######OpenITI# #META# 000.SortField :: JK_000426 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: ابن حزم #META# 010.AuthorNAME :: أبو محمد علي بن أحمد بن حزم الظاهري #META# 011.AuthorBORN :: 384 #META# 011.AuthorDIED :: 456 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: الأخلاق والسير في مداواة النفوس #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: كتب أخرى :: كتب الأخلاق والسلوك :: كتب متفرقة في الأخلاق والسلوك #META# 022.BookVOLS :: 1 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: مداواة النفوس #META# 030.LibURI :: JK_000426 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: NODATA #META# 031.LibURL :: NODATA #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: بلا #META# 041.EdNUMBER :: الثانية #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: دار الآفاق الجديدة #META# 044.EdPLACE :: بيروت #META# 045.EdYEAR :: 1399هـ - 1979م #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # بسم الله الرحمن الرحيم # | خطبة المؤلف # قال أبو محمد علي بن أحمد بن حزم رضي الله عنه الحمد لله على عظيم مننه ~~وصلى الله على محمد عبده وخاتم أنبيائه ورسله وسلم تسليما وأبرأ إليه تعالى ~~من الحول والقوة وأستعينه على كل ما يعصم في الدنيا من جميع المخاوف ~~والمكاره ويخلص في الأخرى من كل هول ومضيق أما بعد فإني جمعت في كتابي هذا ~~معاني كثيرة أفادنيها واهب التمييز تعالى بمرور الأيام وتعاقب الأحوال بما ~~منحني عز وجل من التهمم بتصاريف الزمان والإشراف على أحواله حتى أنفقت في ~~ذلك أكثر عمري وآثرت تقييد ذلك بالمطالعة له والفكرة فيه على جميع اللذات ~~التي تميل إليها أكثر النفوس وعلى PageV01P011 الازدياد من فضول المال ~~وزممت كل ما سبرت من ذلك بهذا الكتاب لينفع الله تعالى به من يشاء من عباده ~~ممن يصل إليه بما أتعبت فيه نفسي وأجهدتها فيه وأطلت فيه فكري فيأخذه عفوا ~~وأهديته إليه هنيئا فيكون ذلك أفضل له من كنوز المال وعقد الأملاك إذا ~~تدبره ويسره الله تعالى لاستعماله وأنا راج في ذلك من الله تعالى أعظم ~~الأجر لنيتي في نفع عباده وإصلاح ما فسد من أخلاقهم ومداواة علل نفوسهم ~~وبالله أستعين PageV01P012 # | مداواة النفوس وإصلاح الأخلاق لذة العاقل بتمييزه ولذة العالم بعلمه ~~ولذة الحكيم بحكمته ولذة المجتهد لله عز وجل باجتهاده أعظم من لذة الآكل ~~بأكله والشارب بشربه والواطئ بوطئه والكاسب بكسبه واللاعب بلعبه والآمر ~~بأمره وبرهان ذلك أن الحكيم والعاقل والعالم والعامل واجدون لسائر اللذات ~~التي سمينا كما يجدها المنهمك فيها ويحسونها كما يحسها المقبل عليها وقد ~~تركوها وأعرضوا عنها وآثروا طلب الفضائل عليها وإنما يحكم في الشيئين من ~~عرفها لا من عرف أحدهما ولم يعرف الآخر إذا تعقبت الأمور كلها فسدت عليك ~~وانتهيت في آخر فكرتك باضمحلال جميع أحوال الدنيا إلى أن الحقيقة إنما هي ~~العمل للآخرة فقط لأن كل أمل ظفرت به فعقباه حزن إما بذهابه عنك وإما ~~بذهابك عنه ولا بد من أحد هذين الشيئين إلا العمل ms01 لله عز وجل فعقباه على كل ~~حال سرور في عاجل وآجل أما العاجل فقلة الهم بما يهتم به الناس وإنك به ~~معظم من الصديق PageV01P013 والعدو وأما في الآجل فالجنة تطلبت غرضا يستوي ~~الناس كلهم في استحسانه وفي طلبه فلم أجده إلا واحدا وهو طرد الهم فلما ~~تدبرته علمت أن الناس كلهم لم يستووا في استحسانه فقط ولا في طلبه فقط ولكن ~~رأيتهم على اختلاف أهوائهم ومطالبهم وتباين هممهم وإراداتهم لا يتحركون ~~حركة أصلا إلا فيما يرجون به طرد الهم ولا ينطقون بكلمة أصلا إلا فيما ~~يعانون به إزاحته عن أنفسهم فمن مخطئ وجه سبيله ومن مقارب للخطأ ومن مصيب ~~وهو الأقل من الناس في الأقل من أموره فطرد الهم مذهب قد اتفقت الأمم كلها ~~مذ خلق الله تعالى العالم إلى أن يتناهى عالم الابتداء ويعاقبه عالم الحساب ~~على أن لا يعتمدوا بسعيهم شيئا سواه وكل غرض غيره ففي الناس من لا يستحسنه ~~إذ في الناس من لا دين له فلا يعمل للآخرة وفي الناس من أهل الشر من لا ~~يريد الخير ولا الأمن ولا الحق وفي الناس من يؤثر الخمول بهواه وإرادته على ~~بعد الصيت وفي الناس من لا يريد المال ويؤثر عدمه على وجوده ككثير من ~~الأنبياء عليهم السلام ومن تلاهم من الزهاد والفلاسفة وفي الناس من يبغض ~~اللذات بطبعه ويستنقص طالبها كمن ذكرنا من المؤثرين فقد المال على اقتنائه ~~وفي الناس من يؤثر الجهل على العلم كأكثر من ترى من العامة وهذه هي أغراض ~~الناس التي لا غرض لهم سواها وليس في العالم مذ كان إلى أن يتناهى أحد ~~يستحسن الهم ولا يريد طرده عن نفسه فلما استقر في نفسي هذا العلم الرفيع ~~وانكشف لي هذا السر العجيب وأنار الله تعالى لفكري هذا الكنز PageV01P014 ~~العظيم بحثت عن سبيل موصلة على الحقيقة إلى طرد الهم الذي هو المطلوب للنفس ~~الذي اتفق جميع أنواع الإنسان الجاهل منهم والعالم والصالح والطالح على ~~السعي له فلم أجدها إلا التوجه إلى الله عز ms02 وجل بالعمل للآخرة وإلا فإنما ~~طلب المال طلابه ليطردوا به هم الفقر عن أنفسهم وإنما طلب الصوت من طلبه ~~ليطرد به عن نفسه هم الاستعلاء عليها وإنما طلب اللذات من طلبها ليطرد بها ~~عن نفسه هم فوتها وإنما طلب العلم من طلبه ليطرد به عن نفسه هم الجهل وإنها ~~هش إلى سماع الأخبار ومحادثة الناس من يطلب ذلك ليطرد بها عن نفسه هم ~~التوحد ومغيب أحوال العالم عنه وإنما أكل من أكل وشرب من شرب ونكح من نكح ~~ولبس من لبس ولعب من لعب واكتن من اكتن وركب من ركب ومشى من مشى وتودع من ~~تودع ليطردوا عن أنفسهم أضداد هذه الأفعال وسائر الهموم وفي كل ما ذكرنا ~~لمن تدبره هموم حادثة لا بد لها من عوارض تعرض في خلالها وتعذر ما يتعذر ~~منها وذهاب ما يوجد منها والعجز عنه لبعض الآفات الكائنة وايضا نتائج سوء ~~تنتج بالحصول على ما حصل عليه من كل ذلك من خوف منافس أو طعن حاسد أو ~~إختلاس راغب أو اقتناء عدو مع الذم والإثم وغير ذلك ووجدت للعمل للآخرة ~~سالما من كل عيب خالصا من كل كدر موصلا إلى طرد الهم على الحقيقة ووجدت ~~العامل للآخرة إن امتحن PageV01P015 بمكروه في تلك السبيل لم يهتم بل يسر ~~إذ رجاؤه في عاقبه ما ينال به عون له على ما يطلب وزايد في الغرض الذي إياه ~~يقصد ووجدته إن عاقه عما هو بسبيله عائق لم يهتم إذ ليس مؤاخذا بذلك فهو ~~غير مؤثر في ما يطلب ورأيته إن قصد بالأذى سر وإن نكبته نكبة سر وإن تعب ~~فيما سلك فيه سر فهو في سرور متصل أبدا وغيره بخلاف ذلك أبدا فاعلم أنه ~~مطلوب واحد وهو طرد الهم وليس إليه إلا طريق واحد وهو العمل لله تعالى فما ~~عدا هذا فضلال وسخف لا تبذل نفسك إلا فيما هو أعلى منها وليس ذلك إلا في ~~ذات الله عز وجل في دعاء إلى حق وفي حماية الحريم وفي دفع هوان ms03 لم يوجبه ~~عليك خالقك تعالى وفي نصر مظلوم وباذل نفسه في عرض دنيا كبائع الياقوت ~~بالحصى لا مروءة لمن لا دين له العاقل لا يرى لنفسه ثمنا إلا الجنة لإبليس ~~في ذم الرياء حبالة وذلك أنه رب ممتنع من فعل خير خوف أن يظن به الرياء ~~PageV01P016 # العقل والراحة وهو اطراح المبالاة بكلام الناس واستعمال المبالاة بكلام ~~الخالق عز وجل بل هذا باب العقل والراحة كلها من قدر أنه يسلم من طعن الناس ~~وعيبهم فهو مجنون من حقق النظر وراض نفسه على السكون إلى الحقائق وإن ~~آلمتها في أول صدمة كان اغتباطه بذم الناس إياه أشد وأكثر من اغتباطه ~~بمدحهم إياه لأن مدحهم إياه إن كان بحق وبلغه مدحهم له أسرى ذلك فيه العجب ~~فأفسد بذلك فضائله وإن كان بباطل فبلغه فسره فقد صار مسرورا بالكذب وهذا ~~نقص شديد وأما ذم الناس إياه فإن كان بحق فبلغه فربما كان ذلك سببا إلى ~~تجنبه ما يعاب عليه وهذا حظ عظيم لا يزهد فيه إلا ناقص وإن كان بباطل وبلغه ~~فصبر اكتسب فضلا زائدا بالحلم والصبر وكان مع ذلك غانما لأنه يأخذ حسنات من ~~ذمه بالباطل فيحظى بها في دار الجزاء أحوج ما يكون إلى النجاة بأعمال لم ~~يتعب فيها ولا تكلفها وهذا حظ عظيم لا يزهد فيه إلا مجنون وأما إن لم يبلغه ~~مدح الناس إياه فكلامهم PageV01P017 وسكوتهم سواء وليس كذلك ذمهم إياه لأنه ~~غانم للأجر على كل حال بلغه ذمهم أو لم يبلغه ولولا قول رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم في الثناء الحسن ( ذلك عاجل بشرى المؤمن ) لوجب أن يرغب العاقل ~~في الذم بالباطل أكثر من رغبته في المدح بالحق ولكن إذ جاء هذا القول فإنما ~~تكون البشرى بالحق لا بالباطل فإنما تجب البشرى بما في الممدوح لا بنفس ~~المدح ليس بين الفضائل والرذائل ولا بين الطاعات والمعاصي إلا نفار النفس ~~وأنسها فقط فالسعيد من أنست نفسه بالفضائل والطاعات ونفرت من الرذائل ~~والمعاصي والشقي من أنست نفسه بالرذائل والمعاصي ونفرت ms04 من الفضائل والطاعات ~~وليس ها هنا إلا صنع الله تعالى وحفظه طالب الآخرة ليفوز في الآخرة متشبه ~~بالملائكة وطالب الشر متشبه بالشياطين وطالب الصوت والغلبة متشبه بالسباع ~~وطالب اللذات متشبه بالبهائم وطالب المال لعين المال لا لينفقه في الواجبات ~~والنوافل المحمودة أسقط وأرذل من أن يكون له في شيء من الحيوان شبه ولكنه ~~يشبه الغدران التي في الكهوف في المواضع الوعرة لا ينتفع بها شيء من ~~الحيوان فالعاقل لا يغتبط بصفة يفوقه فيها سبع أو بهيمة أو جماد وإنما ~~يغتبط بتقدمه في الفضيلة التي أبانه الله تعالى بها عن السباع والبهائم ~~والجمادات وهي التمييز الذي يشارك فيه الملائكة فمن سر بشجاعته التي يضعها ~~في غير موضعها لله عز وجل فليعلم أن النمر أجرأ منه وأن الأسد والذئب ~~والفيل أشجع منه ومن سر بقوة جسمه فليعلم أن البغل والثور والفيل أقوى منه ~~جسما ومن سر بحمله الأثقال فليعلم أن الحمار أحمل منه ومن سر بسرعة ~~PageV01P018 عدوه فليعلم أن الكلب والأرنب أسرع عدوا منه ومن سر بحسن صوته ~~فليعلم أن كثيرا من الطير أحسن صوتا منه وأن أصوات المزامير ألذ وأطرب من ~~صوته فأي فخر وأي سرور في ما تكون فيه هذه البهائم متقدمة عليه لكن من قوي ~~تمييزه واتسع علمه وحسن عمله فليغتبط بذلك فإنه لا يتقدمه في هذه الوجوه ~~إلا الملائكة وخيار الناس قول الله تعالى @QB@ وأما من خاف مقام ربه ونهى ~~النفس عن الهوى فإن الجنة هي المأوى @QE@ جامع لكل فضيلة لأن نهي النفس عن ~~الهوى هو ردعها عن الطبع الغضبي وعن الطبع الشهواني لأن كليهما واقع تحت ~~موجب الهوى فلم يبق إلا استعمال النفس للنطق الموضوع فيها الذي به بانت عن ~~البهائم والحشرات والسباع قول رسول الله صلى الله عليه وسلم للذي استوصاه ( ~~لا تغضب ) وأمره عليه السلام أن يحب المرء لغيره ما يحب لنفسه جامعان لكل ~~فضيلة لأن في نهيه عن الغضب ردع النفس ذات القوة الغضبية عن هواها وفي أمره ~~عليه السلام أن يحب المرء لغيره ms05 ما يحب لنفسه ردع النفس عن القوة الشهوانية ~~وجمع لأزمة العدل الذي هو فائدة النطق الموضوع في النفس الناطقة رأيت أكثر ~~الناس إلا من عصم الله تعالى وقليل ما هم يتعجلون الشقاء والهم والتعب ~~لأنفسهم في الدنيا ويحتقبون عظيم الإثم الموجب للنار في الآخرة بما لا ~~يحظون معه بنفع أصلا من نيات خبيثة PageV01P019 يضبون عليها من تمني الغلاء ~~المهلك للناس وللصغار ومن لا ذنب له وتمني أشد البلاء لمن يكرهونه وقد ~~علموا يقينا أن تلك النيات الفاسدة لا تعجل لهم شيئا مما يتمنونه أو يوجب ~~كونه وأنهم لو صفوا نياتهم وحسنوها لتعجلوا الراحة لأنفسهم وتفرغوا بذلك ~~لمصالح أمورهم ولاقتنوا بذلك عظيم الأجر في المعاد من غير أن يؤخر ذلك شيئا ~~مما يريدونه أو يمنع كونه فأي غبن أعظم من هذه الحال التي نبهنا عليها وأي ~~سعد أعظم من التي دعونا إليها إذا حققت مدة الدنيا لم تجدها إلا الآن الذي ~~هو فصل الزمانين فقط وأما ما مضى وما لم يأت فمعدومان كما لم يكن فمن أضل ~~ممن يبيع باقيا خالدا بمدة هي أقل من كر الطرف إذا نام المرء خرج عن الدنيا ~~ونسي كل سرور وكل حزن فلو رتب نفسه في يقظته على ذلك أيضا لسعد السعادة ~~التامة من أساء إلى أهله وجيرانه فهو أسقطهم ومن كافأ من أساء إليه منهم ~~فهو مثلهم ومن لم يكافئهم بإساءتهم فهو سيدهم وخيرهم وأفضلهم PageV01P020 # | العلم لو لم يكن من فضل العلم إلا أن الجهال يهابونك ويجلونك وأن ~~العلماء يحبونك ويكرمونك لكان ذلك سببا إلى وجوب طلبه فكيف بسائر فضائله في ~~الدنيا والآخرة ولو لم يكن من نقص الجهل إلا أن صاحبه يحسد العلماء ويغبط ~~نظراءه من الجهال لكان ذلك سببا إلى وجوب الفرار عنه فكيف بسائر رذائله في ~~الدنيا والآخرة لو لم يكن من فائدة العلم والاشتغال به إلا أنه يقطع ~~المشتغل به عن الوساوس المضنية ومطارح الآمال التي لا تفيد غير الهم وكفاية ~~الأفكار المؤلمة للنفس لكان ذلك أعظم داع إليه فكيف ms06 وله من الفضائل ما يطول ~~ذكره ومن أقلها ما ذكرنا