######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shamela_0037025 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: محمد بن حمد بن محمد بن عبد الله بن محمود بن فورجة البروجردي (المتوفى: نحو 455هـ) #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: NOTGIVEN #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: الفتح على أبي الفتح #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: الأدب والبلاغة #META# 022.BookVOLS :: 1 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shamela_0037025 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shamela.ws/browse.php/book-37025 #META# 031.LibURL :: http://shamela.ws/index.php/book/37025 #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: عبد الكريم الدجيلي #META# 041.EdNUMBER :: الثانية، 1987 م #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: دار الشؤون الثقافية العامة، بغداد - العراق #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: NODATA #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # PageV00P000 ### | بسم الله الرحمن الرحيم # الحمد لله حمد المقر له، بالقصور عن حق حمده. العائذ به من التقصير دون ~~بلوغ جهده، الراغب من فضله في المزيد، المستجير به عن التنكر والنكير ~~وصلواته على الصادح بما أمر، القاطع لمن كفر، محمد المختار، وآله الأبرار. # سألت أنالك الله سولك، ويسر لك مأمولك أن أتتبع شعر أبي الطيب المتنبي، ~~فأستخرج منه الأبيات الغامضة وأشرحها شرحا يأتي على إغرابه وإعرابه، حتى ~~تكون لمعانيها متصورا، وعلى حل عقدها مقتدرا. وها أني شمرت لإسعافك بما ~~سألت. إن كان ظنك بعلمي صادقا، والقدر على ما أرومه موافقا. وبالله استعين. ~~وعليه أتوكل، وهو حسبي ونعم الوكيل. فأقول: # إن ما يستبهم معانيه على الأذهان من الشعر ثلاثة أضرب. وفي كلها يضرب هذا ~~الديوان بسهم، ويأخذ منه بقسم. وأنا أضع في كتابي هذا لكل نوع منها مثالا ~~تعرفه. وأدلك على مثله من شعر هذا الفاضل، لتتدرج به إلى ما ترومه، وتتخذه ~~سلما إلى ما تعطوا له، ويكون لك # PageV01P035 # عونا على ما تتوخاه وتتلمسه، فلا شيء أفتق للخواطر في استنباط المعاني من ~~مهاجسها، ولا أبعث للقرائح من استثارتها من مكامنها، من طول مرامها، وعد ~~أنفاسها. والله موفقك ومرشدك. # فأول نوع منه هو الذي صدك جهل غريبة عن تصور غرضه وهذا النوع ينقسم ثلاثة ~~أقسام: # أحدها ما لا يتضمن غير كلام مهجور، ولفظ مستشنع. وهو كقول الراجز: # أما تريني في الوقار والعلة ... قاربت أمشي القعولي والفيجلة # وتارة انبث نبثا نعثله ... خزعلة الضبعان راح الهنبلة # يخاطب امرأة ازدرته وعيرته شيبه. والعلة: التحير والتبلد. يقال: علة يعله ~~علها. والقعولي: نوع من المشي. يقلب الرجل فيه رجليه كأنه من عرج يقال: مر ~~يقعول. والفيجلة: مشي فيه تقارب. والنبث: إثارة التراب. كأنه لضعفه لا يملك # رجليه. فهو يجرها جرا، ويثير التراب. والنفثلة: أيضا نوه من المشي يسفي ~~فيه التراب ماشيه برجله. ومثلها النعثله وبه سمي الرجل نعثلا. والخزعلة ~~والخذعلة بالذال: أيضا هما نوع من المشي يثير ماشية التراب. ومنه ناقة ~~خزعال، إذا كانت تثير التراب إذا سارت. ms001 وليس في كلام العرب فعلال عينه عينه ~~غير لامه غير هذه الكلمة. يقال: مر يخزعل ويخذعل. والهنبلة: نوع من المشي ~~في توأدة. # PageV01P036 # فهذا وأمثاله لا يفيد إلا معرفة الغريب. فإذا عرف انكشف عن معنى ظاهر. ~~وعامة شعر أبي حزام العكلي من هذا الجنس. ولا تكاد تجد من هذا يقال وبه ~~الثقة. وهذا القسم تجد منه الكثير في شعر أبي تمام كقوله: # أمحمد بن سعيد ادخر الأسى ... فيها رواء الحريوم ظمائه # يقول: اجعل الأسى - وهو من التأسي - ذخرك، واصبر في هذه الرزية فإن الحر ~~يروي يوم عطشه. أي يصبر على محنته حتى يحصل له الثواب والثناء. وفي هذا ~~البيت من التبعيد. إن الألف واللام في الأسى هي التي بمعنى الذي. وتحتاج ~~إلى صلة. يعني: ادخر الأسى التي فيها رواء الحر. وهذا كقولك: ضربت الرجل ~~ضربك، يعني الرجل الذي ضربك. ومثل ذلك أيضا من شعره كقوله: # أتت النوى دون الهوى فأتى الأسى ... دون الأسى بحرارة لم تبرد # أي حالت النوى بيني وبين من أهواه، وأتى الحزن دون العزاء # PageV01P037 # أي حال دونه بحرارة وجد لم تبرد. وقوله: دون الهوى، يريد من أهواه. يقال: ~~فلان هواي يريد من أهواه، كأنه سمي بالمصدر أي هو ذو هواي. كما يقال: # فلان معرفتي وودي أي ذو معرفتي وذو ودي. # فأما في شعر أبي الطيب فهذا القسم أيضا موجود. وأظنه كان يتعمد إلى ذلك ~~تصديقا لقوله: # أحاد أم سداس في أحاد ... لييلتنا المنوطة بالتناد # أحاد وسداس معدولتان عن واحد. وقوله: لييلتنا تصغير ليله. # أراد بذلك تصغير التعظيم كقوله: # دويهية تصفر منها الأنامل # وقوله في أحاد. في: بمعنى التوعية. وليس بمعنى بها ضرب ستة في واحد. كقول ~~القائل: كم ستة في خمسة، بل كقولك: خمسة دراهم في الكيس يريد: واحدة هذه ~~الليلة أم ستة جمعهن في واحدة وخص ستة ولم يقل عشرة، وهي أكثر لأنه أراد ~~الأسبوع لأن ستة إذا جمعت في واحدة صارت سبعة وهي ليالي الأسبوع وكان ذلك ~~أولى لأنه زمان معلوم كالشهر والسنة وما شاكل ذلك. ms002 ولو قال: عشرة لقال ~~المتعنت: فهلا قال مائة وهي أكثر، وأدى ذلك إلى ما لا نهاية له. # PageV01P038 # وقد ذكر الشيخ أبو الفتح في كتاب له فسر فيه أبياتا انتزعها من جملة ~~ديوانه فقال: خص ستة لان الله تعالى خلق السماوات والأرض في ستة أيام، فكان ~~ذكرها أولى لأنها العدد الذي فرغ الله تعالى فيه من هذا الخلق العظيم، وليس ~~ذلك بممتنع إلا أن تلك الستة أيضا إذا جمعت في واحدة صارت سبعة. فإذا قال ~~قائل: إن قوله في أحاد حينئذ يكون بمعنى الضرب. وستة في واحدة فهو لعمري ~~كذلك. ويكون فيه تعسف غير مفيد. وستأتي أخوات هذا البيت، وما جرى مجراه في ~~عويص معانيه في موضوعها من هذا الكتاب إن شاء الله: # القسم الرابع هو الإلغاز الصريح كقول الشاعر: # وصادرة معا والورد شتى ... على أدبارها أصلا حدوت # وعارية لها ذنب طويل ... رددت بمضغة مما اشتهيت # PageV01P039 # يعني بقوله: وصادرة معا والورد شتى: سهاما رماها فوردت متفرقة يعني وردت ~~الرمية فلما التقطها من مساقطها صدرت عن مواردها مجتمعة، وحدا على أدبارها ~~يعني: ارتجز حين رماها على عادتهم في الحروب. وعارية لها ذنب طويل يعني # نارا لا تكون إلا عارية، وردها بمضغة يعني كب عليها مضغة مما اشتهى من ~~اللحوم فكأنه رد المضغة على وجهها. # وهذا الجنس في أشعارها أكثر من أن يحصى. وفي شعر أبي الطيب من هذا الباب ~~قوله: # لا ناقتي تقبل الرديف ولا ... بالسوط يوم الرهان أجهدها # شراكها كورها ومشفرها ... زمامها والشسوع مقودها # أشد عصف الرياح يسبقه ... تحتي من خطوها نأيدها # يعني نعلة، وهي ناقته التي يمتطيها. وقد كرر هذا المعنى في شعره فقال في ~~قصيدة اخرى: # وحبيت من خوص الركاب بأسود ... من دارش فغدوت امشي راكبا # يعني خفة، أو تمشكه المتخذ من الدارش الأسود. وه من الجلود غير الأدم ~~كالارندج فهو راكبه، وهو مع ذلك ماش. وشبه الشراك بالكور لأنه فوق النعل، ~~كما أن الكور فوق الناقة ومشفر النعل كالزمام لأنه يستمسك بأصابع الرجل، # PageV01P040 # وشسعه بالمقود لأنه يشد إلى ms003 الشراك في مشفر النعل، فكأنه مقود يقاد به. ~~وزعم أن تأييده فيها يسبق أشد عصف الرياح. يريد بذلك قول الناس: فلان يباري ~~الريح جودا، أي يسابقها إلى الجود. لا أنه يسبق الريح على الحقيقة. ومثله ~~قوله: # وقد طرقت فتاة الحي مرتديا ... بصاحب غير عز هاة ولا غزل # العزهاة: الذي لا يحب اللهو ولا النساء. والغزل: الذي يحب ذلك. يعني سيفه ~~الذي ارتداه وهو قليل في الشعر: # النوع الثالث ولا أقسام له وهو ما عماه إعرابه لمجاز فيه، أو حذف من ~~اللفظ أو تقديم وتأخير سوغه الإعراب. وذلك كأبيات الإلقاء التي منها: # محمد زيدا واقتل ابني فإنه ... أحب إلى قلبي من السمع والبصر # وهكذا ينشد من يغالط، فلا يفهم كيف أمر بقتل ابنه وهو أحب إليه من سمعه ~~وبصره. ولم يجر محمدا وهو منادى علم. وإنما يريد: أقت لابني، أي أخدم له. ~~والقتو: الخدمة. والمقتو: # PageV01P041 # الخادم، من قول الشاعر: # متى كنا لامك مقتوينا # ومحم: منادى مرخم. ثم قال: زيدا. من الدية. ومنه قول ذي الرمة: # كأنما عينها منها وقد ضمرت ... وضمها السير ضما في الأضاميم # أضا: جمع اضاة: غدير الماء. وميم هذا الحرف المكتوب موضعه الرفع، لأنه ~~خبر كأنما ومثله للفرزدق: # يعلق ها من لم تنله سيوفنا ... بأسيافنا هام الملوك الخضارم # يريد (ها) للتنبيه من الذي لم تنله سيوفنا. وهام الثانية مفعول مطلق ~~ومثله: # عافت الماء في الشتاء فقلنا ... برديه تصادفيه سخينا # PageV01P042 # هكذا ينشده المغالط، وإنما يريد: بل رديه، فادغم اللام بالراء لقرب ~~مخرجيهما. # يريد: قلنا لإبلنا: ردي فقد مضى الشتاء، وسخن الماء. وهذا باب يتسع وتكثر ~~شعبه. وفي شعر أبي الطيب المتنبي منه قوله: # حملت إليه من لساني حديقة ... سقاها الحجي سقي الرياض السحائب # فرق بين المضاف والمضاف إليه بلفظ الرياض، فيريد: سقي السحاب الرياض. ~~وهذا كثير في شعر العرب فمنه قول الطرماح: # يطفن بحوزي المراتع لم ترع ... بواديه من قرع القسي الكنائن # يريد: من قرع الكنائن القسي. ومثله لذي الرمة: # كأن أصوات من إيغالهن بنا ... أواخر الميس أصوات الفراريج ms004 # يريد: كأن أصوات أواخر الميس. ومثله: # لما رأت (ساتيدما) استعبرت ... لله در اليوم من لامها # يريد: لله من لامها اليوم، وسيمر بك من باب الإعراب في شعره مواضع. # PageV01P043 # وهذا أول ما نبدأ به من أبيات أبي الطيب المعتاصة: # قوله: # قلق المليحة وهي مسك هتكها ... ومسيرها في الليل وهي ذكاء # قلقها يعني حركتها في مشيتها. وهتكها: مصدر لهتك فلان الستر هتكا. وهو ~~مصدر فعل متعد. ولو أتى بمصدر لازم لكان اقرب إلى الفهم. كأنه لو قال: ~~انتهاكها لكان أجود من حيث الصنعة، وأقرب إلى المفهوم. إلا أنه تبع الوزن. ~~وقوله: ومسيرها مبتدأ معطوف على قلق، وخبره محذوف لعلم المخاطب. وكأنه يقول ~~ومسيرها في الليل هتك لها أيضا إذ كانت ذكاء. وذكاء اسم للشمس، علم لا ~~ينصرف. ومثل هذا كثير في أشعار القدماء والمحدثين إلا أن قوله: وهي مسك ~~زيادة على كثير من الشعراء ممن تقدمه، إذ كان لم يجعل هتها من قبل الطيب ~~الذي استعملته. وكأنه ألم بقول امرئ القيس: # ألم ترياني كلما جئت طارقا ... وجدت بها طيبا وإن لم تطيب # ويقول الآخر: # درة كيفما أديرت أضاءت ... ومشم من حيث ما شم فاحا # فأما المعنى المتداول إن الطيب يهتك من استعمله إذا أراد كتمان أمره ~~فكثير، ومن ذلك قول بشار: # PageV01P044 # رب قول من سعاد لنا ... قد حفظناه فما رفعا # أملي لا تأت في قمر ... لحديث واتق الدرعا # وتوق الطيب ليلتنا ... إنه واش إذا سطعا # وأجود منه قول آخر محدث تقدم أبا الطيب: # ثلاثة منعتها من زيارتها ... وقد دجا الليل خوف الكاشح الحنق # ضوء الجبين ووسواس الحلي وما ... تمس أردانها من عنبر عبق # هب الجبين بفضل الثوب تستره ... والحلي تنزعه الشأن في العرق # قوله: ومسيرها في الليل وهي ذكاء يشبه قوله أيضا: # رأت وجه من أهوى بليل عواذلي ... فقلن نرى شمسا وما طلع الفجر # والأصل في هذا قول القائل: # عجبت لمسراها وأني تخلصت ... إلي وباب السجن دوني مغلق # عجبت لمسراها وسرب سرت به ... تكاد له الأرض البسيطة تشرق # PageV01P045 # إنما تعجب من كتمان ms005 الليل مع ضوئها وحسنها. ولا ذلك لم يكن لتعجبه وجه. # وقوله: # مثلت عينك في حشاي جراجة ... فتشابها كلتاهما نجلاء # هذا البيت ظاهر المعنى. إلا أني شاهدت كثيرا من الفضلاء يغالطون في معنى ~~قوله: # مثلت عينك في حشاي جراحة # ويظنون أن معناه: خيلتها إلي، وصورتها عندي جراحة. # وقولون هذا كما تقول: فلان غصة في صدري، وشجي في حلقي وإن لم تكن لذلك ~~حقيقة يراد به وهو يحل محل الغصة من الصدر والشجي في الحلق. وكذلك هذه ~~العين تحل محل الجراحة في حشاي. وهذا كقوله في شعره أيضا: # ممثلة حتى كأن لم تفارقي ... وحتى كأن اليأس من وصلك الوعد # وقوله أيضا: # كانت من الحسناء سؤالي إنما ... أجلي تمثل في فؤادي سولا # أي تخيل وهذا خطأ فاحش، إذ كان آخر هذا البيت ينقص هذا القول بقوله: ~~فتشابها إذ هي عين واحدة، وتشابها فعل اثنين. ومعنى البيت: مثلت، أي أحدثت ~~لعينك مثالا في حشاي. أي جرحته جراحة # PageV01P046 # واسعة مثل عينك. وهذا كما تقول للغلام: خطا حسنا أي جعلت له مثالا للحروف ~~يكتب مثلها ولعمري أن اشتقاق # البابين جميعا من المثال والمثل ولكن اختلف المعنيان من حيث اختلاف ~~الوضع. فيقول: إن عينك والجراحة التي أحدثتها في قلبي تشابها في النجل وهو ~~سعة العين، وسعة الطعنة. # وقوله: # نفذت علي السابري وربما ... تندق فيه الصعدة السمراء # السابري يحتمل معنيين: # أحدهما أن يعني الثوب الرقيق. وكل رقيق عندهم سابري. ومنه قولهم: # عرضه عرضا سابريا. وعرض السابري. وه مثل. وأصله أن صاحب البز يعرض من ~~ثيابه رقيقه، وما لا يؤبه به قبل الجيد. فصار كل من يعرض شيئا لا يريد ~~الوفاء به. يقال له: # عرض علي عرضا سابريا. وقد قال الشاعر: # تجافى عن المأثور بيني وبينها ... وتدني علينا السابري المطلعا # يريد: ثوبا رقيقا: أو درعا. # الثاني أنه يريد الدرع. وإنما سميت بذلك لما فيها من الخروق. # PageV01P047 # وقد يكون السابري أيضا الذي يسير في قول الأعشى. # ترد على السابري السبارا # والسبار الفتيلة التي يسبر بها الجرح. فإذا عنى به الثوب ms006 الرقيق فإنما ~~يريد نفذت عينك السابري إلى قلبي، ويكون قوله: يندق فيه الصعدة السمراء ~~حينئذ يريد به أن قميصي شديد على الرمح نفوذه لهيبتي في القلوب، ولأن ~~الشجاع موقى. ويكون المعنى كقوله أيضا: # طوال الردينيات يقصفها دمي ... وبيض السريجيات يقطعها لحمي # فإذا عنى الدرع فلا يحتاج إلى ذا التأويل. وإنما يريد أن عينك وصلت إلى ~~قلبي # فجرحته ولم تخرق الدرع أو القميص كما قال هو أيضا: # راميات باسهم ريشها الهد ... ب تشق القلوب قبل الجلود # PageV01P048 # وإنما معنى هذين البيتين من قول جميل بن معمر: # ما صائب من نابل قذفت به ... يد وممر العقدتين وثيق # على نبعة زوراء أيما خطامها ... فمتن وأيما عودها ففتيق # بأوشك قتلا منك يوم رمينني ... نوافذ لم تعلم لهن خروق # والذي أبى بأغرب من هذا في هذا الباب قول القائل: # رمتني بطرف كميتا رمت به ... لبل نجيعا نحره وبنائقه # فإنه وإن لم يذكر خرق جلده فقد عرض بان مثل رميها ما يبل الكمي نجيعا غير ~~انه لم أدم لأنه لم يجرح بدني، وإنما وصل إلى قلبي قبل جسمي. # وقوله: # أنا صخرة الوادي إذا ما زوحمت ... وإذا نطقت فإنني الجوزاء # صخرة الوادي (هي امتن الصخر). وهي صخرة تكون في الوادي قد بل الماء ~~أسفلها فازدادت رسوخا في الأرض: # PageV01P049 # فلولا خوف خالقها ... إذن لقلعتها حسدا # فهذا يغار على حبيبته من عينه لمباشرتها إياه بالنظر كما إن قلب أبي ~~الطيب يحسد عينه على مباشرتها للممدوح بالنظر. # وقوله: # ولاقى دون ثأيهم طعانا ... يلاقي عنده الذئب الغراب # الثأي: جمع ثاية: وهي الحجارة حول البيت تبني فيأوي إليها الراعي. قال ~~الراجز: # أصبحت بين سمعة وسمع ... صرعن ثاياتي أشد الصرع # وقوله: يلاقي الذئب الغراب أي يجتمعان عليه لا كل الموتى أي لاقى طعانا ~~شديدا # لابد فيه من القتل. والأصرمان: الذئب والغراب، سميا بذلك لأنهما انقطعا ~~عن الناس. # PageV01P050 # قال المرار: # على صرماء فيها أصرماها ... وخريت الفلاة بها مليل # وقد قيل: سميا بذلك لأن أحدهما انصرم على صاحبه فلا يلتقيان إلا عند ميتة ~~ثم يصرم أحدهما ms007 وصال صاحبه. وصرماء: أرض يعيدة عن الماء. فهذا ما عناه أبو ~~الطيب. # وقوله: # ولم ترد حياة بعد تولية ... ولم تغث داعيا بالويل والحرب # هذا البيت ظاهر المعنى. وإنما ذكرناه خشية أن يظن ظان فكأن أن قوله ~~بالويل والحرب متعلق بقوله: تغث، فإنه يكون حينئذ ذما وهجاء، بل كيف تكون ~~الإغاثة بالويل والحرب، وإنما يغاث الإنسان بما يزيل الويل والحرب، كما قال ~~أيضا: # ومنفعة الغوث قبل العطب # وليس يعني هذا. وإنما الباء متعلقة بقوله: داعيا. يقال: دعوت الويل ودعوت ~~شجني، ودعوت ثبوري، كما قال تعالى: لا تدعو اليوم # PageV01P051 # ثبورا واحدا، وادع ثبورا كثيرا. قال الشاعر: # وإذا دعت قمرية شجنا لها ... يوما على فنن دعوت صباحي # وقد يقال: دعوت فلانا، ودعوت بفلان، ودعوت باسم فلان كما قال الآخر: # دعا باسم ليلى غيرها فكأنما ... أطار بليلى طائرا كان في صدري # وقال الآخر: # تداعين باسم الشيب في متثلم ... جوانبه من نصره وسلام # وقال الآخر: # فمن يرتجيكم بعد نائله التي ... دعت ويلها لما رأت ثأر غالب # وقوله: # جزاك ربك بالإحسان مغفرة ... فحزن كل أخي حزن أخو الغضب # يقول: جزاك الله مغفرة بهذا الحزن الذي أصابك، فقد أثمت به. وقال الله ~~تعالى: # PageV01P052 # لكيلا تحزنوا على ما فاتكم، ولا ما أصابكم. والحزن أخو الغضب لأسباب ~~كثيرة: # فمنها أن الحزن غضب في الحقيقة لأنه يغضب لما نال منه الدهر فيحزن. ومنها ~~أن الرجل يأثم بالحزن، ويأثم بالغضب. قال تعالى: وجنة عرضها السماوات ~~والأرض أعدت للمتقين. الذين ينفقون في السراء والضراء، والكاظمين الغيظ، ~~والعافين عن الناس والله يحب المحسنين. # ومنها أن الحزن ينال من الإنسان ويخلط عليه، كما إن الغضب ينال منه ويخلط ~~عليه وقد دل على ذلك بقوله أيضا في عضد الدولة: # آخر ما الملك معزى به ... هذا الذي أثر في قلبه # لا جزعا بل أنفا شابه ... أن يقدر الدهر على غصبه # ألا تراه فرق بينهما، وجعل تأثيره في قلبه لا للجزع والحزن ولكن للغضب ~~والأنف والحمية أن يقدر الدهر على غضبه. وكما فسر قوله: # فكل حزن أخي ms008 حزن أخو الغضب # بالبيت الذي يليه وهو قوله: # وأنتم معشر تسخو نفوسكم ... بما يهين ولا تسخون بالسلب # ألا تراه قد دل على أن الحزن أخو الغضب، لأنه يحزن كيف قدر الدهر على ~~سلبه. والحزن والغضب عند المتكلمين شيء واحد، وإنما # PageV01P053 # يستعمل الغضب على من هو دونك، والحزن على فعل من فوقك. ألا ترى إن ~~السلطان إذا غصب رجلا على مال فانه يحزن عليه، ولو سرق سارق لغضب عليه. # وقوله: # وما قضى أحد منها لبانته ... ولا انتهى أرب إلا إلى أرب # هذا بيت فلسفي البنية. وذاك أن كل طالب حاجة فإنه إذا أدركها أحدثت في ~~قلبه أربا آخر. مثال ذلك: إنك إذا تمنيت ثوبا حسنا فوجدته تمنيت رداء مثله ~~في الحسن تلبسه معه. فإذا وجدت الرداء تتمنى فرسا تركبها فإذا وجدتها تتمنى ~~سلاحا تتجمل به، أو تستعين به على الأعداء، فإذا وجدته تتمنى غلمانا ~~وأصحابا، فإذا وجدتهم تتمنى ضيعة تعود بفضلها على عيالك وأصحابك ويستديم ~~بها تجملك. فإذا وجدتها طلبت منزلة من السلطان تحفظ بها نعمتك فإذا وجدتها ~~طلبت الفضل على إضرابك من أصحابه. فإذا بلغت الفضل على جميعهم طلبت الملك ~~فإذا نلته طلبت الخلود فهذا متعالم، وإياه عني القائل: # والنفس راغبة إذا رغبتها ... وإذا ترد إلى قليل تقنع # PageV01P054 # والقائل: # تموت مع المرء حاجاته ... وتبقى له حاجة ما بقى # وأبو الطيب الذي يقول: # ذكر الفتى عمره الثاني وحاجته ... ما فاته وفضول العيش أشغال # ومن هذا قول الحجاج بن يوسف على منبره: أيها الناس أقدعوا هذه الأنفس ~~فإنها أسأل شيء إذا أعطيت، وأمنع شيء إذا سئلت، فرحم الله امرءا جعل لنفسه ~~خطاما، وزماما فقادها بخطامها إلى طاعة الله، وعطفها بزمامها عن معصية ~~الله. فأني رأيت الصبر عن محارم الله أيسر من الصبر على عذابه. # وقوله: # دار الملم لها طيف يهددني ... ليلا فما صدقت عيني ولا كذبا # الألف وللام في (الملم) بمعنى التي، يريد: دار التي ألم أهلها طيف ~~تهددني. # وتهددني الطيف على عادة المحبوب في كثرة الدلال والصلف، والإيعاد ~~بالهجران والتجنب فقال: ms009 # ما صدقت عيني لأنها أرتني ما لم يكن حقيقة، ولا كذب الطيف في التهدد فإنه ~~قال: لأهجرنك وقد هجر، ولأبعدن عنك وقد بعد، ولا عذبنك وقد عذب، وما أشبه ~~ذلك. وقوله: # PageV01P055 # ما صدقت عيني معنى قول جران العود. # سقيا لزورك من زور أتاك به ... حديث نفسك عنه وهو مشغول # وأظهر منه قول ذي الرمة: # أراني إذا هومت يا مي زرتني ... فيا نعمتا لو أن رؤياي تصدق # وقد قال البحتري: # سرى من أعالي الشام يجلبه الكرى ... هبوب نسيم الريح تجلبه الصبا # ولو كان حقا ما أتته لأطفأت ... غليلا ولا فكت أسيرا معذبا # وقد ملح بعض المحدثين في هذا المعنى مع إكثارهم فيه: # قد جاد طيفك لي بوعدك ... وأذالني من طول صدك # ودنا إلي معا نقا ... ومصافحا خدي بخدك # وظفرت منك بما هويت ... بحمد طيفك لا بحمدك # وحللت عقد إزاره ... حل الخيانة عقد ودك # وإنما أوردنا هذا البيت ومعناه ظاهر، لأن من الناس من يظن أن # PageV01P056 # (عيني) في قوله: كما صدقت عيني: مفعول، وفاعل صدقت الطيف. أنثه لأنه يعني ~~المرأة. وهذا كما تقول: صدقت زيدا الحديث، وصدقتك سن بكري في المثل الجاري، ~~فان هذا التأويل لا يغير المعنى، ولكنه رديء في صناعة الشعر أن يكون ضمير ~~شيء واحد مذكرا ومؤنثا يؤتى به في بيت واحد. # وقوله: # أدمنا طعنهم والقتل فيهم ... خلطنا في عظامهم الكعوبا # كعب الإنسان جمعه كعوب وكذلك كعب الرمح جمعه كعوب. # قال الشاعر: # وكنت إذا غمزت قناة قوم ... كسرت كعوبها أو تستقيما # وإنما أوردنا هذا البيت ليعلم إنه يعني كعوب الرمح، لا كعوب الرجل لأن ~~الكعب أيضا من العظام. وإنما أراد أن كعوب الرمح كسرناها فيهم لكثرة طعنهم ~~حتى اختلطت بعظامهم. ولقائل أن يقول يعني قطعنا الأرجل، وكسرنا الأذرع ~~والسوق حتى صارت الكعوب مخالطة غيرها من العظام وحس # PageV01P057 # ذلك لما كان الكعب لا يسمى به غير تلك الهنة الناتئة الثابتة في الاجل، ~~وغيرها عظم ويكون هذا كقوله: # حتى تتلاقى الفهاق والأقدام # يعني قطعت الرؤوس والارجل، فاختلطت الفهاق، وهي مواصل الرؤوس ms010 في الأعناق ~~بالأقدام إلا أن المتنبي ما أراد غير المعنى الأول، كانت الصنعة فيه. ~~والغرض تشبيه كعوب الرمح بمفاصل العظام وجمعه كما في الحرب وفي الشعر. # وقال الشيخ أبو الفتح: أدمنا أي خلطتا، وجمعنا ويدعى للمتزوجين فيقال: ~~أدم الله بينكما وأنشد: # إذا ما الخبر تأدمه بسمن ... فذاك أمانة الله الثريد # وهذا جيد ولا يمنع أن يكون أدمنا من الإدامة. بل الإدامة أحسس إذ كان ~~يعني أنا لم نزل نطعنهم حتى اختلطت العظام بكعوب الرماح. وخلط الطعن بالقتل ~~لا فائدة فيه كبيرة لذكره فانهما مختلطان وإن لم يقله أبو الطيب. # وقوله: # كأن نجومه حلي عليه ... وقد حذيت قوائمه الجبوبا # شبه النجوم بالحلي على الليل، وأراد أن يصفه بالسبوغ فقال: وقد حذيت ~~قوائمه الجبوب، والجبوب: الأرض، يعني كأن الليل جعل الأرض له حذاء فهو من ~~السماء متصل بالأرض ويجوز أن يعني بذلك # PageV01P058 # طول الليل. يريد أن الأرض إذا كانت له نعلا فما يقدر على خلعها لا إنه ~~يريد المشي فيها. وكأنه نوى أن يشبه الليل بفرس أدهم عليه حلي من ذهب أو ~~فضة وقائمه منعلة بالأرض. وكأنه نظر في هذا البيت إلى امرئ القيس يصف فرسا ~~أغر: # كأن الثريا علقت في مصامة ... بأمراس كتان إلى صم جندل # يريد بصم الجندل: صلابة حوافره. إلا أن المتنبي لم يفصح بهذا. ولقائل أن ~~يقول: هذه دعوى لا حجة عليها فلعمري إن هذا لكما تقول إلا أن الشعر يحمل ~~معناه على أحسن ما يقدر عليه تحقيقا أو مجازا. # وقوله: # أعيدوا صباحي فهو عند الكواعب ... وردوا رقادي فهو لحظ الحبائب # يريد ردوا الكواعب حتى يعود صباحي. أي دهري ليل كله. ولا صباح لي إلا ~~وجوههن. وحقق ذلك بقوله # PageV01P059 # فإن نهاري ليله مدلهمة # ويجوز أن يعني ليلي طويل، فلو أعدتم إلي الكواعب لقصر ليلي وعاد صبحي. ~~وهذا تمحل. والمعنى ما قد مر ذكره. # وقوله: # وردوا رقادي فهو لحظ الحبائب # اللحظ هاهنا مصدر لحظه لحظا وليس باللحظ الذي يعني به العين، أو الجفن. ~~وإنما قلت هذا لئلا يتوهم ذلك ms011 متوهم فيفسد المعنى. وذاك أن أكثر ما يستعمل ~~اللحظ في معنى العين. وهذا كقوله أيضا في مكان آخر: # فبلحظها ركزت قناتي راحتي # يعني مصدر لحظت أيضا أي نظرت إليها. ومثله اللمح والرمق. يقال: لمحته ~~بعيني المحه لمحا ورمقته ارمقه رمقا. ومثله هذا قوله: # ينثني عنك آخر اليوم منه ... ناظر أنت عينه ورقاده # وهذا معنى البيت الأول كرره # وقوله: # أتاني وعيد الأدعياء وأنهم ... أعدوا لي السودان في كفر عاقب # PageV01P060 # كفر عاقب قرية بالشام، وهي كفور كثيرة، مثل كفر طاب، وكفر اليهود وكفر ~~توثى وكفر شاب وكفر سلام. والسودان جمع أسود سالخ. يجمع على اساود، وعلى ~~سودان، ولا يجمع سالخ كما قالوا: أبارص في سام أبرص. وقال الراجز: # والله لو كنت لهذا خالصا ... لكنت عبدا يأكل الأبارصا # فجمعوا الاسم الثاني. وقد يقال: سوام أبرص بجمع الاسم الأول. وقد جمعت ~~سام أبرص على البرصة. وقالوا: ليس في كلام العرب جمع أفعل على فعله إلا هذه ~~الكلمة. يريد أعدوا لي الدواهي ومكروا بي، ثم قال: # ولو صدقوا في جدهم لحذرتهم ... فهل في وحدي قولهم غير كاذب # فبين بهذا البيت انهم اعدوا له وشايات وكلاما، وادعى أنهم أدعياء إلى ~~جدهم وليسوا بمحققين في أنسابهم، بل هم كاذبون. فقال: لو كانوا صادقين في ~~أنسابهم لحق لي حذرهم. والتوقي منهم. فأما الآن وقد شاع كذبهم. فكل ما وشوا ~~به علي معلوم إنه كذب. يقول: فهل يجوز أن يكون قولهم في وحدي صادقا، وقد ~~علم أنهم كاذبون. # PageV01P061 # وقوله: # أناس إذا لاقوا عدى فكأنما ... سلاح الذي لاقوا السلاهب # يريد: إذا لاقوا أعداءهم كان سلاحهم عندهم مالا يعبأ به، كالغبار الذي ~~تثيره خيلهم السلاهب وهذه الألف واللام التي مر ذكرها في شرح قوله: # وكذا الكريم إذا أقام ببلدة # يريد فكان سلاح أعدائهم غبار الخيل التي ركبوها الطوال، لقلة احتفالهم ~~به. ولولا هذا التأويل لكان تخصيصه السلاهب نافرا مستهجنا. فقد علم إن ~~الفارس إذا قال: الفرس سلهب فإنما يعني فرسه الذي هو راكبه. ألا ترى إلى ~~قول حندج بن البكاء قاتل ms012 زهير بن جذيمه: (ضربته والسيف حديد والساعد شديد). ~~كيف سبق إلى وهمك يريد إنه سيف نفسه وساعده # وقال الشيخ أبو الفتح: خص السلاهب لأنها أسرع، فغبارها أخف وألطف. وهذا ~~تمحل لا خفاء به، وباضطرابه. # PageV01P062 # وقوله: # يقولون تأثير الكواكب في الورى ... فما باله تأثيره في الكواكب # تأثيره في الكواكب: إثارة الغبار حتى لا تظهر ليلا، وحتى يزول ضوء الشمس ~~بالنهار، وحتى تطلع الكواكب بالنهار # قال الشيخ أبو الفتح: وذلك أنه يبلغ من الأمور ما أراد، فكأن الكواكب تبع ~~له وليس تبعا لها. # وهذا وجه في تفسير هذا البيت غير ظاهر. ولقائل أن يقول: هذه دعوى من ~~تفسيرك. ولا يظهر لأحد تأثير في الكواكب إذا بلغ هو ما أراد مخالفا لما ~~أرادت الكواكب بل يظن أن بلوغه ما أراد كان مما أرادت الكواكب. وما ذكرناه ~~أظهر وأبعد من العنت. # وقوله: # لا تجزني بضنى بي بعدها بقر ... تجزي دموعي مسكوبا بمسكوب # كنى بالبقر عن النساء بأعيانها، ولا تجزني دعاء، ولفظه لفظ # PageV01P063 # الأمر، كما تقول: لا تمت زيدا إذا دعوت له. ولو كان خبرا لقال: لا تجزني، ~~ولا تموت زيد، يريد: لا ضنيت كما ضنيت بعدها وان كن قد جرت دموعهن كما جرت ~~دموعي. وهذا كقوله: # أبديت مثل الذي أبديت من جزع ... ولم تجني الذي أجنيت من ألم # وقوله أيضا: # يشتكي ما اشتكيت من ألم الشوق ... إليها والشوق حيث النحول # وهذا الدعاء كقول الآخر: # فلا يبعد الله الديار وأهلها ... وإن أصبحت منهم برغمي تخلت # لا يبعد جزم لأنه دعاء. ولو كان خبرا لكان رفعا. # وقوله: # قالوا هجرت إليه الغيث قلت لهم ... إلى غيوث يديه والشابيب # يعني أن مصر لا تمطر، وإذا مطرت خرب كثير منها. وأهلها # PageV01P064 # يدعون الله ويسألونه كف المطر لأن أبنيتهم متضايقة، وبعضها فوق بعض، ولا ~~مسيل لمياهها. # فهو يقول: لامني الناس في هجري بلاد الغيث، فقلت: تعوضت عنها بغوث يديه ~~وشآبيبها. # قال الشيخ أبو الفتح: يقول: تركت القليل من ندى غيره إلى الكثير من نداه. ~~وليس في قوله: هجرت الغيث ما ms013 يدل على إنه هجر القليل من ندى الناس، بل يدل ~~على إنه هجر الكثير إلى الكثير. وما قاله الشيخ أبو الفتح يعد من المحتمل ~~الجيد، إلا إنه لم يتثبت. ولو فكر لما غرب عنه هذا القدر. ولو عددنا مثل ~~هذا زلة لكان كتابنا الموسوم (بالتجني على ابن جني) مفرطا في الكبر. # وقوله: # ولله سيري ما أقل تئيه ... عشية شرقي الحدالي وغرب # الحدالة: موضع بالشام (وغرب: جبل، وشرقي مضاف إلى ياء النفس. يريد جعلها ~~شرقي وسرت أريد مصر. والتئية # PageV01P065 # التثبت) أي اقل ما وقفت وتلومت حين سرت # بهذا المكان أريد مصر ثم قال: # عشية أحفى الناس بي من جفوته # يعني سيف الدولة. وأحفاهم: أشدهم اهتماما في البر، بي. # وأهدى الطريقين الذي أتجنب # يريد: الأولى أن أعود إلى سيف الدولة، إلا أني هجرته ووردت مصر. # قال الشيخ أبو الفتح قال: أهدى الطريقين الذي اتجنب، لأنه كان يترك القصد ~~وبتعسف ليخفي أثره خوفا على نفسه. وهذا جائز أن يكون عنى. إلا (أنا) لا ~~نترك حسن معناه وإحسانه لهذا التحمل. وإنما يريد: أني فارقت من كان بارا ~~بي. وتركت طريقا كان أولى بي. يتدرج بذلك إلى عتاب كافور، وإظهار الندم على ~~زيارته. وهذا مثل قوله في الأخرى: # رحلت فكم باك بأجفان شادن ... علي وكم باك بأجفان ضيغم # وما ربه القراط المليح مكانه ... بأجزع من رب الحسام المصمم # فلو أن ما بي من حبيب مقنع ... عذرت ولكن من حبيب معمم # يريد بهذا كله إظهار ندمه على مفارقة سيف الدولة. والمعنى ظاهر والتكلف ~~فيه محال. # PageV01P066 # وقوله: # وعيني إلى أذني أغر كأنه ... من الليل باق بين عينيه كوكب # إنما يجعل عينه إلى أذنه لأن الفرس أسمع الحيوانات. ومن أمثال العرب: ~~(أسمع من فرس بيهماء في غلس). والعرب تكتلئ بآذان خيلها وآذن ابلها. قال ~~قائلهم: # أنخت قلوصي واكتلأت بعينها ... وأمرت نفسي أي أمري أفعل # وذلك لأن البهائم تبصر بالليل كما تبصر بالنهار، بل هي بالليل آنس، ~~وبالنهار اشد وحشة. ويقولون: جئته إذا استأنس الوحشي، واستوحش الإنسي يعنون ~~ليلا. ms014 وقيل هذه الكلمة أول من قالها رسول الله صلى الله عليه. والإنس ~~تستوحش بالليل. فلهذا قيل: بيهماء في غلس. والعرب تقول: أذن الوحشي أصدق من ~~عينه. ولهذا قال حميد بن ثور: # مفزعة تستحيل الشخوص ... من الخوف تسمع ما لا ترى # ولليل خاصية ليست للنهار. وذلك أن الحركات تسكن، والأصوات تخفت ولصوص ~~العرب وصعاليكها تدعي فضل السمع تريد به صدق # PageV01P067 # الحس. ألم تسمع قول تأبط شرا ليلة خبث الرهط للشنفري لما ورد الماء، إن ~~على الماء رصدا، وأني لأسمع وجيب قلوبهم. فقال الشنفري: والله لا تسمع شيئا ~~وإنما تسمع وجيب قلبك. فوضع يده على قلبه. فقال: لا والله ما هو جيب قلبي، ~~وما كان وجابا ولكن على الماء رصد فامض أنت وعمرو بن براق فاشربا فستجدان ~~على الماء رصدا. فلما ورد الشنفري لم يتعرضوا له. وتركوه، فشرب وانصرف. ~~قال: والله لقد شربت حتى رويت. وورد عمرو فلم يتعرضوا له فروى وانصرف وقال ~~مثل قوله. فقال لكنهم لا يريدونكما. وإنما يريدونني. فكان الأمر على ما قال ~~في خبر له طويل. # وقوله: (كأنه من الليل) أي كأنه قطعة من الليل، وقد تم الكلام به أعني ~~إنه غير متعلق بقوله (باق) بين عينيه كوكب، لئلا يظن ظان إنه يقول: بقي في ~~عينيه كوكب فقط، فيسقط حينئذ (تشبيهه) إياه بالليل. وهذه اللفظة ومعناها ~~وحدها من # أبي دواد حيث يقول: # ولها فرحة تلألأ كالشعري ... أضاءت وغيم عنها النجوم # وقول ابن رميلة يمدح رجلا: # كأن الثريا علقت فوق نحره ... وفي أنفه الشعري وفي خده القمر # وإن كان مدحا يريد به وضوح الممدوح وشهرة شأنه ففيه تنبيه للقائل باق بين ~~عينيه على هذا المعنى. # PageV01P068 # وقوله: # وأظلم أهل الظلم من بات حاسدا ... لمن بات في نعمائه يتقلب # قرأت كتابا منسوبا إلى أبي علي الحسن الحاتمي يذكر فيه ما نقله أبو الطيب ~~من كلام ارسطو إلى شعره يذكر فيه إن هذا البيت من قول ارسطاليس. أقبح الظلم ~~حسدك لعبدك الذي تنعم عليه. ويجوز أن يكون توهم (الهاء) في نعمائه عائدة ms015 ~~إلى (من بات). وإن كانت عائدة إليها كان المعنى مأخوذا كما ذكر من قول ~~ارسطوطاليس. # وإنما الهاء عائدة إلى الممدوح. ومعنى البيت أن إنعامه فائض على كل أحد ~~فاظلم الناس من يحسد من نال من خيره، إذ كان خير مبذولا لكل واحد، فلم يبق ~~للحسد وجه إذ كان يقدر ان ينال مثله كل أحد. وإنما هذا مثل قوله: # كسائلة من يسأل الغيث قطرة # وخارج من مخرجه. وقوله أيضا: # لا يحرم البعد أهل البعد نائله ... وغير عاجزة عنه الاطيفال # PageV01P069 # وقوله: # ويغنيك عما ينسب الناس إنه ... إليك تناهى المكرمات وتنسب # وقوله: عما ينسب الناس يبعد قليلا هذا البيت عن الفهم. وهو مع ذلك ظاهر # يقول: # يغنيك عن النسب ان المكارم كلها تنسب إليك. وظاهره مأخوذ من قول القائل ~~وهو ابن أبي طاهر: # خلائقه للمكرمات مناسب ... تناهى إليه كل مجد مؤثل # وللبيت باطن خبيث وهو سخرية، يريد إنه لا نسب لك لأنك عبد. ثم قال: وأنت ~~غني عن النسب بالمكارم التي تنسب كلها إليك. كأنه يسليه بذلك القول. ثم زاد ~~دلالة على السخرية بقوله فيما يليه: # وأي قبيل يستحقك قدره ... معد بن عدنان فداك ويعرب # ألا تراه كيف سخر به، وزعم أن القبائل كلها لا يستحق شيء منها أن تنسب ~~إليه. أتراه أجل من النبي صلى الله عليه وسلم. وهو بن معد بن عدنان. # وبيت أبي طاهر صحيح السبك، لأنه أدعى للممدوح أن المكارم تنسب إليه، ولم ~~يعرض لذكر النسب. وقد أتى أبو الطيب بهذا في مكان آخر وهو قوله: # PageV01P070 # وتنسب أفعال السيوف نفوسها ... إليه وينسبن السيوف إلى الهند # ألا تراه حين تجنب السخرية كيف راق كلامه وجاد وصفه. # وقوله: # لا يحزن الله الأمير فإنني ... لآخذ من حالاته بنصيب # هذا البيت ظاهر اللفظ والمعنى. وإنما حملني على إيراده أني قرأت أوراقا ~~سميت (بمساوئ المتنبي) أنشأها الصاحب كافي الكفاة قد ارتكب فيها شيئا من ~~المزح عجبا ليس من # طريقة العلم، ولا مما أفاد غير خيلاء الوزارة، وبذخ الولاية. ولعمري إنه ~~لو لم يرو عنه ms016 هذا الكتاب لكان أجمل بمثله. إذ كان لم بتعد فيه غير الهزء ~~الفارغ، والكلام اللغو. حتى إنه ما يكاد ينتقص شيئا من الأبيات التي نقمها ~~على أبي # الطيب بما تفيد معرفة مخطئا فيه أو مصيبا، إلا مواضع يسيرة كأنها عثار ~~منه بالجد لا عمد. فغلط فيها ودل على إنه لم يفهم ما ورده، ولم يحط علما ~~بما كرهه. # PageV01P071 # وهذه الرسالة عملها في صباه. والنزق حداه على إظهارها وما أجدر مريد ~~الخير له بكتمانها عليه. فمن الأبيات التي ردها هذا البيت. يقول: ولا ندري ~~لم لا يحزن الله سيف الدولة إذا اخذ بنصيب من القلق. أترى هذه التسلية أحسن ~~عند أمته أم قول أوس: # أيتها النفس اجملي جزعا ... إن الذي تحذرين قد وقعا # وهنا أخطأ في موضعين: # أحدهما إنه ظن إنه يقول: كلما حزن الأمير حزنت فقط. فظن أن (يحزن) رفع ~~لأنه أخبار. ولولا ظنه ذلك لما استفهم فقال لم لا يحزن الله سيف الدولة إذا ~~اخذ أبو الطيب بنصيب من القلق. وهذا خطأ. (ويحزن) جزم، والنون مكسورة ~~لالتقاء الساكنين. وه دعاء. كما تقول: لا يمت زيد، ولا تشلل يدك. فيقول: لا ~~أصابك الله بحزن فأني أحزن إذا حزنت. كأنه يقول: لا حزنني الله. وسائغ في ~~الدعاء متعارف أن يقال: لا حزنني الله، ولا نالني بحزن. غير منكر ولا مبغي ~~عليه. ولو كان كما ظنه لم يكن من كلام العقلاء أن يقال. لا يحزن الله زيدا ~~فإنني مشاركه، لأن كونه مشاركا لزيد لا يكون سببا لأن يصرف الله الحزن عن ~~زيد. لأنه كلام محال ولا ريب إن من يظن هذا بهذا البيت يقول ما قاله الصاحب ~~لكن (الصواب) بخلافه. # والغلط الثاني إنه قال: أترى هذه التسلية أحسن أم قول أوس. وإن هذا البيت ~~ليس بتسلية وإنما هو دعاء للممدوح. وليحسب إنه على ما ظن قائل هذا القول، ~~فكيف تكون تسلية أخباره إن الله تعالى # PageV01P072 # لا يحزن لسيف الدولة لأن المتنبي شريكه فهذا ظاهر. وترك الدلالة على هذه ~~الزلة غير سائغ مع ms017 ما قصدنا له من الدلالة على # غامض أبيات هذا الفاضل. والله المعين. # وقوله: # ومن سر أهل الأرض ثم بكى أسى ... بكى بعيون سرها وقلوب # سرهم أي أسدى إليهم ما يسرون به. فإذا بكى ساعدته تلك العيون والقلوب ~~التي كان سرها فبكيت ببكائه. وهذا مأخوذ من قول يزيد ابن محمد المهلبي: # أشركتمونا جميعا في سروركم ... فلهونا إذ حزنتم غير إنصاف # وقد قصر أبو الطيب في صنعه هذا البيت. وذاك إنه قال: (أهل الأرض) فعم ~~بهذا القول. ثم قال: بكى بعيون. فنكر وخص. ولو قال: بكى بالعيون التي سرها ~~والقلوب لكان أجود لتكون عيون أهل الأرض كلها وقلوبهم مساعدة له على ~~البكاء، وكان أظهر للمعنى إلا أن الوزن لم يساعد. ولو قال من سر قوما لكان ~~قد استوفى المعنى ولم يختل اللفظ. وهو دقيق فتأمله. # وقوله: # ولولا أيادي الدهر في الجمع بيننا ... غفلنا فلم نشعر له بذنوب # PageV01P073 # كأنه يعتذر للدهر يقول: وإن كان يسيء في وقت، فقد أحسن في وقت. فلولا إنه ~~جمع بيننا فأولانا هذه المنة لكنا لا نعد عليه ذنبا بتفريقه شملنا. وقد ~~أكثر الشعراء في هذا المعنى وفيما هو قريب منه قول أبي تمام: # والحادثات وإن أصابك بؤسها ... فهو الذي أنباك كيف نعيمها # وكأن قوله: # ونذيمهم وبهم عرفنا قدره ... وبضدها تتبين الأشياء # من هذا الباب أيضا إلا أن في البيت الأول فضلا وهو نفحه عن الدهر، ~~وتصويبه لما أتاه وعذل من يذمه على إساءته بعد إحسانه. وليس في قوله: ~~ونذيمهم وبهم عرفنا فضله. غير إنه يقول: # أظهر حسن فضائله قبح أخلاق اللئام إذا قربوا إليه. وبيانه في قول ~~البحتري: # وقد زادها إفراط حسن جوارها ... خلائق إصغار من المجد خيب # وحسن دراري الكواكب أن ترى ... طوالع في داج من الليل غيهب # PageV01P074 # وفي قول أبي تمام: # وليس يعرف الوصل صاحبه ... حتى يصاب بنأي أو بهجراني # وقوله: # قد علمت ما رزئت إنما ... يعرف فقد الشمس عند المغيب # وقوله: # سمجت ونبهنا على استسماجها ... ما حولها من نضرة وجمال # وكذاك لم تفرط كآبة عاطل ms018 ... حتى يجاورها الزمان بحال # وقوله: # بين البين فقدها قلما تعر ... ف فقد الشموس حتى تغيبا # وقد فسر هذا المعنى بالبيت الذي يليه إلا إنه عاد مستقبحا لفعل الدهر، ~~وذاما له بعد ما نفح عنه وبعد ما ذكر إن له عذرا وأياديا عندنا فقال: # وللترك للإحسان خير لمحسن ... إذا جعل الإحسان غير ربيب # PageV01P075 # وفي الأوراق المنسوبة إلى الصاحب تهزؤ بهذا البيت مستطرف قال: ومن تعقيده ~~الذي لا يشق غباره، ولا تدرك آثاره قوله: وللترك للإحسان البيت. وما أشك أن ~~هذا البيت أرفع عند أمته من قول حبيب: # وقلت للحادثات استنبطي نفقا ... فقد أظلك إحسان بن حسان # ولا أدري أمن قوله: بتعقيده الذي لا يشق غباره أتعجب، أم من تشبيهه هذا ~~البيت بيت أبي تمام. وكلا الأمرين عجيب. # أما زعمه إنه قد عقد فوجه التعقيد ما لا نعلمه. فإنه لم يقدم لفظه، ولا ~~أخر أخرى # عن موضعها، ولا غرب في المعنى، ولا في