######OpenITI# #META# 000.SortField :: JK_009346 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: ابن حزم #META# 010.AuthorNAME :: أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم الأندلسي #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 456 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: الرد على الكندي الفيلسوف #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: كتب الردود :: كتب العقائد والملل #META# 022.BookVOLS :: 1 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: الرد على الكندي الفيلسوف #META# 030.LibURI :: JK_009346 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: NODATA #META# 031.LibURL :: NODATA #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: د . إحسان عباس #META# 041.EdNUMBER :: الثانية #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: المؤسسة العربية للدراسات والنشر #META# 044.EdPLACE :: بيروت / لبنان #META# 045.EdYEAR :: 1987 م #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # - 4 - الرد على الكندي الفيلسوف ### | # بسم الله الرحمن الرحيم اللهم صل على سيدنا محمد وعلى آل محمد وعترته # 1 -[ قال الكندي ] : اعلم ، أسعدك الله ( 1 ) ، أن أعلى الصناعات الإنسانية ~~درجة ( 2 ) ، وأشرفها مرتبة ، صناعة الفلسفة ، التي حدها علم الأشياء ~~بحقائقها بقدر طاقة الإنسان . ولا نجد ( 3 ) مطلوبا من الحق من غير علة ، ~~وعلة كل شيء وثباته الحق ، لأن كل ماله إنية له حقيقة ، فالحق اضطرارا ( 4 ~~) موجود ، إذ الإنيات ( 5 ) موجودة . # 2 - قال : وإنما نعلم كل معلوم إذا [ ~~نحن ] أحطنا بعلم علته ، لأن كل علة إما أن تكون عنصرا ، وإما صورة ، وإما ~~فاعلة ، أعني ما منه مبدأ الحركة ، وإما متممة ، أعني ما من أجله كان الشيء ~~. والمطالب العامة ( 6 ) أربعة : هل ، وما ، [ وأي ] ، [ ولم ] ، فهل باحثة ~~عن الانية ، وما فبحث عن الجنس في كل ما له جنس ؛ وأي فبحث عن الفصل ، وما ~~وأي جميعا عن النوع ؛ ولم عن العلة التمامية . وبين أنا متى أحطنا بعلم ~~عنصرها فقد أحطنا بعلم نوعها ، وفي علم النوع علم الفصل ، فإذا أحطنا بعلم ~~العنصر والصورة والعلة التمامية ( 7 ) ، فقد أحطنا بعلم حدها ؛ وكل محدود ~~فحقيقته في حده . PageV04P363 # 3 - قال محمد : اختصار هذا ، أنا متى أحطنا ~~بعلم الأصل أحطنا بعلم ما بعده . # 4 - وذكر أهل الرياسة فقال : نصبوا ~~كراسيهم المزورة التي نصبوها عن غير استحقاق بل للترؤس والتجارة بالدين ، ~~وهم عدماء الدين ، لأن من تجر بشيء باعه ، ومن باع شيئا لم يكن له ، ومن ~~تجر بالدين لم يكن له دين ، وحق ( 1 ) أن يتعرى من الدين من عاند قنية علم ~~الأشياء بحقائقها وسماها وكفرا ، لأن في علم الأشياء بحقائقها علم الربوبية ~~وعلم الوحدانية وعلم الفضيلة ( 2 ) ، [ وجملة ] علم كل نافع والسبيل إليه ، ~~والبعد عن كل ضار والاحتراس منه ، واقتناء هذه جميعا هو الدين ( 3 ) الذي ~~أتت به الرسل الصادقة عن الله جل ثناؤه ، فإن الرسل صلوات الله عليهم إنما ~~أتت بالإقرار بربوبية الله تعالى وحده ، ولزوم القضايا المرتضاة عنده ، ~~ورفض الرذائل المضادة للفضائل في ذاتها وعواقبها ms01 . ### || ما في الفن الثاني # 5 - الوجود الإنساني وجودان : أحدهما : وجود الحواس الذي هو لجميع ~~الحيوان معنا منذ نشوئه ، وهذا الوجود الذي ثبتت صورته في المصور ( 4 ) ~~فأداها ( 5 ) الحس إلى الحفظ ، فتصور وتمثل في النفس ، والحس يباشرها بلا ~~زمان ولا مؤونة ، والمحسوس كله ( 6 ) ذو هيولى فكله ذو جرم . والوجود ~~الثاني أقرب من الطبيعة وأبعد عنا ، وهو وجود العقل . وبحق كان الوجود ~~وجودين ، إذ الأشياء كلية وجزئية ، أعني بالكلية الأجناس ( 7 ) [ 93 ظ ] ~~لكل الأنواع والأنواع لكل الأجناس ، والجزئية للأشخاص أجزاء من النوع ، ~~والأنواع أجزاء من الجنس . فالأشخاص الجزئية الهيولانية واقعة تحت الحواس ، ~~والأجناس والأنواع لا توجد إلا بقوة من قوى النفس التامة ، وتلك القوة هي ~~العقل . PageV04P364 # 6 - قال محمد : اختصار هذا أن الحواس تجد ( 1 ) ~~الأشخاص وأن العقل يجد المعاني . # 7 - قال : وكل متمثل نوعي جزئي ، وما فوق ~~النوعي لا يتمثل للنفوس ، لأن المثل كلها [ محسوسة ] ، ولكنه مصدق ومحقق ، ~~متيقن اضطرارا ، كقولك ( 2 ) هو لا هو غير صادقتين ( 3 ) في شيء بعينه . ~~وهذا وجود للنفس لا يحتاج إلى متوسط ولا مثال له في النفس ، لأنه لا لون ~~ولا صوت ولا رائحة ولا طعم ولا ملموس . ومثله لو قال لنا : إن جسم الكل ليس ~~خارجا منه لا خلاء ولا ملاء ، وهذا لا يتمثل لأن ' لا خلاء ولا ملاء ' لم ~~يدركه الحس ولا لحقته النفس ( 4 ) ، فيكون له فيها مثال ، وإنما هو شيء ~~يجده العقل اضطرارا . فاحفظ ، حفظ الله عليك جميع الفضائل ، وصانك من جميع ~~الرذائل ، هذه المقدمة لتكون لك دليلا قاصدا إلى الحقائق ( 5 ) ، فإن ~~بهاتين السبيلين كان الحق من جهة سهلا ، ومن جهة عسرا ، لأن من طلب تمثيل ~~ما لا يتمثل عشي عنه ، كعشا أعين الوطاوط عن درك ( 6 ) الأشخاص الواضحة لنا ~~في شعاع الشمس . # 8 - قال : والهيولى موضوعة الانفعال فهي متحركة ، والطبيعة ~~علة أولية لكل متحرك وساكن . # 9 - قال محمد : يقول فالطبيعة فوق الهيولى ، ~~والهيولى هو حد التمثيل والإدراك بالحس ، فكيف يدرك ما فوقها بالتمثيل لا ~~يدرك إلا ms02 بعلته وفي الطبيعة . # 10 - [ قال ] : وعلم الطبيعة ( 7 ) علم كل ~~متحرك ، فما فوق الطبيعة من المحدثات أيضا [ هو ] لا متحرك لأنه [ ليس ] ~~يمكن أن يكون الشيء علة كونه ، PageV04P365 ~~ فليس علة الحركة حركة ، ولا علة ~~المتحرك متحركا ، فما فوق الطبيعة ( 1 ) ليس متحركا . وهذا القول صواب ، إن ~~شاء الله ، لأنه ليس فوق الطبيعة من المحدثات إلا العدم ، والله عز وجل فوق ~~الحركات والسكون ، لا تأخذه صفة حركة ولا سكون . فهذا صواب من الوجهين . # 11 - قال : وقد ينبغي أن لا يطلب في إدراك كل مطلوب الوجود البرهاني ، لأنه ~~ليس كل مطلوب عقلي موجودا بالبرهان ، لأنه ليس لكل شيء برهان ، إذ البرهان ~~بعض الأشياء ( 2 ) ، ولو كان للبرهان برهان لكان هذا بلا نهاية ( 3 ) ولم ~~يكن لشيء وجود بتة ، لأن ما لا ينتهي إلى علم أوائله فليس بمعلوم ، فلا ~~يكون علم بتة [ 94 و ] . # 12 - [ قال ] محمد : هذا كقوله لا ينبغي أن يطلب ~~ما فوق الهيولي بالتمثيل . ونعم ما قال إن شاء الله ، لأن البرهان هو النور ~~في نفس اللفظة ، فإدراك هو كإدراك البصر نور واضح لا يحتاج إلى برهان . فلو ~~قال قائل : ما البرهان أن هذه السماء وهذه الأرض قيل له : لو أجبناك على ~~ذلك ببرهان طلبت على البرهان برهانا إلى ما لا نهاية له ، ولكن هذا برهانه ~~، لأن ما ذهب في إدراك البرهان إلى إدراك الطبيعة وإدراك الحواس نسميه ~~إقناعا . # 13 - قال الكندي : فلا ينبغي أن يطلب الإقناع في العلوم الرياضية ~~، بل البرهان ، لأنا إن استعملنا الإقناع في العلم الرياضي كانت إحاطتنا به ~~ظنية ( 4 ) . # 14 - [ قال ] محمد : ثم خلط أنواع المطلوبات خلطا ما هو بمحصل ~~لأنه قال : فلا يطلب في العلم الرياضي إقناع ، ولا في العلم الالإهي حس ولا ~~تمثيل ، ولا في أوائل العلم الطبيعي الجوامع الفكرية ولا في الإقناعية ( 5 ~~) برهان ، ولا في أوائل البرهان PageV04P366 برهانا . # 15 - أوائل العلم ~~الطبيعي هو الهيولاني عنده الآن . والجوامع الفكرية عنده البرهان . وأوائل ~~البرهان ما فوق الطبيعة والفطرة من أوائل الأمر بلا تعريف ms03 . وكيف يكون هذا ~~محصلا والعلم الالإهي وأوائل الطبيعة واحد في الإدراك لا يتمثل ، فهلا ~~جمعهما وقال : حسا ولا تمثيلا ؛ وفي الآخر الجوامع الفكرية ، والجوامع ~~الفكرية هي المتمثلات ، وهو قد قال : كهو لا هو لا يدرك إلا اضطرارا . # 16 - ~~قال محمد : صحته عندي أن لا يطلب في العلم الرياضي علم الربوبية ؛ وما كان ~~فوق الهيولى إقناعا ، ولكن اضطرارا ، ولا يطلب في أوائل البرهان ، وهو علم ~~الحس ، برهان ، كما ذكرنا في أمر السماء والأرض . # 17 - ثم ذكر ( 1 ) حقيقة ~~معنى الأزلية فقال : ينبغي أن نقدم القرائن ( 2 ) التي نحتاج إلى استعمالها ~~. فنقول : إن الأزلي هو الذي لم يجب لشيء ( 3 ) هو مطلق ، أي بل هو مطلق ، ~~فالأزلي لا قبل ( 4 ) لهويته ، فالأزلي هو لا قوامة هو [ من ] غيره ( 5 ) ، ~~[ هو ] ولا علة له ولا موضوع ولا محمول ولا فاعل له ولا سبب ، أعني ما من ~~أجله كان ، فلا جنس له ، لأنه إن كان له جنس فهو نوع ، والنوع مركب من جنسه ~~العام له ولغيره ، ومن فصل ليس في غيره ، فله موضوع هو الجنس القابل لصورته ~~وصورة غيره ، ومحمول هو الصورة الخاصية له دون غيره ، فالنوع كله موضوع ~~ومحمول . فالأزلي لا يفسد ، لأن الفساد ( 6 ) إنما هو تبدل المحمول لا ~~الحامل الأول ، فأما الحامل الأول الذي هو PageV04P367 الأيس ( 1 ) فليس ~~يتبدل ، لأن الفاسد ليس تتباين إنيته بتباين إبنيته ( 2 ) ، وكل متبدل ~~فإنما يتبدل ( 3 ) بضده الأقرب معه ( 4 ) في جنس واحد كالحرارة ( 94 ظ ) ~~إلى البرودة ، لا بالأبعد ( 5 ) من المقابلة كالحرارة باليبس أو بالحلاوة ~~أو بالطول ، والأضداد المتقاربة هي في جنس ( 6 ) واحد ، فالفاسد جنس ، ~~والأزلي لا جنس له ، فهو لا يتبدل ولا ينتقل من نقص إلى تمام ، لأن ~~الانتقال استحالة ، وهو لا يستحيل . والتام هو الذي ليست له حاله ثانية ~~يكون بها فاضلا ، والأزلي لا يمكن أن يكون ناقصا ، لأنه لا يمكن أن ينتقل ~~إلى حال يكون بها فاضلا ، لأنه لا يمكن أن يستحيل بتة ، فالأزلي تام ~~اضطرارا ، وإذا كان الأزلي ms04 لا جنس له ، فما له جنس وأنواع غير أزلي ، ~~فالجرم لا أزلي . PageV04P368 ### | # بسم الله الرحمن الرحيم اللهم صل على سيدنا ~~محمد