######OpenITI# #META# 000.SortField :: JK_009344 #META# 000.BookURI :: #0456.IbnHazmAndalusi.RisalaFiMaratibCulum #META# 010.AuthorAKA :: ابن حزم #META# 010.AuthorNAME :: أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم الأندلسي #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 456 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: رسالة مراتب العلوم في ضوء ما سبقها من تصنيف للعلوم عند العرب #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: كتب التعريف بالكتب ( الببلوجرافيا ) #META# 022.BookVOLS :: 1 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: رسالة مراتب العلوم في ضوء ما سبقها من تصنيف للعلوم عند العرب #META# 030.LibURI :: JK_009344 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: NODATA #META# 031.LibURL :: NODATA #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: د . إحسان عباس #META# 041.EdNUMBER :: الثانية #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: المؤسسة العربية للدراسات والنشر #META# 044.EdPLACE :: بيروت / لبنان #META# 045.EdYEAR :: 1987 م #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # - 1 - رسالة مراتب العلوم # بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على سيدنا محمد وآله رسالة مراتب ~~العلوم قال الفقيه الإمام الحافظ أبو محمد على بن أحمد بن سعيد بن حزم ، ~~رحمه الله : الحمد لله رب العالمين الذي أفاض علينا النعم الجزيلة ، ومنحنا ~~القوى الرفيعة ، حمدا يرضيه عنا ، ويقتضي لنا المزيد من آلائه ( 1 ) ~~ومواهبه السنية ، وصلى الله على سيدنا محمد ، خيرته من الإنس ، وصفوته من ~~ولد آدم ، المبعوث بالهدى لاستنفاذ من اتبعه من ظلمات الكفر وعمى الجهل إلى ~~نور العلم . # أما بعد : فإن الله تعالى كرم بني آدم وفضلهم على كثير ممن خلق ~~، وخصهم على سائر خليقته بالتمييز الذي مكنهم به من التصرف في العلوم ~~والصناعات . فواجب على المرء ألا يضيع وديعة خالقه عنده ، وأن لا يهمل عطية ~~باريه لديه ، بل فرض عليه أن يصونها باستعمالها فيما له خلق ، وأن يحوطها ~~في تصريفها فيما دعي إليه . وبعد : فإن لكل مقام مقالا ، ولكل زمان حالا ، ~~وإن السالفين قبلنا كانت لهم علوم يواظبون على تعليمها ، ويورثها الماضي ~~منهم الآتي . ثم إن من تلك العلوم ما بقي وبقيت الحاجة إليه ، ومنها ما درس ~~رسمه ، ودثرت أعلامه ، وانبت ( 2 ) جملة فلم يبق إلا أسمه . فمن ذلك علم ~~السحر ، وعلم الطلسمات ( 3 ) ، فإن بقاياها ظاهرة PageV04P061 لائحة ، وقد ~~طمس معرفة علمها ، ومن ذلك علم الموسيقى وأصنافها الثلاثة ، فإن الأوائل ~~يصفون أنه كان منها [ ما ] يشجع الجبناء وهو اللوي ، ونوع ثان يسخي البخلاء ~~وأظنه الطنيني ، ونوع ثالث يؤلف بين النفوس وينفر ( 1 ) . وهذه صفات معدومة ~~من العالم اليوم جملة . فاعلموا أسعدكم الله بتوفيقه أن من رأيتموه يدعي ~~علم الموسيقى واللحون ، وعلم الطلسمات ، فإنه ممخرق كذاب ومشعوذ وقاح ، ~~وكذلك من وجدتموه يتعاطى علم الكيمياء فإنه قد أضاف إلى هذه الصفات الذميمة ~~التي ذكرنا استئكال ( 2 ) أموال الناس ، واستحلال التدليس في النقود وظلم ~~من يعامل في ذلك ، والتغرير بروحه وبشرته في جنب ما يعاني من هذه الرذيلة . ~~فإن العلمين المذكورين أولا ، وإن كانا قد عدما وانقطعا ألبتة ، فقد كانا ms01 ~~موجودين دهورا . وأما هذا العلم الذي يدعونه من قلب جوهر الفلز ( 3 ) ، فلم ~~يزل عدما غير موجود . وباطلا لم يتحققساعة من الدهر ؛ إذ من المحال الممتنع ~~قلب نوع إلى نوع ، ولا فرق بين أن يقلب نحاس إلى أن يصير ذهبا أو قلب ذهب ~~إلى أن يصير نحاسا ، وبين قلب إنسان إلى أن يصير حمارا ، أو قلب حمار إلى ~~أن يصير إنسانا . وهكذا سائر الأنواع كلها ، وهذا ممتنع ألبته ، وبالله ~~تعالى التوفيق ، ومنه أستمد ( 4 ) لا إله إلا هو ، فلا وجه للاشتغال بلعم ~~قد دثر وعدم ، وإنما الواجب أن يتهمم المرء بالعلوم الممكن تعلمها التي قد ~~يتنفع بها في الوقت ، وأن يؤثر منها بالتقديم ما لا يتوصل إلى سائره إلا به ~~ثم الأهم فالأهم والأنفع فالأنفع ، فإن من رام الاتقاء إلى أرفع العلوم دون ~~معاناة ما ( 5 ) لا يوصل إليه إلا به ، كمن رام الصعود إلى علية مفتحة ~~مظلمة أنيقة البناء دون أن يتكلف التنقل إليه في الدرج ( 6 ) والمراقي التي ~~لا سبيل إلى تلك العلية إلا بها . PageV04P062 وليس للمرء إلا داران : دار ~~الدنيا ، ودار معاده إذا فارق الدنيا ؛ وبيقين ندري ( 1 ) أن مدة المقام في ~~هذه الدار إنما هي أيام قلائل . وإجهاد المرء نفسه فيما لا ينتفع به إلا في ~~هذه الدار من العلوم رأي فائل ، وسعي ( 2 ) خاسر ، لأن المنتفع به في هذه ~~الدار من العلوم ، إنما هو ما اكتسب به المال ، أو ما حفظت به صحة الجسم ~~فقط ، فهما وجهان لا ثالث لهما . فأما العلوم التي يكتسب بها المال فإن وجه ~~المكسب بها ضيق غير متسع ، واكتساب المال بغير العلم أجدى وأشد توصلا إلى ~~المراد من التوسع في [ العلم ] ( 3 ) لكسب المال ، كصحبة السلطان وعمارة ~~الأرض والتقلب في التجارات . وهذه الوجوه كلها قد نجد الجاهل الأغتم أنفذ ( ~~4 ) فيها من العالم النحرير ؛ فإذ ذاك كذلك ، فالشغل بطلب العلم ليكون سببا ~~إلى كسب المال والتعب فيه بهذه النية عناء ( 5 ) وظلال ، وفاعله قد جمع ~~عيبين عظيمين : أحدهما ترك أخصر ms02 الطريقين إلى مطلوبه وأسهلها في التوصل إلى ~~غرضه ، ورك أوعرهما مسلكا وأطولهما تعبا وأقلهما فائشدة وأبعدهما منفعة . ~~والوجه الثاني أنه استعمل الفضيلة التامة التي بان بها عن الحشرات والبهائم ~~في اقتناء حجارة لا يدري متى تدعه أو يدعها ، وكان كمن أتعب نفسه وأسهر ~~ليله وأطال كده في إقامة سيف هندي قاطع نفيس ، وبنى دارا سرية أنيقة البناء ~~محكمة النقوش ( 6 ) ، موثقة الأساس ، فلما تما له كما أراد جعل يستعمل في ~~كسر العظام وقطع البقل ، وأوقف الدار لطرح ما يكنس فيها من الحشيش ( 7 ) ، ~~فمن أخسر صفقة من هذا ! ! . وأما العلم الذي ليس فيه إلا حفظ صحة الجسم فقط ~~، فإن المتعب فيه بدنه ، PageV04P063 المجهد لنفسه في تلقيه ( 1 ) وتقييده ~~لا يحصل من تمامه لديه إلا على البصر ( 2 ) في معاناة مرض لا يدري أيتم له ~~غرض من برئه أم لا يتم . ثم إن تم فليس على ثقة من عود ذلك الداء بعينه أشد ~~ما كان ، أو حدوث داء آخر مثل الذي استنفد طوقه في معاناته ( 3 ) وأعضل منه ~~. وأما المضمون المحتوم فإنه لا يقدر على دفع الموت إذا حل ، ولا على علاج ~~الزمانة إذا استحكمت ؛ ولعل ذلك يحدث بمن أتعب