اللفظ، وإنما قال: ترك الإحسان خير ~~لمحسن إذا لم يرب إحسانه. ألا ترانا حين فككنا النظم، وجعلناه نثرا أتينا ~~بمثل لفظه سواء من غير زيادة ولا نقصان، ولا تقديم ولا تأخير. فليت شعري ~~أين التعقيد. وأما قوله: (ما أشك أن هذا البيت أوقع عند حملة عرشه من بيت ~~حبيب) فلا أعلم ما التجاور بينهما والتشارك. ولعله رأى إشراكهما في لفظة ~~الإحسان تشابها. وحبيب يقول: قل للحادثات جدي في الهرب واتخذي نفقا في ~~الأرض فقد أظلك إحسان هذا الممدوح وهو يعفي على آثارك. # PageV01P076 # فليت شعري ما هذا المعنى من المعنى الأول. والسلامة من هذا القول أسلم ~~لكل لبيب. وهذا البيت مثل قوله: # أبدا يسترد ما تهب الدنيا ... فيا ليت جودها كان بخلا # وكفت كون فرحة تورث الهم ... خل يغادر الوجد خلا # وقوله: # أشد الغم عندي في سرور ... تيقن عنه صاحبه انتقالا # وقوله: # إذا استقبلت نفس الكريم مصابها ... بخبث ثنت فاستدبرته بطيب # وللواجد المكروب من زفراته ... سكون عزاء أو سكون لغوب # أراد بالخبث الجزع، وبالطيب الصبر. أي إذا جزع الكريم لمصيبة ms019 في أولها ~~راجع أمره فعاد إلى الصبر والتسليم لله تعالى. ولفظ البيت مستهجن إذ أقام ~~الخبث مقام الجزع، ولم يتقدمه ما يوحيه ويفهمه. وإنما أراد بذلك قول الناس: ~~خبثت نفسي لهذا الأمر، قال أبو علي الحاتمي: أخذه من قول أرسطاليس. من علم ~~أن الكون والفساد يتعاقبان الإنسان لم يحزن لورود الفجائع. إلا أن قول ~~ارستطاليس تسلية وهداية إلى طريق العقل. وقول أبي الطيب يريد به إن الكريم # PageV01P077 # مراجع لعقله صبور # على عزائه، مغتفر للعظائم. وهذا معنى مطروق كثيرا لا يفتقر فيه إلى أحد. ~~وفي البيت الذي يليه تبيان لما أراد وإنما هو معنى قول أبي تمام: # أتصبر للجلى عزاء وحسبه ... فتؤجر أو تسلو سلو البهائم # وقال محمود الوراق: # إذا أنت لم تصبر عزاء وحسبة ... صبرت على الأيام صبر البهائم # وإلى هذا أشار بقوله: # سهرت بعد رحيلي وحشة لكم ... ثم استمر مريري وارعوى الوسن # وقوله: # ذكرت به وصلا كأن لم أفز به ... وعيشا كأني كنت أقطعه وثبا # أراد بالمصراعين جميعا قصر زمان الوصل. فأما المصراع الأول # PageV01P078 # فإنه يقول: كأنه لم يكن لقصره. كما قال عبد الصمد بن المعذل # شباب كأن لم يكن ... وشيب كأن لم يزل # وأما المصراع الثاني فيقول: كأن قصر أوقات كل نعمة فيه قصر وقت الوثب ~~فكأن كل زيارة من الحبيب وثبة، وكل ساعة من اللقاء وثبة، وكل يوم من ~~الاجتماع وثبة ولعمري لئن كان قول القائل: # ويوم كإبهام القطاة مزين ... إلي صباه غالب لي باطله # أجاد. والقائل # ظللنا عند دار أبي نعيم ... بيوم مثل سالفه الذباب # بالغ. فالوثب في هذا المعنى الذي قصده أبو الطيب أبلغ وأحسن. وقد وقع في ~~هذا البيت سهو على القاضي أبي الحسن علي بن عبد العزيز الجرجاني فإنه ذكره ~~في كتابه المرسوم بالوساطة فادعى إنه أخذه من الهذلي حيث يقول: # PageV01P079 # عجبت لسعي الدهر بيني وبينها ... فلما انقضى ما بيننا سكن الدهر # قال أخذه منه فجعل أبو الطيب السعي وثبا. وقد ملح في اللفظ هذا قول ~~القاضي رحمه الله وهو عجب منه، مع ms020 علمه بالشعر، وغوصه إلى المعاني الدقيقة، ~~وكونه من النقد في الذروة العليا. وإذا زل الشيخ أبو الفتح في معنى بيت ~~عذرناه لكونه عن صناعة الشعر بمعزل فأما القاضي أبو الحسن فلا عذر له، ~~وإنما جناية العجلة، وحاشا لله أن ادعى الفضل على تلاميذهما فكيف عليهما. ~~ولعل السهو أن يتفق علي في كثير مما أظنني أحرزت أطرافه من هذا الكتاب فضلا ~~عما سواء إلا أن الدلالة على السهر واجبة. وتجنب موقف النعي على من به ~~اقتديت مما أعوذ بالله منه، وبحوله وقوته استعصم، وه حسبي ونعم الوكيل. # فأقول: إن الهذلي لم يرد بالسعي المشي الصريح فجعله أبو الفتح وثبا وإنما ~~أراد من قوله: سعيت بفلان إلى الأمير سعيا وسعاية، ولعمري إن السعاية أشهر ~~في مصادر هذا الفعل إلا أن السعي القياس الذي لا محيد عنه، ويضطرنا إلى ذلك ~~إن معنى البيت لا يتم، وغرض قائله لا يحصل # PageV01P080 # إلا بما ذكرناه. يقول: لم يزل الدهر يسعى بي إليها، ويسعى بالمكروه ~~بيننا. فلما انقضى ما بيننا بالفراق سكن الدهر من تلك السعاية. ألا ترى إنه ~~إن أراد السعي الذي هو المشي لم يكن له معنى. وليكن ما ظنه القاضي أبو ~~الحسن رحمه الله سائغا، ومشى الدهر بينهما من غير الفساد مسلما. وقوله على ~~مضى الزمان على وصلهما فقط محمولا فما يصنع بقوله: # (فلما انقضى ما بيننا سكن الدهر) # أترى الزمان لما وقع الفراق سكن عن المضي ومل الفلك من الدوران. والزمان ~~إنما هو استمرار دورانه فلا مجاورة بين بيت الهذلي وبيت أبي الطيب إذن في ~~شيء مما ذكرناه. # وقوله: # فحب الجبان النفس أورده التقى ... وحب الشجاع النفس أورده الحربا # وهذا البيت ظاهر المعنى، وإنما أوردناه ليدل على حسن نقله لهذا المعنى من ~~كلام ارسطوطاليس النفس المتجوهرة تأبى مقارنة الذلة جدا. وترى مناها في ذلك ~~حياتها والنفس الدنيئة بالضد من ذلك. وقد اكثر الشعراء في ذلك إلا أنهم لم ~~يأتوا بالضدين في بيت كما أتى به. فأما الحصين بن الحمام المر فإنه أتى ~~بمعنى ms021 النصف الأخير في قوله: # PageV01P081 # تأخرت استبقي الحياة فلم أجد ... لنفسي حياة مثل أن أتقدما # وازداد تقصيرا أبو تمام إذ كرر معنى هذا المصراع الأخير في بيت بلفظين ~~مختلفين فقال: # سلفوا يرون الذكر عقبا صالحا ... ومضوا يعدون الثناء خلودا # والمصراعان معنى واحد بلفظين مختلفين. # والخنساء أيضا عرضت لهذا المعنى الأخير دون الأول بقولها: # نهين النفوس وهون النفوس ... يوم الكريهة أبقى لها # وقوله: # فكيف أذم اليوم ما كنت أشتهي ... وأدعوا بما أشكوه حين أجاب # يريد كيف أذم الشيب وكنت اشتهيه. وهذا بعد قوله: # PageV01P082 # منى كن لي إن البياض خضاب ... فيخفى بتبييض القرون شباب # وقوله: وأدعو بما أشكوه، من قولك: دعوت الله بكذا وكذا إذا سألته إياه ~~وهو من قول الأول: # وعدوت ربي بالسلامة جاهدا ... ليصحني فإذا السلامة داء # وإن شئت من قولك: دعوت بفلان إذا دعوته اليك، كقول عنترة: # دعوني دعوة والخيل تردى ... فما ادري باسمي أم كناني # يريد أني دعوت المشيب إلى نفسي. وأبو الطيب يقول كيف أدعو الله بما إذا ~~أجبت إليه سلوته. يعني كيف أدعو الله بالمسيب ثم اكرهه. # وهذا من قول ابن الرومي: # هي الأعين النجل التي كنت تشتكي ... مواقعها في القلب والرأس اسود # فما لك تأسى الآن لما رأيتها ... وقد جعلت مرمى سواك تعمد # وإنما هذا بعد قوله: (منى كن لي) أي مشيبي هذا منى كن لي أي كنت أتمنى ~~لما كنت شابا أن يتأتى لي خضاب شبابي الأسود بالبياض فكيف اشتكى المشيب ~~الآن، وقد بلغته. وإنما كان يتمناه لوقار الشيب وأبهته. # وقد زعم القاضي أبو الحسن أنه مأخوذ من قول العباس: # PageV01P083 # فما بكيت ليوم منك أسخطني ... إلا بكيت عليه بعدما ذهبا # وقول الآخر: # رب يوم بكيت منه فلما ... صرت في غيره بكيت عليه # وهذان المعنيان بينهما بعد المشرقين كما ترى، أما (معنى) بيت المتنبي فما ~~قد مضى القول فيه ومعنى البيتين اللذين زعم إنه أخذه منهما أني كنت أشكو من ~~الحبيب أحوالا، وأنقم منه ذنوبا فلما صرت فيما هو أشد منهما من بعده عني، ~~وفراقه لي ms022 صرت أبكي على تلك الأيام التي كنت أبكي منها لأنها كانت تهون مع ~~قربه مني. ثم قال القاضي أيضا وأخذه من قول عبد الله بن محمد المهلبي # زكم مدرك أمنية كان داؤه ... بإدراكها والغيب عنه محجب # وهذا لعمري معنى بيت المتنبي الذي قدمنا ذكره. وهذا أيضا من جناية العجلة ~~وهو بعد أجل من أن يخفى عليه لو تأمل. # وقوله: # وللخلود مني ساعة ثم بيننا ... فلاة إلى غير اللقاء تجاب # قال الشيخ أبو الفتح في تفسير هذا البيت: يقول: إنما اجتمع مع المرأة ~~ساعة وباقي دهري للفلاة والمهامة. وترك شرح ما الناس إليه أحوج. وفي البيت ~~خبء غامض نحب الدلالة عليه لئلا يتوهم سواه متوهم فيزل. قوله: تجاب ليس من ~~الجواب. وكيف يكون منه وقد مضى في هذه القصيدة: # PageV01P084 # وأدعو بما أشكوه حين أجاب # فكيف يوطئ. وهو يتجنب في شعره تكرير اللفظة الواحدة في حشو البيت فضلا عن ~~القافية. فلا تكاد تجد له لفظة مكررة في بيتين من قصيدة واحدة إلا القليل ~~النزر. بل لا يتجنب مثل ذلك الطائيان. ومن لم يتمرس بالشعر تمرسه. فدواوين ~~جميع الفحول مملوءة من التكرير. ما خلا هذا الديوان الواحد فإن التكرير ~~عنده مستشنع، وفي دينه مسترذل. # وقوله إلى غير اللقاء لا يريد الحرب. وإنما يريد إلى غير لقاء الخود يريد ~~ثم بيننا فلاة تقطع إلى غير لقائها على العادة المتعالمة في قول الشعراء: ~~لا وصل إلا أن تقربنا إليها الإبل وإلا أن نقطع إليها الفلوات. وهذا كثير. ~~وأما إن ظن ظان إنه يريد لقاء الحرب كان ذلك خطأ وذلك إن مثله من الشجعان ~~لا يدعي أن أجوب الفلوات إلى غير اللقاء ولغير الحرب. بل لم يجر للحرب ~~هاهنا ذكر ولم يقتصها كلام فتأمله يتضح لك. # وقوله: # وأكثر ما تلقى أبا المسك بذلة ... إذا لم تصن إلا الحديد ثياب # PageV01P085 # هذا البيت قد ذكرناه في كتاب (التجني). وقد سها الشيخ أبو الفتح فيه سهوا ~~بينا. قال في تفسيره: إذا تكفرت الأبطال فلبست الثياب فوق الحديد خشية ~~واستظهارا ms023 فذاك الوقت أشد ما يكون تبدلا للضرب والطعن. وهذا أيضا من جناية ~~العجلة. ولو تثبت لم يعزب عنه هذا القدر. وما الحاجة بنا إلى هذا التعسف. ~~بل ما الحاجة # بالأبطال إن تلبس الثياب فوق دروعها. وإنما يفعل ذلك من يحتال بحرب من ~~يخشى حربه. إذ كان يكاتمه، أو يهم به، فهو يخشى ظهور أمرها فيستظهر لحرب من ~~يدفع إذا دوفع. وإنما معنى البيت ما أقول: وهو إنه يريد إذا لم يصن البدن ~~إلا الحديد ثياب فحذف البدن لعلم المخاطب به. يعني في الحال التي لا تصون ~~الإنسان ثيابه من وخز الرماح، وضرب السيوف بل يحتاج إلى الحديد. فالحديد ~~على هذا نصب لأنه استثناء مقدم على الفاعل فظن أبو الفتح إنه يقول: إذا لم ~~تصن الثياب إلا الحديد فهلا خصم نفسه. وقال: تصون الثياب بدن لابسها أيضا ~~في الحال التي يظاهر بها على درعه فما معنى قوله: إذا لم تصن الثياب إلا ~~الحديد فهذا ظاهر. ولعمري أن اللفظ مزلة والإنصاف يليه أيضا ولو أوردنا ~~جميع ما ذكرناه في كتابنا (التجني) لطال هذا # PageV01P086 # الكتاب. وإنما أوردنا هذا البيت لأن الشرط إيراد كل غلق. وهذا البيت منه. # وقوله: # وغر الدمستق قول العداة ... أن عليا ثقيل وصب # هذا البيت ظاهر المعنى واللفظ، إلا أن القاضي أبا الحسن ذكر في كتاب ~~الوساطة ما هو سهو عليه في هذا البيت. فأحببت الإبانة عنه. رواه: قول ~~الوشاة ثم قال: عيب عليه هذا البيت. وقالوا جعل الأمراء يوشي بهم. وليس ~~بسائغ أن يقال: وشى فلان بالسلطان إلى بعض رعيته. ولو قيل ذلك في أميرين ~~لكان قد قصر بالموشى به ثم قال: قال المحتج عن أبي الطيب: اصل الوشاية ~~استخراج الحديث بالمسألة، كما يوشي الرجل جرى فرسه بتحريكه وهمزة. وقد يجوز ~~أن تحمل الكلمة على اصلها ويجعل هؤلاء وشاة لما أتوه بهذا الخبر. والكلام ~~هو الأول عندي. والعذر ضعيف. لعمري أن كل ما أورده بدءا وعودا ضعيف وذلك ~~إنه غلط في الرواية فأخذ في التمحل لغلطه. وقد قرأت هذا ms024 الديوان تصحيحا ~~ورواية بالعراق على # علماء عدة. ورواة ذات كثرة فما وجدت أحدا يروي عنه هذه الرواية. وهذا ابن ~~جني ما ضمن كتابة الفسر غير قول العداة. ولو أنا حرفنا الروايات عن وجوهها ~~ثم أخذنا # PageV01P087 # نتمحل للمحال تفسيرا لما قدرنا عليه. والزيادة في الكلام مما لا حاجة ~~إليه. # ومعنى البيت انك تأخرت عن نصرة أهل الثغور، وكان الدممستق مقيما بها ~~يحارب المسلمين، ويغره إن الأعداء يرجفون بأنك ثقيل البدن عليل. # وقوله: # سرب محاسنه حرمت ذواتها ... داني الصفات بعيد موصوفاتها # قوله: سرب هو خبر مبتدأ محذوف. كأنه يقول: هو أي سرب. أو سئولي ومرادي، ~~أو ما أشبهه ومحاسنه مبتدأ ثان، خبره الجملة من قوله: حرمت ذواتها يعني ~~حرمت ذوات محاسنها. وذوات محاسن السرب هي السرب بعينه أي حرمت وصال هذا ~~السرب. وتقدير الكلام هو أي سرب حرمت ذوات محاسنه. وقوله: # داني الصفات بعيد موصوفاتها # صفاته دانية، لأنها ألفاظ هو قادر عليها متى شاء وصفها. إلا أن الموصوفات ~~بعيدات عنه. وهن السرب. وكأنه لاحظ قول القائل: # فقلت لأصحابي هي الشمس ضوءها ... قريب ولكن في تناولها بعد # وقد ألم بهذا المعنى إلا إنه غيره إلى باب آخر الشيخ أبو العلاء احمد بن ~~عبد الله بن سليمان المعري (أنشدنيه لنفسه): # PageV01P088 # قد يبعد الشيء من شئ يشابهه ... إن السماء نظير الماء في الزورق # وقوله: # ومقانب بمقانب غادرتها ... أقوات وحشي كن من اقواتها # يقول: رب جيش جعلته مثله قوت وحش، كانت خلقت أقواتا لتلك المقانب، يعني # قتلت الجيش. وتقدير الكلام، ورب مقانب تركتها إنه جيش يطارد الوحش ~~ويصطادها ويتقوتها على عادة العرب في الافتخار بكثرة الطرد، كما قال أيضا: # عليقي مراعيه وزادي ربده # أي زادي نعامة الربد. أي اصطادها فآكلها. وقد قال أيضا في بيت آخر يصف ~~جيشا: # وذي لجب لأي الجناح أمامه ... بناج ولا الوحش المثار بسالم # يعني أن هذا الجيش لا يسلمن منه طائر ولا وحش، لأنه يصيده. وفي البيت ~~سؤال وهو أن يقال: كيف يتقوت ما تتقوت الناس من الوحوش، وإنما يتقوت الناس ms025 ~~أخابثها كالضبع والذئب والنمر وأشباهها. فالجواب إن العرب كانت إذا ظفرت ~~بشيء مما سميناه أكلت من لحمه. ألا ترى إلى قول القائل: # PageV01P089 # فنلت خسيسا منه ثم تركته ... وأقلعت عنه وهو منعفر ورد # وهذا البيت من قصيدة للبحتري التي أولها: # سلام عليكم لا وفاء ولا عهد # حكي بإسناد إنه سمع الأبيات منها في صفة الذئب من بدوي ينشدها لنفسه ~~فنحلها وضمها هذه القصيدة. وأنت إذا ميزت القصيدة أيقنت أنها من نتاج خاطر ~~غير خاطر البحتري. ولهى أظهر في أثناء القصيدة من دراري النجوم في الليل ~~البهيم. وفيها يقول: # كلانا به ذئب يحدث نفسه ... بصاحبه والجد ينعشه الجد # فأخبر أني مثل الذئب أحدث نفسي بأكله كما يريد أكلي. وأيضا فإن الجرذان ~~واليرابيع آكل شيء للحوم القتلى. والعرب تأكلها لإخفاء بذلك من فعلها. ألم ~~تسمع إلى الحكاية التي حكيت في أخبار الخلفاء آن الواثق لما أحضر دخل عليه ~~ايناخ وهو أكبر من في الدولة ليعلم هل فاظ أم به رمق. فلما أقبل نظر إليه ~~الواثق نظرة # من علم مراده فتراجع هبة منه طائر اللب حتى دخل نعل سيفه بين الحائط وباب ~~البيت فسقط فاندق السيف. كل ذلك رعبا من نظر الواثق. فلما كان بعد ساعة، ~~وقضى الواثق نحبه أفرد في بيت وشغلتهم بيعة الخلافة # PageV01P090 # فإذا الجرذ قد انتزع إحدى عينيه فأكلها فتعجب الناس من عين أصاب مثل ~~ايتاخ في عظم الشأن من نظرها ما أصاب. ثم بعد ساعة أكلها أخس الحيوان. # وفي الحكاية المعروفة أن بعض العرب سئل: ما الذي تأكلون من حيوان البر ~~قال: كل ما دب ودرج إلا أم حبين. قال: فلتهن أم حبين العافية عني من كل ~~تطويل. # وقوله: # أقبلتها غرر الجياد كأنما ... أيدي بني عمران في جبهاتها # أقبلتها أي أقبلت بها إليها. وسيرتها مقبلة لها. # قال الراعي: # يمشين مشي الهجان الادم أقبلها ... خل الكوود هدان غير مهتاج # وعنى بالأيدي هنا النعم من قولهم: لفلان عندي يد بيضاء. وقد جرت العادة ~~في جمع يد النعمة بالأيادي، وهي جمع الجمع. وفي ms026 يد الأعضاء بالأيادي. وقد ~~استعمل أبو الطيب هذه في مكان تلك فقال: # قتل الأيادي وذوات الأرجل # وقد جاء ذلك عن العرب في كثير من أشعارهم. فمنها قول عدي: # PageV01P091 # نحسن الهنأ إذا استهنأتها ... دفاعا عنك بالأيدي الكبار # يعني بالنعم الضخام. وبياض يد النعمة مجاز لا حقيقة. والشاعر يورد المجاز ~~مورد الحقيقة، فشبه غر الجياد ببياض أيدي هؤلاء الممدوحين في الناس. فأجاد ~~واحسن. # وقوله: # العارفين بها كما عرفتهم ... والراكبين جدودهم أماتها # هذا البيت يحتمل معنيين: أحدهما وهو الظاهر إن هذه الخيل تعرفهم وهم ~~يعرفونها لأنها من نتائجهم. وعنى إنها تناسلت عندهم. فجدود هؤلاء الممدوحين ~~كانت تركب أمهات هذه الخيل. وهم اليوم يركبون بناتها. ولو ساعده الوزن ~~لقال: والراكبين آباءهم ليكون أصح في التقابل. وهذا المعنى سواء. وقوله في ~~أخرى: # لعل بينهم لبينك جند ... فأول قرح الخيل المهار # وأنشدني الشيخ أبو العلاء لنفسه في هذا المعنى: # بنات الخيل تعرفها دلوك ... وصارخة وآلس واللقان # PageV01P092 # هذه كلها من بلاد الروم. # يقول: كان أبوك يغير بأماتها في هذه الديار فهي تعرفها. وهذا المعنى على ~~ظهوره، وإيراد أبي الفتح إياه في كتاب (الفسر) ليس بذلك السائغ عندي لما ~~اذكره. وهو أن توالي الأبيات يدل على غير ما حكى يقول: # ومقانب بمناقب غادرتها ... أقوات وحش كن من أقواتها # أقبلتها غرر الجياد كأنما ... أيدي بني عمران في جبهاتها # الثابتين فروسة كجلودهم ... في ظهرها والطعن في لباتها # العارفين بها كما عرفتهم ... والراكبين جدودهم أماتها # فهو يصف خيل نفسه التي قاتل عليها عدوه، وليس يصف خيل الممدوحين، اللهم ~~إلا أن يدعي مدح إنه قاتل عن خيل الممدوحين. وفي هذا نبو، ويعني إنه قادها ~~إليه. والمعنى جيد لأنه يريد إنه يقود الخيل إلى الشعراء من نتائجه. # والمعنى الثاني هو الذي أورده يصف معرفتهم بالخيل، ولا يعرفها إلا من طال ~~مراسه لها. والخيل تعرفهم أيضا لأنهم فرسان. وقد قال أبو الطيب أيضا: # الخيل والليل والبيداء تعرفني ... والطعن والضرب والقرطاس والقلم # وهذا ظاهر. # ومن أمثال العرب: # الخيل تعرف من فرسانها البهم # وقوله: والراكبين جدودهم ms027 أماتها يريد بذلك أن جدودهم أيضا كانوا من ركاب ~~الخيل، أي أنهم عريقون في الفروسية. ويوضح معنى ذلك ما أنشد الشيخ أبو ~~العلاء لنفسه: # PageV01P093 # يا بن الألى غير زجر الخيل ما عرفوا ... إذ تعرف العرب زجر الشاء والعكر # يدعو لهذه النفوس ومنابتها بالسقيا. ويقول أن منابتها لم تزل تسقى الورى ~~يعني أنا أبا الممدوح وقومه كانوا كلهم مفضلين على الناس فسقيت منابت هذه ~~النفوس كما لم يزالوا يسقون الناس وجعل للنفوس منابت لما أراد أن يدعو لها ~~بالسقي. وإنما تحتاج إلى السقي المنابت، ثم قال: # سقيت بندى أبي أيوب يريد بذلك إلى سقيا يده أعظم السقيا وهو أفضل قومه، ~~وخير من نبت فيهم. وليس الغرض أن يدعو لقوم أبي أيوب بأفضال أبي أيوب ~~عليهم، ولكن الغرض تعظيم شأن عطائه كأنه (لو) دعا بأن يسقيهم الغيث لكان ~~دون سقيا يدي أبي أيوب. # PageV01P094 # وهذا ظاهر ويزيد ظهورا قوله أيضا: # ردي الوصال سقي طلولك عارض ... لو كان وصلك مثله ما أقشعا # فأنه يعظم شأن السقيا الذي يدعو به. ولا يرضى أن تكون السقيا غير ~~متناهية. ولقد أحسن في هذا النحو القائل: # سقى الجيرة الغادين وسمي عارض ... هزيم الحيا سبط الرواقين ممرع # بسحب كأجفاني وبرق كحرقتي ... ورعد كأعوالي وغيث كأدمعي # يريد بذلك تعظيم شأن بكائه. وقد قال الشيخ أبو الفتح غير ما قلناه ولم ~~يعد الصواب لكنا قلنا برأينا. # وقوله: # فإذا نوت سفرا إليك سبقتها ... فأضفت قبل مضافيها حالاتها # هكذا رواه الشيخ أبو الفتح. وكذلك رويته أيضا من عدة مشائخ. إلا أن ~~الصواب عندي بالنون لما أنا ذاكره. وهذا البيت بعد قوله: # لا نعذل المرض الذي بك شائق ... أنت الرجال وشائق علاتها # والهاء في سبقنها عائدة إلى الرجال. فيقول: أن تتشوق الرجال وتشوق ~~علاتها، لأنك فرد عجيب في جميع محاسنك. فكل أحد # PageV01P095 # يشتاق إليك حتى الأمراض. وإنما يريد بذلك إقامة العذر للحمى، وتحسين ~~أمرها كما تفعل الشعراء بالأحوال الذميمة للممدوحين. فيقول: إذا نوت الرجال ~~السفر إليك سبقت إليك الرجال العلات، فجاءتك قبلها، لأنها أعراض. ms028 وأولئك ~~جسوم. والأعراض أخف. فأضفت قبل أن تضيف الرجال العلات. فلهذا قلت الصواب ~~سقنها. فأما إذا رويت سبقتها من حيث أن الممدوح معلوم إنه ليس يسافر إلى ~~الرجال وإنما يصح سبقه للرجال إذا سافر إليهم قبل أن يسافروا إليه. فإذا ~~كان المتنبي قد قاله بالتاء فيحتاج له إلى تمحل. وهو أن يقال سبقت أضافتها ~~بإضافة حالاتها. وفيه بعد. والمضاف مصدر أضفت، كما أن المقام مصدر أقمت، ~~والمضيف مصدر ضفت به إذا نزلت به. كما أن المقيل مصدر قلت، والمصير مصدر ~~صرت والمضيف مصدر صفت بمكان كذا وكذا إذا أقمت به ضيفك. # وقوله: # جللا كما بي فليك التبريح ... إغذاء ذا الرشأ الأغن الأشيح # كثير من العلماء تكلموا في هذا البيت ووفوا حقه من قرائحهم. ومضى أكثر ~~الكلام في تجويز حذف النون من قوله: فليك والذي يلقاها ساكن، وتمحلوا له ~~معاذير. وإنما أتيت به لنكتة عرضت في معناه. قال القاضي أبو الحسن: خالف ~~بين # معنيين في المصراعين، ومثل # PageV01P096 # هذا كثير. فقد جاء عنهم ما ناقص المصراع الثاني به المصراع الأول مثل قول ~~زهير: # قف بالديار التي لم يعفها القدم ... بلى وغيرها الأرواح والديم # ومثل قول بشار: # لم يطل ليلي ولكن لم أنم ... ونفي عني الكرى طيف ألم # قال القاضي: وبين المصراعين اتصال عاطفي. وهو إنه لما خبر عن عظيم ~~تبريحه، وشدة أسفه بين الذي أورثه التبريح والأسف هو الرشا الأغن الذي شككه ~~غلبة شبه الغزلان عليه في غذائه. قلت ويحتمل معنى الطف من هذا. وهو إنه ~~يريد ما غذاء هذا الرشا إلا القلوب وأبدان العشاق يهز لها ويمرها ويبرح ~~بها، كما صرح به في بيت آخر نحا منحى غير الغزل وهو قوله: # وترتع دون نبت الأرض فينا ... فما فارقتها إلا جديبا # وقد صرح بعض المحدثين بهذا المعنى فقال: # PageV01P097 # ترعى القلوب وترتعي ... الغزلان في (بروقه) وشيحه # فكأنه يقول المتنبي: ليكن عظيما مثل ما حل بي تبريح الهوى. أتظنون غذاء ~~من فعل بي هذا الفعل الشيح. والله ما غذاؤه إلا القلوب العشاق. فهذا الطف ms029 ~~مما ذكره القاضي أبو الحسن رحمه الله فأما الشيخ أبو الفتح فلم يعرض لهذا ~~القول. وإنما قال: هذا الشك والاستفهام منه كقول ذي الرمة: # أيا ظبية الوعساء بين جلاجل ... وبين النقا أأنت أم أمش سالم # وقوله: # تثنى على قدر الطعان كأنما ... مفاصلها تحت الرماح مراود ( # ما عرض لتفسير هذا البيت الشيخ أبو الفتح رحمه الله. وقد زعم القاضي أبو ~~الحسن إنه من الشعر الذي عتب به، وزعم إنه مقلوب، وإنما يصح لو قال: كأنما # الرماح تحت مفاصلها مراود وشبه هذا بقولهم، طلع الجوزاء، وانتصب على ~~العود الحرباء، وقول الشاعر: # كأنه رعن قف يرفع الالا # وعنده أن المراود وهي جمع مرود ميل المكحلة. # PageV01P098 # وعندي أن المرود في هذا البيت المسمار الذي فيه حلقة تدور فيه. لفظة ~~أظنها مولدة. وقد استعملها بعض المحدثين ممن تأخر عن أبي الطيب زمانه إلا ~~إنه جود ما شاء: # ألمي بعراف النقا وتيمني ... مهب النعامى واجعلي الليل مرودا # ألا ترى إنه لا يصح معنى هذا البيت إلا أن يكون المرود هو المسمار الذي ~~يضرب للفرس لتدور الحلقة معه كيفما دار. ومعنى بيت المتنبي حسن جدا على هذا ~~التأويل، يشبه مفاصله لسرعة استدارته إذا ثنى عنانه عند الطعان بمسمار ~~المرود، تدور حلقته كيفما أدبرت. يريد لين أعطافه في الميدان وعند الطراد. ~~وليس يريد كون الرمح في مفاصله إذا طعنت. ولو كان أراد ذلك لما قال: تحت ~~الرماح. لأن المفاصل إذا طعنت حصل الرمح فيها وحص بعض المفاصل فوقه، وبعضها ~~تحته فلا معنى إذن لقوله: تحت الرماح. والمعنى الذي ذهب إليه القاضي غير ~~غريب ولا حسن يريد كأن الرماح في مفاصله أميال الكحل ينغل فيها كما ينغل ~~الميل في العين أي يدخل. وهذا رديء ممتنع لشيء آخر. وهو إنه خص المفاصل، ~~وليس كل الطعن في المفاصل، وليست هي أيضا بمقاتل، ولا معنى لتخصيصها، وكان ~~الأولى لو أراد ذلك أن يقول: # (فرائصها تحت الرماح مراود) # أو جواشنها. أما الفرائض فلأنها مقاتل، وأما الجواشن فلأنها مستقبلة ~~العدو. ويمتنع أيضا ما ذهب ms030 إليه لقوله: تثنى على قدر الطعان فإذا كانت ~~الرماح في # مفاصلها كأميال # PageV01P099 # في الجفون فما حاجته إلى تثنيها، ومال الحاجة إلى قوله: على قدر الطعان ~~إن كان على بعد منها أو على قرب. فإن التثني مع قرب الطعان ممتنع جدا. وليس ~~كل الخيل تفعل ذلك. ألا ترى إلى قول القائل يصف فرسا: # وإذا عطفت به على ناروده ... لتدويره فكأنه بركار # مدحه بذلك التعطف وهذا يعرفه من جرب وشاهد المعركة. وليس من عمل القاضي ~~رحمه الله. # وقوله: # وأتت أبو الهيجاء ابن حمدان يابنه ... تشابه مولود كريم ووالد # وحمدان حمدون وحمدان حارث ... وحارث لقمان ولقمان راشد # هذا المعنى من احسن معاني هذه القصيدة. والبيتان من خيار أبياتها. وما ~~لأحد من الشعراء قصيدة على هذا الوزن إلا وهذه أحسن # PageV01P100 # منها وأجود فليعلم ذلك. وقد تهزأ منه الصاحب أبو القاسم فقال: # ولم ننفك مستحسنين لجميع الأسامي في الشعر كقول الشاعر: # إن يقتلوك فقد ثللت عروشهم ... بعتيبة بن الحارث بن شهاب # وقال الآخر # عياد بن أسماء بن زيد بن قارب # واحتذى هذا الفاضل على طرقهم فقال، وأنت أبو الهيجا بن حمدان البيتين. ~~وهذه من الحكمة التي ذكرها ارسطوطاليس، وأفلاطون لهذا الخلف الصالح، وليس ~~على حسن الاستنباط قياس. # هذا كلامه فليت شعري مم أتعجب من استقباحه ما هو أحسن شعره # PageV01P101 # أو تهزؤه الذي لا يليق بما نحن بصدده. أم من ظنه إنه إذا تهزأ توهم الناس ~~فيه إنه يعلم ما لا يعلمون. ولقد جود أبو الطيب حيث قال: # وكم من عاتب قولا صحيحا ... وآفته من الفهم السقيم # ويقول أيضا: # ومن يك ذا فم مر مريض ... يجد مرا به الماء الزلالا # أما سبك البيت فأحسن شبك. يريد أنك تشبه أباك، وأبوك يشبه أباه. وأبوه ~~أباه، فأنت أبوك، إذ كان فيك أخلاقه، وأبوك أبوه إلى آخر الآباء. فليت شعري ~~ما الذي أستقبحه. وقد جاراني بعض أهل العلم فقال: أستقبح قوله: حمدان ~~حمدون، وحمدون حارث ليس في حمدان ما يسقبح من حيث اللفظ ولا المعنى. ولنسلم ~~له أن حمدان ms031 وحمدون لفظتان مستهجنتان فكيف نصنع والرجل اسمه هذا. فهل ~~تستعير له أبا غير أبيه، أم يسميه بلفظه حسنة يخترعها. ولقد كان الذئب في ~~ذلك للآباء لا للمتنبي. # وقد قال أبو بكر محمد ابن دريد الازدي في قصائده: # PageV01P102 # وقيس بن عمرو بن العبيد وضاطر ... أناخ على ساس مسيرا فجعجع # وقول الآخر: # وقيس بن مسعود بن قيس ين خالد ... وعمرو بن كلثوم شهاب الأراقم # فما الذي غض من قوله (ضاطر). وضاطر اسم الرجل. وهل أقبح من ضاطر. وقد قال ~~أبو الطيب أيضا: # حدق يذم من القواتل غيرها ... بدر بن عمار بن إسماعيلا # فسرد أسماء آبائه على ما قال: # عتيبة بت الحارث بن شهاب # وكما قال غيره: # فودعي غير وداع صب ... ربيعة بن جعدة بن كعب # وعلى ما فعل أبو تمام حيث يقول: # عبد المليك بن صالح بن علي ... بن قسيم النبي في نسبه # وليس فيها معنى قوله: # وأنت أبو الهيجا بن حمدان يا نبه # PageV01P103 # وقد فسره أيضا: تشابه مولود كريم ووالد # فكأنه علم الشعراء أن شبه الابن بالأب مما يمدح به ويراد به صحة النسب ~~وطيب المولد. وقد غلط الصاحب أيضا في رواية البيت. وإنما هو: ذوآب بن أسماء ~~بن زيد بن قارب وأوله: قتلنا بعد الله خير لذاته. وهو لدريد بن الصمة. ~~ذكرها أبو عبيدة معمر بن المثنى في مقاتل الفرسان. أولها هذا البيت. وبعده: # وعبسا قتلناه بحر بلادهم ... بمقتل عبد الله يوم الذنائب # ولولا سواج الليل أدرك ركضنا ... بذي الرمث والارطى غياب بن ناشب # فلليوم سميتم فزارة فاصبروا ... لوقع القنا ينزون نزو الجنادب # فإن تدبروا نأخذكم في ظهوركم ... وإن تقتلونا جدكم في الترائب # ذكر أبو عبيدة قال: أنشد هذا البيت عبد الملك بن مروان قال: كاد يبلغ ~~بنسبه إلى آدم. فأما قوله: هذه من الحكمة التي ذكرها ارسطاليس، وأفلاطون ~~فلا يقاس به كلام، ولا فهم فهمه فهم. أترى من باب الفلسفة أن يقال: فلان ~~مثل أبيه في الشبه، أم هو من المعاني الغامضة التي لا يفهمها إلا الفلاسفة. ~~فسبحان الله ms032 من سخر له هذا الكلام، وما كنا له مقرنين. # PageV01P104 # وقوله: # سريت إلى جيحان من أرض آمد ... ثلاثا لقد أدناك يسر وأبعدا # ولم يفسر هذا البيت الشيخ أبو الفتح تفسيرا شافيا. وهذا كلامه قال جيحان ~~نهر أي أدناك سيرك من النهر، وأبعدك من آمد. وهذا - أيدك الله - كلام غير ~~مفيد. إذ كل من سار من موضع إلى آخر فقد أدناه ركضه من مقصده وأبعده من حيث # انفصل عنه. فلو سار غلوة أو فرسخا فما وجه المدح في هذا إذا تأولناه على ~~ما تأوله أبو الفتح وما فائدة البيت. # ووجه تأويله عندي ما أقول. وذلك أن جيحان من أرض آمد على مسافة بعيدة قد ~~علم ذلك وقوله: سريت إلى جيحان من أرض آمد، وهذه مسافة بعيدة لا يصل فيها ~~أحد بمستوى ثلاث ولو أن قائلا قال: سريت إلى الكوفة من بغداد لفهم عنه إنه ~~قد وصل إلى الكوفة. إذ سرى إليها من بغداد. ويجوز أن يفهم عنه إنه سرى إلى ~~الكوفة ولم يصل إليها ولكن الكلام بعضه يدل على بعض لاسيما من عادة العرب ~~الاختصار والاقتصار، فنحن نفهم من قول أبي الطيب: # سريت إلى جيحن من أرض آمد # أنك وصلت إلى هذا النهر من آمد في ثلاث ليال ليصح معنى تعجبه بقوله: (لقد ~~أدناك ركض وأبعدا) ولولا ذلك لما كان لتعجبه وجه. # PageV01P105 # وقوله ثلاثا يريد في ثلاث. فلما حذف حرف الجر نصب وأعمل فيه (سريت). # وقوله: # هنيئا لك العيد الذي أنت عيده ... وعيد لمن سمى وضحى وعيد # تكلم الشيخ أبو الفتح على العيد بكلام من باب التصريف، وأعرض عن معنى ~~البيت. وقوله: أنت عيده يريد تحل له أنت محل العيد في القلوب. إذ كان العيد ~~مما يفرح الناس له. فكذلك هذا العيد يفرح بوصوله إليك. كما قال في مكان ~~آخر: # جاء نيروزنا وأنت مراده ... وورت بالذي أراد زناده # وقوله: ذكر اسم الله على أضحيته، كقوله تعالى: وأنعام لا يذكرون اسم الله ~~عليها. وقوله تعالى: واذكروا اسم الله عليها صواف فإذا وجبت جنوبها ms033 فكلوا ~~منها. فذكر اسم الله عليها واجب على المسلمين. فيريد أنت عيد كل مسلم. # وقوله: # يدق على الأفكار ما أنت فاعل ... فيترك ما يخفى ويأخذ ما بدا # PageV01P106 # قال الشيخ أبو الفتح هذا البيت مثل قول عمار الكلبي: # ما كل قولي مشروحا لكم فخذوا ... ما تعرفون وما لم تعرفوا فدعوا # وختم كلامه، وهذا البيت لعمري من البيت الذي ذكره. ولقائل أن يقول منه ~~أخذه. لولا أن عمار الكلبي محدث قد أدرك زماننا. وهو رجل بدوي أمي كأنه قد ~~أنشدت له قصيدة على فصاحتها ملحونة أولها: # تسد ما بين حاديها بذي خصل ... كالبرد نصفان هداب ومنسوج # إلا أنا نعرف معنى البيت ثم نتكلف في كيفية أخذه. فإن كان قد سمعه ~~المتنبي فإنه لم يأخذ معناه ولكن نقله إلى معنى آخر. فأما أن يقال هذا مثل ~~هذا ويختتم الكلام فتقصير بين. # ومعنى هذا البيت: إن ما تبتدعه من المكارم يخفى على أفكار الشعراء. ~~فيذكرون في أشعارهم ما يظهر منها، ويتركون ما يخفى على أفكارهم. وليس يريد ~~أن المقتدين بك في المكارم يأخذون ما ظهر منك ويتركون ما خفي لأنه لو أراد ~~ذلك لما أتى بالأفكار. ولقال يدق على الكرام. لو أراد ذلك لما قال: (يترك ~~ما يخفي ويأخذ ما بدا) وكان الأبلغ في المدح أن يقول: إذا فعلت فعلا لم ~~يهتد إلى فعل مثله أحد فلم يأت له. كما قال في مكان آخر: # تبكوا وراءك يا بن أحمد قرح ... ليست قوائمهن من آلاتها # وأما قول عمار فيعني أن قولي أدق من أن يفهموا جميعه، فخذوا # PageV01P107 # ما عرفتم، ودعوا ما لم تعرفوا، فنقله إلى المدح أبو الطيب، وأقام دقة ~~صنعه في اقتناء المكارم دقة معنى الشاعر. وأول الأبيات: # ماذا لقيت من المستعمرين ومن ... قياس نحوهم هذا الذي ابتدعوا # أن قلت بكرا يكون لها ... معنى خلاف الذي قاسوا وما ذرعوا # قالوا لحنت وهذا الحرف منخفض ... وذاك نصب، وهذا ليس يرتفع # وضربوا بين عبد الله واجتهدوا ... وبين زيد فطال الضرب والوجع # فقلت واحدة فيها جوابهم ... وأفضل ms034 والقول بالإيجاز ينفع # حتى يصير إلى القوم الذين غذوا ... بما غذيت به والوقل يستمع # فتعرفوا منه معنى ما أفوه به ... حتى كأني وهم في لفظه شرع # كم بين قوم قد احتالوا لمنطقهم ... وبين قوم على إعرابه طبعوا # وبين قوم رأوا شيئا معانيه ... وبين قوم حكوا بعض الذي سمعوا # وقوله: # فارقتكم فإذا ما كان عندكم ... قبل الفراق أذى بعد الفراق # أي كانت منكم أحوال أكرهها فكانت قبل الفراق عندي أذى فقد صارت بعد ~~الفراق يدا لأني أتسلى إذا ذكرتها عنكم وتزهدني فيكم، فهي # PageV01P108 # على الحقيقة يد إذ كانت سببا للسلو عنكم. وفسر ذلك قول بعده: # إذا تذكرت ما بيني وبينكم ... أعان قلبي على الوجد الذي أجد # يريد أني أجد عليكم وجدا ينال مني، فإذا تذكرت ما صنعتم من قبح الصنيع ~~أعان قلبي على الوجد الذي عرض له، وسلاني وصبرني. فقلبي نصب لأنه مفعول به ~~من أعان وفاعله ما بيني وبينكم. وقوله: ما بيني وبينكم يريد من أحوال ~~الهوى، وقبح الجزاء على حبي لكم. وقد خفف الشيخ أبو الفتح في تفسير هذين ~~البيتين ولم يأت بكبير فائدة. # وقوله: # اليوم عهدكم فأين الموعد ... هيهات ليس ليوم عهدكم # قال الشيخ أبو الفتح أي أموت وقت فراقكم، فلا أعيش إلى غد ذلك اليوم. ~~فليس لذلك اليوم غد عندي وهذا ما ذكره رحمه الله إلا أن البيت لا يتكشف ~~معنى سائره # بهذا القدر من القول، وإنما معناه اليوم عهدكم أي اليوم آخر يوم اجتمعنا ~~فيه فعرفوني متى الموعد باللقاء. إذا افترقنا. ثم تدارك بقوله: # هيهات ليس ليوم عهدكم غد # قوله: أين الموعد كأنه نعى على نفسه ما أتته. وقال: وما سؤالك عن موعد ~~اللقاءات وأنت لا تحبين بعد فراقهم فلأجل هذا الاستدراك الذي # PageV01P109 # لم يوضحه استبهم معناه ولم يتعرض الشيخ أبو الفتح لشرحه. وقوله اليوم ~~عهدكم هو من قول الشاعر: # وأخر عهد منه يوم لقيته ... بأسفل وادي الدوم والثوب يغسل # وليس من العهد الذي هو العقد في مثل قول الحارث بن حلزة: # واذكروا حلف ذي المجاز ms035 وما ... قدم فيه العهود والكفلاء # وكثيرا ما يستعمل العهد مكان الوعد إذا كانا من باب الموبقة فبما قال: ~~اليوم عهدكم فأين الموعد فجمع بين اللفظين. اشتبه على من سمعه. وظن إنه ~~يقول اليوم وعدكم الذي وعدتموني فأنجزوا وعدي فلذلك وجب إظهار ما أراده أبو ~~الطيب. # وقوله: # صح يال جلهمة تذرك وإنما ... أشفار عينك ذابل ومهند # حي يشار إليك ذا مولاهم ... وهم الموالي والخليقة أعبد # أما البيت الأول فقد فسره ابن جني تفسيرا مضطربا. فإنه قال: # PageV01P110 # أي تحدق بك الرماح والسيوف فتغطي عينيك كما تغطيها الأشفار. وهذا كأنه من ~~قول الآخر: # وإذا دعوا لنزال يوم كريهة ... ستروا شعاع الشمس بالخرصان # هذا تفسيره. وعندي أن الأمر بخلاف ذلك. وما بال السيوف والرماح تغطي بها ~~عينه دون سائر الأعضاء. بل أي موضع في هذا البيت لفظه تدل على التغطية. ولم ~~يتكلف ما يعسر تمحله فيقال كثرت عليه الرماح والسيوف حتى صارت كأنها # غطاء على عينه إذا مد بصره. والعين قد تبصر ما في السماء ولا تغطيه عليها ~~الرماح والسيوف. هذا والشاعر يقول غير ما ذهب إليه، ويريد غير ما تمحله. ~~وإنما قوله: (تذرك وإنما أشفار عينيك) كقولك: تركت زيدا وإنما عينه سماء ~~هاطلة. وتركته وإنما جنبه دم سائل، إذا أثخنته ضربا وتركت الأرض وإنما جنة. # يريد إذا صحت يا لجلهمة اجتمعت إليك فهابك كل واحد كأنك إذا نظرت إلى رجل ~~بعينك أشرعت إليه رماحا، وصلت عليه بسيوف. كأنه قال: صح بال جلهمة يتركك. ~~وهذا حالك من الهيبة في القلوب. # فان قال المحتج عن الشيخ أبي الفتح إنه ذهب بقوله: تغطى عينك كما تغطيها ~~الأشفار إلى ما أوردناه من معنى الهيبة لحضور السيوف والرماح لا على تشبيه ~~الشفر بالرمح، أو غنائه مغناه فمبطل فما يدعيه إذا كان الرجل لم يأت بمعنى ~~التغطية البتة. وقد ادعاه الشيخ أبو الفتح لفظا ثم زاده توكيدا بأن قال: ~~كأنه مأخوذ من قول القائل: # PageV01P111 # سدوا شعاع الشمس بالفرسان # ومعنى السد والتغطية. وما أراده أبو الطيب بمعز عنهما. ولو قال: ms036 كأنه من ~~قول القائل # عيناه سهمان له كلما ... أراد قتلي بهما سلما # كان أسلم له وأصوب # وأما البيت الثاني فأنا ضممناه إلى هذا البيت لأن بينهما تعلقا نورده إن ~~شاء الله. # قوله: حي، ريد به جلهمة حي يشار إليك أيها الممدوح أنك مولاهم أي سيدهم ~~وهم الموالي أي السادات. يريد أنك لم تسدهم لكونهم عبيدا. بل أنت سيدهم وهم ~~سادة البشر. # وكثير من النسخ المعتمدة وجدنا فيها (حتى يشار إليك). ولم نروه. إلا أن ~~هذه # الرواية سائغة لطيفة. يعني انهم يجتمعون حولك لا يتخلف عنك منهم أحد إذا ~~صحت بآل جلهمة فعل المسودين المذعنين لك بالفضائل والرئاسة والسؤدد لك ~~عليهم. # فهذا هو المتعلق بينهما. وان كان قد تخللهما قوله: # من كل اكبر من جبال تهامة ... قلبا ومن جود الغوادي أجود # كأنه توكيد للمعنى. وتعظيما لشأنهم أعقبه ذكره سؤدد الممدوح عليهم مما ~~ذكره من فضلهم. # PageV01P112 # وقوله: # أنى يكون أبا البرية آدم ... وأبوك والثقلان أنت محمد # في اللفظ تقديم وتأخير إذا تصورته لم يشتبه المعنى. وتقديره، كيف يكون ~~أبا البرية آدم. وأبوك محمد وأنت الثقلان. يريد إنه إذا كنت أنت الثقلين ~~وأبوك محمد فإذن أبو البرية أبوك لا غيره وقوله: والثقلان أنت يريد الجن ~~والأنس. أي أنت توازيهما فظلا. وقد كرر هذا المعنى في شعره فأظهر قوله: # ومنزلك الدنيا وأنت الخلائق # وليس يقال في هذا المعنى مأخوذ لكثرته على السن الناس. وقد أورد الشيخ ~~أبو الفتح حكاية عن أبي تمام مستحسنه. وجملتها إنه اتخذ هذا المعنى من قول ~~أبي نواس # ليس على الله بمستنكر ... أن يجمع العالم في واحد # وهذا كله من الآية: إن إبراهيم كان أمة صلى الله عليه وعلى آله. # وقوله: # ولا الديار التي كان الحبيب بها ... تشكو إلي ولا تشكو إلى أحد # وقال الشيخ أبو الفتح: لم يبق في فضل للشكوى، ولا في الديار أيضا فضل، ~~لأن # الزمان أبلاها. وهذا على ما قاله الشيخ أبو الفتح وغير هذا التفسير أولى ~~لما أنا ذاكره. # PageV01P113 # وهو أن هذا التفسير يوجب أن ms037 يكون المراد: لا أنا أشكو إلى أحد ولا الديار ~~تشكو إلي لخفائها ودروسها فكأنه قدم آخر الكلام قبل أوله فصار مضطربا من ~~المحتمل السائغ، لا من الظاهر البارز. # قوله (في البيت السابق) # ما الشوق مقتنعا مني بذي الكمد ... حتى أكون بلا قلب ولا كبد # كأنه يقول: ولا الديار تقنع مني به. ثم فسر لأي حال لا تقنع منه به فقال: ~~تشكو إلي أي إنها شكواها. سائغ وهي مما لا يعقل شكو إلي بدروسها وزوال ~~جمالها. وأنا لا يحسن بي الشكوى إلى أحد لأنني ممكن يعقل ولا يحسن بي إظهار ~~الحب، وإفشاء السر فيكون عطف نفيا على نفي تقدمه لا عطف على جملة لم تأت ~~بعد. # ومما يزيد المعنى الذي ذكره ترذيلا قوله: لا تشكو إلى الديار لأنه لم يبق ~~فيها فضل لشكوى فكيف عرفها وإذا بلغ الحال في دروسها فلا سبيل إلى معرفتها. # وقوله: # متى لحظت بياض الشيب عيني ... فقد وجدته منها في السواد # قال الشيخ أبو الفتح: أي كأن ما في وجهي من الشيب نابت في سواد عيني ~~تكرها له. وهذا كما قال الشيخ أبو الفتح، وعبارة أحسن من هذه أولى. وذلك أن ~~العين لا ينبت فيها الشعر الأبيض ولا الأسود. # PageV01P114 # ولو كانت العين من الأعضاء التي ينبت فيها الشعر لما ضرها الشعر النابت ~~فيها ولو ضرها ذلك لما بلغ التكره له حيث يضرب به المثل. والأولى أن يقال: ~~إذا نظرت إلى شيبي فكأنه عاينت بياضا نزل في