وعلى آل محمد وسلم # 18 - قال الموحد : هذا قولنا والرد على من جهل ربه ~~وسماه بغير أسمائه التي سمى بها نفسه ، ووصفه بغير صفاته ، سبحانه وتعالى ~~عن ذلك ، لا نقول في الباري عز وجل كما قال يعقوب بن إسحاق : إنه علة ، ~~فنقض ( 1 ) توحيده وهدم بناءه وكذب نفسه في المقدمات التي برهنها في بدء ~~أقاويله ، وزلت قدمه فهوى ، فلا نقول في الباري عز وجل إنه علة لما بعده ~~إذا نحن أردنا كشف العلل والبلوغ إلى حقائقها في ذواتها والإبانة عنها ، ~~لأنا نوهم السامع أنه من جهة المعلول وجب أن نسميه بعلة ، إذ ليست العلة ~~علة معقولة إلا لمعلول ، ولا المعلول معلول إلا لعلة بالقول إلى مضاف ~~اضطرارا ، فتوهم إذن السامع أن خالقه مضاف إلى كل معلول بغير إطلاق ، تعالى ~~ربنا عن ذلك وتقدس . # 19 - والكندي يقولنا بما قلنا بلسانه وينطق به كتابه ~~عنه ويشهد به عليه ، فقد كرر القول وبرهنه أنه عز وجل لا يلحقه المضاف ولا ~~ما شاكل المضاف ، وإن رام أحد بعد أن يخطئ على نفسه فيسميه بعلة [ على ] ~~ألا يكون حينئذ من المضاف في عقله بكل جهده ، لم يجد ذلك ولم يقدر أن ينفي ~~عنه الإضافة من بعد أبدا ، بل أوجب بذلك التبعيض والنهاية ، وكل ما نفى عنه ~~الكندي وغيره إذ سماه علة ، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا ، فلذلك لا نقول ~~نحن إنه علة أفعال المعلولات ، ولا علة المعلولات ، ولا علة العلة ، في ~~مطلبنا هذا الذي نريد به قصد الواحد الصمد جل ثناؤه ، بل نقول : هو الأحد ~~الأول الصمد مبدع العلل ، وهو الذي ( 95 و ) ابتدع المعلولات لأجل تلك ~~العلل التي سبقت منه ، فوجب أن يكون الإبداع من أجلها كائنا تاما متقنا على ~~ما هو عليه من التنضيد والإتقان . PageV04P369 # 20 - فإن سأل سائل عن تلك ~~العلل الأول : هل هي غيره بذواتها وغير الإبداع الكائن منها ms05 قيل له : نعم ، ~~ومن أجل تلك العلل الأول البسيطة الانهمال كانت المهويات المركبة في أنفسها ~~حقائق ؛ والعلل الأول هي التي تسمى بالحقيقة عللا ، لأنها وضعت لتكون ~~معلولاتها المتهوية منها بفعال فاعلها عز وجل ، ولا نقول إن العلل كانت ~~لأجل واضعها المخرج لها من عدم ، لأنه الغني عن ذلك والمتعالي عنه عز وجل { ~~ليس كمثله شيء } ( الشورى : 11 ) فهو لا من أجله وجب أن يكون شيء ، لأنه هو ~~لا موضوع لشيء يجب ، فيقال لذلك الشيء إنه من أجله كان ، كما ( 1 ) يقال ~~ذلك في العلل الموضوعة ، سبحانه وتعالى عن ذلك . # 21 - فإن قال قائل : ~~فلولاه لم تكن العلل ولا المعلولات . قيل له : نعم ، لولاه لم تكن ، ولكن ~~ليس علة لذلك ، لأن اسم العلة فيه معنى الضرورة إلى معلولها ، وفي المعلول ~~معنى الضرورة إلى علته ، لأن العلة موضوعة للمعلول ، والمعلول محمول على ~~العلة ، فهما مضافان مضطران متصلان غير مفترقين ولا غنيين ، لحاجة كل واحد ~~منهما إلى صاحبه . وليست هذه صفة الخالق الأول الذي كان قبل أن يبدع شيئا ~~غنيا عن كل شيء ، ثم لم يحل به حال لأنه لا لتأخذه الاستحالة فيعود من غني ~~إلى احتياج ، أو من انفراد ( 2 ) إلى اتصال ، أو من وحدانية ( 3 ) إلى تكثر ~~. وفرقان صفته من صفة العلة ، أن العلة منساقة إلى معلولها ، كما ذكرنا ، ~~وهو عز وجل ليس بأولى أن يكون واضعا لها منه بأن لا يكون ، سبحانه وتعالى ~~عن أن يكون أولى بالترك ، لا بإيجاد معرفته منه لإيجادها . كمثل ما يلزم ~~العلل من ضد هذا القول ، بل هو المختار الذي لا يلزمه في أحد المعنيين ولا ~~في شيء منها اضطرار ، لا يلزمه فعل شيء ولا يلزمه ترك شيء ، كلتا الحالتين ~~معدلتان في اختياره . والعلل الموضوعة ليست بأولى بالترك لمعلولاتها ~~وإعدامها منها إلا بترك ما قد جعل لها في قوتها أن تفعله ويوجد منها ، ~~لأنها مضطرة إلى فعل ما جعل فيها فعله . PageV04P370 # 22 - فالأول الغني ~~المتعال جل جلاله بريء مما يلزم الموضوعات من الضرورة لإيجاد ما ms06 لها في ~~القوة إيجاد { ليس كمثله شيء } هو الخالق وما سواه مخلوق ( 95 ظ ) ، وهو ~~المختار وما سواه مضطر ، ولذلك لا تلحقه الأسماء المجازية ولا الخفية لحوق ~~اللزوم والتطرد في العقول العالمة به عز وجل ، إنما الأسماء والصفات موضوعة ~~على معنى هي له بدائع ، لا لتلحقه ، كما هي لاحقة الذي هو مركب منها معار ~~جوهرها ، لأنا نقول في الصفات : إنها لاحقة المركبات بجوهرها ، وإن ~~المركبات مركبات من جوهرها مكسبة إياه ، وهذا اللحاق اللاحق الذي لا يلحق ~~بارينا تعالى من صفاته وأسمائه ، وإنما هي دلالات دالة للعقول ، دالة عليه ~~سبحانه وبحمده الواحد الصمد . ونقول إنها ليست بخالقة ولا نقول مخلوقة ، بل ~~هي صفات مجعولة موضوعة ، والخلق مركب منها ، أعني من جوهرها البسيط . وأقول ~~في الأسماء الصوتية : إنها للصفات مثالات باتفاق المعارف ، كائنة ما كانت ~~تلك الأصوات ، كانت من صنع الله تعالى أو من صنع الآدميين ، وأقول ذلك في ~~الأسماء المرقومة كائنة ما كانت من لون مداد أو غير ذلك . # 23 - فإن سأل ~~سائل عن تلك العلل الموصوفة البسيطة السابقة ( 1 ) لتهوية المهويات ، قيل ~~له : الاسطقصات الأربع الخارجة من عنده التي هي للخلق موضوعة منفعلة ، بعد ~~إذ هي لا كائنة ولا موجودة ، فهي الاسطقصات الأربع المتهوية المتأيسة ( 2 ) ~~في المكان الجامع لها ، وهي الطبائع الأربع المتأيسة ( 3 ) السابقة للخلق ~~من ربها عز وجل : الأرض والماء والنار والهواء ، هي العلل الموضوعات لتهوية ~~جميع المهويات في المكان الجامع . # 24 - فإن قال قائل : فهل من علة أوجبت ~~هذه العلل ، فكانت العلل لأجلها قيل له : العلل ليست بلا نهاية ، لأن هذا ( ~~4 ) الاسم الذي هو لها جامع يحصرها في الحال للذي له صارت عللا ، فتقصر ~~إليه ضرورة بلا زيادة دائمة . فإن وجد واجد PageV04P371 ~~علة داخلة في الحال ~~سوى ما ذكرنا فليأت على ذلك بسلطان بين : { فمن أظلم ممن افترى على الله ~~كذبا } ( الأنعام : 144 ، الأعراف : 37 ، يونس : 17 ، الكهف : 15 ) بأن ~~سماه علة فأدخله بزعمه في حال العلل التي هو عنها متعال في وجود كل ذي ms07 عقل ~~، وهو محدث العلل وواضعها ومدخلها بالاسم والحال ، بلا تبديل لها ما دامت ~~كائنة ، كما وضعها عليه في البدء ، إقامة لدلائل الضرورة فيها ، وإبانة ~~لنفسه عنها بالارتفاع عليها سبحانه وبحمده { تعالى } عما يقول المبطلون ~~علوا كبيرا . # 25 - ثم يقال له : هل هي علل إلا لأنها بحال هي بد للمعلولات ~~علل ( 96 و ) موضوعة بذلك البتة ، وأن ذلك حال الفاضل لها من كل معلول خرج ~~منها ويكون من أجلها ، وأنها ليست بأولى بأنفسها منها بإخراج المعلول بتة ~~فهذا بيان الضرورة فيها إن أقررت ، وإن أنكرت جحدت العلل والمعلولات ~~والمتعارف المعقول منها . # 26 - فإن قال : سماه علة ، عز وجل ، لأنه للعل ~~بحالها [ ما ] هي لغيرها على مثل سواء ، فهذا الكذب الصراح ، فليأت عليه ~~بسلطان بين ، لأن الحال لا تلزمه ولا تستطيع أن تلحقه صفتها من جهة من ~~الجهات أبدا . # 27 - فإن قال : فهل هي للعلل ببعض ما هي لغيرها . قيل له : ~~سبحان الله عن التبعيض والتجزئة ، أو أن يكون نفسه لغيره لا لنفسه ، فإن ~~ظهر له نفي جميع ذلك عنه ، كما هو أهله عز وجل ، بالحقيقة الظاهر ( 1 ) ~~نورها لكل ذي هدى وإنصاف . فما سبيله إذن إلى أن يسميه علة يجب لإيجابه شيء ~~سواه ، كما وجبت أن تكون المعلولات لأجل العلل ، وأن تكون العلل لأجل ~~المعلولات الواجبة منها ضرورة ، وانعطف بعض الخلق على بعض وانحصر في نفسه ~~بما حده له خالقه ، ولم يكن له أن يجاوز الحادث إلى القدم ، ولا المحصور ~~إلى المطلق ، ولا المخلوق إلى الخالق ، إنما نفع اسم من كتب نبوة أو حجة ~~فطرة ، فإن أقر بالنبوة فليس هذا الاسم منها ، وإن ذهب إلى حجة العقول ، ~~فقد ظهر به نفي ذلك عنه سبحانه . # 28 - وإن سأل السائل عن حال العلل فقال : ~~وما الحال التي من أجلها صارت عللا ، فلا يجب لتلك الحال أن يكون الباري ~~علة المعلول قيل له : الاشتراك في PageV04P372 ~~حال العلل ، لأن تلك الحال ~~جامعها معا لكون كل معلول يكون من أجلها ، كالاشتراك بحالها الجامع لها . ~~فالباري تعالى ms08 لا علة ، إذ ليس مشتركا معها في الاسم ولا في المعنى ، وإذ ~~هي بالفصل بائنه عنه ، لأن الفصل غاية لها ، وهو لا غاية له عز وجل . # 29 - ~~فإن قال : فلم صارت هي عللا سابقة دون أن تكون هي المعلولات المسبوقة قيل ~~له : لأنها بالفصل الأكبر في بسطها أحق من المعلولات ، وإذ هي بالفصل ~~الأكبر أحق ، وجب لها السبق قبل كل معلول ، لأنه محال أن تكون هي في بسطها ~~وعظم أقدارها في الفصل الأصغر الذي هو أحق المعلولات من بعدها ، فلأجل [ 96 ~~ظ ] صغر الفصل صارت معلولات من غير اضطرارا ، ولأجل عظم الفصول العظام صارت ~~عللا لغيرها واستحقت السبق لها ، وهو أصغر قدرا منها . ثم هي لا تعود بتلك ~~الفصول العظام إلى أن تكون معلولات لغيرها أبدا إلا أن يكون قبلها ذو فصل ~~أعظم منها . ولو كان قبل كل عظيم أعظم منه ، كان هذا بلا غاية . والباري جل ~~وعز لا يقال فيه إنه ذو فصل ، أي يناله بذاته ، على معنى أن تكون المنفصلات ~~فيه كما هي في العلل ، لأن الموضوع في المحدود محدود ، والفاصل لذي الغاية ~~ذو غاية ، والمحيط بذي النهاية إحاطة الاتصال ذو نهاية ، وهو الذي لا غاية ~~له ، عز وجل عن ذلك . # 30 - فإن قال قائل : ولم كان هذا كذا قيل له : لأنه ~~لم يكن بد من أن يكون صغير وكبير ، ليعقل الصغير والكبير ، ولا يعقل الصغير ~~إلا بالكبير ، ولا الكبير إلا بالصغير ، فلما لم يكن بد من أن يعقل وضع على ~~المعنى الذي به يعقل ، فكان الكبير أحق بالسبق لكبره وفضله عن الصغير وحمله ~~له ، فكان علة له ، وتأخر الصغير لصغره إذ حق ذلك له ، إذ لا يقوم إلا في ~~حامل قبله يسعه ، فالكبير مكان ، والصغير متمكن . # 31 - فإن قال : ولم لم ~~يكن المعلول بالفصل الأكبر أحق من