مما يحصل عليه طالب العلم وفي مثله أتعب ضعفاء ~~الملوك أنفسهم فتشاغلوا عما ذكرنا بالشطرنج والنرد والخمر والأغاني وركض ~~الدواب في طلب الصيد وسائر الفضول التي تعود بالمضرة في الدنيا والآخرة ~~وأما فائدة فلا فائدة لو تدبر العالم في مرور ساعاته ماذا كفاه العلم من ~~الذل بتسلط PageV01P021 الجهال ومن الهم بمغيب الحقائق عنه ومن الغبطة بما ~~قد بان له وجهه من الأمور الخفية عن غيره لزاد حمدا لله عز وجل وغطبة بما ~~لديه من العلم ورغبة في المزيد منه من شغل نفسه بأدنى العلوم وترك أعلاها ~~وهو قادر عليه كان كزارع الذرة في الأرض التي يجود فيها البر وكغارس ~~الشعراء حيث يزكو النخل والزيتون نشر العلم عند من ليس من أهله مفسد لهم ~~كإطعامك العسل والحلواء من به احتراق وحمى أو كتشميمك المسك والعنبر لمن به ~~صداع من احتدام الصفراء الباخل بالعلم ألأم من الباخل بالمال لأن الباخل ~~بالمال أشفق من فناء ما بيده والباخل بالعلم بخل بما لا يفنى على النفقة ~~ولا يفارقه مع البذل من مال بطبعه إلى علم ما وإن كان أدنى من غيره فلا ~~يشغلها بسواه فيكون كغارس النارجيل بالأندلس وكغارس الزيتون بالهند وكل ذلك ~~لا ينجب أجل العلوم ما قربك من خالقك تعالى وما أعانك على الوصول إلى رضاه ~~PageV01P022 أنظر في المال والحال والصحة إلى من دونك وانظر في الدين ~~والعلم والفضائل إلى من فوقك العلوم الغامضة كالدواء القوي يصلح الأجساد ~~القوية ويهلك الأجساد الضعيفة وكذلك العلوم الغامضة تزيد العقل القوي جودة ~~وتصفية من كل آفة وتهلك ذا العقل الضعيف من الغوص على الجنون ما لو غاصه ~~صاحبه على العقل لكان أحكم من الحسن البصري وأفلاطون الأثيني وبزرجمهر ~~الفارسي وقف العقل عند أنه لا ينفع إن لم يؤيد بتوفيق في الدين أو بسعد في ~~الدنيا لا تضر بنفسك في أن تجرب بها الآراء الفاسدة لتري المشير بها فسادها ~~فتهلك فإن ملامة ذي الرأي الفاسد لك ms07 على مخالفته وأنت ناج من المكاره خير ~~لك من أن يعذرك ويندم كلاكما وأنت قد حصلت في مكاره إياك وأن تسر غيرك بما ~~تسوء به نفسك فيما لم توجبه عليك شريعة أو فضيلة وقف العلم عند الجهل بصفات ~~الباري عز وجل لا آفة على العلوم وأهلها أضر من الدخلاء فيها وهم من غير ~~أهلها فإنهم يجهلون ويظنون أنهم يعلمون ويفسدون ويقدرون أنهم يصلحون ~~PageV01P023 من أراد خير الآخرة وحكمة الدنيا وعدل السيرة والاحتواء على ~~محاسن الأخلاق كلها واستحقاق الفضائل بأسرها فليقتد بمحمد رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وليستعمل أخلاقه وسيره ما أمكنه أعاننا الله على الإتساء به ~~بمنه آمين غاظني أهل الجهل مرتين من عمري إحداهما بكلامهم فيما لا يحسنونه ~~أيام جهلي والثانية بسكوتهم عن الكلام بحضرتي فهم أبدا ساكتون عما ينفعهم ~~ناطقون فيما يضرهم وسرني أهل العلم مرتين من عمري إحداهما بتعليمي أيام ~~جهلي والثانية بمذاكرتي أيام علمي من فضل العلم والزهد في الدنيا أنهما لا ~~يؤتيهما الله عز وجل إلا أهلهما ومستحقهما ومن نقص علو أحوال الدنيا من ~~المال والصوت أن أكثر ما يقعان في غير أهلهما وفيمن لا يستحقهما من طلب ~~الفضائل لم يساير إلا أهلها ولم يرافق في تلك الطريق إلا أكرم صديق من أهل ~~المواساة والبر والصدق وكرم العشيرة والصبر والوفاء والأمانة والحلم وصفاء ~~الضمائر وصحة المودة ومن طلب الجاه والمال واللذات لم يساير إلا أمثال ~~الكلاب الكلبة والثعالب الخلبة ولم يرافق في تلك الطريق إلا كل عدو المعتقد ~~خبيث الطبيعة منفعة العلم في استعمال الفضائل عظيمة وهو أنه يعلم حسن ~~الفضائل PageV01P024 فيأتيها ولو في الندرة ويعلم قبح الرذائل فيجتنبها ولو ~~في الندرة ويسمع الثناء الحسن فيرغب في مثله والثناء الرديء فينفر منه فعلى ~~هذه المقدمات يجب أن يكون للعلم حصة في كل فضيلة وللجهل حصة في كل رذيلة ~~ولا يأتي الفضائل ممن لم يتعلم العلم إلا صافي الطبع جدا فاضل التركيب وهذه ~~منزلة خص بها النبيون عليهم الصلاة والسلام لأن الله تعالى علمهم الخير ms08 كله ~~دون أن يتعلموه من الناس وقد رأيت من غمار العامة من يجري من الاعتدال ~~وحميد الأخلاق إلى ما لا يتقدمه فيه حكيم عالم رائض لنفسه ولكنه قليل جدا ~~ورأيت ممن طالع العلوم وعرف عهود الأنبياء عليهم السلام ووصايا الحكماء وهو ~~لا يتقدمه في خبث السيرة وفساد العلانية والسريرة شرار الخلق وهذا كثير جدا ~~فعلمت أنهما مواهب وحرمان من الله تعالى PageV01P025 # الأخلاق والسير إحرص على أن توصف بسلامة الجانب وتحفظ من أن توصف بالدهاء ~~فيكثر المتحفظون منك حتى ربما أضر ذلك بك وربما قتلك وطن نفسك على ما تكره ~~يقل همك إذا أتاك ويعظم سرورك ويتضاعف إذا أتاك ما تحب مما لم تكن قدرته ~~إذا تكاثرت الهموم سقطت كلها الغادر يفي للمجدود والوفي يغدر بالمحدود ~~والسعيد كل السعيد في دنياه من لم يضطره الزمان إلى اختبار الإخوان لا تفكر ~~فيمن يؤذيك فإنك إن كنت مقبلا فهو هالك وسعدك يكفيك وإن كنت مدبرا فكل أحد ~~يؤذيك طوبى لمن علم من عيوب نفسه أكثر مما يعلم الناس منها الصبر على ~~الجفاء ينقسم ثلاثة أقسام فصبر عمن يقدر عليك ولا تقدر عليه وصبر ~~PageV01P026 عمن تقدر عليه ولا يقدر عليك وصبر عمن لا تقدر عليه ولا يقدر ~~عليك فالأول ذل ومهانة وليس من الفضائل والرأي لمن خشي ما هو أشد مما يصبر ~~عليه المتاركة والمباعدة والثاني فضل وبر وهو الحلم على الحقيقة وهو الذي ~~يوصف به الفضلاء والثالث ينقسم قسمين إما أن يكون الجفاء ممن لم يقع منه ~~إلا على سبيل الغلط ويعلم قبح ما أتى به ويندم عليه فالصبر عليه فضل وفرض ~~وهو حلم على الحقيقة وأما من كان لا يدري مقدار نفسه ويظن أن لها حقا ~~يستطيل به فلا يندم على ما سلف منه فالصبر عليه ذل للصابر وإفساد للمصبور ~~عليه لأنه يزيد استشراء والمقارضة له سخف والصواب إعلامه بأنه كان ممكنا أن ~~ينتصر منه وإنه إنما ترك ذلك استرذالا له فقط وصيانة عن مراجعته ولا يزاد ~~على ذلك وأما جفاء السفلة ms09 فليس جزاؤه إلا النكال وحده من جالس الناس لم ~~يعدم هما يؤلم نفسه وإثما يندم عليه في معاده وغيظا ينضج كبده وذلا ينكس ~~همته فما الظن بعد بمن خالطهم وداخلهم والعز والراحة والسرور والسلامة في ~~الانفراد عنهم ولكن اجعلهم كالنار تدفأ بها ولا تخالطها لو لم يكن في ~~مجالسة الناس إلا عيبان لكفيا أحدهما الاسترسال عند الأنس بالأسرار المهلكة ~~القاتلة التي لولا المجالسة لم يبح بها البائح PageV01P027 والثاني مواقعة ~~الغلبة المهلكة في الأخرة فلا سبيل إلى السلامة من هاتين البليتين إلا ~~بالانفراد عن المجالسة جملة لا تحقر شيئا من عمل غد أن تحققه بأن تعجله ~~اليوم وإن قل فإن من قليل الأعمال يجتمع كثيرها وربما أعجز أمرها عند ذلك ~~فيبطل الكل ولا تحقر شيئا مما ترجو به تثقيل ميزانك يوم البعث أن تعجله ~~الآن وإن قل فإنه يحط عنك كثيرا لو اجتمع لقذف بك في النار الوجع والفقر ~~والنكبة والخوف لا يحس أذاها إلا من كان فيها ولا يعلمه من كان خارجا عنها ~~وفساد الرأي والعار والإثم لا يعلم قبحها إلا من كان خارجا عنها وليس يراه ~~من كان داخلا فيها الأمن والصحة والغنى لا يعرف حقها إلا من كان خارجا عنها ~~وليس يعرف حقها من كان فيها وجودة الرأي والفضائل وعمل الآخرة لا يعرف ~~فضلها إلا من كان من أهلها ولا يعرفه من لم يكن من أهلها أول من يزهد في ~~الغادر من غدر له الغادر وأول من يمقت شاهد الزور من شهد له به وأول من ~~تهون الزانية في عينه الذي يزني بها ما رأيتنا شيئا فسد فعاد إلى صحته إلا ~~بعد لأي فكيف بدماغ يتوالى عليه فساد السكر كل ليلة وإن عقلا زين لصاحبه ~~تعجيل إفساده PageV01P028 كل ليلة لعقل ينبغي أن يتهم الطريق تبرم والزرايا ~~تكرم وكثرة المال ترغب وقلته تقنع قد ينحس العاقل بتدبيره ولا يجوز أن يسعد ~~الأحمق بتدبيره لا شيء أضر على السلطان من كثرة المتفرغين حواليه فالحازم ~~يشغلهم بما لا يظلمهم فيه فإن ms10 لم يفعل شغلوه بما يظلمونه فيه وأما مقرب ~~أعدائه فذلك قاتل نفسه كثرة وقوع العين على الشخص يسهل أمره ويهونه التهويل ~~بلزوم تزي ما والاكفهرار وقلة الانبساط ستائر جعلها الجهال الذين مكنتهم ~~الدنيا أمام جهلهم لا يغتر العاقل بصداقة حادثة له أيام دولته فكل أحد ~~صديقه يومئذ إجهد في أن تستعين في أمورك بمن يريد منها لنفسه مثل ما تريد ~~لنفسك ولا تستعن فيها بمن حظه من غيرك كحظه منك لا تجب عن كلام نقل إليك عن ~~قائل حتى توقن أنه قاله فإن من نقل إليك كذبا رجع من عندك بحق ثق بالمتدين ~~وإن كان على غير دينك ولا تثق بالمستخف وإن أظهر أنه على دينك PageV01P029 ~~من استخف بحرمات الله تعالى فلا تأمنه على شيء مما تشفق عليه وجدت ~~المشاركين بأرواحهم أكثر من المشاركين بأموالهم هذا شيء طال إختباري إياه ~~ولم أجد قط على طول التجربة سواه فأعيتني معرفة العلة في ذلك حتى قدرت أنه ~~طبيعة في البشر من قبيح الظلم الإنكار على من أكثر الإساءة إذا أحسن في ~~الندرة ( ) من استراح من عدو واحد حدث له أعداء كثيرة أشبه ما رأيت بالدنيا ~~خيال الظل وهي تماثيل مركبة على مطحنة خشب تدار بسرعة فتغيب طائفة وتبدو ~~أخرى طال تعجبي في الموت وذلك أني صحبت أقواما صحبة الروح للجسد من صدق ~~المودة فلما ماتوا رأيت بعضهم في النوم ولم أر بعضهم وقد كنت عاهدت بعضهم ~~في الحياة على التزوار في المنام بعد الموت إن أمكن ذلك فلم أره في النوم ~~بعد أن تقدمني إلى دار الآخرة فلا أدري أنسي أن شغل غفلة النفس ونسيانها ما ~~كانت فيه في دار الابتلاء قبل حلولها في الجسد كغفلة من وقع في طين غمر عن ~~كل ما عهد وعرف قبل ذلك ثم أطلت الفكر أيضا في ذلك فلاح لي شعب زائد من ~~البيان وهو أني رأيت النائم إذ همت نفسه بالتخلي من جسده وقوي PageV01P030 ~~حسها حتى تشاهد الغيوب قد نسيت ما كان فيه قبيل نومها ms11 نسيانا تاما البتة ~~على قرب عهدها به وحدثت لها أحوال أخر وهي في كل ذلك ذاكرة حساسة متلذذة ~~آلمة ولذة النوم محسوسة في حاله لأن النائم يلتذ ويحتلم ويخاف ويحزن في حال ~~نومه إنما تأنس النفس بالنفس فأما الجسد فمستثقل مهروم به ودليل ذلك ~~استعجال المرء بدفن جسد حبيبه إذا فارقته نفسه وأسفه لذهاب النفس وإن كانت ~~الجثة حاضرة بين يديه لم أر لإبليس أصيد ولا أقبح ولا أحمق من كلمتين ~~ألقاهما على ألسنة دعاته إحداهما اعتذار من أساء بأن فلانا أساء قبله ~~والثانية استسهال الإنسان أن يسيء اليوم لأنه قد أساء أمس أو أن يسيء في ~~وجه ما لأنه قد أساء في غيره فقد صارت هاتان الكلمتان عذرا مسهلتين للشر ~~ومدخلتين له في حد ما يعرف ويحمل ولا ينكر استعمل سوء الظن حيث تقدر على ~~توفيته حقه في التحفظ والتأهب واستعمل حسن الظن حيث لا طاقة بك على التحفظ ~~فتربح راحة النفس حد الجود وغايته أن تبذل الفضل كله في وجوه البر وأفضل ~~ذلك في الجار المحتاج وذي الرحم الفقير وذي النعمة الذاهبة والأحضر فاقة ~~ومنع الفضل من هذه الوجوه داخل في البخل وعلى قدر التقصير والتوسع في ذلك ~~يكون المدح والذم وما وضع في غير هذه الوجوه فهو PageV01P031 تبذير وهو ~~مذموم وما بذلت من قوتك لمن هو أمس حاجة منك فهو فضل وإيثار وهو خير من ~~الجود وما منع من هذا فهو لا حمد ولا ذم وهو انتصاف بذل الواجبات فرض وبذل ~~ما فضل عن القوت جود والإيثار على النفس من القوت بما لا تهلك على عدمه فضل ~~ومنع الواجبات حرام ومنع ما فضل عن القوت بخل وشح والمنع من الإيثار ببعض ~~القوت عذر ومنع النفس أو الأهل القوت أو بعضه نتن ورذالة ومعصية والسخاء ~~بما ظلمت فيه أو أخذته بغير حقه ظلم مكرر والذم جزاء ذلك لا الحمد لأنك ~~إنما تبذل مال غيرك على الحقيقة لا مالك وإعطاء الناس حقوقهم مما عندك ليس ~~جودا ولكنه حق حد ms12 الشجاعة بذل النفس للموت عن الدين والحريم وعن الجار ~~المضطهد وعن المتسجير المظلوم وعن الهضيمة ظلما في المال والعرض وفي سائر ~~سبل الحق سواء قل من يعارض أو كثر والتقصير عما ذكرنا جبن وخور وبذلها في ~~عرض الدنيا تهور وحمق وأحمق من ذلك من بذلها في المنع عن الحقوق الواجبات ~~قبلك أو قبل غيرك وأحمق من هؤلاء كلهم قوم شاهدتهم لا يدرون فيما يبذلون ~~أنفسهم فتارة يقاتلون زيدا عن عمرو وتارة يقاتلون عمرا عن زيد ولعل ذلك ~~يكون في يوم واحد فيتعرضون للمهالك بلا معنى فينقلبون إلى النار أو يفرون ~~إلى العار وقد أنذر بهؤلاء رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله ( يأتي ~~على الناس زمان لا يدري القاتل فيم قتل ولا المقتول فيم قتل ) PageV01P032 ~~حد العفة أن تغض بصرك وجميع جوارحك عن الأجسام التي لا تحل لك فما عدا هذا ~~فهو عهر وما نقص حتى يمسك عما أحل الله تعالى فهو ضعف وعجز حد العدل أن ~~تعطي من نفسك الواجب وتأخذه وحد الجور أن تأخذه ولا تعطيه وحد الكرم أن ~~تعطي من نفسك الحق طائعا وتتجافى عن حقك لغيرك قادرا وهو فضل أيضا وكل جود ~~كرم وفضل وليس كل كرم وفضل جودا فالفضل أعم والجود