سوادها، من البياض المستكره ~~الذي ينزل فيه من العلة. # ولعل الشيخ أبا الفتح تجنب هذه المقالة لأنه رآه أضاف البياض إلى الشيب ~~فظن # في العين من شعر أيضا ليصح فيه معنى البيت. وتأويل بياض الشيب في العين ~~زائد في معناه وحسنه، وذلك إنه يريد بياضا مستهجنا مستقبحا كبياض الشيب كما ~~قال البحتري # وددت بياض السيف يوم لقيتني ... مكان بياض الشيب حل بمفرق # وبياض السيف لا يحل بالمفرق، وإنما السيف يحل به. فأراد التسوية بين ~~البياضين وهذا واضح كثيرا # وقوله: # متى ما ms038 ازددت من بعد التناهي ... فقد وقع انتقاصي في ازديادي # PageV01P115 # وقوله وقع: يحتاج إلى تفسير لئلا يتوهم فيه ما يستزل عن المعنى. يقال وقع ~~زيد في المكروه، ووقعنا في وعث من الأرض. ووقع قلبي في تهمة. وكذلك يقال ~~وقع شيبي في الزيادة. ووقع نزق الغلام في إنقاص. والمعنى أن الازدياد بعد ~~التناهي نقصان كأنه يريد أن التناهي هو بلوغ الأشد واستيفاء الأربعين سنة ~~فإذا ازددت بعدها نقصت القوى وعدت انتقص بعدما كنت ازداد. وكأنه من المعنى ~~الذي له: # فبعثنا بأربعين مهارا ... كل مهر ميدانه إنشاده # عدد عشته ترى الجسم فيه ... زائدا لا يراه فيما تزاده # ولأجل هذا أتى به بعد قوله: # متى لحظت بياض الشيب عيني ... فقد وجدته منها في السواد # وقوله: (فقد وقع انتقاصي في ازدياد) يريد قد ابتدأ نقصاني يزيد. وهذا ~~المعنى من قوله: # ولجدت حتى كدت تبخل حائلا ... للمنتهى ومن السرور بكاء # على أن المعنى من قول القائل: # وأسر في الدنيا بكل زيادة ... وزيادة الدنيا هي التنقيص # والأول فيهما جميعا قوله: # وحسبك داء أن تصح وتسلما # PageV01P116 # وقوله: # وأبعد بعدنا بعد التداني ... وقرب قربنا قرب البعاد # قال الشيخ أبو الفتح أي أبعد بعدنا مثل التداني كان بيننا. وقرب قربنا ~~مثل قرب البعاد كان بيننا أي قربني إليه بحسب ما كان بيني وبينه من البعد. ~~وهذا تفسير واضح إلا أنا نريد أن نزيده شرحا إذ كان البيت معقد اللفظ ~~فنقول: # إن قربنا وبعدنا مفعول بهما. وقوله بعد التداني، وقرب البعاد منصوبان على ~~المصدر كقول الشاعر: # له صريف صريف العقو بالمسد # وله نهيق الحمار. يريد كنهيق الحمار. # وقد يقال في العبارة عن تفسير هذا البيت لفظ آخر يزيده وضوحا. وهو إنه ~~يقول: قبل أن اجتمعنا كان القرب بعدا، والبعد قربا، لانا كنا على البعد ~~متواصلين. وعلى قرب الضميرين متباعدين فلما اجتمعنا صار البعد بعدا حقيقيا. ~~والقرب قربا حقيقيا. وكأنه في المصراع الأول نظر إلى قول ابن المعتز: # أنا على البعاد والتفرق ... لنلتقي بالذكر أن لم نلتق # وكأن في المصراع الثاني مضاده ms039 لقوله: # وكان على قربنا بيننا ... مهامه من جهله والعمى # PageV01P117 # وقوله: # أقل فعالي بله أكثره مجد ... وإذا الجد فيه نلت إن لم أنل جد # بله: بمعنى دع أكثره، وكيف أكثره. كأنه لو تأتي له الوزن لقال: أقل فعالي ~~مجد، فكيف أكثره وبله: وقد تكلم عليه ابن جني بنحو الورقتين من الكلام، ولا ~~معنى # لتكراره. ومعنى هذا المصراع أني لا أفعل شيئا إلا ومغزاي الجد، وإياه ~~أنحو، وإليه أدأب. كأنه لو صرح بالأقل لقال: يومي مجد وأكلي مجد، وشربي ~~مجد، وأخذي مجد وعطائي. ولو صرح بالأكثر لقال، تغريري بنفسي ودخولي في ~~المهالك. وسيري في المفاوز ولقائي الملوك وتيهي عليهم. # وأما قوله: # وذا الجد فيه نلت أم لم أنل جد # فالجد هنا ضد الهزل. والجد بمعنى الحظ والبخت. فيقول جدي وتشمير إلى هذه ~~الغاية في (سبيل) طلب المجد هو بخت وحظ من الله تعالى. فان نلت ما أريده أو ~~لم أنله محظوظ ومبخوت. # وقوله: # من القاسمين الشكر بيني وبينهم ... لأنهم يسدي اليهم بأن يسدوا # PageV01P118 # يريد انهم لكرمهم يعتقدون منه فضلا عليهم لمن قصدهم واستماحهم، فهم ~~يشكرونه على ذلك وأنا اشكرهم على ما أولوني من الجميل. وهو يشكرونني على ~~أخذي نوالهم. # وفي بعض لفظ هذا البيت ما يدل على الغض من الممدوحين. إذ جعلهم يسدي ~~إليهم بأن يقبض نوالهم. وهذا هجو، إذ جعلهم كمن يؤنف من فيض نواله، وبمنزلة ~~من لا يجد من يفضل عليه، وهل هو إلا من قوله: # وفيض نواله شرف عز ... وفيض نوال بعض القوم ذام # على إنه وإن خذله الوزن، ومنعه استيفاء غرضه فقد علم إنه إنما يريد شده ~~فرحه بالعطاء حتى كأن من يسأله يمن عليه. فما أكثر ما جاء نظير هذا من شعره ~~وشعر غيره. وأجود من قال: # إنك لا تدري إذا جاء سائل ... أأنت بما تعطيه أم هو أسعد # ثم أتبع هذا البيت معنى يشبه أن يكون مبتكرا وما حمله على الرضى بهذا ~~اللفظ الموجه إلا ما نواه في الثاني وهو قوله: # فشكري له شكران شكر على ms040 الندى ... وشكر على الشكر الذي وهبوا بعد # PageV01P119 # فهذا المعنى من تعسفه في أغرب مما مضى إذ يقول: شكروني على أخذ نوالهم ~~شكرتهم على شكرهم إياي. وشركتهم على ما أعطوني فصار لهم شكرين. # وقوله: الذي وهبوا بعد. جعلوا الشكر الذي أتوه له هبة ثانية منهم. وصار ~~مستحسنا وزيادة في المعنى والصنعة. # وقوله: # وشامخ من الجبال أقود ... زرناه للأمر الذي لم يعهد # للصيد والنزهة والتمرد # قال الشيخ أبو الفتح: إنما قال: لم يعهد أي إن الأمير مشغول بالجد ~~والتشمير عن اللهو واللعب والتفسير على ما حكاه، إن كانت الرواية (لم يعهد) ~~بضم الياء لا محيص عنه والأجود عندي هو ما أرويه (لم يعهد) بفتح الياء، ~~ويكون ضميره للشامخ من الجبال. يعني إنه لم يعهد الصيد فيه، لعلوه وارتفاعه ~~ولم يقدر على وحشه إلا هذا الأمير لعظيم شأنه. ألا تراه يقول: # فرد كيافوخ البعير الأصيد ... يسار في مضيقه والجلمد # في مثل متن المسد المعقد # فوصفه بالارتفاع والوعورة وضيق الطريق. فهذا أراد بقوله: لم يعهد. ألا ~~نراهم يمتدحون بالصيد ومطاردة الوحوش. على أن عامه شعر امرئ القيس، وكثير ~~من الشعراء بعده افتخار بالطرد. وقد مدح أبو الطيب كثيرا به ولم يستنكف ~~لأحد من الممدوحين منه كقوله: # PageV01P120 # وذي لجب لا ذو الجناح أماه ... بناج ولا الوحش المثار بسالم # وقوله لعضد الدولة: # لم يبق إلا طرد السعالي ... في الظلم الغائبة الهلال # على ظهر الإبل الأبال # وخص الإبل الأبال لأنها عندهم من الجن. وكذلك الظلم عندهم تنتشر فيها ~~الجن فوق ما ينتشر في الضوء. # وقوله: # أحلما نرى أم زمانا جديدا ... أم الخلق في شخص حي أعيدا # يريد ب (حي) رجلا واحدا، دعته الضرورة إلى ذلك. وإنما هو من قول أبي ~~نواس: # ليس على الله بمستنكر ... أن يجمع العالم في واحد # إلا إنه أراد الزيادة في هذا المعنى، يعني أن الخلق الهالكين أيضا أعيدوا ~~في شخص حي فحسن حي بهذا التقدير. وهذا كقوله أيضا: # PageV01P121 # ولقيت كل الفاضلين كأنما ... رد الإله نفوسهم والأعصرا # ومثله: # مضى وبنوه وأنفرت بفضلهم ... وألف ms041 إذا ما جمعت واحد فرد # وقوله: # يباعدن حبا يجتمعن ووصله ... فكيف بحب يجتمعن وصده # الحب: المحبوب. فعل بمعنى مفعول، مثل طحن بمعنى مطحون. # PageV01P122 # وسلوك بمعنى مسلوك، وذبح بمعنى مذبوح. ويباعدن بمعنى يبعدن. قال الله ~~تعالى: ربنا باعد بين أسفارنا. أي بعد بينها وقد قرئ: بعد أيضا. # ومعنى البيت ليس من العويص الغامض. وإنما وعر مسلكه على الإفهام بقوله: ~~يجتمعن. وكأنه أتى بهذه اللفظة ليصح به الوزن. كأنه يقول: يبعدن عني حبيبا # وصله موجود كائن بكونها. فكيف اطمع في جيب صده موجود. فوضع يجتمعن موضع ~~الوجود والكون. وقد فسر هذا البيت بقوله: # أبي خلق الدنيا حبيبا تديمه ... فما طلبي منها حبيبا ترده # وهذا البيت هو الأول بعينه، لا اختلاف بينهما في شئ من الوضع ولا المعنى. ~~وفي شعره كثير مما فسر الأبيات السابقة بالتالية. فمنها قوله في هذه ~~القصيدة: # فلا ينحلل في المجد مالك كله ... فينحل مجد كان بالمال عقده # ثم قال: # فلا مجد في الدنيا لمن قل ماله ... ولا مال في الدنيا لمن قل مجده # هذا المعنى هو المعنى الذي تقدمه بعينه. ومثله كثير: # PageV01P123 # إذا أنت أكرمت الكريم ملكته ... وإن أنت أكرمت اللئيم تمردا # فوضع الندى في موضع السيف في العلى ... مضر كوضع السيف في موضع # الندى # وقوله: # بواد به ما بالقلوب كأنه ... وقد رحلوا جيد تناثر عقده # قال الشيخ أبو الفتح: قوله: به ما بالقلوب. أي قد قتله الوجد لفقدهم. ~~فيجري هذا مجرى قوله أيضا: # لا تحسبوا ربعكم ولا طللة ... أول حي فراقكم قتله # ومعنى هذا البيت: إن هذا الوادي به من الوحشة لرحيل هؤلاء الأظعان عنه ما ~~بقلوبنا. فأما قول أبي الفتح: أي قتله الوجد لفقدهم فليس في البيت ما يدل ~~على القتل. ولا القتل مما يتوجه على القلب دون غيره من الأعضاء. ولا ادري ~~من أين أتى بهذه اللفظة الأجنبية في تفسيره هذا البيت الظاهر. # وقوله: # أنا اليوم من غلمانه في عشيره ... لنا والد منه يفديه ولده # PageV01P124 # قد كان يجب أن يقول: في عشيرة، لهم والد منه. ms042 إلا أن له عادة في قطع ~~الكلام الأول قبل استيفاء الفائدة. وإتمام الخبر. وقد فعل ذلك في كثير من ~~شعره فسنذكر بعضه. # فمنه قوله: # وأني لمن قوم كأن نفوسنا ... بها أنف أن تسكن اللحم والعظما # وكان يجب أن يقول: كأن نفوسهم ليتم الكلام الأول. هذا على الظاهر ~~المتعارف. وقد كان الذي يذهب إليه في هذا الباب قويا جدا لكثرته في كلامهم ~~وحملهم الكلام على المعنى، وصرفهم الضمير عن وجهه، وترك ردة مع الحاجة إليه ~~وذلك لان الضمير بالضمير الثاني هو الأول في حقيقة الكلام وإن اختلفت ~~علاماتهما ولو لم يأت إلا قول الله تعالى: إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات ~~إنا لا نضيع اجر من أحسن عملا. وقوله: والذين يمسكون بالكتاب وأقاموا ~~الصلاة إنا لا نضيع أجر المصلحين لكفى وأقنع. إذ ليس في الخبر ما يرجع إلى ~~الأول. والذين من الأسماء النواقص فإذا جاء ذلك في أسماء محتاجة إلى صلاتها ~~فهي في غيرها أولى. ومثل هذا من الشعر القديم قول الراجز # يا ابجر بن ابجر يا أنتا ... أيت الذي طلقت عام جعتا # قد أحسن الله وقد أسأتا # كان الواجب أن يقول: أيت الذي طلق. ومن ذلك قول # PageV01P125 # أبي النجم # يا أيها الذكر الذي قد سؤتني ... وفضحتني وطردت أم عياليا # كان يجب أن يقول: قد ساءني. ومثله # أنا الذي سمتني أمي حيدره # القياس يوجب أن يقول: سمته. # وقوله: # وأنت التي حببت شعبا إذا بدا ... إلي وأوطاني بلاد سواهما # والكلام وأنت التي حببت. وقول كثير: # PageV01P126 # وأنت التي حببت كل قصيرة ... إلي وما تدري بذاك القصائر # ومثله: # وأنت التي ما من صديق ولا عدي ... يرى نضو ما أتعبت إلا آوى ليا # ومثله: # وأنت الذي ربيت ذا الملك ناشئا ... وليس له أم سواك ولا أب # قال الشيخ أبو الفتح: كلمته غير مرة في هذا فاعتصم بأنه إذا أعاد الذكر ~~على لفظ الخطاب كان أبلغ وأمدح من أن يرده على لفظ الغيبة. لأنه لو قال: ~~وأنت الذي ربى ذلك الملك لعاد الضمير من لفظ الغيبة، فإذا ms043 قال ربيت فقد ~~خاطبه وكان أبين. ولعمري إنه لكما ذكر. ولكن الحمل على المعنى عندنا لا ~~يسوغ في كل موضع. ولا يحسن. # هذا كلام ابن جني. وقال أيضا: لولا أنا سمعنا مثله من الشعر للعرب ~~لرددناه. # PageV01P127 # قلت وقد لج أبو الطيب في هذا الباب حتى قال ك # أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبي ... وأسمعت كلماتي من به صمم # وقال: # قوم تفرست المنايا فيهم ... فرأت لكم في الحرب صبر كرام # وقال: # أيها الواسع الفناء وما فيه ... مبيت لمالك المجتاز # وقال: # كريم متى استوهبت ما أنت راكب ... وقد لقحت حرب فإنك نازل # وقد استقريت شعره كله فوجدته لا ينزل عن هذا المذهب في كل ما مدح به. ~~فإذا أورد ضميرا في ذم رده إلى الكلام الأول تفاديا أن يخاطب به مواجها، أو ~~يرده إلى نفسه مخبرا فقد قال: # PageV01P128 # أنا الذي نام إن نبهت يقظانا # ألا تراه كيف هرب من أن يقول: أنا الذي نمت، لما كان كلام ذم لفظا، ولم ~~يؤثر الإخبار به عن نفسه. وهذا من أدق ما في شعره من الحسن وأدله على حكمته ~~واستيلائه على قصب السبق في شعره. # وجرير قد خلط هذين المذهبين في بيته فقال: # ألم أك نارا يصطليها عدوكم ... وحرزا لما ألجأتم من ورائيا # وباسط خير فيك بيمينه ... وقابض شر عنكم بشماليا # ولم تجر العادة باستقصاء ما يجري في هذا المجرى من الإغراب. إلا إنه لما ~~تعلق بالمعنى وأردنا التنبيه على مذهبه في أكثر شعره قادتنا الضرورة إلى ~~إيراده. # وأما قوله: # لنا ولد منه يفديه ولده # يريد أن الجاري في العادة أن يفدى الوالد ولده لفظا أي يقول: فديته. أعني ~~كقول: # فديت بنتي وفديت أمها # PageV01P129 # وكالمثل المضروب: يحمل شن ويفدي لكيز وخبره أن أخوين: أحدهما شن، والآخر ~~لكيز كان شن بارا بأمه فكان يحملها على ظهره في اسفاره، وكانت الأم إلى ~~لكيز أميل فكانت تفدي لكيزا وهي على عاتق ابنها شن. فيقول أبو الطيب: كافور ~~لما بمنزلة الوالد إلا أنا نحن نفديه، ولا يفدينا هو. وكأنه ms044 يريد بذكر ~~الوالد التعريض له بأنه خصي وإنه ربى ولد ابن طغج تربية الوالد. فكرر ذلك ~~فقال: # إنما أنت والد الأب القاطع ... خير من واصل الأولاد # وقوله: وأنت الذي ربيت ذا الملك ناشئا، وقوله منه بمكانة، كما تقول: رأيت ~~من زيد أسدا ولي منك أخ شفيق. # وقوله: # يخلف من لم يأت دارك غاية ... ويأتي فيدري أن ذلك جهده # قال الشيخ أبو الفتح: أي إذا اجتهد الإنسان في بلوغ الغاية فإنما مقصده ~~دارك لأنها النهاية. # هذا على ما قاله رحمه الله إلا إنه يحتاج لهذا البيت إلى فضل تبيان. # قوله: # يخلف من لم يأت دارك غاية # أي الغاية دارك، ونهاية ما يأتيه مكتسب المجد أن يقصد، ونهاية ما يأتيه ~~مكتسب المال. فمن لم يأت دارك فقد خلف غاية لم يأتها فإذا أتاها علم أن ذلك ~~جهده في اقتناء المكارم واكتساب المال. والغرض إن قصدك هو نهاية الآمال كما ~~قال: # PageV01P130 # هو الغرض الأقصى ورؤيتك المنى ... ومنزلك الدنيا وأنت الخلائق # وقوله: # ووعدك فعل قبل وعد لأنه ... نظير فعال الصادق القول وعده # قال الشيخ أبو الفتح: يقول: الصادق إذا وعد وفى فكأن وعده لصحة وقوع ~~موعده فعل. # هذا كما قال إلا أنا نزيد اللفظ بيانا. يقول: كل من كان وافيا بمواعيده ~~فوعده نظير فعله. أي كأنه إذا وعد شيئا فقد فعله لركون النفس إليه، وشدة ~~الاعتماد عليه ونقيض هذا قوله: # أصبحت أروح مثر خازنا ويدا ... أنا الغني وأموالي المواعيد # هذا هزو، يقول: أنا مثر ولا تعب على خازني، ولا على يدي، إذ كان إثرائي ~~من # المواعيد لا من المال. والمواعيد لا يتعب فها الخزان والأيدي. وكذلك ~~قوله: # جود الرجال من الأيدي وجودهم ... من اللسان فلا كانوا ولا الجود # وقوله: # لولا لم تجب بي ما أجوب بها ... وجناء حرف ولا جرداء قيدود # قال الشيخ أبو الفتح: لولا ما اطلبه من العلي لم تقطع بي الفلاة ولا ~~المهالك ناقة هذه حالها، ولا فرس هذه صفتها. # PageV01P131 # قلنا لابد للفظ من بيان اشفي من هذا القول، فوجناء حرف ms045 فاعله لم تجب. وما ~~أجوب بها بمعنى الذي وموضعها النصب. وقد وضعها موضع الفلاة. أي لم تجب بي ~~الفلاة التي أجوبها بها وترك مفعول أجوب لأنه معلوم مفهوم. والهاء في (بها) ~~قبل الذكر وهي للوجناء والجرداء فكأنه لو واتاه الوزن لقال: لولا العلي لم ~~تجب بي الوجناء ما أجوبه بها من فلاة ومهمة. # ونظير هذا البيت قوله وان كان مدحا لا افتخارا: # في سبيل قتالك والسلم ... وهذا المسير والأجذام # وإنما شرحنا هذا الشرح لئلا يتوهم متوهم إن الهاء في (بها) راجعة إلى ~~العلى. # وقوله: # ما يقبض الموت نفيا من نفوسهم ... إلا في يده من نتنها عود # هذا البيت ظاهر المعنى. وقد تكلف له القاضي أبو الحسن رحمه الله ما كان ~~غنيا عنه. وذكر إنه عيب بهذا. وقيل: إن العود يعني عود الطيب ليس بذي رائحة ~~فيغني عند الشم أو يفزع إليه من نتن. ثم قال: وقد قال المحتج عنه إنه لا ~~يباشر بيده الموت قبض روحه تقززا واستقذارا فيحمل عودا من الأعواد التي هي ~~قضبان أو قطعة خشب من أي شجر كانت ليقبضها به. # PageV01P132 # ولعمري أن المتوهم على أبي الطيب إنه يعني عود الطيب لعاجز. وإن الاحتجاج # عنه والنفح دونه من الكلف التي كفاها الله، وهذا الشيخ أبو الفتح فسر هذا ~~البيت فقال أي لا يباشر الموت أنفسهم وقت قبضه إياها ضربه مثلا، هذا كلامه ~~ألا تراه أورد غرض الرجل بديا من غير تعريج على محال، أو توهم لغير الواجب. ~~وما أغرى القاضي أبا الحسن إلا ذكره للنتن فحسب أن لابد من طيب يقابل النتن ~~به. وقد علم أن أبا الطيب جدا لعالم إن العرب لم تسم العود المتبخر به عودا ~~إلا إنه بعض العيدان وجنس منها، وانهم لا يوردونه هذا المورد إلا إذا كان ~~في الكلام ما يدل على الغرض. ولم نسمع أحدا من الشعراء، ولا في نثر من نثر ~~الفصحاء: أخذت بيدي عودا، وناولني فلان عودا على لفظ التنكي، والمراد هذا ~~الطيب. وإنما يقولون أخذت مندلا أو ألوة ms046 أو مجمرا. والعود معرفا من الأسماء ~~التي تختص به. فإذا أتوا بعود منكرا أوردوه في اللفظ دال على الطيب فقالوا: ~~تبخرت بعود ونكثت بعود. وما أشبه ذلك ألا ترى إلى قول الحارث بن حلزة: # أوقدتها بين العقيق بشخصين بعود ... كما يلوح الضياء # ألا تراه لا يدري أعود الطيب أم عود الحطب إلا أن يدعيه مدح تحسينا ~~للمعنى. وإلى قوله: # ذات فرع كأنما ضرب العنبر فيه بماء ورد وعود # ولم ينفر ذكر العود هاهنا إذ ذكره مع الطيب، وعلم إنه يريد عود الطيب. ~~والعود الذي عليه الأوتار هذه سبيله. لا يقال: أخذت عودا # PageV01P133 # فيعلم أنك عنيت البربط إلا في الكلام ما يدل عليه وإلا لم يعلم ما عنيت ~~كقول بشار: # إذا قلدت أطرافها العود زلزلت ... قلوبا دعاها للصبابة داع # ولولا ما في البيت من الدليل على ما عنى لقال: الكرينة فإنها من أسماء ~~العود فيما فسر به الحديث المروي: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ~~الكرينة والعرصبة. والكرينة: البربط. والعرطبة: الطنبور. وقالوا: هما تعريب ~~كرنة # بالفارسية أي صناجة (واد بنه أي إليه الحمل). وقد قيل: الكرينة المغنية. ~~وانشد بيت الطرماح: # تقصر معداهن كل مولول ... عليهن يستكنهن أيدي الكراين # وقد يقال: ميت يحمل على أعواده. فذكر الميت ليعلم أنك أردت الجنازة. ~~ولولا ذلك ما علم أن الأعواد أعوادها. # وقوله: # العبد ليس لحر صالح بأخ ... لو إنه في ثياب الحر مولود # لم يفسر هذا البيت الشيخ أبو الفتح. ولابد له من تفسير. هذا يعرض بابن ~~طغج. يقول: كلن لا يحب أن يركن إليه. ولا يتخذه أخا وصاحبا لو إنه حر ولد ~~في ثياب حر. والهاء في قوله: لو إنه عائده إلى ولد ابن طغج. كأنه يقول: لو ~~إنه حر لما اتخذ العبد أخاه. يريد هو ولد زنا ولولا ذلك لما رضي بهذه ~~الهضيمة. يعزيه به، ويذمه على تسلطه. # PageV01P134 # قوله: # وعندها لذ طعم الموت شاربه ... إن المنية عند الذل قنديد # القنديد: الخمر. وقيل هي التي فيها الافاويه والطيب. وأنشدوا بيت الأعشى: # ببابل ms047 لم تعصر فجاءت سلافه ... تخالط قنديدا ومسكا مختما # يريد أن المنية عند الذل طيبة كالقنديد. كأنه لو أمكن أن يقال: أن المنية ~~عند الذل عسل أو ما أشبه ذلك. وهذا كقول القائل: # الموت أحلى عندنا من العسل # لا عار بالموت إذا الموت نزل # إلا أن في الخمر معنى التساقي الذي يستعمل في الموت والحرب. وليس في ~~العسل ذلك. وهم يقولون: ورد الموت، وسقيته الموت، وليس لغيرها من الأطائب # هذه المشاركة في اللفظ. ألا ترى إلى قول القائل: # فما في تساقي الموت في الحرب سبة ... على شاربيه فاسقني منه واشربا # PageV01P135 # وإلى قول الآخر: # أسود شرى لاقت اسود خفية ... تساقت على حرد دماء الأساود # وقوله: # كلما قال ناء أنا منه ... سرف قال آخر ذا اقتصاده # قال أبو الفتح أي ليس على نائله قياس. وهذا مثل لان السائل لا يقول شيئا. ~~هذا على ما قال الشيخ أبو الفتح إلا إنه لم يشف واسيا في بعض العبارة. # وقوله: قال آخر ذا اقتصاده. ذا إشارة إلى النائل الأول الذي قال: أنا ~~سرف. كأن النائل الثاني كذبة إذ كان أعظم منه فقال: بل هو اقتصده. وقول أبي ~~الفتح: فليس على نائلة قياس. عبارة رديئة وعي في الكلام. فإنه لو كان أبو ~~الطيب قال ذلك لكان قد نسب الممدوح إلى الهوج. إذ كان معناه إنه ربما أعطى ~~القليل من يستحق الكثير. وأعطى الكثير من يستحق القليل. وكان كقول القائل: # PageV01P136 # فإنها خطرت من وساوسه ... يعطي ويمنع لا بخلا ولا كرما # وقوله في هذه القصيدة يصف سيفا: # كلما استل ضاحكته إياه ... تزعم الشمس إنها أراده # الاياة: ضوء الشمس. والريد: الترب وجمعه: أراد وريدان. كذا في الجمهرة ~~وأنشد فيه يصف: # قالت سليمى قولة لريدها ... ما لابن عمي مقبلا من سيدها # بذات لوث عينها في جيدها # فالشمس مؤنثة، والاياة مؤنثة. ولا ذكر هاهنا ترجع إليه الهاء في إرادة ~~إلا السيف. والاياة نكرة تحاج لها إلى ضمير يرجع إليها في باقي الكلام. فان ~~كانت # (الهاء) راجعة إلى اياة فالهاء في إراده. أما ms048 للشمس وأما للسيف وان كانت ~~الهاء في أنها للشمس. فالهاء في ارآده لا تصلح أن ترجع إلى اياة لأنها ~~مؤنثة فيها علامة تأنيث. وقد أهمل أبو الفتح هذا الفحص حتى لم يطر حسناته ~~وارآد جمع، والشمس واياه موحدان. # والذي عندي في هذا البيت إنه ذكر الشمس إذ لم يكن تأنيثها حقيقيا واضطرت ~~القافية إلى تذكيره. وقد فعلت العرب مثل ذلك. قال قائل: # فلا مزنة ورقت ودقها ... ولا أرض أبقل أبقا لها # PageV01P137 # وقول الأعشى: # أرى رجلا منهم أسيفا كأنما ... يضم إلى كشحيه كفا مخضبا # وقد فعل أبو الطيب مثل ذلك في قوله: # ومخيب العذال فيما أملوا ... منه وليس يرد كفا خائبا # فأما وجه جمعه الارآد والاياة موحدة فإنه حملها على المعنى في قوله: كلما ~~سل. . . فإنه عنى سلات كثيرة. فكل سله ريد للشمس. وفي البيت نظر آخر وهو أن ~~الريد: الترب، وإنما يقال فلانة ريدة لفلانة أي هي في سنها. ولا فائدة لكون ~~السيف ريد للشمس في السن، بل الفائدة في أن يكون ضوءه في مثل ضوئها في ~~المنظر. # والقول في ذلك عندي إنه أقام الريد مقام النظير والشبيه اتساعا في الكلام ~~وتعويلا على دلالة الخطاب. # وقوله: # مثلوه في جفنه خفية الفقد ... ففي مثل إثره إغماده # هذا البيت يحتاج إلى إشباع في التفسير. والذي قاله أبو الفتح: كان جفن ~~هذا السيف مغشي فضة منسوجة عليه فكأنه حكوه ببقاء الفضة التي له على جفنه # صونا من الفقد لئلا تأكل جفنه. # هذا كلامه وفيه زلل كثير في مواضع سأبينها لك فافهمه. فأحد ما زل فيه ~~قوله: حكوه ببقاء الفضة التي على جفنه مع قوله كان مغشي عليه # PageV01P138 # لفضة منسوجة. فإذا كان المعنى ما حكاه فكان يجب أن يغشى بعضه مطروقه ~~مصفحة لكون بقاؤها مثل بقائه وهيئتها كهيئته. فأما المنسوجة فلا بقاء لها. ~~وقد زعم إنها كانت منسوجة فقد نقص آخر كلامه أوله. والآخر قوله: صونا له من ~~الفقد. فقد ظن أبو الفتح إنه يعني أن لو لم يغش لفقد. وليت شعري كيف هذا ms049 من ~~بين السيوف كلها غير مغشاة بفضة فما يفقد. والآخر قوله: لئلا يأكل جفنه. ~~وقد علم أن السيف قد يأكل جفنه ولا يفقد. وإنما يفقد إذا كان ذاك الجفن ~~وصلاحه له من بعد وقد يحل أيضا بهذا القول من حيث أن السيف إذا غشى بفضة ~~منسوجة لم يمتنع من أكله جفنه لأن تلك الفضة لا تجعل على مكان حده. ولو ~~جعلت عليه لكان السيف ماضيا فيها لأنها ممطولة دقيقة جدا. والذي عنا أبو ~~الطيب غير ما حكى، وإنما شبه أثره بنسيج الفضة على جفنه فهو إذا كان من ~~الفرند المسمى المزرد أشبه شيء بنسيج حتى أن في السيوف المجلوبة من بعض ~~بلاد الترك سيوفا حدودها فولاذ، ومتونها حديد من المديل وهو المسمى ~~بالفارسية (ترماهن) يهز أحدها ثم يعطف طرفة فيلتقي مع قائمة ثم يخلى فيعود ~~إلى استوائه، وعلى متونها كأحسن ما يكون من النسيج. فيزعمون إنها تتخذ من ~~حديد يمطل كما تمطل الفضة. فإذا صار على دقة الوتر نسج منه على هيئة التكة. ~~فإذا فرغ من نسجه نفخ عليه حتى إذا صار نارا طرق فاتحدت تلك القوى وتلازمت ~~فإذا برد كشف عنه بالمداوس، والبس حدا من (الساترمان) الجيد فلا نرى فلاندا ~~أحسن من فرندها. وهي تقد الفارس، وتهتك الدرع بلينها ومضائها. فقد ادعى أبو ~~الطيب لحذقه بصنعة الشعر أن ما نسج على جفنه من الفضة تصوير لما على متنه ~~من الفرند فعل ذلك به # أراده إلا تفقده العين يكونه في غمده بل كأنها ناظرة إليه. ولم يرد بقوله ~~خشية # PageV01P139 # الفقد ضياعه وذهابه بل أراد إنه لحسنه لا يشتهي مالكه أن يفقد نظره ~~بإغماده فقد مثله في جفنه. فانظر كيف اضطرب هذا الفاضل وكيف تحمل فلم يظفر ~~ولم يحل. # وقوله في وصف هذا السيف: # وتقلدت شامة في نداه ... جلدها منفساته وعتاده # قد كنت ذكرت هذا البيت في كتابي الموسوم بالتجني على ابن جني، وأوردت ما ~~حضرني من تخطئة فيما فسره به، وحضرني الآن فيما لم أورده سالفا. وأنا أعيد ~~قولي ولا ms050 انقم منه ثم أتبعه بما انفتح لي. # ذكر أبو الفتح قال: قوله: جلدها منفساته وعتاده. أي ما يلي هذا السيف مما ~~تقدمه وتأخر عنه من بره كالجلد حول الشامة. وقوله: جلدها أي الجلد الذي ~~يكون فيه. هذا ما أورده فهل يخبر من أين استنبط إنه عنى الجلد حول الشامة. ~~وما الذي يمنع أن يعني جلد الشامة نفسها. وإذا كان ذلك على ما حكى بديا فلم ~~نقضه فقال: وجلدها أي الجلد الذي يكون فيه. وهل هذا إلا من سلب التوفيق. ~~والذي كنت حكيت استماعا واستفادة من الشيخ أبي العلاء احمد بن عبد الله بن ~~سليمان المعري إنه يعنى ان الغمد لما عليه من الحلي والذهب انفس من السيف ~~كان محلى بمائتين دنانير فجعل الغمد جلدا، إذ جعل السيف شامة. والذي لاح لي ~~آنفا إنه جائز أن يعني بجلده ظاهر الذي عليه الفرند لأن أنفس ما في السيف ~~فرنده وبه يغالي بسومه إذ كان قطعه مما # PageV01P140 # لا يعلم إلا بالتجربة. وإنما يستدل على جودته بحسن فرنده. فهذا مما لا ~~يمتنع، ويخرج به البيت من أن يكون مقصرا بالسيف، وغاضا منه بعدما مدحه. # وقوله في صباه: # ذم الزمان إليه من أحبته ... من ذم من بدره في حمد أحمده # قال أبو الفتح: الهاء في (أحبته) عائدة على العاشق. والهاء في (بدره) و ~~(أحمده) جميعا عائده على الزمان. والفاعل في (ذم) الثانية عائدة على العاشق ~~أيضا. والبدر هو المعشوق. وأحمد هو المتنبي جعل نفسه أحمد الزمان أي ليس في ~~الزمان أحمد آخر مثله. وقال أيضا أي فالزمان يذم معه هجر أحبته إياه ويحمده ~~أي يحمد أحمد لفضله ونجابته. # وهذا البيت على ما فسره إلا أنا نريد وضوحا وبيانا. ونقول غير ما قال ~~أيضا إذ كان البيت مما يستصعب كثيرا على إفهام قوم. # فقوله: (ذم الزمان إليه) فهو من قوله: أحمد إليك الله وأذم زيدا. كما قال ~~أيضا: # أذم إلى هذا الزمان أهليه # PageV01P141 # وقوله: (من أحبته) جائز أن تكون الهاء للعاشق كما ذكر. والأولى عندي أن ms051 ~~تكون عائدة على الزمان يريد: أحبة الناس فيه، أضافهم إلى الزمان لأنهم فيه. ~~كأنه قال: الزمان له كل الأحبة في مذموم كما ذممت بدرك. ثم قال: (في حمد ~~احمده) يريد ذمهم الزمان مع حمده إياي (ففي) بمعنى (مع). كما تقول: مر وهو ~~يقرأ في سيره، أي مع سيره. ومثله قول الشاعر: # رأيت الليالي ينتهبن شيبتي ... فأوضعت باللذات في ذلك النهب # وقوله: # وكنت السيف قائمه إليهم ... وفي الأعداء حدك والغرار # فأمست بالبدية شفرتاه ... وأمسى خلف قائمه الحيار # الحيار، والبدية، أما الحيار: فقريب إلى العمارة. وأما البدية: فواغلة في ~~البر، وبينهما مسيرة ليلة. يقول: جاوزت الحيار في # PageV01P142 # طلبهم، فصار الحيار خلف قائم هذا السيف. ووصلت سرعان خيلك إلى البدية ~~فتكت بالعدو، وأخرياتها لم تبعد على # الحيار كثيرا. يريد بذلك أما عظم العسكر أو بعد الهيبة. وقد خلط الشيخ ~~أبو الفتح رحمة الله في تفسير هذا البيت، واتى بما يحتاج اليه، وبما هو ~~مستغن عنه فقال في بعض فصوله: عظم حال السيف. فقال: كان الحيار خلف قائمة ~~أي قائمه أدنى إلى عمارة من الحيار فيقتضي هذا الكلام أن تكون شفرتاه إذن ~~في العمارة. لكنه اتبع هذا الكلام بأن قال: وكانت شفرتاه وقت كون قائمه دون ~~الحيار بالبدية فقد نقض بهذا قوله أي قائمه أدنى إلى العمارة. لأن البدية ~~كانت داخلة في البر لم تحصل الحيار خلف القائم إلا إذا تجاوزه إلى ناحية ~~البدية: فأما إذا كان القائم أدنى إلى العمارة حصل الحيار خلفه إذ كانت ~~شفرته في العمارة. ولا يجوز أن تكون شفرته في البدية والقائم أدنى إلى ~~العمارة من الحيار. فيقال الحيار خلف قائمة بل يكون قدام قائمة اللهم إلا ~~أن يقول عني بالخلف ما يلي السيف من أدناه لا ما يلي عضد الضارب ومعصمه. ~~وهذا لا يفهم من كلام العرب. # فأقبلها المروج مسومات ... ضوامر لا هزال ولا شيار # يعني إن ضمرها ليس بهزال، بل هي مصنوعة مضمرة. وذلك أنها تسقي اللبن ~~وتقاد وتجري حتى تعرق فيسمى ذلك الحيد والطبخ. ومنه قول ms052 الراجز: # PageV01P143 # أنضجهن الطبخ طبخ الضرعين ... والقود بعد القود حتى يهمين # وإذا فعل ذلك بها اشتد لحمها، وذاب شحمها فخفت أبدانها للجري. وأما ~~الشيار فهن الحسان المناظر. وفلان ذو شيار، أي ذو هيبة. وهو رجل شير. ومنه ~~قول الراجز: # كأنها من بدن وشاره ... والحلي حلى التبر والحجارة # مدفع مشاء إلى قراره # والمصدر الشوار. ومنه قول زهير: # مقورة تتبارى لا شوار لها ... إلا القطوع على الأكوار والورك # والشوار في غير هذا: الفرج. يقال: أبدى الله شوارك. وحكى أبو زيد: أجدت ~~الدابة مشوارها إذا حسنت هيئتها. في هذا البيت وفي مشارتها انشد أبو زيد في ~~نوادره: # وما هي إلا أن تقرب وصلها ... علاه كناز اللحم ذات مشارت # والهزال بكسر الهاء لا غير: جمع هزيل وإنما أتينا بهذا البيت (يعني بيت ~~المتنبي) لما سمعنا قوما يرددون هزال يظنونه مصدر هزلت الدابة. ولو أتى ~~بمصدر لأتى معه بمصدر مثله. فقال: لا هزال ولا شوار. # PageV01P144 # وقوله: # من كل احور في أنيابه شنب ... خمر مخامرها مسك تخامره # الهاء في مخامرها عائد على الخمر. وخمر رفع بالابتداء. ومخامرها ابتداء ~~ثان، ومسك خبره، ومخامرها مع مسك جملة من مبتدأ وخبر محلها الرفع. والهاء ~~في تخامره ضمير الشنب. يعني أن خمرا قد خامرها المسك يخامر ذلك الشنب. هذا ~~مقنع في تفسير هذا البيت. وقد ركب أبو الفتح في تفسير هذا البيت مركبا صعبا ~~فلم يحل بطائل. قال: خمر بدل من شنب، كأنه قال في أنيابه خمر. ثم قال: ~~يقول: قد خالطها المسك، والمسك قد خامرها. فانظر من كم نوع قد تكلف، ومن كم ~~وجه بعيد قد تمحل والمعنى اقرب إليه من اليد إلى الفم. وألا يعلم إنه إذا ~~أراد أن الخمر قد خالطت المسك. والمسك قد خامرها يجب أن ينشد: خمر مخامرها ~~مسك يخامره. لان المسك مذكر. والخمر مؤنثه. وقد يعتذر عنه معتذر فيقول: ~~إنما عنى بهذا القول إن المسك والخمر قد خامر بعضها بعضا فجاء بعبارة يحتمل ~~ما ذهب إليه وما اعتذر به عنه فلعمري أن ذلك عذر وليس ms053 بواضح. وكان الأولى ~~به أن أراه ما يزعم أن يقول: الخمر قد خالطت المسك والمسك قد خالطها فكان ~~هذا اللفظ اقرب إلى ما يدعيه، ولا يظن ظان إنه يروم سياقه لفظ البيت. # PageV01P145 # وقوله: # أوشك أنك فرد في زمانهم ... بلا نظير ففي روحي أخاطره # ربما اشتبه هذا البيت على كثير من المتعلمين فنحن نوضحه. قوله: أخاطره هو ~~من الخطر الذي يكون بين المتراهنين يقال: سابق فلان فلانا على كذا أي ~~راهنته. وقد يقال: بايعته. قال الشاعر: # من شاء بايعته مالي وخلعته ... ما تكمل التيم في ديوانهم سطرا # وليس هو من الخطر الذي هو الندب. ولا المخاطرة بالكم والذنب وهي تحريكهما ~~من الخيلاء والكبر يقول: فمن شك في ذلك فأني أتابعه في روحي وروحه. فاكتفى ~~بالأول لعلم المخاطب. # وقوله: # إليك ابن يحيى بن الوليد تجاوزت ... بي البيد عنس لحمها والدم الشعر # قد ألفيت بعض المتشيعين يرويه: الشعر بفتح الشين. ويفسره إنه يعني ~~لهزالها لم يبق لها لحم ولا دم إلا الشعر وحده. ولم يرو ذلك أحد عن أبي ~~الطيب وما هو إلا من وساوس الشيطان والذي يروي عنه الشعر بكسر الشين. # ويحتمل من المعاني وجوها كثيرة. فأولها وهو الذي # PageV01P146 # أتى به أبو الفتح أني إنما كنت أحثها بمدحكم وأحدو لها به فأصون بذلك ~~لحمها ودمها. هذا لفظه. ومعنى ثان وهو أن يعني نعله. وهو إنه لا قوة له ولا ~~مال ولا وسيلة إلا الشعر. . فأقام اللحم والدم مقام المال والوسيلة مقام ~~المال والوسيلة لأن الإنسان بهما يتوسل إلى السير. ويكون كقوله أيضا: # لا ناقتي تقبل الرديف ولا ... بالسوط يوم الرهان أجهدها # وهو يريد نعله. ومعنى ثالث. وهو إنه يعني ناقة لم يبق لها من هزالها دم ~~ولا لحم وإنما بقى لها الشعر فقط. كأنه يريد جميع ما تحمله هو الشعر. حتى ~~أن لحمها # ودمها أيضا شعر. ومعنى رابع وهو أجودها كلها. وهو إنه يعني إنها كأنها ~~شعر قد تجسم ناقة فكلها شعر إذ كان كلها لحما ودما فإنه لو قدر لقال لحمها، ms054 ~~ودمها، وعظمها، وعصبها وما أشبه ذلك. ولا يريد إن ثم هزالا ولا جهدا، بل ~~يريد غلبة الشعر على راكبها، ويكون كقوله في هذه القصيدة بعينها: # هم الناس إلا أنهم من مكارم # أي تجشموا مكارم. # PageV01P147 # وقوله: # وتركك في الدنيا دويا كأنما ... تداول سمع المرء أنمله العشر # لم يعرض لتفسير هذا البيت أبو الفتح. ويجب أن يقال ما معنى قوله: تداول ~~سمع المرء أنمله العشر وذلك أن الصماخين إذا سدا سمع الإنسان في أذنه دويا ~~عظيما. وقد تكلمت الأطباء في ذلك وفي مآتيه بكلام ما نحن بصدده. وقد روي عن ~~عائشة أنها قالت: من سره أن يسمع صوت الكوثر فليضع سبابتيه في صماخه. وقد ~~أحسن الشاعر المحدث في نقل هذا الخبر إلى معنى آخر بقوله: # فاحش صماخيك بسبابتي ... كفيك تسمع لدموعي خرير # كأنه يقول: إن ذلك الدوي من دموعي. كما قالت عائشة. # وقوله: # وخرق مكان العيس فيه مكاننا ... من العيس فيه واسط الكور والظهر # قال أبو الفتح: معنى البيت إن هذه الإبل كأنها واقفة في هذا الخرق، ليست ~~تذهب ولا تجيء. وذلك لسعته فكأنها ليست تبرح منه. كما قال الآخر: # يمشي به القوم بحيث أصبحوا # أي فكما نحن في ظهور هذه الإبل لا تبرح منها في واسط أكوارها # PageV01P148 # فكذلك هي كأن لها من أرض هذا الخرق كورا وظهرا فقد قامت به لا تبرحه. ألا ~~تراه يقول # بعد هذا: # يخذن بنا في جوزه وكأنما ... على أفقه من برقه حلل حمر # وأخذ هذا المعنى السري الرفاء الكندي فقال: # وخرق طال فيه السير حتى ... حسبناه يسير مع الركاب # قد جود أبو الفتح في هذا التفسير. على إنه لا يمتنع أن يقال: غنى أن ~~العيس منه في وسطه سائرة كما أنا من الكور على وساطته. ولم يتعرض لوقوفها ~~ولا براحها. ومما يؤكد هذا قوله: يخدن بنا في جوزه. فلو أراد إنها كالواقفة ~~لما قال يخدن. وإنما يريد أن سيرها من قطعة كبير شيء. والجوز الوسط. فأما ~~قوله: كأننا على كرة فلا ريب إنه يعني أن الكرة ms055 لا تقطع بالسير لأنها كلما ~~انتهى من يسير عليها إلى حيث بدأ منها لم يكن ذلك لها نفاذا بل أحوج إن بدأ ~~أيضا ثانية، فلم يكن لسيره انقطاع مثل الكواكب. فإنها كلما قطعت إلى آخر ~~البروج وهو الحوت لم يكن لها من الحمل محيد. # ولفظ البيت الثاني أدل على ما ذكره ابن جني من البيت الأول، ولم يعد ~~الصواب مما أتى به. وقد ضارع شرح هذا البيت ما ادعى القاضي أبو الحسن على ~~بن عبد العزيز الجرحاني رحمه الله على أبي الطيب من الغلط في قوله: # وردنا الرهيمة في جوزه ... وباقية أكثر مما مضى # PageV01P149 # فقال: كيف يكون باقية أكثر مما مضى، وقد قال في جوزه. والجوز وسط. ثم ~~تمحل له عذرا من جنس ما قد مضى أنفا في شرح قوله: وخرق مكان العيس. وعندي ~~أن المخطئ القاضي فإنه لم يفهم البيت فتجنى له، ثم اعتذر بما قد وضعه الله ~~عنه. وقد تقدم هذا البيت قوله: # فيالك ليلا على أعكش ... أحم البلاد خفي الصوى # فقد ظن القاضي أبو الحسن أن جوزه الهاء لليل. وإنه كقول عمر ابن أبي ~~ربيعه: # وردت وما أدري أما بعد موردي ... من الليل أما قد مضى منه أكثر # ولعمري إنه لو كان كما ظن لكان كلامه محالا حيق يقول: وباقية أكثر مما ~~مضى. وإنما الهاء في جوزه لأعكش. وأعكش مكان واسع. والرهيمة ماء، مكانه في ~~وسط أعكش. فهذا كلام صحيح. ثم قال: وباقية أكثر مما مضى أي باقي الليل. فقد ~~بان أن المعنى لم يفهمه من بدء. والبيت صحيح السبك. # وقوله: # قرام تلاقى الصلت فيه وعامر ... كما يتلاقى الهندواني والنصر # PageV01P150 # قال أبو الفتح: يريد جدية من قبل أبيه وأمه. ورفع قرانا بفعل مضمر كأنه ~~قال: انجب به قران هذه حالة وصفته. وشبه اجتماعهما بقران الكواكب تشريفا ~~لهما. # جود أبو الفتح في هذا الشرح. وتعقبه بما لا حاجة به إليه. وقوله شبه ~~اجتماعهما بقران الكواكب. ولا نعلم في أي موضع من بيته شبه ذلك. كأن القران ~~حرام أن ms056 يكون إلا للكواكب، ألا يكفي قران الصلت وعامر في المصاهرة بينهما. ~~غفر الله لأبي الفتح وما أبعد مراميه، وأقل تأتيه. # وقوله: # إليك طعنا في مدى كل صفصف ... بكل وآه كل ما لقيت نحر # الوآة: الناقة الشديدة. وإنما ذكر النحر لأنه ذكر الطعن. والعرب تذكر مع ~~الطعن النحر. والكلى يقول الراجز: # تبكي عواليهم إذا لم تختضب ... من ثغر اللبات يوما والحجب # وقول الأفوه: # علموا الطعن معدا في الكلى ... وادارع اللام والطرف نحار # PageV01P151 # وإياه عنى القائل: # فطعنت تحت كنانة المتمطر # فهناك موضع الكلية. وقيل: تحت لبانه. فأما قول الآخر: (لقيته في الكبة، ~~فطعنته في المسبه، فخرجت من اللبة). فإنما عنى: لقيته في الهزيمة، وهو مول ~~فطعنته في دبره فأخرج من صدره ولذلك قال أبو الطيب: # من طاعني ثغر الرجال جآذر ... ومن الرماح دمالج وخلاخل # وعنى بالطعن إنه عمد قتله وهلاكه، كما يعمد بالطعن قتل الرجل وهلاكه. ~~فكذلك طعن هذا في مدى هذا الصفصف ليبيده. ثم قال: كل ما لقيته هذه الوآة ~~مرت فيه نافذة كمن ينفذ الطعن في النحر، فكأنها لطعني رمح، وكأل الصفصف ~~ومداه نحر: يقصد بالطعن. وكأنه لو تمكن لقال: كلما لقيت من المفاوز نحو ~~ليصح له المعنى. ألا ترى إن النحر أيضا داخل في الكل. وما لا تقطعه الناقة ~~كثير مما لا يسار فيه بناقة. وإنما يقطع ما يسار فيه بظهر. ومثل هذا نسبوا ~~قوله: # فزل يا بعد من أيدي ركاب ... لها وقع الأسنة في حشاكا # وقوله: # وجنيني قرب السلاطين مقتها ... وما يقتضي من جماجمها النسر # PageV01P152 # قال أبو الفتح: المقت: البغض. أي كان الطير ينتظر قتلى السلاطين إلى أكل ~~لحومها. وهذا شرح مغن. # ولقيت بعض المتكلفين الذين يزعمون انهم لقوا أبا الطيب، وقرءوا عليه شعره ~~يزعم إنه حبس على هذا البيت. وقال له علي بن محمد الانطاكي: ما هذه الجرأة ~~علي، ومواجهتك إياي بهذا المقال في السلاطين وأنا منهم فاعتذر بأن قال: ~~إنما عنيت مقتهم إياي لا مقتي لهم. وعنيت بالنسر الأخذ والاختطاف. يقال ~~نسرت أنسر نسرا أي خطفت. ms057 وعنيت بالجماجم الأكابر والسادات. فقلت له فما صنع ~~بقوله: # ولا تحسبن المجد زقا وقنية ... فما المجد إلا السيف والفتكة البكر # وتضريب أعناق الملوك وأن ترى ... لك الهبوات السود والعسكر المجر # فلم بحر جوابا. وهذا من الكذب الذي لا يبارك الله فيه، إذ الرجل له في ~~ذاك عادة وهو يعده جرأة، وقدرة، وقلة احتفال. ألا تراه يقول: # مدحت قوما وان عشنا نظمت لهم ... قصائدا من إناث الخيل والحصن # تحت العجاج قوافيها مضمرة ... إذا تنوشدن لم يدخلن في أذن # وقوله: # ميعاد كل