######OpenITI# #META# 000.SortField :: JK_009305 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: ابن حزم #META# 010.AuthorNAME :: أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم الأندلسي #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 456 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: التقريب لحد المنطق #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: كتب العقائد والملل :: مواضيع عقدية #META# 022.BookVOLS :: 1 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: التقريب لحد المنطق #META# 030.LibURI :: JK_009305 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: NODATA #META# 031.LibURL :: NODATA #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: د . إحسان عباس #META# 041.EdNUMBER :: الثانية #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: المؤسسة العربية للدراسات والنشر #META# 044.EdPLACE :: بيروت / لبنان #META# 045.EdYEAR :: 1987 م #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # بسم الله الرحمن الرحيم ' اللهم صل على سيد المرسلين وعلى آل محمد وصحبه ~~وسلم ' قال الإمام الأوحد الأعلم ، أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم بن ~~غالب ابن صالح بن خلف بن معدان بن يزيد الفارسي : الحمد لله رب العالمين ، ~~بديع السماوات والأرض وما بينهما ، ذي العرش المجيد ، الفعال لما يريد ، ~~وصلى الله على محمد عبده وخاتم أنبيائه ورسله إلى عباده من الأنفس الحية ~~القابلة للموت ، من الإنس والجن ، بالدين الذي اجتبرهم به ، ليسكن الجنة ~~التي هي دار النعيم السرمدي من أطاعه ويدخل النار التي هي محل العذاب ~~الأبدي من عصاه ؛ وما توفيقنا إلا بالله تعالى ، ولا حول ولا قوة إلا بالله ~~، عز وجل . أما بعد : فان الأول الواحد الحق الخالق لجميع الموجودات دونه ، ~~يقول في وحيه الذي آتاه نبيه وخليله المقدس : { الله الخالق كل شيء وهو على ~~كل شيء وكيل } . ( الزمر : 62 ) وقال تعالى { ويتفكرون في خلق السماوات ~~والأرض } ( آل عمران : 191 ) مثنيا عليهم ؛ وقال تعالى : { الرحمن علم ~~القرآن ، خلق الإنسان ، علمه البيان } ( الرحمن : 3 ) وقال تعالى : { اقرأ ~~وربك الأكرم ، الذي علم بالقلم ، علم الإنسان ما لم يعلم } ( العلق : 3 ) ~~فهذه الآيات جامعة لوجوه البيان الذي امتن به عز وجل ، على الناطقين من ~~خلقه وفضلهم به على سائر الحيوان ، فضلا منه تعالى يؤتيه من يشاء والله ذو ~~الفضل العظيم . ووجدناه عز وجل قد عدد في عظيم نعمه على من ابتدأ اختراعه ~~من النوع الانسى تعلمه أسماء الأشياء ؛ فقال تعالى : ' { وعلم آدم الأسماء ~~كلها } ( البقرة : 31 ) وهو الذي بانت به الملائكة والإنس والجن من سائر ~~النفوس الحية ، وهو البيان عن جميع الموجودات ، على اختلاف وجوهها ، وبيان ~~معانيها ، التي من أجل اختلافها وجب أن تختلف اسمتؤها ، ومعرفة وقوع ~~المسميات تحت الأسماء فمن جهل مقدار هذه النعمة عند نفسه ، وسائر نوعه ، ~~ولم يعرف موقعها لديه ، لم يكن يفضل البهائم إلا في PageV01P009 الصورة ؛ ~~فلله الحمد على ما علم وآتى ، لا إله إلا هو . ومن لم يعلم صفات الأشياء ~~المسميات ، الموجبة لافتراق ms001 أسمائها ويحد كل ذلك بحدودها ، فقد جهل مقدار ~~هذه النعمة النفيسة ، ومر عليها غافلا عن معرفتها ، معرضا عنها ، ولم يخب ~~خيبة يسيرة بل جليلة جدا . فان قال جاهل : فهل تكلم أحد من السلف الصالح في ~~هذا ؟ قيل له : إن هذا العلم مستقر في نفس كل ذي لب ، فالذهن الذكي واصل ~~بما مكنه الله تعالى فيه من الفهم ، إلى فوائد هذا العلم ، والجاهل منكسع ~~كالأعمى حتى ينبه عليه ، وهكذا سائر العلوم . فما تكلم أحد من السلف الصالح ~~، رضى الله عنهم ، في مسائل النحو ، لكن لما فشا جهل الناس ، باختلاف ~~الحركات التي باختلافها اختلفت المعاني في اللغة العربية ، وضع العلماء كتب ~~النحو ، فرفعوا إشكالا عظيمة ، وكان ذلك معينا على الفهم لكلام الله عز وجل ~~، وكلام نبيه صلى الله عليه وسلم ، وكان من جهل ذلك ناقص الفهم عن ربه ~~تعالى ، فكان هذا من فعل العلماء حسنا وموجبا لهم أجرا . وكذلك القول في ~~تواليف كتب العلماء في اللغة والفقه ؛ فان السلف الصالح غنوا عن ذلك كله ~~بما آتاهم الله به من الفضل ومشاهدة النبوة ، وكان من بعدهم فقراء إلى ذلك ~~كله ، يرى ذلك حسا ويعلم نقص من لم يطالع هذه العلوم ولم يقرأ هذه الكتب ~~وأنه قريب النسبة من البهائم ، وكذلك هذا العلم فان من جهله خفي عليه بناء ~~كلام الله عز وجل مع كلام نبيه صلى الله عليه وسلم ، وجاز عليه من الشغب ~~جوازا لا يفرق بينه وبين الحق ، ولم يعلم دينه إلا تقليدا ، والتقليد مذموم ~~، وبالحرى إن سلم من الحيرة ، نعوذ بالله منها . فلهذا وما نذكره بعد هذا ، ~~إن شاء الله ، وجب البدار إلى تأليف هذا العلم ، والتعب في شرحه وبسطه ، ~~بحول الله وقوته ، فنقول وبالله نستعين : إن جميع الأشياء التي أحدثها ~~الأول ، الذي لا أول على الإطلاق سواه ، وقسمها الواحد الذي لا واحد على ~~التصحيح حاشاه ، واخترعها الخالق الذي لا خالق على الحقيقة إلا إياه ، فان ~~مراتبها في وجوه البيان أربعة ، لا خامس لها أصلا وان تناقص منها واحد اختل ~~من ms002 البيان بمقدار ذلك النقص . فأول ذلك كون الأشياء الموجودات حقا في ~~أنفسها ، فانها إذا كانت حقا فقد امكنت استبانتها ، وإن لم يكن لها مستبين ~~، حينئذ ، موجود ، فهذه اول مراتب البيان ؛ إذ ما لم يكن موجودا فلا سبيل ~~إلى استبانته . والوجه الثاني : بيانها عند من استبانها وانتقال أشكالها ~~وصفاتها إلى نفسه ، PageV01P010 واستقراره فيها بمادة العقل الذي فضل به ~~العاقل من النفوس ، وتمييزه لها على ما هي عليه إذ من يبن له الشيء لم يصح ~~له علمه ولا الإخبار عنه ، فهذه المرتبة الثانية من مراتب البيان . والوجه ~~الثالث : إيقاع كلمات مؤلفات من حروف مقطعات ، مكن الحكيم القادر لها ~~المخارج من الصدر والحلق وأنابيب الرئة والحنك واللسان والشفتين والأسنان ، ~~وهيأ لها الهواء المندفع بقرع اللسان إلى سماخ الآذان ، فيوصل بذلك نفس ~~المتكلم مثل ما قد استبانته واستقر منها إلى نفس المخاطب ، وينقلها إليها ~~بصوت مفهوم بقبول الطبع منها للغة اتفقا عليها ، فيستبين من ذلك ما قد ~~استتبانته نفس المتكلم ، ويستقر في نفس المخاطب ، مثل ما قد استقر في نفس ~~المتكلم ، وخرج إليها بذلك مثل ما عندها ، لطفا من اللطيف الخبير ، لينتج ~~بما وهب لنا من هذه الخاصة الشريفة ، والقوة الرفيعة ، والطبيعة الفاضلة ~~المقربة لمن استعملها في طاعته ، إلى فوز الأبد برضاه والخلود في جنته ، ~~نتيجة يبين بها من البهائم التي لا ثواب ولا عقاب عليها ، والتي سخرها لنا ~~في جملة ما سخر ، وذللتها لحكمنا مع ما ذلل ، إذ خلق لنا ما في السموات ~~والأرض ، الا ما حمى عنا ، واستثنى بالتحريم علينا ، فله الحمد والشكر منا ~~، والسمع والطاعة علينا ، ومن تتميم ذلك لنا بمنه وطوله ، قال الله تعالى : ~~{ وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم } ( إبراهيم : 4 ) فهذه ~~المرتبة الثالثة من مراتب البيان . والوجه الرابع : إشارات تقع باتفاق ، ~~عمدتها تخطيط ما استقر في النفس من البيان المذكور ، بخطوط متباينة ، ذات ~~لون يخالف لون ما يخط فيه ، متفق عليها بالصوت المتقدم ذكره ، فسمى كتابا ، ~~تمثله اليد التي هي آلة لذلك . فتبلغ به نفس ms003 المخطط ما قد استبانته إلى ~~النفس التي تريد ان تشاركها في استبانة ما قد استبانته ، فتوصلها إليها ~~العين ، التي هي آلة لذلك . وهي في الأقطار المتباعدة ، وعلى المسافات ~~المتباينة التي يتفرق الهواء المسمى صوتا قبل بلوغها ، ولا يمكن توصيله إلى ~~من فيها فيعلمها بذلك دون من يجاورها في المحل ممن لا يريد اعلامه . ولولا ~~هذا الوجه ، ما بلغت إلينا حكم الاموات على آباد الدهور ، ولا علمنا علم ~~الذاهبين على سوالف الاعصار ، ولا انتهت الينا اخبار الامم الماضية والقرون ~~الخالية . وتندرج في هذا القسم اشياء تبين وليست بالفاشية ، فمنها : اشارات ~~باليد فقط ، ومنها اشارات بالعين أو بعض الاعضاء ، وقد يمكن ان يؤدي البيان ~~بمذاقات ، فمن ذلك ما يدرك PageV01P011 الاعمى بها البيان إلى الحاضر وحده ~~على حسب ما يتفق عليه مع الشير بذلك إليه ، فهذه المرتبة الرابعة من مراتب ~~البيان إذ لا سبيل إلى الكتاب الا بعد الاتفاق على تمييز تلك الخطوط ~~بالاصوات الموقفة عليها ، ندرة عجزت العقول عن اكثر المعرفة بها ، وتوحد ~~الواحد الأول الخالق الحق بتدبير ذلك واختراعه دون علة اوجبت عليه ذلك ، ~~الا انه يفعل ما يشاء لا معقب لحكمه ولا يسأل عما يفعل وهم يسألون . وصارت ~~غاية الفضائل فيها ما ذكرنا واستعماله في وجوهه والإقرار للخالق الأول ~~الواحد الحق بالقوة والقدرة والعلم وانه مباين لخلقه في جميع صفاتهم . وبعد ~~: فان من سلف من الحكماء ، قبل زماننا ، جمعوا كتبا رتبوا فيها فروق وقوع ~~المسميات تحت الأسماء التي اتفقت جميع الأمم في معانيها ، وان اختلفت في ~~أسمائها التي يقع بها التعبير عنها ، إذ الطبيعة واحدة ، والاختيار مختلف ~~شتى ، ورتبوا كيف يقوم بيان المعلومات من تراكيب هذه الاسماء ، وما يصح من ~~ذلك وما لا يصح ، وتقفوا هذه الأمور ، فحدوا في ذلك حدودا ورفعوا الاشكال ، ~~فنفع الله تعالى بها منفعة عظيمة ، وقربت بعيدا ، وسهلت صعبا ، وذللت عزيزا ~~[ في ] إرادة الحقائق ، فمنها كتب أرسطاطاليس الثمانية المجموعة في حدود ~~المنطق . ونحن نقول قول من يرغب إلى خالقه الواحد الأول في تسديده وعصمته ، ~~ولا يجعل ms004 لنفسه حولا ولا قوة الا به ، ولا علم الا ما علمه : إن من البر ~~الذي نأمل أن نغبط به عند ربنا تعالى بيان تلك الكتب لعظيم فائدتها فانا ~~رأينا الناس فيها على ضروب أربعة : الثلاثة منها خطأ بشيع وجوز شنيع ، ~~والرابع حق مهجور ، وصواب مغمور ، وعلم مظلوم ؛ ونصر المظلوم فرض وأجر . ~~فأحد الضروب الأربعة قوم حكموا على تلك الكتب بانها محتوية على الكفر ~~وناصرة للإلحاد ، دون ان يقفوا على معانيها أو يطالعوها بالقراءة . هذا وهم ~~يتلون قول الله عز وجل ، وهم المقصودون به إذ يقول تعالى : { ولا تقف ما ~~ليس لك به علم ، لإن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا } . ( ~~الاسراء : 36 ) وقوله تعالى : { ها أنتم أولاء حاججتم فيما لكم به علم فلم ~~تحاجون فيما ليس لكم به علم } ( آل عمران : 66 ) وقوله PageV01P012 تعالى : ~~{ قل هاتوا برهانكم ان كنتم صادقين } ( النمل : 64 ) فرأينا من الأجر ~~الجزيل العظيم في هذه الطائفة إزالة هذا الباطل من نفوسهم الجائرة الحاكمة ~~قبل التثبيت ، القابلة دون علم ، القاطعة دون برهان ، ورفع المأثم الكبير ~~عنهم بإيقاعهم هذا الظن الفاسد على قوم برآء ذوي ساحة سالمة وبشرة نقية ~~وأديم أملس مما قرفوهم به . وقد قال رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، ~~الواسطة بيننا وبين الواحد الأول : ' من قال لاخيه يا كافر فقد باء بها ~~احدهما ' فنحن نرجو من خالقنا أن نكون ممن يضرب لنا في كشف هذه الغمة بنصيب ~~وافر به حدا يوم فقرنا إلى الحسنات وحاجتنا إلى النجاة بأنفسنا مما يقع فيه ~~الآثمون ، ييسرنا لسنة حسنة نشارك من تصرف بعدها ما كنا السبب في علمه إباه ~~، دون أجره ، دون ان ينقص من أجره شيء ، فهكذا وعدنا الخالق الأول على لسان ~~رسوله صلى الله عليه وسلم فهؤلاء ضرب . والضرب الثاني : قوم يعدون هذه ~~الكتب هذيانا من المنطق وهذرا من القول وبالجملة فاكثر الناس سراع إلى ~~معاداة ما جهلوه وذم ما لم يعلموه ، وهو كما قال الصادق عليه السلام : ' ~~الناس كأبل مائة لا تجد فيها راحلة ms005 ' فرأينا أيضا أن من وجوه البر إفهام من ~~جهل هذا المقدار الذي نصصنا الذي فضله اولا ، ولعمري ما ذلك بقليل إذ ~~بالعلم بهذا المعنى ننأى عن البهائم وفهمنا مراد الباري عز وجل في خطابه ~~إيانا . والضرب الثالث : قوم قرأوا هذه الكتب المذكورة بعقول مدخولة واهواء ~~مؤوفة وبصائر غير سليمة ، وقد اشربت قلوبهم حب الاسنخفاف واستلانوا مركب ~~العجز واستوبأوا نقل الشرع وقبلوا قول الجهال فوسموا انفسهم بفهمها ، وهم ~~أبعد الناس عنها وأناهم عن درايتها ، وكان ما ذكرنا زائدا في تلبيس هذه ~~الكتب ومنفرا عنها فقوي رجاؤها في اننا في بيان ما نبينه منها يكون السبب ~~في هداية من سبقت له الهداية في علم الله عز وجل ، فيفوز بالحظ الاعلى ~~ويحوز القسم الاسنى ان شاء الله عز وجل . ولم نجد احدا قبلنا أنتدب لهذا ~~فرجونا ثواب الله عز وجل في ذلك . PageV01P013 والضرب الرابع : قوم نظروا ~~بأذهان صافية وأفكار نقية من الميل وعقول سليمة فاستناروا بها ووقفوا على ~~اغراضها فاهتدوا بمنارها وثبت التوحيد عندهم ببراهين ضرورية لا محيد عنها ، ~~وشاهدوا انقسام المخلوقات وتأثير الخالق فيها وتدبيره إياها ، ووجدوا هذه ~~الكتب الفاضلة كالفريق الصالح والخدين الناصح والصديق المخلص الذي لا يسلم ~~عند شدة ولا يفتقده صاحبه في ضيق إلا وجده معه . فلم يسلكوا شعبا من شعاب ~~العلوم الا وجدوا منفعة الكتب امامهم ومعهم ، ولا طلعوا ثنية من ثنايا ~~المعارف الا أحسوا بفائدتها غير مفارقة لهم ، بل ألفوها لهم كل مستغلق ، ~~وتليح لهم كل غامض في جميع العلوم ، فكانت لهم للصير في ، والاشياء التي ~~فيها الخواص لتجلية مخصوصاتها . فلما نظرنا في ذلك وجدنا بعض الآفات ~~الداعية إلى البلايا التي ذكرنا ، تعقيد الترجمة فيها وايرادها بالفاظ غير ~~عامية ولا فاشية الاستعمال ، وليس كل فهم تصلح له كل عبارة ، فتقربنا إلى ~~الله عز وجل بان نورد معاني هذه بالفاظ سهلة سبطة يستوي ان شاء الله في ~~فهمها العامي والخاصي والعالم والجاهل حسب إدراكها وما منحنا خالقنا تبارك ~~وتعالى من القوة والتصرف . وكان السبب الذي حدا من سلف ms006 من المترجمين إلى ~~إغماض الألفاظ وتوعيرها وتخشين المسلك نحوها ، الشح منهم بالعلم والضن به . ~~ولقد يقع لنا أن طلاب العلم يومئذ والراغبين فيه كانوا كثيرا ذوي حرص قوي ، ~~فأما الآن وقد زهد الناس فيه ، إلى ايذاء اهله وذعرهم ومطالبتهم والنيل ~~منهم ولم يقنع بان يترك وجهله ، بل صار داعية إليه وناهيا عن العلم بفعله ~~وقوله ، وصاروا كما قال حبيب بن أوس الطائي في وصفهم : غدوا وكأن الجهل ~~يجمعهم به . . . أب وذوو الأدب فيهم نوافل فان الحظ لمن آثر العلم فضله ، ~~أن يسهله جهده ، ويقربه بقدر طاقته ، ويخففه ما أمكن . بل لو أمكن أن يهتف ~~به على قوارع طرق المارة ، ويدعو إليه في شوارع السابلة ، وينادي عليه في ~~مجامع السيارة ، بل لو تيسر له أن يهب المال لطلابه ، ويجزي الأجور لمقتنيه ~~، ويعظم الاجعال عليه للباحثين عنه ، ويسني مراتب أهله ، صابرا في ذلك على ~~المشقة والأذى ، لكان ذلك حظا جزيلا وعملا جيدا وسعيا PageV01P014 مشكورا ~~كريما واحياء للعلم ؛ والا فقد درس وبلي وخفي ، إلا تحلة القسم ، ولم يبق ~~منه الا آثار لطيفة وأعلام دائرة والله المستعان . ورأينا هذه الكتب ~~كالدواء القوي ، إن تناوله ذو الصحة والمستحكمة ، والطبيعة السالمة ، ~~والتركيب الوثيق ، والمزاج الجيد ، انتفع به وصفى بنيته وأذهب اخلاطه وقوى ~~حواسه ، وعدل كيفياته ؛ وان تناوله العليل المضطرب المزاج ، الواهي التركيب ~~، أتى عليه ، وزاده بلاء وربما أهلكه وقتله . وكذلك هذه الكتب إذا تناولها ~~ذو العقل الذكي والفهم القوي لم يعدم اين تقلب وكيف تصرف منها نفعا جليلا ~~وهديا منيرا وبيانا لائحا وتنجحا في كل علم تناوله وخيرا في حينه ودنياه ~~وان اخذها ذو العقل السخيف ابطلته وذو الفهم الكليل بلدته وحيرته ؛ ~~فليتناول كل امرئ حسب طاقته . وما توفيقنا إلا بالله عز وجل . ولا ينذعر ~~قارئ كتابنا هذا من هذا الفعل ، فيكع راجعا ، ويجفل هاربا ، ويرجع من هذه ~~الثنية ثانيا من عنانه ، فانا نقول قولا ينصره البرهان ، ونقضي قضية يعضدها ~~العيان : إن اقواما ضعف عقولهم عن فهم القرآن فتناولوه باهواء جائرة ، ~~وافكار مشغولة ، وافهام مشوبة فما ms007 لبثوا أن عاجوا عن الطريقة ، وحادوا عن ~~الحقيقة : فمن مستحل دم الامة ، ومن نازع إلى بعض فجاج الكفر ، ومن قائل ~~على الله عز وجل ما لم يقل . وقد كر الله عز وجل وحيه وكلامه فقال : { يضل ~~به كثيرا ويهدي به كثيرا ، وما يضل به الا الفاسقين } ( البقرة : 26 ) ~~وهكذا كل من تناول شيئا على غير وجهه ، أو هو غير مطيق له ، وبالله تعالى ~~نستعين . وليعلم من قرأ كتابنا هذا ان منفعة هذه الكتب ليست في علم واحد ~~فقط بل كل علم ، فمنفعتها في كتاب الله عز وجل ، وحديث نبيه ، صلى الله ~~عليه وسلم وفي الفتيا في الحلال والحرام ، والواجب والمباح ، من أعظم منفعة ~~. وجملة ذلك في فهم الاشياء التي نص الله تعالى ورسوله ، صلى الله عليه ~~وسلم ، عليها وما تحتوي عليها من المعاني التي تقع عليها الاحكام وما يخرج ~~عنها من المسميات ، وانتسابها تحت الاحكام على حسب ذلك والالفاظ التي تختلف ~~عبارتها وتتفق معانيها . وليعلم العالمون ان من لم يفهم هذا القدر فقد بعد ~~عن الفهم عن ربه تعالى وعن النبي صلى الله عليه وسلم ، ولم يجز له ان يفتي ~~بين اثنين لجهله بحدود الكلام ، وبناء بعضه على بعض ، وتقديم المقدمات ، ~~وانتاجها النتائج التي يقوم بها البرهان وتصدق ابدا ، أو يمييزها من ~~المقدمات التي تصدق مرة وتكذب اخرى ولا ينبغي بها . واما علم النظر بالآراء ~~والديانات والاهواء والمقالات فلا غنى لصاحبه عن PageV01P015 الوقوف على ~~معاني هذه الكتب لما سنبينه من أبوابه إن شاء الله تعالى . وجملة ذلك معرفة ~~ما يقوم بنفسه مما لا يقوم بنفسه ، والحامل والمحمول ، ووجوه الحمل في ~~الشغب والاتباع ، وغير ذلك . فاما علم النحو واللغة والخبر وتمييز حقه من ~~باطله والشعر والبلاغة والعروض فلها في جميع ذلك تصرف شديد وولوج لطيف ~~وتكرر كثير ونفع ظاهر . فاما الطب والهندسة والنجوم فلا غنى لاهلها عنها ~~أيضا لتحقيق الاقسام والخلاص من الثلاثة الاشياء المشتركة وغير ذلك ، مما ~~ليس كتابنا هذا مكانا لذكره . وهذه جمل يستبينها من قرأ هذه الكتب وتمهر ms008 ~~فيها وتمرن بها ثم نظر في شيء من العلوم التي ذكرنا وجد ما قلنا حقا ، ~~ولاحت له أعلامها في فجاجها وأغماضها تبدي له كل ما اختفى وبالله تعالى ~~التوفيق . وكتابنا هذا واقع من الانواع التي لا يؤلف أهل العلم والتمييز ~~الصحيح إلا فيها تحت النوع الرابع ، وهو شرح المستغلق ، وهو المرتبة ~~الرابعة من مراتب الشرف في التواليف . ولن نعدم ، ان شاء الله ، أن يكون ~~فيها بيان تصحيح رأي فاسد يوشك أن يغلط فيه كثير من الناس وتنبيه على أمر ~~غامض ، واختصار لما ليست بطالب الحقائق إليه ضرورة ، وجمع اشياء مفترقة مع ~~الاستيعاب لكل ما يطالب البرهان إليه اقل حاجة ، وترك حذف من ذلك البتة . ~~والانواع التي ذكرنا سبعة لا ثامن لها : وهي إما شيء لم نسبق إلى استخراجه ~~فنستخرجه ؛ واما شيء ناقص فنتممه ، واما شيء مخطأ فنصححه ، واما شيء مستغلق ~~فنشرحه ، واما شيء طويل فنختصره ، دون ان نحذف منه شيئا يخل حذفه إياه ~~بغرضه واما شيء متفرق فنجمعه ، واما شيء منثور فنرتبه . ثم المؤلفون ~~يتفاضلون فيما عانوه من تواليفهم مما ذكرنا على قدر استيعابهم ما قصدوا أو ~~يقصر بعضهم عن بعض ، ولكل قسط من الاحسان والفضل والشكر والاجر ، وان لم ~~يتكلم الا في مسألة واحدة إذا لم يخرج عن الانواع التي ذكرنا في أي علم ألف ~~. واما من اخذ تأليف غيره فاعاده على وجهه وقدم وأخر ، دون تحسين رتبه ، أو ~~بدل ألفاظه دون أن يأتي بأبسط منها وأبين ، أو حذف مما يحتاج إليه ، أو اتى ~~بما [ لا ] يحتاج إليه ، أو نقض صوابا بخطأ ، وأتى بما لا فائدة فيه ، ~~فإنما هذه أفعال أهل الجهل والغفلة ، وأهل القحة والسخف فنعوذ بالله من ذلك ~~. PageV01P016 # | [ المدخل إلى المنطق أو ايساغوجي ] # وهذا حين نبدأ ، إن شاء الله عز وجل يحوله وقوته ، فيما له قصدنا فنشرع ~~في بيان المدخل إلى الكتب المذكورة ، وهو المسمى باللغة اليونانية إيساغوجي ~~. معنى إيساغوجي في اللغة اليونانية ' المدخل ' وهو خاصة من تأليف فرفوريوس ~~الصوري . والكتب التي بعده من تأليف أرسطاطاليس معلم ms009 الاسكندر ومدبر مملكته ~~، وبالله تعالى التوفيق ، وبه نعتصم ونتأيد ، لا إله إلا هو . # | 1 - الكلام في انقسام الاصوات المسموعة # جميع الاصوات الظاهرة من المصوتين فانها تنقسم قسمين : اما ان تدل على ~~معنى ، واما أن لا تدل على معنى . فالذي لا يدل على معنى لا وجه للاشتغال ~~به لأنه لا يحصل لنا منه فائدة نفهمها ؛ وطلب ما هذه صفته ليس من أفعال أهل ~~العقول . وهذا مثل كل صوت سمعته لم تدر ما هو ؛ ويدخل فيه أيضا الكلام ~~الظاهر من المبرسمين والمجانين ومن جرى مجراهما . فان قال قائل : ' فان هذا ~~الكلام الذي ذكرت يدل على أن قائله لا يعقل أو أنه مريض ' ؛ قيل له وبالله ~~تعالى التوفيق ، انه يدلك [ على ] ذلك بمعناه . لكن لما فارق كلام أهل ~~التمييز كان كالدليل على آفة بصاحبه . وأيضا فقد يظهر مثل هذا الكلام من ~~حاك أو مجان ، فلا يدل على أن صاحبه لا يعقل . فليس ما اعترض به هذا ~~المعترض حقا . وهذا العلم إنما قصد به ما يكون حقا ، وتخليصه مما قد يكون ~~حقا وقد لا يكون . ثم نرجع فنقول ان الصوت الذي يدل على معنى ينقسم قسمين : ~~إما أن يدل بالطبع واما أن يدل بالقصد فالذي يدل بالطبع هو كصوت الديك الذي ~~يدل في الاغلب على السحر وكأصوات الطير الدالة على نحو ذلك وكأصوات البلارج ~~والبرك والاوز والكلاب بالليل الدالة في PageV01P017 الاغلب على انها رأت ~~شخصا ، وكأصوات السنانير في دعائها اولادها وسؤالها وعند طلبها السفاد وعند ~~التضارب ، وكل صوت تدل بطبعه على مصوته كالهدم ونقر النحاس وما اشبه ذلك من ~~اصوات الحيوان غير الإنسان . فهذه إنما تدل على كل ما ذكرنا بالعادة ~~المعهودة مما في شاهده تلك الاصوات ، لا أنا نفهمها ما نتخاطب به فيما ~~بيننا باللغات المتفق عليها بين الامم التي نتصرف بها في جميع مراداتنا . ~~فهذه الاصوات التي ذكرناها لم نقصدها في كتابنا هذا إذ ليس يستفاد منها ~~توقيف على علم ولا تعلم صناعة ولا افادة خبر وقع . واما الصوت الذي يدل ~~بالقصد ms010 فهو الكلام الذي يتخاطب الناس به فيما بينهم ويتراسلون بالخطوط ~~المعبرة عنه في كتبهم لايصال ما استقر في نفوسهم من عند بعضهم إلى بعض ، ~~وهذه التي عبر عنها الفيلسوف بأن ' سماها الاصوات المنطقية الدالة ' . فان ~~شغب مشغب بما يظهر من بعض الحيوان غير الناطق من كلام مفهوم كالذي يعلمه ~~الزرزور والببغاء والعقعق من حكاية كلام يدرى فيه قائم المعنى ، فليس ذلك ~~صحيحا ولا مقصودا به افهام معنى ولا يعد مما علم ولا يضعه موضعه ولكن يكرره ~~كما يكرر سائر تغريده كما عوده . وكثير من الحيوان في طبيعته أن يصوت بحروف ~~ما على رتبة ما ، وذلك كله بخلاف كلام الإنسان الذي يعبر به عن أنواع ~~العلوم والصناعات والاخبار وجميع المرادات . ثم نرجع فنقول : إن هذا القسم ~~الذي ذكرنا أنه يدل بالقصد ينقسم قسمين : إما أن يدل على شخص واحد واما أن ~~يدل على أكثر من شخص واحد . ؟ فأما الذي يدل على شخص واحد فهو كقولنا زيد ~~وعمرو وأمير المؤمنين والوزير وهذا الفرس وحمار خالد وما أشبه ذلك . فهذه ~~إنما تعطينا إذا سمعنا الناطق ينطق بها الشخص الذي أراد الناطق وحده ، لسنا ~~نستفيد منه اكثر من ذلك وليس هذا الذي قصدنا الكلام عليه لان هذه الاسماء ~~لا يضبط حدها من اسمها لفرق نذكره بعد هذا ، ان شاء الله . واعلم ان كل ~~مجتمع في العالم يوجد في العالم أجزاء مثله كثيرة ، الا ان بعضها منحاز عن ~~بعض فانا نسميه شخصا بالاتفاق منا كالرجل الواحد ، والكلب الواحد ، والجبل ~~الواحد ، وبياض الثوب الواحد ، والحركة الوحدة وسائر كل انفرد عن غيره فإذا ~~سمعتنا نذكر الشخص والاشخاص فهذا نريد . زاما القسم الثاني : وهو الذي يدل ~~على اكثر من واحد فهو كقولنا الناس والخيل والحمير والثياب والالوان وما ~~اشبه ذلك . فان كل لفظة مما ذكرنا تدل إذا قلناها على اشخاص كثيرة العدد ~~جدا . وقد تقوم مقام هذه الألفاظ أيضا في اللغة العربية اسماء تقع على ~~الجماعة كما ذكرنا ، وتقع أيضا على الواحد ، الا ان حال المتكلم يبين عن ms011 ~~مراده PageV01P018 كقولك : ' الإنسان ' فان هذه اللفظة تدل على النوع كله ، ~~كقول الله عز وجل : { إن الإنسان لفي خسر ] ( العصر : 2 ) فإنما عنى جماعته ~~ولد آدم صلى الله عليه وسلم وتقع أيضا هذه اللفظة على واحد فتقول : أتأتي ~~الإنسان الذي تعرف ، وانت تريد غلامه أو زوجته أو واحد من الناس بعينه . ~~وكذلك أيضا في جميع الانواع فتقول ' الفرس ' فتعني كل فرس . الا ترى انك ~~تقول : الفرس صهال ، أو تقول ' الفرس ' لفرس واحد بعينه معهود ، فإذا اردت ~~رفع الاشكال اتيت بلفظ الجمع الموضوع له فقلت : الخيل أو الناس وما اشبه ~~ذلك . فهذا القسم هو الذي قصدنا بالكلام عليه ، ولوقوعه على جماعة احتجنا ~~إلى البيان عنه تكلمنا لا على غيره من الاقسام التي ذكرنا قبل ، لفرط ~~الحاجة إلى ان تحد كل شخص واحد تحت هذه اللفظة بصفات وتوجد في جميعها ولا ~~توجد في سائر الاشخاص التي لا تقع عليها هذه اللفظة ، تميزه مما سواه فانك ~~تقدر ان تأتي بصفات توجد في كل ما يسمى جملا لا يخلو منها أصلا ولا توجد ~~البتة فيمن يسمى زيدا . فهذا هو الفرق الذي وعدنا بذكره آنفا ودعت الضرورة ~~أيضا إلى طلب هذه الفروق لاختلاف الاسماء في اللغات العربية والعجمية ~~فاحتجنا إلى تقدير الصفات التي تتميز بها المسميات إذ المعاني في جميع ~~اللغات واحدة لا تختلف وإنما تختلف الاسماء فقط . وايضا فان اللغة إما ان ~~تضيق عن ان توقع على كل نوع اسما يفرد به واما انه لم يتهيأ ذلك للناس ~~بالاتفاق أو أن الله عز وجل أعلم به . واكثر ذلك في الكيفيات فانك تجد صفرة ~~النرجس صفرة ، وصفرة الشمس صفرة ، وصفرة الخيري صفرة ، وصفرة الذهب صفرة ، ~~وهذه كلها ظاهرة التباين للعين وليس لكل واحد منها اسم يخصه يبين به مرادنا ~~منها . وكذلك أيضا كثير من انواع الحيوان كالمتولد في مناقع المياه وعفن ~~الرطوبات حتى انواع الحشرات التي لا نعلم لها اسماء تخصها والاختلاف بين ~~صفاتها مرئي معلوم ، فلا بد من طلب صفات مفرقة يقع بها البيان لما ms012 نريده ، ~~ان شاء الله عز وجل ، لا اله الا هو . # | 2 - الكلام على الاسماء التي تقع على جماعة أو اشخاص # قد نظر إلى القسم الذي قصدنا الكلام عليه فوجدناه قسمين : احدهما دال على ~~جماعة الاشهاص دلالة لا تفارقها البتة ، ولا ترتفع عنها الا بفسدها ، وهذا ~~القسم سماه الفيلسوف ' ذاتيا ' وشبهه بجزء من أجزاء ما هو فيه للزومه إياه ~~، ونحن نقول إنه ألزم لما هو فيه من الجزء لسائر أجزائه . فان الجزء قد ~~يذهب وتبقى سائر الاجزاء بحسبها كيد الإنسان تقع ويبقى إنسانا بحسه . وهذا ~~اللفظ إن ذهبت الصفات التي من اجلها استحق الشيء المسمى أن يسمى بهذا الاسم ~~بطل المسمى به PageV01P019 جملة على ما نبينه بعد هذا ، ان شاء الله عز وجل ~~. والقسم الثاني دال على جماعة اشخاص دلالة قد تفارق ما هي فيه أو تتوهم ~~مفارقتها له ولا يفسد بمفارقتها إياه . وهذا القسم سماه الفيلسوف ' غيريا ' ~~للدليل الذي ذكرنا فيه . ثم نظرنا إلى القسم الأول الذي قلنا انه يسمى ~~ذاتيا فوجدناه ينقسم ثلاثة أقسام : إما أن يكون لفظ يسمى به اشخاص كثيرة ~~مختلفة بأشخاصها وبأنواعها ، ويجاب بذلك اللفظ من سأل فقال : ' ما هذا ~~الشيء ؟ ' فاتفقنا على أن نسمي ذلك اللفظ ' جنسا ' ؛ واما أن يكون لفظ يسمى ~~به أشخاص كثيرة مختلفة بأشخاصها لا بأنواعها ، ويجاب بذلك من سأل فقال : ' ~~ما هذا من الجملة التي سميت ؟ ' فاتفقنا على أن سمينا هذا اللفظ ' وإما أن ~~يكون يسمى به أشخاص كثيرة مختلفة أنواعها وأشخاصها إلا أنه يجاب به من سأل ~~فقال : ' أي شيء هذا من الجملة التي سميت ؟ ' فاتفقنا على أن سمينا هذا ' ~~فصلا ' . وتفسير هذه المعاني يأتي بعد هذا ، إن شاء الله عز وجل . فهذه ~~الثلاثة الاقسام هي ذاتيات كما قدمنا . وبيان ذلك أن تقول : ما هذا ؟ فيقال ~~لك جسم ؛ فتقول : أي الاجسام هو ؟ أي الاجسام هو ؟ فيقال : النامى ؛ فيقال ~~أي النماة هو ؟ فيقال لك : ذو السعف والخوص والورق والجريد والمستطيل ~~والثمرة المسماة تمرا . فالجسم : جنس ، والنمامى : نوع ، وقولك : ذو السعف ~~والخواص ms013 والجريد : فصل ؛ وأنت إذا أسقطت الصفات التي ذكرنا ، التي من ~~أجلبها استحقت تلك الاشخاص أن تسمى بالاسماء التي ذكرنا ، وتوهمت معانيها ~~معدومة ، سقطت عنها تلك الأسماء البتة ، فلهذا سميت ذاتية . ثم نظرنا إلى ~~القسم الثاني الذي ذكرنا أنه سمتى غيريا فوجدناه ينقسم قسمين : إما لفظ يدل ~~على مختلفين بأنواعهم في جواب ' أي ' فيكون ' عرضا عاما ' واما لفظ يدل على ~~مختلفين بأشخاصهم في جواب ' أي ' فيكون ' عرضا خاصا ' . واعلم أن اللغة ~~العربية لم تمكن العبارة فيها بأكثر مما ترى . على أن السؤال ب ' ما ' ~~والسؤال ب ' أي ' قد يستويان في اللغة العربية وينوب كل واحد من هذين ~~اللفظين عن صاحبه ويقعان بمعنى واحد ، ومن أحكم اللغة اللطينية عرف الفرق ~~بين المعنيين اللذين قصدنا في الاستفهام ، فان فيها للاستفهام عن العام ~~لفظا غير لفظ الاستفهام عن أبعاض ذلك العام ببيان لا يختل على صاحبه أصلا . ~~PageV01P020 # | 3 - الكلام في تفسير الفاظ اندرجت لنا في الباب الذي قبل هذا الذي نبدأ ~~به # ذكرنا في الباب الذي قبل هذا اشياء تختلف بانواعها واشخاصها ، واشياء ~~تختلف باشخاصها فقط دون انواعها ، ومثال ذلك انا نقول في الذاتية : حيوان ، ~~فيدلنا على الإنسان والفرس وغير ذلك . وهذه اشياء تختلف بالانواع والاشخاص ~~معا ، فان الإنسان يخالف الفرس بشخصه في انه غيره ، ويخالف أيضا بصفات شخصه ~~؛ نقول : فرس زيد ، وفرس عمرو فهذان أنما يختلفان بالشخص فقط ، أي ان هذا ، ~~والا فهذا فرس وهذا فرس ، متفقان في الصفات التي استحق كل واحد منهما يسمى ~~فرسا ؛ وكذلك الدينار والدينار ، والدرهم والدرهم ، وهكذا سائر الاشياء . ~~وكذلك نقول في الغيرية : ابيض وابيض ونعني الإنسان ابيض ، والحائط ابيض ، ~~وهذه كلها مختلفة بانواعها في أن كل واحد منها غير الآخر . وتختلف أيضا ~~بصفاتها في ان احدها لحم ودم والثاني كتان محوك والثالث تراب وماء وجص . ~~ونقول ضحاك وضحاك فإنما يختلفان بالشخص في ان هذا غير هذا . واما سائر ~~الصفات التي بها استحقا اسم الإنسانية فهما فيها متفقان ، فهذه الجملة ~~كافية تفرج اكثر الغم في الجهل بالمراد بهذا ms014 اللفظ الذي تقدم قبل ؛ وبقي ~~تفسير كثير يأتي بعد هذا ، ان شاء الله تعالى . # | 4 - الكلام في الحد والرسم وجمل الموجودات وتفسير الوضع والحمل # هذا باب ينبغي ضبطه جدا فهو كالمفتاح لما يأتي بعد هذا ان شاء الله عز ~~وجل . اعلم أنه لا موجود أصلا ولا حقيقة البتة الا الخالق وخلقه فقط ، ولا ~~سبيل إلى ثالث أصلا . فالخالق واحد اول لم يزل . وأما الخلق فكثير . ثم ~~نقول : أما الخلق فينقسم قسمين لا ثالث لهما أصلا : شيء يقوم بنفسه ويحمل ~~غيره ، فاتفقنا على أن سميناه ' جوهرا ' ؛ وشيء لا يقوم بنفسه ولا بد ان ~~يحمله غيره فاتفقنا على ان سميناه ' عرضا ' . فالجوهر هو جرم الحجر والحائط ~~والعود وكل جرم في العالم . والعرض PageV01P021 هو طوله وعرضه ولونه وحركته ~~وشكله وسائر صفاته هي محمولة في الجرم . فانك ترى البلحة خضراء ثم تصير ~~حمراء ثم تصير صفراء والحمراء غير الخضرة وغير الصفرة والعين التي تتصرف ~~عليها هذه الالوان واحدة ثم تنقل فتصير جسما آخر . وكذلك ترى الذهب زئبرة ، ~~ثم يصير سبيكة ثم يصير دينارا منقوشا والجسم في كل ذلك هو نفسه . وكذلك ترى ~~الإنسان مضطجعا ثم راكعا قائما ثم قاعدا وهو في كل ذلك واحد لم يتبدل ، ~~واعراضه متبدلة متغيرة ، صفة تذهب [ وصفة ] تحدث . ولا بد لكل ما ذكرنا من ~~قسمي الخالق من صفات محمولة فيه أو معنى يوجد له يمتاز بذلك عما سواه ويجب ~~من أجله الفرق بين الاسماء . وأما الخالق عز وجل ، فليس حاملا ولا محمولا ~~بوجه من الوجوه وقد أحكمنا هذا المعنى في مكان غير هذا ، والحمد لله رب ~~العالمين على توفيقه إيانا . ثم نرجع فنقول : إن الصفات أو المعاني التي ~~ذكرنا أنه لا بد لكل ما دون الخالق تعالى ، فانها تنقسم قسمين : إما دالة ~~على طبيعة ما هي فيه مميزة له مما سواه ، فاتقنا على أن سميناها ' حدا ' ؛ ~~وإما مميزة له مما سواه وهي غير دالة على طبيعة ، فاتفقنا على أن سميناها ' ~~رسما ' ونقول : إن المحارجة في الاسماء لا معنى لها ms015 ، وإنما يشغل بذلك أهل ~~الهذر والنوك والجهل ؛ وإنما غرضنا منها الفرق بين المسميات ، وما يقع به ~~إفهام بعضنا بعضا فقط . فقد ارسل الله تعالى رسلا بلغات شتى ، والمراد بها ~~معنى واحد ، فصح أن الغرض إنما هو التفاهم فقط ، ولا بد لكل مادون الخالق ~~تعالى من ان يكون مرسوما ومحدودا ضرورة ، لأنه لا بد أن يوجد له معنى يميز ~~به | طبعه مما سواه ، عرضا كان أو جوهرا . وقد سمى المتقدمون الاسم في هذا ~~المكان ' موضوعا ' ، فإذا سمعتهم يقولون ' الموضوع ' فإنما يعنون الاسم ~~المراد بيانه بالرسم أو الحد ، فكل محدود مرسوم وليس كل مرسوم محدودا لان ~~كل حد تمييز للمحدود مما سواه ، وكل رسم فهو تمييز المرسوم مما سواه ؛ فكل ~~حد رسم حد ، وليس كل رسم مميزا لطبيعة المرسوم ولا مبينا لها ، وكل حد فهو ~~مميز لطبيعة المحدود ومميز لها فليس كل رسم حدا فالرسم اهم من الحد . ~~PageV01P022 قال الشيخ : هذه عبارة المترجمين وفيها تخليط لأنهم قطعوا على ~~أن الرسم ليس مأخوذا من الاجناس والفصول ، وانه إنما مأخوذ من الاعراض ~~والخواص . ثم لم يلبثوا ان تناقضوا فقالوا : إن كل حد رسم ، فأوجبوا ان ~~الحد مأخوذ من الاعراض أو ان بعض الرسم مأخوذ من الفصول ، وهذا ضد ما قالوه ~~قبل . وايضا قالوا : ان الرسم غير الحد ، ثم قطعوا بأن الحد هو بعض الرسم ، ~~وهذا تناقض كما ترى . لكن الصواب ان نقول : ان كل مميز شيئا عن شيء فهو إما ~~ان يكون تمييزه يوجد من اجناس وانواع ، فيكون حدا منبئا عن طبيعة الشيء ، ~~مميزا له مما سواه أو يتميز بتمييز يوجد من اعراض أو خواص ، فيكون مميزا ~~للشيء مما سواه فقط ، غير منبئ عن طبيعته ، فيكون التمييز رأسا جامعا ، ~~ينقسم إلى نوعين : اما حد وإما رسم . فالرسم ينقسم قسمين : قسم يميز طبيعة ~~المرسوم فهو رسم وحد ، وقسم لا يميزها فهو لا حد حد . وعبر الاوائل عن الحد ~~بأنه : ' قول وجيز دال على طبيعته الموضوع مميز له من غيره ' ، والرسم في ~~انه : ' قول وجيز مميز ms016 للموضوع من غيره ' . والحد محمول في المحدود والرسم ~~محمول في المرسوم ، لان كل واحد منها صفات ما هو فيه . فإذا كان التميز ~~مأخوذا من جنس الشيء المراد تمييزه ومن فصوله كان حدا وسيما ، واذا كان ~~مأخوذا من خواصه واعراضه كان رسما لا حدا . وهذا إنما هو بيان لمعنى لفظة ~~الحد ولفظة الرسم ، لا ان الحد يحتاج إلى حد ، ولو كان ذلك لوجب وجود ~~محدودات لا نهاية لها ، وهذا محال ممتنع باطل . وإنما يشغب علينا في هذا ~~المكان أحد رجلين : إما مشغب لا يستحي من إنكار ما يعلم صحته فيسعى في ~~ابطال الحدود عن المحدودات ، وإما ملحد ساع في إثبات أزلية العالم ، وكل لا ~~يعبأ به ، لأنه دافع مشاهدة ، ولله الحمد . وقد بينا أن الحد إنما هو صفات ~~ما متيقنة في أشياء ومتيقن عدمها في اشياء أخر ، فتصف كلا بما فيه . فمن ~~انكر فقد انكر الحس والعيان وخرج من حد من نشتغل به . فالحد هو قولنا في ~~الإنسان : إنه الجسد القابل للون ، ذو النفس الناطقة الحية الميتة . فان ~~الحي جنس للنفس ، أي نفس كانت ؛ وسائر ما ذكرنا فصول لها من سائر النفوس ~~الحيوانية . فهذا هو الحد كما ترى . والرسم مثل قولك في الإنسان : إنه هو ~~الضحاك أو الباكي . فهو كما ترى مميز للأنسان مما سواه ، وليس منبئا عن ~~طبيعته التي PageV01P023 هي قبول الحياة والموت . والحد مبين ذلك . وحكم ~~الحد أن يكون مساويا للمحدود . ومعنى ذلك أن يقتضى لفظه إذا ذكر ، جميع ~~المراد فلا يشذ عنه شيء مما أردت أن تحده ، ولا يدخل فيه ما ليس منه . فان ~~زدت في الحد لفظا ، فان كان الذي زدت لفظا يقع على المعاني اكثر من معاني ~~المحدود أو مثلها ، بقي المحدود بحسبه ، كقولنا في حد نفس الإنسان : إنه حي ~~ناطق ميت جوهر حساس ضحاك بكاء مشرق في جسد يقبل اللون منتصب القامة ونحو ~~هذا . فالمحدود حتى الآن صحيح الرتبة لأن كل نفس لكل إنسان فهذه صفاتها . ~~وإن كان الذي زدت لفظا يقتضي معاني أقل من ms017 معاني المحدود ، كان ذلك نقصانا ~~من المحدود ، كقولك في نفس الإنسان : إنها حية ناطقة ميتة حائكة أو تقول : ~~طبيبة أو كاتبة ، فان هذا إنما هو حد لبعض نفوس الناس لا لجميعها ، إذ ليس ~~كل إنسان كاتبا ولا طبيبا ولا حائكا . وأما إذا أنقضت من الحد الذي لا فضلة ~~فيه ، نعني لا زيادة فيه على مقدار الكفاية في الحد ، فانه زيادة في ~~المحدود كقولك في الإنسان : إنها حية ناطقة فان الملك والجني يدخلان تحت ~~هذا الحد . واتفق الأوائل على أن سموا المخبر عنه موضوعا ، وعلى أن سموا ~~ذكرك | لمن تريد أن تخبر عنه وضعا ، واتفقوا على أن سموا الخبر ' محمولا ' ~~وكون الصفة في الموصوف ' حملا ' ؛ فما كان ذاتيا من الصفات ؟ كما قدمنا - ~~قيل فيه : هذا ' حمل جوهري ' ، وما كان غيريا قيل : هذا ' حمل عرضي ' وكل ~~هذا اصطلاح على ألفاظ يسيرة تجمع تحتها معاني كثيرة ، ليقرب الافهام . فإذا ~~قلت : زيد منطلق ، فزيد موضوع ، منطلق محمول على زيد ، أي هو وصف له . وهذا ~~يسميه النحويون الابتداء والخبر إذا جاء على هذه الرتبة . فإذا سمعت ~~الموضوع والمحمول فأنما تريد المخبر عنه والخبر عنه فاعلم . # | 5 - الكلام على الجنس # ذكر الأوائل قسما في الجنس لا معنى له ، وهو : كتميم لبني تميم ، والبصرة ~~لأهلها ، والوزارة لكل وزير ، والصناعة لأهلها ، وهذا غير محصور ولا فلا ~~وجه للاشتغال به . وإنما نقصد بكلامنا الجنس الذي ذكرنا أولا وهو : اللفظ ~~الجامع لنوعين من المخلوقات فصاعدا ، وليس يدل على شخص واحد بعينه كزيد ~~وعمرو ، PageV01P024 ولا على جماعة مختلفين بأشخاصهم فقط كقوله : الناس ، ~~أو كقوله الأبل ، أو كقولك القبلة ، لكن على جماعة تختلف بأشخاصهم وأنواعهم ~~كقولك ' الحي ' الذي يدل على الخيل والناس والملائكة والحي كل حي . والجنس ~~الذي يتكلم عليه ليس يقع على بعض ما يقتضيه حده ، لكن على كل ما يقع عليه ~~لحد ، والجنس لا يفارق ما تقع عليه التسمية به الا بفساد المسمى واستحالته ~~. وذلك مثل قولك ' الجوهر ' فان هذه اللفظة يسمى بها كل قائم بنفسه حاملا ~~لغيره ، فلا يمكن ms018 أن يوجد شيء قائم بنفسه حامل لغيره لا يسمى جوهرا ، ولا ~~يمكن أن يوجد جوهر لا يكون قائما بنفسه حاملا لغيره . ولو أنك توهمت هذا ~~الشيء غير قائم بنفسه ، لبطل أن يسمى جوهرا . وأما البلدة فقد ينتقل عنها ~~الإنسان إلى غيرها ويبقى إنسانا بحسبه . وكذلك الخطة والصناعة والتجارة . ~~وأما بنو تميم فقد نجد ناسا كثيرا ليسوا من بني تميم ، فليس شيء من هذه ~~الوجوه جنسا . # | 6 - الكلام على النوع # سمى الأوائل النوع في بعض المواضع اسما آخر وهو ' الصورة ' وارى هذا ~~اتباعا PageV01P025 للعيون ، فربما كان هذا الاسم عندهم ، اعني الذي يترجم ~~عنه في اللغة العربية بالصورة ، واقعا على النوع المطلق ، ولا معنى لأن ~~نشتغل بهذا إذ لا فائدة فيه . وإنما نقصد إلى ان نسمي به كل جماعة متفقة في ~~حدها أو رسمها مختلفة بأشخاصها فقط ، كقولك : الملائكة والناس والجن ~~والنجوم والنخل والتفاح والجراد والسواد والبياض والقيام والقعود وما اشبه ~~ذلك كله . والنوع واقع تحت الجنس لأنه بعضه . وقد يجمع الجنس انواعا كثيرة ~~يقع اسمه ؟ نعني اسم الجنس - على كل نوع منها ، ويوجد حده في جميعها ~~وتتباين هي تحته بصفات يختص بها كل نوع منها دون الآخر . وذلك انك تقول : ~~حي فيقع تحت هذه التسمية الناس والخيل والبغال والاسد وسائر الحيوانات ، ~~فإذا حددت الحي فقلت : هو الحساس المتحرك بأرادة كان هذا الحد أيضا جامعا ~~لكل ما ذكرنا وموجودا في جميعها ، وكان كل نوع مما ذكرنا يختص بصفة دون ~~سائرها ، كالمنطق والصهيل والشحج الزئير وغير ذلك . فالحي جنس وكل ما ذكرنا ~~أنواع تحته ، أي أن الحي يجمعها ، وهي أبعاضه ، وهي مختلفة تحته كما قدمنا ~~وهاهنا رتبة عجيبة وهي ان المبدأ في التقسيم للعالم جنس لا يكون نوعا ألبتة ~~، كالجوهر فانه يسمى به الحجارة والشجر والنبات والحيوان ، كل ذلك اوله عن ~~آخره جوهر ، والجوهر مبدأ ليس فوقه جنس يقع تحت اسمه الجوهر وغير الجوهر . ~~والوقف في تقسيم العالم نوع لا يكون جنسا البتة كالناس والخيل والنمور ~~والياقوت والعنب وما اشبه ذلك ؛ فانه ليس ms019 تحت كل اسم من هذه الاسماء إلا ~~اشخاصه فقط كزيد وعمرو وهند ، وكل فرس على حدته ، وكل ياقوتة على حدتها ، ~~وكل عنبة على حدتها . ولا تعتبر بأن تكون أيضا اوصاف تجمع بعض الناس دون ~~بعض كالسود والبيض والفطس والطوال والقصار ، وكذلك في كل نوع فإنما هذه ~~اصناف واقسام . والطبيعة في كل واحدة منهم واحدة ، وحد كل واحد منهم واحد ~~جامع لجميعهم ، وليس كذلك حد الانواع ، بل لكل نوع حد على حدة لا يشاركه ~~فيه نوع آخر البتة ، وبين الطرفين اشياء تكون نوعا وجنسا كالنامي فانه نوع ~~للجوهر لأن الجوهر [ يكون ] ناميا وغير نام ، والنامي أيضا جنس لذي النفس ~~الحية الميتة ، ولغير ذي النفس ، لأن الشجر والنبات وجسم الإنسان وسائر ~~الحيوان القابل للموت نوام كلها ، واسم النامي يقع على جميعها ويعمها . ~~PageV01P026 واتفق الاوائل على ان سموا الجنس الأول جنس الاجناس نعني الذي ~~لا جنس فوقه ، وهو الذي لا يكون نوعا أصلا . واتفقوا على ان سموا النوع ~~الآخر نوع الانواع ، وهو الذي قلنا فيه إن فيه الوقف وإنه لا يكون جنسا ~~ألبتة ، وإنه لا نوع تحته ، وليس تحته شيء غير اشخاصه فقط . وهذا النوع هو ~~الذي يعبر عنه بأنه يلي الاشخاص . واما سائر الانواع التي ذكرنا انها من ~~الطرفين وانها انواع وأجناس فانها ليست تلي الاشخاص في الرتبة ، لأن بينها ~~وبين الاشخاص انواعا أخر ، كقولك : ' الناس ' فان هذه اللفظة بين قولك ' ~~الحي ' وبين : زيد وعمرو . فاستبان ولله الحمد ان الجنس ينقسم قسمين : جنس ~~لا يكون نوعا وهو المبدأ أعني الجوهر ، وجنس قد يكون نوعا ؛ فاستبان ان ~~النوع ينقسم قسمين : نوع لا يكون جنسا وهو الذي فيه الوقف في القسمة ، ~~كأشخاص الناس أو الخيل ، ونوع قد يكون جنسا وهو في ثلاثة اقسام : القسم ~~الواحد جنس محض ، والقسم الثاني نوع محض ، والقسم الثالث جنس من وجه ونوع ~~من وجه آخر ، فهو جنس لما تحته لأنه معموم به . وقد عبر بعضهم بأن قال إنما ~~هو نوع لما تحته أي جامع له ولم يعبر أحد بأن ms020 يقول انه جنس لما فوقه . ~~وإنما ذكرت لك هذا لئلا تراه فيشكل عليك . والصواب ما ذكرنا اولا من انه ~~نوع لما فوقه من الاجناس ، وجنس لما تحته من الانواع ، لأنك إذا اضفته إلى ~~ما فوقه فالاحسن ان تسميه باسم غير الذي تسميه به إذا اضفته إلى ما تحته ، ~~ليلوح الفرق بين اختلاف إضافتيه . واما نوع الانواع الذي ذكرنا فلا يجوز ان ~~نسميه جنسا أصلا لأن الجنس إنما يسمى به ما يجمع نوعين فصاعدا لا الذي يلي ~~الاشخاص فقط . # | 7 - باب جامع للكلام في الأجناس والأنواع # أجناس الأجناس التي لا تكون نوعا أصلا وهي أوائل في قسمة العالم : ذكر ~~المتقدمون انها عشرة ثم حققوا فقالوا : إن الأصول منها أربعة ، فالعشرة ~~منها هي : الجوهر ، والكم ، والكيف ، والإضافة : والمتى ، والأين ، والنصبة ~~والملك ، والفاعل ، والمنفعل . والأربعة التي حققوا أنها رؤوس المبادئ ~~وأوائل القسم : الجوهر والكم والكيف والإضافة . وأما الست البواقي فمركبات ~~من الأربع المذكورة ، أي من ضم بعضها لبعض على ما يقع في أبوابها ، إن شاء ~~الله عز وجل . واعلم أن الجوهر وحده ؟ من جملة الأسماء التي ذكرنا - قائم ~~بنفسه وحامل لسائرها ، والتسعة الباقية محمولات في الجوهر وأعراض له وغير ~~قائمات بأنفسها . فان قال قائل : هلا جعلت شيئا أو موجودا أو مثبتا أو حقا ~~، جنسا جامعا لهذه PageV01P027 الاسماء العشرة ؛ لأن جميعها موجود ومثبت ~~وحق وشيء ، قيل له وبالله تعالى التوفيق : قد قدمنا أن الجنس منه حد كل ما ~~تحته . والطبيعة هي قوة في الشيء توجد بها كيفياته على ما هي عليه . فما لم ~~يكن منبئا عن طبيعة ما تحت اسمه فليس جنسا . فلما كانت لفضة شيء وموجود ~~ومثبت وحق لا تنبئ عن طبيعة كل ما وقعت عليه ، ولم يكن فيها اكثر من أنه ~~ليس باطلا ولا معدوما فقط ، وجب أن لا يكون شيء من هذه الألفاظ جنسا لما ~~سمي به . وأما لفظة معلوم فقد تقع على الموجود والمعدوم والحق والباطل لأن ~~الباطل معلوم أنه باطل ، والمعدوم معلوم أنه معدوم ، فليس أيضا جنسا لما ~~قدمنا ms021 ، ولأنه كان يجب ان يكون الباطل والحق تحت جنس واحد وهذا محال شنيع . ~~وأيضا فأن وجودنا بعض هذه الرؤوس مخالف لوجودنا سائرها فبعضها تجدها النفس ~~بالحواس الاربعة المؤديات لصفات محسوساتها إلى النفس الحساسة ، غير قائمة ~~بأنفسها ، وبعضها تجدها النفس بمجرد العقل ، غير قائمة بأنفسها ، كوجود ~~العدد والزمان والاضافة ، وبعضها تجدها النفس بتوسط من الحواس والعقل معا ، ~~غير قائمة بأنفسها ، كالحركات ، وبعضها تجده النفس بتوسط العقل والحواس معا ~~قائما بنفسه كالجوهر ، وقد تجد النفس بمجرد العقل ويتدرج من وجودها هذه ~~العشرة إلى معرفة ما هو موجود حقا غير موصوف بشيء من صفات هذه العشر وهو ~~الأول الواحد الخالق الذي لم يزل لا إله الا هو . فكل ما يقع تحت جنس واحد ~~فلا يكون وجوده إلا على صفة واحدة جامعة لجمعه ، أي يجد واحد جامع لكل ما ~~تحت الجنس ، أو بخاصة واحدة جامعة لكل ما تحت الجنس ، على ما نبين في باب ~~كل رأس من العشر المذكور ، وخواص الرؤوس المحققة من هذه العشر مختلفة فوجب ~~أن لا تكون كلها تحت جنس واحد ، فوجب أن لا يكون موجود جنسا لهذه العشر ~~البتة . والقول في مثبت كالقول في موجود ولا فرق . وأما لفظة حق وشيء فبعض ~~هذه العشر إنما هو حق بنفسه ، وهو الجوهر ، وكذلك هو أيضا شيء بنفسه ، ~~وسائرها إنما هي حق بغيرها وشيء بغيرها ، لانها إنما تحققت بالجوهر ، وبه ~~صارت أشياء ، ولولا الجوهر لم تكن حقا ولا شيئا . وكل ما يقع تحت جنس ~~فطبيعته واحدة لا مختلفة ، وهذه الأشياء طبائعها مختلفة كما ترى ، فوجب أن ~~لا يكون حق وشيء جنسا لها ، إذ إنما يكون إيقاع أسماء الاجناس على ما تحتها ~~على حسب اتفاقها في طبائعها ، واتفاقها في حدودها ، واتفاقها في فصولها ~~فيوجب ذلك اتفاق اسمائها ، وبحسب اختلافها في الطبائع تختلف فصولها وحدودها ~~فتختلف أجناسها لذلك . PageV01P028 واعلم أم موجودا وحقا ومثبتا وشيئا ~~واقعة على كل ما تقع عليه وقوع الأسماء المشتركة ، على ما نبين في باب ~~الاسماء على المسميات . فان قال قائل : فهلا ms022 جعلتم قولكم ' عرضا ' جنسا ~~للتسع الباقية دون الجوهر ؟ قيل له ، وبالله التوفيق : إن هذه التسع ~~المسميات عرضا كون مختلف ، وحمل الجوهر لها حمل مختلف ، لأن بعضها محمول في ~~شخصه وعرض فيه كالكيفيات ، وبعضها محمول في طبيعته وعرض فيها كالعدد ~~والزمان ، وبعضها عرض له من قبل غيره ، ومحمول في طبيعته بطبيعة غيره ، ~~كالاضافة . وقد قدمنا أن الجنس منبئ عن طبيعة ما تحته ، وهذه التي ذكرنا ~~طبائعها في كونها عرضا مختلفة ورسومها مختلفة فبطل كون عرض جنسا لها ، فمن ~~نازعنا من أهل السخف والسفطة وقال : أنا أريد أن أسمي جنسا كل اسم عبر به ~~عن كثير وجماعة ، ولا أبالي باتفاق طبائعها تحت ذلك الاسم أو باختلافها ، ~~قلنا له : لسنا ننازعك ولا ننفق معك الساعات في ما لا فائدة فيه ، إلا أننا ~~نقول لك قولين كافيين لمن عقل ولم يرد الشغب ، فنقول : إن عزمت على ما ذكرت ~~وكنت موحدا ، فاعلم أنك قد أوقعت الله عز وجل تحت الأجناس ، لأنه تعالى ~~موجود وحق ومثبت . فإذا أوقعته تحت جنس فقد جعلته محدودا ضرورة ، إذ كل ما ~~وقع تحت جنس فمحدود ، تعالى الله عن ذلك . والقول الثاني نقول : لسنا ~~ننازعك في الجيم والنون والسين فان بدا لك أن تسمى يدك أو رجلك أو ضرسك ~~جنسا فلا مانع لك من ذلك إلا أنك تحتاج إلى من يوافقك على التخاطب بهذه ~~اللغة التي أحدثتها ، وحسبنا أنك تقف عند طاعتك في اسم توافقنا عليه ، نتفق ~~على إيقاعه على كل جماعة تجمعها طبيعة واحدة تقوم منه فصولها ، فتوجد منه ~~حدودها ، ويوجد أيضا تحته كثيرون مختلفون بأنواعهم ، لنتفاهم به مرادنا ، ~~فان أبيت من ذلك ولم توقع ما دون الخالق تعالى تحت حدود ، فانك واقع تحت ~~المجاهرة بمكابرة العقل والحواس ، لأنك ترى ضرورة أشياء تتفق في صفة واحدة ~~، وأشياء أخر تخافها في تلك الصفة وتتفق في صفة أخرى ، وهذا هو معنى الحد ~~لأن كل صفة تحد ما هي فيه دون ما ليست فيه ، لا يدفع ذلك إلا مجنون أو من ~~هو في ms023 أسوأ من حال المجنون لقصده إبطال الحقائق وتلبيس المعارف وإثبات ~~الاشكال . ومن يبغ [ هذا ] ها هنا ترك الكلام معه ، إذ غايتنا ممن نكلم أن ~~ينصرف إلى الحق أو للحق لا الذين لا تجري أحكامهم العقل عليهم ، مع أن هذا ~~كفر من معتقده ، أن كان ممن يسم نفسه بالايمان ؛ وبالله نعوذ من الضلال وما ~~دعا إليه . وبهذا نكلم أيضا من قال لنا : هلا سميتم نوعا ما سميتم جنسا ~~وسميتم جنسا ما سميتم نوعا ، فاني قد يسأل هذا السؤال الاحمق . PageV01P029 ~~واعلم أن الجوهر وحده دون سائر الاشياء التي ذكرنا موجود بنفسه وسائرها ~~متداول عليه ، وكلها موجود به لا سبيل إلى أن توجد دونه البتة ، والجوهر ~~وان كان لا يوجد دونها أيضا ، فقد يوجد أيضا دون بعضها ، ولا سبيل إلى ان ~~يوجد شيء منها دون جوهر ألبتة لأن الجوهر محسوس بالعقل فقط ، وليس مرئيا ~~ولا مذوقا ولا ملموسا ولا مشموما وإنما نرى الالوان ، فإذا عدم اللون لم نر ~~شيئا كالهواء المتحرك ، وهو الريح فانه يحس باللمس ، وينطح الاجسام العظام ~~فيسقطها وهو غير مرئي لأنه لا لون له ، والجن كذلك ، وقد أخبرنا الصادق ، ~~عليه السلام ، عن الله عز وجل ، أنهم يروننا من حيث لا نراهم ، ونحن ذوو ~~ألوان وهم غير ذوي ألوان ، وكذلك أيضا لا نشم الحجر لأنه لا رائحة له ، ~~وإنما نشم الرائحة على حسب اختلافها وكذلك أيضا لا يذاق الحجر فانه لا طعم ~~له وإنما تذاق الطعوم على حسب اختلافها ، وإنما تلمس المحية من الخشونة أو ~~اللين أو الاملاس أو الصلابة أو التهيل ، وقد يسمح بعض الجوهر بعرض فيه على ~~ما يأتي بعد هذا ، ان شاء الله عز وجل . وإنما أوقعنا ما يقع تحت الحواس ~~تحت الكيفية طلبا للاختصار وجمعا للكثير تحت اسم واحد ، ولأنها كلها ترسم ~~برسم واحد ، على ما يقع في بابه ان شاء الله . وكل من الرؤوس التي ذكرنا ~~جامع لطبيعة أشياء كثيرة فسمينا كل واحد جنس أجناس ، وسمينا كثيرا مما يقع ~~تحت كل رأس منه أجناسا أيضا ، إلى ms024 أن نبلغ إلى الانواع المحضة التي تلي ~~الأشخاص . واعلم أن كل رأس أعلى ، ومرادنا بذلك جنس الاجناس ، وكل ما تحته ~~مما يسمى جنسا أو نوعا فان كل ما يقع تحته يسمى باسم الرأس الذي هو أعلى ~~منه ، ونحدده بحده ، فأن نفس الإنسان تسمى جوهرا وتسمى حية وترسم برسم ~~الجوهر وتحد بحد الحي وكذلك جسد الإنسان يتسمى ناميا وجوهرا وجسما ويحد ~~ويرسم برسم وحد كل واحد من هذه الأسماء . واعلم انه لا يسمى الرأس الأعلى ~~باسم ما تحته ولا يجد بحده . والمتقدمون يعبرون في هذا المكان بأن يقولوا : ~~' الأعلى يقال على الأسفل والأسفل لا يقال على الأعلى ' وإنما كان ذلك لأن ~~الأسفل موجود في الرأس الأعلى وغيره مما هو واقع تحت الرأس الأعلى ، فلو ~~سميت الرأس الاعلى باسم ما يقع تحته لكنت قد نقصته بعض صفاته . الا ترى أن ~~كل نام جسم فلو سميت الجسم المطلق ناميا ، لكنت مخطئا كاذبا ، لأن الحجر ~~جسم وليس الحجر ناميا ، وهذا محال . وانت إذا سميت النامي جسما كنت ~~PageV01P030 مصيبا ؛ وزيد يسمى إنسانا ويحد بحد الإنسان ، ويسمى حيا ويحد ~~بحد الحي ، ويسمى جسما ويرسم برسم الجسم ، ولا يسمى الجسم المطلق حيا ولا ~~يحد بحد الحي ولا يسمى أيضا إنسانا ولا يحد بحد الإنسان ، ولا يسمى زيدا ~~ولا يحد بحد زيد . ونعني بالجسم المطلق كل ما يطلق على كل طويل عريض عميق . ~~فالحجر جسم وليس حيا ولا إنسانا ولا زيدا . فالمطلق هو الاسم الكلي الذي ~~يعم كل ما سمي به وقد قدمنا قبل ان الاشياء والمخلوقات تنقسم اقساما ثلاثة ~~: اجناس وانواع واشخاص . فكل ما يسمى جنسا مما لا يكون الا جنسا محضا ومما ~~يكون جنسا ونوعا فانه محدود وعندنا وفي الطبيعة ، أي اننا نبدأ فنقول : كل ~~ما دون الخالق عز وجل ينقسم قسمين : جوهو ولا جوهر . فالجوهر هو الجسم من ~~قولنا والجسم هو الجوهر ولا شيء دون الخالق تعالى الا جسم محمول في جسم . ~~وقد اثبت غيرها جوهرا ليس جسما وهذا باطل وليس هذا مكان حل الشكوك ms025 المعترض ~~بها علينا في هذا القول وقد أحكمنا في مكانه . وبالله التوفيق . والكلام في ~~هذا هو واقع فيما بعد الطبيعة وفي علم التوحيد وقد أثبتناه في كتاب الفصل ~~في الملل والنحل . وكذلك رسم غيرنا أيضا في حد الإنسان انه حي ناطق ميت . ~~وهذا الحد لا يخلو من أن يكون أراد به الجسم المركب وحده أو النفس وحدها أو ~~الجسم المركب والنفس معا فان أراد الجسم المركب فذلك خطأ لأنه ادخل الجسم ~~المركب تحت الحي ، والحي إنما هو النفس وحدها ، وهي الحساسة المتحركة التي ~~ان بطلت بطل حس الجسم وحركته ألبتة ، وان كان أراد النفس وحدها فذلك أيضا ~~خطأ لأنه ادخلها تحت النامي ، والنفس ليست نامية وإنما النامي جسمها المركب ~~فقط وللبراهين على هذا مكان آخر قد ذكرناه في كتاب الفصل في باب النفس . ثم ~~نرجع فنقول : والجوهر منقسم قسمين : حي ولا حي . والحي ينقسم قسمين : نفس ~~ناطقة ونفس غير ناطقة . ولا حي بحياة الا نفس حية بحياة . وحد الحي ذي ~~الحياة هو الحساس المتحرك بارادة ، فالنفوس الناطقة هي الملائكة وأنفس ~~الاشخاص الخلدية التي أخبرنا الصادق ، صلى الله عليه وسلم ، أنها في دار ~~النعيم من الحور والولدان وأنفس الأنس وأنفس الجن . وغيرنا يعتقد مكان ~~الاشخاص الخلدية التي ذكرنا ان الاجرام العلوية من الكواكب والفلك ذات أنفس ~~حية ناطقة وللكلام في كل هذا الشك مكان غير هذا . والنفس غير الناطقة هي ~~انفس سائر الحيوان . والنفس الناطقة تنقسم قسمين : ناطقة ميتة وناطقة غير ~~ميتة . فالغير ميتة هي الملائكة وأنفس الاشخاص الخلدية التي ذكرنا والميتة ~~هي أنفس PageV01P031 الانس والجن . ومعنى قولنا ميتة أي أنها مفارقة لحد ~~وعائها من الاجسام المركبة من العناصر الاربع التي ابتدأت بالتشبث بها في ~~عالم الامتحان ، لا أنها تعدم ولا يبطل حسها وفكرها وتمييزها وحركتها أصلا ~~. والميتة تنقسم قسمين : ذات حس تقبل الالوان ، وهي نفس الإنسان ، وذات جسد ~~لا تقبل الالوان وهي نفس الجن وأما غير الناطقة فترسم بالصهال والنباح ~~والشحاح وبغير ذلك من سائر الصفات المخصوصة بها المفرقة أنواعها ms026 وهي انواع ~~كثيرة تلي الاشخاص بعد وأما اللاحي فيزيد على القسم الذي هو حي فينقسم ~~قسمين : مركب ولا مركب فالغير مركب هي العناصر الاربعة التي هي النار ~~والهواء والماء والأرض والافلاك التسعة وما فيها من الدراري والكواكب . ~~والافلاك التسعة هي السماوات السبع التي هي سبع طرائق للدراراي والكرسي ~~الذي هو فلك المنازل والعرش الذي هو الفلك الكلي المحيط الذي يدور دورة في ~~كل يوم وليلة الذي ليس فوقه خلاء ولا ملاء والذي هو منتهى جرم العالم وكرنه ~~ولا شيء بعده . ومعنى قولنا مركب وغير مركب هو أن المركب ما خلقه الله عز ~~وجل من أشياء شتى كأجسام الحيوان والشجر المركبة من العناصر الاربعة . ~~ومعنى قولنا غير مركب هو ما خلقته الله تعالى واحدة لا من أشياء شتى ، والا ~~فكل مركب وكل غير مركب فمؤلف من أجزاء كثيرة محتمل للتجزيء والانقسام أبدا ~~. والمركب ينقسم قسمين : نام ولا نام ، والنامي ينقسم قسمين : ذو نفس ولا ~~ذو نفس . وحد النامي هو ما تغذى تغذيا ينقسم من وسطه إلى طرفيه ويحله إلى ~~نوعه فاللا ذو نفس الشجر والنبات وهما قسمان : ذو ساق ولا ذو ساق ثم كل ~~واحد من هذين القسمين ينقسم على انواع كثيرة تلي الأشخاص بعد . وذو النفس ~~ينقسم قسمين : ذو نفس ناطقة مثل أجساد الانس والجن وذو نفس لا ناطقة مثل ~~أجساد سائر الحيوان . وذو النفس الناطقة ينقسم قسمين جسم ملون وهو جسم ~~الإنسان وجسم لا ملون وهو جسد الجن . وذو النفس الغير ناطقة هو أجسام سائر ~~الحيوان وهي انواع كثيرة جدا تلي الاشخاص بعد وتحد بصفاتها المختصة بها ~~وبفصولها المميزة لطبائعها وبالاضافة إلى أنفسها . فنقول : ذو النفس ~~المفترسة الزائرة ، ذو نفس ناهقة وما أشبه ذلك . وهكذا يحد كل نوع من الشجر ~~والنبات بفصوله المميزة بطبائعه وبصفاته المختصة به وهذا أمر يكثر جدا ~~ويتسع وإنما قصدنا هنا الكلام على الجمل . وغير النامي ينقسم اقساما كثيرة ~~منها معدنيات كالياقوت والذهب وغير ذلك ، ومنها خشبيات وهي انواع محضة تلي ~~الاشخاص ويحد كل نوع ms027 منها بفصوله المميزة لطبيعته PageV01P032 مما سواه ~~وبصفاته التي تخصه . فهذه الاجناس محدودة كما ترى عندنا محصورة ، ومحدودة ~~في أنفسها محصورة ، وهو الذي أردنا بقولنا أنها محدودة في الطبيعة لأننا قد ~~تيقنا أن هذه الاقسام لا زيادة فيها أصلا وأنها متناهية العدد كما ذكرنا . ~~وأما كل ما هو نوع محض وهي الانواع التي تلي الأشخاص وهي التي قلنا فيها ~~انها تسمى انواع الانواع فانها محدودة في الطبيعة غير محدودة عندنا نعني ~~بذلك أن عدد هذه الانواع من الحيوان والشجر والنبات والاحجار متناه في ذاته ~~عند الباري عز وجل بعدد لا يزيد أبدا ولا ينقص فنحن على يقين من انه لا ~~يحدث بعد ، مثل ذي أربع من الجمال يطير أ ذي ثلاثة رؤوس ولا أن الخيل تفنى ~~حتى لا يوجد في العالم فرس وكذلك سائر الانواع . وقد نبه الرسول عليه ~~السلام على ذلك بقوله : ' لولا أن الكلاب أمة من الأمم لأمرت بقتلها ' . ~~ففي هذا اخبار أن كل أمة من الأمم لا سبيل إلى اعدامها . وقال تعالى في ~~أنهلا مزيد من الانواع { وتمت كلمت ربك صدقا وعدلا ، لا مبدل لكلماته } ( ~~الانعام : 115 ) وكذلك قوله تعالى : { وعلم آدم الاسماء كلها } [ البقرة : ~~31 ] . برهان ثان : جميع الانواع محصورة العدد لا زيادة فيها لادخاله تعالى ~~الكلية فيها والكلية لا تدخل الا في ذي نهاية ، الا اننا لا نحيط بأعدادها ~~نحن ، فلسنا نحصر انواع الطير ، ولا انواع الحيوان المائي والبري وسائر ~~الحشرات ، وإنما يعلم عددها باريها عز وجل ، الا انه متناه محصور كما قد ~~منا . وبرهان ذلك ان ما لا نهاية فلا يجوز ان يكون اكثر منه ، والاشخاص ~~الواقعة تحت الانواع اكثر من الانواع ، فلما كان ذلك وجب الانواع ليست مما ~~لا نهاية له ، واذا كان ذلك وجب انها متناهية ضرورة ؛ ولما كانت أنواع ~~الانواع لا نحيط بجزئيها اوجب ذلك علينا ان نتوصل إليها بالانواع التي تكون ~~اجناسا لنصل إلى علم اتفاقها واختلا [ فها ] ولذلك لم ننحدر ؟ من الاجناس ~~الأول إلى الانواع المحضة ؛ واما الاشخاص فليست محصورة ms028 لا عندنا ولا في ~~الطبيعة ، لاننا نجد بالحس الضروري أن الاشخاص من الناس إذا كان الطاعون أو ~~قتل ذريع في يوم معركة ، أنها قد قلت جدا عما كانت عليه بالامس ، ثم إذا ~~اتصل النماء والذرء وتهذنت البلاد ، كاد المعمور يضيق بأهله لكثرتهم ، فهم ~~أبدا يزيدون وينقصون . والانواع ليست PageV01P033 كذلك . لكنها لا تزيد ولا ~~تنقص أبدا إلا أن يشاء الخالق إفناء ما شاءه منها يوم البعث في عالم الجزاء ~~[ فهو ] القادر على ما يشاء لا إله إلا هو . وأما الاشخاص فليس لها عدد تقف ~~عنده ، فلا يمكن أن تزيد ولا تنقص ، ولكن ما خرج منها إلى الوجود فمحدود ~~العدد ، محصور مذ خلق الله العالم إلى كل وقت يقال فيه الآن . وأما ما لم ~~يخرج منها بعد إلا أنه مما علم الله تعالى أنه سيخرج فهو في علم الله تعالى ~~محدود محصور وفي الطبيعة معدود إذا خرج ، لا قبل أن يخرج ، والزيادة فيه ~~ممكنة في قوته عز وجل بلا نهاية في عدد ولا أمد . وأنت ترى ؟ بما بينا - ~~انه كلما ابتدأنا من عند انفسنا ، نعنى الاشخاص ، صاعدين إلى جنس الاجناس ~~ابتدأنا بالكثرة ، فكلما ارتفعنا قل العدد إلى ان نبلغ إلى الرؤوس التي ~~ذكرنا . واذا ابتدأنا من هنالك لم نبتدئ الا بقسمين فقط وهما : جوهر ولا ~~جوهر ثم نتزيد العدد في الكثرة إلى أن نبلغ إلى الانواع التي تلي الاشخاص . ~~واعلم ان العموم ليس بلا نهاية ، لكن بنهاية ، فاعم الاشياء قولك شيء ~~وموجود ، وهذا الذي يسميه النحويون أنكر النكرات ، وكذلك الخصوص ليس أيضا ~~بلا نهاية ، ولكن اخص الاسماء كلها فيما دون الله ، تبارك وتعالى ، انا ~~وانت ، وهذا اعرف المعارف . واعلم أن جنس الاجناس مبدأ لما تحته ، كآدم ~~للناس ، والانواع كالامم ، وانواع الأنواع كالقبائل ، نريد أنها مثلها في ~~التفرع عنها فقط . واعلم أنهم قالوا : ان الجنس الذي هو جنس الاجناس مرسوم ~~لا محدود لأنه ليس فوقه جنس يؤخذ حد منه وأما الانواع فمحدودة . واما ~~الاقسام التي تنقسم عليها انواع الانواع فانها تسمى أقساما وأصنافا ms029 ؛ وذلك ~~ذكور كل نوع وإناثه ، أو سودانه أو بيضانه ، أو ما اختلفت ألوانه من سائر ~~الانواع ، أو ما اختلفت طعومه مما استوى تحت نوع واحد من الثمار والنبات ~~وسائر ما يختلف في صفة ما هو يجمعه كله نوع واحد ؛ لأنك تجد الأسود والأبيض ~~من الناس ، والذكر والأنثى من كل نوع من الناس والحيوان غير الناطق وكثير ~~من النوامي غير الحية ، وذوات الألوان المختلفة من الخيل والدجاج وغير ذلك ~~، فكل ذلك محدود بحد واحد ، ومجتمع في طبيعته واحدة . وكثير من ذلك يعم ~~أبعاضا من أنواع كثيرة ، كالذكر والأنثى والأسود والأبيض ، ومن المحال أن ~~يكون نوع واحد تقع تحته طبائع مختلفة متضادة الصفات ، لا تحد كلها بحد جامع ~~لها ؛ فلذلك لم PageV01P034 نجعل هذه أنواعا جامعة لما تحتها ، وإنما نبهنا ~~على هذا لئلا يقول جاهل : إن هذه الأقسام مختلفة ، فهلا جعلتموها أنواعا ~~مختلفة فأريناه أن حدها واحد ، وطبيعتها واحدة ، وخواصها واحدة ، وفصولها ~~واحدة ، وإنما اختلفت في الأعراض فقط ، وبهذا لم ننكر صبغ النحاس حتى يعود ~~في مثل لون الفضة ، وأنكرنا ومنعنا من أن نحيل طبع النحاس أصلا إلى طبع ~~الفضة ، كما لا سبيل إلى إحالة طبع الحمار إلى الإنسان ألبتة أصلا . # | 8 - باب الفصل # ذكرت الأوائل في الفصل قسمين سموهما : عاميا وخاصيا ، وليس وضعهما عندنا ~~في باب الكلام في الفصل الذي نقصده في الفلسفة صوابا ، لأنهما واقعان في ~~باب الكلام في الفصل الذي لا يفصل الأنواع بعضها عن بعض تحت جنس واحد . مثل ~~أن تقول : حي ، ونفس الحمار حي ، فأي الحيين تعني ؟ فتقول : الحي الناطق ~~الميت ، فالناطق الميت فصلان ، فصلا نوع الإنسان من نوع الحمار تحت جنس ~~الحي ، فهذا الفصل نريد ، لا ما سواه . وهذا الذي يسميه الاوائل ' خاص ~~الخاص ' : وبالله نستعين وبه التوفيق : إن الفصل هو ما فصل طبيعة من طبيعة ~~، فبان لنا به أن هذه غير هذه البتة مما إذا توهمنا أن ذلك الفصل معدوم مما ~~هو فيه ، مرتفع عنه ، فقد فسد الذي هو فيه وبطل ألبتة ، فانك متى رفعت ~~النطق ms030 والموت عن الإنسان لم يكن إنسانا أصلا ، بوجه من الوجوه ، وهذا فرق ~~ما بين الفصل والخاصة على ما يقع بعد هذا إن شاء الله تعالى . ولذلك سمي ~~هذا الفصل ذاتيا فيما خلا قبل هذا . وبهذا الفصل تقوم الأنواع تحت الجنس ~~وينفصل بعضها من بعض ، ويتميز بعضها من بعض . ومنفعته عظيمة في كل علم ، إذ ~~قد يلزم بعض النامي ما لا يلزم بعضه ، ويلزم بعض الحي ما لا يلزم سائره ، ~~فلولا الفصول المميزة لكل نوع على حدة ، لاختلطت الأحكام والصناعات وجميع ~~فوائد العالم ، فلم تستبن . واعلم أن هذه الفصول تسميها الاوائل ' الجوهرية ~~' للزومها ما هي فيه ، فكأنها الجواهر لثباتها . PageV01P035 واعلم ان ~~الفصول والاجناس والانواع لا تقبل الاشد ولا الاضعف ، ولا تقع على ما تقع ~~إلا وقوعا مستويا ، لا يجوز أن يكون إنسان أشد في انه إنسان من إنسان آخر ، ~~ولسنا نعني المرودة والمذكورة ، لكن نعني في انه آدمي وإنسان فقط ، ولا ~~يكون فرس أضعف فرسية من فرس آخر ، ولا حمار أقوى حمارية من حمار آخر وهكذا ~~كل أشياء استوت في جنس أو نوع أو فصل ، فانها كلها فيه متساوية لا يفضل في ~~كونها إياه بعضها بعضا أصلا بوجه . ورسم الفصل هو أن تقول : هو الذي تتميز ~~به الانواع بعضها من بعض تحت جنس واحد ، والفصول موجودة في الانواع بالفعل ~~، وفي الجنس بالقوة . ونريد بالقوة : إمكان ان يكون ، وبالفعل : انه قد كان ~~وجب وظهر ووجد ، فانك إذا قلت : الحي : فان النطق فيه بالقوة ، أي ان بعض ~~الاحياء ناطقون ، ولو كان الناطق فيه بالفعل لكان كل حي ناطقا ، وهذا محال ~~. وانت إذا قلت : الحي الناطق ، فالنطق فيه بالفعل أي أنه قد ظهر ووجد . ~~والنطق الذي يذكر في هذا العلم ليس الكلام ولكنه التمييز للأشياء والفكر في ~~العلوم والصناعات والتجاورات وتدبير الأمور ، فعن جميع هذه المعاني كنينا ~~بالنطق اتفاقا منا . وكل إنسان فناطق النطق الذي بينا ، إلا من دخلت على ~~ذهنه آفة عرضية ، وإلا فبنيته ، ولو رمى الحجارة ، محتملة ؟ أو زالت تلك ~~الآفة - لكل ms031 ما ذكرنا . وليس كذلك سائر الحيوان ، حاشا الملائكة والجن ، ~~فانه لا يتوهم ن شيء من الحيوان غير ما ذكرنا فهم الأمور التي وصفنا . وأما ~~الفصول إذا حققتها فكيفيات ، إلا أنها لا تفارق ما هي فيه ولا تتوهم ~~مفارقتها له إلا ببطلانه . وذلك المعنى الذي به صارت الاشخاص تسمى أنواعا ~~وأجناسا ، فانه أيضا كيفية كما ذكرنا . وأنت إذا وجدت فصلا ذاتيا يستغنى به ~~في تمييز ما تريد منه من الانواع ، فاكتف به ولا معنى لأن تأتي بفصل آخر . ~~فان اضطررت إلى فصول كثيرة ، ينفرد النوع الذي تريد ان تفصله من غيره ~~بجميعها وتشاركه أشياء أخر في كل واحد منها على الانفراد ، فلا بد ان تأتي ~~بجميعها أو بما ينفرد منها به ليتم لك التمييز والتخليص الذي تريد إبانته . ~~واعلم انه ليس الجنس والنوع شيئا غير الاشخاص ، وإنما هي اسماء تعم جماعة ~~اشخاص اجتمعت واشتركت في بعض صفاتها ، وفارقتها سائر الاشخاص فيها ، فلا ~~تظن غير هذا ، كما يظن كثير من الجهال الذين لا يعلمون . PageV01P036 # | 9 - باب الخاصة # من الخاصة ما هو مساو للمخصوص ، أي انها في جميع اشخاصه ، وهذا الذي نقصد ~~بالكلام في هذا الكتاب . ومنها ما هو أخص من المخصوص بها أي انها في بعض ~~اشخاصه لا في كلها ، وذلك مثل الشيب في حال الكبر ، فانه فيما هو في وقت ~~دون وقت ، ومثل النحو والشعر فانهما بالفعل في بعض ما هما فيه بالقوة دون ~~بعض ، فليس كل إنسان نحويا ولا شاعرا ، إلا أنه قد كان ممكنا ومتوهما أن ~~يكون نحويا وشاعرا . وأما الخاصة المساوية فقد تقوم قام الحد ، ويرسم بها ~~ما كان فيه رسما صحيحا دائرا على طرفي مرسومه منعكسا . فانك تقول : كل ~~إنسان حي ناطق ميت ، وكل حي ناطق ميت إنسان ، فهذا هو الانعكاس الصحيح ، ~~وهذا هو الدوران على الطرفين . أي أنه لا يشذ عنه مما يريد أن ترسمه به أو ~~تحده . وكل إنسان فضاحك اما بالقوة أي بالامكان في كل وقت ، واما بالفعل في ~~بعض الاوقات دون بعض أي ms032 بظهور الضحك منه . فان قال قائل : فلأي شيء فرقتم ~~بين الخاصة والفصل ؟ فالجواب : إن الفصل هو ما لا يتوهم عدمه عن الشيء الذي ~~هو فيه الا ببطلان ذلك الشيء ، فان النطق والموت ان توهم أنهما قد عدما من ~~شيء لم يكن ذلك الشيء إنسانا ألبتة ، وأما الخاصة فبخلاف ذلك ، ولو توهمنا ~~الضحك معدوما بالكل جملة واحدة ، حتى لا يعرف ما هو ، لم يبطل الإنسان ولا ~~امتنع من أجل عدم الضحك أن يتكلم في النحو والفقه والفلسفة وأن يعمل ~~الديباج ويخيط ويغرس ويحرث ويحصد وذلك مما ينتجه له النطق الذي هو التمييز ~~، فهذا فرق بين واضح . # | 10 - باب العرض # هذا وإن كان كيفية كالفعل والخاصة فبينه وبينها فرق كثير ، وهو ان الفصل ~~لا يوجد في غير ما فصل به أصلا ، والخاصة أيضا كذلك ، لا توجد في غير ~~PageV01P037 مخصوصها أصلا . وأما العرض العام الذي قصدنا بالكلام فيه في ~~هذا المكان فانه يعم أنواعا كثيرة جدا ، وهو ينقسم أقساما : فمنه ما يعرض ~~في بعض الانواع دون بعض ثم في بعض احواله دون بعض ، وذلك كحمرة الخجل ، ~~وصفرة الجزع ، وكبدة الهم ، وهذه سريعة الزوال جدا ؛ وكالعقود والقيام ~~والنوم وما اشبه ذلك ، وهذه كلها تستحيل بها احوال من هي فيه استحالة ~~الاسباب المولدة لها ، وتنفصل بها احواله بعضها من بعض ؛ ومنها ما هو ابطأ ~~زوالا كصبا الصبى وكهولة الكهل وما أشبه ذلك ؛ ومنها مالا يزول أصلا ، الا ~~انها لو امكن ان تزول لم يبطل شيء من معاني ما هي فيه ، كزرقة الازرق وقنا ~~الاقنى وفسطة الافطس وسواد الغراب وحلاوة العسل وما اشبه ذلك فانه ان توهم ~~الزنجي ابيض والغراب اعصم لم يخرجا بذلك عن الغرابية ولا عن الإنسانية ، ~~وكذلك العسل قد يكون منه مر ولا يبطل عن أن يكون عسلا ؛ وبالصفات التي ~~ذكرنا ينفصل بعض انواع الاعراض عن بعض . واعلم ان في الاعراض انواعا ~~واجناسا واشخاصا ، كما في الجواهر ، على ما قد منا قبل . واعلم ان بعض ~~النوع لو توهم معدوما لم يعدم الجنس ، الا ms033 ترى لو عدم البياض لم يعدم اللون ~~لأنه يبقى السواد والخضرة والحمرة وغير ذلك ، وكذلك لو عدم الإنسان لم يعدم ~~الحي ، لأنه يبقى الخيل والدجاج وغير ذلك ولو عدم الجنس لعدمت جميع الانواع ~~. وهذا انتهاء الكلام في المدخل إلى علم المنطق والالفاظ الخمسة التي هي : ~~الجنس والنوع والفصل والخاصة والعرض ، وهو الذي يسميه الاوائل ' ايساغوجي ' ~~واول من جمعه رجل يسمى فرفوريوس من اهل صور . والحمد لله رب العالمين كثيرا ~~لا شريك له ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ، وصلى الله على محمد ~~عبده ورسوله وسلم تسليما PageV01P038 # | 1 - كتاب الأسماء المفردة # وهو اول ما بدأ به أرسطاطاليس من كتبه ، وهو المسمى في اللغة اليونانية ' ~~قاطاغورياس ' ، معناه : العشر المقالات ، فنقول وبالله التوفيق : # | أ - [ مقدمة أولى ] # : ان الاسماء التي يقع كل واحد منها على كثير ، أي على جمعة اشخاص فانها ~~يقع تحتها مسمياتها في جميع اللغات ، اولها عن آخرها ، على خمسة اوجه لا ~~سادس لها : إما ان يكون المسمى يوافق المسمى الثاني في اسمه وحده معا ، ~~كقولنا : فرس وفرس ، أو كقولنا : حي وحي ؛ فان كل واحد من هذين المسميين ~~يوافق الآخر في اسمه ، لأنه لفظ واحد ، ويوافقه أيضا في حده ، لأن كليهما ~~حساس متحرك بارادة ، وكلاهما أيضا صهال محدد الآذان مستعمل في الركوب ، ~~متوهم منه السرعة في الجري ، وهذا النوع يسمى ' الاسماء المتواطئة ' وان ~~شئت قلت : المتفقة . والثاني أن يكون المسمى يخالف المسمى في اسمه وحده ، ~~كقولنا : رجل وحمار ، فان هذين مختلفان ، وهذا النوع يسمى ' الأسماء ~~المختلفة ' . والثالث : ان يكون المسمى يوافق المسمى في اسمه ويخالفه في ~~حده ، كقولنا : ' نسر ' للطائر المبالغ في الاستعلاء في الجو الذي يأكل ~~الجيف ، وقولنا لبعض اعضاء الفرس ؟ حافر الفرس - نسر ، وقولنا ، نسر ، ~~للنجم الذي في السماء وما أشبه هذا مما هو كثير في اللغة ، وهذا النوع يسمى ~~' الأسماء المشتركة ' ، ومنها يقع البلاء كثيرا في المناظرة ، فيتنازع ~~الخصمان ويكثران الهراش وأحدهما يريد معنى والآخر يريد معنى ، وهذا لا يقع ~~إلا بين جاهلين أو جاهل وعالم أو ms034 سوفسطانيين أو سوفسطاني ومنصف ، ولا يقع ~~ابدا بين عالمين منصفين بوجه من الوجوه ، ولا يسلم من ذلك إلا من تميز في ~~هذه الصناعة وأشرف عليها وقوي فيها ، فانه لا يخفى عليه من معاني الكلام ~~شيء . والرابع يكون المسمى يوافق المسمى في حده ، ويخالفه في اسمه ، مثل ~~PageV01P039 قولنا : سنور وضيون وهر ، فان هذه ألفاظ مختلفة ، وهي كلها ~~واقعة وقوعا واحدا على كل شخص من أشخص النوع المتخذ في البيوت لصيد الفأر ~~الذي يلج في السؤال عند الأكل ، وتشبه الاسد في خلقه ، وهذا النوع من ~~الاسماء يسمى ' المترادفة ' . والخامس : أن يكون المسمى يخالف المسمى في ~~حده وفي اسمه الذي خص نوعه به إلا أنهما يتفقان في صفة من صفاتها أوجبت ~~لهما الاشتراك في اسم مشتق منهما ، إما جسمانية وإما نفسانية ، حالا كانت ~~أو هيئة ، فالجسمانية كقولنا : ثوب أبيض ، وطائر أبيض ، ورجل أبيض ، فان كل ~~واحد ، من هذه المسميات حده غير حد صاحبه ، واسمه في نوعه غير اسم صاحبه ، ~~وقد اشتركت كبها في أن سمي كل واحد منها أبيض . والنفسانية كقولنا أسد شجاع ~~ورجل شجاع ، وهذا النوع من الاسماء يسمى ' المشتقة ' . وهذه الاقسام الخمسة ~~تقع على الاجناس والانواع وأصناف الانواع التي كأنها انواع ، كقولنا : رجل ~~وامرأة وذكر وأنثى . وأما الاسماء المختصة فهي التي تقع على ذات المسمى ~~وحده ، أو على كل شخص من أشخاص ما ، وهي أن تكون المسميات منها وضعت لها ~~أسماء تختص بالمسمى أو بأشخاص ما لتمييز بعضها من بعض ، فاما تتفق فيها ~~واما تختلف ، وقد تبدل ولا تستقر استقرارا لازما ، إنما يكون باختيار ~~المسمى ، ولو شاء لم يسمي بذلك ، ولم يقصد به الابانة عن صفات مجتمعة في ~~المسمى دون غيره ، كما قصد في الأول ، ولا اشتقت للمسمى بها من صفة فيه ~~أصلا وهي يسميها النحويون ' الاسماء الاعلام ' وذلك نحو قولك : زيد وعمرو ~~أو زيد وزيد أو أسد في اسم رجل أو كافور في اسمه أيضا وما أشبه ذلك . فهذه ~~أقسام المسميات كلها تحت الاسماء ، ووقوع الاسماء كلها على المسميات ولا ms035 ~~مزيد . وأسماء الله تعالى التي ورد النص بها أسماء أعلام غير مشتقة من شيء ~~أصلا . وأما صفات الفعل له تعالى فمشتقة من أفعاله ، كالمحيي والمميت ، وما ~~أشبه ذلك وتلك الأفعال أعراض حادثة في خلقه ، لا فيه ، تعالى الله عن ذلك . ~~PageV01P040 # | ب - [ مقدمة ثانية ] # # | باب من أقسام الكلام ومعانيه # قد بينا ، قبل ، أن الكلام ينقسم قسمين : مفرد ومركب ، فالمفرد لا يفيدك ~~فائدة أكثر من نفسه ، كقولك : رجل وزيد وما أشبه ذلك ؛ والمركب يفيدك خبرا ~~صحيحا ، كقولك : زيد أمير ، والإنسان حي وما أشبه ذلك . والمركب كله ينقسم ~~أقساما خمسة لاسادس لها وهي : إما خبر وإما استخبار ، - وهو الاستفهام - ~~وإما نداء وإما رغبة وإما أمر . فهذه الأربعة منها لا يقع فيها صدق ولا كذب ~~، ولا يقوم منها برهان أول . على من ينكر وجوب الأمر ، وأما بعد وجوب قبول ~~الأمر لخبر يوجبه أو باتفاق من الخصمين فالامر حينئذ مبرهن على صحة وجوبه ، ~~وليس برهانا ؛ وقد ينطوي في الأمر خبر ، وذلك أن القائل : افعل كذا ، ينطوي ~~فيه أنك ملزم أن تفعل كذا . وأما النهي فهو نوع من أنواع الأمر ، لأنه أمر ~~بالترك . وكذلك ينطوي في الطلبة ، وهي الرغبة ، إخبار بأن الراغب يريد ~~الشيء المرغوب فيه ، ولا تظن أن قولك آمرا : قم : أنه اسم مفرد ، فذلك ظن ~~فاسد ، بل هو مركب لأن معناه ' قم انت ' . وكذلك قولك مخبرا عن غائب : ' ~~قام هو ' ، ولو انفرد في حقيقة المعنى دون ضمير ، لما تم ولكان ناقصا ~~فاعلمه . وكذلك قولك مستفهما : أقام ؟ أي هل قام هو . وأما إذا خرجت الرغبة ~~على غير وجهها ، فان الكذب قد يدخل فيها ، كمن قال وهو صحيح : اللهم أصحني ~~، وإنما الحق أن يقول : اللهم أدم صحتي . وكذلك الاستفهام ، إذا استفهم عن ~~باطل ، كسائل سأل : لم اشتد الحر في الشتاء ؟ وأما الخبر ففيه يدخل الصدق ~~والكذب ، وفيه تقع الضرورة والاقناع ، وفي فاسد البنية منه يقع الشغب ، ومن ~~صحيحه يقوم البرهان على كل قضية في العالم ، وإياه قصد الأوائل والمتأخرون ~~بالقول ، وتحته تدخل جميع الشرائع ، وكل موات ms036 من الطبيعات وغيرها اتفق ~~الناس عليه أو اختلفوا فيه . PageV01P041 وهو يصح بوجوه : أحدها أن يكون ~~معلوما صحته بأول العقل أو بالحواس ومنها ما يصح ببرهان ، يقوم على صحته من ~~مقدمات تنتج نتائج على ما يقع في هذا الديوان إن شاء الله عز وجل ، ومنها ~~ما ينقله صادق قد قام على صدقه برهان مما قدمنا ، أو نقله مصدقون بضرورة ، ~~على ما قد وقع في غير هذا القول ؛ وقد ظن قوم أن القسم والشرط والتعجب ~~والشك ، وجوه زائدة على ما ذكرنا ، وذلك ظن فاسد لأنها كلها واقعة تحت قسم ~~الخبر وراجعة إليه . أما القسم فانه إخبار بارادتك إذا قلت : ' والله ' فان ~~قولك ذلك إنما هو أحلف معظما لأمر الله تعالى . وأما الشرط فانه خبر واضح ~~لا خفاء به ؛ والشك كذلك ؛ والتعجب إخبار بالحال التي تعجبت منها . وقد ظن ~~قوم أن من الخبر ما لا يدخله صدق ولا كذب ، وهو إخبار الهاذي بأمر متيقن ~~صحته ، لم يقصده ، كقوله : لا إله إلا الله ، مات فلان فهذان خبران صحيحان ~~. قال أبو محمد : وهذا الظن غير صحيح لأنه لا يكون مخبرا إلا من قصد الخبر ~~، والخبر مع الخبر من باب الاضافة ، فلا خبر إلا المخبر ، والهاذي ليس ~~مخبرا بكلامه ، فكلامه ليس خبرا . وإذا قد وافانا ذكر الامر فلنقل على ~~أقسامه قولا مجيزا ؛ وذلك أن الامر ينقسم اقساما منها : الواجب الملزم ، ~~وهو عنصر الامر لا ينقل عنه لفظ الامر الا بدليل برهاني ؛ ومنها المحضوض ~~عليه غير الملزم ، ومنها المسموح فيه ، وهو الذي تركه افضل ؛ ومنها التبرؤ ~~كقول القائل : اعمل ما شئت ؛ ويكون الآمر غير راض عن المأمور ؛ ومنها ~~الوعيد كقوله تعالى : { اعملوا ما شئتم } ( فصلت : 40 ) ومنها التهكم كقوله ~~تعالى : { ذق إنك انت العزيز الكريم } ( الدخان : 49 ) ومنها تقرير كقول ~~المعصي : فد نهيتك فاصبر واحتمل ما أتاك ؛ ومنها تعجيز كقوله تعالى { قل ~~كونوا حجارة أو حديدا } ( الاسراء : 50 ) ومنها ما هو بمعنى الدعاء ، كقول ~~القائل : ابعد ، اخسأ ؛ ومنها زجر ؛ كقول القائل : اخسئوا فيها ، ومنها ~~تكوين ، وليس هذا ms037 القسم الا للباري تعالى وحده في أمره ما يريد ان يكون ~~بالكون ، وما يريد ان يعدم بالتلف . ومنه أمر بمعنى الهي كقول القائل لمن ~~تقدم نهيه إياه عن شيء : افعله وسترى ما يكون أو وادري انك رجل . وما اشبه ~~ذلك ؛ ومنه أمر بمعنى التعجب كقوله : أحسن بزيد أي ما أحسنه . ثم تنقسم ~~الأسماء أيضا أقساما أربعة إما حاملة ناعتة ، وإما حاملة منعوتة ، وإما ~~PageV01P042 محمولة منعوتة ، وإما محمولة ناعتة . ومعنى قولك : ناعتة ، أي ~~أنها تقال على جماعة أشخاص تحتها فتسمى تلك الاشخاص كلها بذلك الاسم ، ~~ومعنى قولنا : منعوتة ، أي تسمى باسم واحد وهي جماعة ، ومعنى قولنا : حاملة ~~أي أنها تقوم بأنفسها وتحمل غيرها ، ومعنى قولنا : محمولة : أي لا تقوم ~~بأنفسها . والحمل المذكور حملان : حمل جوهري وحمل عرضي ، فالجوهري يكون أعم ~~ويكون مساويا ، ولا يكون أخص أصلا ، والعرضي يكون أعم ومساويا وأخص ، ~~فالحمل الجوهري الاعم مثل قولك : الإنسان حي ، فان الحياة محمولة في ~~الإنسان حملا جوهريا ، إذ لولا لم يكن إنسانا ، والحياة أيضا في غير ~~الإنسان موجودة . فلذلك قلنا إن هذا الحمل أعم ؛ والحمل الجوهري المساوي ~~مثل كون الحياة في الحي فانها مساوية للحي ، لا تكون حياة في غير حي ، ولا ~~يكون حي في العالم بلا حياة ؟ وتسميتنا الخالق تعالى حيا ليس على هذا الوجه ~~، وإنما سميناه بذلك اتباعا للنص ولولا لم يجز لنا أن نسميه حيا إذ الحياة ~~ليست إلا قوة تكون بها الحركة الارادية والحس ، وكلا الأمرين منفي عن ~~الباري عز وجل . وليست أسماؤه عز وجل مشتقة أصلا ولا واقعة تحت شيء من ~~الأقسام الخمسة التي ذكرنا ، لكنها أسماء أعلام فقط ، لم يوجب تسميه تعالى ~~بها دليل ، حاشا أننا أمرنا تعالى بأن نسميه بها وندعوه بها ونناديه بها ، ~~لا إله الا هو . وإنما دل البرهان على أنه تعالى أول حق واحد خالق فقط ثم ~~نخبر عنه بأفعاله ، عز وجل ، فقط من إحياء وإماتة وتصوير وترتيب ونحو ذلك ، ~~أو ما أمرنا أن نسميه به ، دون ان يكون هنالك شيء أوجب تسميته ms038 بذلك . ولا ~~يجوز ان يكون حمل جوهري أخص أصلا ، حينئذ كان يكون غير جوهري ، إذ الجوهري ~~هو ما لم يتسم جميع النوع الا به ، لا بما يكون في بعضه دون بعض . وأما ~~الحمل العرضي الاعم فكقولنا للزنجي : أسود ، فان الأسود اعم من الزنجي ، ~~لان السواد في الغرب والسبج والمراح . اما الحمل العرضي المساوي فكقولنا ~~للأنسان : ضحاك ، والضحك لا يكون في غير الإنسان ، ولا يكون إنسان الا ~~ضحاكا . واما الحمل العرضي الاخص فكقولنا في بعض الناس : فقهاء وحاكة وما ~~اشبه ذلك ، فان هذه الصفات لا توجد في كل إنسان ، لكن في بعضهم ، ولا توجد ~~في غير إنسان ؛ وقد يكون من هذا الحمل ما هو أخص الخاص ، كقولك هذا الشخص ~~هو PageV01P043 زيد . واما الحمل الممكن فيكون أعم ، كالسواد هو في بعض ~~الناس وغيرهم ، ويكون أخص كالطب ، ليس الا في بعض الناس فقط لا في جميعهم ، ~~ولا في غيرهم ، ولا يكون مساويا ، كالضحك ، للإنسان . وأما الحمل الواجب ~~فينقسم قسمين : عام كالحياة للحي ، ومساو كالضحك للإنسان ، ويكون أعم ~~كالحياة له ولغيره ، ولا يكون اخص ؛ والنفي في الممتنع يكون اعم فقط ، كنفي ~~الجمادية عن الإنسان ، وربما وجد مساويا ، ولا يوجد اخص فيما اوجبه الطبع ~~للنوع . واما الاشياء الحاملة الناعتة فكقولك : الإنسان الكلى ، أي الواقع ~~على كل اشخاص الناس ، وهو الذي اراد الله تعالى بقوله : ( ان الإنسان خلق ~~هلوعا ) ( المعارج : 19 ) فانه تعالى لم يرد إنسانا بعينه ، لكنه عز وجل ، ~~عنى النوع كله . فأما الإنسان الكلي وقد يقال أيضا : الإنسان المطلق ، هو ~~حامل لصفاته من النطق والحياة واللون والطول والعرض وغير ذلك ، وناعت لزيد ~~وخالد وهند وزينب ، ولكل شخص من الناس ، وهو المسمى الإنسان الجزئي ، فزيد ~~يسمى إنسانا ، وعمرو يسمى إنسانا ، وكل واحد من الناس كذلك ؛ فالإنسان ~~الكلي ناعت لكل من ذكرنا ، أي مسمى به كل واحد من الناس . وهذا القسم لا ~~يكون محمولا أصلا ، أي لا يكون عرضا ألبتة ، لان العرض محمول لا حامل ، ~~والجوهر حامل لا محمول . واما الحاملة المنعوتة : فالأشخاص الجوهرية ، مثل ~~قولك ms039 : زيد وعمرو وكلب خالد وجمل عبيد ، وغير ذلك ، فان هذه كلها منعوتة ~~تسمى كلها باسم واحد يجمعها كما بينا ، وهي حاملة لصفاتها من العلم ~~والشجاعة والطول والعرض والنطق وغير ذلك من سائر الصفات ، وهذه أيضا لا ~~تكون محمولة ألبتة . واما المحمولة الناعتة : فكقولنا العلم بأي نوع من ~~كيفيات النفس ، وتحت العلم أنواع كثيرة ، هو لها جنس جامع ، كالفقه والطب ~~والفلسفة والنحو والشعر وغير ذلك ، وكل واحد م هذه يسمى علما ، فالعلم ناعت ~~لها ، وكل واحد من هذه العلوم نوع يقع تحت أصناف منه وأشخاص أبواب ومسائل ، ~~كوقوع القبائل واشخاص الناس تحت قولك : الإنسان ، وهكذا كل نوع تحت كل جنس ~~، فسبحان مدبر العالم كما شاء ، لا اله غيره . ثم نرجع إلى تفسير الناعتة ~~المحمولة فنقول : ان العلم الكلي محمول في انفس النحويين ، وكذلك كل علم في ~~انفس اهله ، ونقول : ان كل علم من العلوم ناعت لما PageV01P044 تحته من ~~الابواب والمسائل ، أي ان جميعها يسمى باسم ذلك العلم ، فكل مسألة من مسائل ~~النحو تسمى نحوا أو علما ، وكل مسألة من مسائل الفقه تسمى فقها وعلما ، وكل ~~قضية من قضايا الطب تسمى طبا وعلما ، وكل لفظة من اللغة تسمى لغة وعلما ، ~~وكل حديث من الخبر يسمى خبرا وعلما ، وهكذا في كل علم . وهذه المسائل ~~تسميها الأوائل ' علما جزئيا ' وعلم كل واحد من الناس أيضا يسمى علما جزئيا ~~، وجميع علوم الناس تسمى : ' علما كليا ' . واما المحمولة المنعوتة فهي علم ~~كل امرئ على حياله وهي أيضا مسائل كل علم ، فان محمول في نفس العالم به ، ~~وهي منعوتة باسم العلم الجامع لها ، أي أنها كلها تسمى علما ؟ كما قلنا - . ~~واعلم ان الناعت قد يكون منعوتا ، الا انه لا بد في اول طرفيه من ناعت لا ~~ينعته شيء ، وهو جنس الأجناس الذي قدمنا أولا ، ولا بد في آخر طرفيه من ~~منعوت لا ينعت شيئا ، وهو الأشخاص من الجواهر ؟ على قدمنا - واعلم أن ~~الحامل لا يكون محمولا أصلا ، والمحمول لا يكون حاملا أصلا ؟ لنا قد بينا ~~من أن ms040 الحامل هو القائم بنفسه ، والمحمول هو الذي لا يقوم بنفسه ، فمحال لا ~~يتشكل في العقل أن يكون شيء قائم بنفسه لا قائم بنفسه . وقد أضجرني بعض ~~أصدقائنا ببلية أدخلها عليه حسن ظنه بكلام قرأه لكثير الهذر المكني بأبي ~~العباس المعروف بالناشيء ، فكان ابدا يسومني الفرق بين المحمول والمتمكن ، ~~ولم يعنه الخالق تعالى إلى وقتنا الذي كتبنا فيه كتابنا هذا ، على فهم ~~الفرق بينهما ، وهو ان المحمول إنما تقوله في الصفات التي تبطل ببطلان ما ~~هي فيه ، كبياض زيد وحياته ، فان زيدا إن بطل ، بطلت حياته وبياضه ، بلا شك ~~، وقد يبطل أيضا بياضه ولا يبطل زيد بل يكون صحيحا سويا إما لشحوب واما ~~لبعض الحوادث . والمتمكن إنما نقوله في الجواهر التي لا تبطل ببطلان ما هي ~~فيه ككون زيد في البيت ثم ينهدم البيت ويصير رابية أو هوة ، وزيد قائم صحيح ~~ينظر في أسبابه ، ويزايل زيد البيت ولا يبطل واحد منهما وهكذا أجزاء الجسم ~~في الجسم إنما هي متمكنة لا محمولة ، وهذا PageV01P045 فرق لا يختل على ذي ~~حس سليم أو إنصاف . وبالجملة ، فكون الجسم في الجسم تمكن ، وهو غير الحمل ~~الذي هو كون العرض في الجسم . وكل ما نعت نوعا فهو ناعت لأشخاص ذلك النوع ، ~~أي كل اسم سمى به نوعا فانه يسمى به كل شخص من أشخاص ذلك النوع ، جوهرا كان ~~أو غير جوهر . إذ ليس الجنس شيئا غير أنواعه ، وليس الجنس وأنواعه شيئا غير ~~الأشخاص الواقعة تحتها . واعلم أن فصول كل جنس من الاجناس فانه يوصف بها كل ~~ما تحته من انواعه ، وكل شخص من الاشخاص الواقعة تحت أنواعه ، كالحساس فانه ~~يقال على كل حي وعلى كل إنسان وفرس وحمار وعلى زيد عمرو وهند وسائر أشخاص ~~الحيوان كله ، وهكذا في جميع الأجناس والأنواع كلها . وقد قلنا أيضا : ان ~~الأجناس تعطي كل ما تحتها من نوع أو شخص أسماءها وحدودها ، أي ان اسم ذلك ~~الجنس وحده يسمى به ويحد كل نوع تحته وكل شخص يقع تحت كل نوع من أنواع ms041 ذلك ~~الجنس . واعلم ان فصول كل نوع فأنها لا توجد في نوع آخر أصلا بوجه من ~~الوجوه لا اسمه ولا حده ، لان الفرس لا يسمى باسم الإنسان ولا يحد بحده ، ~~وكذلك كل نوع أبدا . # | [ المقولات العشر ] # # | 1 - الكلام على الجوهر # وهو أول الرءوس العشر التي قدمنا أنها أجناس الأجناس ، لأنه حامل لها ، ~~وباقيها محمولة فيه ، وهو قائم بنفسه ، وهي غير قائمة بأنفسها . وسمت ~~الأوائل أشخاص الجواهر : ' الجوهر الأوائل ' تعنى بذلك زيدا وعمرا وبعير ~~عبد الله وكلب خالد وثوب عمرو ، وما أشبه ذلك . وسمت ' الجواهر الثواني ' ~~لان الاولة على الحقيقة هي الأشخاص القائمة ، وسكت ما في الأشخاص من ~~الاعراض : ' الاعراض الحق الأول ' وسمت أنواعها وأجناسها التي في أنواع ~~الجواهر وأجناسها : ' الاعراض الثواني ' . واعلم أن الجواهر لا ضد لها أصلا ~~، فان وضعت بالتضاد يوما ، فإنما يراد أنها تتضاد كيفياتها فقط . وبهذا ~~المعنى أن يكون الأول ضدا لخلقه لأنه عز وجل لا كيفية له أصلا والتضاد لا ~~يكون إلا في كيفية على مكيف ، فالبارى عز وجل ليس ضدا ولا مضادا ولا منافيا ~~لا إله إلا هو . PageV01P046 والجوهر لا يقال فيه أشد ولا أضعف أي لا يكون ~~حمارا أشد في الحمارية من حمار آخر ، ولا تيس أشد في التيسية من تيس آخر ، ~~ولا إنسان أضعف إنسانية من إنسان آخر ، وكذلك الكمية أيضا على ما يقع في ~~بابها إن شاء الله عز وجل وإنما يقع التضاد والأشد والأضعف في بعض الكيفيات ~~على ما يقع في بابها ، إن شاء الله . ورسم الجوهر هو أن تقول : إنه القائم ~~بنفسه القابل للمتضادات ، فان النفس قائمة بنفسها تقبل العلم والجهل ~~والشجاعة والجبن والنزاهة والطمع وسائر المتضادات من أخلاقها ، التي هي ~~كيفياتها ، وكذلك كثير من الاجرام تقبل البياض والسواد اللذين احدهما لون ~~مفرق للبصر وهو البيض ، والثاني جامع للبصر وهو السواد . وكثير منها يقبل ~~الحر والبرد والمجسة ، التي هي خشونة أو املاس ، والرائحة التي هي طيب أو ~~نتن ، وغير ذلك من الصفات التي تقع عليها الحواس ؛ فكل قائم بنفسه قابل ms042 ~~للمتضادات لأنه حامل لها في ذاته ، وبهذا خرج الباري عز وجل عن ان يكون ~~جوهرا أو يسمى جوهرا ، لأنه تعالى ليس حاملا لشيء من الكيفيات أصلا فليس ~~جوهرا . أما ما يظن قوم من ان الكيفية تقبل الأضداد لأن اللون يقبل البياض ~~والحمرة فذلك ظن فاسد ، لأن انواع الكيفية بعضها من الأضداد أنفسها ، فبي ~~متضادة بذاتها ، لا حاملة للتضاد في ذاتها ، بل هي الأضداد المحمولة انفسها ~~، والجوهر حامل لها كزيد ، مرة هو صبي ، ومرة هو شيخ ، ومرة هو اصفر من ~~الفزع أو المرض ، ومرة هو اسمر من الشمس ، ومرة هو حار لقربه من النار ، ~~واخرى بارد لقربه من الثلج ، ومرة قاعدا ومرة قائما ، وهو زيد نفسه . وكل ~~هذه كيفيات واعراض متعاقبة عليها ذاهبة وواردة ، فبعضها متضاد وبعضها مختلف ~~. وكذلك الكلام والفكر الذي هو التوهم لا يقبلان الأضداد قبول الجواهر ~~للأضداد ، لأن الكلام والتوهم اما ان يكون صدقا واما ان يكون كذبا ، بصحة ~~معنى الشيء المتوهم ، أو الكلام ، أو ببطلانه ، وليس الصدق والكذب متعاقبين ~~على كلام واحد ، بل هما كلامان : أحدهما صدق ، والآخر كذب ، وكذلك التوهم ~~أيضا . # | 2 - الكلام على الكمية وهي العدد - # ذكر الأوائل أن الكمية تقع على سبعة أنواع : أولها العدد ثم الجرم ثم ~~السطح ثم الخط ثم المكان ثم الزمان ثم القول ؛ ثم تنقسم هذه السبعة على ~~قسمين : أحدهما منفصل والآخر متصل ؛ ما كان له فصل مشترك وهو خمسة من هذه ~~السبعة PageV01P047 وهي : الجرم والسطح والخط والمكان والزمان ، فالفصل ~~المشترك للجرم هو : السطح ، والفصل المشترك للسطح هو الخط ، والفصل المشترك ~~للخط هو النقطة ، والفصل المشترك للزمان هو الآن ، وللمكان أيضا فصل مشترك ~~. والمنفصل هو الذي له ترتيب وليس له فصل مشترك وهو : العدد والقول . قال ~~أبو محمد علي بن أحمد ؟ رضوان الله عليه - ونحن ان شاء الله ، عز وجل ~~مفسرون ما ذكرنا في هذا ، على ما شرطنا في أول الكتاب ، ولا حول ولا قوة ~~إلا بالله العلي العظيم ، فنقول : ان القسم الذي هو العدد من هذه السبعة هو ~~الكمية ms043 على الحقيقة الذي لا كمية غيره ، لكنه يقع على سائر الأنواع التي ~~ذكرنا ، فوقوعه على الجرم إنما هو بمساحته : فان كل جرم في العالم ، فله ~~مساحة ، ودق أم عظم ، والمساحة عدد يوجد بمقدار متفق عليه : أما شبر واما ~~ذراع واما ميل واما فرسخ واما غلط ظفر أو شعرة ، أو اقل أو اكثر ، فلهذا ~~ادخلوا الجرم في باب الكمية . والعدد أيضا واقع على الاجرام بوجه آخر ، وهو ~~عدد أجزائه بعد انقسامها ، أو عدد الأشخاص ان أردت إحصاء جملة منها ، ~~والاجرام هي الاجسام ، فتعد ما أردت عدده بواحد ، اثنان ، ثلاثة ، أربعة ، ~~حتى تبلغ إلى ما تريد إحصاءه منها . وقد رأيت بعض من يدعي هذا العلم يتعقب ~~على الأوائل إدخالهم الجرم تحت الكمية ، وهذا يدل على مغيب هذا المعترض عن ~~هذا العلم ، وعن الحقيقة المقصودة ، ولو ان مثل هذا الصنف من الناس ينصفون ~~أو يتركون التعلم لكان أصون للعلم واقل ضررا على أهله واعظم للمنفعة ، لكن ~~صدق الله عز وجل إذ يقول : { ولا يزالون مختلفين الا من رحم ربك ، ولذلك ~~خلقهم } ( هود : 119 ) . والجرم المذكور هو كل طويل عريض عميق . واما وقوع ~~العدد على السطح فهو نهاية من جميع جهاته الست ، وهذا أيضا وجه من وجوه ~~وقوع العدد على الجرم ، فانه لا بد لكل جرم من جهات ست ، وهو فوق واسفل ~~وامام ووراء ويمين وشمال ، ولا بد لكل جرم من هذه الجهات الست ، ولا سبيل ~~إلى جهة سابعة ، والست عدد ، فهذا عدد لازم واقع على كل جرم . ووقوع العدد ~~بالمساحة على الجرم هو نفس وقوعه على السطح . ونقول أيضا في زيادة شرح في ~~السطح : ان السطح هو منقطع كل جرم لاقى PageV01P048 جرما ، [ إما ] هواء ~~وإنا أرضا غير ذلك ، أي جرم كان ؛ والمساحة تقع على السطح ، على ما قدمناه ~~، إذ لكل سطح مقدار ما معدود مذروع كما وصفنا آنفا . وأما وقوع العدد على ~~الخط هو متناهي كل سطح وانقطاعه ، وأمثل ذلك بمثال ليكون زائدا في البيان ~~فأقول : ان السكين جرم ومنتهى جانبيه سطح ، ومتناهي ms044 كل جانب من جوانبه خط ، ~~فمن أول طرفه الحاد إلى منتهاه خط ، وكذلك ما أخذ من تناهي سطحه مع حرف ~~قفاه فهو خط . ونهايته هي النقطة ، ولا يقع على النقطة عدد ولا مساحة ولا ~~ذرع لانها ليست شيئا أصلا ، وإنما هو اسم عبر به عن الانقطاع والتناهي وعدم ~~تمادي ذلك الجرم فقط ؛ فالخط المذكور له أيضا مساحة وهي مذروعة معدودة ، ~~وهذا أيضا وجه من وجوه لعدد على الجرم . وأما وقوع العدد على المكان ، ~~فالمكان أيضا جرم من الاجرام لأنه أما ارض واما هواء وإما ماء واما بساط ~~وغير ذلك ، أي جرم كان فيه جرم آخر ، ولكل شيء مما ذكرنا مساحة وذرع معدود ~~. وأما وقوع العدد على الزمان ، فالأزمنة ثلاثة : حال وماض ومستقبل فهذا ~~وجه من وجوه وقوع العدد على الزمان . وأيضا فالزمان هو مدة بقاء الجرم ~~ساكنا أو متحركا ، والحركات معدودة بأولى وثانية وهكذا إما زاد ، فالعدد ~~لازم وواقع عليه من هذا الوجه ، وإلا فالزمان ليس عددا محضا مجردا لكنه ~~مركب من جرم وكيفيته في سكونه أو حركته ومن عدد تلك الكيفية . وأما القول : ~~فإنما اراد الأوائل بذلك عدد نغم اللحون ، وعدد معاني الكلام ، فان لكل ذلك ~~عددا محصورا في ذاته ، فمنه ما نعلمه ومنه ما يغمض عنا . وأرادوا بذلك أيضا ~~الحروف المسموعة بالصوت المندفع من مخارج الكلام ، وهي التي تسميها العامة ~~: ' حروف الهجاء ' وهي التي تبتدئ بأبجد وبألف ب ، ت ، ث ؛ وهي محصورة ~~معدودة لا مزيد فيها في الطبيعة البتة ، وان كان قد تفاوتت أعدادها في ~~اللغات ، فهي في العربية ثمانية وعشرون حرفا ، إلى ذلك انتهى تحصيلنا فيها ~~؛ واخبرني المخبر ، وهو أبو الفتوح الجرجاني انها تبلغ في اللغة الفارسية ~~أربعين حرفا ، ولم استخبره عن الكيفية في ذلك ، الا إن كانوا يعدون منها ~~الأصوات الحادثة من PageV01P049 إشباع الحركات الثلاث التي هي الرفع والنصب ~~والخفض ، فحينئذ تبلغ واحدا واربعين حرفا ، وللكلام في هذا المعنى مكان آخر ~~. واما العدد نفسه فهو : اثنان ثلاثة أربعة فما زاد ، والواحد مبدأ وليس ~~عددا ، كما سنبينه ms045 في آخر هذا الباب ، ان شاء الله عز وجل . واما ما ذكرنا ~~آنفا ان من العدد ما هو متصل وما هو منفصل ، وما ذكرنا في الفصل المشترك ، ~~فالمعنى في الفصل المشترك انه ما كان من انواع ما يقع عليه العدد له نهاية ~~إذا التقت بنهاية شيء آخر من نوعه اتحد الشيئان معا ، أي صارا شيئا واحدا ، ~~كالمجرمين فانهما إذا التقيا بعد ان كانا مفترقين ، وتمازجا ، فانهما ~~يصيران جرما واحدا كماء جمعته إلى ماء ، فصار ماء واحدا ، وترابا ، واحدا ~~إلى تراب ، وحيطا إلى حيط ، وما اشبه ذلك ، وهذا إنما [ يكون ] بتلاقي ~~سطحيهما ، وكذلك إن التقى سطح وسطح ، فصارا خطا واحدا ، بعد ان كان السطحان ~~مفترقين ، كسطح عجين ضممته إلى سطح عجين آخر ، فصارا عجيبا واحدا ، وما ~~اشبه ذلك . وكذلك القول في التقاء الخطين ، وكل ذلك إنما هو بضم جرم إلى ~~جرم ، وكذلك مكان كان فيه زيد ، ومكان كان فيه عمرو إلى جانبه ، فقاما عنه ~~، فصار المكانان مكانا واحدا ، فهذا هو الفعل المشترك بين الجرمين الذي هو ~~آخر الأول وأول الثاني وليس جزءا لهما ولا لواحد منهما وإنما هو نهاية ~~ارتفعت الاجتماع الحادث . وكذلك الفصل المشترك للزمان ، فهو قولك الآن ، ~~فان الآن نهاية للماضي وابتداء للمستقبل ، فإذا أتى المستقبل ، صار الذي ~~كان الآن ماضيا ، مع الماضي قبله ، فاتحدا أي صارا زمانا واحدا ماضيا ، ~~وقولك ' الآن ' هو حال لا ماضيا ولا مستقبلا ، فهذا هو الذي قلنا فيه إنه ~~متصل الشيئان منه فيصيران شيئا واحدا . وأما قولنا في العدد والقول : انهما ~~منفصلان وان لهما ترتيبا وليس لهما فصل مشترك ، فهو أن الحروف التي ذكرناها ~~آنفا وهي حروف الهجاء فانه لا يجوز أن تجتمع الباء مع التاء فيصيران معا ~~باء واحدة و تاء واحدة أو حرفا واحدا وكذلك الباء والتاء مع التاء وكل حرف ~~مع مثله أو مع خلافه كذلك ولا فرق ، بخلاف ما ذكرناه قبل من تصيير المكانين ~~مكانا واحدا والجرمين جرما واحدا والسطحين سطحا واحدا والخطين خطا واحدا . ~~لكن لهذه الحروف ترتيب في ms046 ضم إلى بعض ، يقوم من ذلك الترتيب فهم المعاني في ~~الكلام ؛ وكذلك النغم ، لا يجوز أن تصير النغمتان غمة واحدة ولا المعنيان ~~معنى واحدا ، ولكن لكل ذلك ترتيب معلوم ، فلهذا PageV01P050 سمى القول ~~منفصلا ، وقيل فيه : إنه له فصل مشترك . وكذلك العدد فانه لا يجوز أن تضم ~~ثلاثة قد انتهت تبتدئها فتصير الثلاثتان ثلاثة واحدة . وهكذا كل عدد إلا أن ~~يضم بعض الأعداد إلى بعض ترتيبا ونظما معلوما يعرف به نسبة بعضها من بعض ~~وحدوث أعداد من جمع بعضها إلى بعض ، فهذا غاية البيان في هذا الباب ، ولم ~~نترك فيه شيئا من اللبس بحول الله تعالى وقوته الواردة علينا الموهوبة من ~~قبله عز وجل وله الحمد والشكر ، لا إله إلا هو . وذكر الاوائل أيضا قسما ~~آخر لأنواع الكمية التي ذكرنا وهي أيضا تنقسم قسمين : أحدهما : للذي هو وضع ~~والآخر لغير ذي وضع وتفسير ذلك أن قوله : ' ذو وضع ' عبارة عما ثبتت أجزاؤه ~~، وقوله ' ليس ذا وضع ' إنما هو عبارة عما لا تثبت أجزاؤه . فالذي ثبتت ~~أجزاؤه هو الجرم والسطح والخط والمكان لأن أجزاء كل واحد من هذه ثابتة مع ~~مرور العدد عليها ، فانك كلما ذرعت المكان أو الجرم كان ما ذرعت منها باقيا ~~مع ما يستأنف ذرعه من باقيه . والخط والسطح معدود الذرع مع عدد ذرع الجرم ~~الحامل لهما . وأما الذي هو غير وضع فهو الزمان والعدد والقول ، فانك إذا ~~قلت أمس أو عددت ساعات يومك وجدت كل ما تعد من ذلك فانيا ماضيا غير ثابت ~~ولا باق ، وهكذا ينقضى الأول فالأول من الزمان ، وكل ما تقضى منه فهو فان ~~معدوم ، بخلاف ما ذكرنا ، قبل ، من بقاء أجزاء الجرم . ونجد أجزاء الزمان ~~التي لم تأت بعد ، معدومة ، بخلاف جميع أجزاء الجرم ، وما طواه العدد معه ~~من سطوحه وخطوطه . وما أنت فيه من الزمان فلا يثبت ثباتا تقدر على إقراره ~~وإمساكه أصلا بوجه من الوجوه ، لكنه يثبت ثم ينقضى بلا مهلة ، وهكذا أبدا . ~~وكذلك أجزاء القول ، إذا تكلمت عن حروفه ونظمه ومعانيه ms047 ، فان كل ما تكلمت ~~به من ذلك فقد فني وعدم ، وما لم تتكلم به من ذلك فمعدوم لم يحدث بعد ، ~~والذي أنت فيه من كل ذلك لا قدرة لك على إثباته ولا إمساكه ولا إقراره أيضا ~~أصلا ، بوجه من الوجوه ، لكن ينقضى أولا فأولا بلا مهلة ، فسبحان مخترع ~~العالم ومدبره . وأما من ظن أن الكيفيات قد تدخل تحت الكمية أيضا وذلك لأنه ~~سمع الناس يقولون : بياض كثير وبياض قليل ، فذلك ظن فاسد لأنه إنما يعني ~~بذلك سطح الجرم الحامل للون أو ضيقه وقلة ذرعه ، وإنما الكية هاهنا لمساحة ~~الجرم الحامل كما قدمنا قبل ، وكذلك أيضا من قال : عمل كثير أو طويل فإنما ~~ذلك لكثرة الزمان PageV01P051 وطوله ، ليس للكمية ضد ألبتة ، ليس للذرع ضد ~~، ولا للشبر ضد ، وكذلك سائر مقادير الكمية . وكذلك من ظن أن الكثير ضد ~~القليل ، والكبير ضد الصغير فظنه فاسد ، وإنما ذلك من باب الاضافة ، إذ ليس ~~في العالم شيء كبير بذاته ، ولا صغير بذاته ، وإنما الكبير كبير بالإضافة ~~إلى ما هو أصغر منه ، والصغير صغير بالإضافة إلى ما هو اكبر منه . ألا ترى ~~الخردلة ، وكذلك الأرض صغيرة بالإضافة إلى الفلك ، ولا جزء وإن دق إلا ~~ومتوهم أدق منه . وكذلك الفلك الأعلى الذي لا شيء بالفعل اكبر منه ، ~~فالمتوهم في قوة الخالق تعالى الزيادة فيه ، وإحداث ما هو اعظم منه . وقد ~~نقول : جبل صغير ، وخردلة كبيرة بالإضافة إلى جبل اكبر منه ، وبالإضافة إلى ~~خردلة أخرى اصغر منها ، فلو كان الصغير ضدا للكبير لكان ضدا لنفسه لأنه ~~كبير من جهة صغير من أخرى ، وهذا محال . وهكذا القول في القليل والكثير ، ~~ولا فرق ، فان المائة قليلة بالإضافة إلى الألف ، وكثير بالإضافة إلى ~~العشرة ، وهكذا كل عدد فمتوهم الزيادة عليه أبدا . إلا أن كل ما خرج منه ~~إلى الفعل فمتناه أبدا . ولو كان عشرة في مدينة لكان ذلك عددا قليلا جدا ، ~~فلو كانوا مع رجل وامرأة في بيت لكانوا عددا كثيرا جدا ، وكذلك لو كانوا ~~بنيه . واعلم أن الكثير والقليل والطويل ms048 والقصير والصغير والعظيم والحقير ~~والجليل والدقيق والضخم والضئيل والغليظ والرقيق والجسيم واليسير والتافه ~~والنزر كل هذه من باب الكمية وليس شيء منها موصوف به شيء في العالم على ~~الإطلاق ، لكن بالإضافة إلى ما فوقه وما دونه ؟ على ما قدمنا - . والقبل ~~والبعد أيضا مما يقع في العدد لأن الاثنين قبل الثلاثة ، وتقع في الزمان ، ~~وتقع في الإضافة على ما تذكر في بابها إن شاء الله تعالى . والكمية هو كل ~~معنى ، حسن فيه السؤال بكم ، الكمية لا تقبل الأشد ولا الأضعف . لست تقول ~~خمسة من خمسة [ في ] انها خمسة ، ولا أضعف منها في ذلك أيضا ، هكذا لا تقول ~~: زمان أشد زمانية من زمان ولا أضعف . وخاصة الكمية لا توجد في غير الكمية ~~، ولا يخلو منها نوع من أنواع الكمية فهي مساو ولا مساو وكثير وقليل وزائد ~~وناقص ، فانك تقول هذه العشرة مساوية للثمانية والاثنين ، وغير مساوية ~~للثمانية فقط ، وهكذا في جميع أنواع الكمية . وهذه PageV01P052 عبارة لم ~~تعط اللغة العربية غيرها ، وقد تشاركها فيها الكيفية ، وهذا يستبين في ~~اللغة اللطينية عندنا استبانة ظاهرة لا تختل ، وهي لفظة فيها تختص بها ~~الكمية دون سائر المقولات العشر . وللكيفية أيضا في اللطينية لفظ بها ~~اختصاصنا بينا لا إشكال فيه ، دون سائر المقولات ، لا يوجد لها ترجمة ~~مطابقة في العربية ، فإنما يصار في مثل هذا إلى الأبعد من الأشكال على حسب ~~الموجود في اللغة وبالله تعالى التوفيق وبهذا الذي ذكرنا يتبين أن الواحد ~~ليس عددا لان العدد هو ما مجد عدد آخر مساو له ، وليس للواحد عدد يساويه ، ~~لأنك إذا قسمته لم يكن واحدا بل هو كسير حينئذ ، وبهذا وجب أن الواحد الحق ~~إنما هو الخالق المبتدئ ولجميع الخلق ، وانه ليس عددا معدودا ، والخلق كله ~~معدود . # | 3 - باب الكيفية # تكاد الكيفية تعم جميع المقولات التسع ، حاشا الجوهر ، لكنها لما كانت ~~جوابا فيما سئل عنه بكيف ، لم تعمها عموما كليا مطلقا ، إذ من سأل : كيف ~~هذا ؟ لم يجب : إنه سبعة أذرع ، ولا أنه أمس ، ولا أنه في الجامع ms049 . ~~والكيفية هو كل ما تعاقب على جميع الاجرام ذوات الأنفس ، وغير ذوات الأنفس ~~من حال صحة وسقم وغنى وعدم وخمول ولون ، وسواء أكانت الأمور التي ذكرنا ~~مزايلة : كصفرة الخوف وحمرة الخجل وكدرة الهم ، أو كانت غير مزايلة كصفرة ~~الذهب وخضرة البقل وحمرة الدم وسواد القار وبياض البلور . ومن الكيفيات ~~أيضا جميع أعراض النفس من عقل وحمق وحزم وسخف وشجاعة وجبن وتمييز وبلادة ~~وعلم وجهل ورضى وغضب وفسق وإقرار وانكار وبغض وحب ، ومنها الطعوم والروائح ~~والمجسات وتراكيب الكلام والحر والبرد والصور في جميع الأشكال وسائر ~~الاعراض ، كل ذلك كيفية ، والتضاد لا يكون الا في الكيفيات خاصة ، وليس ~~يكون في كل كيفية ، بل يكون في بعضها دون بعض ، والكيفيات أنواع كثيرة جدا ~~، ففي بعض أنواع الكيفية يقع التضاد ، فيكون نوع منها ضدا لنوع آخر بذاتهما ~~. ومن خواص الكيفيات أيضا أنه يكون بعضها أشد من بعض ، وبعضها أضعف من بعض ~~، كما كان بعض الكميات أكثر من بعض ، وبعضها أقل من بعض . فتقول : ان صوت ~~الرعد أشد من صوت البط وريح المسك أعبق من ريح الصندل ، وطعم العسل ~~PageV01P053 أحلى من طعم الحنظل ، وهكذا في الخشونة واللين والألوان وفي ~~كثير من الكيفيات ؛ وإنما ذلك منها فيما كانت له وسائط من ضدين ، وكانت ~~تقبل المزاج ومداخلة بعضها بعضا لا في كل كيفية على ما نبين في باب الكلام ~~في التقابل ان شاء الله عز وجل . وأما استواء أشخاصها تحت النوع الجامع لها ~~تحت الجنس فلا يجوز أن يقع في شيء من ذلك أشد ولا أضعف ولا يجوز أن نقول : ~~لون اشد لونية من لون آخر ، أي في أن كل واحد منها لون ؛ ولسنا نعني بذلك ~~الإشراق أو الانكسار ، وكذلك لا يكون صدق أصدق من صدق آخر ولا كذب أكذب من ~~كذب آخر وإنما يتفاضل هذا في الاثم والاستشناع فقط ، وإلا فكذب المزاج كذب ~~بحث ، والكذب على الخالق عز وجل كذب بحث ، وكذلك المحال كذب بحث ، متساو كل ~~ذلك في أنه كذب استواء صحيحا ، لا تفاضل فيه ms050 ، ولا أشد ولا أضعف ، لكن ~~بعضها أعظم إثما وأقبح في الشناعة من بعض . وكذلك لا يكون علم شيء أصح من ~~علم آخر بشيء آخر ، ولا جهل بشيء أكثر من جهل بشيء آخر ، ولا أشد ولا أضعف ~~. فان دخلت وسيطة الشك في شيء من ذلك ، خرجت تلك الكيفية من أن تكون علما ~~جملة واحدة ، ولم يقع ذلك الظن تحت نوع العلم . وكذلك لا يكون سواد اشد من ~~سواد آخر إلا وقد دخل أحد السوادين بياض شابه أو حمرة أو خضرة أو صفرة . ~~وكذلك لا تكون سرعة أشد من سرعة إلا وقد داخل إحداهما توقف في خلال الحركة ~~. وهكذا كل ما يقال فيه أشد وأضعف ، فتأمل هذا بعقلك تجده صحيحا يقينا لا ~~محيد لك عنه أصلا . وأما الخاصة التي تخص جميع الكيفيات ولا تخلو منها ~~كيفية أصلا فهي شبيه ولا شبيه ، فانك تقول هذا الصدق شبيه بهذا الصدق ، ~~وهذا الكذب غير شبيه بهذا الكذب ، وهكذا في كل كيفية . وقد ذكرنا قبل أن ~~هذه عبارة لم نقدر في اللغة العربية على أبين منها ، ولهذا المعنى في ~~اللطينية لفظة لائحة البيان غير مشتركة ، لم توجد لها في العربية ترجمة ~~مطابقة لها فصير إلى اقرب ما وجد رافعا للاشكال . والكيفيات أجناس وأنواع ~~متوسطة ، وأنواع أنواع ، وذلك أن اللون نوع تحت الكيفية وجنس لما تحته ، ثم ~~البياض والحمرة والخضرة والصفرة أنواع تحت اللون وذوات أشخاص شتى ، وهكذا ~~كيفيات النفس : الفضيلية تحت الكيفية ، والصبر نوع تحت الفضيلية ، والحلم ~~نوع تحت الصبر ، وهذا كثير جدا . ونقول : إن الكيفيات تنقسم قسمين : ~~جسمانية ونفسانية ، فالجسمانية ما عمت الأجسام أو خصت بعضها كاللون والطعم ~~والمجسة وغير ذلك ، والنفسانية ما عمت PageV01P054 النفوس أو خصت بعضها ~~كالعقل والحمق والعلم والجهل والفكر والذكر والتوهم وسائر أخلاق النفس . ~~ونقول أيضا : إن القسمين اللذين ذكرنا ينقسم كل واحد منهما قسمين : أحدهما ~~ما كان بالقوة ، وهو ما كان يمكن ظهوره إلا أنه لم يظهر بعد ، كقعود القائم ~~وكفر المؤمن وإيمان الكافر وغضب الحليم وحلم الغضبان وسواد ما ms051 يحمل الصبغ ~~مما لو يصبغ بعد وما أشبه ذلك . والثاني ما كان بالفعل ، وهو قد ظهر وعلم ~~حسا أو بتوسط حس أو بالعقل ، كحمرة الاحمر ، وطول الطويل ، وحلاوة الحلو ~~وإيمان المؤمن وحلم الحليم وما أشبه ذلك ، فهذا هو معنى ما نفهمه بالحكاية ~~عن الأوائل أنهم يقولون : هذا الأمر بالقوة ، وهذا الأمر بالفعل ، وإنما ~~يعنون بالقوة : الإمكان وما احتمل البنية أو الرتبة أن يوجد فيها أو بها ، ~~ويعنون بالفعل : الذي قد ظهر ووجد ووجب . ثم نقول : إن الكيفيات أيضا تنقسم ~~أحدهما يسمى : ' حالا ' وهو ما كان سريع الزوال كالغضب الحادث والطرب ~~الحادث وحمرة الخجل وصفرة الفزع والقيام والعقود وما أشبه ذلك ؛ والثاني ~~يسمى ' هيئة ' وهو ما لم يعهده زائلا عما هو فيه ، إلا أن يتوهم زواله ~~ويبقى الذي هو فيه بحسبه : كطبع الشح وطبع النزق وطبع السخف وكزرقة الأزرق ~~وفسطة الأفطس وما أشبه ذلك . وأما الكيفية الجسمانية فهي تع تحت الحواس وهي ~~تنقسم : احدهما يحيل ضده إذا لاقاه إلى طبعه فيسمى ذلك ' فاعلا ' وهذا ~~كالحر والبرد ، فان الحر إذا لاقى بردا لا يقاومه أكسب حامله حرا ، والبرد ~~إذا لاقى حرا لا يقاومه أكسب حامله حرا . والقسم الثاني يضعف عن هذا الأمر ~~منه ويكثر فيه فعل القسم الأول ، فيسمى هذا القسم الثاني ' منفعلا ' وذلك ~~مثل الرطوبة واليبس فان الحر إذا لاقى رطبا أيبسه ، وقد يرطبه أيضا ، بأن ~~تصعد إليه رطوبة . ووقوع الكيفية الجسمانية تحت الحواس ينقسم خمسة أقسام : ~~أحدها ما يدرك بحس البصر ، والثاني ما يدرك بحس السمع ، والثالث ما يدرك ~~بحس الشم ، والرابع ما يدرك بحس الذوق ، والخامس ما يدرك بحس اللمس باليد ~~أو بجميع الجسد . وكل هذه الحواس موصلات إلى النفس ، والنفس هي الحساسة ~~المدركة من قبل هذه الحواس المؤدية إليها . وهذه الحواس إلى النفس كالأبواب ~~والأزقة والمنافذ والطرق . ودليل ذلك أن النفس إذا عرض لها أو شغلها شاغل ~~بطلت الحواس كلها ، مع كون الحواس سليمة ، فسبحان المدبر ، لا إله إلا هو . ~~PageV01P055 وأما الذي يدرك البصر فينقسم قسمين : أحدهما ما ms052 يدرك بالنظر ~~بالعين مجردا فقط ، وليس ذلك شيئا غير الألوان ، والثاني ما ادركته النفس ~~بالعقل والعلم وبتوسط اللون واللمس أو بها جميعا ، كتناهي الطول والعرض ، ~~وشكل كل ذي شكل من مدور ومربع وغير ذلك ، والحركة أو السكون أو ضخم الجسم ~~وضؤولته ، وما أشبه ذلك . فانك لما رأيت اللون قد انتهى بتناهيه من كل جهة ~~، علمت كيفية شكل ذلك الجرم ، وكذلك لما رأيت اللون منتقلا من مكان إلى ~~مكان علمت ان الحامل له منتقل ناقل له ، وكذلك لما رأيت اللون ساكنا علمت ~~ان حامله ساكن ، وهذا كله يدركه البصير ، والأعمى بالمس ، كما قلنا في ~~اللون ، سواء سواء . فانك إن لمست مجسة الشيء منتقلة ، علمت ان حامل تلك ~~المجسة متحرك ، وان لمستها ساكنة ، علمت أن حاملها ساكن في مائية البصر ~~وإدراكه . ومن هذا ما يدرك بتوسط اللون وحده والعقل فيوصلان إلى النفس ما ~~أدركا وما فهم العقل بتوسط إدراكه وإدراك البصير معل ، كالمعاني المفهومة ~~من الخط في الكتاب ، فانك بتناهي ألوان الخطوط تعلم الحروف التي من تألفها ~~تفهم المعنى ، وكمعرفتك بهيئة الإنسان لأنه خجل أو خائف أو مكسور أو غضبان ~~أو ملك أو عالم وما أشبه ذلك فمن معرفتك برؤية اللون ومعرفة الصفات عرفت من ~~هو المرئي وما هو . وللكلام في مائية البصر وإدراكه للألوان مكان آخر . ~~ولكن نذكر منه ها هنا طرفا بحسب استحقاق هذا الديوان ، وهو : ان البصر إذا ~~لاقى ملونا وانقطع علمت ان حامله قد انتهى وانتهى طوله ، وكذلك علمت أنه ~~خرج من الناظرين خطان يقعان على المرئي بلا زمان وبتشكيل ذلك المرئي فيهما ~~، وفي قوة الناظر قبول لجميع الألوان . وإنما قلنا بلا زمان ، لأنك ترى ~~الكواكب التي في الأفلاك البعيدة إذا أطبقت بصرك ثم فتحته بلا زمان . وكذلك ~~إذا أطبقت بصرك ثم فتحته فانك ترى أقرب الأشياء إليك في مثل الحال التي ~~رأيت فيها الكواكب لا في أسرع منها ، فصح انه يقع على المرئي بلا زمان . ~~وأيضا فان في الطريق إلى المرئي أشياء كثيرة لا يقع البصر عليها ms053 ، أما ~~بظلام حواليها ، واما لاشتباه الألوان ، فلو قطع الأماكن بنقلة زمانية لرأى ~~الأقرب قبل الأبعد . وإنما قلنا بخروج الخطين من الناظرين دون الرأي الآخر ~~الذي لبعض الأوائل ، لانا نقدر على صرف ذينك الخطين كيف شئنا ، بمرآة أخرى ~~فترد قوة النظر إلى قفا الناظر . وقد ترد ذينك الخطين أيضا الأبخرة ~~المتصاعدة والماء وغير ذلك ، وبمرآة فيها فينعكس ذانك الخطان فترى وجهك . ~~وكذلك ينعكس الصوت الخارج من الصائح قبالة الجبل بعد ان يقرع الجبل فيرجع ~~إلى اذن ذلك الصائح ، فيسمع صوته نفسه كأن مكلما آخر رد عليه مثل كلامه ، ~~وفي هذا كفاية . PageV01P056 واما المحسوس بالسمع فينقسم قسمين : أحدهما ~~الادراك يسمع الاذن نفسه بذاته بلا واسطة ، لكن بمرقاة الهواء المندفع مما ~~بين الصوت ، أي شيء كان ، وما يقرع أو ما يقرعه ، بالطبع الذي ركبه فيه ~~الباري عز وجل إلى اذن السامع . وهو يقطع الاماكن في مدة متفاوتة على قدر ~~البعد والقرب وقوة القرع وضعفه ، فلذلك صار بين اول القرع الذي هو عنصر ~~الصوت وبين سماع السامع له مدة ؛ وانا نستبين ذلك إذا كان المصوت منك على ~~بعد جدا يصح ان له مدة كالذي يشاهد من ضرب القصار الأرض بالثوب فنراه حين ~~يقلعه بلا زمان ثم يقيمه حينا ، وحينئذ يتأدى الينا الصوت . وهكذا القول في ~~الرعود الحادثة مع البروق فإن البرق يرى اولا حين حدوثه في الجو بلا مهلة ~~ثم يقيم حينئذ حينا ثم يسمع الرعد ، ذلك تقدير العزيز العليم . والقسم ~~الثاني هو ما تدركه النفس بالعقل والعلم وبتوسط الصوت مثل تأليف اللحون ~~وتركيب النغم ومعاني الكلام المسموع وما اشبه ذلك ، إذ إنما تأدى الينا ذلك ~~بحاسة السمع وتوسطها . وبهذا القسم صح لنا ان نقول سمعنا كلام الله عز وجل ~~وسمعنا كلام النبي صلى الله عليه وسلم وسمعنا كلام فلان وفلان ممن لم ~~نشاهده وقدم زمانه من السالفين من البلغاء والشعراء وكل من حكي لنا كلامه . ~~ومن ذلك تمييزك بالكلام من هو المتكلم وما حاله : اسائل أم ملك أم مريض وما ~~اشبه ذلك ، وكمعرفتك ms054 ما هو المصوت وأي الاشياء هو . واما المحسوس بالشم فهي ~~الأرواح من الطيب والنتن وما يليها من الوسائط كروائح بعض المعادن وما أشبه ~~ذلك . والشم هو ادراك النفس بتوسط الشم من الانف تغيرا يحدث في الهواء الذي ~~بينهما وبين المشموم وانفعالا من طبع المشموم وانحلال بعض اجزائه من ~~رطوباته . وقد تدرك النفس أيضا بتوسط العقل والشم معرفة مائية المشموم ~~الرائحة كمعرفتنا المسكر بتمييزها رائحته ، والنتن كذلك ، وكذلك سائر ~~المشمومات . واما المحسوس بالذوق فهو الطعوم كالحلاوة والمرارة والتفاهة ~~والزعوقة والملوحة والحموضة والخرافة والعفوصة ؛ وهو ادراك النفس بملاقاة ~~اعضاء الفهم جسم المطعوم ، لا بتوسط بينها وبينه الا بانحلال ما ينحل من ~~الطعوم من رطوباته فيمازج رطوبة الحنك واللسان والشفتين واللهوات . وقد ~~تدرك الاعضاء المذكورة أيضا بعض الطعوم بتوسط الهواء وانحلال بعض أجزاء . ~~المطعوم فيه كالحنظل المدقوق ؛ وقد تدرك النفس أيضا بتوسط الذوق والعقل ~~معرفة مائية المذوق كمعرفتنا بذوق العسل في الظلام انه عسل وكذلك غير ذلك . ~~من المذوقات ومعرفتنا بأنه عسل غير معرفتنا بانه حلو . أما معرفة انه حلو ~~فبالذوق مجردا واما معرفة انه عسل PageV01P057 فبتوسط العقل والذوق معا . ~~وكذلك القول في الاقسام المتقدمة في سائر الحواس . واما ما لا ينحل منه شيء ~~فلا طعم له ولا رائحة كبعض الحجارة وكالزجاج وما أشبه ذلك . وعلى قدر قوة ~~ما ينحل من المذوق تدرك النفس طعمه . واما المحسوس باللمس فهو ينقسم قسمين ~~: احدهما ما تدركه النفس بملاقاة بشرة الجسد السليم لسطح الملموس بلا توسط ~~شيء بينهما ، اما من استواء أجزاء سطحه ويسمى بذلك املاسا ، واما من ثباته ~~فيسمي صلابة ، واما من تفرقها فيسمى تهيلا أو تهولا ، واما من اختلاف أجزاء ~~سطحه ويسمى ذلك خشونة . والثاني ما ادركته النفس بالعقل والعلم أو بتوسط ~~اللمس المذكور أو البصر كالذي قدمنا قبل من معرفة تناهي الجسم وكيفية ~~الاشكال والحركة ومائية الملموس أي شيء هو فانه ، يعرف ما هو بتوسط العقل ~~واللمس معا أو بحس النفس مجردا أو بتوسط اللمس وحده كالحر والبرد والرطوبة ~~واليبس . فقد صح كما ms055 ترى ان العقل يشارك جميع الحواس فيما تدركه وينفرد ~~عنها بالدلالة على اشياء كثيرة وادراك أشياء جمة . # | 4 - باب الاضافة # الاضافة على الحقيقة : هي ضم شيء إلى شيء وها هنا عبارة اخرى اخص بالمعنى ~~المراد بالاضافة في طريق الفلسفة وهي ان تقول : الاضافة هي نسبة شيء من شيء ~~وحسابه منه ، كالقليل الذي لا يكون قليلا الا باضافته إلى ما هو اكثر منه ~~ونسبته إليه وحساب قدره من قدره . واما الغرض المقصود بالاضافة في هذا ~~المكان فهو نسبة شيئين متجانسين ثبات كل واحد منهما بثبات الآخر يدور عليه ~~ولا ينافيه . ومعنى قولنا متجانسين أي انهما تحت جنس واحد من المقولات ~~العشر التي قدمنا انها اجناس الاجناس . والمضافان هما الشيئان اللذان لا ~~يثبت واحد منهما الا بثبات الآخر . وبالجملة فان الاوائل لما رأوا شيئين لا ~~يثبت احدهما الا بثبات الآخر ، وان ضم كل واحد منهما إلى صاحبه [ نتج ] ~~معنى ثالث غيرهما فعجلوا ذلك المعنى رأسا من رؤوس المقولات وهو الاضافة ، ~~فتكلموا عليه مجردا ، وان كان لا يتجرد ، لكن كما تكلموا على الكيفية مجردة ~~وعلى الكمية مجردة ، وعلى الجوهر مجردا ، وان كان الجوهر لا يخلو أبدا من ~~كيفية وكمية PageV01P058 وزمان ومكان ، ولا تخلو الكيفية من جوهر يحملها ، ~~ولا تخلو الكمية من معدود ، ولا الزمان من ساكن أو متحرك ، ولا المكان من ~~متمكن ، لكن لتخلص الاشياء المتغايرات ويتبين لكل طالب للعلم حكم كل شيء ~~على انفراده ، فإنما أتت البلية في الآراء والديانات من قبل امتزاج الكلام ~~والضعف عن تخليص حكم كل شيء ما هو مخصوص به دون غيره . والمضاف ينقسم لنظير ~~ولغير نظير ؛ فالنظير هو الذي يتفق فيه المضافان بالاسم والاضافة معا ، ~~كقولك : المصادق أو الجار أو الاخ أو المعادي فانه لا يكون أحد مصادقا لأحد ~~الا وذلك الآخر مصادق له وكذلك المعادي والاخ والجار . وأما الذي من باب ~~هذه الاضافة فالصديق والعدو فقد يكون المرء صديقا لمن ليس له صديقا ؟ أي ~~محبا - وكذلك العدو فقد يعادي الإنسان من يحبه ككثير من الابناء لآبائهم ms056 ~~وبعض الازواج لبعضهم . واما غير النظير فينقسم قسمين : احدهما ما كانت فيه ~~ذات كل أحد من المضافين موجودة قبل الاضافة ، مثل المالك والمملوك والزوج ~~والزوجة فان المملوك قد يكون موجودا قبل ان يكون مملوكا وكذلك مالكه . ~~والقسم الثاني ما كانت فيه ذات أحد المضافين موجودة قبل الاضافة وقبل ~~المضاف الآخر وذلك كالاب والابن فان ذات الاب قد كانت موجودة قبل ان يكون ~~أبا ، وقبل ان توجد ذات الابن ، وان كانا معا في الاضافة ، أي انه كان ~~موجودا فلم يكن أبا حتى وجد الابن . وبالجملة فاستحقاق أحد المضافين لاسم ~~الاضافة بينهما سواء ، لا يتقدم احدهما الآخر فيها ، وذلك لأنه إذا ذكر أحد ~~المضافين بالاسم الذي يقضي الاضافة دل ذلك على وجود الآخر ضرورة ، وهكذا كل ~~مضاف . وكذلك لا يجوز ان نقول ضعف الا ووجب مضعوف ، والمضعوف هو نصف لعدد ~~يسمى النصف الثاني إذا اضيف إلى هذا النصف ضعفا له ، وهكذا القول في الصغير ~~والكبير والقليل والكثير والخفيف والثقيل والرخو والمكتنز والمساوي والمثل ~~وغير ذلك مما يقتضي مضافا إليه . والاضافة تقع في جميع المقولات إذا اصبت ~~في ادارتها وايقاع حكمها فانك تقول في الكيفية : الهيئة هيئة للمتهيء بها ~~والمتهيء بالهيئة ذو هيئة والجعد جعد بالجعودة والجعودة جعودة للجعد ؛ ~~وكذلك العلم يقتضي عالما والعالم فيما بيننا يقتضي علما ؛ وكذلك سائر ~~الكيفيات . وكذلك جميع الكميات : فالعدد يقتضي معدودا والمعدود يقتضي عددا ~~. وكذلك المكان يقتضي متمكنا والمتمكن يقتضي مكانا . وكذلك ذو الزمان يقتضي ~~زمانا والزمان يقتضي ذا زمان . وكذلك القيام والقعود PageV01P059 والملك ~~والفعل والانفعال . وإنما تكون الاضافة صحيحة إذا اصبت في لفظ ايقاعها ~~وادارتها . وكذلك قالت الاوائل ان الاضافة موجودة في المقولات كلها بالعرض ~~لا بالطبع ، أي انها ليست موجودة في اقتضاء اللفظ لها على كل حال لأنك إذا ~~قلت : الطائر بالجناح طائر كان غير مستقيم لأنك تجد ذا جناح لا يطير ~~كالنعام وتجد ما قد ذهب جناحه بآفة يسمى طائرا ، ولكن ان قلت : ذو الجناح ~~بالجناح ذو جناح والجناح لذي الجناح جناح كان قولا ms057 صحيحا صوابا فتحفظ من ~~مثل هذا في مناظرتك وفي طلبك الحقائق فانك ربما ألزمت في شيء انه يقتضي ~~شيئا آخر فتجيب إليه وذلك غير واجب عليك والا لزم لك ؟ على ما قدمنا - وهذا ~~من أغاليط الارذال الممخرقين وذلك نحو قول بعض الكذابين : الفاعل من اجل ~~فعله جسم ، فهذا فاسد جدا لما قد بينا لك لأنه ليس من اجل ان الفاعل فاعل ~~وجب ان يكون جسما ، لكن الصواب في القضية ان نقول : الفاعل بالفعل فاعل أو ~~ذو فعل فهذه قضية صحيحة تعلمها النفس بأول العقل . وقد غالط بعضهم : السميع ~~بالسمع سميع والحي بالحياة حي فأرادوا ان يوجبوا للباري تعالى حياة وسمعنا ~~تعالى عن ذلك علوا كبيرا ؛ ونحن لم نسم الباري تعالى حيا من اجل وجود ~~الحياة له فيلزمنا إضافة الحياة إليه ، وكذلك التسمية له تعالى بأنه بصير ؛ ~~وإنما سميناه حيا وسميعا وبصيرا اتباعا للنص لا للمعنى أوجب وليس شيء من ~~ذلك مشتقا من عرض فيه ، تعالى الله عن أقوال الجهلة الملحدين ، أو يقع تحت ~~الأجناس والأنواع أو عن حمل الاعراض فكل هذا تركيب لا يكون الا في محدث ~~وإنما هذه أسماء أعلام للباري تعالى فقط . وكذلك القول في ان المجداف ~~للسفينة مجداف والسفينة بالمجداف سفينة خطأ لكن الصواب ان تقول المجداف ~~للمجدوف مجداف والمجدوف بالمجداف مجدوف . وكذلك لو قال إنسان : الرأس ~~بالإنسان راس والإنسان بالراس إنسان لكان خطأ ، إذ قد يكون ذو راس ليس ~~إنسانا لكن الصواب ذو الرأس بالراس ذو رأس والرأس لذي الرأس رأس فهذه ~~الرتبة في غاية الصحة والإضافة . فهذه الرؤوس الأربعة والست البواقي منها ~~مركبات على ما يقع في ابوابها ان شاء الله تعالى PageV01P060 # | 5 - القول على الزمان # قدمنا في باب الكمية ما الزمان وما نعنى هذه اللفظة وانها مدة وجود الجرم ~~ساكنا أو متحركا فلو لم تكن مدة ، ولو لم تكن مدة لم يكن جرم . وقد ذكرنا ~~في باب الإضافة وجه كون الزمان مضافا ، والله جل وتعالى ليس جرما ولا ~~محمولا في جرم فلا زمان له ms058 ولا مدة ، تعالى الله عن ذلك ، ولو كانت له ~~تعالى مدة لكان معه اول آخر غيره ، ولو كان ذلك لوقع العدد عليهما ودخلا ~~بعددهما تحت نوع من أنواع الكمية . ولو كان ذلك لكان تعالى محصورا محدثا ، ~~تعالى الله عن ذلك . وهو تعالى لا يجمعه مع خلقه عدد إذ لا يكون الشيئان ~~معدودين بعدد واحد الا باجتماعهما في معنى واحد ولا معنى لجمع الخالق ~~والخلق أصلا . والزمان ينقسم ثلاثة اقسام : احدها مقيم وهو الذي يسميه ~~النحويون فعل الحال ثم ماض ثم آت وهو الذي يسميه النحويون الفعل المستقبل . ~~وقد اكثروا في الخوض في ايها قبل وإنما ذلك للجهل بطبائع الاشياء وحقائقها ~~. وهذا امر بين وهو ان الحال وهو الزمان المقيم اولها كلها لان الفعل حركة ~~أو سكون يقعان في مدة PageV01P061 فإذا كان زمان الفعل اولا لغيره من ~~الازمان ، فالفعل الذي فيه اول لغيره من الافعال ضرورة ، والزمان المقيم ~~اول الازمنة كلها لأنه قبل ان يوجد مقيما لم يكن موجودا البتة ولا كان شيئا ~~أصلا ، وما كان بشيء فإنما هو عدم فلا وجه للكلام فيه باكثر من انه عدم ولا ~~شيء . ثم لما وجد كان ذلك اول مراتبه في الحقيقة ، ثم انقضى وصار ماضيا وصح ~~الكلام فيه لأنه قد كان حقا موجودا . وإنما غلط من غلط في هذا لباب لوجهين ~~: احدهما انه رأى حال نفسه فلما وجد نفسه مستقبلة للامور قبل كونها وللزمان ~~قبل حلوله وقبل مضي كل ذلك ، قدر ان الزمان المستقبل قبل المقيم وقبل ~~الماضي وهذا غلط فاحش وجهل شديد ، لأنه موافق لنا من حيث لا يفهم . ألا ترى ~~انه إنما جعل الأول في الرتبة كونه مستقبلا لما لم يأت وهذا هو الزمان ~~المقيم على الحقيقة ، وفعله ذلك هو فعل الحال لأنه غيره ، وهو الذي قلنا ~~فيه قبل اول الازمنة والمقدم من الافعال ، ثم جاء ذلك الزمان المستقل ~~والفعل المنتظر معه بعد ذلك . والماضي اشد تحققا من المستقبل لان الماضي قد ~~كان موجدودا ومعنى صحيحا لحسن الاخبار عنه وتقع الكمية ms059 عليه والكيفية ، ~~والمستقبل بخلاف ذلك كله . واعلم ان الموجود من هذه الازمنة هو المقيم وحده ~~، والموجود من الافعال هو المسمى حالا الذي هو في الزمان المقيم ، لأن ~~الماضي إنما موجود وثابتا وصحيحا وحقيقة وشيئا إذ كان مقيما ، ثم لما انتقل ~~عن رتبة كونه مقيما عدم وبطل وتلاشى . والمستقبل إنما يوجد ويصح ويثبت ~~ويصير حقيقة وشيئا إذا كان مقيما واما قبل ذلك فليس شيئا وإنما هو عدم ~~وباطل . فتدبر هذا بعقلك تجده ضروريا يقينا لا محيد عنه ولا سبيل إلى غيره ~~الا لمن كابر حسه وناكر عقله ، نعوذ بالله من ذلك . والوجه الثاني ان الذي ~~لم يحقق النظر لما لم يقدر على امساك الزمان وقتين تفلت عليه ضبط الزمان ~~ولم يكد يتحقق ذلك بحسه . فلتعلم ان الزمان لا يثبت وإنما هو منقض ابدا ~~شيئا بعد شيء والزمان المقيم هو الآن . فان قولك الآن هو فضل موجود ابدا ~~بين الزمان الماضي والزمان الآتي ؛ والآن هو الموجود في الحقيقة من الزمان ~~ابدا ، وما قبل الآن فماض وما بعد الآن فمستقبل ؛ الا ان العبارة في اللغة ~~العربية عن الزمان المقيم والزمان المستقبل بلفظ واحد وهو في اللغة ~~الاعجمية بصيغتين مختلفتين وذلك اوضح في البيان والافهام . الا ان في اللغة ~~العربية إذا اردت تخليص المستقبل محضا ورفع الاشكال عنه أدخلت عليه السين ~~أو سوف فقلت سيكون أو سوف يكون فأتى PageV01P062 المستقبل مخلصا مجردا . ~~وام شئت زدت لفظا غير هذا وهو مثل قولك غدا أو بعد ساعة أو فيما يستأنف وما ~~أشبه ذلك من الألفاظ التي تحدد معنى الاستقبال مخلصا بلا اشكال . والزمان ~~مركب من جرم ومن كيفية في سكونه أو من حركته ومن عدد أجزاء سكونه أو أجزاء ~~حركاته فلذلك لم يكن رأسا مع الاربع المقولات المتقدمات . والقبل والبعد ~~واقع في الزمان باضافة بعضه إلى بعض . # | 6 - القول في المكان # هو ما كان جوابا في السؤال باين : فتقول اين محمد ؟ فيقول المجيب : في ~~المسجد أو بالقصر أو في منزله وما أشبه ذلك . والمكان لا يكون ms060 البتة إلا ~~جرما ، لا يجوز غير ذلك . وإنما تركب المكان من جرم اضيف إلى جرم بمعنى انه ~~لاقى أحد سطوح المكان أحد سطوح المتمكن أو بعضها أو جميعها على حسب تمكن ~~المتمكن في المكان . والمتمكن مع المكان ينقسم قسمين : احدهما ان يكون ~~المتمكن متشكلا بشكل المكان الذي هو فيه وذلك مثل كل شيء مائع الاجزاء أو ~~منثورها ، في كل جامد الاجزاء أو مجموعها ، كالماء في الخابية فانه يتشكل ~~بشكل الخابية حتى لو تمثلته قائما لرأيته في صفة الخابية نفسها ، وترى ذلك ~~عيانا إذا جمد الماء فيها بعد ميعانه وانكسرت الخابية ، وكالبر والدقيق في ~~الاناء المربع أو المثلث وغير ذلك من الاشكال فانك ترى كل ذلك أيضا متشكلا ~~بشكل إنائه أو البيت الذي هو فيه على ما قدمنا ، فهذا قسم . وأنتم الثاني ~~ان يكون المكان متشكلا بشكل المتمكن فيه وذلك معكوس القسم الذي ذكرنا وهو ~~كون كل جامد الاجزاء أو مجتمعها في كل مائع الاجزاء أو منثورها ككون الجرم ~~في الماء أو في الهواء فان مكانه فيها متصور بصورته ، ويمثل ذلك بجرم بيضة ~~أو عود ادخلته في ماء فجمد الماء حواليهما بعد ان كان مائعا فانك تجده ~~متشكلا بشكل ما هو فيه أي متصور بصورته وهيئته . وكذلك كون الحجر في الدقيق ~~أو البر فان مكانه متشكل بشكله . والهواء جرم من الاجرام ذو جهات ست قابل ~~للمتضادات من الحر والبرد والرطوبة واليبس الا انه لم يكن ملونا لم تقع ~~عليه حاسة البصر فلم ير . وانت تعلم انه جرم بحركتك يدك أو المروحة أو إذا ~~عدا بك فرس سريع فانك تجد جرما ملاقيا لك تحسه حسا قويا لا ينكره إلا جاهل ~~سخيف أو معاند . وكون الاجرام فيه متمكنة وهو مكان لها ككون الحيوان المائي ~~في الماء ، متى انتقل جرم من الاجرام التي في الهواء أو الماء من المكان ~~الذي كان فيه إلى مكان آخر انتقل ما كان في مكانه إلى PageV01P063 الذي صار ~~إليه من الهواء ومن الماء إلى المكان الذي خرج عنه ؛ والخلاء ms061 باطل وتفسيره ~~مكان لا متمكن فيه ، إذ المكان من باب الاضافة ، فلا يكون متمكن الا في ~~مكان ولا مكان إلا لمتمكن ؟ والبرهان على بطلان الخلاء لذكره مكان غير هذا ~~- إلا أنا ندل منه على طرف كاف ان شاء الله عز وجل لنتم الكلام في طبيعة ~~المكان وهو ما يراه من فعل الاناء المتخذ للهو الصبيان المسمى سارقة الماء ~~وفعل الزرافة والمحسجة فان هذه الاشياء تستحيل بها الاشياء الثقال التي من ~~طبعها الرسوب ، عن طبائعها في السفل إلى الارتفاع والتصعد لولوج الهواء من ~~هذه الاشياء أو الماء ولو لم يستخلف مكان كل ذلك جرما آخر لكان ذلك المكان ~~خاليا ، ولو كان ذلك لصح الخلاء ، فلما لم يكن ذلك أصلا بوجه من الوجوه ~~علمنا ان الخلاء معدوم لا سبيل إليه . وفي هذا كفاية . فان قال قائل : واذا ~~كان جرم يقتضي مكانا وكان كل مكان جرما فكل مكان يقتضي مكانا ابدا . وأراد ~~بهذا ان يثبت ان لا نهاية لجرم العالم فهذا شغب فاسد ، وقد اوضحنا تناهي ~~جرم الفلك والعالم في ' كتاب الفصل ' فاغنى عن ترداده الا انا نذكر ها هنا ~~منه طرفا ليتم الغرض ان شاء لله . وإنما نورد في هذا الكتاب ما يلق بمعناه ~~المقصود فيه . بحول الله وقوته فنقول وبالله تعالى نتأيد : ان الجرم واقع ~~تحت الكمية نذرعه ؟ على ما قدمنا - وكره العالم جرم قد ظهر بالفعل ، فالعدد ~~واقع على مساحته ضرورة ، ولا يقع العدد الا على محصور به أي معدود به ، وقد ~~قدمنا انه لا عدد الا وله اعداد أخر إذا اجتمعت كانت له مساوية ، ولا تقع ~~المساواة الا في متناه ضرورة وكل ما وقع عليه الاحصاء بالعدد والكمية ~~فمتناه ولا بد ، وايضا فكل عدد خرج إلى حد الفعل فذو أجزاء كنصف ~~PageV01P064 وثلث وما اشبه ذلك وكل هذا يوجب النهاية يقينا وهذا من باب ~~الاضافة ، فالفلك الذي هو محيط بالعالم كله متناه ضرورة . فان قال قائل : ~~فان الفلك له مكان قيل له ، وبالله تعالى التوفيق : كل جزء منه فالجزء ~~الملاصق ms062 له هو مكان له غيره لا مكان له البتة وحركته دورية لا ينتقل عن ~~مكانه لكن يصير كل جزء حيث كان الذي يليه فقط ، الا ان الصفحة العليا منه ~~لا يلاصقها من اعلاها شيء بوجه من الوجوه لا خلاء ولا ملاء ، ولا فوقه لا ~~مكان ولا متمكن ولا مساحة ولا يقع عليه الوهم كوجه من الوجوه . وقد قدمنا ~~ان كل جرم فذو ستة سطوح : فوق واسفل ويمين وشمال وامام ووراء ، والفوق ~~والاسفل قد يقع في الاضافة لأنه توجد اشياء هي فوق اشياء اخر وقد لا يقعان ~~أيضا في باب الاضافة من هذا لوجه فان صفحة الفلك العليا فوق ولا فوق له ~~أصلا ، فليست تحتا لشيء البتة ، ومركزه كرة الأرض تحت له أصلا فليس فوقا ~~لشيء البية . والمركز المذكور مبدأ من قبلنا وصفة الفلك العليا نهاية لذلك ~~المبدأ أي موقف لا تمادي وراءه . ولسنا نعني بهذا اثبات ان له وراء ، بل ~~إنما نعني انه متناهي الذرع لا وراء له ولا فوق ولا بعد أصلا . وهذا مرادنا ~~في قولنا ان زمانا سابقا لم يكن قبله زمان إنما مرادنا بذلك انه ذو مبدأ ~~قبل فيكون قد تقدم زمان . وصفحة الفلك العليا مبدأ من قبل الطبيعة الكلية ~~أي وجود الاشياء وعمومها واحاطتها . والمركز المذكور نهاية لذلك المبدأ أي ~~موقف لا تمادي بعده ، فجعل الخلق الأول لا اله الا هو . والمكان مركب من ~~كيفية وجوهر مع جوهر . # | 7 - باب النصبة # النصبة كيفية صحيحة لا شكل فيها وهي نوع من الانواع الا انهم خصوا بها ~~الاسم فمعنى النصبة هيئة المتمكن في المكان كقيامه فيه أو قعوده أو بروكه ~~واضطجاعه وما اشبه ذلك . # | 8 - باب الملك # الملك إضافة صحيحة الا انهم خصوا بهذا الاسم ؟ يعني الملك - ما كان من ~~الاضافة متملكا للجوهر كالاموال وما اشبهها وهذا حقيقة الملك . وهو مركب من ~~جوهر مع جوهر واضافة الا ان بعض الاوائل ادخلوا في الملك قولك : لفلان يد ~~ورجل وبه حرارة وما اشبه ذلك ، وهذا عندنا قضاء فاسد فلا وجه ms063 للاوجه ~~للاشتغال به إذ غرضنا الحقائق وما قام به برهان أو جزء من برهان يوصل إلى ~~معرفتها ، وبالله تعالى التوفيق لا اله الا هو . PageV01P065 # | 9 - باب الفاعل # | الفعل تأثير يكون من الجرم المختار أو المطبوع في جرم اخر ، اما ان ~~يحيله إلى طبعه فيخلعه عن نوعه ويلبسه نوع نفسه ، واما ان يحيله عن بعض ~~كيفياته إلى كيفيات اخر ، واما ان يفعل فعلا مجردا كالمحرك والقائم والمفكر ~~وما اشبه ذلك . واما القسمان الاولان فالاول منها كفعل النار في الماء ~~والهواء فانها تخلعهما عن صفات انواعهما الجوهرية أي تحيلهما نارا . ~~وكالأكل فانه يحيل طبيعة ما اكل إلى نوعه . واما الثاني فكفعل السكين ~~والحجر والقاطع بها فانهما يحيلان عن الاجتماع إلى الافتراق ، مثل ذلك كثير ~~، وكطبع العناصر المركب منها الإنسان في ان يحيل كل قوي منها ما لاقى من ~~سائرها إلى نوعه ووجد ذلك في كل ما تركب منها فكل امرئ يريد التكثر بغيره ~~في اعراضه ، تبارك المدبر لا إله الا هو . والفعل ينقسم قسمين : اما فعل ~~يبقى أثره بعد انقضائه كفعل الحراث والنجار والزواق ، واما فعل لا يبقى ~~اثره بعد انقضائه كالسابح والماشي والمتكلم وما اشبه ذلك . والفاعل ~~والمنفعل مركبان من جوهر وجوهر وكيفية . # | 10 - باب المنفعل # المنفعل هو المتهيء لقبول الفعل الذي ذكرنا كالمحترق والمستحيل بالنار ~~والمنقطع بالسكين والمخيط بالابرة وما اشبه ذلك ؛ وهذه الاشياء كلها وان ~~كانت إنما تكون بمعاونة غيرها فلولا قبول التأثير في طباعها لم يمكن الفاعل ~~فيها ان يفعل شيئا غيها البتة ؛ فان لم يكن ذلك كذلك فليخيط بقناة أو بموزة ~~أو يحرق بنفخه أو يقطع برجله . وهذه المعارضات شغب وسفسطة من المعترضين بها ~~القائلين : لم تحرق النار وإنما احرق بها الإنسان ولا قطعت السكين وإنما ~~قطع الإنسان بها فاردنا بيان ان السكين قوة وفي النار كذلك لولاهما ما امكن ~~الإنسان ان يفعل بهما فعلا مما يحدث عنهما . واعلم أيضا أن المنفعل يؤثر في ~~الفعل لا بد من ذلك الا انه اقل تأثيرا فانك لو ادمنت الارادة ms064 بضابط حديد ~~ذكر صقيل في رق املس رطب لأثر ذلك مع الطول في الضابط تأثيرا يظهر إلى كل ~~من له ادنى حس ظهورا لائحا واضحا . وهكذا كل مؤثر في العالم ولا تحاش شيئا ~~أصلا وان بعد عن حسك فان مع الطول والتمادي ومرور الدهور المتواترة يظهر ~~ظهورا جليا ولو انه جر اصبع على حديد ، فسبحان المؤثر الحق PageV01P066 ~~الذي لا يؤثر فيه شيء لا اله إلا هو . وهذه مرتبة تقضى وجود الخالق المؤثر ~~الذي ليس [ شيء ] مؤثرا فيه ضرورة على ما بينا في كتاب الفصل . وذكر ~~الاوائل ان اسطقسين من الاسطقسات الاربع فاعلان وهما : الحرارة والبرودة ، ~~وأن اسطقسين منهما منفعلان وهما : الرطوبة واليبوسة ، وهذا حكم صحيح ~~ومرادهم بذلك ان الحرارة والبرودة إذا لقيا شيئا ما رداه إلى طبعهما ولا ~~تفعل ذلك الرطوبة ولا اليبوسة . فان قال قائل : قد ترطب الرطوبة ما قابلت ، ~~وتيبس اليبوسة ما لقيت ، فالجواب وبالله تعالى التوفيق : إن القضايا التي ~~يوثق بها هي التي تصدق أبدا ، لا التي تصدق مرة وتكذب أخرى ؛ وليس كل شيء ~~يرطب بملاقاة الرطب . ولا كل شيء يبس بملاقاة اليابس . فلو ألقيت حديد في ~~ماء وأبقيتها فيه ما شاء الله أن تبقى لم ترطب ولا ييبس الماء من أجل ~~ملاقاة الحديد ، وأما الحر إذا لقي شيئا فلا بد ان يحره ضرورة ، وكذلك ~~البارد لا يلقى شيئا الا برده وبالله تعالى التوفيق . انتهى الكلام في ~~المقولات العشر والحمد لله كثيرا . # | د - الكلام على الغير والمثل والخلاف والضد والمنافي والمقابلة والقنية ~~والعدم وتفسير معاني هذه الأسماء # قد قدمنا مرادنا بقولنا شخص وأشخاص ، وأخبرنا أنا لا نعني بذلك الجرم ~~وحده لكن كل جزء مجتمع منفرد من جرم أو عرض محمول في جرم . فنقول : شخص ~~سواد هذا الثوب حالك أو مصقول ، وشخص حركة هذا المتحرك من هاهنا إلى ها هنا ~~، وشخص هذه المسألة محكم وما أشبه ذلك ، اتفاقا منا ليقع بذلك الافهام ~~لمرادنا ، ان شاء الله عز وجل . ولا بد لأهل كل علم وأهل كل صناعة من ألفاظ ms065 ~~يختصون بها للتعبير عن مراداتهم وليختصروا بها معاني كثيرة [ فنقول ] ~~وبالله تعالى نتأيد : كل شخصين وكل شيئين جمعهما اسم واحد أو اسمان مختلفان ~~لا يخص شيئا دون شيء ، فهما متغايران ضرورة ، على كل حال ، أي أن كل واحد ~~منهما غير الآخر ؛ فزيد غير عمرو ، وعلم زيد غير علم عمرو ، وثوب زيد غير ~~ثوب خالد ، وطول زيد غير طول عمرو ، وبياض خالد غير بياض محمد ، وهكذا كل ~~شيئين أيضا قطعا ، وكل موجودين . والخالق تعالى غير خلقه ، ولو لم يكن هذا ~~الشيء غير هذا الشيء PageV01P067 لكان إياه وهو نفسه ، ولا سبيل إلى قسم ~~ثالث ؛ وهكذا كل لفظين فاما أن يكون معنياهما متغايرين ، أي مسمى كل لفظ من ~~ذينك اللفظين غير المسمى باللفظ الآخر ولا سبيل إلى قسم ثالث بوجه من ~~الوجوه ، ولا يتشكل في الوهم ولا يعقل ولا يكون أبدا لفظان معنياهما لاهما ~~متغايران ولاهما لا متغايران ، إذ من أشنع المحال أن يكون معنى هذا الاسم ~~ليس هو معنى هذا الاسم ليس هو معنى هذا الاسم الثاني ، ولا هو معنى آخر ~~غيره ؛ ومن المحال الممتنع الباطل أيضا أن يكون معنى هذا الاسم هو معنى هذا ~~الاسم الثاني وهو أيضا غيره ، فهذا يؤدي إلى أن هذا هو هذا ، وهذا فساد ~~ظاهر ، إذ لا يجوز أن يراد بالاسمين إلا معنى واحدا أو اكثر من واحد . وما ~~عدا هذا فوسواس ونحمد الله تعالى على ما وهب من العقل . فان اعترض قوم بما ~~ذكر الاوائل من ان الشيء إنما يكون غير الشيء إذ كان جوهره مخالفا لجوهره ، ~~فانهم قد قالوا أيضا : الإنسان هو الحمار بالجنسية أي انهما تحت جنس واحد ~~ولم يريدوا ما نحن فيه . والذي نريد نحن إنما هو ان يكون الشيء لا يغاير ~~هذا الشيء أصلا بذاته أو يغايره ، فان قال قائل : فالجزء هو الكل أو هو ~~غيره فالحقيقة أنه غيره لأن الجزء قد يبطل ولا يبطل الكل فلو لم يكن غيره ~~لما وجد دونه ، وإنما الكل لفظة تسمى بها هذه الابعاض كلها في ms066 حال اجتماعها ~~، والأبعاض هي الأجزاء ، والا فكل بعض غير البعض الآخر . والكل ينقسم قسمين ~~: أحدهما كل يسمى كل جزء من اجزائه باسم كله ، وذلك إنما يقع في أشخاص ~~النوع ، أو فيما لم يركب من اشياء مختلفة ، كأجزاء الماء فكلها تسمى ماء ، ~~وأجزاء النار كذلك ، وكذلك كل شخص من الإنسان الكلي يسمى إنسانا . والقسم ~~الثاني قسم لا يسمى شيء من اجزائه باسم كله وذلك هو في المركب من عناصر ~~مختلفة ، كأعضاء الإنسان ، فليس شيء منها يسمى إنسانا ، وكذلك الباب فانه ~~مركب من خشب ومن مسامير ، والخشبة والمسامير لا تسمى بابا . فمن ناظرك ها ~~هنا فكلفه ان يجد لك معنى التغاير ومعنى الهوية ثم كلمه حينئذ ، فان قال ~~قائل : إذا كان بعض الشيء غير الشيء وكل بعض من ابعاضه هو غير كله ، والشيء ~~كله إنما هو ابعاضه كلها ليس هو شيء غيرها أصلا ، فالشيء غير نفسه ، والبعض ~~غير نفسه ، فهذا تمويه لأن الكل إنما هو اسم يقع على الابعاض كلها إذا ~~اجتمعت ولا يقع على شيء منها على انفراده . الا ترى أن البعض إذا فني لا ~~يفنى الكل بفنائه ولا يحد هو بحد كله فإنما اسم ' كل ' بمنزله اسم إنسان ، ~~واليد ليست إنسانا ، والرأس ليس إنسانا ، والرجل PageV01P068 ليست إنسانا ، ~~والمعدة ليست إنسانا ، فإذا اجتمع كل ذلك حدث له حينئذ اسم الإنسان لا قبل ~~ذلك . وهكذا هو الكل مع اجزائه ، إلا أننا في السؤال بيانا ولا ندع للمتحير ~~معنى يتحير فيه فتقول : كل اسمين فانهما لا يخلوان من أحد وجهين ضرورة لا ~~ثالث لهما : إما أن يقعا جميعا على شيء واحد أو على اكثر من شيء واحد فلا ~~بد للمسؤول حينئذ من ان يصير إلى أحد هذين المعنيين ، والا بان انقطاعه وصح ~~حينئذ ان معنى اللفظين معنى واحد ، كل واحد من اللفظين يعبر به عن مسمى ~~واحد ، وان كل واحد من اللفظين يعبر به عن غير معنى اللفظ الآخر ، وان كان ~~معنياهما مغايرين فكل واحد منهما غير الآخر . ثم نعود ، وبالله تعالى ~~التوفيق ms067 ، فنقول : ثم تنقسم الاشياء بعد التغاير أقساما : فمنها أغيار ~~أمثال كسواد هذا الغراب وسواد هذا الثوب وكالدينار والدينار وكل ما يقع تحت ~~نوع واحد من الانواع التي