######OpenITI# #META# 000.SortField :: JK_009349 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: ابن حزم #META# 010.AuthorNAME :: أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم الأندلسي #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 456 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: رسالة التلخيص لوجوه التخليص #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: كتب الأخلاق والسلوك :: كتب متفرقة في الأخلاق والسلوك #META# 022.BookVOLS :: 1 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: رسالة التلخيص لوجوه التلخيص #META# 030.LibURI :: JK_009349 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: NODATA #META# 031.LibURL :: NODATA #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: د . إحسان عباس #META# 041.EdNUMBER :: الثانية #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: المؤسسة العربية للدراسات والنشر #META# 044.EdPLACE :: بيروت / لبنان #META# 045.EdYEAR :: 1987 م #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # - 5 - رسالة التلخيص لوجوه التخليص # [ 235 ب ] بسم الله الرحمن الرحيم ، اللهم صلى على محمد وعلى آله # قال أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم رحمه الله : سلام عليكم أيها الاخوة ~~الفضلاء ، والصدقاء الكرام ، المغتبط بودهم ، الذي هو أفضل من القرابة ~~الواشجة والمجاورة الدائمة ، فقد بشر الله عز وجل المتحابين فيه بأتم ~~البشرى ، وأنه يظلهم يوم لا ظل إلا ظله . فأني أحمد إليكم الله الذي لا إله ~~إلا هو الموفق للخير ، الواهب للنعم ، وأسأله الصلاة على نبيه ورسوله وصفيه ~~وخليله محمد صلى الله عليه وسلم ، وأستوهبه تعالى لي ولكم المزيد من كل ~~حسنة مقربة منه ومبعدة ( 1 ) من سخطه . قال أبو محمد : أما بعد ، فإن ~~كتابكم ورد علي وفي أوله وصفكم لي بما لست أهله عند نفسي ، ولكني احدث ~~بنعمة الله تعالى علي مؤتمرا لأمره إذ يقول عز وجل { وأما بنعمة ربك فحدث } ~~( الضحى : 11 ) ، فأقول : بلى ، عن الله تعالى عندي نعما أنا أسأله ثم أرغب ~~إليكم بالأمانة التي عرضها الله تعالى { على السموات والأرض والجبال فأبين ~~أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا } ( الأحزاب : ~~72 ) أن تسألوه تعالى لي ولكم إذ يخفف في سجودكم في أواخر ليلكم ، أن لا ~~يجعل ما وضع عندنا من مادة الفهم في دينه فتنة لنا في دينه ، ولا حجة علينا ~~في الآخرة ، وأن يجعل ما أودعنا من ذلك عونا على طاعته في هذه الدار ، ~~وزلفى لديه تعالى في دار القرار ، آمين آمين . والذي ذكرتم من وجوب الإرشاد ~~للمسترشد ، ولزوم البيان لمن سأل ، فنعم ، سمعا وطاعة لأمر الله تعالى إذ ~~يقول : { إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه ~~للناس في الكتاب أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون * إلا الذين تابوا ~~وأصلحوا وبينوا فأولئك أتوب عليهم } ( البقرة : 159 ، 160 ) ، أعاذنا الله ~~وإياكم من كل ما يؤدي للفتنة ، ورزقنا البيان الموجب لمرضاته وتوبته ، آمين ~~. PageV03P143 ~~ولقد ذكر بعض ( 1 ) أهل العلم وابتغاء الخير في الشيخ الفاضل ~~أبي الخيار مسعود ms01 ابن سليمان بن مفلت ( 2 ) رضي الله عنه معتمدا قويا ~~ومعتقدا ( 3 ) كافيا ، برد الله مضجعه ، [ 236 / أ ] ونفعه بفضله وعمله ، ~~وصحة ورعه وفهمه ، وصدعه بالحق ، رفع الله بذلك درجته . وأما ما ذكرتم من ~~صفتي عنكم فأقول على ذلك ما قال سفيان ابن عيينة ، رحمه الله ، إذ رأى حاجة ~~الناس إليه بذهاب السالفين من أئمته ، فأنشد رافعا صوته بحضرة الجماعة ( 4 ~~) : خلت الديار فسدت غير مسود . . . ومن الشقاء تفردي بالسؤدد ورأيت ~~المسائل التي سألتم عنها ، فوجدتها مسائل لا يستغني من له أقل اهتمام بدينه ~~عن البحث عنها والوقوف عليها . ولقد أجدتم ( 5 ) السؤال ، وأنا أسأل الله ~~تعالى [ أن ] يوفق لإصابة الجواب عنه يا رب العالمين . ورأيتكم سألتم في ~~بعض تلك المسائل بألفاظ شتى والمعنى واحد ، فنصصت ألفاظكم فيها لتقفوا على ~~ذلك إن شاء الله تعالى . # 1 - سألتم - وقفنا الله وإياكم - عن أقرب ما يعتب ~~به العبد المجرم ربه تعالى ، وعن أفضل ما يستنزل به عفوه وفضله عز وجل ، ~~ويستدفع به سخطه وغضبه ، وعن انفع ما يشتغل به من كثرت ذنوبه ، وعن خير ما ~~يسعى به المرء في تكفير صغائره وكبائره . فهذه أيها الصفوة الفاضلة أربع ~~مسائل فرقتم بينها ومعناها واحد . فالجواب إن شاء الله تعالى عن ذلك . قال ~~تعالى : { وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل إن الحسنات يذهبن ~~السيئات } ( هود : 114 ) . وحدثنا الرجل الصالح [ أبو ] محمد [ عبد الله ] ~~بن يوسف بن نامي ، عن أحمد بن فتح ( 6 ) ، عن عبد الوهاب بن عيسى ، PageV03P145 ~~ عن أحمد بن محمد ، عن أحمد بن علي ، عن مسلم بن الحجاج ، عن ~~قتيبة بن سعيد وعلي بن حجر ، عن إسماعيل بن جعفر ، أنبأنا العلاء بن عبد ~~الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ( 1 ) : ' ~~الصلوات الخمس ، والجمعة إلى الجمعة ، كفارة لما بينهن ما لم تغش الكبائر ' ~~، فكان هذا الحديث موافقا لقول الله تعالى : { إن تجتنبوا كبائر ما تنهون ~~عنه نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلا كريما } ( النساء : 31 ) . فصح أن ~~بأداء ms02 الفرائض واجتناب الكبائر - أعاذنا الله وإياكم منها - تحط السيئات ~~التي هي دون الكبائر . فبقى أمر الكبائر ، فوجب النظر فيها ، فوجدنا الناس ~~قد اختلفوا فيها ( 2 ) . فقالت طائفة : هي سبع ، واحتجوا بحديث النبي عليه ~~السلام ( 3 ) [ 236 ب ] : ' اجتنبوا السبع الموابقات ، فذكر عليه السلام ~~الشرك ، والسحر ، وقتل النفس ، وأكل مال اليتيم ، وأكل الربا ، والتولي يوم ~~الزحف وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات ' وروي عن ابن عباس أنه قال : هي ~~إلى السبعين أقرب منها إلى السبع . فوجب النظر فيما اختلفوا فيه من ذلك ، ~~ورده إلى القرآن وحديث النبي الصحيح عنه كما أمرنا ربنا عز وجل : { فإن ~~تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ~~} ( النساء : 59 ) ، فلما فعلنا ذلك ، وجدنا الحديث المذكور الذي احتج به ~~من قال : إن الكبائر سبع ، لا أكثر ليس فيه نص على أنه لا موبقات إلا ما ~~ذكر فيه ، ولا فيه ما يمنع من وجوب موبقات أخر إن جاء بذلك نص آخر . وأما ~~لو لم يأتنا آخر في أن ليس ها هنا كبائر غير السبع المذكورة ، لوجب علينا ~~الاقتصار على ما في ذلك الحديث فقط . وإما وجدنا نصا آخر بإثبات كبائر لم ~~تذكر في هذا الحديث ، فواجب علينا إضافتها إلى الموبقات المذكورة فيه ، PageV03P145 ~~ لأنه ليس شيء من كلامه عليه السلام أولى بالقبول من بعض ، بل ~~الكل واجب قبوله ، ولا تعارض في شيء منه ، لأنه كله من عند الله عز وجل ، ~~قال الله تعالى : { وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى } ( النجم : 3 ) ~~، وما كان من عند الله فلا اختلاف فيه ، قال الله تعالى : { ولو كان من عند ~~غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا } ( النساء : 82 ) . فصح بهذا ما قلنا ~~من ضم ما يوجد في النصوص ضما واحدا ، وقبوله كله وإضافته بعضه إلى بعض ، ~~فنظرنا في ذلك فوجدناه عليه السلام قد ادخل في الكبائر وبنص لفظه غير الذي ~~ذكر في الحديث الذي ذكرنا آنفا ، فمنها : قول الزور ، وشهادة الزور ، وعقوق ~~الوالدين ، والكذب عليه السلام ms03 ، وتعريض المرء أبويه للسب بأن يسب آباء ~~الناس . وذكر عليه السلام الوعيد الشديد بالنار على الكفر ، وعلى كفر نعمة ~~المحسن بالحق ، وعلى النياحة في المآتم ، وحلق الشعور فيها ، وخرق الجيوب ، ~~والنميمة ، وترك التحفظ من البول ، وقطيعة الرحم ، وعلى الخمر ، وعلى تعذيب ~~الحيوان بغير الذكاة لأكل ما يحل أكله ، أو ما أبيح أكله منها ، وعلى إسبال ~~الإزار ، على سبيل البخترة ، وعلى المنان بما يفعل من الخير ، وعلى المنفق ~~سلعته بالحلف الكاذب ، وعلى مانع فضل مائه من الشارب ، وعلى الغلول ، وعلى ~~مبايعة الأئمة للدنيا فإن أعطوا منها وفي [ 237 / أ ] لهم وغن لم يعطوا ~~منها لو يوف لهم ، وعلى المقتطع بيمنه حق امرئ مسلم ، وعلى الإمام الغاش ~~لرعيته ، وعلى من ادعى إلى غير أبيه ، وعلى العبد الآبق ، وعلى من غل ، ~~وعلى من ادعى ما ليس له ، وعلى لاعن ما لا يستحق اللعن ، وعلى بغض الأنصار ~~، وعلى تارك الصلاة ( 1 ) ، وعلى تارك الزكاة ، وعلى بغض علي . ووجدنا ~~الوعيد الشديد في نص القرآن قد جاء على الزناة والمفسدين في الأرض بالحرابة ~~، فصح لي أن كل ما يوعد الله به النار فهو من الكبائر ( 2 ) . فلما صح هذا ~~كله بنص القرىن ، إذ من اجتنبها أدخله الله مدخلا كريما ، ونص الحديث أيضا ~~، وجب النظر في ذلك على المؤمن المشفق من عذاب ربه تعالى ومن نار هي أحر من ~~نار هذه بسبعين ضعفا ، ومن الوقوف بأصعب الأحوال وأشد الأهوال واعظم الكرب ~~واكثر الضيق وأكثر العرق PageV03P146 ~~ في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة ، ~~نسأل الله عز وجل أن يعيذنا وإياكم من شر ذلك اليوم ، وأن يرزقنا فيه الفوز ~~والنجاة . فوالله أيها الأحبة إن أحدنا ليشتد روعه ويخفق قلبه من وعيد آدمي ~~ضعيف مثله لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا ، ولا يقدر أن يتمادى شهرا واحدا في ~~عذاب من عاداه وكاشفه بأكثر من الحبس ، فكيف بذلك اليوم المذكور ، وبعذاب ~~أهونه الوقوف في حال دنو الشمس من الرءوس ، وبلوغ العرق إلى أكثر مساحة ~~الأجسام ، في يوم طوله خمسون ( 1 ) ألف ms04 عام ، ثم بعد ذلك يرى مصيره إما إلى ~~جنة أو إلى نار فأين المفر إلا إلى الله وحده لا شريك له فوجدناه تعالى قال ~~: { ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئا وإن كان مثقال حبة ~~من خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين } ( الأنبياء : 47 ) ، وقال تعالى : { ~~فأما من ثقلت موازينه * فهو في عيشة راضية * وأما من خفت موازينه * فأمه ~~هاوية * وما أدراك ماهيه * نار حامية } ( القارعة : 6 - 11 ) ، فعلمنا بهذا ~~وبقوله تعال : { إن الحسنات يذهبن السيئات } ( هود : 114 ) ، أن من استوت ~~حسناته وسيئاته وفضلت له حسنة واحدة لم ير نارا فيا لها من سرور ما أجله ، ~~وهذا هو معنى قوله عليه السلام ( 2 ) : ' إن بغيا سقت كلبا فغفر الله لها ، ~~وإن رجلا أماط غصن شوك عن الطريق فأدخله الله الجنة ' وذلك أن هذين فضل ~~لهما هذان العملان بعد موازنتهما سيئاتهما بحسناتهما ، فخلصا من النار [ ~~237 ب ] ودخلا الجنة . فوجب علينا إذ قد جاءتنا عهود ربنا بهذا كله ، أن ~~نطلب الأعمال الماحية أو الموازنة للسيئات ، فيثابر المرء منها على ما وفقه ~~الله تعالى للمثابرة عليه . فوجدناه ، عليه السلام ، قد سئل عن أحب الأعمال ~~إلى الله تعالى ، فذكر الصلاة لميقاتها ، والجهاد ، وكثرة السجود ، وذكر ~~عليه السلام انه ( 3 ) : ' لا حسد إلا في اثنين : رجل آتاه الله حكمة فهو ~~يقضي بها ويعلمها ، ورجل أوتي مالا فسلطه الله على هلكته في الحق ' ، وذكر ~~لعمر ، رضي الله عنه ، تحبيس أصل ماله وتسبيل ثمرته ، وذكر عليه السلام أنه ~~( 4 ) ' لا يغرس مسلم غرسا ولا يزرع زرعا فيأكل منه طائر أو سبع أو إنسان ~~إلا كان له PageV03P147 ~~ صدقة ' . وصح عن النبي صلى الله عليه وسلم شيء وجب ~~إتحافكم به ، فهو من