رقيق الشفرتين غدا ... ومن عصى من الملوك العرب والعجم # وسألني هذا المتعمق: كيف ينشد قوله: # يتفيئون ظلال كل مطهم ... أجل الظليم وربقة السرحان # PageV01P153 # فأنشدته على ما رويت، فقال: أنا أروي عنه: حل الظلم وربقه السرحان. ~~يريدان هذا الفرس في عدوه كحلك الظليم من عقاله. فقلت: فما باله يجعله ~~كربقة السرحان. افترى السرحان مربوقا فيه ما نسبته به للفرس. فقال: بل عنى ~~إنه إذا طارده لم يفته فكأنه مربوق كقول امرئ القيس: قيد الأوابد هيكل. # فقلت: الربقة تحبس كالقيد. وكذلك الأجل يحبس بالموت. هذا ازدواج وتشابه، ~~فما الذي يسومنا هذا التنافر في المعنيين الذي تزعم. وحل الظليم في سرعة ~~عدوه، وربقه السرحان صفة الذئب في عجزه عن الفوت. فكيف يحسن هذا في صنعة ~~الشعر. هذا وأشباهه ما لا فائدة في الإصغاء إليه. # وقوله: # لساني وعيني والفؤاد وهمتي ... أود اللواتي ذا اسمها منك والشطر # الأود جمع ود. وهو الصديق. وود، وود حكاها الشيخ أبو الفتح عن محمد بن ~~الحسن عن أحمد بن يحيى. واستشهد بشواهدا وقال: يقول: لساني وعيني وهمتي تود ~~لسانك وعينك وفؤادك وهمتك والشطر: النصف، أي وهي شطرها فكأنها # شقت منها فصارتا شطرين فلشدة محبتي لك كأنك شقيقي. # PageV01P154 # هذا تفسير شاف. وقوله: ذا اسمها إشارة إلى اسم، وكان يجب لو تمكن أن يقول ~~هذه أسماؤها والشطور لأنها كثيرة. ولكن الوزن اضطره إلى ذلك. وفي شعره مثل ~~ذلك: # الثابتين فروسة في ظهرها ... كجلودها والطعن في لباتها # والشطر جائز أن يكون عطفا ms058 على اسم ويجوز أن يكون عطفا على الأود، إلا أن ~~الأحسن أن يكون عطفا على اسمها لأنه موحد، والأود جمع. فهذا من الجنس الذي ~~عرفتك في أول الكتب إن غرضه فيه التعمية فقط وإلا فما الفائدة من هذا البيت ~~مع ما فيه من الاضطراب، وركوب المجاز. # وقوله: # باد هواك صبرت أم لم تصبرا ... وبكاك إن لم يجر دمعك أو جرى # حكى لي عن أبي الطيب إنه قيل له: خالفت بين سبك المصراعين، في المصراع ~~الأول إيجاز بعده نفي، يريد صبرت أو لم تصبر، ووضعت في المصراع الثاني نفيا ~~بعده إيجاب وهذا يخالف لما يستحسن من صنعة الشعر. فقال في الجواب: لئن كنت ~~قد خالفت فيهما من حيث اللفظ فقد وافقت بينهما من حيث المعنى. وذاك إن من ~~صبر لم يجر دمعه، ومن لم يصبر صبرى دمعه. فهذا جواب جيد، وخطابة مليحة. ~~الله اعلم بصحتها. # وفي البيت فحص آخر وهو قوله: # (وبكاك إن لم يجر دمعك أو جرى) # PageV01P155 # فلقائل أن يقول: كيف يبدو البكاء إذا لم يجر دمعه. وعن هذا السؤال ~~جوابان: # أحدهما: إنه يعني ما في صوته إذا تكلم عن نغمة الحزن، وشجو الباكي، ~~والزفير والتهيؤ للبكاء. # والجواب الثاني أن يكون بكاك عطفا على الضمير في صبرت، كأنه يقول: صبرت ~~وصبر بكاك فلم يجر دمعك، أو لم تصبر فجرى دمعك. وهذا أجود الجوابين وقوله ~~فيها: # تعس المهاري غير مهري غدا ... بمصور لبس الحرير مصورا # نافست فيه صورة في ستره ... لو كنتها لخفيت حتى يظهرا # قوله: بمصور أي بإنسان كأنه صورة من حسنه لبس الديباج المصور. دعا على ~~الإبل كلها إلا هذا البعير الذي عليه المحبوب. وكذلك الهاء في (ستره) كأنه ~~دون هذا المحبوب ستر عليه صورة. فهو ينافسها على قربها منه ثم قال: لو كنت ~~هذه الصورة لحفيت حتى يظهر للرائين لكن هذا الستر ليس بخفي. وقد اعترض عليه ~~من لا أعلم له بطريقة الشعر، فقال: حقيقة هذا المعنى غير متصورة، إذ لو كان ~~المتنبي تلك الصورة فخفي ليظهر لكان ms059 ظهوره للناس مما لا يفيد أبا الطيب ~~وإنما ظهوره للناس مفيد، وهو فيهم ليراه، وقائل هذا لا معرفة له بطرق ~~المعاني إذ كان الشاعر أن يتمنى المحالات، على أن أبا الطيب لا يتمنى محالا ~~وإنما رأى سترا يحول بينه وبين حبيبته فقال: لو كنت مكان ذلك الستر لخفيت ~~حتى يظهر ذلك المحبوب، ولم يتمن أن يظهر له أو لغيره بل يتمنى ظهوره فقط. ~~والفائدة نزهة الأبصار في رؤيته. # PageV01P156 # وقوله: # وإذا الحمائل ما يخدن بنفنف ... إلا شققن عليه ثوبا أخضرا # لم يتعرض أبو الفتح لتفسير هذا البيت. وإنما ذكر الغريب. وقوله: شققن ~~عليه ثوبا أخضرا. وإنما يعني بالثوب الأخضر الكلأ والعشب وشقها إياه رعيها ~~له حتى تصير كالثوب المشقوق لما رعى الوسط. وترك الحافات وان شئت كان شقهن ~~إياه سيرهن فيه كقول طرفة بن العبد: # يشق حباب الماء حيزومها بها ... كما قسم الترب المغايل باليد # والمفايل الذي يلعب بالتراب، يقسمه بيده يطلب فيه خبيئة. # وقد سمعت من يرويه بالجمائل، بالجيم كأنه جمع جماله، مثل بقوره، وصقوره، ~~وخيوطه. وقد جمع جمالات، وهو في التنزيل وذلك غير ممتنع في البيت، قال ~~الشاعر: # وتقيم فغي دار الحفاظ بيوتنا ... رتع الجمائل في الدرين الأسود # PageV01P157 # وقوله: # خنثى الفحول من الكماة بصبغة ... ما يلبسون من الحديد معصفرا # يريد لون العصفر. وهو احمر، يريد الدم، ولونه أي جراحاتك إياهم العظمة ~~شأنها، الصابغة دروعهم بلون العصفر خنثاهم أي جعلهم للبسهم المعصفرات وهي ~~من لباس الإناث والمتشبهين بهن. ألا ترى الشاعر يقول: # إن أنتم لم تطلبوا بأخيكم ... فذروا السلاح وجنبوا بالأبرق # وخذوا المكاحل والمجاسد والبسوا ... نقب النساء فبئس رهط المرهق # وقوله: # وترى الفضيلة لا ترد فضيلة ... الشمس تشرق والسحاب كنهورا # شبه طلعته لنورها بالشمس، وجوده لكثرته بجود السحاب، والكنهور المتراكب. ~~يقول: من عادة السحاب إذا اجتمع مع الشمس سترها وفيك هاتان الفضيلتان لا ~~ترد أحديهما الأخرى. وقد كرر هذا المعنى في مكان آخر: # قمر ترى وسحابتين بموضع ... من وجهه ويمينه وشماله # وقوله في قصيدة أخرى: # شمنا وما حجب السماء بروقه ms060 ... وحري يجود وما مرته الريح # PageV01P158 # فهذا المعنى من الحسن والبيان كما ترى. وقد حرف أبو الفتح الرواية إذ لم ~~يفهم # فجاء بذات العراقي قال: أي وترى الفضيلة فيك مشرقة واضحة غير مشكوك فيها. ~~كما ترى الشمس إذا أشرقت والسحاب إذا كان متكاثفا. وقوله: لا ترد بضم التاء ~~وفتح الراء رواية. أي مقبولة غير مردودة. # نصب الشمس والسحاب بفعل مضمر، كأنه قال ترى ترويه فضائلك الشمس والقمر. ~~ويجوز أن تنصبها بدلا من مقبولة غير مردودة. فكأنه قال: وترى فضائلك مثل ~~الشمس والسحاب نيرة مشرقة ظاهرة بارزة. ونصب فضيلة على الحال أي تراها ~~مستحقة لهذا الاسم، وتشاهدها كذلك. ويجوز أن يكون التقدير، وترى الفضيلة ~~فضيلة غير مردودة. ثم قدم وصف النكرة عليها فأبدل النكرة منه، ونصبه على ~~الحال منها ونصب كنهورا على الحال. وتشرق أيضا في موضع الحال كأنه قال ~~مشرقة. فانظر الآن إلى هذا الكلام الطويل العريض ما الذي افاد، وما يكون ~~أبو الطيب صنع إذا خلص له المعنى، وهل زاد على إن قال: ونرى للممدوح فضيلة ~~ظاهرة غير مردودة كالشمس. أفهذا القدر مما يحتاج إلى هذا التعميق في اللفظ. ~~ولا يكفيه أن يضرب له الشمس مثلا (حتى يضيف إليها السحاب. ولم نسمع أحد ضرب ~~السحاب مثلا) # PageV01P159 # في الشهرة. لاسيما وإنما يضرب المثل فيها بكل مضيء والسحاب مظلم. # وقوله: # وانثنى عني الرديني حتى ... دار دور الحروف في هواز # لم يعمل أبو الفتح في تفسير هذا البيت شيئا، وهو يقول: انثنت الأسنة عني، ~~وتعطفت تعطف الحروف كاستدارتها في كتابة هواز لأن الهاء دائرتان، والواو ~~مستديرة الأعلى مستديرة الأسفل والزاي مستديرة، ولو ساعدته القافية فقال في ~~هواز لكان الصواب، إلا أن العرب تنطق # PageV01P160 # بهذه الكلمات على غير ما وضعت. فتقول: تليت أبا جاد، وهوازا، وقريشات. ~~كما قال الاول: # تعلمت باجاد وآل مرامر ... وسودت أثوابي ولست بكاتب # وقال أبو خنش في البرامكة: # أبو جادهم بذل الندى يلهمونه ... ومعجمهم بالسيف ضرب القوانس # وإنما هو: أبجد، هوز، حطي، قرشت. وهذه الكلمات ألفت لحفظ العدد تأليفا ~~حسنا ms061 يكتب بها الاعداد، فلا تنقطع عند وصل، ولا تتصل عند قطع. وقد زعموا ~~إنها أسماء الله تعالى إلا إنها مشتركة للعرب، والفرس، والروم. وتشبيهه ~~لانعطاف الأسنة باستدارة هذه الحروف كتشبيه الحافر بالميم حيث يقول: # لو مر يركض في سطور كتابه ... أحصى بحافر مهره ميماتها # وكتشبيه الحافر أيضا بالعين كقوله: # أول حرف من اسمه كتبت ... سنابك الخيل في الجلاميد # إلا أن الجيد في تشبيهه تعطف الرماح ما له الشيخ أبو العلاء حيث يقول: # PageV01P161 # وتعطفت لعب الصلال من الأسى ... فالزج عند اللهذم الرعاف # فلعب الحيات، وتعطفها حسن في تشبيه استدارة الرمح إذا التوى وتعطف. # وقوله: # هذي برزت لنا فهجت رسيسا ... ثم انثنيت وما شفيت نسيسا # قد تقدم ذكر هذا البيت في كتاب التجني على ابن جني، ونحن نكرره هاهنا ~~ليكون الكتاب كاملا. قد نعى أبو الفتح على المتنبي حذفه حرف النداء من هذي. ~~وهذي تصلح أن تكون وصفا (لأي) فحذف (يا) مع (أي) إجحاف وذلك لا يجوز عند ~~البصريين. وقد فسر قول الله: (هؤلاء بناتي هن أطهر لكم) أراد ي هؤلاء ~~بناتي. وعند البصريين غير جائز. وسمعت الشيخ أبو العلاء يقول: هذه موضوعة ~~موضع المصدر وإشارة إلى البرزة الواحد. كأنه يقول: هذه البرزة برزت فهيجت ~~رسيسا. وهذا تأويل حسن لا حاجة معه إلى اعتذار. # PageV01P162 # وقوله: # وكشفت جمهرة العباد فلم أجد ... إلا مسودا جنبه مرؤوسا # أي سبرت وجربت واختبرت جمهرة الناس. وقوله: جنبه أي الإضافة إليه. أي كل ~~الناس بالإضافة إليه مرؤوس مسود. وقد حذف حرف الجر فنصبه كما قال: (واختار ~~موسى قومه سبعين رجلا) أي من قومه. # وقوله: (واقعدوا لهم كل مرصد) وقوله أيضا # وخوف كل رفيق ... أباتك الليل جنبه # منصوب بحذف حرف الجر. إلا أن بينهما فرقا. وذلك أن قوله: أباتك الليل ~~جنبه. يريد مجاوره وبجنبه. وفي قوله مسودا جنبه يريد بالإضافة إليه، ~~والقياس عليه، ولا يزيد إنه وضع بجنبه إلا مجازا فقط. # وقوله: # كأنك ناظر في كل قلب ... فما يخفى عليك محل غاش # هذا البيت فضح الصاحب أبو القاسم به ms062 نفسه في رسالته التي ذم بها أبا الطي ~~يقول فيها ومن مجازاته التي خلقها خلقا متفاوتا تخفيفه (الغاش) وهذا مما لا ~~أعلم سامعا باسم الأدب يسوغه، أو يفسح فيه ويجوزه وذلك كقوله: كأنك ناظر ~~البيت الخ. فما جاز هذا جاز أن # PageV01P163 # يقال: عباس بن عبد المطلب، وشماخ بن ضرار فلا تشدد الميم، ولا الباء. على ~~أن ما أورده أشنع من هذا الذي مثلناه به. # هذا كلامه فإذا لم يفهم الكلام اعترض عليه بما يفضح. وكأنه قد تصور إنه ~~يريد من الغش، ولم يرد أبو الطيب شيئا من ذلك. وإنما أراد محل من يغشاك من ~~صنوف الناس، يقال: غشيته أغشاه إذا قصدته من قوله: # غشيت ديار الحي بالبكران # قال الله تعالى: ومن فوقهم غواش. وقال ذو الرمة يصف سفودا: # وذي شعب شتى كسوف فروجه ... لغاشية يوما مقطعه حمرا # ومنه كنى عن الجماع بالغشيان. قال الله تعالى: فلما تغشاها حملت حملا ~~خفيفا فمرت به. ولو أراد الغش لما أتى بالمحل لأن ذا الغش يعرف غشه فقط، ~~ولا حاجة بمعرفة منظلته ومحلته وهذا كقوله: # ويمتحن الناس الأمير برأيه ... ويقضي على علم بك ممخرق # وقوله: # ملك منشد القريض لديه ... يضع الثوب في يدي بزاز # وله مثله كثير وإنما هذا البيت كقول علي بن الجهم: # كلمني لحظك عن كلما ... أضمره قلبك في غدره # ولعل الصاحب لما رآه ذكر الغدر ووجد بيت أبي الطيب مأخوذا منه ظن إنه ~~لابد من إقامة الغش مقام الغدر. ومثله للخليع # PageV01P164 # أما تقرأ في عيني ... عنوان الذي عندي # والأول فيه قول الدقيقي: # تخبرني العينان والقلب كاتم ... ولا حن بالبغضاء والنظر الشرز # وقوله: # أتى خبر الأمير فقيل كروا ... فقلت نعم ولو لحقوا بشاش # روى أبو الفتح بفتح الكاف. وفسره فقال: كان أبو العشائر استطرد للخيل، ~~وولى بين أيديها ثم جاء خبره إنه كر عليهم راجعا. أي فلو لحق بشاش لوثقت ~~بعودته. هذا تفسير يتبع الرواية. ولعمري إنه إذا روى كذا كان التفسير هذا ~~مع سماع الخبر. ولم يرو غير أبي الفتح كروا ms063 بفتح الكاف. ووقعت إلي نسخ عير ~~واحدة شاميات في كلها كرواء وليس التفسير إلا ما أقول ولا الرواية إلا ~~بالضم. # يقول: أتى خبر الأمير بظفره بالعدو فقيل لنا معشر المستميحين واللائذين ~~به. # كروا فقلت: نعم ول بشاش. الدليل على ذلك فيما يليه: # PageV01P165 # وأسرجت الكميت فنا قلت بي ... على أعقاقها وعلى غشاشي # والأعقاق: مصدر من أعقت الأنثى فهي عقوق إذا عظم بطنها لقرب النتاج. ~~والغشاش العجلة يقول: سرت بها على عجلة مع كونها معقا. فهذا دليل على أن ~~الغرض ما ذكرناه. وأيضا قوله فيما بعد: # إذا ذكرت مواقفه لحاف ... وشيك فيما ينكس لانتقاش # أي يعجل سروره بها وعجلته إلى زيارته عن إخراج الشوك من رجله. وأيضا فما ~~يفسد المعنى الذي ذكره. إن قوله فقيل كروا يكون ضميره أصحاب الممدوح، ~~ولحقوا ضميره لأصحاب العدو فكيف يفرق السامع بين الضميرين. وهل يرضى مثل ~~أبي الطيب لشعره بهذا المجاز من كون ضميرين في بيت واحد لمختلفين لفظهما ~~متفق. # وقوله: # تزيل مخافة المصبور عنه ... وتلهى ذا الفياش عن الفياش # المصبور: المحبوس ليقتل. يقال: قتل فلان صبرا أي حبس على القتل فضرب ~~عنقه، وما أشبه هذا والفياش: المفاخرة. يعني أن هذا الممدوح يزيل مخافة ذي ~~الخوف لأنه يستنفذ الأسير. ويلهى صاحب # PageV01P166 # الفخر عن مفاخرته. وفي هذا البيت من الانغلاق إنه ربما توهم أن ضمير ~~(تزيل) للخبر وليس ذلك بجيد، لأن المفاخرة ليست مما إذا الهي الخبر عنه يدل ~~على كبير سرور بالخبر، بل الأولى إنه يعني تلهى هذا الممدوح ذا الفخر عن ~~مفاخرته بنهاية وعظم شأنه، وتزيل مخافة ذي الخوف باستنقاذه. فإن كان الضمير ~~للخبر عن المواقف فإنه يعني إنها لعظمها لا ترخص في مفاخره من تلك مواقفه ~~ولكن يختل قوله: تزيل مخافة المصبور فإن عظم رفعته لا تزيل المخافة بل ~~الممدوح يزيلها. وحكى الشيخ أبو # العلاء إنه كان قد قال: # ويلهى الحسن في خلق الأباش # فغيره إلى هذا. والأباش المرأة السيئة الخلق. # وقوله: # للسبي ما نكحوا والقتل ما ولدوا ... والنهب ما جمعوا والنار ما زرعوا ms064 # أوقع (ما) على من يعقل في قوله: وما ولدوا على تويلات ثلاث. أحدها أن ~~يكون غرضه أنهم أغنام غير ذي عقول كالبهائم، فاستعمل لهم (ما) لأنها لما لا ~~يعقل. والثاني أن يكون على لغة من يقول: سبحان ما سبح الرعد بحمده، يريد ~~(من) حكاها أبو زيد عن أهل الحجاز. والثالث أن يكون أوقع (ما) على المصدر. ~~فكأنه قال: للسبي نكاحهم، وللقتل ولادتهم. وقيل في قوله تعالى: والسماء وما ~~بناها، والأرض # PageV01P167 # وما طحاها، ونفس وما سواها. وقوله تعالى: وما خلق الذكر والأنثى. إن ما ~~مقامه على مقام المصدر. كأنه يقول: والسماء وبنائها، والأرض وطحوها، ونفس ~~وتسويتها. كذلك اقسم بخلق الذكر. وقيل أن (ما) مقامة مقام من على لغة أهل ~~الحجاز. حكى ذلك أبو إسحاق الزجاج. # وقوله: للقتل وما ولدوا فقد يعترض عليه، فيقال: إنما تقتل الرجال، ومن ~~بلغ الحلم، فأما من ولدوا فيعني به الصغار منهم، وهم بالسبي أولى. فالجواب ~~إن الرجال أيضا ومن أتت السن عليه ليس يخلفون أن يكونوا مولودين. فلما نقدم ~~في اللفظة الأولى السبي لم يجد بدا أن يقول ذلك. وقد استعمل (من) في موضع ~~(ما) في قوله: # إن كان لا يسعى لجود ماجد ... إلا كذا فالغيث أبخل من سعى # وهذا محمول على التأويل إنه أراد بخل الساعين. وجعل الغيث ماجدا سعى ~~لجود. والعرب إذا وصفت الشيء بصفة غيره استعارت له ألفاظه، وأجرته في ~~العبارة # مجراه. كقول الله تعالى: والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين. وأنشد القاضي ~~الجرجاني وزعم إنه سمع من ثقة: # متى نوهت في الهيجاء باسمي ... أتاك السيف أول من لحدب # PageV01P168 # وقوله: # مخلى له المرج منصوبا بصارخة ... له المنابر مشهودا بها الجمع # قال أبو الفتح: مخلى ومنصوبا نصب معا على الحال من سيف الدولة. ومشهودا ~~بها الجمع نصب على الحال من صارخة. وكان الوجه أن يقول: منصوبة مشهودة إلا ~~أن التذكير جائز أيضا على قولك نصب المنابر وشهد الجمع. ومن أبيات الكتاب # يعيد العداه فما أن يزل ... مضمطرا طرتاه طليحا # ولم يقل مضمظرة. وهو مثير. الإعراب ms065 على ما ذكره لا ريب. والمعنى إن هذين ~~الموضعين أعني المرج وصارخة هما متوغلان في بلاد الروم وانهما إذا أخليتا ~~لسيف الدولة، ونصبت المنابر بهما وسهد الجميع فلم يبق في النكاية في الكفر ~~نهاية. ومثل هذا المغزى قول أبي العلاء المعري يصف خيل رجل مدحه: # بنات الخيل تعرفها دلوك ... وصارخة والس واللقان # ليس يريد إن أمهاتها تزايغ في هذه البلاد التي ذكرت لأن خيل الروم عنهم ~~مجتازة. ولكنه يعني انك طالما أوغلت بها في هذه الديار، وأوغل أبوك ~~بأمهاتها فيها فهي تعرفها، وتعرف أمهاتها. والغرض بعد الإيغال في ديار ~~العدو. # PageV01P169 # وقوله: # إذا دعا العلج علجا حال بينهما ... أظمى تفوق منه أختها الضلع # فراق الضلع أختها هو بأن يطعن في الجنب فتفارق الضلع أختها بسعة الطعنة، ~~وخلعها الأضلاع من أماكنها والضلع مفارقته أختها ابدا، وانما يلزمان بجلد ~~تحته # على هيئة الجلد من اللحم. وإنما يريد زوال ذلك الالتزاق والمجاورة بسعة ~~الطعنة. وقبل هذا البيت ما يقول: # كأنما تتلقاهم لتسلكهم ... فالطعن يفتح في الجواف متى تسع # يريد كان الخيل تلقى الروم لتسلك في أبدانها. فالطعن يفتح ما يسعهن. يريد ~~سعة الطعنة. # وقوله: # يباشر الأمن دهرا وهو مختبل ... ويشرب الخمر حولا وهو ممتقع # يعني هذا الدمستق الذي هرب أتى عليه الدهر فلم يزل رعبه منذ هذه الوقعة، ~~ويشرب الخمر فلا يتغير من لونه لاستيلاء الصفرة عليه حين فزع فامتقع لونه، ~~ومن شأن الخمر أن تظهر في لونه حمرة ألا ترى إلى قول مسلم: # خلطنا دما من كرمة بدمائنا ... فأظهر في الألوان منا الدم الدم # PageV01P170 # وقول ابن الرومي: # تغادر عينيك مطروفة ... وأذنك حمراء فيها خذا # وقوله: # تغدو المنايا فلا تنفك واقفة ... حتى يقول لها عودي فتندفع # قوله: عودي يحتاج إلى تفسير. واللفظة متعلقة بما مر قبله، وقد تقدمه: # كم من حشاشة بطريق تضمنها ... للبانرات أمين ما له ورع # يقاتل الخطو عنه حين يطلبه ... ويطرد النوم عنه حين يضطجع # يعني إن الأسرى قيدت لتقتل أن رأى سيف الدولة قتلهم. والأمين الذي ما له ~~ورع هو ms066 القيد. وإنما هو من قول أحد اللصوص: # وإن رام منه مطلعا رد شأوه ... أمينان في الساقين فهو ضرير # يريد: إن من قيد أمن هربه. ثم لما قدم إن أرواح الأسرى # PageV01P171 # مضمونة لسيوف # الممدوح زعم إن المنايا تغدو فتنتظر إن أمرها في الأسرى فتقع بهم فلا ~~تزال واقفة ترى أخطارهم في ذلك اليوم كأنهم يطالبهم بالفدية، أو بذل عرض من ~~الأعراض فلا يرى من أجله العجلة في قتلهم. فيقول للمنية عودي فلا حاجة بنا ~~إليك. وقد تقدم هذا قول بكر بن النطاح: # كأن المنايا ليس يجرين في الوغى ... إذا التقيت الأبطال إلا برأيكا # وقوله: # وإن الذي حابى جديلة في الوغى ... به الله يعطي من يشاء ويمنع # قال الشيخ أبو الفتح حابى أي حباها، من الحباء وهي العطية. كأنه يريد: ~~وان الذي حبا جديلة طئ به الله أي أعطاها إياه. فبنى الفعل للاثنين، كما ~~فعل بقولك: سافر زيد وعافاك الله ثم فسر باقي البيت فقال أي هذا الممدوح ~~يعطي من يشاء ويمنع. وهذا الذي ذكره أبو الطيب ما أقوله يدل على ذلك حسن ~~المعنى ومطابقته للفظ من غير تكلف. # حابى ضميره للممدوح وهو الذي. وهو الفعل الذي لا يصح إلا بين اثنين. ~~وجديلة طئ كرام أسخياء. ومن حاباهم عالي المنزلة في # PageV01P172 # السخاء. وخص جديلة طئ لأن الممدوح منهم. يقول هو أسخاهم، والله تعالى ~~يعطي به ما يشاء ويمنع لأنه أمير قد فوض إليه أمر الخلق. فنفعهم وضرهم من ~~جهته. # وقوله: # فتى ألف جزء رأيه في زمانه ... أقل جزي بعضه الرأي أجمع # فقد فسر هذا البيت أبو الفتح فجود. لم يبق ما يزاد اليه، ونحن نتكلم فيه ~~لئلا يشذ عن هذا الكتاب بيت مما له معنى غلق إلا ونأتي به. # ومعنى هذا البيت إن أقل جزء من رأي هذا الممدوح مقسوما ألف قسمة بعض ذلك ~~(الأقل) هو جميع الرأي الذي هو مركب في الناس. ولو قدر أن يقول: أقل # جزء لا غنى ولكن صغره للوزن، وأيضا فلتحقير ذلك القليل، وتصغير شأنه. # ومثل قوله ms067 الرأي اجمع يريد بع رأي الناس قاطبة قول الشاعر: # إن السماحة والفصاحة ضمنا ... قبرا بمرو على الطريق الواضح # PageV01P173 # يريد: إن جميع السماحة، وجميع الشجاعة في الناس كلهم كانا ما ركب في هذا ~~المرثي فلأن لا سماحة ولا شجاعة بعده. # وقوله: # وليس كبحر الماء يشتق قعره ... إلى حيث يفتى الماء حوت وضفدع # معنى البيت واضح، يعني إن هذا الممدوح بحر، ولكن ليس كبحر الماء الذي ~~تقدر الحوت والضفدع على شقه إلى قرار حيث يفنى الماء. لأن هذا الممدوح لو ~~كان بحرا لما كان له قعر يوصل إليه لعظم شأنه في الجود أو العلم. # وأخبرني بعض من كان لقي أبا الطيب إنه سمعه يقول: الذي قلت: إلى حيث يفنى ~~الماء وفسره فقال: أردت به حيث يكون في فناء الماء. كان اصله فنيت الرجل ~~أفنيه أي كنت في فنائه فيفنى فاعله حوت وضفدع، فإن كانت هذه اللفظة مسموعة ~~فيوشك أن تكون الحكاية صحيحة. # وقد كرر تشبيهه بالبحر في بيت بعده فقال: # يتيه البعيد الفكر في بعد غوره ... ويغرق في تياره وهو مصقع # PageV01P174 # وضمير (يغرق) فيه للبعيد الفكر، وهو مصقع صفة للبعيد. ولو كان من جيد ~~شعره لما كرر # وقوله: # ترفع ثوبها الأرداف عنها ... فيبقى من وشاحيها شسوعا # إذا ماست رأيت لها ارتجاجا ... له لولا سواعدها نزوعا # هذه القصيدة كلها من الشعر الرذل، الذي لا ينتفع به، ولا بتفسيره وقد ~~ضمنها # ديوانه فلا بد من تلخيص ما يشتبه، وهذا يريد به كبر عجيزتها، والشسوع ~~بفتح الشين: البعيد فعول بمعنى شاسع، يريد إنها إذا رفع ثوبها أردافها عنها ~~شسع عن وشاحها أي بعد. ثم رد الضمير في البيت الثاني في قوله: لولا، إلى ~~الثوب. وزعم أن شدة ارتجاجها لكثرة لحمها يكاد ينزع عنها ثوبها لولا أن ~~سواعدها تمسكه. وهذا من قول الواصف: امرأة لا يصيب ثوبها إلا مشاشي ~~منكبيها، ورواد في اليتيها، وحلمتي ثدييها. # وقد فسر أبو الفتح قوله وع بالضم، وأظنه يرويه شسوعا، وهو رديء إلا أن ~~يصف بالمصدر. كما قال قوم قعود، ووفود، ms068 وسجود. وقد أغنى الله عن هذا التمحل ~~بفتح الشين فيكون # PageV01P175 # بمعنى شاسع. وإن روى بضم الشين فليرو، ونزوعا في البيت الثاني أيضا بالضم ~~فهما سواء لا فرق بينهما. # وقوله: # ولما فقدنا مثله دام كشفنا ... عليه فدام الفقد وانكشف الكشف # لم يستقص أبو الفتح في شرح هذا البيت، قال: عليه في موضع عنه. أراد كشفنا ~~عنه. كقوله تعالى: فكشفنا عنك. وقد قال النابغة: # إذا رضيت على بنو قشير ... لعمر الله أعجبني رضاها # يريد عني. وقوله: عليه، الهاء راجعة إلى مثله، على تأويل أبي الفتح. # وعندي إنه يجوز أن تكون عائدة إلى الممدوح وتكون عليه بمعنى له. يريد إذا ~~داك كشفنا عن مثله له كقول الشاعر: # فدام لي ولهم ما بي وما بهم # ولو قال: دام علي وعليهم ما بي وما بهم لكان الكلام صحيحا. وقوله انكشف، ~~يريد به زوال. طابق بها قوله: فدام الفقد. يقول: دام فقدنا لمثله، وزال ~~كشفنا عن مثله لانا يئسنا. ويكون قوله: دام كشفنا الأولى معناها دام مدة ~~وزمنا، ثم لما # فحصنا وعرفنا زال. وعندي # PageV01P176 # أن قوله عليه من (عنه) لأنه يريد بكشفنا معنى (قولك) غصنا عليه، ونزلنا ~~عليه، وتسلقنا عليه. # وقوله: # أمات رياح اللوم وهي عواصف ... ومغنى العلى يودي ورسم الندى يعفو # قال أبو الفتح: لو أمكنته القافية فقال: ومغنى العلى مود لكان اظهر في ~~المعنى الذي قصده ولكنه كان يلزمه إذا قال مود أن يقول: ورسم الندى عاف. ~~ورسم الندى مما يعفو. كما يودي ويعفو غيرهما. # قلت المعنى الذي قصده أبو الطيب لا يؤديه إلا الفعل. لولا قال: مود، وعاف ~~لم يأت بالمعنى، وإنما يؤدي المعنى الذي قصده الفعل المسمى فعل الحال ~~المشترك بينه وبين الاستقبال. والمعنى في البيت للحال. يريد أمات رياح ~~اللوم ومغنى العلى في حال ايدائه بتلك الريح. لأن الريح تعفوه وتدرسه. وهذا ~~لطف منه أتى بعد ذكر الريح بالمعنى الذي يؤثر فيه جري الريح يريد أبو الطيب ~~فلما أماتها عاد المغنى والرسم عامرين، أو واقعين عن مدى البلى. # وقوله: # فكان الطعن ms069 بينهما جوابا ... وكان اللبث بينهما فواقا # قال أبو الفتح: فواق، وفواق، وهو زمان قصير بقدر ما بين # PageV01P177 # الحلبتين. قلت: إن كان الغرض بقوله: ما بين الحلبتين كل قبضة على خلف عند ~~احتلابها، وإعادة القبض على إخلافها فمعنى البيت صحيح. وان كان الغرض بين ~~حلبتين: حلبة أولى بركت بعدها حتى اجتمع شيء من اللبن ثم احتلبت فليس ~~المعنى بجيد. لأن أبا الطيب ما قصد إلا سرعة الإجابة، وقلة اللبث على إنه ~~يقال لما يجتمع من اللبن بين كل حلبتين: فيقة. ويقال: أفاقت الناقة درتها ~~وهي الفيقة. وتلك لا تجتمع إلا في ساعة أو ساعتين. وكل ولد يتفوق أمه أي ~~يشرب اللبن فيقة فيقة والفواق # أيضا ما يأخذ الإنسان عند امتلائه من الطعام. كأن نفسه ينقطع، أو يعلو. ~~والمحتضر أيضا يفوق بنفسه للفواق الذي يأخذه فجائز أن يريد. كان اللبث ~~بينهما قدر ذلك الفواق وإنما هي نبرة وهمزة يعلو بها النفس. # وقوله: # وما كل من يهوى يعف إذا خلا ... عفافي ويرضى الحب والخيل تلتقي # يريد أني أعف إذا خلوت بمحبوتي. وقد كرر هذا في شعره حيق يقول: # إذا كنت تخشى العار في كل خلوة ... فلم تتصباك الحسان الخرائد # وهذا مفخر عال وقوله: ويرضى الحب والخيل تلتقي يريد قول عمرو بن كلثوم: # يقتن جيادنا ويقلن لستم ... بعولتنا إذا لم تمنعونا # PageV01P178 # إذا لم تحمهن فلا بقينا ... لشيء بعدهن ولا حيينا # ومعلوم أن الرجل ولو بلغ في العجز والضعف المنتهي يقاتل عن نسائه، ~~وحبيبته. وكم من أهلك نفسه في حرب لحضور من يوده، حتى ضربت العرب الأمثال ~~فقالت: الفحل يحمي شواله معقولا. وكانت نساء العرب إذا انتدين وسمرن ذكرت ~~كل واحدة بلاء زوجها في الحرب وعيرت من فر منهم. # وقوله: # ولم أر كالألحاظ يوم رحيلهم ... بعثن بكل القتل في كل مشفق # قال الشيخ أبو الفتح أي إذا نظرت اليهن، ونظرن إلي قتلتهن وقتلنني خوف ~~الفراق وما منا إلا مشفق على صاحبه. هذا هو المعنى، ولكن يجب أن يلخص فضل ~~تلخيص يقرب به إلى الفهم. فضمير ms070 (بعثن) للنساء لا للالحاظ. ومفعولها ~~الالحاظ، وهذا كقولك: لم أر كزيد أقام الأمير عريفا. يريد إقامة الأمير ~~عريفا. ولم أر كالليل اتخذ الهارب جملا. تريد اتخذه الهارب جملا. ولا يجوز ~~أن يكون ضمير بعثن للالحاظ. الدليل على ذلك أن الالحاظ تبعث رسلا عند خوف ~~الرقيب # متعارف ذلك من الشعر كقول القائل: # PageV01P179 # كلمته بجفون غير ناطقة ... فكان من ردة ما قال حاجبه # وهو أكثر من أن يحصى. وقوله: بكل القتل، كقولك: جاءنا رسول بالصلح. وفي ~~التنزيل: جاءتهم رسلهم بالينات، أي بعثت الالحاظ بقتل فظيع. من قولهم: فلان ~~عين الفاضل وكل الفاضل ثم قال: هن وإن بعثن الحاظهن رسل القتل. فهن مشفقات ~~علينا من القتل، وغير مريدات بنا سوءا لحبهن إيانا. # وقوله: # وإطراق طرف العين ليس بنافع ... إذا كان طرف القلب ليس بمطرق # هذا البيت أهمله أبو الفتح، فلم بتعرض لشرح معناه. بل تكلم في غريب قوله. ~~أطرق وفيه كلام طويل، ومعنى غلق. وإنما المفهوم عكس هذا المعنى. وهو أن ~~تقول للبليد: نظر طرف العين ليس بنافع إذا كان طرف القلب مطرقا. وهذا البيت ~~يلي قوله: # ويمتحن الناس الأمير برأيه ... ويغضي على علم بكل ممخرق # وغرضه أن الناس على طبقاتهم في العجز والقصور مغترون وبإطراق طرف (عين) ~~الأمر. وذلك من غير نافع لهم إذ كان يعرف مقاديرهم # PageV01P180 # بقلبه وذكائه. فقوله: ليس بنافع، يريد بنافع لهم لا للأمير. فهذا شرح ~~المعنى. # وقوله: # يغير بها بين اللقان وواسط ... ويركزها بين الفرات وجلق # ويرجعها حمرا كأن صحيحها ... يبكي دما من رحمة المتدقق # اللقان: مكان ببلد الروم. وواسط هي بالعراق واقع بها بني البريدي ~~لاجتاحهم. وإنما يريد بذلك قدرته على السير، كما قال في هذه القصيدة: # وكاتب من أرض بعيد مرامها ... قريب على خيل حواليك سبق # جعله مما إذا هم ركب، وإذا سرى أبعد المسرى. وقد ذكر اللقان في شعره في ~~مكان آخر وهو قوله: # فقد بردت فوق اللقان دماؤهم ... ونحن أناس تتبع البارد السخنا # وأما قوله: ويرجعها حمرا فهو معنى حسن وجيد ولم يتعرض لكشفه ms071 الشيخ أبو ~~الفتح. وليس أيضا بغامض، إلا أني ذكرته لنكتة فيه وهو إنه أخذ (هذا) المعنى ~~واللفظ من بعد الرجاز انشد أبو حنيفة # PageV01P181 # الدينوري في كتابه النبات: # يرفض المروءة عن صاقورها ... بكى صحيحها على مكسورها # الصوقور: فأن تكسر بها الحجارة. قال يعني بقوله صحيحاها: الصاقور وما بقى ~~من المروءة. ويجوز أن يعني ما عن جانبي مضروب الصاقور من المروءة يسمع لهما ~~صوتا عند الضرب فجعله بكاء وان كان هذا التوارد في اللفظ اتفاقا فعجيب ~~اتفق. وان كان عمدا فمن القبيح الذي يرضى لنفسه. # وقوله: # يعيده أطراف القنا من أصوله ... قريبة بين البيض غير اليلامق # قوله: بعيدة أطراف القنا من أصوله، يعني به طول قناها. والعرب يمدحون ~~بطولها كقول حاتم الطائي: # متى ما نحى يوما إلى المال وارثي ... ليجد جمع كف غير ملء ولا صفر # PageV01P182 # وأسمر خطيا كان كعوبه نوى القسب قد أربى ذراعا على العشر # وقول القطامي: # ومن ربط الجحاش فان فينا ... قفا سلبا وأفراسا حسانا # السلب: الطوال: ويرى سلبا جمع سلوب فعول من السلب. # وقوله: بعيدة أطراف القنا من أصوله لفظ مليح لولا إنه مأخوذ وقد تقدمه ~~شعر كثير كله على هذا. أنشد الأصمعي في صفة جمل. # لمخرج من نسعه ومدخله ... خلان بين يفن وكلكله # ناج بعيد رأسه من مرحله # أي من حيث يوضع عليه الرحل. وأخذه الاخطل فقال: # إذا صخب الحادي عليهن بروت ... بعيدة ما بين المشافر والعجب # PageV01P183 # وفي الشعر القديم يصف حملا. # قريبة سرته من معرضه # يريد قصر بطنه. وآخر يصف متاعه، انشده أبو حاتم السجستاني: # يحمل بين فخذه وساقه ... أيرا بعيد الأصل من سمحاقه # وسمحاقه اثر الختان. وأجود من الجميع قول الأحوص: # شديدة إشراق التراقي أسيلة ... بعيدة ما بين الرعاث إلى العقد # وقوله: قريبة بين البيض. أيضا حسن، إلا إنه مأخوذ من قول قيس بن الخطيم ~~فقد قصر عن قيس إلا إنه جود في التطبيق بين القريب والبعيد: # لو أنك تلقي حنظلا فوق بيضها ... تدحرج عن ذي سامه المتقارب # PageV01P184 # وقوله: # ولا ترد الغدران إلا دماؤها ... من ms072 الدم كالريحان تحت الشقائق # الريحان جنس كثير. وفيه أخضر وغير أخضر. ألا تراهم يعدون الورد في ~~الرياحين، إلا أن المولدين لهجوا بتسمية الضميران وهو (الشاهسفرم) ريحانا. ~~وتجد في كتب الطب برز الريحان بعنوان (الشاهسفرم). ولما جعل الماء أخضر شبه ~~الضميران والدم والشقائق. وكان يجب أن يقول: الشفيق ليكون (موحدا) ~~كالريحان. لكن القافية اضطرته. وأيضا فالشقائق في لفظهم أكثر من الشقيق، ~~ألفوها بقولهم: شقائق النعمان. وقيل إن النعمان كان حماه فنسب إليه. وجعل ~~الماء أخضر وربما جعلته العرب ازرق وربما جعلته أبيض. وبكل ذلك أتى الشعر. ~~قل # الشاعر: # ألم تر أن الماء يخلف طعمه ... وإن كن لون الماء ابيض صافيا # وقول رؤبة: # يردن تحت الليل سياح الدسق ... أخضر كالبرد عزير المنبعق # وقال زهير: # فلما وردن الماء زرقا جمامه ... وضعن عصي الحاضر المتخيم # PageV01P185 # والذي عند العلماء إن الماء لا لون له، وإنما يتلون بلون إنائه. زرقته من ~~زرقة السماء لأنه مقابلها فيتلون بلونها. فأما قوله: # باق على البوغاء والشقائق ... والأبردين والهجير الماحق # فالشقائق هنا جمع شقيقة، وهي ارض فيها رمل وحصى. وقيل فرجة بين الرمال. ~~يصف مهره الطخرور، يقول: هو عربي صلب في باقي الجري، ساريا في بوغاء، وهي ~~التراب. أو في شقيقة وهي ذات حجارة. وليس هذا من الشقائق في شيء. # وقوله: # وعذلت أهل العشق حتى ذقته ... فعجب كيف يموت من لا يعشق # كثر كلام الناس في هذا البيت، وادعى عليه قلب الكلام، واحتجوا باحتجاجات، ~~وزعموا إنه أراد أن يقول: كيف لا يموت من لا يعشق. وليس الأمر عندي على ما ~~زعموا. ولو أراد ذلك، أو قاله لكان معنى رذلا، ومتداولا خلقا. والذي أراده ~~أبو الطيب معنى حسن صحيح اللفظ والمغزى أحسن كثيرا مما ذهبوا اليه، يقول: ~~عجبت كيف يكون الموت من غير داء العشق، الذي هو أعظم الأدواء والخطب الذي # PageV01P186 # هو أشد الخطوب، كأنه لاستعظامه العشق يتعجب كيف يكون موت من غيره. ولا ~~حاجة إلى عذر أو تمحل. # وقوله: # أنت منا فتنت نفسك لكنك عوفيت ... من ضنى واشتياق # قوله: أنت ms073 منا قد تم الكلام بها، أي أنت عاشقة مثلنا لنفسك لأن كل أحد ~~يعشق نفسه ثم قال: لكنك لن تبتلي بالضنى كما بلينا. # والشيخ أبو الفتح قد أتى بهذا البيت، واتبعه بكلام كنت أؤثر له تركه ~~فقال: أي أنت تعشقين نفسك من حسنك وظرفك. أتراها لو لم تكن حسناء ظريفة ~~لأبغضت نفسها، فهذا فضل من الكلام، والمعنى ما تقدم. وأظنه غلط لما أتبع به ~~الكلام لما سمع قول القائل: # وإذا أراد تنزها في حسنه ... اخذ المرأة بكفه فتنزها # فلما سمع هذا التنزه في وجهه ... حسب كل عشق لاستحسان # PageV01P187 # أما البيت الأول فهو كقوله: # أبعد نأي المليحة البخل ... في البعد ما لا تكلف الإبل # أي إن البعد بيننا هجرك، ولو كان بعدا حقيقيا لعملنا الإبل حتى نصل إليك. ~~والبيتان معا من قول العباس بن الأحنف: # لو كنت عاتبة لسكن لوعتي ... أملي رضاك وزرت غير مراقب # لكن مللت فلم تكن لي حيلة ... صد الملول خلاف صد العاتب # وقوله في البيت الثاني: ولو وصلنا عليها مثل أنفاسنا على الاماق. يعني ~~نحافا قد أذهب الضنى ثقلنا حتى نحن في الخفة كأنفسنا. مثل قوله أيضا: # برتني السرى بري المدى فرددنني ... أخف على المركوب من نفسي جرمي # والرمق بقية الحياة. أتى بها أيضا لخفتها أي لم يبق منها إلا القليل. ~~يريد: إبلنا أيضا نحاف لا أثقال لها وهذا كقول القائل: # أنضاء شوق على انضاء أسفار # ومثله كثير، إلا أن أبا الفتح أتى بكلام شديد المحال قد أثبت في كتابي ~~(التجني) وشرحت كلامه: (وهو قوله: الارماق جمع رمق، وهو بقية النفس، أي ~~وصلنا إليك وهي تحملنا # PageV01P188 # على استكراه ومشقة لشد الجهد، كما تحمل ارماقنا أنفسنا جمع نفس على مشقة ~~لأننا قد بلغنا أواخر أنفاسنا). # وقد كان لو أراد الاستكراه والمشقة في سعة من التشبيه فما أكبر الأثقال ~~العظام وما أكبر المشقة في حملها. # وقوله: # كل ذمر يزيد في الموت حسنا ... كبدور تمامها في المحاق # قال أبو الفتح: قوله: تمامها في المحاق: كلام متناقض الظاهر، لأن المحاق ~~غاية ms074 النقصان. فهو ضد الكمال. ولكن سوغ ذلك قوله: يزيد في الموت حسنا. أي ~~هو من الحسن أحوالهم عندهم أن يقتلوا في طلب المجد والشرف. فلما كانوا كذلك ~~شبههم ببدور تمامها في محاقها. فجاز له هذا اللفظ على طريق الاستطراق ~~والعجب منه، فشبه ما يجوز أن يكون بما لا يجوز أن يكون اتساعا وتطرقا. وشبه ~~بقول العجاج. # PageV01P189 # عاين حيا كالخراج نعمه ... يكون أقصى شلة محرنجمه # ثم أشبع الكلام في هذا الباب وجود ولم يقصر. غير إنه معنى أسهل من هذا ~~وإن كان ما قاله غير ممتنع. # وهو إن البدر وإن كان تمامه في كونه مستديرا مجتمع النور. فهو سائر إلى ~~المحاق وآخر أمره إليه يصير. فما أراد بالتمام تمام البدر الذي يقال فيه ~~تمه وتمامه بفتح التاء وكسرها بل أراد تمام الأمر المفتوح التاء. يقول: ~~تمام أمرها وآخر أحوالها إلى المحاق. وهذا معنى جيد أقرب مأخذا من الأول. # وقوله: # ليس قولي في شمس فعلك كالشمس ... ولكن في الشمس كالإشراق # جعل لفعله شمسا استعارة لإضاءة أفعاله. ثم قال: ليس قولي نظير فعلك ولكنه ~~لما كان دليلا عليه وأذاعه له، وتسييرا إياه في البلاد صار بمنزلة الإشراق ~~للشمس إذ كانت لولاه لما كانت ذات عموم وشمول. و (في) هاهنا موضوعة موضع ~~(إلى) يقول: ليس قولي بالقياس إلى شمس فعلك هذا بين. وإن شئت كانت (في) في ~~موضع بعينها يريد الوعائية. ومثله قولك: ليس فضلك إلا كالقطر في البحر. ~~ومثل هذا سواء قوله: # وذاك النشر عرضك كان مسكا ... وذاك الشعر فهرى والمداكا # يعني أن شعري أذاعه لمجدك، وتسيير له. كما أن الفهر يسحق المسك فينشر ~~ريحه. # PageV01P190 # وقوله: # لم تر من نادمت الآكا ... لا لسوى ودك لي ذاكا # ولا لحبيها ولكنني ... أمسيت أرجوك وأخشكا # لم تر التاء لمخاطبة الممدوح، و (من) نكره مثل قوله: # يا رب من يبغض أذوادنا ... رحن على بغضائه واعتدين # يريد إنسانا نادمته يعتد عليه بمنادمته إياه. يقول: وإنما سمحت بمنادمتك ~~لشدة حبك لي ولولاها لما نادمتك. و (الهاء) في حبيها ضمير ms075 الخمر، وإن لم ~~يجر لها ذكر. كقوله تعالى: إنا أنزلناه في ليلة القدر. يريد القرآن يقول: ~~ما نادمتك لحبيها ولكن لأني أرجوك # فما نبالي إذا ما كنت جارتنا ... ألا يجاوزنا إلاك ديار # وأخشاك. وقوله: ولا لحبيها عطف على قوله: (لا لسوى ودك) كأنه يقول: لم تر ~~أحدا نادمته غيرك لأمر غير ودك لي تلك المنادمة، ولا لحبي الخمر. وقوله # ولكنني أصبحت أرجوك وأخشاك غير ناقص قوله: لا لسوى ودك. ولكنه كلام يؤكد. # فكأنه يقول: ليس ذلك إلا لودك، ولاني أرجوك وأخشاك لا لحبي الخمر فتأمله ~~يتضح لك. # وقوله: # ولو قلنا فدى لك من تساوي ... دعونا بالبقاء لمن قلانا # PageV01P191 # هذا كلام كأنه محمول على دليل الخطاب. وكأنه إذ قال: فداك من يساويك فقد ~~قال لا فداك من يساويك. وهذا مجاز لا حقيقة. فقد تناول هذا المعنى أبو ~~إسحاق الصابي الكاتب فوقع دون أبي الطيب فقال: # أيهذا الوزير لازال يفديك ... من الناس كل من هو دونك # وإذا كان ذاك أوجب قولي ... أن يكونوا بأسرهم يفدونك # وبين الفقهاء في دليل الخطاب خلاف. فمنهم مثبت، ومنهم ناف يعني أن من ~~قلاك ناقص عنك. فإنما يقليه لنقصانه عنه. وهو أيضا مجاز. فكان من الواجب أن ~~يقول: جميع الناس ناقصون بالقياس إليك. ولكن لما كان من تلقيه أيضا أحد ~~الناقصين حسن أن يقول ذلك. # والذي قال أبو الفتح في هذا البيت قال: أي لو فداك من يساويك منهم دون ~~غيرهم لكان هذا دعاء لمن يقليك ويبغضك من الملوك بالبقاء. لأنهم ينقصونك ~~لأنهم لا يساووك في المجد بل يقصرون عنك. # وقوله: # قد استشفيت من داء بداء ... وأقتل ما أعلك ما شفاكا # هذا قول قلبه يقول: قال قلبي: قد استشفيت يا أبا الطيب من # PageV01P192 # فراق وطنك، والشوق الذي تجده إليهم بفراق عضد الدولة. واقتل ما أسقمك ما ~~استشفيت به. # وهذا البيت يتبع قوله: # إذا التوديع أعرض قال قلبي ... عليك الصبر لو صاحبت فاكا # ولولا أن أكثر ما تمنى ... معاودة لقلت ولا مناكا # قد استغنيت من داء بداء ... البيت ms076 # قال أبو الفتح: وهذا يشبه قول النبي: كفى بالسلامة داء. وقال حميد بن ~~ثور: # وحسبك داءا أن تصح # وهذا يشبهه ولكن من حيث اللفظ لا من حيث المعنى. لأن ذلك فراق ينال من ~~قلبه وهو يستشفى به، وهذه سلامة لم تنل في العاجل فيه شيئا، ولكن يؤول ~~أمرها إلى هرم وضعف. # وقوله # فلا تحمدهما واحمد هماما ... إذا لم يسم حامده عناكا # أي لا تحمد فهري ومداكي فليست بمعيرك شهادة. وأحمد هماما أي أحمد نفسه، ~~يريد أن المادح إذا لم يسم مدوحه فإنما يعنيك كما قال أبو نواس: # PageV01P193 # وإن جرت الألفاظ منا بمدحة ... لغيرك إنسانا فأنت الذي نعني # وحامده يعني به نفسه لأنه شاعر عضد الدولة. وأنت تجد هذا المعنى في كثير ~~من شعر فمنه. # قوله: # وعلموا الناس منك المجد واقتدروا ... على دقيق المعاني من معانيكا # وقوله: # وظنوني مدحتهم قديما ... وأنت بما مدحتهم مرادي # وقوله: # وما أنا غير سهم في هواء ... يعود ولم يجد فيه امتساكا # هذا البيت مدخول. لأن قوله: في هواء ليس يوجب فوقا ولا يمينا ولا شمالا. ~~إذ في كل الجهات غير تحت هواء. وكل سهم رمي به فان ممره في هواء، سواء ~~عاليت به في السماء، أو خفضت إلى رميه على الأرض إلا إنه لم يجد لفظة ~~يقيمها في هذا المقام فتؤدي المعنى غير الشكاك وقد تقدمت. وهو لا يرى تكرير ~~الألفاظ في قصيدة. وقد غلط بها أيضا شاعر محدث فسلك مسلكه وازداد غلطا فقال ~~في غزل: # أراميهن باللحظات خلسا ... فترجع نحو مقتلتي سهامي # وذاك لأنهن لفرط لطف ... هواه ليس يمسك سهم رامي # PageV01P194 # ألا ترى إن لقائل أن يقول: كل هواه لا يمسك السهم، إلا إنه إذا لم يمسكه ~~فليس يعود إلى الرامي. اللهم إلا أن يكون الهواء فوقه. وإنما هذا معنى قول ~~الأول: # ومن حول الطوى رماني # كان من رمى وهو في بئر عادت إليه رميته. وبعد فقد جودا فيما قالا كلاهما ~~في المعنى وقاربا في اللفظ. # وقوله: # حيي من الهي أن يراني ... وقد فارقت دارك ms077 واصطفاكا # زعم أبو الفتح إنه قال: واصطفاكا وأراد اصطفاءك فقصر، وأورد نحو عشرين ~~بيتا استشهادا على أن قصر الممدود جائز. وما قال الرجل إلا اصطفاكا بفتح ~~الطاء. وقد نبهت على ذلك في كتابي (التجني) # PageV01P195 # وذكرت غناه عن هذا الاحتجاج. وهنا كلام يجري مجرى الإشباع لما قد مضى. ~~كيف يجوز أن يقول اصطفاكا. ولا معنى لحياء المتنبي من الله سبحانه إذا فارق ~~دار عضد الدولة واصطفاه بل يجب أن يتقرب إلى الله عز وجل بتلك المفارقة ~~والزهد في داره. وإنما كان يجب أن يقول: حيي من أصدقائي وامرأتي لذلك، إذ ~~كانوا هم الذين يلومونه ويعيرونه # بمفارقته وهذه في خيبته، ولا خيبة أعلى منها فأما الله عز وجل فرضاه في ~~زهده في خيبته وتركه إياها إذ كان ملكا ظالما. وإنما يقول: إن حيي من الهي ~~أن أفارقك، وقد اصطفاك الله تعالى، ووكل إليك الأرزاق والعباد. ألا ترى كيف ~~بين وجه حيائه من الله تعالى إذ ذكر اصطفاءه له ولو لم يذكر لكان لا محيص ~~له من هذا السؤال. # وقوله: # وما أخشى نبوك عن طريق ... وسيف الدولة الماضي الصقيل # ليس قوله: وسيف الدولة، ضرورة عاد بها من لفظ الخطاب إلى لفظ الأخبار، إذ ~~قال نبوك بل يعني أني لا أخشى نبوك عن هذا الطريق، وسيف الدولة لا يكون إلا ~~الماضي الصقيل وأنت سيفها، فلا تكون إلا ماضيا صقيلا. وسيف الدولة في هذين ~~البيتين يعني به سيف الحديد لا الممدوح. على إنه لا يمنع أن يقال عناه به ~~ورجع من لفظ الخطاب إلى الأخبار. كأنه يقول: لا أخشى نبوك أنت الماضي ~~الصقيل إلا إنه قلق والمعنى ما ذكرت أولا. # PageV01P196 # وقوله: # ومن لم يعشق الدنيا قديما ... ولكن لا سبيل إلى الوصال # ظاهر هذا المعنى مدخول. لأنه كم من عاشق للدنيا واصلته وواصلها، وهم ~~الملوك والأغنياء وذووا النعمة واللهو والمترفون. ومخرج هذا المعنى على ~~وجوه: # أحدها: إنه يريد لا سبيل إلى الوصال لكل واحد. فأما من عددنا من أهل ~~الغنى فهم أفراد لا حكم لهم. # ووجه ms078 آخر وهو أن يريد: نعشق من الدنيا دوام نعمها، وبقاء الملك فيها ~~والعمر فلا سبيل إلى ذلك لأحد. ويدل على ذلك أن الدنيا من غير صفة لا تفيد ~~معنى ألا ترى إن الدنيا قد واصلت كل حي إذ كان حياته فيها وصالا. والحياة ~~من غير نعيم # لا تعشق. # وقوله: # رواق العز فوقك مسيطر ... وملك علي ابنك في كمال # عابه الصاحب بن عباد أبو القاسم رحمه الله هذا البيت. وقال: # PageV01P197 # لعل لفظ الاسبطرار في مرثية النساء من الخذلان المبين وليت شعري أي خذلان ~~في أن يكون رواق العز فوقها مسبطرا وما ضر عمر بن أبي ربيعة حيث يقول. # أمسى بأسماء هذا القلب معمودا ... إذا أقول صحا يعتاده عيدا # كان أحور من غزلان ذي البقر ... أعارها شبه العينين والجيدا # ومشرقا كشعاع الشمس بهجته ... ومسيطرا على لبابها سودا # هذا أحسن الغزل وأحسن الغناء، والطريقة فيه لابن جامع، وخبره فيه مع ~~الرشيد معروف وإنما ازداد حسنا استعمال المسيطر في ذكر شعر المرأة. يقول ~~امرؤ القيس: # وإن أعرضت قلت سرعوقة ... لها ذنب خلفها مسبطر # وإنما اسبطر كلمة منحوتة من اصلين على رأي بعض أهل اللغة من البسط والطر. ~~وإن منع من ذلك المحققون منهم. وإذا جاز لامرئ القيس أن يقول في صنعة ~~المرأة # إذا ما أبكرت بين درع ومجول # علم لا خذلان لأبي الطيب أن يقول: (رواق العز فوقك مسبطر). وما أراه نفر ~~من هذه اللفظة إلا لبيت يروى لإعرابي ماجن (هجا) أبا # PageV01P198 # الشمقمق: # مررت بأير بغل مسبطر ... فويق القاع كالوتر المطوق # فهل حرم استعمال هذه اللفظة من غير منكر استعمال هاجي أبي الشمقمق إياه ~~في هذا المجون. فأمن كان هذا قياسا فقد أساء أمية بن أبي عائذ الهذلي حيث ~~يقول: # ومن سيرها العنق المسبطر ... والعجز فيه بعد الكلال # وذو الرمة حيث يقول: # تلوم بهناه مياه وقد مضى ... من الليل حور واسبطرت كواكبه # والنابغة الذبياني حيث يقول: # يخرجن من مسبطر النقع دامية ... كان آذانها أطراف أقلام # PageV01P199 # وعمر بن معد يكرب حيث يقول: # لما رأيت الخيل ms079 زورا كأنما ... جداول زرع خليت فاسبطرت # وكثير حيث قال: # على ظهر عادي يلوح متونه ... إذ العيس عالته اسبطر فعالها # ولئن كان القياس في ألفاظ هذا البيت السخيف مستمرا فأسوأ أهل الغزلان ~~قولا الذي يقول: # جنية ولها جن تعلمها ... رمي القلوب بقوس ماله وتر # إذ قد فسد لفظه الوتر باستعمالها في هذا السخف. وأسوأ قولا منه أبو عباد ~~البحتري حيث يقول: # وما ربما بل كلما عن ذكرها ... بكيت وبكت الحمام المطوقا # والشريف أبو الحسن الموسوي حيث يقول # PageV01P200 # عطفا أمير المؤمنين فإننا ... في دوحة العلياء لا نتفرق # ما بيننا يوم الفخار تفاوت ... أبدا كلانا في العلا معرق # إلا الخلافة سودك وإنما ... أنا عاطل منها وأنت مطوق # فهذا من نخوة الوزارة وليس من باب العلم. # وقوله: # يا من يسير وحكم الناظرين له ... فيما يراه وحكم القلب في الجذل # يعني بالناظرين عيني سيف الدولة. يعني أن جميع ما يريانه، ويقعان عليه ~~فحكمه له، أي هو مملك رقاب الناس وأموالهم، ومساط على نفوس أعدائه ~~وأموالهم. فكلما وقعت عيناه على عرض من أعراض الدنيا فهو له من حزبه كان أو ~~من حزب أعدائه. ولو لم يحتج إلى قوله (له) لكان قوله حكم الناظرين فيما ~~يراه مؤديا للمعنى الذي قصده غير محوج إلى زيادة، إلا إنه زاد (له) فزاد ~~المعنى وضوحا. قوله: وحكم القلب في الجذل. أي هو جذلان أبدا، يدرك ما ~~يرومه، ولا يعجز عن # PageV01P201 # شئ يطلبه فكأنه محكم في السرور. وقد (جاء) بقريب من هذا المعنى قوله: # له من الوحش ما اختارت أسنته ... عير وهيق وخنساء وذيال # وقوله: # ينظرن من مقل أدمى أحجتها ... قرع الفوارس في العسالة الذبل # وجه أن أدني أحجتها قرع الفوارس ما جرت العادة من قولهم في دقة البصر ~~بالطعن: بنو فلان يطعنون الحدق، وكقولهم: رماه الحدق. فقد أقام الحجاج ~~هاهنا مقام الحدق. فهذا وجه. # ووجه آخر هو أن يريد أن عيونها احمرت لما تشاهد من الطعان. أما غضبا، أو ~~لطول نظرها إلى الدماء، ويكون الحجاج أيضا مكان العين، ويريد بالدم الحمرة. ms080 # وأجود من هذين الوجهين عندي أن يريد: أدمي أحجتها طول مر هم بالرماح على ~~أحجتها، لأن الفارس إذا لم يعرض # PageV01P202 # رمحه. أو يعتقله. أو يحمله على كاهله، فإنما يمده بين أذني فرسه، أو ~~يحمله مشرعا به عند حجاج الفرس تحت اذنه، ويكون قوله: قرع الفوارس يريد به ~~قرع الرماح عند مد فرسانها إياها هناك لا حجتها، وذلك لاضطرابها في سيرها ~~لا أن عدوا قرعها مريدا ضرها. # وقوله: # تركت خدود الغانيات وفوقها ... دموع تذيب الحسن في الأعين النجل # تبل سودا من المسك وحده ... وقد قطرت حمرا على الشعر الجثل # إنما وجه أذابه الدمع الحسن تنه مما يفسد العين فيزيل حسنها كقول القائل: # أليس يضر العين أن يكثر البكا ... ويمنع منها نومها وسرورها # PageV01P203 # وهذا ظاهر وإنما دقة صنعته بقوله: تذيب الحسن، ولم يقل: تزيل الحسن أو ما ~~أشبهه. لأن الدمع لما كان يذهب بالحسن أولا فأولا كان استعارة الإذابة ~~لفعله أولى كما قيل في الحب إذا هزل البدن: أذابه لأنه اخذ منه قليلا ~~قليلا. وأيضا لما كان في الذوب من معنى السيلان والدمع سائل فكأن سال معه ~~الحسن، فأما تكنيه بقوله: من المسك وحده، وإنه منع من أن يكون سواده من ~~الكحل إذ كن صواحب مصيبة متمرهات لا يكتحلن فقد أتى به ابن جني. وكذلك ~~قوله: حمرا على الشعر الجثل لما كن ناشرات شعورهن من المصاب، والشعر كان ~~جثلا كثيرا صار الدمع يقطر عليه. ولقائل أن يقول: فصاحبه المصيبة لا تكتحل، ~~فكذلك لا تستعمل المسك فجوابه إنهن لم ستعملن المسك بعد المصيبة، وإنما ~~استعملنه قبلها فبقي في شعورهن وليس الكحل كذلك فإنه لا يبقى في العين مدة ~~طويلة، وإنما يبقى ليلة واحدة في المعهود. فإن قال قائل: كيف قطر الدمع على ~~الشعر وان كان منشورا فإنما يقع يمينا وشمالا. فالجواب: إن الشعر إذا كثر ~~عم البدن. ألا ترى إلى قول القائل: # بيضاء تسحب من قيام شعرها ... وتغيب فيه وهو وحف أسحم # PageV01P204 # فجعلها تغيب في شعرها لكثرته، ولذلك أتى أبو الطيب بالجثل. # وقوله: ms081 # هل الولد المحبوب إلا تعلة ... وهل خلوة الحسناء إلا أذى البعل # قال ابن جني: إذا خلت الحساء من محبها أدى ذلك إلى تأذيه بها. أما لشغل ~~قلبه عما سواها أو لغير ذلك من المضار التي تلحق مواصلة الغواني. وهذا كلام ~~لم # ينضجه التأمل، وكأنه ظن إن الحسناء لا يخلو بها إلا بعلها، ولا أذى للبعل ~~في الخلوة بها، بل كل قرة عينه فيها وليس وصاله لها أيضا بداعية مضرة على ~~الإطلاق. ولو لم يكن في النساء غير المضرة لما خلقهن الله تعالى فضلا عن ~~إباحتهن، والأمر بالاستعفاف بهن. وما ورد في الآثار في الوصاة بهن ولا يكون ~~صد المرأة الحسناء بعلها عن غيرها من معالي الأمور أذى، ولا يقول ذلك ذو ~~منطق بليغ إلا متأولا أو متمحلا. # والذي أراده أبو الطيب: إن المرأة ذات البعل ينال منها من خلالها غير ~~بعلها إلا أذاة. يريد إن اللذة منها قاصرة عن أن تكون لذة حقيقية. وإنما ~~الحاصل منها أذى البعل فقط. يزهد بذلك في الولد وفي طلب اللذة بإعراض ~~الدنيا كلها. أي إذا كان هاتان اللتان لا حقيقة لهما فما # PageV01P205 # سواهما أولى بالترك والزهد فيه. فهذا الأليق عندي بمذهبه. والذي قال ~~الشيخ أبو الفتح متمحل. # وقوله: # إن المعيد لنا المنام خياله ... كانت إعادته خيال خياله # قال الشيخ أبو الفتح: يقول: أنا رأينا في النوم شيئا كنا رأيناه في النوم ~~قبل، فصار ما روى ثانيا خبال ما روى أولا والذي روى أولا هو خياله فصار ~~الثاني خيال خياله، يصف بعده عنه، وتعذر طيفه عليه. وخيال منصوب لأنه خبر ~~كانت، وليس مقعول إعادته. وأقام المصدر مقام المفعول لأنه أراد بالإعادة ~~الشيء المعاد، كما يقع الخلق وهو مصدر ميمي مكان المخلوق وهو المفعول. # هذا الذي ذكره المعنى الجيد الذي يسبق إلى كل خاطر ووهم. وقد يحتمل معنى ~~آخر لطيفا وهو أن يعني أن ذلك الوصال واللقاء من هذا الحبيب كان أيضا خبالا ~~على معنى قوله: # نصيبك في حياتك من حبيب ... نصيبك في منامك من خيال ms082 # PageV01P206 # فيقول: إن وصاله أيضا كان خيالا تراءى في منام تقليلا له وتقصيرا لزمانه ~~فلما زار الخيال كان خيال خيال. ويحتمل أيضا معنى آخر أدق من هذا: وهو أن ~~لا تكون إعادته مصدرا بمعنى المفعول بل يريد أن الإعادة نفسها كانت خيالا ~~لخياله، إذ كان أيضا معادا. يريد بذلك كثرة رؤيته إياه في منامه، فكل رؤيا ~~يراها إعادة لخيال رآه معادا من قبل. فافهمه فهو حسن. # وقوله: # إن الرياح إذا عمدن لناظر ... أغناه مقيلها على استعجاله # هذا تأكيد قوله قبله: # ويميت قبل قتاله ويبش قبل ... نواله وينيل قبل سؤاله # أي إن القليل منه كثير فلا يحتاج إلى استعمال غاية كيده إذا، وجوده في ~~النهاية فلا يحوج إلى السؤال فكل أفعال الكرم والمجد منه سابق لوقته الذي ~~ينتظر فيه. كما أن الريح إذا أقبلت إلى عين عجرت العين عن مقاومة قليلها ~~فعجلت بالإطراق والغض قبل استعجال الرياح إياها وهبوبها بقوتها الشديدة ~~عليها. فقوله: استعجاله مصدر أضيف إلى ضمير المفعول به. ولا إلى ضمير ~~الفاعل، كما تقول: الثوب أعجبني دقه، والماء أرواني شربه. يريد الثوب ~~أعجبني دق القصار إياه، والماء أرواني شربي إياه. والهاء في أغناه أيضا ~~للناظر. كأنه يقول: أغنى الناظر مقبل الريح عن استعجالها إياه فغضت وأعضت. # والذي أتى به الشيخ أبو الفتح اضطرب قال: أي هو غير محتاج إلى محرك له في ~~الكرم، والسؤدد والفضل. كما ان الريح إذا رأيتها مقبلة إليك لم تحتج إلى ~~استعجالها. والناظر لا يستعجب الريح، ولا # PageV01P207 # يريد هبوبها قط لأنه يقاومها وإنما الريح تستعجل الناظر إذا هبت عليه ~~بالإغضاء والغض. # وقوله: # وهب الذي ورث الجدود وما رأى ... أفعالهم لابن بلا أفعاله # يعني إنه وهب ما ورث جدوده من المال ومن المعالي والشرف. أما المال ~~فللعفاة. وأما المجد فلسائر أسرته. واستحدث مجدا وشرفا بمساعيه ولم يرد ما ~~ورثهم من المال فقط. الدليل على ذلك قوله: # وما رأى أفعالهم لابن بلا أفعاله # فدل بقوله: الأفعال إنه يريد المعالي والشرف. وكأنه أراد قول القائل: # وإذا افتخرت بأعظم مقبورة ms083 ... فالناس بين مكذب ومصدق # فأقم لنفسك في انتسابك شاهدا ... بحديث مجد للقديم محقق # والأول في ذلك قول القائل وهو عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر ~~رضي الله عنهم: # PageV01P208 # لسنا وإن أحسابنا كرمت ... يوما على الأحساب نتكل # نبني كما كانت أوائلنا ... تبني ونفعل مثل ما فعلوا # وقد أجاد الشريف أبو الحسن الموسوي في قوله: # فخرت لنفسي لا بقومي موفرا ... على ناقصي قومي مناقب أسرتي # فقد زاد المعنى وضوحا. # قال الشيخ أبو الفتح أي ورأى أن أفعال آبائه ليست له، ولا رافعة منه حتى ~~يفعل هو مثلها. ولو كان أراد ما قاله الشيخ أبو الفتح لقال: (وما رأى ~~أفعالهم لابن لأفعالهم. بل الهاء في أفعاله لسيف الدولة. يقول: ما رأى ~~أفعال الجدود نافعة لابن ليست له مثل أفعال سيف الدولة. وكأن الشيخ أبا ~~الفتح أراد تفسير بيتي المتنبي ففسر بيتي عبد الله بن معاوية: # فان قال قائل فقد قال في البيت الذي قبله: # PageV01P209 # حتى إذا فني التراث سوى العلى ... قصد العداة من القنا بطواله # وقد زعمت إنه عنى إنه وهب ما ورث من المعالي والمجد. فالجواب إن هذا ~~البيت مؤكد لما قلناه يعني إنه وهب ما ورث فأما المال ففني وأما الشرف فلا ~~يفنى وإن وهبه لأن الهبة في مجد آبائه مجاز لا حقيقة له وإنما تتأتى فيه ~~الهبة بتوفيره إياه على سائر أسرته، واستحداثه مجدا آخرا. كما صرح به ~~الشريف الموسوي بقوله: (فخرت بنفسي لا بقومي) فكان قوله سوى العلى صنع فيه ~~صنعة مستجدة من صعة الشعر. ونبه أن المعالي المورثة لا تفنى وإن وهبت. ~~وأيضا فان استثناء العلى من هذه الجملة يدل على أن وهب من العلى أيضا فلم ~~يفن. # وقوله: # دون الحلاوة في الزمان مرارة ... لا تحتظى إلا على أهواله # لا تحتظى ضميره للمرارة. يعني أن كل حلاوة دونها مرارة لا تبلغ تلك ~~الحلاوة إلا بأن تحظى إليها هذه المرارة. وهذه المرارة تحظى على أهوال ~~الزمان والهاء في أهواله عائدة على الزمان. وهذا المعنى معنى. # قوله: ms084 # ولابد دون الشهد من إبر النحل # وكان قوله: لا تحتظي إلا على أهواله زيادة لا حاجة بالمعنى إليها. لأن كل ~~مرارة فمعلوم إنها مع هول. وقوله: على أهوال: جائز أن # PageV01P210 # تكون على بمعنى مع. يريد: مع أهواله. ويجوز أن تكون على تتضمن معنى ~~الركوب أي يركب إليها أهوال الزمان. كما يقال: امتطيت الليل. واتخذت الليل ~~حملا. وأركب الآلة بعد الآلة. # وقوله: # فلم لا تلوم الذي لامها ... وما فص خاتمه يذبل # وهو يتبع قوله: # أنفع في الخيمة العذل ... وتشمل من دهرها يشمل # وتعلو الذي زحل تحته ... محال لعمرك ما تسأل # يقول: عذل الخيمة في سقوطها عليك محال، لأنها كلفت ما لا تطيق كلفت أن ~~تشمل من يشمل دهرها وتعلو من زحل مع علوه تحته ومكانه فوق مكانه. وهو عذل ~~فيه ظلم. ثم قال: فقل للذي عذلها على السقوط وطلب المحال منها لم لا يكون ~~فص خاتمك يذبل. فإن يذبل جبل ولا يمكن أن يتخذ فص خاتم. يقول: فاشتمالها ~~على من يشمل دهرها مثل كون يذبل فصا لخاتم. و (ما) هاهنا بمعنى ليس كقول ~~أبي النجم: # كالادم المطلي في طلائه ... صعدا وما حقواه في هنائه # PageV01P211 # والتاء في تلوم، ولا يمنع أن تكون للمخاطب وفسر هذا البيت بقوله بعد: # تضيق بشخصك أرجاؤها ... ويركض في الواحد الجحفل # يقول: هذه الخيمة يركض في الواحد منها العسكر الكثير لعظمه إلا إنه تضيق ~~عن شخصك نواحيها. لأنك تشمل الزمن، وتعلو زحل. # وقوله: # وتقصر في جوفها ... وتركز فيها القنا الذبل # فهذا كله إيضاح لما مضى. # قال الشيخ أبو الفتح في هذا البيت: إنما خص الذبل بالطول، لأنها لا تذبل ~~حتى تطول. وهذه دعوى منه، فما بين الذبول والطول مشاركة. والذبول قد يوجد ~~في غير الطويل. اللهم إلا أن تكون هذه الدعوى مسموعة، أو مقترنة ببيان غفل ~~عنه. # والذي عندي إنه لم يأت بالذبل بل إلا للقافية، ولأنها لفظة من صفات ~~القنا، وأقام بها الوزن والقافية. ولو كانت على النون لقال: اللدن، أو على ~~الياء لقال: القنا الخطى، إذ ms085 كانت هذه صفات الرماح، يؤتى معها بها ولا ~~تنفرد عنها في الأغلب. # وقوله: # جعلتك بالقلب لي عدة ... لأنك باليد لا تجعل # قال الشيخ أبو الفتح أي أنت اكبر قدرا من أن تتصرف فيك # PageV01P212 # الجوارح وإنما تنال بالفكر، والاعتقاد. وهذا هو التفسير الذي لامحيص عنه. # وزعم بعضهم إنه يريد بالقلب قلب الجيش وباليد جناحه. لأن جناحي الطائر ~~يداه. قال ذلك لأنه تقدمه بقوله: # وملمومة زرد ثوبها ... ولكنه بالقنا مخمل # يفاجئ جيشا بها حينه ... ويندر جيشا بها القسطل # قال الشيخ أبو الفتح: يحتاج لقوله: وملمومة إلى خبر. وقوله: جعلتك بالقلب ~~لي عدة خبرها. فأما التأويل فطريقه واسع. وإذا تركت الجدد فالتمحل غير ~~متعذر. وأما قوله: وملمومة فليس بابتداء كما زعم. وإنما هو عطف على قوله: # وهم يمنون ما يشتهون ... ومن دونه جدك المقبل # وملومة من شأنها وصفتها. فرفعها على العطف على الجد المرفوع فإذا ما ~~تأولنا هذا البيت كما اقترح هذا المقترح فما فائدة المتنبي في قوله: جعلتك ~~لي عدة في قلب هذه الملومة. أتراه زعيم هذا الجيش وقائده، وسيف الدولة عدة ~~له فيه. أم غرضه في قوله: لي وأبو الطيب في هذا الجيش أحد الحاشية والنظارة ~~فضلا عن أن يكون من الجند. # وقوله: # فإن طبعت قبلك المرهفات ... فانك من قبلها المقصل # قال الشيخ أبو الفتح: معناه إنك لإفراط قطعك وظهوره على قطع جميع السيوف ~~كأنك أنت أول ما قطع. إذ لم ير قبلك مثلك. # PageV01P213 # وهذا كما قال. ويحتمل معنى أجود مما ذهب إليه. وهو إن يريد غناؤك قبل ~~غنائه لولا قطعك لما قطع. كما قال البحتري: # ومال السيف الأبز غاد لزينة ... إذا لم يكن أمضى من السيف حامله # وكما قال أبو الطيب: # ولكن إذا لم يحمل القلب كفه ... على حالة لم يحمل الكف ساعده # وكقوله: # إذا ضربت في الحرب بالسيف كفه ... تبينت أن السيف بالكف يضرب # وكقوله: # إذا الهند سوت بين سيفي كريهة ... فسيفك في كف تزيل التساويا # وقوله: # أشكو النوى ولهم من عبرتي عجب ... كذاك كانت وما الشكوى سوى الكلل ms086 # PageV01P214 # وما صبابة مشتاق على أمل ... من اللقاء كمشتاق بلى أمل # معنيا هذين البيتين متصلان. وذاك إنه يقول لمن تعجب من كثرة عبراته مع ~~النوى: لا تعجب، فهكذا كان بكاي وليس بيني وبينها بعد غير كلتها. ثم قال: ~~وليس شوق من هو أمل للقاء حبيبته في الشدة كشوق من لا أمل له في لقائه. ~~ويقول: لما كان البعد بيني وبينها الكلة كنت آمل لقاءها عن قرب. وكان بكاي ~~هذا البكاء فكيف يكون الآن وما أمل لقاءها. ألا ترى إلى وجد القائل: # خليلين لا نرجو اللقاء ولا نرى ... خليلين ألا يرجوان التلاقيا # وقول الآخر: # كلانا يا أخي بحي ليلى ... بفي وفيك من ليلى التراب # ولقائل أن يقول: بل وجد من يرجو اللقاء اشد، وصبابته أقوى ألا ترى إلى ~~قول القائل: # وأبرح ما يكون الشوق يوما ... إذا دنت الديار من الديار # PageV01P215 # وإلى قول كثير: # وأني لأستأني ولولا طماعتي ... بعزة لالتفت علي سرائري # وشانت رجالا من بني وحمحمت ... وجوه رجال من بني الأصاغر # ألا تراه إنه بقي وجده لطمعه فيها. ولو لم يطمع لتزوج غيرها. وقد قال ~~الشاعر: # فإن تسل عنك النفس أو تدع الهوى ... فبالناش تسلو عنك لا بالتجلد # وقول الآخر: # فإن أك عن ليلى سلوت فإنما ... تسليت عن يأس ولم أسل عن صب # فهذا ضد ما أشار إليه أبو الطيب. فالجواب إن المذهبين صحيحان. ولكل واحد ~~منهما وجه. وذلك أن من أمل اللقاء تشوقت إليه نفسه وعجلت وتمنت فاشتد ~~الشوق. ومن يئس ازدحم الأسف واجتمع فقوى الوجد. فأما اليأس فمع شدة الوجد ~~يؤدي إلى السلو. وأما الطمع فلا يؤدي إلى السلو، بل يبقى ويزداد. فاليأس ~~متلف، ولأجله يقول القائل: # تصدون عمن لو تيقن إنه ... صدود انقطاع منكم لتقطعا # PageV01P216 # والطمع مستديم ولأجله يقول البحتري: # أرجم في ليلى الظنون وأرتجي ... أواخر حب أخلفته أوائله # وفي الجملة أن الوجد مع الطمع أسكن وأرفق لقول القائل: # وأني لأرضى منك يا مي بالذي ... لو أيقنه الواشي لقرت بلابله # بلا وبان لا أستطيع وبالمنى ... وبالوعد بعد الوعد قد ms087 مل أمله # وبالنظرة العجلى وبالحول تنقضي ... أواخره لا تلتقي أوائله # وقوله: # وقد أراني الشباب الروح في بدني ... وقد أراني المشيب الروح في بدلي # قال الشيخ أبو الفتح: أي في غيري. يقول كان نفسه فارقته في المشيب. # هذا تفسير غير مستقصى، ولا دال على مغزى. وما الفائدة في أن يرى أبو # الطيب عند المشيب الروح في غيره. فقد كان يرى الروح في شبابه أيضا في ~~غيره. # والبدل في هذا البيت أحسن ما يحمل عليه أن يعني به ولده. لأنه # PageV01P217 # كأنه بدل الإنسان، إذا كان يشب أو أن شيخوخة الأب، ثم يرثه، ويكون كأنه ~~بدله في ماله وبدنه يدل على ذلك قول الأول: # شب بني فصار مثلي ... يلبس ما قد نضوت عني # فسرني ما رأيت منه ... وساءني ما رأيت مني # والروح يعني به روح نفسه. لا الجنس كما قال: # أبى القلب إلا أم عمرو وحبها ... عجوزا ومن يحبب عجوزا بفند # يريد قلب نفسه. وهذا باب مغروف كبير. # وقوله: # تمسى الأماني صرعى دون مبلغه ... فما يقول لشيء ليت ذلك لي # يريد إنه مسلط على الأنام، مالك للرقاب والأموال. فما يتمنى شيئا. لأنه ~~كلما رأى نفيسا كان له أو ما هو خير منه. وكأن في قوله هذا نظر إلى قول ~~عنترة: # ألا قاتل الله الطلول البواليا ... وقاتل ذكراك السنين الخواليا # وقولك للشيء الذي لا تناله ... إذا ما حلا في العين يا ليت ذا ليا # PageV01P218 # ومثل قوله أيضا: # يا من يسير وحكم الناظرين له ... فيما يراه وحكم القلب في الجذل # وتمنى الشيء عجز وقصور والملك لا ينبغي له أن يتمنى. # وقوله: # فالعرب منه مع الكدري طائرة ... والروم طائرة منه مع الحجل # ومال الفرار إلى الأجبال من أسد ... تمسي النعام به في معقل الوعل # فسر الشيخ أبو الفتح بكلام طويل، ثم لم يأت بفائدة تخصيصه العرب بالقطا ~~والروم بالحجل. وهذا ما يسأل عنه. وإنما قال ذلك لأن القطا يكون في بلاد ~~العرب، ولاقطا بالروم. وكذلك الحجل يكثر في بلاد الروم ويقل في بلاد العرب ~~يقول: العرب ms088 والروم تقاوم سيف الدولة. فالعرب هاربة منه مع القطا في ~~البراري والقفار. والروم هاربة منه في الجبال مع الحجل. لأن بلادهم جبال. ~~ولأجل ذلك قالت العرب في أسجاعها: قالت الحجل للقطاة: اقطي قطا. بيضك ثنتان ~~وبيضي ثلثا. فقالت لها القطاة: احجلي حجل تفري في الجبال من خشية الرجل. ~~وهذا المعنى في بيت أبي الطيب مثل قوله أيضا في قصيدته الدالية: # PageV01P219 # تسأل أهل الجبال عن ملك ... وقد مسخته نعامة شارد # وذلك أن وهشوذان هرب من عضد الدولة في البراري والقفار. والنعامة لا تأوي ~~الجبال، فضرب شرود النعام الهاربة في القفار مثلا. وقد أتى بمثل المعنى في ~~هذه القصيدة بقوله: # فكلما حلمت عذراء عندهم # وذلك لأن الروم لا ابل في بلادها يقول: فكما حلمت عذراء في بلادهم رأت ~~الجمال ورأت السبي مما استكن خوفك في قلوبهم فما ترى العذراء إلا السبي ~~وإلا الجمل. وإنما هو معنى قول القائل: # وعلى عدوك يا ابن عم محمد ... رصدان ضوء الشمس والإظلام # فإذا تنبه رعته وإذا غفا ... سلت عليه سيوفها الأحلام # ثم أتى بمثل هذا المعنى في البيت الذي يليه لأن النعام لا تصعد الجبال، ~~وإنما تصعد الوعول. فيعني بالنعام خيله على التشبيه بها في سرعة العدو وطول ~~الساق يعني أن خيله تتسنم الجبال في طلب الروم كما قال في البيت الآخر: # PageV01P220 # تظن فراخ الفتح أنك زرتها ... باماتها وهي العتاق الصلادم # وقوله: # ما كان نومي إلا فوق معرفتي ... بأن رأيك لا يؤتى من الزلل # أي ما سكنت نفسي فنمت إلا بعد معرفتي أنك لا تؤتي من زلل. يقول: أنت موفق ~~فيما تراه، وتدبره فاستعار وجعل المعرفة بمنزلة الحشية يضطجع من ينام ~~فوقها. ولو تأولت في قول الشاعر: # سقى الله عيشا لم أبت فيه ليله ... من الدهر إلا من حبيب على وعد # هذا التأويل لكان حسنا. لأن (على) تتضمن معنى (فوق) على أن تجعل (مع) ~~كقول عمر ابن أبي ربيعة: # على أنني قد قلت يا مي قولة ... لها والعتاق والارحبية تزجر # يريد: مع أني قد قلت. قال ms089 الشيخ أبو الفتح: أي ما لحقني السهو والتفريط ~~إلا بعد سكون نفسي إلى فضلك وحلمك. وقد أجاد فيما قال. لأن هذه القصيدة ~~اعتذار من معتبة كانت منه. إلا تراه يقول فيها: # PageV01P221 # لعل عتبك محمود عواقبه ... فربما صحت الأجسام بالعلل # لعل عتبك محمود عواقبه ... فربما صحت الأجسام بالعلل # يقول: لعلني أتأدب بعد عفوك عني هذه الكره. كما إن الرجل قد يعتل اعتلالا ~~يكون له أمانا من أدواء غيرها كمرض شارب الدواء، والفتور الذي يناله، ثم ~~تعقبه صحة من كبير الخطر وكالزكام تأمن به أدواء كثيرة من أدواء الرأس. ~~وكضرب المؤدب الغلام يتأدب به به، ونزع عن كثير من المناكير. إلا أن الشيخ ~~أبا الفتح خلط بعد ذلك بكلام لا أفهمه. قال: ولو كان هذا في غير سيف الدولة ~~لجوزت بأن يكون قد طواه على هجاء، لأنه يمكن قلبه. وأي هجاء في أن يقول أبو ~~الطيب وقد عتب عليه سيف الدولة ما أخذني النوم مع عتبك إلا ثقة مني بحلمك ~~ولزوم التوفيق رأيك. وعلمي بأنك لا تعجل علي. ولا ترهقني بالعقوبة أو # كيف يمكن قلب هذا المعنى هجاء. # وقوله: # شديد البعد من شرب الشمول ... ترنج الهند أو طلع النخيل # PageV01P222 # قال الشيخ أبو الفتح: رفع شديد البعد لأنه خبر مبتدأ محذوف. كأنه قال: ~~أنت شديد البعد. ورفع ترنج الهند بالابتداء. كأنه قال: بين يديك، أو في ~~مجلسك ترنج الهند. إلا إنه حذف من الأول المبتدأ، ومن الثاني الخبر لأنه ~~مشاهد. فدلت الحال على ما أضمر. كما تقول إذا رأيت الرجل قد سدد سهمه: سمعت ~~صوت القرطاس والله أي أصاب القرطاس. وكما تقول للقادم من سفر خير مقدم ~~فتنصبه. لأنك تريد: قدمت خير مقدم. فيجوز إضمار هذا كله. لأن في الحال ~~دليلا عليه في كلام أتبع به هذا الفصل طويل لا فائدة في اقتصاصه. والأمر في ~~جواز الحذف فيما ذكر على ما حكى. # أي أن هذا البيت لا حاجة به إلى هذا التعسف والتمحل العظيمين البعيدين عن ~~كل خاطر. وإنما ترنج الهند مبتدأ. وشديد ms090 البعد خبره (قدم الخبر على ~~المبتدأ. وإن شئت كان شديد البعد مبتدأ وترنج الهند خبر) إذ كان كلاهما ~~معروفين أيهما كان المبتدأ جاز. والمعنى مفهوم إذا قلت: ترنج الهند شديد ~~البعد من شرب الخمر. وإن شئت كان ترنج الهند خبر ابتداء محذوف. كأنه يقول: ~~هذا الاترج. وخبر المبتدأ شديد البعد. # وإنما في هذا البيت أمران مما يبعده على الخواطر غير ما ذهب إليه # PageV01P223 # الشيخ أبو الفتح. والخطب في كليهما سهل. فأحدهما إنه حذف من الكلام ما ~~تدل عليه الحال وذاك إنه يريد شديد البعد من شرب الخمر ترنج الهند عندك ~~وإذا حضرك. وحذف الظروف إذا دل عليها الكلام كثير. وأيضا فإن الألف واللام ~~في ترنج الهند يغني عن هذا الشرح. وقد مضى مثل هذا في هذا الكتاب ألا ترى ~~إلى قول القائل: # أبى القلب إلا أم عمر. . . الخ # يريد: أبى قلبي، فأغناه الألف واللام ومعرفة المخاطب عن ذكره قلب نفسه. ~~وهذا باب لا يستقصى في هذا المكان. فكأن أبا الطيب يريد: ترنج الهند هذا ~~الحاضر الذي يعرفه المخاطب. # والثاني قوله من شرب الخمر. وما كلف الشيخ أبا الفتح إيراد هذا الكلام ~~الطويل، وتسنم هذه العقاب الشاقة من النحو في طلب المعنى غير هذا. ولو أنعم ~~النظر لما عزب عنه هذا المقدار. ولكن ارتكب تفسيرا فسح له في ميدان الإعراب ~~فركض فيه، ولم يلتفت إلى ما وراءه. وأنت تقول: أعجبني دق الثوب. وإن الدابة ~~قضمت الشعير، وإنك أنت سمعت الخبر. فأضفت المصدر إلى المفعول. فإذا كان هذا ~~جائز، جاز أن تقول: ترنج الهند بعيد عن شرب الخمر. يريد يشرب الناس عليه ~~الخمر. كما إنك لو قلت: دار زيد بعيدة عن أكل الطعام لكان كلاما جيدا ومعنى ~~مفهوم وعلم أنك تريد عن أكل الناس الطعام فيها. وأيضا فليس المحذوف مع هذا ~~الشرح إلا قولك (عليه). إذ لو تأتي له الوزن أن # PageV01P224 # يقول: شديد البعد من شرب الشمول، عليه ترنج الهند لفهمه، وازداد المعنى ~~وضوحا. وحروف الظروف حذفها أكثر من أن يحصى ويشرح ms091 وتكرر هنا. وأيضا فأي ~~حاجة ماسة إلى قولك عندك أو بحضورك وقد أتى بعده: # ولكن كل شيء فيه طيب ... لديك من الدقيق إلى الجليل # ألا تراه قد دلك لقوله لديك. على أن هذا الاترج الذي حضرك لم يحضرك لشرب ~~عليه. ولكن كل شيء فيه طيب يحضرك ويكون عندك. # وقوله: # ليالي بعد الظاعنين شكول ... طوال وليل العاشقين طويل # شكول أي متشابهة. فيجوز أن يعني أن ليالي الناس تقصر وتطول بحسب الزمان. # فإن كان صيفا قصرت. وإن كان شتاء طالت. غير أن ليالي طوال أبدا لبعد ~~الحبيب عني فامتناع نومي كقول القائل: # ما أطول الليل على من لم ينم # ويجوز أن يكون الغرض في مشاكلة بعضها بعضا. إنها ليست مما # PageV01P225 # ينام في بعضها، أو يجد فيها روحا. إذ كانت المدة الطويلة مما تسلى كقول ~~القائل: # إذا ما شئت أن تسلى حبيبا ... فأكثر دونه عدد الليالي # ويكون غرض أبي الطيب كغرض القائل: # ما أحدث النائي المفرق بيننا ... سلوا ولا طول اجتماع تلاقيا # يقول: فليالي وإن كثرت فما تتغير حالي فيها، ولا ينقص غرامي ووجدي ~~بالحبيب مع تكاثرها. بل قد دلت في الطول على حالة واحدة. # وقوله: # إذا كان شم الروح أدنى إليكم ... فلا برحتني روضة وقبول # قد كرر أبو الفتح استجادة هذا البيت في كتابه الفسر حتى غلا فيه، وأبعد ~~المرمى في التقريط والرضى. لكنه لما بلغ التفسير قصر قال: أي إذا كنتم ~~تؤثرون شم الروح في الدنيا وملاقاة نسيمها فلا زلت روضة وقبولا انجذابا إلى ~~هواكم، ومصيرا إلى ما تؤثرونه ويكون سبب الدنو منكم. ثم جعل الاسم نكرة، ~~والخبر معرفة لأجل القافية. # PageV01P226 # قلنا ما الحاجة بابي الطيب إلى أن يجعل الخبر معرفة والاسم نكرة مع ~~امتناع النحويين من إجازة ذلك إلا في الشاذ النادر. ومعنى البيت يحصل من ~~غير هذا التمحل. وليس برح هاهنا من أخوات كان، مثل ما برح زيد مصليا. وإنما ~~هو من برح أي زال. تقول: برح الخفاء أي زال. وما برحت من المكان أي ما زلت ~~تقول: فلا ms092 برحتني روضة، فلا فارقتني. # هذا ما فسره الشيخ أبو الفتح. على أن الأولى عندي أن يكون يعني إذا بعدتم ~~عني وحيل بيني وبينكم فلا أصل إلى شيء منكم إلا إلى شم الروح، وتشهي النسيم ~~الهاب من الرياض بنسيمكم فلا فارقتني روضة وقبول يهيج ذلك النسيم لي لأشمه. ~~(وهذا المذهب متعارف عندهم) في الرضى بقليل الراحة من الشوق إذا لم يصلوا ~~إلى الحبيب كقول الهذلي: # ويقر عيني وهي نازحة ... ما لا يقر بعين ذي الحلم # أني أرى وأظن أن سترى ... وضح النهار وعالي النجم # وقول القائل: # إذا هب علوي الرياح رأيتني ... كأني لعلوي الرياح نسيب # فأما أن تكون ريح أبي الطيب تصل إلى الظاعنين الذين تشوقهم فما المعنى ~~قول الله تعالى: فلما فصلت العير قال أبوهم: إني لأجد ريح يوسف # PageV01P227 # لولا أن تفندون. # فأما أن يكون ريح أبي الطيب تصل إلى الظاعنين الذين تشوقهم فما أراه ينفع ~~أبا الطيب، ولا يسر الظاعنين وأيضا فللظاعنين غير شم الروح ملاذ كثيرة، ~~ولهم في غير منادح. وبعد فمعنى البيت من معنى بيت البحتري: # يذكرنا ريا الأحبة كلما ... تنفس في جنح من الليل بارد # وقوله: # لقيت بدرب القلة الفجر لقيه ... شفت كمدي والليل فيه قتيل # ويوما كأن الحسن فيه علامة ... بعثت بها والشمس منك رسول # وما قبل سيف الدولة آثار عاشق ... ولا طلبت عند الظلام ذحول # لعمري أن القصيدة منها مثل هذه لحقيقة ألا يستجاد منها قوله: # إذا كان شم الروح أدنى إليكم ... فلا برحتني روضة وقبول # بل يعد تابعا، وللأبيات تكثيرا. وقد أتى لها الشيخ أبو الفتح بتفاسير غير ~~شافية # وكأنه لم ينتبه لمواضع الصنعة منها. إذ أرسل الكلام إرسالا، فلم يأت فيه ~~بدقائقه. ومثلها ما يدل على حذق الشاعر بالصنعة، وتأييد الطبع القوى له ~~قوله: # شقت كمدى، لأنه يوم ظفر الممدوح فيه بالروم. ولما كان الليل انتظر فيه ما ~~يسر به فطال عليه جعله قتيلا عند الصباح. ويحسن ذلك لما يرى من حمرة الشفق ~~فكأنه دم قتيل. وأنشدني الشيخ أبو العلاء المعري لنفسه. ms093 وما قصد غير هذا ~~المقصد: # PageV01P228 # وعلى الأرض من دماء الشهيد ... ين علي ونجله شاهدان # فهما في أواخر الليل فجران ... وفي أولياته شفقان # ثبتا في قميصه ليجيء الحشر ... مستعديا إلى الرحمان # ثم جعل الحسن في هذا اليوم كأنه علامة من حبيبته، والشمس كأنها رسول منها ~~بسروره عند مطلع الشمس، وارتياحه بها، وكمال سروره في هذا اليوم. وهو مع ~~ذلك يريد أن يجعل هذا مخلصا من الغزل إلى مدح سيف الدولة. فقال: لم يثأر ~~قبل سيف الدولة عاشق، وقد أثارت وطلبت ذحلي عند الظلام فقتلته. يريد تلك ~~الحمرة التي تظهر من الشفق. فأي مزية من حسن الصنعة ترك هذا الفاضل، أم أي ~~إحسان وإجادة. # ولقد أجاد الشيخ أبو العلاء أيضا إذ نقل هذا المعنى فجعله في مدح أهل ~~البيت عليهم السلام، إلا أن السبق له، ولا زيادة فيما قاله علي أبي الطيب ~~وأما قوله بعدها: # وما قبل سيف الدولة آثار عاشق ... ولا طلبت عند الظلام ذحول # فإنه يقول إنه يعني سيف الدولة أحرق كثيرا من ديار الروم فأعاد الليل ~~صبحا بالنيران فكأنه قتل الليل ونال ثأر العشاق منه. # ولو قال قائل: إنه عنى بالفجر في البيت الأول النار، شبهها بالفجر كان ~~ذلك # صوابا ليتفق التفسيران. والتفسير الأول فائدتي من الشيخ أبي العلاء ~~المعري. # PageV01P229 # وقوله: # وأكبر منه همة بعثت به ... إليك العدى واستنظرته الجحافل # سألني عن هذا البيت بعض أهل الأدب فقلت له وكان هاجسا هجس ساقي الخلد. ~~اكبر هنا من باب افعل من كذا. وليس بفعل رباعي. والهاء في منه راجعة إلى ~~نفسه. وكأنه لو تمكن لقال: واكبر من جئته أو جسمه همة فاستغرب هذا وأخذ ~~يمانع. فقلت الست تقول: زيد فأعدا أحسن منه قائما. والضمير في منه راجع في ~~نفسه، فقال نعم قلت: وما يمنعك من أن تكون أكبر منه همة. والهاء منه راجعة ~~إلى نفسه. يريد: ورب رجل أعظم من جسمه همة، ففزع إلى كتاب الفسر: وقد ذكر ~~الشيخ أبو الفتح إن أكبر فعل فقال أي العدى همة التي بعثت ms094 به إليك، أي ~~استعظموها وسألته الجحافل أن ينظرها بما شغل به سيف الدولة عنهم. ومحتمل ~~التفسيرين محتمل جيد، ولا مزية لأحدهما على الآخر. ويحتمل معنى ثالثا. وهو ~~أن تكون الهاء في منه ضمير لرسول فقد تقدمه: # وأني أهتدي هذا الرسول بأرضه ... وما سكنت مذ سرت فيها القساطل # يريد ورب اكبر من هذا الرسول همة بعثت إليك الروم: # PageV01P230 # فأقبل من أصحابه وهو مرسل ... وعاد إلى أصحابه وهو عاذل # يقول: ورب رسول أجل من هذا الرسول قد جاءك فاستعظم شأنك فعاد إليهم هو ~~يعذلهم، عداوتهم لك. ويجل قدرك في عيونهم أن تعادي. # وهذا المعنى أحب إلي من الوجهين المتقدمين. لان المعنى الذي أورده الشيخ ~~أبو الفتح كالمنقطع، ألا تراه قد قال: استعظم العدى همته التي بعثت به، ~~فكان يجب أن يتبع هذا الكلام بما يشبهه، فيقول: واستعظمته الجحافل. فلما ~~قال: واستنظرته كان منقطعا عن أكبر، وكان كلاما مستأنفا، ومعنى مبتدأ. ~~اللهم إلا أن يقول: هذا # متعلق بقوله: بعثت به، واستنظرته فحينئذ يكون مستغنيا عن قوله الجحافل ~~ألا تراه لو سكت عن الجحافل لكفى وأغنى، وأدى المعنى الذي أراد. على إنه إن ~~قال: أتى به للقافية سلمنا له وليس المتطرد كالمتمحل. # وقوله: # تدبر شرق الأرض والغرب كفه ... وليس لها وقتا عن المجد شاغل # قال الشيخ أبو الفتح: نصب وقتا لأنه ظرف لشاغل كأنه قال: # PageV01P231 # وليس لها شاغل عن المجد وقتا فما فوقه. والذي رويناه وقت بالرفع. ووقت ~~اسم ليس، وشاغل صفة له. وليس يمنع ما رواه أبو الفتح. وفيما رويناه معنى ~~لطيف ليس يؤديه اللفظ إذا نصب الوقت. وذلك إنه يريد لهذه الكف الشرق والغرب ~~وما تحويانه مع عظمه وليس له وقت يشغلها عن المجد مع صغرها لأن كفا تملك ~~الأرض شرقا وغربا كانت بان تملك ما هو أصغر منهما. وإذا نصب وقتا كان شاغل ~~مؤديا لما أشرت إليه إلا إنه يبقى وقتا كالفضلة التي لو سكت عنها جاز. ~~فأنعم النظر برفق يتضح لك ما ذكرت. # وقوله: # أجد الحزن فيك حفظا وعقلا ... وأراه ms095 في الخلق ذعرا وجهلا # لك ألف يجره وإذا ما ... كرم الأصل كان للألف أصل # يريد: أنت إذا حزنت على هالك فإنما حزنت حفاظا منك على وده وصحبته، ووفاء ~~له. لأن الحفاظ والوفاء مما يدعو إليه العقل. وغيرك بحزن ذعرا أي خوفا. أي ~~خوفا من ألم الفراق، وجبنا منه. وجهلا من غير معرفة بالسبب الموجب للحزن. ~~ثم فسر هذه الجملة فقال: للألف، وهو مصدر ألفه والألفة. يقال ألفه ألفا. ~~وقد قرئ لإيلاف قريش الفهم. وليس الإلف هاهنا بالأليف. يقول فالإلف تابع ~~لكرم الأصل. والإلف هو الذي جر الحزن عليك أي جناه. يقال جررت على # فلان جريرة أي جنيتها. # PageV01P232 # قال زهير: # لعمرك ما جرت عليهم رماحهم ... دم ابن نهيك أو قتيل المثلم # يقول: إذا كرم الأصل كان كأنه أصل الإلف. يريد إذا كرم الأصل كان للإلف ~~نسيبا للأصيل، ومشاركا له في اصله، إذ كان موجودا معه. وقد أتى بمثله في ~~البيت الذي يليه فقال: # ووفاء نبت فيه ولكن ... لم يزل للوفاء أهلك أهلا # يقول: الإلف، والوفاء من أصلك، وفي أهل بيتك. يقول أنت نبت في الوفاء ~~فكان حظك منه في الأكثر. ولكن أهلك كلهم أهل وفاء. فهذا معنى قوله ولكن ~~الشيخ أبا الفتح قال: قوله: نجره أي تصحبه، ويتحمل ثقله. وهذا وإن كان ~~محتملا فالذي ذكرناه أولى، لأنه حقيقة وهذا مجاز. # وقوله: # قاسمتك المنون شخصين جورا ... جعل القسم نفسه فيه عدلا # كانت أخته الصغيرة مضت لسبيلها فرثاها بهذه القصيدة. وبقيت # PageV01P233 # الكبيرة ثم ماتت فقال فيها: # قد كان قاسمك الشخصين دهرهما ... وعاش درهما المفدى بالذهب # وعاد في طلب المتروك تاركه ... أنا لنفعل والأيام في الطلب # يقول: قاسمتك المنون هاتين الأختين ظلما منها في هذه المقاسمة وجورا ~~وأخذا لما ليس تحقه. إلا أن القسمة جعلت نفسها في ذلك الجور من المنون ~~عدلا. لأنها أخذت الصغيرة وتركت الكبيرة. فكانت هذه المصيبة جورا من ~~المنون. إلا أن القسمة عدلت نفسها بأن أبقت الكبيرة، وأخذت الصغيرة. # وفيه الهاء راجعة إلى الجور. وقد زعم الشيخ أبو الفتح إنه ms096 يجوز فيك ~~بالكاف # وقال: يعني به جار في فعله. إلا إنه إذا كنت أنت البقية فجوره عدل. # وعندي إن هذه الرواية مضطربة. لأنه لو أراد أن البقية أنت لما قال: ~~قاسمتك. بل كان يقول: قاسمتنا. وكان أيضا لا يقول: شخصين بل كان يقول: ~~ثلاثة شخوص. أحدها سيف الدولة. والآخران أختاه ولئن أراد ما قاله الشيخ أبو ~~الفتح فقد قطع ابتداء المعنى واطراده وأدخل فيه ما ليس فيه. # وقوله: # وهو الضارب الكتيبة والطعنة ... تغلو والضرب أغلى وأغلى # PageV01P234 # وهذا كقوله: # ولتمض حيث لا يجد الرمح ... مدارا ولا الحصان مجالا # ولم يفسره الشيخ أبو الفتح بقليل من كلامه، ولا كثير. وقد يسأل فيقال: ~~إذا اشتد الزحام فصعبت المطاعنة فالمضاربة قد تمكن عند ذاك لقصر السيوف ~~وطول الرماح فما معنى قوله: والضرب أغلا وأغلا. كان يجب أن يقول: والضرب ~~يغلو أو الطعن أغلى وأغلى. لأنه إذا لم يكن الضرب بالسيف، وهو قصير، فالطعن ~~بالرمح مع طوله اشد تعذرا. # فالجواب: إنه إذا لم يمكن الطعن لتقارب الجيشين في اعتراكهما فالضرب ~~متعذر لشدة الذعر، وارتعاش الأيدي، وأخذ الموت بالكظم، وإنما يريد: إذا لم ~~يقدر على الدنو من العدو قيد رمح، فالدنو إليه قيد السيف أصعب كثيرا. # هذا اقرب ما يعرض لي من الجواب الآن، والله أعلم. # وقوله: # كلما اعجلوا النذير مسيرا ... أعجلتهم جياده الإعجالا # قال الشيخ أبو الفتح: أي كلما عاد إليهم نذيرهم سبقوه بالهرب قبل وصوله ~~إليهم. ثم تليهم جياد سيف الدولة فسبقت سبقهم الندير، أي لحقهم وجاوزهم. # وقد علم الشيخ أبو الفتح إنه يقال: أعجلته بمعنى استعجلته. فأما سبقته ~~فيقال فيه: عجلته. بلا ألف. قال الله تعالى: (هم أولاء على أثري، وعجلت ~~إليك رب لترضى). ومعاذ الله أن نروم شأو الشيخ # PageV01P235 # أبي الفتح في اللغة والإعراب. ولا أعلم كيف نفق عليه هذا الزلل. # يقول أبو الطيب: كلما استعجلوا النذير بالمسير إليهم وأخبارهم بقدوم جيش ~~سيف الدولة أعجلتهم خيله أن يعجلوا النذير، أي أطلت عليهم، قبل ورود النذير ~~عليهم. ولم يغن بثهم الطلائع، وإعدادهم الربايا ms097 وإنفاذهم الجواسيس لسرعة ~~هذه الخيل، وسلوكها الطريق الخفية إليهم، ونفوذ سيف الدولة فيهم. فأما ~~قوله: بحقتهم وجازتهم فلا اعلم من أي ألفاظ البيت استنبطه غفر الله له. # وقوله: # ما مضوا لم يقاتلوك ولكن ... القتال الذي كفاك القتالا # (ما) هنا بمعنى نفي، ولم يقاتلوك حال. يريد لم يمضوا غير مقاتلين لك. ~~يريد: ما انهزموا عن غير قتال، بل ثبتوا وقاتلوا، ولكن لم يقاموا فانهزموا. ~~وقوله: ولكن القتال الذي كفاك القتالا، معناه إن من عرف من صبرك على ~~القتال، وطول ثباتك هو الذي أيأس العدو من انهزامك، وزهدهم في مصابرتك. ~~وكأن هذا المعنى مشتق من قولهم: الشجاع موقى، وبين معنى هذا المصراع قوله ~~فيما يليه: # والثبات الذي أجادوا قويما ... علم الثابتين ذا الأجفالا # ومثل هذا من إقامته المضارع مقام اسم الفاعل قول الراجز يصف كلبا: # أرسلت فيها رجلا لكالكا ... يقصر يمشي ويطول باركا # كأنه مشتمل درانكا # PageV01P236 # يريد يقصر ماشيا، ويطول باركا. وكذلك يكون الكلب. إلا إنه إذا مشى مد ~~يديه على الأرض، فكان اقصر منه إذا أقعى. لأنه إذا أقعى تطاول وامتد في ~~العلو # شخصه ومثله: # فلما خشيت أظافيره ... نجوت وأرهنهم مالكا # فيمن روى: وأرهنهم فقوله وأرهنهم يريد راهنهم. فإذا روى: وأرهنتهم لم يكن ~~من هذا الباب. فعلى هذا قوله: ما مضوا لم يقاتلوك، أي ما مضوا غير مقاتلين ~~لك. # وقوله: # أبصروا الطعن في القلوب دراكا ... قبل أن يبصروا الرماح خيالا # قال الشيخ أبو الفتح: لما شاهدوه من أحوال المقتولين عرفوا الأمر قبل ~~وقوعه بهم. وهذا على ما فسره. غير إنه لم يأت بما يكفي ويشفي. وفي البيت ~~غلق، لأنه قد آخر قوله: خيالا عن موضعه لعلم المخاطب. وتقدير البيت: ابصروا ~~الطعن في القلوب دراكا خيالا قبل أن يبصروا الرماح. يريد بالخيال ما يراه ~~الإنسان في منامه، أو يتخايل له في خاطره من ذكر ما مضى. يقول: لشدة خوفهم ~~منك وتصورهم ما صنعت بهم في قديم الحروب رأوا الطعن دراكا في قلوبهم رؤية ~~الخيال، قبل أن يروه حقيقة. وما تقدم هذا البيت ms098 مما قبله يدل على هذا. وهو ~~قوله: # نزلوا في مصارع عرفوها ... يندبون الأعمام والأخوالا # تحمل الريح بينهم شعر الهام ... وتذري عليهم الأوطالا # تنذر الجسم تأن يقيم لديها ... وتريه لكل عضو مثالا # PageV01P237 # هذا يدل على ما قلناه. وقوله: قبل أن يبصروا الرماح فمعلوم إنه يريد ~~يبصرونها حقيقة. فخيالا إذن متعلق بما قبله. وليس الخيال بالحقيقة. # وقوله: # أقسموا لا رأوك إلا بقلب ... طالما غرت العيون الرجالا # أي عين تأملتك فلاقتك ... وطرف رنا إليك فالا # الذي أتى به الشيخ أبو الفتح من تفسير هذا البيت إن قال: قد تكرر هذا ~~المعنى في شعره. منه قوله: # ففي أبصارنا عنه انكسار # وهذا على ما ذكر، إلا أن في هذين البيتين كثيرا مما اعذروه من الشرح. ~~قوله: لا رأوك إلا لقلب: حلفوا ليحصرن عقولهم وليعلمن أذهانهم وأفكارهم ~~فيك، وفي قتالك. إذ كان ما يرونه بعيونهم قد كذبهم عنك كثيرا، وأوهمهم أنهم ~~يقاومونك. فلما جربوا خابوا. ورؤية القلب هو العلم. ثم أتى بمعنى يجوز أن ~~يكون شرحا لهذا المعنى الذي قدمه وبسطا له. ويجوز أن يكون معنى آخر ~~مستأنفا. فقال: أي عين تأملتك فلاقتك. يريد: ان العيون إذا نظرت إليك تحيرت ~~فلم تعقل ما ترى. كقوله أيضا: # PageV01P238 # فإذا رأيتك حار دونك ناظري ... وإذا مدحتك حار فيك لساني # وقوله: # وطرف رنا إليك فالا # آل بمعنى رجع. يريد إن العيون إذا نظرت إليك تحيرن، وبهتت فلم تؤول أي لم ~~ترجع، وبقيت شاخصة اليك، كما قال أيضا: # تمضي المواكب والأبصار شاخصة ... منها إلى الملك الميمون طائره # قد حرن في بشر في تاجه قمر ... في درعه أسد تدمى أظافره # فليس في معنى أي المصراعين تناقض، بل يجمعهما التحير والذهول. فميز ~~بينهما. وفي هذا المكان سؤال آخر، وهو أن يقال: كيف قال: # أقسموا لا رأوك إلا بقلب ... طالما غرت العيون الرجالا # وقد قال قبله: # والعيان الجلي يحدث للظن ... زولا وللمراد انتقالا # وإذا ما خلا الجبان بأرض ... طلب الطعن وحده والنزالا # ثم أتى بهذا البيت فناقض ما قدم. لأنه زعم أن العيان يزيل ms099 الظن، ويأتي ~~باليقين. ثم قال فيما يليه: أقسموا لا رأوك إلا بقلب. ورؤية القلب هو الظن. ~~وذم العيان فقال: # طالما غرت العيون الرجالا # PageV01P239 # فالجواب عن هذا إن علم القلب، وإن كان أجل من البصر، فإن العلم لا يحصل ~~إلا بعد النظر بالعين في الغالب. وإذا ظن الروم أنهم يقاومون سيف الدولة، ~~ثم علموا عظم شأنه، وشدة بأسه، وقصورهم عنه، حصل لهم علم أنهم لا يقاومنه ~~بعد العيان والتجربة. وإذا رأوه بالعين دون القلب رأوا عسكرا مثل عسكرهم لم ~~يكن هذا تناقضا. وكان كل معنى مستقلا بنفسه، منفردا عن صاحبه فملائما له في ~~طريقته. # وقوله: # وظبي تعرف الحرام من الحل ... فقد أفنت الدماء حلالا # قال الشيخ أبو الفتح: هذا مثل ضربه. أي سيوفه معودة للضرب، فكأنها تعرف ~~بالدربة الحرام من الحلال. قلنا: مال الحاجة إلى هذه الدعوة فلا يكاد يحصل ~~منها حقيقة. وإنما يعني أن سيف الدولة غاز للروم فلا تقتل إلا كافرا فكأنه ~~سيوفه تعرف الحرام من الحلال. وأيضا هو من قبل الخليفة، مفترض الطاعة، ~~فكلما قتل عاصيا كان مستحقا للقتل فكأنها عارفة بالحرام والحلال. والدعوة ~~التي ادعاها الشيخ أبو الفتح قد يدعى مثلها الشاعر للممدوح. ولكن هذا إذا ~~لم توجد حقيقة. فأما إذا وجدت الحقيقة فهو غان عن دعوى الباطل. # وقوله: # أفسدت بيننا الأماني عيناها ... وخانت قلوبهن العقول # الهاء، والنون ضمير قبل الذكر. والتاء في خانت للعقول. # PageV01P240 # يريد: خانت العقول قلوبهن أي لم تصور إليها وجوب حفظ الأمانة، وترك ~~الخيانة. لأنهم إذا نظروا إلى عينيها غلبهم هواها على الأمانة. ولم تكتمل ~~العقول لتصوير القبح. وأوهمت إنه جميل. وله مثل هذا قوله: # وما هي إلا نظرة بعد نظرة ... إذا نزلت في قلبه رحل العقل # وإنما يعني إذا بعثت رسولا عشقها فخانني فيما يؤدي من الرسالة. # وقوله: # نحن أدرى وقد سألنا بنجد ... أقصير طريقنا أم طويل # وكثير من السؤال اشتياق ... وكثير من رده تعليل # قال الشيخ أبو الفتح: أي هو طويل في الحقيقة. أو يطوله الشوق إلى ~~المقصود. وهذا محال ظاهر، ms100 لأن الشوق يقصر الطريق. ألا ترى إلى قول القائل: # أرى الطريق قريبا حين أسلكه ... إلى الحبيب بعيدا حين أنصرف # وقول الآخر: # من كابد الشوق لم يستبعد الدارا # وإنما يريد بقوله يطول إنه يعرض له ما يصده، أو حالة تلقته وتعوقه من ~~رغبة الملوك فيه وفي مدحه ومقامه عندهم أو سوى ذلك من # PageV01P241 # علة أو مرض، أو ما أشبه ذلك. يريد بذلك تشوقه إلى سرعة الوصول إليه، ~~وإشفاقه أن يطول طريقه عارض يصده. ثم أخبرك إنه إنما يسأل هذا السؤال لشدة ~~الشوق، وهو عالم بقدر طول الطريق وأمده، ولا حاجة به إلى سؤال أحد. كما قال ~~بشر بن أبي خازم: # اسئل صاحبي ولقد أراني ... بصيرا بالظعائن حيث ساروا # ومثله: # واستخبر الأخبار من نحو أرضها ... أسائل عنها الركب عهدهم عهدي # فقال: وكثير من السؤال اشتياق أي سؤال شبيه الشوق. ثم قال: وكثير من رده ~~تعليل أي ربما ورد في جواب السائل ما ليس بالجواب بعينه، وإنما هو تعليل ~~وتطيب لنفس السائل كقول المسؤول عن مكان كذا. ككم بقي بيننا وبينه: هاهو ذا ~~قد بلغته ولم يبق إلا يسير. يريد بذلك تهوين السير على السائل، وتقريب ~~المسافة وإن لم تكن قريبة. يقول: فما فائدة سؤالي، وقد علمت آمد الطريق ~~وأعلم إنه ربما أجبت بالتعليل بغير الحقيقة. # PageV01P242 # وقوله: # لا أقمنا على مكان وإن طاب # قال الشيخ أبو الفتح معناه لم نقم. كقوله تعالى: فلا صدق ولا صلى. يريد ~~لم يصدق ولم يصل. والشيخ أبو الفتح لو أمعن النظر لعلم أن (لا) هذه ليست ~~تلك التي عناها وإنما هي التي تكون جواب القسم. كقوله: والله لا أقمت، ~~وواله لا ضربت. وقد يحذف القسم والكلام يقتضيه، ويد عليه. ألا ترى إلى قول ~~رسول الله عليه السلام فيمن فعل كذا وكذا لا تمسه النار إلا تحلة القسم ~~يريد قول الله تعالى: وإن منكم إلا واردها الآية. ألا ترى إنه لا قسم ظاهرا ~~في هذه الآية ولكن تأكيد الإيجاب دال على القسم ونائب منابه. وهذا اشهر من ~~أن ms101 يدل عليه. و (لا) في بيت أبي الطيب لها وجه غير ما ذكرنا. وهو أن تكون ~~(لا) التي تكون في الدعاء المنفي كقولك: لا يفضض الله فاك وقوله: # ولا هجمت بها إلا على ظفر # فيحتمل أن يريد: والله لا أقمنا على مكان. ويحتمل أن يريد الدعاء فيقول: ~~لا أقمنا على مكان هذه صفته. وقوله: ولا يمكن المكان الرحيل له معنى لطيف ~~قد سها عنه الشيخ أبو الفتح وأتى مكانه بمعنى كسيف وهو إنه يريد لا نقيم ~~على مكان أبدا حتى نلقاه. يقول لا أقمنا على مكان إلا ويمكن المكان الرحيل ~~معنا. وهذا ما لا # يكون. فكذلك نحن لا نقيم كقول القائل: # PageV01P243 # إذا زال عنكم أسود العين كنتم ... كراما وأنتم ما أقام إلا اللائم # وأسود العين جبل فهو لا يزول. وكذلك هؤلاء المخاطبون لا يكونون كرماء. ~~فالواو في قوله: ولا يمكن واو الحال، أي لا نقيم في مكان وهذا حاله. فانظر ~~الفضل بين ما ذكرنا، وبين ما فسره أبو الفتح قال أي لو أمكنه الرحيل لرحل ~~إلى سيف الدولة شوقا إليه. فأي معنى (للو) ترى في هذا المصراع. وأي خاطر ~~سقط به عليه، وأداة إليه. غفر الله له. وما سبب شوق المكان إلى سيف الدولة، ~~ولا سيما وليس من ممالكه، ولا عبر به قط من عمره. وأين نجد من حلب. # وقوله: # لو تحرقت عن طريق الأعادي ... ربط السدر خليهم والنخيل # لم يعرض الشيخ أبو الفتح لتفسير هذا البيت. وفيه كلام. وهذا البيت يشبه ~~قوله: # فكلما حلمت عذراء عندهم ... فإنما حلمت بالسبي والجمل # وذلك أن الروم ليس في ديارهم السدر، ولا النخل. كما ليس في ديارهم الجمال ~~ولا يعرفونها فقوله: ربط السدر خيلهم. يريد: لولا دفاعك عن عضد الدولة، ~~ومعز الدولة لسارت إليهم، وأوغلوا في ديارهم حتى ربطوا خيولهم إلى السدر، ~~وإلى النخل. يريد بذلك الغض ممن بالعراق، ورفع شأن سيف الدولة. وقد صرح ~~وقال بعده: # ما الذي عنده تدار المنايا ... كالذي عنده تدار الشمول # وقوله: ربط السدر. إنما يريد ربطت إلى ms102 السدر. والروم # PageV01P244 # ربطوها. ولكن أما كان السدر والنخيل الممسكة عليها جعل الفعل لها توسعا ~~في الكلام. # وقوله: # محبي قياني ما لذالكم النصل ... بريئا من الجرحى سليما من القتل # قال الشيخ أبو الفتح: معناه يا من يحب قيامي وتركي الأسفار والمطالب، كيف ~~أقيم ولم أجرح بنصلي أعدائي واقتلهم به. وهذا على ما فسر. إلا إنه ترك ما ~~يجب ذكره، وهو أن القيام إن كان أبو الفتح يريد به المقام فقد اخطأ، ولا ~~أراه أراده. لأنه لا يقال: قام زيد بمعنى أقام في المكان. وإن أراد أيضا ~~القيام الذي هو الانتصاب على الرجلين فقد أخطأ أيضا لا فائدة فيه لأن يحب ~~أهل أبي الطيب قيامه. وإنما يريد الحاجة والمؤونة. يقال: فلان القائم ~~بفلان، وفلان قيم فلان. أي هو القائم به، والمصلح لشأنه. # ومعنى البيت: يا من يريد قيامي بأموره وتركي مفارقته ما لذلك النصل لم ~~أجرح به، ولم أقتل. يريد ذلك النصل وأعماله أحب إلي، وأهم عندي كقولك لمن ~~يلتمس منك المشي وقد حضر فرس ما لذلك الفرس، معناه: لا أمشي والفرس حاضر. ~~وكذلك يريد لا أختار القيام بأمورك على أعمال النصل. # وقوله: # أمط عنك تشبيهي بما وكأنه ... فما أحد فوقي ولا أحد مثلي # PageV01P245 # قد أكثروا الكلام في هذا البيت. وقوله تشبيهي بما. وقالوا (ما) ليس من ~~حروف التشبيه ولم يؤت في الجواب بطائل. فأما ابن جني فقال: الذي كان يجيب ~~به إذا سئل عن هذا أن يقول تفسيره فكأن قائلا قال بما يشبه فيقول الآخر ~~كأنه الأسد، أو كان الأرقم، أو نحوه ذلك. فقال هو معرضا عن هذا القول أمط ~~عنك تشبيهي بما وكأنه فجاء بالحرف للتشبيه وهو كأن. وبلفظ ما التي كانت ~~سؤالا فأجبت عنها بكأن التي هي للتشبيه فذكر (ما) في التشبيه لأن جوابها ~~تضمن التشبيه فكانت سببا له. فذكر السبب والمسبب جميعا. وقد فعل أهل اللغة ~~مثل هذا فقالوا: الألف والهمزة في حمراء هما علامة للتأنيث وإنما العلامة ~~في الحقيقة الهمزة وحدها. ولكن الهمزة لما صاحبت الألف التي ms103 قبلها قيل هما ~~جميعا للتأنيث. هذا كلام الشيخ # أبو الفتح. وقد حكيت لي حكاية هذا موضعها. # زعموا أن أبا العباس المبرد ورد الدينور زائرا لعيسى بن ماهان، فأول ما ~~دخل إليه وقضى سلامة قال له عيسى بن ماهان: أيها الشيخ ما الشاة المجثمة ~~التي نهى النبي صلى الله عليه عن أكل لحمها فقال: هي الشاة القليلة اللبن ~~مثل اللجبة. فقال: هل من شاهد فقال نعم قول الراجز: # لم يبق من آل الحميد ... إلا عنيز لجبة مجثمة # فإذا بالحاجب يستأذن لأبي حنيفة الدنيوري، فأذن له فلما دخل، # PageV01P246 # قال له عيسى بن ماهان: أيها الشيخ ما الشاة المجثمة التي نهانا عن أكلها. ~~قال: هي التي جثمت على ركباتها ونحرت من قفاها فقال: كيف تقول هذا، وهذا ~~شيخ العراق أبو العباس المبرد يقول: هي مثل اللجبه، وهي القليلة اللبن. ~~وانشده البيتين. فقال أبو حنيفة: إيمان البيعة تلزم أبا حنيفة إن كان هذا ~~الشيخ سمع هذا التفسير أو قرأه، وان كان البيتان إلا لساعتهما هذه. فقال ~~أبو العباس: صدق الشيخ أبو حنفية. أنفت إن أرد عليك من العراق، وذكرى ما قد ~~شاع، فأول ما تسألني عنه لا أعرفه. فاستحسن منه هذا الإقرار وترك البيت. # وأنا أحلف بالله العظيم إن كان أبو الطيب سئل عن هذا البيت فأجاب بهذا ~~الجواب الذي حكاه ابن جني وان كان متزيدا مبطلا فيما يدعيه عفا الله عنه ~~وغفر له. فالجهل والإقرار به أحسن من هذا. # وقد تكلم في هذا البيت القاضي أبو الحسن علي بن عبد العزيز الجرجاني ~~فقال: هذا مما سئل أبو الطيب عنه. فذكر أن ما تأتي لتحقيق التشبيه تقول عبد ~~الله الأسد، وما عبد الله إلا الأسد، أو كالأسد كما قال: # وما هند إلا مهرة عربية ... سليلة أفراس تجللها بغل # وقال لبيد: # PageV01P247 # وما المرء إلا كالشهاب وضوؤه ... يعود رمادا بعد إذ هو ساطع # ثم قال وأقول: إن التشبيه بما محال. وإنما وقع التشبيه في هذه المواضع ~~التي ذكرها بحروفه. فإذا قال: وما المرء إلا كالشهاب، فإنما ms104 الفيد للتشبيه ~~الكاف. وإنما (ما) النفي. نفت ان يكون المرء كالشهاب. وإذ قال: وما هند إلا ~~مهرة. فان (ما) دخلت على ابتداء وخبر. وكان الأصل: هند مهرة عربية. وهو في ~~تحقيق المعنى عائد إلى تقريب التشبيه. وأم كان اللفظ مباينا للفظه. ثم نفى ~~أن يكون إلا كذلك فليس بمنكر أن تنسب التشبيه إلى ما إذا كان له هذا الأثر. ~~وباب الشعر أوسع من أن يضيق عن مثله. فهذا قاض من قضاة المسلمين يحكي هذه ~~الحكاية عن أبي الطيب. فأي الحكايتين نجعلها الصحيح، وننفي أختها. وهل ترى ~~نفسك إلى الثانية أميل منها إلى الأولى. والله تعالى علام الغيوب. # والذي عندي ما أقوله: وهو فائدتي من الشيخ أبو العلاء المعري. وليس مما ~~استنبطته. وهو أن تكون (ما) التي تصحب كأن، إذا قلت: كأنما ريد الأسد. ألا ~~ترى إنها كثرت حتى تكلم النحويون فيها إذا حالت بينها وبين الاسم، وقصروا ~~عليها فصولا كثيرة من كتب النحو. وقد صارت في لغة قوم لازمة لكأن حتى ما ~~تفارقها. وما عمدي ان أبا الطيب أراد غيرها. والله تعالى اعلم بالغيب. له ~~مثل هذا البيت أيضا قوله: # صغرت كل كبيرة وكبرت عن ... لكأنه وعددت سن غلام # PageV01P248 # أي كبرت التشبيه فأجراها مجرى ما يلزم في التشبيه من الحروف. وله مثل هذا ~~أيضا: # كفاتك ودخول الكاف منقصة ... كالشمس قلت وما للشمس أمثال # والأول في هذا المعنى قول ابن الرومي: # يقرظ إلا أن ما قيل دونه ... ويوصف إلا إنه لا يحدد # وهو في غير هذا المديح كثير. # وقوله: # قفا تريا ودقي فهاتا المخايل ... ولا تخشيا خلفا لما أنا قائل # المخايل جمع مخيلة يعني البرق. وهو مخيلة السحابة ونحوه مما يستدل به على ~~كون النظر. وهذا مثل ضربه لصاحبيه. يقول: عيشا، يأمرهما بالعيش، تريا من ~~أمري شأنا عظيما، فقد ظهرت مخايلة، وما تشهد لي بتحقيق ما أمله من الشرف، ~~وبلوغ المجد، وبعد الصيت. وكان بعض أهل الأدب يفسره إنه يريد مخايل الدار، ~~أي علاماتها، وبلقى رسمها وآثارها. ويعني بالودق دمعه. يقول: ms105 لصاحبيه: قفا، ~~تريا بكاي على مخايل الديار، فقلت له: فما اقبح قوله بعد ذلك: ولا تخشيا ~~خلفا لما أنا قائل. أتراهما خشيا أن لا يبكي على ديار حبيبته وقد # PageV01P249 # استوقفها. فما باله لم يشبب للقصيدة إلا بيت واحد ذي معنى ردي منقطع. # وقوله: # كفى ثعلا فخرا بأنك منهم ... ودهرا لان أمسيت من أهل أهل # هكذا رويته ودهرا بنصب دهر. وهو معطوف على قوله: ثعلا. أي وكفى دهرا. ~~ورفع أهل بخبر مبتدأ محذوف. كأنه قال: وكفى دهرا هو لان أمسيت من أهله أهل ~~فخرا. وهذا كقوله: # ليت لي مثل جد ذا الدهر في الأد ... هر أو رزقه من الأرزاق # أنت فيه وكان كل زمان ... يشتهي بعض ذا على الخلاق # PageV01P250 # وحسن هذا المعنى والوضع كما ترى ظاهر. # قال الشيخ أبو الفتح. ورواه دهر بالرفع. أي ودهر أهل لأن أمسيت من أهله. ~~فارتفع أهل لأنه وصف لدهر. والدهر ارتفع بفعل مضمر، دل عليه أول الكلام. ~~فكأنه قال: وليفخر دهر أهل لأن أمسيت من أهله. ولا يتجه رفعه إلا على هذا. # لأنه ليس قبله مرفوع يجوز عطفه عليه. ولا وجه لرفعه بالابتداء إلا على ~~حذف الخبر، وليس في قوة إضمار الفعل هاهنا. # هذا كلامه واختياره. وشتان إضمار مبتدأ يدل عليه الكلام، ويشهد به ~~الضمير، وحذف فعل لا انسياق للفظ معه. ولنتحاكم مع الشيخ أبي الفتح إلى ~~إظهار الفعل الذي زعم إنه مضمر. ثم ننظر كيف انسياق الكلام في حكم الشعر. ~~فما أراك تستحسن أن تقول: كفى ثعلا فخرا بأنك منهم. وليفخر دهر أهل لأن ~~أمسيت من أهله. بل كفى ثعلا فخرا بأنك منهم، ودهرا هو لأن أمسيت من أهله ~~أهل. # ولو خير في هذين اللفظين السيخ أبو الفتح لاختار هذا لاشك. وقد قال أبو ~~الطيب: # من كل رخو وكاء البطن منفتق ... لا في الرجال ولا النسوان معدود # فرفع معدودا لأنه خبر مبتدأ محذوف. كأنه قال: هو معدود. ولولا ذلك لوجب ~~جره. والقصيدة مرفوعة. وهذا في شعره وشعر غيره كثير. وما ادعاه أبو الفتح ~~من ms106 الضرورة. # PageV01P251 # وقوله: # لست ممن يغره حبك السلم ... وأن لا ترى شهود القتال # ذاك شيء كفاكه عيش شا ... نيك ذليلا وقلة الأشكال # يقول: أنا عارف بك وبعشقك للحرب، فلا يغرني أن ادعيت أنك تحب السلم، وأن ~~لا تشهد الحرب. وشهود: فعول، من باب تكثير الفعل. مثل ضروب، وقؤول، وسؤول. ~~والتاء في ترى مضمومة يريد ترى أنت أيها الممدوح. وسمعت من ينشد: وأن لا ~~ترى شهود القتال بفتح التاء، وضم الشين. وشهود القتال قد يراها المخانيث ~~أيضا والصبايا. فما فخر هذا الممدوح في أن يرى شهود القتال. وشهوده: آثاره ~~وما جرى من دمائه، ومرادي الخيل فيه. ثم قال: ذاك شيء. يشير إلى القتال، أي ~~كفيت القتال بكون شانيك ذليلا مهينا. وبأن لا نظير لك # فتحاربه وتنازعه لملكه، أو يحاربك وينازعك. # وقوله: # لدى الخزامي ذفر القرنفل ... محلل ملحوش لم يحلل # ملوحش: أراد من الوحش. قال ابن جني: معنى البيت الثاني إن الذي حله إنما ~~هو الوحش وهو غير محلل من الإنس. ويقال: حلل المكان والماء إذا كثر النزول ~~من يحل به. قال امرئ القيس: # PageV01P252 # (نمير الماء غير محلل) أجاد الشيخ في هذا التفسير. وسمعت من ينشد: # محلل ملوحش ما لم يحلل # فقلت له فما يكون تفسيره فقال: محلل من الحلال يريد لكثرة صنوف وحشة وقرب ~~تناولها قد احل من دمائها ما لم يكن حلالا قبل لأنها كانت لا تمكن الصائد ~~لما كانت متفرقة. فلما كثرت في هذه الأرض وقرب اقتناصها استعار لها لفظ ~~الحلال لامتناعها لفظ الحرام. وليس ذلك بالممتنع. على أني لا أثق بالرواية. # وقوله: # فما حاولت في أرض مقاما ... ولا أزمعت عن أرض زوالا # كان أبا الطيب أراد بهذا البيت الألغاز. وإنما يريد أنى إذا جعلت أرضي ~~قتودي، وألفت الترحل فكأني ما أقمت بأرضي، ولا ارتحلت عن أرض. وقد تقدمه: # الفت ترحلي وجعلت أرضي ... قتودي والغريري الجلالا # لأنه إذا كانت أرضه القنوت فهو لا يريد مقاما في ارض أبدا. # PageV01P253 # ويحتمل معنى آخر يخرجه عن حد الألغاز. وذلك إنه يريد إذا كان ms107 مسافرا ~~أبدا، لا يقيم في بلد، ولا في مكان فكيف يكون مزمعا عن أرض زوالا. إنما كان ~~إزماع حين ارتحل بدنا أن يكون مسافرا أبدا. ولو أقام لاحتاج إلى إزماع زوال ~~فلما لم يقم لم يزمع عن أرض زوالا. وهو معنى لطيف فافهمه. # وقوله: # في الخد إن عزم الخليط رحيلا ... مطر يزيد به الخدود محولا # إن مفتوحة الألف. يريد لأن عزم الخليط. كقولك: جئتك أن تكرمني لان ~~تكرمني. وقد تكلم في ذلك الشيخ أبو الفتح، وأورد من الاستشهاد والإيضاح ما ~~كفى وأغنى. وكسر ألف أن لا يجوز بته. ويعني بالمطر دمعه. ومحول جمع محل ~~وليس مصدر إنما يقال: أمحلت البلاد أمحالا. ومحول الخدود شحوبها، وتخدد ~~لحمها. وزوال مائها ورونقها، واصفرارها. كالبلد إذا أمحل قل خيره، واصفر ~~نباته، وذوى عوده. وإنما قال ذلك لان المطر من صفاته أن تخصب البلاد، ويخضر ~~العشب وتروق البقاع. فكان الدمع مطرا بخلاف المطر صنيعا. فأي معنى أحسن من ~~هذا وأي لفظ أنق، وأي صنعة اكمل. # وقد قال الصاحب بن عباد أبو القاسم غفر الله له في رسالته # PageV01P254 # المعروفة (ومن استرساله إلى الاستعارة التي لا يرضاها عاقل، ولا يلتفت ~~إليها فاضل: في الخد أن عزم الخليط البيت فالمحول في الخدود من البديع ~~المرذول. ثم هذا الابتداء في القصيدة من النفور بحيث تضيق عنه الصدور). # فأي علم أفادنا بما قال غير هذا الكلام المسجوع الذي ماله مرجوع. بل ليت ~~شعري أي شيء أنكر وما الذي نقم. والمحول للخدود مستعار. كما إن النظر للدمع ~~مستعار. فأي نفور في هذا الابتداء الذي لم يخله من لفظ رائع. ومعنى مبتدع، ~~وصنعة محكمة. # وبعد فقد ارتضى كل ذي عقل وفضل رأيته وسمعت به هذا الابتداء واستحسنه. ~~وما شاهدت أحدا من الفضلاء، وذوي العقول يذمه غير هذا الظالم. فإن كان لا ~~يرتضيه هو من بينهم وحده، وليس بأفضلهم، ولا أعقلهم فلعلة ما ذاك وقد قال ~~بعض المحدثين: # مطر من العبرات خدي أرضه ... حتى الصباح ومقلتي سماؤه # فهل ترى بهذا من عيب، وهل ms108 يؤتى من جودة صنعه، وحسن بنيه. فكيف تراه جعل ~~العبرات مطرا، والخد ارضا، والمقلة سماء. وإذا جاز لهذا أن يجعل الخد أرضا ~~فلم لا يجعل أبو الطيب لتلك الأرض محولا وخصبا. # وقوله: # تشكو روادفك المطية فوقها ... شكوى التي وجدت هواك دخيلا # PageV01P255 # ويغيرني جذب الزمام لقلبها ... فمها إليك كطالب تقبيلا # لم يأت في تفسير هذين البيتين في كتاب الفسر إلا إنه قال هذا نحو قوله ~~أيضا: # يجذبها تحت خصرها عجز ... كأنه من فراقها وجل # وقد يسأل فيقال معنى قوله: شكوى التي ومن هي هذه الأنثى. وهلا قال شكوى ~~الذي. فالجواب: إن التي هي المطية، وغرضه سوق الكلام إلى ذكر غيرته من ~~المطية فكأنه قال: أنا أغار من شكواها روادفك، وثقلها لأنها كشكوى العاشقة ~~لك المضمر وجدا. ولو قال الذي لما أمتنع، ولا تغير من المعنى شيء لكنه اتبع ~~التأنيث تأنيثا. وهذا كقولك: ضربت زيدا ضرب المغيظة، وكلمته كلام العاتبة. ~~ولو قلت ضرب المغيط، وضرب العابث لجاز فافهم. ومعنى البيت الثاني إنها إذا ~~جذبت ناقتها بزمامها قلبت رأسها مع الزمام فكأنها تطلب منها تقبيلا فتزيد ~~غيرة أبي الطيب من شكواها تحقيقا وتوكيدا. وهذا من قول القائل: # PageV01P256 # والعيس عاطفة الرؤوس كأنما ... يطلبن سر محدث في الأحلس # وقوله: # أعدى الزمان سخاؤه فسخا به ... ولقد يكون به الزمان بخيلا # قال أبو الفتح: أي تعلم الزمان من سخائه، فأخرجه من العدم إلى الوجود. ~~ولا سخاؤه الذي أفاده منه لبخل به على أهل الدنيا واستبقاه لنفسه. وفي هذا ~~شيء # يسأل عنه. فيقال: إنه في حالة عدمه لم يكن له سخاء لأن السخاء لا يصح إلا ~~في الوجود فكيف وصفه بالسخاء وهو معدوم. فالقول في هذا إن الزمان كأنه علم ~~ما يكون فيه من السخا إذا وجد فكأنه استفاد منه ما تصور كونه فيه بعد ~~وجوده. لولا ما تخيله لبقي أبدا بخيلا به. ثم اتبع هذا التفسير ما يوضحه من ~~الاستشهادات والتمثيلات. وقد جود الشيخ رحمه الله فيما أتى به غير إنه قد ~~يمكن تفسيره على وجه أقرب ms109 من هذا يخرجه من هذا البعد. وهو أن يقال: # PageV01P257 # مراده فسخا به علي. يريد اتصاله به. وانضمامه إلى جنبه، يقول: قد كان ~~الزمان بذلك بخيلا علي فأعده سخاء الممدوح فسخا به. وأوصلني إليه. وهذا ~~معنى واضح لا مجال فيه ولا اضطراب. # وقوله: # وتظنه مما يزمجر نفسه ... عنها لشدة غيظه مشغولا # يزمجر: يردد الصوت. ونفسه رفع على تأويلين: أحدهما أن تكون فاعلة يزمجر ~~والثاني أن تكون فاعلة تظنه. يريد: تظنه نفسه مشغولا عنها مما تزمجر. وهذا ~~هو الجيد. وعليه المعول. والأول يكون المراد: وتظنه أنت مشغولا عن نفسه ~~لشدة غيظه مما تزمجر نفسه. على أنا قرأناه يزمجر بالياء. وإذا كانت نفسه ~~فاعلة تزمجر بالتاء وإذا كانت نفسه تزمجر روى بالتاء أيضا. ولم نروه. # وقوله: # قصرت مخافته الخطى فكأنما ... ركب الكمي جواده مشكولا # الهاء في جواده للكمي. يريد: ركب الكمي جواد نفسه. وإذا ركب جواده مشكولا ~~لم يقدر على سرعة السير. ولا استوائه. يريد تشبيهه خطوة المقارب من مخافته ~~بخطو الجواد المشكول الذي عليه شكال. وكأنه لو أمكنه الوزن لقال: قصرت ~~مخافته الخطى. كما يقصر الشكال خطى الجواد. وكأنه يريد ركب الكمي جواده # مشكولا فقارب خطاه. وهذا كقول القائل: # PageV01P258 # لما رأونا والصليب طالعا ... ومار جرجيس وسما ناقعا # خلوا لنا راذان والمزارعا ... كأنما كانوا غرابا واقعا # يريد: فطار. فتركه لعلم المخاطب. ولم يفسره الشيخ أبو الفتح، ولا الذي ~~قبله لكنه أتى بالغريب. # وقوله: # لقد ظلت أواخرها الأعالي ... مع الأولى بجسمك في قتال # قال الشيخ أبو الفتح: الأولى بجسمك أي الأدنى إليه. وهذا كقوله أيضا: # ويحسد الخيل منها أيها ركبا # PageV01P259 # وهذا كما فسره. إلا أن قوله: أواخرها الأعالي مما يجب أن يوضح غرضه فيه. ~~وذلك إنه يريد: أن ثيابه الأعالي هي أواخر ما يلبس، إذا كانت أوائلها هي ~~التي تلي جسده. وهذا من قول الفلاسفة: أول الفكر آخر العمل، وآخر العمل أول ~~الفكر. وإن تأويلها متأول لأنها أعلى محلا في عيون الناس وأبهى. وهكذا يلبس ~~الملابس ابهاها، وارفعها مظاهرا به كان جيدا. وقد قال ms110 الشيخ أبو عبد الله ~~النميري رحمه الله في تأويل قول الشاعر في كتاب الحماسة: # لئن كان يهدي برد أنيابها العلا ... لأفقر مني أنني لفقير # إنه خص الأنياب العلا، لأنها هي التي تظهر منها إذا ابتسمت أو تكلمت. ~~وقال هذا كقول الآخر: # إذا ضحكت شبهت أنيابها العلا ... خنافس سودا في صراة قليب # وقال آخر فسر هذا البيت في كتاب الحماسة يعرف بابي مسلم الولادي: إنه ~~إنما قال: العلا لأن العرب تذكر بعض الشيء تريد كله. فمعنى أنيابها العلى، ~~أنيابها كلها. كما قال عروة: (قطعتها بيدي عوهج) وإنما تقطع الفلاة بيديها ~~ورجليها. # وقال آخر: # الواطئين على صدور نعالهم # وقد أخطأ الولادي في هذا التشبيه. فإن الشاعر قال: # PageV01P260 # يطاولون على صدور نعالهم # لأنها مشية ذوي الخيلاء، والمتطاول في مشيته. فهو لا يبسط قدمه على الأرض ~~بل يمشي على طرف رجله. واتبعه بكلام آخر خطأ لا فائدة له في ذكره. # وقال غيرهما من مفسري هذا البيت: إنه قال: العلى، لأنه أراد الرفع من ~~شأنها كقولك: زيد العلى مضافا، وغلام عمرو العلى على حد الصفة. فهذا ~~التفسير شبيه التفسير الثاني الذي ذكرناه في بيت أبي الطيب. # وقوله: # يعلمن ذاك وما علمت وإنما ... أولاكما ببكا عليه العاقل # يريد هذا الأمر الذي حكاه. يعني إقفارك أيتها المنازل، وخلوك من الأحباب ~~وأنت لا تعلمين ذاك لأنك لا عقل لك. والهاء في عليه تحتمل معنيين، كلاهما ~~حسن. فأحدهما أن يعود إلى ذاك. يعني أولاكما بالبكاء على هذه الحال التي ~~ذكرت العاقل. وهو الفؤاد. والثاني أن تعود الهاء إلى أولى، يريد أولاكما ~~ببكاء على نفسه. وقد مر لهذا نظائر، ومثل هذا المعنى. إلا أن فيه زيادة ~~كقوله أيضا: # PageV01P261 # لو كنت تنطق قلت معتذرا ... بي غير ما بك أيها الرجل # أبكاك إنك بعض من شغفوا ... لم أبك أني بعض من قتلوا # والبكاء يمد ويقصر. وقد قصره في هذا البيت. # وقوله: # تحلو الدار من الظباء وعنده ... من كل تابعة خيال خاذل # قوله تابعة يحتاج له إلى تفسير. وإنما يريد ظبية تابعة سربا. ms111 يريد إنها ~~ارتحلت # برحلة الحي فتبعت، وخذل خيالها. كالظبية التي تخذل القطيع فتتخلف عنه. ~~وأراد المطابقة بين التابعة والخاذلة فجود ما شاء الله دره. ومعنى هذا ~~البيت تكرر من البيت الأول: # لك يا منازل في القلوب منازل ... أقفرت أنت وهن منك أواهل # يعني أن ذكره إياها الباقي في ضميره كالأهل لذلك المنزل الذي نزله حبها ~~من قلبه. وحسن قوله: تلعة بتسميتهم ولد البقرة الوحشية إنه تبيعا. وهذا من ~~الحذق بصنعة الشعر والمعنى من قول القائل: # أنا على البعاد والتفريق ... لنلتقي بالذكر إن لم نلتق # وخيال الذكر مثل خيال النوم. # PageV01P262 # وقوله: # دون النعانق ناحلين كشكلتي ... نصب أدقتها وضم الشاكل # وهذا البيت دليل على حذقه بالصنعة، وكمال الإله. قوله: كشكلتي نصب ولم ~~يقل كشكلتي فتح كحالتين يلطف شأنهما: أحديهما أن الفتح من حركات البناء ~~والشكلتان إذا اجتمعتا كانتا للتنوين، ولا تنوين مع البناء فإذن اجتماعهما ~~نصب وليس بفتح. # والحالة الثانية إنه لما اضطر إلى ذكر الضم، بمعنى الجمع خشي أن يقول ~~كشكلتي فتح أدقهما وضم الشاكل. فيتوهم السامع أنه يريد ضمة البناء الكائنة ~~شكلة. وهو يعني جمع الشاكل بينهما ودانهما وقرب أحدهما إلى الآخر. والضم ~~والفتح من باب البناء. ومعنى البيت: إننا وقفتا نحيلين كشكلتي النصب ~~المداني بينهما، لا نتعانق خوف الرقيب. وقوله: دون التعانق يتضمن معنى إنه ~~قد حيل بينهما وبين التعانق لخوف الرقيب، ودون ظرف، العامل فيه وقفة في ~~قوله: كم وقفة سحرته شوقا. وكأنه ينظر إلى قول القائل: # أني رأيتك في نومي تعانقني ... كما تعانق لام الكاتب الألفا # واستنبطه منه. # PageV01P263 # وقوله: # ما دار في الحنك اللسان وقلبت ... قلما بأحسن من نثاك أنامل # هذا اخر القصيدة. و (ما) نفي، وقلبت عطف على دار. يريد: ما دار، وما ~~قلبت. وليس ما، ظرفا كقوله: عشت ما دار لسان في حنك. ولو كان كذلك لكان ~~هجاء، قوله: وقلبت قلما بأحسن من نثاك وكان معناه إن نثاك ليس حسنا. معنى ~~البيت إنه يقول: ما قيل، وما كتب أحسن من أخبارك لما فيك من الكرم ms112 الزائد ~~على كل كرم. # ويجوز أن يريد بذلك مدح شعره فيه. يريد: ما قيل قط مثل شعري هذا الذي ~~مدحتك به، ولقائل أن يقول: لو أراد ذلك لقال: ثنائك، لأن مدحه إياه ثناء ~~وليس ثناء قط. لأن النثا الخبر خيرا كان أو شرا. إلا إنه لم يقصر ممدودا في ~~شعره بتة إلا في موضع واحد. وهو قوله: # خذ من ثنائي عليك ما أستطيعه ... لا تلزمني في الثناء الواجبا # وقوله: # وإسحاق مأمون على من إهانة ... ولكن تسلى بالبكاء قليلا # قال الشيخ أبو الفتح: أي يأمنه من يهينه لسقوط نفسه. ولو قال هاهنا: تجمل ~~بالبكا لكان أشبه. وهذا تفسير يجري مجرى الرموز # PageV01P264 # فلنذكر الآن غرض الرجل ثم نفسر رموز الشيخ أبي الفتح، وننظر هل اختياره ~~أولى أو اختيار أبي الطيب في تجمل وتسلى. يقول أبو الطيب: إن من أهان بن ~~كيغلغ أمن سطوته لعجزه عن مقابلته، أو لسقوط نفسه، كما ذكر الشيخ أبو ~~الفتح. وإنما معنى المصراع من قول القائل: # زعم الفرزدق أن سيقتل مربعا ... أبشر بطول سلامة يا مربع # ولبعض المحدثين مثله: # تعرض لي ناش وناش مبارك ... على القرن ميمون على من تغالب # وقد قصرا جميعا عن الأول، ووقعا دونه. وقوله: تسلى بالبكاء قليلا. يريد ~~إنه لا يملك من النكير علي إذ أهنته غير البكاء والجزع فيتسلى به إذ لم ~~يقدر على إهانتي مكافأة على ما فعلت به. وهذا ابعد قوله: # أتاني كلام الجاهل بن كيغلغ ... يجوب حزونا بيننا وسهولا # وكان أبلغ عنه إنه ذكره في بلاد الروم بقبح وتهده. فكأنه يقول تسلى بذلك ~~القول ولم يريد المقابلة لي. ولكن تسلى بما أظهره من الجزع عجزا عن إيقاع ~~الفعل. فأقام البكاء مقام ذلك، إذ كان صدر عن جزع كما يصدر البكاء عن الجزع ~~فما يصنع التجمل هاهنا. وكيف يتجمل بالبكاء من لم يقدر على مقابلة عدو ~~ومجاراته بصنيعه بل ضد التجمل فعل من بكى جزعا. # PageV01P265 # وقوله: # أما ابن من بعضه يفوق أبا الباحث ... والنجل بعض من نجله # بمثل هذا فيغلب الخصوم ms113 عند الجدال. فلقد احتج لقصور أبوته فما قصر. يقول: ~~أنا بعض والدي، لأني منه وجدت. وأنا فوقك أيها الباحث عن أبوتي فضلا وكرما ~~وبأسا. فإذن والدي فوق أبيك كثيرا قد فضله بعضه. وقد استوعب هذا المعنى ~~بقوله: أنا ابن من بعضه يفوق أبا الباحث. وباقي البيت فضل وتبيين. وزاد هذه ~~الحجة قوة على خصمه بقوله بعده: # وإنما يذكر الجدود لهم ... من نفروه وأنفذوا حيله # يقول: أنا لا أفخر إلا بنفسي. وإنما يفتقر إلى المفاخرة بالأب من لا فخر ~~له في نفسه فيقول: أنا ابن فلان. وجدي فلان. # قال الشيخ أبو الفتح في تفسير هذا البيت: معناه أنا فوق أبا من يبحث عني، ~~إلا أن صنعه الشعر قادته إلى هذا النظم. وليس بضرورة كما قال: # قالت من أنت على خبر فقلت لها ... أنا الذي أنت من أعدائه زعموا # فأتى بهذا النظم. وهذا كلام من لا يعرف صنعة الشعر. وأي صنعة في هذا ~~البيت غير إبداع المعنى. والصنعة تحتص من الشعر باللفظ، ووجه استعماله، لا ~~باختراع المعاني، ألا ترى إنه لو قال: # PageV01P266 # كما قال الشيخ أبو الفتح: أنا أفوق أبا من يبحث عني لما كان قفيه هذا ~~المعنى البديع، الذي إياه أراد أبو الطيب. وقول الشاعر: # أنا الذي أنت من أعدائه زعموا # ليس نظم الشعر فقط أحوجه إلى هذا القول. بل مذهب الشعراء المعروف في ~~التغالط. ألا ترى إنه بنى أول بيت على المغالطة. لأنه سألت عن قائل هذا ~~الشعر، وهي تعرفه فأجابها بجواب مغالطة أيضا. وأنشدت مثل هذا لبعض ~~المحدثين: # بنفسي التي قالت أأنك للذي ... يهيم بنا زعما فقلت لها أني # لو قال الشاعر أنا الذي عاديته أنت لما كان للفظه الحلاوة التي تراها في ~~البيت. بل الفاعل ما ذكره أبو الفتح من غير فائدة إلا لإقامة الوزن. ابن ~~حبيبات القائل في خالد بن برمك: # لم يبق إلا الذي شيراز منزله ... أعني ابن برمك ممن يترجى أحد # فهذا تعقيد بلا فائدة. فلو قال: لم يبق إلا ابن برمك لكفى، وأغنى. ومعنى ms114 ~~أبي الطيب بعد يضطر إلى اللفظ الذي أتى به فتأمله. وأجهد أن يأتي به في غير ~~هذا اللفظ موجزا تجده ممتنعا. وقد جود أبو الطيب في هذا البيت، فما ترك في ~~الإحسان غاية لم يأتها لولا إنه نقض هذا الأصل الذي أتى به في مكان آخر من ~~شعره فقال: # PageV01P267 # فلا قطع الرحمان أصلا أتى به ... فأني رأيت الطيب الطيب الأصل # فهذه حجة لمن فاخر في الإباء. وكأنه حقق بذلك قول نصيب: # إن العروق إذا استسر بها الثرى ... أشر النبات بها وطاب المزرع # فإذا جهلت من أمري أعراقه ... وأصوله فانظر إلى ما يصنع # وقول أبي تمام: # فروع لا ترف عليك إلا ... شهدت لها على طيب الأروم # وقول أبي الطيب: # أفعاله نسب لو لم يقل معها ... جدي الخصيب عرفنا العرق بالغصن # PageV01P268 # وقوله: # فولت تزيع الغيث والغيث خلفت ... وتطلب ما قد كان في اليد بالرجل # هؤلاء بنو كلاب اظهروا العصيان بعد الطاعة، فورد دلير بن لشكروز فأجفلوا ~~من بين يديه عائدين إلى البدو فقال: # أرادت كلاب أن تفوز بدولة ... لمن تركت رعي الشويهات والإبل # أبى ربها أن يترك الوحش وحدها ... وأن يؤمن الضب الخبيث من الأكل # يقول: كانت طاعة السلطان غيثا فتركته وعصته ومضت تطلب مواقع الغيث في ~~البدو. وطلبها له سائرة طلب بالرجل. وقوله: ما كان في اليد، أي ما كان ~~حاصلا. كقولك هذا الشيء في يدي، أي حاصل عندي. وان لم يكن في يده العضو ~~نفسها. قال الشيخ أبو الفتح: أي لو ظفرت بالكوفة. وما قصدت له لوصلت إلى ~~تناول الغيث باليد عن قريب. والله ما يفهم من قول أبي الطيب شيئا مما يزعم. ~~فرحم الله من عرفنا مغزاه بهذا التفسير، وكيف وهو يقول قد كان في اليد، ~~يريد إنه كان في القديم في اليد. والشيخ أبو الشيخ يزعم إنه يريد لتناولت ~~الغيث باليد عن قريب غفر الله له. # PageV01P269 # وقوله: # ما أجدر الأيام والليالي ... بأن تقول ما له وما لي # لا أن يكون هكذا مقالي # يقول: الأيام تتظلم مني. وأنا لا ms115 أتظلم. والهاء في ماله تكون لأبي الطيب. ~~والياء في ما لي للأيام. ثم