العلة قيل له : فهذا تكرير بعد الفصل ، ~~ولكنا نقول له : لأن الفصل الأكبر فاصل عنه ، فالكبير يفصل الصغير ، لا ~~الصغير يحيط بالكبير ، ولا يعقل المعقول إلا بفصله الأحق به ، فالصغير ms09 ~~معقول بفصله الأصغر إذا أضيف إلى ما هو أكبر منه ، فإن لم يضف إلى ما هو ~~أكبر منه لم يعقل أن فصله صغير أو كبير بتة ، وإذا لم يعقل دثر بلا زمان عن PageV04P373 ~~المعقول ، لأن ما لا يعقل فصله دائر غير قائم ، لأن الفصل هو ~~الحق المبين له في العقول ، فإن لم يكن الحق فقد بطل ما قارنه الحق ، لأنه ~~ليس بعد الحق إلا الضلال . # 32 - واعلم أن الحق الأول الرب الأعلى المحقق ~~للحق ، الفاصل لكل شيء مرتفع عن أن يقال بالحق حق ، كما حق بالحق غيره ، ~~لأنه المحقق للحق الذي حقت به الأشياء ، ولو وجب أن يكون المحقق للحق بالحق ~~حق أعني قبل الحق - لوجب أن يكون المكون للكون بالكون تكون ، وهذا رأس ~~المحال ، وهو الذي أحق الحق الأكبر وأحق به الأشياء ، فأثبتها وأبانها به ، ~~فمحال أن تكون حقت بالحق حقيقته ، بل ( 97 و ) ويحق عندنا بالحق على معنى ~~الدلالة عليه أنه الحق المبين ، لأن كل ما حقت إنيته بشيء ، فذلك الشيء قبل ~~إنيته ، فافهم . # 33 - ومن الزيادة في إيضاح قولنا في العلة والمعلول أنا ~~نقول : إن الباري عز وجل خلق المعلولات على ما هي عليه من الإتقان والإحكام ~~والثبات باضطراره للعلل التي وجبت المعلولات من أجلها واضطراره إياها . ~~وهذا قول صحيح جدا . ألا ترى المركب المعلول المنضد ذا أجزاء لا محالة ~~بعضها مخالف في الطبع لبعض : حار وبارد ، ورطب ويابس ، وثقيل راسب ، وخفيف ~~طاف ، ومتوسط بينهما شبيه بالطرفين كليهما ، وشديد غاية ضعيف بتة ، ومتوسط ~~بينهما قد توسط بين طرفيهما مما يلي الشديد شديد ليس كشدة الأشد ، ومما يلي ~~الضعيف ضعيف ليس كضعف الأضعف ، فأنت لو طلبت سوى الأربعة بجهدك وجهد غيرك ~~لم تجده بتة في شيء من العالم . فيحق ما قلنا على المعلولات إنها فعل الله ~~تعالى باضطرار العلل لبعضها ، لأنا نرى الأربعة في المعلول المركب مبنية ~~بوزن العدل ، قائمة بالإتقان لما يجب على ما يجب عند دفع العلل من أماكنها ~~في الفصل المراد للمعلول . فالأثقل الراسب منها ms10 تجده في المعلول قد نزل في ~~الحضيض الأسفل حاملا لسواها ، كالماء الذي هو في الأسفل من العالم الأكبر ، ~~وكذلك هو في العالم الأصغر ، وكذلك هو في النبات والحيوان الكلي . والأخف ~~الطافي تجده لا محالة في الأعلى من العالم الأكبر وفي كل شيء سواه . ~~والمتوسط بين الطرفين قائم لا محالة باعتدال موزون ، فإن نزل فيه الجزء ~~حامت ( 1 ) الأطراف عليه PageV04P374 ~~ليعتدل ويسكن ، ذلك تقدير العزيز ~~العليم . # 34 - فالمعلول فرع لعلته بوصفنا هذا ، والعلة أصل لمعلولها ، ~~وحركة التأليف لا يمكن أن يكون منها التضاد القائم بينهما ، فهي من محرك ~~غيرهما ليس مثلهما لا محالة . فالمعلولات ، كما فسرنا ، كناية لأجل العلل ~~الأول التي اضطرت إلى فعل معلولها ، والعلل الأول الباعثة بما جعل في طبعها ~~لكون كل معلول موضوعات لمنفعلاتها ، وليست العلل بعد ، إذ هي النهاية من [ ~~كل ] شيء ، سوى العدم الذي هو اسم ناف لكل شيء من وهم أو لفظ . ومن قال ~~كقول يعقوب بن إسحاق إنها من أجل ( 97 ظ ) الباري ، تعالى عن ذلك ، فالباري ~~عز وجل ليس شيء أولى به من شيء ، إلا أن الأول لا يكون إلا عن سبب معلوم ~~أنه لا موضوع هو لشيء يكون من أجله انفعال ذلك الشيء ، فقد نقض قوله إنه لا ~~موضوع إذن ، والباري عز وجل ليس شيء أولى به من شيء ، لأن الأولى لا يكون ~~إلا عن سبب متقدم يوجب له أن يكون أولى ، فهو مطلق الاختيار عز وجل تام ~~الغنى . # 35 - فرأس العلم وقطبه وذروته العليا أن تعلم أنه ليس شيء من ~~المعلولات كائنا إلا لعلة موضوعة ، وضعها من تعالى عن أن يكون علة أو ~~معلولها ، ولكن كل شيء كان فلعلة موضوعة كان ، وجب عند الله عز وجل أن يكون ~~المعلول من أجلها كائنا لأن الله عز وجل تعالى وتقدس وتنزه وارتفع عن أن ~~يضع نفسه ليكون من أجله شيء ، لأن الخالق لا يعود مخلوقا والموضوع مخلوق ، ~~ولكنه القادر على أن وضع ما من أجله كان كل شيء ، فتعالى ذو الكبرياء ~~والعزة والعظمة ms11 والجلال عما يقول الملحدون في أسمائه ، خطأ وعمدا ، علوا ~~كبيرا . # 36 - وإنما دخل الغلط على الكندي على ما قال ، لأنه نزه الباري زعم ~~- أن يكون خلق الخلق من أجل غيره ، فظن أنه إن أوجب ذلك وجب أن ذلك الغير ~~سابق له ومستحق للقبل قبله ، فاعجب كيف طمس عليه عقله ، فإذا لم يجد صحيحا ~~أن يكون فعل من أجل إنيته ولا من أجل غير قبله ، أن يقول فعل من أجل شيء ~~بعده فيصيب ، فنعوذ بالله من العمى عن الهدى والضلال عن الحق والزيغ عن ~~الطريق المستقيم . PageV04P375 # 37 - أرأيت لو قال له قائل قولا مختصرا : يا ~~أيها الكندي المنكشف المبهوت ، نحن نقول : إن الباري جل جلاله فعل ما فعل ~~من أجل المفعول ، إذ لا يجوز أن يكون مفعوله مفعولا تاما كائنا ذا أفعال ~~وانطلاق وانتفاع إلا بفعل التمام له الذي من أجله كان المفعول وتم ، وكان ~~هو من أجل المفعول ، إذ لا يكون علة إلا لمعلول ، ولا معلول إلا لعلة ~~متشاكلان . وإذ لا يجوز أن يعلمه المفعول إلا وهو منفعل وإرادته أن تعلمه ~~هي علة انفعاله ، فللإرادة كان المفعول ، وللمفعول كانت الإرادة ، ليس ~~لواحد منهما عن صاحبه مخرج . فإن قال : هو إذن من [ أجل ] أن يعلمه فعله ، ~~قيل له : نعم ، من أجل أن يعلمه ، وأن يعلمه هي إرادته التي من أجلها فعل ، ~~لأن علم المفعول هي الإرادة التي من أجلها قام ، فافهم . # 38 - وقوله إن ~~الإنية فعلت من أجل إنيتها فباطل محض ، لأنه لا يجوز أن يقال على الإنية ~~الواحدة بقول متوسط ، إذ لا غاية لها فيدخلها توسط ، لأنه لو دخلها توسط ~~كان لها إذن بعض يفعل من أجله هذا قول لا يحمله العقل عن الله عز وجل ، ~~تعالى الله عنه ، لأنه إن كان فاعلا من أجل [ 98 و ] ذاته ، والذات وحده لا ~~غيرية فيها ، فهو لذاته فاعل ما فعل ، وذاته قبل ذلك وحدة لا علة فيها ، ~~هذا من أشنع المحال والتناقض لمن عقله . وأيضا إن كان فعل من إجل إنيته ، ~~فالفعل ms12 لازمه ضرورة بما كانت الإنية علة للفعل ، لأن العلة والمعلول من ~~المضاف ، لأن العلة علة المعلول ، والمعلول معلول العلة ، لا يجد العقل سوى ~~هذا . # 39 - وأيضا إن كانت الإنية فعلت من أجل ذاتها ، إذ الفعل ليس ضرورة ، ~~فهي فاعلة لبعضها وما سواها معدوم ، لأن بعضها علة فعل ، وبعضها علة إيجاب ~~فعل ، فهذا كله يدخل على الكندي . # 40 - وأيضا إن كان الفعل من أجل الإنية ، ~~فالفعل لازمه ضرورة ، فالفعل إذن لم يزل والإنية متقدمة للفعل ، فهي إذن ~~قبل الفعل ، فهي إذن أزلية والفعل حادث ، والفعل من أجل الإنية ، فالفعل ~~إذن لم يزل ، فالفعل إذن حادث والفعل لم يزل ، هذا خلف ، أراد شيئا فكانت ~~الإرادة السابقة علة موضوعة لما يكون ، ولا علة لها هي لأنه ليس قبلها ~~مثلها ، والعلة والمعلول متشاكلان ، فمحال أن يكون لها علة ، إذ ليس PageV04P376 ~~ قبلها شيء يشاكلها فيكون علة لها ، فالله تعالى محدثها وباعثها ~~، وهي علة بأن سبقت كل معلول بعدها . هذا عندي أصح من أن يكون من أجل ~~المعلول . # 41 - تفسير الإرادة : الإرادة في الفصل الأكبر وهي الحد الأول ~~وهي النهاية القصوى وهي العلة الأولى ، فليس للفصل فصل ، ولا للحد حد ، ولا ~~للنهاية نهاية ، ولا للعلة علة . الفصل هو بنفسه فصل ، والحد هو بنفسه حد ، ~~والنهاية هي بنفسها نهاية ، والعلة هي بنفسها علة . # 42 - العلة والمعلول من ~~المضاف الذي لا يكون بعضه إلا لبعض ، وهو يتسابق بالفعل ليس هو كالمكان ~~والمتمكن ؛ المكان والمتمكن والحد والمحدود والفصل والمفصول لا يتسابق بتة ~~، وأما العلة والمعلول فيتسابق بالفصل ، وأظن القائلين إنه لا يتسابق هم ~~الدهرية ، لأن هذا اللفظ يعضد ضلالهم فيزيدهم ضلالا . والناقص والتام ~~يتسابقان أيضا ، فاحفظ إن شاء الله ما يتسابق مما لا يتسابق وتحفظ منه . ~~وإنما يعنون بقولهم في العلة والمعلول : مضاف لا يتسابق ، لأن العلة فيها ~~معنى المعلول مضمر في لفظها ، إذ لا يكون علة إلا لمعلول فيها معنى المعلول ~~قائم لا تسبقه ، كما المعلول فيه معنى العلة لا يسبقها ، لأنه إذا ذكر ~~فذكرها قائم فيه ، فهو ms13 لا يسبقها بزمان ، لغنى في ذكره إذا ذكر ومعناه وصف ~~، وهي تسبق معلولها بالذات كالأب يسبق الابن ، والمالك يسبق المملوك [ 98 ظ ~~] . # 43 - تفسير الفصل الأول : الفصل الأول فصل العدم من الوجود ، فهل فصل ~~للمفصول وحد للمحدود ، فالمحدود فيه عن العدم ، والمفصول فيه من العدم ، هو ~~العلم . هي المقادير الأول التي عنها كان الكون كله ، هي مثال الكون كله ، ~~ولا يمكن أن يكون هذا الفصل الأكبر إلا العدم ، والعدم لا يكون علة ولا ~~معلولا . فمن زعم أن العلة التي هي العدم علة ، قيل له : مشاكلة لها أو غير ~~مشاكلة فإن قال : مشاكلة ، قيل له : فهي إذن العلة الأولى حتى تنتهي إلى ~~علة ليس بعدها علة مشاكلة ، فإذا لم يجد أن الخالق والعدم ، قيل له : ~~فالخالق ليس مشاكلا للمعلول فيكون علة ، والعدم لا يكون علة ولا معلولا ، ~~فإلى العلة إذن ، فهي إذن ضرورة بنفسها علة لا علة لها ، ولغيرها كانت علة ~~، وذلك الغير هو المحدث لها ، والأول الذي ليس كمثله PageV04P377 ~~شيء . # 44 - مسألة الإمكان : نقول قولا لابد للكندي وأهل مذهبه وأشباههم من القول به ~~ضرورة ، نقول : إن الفاعل الأول فعل فعلا كان ممكنا أن يكون قبل كونه ، ~~فليس يقدر أن ينكر الإمكان لله تعالى في ذلك أحد ، لأن الإمكان واجب قبل ~~الفعل لا محالة ، فلإمكان الذي ظهر ضرورة بين الفاعل والفعل هو البون ~~الأكبر بين البون بين الفاعل والمفعول ، ثم بينه بون آخر دونه في القدر ~~والعظم هو تحته حاجز أيضا للمفعول أن يضاف