######OpenITI# #META# 000.SortField :: JK_001269 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: الماوردي #META# 010.AuthorNAME :: أبو الحسن علي بن محمد الماوردي #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 450 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: تسهيل النظر وتعجيل الظفر في أخلاق الملك #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: كتب التراث السياسي #META# 022.BookVOLS :: 1 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: تسهيل النظر وتعجيل الظفر في أخلاق الملك #META# 030.LibURI :: JK_001269 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: NODATA #META# 031.LibURL :: NODATA #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: محي هلال السرحان وحسن الساعاتي #META# 041.EdNUMBER :: NODATA #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: دار النهضة العربية #META# 044.EdPLACE :: بيروت #META# 045.EdYEAR :: 1981 #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # تسهيل النظر وتعجيل الظفر PageV01P001 # | بسم الله الرحمن الرحيم # # | مقدمة # الحمد لله الذي جعل الحق معزا لمن اعتقده وتوخاه ومعينا لمن اعتمده ~~وابتغاه وجعل الباطل مذلا لمن آثره وارتضاه ومذيلا لمن أظهره واقتفاه حمدا ~~يوازن جميل نعمه ويضاهي جزيل قسمه و صلى الله عليه وسلم محمد النبي وآله ~~وأصحابه # أما بعد فإن الله جل اسمه ببليغ حكمته وعدل قضائه جعل الناس أصنافا ~~مختلفين وأطوارا متباينين ليكونوا بالاختلاف مؤتلفين وبالتباين متفقين ~~فيتعاطفوا بالإيثار تابعا ومتبوعا ويتساعدوا على التعاون آمرا ومأمورا كما ~~قال الشاعر # ( وبالناس عاش الناس قدما ولم يزل % من الناس مرغوب إليه وراغب ) + من ~~الطويل + PageV01P003 فوجب التفويض إلى إمرة سلطان مسترعى ينقاد الناس ~~لطاعته ويتدبرون بسياسته ليكون بالطاعة قاهرا وبالسياسة مدبرا # وكان أولى الناس بالعناية ما سيست به الممالك ودبرت به الرعايا والمصالح ~~لأنه زمام يقود إلى الحق ويستقيم به أود الخلق # وقد أوجزت بهذا الكتاب من سياسة الملك ما أحكم المتقدمون قواعده فإن لكل ~~ملة سيرة ولكل زمان سريرة فلم يغن ما سلف عن مؤتلف من الشريعة عهودها ومن ~~السياسة معهودها ليكون للدين موافقا وللدنيا مطابقا # & وجعلت ما تضمنه بابين # فالباب الأول في أخلاق الملك & # & والباب الثاني في سياسة الملك & # ليكون مشتملا على معتقد ومفعول ومصلحا لعامل ومعمول وترجمته بتسهيل النظر ~~وتعجيل الظفر إذ كان ما تضمنه داعيا إليه وباعثا 2 آ عليه # وأنا أسأل الله الكريم حسن المعونة والتوفيق وأرغب إليه في إمدادي بالرشد ~~والتسديد وهو حسبي ونعم الوكيل PageV01P004 & الباب الأول في أخلاق الملك & # تمهيد # الأخلاق غرائز كامنة تظهر بالاختيار وتقهر بالاضطرار # وللنفس أخلاق تحدث عنها بالطبع ولها أفعال تصدر عنها بالإرادة فهما ضربان ~~لا تنفك النفس منهما # أخلاق الذات # وأفعال الإرادة PageV01P005 # | الفصل الأول أخلاق الذات # فأما أخلاق الذات فهي من نفائج الفطرة وسميت أخلاقا لأنها تصير كالخلقة # والإنسان مطبوع على أخلاق قل ما حمد جميعها أو ذم سائرها وإنما الغالب أن ~~بعضها محمود وبعضها مذموم لاختلاف ما امتزج من غرائزه ومضادة ما تنافر من ~~نحائزه فتعذر لهذا التعليل ms01 أن يستكمل فضائل الأخلاق طبعا وغريزة ولزم لأجله ~~أن تتخللها رذائل الأخلاق طبعا وغريزة فصارت الأخلاق غير منفكة في جبلة ~~الطبع وغريزة الفطرة من فضائل محمودة ورذائل مذمومة كما قال الشاعر # ( وما هذه الأخلاق إلا طبائع % فمنهن محمود ومنها مذمم ) + من الطويل + # قال بعض الحكماء PageV01P006 # لكل خلق من الفضل رقيب من الدناءة لا يمتنع منه إلا مؤثر للفضل على ما ~~سواه # | من هو الفاضل # وإذا استقرت هذه الأخلاق على هذه القاعدة فالفاضل من غلبت فضائله رذائله ~~فقدر بوفور الفضائل على قهر الرذائل فسلم من شين النقص وسعد بفضيلة التخصيص ~~ولذلك قال علي عليه السلام أول ما تبتدئون به من جهادكم جهاد أنفسكم # وهذا واضح لأن صلاح النفس يصلح ما عداها فكانت أحق بالتقديم 2 ب وأولى ~~بالتقويم # | إلى أي شيء تعود الأخلاق # واختلف في الأخلاق هل هي عائدة إلى الفضائل والرذائل أو إلى النفس التي ~~تصدر عنها الفضائل والرذائل لظهور الأخلاق بهما # وذهب بعضهم إلى أنها عائدة إلى الذات التي حدوث النفس عنها PageV01P007 # | لأي شيء تراد فضائل الذات # واختلفوا في فضائل الذات هل تراد لذواتها أو للسعادة الحادثة عنها # فذهب بعض الحكماء إلى أن المراد بالفضائل ذواتها لأنها المكسبة للسعادة # وذهب بعضهم إلى أن المراد بها السعادة الحادثة عنها لأنها الغاية ~~المقصودة بها # | إلى أي شيء تتوجه السعادة # واختلفوا في السعادة هل تتوجه إلى الفضائل المحمودة أو إلى ما يحدث عن ~~الفضائل من الحمد # فذهب بعض الحكماء إلى توجه السعادة إلى الفضائل المحمودة لأنها نتيجة ~~أفعاله # وذهب بعضهم إلى توجه السعادة إلى ما يحدث عن الفضائل من الحمد لأنها ثمرة ~~فضائله # | وجوب اهتمام ذي الإمرة بمراعاة أخلاقه # فحق على ذي الأمرة والسلطان أن يهتم بمراعاة أخلاقه وإصلاح شيمه لأنها ~~آلة سلطانه وأس إمرته وليس يمكن صلاح جميعها بالتسليم إلى الطبيعة والتفويض ~~إلى النحيزة إلا أن يرتاض لها بالتقويم والتهذيب رياضة تهذيب وتدريج وتأديب ~~فيستقيم له الجميع بعضها خلق مطبوع وبعضها خلق مصنوع لأن الخلق طبع وغريزة ~~والتخلق تطبع وتكلف كما ms02 قال الشاعر # ( يا أيها المتحلي غير شيمته % ومن سجيته الإكثار والملق ) PageV01P008 # ( عليك بالقصد فيما أنت فاعله % إن التخلق يأتي دونه الخلق ) # قال بعض الحكماء ليس شيء عولج إلا نفع وإن كان ضارا ولا شيء أهمل إلا ضر ~~وإن كان نافعا # | أنواع الأخلاق # فتصير الأخلاق نوعين PageV01P009 # غريزية طبع عليها # ومكتسبة تطبع لها # والملوك 3 آ بالفضائل الغريزية أخص بها من العامة لأنها فيهم أوفر وعليهم ~~أظهر لما خصوا به من كرم المنشأ وعلو الهمة # والعامة بالفضائل المكتسبة أخص من الملوك لأنهم إلى التماسها أسرع ~~ولكلالها أطوع لكثرة فراغهم لها وتوفرهم عليها إما لرغبة في جدواها وإما ~~لرغبة في عدواها # وهذان المعنيان في الملوك معدومان إلا من شرفت نفسه فمال إليها لعلو همته ~~وتوفر عليها لكرم طبعه لأنه لا يعرى من فضل مكتسب ولا يخلو من فعل مستصوب ~~ليتفرد بفضائل النفس كما تفرد بعز السلطان والأمر فيصير بتدبير سلطانه أخبر ~~وعلى سياسة رعيته أقدر والحمد يستحق على الفضائل المكتسبة لأنها مستفادة ~~بفعله ولا يستحق على الفضائل المطبوعة فيه وإن حمدت لجودها بغير فعله # | تفاضل الأخلاق # واختلف في أفضلهما ذاتا # ففضل بعض الحكماء أخلاق الطبع الغريزي على أخلاق التطبع المكتسب لقوة ~~الغريزي وضعف المكتسب PageV01P010 # وفضل آخرون أخلاق التطبع المكتسب على أخلاق الطبع الغريزي لأنها قاهرة ~~لأضدادها بالانتقال إلى ما ضادها # وقال آخرون كل واحد منهما محتاج إلى الآخر لأن الأخلاق لا تنفك منهما ~~بمنزلة الروح والجسد # وكما لا يظهر أعمال الروح إلا الجسد ولا ينهض الجسد إلا بحركة الروح كذلك ~~الغريزة والاكتساب متقابلان في الفعل ومتشاركان في الفضل فتساويا في الطبع ~~والغريزة كما قال البحتري # ( ولست أعتد للفتى حسبا % حتى يرى في فعاله حسبه ) + من المنسرح + # وفرق بعض أهل اللغة بينهما في الاسم فقال # الطبع هو الختم والتطبع هو الخلق # 3 ب PageV01P011 # | الفصل الثاني أوائل الفضائل وأواخرها # مبادئ الفضائل # وللفضائل مبادئ هي أوائل وأواخر # وأول الفضائل العقل # وآخرها العدل # لأن العقل أصل الفضائل بحدوثها عنه وتدبيرها به فلذلك كان أولها # والعدل نتيجة الفضائل ms03 لأنها مقدرة به فلذلك صار آخرها # وهما قرينان مؤتلفان وما ائتلف أمران إلا كان أحدهما محتاجا إلى الآخر ~~اضطرارا وما سواهما من الفضائل واسطة بين العقل والعدل يختص العقل بتدبيرها ~~والعدل بتقديرها فيكون العقل مدبرا والعدل مقدرا وليس تنفك الفضائل بواحد ~~منهما وإنما تنفك بالنفس المطيقة لهما فإن كانت النفس زكية صافية تهيأت ~~للفضائل فعملت بها # وإن كانت خبيثة تهيأت PageV01P012 للرذائل فعدلت إليها وصار ما وافقها ~~منهما سهلا عليها في سرعة انفعاله بحكم المناسبة وما خالفها صعبا عليها في ~~تأخر انفعاله بحكم المنافرة # لأن موافقة الأشكال مركوزة في الطباع كما قيل # المودة مشاكلة طبيعية في أنواع شخصية يماثل بعضها بعضا من حيث يعلم ومن ~~حيث لا يعلم # قال بعض الحكماء المتقدمين # إن قواعد الأخلاق الفاضلة أربع يتفرع عنها ما عداها من الفضائل وهي ~~التمييز والنجدة والعفة والعدل ويتفرع عن أضدادها الكثير من الرذائل # | أوائل الرذائل وأواخرها # وللرذائل مبادئ هي أوائل وغايات هي أواخر PageV01P013 # فأول الرذائل الحمق # وآخرها الجهل # وفي الفرق بينهما وجهان # أحدهما أن الأحمق هو الذي يتصور الممتنع بصورة الممكن والجاهل هو الذي لا ~~يعرف الممتنع من الممكن # والوجه الثاني أن الأحمق هو الذي يعرف الصواب ولا يعمل به والجاهل هو ~~الذي 4 آ لا يعرف الصواب ولو عرفه لعمل به # وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال # ( الأحمق أبغض خلق الله إليه إذ حرمه أعز الأشياء إليه وهو العقل . . . ) # والعرب تقول الأحمق مأخوذ من حمقة السوق إذا نقصت وكأنه إشارة إلى ذهاب ~~عقله # وللجاهل حالتان PageV01P014 # الحال الأولى أن يجهل ويعلم أنه يجهل # وهذا يجوز أن يسترشد فيعلم ما جهل إن أمد بحمية باعثة وأعين بنفس قابلة ~~كما قيل # لولا الخطأ ما أشرق نور الصواب # قال الشاعر # ( إذا صح حس المرء صح قياسه % وليس يصح العقل من فاسد الحس ) + من الطويل ~~+ # والحال الثانية أن يجهل ويجهل أنه يجهل # فهو أسوأهما حالا وأقبحهما خصالا لأنه إذا جهل جهله صار جهلين متشاكلين ~~في الصور مختلفين في الأثر # أحدهما ms04 سالب لهدايته # والآخر جالب لغوايته # فطاح بالأول في سكراته # ومرح بالآخر في هفواته # فلم يختر له فاقه # ولم ترج له إفاقة # وقد قال جالينوس # الجهل بالجهل جهل مركب PageV01P015 # لأن أجهل وأعلم أنني أجهل أحب إلي من أن أجهل وأجهل أنني أجهل # قال سليمان بن داود عليه السلام # النائحة على الميت سبعة أيام وعلى الجاهل كل أيام حياته والموت خير من ~~الحياة الردية # وقيل في منثور الحكم # الجاهل وإن توفرت عليه الأيام فكأنه ابن يومه وتلاد ساعته # وقال بعض العرب # لو صور العقل لاظلمت معه الشمس ولو صور الجهل لأضاء معه الليل # قال الشاعر # ( للعقل ما خلق الإنسان فالتمسن % بالعقل حظك لا بالجهل والرتب ) ~~PageV01P016 # ( 4 ب لا يلبث الجهل أن يجني لصاحبه % ذما ويذهب عنه بهجة الحسب ) + من ~~البسيط + # | ما هي الفضائل # والفضائل توسط محمود بين رذيلتين مذمومتين من نقصان يكون تقصيرا أو زيادة ~~تكون سرفا فيكون فساد كل فضيلة من طرفيها # فالعقل واسطة بين الدهاء والغباء # والحكمة واسطة بين الشر والجهالة # والسخاء واسطة بين التقتير والتبذير # والشجاعة واسطة بين الجبن والتهور PageV01P017 # والحياء واسطة بين القحة والحصر # والوقار واسطة بين الهزء والسخافة # والسكينة واسطة بين السخط وضعف الغضب # والحلم واسطة بين إفراط الغضب ومهانة النفس # والعفة واسطة بين الشره وضعف الشهوة # والغيرة واسطة بين الحسد وسوء العادة # والظرف واسطة بين الخلاعة والفدامة # والمودة واسطة بين الخلابة وحسن الخلق # والتواضع واسطة بين الكبر ودناءة النفس # | تركيب الفضائل مع غيرها # وقد يحدث من تركيب فضائل مع غيرها من الفضائل فضائل أخر # فيحدث من تركيب العقل مع الشجاعة الصبر في الملمات والوفاء بالإيعاد ~~PageV01P018 # وعن تركيب العقل مع السخاء إنجاز المواعيد والإسعاد بالجاه # وعن تركيب العقل مع العفة النزاهة والرغبة عن المسألة # وعن تركيب الشجاعة مع السخاء الإملاق والأخلاق # وعن تركيب الشجاعة مع القوة إنكار الفواحش والغيرة على الحرم # وعن تركيب السخاء مع العفة الإسعاف بالقوت والإيثار على النفس # | نتائج كثير من الأخلاق تؤول إلى رذائل # ولكثير من الأخلاق نتائج تؤول إلى رذائل # حكي عن ms05 علي عليه السلام أنه قال # أعجب ما في الإنسان نفسه وما فيها من التضاد ما أذكره # إن سنح لها الرجاء أذلها الطمع # وإن أهاجها الطمع أهلكها الحرص # وإن ملكها اليأس قتلها الأسف # وإن عرض لها الغضب اشتد بها الغيظ PageV01P019 # وإن أسعدها الرضا أنسيت التحفظ # وإن نالها خوف شغلها الحذر # وإن اتسع لها الأمن استلبتها العزة # وإن جددت لها نعمة أحدثت لها مرحا # وإن أصابتها مصيبة فضحها الجزع # وإن نالت مالا أطغاها الغي # وإن أفرط عليها الشبع كظتها البطنة # فكل تقصير بها مضر # وكل إفراط لها مفسدة وقال غيره PageV01P020 الإفراط في التواضع مذلة # والإفراط في التكبر يستحر البغضة # والإفراط في الحذر يدعو إلى إيهام الخلق # والإفراط في الأنس يكسب قرناء السوء # والإفراط في الإنقاص يوحش ذوي النصيحة # قال ابن المعتز # لو ميزت الأشياء لكان الكذب مع الجبن والصدق مع الشجاعة والراحة مع اليأس ~~والذل مع الطمع والحرمان مع الحرص # | أقسام الخلق الذاتي # وقد ينقسم قسمين # أحدهما ما أوجب ثناء المخلوقين . . PageV01P021 # وهو ما عدا نفعه عليهم # والثاني ما اقتضى ثناء الخالق # وهو ما قصد به وجه الله تعالى # روى جعفر بن محمد قال # ناجى الله بعض أنبيائه فقال يا رب أي خلقك أحب إليك # قال أكثرهم لي ذكرا # قال يا رب فأي خلقك أصبر # قال أكظمهم للغيظ # قال يا رب فأي خلقك أعدل # قال من أدان نفسه # قال يا رب فأي خلقك أغنى # قال أقنعهم برزقه # قال يا رب فأي خلقك أسعد # قال من آثر أمري على هواه # قال يا رب فأي خلقك أشقى # قال من لم تنفعه الموعظة 5 ب # فهذا ما تعلق بأخلاق الذات PageV01P022 # | الفصل الثالث أفعال الإرادة # أسبابها # وأما أفعال الإرادة فتصدر عن أسباب باعثة عليها داعية إليها وهي # العقل # والرأي # والهوى # فأما الارادة فليست حادثة إلا عن أحدها # وأما العقل والرأي فمؤتلفان وهما علة الفضائل # | الفرق بين العقل والرأي # وفي الفرق بينهما وجهان # أحدهما أن العقل ما تيقن به الصواب من الخطأ والرأي غلبة الظن في ترجيح ~~الصواب ms06 على الخطأ # والوجه الثاني أن العقل هو الموجب لأمر لا يجوز خلافه والرأي هو سكون ~~النفس إلى ترجيح أمر يجوز خلافه # ثم يتفقان في النعت والصفة ويختلفان في العلة والنتيجة # فالعقل لازم لمحله ومستقل بحكمه والرأي معترض يستمد العقل ويستضيء بنوره ~~ولذلك قيل PageV01P023 # ظن العاقل أصدق من يقين الجاهل # وقال علماء العرب # سمي العقل عقلا لأنه يعقل صاحبه عن القبائح # وكان المأمون ينشد كثيرا قول الشاعر # ( يعد عظيم الناس من كان عاقلا % وإن لم يكن في قومه بحسيب ) # ( وإن حل أرضا عاش فيها بعقله % وما عاقل في بلدة بغريب ) + من الطويل + ~~PageV01P024 # ولئن كان العقل مستقلا ببصيرته فقد يزداد بالتجارب تيقظا وبممارسة الأمور ~~تحفظا فلا يلتبس عليه حزم ولا ينتقص عليه عزم # وقيل # كل شيء يحتاج إلى العقل والعقل يحتاج إلى التجارب # وقد قيل # استر عورة الحداثة بدراية كتب المتقدمين # واستعن على إدراك الأحوط بحفظ آثار الماضين # قال بعض الحكماء # من لم تلقح رأيه التجارب عقمت همته # فنظمه بعض الشعراء PageV01P025 # ( من لم تلقحه نوائب دهره % وحوادث الأيام فهو عقيم ) + من الكامل + # | الهوى # 6 آ وليجهدن أن لا يجعل لنفسه في الهوى نصيبا # وقد قيل # من أذل هواه عز # وقال بعض الحكماء # ( لنعم أخو التقوى فتى طاهر الحجى % خميص من الفحشاء عف المسالك ) # ( فتى ملك اللذات أن يعتبدنه % وما كل ذي لب لهن بمالك ) + من الطويل + # وقال آخر PageV01P026 # ( وألتذ ما أهواه والموت دونه % كشارب سم في إناء مفضض ) # ( فتوشك أمراضي تؤوب بمرضة % تفرق ما بيني وبين ممرضي ) + من الطويل + ~~PageV01P027 # | الفصل الرابع الكرم والمروءة # # | بين الكرم والمروءة # فأما الكرم والمروءة فهما قرينان في الفضل ومتشاكلان في العقل # والفرق بينهما مع التشاكل من وجهين # أحدهما أن الكرم مراعاة الأحوال أن يكون على أنفعها وأفضلها # والمروءة مراعاة الأحوال أن يكون على أحسنها واجملها # والوجه الثاني أن الكرم ما تعدى نفعه إلى غير فاعله والمروءة قد تقف على ~~فاعلها ولا تتعدى إلى غيره # فإن استعملها في غيره ما زجت الكرم ولم ينفرد بالمروءة وصار بالاجتماع ~~أفضل ms07 وإن افترقا كان الكرم أفضل لتعدي نفعه وتعدي النفع أفضل # وليس واحد من الكرم والمروءة خلقا مفردا ولكنه يشتمل على أخلاق يصير ~~مجموعها كرما ومروءة # | المروءة # روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال # ( من عامل الناس فلم يظلمهم وحدثهم فلم يكذبهم ووعدهم فلم يخلفهم فهو ممن ~~كملت مروءته وظهرت عدالته ووجبت أخوته ) # قال بعض البلغاء 6 ب PageV01P028 من شرائط المروءة أن تعف عن الحرام ~~وتتصلف عن الآثام وتنصف في الحكم وتكف عن الظلم ولا تطمع في ما لا تستحق ~~ولا تستطيل على من لا تسترق ولا تعين قويا على ضعيف ولا تؤثر دنيا على شريف ~~ولا تسر ما يعقب الوزر والإثم ولا تفعل ما يقبح الذكر والاسم # قال سليمان بن عبد الملك لأبي حازم # أي عباد الله أكرم # قال أولو المروءة والنهي الذين نهوا النفس عن الهوى ولم يقولوا لعل وعسى # قال أنوشروان لابنه PageV01P029 # من الكامل المروءة # قال من حصن دينه ووصل رحمه وأكرم إخوانه # وفي اشتقاق اسم المروءة من كلام العرب ما يدل على فضيلتها عندهم وعظم ~~خطرها في نفوسهم ففيه وجهان # أحدهما مشتقة من المروءة والإنسان فكأنها مأخوذة من الإنسانية # والوجه الثاني أنها مشتقة من المريء وهو ما استمرأه الإنسان من الطعام ~~لما فيه من صلاح الجسد فأخذت منه المروءة لما فيها من صلاح النفس # | انقسام الفضائل مع الكرم والمروءة # فكل كرم ومروءة فضيلة وليس كل فضيلة كرما ومروءة بل تنقسم الفضائل مع ~~الكرم والمروءة إلى أربعة أقسام PageV01P030 # القسم الأول ما يدخل من الفضائل في الكرم والمروءة كالعفو والعفة ~~والأمانة # والقسم الثاني ما يدخل في الكرم ولا يدخل في المروءة كالحمد والرحمة ~~والحمية والبذل والمساعدة # والقسم الثالث ما يدخل في المروءة ولا يدخل في الكرم كعلو الهمة وحسن ~~المعاشرة ومراعاة المنازل والملابس 7 آ # والقسم الرابع ما لا يدخل في الكرم ولا المروءة كالشجاعة والصبر على ~~الشدة # فاجتمع الكرم والمروءة في بعض الفضائل وافترقا في بعضها فصار الكرم أعم ~~من المروءة في بعض الفضائل والمروءة أعم ms08 من الكرم في بعض الفضائل فلم يتعين ~~عموم أحدهما وخصوص الآخر وإن تناسب ما ميز به احدهما PageV01P031 # | الفصل الخامس السجايا والأخلاق # هذا ما استقرت عليه قواعد الأخلاق # | الفرق بين السجايا والأخلاق # أما السجايا فقد اختلف في الفرق بينها وبين الأخلاق على وجهين # أحدهما أن السجايا ما لم يظهر الطبائع والأخلاق ما أظهرتها فكانت قبل ~~ظهورها سجايا وصارت بعد ظهورها أخلاقا # والوجه الثاني أن السجايا ما لم يتغير لطبع ولا تطبع والأخلاق ما يجوز أن ~~يتغير بطبع وتطبع # وزعم بعض علماء الطب أن السجايا والأخلاق تابعة لمزاج البدن في أحوال ~~الطباعة بالزيادة والنقصان تزيد بزيادتها وتنقص بنقصانها # فزعموا أن الغضب يسرع بكثرة المرة الصفراء ويضعف بقلتها وتكثر الحرارة ~~والقحة والشجاعة مع وفور الدم وتقل لقلته ويكثر الخبث والدهاء والمكر لغلبة ~~المرة ويقل إن قلت ويكثر الحلم والاناة لغلبة البلغم ويقل إن قل # فاذا اعتدلت فيه هذه الأمزجة اعتدلت أخلاقه فكانت فضائل وإن تجاوزت ~~الاعتدال إلى زيادة أو نقصان خرجت عن الفضائل إلى الرذائل في الزيادة ~~والنقصان # والذي عليه المتدينون أن الله تعالى ركبها في النفوس وطبعها في الفطر 7 ب ~~بحسب إرادته على ما قدره من أحوال عباده وجعل اختلاف الأخلاق كاختلاف الخلق ~~والصور التي لها علة غير إرادية PageV01P032 # وأما الشيم فكالسجايا في قول الأكثرين وكالأخلاق في قول الأقلين # والفرق بين الغرائز والنحائز أن الغرائز ما امتزج بالطبع والنحائز ما ظهر ~~بالقوة # | أحوال الإنسان في أخلاقه # فإذا وضح ما ذكرناه من أحوال الأخلاق من صلاح وفساد وحمد وذم فليس يخلو ~~الإنسان من إحدى ست أحوال # إحداهن أن تكون أخلاقه كلها صالحة في الأحوال كلها فهي النفس الزاكية ~~وصلاحها هو الخير التام وصاحبها هو السيد بالاستحقاق فيحفظ صلاح أخلاقه كما ~~يحفظ صلاح جسده ولا يغفل عن مراعاتها ثقة بصلاحها فإن الهوى مراصد والمهمل ~~معرض للفساد # قال بعض الحكماء # النفس عروف عزوف ونفور ألوف متى ردعتها ارتدعت ومتى حملتها حملت وإن ~~أهملتها فسدت # قال علي بن عبيدة الريحاني # إن من شأن النفس أنها ms09 كلما أعطيت رخصة في الغفلة والنسيان ازدادت أكثر ~~مما أعطيت وردها قبل العادة أهون من ردها بعد الحاجة PageV01P033 # ولذلك قالت العرب في أمثالها # لو نهيت الأولى لانتهت الأخرى # قال عمر بن عبد العزيز لمولاه مزاحم # إن الولاة جعلوا العيون على العوام وأنا أجعلك عينا على نفسي فإن سمعت ~~كلمة وبخني عليها وفعالا لا تحبه مني فعظني عنده # والاستظهار بمثل 8 آ هذه الأحتياط # قال بعض الحكماء # إن للناس أفهاما يحفظون عليك أفهامك فربما ذكروك ما قد أنسيت وأتاك عنهم ~~ما قد سقط عن علمك فعلى حسب ذلك فليكن حذرك من ذمهم وقهرك لهم بصيانة نفسك ~~عندهم # والحال الثانية # أن تكون أخلاقه كلها فاسدة في الأحوال كلها فهي النفس الخبيثة وفسادها هو ~~الشر التام وصاحبها هو الشقي بالاستحقاق فيعالج فساد نفسه كعلاج مرض جسده ~~وهو أصعب أحوالها علاجا وأبطؤها صلاحا لأنها تنتقل إلى ضد بغير ضد وترد عن ~~طبع بغير طبع # قال بعض الحكماء # لا مرض أوجع من قلة العقل PageV01P034 # ولأن يداوي المرء عقله من الجهل أحرى به أن يداوي بدنه من المرض فتلين ~~بشماسها وتتدرج في مراسها لينقلها بالتدريج عن أحوال متقاربة إلى غاية ~~متناهية # فرائض الفيل الوحشي يقوده بالتدريج إلى ضد طباعه قال الشاعر # ( والنفس راغبة إذا رغبتها % وإذا ترد إلى قليل تقنع ) + من الكامل + ~~فيحكم العقل عليها فكفى به مدبرا ناصحا وسفيرا مصلحا كما قيل # القلوب خواطر بالهوى # والعقول تزجر وتنهى PageV01P035 وفي التجارب علم مستفاد والاعتبار يفيدك ~~الرشاد وكفاك أدبا ما تكره من غيرك فعظ نفسك بالعبرة # وقيل لبعض الحكماء متى بدأت بطلب الشرف والفضل فقال منذ الوقت الذي بدأت ~~فيه بمعاتبة نفسي على ما أنا فيه من القبائح # والحال الثالثة # أن تكون أخلاقه صالحة في كل الأحوال فتنقلب كلها إلى الفساد 8 ب في كل ~~الأحوال فهو المستعاذ به من الحور بعد الكور # وليس تكون إلا عن أسباب ناقلة لا تنفك فيها من أحد ثلاثة أمور إما من سوء ~~منشأ PageV01P036 # وإما من غلبة شهوة # وإما من إهمال ms10 وقلة تحفظ # فيعالجه بالضد من سببه فان في صلاح الطبع عونا على فساد الاكتساب ولن ~~يستصعب انقياد طبع طرأ عليه عارض # قال الشاعر # ( وما النفس إلا حيث يجعلها الفتى % فإن أعطيت تاقت وإلا تسلت ) + من ~~الطويل + # ولئن تغير الطبع بالإهمال فهو إلى أصله أبرع وإذا أنقصته الحمية كان إلى ~~الاستقامة أسرع # قال بزرجمهر # من طباع النفس استدامة المعاذير لصاحبها فيما مضى والوجالة فيما بقى ~~PageV01P037 # فليعلم العاقل أنها إن سهلت له العذر في قبيح أتاه أنه قد اكتسب في قبوله ~~فيها مثله # قال الشاعر # ( وإن امرءا لا ينتهي عن غواية % إذا ما اشتهتها نفسه لجهول ) + من ~~الطويل + # والحال الرابعة # أن تكون كل أخلاقه فاسدة في كل الأحوال فتنقلب إلى الصلاح في كل الأحوال ~~فما ذاك إلا لداع غلب على الطبع فاجتذبه وقوي عليه حتى قلبه فيراعي حفظ ~~أسبابه وتقوية مواده ولا يغفله فيجذبه الطبع كما اجتذبه فإن نوازع الطباع ~~أجذب وهي إلى ما ناسبها أقرب وقليل لفساد صلح أن يكون محفوظ الصلاح # قال بعض الحكماء # كل متأدب من غيره متى لم يدم عليه الأدب اختل ما يستفيد منه ورجع 9 آ إلى ~~طبعه # وملاك صلاحها أن تكاثر من وافقه في الصلاح وتجانب من خالفه فيه فإن ~~للصحبة تأثيرا في اكتساب الأخلاق واجتذاب الوفاق لقصور الطرف عليها وسكون ~~النفس إليها ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم # ( المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل ) PageV01P038 # وقال عبد الله بن طاهر # إن لكل شيء حياة وموتا فمما يحيي اللب محادثة الألباء ويحيي الود محادثة ~~الأوداء ويحي العز مضافرة الأعزاء ويحي الذل مظاهرة الأذلاء ويحي الشجاعة ~~مصاحبة الشجعاء ويحي الكرم مواصلة الكرماء ويحيي الحياء مكاثرة أهل الحياء ~~ويحيي اللؤم معاشرة اللئام # قال بعض البلغاء # صلاح الشيم بمعاشرة الكرام وفسادها بمخالطة اللئام # والحال الخامسة # أن تكون بعض أخلاقه صالحة في كل الأحوال وبعضها فاسدة فقد أعطته نفسه من ~~صلاحها شطرا ومنحته من فسادها شطرا وهما فيه متنافران # وفيما أعطت عون على ما منعت إن روعيت ms11 وفيما منعت فساد لما أعطت إن أهملت # وقد قال علي بن عبيدة من كانت فيه خصلة حسنة فليواظب عليها فإن لها دولة ~~تعود إليها ما أدبر عنها فليستعن بشطر صلاحها على شطر PageV01P039 فسادها ~~فإن كل واحد منهما مجذوب والقوة لما أحد وأعين فامدد صرحها بإرشادك وأعنه ~~باجتهادك فلن يبقى لفسادها مع التظاهر عليه لبس وهو بالضد إن انعكس # حكي عن علي رضي الله عنه أنه قال # إذا رأيتم في الإنسان خلة من الشر رابعة فاجتنبوه وإن 9 ب كانت عند الناس ~~خيرا فلها أخوات ونظائر وإذا رأيتم في الإنسان خلة من الخير رابعة فلا ~~تجتنبوه وإن كان عند الناس رجل سوء فلها عنده نظائر وأخوات # والحال السادسة # أن تكون كل أخلاقه صالحة في بعض الأوقات وبعضها فاسدة في بعض الأوقات فقد ~~ترددت النفس بينهما وتوطأت لهما والفساد داخل عليها وليس منها والعقل مساعد ~~والهوى معتد وكل واحد منهما جاذب للنفس وهي تنقاد إلى ما وافقها فإن توفرت ~~فضائلها انقادت للعقل في صلاح الأخلاق وإن توافرت رذائلها مايلت الهوى في ~~فساد الأخلاق لأن العقل علم روحاني يقود إلى الخير والشهوة خلق بهيمي يقود ~~إلى الشر فأطلق عنان النفس إذا انقادت للعقل واقبضه إذا ما يلت الهوى تجدها ~~على الصلاح مساعدة وللفساد معاندة فحسبك بها للعقل عونا وظهيرا # قال الرشيد # قبح الله المرء لا واعظ له من عقله ولا مطيع له من نفسه PageV01P040 # مر أبو نواس بأبي العتاهية فوعظه فقال أبو نواس # ( لن تقلع الأنفس عن غيها % ما لم يكن منها لها واعظ ) + من السريع + # فقال أبو العتاهية وددت أني قلتها بجميع شعري # وقيل بل النفس خلية الذات من الفضائل والرذائل وإنما هي آلة لهما ~~يتجاذبها العقل والهوى فإن غلبها العقل استعملها في الفضائل وإن غلبها ~~الهوى استعملها في الرذائل PageV01P041 # وقال علي بن عبيدة # العقل والهوى ضدان فمؤيد العقل التوفيق وقرين الهوى الخذلان والنفس ~~بينهما فأيهما ظفر كانت في حيزه # وقال وهب بن منبه # إن العقل والهوى يصطرعان في القلب فأيهما صرع ms12 صاحبه 10 آ كانت الغلبة له # وقد نظم ابن الرومي في النفس شعرا خالف فيه الوجهين فقال # ( كن مثل نفسك في السمو إلى العلى % لا مثل طينة جسمك الغدار ) ~~PageV01P042 # ( فالنفس تسمو نحو علو مليكها % والجسم نحو السفل هاو هار ) # ( فأعن أحقهما بعونك واقتسر % طبع السفال بطبعك السوار ) # ( والنفس خيرك إنها علوية % والجسم شرك ليس فيه تمار ) # ( فانفذ لخيرك لا لشرك واتبع % أولاهما بالقادر الغفار ) # ( فالأرض في أفعالها مضطرة % والحي فيه فضيلة المختار ) # ( فإذا جريت على طباعك مثلها % فكأن طبعك بعد من فخار ) + من الكامل + ~~PageV01P043 # | الفصل السادس الأفعال الشريقة بالأخلاق الشريفة # $ شريف الأفعال وشريف الأخلاق # فإذا وضح ما استقرت عليه قواعد الأخلاق من محمود الفضائل ومذموم الرذائل ~~فشريف الأفعال لا يتصرف فيه إلا بشريف الأخلاق سواء كان طبعا أو تطبعا لأن ~~الأفعال نفائج الأخلاق ونوازع الهمم وقد نبه الله تعالى على ذلك في كتابه ~~العزيز بقوله لنبيه صلى الله عليه وسلم # @QB@ وإنك لعلى خلق عظيم @QE@ # لأن النبوة لما كانت أشرف منازل الخلق لاشتمالها على مصالح الدين والدنيا ~~ندب الله تعالى لها من قد أكمل فضائل الأخلاق وحاز أشرف الأعراق ولذلك قال ~~النبي صلى الله عليه وسلم # ( بعثت بمكارم الأخلاق ) # كذلك الإمارة والإمامة لما كانت تالية لحالها وجب أن تكون PageV01P044 ~~مشاكلة لخصالها فلزم أن ينتدب لها من قد أنهضته الفضائل حتى تهذب واستقل ~~بحقوقها حتى تدرب ليسوس الرعايا بآلته ويباشر التدبير بصناعته فلذلك كان ~~الخلفاء الراشدون رضوان الله عليهم أحق من تكاملت فيهم فضائل 10 ب الأخلاق ~~طبعا وتطبعا وأولى من صدرت عنهم محاسن الأفعال سجية وتصنعا لأنهم رعاة ~~مطاعون ودعاة إلى الحق مجابون ليكون الأفضل سائسا للمفضول والأعدل مقوما ~~للجهول فيجتذبهم بكمال فضائله إلى الاقتداء بأخلاقه وطرائقه فأكثر الرعايا ~~أتباع لأمرائهم وملوكهم في الخير والشر والجهل والجد والهزل # قال النبي صلى الله عليه وسلم # ( إثنان من الناس إذا صلحا صلح الناس وإذا فسدا فسد الناس العلماء ~~والأمراء ) # قال بعض الحكماء # الملك كالبحر تستمد منه الأنهار فإذا كان عذبا عذبت وإذا كان ms13 مالحا ملحت ~~PageV01P045 # | أول ما يبدأ به الملك سياسة نفسه وتقويمها # فلزم ذا الإمرة والسلطان أن يبدأ بسياسة نفسه ليحوز من الأخلاق أفضلها ~~ويأتي من الأفعال أجملها فيسوس الرعية بعد رياضته ويقومهم بعد استقامته # قال بعض العلماء # ينبغي للملك أن يبتديء بتقويم نفسه قبل أن يبتديء بتقويم PageV01P046 ~~رعاياه وإلا كان بمنزلة من أراد تقويم ظل معوج قبل تقويم عوده الذي هو ظل ~~له # فإذا بدأ بسياسة نفسه كان على سياسة غيره أقدر وإذا أهمل مراعاة نفسه كان ~~باهمال غيره أجدر فبعيد أن يحدث الصلاح عمن ليس فيه صلاح لأن ضرورة نفسه ~~أمس وهو بتهذيبها أخص فإذا غلب عليه عنادها واستصعب عليه قيادها كان عناد ~~المباين له أغلب وقياده عليه أصعب # قال بعض الحكماء 11 آ # من بدأ بسياسة نفسه أدرك سياسة الناس # قال بعض البلغاء # لا ينبغي للعاقل أن يطلب طاعة غيره وطاعة نفسه ممتنعة عليه # وقيل # إذا عجزت عن أدب نفسك فلا تلم من لا يطيعك PageV01P047 # قال الشاعر # ( أتطمع أن يطيعك قلب سعدى % وتزعم أن قلبك قد عصاكا ) + من الوافر + # | إساءة الظن بالنفس # وربما حسن ظن الإنسان بنفسه فأغفل مراعاة أخلاقه فدعاه حسن الظن بها إلى ~~الرضا عنها فكان الرضا عنها داعيا إلى الانقياد لها ففسد منها ما كان صالحا ~~ولم يصلح منها ما كان فاسدا لأن الهوى أغلب من الرأي والنفس أجور من ~~الاعداء لأنها بالسوء آمرة وإلى الشهوات مائلة كما قال الله عز وجل # @QB@ إن النفس لأمارة بالسوء @QE@ # ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم # ( الشديد من ملك نفسه ) PageV01P048 قال بعض الألباء # من رضي عن نفسه أسخط عليه الناس # | أسباب حسن الظن بالنفس # ولحسن الظن بها أسباب # فمن أقوى أسبابه الكبر والإعجاب وهو بكل أحد قبيح وبالملوك أقبح لأنه من ~~دواعي صغر الهمة وشواهد الاستكثار لعلو المنزلة وهذا من ضعف المنة الذي يجل ~~الملوك عنه لأن قدرتهم تظهر بالقدرة والسلطان لا بالكبر والإعجاب وكفى ~~بالمرء ذما أن تكون همته دون رتبته ومنته أضعف من قدرته # قال بعض الحكماء ms14 # لا ينبغي للعاقل أن يرى شيئا من الدنيا لنفسه خطرا فيكون به تائها # وقال عبد الملك بن مروان PageV01P049 أفضل الناس من تواضع عن رفعة وزهد ~~عن قدرة 11 ب وأنصف عن قوة # وقيل # التواضع في الشرف أشرف من الشرف # | الكبر والإعجاب # والملوك أعلى الناس همما وأبسطهم أملا فلذلك كان الكبر والإعجاب بهم أقبح ~~ونقصه عليهم أفضح # قال عبد الله بن عباس رضي الله عنهما PageV01P050 # سمعت أبا بكر رضي الله عنه يقول # ( إذا أردت شريف الناس كلهم % فانظر إلى ملك في زي مسكين ) # ( ذاك الذي حسنت في الناس رأفته % وذاك يصلح للدنيا وللدين ) + من البسيط ~~+ # لكن السكينة والوقار أولى به من الكبر والإعجاب # ومن الناس من لا يفرق بين الكبر والوقار # وهذا جهل بمعناهما لأن الوقار اقتصار والكبر استطالة # فأما الكبر والإعجاب فقد يجتمعان في الذم ويفترقان في المعنى # فالإعجاب يكون في النفس وما يعتقده من فضائلها # والكبر يكون بالمنزلة وما يتصوره من علوها # فكانت علة الإعجاب من ذاته فصارت ألزم وعلة الكبر طارئة ألأم وهما رذيلتا ~~ذي الفضل والمنزلة # وقيل PageV01P051 # عظمة الإنسان تواضعه # | من أسباب الكبر والإعجاب # وللكبر أسباب # فمن أقوى أسبابه كثرة المتقربين وإطراء المتملقين # الذين قد استبضعوا الكذب والنفاق واستحبوا المكر والخداع لدناءة أنفسهم ~~وضعة أقدارهم فإذا وجدوا لنفاقهم سوقا ولكذبهم تصديقا جعلوه في ذمم النوكى ~~سلما تسلقوه ومغنما أحرزوه فاعتاضوا به دينا وعوضوا منه شيئا وحكم الممدوح ~~بكذب قولهم على صدق علمه بنفسه وجعل لهم طريقا إلى الاستهزاء به لأنهم ~~صدعوه فانصدع وخدعوه فانخدع # ومن 12 آ أجل ذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم # ( احثوا في وجوه المداحين التراب ) PageV01P052 # وقال صلى الله عليه وسلم # ( إياكم والمدح فإنه الذبح ) # وقيل لأنوشروان # لم تتهاونون بالمدح إذا مدحتم # فقال لأننا ربما رأينا ممدوحا هو بالذم أحق # وقيل # حب المدح واسطة بين الفضائل والرذائل فهي آخر الرذائل وأول الفضائل ~~PageV01P053 # وحمل هذا على إطلاقه ذلك # والصواب أن يعتبر فإن أحب المدح ليلتذ بسماع ما ليس فيه كان رذيلة ونقصا ~~وإن أحبه ms15 ليفعل ما يمدح به كان فضيلة لأنه يبعث على فعل الفضائل وما بعث ~~عليها كان منها # وهذا أمر ينبغي لكل عاقل أن يراعيه من نفسه ويفرق بين متملقه احتيالا لما ~~لديه وبين من يخلص له النصيحة من أهل الصدق والوفاء الذين هم مرايا محاسنه ~~وعيونه وأمناء مشهده ومغيبه # قال سليمان بن داود عليه السلام # شفتا الصديق رحمتان وشفتا العدو تنطق بالعداوة # وقيل لبعض الحكماء # من أولى بك منك وأصدق في نصيحتك من نفسك لك # قال # من صدقني إن نزعت ونبهني إن غفلت # فإن أغفل هذا الفرق والتمييز واستسهل الاغترار والتجويز داهن نفسه ونافق ~~عقله واستفسد أهل الوفاء والصدق وصار مأكلة النفاق والملق فأعقبه أذى ومضرة ~~وتورط به في شبهة وحيرة واكتسب به هجنة ومعرة # وقد قيل # المنافق نصف حسده بلا عقل # والسلطان أولى من حذر ذلك وتوقاه لأن حضرته لكثرة الراغبين فيها كالسوق ~~التي يجلب إليها ما ينفق فيها وكل داخل عليه إنما يريد التقرب إليه بقوله ~~وفعله إما طالبا للمنزلة وإما 12 ب اجتذابا للمنفعة وإما حذرا من المخالفة # فإذا لم يزجرهم عقل ولم يكفهم PageV01P054 دين مرحوا في نفاقهم فخانوا ~~وشانوا # وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال # ( لا يمنعن أحدكم رهبة السلطان أن يقول بحق إذا رآه فإنه لا يقرب من أجل ~~ولا يباعد من رزق ) # فإذا اتسق لهم النفاق ورأوه من أرفق الأرزاق عدلوا عن زواجر العقل ~~والمناصحة إلى مساعدة الملك على رأيه لأنهم قد علموا منه إيثار الموافقة ~~على الهوى وحب المدح والإطراء فجعلوا ذلك أربح بضائعهم لديه وألطف وسائلهم ~~إليه وهو سهل التكلف لا يجد المتوسل المتقرب به مسا فيتصور ذمه حمدا وقد ~~اكتسب به ذما ويتوهم قبيحه حسنا وقد أورثه قباحة وشينا ثم لا يجد ناصحا ~~سليما ولا مراقبا رحيما لأن النصح عنده بائر مرذول والخداع إليه نافق مقبول ~~فإن روقبت هفواته بالإغضا وسوعد عليها بالرضا طاح في إغوائه ومرح في غلوائه ~~فطمس بهجة محاسنه وأوهى جلالة قدره وقد قال العتابي ms16 الشاعر PageV01P055 # ( لوم يعيذك من سوء تقارفه % أبقى لعرضك من قول يداجيكا ) # ( لقد رمى بك في تيهاء مهلكة % من كان يكتمك العيب الذي فيكا ) + من ~~البسيط + # وهذا مما يجب أن يتوقاه الملك ويحذره ليكفى مخادعة الهوى ويميزه عن ~~مداهنة النفس # قال النبي صلى الله عليه وسلم # ( إذا أراد الله بعبد خيرا جعل له واعظا من نفسه ) PageV01P056 قال بعض ~~الحكماء # من لم يكن له من نفسه واعظ لم تنفعه المواعظ PageV01P057 # | الفصل السابع شواهد الفضل # # | الوقار # وإذا كان الوقار محمودا وكان ذو القدر به مأمورا فهو أول شواهد الفضل وأس ~~13 أ قواعده فوجب أن نوضح منه فصولا تدل على نظائرها يتبع بعضها بعضا # | التثبت والصمت # فمن ذلك قلة السرع إلى الشهوات والتثبت عند الشبهات والإعراض عن الهفوات ~~وضبط النفس عن سرعة الحركات ثم إطراق الطرف ولزوم الصمت إلا من ضرورة لا ~~يجد فيها من الكلام بدا ليسلم من هذر الاسترسال ويأمن من معرة الطيش فإن ~~الملك مرموق الألحاظ محفوظ الألفاظ تشيع زلاته وتنشر هفواته وبحسب ذلك تكون ~~محاسنه أنشر وفضائله أشهر فهو بالسكوت ممدوح ومن الكلام على خطر وقد قيل # الحصر خير من الهذر لأن الحصر يضعف الحجة والهذر يتلف المهجة PageV01P058 # قال بعض البلغاء # إلزم الصمت فإنه يكسبك صفو المحبة ويؤمنك سوء المغبة ويلبسك ثوب الوقار ~~ويكفيك مؤونة الاعتذار # وتكلم أربعة من حكماء الملوك بأربع كلمات كأنها رمية عن قوس فقال ملك ~~الروم # أفضل علم العلماء السكوت # وقال ملك الفرس # إذا تكلمت بالكلمة ملكتني ولم أملكها # وقال ملك الهند # أنا على رد ما لم أقل أقدر مني على رد ما قلت # وقال ملك الصين # ندمت على الكلام ولم أندم على السكوت PageV01P059 # وليعلم أن الحاجة إلى الصمت أكثر من الحاجة إلى الكلام لأن الحاجة إلى ~~الصمت عامة والحاجة إلى الكلام عارضة فلذلك ما وجب أن يكون صمت العاقل في ~~الأحوال أكثر من الكلام في كل حال # حكي عن بعض الحكماء أنه قال وقد رأى رجلا يكثر من الكلام ويقل السكوت ~~فقال # إن الله ms17 تعالى إنما جعل لك 13 ب أذنين ولسانا واحدا ليكون ما تسمعه ضعف ~~ما تتكلم به PageV01P060 # فإذا دعته الحاجة إلى الكلام سبره قبل إطلاقه وروى فيه قبل إرساله ليكون ~~وفق غرضه وفي إبان حاجته فإن كلامه ترجمان عقله وبرهان فضله وقد قيل # كلام المرء وافد أدبه # وقيل # اللسان وزير الإنسان # فلا يهتك بالاسترسال فيه فضائله ولا يمحو بالتجويز فيه محاسنه فظهور نقص ~~الكلام يغلب على الخافي من فضله لأن الظاهر سابق منتشر والخفي مسبوق مستتر # وقد قيل # الصمت منام والكلام يقظة # فإذا تكلم لوح بالمعنى وجاوز الإكثار فقل من كثر كلامه إلا ظهر خلله وبان ~~زلله PageV01P061 # وقد قيل # الجاهل الصامت يعد حكيما والممسك عما لا ينبغي يعد فهيما # قال الشاعر # ( قد يكشف القول عي اللسان % فيبدو ويستره ما سكت ) # ( فإن كنت تبغي ليان المعاش % فلن للأمور إذا ما التوت ) + من المتقارب + # ولا ينبغي أن يعجب بجيد كلامه ولا بصواب منطقه فإنه بالصواب أحق والعجب ~~إنما يكون ببادر مستظرف وعلى أن سبب الاكثار منه # وفي الإكثار عثار PageV01P062 # قال بعض الحكماء # من أعجب بكلامه أصيب بعقله # وقال الحسن البصري # من لم يكن كلامه حكما فهو لغو ومن لم يكن سكوته تفكرا فهو سهو ومن لم يكن ~~فكره اعتبارا فهو لهو # وكما أن الملك مندوب إلى قلة الكلام فهكذا من أراد خطاب الملك يجب أن ~~يحبس لسانه عن كلامه فإن دعته الحاجة إليه اختصر ففي الإكثار مع الإعثار ~~إضجار PageV01P063 # وقيل # إن كان قوم تقتلهم الحرب كثيرا فإن الذي يقتلهم اللسان أكثر # والموت 14 أ والحياة باللسان هو مما يتجافاه الملك ولا يرخص فيه اليمين ~~والحلف مصرحا أو معرضا فإن الحلف قبيح وهو بالملوك أقبح # ومن قول النبي صلى الله عليه وسلم # ( اليمين حنث أو مندمة ) # قال بعض العلماء PageV01P064 # كثرة الأيمان من قلة الإيمان # ولأن اليمين يقصد بها أحد ثلاثة أوجه يجل الملك عنها إما ليصدق خبره ~~والملك يجل قدره عن الإكذاب وإما ليتحقق وعده أو وعيده وقدرته تمنع من ~~الارتياب وإما لاستراحة في ms18 كلامه فهي عي قبيح ولكن فاضح # وإن دعته الضرورة إليها لشرط في عقد وتوثقة في عهد إلتزم حكمها في ~~السياسة وإن لم يلزم حكمها في الديانة لفساد عقدها واختلال شرطها ولا يتطلب ~~لفسخها مع الصحة تأويلا وإن كان له في الفسخ تأويل ولا يجعل لمخرجه منها ~~تعليلا وإن كان له في الشرع تعليل لتكون عقوده محروسة من فسخ وعهوده محفوظة ~~من نسخ فلا يختلج فيه ظن ولا يقدح فيه طعن فإنه وإن كان له في الدين مخرج ~~منها فما يقف عليه كل من سمع بالتزامها ولا يعرفه إلا العلماء بأحكامها # ولأن يراقب في دنياه بعد مراقبة الله تعالى في دينه فيجمع بين رضا الله ~~تعالى وثناء خلقه أولى من تفرده بأحدهما واطراح الآخر # وقيل # دع ما يسبق إلى القلوب إنكاره وإن كان عندك اعتذاره فما كل من حكى عنك ~~نكرا يطيق أن يوسعه منك عذرا PageV01P065 # فإن لم يجد إلى استدامة التزامها سبيلا أوضح من أسباب عذره وأشاع من وجوه ~~مخرجه قبل شروعه في خلقه ونقضه ما يحفظ عليه سلامة دينه وعرضه فلا ينسب في ~~14 ب يمينه إلى حنث وفي عهده إلى نكث # قال بعض الحكماء # الكذب والغدر يشبهان أسنان الأسد ويفسدان قلوب الناس PageV01P066 # | الفصل الثامن الصدق # # | اعتماد الصدق # ومما هو ألزم في أخلاق الملك وأليق اعتماد الصدق واجتناب الكذب فإنه سهل ~~البادرة خبيث العاقبة لأنه يعكس الأمور إلى أضدادها ويستبدل الحقائق ~~بأغيارها فيضع الباطل موضع الحق ويتخيل أن الكذب يتشبه بالصدق # كلا فإن الزمان يكشف عن خباياه وينم على خفاياه وكذلك قال النبي صلى الله ~~عليه وسلم # ( رحم الله امرءا أصلح من لسانه وأقصر من عنانه وألزم طريق الحق مقوله ~~ولم يعود الخطل مفصله ) # | الحذر من الكذب # فيحذر الكذب جادا وهازلا ولا يرخص لنفسه محقا ولا مبطلا إلا على وجه ~~التورية في خداع الحروب انتهازا للفرصة فيها واختداعا لمكيدتها فما للحرب ~~مهلة ولا للظفر علة فأبيح في التوصل إليها رخص PageV01P067 الكلام كما ~~استعمل فيها رخص الأفعال ولذلك جاءت السنة ms19 بإرخاص الكذب فيها على وجه ~~التورية دون التصريح # قال النبي صلى الله عليه وسلم # ( الحرب خدعة ) # وإذا أمكن أن يكون ذلك بمواضعة غيره كان أولى من أن يكون ذلك بمباشرته ~~بنفسه فإن لم يجد من المباشرة بدا ورى وعرض ليكون التأويل لكلامه محتملا ~~والتصريح بالكذب عنه مشفيا فيعذر إذا ظهر ولا يتصور بالكذب إذا اشتهر ~~وليقلل منه إلا عند ضيق الخناق فإن أكثر منه افتضحت معاريضه فصار صريحا ورد ~~عليه فاسدا وصحيحا # وإن رخص لنفسه في التصريح بالكذب على غير ما قلناه في الحرب PageV01P068 ~~من التعريض المحتمل صار به موسوما 15 آ وإليه منسوبا لأن الإنسان بما يسبق ~~إليه يعرف وبما يظهر من شيمه يوصف وبذلك جرت عادة الخلق أنهم يعدلون العادل ~~بالغالب من أفعاله وربما أساء # ويفسقون الفاسق بالغالب من أفعاله وربما أحسن # وقل ما يمحض أحدهما في الإنسان وإن تمحض ندر قال الشاعر # ( من لك بالمحض وليس محض % يخبث بعض ويطيب بعض ) + من الرجز + # وقال أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه PageV01P069 # لأن يضرني الصدق وقل ما يفعل أحب إلي من أن ينفعني الكذب وقل ما يفعل # ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم # ( أعظم الخطايا اللسان الكذوب ) # قال بعض الحكماء # كذب الملك وغدره من دلائل حادث يحدث في ملكه لأنه يشبه تخليط العليل في ~~العلة يزيده مرضا وفي بدنه زهكا # | الترغيب والترهيب # وإذا وسم بالصدق وقصر كلامه على المهم وكان تبشيره وتحذيره على حسب خطر ~~الأمور التي يجري فيها وعده أو وعيده كانت الفاظه ألقابا وذمه عقابا ~~فاستغنى عن كثير من الإرغاب والإرهاب # وقد اختير للملوك في الترغيب عذوبة الكلام ولين الصوت لأنه أرغب وفي ~~الجهارة بالترغيب تنجح وبالنعمة وهي عنده أحفز PageV01P070 # وفي الترهيب غلظة الكلام وجهارة الصوت لأنه أرهب وفي لين الصوت بالترهيب ~~ضعف لمنه وقدرته # ويجب أن يكون وعده ووعيده بقدر الاستحقاق من غير سرف ولا تقصير في ثواب ~~أو عقاب لتكون أقواله وفق أفعاله التي تقدرت بشرع أو سياسة ولا تتجاوز ~~محدودها ولا تفارق معهودها ms20 # حكي أن أبا بكر الصديق رضي الله تعالى عنه كتب إلى 15 ب عكرمة بن أبي جهل ~~وهو عامله على عمان # إياك أن توعد على معصية بأكثر من عقوبتها فإنك إن فعلت أثمت وإن تركت ~~كذبت PageV01P071 # | الفصل التاسع توقي الغضب # # | الحذر من الغضب # ويحذر الغضب ويتوقاه فإن نفور فورته واشتطاط حدته يسلبان صواب ذوي ~~الألباب ولا يتهذب لهم خطاب ولا يتحصل لهم جواب ولا يتقدر لهم عقاب وقل ما ~~يسلم مع الغضب رأي من زلل وكلام من خطل وفعل من عسف وحق من حرف ودين من جرح ~~وعرض من قدح وجد من طيش وعدد من هيش فهو شر باهر متسلط وأضر معاند مورط لا ~~تعصى بوادره إن غلب ولا تحصى فواقره إن وثب وما اشتملت عليه هذه الأخطار ~~وتقابلت فيه هذه المضار كان التحرز من خطره حزما والسلامة من ضرره غنما ~~وليس ذلك إلا من كان العقل قائده والتوفيق رائده فملك زمام نفسه حتى أطاعته ~~وراض شماسها حتى أجابته فإن مني به الملك قبض نفسه عن الانقياد له حتى يزول ~~عنه اختلاط نفرته واشتطاط قدرته # ثم يتصفح الذنب الذي أغضبه بعد سكون جأشه ويقابل عليه بقدر استحقاقه إن ~~لم ير له في العفو مدخلا ولا في الصفح والتجاوز وجها ليقف على الصواب في ~~قضيته PageV01P072 وعلى العدل في مؤاخذته فلا شيء أضر بالملك من أن تخفى ~~عليه حقائق الذنوب ولا يقف منها على مقادير الحدود # قال النبي صلى الله عليه وسلم # ( إذا استشاط السلطان تسلط الشيطان ) # وقال سليمان بن داود عليه السلام # غضب الملك كالأسد الذي يزأر # وحكي أن بعض ملوك الفرس كتب كتابا ودفعه إلى وزيره وقال إذا أنا غضبت ~~فناولني هذا وكان فيه مكتوبا 16 آ مالك والغضب إنما أنت بشر ارحم من في ~~الأرض يرحمك من في السماء # وكان يفعل هذا ليزول عنه الغضب فيستبين له الصواب حذرا من قبح آثاره وشدة ~~إضراره # فإذا استطفأ ثائر الغضب واستكف بادرة الاشتطاط ثم استعطفه المغضب ~~واسترضاه فمن كرم الشيمة وحسن ms21 العاطفة أن يلين له ويرضى عنه PageV01P073 # قيل من أعجب شيء أن يكون الرجل يلتمس رضاه فلا يرضى وأعجب منه أن يلتمس ~~رضاه فيغضب # قال بعض الحكماء # من لم يقبل التوبة عظمت خطيئته ومن لم يحسن إلى التائب قبحت إساءته # فإن أحب أن يتدرج إلى الرضا لئلا يصل بين ضدين قدم مباديه وسهل دواعيه ~~وكان في السر راضيا وفي الظاهر مغاضيا ليظهر الرضا عن أحوال متقاربة وتنتقل ~~إليه بعد أمور متناسبة فليس بمستبعد إذا كان بطيء الرضا غير أن من أخلاق ~~الملوك سرعة الغضب وليس من أخلاقهم سرعة الرضا # والعلة في ذلك لما قد استقر في القلوب من هيبتهم وأذعنت به النفوس من ~~طاعتهم لا يلاقون ما يكرهون ولا يرون إلا ما يؤثرون فإذا بدر ما يغضبهم خرج ~~عن عرفهم فتعجل به غضبهم وما يرضيهم داخل في عرفهم فلم يتعجل فيه رضاهم # ومن عداهم في الأمرين بخلافهم فلذلك وقع الفرق بين الملوك PageV01P074 ~~وغيرهم في الرضا والغضب فإن لم يظهر غضبهم فهو لسياسة وحزم هم فيه مع كونه ~~فيهم بين أمرين # إما أن يوطئوا أنفسهم للصفح عنه وإما أن يؤخروا 16 ب الأمر إلى وقت ~~الانتقام # والأول كرم ورأفة # والثاني حمية وتقويم # | الحذر من المحل واللجاج # ثم كذلك المحل واللجاج يجب أن يحذره فهو أليف الغضب وحليف العطب لأنه ~~يركب من الأمور أصعبها ويفارق من الآراء أصوبها وقل ما أجدى اللجاج إلا شرا ~~وأقل الأمرين خيرا وكفى بلجاجه مضرة ومعرة أنه إن أكذبه الظن تورك وإن ~~ساعده القضاء شورك فيصير بالمتاركة معذورا وفي المشاركة ممكورا # قال الشاعر # ( وإذا رأيت أخاك لج فلن له % حتى يعود إلى الطريق الأقصد ) # ( إن اللجوج يلج إن لاججته % مثل الشهاب يلج للمستوقد ) + من الكامل + # فإذا انقاد إلى الأمر الأرفق وساعده الرأي الأوفق لم يعدم دركا إن أنجح ~~وعاذرا إن أكدح # قال الشاعر # ( ليبلغ عذرا أو يصيب رغيبة % ومبلغ نفس عذرها مثل منجح ) + من الطويل + ~~PageV01P075 # وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال # ( إن الرفق لم يكن ms22 قط في شيء إلا زانه ولا نزع من شيء إلا شانه ) # وليكن مساهلا للزمان في طلبته مباشرا للقدر في إرادته PageV01P076 ولا ~~يطلب من الأمور متعورا ولا متعذرا ولا يطلب منها مدبرا ولا موليا فإن خاشنه ~~الدهر لان وإن عارضه الدهر استكان فمطاول الدهر مغلول ومعاند القدر مخذول # قال بعض الحكماء # من استعان بالرأي ملك ومن كابر الأمور هلك PageV01P077 # قال الشاعر # ( ومكلف الأيام ضد طباعها % متطلب في الماء جذوة نار ) 17 آ # ( وإذا رجوت المستحيل فإنما % تبني الرجاء على شفير هار ) + من الكامل + ~~PageV01P078 # وليعلم أن الأمور التي تدبرها مما لا تمضي إلا بفرط الصرامة وشدة الهيبة ~~التي هي قاعدة الملك وأس السلطنة وذلك لا يكون إلا لمن خيف غضبه وخشيت ~~سطوته # وليجعل بدل الغضب تغاضبا لا غضبا لأن التغاضب فعله يقدر أن يقف منه على ~~الحد المطلوب ويعرف منه حقائق الذنوب والغضب انفعال فيه اضطر إليه لا يقدر ~~أن يقف منه على قدر حاجته ولا يقتصر منه على قدر كفايته حتى يتجاوز إلى ~~الحد المضر والطيش المعر # ولقد أصاب من كانت عقوبته للأدب وأخطأ من كانت عقوبته للغضب وهذا مما ~~ذكرنا في معنى الطبع والتطبع # قال الشاعر # ( فلم أر للسيادة كالعوالي % ولا للثأر كالقوم الغضاب ) + من الوافر + ~~وعلى هذا القياس لا ينبغي أن يستفزه السرور فتملأ البشائر قلبه وتخلب ~~الأفراح لبه فيصير بها طائشا مرحا لا يلين إن صال ولا يستقيم إن مال فينسبه ~~العدو إلى ضعف العزيمة ولين الهمة وإنه لحقيق بمناسبه إليه ووسمه به # وإذا ضبط نفسه عن هذه الحال وتنزه عن رذل المقال وتصور أن جميع البشائر ~~وإن جلت محتقرة إذا قيست بعلو منزلته وأضيفت إلى عظيم همته كفي استفزاز ~~الفرح واهتزاز المرح فكان أشبه بكماله وأليق باعتداله PageV01P079 # قال الشاعر # ( ولست بمفراح إذا الأمر سرني % ولا جازع من صرفه المتقلب ) + من الطويل ~~+ PageV01P080 # | الفصل العاشر الصبر # # | الصبر والامتثال # وكذلك الحوادث