قال: لا أن أقول ما لها وما لي. لأني لا أبالي ~~بها، ولا أتظلم منها. ألا تراه يقول: # وكيف لا وإنما إدلالي ... بفارس المجروح والشمال # وهما فرسان لعضد الدولة. يقول: فإذا كنت مدلا بعضد الدولة لم أتظلم من ~~الزمان، ولم يقدر على هضمي. وقوله: ما له وما لي قول المتظلم. ألا ترى قول ~~سحيم: # ألا ناد في آثارهن الغوانيا ... سقين سماما ما لهن وماليا # وإلى قول الآخر: # يا قوم مالي وأبا ذؤيب ... كنت إذا أتيته من غيب # يشم عطفي ويبز ثوبي ... كأنما أريته بريب # والبحتري يقول: # PageV01P270 # ما لي وللأيام صرف حالها ... حالي وأكثر في البلاد تقلبي # وقد ترك من اللفظ شيئا يدل عليه الكلام. وذلك إنه يريد: لا أن يكون هكذا ~~مقالي لها. لأنك لا تقول: ما أجدر زيدا أن يمر عمرو حتى يقول به فيكون في ~~الجملة الثانية عائد إلى الجملة الأولى. # وقوله: # إذا تلفتن إلى الأظلال ... أرينهن أشنع الأمثال # كأنما خلقن للإذلال ... زيادة في سبة الجهال # قد تقدم ذكر القرون. يريد بقوله: سبة الجهال قولهم إذا شتموا: هو قرنان. ~~وليست اللفظة بعربية صحيحة، ولا لها أصل. غير أن المولدين قد أولعوا بها، ~~حتى جاءت في الشعر فمن ذلك قول ابن طباطبا العلوي (يذكر بعض من تعرض لهدم # سور اصفهان): # بنى السور ذو القرنين حصنا لأهله ... وأصبح ذا القرنان يهدم سورها # PageV01P271 # ولا أعلم السبب في هذه التسمية ما هو، ولا السبب في عبارتهم بالقرن عن ~~فجور الزوج غير أن القرن مشتق من الاقتران، فكان من رضي بذلك من زوجه ~~بقرين. لا أعلم غير ذلك سببا موجها. # وقوله: # لو سرحت في عارضي محتال ... لعدها من شبكات المال # بين قضاة السوء والأطفال # يريد إن اللحية الكبيرة تصلح للقضاة والعدول، وتمكن صاحبها التمويه ~~والحيلة. وقد تقدم هذه الأبيات قوله: # لها لحي سود بلا سبال # ومن أبيات المعاني: # ولج النار في الطفيف من النائل ... لا يتقي ولا يتحرج # فاته المجد ms116 والعلاء فأضحى ... يفتق الخيس بالنحيت المفرج # يصف شاهد زور شهد لنزر من الفائدة بالزور فاستحق النار فكأنه ولجها. ~~والخيس: الأجمة. يقال إنها سميت بذلك لأن لحوم الفرائس تخيس فيها أي تنتن. ~~يريد هاهنا به اللحية. ومثل هذا الخبر عن رسول الله صلى الله عليه كان لا ~~يدع نصح غابته من تحت ذقنه. شبهت اللحية بالغابة لتكاثر شعرها كتكاثر ~~شجرها. والنحت المنحوت يعني مشطا منحوتا. قد فرج بين أسنانه. يريد إنه قد ~~أولع لحيته يمشطها ويسرحها ليمه بها على الناس في شهادته. # وقوله: الأطفال: يريد الذين يحجر القضاة على أموالهم حتى يبلغوا # PageV01P272 # الحلم ويؤنس منهم الرشد. فهم يتأكلون أموالهم إلى حين ذلك، ويظهرون ~~العفة. ويموهون بكبر # اللحى. # وقوله: # وفاؤكما كالربع أشجاه طاسمه ... بأن تسعدا والدمع أشفاه ساجمه # يريد: وفاؤكما بأن تسعدا ما لربع أشجاه طاسمه. يقول: وفاؤكما بذلك طاسم ~~دارس، وأشجاه دارسه. لأنه لو لم يكن دارسا ما شجاني، كما أن الربع أشجاه لي ~~دارسه. ثم لما تم الكلام أتى بزيادة فقال: أشفى الدمع ما سجم فدعوني ابكي ~~وهذا معنى قول بعض المحدثين: # لا تلم في البكاء فالدمع لو لم ... يجر في الخد كان في القلب حمر # وقد تكلم الشيخ أبو الفتح في تقدم الخبر على تمام الاسم المبتدأ بما يغني ~~عنا سواه. وله عندي تأويل يخرجه مما منع منه أبو الفتح. وهو أن # PageV01P273 # يكون قوله: وفاؤكما كالربع مقطع الكلام يريد وفاؤكما دارس كالربع ثم قال: ~~أشجاه، يريد الذي أشجاه. من قولك: شجي باللقمة إذا غص بها. كما تقول: الرجل ~~يكلم الأمير جسور تريد الذي يكلم الأمير. فقوله: بان تسعدا متصل بأشجاه، ~~يريد أغصه بإسعاد كما لي فيه على البكاء. وهذا المعنى وإن كان متعسفا فإنه ~~مخرج له من الضرورة التي ذكرها أبو الفتح. والكاف والميم من قوله: وفاؤكما ~~لمخاطبة صاحبيه أو لمخاطبة عينيه كلاهما وجه. # وقوله: # بليت بلى الأطلال أن أقف بها ... وقوت شحيح ضاع في الترب خاتمه # أنام ملء جفوني عن شواردها ... وتسهر الخلق جراها وتختصم # وهذا على ما ms117 ذكر هذا الأديب إلا أن صاع تستعمل بمعنى أمال. صاعه يصوع ~~صوعا قال الشاعر: # يصوع غبوقهم أحوى زينم ... له طاب كما صخب الغريم # يريد يميلها راع لهم نوبي اسود، له صوت شديد. ولم اسمع صاع بمعنى تفرق. ~~بل يقال: انصاع القوم إذا اخذوا في وجهة ومالوا # PageV01P274 # فيها. فيجوز أن تكون صاع هذا الوتد التراب. أي آماله وتشعب فيه شعبه. وفي ~~شعر العرب أبيات كثيرة مصاريعها الأواخر ركيكة، والمصاريع الأول جزلة. كقول ~~القائل: # ألا أيها النوام ويحكم هبوا ... أسائلكم هل يقتل الرجل الحب # فالمصراع الأول جزل في النهاية. والمصراع الثاني من كلام المتغزلين. وإن ~~يكن ركيكا ومثله لأبي تمام: # قدك اتئد أربيت في الغلواء ... كم تعذلون وأنتم سجرائي # فإن كان بيت أبي الطيب من هذا الحيز فغير بدع. # وقوله: # قفي تغرمي من اللحظ مهجتي ... بثانية والمتلف الشيء غارمه # تغرم جزم للأمر، وهو (قفي). ومهجتي نصبت لأنها مفعول تغرم. # PageV01P275 # وفاعلها الأولى يقول: قفي فإن الأولى من النظرات أتلفت مهجتي. فإن وقفت ~~غرمتها ثانية. وهذا المعنى مثل قول القائل: ولا أعلمه أقبل أبي الطيب أم ~~بعد زمانه: # يا مسقما جسمي بأول نظره ... في النظرة الأخرى إليه شفائي # ألا أن هذا البيت لا مجاز فيه. وبيت أبي الطيب فيه مجاز. وذلك أن اللحظة ~~الأولى لاتغرم، وإنما حبيبته تغرم أول النظرة الثانية تغرم، لكنه توسع في ~~الكلام على مذهب العرب، إذ كانت النظرة الأولى هي التي أتلفت فكأنها تلك ~~بعينها تعاد فتغرم. # قال أبو الفتح: ومثل هذا في استعادة النظر قول جرير: # ولقد نظرت فرد نظرتي الهوى ... بحزيز رامة والمطي سوامي # أي حملني على أن أعدت النظر. كذا فسره. وهذا إنما نظر في أثر الأضغان ~~فتابع # النظر شوقا. وأبو الطيب تمنى نظرة من حبيبته ثانية. وبينهما بون بعيد. # وعندي وجه آخر محتمل، وهو أن تكتب تغرمي بالياء. يريد: قفي تغرمي يا ~~مراءة. والأولى نصب تكون مفعولا أولا. ومهجتي نصب لأنه مفعول ثان كما تقول: ~~غرمت زيدا مالا يجوز # PageV01P276 # انتزاع حرف الجر من قولك: غرمت لزيد ms118 مالا على القياس المطرد. ويكون وجه ~~غرامه النظرة الأولى. وإنما التلف واقع على المهجة على مجاز قولك لمن شتمك: ~~أغرم الشتم بإعطائي حقي. ولمن ضربك أغرم هذا الضرب بإنالتي معروفك. وهذا ~~توسع في الكلام غير بعيد. فلما كانت النظرة الأولى أتلفت مهجته قال: ~~أغرميها لها بنظرة ثانية. وكلا التأويلين جيد. # قالوا هذا البيت جزل نصفه الاول، ركيك نصفه الثاني. وما عسى يبلغ بخل ~~البخيل بخاتمه. ووقوفه إذا ضاع خاتمه مع كون هذا المعنى من قول القائل: # فهن حيرى كمضيعات الخدم # وأي روعة لهذا المصراع مع قول القائل: # فقمنا وفي حيث التقينا غنيمة ... سوار ودملوج ومرط ومطرف # وملتقطات من عقود تركنها ... كجمر الغضى في بعض ما يتخطف # PageV01P277 # وقول الآخر: # فمن يستبق آثارها في ضحى غد ... يجد بلقا ملقى وقلبا ومعضدا # ودرا وخلخالا عجلن التقاطه ... أذاعت به كف الفتى فتبددا # البلق: حجارة تكون باليمن بيض تشف. وأرجوزة أم الراعي النميري التي تقول: # جارية شبت شبابا رودكا ... لم يعد ثديا نحرها أن فلكا # لاقت غلاما هبرزيا منكيا ... فاعتلجا بينهما واعتركا # فحطما أساورا ومسكا ... وطار قرطاها معا فهلكا # وناولته كعثبا مدملكا ... أجثم جهما لم يكن مفركا # هز إليها روقه المصعلكا ... إن كان لاقى مثله فأشركا # فإذا طابت نفوس هؤلاء عن هذه الحلي التي هي كما زعم غنيمه فأجدر أن تطب ~~نفس أبي الطيب عن خاتمه. وقد سمعت بعض أهل الأدب يحكى إنه صحف هذا المصراع ~~فخرج عن هذا الحيز من # PageV01P278 # الاسترذال، فقالوا: وقوف شجيج صاع في الترب خاتمه. والشجيج من صفات الوتد ~~يريد وقوف وتد متروك في الدار. وصاع بمعنى تفرق صار في التراب وعلق فأورق. ~~فقد عمد الخيام، وأوداة أهل الدار. وبيت السيخ أبي العلاء في هذا المعنى في ~~السماء جودة: # غصن السباب عصى السحاب فلم يعد ... ذا خضرة إذ كل عود أخضر # قد أورقت عمد الخيام وأعشب ... شعب الرحال ولون رأسي أغير # ولقد سلوت عن الشباب كما سلا ... غيري ولكن للحزين تذكر # وجاثمه: بمعنى ثابته. وقال وقد فعل مثل ذلك في بيته: ms119 # وأكبر آيات التهتمي إنه ... أبوك وأجدى ما لكم من مناقب # من التصحيف فخرج أن يكون كفرا فقال: # وأكبر آيات التهامي آية ... أبوك وأجدى ما لكم من مناقب # يعني به علي بن أبي طالب عليه السلام. ولا ينكر إنه آية من آيات رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، ومعجزة من معجزاته وكبراها. # PageV01P279 # قال: وهذا من سعادة هذا الشاب واستيلائه على ذروة الفضل، كما قال. # وقوله: # وتكملة العيش الصبا وعقيبه ... وغائب لون العارضين وقادمه # وما خضب الناس البياض لأنه ... قبيح ولكن أحسن الشعر فاحمه # قال الشيخ أبو الفتح: قال أبو الطيب: عنيت (بعقيه) الهرم والشيب لأنه ~~يتلوه. والأولى عندي أن يعني الشباب. ألا ترى إنه قال بعده: وغائب لون ~~العارضين # وقادمه، يعني كمال العيش الصبا ثم الشباب وسواد الشعر فيه ثم الشيب. وهذا ~~المعنى من قول ابن الرومي. وهو أجود من هذا: # سلبت سواد العارضين وقبله ... بياضهما المحمود إذ أنا أمرد # وأجود منهما قول الشيخ أبو العلاء المعري. وإن كان قد غير المعنى بعض ~~التغيير وزاد: # وكالنار الحياة فمن رماد ... أواخرها وأولها دخان # وقوله: # وما خضب الناس البياض لأنه ... قبيح ولكن أحسن الشعر فاحمه # PageV01P280 # قد سمعت الناس يتكلمون فيه، ويقولون: هو كلام متناقض. لأنه نفى أن يكون ~~البياض قبيحا. ثم قال: أحسن الشعر فاحمه فدل على أن أقبحه أبيضه. وهذا عنت ~~لأنه ليس كل حسن بممتنع أن يكون هاهنا ما هو أحسن منه، ولا كل حسن بموجب أن ~~يكون سواده قبيحا. وقد بكت أبو الطيب بقوله: أحسن الشعر. يخبر بذلك إن ~~البياض حسن إلا أن الشعر حده يستحسن فيه السواد فقط. # وقوله: # نحن من ضايق الزمان له فيك ... وخانته قربك الأيام # قال الشيخ أبو الفتح: قال أبو الطيب: أردت ضايقه فزدت اللام. وهذا كقوله ~~تعالى: إن كنتم للرؤيا تعبرون. وقوله: عسى أن يكون ردف لكم. وهذا ما ذكر ~~وجه. وللأخر قوله: خانته لوجب أن يقول مع هذا التأويل لهم. لان نحن للجماعة ~~إلا إنه حمل على لفظ من. # وعندي له وجه آخر، ms120 وهو أن تكون الهاء في له عائدة على الزمان يريد نحن من ~~ضايق الزمان لنفسه فيك. أي لأجل نفسه وكلا الوجهين من باب التعسف. والذنب ~~لأبي الطيب لا للمفسر. # وعندي له وجه آخر، وهو أن تكون الهاء في له عائدة على الزمان يريد نحن من ~~ضايق الزمان لنفسه فيك. أي لأجل نفسه وكلا الوجهين من باب التعسف. والذنب ~~لأبي الطيب لا للمفسر. # PageV01P281 # وقوله: # ضلالا لهذا الريح ماذا تريده ... وهديا لهذا السبيل ماذا يؤمم # قال للريح ضلالا. وللسيل هديا. لان الريح تؤذي ولا تنفع في الظاهر كما ~~قال: # ليت الرياح صنع ما تصنع ... بكرن ضرا وبكرت تنفع # وقال للمطر هديا لأنه يريد إنه يسقي الديار، وينبت المرعى وينتفع به. ألا ~~تراه قال بعده: # فزار التي زارت بك الخيل قبرها ... وجشمه الشوق الذي تتجشم # يعني قبر والدة سيف الدولة. وكان زار قبرها في هذه الغزوة. قال الشيخ أبو ~~الفتح: وإنما قال للمطر هديا لأنه شبيه لسيف الدولة في سحة. ألا تراه يقول ~~بعده: # تلاك وبعض الغيث يتبع بعضه ... من الشام يتلو الحاذق المتعلم # وليس بممتنع ما قال. والذي قلناه أولى لأنه يريد الدعاء على الريح لضرها. ~~والدعاء للمطر لنفعه. فهذه مطابقة من حيث المعنى. # PageV01P282 # وقوله: # كأجناسها راياتها وشعارها ... وما لبسته والسلاح والمسمم # لم يتعرض الشيخ أبو الفتح لشرح هذا البيت. وفيه كلام. وذلك إنه يريد ~~جنسها حديد على المجاز لصبرها على الكد والتعب. فكأنها خلقت من حديد. ~~والشعار هنا ليس مما يلي الجسد من الثياب الذي هو ضد الدثار. وإنما هو شعار ~~الجيش الذي يدعون به كقوله في الأخرى: # تناكر تحته لولا الشعار # يريد نداؤهم بشعار سيف الدولة. ويعني أن شعارهم أيضا حديد. لأنهم يقولون ~~سيف الدولة المنصور أو ما يشبهه من الكلام. والسيف حديد من هذا اللقب ويدل ~~على قوله: وما لبسته. فلو أراد بالشعار اللباس لما كرر. ويريد مما لبسته ~~التجافيف من الحديد. وقد فسر ذلك بقوله: # لها في الوغى زي الفوارس فورقها ... فكل حصان دارع متلثم # فأما قوله راياتها. ms121 والرايات تكون من خرق. فإنه على ما ظن - والله أعلم - ~~وجعل الرماح لهم رايات يعني رماحهم راياتهم. أو يعني أن عليها اسم سيف ~~الدولة مكتوب فجعلها حديدا لما كان المكتوب عليها حديد. # PageV01P283 # وقوله: # رجلاه في الركض رجل وليدان يد ... وفعله ما تريد الكف والقدم # قال الشيخ أبو الفتح: يصف استواء وقع قوائمه، وصحة جريه. كما قال جرير: # من كل مشترف وإن بعد المدى ... ضرم الرقاق مناقل الأجرال # أي يتوقى في جريه وطء الصخور لحذقه به. وإذا توقى وطء الصخور على ما حكاه ~~لحذقه فأي قرابة بينه وبين كونه صحيح الجري غير متفاوته متلائم وضع اليدين ~~والرجلين وما أراه إلا أعجب ببيت جرير ثم سمع هذا البيت فأعجبه فجعله مثله ~~من حيث الاستحسان لا من حيث الانتباه. وهذا المصراع ببيت رؤبة أشبه وهو ~~قوله: # يهوين شتى ويقعن وقفا # وقوله: وفعله ما تريد الكف والقدم. أي جريه يغنيك عن تحريك السوط والقدم ~~لاستحثاثه. فجعل ذلك التحريك منها إرادة. # PageV01P284 # هذا من قول امرئ القيس: # فللزجر الهوب وللساق درة ... وللسوط أخرى غربها يتدفق # ويحمل معنى آخر. وهو أن يريد إذا احتجت إلى تصريفه يمينا ويسارا فهو مؤدب # عليه لا يحرجك إلى ذلك. بل يتصرف من غير تحريك العنان، ولا للفخذ والقدم ~~فقد يستعين الفارس على تحريك دابته بفخذيه وقدميه كما تصرف بعنانه وإلى هذا ~~المعنى ذهب في قوله: # وأدبها طول الطراد فطرفه ... يسير إليها من بعيد فتفهم # وقوله: # بأي لفظ تقول الشعر زعنقه ... تجوز عندك لا عرب ولا عجم # تجوز عندك هاهنا ليس من مجاز السير كقول الشاعر: # وقولوا لها ليس الضلال أجازنا ... ولكننا جزنا لنلقاكم عمدا # وإنما هو مجاز الدرهم الزائف. يقال: هذا درهم جائز إذا كان مهما. وربما ~~جاز. ودرهم زائف إذا لم يجز. أنشد ابن الأعرابي: # PageV01P285 # ترى ورق العسان فيها كأنهم ... دراهم منها مستجاز وزائف # يعني إن هؤلاء الشعراء الذين يقصدونك ليسوا بأهل منك للإقبال عليهم، ولا ~~الأفضال عليهم. لأنهم ليسوا عربا ولا عجما، ولا معرفة لهم، ولا أدب فكيف ~~يجوز ms122 عليك مثلهم. وسمعت من سنشد: يخور. فكنت أظنه تصحيف. ولئن صحف فالمعنى ~~جيد. لأنه من خوار الثور. شبه كلامهم لجهلهم بالخوار. ألا ترى البحتري كيف ~~قال يعني المستعين: # بكى المنبر الغربي أو خار فوقه ... على الناس ثور قد تدلن غبغبه # وهذا التصحيف في بيت أبي الطيب يشبه تصحيف بعضهم في قوله أيضا: # والصدق من شيم الكرام فبين ... أمن الشراب تتوب أم من تركه # وجد بعضهم فنبئن مكتوبا بالألف حال التنوين فانشد فنبنا يريد نبأ من ~~النبأ. وهو الخير فخفف الهمزة. وجوازه ما لاشك فيه. وهذا من سعادة هذا ~~الرجل بشعره. # PageV01P286 # وقوله: # يفدى أتم الطير عمدا سلاحه ... نسور الملا أحداثها والقشاعم # وما ضرها خلق مخالب ... وقد خلقت أسيافها والقوائم # قال الشيخ أبو الفتح: إن روايته تفدى بالتاء أثبت لما أراد النسور. وإن ~~كان لفظ (أتم) مذكرا. وليكن كما زعم فإن التاء لا تمتنع. وفي قوله: أتم ~~الطير عمرا تنكيت. وذلك إنه يريد أن سلاحك ليس بمعمر، بل سريع التحطيم ~~والانكسار. كما قال أيضا: # وإن طال أعمار الرماح بهدنة ... فإن الذي يعمرن عندك عام # وما لا يعمر فلا يجب أن يفديه المعمر. لأنه التفدية تقدم إلى الهلاك قبل ~~المفدى وإنما تفديه هذه النسور طول عمرها، لأنه قد كفاها التعب للأرزاق. ~~وقتلت ما تطعمه. ولا تجشمها مشقة في طلبه. وبكت أيضا بقوله: أحداثها ~~والقشاعم أي ليس الفاني عمره بأسمح بهذا السلاح بعمره من الحدث منها ~~المنتظر لعمر طويل تتعقب حداثته لانتفاعها به، وتعويلها في الأرزاق عليه. ~~وقوله: # وما ضرها خلق بغير مخالب # PageV01P287 # مما يسأل عنه. فيقال: كيف ذاك، وهي لا تخلو من المخالب فعن ذاك جوابان. # أحدهما يعني به الفرخ الحدث الذي لا يمكنه الانتفاع بمخالبه لضعفه والمسن ~~الذي عجز عن طلب القوت. ألا تراهم يقولون في المثل: أبر من النسر. ويفسرون ~~ذلك بأن النسر إذا أسس آوى الوكر وجعل فرخه يزقه كما كان يزقه في حداثته. ~~فهذا جواب يوضحه قوله أحداثها والقشاعم. يريد فرخها الذي ينهض، ومسنها الذي ~~عجز عن النهوض. # وأما ms123 الجواب الثاني إنه يريد وما ضرها لو خلقت بغير مخالب. كما تقول: ما ~~ضر النهار ظلمته مع حضورك، وليس النهار مظلما ولكنك تريد: ما ضر النهار لو ~~خلق مظلما مع حضورك. فتأمله فهو وجد جيد. # وقوله: والقوائم لا فائدة في ذكرها غير القافية. على إنها لم كانت السيوف ~~لا ينتفع بها إلا بقوائمها أتى بها. وإن قال قائل: يعني قوائم خيله التي ~~سارت إلى الحرب كان وجها. على إنه قال: يفدي سلاحه وقوائم خيله ليست من ~~السلاح. # وقوله: # إذا كان ما تنويه فعلا مضارعا ... مضى قبل أن تلقى عليه الجوازم # الجوازم كلها للتعويق منها (لم) للنفي، ولا للنهي، ولام الأمر للغائب، ~~ولا للحاضر ففيه معنى تراخي وصول الأمر إليه. وحروف الجزاء شرط، فكلها ~~تعويق يريد أن ما تنويه إذا كان فعلا مستقبلا مضى ووقع قبل ان يعوقه معوق ~~لسعادة جدك، أو لسرعة ما تمضيه. ويجوز # PageV01P288 # أن يعني (لا) التي هي للنهي وحدها، جمعها لأنه يريد تكرير العذال لها في ~~قولهم: لا تفعل، ولا تصنع، ولا تحارب. فيكون معنى البيت معنى المثل ~~المعروف: سبق السيف العذل، أي انك سباق بما تهم الأعداء. وفيه أيضا معنى ~~ضربهم المثل في السرعة كقول ذي الرمة: # أصاب خصاصة فبدا كليلا ... كلا وانغل سائره انغلالا # يريد ك (لا) في السرعة إذا نطقت بها. وأقام المضارع مقام المستقبل. وقد ~~تكلم أبو الفتح عليه، وأهمل أهم منه. ويجوز أن يعني بالجوارم لام الأمر في ~~قولك ليفعل زيد فجمعها لأنها في أفعال كبيرة. يريد أن يسبق مضاؤها لحوق هذه ~~اللام بها في اللفظ. وذلك من مذهب الغلو والإفراط. # وقوله: # إذا خاف ملك من مليك أجرته ... وسيفك خافوا والجوار تسام # ليس الواو في قوله: وسيفك خافوا واو الحال. وإنما هي واو عطف. ومعنى ~~البيت: آجرهم، وأبذل لهم الصلح الذي يطلبونه. لان من عادتك أن تجير كل ملك ~~خاف من ملك. وقد خافوا سيفك فأجرهم منه. ألا تراه يقول قبله: # PageV01P289 # وإن نفوسا يممتك منيعة ... وإن دماء أملتك حرام # ويقول بعده: # لهم ms124 عنك بالبيض الخفاف تفرق ... وحولك بالكتب اللطاف زحام # يقول: عند الحرب ينهزمون عنك، ولا يقاومونك. ثم يجتمعون حولك بالكتب ~~يسألون فيها العفو. وجعلها لطافا لأنها مكتوبة تبعث على كتمان. لكل كبير، ~~وكل دمستق، وكل بطريق يتقرب إليك على كتمان من صاحبه. ثم تزدحم الرسل بها ~~حولك. لأنهم يجتمعون عندك. وان تكاتموا حين صدروا. ولم يعرض الشيخ أبو ~~الفتح لتفسير هذين البيتين أصلا. # وقوله: # عقبى اليمين على عقبى الوغى ندم ... ماذا يزيدك في إقدامك القسم # قال الشيخ أبو الفتح: إذا حلفت أن تلقى من لست من رجاله فهل يزيد يمينك ~~في شجاعتك. هذا كما قال تفسير المصراع الثاني، فما بال تفسير المصراع ~~الأول. وهو أحوج إلى التفسير. ومعناه عاقبة اليمين على ما يكون من الحرب ~~ندامة. يريد أن من حلف لأظفرن في هذه الحرب كان عاقبة حلفه الندم. لأنه ~~ربما لم يظفر فيندم لم حلفت فحنثت. فقوله (على) متعلقة بقوله (اليمين). ~~كقوله أيضا: # يمينا لو حلفت وأنت ناء ... على قتلي بها لضربت عنقي # PageV01P290 # إلا أن المعنى وضح هنا بقوله: حلفت. فقد اعتادوا حلفت على كذا ولم ~~يعتادوا يميني على كذا. وعقبى، رفع لأنه مبتدأ. وندم خبر. وقد زاد المصراع ~~الثاني وضوحا. وأفاد فائدة أخرى بقوله بعده: # وفي اليمين على ما أنت فاعله ... ما دل انك في الميعاد متهم # وهذا من قول القائل: # قليل الألايا حافظ ليمينه ... فإن سبقت منه الإلية برت # فقوله قليل (قليل الألايا) دل على إنه يرى الإكثار منها قادحا في المروة. ~~ووجه قدحه منها ما ذكر أبو الطيب، وهو إنه دال بيمينه على إنه متهم إذا ~~وعد. فينفي بها التهمة عن ميعاده. ولولا ذلك لوعد ولم يحلف. وهذا البيت لفظ ~~ومعنى من قول الراجز. أنشده ابن الأعرابي في نوادره: # يا أيها المولى على جهد القسم ... بعض التألي لا تسفه أو تلم # وإنما اليمين حنث أو ندم ... وإنما الفجور والتقوى طعم # ويقسم الله لعبد ما قسم # وقوله: # الراجع الخيل مرماة مقودة ... من كل مثل وبار أهلها ارم # محفاة أي ms125 أحفاها كثرة السير. فهي تقاد ولا تركب رفقا بها. ولا تكون محفاة ~~ملقية نعالها الحديد لأنها خيل عراب لا تحتاج إلى النعال. ألا تراه يقول: # PageV01P291 # وكل جواد تلطم الأرض كفه ... بأغنى عن النعل الحديد من النعل # وقوله أيضا: # تماشى بأيد كلما وافت الصفا ... نقشن به صدر البزاة حوافيا # بل أحفاها سلوكها الجبال في طلب الروم. وهب لم تتعود إلا البر. ولو أراد ~~إلقاءها نعالها الحديد لقال له: فهلا أنعلها إذا ألقت النعال، وهو ملك لا ~~تعوزه النعال حيث سار. ويجوز أن تكون من الإحفاء الذي هو التقصي. كالخبر ~~إنه صلى الله عليه أمر بإحفاء الشوارب، وإعفاء اللحى. و (وبار): مدينة ~~خربت. وارم: جيل هلكوا قديما يقول: تدع الديار خربا، وأهلها قتلى. وليس ~~يريد أن وبار أهلها ارم في الحقيقة، بل يريد أن الديار كوبار خرابا. وأهلها ~~كارم هلاكا. # وهذا البيت له نظير في هذه القصيدة بعينها وهو قوله: # عبرت تقدمهم فيه وفي بلد ... سكانه رمم مسكونها حمم # أي إنه احرق الديار فهي حمم، وقتل أهلها فهم رمم. والحمم، جمع حمه: وهو ~~كل ما احترق كقول طرفة: # أم رماد دارس حممه # PageV01P292 # والرمة: العظم البالي. والحمه قد يراد به الموت كالحمام. وليس في هذا ~~المكان. # وقوله: # فلم يتم سروج فتح ناظرها ... إلا وجيشك في جفنيه مزدحم # والنقع يأخذ حرانا وبقعتها ... والشمس تسفر أحيانا وتلتثم # (سروج): بلد. والهاء في جفنيه للناظر، ولا لسروج. ألا تراه قال: ناظرها ~~ولم يقل جفنيها. # يقول: لم تصبح إلا وخيلك مزدحمة عليها. فجعل الصباح لها بمنزلة فتح ~~الناظر من النوم. وحران من سروج على بعد. فيقول: وصل الغبار إليها لعظم ~~الحرب. والبقعة بضم الباء وفتحها معروفة. إلا أن الشيخ أبا العلاء منع من ~~ضمها. وقال بقعتها: بفتح الباء. وذكر أن بحران مكانا كالبطحاء يعرف ببقعة ~~حران. هكذا بفتح الباء فحكيت ما سمعت وآخر بأن الضم لا يجوز، لأنه لولا أن ~~بقعه مكان بها مخصوص لكان ذكره البقعة هاهنا محال لا فائدة فيه. لأن البقع ~~إذا اخذ حران أخذ ms126 بقعتها وإن لم يذكرها. بكنه عنى هذا المكان الواسع بها ~~المجاور لها. # PageV01P293 # وقوله: # جيش كأنك في أرض تطاوله ... فالأرض لا أمم والجيش لا أمم # تطاوله التاء للأرض. وليس للمخاطب. ولو أمكنه الوزن لقال: كأنه في أرض ~~تطاوله أي تنظر أيهما أطول. ثم قال فلا الأرض قريبة. ولا الجيش قريب يعني ~~كلاهما طويل وفسره أيضا بقوله: # إذا مضى علم منها بدا علم ... وإن مضى علم منه بدا علم # فالعلم الأول: الجبل من قول الشاعر: # كأنه علم في رأسه نار # والعلم الثاني علم الجيش الذي هو المطرد. فما أحسن ما اتفق له تكرير لفظ ~~واحد بمعنيين مختلفين على أن لو قال إذا قطعن علما بدا علم وهذا علم الجبل ~~وحده ومثل هذا له: # وجيش كلما حاروا بأرض ... وأقبل أقبلت بهم تحار # وقوله: # وأصبحت بقرى هنزيط جائلة # PageV01P294 # ترعى الطبي وخصيب نبته اللمم # البيت ظاهر المعنى. وإنما أتينا به لئلا يظن ظان أن ترعى ضميره للخيل ~~وإنما ترعى فاعله الظبا. وفي البيت من الغلق إنه حذف ما يدل عليه المعنى. ~~فإنه يريد الظبا في خصيب نبته اللمم فوقها، أو بها، أو ما شاكل ذلك. وقوله: ~~خصيب نبته اللمم. يريد في مكان فيه من الروم ذوات الشعور لما أتى بترعى أتى ~~خصيب. وشبه الشعور بنبات الأرض. وكثرتها بالخصب فيه. ولو كان ضمير ترعى ~~للخيل لكانت ترى بضم التاء. كما قال الشاعر: # رعيتها أكرم رعي عودا ... الصل والصفصل واليعضيدا # لأن الخيل لا ترعى الظبا، وإنما ترعيها اللمم. وسئل بعض الأعراب عن غنم ~~كان يرعاها: لمن هذه الغنم فقال: الله راعيها، وأنا مرعيها. # وقوله: # ترمى على شفرات الباترات بهم ... مكامن الأرض والغيظان والاكم # وجاوزوا أرسناسا معصمين بها ... وكيف يعصمهم ما ليس ينعصم # يعني أن الأرض تلفظ إلى سيوفه كل من هرب منه في مكمن أو غائط أو توارى ~~بأكمة أو صعدها. (وأرسناس): نهر عظيم معروف. يقول: ظنوا انهم جاوزا # (ارسناس) يحول بينك وبينهم. وكيف # PageV01P295 # يعصمهم منك، لأنك تقطعه وتركبه بخيلك، وبالسفن التي اتخذت له. يقول: لو ~~انعصم ms127 نفشه منك لعصمهم. ولكنك قطعته اليهم، وعبرته على سفن اتخذتها، وهي ~~المقربة التي ذكرها حيث يقول: # تلقى بهم زبد التيار مقربة ... على جحافلها من نضحه رنم # رثم: بياض في الشفة العليا من الدابة. شبه الزبد على مقدمها بالرثم. # دهم فوارسها ركاب أبطنها ... مكدودة وبقوم لابها الألم # جعلها دهما لأنها مطلية بالقار. وموضع الركاب من السفينة بطنها. وهي ~~مكدورة لأنها يعمل في السير عليها. والألم، يريد به التعب. وذلك لان التعب ~~يلحق بالملاحين لا السفن لحذفهم بالمجاديف. فهم القوم الذين زعم أن الألم ~~ينالهم من كدها ثم قال: # نتاج رأيك في وقت على عجل ... كلفظ حرف وعاه سامع فهم # يقول: إنك لما هممت بالعبور اتخذت له السفن على عجلة فكانت المدة في ~~اتخاذها كمدة فهم السامع كلمة نطق بها الناطق. وقوله: حرف يحتمل معنيين. # أحدهما حرف من الحروف الثمانية والعشرين، وليس كلها إذا نطق بها مفردة ~~وعى منها السامع معنى بل بعضها. وهي ق من وقيت، وع من وعيت العلم ود من ~~وديت القتيل. ويكون تخصيصها لأنها أقل الكلم ذوات المعاني. فزمان النطق بها ~~أقل زمان. # PageV01P296 # والثاني أن يريد بالحرف الكلمة الواحدة. وكتب العلماء مملوءة من ذلك ~~يقولون: ليس في العرب إلا حرف أو حرفان. يريدون (كلمة أو كلمتان). ويقولون ~~في القراءات: هذه من حروف أبي عمرو أي كلماته التي قرأ بها. فهو يريد لفظ ~~كلمة وعاها سامع فهم. # وقوله: # والأعوجية ملء الطرق خلفهم ... والمشرقية ملء اليوم فوقهم # لما كانت الخيل مما تنبسط في الأرض جعل الطرق منها ممتلئة. ولما كانت ~~السيوف مما تعلوا في الجو وتهبط عند الضرب جعلها ملء النهار، لأن النهار ما ~~بين الأرض والسماء. إذ كان نوره من الشمس. والشمس تطلع من مشرقها ثم تعلو ~~في الجو. # وهذا نظير ما مضى في هذا الكتاب من معنى قوله: # كأن نجومه حلي عليه ... وقد حذيت قوائمه الجبوبا # يصف ليلا جعله من السماء إلى الأرض. فهو كالفرس الأدهم. نجومه حليه، ~~والأرض نعله. # وقوله: # واسلم ابن شمشقيق إليته ... إلا انثنى فهو ms128 ينأى وهي تبتسم # PageV01P297 # قوله: إلا انثنى متصل بقوله: إليته. وكان الدمستق حلف برأس ملك الروم إنه ~~يثبت في لقاء سيف الدولة. فلما انهزم جعله كأنه أسلم (إليته) وتركها سدى لا ~~يرعى عليها. فهو يمضي في هزيمته، (والإلية) تبسم أي تضحك من هربه ثم قال: # لا يأمل النفس الأقصى لمهجته ... فيسرق النفس الأدنى ويغتنم # يريد إنه يغتنم الأنفاس، لأنه موقن بالقتل فيرى أنفاسه كلها قبل القتل ~~غنيمة وكأن يواعد نفسه أن يكون القتل وقت كذا فأقصى أنفاسه النفس الذي يرتد ~~إليه وقت خروج روحه. فهو لشدة فزعه، وانقطاع أمله لا يرجو ذلك النفس في ذلك ~~الوقت لاستبعاده أن يبقى إلى حين ذلك فهو يغتنم ما طف من الأنفاس. وهذا ~~المعنى لا حقيقة له. ولكنه على مذهبهم في التعبيد. وزعم الشيخ أبو الفتح ~~إنه يقول: إنه من وهله وخوفه لا يستتم نفسه. وأنت تشهد أن البيت لا يدل على ~~إنه يستتم أو يحزم # قبل التمام. بل جعل له نفسين دانيا وقاصيا. # وقوله: # كفي أراني ويك لومك ألومك ... هم أقام على فؤاد أنجما # قال الشيخ أبو الفتح يقول: أراني هنا الهم لومك إياي أحق بأن يلام مني. ~~وهذا أيدك الله من باب اللغة والتصريف، وما نروم فيهما شأوه رحمه. على أني ~~غير واثق بان تقول: فلان ألوم من فلان. يعني هو أحق بأن يلام. لأن أفعل ~~يبني من فعل الفاعل. فتقول: # PageV01P298 # زيد أضرب من عمرو. والسيف أقتل من الرمح. ولا يبنى من فعل المفعول به ألا ~~ترى أنك لا تقول: زيد أضرب من عمرو وتريد أن الضرب أوقع به من عمرو. وهذا ~~ما لا خلاف فيه بين أهل العربية، وإلا في الشاذ الذي لا يقاس عليه. # والمعنى إنه يقول لعاذلته: كفى لومك، أراني ألوم منك. أي أرى نفسي أقدر ~~على اللوم منك. فلومك نصب بوقوع كفى عليه. ثم تم الكلام فابتدأ يشكو حاله ~~يقول: حالي هم أقام على فؤاد أنجم. فهو رفع لأنه خبر مبتدأ محذوف أو رفع ~~بالابتداء وخبره محذوف. كأنه يريد: ms129 هم أقام على فؤاد أنجم شكواي. ومثله في ~~القصيدة: # غصن على نقوي فلاة نابت ... شمس النهار تقل ليلا مظلما # يريد غصن هذه حاله. حبيبي أو حبيبتي غصن هذه حاله. وكذلك ارتفاع شمس على ~~هذين التأويلين. فأما قوله: أراني فليس من الرؤية بالعين، وإنما هو من باب ~~العلم. وإن كان قوله إذا كنت في هبوة لا أراني ممتنعا. لأن العرب لا تقول ~~في الأفعال المؤثرة: ضربتني وأكرمتني. واكتفت بضربت نفسي، وأكرمت نفسي. ~~ووجب أن يقول أرى نفسي لأنه من الرؤية بالعين. فهذا البيت غير ممتنع لأنه ~~من رؤية العلم. وهم يقولون في أفعال الشك واليقين نحو: ظننتني، وخلتني. وقد ~~(يقرأ) قول المجنون: # ندمت على ما كان مني فعدتني ... كما فعل المغبون حين يبيع # PageV01P299 # وقول جران العود: # وقوله بعد هذا البيت: # لم تجمع الأضداد في متشابه ... إلا لتجعلني لغرمي مغنما # كصفات أوحدنا أبي الفضل التي ... بهرت فأنطق واصفيه وأفحما # الأضداد: هي الليل والشمس في قوله: # شمس النهار تقل ليلا مظبما # وقضافة الغصن. وكثافة النقا في قوله: # غصن على نقوى فلاة نابت # والمشابه يريد تشابه حسنها وتماثلها. وهذا كقول الأول: # أني غرضت إلى تناصف وجهها ... غرض المحب إلى المحب الغائب # فتناصف وجهها كونه غير متنافر الحسن، ليس فيه المتناهي والدرن. بل بعضه ~~ملائم للبعض. ثم شبه اجتماع تلك الأضداد في الحسن المتشابه بصفات هذا ~~الممدوح. إذ أنطقت الواصفين بحسنها وبهائها. ثم أفحمهم بعجزهم عن إدراك ~~كنهها. فهذان أيضا ضدان قد اجتمعا في صفاته المتشابهة. فهذا تخلص من ~~التشبيب إلى المدح بارع. فجعل الفعل في أنطق وأفحم للممدوح لا للصفات. # PageV01P300 # وقوله: # نور تظاهر فيك لاهوتية ... فتكاد تعلم علم ما لن يعلما # ويهم فيك إذا نطقت فصاحة ... من كل عضو منك أن يتكلما # اللاهوت والناسوت لفظتان مولدتان. يتكلم بها الفلاسفة، والمتكلمون يريدون ~~الإلهي والإنساني من العلوم وغيرها. قال أبو الفتح: نصب لاهوتية على المصد، ~~ويجون أن تكون حالا من الضمير في تظاهر. وقد كثر استماعي لهذه اللفظة ~~بالهاء. وكلتا # الروايتين جيدة. ويهم ضميره للنور. أي ms130 يهم النور فيك أن يتكلم من كل عضو. ~~وهذا التفسير الذي لامحيص عنه. # وله عندي وجه آخر، وهو أن تكون من مقحمة. ويكون فاعل يهم كل عضو. وهذا ~~كقولك: ويهم من كل رجل أن يخاصمني. يريد ويهم كل رجل أن يخاصمني. ويكون ~~ضمير أن يتكما للعضو. وعلى التأويل الأول للنور. # وقوله: # بحب قاتلتي والشيب تغذيتي ... هواي طفلا وشيبي بالغ الحلم # تغذيتي مصدر أضيف إلى المفعول. كما تقول: أعجبني شرب الماء ودق الثوب. ~~يريد أني غذيت بحب قاتلتي وبالشيب. ثم فسر هذه # PageV01P301 # الجملة فقال: غذيت بهواي طفلا، وبالشيب عند بلوغ الحلم. يريد أني أحببت ~~وأنا طفل. وشبت وأنا حالم لمقاساتي الشدائد. وهذا من قوله تعالى: (يوما ~~يجعل الولدان شيبا) وقوله طفلا، وبالغ الحلم نصبا على الحال من المفعول. ~~قال الشيخ أبو الفتح: هذا كقولك: أكلت التفاحة نضيجة، أي في هذه الحال، ~~وشربت السويق ملنوتا. وقد جود في شرح هذا البيت وذكر إعرابه. # وقوله: # إذا بيت الأعداء كان استماعهم ... صرير العوالي قبل قعقعة اللجم # قال أبو الفتح: أي يبادر إلى اخذ الرمح فان لحق اسرج فرسه. فذاك وإلا ركب ~~عريا. وهذا كقوله أيضا: # حذارا لمعروف الجياد فجاءة ... إلى الطعن قبلا ما لهن لجام # وأنت - أيدك الله - تعلم أن الحالة التي وصفها حالة المرهوق المستعجل. ~~فأما التي يبيت العدو فهو على تمكن من الاستعداد. وإنما يعني صرير العوالي ~~كما جرت العادة به في ذكرت صوت مقارع السلاح. وضرب بعضه بعضا كقول # القائل: # أشارت إلى الحرب العوان فجاءها ... يقعقع في الأقراب أول من أتى # PageV01P302 # فلما قال: الصرير علم إنه يريد صوتها إذا أصابت العظام. يعني أن العدو ~~مفاجئ بالطعن، فهو يسمع صرير الرمح في عظامه قبل قعقعة اللجام من الفارس ~~الحامل عليه. وأيضا فلو أراد إنه يركب إلى العدو فرسه عريا لما قال: قعقعة ~~اللجم فليس ثمة لجام. وقوله: حذارا لمعروف الجياد فجاءة ليس فيه ذكر ~~التبييت، إنما يعني إنه يفاجئ العدو. وليس يلزم الشاعر أن يلزم في المدح، ~~ولا في الهجاء ولا غيرهما ms131 طريقة واحدة. بل يتصرف في كل مذهب. فيجعل الممدوح ~~طورا مفاجئ بالحرب، وتارة مبيتا لها. وهذا متعارف كثير. ولم نسمع أحدا من ~~الشعراء جعل صوت تقارع الرماح صريرا فليفدنا الشيخ أبو الفتح. # وقوله: # له رحمة تحيي العظام وغضبة ... بها فضله للجرم عن صاحب الجرم # قال الشيخ أبو الفتح: يقول: إذا أغضبه مجرم لأجل جرم جناه تجاوزت غضبته ~~قدر المجرم فكانت أعظم منه. فأما احتقره فلم يجازه. وأما جازاه فتجاوز عن ~~قدر جرمه فأهلكه. وهذا تفسير جيد، إلا إنه كان يجب أن يذكر ما الفائدة من ~~قوله: فضلة للجرم. ألم يود المعنى الذي قصده قوله بها فقتله للجرم على صاحب ~~الجرم حتى قال مجرم. وأنا قائل في ذلك ما عندي: وهو إنه يريد وغضبة للجرم ~~بها فضلة عن صاحب # PageV01P303 # الجرم فقدم الكلام وأخر. وإذا لم يتأول هذا التأويل كان قوله للجرم حشوا ~~لا يحتاج إليه. أتى به لإقامة الوزن فقط. # وقوله: # أحق عاف بدمعك الهمم ... أحدث شيء عهدا به القدم # يقال: عفت الديار، وعفتها الريح. قال عنترة: # عفت الديار ومعلم الأطلال ... ريح الصبا وتجرم الأحوال # والعافي هنا: الدارس يقول: إن كنت تبكي الديار العافية فأحق منها بدمعك ~~الهمم فقد عفت ودرست. ولم تبق همة إلا وقد درست. وقوله: # أحدث شيء به القدم # كلام أخرجه مخرج اللغز. يقول: القدم حديث العهد بها يريد الهمم. أي قد ~~تقادمت وتنوسي عهدها فأحدث الأشياء بها عهدا هو القدم. ولو قال: قد تقادم ~~عهدها لما كان في اللفظ من الحلاوة. ما في قوله: أحدث شيء عهدا بها القدم ~~لما ترى من الصنعة وجعل حدائة عهد القدم بها قدما لها. # PageV01P304 # وقوله: # أرانب غير انهم ملوك ... مفتحة عيونهم نيام # قال الشيخ أبو الفتح: المعهود في مثل هذا أن يقال: هم ملوك إلا أنهم في ~~صور الأرانب. فتزايد وعكس الكلام مبالغة فقال: أرانب غير انهم ملوك. فجعل ~~الأرانب حقيقة لهم والملوك مستعارا منهم. وهذه عادة منه يفارق بها أكثر ~~الشعراء. وهذا على ما قله غير أن الذي أتى به ms132 أبو الطيب أحسن في مذهب ~~الشعراء وبقي من الشعر ما يستغنى عنه، وهي أرانب. وقد جرت العادة بأن تشبه ~~في الذلة والخسة بالكلاب، وفي الروغان والجبن بالثعالب. ولم نسمع أحدا قال ~~عند السب والذم هو أرنب. وقد سألت عن ذلك بعض من حضر من أهل الأدب فقال: ~~أراه قال ذلك لأن الأرانب تحيض. فهو يدعي أنهم كالنساء اللواتي يحضن. ولو ~~كان كما زعم لكان الأولى أن يقول: نساء. ليجمع الضعف والذلة إلى الحيض. ~~والقول فيه ما أقول: # وذلك أن الأرنب لا يطبق جفنه يقضان ولا نائما، ولا حيا ولا ميتا. فهو ~~يقول: عيونهم مفتحة كالأيقاظ، وهم في الحقيقة نيام، فهم في ذلك أشباه ~~الأرانب مع ذلتها # ودناءة قدرها. وإذا كان ذلك موجودا في الأرانب فالذي يحكى أن الذئب ينام ~~بإحدى مقلتيه ويحترس بالأخرى (غير ممتنع ولعله مما يطبق جفنا واحدا فظن ~~الشاعر إنه يحترس بالأخرى) فقال: # PageV01P305 # ينام بإحدى مقلتيه ويتقي ... بأخرى الأعادي فهو يقظان هاجع # وقوله: مفتحة عيونهم بازاء قوله: أرانب مقدما. وقوله: نيام بازاء قوله: ~~ملوك مؤخرا. ولو قال: ملوك غير أنهم أرانب - على ما اقترح أبو الفتح - لقال ~~نيام غير انهم مفتحة عيونهم. فان قال قائل فالعرب قد تذم فتشبه بالأرانب. ~~ألا ترى إلى قول القائل: # ألا منح الإله طليق سلمى ... فصاحبه محشية الكلاب # قالوا في محشية الكلاب: إنها الأرانب، لأنها تحشو الكلب ربوا. من قولهم: ~~حشى يحشى حشا إذا أخذه الربو. فإن كان إنما ذم بذلك لأنه يريد سرعتهم في ~~الفرار والهرب لا غيرها من المذام التي تصلح لمن يذم بها على الإطلاق فوجه ~~جيد. غير انهم يضربون المثل في الذلة بالأرانب. ويقولن: إن العصفور ليطمع ~~فيه فيقع على رأسه فينقره وقال عارف الطائي: # PageV01P306 # ولو نيل في عهد لنا لحم أرنب ... وفينا هذا العهد أنت معالقه # قلنا فقد جمعت الأرانب أوصاف المذام كلها من هرب وسرعة فرار، وحيض كحيض ~~النساء وفتح العين مع النوم فجاد تشبيهه من كل الوجوه. وسمعت قوما من ~~الصيادين يذكرون أن السنانير تكمن ms133 لها فتصطادها. # وقوله: # ولو لم يرع إلا مستحق ... لرتبته أسامهم المسام # PageV01P307 # قد خلط ابن جني في شرح هذا البيت. واتى بمحال. وأنا أورد ما قاله، ~~وبطلانه. ثم أفسره. قال: فالذي يدبر أمور الناس يحتاج إلى من يدبره، وهو ~~مخلى بلا ناظر # في أمره. فلو لم ينل الأمور إلا من يستحقه لخلا الناس من خلى وإياهم لأنه ~~لا يستحق أن يلي عليهم أمورهم. وكيف يخلي من خلي وإياهم، وهو أميرهم، ومالك ~~رقابهم. مرتبة أعلى منها يطلب، أم تخيلهم محرجا وتأتما. # وليس في البيت ما يدل على تأثمه. وإنما يريد بالمسام المال أفمرتبة أعلى ~~منها يطلب، أم تخيلهم محرجا وتأتما. # وقوله: # وتملكه المسائل في نداه ... وأما في الجدال فلا يرام # قال الشيخ أبو الفتح: يقول: هو نظار خصيم ثبت في الجدل هو لعمري كما قال. ~~إلا أن في البيت نكتة لم ينبه عليها. وتلك المسألة تستعمل في مكانين: ~~أحدهما مصدر سألت زيدا مالا إذا استعطيته إياها مسألة. كقول الراجز: # وافعل العارف قبل المسألة # والآخر سألت زيد عن خبر، أو علم مسألة. وهذه مسائل الفقه، ومسائل من ~~النحو وغيرهما. فلما كانت المسائل مشتركة بين العلم والعطاء فرق ولو لم ~~يفرق لكان تفريطا. وكان المخاطب ربما ظن إنه تملكه المسائل مسائل العلم ~~فيعيا بها فاتبعه ما ينفى عنه العي والعجز في الجدل. ولا هذه الشركة في ~~اللفظة بين المعنيين لما قال ذاك. ولمدحه بما # PageV01P308 # جرت العادة به من سائر الاماديح من غير باب العلم وثباته عند الجدال، ~~ولدده عند الخصام. # وقوله: # إذا عد الكرام فتلك عجل ... كما الأنواء حين تعد عام # أفنى الشيخ أبو الفتح اسطرا من كتابه في غريب هذا البيت. وذكر النوء ~~وتفسيره والاستشهاد عليه. ولم يتعرض للمعنى، وهو من دقيق المعاني هذه ~~القصيدة وإفرادها والأنواء يعني بها طلوع منازل القمر وفيها خلاف. فمن ~~العرب من # يجعل لكل كوكب من الثمانية والعشرين أعني منازل القمر نؤا مخالفا لنوء ~~صاحبه في العدة. فجعل نوء الكوكب ثلاثة أيام ونوءا آخر خمسة أيام. وآخر ~~سبعة ms134 على قدر تجاربهم