إلى البون الأعلى ، فضلا عن ~~الفاعل الأول ، جل وعز ، وهذا البون الثاني هو الانفعال الخارج من جهة ~~البون الأعلى الذي هو الإمكان ، ولا يجوز أن يكون الإمكان هو الانفعال ، ~~كما لا يجوز أن يكون الانفعال هو المفعول التام المقدر المفروغ منه ، لأن ~~الانفعال عن إمكان يكون ضرورة ، والمفعول القائم عن انفعال يكون ضرورة أيضا ~~متتابعا . هكذا كتاب الله تعالى وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم يخبر ~~بجميع ذلك لمن لقنه ، والحمد لله ، وليس لأحد من الملحدين ms14 عن هذا بحجة ~~العقل مخرج أبدا ولا محيص . # 45 - تفسير الإمكان : فقل الآن للمتشاغل عن نور ~~النبوة التي أبانت الألفاظ مع المعاني بوحي الله تعالى ونوره : فلإمكان هي ~~الإرادة ، هي الملك ، هي العرش ، وهو الغاية القصوى والنهاية العظمى والفصل ~~الأكبر ، وهو الحق المحيط بالكل ، وهو الأمر الأعلى ، والنور الأعظم ، ~~والحجاب الأرفع المضروب بين الخالق وخلقه ، ثم دونه إلى الخلق حجاب آخر ، ~~وهو مكان الانفعال ، وهو المثال الكائن [ 99 و ] من بعد الأمر الأول الجامع ~~لأقدار المكونات كلها ، قدر كل ما يكون ، وزمام ما قد كان ؛ وهو العلم ~~والكرسي القائم تحت عرش الرحمن ، فسبحان رب العالمين رب العرش العظيم . # 46 - فقل الآن على ترجمة ما قالت حكماء الفترة ( 1 ) ولم يفصحوا بالتسمية إذ ~~عدموا نور النبوة : الإمكان هي الإرادة الجامعة لكل مراد من المنفعل ~~والمفعول ، PageV04P378 ~~والانفعال هو الطبيعة المتحركة تحت الإمكان ، فهو ~~مدة خروج الأقدار المفعولة عنه ، فهو الزمان ، ونهاية حركة الانفعال إلى حد ~~؛ الإمكان الإرادة الجامعة لانفعال المنفعلات ، والإمكان نهاية للزمان [ أي ~~] الطبيعة المتحركة للانفعال ؛ فالإمكان [ هو ] العرش والذي تحته حركة ~~انفعال الزمان ، والذي تحت الزمان حركة المفعولات المكونات التامة هي ~~الأوقات والسنون والأيام ، والزمان نهاية السنين والأيام ، والدهر نهاية ~~الزمان ، فالدهر جامع للزمان القائم بحركات الصور التي هي ذات الأقدار ~~الثلاث طول وعرض وعمق - التي هي للجرم ، وتلك الحركات التي هي حركات ~~الأجرام هي المفصلة أوقات الانفصال أقدارها أجساما تامة ، والدهر الجامع ~~لذلك كله هو البون الأكبر والحد الأعظم والإرادة الدائمة الأبدية لخلود أهل ~~الجنة والنار ، وربنا المحمود ذو العرش المجيد الفعال لما يريد ، وصلى الله ~~على سيدنا محمد الذي لم يدعنا في ضلال أهل الفترة ولا حيرة أهل الفتنة وسلم ~~. # 47 - وقوله : اعلم أن الدهر هو بقاء غاية الإمكان التي يقوم الإمكان بها ~~دائما ما بقيت تلك الغاية ساكنة في حال واحدة أو حركة واحدة لا ضد لها ، ~~واعلم أنهما غايتان : إحداهما ساكنة والأخرى متحركة ، فالمتحركة تحمل ~~الساكنة ، لأنا لا نجوز أن يكون ساكن قبل حركته ، لأنه لا ms15 يكون قبل حركة ~~إبداعه وكونه ولا قبل حركة انفعاله ، فالساكن من حركة فصل ، ولم تفصل ~~الحركة من ساكن كأنه يفسر الإرادة الأولى والحادثة هذا الكلام مدخول لأن ~~الذي قال فيه بإمكان ( 1 ) لا بد أن يجعله قديما أو محدثا . فإن جعله محدثا ~~زعم أنه لم يكن ممكنا له أن يفعل قبل ، فأوجب عارضا فنفى الوحدة . وإن جعله ~~قديما أوجب الدهر قديما شيء آخر ، فنفى الوحدة . # 48 - فإن تبلد ذهن سامع ~~فازداد بيانا فقال : بين لي كيف امتنع ذلك بوجوب الإمكان والانفعال فصلان ~~عظيمان [ 99 ظ ] والإضافة لا تقال إلا على اثنين لا بون بينهما بمكان ولا ~~بزمان ، بإجماع من الفلاسفة الذين خطوا لكم الطريق ، فالوجود الضروري ~~للفصلين العظيمين قطع الإضافة بين الخالق والمخلوق ، تعالى عن ذلك علوا ~~كبيرا ، ومن جهة مائية الإضافة هلكت النصارى PageV04P379 ~~بديا ، وعن إيجاب ~~الإضافة هلكت الدهرية أيضا والديصانية والمجوس كلها ، وعن جهل ذلك هلكت ~~المنانية والمشبهة أيضا ، وبجهل الكندي بها هلك في كتابه ، فلم يجد علة ~~للخلق إلا الخالق ، فسماه غير اسمه ، إذ لم يجد إلا الخالق والخلق ولم يعرف ~~الأمر . فوجود الإمكان والانفعال بحجة العقل وضرورته ، قيل : كون المعقول ~~الخارج عنها من عدم ، وهما الدهر والزمان الكائنان بتعديهما بين المفعول ~~والفاعل الأول ، جل ثناؤه ، فصل الإضافة ، لأنهما ليسا فعلا تاما ، بل ~~الفعل التام أعني المفعول كائن لأجلهما ( 1 ) ، ولذلك لا يمكن أن يقال : ~~الانفعال والإمكان فعل ، إذ الفعل المفعول غيرهما لا محالة ، وهما الدهر ~~والزمان المدبران لذلك الفصل بين الفاعل الأول والفعل الكائن القائم ~~المحسوس في مستقره . # 49 - فإن قال : وما الذي منع أن يكون الدهر والزمان من ~~المضاف إلى ربهما دون المفعول قيل له : منع من ذلك أنهما مضافان إلى ~~مفعولهما الكائن عنهما ، لأن الدهر هو غاية الزمان ، أعني غاية مدة حركة ~~الانفعال والمفعول ، والزمان مدة انفعال المفعول ، فلا يمكن أن يكون الزمان ~~بلا غاية ، لأنه لا يكون شيء بلا غاية ، ولا يكون مفعول بلا مدة ، ~~فالانفعال مدة المفعول ، فهما لا يصلان إلى غير ms16 ما هما مضافان إليه ، بل ~~هما بائنان بالمفعول وزائلان به ، والمفعول ثابت بهما وزائل فيهما ، دون ~~الوصول منه أو منهما إلى الفاعل الذي لا غاية له . والإضافة أيضا لا تكون ~~إلا لذوي الغايات المتساوية الأبعاد والأوساط ، وإلا لم تكن الإضافة بينهما ~~حقيقة أصلا ولا واجبة لهما أبدا . ألا ترى أنه يمتنع أن يكون المفعول مضافا ~~إلى الزمان كله من قبل حدوث كلية المفعول المستقر في الدهر بعد زمانه ، ~~المقضي الذي هو انفعاله المخرج له من عدم إلى وجود . والمفعول إنما يكون ~~مضافا إلى الانفعال بأول دقيقة منه ، يكون إذن مضافا ، والإرادة الأولى ~~المحيطة بالانفعال هي الفصل الجامع الفاصل في الانفعال إلى مثلها من ~~الانفعال في الصغر من الزمان ضرورة ، وهكذا تقال الإضافة بينهما قولا صادقا ~~بالتكافؤ بالدقائق ، فكيف تجب الإضافة لما لا أبعاد له [ 100 و ] ولا أوساط ~~إذن # 50 - فإن قال : فما منع أن يكون المفعول بدهره وزمانه مضافا إلى الفاعل ~~الأول PageV04P380 ~~فلا يتسابق قيل له : الزمان الذي هو انفعال المفعول إلى ~~أن يستقر في دهر لا يتخلق به فيه بعد لتمام انفعاله ؛ قد أريناك فصل ~~المفعول من فاعله ، لأنه مخرج من عدم إلى وجود ، وموجب عليه الحدث ، ووجوب ~~الحدث عليه موجب لقدمه خالقه قبله ، فإذا وجب التسابق بطلت الإضافة بطل ~~التسابق ، فافهمه . # 51 - فإن تبلد فقال : فإن كان الانفعال قديما ثم ظهر ~~المفعول حديثا قيل له : الانفعال حركة ما ، والحركة بدء ما ، وما كان له ~~بدء فله قبل ، وما كان له قبل فهو حادث . PageV04P381 ### | # بسم الله الرحمن الرحيم # اللهم صل على سيدنا محمد وعلى آل محمد وسلم # { ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها وذروا الذين يلحدون في أسمائه سيجزون ~~ما كانوا يعملون } وهذه زيادة تبين على من ألحد في أسماء الله فسمى ربه علة # 52 - قال الموحد : نحن نقول أن الواحد الأول الذي لا مثل له يقول لأجل ~~إرادته ، فيفعل بقوله الذي لا خلف فيه ، وهو جل وعز أبدا ، إن أراد شيئا ~~قال له : كن فيكون ، قوله الحق وله ms17 الملك ، فقوله الحق وأرادته الحكم ~~الفاصل ، جل ربنا وتقدس . فإن أراد ربنا شيئا كان بقوله : كن فيكون كائنا ، ~~وإن لم يرد شيئا لم يكن . فنقول : إن الله عز وجل فاعل بالقول ، لأجل ~~الإرادة التي سبقت منه قبل الفعل ، وهذا بين في القرآن [ مثل ] قوله تعالى ~~: { فعال لما يريد } ( سورة البروج : 16 ) ، وهو بالقول فعال ، قال تعالى : ~~{ إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون } ( سورة النحل : 40 ) . ~~ونقول : إنه لو لم يشأ أن تكون منه الإرادة لم تكن ، لأنه غير مضطر إلى ~~الإرادة ، غير مضطر إلى أن يريد ، كيف وهو الأول قبل الإرادة سبحانه الواحد ~~الصمد الفرد الأحد فنقول : لا كائن إلا بقوله ، ولا قول يسبق منه إلا ~~بإرادته ، وهما يحدثان منه متى ما شاء قضاءهما بلا مانع له عنهما ، فإن ~~أراد قولا قال ، وإن لم يرد لم يقل ، فإذن لا قول يكون منه ولا إرادة إن لم ~~يرد ، هو مالك الإرادة ومالك القول ، ومالك كل شيء سواه . فلأجل هاتين ~~الصفتين كان المفعول مفعولا بعد أن لم يكن ، وهما علتان لكل مفعول ، لا علة ~~قبلهما من الله لكون الكائنات سواهما . فلا يقال في الباري جل جلاله إنه ~~علة الأكوان ( 100 ظ ) بهذا الاسم الذي لا يحسن ولا يحق أن يسمى به إن أراد ~~مريد قصد الصمد بذلك دون الصفات ، أعني دون القول والإرادة ، لأن الصفات ~~علل الكائنات جميعا ، وهو بوحدانيته غيرهما لا محالة ، وهي محضة صمدة كما ~~سمى نفسه ، متعال ، ووحدانيته قديمة بلا غاية PageV04P382 ~~لها ، ولكل شيء ~~من القول والإرادة غاية ، فليس الله تعالى يسمى علة كما ظن الجاهلون ~~الملحدون في أسمائه ، { سيجزون ما كانوا يعملون } ( الأعراف : 180 ) لأنه ~~ليست العلة علة معقوله إلا لمعلول يكون المعلول من أجلها ضرورة ، أعني بلا ~~أختيار وبلا رجعة عما لها في القوة أن يكون منها ، أعني كون معلولها منها ~~كالقول الذي هو للإرادة بالقوة قبل خروجه منها بالفعل لكون الكائنات ، ~~وكالكائنات التي هي للقول في القوة مكونة قبل الفعل ، وذلك من ms18 شأن العلل ~~معقول أبدا عند أهل العلم ، أعني لا شيء لها في القوة إلا ولابد أن يكون ~~كائنا بالفعل ضرورة يلزمها طبع العلة مقدور على ذلك اضطرارا . # 53 - فالأول ~~المبدع للعلل الذي لا مثل له ليس هو لشيء علة تعالى عن ذلك وارتفع ، إذ ~~العلة في العقول الصحيحة هي السبب المطبوع لكون المسبب لا محالة ، فالأول ~~جل وعز لا سبب ، تعالى عن ذلك ، فأنى يكون سببا وهو محدث الأسباب وفاعلها ، ~~وأنى يكون علة وهو محدث العلل وواضعها ، لا من سبب ولا من علة . # 54 - ~~والذين قالوا إنه ليس علة الخلق شيء سوى القول والإرادة