أفضل الهدايا ، وذلك ما حدثنا أبو محمد عبد الله بن ~~يوسف بن نامي بالإسناد المتقدم إلى مسلم ، أنبأنا عبد الله بن محمد بن ~~أسماء الضبعي ، ثنا محمد بن ميمون ثنا واصل الأحدب مولى أبي عيينة ، عن ~~يحيى بن عقيل ، عن يحيى بن يعمر ، عن ms05 أبي الأسود الدؤلي ، عن أبي ذر ، عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ( 1 ) : ' يصبح على كل سلامي من احكم ~~صدقة ، فكل تسبيحة صدقة ، وكل تحميدة صدقة ، وكل تهليلة صدقة ، وكل تكبيرة ~~صدقة ، وأمر بمعروف صدقة ، ونهي عن منكر صدقة ، ويجزئ من كل ذلك ركعتان ~~يركعهما من الضحى ' . وحديث رويناه من طريق مالك عن سمي مولى أبي بكر ( 2 ) ~~، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة : أن النبي عليه السلام قال ( 3 ) : ' من قال ~~لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، له الملك وله الحمد ، وهو على كل شيء ~~قدير ، في كل يوم مائة مرة كانت له عدل عشر رقاب ، وكتبت له مائة حسنة ، ~~ومحيت عنه مائة سيئة ، وكانت له حرزا من الشيطان يومه ذلك حتى يمسي ، ولم ~~يأت أحد بأفضل مما أتى به إلا من عمل ( 4 ) أكثر من ذلك ' . وصح عنه عليه ~~السلام أنه قال لأصحابه رضي الله عنهم ( 5 ) : ' أيعجز أحدكم أن يقرأ ثلث ~~القرآن في ليلة قالوا : وكيف يا رسول الله قال : إن ' قل هو الله أحد ' ~~تعدل ثلث القرآن ' وانه عليه السلام ذكر لهم سبحان الله والحمد لله والله ~~أكبر ، عددا يبلغ مائتين وخمسين مرة لكل واحدة منهن عشر حسنات فذلك ألفان ~~وخمسمائة حسنة كل يوم ، وأنه عليه السلام قال ( 6 ) : فأيكم يعمل في يومه ~~ألفين وخمسمائة سيئة أو كلاما هذا معناه ؛ وأمر عليه السلام الفقراء إذ ~~شكوا إليه [ أن ] الأغنياء يعتقون وتصدقون ، وهم لا يقدرون على ذلك [ 238 / ~~أ ] فأمرهم عليه السلام أن يقولوا في دبر كل صلاة : PageV03P148 ~~ الله اكبر ~~أربعا وثلاثين مرة ، وسبحان الله ثلاثا وثلاثين مرة ، والحمد لله ثلاثا ~~وثلاثين مرة فتلك مائة . وقد نص الله أن الحسنة بعشرة أمثالها ، فعلى هذه ~~للمائة المذكورة ألف حسنة ( 1 ) . وحض النبي على قول لا حول ولا قوة إلا ~~بالله ، وأخبر أنها من كنوز الجنة ( 2 ) . وحض عليه السلام على الاستغفار ، ~~وأخبر عليه السلام أنه ربما استغفر في اليوم مائة مرة . فهذه وصايا نبيكم ms06 ~~الذي بنا رءوفا رحيما حريصا على صلاحنا ، الذي لا ينطق عن الهوى عن هو إلا ~~وحي يوحى ، فعليكم بها ، ودعوا أقوال البطالين الكذابين المفسدين في الأرض ~~القائلين إن سرعة اللسان بالاستغفار توبة البطالين ، كذبوا وأفكوا ، بل هم ~~البطالون المبطلون حقا ، العائجون عن سبيل ربهم وعن صراط نبيهم المستقيم ، ~~بل الاستغفار تركه علامة الفاسقين المصرين المستخفين ، نعوذ بالله من مثل ~~سيرتهم . فهذه وفقنا الله وإياكم حظوظ رفيعة مع سهولة مأخذها ، وقرب ~~متناولها ، لا تقطع بأحد منكم عن عمله ، ولا تقطع جسمه ، ولا ترزؤه كلفة ، ~~إذ أحصاها عالم الغيب والشهادة عز وجل اجتمع بها ما يرجى تثقيل ميزان ~~الحسنات ، فتحبط بذلك السيئات ، فلعل النجاة تحصل . ولسنا نقول هذا على ~~الاقتصار على ذلك دون الاستكثار من سائر أعمال الخير ، ومن تلاوة القرآن ما ~~أمكن ، فإنا روينا عن ابن عباس رضي الله عنه ، أو عن أنس بن مالك - الشك ~~مني - انه قال ( 3 ) : إنكم لتعلمون أعمالا هي أدق في عيونكم من الشعر ، ~~كنا نعهدها على عهد رسول الله من الموبقات ، فاعلموا أيها الإخوة أن الأمر ~~والله جد ، وان المنتشب صعب ، وأن التخليص عسير إلا بتوفيق الله عز وجل ~~برحمته لعمل الخير ، بقبول اليسير منا ، وتجاوزه عن كثير ذنوبنا ، فهو أهل ~~التقوى وأهل المغفرة ، ولكن الله تعالى قال وقوله الحق : { وأن ليس للإنسان ~~إلا ما سعى * وأن سعيه سوف يرى * ثم يجزاه الجزاء الأوفى * وأن إلى ربك ~~المنتهى } ( سورة النجم : 39 - 42 ) و { هل تجزون إلا ما كنتم تعملون } ( ~~سورة النمل : 90 ) ، وقال تعالى { فاليوم لا تظلم نفس شيئا ولا تجزون إلا ~~ما كنتم تعملون } ( سورة يس : 54 ) . PageV03P149 ~~ فيستحب للمسلم الذي يطلب ~~النجاة أن يأتي بما لعله أن يوازي ذنوبه ويوازن سيئاته ، وأن يواظب على ~~قراءة القرآن فيختمه في كل شهر مرة ، فإن ختمه في أقل فحسن ما بين ما ذكرنا ~~إلى أن يختمه في ثلاث لا أقل ، ولا يسع أحدا أن يختمه في أقل من ذلك ، ~~ويواظب مع ذلك [ 238 ب ] على قراءة قل ms07 هو الله أحد ، ولو في كل ركعة من ~~صلاته مع أم القرآن وسورة أخرى ، فإنا روينا أن رجلا من الأنصار كان يفعل ~~ذلك ، فسأله رسول الله صلى الله عليه وسلم عن فعله ذلك فقال : إني أحبها ، ~~فقال عليه السلام : عن حبك إياها أدخلك الجنة ، أو كما قال . وإن لم يفعل ~~فليقرأها في كل يوم مرة ، فإنها تعدل في الآخر ثلث القرآن ، وهذا الآخر لا ~~يحقره إلا مخذول ، فإن كثر منها فحظه أصاب ؛ وليكثر من الصلاة على النبي ~~متى ذكر ، فإنا روينا عنه انه قال ( 1 ) : من صلى علي واحدة صلى الله عليه ~~عشرا . أفيزهد أحدكم عند الأكل والشرب وعند المسرة ترده ، [ إلا ] محروم . ~~وليكثر من حمد الله عز وجل عند الأكل والشرب وعند المسرة ترده ، فقد روينا ~~عن النبي عليه السلام في ذلك كلاما معناه أن العبد لا يزال يفعل ذلك حتى ~~يرضى الله عنه ، أو كلاما هذا معناه ، وليكثر من قول لا إله إلا الله ، ~~فإنها ألفاظ تتم بحركة اللسان دون حركة الشفتين فلا يشعر بذلك الجليس . ~~وليواظب على صلاة الفرض في الجماعة ، فإنه صح عن النبي عليه الصلاة أن صلاة ~~الصبح في الجماعة تعدل قيام ليلة ، وصلاة عشاء الآخرة في الجماعة تعدل قيام ~~نصف ليلة ( 2 ) ، فأيكم أيها الأخوة يطيق القيام ما بين طرفي ليلة لا ينام ~~فيها أو نصف ليلة كذلك فقد حصل له هذا الأجر تاما بأهون سعي وأيسر شيء . ~~وليكثر من ألفاظ رويناها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : وهي انه دخل ~~على إحدى أمهات المؤمنين وهي في مصلاها تذكر الله عز وجل ، فقال لها رسول ~~الله : لو قلت كلمات ثلاثا فوزنت ( 3 ) بما قلت لرجحتهن - أو قال : لعدلتهن ~~( 4 ) - وهي : ' سبحان الله عدد خلقه ، ورضى نفسه ، وزنة عرشه ، ومداد ~~كلماته ' ، فنحن نستجب أن يقولها العبد ثلاثا كل يوم ، وليواظب جهده ، وقد ~~صح أن العبد يحاسب PageV03P150 ~~ يوم القيامة ، فإن وجد في فرائض صلاته نقص ~~جبر من تطوع عن كان له ، وكذلك في صيامه وزكاته ms08 وسائر أعماله ، ورويناه من ~~طريق تميم الداري عن رسول الله ، ويبين صحة هذا قوله تعالى : { إني لا أضيع ~~عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى } ( آل عمران : 195 ) ، ولا يلتفت إلى قول من ~~يصد عن سبيل الله : ' لا صلاة لمن لا يتم الفرض ' ، فهذا قول لم يأت به نص ~~ولا إجماع ، وإنما هذا فيمن ضيع الفرض في آخر وقته أو حلول وقته الذي لا ~~فسحة فيه واشتغل بالنفل [ 239 / أ ] كإنسان لم يبق عليه من صلاة الفرض إلا ~~مقدار ما يصليها فقط ، فترك الفرض واشتغل بالتطوع ، أو وجد الصلاة المنكوبة ~~تقام أو تصلى فتركها وأقبل على ما ليس بفرض من الصلاة ، كمثل ما يأمر به ~~بعض الناس : من وجد الإمام في الركعة الأولى من صلاة الصبح أن [ يركع ] ~~ركعتي الفجر ، فهذا هو الخطأ ، فهذا لا يقبل منه ، لأنه لم يصل الصلاة التي ~~أمر بها ، ومن لم يفعل ما أمر به وفعل غير ما أمر به لم يقبل منه : قال ~~عليه السلام ( 1 ) : ' من عمل عملا ليس عليه امرنا فهو رد ' وكإنسان صام ~~رمضان في الحضر تطوعا لا بنية الفرض ، فهذا لا يقبل منه . وأما من عليه من ~~الفرض أو سلفت عليه فروض قد عطلها ، فيستحب له التطوع ما أمكنه ، كما روينا ~~في الحديث المأثور آنفا من جبر الفرض بالتطوع . واعلموا - رحمنا الله ~~وإياكم - أن الله عز وجل ابتدأنا بمواهب خمس جليلة ، لا يهلك على الله ~~بعدهن إلا هالك ، وهي انه تعالى غفر الصغائر باجتناب الكبائر فلو أن امرءا ~~وافى عرصة القيامة بملء الأرض صغائر إلا أنه لم يأت كبيرة أو أتاها ثم تاب ~~منها ، لما طالبه الله بشيء منها ، وقال تعالى : { إن تجتنبوا كبائر ما ~~تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلا كريما } ( النساء : 31 ) . ~~والثانية : من اكثر من الكبائر ، ثم منحه الله التوبة النصوح على حقها ~~وشروطها قبل موته ، فقد سقط عنه جميعها ، ولا يؤاخذه ربه تعالى بشيء منها ، ~~وهذا إجماع من الأمة . والثالثة : أن من عمل من الكبائر ms09 ما شاء الله ، ثم ~~مات مصرا عليها ، ثم استوت حسناته وسيئاته لم يفضل له سيئة ، مغفور له ، ~~غير مؤاخذ بشيء مما يفعل ، قال الله PageV03P151 ~~ تعالى : { إن الحسنات ~~يذهبن السيئات } ( هود : 114 ) ، وقال تعال : { فأما من ثقلت موازينه } ( ~~القارعة : 6 ) . والرابعة : انه تعالى جعل السيئة بمثلها والحسنة بعشر ~~امثالها ، ويضاعف الله تعالى لمن شاء . والخامسة : انه تعالى جعل الابتداء ~~على من أحاطت به خطيئته ، وغلب شره على خيره ، بالعذاب والعقاب ، ثم نقله ~~عنه بالشفاعة إلى الجنة فخلده فيها ، ولم يجعل ( 1 ) ابتداء جزائه على ~~حسناته بالجنة ، ثم ينقله منها إلى النار . فهل بعد ذلك الفضل منزلة نسأل ~~الله أن لا يدخلنا في عداد من يعذبه بمنه . فهذا أصلحنا الله وإياكم جواب [ ~~239 ب ] ما سألتم عنه مما يكفر الذنوب الكبائر ، وفيما يأتي بعد أيضا من ~~الجواب في سائر ما سألتم عنه ، أشياء تستضيف إلى ما قد ذكرنا بحول الله ~~تعالى وقوته . # 2 - وسألتم عن العمل الذي إذا قطع المرء به باقي عمره رجوت ~~له الفوز عند الله عز وجل ، وأيقنت له به ، وعن السيرة التي أختارها وأحسد ~~عليها من أعطيها ، من أبواب التخلص من سخط الله في القول والعمل . وهاتان ~~مسالتان وإن كنتم فرقتم بينهما فهي واحدة فأقول - وبالله [ تعالى ] التوفيق ~~- : إني قد أدمت البحث عما سألتم عنه مدى دهر طويل ، وفتشت عنه القرآن ~~والحديث الصحيح ، فلاح لي بعد طلب كثير ، وتحصل لي بعد طلب شديد ما أخاطبكم ~~به ، أسأل الله تعالى أن يوفقنا وإياكم لطاعته آمين . وقد كنت جمعت في هذا ~~فصلا نسخته لكم على هيئته ، وهو أن فتشت على مراتب الحقائق في دار القرار ~~في الآخرة - وإما الدنيا فمحل مبيت بؤسها منقض ( 2 ) ، وسورها منسي كأن ذلك ~~لم يكن - فوجدتها عشر مراتب ، منها ثلاث هي مراتب الملك ، والعلو ، والسبق ~~. فأولها : مرتبة عالم يعلم الناس دينهم ، فإن كل من عمل بتعليمه أو علم ~~شيئا مما كان هو السبب في علمه ، فذلك العالم والمتعلم شريك له في الأجر ~~إلى يوم القيامة ms10 على آباد الدهور ، فيا لها منزلة ما أرفعها ، أن يكون ~~المرء أشلاء متمزعة في قبره أو مشتغلا PageV03P152 ~~ في أمور دنياه وصحف ~~حسناته متزايدة ، وأعمال الخير مهداة إليه من حيث لا يحتسب ومواترة عليه من ~~حيث لم يقدر . ويؤيد هذا قوله عليه السلام ( 1 ) : ' من يرد الله به خيرا ~~يفقهه في الدين ' ، وقوله لعلي ( 2 ) : ' فوالله يهدي الله بك رجلا واحدا ~~خير لك من أن يكون لك من حمر النعم ' ، وقوله عليه السلام ( 3 ) : ' إذا ~~مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاثة ، فذكر عليه السلام ولدا صالحا يدعو ~~له ، وصدقة جارية ، وعلما ينتفع به ' قوله ( 4 ) : ' من عمل في الإسلام سنة ~~حسنة فعمل بها بعده ، كتب له مثل أجر من عمل بها ، ولا ينقص من أجورهم شيء ~~، ومن سن في الإسلام سنة سيئة فعمل بها بعده ، كتب له مثل وزر من عمل بها ~~ولا ينقص من أوزارهم شيء ' ، ويؤيد هذا قول الله عز وجل : { ومن أوزار ~~الذين يضلونهم بغير علم } ( النحل : 25 ) ، وقوله : { وليحملن أثقالهم } ( ~~العنكبوت : 13 ) فأسأل الله أيها الاخوة أن يجعلنا وإياكم من أهل الصفة ~~الأولى ، وأن يعيذنا من الثانية . فبشروا من سن القبالات والمكوس ووجوه ~~الظلم بأخزى الجزاء واعظم البوار في الآخرة ، إذ سيئاتهم تتزايد على مرور ~~الأيام والليالي ، والبلايا تترادف عليهم وهم في قبورهم ؛ ولقد كان أحظى ( ~~5 ) لهم لو لم يكونوا خلقوا من الإنس . واعلموا [ 240 / أ ] انه لولا ~~العلماء الذين ينقلون العلم ويعلمونه الناس جيلا بعد جيل لهلك الإسلام جملة ~~، فتدبروا هذا وقفوا عنده وتفكروا فيه نعما ، ولذلك سموا ورثة الانبياء ، ~~فهذه مرتبة . والثانية : حكم عدل ، فإنه شريك لرعيته في كل عمل خير عملوه ~~في ظل عدله وأمن سلطانه بالحق لا بالعدوان ، وله مثل أجر كل من عمل سنة ~~حسنة سنها . فيا لها مرتبة ما أسناها أن يكون ساهيا لاهيا وتكسب له الحسنات ~~، وأين هذه الصفة وأما الغاش لرعيته والمداهن في الحق ، فهو ضد ما ذكرنا ، ~~ويؤيد هذا قوله عليه السلام ( 6 ) : ' وغن المقسطين فيما ms11 ولوا على منابر من ~~نور على يمين الرحمن ' ، أو كلاما هذا معناه ؛ PageV03P153 ~~ فهذه ثانية . ~~وأما الثالثة : مجاهد في سبيل الله عز وجل ، فإنه شريك لكل من يحميه بسيفه ~~في كل عمل خير يعمله ، وإن بعدت داره في أقطار البلاد ، وله مثل أجر من عمل ~~شيئا من الخير في كل بلد أعان على فتحه بقتال أو حصر ( 1 ) ، وله مثل أجر ~~كل من دخل في الإسلام بسببه أو بوجه له فيه أثر إلى يوم القيامة . فيا لها ~~حظوة ما أجلها أن يكون لعله في بعض غفلاته ونحن نصوم له ونصلي . واعلموا ~~أيها الاخوة الأصفياء أن هذه الثلاث سبق [ إليها ] الصحابة رضي الله عنهم ، ~~لأنهم كانوا السبب في بلوغ الإسلام إلينا وفي تعلمنا العلم ، وفي الحكم ~~بالعدل فيما ولوا ، وفي فتوح البلاد شرقا وغربا ، فهم شركاؤنا وشركاء من ~~يأتي بعدنا إلى يوم القيامة ، وفي كل خير يعمل به مما كانوا السبب في ~~تعليمه أو بسطه أو فتحه من الأرض . واعلموا أن لولا المجاهدون ( 2 ) لهلك ~~الدين ولكنا ذمة لأهل الكفر ، فتدبروا هذا فإنه أمر عظيم ، وإنما هذا كله ~~إذا صفت النيات وكانت لله ، فقد سئل النبي عن عمل المجاهد وما يدانيه ، ~~فأخبر عليه السلام انه لا يعدله إلا أمر لا يستطاع ، فسألوه عنه فقال كلاما ~~معناه ( 3 ) : أيقدر أحدكم أن يدخل مصلاه إذا خرج المجاهد فلا يفتر من صلاة ~~وصيام فقالوا : يا رسول الله ، لا نطيق ذلك . فاخبرهم أن هذا مثل المجاهد . ~~وأخبرهم أيضا عليه السلام ( 4 ) : أن روث وبولها ومشيها وشربها الماء ، وإن ~~لم يرد سقيها ، كل ذلك له حسنات . وسئل عن أفضل الأعمال ، فأخبر بالصلاة ~~لوقتها وبر الوالدين والجهاد ( 5 ) . وسئل عليه السلام عن الرجل يقاتل حمية ~~والرجل يقاتل ليرى مكانه فقال ( 6 ) : ' من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا ~~فهو شهيد ' أو كما قال ؛ وأخبر عليه السلام : أن الأعمال بالنيات . فهذه ~~الثلاث المراتب هي مراتب السبق التي من أمكنه شيء منها فليجهد نفسه ، PageV03P154 ~~ وما توفيقي إلا بالله عز وجل ms12 . ومن احب قوما فهو معهم ، فقد ~~قال رجل : يا رسول الله [ 240 ب ] متى الساعة فقال له عليه السلام : ماذا ~~أعددت لها فاستكان الرجل وقال : يا رسول الله ، ما أعددت لها كبير صلاة ولا ~~صيام ، ولكني أحب الله ورسوله . فقال له ( 1 ) : أنت مع من أحببت ؛ أو كما ~~قال عليه السلام . وبعد هذه المرتبة مرتبة رابعة ، هي مرتبة الحظوة والقربة ~~، وهي حالة إنسان مسلم فتح الله له بابا من أبواب البر مضافا إلى أداء ~~فرائضه ، إما في كثرة الصيام أو كثرة صدقة ، أو كثرة صلاة ، أو كثرة حج ~~وعمرة ، وما أشبه ذلك ، فهذا له نوافل عظيمة وخير كثير ، إلا أنه ليس له ~~إلا ما عمل ، وصحيفته تطوى بموته ، حاشا من حبس أرضا أو أصلا تجري صدقته ~~بعده ، كما اختار النبي لعمر رضي الله عنه إذ شاوره فيما يعمل في أرضه ~~بخيبر ، فإن هذا أيضا تلحقه الحسنات بعد موته ما دامت الصدقة . ولقد سمعت ~~أبا علي الحسين بن سلمون المسيلي ( 2 ) يقول كلاما استحسنته ، وهو انه قال ~~لي يوما : من كثرت ذنوبه فعليه بكسب الضياع . ولعمري لقد قال الحق ، فإن ~~الضيعة إذا كسبت من حل ومن ارض مباح اكتسابها ، فقد نص النبي أن كل من أكل ~~من غرس مسلم أو من زرعه فهو له صدقة ( 3 ) . وإذا اكتسبت من غير وجه مرضي ، ~~فهي غل وثقل على من اكتسبها . فاعتمدوا على ما نص ( 4 ) لكم نبيكم عليه ~~السلام ، ودعوا كلام الفساق من ( 5 ) أهل الجهل الذين يفسدون في الأرض أكثر ~~مما يصلحون . فيحكون عن رجل أنه وجد ابنته قد غرست دالة فقلعها وقال : إنا ~~لم نبعث لغرس الدوالي . فاعلموا أن هذا الرجل جاهل سخيف العقل مخالف لرسول ~~الله ، مهلك للحرث ، مفسد في الأرض . فهذه مرتبة رابعة ، وهي دون المراتب ~~الثلاث الأول . PageV03P155 ~~ ثم مرتبة خامسة : وهي مرتبة الفوز والنجاة ، ~~وهي حالة إنسان مسلم يؤدي الفرائض ويجتنب الكبائر ويقتصر على ذلك ، فإن فعل ~~هذا فمضمون له على الله تعالى الغفران بجميع سيئاته ودخول الجنة ms13 والنجاة من ~~النار ؛ قال الله تعالى : { إن تجتنبوا كبائر مات تنهون عنه نكفر عنكم ~~سيئاتكم وندخلكم مدخلا كريما } ( النساء : 31 ) ، وقد نص النبي عليه السلام ~~في الذي سأله عن فرائض الإسلام فأخبره بها فقال : والله لا أزيد عليها ولا ~~أنقص ، قال عليه السلام ( 1 ) : أفلح عن صدق ، ودخل الجنة إن صدق . فهذه ~~المراتب الخمس هي مراتب الزلفى والقربى التي لا خوف على أهلها ولا هم ~~يحزنون . ثم بعدها مرتبتان [ 241 / أ ] وهما مرتبتا السلامة مع الغرر ( 2 ) ~~، وعاقبتهما محمودة ، إلا أن ابتداءهما مذموم مخوف هائل ، وهما حال إنسان ~~مسلم عمل خيرا كثيرا وشرا كثيرا ، وأدى الفرائض وارتكب الكبائر ، ثم رزقه ~~الله التوبة قبل موته . والثانية حال امرئ مسلم عمل حسنات وكبائر ومات مصرا ~~، إلا أن حسناته أكثر من سيئاته . وهذان غررا ولكنهما فائزان ناجيان بضمان ~~الله عز وجل لهما إذ يقول : { وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى ~~} ( طه : 82 ) ، ولقوله { فأما من ثقلت موازينه فهو في عيشة راضية } ( ~~القارعة : 6 ) ولقوله تعالى { عن الحسنات يذهبن السيئات } ( هود : 114 ) ، ~~ولا خلاف بين أحد من أهل السنة فيما قلنا من هذا . ثم مرتبة ثامنة وهي ~~مرتبة أهل الأعراف ، وهي مرتبة خوف شديد وهول عظيم ، إلا أن العاقبة إلى ~~سلامة ، وهي ( 3 ) حال امرئ مسلم تساوت حسناته وكبائره ، فلم تفضل له حسنة ~~يستحق بها الرحمة ، ولا فضلت له سيئة يستحق [ بها العذاب ] . وقد وصف الله ~~صفة هؤلاء في الأعراف ، فقال تعالى بعد أن ذكر مخاطبة أهل الجنة لأهل النار ~~{ فهل وجدتم ما وعد ربكم قالوا نعم } ( الأعراف : 44 ) ثم قال بعد آية { ~~وبينهما حجاب وعلى الأعراف رجال يعرفون كلا بسيماهم ونادوا أصحاب الجنة أن ~~سلام عليكم لم يدخلوها وهم يطمعون * وإذا صرفت أبصارهم تلقاء أصحاب النار ~~قالوا ربنا لا تجعلنا مع القوم الظالمين } ( الأعراف : 46 - 47 ) . PageV03P156 ~~ فهذه الوقفة لا يعدل همها والإشفاق منها سرور الدنيا كله ، ~~ولكنهم ناجون من النار داخلون الجنة ، لأنه لا دار سواهما ، فمن نجا من ~~النار ms14 فلابد له من الجنة ، وليتنا نكون من هذه الصفة ، فو الله إنها لمن ~~أبعد ( 1 ) آمالي التي لا أدري كيف التوصل إليها إلا برحمة الله ، وأما ~~بعمل أعلمه مني فلا . ثم مرتبة تاسعة وهي مرتبة نشبة ( 2 ) ومحنة وبلية ~~وورطة ومصيبة وداهية ، نعوذ بالله منها ، وإن كانت العاقبة إلى عفو وإقالة ~~وخير ، وهي حال امرئ مسلم خفت موازينه ورجحت كبائره على حسناته ، فهؤلاء ~~الذين وصفوا في الأحاديث الصحاح أن منهم من تأخذه النار إلى أنصاف ساقيه ، ~~ومنهم من يبقى فيها ما شاء الله من الدهور ، كما وصف النبي عليه السلام في ~~مانع الزكاة ( 3 ) انه يبقى في العذاب الموصوف في الحديث يوما كان مقداره ~~خمسين ألف سنة ، ثم يرى مصيره إلى جنة أو إلى نار ، فيا لها بلية ما اعظمها ~~؛ وكما نص عليه السلام انه سأل أصحابه ( 4 ) : ' من المفلس عندك ' قالوا : ~~يا رسول الله ، الذي لا دينار له ولا درهم ، فاخبرهم عليه السلام [ 241 ب ] ~~أن المفلس هو الذي يأتي يوم القيامة وله صيام وصلاة وصدقة فيوجد قد شتم هذا ~~، وقتل هذا وظلم هذا ، وأخذ مال هذا ، فينتصفون من حسناته حتى إذا لم يبق ~~له حسنة أخذ من سيئات هؤلاء الذين ظلم فرميت عليه ، ثم قذف به في النار . ~~وهذا معنى قوله تعالى : { وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم وليسألن يوم ~~القيامة عما كانوا يفترون } ( العنكبوت : 13 ) ، فيبقى هؤلاء في النار على ~~قدر ما أسلفوا ، حتى إذا بقوا كما ( 5 ) جاء في الحديث الصحيح ، جاءت ~~الشفاعة التي ادخرها الله لنبيه صلى الله عليه وسلم وجاءت الرحمة التي ~~ادخرها الله لذلك اليوم الفظيع والموقف الشنيع وأخرجوا كلهم من النار فوجا ~~بعد فوج بعد ما امتحشوا أو صاروا ( 6 ) حمما . والله أيها الاخوة لولا أن ~~عذاب الله لا يهون منه شيء ولا يتمناه عاقل لتمنيت أن أكون من هؤلاء خوفا ~~من خاتمة سوء ، وأعوذ بالله مما يوجب الخلود ويقتضي جوابه تعالى إذ يقول : ~~{ اخسئوا فيها ولا تكلمون } ( المؤمنون : 108 ) ولكن يمنعني من ms15 PageV03P157 ~~~~ذلك الرجاء في عظيم عفوه عز وجل ، وأن النفس لا تساعد على أن تعد شيئا من ~~عذاب الله خفيفا ولو نظرة إلى النار ، أعاذنا الله منها ، فوالله إن أحدنا ~~ليستشنع موقف [ جنا ] يته أو موقف قصاصه بين يدي مخلوق ضعيف ، فكيف بين يدي ~~الخالق الذي ليس كمثله شيء ، والذي يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور ، ~~والذي لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء فكيف بنار أشد من نارنا بسبعين ~~ضعفا فتأملوا ذلك عافانا الله وإياكم منها في فعل الصواعق في صم الهضاب وشم ~~الجبال ، فإنها تبلغ في التأثير فيها في ساعة ما لا تبلغه نارنا لو وقدناها ~~هنالك عاما مجرما ، فكيف بجلود ضعيفة ونفوس ألمة ، هذا على أن الحسن البصري ~~رضي الله عنه ذكر يوما موقف رجل يخرج من النار بعد ألف سنة فقال ( 1 ) : يا ~~ليتني ذلك الرجل ! وغنما تمنى الحسن هذا خوفا من خاتمة شقاء ، وأن يموت على ~~غير الإسلام فيستحق الخلود في النار في الأبد . فقد كان ابن عمر رضي الله ~~عنهما يدعو الله أن يميته على الإسلام ، وكان الأسود بن يزيد ( 2 ) يقول : ~~ما حسدت أحدا حسدي مؤمنا قد دلي في قره ! وإنما تمنى الأسود ذلك لأنه إذا ~~مات مسلما أمن الكفر . فهذه المرتبة أيها الأخوة مرتبة نعوذ بالله منها ، ~~فقد صح عن النبي عليه السلام أن المرء المنعم في الدنيا يغمس في النار غمسة ~~ثم يقال ( 3 ) : أرأيت خيرا قط فيقول : لا ما رأيت خيرا قط ! هذا في غمسة ، ~~فكيف بمن يبقى خمسين ألف سنة يجدد له فيها أضعاف العذاب على انه قد صح عن ~~النبي عليه السلام [ 242 / أ ] من طريق أبي سعيد الخدري ( 4 ) أن آخر أهل ~~النار دخولا الجنة وخروجا من النار ، وأقل أهل الجنة منزلة ، رجل أمره الله ~~أن يتمنى فيتمنى مثل ملك ملك كان يعرفه في الدنيا فيعطيه الله مثل الدنيا ~~كلها عشر مرات ، وهذا حديث صحيح ، فلا يدخلنكم فيه داخلة لبراهين يطول فيها ~~الكلام ولصغر قدر الأرض وقلته ms16 في الإضافة إلى قدر الآخرة وسعتها ، يعلم ذلك ~~من علم هيئة العالم وتفاهة الأرض في عظيم السموات . ولعمري إن هذه فضيلة ~~عظيمة ، لا سيما إذا أفكرنا أنها خالدة لا تنقضي أبدا . ولكن إذا أفكرنا ~~فيما PageV03P158 ~~ قبلها من طول المكث بين أطباق النيران ، يتجرعون الزقوم ~~ويشربون الغسلين ، ولهم مقامع من حديد ، والأغلال في أعناقهم ، والملائكة ~~يسحبونهم على وجوههم ، وكلما نضجت جلودهم بدلوا جلودا غيرها ليذوقوا العذاب ~~، لم يف بذلك سرور وإن جل ، ونال الله أن يجرينا وإياكم من هذه المرتبة ، ~~آمين . فلهؤلاء ذخرت الشفاعة وفي جملتهم يدخل من لم تكن له وسلية ، ولا عمل ~~خيرا قط غير اعتقاد الإسلام والنطق به ، ولا استكف عن شر قط حاشا الكفر ، ~~على قدر ما يفضل من السيئات على الحسنات يكون العذاب ، فأقله غمسة كما جاء ~~في الحديث المذكور منه آنفا ، ولم يلج منه عضو في النار كما جاء في حديث ~~جواز الصراط ، وأكثره الذي ذكرنا أنه آخر أهل الإسلام خروجا من النار في ~~الحديث المذكور آنفا . وأما المرتبة العاشرة فهي مرتبة السحق ، والبعد ، ~~والهلكة الأبدية ، وهي مرتبة من مات كافرا ، فهو مخلد في نار جهنم لا يخفف ~~عنهم من عذابها ، ولا يقضي عليهم فيموتوا ، خالدين فيها أبدا ، سواء صبروا ~~أم جزعوا ، ما لهم من محيص . اللهم عياذك ، عياذك ، عياذك من ذلك ، وقد هان ~~كل ما تقدم ذكره عند هذه : ' وإنما نوكل بالأدنى وإن جل ما يمضي ' ( 1 ) ، ~~ثبتنا الله وإياكم على الإسلام والإيمان وابتاع محمد عليه السلام . فهذا ~~جواب ما سألتم عنه من السيرة المختارة التي أحسد عليها صاحبها ، وأتمنى ~~أعاليها ، قد لخصتها وفسرتها ، ثم أعيدها لكم مختصرة ، ليكون أقرب للذكر ~~وأسهل للحفظ إن شاء الله تعالى فأقول ، وبالله التوفيق : إن أجل سير المسلم ~~ثلاثة : طلب العلم ، ونشره ، والحكم بالعدل لمن ولي شيئا من أمور المسلمين ~~والجهاد - كل هذا مع أداء الفرائض واجتناب المحارم . وبعد هذا المداومة على ~~الوتر ، وركعتي الفجر والضحى ، وركعتين في الليل وقبل الوتر [ 242 ب ] في ~~منزله ، وركعتين متى دخل ms17 المسجد ، فإن زاد فليصل الضحى ثماني ركعات ، وليصل ~~اثنتي عشرة ( 2 ) ركعة في آخر الليل في منزله قبل الوتر أو في أي وقت أمكنه ~~من الليل ، ولا أحب له الزيادة في الضحى على ما ذكرت ، لكن من أراد الزيادة ~~فليطول القراءة والركوع والسجود ما شاء ، فإني أخاف عليه ما خافه مالك بن ~~أنس إذ سأله سائل عن رجل أحرم قبل PageV03P159 ~~ الميقات ، فكره ذلك وقال : ~~لعله يتوهم أنه يأتي بأحسن مما ( 1 ) أتى به نبيه عليه السلام فيهلك ! وأنا ~~لكل أحد أن يزيد على عدد ما كان ينتفل به نبيه محمد لوجهين : أحدهما قول ~~الله عز وجل : { لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة } ( الأحزاب : 21 ) ، ~~والثاني : أن يخطر الشيطان في قلبه فيوسوس انه قد فعل من الخير أكثر مما ~~كان محمد يفعله ، فيهلك في الأبد ويحبط عمله ، ويجد صلاته وصيامه في ميزان ~~سيئاته ، فيا لها مصيبة ما اعظمها ، أن يحصل في جملة من قال الله تعالى : { ~~وجوه يومئذ خاشعة * عاملة ناصية * تصلى نارا حامية } ( الغاشية : 2 - 4 ) ~~فلا دنيا ولا آخرة ، على أن مداواة هذا البلاء لمن امتحن به سهلة ، وهي ~~أننا نقول له : ليعلم العاقل أن تكبيرة من رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~اعظم عند الله واجل من كل عمل خير يعمله جميعنا ، لو عمر العالم كله . فإن ~~أحب المزيد كما ذكرنا فليركع أربع ركعات في منزله قبل الظهر ، وركعتين قبل ~~العصر ، وركعتين بعد العصر ، وركعتين بعد المغرب ، وكل هذه النوافل فهي في ~~البيوت أفضل منها في المسجد ، وركعتين بعد غروب الشمس وقبل صلاة المغرب ، ~~إما في المنزل ، وإما في المسجد ، وست ركعات بعد صلاة الجمعة ، ويستحب ~~للمرء أن لا يقصر من الصيام عن صيام يوم عرفة ويوم عاشور التاسع والعاشر ، ~~وستة أيام من شوال مضافة إلى رمضان ، لا يحول بينه وبينها إلا يوم الفطر ~~وحده ، فقد صح عن النبي عليه السلام أن ذلك يعدل صيام الدهر ، وان صيام يوم ~~عرفة وعاشورا يكفر عامين وعاما ، وهذا أمر ms18 لا يزهد فيه إلا محروم . فإن أحب ~~المزيد فليصم الاثنين والخميس ، فإن أحب المزيد فليصم يوما ويفطر يوما ، ~~فإن زاد على ما ذكرنا فهو آثم عاص . سئل رسول الله عن صيام الدهر فقال : لا ~~صام ولا أفطر . وقد روي عنه عليه السلام ما هو أشد من هذا ، وصح انه سئل عن ~~أفضل من صيام يوم وإفطار يوم قال : ' لا أفضل من ذلك ' ( 2 ) ، فمن [ لم ] ~~ينته إلى ما حده له نبيه فلا عفا الله عنه . والحج والعمرة والتطوع كذلك ~~حسن جدا وأجر عظيم ، لا جزاء له إلا الجنة بنص كلامه عليه السلام ، والصدقة ~~بما تيسر ، فإن الإكثار منها فيما فضل عن قوته وبما بقي له غناء ، ولا تحل ~~الصدقة [ 243 / أ ] بأكثر من ذلك ، وعياد مرضى الجيران ، وشهود جنائزهم ، ~~فرض على مسلم جار على الكفاية ، ولقاء الناس بالبشر والبر وانطلاق PageV03P160 ~~ الوجه ، وهذا كله بعد أداء الفرائض واجتناب الكبائر ، ويستحب ~~من الذكر ما تقدم في أول هذه الرسالة ، فبهذا يتخلص المسلم من عذاب الله ، ~~ويستوجب الجنة بفضل الله ، فمن عجز عن هذا كله فليقتصر على أداء الفرائض ~~واجتناب الكبائر فإنه فائز ، ومع هذا فليخف ربه وليحسن الظن به ، فقد صح ~~عنه عليه السلام انه قال ( 1 ) : إن الله يقول : انا عند ظن عبدي بي . ~~فاعلموا أن تحسين الظن بالله تعالى أجر عظيم ، وانه عمل بالقلب رفيع فاضل ، ~~فلعل ربه تعالى قد حفظ له حسنة لا يلقي العبد إليها باله ولا يذكر علتها ، ~~كما أنه أيضا ربما هلك بسيئة حفظت عليه كان هو يحقرها ، وليدم على فعل ~~الخير وإن قل ، فبهذا جاء الأثر الصحيح ( 2 ) : ' عن أحب الأعمال إلى الله ~~أدومها ' . ولا احب لنفسي ولكم ولا لأحد من المسلمين التقصير عن هذا ، فمن ~~ابتلي بالتقصير عنه فليتدارك نفسه بالتوبة والندم والاستغفار فيما سلف فإنه ~~يجد ربه قريبا إذا راجعه ، قابلا له إذا فزع إليه ، غافرا لما سلف من ذنوبه ~~كما قال تعالى { غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب } ( غافر : 3 ) . فمن ~~امتحن ms19 بتسويف التوبة ومماطلة النفس ، فليكثر من فعل الخير ما أمكنه ، ولعل ~~حسناته تذهب سيئاته ، وليدخل في قوله : { خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا عسى ~~الله أن يتوب عليهم } ( التوبة : 102 ) ، ولعله ( 3 ) يقل مكثه في النار ، ~~فقد جاء النص الصحيح بتفاضل مقامهم ، فمن ابتلي وعجز فليتمسك بالعروة ~~الوثقى ، عروة الإسلام ، وليعلم قبح ما يقول ، فلعله ينجو من الخلود ، وهو ~~ناج منه بلا شك عن مات مسلما . # 3 - وسألتم - رحمنا الله وإياكم - عن طلب ~~العلم ، وهل الآداب من العلم ، تعنون ( 4 ) النحو واللغة والشعر ، وعن طلب ~~الاشتغال بروايات القراء السبعة المشهورين على اختلاف ألفاظها وأحكامها ، ~~وعن قراءة الحديث ، وعن مسائل ، فنعم - وفقنا الله وإياكم لما يرضيه - : ~~أما الاشتغال بروايات القراء المشهورين السبعة وقراءة الحديث وطلب علم ~~النحو ، واللغة ، فإن طلب هذه العلوم فرض واجب على المسلمين على الكفاية ، ~~بمعنى أن من PageV03P161 ~~ قام بطلبها حتى يعم بعلمه تعليم من طلبها أو فتيا ~~من استفتاه فيها من أهل بلده أو قريته ، فإذا قام بذلك من يغنى بهذا القدر ~~، سقط فرض طلبها حينئذ عن الباقين ، إلا ما يخص كل إنسان في نفسه فقط ، ~~فالذي يلزم كل إنسان من حفظ القرآن فهو أم القرآن وشيء من القرآن معها ، ~~ولو سورة أي سورة كانت ، أو أي آية ، فهذا لابد لكل إنسان منه . ثم طلب علم ~~القرآن واختلاف القراء السبعة فيه وضبط قراءتهم [ 243 ب ] كلهم ، فرض على ~~الكفاية وفضل عظيم لمن طلبه إن كان في بلده كثير ممن يحكمه وأجر جزيل ، قال ~~عليه السلام ( 1 ) : ' خيركم من تعلم القرآن وعلمه ' ، فكفى بهذا فضلا ، ~~وقد أمر عليه السلام بتعليم القرآن فمن تعلمه فهو خير ، ولو ضاع هذا الباب ~~لذهب القرآن وضاع ، وحرام على المسلمين تضييعه ، وذهابه من أشراط الساعة ، ~~وكذلك ذهاب العلم . وأما النحو واللغة ففرض على الكفاية أيضا كما قدمنا ، ~~لان الله يقول : { وما أرسلنا من سرول إلا بلسان قومه ليبين لهم } ( ~~إبراهيم : 4 ) ، وأنزل القرآن على نبيه عليه السلام بلسان عربي مبين ، فمن ~~لم يعلم النحو ms20 واللغة ، فلم يعلم اللسان الذي به بين الله لنا ديننا ~~وخاطبنا [ به ] ومن لم يعلم ذلك فلم يعلم ذلك فلم يعلم دينه ، ومن لم يعلم ~~دينه ففرض عليه أن يتعلمه ، وفرض عليه واجب تعلم النحو واللغة ، ولابد منه ~~على الكفاية كما قدمنا ، ولو سقط علم النحو واللغة على نية إقامة الشريعة ~~بذلك ، وليفهم بهما كلام الله تعالى وكلام نبيه وليفهمه غيره ، بهذا له أجر ~~عظيم ومرتبة عالية لا يجب التقصير عنها لأحد . وأما من وسم اسمه باسم العلم ~~والفقه وهو جاهل للنحو والغة فحرام عليه أن يفتي في دين الله بكلمة ، وحرام ~~على المسلمين أن يستفتوه ، لأنه لا علم له باللسان الذي خاطبنا الله تعالى ~~به . وإذا لم يعلمه فحرام عليه أن يفتي بما لا يعلم ؛ قال الله تعالى : { ~~ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا ~~} ( الإسراء : 36 ) ، وقال تعالى : { قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها ~~وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا ~~وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون } ( الأعراف : 33 ) ، وقال تعالى : { ~~وتقولون بأفواهكم ما ليس لكم به علم وتحسبونه هينا وهو عند الله عظيم } ( ~~النور : 15 ) . فمن لم يعلم PageV03P162 ~~ اللسان الذي به خاطبنا الله عز وجل ~~، ولم يعرف اختلاف المعاني فيه لاختلاف الحركات في ألفاظه ، ثم أخبر عن ~~الله بأوامره ونواهيه فقد قال على الله ما لا يعلم . وكيف يفتي في الطهارة ~~من لا يعلم الصعيد في لغة العرب وكيف يفتي في الذبائح من لا يدري ماذا يقع ~~عليه اسم الذكاة في لغة العرب أم كيف يفتي في الدين من لا يدري خفض اللام ~~أو رفعها من قول الله عز وجل { إن الله بريء من المشركين ورسوله } ( التوبة ~~: 3 ) ، ومثل هذا في القرآن والسنة كثير ، وفي هذا كفاية . فمن طلب علم ~~النحو واللغة على النية التي ذكرنا فهو [ 244 / أ ] أعظم أجر وأفضل علم ، ~~ومن طلبهما ليكونا له مكسبا ms21 ومعاشا فهو مأجور محسن ، ولكن أجره دون أجر ~~الأول ، وفوق سائر الصناعات التي يعاش منها ، لأنه يعلم الخير ويبقي آخر ~~عالما فيمن علم ، ومن طلبهما ليتوصل بهما إلى إقامة المظالم وإحياء رسوم ~~الجور والتدرب في أحكام المكوس والقبالات والمخاطبة عن فساق الملوك بما ~~يرضيهم ويسخط الله عز وجل ، فقد خاب وخسر وغدا في لعنة الله وراح فيها ، ~~لأنه ظالم ، وقد قال الله : { ألا لعنة الله على الظالمين } ( هود : 18 ) . ~~وأما علم الشعر فإنه على ثلاثة أقسام : أحدها ( 1 ) : أن لا يكون للإنسان ~~علم غيره فهذا حرام ، يبين ذلك قوله عليه السلام ( 2 ) : لان يملأ ، أو ~~يمتلئ ، جوف أحدكم قيحا حتى يريه خير له من أن يمتلئ شعرا . والثاني : ~~الاستكثار منه ، فلسنا نحبه وليس بحرام ، ولا يأثم المستكثر منه إذا ضرب في ~~علم دينه بنصيب ، ولكن الاشتغال بغيره أفضل . والثالث : الأخذ منه بنصيب ، ~~فهذا نحبه ونحض عليه ، لان النبي عليه السلام قد استنشد الشعر ، وأنشد حسان ~~على منبره عليه السلام . وقال عليه السلام ( 3 ) : ' إن من الشعر حكما ' ~~وفيه عون على الاستشهاد في النحو واللغة . فهذا المقدار هو الذي يجب ~~الاقتصار عليه من رواية الشعر ، وفي هذا كفاية ، وحسبنا الله ونعم الوكيل . ~~وأما من قال الشعر في الحكمة والزهد فقد أحسن وأجر ، وأما من قال معاتبا PageV03P163 ~~ لصديقه ومراسلا له ، وراثيا من مات