إذا طرقت والنوازل إذا ألمت كانت سهلة الوطأة 17 ب في جنب ~~صبره وشهامته قليلة الأثر لسعة صدره وبعد ms23 همته # فإن طرأ عليه منها طاريء بان فضله على من سواه بالصبر والمسكة عند جزعهم ~~والأناة والوقار عند خذلهم فيكون بصبره ممتثلا أمر الله تعالى فيما أراد ~~راجيا للظفر فيما يقصده ويتوخاه فإن تقلب الدنيا مألوف وأمنها مخوف ولقل ما ~~تساعد أحدا إلا بعد شموس ولا تحسن إليه إلا بعد بوس ولأن يرجو السعادة أولى ~~من أن يخاف فواتها ويختم بها أولى من الخاتمة بضدها # قال بعض الأدباء بالصبر على مواقع الكره تدرك الحظوظ # قال الشاعر # ( إذا المرء لم يأخذ من الصبر حظه % تقطع من أسبابه كل مبرم ) + من ~~الطويل + PageV01P081 # | أقسام الصبر # وليعلم الملك أن الصبر ينقسم ثلاثة أقسام وهو في كل قسم محمود # فأول أقسامه الصبر على ما فات إدراكه من نيل رغائب أو تقضت أوقاته من ~~حلول مصائب وبالصبر في هذا يستفاد راحة القلب وهدوء الجسد # وفقد الصبر فيه منسوب إلى شدة الأسى وإفراط الحزن # فإن صبر طائعا مسلما ورضي بقضاء الله مستسلما أعين على خطبه ونفس عن كربه # وإن ساعد جزعه احتمل هما لازما وصبر كارها آثما PageV01P082 # وحكم الصبر فيه أن لا يرى أسفا على رغبة ولاجزعا من ذنكبة فإن الزمان ~~نحول والهموم نزول # قال الشاعر # ( وفي الصبر عند الضيق للمرء مخرج % وفي طول تحكيم الأمور تجارب ) + من ~~الطويل + # وثاني أقسامه الصبر على ما نزل من مكروه أو حل من أمر مخوف 18 آ وبالصبر ~~في هذا تتفتح وجوه الآراء وتستدفع مكايد الأعداء وفي مثله قال الله تعالى ~~@QB@ واصبر على ما أصابك إن ذلك من عزم الأمور @QE@ PageV01P083 # قال بعض الحكماء # بمفتاح عزيمة الصبر تعالج مغاليق الأمور # وفقد الصبر فيه منسوب إلى الخرق والخور # وحكم الصبر فيه أن لا يدهشه ما هجم ولا يذهله ما ألم فللنوائب قدر معترض ~~وأجل مفترض # قال الشاعر # ( أرى كل ريح سوف تسكن مرة % وكل سحاب عن قليل تقشع ) + من الطويل + ~~PageV01P084 # وثالث أقسامه الصبر فيما ينتظر وروده من رغبة يرجوها أو يخاف حدوثه من ~~رهبة يخشاها # وبالصبر والتلطف يدفع عادية ما يخافه من ms24 الشر وينال نفع ما يرجوه من ~~الخير # قال بعض الحكماء # من استعان بالصبر نال جسيمات الأمور # وفقد الصبر فيه منسوب إلى الطيش والهلع وحكم الصبر فيه منسوب إلى سكون ~~الجأش في أمله وقلة الاستيحاش من وجله فقضاء الله مقدور وأجله مسطور # قال الشاعر # ( اصبري أيتها النفس % فإن الصبر أحجى ) PageV01P085 # ( ربما خاب رجاء % وأتى ما ليس يرجى ) + من الرمل + # فإذا اشتد الجزع والأذى تذكر بقايا النعمة عليه واعتبر بمن سلب ما هو فيه ~~فسيرى منها عزاء يخفف أشجانه ويقلل أحزانه فصفو الدنيا مشوب بالكدر # قال بعض العلماء # من الدنيا على الدنيا دليل # قال الشاعر PageV01P086 # ( ومن عادة الأيام أن خطوبها % إذا سر منها جانب ساء جانب ) + من الطويل ~~+ وأنشد المعري للمأمون PageV01P087 # ( كذبتك نفسك أيها الدهر % لك أن تجور وعندي الصبر ) # ( آليت لا أنهاك عن خطل % حتى يردك من له الأمر ) + الطويل + PageV01P088 # | الفصل الحادي عشر كتمان السر # # | الكتمان والإفشاء # وليس يصح الصبر في الأمور بترك التسرع إليها دون كتمان السر فيها فهو ~~أقوى أسباب الظفر بالمطالب وأبلغ في كيد العدو الموارب # قال النبي صلى الله عليه وسلم # ( استعينوا على الحاجات بالكتمان فإن كل ذي نعمة محسود ) PageV01P089 # وقال أمير المؤمنين علي كرم الله وجهه # سرك أسيرك فإذا تكلمت به صرت أسيره # قال أنوشروان # من حصن سره فله بتحصينه خصلتان الظفر بحاجته والسلامة من السطوات # وكتمان السر ما صينت به الأقوال من الإذاعة وسترت به الأفعال من الإشاعة ~~فلم تر آثاره ولم تنم أخباره فإن لم تعم لم تنم ولقل ما أنجح من أفشى السر ~~فرام أو خلا منه مرام فإن لها عن قبض PageV01P090 عنانه وسها عن حفظ لسانه ~~بدر سره فاستضر وألف إرساله فاستمر ولم يبق مصون إلا انهتك ولا مستور إلا ~~افتضح فبودر قبل بداره وعوجل قبل حذاره وصار إفشاء سره أنكى فيه من مكر ~~عدوه لانه إن اختص بإفشاء سره اختص بما قدمناه من ضره وإن كان مستودعا عنده ~~لغيره صار مستودعه بعد المودة عدوا يطلب ثأره ويستقبل نفاره # قال الشاعر # ( فلا ms25 تأمنن الدهر حرا ظلمته % فما ليل مظلوم كريم بنائم ) + من الطويل + # ولهذا الحذر تواصى به الناس حزما وعزما واتفقوا عليه قولا وعملا # 19 آ حكي أنه تذاكر ناس من أهل الفضل كتمان السر في مجلس عبد الله بن ~~طاهر فقال عبد الله بن طاهر # ( ومستودعي سرا تضمنت سره % فأودعته في مستقر الحشا قبرا ) PageV01P091 # فقال ابنه عبيد الله # ( وما السر في قلبي كثاو بقبره % لأني أرى المقبور ينتظر النشرا ) # ( ولكنني أخفيه حتى كأنني % من الدهر يوما ما أحطت به خبرا ) PageV01P092 # | من يستودع السر # واعلم أن من الأسرار ما لا يستغنى فيها عن مطالعة خليط مساهم واستشارة ~~ناصح مسالم فليخترلها أمينا فإن الركون إلى حسن الظن ذريعة إلى إفشاء السر ~~وأكثر ما يؤتى العاقل في أسراره من حسن ظنه واغتراره فليس كل من كان على ~~الأموال أمينا يجب أن يكون على الأسرار مؤتمنا والعفة عن الأموال أيسر من ~~العفة عن إذاعة الأسرار لأن الإنسان قد يذيع سر نفسه بمبادرة لسانه وسقط ~~كلامه ويشح باليسير من ماله ضنا به وحفظا له ولا يرى ما أضاع من سره كبيرا ~~في جنب ما حفظه من يسير ماله مع عظم الضرر الداخل عليه فمن أجل ذلك كأن ~~أمناء الأسرار أشد تعذرا وأقل وجودا من أمناء الأموال # ولذلك علتان # أحدهما أن الضرر في إضاعة الأموال عاجل والضرر في إذاعة الأسرار آجل ونفس ~~الإنسان موكلة بالأذى وإن حل ما مضى # والثانية أن السر سهل الخروج مع البروز لا يوجد لإذاعته مس فهو ينطلق إن ~~لم يحفظه حزم ولا يقهره عزم والمال صعب المنطلق وثيق المجمع لا يبدو إلا ~~بسماحة نفس يتقابل فيها الشح والسخاء ويترجح فيها المنع والعطاء وفرق بين ~~ما هو مبذول إلا بمانع وبين ما هو ممنوع إلا بباذل PageV01P093 # وإذا كان أمناء الأسرار بهذا العوز تلوم قبل الاختيار 19 ب حتى يظفر بمن ~~تصفو ضمائره وتسلم سرائره ليقل حذره وإن لم يسلم من الحذر لأنه مستسلم ~~والاستسلام غرر وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم # ( احذر ms26 ممن تثق به كأنك تحذر ممن لا تثق به ) # | التحفظ في إيداع السر # فإذا ظفر بهذا الأمين المعوز أودعه سره إيداع منتحرز متحفظ فإن وجده ~~متطلعا إليه ومؤثرا للوقوف عليه حذره وتوقاه فإن طالب الوديعة خائن ومستدعي ~~الأمانة ظنين # قال الشاعر # ( لا تذع سرا إلى طالبه % إنما الطالب للسر مذيع ) + من الرمل + ~~PageV01P094 # ثم لا فسحة في إبداء الأسرار مع الاضطرار إلا لمستشير ليأمن عثارها ~~ويتوقى أخطارها # ويسرها إلى المستشار بالكناية دون الصريح ويشير إليها بالتعريض دون ~~الفصيح إذا كانت أحوال التعريض ممكنة وشواهد الكناية فيها محتملة ليأمن ~~عواقب الإذاعة من ذوي الظنة والاستطالة بالإدلال من ذوي العفة فإن للزمان ~~تغيرا وللإخوان تنكرا # قال بعض الحكماء # من أفشى سره كثر عليه المتآمرون # وفي منثور الحكم # من ضاق صدره اتسع لسانه PageV01P095 # قال الشاعر # ( إذا ضاق صدر المرء عن سر نفسه % فصدر الذي يستودع السر أضيق ) + من ~~الطويل + # وقال بعض الشعراء # ( ألم تر أن وشاة الرجال % لا يتركون أديما صحيحا ) PageV01P096 # ( فلا تفش سرك إلا إليك % فإن لكل نصيح نصيحا ) + من المتقارب + # قال بعض البلغاء # إذا وقفت الرعية على اسرار الملوك هان عليها أمرها # ولا عذر لمن ظفر بسر لم يؤمن عليه أن يذيعه كما لا عذر لمن ظفر بمال لم ~~يؤتمن عليه أن يستبيحه # وليكن في حفظهما على حكم المؤتمن يقضي على نفسه 20 آ في الأمانة بالوفاء ~~وفي اللقط والضوال الشاردة بالأداء # ومما يجب على الملك أن يحفظه على نفسه من أسرارها أن يروضها بفضل حزمه ~~ويأخذها بقوة عزمه حتى لا يظهر في وجهه إمارة سخط ولا رضا ولا يعرف منه ~~آثار حزن ولا سرور فيظهر ما في نفسه وهوكامن وينم عليه وهو آمن فيظن أنه قد ~~كتم سره وقد ذاع وطوى ما في نفسه وقد شاع # وليكن متشاكل الأحوال متماثل الأوصاف ليكون كتوم النفس كما كان كتوم ~~اللسان ولا يبدو من نفسه ما يكره أن يظهر على لسانه ليكمل كتمان أسراره في ~~الحالين # وإن أسوأ العيوب حالا وأظهرها وبالا أن يعرف ms27 ما في نفسه من غير اختباره ~~فيعلمه الثقة والظنين ويشترك فيه الخائن والأمين وهو لو أسره إلى أحد ~~فأذاعه لاستكبره منه ولرأى في موجب السياسة PageV01P097 ومقتضى الحزم أن ~~يؤاخذه به ويعاقبه عليه # فكيف يرضى من نفسه ما يستكره من غيره ويتسامح في ما يعاقب عليه كلا # ولئن كان مرامه صعبا فهو سهل على من ساعده الطبع ثم على من تطبع به عند ~~نفور الطبع فيصير طبعا وتطبعا يسهل على ذي الحزم إذا صادف عزما فإن الكره ~~يسهل بالمرون عليه # فإذا ضبط من نفسه ما ينكر آثاره وينم أسراره كان أفضل حزما وأقوى عزما ~~ممن كتم سره بلسانه فإذا ساعده الأمران لم ينم له سر ولم يعرف له غور ~~PageV01P098 # | الفصل الثاني عشر المشورة # # | فوائد المشورة # وينبغي للملك أن لا يمضي الأمور المستبهمة بهاجس رأيه ولا ينفذ عزائمه ~~المحتملة ببداهة فكره تحرزا من إفشاء سره وأنفة من الاستعانة بغيره حتى ~~يشاور ذوي الأحلام والنهى ويستطلع برأي ذوي الأمانة والتقى 20 ب ممن حنكتهم ~~التجارب فارتاضوا بها وعرفوا موارد الأمور و حقائق مصادرها فإنه ربما كان ~~استبداده برأيه أضر عليه من إذاعة سره وليس كل الأمور أسرار مكتومة ولا ~~الأسرار المكتومة بمشاورة النصحاء فاشية معلومة # قال النبي صلى الله عليه وسلم # ( ما سعد أحد برأيه ولا شقى عن مشورة ) # وقال لمعاذ بن جبل # ( استشر فإن المستشير معان والمستشار مؤتمن واحذر الهوى فإنه قائد ~~الأشقياء ) PageV01P099 # وقد قيل # الاستشارة عين الهداية وقد خاطر من استغنى برأيه # قال بعض الحكماء # حق على العاقل أن يضيف إلى رأيه آراء العلماء ويجمع إلى عقله عقول ~~الحكماء فالرأي الفذ ربما زل والعقل الفرد ربما ضل # ويعتمد على استشارة من صلاحه يكون موصولا بصلاحه إذا كان عريا من الهوى ~~فالهوى مخدعة الألباب ومضلة الصواب PageV01P100 # والعداوة تصد عن النصح والإنصاف وتبعث على الغش والإجحاف ولا يصح مع أحد ~~هذين رأي لمشير ولا يخلص فيهما # قال النبي صلى الله عليه وسلم # ( حبك الشيء يعمي ويصم ) # أي يعمي عن الرشد ويصم عن الموعظة ms28 # وكذلك حال البغض الذي هو ضده لأنها خروج من العدل إلى تقصير أو سرف ~~PageV01P101 # وإذا ظفر بالرأي ممن لا يراه للمشورة أهلا أخفاه حتى لا يتخطى عليه غير ~~أهله ولم يستنكف من العمل به فإن القرائح ليست على قدر الأخطار والرتب ~~وإنما هي ذخائر مستودعة فيمن منحها من نبيه وخامل كما قال النبي صلى الله ~~عليه وسلم # ( الناس معادن كمعادن الذهب والفضة ) # فلا يتصور قبح الحاجة إلى رأي من قل فليس يراد للمباهاة والافتخار فتلتمس ~~فيه أعيان ذوي الأخطار وإنما يراد للصواب والانتفاع كالضالة 21 آ لا يمنعه ~~من أخذها مهانة ملتقطها وكاللؤلؤة لا يمنعه من لبسها ذلة غائصها وكفى ~~بالإنسان سعادة أن تسهل عليه المطالب فيدرك مراده بأهون سعي وأقل عناء # وليس عليه إذا عمل بالرأي أن يعزيه إلى قائله وينسبه إلى صاحبه فيوتهن ~~بمهانته ويعاب بذلته وإنما يتنبه به على صواب ما يأتي وسداد ما يريد ~~PageV01P102 # وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال # ( كلمة الحكمة ضالة الحكيم حيث ما وجدها فهو أحق بها ) # قال بعض البلغاء # من كمال عقلك استظهارك على عقلك # وقال بعض البلغاء # إذا أشكلت عليك الأمور وتغير لك الجمهور فارجع إلى رأي PageV01P103 ~~العقلاء وافزع إلى استشارة العلماء ولا تأنف من الاسترشاد ولا تستنكف من ~~الاستمداد فلأن تسأل وتسلم خير من أن تستبد وتندم # قال بعض العلماء # من استغنى برأيه ضل ومن اكتفى بعقله زل # وإذا لم يأته الرأي عفوا ولا وصل إليه من غيره تبرعا أكثر من استشارة ذوي ~~الألباب ولا سيما في الأمر الجليل والخطب المستبهم فإن لكل عقل ذخيرة من ~~الصواب وحظا من التدبير ولقل ما فضل عن الجماعة رأي لا يعرف صوابه ويشكل ~~عليهم أمر لا يفهم جوابه # وليكن أهل المشورة متصافين في المحبة براء من عداوة أو بغضة ليعرف كل ~~واحد منهم لصاحبه بالصواب إذا ظفر به ولا يبعثه الحسد والعناد على رده فإن ~~تعاندوا شغلهم العناد عن الاجتهاد فلن يحظوا برأي ولم يظفروا بصواب لالتباس ~~الرأي بنفور ms29 العناد # وينبغي أن يجمعهم على المشورة في 21 ب بديهة الرأي ليجتهد PageV01P104 كل ~~واحد منهم رأيه ويستكمل خاطره ليتخصص برتبة المجيب ويجمع في حظوة المصيب # فإن اجتمعوا في ابتداء الرأي كانوا فيه بين أمرين # إما أن يقودهم أول رأي منهم إلى متابعته فيصيروا مفوضين لرأي واحد قلدوه ~~وهم أكفاء وتابعوه وهم نظراء # وإما أن يختلفوا فيتنابذوا ويتشاغل كل واحد منهم بنصرة رأيه حقا كان أو ~~باطلا فيخرج بالمناظرة عن حكم المجتهد والمنابذة عن حكم المتأيد # وكما أن الأصوب إفرادهم في ابتداء الرأي فكذلك الأصوب أن لا يطلع بعضهم ~~على استشارة بعض ليجتهد كل واحد منهم فكره ويستنفد وسعه حتى إن حظي بدرك ~~الصواب تخصص برتبة التعويل وتميز بنباهة القبول # وليكن مع ذلك غير وان في الفكر ولا مقصر في الارتئاء تعويلا على رأي من ~~شاوره لئلا يصير في الرأي مفوضا وفي الأمر مقلدا # | مباحثة ذوي الرأي # قال بعض الحكماء # الاستسلام إلى رأي المشير هو العدل الخفي # وإذا أظهروا كوامل آرائهم عرضها على عقله وسبرها بفكره وتصفح مباديها ~~وعواقبها وسألهم عن أسبابها ونتائجها وباحثهم عن أصولها وفروعها سؤال منصف ~~لا متعنت وطالب للصواب لا للرد ليستوضح الحق من الباطل ويعلم الصحيح من ~~الفاسد ولا يبدي لهم رأيه إن خالفهم ولا أنه يأخذ به ويعمل عليه إن وافقهم ~~ليجري الأمر على PageV01P105 استبهامه حتى يعمل به ليظهر بالفعل دون العزم ~~ليستفيد بذلك أربع خصال # إحداهن صواب رأيه وصحة رويته # والثانية معرفة عقل المشير وصواب رأيه # والثالثة وضوح ما استعجم 22 آ من الرأي وانفتاح ما استغلق من الصواب # والرابعة طي عزمه عن الإشاعة والتحرز فيه من خطر الإشاعة # فإذا تقرر له الرأي الذي لا يخالطه فيه ارتياب ولا تعارضه فيه شبهة أمضاه ~~ولم يؤاخذهم بعواقب الإكداء ودرك الزلل فإنما على الناصح الاجتهاد وليس ~~عليه ضمان النجح لأن أقضية الله خافية وأقداره غالبة لا يدفعها رأي مجتهد ~~ولا يصد عنها روية مناصح فلم يتوجه إليه لوم إن أكدى ولم يقدح فيه ذم إن ~~أخطأ ms30 # قال بعض الحكماء # الحوائج تطلب بالعناء وتدرك بالقضاء # قال الشاعر PageV01P106 # ( ألم تر أن الدهر يلعب بالفتى % ولا يملك الإنسان دفع المقادير ) + من ~~الطويل + # ومتى عرف منه تعقب المشير بلوم أو ذم أسلم إلى رأيه وهو ملوم ووكل إلى ~~تدبيره وهو مذموم فبقي بالمتاركة فردا لا يعاضد ومهملا لا يساعد وبه من ~~الحاجة إلى مشورة ذوي الرأي ما لا يجد منه بدا # قال الشاعر # ( من كان ذا عضد يدرك ظلامته % إن الذليل الذي ليست له عضد ) + من البسيط ~~+ PageV01P107 # فضعفت منته بالمتاركة وقلت مساعدته بالإهمال فتموجت به الخطوب وتنكرت ~~عليه القلوب # قال بعض الحكماء # لو كانت الملوك تعرف مقدار حاجتهم إلى ذوي الرأي من الناس مثل الذي يعرف ~~أهل الرأي من حاجتهم إلى الملوك لم أر عجبا أن ترى مواكب الملوك على أبواب ~~العلماء كما ترى مواكب العلماء على أبواب الملوك # 22 ب PageV01P108 # | الفصل الثالث عشر الأخلاق المتقابلة في الملوك # وليعلم الملك أن أربعة أخلاق متقابلة ليس يعرى منها أو من أبدالها ملك ~~فإن استعملت في مواضعها ووقف منها على حدودها خمدت وإن استعملت في غير ~~مواضعها أو خرجت عن حدودها إلى زيادة أو تقصير ذمت # | 1 الرقة والرحمة # فأحدها الرقة والرحمة تحمد عند اعتدالها وفي موضعها وتذم عند غلبتها ~~وميلها لأنها إذا غلبت أفضت إلى ترك الحدود وإضاعة الحقوق وذلك داع إلى ~~هياج طباع المفسدين وتحريك مطامع المتقلبين فينحل من عرى السياسة ما كان ~~بالرهبة ملتئما وتخوف العقوبة منتظما # ومن نسب إلى رحمة تبطل حدا أو تضيع حقا أو تحدث فسادا كان الفساد عليه ~~أعود وهو لنظره وسياسته أفسد وصار كما قاله المتقدمون كالطبيب الذي يرحم ~~العليل من مرارة الدواء وألم الحديد فتوديه رحمته إلى هلكته وتسوقه الشفقة ~~إلى منيته فتصير رحمته له أبلى من قسوته ورفقه به اضر من غلظته # والرحمة خلق مركب من الود والجزع # | 2 القسوة والغلظة # ثم الخلق الثاني المقابل لهذا الخلق وهو القسوة والغلظة فإنها إذا غلبت ~~أفضت إلى مجاوزة الحدود في الحياة وعقوبة الأخيار المبراة ms31 والمواخذة بالتهم ~~والظنون والتسوية بين الشك واليقين فلا يأمن سليم PageV01P109 ولا يتميز ~~سقيم وفي ذلك من فساد السياسة بإيحاش المؤانسين وخبث سرائر المناصحين ما ~~يجعل كل ولي خصما وكل معين ألتا # وربما ظن بعض الولاة أن القساوة صرامة فعدل عن الاقتصاد والسداد إلى ~~ضدهما وتجاوز حكم الدين والسياسة إلى غيرهما ولا خير 23 آ في العدول عن ~~واحد منهما وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم # ( أشد الناس عذابا يوم القيامة أشدهم عذابا للناس في الدنيا ) # وإنما الصرامة قلة الغفلة عن الجرائر ومعرفة الأمور على الحقائق حتى لا ~~يتدلس عليه السقيم بالسليم والخائن بالأمين ولا يتصور الخالع بصورة الطائع # والقساوة تهون في الحدود وتعد في الحقوق يبعثه عليه اتباع شهوته وتحكيم ~~سطوته # وإذا اعتدل فيه هذان الخلقان فرق لأهل الحق وعنف لأهل الباطل اعتدلت ~~سيرته وصحت سياسته # والقسوة خلق مركب من البغض والجرأة # | 3 السماحة والعطاء # ثم الخلق الثالث وهو السماحة والعطاء فإن وقف على حده PageV01P110 وهو ~~بذل ما يحتاج إليه عند الحاجة وإيصاله إلى مستحقه بحسب الطاقة كان محمود ~~البذل مشكور العطاء # وإن تجاوز هذا الحد فأعطى في غير حق وبذل من غير تقدير صار منسوبا إلى ~~التبذير والإضاعة وصار بإزاء تبذيره حقوق مضاعة # قيل كل شرف فبإزائه حق مضيع # وإذا انتشر أن أمواله تنال بغير استحقاق وتدرك بغير سعي ثارت به مطامع ~~المحتذين وتكاثرت عليه وفود السائلين الذين ألفوا كلف الاحتراف واستبدلوا ~~به دني الاقتراف فإن رام رضى جميعهم لم يطق لاتساع آمالهم وقوة أطماعهم ولو ~~أطاق لأفسد سعي اتباعه وتخبثت نيات أشياعه إذ سوى في العطاء بينهم وبين من ~~لم يسع 23 ب سعيهم ولا سد في الموازرة والمظاهرة مسدهم # قال بعض الحكماء # لا خير في السرف ولا سرف في الخير PageV01P111 # وإن خص بالعطاء قوما وحرم قوما لم يكن بين من أعطاه وهو غير مستحق وبين ~~من حرمه فرق ولحقه من ذم من حرمه أضعاف ما لحقه من حمد من وصله وليس يمنع ~~هذا من التبرع بالصلة ms32 ومن مراعاة من أمت بجرمة إذا ظهرت أسبابها وتلوح ~~صوابها لأن الملوك مطالب ذوي الحاجات وذخائر ذوي الحرمات # وهذا في حقوق الساسة من الواجبات # والسخاء خلق مركب من الحياء والإيثار # | 4 البخل والإمساك # ثم الخلق الرابع المقابل لهذا الخلق وهو البخل والإمساك المؤدي إلى تفريق ~~النصحاء وتنكر الألباء واستطالة الأعداء فإن الأموال تصير إلى الملوك لتوضع ~~في حقها وتفرق على مستحقها لا ليعدل بها عن العطاء إلى المنع وعن التفرقة ~~إلى الجمع # وقد قيل # من جمع المال لنفع غيره أطاعوه ومن جمعه لنفع نفسه أضاعوه PageV01P121 # وإذا شح ومنع اعتقد كل ممنوع أنه غريم مماطل مستحق مدفوع لا يعذر إن منع ~~ولا يشكر إن أعطي يرى أن أيام السلامة مغرم وأن أيام الاختلاط مغنم فهو على ~~رصد من تقلب الزمان وتوقع الغير والحدثان ثم تدعوه الضرورة إن تطاولت به ~~المدة إلى الخيانة في أمانته والغش في نصيحته وقبول الرشا في مضرته فيعكس ~~عليه قواعد دولته ويفسد له نظام مملكته # قال بعض الحكماء # إذا بخل 24 آ الملك كثرت أراجيف الناس عليه وفسدت مودتهم له # وإذا اعتدل فيه هذان الخلقان في العطاء والمنع فلم ينقبض في حق ولم ينبسط ~~في باطل وسرف صلح واستصلح # وقال هشام بن عبد الملك # إنا لا نعطي تبذيرا ولا نمنع تقتيرا إنما نحن خزان الله عز وجل فإذا أحب ~~أعطينا وإذا كره أبينا ولو كان كل قائل يصدق وكل سائل يستحق ما جبهنا قائلا ~~ولا رددنا سائلا # والبخل خلق مركب من القحة والأسف PageV01P113 # فهذه أخلاق إذا أخذ الملك نفسه بتعديلها فيه اتسقت له السياسة العادلة ~~وانتظمت له السيرة الفاضلة # فإن خرج الملك عن القصد والاعتدال المحمود في العطاء والمنع إلى أحد ~~الطرفين المذمومين من زيادة في العطاء بسخائه أو زيادة في المنع ببخله فقد ~~تنقسم أحوال الملوك فيها أربعة أقسام # أحدهما ملك سخي على نفسه سخي على رعيته # والثاني ملك بخيل على نفسه بخيل على رعيته # والثالث ملك سخي على نفسه بخيل على رعيته # والرابع ملك بخيل ms33 على نفسه سخي على رعيته # وقد اختلفت طوائف الأمم أي الأربعة أقرب إلى الصواب وأبعد من العيب وإن ~~لم يخل بالخروج عن الاعتدال من خطأ وعيب على أربعة آراء # فرأي الروم أن أقربهم إلى الصواب وأبعدهم من العيب هو البخيل على نفسه ~~وعلى رعيته لأنه مستبق وغير مستهلك # ورأي الهند أن أقربهم إلى الصواب وأبعدهم من العيب هو السخي على نفسه ~~السخي على رعيته لأنه منتفع ونافع # ورأي الفرس أن أقربهم إلى الصواب وأبعدهم من العيب هو السخي على نفسه ~~البخيل 24 ب على رعيته لأنهم يرون تنعيم النفوس من الواجبات فكان حق نفسه ~~أحق به من حق غيره # ورأي العرب أن أقربهم إلى الصواب وأبعدهم من العيب هو البخيل على نفسه ~~السخي على رعيته لأنه إيثار غيره على نفسه PageV01P114 # وقد جاء القرآن بما يظهر هذا في قول الله عز وجل # @QB@ ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن يوق شح نفسه فأولئك هم ~~المفلحون @QE@ # وقد ظهر ذلك في أشعار العرب حتى قال بعضهم # ( وإنك إن أعطيت بطنك همه % وفرجك نالا منتهى الذم أجمعا ) + من الطويل + ~~PageV01P115 # | الفصل الرابع عشر الوفاء بالعهد # # | مزايا الوفاء بالعهد # وليعلم الملك أن من قواعد دولته الوفاء بعهوده فإن الغدر قبيح وهو ~~بالملوك أقبح ومضر وهو بالملوك اضر لأن من لم يوثق منه بالوفاء على بذله ~~ولم يتحقق منه تصديق قوله بفعله ووسم بنقض العقود ونكث العهود قل الركون ~~إليه وكثر النفور منه وعنه # وانعقاد الملك إنما يكون بالركون الموجب للاستسلام والطاعة الباعثة على ~~النصرة ليصير الناس مع الملك من بين مستسلم إليه وناصر له وبهذين يكون ~~الملك منعقدا # فإذا نفرهم الغدر انتقضت قواعده لزوال الاستسلام وقلة التناصر # وإذا عرف الأعداء الوفاء منه لانوا وطال عليهم بالنصرة فهانوا وقوبل على ~~غدره بمثله فدان له الناس بمثل ما دان # وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم # ( كما تدين تدان ) PageV01P116 # قال الشاعر # ( وعندي قروض الخير والشر كلها % فبؤسى لدى بؤسي ونعمى بأنعم ) + من ~~الطويل + # فإذا لا شيء أضر ms34 بالملك من الغدر ولا أنفع له من الوفاء # | مساوئ الغدر # وربما استسهل غدره ينتهزها فرصة فسامح نفسه بها وجعلها من الذنوب المكفرة ~~بالتوبة ولا يعلم أنها أنكى في مملكته من عدو 25 آ قاهر ومتغلب جائر لأنهم ~~قد وسموه بها وإن ندرت واكتفوا بها وإن PageV01P117 شذت ولا يقبلون توبته ~~ويجعلون ما يعقبها من الوفاء اضطرارا ومن العذر اختيارا فلا يكون في وفائه ~~مشكورا ولا في عذره معذورا # وقد قيل # ما لغادر عاذر # وربما تأول الملك في غدره تأويلا بجعله عذرا لنفسه فلا يجد من الناس ~~عاذرا ولا يكون عندهم إلا غادرا لأنهم يحملون الأمور على ظواهرها ولا ~~يكشفون عن غوامضها فيقضون بسقم الظاهر على سلامة الباطن وبفساد العيان على ~~صلاح الكامن تغليبا على السرائر # وما ينفعه أن يعذر نفسه وهو عند الناس غير معذور ويشكرها وهو عندهم غير ~~مشكور # قال بعض الحكماء # الوفاء من الملوك يجلب إليهم نفوس الرعايا وأموالها وقلة الوفاء يقبض ~~نفوس الرعايا وأموالها PageV01P118 # | الفصل الخامس عشر الحسد # # | تجنب الحسد # ومما يجب على الملك أن يحفظ نفسه من الحسد فإنه خلق دني وطبع ردي فهو في ~~عموم الناس مذموم وفي أخلاق الملوك أذم لأن قدر الملك يجل عن دناءته ومنزلة ~~المحسود مستصغرة في عظم همته # قال بعض الحكماء # حسد الملوك يخفي بهجة الملك # ولو لم يكن في الحسد من الذم إلا ما يفضي إليه من تفضيل المحسود لكفى ذا ~~القدر خمولا وذا الفضيلة نقصا فكيف بأثره إذا وصم وبضرره إذا قصم # قال ابن المقفع # الحسد والحرص يكثر الذنوب وأصل المهالك أما الحسد فأهلك إبليس وأما الحرص ~~فأخرج آدم من الجنة # وفي الحسد نوعا ذم يختص أحدهما بظاهره والآخر بباطنه # فأما الأخص بالظاهر فهجنه إذا عرف وقبحه إذا وصف لأنه في PageV01P119 ~~الظاهر شدة الأسى على 25 ب الخير أن يكون للناس الأفاضل وظاهر هذا قبيح إذا ~~ذكر وشائع إذا ستر وخاصة الملوك الذين هم أس الفضائل ومعدن الخيرات # وأما الأخص بالباطن فكد القلب بغمه