والقدرة ، وأنه إن ~~كان جميع ذلك لم يزل بلا غاية ، فالخلق لم يزل بلا غاية ، فهو كما قالوا في ~~كلامهم ؛ غير أنهم ضلوا عن المبدع الأول ، لأنه ليس علة الخلق إلا الإرادة ~~والقول والقدرة ، فأما محدث ذلك فليس علة ، ولا لأنه لو لم تزل هذه الصفات ~~لم نزل الكائنات واجبة ، لأن العلة فيها إيجاب معلولها ، ولكن من لهم ~~بدعواهم أن العلل لم تزل مع الأول الموصوف ، وأنها أزلية بلا غاية ، وهم لا ~~يأتون عليه بسلطان أبدا ، وإذا لم يجدوا به سلطانا ولا برهانا ، أليس القول ~~به كفرا وشرا وطغيانا وهذا موضع خلاف النصارى والدهريين ، فسبحان الفرد ~~الصمد الذي { ليس كمثله شيء } وهو الأول وحده ، وكل شيء سواه حادث بعده ، ~~بائن منه ، مملوك له { لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد } . # 55 - ومن ~~فقه الصفات أن الصفات علل بادية ، وهي قبل أن يكون الفعل التام لانفعالات ~~بتركيب المفعول [ 101 ه ] المفعول منها ، ولذلك لا يجب أن يقال : هي مفعولة ~~، أعني العلل التي هي الاسطقصات الأربع ، لأن المفعول هو المركب ، وهي PageV04P383 ~~بسيطة لا مركبة . ولا يقال في العلل إنها أفعال الله ما دامت ~~متحركة لا مستقرة ، بل هي انفعالات لله تعالى واجبة ، ولا يقال في ~~المعلولات إنها انفعالات إذا هي تمت مستقرة . وهكذا تنفصل في الوهم الهوية ~~من لا هوية ، لأن الموجب يبعث السالب . PageV04P384 ### | # بسم الله ms19 الرحمن الرحيم ~~اللهم صل على سيدنا محمد وعلى آل محمد وسلم # 56 - كتب محمد - رحمه الله - في ~~جانب كتاب الكندي صاحب هذا الكتاب لمن فهمه عنه : لاشك فيه أنه غير صحيح ~~الإيمان ، غير عالم بربه ، غير ذي بصيرة في شيء ، لأنه تناقض في كلامه ~~واضطرب اضطرابا يخبر أنه لم يحصل ما يقول . # 57 - أول ذلك العلة والمعلول ~~التي كفر فيهما في كتابه في التوحيد هو ما قد جاء بهما كما هنا ، فبعد أن ~~أوجب الإيجاب التام الجيد ونفى عن التوحيد كل ما ينغصه من المضاف والنوع ~~والجنس وسائر المقولات ، زعم أن الواحد علة ما خلق ، والعلة لا تكون إلا ~~جنسا ، والعلة لا تكون إلا مضافة ، والعلة من كل جهة لا تكون مع الوحدة ~~الصحيحة في قوله وبما أوجب بلسانه ، فحسبه بهذا عيا وكفرا وضلالا . # 58 - ثم ~~جعل تناقص النبوة في هذا الكتاب بما يدخل عليه ، أن جعل ربه علة ، دخولا ~~كدخوله عليهم أو أشد ، وكذلك الكفر ما نقص ضربا منه نقص أجناسه كلها ، ~~وإنما هلك المسكين لأنه بعد أن نفى عن الخالق شبه المخلوق في شيء من صفاته ~~، جعل يطلب خالقه بما يتمثل لعقله كطلب المخلوق سواء سواء . ولو لم يعرف ~~إذا بلغ الحد الذي وقفت الغايات إليه كيف ينفذ إلى إيجاب وجود الخالق بما ~~يخالف وجود المخلوق ، وأراد أن يسلك فيها سبيلا واحدا بعد أن أوجب في مبادي ~~كلامه أن سبيل وجودهما مختلف ، فلعمري ما أرى الكلام الصحيح الذي قدمه في ~~كتاب ' التوحيد ' ، والذي يجري في داخل كلامه في هذا الكتاب ، إلا ما حفظ ~~من كلام غيره من الأوائل الموحدين : أرسطاطاليس وأفلاطون وأبقراط ومن وحد ~~منهم ، حتى إذا رجع إلى محصول نفسه جاء حينئذ بالاختلاط والضلال ، فليتق ~~عبد على نفسه ، فإن النظر في مثل [ 101 ظ ] هذه الكتب لمن يعرف الله معرفة ~~تامة تهلكه وتكفزه وتخسره آخرته وتوجب عليه عذاب الأبد السرمد ، وأين من ~~يعرف ربه كانوا إذ كانوا ، وقد والله PageV04P385 ~~ذهبوا ، فإن كان قد بقي ~~منهم في الدنيا ms20 واحد أو اثنان فعلمه مخزون في صدورهم مقصور على أنفسهم أو ~~على خاصة يسلك بهم مثل سبيله في طيه عن أهل زمانه ، إذ لا يرى مستحقا ولا ~~أمينا ولا لقنا ولا صديقا ولا مريدا صادقا ، فإنا لله وإنا إليه راجعون . ~~ # 59 - قال الموحد : من المسائل التي هي محالية السؤال ، فلا أجوبة لها ~~بالمقابلة ( 1 ) لأنك إن قابلت المحال كنت محيلا : لو سأل سائل عن الله عز ~~وجل بإيقاع صفة التمام والكمال مثل ما هو تام كامل ، قيل له : أتسأل بصفة ~~المخلوق عن الخالق ، تعالى الله عن هذه الصفة كما تعالى عن ضدها ، هو فوق ~~ما يأخذه التمام والنقص ، عال علوا كبيرا ، وهذا المحال من السؤال موجود ~~مثاله في المخلوقات وجودا قريبا ظاهرا ، لو قال قائل : الأمير حاجب أو وزير ~~قيل له : منزلته فوق منزلة الحاجب والوزير . فلو قال القائل : اللؤلؤ أخضر ~~هو أو أحمر قيل له : لا ذا ولا ذا . ومثل هذا يرد كثيرا في مواضع مشبهة لا ~~يظهر محالها إلا بالكشف . وكذلك لو سأل سائل ، وهي أغمض من التي قبلها : هل ~~يحيط علم الله بذاته أم لا يحيط قيل له : لا تسل عما لا يتناهى بصفة ~~الإحاطة فليس لك جواب ، أرأيت لو قلت : أيحيط المحيط بما لا يحاط به ألم ~~يكن محالا كما لو قلت : هل لما لا حد له حد ، وهل لما لا نهاية له نهاية ، ~~وهل يخلوا الذهب أن يكون أسود أو أخضر قلنا : لا يقع عليه واحدة من هاتين ~~الحالتين ، فكذلك بمن سأل عن متقابلين في المخلوقات ليس واحد منهما فيه ، ~~نفيا جميعا . ومن سأل عن الخالق تعالى عز وجل بما يقع على المخلوقات من ~~الصفة ، ومن جهة الضد والند ، ومن جهة الكم والكيف ، كل هذا لا يجاب فيه ~~حتى يسأل غير سؤال المخلوق ، كما لا يشبه خلقه في صفة من صفاته ، كذلك لا ~~يمكن أن يسأل عنه بصفة من صفات خلقه ، فافهم ولا يستخفنك الذين لا يوقنون { ~~ولا تلبسوا الحق بالباطل وتكتموا الحق وأنتم تعلمون ms21 } ( سورة البقرة : 42 ) ~~، الذين قالوا بالكمون جهلوا المكان والمتمكن ، فحسبوا أن المتمكن يكون في ~~المتمكن ولا يكون المتمكن إلا في مكان ، والمكان لا يأخذ منه الجسم إلا ~~قدره وحده ، فلا يمكن أن يكون جسم آخر معه في مكان لا فضل فيه ، والمكان [ ~~102 و ] الهواء والأجسام المتمكنات فيه ، فبؤسا PageV04P386 ~~لهم ما أبلدهم ~~. # 60 - قال : أخشى أن يكون هذا الكندي الشقي كان زنديقا ، فعمل على أن يوقع ~~غيره فيما وقع هو فيه ، ويرى مثله ممن أراد الله تعالى هلاكه أن البراهين ~~تتناقض في إثبات التوحيد ، كيف هي وكيف تثبت ، وأنها لا تصح إلا بهذه ~~الشرائط . ثم أتبع ذلك بأنه لابد للعالم من علة ، وأنه لا علة إلا خالقه ، ~~لينقض بذلك الصفة التي هي التوحيد ، فيرى أن الوحدة غير موجودة وغير قائمة ~~. فإن كانت هذه بصيرته وإياها قصد ، فما أرى في جهنم أسفل درجة منه . وإن ~~لم يكن قصدها ، فالشيخ ( 1 ) دبرها على لسانه ، فهو معه في أسفل السافلين ، ~~إذ مكنه الله تعالى من أن أجرى على لسانه الكفر بهذا اللبس من حيله ، ليصد ~~عن سبيل الله . وربما ظننت أن طويته قول الدهرية لأنه رجع قوله إلى أن كل ~~شيء معلول وعلة فأثبت العالم ونفى غير ذلك . فلعمري إذ خشيت هذا من كيده ~~إنه ليجب أن يوضع شيء يبين به عليه ، ويقابل به ضلاله ، لتمحى ظلمته بنور ~~الهدى إن شاء الله . ألا ترى كلامه كله كلام الحيران معرفته بأزمة الكلام ~~من جهة صناعة المنطق ، فهو يرد على المنانية والدهرية ويخلط القول صحيحا ~~بمريض ، كما كان في قلبه سواء ، والله أعلم . # 61 - قال : إن الكندي وإن ~~ناظر هؤلاء المبطلين ، فقوله ظنين غير مأمون لنقضه على نفسه التوحيد جهارا ~~، إذ أقر أن العلة والمعلول من المضاف ، وأن الوحدانية لا يقال عليها ~~بالمضاف ، ثم زعم أن ربه علة ، فأوجب المضاف ، فكأنه تعمد النقض ، فنقول : ~~إن رده على المنانية ومناقضته إياهم صحيحة ، كما ناقض ، إلا مواضع زل فيها ~~. وأصل مناظرته صحيحة ( 2 ) ، غير أنه كثر فيما ms22 يستغنى فيه بالقليل ، إنما ~~هي عقدة واحدة ، فلينظر إليها من أراد الحق ويجعلها لنفسه أصلا يغنيه عمن ~~زال عن قوله : { ليس كمثله شيء } . فكل مناظرة تلحقه ، وكل مناقضة تدخل ~~عليه من شبه إلهه بشيء من المخلوقات من جهة من الجهات ، فجعله جرما أو ~~محدودا أو متناهيا أو أي صفة من صفات المخلوق كانت ، دقت أو جلت ، دخل عليه ~~سائر الصفات PageV04P387 ~~كلها ، وناقضته المعاني كلها في السموات والأرض ~~حتى تخرجه عن المثل بكل جهة مقولة ومتوهمة ، وإلا فهو مبطل ملحد في الدنيا ~~والآخرة ، وصلى الله على سيدنا محمد . كما أن الكندي إذ سمى ربه علة ، يدخل ~~عليه كل ما أدخله على المنانية [ 102 ظ ] فيسأله عما كان خطأ أو عمدا . # تم الكتاب بحمد الله وعونه PageV04P388 ### | # بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على ~~سيدنا محمد وعلى آل محمد وسلم # 62 - من المقلوب قياس أمور خالقنا على قياس ~~أنفسنا فنخر ولا نشعر ، وإنما منع الإضافة عدم المشاكلة ، هي فصل ، لا فصل ~~مسافة مانعة من الإضافة ، وإن زاغ المعنى عن هذا إلى توهم المسافة ووضع ~~الكلام عليه ، دخل الباطل والزيغ لا محالة ، فاشعر إن كنت تشعر . # 63 - ~~الإنية والذات : الشيء بعينه . # 64 - الأشخاص الجزئية : كل ما تدركه بالحواس ~~الخمس . # 65 - والأجناس والأنواع : كل ما يدركه الوهم - وهو العقل وإنما ~~يدرك العقل المعاني والجواهر البسيطة التي هي الأمر . # 66 - المركبات : ~~المخلوقات . # 67 - والصفات : العلل . # 68 - ' الحكمة ' : هي الفصل الأكبر ؛ ' ~~رب احكم ' أي افصل ؛ ' حاكم ' : فاصل ، { وهو خير الفاصلين } أي خير ~~الحاكمين . # 69 - العلل التي هي رؤوس بادية أربع : العنصر والصورة والفاعلة ~~والمتممة . فأما العنصر فمثل الذهب والنحاس والفضة ؛ وأما الصورة فما صور ~~منها مثل : الأباريق والكؤوس والحلي ؛ وأما الفاعلة فمثل الصانع الذي منه ~~ابتدأت الحركة لفعل هذه الأشياء من العنصر ؛ وأما المتممة فإنها التي من ~~أجلها فعل الفاعل مفعوله من العنصر ، مثل أن يقال : لم عمل الكأس فقيل : ~~عمل لأجل الشرب به ، ومثل البيت الذي بناه البناء ، فيقال : لم بني البيت ~~قيل : للسكنى فيه ، فكأن ms23 علة بنيان البيت السكنى الذي لأجله بني البيت ، ~~فهذه العلة التمامية التي تم بها المفعول . # 70 - ومما يحق على من أراد أن ~~يقضي بالحق ألا يكون معاديا لمن خالفه ، بل