نفسه في مداواته في أسرع من ~~كر ( 4 ) الطرف . فمن تأمل ما ذكرنا ، علم أن المنفعة بما قصد به من العلوم ~~إلى المنفعة الخاصة ، قليلة جدا وضعيفة العائدة جملة . إلا أن هذين الوجهين ~~( 5 ) وإن كانا وتحي النفع قليلي الإجزاء ( 6 ) لا تصالهما ( 7 ) بالتعب في ~~اقتناء العلم الذي هو سببهما ، فلهذا حظ من النفع . وإنما الداء العياء ، ~~والذم الكامل ، والخسارة المحضة ، حال من اقتنى أرفع العلوم ليحصل به على ~~كسب ال من غير وجهه ، وصرف ما علم في غير طريقه ، فإن حال الجاهل الخاملة ~~أجل ( 8 ) من حال العالم ، لما ذكرنا . ونسأل الله التوفيق ونعوذ به من ~~الخذلان . فإذ الأمر كما ذكرنا ، فأفضل العلوم ما أدى إلى الخلاص في دار ~~الخلود ووصل إلى الفوز في دار البقاء . فطالب هذه العلوم ms03 لهذه النية هو ~~المستعيض تبعب يسير راحة الأبد ، وهو ذو الصفقة الرابحة والسعي المنجح الذي ~~بذل قليلا واستحق كثيرا ، PageV04P064 وأعطى تافها وأخذ عظيما ( 1 ) . وهو ~~الذي عرف ما لا يبقى معه فزهد فيه ، وميز ما لا يزايله فسعى له ، ونسأل ~~الله أن يجعلنا في عدادهم بمنه آمين . وباليقين يدري كل ذي [ لب ] ( 2 ) ~~سليم أنه لا يتوصل إلى العلوم إلا بطلب ، ولا يكون الطلب إلا بسماع وقراءة ~~وكتاب ، لا بد من هذه الثلاث خصال ، وإلا فلا سبيل دونها إلى شيء من العلوم ~~ألبتة . فإذ ذلك كذلك فلنتكلم بعون الله تعالى على وجه التوصل إلى العلوم ، ~~وبيان أفضلها صفة وأعلاها قدرا ، والذي بالناس إليه الضرورة الماسة ، ~~والفاقه الشديدة ، والحد الذي لا يجزئ منه ما دونه ، والنهاية التي لا وراء ~~لها منه . فالواجب على من ساس صغار ولدانه وغيرهم أن يبدأ منذ أول اشتدادهم ~~وفهمهم ما يخاطبون به ، وقوتهم على رجع الجواب وذلك يكون في خمس سنين أو ~~نحوها من مولد الصبي فيسلمهم [ إلى مؤدب ] ( 3 ) في تعليم الخط وتأليف ~~الكلمات من الحروف ، فإذا درب الغلام في ذلك ، درس ( 4 ) وقرأ . والحد الذي ~~لا ينبغي أن يقتصر المعلم على أقل منه أن يكون الخط قائم الحروف ، بينا ~~صحيح التأليف الذي هو الهجاء ، فإن الخط إن لم يكن هكذا لم يقرأ إلا بتعب ~~شديد . وأما التزيد في حسن الخط فليس هو فضيلة بل لعله داعية إلى التعلق ~~بالسلطان ، فيفني دهره إما في ظلم الناس ، وإما في تسويد القراطيس بتواقيع ~~بعيدة ( 5 ) من الحق ، مشحونة بالكذب والباطل ، فيضيع زمانه باطلا ، وتخسر ~~صفقته ، ويندم حين لا ينفعه الندم ، وكان كإنسان مسكا كثيرا فترك أن يصرفه ~~في التطييب به ومداواة النفوس بريحه وفغوته ( 6 ) وأقبل يطيب به البهائم ، ~~ويصبه في الطريق حتى فني في غير فائدة . فهذا [ حد ] تعليم الكتاب . ~~PageV04P065 وحد تعلم القراءة أن يمهر في القراءة لكل ( 1 ) كتاب يخرج من ~~يده بلغته التي يخاطب بها صقعه ، وينفذ فيه ، ويحفظ مع ذلك القرآن ، فإنه ~~يجمع ms04 بذلك وجوها كثيرة عظيمة ، أحدها التدرب في القراءة له وتمرين ( 2 ) ~~اللسان على تلاوته فيحصل من ذلك حدا ، إلى ما يحصل من عهوده الفاضلة ~~ووصاياه الكريمة ، ليحدها عدة عنده مدخرة لديه قبل حاجته إليها يوم حاجته ~~إليها ( 3 ) . فإذا نفذ في الكتاب والقراءة كما ذكرنا . فلينتقل إلى علم ~~النحو واللغة معا : ومعنى النحو : هو معرفة تنقل هجاء اللفظ وتنقل حركاته ~~الذي يدل كل ذلك على اختلاف المعاني كرفع الفاعل ونصب المفعول ، وخفض ~~المضاف ، وجزم الأمر والنهى ، وكالياء في التثنية والجمع ، في النصب ~~وخفضهما ، وكالألف في رفع التثنية ، والواو في رفع الجمع وما أشبه ذلك . ~~فإن جهل هذا العلم عسر عليه علم ما يقرأ من العلم . واللغة : هي ألفاظ يعبر ~~عن المعاني فيقتضي من علم النحو كل ما يتصرف في مخاطبات الناس وكتبهم ~~المؤلفة ، ويقتضي من اللغة المستعمل الكثير التصرف . وأقل ما يجزئ من النحو ~~' كتاب الواضح ' للزبيدي ( 4 ) أو ما نحا نحوه ' كالموجز ' لابن السراج ( 5 ~~) ، وما اشبه هذه الأوضاع الحقيقة ، وأما التعمق في علم النحو ففضول لا ~~منفعة بها بل هي مشغلة عن الأكود ، ومقطعة دون الأوجب والأهم ، وإنما هي ~~تكاذيب فما وجه الشغل بما هذه صفته وأما من هذا العلم فهي المخاطبة ، ~~PageV04P066 وما بالمرء حاجة إليه في قراءة ( 1 ) الكتب المجموعة في العلوم ~~فقط . فمن يزيد في هذا العلم إلى إحكام كتاب سيبويه فحسن ، إلا أن الاشتغال ~~بغير هذا أولى وأفضل ، لأنه لا منفعة للتزيد على المقدار الذي ذكرنا إلا ~~لمن أراد أن يجعله معاشا ، فهذا وجه فاضل لأنه باب من العلم على كل حال . ~~والذي يجزئ من علم اللغة كتابان : أحدهما ' الغريب المنصف ' لأبي عبيد ، ~~والثاني ' مختصر العين ' للزبيدي ، ليقف على المستعمل بهما ، ويكون ما عدا ~~المستعمل منهما عدة لحاجة إن عنت يوما ما في لفظ مستغلق فيما يقرأ من الكتب ~~. فإن أوغل في علوم اللغة حتى يحكم ' خلق الإنسان ' لثابت ، و ' الفرق ' له ~~( 2 ) ، و ' المذكر والمؤنث ' لابن الأنباري و ' المدود والمقصور والمهموز ~~' لأبي علي القالي ms05 و ' النبات ' لأبي حنيفة أحمد بن داود الدينوري ، وما ~~أشبه ذلك فحسن بخلاف ما قلنا في علل النحو ، لأن اللغة كلها حقيقة وذات ~~أوضاع صحاح وعبارات عن المعاني ، ولو كانت اللغة أوسع حتى يكون لكل معنى في ~~العالم أسم مختص به ، لكان أبلغ للفهم وأجلى للشك وأقرب للبيان ، إلا أن ~~الاقتصار على المقداد الجاري مما ذكرنا ، والانصراف إلى الأهم والأوكد من ~~سائر العلوم ، أولى . وإن كان مع ما ذكرنا رواية شيء من الشعر فلا يكن إلا ~~من الأشعار التي فيها الحكم والخير ، كشعر حسان بن ثابت ، وكعب بن مالك ، ~~وعبد الله بن رواحة رضي الله عنهم ، وكشعر صالح بن عبد القدوس ونحو ذلك ، ~~فإنها نعم العون على تنبيه النفس . وينبغي أن يتجنب من الشعر أربعة أضرب : ~~أحدها : الأغزال والرقيق : فإنها تحث على الصبابة وتدعو إلى الفتنة ، وتحض ~~على الفتوة وتصرف النفس إلى الخلاعة واللذات ( 3 ) وتسهل الانهماك في ~~الشطارة والعشق وتنهى عن الحقائق ، حتى ربما أدى ذلك إلى الهلاك والفساد في ~~الدين وتبذير PageV04P067 المال في الوجوه الذميمة وإخلاق وإذهاب المروءة ~~وتضييع الواجبات . وإن سماع شعر رقيق لينقض بنية المرء الرائض لنفسه حتى ~~يحتاج إلى إصلاحها ومعاناتها برهة ، لا سيما ما كان يعني ( 1 ) بالمذكر ~~وصفة الخمر والخلاعة ، فإن هذا النوع يسهل الفسوق ويهون المعاصي ويردي جملة ~~. والضرب الثاني : الأشعار المقولة في التصعلك وذكر الحروب كشعر عنترة ~~وعروة بن الورد وسعد ( 2 ) بن ناشب وما هنالك ، فإن هذه أشعار تثير النفوس ~~وتهيج الطبيعة وتسهل على المرء موارد التلف في غير حق ، وربما أدته إلى ~~هلاك نفسه