وهد الجسد بسقمه لا يجد ms35 لقلبه سلوا ~~ولا لجسده هدوا وهذا عذاب جنته يداه والمحسود قرير العين وادع الجسد قد ضر ~~ولم يستضر # وقيل # ليس في خصال الشر شيء أعدل من الحسد لأنه يبدأ بإضرار الحاسد قبل المحسود # المنافسة # وأما المنافسة فهي غير الحسد فلا بأس أن ينافس الأكفاء في فضائلهم ويتشبه ~~بالأخيار في محاسنهم ويجتهد إن لم يزد عليهم أن لا يقصر عنهم فما تكامل فضل ~~الأخيار إلا بالاقتداء بالأخيار لأن لكل نفس في الخير حظا مطبوعا وحظا ~~مكتسبا فإذا اجتمعا تكامل الخير بهما PageV01P120 # والعرب تقول # لولا الوئام لهلك الأنام # أي لولا الناس يرى بعضهم بعضا فيقتدي به في الخير وينتهي به عن الشر ~~لهلكوا # قيل لعيسى بن مريم عليه السلام # من أدبك # قال # ما أدبني أحد ولكني رأيت جهل الجاهل فاجتنبته # وربما غلط قوم فظنوا أن المنافسة في الخير هي الحسد وليس كما ظنوا لأن ~~المنافسة طلب الشبيه بالأفاضل من غير إدخال ضرر عليهم PageV01P121 والحسد ~~مصروف إلى الضرر لأن غايته أن يعدم الفاضل فضله وإن لم يصر للحاسد مثله # فهذا هو الفرق بين المنافسة والحسد # فصارت المنافسة خيرا والحسد شرا # | الامتنان # ومما هو جدير بالملك أن يجتنب الامتنان بإنعامه والبذخ بإحسانه لأنه من ~~ضيق النفس وضعف المنة وهو تابع لفساد الأخلاق وملحق بمساوئ الشيم وفيه ~~تكدير للصنيع وإحباط للشكر وإغراء بالذم فينعكس عليه ما صنع فيصير مسيئا 16 ~~آ بإحسانه ومذموما بامتنانه فيعتاض بالإحسان كفرا وبالامتنان عصيانا إلا ~~قوما قد أظهروا كفر إحسانه واستبطان عصيانه فيخرج الامتنان عليهم مخرج ~~الوعيد والتهديد مقابلة على ما أضاعوه من شكر إحسانه فيكون ذلك منه استئناف ~~إحسان إليهم لأنه تقويم على ميل وتأديب على ذلك # وحسبك بذم الامتنان أن يصير عصيانا # قال الشاعر PageV01P122 # ( أفسدت بالمن ما أسديت من حسن % ليس الكريم إذا أسدى بمنان ) + من ~~البسيط + PageV01P123 # | الفصل السادس عشر تصفح الأعمال # # | اعتياد تصفح الأعمال # ليكن من دأبه التصفح في ليله أعمال نهاره فإن الليل أحضر للخاطر وأجمع ~~للذكر ليكون ما فعله موقوفا على استيضاح الرأي فيه فإن ms36 كان صوابا أبرمه ~~وأمضاه واقتفى أثره فيما جانسه وضاهاه # وإن كان قد مال فيه عن سنن الصواب وزل عن نهج الاقتصاد بادر إلى استدراكه ~~فيما أمكن وانتهى عن مثله في المستقبل ليكون بالماضي معتبرا وبالمستأنف ~~خبرا # وليعلم أن ما صدر من أفعاله لا يخلو من ثلاثة احوال # إما أن يكون قد اقتصد فيها ووقف منها على حدها وهو العدل المقصود والغرض ~~المطلوب # أو يكون قد أفرط فيها فزادت أو قصر فيها فنقصت وكلاهما خروج عن العدل ~~وميل عن القصد # فليعرف ذلك بسبره وتصفحه وليمضه بعد العلم بصوابه # قال النبي صلى الله عليه وسلم PageV01P124 ( إذا تثبت أصبت أو كدت تصيب ~~وإذا استعجلت أخطأت أو كدت تخطئ ) # وليكن مع ذلك متصفحا لأفعال غيره فما أعجبه من جميلها واستحسنه من ~~فضائلها بادر إلى فعله وزين نفسه بالعمل به فإن السعيد من تصفح أفعال غيره ~~فانتهى 26 ب عن سيئها واقتدى بحسنها فنال هنيء المنافع وأمن خطر التجارب ~~ووصل إلى الصواب بغير تكلف وعمل بالحزم من غير تعنف # قال النبي صلى الله عليه وسلم ( السعيد من وعظ بغيره ) # ووجد على حجر بالهند مكتوب PageV01P125 # من اعتبر بغيره لم تصبه محنة # قال الشاعر # ( إن السعيد له في غيره عظة % وفي التجارب تحكيم ومعتبر ) + من البسيط + ~~PageV01P126 # | الحذر والاحتراس # ينبغي للسلطان أن لا يغفل عن الحذر والاحتراس ليجعل التوكل على الأعذار ~~وما تجري به الأقدار طريقا إلى إضاعة الحزم فيستسلم لنوائب الدهر فإن الله ~~تعالى أمرنا بالتوكل بعد الإنذار وندب إليه بعد الإعذار بذلك أنزل كتابه ~~وأمضى سنته فقال عز وجل # @QB@ خذوا حذركم @QE@ # وقال # @QB@ ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة @QE@ # وقال النبي صلى الله عليه وسلم # ( اعقلها وتوكل ) # وسئل ما الحزم # قال ( الحذر ) # وقيل لبعض الحكماء # ما الحزم PageV01P127 # قال أن تحذر ما يمكن كونه # قيل فما العجز # قال أن تأمن ما يمكن كونه # وليعلم الملك أن شدة الاتقاء والحذر تدعو إلى وقوع ما يتقي ويحذر فإنه ~~ربما عاد عليه من استظهاره فشل وداخله من شدة حذره وجل فصار بهما ms37 عرضة ~~للنوائب وهدفا للمصائب فتدخله شدة اتقائه فيما كان منه بدء إشفاقه # وقيل # من التوقي ترك الإفراط في التوقي # وإذا أخذ بالحذر والاحتراس في مواضع الشدة وعمل على الجرأة والإقدام عند ~~انتهاز الفرصة فقد أخذ بالحزم في شدته وعمل بالعزم عند فرصته # قال طاهر بن الحسين PageV01P128 # ( ركوبك الأمر ما لم تبد فرصته % جهل ورأيك في الإقحام تغرير ) # ( فاعمل صوابا وخذ بالحزم مأثرة % فلن يذم لأهل الحزم تدبير ) + من ~~البسيط + # | الوعد والوعيد # وعلى هذا قياس ما قدمنا مع المنع والعطاء لأن لكل فضيلة حدا وتجاوز الحد ~~نقص في المحدود # ليكن من عادة الملك إذا اراد المقابلة على الإحسان والإساءة أن لا يعد ~~محسنا بالثواب ولا يتوعد مسيئا بعقاب لأنه على الأمرين قادر وفي الوعد ~~بالثواب تكدير وفي الوعيد بالعقاب تنفير فاستغنى بالفعل عن القول إلا أن ~~يجعل حمده ثوابا وذمه عقابا فيقتصر على الجزاء بالقول بحسب الإحسان ~~والإساءة ولا يغريه توعد ولا وعيد على زيادة وليعتمد PageV01P129 على ~~الجزاء بالقول فيمن كان بالحق عروفا وعن المال عزوفا فإن تأثير الكلام في ~~الكرام ابلغ من تأثير الفعل باللئام # وقد قال أنوشروان # الناس ثلاث طبقات تسوسهم ثلاث سياسات # طبقة من خاصة الأحرار تسوسهم باللين واللطف # وطبقة من خاصة الأشرار تسوسهم بالشدة والعنف # وطبقة هم العامة تسوسهم باللين والشدة لئلا تحرجهم الشدة ولا يبطرهم ~~اللين PageV01P130 # | الفصل السابع عشر الطيرة والفأل # # | اعتقاد الطيرة # وليعلم الملك أن من أقوى الأمور في نقض العزائم اعتقاد الطيرة فإنه لا ~~شيء اضر بالرأي ولا أفسد للتدبير منها مع ورود السنة باجتنابها والنهي عنها ~~فما الأقدار إلا بقضاء محتوم وأجل معلوم # قال الشاعر # ( ما للرجال مع القضاء تحيل % ذهب القضاء بحيلة المحتال ) + من الكامل + # 27 آ # ومن ظن أن الطيرة ترد قضاء أو تدفع مقدورا فقد جهل # إن أقضية الله نافذة بأمره وجارية على قدره فليحذر الطيرة ولا يجعل لنقض ~~عزائمه أسبابا ولا لفساد الرأي عللا وليمض الأمور على مقتضى أحوالها # قيل PageV01P131 # الخيرة في ترك الطيرة # ولينسب ما جره القضاء وساقه ms38 القدر إلى مدبر الأمور ومقلب الدهور فما ~~لمتطير عيش يصفو من وجل ولا عزم يخلو من فشل فيحسم وساوس الشيطان عن نفسه ~~فما جعل الله لما استأثر لعلمه من الغيوب بشيرا ولا نذيرا وإنما وكله إلى ~~عقول يتدبرون بها ويعملون بموجبها ولم يجعل للطيرة فيها حظا # وقد قال الشاعر # ( وما عاجلات الطير تدني من الفتى % رشادا ولا عن ريثهن يخيب ) # ( ورب أمور لا تضيرك ضيرة % وللقلب من مخشاتهن وجيب ) + من الطويل + # | التفاؤل # فأما الفأل فمحمود الأثر مؤنس الخبرة لأن فيه تنفيذ الآراء وتقوية ~~العزائم فصار في موافقة الرأي على ضد الطيرة في مخالفة الرأي فلذلك ندب إلى ~~الفأل ومنع من الطيرة PageV01P132 # تفاءل رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزواته وحروبه ولم يتطير فافترقا ~~في النص والتعليل واختلفا في المدلول والدليل # قيل # لا تحرك من الأمور ما كان ساكنا ولا نظهر منها ما كان كامنا فتعجل تحقيق ~~الحذر وتقدم بادرة الخطر # وليترك الأمور على مطاوي الدعة ومجاري السلامة ما لم يبلغه اضطرار ولا ~~تسقه إليه أقدار فقد قيل في منثور الحكم # لا تفتح بابا يعييك سده ولا ترم سهما يعجزك رده ولا تفسد أمرا يعييك 28 آ ~~إصلاحه ولا تغلق بابا يعجزك افتتاحه # قال الشاعر # ( فإياك والأمر الذي إن توسعت % موارده ضاقت عليك المصادر ) PageV01P133 # ( فما حسن أن يعذر المرء نفسه % وليس له من سائر الناس عاذر ) + من ~~الطويل + PageV01P134 # | الفصل الثامن عشر الملوك قدوة للناس # # | البدء بالنفس # لا يحسن بالملك أن يأمر بالمعروف إلا بدأ بفعله ولا ينهى عن منكر إلا بدأ ~~بتركه ولا يلم أحدا فيما لا يلوم عليه نفسه ولا يستقبح منه ما لا يستقبحه ~~من نفسه ولا يأمرهم بالبر بما لا يأمر به نفسه فإن الناس على شاكلة ملوكهم ~~يجرون وبأخلاقهم يستنون لأنهم أعلام متبوعة ومناهج مشروعة # قال بعض الحكماء # أصلح نفسك لنفسك يكن الناس تبعا لك PageV01P135 # وقال المأمون # أسوس الملوك من ساس نفسه لرعيته فأسقط عنه مواقع حجتها وقطع مواقع حجته ~~عنها # قال بعض الحكماء # أفضل الملوك ms39 من أبقى بالعدل ذكره واستعمله الناس بعده # والملك الفاضل هو الذي يحوش الفضائل ويجود بها على من دونه حتى تكثر في ~~أيامه ويتجمل بها من لم تكن فيه # وجدير بمن أمر بصلاح أن يكون احق بفعله وبمن نهى عن فساد أن يكون أحق ~~بتركه ولأن كان علو القدر لا يزيده تحفظا لم ينقص # قال الشاعر PageV01P136 # ( لا تنه عن خلق وتأتي مثله % عر عليك إذا فعلت عظيم ) + من الكامل + # وقال الشاعر # ( لك الخير لم نفسا عليك ذنوبها % ودع لوم نفس ما عليك مليم ) # ( وكيف ترى في عين صاحبك القذى % ويخفى قذى عينيك وهو عظيم ) + من الطويل ~~+ # | الرجوع إلى الحق # لا يأنف من حق إن لزم أو حجة إن قامت فإن الرجوع إلى الحق أولى من 28 ب ~~العدول إلى باطل قد كان ناهيا عنه وربما منعته القدرة من الاعتراف بما لا ~~يهواه وأخذته العزة أن يلين بمن سواه فعاند الحق PageV01P137 ونبذه واستقل ~~المحق ورفضه ولم ير للمحق حقا فمرح ولئن طال لسان الملك فلسان الحق أطول ~~ولئن وجبت طاعته فطاعة الحق أوجب # قال بعض الألباء # من خادع الحق خدع ومن صارعه صرع # قال الشاعر # ( متى ما تقد بالباطل الحق يأبه % وإن قدت بالحق الرواسي تنقد ) # ولئن يحتج لنفسه لمن علم وضوح حجته وظهر عجزه عن إبانته أليق بسلطانه ~~وأحمد لزمانه فإن كل امرئ إنما يخاطبه بأصفر لسانه ويقبض PageV01P138 نفسه ~~عن إقامة الحجة عليه يراعي حق نفسه في ضبط شهواته فإنها من نتائج الهوى ~~المذموم المذهل عن زواجر العقول فيأتي منها ما لم يكن في العقل قبيحا ولا ~~في الشرع محظورا # قال بعض العقلاء # إذا تفرغ الملك للهوه تفرغت الرعية لإفساد ملكه # قال بعض البلغاء # من آثر اللهو ضاعت رعيته ومن دوام السكر فسدت رويته # | الاعتدال # وليقف في مباح الشهوات على حد معتدل بين منزلتين متقابلتين منع وتمكين ~~ليصل بالتمكين إلى لذته ويقف بالمنع على مصلحته # ولأن يميل إلى المنع فيتوفر على سياسته خير من أن يميل إلى التمكين ~~فينهمك في لذته ms40 لأن زمان السياسة جد وزمان اللهو هزل والجد حق والهزل باطل ~~والقيام بالحق أولى من الانهماك في الباطل # 29 آ # قال بعض الحكماء # من قوي على نفسه تناهى في القوة ومن صبر على شهوته بالغ في المروة ~~PageV01P139 # وقيل في منثور الحكم # أيدي العقول تمسك اعنة الأنفس # | السواسية # وربما اختص بعض الملوك في اللذات بما يحظره على من سواه لينفرد باللذة ~~كما تفرد بالقدرة ويأسى أن يشاركه فيها من لا يساويه في الرتبة فيخالف عدل ~~السياسة وصواب التدبير لأنه يوغر الصدور وينشيء النفور لما جبلت عليه ~~القلوب من بغض من استبد واستأثر وتوقع الغير بمن استباح ما حظر # وربما عوجل بالغوائل فان نوازع الشهوات تبعث على التوصل إليها بكل حق ~~وباطل فيصير الخطر في حظرها يكدر اللذة في استباحتها ولو أباح ما استباح ~~لكان أصفى للذمة وأسلم في عاقبته # فليكن ما استباحه من اللذات مباحا للعموم ولو أطاعته نفسه على أن يمنعها ~~من اللذات التي لا يقدر من دونه عليها كان أبلغ في استعطاف القلوب وطمس ~~العيوب # كتب الإسكندر إلى معلمه يسترشده في تدبير ملكه فكتب إليه في جملة رسالته ~~PageV01P140 لا تتناول من لذيذ العيش ما لا يمكن أوساط أصحابك تناول مثله ~~فليس مع الاستبداد محبة ولا مع المواساة بغضة # | محاسبة النفس # ليكن من دأب الملك تهذيب نفسه بسبر أخلاقه وتصفح أحواله وأفعاله فإنه لا ~~يحبذ عليها بإنكار وإن استنكرت ولا يواجه عليها بإكبار وإن أكبرت ولا يسمع ~~لها بذم وإن ذمت ولا يلقى فيها إلا بما يرضيه من سداد مختلها 29 ب وصلاح ~~معتلها # فإن ترك نفسه وهو متروك محتشم وأهملها وهو مطاع معظم قاده الهوى في ~~القدرة إلى مساوئ الأخلاق وساقه الإهمال والمتاركة إلى قبائح الأفعال # قال بعض الألباء # من عمل عملا في السر يستحيي منه في العلانية فليس لنفسه عنده قدرة ~~PageV01P141 # فيهذب الملك نفسه بنفسه ويستعين في صلاحها بحزمه ويراقب وليه كما يراقب ~~عدوه ولا تحدث له الثقة والأنسة والانبساط ترك التحفظ عند ولي أو نسيب فمن ~~عرف ms41 منهم زلته استقل هيبته # وقد يصير الموالي المؤنس عدوا وموحشا فينم بما علم # قال بعض العلماء # ليكن استحياؤك من نفسك أكثر من استحيائك من غيرك # وقيل # ما أحببت أن تسمعه أذناك فأته وما كرهت أن تسمعه أذناك فاجتنبه # فهذه جملة كافية في أخلاق الملك الرشيد والله ولي التوفيق والتسديد ~~PageV01P142 & الباب الثاني في سياسة الملك & # تمهيد # قال أقضى القضاة رحمه الله # حق على من مكنه الله تعالى من أرضه وبلاده وائتمنه على خلقه وعباده أن ~~يقابل جزيل نعمته بحسن السريرة ويجري من الرعية بجميل السيرة # قال الله تعالى 30 آ # @QB@ يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع ~~الهوى @QE@ # وقال عز وجل # @QB@ ولا تنس نصيبك من الدنيا وأحسن كما أحسن الله إليك @QE@ PageV01P143 # وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال # ( من سار فيمن بين ظهريه بسيرة حسنة كان له أجرها وأجر من عمل بها إلى ~~يوم القيامة من غير أن ينقص من أجورهم شيء ومن سار فيمن بين ظهريه بسيرة ~~سيئة كان عليه وزرها ووزر العاملين بها إلى يوم القيامة من غير أن ينقص من ~~أوزارهم شيء ) # وروي عن عمر رضي الله عنه أنه قال # لو ضاعت سخلة على شاطئ فرات لخشيت أن يسألني الله عليها # وحكي أن عثمان بن عبد الله وقف على محمد بن سماعة القاضي وهو في مجلس ~~قضائه يحكم بين الناس فقال PageV01P144 # إسمع لا سمعت يا ابن سماعة وأنشد يقول # ( لقد كلفت يا مسكين أمرا % تضيق له قلوب الخائفينا ) # ( أتعلم أن رب العرش قاض % وتقضي أنت بين العالمينا ) + من الوافر + # فقام ابن سماعة من مجلسه ودموعه تجري على خديه # فليس أحد أجدر بالحذر والإشفاق وأولى بالنصب والاجتهاد ممن تقلد امور ~~الرعية لأنها أمانة الله التي أمنه عليها ورعيته التي استرعاه فيها ~~واستخلفه على أمورها وهو تعالى ولي السؤال عنها # ولأنه سبحانه حسم مواد الاعتراض منها على أفعاله وكف ألسنتها عن رد ما ~~رآه في اجتهاده وأوجب عليها طاعته وألزمها الانقياد لحكمه ms42 وأمرهم أن ~~يتصرفوا بين أمره ونهيه فقال تعالى # @QB@ يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم ~~@QE@ PageV01P145 # وجعل صلاح جماعتهم بصلاحه وفساد أمورهم بفساده لأنه قلب وهم أطراف وقطب ~~وهم أكناف # 30 ب # قال بعض العقلاء # رشاد الوالي خير من خصب الزمان # وأرشد الولاة من حرس بولايته الدين وانتظم بنظره صلاح المسلمين لأن الدين ~~يصلح سرائر القلوب ويمنع من ارتكاب الذنوب ويبعث على التأله والتناصف ويدعو ~~إلى الألفة والتعاطف وهذه قواعد لا تصلح الدنيا إلا بها ولا يستقيم الخلق ~~إلا عليها وإنما السلطنة زمام لحفظها وباعث على العمل بها ولو أهملوا ~~ونوازع الأهواء جاذبة واختلاف الآراء متقاربة لتمارحوا وتغالبوا ولما عرف ~~حق من باطل ولا تميز صحيح من فاسد وليس في العقل ما يجمعهم على حكم يتساوى ~~فيه قويهم وضعيفهم ويتكافأ فيه شريفهم ومشروفهم فلذلك وقفت مصالحهم على دين ~~يقودهم إلى جمع الشمل واتفاق الكلمة وينقطع به تنازعهم وتنحسم به مواد ~~أطماعهم واختلافهم وتصلح به سرائرهم وتنحفظ به أمانتهم PageV01P146 # وربما أهمل بعض الملوك الدين وعول في أموره على قوته وكثرة أجناده وليس ~~يعلم أن أجناده إذا لم يعتقدوا وجوب طاعته في الدين كانوا أضر عليه من كل ~~ضد مباين لاقتراحهم عليه ما لا ينهض به وتحكمهم عليه بما لا يثبت له فإن ~~سمعوا بنابغ نبغ عليه قوي طمعهم في اجتياح أمواله ولم يقنعهم استيعاب حاله ~~وكان منهم على شفا جرف هار لا يأمن سطوتهم به # وقد قيل # من جعل ملكه خادما لدينه انقاد له كل سلطان ومن جعل دينه خادما لملكه طمع ~~فيه كل إنسان PageV01P147 # | الفصل التاسع عشر أن يكون الملك أفضل الناس دينا # # | الدين والملك # ينبغي للملك أن يأنف من أن يكون 31 آ في رعيته من هو أفضل دينا منه كما ~~يأنف أن يكون في رعيته من هو أنفذ أمرا منه # وقال أردشير بن بابك في عهده إلى ملوك فارس PageV01P148 إن الدين والملك ~~توأمان لا قوام لأحدهما إلا بصاحبه لأن الدين أس والملك حارس ولا بد ms43 للملك ~~من أسه ولا بد للأس من حارسه لأن ما لا حارس له ضائع وما لا اس له منهدم ~~PageV01P149 # الدفع عن الدين بالملك # وكتب حكيم الروم إلى الإسكندر # إدفع عن دينك بملكك ولا تدفع بدينك عن ملكك وصير دنياك وقاية لآخرتك ولا ~~تصير آخرتك وقاية لدنياك # وكيف يرجو من تظاهر بإهمال الدين استقامة ملك وصلاح حال وقد صار أعوان ~~دولته أضدادها وسائر رعيته أعداءها مع قبح أثره وشدة ضرره وبذلك قال النبي ~~صلى الله عليه وسلم # ( إنكم ستحرصون على الإمارة ثم تكون حسرة وندامة يوم القيامة فنعمت ~~المرضعة وبئست الفاطمة ) 151 # وقد قيل # الملك خليفة الله في بلاده ولن يستقيم أمر خلافته مع مخالفته # فالسعيد من وقى الدين بملكه ولم يوق الملك بدينه وأحيى السنة بعدله ولم ~~يمتها بجوره وحرس الرعية بتدبيره ولم يضعها بتدميره ليكون لقواعد ملكه ~~موطدا ولأساس دولته مشيدا ولأمر الله في بلاده ممتثلا فلن يعجز الله ~~استقامة الدين عن سياسة الملك وتدبير الرعايا 152 # | الفصل العشرون قواعد الملك # ثم أقول # إن قواعد الملك مستقرة على أمرين # تأسيس # وسياسة PageV01P150 # وقد قيل # الملك خليفة الله في بلاده ولن يستقيم أمر خلافته مع مخالفته # فالسعيد من وقى الدين بملكه ولم يوق الملك بدينه وأحيى السنة بعدله ولم ~~يمتها بجوره وحرس الرعية بتدبيره ولم يضعها بتدميره ليكون لقواعد ملكه ~~موطدا ولأساس دولته مشيدا ولأمر الله في بلاده ممتثلا فلن يعجز الله ~~استقامة الدين عن سياسة الملك وتدبير الرعايا 152 # | الفصل العشرون قواعد الملك # ثم أقول # إن قواعد الملك مستقرة على أمرين # تأسيس # وسياسة PageV01P151 # | الفصل العشرون قواعد الملك # ثم أقول # إن قواعد الملك مستقرة على أمرين # تأسيس # وسياسة PageV01P152 # | تأسيس الملك وأقسامه # فأما تأسيس الملك فيكون في تثبيت أوائله ومباديه وإرساء قواعده ومبانيه # وتنقسم ثلاثة أقسام # تأسيس دين # وتأسيس قوة 31 ب # وتأسيس مال وثروة # | تأسيس الملك على الدين # فأما القسم الأول وهو تأسيس الدين فهو أثبتها قاعدة وأدومها مدة وأخلصها ~~طاعة # وليس يخلو انتقال الملك به من ثلاثة أسباب # أحدها # أن ms44 يخرج الملك من منصيب الدين حتى يتولى عليه غير أهله ويظهر منه خلاف ~~عقده فتنفر منه النفوس إن لان وتعانده إن خشن تعصيه PageV01P153 القلوب وإن ~~أطاعته الأجساد فيتطلب الناس للخلاص منه أسبابا ويفتحون للوثوب عليه أبوابا ~~يستهلون فيها بذل النفوس والأموال حفظا لدينهم فيصير ملكه عرضة للطالب ~~وحريمه غنيمة للسالب وقد قال حكيم الروم # لا يزال الجائر من الملوك ممهلا حتى يتخطى إلى أركان العمارة ومباني ~~الشريعة فإذا قصدها اقتربت مدته # والسبب الثاني # أن يكون الملك ممن قد استهان بالدين وهون أهله فأهمل أحكامه وطمس أعلامه ~~حتى لا تؤدى فروضه وتوفى حقوقه إما لضعف عزمه في الدين وإما لانهماكه في ~~اللذات فيرى الناس أن الدين أقوم ولحقوقه وفروضه ألزم فيصير دينه مذحولا ~~وملكه محلولا # قال بعض الحكماء # إذا أقبلت الدولة خدمت الشهوات للعقول وإذا أدبرت خمدت العقول للشهوات # والسبب الثالث # أن يكون الملك ممن قد احدث بدعة في الدين شنعة واختار فيه أقوالا بشعة ~~يفضي استمرارها إلى تبديله ويؤول إلى تغييره وتعطيله فتأبى نفوس الناس بغير ~~دين قد صح لهم معتقده واستقرت في القلوب أصوله وقواعده فيصير دينه مرفوضا ~~وملكه منقوضا # فإذا طرأ على الدين هذه الأسباب الثلاثة ونهض إلى طلب الملك PageV01P154 ~~من يقوم بنصرة الدين ويدفع 32 آ تبديل المبتدعين ويجري فيهم على السنن ~~المستقيم أذعنت النفوس لطاعته واشتدت في مؤازرته ونصرته ورأوا أن بذل ~~النفوس له من حقوق الله المفترضة وأن النصرة له من أوامره الملتزمة فملك ~~القلوب والأجساد واستخلص الأعوان والأجناد فإن نالوا معه من الدنيا حظا ~~وجمعوا به بين صلاحي الدين والدنيا صار مجتذبا إلى الملك لا جاذبا ومرغوبا ~~إليه لا راغبا ولان له كل صعب وهان عليه كل خطب وتوطد له من اس الملك ما لا ~~يقاوم سلطانه ولا تغل أعوانه لفرق ما بين ملك الطالب والمطلوب وتباين ما ~~بين طاعة الخاطب والمخطوب # | تأسيس الملك على القوة # وأما القسم الثاني وهو تأسيس القوة فهو أن يحل نظام الملك إما بالإهمال ~~والعجز وإما بالظلم والجور فينتدب ms45 لطلب الملك أولو القوة ويتوثب عليه ذو ~~القدرة إما طمعا في الملك حين يضعف وإما دفعا للظلم حين استمر # وهذا إنما يتم لجيش قد اجتمعت فيهم ثلاث خلال # كثرة العدد # وظهور الشجاعة # وتفويض الأمر إلى مقدم عليهم إما لنسب وأبوة وإما لفضل رأي وشجاعة # فإذا توثبوا على الملك بالكثرة واستولوا عليه بالقوة كان ملك قهر فإن ~~عدلوا مع الرعية وساروا فيهم بالسيرة الجميلة صار ملك تفويض وطاعة فرسا ~~وثبت PageV01P155 # وإن جاروا وعسفوا فهي حولة توثب ودولة تغلب يبيدها الظلم ويزيلها البغي ~~بعد أن تهلك بهم الرعايا وتخرب بهم البلاد # | تأسيس الملك على المال والثروة # وأما القسم الثالث فهو تأسيس المال والثروة فهو أن يكثر المال في 32 ب ~~قومه فيحدث لهم بعلو الهمة طمعا في الملك وقل أن يكون هذا الأمر إلا فيمن ~~له بالسلطنة اختلاط وبأعوان الملك امتزاج فيبعث مطامع الراغبين فيه على ~~طاعته وتسليم الأمر إلى زعامته # وبعيد أن يتم ذلك إلا عند ضعف الملك ووهائه وفساد أعوانه وزعمائه # وقيل في منثور الحكم # المال ربما سود غير السيد وقوى غير الأيد # فإذا انتقل به الملك كان أوهى الأسباب قاعدة وأقصرها مدة لأن المال ينفذ ~~مطامع طالبيه ويذهب باقتراح الراغبين فيه # وقد قيل # من ودك لأمر ولى مع انقضائه # قال سليمان بن داود عليه السلام PageV01P156 # الذي يتوكل على غنائه سقوطه سريع # فإن اقترن بسبب يقتضي ثبوت الملك ثبت وإلا فهو وشيك الزوال سريع الانتقال # واعلم أن الدولة تبتدئ بخشونة الطباع وشدة البطش لتسرع النفوس إلى بذل ~~الطاعة ثم تتوسط باللين والاستقامة لاستقرار الملك وحصول الدعة ثم تختم ~~بانتشار الجور وشدة الضعف لانتقاض الأمر وقلة الحزم # وبحسب هذه الأحوال الثلاثة يكون ملوكها في الآراء والطباع # وقد شبه المتقدمون الدولة بالثمرة فإنها تبدو حسنة الملمس مرة الطعم ثم ~~تدرك فتلين وتستطاب ثم تنضج فتكون أقرب للفساد والاستحالة # وكما تبتدأ الدولة بالقوة وتختم بالضعف كذلك تبتدأ بالوفاء وتختم بالغدر ~~لأن الوفاء مشيد والغدر مشرد PageV01P157 # | الفصل الحادي والعشرون سياسة الملك # # | قواعد سياسة الملك ms46 # وأما سياسة الملك بعد تأسيسه واستقراره 33 آ فتشتمل على أربع قواعد وهي # عمارة البلدان # وحراسة الرعية # وتدبير الجند # وتقدير الأموال # 1 عمارة البلدان # فأما القاعدة الأولى وهي عمارة البلدان فالبلاد نوعان # مزارع # وأمصار PageV01P158 # | آ عمارة المزارع # فأما المزارع فهي أصول المواد التي يقوم بها أود الملك وتنتظم بها أحوال ~~الرعايا فصلاحها خصب وثراء وفسادها جدب وخلاء وهي الكنوز المدخورة والأموال ~~المستمدة وأي بلد كثرت ثماره ومزارعه استقل بخيره وفاض على غيره فصارت ~~الأموال إليه تجلب والأقوات منه تطلب وهو بالضد إن قلت أو اختلت # فلزم مدبر الملك فيها ثلاثة حقوق # أحدهما القيام بمصالح المياه التي هو عليها أقدر ولها أقهر حتى تدر فلا ~~تنقطع وتعم فلا تمتنع ويشترك فيها القريب والبعيد ويستوي في الانتفاع بها ~~القوي والضعيف # فإن أهملت حتى قلت وتغالب الناس عليها بسطوة وقوة اختل نظامها وفسد ~~التئامها واستبد فيها من استطال وتحكم في الأموال والأقوات فضيق على الناس ~~لسعته وهزهم لمنفعته وصار خصبه جدبا وخطبه صعبا # والحق الثاني عليه أن يحميهم من تخطف الأيدي لهم ويكف الأذى عنهم فإنهم ~~مطامع أولي السلاطة ومأكلة ذوي القوة ليأمنوا في مزارعهم ولا يتشاغلوا ~~بالذب عن أنفسهم ولا يكون لهم غير الزراعة عملا لأن لكل صنعة أهلا ~~فيستكثروا من العمارة ويتسعوا في الزراعة فيكونوا عونا وعوانا لمن عداهم # وقال النبي صلى الله عليه وسلم PageV01P159 # ( التمسوا الرزق في خبايا الأرض الزرع ) # والحق الثالث عليه تقدير ما يؤخذ منهم بحكم الشرع وقضية العدل 33 ب حتى ~~لا ينالهم في قدرها حيف ولا يلحقهم في أخذها عسف فإنهم لا يصلون إلى إنصافه ~~إلا بعدله لتذعن نفوسهم ببذل الحق منها طوعا ويكون لهم في تخفيف الكلف عنهم ~~فضل فإن الزمان باتساعهم خصب والملك باستقامة أمورهم ملتئم # فإن حيف عليهم في القدر أو عسف بهم في الأخذ انعكس الصلاح إلى ضده فدانوا ~~وأدانوا وصارت ولاية فهر تخرج من سيرة العدل والإنصاف # ثم هم لإخلالهم واختلالهم من وراء نفور وجلاء # قال سليمان بن داود عليه السلام ms47 # اشرب الماء من ينبوعك وليفض ماؤك في أسواقك ليكون ينبوعك مباركا ~~PageV01P160 # قال بزرجمهر # من عمر بيت المال من ظلم رعيته كمن طين سطحه من قواعد بيته # وكتب زياد إلى عماله على السواد # أحسنوا إلى المزارعين فإنكم لا تزالون سمانا ما سمنوا # | ب عمارة الأمصار # وأما الأمصار فهي الأوطان الجامعة # والمقصود بها خمسة أمور # أحدها أن يستوطنها أهلها طلبا للسكون والدعة PageV01P161 # والثاني حفظ الأموال فيها من استهلاك وإضاعة # والثالث صيانة الحريم والحرم من انتهاك ومذلة # والرابع إلتماس ما تدعو إليه الحاجة من متاع وصناعة # والخامس التعرض للكسب وطلب المادة # فإن عدم فيها أحد هذه الأمور الخمسة فليست من مواطن الاستقرار وهي منزل ~~قيعة ودمار # قال الزبير بن العوام رضي الله عنه سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يقول # ( إن البلاد بلاد الله فحيث ما وجدت خيرا فاحمد الله وأقم ) # وحظ السلطان في عمارة 34 آ البلدان والأوطان أوفى من حظ رعيته لأنه أصل ~~هم فروعه ومتبوع هم أتباعه # | شروط إنشاء الأمصار # والذي يعتبر في إنشائها ستة شروط # أحدهما سعة المياه المستعذبة # والثاني إمكان الميرة المستمدة # والثالث اعتدال المكان الموافق لصحة الهوى والتربة PageV01P162 # والرابع قربة مما تدعو الحاجة إليه من المراعي والأحطاب # والخامس تحصين منازله من الأعداء والزعار # والسادس أن يحيط به سواد يعين أهله بمواده # فإذا تكاملت هذه الشروط الستة في إنشاء مصر استحكمت قواعد تأبيده ولم يزل ~~إلا بقضاء محتوم وأجل معلوم # | ما على منشيء المصر في حقوق ساكنيه # ثم على منشيء المصر في حقوق ساكنيه ثمانية شروط # أحدها أن يسوق إليه ماء السارية إن بعدت أطرافه إما في أنهار جارية أو ~~حياض سائلة ليسهل الوقوف إليه من غير تعسف # والثاني تقدير طرقه وشوارعه حتى تتناسب ولا تضيق بأهلها فيستضر المار بها # والثالث أن يبني جامعا للصلوات في وسطه ليقرب على جميع أهله ويعم شوارعه ~~بمساجده # والرابع أن يقدر أسواقه بحسب كفايته وفي مواضع حاجته # والخامس أن يميز خطط أهله وقبائل ساكنيه ولا يجمع بين أضداد متنافرين ولا ~~بين ms48 أجناس مختلفين والسادس إن أراد الملك أن يستوطنه سكن منه في أفسح ~~أطرافه وأطاف به جميع خواصه ومن يكفيه من أمر أجناده وفرق باقيهم في بقية ~~أطرافه ليكفوه من جميع جهاته وخص أهله بالعدل وجعل وسطه بعوام أهله 34 ب ~~ليكونوا مكنوفين بهم وليقل ركوبه فيهم حتى لا يلين في أعينهم PageV01P163 # والسابع أن يحوطهم بسور إن تاخموا عدوا أو خافوا اغتيالا حتى لا يدخل ~~عليهم إلا من أرادوه ولا يخرج عنهم إلا من عرفوه لأنه دار لساكنيه وحرز ~~لمستوطنيه # والثامن أن ينقل إليه من أعمال أهل العلوم والصنائع ما يحتاج أهله إليه ~~حتى يكتفوا بهم ويستغنوا عن غيرهم # فإذا قام منشئه بهذه الشروط الثمانية فيه فقد أدى حق مستوطنيه ولم يبق ~~لهم عليه إلا أن يسير فيهم بالسيرة الحسنى ويأخذهم بالطريقة المثلى وقد صار ~~من أكمل الأمصار وطنا وأعدلها مسكنا # | أنواع الأمصار # والأمصار نوعان # مصر مزارع وسواد # ومصر فرصة وتجارة # | مصر المزارع والسواد # فأما مصر المزارع والسواد فهو أثبت المصرين أهلا وأحسنهما حالا وأولاهما ~~استيطانا لوجود مواده فيه واقتناء أصولهما منه # | من شروط مصر المزارع والسواد # ومن شرطه أن يكون في وسط سواده وبين جميع أطرافه حتى تعتدل مواده منها ~~وتتساوى طرقه إليها وهو موفور العمارة ما كان سواده عامرا # فإن نال أهله فيه حيف فرقهم الحيف في سواده فأصابوا عيشا ودافعوا من زمان ~~الحيف وقتا # وإن جار السواد على أهله كان لهم في المصر أمن وملاذ ويكون كل واحد منهما ~~للآخر معاذا PageV01P164 # | مصر الفرصة والتجارة # وأما مصر الفرصة والتجارة فهو من كمال الإقليم وزينة الملك لأنه مقصود ~~بتحف البلاد وطرف 35 آ الأقاليم فلا يعوذ فيه مطلوب ولا ينقطع عنه مجلوب # | شروط هذا النوع من الأمصار # والمعتبر فيه ثلاثة شروط # أحدها أن يتوسط أمصار الريف ويقرب من بلاد المتاجر فلا يبعد على طالبه ~~ولا يسبق على قاصده # والثاني أن يكون على جادة تسهل مسالكها ويمكن نقل الأثقال فيها إما في ~~نهر أو على ظهر # فإن توعرت مسالكه وأجدبت مفاوزه ms49 عدل الناس عنه إلا من ضرورة # والثالث أن يكون مأمون السبل لأهل الطرقات خفيف الكلف قليل الأثقال فانه ~~ليس يأتيه إلا جالب مجتاز يطلب من البلاد أجداها فإن توعر هجر # وهذا أكثر البلدين طالبا وأنشرهما في الأقاليم ذكرا # وهو معد لمطالب الملوك لا لموادهم فإن استمدوه وتحيفوه بالمكوس والأعشار ~~نفروا عنه # وإن وجدوا سواه صار لأهل الضرورات دون الاختيار ولا دوام لأوطان الإضرار ~~ولا يبعد أن يندرس فيلحق المضطر بالمختار وإن لم يستدركه سلطانه بتخفيف ~~وإنصاف لأن أمواله أموال تجارة منتقلة PageV01P165 لا يشق عليهم تحويلها ~~فهم يستوطنون من البلاد أعدلها ويقصدون من المتاجر والمعاملات أسهلها فإن ~~نبا بهم وطن فكل البلاد لهم وطن # قال الشاعر # ( واترك محل السوء لا تحلل به % وإذا نبا بك منزل فتحول ) + من الكامل + ~~PageV01P166 # | 2 حراسة الرعية # وأما القاعدة الثانية وهي حراسة الرعية فلأنهم لأمانات الله التي استودعه ~~حفظها واسترعاه القيام بها لا يقدرون على الدفع عن أنفسهم إلا بسلطانه ولا ~~يصلون إلى العدل والتناصف إلا بإحسانه وهو منهم بمنزلة ولي اليتيم المندوب ~~لكفالته والقيم بمصالحه يلزمه بحكم الاسترعاء والأمانة أن يقوم زلله ويصلح ~~خلله ويحفظ أمواله ويثمر مواده كذلك مكانه من رعيته في الذب عنهم والنظر ~~لهم والقيام 35 ب بمصالحهم فإن النفع بصلاح أحوالهم عائد عليه والضرر ~~بفسادها متعد إليه فلن توجد استقامة ملك فسدت فيه أحوال الرعايا ~~PageV01P167 # | ما يلزم الملوك في حق الاسترعاء # والذي يلزم الملك في حقوق الاسترعاء عليهم عشرة أشياء # أحدها تمكين الرعية من استيطان مساكنهم وادعين # والثاني التخلية بينهم وبين مساكنهم آمنين # والثالث كف الأذى والأيدي الغالبة عنهم # والرابع استعمال العدل والنصفة معهم # والخامس فصل الخصام بين المتنازعين منهم # والسادس حملهم على موجب الشرع في عباداتهم ومعاملاتهم # والسابع إقامة حدود الله تعالى وحقوقه فيهم # والثامن أمن سبلهم ومسالكهم # والتاسع القيام بمصالحهم في حفظ مياههم وقناطرهم # والعاشر تقديرهم وترتيبهم على أقدارهم ومنازلهم فيما يتميزون به من دين ~~وعمل وكسب وصيانة # فإذا قام فيهم بهذه الحقوق فهي السياسة العادلة والسيرة الفاضلة التي ms50 ~~تستخلص بها طاعة الرعية وينتظم بها صلاح المملكة # وإن أخل بها كان وإياهم على ضدها # قال أردشير بن بابك PageV01P168 # سعادة الرعية في طاعة الملك وسعادة الملك في طاعة المالك # قال بعض الألباء # إذا لم يكن في سلطان الملك سرور لرعيته كان ملكه ظلما # حكي أن أنوشروان أنفذ رسولا إلى ملك قد أزمع على محاربته وأمره أن يتعرف ~~سيرته في نفسه ورعيته فرجع إليه وقال # وجدت عنده الهزل أقوى من الجد والكذب أكثر من الصدق والجور أرفع من العدل # فقال أنوشروان رزقت الظفر عليه سر إليه وليكن عملك في PageV01P169 ~~محاربته بما هو أضعف عنده وأقل وأوضع فإنك منصور عليه وهو مخذول # فسار إليه فظفر به واستولى على ملكه # | 3 تدبير الجند # وأما القاعدة الثالثة وهي تدبير الجند فلأن بهم ملك 36 آ حتى قهر واستولى ~~على قدر فإن صلحوا كانت قوتهم له وإن فسدوا صارت قوتهم عليه # وبعيد ممن كان معه فصار عليه أن يرى معه رشدا # | شروط تدبير الجند # وتدبيرهم الذي يحقط عليهم طاعتهم ويستخلص به نصرتهم يكون بأربعة شروط إن ~~استكملها صلحوا به واستقاموا له وإن أخل بها فسدوا عليه وأفسدوا ملكه # أحدها تقويمهم بالأدب الذي يحفظ عليه وفور نجدتهم وكمال تجنيدهم ليصلحهم ~~بذلك لأنفسهم ثم لنفسه ثم لرعيته PageV01P170 # فأما صلاحهم لأنفسهم فيكون بثلاثة أشياء # أحدها معطاة ما يحتاج إليه أجناد الملوك من الارتياض بالركوب والخبرة ~~بالحروب لأنها صناعة تجمع بين علم وعمل # والثاني اختصاصهم بالجندية واقتصارهم عليها حتى لا ينقطعوا عنها بكسب ~~سواها فيصيروا مقصرين فيها # والثالث أن يقفوا في اللذات على اعتدال مباح لا يقطعون إليها فتلهيهم ولا ~~يمنعون منها فتغريهم # وأما صلاحهم لنفسه فيكون بثلاثة أشياء # أحدها أن تستقر محبته في نفوسهم حتى ينصحوه # والثاني أن تعظم هيبته في قلوبهم حتى يطيعوه # والثالث أن يعتقدوا أن صلاح ملكه عائد عليهم وفساده متعد إليهم # وأما صلاحهم لرعيته فيكون بثلاثة أشياء # أحدها أن يكف نفسه عن أذاهم # والثاني أن يذب عنهم من أرادهم # والثالث أن يكون عونا لهم ms51 على منافعهم # فإذا صح له حملهم على هذا التأديب واستقاموا على هذا التهذيب كانوا أصلح ~~جند لأسعد ملك PageV01P171 # كتب الإسكندر إلى معلمه يسترشده في جنده فكتب إليه # تفقد جندك فإنهم أعداء ينتقم بهم من أعداء # ومعناه أنهم اعداء إذا فسدوا ينتقم بهم من أعداء إذا صلحوا # والشرط الثاني # أن يرتبوا على حسب عنائهم في الحروب وذبهم عن الملك ومسارعتهم إلى الطاعة ~~حتى يعلموا أن سعيهم مشكور ونصحهم مذخور 36 ب يتقدمون به ويتجازون عليه فإن ~~ذلك مفض بهم إلى ثلاث خصال تصلح بها أمورهم وينتظم بها تدبيرهم # إحداهن أن يزداد محسنهم طاعة ونصحا طلبا للزيادة في التقديم ورغبة مضاعفة ~~الجزاء # والثانية أن يرغب من قصر منهم أو أساء في مثل ما ناله المحسن من منزلة ~~وجزاء فيتأسى به في الطاعة ويساويه في المناصحة # والثالثة أن يكف المقصر عن طلب ما لا يستحقه ويتأخر عن مقام لا يستوجبه ~~ويرضى بالخمول إن صغرت همته ويقنع بالتقصير إن ضعفت منته فإن حركته حمية لم ~~يتردد إن لم يزد PageV01P172 # والشرط الثالث # أن يقوم بكفاياتهم حتى لا يحتاجوا فإن الحاجة تدعوهم إلى خصلة من ثلاث لا ~~خير في واحدة منهن # إما أن يتسلطوا على أموال الرعية # وإما أن يعدلوا إلى من يقوم لهم بالإكفاء # وإما أن يشتغلوا بمكسب فيوهنوا وإذا احتيج إليهم لم يغنوا ما بذلوا ~~انفسهم إلا لقيامه بكفايتهم # وقد قيل # من وثق بإحسانك أشفق على سلطانك # ومتى اقتطعهم طلب الكسب ضعف في أنفسهم رجاؤه وقل في أعينهم عطاؤه ثم إن ~~بدر عليهم العطاء فلا يحوجون إلى المطالبة فإن المطالب جرئ وفي جرأتهم خرق ~~للحشمة ووهن للهيبة وقل ما يختل الملك إلا بمثله لأن بهم تدفع الخطوب ~~الملمة فإذا كانوا هم الخطب الملم فبمن يدفعون إلا بالتلطف والإنصاف فهم ~~كالمثل السائر في قول الشاعر # ( بالملح يصلح ما يخشى تغيره % فكيف بالملح إن حلت به الغير ) + من ~~البسيط + # وقد كانوا يرون القصد في إعطائهم قدر الكفاية أولى من التوسعة عليهم ~~بالزيادة لأن الزيادة تؤول بهم ms52 إلى إحدى خصلتين مذمومتين PageV01P173 # إما إلى صرفها في الفساد ليفسدوا # وإما إلى الاستغناء بها فيتقاعدوا # حكى ابن ابن قتيبة أن أبرويز 37 آ قال لابنه شيرويه وهو في حبسه # لا توسعن على جندك فيستغنوا عنك ولا تضيقن عليهم فيضجوا منك وأعطهم عطاء ~~قصدا وامنعهم منعا جميلا ووسع لهم في الرجاء ولا توسع عليهم في العطاء ~~PageV01P174 # والشرط الرابع # أن لا تنطوي عنه أخبارهم ولا تخفى عليه آثارهم وهم رعاة دولته وحماة ~~رعيته # فإن تدلس سقيمهم وستر جميلهم للقبيح سرى فيهم أخبث الأمرين لأن الشر أنفر ~~بين الخير فمالوا وأمالوا # وتلحقهم ثلاث آفات خطرة تقدح في صلاحهم وتمنع في فلاحهم إحداهن أن يكرهوا ~~زمن السلامة والمسالمة ويستقلوا مدة الدعة لبوار نفاقهم وفتور أسواقهم ~~فيجعلوا لفتق الرتوق أسبابا ويفتحوا لمخارجة العدو أبوابا يتوصلون بها إلى ~~مطامع حسمها السلام والدعة فإن استدركت غوائلهم وإلا فهم الخطب الأطم ~~والفدح الأعم # والثانية # أن يتوصل العدو إلى استمالتهم لفرصة الغفلة عنهم فإذا لم يمنعه التيقظ ~~ولم يكفه التحفظ وسهام الرغائب صائبة ظفر بكيده فاصطلم ومال به فاحتكم # والثالثة # أن يبعثهم الإغفال على التسلط ويدعوهم الإهمال إلى التبسط PageV01P175 ~~تطاولا للسلطنة فلا يقبضوا يدا عن إرادة يستهلكون بها الأموال ويستأصلون ~~بها الأحوال فتكثر بهم الرزايا وتهلك بهم الرعايا ويكونوا أضر بالملك من كل ~~متغلب وأذكى فيه من كل متوثب وهذا لا ينحسم إذا استمر إلا بالزواجر القاهرة ~~وهم يده الباطشة فيستعين بمستقيمهم إن ظفر بتسليم مستقيم وإلا فإلى عطب ~~يؤول إلى الفساد فبعيد أن يعم فسادهم وفي الملك ثبات # فإن 37 ب أسعده الفضل بصلاحهم استدرك ما يستأنفه بالبحث عن أحوالهم ~~المستقلة ولم يغفل عن صغير لكبير فإن كبار الأمور تبدو صغارا كالنار يصير ~~إغفال قليلها ضرا ما لم يستدرك # وأصعب ما يعانيه المدبر للدولة سياسة الجند لأن بهم يقهر حتى يسوس وإذا ~~عجز بفسادهم صار مقهورا وإن ساسهم بحزمه حتى انقادوا كان لهم بالقوة سلطانا ~~وكانوا له بالطاعة أعوانا وقد قيل # من علامات الدولة قلة الغفلة # 4 تقدير ms53 الأموال $ وأما القاعدة الرابعة وهي تقدير الأموال فلأنها المواد ~~التي يستقيم الملك بوفورها ويختل بقصورها PageV01P176 # وتقديرها على الملوك مستصعب # لأنهم يرون بفضل القدرة بلوغ كل غرض ودرك كل مطلب فإن وصلوا إليه بالأسهل ~~الألطف وإلا توصلوا بالأصعب الأعنف وإن استباحوه شرعا وإلا ارتكبوا محذوره ~~وكابدوا معسوره # فإن أقاموا بفضل الحزم على السياسة العادلة حتى وقفت بهم القدرة على ~~تقدير الأموال أن يعتبر بما استدام حصوله ويسهل وصوله ولم يحتج معه إلى ~~التماس معذر وارتياد متعذر اعتدلت ممالكهم وتعدلت مطالبهم فلم يعجزوا عن حق ~~ولم يتعدوا إلى باطل وكان الظافر بهذه الحال منهم هو الملك السعيد ورعيته ~~به أسعد الرعايا وكان المقصر فيها على ضدها # قال لي بعض الملوك وقد توفر على لذته ولام غيره من الملوك عليها وكنت ~~سفيرا بينهما إني قدرت خرجي بدخلي وجعلت لكل خرج دخلا كافيا واستنبت فيه ~~أمناء 38 آ كفاة وأذنت لمن قصر دخله عن خرجه أن يقترض من غيره ما يقضيه عند ~~وفور دخله ثم صرفت زمان التشاغل به إلى اللذة بعد إحكامه ونفسي ساكنة إلى ~~انتظامه فإن الملك يراد للالتذاذ به ولو لم أفعل هذا لكنت في التشاغل ~~باللذة ملوما # فإن كان هذا الملك قبل توفره على لذته قد أحكم ما أحكمته لم يلم وإن كان ~~قد أهمله فهو الملوم دوني PageV01P177 # فقلت له قد لمت غيرك بذنب خلصت منه نفسك فجعلته لنفسك عذرا ولغيرك جرما ~~ولعمري إن المستظهر أعذر من المسترسل # وأحجمت عن استيفاء مناظرته التزاما لحشمته وإن كان حجاجه معتلا وعذره ~~مختلا لأن قليل الذل لا يعري من قليل العذل # | وجه تقدير الأموال # وإن كان تقدير الأموال قاعدة فتقديرها معتبر من وجهين # أحدهما تقدير دخلها # وذلك مقدر من أحد وجهين # إما بشرع ورد النص فيه بتقديره فلا يجوز أن يخالف # وإما باجتهاد ولاه العبد فيما أداهم الاجتهاد إلى وضعه وتقديره ولا يسوغ ~~أن ينقض # وإذا ردت إلى القوانين المستقرة ثمرت بالعدل وكان إضعافها بالجور ممحوقا # والثاني تقدير خرجها # وذلك مقدر من وجهين ms54 أحدهما بالحاجة فيما كانت أسبابه لازمة أو مباحة # والثاني بالمكنة حتى لا يعجز منها دخل ولا يتكلف معها عسف PageV01P178 # | مقابلة الدخل بالخرج # ثم لا يخلو حال الدخل إذا قوبل بالخرج من ثلاثة أحوال # أحدها # أن يفضل الدخل عن الخرج # فهو الملك السليم والتقدير المستقيم ليكون فاضل الدخل معدا لوجوه النوائب ~~38 ب ومستحدثات العوارض فيأمن الرعية عواقب حاجته ويثق الجند بظهور مكنته ~~ويكون الملك قادرا على دفع ما طرأ من خطب أو حدث من خرق فإن للملك فنونا لا ~~ترتقب وللزمان حوادث لا تحتسب # والحال الثانية # أن يقصر الدخل عن الخرج # فهو الملك المعتل والتدبير المختل لأن السلطان بفضل القدرة يتوصل إلى ~~كفايته كيف قدر فتأول ما وجب ويطالب بما لا يجب وتدعو الحاجة إلى العدول عن ~~لوازم الشرع وقوانين السياسة إلى حرف يصل به إلى حاجته ويظفر بإرادته فيهلك ~~معه الرعايا وينبسط عليه الأجناد وتدعوهم الحاجة إلى مثل ما دعته فلا يمكن ~~قبضهم عن التسلط وقد تسلط ولا منعهم من الفساد وقد أفسد # فإن استدرك أمره بالتقنع وساعده أجناده على الاقتصاد وإلا فإلى عطب ما ~~يؤول الفساد # والحال الثالثة # أن يتكافأ الدخل والخرج حتى يعتدل ولا يفضل ولا يقصر فيكون الملك في زمان ~~السلم مستقلا وفي زمان الفتوق والحوادث مختلا فيكون لكل واحد من الزمانين ~~حكمه # فإن ساعده القضاء بدوام السلم كان على PageV01P179 دعته واستقامته وإن ~~تحركت به النوائب كده الاجتهاد وثلمه الأعوان فيجعل الملك ذخيرة نوائبه في ~~مثل هذه الأحوال الإحسان إلى رعيته وتحكيم العدل في سياسته ليكون بالرعية ~~مستكثرا وبالعدل مستثمرا PageV01P180 # | الفصل الثاني والعشرون أصل ما تبنى عليه السياسة العادلة # وأصل ما تبنى عليه السياسة العادلة في سيرة الرعية بعد حراسته الدين ~~وتخير الأعوان أربعة # الرغبة # والرهبة # 39 آ # والإنصاف # والانتصاف # فأما الرغبة # فتدعو إلى التآلف وحسن الطاعة وتبعث على الإشفاق وبذل النصيحة وذلك من ~~أقوى الأسباب في حراسة المملكة # فإن قبضها عنهم زال حكمها معهم وتصنعوا بالطاعة تربصا للدوائر وسارعوا ~~إلى المعصية عند هجوم النوائب فهو ms55 منهم بين نفاق وإن ساتروه وبين شقاق وإن ~~جاهروه ولا خير في ما تردد بين نفاق وشقاق # وقال أبرويز # أجهل الناس من يعتمد في أموره على من لا يأمل خيره ولا يأمن شره # وأما الرهبة # فتمنع خلاف ذوي العناد وتحسم سعي أهل الفساد حذرا من PageV01P181 السطوة ~~وإشفاقا من المؤاخذة وذلك أقوى الأسباب في تهذيب المملكة # فإن زالت عنهم زال حكمها معهم فلان واشتدوا وهان واعتزوا فاستسهلوا ~~معصيته واستقلوا طاعته وصارت أوامره فيهم لغوا وزواجره لهوا وقد قيل # من إمارات الجد حسن الجد # وإذا جمع بين الرغبة والرهبة قادهم الرجاء إلى طاعته وصدهم الخوف عن ~~معصيته وانبسط فيهم الأمل وكثر منهم الوجل فعز سلطانه واستقام اعوانه # قال بعض الحكماء # من أعرض عن الحذر والاحتراس وبنى أمره على غير أساس زال عنه العز واستولى ~~عليه العجز # وأما الإنصاف # فهو عادل يفصل بين الحق والباطل ويستقيم به حال الرعية وتنتظم به أمور ~~المملكة فلا ثبات لدولة لا يتناصف أهلها ويغلب جورها على عدلها فإن الندرة ~~من الجور تؤثر فكيف به إذا كثر PageV01P182 # ولو لم يتناصف أهل الفساد لما تم لهم فعل الفساد فكيف بملك قد استرعاه ~~الله صلاح عباده ووكل إليه عمارة بلاده إذا لم يحمل على التناصف والتعاطف ~~ومزجت 39 ب فيه الأهواء بالخرف وتحكمت القوة في منع الحق أن لا يوفى وفي ~~إحداث ما لا يستحق أن يستوفى وتهارج الناس فيها بالتغالب وتمازجوا فيها ~~بالتطاول والتغاضب هل يقترب بهذا الملك وقد تعطلت هذه الأصول به صلاح كلا ~~لن يكون الباطل حقا والفساد صلاحا وقد قال أردشير بن بابك # إذا رغب الملك عن العدل رغبت الرعية عن الطاعة # قال الإسكندر لحكماء الهند # أيما أفضل العدل أم الشجاعة # قالوا # إذا استعمل العدل استغني عن الشجاعة PageV01P183 # قال بعض العلماء # الملك يبقى على الكفر ولا يبقى على الظلم # فأخذه بعض الشعراء فقال في ذلك # ( عليك بالعدل إن وليت مملكة % واحذر من الجور فيها غاية الحذر ) # ( فالملك يبقى على الكفر البهيم ولا % يبقى مع الجور في ms56 بدو وفي حضر ) # ولا ينقض هذا القول ما قدمناه من اعتبار الدين في قواعد الملك لأن الكفر ~~تدين بباطل والإيمان تدين بحق وكلاهما دين معتقد وإن صح أحدهما وبطل الآخر # وربما ظن من تسلط بالسطوة من الولاة أنه بالجور أقدر وأقهر وأن أمواله ~~بالحيف أكثر وأوفر ويخفى عنه أن الجور مستأصل يقطع قليل باطله كثير الحق في ~~الأجل ثم إلى زوال يكون المآل فقد قيل في حكم الفرس # ستة أشياء لا ثبات لها PageV01P184 # ظل الغمام وخلة الأشرار وعشرة النساء والثناء الكاذب والسلطان الجائر ~~والمال الكثير # وقالوا # إن الجور يرفع نفسه # وعلة هذا صحيحة لأن الجور مدرسة ولايبقى مع الدارس ما يتوجه الجور إليه ~~والعدل ثابت الأصول نامي الفروع مكين القوانين فهو كالغرس في الأرض يعلو ~~شجره ويتوالى ثمره والجور 40 آ مستأصل لما أنشأه العدل فلا يدع له أصلا ~~ثابتا ولا فرعا نابتا PageV01P185 # ثم الإنصاف استثمار والعدل استكثار فيصير الإنسان بالإنصاف مستثمرا ~~وبالعدل مستكثرا # وما نقص ملك من إنصاف ولا جاه من إسعاف وهما بالمزيد أجدر # وفرق ما بين العدل والإنصاف في الحقوق الخاصة # وليس يخرجان بهذا الفرق من الاشتراك في الحق كما أن بمثله يكون فرق ما ~~بين الجور والحيف ولا يمنع من الاشتراك في الباطل # وقد قيل # من عدل في سلطانه استغنى عن أعوانه # وقال جعفر بن يحيى # الخراج عمود الملك وما استغزر المال بمثل العدل وما استنزر بمثل الجور ~~PageV01P186 # وأما الانتصاف # فهو استيفاء الحقوق الواجبة واستخراجها بالأيدي العادلة فإن فيه قوام ~~الملك وتوفير أمواله وظهور عزه وتشييد قواعده وليس في العدل ترك مال من ~~وجهة ولا أخذه من غير وجهة بل كلا الأمرين عدل لا استقامة للملك إلا بهما # وكما أن الانتصاف عدل في حقوق الملك ولما كان الحيف في حقوق الرعية قبيحا ~~كان الحيف في حقوق الملك أقبح لأن يده أعلى ونفع ماله أعم # وإن لم ينتصف لعجز كان ذلك من وهاء ملكه # وإن لم ينتصف لإهمال كان ذلك من ضعف سياسته # وإن لم ينتصف لترك ms57 كان ذلك من تبذيره وسرفه إلا أن يكون عفوا لموجب يندب ~~إلى مثله لا يخرج عن قانون السياسة وهو منها وليس بعام فيلام # فإذا ذهبت الأموال أموال الملك بأحد هذه الأسباب القاطعة لمواده زال عنه ~~الرجاء واشتد فيه الطمع وصار على شفا جرف إن صدعه خطب أو قارعه 40 ب ضد ~~فتلجئه الحوادث إذا ترك ما يستحق إلى أن يأخذ ما لا يستحق فيصير في الترك ~~جائرا على ملكه PageV01P187 وفي الأخذ جائرا على رعيته فلا ينفك في الحالين ~~من أن يكون خاطئا ملوما وجائرا مذموما # قال بعض البلغاء # لا يستغني الملك عن الكفاة ولا الكفاة عن الإفضال والإفضال عن المادة ولا ~~المادة عن العدل # فالملك بغير الكفاة مختل والكفاة بغير الإفضال مسلطون والإفضال بغير ~~المادة منقطع وإنما يقيم المواد تسليط العدل وفي تسليط العدل حياة الدنيا ~~وبهاء الملك # وفي هذا التنزيل تعليل للعدل فإنه من قواعد الملك PageV01P188 فإنك لن ~~تجد صلاحا كان الجور علة وجوده ولا فسادا كان العدل علة ظهوره وإنما تجتذب ~~العلل إلى الأصول نظائرها # | شروط استقامة الملك بهذه القواعد الأربع # ولاستقامة الملك بهذه القواعد الأربع ثلاثة شروط # أحدها # أن يقف منها على الحد المقصود وينتهي فيها إلى العرف المعهود # فإن تجاوز فيها مسرفا أو مقصرا كان باللوم جديرا فإن الزيادة في الرغبة ~~صرع والزيادة في الرهبة سلاطة وكذلك النقصان منهما يكون على ضدهما # والثاني # أن يستعملها في مواضعها ولا يعدل بالرغبة إلى موضع الرهبة ولا يستعمل ~~الرهبة في موضع الرغبة فيصير تاركا للرغبة والرهبة وقد تكلف عناء ضاعت ~~مغارمه وبطلت مغانمه فهو كآكل الطعام من الظمأ وشارب الماء من المجاعة لا ~~يرتوي بما أكل ولا يشبع بما شرب شرب PageV01P189 # ثم هو على وجل من ضرره وحذر من خطره وقد أحسن المتنبي في قوله # ( ووضع الندى في موضع السيف بالعلى % 41 آ مضر كوضع السيف في موضع الندى ~~) + من الطويل + # قال بعض الحكماء # من سكرات السلطان الرضا عن بعض من يستوجب السخط والسخط على بعض من يستحق ~~الرضا ms58 PageV01P190 # والثالث # أن يترجى لها زمانها ويتوقع إبانها حتى لا تضيع الرغبة والرهبة إن قدمهما ~~ولا يقر بأن آن آخرهما فإن فعل الشيء في غير زمانه كصلاح المرض في غير ~~أوانه لا يقع من الانتفاع موقعا ولا يكون العمل فيه إلا ضائعا # وقد قيل # من أخر العمل عن وقته فليكن على ثقة من فوته # وليسير ذلك في وقته أنفع من كثيره في غير وقته # وربما ضر كما يستضر بالدواء في الصحة وإن كان نافعا في المرض # وإذا صادف بالرغبة زمانها ووافق بالرهبة أوانها سعد بحزمه وحظي بعزمه ~~وطبق مفاضل أغراضه وبلغ كنه مراده PageV01P191 # | الفصل الثالث والعشرون تهذيب الأعوان والحاشية # # | سياسة الملك بالأعوان والحاشية # وليعلم الملك أنه لا استقامة له ولرعيته إلا بتهذيب أعوانه وحاشيته لأنه ~~لا يقدر على مباشرة الأمور بنفسه وإنما يستنيب فيها الكفاة من أصحابه لأن ~~سياسات الملوك مقصورة في مباشرتهم لها على أمرين # أحدهما تدبير أمور الجمهور بآرائهم # والثاني استنابة الكفاة في تنفيذها على أوامره # وما سوى ذلك فالأعوان هم كفلاء مباشرتها وزعماء القيام بأعوامها # وقد شبه المتقدمون السايس المدبر للمملكة في السلم والحرب بالطبيب المدبر ~~للجسد في حفظ الصحة وعلاج الأمراض اليدين