أخص إذ الحلم فضل وليس ~~جودا والفضل فرض زدت عليه نافلة إهمال ساعة يفسد رياضة سنة خطأ الواحد في ~~تدبير الأمور خير من صواب الجماعة التي لا يجمعها واحد لأن الواحد في ذلك ~~يستدرك وصواب الجماعة يضري على استدامة الإهمال وفي ذلك الهلاك نوار الفتنة ~~لا يعقد كانت في عيوب فلم أزل بالرياضة واطلاعي على ما قالت الأنبياء صلوت ~~الله عليهم والأفاضل من الحكماء المتأخرين والمتقدمين في الأخلاق وفي آداب ~~النفس أعاني مداواتها حتى أعان الله عز وجل على أكثر ذلك بتوفيقه ومنه ~~وتمام العدل ورياضة النفس والتصرف بأزمة الحقائق هو الإقرار بها ليتعظ بذلك ~~متعظ يوما إن شاء الله PageV01P033 فمنها كلف في الرضاء وإفراط في الغضب ~~فلم أزل أداوي ذلك حتى وقفت ms13 عند ترك إظهار الغضب جملة بالكلام والفعل ~~والتخبط وامتنعت مما لا يحل من الانتصار وتحملت من ذلك ثقلا شديدا وصبرت ~~على مضض مؤلم كان ربما أمرضني وأعجزني ذلك في الرضا وكأني سامحت نفسي في ~~ذلك لأنها تمثلت أن ترك ذلك لؤم ومنها دعابة غالبة فالذي قدرت عليه فيها ~~إمساكي عما يغضب الممازح وسامحت نفسي فيها إذ رأيت تركها من الانغلاق ~~ومضاهيا للكبر ومنها عجب شديد فناظر عقلي نفسي بما يعرفه من عيوبها حتى ذهب ~~كله ولم يبق له والحمد لله أثر بل كلفت نفسي احتقار قدرها جملة واستعمال ~~التواضع ومنها حركات كانت تولدها غرارة الصبا وضعف الإغضاء فقصرت نفسي على ~~تركها فذهبت ومنها محبة في بعد الصيت والغلبة فالذي وقفت عليه من معاناة ~~هذا الداء الإمساك فيه عما لا يحل في الديانة والله المستعان على الباقي مع ~~أن ظهور النفس الغضبية إذا كانت منقادة للناطقة فضل وخلق محمود ومنها إفراط ~~في الأنفة بغضت إلي إنكاح الحرم جملة بكل وجه وصعبت ذلك في طبيعتي وكأني ~~توقفت عن مغالبة هذا الإفراط الذي أعرف قبحه لعوارض اعترضت علي والله ~~المستعان ومنها عيبان قد سترهما الله تعالى وأعان على مقاومتهما وأعان ~~بلطفه عليهما فذهب أحدهما ألبتة ولله الحمد وكأن السعادة كانت موكلة بي ~~فإذا لاح منه طالع قصدت طمسه وطاولني الثاني منهما فكان إذا ثارت منه مدوده ~~نبضت عروقه فيكاد يظهر PageV01P034 ثم يسر الله تعالى قدعه بضروب من لطفه ~~تعالى حتى أخلد ومنها حقد مفرط قدرت بعون الله تعالى على طيه وستره وغلبته ~~على إظهار جميع نتائجه وأما قطعه ألبتة فلم أقدر عليه وأعجزني معه أن أصادق ~~من عاداني عداوة صحيحة أبدا وأما سوء الظن فيعده قوم عيبا على الإطلاق وليس ~~كذلك إلا إذا أدى صاحبه إلى ما لا يحل في الديانة أو إلى ما يقبح في ~~المعاملة وإلا فهو حزم والحزم فضيلة وأما الذي يعيبني به جهال أعدائي من ~~أني لا أبالي فيما أعتقده حقا عن مخالفة من خالفته ولو أنهم جميع من ms14 على ~~ظهر الأرض وأني لا أبالي موافقة أهل بلادي في كثير من زيهم الذي قد تعودوه ~~لغير معنى فهذه الخصلة عندي من أكبر فضائلي التي لا مثيل لها ولعمري لو لم ~~تكن في وأعوذ بالله لكانت من أعظم متمنياتي وطلباتي عند خالقي عز وجل وأنا ~~أوصي بذلك كل من يبلغه كلامي فلن ينفعه اتباعه الناس في الباطل والفضول إذا ~~أسخط ربه تعالى وغبن عقله أو آلم نفسه وجسده وتكلف مؤونة لا فائدة فيها وقد ~~عابني أيضا بعض من غاب عن معرفة الحقائق أني لا آلم لنيل من نال مني وأني ~~أتعدى ذلك من نفسي إلى إخواني فلا أمتعض لهم إذا نيل منم بحضرتي وأنا أقول ~~إن من وصفني بذلك فقد أجمل الكلام ولم يفسره والكلام إذا أجمل أندرج فيه ~~تحسن القبيح وتقبيح الحسن ألا ترى لو أن قائلا قال أن فلانا يطأ أخته لفحش ~~ذلك ولاستقبحه كل سامع له حتى إذا فسر فقال هي أخته في الإسلام ظهر فحش هذا ~~PageV01P035 الإجمال وقبحه وأما أنا فإني إن قلت لا آلم لنيل من نال مني لم ~~أصدق فالألم في ذلك مطبوع مجبول في البشر كلهم لكني قد قصرت نفسي على أن لا ~~أظهر لذلك غضبا ولا تخبطا ولا تهيجا فإن تيسر لي الإمساك عن المقارضة جملة ~~بأن أتأهب لذلك فهو الذي أعتمد عليه بحول الله تعالى وقوته وإن بادرني ~~الأمر لم أقارض إلا بكلام مؤلم غير فاحش أتحرى فيه الصدق ولا أخرجه مخرج ~~الغضب ولا الجهل وبالجملة فإني كاره لهذا إلا لضرورة داعية إليه مما أرجو ~~به قمع المستشري في النيل مني أو قدع الناقل إلي إذ أكثر الناس محبون ~~لإسماع المكروه من يسمعونه إياه على ألسنة غيرهم ولا شيء أقدع لهم من هذا ~~الوجه فإنهم يكفون به عن نقلهم المكاره على ألسنة الناس إلى الناس وهذا شيء ~~لا يفيد إلا إفساد الضمائر وإدخال التمائم فقط ثم بعد هذا فإن النائل مني ~~لا يخلو من أحد وجهين لا ثالث لهما إما أن ms15 يكون كاذبا وإما أن يكون صادقا ~~فإن كان كاذبا فلقد عجل الله لي الانتصار منه على لسان نفسه بأن حصل في ~~جملة أهل الكذب وبأن نبه علي فضلي بأن نسب إلي ما أنا منه بريء العرض وما ~~يعلم أكثر السامعين له كذبه إما في وقته ذلك وإما بعد بحثهم عما قال وإن ~~كان صادقا فإنه لا يخلو من أحد ثلاثة أوجه إما أن أكون شاركته في أمر ~~استرحت إليه استراحة المرء إلى من يقدر فيه ثقة وأمانة فهذا أسوأ الناس ~~حالة وكفى به سقوطا وضعة وإما أن يكون عابني بما يظن أنه عيب وليس عيبا فقد ~~كفاني جهله شأنه وهو المعيب لا من عاب وإما أن يكون عابني بعيب هو في على ~~الحقيقة وعلم مني PageV01P036 نقصا أطلق به لسانه فإن كان صادقا فنفسي أحق ~~بأن ألوم منه وأنا حينئذ أجدر بالغضب على نفسي مني على من عابني بالحق وأما ~~أمر إخواني فإني لست أمسك عن الامتعاض لهم لكني امتعض امتعاضا رقيقا لا ~~أزيد فيه أن أندم القائل منهم بحضرتي وأجعله يتذمم ويعتذر ويخجل ويتنصل ~~وذلك بأن أسلك به طريق ذم من نال من الناس وأن نظر المرء في أمر نفسه ~~والتهمم بإصلاحها أولى به من تتبع عثرات الناس وبأن أذكر فضل صديقي فأبكته ~~على اقتصاره على ذكر العيب دون ذكر الفضيلة وأن أقول له إنه لا يرضى بذلك ~~فيك فهو أولى بالكرم منك فلا ترض لنفسك بهذا أو نحو هذا من القول وأما أن ~~أهارش القائل فأحميه وأهيج طباعه وأستثير غضبه فينبعث منه في صديقي أضعاف ~~ما أكره فأنا الجاني حينئذ على صديقي والمعرض له بقبيح السب وتكراره فيه ~~وإسماعه من لم يسمعه والإغرار به وربما كنت أيضا في ذلك جانيا على نفسي ما ~~لا ينبغي لصديقي أن يرضاه لي من إسماعي الجفاء والمكروه وأنا لا أريد من ~~صديقي أن يذب عني بأكثر من الوجه الذي حددت فإن تعدى ذلك إلى أن يساب ~~النائل مني حتى يولد بذلك أن يتضاعف ms16 النيل وأن يتعدى أيضا إليه بقبيح ~~المواجهة وربما إلى أبوي وأبويه على قدر سفه النائل ومنزلته من البذاءة ~~وربما كانت منازعة بالأيدي فأنا مستنقص لفعله في ذلك زار عليه متظلم منه ~~PageV01P037 غير شاكر له لكني ألومه على ذلك أشد اللوم وبالله تعالى ~~التوفيق وذمني أيضا بعض من تعسف الأمور دون تحقيق بأني أضيع مالي وهذه جملة ~~بيانها أني لا أضيع منه إلا ما كان في حفظه نقص ديني أو إخلاق عرضي أو ~~إتعاب نفسي فإني أرى الذي أحفظ من هذه الثلاثة وإن قل أجل في العوض مما ~~يضيع من مالي ولو أنه كل ما ذرت عليه الشمس ووجدت أفضل نعم الله تعالى على ~~المرء أن يطبعه على العدل وحبه وعلى الحق وإيثاره فما استعنت على قمع هذه ~~الطوالع الفاسدة وعلى كل خير في الدين والدنيا إلا بما في قوتي من ذلك ولا ~~حول ولا قوة إلا بالله تعالى وأما من طبع على الجور واستسهاله وعلى الظلم ~~واستخفافه فلييأس من يصلح أن نفسه أو يقوم طباعه أبدا وليعلم أنه لا يفلح ~~في دين ولا في خلق محمود وأما الزهو والحسد والكذب والخيانة فلم أعرفها ~~بطبعي قط وكأنني لا حمد لي في تركها لمنافرة جبلتي إياها والحمد لله رب ~~العالمين من عيب حب الذكر أنه يحبط الأعمال إذا أحب عاملها أن يذكر بها ~~فكاد يكون شركا لأنه يعمل لغير الله تعالى وهو يطمس الفضائل لأن صاحبه لا ~~يكاد يفعل الخير حبا للخير لكن ليذكر به أبلغ في ذمك من مدحك بما ليس فيك ~~لأنه نبه على نقصك PageV01P038 وأبلغ في مدحك من ذمك بما ليس فيك لأنه نبه ~~على فضلك ولقد انتصر لك من نفسه بذلك وباستهدافه إلى الإنكار واللائمة لو ~~علم الناقص نقصه لكان كاملا لا يخلو مخلوق من عيب فالسعيد من قلت عيوبه ~~ودقت أكثر ما يكون ما لم يظن فالحزم هو التأهب لما يظن فسبحان من رتب ذلك ~~ليري الإنسان عجزه وافتقاره إلى خالقه عز وجل PageV01P039 # | الإخوان والصداقة والنصيحة إستبقاك ms17 من عاتبك وزهد فيك من استهان ~~بسيئاتك العتاب للصديق كالسبك للسبيكة فإما تصفو وإما تطير من طوى من ~~إخوانك سره الذي يعنيك دونك أخون لك ممن أفشى سرك لأن من أفشى سرك فإنما ~~خانك فقط ومن طوى سره دونك منهم فقد خانك واستخونك لا ترغب فيمن يزهد فيك ~~فتحصل على الخيبة والخزي لا تزهد فيمن يرغب فيك فإنه باب من أبواب الظلم ~~وترك مقارضة الإحسان وهذا قبيح من امتحن بأن يخالط الناس فلا يلق بوهمه كله ~~إلى من صحب ولا يبن منه إلا على أنه عدو مناصب ولا يصبح كل غداة إلا وهو ~~مترقب من غدر إخوانه وسوء معاملتهم مثل ما يترقب من العدو المكاشف فإن سلم ~~من ذلك فلله الحمد وإن كانت الأخرى ألفي متأهبا ولم يمت هما وأنا أعلمك أن ~~بعض من خالصني المودة وأصفاني PageV01P040 إياها غاية الصفاء في حال الشدة ~~والرخاء والسعة والضيق والغضب والرضى تغير علي أقبح تغير بعد اثنى عشر عاما ~~متصلة في غاية الصفاء ولسبب لطيف جدا ما قدرت قط أنه يؤثر مثله في أحد من ~~الناس وما صلح لي بعدها ولقد أهمني ذلك سنين كثيرة هما شديدا ولكن لا ~~تستعمل مع هذا سوء المعاملة فتلحق بذوي الشرارة من الناس وأهل الحب منهم ~~ولكن هاهنا طريق وعرة المسلك شاقة المتكلف يحتاج سالكها إلى أن يكون أهدى ~~من القطا وأحذر من العقعق حتى يفارق الناس راحلا إلى ربه تعالى وهذه الطريق ~~هي طريق الفوز في الدين والدنيا يحرز صاحبها صفاء نيات ذوي النفوس السليمة ~~والعقود الصحيحة البرآء من المكر والخديعة ويحوي فضائل الأبرار وسجايا ~~الفضلاء ويحصل مع ذلك على سلامة الدهاة وتخلص الخبثاء ذوي النكراء والدهاء ~~وهي أن تكتم سر كل من وثق بك وأن لا تفشي إلى أحد من إخوانك ولا من غيرهم ~~من سرك ما يمكنك طيه بوجه ما من الوجوه وإن كان أخص الناس بك وأن تفي لجميع ~~من ائتمنك ولا تأمن أحدا على شيء من أمرك تشفق عليه إلا لضرورة لا ms18 بد منها ~~فارتد حينئذ واجتهد وعلى الله تعالى الكفاية وابذل فضل مالك وجاهك لمن سألك ~~أو لم يسألك ولكل من PageV01P041 احتاج إليك وأمكنك نفعه وإن لم يعتمدك ~~بالرغبة ولا تشعر نفسك انتظار مقارضة على ذلك من غير ربك عز وجل ولا تبن ~~إلا على أن من أحسنت إليه أول مضر بك وساع عليك فإن ذوي التراكيب الخبيثة ~~يبغضون لشدة الحسد كل من أحسن إليهم إذا رأوه في أعلى من أحوالهم وعامل كل ~~أحد في الإنس أحسن معاملة وأضمر السلو عنه إن فات ببعض الآفات التي تأتي مع ~~مرور الأيام والليالي تعش مسالما مستريحا لا تنصح على شرط القبول ولا تشفع ~~على شرط الإجابة ولا تهب على شرط الإثابة لكن على سبيل استعمال الفضل ~~وتأدية ما عليك من النصيحة والشفاعة وبذل المعروف حد الصداقة الذي يدور على ~~طرفي محدوده هو أن يكون المرء يسوءه ما يسوء الآخر ويسره ما يسره فما سفل ~~عن هذا فليس صديقا ومن حمل هذه الصفة فهو صديق وقد يكون المرء صديقا لمن ~~ليس صديقه وأما الذي يدخل في باب الإضافة فهو المصادق فهذا يقتضي فعلا من ~~فاعلين إذ قد يحب الإنسان من يبغضه وأكثر ذلك في الآباء مع الأبناء وفي ~~الإخوة مع إخوتهم وبين الأزواج وفيمن صارت محبته عشقا وليس كل صديق ناصحا ~~لكن كل ناصح صديق فيما نصح فيه وحد النصيحة هو أن يسوء المرء ما ضر الآخر ~~ساء ذلك الآخر أو لم يسؤه وأن يسره ما نفعه سر الآخر أو ساءه فهذا شرط في ~~النصيحة زائد على شروط الصداقة وأقصى غايات الصداقة التي لا مزيد عليها من ~~شاركك بنفسه وبماله PageV01P042 لغير علة توجب ذلك وآثرك على من سواك ولولا ~~أني شاهدت مظفرا ومباركا صاحبي بلنسية لقدرت أن هذا الخلق معدوم في زماننا ~~ولكني ما رأيت قط رجلين استوفيا جميع أسباب الصداقة مع تأتي الأحوال ~~الموجبة للفرقة غيرهما ليس شيء من الفضائل أشبه بالرذائل من الاستكثار من ~~الإخوان والأصدقاء فإن ذلك فضيلة تامة متركبة لأنهم ms19 لا يكتسبون إلا بالحلم ~~والجود والصبر والوفاء والاستضلاع والمشاركة والعفة وحسن الدفاع وتعليم ~~العلم وبكل حالة محمودة ولسنا نعني الشاكرية والأتباع أيام الحرمة فأولئك ~~لصوص الإخوان وخبث الأصدقاء والذين يظن أنهم أولياء وليسوا كذلك ودليل ذلك ~~إنحرافهم عند إنحراف الدنيا ولا نعني أيضا المصادقين لبعض الأطماع ولا ~~المتنادمين على الخمر والمجتمعين على المعاصي والقبائح والمتألفين على ~~النيل من أعراض الناس والأخذ في الفضول وما لا فائدة فيه فليس هؤلاء أصدقاء ~~ودليل ذلك أن بعضهم ينال من بعض وينحرف عنه عند فقد تلك الرذائل التي ~~جمعتهم وإنما نعني إخوان الصفاء لغير معنى إلا لله عز وجل إما للتناصر على ~~بعض الفضائل الجدية وإما