في غير حق ، وإلى خسارة الآخرة ، مع إثارة الفتن وتهوين الجنايات ~~والأحوال الشنيعة والشره إلى الظلم وسفك الدماء . والضرب الثالث : أشعار ~~التغرب ، وصفات المفاوز والبيد المهامه ، فإنها تسهل التحول والتغرب وتنشب ~~المرء فيما ربما صعب عليه التخلص منه بلا معنى . والضرب الرابع : الهجاء ، ~~فإن هذا الضرب أفسد الضروب لطالبه ، فإنه يهون على المرء الكون في حالة أهل ~~السفه من كناسي الحشوش ( 3 ) والمعاناة لصنعة الزمير ms06 المتكسبين بالسفاهة ~~والنذالة والخساسة وتمزيق الأغراض وذكر العورات وانتهاك حرم الآباء ~~والأمهات ، وفي هذا حلول الدمار في الدنيا والآخرة . ثم صنفان من الشعر لا ~~ينهى عنهما نهيا تاما ولا يحض عليهما بل هما عندنا من المباح الكروه وهما : ~~المدح والرثاء : فأما إباحتهما فلأن فيهما ذكر فضائل الموت والممدوح ، وهذا ~~يقتضي للراوي ذلك الشعر الرغبة في مثل ذلك الحال ، وأما كراهتنا لهما فإن ~~أكثر ما في هذين النوعين الكذب ، ولا خير في الكذب . وأيضا فإن الإكثار من ~~رواية الشعر ، هو كسب غير محمود ، لأنه [ من ] طريق PageV04P068 الباطل ~~والفضول ، لا من طريق الحق والفضائل ، ولا يظن ظان أن هذا علم جهلناه ~~فذممناه ، فقد علم من داخلنا أو بلغه أمرنا كيف توسعنا في رواية الأشعار ، ~~وكيف تمكنا من الإشراف على معانيها ، وكيف وقوفنا على أفانين الشعر ومحاسنه ~~، ومعانيه وأقسامه ، وكيف قوتنا على صناعته ، وكيف تأتي مقصده ومقطوعه لنا ~~، وكيف سهولة نظمه علينا في الإطالة فيه والتقصير ( 1 ) ، ولكن الحق أولى ~~بما قيل . فإذا بلغ المرء من النحو واللغة إلى الحد الذي ذكرنا فلينتقل إلى ~~علم العدد ، فليحكم الضرب والقسم والجمع والطرح والتسمية ، وليأخذ طرفا من ~~المساحة ، وليشرف على الأرثماطيقي وهو علم طبيعة العدد وليقرأ كتاب أقليدس ~~قراءة متفهم له ، واقف على أغراضه ، عارف بمعانيه ، فإنه علم رفيع ، به ~~يتوصل إلى معرفة نصبة الأرض ومساحتها وتركيب الأفلاك ودورانها ومراكزها ~~وأبعادها ، والوقوف على براهين كل ذلك وعلى دوران الكواكب وقطعها في البروج ~~، فهذا علم رفيع جدا يقف به المرء حقيقة تناهي جرم العالم وعلى آثار صنعة ~~الباري في العالم ، فلا يبقى له إلا مشاهدة الصانع فقط ؛ وأما الصنعة ~~والإدارة والتركيب ، فقد شاهد كل ذلك بوقوفه على ما ذكرنا . وبمطالعته كتاب ~~المجسطي يعرف الكسوفات وعروض البلاد وأطوالها والأوقات وزيادة الليل ~~والنهار والمد والجزر ومنازل الشمس والقمر والدراري . وأما الإيغال في ~~المساحة فمنفعته في جلب المياه ورفع الأثقال وهندسة البناء وإقامة الآلات ~~الحكمية . وأما الاشتغال بأحكام النجوم فلا معنى له ، ولا يخلو من أن يكون ~~ما يحكون ms07 من قضاياها حقا أو باطلا ، إذ لا سبيل إلى قسم ثالث ، فإن كانت ~~حقا فما لها فائدة إلا استعجال الهم والغم والبؤس والنكد ، لتوقع المرض ~~والنكبات وموت الأحبة وانقطاع كمية العمر ومعرفة فساد المولد . فإن قالوا ~~إنه قد يمكن دفع ما يتوقع من ذلك فقد قضوا بأنها لا حقيقة لها ، إذ الحق ~~الحتم لا سبيل إلى رده . وإن كانت باطلا PageV04P069 فأهل ( 1 ) أن لا ~~يشتغل به . ونقول قولا صحيحا متيقنا ليعلم كل ذي عقل ينصح نفسه بأنه لا ~~سبيل إلى قلب الأنواع وإحالة الطبائع ، فمن اشتغل بشيء من هذين العلمين ، ~~فإنما هو إنسان محروم مخذول يطلب ما لا يجد أبدا ، وبالجملة فليس القضاء ~~بالنجوم علم برهان ، وإنما هي تراعي ( 2 ) أبدا ، وبالجملة تجارب ، وإذ هي ~~كذلك ، فباطل بلا شك ، لأن التجارب لا تكون إلا بتكرير الحال مرارا كثيرة ~~جدا على صفة واحدة لا تستحيل أبدا ( 3 ) والنصبة التامة من الكواكب لا تعود ~~إلا إلى عشرة آلاف من السنين ، ولا سبيل إلى ضبط تجربة مثل هذه إلا بتداول ~~قوم متعاقبين لرصد تلك النصب ( 4 ) ؛ وباليقين ندري أنه لا يبقى فيما انحدر ~~عن شرق العمود مملكة عشر الدور ، فكيف الدور كله وإذا ذهبت المملكة لم تذهب ~~إلا بحروف وغارات وسوء حال وفساد بلاد وحدوث أخر ، وهذا كله يذهب علوم تلك ~~المملكة ورتبها وأرصادها وأكثر أخبارها بل كلها ، فلا سبيل مع ذلك إلى ~~اتصال رصد هذه المدة كلها ، فكيف يمكن دوام التجربة تكرارا دورا بعد دور ~~وما عندنا تاريخ أبعد من تاريخ التوراة وليس له إلا ثلاثة آلاف سنة فقط ، ~~فأين يقع مما نريد ( 5 ) وأما تاريخ الفرس [ فما ] عندنا أخبار لهم فاشية ~~محققة إلا عن عهد ملوك الساسانية وذلك أقل من ألف عام ، وكذلك تاريخ الروم ~~. وأما تاريخ القبط والسريانيين وأدوم وعمون وموآب وسائر تلك الأمم ، فما ~~لهم اليوم في الدنيا خبر ولا أثر ، فكيف تبقى أرصاد المدة المذكورة وأما ~~الهند والصين فلم تبلغنا آثارهم كما نريد ، ولعل لهم أرصادا قديمة ، فإنهما ms08 ~~PageV04P070 مملكتان لسمتا من الآفات على مر الدهور . على أن أهل الصين ~~ليسوا أهل علوم ألبتة ، وإنما هم أهل صناعات ، فلعل هذا يكون بالهند . فإن ~~لم يكن فمضمون عدمه من العالم - هذا إلى ما شروط علم القضاء من الصفات التي ~~لا سبيل لمن يدعي علمها إلى استيفائها ( 1 ) : من معرفة مواقع السهام ~~ومطارح الشعاعات والدرج النيرة والمظلمة ، والقتمة والآبار ( 2 ) ، وخواص ~~الدراري في كل برج ، والكواكب البيبانية ( 3 ) وغير ذلك مما لا يمكنهم ~~توفيته حقه على أصولهم . فإذا كان ذلك كذلك ، فتحقيق علمهم في القضاء لا ~~سبيل إليه ألبتة ؛ ولا يحصى كم شهدنا لهم من القضايا المحققة المتفق عليها ~~من أهل الإحسان لهذا العلم ؛ على ما في كتبهم ، فما صدق منها شيء إلا الأقل ~~النزر الذي يصدق بالتقدير أكثر منه ، نعني من المواليد التي لا شيء في ~~علمهم أحق منها . وأما المناخات وتحاويل السنين والقرانات الصغار فيعلم ~~الله أننا ما رأيناهم صدقوا منها في قضية أبدا ، كل سنة رأينا ، وما وجدنا ~~أكثر كلامهم في ذلك إلا على ظاهر الرأي والتقدير فقط ( 4 ) ، ولو لم يكن من ~~مظاهر الدعوى إلا قولهم زحل يشرف في برج كذا ، ويسقط في برج كذا ( 5 ) ، ~~وكذا سائر الدراري . ودعواهم في وجوه المطالع وسائر تلك الخرافات ، فإنهم ~~لا يأتون على ذلك لا ببرهان ولا بإقناع ولا بشغب وإنما هو ' اسمع واسكت ~~وصدق الأمير ' . وما كان هذا سبيله فلا ينبغي أن يشتغل به عاقل اشتغال معتد ~~به علما ، إلا أنه لا ينبغي لطالب الحقائق أن يخلوا من النظر فيه ليعرف ~~أغراضهم ، ويريح نفسه من تطلعها إلى الوقوف [ عليها ] ، وليفيق من دعاويهم ~~ومخرقتهم ، ويزيل عن نفسه الهم إذا عرف لا فائدة فيه . ولقد حدثني شيخنا ~~يونس بن عبد الله القاضي ( 6 ) قال : PageV04P071 سمعت يحيى بن مجاهد ~~الفزاري الزاهد يقول : هذا كان أوان طلبي للعلم إذ قوي فهمي واستحكمت ~~إرادتي . فقلت له : فعلمنا الطريق ، لعلنا ندرك ذلك بوصاتك ، في استقبال ~~أعمارنا قال : نعم كنت آخذ من [ كل ] علم طرفا ، فإن ms09 سماع الإنسان قوما ~~يتحدثون وهو لا يدري ما يقولون غمة عظيمة ، أو كلاما هذا معناه . قال أبو ~~محمد : ولقد صدق رحمه الله . فإذا بلغ الإنسان حيث ذكرنا ، أخذ في النظر في ~~حدود المنطق وعلم الأجناس والأنواع والأسماء المفردة والقضايا والمقدمات ~~والقرائن والنتائج ليعرف المرء ما البرهان وما الشغب ، وكيف التحفظ مما يظن ~~أنه برهان وليس ببرهان ، فبهذا العلم يقف على الحقائق كلها يميزها من ~~الأباطيل تمييزا لا يبقى معه ريب . وينظر في الطبيعيات ، وعوارض الجو ، ~~وتركيب العناصر ، وفي الحيوان والنبات والمعادن ، ويقرأ كتب التشريح ليقف ~~على محكم الصنعة وتأثير الصانع وتأليف الأعضاء واختيار المدبر وحكمته ~~وقدرته . فإذا أحكم ذلك في خلال ابتدائه بالنظر في العلوم فلا يكن منه ~~إغفال لمطالعة أخبار الأمم السالفة والخالفة ، وقراءة التواريخ القديمة ~~والحديثة ليقف من ذلك على فناء ( 1 ) الممالك المذكورة ، وخراب البلاد ~~المعمورة ، ودثور المدائن المشهورة التي طالما حصنت وأحكمت مبانيها ، وذهاب ~~من كان فيها وانقطاعهم ، وتقلب الدنيا بأهلها ، وذهاب الملوك الذين قتلوا ~~النفوس وظلموا الناس واستكثروا من الأموال والجيوش والعدد ليستديموها لهم ( ~~2 ) ولأعقابهم فما دامت ( 3 ) لهم ، بل ذهبوا وانقطعت آثارهم ، ورحل بنوهم ~~وضاعوا ، وبقي ما تحملوا من الآثام والذم والذكر القبيح لازما لأرواحهم في ~~المعاد ولذكرهم في الدنيا ، فيحدث له فيها بذلك زهد وقلة رغبة ، وليشرف على ~~اغترار الملوك بها ، لعظيم الحسرات النازلة بهم وبمخلفيهم ، وليقف على حمد ~~المتقين الأخيار للفضائل فيرغب فيها ، ويسمع ذمهم للرذائل فيكرهها . ويوفي ~~على PageV04P072 تيقن النصح منها لما يرى من تناصر التواريخ على تباعد ~~أقطار حامليها ، وتفاوت أزمانهم وتباين هممهم واختلاف أديانهم وتفرق ~~مذاهبهم على نقل قصة ما ، فيوقن أنها حق لا شك فيه ، ويسمع بخلاف نقلهم في ~~قصة ما ، فيدري أنها مضطربة . ويرى أخبار العلماء والصالحين فيرى الحرص على ~~مثل حالهم ويرغب في إلحاق اسمه بأسمائهم إذا سلك طريقهم وحذا حذوهم وعمل ~~عملهم ، ويطالع آثارهم المفسدين في الأرض وسوء الآثار عليهم ، وما أبقوا من ~~الأسماء الذميمة ، فيمقت طريقهم ، ويجتنب أن يكون مذكورا فيهم . ويجعل هذا ms10 ~~العلم خاصة وقت راحته وسآمته من تعلم غيره من العلوم ، فإن هذا العلم سهل ~~جدا ومنشط ومنتزه ولذة ، لا ينبغي لأحد أن يخلو منه فلا يدري أثرا ولا ما ~~تقوم به الحجة من الأخبار التي يضطر إلى العلم بها حقيقة ، بل يكون بمنزلة ~~من قدر أن العالم لم يكن إلا مذ كان هو . فإذا أحكم ما ذكرنا فأولى الأشياء ~~به معرفة ما له خرج إلى هذا العالم ، وما إليه يرجع إذا خرج من هذا العالم ~~، وبيان ذلك بيان انقضاء أيام سفره ، فإنها قليلة جدا ، فلا شيء أوكد عليه ~~من هذا ، لأن ما عدا ذلك من بؤس ونعيم ولذة ومال ورياسة وفقر وخمول ونكد ~~كله في أسرع وقت ، لسنا نقول بالموت الذي لا بد منه فقط ، بل بالهرم وعوارض ~~الدهر الذي لا يؤمن تقلبه ( 1 ) بأهله قبل كر الطرف . فيلزم ( 2 ) المرء أن ~~ينظر إذا أحكم ما ذكرنا أن يطلب البرهان من العلوم الضرورية التي ذكرنا على ~~: هل العالم محدث أو لم يزل . فإذا له أنه محدث وذلك قائم في إحصاء العدد ~~لأزمانه وعدد أشخاصه وأنواعه ( 3 ) ، نظر هل [ له ] ( 4 ) محدث أو لا محدث ~~له فإذا حصل له أنه محدث لم يزل ، وهذا قائم من باب الفضائل من حدود المنطق ~~، نظر هل المحدث واحد أو أكثر من واحد ، فإذا حصل له أنه PageV04P073 واحد ~~وهذا قائم من باب الإحصاء المذكور في العدد ، [ نظر ] ( 1 ) هل النبوة ~~ممكنة أو واجبة أو ممتنعة ، فإذا حصل له أنها ممكنة بالقوة بما يوجبه أن ~~المحدث للعالم مختار لا يعجز عن شيء ، ثم إذا حصل له أنه قد وجدت بالأخبار ~~الضرورية ، نظر في النبوات التي افترقت عليها الملل ، فإذا حصل له أن كل ما ~~ثبتت به نبوة واحد منهم ، فواجب أن تثبت بمثله نبوة من نقل عنه مثل الذي ~~نقل عن غيره منهم ، وقف عند ذلك وسلم الأمر إلى من صحت له البراهين بنبوته ~~، وأنه عن الله عز وجل يتكلم وعن عهوده يخبر ، وتبحث ( 2 ) حينئذ ms11 عن كل ما ~~أمر به أو نهي عنه فاستعمل نفسه به ، ولم يقبل من إنسان مثله لم يؤيد بوحي ~~من الله ، عز وجل ، أمرا ولا نهيا ، فهذا [ طريق ] ( 3 ) الخلاص ( 4 ) ~~وشارع النجاة ومحلة الفوز التي من عاج عنها طال تحيره وتردده ، وافترقت به ~~السبل حتى يهلك خاسرا نادما ، أو موفيا [ على النجاة ] ( 5 ) بالبخت ، كمن ~~وجد لقطة بلا طلب ، ونعوذ بالله من البلاء . وهذه الطريق التي ( 6 ) وصفنا ~~مؤدية إلى الإقرار بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم ، وموجبة لطلبنا في ~~القرآن من عهود الله تعالى ، وطلب عهوده عليه السلام ، وتمييز صحيحهما مما ~~لم يصح منهما والأخذ بكل ذلك ، والتمسك به فإن هذا معدوم في جميل الملل ، ~~حاشا ملة الإسلام : لأن ملة من عبد الأوثان أو دان بقول البراهمة المبطلين ~~للنبوات فإنه لا سبيل إلى إثبات شريعة لهم إذ قد أعدموا المثبت الشارع ، ~~وأعدموا الطريق الموصلة إليه ، فبقي الناس على قولهم سدى لا زاجر لهم عن ~~ظلم ولا عن فاحشة وأما دين لمنانية فظاهر التخلط لقولهم بأن الصانع صنع في ~~نفسه ، وهذا PageV04P074 مبطل بما يوجب حدوث العالم على ما بيناه في كتابنا ~~الموسوم بالفصل بالملل والنحل ( 1 ) - وأما شريعة النصارى فإنهم مقرون أن ~~شرائعهم ليست عن وحي الله تعالى ، وإنما هن زكريا الملك وسائر بطارقته ، ~~وهذا شيء تشهد العقول بأنه لا يلزم إذ لم يوجب إلزامه برهان وأما ملة ~~المجوس فهم معترفون بأن ثلثي كتابهم ذهب ، وأن في ذلك الذاهب كانت الشرائع ~~، ومن الباطل الممتنع أن يكلف الله تعالى الناس أن يعملوا بشيء لا يدرونه ، ~~وقد ذهب عن أيديهم ، ويقرون أن أزدشير بن بابك وضع لهم شرائع ملة اليهود ~~فمعترفون أن أكثر شرائعهم اللازمة لا سبيل لهم إليها إذ خرجوا عن صهيون ، ~~وأن شرائع الربانيين منهم ( 2 ) التي هم الآن عليها ، هي غير شرائعهم التي ~~أمروا بها في التوارة ، وأن علماءهم عوضوهم عن تلك هذه ، ويلزمهم الإقرار ~~بمن صح عنه من الأعلام مثلما صح عن نبيهم عليه السلام . فإن اشتغل ms12 مغفل عن ~~علم الشريعة بعلم غيره ، فقد أساء النظر وظلم نفسه ، إذ آثر الأدنى والأقل ~~على الأعلى والأعظم منفعة ؛ فإن قال قائل : إن في علم العدد والهيئة ~~والمنطق ( 3 ) معرفة الأشياء على ما هي عليه ، قلنا إن هذا حسن إذا قصد به ~~الاستدلال على الصانع للأشياء بصنعته ، ليتدرج بذلك إلى الفوز والنجاة ~~والخلاص من العذاب والنكد ؛ وأما إن لم يكن الغرض إلا معرفة الأشياء ~~الحاضرة على ما هي عليه فقط ، فطالب هذه العلوم ، ومن جعل وكده معرفة صفة ~~البلاد على ما هي عليه ، وصفات سكان أهل كل بلدة وما هي عليه صورهم سواء ، ~~ومن كان هذا هو غرضه فقط ، فهو إلى أن يوصف بالفضول والحماقة أقرب منه إلى ~~أن يوصف بالعلم ، إذ حقيقة العلم هو ما قلنا إنه يطلبه لينتفع به طالبه ، ~~وينتفع به غيره في داره العاجلة وداره PageV04P075 الآجلة التي هي محل ~~قراره ومكان خلوده ، وبالله تعالى نتأيد . فإن كان المرء العالم في كفاف من ~~العيش ، من وجه مرضي ، فليحمد الله عز وجل ، وليقنع به ، وليعمل لدار ~~القرار ، ولا يسره الإكثار من أحجار وخرق يتركها عما قريب ، أو تتركه . وإن ~~كان في حاجة ، فإن أمكنه أن يجعل مكتسبه من العلم فحسن ، إما أن يكون معلم ~~هجاء فهي فضيلة عظيمة لأنه سبب [ حياة ] ( 1 ) كل من تعلم منه شيئا ، وله ~~الأجر المضاعف من كل من يتعلم ممن علمه هو إلى انقضاء الأبد ، بأن كان سبب ~~حياة نفوسهم أو مؤدب نحو ، أو مؤدب حساب أو طبيبا . فإن كان في أحد هذه ~~السبل فلينصح في صناعته تلك ، وليطلب التزيد من العلم بما أمكنه ، ليكون ~~سببا للخير في تعليم الجاهل ، وإبراء الأدواء بإذن الله تعالى ، ولا يرض ~~بالغش والتمويه ، فيفسد خلقه ومتاعه ومكتسبه فتخسر صفقته ، وليستعمل ~~القناعة جهده . وإن ابتلى بصحبة سلطان فقد ابتلى بعظيم البلايا ، وعرض ~~للخطر الشنيع في ذهاب دينه ، وذهاب نفسه وشغل باله وترادف همومه ، فلا ~~يشاركه في محظور ألبتة وإن أداه ذلك إلى التلف ، فلأن يتلف مظلوما مأجورا ~~محتسبا ms13 محمودا أفضل من أن يبقى ظالما مسيئا آثما مذموما ، ولعل تلفه سريع ، ~~وإن تأخر مدة فلا بد من التلف ، وليعلم أن السلطان إذا رأى منه إشفاقا على ~~دينه ونصيحة له فيما لا يؤذيه في معاده ، فإنه تتزيد ثقته به ، ويجل في ~~عينه ؛ وإذا رآه شرها مؤثرا عاجلته على آخرته ، ساء ظنه به ، ولم يأمنه على ~~نفسه إذا رأى الحظ له في هلاكه . ولقد نكره للفاضل أن يصحب السلطان بعلم ~~الطب ، فإن الغالب على الملوك الجهل والسبعية ( 2 ) وقلة الصبر على ما قطع ~~بهم عن لذاتهم ، وتدبير الأصحاء ومعاناة المرضى لا يحتمل هذا ، فهم دأبا ~~يكلفون الطبيب إحياء الموتى ويستقصرونه ( 3 ) دون هذه المنزلة ، فإن اتبع ~~أهواءهم غشهم ، وإن نصحهم عصوه واستثقلوه . PageV04P076 وأما صحبتهم ~~بالنجوم فلا يدخل في ذلك ذو مسكة عقل ألبتة ، لأنه يتعاطى ما ليس في قوته ~~الوفاء به ، فهو دهره في كذب متصل ومواعيد وخدائع متصلة ، وفضائح متواترة ، ~~وخزايا متتابعة . وكد من اتصل بسلطان إصلاح أخلاقهم وحملهم على البر وصرفهم ~~عن المأثم جهده وطاقته . ودعائم العلم مشهورة مستحكمة يؤثر بها العلم على ~~سائر أعراض الدنيا من اللذات والمال والصوت ( 1 ) ، ثم قصد إلى عين العلم ، ~~ليخرج به عن جملة أشباه البهائم فقط ، لا يجعله مكتسبه ولا ليمدح به ، ~~وذكاء وفهم وبحث وذكر وصبر على كل ذلك ، والتعب فيه وإنفاق المال عليه ~~والاستكثار من الكتب ، فلن يخلوا كتاب من فائدة وزيادة علم يجدها فيه إذا ~~احتاج إليها ، ولا سبيل إلى حفظ المرء لجميع علمه الذي يختص به . فإذا لا ~~سبيل إلى ذلك فالكتب نعم الخازنة له إذا طلب ، ولولا الكتب لضاعت العلوم ~~ولم توجد . وهذا خطأ ممن ذم الإكثار منها ، ولو أخذ برأيه لتلفت العلوم ~~ولجاذبهم الجهال فيها وادعوا ما شاءوا . فلولا شهادة الكتب لا ستوت دعوى ~~العالم والجاهل . وسقوط الأنفة في التكرر على العلماء ، وتقييد ما [ يسمع ] ~~وجمعه ، وملازمة المحبرة والكتب يده وكمه ، وسكنى حاضرة فيها العلم ، ولقاء ~~المتنازعين وحضور المتناظرين ، فبهذا تلوح الحقائق ، فليس من تكلم عن ms14 نفسه ~~وما يعتقد كمن تكلم عن غيره ، ليست الثكلى كالنائحة المستأجرة ، ومن لم ~~يسمع إلا من عالم واحد أوشك أن لا يحصل على طائل ، وكان كمن يشرب من بئر ~~واحدة ولعله اختار الملح المكدر ، وقد ترك العذب . ومع اعتراك الأقران ~~ومعارضتهم يلوح الباطل من الحق ، ولا بد ، فمن طلبه كما ذكرنا أوشك أن ينجح ~~مطلبه وأن لا يخفق سعيه ، وأن يحصل في المدة اليسيرة على الفائدة العظيمة . ~~ومن تعدى هذه الطريق كثر تعبه ، وقلت منفعته . ومن اقتصر على علم واحد لم ~~يطالع غيره ؛ أوشك أن يكون ضحكة وكان ما خفي عليه من علمه الذي اقتصر عليه ~~، أكثر مما أدرك منه لتعليق العلوم بعضها ببعض ، كما ذكرنا ، وأنها درج ~~بعضها إلى بعض ، كما وصفنا ، ومن طلب الاحتواء على كل علم أوشك أن ينقطع ~~وينحسر ، ولا يحصل على شيء ، PageV04P077 وكان كالمحضر إلى غير غاية ، إذ ( ~~1 ) العمر يقصر عن ذلك ، وليأخذ من كل علم بنصيب ، ومقدار ذلك معرفته ~~بأعراض ذلك العلم فقط ، ثم يأخذ مما به ضرورة إلى ما لا بد له منه كما ~~وصفنا ، ثم يعتمد العلم الذي يسبق ( 2 ) فيه بطبعه وبقلبه [ و ] بحيلته ، ~~فيستكثر منه ما أمكنه ، فربما كان ذلك منه في علمين أو ثلاثة أو أكثر ، على ~~قدر زكاء فهمه ، وقوة طبعه ، وحضور خاطره ، وإكبابه على الطلب ، وكل ذلك ~~بتيسير الله تعالى ؛ فلو بإرادة ( 3 ) المرء كان ، لكان منى كل أحد أن يكون ~~أفضل الناس . والفهم والعناية مقسومان كقسمة المال والحال : والحظ مقسوم ~~فأجمل في الطلب ومن طلب [ العلم ] ( 4 ) ليفخر به أو ليمدح به أو ليكتسب به ~~مالا أو جاها ، غبعيد عن الفلاح لأنه ليس له غرض في التحقيق فيه ، وإنما ~~غرضه شيء آخر غير العلم . ونفس الإنسان وعينه طامحتان إلى غرضه فقط فلا ~~يبالي كيف كان طلبه إذا حصل على مراده الذي إياه قصد . فالعلوم تنقسم ~~أقساما سبعة عند كل أمة وفي كل زمان وفي كل مكان وهي : علم شريعة كل أمة ، ~~فلا بد لكل أمة ms15 من معتقد ما ، إما إثبات وإما إبطال ، وعلم أخبارها وعلم ~~لغتها ، فالأمم تتميز في هذه العلوم الثلاثة ، والعلوم الأربعة الباقية ~~تتفق فيها الأمم كلها ، وهي [ علم النجوم ] ، وعلم العدد والطب ، وهو ~~معاناة الأجسام ، وعلم الفلسفة ، وهي معرفة الأشياء على ما هي عليه من ~~حدودها من أعلى الأجناس إلى الأشخاص ، ومعرفة إليهة . وقد بينا أن كل شريعة ~~سوى الإسلام فباطل ، فالواجب الاقتصار على شريعة الحق ، وعلى كل ما أعان ~~على التبحر في علمها . وعلم شريعة الإسلام ينقسم أقساما أربعة : علم القرآن ~~، وعلم الحديث ، وعلم PageV04P078 الفقه ، وعلم الكلام : فعلم القرآن : ~~ينقسم إلى معرفة قراءته ومعانيه . وعلم الحديث : ينقسم إلى معرفته متونه ~~ومعرفة رواته . وعلم الفقه : ينقسم