في بطشهما بالجند والأعوان ~~والرجلين بالكراع 41 ب والظهر والعينين بالحجاب والحرس والأذنين بأصحاب ~~البريد والأخبار واللسان في نطقه بالوزراء والكتاب والأعضاء المجاورة في ~~القلب بحاشية الملك على طبقاتهم في القرب والبعد # وحاجة الخاصة للعامة في الاستخدام كحاجة الأعضاء الشريفة إلى التي ليست ~~بشريفة لأن بعض الأمور لبعض سبب وعوام الناس لخواصهم عدة وبكل صنف منهم إلى ~~الآخر حاجة PageV01P192 وإذا كان أعوانه منه بمنزلة أعضائه التي لا قوام ~~للجسد إلا بها ولا يقدر على التصرف إلا بصحتها واستقامتها وجب عليه تقويم ~~عوجهم وإصلاح فاسدهم ليستقيموا فيستقيم الملك بهم كما لا تستقيم أفعاله إلا ~~باستقامة أعضائه من جسده # قال النبي صلى الله عليه وسلم # ( العينان دليلان والأذنان قمعان واللسان ترجمان واليدان جناحان والكبد ~~رحمة والطحال ضحك والرئة نفس والكليتان مكر والقلب ملك فإذا صلح الملك صلحت ms59 ~~رعيته وإذا فسد الملك فسدت رعيته ) # فتشابهت أعضاؤه في حق نفسه بحواشيه في حق ملكه ومن لم يستقم منهم من عوجه ~~بعد التقويم ولا كف عن زيغة بعد التهذيب كان إبعاده منهم أسلم لبقية أعوانه ~~كالسلع التي تقطع من الجسد # قال أبرويز # من اعتمد على كفاة السوء لم يخل من رأي فاسد وظن كاذب وعدو غالب ~~PageV01P193 # | أصل ما يبنى عليه قاعدة أمره في اختيارهم # وأصل ما يبنى عليه قاعدة أمره في اختيار أعوانه وكفاته أن يختبر أهل ~~مملكته ويسبر جميع حاشيته بتصفح عقولهم وآرائهم ومعرفة هممهم وأخلاقهم حتى ~~يعرف به 42 آ باطن سرائرهم وما يلائم كامن شيمهم فإنه سيجد طباعهم مختلفة ~~وهممهم متباينة ومننهم متفاضلة # وقد قيل # الهمة رائد الجد # فيصرف كل واحد منهم فما طبع عليه من خلق وتكاملت فيهم الآلة وتخصصت به من ~~همة فهي أحوال ثلاث يجب اعتبارها في كل مستكف وهي # الخلق والكفاية والهمة # فلا يعطي أحدهم منزلة لا يستحقها لنقص أو خلل ولا يستكفيه أمر ولايتة ولا ~~ينهض بها لعجز أو فشل فإنهم آلات الملك فإذا اختلت كان تأثيرها مختلا ~~وفعلها معتلا PageV01P194 # قيل لبزرجمهر # كيف اضطربت أمور آل ساسان وفيهم مثلك # قال # لأنهم استعانوا بأصاغر العمال على أكابر الأعمال فآل أمرهم إلى ما آل # وقيل في منثور الحكم # من استعان بأصاغر رجاله على أكابر أعماله فقد ضيع العمل وأوقع الخلل # وقيل # من استوزر غير كاف خاطر بملكه ومن استشار غير أمين أعان على هلكه ومن أسر ~~إلى غير ثقة ضيع سره ومن استعان بغير مستقل أفسد أمره ومن ضيع عاقلا دل على ~~ضعف عقله ومن اصطنع جاهلا أعرب عن فرط جهله PageV01P195 # قال عبيد الله بن عبد الله بن طاهر # ( لا بد للشاة من راع يدبرها % فكيف بالناس إن كانوا بلا وال ) # ( وإن أضيف إلى الأذناب أمرهم % دون الرؤوس فهم في حال إهمال ) + من ~~البسيط + # وكما أنه لا يزيد أحدهم على قدر استحقاقه فكذلك لا ينقصه عن المنزلة التي ~~يستحقها بكفايته ويستوجبها بكمال آلته ويترقى ms60 إليها بعلو همته فتضاع كفايته ~~وتبطل 42 ب آلته فيصير لأنفه من عمله متهاونا وباستقلاله واحتقاره متوانيا ~~فيختل العمل بكماله كما اختل عمل العاجز بنقصه فيصير الكمال فيه نقصا في ~~عمله والكفاية فيه عجزا في نظره # وإذا وافق بهم قدر استحقاقهم فصرف أكابر العمال في أكابر الأعمال ~~وأصاغرهم في أصاغرها استقلت أعماله واستقام عمله # وإن خالف فالخلل بالأمرين واقع وكلاهما بالعمل مضر وبالسياسة معر # وتدبير هذا على امتيازه حتى يوافق قدر استحقاقه صعب إلا على من كان صائب ~~الفكرة حسن الفطنة صادق الفراسة ثم ساعده القضاء في تقديره وأعانه التوفيق ~~في تدبيره وإن كان تقدير الحظوظ بحسب الفضائل متعذرا وإنما هي أقسام جرها ~~قدر محتوم وساقها حظ مقسوم # قال بزرجمهر # يجب للعاقل أن لا يجزع من جفاء الولاة وتقديمهم الجهال عليه PageV01P196 ~~إذا كانت الأقسام لم توضع على قدر الأخطار وإن حكم الدنيا أن لا تعطى أحدا ~~ما يستحقه لكن تزيده أو تنقصه # وليحذر الملك تولية أحد بشفاعة شفيع أو لرعاية حرمة إذا لم يكن مضطلعا ~~بثقل ما ولي ولا ناهضا بعبء ما استكفي فيختل العمل لعجز عامله ويفتضح ~~العامل بانتشار عمله فيصير الحزم بهما مضاعا والهوى فيهما مطاعا وليقض حقوق ~~الحرمة بأمواله في معونتهم وتقريبهم ومنزلتهم ففيهما حفاظ وأجزاء وقد سلمت ~~أعماله من خلل العجز وضياع التقصير # قال بعض الحكماء # من قلد لذي الرعاية ندم # ومن قلد لذي الكفاية سلم # قيل في 43 آ حكم الفرس PageV01P197 # لا تستكفين مخدوعا عن عقله والمخدوع من بلغ به قدرا لا يستحقه أو أثيب ~~ثوابا لا يستوجبه # وعلى هذا الاعتبار لا يورث الأبناء منازل الآباء إذا لم يتناسبوا في ~~الطباع كما لا يرث الأشرار مراتب الأخيار # ولا يستعمل في الكتبة من كان أبوه كاتبا إذ كان هو غير كاتب # فإن أحب مكافأة واحد من هؤلاء لحقوق آبائهم كافأه بما قدمناه من المال ~~والتقريب دون الولاية والتقليد ليكون قاضيا لحقوقهم بماله ولا يكون قاضيا ~~لحقوقهم بملكه # حكي أنه كان على باب كسرى ساجة عليها مكتوب ms61 # العمل للكفاة وقضاء الحقوق على بيوت الأموال # ومن رآه قد تصدى للمعالي وليس من أهلها وقد تطاول للرتب ولم يؤهل لها فلا ~~بأس باستكفائه إذ كان على ما تصدى له مطبوعا ولما PageV01P198 تطاول له ~~مستحقا إذا نهزته الهمة وساعدته الآلة فلا سبيل إلى نجباء الأولاد نجباء ~~على الأبد وقد قيل # من فاته حسب نفسه لم ينفعه حسب أبيه # وعير رجل سقراط بنسبه فقال سقراط # نسبك إليك انتهى ونسبي مني ابتدا # قال أبو تمام الطائي # ( إذا ما شئت حسن العلم % منك بصالح الأدب ) # ( فممن شئت كن فلقد % فلحت بأكرم النسب ) # ( فنفسك قط أصلحها % ودعني من قديم أب ) + من الوافر + # وحكي في سيرة الأكاسرة أن بعض ملوكهم مر بغلام يسوق حمارا غير منبعث وهو ~~يعنف عليه بالسوق فقال # ياغلام أرفق به # فقال أيها الملك في الرفق به مضرة عليه وفي العنف به إحسان إليه ~~PageV01P199 # قال 43 ب وما في الرفق به من المضرة # قال يطول طريقه ويشتد جوعه # قال وما في العنف من الإحسان # قال يخف حمله ويطول أكله # فأعجب الملك بكلامه # قال قد أمرت لك بألف درهم # قال رزق مقدور وواهب مأجور # قال وقد أمرت بإثبات اسمك في حشمي # قال كفيت مؤونة ورزقت معونة # قال ولولا أنك حدث السن لاستوزرتك # قال لن يعدم الفضل من رزق العدل # قال فهل تصلح ذلك # قال إنما يكون الحمد والذم بعد التجربة ولا يعرف الإنسان نفسه حتى يبلوها # فاستوزره فوجده ذا رأي صليب وفهم رحيب ومشورة تقع مواقع التوفيق # ولقل ما يتكامل للملك الظفر بكفاة أعماله لكثرة الأعمال وقلة الكفاة ~~PageV01P200 # فإذا ظفر بذي الكفاية لمنصب اغتنمها ولم يعطلها وأن استغنى في الحال عنها ~~فإنه لا يدري متى يحتاج إليها ليكون ذخرا لحاجته ومعدا لطوارقه كما لا يضيع ~~أمواله إذا استغنى عنها ويعدها ذخرا للحاجة والكفاة أعوز من الأموال ~~والأموال أوجد من الكفاة وبهم تجتذب الأموال وتستجر الأعمال وإن تراد ~~الأعمال للكفاة دون النسب وإن كانت الكفاية هي النسب وحسب صاحبها ما يبلغ ~~بها إذا ساعده ms62 الجد وإن كانت الكفاية من الجد # قيل في منثور الحكم # من علامة الإقبال اصطناع الرجال # وإن نفرت النفوس من هجوم رتبته ولم تذعن بالانقياد لطاعته وطنت له النفوس ~~بتدريجه فيها إلى رتبة بعد رتبة حتى تصل إلى الكفاية من أقرب مراقيها فلا ~~تنفر منه النفوس إذا 44 آ رقاها ولا تقف عن الطاعة له إذا علاها ليكون على ~~عمله معانا والعمل بتدريجه فيه مصانا فما أحد يحم إلا عن غمض ولا ارتفع إلا ~~عن خفض ولا يقدم إلا من تأخير ولا كمل إلا عن تقصير ومن خبر الزمان لم ~~يستجهل أخباره ولم يستهول آثاره # وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم # ( الناس بأزمنتهم أشبه ) PageV01P201 # | من يتفقدهم الملك من أعوانه # وبالملك أشد الحاجة إلى أن يتفقد أربع طبقات لا يستغني عن تفقد أحوالهم ~~بنفسه لأنهم عماد مملكته وقواعد دولته ليستكفيهم وهو على ثقة من سدادهم ~~وأمانتهم ويستعملهم بعد علمه بكفايتهم وشهامتهم # فالطبقة الأولى الوزراء # لأنهم خلفاؤه في سلطانه وسفراؤه في أعوانه وشركاؤه في تدبيره وأمناؤه على ~~أسراره # ثم لهم مزية الاستيلاء والتفويض لأن على ألسنتهم تظهر أقواله وعلى أيديهم ~~تصدر أفعاله # فإذا باشروا عنه الأمور عاد عليه خيرها وشرها وكان له نفعها وضرها وبقي ~~عليه صفوها وكدرها فإن أحسنوا نسب إليه إحسانهم وإن أساءوا أضيفت إليه ~~مساوئهم فيصير بإحسانهم محمودا وبإساءتهم مذموما وبسدادهم مشكورا ~~وبالتوائهم موتورا يخفي صلاحه بفسادهم ويبطل عدله بجورهم ويقل خيره بشرهم ~~مع عظم الضرر الداخل على مملكته PageV01P202 والقدح الموهن لدولته والخلل ~~العائد على رعيته فهو وملكه معهم على استقامة ما استقاموا وعلى اختلال إذا ~~فسدوا # قال النبي صلى الله عليه وسلم # ( إذا أراد الله بالملك خيرا جعل له وزير صدق إن نسي ذكره وإن ذكر أعانه ~~وإذا أراد به 44 ب غير ذلك جعل له وزير سوء إن نسي لم يذكره وإن ذكر لم ~~يعنه ) # ووصى سابور بن أردشير ابنه في عهده فقال # ليكن وزيرك مقبول القول عندك مكين المحل من نفسك يمنعه مكانه منك من ~~الضراعة ms63 إلى غيرك حتى تبعثه بك إلى محض النصيحة لك والتجريد في منابذة عن ~~عنتك أو نقض عهد حقك # وذكر حكماء الملك من صفات اختباره أن يكون وافر العقل سليم الطبع أديب ~~النفس معتدل الأخلاق مناسب الأفعال عالي الهمة قوي المنة سريع البديهة ~~مقبول الصورة جزل الرأي صائب الفكرة كثير التجربة شديد النزاهة قليل الشرة ~~حسن التدبير تام الصناعة PageV01P203 # وهذه أوصاف كمال يوفق الله تعالى لها من شاء ويسعد بها من الملوك من أحب # والطبقة الثانية القضاة والحكام # الذين هم موازين العدل وتفويض الحكم إليهم وحراس السنة باتباعها في ~~أحكامهم وبهم ينتصف المظلوم من الظالم في رد ظلامته والضعيف من القوي في ~~استيفاء حقه # فإن قل ورعهم وكثر طمعهم فأماتوا السنة بأحكام مبتدعة وأضاعوا الحقوق ~~بأهواء متبعة فكان قدحهم في الدين أعظم من قدحهم في المملكة وإضرارهم ~~بالمملكة في إبطال العدل أعظم من إضرارهم بالمتحاكمين إليهم في إبطال الحق # وقد قيل # من أقبح الأشياء سخف القضاة وظلم الولاة # وقال أنوشروان # ما عدل من جارت قضاته ولا صلح من فسدت كفاته # والذي تقتضيه السياسة في اختيارهم بعد الشروط المعتبرة فيهم بالشرع أن ~~يكون القاضي حسن العلانية مأمون السريرة كثير الجد PageV01P204 قليل الهزل ~~شديد الورع قليل الطمع قد صرفته القناعة عن الضراعة ومنعته النزاهة من ~~الشرة 45 آ وكفه الصبر عن الضجر وصده العدل عن الميل يستعين بدرسه على علمه ~~وبمذاكرته على فهمه لطيف الفطنة جيد التصور مجانبا للشبه بعيدا من الريب ~~يشاور فيما أشكل ويتأنى فيما أعضل فلا معدل عمن تكاملها ولا رغبة فيمن أخل ~~بها # والطبقة الثالثة أمراء الأجناد # الذين هم أركان دولته وحماة مملكته والذابون عن حريم رعيته والمالكون ~~أعنة أجناده والعاطفون بهم على صدق نصرته وموالاته # فإن استقامت له هذه الطبقة استقام له جميع أعوانه # وإن اضطربت عليه فسد نظام تدبيره مع سائر أجناده لأنهم إلى طاعة أمرائهم ~~أسرع ولقول زعمائهم أطوع فإن خاف سطوة من به يسطو ولم يأمن جانب من به ينجو ~~كان بملكه مغررا وبنفسه مخاطرا ms64 # وقيل # إن الوفاء لك بقدر الجزاء منك # والمعتبر فيهم النجدة والحمية والوفاء والمودة وظهور الطاعة منهم ولهم ~~ليكونوا بطاعتهم منقادين وبالطاعة لهم قائدين PageV01P205 # والطبقة الرابعة عمال الخراج # الذين هم جباة الأموال وعمار الأعمال والوسائط بينه وبين رعيته # فإن نصحوه في أمواله وعدلوا في أعماله توفرت خزائنه بسعة الدخل وعمرت ~~بلاده ببسط العدل # وقد قيل # فضيلة السلطان عمارة البلدان # وإن خانوه في ما اجتنبوه من أمواله وجاروا في ما تقلدوه من أعماله نقصت ~~مواده وخربت بلاده وتغير عليه لقلة دخله أعوانه وأجناده وتولد منه ما يكون ~~محل فساد # قال بعض العلماء 45 ب # ظلم العمال ظلمة الأعمال # وحكي أن المأمون جلس ذات يوم وأحضر العمال فقبلهم أعمال السواد واحتاط في ~~العقود فلما فرغ قام إليه بعض قضاته فقال PageV01P206 # يا أمير المؤمنين إن الله قد دفعها إليك أمانة فلا تخرجها من يدك قبالة ~~فقال صدقت وفسخ ذلك # وإنما أراد القاضي أن تقبيل الأعمال ذريعة إلى تحكم العمال وتحكمهم سبب ~~لخراب الأعمال # فتنبه المأمون على مراده وعمل برأيه # والمعتبر في أخيارهم أن يكون فيهم إنصاف وانتصاف وعمارة وخبرة ونزاهة ~~لتدر أموال الرعية وتتوفر أموال السلطنة # | والطبقة الخامسة من يستخدمهم في شؤونه الخاصة # وها هنا طبقة أخرى يجب أن يتفقد أحوالهم بنفسه غير أنهم يختصون بحراسة ~~نفسه لا بسياسة ملكه وهم الذين يستخدمهم في مطعمه PageV01P207 ومشربه ~~وملبسه ومن يقرب منه في خلوته فإنهم حصنه من الأعداء وجنته من الأسواء # وقد اختار حكماء الملوك أن لا يستخدموا في مثل هذه الحال إلا أحد ثلاثة # إما من تربى مع الملك وألفه # وإما من رباه الملك على أخلاقه # وإما من ربى الملك في حجره # فإن هؤلاء أهل صدق في موالاته ونصح في خدمته وعلو في حفاظه وحياطته ومن ~~أجل ذلك وجب أن يكون إحسانه إليهم أفضل وتفضله عليهم أظهر ويتولى فعل ذلك ~~بنفسه ولا يكل مراعاتهم إلى غيره كما لم يكل مراعاته إلى غيرهم حتى لا ~~يلجئهم إلى من يجتذب قلوبهم بنفقته فيما يلوه ويكون من تقلبهم ms65 على عرض ومن ~~تنكرهم على خطر # فقد قيل في سالف الحكم 46 آ # ليس من استكره نفسه في حظك كمن كان حظه في طاعتك # | تفقده لمن سوى هؤلاء # ثم يتفقد في من سوى هذه الطبقات بحسب منازلهم من خدمته فقد قيل ~~PageV01P208 # من قضيت واجبه أمنت جانبه # وليكن اعتناؤه بمراعاته من استبطنه منهم أكثر ليكونوا أخيارا مهذبين ~~وأصفياء مأمونيين فيسلم من مكرهم ويأمن من شرهم فقد روي عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال # ( ما بعث الله من نبي ولا استخلف من خليفة إلا كانت له بطانتان بطانة ~~تأمره بالخير وتحضه عليه وبطانة تأمره بالشر وتحضه عليه والمعصوم من عصمه ~~الله تعالى ) # ويمنع كل أحد من أعوانه أن يتجاوز قدر رتبته أو يتعدى إلى غير عمله فيكون ~~بعمله منفردا وعلى رتبته مقتصرا # وربما دل بعضهم بحظوة نالها فتخطى بها إلى غير عمله وتجاوز بها قدر رتبته ~~ثقة بحسن رأي الملك فيه وتعويلا على مكانه منه # وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال # ( ما هلك امرؤ عرف قدره فانتشر بجناح مهيض وزاحم بجسد مريض ) PageV01P209 # فلا يلبث أن يهبط سريعا أو يخط صريعا بعد مضرة إفراطه وهجنة انبساطه # وكذا عاقبة من عدل طوره وجهل قدره ثم قد اختلفت به الرتب حتى هانت واعتلت ~~به المملكة حتى لانت فصار عزها مسكونا وملكها متهونا # | من يحذر الملك أن يجعلهم في بطانته # وليحذر الملك أن يستبطن أو يسترسل إلى أحد من عدد معاينهم مفترقة ~~وأحكامهم متفقة بالأعداء المباينين أشبه منهم بالأعوان المساعدين فإن صرعة ~~الاسترسال لا تقال PageV01P210 # أحدهم 46 ب شرير مظاهر بالخير لأنه ذو نفاق ومكر # والثاني مطرح للدين والمراقبة لأنه قليل الوفاء سريع الغدر # والثالث حرص شره لأنه ينبى باليسير ويطمع في التافه الحقير # والرابع مضرور ذو فاقة فإنه لا يصفو لمن لا يجر فاقته ويسد خلته # والخامس محطوط عن رتبة بلغها أو ممنوع من حقوق استوجبها وهو ساخط متنكر # والسادس مهاجر بذنب لم يعف عنه ولم ينتقم منه فهو ms66 خائف حذر # والسابع مذنب مع جماعة عفي عنهم وعوقب فصار موتورا # والثامن محسن مع جماعة جوزوا ومنع فصار محروما # والتاسع ذو كفاءة من حسدة وأعداء قدموا عليه وأخر فصار حنقا # والعاشر مستضر بما ينفعك أو منتفع بما يضرك فلا يكون إلا مباينا # والحادي عشر من كان لعدوك أرجى منه لك فيكون لعدوك ممايلا # والثاني عشر من بغى عليه أعداؤه فسوعدوا عليه فتنتقل عداوته إلى من صار ~~له مساعدا # فلا حظ للملك في استكفاء أحدهم ولا أقاربه إن هزته الرتب ولزته النوائب ~~كان بين مراقبة مختلس أو مواثبة مفترس PageV01P211 # وليحذر الملك من استدنائهم فإنه معهم على خطر من اغتيال أو احتيال # قال حكيم الروم # ينبغي للملك أن يصرف حذره إلى الأشرار واستنامته إلى الأخيار # فإن زالت أسباب الحذر وعادوا إلى أحوال السلامة صاروا كأهلها في جواز ~~الاستكفاء والاصطناع فليس المأمون أن يصلح الفاسد كما ليس بمأمون أن يفسد ~~الصالح وللعلل نتائج يرتفع معلولها 47 آ بزوال تعليلها ونتائج الأضداد ~~متباينة # وقد قيل في منثور الحكم # من حسن صفاؤه وجب اصطفاؤه # قال الشاعر # ( وقد تقلب الأيام حالات أهلها % وتعدو على أسد الرجال الثعالب ) + من ~~الطويل + PageV01P212 # وإذا اكتفى من استكفاه اقتصر ولم يستكثر فحسبه في العمل من كفاه فما في ~~الاستكثار بعد الاكتفاء إلا مال مضاع وسر مذاع وكلا الأمرين خلل وزلل # قال بعض البلغاء # ليس العمل بكثرة الإخوان ولكن بصالح الأعوان # وإن وجد كافيا ولم يجد عملا لاستيلاء الكفاة على الأعمال تمسك به ولم ~~يهمله وراعاه بقدر كفايته وادخره لوقت حاجته فلا غنى بالملك عن ادخار أعوان ~~يعدهم لما يطغى ويستظهر بهم على من استكفى حتى لا تفجأه الحاجة وأعوانها ~~متعذرون ويكفي أن يسترسل أو يدل عليه الناظرون # فإذا ادخر الأموال لنوائب الملك كان ادخار الأعوان أحق لتماثل الأموال ~~وتفاضل الأعوان PageV01P213 # | الفصل الرابع والعشرون أشد ما يمنى به الملك في سياسة ملكه # وأشد ما يمنى به الملك في سياسة ملكه شيئان # أحدهما أن يفسد عليه الزمان # والثاني أن يتغير عليه الأعوان # | فساد ms67 الزمان # فأما فساد الزمان فنوعان # نوع حدث عن أسباب إلهية # ونوع حدث عن عوارض بشرية # | ما حدث عن أسباب إلهية # فأما الحادث عن الأسباب الإلهية فيجب أن يقابلها الملك بأمرين # أحدهما إصلاح سريرته وسرائر رعيته # فقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال # ( إذا جارت الولاة قحطت السماء ) PageV01P214 # وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه # من حاول أمرا بمعصية الله كان أبعد لما رجا وأقرب لمجيء ما اتقى # والثاني 47 ب أن يتطامن لها إذا طرقت ويتلطف في تلاقيها إذا هجمت حتى ~~تنجلي عنه وهو سليم من لفحتها معان في شدتها فما عن أقضية الله صاد ولا عن ~~أوامره راد فالسلم فيها أسلم ودفاع الله عنها أقوم # وجد في عضد الإسكندر صحيفة فيها مكتوب # قلة الاسترسال إلى الدنيا أسلم والاتكال على القدر أروح وعند حسن الظن ~~تقر العين PageV01P215 # وقد قيل في منثور الحكم # لا تجهدن في ما لا درك فيه تربح التعب وادحض البخل وإلا كنت خازن غيرك ~~ولا تدخرن المال لبعل عرسك ولا تظهرن إنكار ما لا عدة معك لدفعه ولا يلهينك ~~قدره عن كيد وحيلة # قال الشاعر # ( ما للرجال مع القضاء تحيل % ذهب القضاء بحيلة المحتال ) + من الكامل + # | ما حدث عن العوارض البشرية # وأما الحادثات عن العوارض البشرية من أفعال العباد فهي التي يساس فسادها ~~بالحزم حتى تنحسم وبالاجتهاد حتى تنتظم فليس ينشأ الفساد إلا عن أسباب ~~خارجة عن العدل والاقتصاد ولا تنحسم إلا بحسم أسبابها PageV01P216 # قال الشاعر # ( وقلما يفجأ المكروه صاحبه % إذا رأى لوجوه الشر أسبابا ) + منالبسيط + # فيراعي الملك سبب الفساد فإن كان حادثا عن شدة وعسف وعنف حسمه باللين ~~واللطف وإن حدث عن لين وضعف حسمه بالشدة والعنف وكذلك ما عداهما من الأسباب ~~تنحسم بأضدادها فإن حسم الداء بضده من الدواء فقد قال الشاعر # ( فالنار بالماء الذي هو ضدها % تعطي النضاج وطبعها الإحراق ) + من ~~الكامل + # وربما اختلفت الأسباب لامتزاج أنواع الفساد فتحسم الأسباب المتنوعة ~~بأضداد متنوعة كما تعالج الأمراض المضادة بأدوية متضادة فيستخرج ms68 حسم كل ~~فساد من سببه وما يصعب من هذه السياسة إلا معرفة الأسباب فإذا عرفها وقف ~~على الصواب وإن أشكلت عليه التبس عليه الصواب فتاه عن قصده وذهل عن رشده # قال الشاعر 48 آ + من الطويل + PageV01P217 # ( إذا ما أتيت الأمر من غير بابه % ضللت وإن تقصد إلى الباب تهتد ) + من ~~الطويل + # وتقلب الزمان بأحوال أهله يعود عليهم بخيره وشره # روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال # ( إذا كان أمراؤكم خياركم وأغنياؤكم سمحاءكم وكان أمركم بينكم فظهر الأرض ~~خير لكم من بطنها وإذا كان أمراؤكم شراركم وكان اغنياؤكم بخلاءكم وكان ~~أمركم إلى نسائكم فبطن الأرض خير لكم من ظهرها ) # | تغير الأعوان # وأما تغير الأعوان فنوعان # أحدهما أن يكون لفساد تعدى إليهم # والثاني أن يكون لفساد حدث منهم # | تغير الأعوان لفساد تعدى إليهم # فإذا كان تغيرهم لفساد تعدى إليهم عوجلوا بحسم أسبابه قبل تفاقمها ~~فسيجدهم بعد حسمها على السداد PageV01P218 # فإن أهملوا فلكل برهة تمضي من زمانهم تأثير في استحكام فسادهم حتى يفضي ~~إلى غاية لا تستدرك لأن حسم ما استحكم متعذر مستبعد # وسبب هذا الفساد واحد من ثلاثة أسباب # إما أن يكون لتقصير بهم فيستدرك بالتوفر عليهم # وإما أن يكون لعدوان عليهم فيستدرك بالكف عنهم # وإما أن يكون لمفسد أطمعهم فهو أخبثها لأن الطمع مصائل للعقول ومفسدة ~~للقلوب # فإن لم يصده حزم أو حذر خبثت به السرائر فهيج من النفوس سواكنها وأبرز من ~~القلوب كوامنها وصار كأجيج النار في يابس الحطب # وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال # ( استعيذوا بالله من طمع يؤدي إلى طبع ) PageV01P219 # وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه # إن الطمع فقر وإن اليأس غنى وإن المرء إذا يئس من شيء استغنى عنه # وحسم هذا الطمع يكون بمعالجة إرغاب من اشتد حتى ينسى وإرهاب من لان حتى ~~ينتهي لتمتزج 48 ب الرغبة بالرهبة ففي انفراد أحدهما فساد PageV01P220 # قال الشاعر # ( والنفس راغبة إذا رغبتها % وإذا ترد إلى قليل تقنع ) + من الكامل + # | تغير الأعوان لفساد حدث ms69 منهم # وأما تغير الأعوان لفساد حدث منهم عدلوا به عن الإستقامة وزالوا عن أحوال ~~السلامة فهو الدغل والقرح النغل والخطب العضل # والفرق ما بين الفساد الطارئ عليهم والفساد الناشئ منهم من وجهين # أحدهما أن الطارئ منفصل والناشئ متصل ونكاية المتصل أبلغ من نكاية ~~المنفصل # والثاني أن الطارئ ظهر قبل حلوله فيهم فأمكن تعجيل استدراكه والناشئ ظهر ~~بعد استحكامه فيهم فتعذر تعجيل استدراكه فلزم لدغل دائه وعضل دوائه أن تقرر ~~في تلافيه وحسم دواعيه قواعد كل حالة على قاعدتها ويدبر بموجبها ~~PageV01P221 # | الفصل الخامس والعشرون سياسة الملك وأحواله # # | بم يساس الملك # وإذا كان كذلك فالملك يساس بثلاثة أمور # أحدهما بالقوة في حراسته وحفاظه # والثاني بالرأي في تدبيره وانتظامه # والثالث بالمكيدة في فل أعدائه # فتكون القوة مختصة بالعقل # والرأي مختصا بالتدبير # وهما على العموم في جميع الأحوال والأعمال # فأما المكيدة فمختصة بفل الأعداء فإن من ضعف كيده قوي عدوه وهذا أصل ~~يعتمد عليه مدار السياسة ويحمل عليه تدبير الملك # | أحوال الملك # وللملك ثلاث أحوال فالحال الأول تثبيت قواعده # والحال الثانية تدبير رعيته # والحال الثالثة استقامة أعوانه # | 1 تثبيت قواعد الملك # فأما الحال الأولى في تثبيت قواعده وحراسته من الأعداء المنازعين فيه ~~فضربان # أحدهما 49 آ حاله قبل استقراره عند المنازعة فيه والمحاربة عليه فيساس ~~بالأمور الثلاثة PageV01P222 # أحدها بالقوة في حراسته والذب عنه حتى تستقر قواعده # والثاني بالرأي في تدبيره حتى ينتظم على اعتداله # والثالث بالمكيدة في انتهاز فرصته ودفع غوائله # والثاني حاله بعد استقراره في السلم والدعة فيساس بأمرين أحدهما بالقوة ~~الحافظة لقواعده المستقرة # والثاني بالرأي الجامع للسياسة العادلة # ولا حاجة إلى استعمال المكيدة فيه عند السلم والموادعة # | 2 تدبير الرعية # وأما الحال الثانية في تدبير الرعية فضربان # أحدهما حالهم في السلامة والسكون فيساس بالرأي وحدة المحافظة لتدبيرهم ~~على السيرة العادلة # والضرب الثاني حالهم في الاضطراب والفساد فيساسون بأمرين # أحدهما بالقوة في كف مفسدهم وكف الفساد عنهم # والثاني بالرأي في تدبير أمورهم على السيرة العادلة # ولا وجه لاستعمال المكيدة فيهم لأن حقوق الأموال ms70 مستمدة منهم فإن كيدوا ~~صار الملك بهم مكيدا فكان الضرر عليه أعود والفساد فيه أزيد # | أحوال الملوك مع رعيتهم # وقد تنقسم أحوال الملوك مع رعيتهم أربعة أقسام يعلم بتفصيلها أسباب ~~الصلاح ومواد الفساد # فالقسم الأول ملك صلحت سريرته واستقامت رعيته فأعين على صلاح السيرة ~~باستقامة رعيته وأعينت الرعية على الاستقامة بصلاح سيرته فهذا هو العدل ~~منهما فصارت السعادة شاملة لهما وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال # ( خير أمرائكم الذين تحبونهم ويحبونكم وشر أمرائكم 49 ب الذين تبغضونهم ~~ويبغضونكم ) PageV01P223 # والقسم الثاني ملك صلحت سيرته وفسدت رعيته فقد أضاعت الرعية بفسادها صلاح ~~ملكها