لنفس المحبة المجردة فقط ولكن إذا أحصيت عيوب ~~الاستكثار منهم وصعوبة الحال في إرضائهم والغرر في مشاركتهم وما يلزمك من ~~الحق لهم عند نكبة تعرض لهم فإن غدرت بهم أو أسلمتهم لؤمت وذممت وإن وفيت ~~أضررت PageV01P043 بنفسك وربما هلكت وهذا الذي لا يرضى الفاضل بسواه إذا ~~تنشب في الصداقة وإذا تفكرت في الهم بما يعرض لهم وفيهم من موت أو فراق أو ~~غدر من يغدر منهم كاد السرور بهم لا يفي بالحزن الممض من أجلهم وليس في ~~الرذائل أشبه بالفضائل من محبة المدح ودليل ذلك أنه في الوجه سخف ممن يرضى ~~به وقد جاء في الأثر في المداحين ما جاء إلا أنه قد ينتفع به في الإقصار عن ~~الشر والتزيد من الخير وفي أن يرغب في ذلك الخلق الممدوح من سمعه ولقد صح ~~عندي أن بعض السائسين للدنيا لقي رجلا من أهل الأذى للناس وقد قلد بعض ~~الأعمال الخبيثة فقابله بالثناء عليه وبأنه قد سمع شكره مستفيضا ووصفه ~~بالجميل والرفق منتشرا فكان ذلك سببا إلى إقصار ذلك الفاسق عن كثير من شره ~~بعض أنواع النصيحة يشكل تمييزه من النميمة لأن من سمع إنسانا يذم آخر ظالما ~~له أو يكيده ظالما له فكتم ذلك عن المقول فيه والمكيد كان الكاتم لذلك ~~ظالما مذموما ثم إن أعلمه بذلك على وجهه ms20 كان ربما قد ولد على الذام والكائد ~~ما لم يبلغه استحقاقه بعد من الأذى فيكون ظالما له وليس من الحق أن يقتص من ~~الظالم بأكثر من قدر ظلمه فالتخلص من هذا الباب صعب إلا على ذوي العقول ~~والرأي للعاقل في مثل هذا أن يحفظ المقول فيه من القائل فقط دون أن ~~PageV01P044 يبلغه ما قال لئلا يقع في الاسترسال زائد فيهلك وأما في الكيد ~~فالواجب أن يحفظه من الوجه الذي يكاد منه بألطف ما يقدر في الكتمان على ~~الكائد وأبلغ ما يقدر في تحفيظ المكيد ولا يزد على هذا شيئا وأما النميمة ~~فهي التبليغ لما سمع مما لا ضرر فيه على المبلغ إليه وبالله التوفيق ~~النصيحة مرتان فالأولى فرض وديانة والثانية تنبيه وتذكير وأما الثالثة ~~فتوبيخ وتقريع وليس وراء ذلك إلا التركل واللطام اللهم إلا في معاني ~~الديانة فواجب على المرء تزداد النصح فيها رضي المنصوح أو سخط تأذى الناصح ~~بذلك أو لم يتأذ وإذا نصحت فانصح سرا لا جهرا وبتعريض لا تصريح إلا أن لا ~~يفهم المنصوح تعريضك فلا بد من التصريح ولا تنصح على شرط القبول منك فإن ~~تعديت هذه الوجوه فأنت ظالم لا ناصح وطالب طاعة وملك لا مؤدي حق أمانة ~~وأخوة وليس هذا حكم العقل ولا حكم الصداقة لكن حكم الأمير مع رعيته والسيد ~~مع عبيده لا تكلف صديقك إلا مثل ما تبذل له من نفسك فإن طلبت أكثر فأنت ~~ظالم ولا تكسب إلا على شرط الفقد ولا تتول إلا على شرط العزل وإلا فأنت مضر ~~بنفسك خبيث السيرة مسامحة أهل الاستئثار والاستغنام والتغافل لهم ليس مروءة ~~ولا فضيلة PageV01P045 بل هو مهانة وضعف وتضرية لهم على التمادي على ذلك ~~الخلق المذموم وتغبيط لهم به وعون لهم على ذلك الفعل السوء وإنما تكون ~~المسامحة مروءة لأهل الإنصاف المبادرين إلى الإنصاف والإيثار فهؤلاء فرض ~~على أهل الفضل أن يعاملوهم بمثل ذلك لا سيما إن كانت حاجتهم أمس وضرورتهم ~~أشد فإن قال قائل فإذا كان كلامك هذا موجبا لإسقاط المسامحة ms21 والتغافل ~~للإخوان فيه استوى الصديق والعدو والأجبني في المعاملة فهذا فساد ظاهر ~~فنقول وبالله التوفيق كلاما لا يحض إلا على المسامحة والتغافل والإيثار ليس ~~لأهل التغنم لكن للصديق حقا فإن أردت معرفة وجه العمل في هذا والوقوف على ~~نهج الحق فإن القصة التي توجب الأثرة من المرء على نفسه صديقه ينبغي لكل ~~واحد من الصديقين أن يتأمل ذلك الأمر فأيهما كان أمس حاجة فيه وأظهر ضرورة ~~لديه فحكم الصداقة والمروءة تقتضي للآخر وتوجب عليه أن يؤثر على نفسه في ~~ذلك فإن لم يفعل فهو متغنم مستكثر لا ينبغي أن يسامح ألبتة إذ ليس صديقا ~~ولا أخا فأما إذا استوت حاجتهما واتفقت ضرورتهما فحق الصداقة ها هنا أن ~~يسارع كل واحد منهما إلى الأثرة على نفسه فإن فعلا ذلك فهما صديقان وإن بدر ~~أحدهما إلى ذلك ولم يبادر الآخر إليه فإن كانت عادته هذه فليس صديقا ولا ~~ينبغي أن يعامل معاملة PageV01P046 الصداقة وإن كان قد يبادر هو أيضا إلى ~~مثل ذلك في قصة أخرى فهما صديقان من أردت قضاء حاجته بعد أن سألك إياها أو ~~أردت ابتداءه بقضائها فلا تعمل له إلا ما يريد هو لا ما تريد أنت وإلا ~~فأمسك فإن تعديت هذا كنت مسيئا لا محسنا ومستحقا للوم منه ومن غيره لا ~~للشكر ومقتضيا للعداوة لا للصداقة لا تنقل إلى صديقك ما يؤلم نفسه ولا ~~ينتفع بمعرفته فهذا فعل الأرذال ولا تكتمه ما يستضر بجهله فهذا فعل أهل ~~الشر ولا يسرك أن تمدح بما ليس فيك بل ليعظم غمك بذلك لأنه نقصك ينبه الناس ~~عليه ويسمعهم إياه وسخرية منك وهزؤ بك ولا يرضى بهذا إلا أحمق ضعيف العقل ~~ولا تأس إن ذممت بما ليس فيك بل افرح به فإنه فضلك ينبه الناس عليه ولكن ~~افرح إذا كان فيك ما تستحق به المدح وسواء مدحت به أو لم تمدح واحزن إذا ~~كان فيك ما تستحق به الذم وسواء ذممت به أو لم تذم من سمع قائلا يقول في ~~امرأة صديقه ms22 قول سوء فلا يخبره بذلك أصلا لا سيما إذا كان القائل عيابة ~~وقاعا في الناس سليط اللسان أو دافع معرة عن نفسه يريد أن يكثر أمثاله في ~~الناس وهذا كثير موجود وبالجملة فلا يحدث الإنسان إلا بالحق وقول هذا ~~القائل لا يدرى أحق هو أم باطل إلا أنه في الديانة عظيم فإن سمع القول ~~مستفيضا من جماعة وعلم أن أصل ذلك القول شائع PageV01P047 وليس راجعا إلى ~~قول إنسان واحد أو اطلع على حقيقته إلا أنه لا يقدر أن يوقف صديقه على ما ~~وقف هو عليه فليخبره بذلك بينه وبينه في رفق وليقل له النساء كثير أو حصن ~~منزلك وثقف أهلك أو اجتنب أمرا كذا وتحفظ من وجه كذا فإن قبل المنصوح وتحرز ~~فحظ نفسه أصاب وإن رآه لا يتحفظ ولا يبالي أمسك ولم يعاوده بكلمة وتمادى ~~على صداقته إياه فليس في أن لا يصدقه في قوله ما يوجب قطيعته فإن اطلع على ~~حقيقة وقدر أن يوقف صديقه على مثل ما وقف عليه هو من الحقيقة ففرض عليه أن ~~يخبره بذلك وأن يوقفه على الجلية فإن غير فذلك وإن رآه لا يغير اجتنب صحبته ~~فإنه رذل لا خير فيه ولا نقية ودخول رجل متستر في منزل المرء دليل سوء لا ~~يحتاج إلى غيره ودخول المرأة في منزل رجل على سبيل التستر مثل ذلك أيضا ~~وطلب دليل أكثر من هذين سخف وواجب أن يجتنب مثل هذه المرأة وفراقها على كل ~~حال وممسكها لا يبعد عن الدياثة الناس في أخلاقهم على سبع مراتب فطائفة ~~تمدح في الوجه وتذم في المغيب وهذه صفة أهل النفاق من العيابين وهذا خلق ~~فاش في الناس غالب عليهم وطائفة تذم في المشهد والمغيب وهذه صفة أهل ~~السلاطة والوقاحة من العيابين وطائفة تمدح في الوجه والمغيب وهذه صفة أهل ~~الملق والطمع وطائفة تذم في المشهد وتمدح في المغيب وهذه صفة أهل السخف ~~والنواكة وأما أهل الفضل فيمسكون عن المدح PageV01P048 والذم في المشاهدة ~~ويثنون بالخير في المغيب أو يمسكون عن ms23 الذم وأما العيابون البرآء من النفاق ~~والقحة فيمسكون في المشهد ويذمون في المغيب وأما أهل السلامة فيمسكون عن ~~المدح وعن الذم في المشهد والمغيب ومن كل من أهل هذه الصفات قد شاهدنا ~~وبلونا إذا نصحت في الخلاء وبكلام لين ولا تسند سب من تحدثه إلى غيرك فتكون ~~نماما فإن خشنت كلامك في النصيحة فذلك إغراء وتنفير وقد قال الله تعالى ~~@QB@ فقولا له قولا لينا @QE@ وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( لا ~~تنفروا ) وإن نصحت بشرط القبول منك فأنت ظالم ولعلك مخطئ في وجه نصحك فتكون ~~مطالبا بقبول خطئك وبترك الصواب لكل شيء فائدة ولقد انتفعت بمحك أهل الجهل ~~منفعة عظيمة وهي أنه توقد طبعي واحتدم خاطري وحمي فكري وتهيج نشاطي فكان ~~ذلك سببا إلى تواليف لي عظيمة المنفعة ولولا استثارتهم ساكني واقتداحهم ~~كامني ما انبعثت لتلك التواليف لا تصاهر إلى صديق ولا تبايعه فما رأينا ~~هذين العملين إلا سببا للقطيعة وإن ظن أهل الجهل أن فيهما تأكيدا للصلة ~~فليس كذلك لأن هذين العقدين داعيان كل واحد إلى طلب حظ نفسه والمؤثرون على ~~أنفسهم قليل جدا فإذا اجتمع طلب كل امرئ حظ نفسه PageV01P049 وقعت المنازعة ~~ومع وقوعها فساد المروءة وأسلم المصاهرة مغبة مصاهرة الأهلين بعضهم بعضا ~~لأن القرابة تقتضي العدل وإن كرهوه لأنهم مضمرون إلى ما لا انفكاك لهم منه ~~من الاجتماع في النسب الذي توجب الطبيعة لكل أحد الذب عنه والحماية له ~~PageV01P050 # المحبة وأنواعها المحبة كلها جنس واحد ورسمها أنها الرغبة في المحبوب ~~وكراهة منافرته والرغبة في المقارضة منه بالمحبة وإنما قدر الناس أنها ~~تختلف من أجل اختلاف الأغراض فيها وإنما اختلفت الأغراض من أجل اختلاف ~~الأطماع وتزايدها وضعفها أو انحسامها فتكون المحبة لله عز وجل وفيه ~~وللاتفاق على بعض المطالب وللأب والابن والقرابة والصديق وللسلطان ولذات ~~الفراش وللمحسن وللمأمول وللمعشوق فهذا كله جنس واحد اختلفت أنواعه كما ~~وصفت لك على قدر الطمع فيما ينال من المحبوب فلذلك اختلفت وجوه المحبة وقد ~~رأينا من مات أسفا على ولده كما ms24 يموت العاشق أسفا على معشوقه وبلغنا عمن ~~شهق من خوف الله تعالى ومحبته فمات ونجد المرء يغار على سلطانه وعلى صديقه ~~كما يغار على ذات فراشه وكما يغار العاشق على معشوقه فأدنى أطماع المحبة ~~ممن تحب الحظوة منه والرفعة لديه والزلفة عنده إذا لم تطمع في أكثر وهذه ~~غاية PageV01P051 أطماع المحبين لله عز وجل ثم يزيد الطمع في المجالسة ثم ~~في المحادثة والموازرة وهذه أطماع المرء في سلطانه وصديقه وذوي رحمه وأقصى ~~أطماع المحب ممن يحب المخالطة بالأعضاء إذا رجا ذلك ولذلك تجد المحب المفرط ~~المحبة في ذات فراشه يرغب في جماعها على هيئات شتى وفي أماكن مختلفة ~~ليستكثر من الاتصال ويدخل في هذا الباب الملامسة بالجسد والتقبيل وقد يقع ~~بعض هذا الطمع في الأب في ولده فيتعدى إلى التقبيل والتعنيق وكل ما ذكرنا ~~إنما هو على قدر الطمع فإذا انحسم الطمع عن شيء ما لبعض الأسباب الموجبة له ~~مالت النفس إلى ما تطمع فيه ونجد المقر بالرؤية لله عز وجل شديد الحنين ~~إليها عظيم النزوع نحوها لا يقنع بدرجة دونها لأنه يطمع فيها وتجد المنكر ~~لها لا تحن نفسه إلى ذلك ولا يتمناه أصلا لأنه لا يطمع فيه وتجده يقتصر على ~~الرضا والحلول في دار الكرامة فقط لأنه لا تطمع نفسه في أكثر ونجد المستحل ~~لنكاح القرائب لا يقنع منهن بما يقنع المحرم لذلك ولا تقف محبته حيث تقف ~~محبة من لا يطمع في ذلك فتجد من يستحل نكاح ابنته وابنة أخيه كالمجوس ~~واليهود لا يقف من محبتهما حيث تقف محبة المسلم بل نجدهما يتعشقان الابنة ~~وابنة الأخ كتعشق المسلم فيمن يطمع في مخالطته بالجماع ولا نجد مسلما يبلغ ~~ذلك فيهما ولو أنهما أجمل من الشمس وكان هو أعهر الناس وأغزلهم فإن وجد ذلك ~~في الندرة فلا تجده إلا من فاسد الدين قد زال عنه ذلك الرادع فانفسح له ~~الأمل وانفتح له باب الطمع ولا يؤمن من المسلم أن تفرط محبته لابنة عمه حتى ~~تصير عشقا وحتى تتجاوز محبته ms25 لها PageV01P052 محبته لابنته وابنة أخيه وإن ~~كانتا أجمل منها لأنه يطمع من الوصول إلى ابنة عمه حيث لا يطمع من الوصول ~~إلى ابنته وابنة أخيه ونجد النصراني قد أمن ذلك من نفسه في ابنة عمه أيضا ~~لأنه لا يطمع منها في ذلك ولا يأمن ذلك من نفسه في أخته من الرضاعة لأنه ~~طامع بها في شريعته فلاح بهذا عيانا ما ذكرنا من أن المحبة كلها جنس واحد ~~لكنها تختلف أنواعها على قدر اختلاف الأغراض فيها وإلا فطبائع البشر كلهم ~~واحدة إلا أن للعادة والاعتقاد الديني تأثيرا ظاهرا ولسنا نقول إن الطمع له ~~تأثير في هذا الفن وحده لكنا نقول إن الطمع سبب إلى كل هم حتى في الأموال ~~والأحوال فإننا نجد الإنسان يموت جاره وخاله وصديقه وابن عمته وعمه لأم ~~وابن أخيه لأم وجده أبو أمه وابن بنته فإذ لا مطمع له في ماله ارتفع عنه ~~الهم لفوته عن يده وإن جل خطره وعظم مقداره فلا سبيل إلى أن يمر الاهتمام ~~لشيء منه بباله حتى إذا مات له عصبة على بعد أو مولى على بعد وحدث له الطمع ~~في ماله حدث له من الهم والأسف والغيظ والفكرة بفوت اليسير منه عن يده أمر ~~عظيم وهكذا في الأحوال فنجد الإنسان من أهل الطبقة المتأخرة لا يهتم لإنفاذ ~~غيره أمور بلده دون أمره ولا لتقريب غيره وإبعاده حتى إذا حدث له مطمع في ~~هذه المرتبة حدث له من الهم والفكرة والغيظ أمر ربما قاده إلى تلف نفسه ~~وتلف دنياه وأخراه فالطمع إذا أصل لكل ذل ولكل هم وهو خلق سوء ذميم وضده ~~نزاهة النفس وهذه صفة فاضلة مركبة من النجدة والجود والعدل والفهم لأنه رأى ~~قلة الفائدة في استعمال ضدها فاستعملها وكانت فيه PageV01P053 نجده أنتجت ~~له عزة نفسه فتنزه وكانت فيه طبيعة سخاوة نفس فلم يهتم لما فاته وكانت فيه ~~طبيعة عدل حببت إليه القناعة وقلة الطمع فإذن نزاهة النفس متركبة من هذه ~~الصفات فالطمع الذي هو ضدها متركب من الصفات المضادة ms26 