PageV04P389 ~~يجب عليه أن يكون ~~رفيقا محسنا منصفا ، ومن إحسانه أن يجيز له مثل الذي يجيز لنفسه من الصواب ~~، والوقوف عند حدود البراهين ، وكل حجة بلا برهان خرافة . # 71 - العلة ~~العنصرية تنقسم ضربين : روحاني وجسماني ، فأما الروحاني فمثل إرادة الباري ~~جل ثناؤه ، والجسماني مثل الاسطقصات الأربع . والعلة الصورية تنقسم قسمين : ~~روحاني وجسماني ، فأما الروحاني فمثل الأرواح والملائكة التي قامت من العلة ~~الروحانية العنصرية وهي إرادة الباري ، وأما الجسمانية فمثل أجسام بني آدم ~~وأجسام البهائم والنبات التي قامت من العلة العنصرية الجسمانية وهي [ 103 و ~~] الأسطقصات الأربع . والعلة الفاعلة تنقسم قسمين : روحاني وجسماني ، فأما ~~الروحاني فمثل كلمة الباريالتي فصلت الأرواح والملائكة من إرادة الباري ، ~~وأما الجسمانية فمثل الطبيعة المتحركة لفعل أجسامنا وأجسام البهائم والنبات ~~من العلة العنصرية التي هي الاسطقصات ( 1 ) الأربع . وأما العلة المتممة ~~فتنقسم قسمين : روحانية وجسمانية ، فالجسمانية مثل تحرك الأجسام أجمع ، ~~وأما الروحانية فمثل علوم الإلهية وأفراد الوحدة . # 72 - قال أفلاطون : ~~الأفعال ثلاثة : فعل اختراعي وطبيعي وصناعي . فأما الاختراعي فهو المخصوص ~~بفعل الباري ، وهو تأسيس أيس من ليس . وأما الطبيعي فهو تأسيس أيس من أيس . ~~مع فساد صورة ذلك الشيء وطبيعته إلى صورة أخرى وطبيعة أخرى ( 2 ) ، المخصوص ~~بفعل العلل بإذن الله تعالى . وأما الصناعي فهو أيس من أيس بغير فساد صورة ~~ذلك الأيس ، وهذا المخصوص بفعل المعلولات بإرادة الباري ومشيئته تعالى . # 73 - الجوهر ينقسم قسمين : روحاني وجسماني ، فأما الروحاني مثل العقل والنفس ، ~~والجسماني مثل الطويل والعريض والعميق . والعرض ينقسم قسمين : روحاني ~~وجسماني ، فالروحاني مثل الحلم والعلم والأدب PageV04P390 ~~المحمولة في ( 1 ~~) النفس ، وأما الجسماني فمثل السواد والبياض المحمولة على الجسم ، فافهم . ~~ # 74 - قال محمد : قال أفلاطون : كل ما وقعت حركته تحت الزمان محدود معدود ، ~~وكل محدود معدود فأوله التفريق ، ثم ألفه بعد التفريق ، لأن كل شيء له ~~طرفان ، والزمان ms24 والمكان معا معا ، فإذا فني المكان فني معه الزمان لا ~~محالة ، والحمد لله رب العالمين . # 75 - صفة الله تعالى : الله تعالى نفى ~~صفات البشر عنه ، وقد جعل لذلك اعتبارا ، وهو المريد المحدد ، فإن صفته عدم ~~صفته ، فنقول : هو خير مجرد لم ير قبله مثله ، كذلك نقول : هو رب { ليس ~~كمثله شيء } . # 76 - قال : سألتني أكرمك الله عن قول داود القياسي في الله ~~تعالى : إنه لم يزل متكلما ، وأن أكتب إليك بما يوجبه عليه مذهبه فيه ، ~~فمذهبه أعزك الله مدخول ، ولا أدري من أين أخذه ، ولا على أي شيء حمله ، ~~ولا معنى له في القرآن ، ولا في سنة الرسول صلى الله عليه وسلم ، ولا يكون ~~الكلام إلا عن سبب وعلة توجب الكلام [ 103 ظ ] ، ولولا العلة لم يكن كلام ، ~~ولكن نقول : إنه لم يزل متكلما منذ خلق القلم ، ولا يزال إلى يوم القيامة ~~لقوله : { إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون } ( سورة يس : 82 ) ~~. وإنما كان هذا من حيث ابتدأ خلق ما خلق ، فلم يتكون شيء من ملكوته كله ~~إلا بهذه الكلمة ، وفيها زم قدرته على كل ما خلق ، فإنما أوجب كلمته هذه ~~خلق الأشياء كلها لما أراده من المحنة عز وجل . # 77 - محمد رحمه الله قال : ~~كلمت رجلا على قول الدهرية فقلت له : هل تعرف شيئا إلا ما يعرفه عقلك ، أو ~~عندك شيء آخر تعرف به وتنكر قال : ما أعرف إلا ما عرفه عقلي . قلت : فما ~~عرفه العقل فهو المعروف المقر به قال : نعم . PageV04P391 ~~قلت : فما لم ~~يعرفه العقل إذن فهو المنكر ، والمنكر أصل الذي لا برهان عليه قال : نعم . ~~قلت : والمنكر باطل قال : نعم . قلت له : فهل يعرف العقل شيئا لا نهاية له ~~قال : لا يعرف العقل إلا ما له نهاية في جسمه . قلت : فإني أجمع لك كل ما ~~مضى : لا يخلو قولك وقول أصحابك من أن نقول : إن الفلك هو الغاية أو أن ~~فوقه غاية ، فإن قلت : هو الغاية قلت لك : فهو متحرك ، والحركة لا ms25 تكون إلا ~~في مكان ، والمكان لا يكون إلا في مكان إلى ما لا نهاية له ؛ فالعقل ينكر ~~هذا ، وإن قلت : هو في متحرك ، فإنه جسم ، والجسم لا يكون إلا في جسم إلى ~~ما لا نهاية له . وإن قلت : فوقه غاية ، قلت لك : ما تلك الغاية التي فوقه ~~أتشبهه أم لا تشبهه فإن قلت : تشبهه . قلت لك : فهي جسم ، فهي إذن في جسم ، ~~فرجعت إلى سيرتك الأولى . وإن قلت : لا تشبهه . قلت لك : فإن العقل لا يجد ~~مثالا إلا ما يشاهده ، ولم يشاهد إلا الأجسام . فإذا أجبت بشيء تزعم أنك ~~تجد مثاله وهو خلاف المثال أنكره العقل ، وما أنكر العقل فهو باطل ( 1 ) . ~~قال : أقول : فوقه شيء يشبهه في الجسم ، وليس يدور عليه زمان ، لأنه فوق ~~الزمان . قلت له : فهو جسم أو غير جسم قال : جسم . قلت له : قد رجعت إلى ~~الجسم ، ولا يكون الجسم إلا في جسم إلى غير نهاية ، وهذا باطل . قال : ليس ~~بجسم ولكنه الدهر . قلت : وما هو قال : لا هو الدهر . PageV04P392 ~~قلت : ~~اسم بلا معنى . قال : اسم له معنى . [ قلت ] : فإني أسمعك تأتي بالاسم فردا ~~. قال : اسم أشار إلى معنى . قلت : فصف لي المعنى . قال : هو الذي تنتهي ~~إليه الحركات [ 104 و ] . قلت : وما ذلك الذي تنتهي إليه الحركات ما مائيته ~~عن ذلك أسألك . قال : هو الدهر . قلت : إن الاسم لا يتوهمه العقل إنما ~~يتوهم المعنى ، فما معناه أهو مكان قال : لا . قلت : فكيف يكون جسم الفلك ~~في غير مكان ثم قلت : ويحك إنه ينكر عليك هذا القول من جهات كثيرة أن الذي ~~يقول فوق الزمان إن كان متوهما فهو جسم ، وإن كان غير متوهم أنكره العقل ~~على أصلك . ولا يخلو شيء من أن يكون زمانا أو مكانا ، لأن الزمان لا يكون ~~إلا مع المكان ، والمكان لا يسبق الزمان . فإذا كان زمانا أو مكانا فهو ~~مؤلف متحرك ، والمتحرك ذو آخر لأنه ذو نقلة . فإن كان ذا أجزاء فهو مؤلف من ~~تفرقة ، والتفرقة نهايته الأولى . قال : فأقول : إن ms26 له نهاية أولى من ~~التفرقة تأتلف . قلت : وقبل أن تأتلف ، ما كان قال : مفرقا . قلت : عدما ~~قال : لا . قلت : فكان أجزاء متفرقة إذن ، والأجزاء أمكنة ، فمعها زمان بلا ~~نهاية تأليف . قال : بل للتأليف نهاية أولى . قلت : فمن عدم إذن ؟ قال : من ~~عدم . PageV04P393 ~~قلت : في العدم لا شيء ، فلا شيء يؤلف شيئا إذن ، وهذا ~~ما يحده العقل ، لأن الشيء لا يؤلف نفسه ، لأنه قبل أن يؤلف نفسه عدم ، ~~والعدم لا شيء ، ولا شيء لا يكون منه شيء من ذاته ، لأنه لا ذات له ، إلا ~~أن يكون منشئ ينشئ شيئا من لا شيء ، وهو الله رب العالمين . قال : فلو ~~سامحني أولا في النهاية الأولى ، كيف كنت تصنع في آخر الأمر قلت له : إذا ~~كان لشيء طرف أول لم يكن له بد من طرف ثان ، وإلا لم يكن بذي نهاية ، ~~والعقل لا يحد ما لا نهاية له ممثلا ، ولا يحد ما ليس له طرف ممثلا . فإن ~~كان له طرف ، فطرفه الفناء ، لأنه منه بدأ وإليه يعود ، كما أن كل شيء له ~~طرفان من ضده لا محالة ؛ هكذا نجد ونرى في الممتثلات كلها . قال : فما ~~أراني أجد إلا أحد أمرين : إما مكانا فوق الممثلات يكون جسما فيلزمني فقد ~~النهاية ، أو أقول : ليس جسما فينكره العقل . قلت له : كذلك تجد في قولك . ~~قال : فما تقول أنت قلت : أقول : فوق الزمان والمكان خالقهما ومؤلفهما وهو ~~خلافهما وغيرهما من كل جهة ، فلا يحيط به العقل من جهة التمثيل ويدركه من ~~جهة الدليل ، ومن قولك آخذه ، لأنك أنت وكل من يفهم من أصحابك وغيرهم لا ~~يحدون في البدء إلا الزمان والمكان معا ، لا يسبق بعضه بعضا ، ولا يكون ~~المكان إلا من [ 104 ظ ] تأليف ، ولا يقوم التأليف إلا من عدم ، فمخرجه من ~~عدم هو الله الذي لا إله إلا هو ، تعالى [ الله ] الأول الخالق . ولا يكون ~~المكان أيضا إلا لمتمسك ، فلو كان مثله كان بلا نهاية ، غير محدود لا محالة ~~، ولكنه ممسك خلافه من كل جهة ، فلذلك الله ms27 رب العالمين . قال : والله ما ~~أجد بعقلي إلا ما تقول ، غير أن قوما قالوا : جوهر بسيط . قلت : يلزمهم في ~~الجوهر البسيط ما لزمك ، لأن الجوهر البسيط شيء قالوه لا يتمثل . فإن قالوا ~~إنه لا يتمثل وهو جسم كذبوا وجاءوا بما لا يعرفه العقل . وإن قالوا : هو ~~غير جسم ، قلت لهم : هو مقيم الأجسام ومدبر الكل ، وليس يشبهه شيء ، تعالى PageV04P394 ~~ الله رب العالمين . قال : كذلك لعمري يلزمهم ولابد من هذا . ~~قلت : فاعلم أنه لما نظروا وجدوا بعد المكان والزمان غيرهما ، فلما قالوا ~~مثل ، بطل عليهم في فكرهم ، ولما قالوا خلافه لم يحسنوا الصفة ، لأنهم ~~حسبوا أن العقل لا يجد خالقا مرتفعا فوق العقل يدركه بالدليل بلا تمثيل ، ~~لأنه لا شبه له ولا ند ، ويوجد مخلوقا يتمثل ، لأنهم وجدوا له أمثلة ~~وأشباها . فلما أرادوا أن يرفعوه فوق العقل لم يهتدوا إلى الدليل عليه ~~فأنكره . ولما أرادوا أن يتمثلوه وجدوه من المخلوقات بلا نهاية ، فأنكروه ~~فوقعوا بين الحيرتين على ثالثة لا يعرفونها ، وجعلوها حيلة يختصمون بها في ~~المناظرة ، اسما بلا معنى ، صفة بلا كيفية ، فقالوا : جوهر بسيط ، ففروا من ~~الحيرة إلى الضلال ، ومن العشى إلى العمى ، ومن الحر إلى النار ، فنعوذ ~~بالله من العمى ونحمده على الهدى ، ونصلي على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم ~~وعلى جميع الأنبياء والمرسلين . فاعلم الآن بما هداك الله موقع الكفر ~~وفظاعته وعظم خطره في الشر والخسران من كل من ألحد في توحيد الله تعالى ، ~~وأنه إذا أخذ توحيده ممن ليس يقر بربه ولا خالقه ، بأن تعلم أن كل من لم ~~يصح توحيده ويخلص لله فيه حق إخلاصه ، وزعم أن ربه غير واحد بوحدانيته ~~الحقيقية من كل جهة ، فهو كعابد وثن ، لأن العباد إنما يتوجهون إلى