وخرجوا من سكون الدعة إلى زواجر السياسة فاحتاج إلى تقويمهم بالشدة ~~بعد لينه وبالسطوة بعد سكونه ليقلعوا عن الفساد إلى السداد فيكف عنهم ~~والعدل في الحالين مستعمل معهم لأن الزجر تأديب والرهبة تهذيب # قال بعض الألباء # لا تعادوا الدول المقبلة فإنكم تدبرون بإقبالها # والقسم الثالث ملك فسدت سيرته واستقامت رعيته # فإن استدرك صلاح ملكه بعدل سيرته وصحة سياسته وإلا تطاولت عليه الرعية ~~بقوة الاستقامة وكان معهم على أمرين # أحدهما أن يصلحوه حتى يستقيم فيصير مأمورا بعد أن كان آمرا ومقهورا بعد ~~أن كان قاهرا وتزول هيبته وتبطل حشمته ولا يبقى له من الملك إلا اسم مستعار ~~قد استبقوه عليه تفضلا # قيل من كثر تعديه كثر أعاديه PageV01P224 والثاني أن يعدلوا إلى غيره ~~فيملكوه عليهم فيكونوا له أعوانا إن نوزع وأنصارا إن قورع فيصير بفساد ~~سيرته مزيلا لملكه ومعينا على هلكه # والقسم الرابع ملك فسدت سيرته وفسدت رعيته فاجتمع الفساد في السايس ~~والمسوس فظهر العدوان من الرئيس والمرؤوس فلم يتقاصد عن فساد ولا داع إلى ~~صلاح فخرجت الأمور عن سبيل السلامة وزالت عن قوانين الاستقامة ولا ثبات ~~لملك زالت عنه السلامة 50 آ وعدمت فيه الاستقامة وهو بمرصد من ثائر يصطلم ~~وقاهر ينتقم # وقد قال أردشير بن بابك # بمثل هذا الملك وهذه الرعية تختم الدول وتستقبل الفتنة وتذال الدهور # | 3 استقامة الأعوان # وأما الحال الثالثة في استقامة ms71 الأعوان فضربان # أحدهما حالهم في السكون والدعة فيساسون بالرأي وحده في تدبيرهم بالرغبة ~~والرهبة حتى تستقر أمورهم على السيرة العادلة # قال سابور في عهده إلى ابنه هرمز PageV01P225 # اعلم أن جندك لم يغنوا عنك وإن كثروا وكملت عدتهم حتى تكمل فيهم ثلاث ~~خصال ليس عنهن عوض محض المودة وصدق الناس وسلس الطاعة فإنهم يؤدون بهن حقك ~~ويدفعون بهن عدوك # والضرب الثاني حالهم في تغيرهم وفسادهم # وفسادهم على ضربين # أحدهما أن يكون الفساد خاصا في بعضهم فيساس من فسد منهم بأمرين # بالقوة في إصلاحهم بمن سلم # وبالرأي في تدبير أمورهم كالمسالم ليسيروا جميعا على السيرة العادلة فإن ~~انتشار فسادهم من كثرة رؤسائهم المتنافسين في الرتب فيجتذب كل رئيس حزبا ~~يدعوهم إلى طاعته ويبعثهم على نصرته فيصيرون أحزابا مختلفين وأضدادا ~~متنافرين # فهذه حالهم إن كثروا وهم بالضد منها إن قلوا # والضرب الثاني أن يكون الفساد عاما في جميعهم فلا يخلو حالهم في الفساد ~~العام من أن يتظاهروا به أو يستروه # فإن ستروه فقد استبقوا بالمساترة شطرا فيساسون بالرأي وحده لإعواز القوة ~~بفسادهم ولا يساسون بالمكيدة لمساترتهم # فإن جاهروا بالفساد 50 ب فهو الوهن الواصم والخطب القاصم PageV01P226 # ويتنوع ثلاثة أنواع # أحدها أن يكون فسادهم مختصا بانتهاك الرعايا واستباحة الأموال فقد سلبوه ~~القوة بمتاركته ومنعوه الطاعة بمخالفته وجعلوه كالصنم الذي لا يزاد على ~~التعظيم فاستبقوا يسير حشمته واستولوا على جميع مملكته فيسوسهم بالرأي ~~واللين واجتذاب فريق فعساه يقوى فيمنع ويشتد فيدفع وإلا فالملك واه والفساد ~~متناه وهو كالمثل المضروب بقول الشاعر # ( كم ترى يلبث الرصاص على النار % ومنها يكون ذوب الرصاص ) + من الخفيف + # قال بعض البلغاء # أضعف الحيلة خير من أقوى الشدة وأقل التأني أجدى من أكثر العجلة والدولة ~~رسول القضاء المبرم وإذا استبد الملك برأيه عميت عليه المراشد # والنوع الثاني أن يكون فسادهم مختصا بالإسراف في مطالبته بما لا يستحقونه ~~والإقتراح عليه في التماس ما لا يستوجبونه فلا يخلو فيه من أحد أمرين # إما أن يكون قادرا عليه # أو عاجزا عنه # فإن كان قادرا ms72 عليه كان هذا منهم طمعا فيه قد اطرحوا فيه مراقبته ~~واستبدلوا فيه الاستطالة بحشمته وأوهنوا بالاستطالة ملكه فصار مسلوب القوة ~~باستطالتهم PageV01P227 منهوب المال بمطالبتهم قد جعلوه مأكلة مطامعهم فهو ~~معهم كذي المال المستضعف مع البغاة الأقوياء محروب ومسلوب لا يملك لنفسه ~~نفعا ولا ضرا فيساسون بالرأي والخداع فما استبقوا من حشمته إلا حشاشته فلا ~~يعرضها لنفور مهلك ويتوصل إلى رضاهم سرا وجهرا بما يختلفون 51 آ في أسبابه ~~وهم لا يشعرون لتمتزج أسباب الرضا من وجوه متغايرة فيكون به أرفق ولهم أوفق ~~كما قال الشاعر # ( وإذا عجزت عن العدو فداره % وامزح له إن المزاح وفاق ) # ( فالنار بالماء الذي هو ضدها % تعطي النضاج وطبعها الإحراق ) + من ~~الكامل + # فإذا سكنوا من فورة الاشتطاط توصل إلى حسم مطامعهم وإن حسمت سلم ملكه بعد ~~السقم وإن لم تحسم فهو ذاهب الملك وشيك الهلك إن لم يعضده نصر من الله وفتح ~~قريب # وإن كان عاجزا عما اقترحوه وطمعوا فيه فهو عنت مستحيل قد جعلوا العنت فيه ~~سببا لغيره فيساسون بأمرين بالرأي والمكيدة فإنهم لا يقفون على حالهم ~~المستحيلة وسينقلون عنها إلى خصلة من ثلاث # إما أن يكفوا عن عنتهم فيكفي أمرهم ويدبرهم بعد كفهم # وإما أن يختلفوا فيقوى بمن وافقه منهم على باقيهم # وإما أن ينتقلوا إن لم يعنه القدر عليهم إلى ما يقع فيه التسليم ~~والاستسلام والله يقضي فيه بما يشاء وهو القوي العزيز PageV01P228 # والنوع الثالث أن يكون فسادهم مختصا بالتعريض لنفسه وهو الشر المغتلم ~~والبلاء المصطلم وقل أن يكون إلا لسبب من أحد ثلاثة أوجه # أحدها أن يكون لسوء سيرته فيهم فهو الملوم دونهم وليس يرجى زواله مع ~~بقائه على سوء السيرة # فإن أقلع عنها فرجعوا عنه وإلا ساسهم بما اقتضاه الرأي من لين ولطف ثم ~~لله الأمر من قبل ومن بعد # والسبب الثاني أن يكون تغيرهم عليه لملل منهم له حدث بطول مكثه فيهم # فليس الملل من لوازم العلل ولئن لم 51 ب يزده المكث حقا لم ينقصه # وقل أن يكون ذلك ms73 إلا عند حدوث ناشئة لم ينالوا من دولته حظا فهم يأملون ~~بتقلب الأمور أن يستحدثوا نقما ويرجون بانتقالها توجيها وتقدما # فإن لم يفسد بهم غيرهم كان الخطب بهم أيسر للظفر ببقية منهم ليستعان بها ~~عليهم # وإن عم بهم الفساد فهو أصعب الخطبين فيسوسهم باللطف والتأمين واستصلاح ~~فريق بعد فريق # فإن ظفر منهم بظهور الأمل وإلا فهو بمرصاد من بغي قد استولى وملك قد تولى ~~إلا أن يمده الله تعالى بلطف غير مرتقب وعون غير محتسب # والسبب الثالث أن يكون تغيرهم عليه لانحرافهم إلى عدو قد مايلوه وإغرائهم ~~إلى ضد قد استبدلوه فهو أسوأ الخطوب حالا PageV01P229 وأعظمها وبالا لأنه ~~قد بلي بانحراف أعوانه واستطالة أعدائه لأن لكل واحد منهما نكاية لا تطاق ~~فكيف إذا اجتمعا # قال الشاعر # ( إن البلاء يطاق غير مضاعف % فإذا تضاعف صار غير مطاق ) + من الكامل + # ولم يبق ما يستدفع به خطبه إلا المكيدة فإنها علاج ما أعضل من دائهم ~~فيعالجهم بها قبل أن يستأصلوه ويظهر معها إن تراخت له المدة بإجمال سيرته ~~واحتماله رعيته ففي كل واحد منهما عون # فإن سرت المكيدة في عدوه لان أعوانه # وإن سرت في أعوانه لان عدوه لأن أعوانه يسر في واحد منهم فهو موكول متوقع ~~لما تجري به الأقدار ويتقلب به الليل والنهار ولئن كان في غاية متناهية ~~فليس بمأيوس أن يظفر # روي عن النبي صلى الله عليه وسلم 52 آ أنه قال # ( الدنيا دول فما كان منها لك أتاك على ضعفك وما كان منها عليك لم تدفعه ~~بقوتك ومن انقطع رجاؤه مما فات استراح بدنه ومن رضي بما رزقه الله قرت عينه ~~) PageV01P230 # وقيل # ربما كان اليأس إدراكا والحرص هلاكا # وقيل # رب مستسلم سلم ومتحرز ندم # قال الشاعر # ( وحذرت من أمر فمر بجانبي % لم يبكني ولقيت ما لم أحذر ) + من الكامل + # وليس يطرأ أمثال هذه الحوادث على الممالك إلا من استرسال الملوك في ~~حالتين # إحداهما أن يغفلوا عن الحزم حتى ينتشر من الإهمال ما يطغى # والثانية أن يسترسلوا في العدل حتى ms74 يظهر من الجور ما يوحش # قال أردشير بن بابك PageV01P231 # إذا رغب الملك عن العدل رغبت الرعية عن الطاعة # وهما أسان للملك فإذا خلا منهما فاجتمع فيه طغيان الإهمال واستيحاش الجور ~~تقوضت قواعد صلاحه وتهدمت أركان سداده فلم تبعد عليه نتائج فساده بحوادث لا ~~تحتسب لأن عواقب الفساد أدهى وأمر ونتائج الشر أعدى وأضر # كما قال لقمان لابنه # يا بني اعتزل الشر يعتزلك فإن الشر للشر خلق # قال بعض الألباء # من فعل الخير فبنفسه بدا ومن فعل الشر فعلى نفسه جنى PageV01P232 # قال الشاعر # ( الخير لا يأتيك مجتمعا % والشر يسبق سيله مطره ) # | استعمال الحزم وبسط العدل # وإذا أحكم الملك قواعد ملكه باستعمال الحزم وبسط العدل ولم يغفل عن الحزم ~~في صغير ولا كبير ولم يترخص في الجور من قليل ولا كثير أحاطت السلامة بملكه ~~وحفت السعادة بدولته فأمن غوائل الفساد وسلم 52 ب من ظهور الفساد وكان ~~الناس معه من بين حامد لعدله وإحسانه وحذر من بأسه وسلطانه فشكره الأخيار ~~واتقاه الأشرار ولم يتطرق إلى ملكه خلل ولا على نفسه وجل فصح أن الحزم ~~والعدل أدفع لشوائب الملك ومخاوف الملوك من كل عدة وأبلغ في صلاحهم من كل ~~نجدة فيستنجد للملك حزمه ويستعد عدله فإنه يستغنى بهما عن كل عدة ويستعان ~~بهما في حراسته من الخطر وحفظ ملكه من الغير PageV01P233 # قال بعض العلماء # بالعدل والإنصاف تكون مدة الائتلاف # قيل لأنوشروان أي الخير أوفى قال الدين قيل وأي العدد أقوى قال العدل # | تصفح أحوال الحاشية في زمان السلم # وليعلم الملك أن من الحزم أن يتصفح أحوال حاشيته وأعوانه في زمان السلم ~~وأوقات السكون لأن القدرة أشد والمكيدة أمد فإن لكل صنف من الحواشي ~~والأعوان آفة مفسدة وبلية قادحة تجعل الصلاح بهم فسادا والميل منهم عنادا ~~فيقف عليها يتصفح أحوالهم ليسلموا فيصير منهم سليما ويستقيموا فيصير بهم ~~مستقيما فقد قيل في منثور الحكم # آفة الملوك سوء السيرة # وآفة الوزراء خبث السريرة # وآفة الأمراء مفارقة الطاعة PageV01P234 # وآفة الجند مخالفة القادة # وآفة الرعية ضعف السياسة # وآفة ms75 العلماء حب الرياسة # وآفة القضاة حب الطمع # وآفة العدول قلة الورع # وآفة الملك تضاد الحماة # وآفة العدل ميل الولاة # وآفة الجرئ إضاعة الحزم # وآفة القوي استضعاف الخصم # وآفة المجد عوائق القضاة # وآفة المشاورة انتقاض الارآء # وآفة المنعم قبح المن # وآفة المذنب سوء الظن PageV01P235 # وآفة الزعماء قلة السياسة 53 آ # وليس أسباب الفساد في هؤلاء الأصناف مقصورة على هذه الأوصاف حتى لا ~~يتعداها إلى ما سواها وإنما ذكر الأغلب من فساد كل صنف وإن جاز أن يفسد ~~بغيره فيتوصل إليه بتصفحه وسبره # | حسم مواد الفساد # فإذا وقف الملك على مواد فسادهم وأسباب آفاتهم قطع أسبابها وحسم موادها ~~لتسلم له مصادر الأمور فتستقيم مواردها ويأمن نتائج التقصير فتحمد عواقبها ~~فإن مبادئ الأمور أس إن رسا تشيد وإن وهي تقوض PageV01P236 # | الفصل السادس والعشرون دوام تفقد الملك الأحوال العامة # # | 1 تفقد الملك سيرة حماة البلاد وولاة الأطراف # وليكن كثير الاعتناء بسير حماة البلاد وولاة الأطراف الذين فوض إليهم ~~أمانات ربه واستخلفهم على رعاية خلقه فيندب لذلك من أمنائه من حاز خصال ~~التفويض واستحق بحزمه وشهامته الولاية والتقليد # قال أردشير بن بابك من بعض حكمه # لا يصلح لسد الثغور وقود الجيوش وتدبير الجنود وحراسة الأقاليم إلا من ~~تكاملت فيه خمس خصال # حزم يتيقن به عند موارد الأمور حقائق مصادرها # وعلم يحجزه عن التهور في المشكلات إلا عند تجلي فرصتها # وشجاعة لا تنقصها الملمات بتواتر حوائجها وعظم هولها # وصدق في الوعد والوعيد يوثق منه بالوفاء عليهما PageV01P237 # وجود يهون عنده تبذير الأموال عند ازدحام السؤال عليه # وأقول # إن كمالها فيه مقيد باعتبار خصلتين معها # إحداهما أن يقدم مصالح ما تقلده على مصالح نفسه لعود صلاحه إليه ورجوع ~~فساده عليه # والثانية أن يرى أن اكتساب الأجر والحمد أفضل مكاسبه فإن لم يجذبه الميل ~~إلى نفسه فهو موثوق بخيره مأمون على غيره وإلا فلا خير فيه PageV01P238 # فهذه خصال إن لم يحزها 53 ب سائس الملك ومدبر الرعايا كان اختلال عمله ~~بحسب اختلال كماله لأن لكل ثلم مسدا ولكل وهي ms76 مردا # وقد يقترن بهذه الخصال ما يختلف باختلاف الزمان فربما حمد في بعض الأحيان ~~اللين واللطف وفي بعضها الخشونة والعنف فإن لكل وقت حكما ولكل قوم تدبيرا # وقد وصف عمر بن الخطاب رضي الله عنه أخلاق الولاة فقال # لا يصلح لمن يلي أمر الأمة إلا أن يكون حصيف العقدة قليل العزة بعيد ~~الهمة شديدا من غير عنف لينا من غير ضعف جوادا من غير سرف لا يخشى في الله ~~لومة لائم # وهذه الأخلاق التي وصفها يجب أن تكون لازمة في كل وال مطبوعة في كل مدبر ~~وقد ذكر الإيادي مع إعرابيته أوصاف الولاة في شعره فقال PageV01P239 # ( وقلدوا أمركم لله دركم % رحب الذراع بأمر الحرب مضطلعا ) # ( لا مترفا إن رخاء العيش ساعده % ولا إذا عض مكروه به خشعا ) # ( ما زال يحلب در العيش أشطره % يكون متبعا يوما ومتبعا ) # ( حتى استمرت على شزر مريرته % مستحكم الرأي لا قحما ولا ضرعا ) + من ~~البسيط + PageV01P240 # ثم عليه أن يحفظ مراتب جماعتهم وينزل كل واحد منهم المنزلة التي يستحقها ~~بكفايته وحسن أثره # وإن حفظ المراتب في المملكة كحفظ السمع والبصر لعظم المنافسة فيها ~~وانتشار العداوة منها وقد تدلس عليها كتدليس البهرج ويترشج لها من ليس لها ~~كفوا ولا من أهلها غاصبا أو مغالطا فتصفر منها أيدي أربابها وينفذ فيها حكم ~~غصابها وليس كل من تعظم بعظيم ولا كل من تنسك بناسك ولا كل من تسود بسيد ~~والناسك غير المتناسك 54 آ والشريف غير المشرف ولا خير في مملكة صار الرؤوس ~~فيها أذنابا والأذناب فيها رؤوسا # عهد بعض ملوك الفرس إلى ابنه فقال # لا تكونن في شيء من الأشياء أشد خشية منك من رأس صار ذنبا أو ذنب صار ~~رأسا أو يد مشغولة أحدثت فراغا أو كريم حال إلى ضر أو لئيم صار إلى فرح ~~فإنه يتولد من تنقل الناس عن حالاتهم فساد مضر PageV01P241 # وحفظ المراتب معتبر من وجهين # أحدهما في الولاية والتقليد # والثاني في الإكرام والتقريب # فلا يتجاوز بأحدهم قدر الاستحقاق في أحدهما فإنه يطغى بالزيادة ms77 ويستوحش ~~من النقصان # وهذا أمر يجب صرف الاهتمام إليه لما في نظامه من نضارة وغضارة وحفظ ~~مراتبه وحشمته إذ لا شيء أعظم إيحاشا ولا أكثر تنكرا أو فسادا من حط مراتب ~~الكفاة ورفع السفلة والدناة # حكي أن أنوشروان وقع إلى ولاة الحسبة من أعماله أن لا يدعوا أولاد السفلة ~~أن يقعدوا في المكاتب وأن يطردوا عن مجالس القضاة PageV01P242 لأنهم متى ما ~~تعلموا الجدال قدحوا في الدين ومتى ما تمكنوا من أعمال السلطان عملوا في ~~بوار أهل البيوتات فقال فيه # ( لله در أنوشروان من ملك % ما كان أعرفه بالدون والسفل ) # ( نهاهم أن يمسوا بعده قلما % وأن يروموا ركوب الخيل والإبل ) + من ~~البسيط + # وإذا حمد سعي صاحب في ولايته أقره على عمله فإنه وإن حسن أن ينقل الحمد ~~من مدينة إلى أخرى وهو الأولى حتى لا يستقر بهم وطن يأسون إلى فراقه ولا ~~يفتتنون فيه ما يطيبون نفسا بتركه فليس بصواب أن ينقل والي المدينة ولا ~~صاحب الخراج بل يكون على ولايته ما بقي على حميد سيرته # 54 ب فإن أتى بمعصية أو خيانة صرف صرفا لا ولاة بعده إلا عن توبة وإقلاع ~~وكذلك في الحواشي والحكام # والعلة في ذلك أنه متى عرف من السلطان أنه يرى الصرف والاستبدال اعتقد كل ~~وال أن أيامه قصيرة فعمل لسوق يومه ولم يلتفت إلى صلاح غده واحتجن الأموال ~~في صدر ولايته وتأهب عليها لزمان عطلته فإذا صرف عنها خلف البلاد على من ~~بعده مختلة وزاده الثاني اختلالا على مثل حاله ولا يلبث الإهمال حتى تخرب ~~بمناهبة العمال # وإذا سكنت نفس الناظر إلى أن أعماله مقرة عليه ما أقام على PageV01P243 ~~نصيحته وجرى على جميل سيرته نظر فيها كنظر القنى في عمارة ضياعهم وتميز ~~خلاتهم وفكره في صلاح غده قبل فكره في صلاح يومه لعلمه ببقاء العمل عليه ~~وأن خير العاقبة وشرها عائد عليه ومنسوب إليه فتوفر نصحه واجتهاده وعم ~~صلاحه وعفافه وليكن نزها عن أموالهم وإن توفرت غير طامع فيها وإن كثرت ما ~~لم تظهر منهم ms78 خيانة واحتجان لأنهم قد يكسبون بجاه أعمالهم من مباحات الوجوه ~~ما لا تبعة فيها عليهم ولئن يكونوا ذوي أحوال وأموال يستعينون بها على ~~العفة والأمانة أولى من أن يكونوا ذوي فاقة تضطرهم إلى الخيانة فقد قيل # لا أمانة لمحتاج # وليعلم أنه متى طمع منهم في اليسير أطمعهم في الكثير وإن أخذ أموالهم ~~جهرا بتأويل أخذوا منه أضعافها سرا بغير تأويل فيظن أنه قد ارتفق بمال غيره ~~وهو قد أخذ بعض حقه ويصير معدودا من الظالمين وهو مظلوم ويصيروا معدودين في ~~المظلومين وما منهم إلا ظلوم وإذا كف عنهم استكفهم فناصف ونوصف # قال بعض العلماء # من طمع في أموال عماله ألجأهم إلى اقتطاع أمواله # وقال أنوشروان 55 آ # من خاف شرك أفسد أمرك PageV01P244 # وقال أردشير # لا ترجو خير من لا يرجو خيرك ولا تأمن جانب من لا يأمن جانبك # فإن ظهر منهم على مال قد احتجنوه وحق قد خانوه طالبهم به مطالبة المدين ~~المنصف واستوفاه منهم استيفاء المحق المسعف بعد إقامة حججه وإظهار شواهده ~~ولا يستغنى بالقدر عن إظهار الحجة ليكون معذورا وهم مذمومين ومنصفا وهم ~~خائنين # فإذا استوفى حقه واسترجع ماله كان من وراء تأديبهم تقويما لهم واستصلاحا ~~لغيرهم # وعلى حسب أقدارهم يكون التقويم # وإذا وجد من بعض خدمه هفوة أو تقصيرا لم يأته عمدا لم يأخذه بذنب الدهر ~~وعوائق الزمان مع حسن الثقة وجميل الظن فيه فليس من الزلل أمان ولا إلى ~~العصمة سبيل وقد قيل # أي عالم لا يهفو وصارم لا ينبو وجواد لا يكبو PageV01P245 # قال بعض العقلاء # من كثر صوابه لم يطرح لقليل الخطأ # قال الشاعر # ( ولست بمستبق أخا لا تلمه % على شعث أي الرجال المهذب ) + من الطويل + # قال النبي صلى الله عليه وسلم # ( لا حليم إلا ذو عثرة ولا حكيم إلا ذو تجربة ) PageV01P246 # وفي تأويله وجهان # أحدهما أن معناه أنه لا يخلو حليم من عثرة ولا حكيم أن يحتاج إلى تجربة # والثاني أن لا يكون حليما ولا حكيما حتى تكثر عثراته وتجربته فيصير بعد ~~كثرة التجارب ms79 والعثرات حليما حكيما # وإذا قطعت بعضهم عن الخدمة قواطع قطع وظهرت بأعدارها ووضح برهانها لم ~~يكلفه فعل ما ليس في وسعه وطاقته فقد رفع الله الحرج عن المعذور في حقه وقد ~~تقطع الملوك القواطع عن حقوق أنفسهم وهم أقدر فكيف بأوليائهم وخدمهم وهم ~~أعجز وقد قال الشاعر # ( ما كلف الله نفسا فوق طاقتها % ولا تجود يد إلا بما تجد ) + من البسيط ~~+ PageV01P247 # | 2 استخبار الملك عن رعيته وحاشيته والنائبين عنه # وإن الملك لجدير أن لا يذهب عليه صغير ولا كبير من أخبار رعيته وأمور ~~حاشيته وسير خلفائه والنائبين عنه في أعماله بمداومة الاستخبارعنهم وبث ~~أصحاب الأخبار فيهم سرا وجهرا ويندب لذلك أمينا ويوثق بخبره وينصح الملك في ~~مغيبه ومشهده غير شره فيرتشي ولا ذي هوى فيروي أو يعتدي لتكون النفس إلى ~~خبره ساكنة وإلى كشفه عن حقائق الأمور راكنة فإنه لا يقدر على رعاية قوم ~~تخفى عليه أخبارهم وتنطوي عنه آثارهم فربما ظن استقامة الأمور بتمويه ~~الخونة فأفضى به حسن الظن إلى فساد مملكته وهلاك رعيته وأن ينتهز العدو ~~فرصة غفلته فيستثير عن غوائل ضرره ما عساه يصعب بعد أن كان سهل المرام ~~ويقوى بعد أن كان ضعيف القوام فإن كبار الأمور تبدأ صغارا # قال بهرام جور # لا شيء أضر على الملك من استكفاء من لا ينصح إذا دبر واستخبار من لا يصدق ~~إذا خبر PageV01P248 # ولم يكن في طلب الأجناد أشد بحثا عنها من أردشير بن بابك في آل ساسان ومن ~~عمر بن الخطاب رضي الله عنه في خلفاء الإسلام فإنه كان علمهما بأحوال ~~العامة كعلمهما بأحوال الخاصة وعلمهما بمن بعد عنهما كعلمهما بمن قرب منهما # وبه استقامت سيرتهما وظهرت حرمتهما # وإذا كان باحثا على الأخبار مطلعا على غوامض الأسرار جمع في الاستخبار ~~بين معروف مجاهر يكون به في الناس محذورا وبين مجهول مساتر يصير به واثقا ~~خبيرا لا يتعارفان فيتواطآن انكشف له غطاء الغفلة وانجلت شبه الحيرة فساس ~~الأمور 56 آ بثقته وبصيرته وحرس الرعية بيقظته وصدق عزيمته وتهيب أعوانه ms80 ~~فعل الخير فاستقاموا وتجنبوا قبح المكاسب فأنصفوا ووثقت الرعية بكف العوادي ~~عنهم فأمنوا # وإذا أنس بمطالعة الأخبار استلذ غرائبها واستمد فوائدها # وقد قال المنصور رضي الله عنه # عجبت للسلطان الذي لا يتخذ بقراءة الأخبار لهوا بماذا يلهو وللمدبر الذي ~~لا يعلم ما حدث في عمله كيف يمضي تدبيره # قال بعض العلماء # إذا لها السلطان عن الأخبار ولم يله بها وانصرف عنها ولم ينصرف إليها ~~فاسم العجز أولى به من اسم الحزم والتقصير عليه أغلب من الاستيفاء وجهل ~~الواجب أبين فيه من علم الصواب # ويجب أن تكون عنايته بأخبار من بعد عن حضرته كعنايته بأخبار من قرب منها ~~بل ربما كان أهم لأن بعد الدار يبسط أيدي الظلمة فإذا وافق بعد دارهم قلة ~~الاستخبار عن أحوالهم أمنوا في اتباع أهوائهم وسكنوا إلى PageV01P249 ~~الغفلة عن مذموم أفعالهم فكانت أيديهم مبسوطة في الرعايا وأهواؤهم مخلة في ~~القضايا وربما أفضى ذلك إلى فسادهم في الطاعة لقبح آثارهم ومذموم أفعالهم ~~فإن المسيء مستوحش والمهمل مسترسل فكم من عصيان كان هذا بدأه وانقراض ملك ~~كان هذا بدره وقد قيل # ليس بين الملك وبين أن يملك رعيته أو تملكه إلا الحزم والتواني # ولا يغترر بمن سداده في حسن الثقة به ويترك الاستخبار عن حاله تعويلا على ~~من يقدر من سداده فربما يصنع في الأول ويغتر في الآخر فإن تقلب الزمان يغير ~~أهله فربما أفسد الصالح وأصلح الطالح # فما تبقى الدنيا على حالة ولا تمنع من استحالة # وإذا أخبر بمنكر لم يستعجل المؤاخذة والإنكار ويثبت لكشفه حتى يقف على ~~حقه من باطله فما كل مخبر يصدق في 56 ب خبره # وإذا عرف بالأناة للكشف لم يخبر إلا بالصدق ولم يعاقب إلا المستحق # قال الشاعر PageV01P250 # ( تأن ولا تعجل بلومك صاحبا % لعل له عذرا وأنت تلوم ) + من الطويل + # | 3 مراعاة أخبار البلاد المتاخمة وملوكها # ولئن كان من حقوق ما استرعى من بلاده أن يتعرف أخبار أعماله وعماله فمن ~~حقوق السياسة أن يراعى أخبار ما تاخمها من بلاد وملوك يتصل به ms81 خيرهم وشرهم ~~ويعود عليه نفعه وضرهم لأن الصلاح والفساد يسريان فيما جاوراه وربما روصد ~~فاعتقل بالاهمال وعوجل بالاسترسال فيحم عليه الأعداء ويحجم عنه الأولياء ~~لأن للغفلات فرصا ينتهزها المستيقظ من اللاهي ويدركها المتحفظ من الساهي ~~لأن الفرصة لمن واثبها بحزمه وسابقها بعزمه فليستدفع بوادر الغفلة ~~بالاستخبار ويتحذر منها بالاستظهار ولا يغفل فيستغفل ويهمل فيستعذر ليحرس ~~ملكه ويحوط رعيته فإنه لم تطل مدة الملك إلا لمن يتيقظ ويتحفظ PageV01P251 # وقد ذكر الأوائل في مواعظ الملوك أن الملك تطول مدته إذا كان فيه أربع ~~خصال # إحداها أن لا يرضى لرعيته ما يرضاه لنفسه # والثانية أن لا يسوف عملا يخاف عاقبته # والثالثة أن يجعل ولي عهده من ترضاه رعاياه لا من تهواه نفسه # والرابعة أن يفحص عن أحوال رعيته فحص المرضعة عن منام رضيعها # | 4 حذر الملك قبول السعاية في أصحابه # ومما ينبغي للملك أن يحذره قبول السعاية في أصحابه فذلك يوحش الناصح ~~ويؤمن الخائن ويفتح للسعادة أبواب الرشا # وليعلم أن الساعي لم يحمله على سعيه إفراط نصحه لسلطانه وإنما يفعله إما ~~حسدا لمن سعى به وطلبا للتشفي به وإما تعرضا للكسب به وإما 57 آ التماسا ~~للحظوة عند السلطان # فإذا شرع في السعاية أعطى الملك الرشوة فأدخل عليه الشبهة حتى يتصور ~~الأمين بصورة الخائن والمحسن بصورة المسيئ فتقل ثقته بأصحابه وإذا قلت ثقته ~~بهم أوحشهم وإذا أوحشهم خافهم فيكون إضراره بمن سعى إليه أكثر من إضراره ~~بمن سعى به # وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال # ( إياك ومهلك الثلاثة ) # قيل وما مهلك الثلاثة PageV01P252 # قال # ( الذي يسعى بأخيه إلى سلطانه فيهلك نفسه وسلطانه وأخاه ) # وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال # ( شر الناس المثلث ) يعني الساعي # قال بعض البلغاء # الساعي كاذب لمن سعى إليه وخائن لمن سعى عليه # ووقع المنصور في رقعة منتصح # تقربت إلينا بما باعدك من الله عز وجل ولا ثواب عندنا لمن آثرنا عليه # وإذا حسم قبول السعاية في أصحابه أكذب السعاة وأخلص نيات الولاة وتصفح ms82 ~~أحوالهم بدلا من قبول السعاية فيهم # وليوقظ عزمه في قلة الغفلة فيهم فإذا علموا أنه ليس يخفي عليه من أفعالهم ~~خافية أقلع الخائن عن خيانته وازداد الناصح نعما في ولايته وعدل عن التكسب ~~بها إلى ما تستطاب جدواه وتحمد عقباه وصلح به الفريقان مع استقامة الملك ~~وإخماد السعاية PageV01P253 # وقيل # انظر إلى المنتصح إليك فإن دخل من جهته مضار الناس فلا تقبل نصيحته وتحرز ~~منه وإن دخل من جهته العدل والصلاح فاقبلها واستشره # | 5 مراقبة أحوال النقود وأمر جبايتها # وليعلم الملك أن الأمور التي يعم نفعها إذا صلحت ويعم ضررها إذا فسدت أمر ~~النقود من الدرهم والدينار فإن ما يعود على الملك من نفع صلاحها لسعة دخله ~~وقلة خرجه أضعاف 57 ب ما يعود