لهذه الصفات الأربع ~~وهي الجبن والشح والجور والجهل والرغبة طمع مستوفي متزايد مستعمل ولولا ~~الطمع ما ذل أحد لأحد وأخبرني أبو بكر بن أبي الفياض قال كتب عثمان بن ~~محامس على باب داره بأستجة ( يا عثمان لا تطمع ) # | أقوال في المحبة من امتحن بقرب من يكره كمن امتحن ببعد من يحب ولا فرق ~~إذا دعا المحب في السلو فإجابته مضمونة ودعوته مجابة إقنع بمن عندك يقنع بك ~~من عندك السعيد في المحبة هو من ابتلي بمن يقدر أن يلقي عليه قفله ولا ~~تلحقه في مواصلته تبعة من الله عز وجل ولا ملامة من الناس وصلاح ذاك أن ~~يتوافقا في المحبة وتحريره أن يكونا خاليين من الملل فإنه خلق سوء مبغض ~~وتمامه نوم الأيام عنهما مدة انتفاع بعضهما ببعض وأنى بذلك إلا في الجنة ~~وأما ضمانه بيقين فليس إلا فيها فهي دار القرار وإلا فلو حصل ذلك كله في ~~الدنيا لم تؤمن الفجائع ولقطع العمر دون استيفاء اللذة PageV01P054 إذا ~~ارتفعت الغيرة فأيقن بارتفاع المحبة الغيرة خلق فاضل متركب من النجدة ~~والعدل لأن من عدل كره أن يتعدى إلى حرمة غيره وأن يتعدى غيره إلى حرمته ~~ومن كانت النجدة طبعا له حدثت فيه عزة ومن العزة تحدث الأنفة من الاهتضام ~~أخبرني بعض من صحبناه في الدهر عن نفسه أنه ما عرف الغيرة قط حتى ابتلي ~~بالمحبة فغار وكان هذا المخبر فاسد الطبع خبيث التركيب إلا أنه كان من أهل ~~الفهم والجود درج المحبة خمسة أولها الاستحسان وهو أن يتمثل الناظر صورة ~~المنظور إليه حسنة أو يستحسن أخلاقه وهذا يدخل في باب التصادق ثم الإعجاب ~~به وهو رغبة الناظر في المنظور إليه وفي قربه ثم الألفة وهي الوحشة إليه ~~إذا غاب ثم الكلف وهو غلبة شغل البال به وهذا النوع يسمى باب الغزل بالعشق ~~ثم الشغف وهو امتناع النوم والأكل والشرب إلا اليسير من ذلك وربما أدى ذلك ~~إلى المرض أو إلى التوسوس أو إلى الموت وليس وراء هذا منزلة في تناهي ~~المحبة ms27 أصلا كنا نظن أن العشق في ذوات الحركة والحدة من النساء أكثر فوجدنا ~~الأمر بخلاف ذلك وهو في الساكنة الحركات أكثر ما لم يكن ذلك السكون بلها ~~PageV01P055 # صباحة الصور وأنواعها وقد سئلت عن تحقيق الكلام فيها فقلت الحلاوة رقة ~~المحاسن ولطف الحركات وخفة الإشارات وقبول النفس لأعراض الصور وإن لم تكن ~~ثم صفات ظاهرة القوام جمال كل صفة على حدتها ورب جميل الصفات على انفراد كل ~~صفة منها بارد الطلعة غير مليح ولا حسن ولا رائع ولا حلو الروعة بهاء ~~الأعضاء الظاهرة مع جمال فيها وهي أيضا الفراهة والعتق الحسن هو شيء ليس له ~~في اللغة اسم يعبر به عنه ولكنه محسوس في النفوس باتفاق كل من رآه وفي برد ~~مكسو على الوجه وإشراق يستميل القلوب نحوه فتجتمع الآراء على استحسانه وإن ~~لم تكن هناك صفات جميلة فكل من رآه راقه واستحسنه وقبله حتى إذا تأملت ~~الصفات إفرادا لم تر طائلا وكأنه شيء في نفس المرئي يجده نفس الرائي وهذا ~~أجل مراتب الصباحة ثم تختلف الأهواء بعد هذا فمن مفضل للروعة ومن مفضل ~~للحلاوة وما وجدنا أحدا قط يفضل القوام المنفرد الملاحة اجتماع شيء فشيء ~~مما ذكرنا PageV01P056 # | الأخلاق والعادات التلون المذموم هو التنقل من زي متكلف لا معنى له إلى ~~زي آخر مثله في التكلف وفي أنه لا معنى له ومن حال لا معنى لها إلى حال لا ~~معنى لها بلا سبب يوجب ذلك وأما من استعمل من الزي ما أمكنه مما به إليه ~~حاجة وترك التزيد مما لا يحتاج إليه فهذا عين من عيون العقل والحكمة كبير ~~وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو القدوة في كل خير والذي أثنى ~~الله تعالى على خلقه والذي جمع الله تعالى فيه أشتات الفضائل بتمامها ~~وأبعده عن كل نقص يعود المريض مع أصحابه راجلا في أقصى المدينة بلا خف ولا ~~نعل ولا قلنسوة ولا عمامة ويلبس الشعر إذا حضره وقد يلبس الوشي من الحبرات ~~إذا حضره ولا يتكلف ما لا ms28 يحتاج إليه ولا يترك ما يحتاج إليه ويستغني بما ~~وجدة عما لا يجد ومرة يمشي راجلا حافيا ومرة يلبس الخف ويركب البغلة ~~الرائعة الشهباء ومرة يركب الفرس عريا ومرة يركب الناقة ومرة يركب حمارا ~~ويردف عليه بعض أصحابه PageV01P057 ومرة يأكل التمر دون خبز والخبز يابسا ~~ومرة يأكل العناق المشوية والبطيخ بالرطب والحلواء يأخذ القوت ويبذل الفضل ~~ويترك ما لا يحتاج إليه ولا يتكلف فوق مقدار الحاجة ولا يغضب لنفسه ولا يدع ~~الغضب لربه عز وجل الثبات الذي هو صحة العقد والثبات الذي هو اللجاج ~~مشتبهان اشتباها لا يفرق بينهما إلا عارف بكيفية الأخلاق والفرق بينهما أن ~~اللجاج هو ما كان على الباطل أو ما فعله الفاعل نصرا لما نشب فيه وقد لاح ~~له فساده أو لم يلح له صوابه ولا فساده وهذا مذموم وضده الإنصاف وأما ~~الثبات الذي هو صحة العقد فإنما يكون على الحق أو على ما اعتقده المرء حقا ~~ما لم يلح له باطله وهذا محمود وضده الاضطراب وإنما يلام بعض هذين لأنه ضيع ~~تدبر ما ثبت عليه وترك البحث عما التزم أحق هو أم باطل حد العقل استعمال ~~الطاعات والفضائل وهذا الحد ينطوي فيه اجتناب المعاصي والرذائل وقد نص الله ~~تعالى في غير موضع من كتابه على أن من عصاه لا يعقل قال الله تعالى حاكيا ~~عن قوم @QB@ وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير @QE@ ثم ~~قال تعالى مصدقا لهم @QB@ فاعترفوا بذنبهم فسحقا لأصحاب السعير @QE@ وحد ~~الحمق استعمال المعاصي والرذائل وأما التعدي وقذف الحجارة PageV01P058 ~~والتخليط في القول فإنما هو جنون ومرار هائج وأما الحمق فهو ضد العقل وهما ~~ما بينا آنفا ولا واسطة بين العقل والحمق إلا السخف وحد السخف هو العمل ~~والقول بما لا يحتاج إليه في دين ولا دنيا ولا حميد خلق مما ليس معصية ولا ~~طاعة ولا عونا عليهما ولا فضيلة ولا رذيلة مؤذية ولكنه من هذر القول وفضول ~~العمل فعلى قدر الاستكثار من هذين الأمرين أو التقلل منهما يستحق ms29 المرء اسم ~~السخف وقد يسخف المرء في قصة ويعقل في أخرى ويحمق في ثالثة وضد الجنون ~~تمييز الأشياء ووجود القوة على التصرف في المعارف والصناعات وهذا الذي ~~يسميه الأوائل النطق ولا واسطة بينهما وأما إحكام أمر الدنيا والتودد إلى ~~الناس بما وافقهم وصلحت عليه حال المتودد من باطل أو غيره أو عيب أو ما ~~عداه والتحيل في إنماء المال وبعد الصوت وتسبيب الجاه بكل ما أمكن من معصية ~~ورذيلة فليس عقلا ولقد كان الذين صدقهم الله في أنهم لا يعقلون وأخبرنا ~~بأنهم لا يعقلون سائسين لدنياهم مثمرين لأموالهم العقل والسلامة وما إذا ~~كان السعي فيما ذكرنا بما فيه تصاون وأنفة فهو يسمى الحزم وضده المنافي له ~~التضييع وأما الوقار ووضع الكلام موضعه والتوسط في تدبير المعيشة ومسايرة ~~الناس بالمسالمة فهذه الأخلاق تسمى الرزانة وهي ضد السخف PageV01P059 ~~الوفاء مركب من العدل والجود والنجدة لأن الوفي رأى من الجور أن لا يقارض ~~من وثق به أو من أحسن إليه فعدل في ذلك ورأي أن يسمح بعاجل يقتضيه له عدم ~~الوفاء من الحظ فجاد في ذلك ورأى أن يتجلد لما يتوقع من عاقبة الوفاء فشجع ~~في ذلك أصول الفضائل كلها أربعة عنها تتركب كل فضيلة وهي العدل والفهم ~~والنجدة والجود أصول الرذائل كلها أربعة عنها تتركب كل رذيلة وهي أضداد ~~الذي ذكرنا وهي الجور والجهل والجبن والشح الأمانة والعفة نوعان من أنواع ~~العدل والجود النزاهة في النفس فضيلة تركبت من النجدة والجود وكذلك الصبر ~~الحلم نوع مفرد من أنواع النجدة القناعة فضيلة مركبة من الجود والعدل الحرص ~~متولد عن الطمع والطمع متولد عن الحسد والحسد متولد عن الرغبة والرغبة ~~متولدة عن الجور والشح والجهل ويتولد من الحرص رذائل عظيمة منها الذل ~~والسرقة والغصب والزنا والقتل والعشق والهم بالفقر والمسألة لما بأيدي ~~الناس تتولد فيما بين الحرص والطمع وإنما فرقنا بين الحرص والطمع لأن الحرص ~~هو بإظهار ما استكن في النفس من الطمع والمداراة فضيلة متركبة من الحلم ~~والصبر الصدق مركب من العدل والنجدة ms30 من جاء إليك بباطل رجع من PageV01P060 ~~عندك بحق وذلك أن من نقل إليك كذبا عن إنسان حرك طبعك فأجبته فرجع عنك بحق ~~فتحفظ من هذا ولا تجب إلا عن كلام صح عندك عن قائله لا شيء أقبح من الكذب ~~وما ظنك بعيب يكون الكفر نوعا من أنواعه فكل كفر كذب فالكذب جنس والكفر نوع ~~تحته والكذب متولد من الجور والجبن والجهل لأن الجبن يولد مهانة النفس ~~والكذاب مهين النفس بعيد عن عزتها المحمودة رأيت الناس في كلامهم الذي هو ~~فصل بينهم وبين الحمير والكلاب والحشرات ينقسمون أقساما ثلاثة أحدهما من لا ~~يبالي فيما أنفق كلامه فيتكلم بكل ما سبق إلى لسانه غير محقق نصر حق ولا ~~إنكار باطل وهذا هو الأغلب في الناس والثاني أن يتكلم ناصرا لما وقع في ~~نفسه أنه حق ودافعا لما توهم أنه باطل غير محقق لطلب الحقيقة لكن لجاجا ~~فيما التزم وهذا كثير وهو دون الأول والثالث واضع الكلام في موضعه وهذا أعز ~~من الكبريت الأحمر لقد طال هم من غاظه الحق اثنان عظمت راحتهما أحدهما في ~~غاية المدح والآخر في غاية الذم وهما مطرح الدنيا ومطرح الحياء لو لم يكن ~~من التزهيد في الدنيا إلا أن كل إنسان في العالم فإنه كل PageV01P061 ليلة ~~إذا نام نسي كل ما يشفق عليه في يقظته وكل ما يشفق منه وكل ما يشره إليه ~~فتجده في تلك الحال لا يذكر ولدا ولا أهلا ولا جاها ولا خمولا ولا ولاية ~~ولا عزلة ولا فقرا ولا غنى ولا مصيبة وكفي بهذا واعظا لمن عقل من عجيب ~~تدبير الله عز وجل للعالم أن كل شيء اشتدت الحاجة إليه كان ذلك أهون له ~~وتأمل ذلك في الماء فما فوقه وكل شيء اشتد الغنى عنه كان ذلك أعز له وتأمل ~~في الياقوت الأحمر فما دونه الناس فيما يعانونه كالماشي في الفلاة كلما قطع ~~أرضا بدت له أرضون وكلما قضى المرء سببا حدثت له أسباب صدق من قال إن ~~العاقل معذب في الدنيا وصدق ms31 من قال إنه فيها مستريح فأما تعذيبه ففيما يرى ~~من انتشار الباطل وغلبة دولته وبما يحال بينه وبينه من إظهار الحق وأما ~~راحته فمن كل ما يهتم به سائر الناس من فضول الدنيا إياك وموافقة الجليس ~~السيء ومساعدة أهل زمانك فيما يضرك في أخراك أو في دنياك وإن قل فإنك لا ~~تستفيد بذلك إلا الندامة حيث لا ينفعك الندم ولن يحمدك من ساعدته بل يشمت ~~بك وأقل ما في ذلك وهو المضمون أنه لا يبالي بسوء عاقبتك وفساد مغبتك وإياك ~~ومخالفة الجليس ومعارضة أهل زمانك فيما لا يضرك في دنياك ولا وفي أخراك وإن ~~قل فإنك تستفيد بذلك الأذى والمنافرة والعداوة PageV01P062 وربما أدى ذلك ~~إلى المطالبة والضرر العظيم دون منفعة أصلا إن لم يكن بد من إغضاب الناس أو ~~إغضاب الله 0 عز وجل ولم يكن لك مندوحة عن منافرة الخلق أو منافرة الحق ~~فأغضب الناس ونافرهم ولا تغضب ربك ولا تنافر الحق الاتساء بالنبي صلى الله ~~عليه وسلم في وعظ أهل الجهل والمعاصي والرذائل واجب فمن وعظ بالجفاء والا ~~كفهرار فقد أخطأ وتعدى طريقته صلى الله عليه وسلم وصار في أكثر الأمر مغريا ~~للموعوظ بالتمادي على أمره لجاجا وحردا ومغايظة للواعظ الجافي فيكون في ~~وعظه مسئيا لا محسنا ومن وعظ ببشر وتبسم ولين وكأنه مشير برأي ومخبر عن غير ~~الموعوظ بما يستفتح من الموعوظ فبذلك أبلغ وأنجع في الموعظة فإن لم يتقبل ~~فلينتقل إلى الموعظة بالتحشيم وفي الخلاء فإن لم يقبل ففي حضرة من يستحي ~~منه الموعوظ فهذا أدب الله في أمره بالقول واللين وكان صلى الله عليه وسلم ~~لا يواجه بالموعظة لكن كان يقول ما بال أقوام يفعلون كذا وقد أثنى عليه ~~الصلاة والسلام على الرفق وامر بالتيسير ونهى عن التنفير وكان يتخول ~~بالموعظة خوف الملل وقال تعالى @QB@ ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من ~~حولك @QE@ وأما الغلظة والشدة فإنما تجب في حد من حدود الله تعالى فلا لين ~~في ذلك للقادر على إقامة الحد خاصة ومما ينجع ms32 في الوعظ أيضا الثناء بحضرة ~~المسيء على من فعل خلاف فعله فهذا داعية إلى عمل PageV01P063 الخير وما ~~أعلم لحب المدح فضلا إلا هذا وحده وهو أن يقتدي به من يسمع الثناء ولهذا ~~يجب أن تؤرخ الفضائل والرذائل لينفر سامعها عن القبيح المأثور عن غيره ~~ويرغب في الحسن المنقول عمن تقدمه ويتعظ بما سلف تأملت كل ما دون السماء ~~وطالت فيه فكرتي فوجدت كل شيء فيه من حي وغير حي من طبعه ان قوي ان يخلع عن ~~غيره من الانواع كيفياته ويلبسه صفاته فترى الفاضل يود لو كان الناس فضلاء ~~وترى الناقص يود لو كان الناس نقصاء وترى كل من ذكر شيئا يحض عليه يقول ~~وأنا أفعل أمرا كذا وكل ذي مذهب يود لو كان الناس موافقين له وترى ذلك في ~~العناصر إذا قوي بعضها على بعض أحاله إلى نوعيته وترى ذلك في تركيب الشجر ~~وفي تغذي النبات والشجر بالماء ورطوبة الأرض وإحالتهما ذلك إلى نوعيتها ~~فسبحان مخترع ذلك ومدبره لا إله إلا هو من عجيب قدرة الله تعالى كثرة الخلق ~~ثم لا ترى أحدا يشبه آخر شبها لا يكون بينهما فيه فرق وقد سألت من طال عمره ~~وبلغ الثمانين عاما هل رأى الصور في ما خلا مشبهة لهذه شبها