إلى أحكام القرآن ، وأحكام الحديث ، وما ~~أجمع المسلمون عليه وما اختلفوا فيه ، ومعرفة وجوه الدلالة وما صح منها وما ~~لا يصح . وعلم الكلام : ينقسم إلى معرفة مقالاتهم ومعرفة حجاجهم وما يصح ~~منها بالبرهان وما لا يصح . وعلم النحو : ينقسم إلى مسموعه القديم وعلله ~~المحدثة . وعلم اللغة : مسموع كله فقط . وعلم الأخبار ينقسم على مراتب : ~~إما على الممالك ( 1 ) أو على السنين وإما على البلاد وإما على الطبقات أو ~~منثورا . فأصح التواريخ عندنا تاريخ الملة الإسلامية ومبدؤها وفتوحها ~~وأخبار خلفائها وملوكها والمنتزين عليهم وعلمائهم وسائر ما انتظم بذلك . ~~وأما تاريخ بني إسرائيل فأكثره صحيح وفي بعضه دخل ، وإنما يصح منه أخبارهم ~~مذ صاروا بالشام إلى أن خرجوا عنها الخرجة الآخرة ، لا من قبل ذلك . وأخبار ~~الروم إنما تصح من عهد الاسكندر لا ما قبل ذلك . وأخبار الترك والخزر وسائر ~~أمم الشمال وأمم السودان فلا علوم لهذه الأمم ولا تواليف ولا تواريخ . ولم ~~تبلغنا أخبار الهند والصين كما نريد ، إلا أنهم أمتا علم وضبط وتواليف وجمع ~~. وأما الأمم الداثرة من القبط واليمانيين والسريانيين والاشمانين وعمون ~~وموآب وسائر الأمم فقد بادت أخبارهم جملة ، فلم يبق منها إلا تكاذيب ~~وخرافات . وأما الفرس فلا يصح شيء من أخبارهم إلا ما كان من عهد دارا بن ~~دارا فقط . وأصح أخبارهم ما كان ms16 من عهد أزدشير بن بابك فقط . فالطالب ~~للأخبار ينبغي له ألا يشتغل إلا بما أعلمناه بصحته ولا ينبغي له قطع وقته ~~بما لا يجدي عليه نفعا لا بما أخبرناه ببطلانه ، فقد PageV04P079 كفيناه ~~التعب في ذلك ، وإن أحب التعب وقف على ما وقفنا عليه من ذلك . وعلم النسب ~~جزء من علم الخبر . وعلم النجوم : ينقسم إلى معرفة علم الهيئة والتعديل ~~ببرهانه ثم الذي يذكرونه من القضاء . وعلم العدد : ينقسم إلى ضبط قوانينه ~~ثم برهانه ثم العمل بذلك في المساحات وغير ذلك . وعلم المنطق : ينقسم إلى ~~عقلي وحسي وأما العقلي فإلاهي وطبيعي ، وأما الحسي فطبيعي فقط . وعلم الطب ~~: ينقسم قسمين : طب النفس وهو من نتيجة علم المنطق بإصلاح الأخلاق ~~ومداواتها ( 1 ) وصرفها عن الإفراط والتقصير وإقامتها على الاعتدال ؛ وطب ~~الأجسام : وهو ينقسم إلى معرفة الطبائع الجسمية ومعرفة تركيب الأعضاء ~~ومعرفة العلل وأسبابها وما تعارض به من الأدوية وتميز القوي من الأدوية ~~والأغذية ( 2 ) ، وينقسم أيضا قسمين : عمل باليد كالجبر والبط والكي والقطع ~~، وعمل في صرف قوى العلل بقوى الأدوية ، وينقسم أيضا قسمين : حفظ الصحة ~~لئلا يحدث المرض ثم معاناة المرض . وعلم الشعر : ينقسم إلى روايته ومعانيه ~~ومحاسنه ومعايبه وأقسامه ووزنه ونظمه . وها هنا علمان إنما يكونان ( 3 ) ~~نتيجة العلوم التي ذكرنا إذا اجتمعت ، أو من نتيجة اجتماع علمين منهما ~~فصاعدا ، وهما علم البلاغة ، وعلم العبارة : فأما علم البلاغة فإن صرفه ~~صاحبه إلى الله عز وجل وإلى تبين الحقائق وتعليم الجهال فهي فضيلة ، وأما ~~إن صرفه في ضد ذلك خسرت صفقته ، إذ أتعب نفسه وأفنى عمره فيما هو وبال عليه ~~، ونعوذ بالله من البلاء . PageV04P080 وأما علم العبارة ( 1 ) فهو طبع في ~~المعبر مع عون العلم عليه ولا يقطع بصحته إلا بعد ظهور ذلك عليه لا قبله . ~~فهذه الأفانين هي التي يطلق عليها في قديم الدهر وحديثه اسم العلم والعلوم ~~. وعند التحقيق وصحة النظر فكل ( 2 ) ما علم فهو علم ؛ فيدخل في ذلك علم ~~التجارة والخياطة والحياكة وتدبير السفن وفلاة الأرض وتدبير الشجر ~~ومعاناتها ms17 وغرسها والبناء وغير ذلك . إلا أن هذه إنما هي للدنيا خاصة فيما ~~بالناس إليه الحاجة في معايشهم . والعلوم التي قدمنا ، الغرض [ منها ] ~~التوصل إلى الخلاص في المعاد فقط ، فلذلك استحقت التقديم والتفضيل ، والله ~~تعالى التوفيق . ونحن نوصي طالب العلم ( 3 ) بأن لا يذم ما جهل منها ، فهو ~~دليل على نقصه وقوله بغير معرفة ، وأن لا يعجب بما علم فتطمس فضيلته ، ~~ويستحق المقت من الواهب له ما وهب ، وأن لا يحسد من فوقه حسدا يؤديه إلى ~~تنقيصه ، فهذه رذيلتان . وأما إن حسده لم ينتقصه ، وكان ذلك رغبة في الوصول ~~إلى ما وصل إليه محسوده فحسن ، وهو رغبة في الخير . وأن لا يحقر من دونه ~~فقد كان في مثل حاله قبل أن يعلم ما علم . وأن لا يكتم علمه فيحصل هو ومن ~~لا علم له ف منزلة واحدة ، إذ كلاهما غير مستعمل للعلم ولا مظهر له . وأن ~~لا تكلم في علم قبل أن يحكمه فيخزى ، وأن لا يطلب بعلمه عرض دنياه فيبذل ~~الأفضل بالأدنى ، وأن يستعمل تقوى الله تعالى في سره وجهره ، فهو زين ~~العالم ، وبالله التوفيق . ### | فصل # والعلوم التي ذكرنا يتعلق بعها ببعض ولا يستغني منها علم عن غيره ، فأول ~~ذلك أنا قد ابنا أن غرضنا من الكون في الدنيا والمطلوب بتعلم العلوم إنما ~~هو تعلم علم PageV04P081 ما أراد الله تعالى منا ، وما به أخبر عنا ( 1 ) ، ~~وما به يكون المخلص من هول مكاننا الكدر المظلم المشوب بالآفات المملوء من ~~أنواع المتالف والمهالك ، والمحفوف بأصناف البلايا والمعاطب ، وهو المعرفة ~~بالشريعة والإعلان بها والعمل بموجبها ، فإذا الأمر كذلك ، فلا سبيل إلى ~~صحة المعرفة بها واستحقاق حقيقتها إلا بمعرفة أحكام الله عز وجل وعهوده ~~إلينا في كتابه المنزل ، وبمعرفة ما وصانا به محمد عليه السلام وبلغه لينا ~~، وما أجمع علماء الديانة عليه ، وما اختلفوا فيه ، ولا يوصل إلى هذا إلا ~~بمعرفة الناقلين لتلك الوصايا وأزمانهم وأسمائهم وأنسابهم للفرق بين ما ~~اتفقت فيه الأسماء ، وبمعرفة المقبولين من غيرهم ومعرفة من لقوا فحدثوا عنه ~~ممن ms18 له يلقوه فبلغهم عنه ، وبمعرفة القراءات المشهورة ( 2 ) ليوقف بذلك على ~~ما تتفق فيه المعاني مما تختلف فيحدث باختلافهم حكم ما ، وكل هذا لا يتم ~~إلا بمعرفة مستعمل اللغة ومواقع الإعراب الذي تختلف المعاني باختلاف أمثلته ~~وأشكاله ، ولا بد في اللغة والإعراب من التعلق بطرف من علم الشعر ، ولا بد ~~من المعرفة بالنسب بما يدري المرء من تجوز الإمامة ممن لا تجوز فيهم ، ومن ~~هم الأنصار الذين [ أمرنا ] ( 3 ) بالإحسان إلى محسنهم والتجاوز عن مسيئهم ~~، ومن هم أولو القربى الذين حرمت عليهم الصدقة ، ولا بد أن يعرف من الحساب ~~ما يعرف به القبلة والزوال إلى أوقات الصلوات ، ولا يوقف على حقيقة ذلك إلا ~~بمعرفة الهيئة ، ولا يعرف حقيقة البرهان في ذلك إلا من وقف على حدود الكلام ~~، ولا بد أن يعرف من الحساب أيضا كيف قسمة المواريث والغنائم ، فإن تحقيق ~~ذلك فرض لا بد منه . ولا بد في الشريعة من معرفة العيوب التي تجب [ التكليف ~~كعاهة الجنون المتملكة ، وقوام الآفات