من نفعها على رعيته # قيل في منثور الحكم # من فرطات العجز ترك الأفضل وهو مباح # فإن سامح في غشها وأرخص في مزج الفضة بغيرها لم يف نفع صلاحها بضرر ~~فسادها لأنه إذا خلط الفضة بمثلها وجعل في كل عشرة خمسة خرقا وخمسة غشا ~~وأمر أن تؤخذ بقيمة الفضة كان محالا كما لو رام أخذ النحاس بالذهب # وإن رام أن تؤخذ بقيمتها لم يجد في ذلك نفعا وكأنه غير مكيالا ووزنا مع ~~فساد الفضة وخسران العمل ثم إذا طال مكثها وكثر لمسها قبحت عند الناس ~~وتجنبوا قبض قبيحها ورغبوا في طريها ومليحها وبهرج أصحاب اللبس عليها بضرب ~~كثير الرش ربما كان أحسن من عتيق تلك فتفسد النقود ويتجنب الناس قبض ~~الدراهم ويمنعون من بيع الأمتعة إلا بالعين وإن كان سليما # وإن كان كالورق في الغش عدل الناس عن مطبوعها إلى الفضة الخرق والذهب ~~الخلاص وصار أدخال الناس أصول أموالهم واستحدثوا PageV01P254 لمعاملات ~~المهن نوعا من غير النقود المألوفة يدفعون به الأقوات وينالون به الحاجات ~~وبطلت معاملات الناس فانتهك المستور المرق ولم تصل الأمتعة والأقوات إلى ~~أهل القدرة وأرباب الأموال الجمة فعند ذلك تدعوه الحاجة إلى تغيير الضرب # فإن غير بمثله كانت حالهما واحدة وكان حكمه في المستقبل حكمه في ms83 الأول # وإذا عرف من السلطان تغير ضربه في كل عام عدل الناس عن ضربه إلى ضرب غيره ~~حذرا من الوضيعة والخسران وكان عدولهم إلى ضرب غيره موهنا لسلطانه # وإن كان النقد سليما من غش ومأمونا 58 أ من تغيير صار هو المال المدخور ~~فدارت به المعاملات نقدا ونساء فعم النفع وتم الصلاح # وقد كان المتقدمون يجعلون ذلك دعامة من دعائم الملك # ولعمري إن ذلك كذلك لأنه القانون الذي يدور عليه الأخذ والعطاء ولست تجد ~~فساده في العرف إلا مقترنا بفساد الملك فلذلك صار من دعائم الملك # وليعلم الملك أن من أموال السلطنة شرعية قد قدر الشرع مقاديرها وبين وجوه ~~مصرفها وجعلها وفق الكفاية وأغنى عما دعا إلى استزادة # قال النبي صلى الله عليه وسلم # ( نزلت المعونة على قدر المؤونة ) PageV01P255 # فليكن الملك عليها مقتصرا ولأمر الله تعالى فيها ممتثلا فإنه نائب عن ~~الكفاية فيها زعيم بتولي مصالحهم بها # فإن اتبع أمره في أخذها وعطائها أجابت النفوس إلى بذلها طوعا ولم يلتمسها ~~إلا مستحق وكفى أن لا يطالب بالمحال كما لم يطلبه فسلم دينه واستقام ملكه ~~ورضي جنده وصلحت رعيته # وإن تجاوز حكم الشرع في طلب ما لا يستحق نفرت منه النفوس فلم يجب إلى ~~بذله إلا بالعنف الخارج عن قوانين السياسة وعاد بالنقص بالحقوق الواجبة ~~وانفتحت عليه المطامع في المطالبة بما لا يجب كما طالب به لأن من جازف في ~~الأخذ جوزف في الطلب ومن ناصف نوصف فلا يفي بزيادة أخذه بزيادة جزفه # ثم هو بين نفور رعيته واشتطاط أعوانه وليس مع هذين ملك يستقر # فليحذر الملك مما حذره الله من تحيف عباده وليمتثل أمره في مصالح بلاده ~~وليقم رعيته مقام عباده وحشمه اللائذين به وبكنفه والداخلين في كفالته في ~~ارتياد موادهم وانتظام اكتسابهم وكف الأذى عنهم فهم من أمانات الله 58 ب ~~التي استودعه حفظها وكفله القيام بها فلا يهمل مراعاة أمانته ولا يغفل عن ~~القيام بحقه فيصيروا رعية قهر وفرية دهر يستنفد أحوالهم تحيف السلطان ~~وجوائح الزمان فسيؤاخذ بهم ms84 مع فساد ملكه PageV01P256 # قال النبي صلى الله عليه وسلم # ( كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته ) # وكتب أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى أبي موسى الأشعري ~~رحمه الله # إن أسعد الرعاة من سعدت به رعيته وأشقاهم من شقوا به وإنك إن ترتع يرتع ~~عمالك فيكون مثلك مثل البهيمة رأت أرضا خضرة ونباتا حسنا فرتعت تلتمس وإنما ~~حتفها في سمنها PageV01P257 # وكتب الحجاج إلى عبد الملك بن مروان أن يحمله على أخذ أموال السواد فكتب ~~إليه # لا تكن على درهمك المأخوذ أحرص منك على درهمك المتروك وأبق لهم لحوما ~~يعقدوا بها شحوما # قال وهب بن منبه # أحسن الناس عيشا من حسن عيش الناس في عيشه # | 6 الاهتمام بأمن السبل والمسالك # وليهتم الملك كل الاهنمام بأمن السبل والمسالك وتهذيب الطرق والمفاوز ~~لينتشر الناس في مسالكهم آمنين ويكونوا على أنفسهم وأموالهم مطمئنين # ولا يقتصر على حماية ما يستمده من بلاد وسواده فلم يستقم أمر بلاده كانت ~~المسالك إليها مخوفة لأنها تفتقر إلى مجلوب إليها ومجتلب منها ليكثر جلبهم ~~فيما ليس لهم وتخصب بلادهم بما ليس عندهم فيكون نفعهم عاما PageV01P258 ~~وخصبهم دارا ويصير رفق السلطان به أعظم من رفق رعيته وعقباه أنفع من مملكته ~~لأنه ليس يعم صلاح إلا ونصيبه منه أكثر لأن عوام الأموال صادرة إليه وصلاح ~~الجمهور عائد عليه 59 أ $ 7 مداهنة الأعداء # ليستعمل الملك مداهنة الأعداء قبل مكاشفتهم وليجعل محاربتهم آخر مكايدهم ~~فإنه ينفق في المكايد من الأموال وينفق في المحاربة من النفوس ولذلك قيل # أوهن الأعداء كيدا أظهرهم لعداوته # قال الشاعر # ( والسلم تأخذ منها ما رضيت به % والحرب يكفيك من أنفاسها جرع ) + من ~~البسيط + PageV01P259 # وليعلم أنهم منه على ثلاث مراتب لكل واحدة منهن حكم فليكن مع من علا منهم ~~وتقدم على الملاطفة والملاينة ومع من دنا منهم وتأخر على التطاول والمباشرة ~~ومع من كافأ منهم ومايل على المقابلة والمسالمة ليدوم السكون والدعة وتتم ~~له السلامة والاستقامة فقد قال أبو عمرو بن العلاء # من عرف فضل من فوقه عرف ms85 فضل من دونه فإن جحد جحد PageV01P260 # ولا يبتدي بالمنافرة ما وجد منها بدا وإذا ظفر بفرصة انتهزها ما لم ينقض ~~بينه وبينهم عهدا فقد قيل في منثور الحكم # غافص الفرص عند إمكانها وكل الأمور إلى أوليائها ولا تحمل نفسك هم ما لم ~~يأتك ولا تحزن على ما فاتك ولا تعدن وعدا ليس في يدك وفاؤه ولا تجد في ~~الحرص تعش ذا سرور # وإذا كاشفه العدو بعد المساترة ونافره بعد المسالمة وتكافأت قوتاهما كان ~~الحال معتبرا بسيرتهما وهما فيه على ثلاث أحوال PageV01P261 أحداها # أن يكون الملك أعدل من عدوه وأحسن سيرة في رعيته فليثق الملك بعدله أنه ~~عونه ورعيته أنهم أنصاره وليستعن على عدوه بجوره فإنه موهنه وبرعيته فإنهم ~~خاذلوه ويكونون أعوان الملك عليه ويقدم على مقارعته فإن الرجاء في ظفره ~~أقوى ما لم يغلب قدر فقد قيل في منثور الحكم # العدل أقوى جيش 59 ب والأمن أهنأ عيش # والحال الثانية # أن يكون العدو أعدل من الملك وأحسن سيرة في رعيته فليخش على نفسه من عدل ~~عدوه أنه عونه ومن رعيته أنهم أنصاره وليحذر جور نفسه فإنه موهنه ومن تنكر ~~رعيته فإنهم خاذلوه ويحجم عن مقارعته فالرجاء في ظفر عدوه أقوى ما لم يغلب ~~قدر ويدفعه بالمقاربة والحذر وقد قيل PageV01P262 # من أعرض عن الحذر والاحتراس وبنى أمره على غير أساس زال عنه العز واستولى ~~عليه العجز فصار من يومه في نحس ومن غده في لبس # والحال الثالثة # أن يكون الملك وعدوه متكافئين في العدل والسيرة فيعتبر أمرهما بحال ~~الزمان والأعوان فإن كان الزمان صالحا فأصلحهما أعوانا أقوى رجاء للظفر لأن ~~صلاح زمانهم مناسب لصلاحهم فكان عونا ما لم يغلب قدر # وإن كان الزمان فاسدا فأفسدهما أعوانا أقوى رجاء للظفر لأن فساد زمانهم ~~مناسب لفسادهم فكان عونا لهم ما لم يغلب قدر فيكون الإقدام من الراجي ~~والحذر من الخائف # فإن استوى الفريقان في الصلاح والفساد اعتبر بالجد والهزل في الزمان ~~والأعوان فإن كان زمان جد فالرجاء لأهل الجد أقوى وإن كان زمان ms86 هزل فالرجاء ~~لأهل الهزل أقوى اعتبارا بمناسبة الزمان لأهله ما لم يغلب قدر # فإن استوى الفريقان في الجد والهزل فالبادي بالمنافرة بارع والباغي مصروع ~~ما لم يغلب قدر # قيل في منثور الحكم # من سل سيف البغي اغمده في رأسه ومن أسس أساس السوء أسسه على 60 أ نفسه ~~PageV01P263 # قال الشاعر # ( والبغي يصرع أهله % والظلم مرتعه وخيم ) + من الكامل + PageV01P264 # | 8 مساواة الملك نفسه مع الرعية # وينبغي للملك وإن كان بالملك مفضلا معظما وبالسلطان مطاعا مقدما أن يساوي ~~بين نفسه ورعيته في الحق لهم وعليهم ولا يقدم شريفا على مشروف ولا يمايل ~~فيه قويا على ضعيف ويعدل بين جمعهم في القضاء ويجري الحكم على الخاصة ~~والعامة بالسواء فإن الله تعالى قد سوى بين عباده من غير تفضيل وماثل فيه ~~بين العزيز والذليل # فإذا اقتدى فيه بأمره وقام فيه بحقه وأنصف فيه من نفسه وحسم مواد الظلم ~~وكف عوادي الغلبة وتناصف الناس إذا أنصفوا رغبا ورهبا # وقد قيل في منثور الحكم # من جارت قضيته ضاعت رعيته # وسأل ملك ناسكا عن الإخلاص فقال الناسك ثلاث # أعدل في القضية # واقسم بالسوية # واعدد نفسك واحدا من الرعية PageV01P265 # وقال الوليد بن عبد الملك لأبيه # يا أبه ما السياسة # قال هيبة الخاصة مع صدق محبتها واستمالة قلوب العامة بالإنصاف لها ~~واحتمال هفوات الصنائع فإن شكرها لأقرب الأيدي لها # ويتعهد حال الفقير منهم بالبر والصدقة ويراعي خلة الكريم منهم بالرفد ~~والصلة فإن إحسانه إلى الفقير يشكره عليه الأغنياء فلقل شكر وقف على الشاكر ~~إلا تعداه ولقل بر اختص بالمبرور إلا تخطاه # كان الموبذان إذا دخل على أنو شروان يقول # يا ملك استدم النعم بالعطف على الرعية وأهن طعامك بإشباع PageV01P266 60 ~~ب الجائع وراء بابك وأنصف الناس من نفسك وأعط الحق منك يتعاطاه الناس وراء ~~بابك واحذر النساء ولا تفتح للسعاة طريقا # | وقيل في منثور الحكم # بالراعي تصلح الرعية وبالعدل تملك البرية # وينبغي للملك أن يميز أخبار رعيته فيخصهم بالإكرام والتقريب ويقمع ~~أشرارهم بالإبعاد والتأديب ليرغبوا في منازل الأخيار ويقلعوا ms87 عن أخلاق ~~الغاغة الأشرار فإن لم يكونوا على الخير مطبوعين صاروا به متطبعين فقد يضعف ~~الطبع بالتطبع وإن لم يزل وتتغير الأخلاق بالتصنع وإن لم تحد فقد قيل # ليس في الطبع أن يكون ما ليس في التطبع # وفرق ما بينهما إن الطبع جاذب متفاعل والتطبع مجذوب مفتعل تتفق نتائجها ~~مع التكلف ويفترق تأثيرها مع الاسترسال فيظهر الطبع ويزول التطبع ~~PageV01P267 # وتعليل هذا الفرق يقتضي أن يأمن أهل الورع والسلامة خوف عقوبته اكتفاء ~~بزواجر طباعه في الخير ويخاف أهل البذاء والزعارة بادرة سطوته ليكون الخوف ~~زاجرا لطباعهم عن الشر فيشاكل الفريقين في طلب الخير وتوقى الشر طبعا ~~وتطبعا فإنه مندوب إلى صلاح المهج وتقويم العوج # قال بعض الحكماء # انقياد الأخيار بحسن الرغبة وانقياد الأشرار بطول الرهبة PageV01P268 # ووقع أنوشروان إلى عماله # تفقدوا أمور الرعية فسدوا فاقة أحرارها وامنعوا بطر أشرارها فإنما يصول ~~الكريم إذا جاع واللئيم إذا شبع # وقيل # من أبطرته النعمة وقره زوالها # قال الشاعر 61 آ # ( إذا كنتم للناس في الأرض سادة % فسوسوا كرام الناس بالحلم والبذل ) # ( وسوسوا لئام الناس بالذل وحده % جميعا فإن الذل يصلح للنذل ) + من ~~الطويل + PageV01P269 # ويراعي أهل النسك والصلاح يؤدي حق الله تعالى فيهم وحق نفسه في موافقتهم ~~يجل أقدارهم ويعظم أخطارهم لأنهم أهل الآخرة التي هي أشرف من الدنيا دارا ~~وأعز منها جوارا ليعترف لله بحقوق أوليائه وللدين بحقوق زعمائه فإن من ~~الديانة إعظام أهل الدين وأن يرجع إليهم في ما أمروا به ونهوا عنه # وليصلح من دينه ما اختل ومن دنياه ما اعتل فإنهم لا يأمرون إلا بطاعة ولا ~~ينهون إلا عن معصية # روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال # ( استرشدوا العاقل ترشدوا ولا تعصوه فتندموا ) PageV01P270 # وأن يتقرب إليهم بطاعة الله في خلقه والقيام فيهم بحقه ليكونوا له حزبا ~~وعلى أعدائه إلبا يملك بهم القلوب ويستدفع بهم الخطوب فقد قيل لرسول الله ~~صلى الله عليه وسلم إن الرجل يعمل العمل لله تعالى ويحبه للناس # فقال # ( تلك عاجل البشرى إذا أردتم أن تعلموا ما ms88 للعبد عند الله تعالى فانظروا ~~ما يتبعه من ثناء الناس ) # ولا ينبغي أن يتصور في قوم منهم رياء أو سمعة فيسقطه بها فيسري ذلك إلى ~~جميعهم فإن التظاهر بالصلاح أجل من التظاهر بالطلاح وقد أعطى من الأحماد ~~بمظاهرته شطرا واستبقى منه في الباطن شطرا وهما يتنافران كتنافر الطبع ~~والتطبع حتى يغلب أحدهما على الآخر فتصح سريرته فيسلم أو تفتضح علانيته ~~فيسقم فإن تدليس الرياء لا يستمر حتى ينتهي إلى غاية من صلاح أو افتضاح ~~كالمريض الذي يفضي مرضه إلى سلامة أو عطب فقد قيل # قيل # من طمع أن يذهب على 61 ب الناس عيبه فقد جهل PageV01P271 # قال الشاعر # ( ومن يبتدع ما ليس من خيم نفسه % يدعه ويغلبه على النفس خيمها ) + من ~~الطويل + # فليعمل على الظاهر لمن تظاهر بالصلاح فليس للناس من الناس إلا ظواهرهم ~~ويتولى الله سرائرهم PageV01P272 # وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال # ( الناس كأسنان المشط وإنما يتفاضلون بالعلانية ) # فليعظم حق علانيتهم وليكل ضمائرهم إلى عواقبها فيستجلي عن أحد الأمرين ~~فقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال # ( المتشبع بما لا يملك كلابس ثوبي زور ) # يعني بالمتشبع بما لا يملك المتظاهر بما ليس فيه وقوله ( كلابس ثوبي زور ~~) هو الذي يلبس ثياب الصلحاء ويفعل أفعال الطلحاء # روى أبو هريرة قال PageV01P273 # مر النبي صلى الله عليه وسلم على ناس وهم جلوس فقال # ( ألا أخبركم بخيركم من شركم ) # فسكتوا # فقال ذلك ثلاث مرات # فقال له رجل بلى يا رسول الله # فقال # ( خيركم من يرجى خيره ويؤمن شره وشركم من لا يرجى خيره ولا يؤمن شره ) # | 9 رعاية العلم ومراعاة العلماء # وأما العلم فينبغي للملك أن يعرف فضله ويستبطن أهله لأنهم للدين أركان ~~وللشرع أعوان والدين أس الملك ونظامه وقد قاموا فيه بحقه ونابوا عن الملك ~~في حفظه ولولاهم لما عرف حق أمر من باطله ولا صحة حكم من فاسده فليحفظ ~~الملك نظام ملكه بمراعاتهم وليستظهر لدينه وملكه باستبطانهم ليكون بالعلم ~~موسوما وإليه منسوبا فإن الإنسان موسوم ms89 بسيما من قارب ومنسوب إليه أفاعيل ~~من صاحب ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم # ( المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل ) # وقال صلى الله عليه وسلم # ( المرء مع من أحب ) PageV01P274 # وقالت الحكماء # يظن بالمرء ما ظن بقرينه # وقد يخص الملوك من هذا بما يباينون 62 آ به من سواهم لخفاء أحوالهم عن ~~الرعية فيقضون عليهم بما علموه من أحوال بطائنهم # فإن استبطنوا العلماء قضوا عليهم بالعلم وإن جهلوا # وإن استبطنوا الجهال قضوا عليهم بالجهل وإن علموا # وليصر بمكانرتهم مستظهرا وبمذاكرتهم مستبصرا وهم أنفع له في دينه ودنياه ~~لأنهم في الدين دعاة وفي الدنيا هداة مع ما ينشر من الفساد بإهمال العلماء ~~وترك مراعاتهم وذلك أنهم ربما بعث بعضهم قلة المادة وضعف الحال على مسامحة ~~النفس والتبذل وارتكاب الشبهة # فإذا وافق ذلك إعراض السلطان عنهم فتحت آثارهم عند العامة وتقاصرت رتبهم ~~عند الخاصة فهجروا هجر الأعداء وزجروا زجر السفهاء ثم سرى ذلك في خواصهم ~~ومتصونيهم وعم في خيارهم ومتدينيهم لأن نقص الجنس يسري فيه فذهبت بهجة ~~العلم وبهاؤه وقل طلابه وعلماؤه وصار ذريعة إلى انقراضه ودراسته # ثم لا يبعد أن يظهر أهل نحل مبتدعة ومذاهب مخترعة يزوقون كلامهم مموها ~~ويزخرفون مذهبا مشوها لأن ما صح من المذاهب قد اعتقد وما سلم منها قد استقر ~~ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم # ( خير الأمور عوازمها وشر الأمور محدثاتها ) # فهم لا يستحدثون إلا ما ابتدعوه ولا ينصرونه إلا بما اخترعوه PageV01P275 ~~يعدلون به عن ظاهر جلي إلى باطن خفي يجلبون به قلوب الأعوام ويعتضدون على ~~نصرته بالغاغة الأشرار فيشعرهم أنهم أظهروا لهم الحق بعد كمونه وأوصلوهم ~~إلى ما استأثر الله به دينه فيصيبوا إليهم الغر المختدع ويميل معهم الجاهل ~~المتبع إلى أن يتكاثر جمعهم بخلابة كلامهم ولطف بيانهم 62 ب مع أن لكل جديد ~~لذة ولكل مستحدث صبوة وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم # ( إن من البيان لسحرا ) # وقال # ( إن أخوف ما أخاف على أمتي منافق عليم اللسان ) # فتصير البدع حينئذ ms90 فاشية ومذاهب الحق واهية ثم يفضي بهم الأمر إلى التحزب ~~ويؤول إلى التعصب لأن لكل مذهب شعارا ولكل شعار أنصارا ولكل أنصار صولة ~~ولكل صولة دولة فإذا رأوا ظهور شعارهم وكثرة أنصارهم داخلهم عزة القوة ~~ونخوة الكثرة فتضافر جهال نساكهم وفسقة علمائهم بالميل إلى مخالفتهم # فإذا استتب ذلك لهم رابحوا السلطان في رياسته وقبحوا عند العامة جميل ~~سيرته فربما انفتق منه ما لا يرتتق فإن كبار الأمور تبدو صغارا وقد روي عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال # ( أهلك أمتي رجلان عالم متهتك وجاهل متنسك ) PageV01P276 # وسئل عن شرار الأشرار فقال # ( شرار العلماء ) # وقال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه # قصم ظهري رجلان ناسك جاهل يدعو إلى الجهل بنسكه وعالم فاسق يدعو إلى ~~الفسق بعلمه # وقد قال المنصور في عهده إلى ابنه # وكل همومك بأمورك وتفقد الصغير بعد الكبير وخذ أهبة الأمر قبل حلوله فإن ~~ثمرة التواني الإضاعة وكن عند رأس أمرك لا عند ذنبه فإن المستقبل لأمره ~~سابق والمستدبر له مسبوق PageV01P277 # قال الشاعر # ( إن للدهر صولة فاحذرنها % لا تبيتن قد أمنت الدهورا ) # ( شط وصل الذي تريدين مني % وصغير الأمور يجني الكبيرا ) + من الخفيف + # وهذا أمر يجب على الملك مراعاته لما فيه من حراسة الدين وحفظ المملكة # وحسم ذلك أن يراعي العلم وأهله ويصرف إليهم حظا من عنايته 63 آ ويعتمد ~~أهل الكفاية منهم بالتقريب والصيانة وأهل الخلة منهم بالبر والمعونة ليكون ~~العلم به أنشر والتوفر عليه أكثر والناس له أشكر ففي ذلك بهاء الملك وإعزاز ~~الدين وخلود الذكر PageV01P278 # وقد قيل # إن من إجلال الشريعة أن يجل أهل الشريعة ليكون المعروف من شيمه والمألوف ~~من أخلاقه أنه يكافيء المحسن بالإحسان إليه ليألف الناس الإحسان رغبة في ~~الجزاء من غير أن يجعل لجائزته حدا ولصلته قدرا فإن ذلك أبسط للأمل فيه ولا ~~يعرف منه في المسيء شيمة مألوفة في عفو ولا عقوبة لأن المسيء إن عرف منه ~~العفو اجترأ وإن عرف منه العقوبة قنط وإن لم يعرف منه ms91 واحدا منهما كان على ~~رجاء من عفوه وخوف من عقوبته فإن ذلك أبلغ في تأديبه ومصلحته # فإن رآه للعفو أهلا عفا عنه # قال النبي صلى الله عليه وسلم # ( عفو الملك بقاء الملك ) # وإن رآه للعقوبة أهلا مستحقا عاقبه أدبا له لا غضبا عليه # قال أنوشروان # إني بلغت هذه الرتبة بثماني خصال # وذلك PageV01P279 # أني لم أهزل في أمر ولا نهي قط # ولم أخلف في وعد ولا وعيد قط # ووليت للكفاية # وأثبت للعناء لا للهوى # وعاقبت للأدب لا للغضب # وأودعت في قلوب الرعية شدة المحبة من غير جرأة وقوة الهيبة من غير ضغينة # وعممت بالفوت # وحذفت الفضول # وهذا أصح سيرة سار بها ملك في سياسة ملكه وتهذيب دولته PageV01P280 # قال النعمان بن المنذر وهو ملك العرب # ( تعفو الملوك عن العظيم % من الذنوب لفضلها ) # ( ولقد تعاقب في اليسير % وليس ذاك لجهلها ) # ( إلا ليعرف فضلها % ويخاف شدة نكلها ) + الكامل + 63 ب # ولا يعلن عقوبة من لم يعلن بذنبه ويجعل لذنب السر عقوبة السر ولذنب ~~العلانية عقوبة العلانية لأن عقوبة الذنب بحسبها والمقابلة في الجزاء ~~معتبرة لتكون أشباها لها # ولا يعاقب بالظن حتى يستيقن الذنب فإن أكثر الظنون كاذبة # فإن عاجل بالعقوبة وضعها في غير حق وجنى على غير مستحق فصار الذنب متوجها ~~الله واللوم عائدا عليه PageV01P281 # قال الشاعر # ( إذا أنت لم تبرح تظن وتقتضي % على الظن أردتك الظنون الكواذب ) + من ~~الطويل + # وليعلم الملك أن الذم في الظلم بقدر الحمد في العدل والزهد في ولاية ~~الظالم بقدر الرغبة في ولاية العادل # وكل مذموم ممقوت # وكل محمود محبوب # والممقوت مباعد # والمحمود مساعد # وناهيك بطرفيهما خيرا أو شرا وبعقباهما نفعا وضرا # وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال PageV01P282 # ( إذا أراد الله بعبد خيرا جعل له واعظا من نفسه ) # فينبغي للملك أن يختار لنفسه الرغبة في أيامه والحمد لسيرته بتسليط العدل ~~على ملكه وتحكيم الدين على سلطانه # قال الشاعر # ( وما المرء إلا حيث يجعل نفسه % ففي صالح الأخلاق نفسك فاجعل ) + من ~~الطويل + # | 10 الإحسان إلى الرعية ms92 # وليحسن إلى رعيته إحسان من يؤدي حق الله فيهم ويملك به خالصة قلوبهم فإنه ~~إن قدر على ملكة أجسادهم بسلطانه فليس يقدر على ملكة قلوبهم إلا بإحسانه ~~PageV01P283 # وقيل قلوب الرعية خزائن ملكها فإن أودعها من شيء فليعلم أنه فيها 64 آ # وقيل # من خاف إساءتك اعتقد مساءتك # فإن استقامت له ظواهر رعيته وأقاموا على أحكام طاعته لم يفتش سرائرهم ولم ~~يؤاخذهم بما يخفونه في ضمائرهم فإن ضمائر القلوب لا يؤاخذ بها إلا علام ~~الغيوب # ومتى تكلف ذلك كثر ارتيابه وقلت ثقته ولم يقف على صحيحه من فاسده والتمس ~~من العناء المضاع ما هو غنى عنه واستفسد من قلوب الأعوان ما هو حذر منه ~~وعدل عما يستصلح به السرائر من الإحسان إلى ما يستفسد الظواهر من المكاشفة ~~PageV01P284 # وحكى اليزيدي أن كسرى قباذ رفع إليه رجل من أصحابه أن في بطانة الملك ~~جماعة قد فسدت نياتهم وخبثت ضمائرهم وقد هموا بما لم يفعلوا وهم غير ~~مأمونين على الملك فوقع # أنا ملك الأجساد لا النيات وأحكم بالعدل لا بالرضى وأفحص عن الأعمال لا ~~عن السرائر # قال سليمان بن داود عليه السلام # كما أن الوجوه لا تشبه بعضها بعضا كذلك القلوب لا يشبه بعضها بعضا # ليكن الملك بالظلم عسوفا وبالمظلوم رؤوفا لا يغلق عن المتظلمين بابا ولا ~~يضيق عليهم حجابا فإن في عوادي النفوس سرا لا PageV01P285 يكفه إلا الحذر ~~ولا خير في ملك لا يتناصف أهله فإن أهملوا ارتبعوا وإن خافوا ارتدعوا # فليوقظ عزمه في تصفح المظالم وإنصاف المظلوم من الظالم ليكون آمرا بالعدل ~~كما كان به مأمورا وزاجرا عن الظلم كما كان عنه مزجورا فإن مراعاة المظالم ~~من قواعد السياسة 64 ب في انتظام الملك ومصالح الرعايا # حكى أن بعض الملوك ذهب سمعه فبكى وقال # لم أبك من ذهابه إلا لأني كنت أسمع ظلامة المتظلم فأنصفه وقد صرت لا ~~أسمعها وأنا أعتاض عن ذلك ببصري وقد حرمت لباس الحمرة إلا على متظلم لأعلم ~~بحاله إذا رأيت لباسه فأنصفه # فلا خير في ملك لا ms93 ينصف الرعية ولا تنتصف به الرعية # وسن أردشير بن بابك في ملكه وعمل به أكثر ولده من بعده أن يجلس في يوم ~~النيروز جلوسا عاما للخاصة والعامة ليتقدم الخاصة للتهنئة ويعقبهم العامة ~~للمظالم فإذا وصلت إليه رقاعهم جمعها وميزها فإن كان التظلم فيها من غيره ~~نظر فيه بنفسه وأوصل المتظلم إلى حقه وإن كان التظلم منه قام مع خصمه وجثا ~~بين يدي الموبذ وقال # أيها الموبذ ما من ذنب أعظم عند الله من ذنب الملوك وإنما خولكها الله ~~تعالى برعاياها لتدفع عنها الظلم وتذب عن بيضة الملك جور PageV01P286 ~~الجائرين وظلم الظالمين فإذا كانت هي الظالمة الجائرة فحق لمن دونها أن ~~يجور ويظلم ومجلسي هذا منك وأنا عبد ذليل يشبه مجلسك من الله تعالى غدا فإن ~~آثرت الله تعالى آثرك وإن آثرت الملك عذبك # فيقول له الموبذ إن الله تعالى إذا أراد سعادة عباده اختار لهم خير أهل ~~أرضه وأجرى على لسانه ما أجرى على لسانك ثم ينظر في أمره مع خصومه بالحق ~~والعدل # فإن صح على الملك شيء أخذه بأدائه وإلا وكل بمن ادعى عليه باطلا ونادى ~~عليه هذا جزاء من أراد شين 65 آ الملك والمملكة والقدح فيهما بالباطل # ثم يقوم أردشير فيحمد الله تعالى ويضع التاج على رأسه ويقول لأهل بيته ~~وخاصته PageV01P287 # إني لم أبدأ بنفسي فأنصفت منها إلا لئلا يطمع أحد في حيف فمن كان قبله حق ~~فليخرج إلى خصمه منه # فهذه السيرة أبقى فيها للعقل وتفرد فيها بالسياسة من كان الله تعالى أمره ~~والوعيد زاجره PageV01P288 # | 11 فعله للخير دائما # وليكن من دأبه فعل الخير إما ابتداء من نفسه أو اقتداء بالأخيار ليكون في ~~الخير تابعا ومتبوعا وفي العمل به حامدا ومحمودا # فقد قيل # الناس في الخير على أربعة أقسام # منهم من يفعله ابتداء # ومنهم من يفعله اقتداء # ومنهم من يتركه حرمانا # ومنهم من يتركه استحسانا # فمن يفعله ابتداء فهو كريم # ومن يفعله اقتداء فهو حكيم # ومن يتركه حرمانا فهو شقي # ومن يتركه استحسانا فهو ردي # ليكن ms94 ما يخلفه الملك من جميل الذكر وحسن السيرة إماما يقتدي به ~~PageV01P289 الأخيار ومثالا يزدجر به الأشرار فيكون بالحمد مذكورا وعلى ~~الخير مشكورا قد أرشد بعد رشاده وسدد بعد سداده فسعد بعمله حيا ومفقودا ~~وصار بعمل غيره مأجورا ومحمودا فإن ذلك أنفس ذخائره يوم معاده وأنفع ما ~~يخلفه لمن اقتدى به فخير الناس أنفعهم للناس # أمده الله عز وجل بتوفيقه وتسديده وتكفل بمعونته وتأييده وكان له على ~~الخير ظهيرا مرشدا وعلى العدل معينا مسعدا 65 ب وهو حسبنا ونعم الوكيل ولا ~~حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم PageV01P290 ms95