وإتيان سقوطه وطلوع رقيبه بحر أو برد أو مطر أو ريح. ~~أو غير ذلك. ومنهم من يجعل لكل كوكب منها ثلاثة عشر يوما بعد طلوعه معدودة ~~في نوء. فكلما حدث من الغير الذي ذكرناها عده من أحداثه وثلاثة عشر يوما في ~~ثمانية وعشرين منزلة ثلاثمائة وأربعة وستون يوما. وهي أيام السنة تنقص يوما ~~شذ عن قسمتهم. # فأي المذهبين سلك أبو الطيب. فالمعنى الذي أراده حاصل. يقول: هذه الأنواء ~~الثمانية والعشرون إذا حصلت كلها كانت عاما. وفي عام تستكمل. فكذلك الكرام ~~إذا عدوا كانوا عجلا. أي كانوا هذه القبيلة، أي كلهم كرام، وليس كريم إلا ~~عجليا كأنواء منازل القمر إذا حصلت كلها كانت عاما، والكرام إذا حصلوا ~~كانوا عجلا. فهذا من احسن معاني شعره. # PageV01P309 # وقوله: # لمن مال تفرقه العطايا ... وتشرك في رغائبه الأنام # ولا ندعوك صاحبه فترضى ... لأن بصحبة يجب الذمام # قال الشيخ أبو الفتح يقول فإذا كنت لا ترضى بان ينسب هذا المال إليك ~~وعطاياك تفرقه وتمزقه فلمن هذا المال. هذا تفسير جيد. وقد سمعت من يفسر ~~هذين البيتين تفسيرا ينقطع فيه أحد البيتين عن الآخر، وليس بممتنع. والذي ~~أتى به الشيخ أجود وأولى. ونجن نأتي بذلك التفسير، ونبين فضل ما أتى به على ~~المعنى الذي ذكرناه عن بعضهم قالوا: يريد لمن ما له هذه حاله، أي لا مال ~~تمزقه العطايا غير مالك. فترك قوله: غير مالك لدلالة المعنى عليه. وهذا ~~كقولك: لمن ثوب مثل ثوبي. يريد إلا لي. وهذا مفهوم. ثم أتى بمعنى آخر. فقال ~~وأنت لا ترضى بان تدعى # صاحبه، لأن الصحبة مما يوجب الذمام. لولا وجب ذمام المال عليك لما فرقته. ~~وهذا معنى حسن، والذي أتى به الشيخ أبو الفتح معنى جيد، وهو أولى بهما ~~ليكونا متصلين. ولنكتة أخرى وهي إنه جعل لا يرضى بأن يدعى صاحبه فيحسن أن ~~يقول: لمن هذا المال إذا لم يكن لك وقد تقدمه هذا القول فلئن تجعله متصلا ~~به أولى من أن يكون معنى منفردا. وقد نبه بقوله: ms135 ندعوك، على هذه النكتة. # PageV01P310 # ولولا هذا الفرض لقال: ولا يصاحبك فترضى. فتأمل ما ذكرت فهو دقيق بوضحه ~~الغوص والفكر. # وقوله: # ظلوم كمتنها لصب كخصرها ... ضعيف القوى من فعلها يتظلم # يعني أن متنها قوي ممتلئ، وخصرها نحيف دقيق. فهي تظلم العشاق، كما يظلم ~~متناها خصرها. وظلمهما له انهما تكلفان خصرها الدقيق حملها وهما قويان وذاك ~~ضعيف كخصرها. قوله: من فعلها يتظلم زيادة في البيت ليست بتلك الجيدة وإنما ~~توصل بها إلى القافية. ولو استغنى عنها لكان أوفق للبيت. وفيه أيضا نظر ~~آخر. وذلك أن العادة جرت بأن يوصف العجز بالكبر. والخصر بالضعف والتطبيق ~~بينهما في الشعر. ولو قال: ظلوم كردفها لكان أولى. ولكنه لم يستقم له ~~الوزن. وقلما سمع الشعراء يذكرون في الشعر قوة متن المحبوب، بل يذكرونه ~~بالهيف، ورشاقة الأعلى، مع وثارة الكفل. فيقولون: غصن على نقاء وما أشبهه. ~~فتأمل فهو من ضعيف شعره. وأخذه من قول خالد الكاتب: # صبا كئيبا يتشكى الهوى ... كما اشتكى نصفك من نصفكا # PageV01P311 # وقوله: # ما نقلت من مشيئة قدما ... ولا اشتكيت من دوارها ألما # قوله: في مشيئة تشبه كتابتها مشية. ومن سمع: نقلت قدما توهم إنها مشية ~~فعله # من المشي وظن البيت من رابع السريع وهو: # النشر مسك والوجوه واطرف الأكف غنم # وينشد: ولا اشتكت من دورها ألما. # ليكون أيضا مستعلن. وإنما قال الرجل: في ممشيئة مفعلة. من شاء يشاء أي هي ~~لعبة، وليست تمشي بمشيتها وأرادتها. ولقد أتعبني بعض مسجلي الأدب يوما ~~بكلام إطالة، وزعم أن التكلف يحمل على مد هذه الياء وروايتها مشيئة وليس ~~المفهوم إلا المشية حتى قلت له قطع البيت فإنه من المنسرح فأذعن بعد ما لم ~~يكد. # وقوله: # إنما مرة عوف بن سعد ... جمرات لا تشتهيها النعام # قال السيخ أبو الفتح: أي هم أحر من الجمر على أعدائهم. قلنا: جمرات العرب ~~قبائل معروفة. منها هذه القبيلة. وليس هنا حر ولا برد. فإن قال: إنما لقبوا ~~جمرات لحرها على أعدائها فله ذاك إلا أن ذلك شيء قصد عند التقليب وفي ~~البدء. ms136 # PageV01P312 # يقول أبو الطيب: هؤلاء جمرات، إلا أنهم ليسوا كالجمر التي تشتهيه النعام. ~~وزعموا أن النعام يحمى له الحديد حتى يصير جمرا ثم يلقى إليه فتلتهمه وهي ~~مشتهيه له غير مكرهة عليه فما أحسن ما فضل هذه القبيلة الملقبة بالجمرة بأن ~~جعلها لا تشتهيها النعام، لأنها قبيلة ذات بأس وشدة لا ذات حمى في الحقيقة. # وقوله: # ألا لا أدري الأحداث حمدا ولا ذما ... فما بطشها ولا كفها # قد سمعت قوما ينشدون: لا أرى الاحداث، ويلحنون في ذلك ويحسبونه معنى قول ~~القائل: # وإن أمير المؤمنين وفعله ... لكالدهر لا عار بما فعل الدهر # ولو عنى ذلك لسكت على قوله: لا أرها حمدا ولا ذما. ولو قال: أسمعها لكان ~~أولى. والوزن ألجأه إلى لفظه أورى. ولو تأتي له لقال: ألا لا # PageV01P313 # أحمد الأحداث ولا أذمها. يقول: إذا لم يكن بطشها لجهل، ولا كفها لحلم ~~فحمدها وذمها محال. # وقوله: # منافعها ما ضر في نفع غيرها ... تغذى وتروى أن تجوع وأن تظما # هذا أحد الأبيات التي زل بها الشيخ أبو الفتح أقبح الزلل. وقد مضى ذكر في ~~كتاب (التجني). ولابد من إيراد ما ذكر، وإيراد الصحيح من معناه ليكمل ~~الكتاب. قال الشيخ أبو الفتح: أي منافع الأحداث أن تجوع وأن تظمأ. وهذا ضار ~~لغيرها ومعنى جوعها وظمئها أن يهلك الناس فتخلو منهم الدنيا. وهذا كقوله: # PageV01P314 # كالموت ليس له ري ولا شبع # فرحم الله أبا الفتح قد قال في نفع غيرها. فأي نفع للناس في أن يهلكوا. ~~وأي حجة له في غفلته عن هذا. أترى لشيء من سائر خلق الله نفع في أن يهلك ~~فضلا عن الحيوان. وإنما الهاء في منافعها راجعة إلى الجدة المرثية. يريد أن ~~منافع هذه لصلاحها وإيثارها على نفسها، وكثرة صيانها وعبادتها ما جرت ~~العادة به أن تضر. وذاك أنها تؤثر الجوع والظمأ، في الري والشبع. فإذا جاعت ~~وظمئت كانت كأنها تغذت ورويت. وإيثار الجوع والظمأ من فعل العباد. وقوله: ~~في نفع غيرها موضعه الرفع لأنه خبر ثان لمنافعها. والخبر الأول ما ضر. ms137 كأنه ~~يقول: منافعها في نفع غيرها. ووجه آخر وهو أن تكون (في) بمعنى (مع). يريد ~~ما ضرها مع نفع غيرها. كما تقول: أردت شتمك في إكرام زيد. أي مع إكرام زيد. ~~فأي معنى أظهر من هذا، فيتكلف الشيخ أبو الفتح ما يزري به عفى الله عنه. ~~وبعد فالمعنى من قول القائل: # أقسم جسمي في حسوم كثيرة ... وأحسوا قراح الماء والماء بارد # وقوله: # ديار اللواتي دارهن عزيزة ... بطول القنا يحفظن لا بالتمائم # هذا البيت ظاهر المعنى واللفظ. وإنما أتيت به لنكتة. قرأته على الشيخ أبي ~~العلاء فقلت له: أنشد: بطول القنا. أم بطولاها. أعني # PageV01P315 # هل هو فعل مصدر طال يطول طولا أن فعلاها، كما تقول: كبراها وصغراها. ~~فقال: ما رويت إلا بكسر اللام. فقلت: التمائم في آخر البيت جمع وطول واحد ~~فالا أنشد بطولي، يراد به طوال القنا ليكون جمعا مع جمع هذا في صنعة الشعر. ~~فقال: ما احترت إلا مختارا غير أن الرواية ما ذكرت. # وقوله: # راعتك راعية المشيب بعارضي ... ولو إنها الأولى لراع الأسحم # أطال الشيخ أبو الفتح في غريب هذا البيت ولم يعرض لشرح معناه. وهو من ~~دقيق معانيه ومعقدها. وأرى كثيرا من مسجلي الأدب يتخطون تفسيره. والهاء في ~~قوله (لوانها) عائدة إلى الراعية. يقول: لو كان الأول من الشعر أبيض، ~~والأسود طارئ لراع السواد. يريد: إنما راعك علة سيئ لا البياض. كأنه لو ~~أراد إشباع اللفظ لقال: ولو إنها الأولى. والأسحم طار عليها لراعك الأسحم. ~~وكان قوله أيضا: # منى كن لي أن البياض خضاب ... فيخفى بتبييض القرون شباب # PageV01P316 # من هذا المعنى مشتق. وإن كان من غير قبيله فتأمله. وقد أوضح هذا المعنى ~~بقوله بعده: # ولقد رأيت الحادثات فلا أرى ... يققا يميت ولا سودا بعصم # وأعرف تباين هذا البيت من بيت أبي تمام: # طال إنكاري البياض ولو عمرت ... شيئا أنكرت لون السواد # فإنه ينكر لون السواد لشيخوخته واستيلاء البياض عليه. وهذه يردعها الأسحم ~~لأنه دليل الشيخوخة. ويحب البياض لأنه اللون الأول لون الشباب. # وقوله: # عيون رواحلي إن حرت ms138 عيني ... وكل بغام رازحة بغامي # قال أبو الفتح: سألته عن معنى هذا البيت فقال: معناه إن حارت عيني فعيون ~~رواحلي عيني، وبلغمهن بغامي. أي إن حرت فأنا بهيمة مثلهن. كما تقول: إن ~~فعلت كذا وكذا فإنك حمار، وأنت بلا حاسة. هذا ما ذكره. ولكن يزيده وضوحا إن ~~قال قائل فما يضر أن تحير رجل ركب المفازة فتاة. وليس الجهل بالدلالة في ~~المفازة مما يذم به. فالجواب أن يريد إنه بدوي ومع ذلك فأني عارف بدلالات ~~النجوم بالليل، والعلم بها من علم الأنواء وأبواب الأدب فلذلك أفتخر به، ~~وبذلك على ذلك قوله: وكل بغام رازحة بغامي يريد بذلك أني فصيح شاعر عارف ~~بالمنطق. وهكذا يقول الفصيح إذا اقسم يقول: أنا أعجمي إن لم أغلبك # PageV01P317 # بالحجة وأنا أخرس إن لم أخصمك بالجدل. فيقول أبو الطيب: إن تحيرت في ~~المفازة فعيني البصيرة الحالمة عين راحلتي، ومنطقي الفصيح البليغ بغامها. # وقوله: # وقد أراد المياه بغير هاد ... سوى عدي لها برق الغمام # قال الشيخ أبو الفتح: قال يعقوب: العرب إذا عدت للسحاب منه برقة لم أشك ~~في أنها ناطرة قد سقيت، فنتبعها على الثقة. هكذا قال. # والذي قال ابن قتيبة في كتابه (الأنواء). انهم يعدون سبعين برقة. وقد قال ~~ذلك بن نويره: # وهم ينزلون الغيث والغيث عازب ... إذا ماؤهم عدوا عليه البوارقا # PageV01P318 # ولقائل أن يقول: فدلائل المطر في السحاب، والبرق أكثر من أن تحصى. ألا # تراهم يقولون: أرينها نمره اركها مطره. وإلى قول معقر بن حماد البارقي ~~لابنته - وهي تقوده وقد كف بصره، وسمع صوت رعد -: ما ترين، فقالت: (أرى ~~سحماء غفاقه، كأنها حولاء باقة لها هيدب دان، وسير وان. فقال. ألمي بي إلى ~~معلة فإنها لا تنبت إلا بمسجاة من السيل). # ألا ترى كيف وثق بالغيث فأمرها بالهرب إلى المنجاة. فلم خص أبو الطيب عدد ~~البرق وليس ذلك في شهرة غيره من الدلائل. فالجواب إنه لم يرد الاستدلال على ~~المطر فقط. وإنما أراد إنه يتبع البرق حتى يجد الماء، وذلك من فعل العارفين ~~بمواقع ms139 الماء ومحاله. وقد تقدمه دعواه إنه خريت فلاة، لأنه إذا خالت ~~السحابة عرف مخيلتها فأقام حتى يأتيه المطر. فتأمل موضع افتخاره. # وقوله: # لا شيء أقبح من فحل له ذكر ... تقوده أمة ليست لها رحم # هذا أيضا تعريض بكافور لابن طغج وتغريب بينهما كقوله: # PageV01P319 # العبد ليس لحر صالح بأخ ... لو إنه في ثياب الحر مولود # يغريه به. وابن طغج فحل له ذكر، وكافور خصي فهو الأمة من حيث إنه خصي ~~لكنه قد خالفها بكونه لا رحم له، فكأنه أنقص من أمة. هذا إغراء به. يقول: ~~لم تملكه أمرك وأنت فحل ذو ذكر، وهو أمة في العجز ودناءة القدر، وليس بذات ~~رحم فهو اقل من أمة. وقد أنث الرحم وهو مذكر، إذ عنى به العضو، وإذا أنثت ~~عينت به القرابة من قولهم: بيننا رحم أي قرابة. وكذلك رحم بضم الراء. ويجوز ~~أن تكون التاء (في ليست) (للامة). كأنه قال: أمة ليست ذات رحم. وتكون (لها) ~~موضعه الرفع. لا النصب لأنه خبر (رحم) وهو مبتدئتان. واسم ليس ضمير يرجع ~~إلى أمة. (ولها رحم) جملة موضعها النصب لأنها خبر (ليست). # وقوله: # من اقتضى بسوى الهندي حاجته ... أجاب كل سؤال عن هل بلم # قال الشيخ أبو الفتح: إذا قيل له: هل أدركت حاجتك قال: لم أدركها. وهذا ~~تفسير جيد لا مزيد عليه. إلا أن القاضي أبا الحسن علي بن # PageV01P320 # عبد العزيز رحمه الله فسره في كتاب (الوساطة) فأخطأ ثم عابه فقال: كان ~~الواجب أن يقول عن هل ب (لا) لأنه يقول: هل تبرع لي بهذا المال فتقول: ~~(لا). فأقام (لم) مقام (لا). لأنهما حرفان للنفي. فأقام أحدهما مقام الآخر. # وفي هذا من الظلم ما ترى، ومن الخطأ ما تعلم. لأنه لو أراد ذلك لقال: ~~أجبت عن كل سؤال ب (لا). لأنه المقتضى فيجاب لا هو يجيب. وإنما يعني كل من ~~اقتضى حاجة بغير السيف، ثم سأله الناس هل أدركت حاجتك، هل بلغت مرادك، هل ~~ظفرت، هل وصلت. فيقول في الجواب عن ذلك لم أبلغ، لم ms140 أصل، لم أدرك، لم أطفر. # وقوله: # صنا قوائمها عنهم فما وقعت ... مواقع اللوم في الأيدي ولا الكزم # هون على بصر ما شق منظره ... فإنما يقظات العين كالحلم # أما البيت الأول فأهمل أبو الفتح معناه، وشغل بالغريب. وأما البيت الثاني ~~فأخطأ في شرحه خطأ بينا قد شرحنا ذلك في كتاب (التجني). فأما قوله: صنا ~~قوائمهما فيعني أنا صنا السيوف أن يسلبناها أعداؤنا فتقع # PageV01P321 # قوائمها في موقع اللؤم. وموقع اللؤم مواطن أيديهم. وإنما تقع قوائم ~~السيوف في مواطن أيدي الأعداء إذا سلبوها. فأما إذا لم تسلب فما تقع فيهم ~~إلا مضاربها. وكأن في ذلك إشارة إلى قول القائل: # نقاسمهم أسيافنا شر قسمة ... ففينا غواشيها وفيهم صدورها # وقول الآخر: # لهم صدر سيفي يوم بطحاء سحبل ... ولي منه ما ضمنت عليه الأنامل # فقد أنباك أن قوائم سيوفهم ثابتة في أيديهم لم تسلب. وقد تقدمه: # من كل قضية بالموت شفرته ... ما بين منتقم منه ومنتقم # فهذا معنى قوله: نقاسمهم أسيافنا شر قسمة. ولو لم يتقدم هذا البيت لكان ~~في قوله: صنا قوائمها عنهم ما يؤدي ذلك. فما أبلغه من بيت وأحكمه. والمصراع ~~الثاني زيادة. أعني قوله: فما وقعت مواقع اللؤم والكزم. البخل، والعطاء ~~يكونان باليد جعل أيديهم مواقع اللؤم. وإن كان قد يكون بغير البخل. # وهذا مذهب من الاتساع متعارف. وأما البيت الثاني فزعم أبو الفتح أن قوله: ~~ما شق منظره من قولهم: شق بصر الميت شقوقا. بمعنى جاد بنفسه. وشاق يشوق ~~شوقا. ورواه شق بفتح الشين. قال: ولا يقال: شق الميت بصره قال ومعناه هون ~~على بصرك شقوقه # PageV01P322 # ومقاساة النزع والحشرجة للموت. فإن الحياة كالحلم تبقى قليلا وتزول. وقد ~~قال أو تمام: # ثم انقضت تلك السنون وأهلها ... فكأنها وكأنهم أحلام # فانظر إلى هذا التشبيه المتفاوت. إذا كان أبو تمام يقول: إن الماضي من ~~الزمان والهذلين من الناس كالأحلام. وأبو الطيب يقول: يقظتك كحلمك فما يصنع ~~الموت هاهنا والحشرجة وإنما هو من شق على الشيء أي صعب. يقول: هون على كل ~~عين النظر إلى ما ms141 يشق فإنه اليقظة كالحلم إذ كان أحوال الدنيا إلى الزوال. ~~فهذا المعنى الذي أن سمعه أبو الفتح لم ينكره فما الذي يسومه هذا العسف وشق ~~النفس في الغوص إلى ما لا يفيد. # وقوله: # ولما تفاضلت النفوس ودبرت ... أيدي الكماة عالي المران # قوله: ودبرت جملة منفية معطوفة على جملة منفية. وليست جملة مثبتة جارية ~~مجرى قوله: ما أكلت وشربت الماء. يريد إثبات الشرب، ونفي الأكل. بل هي # كقولك: ما ضربت زيدا وقتلت بكرا، يريد نفيهما جميعا. ولعمري إن الأحسن ~~إظهار النفي ليكون دليلا على النفي ولكن الكلام إذا دل على الغرض جاز حذف ~~النفي. ألا ترى أن المعنى ولما تفاضلت النفوس، ولما دبرت الأيدي الرماح ~~يريد لدبرتها الرماح، أو عصمتها عند الاستعمال ولكنها بالعقل دبرت فأطاعت، ~~ونفذت حيث نفذت من هذا النوع كثير. # PageV01P323 # وقوله: # في جحفل ستر العيون غباره ... فكأنما يبصرن بالآذان # سمعت جماعة من أهل الأدب يتساءلون بينهم لم جعل الآذان تبصر في الحال ~~التي ستر الغبار العيون. وأي مزية للآذان ثم على العيون. فقال المحذق منهم ~~في الصناعة: ذاك لأن الآذان منصوبة، فالغبار لا يسترها، والعيون معتضة، ~~فالغبار يمنعها النظر. منصوبة، فالغبار لا يسترها، والعيون معتضة، فالغبار ~~يمنعها النظر. ولما يعلما جميعا أن الانتصاب، وسعة الفتح لا يغنيان من ~~الغبار وظلمته شيئا، ألا ترى ظلمة الليل. وإن سعة العين فيه كضيقها، ونجلها ~~كخوصها. وانتصاب العين فيه كانبساطها لمن انتصب عنه بانتصابه، وانبسطت ~~باستلقائه على صلاوي قفاه كلا الناظرين فيه سواء وكلتا العينين غناؤهما فيه ~~واحد. وإنما أراد الرجل أن الغبار ستر العيون حتى وقع على الجفن فمنعه أن ~~يفت النظر والأذن لا تنطبق فلا يثقلها للغبار، وانتصابها دائم. والعين إذا ~~اثقل الغبار جفنها انطبقت فلم تنفتح. وهي مع ذلك لا ترى فتعتمد ما تسمع ~~فينحو نحوه ويبقى ما يجب إبقاؤه. فهذا معنى حسن. وجعل الناجي المصيفي الأذن ~~مثقلة بالدم القاهر من القنا. فما أحسن كثير إحسان، إذ لا ثقل للدم عليها ~~وإن جسد عليها وإن جسد عليها فإنما جسد ms142 ما فضل من القطر وذاك حيث يقول: # ثقيلات آذان من الدم والقنا ... غريقة بحر بالأسنة زاخر # بل أحسن بعض من سمع هذا البيت من المحدثين فقلبه وقال في صفة روضه: # أصغت عيون النور في جنباته ... فكأنما يسمعن بالأجفان # PageV01P324 # وإن كان النور لا حاجة به إلى السمع، ولا الإصغاء ولكنه ملح في السرقة. # وقوله: # يتفيأون ظلال كل مطهم ... أجل الظليم وربقة السرحان # قال السيخ أبو الفتح ورواه: يتقيلون، يقول يتقيلون آباء لهم سباقين إلى ~~المجد والشرف، كالفرس المطهم الذي إذا رأى الظليم فقد هلك. وإذا رأى الذئب ~~كان كأنه مشدود بحبل في عنقه. والعرب إذا مدحت رجلا شبهته بالفرس السابق ~~كما قال النابغة. واستشهد بشعر كثير. ثم قال: وإنما استعار هنا لفظ الظلال ~~لأن ظل كل شيء موازنه، وعلى سمته. فيريد بذلك احتذاءهم طريق آبائهم وسلوكهم ~~مذاهبهم من غير تبديل ولا تعريج كما قيل: # شنشنة أعرفها من أخزم # ثم قال: ويحتمل أيضا أن يكون معناه انهم يستظلون بأفياء خيولهم في شدة ~~الحر يصفهم بالتعرب والتبدي. فالحمد لله الذي أجرى الحق على لسانه عاقبة، ~~كما أجرى الباطل عليه بدءا ما قال أبو الطيب، ولا روى عنه ألا يتفيئون. ~~يريد يجلسون في أفياء خيولهم # PageV01P325 # للزومهم البادية في صميم الحر، ولا ظلال لهم غيرها. وقد جرت عادة أبي عبد ~~الله بن مقله - رحمه الله - والمتشبهين به في الخط من أهل بغداد بإظهار ~~الألف الموصولة من خلف استواء السطر من غير تعقيب حتى تحسبها شرطة شرطت، ~~فلعلها اتصلت بالواو فحسبها أبو الفتح يتقيلون. وهذا مما يسيء الظن بروايته ~~- غفر الله له -. وما سمعنا أحدا روى هذا البيت يتفيئون بهمزة غير الشيخ ~~أبي الفتح. ولتكن الرواية ما حكى فكيف يكون الأب السيد الكريم آجلا للظليم، ~~ورقة للسرحان. أتراه يصفه بشدة العدو، ولا كبير فخر في ذلك. أم # يجعل الفرس أباه، أم يجعله متقيلا للفرس في العدو. وأي الثلاثة التأويلات ~~تتناول هذا البيت مع روايته. أم يجعل المطهم كرة رجلا وكرة فرسا فيكون ~~البيت نصفين متنافيين. وسيقول ms143 المتعصب له: لا ضير في ذلك فإنه من باب ~~التوسع هو أحرج الحرج. وقد خصم نفسه وتنبه بعض التنبه فقال: ولفظ الظلال ~~استعارة، لان ظل كل شيء موازنه، وعلى سمعته. كأنه استحيا من قائل يقول له: ~~فما تضع بالظل وهو يريد أن يتقبل أباه فاعتذر له لا عذر الحسن الذي قد ~~سمعته. فهلا يقول لنفسه فأولى من الظلال بالخلال. فلو قال: يتقيلون خلال كل ~~مطهم لأدى ما يروم. ثم الثالثة قضت عليه بالحق فاستدرك المعنى. ونسي موضع ~~التصحيف فقال يجوز أن يكون معناه أنهم يستظلون بأفياء خيولهم # PageV01P326 # من شدة الحر. وقد علم إنه لا يجوز غيره غفر الله له ذنوبه. # وقوله: # وعلى الدروب وفي الرجوع غضاضة ... والسير ممتنع من الإمكان # قال الشيخ أبو الفتح: سألته عن هذا فقال: معناه وكل هذا الذي ذكرته على ~~الدروب أيضا، إذ في الرجوع غضاضة على الراجع، وإذ السير ممتنع عن الإمكان. ~~وما أحراه أن يكون سمع بعض ذلك ولكنه لم يعه عنه والغرض غير ما ذكر إذ قد ~~تقدم هذا البيت: # خضعت لمنصلك المناصل عنوة ... وأذل دينك سائر الأديان # أفتراه يقول: خضعت على الدروب، وأذل على الدروب أيضا. وقد قال سائر ~~الأديان بتخصيصه بعد العموم في معنى واحد من أمحل المحال. وأظنه قال في ~~الجواب، وكان هذا الذي أذكره فيما بعد فظن إنه يقول ذكرته فيما خلا، وإنما ~~يعني على الدروب غضاضه كما تقول على يدي، وفي كمي مال. تريد على يدي مال، ~~وفي كمي مال. وإنما يريد في مقامنا على الدروب غضاضه، وفي رجوعنا # غضاضة. والخطاب يدن السامع على إنه يريد في مقامنا على الدروب. وهذا كما # PageV01P327 # تقول للجالس على التراب: قبيح، وغير جميل، أو ما أشبه ذلك. فهذا ظاهر. ~~وما سمعه أبو الفتح فسماع مستعجل لم ينفهم. # وقوله: # كتمت حبك حتى منك تكرمة ... ثم استوى فيك إسراري وإعلاني # كأنه زاد حتى فاض من جسدي ... فصار سقمي به من جسم كتماني # قد خلط الشيخ أبو الفتح في شرح هذا الشعر، وقد مضى في ms144 كتاب (التجني) ما ~~فيه مقنع ويعني أني تكرمت بكتمان حبك. كتمته منك أيضا. ثم استوى سري وعلني ~~في الكتمان لا في العلن. يدل على ذلك معنى البيت الثاني، وليس المصراع ~~الثاني بناقص للأول. # PageV01P328 # فقد يظن ظان إنه يعني أني كتمت ثم أعلنت، وليس كذلك. يدلك عليه # كأنه زاد حتى فاض عن جسدي # يريد الكتمان. فكيف يكون معناه أني ظهرت. فإن قال: إنما ضمير زاد للحب ~~قلنا له: فما تصنع بقوله: فصار سقمي في كتماني يريد فصار سقمي منكتما كأنه ~~في وعاء من كتمان. وكأنه يقول كان كتماني في جسمي في كتماني فافهمه. # وقوله: # الحب ما منع الكلام الألسنا ... وألذ شكوى عاشق ما أعلنا # قد سمعت قوما ينشدون الألسنا بفتح السين، وليس ذلك بممتنع. و (ما) بمعنى ~~الذي يقول: الحب الصادق ما يمنع الكلام الألسن تحيرا، وتبلدا. كما تقول: ~~البغض ما يمنعك النظر إلى صاحبك. يعني البغض الصادق، أو البغض الشديد. وإن ~~قال قائل: (ما) بمعنى النفي. ويكون معناه: الحب ما يمنعك الشكوى. ولم يكن ~~(ذلك) ممتنعا. والمعنى إن شكوى الحب مما يستلذ. فإذا بلغ من شدة الحب ألا ~~ينطق فذلك # لمن النهاية. وهذا معنى قول القائل: # وما هو إلا أن أراها فجاءة ... فأبهت حتى ما أكاد ابن كذا # PageV01P329 # وقريب منه قول بعض المحدثين: # وأذكر خاليا حججي ... وأنسى حين أبصره # ومن روى الألسنا. كان ذلك من باب المبالغة. # ومعنى المصراع الثاني ما قاله على بن الجهم: # وقلما يطيب الهوى إلا لمنهتك الستر # أو قول أبي نواس: # ولا خير في اللذات من دونها ستر # وقوله: # لا يستكين الرعب بين ضلوعه ... يوما ولا إحسان أن لا يحسنا # قال الشيخ أبو الفتح: الإحسان هنا مصدر أحسنت الشيء إذا حذفته. وليس من ~~الإحسان الذي هو ضد الإساءة. يقول: فهو لا يحسن أن لا يفعل الجميل. وقد جود ~~فيما استنط كأنه يقول: لا يستكن بين ضلوعه علم ألا يحسن. ولو قال: ولا ~~إحسان أن لا يحسنا # PageV01P330 # لكان أشار إليه أبو الفتح أبين وأوزن ذلك ولا العلم ms145 ألا يحسن ولو قال علم ~~ألا يحسن لكان أبين. كما أن قولك: أعجبني ضرب زيد أبين للسامع من أعجبني ~~الضرب زيدا. وما أراد أبو الطيب إلا الإحسان الذي هو ضد الإساءة. يقول: لا ~~يستكين الإحسان حتى يحسن. أي لا يمكث حتى يفعله فأقام يسكن مقام يمكث ~~لتقارب معنييهما. وهذا أسبق إلى الفهم مما أتى به الشيخ أبو الفتح. والذي ~~أتى به في غاية الجودة. # وقوله: # ألقى الكرام الألى بادوا مكارمهم ... على الخصيبي عند الفرض والسنن # فهن في الحجر منه كلما عرضت ... له اليتامى بدا بالمجد والمنن # قال الشيخ أبو الفتح: أي المكارم في يده، وتحت تصرفه. يستعملها في أي وقت ~~شاء. وكيف شاء. وهذا على ما ذكر. # PageV01P331 # (إلا) وجب عليه أن يبين على أي وجه هي في يده. وذاك أن الممدوح قاض فمدحه ~~بما يضاهي القضاء. فجعل المكارم كالأيتام وجعلها في حجره لما مات عنها ~~الكرم الألى بادوا. فكلما عرضت له الأيتام بدا بالمكارم ولما لم يتأت له ~~لفظ المكارم أقام المجد والمنن مقامهما، لأنها في معناها وليقم القافية ~~والوزن. وترك همزة بدأ. وقد مضى مثله في هذا الكتاب من شعره. وقوله: عند ~~الفرض والسنن مما يظهر ذلك لك ويوضحه. ولا معنى حجر اليتيم لما أجدى قوله ~~عند الفرض والسنن. يريد القوها عليه عند موجات الفرض والسنن. لان كفالة ~~اليتيم، ووكالته من الفروض. وهذا من حذقه بالمدح، وجودة تصرفه في المعاني. # وقوله: # قد صيرت أول الدنيا أواخرها ... آباؤه من مغار العلم في القرن # قال الشيخ أبو الفتح: هذا مثل ضربه، أي قد ضبطوا العلم، وقيدوا الأحكام ~~والشرائع. وهذا على ما قاله. غير إنه لم يعرفنا أي العلوم يعني. وإنما ~~مدحهم برواية الحديث. يعني أنهم ضابطون للأيام، عارفون بالأخبار. يدللك على ~~ذلك قوله بعده: # كأنهم ولدوا من قبل أن ولدوا ... أو كان فهمهم أيام لم يكن # PageV01P332 # ومغار، من أغرت إذا قتلته. استعارة لأحكامهم العلم. ومثل هذا قوله في ~~تشبيب غلام: # يحدث عما بين عاد وبينه ... وصدغاه في خدي غلام مراهق # يريد ms146 إنه حافظ للشعر القديم ولأيام العرب. يعني إنه أديب فلذلك أحسه. # وقوله: # ولو بدت لاتاهتهم فحجبها ... صون عقولهم من لحظها صانا # أهمل أبو الفتح تفسير هذا البيت. وفيه من الغلق ما ترى. وقوله: صون فاعل ~~حجبها. وصان ضمير راجع إلى الصون. يريد صون صان عقولهم من لحظها. والمعنى ~~إنها لو بدت لاتاهتهم بجمالها، فقام تيههم عنها، وذهولهم عن تأملها مقام ~~صيانها فكأنها لم تبد. ثم قال: هذا الصون على هذه الصفة هو صون صان عقولهم ~~عن لحظها ولولا تيههم عنها، وذهولهم برؤيتها لأسلمت عقولهم للحظها فأهلكها ~~لحظها، وذهب بهاز يريد عشقوها. ومرحى له. وبعد فالبيت مدخول، والمعنى ~~مرذول. # PageV01P333 # وقوله: # ولا أسر بما غيري الحميد به ... ولو حملت إلي الدهر ملآنا # قال الشيخ أبو الفتح: لا أسر بما أخذه من غيري، لأنه هو المحمود على ~~عطاء. وهذا تفسير حسن. يقول: أنا وإن كنت شاعرا فرغبتي في الحمد أكثر من ~~رغبتي في الصلة. فأنا أغبط الواصل على الحمد الحاصل له، ولا أسر بالعطايا ~~ولو أعطيت ملء هذا الزمان. كما قال أيضا: # ضاق الزمان ووجه الأرض عن ملك ... ملء الزمان وملء السهل والجبل # وقد بين بقوله: ولو حملت إلي الدهر، إنه يريد العطاء لا غير والحمد عليه، ~~ولو لم يأت بذلك لاحتمل غيره من المعاني. وقد زاد ذلك المعنى وضوحا بالبيت ~~الذي يليه وهو قوله: # لا يجذبن ركابي نحوه أحد ... ما دمت حيا ولا قلقن كيرانا # أي أنا لا أسر بالعطايا فلا يستزرني أحد. # وقوله: # لو استطعت ركبت الناس كلهم ... إلى سعيد بن عبد الله بعرانا # PageV01P334 # هذا البيت حسن الصنعة والمعنى. يعني أن الناس كلهم كالبعران في عدم ~~العقول، فهم يصلحون للركوب. وقال الصاحب بن عباد - رحمه الله - في رسالته ~~في هذا البيت: (أراد أن يزيد على الشعراء في وصف المطايا، فأتى بأخزى ~~الخزايا. لو استطعت. البيت. . . ثم قال: ومن الناس أمه فهل ينشط لركوبها. ~~والممدوح أيضا لعل له عصبة لا يحب أن يركبوا إليه. فهل في الأرض أسقط من ~~هذا التسحب ولا ms147 أوضح من هذا التبسط). # وأي تبسط وتسحب على الممدوح ترى في هذا البيت. وليس كل من ذكر الناس بسوء ~~أو بغير سوء فقد عنى جميعهم، حتى لا يشذ واحد، ولو أكده كل تأكيد. ولو توقى ~~الشعراء هذا الباب لكانوا في حرج من جميع ما ينطقون به. ألا تراه قد قال في ~~مرثية فاتك: # والناس أوضع في زمانك منزلا ... من أن تعاشرهم وقدرك أرفع # وهو أيضا من الناس. أفتراه أيضا جعل نفسه وضيعا. وللشعراء قبله ما لا ~~يحصى كثره. فعليه وحده يحرم هذا المجاز، والتأويل. وقد قال الله تعالى ~~يخاطب مريم: (يا مريم إن الله اصطفاك وطهرك واصطفاك على نساء العالمين). ~~أفتراه اصطفاها على حواء وهي قبلها. واصطفاها على فاطمة - صلوات الله عليها ~~- وهي بعدها. وهما من العالمين. وليس لقائل أن يقول: أراد بالعالمين نساء ~~زمانها ففي زمانها عالم واحد. والعالمون في أزمنة تقدمت أو تأخرت. هذا وقد ~~قيل في (كل) إنها تكون بمعنى الجمع تارة. وبمعنى البعض. وفسروا قوله # PageV01P335 # تعالى: (تدمر (كل) شيء بأمر ربها) إنها بمعنى البعض. وقول الشاعر: # ألا إن خير الناس حيا وميتا ... أسير ثقيف عندهم في السلاسل # أفترى أن خالد بن عبد الله القسري خيرا من رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ومن # أصحابه المنتجبين، واهل بيته الطاهرين. ألا ترى أن قوله: حيا وهالكا اكثر ~~من قول أبي الطيب ركبت الناس كلهم. فهذا عنت. وبيت المتنبي جيد شعره: # وقوله: # أريد من زمني ذا أن يبلغني ... ما ليس يبلغه من نفسه الزمن # ليس هذا البيت مما يقتضي شرحا ولكنه حكى عن أبي الطيب إنه سئل ما الذي ~~يريد الزمان أن يبلغه في نفسه فليس يبلغه. فقال يريد الزمان أن يكون كله ~~ربيعا. وليس يكون كذلك. ولو قال: # PageV01P336 # يريد الزمان أن يكون كله نهارا لكان أجود، وأولى. لأن ذلك حال في نفسه ~~والربيع حال حسنه يظهر على الأرض والشجر والنبات. على إنه يمكن أجوبة غير ~~ذلك كثيرة. منها أن يريد الزمان أن يكون خصبا لا قحط فيه. أو ms148 يتمنى أن يكون ~~البرد بين الغداة والعشي لا هاجرة فيه، أو كله صحوا لا غيم فيه. إلا أن ~~الحكاية إن كانت صحيحة فما أجاب أبو الطيب ألا بجيد من الجواب. وما أشبه ~~هذا بما زعم أبو الفتح في شرحه: # ولكن الفتى العربي فيها ... غريب الوجه واليد واللسان # وقوله: # فإنه يعني بالبيدان سلاحه: السيف والرمح، وسلاح من بالشعب الحربة والترس. ~~وعندي إن الأولى إنه يريد باليد كتابته بها. يريد أن كتابه العربي عربية. ~~وكتابة الفارسي (الفهلندية) ووجهه اسمر من اثر البداوة. ووجه من بالشعب ~~أشقر ببياض وحمرة. ولسانه عربي ولسان سكانه فارسي. وقد علم أبو الفتح أن ~~الترس لا تخلو منه العرب. ألا تراهم يقولون: # PageV01P337 # وخرق كظهر الترس رحب قطعته # ومجنا أسمر قراع، ومجنا اخلص من ماء اليلب. # وهم درعي إذا اسلأمت فيها ... إلى يوم النسار وهم مجنى # وقول الهذلي: # أرقت له مثل لمع البشير ... يقلب في الكف فرضا خفيفا # وقول العباس بن مرداس: # لنا عارض كزهاء الصريم ... فيه الأسلة والعصير # PageV01P338 # وقول الراجز: # إذا جعلت الجوب من شمالك ... فاجعل مصاعا صادقا من بالك # والفرص والعنبر والجوب والترس. وكذلك المجنا والمجن. # وقوله: # كل ما لم يكن من الصعب في الأ ... نفس سهل فيها إذا هو كانا # قوله: ما لم يكن بمعنى ما لم يقع. وليست كان الناقصة. مثل قول زهير: # فإن بيوتنا بمحل حجر ... بكل قرارة منها تكون # أي نقيم. ومعنى البيت أم كل ما يقع مما يستصعب في النفوس فهو سهل إذا ~~وقع. وهذا قريب من المثل المضروب: إذا خشيت أمر فقع فيه فإنما جئته بوقته. ~~وقول أعشى باهله: # لا يصعب الأمر إلا ريث تركبه ... وكل أمر سوى الفحشا تأتمر # PageV01P339 # وقريب منه قوله: # سهرت بعد رحيلي وحشة لكم ... ثم استمر مريري وارعوى الوسن # وقول البحتري: # لعمرك ما المكروه إلا ارتقابه ... وأبرح مما حل ما يتوقع # وقوله: # كأن رقاب الناس قالت لسيفه ... عدوك قيسي وأنت يماني # هذا من أفراد أبيات أبي الطيب المتنبي بل من أجود جيده. وذاك أن شبيبا ~~هذا # الخارجي ms149 عربي من بعض بطون قيس عيلان. وبينهما وبين اليمن عداوة ما قد ~~شهر. وقد جرت العادة بنسبة السيوف إلى اليمن. ثم أن شبيبا قتل. فيريد إنه ~~قتل بسيف نفسه، ولم يقتله كافور. فيريد كأن الرقاب لما حل بها من عظيم ضربه ~~لها أرادت التغريب بينه وبين سيفه فقالت لسيفه: أنت يمني ورفيقك من قيس ~~عيلان فهلا قتله. فسمع منها ما قالت فقتلته طالبا ترة نفسه، وترة اليمن في ~~قيس عيلان. فانظر ما أحسن ما عبر عن قتله على يد كافور وهذه القصيدة من ~~أولها إلى آخرها هجو (لكافور) ومدح لشبيب ومعرضها مدح كافور، وذم شبيب. ~~فتأمل، فالصنعة فيها عجيبة جدا. # PageV01P340 # وقوله: # دعته بمفزع الأعضاء منها ... ليوم الحرب بكر أو عوان # حرفه أبو الفتح فرواه بموضع الأعضاء. ثم قال: أي دعته السيوف بمقابضها. ~~والرماح بأعقابها. لأنها مواضع الأعضاء منها بحيث يمسك الضارب والطاعن. ~~ويحتمل أن يكون أراد دعته الدولة بموضع الأعضاء من السيوف. ومعنى (دعته) ~~اجتذبته، واستمالته. هذا كلامه. وما نعلم أحدا من رواة هذا الديوان روى هذا ~~البيت إلا (مفزع الأعضاء). وإذا حرف عن وجهه شعر لم يجد بدا من تمحل يخرج ~~معناه. وهذه لشظه من أمحل المحال، لأنه ما دعي نقيض الدولة، ولا سافلة ~~الدولة. وإنما يريد قوله: # بعضد الدولة امتنعت وعزت ... وليس لغير ذي عضد يدان # ولا قبض على البيض المواضي ... ولا حظ على السمر اللدان # فجعل العضد مفزع الأعضاء لما بينه في البيتين قبله. فان قال: قد قلت أن ~~معنى (دعته) اجتذبته، واستمالته فان دولة بني هاشم ما استمالت عضد الدولة ~~بالسيوف، ولا الرماح. وإنما اجتذبته. واستمالته بالملك # PageV01P341 # الذي ملكته. وقد قال: والرماح # بأعقابها. وما سمعنا أحدا سمى سافلة الرمح عقبه. فرحم الله أبا الفتح من ~~كم لون اخطأ في هذا البيت. وهبه زل في المعنى فكيف رضى لنفسه بالعي - غفر ~~الله له ولنا -. على أن هذه القصيدة لم يقرأها على أبي الطيب فما أظنه لقيه ~~بعد خروجه إلى فارس. والذنب للناس. # وقوله: # وكأن ابنا عدو كإثراء ms150 ... له ياءي حروف أنيسيان # كأنه يعرض بعدو ه ابنان. والسبب في ذلك أن لعضد الدولة ولدين عند إنشاده ~~هذه القصيدة. فهو يدعو على عدو يكون له وله ابنان. كما للممدوح ابنان. ~~ويدعو لولديه بقوله: # فعاشا عيشة القمرين يحيا ... بنورهما ولا يتحاسدان # وانيسان تصغير إنسان. وروى تصغيره انيسيلن بياءين في ألفاظ يسيرة شذت. ~~منها اصيلال في تصغير أصيل بلام أخرى زائدة مع الألف. وعشيشيه وعشيشيات ~~وكنيكنه في تصغير كنكه وهي البيضة المأكولة. فهاتان إليان وإن كانتا زيادة ~~في عدد الحروف فهما نقصان من حيث المعنى، لأنهما للتصغير. فيقول: جعل الله ~~ولديه وإن كانا مكثرين لعدده نقصانا من جاهه ومحله كهذين اليائين. وما احسن ~~ما صاغ لولا بهده عن الإفهام. # PageV01P342 # وقوله: # ذا الذي أنت جده وأبوه ... دنيه دون جده وأبيه # (ذا محله الرفع لأنه خبر مبتدأ محذوف كأنه يقول: هذا الذي جده. وقد تقدمه ~~قوله أغلب). # أغلب الحيزين ما أنت فيه ... وولي النماء من تنمية # وقد كان ذكر سيف الدولة جد أبي العشائر وأباه. (فذا) إشارة إلى أبي ~~العشائر # وليس بمبتدأ يكون جده خبره لأنه ليس يعني أن أبا العشائر دونك. ولا فائدة ~~له في ذلك. ولا يحسن به أن يغض منه وسيف الدولة يمدحه. وليس (دون) بمعنى ~~أوضع محلا ومنزلة. بل دون من قولك لمن يقرب منك: أنا احول دون أخيك، وأبوك ~~دون أبيك. فيقول: أغلب الحيزين حيز أنت فيه، وولي النماء من تنمية. وهو أبو ~~العشائر الذي أنت أبوه. وجده دون أبيه وجده. وقد أهمل أبو الفتح شرح هذا ~~البيت. وهو مما يسأل عنه. ويجب الفحص عن معناه. # وقوله: # قالوا ألم تكنه فقلت لهم ... ذلك عي إذا وصفناه # لا يتوقى أبو العشائر من ... ليس معاني الورى بمعناه # PageV01P343 # قال الشيخ أبو الفتح: في لفظ هذا البيت اختلال في صناعة الإعراب. وذلك ~~أنهم قد عرفوا إنه لم يكنه فحكايته عنهم قالوا ألم تكنه. إنما هو على مذهب ~~التقرير. لأنهم لم يشكوا في إنه لم يكنه فيستفهموه فصار كما تقول ألم تأت ~~فأعطيك ms151 لا يريد استفهامه فإنما يريد إنه قد أتاك فأعطيته. وإذا كان تقريرا ~~ففيه نقص واختلال. وذلك أن التقرير إذا دخل في لفظ النفي رده إلى الإيجاب ~~في المعنى. وإذا دخل على لفظ الإيجاب رده إلى النفي في المعنى. ألا ترى إلى ~~قول الله تعالى: أأنت قلت للناس. وهو تبارك اسمه لا يشك وإنما هو تقرير ~~ومعناه إنك لم تقل. فهذا لفظ الإيجاب الذي عاد إلى النفي. وأما لفظ النفي ~~الذي أعاده التقرير إلى الإيجاب فنحو قوله: أليس في جهنم مثوى للمتكبرين. ~~أي أن فيها مثوى لهم. فقوله ألم تكنه ينبغي أن يعود في المعنى إلى انهم قد ~~قالوا كنيته، أو كان عندهم ممن كناه. وهذا محال لأنهم قد أنكروا عليه ترك ~~كنيته فلم يضع الكلام موضعه. # وهذا على ما قاله أبو الفتح إذا فسر هذا التفسير. ونحن نقول بل هو ~~استفهام، لا يتضمن تقريرا. وما الذي يحوجنا إلى أن نجعله تقريرا ثم نخطئه ~~وما يضر من # أن يكون استفهاما صريحا. كأنهم سألوه: هل كناه، فقال لهم: لم أكنه، لأنه ~~عي إذا وصفناه. فأي نقصان يلحق ما نحاه أبو الطيب من المعنى على هذا ~~التأويل. # ثم قال لا يتوفى أبو العشائر البيت. . . وأبو الفتح أهمل تفسيره وهو ~~محتاج إلى شرح. وذاك أن معناه متصل بما قبله. يقول: إذا لم تكنه لم يتوق ~~أبو العشائر أن يشتبه معناه بمعنى غيره. وقوله: # PageV01P344 # (ليس معاني) بمعنى الالتباس وهو ظاهر. ولو روى ليس لكان يحتمل معنى جيدا ~~فيكون قوله: ليس معاني الورى بمعناه من قول أبي نواس: # وليس لله بمستنكر ... أن يجمع العالم في واحد # يقول: لا يتوفى أبو العشائر من لم تجتمع فيه معاني الورى. يريد إنه قد ~~اجتمع فيه معاني الورى. فهو لا يشتبه بغيره فأفهمه فهو دقيق إلا إنه لم ~~يروه. # وقوله: # تجمعت في فؤاده همم ... ملء فؤاد الزمان إحداها # فإن أتى حظها بأزمنة ... أوسع من ذا الزمان أبداها # وصارت الفيلقان واحدة ... تعثر إحياؤها بموناها # فإن أتى حظها. الهاء للهمم. وأبداها أيضا ms152 هاؤها للهمم. يقول إن أتى حظ ~~الهمم، وجدها بأزمنة أوسع من ذا الزمن أظهر تلك الهمم. فأما الآن فما يسع ~~هذا الزمان تلك الهمم فهو لا يبديها. وعندي إنه لو قال حطه يريد حظ عضد ~~الدولة يريد ماله من المعجزات وعجائب الدولة ومساعدة المقادير له لكان أمدح ~~وأحسن والرواية بالتأنيث. ويعني بالفيلقين أهل هذا الزمان، وأهل تلك ~~الأزمنة والفيلق الجيش العظيم. وهو مذكر. أنثه لأنه يعني الطائفة والجماعة، ~~والزمرة وما أشبهها وجعلها تعثر إحياؤها بموتاها للزحمة. وقد كثرت الأزمنة ~~وأهلها والدنيا واحدة. وهذا من قوله أيضا: # PageV01P345 # سبقنا إلى الدنيا فلو عاش أهلها ... منعنا بها من جيئة وذهاب # وقوله: # ولا تستطيلن الرماح لغارة ... ولا تستجدين العتاق المذاكيا # أتى بهذا البيت بعد قوله: فلا تستعدن. والبناءان متفقان في المعنى ~~مختلفان في اللفظ فأردت الدلالة على اشتقاقها. أما تستعدن فيستفعلن من ~~العدة. وهو استفعال بمعنى لو قال: لا تعدن لأدى ما يريد. وأما تستطيلن فليس ~~من قولك: استطلت هذا الحبل، وهذا الرمح أي رأيته (طويلا ووجدته) طويلا بل ~~هو بمعنى لا تطلبه جيادا. فالمعنيان متفقان من حيث يريد إعدادها. أما ~~الرماح فطويلة، وأما الخيل فجياد. ولو قال: لا تطيلن الرماح، ولا تجيدن ~~العتاق لأديا المعنى. والمعنى من قول عبد الرحمن بن داره: # PageV01P346 # فإن أنتم لم تقتلوا بأخيكم ... فكونوا بغايا للخلوق وللكحل # وبيعوا الردينيات بالخمر واقعدوا ... على الذل وابتاعوا المغازل بالنبل # هذه الأبيات التي أتينا بها عي التي توهمناها غلقة المعاني. ولعل قائلا ~~أن يقول: فهلا فسر بيت كذا. وهلا أتى بمعنى كذا. وكل أحد له غرض مقصود. وما ~~رأيناه غلقا يراه غيرنا ظاهرا. ولعل ما يراه غلقا رأيناه ظاهرا فليعذرنا ~~متأملو هذا الكتاب. ويعلموا أننا أردنا نفع قارئه. وما توخينا دعوى لا ~~الفضل على أبي الفتح بن جني. ولا سمت هممنا إلى مباراته. وبودنا لو أدركنا ~~القراءة عليه، والاستفادة منه. والى الله نرغب في إنالة جواره، وإفراغ عفوه ~~وغفرانه عليه وعلينا. ### | تم الكتاب # والحمد لله وحده وصلواته على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى ms153 آله وصحبه ~~وعترته. # PageV01P347 # وكان الفراغ من تعليقه يوم الثلاثاء قابلته بالأصل المنقول منه والحمد ~~لله حمد # السالمين. # فرغ من تحقيق هذا الكتاب عبد الكريم بن الحاج مجيد بن الشيخ عيسى بن ~~الشيخ حسن بن الشيخ عبد الله الدجيلي الخزرجي النجفي بعد التعليق عليه وشرح ~~غوامضه لغة وإعرابا وبعد مقدمة وافية ومن الله العون والتوفيق. PageV01P348 ms154