والأدواء ، فلا بد من ] ( 4 ) معرفة ~~العلل ومداواتها وهو علم الطب . والدعاء إلى الله عز وجل واجب ، ولا سبيل ~~إليه إلا بالخط والبلاغة ، ومعرفة ما تستجلب به القلوب من حسن اللفظ وبيان ~~المعنى ، ولا يكون هذا إلا بالمعرفة الشرعية PageV04P082 وباللغة وبالإعراب ~~وبالفصاحة وحكم المنظوم والمنثور . والرؤيا حق وهي جزء من ستة وأربعين جزءا ~~من النبوة ، فلا بد من معرفة عباراتها ، ولا تكون عباراتها إلا بالتمكن في ~~العلوم المذكورة . وأما القضاء بالنجوم فلا يعرف بطلانه إلا من أشرف عليه ، ~~ولا يعرف الخطأ من الصواب إلا بمعرفتهما معا ، فهذا وجه تعلق العلوم بعضها ~~ببعض ، وافتقار بعضها إلى بعض . وإن لم تمكن ( 1 ) المرء الإحاطة بجميعها ~~فليضرب في جميعها بسهم ما وإن قل ، - كما قدمنا وليكن الناس فيها في ~~تعاونهم على إقامة الواجب من ذلك عليهم كالمجتمعين لإقامة منزل ، فإنه لا ~~بد من بناء وأجراء ينقلون الحجر وينقلون الطين ، ومن صناع القرمد وقطاعي ~~الخشب وصناعي الأبواب والمسامير حتى يتم البناء ، وكذلك سائر ما ms19 بالناس ~~الحاجة إليه من الحرث فإنه لا يتم إلا بالتعاون على [ القيام ] بآلاته ~~والعمل بها . وكذلك التعاون على ما به تكون النجاة والترقي إلى عالم الخلود ~~، ورضى الخالق أوجب وأكرم ، وبالله تعالى نتأيد . ط ### | فصل # ومن السمج القبيح بقاء الإنسان فارغا في مدة إقامته في هذه الدار ، مفنيا ~~تلك المدة فيما غيره أولى به وأحسن منه ، في حماقة وبطالة أو معصية وظلم . ~~وقد سمعت شيخنا ابن الحسن ( 2 ) يقول لي ولغيري ' إن من العجب من يبقى في ~~هذا العالم [ دون ] معاونة لنوعه على مصلحة . أما يرى الحراث يحرث له ~~والطحان يطحن له والنساج ينسج له والخياط يخيط له والجزار يجزر له والبناء ~~يبني له وسائر الناس كل متول شغلا ، له فيه مصلحة وبه إليه ضرورة أفما ~~يستحي أن يكون عيالا على كل العالم PageV04P083 لا يعين هو أيضا بشيء من ~~المصلحة ' ( 1 ) ولقد صدق ، ولعمري إن في كلامه من الحكم لما يستثير الهمم ~~الساكنة إلى ما هيئت له . وأي كلام في نوع هذا احسن من كلامه في تعاون ( 2 ~~) الناس . وقد نبه الله تعالى عباده بقوله { وتعاونوا على البر والتقوى } ( ~~المائدة : 2 ) فكل ما لمخلوق فيه مصلحة في دينه أو ما لا غنى للمرء عنه في ~~دنياه فهو بر وتقوى ، إذا استعان به على أمر الله وحض عليه . وأفضل ما ~~استعمله المرء في دنياه ، بعد أداء ما يلزمه لله تعالى في نفسه من تعلم ~~اعتقاده من قول وعمل ، أن يعلم الناس دينهم الذي له خلقوا ، فيقودهم إلى ~~رضى الله عز وجل ويخرجهم بلطف خالقه تعالى من الظلمة العمية إلى النور ~~الخالص ، ومن المضيق المهلك إلى السعة الرحبة ، ثم الحكم بالحق ، والمنع من ~~الظلم ، والذب عن الحوزة بجهاد أهل الحرب والمحاربة ( 3 ) وأهل البغي ، ~~وإقامة [ الناس ] ( 4 ) على ما خلقوا له من إقامة الدين الذي افترضه الله ~~تعالى عليهم ، ثم العون في إحراز ما ذكرنا بكتابه واحتراز وقسمة وإقامة حد ~~وقبض مال واجب وغير ذلك ، ثم هكذا أبدا كل ما فيه عون ms20 على ذلك حتى يبلغ ~~الأمر إلى الصناعات التي لا غنى بالناس عنها . واعلم أن كل أحد من الناس ~~ممن له تمييز صحيح فإنه لا يخلو من أن يكون موقنا بصحة المعاد بعد الموت ~~وبالجزاء ، أو يكون شاكا في ذلك ، أو يكون معتقدا أن لا معاد ولا جزاء ، ~~وإنما هي هذه الحياة الدنيا فقط . فإن كان ممن يوقن بالمعاد والجزاء ~~فاللازم له إجهاد نفسه واستفراغ طوقه فيما يتخلص به من الهلكة في معاده ، ~~ويكون حينئذ إذا اشتغل بغير ذلك وضيع ما فيه نجاته وخلاصه في الأبد ، فاسد ~~التمييز PageV04P084 سخيف ( 1 ) العقل مذوما مهلكا لنفسه ، بل أسوأ حالة من ~~المجانين والحيوان الدارج ( 2 ) غير الناطق . ولا مخلص في المعاد إلا ~~بالحبث عن شريعة الحق و [ إيثار ] ( 3 ) تعلمها على كل علم . و [ الآجلة ] ~~. فالواجب عليه إجهاد نفسه وترك كل حال شاغلة له عن البحث عن صحة الأمر ، ~~عن أن المعاد حق أو شيء غيره حق . وإذا اشتغل عن شيء غيره فهو بلا شك فاسد ~~التمييز ، خاسر الصفقة مغرر بنفسه عن الأمر الذي فيه عظيم البلاء عليه أو ~~كثير السعادة له ، ولا يصل إلى علم ذلك إلا بالبحث عن الشرائع وطلب البرهان ~~فيها حتى يقع على حقيقة الأمر في ذلك . وإن كان غير معتقد لصحة المعاد ، ~~ولم يكن عند شيء غير هذه الدار ، فلا يخلو من أحد وجهين لا ثالث لهما : إما ~~أن لا يكون يرى إمراج النفس ( 4 ) في الشهوات ، وإهمالها في اللذات ~~وإطلاقها على اتباع الهوى فإن كان هذا هكذا فليس أولى بذلك فيه ( 5 ) من ~~غيره ؛ وهذا رأي يقتضي له أن لا يتظلم ممن تلف بقتله وأخذ ماله أو هتك ستره ~~وتسخيره ( 6 ) فيما يلذ به غيره وإشقائه فيما ينعم به سواه ، ولا أخسر صفقة ~~ممن يرى أن لا دار له سوى هذه ثم لا يكون حظه منها إلا الشقاء والتعب ~~والهلكة أو يكون ممن يقو بالسياسة التي جماعها الأمن له من غيره ، ولغيره ~~منه ، على دمه ( 7 ) وحرمته وبشرته ms21 وماله وشمول العافية ( 8 ) وصلاح الحال ~~والكفاية . وهذا لا يصح ألبتة ولا يوجد إلا باستعمال الشريعة الداعية ~~بالوعيد بالآخرة والعقاب في الدنيا لأجل معصيته ، فإذ لا سبيل إلى ذلك إلا ~~بالشريعة فالاشتغال بها هو الغرض ، والاشتغال عنها رأي فاسد . PageV04P085 ~~وأيضا فإن المشتغل بعلم الشريعة محصل الأمن من السلطان والخاصة والعامة ، ~~متصد لعلو الحال في الدنيا والصلاح فيها ؛ ومن خالفها محصل ( 1 ) للمخالفة ~~للسلطان والخاصة والعامة ، متعرض للبلاء في دمه وحاله وماله ؛ فلا أضعف ~~حالا ولا أسوأ تمييزا ولا أضعف عيشا ممن ( 2 ) لا يقر بالمعاد ولا يعرف إلا ~~هذه الدار ، ثم هو متعرض للبلاء مدة حياته . وإنما يتحمل الأذى والمخاوف ~~ويتعرض للهلكة والبلاء ( 3 ) من يرى أنه إذا خرج من هذه الدار صار إلى ~~الحياة الأبدية والنعيم السرمدي والسرور الخالد ( 4 ) وإلا فهو أحمق مجنون ~~. وإنما قلنا هذا البرهان العقلي الحسي الضروري : إن إيثار علم الشريعة على ~~كل علم واجب على كل من لا يقر بالمعاد وعلى من يشك بالمعاد ، كوجوبه على من ~~يقر بالمعاد . وإن قوما قوي جهلهم ، وضعفت عقولهم ، وفسدت طبائعهم ، يظنون ~~أنهم من أهل العلم وليسوا من أهله ، ولا شيء أعظم آفة على العلوم وأهلها ~~الذين هم أهلها بالحقيقة من هذه الطبقة المذكورة ، لأنهم تناولوا طرفا من ~~بعض العلوم يسيرا ، وكان الذي فاتهم من ذلك أكثر مما أدركوا منه ، ولم يكن ~~طلبهم لما طلبوا من العلم لله تعالى ، ولا ليخرجوا من ظلمة الجهل ، لكن ~~ليزدروا بالناس زهوا وعجبا ، وليماروا لجاجا وشغبا ، وليفخروا أنهم من أهله ~~تطاولا ونفجا ، وهذه طريق مجانية الفلاح ، لأنهم لم يحصلوا على الحقيقة ~~وضيعوا سائر لوازمهم فعظمت خيبتهم ولم يكن وكدهم أيضا ، مع الازدراء بغيرهم ~~، إلا الازدراء بسائر العلوم وتنقيصها ، لظنهم الفاسد أنه لا علم إلا الذي ~~طلبوا فقط . وكثيرا ما يعرض هذا لمبتدئ في علم من العلوم وفي عنفوان الصبا ~~وشدة الحداثة . إلا أن هؤلاء لا يرجى لهم البرء من هذا الداء ، مع طول ~~النظر والزيادة في السن . فقصدنا أن نري كل من ms22 هذه صفته أحد وجهين : إما ~~نقص علمه الذي يتبجح PageV04P086 به عن غيره من العلوم ؛ أو فاقة ( 1 ) ~~علمه ذلك إلى غيره من العلوم ، وأنه إن لم يضف غيره من العلوم على علمه كان ~~ناقصا لا ينتفع به كبير منفعة بل لعله يستضر به ( 2 ) جدا : فمن ذلك أنا ~~وجدنا قوما منأهل طلب العلم ، أعني الديانة ، يزورن بسائر العلوم ، وهذا ~~نقص عظيم شديد لا ينتفع به صاحبه في قسمة الفرائض والمواريث وأن يعرف من ~~المطالع ما يعرف به أوقات الصلوات ودخول شهر رمضان شهر الصوم ووقت الحج ، ~~وإن لم يعرف مضار المأكل والمشرب أوشك أن يتناول ما يؤذيه ويضر به ، وذلك ~~محرم وقد أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالتداوي فاتباع أمره فرض . ~~فتعلم الطب فرض على الكفاية ، ومضيعه مضيع فرض . والقرآن عربي فلا سبيل إلى ~~أن يعلمه من لم يعلم العربية ، ولا سيما إن كان المذكور لم تناول من ~~الشريعة إلا علما واحدا من علومها ، فهذا إنسان ناقص مسيء إلى نفسه مهلك ~~لها ، لأنه إن تناول علم القرآن ولم تناول علم السنن كانت يده من الدين ~~صفرا ، وكان علمه عليه لا له . ومن أحسن علم السنن ولم يحسن علم القرآن لم ~~يعلم ما يجوز به القراءة مما لا يجوز ، وما أنزل الله تعالى مما لم ينزل . ~~وإن تعلق بالفتيا دون علم بالقرآن والسنن فهو والحمار سواء ولا يحل له أن ~~يفتي لأنه لا يدري أحق أم باطل ، وإنما يفتي مقلدا لمن لا يدري هل أصاب أو ~~أخطأ ولا يعرف ما هو عليه أهو من الدين أم من غير الدين إلا ظنا . وإن تعلق ~~بالكلام دون أن يعرف السنن كان هالكا ، لمغيبه عن حقيقة الشريعة التي كلفه ~~الله تعالى إياها ، وألزمه أداءها ( 3 ) . ووجدنا قوما طلبوا علوم العرب ~~فازدروا على سائر العلوم كالنحو واللغة والشعر والعروض ، فكان هؤلاء بمنزلة ~~من ليس في يده من الطعام إلا الملح وليس معه من السلاح إلا المصقلة التي ~~بها يجلى السلاح فقط ، وكان [ الواحد ms23 منهم ] غائبا عن علم الشريعة التي لا ~~معنى لخروجنا إلى هذا العالم غيرها ، ولا خلاص لنا ولا سلامة PageV04P087 ~~عند خروجنا من الدنيا إلا بها ، وكان بمعزل عن علم الحقائق . ووجدنا قوما ~~طلبوا علوم الأوائل أو علما منها ، واتخذوا سائر العلوم سخريا مثل من تعلق ~~بالطب فلم ير علما غيره ؛ فيقال له إنك لا تشك أنه قد يكون فمن لا يتعاني ~~ولا يحسن الطب أحسن أجساما وأطول أعمارا من المتعنين ، كأهل البادية ( 1 ) ~~والعامة والبلاد التي لا يحسن أهلها الطب ، هذا أمر لا ينكره منكر ، فأن ~~هذا عيان مشاهد ، فما فائدة الطب إذن ولا غرض لأهله إلا تصحيح الأجسام ودفع ~~الأمراض المخوف منها الموت ( 2 ) ولم يحصلوا من هذا الغرض إلا على أقل مما ~~حصل عليه غيرهم . ومثل قوم من أهل الهندسة وعلم الهيئة ما عدا ذلك من ~~العلوم إلا هذرا ولغوا فيقال لهم : ما الفرق بين معرفة قطع كوكب كذا وكوكب ~~كذا وصفة برج كذا وبرج كذا وبرج كذا من الأرض وبين صفة مدينة كذا ، وحركات ~~ملك فلانة ، أو حركات فلان وفلان وهذا لا سبيل لهم إلى المخلص منه لأن كل ~~ذلك خبر عن بعض ما في العالم فقط لا يفيد فائدة إلا المعرفة بما عرف من كل ~~ذلك بأنه على هيئته والاستدلال بكل ذلك على الصانع المدبر سواء . فإن صار ~~إلى علم القضاء لم يحصل إلا على دعاوى كاذبة وخرافات لا تصح ، بل البرهان ~~قائم على بطلان هذه الدعاوي ، بما قد أحكمناه في غير هذا الموضع ، ومن ذلك ~~أنهم لا يدعون على ذلك دليلا أصلا إلا تجارب يذكرونها وهذا باطل لأن تلك ~~التجارب لا يمكن إثباتها ألبتة لأنها لا تكون إلا في مدد طوال ، ولا سبيل ~~إلى بقاء دولة ولا استمرار حالة على سلامة ، مقدار تلك المدة أبدا ، ونقول ~~لهم : إن أصح ما بأيديكم ، بإقراركم ، المواليد والقرانات ( 3 ) ونحن نجد ~~الكبش يولد ويعيش ويذبح وهو يباشر أكله ( 4 ) في دقيقة واحدة ثم يعمل من ~~جلده أديم ، فبعضه PageV04P088 رق ينسخ ms24 فيه ( 1 ) وتطول مدة بقاءه ، وبعضه ~~نطائق ( 2 ) تقطع وتعفن ، ولم يتقدم في الوجود والنشأة بعض ذلك الأديم بعضا ~~. وأيضا فإنهم خابوا من علم الشريعة الذي هو الحقيقة . وطائفة حصلت على علم ~~حدود المنطق ، فنقول لهم : إنكم لم تحصلوا إلا على العلوم التي لا منفعة ~~لها ولا فائدة ، إلا تصريفها في سائر فأنتم ( 3 ) كمن جمع آلة البناء ولم ~~يصرفها في البنيان فهي معطلة لديه لا معنى لها ، فإن قالوا إن لهذه العلوم ~~معايش ومكاسب ، قلنا هي أضعف المكاسب وأقل المعايش سعة ، فإذ ليس غرضكم إلا ~~هذا ، فالتجارة والزراعة وصحبة السلطان أجدى بالمكسب وأوسع بالوفر ( 4 ) ~~حظا مما أنتم عليه . ولم نورد شيئا من هذا تنقيصا لشيء ن هذه العلوم ومعاذ ~~الله من هذا ولو فعلنا ذلك لدخلنا في جملة من نذم ، ولركبنا الملة ( 5 ) ~~الخسيسة ، لكن تنقصا لمن قصد بعلمه ذم سائر العلوم وتنقصها . وأما من طلب ~~علما ما ، لم يفتح الله تعالى له في غيره ، وهو مع ذلك معترف بفضل سائر ~~العلوم ونقص حاله إذ أقصر عنها ، فهو محسن حمود فاضل قد تعوض الإنصاف ~~والعدل والصدق مما فاته منها فنعم العوض ما حصل عليه ، ولا ملامة عليه فيما ~~لم يفتح الله تعالى له فيه ، وأما من أخذ من كل علم ما هو محتاج إليه ~~واستعمل ما علم كما يجب فلا أحد أفضل منه ، لأنه قد حصل على عز النفس ~~وغناها في العاجل وعلى الفوز في الآجل ، ونجا مما حصل فيه أهل الجهل ، ومن ~~لم يستعمل ما علم من أضداد هذه الأحوال . وجملة الأمر أنه لولا طلب النجاة ~~في الآخرة لما كان لطلب شيء من العلوم معنى لأنه تعب ، وقاطع عن لذات ~~الدنيا المتعجلة من المشارب والمآكل والملاهي والسفاه الاعتلاء واتباع ~~الهوى ؛ فلو لم يكن آخرة يؤدي إليها طلب العلوم ، لما كان PageV04P089 أحد ~~أسوأ حالا من المشتغل بالعلم ؛ فإذ الأمر كذلك فالعلوم كلها ( 1 ) متعلق ~~بعضها ببعض كما بينا قبل ، محتاج بعضها إلى بعض ، ولا غرض لها إلا معرفة ms25 ما ~~أدى إلى الفوز في الآخرة فقط ، وهو علم الشريعة ، وبالله تعالى التوفيق ، ~~وهو حسبي ونعم الوكيل . # تمت الرسالة الموسومة بمراتب العلوم والحمد لله رب ~~العالمين وصلاته على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا ~~PageV04P090 ms26