######OpenITI# #META# Shamela_short_metadata_record: #META# الكتاب : المصابيح في السيرة ¶ المؤلف : السيد العلامة المسند أبو العباس الحسني ، أحمد بن إبراهيم بن الحسن بن إبراهيم المتوفى سنة 353ه #META# auth: السيد العلامة أبو العباس الحسني ، أحمد بن إبراهيم بن الحسن بن إبراهيم #META# الكتاب: المصابيح في السيرة #META# bkid: 87 #META# authno: 132 #META# bkord: 117 #META# ad: 353 #META# idx: 1 #META# iso: المصابيح في السيره #META# cat: السير والتاريخ #META# bk: المصابيح في السيرة #META# max: 590 #META# المؤلف: السيد العلامة المسند أبو العباس الحسني ، أحمد بن إبراهيم بن الحسن بن إبراهيم المتوفى سنة 353ه #META# Lng: السيد العلامة أبو العباس الحسني ، أحمد بن إبراهيم بن الحسن بن إبراهيم #META# higrid: 353ه #META# inf: الكتاب من أهم وأقدم المصادر في سيرة الرسول وتاريخ آل البيت، حافل بالروايات المسندة في السيرة والتاريخ، وكان وما زال مرجعا لا غنى عنه في موضوعه اعتمد عليه عشرات المؤرخين من عصر المؤلف حتى اليوم. ملاحظات: بعد مقدمة حافلة للسيد العلامة الحجة مجد الدين بن محمد المؤيدي ومقدمة المحقق، احتوى الكتاب على سيرة الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم مفصلة بالروايات والأسانيد ، ثم سيرة الأئمة من بعده وهم الإمام الحسن بن علي، والإمام الحسين بن علي، والإمام الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب، والإمام زيد بن علي ، وولده يحيى بن زيد، حيث انتهى أبي العباس إلى بداية سيرته ، ثم تبدأ تتمة المصابيح ببقية ترجمة الإمام يحيى بن زيد، ثم الأئمة محمد بن عبدالله بن الحسن (النفس الزكية)، وإبراهيم بن عبالله بن الحسن (النفس الرضية)، وعبدالله بن محمد بن عبدالله بن الحسن (الأشتر)، ثم الحسن بن إبراهيم بن عبدالله ، والحسين بن علي صاحب فخ، وعيسى بن زيد، ويحيى بن عبدالله بن الحسن ، وإدريس بن عبدالله، صاحب المغرب، ومحمد بن إبراهيم بن إسماعيل، ومحمد بن محمد بن زيد بن علي، والإمام القاسم بن إبراهيم (الرسي)، والإمام الهادي إلى الحق يحيى بن الحسين ، وولديه الإمامان المرتضى محمد، والناصر أحمد ، ثم الإمام الناصر للحق الحسن بن علي الأطروش. #META# authinf: المؤلف: السيد العلامة المسند أبو العباس الحسني ، أحمد بن إبراهيم بن الحسن بن إبراهيم المتوفى سنة 353ه ¶ ترجمة المؤلف: الإمام المسند أبو العباس أحمد بن إبراهيم بن الحسن بن إبراهيم بن محمد بن سليمان بن داوود بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب ، أبو العباس الحسني ، المتوفى سنة 353ه، حافظ، مسند، في شتى فنون العلم تتلمذ على الإمام الحسن بن الناصر الأطروش، والقاسم بن عبدالعزيز بن إسحاق ، وغيرهما، وعاش في الجيل والديلم، وخرج إلى فارس وبغداد وعاصر القاهر والراضي والمقتدر العباسي ، وتتلمذ عليه الإمامان الجليلان الأخوان المؤيد بالله وأبو طالب الهارونيان، ومات بجرجان.بعد أن ألف العديد من الكتب منها النصوص وشرح الأحكام وشرح المنتخب ، وكتاب تفرد به القاسم والهادي عليه السلام دون الفريقين من مسائل الحلال والحرام وغيرها من الأحكام ، انظر أعلام المؤلفين الزيدية ترجمة 42. أما مؤلف التتمة فهو العلامة علي بن بلال الآملي أبو الحسن الزيدي من أعلام القرن الخامس الهجري عاش من مدينة آمل طبرستان وكان مولى للسيدين الإمامين المؤيد بالله وأبي طالب ومن المتبحرين المبرزين في فنون متعددة حافظا للسنة مجتهدا محصلا للمذهب ملئت كتب المذهب بذكره له مصنفات نفيسة منها شرح الأحكام للهادي والوافي على مذهب الهادي والوافر في مذهب الناصر ، انظر أعلام المؤلفين ¶ #META# DownloadSource: al-Maktaba al-Shamela al-Zaydiyya #META# DownloadDate: 2020-04-16 #META# ConversionDate: 2020-08-11 #META#Header#End# ### | تتمة مصابيح أبي العباس الحسني # تممه وجمعه الشيخ علي بن بلال الآملي الزيدي مولى السيدين الإمامين ~~المؤيد بالله وأبي طالب عليهما السلام # (من أعلام القرن الرابع الهجري) PageV01P369 ### | [مقدمة المؤلف] # قال أبو الحسن علي بن بلال رحمه الله: كان الشريف أبو العباس رحمه الله ~~تعالى ونضر وجهه قد بلغ في تصنيف هذا الكتاب إلى هذا الموضع، فحال بينه ~~وبين إتمامه قضاء الله الذي لامفر منه ولا مهرب، فسألنا بعض أصحابنا أيده ~~الله بطاعته إتمامه على حسب ما ابتدأه، فأجبته إلى ملتمسه وهذا حين ~~ابتدائه. PageV01P370 ### | [تابع ترجمة الإمام يحيى بن زيد] ### || [خروج الإمام يحيى بن زيد عليهما السلام إلى خراسان] # [1] حدثنا أبو العباس أحمد بن إبراهيم الحسني (رحمه الله) بإسناده عن ابن ~~عياش قال: خرج يحيى بن زيد عليهما السلام إلى خراسان في عدة من أصحاب أبيه ~~عليه السلام فلم يزل يتنقل في كورها حتى خرج في زمان الوليد بن يزيد ، قال: ~~كان قد أقام بمرو حينا وبسرخس. # [2] حدثنا أبو العباس رحمه الله أيضا بإسناده عن أبي مخنف لوط بن يحيى ~~قال: لما قتل زيد بن علي عليه السلام خرج ابنه يحيى بن زيد إلى الري، فأقام ~~بها غير كثير، ثم شخص فأتى قومس، فأقام بها يسيرا، ثم سار فأتى سرخس، فنزل ~~بزيد بن عمرو وأقام عنده سته أشهر، ثم شخص فأتى أبرشهر، فنزل بزياد بن ~~زرارة العامري، فأقام عنده أشهرا، ثم شخص فأتى بلخا فنزل بالحريش بن عمرو ~~بن داود البكري فأقام عنده، فلم يزل عند الحريش حتى هلك هشام بن عبد الملك ~~بن مروان (غضب الله عليه) وولي الوليد بن يزيد (غضب الله عليه). # [3] حدثنا أبو العباس بإسناده عن أبي مخنف، قال أبو مخنف: وحدثني عبيدة ~~بن كلثوم، قال: وأقام يحيى بن زيد بن علي عليهم السلام عند الحريش حتى هلك ~~هشام بن عبد الملك وولي الوليد بن يزيد. PageV01P371 ### || [موقف والي خراسان من يحيى بعد قدومه] # قال: وكتب يوسف بن عمر إلى نصر بن سيار - وهو يومئذ على خراسان، يخبره ms001 ~~بمسير يحيى بن زيد عليهما السلام إلى خراسان، فبعث نصر بن سيار إلى عقيل بن ~~معقل الليثي يأمره "بأخذ" الحريش فيزهق نفسه أو يدفع إليه يحيى بن زيد عليه ~~السلام. # فبعث عقيل إلى الحريش رحمه الله تعالى فسأله عن يحيى، فقال: لا علم لي ~~به. فجلده ستمائة سوط، فقال له الحريش رحمه الله "والله" لو كان تحت قدمي ~~ما رفعتهما لك عنه، فاقض ما أنت قاض، فقال قريش بن الحريش لما رأى مافعل ~~عقيل بأبيه وخاف عليه القتل: لا تقتل أبي وأنا أدلك على طلبك، فأرسل معه ~~رسلا فدلهم على يحيى بن زيد وهو في جوف بيت، فأخذوا معه يزيد بن عمرو ~~والفضل مولى عبد القيس، كان أقبل معه من الكوفة - فأتي به نصر بن سيار ~~فحبسه، وكتب إلى يوسف بن عمر يخبره الخبر. # فكتب الوليد إلى نصر بن سيار يأمره أن يؤمنه ويخلي سبيله وسبيل من معه، ~~فدعا نصر بن سيار بيحيى بن زيد فأمره بتقوى الله وحذره من الفتنة، ووصله ~~بألف درهم، وحمله على بغلين، وأمره أن يلحق بالوليد بن يزيد، فأقبل يحيى بن ~~زيد عليه السلام ومن معه حتى نزل بسرخس فأقام بها وعليها عبد الله بن قيس ~~فكتب إليه نصر بن سيار يأمره بإشخاصه عنها، وكتب إلى الحريش بن يزيد ~~التميمي؛ وكان من أشراف تميم؛ وكان عامله على طوس "يأمره" إذا مر به يحيى ~~بن زيد عليه السلام أن يشخصه، ولا يذره يقيم بطوس، وأن لا يفارقه حتى يؤديه ~~إلى عمرو بن زرارة، وكان عامله على أبرشهر، فأشخصه عبد الله بن قيس من ~~سرخس، فأقبل حتى نزل بطوس، فأمره الحريش بن يزيد بالارتحال "منها"، ووكل به ~~سرحان بن فروخ بن مجاهد بن بلعاء العنبري؛ وكان على مسلحته، وأمره أن لا ~~يفارقه حتى يدفعه إلى عمرو بن زرارة. PageV01P372 # فلما بلغ عمرو بن زرارة خبره كتب إلى نصر بن سيار يخبره الخبر، فكتب نصر بن ~~سيار إلى عبد الله بن قيس وإلى الحريش بن يزيد يأمرهما باللحاق بعمرو ms002 بن ~~زرارة، فإذا اجتمعوا نصبوا الحرب ليحيى بن زيد عليه السلام وعمر وبن زرارة عليهم. PageV01P373 ### || [قتال يحيى بن زيد عليه السلام واستشهاده] # فسارا في أصحابهما حتى قدما على عمرو بن زرارة، فاجتمعوا ونصبوا الحرب ~~ليحيى بن زيد عليه السلام وهم عشرة آلاف مقاتل، ويحيى بن زيد عليه السلام ~~في سبعين رجلا، فقاتلهم وهزمهم، وقتل عمرو بن زرارة وأصاب يحيى وأصحابه ~~دوابا كثيرة. # ثم أقبل يحيى بن زيد عليه السلام حتى مر بهراة وعليها مغلس بن زياد ~~العامري فلم يعرض واحد منهما لصاحبه، وسار يحيى بن زيد عليه السلام فقطع ~~هراة، وبلغ الخبر نصر بن سيار، فوجه سلم بن أحوز التميمي (غضب الله عليه) ~~في طلبه، فقدم هراة حيث ارتحل يحيى بن زيد عليه السلام منها، فتبعه فلحق به ~~بالجوزجان بقرية يقال لها: أرعوى وعليها حماد بن عمرو السعدي. # قال: ولحق بيحيى بن زيد عليه السلام رجل من بني حنيفة يقال له العجارم ~~فقتل معه، ولحق به الحسحاس بن المتمارس الأزدي، فقطع نصر بن سيار يديه ~~ورجليه بعد ذلك. # ثم التقوا وقد جعل سلم بن أحوز على ميمنته سورة بن محمد بن عزيز الكندي، ~~وعلىميسرته حماد بن عمرو السعدي، قال: فاقتتل الفريقان قتالا شديدا. # قال: ثم إن رجلا من بني عنزة يقال له: عيسى مولى لعيسى بن سليمان، رمى ~~يحيى بن زيد عليه السلام بنشابة وقعت في جبهته فصرعته، وأنكسر أصحابه ~~وقتلوا جميعا. # قال: ومر سورة بن محمد بن عزيز الكندي بيحيى بن زيد عليه السلام صريعا ~~فاحتز رأسه، وأخذ عيسى العنزي سلبه وغلبه سورة على الرأس، فانطلق به إلى ~~نصر بن سيار. # [4] حدثنا أبو العباس بإسناده عن سلم الحذاء ، قال: كنا مع يحيى بن زيد ~~عليه السلام والرضوان بخراسان قال: فقدمنا ما نحن إلا سبعون أو ثمانون رجلا ~~يوم لقي عمرو بن زرارة. # قال: وكان لقيه بخراسان. # قال: فقدمنا يحيى بن زيد في مقدمته، ونحن سبعة عشر فارسا أو ثمانية عشر. # قال: فلقينا عمرو بن زرارة في أربعة آلاف أو ms003 خمسة آلاف، قال: فتلقانا حرب ~~بن محربة أبو نصر بن حرب. PageV01P374 # قال: فكأني أنظر إلى شيخ ضخم قد جاء براية فركزها، ثم نادى: يا أيها الناس، ~~إن الأمير عمرو بن زرارة يدعوكم إلى الأمان وهذه راية الأمان، فمن جاءه فهو آمن. # قال: وكنت في آخرهم فأضرط به الذي كان بين أيدينا. # قال: فوالله ما أعلم إلا أني قد سمعتها. # قال: ثم لحقنا يحيى بن زيد عليه السلام وأرسل إلى عمرو بن زرارة أن انصرف ~~عني فإني لست أريدك ولا أريد شيئا من عملك، وإنما أريد بلخا وناحيتها ولا ~~أريد مروا فتنح عني. # فقال عمرو بن زرارة: لا والله لايكون ذلك أبدا إلا أن تعطي بيدك وتدخل في ~~الأمان، وإلا قاتلتك. # قال: فكأني أنظر إلى يحيى عليه السلام وأسمع صوته من خلفي وهو ينادي: ~~الجنة.. الجنة.. يامعشر المسلمين الحقوا بسلفكم الشهداء المرزوقين (رحمكم الله). # قال: ثم تحمل عليهم حملة رجل واحد فانكشفوا. # قال: واستقبلنا عمرو بن زرارة يصيح بأصحابه. قال: فما كانت إلا إياها حتى ~~قتل عمرو بن زرارة، وانكشف أصحابه وأخذوا الطريق حتى أتى يحيى بن زيد عليه ~~السلام الجوزجان ، ثم لحق بعد قوم من الزيدية بيحيى عليه السلام، قال: ~~وكانوا قريبا من خمسين ومائة رجل. PageV01P375 ### || [حثه (ع) لأصحابه على الجهاد] # [5] حدثنا أبو العباس عن ابن محمد التنوخي، بإسناده عن سلمة بن عامر ~~الهمداني، قال: لما وافق سلم بن أحوز (غضب الله عليه) يحيى بن زيد عليهما ~~السلام أقبل يحيى على أصحابه، فقال: يا عباد الله، إن الأجل محضره الموت، ~~وإن الموت طالب حثيث لا يفوته الهارب، ولا يعجزه المقيم، فاقدموا (رحمكم ~~الله) على عدوكم والحقوا بسلفكم، الجنة.. الجنة، اقدموا ولا تنكلوا، فإنه ~~لا شرف أشرف من الشهادة، فإن أشرف الموت قتل في سبيل الله، فلتقر بالشهادة ~~أعينكم، ولتنشرح للقاء الله صدوركم، ثم نهد إلى القوم فكان والله أرغب ~~أصحابه في القتل في سبيل الله جل ثناؤه. PageV01P376 ### || [استشهاد يحيى بن زيد عليهما السلام] # [6] حدثنا أبو العباس رحمه الله، بإسناده عن ms004 أبي القاسم، وعن جابر بن عون ~~قالا: قتل يحيى بن زيد بن علي عليهم السلام ، بالجوزجان، قتله سلم بن أحوز ~~(غضب الله عليه) وكان مع يحيى بن زيد عليهما السلام يومئذ مائة وخمسون ~~رجلا، وكان مع سلم بن أحوز عشرة آلاف رجل، فقتل يحيى بن زيد عليه السلام ~~وأصحابه رضي الله عنهم وأرضاهم. # قال جابر بن عون : استشهد يحيى بن زيد عليه السلام يوم الجمعة بعد ~~الصلاة، فأخذ رأسه فبعث به إلى نصر بن سيار، وبعث به نصر إلى الوليد بن ~~يزيد، وصلب يحيى عليه السلام على باب مدينة الجوزجان، بقرية يقال لها ~~أرعوى، قال: وذلك في سنة خمس وعشرين ومائة. # قال جابر: فلم يزل يحيى مصلوبا حتى ظهرت المسودة بخراسان، فأتوه فأنزلوه ~~من خشبته فغسلوه وحنطوه وكفنوه ودفنوه، وولي ذلك منه خالد بن إبراهيم بن ~~داود البكري وحازم بن خزيمة التميمي وعيسى بن ماهان. # قال: وكان أبو مسلم يتتبع قتلة يحيى بن زيد بن علي عليهم السلام فقيل له: ~~إن أردت ذلك فعليك بالديوان، فدعا أبو مسلم بالجرائد، فنظر من شهد قتل يحيى ~~بن زيد عليه السلام فلم يدع أحدا منهم إلا قتله، وأبو مسلم هو صاحب الدولة ~~الذي كان زوال ملك بني أمية على يديه. PageV01P377 ### | [(11) الإمام محمد بن عبد الله بن الحسن (النفس الزكية)] (93 - 145 ه / 712 - 762 م) PageV01P378 ### || [فضله وزهده وشجاعته (ع)] # [7] حدثنا أبو العباس رحمه الله بإسناده عن غالب بن حفص الأسدي، قال: ~~سمعت عيسى بن زيد بن علي عليهم السلام يقول: لو أن الله جل ثناؤه أخبرنا في ~~كتابه أنه يكون من بعد محمد صلى الله عليه وآله وسلم نبي لقلنا: إن ذلك ~~محمد بن عبد الله بن الحسن صلوات الله عليه. # [8] حدثنا أبو العباس بإسناده عن أبي خالد، قال: كنت أنا والقاسم بن مسلم ~~السلمي «نسير» حتى انتهينا إلى أرض ينبع ، ونحن نريد محمد بن عبد الله بن ~~الحسن صلوات الله عليه فهجمنا عليه وعليه كساءان قد اتزر بواحد والتحف ~~بالآخر. # فقال له ms005 القاسم: جعلت فداءك يا أبا عبد الله، إن الناس يقولون: إن صاحبكم ~~حدث السن ليس له ذلك الفقه. # قال: فرأيته تناول سوطا من الأرض ثم قال: يا قاسم بن مسلم، ما يسرني أن ~~الأمة اجتمعت علي فكانت كعلاقة سوطي هذا، وأني سئلت عن باب حلال أو حرام لم ~~آتي بالمخرج منه، يا قاسم بن مسلم إن أضل الناس من ادعى أمر هذه الأمة ثم ~~يسأل عن باب حلال أو حرام لم يأت بالمخرج منه. # وكان محمد بن عبد الله أيدا قويا، إذا صعد المنبر يتقعقع عنه المنبر، ~~وأنه أقل صخرة إلى منكبيه فحزروها ألف رطل. # [9] حدثنا أبو العباس بإسناده عن علي بن عثمان قال:حدثني أبي، قال: كان ~~من قصة محمد بن عبد الله بن الحسن عليه السلام أنه لما ولد سماه أبوه محمدا ~~[إذ] تباشربه آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، موافقا اسم النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم واسم أبيه فأملوه ورجوه وسروا به ووقعت عليه المحبة، وجعلوا ~~يتذاكرونه في المجالس، فقال في ذلك شاعرهم: # ليهنكم المولود من آل أحمد .... إمام هدى هادي الطريقة مهتدي # يسوم أمي الذل من بعد عزها .... وآل بني العاص الطريد المشرد # فيقتلهم قتلا ذريعا وهذه .... بشارة جدية علي وأحمد # هما أنبآنا أن ذلك كائن .... برغم أنوف من عداة وحسد # أمي فصبرا طال ما اصطبرت لكم .... بنو هاشم آل النبي محمد PageV01P379 فشاع ذلك من أمر محمد بن عبد الله عليه السلام وسر به آل محمد، ونشأ مأمولا ~~في حالاته، محمودا في منشئه، فهيما في رأيه، لبيبا في عقله، مكرما في أهله، ~~معظما في الناس، وأبوه عليه السلام حي، واستقام حاله وحديثه وسموه المهدي ~~فكان لا يمر بملأ من الناس إلا أظهروا له التعظيم والإكرام والتبجيل، وفضله ~~عبد الله بن الحسن وأجله. # وجعل زوار المدينة من أهل العراق يأتونه للنظر إليه، ويتحدثون فيه بأمره، ~~فقال فيه بعض شعرائهم: # إن المهدي قام لنا وفينا .... أتانا الخير وارتفع البلاء # وقام به عمود الدين حقا .... وولى الجور وانكشف ms006 الغطاء # بنفسي يثرب من دار هاد .... عليها من شواهده بهاء # نرى عز البهاء عليه فيها .... ونور الحق يسطع والضياء PageV01P380 ### || [خروجه (ع)] # ولما ظهر محمد بن عبد الله يدعو [إلى نفسه] أقام منتظرا، وبايعه أهل بيته ~~الأكابر والأصاغر، والهاشميون كلهم، وكان أبو جعفر عبد الله بن محمد بن علي ~~بن عبد الله بن العباس ممن يعظمه من قبل أن يكون الأمر منه ما كان من إفضاء ~~الأمر والدولة «إليه»، وتداعي الناس والقبائل وأهل الشرف واستخلف أخاه ~~إبراهيم بن عبد الله عليه السلام وجعله على من هو دونه من الهاشميين واتسق ~~الأمر وتلاءمت الدعوة، وكان يكاتب الناس، فكتب كتابا إليهم يدعوهم إلى نصرة ~~الحق. قال: وهذه نسخة الكتاب على اختصاره. PageV01P381 ### || [مكاتباته ودعوته] # بسم الله الرحمن الرحيم. أما بعد فإن الله جل ثناؤه جعل في كل زمان خيرة، ~~ومن كل خيرة منتجبا، والله أعلم حيث يجعل رسالاته، فلم تزل الخيرة من خلقه ~~تتناسخ أحوالا بعد أحوال حتى كان منها صفوة الله محمد صلى الله عليه وآله ~~وسلم سيد المرسلين، وخاتم النبيين؛ اختصه الله بكرامته وأخرجه من خير خلقه ~~قرنا فقرنا، وحالا بعد حال محفوظا مجنبا سوء الولادات، متسقا بأكرم الآباء ~~والأمهات، فلو أن أحدنا في منزلته، وعند الله في مثل حاله لاصطفاه ولأخرجه ~~من مخرجه تبارك وتعالى، ولكن نظر إليه برحمته، واختاره لرسالته، واستحفطه ~~مكنون حكمته وأرسله بشيرا ونذيرا وداعيا إلى الله بإذنه «وقائدا إلى الله» ~~وسراجا منيرا. # ثم قبضه الله إليه حميدا صلى الله عليه وآله وسلم ، فخلف كتابه الذي هو ~~هدي واهتداء، وأمر بالعمل بمافيه، وقد نجم الجور وخولف الكتاب الذي به هدي ~~واهتداء، وأميتت السنة، وأحييت البدعة، ونحن ندعوكم أيها الناس إلى: الحكم ~~بكتاب الله، وإلى العمل بما فيه، وإلى إنكار المنكر وإلى الأمر بالمعروف ~~والنهي عن المنكر، ونستعينكم على ما أمر الله به في كتابه، من المعاونة على ~~البر والتقوى. PageV01P382 # واعلموا أيها الناس أنكم غير مصيبي الرشد بخلافكم لذرية نبيكم صلى الله ~~عليه وآله وسلم ، ووضعكم الأمر في غير ms007 محله، فعازت لأحدكم بعد جماحها، ~~وتفرقت جماعتكم بعد اتساقها، وشاركتم الظالمين في أوزارها لترككم التغيير ~~على أمرائها، ودفع الحق من الأمر إلى أوليائه، فلا سهمنا وفيناه، ولا ~~تراثنا أعطيناه، وما زال يولد مولودنا في الخوف، وينشأ ناشئنا في القهر ~~ويموت ميتنا بالذل والقهر والقتل بمنزلة بني اسرائيل، تذبح أبناؤهم وتستحيا ~~نساؤهم، ويولد مولودهم في المخافة، وينشأ ناشئهم في العبودية، وإنما فخرت ~~قريش على سائر الأحياء بمحمد صلى الله عليه وآله وسلم ودانت العجم للعرب ~~بادعائها لحقنا، والفخر بأبينا صلى الله عليه وآله وسلم ثم منعنا حقه، ~~ودفعنا عن مقامه، أما والله لو رجوا التمكين في البلاد والظهور على ~~الأديان، وتناول الملك بخلاف إظهار التوحيد، وبخلاف الدعوة إلى محمد صلى ~~الله عليه وآله وسلم والإذعان منهم بالقرآن، لاتخذوا أساطير مختلقة ~~بأهوائهم، وعبدوا الأوثان بآرائهم، ولاتخذوا من أنفسهم زعيما. # فاتقوا الله عباد الله، وأجيبوا إلى الحق، وكونوا عليه أعوانا لمن دعاكم ~~إليه، ولا تأخذوا بسنة بني إسرائل إذكذبوا أنبياءهم، وقتلوا ذريتهم على ~~أنها سنة كسنة تركبونها وعروة بعد عروة تنكثونها وقد قال الله جل ثناؤه في ~~كتابه: ?لتركبن طبقا عن طبق?[الانشقاق:19]. # فاعرفوا فضل ما هداكم الله به وتمسكوا بوثائقه، واعتصموا بعروته من قبل ~~هرج الأهواء، واختلاف الأحزاب، وتنكب الصواب، فإن كتابي حجة على من بلغه، ~~ورحمة على من قبله. والسلام. # [10] حدثنا أبو العباس رحمه الله بإسناده عن خالد بن مختار الثمالي قال ~~الحسن بن الحسين: وكان خالد بن مختار خرج مع إبراهيم بن عبد الله وذهب بصره. # قال خالد بن مختار: جاء كتاب من محمد بن عبد الله بن الحسن إلى خواص ~~أصحابه، وأمرهم أن يقرؤوه وهو: PageV01P383 ### || [كتابه إلى خواص أصحابه] # بسم الله الرحمن الرحيم. أما بعد: # فإن الله جل ثناؤه بعظمته ألزم نفسه علم الغيوب عن خلقه لعلمه أنها لا ~~تصلح إلا له، ثم أنشأ خلقه بلا عون، ودبر أمره بلا ظهير، ابتدع ما أنشأ على ~~غير مثال من معبود كان قبله، ثم اختار لتفضيله بعلمه من ملائكته ورسله من ~~ائتمنه ms008 على أسرار غيوبه، لم تلاحظه في الملكوت عين ناظرة، ولا يد لامسة، ~~متفرد بما دبر، ذلكم الله رب العالمين . # إلى أن أخرج محمدا صلى الله عليه وآله وسلم من خير نسله ذوي العزم من ~~الرسل تناسخه دوارج الأصلاب، وتحفه طواهر الأرحام، مبرأ من كل عهر، مطهرا ~~من كل سفاح، تؤديه زواكي الأصلاب إلى مطهرات الأرحام، حتى استخرجه خير ~~جنين، وأصحبه خير قرين، أرسله بنور الضياء إلى أهل الظلم والكفر. # وقد نسكوا وذبحوا للأصنام واستقسموا بالأزلام، مترددون في حيرة الضلالة، ~~كلما ازدادوا «في ضلالهم جهلا» وفي عبادتهم جهدا ازدادوا من الله بعدا، حتى ~~تصرمت عنهم مدة البلاء بقيام محمد صلى الله عليه وآله وسلم فيهم يدعوهم إلى ~~النجاة، ويضمن لهم الظفر في الدنيا الماضية وحسن المثوبة في الآخرة، ~~ويخبرهم عن القرون الماضيةكيف نجا من نجا منهم بالاستجابة لرسلهم، وكيف بعث ~~العذاب على من تولى منهم، وسألهم أن ينظروا إلى آثارهم وديارهم خاوية على ~~عروشها، كيف تركوها وما فيها؟ فقال: يا قوم احذروا مثل دأب قوم نوح وعاد ~~وثمود، فأبوا إلا التكذيب بالتوحيد، واستعظموا أن يجعلوا الآلهة إلها واحدا. PageV01P384 # فلما أمر أن يجاهد بمن أطاعه من عصاه وكبر عليه مجاهدة الكثير من المشركين ~~بالقليل من المسلمين ضمن الله له عاقبة العلو والظفر، وشد له أزره وأعانه ~~بابن عمه وابن صنو أبيه، وشريكه في نسبته ، ومؤنسه في وحدته من الشجرة ~~المباركة فرعا هما، دعا فاستجاب له على ضراعة الضرع الصغير من سنه، حتى سيط ~~الإسلام بلحمه ودمه، ولم يخشع بين يدي لاتهم وعزاهم إذ هي تدعى، وغيره خاشع ~~لها عاكف عليها، هي لهم منسك، إلى أن اشتدت على التوحيد أعظمه، وعظمت في ~~أنحاء الخير هممه، إليه يستريح رسول الله بأسراره، فكان هو عليه السلام ~~الصديق الأكبر، الفارس المشتهر، وسابق العرب إلى الغاية، ليس أمامه فيها ~~إلا الرسول المرسل، بالكتاب المنزل يصلي بصلاته ويتلو معه آياته، تفتح ~~لعملهما أبواب السماوات السبع، يهوي بجبهته مع نبيه صلى الله عليه وآله ~~وسلم إلى القبلة المجهولة عند ms009 قومه، ليست تنحى أصبع يمدها متوسل إلى الله ~~جل ثناؤه غير أصبعه، ولا ظهر يحنو لله في طاعته قبل ظهره إلا ظهر نبيه، إن ~~ساماهم بشرفه في أوليته سبق عليهم بفارع غصون مجده، وعواطف شرف من قام عنه ~~من إمهاته، ثم نشأ في حجر من نشأ، يؤدبه بالكتاب إذ غيره يباكر عبادة اللات ~~والعزى، شهد له القلم الجاري بعمله في حال الفردانية، إذ هو يسارق الصلوات ~~أهله إذ لا قلم جار ولا شهيد على مطيع، ولا عاص غيره يكانف النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم في مواطنه، ويستريح إليه بأسراره، ويستغديه لهممه، إذ النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم هو المستوحش من جماعتهم، والخائف على دمه منهم، ~~أين زال النبي صلى الله عليه وآله وسلم زال معه، وإن غال النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم أمر وقاه بنفسه، فمن يساويه وهذه حاله -صلوات الله عليه- ~~والحال الأخرى حال القوم في كفرهم بربهم وإنكارهم رسوله، واختيارهم عبادة ~~أوثانهم، وعلي بن أبي طالب يعظم ماصغروا، ويكرم ما أهانوا حتى دخل من دخل ~~في دين الله رغبة أو رهبة، PageV01P385 ولما طال على رسول الله تكذيب قومه إياه استشار عليا صلوات الله عليه فقال ~~له: ((ما ترى؟ قال: يارسول، ها سيفي وكان بالضرب به دونه جوادا، قال رسول ~~الله: ((إني لم أؤمر بالسيف، فنم على فراشي وقي بنفسك نفسي حتى أخرج فإني ~~قد أمرت بذلك)) فنام على فراشه، ووقاه بنفسه باذلا لمهجته، واثقا بأن الله ~~تعالى غير خاذله. # ومن يدعى الفضل عليه إما راصد لرسول الله أو معين عليه، أو جالس عنه، ~~همهم في ذبائح النعم على الأصنام، والاستقسام بالأزلام، وأقلام الملائكة ~~تصعد بعمل رسول الله صلى الله عليه وآله وبعمل علي عليه السلام فلما استقرت ~~برسول الله الدار وحل في الأنصار، أمره الله جل ثناؤه أن يشهر سيف التوحيد ~~وضمن له التأييد، فجاءت حال المنابذة، وتدانت الزحوف أيد الله جل ثناؤه ~~رسوله بعلي بن أبي طالب، فقام إليهم وله خطرات بسيفه ذي الفقار، فسألوه ms010 عن ~~النسبة، فانتهى إلى محل اليفاع الذي لا لأحد عنه مرغب، وأوجل الله قلوبهم ~~من مخافته حتى اجتنبوا ناحيته، فما زالت به تلك المشاهد مع رسول الله حتى ~~سئمته رجال قريش، وحتى تشاغلت نساؤهم بالمآتم، فكم من باكية أو داعية أو ~~موتور قد احتشى عليه بفقدانه أباه أو أخاه أو عمه أو خاله أو حميمه، يخوض ~~مهاول الغمرات بين أسنة الرماح، لا يثنيه عن نصرة رسول الله ثنوة حداثة، ~~ولا ضن بمهجته حتى استولى على الفضل في الجهاد في سبيل الله، وكان أحب ~~الأعمال إلى الله، وزرع إبليس -عدو الله- بغضه في قلوبهم، فلاحظوه بالنظر ~~الشزر، وكسروا دونه حواجبهم، وراشوا بالقول فيه والطعن عليه، فلم يزده الله ~~بقولهم فيه إلا ارتفاعا، كلما نالوا منه نزل القرآن بجميل الثناء عليه في ~~آي كثير من كتاب الله، قد غمهم مكانه في المصاحف، ومن قبل ما أثبته الله جل ~~ثناؤه في وحي الزبور أنه وصي الأوصياء، وأول من فتح بعمله أبواب السماء. PageV01P386 # فلما قبض رسول الله كان أولاهم بمقامه، ليس لأحد مثله في نصرته لرسول الله ~~وأخ ليس لهم مثله له جناحان يطير بهما في الجنة، وعم له هو سيد الشهداء في ~~جميع الأمم، وابنان هما سيدا شباب أهل الجنة، وله سيدة نساء العالمين ~~«زوجة». # فلما قبض رسول الله أخذ أهله في جهازه إلى ربه، واختلفوا فيمن يلي الأمر ~~من بعده، فقالت الأنصار: نحن الذين آوينا ونصرنا. # فبلغ ذلك عمر بن الخطاب، فأتى أبا بكر وهو بباب رسول الله ينتظر جهازهم ~~له والصلاة عليه، فقال له: إنك لغافل عما أسست الأنصار وأجمعوا عليه من ~~الصفقة على يد سعد بن عبادة. # ثم تناول عمر يده فجذبه فأقامه حتى انتهى إلى سعد وقد عكفوا عليه ~~وازدحموا حوله، وتكلم أبو بكر فقال: يا معشر الأنصار أنتم الجيران ~~والإخوان، وقد سمعتم قول رسول الله: ((إن هذا الأمر لا يصلح إلا في قريش))، ~~وقد علمت العرب أنا أوسطها دارا، وأصبحها وجوها وأبسطها ألسنة، وأن العرب ~~لا تستقيم إلا علينا)). ms011 # فقال عمر: هات يدك يا أبا بكر أبا يعك، فمد أبو بكر يده فضرب عليها، وضرب ~~عليها بشير بن سعد، ثم ثلث أبو عبيدة بن الجراح، ثم تتابعت الأنصار. PageV01P387 # فبلغ ذلك عليا عليه السلام فشغله المصاب برسول الله عن القول لهم في ذلك، ~~واغتنموا تشاغله برسول الله فنظر علي لدين الله قبل نظره لنفسه، فوجد حقه ~~لا ينال إلا بالسيف المشهور، وتذكر ما هم به من حديث عهد بجاهلية، فكره أن ~~يضرب بعضهم ببعض، فيكون في ذلك ترك الألفة، فأوصى بها أبو بكر إلى عمر عن ~~غير شورى، فقام بها عمر وعمل في الولاية بغير عمل صاحبه، وليس بيده منها ~~عهد من رسول الله ولا تأويل من كتاب الله، إلا رأي توخاه هو فيه مفارق لرأي ~~صاحبه، فجعلها بين ستة نفر، ووضع عليهم أمناء أمرهم إن هم اختلفوا أن ~~يقتلوا الأقل من الفئتين، وصغروا من أمرهم ما عظم الله، وصاروا سببا لولاة ~~السوء وسدت عليهم أبواب التوبة، واشتملت عليهم النار بما فيها، والله جل ~~ثناؤه بالمرصاد، ولاحول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. # [11] حدثنا أبو العباس، بإسناده عن أبي خالد الواسطي، قال: لقيت محمد بن ~~عبد الله بن الحسن صلوات الله عليه قبل ظهوره، فقلت له: يا سيدي متى يكون ~~هذا الأمر؟ # فقال لي: وما يسرك منه يا أبا خالد؟ # فقلت له: يا سيدي وكيف لا أسر بأمر يخزي الله به أعداءه ويظهر به ~~أولياءه. # فقال لي: يا أبا خالد، أنا خارج وأنا مقتول، والله ما يسرني أن الدنيا ~~بأسرها لي عوضا من جهادهم، يا أبا خالد، إن امرأ مؤمنا لا يمسي حزينا ولا ~~يصبح حزينا مما يعاني من أعمالهم إنه لمغبون مفتون. # قال: قلت: ياسيدي والله إن المؤمن لكذلك ولكن كيف بنا ونحن مقهورون ~~مستضعفون خائفون، لانستطيع لهم تغييرا؟ # فقال: يا أبا خالد، إذا كنتم كذلك فلا تكونوا لهم جمعا وانفروا من أرضهم. PageV01P388 # [12] حدثنا أبو العباس قال: حدثنا عيسى بن محمد «العلوي »، قال حدثنا علي ~~بن الحسين المقري عن ms012 عمر والد يحيى بن عمر عن الحسن بن يحيى قال: أخبرني ~~موسى بن جعفر أن موسى بن جعفر أن محمد بن علي بن جعفر، أخبره بحديث محمد بن ~~عبد الله بن الحسن قال: لما بلغ محمد بن عبد الله وفاة أبيه وأهل بيته، ~~وكان متغيبا أقبل في خمسين ومائتي رجل حتى وقف على سجن المدينة فأرسل من ~~فيه وشعارهم: أحد أحد، وأقبل حتى دخل المسجد، فصعد المنبر فحمد الله وأثنى ~~عليه، ثم قال:أما بعد، يا أهل المدينة فإني والله ما خرجت فيكم وبين أظهركم ~~تعززا، ولغيركم كان أعز لي منكم، ولكني حبوتكم بنفسي مع ما أنه لم يبق مصر ~~من الأمصار يعبد الله فيه إلا وقد أخذت لي فيه البيعة، ولا بقي أحد من شرق ~~مع غرب إلا وقد أتتني بيعته، وإن أحق الناس بالقيام بهذا الأمر لأبناء ~~المهاجرين والأنصار مع ما قد علمتم من سوء مذهب هذا الطاغية الذي قد بلغ في ~~عتوه وطغيانه أن اتخذ لنفسه بيتا وبوبه بالذهب، معاندة لله وتصغيرا لبيته ~~الحرام مع ما سفك من الدماء، وتناول من الأخيار يعذبهم بأنواع العذاب. # اللهم إنهم قد أحلوا حرامك وحرموا حلالك وأخافوا من أمنت، وأمنوا من ~~أخفت، وقصدوا لعترة نبيك اللهم وكما أحصيتهم عددا فاقتلهم بددا ولا تغادر ~~منهم أحدا. # [13] [وحدثنا السيد أبو العباس قال:] قال أبو زيد: وأخبرنا عن عبد الله ~~بن الحسن فيما رواه لنا أحمد بن محمد بن الحسن عن رجالة، قال: أتيناه وهو ~~في المحمل وقد حمله أبو جعفر، فقلنا له: يابن رسول الله محمد ابنك المهدي، ~~فقال: يخرج محمد من هاهنا؛ وأشار إلى المدينة؛ فيكون كلحس الثور أنفه حتى ~~يقتل، ثم يخرج إبراهيم من هاهنا فيكون كلحسة الثور أنفه «حتى يقتل» ولكن ~~إذا سمعتم بالمأثور قد خرج بخراسان فهو صاحبكم. PageV01P389 # قال: وكان محمد بن عبد الله يرون أنه الذي جاء فيه الخبر من أمر المهدي لما ~~وقفوا عليه من العلم والخشوع، وكان يقال له: المهدي، وصريح قريش، وفيه يقول ~~القائل: # لئن يك ms013 ظني صادقا بمحمد .... يكن فيه ما ترجوا الأعاجم في الكتب # وكان يقال: إنه ولد وبين كتفيه كهيئة البيضة، ففيه يقول مسلمة بن علي : # وإن الذي تروي الرواة لبين .... إذا ما ابن عبد الله فيهم تجردا # به خاتم لم يعطه الله غيره .... وفيه علامات من الفضل والهدى # قال أبو زيد: وذكر حديثا اختصرناه إشفاقا، وذكرنا منه هذا احتجاجا على من ~~زعم على أن جعفر بن محمد نظر إلى أبي جعفر وقد دعا إلى بيعة محمد بن عبد ~~الله بن الحسن، فقال: إنا نجد أن هذا المتكلم آنفا يقتله، يعني أبا جعفر ~~أنه يقتل محمدا، فكان هذا من قول من تعلق به يدعو إلى الجلوس عن إقامة الحق ~~والدعاء إليه، وإلى التسليم إلى أهل الباطل إذا لم يظفر بهم، ولكن منع ~~القوم من ذلك خوف الله وإيثار طاعته ظفروا أو ظفر بهم . PageV01P390 ### || [مكاتبات بين النفس الزكية والسفاح] # فكتب أبو جعفر إلى محمد بن عبد الله بن الحسن: من عبد الله أمير المؤمنين ~~إلى محمد بن عبد الله، ?إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في ~~الأرض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا ~~من الأرض ذلك لهم خزي في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم ، إلا الذين ~~تابوا من قبل أن تقدروا عليهم فاعلموا أن الله غفور ~~رحيم...?الآية[المائدة:33-34]. # ولك عهد الله وميثاقه وذمته وذمة رسوله إن تبت ورجعت من قبل أن أقدر عليك ~~أني أؤمنك وجميع ولدك وإخوانك وأهل بيتك، على دمائكم وأموالكم، وأسوغكم ما ~~أصبتم من دم وأموال، وأعطيك ألف ألف درهم، وما سألت من الحوائج، وأنزلك من ~~البلاد بحيث شئت، وأخلي من في حبسي من أهل بيتك، وأؤمن كل من آواك أو با ~~يعك، أو دخل في شيء من أمرك، «ثم» لا أتبع أحدا منهم بشيء كان منهم أبدا، ~~وإن أحببت أن تتوثق لنفسك فوجه إلي من أحببت يأخذ لك مني الأمان والعهد ~~والميثاق ما تثق به وتطمئن إليه إن شاء الله. والسلام. # فكتب ms014 إليه محمد بن عبد الله بن الحسن: من عبد الله محمد أمير المؤمنين ~~إلى عبد الله بن محمد، ?طسم، تلك آيات الكتاب المبين، نتلو عليك من نبإ ~~موسى وفرعون بالحق لقوم يؤمنون...? إلى قوله تعالى: ?ما كانوا ~~يحذرون?[القصص:1إلى6]. PageV01P391 # وأنا أعرض عليك من الأمان ما عرضت علي، وأنت تعلم أن الحق حقنا وأنكم ~~ادعيتم هذا الأمر بنا، وخرجتم له بشيعتنا، وأن أبانا عليا كان الإمام، فكيف ~~ورثتم ولايته دون ولده، ثم قد علمت أنه لم يطلب هذا الأمر أحد له مثل ~~نسبنا، ولا شرف مثل شرف أبينا، وإنا لسنا من أبناء الطلقاء، ولا العتقاء، ~~ولا اللعناء، ولا الطرداء، وأنه لا يمت أحد من بني هاشم بمثل ما نمت به من ~~القرابة والسابقة والفضل، فإنا بنو أم رسول الله في الجاهلية، وفي الإسلام ~~بنو ابنته دونكم، وإن الله اختارنا واختار لنا، فوالدنامن النبيين أفضلهم ~~محمد صلى الله عليه وآله وسلم ومن السلف أولهم إسلاما علي بن أبي طالب عليه ~~السلام ومن الأزواج أفضلهن خديجة بنت خويلد أول من صلى القبلة رحمة الله ~~عليها ومن البنات فاطمة سيدة نساء العالمين رحمة الله عليها ومن المولودين ~~في الإسلام الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة، وإن هاشما ولد عليا مرتين، ~~وإن عبد المطلب ولده مرتين ، وأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ولدني ~~مرتين وإني من أوسط هاشم نسبا وأصرحهم أما وأبا، وأنه لم تعرف في سجحة ~~العجم ولم تنازع في أمهات الأولاد، ومازال الله يختار لي الآباء والأمهات ~~في الجاهلية والإسلام حتى اختار لي في النار، فأنا ابن أرفع الناس درجة في ~~الجنة، وأنا ابن أهون أهل النار عذابا، وأنا ابن خير الأخيار، وأنا ابن خير ~~أهل الجنة، وأنا ابن خير أهل النار. # ولك الله إن دخلت في طاعتي، وأجبت دعوتي أني أؤمنك على نفسك ومالك ودمك، ~~وعلى كل أمر أحدثته إلا حدا من حدود الله، أوحقا لمسلم أومعاهد، وقدعلمت ما ~~يلزمك في ذلك ومن ذلك، وأنا أولى بالأمر منك وأوفى بالعهد والعقد لأنك ms015 ~~تعطيني من عهدك ما أعطيته رجالا من قبلي، فأي أمانك تعطيني: أمان ابن ~~هبيرة، أم أمان عمك عبد الله بن علي، أم أمان أبي مسلم ، والسلام. PageV01P392 # فأجابه أبو جعفر بالباهتة: من عبد الله أمير المؤمنين إلى محمد بن عبد الله. # أما بعد: فقد بلغني كتابك وفهمت ما ذكرت فيه، فجل فخرك بقرابة النساء، ~~ولم يجعل الله النساء كالعمومة والأباء، ولا كالعصبة والأولياء، لأن الله ~~تعالى جعل العم أبا وبدأ به على الولد الأدنى، ولو كان اختيار الله لهن على ~~قدر قرابتهن لكانت آمنة أقربهن رحما وأعظمهن حقا، وأول من يدخل الجنة غدا، ~~ولكن الله اختار لخلقه على قدر علمه الماضي منهم، فأما ماذكرت من فاطمة أم ~~أبي النبي صلى الله عليه وآله وسلم وولادتها، فإن الله لم يرزق من ولدها ~~ذكرا ولا أنثى الإسلام، ولو كان أحد من ولدها رزق الإسلام بالقرابة لكان ~~عبد الله بن عبد المطلب أولاهم بكل خير في الدنيا والآخرة، ولكن الأمر إلى ~~الله، يختار لدينه من يشاء، قال الله تعالى: ?إنك لا تهدي من أحببت ولكن ~~الله يهدي من يشاء وهو أعلم بالمهتدين?[القصص:56]. # ولقد بعث الله نبيه محمدا وله عمومة أربعة، وأنزل عليه ?وأنذر عشيرتك ~~الأقربين?[الشعراء:214]، فدعاهم فأنذرهم فأجابه اثنان أحدهما أبي، وأبى ~~اثنان أحدهما أبوك، فقطع الله ولا يتهما ولم يجعل بينه وبينهما إلا ولا ~~ذمة، ولا ميراثا. # وزعمت أنك ابن أخف الناس عذابا، وابن خير الأشرار، وليس في الكفر بالله ~~صغير ولا في عذاب الله خفيف «ولا قليل»، ولا في الشر خيار، ولا ينبغي لمن ~~يؤمن بالله واليوم الآخر أن يفخر بالشر، وسترد فتعلم، ?وسيعلم الذين ظلموا ~~أي منقلب ينقلبون?[الشعراء:227]. # وأما ما فخرت به من أن فاطمة أم علي وأن هاشما ولده مرتين، وأن عبد ~~المطلب ولده مرتين، فخير الأولين والآخرين رسول الله لم يلده هاشم إلامرة، ~~ولا عبد المطلب إلا مرة، وزعمت أنك أوسط بني هاشم نسبا وأصرحهم أما ~~وأبا...إلى آخر ما ذكره. PageV01P393 # فأجابه محمد بن عبد الله فيما بلغني من غير ms016 رواية الحسن بن يحيى بهذه ~~الرسالة وهي التي يقال لها الدامغة. # قال مؤلف الكتاب: وأنا أريد أن أختصر منها فإني لو أثبته على الوجه لطال ~~الكتاب. # بسم الله الرحمن الرحيم. ?إنما إلهكم الله الذي لا إله إلا هو وسع كل شيء ~~علما..? إلى قوله تعالى: ?وساء لهم يوم القيامة حملا?[طه:98-101]. # وبعد: فإنك ذكرت أن فخري بالنساء؛ فرأيت أن أوضح من أمرهن ما جهلته، ومن ~~«بعد» حق العم لأب وأم خلاف ما توهمته، أوليس قرابتهن أقرب القرابة؟ # أوليس قد ذكر الله الأمهات والأخوات والبنات، ولم يجعل بينهن وبين الآباء ~~والقرابة فرقا، فقال تعالى: ?للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون ~~وللنساء نصيب مما ترك الوالدان والأقربون?[النساء:7]، وقال تعالى: ~~?ويستفتونك في النساء قل الله يفتيكم فيهن?[النساء:127] فقد ذكر الأمهات، ~~والأخوات والبنات، ولم يذكر العم، ثم فرض على عباده البر بالنساء والرجال ~~إذ يقول تعالى: ?اشكر لي ولوالديك إلي المصير?[لقمان:14]، وقوله ~~تعالى:?ووصينا الإنسان بوالديه حسنا?[العنكبوت:8] . PageV01P394 # ثم ذكر فضل الأم على الأب فقال تعالى: ?حملته أمه كرها ووضعته ~~كرها?[الأحقاف:15]، وكذلك في ثواب ما عنده إذ يقول: ?إن المسلمين والمسلمات ~~والمؤمنين والمؤمنات...? إلى قوله تعالى: ?أعد الله لهم مغفرة وأجرا ~~عظيما?[الأحزاب:35]، وقال تعالى: ?ولا على أنفسكم أن تأكلوا من بيوتكم أو ~~بيوت آبائكم أو بيوت أمهاتكم? إلى أن قال تعالى: ?أو بيوت ~~خالاتكم?[النور:61] ، وقال: ?ورفع أبويه على العرش وخروا له ~~سجدا?[يوسف:100] وإنما كانت خالته. # وقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم : ((الخالة والدة، والخال والد يرث ~~ماله ويفك عانيه)). # وأما قولك: لو كان الله اختار لهن لكانت آمنة أم النبي أقربهن رحما، فهل ~~أنبأتك أن الله اختار لهن أو لأحد من خلقه ذكرا أو أنثى على قرابته فتحتج ~~علي به؟ # ما اختار الله أحدا من خلقه ولا اختار له إلا على السابقة والطاعة، وكانت ~~هذه حالة أبي علي بن أبي طالب، وأمي فاطمة بنت محمد لم يكفرا بالله قط، ~~ولذلك قال الله تعالى لإبراهيم: ?إني جاعلك للناس إماما...?[البقرة:124] ~~إلى آخره. # وأما فاطمة بنت عمرو أم أبي ms017 طالب وعبد الله والزبير وولادتها آبائي، فكيف ~~أنكرت ذلك وأنت تحتج بالعصبة والعمومة، ولم يجعل الله للعباس من قرابة ~~العمومة شيئا لم يجعله لأبي طالب، وأما قولكم: إنكم حزتم بأبيكم ميراث رسول ~~الله دوننا! فأخبرني أي الميراث حازه العباس لكم دوننا، الخلافة دون المال، ~~أو المال دون الخلافة، أو الخلافة والمال معا؟ PageV01P395 # فإن قلت: الخلافة دون المال فيجب على هذا القياس أن تقسم الخلافة على قسم ~~المواريث للذكر مثل حظ الأنثيين، فالولد أحق بها من العم، والعم أولى من ~~ابن العم، فإن جاز ذلك فلم ورثتها دون عمومتك، وهم أولى بالكبر منك، ومن ~~أخيك، ولم ورثت أخاك دون ولده...إلى كلام طويل. # وذكر في آخر هذا الكتاب: # ولست أراه يسعني إلا مجاهدتك، فإن الله أراح منك وعجل النقمة من حزبك ~~وأشياعك في عاجل الدنيا فذاك ظني به، وإن يؤخرك فإن موعدك الساعة ?والساعة ~~أدهى وأمر?[القمر:46] ، وأنا على بصيرة من أمري، وماض على ما مضى عليه سلفي ~~وأشياعهم الذين ذكرهم الله فقال: ?من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله ~~عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر?[الأحزاب:23] ولا حول ولا قوة إلا ~~بالله العلي العظيم، ?وما لنا ألا نتوكل على الله وقد هدانا سبلنا ولنصبرن ~~على ما آذيتمونا وعلى الله فليتوكل المتوكلون?[إبراهيم:12]. # [14] حدثنا أبو العباس بإسناده عن ابن عباس، قال: قال رسول الله: ((أول ~~شيعة يدخلون الجنة أنا وحمزة وجعفر وعلي والحسن والحسين والمهدي محمد بن ~~عبد الله)). PageV01P396 ### || [استشهاده (ع)] # [15] قال مؤلف هذا الكتاب أبو الحسن: وحدثني السيد أبو الفضل يحيى بن ~~الحسين أيده الله بطاعته أن أبا جعفر وجه عيسى بن موسى في أربعة آلاف رجل، ~~وقال:إنك سترد على حرم رسول الله وجيران قبره، فإن قتل محمد أو أخذ أسيرا ~~فلا تقتل أحدا وارفع السيف، وإن طلب محمد الأمان فاعطه، وإن قاتل واشتمل ~~عليه أهل المدينة فاقتل من ظفرت به منهم. # فلما بلغ محمدا مسيره خندق على المدينة خندقا على أفواه السكك، فقاتلهم ~~عيسى بن زيد بن علي، ومحمد جالس على ms018 المصلى، ثم جاءهم فباشرهم القتال ~~بنفسه، فلما اقتتلوا ساعة انهزم أصحاب محمد وتفرقوا عنه، فلما رأى ذلك رجع ~~إلى دار مروان فصلى الظهر واغتسل وتحنط، وكان ذلك لسنة خمس وأربعين ومائة، ~~يوم السبت لاثنتي عشرة ليلة خلت من رمضان ، فجثى محمد على ركبتيه، فجعل ~~يقاتل ويذب بسيفه عن نفسه، وصابرهم إلى العصر ومعه ثمانون رجلا، ثم قتل ~~بيده اثني عشر رجلا، ثم عرض له رجل فضربه على ذقنه فسقطت لحيته على صدره ~~فرفعها بيده وشدها، ثم رمي بنشابة في صدره، وحملوا عليه من كل جانب، فقتل ~~رضي الله عنه وصلى على روحه، وحمل رأسه إلى عيسى بن موسى، وانهزم بقية ~~أصحابه فأرسلت فاطمة بنت محمد وأخته زينب بنت عبد الله إلى عيسى [أن] قد ~~قضيتم حاجتكم منه فأذنوا لنا في دفنه. # فأذن لهم، فدفنوه بالبقيع وبعث برأسه مع ابن أبي الكرام إلى أبي جعفر ~~لعنهما الله ولا رحمهما. PageV01P397 ### | [(12)الإمام إبراهيم بن عبد الله بن الحسن(النفس الرضية)] (97 - 145 ه / 716 - 763 م) PageV01P398 ### || [خروجه وبيعته (ع)] # [16] حدثنا أبو العباس الحسني رحمه الله قال:حدثنا أبو القاسم عبد العزيز ~~بن إسحاق ، قال: حدثنا أبو الحسن على بن عبد الله بن الحسن البصري قال: ~~حدثتني «جدتي» أم أبي واسمها عفيفة بنت مهاجر قالت: رأيت إبراهيم بن عبد ~~الله بن الحسن صلوات الله عليه يوم ظهر بالبصرة ومعه الناس فمر بباب دارنا ~~في المربد ، قالت: فرأيت رجلا آخذ بعنان فرسه، فقال له: يابن رسول الله ~~اتفل في يدي أمسح بها وجهي عسى الله أن يصرف وجهي عن النار. # قالت: فقال له إبراهيم عليه السلام: خل يدك عن عنان الفرس، إنما تجزى ~~بعملك، إنما تجزى بعملك. # [17] حدثنا أبو العباس الحسني بإسناده عن جعفر بن إبراهيم الجعفي قال: ~~لما كان إبراهيم بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب صلوات ~~الله عليه وآله يقاتل الطغاة بباخمرى سمع رجلا من الزيدية، وقد ضرب رجلا من ~~القوم على رأسه وقال: خذها إليك وأنا الغلام الحداد، ms019 فقال إبراهيم عليه ~~السلام: لم تقول أنا الغلام الحداد؟ قل: أنا الغلام العلوي، فإن إبراهيم ~~عليه الصلاة والسلام قال: ?فمن تبعني فإنه مني?[إبراهيم:36] ، فأنتم والله ~~منا ونحن منكم لكم مالنا وعليكم ما علينا. # [18] قال: وحدثنا أبو العباس بإسناده قال:قيل لإبراهيم بن أبي يحيى ~~المدني: قد رأيت محمدا وإبراهيم ابني عبد الله بن الحسن صلوات الله عليهما، ~~فأيهما كان أفضل؟ # فقال إبراهيم بن أبي يحيى: والله لقد كانا فاضلين شريفين كريمين عابدين ~~عالمين زاهدين، وقد كان إبراهيم يقدم أخاه محمدا عليه السلام ويفضله، وكان ~~محمد عليه السلام يعرف لإبراهيم فضله، وقد مضيا شهيدين صلوات الله عليهما . PageV01P399 ### || [جهاده واستشهاده (ع)] # [19] حدثنا أبو العباس بإسناده عن المفضل الضبي قال: خرجت مع إبراهيم بن ~~عبد الله بن الحسن عليهم السلام فلما صار بالمربد وقف على باب سليمان بن ~~علي، فأخرج إليه صبيان من ولده فضمهم إليه، وقال:هؤلاء والله منا ونحن ~~منهم، إلا أن آباءهم غصبونا أمرنا، ثم توجه لوجهة وتمثل: # مهلا بني عمنا ظلامتنا .... إن بنا سورة من الغلق # لمثلكم تحمل السيوف ولا .... تغمز أحسابا من الرقق # إني لأنمي إذا انتسبت إلى .... عز عزيز ومعشر صدق # بيض سباط كأن أعينهم .... تكحل يوم الهياج بالعلق # قال المفضل: فقلت له: ما أفحل هذه الأبيات، فلمن هي جعلني الله فداك؟ # قال: لضرار بن الخطاب تمثل «بها» يوم جزع الخندق على رسول الله وتمثل بها ~~أمير المومنين علي بن أبي طالب صلوات الله عليه يوم صفين، وتمثل بها الحسين ~~بن علي صلوات الله عليه يوم قتل، وتمثل بها زيد بن علي عليه السلام يوم ظهر ~~يوم السبخة، وتمثل بها يحيى بن زيد يوم الجوزجان، ونحن اليوم نتمثل بها، ~~قال: فتطيرت من تمثله بأبيات ما تمثل بها إلا قتيل. # قال: ثم مضى، فلما قرب من باخمرى اتصل به قتل أخيه محمد صلوات الله عليه فقال: # نبئت أن بني ربيعة أزمعوا .... أمرا «تحلى» لهم لتقتل خالدا # إن يقتلوني لا تصب رماحهم .... ثأري ويسعى القوم سعيا جاهدا # أرمي الطريق وإن رصدت ms020 بضيقة .... وأنازل البطل الكمي الحاردا # قال: فقالت له:جعلني الله فداك لمن هذه الأبيات؟ # قال: للأحوص بن كلاب ، تمثل بها يوم شعب جبلة ، وهو اليوم الذي لقيت فيه ~~قيس تميما. # قال المفضل: وأقبلت عساكر أبي جعفر (غضب الله عليه) فقتل من أصحابه، وقتل ~~من القوم، وكاد أن يكون له الظفر، وكشفت ميمنته والقلب فتمثل : # أبى كل ذي وتر يبيت بوتره .... ويمنع منه النوم إذ أنت نائم # أقول لفتيان كرام تروحوا .... على الجرد في أفواههن الشكائم # قفوا وقفة من يحيا لايخز بعدها .... ومن يخترم لا تتبعه الملاوم PageV01P400 قال: ثم كر فطعن رجلا وطعنه آخر، فقلت له: جعلني الله فداك تباشر الحرب ~~بنفسك والعسكر منوط بك؟! فقال لي: إليك عني يأ أخا بني ضبة ، كأن عويفا أخا ~~بني فزارة كان ينظر إلينا في يومنا هذا، وأنشد: # ألمت سعاد وإلمامها .... أحاديث نفس وأسقامها # يمانية من بني مالك .... تطاول في المجد أعمامها # وإن لنا أصل جرثومة .... ترد الحوادث أيامها # ترد الكتيبة مذمومة .... بها أفنها وبها ذامها # قال: وجاء سهم غائر فشغله عني . # [20] حدثنا أبو العباس الحسني بإسناده عن المفضل الضبي، قال: كنت مع ~~إبراهيم بن عبد الله بن الحسن صلوات الله عليه واقفا يوم قتل، فقال لي: ~~حركني بشيء، فأنشدته: # ألا أيها الناهي فزارة بعدما .... أجدت بسير إنما أنت حالم # أبى كل ذي وتر يبيت بوتره .... ويمنع منها النوم إذ أنت نائم # قفوا وقفة من يحيا لا يخز بعدها .... ومن يخترم لا تتبعه اللوائم # قال: فقال لي: أعده، فانتبهت وندمت على إنشادي إياها، فقلت: أو غير ذلك، ~~فقال: لا بل أعده، فأعدته، فكان آخر العهد به صلوات الله عليه. # [21] وحدثنا أبو العباس الحسني بإسناده عن المفضل الضبي، قال: جعلت ~~الزيدية تحمل بين يدي إبراهيم بن عبد الله بن الحسن صلوات الله عليه ~~ويقولون:نحن الزيدية وأبناء الزيدية. # قال: فسمعت إبراهيم عليه السلام «يقول لهم»: رحمكم الله اسم هو أحسن من ~~اسم الإسلام؟! ألا فقولوا نحن المسلمون وأبناء المسلمين . # قال المفضل: وأصيب إبراهيم بسهم فطافت به الزيدية، ms021 وجعلوا يبكون ويقولون: ~~أردنا أن تكون إماما أردنا أن تكون ملكا، وأراد الله أن تكون شهيدا، ~~ويقبلون يديه ورجليه . # [22] حدثنا أبو العباس بإسناده عن مسعدة بن زياد العبدي، قال: لما أصيب ~~إبراهيم بن عبد الله بن الحسن عليه السلام وجاء ذلك «اليوم» إلى أهل ~~المدينة، قال الطالبيون: مضى والله على منهاج آبائه، ونزل منازلهم. PageV01P401 # قال مسعدة بن زياد: وسمعت جعفر بن محمد عليه السلام وقد قيل له: قتل ~~إبراهيم بن عبد الله بن الحسن، فقال : مضى شهيدا، أحب الله جل ثناؤه أن ~~يكون شهيدا، الحمدلله الذي بلغه ما أمله في نفسه. # [23] «وحدثنا السيد» الفضل يحيى بن الحسين: وأقام إبراهيم بن عبد الله ~~بالبصرة، فلما كان ليلة الفطر أتاه خبر قتل محمد، فكتمه حتى شاع في الناس، ~~وقدم عليه الحسين وعيسى ابنا زيد بن علي من المدينة فخرج إلى المسجد فصلى ~~بالناس وخطب وقرأ: ?وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل...?الآية[آل ~~عمران:144]، «ثم نزل» وجلس للتعزية، فعزاه الناس. PageV01P402 ### || [تجهيز أبي جعفر السفاح جيشا لقتال صاحب الترجمة] # فلما فرغ أبو جعفر من محمد بن عبد الله جهز جيشا ينفذه إلى البصرة وضم ~~إليه سلم بن قتيبة، فبلغ إبراهيم انفصالهم، فأجمع للمسير إليهم، فقال له ~~المضاء بن القاسم : لا تفعل، وأقم مكانك ووجه الجنود، فأبى وسار نحوهم ~~بنفسه ، واستخلف ابنه الحسن بن إبراهيم على البصرة. # فلما انتهى إبراهيم يريد عيسى بن موسى، ومع إبراهيم أحد عشر ألفا ~~وسبعمائة فارس والبقية رجالة فتأهبوا للقتال، وقاتلوا، وصبر الفريقان ~~واقتتلوا قتالا شديدا، وانهزموا وقد استعلوا على أصحاب عيسى، أدركهم جعفر ~~بن سليمان من خلفهم وحمل على أصحاب إبراهيم فانهزم أصحاب إبراهيم وأخذوا ~~يمنة ويسرة، فجاء بشير الرحال إلى إبراهيم، فقال: ما ترى؟ قال إبراهيم: قد ~~ذهب الناس، ومن رأيي مصابرة القوم إلى أن يحكم الله في أمره ونادى أصحابه، ~~فاجتمع إليه نفر من أصحابه، فاقتتلوا أشد قتال، فقتل إبراهيم رحمة الله ~~عليه وجماعة معه. PageV01P403 ### || [رأي شعبة في صاحب الترجمة والخروج معه] # [24] حدثنا أبو العباس ms022 الحسني بإسناده عن نصر بن حماد قال: جاء قوم إلى ~~شعبة فسألوه عن إبراهيم بن عبد الله بن الحسن بن الحسن عليه السلام وعن ~~القيام معه، فقال: وتسألوني عن إبراهيم صلوات الله عليه وعن القيام معه، ~~تسألوني عن «أمر قام به» إبراهيم بن رسول الله والله لهي عندي بدر الصغرى. # [25] حدثنا أبو العباس الحسني بإسناده عن نصر بن حماد قال: سمعت شعبة ~~يقول حين ظهر إبراهيم بن عبد الله بن الحسن عليهم السلام : قال رسول الله: ~~((أهل بيتي في أمتي بمنزلة النجوم، كلما أفل نجم طلع نجم آخر مكانه)). # [26] حدثنا أبو العباس بإسناده عن نصر بن حماد البجلي، عن شعبة أنه قال ~~حين جاء قتل إبراهيم بن عبد الله عليه السلام: لقد بكى أهل السماء على قتل ~~إبراهيم بن عبد الله عليه السلام «فإنه» كان من الدين لبمكان. # [27] حدثنا أبو العباس بإسناده عن عمر بن محمد بن إسحاق قال: سألت الحسن ~~بن إبراهيم بن عبد الله بن الحسن عليهم السلام : كم كان بين مقتل عمك محمد ~~بن عبد الله وبين مقتل أبيك صلوات الله عليهما؟ # فقال الحسن: قتل أبي عليه السلام بعد عمي بشهرين وأيام، وحز رأسه وحمل ~~إلى أبي الدوانيق لعنه الله ودفن بدنه الزكي بباخمراء. PageV01P404 ### | [(13) الإمام عبد الله بن محمد بن عبد الله بن الحسن (الأشتر)] (118 - 151 ه / 736 - 768 م) PageV01P405 ### || [سبب خروجه وبيعته (ع)] # خرج عبد الله بن محمد بن عبد الله المعروف بالأشتر على أبي الدوانيق في ~~آخر خلافته بالسند وأرض كابل ونواحيها، وكان سبب ذلك أنه كتب عبد الجبار بن ~~عبد الرحمن صاحب خراسان إلى محمد بن عبد الله (النفس الزكية): أنفذ إلي بعض ~~ولدك أدعو لك، وكان عبد الجبار هذا من قواد أبي مسلم صاحب الدولة الذي كان ~~زوال ملك بني أمية على يديه، وعبد الجبار هذا من أهل خراسان «من خزاعة» ، ~~وكان أبو جعفر قد ولاه خراسان، فضبط خراسان كلها، ثم هم أبو الدوانيق بعزله ~~وقتله، وكان عبد الجبار قد بايع محمد ms023 بن عبد الله، وكتب إليه أنه تائب نادم ~~على ما كان منه، وأن أنفذ إلي بعض ولدك أو ولد إخوتك، فأنفذ إليه عبد الله ~~بن محمد بن عبد الله المعروف بالأشتر في أربعين رجلا أو خمسين من أصحابه من ~~أهل العراق إلى مدينة هراة، وقبل وصوله إلى عبد الجبار بن عبد الرحمن خرج ~~عبد الله بن محمد بن عبد الله إلى السند وبقي بها أربع سنين، ودعا الناس ~~إلى الإسلام فأسلم على يديه خلق كثير وعلى السند من قبل أبي الدوانيق هشام ~~بن عمر التغلبي، فوقع بينهم قتال شديد، فأراد أن يخرج من السند إلى خراسان، ~~وقتل بين الفريقين زهاء ثلاثة آلاف رجل، وكان بينهما قدر خمسين وقعة في ~~مقدار سنة، وقتل عبد الله بن محمد بن عبد الله في الحرب. PageV01P406 ### || [استشهاده ونعته] # وكان يوم قتل ابن ثلاث وثلاثين سنة ، وكان أدم اللون، مديد القامة، صبيح ~~الوجه، تام الخلق، يقاتل فارسا وراجلا، وقتل في سنة إحدى وخمسين ومائة في ~~شعبان بعد أبيه بخمس سنين، وله عقب بالكوفة ، وقد روي أنه قتل سنة اثنتين ~~وخمسين ومائة في رجب، ثم رد أهله وولده بعد موت أبي الدوانيق لعنه الله إلى ~~الكوفة، وعقبه بها إلى الآن، فهذا قتل في الحرب في أرض السند. # وأخوه علي بن محمد بن عبد الله أخذ بمصر وحمل إلى أبي الدوانيق، فقتله في ~~السجن بالعراق. PageV01P407 ### | [(14) الحسن بن إبراهيم بن عبد الله (ابن النفس الرضية)] ### || [خروجه ونص دعوته] # [28] قال أبو العباس الحسني رضي الله عنه أخبرني الثقات بدعوة الحسن بن ~~إبراهيم. # بسم الله الرحمن الرحيم. من آل ياسين إلى جماعة المسلمين .. سلام عليكم، ~~أما بعد: # فلولا اعتبارنا بأبينا، وحفظنا لأولنا، وتمسكنا بوصية نبينا صلى الله ~~عليه وآله وسلم والقيام بأمر الله تعالى، والأمر بالمعروف والنهي عن ~~المنكر، والدعاء إلى سبيل الحق إذ عصي الله في أرضه، وحكم في عباده بغير ~~كتابه وسنة نبيه، ماخرجنا يترى بعضنا في أثر بعض على أي حين وفي أي زمان ~~على هوان من الناس ms024 وشدة من الأمر في قلة من العدد، وكثرة من العدو، وخذلان ~~من الناس، يدعو آخرنا إلى دعوة أولنا ويقتدي حينا بميتنا، سراعا إلى الله ~~وقدما في سبيله، وحججا على خلقه، ولعلهم ينتهون. # لم ننظر إلى كثرة عدونا وقلة من تبعنا، صدقا عند اللقاء صبرا عند الموت، ~~لانفارق ألويتنا، ولا ظلال رماحنا، حتى نمضى إلى ما أمرنا به، وننتجز ما ~~وعدنا به من ثوابه غير شاكين ولا مرتابين لا نخشى إلا الله، أما والله صدقا وبرا. PageV01P408 # أيها الناس لقد ضللتم بخذلانكم لنا، وصدفكم عن الحق، فلم تهتدوا بهدينا، ~~ولم تقتدوا إلا بغيرنا، إثرة للدنيا وحبا لها، وركونا إليها، إذ أخرجتم ~~الأمر عن أهله، وجعلتموه في غير محله، فأصبحتم في فتن كقطع الليل المظلم ، ~~مع غير إمام هدى، ولا علم يرى، فقد تفرقت جماعتكم بعد ألفتها، وتصدعت سبلكم ~~بعد انتهائها بإيلاء حكم الظلم والجور والأثرة علينا، منعتمونا سهمنا، وما ~~جعله الله في كتابه لنا، فصار لغيركم ولغيرنا، يقتدي الخلف منكم بالسلف، ~~ويولد مولودنا في الخوف، وينشأ ناشئنا في الغربة، والفقر، ويموت ميتنا ~~بالقتل والذل والصلب، وأنواع المثلات، عمل قوم فرعون في بني إسرائيل، تذبح ~~أبناؤهم لخشية آبائهم، وتستحيا نساؤهم، فهذا حالنا فيكم وبين أظهركم، ~~افتخرت قريش على العرب بأن محمدا قرشي، وافتخرت العرب على العجم بأن محمدا ~~عربي، حتى إذا تمت لقريش النعمة، وللعرب الفضيلة بما سألوا الناس من حقنا ~~أخرونا، وتقدموا، ورأوا لأنفسهم من الفضل علينا مالم يروه لغيرهم من سائر ~~الناس من حقنا، وقالوا: نحن أحق وأولى بتراث نبي الله وسلطانه، فلا هم ~~أنصفونا من أنفسهم إن كان هذا الأمرللقرابة؛ إذكنا أقرب الناس منهم، ولا ~~أنصفنا الناس إن أجازوا مع القرابة لمن هو أبعد رحما ولعمري لو رجت قريش ~~الظهور في البلاد والتمكن بغير التوحيد وتصديق محمد الصادق وما أنزل عليه، ~~والخروج إلى عبادة الأوثان لكتبوا أساطير أهوائهم وأمنية نفوسهم، ثم أظهروا ~~ما في قلوبهم من النفاق والتكذيب، ولكنهم علموا أنهم لايسوغ لهم ذلك ~~ولايستقيم ما طلبوا من التملك والجبرية ms025 إلا بتصديق محمد صلى الله عليه وآله ~~وسلم وإظهار التوحيد، فأظهروا دعوة الإسلام وأسروا النفاق، فتلك آثارهم ~~تنبئ عنهم، وأحكامهم تخالف دعواهم ولو كانوا على شيء من الأمر لحفظوا محمدا ~~صلى الله عليه وآله وسلم في ذريته، ولم يستأثروا عليهم بفيئهم وخمس ما أفاء الله PageV01P409 عليهم، ثم هذا مع تعطيل الأحكام وتغيير الأقسام وإضاعة الحدود؛ وأخذهم ~~الرشا، واتباعهم الهوى، فالله الله أيها الناس ارجعوا إلى الحق وأجيبوا ~~إليه أهله، لاتغرنكم الآمال فإن الآمال هي الاستدراج، قال الله عز وجل: ~~?سنستدرجهم من حيث لا يعلمون، وأملي لهم إن كيدي ~~متين?[الأعراف:182،183][القلم:44،45]، فقد أملي لمن كان قبلكم من الأمم ثم ~~أخذوا وكانوا في إملائهم إذا أحدثوا لله معصية جدد الله لهم عليها نعمة، ~~«فبذلك» اغتروا واجترؤوا، فبغتهم الله بالعذاب من حيث لم يشعروا فما أغنى ~~عنهم كيدهم وما كانوا يجمعون، وقد قص الله عليكم ما ارتكبت بنو إسرائيل وما ~~حل بهم من سخط الله وعذابه، فتوبوا إلى الله أيها المسلمون وأجيبوا إلى ~~الحق دعاتكم، فلسنا نريد بما ندعوكم «إليه» ملكا نقهركم به، ولا مالا ~~نستأثر به عليكم ولاندعوكم إلا لإقامة أودكم وإماتة البدع وإحياء السنن ~~وحكم الكتاب، لترجع ألفتكم وتكونوا إخوانا؛ وعلى أمر الله أعونا؛ فأبصروا ~~رشدكم قبل أن تقول نفس ?ياحسرتا على ما فرطت في جنب الله وإن كنت لمن ~~الساخرين، أو تقول لو أن الله هداني لكنت من المتقين، أو تقول حين ترى ~~العذاب لو أن لي كرة فأكون من المحسنين?[الزمر:56-58]. # وفقنا الله وإياكم لمحابه وجنبنا وإياكم معاصيه، انصروا الله ينصركم. ~~والسلام. PageV01P410 ### || [مطاردته وسجنه] # فاجتمعت الشيعة إلى الحسن عليه السلام ودعوا الناس إلى مكاتفته على ~~الدعاء إلى الحق، وكان مستترا بالبصرة، والشيعة تلقى بعضها بعضا بأسبابه، ~~فسعى به قرين بن يعلى الأزدي إلى أبي جعفر، فأعطاه ثلاثة آلاف درهم، وأرسل ~~معه مرغيد النصراني في جماعة من الأعوان، وكتب إلى صاحب البصرة في السمع ~~لهم والطاعة، فأقبلوا حتى نزلوا البصرة، وأقبل مرغيد يظهر العبادة والتأله ~~ومذهب الشيعة، ومضى قرين إلى الحسن فأخبره ms026 خبره، وعرف بينه وبين الشيعة، ~~فجعلت الشيعة تصف نسكه للحسن حتى كان الحسن مشتهيا للقائه، ومرغيد مع ذلك ~~لا يدع صلة الحسن بالأموال، ويقول:استعن بها على أمرك، وكلما كتب إليه ~~الحسن كتابا وضعه على عينه وأكل ختمه؛ يريه بذلك في رأي العين ~~التبارك...إلى أن قالت له الشيعة يوما: إن الحسن يشتهي لقاءك، فقال: أخشى ~~أن أشهر نفسي، ولكن أنا في حجرة فلو جاءني مع هذا وأومى إلى قرين رجوت أن ~~يكون أغبى لأمره، فأجابته الشيعة إلى ذلك، وعمد مرغيد فهيأ القيود والرجال، ~~فلما وافاه الحسن قيده وحمله من ساعته إلى أبي جعفر على البريد، فلما وصل ~~إليه الحسن أمر بحبسه وبعث عميرا مولاه، فأخذ قرينا وأخاه فعذبهما حتى ~~قتلهما. # فقال في ذلك بعض الشيعة: # حمدت الله ذا الآلاء لما .... رأيت قرين يحمل في الحديد # ثم إن سليمان بن الجنيد الطحاوي الصيقل عمل في خلاص الحسن بعد وفاة أبي ~~جعفر من السجن، وقد كان الحسن دفع إلى سليمان ابنه وابنته فسماهما بغير ~~اسميهما ورباهما، وكان اسم ابنه عبد الله، «واسم» ابنته خديجة، فلما أفضت ~~الخلافة إلى الملقب بالمهدي أطلق كل من كان في حبوسه غير الحسن ورجل من آل ~~مروان، وقال سليمان للحسن:قد كنت أظن أنك ستطلق، فما أرى القوم مخرجوك ما ~~دمت حيا، ولو كان ذلك في أنفسهم لأخرجوك مع من قد أخرجوا، فهل لك «في» أن ~~أعمل في إخراجك فتخلص إن قدرت على ذلك؟ قال: على اسم الله. PageV01P411 # قال سليمان: فأتيت يعقوب بن داود فشاورته في ذلك فقال لي: اعمل، فإنها فرصة ~~يمكن فيها العمل. # قال: فخرجت إلى أصحابي الزيدية فيهم أبو الحوراء، وكان فاضلا وصاح ~~بالمهدي يوما وهو يخطب: # ?ياأيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون، كبر مقتا عند الله أن ~~تقولوا ما لا تفعلون?[الصف:2، 3]. # فأمر به فأدخل عليه، فقال:ما حملك على ما جاء منك؟ # قال له: قول الله تعالى: ?وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه ~~للناس ولا تكتمونه?[آل عمران:187] فاتق الله. # قال: ويلك من ms027 أنت؟ # قال: رجل من المسلمين أمرتك بمعروف فاعرفه، ونهيتك عن منكر فأنكره. # قال: فضربه بعمود كان معه حتى غشي عليه عامة النهار، ودفعه إلى الربيع، ~~وهؤلاء الذين كانوا من الزيدية، فقال لهم سليمان: كونوا على عدة، فإني أريد ~~أن أنقب على هذا الرجل. # فأجابوه بأجمعهم، واحتالوا حتى نقبوا المطبق وانفتح الحصن، وخرج الحسن ~~وعليه كساء أسود، وقد ضرب شعره منكبيه، وكان علاجهم في النقب نصف النهار ~~لما أراد الله من إطلاقه وتسهيل أمره، فبعث موسى بن زياد في «استئجار» ~~حمار، فأبطأ فأقبلت أنا والحسن نمشي ويتعقل لا يستطيع المشي، والناس ~~يستحثونه، فقال: لست أقدر على الخطو. # فقالوا: أجهد نفسك واحمل عليها، ففعل، فلما انتهوا إلى قريب من الجسر أتي ~~بحمارين فركب ومن معه، ومضيا جميعا حتى دخل إلى منزل كان في خان الشاهين، ~~فنزل وأتي بابنه عبد الله وهو لا يعرفه، فسلم عليه واعتنقا جميعا يبكيان ~~وسليمان يبكي، ثم تحمل بعد إلى الحجاز، فأقام بها على أمان المهدي؛ حتى هلك ~~عليه السلام. PageV01P412 ### | [(15) الحسين بن علي بن الحسن بن الحسن (صاحب فخ)] (128 - 169 ه / 745 - 785 م) PageV01P413 ### || [إخباره صلى الله عليه وآله وسلم بموضوع قتل الفخي] # [29] أخبرنا أبو العباس الحسني رضي الله عنه بإسناده عن رجالة، عن عبد ~~الله بن نمير رفع الحديث إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم انتهى إلى موضع فخ ، فنزل عن راحلته، وأمر أصحابه ~~فصفوا خلفه، فصلى بهم صلاة الجنازة، فسألوه عن ذلك، فقال: ((يقتل هاهنا رجل ~~من أهل بيتي في عصبة من المؤمنين، لم يسبقهم أهل بدر)). # [30] أخبرنا أبو العباس الحسني بإسناده عن رجالة -روايتين عن يعقوب بن ~~نصر بن أوس قال: أكريت من جعفر بن محمد عليه السلام من المدينة إلى مكة، ~~فلما ارتحلنا من بطن مر، قال لي: يا نصر، إذا انتهينا إلى فخ فأعلمني، قال: ~~قلت: أوليس تعرفه؟ قال: بلى، ولكني أخشى أن تغلبني عيني. # قال: فلما انتهينا إلى فخ دنوت من المحمل، فإذا ms028 هو نائم فتنحنحت، فلم ~~ينتبه، فحركت المحمل فانتبه، فجلس، فقلت: قد بلغت، فقال: حل محملي، فحللته، ~~ثم قال: حل القطار، قال: فنحيت به عن الجادة، وأنخت بعيره، فقال: ناولني ~~الإدواة والركوة، قال: فتوضأ للصلاة وأقبل ثم دعا، ثم ركب، فقلت: جعلت فداك ~~رأيتك صنعت شيئا، أفهو من المناسك؟ # قال: لا ولكن ((يقتل هاهنا رجل من أهل بيتي، «في عصابة» تسبق أرواحهم ~~أجسادهم إلى الجنة))، وذكر من فضلهم. PageV01P414 ### || [صفته وفضله] # [31] حدثنا أبو العباس الحسني بإسناده عن أحمد بن عبيد بن سليمان ~~الموصلي، قال: حدثني أبي، قال:كان علي بن الحسن بن الحسن أبوالحسين صاحب فخ ~~مجتهدا، حبس مع عمه عبد الله بن الحسن بن الحسن، فكانوا في محبس لا يرون ~~ضوءا ولا يسمعون نداء، فلم تكن معرفتهم أوقات الصلاة إلا بانقطاع تسبيح علي ~~وقراءته فيما بين كل صلاتين، فإنه كان فراغه منها عند وجوب كل صلاة. # فنشأ ابنه الحسين أحسن نشوء، له فضل في نفسه وصلاح وسخاء وشجاعة، فقدم ~~على المهدي فرعى حرمته وحفظ قرابته، ووهب له عشرين ألف دينار، ففرقها ~~ببغداد والكوفة على قرابته ومواليه ومحبيه. PageV01P415 ### || [خروجه من الكوفة وسفره إلى المدينة وبيعته] # وما خرج من الكوفة إلا بقرض، وما كسوته إلا جبة عليه وإزار كان لفراشه، ~~ثم قدم المدينة وأقام بها حتى ولي موسى الهادي، فأمر على المدينة رجلا من ~~ولد عمر بن الخطاب، فأساء إلى الطالبيين وسامهم خسفا فأستأذنه فتى منهم في ~~الخروج إلى موضع لبعض أمره، فأجله أجلا وأخذ به كفالة الحسين بن علي، فلما ~~مضى الأجل طالبه به فسأله النظرة فأبى، وغلظ عليه، وأمر بحبسه وأسمعه، فلما ~~أمسى قال: أأجلك هذه الليلة وأخلي سبيلك وآخذ عليك يمينا مؤكدة لتأتينى به ~~غدا، فحلف له على ذلك ليأتينه حتى يلقاه، وأضمر الخروج، فلما أعتم خرج إلى ~~البقيع، وجمع أهله وأعلمهم بما عزم عليه، فبايعوه. # قال أبو الحسن المدايني: كان مخرج الحسين بن علي صاحب فخ يوم السبت لبضع ~~عشرة من ذي القعدة، سنة تسع وستين ومائة، وكان رجلا سخيا ms029 متوسعا، لا يكبر ~~شيء تسأله إياه، وكان يأتيه ناس كثير، وكان يحمل على نفسه المؤن حتى أجحف ~~ذلك به، فصار إلى أن باع مواريثه في كل وجه كان له فيه شيء، وكان له عين ذي ~~النخيل، وكان ذو النخيل منزلا ينزله من خرج من المدينة إلى العراق، ومن قدم ~~من العراق إلى المدينة من الحاج وغيرهم، وكانوا يشربون من عين الحسين، ~~فتنافسها الناس وحرصوا عليها، فكان حسين يدان عليها، فلم ينزع عن الدين ~~فيها حتى صار عليه سبعون ألف دينار، وفي رواية أخرى تسعون ألف دينار، وأمسك ~~عنه عنده، فلم يكن يبايع، فبعث المعلا مولى المهدي فاشتراها منه بسبعين ألف ~~دينار، وكان غرماؤه قد وعدوه الصلح والوضيعة، فكتب صاحب البريد بمكة ~~والمدينة، فدعا المهدي بالمعلا فسأله عن العين وشرائه إياها، فأقر له به. # فقال الربيع: يا أمير المؤمنين هذه قوة الحسين بن علي على الإفساد، وهو ~~من لايؤمن على حدث يحدثه. PageV01P416 # فقال المهدي للمعلا:لا تحدث فيها حدثا، فدعا بشار البرقي فأتاه فأنفذه إلى ~~الحسين، فقدم به عليه، فلما وصل إلى المهدي سأله عن أمر العين وشراء المعلا ~~إياها، فأقر له به، ولم يختلف قوله وقول المعلا في أمرها. # وقال الحسين: يا أمير المؤمنين، والله ما بقيت لي خضراء ولا عذق غيرها ~~إلا صدقات علي والحسن والحسين، وإن علي الثمن الذي بعتها به، ولولا إلحاح ~~الغرماء ما بعتها. # فقال له المهدي: أتدان بسبعين ألف دينار، أما تتقي الله قد أهلكت نفسك. # فقال الحسين - وكان بليغا منطيقا: وما سبعون ألف دينار يا أمير المؤمنين ~~وأنا ابن رسول الله وابن عم أمير المؤمنين وشريكه في نسبه وشرفه؟ # فقال له المهدي: رد الله عليك عينك، وقضى عنك دينك. # ثم أقبل على عمر بن بزيغ فقال: يا عمر ادفع إليه سبعين ألف دينار، وأمره ~~بالانصراف إلى منزله، فلما خرج من عنده أقبل الربيع على المهدي فقال: أنشدك ~~الله يا أمير المؤمنين أن تثير على المسلمين من قبل هذا شرا، أما تسمع ~~كلامه، فمتى يملأ جوفه ms030 شيء، والله لئن وصل إليه هذا المال ليثورن عليك به، ~~فرجع عن ذلك وأمر له بمعونة عشرين ألف درهم. # وبلغ الخبر حسينا فكتب به إلى صديق له بالكوفة من جعف وإلى أخيه الحسن ~~وأهل بيته وعدة من غرمائه ووكلائه لما لم يتم ذلك البيع، وأعطاهم خمسة آلاف ~~درهم صلة لهم يتحملون بها، وعوضا من سفرهم، فانصرفوا إلى المدينة. PageV01P417 # قال: وأقام الحسين وكان ابن عمه علي بن العباس بن الحسن محبوسا عند المهدي، ~~وكان وجده ببغداد قد أوعد وبايع بها بشرا كثيرا، فوعد المهدي حسينا أن يدفع ~~ابن عمه إليه فأقام على وعده، وتوفي المهدي والحسين بن علي مقيما ببغداد ~~نازلا في دار محمد بن إبراهيم، فلما جاء نعي المهدي وضع الربيع على الحسن ~~الحرس والرصد، فلم يزل على ذلك حتى قدم أمير المؤمنين موسى من جرجان فذكر ~~له الربيع حسينا ومكانه، فدعا به فلما دخل إليه أذن له في الانصراف، فكلمه ~~في علي بن العباس، فأمر بتخليته، فشخص الحسين ولم يؤمر له بدرهم فما فوقه ~~فقدم الكوفة، فجاءه عدة من الشيعة في جماعة كثيرة، فبايعوه ووعدوه الموسم ~~للوثوب بأهل مكة، وكتبوا بذلك إلى ثقاتهم بخراسان والجيل وسائر النواحي، ~~وقدم الحسين المدينة ومعه ابن عمه علي بن العباس، وأمير المدينة عمر بن عبد ~~العزيز العمري من ولد عمر بن الخطاب، وكان إسحاق بن عيسى بن علي استخلفه ~~على المدينة حين شخص إلى موسى ليعزيه عن المهدي. PageV01P418 ### || [سخاءه (ع)] # [32] «حدثنا أبو العباس الحسني قال: حدثنا أبو زيد العلوي» قال: حدثنا ~~الحسين بن القاسم بن إبراهيم عليه السلام عن أبيه قال: قال لي أبي: عوتب ~~الحسين بن علي الفخي فيما يعطي، وكان من أسخى الناس العرب والعجم، ~~فقال:والله ما أظن أن لي فيما أعطي أجرا، وذلك أن الله تعالى يقول: ?لن ~~تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون?[آل عمران:92] ووالله ما هي عندي وهذا ~~الحصى إلا بمنزلة، يعني الأموال. # قال المدائني: وأخذ العمري الطالبيين بالعرض وضمن بعضهم بعضا، فضمن يحيى ~~بن عبد الله بن ms031 الحسن بن الحسن بن علي والحسين بن علي الحسن بن محمد بن عبد ~~الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب عليهم السلام فكانوا يعترضون ~~عرضا دائما واشتد عليهم العمري. # فلما أفطر الناس من رمضان ألح عليهم إلحاحا شديدا بالعرض على ذلك حتى ~~أهلوا هلال ذي القعدة، وقدم أوائل الحاج من المشاة وأصحاب الحمير، فنزلوا ~~بالبقيع، وقدم عدة من الشيعة الكوفيين نحوا من تسعين رجلا فنزلوا على دار ~~ابن أفلح بالبقيع، فأقاموا بها أياما فأنكرهم بعض الناس، ولقوا حسينا ~~وغيره، وبلغ ذلك العمري، فأنكره وأمر بعرضهم غدوة وعشية، وأن الحسن بن محمد ~~غاب عن العرض يومين، فلما انصرفوا من الجمعة دعا بهم للعرض، فلما دخلوا ~~المقصورة أمر بها فأغلقت عليهم، فلم يخرج منهم أحد حتى صلوا العصر ثم ~~عرضهم، فلما دعا باسم حسن بن محمد فلم يحضر قال ليحيى بن عبد الله والحسين ~~بن علي: لتأتياني به أو لأحبسنكما، فإن له ثلاثة أيام لم يحضر العرض، ولقد ~~خرج أو تغيب، فراداه بعض المرادة، وكان الحسين أبقاهما في الرد عليه، وأما ~~يحيى فإنه شتمه، فخرج حتى دخل على العمري، فأعطاه الخبر فدعا بهما العمري، ~~فوبخهما وتهددهما، فتضاحك الحسين في وجهه وقال: أنت مغضب يا أبا حفص؟ # فقال له العمري: وتهزأ بي أيضا وتخاطبني بكنيتي؟ PageV01P419 # فقال له: قد تكنى من هو خير منك أبو بكر وعمر، وكانا يكرهان أن يدعيا ~~بالولاية، وأنت تكره كنيتك وهي الكنية التي اختارها لك أبوك. # قال يحيى بن عبد الله لما بايعناه: خرجت على دابتي ركضا مسرعا حتى أتيت ~~حدبا وهو على ميلين من المدينة وبها موسى بن جعفر، وكان موسى شديد الغيرة، ~~فكان يأمر بإغلاق أبوابه والاستيثاق منها، فدققت بابه فأطلت حتى أجبت، ~~وخبرت باسمي فأخبر الغلمان بعضهم بعضا من وراء الأبواب وهي مقفلة حتى فتحت ~~وأذن لي، فدخلت، فقال: أي أخي في هذه الساعة؟! # قلت: نعم حتى متى لايقام لله بحق وحتى متى نضطهد ونستذل؟ # فقال: ما هذا الكلام!؟ # قلت: خرج الحسين وبايعناه، ms032 فاسترجع، قلت:جعلت فداك في أمرنا هذا شيء؟ ~~وانصرفت إلى الحسين، فلما أصبح جاء إلى مسجد رسول الله فصلى بالناس الصبح، ~~وبلغ العمري خبره، فزعم بعض أهل المدينة عنه أنه قال وقد نحب قلبه: أطعموني ~~ماء واردموا البغلة بالباب وهرب. وروي أنه حج من أهل واسط شيخ تلك السنة. PageV01P420 ### || [نماذج من كلامه] # قال: فلما قدمت المدينة رأيت للناس حركة أنكرتها، وأتيت مسجد رسول الله ~~وهو غاص بالناس، والحسين على المنبر يخطب، وهو يقول: أيها الناس، أنا ابن ~~رسول الله على منبر رسول الله أدعوكم إلى سنة رسول الله فقلت قولا أسره: ~~إنا لله وإنا إليه راجعون، ما يصنع هذا الرجل بنفسه، وبالقرب مني عجوز من ~~عجائز أهل المدينة، فنهرتني وقالت: تقول هذا لابن رسول الله! فقلت: يرحمك ~~الله، والله ما قلت هذا إلا للإشفاق عليه. # وروى النوفلي قال: حدثني محمد بن عباد البشري؛ وكان رجلا من خزاعة؛ فقال: ~~صليت صلاة الصبح في مسجد رسول الله خلف الحسين، فلما فرغ من صلاته صعد ~~المنبر وقعد على مقعد رسول الله وعليه قميص أبيض وعمامة بيضاء قد سدلها من ~~بين يديه ومن خلفه، وسيفه مسلول قد وضعه بين رجليه، وكان أهل الزيارة قد ~~كثروا في ذلك العام، وقد ملئوا المسجد، فتكلم وقال في كلامه: أيها الناس، ~~أنا ابن رسول الله وعلى منبره، أدعوكم إلى كتاب الله وسنة نبيه. # وفي غير هذه الرواية أنه قال في خطبته: أيها الناس، أتطلبون آثار رسول ~~الله في الحجر والمدر والعود وتمسحون بذلك، وتضيعون بضعة رسول الله. # [33] أخبرنا أبو العباس الحسني قال: أخبرنا ابن عافية، قال: حدثنا يحيى ~~بن الحسين العلوي، عن أحمد بن عثمان بن حكيم، قال: حدثنا عمي دينار بن ~~حكيم، قال: رأيت الحسين بن علي صاحب فخ عليه السلام على منبر رسول الله ~~يقول بعد أن حمد الله وأثنى عليه وصلى على النبي صلى الله عليه وآله وسلم : ~~يا أيها الناس أنا ابن رسول الله في مسجد رسول الله على منبر رسول الله ~~أدعوكم إلى كتاب ms033 الله وسنة نبيه والاستنفاذ مما تعلمون، ومد بها صوته. PageV01P421 # قال ابن عباد: وأقبل خالد البربري، -وكان مسلحة للسلطان بالمدينة- في ~~السلاح معه أصحابه حتى وافوا باب المسجد الذي يقال له:باب جبريل، فنظرت إلى ~~يحيى بن عبد الله قد قصده في يده السيف، فأراد خالد أن ينزل فبادره يحيى ~~بالسيف فضربه على جبينه وعليه البيضة والمغفر والقلنسوة، فقطع ذلك كله حتى ~~أطار قحف رأسه وسقط عن دابته، وشد على أصحابه فتفرقوا، وانهزموا. # قال أبو الحسن النوفلي: قال أبي: وكان محمد بن سليمان بن علي خرج في ذلك ~~العام حاجا، وكان الطريق مخوفا فاستعد بالرجال والسلاح، قال: وحج في ذلك ~~العام العباس بن محمد وسليمان بن أبي جعفر وموسى بن عيسى وهو على الموسم ~~وولاية مكة إليه، وحج فيمن حج مبارك التركي، فقصد المدينة ليبدأ بالزيارة، ~~ومعه جمع كثير، فلما قرب من المدينة دس إلى الحسين: أني والله ما أحب أن ~~أبلى بك، فابعث إلي جماعة من أصحابك ولو عشرة أناس يبيتون عسكري فإني ~~أنهزم، وستر الرسالة إليه بذلك وأعطاه على قوله عهودا، فأرسل إليه نفرا ~~فطوقوا عسكره وجعجعوا به وبأصحابه وصيحوا به، فخرج هاربا وابتغى دليلا يعدل ~~به عن المدينة حتى يصير بين مكة والمدينة، فورد على موسى بن عيسى فاعتذر ~~إليه في انهزامه بالبيات، ثم اجتمعوا في عسكر واحد. PageV01P422 ### || [خروجه إلى مكة] # وتهيأ الحسين في من بايعه، ودفع مالا إلى مولى لآل الحسين يقال له يوسف، ~~وكانت جدته مولاة فاطمة بنت الحسين، فأمره أن يكتري له ولأصحابه وهو يريد ~~في تقديره أن يسبق الجيوش إلى مكة، فأقام أياما ويوسف يخبره أن قد اكترى ~~له، ثم توارى، وذهب بالمال. # قال أبو الحسن النوفلي: فلما وقف الحسين على ما صنع يوسف طلب الكري فلم ~~يجده لضيق الوقت، فلم يزل يحتال للمال والإبل حتى وجد من ذلك ما وجد وقد ~~فاته الوقت، وتقدمت الجيوش مكة ممن خرج من الكوفة والبصرة وبغداد وخرج ومعه ~~ممن تبعه ومن أهل بيته زهاء ثلاثمائة رجل، فلما قربوا من ms034 مكة وصاروا إلى فخ ~~وبلدح تلقته الجيوش. PageV01P423 ### || [رواية أخرى] # رجعنا إلى رواية غيره فأتاهم إدريس بن عبد الله بن الحسن وأخوه سليمان ~~وعبد الله بن الحسن الأفطس وعلي بن إبراهيم بن الحسن بن الحسن فباتوا ~~ليلتهم، فلما كان من السحر خرجوا إلى المسجد وقد أذن من المؤذنين مؤذن ~~واحد، فحين أذن الثاني وبلغ التشهد أحس بهم فقطع الأذان لما سمع الأصوات، ~~وتوافوا في المسجد وهم خمسة وسبعون رجلا، الفاطميون منهم سبعة والباقون ~~ثمانية وستون. # فلما طلع الفجر دخل الناس المسجد من كل ناحية، فأقام يحيى بن عبد الله ~~الصلاة، وتقدم الحسين فصلى بالناس ثم انصرف إلى المنبر فخطب الناس ودعاهم ~~إلى البيعة فتفرقوا عنه ولم يعرج عليه أحد من أهل المدينة، ودخل ناس من أهل ~~خراسان وغيرهم فسمعوا مقالته، فمنهم من تقدم فبايعه ومنهم من لم يفعل. # قال: وتصايح الناس، واعتزل أجناد آل العباس واجتمعوا إلى خالد البربري ~~وهو يومئذ قائد الجند الذي بالمدينة، وكانوا مائتي رجل، وصار إليه وزير ابن ~~إسحاق الأزرق وكان على صوافي الخاصة، ومحمد بن واقد مولى أمير المؤمنين، ~~وكان شريكا للعمري في الأعمال، وإليه ديوان العطاء، فأقبل خالد البربري ~~فيمن معه وخرج معه حسن بن جعفر بن حسن بن حسن على حمار له حتى دخل المسجد ~~وأتى من موضع ناحية الجنائز، فحمل عليه أولئك المبيضة، فأمرهم الحسين بالكف ~~عنه وإخراجه من المسجد -يعني الحسن بن جعفر- وأقبل خالد البربري ومن معه من ~~ناحية بلاط الفاكهة، فخرج الحسين وأصحابه إلى رحبة دار القضاء، فجلس فيها ~~وجلس معه أصحابه إلا من تقدم منهم للقتال وهم زهاء ثلاثين رجلا، فإنهم ~~تقدموا في نحور أصحاب خالد فرموهم بالنشاب، وأقبل خالد راجلا سالا سيفه ~~يصيح بالحسين ويشتمه، ويقول: قتلني الله إن لم أقتلك. PageV01P424 # فلما دخل الرحبة وثب عليه يحيى وإدريس ابنا عبد الله، وبدره يحيى وكان شديد ~~الكف والذراع مجتمع القلب، فضربه على أنف البيضة فقطعه وخلص السيف إلى أنفه ~~وشرقت عيناه بالدم، وقد ضرب خالد يحيى بسيفه فأسرع في الترس ms035 حتى وصل إلى ~~إصبعه الوسطى والتي تليها من يده اليسرى، قال:ولما ثار الدم في عيني خالد ~~برك وعلواه بأسيافهما حتى برد، وأخذ إدريس درعين كانتا عليه وسيفه وعمود ~~حديد كان في منطقته، ثم جرا برجليه فطرحاه بالبلاط على باب مروان. # قال مصعب: وكان خالد متعلقا بستر من شعر يعتصم به، فإذا حمل عليه يحيى ~~تراجع، ثم يحمل هو على يحيى فيتراجع، وقد نال كل واحد منهما من صاحبه جرحا. # ثم إن إنسانا من أهل الجزيرة كان مع الطالبيين خرج مصلتا سيفه متوجها نحو ~~القتال، وخالد يراه ولم ير بأنه يقصده، فحمل خالد على يحيى وهو لايعلم ما ~~يريد الجزيري، فعطف عليه الجزيري من ورائه وهو لا يشعر فضرب ساقيه فعرقبه، ~~فنزع البيضة عن رأسه فضربه يحيى حتى قتله. # قال مصعب: وكان هذا الجزيري أشجع من كان معهم، وقطعت يداه ليلة المسايرة، ~~ثم قتل بفخ في المعركة، ثم دخل يحيى وإدريس ومعهما أولئك المبيضة، وعبد ~~الله بن الحسن الأفطس، فقتلوا من الجند الذين كانوا مع خالد في رحبة دار ~~يزيد ثلاثة عشر رجلا، وانهزم الناس وتفرقوا في كل وجه، والحسين جالس محتبي ~~ما حل حبوته. # قال: ولم يقم يومئذ سوق بالمدينة، قال: وركب إدريس في نحو من ثلاثين ~~«رجلا» من أولئك المبيضة، قد كانت الجراح فشت فيهم للرمي الذي نالهم ~~بالحجارة والنشاب، فداروا «ساعة» في المدينة فأشرف له رجل من بني مخزوم أو ~~غيره من قريش فسألوه الكف عنهم وعن غشيان دورهم ومنازلهم ففعل، ورجع إلى ~~الحسين فأخبره. # قال: وأقاموا ذلك اليوم، فلما كان الغد جاءهم عمر بن الحسن بن علي بن علي ~~بن الحسين، وإبراهيم بن إسماعيل بن إبراهيم بن الحسن بن حسن، وهو طبا طبا، ~~وحسن بن محمد بن عبد الله بن حسن. PageV01P425 # قال: ولزم أهل المدينة منازلهم، فلم يأتوا المسجد، ولم يصلوا فيه، وغدا ~~إليهم ذلك اليوم جماعة من موالي آل العباس وأحبائهم، وخرج معهم عبد الله بن ~~عثمان المخزومي، وعمرو بن الزبير وغيرهما، فقاتلوا المبيضة مراماة. # قال: ms036 وقد كان سليمان بن أبي جعفر مع موسى بن عيسى فتلقاهم الخبر فأقاموا، ~~وتقدم موسى بن عيسى في جماعة من مواليه حتى نزل بطن نخل، وأمر مبارك التركي ~~أن يمضي إلى المدينة، فنزل ببئر المطلب على خمسة أميال من المدينة، ثم أرسل ~~إلى أهل المدينة رسولا يقول:من كان يرى لأمير المؤمنين طاعة فليخرج إلى ~~مبارك، فخرج إليه زيد بن الحسن بن علي بن الحسين، وعلي بن عبد الله بن جعفر ~~وغيرهما من الناس، وجاءه العمري وابن واقد ووزير ابن إسحاق والمخزومي ~~فاجتمعوا إليه. # فقال مبارك لزيد بن الحسن: إن كنت جئت سامعا مطيعا تريد قتال القوم فقد ~~رأستك على هؤلاء فتقدم فقاتل. # فقال له زيد: والله ما أنصفتني تأمرني أن أقاتل بني عمي وإخوتي بين يديك، ~~وأنت متخلف لا تقاتل عن سلطانك وعن مولاك، ولكن يدك في يدي ويدي في يدك حتى ~~تعلم أجئت سامعا مطيعا أم لا. # فقال العمري وابن واقد لمبارك:صدقك الرجل وأنصفك، فتقدم أنت فإنه أحرى أن ~~يقاتل الناس معك إذا رأوك، وأن يخرج إليك من لا يجترئ على الخروج إذا لم ~~يرك «فأقبل مبارك معهم» واجتمع إليه خلق كثير حتى كانوا زهاء ثلاثة آلاف مع ~~من انضموا إليهم. # قال: فأقبل مبارك معهم، والمبيضة «نحو» أربعمائة رجل فيهم الخراساني ~~والكوفي والجبلي، وأقبل الآخرون كالمقتدرين عليهم فارتموا ساعة. # قال: وأتوهم من نحو دار يزيد، وخرج عليهم المبيضة، وقد أصلتوا سيوفهم، ~~فحملوا عليهم حملة محضة فقاتلوهم على باب الزوراء، وذلك يوم الإثنين لأربع ~~عشرة ليلة خلت من ذي العقدة. PageV01P426 # حتى انتصف النهار، ثم قال لهم مبارك:لابد من ا لراحة والقائلة، فلما تفرق ~~الناس عنه جلس على راحلته فلحق بموسى بن عيسى ببطن نخل فأعطاه الخبر، وذكر ~~له من أتاه ومن تخلف عنه، ومضى العمري وابن واقد ووزير ابن إسحاق الأزرق ~~فصاروا إلى معدن بني سليم حتى لقوا العباس بن محمد، وكان القوم بالربذة إلى ~~أن قدم عليهم مبارك، فمضوا جميعا يريدون مكة، فأقاموا بالمعدن ثلاثا وهموا ~~بالرجوع إلى العراق ms037 حتى ورد عليهم كتاب محمد بن سليمان يأمرهم بالمضي، فلما ~~ورد موسى غمرة ونزلها كتب إليهم منها أن العجل العجل، فتوافوا بغمرة، ~~وأمروا العمري بالانصراف نحو المدينة، وأن يكون مقيما على ليلة منها، فإذا ~~خرج منها الحسين دخلها «بعد خروجه». # وأقام الحسين بالمدينة وأصحابه في المسجد ودار مروان، ولزم أهل المدينة ~~منازلهم، وتركوا حضور المسجد لايجمعون معهم. # وخرجت الأشراف في اليوم الرابع من القتال فتسوقوا، دار الحاج ومر عظم ~~الناس من الحاج على طريق نجد وتركوا المدينة، وأخذ أهل الشام وأهل مصر على ~~الساحل إلى مكة، فأقاموا إلى أربع وعشرين ليلة مضت من ذي القعدة فكان عدة ~~أيام مقامهم بالمدينة ثلاثة عشر يوما، ثم توجهوا إلى مكة فتبعهم ناس من ~~الأعراب من جهينة ومزينة وغفار وضمرة وغيرهم، ولقيهم عبد الله بن إسحاق بن ~~إبراهيم بن الحسن بالأبواء، وكان غائبا ولم يكن حضر مخرجهم. # وترأس على العباسيين العباس بن محمد فهو يدبر أمرهم. # فلما قدموا مكة وجدوا بها من أحبائهم ومواليهم مع من قدم مع سليمان بن ~~علي، وبعث العباس العيون والطلائع، وأقبل الحسين في أصحابه، فلما كان بسرف ~~تلقته أوائل الخيل وجنح إلى العباس بن محمد مولى لمحمد بن سليمان كان مع ~~الحسين، فساروا حتى إذا صاروا بفخ تلقاهم العباس بن محمد بالخيل والرجال، ~~وكان ممن اجتمع إلى الطالبيين سبعمائة رجل فصفوا لهم على الطريق. PageV01P427 # قال: فدعاهم العباس إلى الأمان، وضمن للحسين قضاء دينه والأمان لمن معه من ~~أهل بيته، ولم يترك شيئا من حسن العرض إلا بذله، فأبى ذلك أشد الإباء. # قال مصعب: كان الرئيس سليمان بن أبي جعفر؛ لأنه كان على الموسم، فأمر ~~موسى بن عيسى بالتعبئة فصار محمد بن سليمان في الميمنة وموسى في الميسرة، ~~وسليمان بن أبي جعفر والعباس بن محمد في القلب. # فكان أول من بدأهم موسى، فحملوا عليه فاستطرد لهم شيئا حتى انحدروا في ~~الوادي، وحمل عليهم محمد بن سليمان من خلفهم وطحنهم طحنة واحدة. # وقال النوفلي: إنهم لما صاروا بفخ قدم موسى بن ms038 عيسى بين يديه محمد بن ~~سليمان، وقال له: قد عرفت فرارك وفرار أخيك من إبراهيم بن عبد الله، وإنما ~~تداري هؤلاء القوم وتبقي عليهم لأنهم أخوالك، فألهبه بذلك القول، فأقبل ~~محمد في خيله، ومن ضم إليه من الجند، فأرسل موسى إلى الحسين يخيره خصلة من ~~خصال ثلاث: أن يعطيه الأمان ويضمن له على الخليفة القطائع والأموال، أو أن ~~ينصرف إلى المدينة حتى ينقضي الحج، أو أن يهادن بعضهم بعضا فيدخل فيقف ~~ناحية ويقفون ناحية، فإذا انقضى الحج تناظروا، فإما كانوا سلما أو حربا. # فأبى ذلك كله وتهيأ للحرب ونقض هو وأصحابه الإحرام ونشبت بينهم الحرب ~~بفخ، فاقتتلوا قتالا شديدا أشد قتال أصحاب محمد بن سليمان وأصحابه وصبر ~~المبيضة فلم ينهزم منهم أحد، حتى إذا أتي على أكثرهم جعل أصحاب محمد بن ~~سليمان يصيحون بالحسين الأمان الأمان يبذلونه له، فيحمل عليهم ويقول: ~~الأمان أريد، حتى قتل وقتل معه رجلان من أهل بيته، ورمي الحسن بن محمد بن ~~عبد الله بن الحسن بنشابة فأصابت عينه، فجعل يقاتل أشد قتال والنشابة مرتزة ~~في عينه، فصاح به محمد: يا ابن خال اتقي الله في نفسك فلك الأمان. PageV01P428 # فقال: أتؤمنني على أن تمنعني ما تمنع منه نفسك؟ فأعطاه على ذلك العهود ~~والمواثيق، فألقى سيفه وأقبل نحوه، فأمر بالنشابة فنزعت من عينه، وأمر ~~بقطنة فغمست في دهن بنفسج وماء ورد ووضعت في عينه، وعصبت. # واستسقى، فأمر محمد أن يسقي سويق لوز بثلج، ثم أرسل إلى موسى بن عيسى ~~يخبره بأمره، فقال موسى «بن عيسى»: مانقطع أمرا من دون العباس بن محمد، ~~وكان العباس بن محمد متقدما لموسى بينه وبين محمد، فبعث إليه يستشيره في ~~أمره، فقال العباس: لا ولاكرامة أنت أمير الجيش وليس لمحمد إمرة يعطي فيها ~~أحدا أمانا. # ووجه بالرسالة إلى موسى مع ابنه عبد الله، فقال موسى:القول ما قال العباس ~~يقتل ولا ينفذ له أمان. # فجاء عبد الله يركض مسرورا بذلك، فلما صار حيث يرونه استعجل، فجعل يريهم ~~بيده أن قد أمر بقتله، وبعث ms039 العباس إلى محمد: «أن» ابعث به إلينا، فخذله ~~وبعث به، فأمر بضرب عنقه، فلما فرغ منهم انصرف الجيش إلى مكة. # قال: وكان موسى بن جعفر عليه السلام شهد الحج ذلك العام، فأرسل إليه موسى ~~بن عيسى ليحضر الأمر، فجاء متقلدا سيفه على بغل أو بغلة، فوقف مع موسى بن ~~عيسى حتى انقضى أمر القوم. # قال النوفلي: قال أبي: وكان سليمان بن عبد الله بن الحسن مضعوفا، فلما ~~انهزم من انهزم بعد أن قتل أكثر القوم انهزم، وصعد جبلا قريبا من موضع ~~الوقعة، فلما جاء ابن أخيه الحسن بن محمد بن عبد الله إلى محمد بن سليمان ~~في الأمان قال له: هذا ابن خالك سليمان بن عبد الله، وقد عرفت ضعفه وقد سلك ~~هذا الجبل، وأخاف أن يلقاه من يقتله، فإن رأيت أن ترسل إليه من يؤمنه ~~ويأتيك به. # فصاح محمد بخيله ويحكم الرجل في الجبل اذهبوا «إليه» فأعطوه الأمان، ~~وأتوني به، فصعدوا فقتلوه وجاءوا برأسه. PageV01P429 # وروى النوفلي -قال: حدثني شيخ من الشيعة- قال: كنت بمنى جالسا مع موسى بن ~~جعفر بن محمد، فإذا رجلان قد أقبلا أحدهما على برذون أدهم والثاني على ~~برذون أشهب، وفي يد كل واحد منهما رمح على أحد الرمحين رأس الحسين بن علي، ~~والأخر رأس الحسن بن محمد. # وروي: أن حماد التركي كان فيمن حضر وقعة الحسين صاحب فخ؛ فقال للقوم وهم ~~في القتال: أروني حسينا فأومئوا له إليه، فرماه بسهم فقتله، فوهب له محمد ~~بن سليمان مائة ألف درهم، ومائة ثوب. # وروى بعضهم قال: كنا بالعقيق فمرت بنا جماعة زهاء أربعين فيهم الحسين بن ~~علي متوجها نحو مكة، وإذا أصحابه قد خذلوه، وهو على بغلة له على رأسه برطلة ~~من الشمس وأخته بين يديه في قبة وحواليه الجماعة، وعليهم السلاح. # فلما كان من الغد خرج جواري أهل المدينة في العقيق، فإذا هذه قد جاءت ~~بدرع، وهذه ببيضة، وهذه بساعد، وإذا أصحابه قد خذلوه، فلما صاروا إلى ~~العقيق جعلوا ينزعون سلاحهم ويدفنونه في الرمل، وتفرقوا عنه كيلا ms040 يعرفوا، ~~وكان شعارهم ذلك اليوم: يا وفاء، جعلوا ذلك علامة بينهم وبين المبيضة الذين ~~عقدوا بينهم ماعقدوا من أهل الكوفة ليعرف كل رجل منهم صاحبه فينصره، فما ~~أتوهم ولا وافوهم ولا وفوا لهم به. PageV01P430 ### || [إخبار أمير المؤمنين (ع) بقتل الفخي] # وروي عن سفيان بن عيينة أنه حدث يوما بحديث علي بن أبي طالب عليه السلام ~~أنه قال: يأتيكم صاحب الرعيلة، قد شد حقبها بوضينها، لم يقض تفثا من حج ولا ~~عمرة، يقتلونه فتكون شر حجة حجها الأولون والآخرون . # فقال سفيان: هذا الحسين بن علي بن أبي طالب. # فقال له بعض من حضر: يا أبا محمد على رسلك، حسين بن علي خرج من مكة محلا ~~غير محرم متوجها إلى العراق، وإنما قال:لم يقض تفثا من حج ولاعمرة معه. # قال: فمن تراه؟ # قال: الحسين بن علي صاحب فخ. # قال: فأمسك سفيان ساعة، ثم قال: اضربوا عليه. # ويقال: إنه سمع على مياه غطفان كلها ليلة قتل الحسين بن علي هاتف يهتف ~~ويقول : # ألا يالقومي للسواد المصبح .... ومقتل أولاد النبي ببلدح # ليبكي حسينا كل كهل وأمرد .... من الجن إذلم تبكه الأنس نوح # وإني لجني وإن معرسي لب .... البرقة السوداء من دون زحرح # فسمعها الناس لايدرون ما الخبر حتى أتاهم قتل الحسين. # قال النوفلي: حدثني يعقوب بن إسرئيل مولى المنصور عن الطلحي، قال: سمعت ~~ابن السوداء يقول: تأخر قوم بايعوا الحسين بن علي صاحب فخ، فلما فقدهم في ~~وقت المعركة أنشأ يقول: # وإني لأنوي الخير سرا وجهرة .... وأعرف معروفا وأنكر منكرا # ويعجبني المرء الكريم نجاره .... ومن حين أدعوه إلى الخير شمرا # يعين على الأمر الجميل وإن يرى .... فواحش لايصبر عليها وغيرا PageV01P431 ### || [من خرج معه من أهل بيته] # قال المدائني: وخرج مع حسين من أهل بيته يحيى وسليمان وإدريس بنو عبد ~~الله بن الحسن، وعلي بن إبراهيم بن الحسن بن الحسن وإبراهيم بن إسماعيل بن ~~إبراهيم طباطبا وحسن بن محمد بن عبد الله وعبد الله وعمر ابنا الحسن بن ~~علي، وهما ابنا الأفطس، ولقيهم في الطريق ms041 عبد الله بن إسحاق بن إبراهيم بن ~~الحسن بن الحسن فصارمعهم، فلما التقوا كان الذين التقوا في المعركة الحسين، ~~وكان الرئيس وسليمان بن عبد الله والحسن بن محمد بن عبد الله، وهو أبو ~~الزفت قتل صبرا، وعبد الله بن إسحاق بن إبراهيم وتفرق الآخرون، وأخذ بعضهم ~~واستؤمن لهم، ومنهم من حبس فأفلت، وممن حبس وأفلت من الحبس عبد الله بن ~~الأفطس وموسى بن عبد الله أفلت من الحبس فدخل على موسى بن عيسى وجلس في ~~أخريات الناس وعن يمينه موسى بن جعفر وعن يساره الحسن بن زيد، فقال موسى بن ~~عيسى: كيف ترى صنع الله بكم؟ # فقال موسى بن عبد الله بيت شعر وهو: # فإن الأولى تثني عليهم تعيبني .... أولاك بني عمي وعمهم أبي # «إنك» إن تمدح أباهم بمدحة .... تصدق وإن تمدح أباك تكذب # فأمربه موسى فضرب بين العقابين خمسمائة سوط، فما تأوه من ذلك، ثم أمر به ~~فقيد وأتي فطرق كعابه بالمطرقة فمانطق بحرف. PageV01P432 # فقالوا: لم لا تتكلم؟ # فقال: # وإني من القوم الذين يزيدهم .... قسوا وبأسا شدة الحدثان # ثم استأمن عبد الله بن الأفطس فأومن واستأمن علي بن إبراهيم فأومن، ولحق ~~يحيى بن عبد الله بالديلم بعد استخفائه بالكوفة، ثم ببغداد، وبعد أن جال ~~البلاد ولحق إدريس بن عبد الله بأقصى المغرب، وأنشد بعضهم يرثي من قتل بفخ: # يا عين بكي بدمع منك منهتن .... فقد رأيت الذي لاقى بنو حسن # صرعى بفخ تجر الريح فوقهم .... أذيالها وغوادي دلج المزن # حتى عفت أعظم لو كان شاهدها .... محمد ذب عنها ثم لم تهن # ماذا يقولون والماضون قبلهم .... على العداوة والشحناء والإحن # ماذا نقول إذا قال الرسول لنا .... ماذا صنعتم بهم في سالف الزمن # لا الناس من مضر حاموا ولا غضبوا .... ولا ربيعة والأحياء من يمن # ياويحهم كيف لم يرعوا لهم حرما .... وقد رعى الفيل حق البيت والركن PageV01P433 ### | [(16) عيسى بن زيد بن علي بن الحسين (ع)] (109 - 168 ه وقيل 196 ه / ... - 784 م) PageV01P434 ### || [خبره وبيعته] # وذكر أن عيسى بن زيد حضر ms042 مع محمد بن عبد الله النفس الزكية، وكان خليفته ~~على جيشه وأكرم رجاله عليه من أهل بيته، فلما قتل محمد بن عبد الله ~~بالمدينة وجاء عيسى بن زيد مجروحا مع أخيه الحسين بن زيد في جماعة وخرجا ~~إلى إبراهيم بن عبد الله، وذكر أنه أوصى إليه محمد بن عبد الله بذلك إن قتل ~~هو، وإن قتل إبراهيم أيضا، فقدما علي إبراهيم وكانا معه في أيامه وحروبه، ~~وكان عيسى بن زيد أعلمهم بعد محمد وإبراهيم وكان مع الحسين بن علي الفخي، ~~فنجا من الحرب وتوارى في سواد الكوفة، وقتل إبراهيم بن عبد الله في سنة خمس ~~وأربعين ومائة، وبايع الناس الحسن بن إبراهيم بن عبد الله سرا، وتوارى هو ~~ولم يتم أمره وبيعته، فلما دخلت سنة ست وخمسين ومائه وقعت بيعة عيسى بن زيد ~~عليه السلام بايعه الناس بالإمامة، وهو متوار بالعراق، بايعه أهل الكوفة ~~والسواد والبصرة والأهواز وواسط وورد عليه بيعة أهل الحجاز ومكة والمدينة ~~وتهامة. # واشتد الطلب من أبي الدوانيق، وأخذ الناس على الظنة والتهمة وحبسهم ودس ~~إليه الرجال سرا، وبذل الأموال الكثيرة لهم، وأنفذ إليه إذا أظهرت نفسك ~~أعطيتك من الدنيا في كلام نحو هذا. # فأجابه عيسى بن زيد فإذا أنا لئيم الأصل ودنيء الهمة أبيع آخرتي بالدنيا ~~الفانية، وأكون للظالمين ظهيرا، والعجب منك ومن فعلك تطمع في وأنت تعرفني. # وكان عليه السلام يقول: ما أحب أن أبيت ليلة وأنا آمن منهم وهم آمنون مني. # وكان عليه السلام يروي الناس الأحاديث ويفتيهم وابنه الحسين بن عيسى بن ~~زيد أحد العلماء يروي عن أبيه، وأحمد بن عيسى كان صغيرا لم يرو عن أبيه ~~شيئا، وهو من أحد الفاضلين. PageV01P435 # وكان لعيسى بن زيد دعاة في جميع الآفاق في كور العراقين والحجاز وتهامة ~~والجبال، ووجه إلى مصر والشام دعاته، وطار صوته في الآفاق، وهم بالخروج غير ~~مرة، فلم يتيسر له ذلك، إلى أن مات أبو الدوانيق في سنة مائة وتسع وخمسين، ~~فهم عيسى بن زيد بالخروج، واشتد الطلب له بالكوفة والبصرة ms043 من ابن أبي ~~الدوانيق، وبذل الأموال الكثيرة، ودس إليه الرجال وحبس خلقا كثيرا منهم. # وهم عيسى بن زيد بالخروج إلى أرض خراسان فوافى الري فلم يتهيأ له وانصرف ~~إلى الأهواز، وكان أكثر مقامه بها، وانصرفت دعاته ببيعة الناس من كل بلد، ~~وكان له جميع الآلة من الأسلحة والدواب، وأخذ من أصحابه الميعاد ليوم كذا ~~وكذا فدس إليه ابن أبي الدوانيق رجلا من أصحابه، وبذل له سني الأموال مقدار ~~مائتي ألف درهم، وضمن له نفيس الضياع، وعجل المال، فأنفذ إليه شربة سم ~~فجعله في طعامه وهو بسواد الكوفة مما يلي البصرة، فسقاه، فمات من ذلك صلوات ~~الله عليه في اليوم الثالث ودفن سرا لا يعلم قبره، وذلك في سنة ست وستين ~~ومائة في شهر شعبان. # وكان عزمه عليه السلام على الخروج في غرة شهر رمضان، وهو يومئذ ابن خمس ~~وأربعين سنة، وكان قد بويع وهو ابن ثلاثين سنة، وقد خالطه الشيب، وكان لا ~~يختضب، وكان مربوعا من الرجال عريض ما بين المنكبين صبيح الوجه، أعلم رجل ~~كان في زمانه، وأزهدهم، وأورعهم، وأفقههم وأسخاهم، وأشجعهم، وكان من أئمة ~~الهدى صلوات الله عليه. # ومات ابن أبي الدوانيق لعنه الله في سنة سبع وستين ومائه بعده بأقل من سنة. # وكان الأمر من بعده إلى من هو شر منه موسى أطبق، وقتل موسى هذا جماعة من ~~بني الحسن والحسين من العلماء والأخيار زيادة على عشرين رجلا، فقتلهم جميعا ~~في أيام ولايته لعنه الله. PageV01P436 ### | [(17) يحيى بن عبد الله بن الحسن (أبو الحسن)] (... نحو 180 ه / ... نحو 796 م) # وأمه [قريبة] بنت محمد بن أبي عبيدة بن عبد الله بن زمعة، تزوجها عبد ~~الله بن الحسن بعد هند بنت أبي عبيدة عمتها، فهند أم محمد وإبراهيم وموسى ~~وزنيب وفاطمة بني عبد الله بن الحسن وأم يحيى بنت أخيها. # وذكر أبو إسحاق إبراهيم بن محمد المثلى، بإسناده عن محمد بن القاسم بن ~~إبراهيم عن مشائخ أهله من آل الحسن والحسين خبر يحيى بن عبد الله بن الحسن ~~بن ms044 الحسن بن علي بن أبي طالب عليهم السلام . # قالوا : خرج يحيى بن عبد الله في سنة سبعين ومائة في ولاية موسى أطبق، ~~وبايعه أهل الحرمين وجميع أهل الحجاز وتهامة وأرض اليمن وأرض مصر والعراقين ~~وبث دعاته في جميع الآفاق. PageV01P437 ### || [من أجابه من العلماء] # وصحت إمامته ووردت الكتب بإجابته من أهل المشرق والمغرب من الفقهاء ~~والعلماء والوجوه والقواد والعامة. # [34] قال أبو ا لعباس الحسني: فمن العلماء عبد ربه بن علقمة، ومحمد بن ~~إدريس الشافعي، ومحمد بن عامر ومخول بن إبراهيم، والحسن بن الحسن العرني، ~~وإبراهيم بن إسحاق، وسليمان بن جرير، وعبد العزيز بن يحيى الكناني، وبشربن ~~المعتمر، وفليت بن إسماعيل، ومحمد بن أبي نعيم، ويونس بن إبراهيم، ويونس ~~البجلي، وسعيد بن خثيم وغيرهم من الفقهاء. # قال غيره: والحسن بن صالح بن جبير. PageV01P438 ### || [طوافه الأقطار وموقف هارون منه] # وصار يحيى بن عبد الله بنفسه إلى اليمن وأقام بها مدة، ثم صار إلى مصر ~~وأرض المغرب، ونواحيها، فاشتد له الطلب من موسى أطبق، ومات موسى سنة إحدى ~~وسبعين ومائة، واستخلف هارون بن محمد أخوه، وهو شر منه فأنفذ في طلب يحيى ~~بن عبد الله ودس إليه الرجال وبذل لهم الأموال، وانصرف يحيى بن عبد الله ~~إلى العراق، ودخل بغداد، وعلم به هارون فأخذ عليه الطرق والمراصد وفتش ~~المنازل والقصور والأسواق والسكك «المحلات» بجميع بغداد فنجا منه. # وخرج إلى الري فأقام بها شهرا وزيادة ثم صار إلى خراسان، ثم صار إلى ~~ناحية جوزجان وبلخ فاشتد به الطلب من هارون، وكان صاحب خراسان حينئذ هرثمة ~~بن أعين قريبا من ثلاث سنين. # وصار يحيى إلى وراء النهر، ووردت كتب هارون إلى صاحب خراسان يطلبه. # فصار إلى خاقان ملك الترك ومعه من شيعته وأوليائه ودعاته من أهل المدينة ~~والبصرة والكوفة وأهل خراسان مقدار مائة وسبعين رجلا، فأكرمه خاقان ملك ~~الترك وأنزله أفضل منازله، وقال له:مماليكي كلها لك وأنا بين يديك، وأوسع ~~عليه وعلى أصحابه من الخيرات والمعونة بكل ما يحتاجون إليه، حتى اتصل الخبر ~~بهارون بمكانه عند ms045 خاقان، فأنفذ إلى خاقان ملك الترك رسولا يقال له النوفلي ~~، وسأل خاقان أن يسلم إليه يحيى بن عبد الله فأبى ملك الترك ذلك، وقال له : ~~لا أفعل ولا أرى في ديني الغدر والمكر وهو رجل من ولد نبيكم شيخ عالم زاهد ~~قد أتاني والتجأ إلي وهرب منكم وهو عندي عزيز مكرم. # فأقام يحيى بن عبد الله عنده سنتين وسته أشهر، ثم خرج وقال له ملك الترك: ~~لا تخرج فلك عندي ما تريد. # فقال يحيى بن عبد الله: لا يسعني المقام في ديني، «وقد رجع الي دعاتي ~~وثقاتي»، وقد بايعني أهل المشرقين والعراقين وخراسان، ووردت كتبهم علي ~~وجزاه خيرا. PageV01P439 # وكان يحيى بن عبد الله عليه السلام لم يزل يعرض عليه الإسلام والتوحيد، ~~ويرغبه فيما عند الله في السر والعلانية، فأسلم سرا، وقال له:لا أجسر أن ~~أظهر الإسلام خوفا على نفسي من أصحابي وقوادي وأهل مملكتي، فإنهم إما أن ~~يقتلوني أو يزول هذا الملك عني من يدي. # فخرج يحيى بن عبد الله من عنده وصار إلى قومس، ودخل إلى جبال طبرستان ~~التي كان يملكها شروين بن سرحان، ثم خرج إلى ملك الديلم. # ووقع الخبر إلى العراق بمصيره إلى هناك، فأنفذ هارون في طلبه الفضل بن ~~يحيى البرمكي وأنفذ معه ثمانين ألف رجل، وقاضيه، وهو أبو البحتري، فنزلوا ~~الري، وكاتبوا ملك الديلم وخدعوه بالأموال الخطيرة حتى انخدع. # قال أبو الحسن النوفلي: قال:إني قلت ليحيى بن عبد الله لما قدم العراق، ~~وقد أعطي الأمان:كيف كانت حالتك بالديلم، ولم قبلت الأمان؟ # فقال: أما صاحب الديلم فكانت زوجته غالبة على أمره، فلم تكن أموره تورد ~~ولا تصدر إلا عن رأيها، فلم تزل به حتى تقاعد عن معونتي، وحتى انخذل عني ~~وكره مقامي عنده حتى خفته على نفسي واختلف علي أصحابي. PageV01P440 ### || [أمان الرشيد لصاحب الترجمة] # فكتب له الرشيد أمانا محكما وحلف له بالطلاق والعتاق وصدقة ما يملك ~~والأيمان المغلظة أن لا يناله منه مكروه، وكتب له نسختين نسخة عنده ونسخة ~~عند يحيى. # فلما خرج إليه أظهر بره ms046 وإكرامه وأعطاه مالا وهو ألف ألف درهم، ولم يزل ~~آمنا إلى أن سعى به إلى الرشيد الزبيري وأصحابه. # قال النوفلي: وحدثني أحمد بن سليمان عن أبيه أنه حج في السنة التي قدم ~~فيها يحيى بن عبد الله بعد الأمان، وقد أذن له في الحج، قال:فرأيته جالسا ~~في الحجر وبإزائه بعض مواليه وموالي أبيه، ونعليه بين يديه، وأنا لا أعرفه ~~غير أني ظننت أنه من ولد فاطمة رضوان الله عليها، وهو أسمر نحيف خفيف ~~العارضين، فشغل قلبي الفكر فيه، وأنا في ذلك الطواف إذ مرت بي عجوز من ~~عجائز أهل المدينة تطوف، فلما وقعت عينها عليه أتته، فقالت:بأبي أنت وأمي ~~يابن رسول الله، الحمد لله الذي أرانيك في هذا الموضع آمنا. # فلما عرفه الناس ازدحموا عليه فمد يده إلى نعله فانتعلهما، وخرج من ~~المسجد إلى منزله. # قال أبو إسحاق إبراهيم بن رباح في حديثه: سمعت عبد الله بن محمد بن ~~الزبير، وكان أبوه خاصة الرشيد، وذلك أنه كان صاحب رقيق بالمدينة، وكان ~~الرشيد يبتاع منه الجواري، فصار عدة منهن أمهات أولاد، وكان الفضل بن ~~الربيع يأنس به. # قال إبراهيم: فحدثني عبد الله، عن أبيه قال:دخلت مع الفضل يوما إلى ~~الرشيد، فرأيت يحيى بن عبد الله بين يديه، والرشيد يقرعه ويعتد عليه ~~بأشياء، وفي كم يحيى بن عبد الله كتب، فجعل يحيى يدخل يده فيخرج كتابا، ثم ~~يناوله الرشيد، ويأخذ بطرفه، ويقول: اقرأ هذا يا أمير المؤمنين فإذا أتى ~~على قراءته أدخله كمه، وأخرج كتابا آخر ففعل مثل ذلك، قال: واعلم أن تلك ~~الكتب حجج ليحيى، فعرض لي أن تمثلت بقول الشاعر: # أنا أتيحت له حرباء تنضبة .... لايرسل الساق إلا ممسكا ساقا # قال: فأقبل علي الرشيد مغضبا، فقال: تؤيده وتلقنه وتؤازره؟ PageV01P441 # فقلت: لا والله يا أمير المؤمنين ما هكذا أنا ولا كنت على هذا قط، ولكني ~~رأيته فعل شيئا في هذه الكتب أذكرني هذا الشعر، يناول الكتاب فلا يخليه في ~~يدك، ويمسك طرفه بيده، ثم يرده إلى كمه، ويخرج غيره، فأذكرني هذا ms047 البيت. # فلما فرغ من قراءة تلك الكتب قال له:دعني من هذا، أينا أحسن وجها، وأنصع ~~لونا، «وأتم قامة وأحسن خلقة»، أنا أو أنت ؟ # فقال: أنت والله يا أمير المؤمنين أحسن وجها وأنصع لونا وأتم قامة وأحسن ~~خلقة، وما أنا من هذه الطريق في شيء. # قال الرشيد: فدع ذا، أينا أسخى، أنا أو أنت؟ # فقال يحيى: يا أمير المؤمنين في الأول أجبتك بما قد علمه الله وعلمه كل ~~مستمع وناظر، فأما في هذه فأنا رجل أهتم بمعاشي أكثر السنة التي تأتي علي، ~~وأتقوت مايصير إلي على حسب السعة والضيق وأنت يا أميرالمؤمنين يجيء إليك ~~خراج الأرض، والله ما أدري ما أجيب به، في هذا. # قال: لتجيبني وما بهذا عليك خفاء. # قال: وقد والله صدقتك يا أمير المؤمنين ما أدري كيف ذاك. # قال: فندع هذا، فأينا أقرب إلى رسول الله؟ # قال يحيى: يا أمير المؤمنين النسب واحد والأصل واحد والطينة واحدة، وأنا ~~أسألك يا أمير المؤمنين لما أعفيتني من الجواب في هذا، فحلف له بالطلاق ~~والعتاق والصدقة أن لا يعفيه. # فقال يحيى عليه السلام: يا أمير المؤمنين بحق الله وبحق رسوله وقرابتك ~~منه لما أعفيتني. # قال: قد حلفت بماقد علمت فهبني أحتال بكفارة في اليمين بالمال والرقيق، ~~كيف الحيلة في الطلاق وبيع أمهات الأولاد. # فقال يحيى عليه السلام إن في نظر أمير المؤمنين وتفضله علي ما يصلح هذا. # قال: لا والله لا أعفيك. # قال: أما إذ لابد يا أمير المؤمنين فأنا أنشدك الله لو بعث فينا رسول ~~الله الساعة، أكان له أن يتزوج فيكم؟ # قال الرشيد: نعم. # قال يحيى عليه السلام: أفكان له أن يتزوج فينا؟ # قال الرشيد: لا. # قال يحيى عليه السلام: فهذه حسب. PageV01P442 # قال: فوثب الرشيد ومضى، فقعد غير ذلك المجلس وخرج الفضل وخرجنا معه وهو ~~ينفخ غما. # فسكت مليا ثم قال:ويحك سمعت شيئا أعجب مما كنا فيه قط، والله لوددت أني ~~فديت هذا المجلس بشطر ما أملك. # وذكر في غير هذه الرواية: أنه لما انقضت مناظرة الرشيد يحيى عليه ms048 السلام ~~سأل الرشيد الفقهاء عن أمانه وأمرهم بالنظر فيه. # فقال محمد بن الحسن الفقيه: بعث إلي أبو البحتري وإلى عدة من الفقهاء ~~فيهم عبد الله بن صخر قاضي الرقة، فأتيناه، فقال:إن أمير المؤمنين باعث ~~إليكم أمان يحيى بن عبد الله فاتقوا الله وانظروا لأنفسكم وقولوا الحق. # قال فغدونا فبدأ بنا في الإذن، فلما سلمنا وجلسنا ألقي الأمان إلينا ~~فنظرنا فيه، فقلنا جميعا: ما نري فيه شيئا يخرجه من أمانه، فأخذه أبو ~~البحتري ونظر فيه ثم قال: ما أراه إلا خارجا من أمانه، فأمرنا بالقيام ~~فقمنا وانصرفنا، فلما كان من الغد بعث الرشيد بالأمان مع مسرور الخادم إلى ~~أبي البحتري، فأتاه، فقال:إن أمير المومنين يقول لك إني ظننت أنك قلت في ~~أمان يحيى بعض ما ظننته يقرب من موافقتي ولست أريد فيه إلا الحق، فأعد ~~النظر فيه فإن رأيته جائزا فاردده، وإن لم تره جائزا فخزقه. # قال مسرور: فأبلغته الرسالة. # فقال: أنا على مثل قولي بالأمس. # فقلت له: هذا الأمان معي فنظر فيه ثم قال: ما أرى فيه إلا مثل ماقد قلته. # فقلت له: فخزقه إذن. PageV01P443 # فقال: يا غلام هات المدية. # فقلت لغلام كان معي يقال له محبوب: يامحبوب هات سكينا، فأخرجها من خفه ~~فدفعها إلى أبي البحتري، فشق بها الأمان ويده تضطرب حتى جعله سيورا، فأخذته ~~ووضعته في كمي، وأتيت به هارون. # فقال لي: ما وراءك؟ فأخرجته إليه. # فقال لي: يا مبارك. # قال: ثم حبس يحيى بعد ذلك بأيام. # قال محمد بن الحسن الفقيه: لما ورد الرشيد الرقة؛ وكنت قلدت القضاء؛ دخلت ~~أنا إليه والحسن بن زياد اللؤلؤي وأبو البحتري وهب بن وهب، فأخرج إلينا ~~الأمان الذي كتبه ليحيى بن عبد الله بن الحسن فدفعه إلي فقرأته، وقد علمت ~~الأمر الذي أحضرنا له، وعلمت ما ينالني من موجدة الرشيد إن لم أطعن فيه، ~~فآثرت أمر الله والدار الآخرة، فقلت:هذا أمان مؤكد لاحيلة في نقضه، فانتزع ~~الصك من يدي ودفعه إلى اللؤلؤي فقرأه، فقال كلمة ضعيفة، لا أدري سمعت أو لم ms049 ~~تسمع:هو أمان. # فانتزع من يده ودفع إلى أبي البحتري، فقرأه وقال : ما أوجبها لله وما ~~أمضاه، هذا رجل قد شق العصا وسفك دماء المسلمين وفعل ما فعل لا أمان له، ثم ~~ضرب بيده إلى خفه؛ وأنا أراه؛ فاستخرج منه سكينا فشق الكتاب نصفين ثم دفعه ~~إلى الخادم، ثم التفت إلى الرشيد وقال:اقتله ودمه في عنقي يا أمير ~~المؤمنين. # قال: فنهضنا عن المجلس، وأتاني رسول الرشيد أن لا أفتي أحدا، ولا أحكم، ~~فلم أزل على ذلك إلى أن أرادت أم جعفر أن تقف وقفا، فوجهت إلي في ذلك ~~فعرفتها أن قد نهيت عن الفتيا وغيرها، فكلمت الرشيد، فأذن لي. PageV01P444 # قال محمد بن الحسن: فكنا وكل من كان في دار الرشيد يتعجب من أبي البحتري ~~وهوحاكم وفتياه بما أفتى به، وتقلده دم رجل من المسلمين، ثم من حمله في خفه سكينا. # قال: ولم يقتل الرشيد يحيى في ذلك الوقت، وإنما مات في الحبس بعد مدة. # قال محمد بن سماعة: وقرب الرشد محمد بن الحسن بعد ذلك وتقدم عنده وأحضره ~~ليوليه قضاء القضاة، قال:وأشخصه معه إلى الري واعتل، وتوفي هو والكسائي، ~~فماتا في يوم واحد. # فكان الرشيد يقول: دفنت الفقه والنحو بالري. # وذكر أن محمد بن الحسن لما أفتى بصحة الأمان، ثم أفتى أبو البحتري بنقضه ~~وأطلق له دمه، قال له يحيى: يا أمير ا لمؤمنين يفتيك محمد بن الحسن؛ وموضعه ~~من الفقه موضعه بصحة أماني فيفتيك هذا بنقضه، وما لهذا والفتيا إنما كان ~~أبوهذا طبالا بالمدينة. PageV01P445 ### || [استشهاده (ع)] # قال النوفلي: حدثني زيد بن موسى، قال: سمعت مسرور الكبير يقول: إن لآل ~~أبي طالب أنفسا عجيبة، أرسلني الرشيد إلى عبد الملك بن صالح، حين أمره ~~بحبسه فجئته فقلت له: أجب، فقال: يا أبا هاشم، وماذا؛ وأظهر خوفا وجزعا شديدا؟ # فقلت له: لا علم لي. # قال: فدعني أدخل أجدد طهوري. # قلت: لا. # قال: فدعني أوصي. # قلت: لا. # قال: فدعا بثياب يلبسها. # فقلت: لا إلا ثيابك التي عليك. # قال: فحملته معي على دابة، وقنعت رأسه ms050 بردائه ومضيت به سريعا، فآذاني ~~طوال طريقى :يا أبا هاشم ناشدتك الله لما أخبرتني لم دعي بي؟ # فأعرضت عنه، ثم أحضرته الباب فأمر الرشيد بدفعه إلى الفضل بن الربيع ~~فحبسه عنده. # قال مسرور: أمرني بإتيان يحيى بن عبد الله في اليوم الذي حبسه فيه فجئته ~~فقلت له:أجب، فوالله ما سألني عن شيء، ولا قال: أجدد طهورا ولا ألبس قميصا ~~حتى نهض فركب معي، فما كلمني في طريقه بكلمة حتى صرت به إلى الباب، وأمرني ~~الرشيد بحبسه عندي في سرداب، ووكلت به، وكنت أدخل إليه في كل يوم قوته، ~~فبينما الرشيد يوما قد دعا بغدائه إذ أقبل علي فقال: يامسرور، اذهب فانظر ~~إلى أي شيء يصنع يحيى بن عبد الله واعجل إلي. # فمضيت ففتحت عنه السرداب فوجدته يطبخ قدرة عدسية ببصل مع لحيم أدخلناه ~~إليه مما كنا نقوته به. # قال: فأعرضت عنه وخرجت إلى الرشيد فأخبرته؛ فقال: اذهب فقل له أطعمنا من قدرك. # فجئته فقلت له ذلك، فتناول جويما كان بين يديه فأفرغ القدر فيه، قال: ~~فغطيته ودفعته إلى خادم فركض به حتى وضعه بين يدي الرشيد على مائدته. # قال: فتشاغل والله الرشيد بأكله عن الأطعمة كلها، وأكل ما كان في الجام ~~أجمع، حتى لقد رأيته يمسح بلقمته بصلا قد لصق بجانب الجام فيأكله، ثم أقبل ~~علي، وقال: يا مسرور أحضرني الساعة مائة خلعة من خاص ثيابي في مائة منديل، ~~ولتكن من أصناف الثياب كلها من ثيابي المقطعة المخيطة، وائتني بمائة وصيف، ~~فأعجلت ذلك عليه. PageV01P446 # قال: ليحمل كل وصيف منديلا وائتي بها يحيى، وقل له أطعمتنا من طعامك، ~~ونكسوك من كسوتنا. # قال: فإن أبى أن يقبل منها شيئا فاعرضها عليه منديلا منديلا وثوبا ثوبا. # قال: فمضيت بها إليه وأبلغته الرسالة. # فقال يحيى: قل لأمير المؤمنين، هذا من لباس أهل العافية، ولست من أهلها، ~~فليس بي إليها حاجة فاردده إلى موضعه. # قلت: فإنه قد أحب أن تنظر إلى هذه الثياب. # قال: اصنع مابدا لك. # قال: فجعلت أعرضها عليه ثوبا ثوبا، فما ينظر ms051 إليها ولا يحفل بها حتى فرغت منها. # فأقبل علي، فقال: يا أبا هاشم أرى أمير المؤمنين قد ذكرني، فإن رأيت أن ~~تخبره بما أنا فيه من الضيق، وتسأله الصفح والتفضل فافعل. # فقلت له: لا ولا كرامة لك، لست لذلك بأهل مع خروجك على أمير المومنين، ~~وتمنيك ماليس لك، ورجعت إلى الرشيد فخبرته بعرضي الثياب عليه، وبما قال لي. # قال: فرآها كلها؟ # قلت: نعم. فبكى حتى رأيت الدموع تتحدر على خديه. # فقلت له: إنه قال كذا وكذا، فرأيته وقد غضب وذهبت الرقة وقلصت الدموع من ~~خديه، وارتفعت، ثم نهرني وقال:فما قلت له؟ فخبرته بما قلت، فسكن، ~~وقال:أحسنت بارك الله عليك. # قال النوفلي: فخبرني أبي وغيره أن يحيى بن عبد الله أقام في الحبس حتى ~~بعث الرشيد إليه من خنقه فمات. PageV01P447 # قال إبراهيم بن رباح : أخبرني جماعة من القواد منهم سلم الأحدب، وكان يقول: ~~إنه مولى المهدي، وكان مع طاهر بالرقة، قال:لما صار طاهر إلى الرافقة احتاج ~~إلى مرمة المنازل السلطانية التي سكنها وأن يهدم بعضها فيوسع ما كان ضيقا، ~~فأمر بذلك، فكان فيما أمر بهدمه منارة مرتفعة من الأرض بجص وآجر لم يرى لها ~~معنى في وسط ذلك البناء، فلما هدمت أتاه القيم وهو مذكور، فقال:إني هدمت ~~هذه المنارة فهجمت على رجل أقيم فيها، ثم بنيت عليه، فقام طاهر حتى صار إلى ~~الموضع وأشرف عليه، فلما نظر إليه قال:نعم هذا يحيى بن عبد الله بن الحسن ~~بلغنا أنه صبر أيام الرشيد هاهنا بالرافقة وأمر بدفنه رحمة الله عليه. # قال الأمير أبو الفضل بن الداعي رحمه الله: هذا الفعل من هارون يدل على ~~حمقه وقلة تمييزه، وهب أنه قتل ابن عمه لأنه خاف على نفسه وملكه ولم يراقب ~~الله عزوجل، فأية فائدة كانت في بناء منارة عليه. # [35] روى أبو العباس الحسني رضي الله عنه بإسناده عن يحيى بن خالد ~~البرمكي، قال: بعث إلي هارون ذات ليلة بعد العتمة فصرت إليه، فقيل لي: إنه ~~على السطح؛ فصعدت فإذا هو على كرسي جديد قاعد، ms052 وجهه نحو المشرق وظهره إلى ~~المغرب، فوقفت بين يديه وسلمت فرد علي السلام ثم قال لي: صر إلى ذلك ~~الموضع، فصرت إلى الموضع الذي أومأ إليه، فمارأيت إلا خيال بياض في صحن ~~الدار فانصرفت إليه فقال:ماذا رأيت؟ # فقلت : ما رأيت إلا خيال بياض في صحن الدار. # فقال لي: اجلس، فجلست بين يديه فمازلت أسامره ويجيبني عن كلامي حتى قال: ~~إن هذا الصبح قد تنفس. # فقلت: يا أمير المؤمنين هذا العمود الأول، فقال لي: سر إلى ذلك الموضع ~~فتطلع إلى الصحن فانظر ماذا ترى. قال: فعدت إلى الموضع فلم أر إلا خيال ذلك ~~البياض قائما في صحن الدار. # فقال: أتدري ماذلك؟ # قلت: لا. PageV01P448 # قال: ذلك يحيى بن عبد الله بن الحسن إذا صلى العتمة سجد فلا يزال ساجدا حتى ~~يقوم لصلاة الغداة، يقطع ليله بسجدة واحدة. # فقلت في نفسي: ويلك! انظر ويلك! أن لا تكون المبتلى به. # فقال لي: إذا كان كل يوم عند الغداء فمر الطباخ أن يجمع على مائدته من كل ~~شيء في المطبخ، ومر من يحملها إليه وكن معه حتى يأكل بحضرتك، ففعلت ذلك ~~أياما، فقال لي يحيى بن عبد الله يوما من الأيام: يا أبا علي. # قلت: لبيك جعلت فداك. # قال: إن لصاحبك هذا قبلنا إرادة، وهذه أمانة الله بيني وبينك علي أن تكتم ~~على هذه القرطاس حتى يمضي إرادته فينا، فإذا كان ذلك كذلك فناولها إياه. # قال: فأخذتها منه فإذا قرطاس قدر إصبع مختومة. # ثم قال: حرجت عليك بوقوفك بين يدي الله تعالى لما كتمتها علي إلى ذلك الوقت. # قال: فكتمتها وأحرزتها. # قال: فما مضى لذلك أيام حتى رفعت جنازة من الدار، وقيل: جنازة يحيى بن ~~عبد الله، فلما فرغ من دفنها حملت القرطاس إليه وأخبرته الخبر ففكها، فإذا فيها: # بسم الله الرحمن الرحيم. يا هارون المستعدي قد تقدم، والخصم في الأثر، ~~والقاضي لا يحتاج إلى بينة. # فبكى حتى بل طرف ثوبه، ثم قال لي: أناولتنيها في حياته. # فقلت له: إنه حرج علي بالعظيم من الأيمان. ms053 # قال زيد بن الحسين أبو أحمد: حدثت صالح بن هامان بهذا الحديث كاتب عبد ~~الله بن طاهر، فقال لي: رفعت الجنازة يا أبا أحمد لا والله ما كانت جنازة ~~يحيى بن عبد الله. # فقلت: فكيف ذلك؟ # قال: لما قدمنا مع المأمون بعد إذ أمر بخراب الخلد والقرار قصري أم جعفر ~~فوكلت بخرابهما فيما خربت، فكان فيما خربت مجلسا، فإذا يحيى بن عبد الله في ~~جوف بعض الأساطين، مصحفة معلق من عنقه. PageV01P449 # وذكر: أنه لما أمر الملقب بالمعتضد بخراب قصر جده أبي جعفر المعروف بقصر ~~الذهب ليزيده في مسجد جامع أهل بغداد الغربي، وكل شيخ بخراب القصر، ففيما ~~هدم من البيوت والمجالس ظهر بيت في قبلة مسجد الجامع الغربي الأول وكان يلى ~~قصر الذهب، ينزل إلى ذلك البيت بمراقي وهوازج وإذا في ذلك الأزج آثار رجال ~~قد سمروا في حيطانه، وإذا المسامير في مواضع الأيدي والأرجل والرؤوس، فإذا ~~العظام بالية قد نخرت وتناثرت إلى الأرض وبعضها منوط بالمسامير في الحائط، ~~وإذا قباب صغار مبنية في ذلك الأزج من أوله إلى آخره، فهدم بعضها، فإذا ~~رجال في الحديد مقيدين ومغللين قد بنيت عليهم وهم جلوس، وإذا في البيت ~~جابية ضيقة الرأس وإذا فيها رجل قد بلى واندثرت عظامه بعضها من بعض، وإذا ~~جمجمة في الجابية، فجهدت أن أخرج الجمجمة من تلك الجابية فما قدرت على ذلك. # فقال لي بعض من كان معي: فكيف أدخل هذا الميت إلى هذه الجابية مع رأسه ~~والرأس لا يخرج الآن بعد أن بلي؟ # فقلت له: لم يدخل إلا بجهد جهيد ومشقة على المدخول. # فكتب في ذلك مؤامرة إلى السلطان، فأخبره الخبر وأجابه بتوقيع في مؤامرته ~~أن سد باب هذا البيت وأدخله في البناء فهو اليوم في وسط مسجد أهل بغداد ~~الغربي. PageV01P450 ### | [(18)إدريس بن عبد الله بن الحسن (صاحب المغرب)] ( ... - 77-ه / ... - 793 م) PageV01P451 ### || [نص رسالته لأهل مصر وخروجه في المغرب] # [36] حدثني أبو العباس الحسني رضي الله عنه بإسناده عن إدريس بن عبد الله ~~بن الحسن عليهم السلام . # بسم ms054 الله الرحمن الرحيم. أما بعد فالحمد لله رب العالمين، لاشريك له الحي ~~القيوم، والسلام على جميع المرسلين، وعلى من اتبعهم، وآمن بهم أجمعين. # أيها الناس إن الله ابتعث محمدا صلى الله عليه وآله وسلم بالنبوة واختصه ~~بالرسالة، وحباه بالوحي، فصدع بأمر الله وأثبت حجته، وأظهر دعوته، وإن الله ~~جل ثناؤه خصنا بولادته وجعل فينا ميراثه ووعده فينا وعدا سيفي له به، فقبضه ~~الله إليه محمودا لاحجة لأحد على الله ولا على رسوله صلى الله عليه وآله ~~وسلم : ?فلله الحجة البالغة فلو شاء لهداكم أجمعين?[الأنعام:149]، فخلفه ~~الله جل ثناؤه فينا بأحسن الخلافه، غذانا بنعمته صغارا، وأكرمنا بطاعته ~~كبارا، وجعلنا الدعاة إلى العدل، القائمين بالقسط المجانبين للظلم، ولم نمل ~~مذ وقع الجور طرفة عين من نصحنا لأمتنا، والدعاء إلى سبيل ربنا جل ثناؤه، ~~فكان مما خلفته أمته فينا أن سفكوا دماءنا، وانتهكوا حرمتنا، وأيتموا ~~صغيرنا، وقتلوا كبيرنا، وأثكلوا نساءنا، وحملونا على الخشب، وتهادوا رؤوسنا ~~على الأطباق، فلم نكل ولم نضعف، بل نرى ذلك تحفة من ربنا «جل ثناؤه»، ~~وكرامة أكرمنا بها، فمضت بذلك الدهور، واشتملت عليه الأمور، وربى منا عليه ~~الصغير، وهرم عليه الكبير، حتى ملك الزنديق أبو الدوانيق، وقد قال رسول ~~الله: ((ويل لقريش من زنديقها، يحدث أحداثا يغير دينها، ويهتك ستورها، ~~ويهدم قصورها، ويذهب سرورها)). PageV01P452 # فسام أمتنا الخسف، ومنعهم النصف، وألبسهم الذل، وأشعرهم الفقر، وأخذ أبي ~~عبد الله بن الحسن شيخ المسلمين وزين المؤمنين وابن سيد النبيين صلى الله ~~عليه وآله وسلم في بضعة عشر رجلا من أهل بيتي وأعمامي صلوات الله عليهم ~~ورحمته وبركاته: منهم علي بن الحسن بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب ~~المجتهد المخبت، وأبو الحسين المستشهد بفخ بالأسر صلوات الله ورحمته ~~وبركاته عليهم أهل البيت إنه حميد مجيد، فأخرج بهم أبو الدوانيق الزنديق ~~فطين عليهم بيتا حتىقتلهم بالجوع. # وبعث أخي محمد بن عبد الله بن الحسن صلوات الله عليه ابنه عليا إليكم، ~~فخرج بمصر فأخذ وأوثق وبعث إليه ففلق رأسه بعمود حديد. # ثم ms055 قتل أخواي محمد وإبراهيم صلوات الله عليهما العابدين العالمين ~~المجتهدين الذائدين عن محارم الله، شريا والله أنفسهما لله جل ثناؤه فنصب ~~رأسيهما في مساجد الله على الرماح حتى قصمه قاصم الجبارين، ثم ملك بعده ~~ابنه الضال، فانتهك الحرمات، واتبع الشهوات، واتخذ القينات، وحكم بالهوى، ~~واستشار الإماء ولعبت به الدنيا، وزعم أنه المهدي الذي بشرت به الأنبياء، ~~فضيق على ذرية محمد صلى الله عليه وآله وسلم وطردهم وكفل من ظهر منهم ~~وعرضهم طرفي النهار حتى أن الرجل ليموت من ذرية محمد صلى الله عليه وآله ~~وسلم فما يخرج به حتى يتغير. # ثم بعث إلي وقيدني وأمر بقتلي، فقصمه قاصم الجبارين وجرت عليه سنة ~~الظالمين ?خسر الدنيا والآخرة ذلك هو الخسران المبين?