واحدا فقال لي ~~لا بل لكل صورة فرقها وهكذا كل ما في العالم يعرف ذلك من تدبر الآلات وجميع ~~الأجسام المركبات وطال تكرر بصره عليها فإنه حينئذ يميز ما بينها ويعرف ~~بعضها من بعض بفروق فيها تعرفها النفس ولا يقدر أحد يعبر عنها بلسانه ~~فسبحان العزيز الحكيم الذي لا تتناهى مقدوراته PageV01P064 من عجائب الدنيا ~~قوم غلبت عليهم آمال فاسدة لا يحصلون منها إلا على إتعاب النفس عاجلا ثم ~~الهم والاثم آجلا كمن يتمنى غلاء الأقوات التي في غلائها هلاك الناس وكمن ~~يتمنى بعض الأمور التي فيها الضرر لغيره وإن كانت له فيها منفعة فإن تأميله ~~ما يؤمل من ذلك لا يجعل له ذلك قبل وقته ولا يأتيه من ذلك بما ليس ms33 في علم ~~الله تعالى تكونه فلو تمنى الخير والرخاء لتعجل الأجر والراحة والفضيلة ولم ~~يتعب نفسه طرفة عين فما فوقها فاعجبوا لفساد هذه الأخلاق بلا منفعة ~~PageV01P065 # أدواء الأخلاق الفاسدة ومداواتها من امتحن بالعجب فليفكر في عيوبه فإن ~~أعجب بفضائله فليفتش ما فيه من الأخلاق الدنيئة فإن خفيت عليه عيوبه جملة ~~حتى يظن أنه لا عيب فيه فليعلم أن مصيبته إلى الأبد وأنه أتم الناس نقصا ~~وأعظمهم عيوبا وأضعفهم تمييزا وأول ذلك أنه ضعيف العقل جاهل ولا عيب أشد من ~~هذين لأن العاقل هو من ميز عيوب نفسه فغالبها وسعى في قمعها والأحمق هو ~~الذي يجهل عيوب نفسه إما لقلة علمه وتمييزه وضعف فكرته وإما لأنه يقدر أن ~~عيوبه خصال وهذا أشد عيب في الأرض وفي الناس كثير يفخرون بالزنا واللياطة ~~والسرقة والظلم فيعجب بتأتي هذه النحوس له وبقوته على هذه المخازي واعلم ~~يقينا أن لا يسلم إنسي من نقص حاشا الأنبياء صلوات الله عليهم فمن خفيت ~~عليه عيوب نفسه فقد سقط وصار من السخف والضعة والرذالة والخسة وضعف التمييز ~~والعقل وقلة الفهم بحيث لا PageV01P066 يتخلف عنه متخلف من الأرذال وبحيث ~~ليس تحته منزلة من الدناءة فليتدارك نفسه بالبحث عن عيوبه والاشتغال بذلك ~~عن الإعجاب بها وعن عيوب غيره التي لا تضره لا في الدنيا ولا في الآخرة وما ~~أدري لسماع عيوب الناس خصلة إلا الاتعاظ بما يسمع المرء منها فيجتنبها ~~ويسعى في إزالة ما فيه منها بحول الله تعالى وقوته وأما النطق بعيوب الناس ~~فعيب كبير لا يسوغ أصلا والواجب اجتنابه إلا في نصيحة من يتوقع عليه الأذى ~~بمداخلة المعيب أو على سبيل تبكيت المعجب فقط في وجهه لا خلف ظهره ثم يقول ~~للمعجب ارجع إلى نفسك فإذا ميزت عيوبها فقد داويت عجبك ولا تمثل بين نفسك ~~وبين من هو أكثر عيوبا منها فتستسهل الرذائل وتكون مقلدا لأهل الشر وقد ذم ~~تقليد أهل الخير فكيف تقليد أهل الشر لكن مثل بين نفسك وبين من هو أفضل منك ~~فحينئذ يتلف عجبك ms34 وتفيق من هذا الداء القبيح الذي يولد عليك الاستخفاف ~~بالناس وفيهم بلا شك من هو خير منك فإذا استخففت بهم بغير حق استخفوا بك ~~بحق لأن الله تعالى يقول @QB@ وجزاء سيئة سيئة مثلها @QE@ فتولد على نفسك ~~أن تكون أهلا للاستخفاف بك بل على الحقيقة مع مقت الله عز وجل وطمس ما فيك ~~من فضيلة فإن أعجبت بعقلك ففكر في كل فكرة سوء تحل بخاطرك وفي أضاليل ~~الأماني الطائفة بك فإنك تعلم نقص عقلك حينئذ وإن عجبت بآرائك فتفكر في ~~سقطاتك واحفظها ولا تنسها وفي كل رأي قدرته صوابا فخرج بخلاف تقديرك وأصاب ~~غيرك وأخطأت أنت فإنك إن فعلت ذلك فأقل أحوالك أن يوازن سقوط رأيك ~~PageV01P067 بصوابه فتخرج لا لك ولا عليك والأغلب أن خطأك أكثر من صوابك ~~وهكذا كل أحد من الناس بعد النبيين صلوات الله عليهم وإن أعجبت بعملك فتفكر ~~في معاصيك وفي تقصيرك وفي معاشك ووجوهه فوالله لتجدن من ذلك ما يغلب على ~~خيرك ويعفي على حسناتك فليطل همك حينئذ وأبدل من العجب تنقصا لنفسك وإن ~~أعجبت بعلمك فاعلم أنه لا خصلة لك فيه وأنه موهبة من الله مجردة وهبك إياها ~~ربك تعالى فلا تقابلها بما يسخطه فلعله ينسيك ذلك بعلة يمتحنك بها تولد ~~عليك نسيان ما علمت وحفظت ولقد أخبرني عبدالملك بن طريف وهو من أهل العلم ~~والذكاء واعتدال الأحوال وصحة البحث أنه كان ذا حظ من الحفظ عظيم لا يكاد ~~يمر على سمعه شيء يحتاج إلى استعادته وأنه ركب البحر فمر به فيه هول شديد ~~أنساه أكثر ما كان يحفظ وأخل بقوة حفظه إخلالا شديدا لم يعاوده ذلك الذكاء ~~بعد وأنا أصابتني علة فأفقت منها وقد ذهب ما كنت أحفظ إلا ما لا قدر له فما ~~عاودته إلا بعد أعوام واعلم أن كثيرا من أهل الحرص على العلم يجدون القراءة ~~والإكباب على الدروس والطلب ثم لا يرزقون منه حظا فليعلم ذو العلم أنه لو ~~كان بالإكباب وحده لكان غيره فوقه فصح أنه موهبة من الله تعالى ms35 فأي مكان ~~للعجب ها هنا ما هذا إلا موضع تواضع وشكر لله تعالى واستزادة من نعمه ~~واستعاذة من سلبها ثم تفكر أيضا في أن ما خفي عليك وجهلته من أنواع العلم ~~ثم من أصناف علمك الذي تختص به فالذي أعجبت بنفاذك فيه أكثر مما تعلم من ~~ذلك فاجعل مكان العجب استنقاصا PageV01P068 لنفسك واستقصارا لها فهو أولى ~~وتفكر فيمن كان أعلم منك تجدهم كثيرا فلتهن نفسك عندك حينئذ وتفكر في ~~إخلالك بعلمك وأنك لا تعمل بما علمت منه فلعلمك عليك حجة حينئذ ولقد كان ~~أسلم لك لو لم تكن عالما واعلم أن الجاهل حينئذ أعقل منك وأحسن حالا وأعذر ~~فليسقط عجبك بالكلية ثم لعل علمك الذي تعجب بنفاذك فيه من العلوم المتأخرة ~~التي لا كبير خصلة فيها كالشعر وما جرى مجراه فانظر حينئذ إلى من علمه أجل ~~من علمك في مراتب الدنيا والآخرة فتهون نفسك عليك وإن أعجبت بشجاعتك فتفكر ~~فيمن هو أشجع منك ثم انظر في تلك النجدة التي منحك الله تعالى فيم صرفتها ~~فإن كنت صرفتها في معصية فأنت أحمق لأنك بذلت نفسك فيما ليس ثمنا لها وإن ~~كنت صرفتها في طاعة فقد أفسدتها بعجبك ثم تفكر في زوالها عنك بالشيخوخة ~~وأنك إن عشت فستصير من عدد العيال وكالصبي ضعفا على أني ما رأيت العجب في ~~طائفة أقل منه في أهل الشجاعة فاستدللت بذلك على نزاهة أنفسهم ورفعتها ~~وعلوها وإن أعجبت بجاهك في دنياك فتفكر في مخالفيك وأندادك ونظرائك ولعلهم ~~أخساء وضعفاء سقاط فاعلم أنهم أمثالك فيما أنت فيه ولعلهم ممن يستحيا من ~~التشبه بهم لفرط رذالتهم وخساستهم في أنفسهم وأخلاقهم ومنابتهم فاستهن بكل ~~منزلة شاركك فيها من ذكرت لك وإن كنت مالك الأرض كلها ولا مخالف عليكم وهذا ~~بعيد جدا في الإمكان فما نعلم أحدا ملك معمور الأرض كله على قلته وضيق ~~ساحته بالإضافة إلى غامرها PageV01P069 فكيف إذا أضيف إلى الفلك المحيط ~~فتفكر فيما قال ابن السماك للرشيد وقد دعا بحضرته بقدح فيه ماء ليشربه فقال ~~له يا ms36 أمير المؤمنين فلو منعت هذه الشربة بكم كنت ترضى أن تبتاعها فقال له ~~الرشيد بملكي كله قال يا أمير المؤمنين فلو منعت خروجها منك بكم كنت ترضى ~~أن تفتدي من ذلك قال بملكي كله قال يا أمير المؤمنين أتغتبط بملك لا يساوي ~~بولة ولا شربة ماء وصدق ابن السماك رحمه الله وإن كنت ملك المسلمين كلهم ~~فاعلم أن ملك السود وهو رجل أسود رذل مكشوف العورة جاهل يملك أوسع من ملكك ~~فإن قلت أنا أخذته بحق فلعمري ما أخذته بحق إذا استعملت فيه رذيلة العجب ~~وإذا لم تعدل فيه فاستحي من حالك فهي حالة رذالة لا حالة يجب العجب فيها ~~وإن عجبت بمالك فهذه أسوأ مراتب العجب فانظر في كل ساقط خسيس هو أغنى منك ~~فلا تغتبط بحالة يفوقك فيها من ذكرت واعلم أن عجبك بالمال حمق لأنه أحجار ~~لا تنتفع بها إلا أن تخرجها عن ملكك بنفقتها في وجهها فقط والمال أيضا غاد ~~ورائح وربما زال عنك ورأيته بعينه في يد غيرك ولعل ذلك يكون في يد عدوك ~~فالعجب بمثل هذا سخف والثقة به غرور وضعف وإن أعجبت PageV01P070 بحسنك ففكر ~~فيما يولد عليك مما نستحي نحن من إثباته وتستحي أنت منه إذا ذهب عنك بدخولك ~~في السن وفيما ذكرنا كفاية وإن أعجبت بمدح إخوانك لك ففكر في ذم أعدائك ~~إياك فحينئذ ينجلي عنك العجب فإن لم يكن لك عدو فلا خير فيك ولا منزلة أسقط ~~من منزلة من لا عدو له فليست إلا منزلة من ليس الله تعالى عنده نعمة يحسد ~~عليها عافانا الله فإن استحقرت عيوبك ففكر فيها لو ظهرت إلى الناس وتمثل ~~إطلاعهم عليها فحينئذ تخجل وتعرف قدر نقصك إن كانت لك مسكة من تمييز واعلم ~~بأنك إن تعلمت كيفية تركيب الطبائع وتولد الأخلاق من امتزاج عناصرها ~~المحمولة في النفس فستقف من ذلك وقوف يقين على أن فضائلك لا خصلة لك فيها ~~وأنها منح من الله تعالى لو منحها غيرك لكان مثلك وأنك لو وكلت إلى نفسك ms37 ~~لعجزت وهلكت فاجعل بدل عجبك بها شكرا لواهبك إياها وإشفاقا من زوالها فقد ~~تتغير الأخلاق الحميدة بالمرض وبالفقر وبالخوف وبالغضب وبالهرم وارحم من ~~منع ما منحت ولا تتعرض لزوال ما بك من النعم بالتعاصي على واهبها تعالى ~~وبأن تجعل لنفسك فيما وهبك خصلة أو حقا فتقدر أنك استغنيت عن عصمته فتهلك ~~عاجلا أو آجلا ولقد أصابتني علة شديدة ولدت علي ربوا في الطحال شديدا فولد ~~ذلك علي من الضجر وضيق الخلق وقلة الصبر والنزق أمرا حاسبت نفسي فيه إذ ~~أنكرت تبدل خلقي واشتد عجبي من مفارقتي لطبعي وصح عندي أن الطحال موضع ~~الفرح إذا فسد تولد ضده وإن PageV01P071 أعجبت بنسبك فهذه أسوأ من كل ما ~~ذكرنا لأن هذا الذي أعجبت به لا فائدة له أصلا في دنيا ولا آخرة وانظر هل ~~يدفع عنك جوعة أو يستر لك عورة أو ينفعك في آخرتك ثم انظر إلى من يساهمك في ~~نسبك وربما فيما هو أعلى منه ممن نالته ولادة الأنبياء عليهم السلام ثم ~~ولادة الخلفاء ثم ولادة الفضلاء من الصحابة والعلماء ثم ولادة ملوك العجم ~~من الأكاسرة والقياصرة ثم ولادة التبابعة وسائر ملوك الإسلام فتأمل غبراتهم ~~وبقاياهم ومن يدلي بمثل ما تدلي به من ذلك تجد أكثرهم أمثال الكلاب خساسة ~~وتلفهم في غاية السقوط والرذالة والتبدل والتحلي بالصفات المذمومة فلا ~~تغتبط بمنزلة هم فيها نظراؤك أو فوقك ثم لعل الآباء الذين تفخر بهم كانوا ~~فساقا وشربة خمور ولاطة ومتعبثين ونوكى أطلقت الأيام أيديهم بالظلم والجور ~~فأنتجوا ظلما وآثارا قبيحة تبقي عارهم بذلك الأيام ويعظم إثمهم والندم ~~عليها يوم الحساب فإن كان كذلك فاعلم أن الذي أعجبت به من ذلك داخل في ~~العيب والخزي والعار والشنار لا في الإعجاب فإن أعجبت بولادة الفضلاء إياك ~~فما أخلى يدك من فضلهم إن لم تكن أنت فاضلا وما أقل غناهم عنك في الدنيا ~~والآخرة إن لم تكن محسنا والناس كلهم أولاد آدم الذي خلقه الله بيده وأسكنه ~~جنته وأسجد له ملائكته ولكن ما أقل نفعه لهم ms38 وفيه كل معيب وكل فاسق ~~PageV01P072 وكل كافر وإذا فكر العاقل في أن فضل آبائه لا يقر به من ربه ~~تعالى ولا يكسبه وجاهة لم يحزها هو بسعده أو بفضله في نفسه ولا مالا فأي ~~معنى للإعجاب بما لا منفعة فيه وهل المعجب بذلك إلا كالمعجب بمال جاره ~~وبجاه غيره وبفرس لغيره سبق كان على رأسه لجامه وكما تقول العامة في ~~أمثالها كالغبي يزهى بذكاء أبيه فإن تعدى بك العجب إلى الامتداح فقد تضاعف ~~سقوطك لأنه قد عجز عقلك من مقاومة ما فيك من العجب هذا إن امتدحت بحق فيكف ~~إن امتحدت بالكذب وقد كان ابن نوح وأبو إبراهيم وأبو لهب عم النبي صلى الله ~~عليه وسلم أقرب الناس من أفضل خلق الله تعالى وممن الشرف كله في اتباعهم ~~فما انتفعوا بذلك وقد كان فيمن ولد لغير رشدة من كان الغاية في رياسة ~~الدنيا كزياد وأبي مسلم ومن كان نهاية في الفضل على الحقيقة كبعض من نجله ~~عن ذكره في مثل هذا الفصل ممن يتقرب إلى الله تعالى بحبه والاقتداء بحميد ~~آثاره وإن أعجبت بقوة جسمك فتفكر في أن البغل والحمار والثور أقوى منك ~~وأحمل للأثقال وإن أعجبت بخفتك فاعلم أن الكلب والأرنب يفوقانك في هذا ~~الباب فمن العجب العجيب إعجاب ناطق بخصلة يفوقه فيها غير الناطق واعلم أن ~~من قدر في نفسه عجبا أو ظن لها على سائر الناس فضلا فلينظر إلى صبره عندما ~~يدهمه من هم أو نكبة أو وجع أو PageV01P073 دمل أو مصيبة فإن رأى نفسه ~~قليلة الصبر فليعلم أن جميع أهل البلاء من المجذومين وغيرهم الصابرين أفضل ~~منه على تأخر طبقتهم في التمييز وإن رأى نفسه صابرة فليعلم أنه لم يأت بشيء ~~يسبق فيه على ما ذكرنا بل هو إما متأخر عنهم في ذلك أو مساو لهم ولا مزيد ~~ثم لينظر إلى سيرته وعدله أو جوره فيما خوله الله من نعمة أو مال أو خول أو ~~أتباع أو صحة أو جاه فإن وجد نفسه مقصرة فيما يلزمه ms39 من الشكر لواهبة تعالى ~~ووجدها خائفة في العدل فليعلم أن أهل العدل والشكر والسيرة الحسنة من ~~المخولين أكثر مما هو فيه أفضل منه فإن رأى نفسه ملتزمة للعدل فالعادل بعيد ~~عن العجب ألبتة لعلمه بموازين الأشياء ومقادير الأخلاق والتزامه التوسط ~~الذي هو الاعتدال بين الطرفين المذمومين فإن أعجب فلم يعدل بل قد مال إلى ~~جنبه الافراط المذمومة واعلم أن التعسف وسوء الملكة لمن خولك الله تعالى ~~أمره من رقيق أو رعية يدلان على خساسة النفس ودناءة الهمة وضعف العقل لأن ~~العاقل الرفيع النفس العالي الهمة إنما يغلب أكفاءه في القوة ونظراءه في ~~المنعة وأما