلمين؛ فإن غنمه المسلمون رد على مالكه منهم بغير ~~عوض، وقال أبو حنيفة: قد ملكه المشركون إذا غلبوا عليه، حتى لو كانت أمة ~~ودخل سيدها المسلم دار الحرب حرم عليه وطؤها، ولو كانت أرضا أسلم عنها ~~المتغلب عليها كان أحق بها، وإذا غنمه المسلمون كانوا أحق به من مالكه، ~~وقال مالك: إن أدركه مالكه قبل القسمة ms148 كان أحق به، وإن أدركه بعدها كان ~~مالكه أحق بثمنه، وغانمه أحق بعينه، ويجوز شراء أولاد أهل الحرب منهم كما ~~يجوز سبيهم، ويجوز شراء أولاد أهل العهد منهم ولا يجوز سبيهم. # ويجري على ما غنمه الواحد والاثنان حكم الغنيمة في أخذ خمسه، وقال أبو ~~حنيفة وصاحباه: لا يؤخذ خمسه حتى يكونوا سرية، واختلفوا في السرية، فقال ~~أبو حنيفة ومحمد: السرية أن يكونوا عددا ممتنعا، وقال أبو يوسف: السرية ~~تسعة فصاعدا؛ لأن سرية عبد الله بن جحش كانت تسعة، وهذا غير معتبر عند أكثر ~~الفقهاء؛ لأن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بعث عبد الله بن أنيس إلى ~~خالد بن سفيان الهذلي سرية وحده فقتله، وبعث عمرو بن أمية الضمري وآخر معه ~~سرية. # وإذا أسلم الأبوان كان إسلاما لصغار أولادهما من ذكور وإناث، ولا يكون ~~إسلاما للبالغين منهم إلا أن يكون البالغ مجنونا، وقال مالك: يكون إسلام ~~الأب إسلاما لهم، ولا PageV01P214 # يكون إسلام الأطفال بأنفسهم إسلاما ولا ردتهم ردة، وقال أبو حنيفة: إسلام ~~الطفل إسلام وردته ردة إذا كان يعقل ويميز، لكن لا يقتل حتى يبلغ، وقال أبو ~~يوسف: يكون إسلام الطفل إسلاما ولا تكون ردته ردة، وقال مالك في رواية معن ~~عنه: إن عرف نفسه صح إسلامه، وإن لم يعرفها لم يصح. # فصل: # وأما الأرضون إذا استولى عليها المسلمون فتقسم ثلاثة أقسام: # أحدها: ما ملكت عنوة وقهرا حتى فارقوها بقتل أو أسر أو جلاء؛ فقد اختلف ~~الفقهاء في حكمها بعد استيلاء المسلمين عليها، فذهب الشافعي -رضي الله عنه- ~~إلى أنها تكون غنيمة كالأموال تقسم بين الغانمين، إلا أن يطيبوا نفسا ~~بتركها، فتوقف على مصالح المسلمين، وقال مالك: تصير وقفا على المسلمين حين ~~غنمت، ولا يجوز قسمها بين الغانمين، وقال أبو حنيفة: الإمام فيها بالخيار ~~بين قسمتها بين الغانمين، فتكون أرضا عشرية، أو يعيدها إلى أيدي المشركين ~~بخراج يضربه عليها فتكون أرض خراج، ويكون المشركون بها أهل ذمة، أو يقفها ~~على كافة المسلمين، وتصير هذه الأرض دار إسلام، سواء سكنها المسلمون أو ~~أعيد ms149 إليها المشركون لملك المسلمين لها، ولا يجوز أن يستنزل عنها للمشركين ~~لئلا تصير دار حرب. # والقسم الثاني منها: ما ملك منهم عفوا لانجلائهم عنها خوفا، فتصير ~~بالاستيلاء عليها وقفا، وقيل: بل تصير وقفا حتى يقفها الإمام لفظا، ويضرب ~~عليها خراجا يكون أجرة لرقابها تؤخذ ممن عومل عليها من مسلم أو معاهد، ~~ويجمع فيها بين خراجها وأعشار زروعها وثمارها، إلا أن تكون الثمار من نخل ~~كانت فيها وقت الاستيلاء عليها، فتكون تلك النخل وقفا معها لا يجب في ثمرها ~~عشر، ويكون الإمام فيها مخيرا بين وضع الخراج عليها أو المساقاة على ~~ثمرتها، ويكون ما استؤلف غرسه من النخل معشورا وأرضه خراجا، وقال أبو ~~حنيفة: لا يجتمع العشر والخراج، ويسقط العشر بالخراج، وتصير هذه الأرض دار ~~إسلام، ولا يجوز بيع هذه الأرض ولا رهنها، ويجوز بيع ما استحدث فيها من نخل ~~أو شجر. # والقسم الثالث: أن يستولي عليها صلحا على أن تقر في أيديهم بخراج يؤدونه ~~عنها، فهذا PageV01P215 # على ضربين: # أحدهما: أن يصالحهم على أن ملك الأرض لنا، فتصير بهذا الصلح وقفا من دار ~~الإسلام؛ ولا يجوز بيعها ولا رهنها، ويكون الخراج أجرة لا يسقط عنهم ~~بإسلامهم، فيؤخذ خراجها إذا انتقلت إلى غيرهم من المسلمين، وقد صاروا بهذا ~~الصلح أهل عهد، فإن بذلوا الجزية على رقابهم جاز إقرارهم فيها على التأبيد، ~~وإن منعوا الجزية لم يجبروا عليها، ولم يروا فيها إلا المدة التي يقر فيها ~~أهل العهد وذلك أربعة أشهر، ولا يجاوزون السنة، وفي إقرارهم فيها ما بين ~~الأربعة أشهر والستة وجهان. # والضرب الثاني: أن يصالحوا على أن الأرضين لهم، ويضرب عليها خراج يؤدونه ~~عنها، وهذا الخراج في حكم الجزية متى أسلموا سقط عنهم، ولا تصير أرضهم دار ~~إسلام وتكون دار عهد، ولهم بيعها ورهنها، وإذا انتقلت إلى مسلم لم يؤخذ ~~خراجها، ويقرون فيها ما أقاموا على الصلح، ولا تؤخذ جزية رقابهم؛ لأنهم في ~~غير دارالإسلام. # وقال أبو حنيفة: قد صارت دارهم بالصلح دار إسلام، وصاروا به أهل ذمة تؤخذ ~~جزية رقابهم، ms150 فإن نقضوا الصلح بعد استقراره معهم فقد اختلف فيهم، فذهب ~~الشافعي -رحمه الله- إلى أنها إن ملكت أرضهم عليهم فهي على حكمها، وإن لم ~~تملك صارت الدار حربا، وقال أبو حنيفة: إن كان في دارهم مسلم أو كان بينهم ~~وبين دار الحرب بلد للمسلمين فهي دار إسلام يجري على أهلها حكم البغاة، وإن ~~لم يكن بينهم مسلم ولا بينهم وبين دار الحرب بلد للمسلمين فهي دار حرب، ~~وقال أبو يوسف ومحمد: قد صارت دار حرب في الأمرين كليهما. PageV01P216 # فصل: # وأما الأموال المنقولة فهي الغنائم المألوفة، وقد كان رسول الله -صلى ~~الله عليه وسلم- يقسمها على رأيه، ولما تنازع فيها المهاجرون والأنصار يوم ~~بدر جعلها الله -عز وجل- ملكا لرسوله يضعها حيث شاء، وروى أبو أمامة ~~الباهلي قال: سألت عبادة بن الصامت عن الأنفال -يعني: عن قوله تعالى: ~~{يسألونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول فاتقوا الله وأصلحوا ذات ~~بينكم} [الأنفال:1] . # فقال عبادة بن الصامت: فينا أصحاب بدر أنزلت حين اختلفنا في النفل فساءت ~~فيه أخلاقنا، فانتزعه الله سبحانه من أيدينا، فجعله إلى رسوله فقسمه بين ~~المسلمين على سواء، واصطفى من غنيمة بدر سيفه ذا الفقار وكان سيف منبه بن ~~الحجاج، وأخذ منها سهمه ولم يخمسها إلى أن أنزل الله -عز وجل- بعد بدر قوله ~~تعالى: {واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى ~~واليتامى والمساكين وابن السبيل} [الأنفال: 41] . # فتولى الله سبحانه قسمة الغنائم كما تولى قسمة الصدقات، فكان أول غنيمة ~~خمسها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بعد بدر غنيمة بني قينقاع. # وإذا جمعت الغنائم لم تقسم مع قيام الحرب حتى تنجلي؛ ليعلم بانجلائها ~~تحقق الظفر واستقرار الملك، ولئلا يتشاغل المقاتلة بها فيهزموا، فإذا انجلت ~~الحرب كان تعجيل قسمتها في دار الحرب، وجواز تأخيرها إلى دار الإسلام، ~~وبحسب ما يراه أمير الجيش من الصلاح، وقال أبو حنيفة: لا يجوز أن يقسمها في ~~دار الحرب حتى تصير إلى دار الإسلام فيقسمها حينئذ، فإذا أراد قسمتها بدأ ~~بأسلاب القتلى، فأعطى كل قاتل سلب قتيله، ms151 سواء شرط الإمام له ذلك أو لم ~~يشرطه، وقال أبو حنيفة ومالك: إن شرط لهم ذلك استحقوه، وإن لم يشترطه لهم ~~كان غنيمة فيشتركون فيها، وقد نادى منادي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ~~بعد حيازة الغنائم: "من قتل قتيلا فله سلبه" 1. # والشرط ما تقدم الغنيمة لا ما تأخر عنها، وقد أعطى أبو قتادة أسلاب قتلاه ~~وكانوا PageV01P217 # عشرين قتيلا، والسلب ما كان على المقتول من لباس يقيه، وما كان معه من ~~سلاح يقاتل به، وما كان تحته من فرس يقاتل عليه، ولا يكون ما في المعسكر من ~~أمواله سلبا، وهل يكون ما في وسطه من مال، وما بين يديه من حقيبة سلبا؟ فيه ~~قولان، ولا يخمس السلب وقال مالك: يؤخذ خمسه لأهل الخمس، فإذا فرغ من إعطاء ~~السلب فقد اختلف فيما يصنعه بعد ذلك، فالصحيح من القولين أنه يبدأ بعد ~~السلب بإخراج الخمس من جميع الغنيمة، فيقسمه بين أهل الخمس على خمسة كما ~~قال -عز وجل: {واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول} الآية. ~~وقال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد ومالك: يقسم الخمس على ثلاثة أسهم: لليتامى ~~والمساكين وابن السبيل. # وقال ابن عباس -رضي الله عنه: يقسم الخمس على ستة أسهم: سهم لله تعالى ~~يصرف في مصالح الكعبة. # وأهل الخمس في الغنيمة هم أهل الخمس في الفيء، فيكون سهم من الخمس لرسول ~~الله -صلى الله عليه وسلم، ويصرف بعده للمصالح. # والسهم الثاني: لذوي القربى من بني هاشم وبني المطلب. # والسهم الثالث: لليتامى. # والسهم الرابع: للمساكين. # والسهم الخامس: لبني السبيل. # ثم يرضخ بعد الخمس لأهل الرضخ؛ وهم في القول الثاني مقدمون على الخمس، ~~وأهل الرضخ من لا سهم له من حاضري الوقعة من العبيد والنساء والصبيان ~~والزمنى، وأهل الذمة يرضخ لهم من الغنيمة بحسب عنائهم، ولا يبلغ برضيخ أحد ~~منهم سهم فارس ولا راجل، فلو زال نقص أهل الرضخ بعد حضور الوقعة بعتق العبد ~~وبلوغ الصبي وإسلام الكافر، فإن كان ذلك قبل انقضاء الحرب أسهم لهم ولم ~~يرضخ، وإن كان ms152 ذلك بعد انقضائها رضخ لهم ولم يسهم. # ثم تقسم الغنيمة بعد إخراج الخمس والرضخ منها بين من شهد الوقعة من أهل ~~الجهاد، وهم الرجال الأحرار المسلمون الأصحاء، يشترك فيها من قاتل ومن لم ~~يقاتل؛ لأن من لم يقاتل عون للقاتل وردء له عند الحاجة، وقد اختلف في قوله ~~تعالى: {وقيل لهم تعالوا قاتلوا في سبيل الله أو ادفعوا} [آل عمران: 167] ~~على تأويلين: PageV01P218 # أحدهما: إنه تكثير السواد، وهذا قول السدي وابن جريج. # والثاني: إنه المرابطة على الخيل، وهو قول ابن عون، وتقسم الغنيمة بينهم ~~قسمة الاستحقاق، لا يرجع فيها إلى خيار القاسم ووالي الجهاد. # وقال مالك: مال الغنيمة موقوف على رأي الإمام، إن شاء قسمه بين الغانمين ~~تسوية وتفضيلا، وإن شاء أشرك معهم غيرهم ممن لم يشهد الوقعة، وفي قول النبي ~~-صلى الله عليه وسلم: "الغنيمة لمن شهد الوقعة" 1 ما يدفع هذا المذهب، وإذا ~~اختص بها من شهد الوقعة وجب أن يفضل الفارس على الراجل لفضل عنائه، واختلف ~~في قدر تفضيله، فقال أبو حنيفة: يعطى الفارس سهمين والراجل سهما واحدا، ~~وقال الشافعي: يعطى الفارس ثلاثة أسهم والراجل سهما واحدا، ولا يعطى سهم ~~الفارس إلا لأصحاب الخيل خاصة، ويعطى ركاب البغال والحمير والجمال والفيلة ~~سهام الرجالة، ولا فرق بين عتاق الخيل وهجانها، وقال سليمان بن ربيعة:لا ~~يسهم إلا للعتاق السوابق، وإذا شهد الوقعة بفرس أسهم له وإن لم يقاتل عليه، ~~وإذا خلفه في العسكر لم يسهم له، وإذا حضر الوقعة بأفراس لم يسهم إلا لفرس ~~واحد، وبه قال أبو حنيفة ومحمد، وقال أبو يوسف: يسهم لفرسين وبه قال ~~الأوزاعي. # وقال ابن عيينة: يسهم لما يحتاج إليه، ولا سهم لما لا يحتاج إليه، ومن ~~مات فرسه بعد حضور الوقعة أسهم له، ولو مات قبلها لم يسهم له، وكذلك لو كان ~~هو الميت، وقال أبو حنيفة: إن مات هو PageV01P219 # وفرسه بعد دخول دار الحرب أسهم له، وإذا جاءهم مدد قبل انجلاء الحرب ~~شاركوهم في الغنيمة، وإن جاءوا بعد انجلائها لم يشاركوهم، وقال أبو ms153 حنيفة: ~~إن دخلوا دار الحرب قبل انجلائها شاركوهم، ويسوى في قسمة الغنائم بين ~~مرتزقة الجيش وبين المتطوعة إذا شهد جميعهم الوقعة. # وإذا غزا قوم بغير إذن الإمام كان ما غنموه مخموسا، وقال أبو حنيفة: لا ~~يخمس، وقال الحسن: لا يملك ما غنموه. # وإذا دخل المسلم دار الحرب بأمان، أو كان مأسورا معهم، فأطلقوه وأمنوه لم ~~يجز أن يغتالهم في نفس ولا مال، وعليه أن يؤمنهم، وقال داود: يجوز أن ~~يغتالهم في أنفسهم وأموالهم إلا أن يستأمنوه، فيلزمه الموادعة ويحرم عليه ~~الاغتيال. # وإذا كان في المقاتلة من ظهر عناؤه وأثر بلاؤه لشجاعته وإقدامه أخذ سهمه ~~من الغنيمة أسوة غيره، وزيد من سهم المصالح بحسب عنائه، فإن لذي السابقة ~~والإقدام حقا لا يضاع؛ قد عقد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أول راية ~~عقدها في الإسلام بعد عمه حمزة بن عبد المطلب لعبيدة بن الحارث في شهر ربيع ~~الأول في السنة الثانية من الهجرة، وتوجه معه سعد بن أبي وقاص إلى أدنى ماء ~~بالحجاز، وكان أمير المشركين عكرمة بن أبي جهل فرمى سعد ونكى؛ كان أول من ~~رمى سهما في سبيل الله فقال "من الوافر": # ألا هل أتى رسول الله أني %~% حميت صحابتي بصدور نبلي # أذود بها أوائلهم ذيادا %~% بكل حزونة وبكل سهل # فما يعتد رام في عدو %~% بسهم يا رسول الله قبلي # وذلك أن دينك دين صدق %~% وذو حق أتيت به وعدل # فلما قدم اعتذر له رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بما سبق إليه وتقدم ~~فيه. PageV01P220 ### | الباب الثالث عشر: "في وضع الجزية والخراج" # والجزية1 والخراج حقان أوصل الله -سبحانه وتعالى- المسلمين إليهما من ~~المشركين: يجتمعان من ثلاثة أوجه، ويفترقان من ثلاثة أوجه، ثم تتفرع ~~أحكامهما. # فأما الأوجه التي يجتمعان فيها فأحدها: إن كل واحد منهما مأخوذ عن مشرك ~~صغارا له وذمة2، والثاني: إنهما ما لا فيء؛ يصرفان في أهل الفيء. # والثالث: إنهما يجبان بحلول الحول ولا يستحقان قبله. # وأما الأوجه التي يفترقان فيها: # فأحدها: إن الجزية نص، وإن الخراج اجتهاد. # والثاني: إن أقل ms154 الجزية مقدر بالشرع وأكثرها مقدر بالاجتهاد، والخراج ~~أقله وأكثره مقدر بالاجتهاد. # والثالث: إن الجزية تؤخذ مع بقاء الكفر، وتقسط بحدوث الإسلام؛ والخراج ~~يؤخذ مع الكفر والإسلام، فأما الجزية فهي موضوعة على الرءوس واسمها مشتق من ~~الجزاء، إما جزاء على كفرهم؛ لأخذها منهم صغارا، وإما جزاء على أماننا لهم؛ ~~لأخذها منهم رفقا. # والأصل فيها قوله تعالى: {قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ~~ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب ~~حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون} [التوبة: 29] . # أما قوله سبحانه {الذين لا يؤمنون بالله} فأهل الكتاب وإن كانوا معترفين ~~بأن الله PageV01P221 # سبحانه واحد فيحتمل نفي هذا الإيمان بالله تأويلين: # أحدهما: لا يؤمنون بكتاب الله تعالى وهو القرآن. # والثاني: لا يؤمنون برسوله محمد -صلى الله عليه وسلم؛ لأن تصديق الرسل ~~إيمان بالمرسل. # وقوله سبحانه: {ولا باليوم الآخر} يحتمل تأويلين: # أحدهما: لا يخافون وعيد اليوم الآخر، وإن كانوا معترفين بالثواب والعقاب. # والثاني: لا يصدقون بما وصفه الله تعالى من أنواع العذاب. # وقوله: {ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله} يحتمل تأويلين: # أحدهما: ما أمر الله سبحانه بنسخه من شرائعهم. # والثاني: ما أحله الله لهم وحرمه عليهم. # وقوله: {ولا يدينون دين الحق} فيه تأويلان: # أحدهما: ما في التوراة والإنجيل من اتباع الرسول، وهذا قول الكلبي. # والثاني: الدخول في الإسلام وهو قول الجمهور. # وقوله: {من الذين أوتوا الكتاب} فيه تأويلان: # أحدهما: من دين أبناء الذين أوتوا الكتاب. # والثاني: من الذين بينهم الكتاب؛ لأنهم في اتباعه كأبنائه. # وقوله تعالى: {حتى يعطوا الجزية} فيه تأويلان: # أحدهما: حتى يدفعوا الجزية. # والثاني: حتى يضمنوها؛ لأن بضمانها يجب الكف عنهم. # وفي الجزية تأويلان: # أحدهما: إنها من الأسماء المجملة التي لا نعرف منها ما أريد بها إلا أن ~~يرد بيان. # والثاني: إنها من الأسماء العامة التي يجب إجراؤها على عمومها، إلا ما قد ~~خصه الدليل. # وفي قوله -سبحانه وتعالى: {عن يد} تأويلان: PageV01P222 # أحدهما: عن غنى وقدرة. # والثاني: أن يعتقدوا أن لنا في أخذها ms155 منهم يدا وقدرة عليهم. # وفي قوله: {وهم صاغرون} تأويلان: # أحدهما: أذلاء مستكينيون. # والثاني: أن تجرى عليهم أحكام الإسلام، فيجب على ولي الأمر أن يضع الجزية ~~على رقاب من دخل في الذمة من أهل الكتاب؛ ليقروا بها في دار الإسلام، ~~ويلتزم لهم ببذلها حقان: أحدهما الكف عنهم. # والثاني: الحماية لهم ليكونوا بالكف آمنين وبالحماية محروسين، روى نافع ~~عن ابن عمر قال: كان آخر ما تكلم به النبي -صلى الله عليه وسلم- أن قال: ~~"احفظوني في ذمتي"1. # والعرب في أخذ الجزية منهم كغيرهم، وقال أبو حنيفة: لا آخذها من العرب ~~لئلا يجري عليهم صغار، ولا تؤخذ من مرتد ولا دهري ولا عابد وثن، وأخذها أبو ~~حنيفة من عبدة الأوثان إذا كانوا عجما، ولم يأخذها منهم إذا كانوا عربا، ~~وأهل الكتاب هم اليهود والنصارى، وكتابهم التوراة والإنجيل، ويجري المجوس ~~مجراهم في أخذ الجزية منهم، وإن حرم أكل ذبائحهم ونكاح نسائهم، وتؤخذ من ~~الصابئين والسامرة إذا وافقوا اليهود والنصارى في أصل معتقدهم، ومن دخل في ~~اليهودية والنصرانية قبل تبديلهما أقر على ما دان به منهما، ولا يقر إن دخل ~~بعد تبديلهما، ومن جهلت حالته أخذت جزيته ولم تؤكل ذبيحته. # ومن انتقل من يهودية إلى نصرانية لم يقر في أصح القولين وأخذ بالإسلام، ~~فإن عاد إلى دينه الذي انتقل عنه ففي إقراره عليه قولان، ويهود خيبر وغيرهم ~~في الجزية سواء بإجماع الفقهاء. # ولا تجب الجزية إلا على الرجال الأحرار العقلاء، ولا تجب على امرأة ولا ~~صبي ولا مجنون ولا عبد؛ لأنهم أتباع وذراري، ولو تفردت منهم امرأة على أن ~~تكون تبعا لزوج أو نصيب لم تؤخذ منها جزية؛ لأنها تبع لرجال قومها وإن ~~كانوا أجانب منها، ولو تفردت امرأة من دار الحرب فبذلت الجزية للمقام في ~~دار الإسلام لم يلزمها ما بذلته، وكان ذلك منها كالهبة PageV01P223 # لا تؤخذ منها إن امتنعت ولزمت ذمتها، وإن لم تكن تبعا لقومها1. # ولا تؤخذ الجزية من خنثى مشكل، فإن زال إشكاله وبان أنه رجل أخذ بها في ~~مستقبل أمره وماضيه. ms156 # واختلف الفقهاء في قدر الجزية، فذهب أبو حنيفة إلى تصنيفهم ثلاثة أصناف: # أغنياء يؤخذ منهم ثمانية وأربعون درهما، وأوساط يؤخذ منهم أربعة وعشرون ~~درهما، وفقراء يؤخذ منهم اثنا عشر درهما؛ فجعلها مقدرة الأقل والأكثر، ومنع ~~من اجتهاد الولاة فيها، وقال مالك: لا يقدر أقلها ولا أكثرها، وهي موكولة ~~لاجتهاد الولاة في الطرفين. # وذهب الشافعي إلى أنها مقدرة الأقل بدينار لا يجوز الاقتصار على أقل منه، ~~وعنده غير مقدرة الأكثر يرجع فيه إلى اجتهاد الولاة، ويجتهد رأيه في ~~التسوية بين جميعهم أو التفضيل بحسب أحوالهم، فإذا اجتهد رأيه في عقد ~~الجزية معها على مراضاة أولي الأمر منهم صارت لازمة لجميعهم، ولأعقابهم ~~قرنا بعد قرن، ولا يجوز لوال بعده أن يغيره إلى نقصان منه أو زيادة عليه2. # فإن صولحوا على مضاعفة الصدقة عليهم ضوعفت كما ضاعف عمر بن الخطاب -رضي ~~الله عنه- مع تنوخ وبهراء وبني تغلب بالشام، ولا يؤخذ من النساء والصبيان؛ ~~لأنها جزية تصرف في أهل الفيء، فخالفت الزكاة المأخوذة من النساء والصبيان، ~~فإن جمع بينهما وبين PageV01P224 # الجزية أخذتا معا، وإن اقتصر عليها وحدها كانت جزية إذا لم تنقص في السنة ~~عن دينار. # وإذا صولحوا على ضيافة من مر بهم من المسلمين قدرت عليهم ثلاثة أيام، ~~وأخذوا بها لا يزادون عليها، كما صالح عمر نصارى الشام على ضيافة من مر بهم ~~من المسلمين ثلاثة أيام مما يأكلون، ولا يكلفهم ذبح شاة ولا دجاجة، وتبييت ~~دوابهم من غير شعير، وجعل ذلك على أهل السواد دون المدن، فإن لم يشترط ~~عليهم الضيافة ومضاعفة الصدقة، فلا صدقة عليهم في زرع ولا ثمرة، ولا يلزمهم ~~إضافة سائل ولا سابل. # ويشترط عليهم في عقد الجزية شرطان: مستحق ومستحب، أما المستحق فستة شروط: # أحدها: أن لا يذكروا كتاب الله تعالى بطعن فيه ولا تحريف له. # والثاني: أن لا يذكروا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بتكذيب له ولا ~~ازدراء. # والثالث: أن لا يذكروا دين الإسلام بذم له ولا قدح فيه. # والرابع: أن لا يصيبوا مسلمة بزنا ولا باسم ms157 نكاح. # والخامس: أن لا يفتنوا مسلما عن دينه، ولا يتعرضوا لماله ولا دينه. # والسادس: أن لا يعينوا أهل الحرب ولا يودوا أغنياءهم. # فهذه الستة حقوق ملتزمة فتلزمهم بغير شرط، وإنما تشترط إشعارا لهم ~~وتأكيدا؛ لتغليظ العهد عليهم، ويكون ارتكابها بعد الشرط نقضا لعهدهم. # وأما المستحب فستة أشياء: # أحدها: تغيير هيئاتهم بلبس الغيار وشد الزنار. # والثاني: أن لا يعلوا على المسلمين في الأبنية ويكونوا إن لم ينقصوا ~~مساوين لهم. # والثالث: أن لا يسمعوهم أصوات نواقيسهم ولا تلاوة كتبهم، ولا قولهم في ~~عزير والمسيح. # والرابع: أن لا يجاهروهم بشرب خمورهم، ولا بإظهار صلبانهم وخنازيرهم. # والخامس: أن يخفوا دفن موتاهم، ولا يجاهروا بندب عليهم ولا نياحة. # والسادس: أن يمنعوا من ركوب الخيل عناقا وهجانا، ولا يمنعوا من ركوب ~~البغال PageV01P225 # والحمير، وهذه الستة المستحبة لا تلزم بعقد الذمة حتى تشترط، فتصير ~~بالشرط ملتزمة، ولا يكون ارتكابها بعد الشرط نقضا لعهدهم، ولكن يؤخذون بها ~~إجبارا ويؤدبون عليها زجرا، ولا يؤدبون إن لم يشترط ذلك عليهم، ويثبت ~~الإمام ما استقر من عقد الصلح معهم في دواوين الأمصار ليؤخذوا به إذا ~~تركوه؛ فإن لكل قوم صلحا ربما خالف ما سواه، ولا تجب الجزية عليهم في السنة ~~إلا مرة واحدة بعد انقضائها بشهور هلالية، ومن مات منهم فيها أخذ من تركته ~~بقدر ما مضى منها، ومن أسلم منهم كان ما لزم من جزيته دينا في ذمته يؤخذ ~~بها، وأسقطها أبو حنيفة بإسلامه وموته، ومن بلغ من صغارهم أو أفاق من ~~مجانينهم استقبل به حول، ثم أخذ بالجزية، ويؤخذ الفقير بها إذا أيسر، وينظر ~~بها إذا أعسر، ولا تسقط عن شيخ ولا زمن، وقيل: تسقط عنهما وعن الفقير، وإذا ~~تشاجروا في دينهم، واختلفوا في معتقدهم لم يعارضوا فيه ولم يكشفوا عنه، ~~وإذا تنازعوا في حق وترافعوا فيه إلى حاكمهم لم يمنعوا منه، فإن ترافعوا ~~فيه إلى حاكمنا حكم بينهم بما يوجبه دين الإسلام، وتقام عليهم الحدود إذا ~~أتوها، ومن نقض منهم عهده بلغ مأمنه، ثم كان حربيا، ولأهل العهد ms158 إذا دخلوا ~~دار الإسلام الأمان على نفوسهم وأموالهم، ولهم أن يقيموا فيها أربعة أشهر ~~بغير جزية، ولا يقيمون سنة إلا بجزية، وفيما بين الزمنين خلاف، ويلزم الكف ~~عنهم كأهل الذمة، ولا يلزم الدفع عنهم بخلاف أهل الذمة. # وإذا أمن بالغ عاقل من المسلمين حربيا لزم أمانه كافة المسلمين، والمرأة ~~في بذل الأمان كالرجل، والعبد فيه كالحر، وقال أبو حنيفة: ولا يصح أمان ~~العبد إلا أن يكون مأذونا له في القتال، ولا يصح أمان الصبي ولا المجنون، ~~ومن أمناه فهو حرب إلا إن جهل حكم أمانهم، فيبلغ مأمنه ويكون حربيا. # وإذا تظاهر أهل العهد والذمة بقتال المسلمين كانوا حربا لوقتهم، فيقتل ~~مقاتلهم، ويعتبر حال ما عدا المقاتلة بالرضى والإنكار، وإذا امتنع أهل ~~الذمة من أداء الجزية كان نقضا لعهدهم، وقال أبو حنيفة: وينقض به عهدهم إلا ~~أن يلحقوا بدار الحرب، ويؤخذ منهم جبرا كالديون. # ولا يجوز أن يحدثوا في دار الإسلام بيعة ولا كنيسة، فإن أحدثوها هدمت ~~عليهم، ويجوز PageV01P226 # أن يبنوا ما استهدم من بيعهم وكنائسهم العتيقة، وإذا نقض أهل الذمة عهدهم ~~لم يستبح بذلك قتلهم، ولا غنم أموالهم، ولا سبي ذراريهم ما لم يقاتلوا، ~~ووجب إخراجهم من بلاد المسلمين آمنين حتى يلحقوا مأمنهم من أدنى بلاد ~~الشرك، فإن لم يخرجوا طوعا أخرجوا كرها. # فصل: "أحكام الخراج" # وأما الخراج1 فهو ما وضع على رقاب الأرض من حقوق تؤدى عنها، وفيه من نص ~~الكتاب بينة خالفت نص الجزية، فلذلك كان موقوفا على اجتهاد الأئمة، قال ~~الله تعالى: {أم تسألهم خرجا فخراج ربك خير} [المؤمنون: 72] . # وفي قوله: {أم تسألهم خرجا} وجهان: # أحدهما أجرا، والثاني: نفعا. # وفي قوله: {فخراج ربك خير} وجهان: # أحدهما: فرزق ربك في الدنيا خير منه، وهذا قول الكلبي. # والثاني: فأجر ربك في الآخرة خير منه، وهذا قول الكلبي أيضا، وقوله: فأجر ~~ربك في الآخرة خير منه؛ هذا قول الحسن أيضا، قال أبو عمرو بن العلاء: ~~والفرق بين الخرج والخراج أن الخرج من الرقاب، والخراج من الأرض، والخراج ~~في لغة العرب ms159 اسم للكراء والغلة، ومنه قول النبي -صلى الله عليه وسلم: ~~"الخراج بالضمان" 2، وأرض الخراج تتميز عن أرض العشر في الملك والحكم. # والأرضون كلها تنقسم أربعة أقسام: # أحدها: ما استأنف المسلمون إحياءه، فهو أرض عشر لا يجوز أن يوضع عليها ~~خراج؛ PageV01P227 # والكلام فيها يذكر في إحياء الموات من كتابنا هذا. # والقسم الثاني: ما أسلم عليه أربابه فهم أحق به، فتكون على مذهب الشافعي ~~-رحمه الله- أرض عشر، ولا يجوز أن يوضع عليها خراج. وقال أبو حنيفة: الإمام ~~مخير بين أن يجعلها خراجا أو عشرا، فإن جعلها خراجا لم يجز أن تنقل إلى ~~العشر، وإن جعلها عشرا جاز أن تنقل إلى الخراج. # والقسم الثالث: ما ملك من المشركين عنوة وقهرا، فيكون على مذهب الشافعي ~~-رحمه الله- غنيمة تقسم بين الغانمين، وتكون أرض عشر لا يجوز أن يوضع عليها ~~خراج، وجعلها مالك وقفا على المسلمين بخراج يوضع عليها، وقال أبو حنيفة: ~~يكون الإمام مخيرا بين الأمرين. # والقسم الرابع: ما صولح عليه المشركون من أرضهم، فهي الأرض المختصة بوضع ~~الخراج عليها، وهي على ضربين: # أحدهما: ما خلا عنها أهلها فحصلت للمسلمين بغير قتال، فتصير وقفا على ~~مصالح المسلمين، ويضرب عليها الخراج، ويكون أجرة تقر على الأبد، وإن لم ~~يقدر بمدة لما فيها من عموم المصلحة، ولا يتغير بإسلام ولا ذمة، ولا يجوز ~~بيع رقابها اعتبارا لحكم الوقوف. # والضرب الثاني: ما أقام فيه أهله وصولحوا على إقراره في أيديهم بخراج ~~يضرب عليهم، فهذا على ضربين: # أحدهما: أن ينزلوا عن ملكها لنا عند صلحنا، فتصير هذه الأرض وقفا على ~~المسلمين كالذي انجلى عنه أهله، ويكون الخراج المضروب عليهم أجرة لا تسقط ~~بإسلامهم، ولا يجوز لهم بيع رقابها، ويكونون أحق بها ما أقاموا على صلحهم، ~~ولا تنتزع من أيديهم، سواء أقاموا على شركهم أم أسلموا، كما لا تنتزع الأرض ~~المستأجرة من يد مستأجرها، ولا يسقط عنهم بهذا الخراج جزية رقابهم إن صاروا ~~أهل ذمة مستوطنين، وإن لم ينتقلوا إلى الذمة، وأقاموا على حكم العهد لم يجز ~~أن يقروا فيها ms160 سنة، وجاز إقرارهم فيها دونها بغير جزية. # والضرب الثاني: أن يستبقوها على أملاكهم، ولا ينزلوا عن رقابها، ويصالحوا ~~عنها PageV01P228 # بخراج يوضع عليها، فهذا الخراج جزية تؤخذ منهم ما أقاموا على شركهم، ~~وتسقط عنهم بإسلامهم، ويجوز أن لا يؤخذ منهم جزية رقابهم، ويجوز لهم بيع ~~هذه الأرض على من شاءوا منهم أو من المسلمين أو من أهل الذمة، فإن تبايعوها ~~فيما بينهم كانت على حكمها في الخراج، وإن بيعت على مسلم سقط عنه خراجها، ~~وإن بيعت على ذمي احتمل أن لا يسقط عنه خراجها لبقاء كفره، واحتمل أن يسقط ~~عنه خراجها بخروجه بالذمة عن عقده من صولح عليها، ثم ينظر في هذا الخراج ~~الموضوع عليها، فإن وضع على مسائح الجربان بأن يؤخذ من كل جريب قدر من ورق ~~أو حب، فإن سقط عن بعضها بإسلام أهله كان ما بقي على حكمه، ولا يضم إليه ~~خراج ما سقط بالإسلام. # وإن كان الخراج الموضوع عليها صلحا على مال مقدر لم يسقط على مساحة ~~الجربان، فمذهب الشافعي أنه يحط عنهم من مال الصلح ما سقط منه بإسلام أهله، ~~وقال أبو حنيفة: يكون مال الصلح باقيا بكماله، ولا يسقط عن هذا المسلم ما ~~خصه بإسلامه، فأما قدر الخراج المضروب فيعتبر بما تحتمله الأرض، فإن عمر ~~-رضي الله عنه- حين وضع الخراج على سواد العراق ضرب في بعض نواحيه على كل ~~جريب1 قفيزا ودرهما، وجرى في ذلك على ما استوفقه من رأي كسرى بن قباء، فإنه ~~أول من مسح السواد ووضع الخراج وحدد الحدود ووضع الدواوين وراعى ما تحتمله ~~الأرض من غير حيف بمالك، ولا إجحاف بزارع، وأخذ من كل جريب قفيزا ودرهما، ~~وكان القفيز وزنه ثمانية أرطال، وثمنه ثلاثة دراهم بوزن المثقال، ولانتشار ~~ذلك بما ظهر في جاهلية العرب قال زهير بن أبي سلمى "من الطويل": # فتغلل لكم ما لا تغل لأهلها %~% قرى بالعراق من قفيز ودرهم # وضرب عمر -رضي الله عنه- على ناحية أخرى غيرها غير هذا القدر، فاستعمل ~~عثمان بن حنيف2 عليه، وأمره بالمساحة، ووضع ms161 ما تحتمله الأرض من خراجها، ~~فمسح ووضع على PageV01P229 # كل جريب من الكرم والشجر الملتف عشر دراهم، ومن النخل ثمانية دراهم، ومن ~~قصب السكر ستة دراهم، ومن الرطبة خمسة دراهم، ومن البر أربعة دراهم، ومن ~~الشعير درهمين، وكتب بذلك إلى عمر بن الخطاب -رضي الله عنه، فأمضاه وعمل في ~~نواحي الشام على غير هذا، فعلم أنه راعى في كل أرض ما تحتمله. # وكذلك يجب أن يكون واضع الخراج بعده يراعي في كل أرض ما تحتمله، فإنها ~~تختلف من ثلاثة أوجه، يؤثر كل واحد منها في زيادة الخراج ونقصانه: # أحدها: ما يختص بالأرض من جودة يزكو بها زرعها، أو رداءة يقل بها ريعها. # والثاني: ما يختص بالزرع من اختلاف أنواعه من الحبوب والثمار، فمنها: ما ~~يكثر ثمنه، ومنها: ما يقل ثمنه، فيكون الخراج بحسبه. # والثالث: ما يختص بالسقي والشرب؛ لأن ما التزم المؤنة في سقيه بالنواضح ~~والدوالي لا يحتمل من الخراج ما يحتمله سقي السيوح والأمطار. # وشرب الزرع والأشجار ينقسم أربعة أقسام: # أحدها: ما سقاه الآدميون بغير آلة كالسيوح1 من العيون والأنهار يساق ~~إليها، فيسيح عليها عند الحاجة، ويمنع منها عند الاستغناء، وهذا أوفر ~~المياه منفعة وأقلها كلفة. # والقسم الثاني: ما سقاه الآدميون بآلة من نواضح2 ودواليب أو دوالي، وهذا ~~أكثر المياه وأشقها عملا. PageV01P230 # والقسم الثالث: ما سقته السماء بمطر أو ثلج أو طل ويسمى العذي. # والقسم الرابع: ما سقته الأرض بندواتها، وما استكن من الماء في قرارها، ~~فيشرب زرعها وشجرها بعروقه، ويسمى البعل، فأما الغيل وهو ما شرب بالقناة، ~~فإن ساح فهو من القسم الأول، وإن لم يسح فهو من القسم الثاني، وأما الكظائم ~~فهو ما شرب من الآبار؛ فإن نضح منها بالغروب فهو من القسم الثاني، وإن ~~استخرج من القناة فهو غيل يلحق بالقسم الأول، وإذا استقر ما ذكرناه فلا بد ~~لواضع الخراج من اعتبار ما وصفناه من الأوجه الثلاثة، من اختلاف الأرضين ~~واختلاف الزروع واختلاف السقي؛ ليعلم قدر ما تحمله الأرض من خراجها، فيقصد ~~العدل فيها فيما بين أهلها ms162 وبين أهل الفيء من غير زيادة تجحف بأهل الخراج، ~~ولا نقصان يضر بأهل الفيء نظرا للفريقين؛ ومن الناس من اعتبر شرطا رابعا ~~وهو قربها من البلدان والأسواق وبعدها؛ لزيادة أثمانها ونقصانها، وهذا إنما ~~يعتبر فيما يكون خراجه ورقا، ولا يعتبر فيما يكون خراجه حبا، وتلك الشروط ~~الثلاثة تعتبر في الحب والورق؛ وإذا كان الخراج معتبرا بما وصفنا، فكذلك ما ~~اختلف قدره، وجاز أن يكون خراج كل ناحية مخالفا لخراج غيرها، ولا يستقصي في ~~وضع الخراج غاية ما يحتمله، وليجعل فيه لأرباب الأرض بقية يجبرون بها ~~النوائب والحوائج. # حكي أن الحجاج كتب إلى عبد الملك بن مروان يستأذنه في أخذ الفضل من أموال ~~السواد فمنعه من ذلك، وكتب إليه: لا تكن على درهمك المأخوذ أحرص منك على ~~درهمك المتروك، وأبق لهم لحوما يعقدون بها شحوما. # فإذا تقرر الخراج بما احتملته الأرض من الوجوه التي قدمناها راعى فيها ~~أصلح الأمور من ثلاثة أوجه: # أحدها: أن يضعه على مسائح الأرض. # والثاني: أن يضعه على مسائح الزرع. # والثالث: أن يجعلها مقاسمة، فإن وضعه على مسائح الأرض كان معتبرا بالسنة ~~الهلالية، وإن وضعه على مسائح الزرع كان معتبرا بالسنة الشمسية، وإن جعله ~~مقاسمة كان معتبرا بكمال الزرع وتصفيته، فإذا استقر على أخذها مقدرا ~~بالشروط المعتبرة فيه صار ذلك مؤبدا، PageV01P231 # لا يجوز أن يزاد فيه ولا ينقص منه ما كانت الأرضون على أحوالها في سقيها ~~ومصالحها. # فإن تغير سقيها ومصالحها إلى الزيادة أو النقصان فذلك ضربان: # أحدهما: أن يكون حدوث الزيادة والنقصان بسبب من جهتهم، كزيادة حدثت بشق ~~أنهار أو استنباط مياه، أو نقصان حدث لتقصير في عمارته، أو عدول عن حقوق ~~ومصلحة، فيكون الخراج عليهم بحاله، لا يزاد عليهم فيه لزيادة عمارتهم فيه، ~~ولا ينقص منه لنقصانها، ويؤخذون بالعمارة لئلا يستديم خرابه فيتعطل. # والضرب الثاني: أن يكون حدوث ذلك من غير جهتهم، فيكون النقصان لشق انشق ~~أو نهر تعطل؛ فإن كان سده وعمله ممكنا وجب على الإمام أن يعمله من بيت ~~المال من سهم المصالح، ms163 والخراج ساقط عنهم ما لم يعمل، وإن لم يكن عمله ~~فخراج تلك الأرض ساقط عن أهلها إذا عدم الانتفاع بها، فإن أمكن الانتفاع ~~بها في غير الزراعة كمصائد أو مراع جاز أن يستأنف وضع خراج عليها بحسب ما ~~يحتمله الصيد والمرعى، وليست كالأرض الموات التي لا يجوز أن يوضع على ~~مصائدها ومراعيها خراج؛ لأن هذه الأرض مملوكة وأرض الموات مباحة. # أما الزيادة التي أحدثها الله تعالى فكأنهار حفرها السيل وصارت الأرض بها ~~سائحة بعد أن كانت تسقى بآلة، فإن كان هذا عارضا لا يوثق بدوامه لم يجز أن ~~يزاد في الخراج، وإن وثق بدوامه راعى الإمام فيه المصلحة لأرباب الضياع ~~وأهل الفيء، وعمل في الزيادة أو المتاركة بما يكون عدلا بين الفريقين. # وخراج الأرض إذا أمكن زرعها مأخوذ منها وإن لم تزرع، وقال مالك: لا خراج ~~عليها، سواء تركها مختارا أو معذورا، وقال أبو حنيفة: يؤخذ منها إن كان ~~مختارا ويسقط عنها إن كان معذورا، وإذا كان خراج ما أخل بزرعه يختلف ~~باختلاف الزروع أخذ منه فيما أخل بزرعه عن أقل ما يزرع فيها؛ لأنه لو اقتصر ~~على زرعه لم يعارض فيه. # وإذا كانت أرض الخراج لا يمكن زرعها في كل عام حتى تراح في عام وتزرع في ~~عام آخر، روعي حالها في ابتداء وضع الخراج عليها، واعتبر أصلح أمور لأرباب ~~الضياع وأهل الفيء في خصلة من ثلاث: إما أن يجعل خراجها على الشطر من خراج ~~ما يزرع في كل عام، فيؤخذ PageV01P232 # من المزروع والمتروك، وإما أن يمسح كل جريبين منها بجريب؛ ليكون أحدهما ~~للمزروع والآخر للمتروك، وإما أن يضعه بكماله على مساحة المزروع والمتروك، ~~ويستوفي من أربابه الشطر من زراء أرضهم. # وإذا كان خراج الزروع والثمار مختلفا باختلاف الأنواع، فزرع أو غرس ما لم ~~ينص عليه اعتبر خراجه بأقرب المنصوصات به شبها ونفعا. # وإذا زرعت أرض الخراج ما يوجب العشر لم يسقط عشر الزرع بخراج الأرض، وجمع ~~فيها بين الحقين على مذهب الشافعي -رحمه الله. # وقال أبو حنيفة: أجمع ms164 بينهما وأقتصر على أخذ الخراج وإسقاط العشر، ولا ~~يجوز أن تنقل أرض الخراج إلى العشر، ولا أرض العشر إلى الخراج، وجوزه أبو ~~حنيفة. وإذا سقي بماء الخراج أرض عشر كان المأخوذ منها عشرا، وإذا سقي بماء ~~العشر أرض خراج كان المأخوذ منها خراجا، اعتبارا بالأرض دون الماء. # وقال أبو حنيفة: يعتبر حكم الماء، فيؤخذ بماء الخراج من أرض العشر ~~الخراج، ويؤخذ بماء العشر من أرض الخراج العشر اعتبارا بالماء دون الأرض، ~~واعتبار الأرض أولى من اعتبار الماء؛ لأن الخراج مأخوذ عن الأرض، والعشر ~~مأخوذ عن الزرع، وليس على الماء خراج ولا عشر، فلم يعتبر في واحد منهما، ~~وعلى هذا الاختلاف منع أبو حنيفة صاحب الخراج أن يسقي بماء العشر، ومنع ~~صاحب العشر أن يسقي بماء الخراج، ولم يمنع الشافعي -رحمه الله- واحدا منهما ~~أن يسقي بأي الماءين شاء1. # وإن بني في أرض الخراج أبنية من دور أو حوانيت؛ كان خراج الأرض مستحقا؛ ~~لأن PageV01P233 # لرب الأرض أن ينتفع بها كيف شاء، وأسقطه أبو حنيفة إلا أن تزرع أو تغرس، ~~والذي أراه أن ما لا يستغنى عن بنيانه من مقامه في أرض الخراج لزراعتها عفو ~~يسقط عنه خراجه؛ لأنه لا يستقر إلا بمسكن يستوطنه، وما جاوز قدر الحاجة ~~مأخوذ بخراجه، وإذا أوجرت أرض الخراج أو أعيرت فخراجها على المالك دون ~~المستأجر والمستعير، وقال أبو حنيفة: خراجها في الإجارة على المالك، وفي ~~العارية على المستعير. # وإذا اختلف العامل ورب الأرض في حكمها، فادعى العامل أنها أرض خراج، ~~وادعى ربها أنها أرض عشر، وقولهما ممكن، فالقول قول المالك دون العامل، فإن ~~اتهم أحلف استظهارا، ويجوز أن يعمل في مثل هذا الاختلاف على شواهد الدواوين ~~السلطانية إذا علم صحتها ووثق بكتابها، وقلما يشكل ذلك إلا في الحدود. # وإذا ادعى رب الأرض دفع الخراج لم يقبل منه قوله، ولو ادعى دفع العشر قبل ~~قوله، ويجوز أن يعمل في دفع الخراج على الدواوين السلطانية إذا عرف صحتها ~~اعتبارا بالعرف المعتاد فيها، ومن أعسر بخراجه أنظر به إلى إيساره، ms165 وقال ~~أبو حنيفة: يجب بإيساره ويسقط بالإعسار، وإذا مطل بالخراج مع إيساره حبس ~~به، إلا أن يوجد له مال فيباع عليه في خراجه كالمديون، فإن لم يوجد له غير ~~أرض الخراج فإن كان السلطان يرى جواز بيعها باع منها عليه بقدر خراجها؛ وإن ~~كان لا يرى ذلك أجراها عليه واستوفى الخراج من مستأجرها، فإن زادت الأجرة ~~كان عليه زيادتها، وإن نقصت كان عليه نقصانها، وإذا عجز رب الأرض عن ~~عمارتها قيل له: إما أن تؤجرها أو ترفع يدك عنها؛ لتدفع إلى من يقوم ~~بعمارتها ولم يترك على خرابها، وإن دفع خراجها لئلا تصير بالخراب مواتا. # وعامل الخراج يعتبر في صحة ولايته: الحرية والأمانة والكفاية، ثم يختلف ~~حاله باختلاف ولايته، فإن تولى وضع الخراج اعتبر فيه أن يكون فقيها من أهل ~~الاجتهاد، وإن ولي جباية الخراج صحت ولايته وإن لم يكن فقيها مجتهدا، ورزق ~~عامل الخراج في مال الخراج، كما أن رزق عامل الصدقة في مال الصدقة من سهم ~~العاملين، وكذلك أجور المساح. # وأما أجرة القسام فقد اختلف الفقهاء فيها، فذهب الشافعي -رحمه الله- إلى ~~أجور قسام PageV01P234 # العشر والخراج معا في حق الذي استوفاه السلطان منهما، وقال أبو حنيفة: ~~أجور من يقسم غلة العشر وغلة الخراج وسط من أصل الكيل، وقال سفيان الثوري: ~~أجور الخراج على السلطان، وأجور العشر على أهل الأرض، وقال مالك: أجور ~~العشر على صاحب الأرض، وأجور الخراج على الوسط. # فصل: # والخراج حق معلوم على مساحة معلومة، فاعتبر في العلم بها ثلاثة مقادير ~~تنفي الجهالة عنها: # أحدها: مقدار الجريب بالذراع المسموح به. # والثاني: مقدار الدرهم المأخوذ به. # والثالث: مقدار الكيل المستوفى به. # فأما الجريب فهو عشر قصبات في عشر قصبات، والقفيز عشر قصبات في قصبة، ~~والعشير قصبة في قصبة، والقصبة ستة أذرع، فيكون الجريب ثلاثة آلاف وستمائة ~~ذراع مكسرة، والقفيز ثلاثمائة وستون ذراعا مكسرة وهو عشر الجريب، والعشير ~~ستة وثلاثون ذراعا وهو عشر القفيز، وأما الذراع فالأذرع سبع أقصرها ~~القاضية، ثم اليوسفية ثم السوداء، ثم الهاشمية الصغرى وهي البلالية، ms166 ثم ~~الهاشمية الكبرى وهي الزيادية، ثم العمرية، ثم الميزانية. # فأما القاضية: وتسمى ذراع الدور، فهي أقل من ذراع السوداء بأصبع وثلثي ~~أصبع، وأول من وضعها ابن أبي ليلى القاضي، وبها يتعامل أهل كلواذى. # وأما اليوسفية: وهي التي تذرع بها القضاة الدور بمدينة السلام، فهي أقل ~~من الذراع السوداء بثلثي أصبع، وأول من وضعها أبو يوسف القاضي. # وأما الذراع السوداء: فهي أطول من ذراع الدور بأصبع وثلثي أصبع، وأول من ~~وضعها الرشيد -رحمه الله تعالى، قدرها بذراع خادم أسود كان على رأسه، وهي ~~التي يتعامل بها الناس في ذراع البز والتجارة والأبنية وقياس نيل مصر. PageV01P235 # وأما الذراع الهاشمية الصغرى وهي البلالية، فهي أطول من الذراع السوداء ~~بأصبعين وثلثي أصبع، وأول من أحدثها بلال بن أبي بردة، وذكر أنها ذراع جده ~~أبي موسى الأشعري -رضي الله عنه، وهي أنقص من الزيادية بثلاثة أرباع عشر، ~~وبها يتعامل الناس بالبصرة والكوفة. # وأما الهاشمية الكبرى وهي ذراع الملك، وأول من نقلها إلى الهاشمية ~~المنصور -رحمه الله تعالى، فهي أطول من الذراع السوداء بخمس أصابع وثلثي ~~أصبع، فتكون ذراعا وثمنا وعشرا بالسوداء، وينقص عنها الهاشمية الصغرى ~~بثلاثة أرباع عشر، وسميت زيادية؛ لأن زيادا مسح بها أرض السواد، وهي التي ~~يذرع بها أهل الأهواز. # وأما الذراع العمرية فهي ذراع عمر بن الخطاب -رضي الله عنه، التي مسح بها ~~أرض السواد، وقال موسى بن طلحة: رأيت ذراع عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- ~~التي مسح بها أرض السواد، وهي ذراع وقبضة وإبهام قائمة، قال الحكم بن ~~عيينة: إن عمر -رضي الله عنه- عمد إلى أطولها ذراعا وأوسطها، فجمع منها ~~ثلاثة وأخذ الثلث منها، وزاد عليه قبضة وإبهاما قائمة، ثم ختم في طرفيه ~~بالرصاص، وبعث بذلك إلى حذيفة وعثمان بن حنيف حتى مسحا بها السواد، وكان ~~أول من مسح بها بعده عمر بن هبيرة1. # أما الذراع الميزانية فتكون بالذراع السوداء ذراعين وثلثي ذراع وثلثي ~~أصبع، وأول من وضعها المأمون -رضي الله عنه، وهي التي يتعامل الناس فيها في ~~ذرع البرائد والمساكن ms167 والأسواق وكراء الأنهار والحفائر. # وأما الدرهم: فيحتاج فيه إلى معرفة وزنه ونقده، فأما وزنه فقد استقر ~~الأمر في الإسلام على أن وزن الدرهم ستة دوانيق، ووزن كل عشرة دراهم سبعة ~~مثاقيل، واختلف في سبب استقراره على هذا الوزن، فذكر قوم أن الدراهم كانت ~~في أيام الفرس مضروبة على ثلاثة أوزان؛ منها درهم على وزن المثقال عشرون ~~قيراطا، ودرهم وزنه اثنا عشر قيراطا، ودرهم PageV01P236 # وزنه عشرة قراريط، فلما احتيج في الإسلام إلى تقديره في الزكاة أخذ الوسط ~~من جميع الأوزان الثلاثة، وهو اثنان وأربعون قيراطا، فكان أربعة عشر قيراطا ~~من قراريط المثقال، فلما ضربت الدراهم الإسلامية على الوسط من هذه الأوزان ~~الثلاثة قيل في عشرتها: وزن سبعة مثاقيل، وإنها كذلك، وذكر آخرون أن السبب ~~في ذلك أن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- لما رأى اختلاف الدراهم، وأن منها ~~البغلي وهو ثمانية دوانق، ومنها الطبري وهو أربعة دوانق، ومنها المغربي وهو ~~ثلاثة دوانق، ومنها اليمني وهو دانق، قال: انظروا الأغلب مما يتعامل به ~~الناس من أعلاها وأدناها، فكان الدرهم البغلي، والدرهم الطبري فجمع بينهما، ~~فكانا اثني عشر دانقا، فأخذ نصفها فكان ستة دوانق، فجعل الدرهم الإسلامي في ~~ستة دوانيق، ومتى زدت عليه ثلاثة أسباعه كان مثقالا، ومتى نقصت من المثقال ~~ثلاثة أعشاره كان درهما، فكل عشرة دراهم سبعة مثاقيل، وكل عشرة مثاقيل ~~أربعة عشر درهما وسبعان، فأما النقص فمن خالص الفضة، وليس لمغشوشه مدخل في ~~حكمه، وقد كان الفرس عند فساد أمورهم فسدت نقودهم، فجاء الإسلام ونقودهم من ~~العين والورق غير خالصة، إلا أنها كانت تقوم في المعاملات مقام الخالصة، ~~وكان غشها عفوا لعدم تأثيره بينهم، إلى أن ضربت الدراهم الإسلامية فتميز ~~المغشوش من الخالص. # واختلف في أول من ضربها في الإسلام، فقال سعيد بن المسيب: إن أول من ضرب ~~الدراهم المنقوشة عبد الملك بن مروان، وكانت الدنانير ترد رومية والدراهم ~~ترد كسروية وحميرية قليلة، قال أبو الزناد: فأمر عبد الملك بن مروان الحجاج ~~أن يضرب الدراهم بالعراق، فضربها سنة أربع وسبعين، ms168 وقال المدائني: بل ضربها ~~الحجاج في آخر سنة خمس وسبعين، ثم أمر بضربها في النواحي سنة ست وسبعين، ~~وقيل: إن الحجاج خلصها تخليصا لم يستقصه وكتب عليها {الله أحد، الله الصمد} ~~[الأخلاص: 1، 2] . # وسميت مكروهة، واختلف في تسميتها بذلك، فقال قوم: لأن الفقهاء كرهوها لما ~~عليها من القرآن، وقد يحملها الجنب والمحدث، وقال الآخرون: لأن الأعاجم ~~كرهوا نقصانها فسميت مكروهة، ثم ولي بعد الحجاج عمر بن هبيرة في أيام يزيد ~~بن عبد الملك PageV01P237 # فضربها أجود مما كانت، ثم ولي بعده خالد بن عبد الله القسري1 فشدد في ~~تجويدها، وضرب بعده يوسف بن عمر فأفرط في التشديد فيها والتجويد، فكانت ~~الهبيرية والخالدية واليوسفية أجود نقد بني أمية، وكان المنصور -رضي الله ~~عنه- لا يأخذ في الخراج من نقدهم غيرها. # وحكى يحيى بن النعمان الغفاري عن أبيه أن أول من ضرب الدراهم مصعب بن ~~الزبير عن أمر أخيه عبد الله بن الزبير سنة سبعين على ضرب الأكاسرة، وعليها ~~بركة في جانب، والله في الجانب الآخر، ثم غيرها الحجاج بعد سنة، وكتب عليها ~~بسم الله في جانب، والحجاج في جانب، وإذا خلص العين والورق من غش كان هو ~~المعتبر في النقود المستحقة والمطبوع منها بالسكة السلطانية الموثوق بسلامة ~~طبعه، المأمون من تبديله وتلبيسه، هو المستحق دون نقار الفضة وسبائك الذهب؛ ~~لأنه لا يوثق بهما إلا بالسك والتصفية والمطبوع موثوق به، ولذلك كان هو ~~الثابت في الذمم فيما يطلق من أثمان المبيعات وقيم المتلفات، ولو كانت ~~المطبوعات مختلفة القيمة مع اتفاقها في الجودة، فطالب عامل الخراج بأعلاها ~~قيمة نظر: فإن كان من ضرب سلطان الوقت أجيب إليه؛ لأن في العدول عن ضربه ~~مباينة له في الطاعة، وإن كان من ضرب غيره نظر: فإن كان هو المأخوذ في خراج ~~من تقدمه أجيب إليه استصحابا لما تقدم، وإن لم يكن مأخوذا فيما تقدم كانت ~~المطالبة به غبنا وحيفا. # وأما مكسور الدراهم والدنانير فلا يلزم أخذه لالتباسه وجواز اختلاطه، ~~ولذلك نقصت قيمتها عن المضروب الصحيح، واختلف الفقهاء في كراهية ms169 كسرها، ~~فذهب مالك وأكثر PageV01P238 # فقهاء المدينة إلى أنه مكروه؛ لأنه من جملة الفساد في الأرض، وينكر على ~~فاعله، وروي عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه نهى عن كسر المسلمين سكة ~~الجارية بينهم. # والسكة هي الحديدة التي يطبع عليها الدراهم؛ ولذلك سميت الدراهم المضروبة ~~سكة، وقد كان ينكر ذلك ولاة بني أمية حتى أسرفوا فيه، فحكي أن مروان بن ~~الحكم أخذ رجلا قطع درهما من دراهم فارس فقطع يده، وهذا عدوان محض، وليس له ~~في التأويل مساغ. # وحكى الواقدي أن أبان بن عثمان1 كان على المدينة فعاقب من قطع الدراهم ~~وضربه ثلاثين سوطا وطاف به، قال الواقدي: وهذا عندنا فيمن قطعها ودس فيها ~~المفرغة والزيوف، فإن كان الأمر على ما قاله الواقدي فما فعله أبان بن ~~عثمان ليس بعدوان؛ لأنه ما خرج به عن حد التعزير والتعزير على التدليس ~~مستحق، وأما فعل مروان فظلم وعدوان، وذهب أبو حنيفة وفقهاء العراق إلى أن ~~كسرها غير مكروه، وقد حكى صالح بن حفص عن أبي بن كعب في قول الله تعالى: ~~{أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء} [هود: 87] . قال: كسر الدراهم، ومذهب ~~الشافعي -رحمه الله- أنه قال: إن كسرها لحاجة لم يكره له؛ وإن كسرها لغير ~~حاجة كره له؛ لأن إدخال النقص على المال من غير حاجة سفه، وقال أحمد بن ~~حنبل: إن كان عليها اسم الله -عز وجل- كره كسرها، وإن لم يكن عليها اسمه لم ~~يكره. # وأما الخبر المروي في النهي عن كسر السكة، فكان محمد بن عبد الله ~~الأنصاري قاضي البصرة يحمله على النهي عن كسرها؛ لتعاد تبرا فتكون على ~~حالها مرصدة للنفقة، وحمله آخرون على النهي عن كسرها؛ ليتخذ منها أواني ~~وزخرف، وحمله آخرون على النهي عن أخذ أطرافها قرضا بالمقاريض؛ لأنهم كانوا ~~في صدر الإسلام يتعاملون بها عددا، فصار أخذ أطرافها بخسا وتطفيفا. # وأما الكيل فإن كان مقاسمة فبأي قفيز كيل تعدلت فيه القسمة، وإن كان ~~خراجا مقدرا PageV01P239 # فقد حكى القاسم أن القفيز الذي وضعه عثمان بن حنيف على أرض ms170 السواد فأمضاه ~~عمر -رضي الله عنه- كان مكيلا لهم يعرف بالشابرقان، قال يحيى بن آدم: وهو ~~المختوم الحجاجي، وقيل: وزنه ثلاثون رطلا، فإن استؤنف وضع الخراج كيلا ~~مقدرا على ناحية مبتدأة روعي فيه من المكاييل ما استقر مع أهلها من مشهور ~~القفزان بتلك الناحية. PageV01P240 ### | الباب الرابع عشر: فيما تختلف أحكامه من البلاد # بلاد الإسلام تنقسم على ثلاثة أقسام: حرم، وحجاز، وما عداهما. # أما الحرم فمكة وما طاف بها من نصب حرمها، وقد ذكرها الله تعالى باسمين ~~في كتابه: مكة وبكة، فذكر مكة في قوله -عز وجل: {وهو الذي كف أيديهم عنكم ~~وأيديكم عنهم ببطن مكة من بعد أن أظفركم عليهم} [الفتح: 24] . # ومكة مأخوذ من قولهم: تمككت المخ من العظم تمككا: إذا استخرجته عنه؛ ~~لأنها تمك الفاجر عنها وتخرجه منها، على ما حكاه الأصمعي، وأنشد قول الراجز ~~في تلبيته: # يا مكة الفاجر مكي مكا %~% ولا تمكي مذحجا وعكا # وذكر بكة في قوله -عز وجل: {إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا} [آل ~~عمران: 96] . # قال الأصمعي: وسميت بكة؛ لأن الناس يبك بعضهم بعضا فيها، أي: يدفع، وأنشد ~~"من الرجز": # إذا الشريب أخذته أكه %~% فخله حتى يبك بكه # واختلف الناس في هذين الاسمين، فقال قوم: هما لغتان والمسمى بهما واحد؛ ~~لأن العرب تبدل الميم بالباء فتقول: ضربة لازم وضربة لازب؛ لقرب المخرجين، ~~وهذا قول مجاهد. # وقال آخرون: بل هما اسمان والمسمى بهما شيئان؛ لأن اختلاف الأسماء موضوع ~~لاختلاف المسمى، ومن قال: بهذا اختلف في المسمى بهما على قولين: # أحدهما: إن مكة اسم البلد كله، وبكة اسم البيت، وهذا قول إبراهيم النخعي ~~ويحيى بن أبي أيوب. # والثاني: إن مكة الحرم كله وبكة المسجد، وهذا قول الزهري وزيد بن أسلم، ~~وحكى مصعب بن عبد الله الزبيري قال: كانت مكة في الجاهلية تسمى صلاحا ~~لأمنها، وأنشد قول PageV01P241 # أبي سفيان بن حرب بن أمية لابن الحضرمي "من الوافر": # أبا مطر هلم إلى صلاح %~% فيكفيك الندامى من قريش # وتنزل بلدة عزت قديما %~% وتأمن أن يزورك رب جيش # وحكى ms171 مجاهد أن أم زحم والباسة، فأما أم زحم؛ فلأن الناس يتزاحمون بها ~~ويتنازعون، وأما الباسة فلأنها تبس من الحد فيها، أي: تحطمه وتهلكه، ومنه ~~قول الله تعالى: {وبست الجبال بسا} [الواقعة: 5] . # ويروى الناسة بالنون، ومعناه: إنها تنس من الحد فيها، أي: تطرده وتنفيه، ~~وأصل مكة وحرمتها ما عظمه الله سبحانه من حرمة بيته، حتى جعلها لأجل البيت ~~الذي أمر برفع قواعده، وجعله قبلة عباده، أم القرى كما قال الله سبحانه: ~~{لتنذر أم القرى ومن حولها} [الشوري: 7] . # وحكى جعفر بن محمد عن أبيه محمد بن علي -رضي الله عنهم- أن سبب وضع البيت ~~والطواف به، أن الله تعالى قال للملائكة: {إني جاعل في الأرض خليفة قالوا ~~أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال إني ~~أعلم ما لا تعلمون} [البقرة: 30] . # فغضب عليهم فعاذوا بالعرش، فطافوا حوله سبعة أطواف يسترضون ربهم فرضي ~~عنهم. # وقال لهم: ابنوا لي في الأرض بيتا يعوذ به من سخطت عليه من بني آدم، ~~ويطوف حوله كما فعلتم بعرشي فأرضى عنهم، فبنوا له هذا البيت، فكان أول بيت ~~وضع للناس، قال الله تعالى: {إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا وهدى ~~للعالمين} [آل عمران: 96] . فلم يختلف أهل العلم أنه أول بيت وضع للناس ~~للعبادة، وإنما اختلفوا هل كان أول بيت وضع لغيرها، فقال الحسن وطائفة: قد ~~كان قبله بيوت كثيرة، وقال مجاهد وقتادة: لم يكن قبله بيت. # وفي قوله -تبارك وتعالى: {مباركا} تأويلان: # أحدهما: إن بركته بما يستحق من ثواب القصد إليه. # والثاني: إنه أمن لمن دخله حتى الوحش، فيجتمع فيه الظبي والذئب. # {وهدى للعالمين} تحتمل تأويلين: PageV01P242 # أحدهما: هدى لهم إلى توحيده. # والثاني: إلى عبادته في الحج والصلاة. # {فيه آيات بينات مقام إبراهيم ومن دخله كان آمنا} [آل عمران: 97] ، وكانت ~~الآية في مقام إبراهيم تأثير قدميه فيه، وهو حجر صلد، والآية في غير ~~المقام: أمن الخائف وهيبة البيت عند مشاهدته، وامتناع الطير من العلو عليه، ~~وتعجيل العقوبة لمن عتا فيه؛ وما كان في ms172 الجاهلية من أصحاب الفيل، وما عطف ~~عليه قلوب العرب في الجاهلية من تعظيمه، وأن من دخله من الجاهلية وهم غير ~~أهل كتاب ولا متبعي شرع يلتزمون أحكامه، حتى إن الرجل منهم كان يرى فيه ~~قاتل أخيه وأبيه فلا يطلبه بثأره فيه، وكل ذلك آيات الله تعالى ألقاها على ~~قلوب عباده. # وأما أمنه في الإسلام ففي قوله -سبحانه وتعالى: {ومن دخله كان آمنا} ~~تأويلان: # أحدهما: آمنا من النار، وهذا قول يحيى بن جعدة. # والثاني: آمنا من القتل؛ لأن الله تعالى أوجب الإحرام على داخله، وحظر ~~عليه أن يدخله محلا. # وقال أيضا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حين دخل مكة عام الفتح حلالا: ~~"أحلت لي ساعة من نهار ولم تحل لأحد من قبلي، ولا تحل لأحد من بعدي" 1، ثم ~~قال: {ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا} [آل عمران: 97] . # فجعل حجه فرضا بعد أن صار في الصلاة قبلة؛ لأن استقبال الكعبة في الصلاة ~~فرض في السنة الثانية من الهجرة، والحج فرض في السنة السادسة، وإذ قد تعلق ~~بمكة للكعبة من أركان الإسلام عبادتان، وباينت بحرمتها سائر البلدان، وجب ~~أن نصفها ثم نذكر حكم حرمها، فأما بناؤها فأول من تولاه بعد الطوفان ~~إبراهيم -عليه الصلاة والسلام، فإنه سبحانه قال: {وإذ يرفع إبراهيم القواعد ~~من البيت وإسماعيل ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم} [البقرة: 127] . # فدل ما سألاه من القبول على أنهما كانا ببنائها مأمورين، وسميت كعبة ~~لعلوها مأخوذ من قولهم: كعبت المرأة إذا علا ثديها، ومنه: سمي الكعب كعبا ~~لعلوه، وكانت الكعبة بعد PageV01P243 # إبراهيم -صلى الله عليه وسلم- مع جرهم والعمالقة إلى أن انقرضوا، حتى قال ~~فيهم عامر بن الحارث "من الطويل": # كأن لم يكن بين الحجون إلى الصفا %~% أنيس ولم يسمر بمكة سامر # بلى نحن كنا أهلها فأبادنا %~% صروف الليالي والجدود العواثر # وخلفهم فيها قريش بعد استيلائهم على الحرم لكثرتهم بعد القلة، وعزتهم بعد ~~الذلة، تأسيسا لما يظهره الله تعالى فيهم من النبوة، فكان أول من جدد بناء ~~الكعبة من قريش ms173 بعد إبراهيم -عليه السلام- قصي بن كلاب، وسقفها بخشب الدوم ~~وجريد النخل، قال الأعشى "من الطويل": # حلفت بثوبي راهب الشام والتي %~% بناها قصي جده وابن جرهم # لئن شب نيران العداوة بيننا %~% ليرتحلن مني على ظهر شيهم # ثم بنتها قريش بعده ورسول الله -صلى الله عليه وسلم- ابن خمس وعشرين سنة، ~~وشهد بناءها، وكان بابها في الأرض، فقال أبو حذيفة بن المغيرة: يا قوم ~~ارفعوا باب الكعبة حتى لا تدخل إلا بسلم، فإنه لا يدخلها حينئذ إلا من ~~أردتم، فإن جاء أحد ممن تكرهون رميتم به فيسقط، فكان نكالا لمن رآه، ففعلت ~~قريش ذلك. # وسبب بنائها أن الكعبة استهدمت وكانت فوق القامة فأرادوا تعليتها، وكان ~~البحر قد ألقى سفينة لرجل من تجار الروم إلى جدة فأخذوا خشبها، وكان في ~~الكعبة حية يخافها الناس فخرجت فوق جدار الكعبة، فنزل طائر فاختطفها، فقالت ~~قريش: إنا لنرجو أن يكون الله سبحانه قد رضي ما أردنا، فهدموها وبنوها بخشب ~~السفينة، وكانت على بنائها إلى أن حوصر ابن الزبير بالمسجد من الحصين بن ~~نمير وعسكر الشام حين حاربوه سنة أربع وستين في زمن يزيد بن معاوية، فأخذ ~~رجل من أصحابه نارا في ليفة على رأس رمح وكانت الريح عاصفة، فطارت شرارة ~~فتعلقت بأستار الكعبة فأحرقتها، فتصدعت حيطانها واسودت، وتناثرت أحجارها، ~~فلما مات يزيد وانصرف الحصين بن نمير شاور عبد الله بن الزبير في هدمها ~~وبنائها، فأشار به جابر بن عبد الله وعبيد بن عمير، وأتاه عبد الله بن عباس ~~وقال: لا تهدم بيت الله تعالى، فقال ابن الزبير أما ترى الحمام يقع على ~~حيطان البيت فتتناثر حجارته PageV01P244 # ويظل أحدكم يبني بيته ولا يبني بيت الله، ألا إني هادمه بالغداة، فقد ~~بلغني أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "لو كانت لنا سعة لبنيته على ~~أس إبراهيم، ولجعلت له بابين شرقيا وغربيا" 1. # وسأل الأسود هل سمعت من عائشة -رضي الله عنها- في ذلك شيئا؟ فقال: نعم، ~~أخبرتني أن النبي -عليه الصلاة والسلام- قال لها: "إن النفقة قصرت بقومك ~~فاقتصروا، ولولا حدثان ms174 عهدهم بالكفر لهدمته وأعدت فيه ما تركوا" 2. # فاستقر رأي ابن الزبير على هدمه، فلما أصبح أرسل إلى عبيد بن عمير فقيل: ~~هو نائم، فأرسل إليه وأيقظه، وقال له: أما بلغك أن النبي -عليه الصلاة ~~والسلام- قال: "إن الأرض لتضج إلى الله تعالى من نومة العلماء في الضحى" 3. # فهدمها، فأرسل إليه ابن عباس: إن كنت هادمها فلا تدع الناس بلا قبلة، ~~فلما هدمت قال الناس: كيف نصلي بغير قبلة؟ فقال جابر وزيد: صلوا إلى موضعها ~~فهو القبلة، وأمر ابن الزبير بموضعها فستر ووضع الحجر في تابوت في خرقة ~~حرير، قال عكرمة: رأيته فإذا هو ذراع أو يزيد، وكان جوفه أبيض مثل الفضة، ~~وجعل حلي الكعبة عند الحجبة في خزانة الكعبة، فلما أراد بناءها حفر من قبل ~~الحطيم حتى استخرج أس إبراهيم -عليه السلام، فجمع الناس، ثم قال: هل تعلمون ~~أن هذا أس إبراهيم؟ قالوا: نعم، فبناها على أس إبراهيم -صلى الله عليه ~~وسلم، وأدخل فيها الحجر ستة أذرع، وترك منه أربعا. وقيل: أدخل سبعة أذرع ~~وترك ثلاثا، وجعل لها بابين ملصوقين بالأرض شرقيا وغربيا، يدخل من واحد ~~ويخرج من الآخر، وجعل على بابهما صفائح الذهب، وجعل مفاتيحها من ذهب، وكان ~~ممن حضر بناءها من رجال قريش أبو الجهم بن حذيفة العدوي، فقال: عملت في ~~بناء الكعبة مرتين، واحدة في الجاهلية بقوة غلام نفاع، وأخرى في الإسلام ~~بقوة كبير فان. # وذكر الزبير بن بكار أن عبد الله بن الزبير وجد في الحجر صفائح حجارة خضر ~~قد أطبق بها على قبر، فقال له عبد الله بن صفوان: هذا قبر نبي الله إسماعيل ~~-عليه السلام، فكف عن تحريك تلك الحجارة، ثم بقيت الكعبة في أيام ابن ~~الزبير على حالها إلى أن حاربه الحجاج PageV01P245 # وحصره في المسجد، ونصب عليه المنجانيقات إلى أن ظفر به، وقد تصدع بناء ~~الكعبة بأحجار المنجنيق فهدمها الحجاج، وبناها بأمر عبد الملك بن مروان، ~~وأخرج الحجر منها، وأعادها إلى بناء قريش على ما هي عليه اليوم، فكان عبد ~~الملك بن مروان يقول: ms175 وددت أني كنت حملت ابن الزبير من أمر الكعبة وبنائها ~~ما تحمله. # وأما كسوة الكعبة: فقد روى أبو هريرة -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله ~~عليه وسلم: "إن أول من كسا البيت سعد اليماني"1، ثم كساها رسول الله -صلى ~~الله عليه وسلم- الثياب اليمانية، ثم كساها عمر بن الخطاب وعثمان -رضي الله ~~عنهما- القباطي، ثم كساها يزيد بن معاوية الديباج الخسرواني. # وحكى محارب بن دثار أن أول من كسا الكعبة الديباج خالد بن جعفر بن كلاب، ~~أصاب لطيمة في الجاهلية، وفيها نمط ديباج فناطه بالكعبة، ثم كساها ابن ~~الزبير والحجاج الديباج، ثم كساها بنو أمية في بعض أيامهم الحلل التي كانت ~~على أهل نجران في حربهم، وفوقها الديباج، ثم جدد المتوكل رخام الكعبة ~~وأزرها بفضة، وألبس سائر حيطانها وسقفها بذهب، ثم كسا أساطينها الديباج، ثم ~~لم يزل كسوتها في الدولة العباسية بأسرها. # وأما المسجد الحرام فقد كان فناء حول الكعبة للطائفين، ولم يكن له على ~~عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأبي بكر الصديق -رضي الله عنه- جدار ~~يحيط به، فلما استخلف عمر -رضي الله عنه، وكثر الناس وسع المسجد، واشترى ~~دورا هدمها وزادها فيه، وهدم على قوم من جيران المسجد أبوا أن يبيعوا، ووضع ~~لهم الأثمان حتى أخذوها بعد ذلك، واتخذ للمسجد جدارا قصيرا دون القامة، ~~وكانت المصابيح توضع عليه. وكان عمر -رضي الله عنه- أول من اتخذ جدارا ~~للمسجد، فلما استخلف عثمان -رضي الله عنه- ابتاع منازل فوسع بها المسجد، ~~وأخذ منازل أقوام ووضع لهم أثمانها فضجوا منه عند البيت، فقال: إنما جرأكم ~~علي حلمي عنكم، فقد فعل بكم عمر -رضي الله عنه- هذا فأقررتم ورضيتم، ثم أمر ~~بهم إلى الحبس حتى كلمه فيهم عبد الله بن خالد بن أسد فخلى سبيلهم، وبنى ~~للمسجد الأروقة حين وسعه؛ فكان عثمان -رضي الله عنه- أول من اتخذ للمسجد ~~الأروقة، ثم إن الوليد بن عبد الملك وسع المسجد وحمل إليه أعمدة الحجارة ~~والرخام، ثم إن المنصور -رحمه الله- زاد في المسجد وبناه، وزاد فيه المهدي ~~-رحمه الله- بعده، وعليه استقر ms176 بناؤه إلى وقتنا هذا. PageV01P246 # وأما مكة فلم تكن ذات منازل، وكانت قريش بعد جرهم والعمالقة ينتجعون ~~جبالها وأوديتها، ولا يخرجون من حرمها انتسابا إلى الكعبة لاستيلائهم ~~عليها، وتخصصا بالحرم لحلولهم فيه، ويرون أنه سيكون لهم بذلك شأن، وكلما ~~كثر فيهم العدد ونشأت فيهم الرياسة قوي أملهم، وعلموا أنهم سيتقدمون على ~~العرب، وكان فضلاؤهم وذوو الرأي والتجربة منهم يتخيلون أن ذلك لرياسة في ~~الدين وتأسيس لنبوة ستكون؛ لأنهم تمسكوا من أمور الكعبة بما هو بالدين أخص، ~~فأول من شعر بذلك منهم وألهمه كعب بن لؤي بن غالب، وكانت قريش تجتمع إليه ~~في كل جمعة، وكان يوم الجمعة يسمى في الجاهلية عروبة، فسماه كعب يوم ~~الجمعة، وكان يخطب فيه على قريش فيقول على ما حكاه الزبير بن بكار: وأما ~~بعد، فاسمعوا وتعلموا وافهموا، واعلموا أن الليل ساج، والنهار صاح، والأرض ~~مهاد، والجبال أوتاد، والسماء بناء، والنجوم أعلام، والأولين كالآخرين، ~~والذكر والأنثى زوج إلى أن يأتي ما يهيج، فصلوا أرحامكم، واحفظوا أصهاركم، ~~وثمروا أموالكم، فهل رأيتم من هالك رجع أو ميت انتشر، والدار أمامكم، والظن ~~غير ما تقولون، حرمكم زينوه وعظموه، وتمسكوا به، فسيأتي له نبأ عظيم، ~~وسيخرج منه نبي كريم، ثم يقول "من الطويل": # نهار وليل كل يوم بحادث %~% سواء علينا ليلها ونهارها # يئوبان بالأحداث فينا تأوبا %~% وبالنعم الضافي علينا ستورها # صروف وأنباء تقلب أهلها %~% لها عقد ما يستحيل مريرها # على غفلة يأتي النبي محمد %~% فيخبر أخبارا صدوقا خبيرها # ثم يقول: أما والله لئن كنت فيها ذا سمع وبصر ويد ورجل لتنصبت فيها تنصب ~~الجمل، ولأرقلت فيها إرقال الفحل، ثم يقول "من البسيط": # يا ليتني شاهد فحواء دعوته %~% حين العشيرة تبغي الحق خذلانا # وهذا من فطن الإلهامات التي تخيلتها العقول فصدقت، وتصورتها النفوس ~~فتحققت، ثم انتقلت الرياسة بعده إلى قصي بن كلاب، فبنى بمكة دار الندوة ~~ليحكم فيها بين قريش، ثم صارت الدار لتشاورهم وعقد الألوية في حروبهم. قال ~~الكلبي: فكانت أول دار بنيت بمكة، ثم تتابع الناس فبنوا من الدور ما ms177 ~~استوطنوه؛ وكلما قربوا من عصر الإسلام ازدادوا قوة وكثرة PageV01P247 # عدد حتى دانت لهم العرب، فصدقت المخيلة الأولى في الرياسة عليهم، ثم بعث ~~الله سبحانه نبيه رسولا، فصدقت المخيلة الثانية في حدوث النبوة فيهم، فآمن ~~به من هدي وجحد من عاند، وهاجر عنهم -صلى الله عليه وسلم- حين اشتد به ~~الأذى حتى عاد ظافرا بعد ثمان سنين من هجرته عنهم. # واختلف الناس في دخوله -صلى الله عليه وسلم- مكة عام الفتح، هل دخلها ~~عنوة أو صلحا، مع إجماعهم على أنه لم يغنم منها مالا، ولم يسب فيها ذرية، ~~فذهب أبو حنيفة ومالك إلى أنه دخلها عنوة فعفا عن الغنائم، ومن على السبي، ~~وإن للإمام إذا فتح بلدا عنوة أن يعفو عن غنائمه، ويمن على سبيه، وذهب ~~الشافعي إلى أنه دخلها صلحا عقده مع أبي سفيان، كان الشرط فيه أن: "من أغلق ~~بابه كان آمنا، ومن تعلق بأستار الكعبة فهو آمن، ومن دخل دار أبي سفيان فهو ~~آمن"1. # إلا ستة أنفس استثنى قتلهم ولو تعلقوا بأستار الكعبة، وقد مضى ذكرهم، ~~ولأجل عقد الصلح لم يغنم ولم يسب، وليس للإمام إذا فتح بلدا عنوة أن يعفو ~~عن غنائمه، ولا يمن على سبيه لما فيهما من حقوق الله تعالى وحقوق الغانمين، ~~فصارت مكة وحرمها حين لم تغنم أرض عشر إن زرعت، لا يجوز أن يوضع عليها ~~خراج. # واختلف الفقهاء في بيع دور مكة وإجارتها، فمنع أبو حنيفة من بيعها وأجاز ~~إجارتها في غير أيام الحج، ومنع منهما في أيام الحج لرواية الأعمش عن مجاهد ~~أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "مكة حرام لا يحل بيع رباعها ولا أجور ~~بيوتها" 2. PageV01P248 # وذهب الشافعي -رحمه الله- إلى جواز بيعها وإجارتها؛ لأن رسول الله -صلى ~~الله عليه وسلم- أقرهم عليها بعد الإسلام بعدما كانت عليه قبله، ولم يغنمها ~~ولم يعارضهم فيها، وقد كانوا يتبايعونها قبل الإسلام وكذلك بعده، هذه دار ~~الندوة، وهي أول دار بنيت بمكة صارت بعد قصي لعبد الدار بن قصي، وابتاعها ~~معاوية في الإسلام من عكرمة بن عامر بن ms178 هشام بن عبد الدار بن قصي، وجعلها ~~دار الإمارة، وكانت من أشهر دار ابتيعت ذكرا وأنشرها في الناس خبرا، فما ~~أنكر بيعها أحد من الصحابة، وابتاع عمر وعثمان -رضي الله عنهما- ما زاداه ~~في المسجد من دور مكة، وتملك أهلها أثمانها، ولا حرم ذلك لما بذلاه من ~~أموال المسلمين، ثم جرى به العمل إلى وقتنا هذا، فكان إجماعا متبوعا. # وتحمل رواية مجاهد -مع إرسالها- على أنه لا يحل بيع رباعها على أهلها، ~~تنبيها على أنها لم تغنم، فتملك عليهم فلذلك لم تبع، وكذلك حكم الإجارة. # فصل: # أما الحرم فهو ما أطاف بمكة من جوانبها، وحده من طريق المدينة دون ~~التنعيم عند بيوت بني نفار على ثلاثة أميال، ومن طريق العراق على ثنية جبل ~~بالمنقطع على سبعة أميال، ومن طريق الجعرانة بشعب آل عبد الله بن خالد على ~~تسعة أميال، ومن طريق الطائف على عرفة من بطن نمرة على سبعة أميال، ومن ~~طريق جدة منقطع العشائر على عشرة أميال، فهذا PageV01P249 # حد ما جعله الله تعالى حرما لما اختص به من التحريم، وباين بحكمه سائر ~~البلاد. # قال الله -عز وجل: {وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا بلدا آمنا} [البقرة: ~~126] . # يعني: مكة وحرمها، {وارزق أهله من الثمرات} [البقرة: 126] ؛ لأنه كان ~~واديا غير ذي زرع، فسأل الله تعالى أن يجعل لأهله الأمن والخصب؛ ليكونوا ~~بهما في رغد من العيش، فأجابه الله تعالى إلى ما سأل، فجعله حرما آمنا ~~يتخطف الناس من حوله، وجبا إليه ثمرات كل بلد حتى جمعها فيه. # واختلف الناس في مكة وما حولها، هل صارت حرما آمنا بسؤال إبراهيم -عليه ~~السلام، أو كانت قبله كذلك، على قولين: # أحدهما: إنها لم تزل حرما آمنا بسؤال إبراهيم -عليه السلام- من الجبابرة ~~والمسلطين ومن الخسوف والزلازل، وإنما سأل إبراهيم -عليه السلام- ربه ~~سبحانه أن يجعله حرما آمنا من الجدب والقحط، وأن يرزق أهله من الثمرات؛ ~~لرواية سعيد عن أبي سعيد قال: سمعت أبا شريح الخزاعي يقول: إن رسول الله ~~-صلى الله عليه وسلم- لما فتح مكة قام خطيبا فقال: ms179 "أيها الناس، إن الله ~~سبحانه حرم مكة يوم خلق السموات والأرض، فهي حرام إلى يوم القيامة، لا يحل ~~لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك بها دما أو يعضد بها شجرا، وإنها لا ~~تحل لأحد بعدي، ولم تحل لي إلا هذه الساعة غضبا على أهلها، ألا وهي قد رجعت ~~على حالها بالأمس، ألا ليبلغ الشاهد الغائب، فمن قال إن رسول الله قد قتل ~~بها أحدا فقولوا: إن الله تعالى قد أحلها لرسوله ولم يحلها لك" 1. # والقول الثاني: إن مكة كانت حلالا قبل دعوة إبراهيم -عليه السلام- كسائر ~~البلاد، وإنها صارت بدعوته حرما آمنا حين حرمها، كما صارت المدينة بتحريم ~~رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حراما بعد أن كانت حلالا؛ لرواية الأشعث عن ~~نافع عن أبي هريرة قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم: "إن إبراهيم ~~كان عبد الله وخليله وإني عبد الله ورسوله، وإن إبراهيم حرم مكة وإني حرمت ~~المدينة ما بين لابتيها عضاها وصيدها، لا يحمل فيها سلاح لقتال، ولا يقطع ~~منها شجرة إلا لعلف بعير، ولا ينفر صيدها". # والذي يختص به الحرم من الأحكام التي تباين بها سائر البلاد خمسة أحكام: # أحدها: إن الحرم لا يدخله محل قدم إليه حتى يحرم لدخوله، إما بحج أو ~~بعمرة يتحلل بها من إحرامه، وقال أبو حنيفة: يجوز أن يدخلها المحل إذا لم ~~يرد حجا أو عمرة، وفي قول النبي -عليه الصلاة والسلام- حين دخل مكة عام ~~الفتح حلالا: "أحلت لي ساعة من نهار لم تحل لأحد بعدي" 2، مما يدل على وجوب ~~الإحرام على داخلها، إلا أن يكون ممن يكثر PageV01P250 # الدخول إليها لمنافع أهلها؛ كالحطابين والسقايين الذين يخرجون منها غدوة ~~ويعودون إليها عشية، فيجوز لهم دخولها محلين لدخول المشقة عليهم في الإحرام ~~كلما دخلوا، فإن علماء مكة أقروهم على دخولها محلين، فخالفوا حكم من عداهم، ~~فإن دخل القادم إليها حلالا فقد أثم، ولا قضاء عليه ولا دم؛ لأن القضاء ~~متعذر، فإنه إذا خرج للقضاء كان إحرامه الذي يستأنفه مختصا بدخوله الثاني، ~~فلم يصح ms180 أن يكون قضاء عن دخوله الأول، فتعذر القضاء وأعوز فسقط، فأما الدم ~~فلا يلزمه؛ لأن الدم يلزم جبران النسك، ولا يلزم جبرانا لأصل النسك. # والحكم الثاني: أن لا يحارب أهلها؛ لتحريم رسول الله -صلى الله عليه ~~وسلم- قتالهم، فإن بغوا على أهل العدل فقد ذهب بعض الفقهاء إلى تحريم ~~قتالهم مع بغيهم، ويضيق عليهم حتى يرجعوا عن بغيهم، ويدخلوا في أحكام أهل ~~العدل، والذي عليه أكثر الفقهاء أنهم يقاتلون على بغيهم إذا لم يمكن ردهم ~~عن البغي إلا بقتال؛ لأن قتال أهل البغي من حقوق الله تعالى التي لا يجوز ~~أن تضاع؛ ولأن تكون محفوظة في حرمه أولى من أن تكون مضاعة فيه. # فأما إقامة الحدود في الحرم: فذهب الشافعي -رحمه الله- إلى أنها تقام فيه ~~على من أتاها، ولا يمنع الحرم من إقامتها، سواء أتاها في الحرم أو في الحل ~~ثم لجأ إلى الحرم، وقال أبو حنيفة: إن أتاها في الحرم أقيمت فيه، وإن أتاها ~~في الحل ثم لجأ إلى الحرم لم يقم عليه فيه، وألجئ إلى الخروج معه، فإذا خرج ~~أقيمت عليه. # والحكم الثالث: تحريم صيده على المحرمين والمحلين من أهل الحرم ومن طرأ ~~إليه، فإن أصاب في صيده وجب عليه إرساله، فإن تلف في يده ضمنه بالجزاء ~~كالمحرم، وهكذا لو رمى من الحرم صيدا في الحل ضمنه؛ لأنه قاتل في الحرم. ~~وهكذا لو رمى من الحل صيدا في الحرم ضمنه؛ لأنه مقتول في الحرم. ولا صيد في ~~الحل ثم أدخل الحرم كان حلالا له عند الشافعي -رحمه الله، وحراما عليه عند ~~أبي حنيفة، ولا يحرم قتل ما كان مؤذيا من السباع وحشرات الأرض. # والحكم الرابع: يحرم قطع شجره الذي أنبته الله تعالى، ولا يحرم قطع ما ~~غرسه الآدميون، كما لا يحرم فيه ذبح الأنيس من الحيوان، ولا يحرم رعي خلاه، ~~ويضمن