من إخوانه بما ليس باطلا ، ~~ومادحا لمن استحق الحمد بالحق ، فليس بآثم ولا يكره ذلك ، وأما من قال ~~هاجيا لمسلم ، ومادحا بالكذب ، ومشببا بحرم المسلمين ، فهو فاسق ، وقد بين ~~الله هذا كله بقوله { والشعراء يتبعهم الغاوون } ( الشعراء : 224 ) . والذي ~~يجب على طالب العلم أن لا يقتصر على أقل منه من النحو ، فمعرفة ( 1 ) ما ~~يمر من القرآن والسنة من الإعراب ، ويكفي من ذلك كتاب الواضح أو كتاب ~~الزجاجي ( 2 ) ، فإن قال وأوغل حتى يحكم كتاب سيبويه وما جرى مجراه فقد ~~أحسن ، وذلك زيادة في فضله وأجره . وأما من اللغة فمثل ذلك أيضا ، ويجزئ ~~عنه منه [ 244 ب ] الغريب المصنف ms22 لأبي عبيد ( 3 ) ، فإن زاد وأوغل واستكثر ~~من دواوين اللغة فقد أحسن وأجر . ويجب رواية شعر حسان بن ثابت وكعب بن مالك ~~وعبد الله بن رواحة رضي الله عنهم ، وما خف من مختار أشعار الجاهلين ومختار ~~أشعار المسلمين ، غير مستكثر من ذلك ، ولكن بقدر ما يتدرب في فهم معاني لغة ~~العرب ومخارج كلامهم . وعلم الحساب والطب أيضا من العلوم الرفيعة ، فمن طلب ~~علما من ذلك لينتفع به الناس في القسمة والعلاج وحساب مقابلتهم فهو مأجور . ~~وتعلم هذا المقدار فرض على الكفاية ، إذ لو جهل هذا لضاع كثير من الدين ، ~~كحساب الوصايا والمواريث ومعرفة البيوع وغير ذلك . ومن طلبهما ليكتسب منهما ~~فمأجور أيضا ، ومن طلبهما ليتوصل بهما إلى الظلم فآثم فاسق . وأما معرفة ~~قراءة الحديث ففرض على الكفاية بقوله تعالى : { وما كان المؤمنون لينفروا ~~كافة فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم ~~إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون } ( التوبة : 122 ) . ولا سبيل إلى التفقه في ~~الدين إلا بمعرفة أحكام القرآن ، وحديث النبي صلى الله عليه وسلم ، صحيحه ~~من سقيمه ، وناسخه من منسوخه ، وما أجمع عليه مما اختلف فيه ، فهذا أفضل ما ~~استعمل المرء فيه نفسه ، وأعظم ما يحاول لأجره وأمحاه لذنوبه . وقد قسم ~~النبي هذا الباب أقساما PageV03P164 ~~ كثيرة كافية كما حدثنا القاضي حمام بن ~~أحمد ، قال : ثنا عبد الله بن إبراهيم الأصيلي ، نبا أبو أحمد الجرجاني ، ~~نبا محمد بن يوسف الفربري ، نبا محمد بن إسماعيل البخاري ، نبا محمد نبا ~~حماد بن أسامة ، عن بريد بن عبد الله ، عن أبي بردة ، عن أبي موسى ، عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ( 1 ) : ' مثل ما بعثني الله [ به ] من ~~الهدى والعلم كمثل غيث كثير أصاب أرضا فكان منها نقية قبلت الماء فأنبتت ~~الكلأ والعشب الكثير ، وكان منها أجادب أمسكت الماء فنفع الله تعالى به [ ~~الناس ] فشربوا وسقوا وزرعوا ( 2 ) ، وأصابت منها طائفة أخرى إنما هي قيعان ~~لا تمسك ماء ولا تنبت كلا ، فذلك مثل من فقه في دين ms23 الله ونفعه ما بعثني ~~الله به فعلم وعلم ( 3 ) ، ومثل من لم يرفع بذلك رأسا ، ولم يقبل هدى الله ~~الذي أرسلت به ' ؛ فهذا الحديث أيها الاخوة الأصفياء لو لم يأتنا غيره ~~لكفانا ، ففيه جماع ( 4 ) طبقات الناس كما ترون ، والطائفة الأولى التي ( 5 ~~) أنبتت الكلأ والعشب هم الذين فهموا معاني القرآن والحديث وتدينوا بها ~~وعلموها الناس ؛ والطائفة الثانية التي أمسكت الماء فشرب الناس منها فسقوا ~~ورعوا هم الشيوخ الذين رووا لنا الحديث [ 245 / أ ] ، وقيدوه وعنوا به ~~وبلغوا إلينا فأخذناه عنهم وإن لم يكن لهم فقه فيه ، ولكنهم رضي الله عنهم ~~أجروا فينا أجرا عظيما ، لأنهم كانوا سبب علمنا ، فهم شركاؤنا في كل ما ~~قيدنا وعلمنا مما أخذنا عنهم ، والطائفة الثالثة هي المعرضة عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم التي لا ترفع به رأسا ولا تقبله إذا سمعته ولا تعنى به ولا ~~تطلبه ، كما أن تلك القيعان مر عليها الماء مرا ، كما دخل خرج ، فمن استطاع ~~منكم أيها الإخوة في الله عز وجل أن يكون من الطائفة الأولى النقية فليفعل ~~، فحسب الواحد منا أن يكون في جملة من أثنى عليه رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم . وإن لم يمنح ذلك ، فليكن من الأجادب التي تمسك الماء ، لعل الله ~~ينفع بنا وبكم في ذلك ، ولو أن يموت أحدنا وهو مقيد بحديث النبي يشاهد ~~مجالسة طالب له مستكثر منه ، فأعيذ نفسي وإياكم بالله أن نكون من القيعان ~~التي لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ . PageV03P165 ~~ وأما كتب الرأي ، فاعلموا ~~أنها لا تحل قراءتها على معنى تقليد ما فيها والتدين به ، ويكفي في هذا ~~قوله تعالى : { يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي ~~الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول عن كنتم تؤمنون ~~بالله واليوم الآخر } ( النساء : 59 ) ، فمن كان يؤمن بالله واليوم الآخر ~~فحرام عليه أن يرد شيئا مما اختلف فيه إلى قول عائشة وأم سلمة وأبي بكر ~~وعمر وعثمان وعلي وابن مسعود ومعاذ والعباس ، رضي الله عنهم ms24 أجمعين ، ~~وهؤلاء أفاضل الأمة وعلماؤها ، فكيف إلى قول أبي حنيفة وإلى سفيان ومالك ~~والشافعي وأحمد وداوود وأبي يوسف ومحمد وابن القاسم لان من رد ذلك إلى غير ~~القرآن وحديث النبي عليه السلام ، فقد خالف ما أمره به تعالى في الآية ~~المذكورة . ومن لم [ يفعل ] ما أمر الله تعالى به ، فقد عصى الله عز وجل ~~ورسوله واستحق أقبح الصفات ، ولم يحكم بما أنزل الله عز وجل { ومن لم يحكم ~~بما انزل الله فأولئك هم الفاسقون } ( المائدة : 47 ) . وقد أخبرنا حمام بن ~~أحمد ( 1 ) ، قال ثنا عبد الله بن علي الباجي ( 2 ) ، ثنا محمد بن عبد ~~الملك بن أيمن ( 3 ) ، نبا أحمد بن مسلم ، نبا أبو ثور إبراهيم بن خالد ~~الكلبي ، نبا وكيع بن الجراح ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه [ 245 ب ] ، عن ~~عبد الله بن عمرو ، عن النبي عليه السلام أنه قال ( 4 ) : ' لا ينزع العلم ~~انتزاعا من قلوب الرجال ، ولكن ينزع بذهاب العلماء ، فإذا لم يبق عالما ~~اتخذ الناس رؤساء جهالا فأفتوا بالرأي فضلوا وأضلوا ' . وقال عبد الله بن ~~عمر : لم يزل أمر بني إسرائيل مستقيما حتى فشا فيهم أبناء سبايا الأمم ~~فقالوا بالرأي ، فضلوا وأضلوا . وقد أخبرنا بهذا الحديث أيضا حمام بن أحمد ~~بن عبد الله بن إبراهيم ، نبا أبو أحمد وأبو زيد المروزي كلاهما عن محمد بن ~~يوسف الفربري ، عن محمد بن إسماعيل البخاري ، نبا سعيد بن تليد ، نبا ابن ~~وهبن ثني عبد الرحمن بن شريح وغيره عن محمد أبي الأسود عن عروة بن الزبير ~~قال : سمعت عبد الله بن عمرو يقول : PageV03P166 ~~ سمعت رسول الله يقول ( 1 ) ~~: ' إن الله لا ينزع العلم بعد إذ أعطاكموه انتزاعا ، ولطكن ينتزعه بقبض ~~العلماء بعلمهم فيبقى ناس جهال فيستفتون فيفتون برأيهم فيضلون ويضلون ' ~~فهذان عدلان جليلان أبو الأسود محمد بن عبد الرحمن يتيم عروة ( 2 ) وهشام ~~شهدا على عروة ، وشهد عروة على عبد الله ، وعبد الله على رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم بما أبلغتكم ، وليس اختلاف الألفاظ بموجب تعليلا في ms25 الرواية ~~إذا كان المعنى واحدا فقط ، فصح ان النبي كان إذا حدث بحديث كرره ثلاث مرات ~~فيؤديه السامع على حسب ما سمع في كل مرة : فهذه صفة الرأي . واعلموا رحمكم ~~الله أني أقول إعلانا لا أسره ان تقليد الآراء لم يكن قط في قرن الصحابة ~~رضي الله عنهم ، ولا في قرن التابعين ولا في قرن تابع التابعين ، وهذه هي ~~القرون التي أثنى النبي عليها ، وإنما حدثت هذه البدعة في القرن الرابع ~~المذموم على لسان النبي صلى الله عليه وسلم ، وأنه لا سبيل إلى وجود رجل في ~~القرون الثلاثة المتقدمة قلد صاحبا أو تابعا أو إماما أخذ عنه في جميع قوله ~~فأخذه كما هو ، وتدين به وأفتى به الناس ، فالله الله في أنفسكم ، لا ~~تفارقوا ما مضى عليه جميع الصحابة أولهم عن آخرهم وتابعهم عن [ متبوعهم ] ، ~~وتابع التابعين أولهم عن آخرهم ، دون خلاف من واحد منهم ، من ترك التقليد ~~واتباع أحكام القرآن وحديث النبي عليه السلام وروايته والعمل به . فاجتنبوا ~~هذه [ 246 / أ ] الحادثة في القرن المذموم المخالفة للإجماع المتقدم ، وبعد ~~أزيد من مائتين وخمسين عاما من موت النبي عليه السلام ، فكل بدعة ضلالة ، ~~فقد نصحت لكم وأديت ما لزمني في ذلك ، وبقي ما عليكم . فقد صح عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم ( 3 ) : ' الدين النصيحة ، الدين النصيحة ، الدين النصيحة . ~~قالوا : لمن يا رسول الله قال : لله ورسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم ' . ~~وإنما يجوز قراءة كتب الرأي على وجه اذكره لكم ، وهو طلب ما أجمع عليه أئمة ~~العلماء فيتبع ويوقف عنده ، لان الله امرنا في الآية التي تلونا بطاعة أولي ~~الأمر منا ولنعرف ما اختلف فيه العلماء فيعرض على كتاب الله عز وجل ، وعلى ~~حدي النبي ، فلأي تلك الأقوال شهد القرآن والسنة المأثورة عن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أخذنا به ، ونترك سائر ذلك عن كنا PageV03P167 ~~ نؤمن بالله ~~وباليوم الآخر ، فهو أعرف بنفسه ( 1 ) . فعلى هذا الوجه يجب قراءة كتب ~~الرأي ، لا على ما سواه . فمن قرأها على هذا أجر ، وانتفع ms26 بها جدا ، وأما ~~من قرأها متدينا بها غير عارض لها على القرآن وحديث النبي فهو فاسق ، ~~لعصيانه ما أمره الله تعالى به ، ولأنه لم يحكم بما انزل الله : فمن جمع ~~إلى هذا استحلال مخالفة ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم مما يعتقد صحته ~~عنه عليه السلام لقول أحد دونه ، واعتقد ان هذا جائز فهو كافر مشرك مرتد عن ~~الديانة ، منسلخ عن الإسلام ، حلال الدم والمال . وروينا عن النبي انه قال ~~( 2 ) : ' كل أحد يدخل الجنة إلا من أبى . قيل : يا رسول الله ومن يأبى قال ~~: من أطاعني دخل الجنة ، ومن عصاني فقد أبى ' . ولا يحسبوا أني سبقت إلى ~~هذا القول ، فمعاذ الله ان أقول ما لم يقله الله تعالى ورسوله ، قال الله ~~تعالى : { فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في ~~أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما } ( النساء : 65 ) . فأنا أقول : ~~والله ما آمن من حكم غير رسول الله في دينه . واعلموا أيضا أن هذا الذي قلت ~~هو رأي الشافعي ومالك وإسحاق بن راهويه ، فإنه بلغني عن مالك ، رحمه الله ، ~~انه سأله سائل فقال : يا أبا عبد الله ، ما تقول في رجل قيل له : قال النبي ~~كذا ، فقال هو : قال إبراهيم النخعي كذا فقال مالك : أرى أن يستتاب ، فإن ~~تاب وإلا قتل . وبلغني عن الشافعي ، رحمه الله ، انه ذكر يوما حديثا عن ~~النبي عليه السلام [ 246 ب ] فقال له إنسان : يا أبا عبد الله ، أتأخذ بهذا ~~الحديث فقال له الشافعي : أرأيت يا هذا علي زنارا خارجا من كنيسة تسمعني ~~أحدث عن النبي صلى الله [ عليه ] وسلم وتقول لي : تأخذ به وما لي لا آخذ به ~~إذا صح الحديث عن رسول الله فهوديني وقولي . وذكر محمد بن نصر عن إسحاق بن ~~راهويه انه قال : من سب رسول الله أو ترك صلاة فرضا متعمدا حتى خرج وقتها ~~بلا عذر أو رد حديثا مسندا صحيحا بلغه عن رسول [ الله ] ، فهو كافر مشرك . ~~وقد سمعنا أصحابنا يحكون ms27 عن ابن القاسم ، رحمه الله ، انه كان لا يجيز بيع ~~كتب الرأي ، فسئل عن ذلك فأخبر أنه لا يدري أحق هو أم باطل ، وأجاز بيع ~~المصاحف وكتب الحديث ، لان الذي فيها حق . فكيف يظن جاهل لا يتقي الله عز PageV03P168 ~~ وجل أن مالك بن أنس وابن القاسم يلزمان الناس بتقليدهما وهما ~~يقران أنهما لا يعلمان أحق ما أفتيا برأيهما أم باطل وقد صح ما هو أغلظ من ~~هذا ، وهو أن مالكا رضي الله عنه تمنى عند موته أن يضرب بكل مسألة أفتى ~~فيها برأيه سوطا ، وهكذا كان الأئمة الفضلاء قبل زماننا هذا المدبر ، رضي ~~الله عنهم وعن الباقين ، وفاء بالجميع إلى طاعته ، ووالله لقد خذل الله وجل ~~أمة تدين بشيء تمنى قائله أن يضرب بالسياط ولا يقوله . وأما ما ذكرتم من ~~أمر قارئ هذه العلوم إن حضر بباله عند ( 1 ) الاشتغال بها حب الرئاسة في ~~الدنيا وطلب الظهور ، وكيف إن كان معظم نيته هذا المعنى . فهذا مذهب سوء . ~~صح عن النبي أنه قال ( 2 ) : ' من تعلم علما مما يبتغي به وجه الله لا ~~يتعلمه إلا ليصيب به عرضا لم يجد عرف الجنة يوم القيامة ' . والحديث الصحيح ~~الذي رويناه عن النبي صلى الله عليه وسلم وفيه أنه ( 3 ) ' يؤتى يوم ~~القيامة برجل تعلم العلم وعلمه وقرأ القرآن ، فأتي به فعرفه الله نعمه ~~فعرفها ، قال : فما علمت فيها قال : تعلمت العلم وعلمته ، وقرأت القرآن . ~~قال : كذبت ، ولكنك تعلمت العلم ليقال عالم ، وقرأت القرآن ليقال قارئ ، ~~وقد قيل . ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار ' ، والحديث الصحيح ~~عن النبي أنه قال ( 4 ) : ' إن الله تعالى قال : أنا أغنى الشركاء عن الشرك ~~، من عمل عملا أشرك فيه غيري تركته وشركه ' . وفيما ناولني حمام بن أحمد ، ~~وأخبرني أنه أخبر به العباس بن أصبغ [ 247 / أ ] عن محمد بن عبد الملك بن ~~أيمن . نبا إسماعيل بن إسحاق القاضي ببغداد ، نبا إسماعيل ابن أبي أويس ، ~~ثني أخي يعني أبا بكر ، عن سليمان بن بلال ، عن ms28 إسحاق بن يحيى ابن طلحة ، ~~عن ابن كعب بن مالك عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ( 5 ) : ' ~~من ابتغى العلم ليباهي به العلماء ويماري به السفهاء ، أو ليقبل بأفئدة ~~الناس إليه فإلى النار ' . وهذه أحاديث في غاية الصحة ، وأولاد كعب بن مالك ~~ثقات كلهم ، وهم ثلاثة مشهورين : عبد الله وعبد الرحمن وسعيد ، فهذا أصلحكم ~~الله وإيانا فتيا PageV03P169 ~~ نبيكم عليه السلام ، وكلام ربكم عز وجل ، ~~فبأي حديث بعد الله وآياته تؤمنون ( 1 ) أم أي قول بعد قول الله تعالى ~~وكلام نبيه محمد صلى الله عليه وسلم تطلبون وتقرءون ( 2 ) لا كفى الله من ~~لم يكفه قول ربه تعالى ، وقول نبيه عليه السلام . فالله الله عباد الله ، ~~تداركوا أنفسكم بتصفية نياتكم في هذا الباب وفي العمل المرغوب في الصلاة ~~والصيام والصدقة ، ولا تشوفوا في شيء منه قصدا لغير وجه الله تعالى ؛ ~~فوالذي لا إله إلا هو إن من طلب علما من علوم الديانة ليدرك به عرض دنيا أو ~~ذكرا في الناس أو عمل عملا مما أمره الله تعالى بعمله له فعمله هو لغيره ~~تعالى ، لقد كان أحظى له في آخرته وأسلم في عاقبته وأنجى له عند ربه تعالى ~~أن يكون دفافا أو بهزريا ( 3 ) . ووالله لأن يلقى الله تعالى عبد بكل بائقة ~~( 4 ) دون الشرك ، لا أخص من ذلك قتل النفس ولا قطع الطريق ولا ما دونهما ، ~~أخف وزرا من أن يلقاه وقد تدين لغيره وصلى وصام لسواه . واعلموا رحمكم الله ~~أن من تعدم اللهو واللعب حتى مضى وقت صلاة مفروضة ولم يصلها ، أخف ذنبا عند ~~الله تعالى ممن صلاها لأجل الناس ، ولولاهم ما صلاها ، لأن كل إنسان من ~~الذين ذكرنا لم يصل الصلاة التي أمر بها ، وزاد هذا الآخر على الأول أن ~~صلاها لغير الله تعالى ؛ وكذلك من طلب العلم لغير الله تعالى ، فإنه ترك ~~الاشتغال بما يصلحه في دنياه وبما يروح به نفسه من البطالة ، وأتعب نفسه في ~~أفضل الأعمال ، فقصد به التقرب إلى الناس فوكله ms29 الله إلى من قصده ، وقال ~~عليه السلام ( 5 ) : [ 247 ب ] ' إنما الأعمال بالنيات ولكل امرئ ما نوى ، ~~فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله ، ومن كانت هجرته ~~لدنيا يصيبها ، أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه ' أو كما قال ~~عليه [ السلام ] ، فالجد الجد فإن لإبليس اللعين ها هنا مسلكا خفيا ومدبا ( ~~6 ) لطيفا ومولجا دقيقا يحبط به الأعمال ويهلك به الرجال ، أجارنا الله ~~وإياكم من كيده وبغيه ، ولا وكلنا إلى أنفسنا طرفة عين فنهلك . وأنا أريكم ~~إن شاء الله تعالى ولا حول ولا قوة إلا بالله ، ميلقا ( 7 ) يعرف به كل PageV03P170 ~~ واحد منكم وغيركم ممن يقرأ كتابي هذا ، إن كانت نيته صادقة لله ~~عز وجل أو مشوبة بقصد ( 1 ) إلى غيره ، وذلك أن يفكر المرء في نفسه فيما ~~يعمل من طلب علم أو فعل بر فيقول لها : يا نفس ، أرأيت لو أن من يراني أو ~~يبلغه خبري من الناس يكون طريقتهم في العلم وفي طلبه وفي عملهم على خلاف ما ~~هم عليه كانوا يكرهون هذا الوجه من طلبي لما أطلب ، ولا يستحسنون ما أفعل ~~من البر ، أكنت تفعلينه أم لا فإن علم من نفسه أنها كانت تفعل ذلك ، سخط ~~الناس أم رضوا ، نفق عندهم أو كسد ، فليحمد ربه تعالى وليبشر ، كان ( 2 ) ~~عمله وطلبه خالصا . وإن وجد نفسه تخبره أن الناس لو كرهوا ما يطلب وما يعمل ~~لم يطلبه ولم يعمله ، فليعلم أنه هلك وأن عمله وتعبه عليه لا له ، وأنه قد ~~خسرت صفقته ، وأنه قد أشرك في نيته وعمله غير ربه تعالى ، إذ قرن به الناس ~~، فمن أضيع ( 3 ) عملا أو أسوأ منقلبا من هذا نعوذ بالله من هذه المرتبة ، ~~ونسأله التوقي من هذا . وليت شعري على ماذا يحصل المسكين الذي يطلب العلم ~~ليحظى ( 4 ) به في دنياه والله لا حصل من ذلك إلا ( 5 ) على دنيا منغصة ، ~~ولباس خشن ، ولذات يستتر بها استتار الغراب بسفاده ولا يتهناها موفرة ، ~~وعلى ما ( 6 ) لا توفى نفسه ms30 منها . ولو طلب الدنيا على وجهها لكان أنفذ ~~لأمره وأعظم لجاهه وأكثر لماله وأوفر للذاته وأتم لهيبته ، وأقل لوزره ، ~~وأخف لعذابه . ولا يغرنكم ما يقول كاذب على العلماء : ' طلبنا العلم لغير ~~الله ، فما زال بنا حتى ردنا إلى الله ' ، فلعمري إن جديرا ألا يبارك ( 7 ) ~~تعالى في كل شيء ابتدأ لغير وجهه عز وجل ، وحسبنا الله ونعم الوكيل [ 248 / ~~أ ] . وأما إن نوى في عمله أن يأمر بمعروف وينهى عن منكر ، ويحكم بالعدل إن ~~ولي شيئا من أمور المسلمين ، وأن يظهر في ذلك الحق ما أمكنه ، رضي الناس أم ~~سخطوا ، وأحب مع ذلك أن لا يذل ويكرم ، وكانت نيته أن لا تأخذه في الله ~~لومة لائم إن آتاه الله حظا من الدنيا ، وسره أن يؤتى مالا حلالا لا يأكله ~~بخلافه ولا يكتسبه بدينه ولم يترك PageV03P171 ~~ لذلك أمرا يعتقده حقا ، ولا ~~استعمل لأجل رغبته فيما ذكرنا أمرا يراه باطلا ، فهذه نية خير ومقصد حسن ، ~~ومذهب فاضل كانت عليه الصحابة والتابعون وأئمة الخير . وقد قال رسول الله [ ~~صلى الله عليه وسلم ] ( 1 ) : ' المؤمن القوي أحب إلى الله تعالى من المؤمن ~~الضعيف ' . وقد أثنى الله تعالى على { الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا ~~الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر } ( الحج : 41 ) ~~والدلائل على كل ما قلنا من القرآن والحديث تكثر جدا ، وفيما ذكرنا كفاية ~~إن شاء الله تعالى . # 4 - وأما ما سألتم عنه من أي الأمور أفضل في النوافل : ~~الصلاة أم الصيام أم الصدقة فقد جاءت الرغائب في كل ذلك ، وكلها فعل حسن ، ~~وما أحب للمؤمن أن يخلو من أن يضرب في هذه الثلاث بنصيب ولو بما قل ، إلا ~~أن الصدقة الجارية في الثمار في الأرضين أحب إلي من الصلاة والصوم في ~~التنفل . وقد روينا عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال : ' إذا صمت ضعفت عن ~~الصلاة . والصلاة أحب إلي من الصيام ' ، ولسنا نقلد في ذلك ابن مسعود ، ولا ~~نقول أيضا إن هذا ليس كما قال ، ولكني أقول : ' والله أعلم ms31 ' ، إذ لا نص في ~~ذلك عن النبي عليه السلام ؛ ولكني قد قلت : إني أحب للمؤمن أن يضرب في كل ~~هذه الثلاثة نصيب ويأخذ بحظه من كل واحد منها وإن قل ، فلذلك إن شاء الله ~~خير له بلا شك من أن يأخذ بإحداهن ولا يأخذ من الباقيين نصيبا . وبيان ذلك ~~أنه قد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أن المصلين يدعون ( 2 ) من باب ~~الصلاة ، والصائمين يدعون من باب الصيام ، وأصحاب الصدقة يدعون من باب ~~الصدقة ( 3 ) ، فقال أبو بكر رضي الله عنه : يا رسول الله ، ما على من يدعى ~~من تلك الأبواب من ضرورة ، فهل يدعى أحد من تلك الأبواب كلها . فقال : نعم ~~، وأرجو أن تكون منهم . فإنما اخترنا ما بشر به [ 248 ب ] النبي صلى الله ~~عليه وسلم أبا بكر ، وحسبك بهذا اختيارا فاضلا ، جعلنا الله وإياكم من أهله ~~، آمين . # 5 - وأما ما سألتم عنه مما روي في حديث التنزل ، وهل الإجابة ~~مضمونة في تلك الساعة ، فحديث التنزل صحيح ، وقد قال الله تعالى في محكم ~~كتابه : { ادعوني PageV03P172 ~~ أستجب لكم } ( غافر : 60 ) ، وأخبرنا تعالى ~~أنه لا يخلف الميعاد ، ولكن ها هنا بينت ما سألتم عنه بيانا شافيا وهو قوله ~~تعالى : { إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه } ( فاطر : 10 ) ، ~~فإنما شرط الإجابة العمل الصالح ، أو أن يكون الداعي مظلوما ، على ما جاء ~~في الأثر عن النبي عليه السلام فمن دعا وعمله صالح أو هو مظلوم فقد جاء في ~~الأثر عن النبي عليه السلام : أن دعاء المؤمن لا يخلو من إحدى ثلاث : إما ~~تعجيل إجابة ، وإما كفاية بلاء ، وإما تعويض أجر ، أو كلاما هذا معناه . ~~فاعلموا وفقنا الله وإياكم أن من دفع الله تعالى عنه بلاء ، أو عوضه أجرا ~~فقد أجاب دعاءه ولم يخيبه ، وللإجابة في اللغة معنى غير الإسعاف ، يقال في ~~اللغة : ناديت فلانا فأجابني ، ودعوته فأجابني بمعنى أتاني ، فالإجابة من ~~الله تعالى بمعنى قبول عمل العامل في الدعاء وتعويضه عنه الأجر ودفعه عنه ~~البلاء ، وربما يفضل الله تعالى ms32 بإسعافه في أن يكون ما طلب ، إذا كان مما ~~سبق في علم الله تعالى أن يكون . # 6 - وأما ما سألتم عنه من أمر هذه الفتنة ~~وملابسة الناس بها مع ما ظهر من تربص بعضهم ببعض ، فهذا أمر امتحنا به ، ~~نسأل الله السلامة ، وهي فتنة سوء أهلكت الأديان إلا من وقى الله تعالى من ~~وجوه كثيرة يطول لها الخطاب . وعمدة ذلك أن كل مدبر مدينة أو حصن في شيء من ~~أندلسنا هذه ، ولها عن آخرها ، محارب لله تعالى ورسوله وساع في الأرض بفساد ~~؛ للذي ترونه عيانا من شنهم الغارات على أموال المسلمين من الرعية التي ~~تكون في ملك من ضارهم ، وإباحتهم لجندهم قطع الطريق على الجهة التي يقضون ( ~~1 ) على أهلها ، ضاربون للمكوس والجزية على رقاب المسلمين ، مسلطون لليهود ~~على قوارع طرق المسلمين في أخذ الجزية والضريبة من أهل الإسلام ، معتذرون ~~بضرورة لا تبيح ما حرم الله ، غرضهم فيها استدام نفاذ أمرهم ونهيهم . فلا ~~تغالطوا أنفسكم ولا يغرنكم الفساق والمنتسبون إلى الفقه [ 249 / أ ] ، ~~اللابسون جلود الضأن على قلوب السباع ، المزينون لأهل الشر شرهم ، الناصرون ~~لهم على فسقهم . فالمخلص لنا فيها الإمساك للألسنة جملة واحدة إلا عن الأمر ~~بالمعروف والنهي عن المنكر ، وذم جميعهم ؛ فمن عجز منا عن ذلك رجوت أن تكون ~~التقية تسعه ، وما أدري كيف هذا ، فلو اجتمع كل من ينكر هذا بقلبه لما ~~غلبوا . فقد صح عن النبي PageV03P173 ~~ صلى الله عليه وسلم أنه قال ( 1 ) : ' ~~من رأى منكم منكرا فليغيره بيده ، فإن لم يستطع فبلسانه ، فإن لم يستطع ~~فبقلبه وذلك أضعف الإيمان ' . وجاء في بعض الأحاديث : ليس وراء ذلك من ~~الإيمان شيء ، أو كما قال عليه السلام ؛ وجاء في الأثر الصحيح عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم ( 2 ) : ' لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر ، أو ليعمنكم ~~الله بعذاب ' . واعلموا