[الحج:11]. # ثم ملك بعده ابنه الفاسق في دين الله، فسار بما لاتبلغه الصفة من الجرأة ~~على رب العالمين، ثم بعث ليأخذ نفرا منا فيضرب أعناقهم بين قبر رسول الله ~~ومنبره، فكان من ذلك ما لا أظنه إلا قد بلغ كل مسلم. PageV01P453 # ثم قتل أخي سليمان بن عبد الله، وقتل ابن عمي الحسين بن علي صلوات الله ~~عليه في حرم الله، وذبح ابن أخي الحسن بن محمد بن عبد الله في حرم الله ~~بعدما أعطي أمان الله، وأنا ابن نبيكم صلى الله عليه وآله وسلم أدعوكم إلى ~~كتاب الله وسنة نبيكم صلى الله عليه وآله وسلم وأذكركم الله جل ثناؤه، ~~وموقفكم بين يديه غدا وفزعكم «إلى محمد صلى الله عليه وآله وسلم تسألونه ~~الشفاعة وورود الحوض»، وإن تنصروا نبيكم صلى الله عليه وآله وسلم وتحفظوه ~~في عترته، فوالله لا يشرب من حوضه ولا ينال شفاعته من حادنا وقتلنا وجهد في ~~هلاكنا، هذا في كلام طويل دعاهم فيه إلى نصرته. PageV01P454 ### || [سلالة بعض أهل البيت في المغرب] # روى محمد بن علي بن خلف العطار وغيره عن سليمان بن سليمان الأسود مولى آل ~~الحسن قال:خرج إدريس بن عبد الله بن الحسن إلى المغرب بعد وقعة فخ، ومعه بن ~~أخيه محمد بن سليمان بن عبد الله ms056 بن الحسن، وكان سليمان قتل بفخ فلما تمكن ~~إدريس ببلاد المغرب استعمل محمد بن سليمان «على أداني المغرب من تاهرت إلى ~~فاس، قال فبقي محمد بن سليمان» بهذه النواحي إلى اليوم، وهي إلى إبراهيم بن ~~محمد بن سليمان، وبينها وبين إفريقية مسيرة أربعة عشر يوما. # ثم يتلوه أحمد بن محمد بن سليمان أخوه، ثم أخوه إدريس بن محمد بن سليمان، ~~ثم سليمان بن محمد بن سليمان، كل واحد من هؤلاء مملك على ناحية، لايدعو ~~واحد منهم لآخر، ثم يصير إلى عمل بني إدريس بن إدريس بن عبد الله بن الحسن ~~بن الحسن إلى آخر المغرب. PageV01P455 ### || [خروجه (ع)] # [37] روى أبو العباس الحسني رضي الله عنه عن رجالة، قال: لما انفلت إدريس ~~بن عبد الله من وقعة فخ فصار إلى مصر وعلى بريدها واضح مولى صالح بن أبي ~~جعفر، وكان يتشيع، فحمله على البريد إلى أرض طنجة فخرج بها، فلما أفضت ~~الأمور إلى هارون بعد أخيه موسى ضرب عنق واضح صبرا ودس إلى إدريس الشماخ ~~اليماني مولى أبيه المهدي، وكتب له إلى ابن الأغلب عامله على إفريقية فخرج ~~حتى صار إلى إدريس فذكر أنه متطبب، وأنه من شيعتهم، فشكا إليه إدريس وجعا ~~يجده في أسنانه فأعطاه سنونا، وأمره أن يستن به من عند الفجر وهرب تحت ~~الليل، فلما طلع الفجر استن إدريس بالسنون فقتله، فلما اتصل الخبر بهارون ~~ولى الشماخ بريد مصر، وقال في ذلك شاعرهم: # أتظن يا إدريس أنك مفلت .... كيد الخليفة أو يقيك فرار # فليدركنك أو تحل ببلدة .... لايهتدي فيها إليك نهار # ملك كأن الموت يتبع أمره .... حتى يقال تطيعه الأقدار # [38] [حدثنا أبو العباس الحسني قال: حدثنا أبو زيد العلوي قال]: قال محمد ~~بن منصور المرادي : قلت لأحمد بن عيسى بن زيد عليه السلام: حدثني رجل عن ~~أبي الرعد عن أبي البركة عن هرثمة، عن هارون الملقب بالرشيد أنه أعطى ~~سليمان بن جرير مائة ألف درهم على أن يقتل له إدريس بن عبد الله، فحدثني ~~أبو عبد الله أحمد بن ms057 عيسى بن زيد قال: كنت عند عمي الحسين بن زيد بمنى في ~~مضربه، إذ جاءه جماعة من البربر من أهل المغرب من عند إدريس فجلسوا ناحية، ~~وجاء رجل منهم إلى الحسين فسلم عليه، وأكب عليه فناجاه طويلا، ثم إن الرجل ~~خرج، وقال لنا عمي: أتدرون من هذا؟ # قلنا: لا. PageV01P456 # قال: هذا رجل من أهل المغرب من عند إدريس، قال لي: جاء رجل من عندكم يقال ~~له سليمان بن جرير فكان مع إدريس فخالفه في شيء ودخل إدريس إلى الحمام فلما ~~خرج أرسل إليه سليمان بسمكة فحين أكل منها أنكر نفسه. # وقال: بطني أدركوا سليمان في منزله، فطلب سليمان في منزله فلم يوجد ~~فسألنا عنه، قالوا: قد خرج، فأعلمناه. # فقال: أدركوه ردوه. # قال: فأدركناه فامتنع علينا فقاتلنا وقاتلناه فضربناه على وجهه ضربة ~~بالسيف وضربناه على يده فقطعنا إصبعه وفاتنا هربا، ثم قال لنا الحسين بن ~~زيد: رأيتم هذا الأثر. # قال أحمد بن عيسى: رأيته مضروبا على وجهه شبيها بما وصف البربري، وأومأ ~~أحمد بن عيسى من حد موضع السجود إلى الحاجب، ورأيناه وفي يده ضربة قد قطعت ~~إصبعه الإبهام. # قال أحمد بن عيسى: وهو [من] قتل إدريس لاشك فيه، وسليمان هذا كان من ~~رؤساء الشيعة ومتكليمهم فبمن يوثق بعده من الناس. # وروي عن بعض الناس أن إدريس أقام ببعض بلاد المغرب عشر سنين يقيم ~~الأحكام، ثم دس إليه هارون بشربة سم في سويق على يدي رجل من أهل العراق، ~~فأقام عنده واستأنس به إدريس واطمأن إليه، وكان قد ضمن هارون خمسمائة ألف ~~درهم لهذا الرجل فسقاه فمات إدريس من ذلك بعد ثلاثة أيام. PageV01P457 ### || [وصية إدريس لابنه واستطراد لبعض أخباره] # وأوصى إلى ابنه إدريس بن إدريس، فأقام بعد أبيه يعمل بالكتاب والسنة ~~ويقتدي بأبيه، وهو أحد الشجعان. # وبقي بعد أبيه إحدى وعشرين سنة، يملك «أرض المغرب» وأندلس وبربر ~~ونواحيها، وفتح فتوحا كثيرة من بلاد الشرك، وحاربته المسودة فلم يقدروا ~~عليه، إلى أن مات رحمه الله. # ثم أوصى إلى ابنه إدريس بن إدريس ms058 بن إدريس بن عبد الله، فأقام مقام أبيه ~~يعدل بين الناس على سيرة آبائه وأجداده، وهو أحد علماء آل محمد وهم إلى هذه ~~الغاية يتوارثون أرض المغرب وبربر ويعملون بالحق. PageV01P458 ### | [(19)محمد بن إبراهيم بن إسماعيل بن إبراهيم بن الحسن] (173 - 199 ه / 789 - 815 م) PageV01P459 ### || [سبب خروجه] # [39] أخبرنا أبو العباس الحسني قال: حدثنا أبو زيد العلوي عن أبي جعفر ~~أحمد الحسني الكوفي قال: أخبرنا أبو الفضل نصر بن مزاحم المنقري، قال: كان ~~سبب خروج محمد بن إبراهيم أن نصر بن شبيب القيسى خرج حاجا قبل أن تعظم ~~شوكته ويعلو أمره إلى مكة وذلك في سنة ست وتسعين ومائة فوافاه، وقد شهد ~~الموسم بشر كثير من أهل الكوفة وأهل البصرة وسائر الآفاق والبلدان، فجعل ~~يتعرض فرق الناس فرقة فرقة فسألهم نصر عن السبب الذي استحق به علي عليه ~~السلام التقدم والأثرة، فنسبوا له ذلك حتى أثبتوا لعلي الوصية، ولولده من بعده. # فقال نصر: فهل في ولده اليوم من يقوم بالولاية؟ # قالوا: أكثرهم محتمل، وآيس، ولكن أشدهم احتمالا لها للفضل ثلاثة: عبد ~~الله بن موسى بن عبد الله بن الحسن، وأحمد بن عيسى بن زيد بن علي، ومحمد بن ~~إبراهيم بن إسماعيل، فأما أحمد وعبد الله فرجلان قد شغلا بالنسك والعبادة ~~وخلعا الدنيا من أعناقهما، وتخليا من الناس فليس أحد يعرف مكانهما، ولا ~~يقدر على الوصول إليهما إلا بنوهما. # وأما محمد فملازم بيته مقبل على صلاته وصيامه يحضر الموسم، ويشهد المشاهد ~~ويقضي الحقوق، وهو أخلق أهل بيته للحركة، وقد شهد الموسم، فلما كثر من ~~يغشاه من الناس تخوف الفتنة واستتر. # قال: فمن يصل إليه؟ # قالوا: مولى له يلي خدمته، ويختلف في حوائجه، يقال له موفق. PageV01P460 ### || [بيعته وبعض من أخباره] # [40] قال أبوالعباس الحسني بإسناده هذا عن نصر بن مزاحم المنقري، عن موفق ~~قال: كنت واقفا في سوق الكيل «بالسوق» في بعض حوائج محمد عليه السلام إذ ~~وقف علي فارس حسن اللحية ممتد القامة عليه ثياب ودرع بيضاء وعمامة خز، وكان ~~راكبا على فرس ms059 كميت أغر، فسلم فرددت عليه السلام، فقال: يا موفق إنك قد ~~وصفت لي بخير، وقد رجوت أن تكون موضعا لسري، والصنيعة عندي، فهل أنت مصدق ~~لي ظني ومتلطف لي في حاجتي؟ # فقلت: ما أحقك رحمك الله بأن يصان سرك ويرغب في اليد عندك، فأما الحاجة ~~فقد كنت لا أضمنها إلا بعد المعرفة فإن قدرت على قضائها قضيت، وإن تكن ~~الأخرى لم أكن عندك في حد أهل الغدر والكذب. # قال: فتبسم، ثم قال: صدقت وبرزت حاجتي أن يستأذن لي على أبي عبد الله ~~لأسلم عليه وأجدد عهدا به وأقضي ما أوجب الله علي من حقه. # قال: فسكت متفكرا في حاجته وارتج علي جوابه ولم أدر ما أقدم عليه إن أذنت ~~له من موافقه محمد، وعظم علي رده لما رأيت من حسن منظره وكمال هيئته ورأى ~~التحير والإفحام في وجهي، فقال لي: أو غير هذا؟ # قلت: وما هو؟ # قال: توصل إليه كتابي، ثم يكون هو بعد يرى رأيه في الإذن لي. # فقلت: ذلك إليك، فدفع إلي كتابا فيه هذا الشعر: # عزب المنام فما أذوق مناما .... والهم يضرم في الفؤاد ضراما # بل كيف أهجع أو ألائم مضجعا .... والدين أمسى أهله عواما # في بحر جور زاخر وعماهة .... في فتنة لايعرفون إماما # أمسى يسوس المسلمين عصابة .... لايعرفون محللا وحراما # ...إلى آخر القصيدة. # قال موفق: فأتيت به محمدا فقال: التمس لي هذا الرجل فأدخله علي سرا لا ~~يعلم به أحد، فلما عاد إلي نصر أدخلته إليه، فاستخليا ناحية من الدار، فلما ~~أصبحنا قال نصر: يا بن رسول الله إني أريد الموقف، ولست أدري ما أنا عليه ~~منك، ولا ما الذي أنصرف به من عندك، فما الذي تأمرني به؟ PageV01P461 # قال: الخطر عظيم والرأي سقيم، ولابد من مشاورة ومناظرة، فإذا صح الرأي ~~أنفذت العزيمة، وأنا مواقع هذا المصر؛ وأومأ بيده إلى الكوفة؛ فإنه محل ~~شيعتنا ومجمع أنصارنا، فمناظرهم فيما دعوتني إليه، وعارض عليهم ماندبتني ~~له، ثم يأتيك رأيي بالتقدم أو التأخر، فتعمل على قدر ما يأتيك منه إن ms060 شاء الله. # [41] [وحدثنا أبو العباس الحسني قال: حدثنا أبو زيد العلوي عن أبي جعفر ~~أحمد بن الحسين الكوفي عن] نصر بن مزاحم قال: حدثني الحسن بن محمد السلمي، ~~قال:خرجت مع عمي حاجا سنة ثمان وتسعين ومائة، فلما صرنا بالمدينة تطوف عمي ~~بمنازل الطالبيين منزلا منزلا ليسلم عليهم، ويقضي من حقوقهم، وحق من حضر ~~المدينة، فلما صار إلى منزل محمد بن إبراهيم وقضى حق السلام عليه قال: إلى ~~كم يا بن رسول الله نوطئ الخسف ونركب بالعسف، إلى كم تغضون أبصار شيعتكم، ~~أما والله لقد تركت بالكوفة سيوفا حدادا، وسواعدا شدادا، وأنفسا معلقة بكم، ~~وقلوبا نازعة إليكم، وما بقي إلا قدومكم حتى يقضي الله إحدى الحسنيين إما ~~بفتح عاجل أو بموت مفرج. # قال: فتبسم ثم قال: يرحمك الله أنا على التقدير قبل التدبير، والتفكر قبل ~~العمل، إن أصحابك قول بلاعمل، وإقدام بلاروية، وقيل «له: إن» بالباب قوم من ~~الكوفة، فأمسك عن الكلام وأذن لهم فدخلوا، فعرفت عامتهم، فسلموا عليه ورحب ~~بهم، وأكب بعضهم على عمي يساره بشيء لا أدري ماهو. # قال: فأومأ إلي أن اخرج، فخرجت إلى صحن الدار، فلم أزل أسمع الصوت يرتفع ~~تارة وينخفض أخرى حتى خرجوا فخرجت معهم، ومضينا إلى مكة فقضينا حجنا ~~ومناسكنا، ثم قدمنا إلى الكوفة، فلم نزل معه نلي خدمته في حله وترحاله حتى ~~وافاها، وأقام بها أياما يكتم أمره ويخفي قدومه، وكان رئيس الرؤساء؛ ~~يختلفون إليه يسألونه الخروج بهم، وأخذ البيعة، وهو يقدم ويؤخر في إجابتهم، ~~وكان يخرج سرا فيطوف في سكك الكوفة. PageV01P462 # فلما حضرته الزيدية «قام فيهم خطيبا» فقال: الحمد لله الذي لم يتخوف أن ~~يسبق فيعجل، ولم يسرع إلى أحد ممن جهل حقه، وكفر نعمته فيراقب، بل متعهم ~~بالنظرة، وفتنهم بالتأخير...إلى آخر الخطبة. # ثم قالوا: يابن رسول الله منك النداء، ومنا الإجابة، وعليك الإذكار، ~~وعلينا الطاعة، وأنتم ولاة الإسلام وأنصار الدين، وقادة الأمة، وذادة ~~الجور، ونحن شيعتكم وأنصاركم، ومن تطيب أنفسنا بالموت في حقكم، فابسط يدك ~~نبايعك، فإنا نرجوا أن تكون بيعة ms061 يعز الله بها «الإسلام» وأهله، ويذل الظلم ~~وولاته، فبسط يده فبايعه من حضره ووافاه ممن لم يحضر منهم، فما وفت الليلة ~~حتى اجتمع له مائة وعشرون رجلا، ثم توجه نحو الجزيرة. # [42] [وحدثنا أبو العباس الحسني قال: حدثنا أبو زيد العلوي عن أبي جعفر ~~أحمد بن الحسين الكوفي] عن نصر بن مزاحم المنقري قال: حدثني علي بن أحمد ~~الهمداني قال: دخلت على الحسين بن زيد الشاكري بعد أن خرج محمد عليه السلام ~~بأيام وهو عليل، فقلت:كيف تجدك من علتك؟ # قال: أجدني في عقال من الدنيا وسير من الآخرة، وحجاب عن الشهادة، وحرمان ~~من الثواب. # قلت له: إن في المرض لخير. # قال: وأي خير يكون في أمر قصرني عن أصحابي وبطأني عن نصرة أهل «بيت ~~النبي» محمد صلى الله عليه وآله وسلم. # ثم تلا هذه الآية: ?ياليتني كنت معهم فأفوز فوزا عظيما?[النساء:73]. # قال نصر بن مزاحم: وقدم محمد بن إبراهيم الجزيرة وتلقاه نصر بن شبيب في ~~جماعة من أصحابه فأنزله ومن معه وأكرم مثواه، وعظم قدومه، وقال: يابن رسول ~~الله، أبطأت عنا حتى ساءت الظنون واشتد الإشفاق، وتفرقت القلوب، وامتدت ~~الأعناق، أما إني أرجو أن يجعل الله قدومك عز الحق وظهوره، وإماتة الجور ودفنه. PageV01P463 # ثم جمع أصحابه، وقال: يا معاشر قيس، إن من غضب لله غضب الله له، ومن سعى في ~~رضا الله تولى الله ثوابه، ألا وإن هذا ابن بنت نبيكم وأوجب الناس حقا ~~عليكم، فدخل في بلدكم، ونزل بين أظهركم يريد الانتصار لكم بكم، والدفع عنكم ~~بسيوفكم، وهو من لا يطعن عليه في دين، ولا رأي ولا بأس ولا عزم، وقد رضينا ~~إمامته وحمدنا مختبره، فمن كان لمحمد صلى الله عليه وآله وسلم عليه حق ~~وللإسلام «عنده» صدق ونصرة، فليتقدم في بيعته ونصره. # فتكلم أصحابه فبعض أجاب، وبعض امتنع فاختلفوا حتى تدافعوا وتلاطموا، ~~فأمرهم بالانصراف فانصرفوا، ثم بعث إلى نفر من بني عمه ممن كان يفزع إلى ~~رأيه في حرب إن كانت أو نازلة إن نزلت، فأعلمهم ما جرى بينه ms062 وبين محمد بن ~~إبراهيم من المواعدة ووفائه له، وقدومه عليه وسألهم عن رأيهم في إجابته، ~~فاختلفوا في الرأي وبلغ ابن عم له خبر محمد، فكتب إلىنصر : # يا نصر لا تجرر عليك بلية .... دهياء يخترم النفوس ضرامها # يا نصر إنك إن فعلت وجدتها .... يغشاك في أي البلاد عزامها # يا نصر لا يذهب برأيك عصبة .... تبعوا الغرور حقيقة أحلامها # إلى أبيات أخر. # فلما قرأ كتابه بعث إليه، وقال:ويحك كيف يجوز نسخ هذا الأمر وقد تقدمت في ~~إبرامه أو الرجوع عنه، وقد سعيت في تأكيده؟ PageV01P464 # فقال له: تحتال برفقك ولطفك حتى تطلق عنك عقاله وتفك يدك من غله، فإن الرأي ~~في يدك مالم تمضه فإذا أمضيته لزمك خطؤه وصوابه، واعلم أن هذا الأمر الذي ~~تطلب ليس بصغير القدر ولا بيسير الخطر، وإن جل أصحابك لهولاء القوم كارهون، ~~ولو قد بارزت الخليفة بخلعه وعاندته بنصب إمام دونه لصرف إليك رأيه ~~ومكيدته، ورماك بأنصاره وجنوده، ثم لا عراق لك ولاشام، إن لجأت إلى العراق ~~فهم أهل الكوفة المجبولون على الغدر والختر والمعروفون بقلة الوفاء والصبر، ~~ثم هم بعد أهواء متفرقة وآراء مختلفة، كل يريد أن تكون الرئاسة في يده، وأن ~~يكون من فوقه تبعا له، وإن صرت إلى الشام فكيف لك بالمقام فيهم والامتناع ~~بهم، وعامتهم من قتل علي عليه السلام أباه وجده وابن عمه وحميمه، وكلهم ~~يطلب هولاء القوم بوتر ويرى أن له عندهم دخلا، فأنشدك الله أن تفرق جماعة ~~قيس، وتشتت أمرها، وتحمل العرب طرا على أكتافها، فوالله لئن مضيت على رأيك ~~وشهرت بهذا الرجل نفسك ليرمينك الناس عن قوس واحدة وليجمعن على قتالك. # فندم نصر على ما كان منه وتخوف العواقب، وأتى محمدا عليه السلام وقال له: ~~يابن محمد رسول الله، قد كان سبق إليك مني قول عن غير مشاورة لأصحابي ولا ~~معرفة لرأي قومي، وكنت أرجو أن لا يتخلف علي منهم متخلف، ولا يتنكر علي ~~منهم متنكر، وقد عرضت عليهم بيعتك فكرهوها، وامتنعوا من إجابتي إليها، فإن ~~رأيت أن تقيلني وتجعلني ms063 في سعة من رجوعي، وأنا مقويك بما احتجت إليه، وهذه ~~خمسة آلاف دينار ففرقها في أصحابك، واستعن بها على أمرك، فأبى محمد أن ~~يقيله وامتنع من قبول ما بذله ورجع مغضبا، فأنشأ يقول: # سنغني بعون الله عنك بعصبة .... يهشون للداعي إلى أرشد الحق # ظننت بك الحسنى فقصرت عندها .... وأصبحت مذموما وفاز ذووا الصدق PageV01P465 ### || [أبو السرايا ومواقفه مع صاحب الترجمة] # قال نصر بن مزاحم: حدثني الحسن بن خلف قال: كنت ممن شخص مع محمد عليه ~~السلام إلى نصر بن شبيب، فلما بلغنا في رجعتنا إلى غانات، قال: إن بهذه ~~الناحية رجلا أعرابي المنشأ علوي الرأي صادق النية في محبتنا أهل البيت ~~المعروف بأبي السرايا، فالتمسوه لي لعلنا نستعين به على بعض أمرنا، ونكثر ~~به جماعتنا، فخرجنا في طلبه فما وجدنا أحدا من أهل تلك الناحية يعرفه، ~~ولايخبر بخبره، فلما أردنا الانصراف لقينا رجل من أنباط تلك الناحية ~~فسألناه عنه، فقال: أما الرجل الذي تطلبونه فلا أعرفه، ولكن في هذه القرية؛ ~~وأومأ بيده إلى بعض قرى غانات أعرابي يعلف أفرسا له، فأتوه لعلكم تجدون ~~عنده علما من صاحبكم. # قال: فأتيناه وهو في قصر من قصور القرية وبين يديه مرآة ودواء وهو ينظر ~~في المرآة ويداوي جراحة به في وجهه، فلما رآنا أنكرنا حتى عرفنا في وجهه ~~التغير والغضب، فسلمنا فرد جواب سلامنا، ثم قال: من أنتم؟ # قلنا: بعض أبناء السبيل، انتجونا ابن عم لنا فخفي علينا موضعه، فرجونا أن ~~تكون عارفا به وبمكانه. # قال: ومن هو ابن عمكم؟ # قلنا: أبو السرايا السري بن منصور الشيباني. # قال: هل تعرفونه إن رأيتموه؟ # قلنا: نعرف النسب وننكر الرؤية. # قال: فأنا هو. # فأكبينا عليه وصافحناه وعانقناه، ثم قلنا: إن في السفر معنا بعض من تحب ~~لقاءه وترغب في السلام عليه، فهل يخف عليك النهوض معنا إليه؟ # قال: ومن هو؟ # قلنا: بعض أهل بيت نبيك صلى الله عليه وآله وسلم وولاة دينك. # فقال: الحمد لله رب العالمين، والله ما انفككت داعيا إلى الله «أن» يريني ~~بعض ولد ms064 نبيه، فأبذل نفسي له وأموت تحت ركابه. # قلنا: من تحب أن ترى منهم؟ # فقال: محمد بن إبراهيم فإنه وصف لي برأي ودين، فإني كنت كاتبته ودعوته ~~إلى الذب عن دينه وطلب وراثة جده. PageV01P466 # قال: قلنا: فإنه معنا، فخر لله ساجدا، ثم وثب ولبس ثيابه وتقلد سيفه، وأقبل ~~إليه، فلما رآه محمد اعتنقه وأدنى مجلسه. # قال نصر بن مزاحم: حدثني عبد الله بن محمد قال: لما كان في يوم الخميس ~~لسبع ليال خلون من رجب وهو اليوم الذي تواعد فيه محمد بن إبراهيم وأبو ~~السرايا، خرج محمد من جبانة بشر من منزل عمران بن مسعد فيمن كان بايعه من ~~الزيدية، ومن معه من عوام الناس إلى مسجد السهلة لموعده فأبطأ عليهم حتى ~~ندم محمد وخاف أن يكون قد غدر به وعرف الكآبة في وجهه، فلما تعالى النهار ~~وافاهم أبو السرايا مما يلي القنطرة. # قال نصر بن مزاحم: فحدثني محبوب بن يزيد النهشلي، قال:سمعت صيحة الناس ~~وتكبيرهم فخرجت لأستعلم الخبر، فلقيت أبا الفضل مولى العباسيين، فقلت: ما ~~الخبر؟ فقال: # ألم تر أن الله أظهر دينه .... وضلت بنو العباس خلف بني علي # وقد ظهر ما كنتم تسرون وعلا ما كنتم تكتمون، وهذا محمد بن إبراهيم في ~~المسجد يدعو الناس إلى الرضا من آل محمد، فرجعت إلى منزلي فلبست سلاحي ~~ومضيت مع الناس فبايعت. # قال: فأقام محمد عليه السلام بالمسجد حتى بايعه خلق كثير عظيم من أهل ~~الكوفة، وصلى بالناس، ثم دخل القصر، فلما صلى الظهر بعث إلى الفضل بن ~~العباس بن موسى بن عيسى رسولا يقول له: يقرئك ابن عمك السلام، ويقول لك: ~~أمددنا بما قدرت عليه من سلاح وكراع. # فوافى الرسول الفضل وقد بلغه خبر محمد فخندق على داره وجمع مواليه ~~وأتباعه، ففرق فيهم الصلاة وقواهم بالأسلحة، وأقام على سور قصره، فلما وصل ~~الرسول إليه رماه خادم «بسهم» من فوق الدار فجرحه، فرجع إلى أبي السرايا ~~متخضبا بدمه، فدخل أبو السرايا على محمد، فقال: يابن رسول الله إن الفضل ~~بدأنا بالقتال، ونصب ms065 لنا الحرب وأظهر لنا المعاندة، وجرح رسولنا وقد استحق ~~أن نحاربه فأذن لي فيه، فإنا نرجوا أن يجاز لنا عليه وأن يغنمنا الله ماله ~~وسلاحه، فأذن له فيه وأمره أن لا يسفك دما ولا ينتهك حرمة. PageV01P467 # وقال نصر بن مزاحم: عن عبد الله بن محمد قال: نادى أبو السرايا في الناس: ~~أن اخرجوا إلى دار العباس فخرجوا حتى النساء والصبيان، قال: فلقيته حين فصل ~~من طاق المحامل على فرس أدهم عليه قباء أبيض، وهو يقول: # قد وضح الحق لكم فسيروا .... فكلكم مؤيد منصور # سيروا بنيات لها تشمير .... ولا يميلن بكم غرور # فتبعته إلى دار العباس فلما انتهينا إلى الخندق صاح بالناس فعبروه ~~«وتطاعنوا» بالرماح ساعة، ورماهم النشابة من فوق الدار حتى قتلوا رجلا من ~~أهل الكوفة، ثم إن الموالي انهزموا وظفر أبو السرايا بالدار فأمر الناس ~~بانتهاب ما فيها، وخرج النساء متلدمات، واستبطن الفضل بطن الخندق هاربا في ~~ستة فوارس، حتى أخذ على قرية أبي حمار، ثم خرج إلى شاطئ الفرات فعبر إلى ~~الفرات، وركب وجهة إلى بغداد. # عن نصر بن مزاحم لما نزل زهير وأصحابه، وهو على برذون أدهيم وعليه قباء ~~ملجم بسواد. # فقال: يا أبا السرايا علاما نكثت الطاعة، وفرقت الجماعة، وهربت من الأمن ~~إلى الخوف، ومن العز إلى الذل، أما والله لكأني بك قد أسلمك من غرك، وخذلك ~~من استفزك، وصرت كالأشقر إن تقدمت نحرت، وإن تأخرت عقرت، وإن طلبت دنيا ~~فالدنيا عندنا، وإن التمست الآخرة فباب الآ خرة التمسك بطاعتنا الأمان قبل ~~العثار، والتقدم قبل التندم. PageV01P468 # فقال له أبو السرايا: يا أبا الأزهر، الكلام يطول، والاحتجاج يكثر، وقد ~~أعطيت الله عهدا أن لا أراجع لابس سواد بسلم، ولا أنزع له عن منكر، فإن ~~رأيت أن تنزع سوادك وتحاورني فافعل. # قال: فولى زهير وجهه إلى أصحابه، فابتدره الخدم ينزعون سواده فكبر أبو ~~السرايا، ثم قال: ولاني ظهره وخلع سواده، والله لأهزمن جمعه، ولأخلعن سواده ~~يعني جماعته وعزه. # [43] [أخبرنا أبو العباس الحسني قال: حدثنا أبو زيد العلوي عن ms066 أبي جعفر ~~أحمد بن الحسين الكوفي] عن نصر بن مزاحم، عن يزيد بن موسى الجعفي قال: كنت ~~مع العلاء بن المبارك، في الرابئين يوم القنطرة، فنظر إلى الناس يمرون إلى ~~الكناسة إلى العسكر والوقعة، فقال لي:يا أبا خالد، أترى الله ينصر هؤلاء ~~جميعا، أو يدفع بهم عن حريم، فما افترقنا من مجلسنا حتى رأيت الناس ~~يتباشرون بالفتح، والرؤوس على أطراف الرماح، وصدور الخيل. PageV01P469 ### || [وفاته ووصيته لأبي السرايا] # قال نصر بن مزاحم:رجع أبو السرايا والناس من الوقعة وقد طعن محمد عليه ~~السلام على خاصرته، وهو يجود بنفسه، فقعد عند رأسه، ثم قال: يا بن رسول ~~الله، إن كل حي ميت، وكل جديد بال، وهذا مقام فراق، ومحل وداع، فمرني ~~بأمرك، وأودعني وصيتك. # فقال عليه السلام: أوصيك بتقوى الله، فإنها أحرز جنة، وأمنع عصمة، والصبر ~~فإنه أفضل مفزع وأحمد معول، وأن تستتم الغضب لربك، وتدوم على منع دينك، ~~وتحسن صحبة من استجاب لك، وولي الناس الخيرة لأنفسهم في من يقوم مقامي فيهم ~~من آل علي عليه السلام فإن اختلفوا فالأمر إلى علي بن عبيد الله بن الحسين، ~~فإني قد بلوت دينه ورضيت طريقته، فارضوا به، واسكنوا إليه، وأحسنوا طاعته ~~تحمدوا رأيه وبأسه. # ثم اعتقل لسانه عليه السلام وهدأت جوارحه فغمضه أبو السرايا وسجاه، وكتم ~~أمره، فلما كان الليل غسله وأدرجه في أكفانه ثم شده على حمار فأخرجه هو ~~ونفر من الزيدية إلى الغري، فلما استودعه قبره قال أبو السرايا:يرحمك الله ~~ياأبا عبد الله عشت بقدر، ومت بأجل، عمرت فعملت، ودعيت فأجبت، أما والله ~~لقد كنت وفي العهد، ومحكم العقد لطيف النظر، نافذ البصر، ثم بكى، وقال منشدا: # عاش الحميد فلما أن قضى ومضى ....كان الفقيد فمن ذا بعده خلف # لله درك أحييت الهدى وبدت .... بك المعالم عنها الجور ينكشف PageV01P470 [44] قال أبو زيد العلوي رحمه الله: قبره عليه السلام عندنا بالكوفة فتراه ~~إذا رأيته كأنه قطعة جنة، قد بقلت. # قال أبو زيد: سمعت من الناس من يقول: أنا أفضله بعد زيد بن علي ms067 عليه ~~السلام على الجميع. # وذكر أنه عليه السلام لم ير في زمانه أكمل منه، وكان إذا باشر الجهاد ~~أشجع من أوضع فيه الروح، وأبذله مهجة في ذات الله، ثم بكى أبو زيد. # [45] قال أبو العباس الحسني:سألت أبا زيد كم كانت مدة محمد بن إبراهيم ~~ومكثه بعد الخروج والمبادرة بالدعوة؟ فقال: قرابة شهرين فيما سمعت علماءنا ~~يذكرون، فقيل: إنه شهر وأيام دون كمال العشر. PageV01P471 ### || [خطبة أبي السرايا بعد استشهاده (ع)] # [46] عن نصر بن مزاحم، عن عبد الله بن محمد قال: لما أصبح أبو السرايا ~~جمع من بالكوفة من العلويين، ثم قام فيهم خطيبا، فقال: الحمد لله الخالق ~~الرازق الباعث الوارث المحيي المميت، رب الدنيا والآخرة، والعاجلة والآجلة، ~~أحمده إقرارا به، وأشكره تأدية لحقه. # [وحدثنا أبو العباس الحسني قال: حدثنا أبو زيد العلوي عن الكوفي]...إلى ~~أن قال: أما بعد فإن أخاكم محمد بن إبراهيم عليه السلام عاش إلى مدته، ~~وانتهى إلى غايته، فلما نفدت أيامه، وتصرم أجله، واستوفى رزقه اختار الله ~~له ماعنده، واستأثره بما أحب أن يصيره إليه من جواره ومقارنة نبيه، فقبضه ~~إليه أحوج ما كنا إلى حياته حين شمر عن ساقه، وحسر عن ذراعه، وغضب لنبيه ~~صلى الله عليه وآله وسلم وذب عن أمة نبيه، فرحمه الله وغفرله، وتجاوز عن ~~ذنوبه «ونور له في قبره»، فإنا لله وإنا إليه راجعون، وقد أوصى أبو عبد ~~الله رحمه الله بهذا الأمر إلى شبهه، ومن وقع عليه اختياره، وكان ثقته، وهو ~~علي بن عبيد الله فإن رضيتم به وإلا فاختاروا لأنفسكم، وولوا من يجمع عليه ~~رأيكم، أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم. # قال: فصاحوا مابين باك ومسترجع حتى ارتفعت أصواتهم إعظاما لوفاته، فمكثوا ~~عامة النهار يكره كل واحد منهم أن يتكلم. PageV01P472 ### | [(20)محمد بن محمد بن زيد بن علي بن الحسين] (174 ه - 202 ه / 790 م - 818 م) PageV01P473 ### || [خروجه وبيعته] # [47] حدثنا أبو العباس الحسني بإسناده عن عبد الله بن محمد قال: لما مات ~~محمد بن إبراهيم، وخطب أبو السرايا من الغد ms068 فقام إليه الناس وضجوا، وتكلم ~~القراء وغيرهم، قال: فوثب محمد بن محمد بن زيد؛ وهو «يومئذ» أحدثهم سنا؛ ~~فقال:يا آل علي فات الهالك فنجا، وبقي الباقي فلزمه النظر إلى دين الله، إن ~~دين الله لا ينصر بالفشل، وعدو الله لايدفع بالتخاذل، ثم التفت إلى علي بن ~~عبيد الله، فقال: ما تقول يا أبا الحسن، فقد رضينا «باختيارك»، وقبلنا وصية ~~أبي عبد الله عليه السلام وقد اختار فلم يعد الثقة في نفسه، ولم يأل جهدا ~~في تأدية حق الله الذي قلده؟ فقال: ما أرد وصيته تهاونا بأمره، ولا أدع ~~القيام بهذا الأمر نكولا عنه، ولكني أتخوف أن أشغل به عن غيره مما هو أحمد ~~مغبة، وأفضل عاقبة، فامضي رحمك الله لأمرك واجمع شمل بني عمك، فقد قلدتك ~~«الأمر»، وأنت رضا عندنا ثقة في أنفسنا، وقد قلدناك الرئاسة، فتقلدها بطاعة ~~الله والحزم، وقولي تبع لقولك. # فمدوا يد محمد بن محمد فبايعوه، ثم خرج إلى الناس، وأبو السرايا أمامه، ~~فحمد الله أبو السرايا وأثنى عليه، ثم قال:يا معشر الزيدية، إن محمد بن ~~إبراهيم عليهم السلام كان عبدا من عباد الله قدر الله حياته وأجل مماته، ~~فلما انقضى القدر ووفي الأجل قبضه الله إليه، ونقله إلى ما اختار له من ~~ثوابه ورحمته، فإنا لله وإنا إليه راجعون على ما أصبنا به من فقده، وعدمنا ~~من رأيه وفضله، ونسأل الله أن يغفر له ويرحمه، ويتجاوز عنه، ويلحقه بنبيه ~~«محمد» صلى الله عليه وآله وسلم ويربط على قلوبكم وقلوبنا بالصبر. PageV01P474 # ثم أخذ بيد محمد بن محمد فقال: هذا شبيهه ونظيره المقتفي أثره، والمحيي ~~سنته قد تقلد القيام بأمركم بعده، وندب نفسه لما نكل عنه غيره من أهل بيته ~~محتسبا للأجر ملتمسا للثواب لدين الله والذب عن عباد الله، والدعاء إلى ~~أوليائه، فمن كان منكم مقيما على نيته راغبا في الوفاء لله بعهده فليبايع ~~له، وليسارع إلى طاعته وإجابته، فبكى الناس حتى ارتفعت أصواتهم، وعلا ~~نحيبهم، وجزعوا حتى تخوف عليهم الفتنة. PageV01P475 ### || [خطبته بعد مبايعته] # فقام محمد بن ms069 محمد، فقال: الحمد لله الذي كتب على خلقه الفناء، ولم ~~يخلقهم للبقاء والخلود، ولم يجعل الموت عقابا عاقب به أهل معصيته، ولا ~~الحياة ثوابا أثاب به أهل طاعته، أحمده على سراء الأمور وضرائها، ومحبوبها ~~ومكروهها. # أما بعد: فإن أبا عبد الله محمدا عليه السلام كان لكم كهفا حصينا، وحرزا ~~منيعا جمع الله به أمركم، وأعز على طاعته نصركم، فعمره الله ما أحب أن ~~يعمره، ثم قبضه إليه بالأجل الذي قدرله، فإنا لله وإنا إليه راجعون على ~~المصيبة، ونسأل الله أن يحسن الخلافة علينا وعليكم بعده، ولا يحرمنا وإياكم ~~الأجر والثواب، وإني قد قمت مقامه، وتحملت حمله، من غير مشاورة مني لملئكم، ~~ولا معرفة بما اجتمعت عليه في أمري أهواؤكم، طلبا للم شعثكم، وتسكين ~~نفرتكم، وجمع شتيتكم، فمن كان راضيا بي وولايتي فرضاه التمست، وإلى ما ~~وافقه وأصلحه أسرعت، ومن كان كارها فليظهر كراهته، ويجعلني على علم من ذات ~~نفسه، لأجتنب مساءته، وأعتزل عنه، فإنه لاحاجة لي في أمر اختلف فيه مختلف، ~~ونقمه ناقم، وأنا أسأل الله خير القضاء، وحسن عواقب الأمور، ولا حول ولا ~~قوة إلا بالله العلي العظيم، وصلى الله على محمد وآله أجمعين. # فقال محمد بن علي الأنصاري: فيما كان من ذلك من أمورهم: PageV01P476 # أبت السكون فما تجف مدامعي .... عين تفيض بدمعها المتتابع # لما تذكرت الحسين وبعده .... زيدا تحرك حزن قلب جازع # صلى الإله على الحسين وفتية .... في كربلاء تتابعوا بمصارع # وعلى قتيل بالكناسة مفرد .... نائي المحل عن الأحبة شاسع # وجزى ابن إبراهيم عن أشياعه .... خيرا وأكرمه بصنع الصانع # نعم الخليفة والإمام المرتضى .... ذا الدين كان ومستقر ودايع # وجزى الإله أبا السرايا خير ما .... يجزي وصولا من مطيع سامع # حاط الإمام بسيفه وبنفسه .... بلسان ذي صدق وفعل نافع # في فتية جعلوا السيوف حصونهم .... مع كل سلهبة وطرف رائع # فتلقين يابن النبي فما لها .... أحد سواك برغم أنف الطامع # فلقد رأيت بها عليك طلاوة .... وضياء نور في جبينك ساطع # قال نصر بن مزاحم: دخلت عليه في« اليوم» الذي بويع ms070 فيه مع رجل من المحبين ~~والمهنئين فعزاه أكثر الناس ودخل رجل من الزيدية، فقال: يابن رسول الله، لم ~~يمت من قمت مقامه، ولم يعدم من سددت مكانه، فأنت خير خلف من أفضل سلف، كشف ~~الله بك الكربة، ودمل بك كلوم الرزية، وراجع بك آمال الشيعة، وقطع بقيامك ~~ظنون الأعداء والحسدة، فرحم الله أبا عبد الله قد قضى حق الله عليه، وخرج ~~من الدنيا سالما بدينه، فإنا لله وإنا إليه راجعون، ثم بكى، فقال له: اقعد ~~رحمك الله فقعد، وسألت بعض من حضر: من هذا؟ فقال: هذا محمد بن علي ~~الأنصاري. PageV01P477 ### || [بعض أخباره] # [48] [أخبرنا أبو العباس الحسني قال: حدثنا أبو زيد العلوي عن الكوفي] عن ~~نصر بن مزاحم قال:لما قعد محمد للناس دخل عليه أشراف الكوفة ورؤساء ~~الزيدية، ووفد عليه الأعراب من القرى، والبوادي، وقدم عليه مسافر الطائي، ~~وموسى النهروي، ومنصور المحلمي، وركضة التميمي، ويعقوب بن حمران العجلي، ~~ورستم الغنوي، ولم تبق قبيلة من قبائل العرب إلا أجابته، وسارعت إليه، إلا ~~بني ضبة فإنها قعدت عن نصرته «وخذلت الناس عنه»، فغلظ ذلك قلوب أهل الكوفة ~~عليهم، وأغراهم باللعنة لهم. # قال نصر: لما مضت لمحمد بن محمد ثالثة يوم بويع له فرق عماله وعقد ~~ألويته، فولى إسماعيل بن علي خلافته على الكوفة، وولى روح بن الحجاج العجلي ~~شرطته، وأحمد بن السري الأنصاري ديوانه، وأقر عاصم بن عامر على القضاء، ~~وولى نصر بن مزاحم السوق، وعقد لإبراهيم بن موسى بن جعفر على اليمن، ولزيد ~~أخيه على الأهواز، وللعباس بن محمد على البصرة، وولى جرير بن الحصين على ~~السنين وسورا، وولى علي بن الفهد بالبداة، وعمير بن جعفر العطاردي تستر، ~~ويحيى بن فزعة الساحلين ونهر يوسف وناروشا ونهر الملك وكسور الرواي، وولى ~~الفلوجتين عبد الملك بن شاه والنهرين وعين التمر الصقر بن برزة، وعقد لابن ~~الأفطس على مكة، وفرض للولاة الفروض، وقواهم بالرجال، وأقام أبو السرايا ~~رحمه الله بالكوفة حتى سكنت روعة الناس، واندملت مصيبتهم، ثم توجه بهم إلى القصر. # قال نصر: حدثني رجل ms071 من أهل الكوفة ممن سكن القصر، قال:وافى زهير القصر في ~~اليوم الذي هزم فيه فأقام به أياما، حتى سكن قلبه ووافى من كان تفرق عليه ~~بالهزيمة من أصحابه، ثم نادى فيمن كان بالقصر من الكوفيين: برأت الذمة ممن ~~أقام بعد ثلاث، فكان الكوفيون يلقى ببعضهم بعضا، ويقولون: ما ترون ما أصبنا ~~به من ظلم هذا الرجل إيانا، وتحامله علينا، إن تركنا القصر وخرجنا عنه ~~أضعنا معايشنا، وإن أقمنا بعد ندائه فينا عرضنا نفسنا. PageV01P478 # قال: فما وفت الثلاث حتى رأينا أعلام أبي السرايا قد أقبلت من جسر سوراء، ~~فكبرنا سرورا بها، وسمع زهير التكبير فخرج هاربا، ودخلت خيل أبي السرايا ~~القصر فأقاموا بها حتى أراحوا «خيولهم» ودوابهم، وودعوا أنفسهم، ثم رجع إلى ~~سوق أسد. # [49] حدثنا أبو العباس أحمد بن إبراهيم الحسني بإسناده عن نصر بن مزاحم، ~~عن رجل من أهل الجامع قال: نزل عبدوس بن أبي خالد الجامع فيمن كان معه من ~~خيول أهل بغداد ورجالهم، فلما بلغه هزيمة زهير ودخول أبي السرايا سوق أسد ~~خندق حوله، وحصن عسكره، وعمد إلى ما كان في البيادر من الأطعمة فاحتازه، ~~وجمعه، ثم فرقه في أهل الجامع وأمرهم أن يطحنوه لأصحابه، وتهيأ للقتال، ~~واستعد للحرب، قال: فتقاعد أهل الجامع به، انتظارا لقدوم أبي السرايا فنادى ~~فيهم وعاقب بعضهم، فما قطع المنادي نداءه حتى وافى أبو السرايا سوراء فيمن معه. # عن نصر بن مزاحم عن عبد الله بن محمد قال: وقف أبو السرايا على شاطئ ~~سوراء مما يلي الكوفة، ونادى عبدوس في أصحابه، فركبوا دوابهم ولبسوا ~~أسلحتهم، ووقف حياله، وقال:يا أبا السرايا على من تجاهل وإلى كم تمادي في ~~غيك، وتتابع في ضلالك مرة شارد تحارب جنود أمير المؤمنين وتقتل رعيته، ومرة ~~لص تقطع الطريق وتخيف السابلة، ومرة تستنهض السفهاء إلى خلع الطاعة ونكث ~~البيعة، أما آن لك أن ترجع إلى حظك، ويفارقك شيطانك، أترجو أن تزيل الدولة ~~وتغير الخلافة بغوغاء الكوفة ويهود الحيرة؟ هيهات.. هيهات دون ذلك سيوف ~~خراسان ورماحها، وفرسان الأنبار وحماتها، أما ms072 والله إن الأمان لأودع وأعود ~~عليك، وأحقن لدمك، فالنهضة قبل الصرعة والرجعة قبل الندامة. PageV01P479 # قال: وإنه ليكلمه بهذا الكلام إذ أتى أبا السرايا رجل من أهل القرى فدله ~~على مخاضة، فدعا أبا كتيلة فوجهه عليها، فسار على سوراء يريد العبور من تلك ~~المخاضة، وأتاه رجل آخر فدله على مخاضة أخرى فوجه عليها أبا الشوك، وأمره ~~أن يعبر منها، فلم يلبث أن سمعنا التكبير من ناحية الجامع، والنداء بشعار ~~أبي السرايا، فعبر الكوفيون النهر بالتراس والرماح فوضعوا فيهم أسيافهم ~~وانهزم أهل بغداد، فلم ينج منهم إلا القليل، وقتل عبدوس، واصطلم عسكره وأسر ~~أخوه هارون. # عن نصر بن مزاحم، عن عبد الله بن محمد قال:رأيت ظفر بن عصام يعترض عسكر ~~عبدوس بسيفه وهو يقول: # كيف رأيتم بأسنا وجدنا .... وفعلنا حين قصدتم قصدنا # قال: وضرب فيها مسافر الطائي بسيفه حتى انكسر وطعن برمحه حتى انقصف، وحمل ~~عليهم بالعمود وهو يقول: # بغوا فقد صاروا إلى التدمير .... إلى أشد الحال والمصير # ما بين مقتول إلى أسير .... ثم تذوقوا لهب السعير # قال نصر بن مزاحم: حدثني عبد الله بن عبد الحميد قال: رأيت أعرابيا بجنب ~~عدة أسرى وفي يده رأس عبدوس، وهو يقول: # لم تر عيني منظرا كاليوم .... وإن على سيوفنا من لوم # ما صنعت ضباتها بالقوم .... كأن ذا في خطرات النوم # قال: ورأيت أبا كتيلة على فرس أدهم معمما بعمامة حمراء، في يده سيف وترس ~~يشد على أصحاب عبدوس وهو يقول: # اصطبروا أين إلى أين الهرب .... واستشعروا الويل ونادوا بالحرب # قد ذهب الرأس فما صبر الذنب .... ياأهل بغداد تهيئوا للعطب # كيف رأيتم وقع أسياف العرب # قال: فأمر أبو السرايا الناس ليعبروا الأسرى ويعبروا الرؤوس، ثم بعثهم ~~إلى الكوفة، وتوجه إلى القصر. PageV01P480 # ثم إن الحسن بن سهل دعا بالسندي بن شاهك، فقال له: ترى ما هجم علينا من ~~هؤلاء القوم، وقتلهم من قتلوا وأسرهم من أسروا، وقد أردت توجيهك إلى هرثمة ~~بن أعين وهو ممن قد عرفت عداوته لنا، وإنكاره حقنا وسروره بكل ما دخل علينا ms073 ~~من الوهن، والنقص في دولتنا، ولست أرجو قدومه ولا آمل رجعته، وكتب إلى ~~هرثمة، قال السندي: فلحقت هرثمة بحلوان حين هم بالرحلة منها، فلما قيل له: ~~السندي بالباب أمر بإدخالي عليه، فلما قدمت عليه وأخبرته الخبر، وورد عليه ~~كتاب من منصور بن مهديفي جوفه رقعة كتب بها إليه أبو السرايا فيها أبيات من شعر: # هزمت زهيرا واصطلمت جيوشه .... وقلدته عارا شديدا إلى الحشر # وأوردت عبدوس المنايا وحزبه .... وأخرجت هارونا إلى أضيق الأمر # وأيتمت أولادا وأرملت نسوة .... وأنهبت أقواما فصاروا إلى الفقر PageV01P481 فلما وصل إليه كتاب منصور وقرأ الشعر الذي فيه بكى حتى رأيت الدموع تتحدر ~~على لحيته تحدرا وأمر قواده وجنوده بالمسير، وتوجه نحو بغداد، فلما وصل إلى ~~النهروان تلقاه بنو هاشم وأشراف الناس سرورا بقدومه وتعظيما لأمره، وارتفعت ~~الأصوات بالتكبير والدعاء حتى دخل من أبواب خراسان فتلقاه النساء والصبيان ~~بالضجيج والبكاء على قتلاهم، ورفع إليه الأطفال واليتامى، فلما رأىكثرة من ~~قتل منهم بكى، ثم قال:لا يهدى الله من كان هذا فعله، وبعث إلى الحسن بن سهل ~~رسولا يسأله تقويته بما في بيت المال من الأموال، وبما في الخزائن من ~~السلاح، وأقام بالياسرية يضيف أصحابه وقواده، ثم توجه إلى نهر صرصر، وتوجه ~~أبو السرايا إلى نهر صرصر حين أتاه فتح المدائن، وقد نزل هرثمة في الجانب ~~الشرقي منه، ونزل الرستمي، وكان على مقدمته، فلقي الرستمي فقاتله قتالا ~~شديدا حتى انهزم وغلبه أبو السرايا على الجانب الغربي، فأقام بنهر صرصر ~~خمسة عشر يوما وليلة يترامون بالنشاب والحجارة، ويقتتلون في السفن، فلما ~~ارتحل أبو السرايا من نهر صرصر أمر هرثمة عدة من القواد فاقتتلوا قتالا ~~شديدا حتى انهزم أبو السرايا وقتل أخوه فركب وجهه هاربا إلى الكوفة، واتبعه ~~هرثمة فيمن معه من أصحابه وقواده. # قال: وعسكر هرثمة بالجارية، وعسكر أبو السرايا بالعباسية، ولم يكن بينهما ~~قتال كثير إلا أن الطلائع تلقى الطلائع فيقاتل بعضها بعضا، فأمرهم هرثمة ~~بقطع شربهم، وسد الفرات عليهم، وأمر هرثمة من كان في عسكره من الفعلة، وحشر ~~أنباط ms074 القرى فسكروا الفرات بالجارية، وحفروا مغيضا يحمل الماء إلى الآجام، ~~والصحاري بمهل لينقطع عن أهل الكوفة. # فقال نصر بن مزاحم:كنت فيمن عند أبي السرايا إذ جاءه جماعة من أهل ~~الكوفة، فقالوا: أصلح الله الأمير، ننتظر بهذا الرجل وقد قطع شربنا، وسكر ~~فراتنا، انهض بنا إليه، فوالله لانرجع حتى يحكم الله بيننا وبينه، ونستظهر ~~بالحجة عليه. PageV01P482 # قال: فأمر أبو السرايا الناس بالنهوض إلى هرثمة «فنهضوا»، ونهض معه أربعة ~~آلاف من الزيدية ممن كان رجع عنه بالقصر قد لبسوا الأكفان وتحنطوا للموت. # قال: وخرج أبو السرايا يوم الإثنين لسبع خلون من ذي ا لقعدة إلى الرصافة ~~بعد أن جرى بينهم قتال شديد فأخبر الناس وقد أخبره جواسيسه أن هرثمة يريد ~~مواقعته في ذلك اليوم، فصفهم مما يلى الكوفة، ومضى هو في جريدة خيل حتى عبر ~~القنطرة كراهة أن يأتوه منها. # [50] [أخبرنا أبو العباس قال: حدثنا أبو زيد العلوي عن الكوفي عن نصر بن ~~مزاحم قال]: قال عبد الله بن محمد: فبينا نحن بالرصافة إذ أقبل هرثمة بخيله ~~فرجع إلى الناس، فقال: صفوا صفوفكم وكونوا على تعبئتكم، فإن العدو قد أقبل. # وبعث إلى أبي السرايا رسولا يخبره «بإقبال هرثمة»: ويستطلع رأيه في ~~قتاله، فلم يلبث أن أقبل أبو السرايا وهو كالبعير الهائج يكاد يقلعه الغضب ~~عن سرجه قال: فعبأ ميمنة وميسرة وقلبا وجناحين وأمر كل قائد بتحريض أصحابه، ~~ومن كان في المعسكر بقراءة القرآن. # ثم إن هرثمة رجع فعبر الفرات وأتاهم مما يلي القنطرة فوقف بالرصافة وخندق ~~خمسة آلاف رجل وتوجه إليه بالفرسان والرجالة، فالتقوا بالقصر ونواحيه ~~واقتتلوا قتالا شديدا، وكان على مقدمة أهل الكوفة روح بن الحجاج في جماعة ~~من الأعراب والكوفيين، وأبو السرايا في الساقة. # قال عبد الله بن محمد: لقد رأيت أبا السرايا وقد ألقى خوذته على ظهره من ~~شدة الحر وهو يقول: الصبر الصبر قد والله نكل القوم وما بعد اليوم إلا ~~هزيمتهم، ثم حمل فقتل قتلى كثيرة، وخرج قائد من قواد هرثمة يكنى أبا خزيمة ~~لابسا درعا على ms075 فرس كميت وبيده قناة وترس، ونادى أبا السرايا إلى البراز، ~~فحمل عليه أبو السرايا فاطردا ساعة وضربه أبو السرايا على رأسه فخالطت ~~الضربة قربوسه، فخر قتيلا فانهزم هرثمة وأصحابه واتبعهم أهل «الكوفة» ~~يقتلونهم، ويأسرونهم حتى بلغوا صعيبا. PageV01P483 ### || [استشهاد أبي السرايا] # عن نصر بن مزاحم: قال أتى هرثمة يوم الأضحى أصحابه فأمرهم أن يتعبئوا ~~أحسن تعبئة، ويتهيئوا أكمل تهيئة، وقد خرج محمد بن محمد فصلى بالناس فلما ~~صعد المنبر زحف هرثمة حتى صار منه قريبا بقدر مزجر الكلب، فخطب محمد الناس ~~فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال:يا أهل الكوفة قد برح الخفاء وحق التصريح، إن ~~هؤلاء القوم قد جدوا وتهاونتم، وصدقوا وكذبتم، وأيم الله ما بعد موقفكم هذا ~~غاية، ولابعد تقاعدكم عنهم فشل ولا مهانة، فاستحيوا من الله في حقه، وخيانة ~~محمد في ذريته، فقد أصبحنا والله بين أظهركم وقد بدت لعدونا مقاتلنا، فلم ~~يبق إلا أن يطلعوا على فشلكم، ويتجاوزوا إليكم حيطانكم، ثم يقع ما لا مهرب ~~منه، ويجب ما لا يملك دفعه، وبكى، ثم تلا هذه الآية ?إنك ميت وإنهم ~~ميتون?[الزمر:30]، فبكى الناس حوله، ونهضوا للحرب، وزحفوا إلى هرثمة، فلما ~~رأى هرثمة كثرتهم وجدهم صرف أعنة دوابه قبل أن يرمى بسهم أو يزهق بسيف، ~~وانصرف الناس من المصلى إلى الكوفة. # قال نصر: فحدثني مشائخ من أهل الكوفة ممن حضر محمدا يخطب الناس، فقالوا: ~~ما رأينا أحدا كان أربط جأشا ولا أثبت جنابا منه، والله لقد قربوا منا حتى ~~لقد كادت تصل إلينا رماحهم، وتطؤنا خيلهم وإنه لعلى منبره ماض في خطبته، ما ~~تزل له قدم، ولا ينقطع له قول. PageV01P484 # عن نصر بن مزاحم عن عبد الله بن محمد النهشلي قال: إنه لما كان يوم السبت ~~لست بقين من ذي الحجة أقبل هرثمة في جماعة كثيرة من أصحابه، فخرج إليه أبو ~~السرايا وأهل الكوفة، فاقتتلوا قتالا شديدا، فقتل من أهل الكوفة ثلاثون ~~رجلا «وأسر مثلهم»، وقتل من أصحاب هرثمة سبعة نفر، ثم انصرفوا وعاد يوم ~~الثلاثاء لخمس خلون من المحرم ms076 وقد احتشد واحتفل فخرج أبو السرايا إليه في ~~أهل الكوفة، فاقتتلوا قتالا شديدا، وصبر كلا الفريقين وامتدت بهم الحرب حتى ~~انتصف النهار، وحميت الشمس عليهم، وكثر النداء في جانب الكوفة بالسلاح، فلم ~~يبق متخلف إلا لحق بهم، ولا متقاعد إلا نهض للمعونة، وخرج النساء، والصبيان ~~يرمون بالحجارة، ويستقبلون الناس بالماء والسويق. # قال بعض الناس: رأيت أبا السرايا في ذلك اليوم يشد على الميمنة فيخالطهم ~~فيضرب ويطعن، ثم يرجز بالرماح فيشد على الميسرة، فيفعل فعله بالميمنة حتى ~~أكثر القتلى، وتخضبت كفاه بالدم، وهو يقول: # وجهي مجني والحسام حصني .... والرمح ينبي بالضمير عني # واليوم أبدي ما أقول مني # عن نصر بن مزاحم عن عبد الله بن محمد قال: طرق هرثمة الكوفة يوم السبت ~~لسبع خلون من المحرم، فخرج إليه أبو السرايا بالناس «فاقتتلوا قتالا ~~شديدامليا من النهار، ثم انصرف وقد ظهر على أهل الكوفة وقتل منهم وأسر»، ~~فلما أن كان يوم الخميس لأربع عشرة «ليلة» خلت من المحرم أقبل وقد ~~«استعدوا» حتى وقف بالرصافة، وعبأ خيله تعبئة الحرب. # قال عبد الله: وقد كنت ممن وقف بالميسرة، فخرج علينا رجل كأطول الرجال ~~وأكملهم على فرس وفي يده درقة وسيف، وهو يقول: # هل بارز للبطل المفارس .... «وراغب» في نصره منافس # فبرز إليه رجل من الأعراب وهو يقول: # أتاك يا داعي إلى البراز .... مجرب في ا لحرب ذو ارتجاز # نختطف القرن اختطاف الباز # فاختلفا طعنتين فقتل الرجل الأعرابي. # قال: فخرج رجل من الحربتين من أصحاب هرثمة، وهو يقول: PageV01P485 # صبرا فناديت به سميعا .... أغر يروي سيفه نجيعا # يترك من بارزه صريعا # فاختلفا بينهما ضربتين فقتل الحربي الرجل وأخذ رأسه، ونادى البراز، فخرج ~~إليه رجل من أهل الكوفة فضربه الحربي فقتله، ثم نادى البراز، فخرج إليه أبو ~~السرايا وهو يقول: # أتاحك الدهر وأسباب الحين .... لليث غاب عطل من شبلين # لتفقدن العيش بعد الاثنين # فاختلفا بينهما ضربتان فضربه أبو السرايا فقتله، ثم نادى هل من مبارز؟ ~~فبرز إليه رجل، وهو يقول: # إني لمن بارزني قرم خشن .... من غمرات ms077 الحرب مكلوم البدن # فضربه أبوالسرايا فقتله، فنادى ثالثة، فخرج إليه رجل، وهو يقول: # «من هاب من روع فلست هائبا» .... بثأر اثنين نهضت طالبا # أنج لك الويلات مني هاربا # فضربه أبو السرايا فقتله، وحملت عليه خيل هرثمة، وكثرت القتلى والأسرى ~~منهم، ولقد رأيت أبا السرايا في ذلك اليوم وإن الدم لينصب من قبا حفناته. # وعن عبد الله بن محمد قال:لما خرج أبو السرايا من الكوفة خرج أشراف أهل ~~الكوفة، ووجوهها إلى عسكر هرثمة فأعلموه بخروج أبي السرايا، وسألوهم أمانهم ~~ولم يلبث أن لحق بأبي السرايا قوم من الأعراب، وقالوا: والله ما رأينا ~~كاليوم قط أحسن بدءا، ولا أقبح منصرفا فما الذي أخرجك مما أنت فيه، فوالله ~~ما أنت برعش الجنان، وإن هذا الحي من شيبان وسائر الأحياء من ربيعة لتقر لك ~~بالفضل، فحمد الله أبو السرايا وأثنى عليه، ثم قال: أما والله يابن عمي ~~مافعلت ذلك من جبن ولاخوف، ولكني بليت بثلاث لم يبل أحد بمثلهن: مكر هرثمة ~~بن أعين، وقرب بغداد من الكوفة، ومخالفة الناس إياي، والله ماخرجت مما كنت ~~فيه حتى أعياني الدواء، وحتى ساءت النيات، ونكلوا عن الحرب وأحبوا الراحة، ~~وما أشك أن الله قد صنع فإن عادته حسنة وإيادته جميلة، ثم قال: أين تريدون؟ PageV01P486 # قالوا: نحن قوم من بني شيبان ننزل بعين التمر فسمعنا بارتحالك وطعن القوم ~~بالكوفة فأتيناك لأن نصير إلى قولك، ونصرتك، فدعا لهم أبو السرايا، ثم سرنا ~~وساروا حتى إذا شارفنا واسط لقينا رجل على راحلة فسأله أبو السرايا من أنت؟ # قال: أنا رجل من أهل اليمامة، وقعت إلى البصرة وأريد الوقوع إلى واسط. # فقال: كيف خلفت الناس بالبصرة؟ # قال: هم ساكنون هادئون. # قال: فكيف رأيتهم في نصرتي؟ # قال: ومن أنت؟ # قال: أبو السرايا السري بن منصور الشيباني، فنزل الرجل فقبل يده، فقال: ~~ما رأيت بها اثنين يجتمعان على مودتك، والنصرة لك، فعدل أبو السرايا عن ~~واسط فعبر الدجلة، ثم توجه نحو الأهواز. # [51] [وأخبرنا السيد أبو العباس بإسناده] عن نصر بن مزاحم، عن محمد ms078 بن ~~يحيى قال:كنت فيمن خرج مع أبي السرايا «إلىالأهواز» فانتهينا إلى مدينة من ~~مدائنها يقال لها السوس، فتخوف أهل السوس على أنفسهم وأغلقوا أبوابهم، ~~وأحرزوا أمتعتهم، فنادى فيهم أبو السرايا بالأمان فرجعوا وأطمأنوا، وبلغ ~~الباذ غيسي وكان عامل الأهواز نزول أبي السرايا فكتب إليه «كتابا» يسأله ~~الخروج «عن عمله» إلى بلاد فارس والجبال فإنه كاره لقتاله، ومحاربته، ~~ويسأله الموادعة، فأبى أبو السرايا ذلك. # فكتب إليه: أما بعد، فقد فهمت كتابك وما أحببت من الموادعة، وكرهت لقائي ~~وقد وادعتك، وأمنتك إلى أن ترحل من بلاد الأهواز، وتخليها إلي، فإن ارتحلت ~~وإلا فلا أمان لك عندي. والسلام. PageV01P487 # فلما وصل الكتاب إلى الباذ غيسي جمع جنوده وأصحابه، ثم توجه نحو أبي ~~السرايا فلم يشعر أبو السرايا إلا بأصحاب الطبول وأصواتها، وتكبير الجند، ~~فنادى أبو السرايا فينا فاجتمعنا فحرضنا وذكرنا وخوفنا العواقب، ثم نهض بنا ~~إليه، فلما صرنا إليه صير مدينة السوس وراء ظهورنا وواقفنا القوم، فلم نر ~~عسكرا كان أكثر عدة وكراعا منه، ومن ذلك العسكر، وأمسك أبو السرايا عن ~~الحمل والقتال لما رأى من كثرتهم وعدتهم فدنا منه رجل من الأعراب ~~فقال:والله ما هؤلاء القوم بأكثر ممن لقينا ولا بأشجع ممن هزمنا وقتلنا، ~~فازحف بنا فإنا نرجوا أن يغلب الله بقلتنا كثرتهم، ثم ترجل وأنشأ يقول: # ما ذا ألونا كر بقلب صادق .... قد حصحص الحق إلى الحقائق # صبرا لهم بالسمر والبوارق # قال: ودنا رجل من العلويين، فقال:ما الذي تنتظر، أترجو أن يرجعوا عنك، ~~وقد اطلعوا على وهننا، فلف القوم بالقوم، وألحم الخيل بالخيل، فإما أعطاك ~~الله الظفر، وإما رزقنا الشهادة فقتلنا محامين عن ديننا. PageV01P488 # فترجل وترجل الناس، وزحف بعضهم إلى بعض بالسيوف، فما سمعنا إلا وقع السيوف ~~على الهام، تقصف القنا، وأحدق الخيل على محمد بن محمد فقتل بين يديه بشر ~~كثير، وصبر الفريقان جميعا، وخرج أهل السوس فعلوا البيوت والجدر ورموا ~~بالحجارة والنيران، وكبروا من خلفنا، فانحاز إليهم أبو الشوك في جماعة من ~~الأعراب و«جماعة» من أهل الكوفة فرآه الناس حين ms079 رجع فظنوا أنها هزيمة، ووضع ~~أصحاب الباذغيسى فيهم السيوف فقتلوا وأسروا حتى حجزهم الليل وتفرق الناس في ~~القرى والجبال، وركب أبو السرايا وجهه ومحمد بن محمد وأبو الشوك وجماعة من ~~الأعراب وجوههم راجعين إلى الجبل، فلم يزل الناس يتفرقون عنهم حتى ما بقي ~~معه من أصحابه أحد، وتقطعت بهم أفراسهم، فانحازوا إلى قرية من قرى حلوان، ~~فوجد أبو السرايا بها رجلا من «بني» شيبان فاستضافه وأقام عنده ليلته تلك، ~~وأصبح الشيباني فأتى الكيدعوس، وكان على طريق الجبل فأخبره أن أبا السرايا ~~في منزله، فلم يشعر أبو السرايا إلا بالخيل قد أحاطت بالقرية فخرج من الدار ~~التى كان فيها فعلا جبلا كان قريبا منه «من القرية»، ونذربه الكيدعوس فأحاط ~~بالجبل وصعدت إليه الرجال من كل ناحية، فكان يشد عليهم عند رأس كل شعب وهو يقول: # يا نفس صبرا قد أتاك الموت .... ما بعد ما عمرت إلا الفوت # فقاتل حتى أوجعته الرماح، وأثخنته السيوف، وضعف حتى كاد يسقط يمينا ~~وشمالا وناداه الكيدعوس: يا أبا السرايا، إنك مأسور فانزل تاركا فإنك آمن، ~~فاستوثق منه أبو السرايا بالأمان ثم نزل، فلما صار في يده أخذ سيفه وأوثق ~~كتافه، وقيده، فقال له أبو السرايا: فأين أمانكم؟ # فقيل: ليس عليك بأس. # فقال له الكيدعوس: ادن مني، فدنا منه. # فقال: ويلك ياكيدعوس ويلك أنت أمنتني فقبلت أمانك وصدقت قولك ولست أشك في ~~القتل، وأنا أكلفك حاجة تقضي بها حقي، وتكون عوضا من غدرك بي. # قال له كيدعوس: نعم. PageV01P489 # فقال له: محمد بن محمد وأبو الشوك خلفتهما في بعض الشعاب فإن كانا حيين ~~فاطلب لهما الأمان، فأمر الكيدعوس بطلبهما فظفربهما، وأوثقا كتافا وبعث ~~بهما إلى الحسن بن سهل. # [52] حدثنا أبو العباس بإسناده عن الهيثم بن عدي، قال: كنت حاضرا مجلس ~~الحسن بن سهل حين قدم بأبي السرايا، فلما دخل عليه قال له الحسن: من أنت؟ # قال: أبو السرايا بن منصور الشيباني. # قال: بل أنت الغادر الفاجر، ما الذي حملك على ما فعلت من الخروج على أمير ~~المؤمنين والقتل ms080 لمن قتلت من المسلمين؟ # قال: جفوة الولاة، وسوء الحال وتقديم من لا يستحق التقديم. # قال: أولم يكن لك ديوان مع هرثمة. # قال: بلى ولكنه جهل حقي وحرمتي، وقدم علي غيري. # قال: فهذا هرثمة أساء إليك وفعل بك ما فعل، فما الذي أساء إليك أمير ~~المؤمنين حتى نكثت بيعته وخرجت عن طاعته؟ # قال: استغواني جهال من الكوفة ورووا لي الروايات. # قال: أولم أؤمنك، فما الذي منعك أن تقدم على أماني؟ # قال: القدر الغالب، والشقاء اللازم، فكبر الحسن وقال: وكذلك يقتلك القضاء ~~والقدر. # قال: استبقني أيها الأمير فوالله لأنصحنك نصيحة لم ينصحها أحد من الناس. # قال: كذبتك نفسك، وأخطأ أملك قم ياهارون بن محمد فاقتله بأخيك. # فقال أبو السرايا: أنظرني أصلي ركعتين أختم بها عملي. # قال: بل ذاك فرار من الموت، وحبا للحياة. # قال: لو فررت من الموت ما وقفت هذا الموقف، وما أنا بأول رجل قتل والموت ~~يعفو كل أجل، وما عند الله خير وأبقى، فضرب هارون عنقه، وأمر الحسن بصلبه ~~على جسر بغداد. # وقدم بمحمد بن محمد فأدخل دار الإمارة فأشرف المأمون فرق له وتعجب من صغر ~~سنه وحداثته، فمن عليه وأمر له بصلاة، وإنزال وأرزاق، ثم خرج فدخل على ~~جماعة من أهل بيته من آل علي عليهم السلام فقالوا: ما فعل معك ابن عمك؟ ~~فأنشأ يقول: PageV01P490 # رآني بعين قد رأى الله ذلكم .... وكان يسيرا عنده أعظم ا لجرم # فأعرض عن جهلي وداوى سقامه .... بطب أناة أذ هبت نكث السقم # لئن كان حقا ما جنيت لقد عفا .... معاملة الإحسان من ملك ضخم # بمن أمير المؤمنين وطوله .... هدت وآوت بالأمن روحي إلى جسمي # سأمنحه شكرا أديم اتصاله .... مدى الدهر أقصى منتهى غاية الوهم # ثم قال: أغضى والله عن العورة، ونفس الكربة، ووصل الرحم، وعفا عن الجرم، ~~وحفظ محمدا في أهله، واستوجب الشكر من أهل بيته، ثم وجه محمدا عليه السلام ~~وأبا الشوك إلى خراسان فلم يزل بها بأكرم مثوى، وأحسن حال حتى طعن في ~~جنازته فمات عليه السلام. # قال: فهذا ما ms081 كان من أمرهم، وذكر بعض الناس أنه لما أمر بضرب عنق أبي ~~السرايا أمر أن يعلق رأسه في عنق أبي الشوك ويمضى به إلى المدائن فيدار به ~~فيها، فلما فعلوا ذلك ردوه إلى الحسن بن سهل فبعث بالرأس وبمحمد بن محمد ~~وبأبي الشوك إلى خراسان. # ويقال: إن محمد بن محمد بن زيد أقام بالكوفة بعد خروج أبي السرايا عنها ~~وحارب المسودة سنة وثلاثة أشهر وأياما، وقصد بجيشه بغداد، وهو في زهاء عشرة ~~آلاف وزيادة، وكان بينه وبين الحسن بن سهل وزير المأمون خمسة عشر وقعة حتى ~~وافى بنفسه وبجيشه إلى فرسخين من بغداد، وقاتل حتى لم ير الناس في زمانه ~~مثله رحمة الله عليه. # وخرج إلى قتاله الحسن بن سهل في زهاء خمسين ألفا من أهل بغداد، وقد ~~تستروا بالتوارك والتراس حتى قتل بينهم عشرة آلاف وزيادة، وأسر محمد بن ~~محمد بن زيد عليه السلام في آخر الوقعة على شط الفرات، وهو مجروح، وحمل إلى ~~خراسان إلى عند المأمون بمرو، فحبسه سرا وقتله سرا ودفنه سرا وهو ابن إحدى ~~وثلاثين سنة، ويقال: ثلاث وثلاثين سنة. والله أعلم. PageV01P491 ### | [(21) الإمام محمد بن سليمان (ع)] # خرج محمد بن سليمان هذا بالمدينة، ووثب عليه ابن الأفطس الحسن بن الحسن ~~وقاتل وأبلى واجتهد، وكان رجلا فاضلا ناسكا، فخذله الناس وتوارى بعد أن ~~أظهر رايته، وقاتل أعداءه وضبط المدينة ونواحيها، ومات بعد ذلك وهو ابن ~~ستين سنة، وكان مع محمد بن إبراهيم أيام حياته، وخلافته، فلما قتل محمد بن ~~إبراهيم قام من بعده محمد بن محمد بن زيد، ثم قام من بعده محمد بن سليمان ~~بن داود. PageV01P492 ### | [(22) الإمام القاسم بن إبراهيم بن إسماعيل (الرسي)] (169 ه - 246 ه / 795 - 860 م) PageV01P493 ### || [بعض من أخباره] # [53] حدثنا أبو العباس أحمد بن إبراهيم الحسني رضي الله عنه عن يحيى بن ~~الحسين العلوي صاحب [كتاب] الأنساب قال: حدثني محمد بن يحيى العثماني، قال: ~~كنت بمصر فسمعت الحروري حمل إلى القاسم بن إبراهيم عليه السلام سبعة أبغل ~~تحمل دنانير، فردها، فيقال: ms082 إن امرأته لامته فهو حيث يقول: # تقول التي أنا ردء لها .... وقاء الحوادث دون العداء # ألست ترى المال منهلة .... مخارم أفواهها باللهى # فقلت لها وهي لوامة .... وفي عيشها لوصحت ما كفى # دعيني هديت أنال الغنى .... بيأس الضمير وهجر المنى # كفاف امرئ قانع قوته .... ومن يرض بالقوت نال الغنى # فإني وما رمت من نيله .... وقبلك حب الغنى ما ازدهى # كذا الداء هاجت له شهوة .... فخاف عواقبها فاحتمى PageV01P494 ### || [اجتماعه بأحمد بن عيسى وعبد الله بن موسى] # [54] [أخبرنا السيد أبو العباس الحسني] عن محمد بن يزيد المهلبي قال: ~~حدثنا العلائي قال: صرت إلى أحمد بن عيسى وهو متوار بالبصرة فسألته أن ~~يحدثني بأحاديث، فقال: لما طلبنا هارون خرجت أنا والقاسم بن إبراهيم، وعبد ~~الله بن موسى بن عبد الله بن الحسن، فتفرقنا في البلاد، فوقعت في ناحية ~~الري، ووقع عبد الله بن موسى بالشام، وخرج القاسم بن إبراهيم إلى اليمن، ~~فلما توفي هارون اجتمعنا بالموسم فتشاكينا ما مر علينا ونالنا، فقال القاسم ~~عليه السلام: أشد ما مر بي أني لما خرجت من مكة أريد اليمن صرت إلى مفازة ~~لا ماء فيها، ومعي زوجتي ابنة عمي، وبها حمل فجاءها المخاض في ذلك الموضع ~~فحفرت لها حفرة لتتولى أمر نفسها، وضربت في الأرض أطلب لها ماء، فرجعت وقد ~~ولدت غلاما وجهدها العطش، وألحت في طلب الماء فرجعت إليها وقد ما تت والصبي ~~حي، فكان بقاء الغلام أشد علي من وفاة أمه، فصليت ركعتين ودعوت الله أن ~~يقبضه، فما فرغت من دعائي حتى مات. # وشكا عبد الله بن موسى أنه خرج في بعض قرى الشام وقد جد به الطلب وأنه ~~صار إلى بعض المسالح، وقد تزيا بزي الأكرة، والملاحين فسخره بعض الجند وحمل ~~على ظهره، وأنه كان إذا أعيا وضع ما على ظهره للاستراحة ضربه ضربا مبرحا، ~~وقال: لعنك الله ولعن من أنت منه. PageV01P495 # وقال أحمد بن عيسى: وكان من غليظ ما نالني أني صرت إلى ورزنين ومعي ابني ~~محمد فتزوجت من بعض الحاكة هناك، واكتنيت ms083 بأبي جعفر الجصاص، فكنت أغدو ~~وأقعد مع بعض من آنس به من الشيعة ثم أروح إلى منزلي، كأني قد عملت يومي، ~~وأولدت المرأة بنتا، وتزوج ابني محمد إلى بعض موالي عبد قيس هناك، وأظهر ~~مثل الذي أظهرت، فلما صار لابنتي نحو عشر سنين طالبني أخوالها بتزويجها من ~~رجل من الحاكة له فيهم قدر، فضقت له ذرعا لما دفعت إليه، وخفت إظهار نسبي ~~وألح القوم علي في تزويجها ففزعت إلى الله وتضرعت إليه في أن يختار لها ~~ويقبضها ويحسن علي الخلف «والعوض»، فأصبحت والصبية عليلة، ثم ماتت من ~~يومها، فخرجت مبادرا إلى ابني محمد أبشره فلقيني في الطريق وأعلمني أنه ولد ~~له ابن فسميته عليا وهو بناحية ورزنين لا أعرف له خبرا للاستتار الذي أنا فيه. PageV01P496 ### || [خروجه (ع)] # [55] [أخبرنا أبو العباس الحسني قال: أخبرنا] علي بن الحسين بن شقير ~~الكوفي بالكوفة، في شعبان سنة ست وخمسين وثلاثمائة، قال: حدثني محمد بن ~~منصور المرادي بالكوفة، سنة تسعين ومائتين، قال: كنت في منزلي بالكوفة سنة ~~عشرين ومائتين كئيبا حزينا لما فيه آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم وما ~~فيه شيعتهم، حتى استأذن علي أبو عبد الله أحمد بن عيسى بن زيد بن علي بن ~~الحسين بن علي عليهم السلام فاستقبلته، وأدخلته منزلي، ورحبت به، وسرتني ~~سلامته من البصرة، ثم ما شعرت بشيء وأنا في الحديث معه والتوجع لما فيه أمة ~~محمد صلى الله عليه وآله وسلم حتى استأذن إلي أبو محمد القاسم بن إبراهيم ~~بن إسماعيل الرسي عليه السلام فاستقبلته وأدخلته، ورحبت به، وسررت بسلامته ~~من الحجاز، وجعلنا نتحدث، ونذكر ما فيه الناس من الظلم والتعدي، وما تغلب ~~عليه الجائرون، حتى استأذن عبد الله بن موسى بن عبد الله بن الحسن عليه ~~السلام فغدوت فاستقبلته، وأدخلته الدار، وهنأت له بسلامته، وقدومه من الشام ~~سالما؛ لأنه كان بجبل لكام ؛ وأقبل عليه أحمد بن عيسى والقاسم بن إبراهيم ~~يسألانه عن حاله وأمره. # قال: ورآهم أبو محمد الحسن بن يحيى بن الحسين بن زيد عليهم ms084 السلام فجاءنا ~~ودق علينا الباب فقمت ففتحت له فسلم على القوم ودعالهم بالسلامة، وقال: ~~الحمد لله الذي جمعنا وإياكم في دار ولي من أوليائنا. # قال محمد بن منصور: وهؤلاء هم الذين كان يشار إليهم ويفزع السلطان منهم، ~~وقد امتنعوا عن الحضور عندهم وفي مجالسهم، وأخذ عطاياهم. # قال محمد بن منصور: فورد علي من السرور ما لا أحسن أن أصفه، ودهشت وأردت ~~أن أخرج فآخذ ما يأكلون، فقالوا: إلى أين تمضي زرناك وتتركنا وتخرج؟ # فقلت: يا سادتي، آخذ لكم ما يصلح من المأكول. # فقالوا: وما عندك شيء؟. # قلت: بلى، ولكن أستزيد. # قالوا: وما عندك؟ # فقلت: عندي خبز وملح ولبن وتمر «سابري» . PageV01P497 # فقالوا: أقسمنا عليك لا تزيد على هذا شيئا، وأغلق الباب لنأمن، فقمت ~~واستوثقت من الباب وأغلقته، وقدمت إليهم طبقا عليه خبز وملح، وخل ولبن ~~وتمر، فاجتمعوا وسموا الله عز وجل، وجعلوا يأكلون من غير حشمة حتى استوفوا ~~وشربوا من ماء الفرات الذي كان عندي، وقاموا فتوضئوا للصلاة فصلوا صلاة ~~الأولى فرادى، ووحدانا، فلما انقلبوا مدوا أرجلهم كل واحد على سجادته ~~يتحدثون ويغتمون لأمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم وما هم فيه من الجور، ~~والظلم، فقمت وقعدت على عتبة الصفة ليراني جماعتهم، وبكيت، وقلت: ياسادة ~~أنتم الأئمة، وأنتم أولاد رسول الله وأولاد علي وفاطمة صلوات الله عليهم ~~أجمعين «وأنتم المشار إليكم»، وأنتم أهل العقد والحل، وأنتم العلماء، ~~والأئمة من ذرية النبي صلى الله عليه وآله وسلم وولد الوصي عليه السلام قد ~~اجتمعتم وجمع الله بينكم، ونحن بلا إمام، ولا لنا جمعة ولا جماعة، ولا عيد، ~~فارحموا كبر سني، واعملوا فيما يقربكم إلى الله عز وجل، وبايعوا واحدا ~~منكم، أعلمكم وأقواكم حتى يكون الرضا منكم، ترضون به «لي ولأمثالي ~~وللمسلمين، ولا نموت ميتة جاهلية بلا إمام، ويكون لنا إمام نطيعه ونعرفه ~~ونموت بإمام». # فقالوا صدقت: أيها الشيخ، ما أحسن ما قلت، وإن لك ملتنا، ولحمنا ودمنا، ~~وأنت منا أهل البيت، وما نطقت فهو الصواب، ونحن نفعله بإذن الله إن شاء الله. ms085 # قال: فقلت: فرحوني، ولا تبرحوا حتى تبرموه ولا تؤخروه إلى مجلس آخر، فإنا ~~لا نأمن من الحوادث. PageV01P498 # فبرز أبو محمد القاسم إبراهيم، وأقبل على أبي عبد الله أحمد بن عيسى وقال: ~~إن شيخنا وولينا قد قال قولا صادقا متفقا، وقد اخترتك لأمة محمد صلى الله ~~عليه وآله وسلم وأنت العالم القوي تقوى على هذا الأمر، فقد رضيتك، ورضي ~~أصحابنا فتول هذا الأمر، فمد يدك أبا يعك على كتاب الله وسنة رسوله، فأنت ~~الرضا لنا، ما تقولون يا أصحابنا؟ قالوا جميعا: رضا رضا، فقال أحمد بن ~~عيسى: لا والله وأنت يا أبا محمد حاضر، إذا حضرت فلا يجب لأحد أن يتقدمك، ~~ويختار عليك، وأنت أولى بالبيعة مني، فقال القاسم: اللهم [غفرا]، اللهم ~~غفرا، أرضاك وأسألك أن تقوم بأمر أمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم فتحيله ~~علي، فقال: لا يكون ذلك وأنت حاضر. # قال: ثم أقبل القاسم على عبد الله بن موسى، فقال: يا أبا محمد قد سمعت ما ~~جرى وقد امتنع أبو عبد الله أن يقبل ما أشرت به، وأنت لنا رضا، وقد رضيتك ~~لعلمك وزهدك. # فقال: يا أبا محمد نحن لا نختار عليك أحدا، وقد أصاب أبو عبد الله فيما ~~قال، فأنت الرضا لنا جميعا. # فقال القاسم: اللهم غفرا أحلت علي أنت أيضا، لم تزهدون في النظر لأمة ~~أبيكم محمد صلى الله عليه وآله وسلم وللناس عامة؟ # ثم أقبل على الحسن بن يحيى بن الحسين بن زيد، فقال: فأنت يا أبا محمد ~~اقبل هذا الأمر فإنك أهل له، وأنت قوي على النظر فيه، والبلد بلدك، وتعرف ~~من أمر الناس مالا نعرف. # فقال: يا أبا محمد والله لايتقدم بين يديك أحد إلا وهو مخطئ، أنت الإمام، ~~وأنت الرضا، وقد رضيناك جميعا. # فقال القاسم: اللهم غفرا اللهم غفرا. # قال: ثم إن أحمد بن عيسى أقبل على القوم، فقال: إن أبا محمد لنا رضا وقد ~~رضيت به. # قال عبد الله بن موسى والحسن بن يحيى: صدقت أيها الشيخ. PageV01P499 # قال محمد بن منصور: ms086 فخفت أن يفوتنا وقت صلاة العصر، ولم يبرموا أمرا حتى ~~أسر أحمد بن عيسى إلى القاسم إبراهيم وأخذ يده، وقال: قد با يعتك على كتاب ~~الله وسنة نبيه صلى الله عليه وآله وسلم وأنت الرضا، فجعل القاسم صلوت الله ~~عليه يقول: اللهم غفرا.. اللهم غفرا، ثم بايعه عبد الله بن موسى، والحسن بن ~~يحيى ورضوا به، وقالوا لي: با يع، فقمت إليه وبايعت القاسم بن إبراهيم على ~~كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وآله وسلم ثم قال لي القاسم: قم يا أبا ~~عبد الله وأذن، وقل فيه: حي على خير العمل، فإنه هكذا نزل به جبريل عليه ~~السلام على جدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، فقمت، وأذنت وركعت وأقمت ~~فتقدم القاسم بن إبراهيم عليه السلام فصلى بنا جماعة صلاة العصر، وباتوا ~~عندي تلك الليلة، وصلى بنا المغرب والعشاء جماعة، فلما أصبحوا تفرقوا، ومضى ~~القاسم بن إبراهيم إلى الحجاز، وأحمد بن عيسى إلى البصرة، وعبد الله بن ~~موسى إلى الشام، ورجع الحسن بن يحيى إلى منزله، فكانوا على بيعة القاسم ~~عليه السلام. # [56] حدثنا أبو العباس الحسني رضي الله عنه بإسناده عن إسماعيل بن محمد ~~بن إبراهيم قال: لما استوفى عمي غلته بخمسين دينارا فلقيه رجل يمدحه وأنشده ~~قصيدة يقول فيها: # ولو أنه نادى المنادي بصوته .... ببطن منى فيما تعم المواسم # من السيد السباق في كل غاية .... لقال جميع الناس لاشك قاسم # إمام من أبناء الأئمة قدمت .... له الشرف المعروف والمجد هاشم # أبوه علي ذو الفضائل والنهى .... وأبناؤه والأمهات الفواطم # بنات رسول الله أكرم نسوة .... على الأرض والآباء شم خضارم # قال: فأمر له بالخمسين دينارا. # [57] حدثني أبو العباس الحسني قال: قال عيسى بن محمد العلوي: قلت لمحمد ~~بن منصور: يقولون: إنك لم تكثر من لقاء القاسم عليه السلام؟ # قال: بلى صحبته فيما كنت أقع إليه خمسا وعشرين سنة. # قلنا: فإنك غير مكثر عنه. PageV01P500 # قال: وكأنكم تظنون أنا كلما أردنا كلمناه، من كان يجسر على ذلك منا، ولقد ~~كان له في ms087 نفسه لشغل، كنت إذا لقيته لقيته كأنما ألبس حزنا. PageV01P501 ### || [بيعة أهل مصر وخروجه منها] # [58] حدثنا أبو العباس الحسني بإسناده عن محمد بن عبد العزيز بن الوليد ~~قال: اجتمع إلى القاسم بن إبراهيم عليه السلام بعد قتل أخيه محمد بن ~~إبراهيم عليه السلام الخارج بالكوفة مع أبي السرايا السري بن منصور ~~الشيباني، وكان قبل خروجه معه صلوات الله عليه من أصحاب هرثمة بن أعين أهل ~~مصر، فبايعه منهم عشرة آلاف أو يزيدون، وأقام القاسم «عندهم» -في خفية - ~~عشر سنين يزيد شيئا أو ينقص، ثم خرج منها خائفا يترقب، حتى لم يمكنه ~~الخروج، فلبث ببلد الحجاز وتهامة، وبايعه أهل مكة والمدينة والكوفة. PageV01P502 ### || [خروجه إلى اليمن] # فلما أزف خروجه أنفذ إبراهيم بن هارون بغا الكبير في عساكر كثيفة، فخرج ~~القاسم عليه السلام إلى بلاد اليمن، واستخفى هناك، وبث دعاته في الأقطار، ~~وكان أهل قزوين «والري» والجبال، وأهل طبرستان قد بايعوه، وبعث دعاته من ~~بني عمه إلى أهل بلخ، وطالقان والجوزجان، ومروروذ، فبا يعوه وراسلوه ليبعث ~~إليهم بولد له، فلم يأل جهده في الدعوة، فلما أبلى عذره وانتشر أمره، سيرت ~~الجيوش في طلبه نحو اليمن، فاستام إلى حي من البدو واستخفى فيهم، ثم رام ~~الخروج بالمدينة فأبى ذلك عليه أصحابه، وقالوا: العساكر تسرع إلى الحجاز ~~والمدينة، وليس للناس ميرة ولا سلاح، وكاتبه أهل العدل من الأهواز والبصرة، ~~وكانوا خواصه، ولم يكن في أمره أحد، ولا إلىبيعته وإظهار دعوته أسرع، ولا ~~عليها أحرص من المعتزلة، وقد كان ورد أرض مصر على مواعيد أصحابه غير مرة. PageV01P503 ### || [علمه وزهده وبعض فضائله] # فلم يزل كذلك عمره أجمع، صابرا في الله، داعيا إلى إحياء دين الله ~~مجتهدا، مكدودا متغيبا من الظلمة، وهم يطلبونه ولا يفترون عنه، أعلم رجل ~~كان في زمانه، وأفقههم، وأزهدهم، وأحلمهم. # ومن أصحابه الفضلاء، ومن لاينوط الكوفيون به أحدا الحسن بن يحيى بن ~~الحسين بن زيد بن علي عم يحيى بن عمر الخارج بالكوفة، وله من الروايات، ~~والتصانيف والنقلة عنه ما يكثر عن الإحصاء. # [59] حدثنا أبوالعباس ms088 الحسني قال: حدثنا محمد بن بلال عن محمد بن عبد ~~العزيز بن الوليد قال: سألت الحسن بن يحيى بن الحسين بن زيد بن علي عليهم ~~السلام عن أبي محمد القاسم بن إبراهيم عليه السلام، فقال: سيدنا وكبيرنا، ~~والمنظورإليه من أهلنا، وما في زماننا هذا أعلم منه، ولقد سمعته يقول: قد ~~قرأت القرآن والتوراة والإنجيل والزبور، وما علمي بتأويلها دون علمي ~~بتنزيلها، ثم قال: لو سألت أهل الأرض من علماء أهل البيت؟ لقالوا فيه: مثل ~~قولي، قيل له: فأحمد بن عيسى بن زيد؟ فقال: أحمد بن عيسى من أفضلنا، ~~والقاسم إمام. # [60] حدثني أبو العباس الحسني قال: حدثني جدي الحسن بن علي بن إبراهيم ~~قال: حدثني أبو عبد الله الفارسي، قال: دخلنا مع القاسم بن إبراهيم عليه ~~السلام حين اشتد به الطلب - أظنه قال: أوائل بلد مصر - فانتهى بنا إلى ~~ناحية فيها خان، واكترى خمس حجر ملتزقات، فقلت له: جعلت فداك يابن رسول ~~الله نحن في عوز من النفقة، وتجزينا بعض جحرة، ففرغ حجرتين عن يمينه، ~~وأخروين عن يساره، ونزلنا معه في الوسطى منهن، فقال: هو أوقى لنا من مجاورة ~~فاجر، وسماع منكر. PageV01P504 # قال: وحدثني أبو عبد الله الفارسي قال: ضاق بالإمام القاسم بن إبراهيم عليه ~~السلام المسالك، واشتد به الطلب حتى نودي؛ ونحن مستخفون معه خلف حانوت ~~أسكاف من خلص الزيدية؛ فبلغنا الصوت: ألا برئت الذمة ممن آوى القاسم بن ~~إبراهيم عليه السلام وممن لايدل عليه، ومن دل عليه فله ألف دينار، ومن البز ~~كذا وكذا، والإسكاف مطرق يعمل لايرفع رأسه، فلما جاءنا قلنا له: أما ارتعت؟ ~~قال: ومن لي بارتياعي منهم، ولو قرضت بالمقاريض بعد إرضائي رسول الله عنى ~~في وقاية ولده بنفسي. PageV01P505 ### | [(23) الإمام الهادي إلى الحق يحيى بن الحسين بن القاسم] (220 - 298 ه / 835 - 911 م) PageV01P506 ### || [بعض أخباره قبل خروجه إلى اليمن] # [60] حدثنا أبو العباس الحسني رضي الله عنه قال: أخبرني علي بن أبي ~~سليمان: أنهم حضروا يوما آمل [و]الناصر الحسن بن علي رضي الله عنه بالمصلى، ~~فجرى ms089 ذكر يحيى بن الحسين، فقال بعض أهل الري وأكثر ظني أنه أبو عبد الله ~~محمد بن عمرو الفقيه: كان والله فقيها. # قال فضحك الناصر وقال: كان ذلك من أئمة الهدى. # قال أبوالعباس الحسني: سمعت أبا محمد الركاني رحمه الله يذكر أنهم كانوا ~~مع الناصر عليه السلام بالجيل قبل خروجه، فنعي إليه يحيى بن الحسين عليه ~~السلام، فبكى بنحيب ونشيج، ثم قال: اليوم انهد ركن الإسلام. PageV01P507 ### || [قدومه طبرستان] # قلت له: ترى أنهما تلاقيا لما قدم طبرستان، قال: لا. # وكذلك حدثني جدي، قال: وقدم يحيى بن الحسين عليه السلام علينا آمل ~~والناصر مع محمد بن زيد في عسكره بجرجان ومعه أبوه، وبعض عمومته والموالي، ~~فنزلوا حجرة بخان العلا، وقد أشار إليها، ونحن نجتاز الخان. # قال: ولم أسمع بلغ من تعظيم بشر لإنسان ما كان من تعظيم أبيه وعمومته له، ~~ما كانوا يخاطبونه إلا بالإمام. # قال: وامتلأ الخان من الناس، وتكاثفت الغاشية حتى كاد السطح يسقط، وعلا ~~صيتة، فكتب إليه الحسن بن هشام من سارية؛ وكان على وزارة محمد بن زيدان هذا ~~مما يوحش ابن عمك. # فقال: ما جئنا ننازعكم أمركم، ولكنا ذكر لنا أن لنا بها أهلا وشيعة، ~~فقلنا: عسى الله أن يفيدهم منا. # فخرجوا مسرعين، وثيابهم عند القصار، وخفافهم عند الأسكاف، وما استرجعوها. # قال: وحملنا إليهم من منازلنا لحما ودجاجا، وشيئا مما يصطبغ به من ما ~~حضرهم، أو غيره، فتناولوا إلا من اللحمان فإنها ردت إلينا كهيئتها، فسألنا ~~بعض الموالي، # فقال: إنه يقول: بلغني أن الغالب على أهل هذه البلد التشبيه والجبر فلم ~~آمن أن يكون من ذبيحتهم، وقد سمعت أن أهلنا بهذا البلد لا يتوقون ذبائحهم، ~~وكان يشدد في الذبائح تأسيا بالقاسم عليه السلام. PageV01P508 ### || [سبب رجوعه من اليمن المرة الأولى] # [61] حدثني أبو العباس الحسني رحمه الله قال: أخبرني الشيخ أبو الحسين ~~علي بن إسماعيل بن إدريس أنه سمع أباه رحمه الله يقول: قدمت المدينة وقد ~~وردها يحيى بن الحسين من اليمن مغاضبا أهلها أنهم لا يطيعون الله، ولا ~~يأمرون بالمعروف، ms090 ولا ينهون عن المنكر، فتركهم واعتزل أمرهم. # قال: فوردت كتب أهل اليمن على أبيه الحسين بن القاسم، وعمومته بالمدينة ~~يتوسلون بهم على يحيى بن الحسين عليه السلام ويرغبون إليهم في التشفع إليه، ~~حتى يعاودهم، فإنهم يأتمرون له، ولا يخالفونه في شيء، فقد أخلفت ثمارهم ~~وزروعهم وأسرع الموت منذ خرج في مواشيهم وأنعامهم، فأجابهم وعاودهم بعد ~~تشفع كثير من أبيه وعمومته واستقصاء شديد. # [62] قال أبو العباس الحسني رحمه الله: وقد حدثني أبو عبد الله اليماني ~~رحمه الله وكان فارس يحيى بن الحسين عليه السلام وأحد أبطال أصحابه- قال: ~~كان سبب خروجه عنهم أن بعض القواد، أظنه قال: من أرحام أبي العتاهية - وأبو ~~العتاهية هذا هو الذي دعا يحيى بن الحسين عليه السلام من المدينة وسلم أمر ~~اليمن إليه، وكان واليها على أهلها - وقام بين يدي يحيى بن الحسين منخلعا ~~متجردا من كل شيء تقربا إلى الله عز وجل وإنابة إليه - وكان يحيى بن الحسين ~~بلغه عن هذا القائد وشهد عليه عنده أنه شرب مسكرا، فبعث إليه من يقدم به ~~ليقيم حد الله عليه فامتنع، فركب هو عليه السلام بأصحابه إلى حيث كان الرجل ~~فامتنع عليه فغضب وخرج، وقال: لا أكون كالمصباح يضيء لغيره ويحرق نفسه. # وكان هذا أبو عبد الله رحمه الله من خلص أصحابه وأهل الفضل والورع فيما علمته. PageV01P509 ### || [جهاده للقرامطة] # وحدثني أنه حضر معه عليه السلام ثلاثا وسبعين وقعة مع القرامطة، وأن ~~كبيرهم، ورئيسهم يومئذ رجل يعرف بعلي بن الفضل، وكان كذابا متنبيا. # وحكي أنه خرج مرة في عسكر جرار لا يقادر قدرهم وعددهم، وأن الهادي عليه ~~السلام وافقهم في بعض الليل فمنحوه أكتافهم، وقتل منهم مقتلة عظيمة، وغنم ~~شيئا كثيرا، وأنه سمع من عساكرهم التأذين بأشهد أن علي بن الفضل رسول الله. # ثم خرج هذا اللعين بجنوده، وحده وحديده نحو الكعبة ليهدمها، وأن طريقهم ~~لم تكن على [طريق] يحيى بن الحسين فبلغ يحيى بن الحسين خبرهم، وما هموا به، ~~فنادى في أصحابه فاجتمعوا، فقال: إن هؤلاء قد خرجوا لما ms091 هموا به من هذه ~~الفادحة في الإسلام، وما أدري إلا أن الفرض في منابذتهم قد لزم، فتأهبوا ~~للترصد لهم؛ فضعفوا وجبنوا لقلة عددهم إلى عدد القوم، فأبى عليهم، وخرج ~~بهم، فلما قاربوا عسكر اللعين تراءوا له، فقال لأصحابه: من هؤلاء؟ # فقالوا: العلوي صاحب اليمن وأصحابه. PageV01P510 # قال: ما يريدون؟ # قالوا: جاء محاربا لك. فأزرى بهم. # فقال: هو ما سمعت، فنزل بقومه ونزل يحيى بن الحسين بأصحابه، وقد هالهم ~~كثرة أعداء الله في قلة عددهم، وكان عدد هم على ما [63] حدثني أبو العباس ~~الحسني قال: حدثنا أبو عبد الله اليماني رحمه الله: ألف رجل، فقال لهم ~~الهادي يحيى بن الحسين عليه السلام: مما تفزعون، وأنتم ألفا مقاتل؟ # قال: فقلنا: إنما نحن ألف. # قال: اتركوني على ألف. # قال: ثم قال الهادي عليه السلام «لأصحابه»: ما الرأي عندكم؟ # قال: فقال أبو العشائر؛ وكان ممن يقاتل راجلا: ما في الرجالة أشجع مني، ~~ولا في الفرسان أشجع منك، فانتخب من الجميع ثلاثمائة رجل، فسلحهم بأسلحة ~~الباقين حتى نبيتهم، فإنا لا نقدر عليهم، ولا نطيقهم إلا هكذا، فاستصوب ~~الهادي ذلك منه، ففعلوا ليلا ووقعوا فيهم ينادون بشعار يحيى بن الحسين حتى ~~ركبوا أكتافهم، وهزموهم ?ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي ~~عزيز?[الحج:40]. PageV01P511 ### || [بعض مواقفه في شبابه] # [64] حدثني أبوالعباس الحسني قال: حدثني أبو عبد الله اليماني رحمه الله ~~قال: كان يحيى بن الحسين عليه السلام إذا قاتل قاتل على فرس له يقال له: ~~أبو الحماحم، ولم يكن يطيقه من الدواب غيره، ولم يكن به من السمن والغلظ بل ~~كان وسطا من الرجال، ولكن كان رجلا شديدا قويا، وكان يعرف بالشديد. # وذكر أنه رآه شال برمحه رجلا كان طعنه به عن فرسه ورفعه به فانثنى قصب ~~الرمح وتكسر. # فأما إذهابه السكة بإصبعه من الدراهم الصحاح والدنانير المدثرة وثنيته ~~العمود فمستفيض شائع، وقد سمعت غير واحد من أصحابه أنه قبض على أصابع رجل ~~بيده السيف فهشم الأصابع على المقبض. # ومن المشتهر الذي يتحدث به: أنه كان له على رجل مال؛ ms092 ولعله كان قبل أن ~~يلي الأمر؛ فماطله الرجل، فخرج عليه، فأهوى إلى عمود قبان معلق هناك فألوى ~~به عنقه، فبقي طوقا فيه إلى أن سواه، وأخرج عنقه منه. PageV01P512 # وسمعت بعض العرب ممن اسمه مثبت عندي، وتوسمت فيه فضلا أن يحيى بن الحسين ~~كان يدخل سوق المدينة وهو مراهق أوفي عنفوان بلوغه، وقد امتروا شيئامن موضع ~~فيقول: ما طعامكم هذا؟ فيقال: الحنطة، فيدخل يده الوعا فيطحن منه بيده، ثم ~~يخرج يده ويقول: إنما هو دقيق، يريهم شدته وقوته. # وسمعت محمد بن علي بن سليمان الرسي رحمه الله يحكي عن ابن محمد بن القاسم ~~بن إبراهيم أن يحيى بن الحسين كان غلاما حزورا بالمدينة، وأن طبيبا نصرانيا ~~كان يختلف إلى أبيه الحسين بن القاسم على حمارله يعالجه في مرض كان به، ~~فنزل عن الحمار يوما، وتركه على الباب، ودخل، فصعد يحيى بن الحسين عليه ~~السلام بالحمار السطح «فلما خرج الطبيب فقد الحمار، فقيل له: صعد يحيى به ~~السطح»، فتحير الرجل، فقيل له: نسأله أن ينزله، فإن المثل السائر على أفواه ~~الناس أنه إنما ينزل الحمار من صعد به، فسألوه «إنزاله» فأنزله، ودميت ~~بنانه فبلغ ذلك أباه، فزبره، وخاف عليه العين. # وقيل: إنه كان أسديا، أنجل العينين، واسع الساعدين غليظهما، بعيد ما بين ~~المنكبين والصدر، خفيف الساقين والعجز، كأنه الأسد، وذلك أقوى بشر في الناس. # وباشر الحروب والوقائع، والطعن والضرب، وتلقى أهوال الحروب بنفسه، ما ~~يأتي بعضه بعد هذا. # وسمعت بعض أصحابه أنه كان يخرج في المفازة وحرمه على البعير فانقلب ~~البعير بحرمه، فغدا هو خلفه ليقف البعير، فلم يقدر حتى أخذ بذنب البعير ~~فأوقفه، وأمر أهله بالنزول، فلما نزلوا انفصل الذنب مع النصف من البعير ~~بعروقه. PageV01P513 # وسمعت أيضا أنه حين دخل آمل كان خفه عند الإسكاف فلاحه الإسكاف، وجفاه، ~~فأخذ خفا من «خفافه» وقت خروجه، ورفع العارضة بيده من الإسطوانه، «وجعل بعض ~~الخف تحت العارضة» وبعضه معلقا، ففقد الإسكاف الخف، وظن أنه سرق، وتعلق ~~بإنسان. # قال يحيى: لا عليك خفك تحت العارضة، ms093 فنظروا فتعجبوا، فسألوه الإخراج له ~~فرفع يده وأخرج الخف، فبلغ صاحب السلطان شجاعة أعرابي فتعلق به، وقال: إن ~~لك لشأنا، وما أنت إلا رجل ممن يحذر السلطان جانبه، فسأله يحيى الإفراج ~~عنه، فأبى وقال له: أرني من شجاعتك شيئا. # فقال: هل يحضر في الحال شيء يمكن لي أن أريك؟ # فقال: ليس معي إلا دنانير عتق، فأخذ بعض الدنانير فقطعه ببنانه قطعا، ~~فأفرج الرجل عنه. # وسمعت أنه كان يخرج في المفازة على نجيب فجاءه أعرابي ليسلب ~~منه شيئا، فدافعه فأبى، فأخذ بيده شيئا، وقال: تعال وخذ هذه الدنانير، ~~فقال: ألقها إلي، فقال: تعال وخذها، فذهب الرجل فأخذ بيده الأخرى وغدا مع ~~الإبل، فأداره حتى قطعه قطعة قطعة. ### || [بعض أخباره من سيرته للعباسي] # قال أبو الحسن علي بن بلال جملة من أخبار الهادي إلى الحق المنتخبة من ~~كتاب (السيرة) التي جمعها علي بن محمد بن عبيد الله العباسي، وكان عليه ~~السلام يسكن الفرع من أرض الحجاز مع أبيه وأعمامه وبني عمه مقبلا على العلم ~~والدرس، مواظبا على النظر في الفقه، مثابرا على عبادة ربه. PageV01P514 ### || [وفود أهل اليمن إليه (ع) المرة الأولى] # إلى أن وافاه وفد أهل اليمن يدعونه إلى بلادهم، ويعدونه النصرة والمعونة ~~والتأييد والمواساة بأنفسهم وأموالهم، وجمع أيديهم إلى يده على إحياء دين ~~الله وسنة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم ومجاهدة أعداء الله وأعداء دينه، ~~والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وذلك في سنة أربع وثمانين ومائتين، فنهض ~~معهم وأجاب دعوتهم وأغدى السير حتى وافى صعدة من أرض اليمن فأظهر أهلها ~~السرور بمقدمه، واجتمعوا إليه وبايعوه على كتاب الله وسنة نبيه صلى الله ~~عليه وآله وسلم فأقام بين أظهرهم شهرا، آمرا بالمعروف، وناهيا عن المنكر، ~~عاملا بكتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وآله وسلم فوجدهم نافرين منه ~~مزورين عنه قد ثقل عليهم الحق ومالوا إلى الباطل، واتبعوا الهوى فجهد رضي ~~الله عنه في تقويمهم ورياضتهم، وحرص على إرشادهم وهدايتهم، فتصعبوا عليه ~~ولم يجد فيهم إلى ما حاول مساغا، ولا إلى ms094 تقويمهم وإصلاحهم سبيلا، فلم ير ~~فيما بينه وبين الله تعالى المقام بين أظهرهم، فانصرف عنهم على سبيل خفية، ~~واتخذ الليل جملا، وانشمر إلى بلاده، وأغذ المسير وطوى المراحل والمنازل ~~حتى عاد إلى وطنه من أرض الحجاز، فأقام بها مع جماعة أهله جاريا على عادته ~~في طلب العلم والنظر في الحلال والحرام والسنن والأحكام والآثار والأخبار ~~مجدا له مواظبا عليه. PageV01P515 ### || [توجه الوفد إلى الإمام الهادي (ع) مرة أخرى] # فندم أهل اليمن على ما فرط «منهم» من مخالفته، والعدول عن أمره، وتلاوموا ~~بينهم، واتفقوا على أن يوجهوا إليه من كل قببيلة رجالا معروفين من خيارهم ~~وصلحائهم فيسألونه العودة إليهم، ويعلمونه ندمهم على ما فرط منهم، والتوبة ~~والإنابة مما قد أقدموا عليه من ترك طاعته، وأنهم قد تعاقدوا وعاهدوا الله ~~عز وجل على أن يأتمروا بأمره ويسارعوا إلى نصرته ويبادروا إلى ما يدعوهم ~~إليه ويبعثهم عليه ويندبهم له من مجاهدة الظالمين ومنابذة الفاسقين. # فقدم الوفد عليه وأدوا إليه ما تحملوا عمن ورءئهم من جماعتهم، وسألوا ~~وتضرعوا وألحوا، فلم ير الهادي رضي الله عنه أن يتقاعد عنهم ويتأخر عما ~~دعوه إليه وبعثوه عليه، فصرف الوفد عنه أحسن صرف، ووعدهم أن يخرج إليهم ولا ~~يتأخر عنهم، وأقام بعد خروجهم من عنده أياما فأصلح من أمره وعهد إلى أهله، ~~ثم خرج في جماعة من بني عمه وبني أبيه، وعدة من ثقاته وخدمه حتى وافى أرض اليمن. PageV01P516 ### || [دخوله صعدة وبيعته] # ونزل منها صعدة واجتمع إليه أهلها، ومن حولها من خولان وهمدان وبني ~~الحارث بن كعب، وبني عبد المدان. # وكانت بينهم فتنة عظيمة، وعداوة قديمة يقتل بعضهم بعضا، ويغير بعضهم على ~~بعض، فدعاهم الهادي رضي الله عنه إلى الهدى، وذكرهم بأيام الله وزجرهم عما ~~كانوا عليه، ونهاهم عن الفتنة والمعصية، ووعظهم بأبلغ المواعظ، وأحسن ~~الخطاب، فسارعوا إلى قبول قوله، وبايعوه على كتاب الله وسنة نبيه صلى الله ~~عليه وآله وسلم وإحياء معالم الدين، ومجاهدة الظالمين، ومباينة الفاسقين، ~~واختلط بعضهم ببعض وصاروا - ببركته - بعد الفرقة والعداوة المفرطة إخوانا ~~متحابين، ms095 وتداعت إليه قبائل اليمن فبايعه أكثرهم، وفاء إلى طاعته جمهورهم. PageV01P517 ### || [توبة أبي العتاهية] # وتاب أبو العتاهية على يديه، وفاء إلى طاعته، وهو ملك صنعاء والشام، ~~وأكثر مخاليف [و]رساتيق اليمن، وسلم إليه ما كان في يده من الممالك ~~والأموال والأثاث وتزهد ولم يزل يجاهد معه أعداءه ويحرض ويجد في نصرته ~~وإعزاز دعوته، حتى استشهد بين يديه في بعض أيامه وحروبه رحمة الله عليه ~~ومغفرته ورضوانه. # وأقام الهادي إلى الحق عليه السلام فيما ببينهم يأمرهم بالمعروف وينهاهم ~~عن المنكر، ويجاهد بمن أطاعه من تولى عنه من الجبارين الظالمين ويقاتل ~~القرامطة والمارقين. # وكان عليه السلام إماما سابقا فاضلا فقيها عالما بكتاب الله وسنة نبيه ~~صلى الله عليه وآله وسلم عاملا بهما، غير عادل «عنهما» إلى غيرهما، ورعا ~~دينا زاهدا ناصحا جوادا سخيا كريما مبرزا في جميع الخصال المحمودة المقربة ~~إلى الله جل جلاله. PageV01P518 ### || [مؤلفاته] # وله كتب ومصنفات في الدين والشرع، منها كتابه الجامع المسمى كتاب الأحكام ~~في الحلال والحرام، والسنن والأحكام، قد ضمنه ما يحتاج إليه من أصول الدين ~~وشرائع الإسلام ما أعلم لأحد من أهل بيت رسول الله كتابا في الفقه أجمع ~~وأكثر فائدة منه، وغيره من الكتب في الشرائع والأديان. PageV01P519 ### || [شجاعته وبعض حروبه] # وكان رضي الله عنه شجاعا بطلا مقداما نجدا قويا أيدا، شديد البطش، لم يكن ~~في زمانه له شبيه ولا نظير، ولا في البأس والنجدة مثيل، ولا عديل، وله ~~وقائع مشهورة، وأيام معروفة ومقامات محمودة، وحروب معلومة، قتل فيها صناديد ~~الفرسان بيده، وهزم الجمع الكثير، والجم الغفير بالقدر اليسير، وله ضربات ~~مشهورة قد ذاع نبؤها، وشاع خبرها في القريب والبعيد، ضرب رجلا من بني ~~الحارث بن كعب في بعض أيامه بسيفه في وسطه فقده نصفين، وطعن فارسا في بعض ~~حروبه في ظهره وعليه الدرع فأنفذ السنان من صدره ووصل إلى قربوس سرجه فهشمه وحطمه. # وتداعت في بعض مغازيه عليه جماعة لا تحصى كثرة من بني الحارث وغيرهم ~~وهجموا عليه، وهو غار غافل وهو في دار من دور قرية تعرف ms096 بهجر في نجران ~~فتفرق عنه أصحابه وخذله أكثرهم ولم يبق معه إلا نفر من المهاجرين من أهل ~~طبرستان من الكلارية والديالم، فلبس سلاحه وركب فرسه وأمر بفتح باب الدار ~~وخرج منها فحمل على القوم، فضرب رجلا فأبان رأسه عن جسده، وطعن آخر فنكسه ~~صريعا، وطعن آخر فألقاه على عنق فرسه، فأفرجوا له حتى توسط جمعهم فاعتورته ~~الرماح وأخذته السيوف، فخرج من بينهم وقد أصابته جراحات، ثم عطف عليهم ~~وحده، فاستقبله رئيس القوم مبارزا له حنقا عليه فضربه بسيفه، ضربة على ~~عاتقه، وعليه الدرع فقده حتى وصل السيف إلى حشوة بطنه فخر ميتا، وثابت إليه ~~جماعة من أصحابه لما عاينوا ثباته ومقاومته وحده مع ذلك الجمع الكثير، ~~وثبتوا معه فمنحه الله أكتاف عدوه فانهزموا ما بين قتيل وأسير. # وبلغني أنه رضي الله عنه قال بعد ذلك: لما ضربت رئيس القوم تلك الضربة ~~رفعت سيفي عنه لأضربه فوجدت ريح الضربة، فعلمت أن الله قد قتله وقويت بذلك ~~منتي وأفرغ الله علي الصبر «وأيدني بالنصر» وانهزم العدو، وله رضي الله عنه ~~سوى ما ذكرت مواقف كريمة ووقائع في أعداء الله مشهورة لاتحصى كثرة. PageV01P520 # وبلغني أنه كان يضرب بسيفه عنق البعير البازل الغليط فيبينه عن جسده، وكان ~~يأخذ قوائم البعير المسن القوي فلا يقدر البعير وإن جهد على النهوض. PageV01P521 ### || [علمه وزهده وفضله] # وكان مع هذا مجتهدا عابدا يصوم أكثر أيامه، ويحيي أكثر ليله «تهجدا ~~وصلاة»، ويتجزى بالقليل من الطعام، قد شرى نفسه لله وهان عليه ما يلقى من ~~المحن والأهوال، ويقاسي من الشدائد من مخالفة أهل اليمن له مرة بعد أخرى، ~~وثانية بعد أولى، ونقضهم العهود المؤكدة، والمواثيق المغلظة، ونكثهم ~~الأيمان بعد توكيدها، وخروجهم من طاعته، ومحاربتهم له ومعاونتهم أعداءه ~~عليه، وتقويتهم إياهم بالأموال سرا وإعلانا، لم يقاس أحد من الأئمة رضوان ~~الله عليهم بعد محمد وإبراهيم ابني عبد الله بن الحسن مثله. # ولبث فيهم بضع عشرة سنة لايفتر ولا يكل عن دعائهم إلى طاعة ربهم ولايهن ~~ولا يفشل عن تأديبهم وتقويمهم، وحملهم على ms097 حكم الكتاب والسنة متقبلا سنة ~~آبائه الراشدين مقتديا بهديهم متبعا آثارهم، مجاهدا أعداء الله، باذلا نفسه ~~لله مع قلة أنصاره وأعوانه، وكثرة محاربيه وأعدائه، حتى جاءه أمر الله الذي ~~لا محيد عنه، ولا مهرب منه، فاختار الله له ما عنده وقبضه إليه حميدا مرضيا. PageV01P522 ### || [عمره ومدة مكثه باليمن وتأريخ وفاته] # [65] حدثني أبوالعباس الحسني قال: سألت أبا عبد الله اليماني، لكم مات ~~الهادي عليه السلام؟ # قال: توفي عليه السلام وهو ابن ثلاث وخمسين سنة، هكذا أخبرني المرتضى ~~عليه السلام، وخرج إلى اليمن وهو بن خمس وثلاثين سنة، فيكون مدة أيامه على ~~هذا باليمن ثماني عشرة سنة، وخرج قبل ظهور الناصر إلى طبرستان بثلاث سنين، ~~لأن الهادي عليه السلام خرج باليمن في سنة ثمانين ومائتين، ودخل الناصر ~~طبرستان آخر سنة إحدى وثلاثمائة، فبين الميقاتين إحدى وعشرون سنة، ودخل ~~الناصر الديلم سنة سبع وثمانين ومائتين، فبين الميقاتين من السنين سبع، ~~وتوفي الهادي عليه السلام في آخر سنة ثمان وتسعين ومائتين، فبين وفاته ~~ودخول الناصر ثلاث سنين. # ولما ولد يحيى بن الحسين عليه السلام أتي به إلى القاسم بن إبراهيم عليه ~~السلام فأخذه ووضعه في حجره المبارك وعوذه وبارك عليه ودعا له، ثم قال ~~لأبيه: ما سميته؟ قال: يحيى، وقد كان للحسين بن القاسم أخ لأبيه وأمه يسمى ~~يحيى، توفي قبل ذلك. # قال: فبكى القاسم عليه السلام وقال: هو والله يحيى صاحب اليمن. PageV01P523 ### || [إخبار أمير المؤمنين علي (ع) بصاحب الترجمة] # قال علي بن محمد بن «عبيد الله» العباسي مصنف سيرة الهادي إلى الحق: قد ~~جاءت الروايات الكثيرة بمقامات الهادي وخروجه: # فمن ذلك قول أمير المؤمنين عليه السلام فيما رواه أنس بن نافع أنه كان ~~يقول: «تكون فتن بين الثمانين ومائتين فيخرج من عترتي رجل اسمه اسم نبي ~~يميز بين الحق والباطل ويؤلف الله تعالى قلوب المؤمنين على يديه «كما تتآلف ~~قزع الخريف». # وروي عن الصادق عليه السلام أنه قال: أول ما يأتيكم الفرج من قبل اليمن، ~~قال العباسي: فسألت أبي وكان معه حين خروجه ms098 فقال: أول ظهوره بالرس بجبل ~~الفرع، وذلك أنا خرجنا إليه وهو به ومعه عماه محمد والحسن ابنا القاسم، ~~وكان معه أخوه عبد الله بن الحسين وجماعة فأتيناهم فسلموا علينا وتحدثوا ~~عندنا ساعة، ثم انصرفوا إلى منازلهم، ثم عادوا إلينا «بعد العتمة»، فلما ~~حضرت الصلاة وقمنا إليها قال الهادي عليه السلام لعمه محمد: تقدم يا عم صل ~~بنا، فقال: سبحان الله لا يجوز لي أن أتقدم عليك، فقال الهادي: قد جعلت ~~الأمر إليك. فتقدم محمد فصلى بنا، فلما سلم قال: يا بن أخي استغفر الله لي ~~فإني قد تقدمت عليك فصليت بك، وكنت أحق بالتقدم مني. # فقال الهادي: غفر الله لك يا عم، وكان يقول عمه محمد: لو حملتني ركبتاي ~~يا أبا الحسين لجاهدت معك، فخرج عليه السلام ومعه ابنه محمد وجماعة من آل ~~الرسول وغيرهم من خدمهم، قال: فوصلنا إلى صعدة لستة أيام خلون من صفر سنة ~~أربع وثمانين ومائتين، فقدمنا على خولان، وفيهم تفرق وتباين ومحاربات ~~عظيمة، فأصلح الهادي عليه السلام بينهم، ثم دبر أمرهم، وأمر البلاد، وأنفذ ~~العمال. PageV01P524 # قال العباسي: سمعته «يوما» يقول: ما أعلم اليوم راية مثل راية بدر إلا ~~رايتنا هذه، ولا عصابة أفضل من عصابتنا هذه، ثم قال: وكيف لايكون ذلك وإنما ~~همكم إظهار الدين وإحياء كتاب رب العالمين، والأمر بالمعروف والنهي عن ~~المنكر، ترقدون ولا تمنون بظلم وتقومون كذلك. # وسمعته يقول: قد قلت والله مرتين: لو علمت أن أحدا أقوم -في هذا العصر- ~~مني لاتبعته حيث كان، وقاتلت بين يديه، ولكني لا أعلمه. # وسمعته يقول وبيده مصحف: بيني وبينكم هذا، فإن خالفت ما فيه بحرف فلا ~~طاعة لي عليكم، بل عليكم أن تقاتلوني. # وكان يقول: لوددت أنه كانت لي سعة في الجلوس، وإنما خرجت اضطرارا لقيام ~~الحجة علي، ثم فتح نجران وأقام بها وساير الأمور في جماعتها ثم عاد إلى ~~صعدة، وكان شجاعا يضرب به المثل وكان يقول في حروبه ويصيح: كيف رأيتم قتال ~~أهل العدل والتوحيد وكان ابنه أبو القاسم معه وهو الشجاع المجرب ms099 ثم فتح ~~خيوان ودان له الناس وكان يقول الشعر، فمما قال: # أنا ابن محمد وأبي علي .... وعمي خير منتعل وخالي # بحذوهم لعمركم احتذائي .... كما حذي المثال على المثال # أنا الموت الذي لا بد منه .... على من رام حربي واغتيالي # أخوض إلى عدوي كل هول .... وأصبر عند معترك النزال PageV01P525 ### || [فتح صنعاء ونواحيها وأسر ابنه المرتضى] # ثم فتح صنعاء ودخلها وأقام بها، وشرد المخالفين عنها، وأخاف الظالمين من ~~أهلها، وأقام العدل في كافتها، ثم حاربوا الهادي وابنه المرتضى، وأسروه من ~~موضع يعرف بمدر في شهر رجب من سنة تسعين ومائتين فغدوا بهم إلى صنعاء ~~فبيتوهم في بعض الطريق، فلما أصبح اليوم الثاني وهو يوم الخميس، غدوا لهم ~~بالإبل فأركبوهم عليها، وكان أبوالقاسم على بغلة تجاه أصحابه ومضوا بهم حتى ~~أدخلوهم صنعاء، وطافوا بهم في أسواقها وخذل بذلك أهل صنعاء خذلا شديدا، ~~وانصرف الهادي إلى الحق حتى صار إلى ورور، وتتالت إليه الأخبار، وأقام بها، ~~وأخباره يطول وأطلعوا أبا القاسم حصن بيت بوس وصاحبه، فكان مما قاله وهو ~~مأسور في بيت بوس أشعار منها قوله: # يا بيت بوس حللنا في حواك على .... خذلان أمتنا من بعد ميثاق # ماذا اعتذارهم عند النبي غدا .... إذ لا تقومون في نصري وإطلاقي # أيطمعون بدار الخلد إنهم .... فيما رجوه على حدباء من لاق # ليس الرسول براض بالذي فعلوا .... إذا لهم كشف الهادي عن ساق # قل للعبيد إذاما جئت ناديهم .... وحولهم خزوا من كل فساق # كأنني بعد أيام بدولتكم .... وأنتم مزق في كل آفاق # حتى على رغمكم أنجو ويعقبكم .... ربي بجدة دنياكم بإخلاق # لا تأمنني فإن الدهر ذو عقب .... والله يحدث أمرا كل إشراق # حسبي عليكم هلاك واذكروا خبري .... إن النصيحة لا تشرى بأوراق # أكل يوم أراكم تنقصون وقد .... أرى عدوكم يعلو بإسحاق # لا تحسبوا أنني آسىلحبسكم .... ونحوكم كان بقربتي وإعتاق # إن الذي نالني فتح علي لما .... نويت في الله مع صبري وأخلاقي PageV01P526 وقال أيضا وهو مقيد: # لا تكثروا إن قلبي ليس يفزعه .... ثقل الحديد وحق الغر أجدادي # ما ms100 زرتكم بقفا الخلى من عنت .... في يوم (أتوه) لو أوفوا بميعادي # لكن همدان خلونا وما حفظوا .... لنا ذمام رسول الله في النادي # ولوتنا صفت الأبطال في حدد .... ما كان عمرك رهط العبد أندادي # لو كان حولي خولان لما رضيت .... يوما بتركي وفدوني بأولادي # وأنفس واقيات بالذمام إذا .... جاءت اللئام فهم هم خير أسادي # السابقون إلى التقوى بفخرهم .... الذائدون العدا عن حوزة الهادي # ذاك الإمام أمين الله قد علموا .... وناشر الحق في الحضار والبادي # وقال أيضا: # أتعلم يا ركيك بني طريف .... بأني ما نهضت من الحجاز # وفي أملي البقاء لملك دنيا يدوم .... وما وقيت من المراز # ولكني نهضت بثار ربي .... أذل الظالمين لدى البراز # بطعن في الخواصر والتراقي .... وفي الأواسط ينفذ كالحراز # أو الأخرى فتلك أجل قدرا .... وأعظم للثواب لدى المجاز # وهمك أنت قينات وخمر .... وفسق لا تفيق من المخاز # فميز بين فعلكم وفعلي .... وبين غوى كفرك واحتراز # تجدني إن صدقت أحق منكم .... وأولى بالمقام وبالحياز # وإن أبي الإمام وإن رغمتم .... له الرحمن بالإحسان جاز PageV01P527 وقال أيضا: # وإليك يابن العبد إن قيودكم .... لأقل في عيني من البواغي # فاربع عليك فليس شيمة مثلنا .... جزع النفوس بمعضل البلوائي # أعلي تجلب بالقيود وإنما .... هوى الحياة مخالف آبائي # أحسبتني هلع الجنان وإنما .... أرضي تسيل عليكم وسمائي # بالصبر إن خلائقي محمودة .... وكذاك كان الغر من قدمائي # وبصيرتي في الدين تحجب نورها .... زلل الطباع إذا أردت منائي # لو شئت أن لا تعتريني محنة .... لأقمت بين مطارحي ووطائي # ورفضت كل مجبب طاوي الحشا .... وهجرت كل صوارمي وقنائي # ولما قصدت الظالمين بمهجتي .... وطلبت حر ضرامها بضبائي # فعلي ليس تجوز خطة باطل .... وعلى سواي فهولوا أعدائي # ثم أطلقوا عنه بعد أيام، «وكان مروره رائحا على مدينة شبام، وخلع عليه ~~ابن أبي يعفر وركبه فرسين وراح إلى الهادي عليه السلام رجع!» ولم يزل عليه ~~السلام في الجهاد مع المسودة والقرامطة والظالمين والفاسقين، ومع أهل صنعاء ~~ومخاليف اليمن، ومع أهل نجران حتى توفي عليه السلام بصعدة وكانت وفاته ~~-يعني الهادي عليه السلام- عشية ms101 الأحد لعشر بقين من ذي الحجة سنة ثمان ~~وتسعين ومائتين. PageV01P528 ### | [(24) الإمام المرتضى محمد بن يحيى بن الحسين (أبو القاسم الداعي)] [278 - 310 ه / 891 - 922 م] PageV01P529 ### || [وصية والده] # ذكر العباسي في كتابه أنه لما توفي الهادي إلى الحق عليه السلام أوصى إلى ~~ابنه أبي القاسم محمد المرتضى وعهد إليه عهدا فيما بينه وبينه، وأمره بتقوى ~~الله وطاعته، لم يخلف دينارا ولا درهما ولا عقارا، ولا أثاثا، وجزع ~~المسلمون عليه جزعا شديدا وبكوا عليه، وسقط في أيديهم وقت وفاته، وفت في ~~أعضادهم وذهلت عقولهم، وخافوا على نفوسهم وأهاليهم وأولادهم الهلكة من غلبة ~~القرامطة، وأهل البدع في استيلائهم على بلادهم، وألحوا على المرتضى في أخذ ~~بيعتهم، وانثالوا عليه من كل فج عميق، وقالوا له: لايسعك خذلاننا ولا يجوز ~~بينك وبين ربك التقاعد عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والدفع عن ~~المظلومين، ونحن أجنادك وأولياؤك على الحق، نفديك بأنفسنا ونواسيك بأموالنا ~~حتى تقيم كتاب الله، وتحكم بسنة رسول الله وتحيي ما أماته الفاسقون من ~~شرائع دينه، فدافعهم المرتضى أحسن دفع وخاطبهم بأجمل المخاطبة، وعاتبهم ~~أبلغ المعاتبة على ما كان من تفريطهم وتقصيرهم في معاونة الهادي رضي الله ~~عنه على الحق ونصرته على أهل الباطل، وامتنع مما دعوه إليه من جميل ولم ~~يؤيسهم منه أياسا قاطعا. # وقال لهم فيما كان يخاطبهم به: أنتم معاشر المسلمين على خير، ولم تعدموا ~~إن شاء الله ما تريدونه منا، ولكن لنا عليكم شروط نشترطها، وأمور من الحق ~~نصفها ونبينها لكم، ولا يصلح الدخول في مثل هذا الأمر بالعجلة، ولا يجوز ~~الإقدام عليه بالتعسف، بل نقفكم من الأمر على صحته، وننا ظركم على ما يجب ~~علينا وعليكم من فرض الله عز وجل وحكمه فينا وفيكم، ولكم إلينا عودة إن شاء الله. PageV01P530 # فلما أصبح الناس قصدوا بأجمعهم باب المرتضى فكثر جمعهم وامتلأت المحال ~~والأسواق والطرق والمساجد منهم، فخرج إليهم المرتضى عليه السلام وعليه ~~السكينة والوقار وسيماء الأئمة الأبرار، فلما بصر الناس به ووقعت أعينهم ~~عليه ارتفعت أصواتهم وأجهشوا بالبكاء ودعوا ms102 بالويل والثبور، فسكن منهم ~~المرتضى فلما سكتوا وسكنت أصواتهم، قال: جزاكم الله من أهل محبة وولاية ~~خيرا، ونعم الإمام كان لكم الهادي رضي الله عنه الناصح لكم الحدب عليكم، ~~كان والله حريصا على إرشادكم طالبا لصلاحكم «مؤثرا لكم»، حاملا لكم على ما ~~فيه نجاتكم، داعيا لكم إلى ما يقربكم إلى الله، زاجرا لكم عما يبعدكم منه، ~~حاكما فيكم بالعدل والقسط، لا تأخذه في الله لومة لائم، ولا عذل عاذل، على ~~مثله فليكثر البكاء والأحزان، والندم والحسرة والأشجان، ولكن المرجع إلى ~~الله عز وجل في جميع الأحوال، والعمل بالتوبة والدعاء إليها والحث عليها ~~أولى بنا وبكم، ولنا ولكم فيما نزل بنا من الأمر العظيم وحل بساحتنا من ~~الفادح الجسيم أسوة برسول الله وبالأئمة الماضين من عترته صلوات الله عليهم ~~فإنا لله وإنا إليه راجعون، رضاء بقضائه وتسليما لأمره، والموت سبيل ~~الأولين وطريق الآخرين، وبذلك حكم على عباده رب العالمين، وحتى يرث الله ~~الأرض ومن عليها وهو تبارك وتعالى خير الوارثين، ثم بكى بكاء شديدا وأنشأ يقول: # يسهل ما ألقى من الوجد أنني .... مجاوره في داره اليوم أو غد # وارتج البلد بالبكاء، وتكلم كل واحد منهم بمبلغ رأيه وعلمه. PageV01P531 ### || [خطبته بعد وفاة والده (ع)] # فلما هدأت الأصوات، وسكنت الأجراس، قال المرتضى -رضي الله عنه: الحمد لله ~~رب العالمين، ومالك يوم الدين، ونستعينه على شكر ما أصبحنا نتقلب فيه من ~~نعمه التي لا تحصى، ونحمده على ما أصابنا من خير وبلوى، ونسأله الصلاة على ~~سيد المرسلين، وإمام المتقين محمد النبي المصطفى وآله أجمعين، ثم إن الله ~~جل وعز أمر أمورا، وفرض على خلقه فروضا، لم يرض منهم إلا بالعمل بها، ~~والتسارع إلى ما فرض الله عليهم منها، وأرسل محمدا خاتم النبيين، بشيرا ~~ونذيرا إلى جميع المخلوقين، وأنزل عليه كتابا فيه نور مبين، وشفاء لما في ~~الصدور، ?لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم ~~حميد?[فصلت:42]، أمر عباده بالعمل على ما فرضه عليهم وأكد من الأمر عليهم ~~بعد أن أعطاهم ms103 الاستطاعة، ومكنهم من القدرة على ما أمرهم به ودعاهم إليه ~~?ليهلك من هلك عن بينة ويحيا من حي عن بينة وإن الله لسميع ~~عليم?[الأنفال:42]. # ولسنا (رحمكم الله) بأبناء دنيا فنتكالب عليها، ولا بأهل الباطل فنطلب ~~الأمارة والسلطان والأمر والنهي من غير استحقاق، وعلى غير جهة رشد وسداد، ~~واستقامة وصلاح، أكثركم يعلم كيف كنتم للهادي رضي الله عنه بعد دعائكم إياه ~~إلى بلادكم وبيعتكم له على كتاب الله وسنة نبيه محمد صلى الله عليه وآله ~~وسلم وإحياء معالم الدين، ومجاهدة الجبارين الظالمين، ألم ينقض أكثركم تلك ~~العهود المؤكدة والمواثيق المغلظة؟! # ألم ينكث جلكم أيمانكم بعد توكيدها، وقد جعلتم الله عليكم كفيلا؟! # ألم يدع أكثركم الحق جهرا واتبع الباطل وباع الكثير الباقي بالتافه ~~اليسير الفاني؟! PageV01P532 # وكان رضي الله عنه يقاسي منكم الأمرين، وتصيبه منكم المحن المتواترة، ~~وتعاملونه بأقبح المعاملة، وتقابلونه على جميع أفعاله معكم وإحسانه إليكم ~~وعفوه عن ذنوبكم بالإساءة إليه والخروج عليه فصبر من ذميم أفعالكم وقبيح ~~معاملاتكم على ما لايصبر عليه إلا من امتحن الله قلبه بالتقوى، ونوره ~~باليقين والهدى، ما قصر ولا وني من دعائكم إلى رشدكم، وإلى طاعة ربكم، ~~ولاسئم من نصحكم والشفقة عليكم، ولا ترك تقويم المتئود منكم، ولا بخل بما ~~حوته يده عليكم، ومواساتكم بنفسه وماله، لم يتعلق عليه أحد منكم بمظلمة، ~~ولا ادعى عليه أحد عدولا عن الحق، وميلا إلى الهوى، ومحاباة لولد وذي قربى، ~~بل كان يعمل بكتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وآله وسلم قد جعلهما نصب ~~عينيه، لا يفارقهما ولا يزايلهما، ولا يدع العمل بهما، فأفعالكم التي ~~تفعلون، وسيرتكم التي بها تسيرون، وطرقكم التي فيها تسلكون لا نحمدها ~~ولانأمن من الله عز وجل العقوبة على مقارتكم عليها، ومداجاتكم فيها، وأنتم ~~إلى الباطل تميلون، وعن الحق تفرون، وفي معاصي الله تسارعون، ولولا إيثار ~~طاعة الله والائتمار لأمره والوقوف عند ما حد من حكمه، لكان ما عرضتم علي ~~منه من طلب الدنيا وإرادة من اتبع الهوى، هيهات لا أزول عن أمر الله شبرا، ms104 ~~ولا أفارق حكمه فترا حتى ألحق بالله على بصيرة، وألقاه جل وعز بعزيمة ~~صادقة، فإن تقبلوا إلى طاعة الله وتنقادوا لأمر الله وتصبروا على حكمه فيما ~~ساءكم وسركم، وأعطاكم وأخذ منكم، كنتم من الفائزين، وعند خالقكم من ~~المقربين، فاتقوا الله وارجعوا باللوم على أنفسكم وتوبوا إلى الله رب ~~العالمين، وقوموا له قانتين، ولأوليائه موالين، ولأعدائه معادين، ولأهل ~~معصيته منابذين، ولمن خالف أمره مهاجرين، ولآثار رسوله متبعين، وللمعصية ~~والفسوق تاركين، وبالمعروف آمرين، وعن المنكر ناهين، وللأئمة الصالحين من ~~أهل بيت رسول الله مطيعين، واعلموا ?إن الله مع PageV01P533 الذين اتقوا والذين هم محسنون?[النحل:128]. # ولم ينو المرتضى رضي الله عنه ملابسة هذا الأمر، ولم يرد اعتناقه والقيام ~~به بوجه من الوجوه؛ لمعرفته بسوء نية أهل اليمن وعلمه، ولكنه لم يؤيسهم ولم ~~يبعدهم من طلبتهم، خوفا من تغلب القرامطة على تلك البلاد، وخشية على ~~الضعفاء والأرامل والأيتام من السبي والغارة، فكاتب حلفاء أبيه الهادي عليه ~~السلام من قواد بلاد اليمن ومخاليفها فاقرهم علىما كانوا يتولونه من ~~الأعمال وأمرهم بضبط ما في أيديهم ومحاربة من قصدهم من القرامطة ~~والمخالفين، وأمرهم بالتعاون والتناصر، وأن يمد بعضهم بعضا إذا احتاجوا إلى ~~ذلك، وأمرهم أن يقسموا الأعشار والصدقات، وما يجري مجراها من الأموال على ~~ما كان الهادي رضي الله عنه يقسمها، لم يتناول منها درهما فما فوقه، ولم ~~يتناول من طعامهم طعاما. # فلما استقامت له الأمور، جد في تسريب الخيول لقتال القرامطة وأهل البدع ~~والزيغ في الإسلام، فنصر الله أولياءه على أعدائه، وعلت كلمة الحق وقتل ~~القرامطة في كل فج، وآمن الله المرتضى لدين الله والمسلمين من شر القرامطة، ~~وجعل دائرة السوء عليهم، وقتلوا في كل موضع. والحمد لله رب العالمين. PageV01P534 ### || [خطبته بعد عزمه على الاعتزال] # وقال في خطبة خطبها بعد عزمه على الاعتزال: # ثم إنكم معاشر المسلمين أقبلتم علي بعد موت الهادي رضي الله عنه ~~وأردتموني على قبول بيعتكم فامتنعت مما سألتموني ودافعت بالأمر ولم أؤيسكم ~~من إجابتكم إلى ما طلبتم مني، خوفا من استيلاء القرمطي لعنه ms105 الله على ~~بلادكم، وتعرضه للضعفاء والأيتام والأرامل منكم ، فأجريت أموركم على ما كان ~~الهادي رضي الله عنه يجريها، ولم أتلبس بشيء من عرض دنياكم، ولم أتناول ~~قليلا ولاكثيرا من أموالكم، فلما أخزى الله القرمطي: ?وكفى الله المؤمنين ~~القتال وكان الله قويا عزيزا?[الأحزاب:25]، تدبرت أمري وأمركم، ونظرت فيما ~~أتعرضه من أخلاقكم، فوجدت أموركم تجري على غير سننها، وألفيتكم تميلون إلى ~~الباطل وتنفرون عن الحق وتستخفون بأهل الصلاح والخير والدين والورع منكم، ~~لاتتناهون عن منكر تفعلونه، ولاتستحيون من قبيح تأتونه وذنب عظيم ترتكبونه، ~~ولا تتعظون بوعظ الواعظين، ولا تقبلون نصح الناصحين، بل تجرون في غيكم، وعن ~~أمر الله إلى نهيه عادلين، وعن من يأمركم بطاعة الله مزورين، وعنه نافرين، ~~وإلى أعداء الله وأعداء دينه الجهال الفساق راكنين، وقد قال الحكيم العليم ~~في محكم التنزيل: ?ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار وما لكم من دون ~~الله من أولياء ثم لا تنصرون?[هود:113]. PageV01P535 # فلما لم أجد فيكم من يعين الصادق المحق، ويأمر بالمعروف ويرغب في الجهاد، ~~ويختار رضا الله جل وعز على رضا المخلوقين إلا القليل من القبيلة، واليسير ~~من الجماعة، أنزلت هذه الدينا من نفسي أخس المنازل، وآثرت الآخرة الكريمة ~~محالها، الشريفة منازلها، العلية مراتبها، واخترت الباقي الدائم على الفاني ~~الزائل، وتمسكت بطاعة رب العالمين وذلك من غير زهد مني في جهاد ا لظالمين، ~~ومنابذة الفاسقين، ومباينة الجائرين، مع علمي بما فرض الله عز وجل منه على ~~عباده في وقته وحينه وأوانه، وأيقنت مع الأحوال التي وصفتها والموانع التي ~~ذكرتها أن السلامة عند الله في الزهد في الدنيا والاشتغال بعبادة رب ~~العالمين، والاعتزال من جميع المخلوقين، وذلك بعد رجوعي إلى كتاب الله جل ~~وعز، واشتغال خاطري بتدبر آياته، وإعمال نظري وفكري في أوامره وزواجره، ~~ومحكمه ومتشابهه، وخاصه وعامه، وأمره ونهيه، وناسخه ومنسوخه، فوجدته يوجب ~~علي التبري من هذا الأمر إيجابا محكما، ويلزمني تركه إلزاما قاطعا. # فاتبعت عند ذلك أمر الله ونزلت عند حكمه، ورضيت بقضائه، فإن يقم لله عز ~~وجل بعد ذلك علي ms106 حجة ووجدت على الحق أعوانا، وفي الدين إخوانا، قمت بأمر ~~الله طالبا لثوابه، حاكما بكتابه، متقلدا لأمره، متبعا سنة نبيه صلى الله ~~عليه وآله وسلم لا أفارقه ولا أعدل عنه حتى يعز الله الحق، ويبطل الباطل، ~~أو ألحق بصالح سلفي الذين مضوا لله طائعين، ولأمره متبعين، وبأمره قائمين، ~~وإن لم أجد على ذلك أعوانا صادقين، وإخوانا لأمر الله متبعين، لم أدخل بعد ~~اليقين في الشبه، ولم أتلبس بما ليس لي عند الله بحجة، وكنت في ذلك كما قال ~~الله تعالى: ?فتول عنهم فما أنت بملوم?[الذاريات:54]. # أمثلي يدخل في الأمور« المشتبهة» الملتبسة؟!! PageV01P536 # هيهات هيهات منع من ذلك خوف الرحمن، وتلاوة القرآن، والمعرفة بما أنزل الله ~~في محكم القرآن، فإني لست ممن تغره الدينا بحسنها، وتخدعه بزينتها، فاتقوا ~~الله عباد الله حق تقاته، وعاونوا الحق والمحقين، وجانبوا الباطل ~~والمبطلين، وكونوا مع الصادقين، واعلموا أنكم ميتون، وإلى ربكم راجعون، ~~وعلى أعمالكم محاسبون، وبما كسبت أيديكم مرتهنون، وما الله بظلام للعبيد، ~~والسلام على من اتبع أمر الله ورضي بحكم الله، وآثر طاعة الله. # واعتزل رضي الله عنه الأمر وخلا بربه وآثر عبادته على كل شيء.. # قال عبد الله بن عمر الهمداني: اجتمع الناس إليه فطلبوا القيام وعقد ~~الإمامة، فدافعهم إلى أن ظهر بن الفضل القرمطي في الناحية، وذلك في سنة ~~ثمان وتسعين ومائتين، فحارب القرمطي، ثم أغلق الباب على نفسه ولزم منزله ~~وعاد الطبريون إلى بلادهم، وتوفي المرتضى رحمة الله عليه ورضوانه على ما ~~ذكر عبد الله بن عمر الهمداني في شهر المحرم سنة عشر وثلاثمائة وصلى الله ~~على خير خلقه محمد ومن طاب من عترته وسلامه أمين. PageV01P537 ### | [(25) الإمام الناصر أحمد بن يحيى بن الحسين (أبو الحسن)] [... - 325 ه / ... - 937 م] PageV01P538 ### || [تأريخ تسليم الأمر من أخيه المرتضى] # وخرج في صفر سنة إحدى وثلاثمائة في أنصاره رضي الله عنه من خولان، وهم ~~السابقة في النجدة، ودارهم دار الهجرة، وهم أعوان الأئمة، فبايعه الناس، ~~فأول من بايعه خولان، وفيه يقول إبراهيم بن محمد التميمي شعرا: # من ms107 ذا يفاخر أولاد النبي ولا .... من ذا يداني إلى أنسابهم نسبا # قوم أبوهم رسول الله خصهم .... بأن يكون لهم دون الأنام أبا # قوم إذا افتخر الأقوام واجتهدوا .... وجدت كل فخار منهم اكتسبا # وهو عليه السلام صاحب الوقعة باليمن التي أوهن فيها ركن القرامطة ~~فانهزموا إلى المغرب واستأمن الخلق منهم، وتابوا على يده، وكان فتحا عظيما ~~باليمن، وكان عليه السلام شاعرا، وهو الذي يقول: # أبعد الأربعين رجوت خلدا .... وشيبك في المفارق قد أتاكا # كأني بالذي لابد منه .... من أمر الله ويحك قد دهاكا PageV01P539 ### || [بعض رسائله (ع)] # وله رسالة إلى الناس عامة، وذكر في بعض الرسائل: # ألا وإني قد رغبت إلى الله تعالى فيما رغب الله فيه فنهضت إليه وقمت فيما ~~ندب إليه، فسموت له، وعرفت بما أمر الله فأعلنت له، ولم أسع لطلب دنيا ولا ~~توفير مال، ولا ازدياد حال، ولا طلب فساد في الأرض ولا إضاعة لحق، ولا ~~انتهاك لمسلم، ولاهتك لمحرم، ولا إراقة دم حرام، ولا إظهار بدعة، ولافعل ~~شنعه، ولا محبة رفعة، ولا إرادة رفاهية، ولا مفاخرة بجمع، وإنما قمت للازم ~~الحجة لي ووجوبها لله علي، وتوثق أرباقها بي، على حين جفا من الإخوان، ~~وتراكم من الأحزان، وإفراد من الأعوان، وليس مكاني بخفي، ولا مقامي بغبي، ~~ولا اسمي بمجهول، فيعذر الغافل والمتثاقل، ويجد حجة الخاذل، ويمكن المتخلف ~~التأول، مع المحن التي أنا فيها، والأمور التي أقاسيها من كثرة لائم ~~لايرضى، وعابد للدنيا ومتطلب للسعة والغنى، ومتربص لايبقى، ومفرد عند ~~الشدائد لايرعى، ومتسخط وقت لايعطى، وما دعوت إلى الدنيا فإذا عدمها أهلها ~~معي ذهبوا، وإذا فارقوها انقلبوا. PageV01P540 # ألا وإني إنما دعوت إلى ما دعا إليه من كان قبلي من الأئمة الطاهرين ~~والعبادالصالحين، أنا عبد الله وابن نبيه صلى الله عليه وآله وسلم الشاري ~~نفسه لله سبحانه، الغضبان لله جل ثناؤه إذعصي في أرضه، واستخف بفرضه، وقتلت ~~الدعاة إلى دينه، فلو أسعفتني الأعوان، وعاضدتني الأنصار، وصبر على دعوتي ~~أهل الأديان، لعلوت فرسي، واعتصبت رمحي، وتقلدت نجاد سيفي، وأخذت درعي، ~~وقصدت ms108 أعداء الله جل ذكره، وكافحت الأقران في يوم الطعان، صابرا محتسبا، ~~مسرورا جذلا، إذا أشرعت الأسنة، واختلفت الأعنة، ودعيت نزال لمكافحة ~~الأبطال، وتكافحت الرجال، وسالت الدماء، وكثرت الصرعى، ورضي الرب الأعلى، ~~فيا لها خطة مرضية لله جل ثناؤه ما أشرفها، وأنا أشهد الله لوددت أني أجد ~~إلى حيلة سبيلا، يعز فيها الدين ويصلح على يدي أمر هذه الأمة، وإني أجوع ~~يوما وأطعم يوما حتى تنقضي أيامي وألاقي حمامي، فذلك أعظم السرور وأجل ~~الحبور، وأشرف الأمور، ولو كان ذلك وأمكن ما نزلت عن فرسي، إلا لوقت صلاة، ~~والصفان قائمان، والجمعان يقتتلان، والخيلان تتجاولان، فنكون في ذلك كما ~~قال شاعر أمير المؤمنين عليه السلام بصفين: PageV01P541 # أيمنعنا القوم ماء الفرات .... وفينا السيوف وفينا الجحف # وفينا الشوارب مثل الوشيج .... وفينا الرماح وفينا الزعف # وفينا علي له سورة .... إذا خوفوه الردى لم يخف # وكما قال جدي القاسم بن إبراهيم عليه السلام: # دنياي ما زال همي فيك متصلا .... وإن جنابك كان المزهر الخضرا # إذا انقضت حاجة لي منك أعقبها .... هم بأخرى فما ينفك مفتقرا # متى أراني إلى الرحمن مبتكرا .... في ظل رمحي ورزقي قل أو كثرا # ولكن قل المعين على هذا الدين، فأنا وحيد دهري، وغريب في أمة جدي، وقد ~~شغل بذلك قلبي، وضعف عزمي، إلى طوال من عظاته، ومعاتباته، وتحريض الناس على ~~الجهاد. # وتوفي عليه السلام قيل: أظنه سنة خمس عشرة وثلاثمائة، ومشهد الجميع منهم ~~بصعدة رحمة الله ورضوانه وصلواته عليهم، ولاحول ولاقوة إلا بالله العظيم. PageV01P542 ### | [(26) الإمام الناصر للحق الحسن بن علي الأطروش (أبو محمد)] (225 - 304 ه / 840 - 917 م) PageV01P543 ### || [تنقلاته وحروبه] # كان عليه السلام في أصحاب محمد بن زيد بجرجان فانهزم لما قتل محمد بن زيد ~~فوقع إلى بلاد الديلم، ثم صار إلى الجيل، فأقام فيهم أربعة عشر سنة، يدعوهم ~~ويعلمهم حتى خرج جرجان وواقع المسودة وقائع هزم فيها حتى خرج خرجته الأخيرة ~~فأوقع بالمسودة، ودخل آمل في جمادى الآخرة من سنة احدى وثلاثمائة، وأقام ~~بها ثلاث سنين وثلاثة أشهر إلا أياما، التي ms109 اعترض عليه فيها الداعي الحسن ~~بن القاسم الحسن رضي الله عنه فأودعه القلعة باللازر حتى استنقذه ليلى ~~الديلمي وأعاد الإمام إلى آمل فتوفي فيها، وله أربع وسبعون سنة، ولم يبق ~~أحد بالجيل والديلم إلا أسلم على يديه وعلمهم الدين والمذهب، وكان فقيها ~~عالما رئيسا شجاعا شاعرا. # وله المصنفات الكثيرة، والآثار الخطيرة، كان يصحب الحسن ومحمد ابني زيد ~~الحسنيين بجرجان، وكان لا يتقلد لهما عملا ولا يتلبس بشيء من أمرهما، وكان ~~يعتقد أن أمورهما لاتجري على السداد والاستواء ولا على وجه العدل، فكان ~~أصحاب الحسن ومحمد يقولون: إن أبا محمد - يعنونه - تفوح رائحة الخلافة من جبينه. # ثم قلده محمد بن زيد القضاء فأبى فأكرهه عليه فتقلده، فلما جلس أول يومه ~~أتاه محمد بن زيد إجلالا له وتعظيما لشأنه فأمر القائم على رأسه وهو في ~~مجلس الحكم بأن يأخذ محمدا فيقعده بين يديه. # فقال محمد: لم آتك مخاصما ولا لأحد قبلي دعوى، فما هذا؟ # قال له: بلى عليك دعاوي كثيرة، فإن كنت قلدتني القضاء فإني أبدأ بإنصاف ~~الناس منك، ثم أقضي بين الناس، فلما علم محمد منه الجد عزله ثم لم يتقلد له ~~عمل بعد ذلك، ولما كان من أمر محمد ما كان خرج عنه فوقع إلى الدامغان، وخرج ~~منها إلى الديلم إلى مدينة حستان بن وهشودان مرزبان الديلم، ثم استأذنه في ~~الخروج إلى جيلان، فأذن له وأمده فنزل قرية كيلاكجان. # ولما استفحل أمره وحارب على باب آمل أول محاربته، خاف منه حستار عند ~~انصرافه فصالحه فذلك حيث يقول: PageV01P544 # وجستان أعطى مواثيقه .... وأيمانه طائعا في الحفل # وليس نظن به في الأمور .... غير الوفاء بما قد بذل # وإني لآمل بالديلمين .... حروبا كبدر ويوم الجمل # وبقي عليه السلام بالديلم يدعو ويصبر ويعلم الناس حتى دخل الناس في الدين ~~أفواجا، فأخذت بيعة الإمام على ألف ألف رجل بالغ مدرك ملتح، سوى النساء ~~والمراهقين، وبنوا المساجد، وتعلموا القرآن وتبصروا في الدين، وتسموا ~~بأسامي المسلمين. # قال مؤلف أخباره: رأيت في يوم واحد وقد وفد عليه أربعة عشر ms110 ألف رجل شبان ~~كلهم قد أسلموا وأخذت عليهم البيعة. # واستوطن عليه السلام هوسم ثم خرج في الجم الغفير ففتح طبرستان، وهزم محمد ~~بن علي المعروف بصعلوك، وكان أهل طبرستان يقولون: دفع الله عنا بدخول ~~الناصر أربعين لونا من الظلم والجور المكشوف سوى ما يدق منه، وخيرهم بين ~~الخراج والعشر فاختار أوساطهم العشر وكبارهم الخراج، وكانت له الوقعة ~~المعروفة بنورود وفيها خفقت الرايات الناصرية، وانفلت شوكة المسودة عن ~~طبرستان، وجيلان. ومات عليه السلام في سنة أربع وثلاثمائة، وله أشعار عليه ~~السلام يقول في بعضها: # فلا تكن الدنيا لهمك غاية .... تناول منها كل ماهو داني # ويكفيك قول الناس فيما ملكته # .... لقد كان هذا مرة لفلان PageV01P545 ### || [ما ورد فيه على لسان أمير المؤمنين (ع)] # وهو الذي روي فيه عن أمير المؤمنين عليه السلام في خطبته أنه قال: # يخرج من نحو الديلم من جبال طبرستان فتى صبيح الوجه اسمه اسم فرخ النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم الأكبر يعني الحسن بن علي عليه السلام. # وذكر عن الناصر عليه السلام أنه قيل له: إنك تدعي الإمامة لنفسك؟ فقال ~~الناصر عليه السلام: أنا باب حطة، أنا الذي لو أوحى الله إلى الصالحين ~~لأوحى إلي. # وذكر أنه قال: قرأت خمسة عشر كتابا من الكتب المنزلة من السماء، ويحكى من ~~شجاعته مالا يقادر قدره، ذكر أنه في بعض أيامه وقد أتته الخيل والعسكر من ~~ثلاث جوانب من ورائه الخيل وقدامه من الديلم ومن فوقه من الجيل حتى ردهم ~~وهزمهم الله بإذنه. # وهذا أقل ما يلقى الرجل إذا ارتقى مثلما ارتقى هو من دخول بلاد الجيل ~~والديلم وأكثرهم كفار، عبدة الأشجار والأحجار، وبقي بها أربع عشرة سنة ~~ينازعهم ملكهم ويحاربهم، ويقاتلهم حتى أسلموا على يديه وخرجوا معه، ولقد ~~خرج مرارا، فلم يكن له ظفر إلا في الخرجة الخامسة. # ولم يكن كل خروجه إلى آمل، قد كان له إلى غير آمل أيضا، وذكر عنه أيضا ~~أنه قال: ما وضعت لبنة على لبنة، ولا آجرة على آجرة، ولما دخل مدينة آمل ms111 ~~ونزل في دار الإمارة والقصور لم يشتغل بعمارتها وإصلاحها حتى انهدمت فقيل ~~له: لو أمرت بالإصلاح؟ فقال: إنما جئت للتخريب والهدم لا للعمارة والتجديد، ~~فلم يعمرها. PageV01P546 ### || [سبب خروجه إلى الديلم] # وقيل: إنه كان سبب وقوعه إلى الديلم أنه كان بآمل فورد عليه كتاب «جستان» ~~يعرفه بأني أريد التوبة وفي يدي أموال ورجال، وسأله المجيء إلى هناك، فلم ~~يلتفت الناصر إلى قوله ولم يعبأ بكتابه حتى ثنى الكتاب إليه وثلث، وذكر في ~~الكتاب الثالث: فإنك إن نهضت فهو كما قلت، وإن أبيت فقد ألزمتك الحجة في ~~ذلك، وأنا أشهد الله على ذلك وكفى بالله شهيدا. # فلم ير الناصر عليه السلام فيما بينه وبين الله إلا الخروج إليه والأمر ~~بالمعروف والنهي عن المنكر، فلما وقع إليه ترك جستان ما «كان» عليه من كفره ~~وفساده، وكان تحته ستون امرأة فردهن إلى أربع نسوة وعزل سائرهن، وأقام عنده ~~حتى هيأ جيشا وخرج إلى طبرستان. # فلما بلغ بايد شت لم يتهيأ له الخروج؛ لأن صاحب طبرستان صالح بالأموال ~~والهدايا، فعلم الناصر عليه السلام أنه إنما طلبه للدنيا لا للآخرة ففارقه ~~إلى الجيل حتىكان ماكان، ووفق الله له ما وفق وصلى الله على سيدنا محمد ~~وعلى آله وسلامه. # [تم الكتاب والحمد لله المنعم الوهاب] PageV01P547 ms112