عبادة ~~ربهم ، ويصفون خالقهم بتصحيح الصفة في العقل ، فإذا لم يصب وصف صفة الخالق ~~، فإنما يصيب صفة المخلوق ، لأنه ليس إلا الله تعالى خالقا ، فمن زال عن ~~صفة خالقه ربه زال إلى صفة خلقه [ 105 و ] . فإذا قصد بعبادته صفة الخلق ، ~~فهو ms28 كعابد الوثن ، قد تبرأ من الله عز وجل وكفر وجحد نعمته كلها من الدنيا ~~والآخرة ، ونسبها إلى غيره ، وتعبد ورجا وخاف غير الله ، فلم يوجه إلى الله ~~تعالى بشيء من حقوقه ، ولا أقر له بشيء من نعمته ، ولا أعلق به شيئا من ~~رجائه ولا خوفه ، ولا أسند إليه شيئا من دنياه وآخرته ، ولا أقر بخالق ، ~~ولا أثبت ربا ولا إلها ، تعالى الله علوا كبيرا ، والحمد لله على الهدى ~~كثيرا حمدا يرضاه ويتقبله ، ويوجب الثبات به حتى نلقاه عليه ، ويوجب الزلفى ~~لديه والكون في جواره وظل PageV04P395 ~~عرشه ، برحمته آمين . ### || فصل # 78 - قال محمد رحمه الله : كل مكون معلول ، وكل كائن فله علة ، وما لا ~~علة له فلا كون له ، فالعلة العليا علة العلل وجنس الأجناس وطبيعة كل طبيعة ~~وجنس كل نوع . فالعلة العليا لكل شيء هي مشيئة الله تعالى لكون الأشياء ~~كلها ، فهي شاملة عامة ، ثم انفصل منها لكل شيء علة خاصة لاصقة بالشيء ~~قريبة منه ، والعلة الكبرى فوقها أم لها ، لا مقصر لشيء من العلل دونها ، ~~لأن منها فصلها ، ولا أم لها بعدها لأنها غايتها ، فالعلم معرفة العلل ، ~~والرسوخ فيه بقدر الرسوخ فيها . # 79 - وإن الله عز وجل لما خلق الدنيا دار ~~محنة وبلوى ، خلقها أضدادا وأزواجا ، لتقع المحنة وتتم الدلالة ، فتمام ~~الدلالة بذلك لأنه لا يعرف الشيء بحقيقته إلا من قبل ضده ، فبالظلمة يعرف ~~النور ، وبالمكروه يعرف المحبوب ، وبالشر يعرف الخير ، وبالبرد يعرف الحر ، ~~وبالتحت يعرف الفوق ، وبالظاهر يعرف الباطن ، كل واحد منها يعرف بصاحبه ، ~~ويهتدى إليه بزوجه وضده ، ويهتدى بالأضداد كلها إلى وحدانية الخالق لها . ~~وأما وقوع المحنة من جهة الأزواج ، فإن الله عز وجل جعل الدنيا امتزاجا ~~وانفصالا زوجين أيضا ضدين ، ليعرف هذا بهذا . فما فصله الله تعالى بأمره ~~ولم يكن إلى المخلوق لعله قامت حقيقته ، وارتفعت الشبهة عنه ، كانفصال ~~الأرض من السماء ، والماء من الثرى ، والنار من الرطوبة ، والأجسام بعضها ~~من بعض ، وما مرجه وامتحن المخلوق بفصله جعل بين حديه البينين ، وهما معظم ~~الشيئين ، شبهة مشبهة ms29 بالشك واليقين ، فالشبهة واقعة بين الحق [ 105 ظ ] ~~والباطل ، كالغبش بين الظلمة والنور ، وكالدكنة بين البياض والسواد ، ~~وكالحامض بين الحلو والمر ، والسنة بين النوم واليقظة ، فكل شيء في الدنيا ~~من المتصل والمنفصل زوجان ، والشبه واقع بين حدي المتصل عند وقت PageV04P396 ~~الانفصال . فانفرد الله تعالى بالوحدانية وحده ، وجعل الأشياء ~~كلها زوجين بعده ، والعلم هو معرفة العلل ، ومعرفة العلل هي معرفة الحدود ، ~~والحدود زوجان : حد إحاطة وحد مقاربة ، والشبهة زوجان : أحدهما يقع في حد ~~الإحاطة بأن يشابه أعيان الشيئين ، كاشتباه الشبه بالذهب والقزدير بالفضة ~~ونحو ذلك . والثاني في حد المقاربة حيث تقع الشبهة بين المنفصلين ، كحد ما ~~بين الجبل والسهل والحلو والمر والقوة والوهن . فالأزواج والأضداد الجارية ~~في كل موضوع ومخلوق من أمور الدنيا والدين هي علة الاختلاف الكبرى التي من ~~جهتها وجب النظر ، ووقعت كلفة التدبر والتثبت والاشتباه . وكل خطأ وقع في ~~بني آدم فمن هذه الجهة يقع ، ومن هذا الأصل ينبعث . # 80 - وأمثلة العلم ~~أمثلة باطنة مفصولة من الذكر الباطن في الذكر المفصول للإنسان في الباطن ، ~~فهي لا ترى إلا بالبصر الباطن ، وهو العقل ، فتمييز الناظر فيها على قدر ~~حدة بصره ، وقوة نور باطن عقله ، كما يتميز الناظر في دقائق الأشخاص بحسب ~~قوة بصر عينه وحدة حاسة حدقته ونوره ، وقوة البصر الباطن ونوره بحسب بعده ~~من الشهوات التي هي تكدره وتطمس عليه وتحجبه عن الاتصال بمادته ، ومادته ~~علم الله الأعلى الذي يمد به من يشاء ، فافهم . ومن ارتفع بنظره إلى العلل ~~العليا فأصاب وجه ما طلب ، جرى صوابه في كل ما تحت ذلك من العلل ، فعظم ~~صوابه . ومن أخطأ في تلك المنزلة العليا ، جرى خطأه فيما تحت ذلك فعظم خطأه ~~. ومن أخطأ فيما دون ذلك ، فخطأه بقدر درجته من النظر ، فافهم . # 81 - تكلمت ~~النصارى في الله فأخطأت الوحدانية فكفروا ، وتكلمت اليهود في النبوة ~~فأخطأوا فيها فكفروا ، لأن الكلام في النبوة هو من الكلام في الصفات العلى ~~. وتكلم الفقهاء في فروع الأحكام ، فلم يكن خطأهم كفرا ، لبعد الكلام من ~~الأصل . وتكلمت ms30 الفرق المبتدعة في الأصول العليا بعد أن اعتصموا بالإقرار ~~بالوحدانية والنبوة ، فمنعهم أن يكون كلامهم كفرا اعتصامهم بجملة الإقرار ، ~~وارتفعوا ( 1 ) في القدر عن PageV04P397 ~~الخطأ في فروع الأحكام ، ولم يبلغ ~~بهم الخروجعن حد الإسلام [ 106 و ] لاعتصامهم بعقدة الإقرار ، وكان خطأهم ~~كأنه خطأ تأويل ، وهو بين الحدين في موقف الشبهة لأنه يقول : أنا مؤمن بما ~~جاء به النبي على ما جاء به ، لا أنكر شيئا منه ، ولا أخرج نفسي عنه . ثم ~~يتأول فيخرج عنه ، وهو يرى أنه يوافقه ، وكأنه إنما يطلب موضع الحق منه ، ~~فهو خارج من جهة النظر ، معتصم من جهة النية والإقرار ، فبيان الحكم فيهم ~~غيب ، ولله عليهم حجة إن عذب ، ولهم وسيلة إلى العفو إن عفا ، ونستعصم الله ~~من الخطأ والزيغ في رفيع الأمور وقريبها برحمته . # 82 - جملة المختلفين من ~~أمتنا : المرجئة والخوارج والجهمية ، من هذه الثلاث طوائف انفصلت الفرق ~~بأجمعها ، وأعظم فرقة انفصلت منها حتى صارت كأنها رابعة معها فرقة الشيعة ، ~~ولكنها منفصلة من الخوارج ، ثم تليها فرقة القدرية الذين جملتهم المعتزلة ، ~~وهي منفصلة من الجهمية ، وانفصلت المرجئة على كل فرقة فرقة منها ، لم يغلب ~~عليها اسم يمحو عنها اسمها الأعظم ، كلهم يسمون مرجئة . فأما المرجئة ~~والخوارج فإنهم يختلفون أن الإيمان روحاني كشيء له طرفان ، ابتداء وغاية ، ~~ونشوء وكمال ، وأنه في ذاته درجات منفصلات ومراتب متفاوتات . فقالت المرجئة ~~: الإيمان هو الإقرار بالله تعالى ، فكل من أقر بالله فهو مؤمن في الجنة ، ~~فحكموا في الإيمان بأحد طرفيه ، وهو أوله ومدخله ، فضاهوا اليهود . وقالت ~~الخوارج بالطرف الآخر فقالت : المؤمن من لا ذنب له بتة ، وما دون ذلك فكافر ~~في النار فحكموا في الإيمان بأحد الطرفين ، وهو طرف الكمال وأعلاه وغايته ، ~~وتركوا الحق وسطا ، ومشت الطائفتان من جانبيه تعسفا ، وركبت الجماعة الوسط ~~، فأصابوا الجادة ولزموا القصد وأم الطريق ، والحمد لله . وأما الجهنمية ~~فإنهم تكلموا فيما لم يبح الكلام فيه للعامة ، وأرادوا أن يكيفوا علم الله ~~تعالى ، فضاهوا النصارى . ونحن لا نتمكن من صفة العلة التي من جهتها أخطأت ~~الجهمية ms31 ، لأنه من الكلام في الصفات العلي التي لم يبح لنا نبينا صلى الله ~~عليه وسلم الكلام فيها ولا يتجاوزها علم القلوب ، ولكنا نقصد من ذلك إلى ما ~~نرى أنه يجوز لنا الكلام فيه ، فمن لقنه انتفع به ، ومن لم يلقنه فقد قدمنا ~~إليه العذر المانع من التفصيل PageV04P398 ~~ أصل الخطأ في القدر [ 106 ظ ] ~~والعلم أن المتكلف له أراد أن يقترن القدر بالعدل ، فتنافرا في نظره ، وقصر ~~عن كيفية اقترانهما فهمه . فقال قوم فأثبتوا العدل ونفوا القدر ، وهم ~~المعتزلة ، فضاهوا المجوس ، وقال قوم فارتفعوا فوقهم وانحرفوا إلى الكلام ~~في العلم ، وهم الجهمية ، فضاهوا ضروبا من الكفر كثيرا . وقوم أقروا بعدل ~~الله وقدره مذعنين لما ذكر في كتابه ، واقفين عند ما لم يستبين لهم علمه ، ~~وهم الجماعة ، فثبتوا على إيمانهم ولم ينقضوا عقدة إقرارهم . ومن تكلم من ~~كلا الفريقين في ذلك غوى وهوى ، ونعوذ بالله من الضلال بعد الهدى . وأما ~~المعتزلة فإنهم كالجهنمية ، اتقوا في أمر ضاهوا به الدهرية ، وذلك أنهم ~~أرادوا أن لا يقروا إلا بما يتمثل في عقولهم وما قصر عنه فهمهم ردوه ، ~~وزعموا أن الله لم ينزله ، وأن الرسول عليه السلام لم يقله ، فحسبوا أن ~~الدين وضع ، وأن القضايا قضيت على مقدار الأفهام الخسيسة وفطر القلوب ~~القاسية التي نشأت في عصر الفتنة ، والتبست برين الظلمة ، وأصغت إلى كدر ~~الشهوات المعشية ، فكذبوا من ذلك بفتنة القبر ، وحياة الأرواح في البرزخ ، ~~وبخلق الجنة والنار ، وبحقيقة العرش والكرسي ، وغير ذلك من أنباء النبوة . ~~فنعوذ بالله من الجرأة على الله والرد لأمر الله تعالى ، ومن جهل المخلوق ~~بقدرته وتخطيه إلى غير حده ، وصلى الله على جميع أنبيائه ورسله . ### || فصل # 83 - رسالة اتفاق العدل بالقدر . قال محمد رحمه الله عليه : أما بعد ، ~~فإني أوصيك بتقوى الله فإن العاقبة للتقوى ، وأوصيك فيما أردت علمه من جهة ~~القدر والعدل وتصاحبهما بأن تقف حيث وقفت منه ، وتؤمن بما عليك أن تؤمن به ~~، وتنتهي إلى ما انتهى سلفك إليه . فأما قولك : قد نزلت البلية فيه ، ~~والتبس بالقلوب داء ms32 مخامر منه لا غنى به عن الدواء ، وصدى ولابد له من ~~الجلاء ، فإني واعظك بمثالك الذي مثلت ، وعاطف PageV04P399 ~~ بك إلى أصلك ~~الذي أصلت : فاعلم أن من الدواء نفعا عاجلا ، ومنه سم قاتل ، ومهما قصر عن ~~الحتف بقي له دواء ومداخل ، وكذلك الكلام في القدر إذا وقف به على حده ولم ~~يتعد به إلى ما لا يجوز ، فهو دواء غير داء . وإذا جووز ( 1 ) به الكفاية ، ~~وابتغي فيه التطلع من الغاية ، فهو داء لا دواء . وسألقي إليك إن شاء الله ~~في ذلك مقدارا ( 2 ) يسعني ويسعك وينفعني وينفعك إن وفقت ، وبقدر إليك إن ~~جمحت . فمهما شككت فيه أو [ 107 و ] اشتبه عليك منه ، فاعلم أن الله تعالى ~~خلق جميع خلقه على ما سبق في علمه المخطوط في أم الكتاب الذي لا تبديل له ، ~~فمضى عليه خلقهم وجرت عليه سائر أمورهم دقيقتها وجليلها ، وخيرها