رحمكم الله انه لا عذاب أشد من الفتنة في الدين ، ~~قال الله تعالى : { والفتنة أشد من القتل } ( البقرة : 191 ) ، فأما الغرض ~~الذي لا يسع أحدا فيه تقية ، فأن لا يعين ms33 ظالما بيده ولا بلسانه ، ولا أن ~~يزين له فعله ويصوب شره ، وعاديهم بنيته ولسانه عند من يأمنه على نفسه ، ~~فإن اضطر إلى دخول مجلس أحدهم لضرورة حاجة أو لدفع مظلمة عن نفسه أو عن ~~مسلم ، أو لإظهار حق يرجو إظهاره ، أو الانتصاف من ظالم آخر ، كما قال ~~تعالى : { وكذلك نولي بعض الظالمين بعضا بما كانوا يكسبون } ( الأنعام : ~~129 ) أو لصداقة سالفة - فقد يصادق الإنسان المسلم اليهودي والنصراني ~~لمعرفة تقدمت - أو لطلب يعانيه ، أو لبعض ما شاء الله عز وجل ، فلا يزين له ~~شيئا من أمره ولا يعنيه ولا يمدحه على ما لا يجوز ، وإن أمكنه وعظه فليعظه ~~، وإلا فليقصد إلى ما له قصد غير مصوب له شيئا من معاصيه ، فإن فعل فهو ~~مثله ، قال الله تعالى : { ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار } ( ~~هود : 113 ) وفي هذا كفاية . # 7 - وأما ما سألتم عنه من وجه السلامة في ~~المطعم والملبس والمكسب ، فهيهات أيها الإخوة ، إن هذا لمن أصعب ما بحثتم ~~عنه وأوجعه للقلوب وآلمه للنفوس . وجوابكم في هذا ان الطريق ها هنا طريقان ~~: طريق الورع ، فمن سلكه فالأمر - والله - ضيق حرج . وبرهان ذلك أني لا ~~أعلم لا أنا ولا غيري بالأندلس درهما حلالا [ 249 ب ] ولا دينارا طيبا يقطع ~~على انه حلال ، حاشا ما يستخرج من وادي لاردة ( 3 ) من ذهب ، فإن الذي ينزل ~~منه في أيديهم ، يعني أيدي المستخرجين له بعد ما يؤخذ منهم ظلما فهو كماء ~~النهر في الحل والطيب ، حتى إذا ضربت الدراهم وسبكت الدنانير فاعلموا أنها ~~تقع في أيدي الرعية فيما يبتغونه من الناس من الأقوات التي لا تؤخذ إلا ~~منهم ، ولا PageV03P174 ~~ توجد إلا عندهم من الدقيق والقمح والشعير والفول ~~والحمص والعدس واللوبيا والزيت والزيتون والملح والتين والزبيب والخل ~~وأنواع الفواكه والكتان والقطن والصوف والغنم والألبان والجبن والسمن ~~والزبد والعشب والحطب . فهذه الأشياء لابد من ابتياعها من الرعية عمار ~~الأرض وفلاحيها ضرورة . فما هو إلا أن يقع الدرهم في أيديهم ، فما يستقر ~~حتى يؤدوه بالعنف ظلما وعدوانا ms34 بقطيع ( 1 ) مضروب على جماجمهم كجزية اليهود ~~والنصارى ، فيحصل ذلك المال المأخوذ منهم حق عند المتغلب عليهم ، وقد صار ~~نارا ، فيعطيه لمن أختصه لنفسه من الجند الذين استظهر بهم على تقوية أمره ~~وتمشية دولته ، والقمع لمن خالفه والغارة على رعية من خرج من طاعته أو رعية ~~من دعاه إلى طاعته ، فيتضاعف حر النار ، فيعامل بها الجند التجار والصناع ، ~~فحصلت بأيدي التجار عقارب وحيات وأفاعي ، ويبتاع بها التجار من الرعية ، ~~فهكذا الدنانير والدراهم كما ترون عيانا دواليب تستدير في نار جهنم ، هذا ~~ما لا مدفع فيه لأحد ، ومن أنكر ما قلنا بلسانه فحسبه قلبه يعرفه معرفة ~~ضرورية ، كعلمه أن دون غد اليوم ، فإذا فاتنا الخلاص فلا يفوتنا الاعتراف ~~والندم والاستغفار ، ولا نجمع ذنبين : ذنب المعصية وذنب استحلالها ، فيجمع ~~الله لنا خزيين وضعفين من العذاب ، نعود بالله منذلك ، ولنكن كما قال الله ~~تعالى : { والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا ~~لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون } ( ~~آل عمران : 135 ) ، هذا مع ما لم نزل نسمعه ( 2 ) سماع استفاضة توجب العلم ~~الضروري أن الأندلس لم تخمس وتقسم كما فعل رسول الله فيما فتح ، ولا ~~استطيبت أنفس المستفتحين ، وأقرت لجميع [ 250 / أ ] المسلمين ، كما فعل عمر ~~رضي الله عنه فيما فتح ، لكن نفذ الحكم فيها بان لكل يد ما أخذت ، ووقعت ~~فيها غلبة بعد غلبة ، ثم دخل البربر والأفارقة فغلبوا على كثير [ من القرى ~~دون قسمة ] ( 3 ) ، ثم دخل الشاميون في طالعة بلج بن بشر بن عياض القشيري ~~فأخرجوا اكثر العرب والبربر المعروفين بالبلديين عما كان بأيديهم ، كما ~~ترون الآن من فعل البربر ، ولا فرق ، وقد فشا في المواشي ما ترون من ~~الغارات و [ في ] ثمار الزيتون ما تشاهدون من استيلاء PageV03P175 ~~ البربر ~~والمتغلبين على ما بأيديهم إلا القليل التافه ، ومشى في بلاد المتغلبين ~~يقينا العرى الحالسة ( 1 ) ظلم بظلم . وهذا باب الورع وقد أعلمتكم انه ضيق ~~. وأما الباب الثاني فهو باب قبول المتشابه ، وهو ms35 في غير زماننا هذا باب ~~جدي لأنه لا يؤثم صاحبه ، ولا يؤجر ، وليس على الناس أن يتجنوا على أصول ما ~~يحتاجون إليه في أقواتهم ومكاسبهم إذا كان الأغلب هو الحلال وكان الحرام ~~مغمورا . وأما في زماننا هذا وبلادنا هذه ، فإنما هو باب أغلق [ ] فرقت بين ~~زماننا هذا والزمان الذي قبله ، لأن الغايات [ . . ] ( 2 ) فإنما هي جزية ~~على رءوس المسلمين يسمونها بالقطيع ، ويؤدونها مشاهرة وضريبة على أموالهم ~~من الغنم والبقر والدواب والنحل ، يرسم على كل رأس ، وعلى كل خلية شيء ما ، ~~وقبالات ما ، تؤدى على كل ما يباع في الأسواق ، وعلى إباحة بيع الخمر من ~~المسلمين في بعض البلاد . هذا كل ما يقبضه المتغلبون اليوم ، وهذا هو هتك ~~الأستار ونقض شرائع الإسلام وحل عراه عروة عروة ، وإحداث دين جديد ، ~~والتخلي ( 3 ) من الله عز وجل . والله لو علموا أن في عبادة الصلبان تمشية ~~أمورهم لبادروا إليها ، فنحن نراهم يستمدون النصارى فيمكنونهم من حرم ~~المسلمين وأبنائهم ورجالهم يحملونهم أسارى إلى بلادهم ، وربما يحمونهم عن ~~حريم الأرض وحسرهم معهم آمنين ( 4 ) ، وربما أعطوهم المدن والقلاع طوعا ~~فأخلوها من الإسلام وعمروها بالنواقيس ، لعن الله جميعهم وسلط عليهم سيفا ~~من سيوفه . فإن قلتم : نحن نجتنب اللحم ، فانتم تعلمون علما يقينا أن ~~المواشي المغنومة ليست تباع للذبح فقط ، بل تباع للنسل والرسل كثيرا وللحرث ~~بها ، فتباع ويؤخذ فيها الثمن ، وهو نار لأنه بدل من المثمون ومال أخذ ~~بالباطل ، ثم ينصرف في أنواع التجارات والصناعات في الملابسات [ 250 ب ] ، ~~فيمتزج الأمر . فهذا ملا أحيلكم فيه على غائب ، لكن ما ترونه بعيونكم ~~وتشاهدونه أكثر من مشاهدتي له . وأنتم ترون الجند في بلادكم لا يأخذون ~~أرزاقهم إلا من الجزية التي يأخذها المتغلبون من المسلمين فيما يباع في ~~أسواقهم على الصابون والملح وعلى الدقيق والزيت وعلى الجبن وعلى سائر السلع ~~، ثم بتلك الدراهم الملعونة يعاملون التجار والصناع ، فحسبكم وقد علمتم ضيق PageV03P176 ~~ الأمر في كل مرة ما يأتي من البلاد التي غلب عليها البرير من ~~الزيت والملح ، أن كل ذلك غصب ms36 من أهله ، وكذلك الكتان أكثره من سهم صنهاجة ~~الآخذين النصف والثلث ممن أنزلوا عليه من أهل القرى ، وكذلك التبن مزرقة ، ~~وأما القمح فهو أشبه بيسير ، لأن الأرض وإن كانت مغصوبة فالزرع لزراعة حلال ~~وعليه إثم الأرض ، إلا أن تكون الزريعة مغصوبة ، فحصلنا في شعل نار [ أشد ] ~~من ذي قبل ؛ ولكن التخلص لنا ولكم أن لا يأخذ الإنسان فيما يحتاج إليه ما ~~أيقن أنه مغصوب بعينه ، ولعلنا فيما جهلنا من ذلك أعذر قليلا فإن النار ~~المدفونة في الرماد أفتر حرا من النار المؤججة المشتعلة ، فواغوثاه . # 8 - وأما ما سألتم عنه من تفاضل الكبائر ، فنعم ، فالحسنات تتفاضل والكبائر ~~تتفاضل ؛ سئل صلى الله عليه وسلم عن اكبر الكبائر ، فذكر عليه السلام أشياء ~~، منها عقوق الوالدين ، وشهادة الزور . واستعظم عليه السلام أشياء منها زنا ~~الزاني بامرأة جاره ، ومنها زنا الشيخ ومنها زنا الزاني بامرأة المجاهد ، ~~فهذه الوجوه أعظم عند الله بنص نبيه عليه السلام [ من ] سائر ( 1 ) وجوه ~~الزنا وكل عظيم ؛ وذكر كذب الكاذب أيضا بعد العصر ، فدل على انه اعظم منه ~~إثما في سائر الأوقات ، وذكر عليه السلام كذب السلطان وزهو الفقير ، فعلمنا ~~بذلك ان الكذب من الملك أعظم ذنبا من كذب غيره ، وأن زهو الفقير أكبر إثما ~~من زهو الغني . وكذلك الإلحاد بالبيت والظلم بمكة اعظم منه في سائر البلاد ~~، والقتل بلا شك أعظم إثما من اللطمة والضربة ، والكذب على النبي أشنع من ~~الكذب على غيره . قال النبي عليه السلام ( 2 ) : ' إن الكذب [ علي ] أعظم ~~من الكذب على غيري فمن كذب علي فليلج النار ' [ 251 / أ ] ، وإن شعبة بن ~~الحجاج رحمه الله يقول : لأن أزني أحب إلي من أن أدلس ، وأنا أقول : لأن ~~يضرب عنقي أو أصلب أو يرمى بي وأهلي وولدي إلي من أن أقطع الطريق أو أقتل ~~النفس التي حرم الله بغير الحق ، وأنا أعلم أن ذلك حرام ، [ وهذا ] أحب إلي ~~من أن أستحل الاحتجاج بحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم لا أعتقده صحيحا ، ~~أو أن أرد حديثا صحيحا ms37 عنه عليه السلام ، ولم يصح نسخه بنص آخر ، ولا صح ~~عندي تخصيصه بنص آخر ، فالكبائر تتفاضل كما أخبرتكم تفاضلا بعيدا ، وكذلك ~~العذاب عليها بتفاضل كما تتفاضل الحسنات ويتفاضل الجزاء عليها ؛ صح عن ~~النبي صلى الله PageV03P177 ~~ عليه وسلم [ أنه ] قال ( 1 ) : ' إن أهل الجنة ~~يتراءون من فوقهم كما تتراءون الكوكب الدري ' . وصح عنه عليه السلام أنه ~~أمرنا أن نسأل الله الفردوس الأعلى ، فإنه وسط الجنة وأعلاها ، وفوق ذلك ~~عرش الرحمن ( 2 ) . وجاء نص القرآن بان المنافقين في الدرك الأسفل من النار ~~( 3 ) . وقال تعالى : { ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب } ( ~~غافر : 46 ) ، والأشد والأسفل لا يقعان إلا بالإضافة إلى ما هو أخف وأعلى . ~~وجاء الحديث الصحيح ( 4 ) أن أبا طالب يخفف عنه العذاب بنعلين في رجليه ~~يغلي منهما دماغه ، وأنه أخرج عمه من النار إلى ضحضاح منها ، وانه أخف أهل ~~النار عذابا ، هذا الذي ذكرت معاني الحديث التي ذكرت لكم . فهذا أصلحكم ~~الله بيان ما سألتم عنه حسب ما علمني الله عز وجل ، لم أقل شيئا من ذلك من ~~عند نفسي ، ويعيذني الله ما أقول في شيء من الدين برأي أو بقياس ، لكن حكيت ~~لكم ما قاله الله تعالى وعهده إليكم نبيكم عليه السلام . ولعمري إني لأفقر ~~منكم إلى قبول ما أوصيتكم به ، وأحوج إلى استعماله . فإني والله أعلم من ~~عيوب [ نفسي أكثر مما أعلم من عيوب ] كثير من الناس ونقصهم . وقد توصل ~~الشيطان إلى جماعة من الناس بأن أسكتهم عن تعليم الخير ، بان وسوس إليهم ، ~~أو لمن يقول لهم : إذا أصلحتم أنفسكم ، فحينئذ اسعوا في صلاح غيركم ؛ وربما ~~اعترض عليهم بقول الله عز وجل : { عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم ~~} ( المائدة : 105 ) وبقوله تعالى : { أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم } ~~( البقرة : 44 ) الآية ؛ والحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم ( 5 ) ~~: أن رجلا يقذف به في النار فتندلق أقتابه [ 251 ب ] فيقول له أهل النار : ~~يا فلان ألست الذي كنت تأمرنا بالمعروف وتنهانا عن المنكر فيقول ms38 : نعم ، ~~كنت آمركم بالمعروف ولا أفعله ، وأنهاكم عن المنكر وآتيه ، أو كما قال عليه ~~السلام ، فأسكتهم عن تعليم الخير . فاعلموا رحمكم الله أن الآية الأولى لا ~~حجة فيها للمعترض بها فيها ، لأنه ليس فيها نهي لنا عن أن PageV03P178 ~~ ننهى ~~من ضل عن ضلالة ، ولكن فيها تطبيب لأنفسنا عن غيرنا ولا يضرنا من ضل إذا ~~اهتدينا . وقد جاء في بعض الآثار أن المنكر إذا خفي لم يؤخذ به إلا أهله ، ~~وأنه إذا أعلن فلم ينكره أخذ فاعله وشاهده الذي لا ينكره ( 1 ) . فإنما في ~~هذه الآية إعلام لنا أننا لا نضر بإضلال من ضل إذا اهتدينا و [ على ] من ~~اهتدى بنا أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر . وأما ( 2 ) الآية الثانية ~~فلم ينكر فيها الأمر بالبر ، وإنما أنكر استضافة إتيان النكر إليه ، ونعم . ~~معترفون لها ( 3 ) بذنوبنا منكرون على أنفسنا وعلى غيرنا ، راجعون الأجر ~~على إنكارنا ، خائفون العقاب على ما نأتي مما ندري أنه لا يحل . ولعل أمرنا ~~بالمعروف وتعليمنا الخير ونهينا عن المنكر ، يحط به ربنا تعالى عنه ما نأتي ~~من الذنوب ، فقد أخبرنا تعالى أنه لا يضيع عمل عامل منا . وأما الحديث ~~المذكور فهو رجل غلبت معاصيه على حسناته ، فإن كان مستحلا للمنكر الذي كان ~~يأتي ومرائيا بما يأتي به ، فهذا كافر مخلد في نار جهنم ، ويكفي من بيان ~~هذا قوله تعالى : { فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره * ومن يعمل مثقال ذرة شرا ~~يره } ( الزلزلة : 7 - 8 ) . فمن أمر بالمعروف ونهى عن المنكر وعصى مع ذلك ~~، فوالله لا ضاع له ما أسلف من خير ولا ضاع عنده ما أسلف من شر ، وليوضعن ~~كل ما عمله يوم القيامة في ميزان يرجحه مثقال ذرة ، ثم ليجازين بأيهما غلب ~~. هذا وعد الله الذي لا يخلف الميعاد . وقد أمر تعالى فقال : { ولتكن منكم ~~أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون ~~} ( آل عمران : 104 ) ، وقال تعالى { فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ~~ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا ms39 رجعوا إليهم لعلهم يحذرون } ( التوبة ~~: 122 ) ، فأمر تعالى من نفر ليتفقه في الدين بان ينذر قومه ، ولم ينهه عن ~~ذلك إن عصى ، بل أطلق الأمر عاما ، وقال تعالى : { وما يفعلوا من خير فلن ~~يكفروه } ( آل عمران : 115 ) ، فمن رام أن يصد عن هذه السبيل بالاعتراض ~~الذي قدمنا ، فهو فاسق صاد عن سبيل الله ، داعية من دواعي النار ، ناطق ~~بلسان الشيطان ، عون لإبليس على ما يحب ، إذ لا ينهى عن باطل ولا يأمر ~~بالمعروف ولا يعمل خيرا . وقد بلغنا عن مالك انه سئل عن مسألة فأجاب فيها ، ~~فقال له قائل : يا أبا عبد الله ، وأنت لا تفعل ذلك ، فقال : يا ابن أخي ~~ليس [ 352 / أ ] في الشر قدرة . ورحم الله الخليل بن أحمد الرجل الصالح حيث ~~يقول : PageV03P179 ~~ اعمل بعلمي ولا تنظر إلى عملي . . . ينفعك علمي ولا ~~يضررك تقصيري ( 1 ) وذكرت هذه المسألة يوما بحضرة الحسن البصري رضي الله ~~عنه فقال ( 2 ) : ود إبليس لو ظفر منا بهذه ، فلا يأمر أحد بمعروف ولا [ ~~ينهى ] عن منكر . وصدق الحسن ، لأنه لو لم يأمر بالمعروف ولم ينه عن المنكر ~~إلا من لا يذنب ، لما ( 3 ) أمر به أحد من خلق الله تعالى بعد النبي صلى ~~الله عليه وسلم ، فكل منهم قد أذنب وفي هذا هدم للإسلام جملة . فقد صح عن ~~النبي عليه السلام أنه قال : ' ما من أحد إلا وقد ألم ، إلا ما كان من يحيى ~~بن زكريا ' أو كلام هذا معناه . فخذوا حذركم من إبليس وأتباعه في هذا الباب ~~، ولا تدعوا الأمر بالمعروف وإن قصرتم في بعضه ، ولا تدعوا النهي عن منكر ~~وإن [ كنتم ] تواقعون بعضه ، وعلموا الخير وإن كنتم لا تأتونه كله ، ~~واعترفوا بينكم وبين ربكم بما تعلمونه بخلاف ما تعلمونه ، واستغفروا الله ~~تعالى منه دون أن تعلنوا بذكر فاحشة وقعت منكم ، فإن الإعلان بذلك من ~~الكبائر ؛ صح ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم . فلعل أحدنا يستحي من ربه ~~تعالى إذا أمر بالمعروف ونهى عن المنكر وهو يعلم من نفسه خلاف ms40 ما يقول يكون ~~ذلك سبب إقلاعه ومقته لنفسه ، ولعل الاعتراف الله تعالى والاستغفار المردد ~~له يوازي ما يقصر فيه ، فيحط عنا تعالى ربنا ذو الجلال ، وقد قال تعالى : { ~~يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله } ( النساء : 108 ) . وقد امرنا الله ~~تعالى على لسان نبيه بالاستخفاء بالمعاصي إذا وقعت ، ونهينا عن الإعلان بها ~~أشد النهي ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كلاما معناه ( 4 ) : ' كل ~~الناس معافى إلا المجاهر ، والإجهار أو من الإجهار ، الشك مني ، أن يبيت ~~المرء يعمل عملا فيستره الله عليه ، ثم يصبح فيفضح نفسه ، أو كما قال عليه ~~السلام . فإنما أنكر فعل المعصية نفسها ثم وصف عز وجل [ أنهم ] مع ذلك ~~يستخفون من الناس وأنه معهم ، فلا يمكنهم الاستخفاء منه بل هو عالم بذلك ~~كله . وإذا رأيتم من يعتقد انه لا ذنب له فاعلموا أنه قد هلك ؛ وإن العجب ( ~~5 ) من اعظم الذنوب وأمحقها للأعمال . فتحفظوا حفظنا الله وإياكم من العجب ~~والرياء ، فمن امتحن PageV03P180 ~~ بالعجب في علمه فليفتكر فيمن هو أفضل عملا ~~منه ، وليعلم انه لا حول ولا قوة له فيما يفعل من الخير ، وأن ذلك إنما [ ~~252 ب ] هو هبة من الله تعالى ، فلا يتلقاها بما يوجب أن يسلبها ولا يفخر ~~بما حصل له فيه ، لكن ليعجبه فضل ربه تعالى عليه ، ليعلم أنه لو وكل إلى ~~نفسه طرفة عين لهلك . وأما الرياء فلا يمنعكم خوف الرياء أن يصرفكم عن ( 1 ~~) فعل الخير ، لان لإبليس في ذم الرياء حبالة ومصيدة ، فكم رأيت من ممتنع ~~من فعل الخير خوف أن يظن به الرياء ، ولعلكم قد امتحنتم بهذا ، ولكن أصفوا ~~نياتكم لله تعالى ، ثم لا تبالوا من كلام الناس فإنما هو ريح وهواء منبث ، ~~وقل والله ضرر كلامهم وكثر نفعه لكم ، فعليكم بما ينتفعون به في دار قراركم ~~وعند من يعلم سركم وجهركم وعند من يملك ضركم ونفعم ، وحده لا شريك له . # 9 - واعلموا أن كل حديث ذكرته لكم في رسالتي هذه فليس شيء منه إلا صحيح السند ~~متصل ms41 ثابت بنقل الثقات مبلغ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ إلا أن ~~الحديث الذي من طريق ابن أبي أويس عن أخيه ، ذكرناه قبل ( 2 ) ، قد أسيء ( ~~3 ) الثناء على أبي [ بكر ] لكراهته بعض أئمة الحديث ( 4 ) ، وحديث الإجهار ~~لم يأت إلا من طريق ابن أخي الزهري ، وقد تكلم فيه ، إلا أن معنى الحديث ~~صحيح فخرج متمما من سائر الأحاديث الثابتة . لكني أضربت عن الأسانيد خوف ~~التطويل ورجاء الاختصار ، مع أن أكثرها أو كلها مشهورة في المصنفات ~~المشهورة من روايتنا ، والحمد لله رب العالمين . واعلموا أن كل ما اخترت ~~فيها من صفة ذكر أو كيفية عمل ، فليس من رأيي ، وأعوذ بالله العظيم ، ولكنه ~~كله إما اختيار مروي عن النبي وإما عمل ، ولابد ، وكل ذلك منقول بالأسانيد ~~الصحاح ولله الحمد . # 10 - ومضى في كلامنا ذكر التوبة ، فأردت أن أبين لكم ~~وجوهها ، وإن كانت PageV03P181 ~~ ليست مما سألتم عنه باسمه ، لكن نسق الكلام ~~اقتضى إثباتها ، لأنها دخلت فيما سألتم مما يحط الكبائر ، فاعلموا أن ~~التوبة تكون على أربعة أضرب : أحدها : ما بين المرء وبين ربه تعالى من ~~أعمال سوء عملها كالكبائر من الزنا وشرب الخمر وفعل قوم لوط والشرك وما ~~أشبه ذلك ، فالتوبة من هذا تكون بالإقلاع والندم والاستغفار وترك المعاودة ~~بفعله وإضمار ان لا يعود بنيته . فإن فعل التائب من هذه الوجوه هذا الفعل ~~سقط عنه بإجماع الأمة كل ما فعل من ذلك بينه وبين ربه تعالى ، وأيضا فيمن ~~أقيم عليه الحد مما ذكرنا ومات مسلما كان ذلك كفارة لما فعل بنص حديث النبي ~~صلى الله عليه وسلم . والضرب الثاني : من عطل فرائض الله عمدا حتى فات ~~وقتها ، فقد اختلف الناس ، فقوم قالوا : يقضيها ، وقوم قالوا : لا سبيل إلى ~~قضائها ، وبهذا نأخذ ، لان من فعل الشيء في غير الوقت الذي أمره الله تعالى ~~أن يفعله فيه ، فلم يفعل الشيء الذي أمره الله تعالى أن يفعله ، وإنما فعل ~~شيئا آخر [ 253 / أ ] . وإذا لم يفعل ما أمر به فهو باق ، وتوبة هذا عندنا ms42 ~~بالندم والإقلاع والإكثار من النوافل وفعل الخير ، كما جاء في الأمر عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم ( 1 ) : ' أن لم يوف فرض صلاته جبر من تطوع إن ~~وجد له ' . فأما ما كان من هذا فرضا في المال فليؤده متى أمكنه كالزكاة ~~والكفارات ، لأن الله عز وجل لم يحد لأحد وقت أداء الزكاة والكفارات حدا لا ~~يتعدى ، كما حد عز وجل للصلاة حدا وللصيام وقتا محدود الطرفين معلوم الأول ~~والآخر ينقضي وقت كل ذلك بخروج أوله . والضرب الثالث : من امتحن بمظالم ~~العباد ، من أخذ أموالهم وضرب أبشارهم وقذف أعراضهم وإخافتهم ظلما والإفساد ~~عليهم ، فالتوبة من هذه ، الخروج عن المال المأخوذ بغير حقه ورده إلى ~~أصحابه أو إلى ورثتهم ، فاما أن يردها إلى الذين غصبها منهم بأعيانهم فقد ~~سقط الإثم عنه يقينا ، وأما إن ردها إلى ورثتهم فقد سقط عنه إثم غصبه ما ~~غصب عن الورثة أيضا وبقي حق الموتى قبله ، لأنه فعل ثان . فليكثر من فعل ~~الخير ما أمكنه ، فإن جهلوا فإلى إمام المسلمين إن كان لهم إمام عدل تجب ~~طاعته ، وإن لم يكن فلا بد من صرف المال إلى مصالح المسلمين ، لأنه مال لا ~~يعرف ربه ، وليكثر PageV03P182 ~~ مع ذلك من الخير ليجد أرباب المتاع ما ~~يأخذون منه يوم القيامة فليس إنصافه عمرا بمسقط عنه ظلم زيد . وأما من تاب ~~بزعمه وهو زام يديه على ما ظلم فيه أو على ما يدري انه ظلم بعينه بين ، ~~فهذا مصر لا تائب ، ولكنه ممسك عن الازدياد من الظلم ، كإنسان مصر على ~~الزنا إلا انه لا يزني . وأما التوبة من ضرب إنسان ، فهو بأن يمكن الإنسان ~~من نفسه ليقتص منه أو ليعفو ، كما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه ~~أقتص من نفسه في ضربة بقضيب ، فإن مات المضروب فموعدهما يوم يقتص للشاة ~~الجماء من الشاة القرناء ، ولكن ليستكثر من فعل الخير ليجد من ظلم ما يأخذ ~~وما يترك ، وكذلك القول في سب الأعراض والإخافة . وأما الإفساد فالتوبة منه ~~بالإقلاع والندم والإصلاح ms43 . والضرب الرابع : من امتحن بقتل النفس التي حرم ~~الله تعالى ، وهذا أصعب الذنوب مخرجا ، فقد جاء عن النبي : من استطاع أن لا ~~يحول بينه وبين الجنة [ 253 ب ] وقد عاينها وشم ريحها ملء محجم من دم امرئ ~~مسلم فليفعل ، أو كلاما هذا معناه . فمن ابتلي بهذه العظيمة ، فتوبته أن ~~يمكن ولي المقتول من دمه ، فإن قتله فقد اقتص منه وانتصف ، وإن عفا أو أكثر ~~قتلاه ، فليلزم الجهاد ، وليتعرض للشهادة جهده ، فما أرجو أن يكفر عنه فعل ~~شيء غيرها . فإن اعترض معترض بالحديث الذي فيه أن رجلا قتل مائة ثم تاب ~~أدخله الجنة ( 1 ) ، فلا حجة له فيه ، لأن ذلك كان في الأمم الذين قبلنا ، ~~هكذا نص الحديث المذكور ، وكانت أحكام تلك الأمم بخلاف أحكامنا ، قال الله ~~تعالى : { لكل جعلنا منكم شرعة } ( المائدة : 48 ) ، ومنها [ ما ] جاء في ~~الحديث نفسه أن توبة ذلك القاتل كانت بأن خرج من قريته قرية السوء إلى قرية ~~قوم صالحين ، وهذا لا معنى له عندنا ولا في ديننا بإجماع الأمة ، وقد كانت ~~توبة بني إسرائيل بقتل أنفسهم ، وهذا حرام عندنا وفي ديننا لا يحل ألبتة ، ~~ولعل ذلك القاتل المائة كان كافرا فآمن ، فمحا إيمانه كل ما سلف له في كفره ~~، فهذا أيضا وجه ظاهر . PageV03P183 ~~ وأما التوبة في شريعتنا فإنما هي ~~التبرؤ من الذنب والخروج عنه بما أمكن ، إلا الكافر والحربي فإن توبته من ~~كفره ومن كل ما قتل أو ظلم فإنما هو بالإسلام فقط واعتقاد العمل به ~~وبشرائعه وليس عليه في ما قتل من المسلمين في حال كفره إذا أسلم وسدد وأصلح ~~. والحمد لله رب العالمين . # فهذا جواب ما سألتم عنه ، وفقنا الله وإياكم ~~للخير ، وجعلنا في ديننا إخوانا على سرر متقابلين ، آمين . والحمد لله عدد ~~خلقه ورضى نفسه وزنة عرشه ومداد كلماته ، وصلى الله على سيدنا محمد خاتم ~~النبيين وإمام المسلمين وسلم تسليما كثيرا ، والسلام عليكم ورحمة الله ~~وبركاته . # تمت رسالة التلخيص لوجوه التخليص PageV03P184 ~~ ms44