ما قطعه PageV01P251 # من محظور شجره، فيضمن الشجرة الكبيرة ببقرة، والشجرة الصغيرة بشاة، ~~والغصن من كل واحد منهما يسقطه من ضمان أصله، ولا يكون ما استخلف بعد قطع ~~الأصل ms181 مسقطا لضمان الأصل. # الحكم الخامس: أن ليس لجميع من خالف دين الإسلام من ذمي أو معاهد أن يدخل ~~الحرم لا مقيما فيه ولا مارا به، وهذا مذهب الشافعي -رحمه الله- وأكثر ~~الفقهاء. # وجوز أبو حنيفة دخولهم إليه إذا لم يستوطنوه، وفي قوله تعالى: {إنما ~~المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا} [التوبة: 28] . # نص يمنع ما عداه، فإن دخله مشرك عزر إن دخله بغير إذن، ولم يستبح قتله، ~~وإن دخله بإذن لم يعزر، وأنكر على الآذن له، وعزر إن اقتضت حاله التعزير، ~~وأخرج منه المشرك آمنا، وإذا أراد مشرك دخول الحرم ليسلم فيه منع منه حتى ~~يسلم قبل دخوله، وإذا مات مشرك في الحرم حرم دفنه فيه ودفن في الحل، فإن ~~دفن في الحرم نقل إلى الحل، إلا أن يكون قد بلي فيترك فيه كما تركت أموات ~~الجاهلية. وأما سائر المساجد فيجوز أن يؤذن لهم في دخولها ما لم يقصد ~~بالدخول استبذالها بأكل أو نوم فيمنعوا. # وقال مالك: لا يجوز أن يؤذن لهم في دخولها بحال. PageV01P252 # فصل: # وأما الحجاز فقد قال الأصمعي: سمي حجازا لأنه حجز بين نجد وتهامة، وقال ~~ابن الكلبي: سمي حجازا لما احتجز به من الجبال. # وما سوى الحرم منه مخصوص من سائر البلاد بأربعة أحكام: # أحدها: أن لا يستوطنه مشرك من ذمي ولا معاهد، وجوزه أبو حنيفة، وقد روى ~~عبيد الله بن عبد الله بن مسعود -رحمه الله، عن عائشة -رضي الله- عنها أنها ~~قالت: "كان آخر ما عهد به رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن قال: "لا ~~يجتمع في جزيرة العرب دينان" 1. # وأجلى عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- أهل الذمة عن الحجاز، وضرب لمن قدم ~~منهم تاجرا أو صانعا مقام ثلاثة أيام، ويخرجون بعد انقضائها، فجرى به العمل ~~واستقر عليه الحكم، فمنع أهل الذمة من استيطان الحجاز، ولا يمكنون من ~~دخوله، ولا يقيم الواحد منهم في موضع منه أكثر من ثلاثة أيام، فإذا انقضت ~~صرف عن موضعه، وجاز أن يقيم في غيره ثلاثة أيام، ثم يصرف ms182 إلى غيره. # فإن أقام بموضع منه أكثر من ثلاثة أيام عزر إن لم يكن معذورا. ~~PageV01P253 # والحكم الثاني: أن لا تدفن أمواتهم وينقلوا إن دفنوا فيه إلى غيره؛ لأن ~~دفنهم مستدام فصار كالاستيطان، إلا أن يبعد مسافة إخراجهم منه ويتغيروا إن ~~أخرجوا، فيجوز لأجل الضرورة أن يدفنوا فيه. # والحكم الثالث: إن لمدينة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بالحجاز حرما ~~محظورا، ما بين لابتيها يمنع من تنفير صيده وعضد شجره كحرم مكة، وأباحه أبو ~~حنيفة وجعل المدينة كغيرها، وفيما قدمناه من حديث أبي هريرة دليل على أن ~~حرم المدينة محظور، فإن قتل صيده وعضد شجره فقد قيل: إن جزاءه سلب ثيابه، ~~وقيل: تعزيره. # والحكم الرابع: إن أرض الحجاز تنقسم لاختصاص رسول الله -صلى الله عليه ~~وسلم- بفتحها قسمين: # أحدهما: صدقات رسول الله -صلى الله عليه وسلم- التي أخذها بحقيه، فإن أحد ~~حقيه خمس الخمس من الفيء والغنائم. # والحق الثاني: أربعة أخماس الفيء الذي أفاءه الله على رسوله مما لم يوجف ~~عليه المسلمون بخيل ولا ركاب، فما صار إليه بواحد من هذين الحقين، فقد رضخ ~~منه لبعض أصحابه، وترك باقيه لنفقته وصلاته ومصالح المسلمين، حتى مات عنه ~~-صلى الله عليه وسلم، فاختلف الناس في حكمه بعد موته، فجعله قوم موروثا عنه ~~ومقسوما على المواريث ملكا، وجعله آخرون للإمام القائم مقامه في حماية ~~البيضة وجهاد العدو. # والذي عليه جمهور الفقهاء أنها صدقات محرمة الرقاب، مخصوصة المنافع ~~مصروفة في وجوه المصالح العامة، وما سوى صدقاته أرض عشر لا خراج عليها؛ ~~لأنها ما بين مغنوم ملك على أهله، أو متروك لمن أسلم عليه، وكلا الأمرين ~~معشور لا خراج عليه. # فأما صدقات النبي -عليه الصلاة والسلام- فهي محصورة؛ لأنه قبض عنها ~~فتعينت، وهي ثمانية: # إحداها: وهي أول أرض ملكها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وصية مخيريق ~~اليهودي من أموال بني النضير، حكى الواقدي أن مخيريقا اليهودي كان حبرا من ~~علماء بني النضير، آمن برسول الله -صلى الله عليه وسلم- يوم أحد، وكانت له ~~سبعة حوائط وهي: المبيت والصافية والدلال وجسني وبرقة ms183 والأعراف والمسربة، ~~فوصى بها لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- حين أسلم، وقاتل معه بأحد حتى ~~قتل -رحمه الله. PageV01P254 # والصدقة الثانية: أرضه من أموال بني النضير بالمدينة، وهي أول أرض أفاءها ~~الله على رسوله، فأجلاهم عنها وكف عن دمائهم، وجعل لهم ما حملته الإبل من ~~أموالهم إلا الحلقة، وهي السلاح، فخرجوا بما استقلت إبلهم إلى خيبر والشام، ~~وخلصت أرضهم كلها لرسول الله -صلى الله عليه وسلم، إلا ما كان ليمين بن ~~عمير وأبي سعد بن وهب، فإنهما أسلما قبل الظفر، فأحرز لهما إسلامهما جميع ~~أموالهما، ثم قسم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ما سوى الأرضين من ~~أموالهم على المهاجرين الأولين دون الأنصار، إلا سهل بن حنيف، وأبا دجانة ~~-سماك بن خرشة- فإنهما ذكرا فقرا فأعطاهما، وحبس الأرضين على نفسه، فكانت ~~من صدقاته يضعها حيث يشاء، وينفق منها على أزواجه، ثم سلمها عمر إلى العباس ~~وعلي -رضوان الله عليهما؛ ليقوما بمصرفها. # والصدقة الثالثة والرابعة والخامسة: ثلاثة حصون من خيبر، وكانت ثمانية ~~حصون: ناعم والقموص وشق والنطاة والكتيبة والوطبح والسلالم وحصن الصعب بن ~~معاذ، وكان أول حصن فتحه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- منها ناعم، وعنه ~~قتل محمود بن مسلمة أخو محمد بن مسلمة، والثاني القموص، وهو حصن ابن أبي ~~الحقيق، ومن سبيه اصطفى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- صفية بنت حيي بن ~~أخطب، وكانت عند كنانة بن الربيع بن أبي الحقيق، فأعتقها رسول الله -صلى ~~الله عليه وسلم- وتزوجها، وجعل عتقها صداقها، ثم حصن الصعب بن معاذ، وكان ~~أعظم حصون خيبر وأكثرها مالا وطعاما وحيوانا، ثم شق والنطاة والكتيبة، فهذه ~~الحصون الستة فتحت عنوة، ثم افتتح الوطبح والسلالم، وهي آخر فتوح خيبر صلحا ~~بعد أن حاصرهم بضع عشر ليلة، فسألوه أن يسير بهم ويحقن لهم دماءهم ففعل ~~ذلك، وملك من هذه الحصون الثمانية ثلاثة حصون: الكتيبة والوطبح والسلالم. # أما الكتيبة فأخذها بخمس الغنيمة، وأما الوطبح والسلالم فهما مما أفاء ~~الله عليه؛ لأنه فتحها صلحا، فصارت هذه الحصون الثلاثة بالفيء والخمس خالصة ~~لرسول الله -صلى ms184 الله عليه وسلم، فتصدق بها وكانت من صدقاته، وقسم الخمسة ~~الباقية بين الغانمين، وفي جملتها وادي خيبر ووادي السرير ووادي حاضر على ~~ثمانية عشر سهما، وكانت عدة من قسمت عليه ألفا وأربعمائة، وهم أهل الحديبية ~~من شهد منهم خيبر ومن غاب عنها، ولم يغب عنها إلا جابر PageV01P255 # ابن عبد الله قسم له كسهم من حضرها، وكان فيهم مائتا فارس أعطاهم ستمائة ~~سهم، وألف ومائتا سهم لألف ومائتي رجل، فكانت سهام جميعهم ألفا وثمانمائة ~~سهم، أعطى لكل مائة سهما، فلذلك صارت خيبر مقسومة على ثمانية عشر سهما. # والصدقة السادسة: النصف من فدك، فقد كان النبي -صلى الله عليه وسلم- لما ~~فتح خيبر جاءه أهل فدك فصالحوه بسفارة محيصة بن مسعود، على أن له نصف أرضهم ~~ونخلهم يعاملهم عليه، ولهم النصف الآخر، فصار النصف منها من صدقاته، معاملة ~~مع أهلها بالنصف من ثمرتها، والنصف الآخر خالصا لهم، إلى أن أجلاهم عمر بن ~~الخطاب -رضي الله عنه- فيمن أجلاه من أهل الذمة عن الحجاز، فقوم فدك ودفع ~~إليهم نصف القيمة، فبلغ ذلك ستين ألف درهم، وكان الذي قومها مالك ابن ~~التيهان وسهل بن أبي حثمة وزيد بن ثابت، فصار نصفها من صدقات رسول الله ~~-صلى الله عليه وسلم، ونصفها الآخر لكافة المسلمين، ومصرف النصفين الآن ~~سواء. # والصدقة السابعة: الثلث من أرض وادي القرى؛ لأن ثلثها كان لبني عذرة ~~وثلثيها لليهود، فصالحهم رسول الله -عليه الصلاة والسلام- على نصفه، فصارت ~~أثلاثا؛ ثلثها لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- هو من صدقاته، وثلثها ~~لليهود، وثلثها لبني عذرة إلى أن أجلاهم عمر -رضي الله عنه- عنها، وقوم ~~فيها فبلغت قيمته تسعين ألف دينار فدفعها إليهم، وقال لبني عذرة: إن شئتم ~~أديتم نصف ما أعطيت ونعطيكم النصف، فأعطوه وهو خمسة وأربعون ألف دينار، ~~فصار نصف الوادي لبني عذرة، والنصف الآخر الثلث منه في صدقات رسول الله ~~-صلى الله عليه وسلم، والسدس منه لكافة المسلمين، ومصرف جميع النصف سواء. # والصدقة الثامنة: موضع سوق بالمدينة يقال له: مهروذ، استقطعها مروان من ~~عثمان -رضي الله ms185 عنه، فنقم الناس بها عليه، فاحتمل أن يكون إقطاع تضمين لا ~~تمليك؛ ليكون له في الجواز وجه، فهذه ثمان صدقات حكاها أهل السير ونقلها ~~وجوه رواة المغازي، والله أعلم بصحة ما ذكرنا. # فأما ما سوى هذه الصدقات الثمانية من أمواله، فقد حكى الواقدي أن رسول ~~الله -صلى الله عليه وسلم- ورث من أبيه عبد الله أم أيمن الحبشية واسمها ~~بركة، وخمسة أجمال وقطعة من غنم، وقيل: ومولاه شقران وابنه صالحا وقد شهد ~~بدرا، وورث من أمه آمنة بنت وهب الزهرية دارها PageV01P256 # التي ولد فيها في شعب بني علي، وورث من زوجته خديجة بنت خويلد -رضي الله ~~عنها- دارها بمكة بين الصفا والمروة خلف سوق العطارين وأموالا، وكان حكيم ~~بن حزام اشترى لخديجة زيد بن حارثة من سوق عكاظ بأربعمائة درهم فاستوهبه ~~منها رسول الله -صلى الله عليه وسلم، فأعتقه وزوجه أم أيمن، فولدت أم أيمن ~~أسامة بعد النبوة، فأما الداران فإن عقيل بن أبي طالب باعهما بعد هجرة رسول ~~الله -صلى الله عليه وسلم، فلما قدم مكة في حجة الوداع قيل له: في أي داريك ~~تنزل؟ فقال: هل ترك لنا عقيل من ربع، فلم يرجع فيما باعه عقيل؛ لأنه تغلب ~~عليه ومكة دار حرب يومئذ، فأجرى عليه حكم المستهلك، فخرجت هاتان الداران من ~~صدقاته. # وأما دور أزواج النبي -عليه الصلاة والسلام- فقد كان أعطى كل واحدة منهن ~~الدار التي يسكنها، ووصى بذلك لهن، فإن كان ذلك منه عطية تمليك فهي خارجة ~~من صدقاته، وإن كان عطية سكنى وإرفاق فهي من جملة صدقاته، وقد دخلت اليوم ~~في المسجد، ولا أحسب منها ما هو خارج عنه. # وأما رحل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وآلته، فقد روى هشام الكلبي عن ~~عوانة بن الحكم: أن أبا بكر الصديق -رضي الله عنه- دفع إلى علي -رضي الله ~~عنه- آلة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ودابته وحذاءه، وقال: ما سوى ذلك ~~صدقة، وروى الأسود عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: توفي رسول الله -صلى ~~الله عليه وسلم- ودرعه مرهونة عند يهودي بثلاثين صاعا ms186 من شعير، فإن كانت ~~درعه المعروفة بالبتراء، فقد حكي أنها كانت على الحسين بن علي -رضوان الله ~~عليهما- يوم قتل، فأخذها عبيد الله بن زياد، فلما قتل المختار عبيد الله بن ~~زياد، صارت الدرع إلى عباد بن الحصين الحنظلي، ثم إن خالد بن عبد الله بن ~~أسيد -وكان أمير البصرة- سأل عبادا عنها فجحده إياها، فضربه مائة سوط، فكتب ~~إليه عبد الملك بن مروان: مثل عباد لا يضرب، إنما كان ينبغي أن يقتل أو ~~يعفى عنه؛ ثم لا يعرف للدرع خبر بعد ذلك. # أما البردة: فقد اختلف الناس فيها، فحكى أبان بن ثعلب أن رسول الله -صلى ~~الله عليه وسلم- كان وهبها لكعب بن زهير، واشتراها منه معاوية -رضي الله ~~عنه، وهي التي يلبسها الخلفاء، وحكى ضمرة بن ربيعة أن هذه البردة أعطاها ~~رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أهل آيلة أمانا لهم، فأخذها منهم سعيد بن ~~خالد بن أبي أوفى، وكان عاملا عليهم من قبل مروان بن محمد، فبعث بها إليه، ~~وكانت في خزائنه حتى أخذت بعد قتله، وقيل: اشتراها أبو العباس السفاح ~~بثلاثمائة دينار. PageV01P257 # وأما القضيب: فهو من تركة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- التي هي صدقة، ~~وقد صار مع البردة من شعار الخلافة. # أما الخاتم فلبسه بعد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أبو بكر ثم عمر ثم ~~عثمان -رضي الله عنهم، حتى سقط من يده في بئر فلم يجده، فهذا شرح ما قبض ~~عنه رسول الله من صدقته وتركته. # فصل: # وأما ما عدا الحرم والحجاز من سائر البلاد فقد ذكرنا انقسامها أربعة ~~أقسام: # قسم: أسلم عليه أهله فيكون أرض عشر. # وقسم: أحياه المسلمون فيكون بما أحيوه معشورا. # وقسم: أحرزه الغانمون عنوة فيكون معشرا. # وقسم: صولح أهله عليه فيكون فيئا يوضع عليه الخراج. # وهذا القسم ينقسم قسمين: # أحدهما: ما صولحوا على زوال ملكهم عنه، فلا يجوز بيعه، ويكون الخراج أجرة ~~لا تسقط بإسلام أهله، فتؤخذ من المسلم وأهل الذمة. # والثاني: ما صولحوا على بقاء ملكهم عليه، فيجوز بيعه، ويكون الخراج جزية ~~تسقط ms187 بإسلامهم، ويؤخذ من أهل الذمة ولا يؤخذ من المسلمين. # وإذ قد انقسمت البلاد على هذه الأقسام، فسنشرح حكم أرض السواد، فإنها أصل ~~حكم الفقهاء فيها بما يعتبر به نظائرها، وهذا السواد يشار به إلى سواد كسرى ~~الذي فتحه المسلمون على عهد عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- من أرض العراق ~~سمي سوادا؛ لسواده بالزرع والأشجار؛ لأنه حين تاخم جزيرة العرب التي لا زرع ~~فيها ولا شجر كانوا إذا خرجوا من أرضهم إليه ظهرت خضرة الزرع والأشجار. # وهم يجمعون بين الخضرة والسواد في الأسامي، كما قال الفضل بن العباس بن ~~عتبة بن أبي لهب وكان أسود اللون "من الرمل": # وأنا الأخضر من يعرفني %~% أخضر الجلدة من نسل العرب PageV01P258 # فسموا خضرة العراق سوادا، وسمي عراقا؛ لاستواء أرضه حين خلت من جبال تعلو ~~وأودية تنخفض، والعراق في كلام العرب هو الاستواء، قال الشاعر "من السريع": # سقتم إلى الحق لهم وساقوا %~% سياق من ليس له عراق # أي: ليس له استواء؛ وحد السواد طولا من حديثة الموصل إلى عبادان، وعرضه ~~من عذيب القادسية إلى حلوان، يكون طوله مائة وستين فرسخا، وعرضه ثمانين ~~فرسخا، فأما العراق فهو في العرض مستوعب لأرض السواد عرفا، ويقصر عن طوله ~~في العرف؛ لأن أوله من شرقي دجلة العلث، وفي غربيها حربي، ثم يمتد إلى آخر ~~أعمال البصرة من جزيرة عبادان، فيكون طوله مائة وخمسة وعشرين فرسخا يقصر عن ~~السواد بخمسة وثلاثين فرسخا، وعرضه مع تبعه في العرف ثمانون فرسخا كالسواد. # قال قدامة بن جعفر: يكون ذاك مكسرا عشرة آلاف فرسخ، وطول الفرسخ اثنا عشر ~~ألف ذراع بالذراع المرسلة، ويكون بذراع المساحة، وهي الذراع الهاشمية تسعة ~~آلاف ذراع، فيكون ذلك إذا ضرب في مثله هو تكسير فرسخ في فرسخ اثنين وعشرين ~~ألف جريب وخمسمائة جريب، فإذا ضرب ذلك في عدد الفراسخ، وهي عشرة آلاف فرسخ ~~بلغ مائتي ألف ألف وخمسة وعشرين ألف ألف جريب، يسقط منها بالتخمين مواضع ~~التلال، والآكام، والسباخ، والآجام، ومداس الطرق والمحاج ومجاري الأنهار، ~~وعراض المدن والقرى، ومواضع الأرجاء ms188 والبريدات، والقناطر والشاذروانات، ~~والبنادر، ومطارح القصب، وأتاتين الآجر، وغير ذلك الثلث، وهو خمسة وسبعون ~~ألف ألف جريب، يصير الباقي من مساحة العراق مائة ألف ألف وخمسين ألف ألف ~~جريب يراح منها النصف، ويكون النصف مزروعا مع ما في الجميع من النخل والكرم ~~والأشجار، فإذا أضيف إلى ما ذكره قدامة في مساحة العراق ما زاد عليها بقية ~~السواد، وهو خمسة وثلاثون فرسخا، كانت الزيادة على تلك المساحة قدر ربعها، ~~فيصير ذلك مساحة جميع ما يصلح للزرع والغرس من أرض السواد، وفي المتعذر أن ~~يستوعب زرع جميعه، وقد يتعطل منه بالعوارض والحوادث ما لا ينحصر. # وقد قيل: إنه بلغت مساحة السواد في أيام كسرى قباء مائة ألف ألف وخمسين ~~ألف ألف جريب، فكان مبلغ ارتفاعه مائتي ألف ألف وسبعة وسبعين ألف ألف درهم PageV01P259 # بوزن سبعة؛ لأنه كان يأخذ على كل جريب درهما وقفيزا ثمنه ثلاثة دراهم ~~بوزن المثقال، وأن مساحة ما كان يزرع منه على عهد عمر -رضي الله عنه- من ~~اثنين وثلاثين ألف ألف جريب إلى ستة وثلاثين ألف ألف جريب. # وإذ قد استقر ما ذكرناه من حدود السواد ومساحة مزارعه، فقد اختلف الفقهاء ~~في فتحه وفي حكمه. # فذهب أهل العراق إلى أنه فتح عنوة، لكن لم يقسمه عمر -رضي الله عنه- بين ~~الغانمين وأقره على سكانه، وضرب الخراج على أرضه. # والظاهر من مذهب الشافعي -رحمه الله- في السواد أنه فتح عنوة، واقتسمه ~~الغانمون ملكا، ثم استنزلهم عمر -رضي الله عنه، فنزلوا إلا طائفة استطاب ~~نفوسهم بمال عاوضهم به عن حقوقهم منه، فلما خلص للمسلمين ضرب عمر -رضي الله ~~عنه- عليه خراجا. # واختلف أصحاب الشافعي في حكمه؛ فذهب أبو سعيد الإصطخري في كثير منهم إلى ~~أن عمر -رضي الله عنه- وقفه على كافة المسلمين، وأقره في أيدي أربابه بخراج ~~ضربه على رقاب الأرضين يكون أجرة لها تؤدى في كل عام. # وإن لم تتقدر مدتها لعموم المصلحة فيها، وصارت بوقفه لها في حكم ما أفاء ~~الله على رسوله من خيبر والعوالي وأموال بني النضير، ويكون المأخوذ من ms189 ~~خراجها مصروفا في المصالح، ولا يكون فيئا مخموسا؛ لأنه قد خمس، ولا يكون ~~مقصورا على الجيش؛ لأنه وقف على عامة المسلمين، فصار مصرفه في عموم مصالحهم ~~التي منها أرزاق الجيش وتحصين الثغور وبناء الجوامع والقناطر، وكراء ~~الأنهار، وأرزاق من تعم بهم المصلحة من القضاة والشهود والفقهاء والقراء ~~والأئمة والمؤذنين، فهذا يمنع من بيع رقابها، وتكون المعارضة عليها ~~بالانتفاع، والانتقال لأيد، وجواز التصرف لا لثبوت الملك، إلا على ما أحدث ~~فيها من غرس وبناء، وقيل: إن عمر -رضي الله عنه- وقف السواد برأي علي بن ~~أبي طالب ومعاذ بن جبل -رضي الله عنهما. # وقال أبو العباس بن سريج في نفر من أصحاب الشافعي: إن عمر -رضي الله عنه- ~~حين استنزل الغانمين عن السواد باعه على الأكرة والدهاقين بالمال الذي وضعه ~~عليها خراجا يؤدونه في كل عام، فكان الخراج ثمنا، وجاز مثله في عموم ~~المصالح، كما قبل بجواز مثله في الإجازة، وأن بيع أرض السواد يجوز، ويكون ~~البيع موجبا للتمليك. PageV01P260 # وأما قدر الخراج المضروب عليها، فقد حكى عمرو بن ميمون أن عمر -رضي الله ~~عنه- حين استخلص السواد بعث حذيفة على ما وراء دجلة، وبعث عثمان بن حنيف ~~على ما دون دجلة. # قال الشعبي: فمسح عثمان بن حنيف السواد فوجده ستة وثلاثين ألف ألف جريب، ~~فوضع على كل جريب درهما وقفيزا، قال القاسم: بلغني أن القفيز مكيال لهم ~~يدعى الشابرقان، قال يحيى بن آدم: هو المحتوم الحجاجي. # وروى قتادة عن أبي مخلد أن عثمان بن حنيف جعل على كل جريب من الكرم عشرة ~~دراهم، وعلى كل جريب من النخل ثمانية دراهم، وعلى كل جريب من قصب السكر ستة ~~دراهم، وعلى كل جريب من الرطبة خمسة دراهم، وعلى كل جريب من البر أربعة ~~دراهم، وعلى كل جريب من الشعير درهمين، فكان خراج البر والشعير في هذه ~~الرواية مخالفا لخراجهما في الرواية الأخرى، وهذا لاختلاف النواحي بحسب ما ~~تحتمل، وكانت ذراع حذيفة وعثمان بن حنيف ذراع اليد وقبضة وإبهاما ممدودا، ~~وكان السواد في أول أيام الفرس جاريا ms190 على المقاسمة، إلى أن مسحه ووضع ~~الخراج عليه قباء بن فيروز، فارتفع له بالمساحة مائة وخمسون ألف ألف درهم ~~بوزن المثقال. # وكان السبب في مساحته -وإن كان من قبل جاريا على المقاسمة- ما حكي أنه ~~خرج يوما يتصيد فأفضى إلى شجر ملتف، فدخل فيه الصيد، فصعد إلى رابية يشرف ~~منها على الشجر ليرى ما فيه من الصيد، فرأى امرأة تحفر في بستان فيه نخل ~~ورمان مثمر، ومعها صبي يريد أن يتناول شيئا من الرمان، وهي تمنعه، فعجب ~~منها، وأنفذ إليها رسولا يسألها عن سبب منع ولدها من الرمان؟ فقالت: إن ~~للملك حقا لم يأت القاسم لقبضه، ونخاف أن ينال منه شيئا إلا بعد أخذ حقه، ~~فرق الملك لقولها وأدركته رأفة برعيته، فتقدم إلى وزرائه بالمساحة التي ~~يقارب قسطها ما يحصل بالمقاسمة؛ لتمتد يد كل إنسان إلى ما يملكه في وقت ~~حاجته إليه، فكان الفرس على هذا في بقية أيامهم، وجاء الإسلام فأقره عمر بن ~~الخطاب على المساحة والخراج، فبلغ ارتفاعه في أيامه مائة ألف ألف وعشرين ~~ألف ألف درهم، وجباه عبيد الله بن زياد مائة ألف ألف وخمسة وثلاثين ألف ألف ~~درهم بغشمه وظلمه، وجباه الحجاج مائة ألف ألف وثمانية عشر ألف ألف بغشمه ~~وخرابه، وجباه عمر بن عبد العزيز -رحمه الله- مائة ألف ألف وعشرين ألف ألف ~~بعدله وعمارته، وكان ابن هبيرة يجبيه مائة ألف ألف، PageV01P261 # سوى طعام الجند وأرزاق المقاتلة. # وكان يوسف بن عمر يحصل منه في كل سنة من ستين ألف ألف إلى سبعين ألف ألف، ~~ويحتسب بعطاء من قبله من أهل الشام ستة عشر ألف ألف، وفي نفقة البريد أربعة ~~آلاف ألف درهم، وفي الطوارق ألف ألف، ويبقى في بيوت الأحداث والعواتق عشرة ~~آلاف ألف درهم. # وقال عبد الرحمن بن جعفر بن سليمان: ارتفاع هذا الإقليم في الحقين ألف ~~ألف ألف ثلاث مرات، فما نقص من مال الرعية زاد في مال السلطان؛ وما نقص من ~~مال السلطان زاد في مال الرعية، ولم يزل السواد على المساحة والخراج إلى ms191 أن ~~عدل بهم المنصور -رحمه الله- في الدولة العباسية عن الخراج إلى المقاسمة؛ ~~لأن السعر نقص فلم تف الغلات بخراجها، وخرب السواد فجعله مقاسمة. # وأشار أبو عبيد الله علي المهدي أن يجعل أرض الخراج مقاسمة بالنصف إن سقى ~~سيحا، وفي الدوالي على الثلث، وفي الدواليب على الربع لا شيء عليهم سواه، ~~وأن يعمل في النخل والكرم والشجر مساحة خراج تقدر بحسب قربه من الأسواق ~~والفرض، ويكون البين مثل المقاسمة، فإذا بلغ حاصل الغلة ما يفي بخراجين أخذ ~~عنها خراجا كاملا، وإذا نقص ترك، فهذا ما جرى في أرض السواد. # والذي يوجبه الحكم أن خراجها هو المضروب عليها أولا، وتغييره إلى ~~المقاسمة إذا كان لسبب حادث اقتضاه اجتهاد الأئمة، فيكون أمضى مع بقاء ~~سببه، وإلا أعيد إلى حاله الأول عند زوال سببه؛ إذ للإمام أن ينقض اجتهاد ~~من تقدمه. # فأما تضمين العمال لأموال العشر والخراج فباطل لا يتعلق به في الشرع حكم؛ ~~لأن العامل مؤتمن يستوفي ما وجب، ويؤدي ما حصل، فهو كالوكيل الذي إذا أدى ~~الأمانة لم يضمن نقصانا، ولم يكمل زيادة، وضمان الأموال بقدر معلوم يقتضي ~~الاقتصار عليه في تملك ما زاد وغرم ما نقص، وهذا مناف لوضع العمالة وحكم ~~الأمانة فبطل. # وحكي أن رجلا أتى ابن العباس -رضي الله عنه- يتقبل منه الأبلة بمائة ألف ~~درهم، فضربه مائة سوط وصلبه حيا تعزيرا وأدبا. PageV01P262 # وقد خطب عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- الناس فجمع في خطبته بين صفتهم ~~وصفة ولايته عليهم، وحكم المال الذي يليه بما هو الصواب المسموع، والحق ~~المتبوع، فقال: أيها الناس، اقرءوا القرآن تعرفوا به، اعملوا بما فيه ~~تكونوا من أهله، ولن يبلغ ذو حق حقه أن يطاع في معصية الله، ألا وإنه لن ~~يبعد من رزق، ولن يقرب من أجل أن يقول المرء حقا، ألا وإني ما وجدت صلاح ما ~~ولاني الله إلا بثلاث: أداء الأمانة، والأخذ بالقوة، والحكم بما أنزل الله، ~~ألا وإني ما وجدت صلاح هذا المال إلا بثلاث: أن يؤخذ بحق، وأن يعطى في حق، ms192 ~~وأن يمنع من باطل، ألا وإني في مالكم كولي اليتيم إن استغنيت استعففت، وإن ~~افتقرت أكلت بالمعروف كترمم البهيمة الأعرابية. PageV01P263 ### | الباب الخامس عشر: في إحياء الموات واستخراج المياه # من أحيا مواتا ملكه بإذن الإمام وبغير إذنه، وقال أبو حنيفة: لا يجوز ~~إحياؤه إلا بإذن الإمام؛ لقول النبي -عليه الصلاة والسلام: "ليس لأحد إلا ~~ما طابت به نفس إمامه"1. # وفي قول النبي -صلى الله عليه وسلم: "من أحيا أرضا مواتا فهي له" 2 دليل ~~على أن ملك الموات معتبر بالإحياء دون إذن الإمام. # والموات عند الشافعي: كل ما لم يكن عامرا ولا حريما لعامر فهو موات، وإن ~~كان متصلا بعامر3. # وقال أبو حنيفة: الموات ما بعد من العامر، ولم يبلغه الماء. وقال أبو ~~يوسف: الموات كل أرض إذا وقف على أدناها من العامر مناد بأعلى صوته لم يسمع ~~أقرب الناس إليها في العامر، وهذان القولان يخرجان عن المعهود في اتصال ~~العمارات، ويستوي في إحياء الموات جيرانه والأباعد. # وقال مالك: جيرانه من أهل العامر أحق بإحيائه من الأباعد؛ وصفة الإحياء ~~معتبرة بالعرف فيما يراد له الإحياء؛ لأن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ~~أطلق ذكره إحالة على العرف المعهود فيه؛ فإن أراد إحياء الموات للسكنى كان ~~إحياؤه بالبناء والتسقيف؛ لأنه أول كمال العمارة التي يمكن سكناها. ~~PageV01P264 # وإن أراد إحياءها للزرع والغرس اعتبر فيه ثلاثة شروط: # أحدها: جمع التراب المحيط بها حتى يصير حاجزا بينها وبين غيرها. # والثاني: سوق الماء إليها إن كانت يبسا، وحبسه عنها إن كانت بطائح؛ لأن ~~إحياء اليبس بسوق الماء إليه، وإحياء البطائح بحبس الماء عنها، حتى يمكن ~~زرعها وغرسها في الحالين. # والثالث: حرثها: والحرث يجمع إثارة المعتدل وكسح المستعلي، وطم المنخفض، ~~فإذا استكملت هذه الشروط الثلاثة كمل الإحياء وملك المحيي، وغلط بعض أصحاب ~~الشافعي فقال: لا يملكه حتى يزرعه أو يغرسه، وهذا فاسد؛ لأنه بمنزلة السكنى ~~التي لا تعتبر في تملك المسكون، فإن زارع عليها بعد الإحياء من قام بحرثها ~~وزراعتها كان المحيي مالكا للأرض، والمثير مالكا للعمارة، فإن ms193 أراد مالك ~~الأرض بيعها جاز، وإن أراد مالك العمارة بيعها فقد اختلف في جوازه، فقال ~~أبو حنيفة: إن كان له إثارة جاز له بيعها، وإن لم يكن له إثارة لم يجز. # وقال مالك: يجوز له بيع العمارة على الأحوال كلها، ويجعل الأكار شريكا في ~~الأرض بعمارته. # وقال الشافعي: لا يجوز له بيع العمارة بحال، إلا أن يكون له فيها أعيان ~~قائمة كشجر أو زرع، فيجوز له بيع الأعيان دون الإثارة، وإذا تحجر على موات ~~كان أحق بإحيائه من غيره، فإن تغلب عليه من أحياه كان المحيي أحق به من ~~المتحجر، فإن أراد المتحجر على الأرض بيعها قبل إحيائها لم يجز -على الظاهر ~~من مذهب الشافعي، وجوزه كثير من أصحابه؛ لأنه لما صار بالتحجير عليها أحق ~~بها جاز له بيعها كالأملاك، فعلى هذا لو باعها فتغلب عليها في يد المشتري ~~من أحياها، فقد زعم ابن أبي هريرة من أصحاب الشافعي أن ثمنها لا يسقط عن ~~المشتري لتلف ذلك في يده بعد قبضه. # وقال غيره من أصحابه القائلين بجواز بيعه: إن الثمن يسقط عنه؛ لأن قبضه ~~لم يستقر، فأما إذا تحجر وساق الماء ولم يحرث فقد ملك الماء، وما جرى فيه ~~من الموات وحريمه، ولم يملك ما سواه وإن كان به أحق، وجاز له بيع ما جرى ~~فيه الماء. # وفي جواز بيع ما سواه من المحجور ما قدمناه من الوجهين. # وما أحيي من الموات معشور لا يجوز أن يضرب عليه خراج، سواء سقي بماء ~~العشر أو PageV01P265 # بماء الخراج، وقال أبو حنيفة وأبو يوسف: إن ساق إلى ما أحياه ماء العشر ~~كانت أرض عشر، وإن ساق إليها ماء الخراج كانت أرض خراج1. # وقال محمد بن الحسن: إن كانت الأرض المحياة على أنهار حفرتها الأعاجم فهي ~~أرض خراج، وإن كانت على أنهار أجراها الله -عز وجل؛ كدجلة والفرات فهي أرض ~~عشر، وقد أجمع العراقيون وغيرهم على أن ما أحيي من موات البصرة وسباخها أرض ~~عشر. # أما على قول محمد بن الحسن؛ فلأن دجلة البصرة ms194 مما أجراه الله تعالى من ~~الأنهار، وما عليها من الأنهار المحدثة فهي محياة احتفرها المسلمون في ~~الموات. # وأما على قول أبي حنيفة فقد اختلف أصحابه في تعليل ذلك على قولين: فجعل ~~بعضهم العلة فيه أن ماء الخراج يفيض في دجلة البصرة وفي جزرها، وأرض البصرة ~~تشرب من مدها، والمد من البحر، وليس من دجلة والفرات، وهذا التعليل فاسد؛ ~~لأن المد يفيد الماء العذب من البحر، ولا يمتزج بمائه ولا تشرب، وإن كان ~~المد شربها إلا ماء دجلة والفرات. # وقال أصحابه -منهم طلحة بن آدم: بل العلة فيه أن ماء دجلة والفرات يستقر ~~في البطائح، فينقطع حكمه ويزول الانتفاع به، ثم يخرج إلى دجلة البصرة، فلا ~~يكون من ماء الخراج؛ لأن البطائح ليست من أنهار الخراج، وهذا تعليل فاسد ~~أيضا؛ لأن البطائح بالعراق انبطحت قبل الإسلام، فتغير حكم الأرض حتى صارت ~~مواتا، ولم يعتبر حكم الماء. # وسببه ما حكاه صاحب السير أن ماء دجلة كان ماضيا في الدجلة المعروفة ~~بالغور الذي ينتهي إلى البصرة من المدائن في منافذ مستقيمة المسالك محفوظة ~~الجوانب، وكان موضع البطائح الآن أرض مزارع وقرى ذات منازل، فلما كان الملك ~~قباء بن فيروز انفتح في أسافل كسكر بثق عظيم أغفل أمره حتى غلب ماؤه وغرق ~~من العمارات ما علاه، فلما ولي أنوشروان PageV01P266 # ابنه أمر بذلك الماء فتزحم بالمسنيات حتى عاد بعض تلك الأرض إلى عمارتها، ~~وكانت على ذلك سنة ست من الهجرة، وهي السنة التي بعث فيها رسول الله -صلى ~~الله عليه وسلم- عبد الله بن حذافة السهمي إلى كسرى رسولا، وهو كسرى ~~أبرويز، فزادت دجلة والفرات زيادة عظيمة لم ير مثلها، فانبثقت بثوقا عظاما ~~اجتهد أبرويز في سكرها حتى صلب في يوم واحد سبعين سكارى، وبسط الأموال على ~~الأنطاع فلم يقدر للماء على حيلة، ثم ورد المسلمون العراق وتشاغلت الفرس ~~بالحروب، فكانت البثوق تنفجر فلا يلتفت إليها، ويعجز الدهاقون عن سدها ~~فاتسعت البطيحة وعظمت، فلما ولي معاوية -رضي الله عنه- ولى مولاه عبد الله ~~بن دراج خراج العراق، ms195 فاستخرج له من أرض البطائح ما بلغت غلته خمسة آلاف ~~ألف درهم، واستخرج بعده حسان النبطي للوليد بن عبد الملك بعده كثيرا من أرض ~~البطائح، ثم جرى الناس على هذا إلى وقتنا، حتى صارت جوامدها مثل بطائحها ~~وأكثر، وكان هذا التعليل من أصحاب أبي حنيفة مع ما شرحناه من أحوال البطائح ~~عذرا دعاهم إليه ما شاهدوا الصحابة عليه من إجماعهم على أن ما أحيي من موات ~~البصرة أرض عشر، وما ذاك لعلة غير الإحياء. # وأما حريم ما أحياه من الموات لسكنى أو زرع فهو عند الشافعي معتبر بما لا ~~تستغني عنه تلك الأرض من طريقها وفنائها ومجاري مائها ومغيضها. وقال أبو ~~حنيفة: حريم أرض الزرع ما بعد منها ولم يبلغه ماؤها. # وقال أبو يوسف: حريمها ما انتهى إليه صوت المنادي من حدودها، ولو كان ~~لهذين القولين وجه لما اتصلت عمارتان، ولا تلاصقت داران، وقد مصرت الصحابة ~~-رضي الله عنهم- البصرة على عهد عمر -رضي الله عنه، وجعلوها خططا لقبائل ~~أهلها، فجعلوا عرض شارعها الأعظم، وهو مربدها ستين ذراعا، وجعلوا عرض ما ~~سواه من الشوارع عشرين ذراعا، وجعلوا عرض كل زقاق سبعة أذرع، وجعلوا وسط كل ~~خطة رحبة فسيحة لمرابط خيلهم وقبور موتاهم، وتلاصقوا في المنازل، ولم ~~يفعلوا ذلك إلا عن رأي اتفقوا عليه، ونص لا يجوز خلافه. # وقد روى بشير بن كعب عن أبي هريرة أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ~~قال: "إذا تدارأ القوم في طريق فليجعل سبعة أذرع" 1. PageV01P267 # فصل: # وأما المياه المستخرجة فتنقسم ثلاثة أقسام: مياه أنهار، ومياه آبار، ~~ومياه عيون، فأما الأنهار فتنقسم ثلاثة أقسام: # أحدها: أجراه الله تعالى من كبار الأنهار التي لا يحتفرها الآدميون كدجلة ~~والفرات ويسميان الرافدين، فماؤهما يتسع للزرع وللشاربة، وليس يتصور فيه ~~قصور عن كفاية، ولا ضرورة تدعو فيه إلى تنازع أو مشاحنة، فيجوز لمن شاء من ~~الناس أن يأخذ منها لضيعته شربا، ويجعل من ضيعته إليها مغيضا، ولا يمنع من ~~أخذ شرب، ولا يعارض في إحداث مغيض. # والقسم الثاني: ما أجراه الله ms196 تعالى من صغار الأنهار، وهو على ضربين: # أحدهما: أن يعلو ماؤها وإن لم يحبس، ويكفي جميع أهله من غير تقصير، فيجوز ~~لكل ذي أرض من أهله أن يأخذ منه شرب أرضه في وقت حاجته، ولا يعارض بعضهم ~~بعضا، فإن أراد قوم أن يستخرجوا منه نهرا يساق إلى أرض أخرى، أو يجعلوا ~~إليه مغيض نهر آخر نظر، فإن كان ذلك مضرا بأهل هذا النهر منع منه، وإن لم ~~يضر بهم لم يمنع. # والضرب الثاني: أن يستقل ماء هذا النهر ولا يعلو للشرب إلا بحبسه، فللأول ~~من أهل النهر أن يبتدئ بحبسه؛ ليسقي أرضه حتى تكتفي منه وترتوي، ثم يحبسه ~~من يليه حتى يكون آخرهم أرضا آخرهم حبسا. روى عبادة بن الصامت أن النبي ~~-صلى الله عليه وسلم- قضى في شرب النخل من السيل أن للأعلى أن يشرب قبل ~~الأسفل، ثم يرسل الماء إلى الأسفل الذي يليه، كذلك حتى ينقضي الأرضون1. ~~PageV01P268 # وأما قدر ما يحبسه من الماء في أرضه، فقد روى محمد بن إسحاق عن أبي مالك ~~بن ثعلبة عن أبيه، أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قضى في وادي مهزور أن ~~يحبس الماء في الأرض إلى الكعبين، فإذا بلغ إلى الكعبين أرسل إلى الأخرى1. # وقال مالك: وقضى في سيل بطحان بمثل ذلك فقدره بالكعبين، وليس هذا القضاء ~~منه على العموم في الأزمان والبلدان؛ لأنه مقدر بالحاجة. # وقد يختلف من خمسة أوجه باختلاف الأرضين. # فمنها: ما يرتوي باليسير، ومنها ما لا يرتوي إلا بالكثير. # والثاني: باختلاف ما فيها، فإن للزرع من الشرب قدرا، وللنخل والأشجار ~~قدرا. # والثالث: باختلاف الصيف والشتاء، فإن لكل واحد من الزمانين قدرا. # والرابع: باختلافها في وقت الزرع وقبله، فإن لكل واحد من الوقتين قدرا. # والخامس: باختلاف حال الماء في بقائه وانقطاعه، فإن المنقطع يؤخذ منه ما ~~يدخر، والدائم يؤخذ منه ما يستعمل؛ فلاختلافه من هذه الأوجه الخمسة لم يكن ~~تحديده بما قضاه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في أحدها، وكان معتبرا ~~بالعرف المعهود عند الحاجه إليه، فلو سقى رجل ms197 أرضه أو فجرها، فسال من مائها ~~إلى أرض جاره فغرقها لم يضمن؛ لأنه تصرف في ملكه بمباح، فإن اجتمع في ذلك ~~الماء سمك، كان الثاني أحق بصيده من الأول؛ لأنه من ملكه. # والقسم الثالث: من الأنهار ما احتفره الآدميون لما أحيوه من الأرضين، ~~فيكون النهر بينهم ملكا مشتركا -كالزقاق المرفوع بين أهله لا يختص أحدهم ~~بملكه، فإن كان هذا النهر بالبصرة يدخله ماء المد، فهو يعم جميع أهله لا ~~يتشاحون فيه لاتساع مائه، ولا يحتاجون إلى حبسه لعلوه بالمد إلى الحد الذي ~~ترتوي منه جميع الأرضين، ثم يقبض بعد الارتواء في الجزر، وإن كانت بغير ~~البصرة من البلاد التي لا مد فيها ولا جزر فالنهر مملوك لمن احتفره من ~~PageV01P269 # أرباب الأرضين لا حق فيه لغيره في شرب منه، ولا مغيض، ولا يجوز لواحد من ~~أهله أن ينفرد بنصب عبارة عليه، ولا برفع مائه، ولا إدارة رحى فيه إلا عن ~~مراضاة جميع أهله؛ لاشتراكهم فيما هو ممنوع من التفرد به، كما لا يجوز في ~~الزقاق المرفوع أن يفتح إليه بابا، ولا أن يخرج عليه جناحا، ولا يمد عليه ~~ساباطا إلا بمراضاة جميعهم. # ثم لا يخلو حال شربهم منه من ثلاثة أقسام: # أحدها: أن يتناوبوا عليه بالأيام إن قلوا، وبالساعات إن كثروا، ويقترعوا ~~إن تنازعوا في الترتيب، حتى يستقر لهم ترتيب الأول ومن يليه، ويختص كل واحد ~~منهم بنوبته لا يشاركه غيره فيها، ثم هو من بعدها على ما ترتبوا. # والقسم الثاني: أن يقتسموا في النهر عرضا بخشبة تأخذ جانبي النهر، ويقسم ~~فيها حفور مقدرة بحقوقهم من الماء، في كل حفرة منها قدر ما استحقه صاحبها ~~من خمس أو عشر، وبأخذه إلى أرضه على الأدوار. # والقسم الثالث: أن يحفر كل واحد منهم في وجه أرضه شربا مقدرا لهم ~~باتفاقهم، أو على مساحة أملاكهم؛ ليأخذ من ماء النهر قدر حقه، ويساوي جميع ~~شركائه، وليس له أن يزيد فيه ولا لهم أن ينقصوه، ولا لواحد منهم أن يؤخر ~~شربا مقدما، كما ليس لواحد من ms198 أهل الزقاق المرفوع أن يؤخر بابا مقدما، وليس ~~له أن يقدم شربا مؤخرا، وإن جاز أن يقدم بابا مؤخرا؛ لأن في تقديم الباب ~~المؤخر اقتصارا على بعض الحق، وفي تقديم الشرب المؤخر زيادة على الحق، فأما ~~حريم هذا النهر المحفور في الموات فهو عند الشافعي معتبر بعرف الناس في ~~مثله، وكذلك حكم القناة؛ لأن القناة نهر باطن. وقال أبو حنيفة: حريم النهر ~~ملقى طينه. قال أبو يوسف: وحريم القناة ما لم يسح على وجه الأرض وكان جامعا ~~للماء، ولهذا القول وجه مستحسن1. PageV01P270 # فصل: # وأما الآبار فلحافرها ثاثة أحوال: # إحداها: أن يحفرها لسابلة فيكون ماؤها مشتركا وحافرها فيه كأحدهم، قد وقف ~~عثمان -رضي الله عنه- بئر رومة، فكان يضرب بدلوه مع الناس، ويشترك في مائها ~~إذا اتسع شرب الحيوان وسقي الزرع، فإن ضاق ماؤها عنهما كان شرب الحيوان ~~أولى به من الزرع، ويشترك فيها الآدميون والبهائم، فإن ضاق عنهما كان ~~الآدميون بمائها أحق من البهائم. # والحالة الثانية: أن يحتفرها لارتفاقه بمائها -كالبادية، إذا انتجعوا ~~أرضا وحفروا فيها بئرا لشربهم وشرب مواشيهم، كانوا أحق بمائها ما أقاموا ~~عليها في نجعتهم، وعليهم بذل الفضل من مائها للشاربين دون غيرهم، فإذا ~~ارتحلوا عنها صارت البئر سابلة، فتكون خاصة الابتداء وعامة الانتهاء، فإن ~~عادوا إليها بعد الارتحال عنها كانوا هم وغيرهم سواء فيها، ويكون السابق ~~إليها أحق بها. # والحالة الثالثة: أن يحتفرها لنفسه ملكا، فما لم يبلغ الحفر إلى استنباط ~~مائها لم يستقر ملكه عليها، وإذا استنبط ماءها استقر ملكا بكمال الإحياء، ~~إلا أن يحتاج إلى طي، فيكون طيها من كمال الإحياء واستقرار الملك، ثم يصير ~~مالكا لها ولحريمها. # واختلف الفقهاء في قدر حريمها؛ فذهب الشافعي -رحمه الله- إلى أنه معتبر ~~بالعرف المعهود في مثلها. وقال أبو حنيفة: حريم البئر للناضح خمسون ذراعا. # وقال أبو يوسف: حريمها ستون ذراعا، إلا أن يكون رشاؤها أبعد، فيكون لها ~~منتهى رشائها. قال أبو يوسف: وحريم بئر العطن أربعون ذراعا، وهذه مقادير لا ~~تثبت إلا بنص، فإن جاءها نص كان متبعا، ms199 وإلا فهو معلول، وللتقدير بمنتهى ~~الرشاء وجه يصح اعتباره، ويكون داخلا في العرف المعتبر، فإذا استقر ملكه ~~على البئر وحريمها فهو أحق بمائها1. PageV01P271 # واختلف أصحاب الشافعي: هل يصير مالكا له قبل استقائه وحيازته، فذهب بعضهم ~~إلى أنه يجري على ملكه في قراره قبل حيازته؛ كما إذا ملك معدنا ما فيه قبل ~~أخذه، ويجوز بيعه قبل استقائه، ومن اتقاه بغير إذنه استرجع منه، وقال ~~آخرون: لا يملكه إلا بعد الحيازة؛ لأن أصله موضوع على الإباحة، وله أن يمنع ~~من التصرف فيها باستقائه، فإن غلبه من استقاء لم يسترجع منه شيئا، فإذا ~~استقر حكم هذه البئر في اختصاصه بملكها واستحقاقه لمائها فله سقي مواشيه ~~وزرعه ونخيله وأشجاره، فإن لم يفضل عن كفايته فضل لم يلزمه بذلك شيء منه ~~إلا لمضطر على نفس. # وروى الحسن -رحمه الله- أن رجلا أتى أهل ماء فاستسقاهم، فلم يسقوه حتى ~~مات، فأغرمهم عمر -رضي الله عنه- الدية، وإن فضل منه بعد كفايته فضل لزمه ~~-على مذهب الشافعي- أن يبذل فضل مائه للشاربة من أرباب المواشي والحيوان ~~دون الزرع والأشجار. # وقال -من أصحابه أبو عبيدة بن جرثومة: لا يلزمه بذل الفضل منه لحيوان ولا ~~زرع. # وقال آخرون منهم: يلزمه بذله للحيوان دون الزرع، وما ذهب إليه الشافعي من ~~وجوب بذله للحيوان دون الزرع هو المشروع. روى أبو الزناد عن الأعرج عن أبي ~~هريرة قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم: "من منع فضل الماء ليمنع به ~~فضل الكلأ منعه الله فضل رحمته يوم القيامة" 1. # وبذل هذا الفضل معتبر بأربعة شروط: # أحدها: أن يكون في قرار البئر، فإن استقاه لم يلزمه بذله. # والثاني: أن يكون متصلا بكلأ، فإن لم يقرب من الكلأ لم يلزمه بذله. ~~PageV01P272 # والثالث: أن لا تجد المواشي غيره، فإن وجدت مباحا غيره لم يلزمه بذله، ~~وعدلت المواشي إلى الماء المباح، فإن كان غيره من الموجود مملوكا لزم كل ~~واحد من مالكي الماءين أن يبذل فضل مائه لمن ورد إليه، فإذا اكتفت المواشي ~~بفضل أحد الماءين سقط الفرض عن ms200 الآخر. # الرابع: أن لا يكون عليه في ورد المواشي إلى مائه ضرر يلحقه في زرع ولا ~~ماشية، فإن لحقه بورودها ضرر منعت، وجاز للرعاة استقاء فضل الماء لها، فإذا ~~كملت هذه الشروط الأربعة لزمه بذل الفضل، وحرم عليه أن يأخذ له ثمنا، ويجوز ~~مع الإخلال بهذه الشروط أن يأخذ ثمنه إذا باعه مقدرا بكيل أو وزن، ولا يجوز ~~أن يبيعه جزافا ولا مقدرا بري ماشية أو زرع، وإذا احتفر بئرا أو ملكها ~~وحريمها، ثم احتفر آخر بعد حريمها بئرا، فنضب ماء الأول إليها وغار فيها ~~أقر عليها ولم يمنع منها، وكذلك لو حفرها لطهور فتغير بها ماء الأول أقرت، ~~وقال مالك: إذا نضب ماء الأول إليها أو تغير بها منع منها وطمت. # فصل: # وأما العيون فتنقسم ثلاثة أقسام: # أحدها: أن يكون مما أنبع الله تعالى ولم يستنبطه الآدميون، فحكمها حكم ما ~~أجراه الله تعالى من الأنهار، ولمن أحيا أرضا بمائها أن يأخذ منه قدر ~~كفايته، فإن تشاحوا فيه لضيقه روعي ما أحيي بمائها من الموات، فإن تقدم فيه ~~بعضهم على بعض كان لأسبقهم إحياء أن يستوفي منها شرب أرضه ثم لمن يليه، فإن ~~قصر الشرب عن بعضهم كان نقصانه في حق الأخير، وإن اشتركوا في الإحياء على ~~سواء ولم يسبق به بعضهم بعضا تخاصوا فيه إما بقسمة الماء وإما بالمهايأة ~~عليه. # والقسم الثاني: أن يستنبطها الآدميون فتكون ملكا لمن استنبطها، ويملك ~~معها حريمها، وهو على مذهب الشافعي معتبر بالعرف المعهود في مثلها، ومقدر ~~بالحاجة الداعية إليها، وقال أبو حنيفة: حريم العين خمسمائة ذراع، ولمستنبط ~~هذه العين سوق مائها إلى حيث PageV01P273 # شاء، وكان ما جرى فيه ماؤها ملكا له وحريمه1. # والقسم الثالث: أن يستنبطها الرجل في ملكه، فيكون أحق بمائها لشرب أرضه؛ ~~فإن كان قدر كفايتها فلا حق عليه فيه إلا لشارب مضطر، وإن فضل عن كفايته ~~وأراد أن يحيي بفضله أرضا مواتا فهو أحق به لشرب ما أحياه، وإن لم يرده ~~لموات أحياه بذله لأرباب المواشي دون الزرع كفضل ماء ms201 البئر، فإن اعتاض عليه ~~من أرباب الزرع جاز، وإن اعتاض من أرباب المواشي لم يجز، ويجوز لمن احتفر ~~في البادية بئرا فملكها أو عينا استنبطها أن يبيعها، ولا يحرم عليه ثمنها. ~~وقال سعيد بن المسيب وابن أبي ذئب: لا يجوز له بيعها ويحرم ثمنها. وقال عمر ~~بن عبد العزيز وأبو الزناد: إن باعها لرغبة جاز، وإن باعها لخلاء لم يجز، ~~وكان أقرب الناس إلى المالك أحق بها بغير ثمن، فإن رجع الخالي فهو أملك ~~لها. PageV01P274 ### | الباب السادس عشر: في الحمى والأرفاق # وحمى الموات هو المنع من إحيائه إملاكا؛ ليكون مستبقى الإباحة لنبت الكلأ ~~ورعي المواشي. # قد حمى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بالمدينة، وصعد جبلا بالبقيع. # قال أبو عبيد: هو النقيع1بالنون2. # وقال: "هذا حماي -وأشار بيده إلى القاع"3. # وهو قدر ميل في ستة أميال حماه لخيل المسلمين من الأنصار والمهاجرين، ~~فأما حمى الأئمة من بعده، فإن حموا به جميع الموات أو أكثره لم يجز؛ وإن ~~حموا أقله لخاص من الناس أو لأغنيائهم لم يجز. # وإن حموه لكافة المسلمين أو للفقراء والمساكين ففي جوازه قولان: # أحدهما: لا يجوز ويكون الحمى خاصا لرسول الله -صلى الله عليه وسلم؛ ~~لرواية الصعب بن جثامة أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حين حمى البقيع ~~قال: "لا حمى إلا لله ولرسوله" 4. PageV01P275 # والقول الثاني: أن حمى الأئمة بعده جائز كجوازه له؛ لأنه كان يفعل ذلك ~~لصلاح المسلمين لا لنفسه، فكذلك من قام مقامه في مصالحهم، قد حمى أبو بكر ~~-رضي الله عنه- بالربذة لأهل الصدقة، واستعمل عليه مولاه أبا سلامة. # وحمى عمر -رضي الله عنه- من الشرف مثل ما حماه أبو بكر من الربذة، وولى ~~عليه مولى له يقال له: هني، وقال: يا هني ضم جناحك عن الناس، واتق دعوة ~~المظلوم فإن دعوة المظلوم مجابة، وأدخل رب الصريمة ورب الغنيمة، وإياك ونعم ~~ابن عفان وابن عوف، فإنهما إن تهلك ماشيتهما يرجعان إلى نخل وزرع، وإن رب ~~الصريمة ورب الغنيمة يأتيني بعياله فيقول: يا أمير المؤمنين، أفتاركهم أنا ~~لا أبالك، ms202 فالكلأ أهون علي من الدينار والدرهم، والذي نفسي بيده، لولا ~~المال الذي أحمل عليه في سبيل الله ما حميت عليهم من بلادهم شبرا1. # فأما قول رسول الله -صلى الله عليه وسلم: "لا حمى إلا لله ولرسوله"، ~~فمعناه: لا حمى إلا على مثل ما PageV01P276 # حماه الله ورسوله للفقراء والمساكين ولمصالح كافة المسلمين؛ لا على مثل ~~ما كانوا عليه في الجاهلية من تفرد العزيز منهم بالحمى لنفسه، كالذي كان ~~يفعله كليب بن وائل؛ فإنه كان يوافي بكلب على نشاز من الأرض، ثم يستعديه ~~ويحمي ما انتهى إليه عواؤه من كل الجهات، ويشارك الناس فيما عداه، حتى كان ~~ذلك سبب قتله، وفيه يقول العباس بن مرداس "من الطويل": # كما كان يبغيها كليب بظلمه %~% من العز حتى طاح وهو قتيلها # على وائل إذ يترك الكلب نابحا %~% وإذ يمنع الأقناء منها حلولها # وإذا جرى على الأرض حكم الحمى استبقاء لمواتها سابلا ومنعا من إحيائها ~~ملكا روعي حكم المحمي، فإن كان للكافة تساوى فيه جميعهم من غني وفقير ومسلم ~~وذمي في رعي كلئهم بخيلهم وماشيتهم، فإن خص به المسلمون اشترك فيه أغنياؤهم ~~وفقراؤهم، ومنع منهم أهل الذمة؛ وإن خص به الفقراء والمساكين منع منه ~~الأغنياء وأهل الذمة، ولا يجوز أن يخص به الأغنياء دون الفقراء، ولا أهل ~~الذمة دون المسلمين، وإن خص به نعم الصدقة أو خيل المجاهدين لم يشركهم فيه ~~غيرهم، ثم يكون الحمى جاريا على ما استقر عليه من عموم وخصوص، فلو اتسع ~~الحمى المخصوص لعموم الناس جاز أن يشتركوا فيه؛ لارتفاع الضرر عمن خص به، ~~ولو ضاق الحمى العام عن جميع الناس لم يجز أن يختص به أغنياؤهم، وفي جواز ~~اختصاص فقرائهم به وجهان، وإذا استقر حكم لحمى على أرض فأقدم عليها من ~~أحياها ونقض حماها روعي الحمى، فإن كان مما حماه رسول الله -صلى الله عليه ~~وسلم- كان الحمى ثابتا والإحياء باطلا والمتعرض لإحيائه مردودا مزجورا، لا ~~سيما إذا كان سبب الحمى باقيا؛ لأنه لا يجوز أن يعارض حكم رسول الله -صلى ~~الله ms203 عليه وسلم- بنقض ولا إبطال. # وإن كان من حمى الأئمة بعده ففي إقرار إحيائه قولان: # أحدهما: لا يقر ويجري عليه الحمى كالذي حماه رسول الله -صلى الله عليه ~~وسلم؛ لأنه حكم نفذ بحق. # والقول الثاني: يقر الإحياء ويكون حكمه أثبت من الحمى؛ لتصريح رسول الله ~~-صلى الله عليه وسلم- PageV01P277 # بقوله: "من أحيا أرضا مواتا فهي له" 1، ولا يجوز لأحد من الولاة أن يأخذ ~~من أرباب المواشي عوضا عن مراعي موات أو حمى؛ لقول رسول الله -صلى الله ~~عليه وسلم: "المسلمون شركاء في ثلاث: في الماء والنار والكلأ" 2. ~~PageV01P278 # فصل: # وأما الأرفاق فهو أرفاق بمقاعد الأسواق، وأفنية الشوارع، وحريم الأمصار، ~~ومنازل الأسفار، فيقسم ثلاثة أقسام: قسم يختص الارتفاق فيه بالصحارى ~~والفلوات، وقسم يختص الارتفاق فيه بأفنية الأملاك، وقسم يختص بالشوارع ~~والطرق. # فأما القسم الأول: وهو ما اختص بالصحارى والفلوات فكمنازل الأسفار وحلول ~~المياه، وذلك ضربان: # أحدهما: أن يكون لاجيتاز السابلة واستراحة المسافرين فيه، فلا نظر ~~للسلطان فيه لبعده عنده، وضرورة السابلة إليه، والذي يختص السلطان له من ~~ذلك إصلاح عورته وحفظ مياهه، والتخلية بين الناس وبين نزوله، ويكون السابق ~~إلى المنزل أحق بحلوله فيه من المسبوق حتى يرتحل عنه؛ لقول النبي -صلى الله ~~عليه وسلم: "منى مناخ من سبق إليها" 1. # فإن وردوه على سواء وتنازعوا فيه نظر في التعديل بينهم مما يزيل تنازعهم، ~~وكذلك البادية إذا انتجعوا أرضا طلبا للكلأ، وارتفاقا بالمرعى، وانتقالا من ~~أرض إلى أخرى، كانوا فيما نزلوه وارتحلوا عنه كالسابلة، لا اعتراض عليهم في ~~تنقلهم ورعيهم. # والضرب الثاني: أن يقصدوا بنزول الأرض الإقامة فيها والاستيطان لها، ~~فللسلطان في نزولهم بها نظر يراعى فيه الأصلح، فإن كان مضرا بالسابلة منعوا ~~منها قبل النزول وبعده، وإن لم يضر بالسابلة راعى الأصلح في نزولهم فيها، ~~أو منعهم منها ونقل غيرهم إليها، كما فعل عمر حين مصر البصرة والكوفة؛ نقل ~~إلى كل واحد من المصرين من رأى المصلحة فيه؛ PageV01P279 # لئلا يجتمع فيه المسافرون، فيكون سببا لانتشار الفتنة وسفك الدماء، وكما ~~يفعل في إقطاع الموات ما ms204 يرى، فإن لم يستأذنوه حتى نزلوه لم يمنعهم منه، ~~كما لا يمنع من أحيا مواتا بغير إذنه، ودبرهم بما يراه صلاحا لهم، ونهاهم ~~عن إحداث زيادة من بعد إلا عن إذنه. # روى كثير بن عبد الله بن عن أبيه عن جده قال: قدمنا مع عمر بن الخطاب في ~~عمرته سنة سبع عشرة، فكلمه أهل المياه في الطريق أن يبنوا بيوتا فيما بين ~~مكة والمدينة لم تكن قبل ذلك، فأذن لهم واشترط عليهم أن ابن السبيل أحق ~~بالماء والظل. # وأما القسم الثاني: وهو ما يختص بأفنية الدور والأملاك، فإن كان مضرا ~~بأربابها منع المرتفقون منها، إلا أن يأذنوا بدخول الضرر عليهم فيمكنوا، ~~وإن كان غير مضر بهم، ففي إباحة ارتفاقهم به من غير إذنهم قولان: # أحدهما: أن لهم الارتفاق بها وإن لم يأذن أربابها؛ لأن الحريم مرفق إذا ~~وصل أهله إلى حقهم منه ساواهم فيما عداه. # والقول الثاني: أنه لا يجوز الارتفاق بحريمهم إلا عن إذانهم؛ لأنه تبع ~~لأملاكهم، فكانوا به أحق وبالتصرف فيه أخص، فأما حريم الجوامع والمساجد فإن ~~كان الارتفاق به مضرا بأهل المساجد والجوامع منعوا منه، ولم يجز للسلطان أن ~~يأذن لهم فيه؛ لأن المصلين به أحق، وإن لمن يكن مضرا أجاز ارتفاقهم ~~بحريمها1. وهل يعتبر فيه إذن السلطان لهم على وجهين من القولين في حريم ~~الأملاك. # وأما القسم الثالث: وهو ما اختص بأفنية الشوارع والطرق فهو موقوف على نظر ~~السلطان، وفي نظره وجهان: # أحدهما: أن نظره فيه مقصور على كفهم عن التعدي، ومنعهم من الإضرار، ~~والإصلاح بينهم عند التشاجر، وليس له أن يقيم جالسا، ولا أن يقدم مؤخرا، ~~ويكون السابق إلى PageV01P280 # المكان أحق به من المسبوق1. # والوجه الثاني: أن نظره فيه نظر مجتهد فيما يراه صلاحا في إجلاس من ~~يجلسه، ومنع من يمنعه، وتقديم من يقدمه، كما يجتهد في أموال بيت المال ~~وإقطاع الموات، ولا يجعل السابق أحق، وليس له على الوجهين أن يأخذ منهم على ~~الجلوس أجرا. # وإذا تركهم على التراضي كان السابق منهما إلى المكان ms205 أحق به من المسبوق، ~~فإذا انصرف عنه كان هو وغيره من الغد فيه سواء يراعى فيه السابق إليه، وقال ~~مالك: إذا عرف أحدهم بمكان وصار به مشهورا، كان أحق به من غيره قطعا ~~للتنازع وحسما للتشاجر، واعتبار هذا وإن كان له في المصلحة وجه يخرجه عن ~~حكم الإباحة إلى حكم الملك. # فصل: # وأما جلوس العلماء والفقهاء في الجوامع والمساجد والتصدي للتدريس ~~والفتيا، فعلى كل واحد منهم زاجر من نفسه، أو لا يتصدى لما ليس له بأهل، ~~فيضل به المستهدي ويزل به المسترشد، وقد جاء الأثر بأن أجرؤكم على الفتيا ~~أجروكم على جراثيم جهنم. # وللسلطان فيهم من النظر ما يوجبه الاختيار من إقراره أو إنكاره، فإذا ~~أراد من هو لذلك أهل أن يترتب في أحد المساجد؛ لتدريس أو فتيا نظر حال ~~المسجد، فإن كان مساجد المحال التي لا يترتب الأئمة فيها من جهة السلطان لم ~~يلزم من ترتب فيه للتدريس والفتيا استئذان السلطان في جلوسه، كما لا يلزم ~~أن يستأذنه من ترتيب للإمامة، وإن كان من الجوامع وكبار المساجد التي ترتب ~~الأئمة فيها بتقليد السلطان، روعي في ذلك عرف البلد وعادته في جلوس أمثاله، ~~فإن كان للسلطان في جلوس مثله نظر، لم يكن له أن يترتب PageV01P281 # للجلوس فيه إلا عن إذنه، كما لا يترتب للإمامة فيه إلا عن إذنه؛ لئلا ~~يفتات عليه في ولايته. # وإن لم يكن للسلطان في مثله نظر معهود لم يلزم استئذانه للترتيب فيه، ~~وصار كغيره من المساجد، وإذا ارتسم بموضع من جامع أو مسجد فقد جعله مالك ~~أحق بالموضع إذا عرف به، والذي عليه جمهور الفقهاء أن هذا يستعمل في عرف ~~الاستحسان، وليس بحق مشروع، وإذا قام عنه زال حقه منه، وكان السابق إليه ~~أحق؛ لقول الله تعالى: {سواء العاكف فيه والباد} [الحج: 25] . # ويمنع الناس في الجوامع والمساجد من استطراق حلق الفقهاء والقراء صيانة ~~لحرمتها. # وقد روي عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "لا حمى إلا في ثلاث: ~~ثلة البئر، وطول الفرس، وحلقة القوم" 1 فأما ms206 ثلة البئر فهو منتهى حريمها، ~~وأما طول الفرس فهو ما دار فيه بمقوده إذا كان مربوطا، وأما حلقة القوم فهو ~~استدارتهم في الجلوس للتشاور والحديث. # وإذا تنازع أهل المذاهب المختلفة فيما يسوغ فيه الاجتهاد لم يعترض عليهم ~~فيه، إلا أن يحدث بينهم تنافر فيكفوا عنه، وإن حدث منازع ارتكب ما لا يسوغ ~~فيه الاجتهاد كف عنه ومنع منه، فإن أقام عليه وتظاهر باستغواء من يدعو إليه ~~لزم السلطان أن يحسم بزواجر السلطنة ظهور بدعته، ويوضح بدلائل الشرع فساد ~~مقالته، فإن لكل بدعة مستمعا، ولكل مستغو متبعا، وإذا تظاهر بالصلاح من ~~استبطن ما سواه ترك، وإذا تظاهر بالعلم من عري منه هتك؛ لأن الداعي إلى ~~صلاح ليس فيه مصلح، والداعي إلى علم ليس فيه مضل. PageV01P282 ### | الباب السابع عشر: في أحكام الإقطاع # وإقطاع1 السلطان مختص بما جاز فيه تصرفه، ونفذت فيه أوامره، ولا يصح فيما ~~تعين فيه مالكه وتميز مستحقه، وهو ضربان: إقطاع تمليك، وإقطاع استغلال. # فأما إقطاع التمليك فتنقسم فيه الأرض المقطعة ثلاثة أقسام: موات2 وعامر ~~ومعادن، فأما الموات فعلى ضربين: # أحدهما: ما لم يزل مواتا على قديم الدهر، فلم تجز فيه عمارة، ولا يثبت ~~عليه ملك، فهذا الذي يجوز للسلطان أن يقطعه من يحييه ومن يعمره، ويكون ~~الإقطاع على مذهب أبي حنيفة شرطا في جواز الإحياء؛ لأنه يمنع من إحياء ~~الموات إلا بإذن الإمام، وعلى مذهب الشافعي أن الإقطاع يجعله أحق بإحيائه ~~من غيره، وإن لم يكن شرطا في جوازه؛ لأنه يجوز إحياء الموات بغير إذن ~~الإمام، وعلى كلا المذهبين يكون المقطع أحق بإحيائه من غيره3. PageV01P283 # قد أقطع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الزبير بن العوام ركض فرسه من ~~موات النقيع، فأجراه ثم رمى بسوطه رغبة في الزيادة، فقال رسول الله -صلى ~~الله عليه وسلم: "أعطوه منتهى سوطه"1. # والضرب الثاني من الموات ما كان عامرا فخرب، فصار مواتا عاطلا، وذلك ~~ضربان: # أحدهما: ما كان جاهليا كأرض عاد وثمود، فهي كالموات الذي لم يثبت فيه ~~عمارة، ويجوز إقطاعه، قال رسول الله ms207 -صلى الله عليه وسلم: "عادي الأرض لله ~~ولرسوله ثم هي لكم مني"2. # يعني أرض عاد. # والضرب الثاني: ما كان إسلاميا جرى عليه ملك المسلمين، ثم خرب حتى صار ~~مواتا عاطلا، فقد اختلف الفقهاء في حكم إحيائه على ثلاثة أقوال: فذهب ~~الشافعي فيه إلى أنه لا PageV01P284 # يملك بالإحياء سواء عرف أربابه أو لم يعرفوا. # وقال مالك: يملك بالإحياء سواء عرف أربابه أو لم يعرفوا1، وقال أبو حنيفة ~~-رحمه الله: إن عرف أربابه لم يملك بالإحياء، وإن لم يعرفوا ملك بالإحياء، ~~وإن لم يجز على مذهبه أن يملك بالإحياء من غير إقطاع، فإن عرف أربابه لم ~~يجز إقطاعه، وكانوا أحق ببيعه وإحيائه، وإن لم يعرفوا جاز إقطاعه، وكان ~~الإقطاع شرطا في جواز إحيائه، فإذا صار الموات على ما شرحناه إقطاعا، فمن ~~خصه الإمام به وصار بالإقطاع أحق الناس به لم يستقر ملكه عليه قبل الإحياء، ~~فإن شرع في إحيائه صار بكمال الإحياء مالكا له، وإن أمسك عن إحيائه كان أحق ~~به يدا، وإن لم يصر ملكا ثم روعي إمساكه عن إحيائه، فإن كان لعذر ظاهر لم ~~يعترض عليه فيه، وأقر في يده إلى زوال عذره، وإن كان غير معذور، قال أبو ~~حنيفة: لا يعارض فيه قبل مضي ثلاث سنين، فإن أحياه فيها، وإلا بطل حكم ~~إقطاعه بعدها احتجاجا بأن عمر -رضي الله عنه- جعل أجل الإقطاع ثلاث سنين. # وعلى مذهب الشافعي أن تأجيله لا يلزم، وإنما المعتبر فيه القدرة على ~~إحيائه، فإذا مضى عليه زمان يقدر على إحيائه فيه قيل له: إما تحييه فيقر في ~~يدك، وإما أن ترفع يدك عنه ليعود إلى حاله قبل إقطاعه، وأما تأجيل عمر -رضي ~~الله عنه- فهو قضية في عين يجوز أن يكون لسبب اقتضاه أو لاستحسان رآه. ~~PageV01P285 # فلو تغلب على هذا الموات المستقطع متغلب فأحياه، فقد اختلف العلماء في ~~حكمه على ثلاثة مذاهب: مذهب الشافعي: إن محييه أحق به من مستقطعه. وقال أبو ~~حنيفة: إن أحياه قبل ثلاث سنين كان ملكا للمقطع، وإن أحياه بعدها كان ملكا ms208 ~~للمحيي. وقال مالك: إن أحياه عالما بالإقطاع كان ملكا للمقطع، وإن أحياه ~~غير عالم بالإقطاع خير المقطع بين أخذه وإعطاه المحيي نفقة عمارته، وبين ~~تركه للمحيي والرجوع عليه بقيمة الموات قبل إحيائه1. PageV01P286 # فصل: # وأما العامر فضربان: # أحدهما: ما تعين مالكه فلا نظر للسلطان فيه، إلا ما يتعلق بتلك الأرض من ~~حقوق بيت المال إذا كانت في دار الإسلام، سواء كانت لمسلم أو ذمي، فإن كانت ~~في دار الحرب التي لا يثبت للمسلمين عليها بد، فأراد الإمام أن يقطعها ~~ليملكها المقطع عند الظفر بها جاز. # وقد سأل تميم الداري رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن يقطعه عيون البلد ~~الذي كان منه بالشام قبل فتحه ففعل. # وسأله أبو ثعلبة الخشني أن يقطعه أرضا كانت بيد الروم فأعجبه ذلك، وقال: ~~"ألا تسمعون ما يقول؟ " فقال: والذي بعثك بالحق ليفتحن عليك. فكتب له بذلك ~~كتابا. # وهكذا لو استوهب من الإمام مال في دار الحرب وهو على ملك أهلها، أو ~~استوهب أحد من سبيها وذراريها ليكون أحق به إذا فتحها، جاز وصحت العطية فيه ~~مع الجهالة بها لتعلقها بالأمور العامة. # روى الشعبي أن حريم بن أوس بن حارثة الطائي قال للنبي -صلى الله عليه ~~وسلم: إن فتح الله عليك الحيرة فأعطني بنت نفيلة، فلما أراد خالد صلح أهل ~~الحيرة، قال له حريم: إن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- جعل لي بنت نفيلة، ~~فلا تدخلها في صلحك، وشهد له بشير بن سعد ومحمد بن مسلمة، فاستثناها من ~~الصلح ودفعها إلى حريم، فاشتريت منه بألف درهم، وكانت عجوزا قد حالت عن ~~عهده فقيل له: ويحك لقد أرخصتها، كان أهلها يدفعون إليك ضعف ما سألت بها، ~~فقال: ما كنت أظن أن عددا يكون أكثر من ألف1. # وإذا صح الإقطاع والتمليك على هذا الوجه نظر حال الفتح، فإن كان صلحا ~~خلصت الأرض لمقطعها، وكانت خارجة عن حكم الصلح بالإقطاع السابق، وإن كان ~~الفتح عنوة كان المستقطع والمستوهب أحق بما استقطعه واستوهبه من الغانمين، ~~ونظر في الغانمين، PageV01P287 # فإن علموا بالإقطاع ms209 والهبة قبل الفتح فليس لهم المطالبة بعوض ما استقطع ~~ووهب؛ وإن لم يعلموا حتى فتحوا عاوضهم الإمام عنه بما يستطيب به نفوسهم، ~~كما يستطيب نفوسهم عن غير ذلك من الغنائم. وقال أبو حنيفة: لا يلزمه ~~استطابة نفوسهم عنه ولا عن غيره من الغنائم إذا رأى المصلحة في أخذها منهم. # والضرب الثاني: من العامر ما لم يتعين مالكوه ولم يتميز مستحقوه، وهو على ~~ثلاثة أقسام: # أحدها: ما اصطفاه الإمام لبيت المال من فتوح البلاد، إما بحق الخمس ~~فيأخذه باستحقاق أهله، وإما بأن يصطفيه باستطابة نفوس الغانمين عنه، فقد ~~اصطفى عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- من أرض السواد أموال كسرى وأهل بيته، ~~وما هرب عنه أربابه أو هلكوا، فكان مبلغ غلتها تسعة آلاف ألف درهم، كان ~~يصرفها في مصالح المسلمين، ولم يقطع شيئا منها، ثم إن عثمان -رضي الله عنه- ~~أقطعها؛ لأنه رأى إقطاعها أوفر لغلتها من تعطيلها، وشرط على من أقطعها إياه ~~يأخذ منه حق الفيء، فكان ذلك منه إقطاع إجازة لا إقطاع تمليك، فتوفرت غلتها ~~حتى بلغت على ما قيل: خمسين ألف ألف درهم، فكان منها صلاته وعطاياه، ثم ~~تناقلها الخلفاء بعده، فلما كان عام الجماجم سنة اثنتين وثمانين في فتنة ~~ابن الأشعث أحرق الديوان وأخذ كل قوم ما يليهم، فهذا النوع من العامر لا ~~يجوز إقطاع رقبته؛ لأنه قد صار باصطفائه لبيت المال ملكا لكافة المسلمين، ~~فجرى على رقبته حكم الوقوف المؤبدة، وصار استغلاله هو المال الموضوع في ~~حقوقه. # والسلطان فيه بالخيار على وجه النظر في الأصلح بين أن يستغله لبيت المال ~~كما فعل عمر -رضي الله عنه، وبين أن يتخير له من ذوي المكنة والعمل من يقوم ~~بعمارة رقبته بخراج يوضع عليه مقدر بوفور الاستغلال، ونقصه كما فعل عثمان ~~-رضي الله عنه، ويكون الخراج أجرة تصرف في وجوه المصالح، إلا أن يكون ~~مأخوذا بالخمس فيصرف في أهل الخمس، فإن كان ما وضعه من الخراج مقاسمة على ~~الشطر من الثمار والزروع جاز في النخل، كما ساقى رسول الله -صلى الله ms210 عليه ~~وسلم- أهل خيبر على النصف من ثمار النخل، وجوازها في الزرع معتبر باختلاف PageV01P288 # الفقهاء في جواز المخابرة، فمن أجازها أجاز الخراج بها1، ومن منع منها ~~منع من الخراج بها، وقيل: بل يجوز الخراج بها، وإن منع المخابرة لما يتعلق ~~بها من عموم المصالح التي يتسع حكمها عن أحكام العقود الخاصة، ويكون العشر ~~واجبا في الزرع دون الثمر؛ لأن الزرع ملك لزارعيه، والثمرة ملك لكافة ~~المسلمين مصروفة في مصالحهم. # والقسم الثاني من العامر: أرض الخراج، فلا يجوز إقطاع رقابهم تمليكا؛ ~~لأنها تنقسم على ضربين: ضرب يكون رقابهم وقفا وخراجها أجرة، فتمليك الوقف ~~لا يصح بإقطاع ولا بيع ولا هبة، وضرب يكون رقابها ملكا وخراجها جزية، فلا ~~يصح إقطاع مملوك تعين مالكوه، فأما إقطاع خراجها فنذكره بعد في إقطاع ~~الاستغلال. # والقسم الثالث: ما مات عنه أربابه ولم يستحقه وارثه بفرض ولا تعصيب، ~~فينتقل إلى بيت المال ميراثا لكافة المسلمين مصروفا في مصالحهم. وقال أبو ~~حنيفة: ميرات من لا وارث له مصروف في الفقراء خاصة صدقة عن الميت، ومصرفه ~~عند الشافعي في وجوه المصالح أعم؛ لأنه قد كان من الأملاك الخاصة، وصار بعد ~~الانتقال إلى بيت المال من الأملاك العامة، وقد اختلف أصحاب الشافعي فيما ~~انتقل إلى بيت المال من رقاب الأموال هل يصير وقفا عليه بنفس الانتقال ~~إليه؟ على وجهين: # أحدهما: إنها تصير وقفا لعموم مصرفها الذي لا يختص، فعلى هذا لا يجوز ~~بيعها ولا إقطاعها. # والوجه الثاني: لا تصير وقفا حتى يقفها الإمام، فعلى هذا يجوز له بيعها ~~إذا رأى بيعها أصلح لبيت المال، ويكون ثمنها مصروفا في عموم المصالح، وفي ~~ذوي الحاجات من أهل الفيء وأهل الصدقات، وأما إقطاعها على هذا الوجه فقد ~~قيل بجوازه؛ لأنه لما جاز بيعها وصرف ثمنها إلى من يراه من ذوي الحاجات ~~وأرباب المصالح جاز إقطاعها له، ويكون تمليك رقبتها كتمليك ثمنها، وقيل: إن ~~إقطاعها لا يجوز وإن جاز بيعها؛ لأن البيع معاوضة وهذا الإقطاع صلة، ~~والأثمان إذا صارت ناضة له حكم يخالف في العطايا ms211 حكم الأصول PageV01P289 # الثابتة فافترقا؛ وإن كان الفرق بينهما ضعيفا، وهذا الكلام في إقطاع ~~التمليك. # فصل: # وأما إقطاع الاستغلال فعلى ضربين: عشر، وخراج1. # فأما العشر فإقطاعه لا يجوز؛ لأنه زكاة لأصناف يعتبر وصف استحقاقها عند ~~دفعها إليهم، وقد يجوز أن لا يكونوا من أهلها وقت استحقاقها؛ لأنها تجب ~~بشروط يجوز أن لا توجد فلا تجب، فإن وجبت وكان مقطعها وقت الدفع مستحقا ~~كانت حوالة بعشر قد وجب على ربه لمن هو من أهله، صح وجاز دفعه إليه، ولا ~~يصير دينا له مستحقا حتى يقبضه؛ لأن الزكاة لا تملك إلا بالقبض، فإن منع من ~~العشر لم يكن له خصما فيه، وكان عامل العشر بالمطالبة أحق. # وأما الخراج فيختلف حكم إقطاعه باختلاف حال مقطعه، وله ثلاثة أحوال: # أحدها: أن يكون من أهل الصدقات، فلا يجوز أن يقطع مال الخراج؛ لأن الخراج ~~فيء لا يستحقه أهل الصدقة، كما لا يستحق الصدقة أهل الفيء، وجوز أبو حنيفة ~~ذلك؛ لأنه يجوز صرف الفيء في أهل الصدقة. # والحالة الثانية: أن يكون من أهل المصالح ممن ليس له رزق مفروض، فلا يصح ~~أن يقطعه على الإطلاق، وإن جاز أن يعطاه من مال الخراج؛ لأنه من نفل أهل ~~الفيء لا من PageV01P290 # فرضه، وما يعطى له إنما هو من صلات المصالح، فإن جعل له من مال الخراج ~~شيء أجرى عليه حكم الحوالة والتسبب، لا حكم الإقطاع، فيعتبر في جوازه ~~شرطان: # أحدهما: أن يكون بمال مقدر قد وجد سبب استباحته. # والثاني: أن يكون مال الخراج قد حل ووجب؛ ليصح التسبب عليه والحوالة به، ~~فخرج بهذين الشرطين عن حكم الإقطاع. # والحالة الثالثة: أن يكون من مرتزفة أهل الفيء وفرضية الديوان، وهم أهل ~~الجيش، وهو أخص الناس بجواز الإقطاع؛ لأن لهم أرزاقا مقدرة تصرف إليهم مصرف ~~الاستحقاق؛ لا تعويض عما أرصدوا نفوسهم من حماية البيضة والذب عن الحريم، ~~فإذا صح أن يكونوا من أهل الإقطاع روعي حينئذ مال الخراج، فإن له حالتين: ~~حال يكون جزية، وحال يكون أجرة، فأما ما كان منه جزية ms212 فهو مستقر على ~~التأبيد؛ لأنه مأخوذ مع بقاء الكفر، وزائل مع حدوث الإسلام، فلا يجوز ~~إقطاعه أكثر من سنة؛ لأنه غير موثوق باستحقاقه بعدها، فإن أقطعه سنة بعد ~~حلوله واستحقاقه صح، وإن أقطعه في السنة قبل استحقاقه ففي جوازه وجهان: # أحدهما: يجوز إذا قيل: إن حول الجزية مضروب للأداء. # والثاني: لا يجوز إذا قيل: إن حول الجزية مضروب للوجوب، وأما ما كان من ~~الخراج أجرة فهو مستقر الوجوب على التأييد، فيصح إقطاعه سنتين، ولا يلزم ~~الاقتصار منه على سنة واحدة، بخلاف الجزية التي لا تستقر. # وإذا كان كذلك فلا يخلو حاله أقطاعه من ثلاثة أقسام: # أحدهما: أن يقدر سنين معلومة كإقطاعه عشر سنين، فيصح إذا روعي فيه شرطان: # أحدهما: أن يكون رزق المقطع معلوم القدر عند باذل الإقطاع؛ فإن كان ~~مجهولا عنده لم يصح. # والثاني: أن يكون قدر الخراج معلوما عند المقطع وعند باذل الإقطاع، فإن ~~كان مجهولا عندهما أو عند أحدهما لم يصح، وإذا كان كذلك لم يخل حال الخراج ~~من أحد أمرين، إما أن PageV01P291 # يكون مقاسمة أو مساحة، فإن كان مقاسمة فمن جوز من الفقهاء وضع الخراج على ~~المقاسمة جعله من المعلوم الذي يجوز إقطاعه، ومن منع من وضع الخراج على ~~المقاسمة جعله من المجهول، وإن كان الخراج مساحة فهو ضربان: # أحدهما: أن لا يختلف باختلاف الزروع، فهذا معلوم يصح إقطاعه. # والثاني: أن يختلف باختلاف الزروع، فينظر مقطعه، فإن كان في مقابلة أعلى ~~الخراجين صح إقطاعه؛ لأنه راض بنقص إن دخل عليه، وإن كان في مقابلة أقل ~~الخراجين لم يصح إقطاعه؛ لأنه قد يوجد فيه زيادة لا يستحقها، ثم يراعى بعد ~~صحة الإقطاع في هذا القسم حال المقطع في مدة الإقطاع، فإنها لا تخلو من ~~ثلاثة أحوال: # أحدها: أن يبقى إلى انقضائها على حال السلامة، فهو على استحقاق الإقطاع ~~إلى انقضاء المدة. # والحالة الثانية: أن يموت قبل انقضاء المدة، فيبطل الإقطاع في المدة ~~الباقية بعد موته، ويعود إلى بيت المال، فإن كانت له ذرية دخلوا في إعطاء ~~الذراري ms213 لا في أرزاق الجند، فكان ما يعطونه سببا لا إقطاعا. # والحالة الثالثة: أن يحدث به زمانة فيكون باقي الحياة مفقود الصحة، ففي ~~بقاء إقطاعه بعد زمانته قولان: # أحدهما: إنه باق عليه إلى انقضاء مدته إذا قيل: إن رزقه بالزمانة قد سقط، ~~فهذا حكم القسم الأول إذا قدر الإقطاع فيه بمدة معلومة. # والقسم الثاني من أقسامه: أن يستقطعه مدة حياته ثم لعقبه وورثته بعد ~~موته، فهذا إقطاع باطل؛ لأنه قد خرج بهذا الإقطاع من حقوق بيت المال إلى ~~الأملاك الموروثة، وإذا بطل كان ما اجتباه منه مأذونا فيه عن عقد فاسد، ~~فيبرأ أهل الخراج بقبضه، وحسب من جملة رزقه، فإن كان أكثر رد الزيادة، وإن ~~كان أقل رجع بالباقي، وأظهر السلطان فساد الإطلاع حتى يمنع من القبض، ويمنع ~~أهل الخراج من الدفع؛ فإن دفعوه بعد إظهار ذلك لم يبرأ منه. # والقسم الثالث: أن يستقطعه مدة حياته، ففي صحة الإقطاع قولان: # أحدهما: إنه صحيح إذ قيل: إن حدوث زمانته لا يقتضي سقوط رزقه. PageV01P292 # والقول الثاني: إنه باطل؛ إذ قيل: إن حدوث زمانته يوجب سقوط رزقه، وإذا ~~صح الإقطاع فأراد السلطان استرجاعه من مقطعه جاز ذلك فيما بعد السنة التي ~~هو فيها، ويعود رزقه إلى ديون العطايا، فأما في السنة التي هو فيها فينظر، ~~فإن حل رزقه فيها قبل حلول خراجها لم يسترجع منه في سنته؛ لاستحقاق خراجها ~~في رزقه، وإن حل خراجها قبل حلول رزقه جاز استرجاعه منه؛ لأن تعجيل المؤجل ~~وإن كان جائزا ليس بلازم. # وأما أرزاق ما عدا الجيش إذا أقطعوا بها مال الخراج فيقسمون ثلاثة أقسام: # أحدهما: من يرتزق على عمل غير مستديم -كعمال المصالح، وجباة الخراج، ~~فالإقطاع بأرزاقهم لا يصح، ويكون ما حصل لهم بها من مال الخراج تسببا ~~وحوالة بعد استحقاق الرزق وحلول الخراج. # والقسم الثاني: من يرزق على عمل مستديم، ويجري رزقه مجرى الجعالة، وهم ~~الناظرون في أعماق البر التي يصح التطوع بها، إذا ارتزقوا عليها -كالمؤذنين ~~والأئمة، فيكون جعل الخراج لهم في أرزاقهم تسببا به ms214 وحوالة عليه، ولا يكون ~~إقطاعا. # والقسم الثالث: من يرتزق على عمل مستديم، ويجري رزقه مجرى الإجارة، وهو ~~من لا يصح نظره إلا بولاية وتقليد، مثل: القضاة والحكام وكتاب الدواوين، ~~فيجوز أن يقطعوا بأرزاقهم خراج سنة واحدة، ويحتمل جواز إقطاعهم أكثر من سنة ~~وجهين: # أحدهما: يجوز كالجيش. # والثاني: لا يجوز؛ لما يتوجه إليهم من العزل والاستبدال. PageV01P293 # فصل: # وأما إقطاع المعادن، وهي البقاع التي أودعها الله تعالى جواهر الأرض، فهي ~~ضربان: ظاهرة وباطنة1. # فأما الظاهرة: فهي ما كان جوهرها المستودع فيها بارزا -كمعادن الكحل، ~~والملح، والقار، والنفط، وهو كالماء الذي لا يجوز إقطاعه، والناس فيه سواء، ~~يأخذه من ورد إليه، روى ثابت بن سعيد عن أبيه عن جده أن الأبيض بن حمال ~~استقطع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ملح مأرب فأقطعه، فقال الأقرع بن ~~حابس التميمي: يا رسول الله، إني وردت هذا الملح في الجاهلية، وهو بأرض ليس ~~فيها غيره من ورده أخذه، وهو مثل الماء العد بالأرض، فاستقال الأبيض في ~~قطيعة الملح، فقال قد أقلتك على أن تجعله مني صدقة، فقال النبي -عليه ~~الصلاة والسلام: "هو منك صدقة، وهو مثل الماء العد من وردة أخذه" 2. # قال أبو عبيد: الماء العد هو الذي له مواد تمده مثل العيون والآبار. وقال ~~غيره: هو الماء المتجمع المعد، فإن أقطعت هذه المعادن الظاهرة لم يكن ~~لإقطاعها حكم، وكان المقطع وغيره فيها سواء، وجميع من ورد إليها أسوة ~~مشتركون فيها، فإن منعهم المقطع PageV01P294 # منها كان بالمنع متعديا وكان لما أخذه مالكا؛ لأنه متعد بالمنع لا ~~بالأخذ، فكف عن المنع وصرف عن مداومة العمل؛ لئلا يثبته إقطاعا بالصحة، أو ~~يصير معه كالأملاك المستقر. # وأما المعادن الباطنة: فهي ما كان جوهرها مستكنا فيها لا يوصل إليه إلا ~~بالعمل؛ كمعادن الذهب والفضة والصفر والحديد، فهذه وما أشبهها معادن باطنة، ~~سواء احتاج المأخوذ منها إلى سبك وتخليص أو لم يحتج. # وفي جواز إقطاعها قولان: # أحدهما: لا يجوز كالمعادن الظاهرة، وكل الناس فيها شرع. # والقول الثاني: يجوز إقطاعها؛ لرواية كثير بن ms215 عبد الله بن عمرو بن عوف ~~المزني عن أبيه عن جده عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم: "أقطع بلال بن ~~الحارث المعادن القبلية جلسيها وغوريها، وحيث يصلح الزرع من قدس، ولم يقطعه ~~حق مسلم"1. # وفي الجلسي والغوري تأويلان: # أحدهما: إنه أعلاها وأسفلها، وهو قول عبد الله بن وهب. # والثاني: إن الجلسي بلاد نجد، والغوري بلاد تهامة، وهذا قول أبي عبيدة، ~~ومنه قول الشماخ من الطويل: # فمرت على ماء العذيب وعينها %~% كوقب الحصى جلسيها قد تغورا # فعلى هذا يكون المقطع أحق بها، وله منع الناس منها. # وفي حكمه قولان: # أحدهما: إنه إقطاع تمليك يصير به المقطع مالكا لرقبة المعدن كسائر أمواله ~~في حال عمله، وبعد قطعه يجوز له بيعه في حياته، وينتقل إلى ورثته بعد موته. # والقول الثاني: إنه إقطاع إرفاق لا يملك به رقبة المعدن، ويملك به ~~الارتفاق بالعمل PageV01P295 # فيه مدة مقامه عليه، وليس لأحد أن ينازعه فيه ما أقام على العمل، فإذا ~~تركه زال حكم الإقطاع عنه وعاد إلى حال الإباحة؛ فإذا أحيا مواتا بإقطاع أو ~~غير إقطاع، فظهر فيه بالإحياء معدن ظاهر أو باطن ملكه المحيي على التأبيد، ~~كما يملك ما استنبطه من العيون واحتفره من الآبار. PageV01P296 ### | الباب الثامن عشر: في وضع الديوان وذكر أحكامه # والديوان1: موضع لحفظ ما يتعلق بحقوق السلطنة من الأعمال والأموال، ومن ~~يقوم بها من الجيوش والعمال، وفي تسميته ديوانا وجهان: # أحدهما: إن كسرى اطلع ذات يوم على كتاب ديوانه فرآهم يحسبون مع أنفسهم، ~~فقال: ديوانه أي: مجانين، فسمي موضعهم بهذا الاسم، ثم حذف الهاء عند كثرة ~~الاستعمال تخفيفا للاسم، فقيل: ديوان. # والثاني: إن الديوان بالفارسية اسم الشياطين، فسمي الكتاب باسمهم؛ لحذقهم ~~بالأمور وقوتهم على الجلي والخفي، وجمعهم لما شذ وتفرق، ثم سمي مكان جلوسهم ~~باسمهم فقيل: ديوان. # وأول من وضع الديوان في الإسلام عمر بن الخطاب -رضي الله عنه. # واختلف الناس في سبب وضعه له، فقال قوم: سببه أن أبا هريرة قدم عليه بمال ~~من البحرين، فقال له عمر: ماذا جئت به؟ ms216 فقال: خمسمائة ألف درهم، فاستكثره ~~عمر فقال له: # أتدري ما تقول؟ قال: نعم، مائة ألف خمس مرات، فقال عمر: أطيب هو؟ فقال: ~~لا أدري، فصعد عمر المنبر، فحمد الله تعالى وأثني عليه، ثم قال: أيها ~~الناس، قد جاءنا مال كثير، فإن شئتم كلنا لكم كيلا، وإن شئتم عددنا لكم ~~عدا، فقام إليه رجل فقال: يا أمير المؤمنين، قد رأيت الأعاجم يدونون ديوانا ~~لهم، فدون أنت لنا ديوانا. # وقال آخرون: بل سببه أن عمر بعث بعثا، وكان عنده الهرمز، فقال لعمر: هذا ~~بعث قد أعطيت أهله الأموال، فإن تخلف منهم رجل وآجل بمكانيه، فمن أين يعلم ~~صاحبك به، فأثبت لهم ديوانا، فسأله عن الديوان حتى فسره لهم2. # وروى عابد بن يحيى عن الحارث بن نفيل أن عمر -رضي الله عنه- استشار ~~المسلمين في PageV01P297 # تدوين الديوان، فقال له علي بن أبي طالب -رضي الله عنه: تقسم كل سنة ما ~~اجتمع إليك من المال، ولا تمسك منه شيئا. # وقال عثمان بن عفان -رضي الله عنه: أرى مالا كثيرا يتبع الناس، فإن لم ~~يحصوا حتى يعرف من أخذ ممن لم يأخذ خشيت أن ينتشر الأمر، فقال خالد بن ~~الوليد: قد كنت بالشام فرأيت ملوكها قد دونوا ديوانا، وجندوا جنودا، فدون ~~ديوانا وجند جنودا، فأخذ بقوله، ودعا عقيل بن أبي طالب، ومحرمة بن نوفل، ~~وجبير بن مطعم، وكانوا من شباب قريش وقال: اكتبوا الناس على منازلهم، ~~فبدءوا ببني هاشم فكتبوهم، ثم أتبعوهم أبا بكر وقومه، ثم عمر وقومه، وكتبوا ~~القبائل ووضعوها على الخلافة، ثم رفعوه إلى عمر، فلما نظر فيه قال: لا، ما ~~وددت أنه كان هكذا، ولكن ابدءوا بقرابة رسول الله -صلى الله عليه وسلم، ~~الأقرب فالأقرب، حتى تضعوا عمر حيث وضعه الله فشكره العباس -رضوان الله ~~عليه- على ذلك، وقال: وصلتك رحم1. # وروى زيد بن أسلم عن أبيه أن بني عدي جاءوا إلى عمر فقالوا: إنك خليفة ~~رسول الله وخليفة أبي بكر وأبو بكر خليفة رسول الله؛ فلو جعلت نفسك حيث ~~جعلك الله سبحانه، وجعلك ms217 هؤلاء القوم الذين كتبوا، فقال: بخ بخ يا بني عدي، ~~أردتم الأكل على ظهري، وأن أهب حسناتي لكم لا، ولكنكم حتى تأتيكم الدعوة ~~وأن ينطبق عليكم الدفتر، يعني: ولو تكتبوا آخر الناس، إن لي صاحبين سلكا ~~طريقا، فإن خالفتهما خولف بي، ولكنه والله ما أدركنا الفضل في الدنيا، ولا ~~نرجو الثواب عند الله تعالى على عملنا إلا بمحمد -صلى الله عليه وسلم، فهو ~~شرفنا، وقومه أشرف العرب، ثم الأقرب، والله لئن جاءت الأعاجم بعمل، وجئنا ~~بغير عم لهم أولى بمحمد -صلى الله عليه وسلم- منا يوم القيامة، فإن من قصر ~~به عمله لم يسرع به نسبه. # وروى عامر أن عمر -رضي الله عنه- حين أراد وضع الديوان قال: بمن أبدأ؟ ~~فقال له عبد الرحمن بن عوف: ابدأ بنفسك، فقال عمر: أذكر أني حضرت مع رسول ~~الله -صلى الله عليه وسلم- وهو يبدأ ببني هاشم وبني عبد المطلب، فبدأ بهم ~~عمر، ثم بمن يليهم من قبائل قريش بطنا بعد بطن، حتى استوفى جميع قريش، ثم ~~انتهى إلى الأنصار، فقال عمر: ابدءوا برهط سعد بن PageV01P298 # معاذ من الأوس، ثم بالأقرب فالأقرب لسعد. # وروى الزهري عن سعيد بن المسيب أنه كان ذلك من المحرم سنة عشرين، فلما ~~استقر ترتيب الناس في الدواوين على قدر النسب المتصل برسول الله -صلى الله ~~عليه وسلم، فضل بينهم في العطاء على قدر السابقة في الإسلام، والقربى من ~~رسول الله -صلى الله عليه وسلم، وكان أبو بكر -رضي الله عنه- يرى التسوية ~~بينهم في العطاء، ولا يرى التفضيل بالسابقة، كذلك كان رأي علي -رضي الله ~~عنه- في خلافته، وبه يأخذ الشافعي ومالك، وكان رأي عمر -رضي الله عنه- ~~التفضيل بالسابقة في الإسلام، وكذلك رأي عثمان -رضي الله عنه- بعده، وبه ~~أخذ أبو حنيفة وفقهاء العراق. # وقد نظر عمر أبا بكر حين سوى بين الناس فقال: أتسوي بين من هاجر الهجرتين ~~وصلى إلى القبلتين، وبين من أسلم عام الفتح خوف السيف؟ فقال له أبو بكر: ~~إنما عملوا لله، وإنما أجورهم على الله، وإنما الدنيا دار بلاغ ms218 للراكب، ~~فقال له عمر: لا أجعل من قاتل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كمن قاتل ~~معه؛ فلما وضع الديوان فضل السابقة، ففرض لكل من شهد بدرا من المهاجرين ~~الأولين خمسة آلاف درهم في كل سنة: منهم علي بن أبي طالب، وعثمان بن عفان، ~~وطلحة بن عبيد الله، والزبير بن العوام، وعبد الرحمن بن عوف -رضي الله ~~عنهم، وفرض لنفسه معهم خمسة آلاف درهم، وألحق به العباس بن عبد المطلب، ~~والحسن والحسين -رضوان الله عليهم؛ لمكانهم من رسول الله -صلى الله عليه ~~وسلم؛ وقيل: بل فضل العباس وفرض له سبعة آلاف درهم. # وفرض لكل من شهد بدرا من الأنصار أربعة آلاف درهم، ولم يفضل على أهل بدر ~~أحدا، إلا أزواج رسول الله -صلى الله عليه وسلم، فإنه فرض لكل واحدة منهن ~~عشرة آلاف درهم إلا عائشة، فإنه فرض لها اثني عشر ألف درهم، وألحق بهن ~~جويرية بنت الحارث، وصفية بنت حيي، وقيل: بل فرض لكل واحدة منهن ستة آلاف ~~درهم، وفرض لكل من هاجر قبل الفتح ثلاثة آلاف درهم، ولمن أسلم بعد الفتح ~~ألف درهم لكل رجل، وفرض لغلمان أحداث من أبناء المهاجرين والأنصار كفرائض ~~مسلمي الفتح، وفرض لعمر بن أبي سلمة المخزومي أربعة آلاف درهم؛ لأن أمه أم ~~سلمة زوج النبي -صلى الله عليه وسلم، فقال له محمد بن عبد الله بن جحش: PageV01P299 # لم تفضل عمر علينا وقد هاجر آباؤنا وشهدوا بدرا؟ فقال عمر: أفضله لمكانه ~~من رسول الله -صلى الله عليه وسلم، فليأت الذي يستعتب بأم سلمة أعتبه، وفرض ~~لأسامة بن زيد أربعة آلاف درهم، فقال له عبد الله بن عمر: فرضت لي ثلاثة ~~آلاف درهم، وفرضت لأسامة أربعة آلاف درهم، وقد شهدت ما لم يشهد أسامة؟ فقال ~~عمر: زدته لأنه كان أحب إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- منك، وكان أبوه ~~أحب إلى رسول الله من أبيك، ثم فرض للناس على منازلهم وقراءتهم القرآن ~~وجهادهم، وفرض لأهل اليمن وقيس بالشام والعراق لكل رجل منهم من ألفين إلى ~~ألف، ms219 إلى خمسمائة، إلى ثلاثمائة، ولم ينقص أحدا منها، وقال: لئن كثر المال ~~لأفرض لكل رجل أربعة آلاف درهم: ألفا لفرسه، وألفا لسلاحه، وألفا لسفره، ~~وألفا يخلفها في أهله؛ وفرض للمنفوس مائة درهم، فإذا ترعرع بلغ به مائتي ~~درهم، فإذا بلغ زاده، وكان لا يفرض لمولود شيئا حتى يفطم، إلى أن سمع امرأة ~~ذات ليلة وهي تكره ولدها على الفطام، وهو يبكي، فسألها عنه؟ فقالت: إن عمر ~~لا يفرض للمولود حتى يفطم، فأنا أكرهه على الفطام حتى يفرض له، فقال: يا ~~ويل عمر، كم احتقب من وزر وهو لا يعلم، أمر عمر مناديه فنادى: ألا تعجلوا ~~أولادكم بالفطام، فإنا نفرض لكل مولود في الإسلام، ثم كتب إلى أهل العوالي، ~~وكان يجري عليهم القوت، فأمر بجريب من الطعام فطحن، ثم خبز، ثم ثرد، ثم دعا ~~ثلاثين فأكلوا منه غداهم حتى أصدرهم، ثم فعل في العشاء مثل ذلك، فقال: يكفي ~~الرجل جريبان في كل شهر، وكان يرزق الرجل والمرأة والمملوكة جريبين في كل ~~شهر، وكان أذا أراد الرجل أن يدعو على صاحبه قال له: قطع الله عنك جريبك. # وكان الديوان موضوعا على دعوة العرب في ترتيب الناس فيه معتبرا بالنسب، ~~وتفضيل العطاء معتبرا بالسابقة في الإسلام، وحسن الأثر في الدين، ثم روعي ~~في التفضيل عند انقراض أهل السوابق بالتقدم في الشجاعة والبلاء في الجهد؛ ~~فهذا حكم ديوان الجيش في ابتداء وضعه على الدعوة القريبة والترتيب الشرعي. # وأما ديوان الاستيفاء وجباية الأموال فجرى هذا الأمر فيه بعد ظهور ~~الإسلام بالشام والعراق على ما كان عليه من قبل، فكان ديوان الشام ~~بالرومية؛ لأنه كان من مماليك الروم، وكان ديوان العراق بالفارسية؛ لأنه ~~كان من مماليك الفرس، فلم يزل أمرهما جاريا على ذلك PageV01P300 # إلى زمن عبد الملك بن مروان، فنقل ديوان الشام إلى العربية سنة إحدى ~~وثمانين. # وكان سبب نقله إليه ما حكاه المدائني: أن بعض كتاب الروم في ديوانه أراد ~~ماء لدواته فبال فيها بدلا من الماء فأدبه، وأمر سليمان بن سعد أن ينقل ~~الديوان ms220 إلى العربية، فسأله أن يعينه بخراج الأردن سنة، ففعل وولاه الأردن، ~~وكان خراجه مائة وثمانين ألف دينار، فلم تنقض السنة حتى فرغ من الديوان ~~فنقله، وأتى به إلى عبد الملك بن مروان، فدعا سرجون1 كاتبه فعرضه عليه، ~~فغمه وخرج كئيبا؛ فلقيه قوم من كتاب الروم فقال لهم: اطلبوا المعيشة من غير ~~هذه الصناعة، وقد قطعها الله عنكم. # وأما ديوان الفارسية بالعراق فكان سبب نقله إلى العربية أن كاتب الحجاج ~~كان يسمى زاذان فروخ، كان معه صالح بن عبد الرحمن يكتب بين يديه بالعربية ~~والفارسية، فوصله زاذان فروخ بالحجاج فخف على قلبه، فقال صالح لزاذان فروخ: ~~إن الحجاج قد قربني ولا آمن عليك أن يقدمني عليك، فقال: لا تظن ذلك فهو إلي ~~أحوج مني إليه؛ لأنه لا يجد من يكفيه حسابه غيرى، فقال صالح: والله لوشئت ~~أن أحول الحساب إلى العربية لفعلت، قال: فحول منه ورقة أو سطرا حتى أرى ~~ففعل، ثم قتل زاذان فروخ في أيام عبد الرحمن بن الأشعث، فاستخلف الحجاج ~~صالحا مكانه، فذكر له ما جرى بينه وبين زاذان فروخ، فأمره أن ينقله، فأجابه ~~إلى ذلك وأجله فيه أجلا حتى نقله إلى العربية، فلما عرف مردان شاه بن زاذان ~~فروخ ذلك بذل له مائة ألف درهم؛ ليظهر للحجاج العجز عنه فلم يفعل، فقال له: ~~قطع الله أوصالك من الدنيا كما قطعت أصل الفارسية، فكان عبد الحميد بن يحيى ~~كاتب PageV01P301 # مروان يقول: لله در صالح ما أعظم منته على الكتاب1. # فصل: # والذي يشتمل عليه ديوان السلطنة ينقسم أربعة أقسام: # أحدها: ما يختص بالجيش من إثبات وعطاء. # والثاني: ما يختص بالأعمال من رسوم وحقوق. # والثالث: ما يختص بالعمال من تقليد وعزل. # والرابع: ما يختص ببيت المال من دخل وخراج، فهذه أربعة أقسام تقتضيها ~~أحكام الشرع، يتضمن تفصيلها ما ربما كان لكتاب الدواوين في إفرادها عادة هم ~~بها أخص. # فأما القسم الأول: فيما يختص بالجيش من إثبات وعطاء، فإثباتهم في الديوان ~~معتبر بثلاثة شروط. # أحدها: الوصف الذي يجوز إثباتهم. # والثاني: السبب ms221 الذي يستحق به ترتيبهم. # والثالث: الحال التي يقدر به عطاؤهم. # فأما شرط جواز إثباتهم في الديوان فيراعى فيه خمسة أوصاف: # أحدها: البلوغ، فإن الصبى من جملة الذراري والأتباع، فلم يجز أن يثبت في ~~ديوان الجيش، فكان جاريا في عطاء الذراري. # والثاني: الحرية؛ لأن المملوك تابع لسيده، فكان داخلا في عطائه، وأسقط ~~أبو حنيفة اعتبار الحرية، وجوز إفراد العبد بالعطاء في ديوان المقاتلة، وهو ~~رأي أبي بكر وخالفه فيه عمر، واعتبر الحرية في العطاء، وبه أخذ الشافعي. # والثالث: الإسلام ليدفع عن الملة باعتقاده، ويوثق بنصحه واجتهاده، فإن ~~أثبت فيهم ذميا لم يجز، وإن ارتد منهم مسلم سقط. PageV01P302 # والرابع: السلامة من الآفات المانعة من القتال؛ فلا يجوز أن يكون زمنا ~~ولا أعمى ولا أقطع، ويجوز أن يكون أخرس أو أصم، فأما الأعرج فإن كان فارسا ~~أثبت، وإن كان راجلا لم يثبت. # والخامس: أن يكون فيه إقدام على الحروب ومعرفة بالقتال، فإن ضعفت منته عن ~~الإقدام، أو قلت معرفته بالقتال لم يجز إثباته؛ لأنه مرصد لما هو عاجز عنه، ~~فإذا تكاملت فيه هذه الأوصاف الخمسة كان إثباته في ديوان الجيش موقوفا على ~~الطلب والإيجاب، فيكون منه الطلب إذا تجرد عن كل عمل، ويكون لمن ولي الأمر ~~الإجابة إذا دعت الحاجة إليه، فإن كان مشهور الاسم نبيه القدر لم يحسن إذا ~~أثبت في الديوان أن يحلى فيه أو ينعت، فإن كان من المغمورين في الناس حلي ~~ونعت، فذكر سنه وقده ولونه وحلي وجهه، ووصف بما يتميز به عن غيره؛ لئلا ~~تتفق الأسماء ويدعي وقت العطاء، وضم إلى نقيب عليه أو عريف له؛ ليكون ~~مأخوذا بدركه. # فصل: # واما ترتيبهم في الديوان إذا أثبتوا فيه فمعتبر من وجهين: أحدهما عام، ~~والآخر خاص. # فأما العام: فهو ترتيب القبائل والأجناس حتى تتميز كل قبيلة عن غيرها، ~~وكل جنس عمن خالفة، فلا يجمع فيه بين المختلفين، ولا يفرق به بين المتفقين؛ ~~لتكون دعوة الديوان على نسق واحد معروف بالنسب، يزول به التنازع والتجاذب، ~~وإذا كان هكذا لم يخل حالهم ms222 من أن يكونوا عربا أو عجما، فإن كانوا عربا ~~تجمعهم أنساب، وتفرق بينهم أنساب ترتيب قبائلهم بالقربى من رسول الله -صلى ~~الله عليه وسلم، كما فعل عمر -رضي الله عنه- حين دونهم. # فيبدأ بالترتيب في أصل النسب، ثم بما يتفرع عنه، فالعرب عدنان وقحطان، ~~فتقدم عدنان على قحطان؛ لأن النبوة فيهم، وعدنان يجمع ربيعة ومضر، فتقدم ~~مضر على ربيعة؛ لأن النبوة فيهم، ومضر يجمع قريشا وغير قريش، فتقدم قريش؛ ~~لأن النبوة فيهم، وقريش يجمع بني هاشم وغيرهم، فتقدم بنو هاشم؛ لأن النبوة ~~فيهم، فيكون بنو هاشم قطب الترتيب، ثم بمن يليهم من أقرب الأنساب إليهم ~~يستوعب قريشا، ثم بمن يليهم في النسب حتى PageV01P303 # يستوعب جميع مضر، ثم بمن يليهم في النسب حتى يستوعب جميع عدنان. # وقد رتب أنساب العرب ست مراتب، فجعلت طبقات أنسابهم هي: شعب، ثم قبيلة، ~~ثم عمارة، ثم بطن، ثم فخذ، ثم فصيلة. # فالشعب: النسب الأبعد مثل عدنان وقحطان، سمي شعبا لأن القبائل منه تشعبت، ~~ثم القبيلة، وهي: ما انقسمت فيها أنساب الشعب مثل ربيعة ومضر، سميت قبيلة ~~لتقابل الأنساب فيها، ثم العمارة، وهي ما انقسمت فيها أنساب القبائل مثل ~~قريش وكنانة. ثم البطن، وهو ما انقصمت فيه أنساب العمارة مثل بني عبد مناف ~~وبني مخزوم. ثم الفخذ وهو ما انقسمت فيه أنساب البطن مثل بني هاشم وبني ~~أمية. ثم الفصيلة وهي ما انقسمت فيها أنساب الفخذ مثل بني أبي طالب وبني ~~العباس، فالفخذ يجمع الفصائل، والبطن يجمع الأفخاذ، والعمارة تجمع البطون، ~~والقبيلة تجمع العمائر، والشعب يجمع القبائل، وإذا تباعدت الأنساب صارت ~~القبائل شعوبا والعمائر قبائل. # وإن كانوا عجما لا يجتمعون على نسب، فالذي يجمعهم عند فقد النسب أمران: ~~إما أجناس وإما بلاد، فالمتميزون بالأجناس كالترك والهند، ثم يميز الترك ~~أجناسا والهند أجناسا، والمتميزون بالبلاد كالديلم والجبل، ثم يتميز الديلم ~~بلدانا والجبل بلدانا، وإذا تميزوا بالأجناس أو البلدان، فإن كانت لهم ~~سابقة في الإسلام ترتبوا عليها في الديوان، وإن لم تكن لهم سابقة ترتبوا ~~بالقرب من ولي الأمر، ms223 فإن تساووا فبالسبق إلى طاعته. # وأما الترتيب الخاص: فهو ترتيب الواحد بعد الواحد يرتب بالسابقة في ~~الإسلام، فإن تكافئوا في السابقة ترتبوا بالدين، فإن تقاربوا فيه ترتبوا ~~بالسن، فإن تقاربوا فيها ترتبوا بالشجاعة، فإن تقاربوا فيها فولي الأمر ~~بالخيار بين أن يرتبهم بالقرعة، أو يرتبهم عن رأيه واجتهاده. PageV01P304 # فصل: # وأما تقدير العطاء فمعتبر بالكفاية حتى يستغني بها عن التماس مادة تقطعه ~~عن حماية البيضة. # والكفاية معتبرة من ثلاثة أوجه: # أحدها: عدد من يعوله من الذراري والمماليك. # والثاني: عدد ما يرتبطه من الخيل والظهر. # والثالث: الموضع الذي يحله في الغلاء والرخص، فيقدر كفايته في نفقته ~~وكسوته لعامه كله، فيكون هذا المقدر في عطائه، ثم تعرض حاله في كل عام، فإن ~~زادت رواتبه الماسة زيد، وإن نقصت نقص. # واختلف الفقهاء إذا تقدر رزقه بالكفاية، هل يجوز أن يزاد عليها؟ فمنع ~~الشافعي من زيادته على كفايته، وإن اتسع المال؛ لأن أموال بيت المال لا ~~توضع إلا في الحقوق اللازمة، وجوز أبو حنيفة زيادته على الكفاية إذا اتسع ~~المال لها، ويكون وقت العطاء معلوما يتوقعه الجيش عند الاستحقاق، وهو معتبر ~~بالوقت الذي تستوفي فيه حقوق بيت المال، فإن كانت تستوفي في وقت واحد من ~~السنة جعل العطاء في رأس كل سنة، وإن كانت تستوفي في وقتين جعل العطاء في ~~كل سنة مرتين، وإن كانت تستوفي في كل شهر جعل العطاء في رأس كل شهر؛ ليكون ~~المال مصروفا إليهم عند حصوله، فلا يحبس عنهم إذا اجتمع، ولا يطالبون به ~~إذا تأخر، وإذا تأخر عنهم العطاء عند استحقاقه وكان حاصلا في بيت المال كان ~~لهم المطالبة به كالديون المستحقة، وإن أعوز بيت المال لعوارض أبطلت حقوقه ~~أو أخرتها كانت أرزاقهم دينا على بيت المال، وليس لهم مطالبة ولي الأمر به، ~~كما ليس لصاحب الدين مطالبة من أعسر بدينه، وإذا أراد ولي الأمر إسقاط بعض ~~الجيش لسبب أوجبه، أو لعذر اقتضاه جاز، وإن كان لغير سبب لم يجز؛ لأنهم جيش ~~المسلمين في الذب عنهم. # وإذا أراد بعض ms224 الجيش إخراج نفسه من الديوان جاز مع الاستغناء عنه، ولم ~~يجز من الحاجة إليه، إلا أن يكون معذورا، وإذا جرد الجيش لقتال فامتنعوا، ~~وهم أكفاء من حاربهم PageV01P305 # سقطت أرزاقهم، وإن ضعفوا عنهم لم تسقط، وإذا نفقت دابة أحدهم في حرب عوض ~~عنها، وإن نفقت في غير حرب لم يعوض، وإذا استهلك سلاحه فيها عوض عنه إن لم ~~يكن يدخل في تقدير عطائه، ولم يعوض إن دخل فيه. وإذا جرد لسفر أعطي نفقة ~~سفره إن لم تدخل في تقدير عطائه ولم يعط إن دخلت فيه. وإذا مات أحدهم أو ~~قتل كان ما يستحق من عطائه موروثا عنه على فرائض الله تعالى، وهو دين ~~لورثته في بيت المال. # واختلف الفقهاء في استبقاء نفقات ذريته من عطائه في ديوان الجيش على ~~قولين: # أحدهما: أنه قد سقطت نفقتهم من ديوان الجيش لذهاب مستحقه، ويحالون على ~~مال العشر والصدقة. # والقول الثاني: أنه يستبقي من عطائه نفقات ذريته ترغيبا له في المقام، ~~وبعثا له على الإقدام. # واختلف الفقهاء في سقوط عطائه إذا حدثت به زمانة على قولين: # أحدهما: يسقط؛ لأنه في مقابلة عمل قد عدم. # والقول الثاني: أنه باق على العطاء ترغيبا في التجند والارتزاق. PageV01P306 # فصل: # وأما القسم الثاني بالأعمال من رسوم وحقوق فيشتمل على ستة فصول: # أحدهما: تحديد العمل بما يتميز به من غيره، وتفصيل نواحيه التي تختلف ~~أحكامها، فيجعل لكل بلد حدا لا يشاركه فيه غيره، ويفصل نواحي كل بلد إذا ~~اختلفت أحكام نواحيه، وإن اختلفت أحكام الضياع في كل ناحية فصلت ضياعة ~~كتفصيل نواحيه، وإن لم تختلف اقتصر على تفصيل النواحي دون الضياع. # والفصل الثاني: أن يذكر حال البلد هل فتح عنوة أو صلحا، وما استقر عليه ~~حكم أرضه من عشر أو خراج، وهل اختلفت أحكامه ونواحيه أو تساوت؟ فإنه لا ~~يخلو من ثلاثة أحوال: إما أن يكون جميعه أرض عشر، أو جميعه أرض خراج، أو ~~يكون بعضه عشرا وبعضه خراجا، فإن كان جميعه أرض عشر لم يلزم إثبات مسائحه؛ ~~لأن العشر على ms225 الزرع دون المساحة، ويكون ما استؤنف زرعه مرفوعا إلى ديوان ~~العشر لا مستخرجا منه، ويلزم تسمية أربابه عند رفعه إلى الديوان؛ لأن وجوب ~~العشر فيه معتبر بأربابه دون رقاب الأرضين. # وإذا رفع الزرع بأسماء أربابه ذكر مبلغ كيله، وحال سفيه بسيح أو عمل ~~لاختلاف حكمه ليستوفي على موجبه، وإن كان جميعه أرض خراج لزم إثبات مسائحه؛ ~~لأن الخراج على المساحة، فإن كان هذا الخراج في حكم الأجرة لم يلزم تسمية ~~أرباب الأرضين؛ لأنه لا يختلف بإسلام ولا كفر، وإن كان الخراج في حكم ~~الجزية لزم تسمية أربابه ووصفهم بالإسلام والكفر؛ لاختلاف حكمه باختلاف ~~أهله، وإن كان بعضه عشرا وبعضه خراجا فصل في ديوان العشر ما كان منه عشرا، ~~وفي ديوان الخراج ما كان منه خراجا؛ لاختلاف الحكم فيها، وأجري على كل واحد ~~منهما ما يختص بحكمه. # والفصل الثالث: أحكام خراجه، وما استقر على مسائحه، هل هو مقاسمة على ~~زرعه أو هو رزق مقدر على خراجه؛ فإن كان مقاسمة لزم إذا أخرجت مسائح ~~الأرضين من ديوان الخراج أن يذكر معها مبلغ المقاسمة من ربع أو ثلث أو نصف، ~~ويرفع إلى الديوان مقادير PageV01P307 # الكيول؛ لتستوفى المقاسمة على موجبها، وإن كان الخراج ورقا لم يخل من أن ~~يكون متساويا مع اختلاف الزروع أو مختلفا، فإن كان متساويا مع اختلاف ~~الزروع أخرجت المسائح من ديوان الخراج ليستوفي خراجها، ولا يلزم أن يرفع ~~إليه إلا ما قبض منها، وإن كان الخراج مختلفا باختلاف الزروع لزم إخراج ~~المسائح من ديوان الخراج، وأن يرفع إليه أجناس الزروع؛ ليستوفي خراج ~~المساحة على ما يوجبه حكم الزرع. # والفصل الرابع: ذكر من في كل بلد من أهل الذمة وما استقر عليهم في عقد ~~الجزية، فإن كانت مختلفة باليسار والإعسار سموا في الديوان، مع ذكر عددهم ~~ليختبر حال يسارهم وإعسارهم، وإن لم تختلف في اليسار والإعسار جاز الاقتصار ~~على ذكر عددهم، ووجب مراعاتهم في كل عام؛ ليثبت من بلغ، ويسقط من مات أو ~~أسلم؛ لينحصر بذلك ما يستحق من جزيتهم. # والفصل ms226 الخامس: إن كان من بلدان المعادن أن يذكر أجناس معادنه، وعدد كل ~~جنس منها ليستوفي حق المعدن منها، وهذا مما لا ينضبط بمساحة، ولا ينحصر ~~بتقدير لاختلافه، وإنما ينضبط بحسب المأخوذ منه إذا أعطى وأنال، ولا يلزم ~~في أحكام المعادن أن يوصف في الديوان أحكام فتوحها، هل هى من أرض عشر أو ~~خراج؛ لأن الديوان فيها موضوع لاستيفاء الحق من نيلها، وحقها لا يختلف ~~باختلاف فتوحها وأحكام أرضها، وإنما يختلف ذلمك في حقوق العاملين فيها ~~والآخذين. # وقد تقدم القول في اختلاف الفقهاء في أجناس ما يؤخذ حق المعادن منه، وفي ~~قدر المأخوذ منه، فإن لم يكن قد سبق الأئمة فيها حكم اجتهد والي الوقت ~~برأيه في الجنس الذي يجب فيه، وفي القدر المأخوذ منه، وعمل عليه في الأمرين ~~معا إذا كان من أهل الاجتهاد، وإن كان من سبق من الأئمة والولاة قد اجتهد ~~برأيه في الجنس الذي يجب فيه وفي القدر المأخوذ منه، وحكم به فيها حكما ~~أيده وأمضاه، فاستقر حكمه في الأجناس التي يجب فيها حق المعدن، ولم يستقر ~~حكمه في القدر المأخوذ من المعدن؛ لأن حكمه في الجنس معتبر بالمعدن ~~الموجود، وحكمه في القدر يعتبر بالمعدن المفقود. PageV01P308 # والفصل السادس: إن كان البلد ثغرا يتاخم دار الحرب، وكانت أموالهم دخلت ~~دار الإسلام معشورة عن صلح استقر معهم، وأثبت في ديوان عقد صلحهم، وقدر ~~المأخوذ منهم من عشر أو خمس، وزيادة عليه أو نقصان منه، فإن كان يختلف ~~باختلاف الأمتعة والأموال فصلت فيه، وكان الديوان موضوعا لإخراج رسومه ~~ولاستيفاء ما يرفع إليه من مقادير الأمتعة المحمولة إليه. # وأما أعشار الأموال المنتقلة في دار الإسلام من بلد إلى بلد فمحرمة لا ~~يبيحها شرع، ولا يسوغها اجتهاد، ولا هي من سياسات العدل، ولا من قضايا ~~النصفة، وقل ما تكون إلا في البلاد الجائزة، وقد روي عن النبي -عليه الصلام ~~والسلام- أنه قال: "شر الناس العشارون الحشارون"1. # وإذا غيرت الولاة أحكام البلاد ومقادير الحقوق فيها اعتبر ما فعلوه، فإن ~~كان مسوغا في الاجتهاد لأمر ms227 اقتضاه لا يمنع الشرع منه؛ لحدوث سبب يسوغ ~~الشرع الزيادة لأجله، أو النقصان لحدوثه جاز، وصار الثاني هو الحق المستوفى ~~دون الأول. وإذا استخرج حال العمل من الديوان جاز أن يقتصر على إخراج الحال ~~الثانية دون الأولى، والأحوط أن يخرج الحالين؛ لجواز أن يزول السبب الحادث ~~فيعود الحكم الأول؛ وإن كان ما أخذ به الولاة من تغيير الحقوق غير مسوغ في ~~الشرع، ولا له وجه في الاجتهاد، كانت الحقوق على الحكم الأول، وكان الثاني ~~مردودا، سواء غيروه إلى زيادة أو نقصان؛ لأن الزيادة ظلم في حقوق الرعية، ~~والنقصان ظلم في حقوق بيت المال، وإذا استخرج حال العمل من الديوان وجب على ~~رافعه من كتاب الدواوين إخراج الحالين إن كان المستدعي لإخراجها من الولاة ~~لا يعلم حالها فيما تقدم، وإن كان عالما بها لم يلزمه إخراج الحال الأول ~~إليه؛ لأنه علمه بها قد سبق، وجاز الاقتصار على إخراج الحال الثانية مع ~~وصفها بأنها مستحدثة. PageV01P309 # فصل: # وأما القسم الثالث فيما اختص بالعمال من تقليد وعزل فيشتمل على ستة فصول: # أحدها: ذكر من يصح منه تقليد العمال، وهو معتبر بنفوذ الأمر وجواز النظر، ~~فكل من جاز نظره في عمل نفذت فيه أوامره، وصح منه تقليد العمال عليه، وهذا ~~يكون من أحد ثلاثة: إما من السلطان المستولي على كل الأمور، وإما من وزير ~~التفويض، وإما من عامل عام الولاية كعامل إقليم أو مصر عظيم، يقلد في خصوص ~~الأعمال عاملا، فأما وزير التنفيذ فلا يصح منه تقليد عامل إلا بعد المطالعة ~~والاستئمار. # والفصل الثاني: من يصح أن يتقلد العمالة، وهو من استقل بكفايته ووثق ~~بأمانته، فإن كانت عمالة تفويض إلى اجتهاد روعي فيها الحرية والإسلام؛ وإن ~~كانت عمالة تنفيذ لا اجتهاد للعامل فيها لم يفتقر إلى الحرية والإسلام. # والفصل الثالث: ذكر العمل الذي تقلده، وهذا يعتبر فيه ثلاثة شروط: # أحدها: تحديد الناحية بما تتميز به عن غيرها. # والثاني: تعيين العمل الذي يختص بنظره فيها من جباية أو خراج أو عشر. # والثالث: العلم برسوم العمل وحقوقه ms228 على تفصيل ينتفي عنه الجهالة، فإذا ~~استكملت هذه الشروط الثلاثة في عمل علم به الولي والمولى صح التقليد ونفذ. # والفصل الرابع: زمان النظر، فلا يخلو من ثلاثة أحوال: # أحدها: أن يقدره بمدة محصورة الشهور أو السنين، فيكون تقديرها بهذه المدة ~~مجوزا للنظر فيها، ومانعا من النظر بعد انقضائها، ولا يكون النظر في المدة ~~المقيدة لازما من جهة المولي، وله صرفه ولا استبدال به إذا رأى ذلك صلاحا، ~~فأما لزومه من جهة العامل المولى فمعتبر بحال جارية عليها؛ فإن كان الجارى ~~معلوما بما تصح به الأجور لزمه العمل في المدة إلى انقضائها؛ لأن العمالة ~~فيها تصير من الإجارات المحضة، ويؤخذ العامل فيها بالعمل إلى انقضائها ~~إجبارا. PageV01P310 # والفرق بينهما في تخيير المولى ولزومها للمولي أنها في جنبة المولي من ~~العقود العامة لنيابته فيها عن الكافة، فروعي الأصلح في التخيير، وهي في ~~جنبة المولى من العقود الخاصة لعقده، لها في حق نفسه، فيجري عليها حكم ~~اللزوم، وإن لم يتقدر جاريه بما يصح في الأجور لم تلزمه المدة، وجاز له له ~~الخروج من العمل إذا شاء بعد أن ينهي إلى موليه حال تركه حتى لا يخلو عمله ~~من ناظر فيه. # والحالة الثانية: أن يقدر بالعمل فيقول المولي فيه: قلدتك خراج ناحية كذا ~~في هذه السنة، أو قلدتك بلد كذا في هذا العام، فتكون مدة نظره مقدرة بفراغه ~~من عمله، فإذا فرغ منه انعزل عنه، وهو قبل فراغه على ما ذكرنا يجوز أن ~~يعزله المولي، وعزله لنفسه معتبر بصحة جارية وفساده. # والحالة الثالثة: أن يكون التقليد مطلقا فلا يقدر بمدة ولا عمل، فيقول ~~فيه: قد قلدتك خراج الكوفة، أو أعشار البصرة، أو حماية بغداد، فهذا تقليد ~~صحيح، وإن جهلت مدته؛ لأن المقصود منه الإذن لجواز النظر، وليس المقصود منه ~~اللزوم المعتبر في عقود الإيجارات. # وإذا صح التقليد وجاز النظر لم يخل حاله من أحد أمرين: إما أن يكون ~~مستديما أو منقطعا، فإن كان مستديما كالنظر في الجباية والقضاء وحقوق ~~المعادن، فيصح نظره فيها عاما بعد ms229 عام ما لم يعزل، وإن كان منقطعا فهو على ~~ضربين: # أحدهما: أن لا يكون معهود العود في كل عام كالوالي على قسم الغنيمة، ~~فيعزل بعد فراغه منها، وليس له النظر في قسمة غيرها من الغنائم. # والضرب الثاني: أن يكون عائدا في كل عام كالخراج الذي إذا استخرج في عام ~~عاد فيما يليه. # فقد اختلف الفقهاء هل يكون إطلاق تقليده مقصورا على نظر عامه أو محمولا ~~على كل عام ما لم يعزل على وجهين: # أحدهما: أنه يكون مقصورا للنظر على العام الذي هو فيه، فإذا استوفى ~~خراجه، أو أخذ أعشاره انعزل، ولم يكن له أن ينظر في العام الثاني إلا ~~بتقليد مستجد اقتصارا على اليقين. PageV01P311 # والوجه الثاني: أنه يحمل على جواز النظر في كل عام ما لم يعزل اعتبارا ~~بالعرف. # والفصل الخامس: في جاري العامل على عمله، ولا يخلو فيه من ثلاثة أحوال: # أحدها: أن يسمي معلوما. # والثاني: أن يسمي مجهولا. # والثالث: أن لا يسمي بمجهول ولا بمعلوم، فإن سمى معلوما استحق المسمى إذا ~~وفى العمالة حقها، فإن قصر فيها روعي تقصيره، فإن كان لترك بعض العمل لم ~~يستحق جاري ما قابله، وإن كان لخيانة منه مع استيفاء العمل استكمل جارية ~~وارتجع ما خان فيه، وإن زاد في العمل روعيت الزيادة، فإن لن تدخل في حكم ~~عمله كان نظره فيها مردودا لا ينفذ، وإن كانت داخله في حكم نظره لم يخل من ~~أحد أمرين: # إما أن يكون قد أخذها بحق أو ظلم، فإن أخذها بحق كان متبرعا بها لا يستحق ~~لها زيادة على المسمى في جاريه، وإن كان ظلما وجب ردها على من ظلم بها، ~~وكان عدوانا من العامل يؤخذ بجريرته، واما إن سمى جارية مجهولا استحق جاري ~~مثله فيما عمل، فإن كان جاري العمل مقدرا في الديوان وعمل به جماعة من ~~العمال صار ذلك القدر هو جاري المثل، وإن لم يعمل به إلا واحد لم يصر ذلك ~~مألوفا في جاري المثل. # وأما إن لم يسم جارية بمعلوم ولا بمجهول، فقد ms230 اختلف الفقهاء في استحقاقه ~~لجاري مثله على عمله على أربعة مذاهب قالها الشافعي وأصحابه، فمذهب الشافعي ~~فيها أنه لا جاري له على عمله، ويكون متطوعا به حتى يسمي جاريا معلوما أو ~~مجهولا؛ لخلو عمله من عوض. # وقال المزني: له جاري مثله وإن لم يسمه لاستيفاء عمله عن إذنه. # وقال أبو العباس بن سريج: إن كان مشهورا بأخذ الجاري على عمله فله جاري ~~مثله، وإن لم يشهر بأخذ الجاري عليه فلا جاري له. # وقال أبو إسحاق المروزي1 من أصحاب الشافعي: إن دعي إلى العمل في الابتداء ~~أو أمر PageV01P312 # به فله جاري مثله، فإن ابتدأ بالطلب فأذن له في العمل فلا جاري له، وإذا ~~كان في عمله مال يجتنى فجاريه مستحق فيه، وإن لم يكن فيه مال فجاريه في بيت ~~المال مستحق من سهم المصالح. # والفصل السادس: فيما يصح به التقليد، فإن كان نطقا يلفظ به المولي صح به ~~التقليد كما تصح به سائر العقود، وإن كان عن توقيع المولي بتقليده خطا لا ~~لفظا صح التقليد، وانعقدت به الولايات السلطانية إذا اقترنت به شواهد ~~الحال، وإن لم تصح به العقود الخاصة اعتبارا بالعرف الجاري فيه، وهذا إذا ~~كان التقليد مقصورا عليه لا يتعداه إلى استبانة غيره فيه، ولا يصح إذا كان ~~التقليد عاما متعديا؛ فإذا صلح التقليد بالشروط المعتبرة فيه، وكان العمل ~~قبله خاليا من ناظر تفرد هذا المولي بالنظر، واستحق جاريه من أول وقت نظره ~~فيه، وإن كان في العمل ناظر قبل تقليده نظر في العمل، فإن كان مما لا يصح ~~الاشتراك فيه كان تقليده الثاني عزلا للأول، وإن كان مما يصح فيه الاشتراك ~~روعي العرف الجاري فيه، فإن لم يجر العرف بالاشتراك فيه كان عزلا للأول، ~~وإن جرى العرف بالاشتراك فيه لم يكن تقليد الثاني عزلا للأول، وكانا عاملين ~~عليه وناظرين فيه، فإن قلد عليه مشرف كان العامل مباشرا للعمل، وكان المشرف ~~مستوفيا له يمنع من زيادة عليه أو نقصان منه أو تفرد به. # وحكم المشرف يخالف حكم صاحب البريد ms231 من ثلاثة أوجه: # أحدها: أنه ليس العامل أن ينفرد بالعمل دون المشرف، وله أن ينفرد به دون ~~صاحب البريد. # والثاني: أن للمشرف منع العامل مما أفسد فيه، وليس ذلك لصاحب البريد. # والثالث: أن المشرف لا يلزمه الاختيار بما فعله العامل من صحيح وفاسد إذا ~~انتهى إليه، ويلزم صاحب البريد الإخبار بما فعله العامل من صحيح وفاسد؛ لأن ~~خبر المشرف استعداء، وخبر صاحب البريد إنهاء. PageV01P313 # أحدهما: أن خبر الإنهاء يشتمل على الفاسد والصحيح، وخبر الاستعداء مختص ~~بالفاسد دون الصحيح. # والثاني: أن خبر الإنهاء فيما رجع عنه العامل وفيما لم يرجع عنه، وخبر ~~الاستعداء مختص بما لم يرجع عنه دون ما رجع عنه، وإذا أنكر العامل استعداء ~~المشرف أو إنهاء صاحب البريد، لم يكن قول واحد منهما مقبولا عليه حتى يبرهن ~~عنه، فإن اجتمعا على الإنهاء والاستعداء صارا شاهدين عليه، فيقبل قولهما ~~عليه إذا كانا مأمونين، وإذا طولب العامل برفع الحساب فيما تولاه لزمه رفعه ~~في عمالة الخراج، ولم يلزمه رفعه في عمالة العشر؛ لأن مصرف الخراج إلى بيت ~~المال، ومصرف العشر إلى أهل الصدقات، وعلى مذهب أبي حنيفة يؤخذ برفع الحساب ~~في المالين؛ لاشتراك مصرفهما عنده، وإذا ادعى عامل العشر صرف العشر في ~~مستحقه قبل قوله فيه، ولو ادعى عامل الخراج دفع الخراج إلى مستحقه لم يقبل ~~قوله إلا بتصديق أو ببينة. # وإذا أراد العامل أن يستخلف على عمله فذلك ضربان: # أحدهما: أن يستخلف عليه من ينفرد بالنظر فيه دونه، فهذا غير جائز منه؛ ~~لأنه يجري مجرى الاستبدال، وليس له أن يستبدل غيره بنفسه، وإن جاز له عزل ~~نفسه. # والضرب الثاني: أن يستخلف عليه معينا له فيراعى مخرج التقليد، فإنه لا ~~يخلو من ثلاثة أحوال: # أحدهما: أن يتضمن إذنا بالاستخلاف فيجوز له أن يستخلف، ويكون من استخلفه ~~نائبا عنه يعزل بعزله إن لم يكن مسمى في الإذن، فإن سمى له من يستخلفه فقد ~~اختلف الفقهاء فيه إذا استخلفه هل ينعزل بعزله؟ فقال قوم: ينعزل، وقال ~~آخرون: لا ينعزل. # والحالة الثانية: أن ms232 يتضمن التقليد نهيا عن الاستخلاف، فلا يجوز له أن ~~يستخلف، وعليه أن ينفرد بالنظر فيه إن قدر عليه، فإن عجز عنه كان التقليد ~~فاسدا، فإن نظر مع فساد التقليد صح في نظره ما اختص بالإذن من أمر ونهي، ~~ولم يصح منه ما اختص بالولاية من عقد وحل. PageV01P314 # والحالة الثالثة: أن يكون التقليد مطلقا لا يتضمن إذنا ولا نهيا، فيعتبر ~~حال العمل، فإن قدر على التفرد بالنظر فيه لم يجز أن يستخلف عليه، وإن لم ~~يقدر على التفرد بالنظر فيه جاز له أن يستخلف فيما عجز عنه، ولم يجز أنه ~~يستخلف فيما قدر عليه. # فصل: # وأما القسم الرابع فيما اختص ببيت المال من دخل وخرج، فهو أن كل مال ~~استحقه المسلمون، ولم يتعين مالكه منهم فهو من حقوق بيت المال، فإذا قبض ~~صار بالقبض مضافا إلى حقوق بيت المال، سواء أدخل إلى حرزه أو لم يدخل؛ لأن ~~بيت المال عبارة عن الجهة لا عن المكان، وكل حق وجب صرفه في مصالح المسلمين ~~فهو حق على بيت المال، فإذا صرف في جهته صار مضافا إلى الخراج من بيت ~~المال، سواء خرج من حرزه أو لم يخرج؛ لأن ما صار إلى عمال المسلمين أو خرج ~~من أيديهم، فحكم بيت المال جار عليه في دخله إليه وخرجه. # وإذا كان كذلك فالأموال التي يستحقها المسلمون تنقسم ثلاثة أقسام: فيء ~~وغنيمة وصدقة. # فأما الفيء: فمن حقوق بيت المال؛ لأن مصرفه موقوف على رأي الإمام ~~واجتهاده. # وأما الغنيمة: فليست من حقوق بيت المال؛ لأنها مستحقة للغانمين الذين ~~تعينوا بحضور الواقعة لا يختلف مصرفها برأي الإمام، ولا اجتهاد له في منعهم ~~منها، فلم تصر من حقوق بيت المال. # وأما خمس الفيء والغنيمة فينقسم ثلاثة أقسام: قسم منه يكون من حقوق بيت ~~المال، وهو سهم النبي -صلى الله عليه وسلم- المصروف في المصالح العامة؛ ~~لوقوف مصرفه على رأي الإمام واجتهاده، وقسم منه لا يكون من حقوق بيت المال ~~لخروجه عن اجتهاد الإمام ورأيه. # وقسم منه يكون بيت المال فيه حافظا ms233 له على جهاته وهو سهم اليتامى ~~والمساكين وابن السبيل، إن وجدوا دفع إليهم، وإن فقدوا أحرز لهم. PageV01P315 # وأما الصدقة فضربان: # صدقة مال باطن: فلا يكون من حقوق بيت المال؛ لجواز أن ينفرد أربابه ~~بإخراج زكاته في أهلها. # والضرب الثاني: صدقة مال ظاهر؛ كأعشار الزروع والثمار وصدقات المواشي، ~~فعند أبي حنيفة أنه من حقوق بيت المال؛ لأنه يجوز صرفه على رأي الإمام ~~واجتهاده، ولم يعينه في أهل السهمين، وعلى مذهب الشافعي لا يكون من حقوق ~~بيت المال؛ لأنه معين الجهات عنده، لا يجوز صرفه على غير جهاته، لكن اختلف ~~قوله هل يكون بين المال محلا لإحرازه عند تعذر جهاته؟ فذهب في القديم إلى ~~أن بيت المال إذا تعذرت الجهات يكون محلا لإحرازه فيه إلى أن توجد؛ لأنه ~~كان يرى وجوب دفعه إلى الإمام، ورجع عنه في مستجد قوله إلى بيت المال لا ~~يكون محلا لإحرازه استحقاقا؛ لأنه لا يرى فيه وجوب دفعه إلى الإمام، وإن ~~جاز أن يدفع إليه فذلك لم يستحق إحرازه في بيت المال، وإن جاز إحرازه فيه. # وأما المستحق على بيت المال فضربان: # أحدهما: ما كان بيت المال فيه حرزا فاستحقاقه معتبر بالوجود، فإن كان ~~المال موجودا فيه كان صرفه في جهاته مستحقا وعدمه مسقطا لاستحقاقه. # والضرب الثاني: أن يكون بيت المال له مستحقا فهو على ضربين: # أحدهما: أن يكون مصرفه مستحقا على وجه البدل كأرزاق الجند وأثمان الكراع ~~والسلاح، فاستحقاقه غير معتبر بالوجود، وهو من الحقوق اللازمة مع الوجود ~~والعدم، فإن كان موجودا عجل دفعه كالديوان مع اليسار؛ وإن كان معدوما وجب ~~فيه على الإنظار كالديون مع الإعسار. # والضرب الثاني: أن يكون مصرفه مستحقا على وجه المصلحة والأرفاق دون ~~البدل، فاستحقاقه معتبر بالوجود دون العدم، فإن كان موجودا في بيت المال ~~وجب فيه وسقط غرضه عن المسلمين، وإن كان معلوما سقط وجوبه عن بيت المال، ~~وكان إن عم ضرره من فروض الكفاية على كافة المسلمين حتى يقوم به منهم من ~~فيه كفاية كالجهاد، وإن كان مما لا ms234 يعم ضرره كوعورة طريق قريب يجد الناس ~~طريقا غيره بعيدا، أو انقطاع شرب يجد PageV01P316 # الناس غيره شربا، فإذا سقط وجوبه عن بيت المال بالعدم سقط وجوبه عن ~~الكفاية لوجود البدل، فلو اجتمع على بيت المال حقان ضاق عنهما واتسع ~~لأحدهما صرف فيما يصير منهما دينا فيه، فلو ضاق عن كل واحد منهما جاز لولي ~~الأمر إذا خاف الفساد أن يقترض على بيت المال ما يصرفه في الديون دون ~~الارتفاق، وكان من حدث بعده من الولاة مأخوذا بقضائه إذا اتسع له بيت ~~المال. # وإذا فضلت حقوق بيت المال عن مصرفها فقد اختلف الفقهاء في فاضله، فذهب ~~أبو حنيفة إلى أنه يدخر في بيت المال لما ينوب المسلمين من حادث. وذهب ~~الشافعي إلى أنه يقبض على أموال من يعم به صلاح المسلمين ولا يدخر؛ لأن ~~النوائب تعين فرضها عليهم إذا حدثت، فهذه الأقسام الأربعة التي وضعت عليها ~~قواعد الديوان. # فصل: # وأما كاتب الديوان وهو صاحب ذمامه، فالمعتبر في صحة ولايته شرطان: ~~العدالة والكفاية. # فأما العدالة: فلأنه مؤتمن على حق بيت المال والرعية، فاقتضى أن يكون في ~~العدالة والأمانة على صفات المؤتمنين. # وأما الكفاية: فلأنه مباشر لعمل يقتضي أن يكون في القيام مستقبلا بكفاية ~~المباشرين، فإذا صح تقليده فالذي ندب له ستة أشياء: حفظ القوانين، واستيفاء ~~الحقوق، وإثبات الرفع، ومحاسبات العمال، وإخراج الأحوال، وتصفح الظلامات. # فأما الأول منها: وهو حفظ القوانين على الرسوم العادلة من غير زيادة ~~تتحيف بها الرعية، أو نقصان ينثلم به حق بيت المال، فإن قررت في أيامه ~~لبلاد استؤنف فتحها، أو لموات ابتدئ في إحيائه، أثبتها في ديوان الناحية ~~وديوان بيت المال الجامع للحكم المستقر فيها، وإن تقدمته القوانين المقررة ~~فيها رجع فيها إلى ما أثبته أمناء الكتاب إذا وثق بخطوطهم، وتسلمه من ~~أمنائهم تحت ختمهم، وكانت الخطوط الخارجة على هذه الشروط مقنعة في جواز ~~الأخذ بها، والعمل عليها في الرسوم الديوانية والحقوق السلطانية، وإن لم PageV01P317 # تقنع في أحكام القضاء والشهادات اعتبارا بالعرف المعهود فيها، كما يجوز ~~للمحدث أن ms235 يروي ما وجد من سماعه بالخط الذي يثق به، ويجيء على قول أبي ~~حنيفة أنه يجوز لكاتب الديوان أن يعمل على الخط وحده حتى يأخذه سماعا من ~~لفظ نفسه يحفظه عنه بقلبه، كما يقول في رواية الحديث اعتبارا بالقضاء ~~والشهادات، وهذا شاق مستبعد. # والفرق بينهما أن القضاء والشهادات من الحقوق الخاصة التي يكثر المباشر ~~لها والقيم بها، فلم يضق الحفظ لها بالقلب، فلذلك لم يجز أن يعول فيها على ~~مجرد الخط، وأن القوانين الديوانية من الحقوق العامة التي يقل المباشر لها ~~مع كثرتها وانتشارها فضاق حفظها بالقلب، فلذلك جاز التعويل فيها على مجرد ~~الخط، وكذلك رواية الحديث. # وأما الثاني: وهو استيفاء الحقوق فهو على ضربين: # أحدهما: استيفاؤها ممن وجب عليه من العاملين. # والثاني: استفاؤها من القابضين لها من العمال. # فأما استيفاؤها من العاملين: فيعمل فيه على إقرار العمال بقبضها، وأما ~~العمل فيها على خطوط العمال بقبضها، فالذي عليه كتاب الدواوين أنه إذا عرف ~~الخط كان حجة لقبض، سواء اعترف العامل بأنه خطة أو أنكره إذا قيس بخطه ~~المعروف. # والذي عليه الفقهاء أنه لم يعترف العامل بأنه خطه وأنكره لم يلزمه، ولم ~~يكن حجة في القبض ولا يسوغ أن يقاس بخطه في الإلزام إجبارا، وإنما يقاس ~~بخطه إرهابا ليعترف به طوعا، وإن اعترف بالخط وأنكر القبض، فالظاهر من مذهب ~~الشافعي أنه يكون في الحقوق السلطانية خاصة حجة للعاملين وبالدفع، وحجة على ~~العمال بالقبض اعتبارا بالعرف؛ والظاهر من مذهب أبي حنيفة أنه لا يكون حجة ~~عليهم ولا للعاملين حتى يقر به لفظ كالديون الخاصة، وفيما قدمناه من الفرق ~~بينهما مقنع. # وأما استيفاؤها من العمال: فإن كانت خراجا إلى بيت المال لم يحتج فيها ~~إلى توقيع ولي الأمر، وكان اعتراف صاحب بيت المال بقبضها حجة في براءة ~~العمال منها، والكلام في خط إذا تجرد عن إقراره على ما قدمناه في خطوط ~~العمال أنه يكون حجة على الظاهر من مذهب PageV01P318 # الشافعي- ولا يكون حجة على الظاهر من مذهب أبي حنيفة، وإن كانت خراجا من ~~حقوق ms236 بيت المال، ولم تكن خراجا إليه لم يمض العمال إلا بتوقيع ولي الأمر، ~~وكان التوقيع إذا عرفت صحته حجة مقنعة في جواز الدفع. # وأما الاحتساب به فيحتمل وجهين: # أحدهما: أن يكون الاحتساب به موقوفا على اعتراف الموقع له بقبض ما تضمنه؛ ~~لأنه التوقيع حجة بالدفع إليه، وليس بحجة في القبض منه. # والوجه الثاني: يحتسب به العمل في حقوق بيت المال، فإن أنكر صاحب التوقيع ~~القبض حاكم العامل فيه، وأخذ العامل بإقامة الحجة عليه، فإن عدمها أحلف ~~صاحب التوقيع، وأخذ العامل بالغرم، وهذا الوجه أخص بعرف الديوان. # والوجه الأول أشبه بتحقيق الفقه، فإن استراب صاحب الديوان بالتوقيع لم ~~يحتسب للعامل به على الوجهين معا حتى يعرضه على الموقع، فإن اعترف به صح، ~~وكان الاحتساب به على ما تقدم، وإن أنكره لم يحتسب به للعامل، ونظر في وجه ~~الخراج، فإن كان في خاص موجود رجع به العامل عليه، وإن كان في جهات لا يمكن ~~الرجوع بها سأل العامل إحلاف الموقع على إنكاره، وإن لم يعرف صحة الخراج لم ~~يكن للموقع إحلاف العامل لا في عرف السلطنة ولا في حكم القضاء، فإن علم ~~بصحة الخراج فهو من عرف السلطنة مدفوع عن إحلاف الموقع، وفي حكم القضاء ~~يجاب عليه. # وأما الثالث: فهو إثبات الرفع، فينقسم ثلاثة أقسام: رفع مساحة وعمل، ورفع ~~قبض واستيفاء، ورفع خرج ونفقة، فأما رفع المساحة والعمل، فإن كانت أصولها ~~مقدرة في الديوان اعتبر صحة الرفع بمقابلة الأصل، وأثبت في الديوان إن ~~وافقها، وإن لم يكن لها في الديوان أصول عمل في إثباتها على قول رافعها. # وأما رفع القبض والاستيفاء فيعمل في إثباتها على مجرد قول رافعها؛ لأنه ~~يقر به على نفسه لا لها. # وأما رفع الخراج والنفقة فرافعها مدع لها فلا تقبل دعواه إلا بالحجج ~~البالغة، فإن احتج PageV01P319 # بتوقيعات ولاة الأمور استعرضها، وكان الحكم فيها على ما قدمنا من أحكام ~~التوقيعات. # وأما الرابع: وهو محاسبة العمال: فيختلف حكمها باختلاف ما تقلدوه، وقد ~~قدمنا القول فيها، فإن كانوا من عمال الخراج ms237 لزمهم رفع الحساب، ووجب على ~~كاتب الديوان محاسبتهم على صحة ما رفعوه، وإن كانوا من عمال العشر لم ~~يلزمهم على مذهب الشافعي رفع الحساب، ولم يجب على كاتب الديوان محاسبتهم ~~عليه؛ لأن العشر عنده صدقة لا يقف مصرفها على اجتهاد الولاة، ولو تفرد ~~أهلها أجزأت، ويلزمهم على مذهب أبي حنيفة رفع الحساب، ويجب على كاتب ~~الديوان محاسبتهم عليه؛ لأن مصرف الخراج والعشر عنده مشترك، وإذا حوسب من ~~وجبت عليه محاسبته من العمال نظر، فإن لم يقع بين العامل وكاتب الديوان حلف ~~كان كاتب الديوان مصدقا في بقايا الحساب، فإن استراب به ولي الأمر كلفه ~~إحضاره شواهده، فإن زالت الريبة عنه سقطت اليمين فيه، وإن لم تزل الريبة ~~وأراد ولي الأمر الإحلاف على ذلك أحلف العامل دون كاتب الديوان؛ لأن ~~المطالبة متوجهة على العامل دون الكاتب، وإن اختلفا في الحساب نظر، فإن كان ~~اختلافهما في دخل، فالقول فيه قول العامل؛ لأنه منكر، وإن كان اختلافهما في ~~خراج، فالقول فيه قول الكاتب؛ لأنه منكر، وإن كان اختلافهما في مساحة تمكن ~~إعادتها اعتبرت بعد الاختلاف، وعمل فيها على ما يخرج بصحيح الاعتبار. # وأما الخامس: وهو إخراج الأحوال، فهو استشهاد صاحب الديوان على ما ثبت ~~فيه من قوانين وحقوق، فصار كالشهادة واعتبر فيه شرطان: # أحدهما: أن لا يخرج من الأموال إلا ما علم صحته كما لا يشهد إلا بما علمه ~~وتحققه. # والثاني: أن لا يبتدئ بذلك حتى يستدعى منه كما لا يشهد حتى يستشهد، ~~والمستدعى لإخراج الأحوال من نفذت توقيعاته، كما أن المشهود عنده من نفذت ~~أحكامه، فإذا أخرج حالا لزم الموقع بإخراجها والأخذ بها والعمل عليها، كما ~~يلزم الحاكم تنفيذ الحكم بما يشهد به الشهود عنده، فإن استراب الموقع ~~بإخراج الحال جاز أن يسأله من أين أخرجه، ويطالبه بإحضار شواهد الديوان ~~بها، وإن لم يجز أن يسأل شاهدا عن سبب شهادته، فإن أحضرها ووقع في النفس ~~صحتها زالت عنه الريبة، وإن عدمها وذكر أنه أخرجها من حفظه؛ لتقدم PageV01P320 # علمه بها صار معلول القول، ms238 والموقع مخير بين قبول ذلك منه أو رده عليه، ~~وليس له استخلافه. # وأما السادس: وهو تصفح الظلامات، فهو يختلف بسبب اختلاف التظلم، وليس ~~يخلو من أن يكون المتظلم من الرعية أو من العمال، فإن كان المتظلم من ~~الرعية تظلم من عامل تحيفه في معاملته كان صاحب الديوان فيها حاكما بينهما، ~~وجاز له أن يتصفح الظلامة1 ويزيل التحيف2، سواء وقع النظر إليه بذلك أو لم ~~يقع؛ لأنه مندوب لحفظ القوانين واستيفاء الحقوق، فصار بعقد الولاية مستحقا ~~لتصفح الظلامة، فإن منع منها امتنع وصار عزلا عن بعض ما كان إليه، وإن كان ~~المتظلم عاملا جوزف في حساب، أو غولط في معاملة صار صاحب الديوان فيها ~~خصما، وكان المتصفح لها والي الأمر. PageV01P321 ### | الباب التاسع عشر: في أحكام الجرائم ### || مدخل # ... # الباب التاسع عشر: في أحكام الجرائم # الجرائم محظورات شرعية زجر الله تعالى عنها بحد أو تعزيز1، ولها عند ~~التهمة حال استبراء تقتضيه السياسة الدينية، ولها عند ثبوتها وصحتها حال ~~استيفاء توجبه الأحكام الشرعية. # فأما حالها بعد التهمة وقبل ثبوتها وصحتها فمعتبر بحال النظر فيها، فإن ~~كان حاكما رفع إليه رجل قد اتهم بسرقة أو زنا، لم يكن لتهمة بها تأثير ~~عنده؛ ولم يجز أن يحبسه لكشف ولا استبراء، ولا أن يأخذه بأسباب الإقرار ~~إجبارا، ولم يسمع الدعوى عليه في السرقة إلا من خصم مستحق لما قرف، وراعى ~~ما يبدو من إقرار المتهوم أو إنكاره؛ إن اتهم بالزنا لم يسمع الدعوى عليه ~~إلا بعد أن يذكر المرأة التى زنى بها، ويصف ما فعله بها مما يكون زنا موجبا ~~للحد، فإن أقر حده بموجب إقراره، وإن أنكر وكانت بينة سمعها عليه، وإن لم ~~تكن أحلفه في حقوق الآدميين دون حقوق الله تعالى إذا طلب الخصم اليمين2. # وإن كان الناظر الذي رفع إليه هذا المتهوم أميرا، أو من أولاد الأحداث ~~والمعاون، كان له مع هذا المتهوم من أسباب الكشف والاستبراء ما ليس للقضاة ~~والحكام، وذلك من تسعة أوجه يختلف بها حكم الناظرين: # أحدها: أنه لا يجوز للأمير ms239 أن يسمع قرف3 المتهوم من أعوان الإمارة من غير ~~تحقيق للدعوى المقررة ويرجع إلى قولهم في الإخبار عن حال المتهوم، وهل هو ~~من أهل الريب؟ PageV01P322 # وهل هو معروف بمثل ما قرف به أم لا؟ فإن برؤوه من مثل ذلك خفت التهمة، ~~ووضعت وعجل إطلاقه ولم يغلظ عليه، وإن قرفوه بأمثاله وعرفوه بأشباهه غلظت ~~التهمة وقويت واستعمل فيها من حال الكشف ما سنذكره، وليس هذا للقضاة. # والثاني: أن للأمير أن يراعي شواهد الحال، وأوصاف المتهوم في قوة التهمة ~~وضعفها، فإن كانت التهمة زنا، وكان المتهوم مطيعا للنساء ذا فكاهة وخلابة ~~قويت التهمة، وإن كان بضده ضعفت، وإن كانت التهمة بسرقة، وكان المتهوم بها ~~ذا عيارة1، أو في بدنه آثار ضرب، أو كان معه حين أخذ منقب قويت التهمة، وإن ~~كان بضده ضعفت وليس هذا للقضاة أيضا. # والثالث: أن للأمير أن يجعل حبس المتهوم للكشف والاستبراء، واختلف في مدة ~~حبسه لذلك، فذكر عبد الله الزبيري من أصحاب الشافعي أن حبسه للاستبراء، ~~والكشف مقدر بشهر واحد لا يتجاوزه. وقال غيره: بل ليس بمقدر، وهو موقوف على ~~رأي الإمام واجتهاده وهذا أشبه2، وليس للقضاة أن يحبسوا أحدا إلا بحق وجب. # والرابع: أن يجوز للأمير مع قوة التهمة أن يضرب المتهوم ضرب التعزيز لا ~~ضرب الحد؛ ليأخذه بالصدق عن حاله فيما قرف به واتهم، فإن أقر وهو مضروب، ~~اعتبرت حالة فيما ضرب عليه، فإن ضرب لم يكن لإقراءه تحت الضرب حكم، وإن ضرب ~~ليصدق عن حالة وأقر تحت الضرب قطع ضربه واستعيد إقراره، فإذا أعاده كان ~~مأخوذا بالإقرار الثاني دون الأول، فإن اقتصر على الإقرار ولم يستعده لم ~~يضيق عليه أن يعمل بالإقرار الأول، وإن كرهناه. # والخامس: أنه يجوز للأمير فيمن تكررت منه الجرائم ولم ينزجز عنها بالحدود ~~ان يستديم حبسه إذا استضر الناس بجرائمه حتى يموت بعد أن يقوم بقوته وكسوته ~~من بيت المال؛ ليدفع ضرره عن الناس، وإن لم يكن ذلك للقضاة. PageV01P323 # والسادس: أنه يجوز للأمير إحلاف المتهوم استبراء لحاله، وتغليظا عليه في ms240 ~~الكشف عن أمره في التهمة بحقوق الله تعالى وحقوق الآدميين، ولا يضيق عليه ~~أن يجعله بالطلاق والعتاق والصدقة كالإيمان بالله في البيعة السلطانية1، ~~وليس للقضاة إحلاف أحد على غير حق، ولا أن يجاوز الإيمان بالله إلى الطلاق ~~أو العنق. # والسابع: أن للأمير أن يأخذ أهل الجرائم بالتوبة إجبارا، ويظهر من الوعيد ~~عليهم ما يقودهم إليها طوعا، ولا يضيق عليهم الوعيد بالقتل فيما لا يجب فيه ~~القتل؛ لأنه وعيد إرهاب يخرج عن حد الكذب إلى حيز التعزيز والأدب، ولا يجوز ~~أن يحقق وعيده بالقتل، فيقتل فيما لا يجب فيه القتل. # والثامن: أنه لا يجوز للأمير أن يسمع شهادات أهل الملل، ومن لا يجوز أن ~~يسمع منه القضاة إذا كثر عددهم. # والتاسع: أن للأمير النظر في المواثبات، وإن لم توجد غرما ولا حدا، فإن ~~لم يكن بواحد منهما أثر سمع قول من سبق بالدعوى، وإن كان بأحدهما أثر فقد ~~ذهب بعضهم إلى أنه يبدأ بسماع دعوى من به الأثر ولا يراعي السبق. والذي ~~عليه أكثر الفقهاء أنه يسمع قول أسبقهما بالدعوى، ويكون المبتدئ بالمواثبة2 ~~أعظمهما جرما وأغلظهما تأديبا، ويجوز أن يخالف بينهما في التأديب من وجهين: # أحدهما: بحسب اختلافهما في الاقتراف والتعدي. # والثاني: بحسب اختلافهما في الهيبة والتصاون، وإذا رأى من الصلاح في ردع ~~السفلة أن يشهرهم وينادي عليهم بجرائمهم ساغ له ذلك، فهذه أوجه يقع بها ~~الفرق في الجرائم بين نظر الأمراء والقضاة في حال الاستبراء وقبل ثبوت الحد ~~لاختصاص الأمير بالسياسة، واختصاص القضاة بالأحكام. PageV01P324 # فصل: # وأما بعد ثبوت جرائمهم، فيستوي في إقامة الحدود عليهم أحوال الأمراء ~~والقضاة، وثبوتها عليهم يكون من وجهين: إقرار وبينة، ولكل واحد منهما حكم ~~يذكر في موضعه. # والحدود زواجر وضعها الله تعالى للردع عن ارتكاب ما حظر، وترك ما أمر به ~~لما في الطمع من مغالبة الشهوات الملهية عن وعيد الآخرة بعاجل اللذة، فجعل ~~الله تعالى من زواجر الحدود ما يردع به ذا الجهالة حذرا من ألم العقوبة، ~~وخيفة من نكال الفضيحة؛ ليكون ما حظر من ms241 محارمه ممنوعا، وما أمر به من ~~فروضه متبوعا، فتكون المصلحة أعم والتكليف أتم، قال الله تعالى: {وما ~~أرسلناك إلا رحمة للعالمين} [الأنبياء: 107] : # يعني في استنقاذهم من الجهالة، وإرشادهم من الضلالة، وكفهم عن المعاصي ~~وبعثهم على الطاعة. # وإذا كان كذلك فالزواجر ضربان: حد وتعزيز: # فأما الحدود فضربان: # أحدهما: ما كان من حقوق الله تعالى. # والثاني: ما كان من حقوق الآدميين. # فأما المختصة بحقوق الله تعالى فضربان: # أحدهما: ما وجب في ترك مفروض. # والثاني: ما وجب في ارتكاب محظور، فأما ما وجب في ترك مفروض كتارك الصلاة ~~المفروضة حتى يخرج وقتها يسأل عن تركه لها، فإن قال: لنسيان أمر بها قضاء ~~في وقت ذكرها ولم ينتظر بها مثل وقتها، قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم: ~~"من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها، فذلك وقتها لا كفارة لها غير ~~ذلك" 1. وإن تركها لمرض صلاها بحسب طاقته من جلوس أو اضطجاع، قال الله ~~تعالى: {لا يكلف الله نفسا إلا وسعها} [البقرة: 286] . PageV01P325 # وإن تركها جاحدا لوجوبها كان كافرا، حكمه حكم المرتد يقتل بالردة إذا لم ~~يتب، وإن تركها استثقالا لفعلها مع اعترافه بوجوبها، فقد اختلف الفقهاء في ~~حكمه، فذهب أبو حنيفة إلى أنه يضرب في وقت كل صلاة ولا يقتل، قال أحمد بن ~~حنبل وطائفة من أصحاب الحديث: يصير بتركها كافرا يقتل بالردة. وذهب الشافعي ~~إلى أنه لا يكفر بتركها، ولا يقتل حدا، ولا يصير مرتدا، ولا يقتل إلا بعد ~~الاستتابة، فإن تاب وأجاب إلى فعلها ترك وأمر بها، فإن قال: أصليها في ~~منزلي وكلت إلى أمانته، ولم يجبر على فعلها بمشهد من الناس، وإن امتنع من ~~التوبة، ولم يجب إلى فعل الصلاة قتل بتركها في الحال على أحد القولين، وبعد ~~ثلاثة أيام في القول الثاني، ويقتله بسيف صبرا. وقال أبو العباس بن سريج1: ~~يقتله ضربا بالخشب حتى يموت ويعدل عن السيف الموحى؛ ليستدرك التوبة بتطاول ~~المدى. # واختلف أصحاب الشافعي في وجوب قتله بترك الصلوات الفوائت إذا امتنع من ~~قضائها، فذهب بعضهم ms242 إلى أن قتله بها كالموقتات، وذهب آخرون إلى أنه لا يقتل ~~بها لاستقرارها في الذمة بالفوات، ويصلى عليه بعد قتله، ويدفن في مقابر ~~المسلمين؛ لأنه منهم ويكون ماله لورثته. # فأما تارك الصيام فلا يقتل بإجماع الفقهاء، ويحبس عن الطعام والشراب مدة ~~صيام شهر رمضان، ويؤدب تعزيزا، فإن أجاب إلى الصيام ترك، ووكل إلى أمانته، ~~فإن شوهد آكلا عزر ولم يقتل. # وأما إذا ترك الزكاة فلا يقتل بها، وتؤخذ إجبارا من ماله، ويعزر إن كتمها ~~بغير شبهة، وإن تعذر أخذها لامتناعه حورب عليها، وإن أفضى الحرب إلى قتله ~~حتى تؤخذ منه كما حارب أبو بكر الصديق مانعي الزكاة. PageV01P326 # وأما الحج ففرضه عند الشافعي على التراخي ما بين الاستطاعة والموت، فلا ~~يتصور على مذهبه تأخيره عن وقته، وهو عند أبي حنيفة على الفور، فيتصور على ~~مذهبه تأخيره عن وقته، ولكنه لا يقتل به ولا يعزر عليه؛ لأنه يفعله بعد ~~الوقت أداء لا قضاء، فإن مات قبل أدائه حج عنه من رأس ماله. # وأما الممتنع من حقوق الآدميين من ديون وغيرها فتؤخذ منه جبرا إن أمكن، ~~ويحبس بها إذا تعذرت، إلا أن يكون بها معسرا، فينظر إلى ميسرة، فهذا حكم ما ~~وجب بترك المفروضات. # واما ما وجب بارتكاب المحظورات فضربان: # أحدهما: ما كان من حقوق الله تعالى وهي أربعة: حد الزنا، وحد الخمر، وحد ~~السرقة، وحد المحاربة. # والضرب الثاني: من حقوق الآدميين شيئان: حد القذف بالزنا، والقذف في ~~الجنايات، وسنذكر كل واحد منهما مفصلا. PageV01P327 ### || الفصل الأول: في حد الزنا # الزنا هو تغيب البالغ العاقل حشفة ذكره في أحد الفرجين من قبل أو دبر ممن ~~لا عصمة بينهما ولا شبهة، وجعل أبو حنيفة الزنا مختصا بالقبل دون الدبر، ~~ويستوي في حد الزنا حكم الزاني والزانية، ولكل واحد منهما حالتان: بكر ~~ومحصن، أما البكر فهو الذي لم يطأ زوجة بنكاح، فيحد إن كان حرا مائة سوط ~~تفرق في جميع بدنه، إلا الوجه والمقاتل، ليأخذ كل عضو حقه، بسوط لا جديد ~~فيقتل، ولا خلق فلا يؤلم، ms243 واختلف الفقهاء في تغريبه مع الجلد، فمنع منه أبو ~~حنيفة اقتصارا على جلده. وقال مالك: يغرب الرجل ولا تغرب المرأة، وأوجب ~~الشافعي تغريبها عاما عن بلدها إلى مسافة أقلها يوم وليلة، ولقوله -صلى ~~الله عليه وسلم: "خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلا، البكر بالبكر جلد مائة ~~وتغريب عام، والثيب بالثيب جلد مائة والرجم" 1. # وحد الكافر والمسلم سواء عند الشافعي في الجلد والتغريب. # وأما العبد ومن جرى عليه حكم الرق من المدبر والمكاتب وأم الولد، فحدهم ~~في الزنا خمسون جلدة على النصف من الحر لنقصهم بالرق، واختلف في تغريب من ~~رق منهم فقيل: لا يغرب لما في التغريب من الإضرار بسيده، وهو قول مالك، ~~وقيل: يغرب عاما كاملا كالحر، وظاهر مذهب الشافعي أن يغرب نصف عام كالجلد ~~في تنصيفه، وأما المحصن فهو الذي أصاب زوجته بنكاح صحيح، وحده الرجم ~~بالأحجار، أو ما قام مقامها حتى يموت، ولا يلزم توفي مقاتله، بخلاف الجلد؛ ~~لأن المقصود بالرجم القتل، ولا يجلد مع الرجم. وقال داود: يجلد مائة سوط ثم ~~يرجم، والجلد منسوخ في المحصن. وقد رجم النبي -صلى الله عليه وسلم- ماعزا ~~ولم يجلده. # وليس الإسلام شرطا في الإحصان، فيرجم الكافر كالمسلم، وقال أبو حنيفة: ~~الإسلام شرط في الإحصان، فإذا زنى الكافر جلد ولم يرجم، وقد رجم رسول الله ~~-صلى الله عليه وسلم- يهوديين زنيا PageV01P328 # ولا يرجم إلا محصنا، فأما الحرية فهي من شروط الإحصان، فإذا زنى العبد لم ~~يرجم، وإن كان ذا زوجة جلد خمسين، وقالد داود: يرجم كالحر. واللواط وإتيان ~~البهائم زنا يوجب جلد البكر، ورجم المحصن، وقيل: بل يوجب قتل البكر ~~والمحصن. وقال أبو حنيفة: لا حد فيها، وقد روي عن النبي -صلى الله عليه ~~وسلم- أنه قال: "اقتلوا البهيمة ومن أتاها" 1. # وإذا زنى البكر بمحصنة أو المحصن بالبكر جلد البكر منهما ورجم المحصن، ~~وإذا عاود الزنا بعد الحد حد، وإذا زنى مرارا قبل الحد حد للجميع حدا ~~واحدا. # والزنا يثبت بأحد أمرين: إما بإقرار أو بينة. # فأما الإقرار: فإذا أقر البالغ العاقل ms244 بالزنا مرة واحدة طوعا أقيم عليه ~~الحد. وقال أبو حنيفة: لا آخذه حتى يقر أربع مرات، وإذا وجب الحد عليه ~~بإقراره، ثم رجع عنه قبل الجلد سقط عند الحد. وقال أبو حنيفة: لا يسقط الحد ~~برجوعه عنه. # وأما البينة: فهو أن يشهد عليه بفعل الزنا أربعة رجال عدول لا امرأة ~~فيهم، يذكرون أنهم شاهدوا دخول ذكره في الفرج كدخول المرود في المكحلة، فإن ~~لم يشاهدوا ذلك على هذه الصفة فليست شهادة، فإذا قاموا بالشهادة على حقها ~~مجتمعين أو متفرقين قبلت شهادتهم. # وقال أبو حنيفة ومالك: لا أقبلها إذا تفرقوا في الأداء وأجعلهم قذفة. ~~وإذا شهدوا بالزنا بعد سنة أو أكثر سمعت شهادتهم. وقال أبو حنيفة: لا ~~أسمعها بعد سنة وأجعلهم قذفة، وإذا لم يكمل شهود الزنا أربعة فهم قذفة ~~يحدون في أحد القولين ولا يحدون في الثاني. وإذا شهدت البينة على إقراره ~~بالزنا جاز الاقتصار على شاهدين في أحد القولين. ولا يجوز في القول الثاني ~~أقل من أربعة، وإذا رجم الزاني بالبينة حفرت له بئر عند رجمه ينزل فيها إلى ~~وسطه يمنعه من الهرب، فإن هرب أتبع، ورجم حتى يموت، وإن رجم بإقراره لم ~~تحفر له، وإن هرب لم يتبع. # ويجوز للإمام أو من حكم برجمه من الولاة أن يحضر رجمه، ويجوز أن لا يحضر. ~~وقال أبو حنيفة: لا يجوز إلا بحضور من حكم برجمه؛ وقد قال النبي -صلى الله ~~عليه وسلم: "اغد يا أنيس على هذه PageV01P329 # المرأة فإن اعترفت فارجمها" 1. # ويجوز أن لا يحضر الشهود رجمه. وقال أبو حنيفة: يجب حضورهم وأن يكونوا ~~أول من يرجمه؛ ولا تحد حامل حتى تضع، ولا بعد الوضع حتى يوجد لولدها مرضع ~~إذا ادعى في الزنا شبهة محتملة من نكاح فاسد، أو اشتبهت عليه بزوجته، أو ~~جهل تحريم الزنا وهو حديث الإسلام درئ بها عند الحد. قال النبي -صلى الله ~~عليه وسلم: "ادرءوا الحدود بالشبهات"2. # وقال أبو حنيفة: إذا اشتبهت عليه الأجنبية لزوجته لم يكن ذلك شبهة له وحد ~~من أصابها، وإذا أصاب ms245 ذات محرم بعقد نكاح حد، ولا يكون العقد مع تحريمها ~~بالنص شبهة في درء الحد؛ وجعله أبو حنيفة شبهة يسقط بها الحد عنه. وإذا تاب ~~الزاني بعد القدرة عليه لم يسقط عند الحد، ولو تاب قبل القدرة عليه يسقط ~~عند الحد في أظهر القولين، قال الله تعالى: {ثم إن ربك للذين عملوا السوء ~~بجهالة ثم تابوا من بعد ذلك وأصلحوا إن ربك من بعدها لغفور رحيم} [النحل: ~~119] . # وفي قوله: {بجهالة} تأويلان: أحدهما: بجهالة سوء. # والثاني: لغلبة الشهوة مع العلم بأنها سوء وهذا أظهر التأويلين، ولكن من ~~جهل بأنها سوء لم يأثم بها، ولا تحل لأحد أن يشفع في إسقاط حد عن زان ولا ~~غيره، ولا يحل للمشفوع إليه أن يشفع فيه، قال الله تعالى: {من يشفع شفاعة ~~حسنة يكن له نصيب منها ومن يشفع شفاعة سيئة يكن له كفل منها} [النساء: 85] ~~. # وفي الحسنة والسيئة ثلاث تأويلات: # أحدها: أن الشفاعة الحسنة التماس الخير لمن يشفع له، والشفاعة السيئة ~~التماس الشر له، وهذا قول الحسن ومجاهد. # والثاني: أن الحسنة الدعاء للمؤمنين والمؤمنات والسيئة الدعاء عليهم. # والثالث: وهو محتمل، أن الحسنة تخليصه من الظلم والسيئة دفعه عن الحق. # وفي الكفل تأويلان: PageV01P330 # أحدهما: الإثم، وهو قول الحسن. # والثاني: أنه النصيب، وهو قول السدي1. PageV01P331 ### || الفصل الثاني: في قطع السرقة # كل مال محرز بلغت قيمته نصابا إذا سرقه بالغ عاقل لا شبهة له في المال ~~ولا في حرزه قطعت يده اليمني من مفصل الكوع، فإن سرق ثانية بعد قطعه، إما ~~من ذلك المال بعد إحرازه، أو من غيره، قطعت رجله اليسرى من مفصل الكعب، فإن ~~سرق ثالثة قال أبو حنيفة: لا يقطع فيها، وعند الشافعي تقطع في الثالثة يده ~~اليسرى، وفي الرابعة رجله اليمنى، وإن سرق خامسة عزر ولم يقتل، وإن سرق ~~مرارا قبل القطع فليس عليه إلا قطع واحد. # واختلف الفقهاء في قدر النصاب الذي تقطع فيه اليد، فذهب الشافعي إلى أنه ~~مقدر بما تبلغ قيمته ربع دينار فصاعدا من غالب الدنانير الجيدة. وقال أبو ms246 ~~حنيفة: هو مقدر بعشرة دراهم أو دينار، ولا يقطع في أقل منه. وقدره إبراهيم ~~النخعي بأربعين درهما أو أربعة دنانير، وقدره ابن أبي ليلى بخمسة دراهم، ~~وقدره مالك بثلاثة دراهم، قال داود: يقطع في الكثير والقليل من غير تقدير. # واختلف الفقهاء في المال الذي تقطع فيه اليد، فذهب الشافعي إلى أنه يقطع ~~في كل مال حرم على سارقه. وقال أبو حنيفة: لا يقطع فيما كان أصله مباحا ~~كالصيد والحطب والحشيش، وعند الشافعي يقطع فيه بعد تملكه، وقال أبو حنيفة: ~~لا يقطع في الطعام الرطب، وعند الشافعي يقطع فيه. وقال أبو حنيفة: لا يقطع ~~سارق المصحف، وعند الشافعي يقطع. وقال أبو حنيفة: لا يقطع إذا سرق من ~~قناديل المسجد أو أستار الكعبة، وعند PageV01P331 # الشافعي يقطع. وإذا سرق عبد صغير لا يعقل أو أعجمي لا يفهم قطع عند ~~الشافعي. وقال أبو حنيفة: لا يقطع. ولو سرق صبي صغير لم يقطع، وقال مالك: ~~يقطع. # واختلف الفقهاء في الحرز، فشذ عنهم داود ولم يعتبره، وقطع كل سارق من حرز ~~[أو من غير حرز، وذهب جمهورهم إلى اعتبار الحرز في وجوب القطع، وأنه لا قطع ~~على من سرق من غير حرز، روي عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "لا ~~قطع في حريسة الخيل حتى تولي إلى معاقلها". وهكذا لو استعار فجحد لم يقطع، ~~وقال أحمد بن حنبل: يقطع, واختلف في جعل الحرز شرطا في صفته، فسوى أبو ~~حنيفة بين الأحراز في كل الأموال، وجعل حرز أقل الأموال حرز أجلها، ~~والأحراز عند الشافعي تختلف باختلاف الأموال اعتبارا بالعرف فيها. # فيخف الحرز فيما قلت قيمته من الخشب والحطب، ويغلظ ويشتد فيما كثرت قيمته ~~من الذهب والفضة، فلا يجعل حرز الفضة والذهب، فيقطع سارق الخشب منه، ولا ~~يقطع سارق الذهب والفضه منه، ويقطع نباش القبور إذا سرق أكفان موتاها؛ لأن ~~القبور أحراز لها في العرف، وإن لم تكن أحرازا لغيرها من الأموال. وقال أبو ~~حنيفة: لا يقطع النباش؛ لأن القبر ليس بحرز لغير الكفن. وإذا شد الرجل ms247 ~~متاعه على بهيمة سائرة كما جرت العادة بمثله فسرق سارق من المتاع ما بلغت ~~قيمته ربع دينار قطع؛ لأنه سارق من حرز، ولو سرق البهيمة وما عليها لم ~~يقطع؛ لأنه سرق الحرز والمحروز، ولو سرق إناء من فضة أو ذهب قطع، وإن كان ~~استعماله محظورا؛ لأنه مال مملوك، سواء كان فيه طعام أو لم يكن. وقال أبو ~~حنيفة: إن كان في الإناء المسروق طعام أو شراب أو ماء مشروب فشربه لم يقطع، ~~ولو أفرغ الإناء من الطعام والشراب ثم سرقه قطع. وإذا اشترك اثنان في نقب ~~الحرز، ثم انفرد أحدهما بأخذ المال قطع المنفرد منهما بالأخذ دون المشارك ~~في النقب، ولو اشترك اثنان فنقب أحدهما ولم يأخذ، وأخذ الآخر ولم ينقب، لم ~~يقطع واحد منهما، وفي مثلها قال الشافعي: اللص الظريف لا يقطع. وإذا دخل ~~الحرز واستهلك المال فيه غرم ولم يقطع، وإذا قطع السارق والمال باق رد على ~~مالكه، فإن عاد السارق بعد قطعه فسرق ثانية بعد إحرازه قطع. وقال أبو ~~حنيفة: لا يقطع في مال مرتين، وإذا استهلك السارق] 1. PageV01P332 # ما سرقه قطع وأغرم. # وقال أبو حنيفة: إن قطع لم يغرم، وإن أغرم لم يقطع. وإذا وهبت له السرقة ~~لم يسقط عنه القطع. وقال أبو حنيفة: يسقط، وإذا عفا رب المال عن القطع لم ~~يسقط. # قد عفا صفوان بن أمية عن سارق ردائه فقال -صلى الله عليه وسلم: "لا عفا ~~الله عني إن عفوت" وأمر بقطعه. # وحكي أن معاوية أتي بلصوص فقطعهم حتى بقي واحد منهم، فقدم ليقطع فقال من ~~[الطويل] : # يميني أمير المؤمنين أعيذها %~% بعفوك أن تلقى نكالا يبينها # يدي كانت الحسناء لو تم سترها %~% ولا تقدم الحسناء عيبا يشينها # فلا خير في الدنيا وكانت خبيثة %~% إذا ما شمال فارقتها يمينها # فقال معاوية: كيف أصنع بك وقد قطعت أصحابك؟ فقالت أم السارق: اجعلها من ~~جملة ذنوبك التي تتوب إلى الله منها، فخلى سبيله، فكان أول حد ترك في ~~الإسلام. # ويستوي في قطع السرقة الرجل والمرأة، والحر والعبد، والمسلم ms248 والكافر، ولا ~~يقطع صبي، ولا يقطع المغمى عليه إذا سرق في إغمائه، ولا يقطع عبد سرق من ~~مال سيده، ولا والد سرق من مال ولده. وقال داود: يقطعان. PageV01P333 ### || الفصل الثالث: في حد الخمر # كل ما أسكر كثيره أو قليله من خمر أو نبيذ حرام، حد شاربه سواء سكر منه ~~أو لم يسكر. وقال أبو حنيفة: يحد من شرب الخمر وإن لم يسكر، ولا يحد من شرب ~~النبيذ حتى يسكر. # والحد: أن يجلد أربعين بالأيدي وأطراف الثياب، ويبكت بالقول الممض، ~~والكلام الرادع للخبر المأثور فيه. وقيل: بل يحد بالسوط اعتبارا بسائر ~~الحدود، ويجوز أن يتجاوز الأربعين إذا لم يرتدع بها إلى ثمانين جلدة، فإن ~~عمر -رضي الله عنه- حد شارب الخمر أربعين إلى أن رأى تهافت الناس فيه فشاور ~~الصحابة فيه، وقال: أرى الناس قد تهافتوا في شرب الخمر فماذا ترون؟ فقال ~~علي -عليه السلام: أرى أن تحده ثمانين؛ لأنه إذا شرب الخمر سكر، وإذا سكر ~~هذي، وإذا هذى افترى، فحده ثمانين حد الفرية، فجلد فيه عمر بقية أيامه. ~~والأئمة من بعده ثمانين فقال علي -عليه السلام: ما أحد أقيم عليه الحد ~~فيموت فأجد في نفسي منه شيئا ألحق قتله إلا شارب الخمر، فإنه شيء رأيناه ~~بعد رسول الله -صلى الله عليه وسلم، فإن حد شارب الخمر أربعين فمات منها ~~كانت نفسه هدرا، وإن حد ثمانين فمات ضمنت نفسه. # وفي قدر ما يضمن منها قولان: # أحدهما: جميع ديته لمجاوزته النص في حده. # والثاني: نصف ديته؛ نصف حده نص ونصفه مزيد، ومن أكره على شرب الخمر، أو ~~شربها وهو لا يعلم أنها حرام فلا حد عليه، وإن شربها لعطش حد؛ لأنها لا ~~تروي، وإن شربها لداء لم يحد؛ لأنه ربما يبرأ بها، وإذا اعتقد إباحة النبيذ ~~حد، وإن كان في عدالته، ولا يحد السكران حتى يقر بشرب الخمر المسكر، أو ~~يشهد عليه شاهدان أنه شرب مختارا ما لم يعلم أنه مسكر. وقال أبو عبد الله ~~الزبيري: أحده للسكر، وهذا سهو؛ لأنه قد يكره ms249 على شرب المسكر. # وحكم السكران في جريان الأحكام عليه كالصاحي إذا كان عاصيا بسكره، فإن ~~خرج عن حكم المعصية لإكراهه على شرب الحمر ما لا يعلم أنه مسكر، لم يجر ~~عليه قلم كالمغمى عليه. # واختلف في حد المسكر، فذهب أبو حنيفة إلى حد السكر ما زال معه العقل حتى ~~لا يفرق بين الأرض والسماء، ولا يعرف أمه من زوجته، وحده أصحاب الشافعي ~~بأنه ما أفضى بصاحبه إلى أن يتكلم بلسان متكسر، ومعنى منتظم ويتصرف بحركة ~~مختبط، ومشي متمايل، وإذا جمع بين اضطراب الكلام فهما وإفهاما، وبين اضطراب ~~الحركة مشيا وقياما، صار داخلا في حد السكر، وما زاد على هذا فهو زيادة في ~~حد السكر. PageV01P334 ### || الفصل الرابع: في حد القذف واللعان # حد القذف بالزنا ثمانون جلدة، ورد النص بها وانعقد الإجماع عليها، لا ~~يزاد فيها ولا ينقص منها، وهو من حقوق الآدميين يستحق بالطلب ويسقط بالعفو، ~~فإذا اجتمعت في المقذوف بالزنا خمسة شروط، وفي القاذف ثلاثة شروط، وجب الحد ~~فيه. أما الشروط الخمسة في المقذوف فهي: أن يكون بالغا عاقلا مسلما حرا ~~عفيفا، فإن كان صبيا أو مجنونا أو عبدا أو كافرا، أو ساقط العصمة بزنا حد ~~فيه حد على قاذفه ولكن يعزر؛ لأجل الأذى ولبذاءة اللسان. # وأما الشروط الثلاثة في القاذف فهي: أن يكون بالغا عاقلا حرا، فإن كان ~~صغيرا، أو مجنونا لم يحد ولم يعزر، وإن كان عبدا حد أربعين، نصف الحد للحر ~~لنصفه بالرق. ويحد الكافر كالمسلم، وتحد المرأة كالرجل، ويفسق القاذف ولا ~~يعمل بشهادته، فإن تاب زال فسقه وقبلت شهادته قبل الحد وبعده. وقال أبو ~~حنيفة: تقبل شهادته إن تاب قبل الحد، ولا تقبل شهادته إن تاب بعد الحد، ~~والقذف باللواط، وإتيان البهائم كقذف الزنا في وجوب الحد، ولا يحد القاذف ~~بالكفر والسرقة ويعزر؛ لأجل الأذى. # والقذف بالزنا ما كان صريحا فيه كقوله: يا زان، أو قد زنيت، أو رأيتك ~~تزني، فإن قال: يا فاجر أو يا فاسق أو يا لوطي كان كناية لاحتماله، فلا يجب ~~به ms250 الحد إلا أن يريد به القذف، ولو قال: يا عاهر كانت كناية عند بعض أصحاب ~~الشافعي لاحتماله، وصريحا عند آخرين PageV01P335 # لقول النبي -صلى الله عليه وسلم: "الولد للفراش وللعاهر الحجر" 1. # وجعل مالك -رحمه الله- التعريض فيه كالصريح في وجوب الحد، والتعريض1 أن ~~يقول في حال الغضب والملاحاة: أنا ما زنيت فجعله بمثابة قوله: إنك زنيت، ~~ولا حد في التعريض عند الشافعي وأبي حنيفة -رحمها الله- حتى يقر أنه أراد ~~به القذف؛ فإذا قال: يا ابن الزانيين، كان قاذفا لأبويه دونه، فيحد لهما إن ~~طلبا أو أحدهما إلا أن يكونا ميتين، فيكون الحد موروثا عنهما. وقال أبو ~~حنيفة: حد القذف لا يورث؛ ولو أراد المقذوف أن يصالح عن حد القذف بمال لم ~~يجز. وإذا قذف ابنه لم يحد، وإذا لم يحد القاذف حتى زنى المقذوف لم يسقط حد ~~القذف. وقال أبو حنيفة: يسقط. وإذا قذف الرجل زوجته بالزنا حد لها إلا أن ~~يلاعن منها. # واللعان أن يقول في المسجد الجامع على المنبر، أو عنده بمحضر من الحاكم ~~وشهود أقلها أربعة: أشهد بالله أني لمن الصادقين فيما رميت به زوجتى هذه من ~~الزنا بفلان، وأن هذا الولد من زنا وما هو مني، إن أراد أن ينفي الولد ~~ويكرر ذلك أربعا، ثم يقول في الخامسة: لعنة الله علي إن كنت من الكاذبين ~~فيما رميتها به من الزنا بفلان إن كان ذكر الزاني بها، وأن هذا الولد من ~~الزنا، وما هو مني، فإذا قال هذا فقد أكمل لعانه، وسقط حد القذف عنه، ووجب ~~به حد الزنا على زوجته، إلا أن تلاعن فتقول: أشهد بالله أن زوجي هذا لمن ~~الكاذبين فيما رماني به من الزنا بفلان، وأن هذا الولد منه، وما هو من زنا ~~تكرر ذلك أربعا، ثم تقول في الخامسة: وعلي غضب الله إن كان زوجي من ~~الصادقين فيما رماني به من الزنا بفلان، فإذا أكملت هذه سقط حد الزنا عنها، ~~وانتفى الولد عن الزوج، ووقعت الفرقة بينهما وحرمت على الأبد. # واختلف الفقهاء فيما وقعت به ms251 الفرقة، فذهب الشافعي إلى أن الفرقة واقعة ~~بلعان الزوج وحده. وقال مالك: الفرقة بلعانهما معا، وقال أبو حنيفة: لا تقع ~~الفرقة بلعانهما حتى يفرق بينهما الحاكم؛ وإذا قذفت المرأة زوجها حدث، ولم ~~تلاعن، وإذا أكذب الزوج نفسه بعد اللعان لحق به الولد وحد للقذف، ولم تحل ~~له الزوجة عند الشافعي، وأحلها أبو حنيفة. PageV01P336 ### || الفصل الخامس: في قود الجنايات وعقلها # الجنايات على النفوس ثلاث: عمد، وخطأ، وعمد شبه الخطأ. # فأما العمد المحض: فهو أن يتعمد قتل النفس بما يقطع بحده كالحديد، أو بما ~~يمور في اللحم مور الحديد، أو ما يقتل غالبا بثقله كالحجارة والخشب، فهو ~~قتل عمد يوجب الحد. # وقال أبو حنيفة: العمد الموجب للقود ما قتل بحده من حديد وغيره إذا مار ~~في اللحم مورا، ولا يكون ما قتل بثقله أو ألمه من الأحجار والخشب عمدا، ولا ~~يوجب قودا. وحكم العمد عند الشافعي أن يكون ولي المقتول حرا مع تكافؤ ~~الدمين بين القود والدية. وقال أبو حنيفة: لولي المقتول أن ينفرد بالقود، ~~وليست له الدية إلا عن مراضاة القاتل. وولي الدم هو وارث المال من ذكر أو ~~أنثى بفرض أو تعصيب. وقال مالك: أولياؤه ذكور الورثة دون إناثهم، ولا قود ~~لهم إلا أن يجتمعوا على استيفائه، فإن عفا أحدهم سقط القود ووجبت الدية. # وقال مالك: لا يسقط، وإذا فيهم صغير أو مجنون لم يكن للبالغ والعاقل أن ~~ينفرد بالقود، وتكافؤ الدمين عند الشافعي أن لا يفضل القاتل على المقتول ~~بحرية، ولا إسلام، فإن فضل القاتل عليه بأحدهما، فقتل حر عبدا، أو مسلم ~~كافرا، فلا قود عليه. وقال أبو حنيفة: لا اعتبار بهذا التكافؤ، فيقتل الحر ~~بالعبد والمسلم بالكافر، كما يقتل العبد بالحر والكافر بالمسلم، وما ~~تتحاماه النفوس من هذا وتأباه قد منع القائلين به من العمل عليه. # حكي أنه رفع إلى أبي يوسف القاضي مسلم قتل كافرا فحكم عليه بالقود، فأتاه ~~رجل برقعة فألقاها إليه، فإذا فيها مكتوب [من السريع] : # يا قاتل المسلم بالكافر %~% جرت وما العادل كالجائر # يا ms252 من ببغداد وأطرافها %~% من علماء الناس أو شاعر # استرجعوا وابكوا على دينكم %~% واصطبروا فالأجر للصابر PageV01P337 # جار على الدين أبو يوسف %~% بقتله المؤمن بالكافر # فدخل أبو يوسف على الرشيد وأخبره الخبر، وأقرأه الرقعة، فقال له الرشيد: ~~تدارك هذا الأمر بحيلة لئلا تكون فتنة، فخرج أبو يوسف وطالب أصحاب الدم ~~ببينة على صحة الذمة وثبوتها، فلم يأتوا بها فأسقط القود؛ والتوصل إلى مثل ~~هذا سائغ عند ظهور المصلحة فيه. # ويقتل العبد بالعبد، وإن فضلت قيمة القاتل على المقتول. وقال أبو حنيفة: ~~لا قود على القاتل إذا زادت قيمته على قيمة المقتول. # وإذا اختلف أديان الكفار قيد بعضهم ببعض، ويقاد الرجل بالمرأة، والمرأة ~~بالرجل، والكبير بالصغير، والعاقل بالمجنون، ولا قود على صبي ولا مجنون، ~~ولا يقاد والد بولده، ويقاد الولد بالوالد، والأخ بالأخ. # وأما الخطأ المحض: فهو أن يتسبب إليه في القتل من غير قصد، فلا يقاد ~~القاتل بالمقتول كرجل رمى هدفا فأمات إنسانا، أو حفر بئرا فوقع فيها إنسان، ~~أو أشرع جناحا فوقع على إنسان، أو ركب دابة فرمحت ووطئت إنسانا، أو وضع ~~حجرا فعثر به إنسان، فهذا وما أشبهه إذا حدث عنه الموت قتل خطإ محض يوجب ~~الدية دون القود، وتكون على عاقلة الجاني لا في ماله مؤجلة في ثلاث سنين من ~~حين يموت القتيل. وقال أبو حنيفة: من حين يحكم الحاكم بديته، والعاقلة من ~~عدد الآباء والأبناء من العصبات، فلا يحمله الأب وإن علا، ولا الابن وإن ~~سفل، وجعل أبو حنيفة ومالك الآباء والأبناء من العاقلة، ولا يتحمل القاتل ~~مع العاقلة من الدية. وقال أبو حنيفة ومالك: يكون القاتل كأحد العاقلة، ~~والذي يتحمله الموسر منهم في كل سنة نصف دينار أو قدره من الإبل، ويتحمل ~~الأوسط ربع دينار أو قدره من الإبل، ولا يتحمل الفقير شيئا منها. ومن أيسر ~~بعد فقره تحمل، ومن افتقر بعد يساره لم يتحمل. # ودية نفس الحر المسلم إن قدرت ذهبا ألف دينار من غالب الدنانير الجيدة، ~~وإن قدرت ورقا اثنا عشر ألف درهم. وقال أبو ms253 حنيفة: عشرة آلاف درهم، وإن ~~كانت إبلا فهي مائة PageV01P338 # بعير أخماسا، منها عشرون ابنة مخاض، وعشرون ابنة لبون، وعشرون ابن لبون ~~وعشرون حقة، وعشرون جذعة، وأصل الدية الإبل، وما عداها بدل، ودية المرأة ~~النصف من دية الرجل في النفس والأطراف. # واختلف في دية اليهودي والنصراني، فذهب أبو حنيفة إلى أنها كدية المسلم. # قال مالك: نصف دية المسلم1، وعند الشافعي أنها ثلث دية المسلم. وأما ~~المجوسي فديته ثلثا عشر دية المسلم ثمانمائة درهم2، ودية العبد قيمته ما ~~بلغت، وإن زادت على دية الحر أضعافا عند الشافعي. وقال أبو حنيفة3: لا أبلغ ~~بها دية الحر إذا زادت وأنقص منها عشرة دراهم4. # وأما العمد شبه الخطأ: فهو أن يكون عامدا في الفعل غير قاصد للقتل، كرجل ~~ضرب PageV01P339 # رجلا بخشبة، أو رمى بحجر، يجوز أن يسلم من مثلها أو يتلف، فأفضى إلى ~~قتله، أو كمعلم ضرب صبيا بمعهود أو عزر السلطان رجلا على ذنب فتلف، فلا قود ~~عليه في هذا القتل، وفيه الدية على العاقلة مغلظة، وتغليظها في الذهب ~~والورق أن يزاد عليها ثلثها، وفي الإبل أن تكون أثلاثا منها ثلاثون جذعة، ~~وأربعون خلفة في بطونها أولادها، وروي أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ~~"لا تحمل العاقلة عبدا ولا عمدا ولا صلحا ولا اعترافا" 1. # ودية الخطإ المحض في الحرم والأشهر الحرم وذي الرحم مغلظة، ودية العمد ~~المحض واحد وجب القود على جميعهم، فعليهم دية واحدة وإن كثروا؛ ولولي الدم ~~أن يعفو عمن شاء منهم ويقتل باقيهم، وإن عفا عن جميعهم فعليهم دية واحدة ~~تسقط عليهم على عدد رءوسهم، فإن كان بعضهم ذابحا وبعضهم جارحا أو موجئا، ~~فالقود في النفس على الذابح والموجئ، والجارح مأخوذ بحكم الجراحة دون ~~النفس. # وإذا قتل الواحد جماعة قتل بالأول ولزمته في ماله دية الباقين. وقال أبو ~~حنيفة: يقتل PageV01P340 # جميعهم ولا دية عليه؛ وإذا قتلهم في حالة واحدة أقرع بينهم، وكان القود ~~لمن قرع منهم إلا أن يتراضى أولياؤهم على تسليم القود لأحدهم فيقاد له، ~~ويلزم في ماله ديات الباقين، ms254 وإذا أمر المطاع رجلا بالقتل، فالقود على ~~الآمر والمأمور معا، ولو كان الآمر غير مطاع كان القود على المأمور دون ~~الآمر؛ وإذا أكره على القتل وجب القود على المكره، وفي وجوبه على المكروه ~~قولان: # وأما القود في الأطراف، فكل طرف قطع من مفصل ففيه القود، فيقاد من اليد ~~باليد، والرجل بالرجل، والأصبع بالأصبع، والأنملة بالأنملة، والسن بمثلها، ~~ولا تقاد يمنى بيسرى، ولا عليا بسفلى، ولا ضرس بسن، ولا ثنية برباعية، ولا ~~يؤخذ بسن من قد ثغر سن من لم يثغر؛ ولا تؤخذ يد سليمة بيد شلاء، ولا بلسان ~~أخرس، وتؤخذ اليد الكاتبة والصانعة بيد من ليس بكاتب ولا صانع. وتؤخذ العين ~~بالعين، وتؤخذ النجلاء بالحولاء والعشواء، ولا تؤخذ العين القائمة واليد ~~الشلاء إلا بمثلها، ويقاد الأنف الذي يشم بالأنف الأخشم، وأذن السميع بأذن ~~الأصم. # وقال مالك: لا قود عليه، ويقاد من العربي بالعجمي، ومن الشريف بالدنيء، ~~فإن عفي عن القود بهذه الأطراف إلى الدية، ففي اليدين الدية الكاملة، وفي ~~إحداهما نصف الدية؛ وفي كل أصبع عشر الدية وهو عشر من الإبل، وفي كل واحدة ~~من أنامل الأصابع ثلاثة وثلث إلا أنملة الإبهام ففيها خمس من الإبل، ودية ~~اليدين كالرجلين إلا في أناملهما، فيكون في كل أنملة منها خمس من الإبل، ~~وفي العينين الدية، وفي إحداهما نصف الدية، ولا فضل لعين الأعور على من ليس ~~بأعور، وأوجب مالك -رحمه الله- في عين الأعور جميع الدية. وفي الجفون ~~الأربعة جميع الدية، وفي كل واحد منها ربع الدية، وفي الأنف الدية، وفي ~~الأذنين الدية، وفي إحداهما نصف الدية، وفي اللسان الدية، وفي الشفتين ربع ~~الدية، وفي كل سن خمس من الإبل، ولا فضل لسن على ضرس، ولا لثنية على ناجذ، ~~وفي إذهاب السمع الدية، فإن قطع أذنيه فأذهب سمعه فعليه ديتان، وكذلك لو ~~قطع أنفه فأذهب شمه فعليه ديتان، وفي إذهاب الكلام الدية، فإن لسانه فأذهب ~~كلامه، فعليه دية واحدة وفي إذهاب العقل الدية. وفي إذهاب الذكر الدية؛ ~~وذكر الخصي والعنين وغيرهما سواء، وقال ms255 أبو PageV01P341 # حنيفة: في ذكر العنين والخصي حكومة، وفي الأنثيين الدية، وفي إحداهما نصف ~~الدية؛ وفي ثديي المرأة ديتها، وفي إحداهما نصف الدية، وفي ثديي الرجل ~~حكومة وقيل: دية. # وأما الشجاج، فأولها الخارصة، وهي التي أخذت في الجلد، ولا قود فيها، ولا ~~دية، وفيها حكومة. ثم الدامية، وهي التي أخذت في الجلد وأدمت وفيها حكومة، ~~ثم الدامغة، وهي التي قد خرج دماؤها من قطع الجلد كالدامغة وفيها حكومة. ثم ~~المتلاحمة، وهي التي قطعت وأخذت في اللحم وفيها حكومة. ثم الباضعة وهي التي ~~قطعت اللحم بعد الجلد وفيها حكومة. ثم السمحاق، وهي التي قطعت جميع اللحم ~~بعد الجلد، وأبقت على عظم الرأس غشاوة رقيقة وفيها حكومة، وحكومات هذه ~~الشجاج تزيد على حسب ترتيبها. ثم الموضحة، وهي التي قطعت الجلد واللحم ~~والغشاوة وأوضحت عن العظم ففيها القود، فإن عفي عنها ففيها خمس من الإبل. ~~ثم الهاشمة، وهي التي أوضحت عن اللحم حتى ظهر وهشمت عظم الرأس حتى تكسر، ~~وفيها عشر من الإبل؛ فإن أراد القود من الهشم لم يكن له، وإن أراده من ~~الموضحة قيد له منها، وأعطي في زيادة الهشم خمسا من الإبل، وقال مالك: في ~~الهشم حكومة. ثم المنقلة، وهي التي أوضحت وهشمت حتى شظي العظم وزال عن ~~موضعه، واحتاج إلى نقله وإعادته، وفيها خمس عشرة من الإبل، فإن استقاد من ~~الموضحة أعطي في الهشم والتنقيل عشرا من الإبل. ثم المأمومة وتسمى الدامغة، ~~وهي التي وصلت إلى أم الدماغ وفيها ثلث الدية. # وأما جراح الجسد فلا تقدر دية شيء منها إلا الجافية، وهي الواصلة إلى ~~الجوف، وفيها ثلث الدية، ولا قود في جراح الجسد إلا الموضحة عن عظم ففيها ~~حكومة. وإذا قطعت أطرافه فاندملت وجبت عليه دياتها، وإن كانت أضعاف دية ~~النفس، ولو مات منها قبل اندمال بعضها وجبت عليه دية النفس فيما لم يندمل ~~مع دية الأطراف، وفيما اندمل من لسان الأخرس، ويد الأشل والأصبغ الزائد، ~~والعين القائمة حكومة، والحكومة في جميع ذلك أن يقوم الحاكم المجني عليه لو ~~كان ms256 عبدا لم يجن عليه، ثم يقومه لو كان عبدا بعد الجناية عليه، ويعتبر ما ~~بين القيمتين من ديته، فيكون قدر الحكومة في جنايته. وإذا ضرب بطن امرأة ~~فألقت من الضرب PageV01P342 # جنينا ميتا، ففيه إذا كان حرا غرة عبد أو أمة تحملها العاقلة، ولو كان ~~مملوكا ففيه عشر قيمة أمه يستوي فيه الذكر والأنثى، فإن استهل الجنين صارخا ~~ففيه الدية كاملة، ويفرق بين الذكر والأنثى، وعلى كل قاتل نفس ضمن ديتها ~~الكفارة عامدا كان أو خاطئا، وأوجبها أبو حنيفة على الخاطئ دون العامد. # والكفارة عتق رقبة مؤمنة سليمة من العيوب المضرة بالعمل، فإن أعوزها صام ~~شهرين متتابعين، فإن عجر عنه أطعم ستين مسكينا في أحد القولين، ولا شيء ~~عليه في القول الآخر، وإذا ادعى قوم قتلا على قوم، ومع الدعوى لوث، واللوث ~~أن يعنوا بالدعوى ما يوقع في النفس صدق المدعي، فيصير القول باللوث قول ~~المدعي، فيحلف خمسين يمينا، ويحكم له بالدية دون القود، ولو نكل المدعي عن ~~اليمين أو بعضها حلف عليه خمسين يمينا وبرئ. # وإذا وجب القود في نفس أو طرف لم يكن لوليه أن ينفرد باستيفائه إلا بإذن ~~السلطان، فإن كان في طرف لم يمكنه السلطان من استيفائه حتى يتولاه غيره، ~~وأجره الذي يتولاه في مال المقتص منه دون المقتص له. وقال أبو حنيفة: تكون ~~في مال المقتص له دون المقتص منه، فإن كان القصاص في نفس جاز أن يأذن له ~~السلطان في استيفائه بنفسه إذا كان ثابت النفس إلا استوفاه السلطان له ~~بأوحى سيف وأمضاه، فإن تفرد ولي القود باستيفائه من نفس أو طرف ولم يتعد ~~عزره السلطان لافتياته عليه، وقد صار إلى حقه القود فلا شيء عليه. PageV01P343 ### || الفصل السادس: في التعزير # والتعزير: تأديب على ذنوب لم تشرع فيها الحدود، ويختلف حكمه باختلاف حاله ~~وحال فاعله، فيوافق الحدود من وجه أنه تأديب استصلاح وزجر، يختلف بحسب ~~اختلاف الذنب، ويخالف الحدود من ثلاثة أوجه: # أحدها: إن تأديب ذي الهيبة من أهل الصيانة أخف من تأديب أهل البذاءة ~~والسفاهة؛ ms257 لقول النبي -صلى الله عليه وسلم: "أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم" ~~1. # فتدرج في الناس على منازلهم: فإن تساووا في الحدود المقدرة فيكون تعزير ~~من جل قدره بالإعراض عنه، وتعزير من دونه بالتعنيف له، وتعزير من دونه ~~بزواجر الكلام وغاية الاستخفاف الذي لا قذف فيه ولا سب، ثم يعدل بمن دون ~~ذلك إلى الحبس الذي يحبسون فيه على حسب ذنبهم وبحسب هفواتهم، فمنهم من يحبس ~~يوما، ومنهم من يحبس أكثر منه إلى غاية مقدرة. وقال أبو عبد الله الزبيري ~~من أصحاب الشافعي: تقدر غايته بشهر للاستبراء والكشف، وبستة أشهر للتأديب ~~والتقويم، ثم يعدل بمن دون ذلك إلى النفي والإبعاد إذا تعدت ذنوبه إلى ~~اجتذاب غيره إليها واستضراره بها2. # واختلف في غاية نفيه وإبعاده، فالظاهر من مذهب الشافعي تقدر بما دون ~~الحول ولو بيوم واحد؛ لئلا يصير مساويا لتعزير الحول في الزنا، وظاهر مذهب ~~مالك أنه يجوز أن يزاد فيه على الحول بما يرى من أسباب الزواجر، ثم يعدل ~~بمن دون ذلك إلى الضرب ينزلون فيه على حسب الهفوة في مقدار الضرب، وبحسب ~~الرتبة في الامتهان والصيانة. # واختلف في أكثر ما ينتهي إليه الضرب في التعزير، فظاهر مذهب الشافعى أن ~~أكثره في الحر تسعة وثلاثون سوطا لينقص عن أقل الحدود في الخمر، فلا يبلغ ~~بالحر أربعين، وبالعبد PageV01P344 # عشرين، وقال أبو حنيفة: أكثر التعزير تسعة وثلاثون سوطا في الحر والعبد، ~~وقال أبو يوسف: أكثره خمسة وسبعون. وقال مالك: لا حد لأكثره، ويجوز أن ~~يتجاوز به أكثر الحدود. وقال أبو عبد الله الزبيري1: تعزيز كل ذنب مستنبط ~~من حده المشروع فيه، وأعلاه خمسة وسبعون يقصر به عن حد القذف بخمسة أسواط، ~~فإن كان الذنب في التعزيز بالزنا روعي منه ما كان، فإن أصابوها بأن نال ~~منها ما دون الفرج ضربوهما أعلى التعزير، وهو خمسة وسبعون سوطا، وإن ~~وجدوهما في إزار لا حائل بينهما متباشرين غير متعاملين للجماع ضربوهما ستين ~~سوطا، وإن وجدوهما غير متباشرين ضربوهما أربعين سوطا، وإن وجدوهما خاليين ~~في بيت عليهما ثيابهما ضربوهما ms258 ثلاثين سوطا، وإن وجدوهما في طريق يكلمها ~~وتكلمه ضربوهما عشرين سوطا، وإن وجدوه يتبعها ولم يقفوا على ذلك يحققوا، ~~وإن وجدوهما يشير إليها وتشير إليه بغير كلام ضربوهما عشرة أسواط، وهكذا ~~يقول في التعزير بسرقة ما لا يجب فيه القطع، فإذا سرق نصابا من غير حرز ضرب ~~أعلى التعزير خمسة وسبعين سوطا، وإذا سرق من حرز أقل من نصاب ضرب ستين ~~سوطا، واذا سرق أقل من نصاب من غير حرز ضرب خمسين سوطا، فإذا جمع المال في ~~الحرز واسترجع منه قبل إخراجه ضرب أربعين سوطا، وإذا نقب الحرز ودخل ولم ~~يأخذ ضرب ثلاثين سوطا، وإذا نقب الحرز ولم يدخل ضرب عشرين سوطا. # وإذا تعرض للنقب أو لفتح باب ولم يكمله ضرب عشرة أسواط، وإذا وجد معه ~~منقب أو كان مرصدا للمال يحقق، ثم على هذه العبارة فيما سوى هذين، وهذا ~~الترتيب وإن كان مستحسنا في الظاهر فقد تجرد الاستحسان فيه عن دليل يتقدر ~~به، وهذا الكلام في أحد PageV01P345 # الوجوه التي يختلف فيها الحد والتعزير. # والوجه الثاني: إن الحد وإن لم يجز العفو عنه ولا الشفاعة فيه، فيجوز في ~~التعزير العفو عنه، وتسوغ الشفاعة فيه، فإن تفرد التعزير بحق السلطنة وحكم ~~التقويم، ولم يتعلق به حق لآدمي، جاز لولي الأمر أن يراعي الأصلح في العفو ~~أو التعزير، وجاز أن يشفع فيه من سأل العفو عن الذنب. روي عن النبي -صلى ~~الله عليه وسلم- أنه قال: "اشفعوا إلي ويقضي الله على لسان نبيه ما يشاء" ~~1. # ولو تعلق بالتعزير حق لآدمي -كالتعزير في الشتم والمواثبة- ففيه حق ~~المشتوم والمضروب، وحق السلطنة للتقويم والتهذيب، فلا يجوز لولي الأمر أن ~~يسقط بعفوه حق للمشتوم والمضروب، وعليه أن يستوفي له حقه من تعزيز الشاتم ~~والضارب، فإن عفا المضروب والمشتوم كان ولي الأمر بعد عفوهما على خياره في ~~فعل الأصلح من التعزير تقويما، والصفح عنه عفوا، فإن تعافوا عن الشتم ~~والضرب قبل الترافع إليه سقط التعزيز الآدمي. # واختلف في سقوط حق السلطنة والتقويم على الوجهين: # أحدهما: وهو قول أبي ms259 عبد الله الزبيري أنه يسقط، وليس لولي الأمر أن يعزر ~~فيه؛ لأن حد القذف أغلظ ويسقط حكمه بالعفو، فكان حكم التعزير بالسلطنة ~~أسقط. # والوجه الثاني: هو الأظهر أن لولي الأمر أن يعزر فيه مع العفو قبل ~~الترافع إليه، كما يجوز أن يعزر فيه مع العفو بعد الترافع إليه مخالفة ~~للعفو عن حد القذف في الموضعين؛ لأن التقويم من حقوق المصلحة العامة، ولو ~~تشاتم وتواثب والد مع ولد سقط تعزير الوالد في حق الولد، ولم يسقط تعزير ~~الولد في حق الوالد، كما لا يقتل الوالد بولده، ويقتل الولد بوالده، وكان ~~تعزير الأب مختصا بحق السلطنة، والتقويم لا حق فيه للولد، ويجوز لولي الأمر ~~أن ينفرد بالعفو عنه، وكان تعزير الولد مشتركا بين حق الولد وحقوق السلطنة، ~~فلا يجوز لولي الأمر أن ينفرد بالعفو عنه مع مطالبة الوالد به حتى يستوفيه ~~له، وهذا الكلام في الوجه الثاني الذي يختلف فيه الحد والتعزير. ~~PageV01P346 # والوجه الثالث: إن الحد وإن كان ما حدث عنه من التلف هدرا، فإن التعزير ~~يوجب ضمان ما حدث عنه من التلف. قد أرهب عمر بن الخطاب امرأة فأخمصت بطنها ~~فألقت جنينا ميتا، فشاور عليا -عليه السلام، وحمل دية جنينها. # واختلف في محل دية التعزير فقيل: تكون على عاقلة ولي الأمر، وقيل: تكون ~~في بيت المال، فأما الكفارة ففي ماله إن قيل: إن الدية على عاقلته، وإن ~~قيل: إن الدية في بيت المال ففي محل الكفارة وجهان: # أحدهما: في ماله. والثاني: في بيت المال، وهكذا المعلم إذا ضرب صبيا أدبا ~~معهودا في العرف، فأفضى إلى تلفه، ضمن ديته على عاقلته والكفارة في ماله. ~~ويجوز للزوج ضرب زوجته إذا نشزت عنه، فإن تلفت من ضربه ضمن ديتها على ~~عاقلته إلا إن يتعمد قتلها فيقاد بها. # وأما صفة الضرب في التعزير فيجوز أن يكون بالعصا، وبالسوط الذي كسرت ~~ثمرته كالحد. # واختلف في جوازه بسوط لم تكسر ثمرته، فذهب الزبيري إلى جوازه، فإن زاد في ~~الصفة على ضرب الحدود، وأنه يجوز أن يبلغ به ms260 إنهار الدم. وذهب جمهور أصحاب ~~الشافعي -رضي الله عنه- إلى حظره بسوط لم تكسر ثمرته؛ لأن الضرب في الحدود ~~أبلغ وأغلظ، وهو كذلك محظور، فكان في التعزير أولى أن يكون محظورا، ولا ~~يجوز أن يبلغ بتعزير إنهار الدم، وضرب الحد يجب أن يفرق في البدن كله بعد ~~توقي المواضع القاتلة؛ ليأخذ كل عضو نصيبه من الحد، ولا يجوز أن يجتمع في ~~موضع واحد من الجسد. # واختلف في ضرب التعزير، فأجراه جمهور أصحاب الشافعي مجرى الضرب في تفريقه ~~وحظر جمعه، وخالفهم الزبيري فجوز جمعه في موضع واحد من الجسد؛ لأنه لما جاز ~~إسقاطه عن جميع الجسد جاز إسقاطه عن بعضه بخلاف الحد، ويجوز أن يصلب في ~~التعزير حيا. # قد صلب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- رجلا على جبل يقال له: أبو ناب، ~~ولا يمنع إذا صلب أداء طعام ولا شراب ولا يمنع من الوضوء للصلاة، ويصلي ~~موميا ويعيد إذا أرسل، ولا يتجاوز PageV01P347 # بصلبه ثلاثة أيام، ويجوز في نكال التعزير أن يجرد من ثيابه، إلا قدر ما ~~يستر عورته، ويشهر في الناس، وينادي عليه بذنبه إذا تكرر منه ولم يتب. # ويجوز أن يحلق شعره، ولا يجوز أن تحلق لحيته. واختلف في جواز تسويد ~~وجوههم، فجوزه الأكثرون؛ ومنع منه الأقلون1. PageV01P348 ### | الباب العشرون: في أحكام الحسبة # الحسبة1: هي أمر بالمعروف إذا ظهر تركه، ونهي عن المنكر إذا أظهر فعله. ~~وقال الله تعالى: {ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون ~~عن المنكر} [آل عمران: 104] . # وهذا، وإن صح من كل مسلم، فالفرق فيه بين المتطوع والمحتسب2 من تسعة ~~أوجه: # أحدها: إن فرضه متعين على المحتسب بحكم الولاية، وفرضه على غيره داخل في ~~فروض الكفاية. # والثاني: إن قيام المحتسب به من حقوق تصرفه الذي لا يجوز أن يتشاغل عنه، ~~وقيام المتطوع به من نوافل عمله الذي يجوز أن يتشاغل عنه بغيره. # والثالث: إنه منصوب للاستعداء إليه فيما يجب إنكاؤه، وليس المتطوع منصوبا ~~للاستعداء. # والرابع: إن على المحتسب إجابة من استعداه، وليس على المتطوع إجابته. # والخامس: إن ms261 عليه أن يبحث عن المنكرات الظاهرة؛ ليصل إلى إنكارها، ويفحص ~~PageV01P349 # عما ترك من المعروف الظاهر؛ ليأمر بإقامته، وليس على غيره من المتطوعة ~~بحث ولا فحص. # والسادس: إن له أن يتخذ على إنكاره أعوانا؛ لأنه عمل هو له منصوب وإليه ~~مندوب؛ ليكون له أقهر وعليه أقدر، وليس للمتطوع أن يندب لذلك أعوانا. # والسابع: إن له أن يعزر في المنكرات الظاهرة لا يتجاوز إلى الحدود، وليس ~~للمتطوع أن يعزر على منكر. # والثامن: أن له أن يرتزق على حسبته من بيت المال، ولا يجوز للمتطوع أن ~~يرتزق على إنكار منكر. # والتاسع: إن له اجتهاد رأيه فيما تعلق بالعرف دون الشرع؛ كالمقاعد في ~~الأسواق وإخراج الأجنحة فيه، فيقر وينكر من ذلك ما أداه اجتهاده إليه، وليس ~~هذا للمتطوع، فيكون الفرق بين والي الحسبة وإن كان يأمر بالمعروف وينهى عن ~~المنكر، وبين غيره من المتطوعين وإن جاز أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ~~من هذه الوجوه التسعة. # وإذا كان كذلك فمن شروط والي الحسبة أن يكون حرا عدلا، ذا رأي وصرامة ~~وخشونة في الدين، وعلم بالمنكرات الظاهرة1. PageV01P350 # واختلف الفقهاء من أصحاب الشافعي، هل يجوز له أن يحمل الناس فيما ينكره ~~من الأمور التي اختلف الفقهاء فيها على رأيه واجتهاده أم لا؟ على وجهين: # أحدهما: وهو قول أبي سعيد الإصطخري1: إن له أن يحمل ذلك على رأيه ~~واجتهاده، فعلى هذا يجب على المحتسب أن يكون عالما من أهل الاجتهاد في ~~أحكام الدين؛ ليجتهد رأيه فيما اختلف فيه. # والوجه الثاني: ليس له أن يحمل الناس على رأيه واجتهاده، ولا يقودهم إلى ~~مذهبه لتسويغ الاجتهاد للكافة، وفيما اختلف فيه، فعلى هذا يجوز أن يكون ~~المحتسب من غير أهل الاجتهاد إذا كان عارفا بالمنكرات المتفق عليها2. ~~PageV01P351 # فصل: # واعلم أن الحسبة واسطة بين أحكام القضاء وأحكام المظالم، فأما ما بينهما ~~وبين القضاء فهي موافقة لأحكام القضاء من وجهين، ومقصورة عنه من وجهين، ~~وزائدة عليه من وجهين: # فأما الوجهان في موافقتها لأحكام القضاء: # فاحدهما: جواز الاستعداء إليه وسماعه دعوى المستعدي على ms262 المستعدى عليه في ~~حقوق الآدميين، وليس هذا على عموم الدعاوى، وإنما يختص بثلاثة أنواع من ~~الدعوى: # أحدها: أن يكون فيما يتعلق ببخس وتطفيف في كيل أو وزن. # والثاني: ما يتعلق بغش أو تدليس في مبيع أو ثمن. # والثالث: فيما يتعلق بمطل وتأخير لدين مستحق مع المكنة، وإنما جاز نظره ~~في هذه الأنواع الثلاثة من الدعاوى دون ما عداها من سائر الدعاوى؛ لتعلقها ~~بمنكر ظاهر هو منصوب لإزالته، واختصاصها بمعروف بين هو مندوب إلى إقامته؛ ~~لأن موضوع الحسبة إلزام الحقوق والمعونة على استيفائها، وليس للناظر فيها ~~أن يتجاوز ذلك إلى الحكم الناجز والفصل البات، فهذا أحد وجهي الموافقة. # والوجة الثاني: إن له إلزام المدعى عليه للخروج من الحق الذي عليه، وليس ~~هذا على العموم في كل الحقوق، وإنما هو خاص في الحقوق التي جاز له سماع ~~الدعوى فيها، وإذا وجبت باعتراف وإقرار مع تمكنه وإيساره، فيلزم المقر ~~الموسر الخروج منها ودفعها إلى مستحقها؛ لأن في تأخيره لها منكرا هو منصوب ~~لإزالته. # وأما الوجهان في قصورها عن أحكام القضاء: # فاحدهما: قصورها عن سماع عموم الدعاوى الخارجة عن ظواهر المنكرات من ~~الدعاوى في العقود والمعاملات وسائر الحقوق والمطالبات، فلا يجوز أن ينتدب ~~لسماع الدعوى لها، ولا أن يتعرض للحكم فيها، لا في كثير الحقوق، ولا في ~~قليلها من درهم فما PageV01P352 # دونه، إلا أن يرد ذلك إليه بنص صريح يزيد على إطلاق الحسبة، فيجوز ويصير ~~بهذه الزيادة جامعا بين قضاء وحسبة، فيراعى فيه أن يكون من أهل الاجتهاد، ~~وإن اقتصر به عن مطلق الحسبة، فالقضاة والحكام بالنظر في قليل ذلك وكثيره ~~أحق، فهذا وجه. # والوجه الثاني: إنها مقصورة على الحقوق المعترف بها، فأما ما يتداخله ~~التجاحد والتناكر فلا يجوز للمحتسب أن يسمع بينة على إثبات الحق، ولا أن ~~يحلف يمينا على نفي الحق، والقضاة والحكام بسماع البينة وإحلاف الخصوم أحق. # وأما الوجهان في زيادتها على أحكام القضاء: # فأحدهما: إنه يجوز للناظر فيها أن يتعرض لتصفح ما يأمر به من المعروف ~~وينهى عنه من المنكر ms263 وإن لم يحضره خصم مستعد، وليس للقاضي أن يتعرض لذلك ~~إلا بحضور خصم يجوز له سماع الدعوى منه، فإن تعرض القاضي لذلك خرج عن منصب ~~ولايته، وصار متجوزا في قاعدة نظره. # والثاني: إن للناظر في الحسبة من سلاطة السلطنة واستطالة الحماة فيما ~~تعلق بالمنكرات ما ليس للقضاة؛ لأن الحسبة موضوعة للرهبة، فلا يكون خروج ~~المحتسب إليها بالسلاطة والغلظة تجوزا فيها ولا خرقا، والقضاء موضوع ~~للمناصفة، فهو بالأناة والوقار أحق، وخروجه عنهما إلى سلاطة الحسبة تجوز ~~وخرق؛ لأن موضوع كل واحد من المنصبين مختلف، فالتجوز فيه خروج عن حده. # وأما ما بين الحسبة والمظالم فبينهما شبه موتلف وفرق مختلف. # فأما الشبه الجامع بينهما فمن وجهين: # أحدهما: إن موضوعهما مستقر على الرهبة المختصة بسلاطة السلطنة وقوة ~~الصرامة. # والثاني: جواز التعرض فيهما لأسباب المصالح والتطلع إلى إنكار العدوان ~~الظاهر. # وأما الفرق بينهما فمن وجهين: # أحدهما: إن النظر في المظالم موضوع لما عجز عنه القضاة، والنظر في الحسبة ~~موضوع لما رفه عنه القضاة، ولذلك كانت رتبة المظالم أعلى، ورتبة الحسبة ~~أخفض، وجاز لوالي المظالم أن يوقع إلى القضاة والمحتسب، ولم يجز للقاضي أن ~~يوقع إلى والي المظالم، وجاز PageV01P353 # له أن يوقع إلى المحتسب، ولم يجز للمحتسب أن يوقع إلى واحد منهما، فهذا # الفرق الثاني: إنه يجوز لوالي المظالم أن يحكم، ولا يجوز لوالي الحسبة أن ~~يحكم. # فصل: # وإذا استقر ما وصفناه من موضع الحسبة، ووضع الفرق بينهما وبين القضاء ~~والمظالم فهي تشتمل على فصلين: # أحدهما: أمر بالمعروف. # والثاني: نهي عن المنكر1. # فأما الأمر بالمعروف فينقسم ثلاثة أقسام: # أحدها: ما يتعلق بحقوق الله تعالى. # والثاني: ما يتعلق بحقوق الآدميين. # والثالث: ما يكون مشتركا بينهما. # فأما المتعلق بحقوق الله -عز وجل- فضربان: # أحدهما: يلزم الأمر به في الجماعة دون الانفراد؛ كترك الجمعة في وطن ~~مسكون، فإن كانوا عددا قد اتفق على انعقاد الجمعة بهم -كالأربعين فما زاد- ~~فواجب أن يأخذهم بإقامتها، ويأمرهم بفعلها، ويؤدب على الإخلال بها، وإن ~~كانوا عددا اختلف في انعقاد الجمعة بهم فله ولهم أربعة ms264 أحوال: # أحدها: أن يتفق رأيه ورأي القوم على انعقاد الجمعة بذلك العدد، فواجب بهم ~~فله PageV01P354 # يأمرهم بإقامتها، وعليهم أن يسارعوا إلى أمره بها، ويكون في تأديبهم على ~~تركها ألين من تأديبه على ترك ما انعقد الإجماع عليه. # والحالة الثانية: أن يتفق رأيه ورأي القوم على أن الجمعة لا تنعقد بهم، ~~فلا يجوز أن يأمرهم بإقامتها وهو بالنهي عنها لو أقيمت أحق. # والحالة الثالثة: أن يرى القوم انعقاد الجمعة بهم ولا يراه المحتسب، فلا ~~يجوز له أن يعارضهم فيها ولا يأمر بإقامتها؛ لأنه لا يراه، ولا يجوز أن ~~ينهاهم عنها ويمنعهم مما يرونه فرضا عليهم. # والحالة الرابعة: أن يرى المحتسب انعقاد الجمعة بهم، ولا يراه القوم، ~~فهذا مما في استمرار تركه تعطيل الجمعة مع تطاول الزمان وبعده وكثرة العدد ~~وزيادته، فهل للمحتسب أن يأمرهم بإقامتها اعتبارا بهذا المعنى أم لا؟ على ~~وجهين لأصحاب الشافعي -رضي الله عنه: # أحدهما: وهو مقتضى قول أبي سعيد الإصطخري أنه يجوز له أن يأمرهم بإقامتها ~~اعتبارا المصلحة؛ لئلا ينشأ الصغير على تركها، فيظن أنها تسقط مع زيادة ~~العدد كما تسقط بنقصانه، فقد راعى زياد مثل هذا في صلاة الناس في جامعي ~~البصرة والكوفة، فإنهم كانوا إذا صلوا في صحنه فرفعوا من السجود مسحوا ~~جباههم من التراب، فأمر بإلقاء الحصى في صحن المسجد الجامع، وقال: لست آمن ~~أن يطول الزمان فيظن الصغير إذا نشأ أن مسح الجبهة من أثر السجود سنة في ~~الصلاة. # والوجه الثاني: لا يتعرض لأمرهم بها؛ لأنه ليس له حمل الناس على اعتقاده، ~~ولا أن يأخذهم في الدين برأيه مع تسويغ الاجتهاد فيه، وأنهم يعتقدون أن ~~نقصان العدد يمنع من إجزاء الجمعة، وأما أمرهم بصلاة العيد فله أن يأمرهم ~~بها، وهل يكون الأمر بها من الحقوق اللازمة أو من الحقوق الجائزة؟ على ~~وجهين من اختلاف أصحاب الشافعي فيها، هل هي مسنونة، أو من فروض الكفاية؟ ~~فإن قيل: إنها مسنونة كان الأمر بها ندبا، وإن قيل: إنها من فروض الكفاية، ~~كان الأمر بها حتما. PageV01P355 # فأما ms265 صلاة الجماعة في المساجد، وإقامة الأذان فيها للصلوات فمن شعائر ~~الإسلام، وعلامات التعبد التى فرق بها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بين ~~دار الإسلام ودار الشرك، فإذا اجتمع أهل بلد أو محلة على تعطيل الجماعة في ~~مساجدهم، وترك الأذان في أوقات صلواتهم، كان المحتسب مندوبا إلى أمرهم ~~بالأذان والجماعة في الصلوات، وهل ذلك واجب عليه يأثم بتركه، أو محتسب له ~~يثاب على فعله؟ على وجهين من اختلاف أصحاب الشافعي في اتفاق أهل بلد على ~~ترك الأذان والإقامة والجماعة، وهل يلزم السلطان محاربتهم عليه أم لا؟ # فأما ترك صلاة الجماعة من آحاد الناس، أو ترك الأذان والإقامة لصلاته، ~~فلا اعتراض للمحتسب عليه إذا لم يجعله عادة وإلفا؛ لأنها من الندب الذي ~~يسقط بالأعذار، إلا أن يقترن به استرابة أو يجعله إلفا وعادة، ويخاف تعدي ~~ذلك إلى غيره في الاقتداء به، فيراعي حكم بشواهد حاله، كالذي روي عن النبي ~~-صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "لقد هممت أن آمر أصحابي أن يجمعوا خطبا ~~وآمر بالصلاة فيؤذن لها وتقام، ثم أخالف إلى منزل أقوام لا يحضرون الصلاة ~~فأحرقها عليهم" 1. # وأما ما يأمر به آحاد الناس وأفرادهم فكتأخير الصلاة حتى يخرج وقتها، ~~فيذكر بها ويأمر بفعلها، ويراعي جوابه عنها، فإن قال: تركتها لنسيان حثه ~~على فعلها بعد ذكره، ولم يؤدبه؛ وإن قال: تركتها لتوان وهوان أدبه زجرا، ~~وأخذه بفعلها جبرا، ولا اعتراض على من أخرها، والوقت باق لاختلاف الفقهاء ~~في فضل التأخير، ولكن لو كانت الجماعات في بلد قد اتفق أهله على تأخير ~~صلواتهم إلى آخره، والمحتسب يرى فضل تعجليها، فهل له أن يأمرهم بالتعجيل ~~على وجهين؛ لأن اعتبار جميع الناس لتأخيرها يفضي بالصغير الناشيء إلى ~~اعتقاد أن هذا الوقت دون ما تقدم، ولو عجلها بعضهم ترك من أخرها منهم ما ~~يراه من التأخير. # فأما الأذان والقنوت في الصلوات إذا خالف فيه رأي المحتسب فلا اعتراض له ~~فيه بأمر ولا نهي، وإن كان يرى إذا كان ما يفعل مسوغا في الاجتهاد لخروجه ~~عن معنى ما ms266 قدمناه، PageV01P356 # وكذلك الطهارة إذا فعلها على وجه سائغ يخالف فيه رأي المحتسب من إزالة ~~النجاسة بالمائعات، والوضوء بماء تغير بالمذورات الطاهرات، أو اقتصار على ~~مسح أقل الرأس، أو العفو عن قدر الدرهم من النجاسات، فلا اعتراض له في شيء ~~من ذلك بأمر ولا نهي، وكان له في اعتراضه عليهم في الوضوء بنبيذ التمر عند ~~عدم الماء وجهان، لما فيه من الإفضاء إلى استباحته على كل حال، فإنه ربما ~~آل إلى السكر من شربه، ثم على نظائر هذا المثال -تكون أوامره بالمعروف في ~~حقوق الله تعالى. # فصل: # فأما الأمر بالمعروف في حقوق الآدميين فضربان: عام وخاص1. # فأما العام: فكالبلد إذا تعطل شربه، أو استهدم سوره، أو كان يطرقه بنو ~~السبيل من ذوي الحاجات فكفوا عن معونتهم، فإن كان في بيت المال مال لم ~~يتوجه عليهم فيه ضرر، أمر بإصلاح شربهم وبناء سورهم، وبمعونة بني السبيل في ~~الاجتياز بهم؛ لأنها حقوق تلزم بين المال دونهم، وكذلك لو استهدمت مساجدهم ~~وجوامعهم، فأما إذا أعوز بيت المال كان الأمر ببناء سورهم وإصلاح شربهم ~~وعمارة مساجدهم وجوامعيهم، ومراعاة ببني السبيل فيهم متوجها إلى كافة ذوي ~~المكنة، ولا يتعين أحدهم في الأمر به، وإن شرع ذوو المكنة في عملهم، وفي ~~مراعاة بني السبيل، وباشروا القيام به سقط عن المحتسب حق الأمر به، ولم ~~يلزمهم الاستئذان في مراعاة بني السبيل ولا في بناء ما كان مهدوما، ولكن لو ~~أرادوا هدم ما يعيدون بناءه من المسترم والمستهدم لم يكن لهم الإقدام على ~~هدمه فيما عم أهل البلد من سوره وجامعهم إلا باستئذان ولي الأمر دون ~~المحتسب؛ ليأذن لهم في هدمه PageV01P357 # بعد تضميينه القيام بعمارته، وجاز فيما خص من المساجد في العشائر ~~والقبائل ألا يستأذنوه، وعلى المحتسب أن يأخذهم ببناء ما هدموه، وليس له أن ~~يأخذهم بإتمام ما استأنفوه، فأما إذا كف ذوو المكنة عن بناء ما استهدم ~~وعمارة ما استرم، فإن كان المقام في البلد ممكنا، وكان الشرب -وإن قل مقنعا ~~تاركهم وأباه، وإن تعذر المقام في البلد ms267 لتعطيل شربه واندحاض سوره نظر، فإن ~~كان البلد ثغرا يضر بدار الإسلام تعطيله لم يجز لولي الأمر أن يفسخ في ~~الانتفال عنه، وكان حكمه حكم النوازل إذا حدثت في قيام كافة ذوي المكنة به، ~~وكان تأثير المحتسب في مثل هذا إعلام السلطان به، وترغيب أهل المكنة في ~~عمله، وإن لم يكن هذا البلد ثغرا مصرا بدار الإسلام كان أمره أيسر وحكمه ~~أخف، ولم يكن للمحتسب أن يأخذ أهله جبرا بعمارته؛ لأن السلطان أحق أن يقوم ~~به، ولو أعوزه المال فيستجده فيقول لهم: المستحب ما استدام عجز السلطان عنه ~~أنتم مخيرون بين الانتقال عنه، أو التزام ما يصرف في مصالحه التي يمكن معها ~~دوام استيطانه عنه، أنتم مخيرون بين الانتقال عنه أو التزام ما يصرف في ~~مصالحه التي يمكن معها دوام استيطانه، فإن أجابوه إلى التزام ذلك كلف ~~جماعتهم ما تسمح به نفوسهم، ولم يجز أن يأخذ كل واحد منهم ما سهل عليه وطاب ~~نفسا به، ومن أعوزه المال أعان بالعمل حتى إذا اجتمعت كفاية المصلحة، أو ~~يلوح اجتماعها لضمان كل واحد من أهل المكنة قدرا طاب به نفسا، شرع حينئذ في ~~عمل المصلحة، وأخذ كل ضامن من الجماعة بالتزام ما ضمنه، وإن كان مثل هذا ~~الضمان لا يلزم في المعاملات الخاصة؛ لأن حكم ما عم من المصالح موسع، فكان ~~حكم الضمان فيه أوسع، وإذا عمت هذه المصلحة لم يكن للمحتسب أن يتقدم ~~بالقيام بها حتى يستأذن السلطان فيها؛ لئلا يصير بالتفرد مفتاتا عليه؛ إذ ~~ليست هذه المصلحة من معهود حسبته، فإن قلت وشق استئذان السلطان فيها، أو ~~خيف زيادة الضرر لبعد استئذانه جاز شروعه فيها من غير استئذان. # وأما الخاص فكالحقوق إذا مطلت، والديوان إذا أخرت، فللمحتسب أن يأمر ~~بالخروج منها مع المكنة إذا استعداده أصحاب الحقوق، وليس له أن يحبس بها؛ ~~لأن الحبس حكم، وله أن يلازم عليها؛ لأن لصاحب الحق أن يلازم، وليس له ~~الأخذ بنفقات الأقارب لافتقار ذلك إلى اجتهاد شرعي فيمن تجب له، ويجب عليه ~~إلا ms268 أن يكون الحاكم قد فرضها، فيجوز له PageV01P358 # أن يأخذ له بأدائها، وكذلك كفالة من تجب كفالته من الصغار، والاعتراض له ~~فيها حتى يحكم بها الحاكم، فيجوز حينئذ للمحتسب أن يأمر بالقيام لها على ~~الشروط المستحقة فيها. # وأما قبول الوصايا والودائع، فليس له أن يأمر فيها أعيان الناس وآحادهم، ~~ويجوز أن يأمر بها على العموم حثا على التعاون بالبر والتقوى، ثم على هذا ~~المثال تكون أوامره بالمعروف في حقوق الآدميين. # فصل: # وأما الأمر بالمعروف فيما كان مشتركا بين حقوق الله تعالى وحقوق ~~الآدميين، فكأخذ الأولياء بنكاح الأيامي أكفاءهن إذا طلبن، وإلزام النساء ~~أحكام العدد إذا فورقن، وله تأديب من خالف في العدة من النساء، وليس له ~~تأديب من امتنع من الأولياء1. # ومن نفى ولدا قد ثبت فراش أمه ولحوق نسبه أخذه بأحكام الآباء جبرا وعزره ~~عن النفي أدبا، ويأخذ السادة بحقوق العبيد والإماء، وأن لا يكلفوا من ~~الأعمال ما لا يطيقون، وكذلك أرباب البهائم يأخذهم بعلوفتها إذا قصروا، وأن ~~لا يستعملوها فيما لا تطيق. # ومن أخذ لقيطا وقصر في كفالته، أمره أن يقوم بحقوق التقاطه من التزام ~~كفالته، أو PageV01P359 # تسليمه إلى من يلنزمها ويقوم بها، وكذلك واجد الضوال إذا قصر فيها يأخذه ~~بمثل ذلك من القيام بها، ويكون ضامنا للضالة بالتقصير، ولا يكون به ضامنا ~~اللقيط. # وإذا أسلم الضالة إلى غيره ضمنها؛ ولا يضمن اللقيط بالتسليم إلى غيره، ثم ~~على نظائر هذا المثال يكون أمره بالمعروف في الحقوق المشتركة. # فصل: # وأما النهي عن المنكرات فينقسم ثلاثة أقسام: # أحدها: ما كان من حقوقه الله تعالى. # والثاني: ما كان من حقوق الآدميين. # والثالث: ما كان مشتركا بين الحقين. # فأما النهي عنها في حقوق الله تعالى، فعلى ثلاثة أقسام: # أحدها: ما تعلق بالعبادات. # الثاني: ما تعلق بالمحظورات. # والثالث: ما تعلق بالمعاملات. # فأما المتعلق بالعبادات: فكالقاصد مخالفة هيئاتها المشروعة، والمتعمد ~~تغيير أوصافها المسنونة مثل: من يقصد الجهر في صلاة الإسرار، والإسرار في ~~صلاة الجهر، أو يزيد في الصلاة، أو في الأذان أذكارا غير مسنونة، للمحتسب ms269 ~~إنكارها، وتأديب المعاند فيها إذا لم يقل بما ارتكبه إمام متبوع، وكذلك إذا ~~أخل بتطهير جسده، أو ثوبه، أو موضع صلاته أنكره عليه إذا تحقق ذلك منه، ولا ~~يؤاخذه بالتهم ولا بالظنون؛ كالذي حكي عن بعض الناظرين في الحسبة أنه سأل ~~رجلا داخلا إلى المسجد بنعلين، هل يدخل بهما بيت طهارته، فلما أنكر ذلك ~~أراد إحلافه عليه؛ وهذا جهل من فاعله تعدى فيه أحكام الحسبة، وغلب فيه سوء ~~الظنة، وهكذا لو ظن برجل أنه يترك الغسل من الجنابلة، أو يترك الصلاة ~~والصيام لم يؤاخذه بالتهم، ولم يعامله بالإنكار، ولكن يجوز له بالتهمة أن ~~يعظ ويحذر من عذاب الله على إسقاط PageV01P360 # حقوقه، والإخلال بمفروضاته. فإن راه يأكل في شهر رمضان لم يقدم على ~~تأديبه إلا بعد سؤاله عن سبب أكله إذا التبست أحواله، فربما كان مريضا أو ~~مسافرا، ويلزمه السؤال إذا ظهرت منه أمارات الريب، فإن ذكر من الأعذار ما ~~يحتمله حاله كف عن زجره، وأمره بإخفاء أكله؛ لئلا يعرض نفسه للتهمة، ولا ~~يلزم إحلافه عند الاسترابة بقوله؛ لأنه موكول إلى أمانته، فإن لم يذكر عذرا ~~جاهر بالإنكار عليه مجاهرة ردع، وأدبه تأديب زجر، وهكذا لو علم عذره في ~~الأكل أنكر عليه المجاهرة بتعريض نفسه للتهمة، ولئلا يقتدي به من ذوي ~~الجهالة ممن لا يميز حال عذره من غيره. # وأما الممتنع من إخراج الزكاة: فإن كان من الأموال الظاهرة، فعامل الصدقة ~~يأخذها منه جبرا أخص، وهو بتعزيزه على الغلول إن لم يجد له عذرا أحق، وإن ~~كان من الأموال الباطنة فيحتمل أن يكون المحتسب أخص بالإنكار عليه من عامل ~~الصدقة؛ لأنه لا اعتراض للعامل في الأموال الباطنة، ويحتمل أن يكون العامل ~~بالإنكار عليه أخص؛ لأنه لو دفعها له أجزأه، ويكون تأديبه معتبرا بشواهد ~~حاله في الامتناع من إخراج زكاته، فإن ذكر أنه يخرجها سرا وكل إلى أمانته ~~فيها. # وإن رأى رجلا يتعرض لمسألة الناس في طلب الصدقة، وعلم أنه غني إما بمال ~~أو عمل أنكره عليه وأدبه فيه، وكان المحتسب بإنكاره ms270 أخص من عامل الصدقة. قد ~~فعل عمر -رضي الله عنه- مثل ذلك بقوم من أهل الصدقة، ولو رأى عليه آثار ~~الغنى وهو يسأل الناس أعلمه تحريمها على المستغني عنها، ولم ينكره عليه ~~لجواز أن يكون في الباطن فقيرا، وإذا تعرض للمسألة ذو جلد وقوة على العمل، ~~زجره وأمره أن يتعرض للاحتراف بعمله، فإن أقام على المسألة عزره حتى يقلع ~~عنها. # وإن دعت الحالة عند إلحاح من حرمت عليه المسألة لمال أو عمل إلى أن ينفق ~~علي ذي المال جبرا من ماله، ويؤجر ذا العمل وينفق عليه من أجرته لم يكن ~~للمحتسب أن يفعل ذلك بنفسه؛ لأن هذا حكم والحكام به أحق، فيرفع أمره إلى ~~الحاكم ليتولى ذلك أو يأذن فيه. # وإذا وجد من يتصدى لعلم الشرع وليس من أهله من فقيه أو واعظ، ولم يأمن ~~اغترار الناس به في سوء تأويل أو تحريف جواب، أنكر عليه التصدي لما ليس هو ~~من أهله، وأظهر PageV01P361 # أمره لئلا يغتر به. ومن أشكل عليه أمره لم يقدم عليه بالإنكار عليه إلا ~~بعد الاختبار. قد مر علي ابن أبي طالب -عليه السلام- بالحسن البصري وهو ~~يتكلم على الناس فاختبره، فقال له: ما عماد الدين؟ فقال: الورع، قال: فما ~~آفته؟ قال: الطمع، قال: تكلم الآن إن شئت، وهكذا لو ابتدع بعض المنتسبين ~~إلى العلم قولا خرق به الإجماع، وخالف فيه النص، ورد قوله علماء عصره، ~~أنكره عليه وزجره عنه، فإن أقلع وتاب وإلا فالسلطان بتهذيب الدين أحق، وإذا ~~تعرض بعض المفسرين لكتاب الله تعالى بتأويل عدل فيه عن ظاهر التنزيل إلى ~~باطن بدعة تتكلف له غمض معانيه، أو تفرد بعض الرواة بأحاديث مناكير تنفر ~~منها النفوس، أو يفسد بها التأويل كان على المحتسب إنكار ذلك والمنع منه، ~~وهذا إنما يصح منه إنكاره إذا تميز عنده الصحيح من الفاسد، والحق من ~~الباطل، وذلك من أحد وجهين، إما أن يكون بقوته في العلم واجتهاده فيه حتى ~~لا يخفى ذلك عليه، وإما بأن يتفق علماء الوقت على إنكاره وابتداعه ~~فيستعدونه، فيعول ms271 في الإنكار على أقاويلهم، وفي المنع منه على اتفاقهم. # فصل: # وأما ما تعلق بالمحظورات فهو أن يمنع الناس من مواقف الريب ومظان التهمة، ~~فقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم: "دع ما يريبك إلى ما لا يريبك" 1. # فيقدم الإنكار ولا يعجل بالتأديب قبل الإنكار. # حكي إبراهيم النخعي أن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- نهى الرجال أن ~~يطوفوا مع النساء، فرأى رجلا يصلي مع النساء فضربه بالدرة، فقال الرجل: ~~والله إن كنت أحسنت لقد ظلمتني، وإن كنت أسأت فما علمتني، فقال عمر: لا ~~أقتص اليوم، قال: فاعف عني. قال: لا أعفو، فافترقا على ذلك، ثم لقيه من ~~الغد فتغير لون عمر، فقال له الرجل: يا أمير المؤمنين، كأني أرى ما كان مني ~~قد أسرع فيك؟ قال: أجل، قال: فأشهد الله أني قد عفوت PageV01P362 # عنك. وإذا رأى وقفه رجل مع امرأة في طريق سابل لم تظهر منهما أمارات ~~الريب لم يعترض عليهما بزجر ولا إنكار، فما يجد الناس بدا من هذا. # وإن كانت الوقفة في طريق خال، فخلو المكان ريبة فينكرها، ولا يعجل ~~بالتأديب عليهما حذارا من أن تكون ذات محرم، وليقل: إن كانت ذات محرم فصنها ~~عن مواقف الريب، وإن كانت أجنبية فخف الله تعالى من خلوة تؤديك إلى معصية ~~الله تعالى؛ وليكن زجره بحسب الأمارات. # حكى أبو الأزهر أن ابن عائشة رأى رجلا يكلم امرأة في طريقها، فقال له: إن ~~كانت حرمتك إنه لقبيح بك أن تكلمها بين الناس، وإن لم تكن حرمتك فهو أقبح، ~~ثم ولى عنه وجلس للناس يحدثهم، فإذا برقعة قد ألقيت في حجره مكتوب فيها "من ~~الكامل": # إن التي أبصرتني %~% سحرا أكلمها رسول # أدت إلي رسالة %~% كادت لها نفسي تسيل # من فاتر الألحاظ بج %~% ذب خصره ردف ثقيل # متنكبا قوس الصبا %~% يرمي وليس له رسيل # فلو أن أذنك بيننا %~% حتى تسمع ما تقول # لرأيت ما استقبحت من %~% أمري هو الحسن الجميل # فقرأها ابن عائشة ووجد مكتوبا على رأسها أبو نواس1، فقال ابن عائشة: ما ~~لي وللتعويض ms272 لأبي نواس، وهذا القدر من إنكار ابن عائشة كاف لمثله، ولا يكون ~~لمن ندب للإنكار من ولاه الحسبة كافيا، وليس فيما قال أبو نواس تصريح ~~بفجور؛ لاحتمال أن يكون إشارة إلى ذات محرم، وإن كانت شواهد حاله وفحوى ~~كلامه ينطقان بفجوره وريبته، فيكون من مثل أبي نواس منكرا، وإن جاز أن يكون ~~من غيره منكرا. فإذا رأى المحتسب في هذا PageV01P363 # الحال ما ينكره تأنى وتفحص وراعى شواهد الحال، ولم يعجل بالإنكار قبل ~~الاستخبار، كالذي رواه ابن أبي الزناد عن هشام بن عروة قال: بينما عمر بن ~~الخطاب -رضي الله عنه- يطوف بالبيت إذ رأى رجلا يطوف وعلى عاتقه امرأة مثل ~~المهاة -يعني حسنا وجمالا- وهو يقول [من السريع] : # قدت لهذي جملا ذلولا %~% موطأ أتبع السهولا # أعدلها بالكف أن تميلا %~% أحذر أن تسقط أو تزولا # أرجو بذاك نائلا جزيلا # قال له عمر -رضي الله عنه: يا عبد الله، من هذه التي وهبت لها حجك؟ فقال: ~~امرأتي يا أمير المؤمنين، وإنها حمقاء مرغامة، أكول قمامة، لا يبقى لها ~~خامة. فقال له: ما لك لا تطلقها؟ قال: إنها حسناء لا تفرك، وأم صبيان لا ~~تترك. قال: فشأنك بها. # قال أبو زيد: المرغام المختلط، فلم يقدم عليه بالإنكار حتى استخبره، فلما ~~انتفت عنه الريبة لان له. # وإذا جاهر رجل بإظهار الخمر، فإن كان مسلما أراقها عليه وأدابه، وإن كان ~~ذميا أدبه على إظهارها. # واختلف الفقهاء في إراقتها عليه، فذهب أبو حنيفة إلى أنها لا تراق عليه؛ ~~لأنها عنده من أموالهم المضمونة في حقوقهم، ومذهب الشافعي أنها تراق عليهم؛ ~~لأنها تضمن عنده في حق مسلم ولا كافر. # وأما المجاهرة بإظهار النبيذ، فعند أبي حنيفة أنه من الأموال التي يقر ~~المسلمون عليها، فيمتنع من إراقته، ومن التأديب على إظهاره. وعند الشافعي ~~أنه ليس بمال كالخمر، وليس في إراقته غرم، فيعتبر والي الحسبة بشواهد الحال ~~فيه، فينتهي فيه عن المجاهرة، ويزجر عليها إن كان لمعاقرة، ولا يريقه عليه ~~إلا أن يأمره بإراقته حاكم من أهل الاجتهاد؛ لئلا يتوجه عليه ms273 غرم إن حوكم ~~فيه. # وأما السكران إذا تظاهر بسكره وسخف بهجره أدبه على السكر والهجر تعزيزا ~~لا حدا؛ PageV01P364 # لقة مراقبته وظهور سخفه. # وأما المجاهرة بإظهار الملاهي المحرمة، فعلى المحتسب أن يفصلها حتى تصير ~~خشبا؛ لتزول عن حكم الملاهي، ويؤدب على المجاهرة بها، ولا يكسرها إن كان ~~خشبها يصلح لغير الملاهي. # وأما اللعب فليس يقصد بها المعاصي، وإنما يقصد بها إلف البنات لتربية ~~الأولاد. وفيها وجه من وجوه التدبير تقارنه معصية بتصوير ذوات الأزواج ~~ومشابهة الأصنام، فللتمكين منها وجه، وللمنع منها وجه، وبحسب ما تقتضيه ~~شواهد الأحوال يكون إنكاره وإقراره. # قد دخل النبي -عليه الصلاة والسلام- على عائشة -رضي الله عنها- وهي تلعب ~~بالبنات فأقرها ولم ينكر عليها. # وحكي أن أبا سعيد الإصطخري من أصحاب الشافعي تقلد حسبة بغداد في أيام ~~المقتدر، فأزال سوق الدادي ومنع منها، وقال: لا يصلح إلا النبيذ المحرم، ~~وأقر سوق اللعب ولم يمنع منها، وقال: قد كانت عائشة -رضي الله عنها- تلعب ~~بالبنات بمشهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فلم ينكره عليها؛ وليس ما ~~ذكره من اللعب بالبعيد من الاجتهاد. # وأما سوق الدادي فالأغلب من حاله أنه لا يستعمل إلا في النبيذ، وقد يجوز ~~أن يستعمل نادرا في الدواء وهو بعيد، فبيعه عند من يرى إباحة النبيذ جائز ~~لا يكره، وعند من يرى تحريمه جائز لجواز استعماله في غيره، ومكروه اعتبارا ~~بالأغلب من حاله، وليس منع أبي سعيد منه؛ لتحريم بيعه عنده. وإنما من ~~المظاهرة بإفراد سوقه، والمجاهرة ببيعه إلحالقا له بإباحة ما اتفق الفقهاء ~~على إباحة مقصده؛ ليقع لعوام الناس الفرق بينه وبين غيره من المباحات، وليس ~~يمتنع إنكار المجاهرة ببعض المباحات، كما ينكر المجاهرة بالمباح من مباشرة ~~الأزواج والإماء. # وأما ما لم يظهر من المحظورات، فليس للمحتسب أن يتجسس عنها، ولا أن يهتك ~~الأستار حذرا من الاستتار بها، قال النبي -عليه الصلاة والسلام: "من أتى من ~~هذه القاذورات شيئا فليستتر بستر الله، فإنه من يبد لنا صفحته نقم حد الله ~~تعالى PageV01P365 # عليه" 1. # فإن غلب على الظن استسرار ms274 قوم بها لأمارات دلت، وآثار ظهرت، فذلك ضربان: # أحدهما: أن يكون ذلك في انتهاك حرمة يفوت استدراكها، مثل: أن يخبره من ~~يثق بصدقه أن رجلا خلا بامرأة ليزني بها، أو برجل ليقتله، فيجوز له في مثل ~~هذه الحالة أن يتجسس ويقدم على الكشف والبحث، حذرا من فوات ما لا يستدرك من ~~انتهاك المحارم، وارتكاب المحظورات، وهكذا لو عرف ذلك من المتطوعة جاز لهم ~~الإقدام على الكشف، والبحث في ذلك، والإنكار، كالذي كان من شأن المغيرة بن ~~شعبة. # فقد روي أنه كان تختلف إليه بالبصرة امرأة من بني هلال يقال لها أم جميل ~~بنت محجن ابن الأفقم، وكان لها زوج من ثقيف يقال له: الحجاج بن عبيد، فبلغ ~~ذلك أبا بكر بن مسروح، وسهل بن معبد، ونافع بن الحارث، وزياد بن عبيد، ~~فرصدوه حتى إذا دخلت عليه هجموا عليهما، وكان من أمرهم في الشهادة عليه عند ~~-ماهو مشهور، فلم ينكر عليهم عمر -رضي الله عنه- هجومهم، وإن كان حدهم ~~القذف عند قصور الشهادة. # والضرب الثاني: ما خرج عن هذا الحد وقصر عن حد هذه الرتبة، فلا يجوز ~~التجسس عليه ولا كشف الأستار عنه. # حكي أن عمر -رضي الله عنه- دخل على قومه يتعاقرون على شراب، ويوقدون في ~~أخصاص، فقال: نهيتكم عن المعاقرة فعاقرتم، ونهيتكم عن الإيقاد في الأخصاص ~~فأوقدتم، فقالوا: يا أمير المؤمنين، قد نهاك الله عن التجسس فتجسست، ونهاك ~~عن الدخول بغير إذن فدخلت، فقال عمر -رضي الله عنه: هاتان بهاتين وانصرف ~~ولم يتعرض لهم. فمن سمع أصواتا ملأة منكرة من دار تظاهر أهلها بأصواتهم ~~أنكرها خارج الدار، ولم يهجم عليه بالدخول؛ لأن المنكر ظاهر وليس عليه أن ~~يكشف عما سواه من الباطن. PageV01P366 # فصل: # وأما المعاملات المنكرة كالزنا والبيوع الفاسدة، وما منع الشرع منه مع ~~تراضي المتعاقدين به إذا كان متفقا على حظره، فعلى والي الحسبة إنكاره ~~والمنع منه، والزجر عليه، وأمره في التأديب مختلف بحسب الأحوال وشدة الحظر. # وأما ما اختلف الفقهاء في حظره وإباحته فلا مدخل له في إنكاره، إلا ms275 أن ~~يكون مما ضعف الخلاف فيه، وكان ذريعة إلى محظور متفق عليه كربا النقد، ~~فالخلاف فيه ضعيف، وهو ذريعة إلى ربا النساء المتفق على تحريمه، فهل يدخل ~~في إنكاره بحكم ولايته أو لا؟ على ما قدمناه من الوجهين. # وفي معني المعاملات وإن لم تكن منها عقود المناكح المحرمة ينكرها إن اتفق ~~العلماء على حظرها؛ ولا يتعرض لإنكارها إن اختلف الفقهاء فيها، إلا ان يكون ~~مما ضعف الخلاف فيه، وكان ذريعة إلى محظور متفق عليه كالمتعة، فربما صارت ~~ذريعة إلى استباحة الزنا، ففي إنكاره لها وجهان، وليكن بدل إنكاره لها ~~الترغيب في العقود المتفق عليها. # ومما يتعلق بالمعلاملات غش المبيعات وتدليس الأثمان، فينكره ويمنع منه، ~~ويؤدب عليه بحسب الحال فيه، روي عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: ~~"ليس منا من غش" 1. # فإن كان هذا الغش تدليسا على المشتري ويخفى عليه فهو أغلظ الغش تحريما ~~وأعظمها مأثما، فالإنكار عليه أغلظ، والتأديب عليه أشد، وإن كان لا يخفى ~~على المشتري كان أخف مأثما وألين إنكارا، وينظر في مشتريه، فإن اشتراه ~~ليبيعه من غيره توجه الإنكار على البائع لغشه، وعلى المشتري بابتياعه؛ لأنه ~~قد يبيعه لمن لا يعلم بغشه، فإن كان يشتريه ليستعمله خرج المشتري من جملة ~~الإنكار، وتفرد البائع وحده، وكذلك القول في تدليس الأثمان. # ويمنع من تصرية المواشي، وتحفيل ضروعها عند البيع للنهي عنه، فإنه نوع من ~~التدليس. PageV01P367 # ومما هو عمدة نظره المنع من التطفيف والبخس في المكاييل والموازين ~~والصنجات؛ لوعيد الله تعالى عليه عند نهيه عنه، وليكن الأدب عليه أظهر ~~والمعاقبة فيه أكثر، ويجوز له إذا استراب بموازين السوقة ومكاييلهم أن ~~يختبرها ويعايرها، ولو كان له على ما عايره منها طابع معروف بين العامة لا ~~يتعاملون إلا به كان أحوط وأسلم. # فإن فعل ذلك وتعامل قوم بغير ما طبع بطابعه توجه الإنكار عليهم إن كان ~~مبخوسا من وجهين: # أحدهما: لمخالفته في العدول عن مطبوعه، وإنكاره من الحقوق السلطانية. # والثاني: للبخس والتطفيف في الحق، وإنكاره من الحقوق الشرعية، فإن كان ما ms276 ~~تعاملوا به من غير المطبوع سليما من بخس ونقص توجه الإنكار عليهم بحق ~~السلطنة وحدها لأجل المخالفة؛ وإن زور قوم على طابعه كان المزور فيه ~~كالمهرج على طابع الدراهم والدنانير، فإن قرن التزوير بغش كان الإنكار عليه ~~والتأديب مستحقا من وجهين: # أحدهما: في حق السلطنة من جهة التزوير. # والثاني: من جهة الشرع في الغش وهو أغلظ النكرين، وإن سلم التزوير من غش ~~تفرد بالإنكار السلطاني منهما فكان أحقهما، وإذا اتسع البلد حتى احتاج أهله ~~فيه إلى كيالين ووزانين ونقادين تخيرهم المحتسب، ومنع أن ينتدب لذلك إلا من ~~ارتضاه من الأمناء الثقات، وكانت أجورهم من بين المال إن اتسع لها، فإن ضاق ~~قدرها لهم حتى لا يجزي بينهم فيها استزادة ولا نقصان، فيكون ذلك ذريعة إلى ~~الممايلة والتحيف في مكيل أو موزون. # وقد كان الأمراء يقومون باختيارهم وترتيبهم لذلك، ويثبتونهم بأسمائهم في ~~الدواوين حتى لا يختلط بهم غيرهم ممن لا تؤمن وساطته، فإن ظهر من أحد هؤلاء ~~المختارين للكيل والوزن تحيف في تطفيف أو ممايلة في زيادة أدب، أخرج عن ~~جملة المختارين، ومنع أن يتعرض للوساطة بين الناس، وكذلك القول في اختيار ~~الدلالين، يقر منهم الأمناء ويمنع الخونة، وهذا مما يتولاه ولاة الحسبة إن ~~قعد عند الأمراء. # وأما اختيار القسام والزراع، فالقضاة أحق باختيارهم من ولاة الحسبة؛ ~~لأنهم قد PageV01P368 # يستنابون في أموال الأيتام والغيب. # وأما اختيار الحراسين في القبائل والأسواق فإلى الحماة وأصحاب المعاون، ~~وإذا وقع في التطفيف تخاصم جاز أن ينظر المحتسب إن لم يكن مع الخصم فيه ~~تجاحد وتناكر، فإن أفضى إلى تجاحد وتناكر كان القضاة أحق بالنظر فيه من ~~ولاة الحسبة؛ لأنهم بالأحكام أحق، وكان التأديب فيه إلى المحتسب، فإن تولاه ~~الحاكم جاز لاتصاله بحكمهم، ومما ينكره المحتسب في العموم ولا ينكره في ~~الخصوص والآحاد التبايع بما لم يألفه أهل البلد من المكاييل والأوزان التي ~~لا تعرف فيه إن كانت معروفة في غيره، فإن تراضي بها اثنان لم يعترض عليهما ~~الإنكار والمنع، ويمنع أن يرسم بها قوم من ms277 العموم؛ لأنه قد يعاملهم فيها من ~~لا يعرفها فيصير مغرورا. # فصل: # وأما ما ينكر من حقوق الآدميين المحصنة، فمثل أن يتعدى رجل في حد لجاره، ~~أو في حريم لداره، أو في وضع أجذاع على جداره، فلا اعتراض للمحتسب فيه ما ~~لم يستعده الجاز؛ لأنه يخصه، فينصح منه العفو عنه والمطالبة به، فإن خاصمه ~~فيه كان للمحتسب النظر فيه إن لم يكن بينهما تنازع وتناكل، وأخذ المتعدي ~~بإزالة تعديه، وكان له تأيبه عليه بحسب شواهد الحال. فإن تنازعا كان الحاكم ~~بالنظر فيه أحق، ولو أن الجار أقر جاره على تعديه وعفا عن مطالبته بهدم ما ~~تعدى فيه، ثم عاد مطالبا بعد ذلك كان له ذلك، وأخذ المتعدي بعد العفو عند ~~بهدم ما بناه؛ ولو كان قد ابتدأ البنا ووضع الأجذاع بإذن الجار، ثم رجع في ~~إذنه لم يؤخذ الثاني بهدمه. # ولو انتشرت أغصان الشجرة إلى دار جاره كان للجار أن يستعدي المحتسب حتى ~~يعديه على صاحب الشجرة؛ ليأخذه بإزالة ما انتشر من أغصانها في داره ولا ~~تأديب عليه؛ لأن انتشارها ليس من فعله، ولو انتشرت عروق الشجرة تحت الأرض ~~حتى دخلت في قرار أرض الجار لم يؤخذ بقلعها، ولم يمنع الجار من التصرف في ~~قرار أرضه، وإن قطعها نصب الملك تنورا في داره، فتأذى الجار بدخانه لم ~~يعترض عليه ولم يمنع منه، وكذلك لو نصب في PageV01P369 # داره رحى أو وضع فيها حدادين أو قصابين لم يمنع؛ لأن للناس التصرف في ~~أملاكهم بما أحبوا، وما يجد الناس من مثل هذا بدا، وإذا تعدى مستأجر على ~~أجير في نقصان أجرة أو استزادة عمل كفه عن تعديه، وكان الإنكار عليه معتبرا ~~بشواهد حاله، ولو قصر الأجير في حق المستأجر فنقصه من العمل، أو استزاده في ~~الأجرة منعه وأنكره عليه إذا تخاصما إليه، فإن اختلفا وتناكرا كان الحاكم ~~بالنظر بينهما أحق. # ومما يؤخذ ولادة الحسبة بمراعاته من أهل الصنائع في الأسواق ثلاثة أصناف: ~~منهم من يراعي عمله في الوفور والقصير؛ ومنهم من يراعي في حالة ms278 الأمانة ~~والخيانة، ومنهم من يراعي عمله في الجودة والرداءة. # فأما من يراعي في عمله في الوفور والتقصير فكالطبيب والمعلمين؛ لأن ~~الطبيب إقداما على النفوس يفضي التقصير فيه إلى تلف أو سقم، والمعلمين من ~~الطرائق التي ينشأ الصغار عليها ما يكون نقلهم عنها بعد الكبير عسيرا، فيقر ~~منهم من توفر عمله وحسنت طريقته، ويمنع من قصر وأساء من التصدي لما يفسد به ~~النفوس وتخبت به الآداب. # وأما من يراعي في الأمانة والخيانة فمثل الصاغة والحاكة والقصارين ~~والصباغين؛ لأنهم ربما هربوا بأموال الناس، فيراعي أهل الثقة والأمانة منهم ~~فيقرهم، ويبعد من ظهرت خيانته ويشهر أمره؛ لئلا يغتر به من لا يعرفه، وقد ~~قيل: إن الحماة وولاة المعاون أخص بالنظر في أحوال هؤلاء من ولاية الحسبة ~~وهو الأشبة؛ لأن الخيانة تابعة للسرقة. # وأما من يراعي عمله في الجودة والرداءة فهو مما ينفرد بالنظر فيه ولاة ~~الحسبة، ولهم أن ينكروا عليهم في العموم فساد العمل ورداءته، وإن لم يكن ~~فيه مستعد. وأما في عمل مخصوص اعتاد الصانع فيه الفساد والتدليس. فإذا ~~استعداه الخصم قابل عليه بالإنكار والزجر، فإن تعلق بذلك غرم روعي حال ~~الغرم، فإن افتقر إلى تقرير أو تقويم لمن يمكن للمحتسب أن ينظر فيه؛ ~~لافتقاره إلى اجتهاد حكمي، وكان القاضي بالنظر فيه أحق، وإن لم يفتقر إلى ~~تقدير ولا تقويم، واستحق فيه المثل الذي لا اجتهاد فيه ولا تنازع، فللمحتسب ~~أن ينظر فيه بإلزام الغرم والتأديب على فعله؛ لأنه أخذ بالتناصف وزجر عن ~~التعدي. # ولا يجوز أن يسعر على الناس الأقوات ولا غيرها في رخص ولا غلاء، وأجازه ~~مالك في الأقوات مع الغلاء. PageV01P370 # فصل: # وأما ما ينكر من الحقوق المشتركة بين حقوق الله تعالى وحقوق الآدميين، ~~فكالمنع من الإشراف على منازل الناس، ولا يلزم من علا بناؤه أن يستر سطحه، ~~وإنما يلزم أن لا يشرف على غيره، ويمنع أهل الذمة من تعلية أبنيتهم على ~~أبنية المسلمين، فإن ملكوا أبنية عالية أقروا عليها، ومنعوا من الإشراف ~~منها على المسلمين، وأهل الذمة بما شرط ms279 عليهم في ذمتهم من لبس الغيار، ~~والمخالفة في الهيئة، وترك المجاهرة بقولهم في العزيز والمسيح، ويمنع عنهم ~~من تعرض لهم من المسلمين بسبب أو أذى، ويؤدب عليه من خالف فيه. وإذا كان في ~~أئمة المساجد السابلة والجوامع الجفلة من يطيل الصلاة حتى يعجز عنها ~~الضعفاء، وينقطع بها ذوو الحاجات، أنكر ذلك عليه كما أنكره رسول الله -صلى ~~الله عليه وسلم- على معاذ بن جبل حين أطال الصلاة بقومه وقال: "أفتان أنت ~~يا معاذ" 1. # فإن أقام على الإطالة ولم يمتنع منها لم يجز أن يؤدبه عليها، ولكن يستبدل ~~به من يخففها. # وإذا كان في القضاء من يجيب الخصوم إذا قصدوه، ويمتنع من النظر بينهم إذا ~~تحاكموا إليه حتى تقف الأحكام ويستضر الخصوم، فللمحتسب أن يأخذه مع ارتفاع ~~الأعذار بما ندب له من النظر بين المتحاكمين، وفصل القضاء بين المتنازعين، ~~ولا يمنع علو رتبته من إنكار ما قصر فيه. # قد مر إبراهيم بن بطحاء والي الحسبة بجانبي بغداد بدار أبي عمر بن حماد، ~~وهو يومئذ قاضي القضاة، فرأى الخصوم جلوسا على بابه ينتظرون جلوسه للنظر ~~بينهم، وقد تعالى النهار وهجرت الشمس، فوقف واستدعى حاجبه وقال: تقول لقاضي ~~القضاة: الخصوم جلوس على الباب وقد بلغتهم الشمس وتأذوا بالانتظار، فإما ~~جلست لهم أو عرفتهم عذرك فينصرفوا ويعودوا. وإذا كان في سادة العبيد من ~~يستعملهم فيما لا يطيقون الدوام عليه كان منعهم، والإنكار عليهم موقوفا على ~~استعداء العبيد على وجه الإنكار والعظة، فإذا استعدوه منع حينئذ وزجر. ~~PageV01P371 # وإذا كان من أرباب المواشي من يستعملها فيما لا يطيق الدوام عليه أنكره ~~المحتسب عليه ومنعه منه، وإن لم يكن فيه مستعد إليه، فإن ادعى المالك ~~احتمال البهيمة لما يستعملها فيه جاز للمحتسب أن ينظر فيه؛ لأنه وإن افتقر ~~إلى اجتهاد فهو عرفي يرجع فيه إلى عرف الناس وعاداتهم، وليس باجتهاد شرعي، ~~والمحتسب لا يمنع من اجتهاد العرف. # وإن امتنع من اجتهاد الشرع. وإذا استعداه العبد في امتناع سيده من كسوته ~~ونفقته جاز أن يأمره بهما ويأخذه بالتزامهما، ولو ms280 استعداه من تقصير سيده ~~فيهما لم يكن له في ذلك نظر، ولا إلزام؛ لأنه في التقدير يحتاج إلى اجتهاد ~~شرعي، ولا يحتاج في التزام الأصل إلى اجتهاد شرعي؛ لأن التقدير منصوص عليه ~~ولزومه غير منصوص عليه. # وللمحتسب أن يمنع أرباب السفن من حمل ما لا تسعه ويخاف منه غرقها، وكذلك ~~يمنعهم من المسير عند اشتداد الريح، وإذا حمل فيها الرجال والنساء حجز ~~بينهم بحائل. # وإذا اتسعت السفن نصب للنساء مخارج للبراز؛ لئلا يتبرجن عند الحاجة. # وإذا كان في أسهل الأسواق من يختص بمعاملة النساء راعى المحتسب سيرته ~~وأمانته، فإذا تحققها منه أقره على معاملتهن، وإن ظهرت منه الريبة وبان ~~عليه الفجور منعه من معاملتهن، وأدبه على التعرض لهن؛ وقد قيل: إن الحماة ~~وولاة المعاون أخص بإنكار هذا والمنع منه من ولاة الحسبة؛ لأنه من توابع ~~الزنا. # وينظرون إلى الحسبة في مقاعد الأسواق، فيقر منها ما لا ضرر فيه على ~~المارة، ويمنع ما استضر به المارة؛ ولا يقف منعه على الاستعداء إليه، وجعله ~~أبو حنيفة موقوفا على الاستعداء إليه. # وإذا بني قوم في طريق سابل منع منه، وإن اتسع الطريق يأخذهم بهدم ما بنوه ~~ولو كان المبني مسجدا؛ لأن مرافق للسلوك للأبنية. # وإذا وضع الناس الأمتعة وآلات الأبنية في مسالك الشوارع والأسواق ~~ارتفاقا؛ لينقلوه حالا بعد حال مكنوا منه، وان لم يستضر به المارة؛ ومنعوا ~~منه إن استضروا به، وهذا القول في إخراج الأجنحة والأسبطة، ومجاري المياه، ~~وآبار الحشوش يقر ما لا يضر ويمنع ما ضر، ويجتهد المحتسب رأيه فيما ضر، وما ~~لم يضر؛ لأنه من الاجتهاد العرفي دون الشرعي. PageV01P372 # والفرق بين الاجتهادين أن الاجتهاد الشرعي ما روعي فيه أصل ثبت حكمه ~~بالشرع، والاجتهاد العرفي ما روعي فيه أصل ثبت حكمه بالعرف، ويوضح الفرق ~~بينهما بتمييز ما يسوغ فيه اجتهاد المحتسب مما هو ممنوع الاجتهاد فيه. ~~ولوالي الحسبة أن يمنع من نقل الموتى من قبورهم إذا دفنوا في ملك أو مباح، ~~إلا في أرض مغصوبة، فيكون لمالكها أن يأخذ من دفنه ms281 فيها بنقله منها، واختلف ~~في جواز نقلهم من أرض قد لحقها سيل أو ندى، فجوزه الزبيري وأباه غيره. # ويمنع من خصاء الآدميين والبهائم، ويؤدب عليه، وإن استحق فيه قودا أو دية ~~استوفاه لمستحقه ما لم يكن فيه تناكر وتنازع. # ويمنع من خضاب الشيب بالسواد، إلا للمجاهدة في سبيل الله، ويؤدب من يصبغ ~~به للنساء، ولا يمتنع من الخضاب بالحناء والكتم، فيمنع من التكسب بالكهانة ~~واللهو، ويؤدب عليه الآخذ والمعطي. وهذا فصل يطول أن يبسط؛ لأن المنكرات لا ~~ينحصر عددها فتستوفى، وفيما ذكرناه من شواهدنا دليل على ما أغفلناه. # والحسبة من قواعد الأمور الدينية، وقد كان أئمة الصدر الأول يباشرونها ~~بأنفسهم؛ لعموم صلاحها وجزيل ثوابها؛ ولكن لما أعرض عنها السلطان، وندب لها ~~من هان، وصارت عرضة للتكسب وقبول الرشا لان أمرها وهان على الناس خطرها، ~~وليس إذا وقع الإخلال بقاعدة سقط حكمها، وقد أغفل الفقهاء عن بيان أحكامها ~~ما لم يجز الإخلال به، وإن كان أكثر كتابنا هذا يشتمل على ما قد أغفله ~~الفقهاء أو قصروا فيه، فذكرنا ما أغفلوه، واستوفينا ما قصروا فيه. # وأنا أسأل الله توفيقا لما توخيناه، وعونا على ما نويناه بمنه ومشيئته؛ ~~وهو حسبي ونعم الوكيل. # تم بحمد الله وعونه كتاب # الأحكام السلطانية والولايات الدينية # لقاضي القضاة # أبي الحسن علي بن محمد بن حبيب البصري البغدادي الماوردي. # والحمد الله أولا وآخرا، وصلاته وسلامه على سيدنا محمد وعلى آله وصحابته ~~أجمعين. PageV01P373 ms282