الاستطالة على من لا يمكنه المعارضة فسقوط في الطبع ورذالة في ~~النفس والخلق وعجز ومهانة ومن فعل ذلك فهو بمنزلة من يتبجح بقتل جرذ أو ~~بقتل برغوث أو بفرك قملة وحسبك بهذا ضعة وخساسة PageV01P074 واعلم أن رياضة ~~الأنفس أصعب من رياضة الأسد لأن الأسد إذا سجنت في البيوت التي تتخذ لها ~~الملوك أمن شرها والنفس وإن سجنت لم يؤمن شرها العجب أصل يتفرع عنه التيه ~~والزهو والكبر والنخوة والتعالي وهذه أسماء واقعة على معان متقاربة ولذلك ~~صعب الفرق بينها على أكثر الناس فقد يكون العجب لفضيلة في المعجب ظاهرة فمن ~~معجب بعلمه فيكفهر ويتعالى على الناس ومن معجب بعمله فيترفع ومن معجب برأيه ~~فيزهو على غيره ومن معجب بنسبه فيتيه ومن معجب بجاهه وعلو حاله فيتكبر ~~ويتنخى وأقل مراتب العجب أن تراه يتوفر عن الضحك في مواضع الضحك وعن خفة ~~الحركات وعن الكلام إلا فيما لا بد له من أمور دنياه وعيب هذا أقل من عيب ~~غيره ولو فعل هذه الأفاعيل على سبيل الاقتصار على الواجبات وترك الفضول ~~لكان ذلك فضلا وموجبا لحمده ولكن إنما يفعل ذلك احتقارا للناس وإعجابا ~~بنفسه فحصل له بذلك استحقاق الذم وإنما الأعمال بالنيات ولكل امرئ ما نوى ~~حتى إذا زاد الأمر ولم يكن هناك تمييز يحجب عن توفية العجب حقه ولا عقل جيد ~~حدث من ذلك ظهور الاستخفاف بالناس واحتقارهم ms40 بالكلام وفي المعاملة حتى إذا ~~زاد ذلك وضعف التمييز والعقل وترقى ذلك إلى الاستطالة على الناس بالأذى ~~بالأيدي والتحكم والظلم والطغيان واقتضاء الطاعة لنفسه والخضوع لها ~~PageV01P075 إن أمكنه ذلك فإن لم يقدر على ذلك امتدح بلسانه واقتصر على ذم ~~الناس والاستهزاء بهم وقد يكون العجب لغير معنى ولغير فضيلة في المعجب وهذا ~~من عجيب ما يقع في هذا الباب وهو شيء يسميه عامتنا التمترك وكثيرا ما نراه ~~في النساء وفيمن عقله قريب من عقولهن من الرجال وهو عجب من ليس فيه خصلة ~~أصلا لا علم ولا شجاعة ولا علو حال ولا نسب رفيع ولا مال يطغيه وهو يعلم مع ~~ذلك أنه صفر من ذلك كله لأن هذه الأمور لا يغلط فيها من يقذف بالحجارة ~~وإنما يغلط فيها من له أدنى حظ منها فربما يتوهم إن كان ضعيف العقل أنه قد ~~بلغ الغاية القصوى منها كمن له حظ من علم فهو يظن أنه عالم كامل أو كمن له ~~نسب معرق في ظلمة ونجدهم لم يكونوا أيضا رفعاء في ظلمهم فتجده لو كان ابن ~~فرعون ذي الأوتاد ما زاد على إعجابه الذي فيه أو له شيء من فروسية فهو يقدر ~~أنه يهزم عليا ويأسر الزبير ويقتل خالدا أو له شيء من جاه رذل فهو لا يرى ~~الإسكندر على حال أو يكون قويا على أن يكسب ما يتوفر بيده مويل يفضل عن ~~قوته فلو أخذ بقرني الشمس لم يزد على ما هو فيه وليس يكثر العجب من هؤلاء ~~وإن كانوا عجبا لكن ممن لا حظ له من علم أصلا ولا نسب البتة ولا مال ولا ~~جاه ولا نجدة بل تراه في كفالة غيره مهتضما لكل من له أدنى طاقة ~~PageV01P076 وهو يعلم أنه خال من كل ذلك وأنه لا حظ له في شيء من ذلك ثم هو ~~مع ذلك في حالة المزهو التياه ولقد تسببت إلى سؤال بعضهم في رفق ولين عن ~~سبب علو نفسه واحتقاره الناس فما وجدت عنده مزيدا على أن قال ms41 لي أنا حر لست ~~عبد أحد فقلت له أكثر من تراه يشاركك في هذه الفضيلة فهم أحرار مثلك لا ~~قوما من العبيد هم أطول منك يدا وأمرهم نافذ عليك وعلى كثير من الأحرار فلم ~~أجد عنده زيادة فرجعت إلى تفتيش أحوالهم ومراعاتها ففكرت في ذلك سنين لأعلم ~~السبب الباعث لهم على هذا العجب الذي لا سبب له فلم أزل أختبر ما تنطوي ~~عليه نفوسهم بما يبدو من أحوالهم ومن مراميهم في كلامهم فاستقر أمرهم على ~~أنهم يقدرون أن عندهم فضل عقل وتميز رأي أصيل لو أمكنتهم الأيام من تصريفه ~~لوجدوا فيه متسعا ولأداروا الممالك الرفيعة ولبان فضلهم على سائر الناس ولو ~~ملكوا مالا لأحسنوا تصريفه فمن ها هنا تسرب التيه إليهم وسرى العجب فيهم ~~وهذا مكان فيه للكلام شعب عجيب ومعارضة معترضة وهو أنه ليس شيء من الفضائل ~~كلما كان المرء منه أعرى قوي ظنه في أنه قد استولى عليه واستمر يقينه في ~~أنه قد كمل فيه إلا العقل والتمييز حتى إنك تجد المجنون المطبق والسكران ~~الطافح يسخران بالصحيح والجاهل الناقص يهزأ بالحكماء وأفاضل العلماء ~~والصبيان الصغار يتهكمون بالكهول والسفهاء العيارين يستخفون بالعقلاء ~~المتصاونين وضعفة النساء يستنقص عقول أكابر الرجال وآراءهم وبالجملة فكلما ~~نقص العقل توهم صاحبه أنه أوفر الناس عقلا PageV01P077 وأكمل تمييزا ولا ~~يعرض هذا في سائر الفضائل فإن العاري منها جملة يدري أنه عار منها وإنما ~~يدخل الغلط على من له أدنى حظ منها وإن قل فإنه يتوهم حينئذ إن كان ضعيف ~~التمييز أنه عالي الدرجة فيه ودواء من ذكرنا الفقر والخمول فلا دواء لهم ~~أنجع منه وإلا فداؤهم وضررهم على الناس عظيم جدا فلا تجدهم إلا عيابين ~~للناس وقاعين في الأعراض مستهزئين بالجميع مجانبين للحقائق مكبين على ~~الفضول وربما كانوا مع ذلك متعرضين للمشاتمة والمهارشة وربما قصدوا ~~الملاطمة والمضاربة عند أدنى سبب يعرض لهم وقد يكون العجب كمينا في المرء ~~حتى إذا حصل على أدنى مال أو جاه ظهر ذلك عليه وعجز عقله عن قمعه وستره ومن ms42 ~~ظريف ما رأيت في بعض أهل الضعف أن منهم من يغلبه ما يضمر من محبة ولده ~~الصغير وامرأته حتى يصفها بالعقل في المحافل وحتى إنه يقول هي أعقل مني ~~وأنا أتبرك بوصيتها وأما مدحه إياها بالجمال والحسن والعافية فكثير في أهل ~~الضعف جدا حتى كأنه لو كان خاطبها ما زاد على ما يقول في ترغيب السامع في ~~وصفها ولا يكون هذا إلا في ضعيف العقل عار من العجب بنفسه إياك والامتداح ~~فإن كل من يسمعك لا يصدقك وإن كنت صادقا بل يجعل ما سمع منك من ذلك أول ~~معايبك وإياك ومدح أحد في وجهه فإنه فعل أهل الملق وضعة النفوس وإياك وذم ~~أحد لا بحضرته ولا في مغيبه فلك في إصلاح نفسك شغل وإياك والتفاقر ~~PageV01P078 فإنك لا تحصل من ذلك إلا على تكذيبك أو احتقار من يسمعك ولا ~~منفعة لك في ذلك أصلا إلا كفر نعمة ربك تعالى أو شكواه إلى من لا يرحمك ~~وإياك ووصف نفسك باليسار فإنك لا تزيد على إطماع السامع فما عندك ولا تزد ~~على شكر الله تعالى وذكر فقرك إليه وغناك عن دونه فإن هذا يكسبك الجلالة ~~والراحة من الطمع فيما عندك العاقل هو من لا يفارق ما أوجبه تمييزه من سبب ~~للناس الطمع فيما عنده لم يحصل إلا على أن يبذله لهم ولا غاية لهذا أو ~~يمنعهم فيلؤم ويعادونه فإذا أردت أن تعطي أحدا شيئا فليكن ذلك منك قبل أن ~~يسألك فهو أكرم وأنزه وأوجب للحمد من بديع ما يقع في الحسد قول الحاسد إذا ~~سمع إنسانا يغرب في علم ما هذا شيء بارد لم يتقدم إليه ولا قاله قبله أحد ~~فإن سمع من يبين ما قد قاله غيره قال هذا بارد وقد قيل قبله وهذه طائفة سوء ~~قد نصبت أنفسها للقعود على طريق العلم يصدون الناس عنها ليكثر نظراؤهم من ~~الجهال الحكيم لا تنفعه حكمته عند الخبيث الطبع بل يظنه خبيثا مثله وقد ~~شاهدت أقواما ذوي طبائع رديئة وقد تصور في أنفسهم الخبيثة ms43 أن الناس كلهم ~~على مثل طبائعهم لا يصدقون أصلا بأن أحدا هو سالم من رذائلهم بوجه من ~~الوجوه وهذا أسوء ما يكون من فساد الطبع PageV01P079 والبعد عن الفضل ~~والخير ومن كانت هذه صفته لا ترجى لها معاناة أبدا وبالله تعالى التوفيق ~~العدل حصن يلجأ إليه كل خائف وذلك أنك ترى الظالم وغير الظالم إذا رأى من ~~يريد ظلمه دعا إلى العدل وأنكر الظلم حينئذ وذمه ولا ترى أحدا يذم العدل ~~فمن كان العدل في طبعه فهو ساكن في ذلك الحصن الحصين الاستهانة نوع من ~~أنواع الخيانة إذ قد يخونك من لا يستهين بك ومن استهان بك فقد خانك الانصاف ~~فكل مستهين خائن وليس كل خائن مستهينا الاستهانة بالمتاع دليل على ~~الاستهانة برب المتاع حالان يحسن فيهما ما يقبح في غيرهما وهما المعاتبة ~~والاعتذار فإنه يحسن فيهما تعديد الأيادي وذكر الإحسان وذلك غاية القبح في ~~ما عدا هاتين الحالتين لا عيب على من مال بطبعه إلى بعض القبائح ولو أنه ~~أشد العيوب وأعظم الرذائل ما لم يظهره بقول أو فعل بل يكاد يكون أحمد ممن ~~أعانه طبعه على الفضائل ولا تكون مغالبة الطبع الفاسد إلا عن قوة عقل فاضل ~~الخيانة في الحرم أشد من الخيانة في الدماء العرض أعز على الكريم من المال ~~ينبغي للكريم أن يصون جسمه بماله ويصون نفسه بجسمه ويصون عرضه بنفسه ويصون ~~دينه بعرضه ولا يصون بدينه شيئا أصلا الخيانة في الأعراض أخف من ~~PageV01P080 الخيانة في الأموال وبرهان ذلك أنه لا يكاد يوجد من لا يخون ~~العرض وإن قل ذلك منه وكان من أهل الفضل وأما الخيانة في الأموال وإن قلت ~~أو كثرت فلا تكون إلا من رذل بعيد عن الفضل القياس في أحوال الناس قد يكذب ~~في أكثر الأمور ويبطل في الأغلب واستعمال ما هذه صفته في الدين لا يجوز ~~المقلد راض أن يغبن عقله ولعله مع ذلك يستعظم أن يغبن في ماله فيخطئ في ~~الوجهين معا لا يكره الغبن في ماله ويستعظمه إلا لئيم الطبع ms44 دقيق الهمة ~~مهين النفس من جهل معرفة الفضائل فليعتمد على ما أمره الله ورسوله صلى الله ~~عليه وسلم فإنه يحتوي على جميع الفضائل رب مخوف كان التحرز منه سبب وقوعه ~~ورب سر كانت المبالغة في طيه سبب انتشاره ورب إعراض أبلغ في الاسترابة من ~~إدامة النظر وأصل ذلك كله الإفراط الخارج عن حد الاعتدال الفضيلة وسيطة بين ~~الإفراط والتفريط فكلا الطرفين مذموم والفضيلة بينهما محمودة حاشا العقل ~~فإنه لا إفراط فيه الخطأ في الحزم خير من الخطأ في التضييع من العجائب أن ~~الفضائل مستحسنة ومستثقلة والرذائل مستقبحة ومستخفة PageV01P081 من أراد ~~الإنصاف فليتوهم نفسه مكان خصمه فإن يلوح له وجه تعسفه حد الحزم معرفة ~~الصديق من العدو وغاية الخرق والضعف جهل العدو من الصديق لا تسلم عدوك لظلم ~~ولا تظلمه وساو في ذلك بينه وبين الصديق وتحفظ منه وإياك وتقريبه وإعلاء ~~قدره فإن هذا من فعل النوكى من ساوى بين عدوه وصديقه في التقريب والرفعة ~~فلم يزد على أن زهد الناس في مودته وسهل عليهم عداوته ولم يزد على استخفاف ~~عدوه له وتمكنه من مقاتله وإفساد صديقه على نفسه وإلحاقه بجملة أعدائه غاية ~~الخير أن يسلم عدوك من ظلمك ومن تركك إياه للظلم وأما تقريبه فمن شيم ~~النوكى الذين قد قرب منهم التلف وغاية الشر أن يسلم صديقك من ظلمك وأما ~~إبعاده فمن فعل من لا عقل له ومن كتب عليه الشقاء ليس الحلم تقريب الأعداء ~~ولكنه مسالمتهم مع التحفظ منهم كم رأينا من فاخر بما عنده من المتاع فكان ~~ذلك سببا لهلاكه فإياك وهذا الباب الذي هو ضر محض لا منفعة فيه أصلا كم ~~شاهدنا ممن أهلكه كلامه ولم نر قط أحدا ولا بلغنا أنه أهلكه PageV01P082 ~~سكوته فلا تتكلم إلا بما يقربك من خالقك فإن خفت ظالما فاسكت قلما رأيت ~~أمرا أمكن فضيع إلا فات فلم يمكن بعد محن الإنسان في دهره كثيرة وأعظمها ~~محنته بأهل نوعه من الإنس داء الإنسان بالناس أعظم من دائه بالسباع الكلبة ~~والأفاعي الضارية لأن ms45 التحفظ من كل ما ذكرنا ممكن ولا يمكن التحفظ من الإنس ~~أصلا الغالب على الناس النفاق ومن العجب أنه لا يجوز مع ذلك عندهم إلا من ~~نافقهم لو قال قائل إن في الطبائع كرية لأن أطراف الأضداد تلتقي لم يبعد من ~~الصدق وقد نجد نتائج الأضداد تتساوي فنجد المرء يبكي من الفرح ومن الحزن ~~ونجد فرط المودة يلتقي مع فرط البغضة في تتبع العثرات وقد يكون ذلك سببا ~~للقطيعة عند عدم الصبر والإنصاف كل من غلبت عليه طبيعة ما فإنه وإن بالغ ~~الغاية من الحزم والحذر مصروع إذا كويد من قبلها كثرة الريب تعلم صاحبها ~~الكذب لكثرة ضرورته إلى الاعتذار بالكذب فيضرى عليه ويستسهله PageV01P083 ~~أعدل الشهود على المطبوع على الصدق وجهه لظهور الاسترابة عليه إن وقع في ~~كذبة أو هم بها وأعدل الشهود على الكذاب لسانه لاضطرابه ونقض بعض كلامه ~~بعضا المصيبة في الصديق الناكث أعظم من المصيبة به أشد الناس استعظاما ~~للعيوب بلسانه هو أشدهم استسهالا لها بفعله ويتبين ذلك في مسافهات أهل ~~البذاء ومشاتمات الأرذال البالغين غاية الرذالة من الصناعات من الخسيسة من ~~الرجال والنساء كأهل التعيش بالزمر وكنس الحشوش ( ) والخادمين في المجازر ~~وكساكني دور الجمل المباحة لكراء الجماعات والساسة للدواب فإن كل من ذكرنا ~~أشد الخلق رميا من بعضهم لبعض بالقبائح وأكثرهم عيبا بالفضائح وهم أوغل ~~الناس فيها وأشرهم بها اللقاء يذهب بالسخائم فكأن نظر العين للعين يصلح ~~القلوب فلا يسؤك التقاء صديقك بعدوك فإن ذلك يفتر أمره عنده أشد الأشياء ~~على الناس الخوف والهم والمرض والفقر وأشدها كلها إيلاما للنفس الهم للفقد ~~من المحبوب وتوقع المكروه ثم المرض ثم الخوف ثم الفقر ودليل ذلك أن الفقر ~~يستعجل ليطرد به الخوف فيبذل المرء ماله كله ليأمن والخوف والفقر يستعجلان ~~ليطرد بهما ألم المرض فيغرر الإنسان في طلب الصحة ويبذل ماله فيها إذا أشفق ~~من الموت ويود عند تيقنه به لو بذل PageV01P084 ماله كله ويسلم ويفيق ~~والخوف يستسهل ليطرد