وشرها ، ~~وعامها وخاصها ، وباطنها وظاهرها ، ومكروها ومحبوبها ، لا يزيغ أحد عما سبق ~~في مقاديره ونفذ من مشيئته ، وقضي في أم الكتاب عنده ، ولا يعيدوه في لفظة ~~ولا لحظة ولا أصغر من ذلك ولا أكبر في دنيا ولا آخرة ، بل جارون على ما علم ~~وكتب وقضى وقدر وشاء وأراد قبل أن يخلق السماوات والأرض ، إن ذلك في كتاب ، ~~إن ذلك على الله يسير . ومن قضائه في أم الكتاب أن كتب على نفسه الرحمة ، ~~ومن الرحمة العدل والفضل ، ومن العدل الفضل أنه لا يظلم الناس شيئا ، ولا ~~يكلف فوق طاقته أحدا ، وأن له الحجة البالغة ، وأن له الحمد في الأولى ~~والآخرة ، ولكن الناس أنفسهم يظلمون فمن زعم أنه يخرج من قدر الله في شيء ~~من أمره كائنا ما كان : عمل أو أجل ، أو سراء أو ضراء ، فقد نقص توحيده ~~وأشرك بربه . ومن ادعى على الله ما لا برهان له به ، فزعم أن الضرورة لزمته ~~من قبل ربه ، وأنه معذور بذنبه ، مكلف فوق وسعه ، غير محجوج في معصية الله ~~، فقد كفر وجحد عدله وفضله ، ورد كتابه وكذب رسله . وكلا الفريقين قد ms33 جاءته ~~( 3 ) الفتنة المتخوفة التي أنذرها سلفنا خلفهم : أن المرء يسلب إيمانه وهو ~~لا يشعر ، ويصبح مؤمنا ويمسي كافرا ، ونعوذ بالله من الزيغ بعد الهدى PageV04P400 ~~ والضلال بعد البيان ( 1 ) . ومن سلك الواعظة ولزم الجادة واتبع ~~آثار السلف الراشدين ، فآمن بالقدر كله خيره وشره ، موقنا بعدل الله تعالى ~~وصدق وعده ، وأنه أهل العفو والفضل ، وأن ابن أدم أهل الخطأ والذنب ، وأن ~~لله الحجة البالغة ، ثم لم يكذب بما آمن به من ذلك بلفظ غيره نصا ، ولا ~~تعريضا ، فقد نجا إن شاء الله ولم يسأله الله عما وراء ذلك . فقد رأينا من ~~يقر بهذا الإقرار ، ثم يعود عليه بلفظ آخر فينقضه نقضا وهو لا يشعر ، فأخشى ~~أن يكون سلب إيمانه وهو لا يشعر . فاجعل - وفقك الله - مع الإيمان بالقدر ~~الإيمان بالعدل غير زائغ عنه بلفظة ولا لحظة ، وداو وساوس الشيطان الباطنة ~~بما تشاهده من أحكام الله الظاهرة التي تشهد أن عدله فيها أرفع العدل ، ~~وفضله فيها أعظم الفضل ، فاستشهد الظاهر على الباطن ، والمحكم على المتشابه ~~، وما اتضح لك على ما خفي عليك [ 107 ظ ] ، ليقويك على ذلك ثبات علمك بأن ~~الله ذو القدرة التامة والحكمة البالغة قادر على كل شيء ، مالك لكل شيء ، ~~لم تلزمه ضرورة في أول تدبيره ولا آخره ، ولا لحقه ضيق ولا حرج في عدله ~~وقدره وفي نظامهما ووضعهما وإمضائهما ، وأن أحكامه كلها لمن عقل موقعها ، ~~وعاين بعين عقله حكمة تطلبها ، قائمة على غاية الإتقان والإحسان ، لا جور ~~فيها يضاد العدل والخير ، ظاهرها كباطنها ، وواضحها كغامضها ، ومجهولها ~~كمعلومها ، لا دخل ( 2 ) فيه ولا غاية ، وإنما النقص في درك ذلك من بعضها ~~على نظر المخلوق وقصر فهمه لا عليها . من ظن غير ذلك فقد ظن عجزا ، وأضمر ~~إلحادا وكفرا . واعلم فيما تعلم من ذلك أن كل قدرة لمخلوق أو مشيئة أو ~~إرادة فالله مالكها ، كما هو خالقها ، لم ينفرد المخلوق بحال يملكه ، ولا ~~أمر يقدره ، ولا قوة يبطش بها ، ولا مشيئة ينفذها ، أمر الله عز وجل فوق ~~أمره ، ويد الله ms34 فوق يده ، ومشيئته ماضية عليه ولازمة له نافذة فيه : { قل ~~لا أملك لنفسي ضرا ولا نفعا إلا ما شاء الله } ( سورة يونس : 49 ) ، وما ~~كسب ابن آدم من خير وشر فهو عاملة وكاسبه ، له PageV04P401 ~~النية فيه ~~والمباشرة بفعله . فاجعل مع الإقرار بلزوم مشيئة الله تعالى لك وفيك ، ~~الإقرار بأن الذنب لك ومنك ، وانسب إلى الله عز وجل العدل والفضل والإحسان ~~الذي هو أهله ، والذي لست ترى عندك من الله غيره ، وبؤ على نفسك بالخطأ ~~والزلل واللوم والذنب الذي أنت أهله وجانيه ، والذي لست ترى مع نفسك شريكا ~~فيه ، ونزه الله تعالى وبرئه مما يعمل الظالمون ، سبحانه وتعالى عما يصفون ~~. ثم اعلم مع ذلك أنه قضي عليك ولك إن عملت خيرا أصبت خيرا ، وإن عملت شرا ~~أصبت شرا ، وتركك للخير هو من عملك للشر ، وعملك للشر هو من تركك للخير ، ~~ذلك كله عمل ، ولا ينال شيء من الثواب إلا بالعمل ، ولا يدرك إلا بالسعي ، ~~كالثمرة لا تجتنى إلا من غراس الشجرة . وهكذا قضى الله تعالى أمر الدنيا ~~ودبرها ، وأن الاجتهاد وسيلتك ، والعمل مبلغك ، وأن الله معين المريدين ~~ومؤيد الصالحين ومثبت الصابرين ، { إن الله مع الذين اتقوا والذين هم ~~محسنون } ( سورة النحل : 128 ) . ثم اعلم أن مما قد نزل من فتنة هذا الأمر ~~أن لا أزال أسمع موعوضا يوعظ أو غافلا يذكر ، فيلجأ إلى الاعتذار بالقدر ، ~~فيتخذه عذرا مانعا ، ومخطئا يخطئ ، وآثما [ 108 و ] يأثم ، فيعتذر بالقدر ، ~~فيجعله لنفسه براءة من الذنب ، كالمقيم لنفسه الحجة والعذر . أفلا تتقي ~~الله يا ابن آدم فتعلم من خاصمت ومن حاددت وعلى من احتججت أما إنك إذا قصدت ~~وطر شهوتك التي سخطها الله تعالى منك راكبا لبعض محارم ربك ، فإنك تنهض ~~إليه بأيد أيد وبطش شديد ، غير متوهم حينئذ لمانع يمنعك منه ، أو حاجز ~~يحجزك عنه ، حتى إذا أنت هممت بالخير الذي رضيه الله تعالى منك ، تلكأت ~~وتثاقلت وأخلدت إلى الأرض وتربصت ، ثم افتعلت الحجج وألقيت : { بل الإنسان ~~على نفسه بصيرة . ولو ألقى معاذيره } ( سورة القيامة ms35 : 14 ) . أحين نهضت ~~إلى الشيء فعلمت أن الله خاذلك ومعرض عنك وواكلك إلى نفسك ، لم تخف عجزا ~~عنه حتى بلغت غاية ما تريد منه ، فلما هممت بالخير فعلمت PageV04P402 أن ~~الله تعالى معك ولك ومؤيدك ومثبتك ، خفت العجز والنكول وافتعلت المعاذير ~~كذلك لما أخطأت زعمت أن القدر قواك ، فإذا هممت بالخير تزعم أن القدر خذلك ~~لم لا تعدل وقد عدل الله عليك ولكنك تتخير على القدر بهواك ، فتزعم أن ~~القدر ينهضك إلى الخطأ ، وأن القدر يثبطك عن الصواب ، فلم لا إذ تكلفت ما ~~ليس عليك وازنت ببصيرتك فقلت : وبالقدر أيضا أثبطك عن الخطأ . وبالقدر أنهض ~~إلى الصواب أو لعلك تزعم أن القدر معك إذا أردت الشر ، وليس معك إذا أردت ~~الخير كلا ، لئن قلت ذلك ، لقد ضللت وكفرت ، وما فارقك القدر في حال من ~~حالاتك ، ولقد عدل ربك عليك في جميع أوقاتك ، وفي قدر الله كنت ، وفي قدر ~~الله عز وجل أنت ، وفي قدر الله تكون ، وإنما عليك أن تعمل ولا تطالب ربك ~~بما تعمل ، فاكلف بما كلفت ، ودع عنك أن تحاج الله عز وجل ، فإنك متى ~~خاصمته خصمت . فلا تكون أخي ممن يتخذ الإقرار بالقدر سببا للكسل والوهن في ~~العمل ، ولا تحسب أن عملك مخرجك من قدر الله الذي قدر لك ، ولا أن القدر ، ~~كيف تصرفت بك الحال ، يزايلك . بل اعلم أن عملك من قدرك ، وأن عجزك إن عجزت ~~من قدرك ، وأنك في القدر كنت وفي القدر تكون وإليه تصير ، كيف تصرفت بك ~~الحال ، فمن قدر الله إلى قدر الله ، لا زائغا عنه ولا خارجا منه . فارغب ~~وارهب وجد واعمل ، فليس تسأل عما قضي عليك ، ولكن عما عهد إليك ، ولن تجازى ~~إلا بعملك ، ولن تحاسب إلا بسعيك ، ولن تجد محضرا إلا ما قدمت ، ولن ترد ~~إحدى المنزلتين إلا بما كسبت [ 108 ظ ] ، ولا تلزم الشر إذا تركته وفررت ~~إلى الله تعالىمنه ، { ففروا إلى الله إنى لكم منه نذير مبين . ولا تجعلوا ~~مع الله إلها آخر إني لكم منه نذير مبين ms36 } ( سورة الذاريات : 51 ) ، ~~والسلام عليك ، وصلى الله على سيدنا محمد . ### || فصل # 84 - قال محمد : أما الروح فليس يخلو من إحدى منزلتين عند القبض : أن ~~يكون يقبض ، ثم يرد إلى فناء المضجع ، ويكون متصلا إلى أعلى منزلته بقدر ما ~~يجعل PageV04P403 ~~ له في الأولى والثانية أو حيث كان . فإن جاوز السماء ~~وفتحت له ، فهو إن شاء الله ممن يرى الجنة من موضعه ذلك من أعلاه ، وكلما ~~قرب إليها كان أبين له وأروح حتى [ يبلغ ] إلى منزلة الشهداء الذين يشاهدون ~~الملكوت رؤية مشاهدة ومداخلة في الروضة والفناء والساحة . وتذكر أن الله لا ~~يسمى ما كان من ابن آدم روحا ، وإنما يسمي الروح الملائكة والقرآن ونحو ذلك ~~، لأن الروح الذي في ابن آدم لا يستحق أظن - الثناء حتى يختم له بالسعادة ~~وتسميته روحا فهو ثناء ، فإن لم يكن من أهل السعادة سمي نفسا ، قال الله ~~تعالى : { الله يتوفى الأنفس حين موتها } ( سورة الزمر : 42 ) فهذا يجمع ~~أنفس المؤمنين والكافرين ، ' والتي لم تمت في منامها ' . أيضا يجمع ~~الطائفتين . وقال في الكفار : { أخرجوا أنفسكم } ( سورة الأنعام : 93 ) ، ~~ومن العجب أنه لم يقل في الشهداء أرواحا ، قال : { ولا تحسبن الذين قتلوا ~~في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون } ( سورة آل عمران : 169 ) ، ~~وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إنما نسمة المؤمن ولم يقل روحه ؛ فلعل ~~هذا الفصل بين أرواح الملائكة صلى الله عليهم وبين هذه الأرواح الأرضية ، ~~أو لما الله به أعلم أن الروح تحفظ كل ما فعل ابن آدم ، وإنما النسيان آفات ~~من آفات النفس أو الجسد ، فإذا كشفت الآفات ذكر الروح كل ما شاهد في الدنيا ~~، ذكره في الآخرة ألا تراه في الدنيا ينسى ، ثم يذكر ، وهذا دليل بين . ### || فصل # وأما الروح المرسل إلى مريم ، و { يوم يقوم الروح } ( سورة النبأ : 28 ) ~~هذا جبريل . وقوله : { وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا } ( سورة الشورى : ~~52 ) هذا هو العلم ، { وروح منه } ( سورة النساء : 171 ) هو الروح المنفوخ ~~في عيسى ، كالذي نفخ في آدم ، وهو ms37 قدس لم تتناتجه الأصلاب . كل هذا أصله من ~~الروح الأعلى ، إن ألقي في القلوب فهو علم ، وإن كان نسيما فهو روح ، وإن ~~كان شديد PageV04P404 ~~ الحركة فهو ريح ، وإن كان قويا في القلب مفصلا راسخا ~~فهو يقين ، وإن كان حياة للجسم فهو روح للجسم ، وأصله كله الروح الأعلى ، ~~ثم تختلف أسماؤه باختلاف صفاته وحركاته . # تم الكتاب بعون الله وتوفيقه وصلى ~~الله على سيد الأولين والآخرين محمد وعلى آل محمد وصحابته والتابعين PageV04P405 ms38