به الهم فيغرر المرء بنفسه ليطرد عنه الهم وأشد ms46 ~~الأمراض كلها ألما وجع ملازم في عضو ما بعينه وأما النفوس الكريمة فالذي ~~عندها أشد من كل ما ذكرنا وهو أسهل المخوفات عند ذوي النفوس اللئيمة ومما ~~قلته في الأخلاق % إنما العقل أساس % فوقه الأخلاق سور % فحلي العقل بالعلم ~~% وإلا فهو بور % جاهل الأشياء أعمى % لا يرى كيف يدور % وتمام العلم بالعد ~~% ل وإلا فهو زور % وزمام العدل بالجود % وإلا فيجور % وملاك الجود بالنجدة ~~% والجبن غرور % عف إن كنت غيورا % ما زنى قط غيور % % وكمال الكل بالتقوى ~~% ومما قلته أيضا % زمام أصول جميع الفضائل % عدل وفهم وجود وباس % فمن هذه ~~ركبت غيرها % فمن حازها فهو في الناس راس % كذا الرأس فيه الأمور التي % ~~بإحساسها يكشف الإلتباس % # | PageV01P085 # غرائب أخلاق النفس ينبغي للعاقل أن لا يحكم بما يبدو له من استرحام ~~الباكي المتظلم وتشكيه وشدة تلويه وتقلبه وبكائه فقد وقفت من بعض من يفعل ~~هذا على يقين أنه الظالم المعتدي المفرط الظلم ورأيت بعض المظلومين ساكن ~~الكلام معدوم التشكي مظهرا لقلة المبالاة فيسبق إلى نفس من لا يحقق النظر ~~أنه ظالم وهذا مكان ينبغي التثبت فيه ومغالبة ميل النفس جملة وأن لا يميل ~~المرء مع الصفة التي ذكرنا ولا عليها ولكن يقصد الإنصاف بما يوجبه الحق على ~~السواء من عجائب الأخلاق أن الغفلة مذمومة وأن استعمالها محمود وإنما ذلك ~~لأن من هو مطبوع على الغفلة يستعملها في غير موضعها وفي حيث يجب التحفظ وهو ~~مغيب عن فهم الحقيقة فدخلت تحت الجهل فذمت لذلك وأما المتيقظ الطبع فإنه لا ~~يضع الغفلة إلا في موضعها الذي يذم فيه البحث والتقصي والتغافل فهما ~~للحقيقة وإضرابا عن الطيش واستعمالا للحلم وتسكينا للمكروه فلذلك حمدت حالة ~~التغافل وذمت الغفلة وكذلك القول في إظهار الجزع وإبطانه وفي إظهار ~~PageV01P086 الصبر وإبطانه فإن إظهار الجزع عند حلول المصائب مذموم لأنه ~~عجز مظهره عن ملك نفسه فأظهر أمرا لا فائدة فيه بل هو مذموم في الشريعة ~~وقاطع عما يلزم من الأعمال وعن التأهب لما يتوقع حلوله مما لعله أشنع من ~~الأمر ms47 الواقع الذي عنه حدث الجزع فلما كان إظهار الجزع مذموما كان إظهار ~~ضده محمودا وهو إظهار الصبر لأنه ملك للنفس وإطراح لما لا فائدة فيه وإقبال ~~على ما يعود وينتفع به في الحال وفي المستأنف وأما استبطان الصبر فمذموم ~~لأنه ضعف في الحس وقسوة في النفس وقلة رحمة وهذه أخلاق سوء لا تكون إلا في ~~أهل الشر وخبث الطبيعة وفي النفوس السبعية الرديئة فلما كان ما ذكرنا يقبح ~~كان ضده محمودا وهو استبطان الجزع لما في ذلك من الرحمة والشفقة والفهم ~~بقدر الرزية فصح بهذا أن الاعتدال هو أن يكون المرء جزوع النفس صبور الجسد ~~بمعنى أنه لا يظهر في وجهه ولا في جوارحه شيء من دلائل الجزع ولو علم ذو ~~الرأي الفاسد ما استضر به من فساد تدبيره في السالف لأنجح بتركه استعماله ~~فيما يستأنف وبالله التوفيق PageV01P087 # | تطلع النفس إلى ما يستر عنها من كلام مسموع أو شيء مرئي أو إلى المدح ~~وبقاء الذكر هذا أمران لا يكاد يسلم منهما أحد إلا ساقط الهمة جدا أو من ~~راض نفسه الرياضة التامة وقمع قوة نفسه الغضبية قمعا كاملا أو عانى مدواة ~~شره النفس إلى سماع كلام تستر به عنها أو رؤية شيء اكتتم به دونها أن يفكر ~~فيما غاب عنها من هذا النوع في غير موضعه الذي هو فيه بل في أقطار الأرض ~~المتباينة فإن اهتم بكل ذلك فهو مجنون تام الجنون عديم العقل ألبتة وإن لم ~~يهتم لذلك فهل هذا الذي اختفي به عنه إلا كسائر ما غاب عنه منه سواء بسواء ~~ولا فرق ثم لنزد احتجاجا على هواه فليقل بلسان عقله لنفسه يا نفس أرأيت إن ~~لم تعلمي أن ههنا شيئا أخفي عليك أكنت تطلعين إلى معرفة ذلك أم لا فلا بد ~~من لا فليقل لنفسه فكوني الآن كما كنت تكونين لو لم تعلمي بأن ههنا شيئا ~~ستر عنك فتربحي الراحة وطرد الهم وألم القلق وقبح صفة الشره وتلك غنائم ~~كثيرة وأرباح جليلة وأغراض فاضلة سنية يرغب العاقل ms48 فيها ولا يزهد فيها إلا ~~تام النقص PageV01P088 وأما من علق وهمه وفكره بأن يبعد اسمه في البلاد ~~ويبقى ذكره على الدهر فليتفكر في نفسه وليقل لها يا نفس أرأيت لو ذكرت ~~بأفضل الذكر في جميع أقطار المعمور أبد الأبد إلى انقضاء الدهر ثم لم ~~يبلغني ذلك ولا عرفت به أكان لي في ذلك سرور أو غبطة أم لا فلا بد من لا ~~ولا سبيل إلى غيرها ألبتة فإذا صح وتيقن فليعلم يقينا أنه إذا مات ولا سبيل ~~له إلى علم أنه يذكر أو أنه لا يذكر وكذلك إن كان حيا إذا لم يبلغه ثم ~~ليتفكر أيضا في معنيين عظيمين أحدهما كثرة من خلا من الفضلاء من الأنبياء ~~والرسل صلى الله عليهم وسلم أولا الذين لم يبق لهم على أديم الأرض عند أحد ~~من الناس اسم ولا رسم ولا ذكر ولا خبر ولا أثر بوجه من الوجوه ثم من ~~الفضلاء الصالحين من أصحاب الأنبياء السالفين والزهاد ومن الفلاسفة ~~والعلماء والأخيار وملوك الأمم الدائرة وبناة المدن الخالية وأتباع الملوك ~~الذين أيضا قد انقطعت أخبارهم ولم يبق لهم عند أحد علم ولا لأحد بهم معرفة ~~أصلا ألبتة فهل ضر من كان فاضلا منهم ذلك أو نقص من فضائلهم أو طمس من ~~محاسنهم أو حط درجتهم عند بارئهم عز وجل ومن جهل هذا الأمر فليعلم أنه ليس ~~في شيء من الدنيا خبر عن ملوك من ملوك الأجيال السالفة أبعد مما بأيدي ~~الناس من تاريخ ملوك بني إسرائيل فقط ثم ما بأيدينا من تاريخ ملوك اليونان ~~والفرس وكل ذلك لا يتجاوز ألفي عام فأين ذكر من عمر الدنيا قبل هؤلاء أليس ~~قد دثر وفني وانقطع ونسي ألبتة وكذلك قال الله تعالى @QB@ ورسلا لم نقصصهم ~~عليك @QE@ وقال تعالى @QB@ وقرونا بين ذلك كثيرا @QE@ وقال تعالى ~~PageV01P089 @QB@ والذين من بعدهم لا يعلمهم إلا الله @QE@ فهل الإنسان وإن ~~ذكر برهة من الدهر إلا كمن خلا قبل من الأمم الغابرة الذين ذكروا ثم نسوا ~~جملة ثم ليتفكر الإنسان في من ذكر ms49 بخير أو بشر هل يزيده ذلك عند الله عز ~~وجل درجة أو يكسبه فضيلة لم يكن حازها بفعله أيام حياته فإذا كان هذا كما ~~قلناه فالرغبة في الذكر رغبة غرور ولا معنى له ولا فائدة فيه أصلا لكن إنما ~~ينبغي أن يرغب الإنسان العاقل في الاستكثار من الفضائل وأعمال البر التي ~~يستحق من هي فيه الذكر الجميل والثناء الحسن والمدح وحميد الصفة فهي التي ~~تقربه من بارئه تعالى وتجعله مذكورا عنده عز وجل الذكر الذي ينفعه ويحصل ~~على بقاء فائدته ولا يبيد أبد الأبد وبالله تعالى التوفيق شكر المنعم فرض ~~واجب وإنما ذلك بالمقارضة له بمثل ما أحسن فأكثر ثم بالتهمم بأموره والتأتي ~~بحسن الدفاع عنه ثم بالوفاء له حيا وميتا ولمن يتصل به من ساقة وأهل كذلك ~~ثم بالتمادي على وده ونصيحته ونشر محاسنه بالصدق وطي مساويه ما دمت حيا ~~وتوريث ذلك عقبك وأهل ودك وليس من الشكر عونه على الآثام وترك نصيحته فيما ~~يوتغ به دينه ودنياه بل من عاون من أحسن إليه على باطل فقد غشه وكفر إحسانه ~~وظلمه وجحد إنعامه وأيضا فإن إحسان الله تعالى وإنعامه على كل حال أعظم ~~وأقدم PageV01P090 أو هنأ من نعمة كل منعم دونه عز وجل فهو تعالى الذي شق ~~لنا الأبصار الناظرة وفتق فينا الآذان السامعة ومنحنا الحواس الفاضلة ~~ورزقنا النطق والتمييز اللذين بهما استأهلنا أن يخاطبنا وسخر لنا ما في ~~السموات وما في الأرض من الكواكب والعناصر ولم يفضل علينا من خلقه شيئا غير ~~الملائكة المقدسين الذين هم عمار السموات فقط فأين تقع نعم المنعمين من هذه ~~النعم فمن قدر أنه يشكر محسنا إليه بمساعدته على باطل أو بمحاباته فيما لا ~~يجوز فقد كفر نعمة أعظم المنعمين وجحد إحسان أجل المحسنين إليه ولم يشكر ~~ولي الشكر حقا ولا حمد أهل الحمد أصلا وهو الله عز وجل ومن حال بين المحسن ~~إليه وبين الباطل وأقامه على مر الحق فقد شكره حقا وأدى واجب حقه عليه ~~مستوفى ولله الحمد أولا وآخرا وعلى ms50 كل حال PageV01P091 # حضور مجالس العلم إذا حضرت مجلس علم فلا يكن حضورك إلا حضور مستزيد علما ~~وأجرا لا حضور مستغن بما عندك طالبا عثرة تشيعها أو غريبة تشنعها فهذه ~~أفعال الأرذال الذين لا يفلحون في العلم أبدا فإذا حضرتها على هذه النية ~~فقد حصلت خيرا على كل حال وإن لم تحضرها على هذه النية فجلوسك في منزلك ~~أروح لبدنك وأكرم لخلقك وأسلم لدينك فإذا حضرتها كما ذكرنا فالتزم أحد ~~ثلاثة أوجه لا رابع لها وهي إما أن تسكت سكوت الجهال فتحصل على أجر النية ~~في المشاهدة وعلى الثناء عليك بقلة الفضول وعلى كرم المجالسة ومودة من ~~تجالس فإن لم تفعل ذلك فاسأل سؤال المتعلم فتحصل على هذه الأربع محاسن وعلى ~~خامسة وهي استزادة العلم وصفة سؤال المتعلم أن تسأل عما لا تدري لا عما ~~تدري فإن السؤال عما تدريه سخف وقلة عقل وشغل لكلامك وقطع لزمانك بما لا ~~فائدة فيه لا لك ولا لغيرك وربما أدى إلى اكتساب العداوات وهو بعد عين ~~PageV01P092 الفضول فيجب عليك أن لا تكون فضوليا فإنها صفة سوء فإن أجابك ~~الذي سألت بما فيه كفاية لك فاقطع الكلام وإن لم يجبك بما فيه كفاية أو ~~أجابك بما لم تفهم فقل له لم أفهم واستزده فإن لم يزدك بيانا وسكت أو أعاد ~~عليك الكلام الأول ولا مزيد فأمسك عنه وإلا حصلت على الشر والعداوة ولم ~~تحصل على ما تريد من الزيادة والوجه الثالث أن تراجع مراجعة العالم وصفة ~~ذلك أن تعارض جوابه بما ينقضه نقضا بينا فإن لم يكن ذلك عندك ولم يكن عندك ~~إلا تكرار قولك أو المعارضة بما لا يراه خصمك معارضة فأمسك فإنك لا تحصل ~~بتكرار ذلك على أجر ولا على تعليم ولا على تعلم بل على الغيظ لك ولخصمك ~~والعداوة التي ربما أدت إلى المضرات وإياك وسؤال المعنت ومراجعة المكابر ~~الذي يطلب الغلبة بغير علم فهما خلقا سوء دليلان على قلة الدين وكثرة ~~الفضول وضعف العقل وقوة السخف وحسبنا الله ونعم الوكيل وإذا ms51 ورد عليك خطاب ~~بلسان أو هجمت على كلام في كتاب فإياك أن تقابله مقابلة المغاضبة الباعثة ~~على المغالبة قبل أن تتبين بطلانه ببرهان قاطع وأيضا فلا تقبل عليه إقبال ~~المصدق به المستحسن إياه قبل علمك بصحته ببرهان قاطع فتظلم في كلا الوجهين ~~نفسك وتبعد عن إدراك الحقيقة ولكن أقبل عليه إقبال سالم القلب عن النزاع ~~عنه والنزوع إليه إقبال من يريد حظ نفسه في فهم ما سمع ورأى PageV01P093 ~~فالتزيد به علما وقبوله إن كان حسنا أو رده إن كان خطأ فمضمون لك إن فعلت ~~ذلك الأجر الجزيل والحمد الكثير والفضل العميم من اكتفى بقليله عن كثير ما ~~عندك فقد ساواك في الغنى ولو أنك قارون حتى إذا تصاون في الكسب عما تشره ~~أنت إليه فقد حصل أغنى منك بكثير ومن ترفع عما تخضع إليه من أمور الدنيا ~~فهو أعز منك بكثير فرض على الناس تعلم الخير والعمل به فمن جمع الأمرين فقد ~~استوفى الفضيلتين معا ومن علمه ولم يعمل به فقد أحسن في التعليم وأساء في ~~ترك العمل به فخلط عملا صالحا وآخر سيئا وهو خير من آخر لم يعلمه ولم يعمل ~~به وهذا الذي لا خير فيه أمثل حالا وأقل ذما من آخر ينهى عن تعلم الخير ~~ويصد عنه ولو لم ينه عن الشر إلا من ليس فيه منه شيء ولا أمر بالخير إلا من ~~استوعبه لما نهى أحد عن شر ولا أمر بخير بعد النبي صلى الله عليه وسلم ~~وحسبك بمن أدى رأيه إلى هذا فسادا وسوء طبع وذم حال وبالله تعالى التوفيق ~~قال أبو محمد رضي الله عنه فاعترض هاهنا إنسان فقال كان الحسن رضي الله عنه ~~إذا نهى عن شيء لا يأتيه أصلا وإذا أمر بشيء كان شديد الأخذ به وهكذا تكون ~~الحكمة وقد قيل أقبح شيء في العالم أن يأمر بشيء لا يأخذ به في نفسه أو ~~ينهى عن شيء يستعمله قال أبو محمد كذب قائل هذا وأقبح منه من لم ~~PageV01P094 يأمر بخير ولا نهى ms52 عن شر وهو مع ذلك يعمل الشر ولا يعمل الخير ~~قال أبو محمد وقال أبو الأسود الدؤلي % لا تنه عن خلق وتأتي مثله % عار ~~عليك إذا فعلت عظيم % وابدأ بنفسك فانهها عن غيها % فإذا انتهت عنه فأنت ~~حكيم % فهناك يقبل إن وعظت ويقتدى % بالعلم منك وينفع التعليم % # | قال أبو محمد إن أبا الأسود إنما قصد بالإنكار المجيء بما نهي عنه ~~المرء وأنه يتضاعف قبحه منه مع نهيه عنه فقد أحسن كما قال الله تعالى @QB@ ~~أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم @QE@ ولا يظن بأبي الأسود إلا هذا وأما ~~أن يكون نهى عن النهي عن الخلق المذموم فنحن نعيذه بالله من هذا فهو فعل من ~~لا خير فيه وقد صح عن الحسن أنه سمع إنسانا يقول لا يجب أن ينهى عن الشر ~~إلا من لا يفعله فقال الحسن ود إبليس لو ظفر منا بهذه حتى لا ينهى أحد عن ~~منكر ولا يأمر بمعروف وقال أبو محمد صدق الحسن وهو قولنا آنفا جعلنا الله ~~ممن يوفق لفعل الخير والعمل به وممن يبصر رشد نفسه فما أحد إلا له عيوب إذا ~~نظرها شغلته عن غيره وتوفانا على سنة محمد صلى الله عليه وسلم آمين رب ~~العالمين مدارين لملوكهم حافظين لرياستهم لكن هذا الخلق يسمى الدهاء وضده ~~وقول الحق نور % ذي أصول الفضل عنها % حدثت بعد البذور % # PageV01P095 ms53