تلي الاشخاص من جرم أو غيره ، ومنها أغيار خلاف ~~كالدينار والدرهم والبياض والحمرة والقيام والاتكاء وكالدينار والحمرة وكل ~~ما وقع تحت نوعين مختلفين أو تحت جنسين مختلفين . الا ان كل ما ذكرنا وان ~~كانت خلافا كما قلنا فهي أيضا امثال من وجه آخر لاتفاقهما في الرأس الاعلى ~~الذي هو جنس الاجناس ، أو لاتفاقهما في الانقسام وان لم يجمعهما جنس اجناس ~~، وفي الحدوث وفي التأليف . واما الباري عز وجل فخلاف لخلقه كله من كل وجه ~~لا تماثل بينه تعالى وبين جميع خلقه ، ولا بينه تعالى وبين شيء من خلقه ~~بوجه من الوجوه البتة . واللفظ الأول وهو التغاير يقع في كل مسميين . وهذان ~~القسمان يقعان في الجواهر والاعراض ، وهذا القسم الثاني ، أعني المخالفة ~~يقع بين كل موجودين وسواء كانا تحت نوعين مختلفين أو تحت جنسين مختلفين ~~اوكان احدهما مما يقع تحت الاجناس والآخر مما لا يقع تحت الاجناس ، ولا بد ~~في كل موجودين ضرورة من ان يكونا مختلفين أو متماثلين ؛ ثم قسمان باقيان لا ~~يقعان الا في الكيفيات ، احدهما : أغيار اضداد كالسود والبياض والثاني ~~اغيار متنافية كالحياة والموت والسكون والحركة وما اشبه ذلك . والاضداد هي ~~كل لفظتين اقتسم معنياهما طرفي البعد ، وكانا واقعين تحت مقولة واحدة وكان ~~بينهما وسائط ؛ فاما تحت نوعين مختلفين تحت جنس واحد كالسواد والبياض ~~اللذين هما واقعان تحت جنس اللون ، أو كالجود والشح اللذين هما نوعان ~~واقعان تحت جنسين مختلفين ، وهما الفضيلة والرذيلة ، واما كالفضيلة ~~والرذيلة اللذين هما جنسان جامعان لما ذكرنا PageV01P069 وتجمعهما الكيفية ~~؛ وكل ضدين فهما إنما يدركان بحاسة واحدة لا يجوز غير ذلك ، اما ان يدركا ~~معا بالعقل معا بالبصر وما أشبه ذلك من لمس وذوق وشم فتأمل هذا بعقلك تجده ~~يقينا . وكل ضدين فان احدهما ان كان في النفس فان الثاني فيها أيضا وان كان ~~احدهما في الجرم ms068 فان الثاني فيه أيضا ، لا يجوز الا هذا ، لأن الاضداد أيضا ~~تتعاقب على حاملها كالبياض والسواد اللذين في الجسم ، والحلم والطيش اللذين ~~في النفس وكذلك سائر اخلاق النفس من العلم والجهل والعدل والجور والورع ~~والفسق والغضب والرضا وسائر اخلاقها . وكذلك سائر الاضداد المتعاقبة على ~~الجرم المركب : من الحر والبرد واليبس والرطوبة ، فالمتضادة هي إذا ما وقع ~~احدهما ارتفع الآخر وبينهما وسائط . والمتناهية هي ما اقتسما أيضا طرفي ~~البعد ولا وسائط بينهما وكان إذا ارتفع احدهما وقع الآخر ، وذلك مثل الحياة ~~والموت والاجتماع والافتراق وصحة العضو ومرضه وما اشبه ذلك . وقولنا في هذا ~~المكان : ' الحياة والموت ' إنما هي مشاحة لا تحقيق ، وإنما اردنا بذلك ~~اجتماع النفس مع الجسد المركب من العناصر ففي هذا عبرنا بالحياة ، وأردنا ~~بقولنا الموت مفارقة النفس للجسد المذكور ، فهذا الاجتماع والافتراق هما ~~المتنافيان وأما الحياة التي هي الحس والحركة الارادية فهي جوهرية في النفس ~~لا تفارق النفس أبدا ، وإذ ذلك كذلك فلا ضد للحياة على الحقيقة ، لان الضد ~~مع ضده أبدا واقعان متعاقبان أبدا على كل شيء واحد ، وكذلك المتنافيان . ~~والمواتية أيضا على الحقيقة هي عدم الحس والحركة الارادية وإنما هذا في ~~الجمادات . فالموت إذا جوهري أيضا غير مفارق لها بوجه من الوجوه ، فلا ضد ~~للمواتية أيضا على الحقيقة على هذا الوجه ولا منافي لها أيضا ولا للحياة . ~~والجسد المركب من الطبائع الاربع مواتي ابدا لا حياة له بوجه من الوجوه ~~أصلا وإنما الحياة للنفس المتخللة له ، ولكنا اضطررنا إلى التعبير بالحياة ~~والموت عن اجتماعهما مع الجسد المذكور ومفارقتهما إياه لعادة الناس لهذين ~~العبارتين عن هذين المعنيين فاردنا التقريب والافهام كما ترى . فمتى رأيت ~~في كتابنا هذا أن الموت ضد الحياة فهذا الذي أردنا فلا تظن بنا خطأ في هذا ~~المعنى ، وقد قال بعض أهل الشريعة : إن العلم مضاد الموت ، وهذا كلام فاسد ~~، لان النفس بعد مفارقتها الجسد هي أثبت ما كانت قط علما ، والجسد المركب ~~لا يعلم شيئا . والفرق بين المنافي والمضاد أن الضدين بينهما وسائط ms069 ليست من ~~أحد الضدين PageV01P070 كالحمرة والصفرة والخضرة التي بين السواد والبياض ~~وكحال الاعتدال الذي بين الجود والشح على ما نبين في كتابنا في أخلاق النفس ~~ان شاء الله عز وجل ، والمنافيان هما اللذان ليس بينهما وسائط فان الحياة ~~والموت فيما يكونان فيه ليس بينهما وسيط لا يكون حياة ولا موة ؛ كذلك صحة ~~العضو ومرضه لا يجوز ان يكون العضو صحيحا مريضا ، ولا لا صحيحا ولا مريضا . ~~والصحة ه تصرف العضو في فعله الطبيعي ، والمرض هو ضعفه عن ذلك . وكذلك ~~الجور في العدل والحكم : لا يجوز أن يكون حكم لا عدلا ولا جورا ولا عدلا ~~جورا . ولما كان هذان الأمران ؟ أعني التضاد والنافاة - معنيين مختلفين ~~احتجنا في العبارة عنهما إلى اسمين متغايرين لئلا يقع الاشكال ؛ وقد حد قوم ~~الضد بأنه الذي إذا وقع ارتفع الآخر ، وهذا خطأ ، لان هذا قول يوجب ان يكون ~~الاتكاء ضد القعود والخضرة ضد الحمرة وهذا خطأ ، وإنما هذا من الخلاف ~~والتغاير لا من التضاد ، وحد الضد على الحقيقة هو ما عبرنا به آنفا . وأما ~~حال الجسم التي تنفي الضدين معا من بعض الاضداد وبعض المتنافيين فلا يعرف [ ~~لها ] اسم في الاكثر من مواضعها ، كحال نفس الطفل فانه لا يسمى برا ولا ~~فاجرا ولا عالما ولا جاهلا بل كل من هذه الأحوال منفية عنه بلفظة ' لا ' ~~فنقول : الطفل لا يعلم شيئا ولا يطلق عليه اسم الجهل الا مع امكان العلم ، ~~ويقال الطفل ليس برا ولا فاجرا فإذا قوي واحتمل الامرين وقع عليه احدهما ~~على حسب ما يبدو منه ، وكالحجر لا يقال عنه حي ولا ميت لكن ننفي عنه كلا ~~الامرين بلفظة ' لا ' أو ' ليس ' فنقول : الحجر ليس حيا ولا ميتا . والميت ~~حيا والأسود أبيض والأبيض أسود وليس ذلك لازما لكن على حسب ما يكون ولكنه ~~ممكن في الأغلب ومتوهم ؟ لو كان - كيف كان يكون في الجملة . وقد يدخل في ~~الامتناع بالفعل لضروب من النصبة المانعة منه في العادة . أما التقابل فهو ~~ينقسم قسمين : تقابل في الطبع وتقابل ms070 في القول فالذي في القول هو الايجاب ~~والسلب ، نعني بالايجاب اثبات شيء بشيء كقولك زيد منطق والخمر حرام والزكاة ~~واجبة على مالك مقدار كذا وكذا من المسلمين والعالم محدث ومحمد رسول الله ~~وما أشبه ذلك . والسلب نفي شي عن شيء كقولك زيد ليس أميرا ومسيلمة ~~PageV01P071 ليس نبيا والربا ليس حلالا والعالم ليس أزليا وما أشبه ذلك ؛ ~~وقد يأتي لفظ الايجاب والسلب كذبا إذا أوجبت الباطل ونفيت الحق . وإنما ~~الفرق بين الايجاب والسلب إدخال الفاظ النفي وهي لا أو ليس أو ما أو الحروف ~~التي تجزم في اللغة العربية الأفعال ، بغير معنى الشرط ، أو تنصيبها وهي ' ~~لم ' واخواتها ' ولن ' وما اشبهها ، فيكون نفيا ، أو إخراجا فيكون ايجابا . ~~وأما الذي في الطبع فينقسم ثلاثة أقسام : أحدها مقابلة الأضداد والمتنافيات ~~، والثاني مقابلة المضاف ، والثالث مقابلة القنية والعدم . وقد تكلمنا قبل ~~في الأضداد وفي المتنافيات والاضافة بما كفى . واعلم ان الضدين ثبات كل ~~واحد منهما بنفسه ، وكذلك المتنافيان واما المضافان فثبات كل واحد منهما ~~بثبات الآخر ، على ما بينا هنالك . ولذلك لا يدور كل واحد من الضدين على ~~الآخر وكذلك المتنافيان . وأما المتضادان فكل واحد منهما يدور على صاحبه ~~فنقول : ضعف النصف ونصف الضعف ولا نقول جور العدل ولا عدل الجور ولا بياض ~~السواد ولا سواد البياض ولا شر الخير ولا خير الشر . ومعنى التقابل هو كون ~~شيئين في طرفين معينين يقتضي احدهما وجود الآخر على الرتب التي ذكرنا ، ~~فكأنه يقابل احدهما الآخر . واما مقابلة القنية والعدم فذلك كالبصر وعدمه ~~الذي هو العمى ، فان أحد هذين يدور على الآخر ولا يدور الآخر عليه ، ومعنى ~~الدوران هو الاضافة فنقول عمى البصر ولا نقول بصر العمى . واعلم ان القنية ~~هي التي لا تدور على العدم أي لا تضاف إليه والعدم يدور على القنية أي يضاف ~~إليها . والعدم ليس معنى لكنه ذهاب الشيء وبطلانه ولا يعد عادما إلا من ~~يحتمل وجود ما هو عادم له ، ألا ترى ان الحجر لا يسمى عادما وكان هذا عندنا ~~معنى اتبعت ms071 فيه اللغة اليونانية ؟ وأما اللغة العربية فكل حال لم يكن فيها ~~شيء ما فانه يطلق فيه اسم عدم ذلك الشيء ، وسواء كان موجودا قبل ذلك أو لم ~~يكن . وكذلك أيضا يسمى فيها بالعدم كل ما لم يكن ، وسواء توهم كونه أو لم ~~يتوهم ؛ إلا ان الفرق بين الضدين وبين العدم والوجود ان كل الضدين لهما ~~إنية ومعنى ذلك أنهما موجودان ، والوجود له إنية أي أنه موجود والعدم لا ~~إنية له أي لا وجود له . واعلم أن السلب والايجاب إنما يقعان في الاخبار ~~وبذلك يكون الصدق والكذب ، وذكر الفلاسفة ها هنا شيئا سموه ' كون الشيء في ~~الشيء ' وليس يكاد ينحصر عندنا وإن كان محصورا في الطبيعة ، فلم نر وجها ~~للاشغال به إذ ليس إلا من تشقيق PageV01P072 الكلام فقط كقولهم : النوع في ~~الجنس والجنس في النوع وما أشبه ذلك مما لا قوة في إدراك الحقائق وإقامة ~~البراهين وكيفية الاستدلال الذي هو غرضنا في هذا الكتاب . وكذلك ذكروا أيضا ~~شيئا رسموه ' بكون الشيء مع الشيء ' ورتبوه على ثلاثة أقسام : أحدها كون ~~الشيء مع الشيء في زمن ، وهو المعهود في استعمال اللغة إذ كل شيئين كانا في ~~زمان واحد فهما معا أي كل واحد منهما مع الآخر ، ورتبوا في ذلك أيضا كون ~~المضافين أحدهما مع الآخر أي مع النصف ضعفا ومع الضعف نصفا ، ورتبوا في ذلك ~~أيضا كون النوعين معا جنس واحد أي مستويين فيه كالفرس والحمار تحت جنس الحي ~~وكل هذه الأقسام ترجع إلى الزمان ولا تخرج عنه . وذكروا شيئا سموه ' القدمة ~~' ، وهذه لفظة استعملها أهل اللغة العربية فيما تقدم زمانه زمان غيره ~~كقولهم : الشيخ أقدم من الغلام ، ودولة بني أمية أقدم من دولة بني العباس ، ~~وما أشبه ذلك ، وأما أهل الكلام فانهم استعملوها في الخبر عن المخلوقات ~~والخالق تعالى فسموا الواحد الأول عز وجل قديما ونحن نمنع من ذلك ونأباه ~~ولا نزيل القديم والقدم عن موضعهما في اللغة العربية ولا نصف به الخالق عز ~~وجل البتة . وقد قال عز وجل : ' كالعرجون القديم ms072 . ' يريد البالي الذي مرت ~~عليه ازمنة مختلفة له بتطاولها ، ونضع مكان هذه العبارة لفظة ' الأول ' ، ~~والاخبار بانه تعالى لم يزل ، وأن جميع ما دونه ؟ وهي كل المخلوقات - لم ~~تكن ثم كانت ، وان كل شيء سواه تعالى محدث مخلوق ، وهو خالق أول واحد حق لا ~~اله الا هو . وذكر الاوائل أشياء في المقدمة ليست صحيحة منها : أن الجنس ~~أقدم من النوع بالطبع من أجل أنه مذكور في الرتبة قبله ، وهذا لا معنى له ~~لأن الجنس هو جملة أنواعه نفسها ، فلا يكون الشيء أقدم من نفسه ، ولا يجوز ~~أن يكون الكل أقدم من اجزائه . وذكروا أيضا ان المدخل إلى العلوم أقدم من ~~العلوم وهذا خطأ لأن العلم موجود في الطبيعة ، أي بالقوة فيها ، قبل دخول ~~الداخل إلى طلبه . وذكروا أيضا قدمه الشرف وهذا فاسد البتة الا ان كان ذلك ~~في اللغة اليونانية ، واغتر بعضهم في ذل اللغة العربية في قولهم : ' فرس ~~عتيق ' أي قديم ، وليس كذلك ، لان العتق في اللغة العربية من الأشياء ~~المشتركة فيقع على القديم كقولهم : ' شراب عتيق ' ويقع على الحسن الجيد ~~كقولهم : ' عتيق الوجه ' ، و ' فلان ظاهر العتق ' أي ظاهر الحسن ، فعلى هذا ~~المعنى قالوا : فرس عتيق ، ويقع أيضا على البراءة مع الملك فيقولون : اعتق ~~فلان عبده والعبد PageV01P073 عتيق أي مبرأ من الملك . واما العلة والمعلول ~~فمن باب الاضافة ولا يجوز أن تسبق العلة المعلول أصلا ، ولو سبقته لوجد ~~وقتا ما غير موجبة له ، ولو كان ذلك لم تكن علة إذ العلة ليست شيئا أصلا ~~الا القوة الموجبة لوجود ما يجب بوجودها ، وبالله تعالى التوفيق . # | ه - باب الكلام على الحركة # الحركة تنقسم ستة اقسام : قسمان اولان وهما حركتا الكون والفساد وهما في ~~الجوهر ، ومعنى الكون : ' خروجه من الامكان والعدم إلى الوجوب والوجود ' ~~وهذه حركة للجوهر الخارج لا لمبدعه المخرج له عز وجل ؛ ومعنى الفساد : ' ~~خروجه من الوجود والوجوب إلى البطلان والعدم ' ، وذلك واجب في الأعراض ~~ومتوهم على الأجرام إن شاء خالقها تعالى فيما شاء منها . والفساد عندنا على ~~الحقيقة ms073 افتراق الجسم على اشياء كثيرة وذهاب أعراضه وحدوث أعراض أخر عليه ، ~~وأما الأجرام كلها فغير معدومة الأعيان أبدا بوجه من الوجوه ، ولكنها ~~منتقلة من صفة إلى صفة كما قال تعالى : { خلقا من بعد خلق } ( الزمر : 6 ) ~~ومن مكان إلى مكان ومن عالم إلى عالم حتى تستقر المتعبدة منها في دار ~~النعيم أو العذاب في عالم الجزاء بلا نهاية . وهاتان الحركتان تقعان في ~~الأعراض كلها لأنها كائنات فاسدات . ثم قسمان آخران وهما حركة الربو ~~والاضمحلال وهما من الكمية ، فالربو هو : ' تباعد نهايات الجرم عن مركزه ' ~~والاضمحلال هو : ' تقارب نهايات الجرم من مركزه ' ، وهذان لا يكونان الا في ~~النوامي ، فيكون الربو بغذاء يستحيل إلى نوعها وينبسط من وسطها إلى طرفيها ~~، ويكون الاضمحلال بأخذ الجزء من رطوباتها اكثر مما يقبله الجرم من الغذاء ~~، فترى الشجرة والحي والنبت المركب يتغذى فيستحيل الغذاء أجزاء المتغذي به ~~، ففي الحيوان يستحيل دما ولحما وشحما وعظما وعروقا وشرايين وعصبا وشعرا ~~وهلبا وريشا وجلدا ، فيمتد ذلك الجسم ويطول ويعرض ويضخم ؛ ويستحيل الغذاء ~~للشجرة من الماء والرطوبات من الأرض والدمن عودا ولحاء وورقا وزهرا وطعما ~~وصمغا وخوصا وعساليج ، ويمتد ويعظم كما ذكرنا ، وكذلك في النبت ، ثم إذا ~~ابتدأ كل ذلك يضمحل بتناهي أمره الذي رتبه له خالقه من رطوبات الأجرام التي ~~ذكرنا اكثر مما يقبله من الغذاء حتى ييبس الشجر والنبات ويموت الحي وتفترق ~~أجزاؤه وترجع نفسه إلى عالمها الذي شاهدنا فيه الصادق المنبعث من الخالق عز ~~وجل ، النبي ، صلى الله عليه وسلم ، حين جولانه وتصرفه في عالم PageV01P074 ~~الافلاك بالقدرة الالهية التي خص بها وهو ما بين مبدأ الافلاك الذي هو فلك ~~القمر ، وبين تناهي أبعد العناصر الاربع ، جعل الله لنا في ذلك الفوز ~~والنجاة والراحة وتخلصنا مما يقع فيه العصاة الآثمون . وتفترق سائر العناصر ~~الجسدية إلى مستقرها الذي رتبها تعالى فيه إلى أن يجمعها كلها يوم المبعث ~~ويعيدها كما بدأها ، لا اله الا هو ، وتتفرق أيضا أجزاء الشجر والنبات إلى ~~مقرها أيضا من العناصر الاربعة التي هي النار والهواء ms074 والماء والأرض ، ~~فبحان المبدع المركب المتمم المدبر ، لا اله الا هو ، { ان في ذلك لآية ~~لقوم يعلمون } ؤ ( النمل : 52 ) { وكأين من آية في السماوات والأرض يمرون ~~عليها وهم عنها معرضون . } ( يوسف : 105 ) . ثم قسمان باقيان وهما ~~الاستحالة والنقلة ، فالاستحالة كاستحالة الخمر خلا ، فان الخمر لم ترب ولا ~~اضمحلت ولا حدثت عينها ولا عين الخل ولا عدم واحد منهما ولا انتقل من مكان ~~إلى مكان ، وكذلك استحالة النار إلى الهواء والهواء إلى النار وبعض العناصر ~~إلى بعض ، وقد نجد المربع يزيد عليه مربعا فينمو ويربو ولا يستحيل عن ~~التربيع . وأما النقلة فهي الحركة العامة الظاهرة وهي تبدل الاماكن ، وهذان ~~القسمان كيفية ، ومنافي كل حركة سكون المتحرك بها ، فالسكون بالجملة ينافي ~~الحركة بالجملة . والحركة المكانية النقلية تنقسم قسمين : اختيارية وطبيعية ~~. والاختيارية تنقسم قسمين : أحدهما تحريك الباري عز وجل ما شاء من أجرام ~~الجو حيث شاء تعالى من ريح أو مطر وما اشبه ذلك ، وهي حركة حالة في الاشياء ~~المذكورات وتأثير فيها . والثاني تحريك النفس لما هي من الاجسام صعدا وسفلا ~~، وأمام ووراء ، ويمينا ويسارا ، وتحريك كل جسم مختار بجبلته . والطبيعية ~~تنقسم ثلاثة أقسام : حركة من الوسط بمعنى لو كالنار والهواء الآخذين أبدا ~~في الارتفاع ، ولا يأخذان سفلا إلا بالقسر والقهر ؛ وحركة إلى الوسط كحركة ~~الماء والأرض فلا يأخذان أبدا إلا سفلا يطلبان المركز ولا يأخذان علوا الا ~~بالقسر والقهر ؛ وحركة حوالي الوسط ، وهي حركة الافلاك وكل ما فيها من ~~الاجرام الجارية على رتبة معهودة طبيعية وهي حركة استدارة ، وهذه الحركة ~~تنقسم قسمين إما من شرق إلى غرب كالفلك الاعلى في ذاته ، وإما من غرب إلى ~~شرق كالشمس والقمر والكواكب وأفلاكها ، ثم هي أيضا تختلف في حال سرعتها ~~وبطئها ، فتبارك الخالق المدبر ، لا اله إلا هو . PageV01P075 تم كتاب ~~قاطاغورياس ، وهو كتاب الاسماء المفردة ، بحوله وقوته وصلى الله على محمد ~~وعلى آل محمد وسلم . PageV01P076 # | 2 - كتاب الأخبار # وهو الأسماء المجموعة إلى غيرها وتسمى ' المركبة ' وهو المسمى باللغة ~~اليونانية ' باري ارمينياس ' # | 1 - رسم الاسم ms075 # الاسم صوت موضوع باتفاق لا يدل على زمان معين ، وان فرقت أجزاؤه لم يدل ~~على شيء من معناه ، نريد بقولنا ' موضوع باتفاق ' اصطلاحا من أهل اللغة على ~~ما يختصرون به المعاني الكثيرة بلفظ مختصر يدل عليها كاتفاق العرب على أن ~~سمت PageV01P077 الراعي الطويل العنق ، الاحدب الظهر ، العالي القوائم ، ~~القصير الذنب ، المتخذ للحمل والركوب ' بعيرا ' واتفاق العجم على ان سمته ~~باسم آخر . وكل تلك الاسماء دالة على الحيوان الذي ذكرنا دلالة واحدة وهكذا ~~كل مسمى وضع له اسم وقولك بعير لا يدل على زمان معين ، لا حال ولا ماض ولا ~~مستقبل . وانت إذا قسمته فقلت : : بعي ' لم يدل على معنى البعير . وقد ظ ~~قوم جهال أن من الاسماء ما يدل شيء من أجزائه على شيء من معناه ، كقولك : ' ~~عبد الله ' ، فان عبدا يدل على معنى ، فاعلم ان المعنى الذي يدل عليه ' عبد ~~' غير المعنى يدل عليه ' عبد الله ' أي انه لا يدل على المعنى الذي قصد [ ~~من ] تسمية لرجل عبد الله . الا ترى انك تقول فيمن اسمه عبد الرحمن ليس هذا ~~عبد الرحمن ، أو هذا خالد فيمن اسمه خالد وتكون صادقا مصيبا ؛ ويكون مسميه ~~عبد الله كاذبا مخطئا ، فلو كان المراد في التسمية الاخبار بأنه عبد الله ~~لكان وعبد الله أيضا سواء ، ولكنت في نفيك انه عبد الله أيضا كاذبا ، ولكان ~~من سماه عبد الله في الشهادة عليه والاخبار عنه صادقا ولا شك في كذبه ، وصح ~~ما ذكرنا وبالله تعالى التوفيق . وقد لاح بالحقيقة التي بينا أن الاوصاف ~~والاخبار كلها إنما تقع على المسميات لا على الاسماء وأن المسميات هي ~~المعاني والاسماء هي عبارات عنها ، فثبت بهذا ان الاسم غير المسمى ، ووضح ~~غلط من ظن غير ذلك من اصحابنا الذين يقولون بالكلام غير محققين له : ان ~~الاسم هو المسمى ، وقد احتج بعضهم في خطائه ذلك بقول الله تعالى : { سبح ~~اسم ربك الاعلى } ( الاعلى : 1 ) وهذا منهم سقوط شديد ، وإنما بيان ذلك ان ~~المسميات لما لم يتوصل إلى الاخبار عنها أصلا الا ms076 بتوسط العبارات المتفق ~~عليها عنها جعلت المسميات عين تلك العبارات وإنما المراد المعبر بها عنها . ~~ولما لم يكن سبيل إلى الثناء على الله عز وجل الا بذكر الاسم المعبر به عنه ~~لم يقدر على ايقاع الثناء والمدح والتسبيح له تعالى الا بتوسط الاسم : ~~فأمرنا تعالى بما نقدر عليه لا بما لا نقدر عليه أصلا ، والمراد بالتسبيح ~~هو تعالى ، لا الصوت الفاني PageV01P078 المنقطع المعدوم اثر وجوده ، ~~الواقع تحت حد الكمية في نوع القول كما قدمنا ، فاعلم هذا . ومن الاسماء ~~معرف وهي الخصوص كقولك زيد وعمرو والرجل الذي تعرف وغلام زيد وغلام الرجل ~~وغلامي . ومنها نكرات وهي العموم كقولك رجل ما وحما ما ، والاسماء التي ~~تنوب عنها معروفة في اللغات بعضها للخاص متكلم ( 1 ) وبعضها للحاضر المتكلم ~~وبعضها للمخبر عنه وبعضها للمشار إليه كقولك : أنا وأنت وهي وهذا . وهذه هي ~~المسميات عند اهل النحو الضمائر والمبهمات والكنايات وقد قدمنا انها غاية ~~الخصوص وأعرف المعارف . # | 2 - القول على الكلمة # يعني الفلاسفة بهذه اللفظة الشيء الذي يسميه النحويون : ' النعوت ' والذي ~~يسميه المتكلمون ' الصفات ' واذا رسمه النحويون قالوا : هو اسم مشتق من فعل ~~مثل صح يصح فهو صحيح وما أشبه ذلك . وقال الاوائل : انه يدل على زمان معين ~~لأنك تقول صح يصح فهو صحيح فهذا إخبار عن حاله الآن ، وذلك فعل ماض ومستقبل ~~، وهذه الكلمة صوت موضوع باتفاق أيضا على ما قدمنا في الاسم لا يدل بعض ~~اجزائه على معناها الا انها تدل على زمان مقيم كما ذكرنا . وذكروا في قولك ~~الصحة أنها اسم لا كلمة وهذا الذي يسميه النحويون المصدر وهو على الحقيقة ~~اسم للسلامة من العلل الا انه ينقسم قسمين : فمنه ما يكون فعلا لفاعل وحركة ~~لنتحرك كالضرب من الضارب ، ومنه ما يكون صفة لموصوف كالصحة للصحيح فانها ~~محمولة فيه وصفة من صفاته . واما الصحيح والضارب فاسما المبرأ من العلة ~~والمتحرك بالضرب استحقهما بمحموله وتأثيره ، وإنما ذكرنا هذين اللفظين ~~لأنهما موضوع الخبر ومحمولة فهما جزءان للخبر ، وكذلك كقولك فعل وقعد اشياء ~~موضوعة للعبارة ms077 عن التأثير الظاهر من الأجرام أو فيها وهي أيضا جزء من ~~أجزاء الخبر كقولك : قام زيد أو كقولك : زيد صحيح وعبد الله منطلق ، فالخبر ~~يقوم من اسمين احدهما اسم مميز للمخبر عنه من غيره وهو الموضوع والثاني صفة ~~مميزة للاخبار عنه من غيره وهو المحمول . # | 3 - القول على القول # أراد الاوائل بلفظة القول هاهنا كل خبر قائم بنفسه وأقل ذلك اسم وصفة على ~~ما PageV01P079 قدمنا . والخبر المذكور يدل كل جزء منه على شيء من معناه ~~بخلاف الألفاظ المفردات ؛ إذا قلت محمد نبي دلك محمد على بعض مرادك بقولك : ~~محمد نبي . وللخبر توابع سمتها الاوائل ' لواحق وربطا ' ، فاللواحق أشياء ~~زائدة في البيان والتأكيد مقل قولك : العقل الحسن لزيد ، والشعر الطويل ~~الجيد لفلان ، والقوم أجمعون أتوني ، فان قولك : العقل الحسن اسمان لم يتم ~~بهما تمامه ، كقولك زيد قائم ، فلم يكن اجتماع هذين اللفظين الناقصين كحكم ~~اجتماع اللذين تم المعنى بهما . الألف واللام الداخلان على اللغة العربية ~~للتعريف أو ما مقامهما في سائر اللغات هي من اللواحق أيضا لان كل ذلك بيان ~~لاحق بالمبين فلذلك سميت هذه بزوائد لواحق . واما الربط فهي التي يسميها ~~النحويون حروفا في المعنى ، وهي ألفظ وضعت للمعاني الموصلة بين الاسم ~~والاسم ، وين الاسم والصفة ، وبين المخبر عنه والخبر ، كقولك : زيد في ~~الدار ، وزيد لم يقم ، وهي مثل حروف الخفض ك : في وعن ومن وسائرها وكحروف ~~الاستفهام مثل : هل وكيف وما أشبه ذلك ، فانك تقول : هل قام زيد ؟ وكذلك ~~سائر الحروف الموصلة للمعاني . ومنفعة هذه الحروف في البيان عظيمة فينبغي ~~تثقيف معانيها في اللغة ، إذ لا يتم البيان إلا بها ، وتنوب عن تطويل كثير ~~. ألا سوى انك تقول اخوتك وأعمالك أتوني ، فلولا الواو احتجت إلى افراد كل ~~واحدة من الجملتين والاخبار عنها بانهم أتوك . وقد يكون القول مركبا من ~~لفظين ولا يكون تاما كقولك : إن جئتني أو كقولك : إذا مات زيد ، فان قلت ان ~~جئتني اكرمتك كان كلاما [ تاما ] ، أو إذا مات زيد انقطعت حركته كان كلاما ~~تاما . والخبر ms078 كما قدمنا إما إيجاب وإما نفي ، والموجب إما أن يكون كذبا ~~وإما أن يكون صدقا ، والمنفي أيضا كذلك . فالخبر إذا تم كما ذكرنا سمى قضية ~~فاما صادقة وإما كاذبة ، فاحفظ هذا واذكره فانه سيمر بك كثيرا إن شاء الله ~~تعالى . والقضية النافية والموجبة تنقسم كل واحدة منهما قسمين : إما معلقة ~~بشرط وإما قاطعة . فالمعلقة كقولك : من بدل دينه بغير الاسلام لزمه القتل ، ~~وقولك : ان كان متحركا بارادة فهو حي ، وكقولك : إذا غابت الشمس كان الليل ~~. واعلم أن متى وما واذا ما وكل هذه الحروف موجب حكمها واحد في الشرط ~~وتعليق المحمول بالموضوع فيها ، فان أردت أن تجعل هذه القضايا بلفظ النفي ~~قلت : من بدل دينه لم PageV01P080 يجز أن يستبقى إلا أن يسلم ، وان كان ~~متحركا بارادة فليس ميتا وان غابت الشمس لم يكن نهارا . واما القاطعة فان ~~تقول : كل إنسان جوهر ، أو أن تقول : الصلوات الخمس فرض على من خوطب بها ، ~~والنفي يكون بادخال لا أو ليس أو ما أو الحروف التي ذكرنا أنها تجزم ~~الأفعال بغير الشرط أو تنصبها ، فإذا أدخلت شيئا من هذه الحروف على قضية ~~كاذبة صار النفي حقا . ' الاه غير الله ' قضية كاذبة ، ' لا إله غير الله ' ~~صدقت . واذا ادخلت هذه الحروف على قضية صادقة كنت كاذبا فهذا الذي سمته ~~الاوائل ' السلب والايجاب ' لان هذه الحروف تسلب ما أوجبت في لفظك الذي ~~ادخلتها عليه . ولكل موجبة سالبة واحدة وليس ذلك الا بادخال حرف من حروف ~~النفي التي ذكرنا أو اخراجه فقط ، وبالله تعالى التوفيق . واعلم أن كل قضية ~~وقع في أول عقدها استثناء فهي شرطية ، والشرطية تكون على وجهين : اما متصل ~~واما مقسم فاصل . فالمتصل هو ما اوجب ارتباط شيء بشيء آخر لا يكون الا ~~بكونه ؛ وهو يكون على وجهين : اما موجب كقولك : ان غابت الشمس كان الليل ، ~~وإما ناف كقولك : ان لم تطلع الشمس لم يكن نهارا الا ترى انك ربطت كون ~~النهار يكون طلوع الشمس ووصلته به ، وربطت كون الليل [ بكون ] مغيب الشمس ~~ووصلته ms079 به . وأما المقسم الفاصل فهو ما جاء بلفظ الشك وان لم يكن شكا لكنه ~~حكم للموضوع باحد أقسام المحمولات وذلك مقل قولك : العالم إما محدث وإما لم ~~يزل ، وان شئت أتيت بلفظة أو ؛ إلا أن لفظة إما إذا قطعت وقسمت أبين من ~~لفظة أو ، واذا كنت مقررا مستفهما ، فان شئت أتيت بلفظة ان ، وإن شئت بلفظة ~~أو ، فتقول : أمحدث العالم أو لم يزل ، وان شئت قلت : أم لم يزل . وقد تكون ~~اقسام هذا النوع أعني الفاصل اكثر من قسمين ، وذلك على قدر توفية القسمة ~~جميع ما تحتمله في العقل ، وهذا موضع يعظم فيه الغلط إذا وقع في القسمة ~~اختلال ونقص ، فتحفظ منه اشد التحفظ ، فان كنت مسؤولا فتأمل هل أبقى سائلك ~~قسما من أقسام سؤاله فنبه عليه ، فلا بد لك من الخطأ ضرورة إذا أجبت . وان ~~كنت سائلا فلا ترض لنفسك بهذا فانه الجهال أو الوضعاء الاخلاق المغالطين ~~لخصومهم القانعين بغلبة الوقت دون إدراك الحقائق . واعلم ان المحمول إذا ~~كان واحدا والموضوعات كثيرة فهي قضايا كثيرة كقولك : الملك والانس والجن ~~أحياء . فهذه ثلاث قضايا ، وإذا كان الموضوع واحدا PageV01P081 والمحمولات ~~كثيرة فهي قضية واحدة كقولك : نفس الإنسان حية ناطقة ميتة مشرقة على جسد ~~يقبل اللون منتصب القامة ؛ فان فرقت كل ذلك كانت قضايا متغايرة . واعلم ان ~~الكلام لا يسمى قضية حتى يتم ، وسواء طال أو قصر ، كقولك الإنسان المركب من ~~جسد يقبل اللون ونفس حية ناطقة ميتة يحرك يده بجسم محدد الطرف ، وفي طرفه ~~جسم مائع مخالف للون سطح جسمه في يده ، يخط في ذلك السطح خطوطا يفهم ~~معانيها ، فكل هذا مساو لقولك إنسان كاتب . واعلم أن القضايا إما اثنينية ~~وهي المركبة من موضوع ومحمول كما قدمنا ، وإما أكثر من اثنينية وهي ان تزيد ~~صفة أو زمانا فتقول : محمد كان أمس وزيرا وعمرو رجل عاقل ، وقد تزيد أيضا ~~على هذا بزيادتك فائدة أخرى وهو أن تزيد في القضية : إما وجوبها ولا بد ، ~~وإما إمكانها ، وإما أنها محال لا تكون . وانت إذا ms080 زدت على القضية التي هي ~~مخبر عنه وخبر صفة أخرى كما ذكرنا جاز ذلك ، وكانت الزيادة التي زدت هي ~~غرضك في الخبر ، يعني أنها تصير هي المحمول والخبر معا وكان المحمول ~~والموضوع اللذان كانا هما المخبر عنه والخبر معا موضوعا ومخبرا عنه فقط ، ~~كقولك : زيد منطلق فإذا زدت فقلت زيد المنطلق كريم أو زيد منطلق كريم فيصير ~~قولك زيد منطلق موضوعا أي مخبرا عنه ويصير قولك كريم هو المحمول ، أي هو ~~الخبر ، وهكذا القول في النفي ولا فرق . واعلم أن القضايا إما مهملة وإما ~~مخصوصة وأما ذوات أسوار . فالمخصوصة ما كانت خبرا عن شخص واحد أو عن اشخاص ~~باعيانهم لا عن جميع نوعهم بنفي أو إيجاب ، كقولك : زيد غير منطلق ، وإخوتك ~~لا كرام ، وفلان خليفة ، وعمرو حي . واعلم ان هذا القسم الذي سميناه مخصوصا ~~لا يقوم منه برهان عام فتحفظ من ذلك وسيأتي بيان هذا القول في الكتاب الذي ~~يتلو هذا الكتاب ان شاء الله عز وجل . وأما ذوات الأسوار فهي تنقسم قسمين ~~في الايجاب وقسمين في النفي . فقسما الايجاب اما كلي واما جزئي ، فالكلي ما ~~وقع بلفظ عموم كقولك : كل أو جميع أو لا واحد وما اشبه . والجزئي ما وقع ~~بلفظ تبعيض كقولك : بعض أو جزء أو طائفة أو طائفة أو قطعة وما أشبه ذلك ؛ ~~وقسما النفي ادخال حروف النفي على هذين القسمين . وهذه الأسماء [ التي ] ~~تعطي العموم المتيقن أو التبعيض المتيقن هي المسماة اسوارا لأنها كالسور ~~المحيط بها في دائرته أو سائر شكله ، ومن هذا ؟ اعني ذوات الاسوار - يقوم ~~PageV01P082 البرهان الصحيح على ما يأتي بعد هذا ان شاء الله عز وجل ، وبها ~~يقع الالزام الذي به تبين الحقائق كقولك : إنسان حي ، وجميع الناس أحياء أو ~~لا واحد من الناس نهاق ولا واحد من الناس صهال أو قولك : بعض الناس كاتب أو ~~طائفة من المسلمين أطباء وما أشبه ذلك وكقولك في النفي لا بعض الناس حجر ~~وما أشبه ذلك . وأما المهملة فهي التي يكون عليها شيء من الاسوار التي ms081 ~~ذكرنا وقد تنوب ، في اللغة العربية ، المهملة مكان ذوات الأسوار ، وذلك ~~أنها لفظة تقع على الجنس أو النوع كقولك : الحي حساس ، أو كقولك : الإنسان ~~حي ، فان هذه لفظة إذا لم تعن بها واحدا بعينه فلا فرق بين قولك الإنسان حي ~~، وبين قولك كل إنسان حي ، والحقيقة في ذلك عند قوة البعث ان تتأمل القضية ~~المهملة فتنظر في محمولها فان لم يمكن إلا ان يكون عاما فالموضوع كلي ، وان ~~لم يكن ان يكون عاما فالقضية جزئية . ومما يبين هذا أنك إن لفظت بالمهمل ~~فقلت : الإنسان حي ناطق ميت ، الإنسان ضحاك ، لم ينكر ذلك أحد ، ولو قلت ~~الإنسان طبيب بالفعل ، الإنسان حائك بالفعل لأنكر ذلك عليك كل سامع ولكذبوك ~~، لان الصفة جزئية ، وكذلك لو قلت الاطباء محسنون لكذبك كل سامع لأن ~~الاطباء عموم . والمحسنون هم بعض الاطباء بلا شك فلما حملت على المهمل صفة ~~جزئية أنكرتها النفوس . واعلم ان السور لا يجوز ان يوضع الا قبل الموضوع أي ~~قبل المخبر عنه لا قبل المحمول ، وهو الخبر ، لأنك إذا قلت : كل إنسان حي ~~صدقت ، واذا قلت : الإنسان كل حي ، كذبت ؛ وإنما يجوز ان تقرن السور الكلي ~~بالمحمول إذا كان حدا أو رسما كقولك نفس الإنسان كل حية ناطقة منه ذات جسد ~~ملون ، واذا قلت : الإنسان كل ضحاك ، أو إذا كان السور جزئيا مقل قولك : ~~الإنسان بعض الحي . # | 4 - باب العناصر # اعلم ان عناصر الاشياء كلها ، أي اقسامها ، في الاخبار عنها ، ثلاثة ~~اقسام لا رابع لها : إما واجب وهو الذي قد وجب وظهر ، أو ما يكون مما لا بد ~~من كونه ، كطلوع PageV01P083 الشمس كل صباح ، وما اشبه ذلك . وهذا يسمى في ~~الشرائع : ' الفرض واللازم ' . واما ممكن وهو الذي قد يكون وقد لا يكون ، ~~وذلك مثل توقعنا أن تمطر إذا وما اشبه ذلك ، وهذا يسمى في الشرع : ' الحلال ~~والمباح ' . واما ممتنع وهو الذي لا سبيل إليه كبقاء الإنسان تحت الماء ~~يوما كاملا ، أو عيشة شهرا بلا اكل أو مشية في الهواء بلا حيلة وما اشبه ms082 ~~ذلك ، وهذه التي إذا ظهرت من إنسان علمنا انه نبي وهذا القسم يسمى في ~~الشرائع : ' الحرام والمحظور ' . ثم الممكن ينقسم اقساما ثلاثة لا رابع لها ~~: ممكن قريب كامكان وقوع المطر عند تكاثف الغيم في شهري كانون وغلبة العدد ~~الكبير من الشجعان العدد اليسير من الجبناء ؛ وممكن بعيد وهو كانهزام العدد ~~الكثير من الشجعان عند عدد يسير من جبناء وكحجام يلي الخلافة وما أشبه ذلك ~~؛ وممكن محض وهو يستوي طرفاه ، وهو كالمرء الواقف إما يمشي واما اشبه ذلك . ~~وكذلك نجد هذا القسم المتوسط في الشرائع ينقسم اقساما ثلاثة : فمباح مستحب ~~ومباح مكروه ومباح مستو لا ميل له إلى أحد الجهتين . فاما المباح المستحب ~~فهو الذي إذا فعلته أجرت واذا تركته لم تأثم ولم تؤجر ، مثل صلاة ركعتين ~~نافلة تطوعا . واما المباح المكروه فهو الذي إذا فعلته لم تأثم ولم تؤجر ~~واذا تركته أجرت وذلك مثل الاكل متكئا ونحوه . واما المباح المستوي فهو ~~الذي [ إذا ] فعلته أو تركته لم تأثم ولم تؤجر وذلك مثل صبغك ثوبك أي لون ~~شئت ، وكركوبك أي حمولة شئت ونحوه . وقد يأتي اللفظ الذي يعبر به عن الممكن ~~على وجود ، فمنه ما يأتي بلفظ PageV01P084 الايجاب كقولك : ممكن ان يموت ~~هذا المريض ، وقد يأتي بلفظ الشك فتقول : هذا المريض إما يموت واما يعيش ، ~~وهذا الرمان اما حلو واما حامض . وقد يأتي بلفظ النفي فتقول : هذا المريض ~~لا ممتنع ان يبرأ . واعلم ان كل ممكن فانك تصفه بالضدين معا احدهما بالقوة ~~والآخر بالفعل كقولك : القاعد قائم أي انه قاعد بالفعل قائم بالامكان . ~~واعلم ان الواجب قبل الممكن لان الواجب هو الموجود واما الممكن فلم يأت بعد ~~واما الممتنع فهو باطل لأنه لا يكون ولا يظهر . واعلم ان الواجب ينقسم ~~قسمين : احدهما ما كان معلوما قبل كونه انه لا بد من كونه ، كطلوع الشمس ~~غدا ، أو كل لم يزل ملازما واجبا مذ وجد كملازمة التأليف للاجسام . والثاني ~~ما كان قبل وجوب غير مقطوع على انه يكون كصحة المريض أو موته . واعلم ms083 ان ~~الممتنع ينقسم اقساما اربعة : أحدها الممتنع بالاضافة وهو إما في زمان دون ~~زمان ، أو في مكان دون مكان ، أو من جوهر دون جوهر ، أو في حال دون حال ، ~~كوجوب كون الفيلة فاشية في الهند وكونها إلى الآن ممتنعة من ان تكون فاشية ~~في أرض الصقالبة ، وكوجوب المرودة في خلال استيفاء المرء اربعة عشر عاما أو ~~امتناع اللحية في تلك المدة ووجوبها بعد وجودها وكوجوب رفع المرء الذي لا ~~يجود بنفسه أو ليس مغمى عليه ارطالا يسيرة وامتناع حمله الف رطل ، وكامتناع ~~حمل الضعيف خمس مائة رطل ، ووجوب حمل القوي لها ، وكامكان الذكي ان يغوص ~~على الغامضة ، ويعمل الشعر الجيد وامتناع ذلك من الغبي البليد الابله الطبع ~~فهذا وجه . والثاني ممتنع في العادة قطعا وهو متشكل في حس النفس ومحلها لو ~~كان كيف يكون ، كانقلاب الجماد حيوانا ، واختراع الاجسام دون تولد ، ونطق ~~الجماد ، وهذا القسم به تصح نبوة النبي صلى الله عليه وسلم ، إذا ظهرت منه ~~ولا سبيل إليها لغيره . والثالث الممتنع في العقل ككون المرء قائما قاعدا ~~في حال واحدة ، وككون الجسم في مكانين ، وكانقلاب الذي لم يزل محدثا ، أو ~~المحدث لم يزل ؛ أو وجود أشياء كثيرة لم تزل ، وهذا بالجملة كل ما ضاد ~~الأوائل المعلومة بأول العقل ، وهذا ما لا سبيل إلى وجوده أصلا ، ولا يفعله ~~الخالق ابدا ، ولا يكون ذلك أصلا ، وفيه فساد بنيه العالم وانخرام رتب ~~العقول التي هي اسباب معرفة الحقائق . وتمت كلمات ربك صدقا وعدلا لا مبدل ~~لكلماته . والرابع المنطلق مثل كل سؤال أوجب على ذات الباري تغيرا ، فهذا ~~هو الممتنع الذي ينقض بعضه بعضا PageV01P085 ويفسد أوله آخره ، وهذا مثل ~~سؤال من يسأل هل يقدر الله تعالى ان يخلق مثله ونحو هذا ، فاعلمه لأنه لا ~~يحدث أولا على الاطلاق . واعلم أنه لا قسم لقضايا العالم غير ما ذكرنا أصلا ~~. وقد يأتي أيضا اللفظ الذي يعبر به عن الواجب بلفظ النفي ، وبلفظ الإيجاب ~~وقد يأتي اللفظ الذي يعبر به عن الممتنع بلفظ النفي ، وقد يأتي ms084 أيضا بلفظ ~~الايجاب ، ولا سبيل إلى ان يأتيا بلفظ شك فتقول : واجب ان تطلع الشمس غدا ، ~~وممتنع ان لا تطلع غدا ، وتقول : واجب ان لا يوجد في النار برد ، وممتنع ان ~~يوجد في النار برد . وقد قال قوم ان العناصر اثنان وهما واجب وممتنع فقط . ~~قالوا : ولا ممكن البتة لأن الشيء الذي تسمونه ممكنا هو قبل وجوده ممتنع ، ~~وهو بعد وجوده واجب ، فلا ثالث . قالوا : وما غاب عنا فاما أنه في علم الله ~~تعالى يكون وإما انه لا يكون ، فان كان الله عز وجل علم أنه سكون ، فهو ~~الآن واجب ان يكون ، وان كان تعالى علم انه لا يكون فهو الآن ممتنع أن يكون ~~. ونحن نقول : إن هذا حكم فاسد . أما حجتهم الآن من أن الشيء قبل كونه ~~ممتنع فخطأ ، بل في القوة وفي الظن ربما قد كان وربما لم يكن ؛ وأما حجتهم ~~بعلم الله تعالى فان الله تعالى قد أمر ونهى ، فلو لم يكن الشيء الذي أمر ~~الله به بعد متوهما كونه في المأمور به لم يكن للأمر معنى ، فالمتوهم كونه ~~هو الممكن ، وأفعال المختارين قبل كونها داخلة في قسم الممكن ، بخلاف أفعال ~~الطبيعة . ثم نقول : ان الحس والعقل قد ثبت فيهما أن بين مشي القاعد الصحيح ~~الجوارح والجسم الغير ممنوع وبين مشي المقعد المبطل الساقين فرقا ، وهذا ~~فرق بين الممكن والممتنع . وكذلك فيهما أن بين قعود الصحيح الذي ذكرنا الذي ~~إذا شاء تركه تركه ، وبين قعود المقعد الذي لو رام جهده تركه لم يقدر ، ~~فرقا واضحا ، وهذا فرق بين الممكن والممتنع . والواجب ان نلزم من قال بخلاف ~~قولنا ان لا يتأهب للجوع إذا اصابه باكل الطعام لأنه ان كان انتهى اجله ~~فواجب ان يموت ، وان كان لم ينته اجله فممتنع ان يموت ، وينبغي ان يقتحم ~~النيران إذا كان في المغيب انه لا يحترق فممتنع ان يحترق فيلزم مخالفنا أن ~~تأهبه وفكرته وسعيه فيما يدفع به نفسه البرد والعطش والأذى كتأهبه لدفع ~~حركة الفلك أو لمنع الشمس من الطلوع ms085 . ونحن إنما نناظر الناس حتى نردهم إلى ~~موجب العقل أو الحس أو نلزمهم ان يخرجوا عن رتب العقل والى مكابرة الحس ، ~~فإذا خرجوا إلى ما ذكرنا فقد كفونا التعب معهم ، ولزمنا الاعراض ~~PageV01P086 عنهم وتركهم يتمنون الاضاليل ويفرحون بالأباطيل كالسكارى ~~والصبيان المغرورين باحوالهم ، المسرورين بافعالهم ، ونشتغل بما يلزمنا من ~~تبين الحقائق لطلابها ، فإنما نتكلم مع النفوس العاقلة المميزة ، لا مع ~~الألسنة فقط ، ولا مع النفوس السخيفة . # | 5 - الكلام في الايجاب والسلب ؟ وهو النفي - ومراتبه ووجوهه # النفي المفيد معنى والذي تنفي به ما أوجب خصمك إنما حكمه أن يكون للمحمول ~~لا للموضوع لأنك تثبت الاسم ثم توجب له صفة أو تنفيها عنه . ولو نفيت ~~الموضوع وهو الاسم المخبر عنه لكنت لم تحصل على معنى تخبر عنه كقولك : لا ~~زيد منطلق لأن ظاهر هذا اللفظ نفي زيد ونفي الانطلاق معه . والأوائل يسمون ~~مثل هذا ' قضية غير محصلة ' ، وإنما الصواب أن تقول : زيد غير منطلق ، أو ~~ليس منطلقا ، فتكون قد أثبت زيدا ونفيت عنه الانطلاق . والأوائل يسمون هذه ~~' قضية ميلوبة ' و ' متغيرة في المحمول ' لأنك غيرتها عن الايجاب ، فتحفظ ~~في هذا المكان ، فأقل ما في ذلك ان تجيب عن أحد وجهي الكلام اللذين هما إما ~~نفي المخبر عنه جملة وإما نفي الصفة منه فتكون مجيبا قبل تحقيق السؤال ~~وتصحيحه ، فيلزمك نقص الفهم والجور في الحكم . واذا اردت نفي ما اوجب خصمك ~~نفيا تاما صحيحا فلا بد لك من انك إنما تريد نقص بعضه أو نقض كله ، فان ~~اردت نقض بعضه فبين ذلك ، وان اردت نقض كله فلا من ان يجمع كلامك ثمانية ~~شروط والا فليس نقضا تاما احدها : ان يكون الموضوع فيما اوجب هو وفيما نفيت ~~انت واحدا ، فان كان اثنين وقع الشغب ، وذلك مثل قول القائل : الموجود محدث ~~، فيقول الآخر : الموجود ليس محدثا ، فهذا فساد في بنية الكلام ، وليس أحد ~~الكلامين نقضا للآخر ، لأن الباري عز وجل موجود ، وليس محدثا ، والعالم ~~موجود وهو محدث ، ونحو ذلك عرض لاصحابنا من اهل السنة والمعتزلة فانهم ms086 ~~اكثروا التنازع والخوض حتى كفر بعضهم بعضا ، فقالت المعتزلة : القرآن مخلوق ~~، وهم يعنون علم الباري عز وجل . والثاني : ان يكون المحمول الذي اوجب أحد ~~كما هو المحمول الذي نفى الآخر لا غيره أصلا ، وذلك مثل قول قائل : زيد ~~عالم ، فقال مخالفة : زيد ليس بعالم ، فان عنى أحدهما عالما بالنحو ، وعنى ~~الآخر عالما بالفقه لم تتناقض قضيتاهما . الثالث : ان يكون الجزء الذي ~~استقر الحكم من الموضوع واحدا في كلتا القضيتين لا غيره كقائل قال : زيد ~~اسود ، يريد اسود الشعر ، فيقول الآخر : زيد ليس باسود ، يريد اللون أو ~~العين . PageV01P087 والرابع : ان يكون الجزء من المحمول في القضيتين واحدا ~~لا متغاير كقول قائل : زيد ضعيف ، فيقول الآخر : زيد ليس بضعيف ، يريد احده ~~ضعف الجسم بالبنية الكلية ، والآخر نفي ضعف الجسم بالمرض الذي هو جزء من ~~أجزاء الضعف . والخامس : ان يكون الزمان الذي أثبت فيه أحدهما ما أثبت هو ~~الزمان الذي نفى فيه الآخر ما أثبت هذا لا غيره ، كقائل قال : زيد كاتب ؟ ~~أي قد كتب - فيقول [ الآخر ] : زيد ليس الآن يكتب . والسادس : ان يكون ~~الحال التي أثبت فيها ما أثبت ، هي الحال التي نفى فيها الآخر ما أثبت هذا ~~لا غيرها ، كقائل قال : الطفل فارس ، يريد الامكان والاحتمال في البنية ، ~~فيقول الآخر : الطفل ليس بفارس يريد بالفعل في حال الطفولة . والسابع : ان ~~تكون اضافة الشيء الذي أثبت هو واضافة الشيء الذي نفي خصمه إلى شيء واحد لا ~~إلى شيئين ، كقائل قال : زيد عبد فيقول الآخر : زيد ليس عبدا ، يريد احدهما ~~لله عز وجل ، ويريد الآخر نفي انه متملك لإنسان ، ونحو ذلك : ونحو ذلك : ~~السيف يقطع ، خصمك : السيف ليس يقطع ، واراد هذا اللحم ، واراد هذا الحجارة ~~. والثامن ان تكون القضيتان مستويتين في الجوهر أو في العرض ، لا مختلفتين ~~، كقائل قال : زيد ينتقل ، فقال خصمه : زيد لا ينتقل ، وهما يخبران جميعا [ ~~عن ] قاعد في سفينة تسير ، فهو ينتقل بالعرض ، أي بنقل السفينة إياه وهو ~~منتقل بذاته بل هو ساكن . وبالجملة فتش كلام خصمك فان كان ms087 في كلامك الذي ~~تريد ايجابه أو نفيه معنى يخالف ما حكم هو فيه بايجاب أو نفي فبينه ولا ~~تخالف شيئا من معانيه الا بحرف النفي فقط والا كنت شغيبا معنتا أو جاهلا ، ~~فهذه شروط النقيض . والنفي الكلي ؟ وهو نفيك الصفة عن جميع النوع ، أو نفيك ~~جميع الصفة عن بعض النوع ، تنطق [ به ] بلفظ يشبه في ظاهره الجزئي لأنك إن ~~اردت النفي الكلي ، وهو العام ، قلت ليس واحدا من الناس صهالا وليس أحد من ~~الناس صهالا وليس واحدا من الخيل ناطقا وليس شيء من النطق في هذا الفرس . ~~والنفي الجزئي ، وهو نفيك الصفة عن بعض النوع لا عن كله ، تنطق به بلفظ ~~جزئي وبلفظ كلي لأنك تقول [ ليس ] بعض الناس كاتبا [ ؟ ] ومعنى هذين ~~اللفظين واحد لا اختلاف فيه ، احدهما ظاهرة العموم والثاني ظاهره الخصوص . ~~PageV01P088 والايجاب الكلي وهو اثباتك الصفة لجميع النوع لا يكون الا بلفظ ~~كلي اما بسور كما قدمنا ، واما مهمل يقصد به العموم كقولك : كل إنسان حي ، ~~أو كقولك : جميع الناس أحياء ، أو تقول : الإنسان حي ، وانت لا تريد شخصا ~~واحدا بعينه ، أو تقول : الناس أحياء وأنت لا تريد بعضا منهم . والايجاب ~~لجزئي وهو إثباتك الصفة لبعض النوع لا يكون أصلا إلا بلفظ جزئي كقولك : بعض ~~الناس كاتب ، فافهم هذه الرتبة وتثبت فيها . وقد قال بعض المتقدمين ان ~~القائل إذا أتى بقضية مهملة فقال : الإنسان كاتب ، ان الاسبق إلى النفس أن ~~مراده بذلك بعض النوع لا كله . وأما نحن فنقول : إن هذا القول غير صحيح وان ~~هذه المهملات يعني الألفاظ التي تأتي في اللغة ، مرة للنوع كله ، ومرة ~~للشخص الواحد ، ومرة لجماعة من النوع ، فانها إن لم يبين المتكلم بها أنه ~~اراد شخصا واحدا من النوع ، أو لعض النوع دون بعض ، أو لم يقم على ذلك ~~برهان ضروري ، أو مقبول ، أو متفق عليه من الخصمين ، فلا يجوز أن يحمل على ~~عموم PageV01P089 النوع كله لأن الألفاظ إنما وضعت للافهام لا للتلبيس . ~~وكل لفظة فمعبرة عن معانيها ومقتضية لكل ما يفهم ms088 منها ، ولا يجور أن يكلف ~~المخاطب فهم بعض ما يقتضيه اللفظ دون بعض ، إذ ليس [ ذلك ] في قوة الطبيعة ~~ألبتة ، بل هذا من الممتنع الذي لا سبيل إليه ومن باب التكهن ، الا باتفاق ~~منهما أو بيان زائد ، والا فهي سفطسة وشغب وتطويل بما لا يفيد ولا يحقق ~~معنى . وسمى بعض المتقدمين قول القائل : كل إنسان حي ، وقول المخالف : ليس ~~كل إنسان حيا ، ' ضدا ' ، وسمى قول القائل : كل إنسان حي وقول الآخر لا بعض ~~الناس حي ، ' نقيضا ' وذكر أن النقيض أشد مباينة من الضد ، واحتج بأن قال ~~بان القضيتين الاولين اللتين سميناهما ضدا كلتاهما كلية ، الواحدة موجبة ~~والاخرى نافية ، والقضيتان الاخريان اللتان سميناهما نقيضا ، الواحدة كلية ~~والثانية جزئية ، والواحدة موجبة والثانية نافية ، وإنما اختلفت الاوليان ~~في جهة واحدة وهي الكيفية فقط أي في الايجاب والنفي ، وهما متفقتن في ~~الكمية أي ان كلتيهما كلية ، واختلفت الاخريان في جهتين : إحداهما الكيفية ~~، أي الايجاب والنفي كاختلاف قضية الضد ، والثانية الكمية وهي ان الواحدة ~~كلية والثانية جزئية . قال : فما اختلف من جهتين أشد تباينا مما اختلف من ~~جهة واحدة . ونحن نقول : ان هذا خطأ وان القائل إنما راعى ظاهر اللفظ دون ~~حقيقة المعنى ، وان قضاء هذا القائل وان كان صادقا في عدد وجوه الاختلاف ، ~~فهو قضاء كاذب في شدة الاختلاف ، ولو كان قال : فكان اشد [ أو ] اكثر لكان ~~حقا . بل نقول : ان التي تسمى ضدا فنحن نسميها ' نفيا عاما ' أو ان شئت : ' ~~نقيضا عاما ' [ وهي ] اشد تباينا من الاخرى التي نسميها ' نقيضا خاصا ' أو ~~ان شئت ' نفيا خاصا ' لان قائل الأول نفى جميع ما اوجبه الآخر وكذبه في كل ~~ما حكى ولم يدع معنى من معاني قضيته الا وخالفه فيها وباينه في جميعها . ~~واما الثانية فان قائلها إنما نفى بعض ما اوجب الآخر وأمسك عن سائر القضية ~~فلم ينفها ولا اوجبها ولا خالفه فيها ولا وافقه وإنما باينه في بعض قضيته ~~لا في كلها والمباين في الجميع اشد خلافا من المباين في البعض . ~~PageV01P090 وإذا أتاك ms089 خصمك بمقدمة مهملة فقرر معه معناها هل العموم أراد ~~أو الخصوص ، أي على الكل يحملها أو بعض ما يقتضيه اللفظ الذي تكلم به وتحفظ ~~من إهمال هذا الباب ، واذا قضيت قضية فنفاها خصمك فتأمل فان كان ما أوجبت ~~ونفى هو من ذوات الوسائط فحقق عليه في ان يبين ما أراد كقولك : زيد أبيض ، ~~فيقول هو : ليس زيد بأبيض ، فانه لا يلزمه بهذا القول أن يكون زيد أسود ، ~~ولعله أراد انه أحمر أو أصفر . ومثال هذا في الشرائع أن تقول : أمر كذا ~~حرام فيقول خصمك ليس بحرام أو تقول أمر كذا واجب ، فيقول خصمك : ليس بواجب ~~، فانه في قوله ليس بحرام ليس يلزمه أنه واجب ولا في قوله إنه ليس واجبا ~~إنه حرام ، بل لعله أراد أنه مباح فقط . وأما غير ذوات الوسائط فلا تتالي ~~عن هذا لأنك إن قلت : زيد حي فقال خصمك : هو غير حي فقد أوجب أنه ميت ضرورة ~~، ولا واسطة ها هنا ، وقد لزمه الموت بقوله فانظر انه قد يكون معنى النفي ~~بلفظ الايجاب الا ان ذلك ليس شرطا عاما تثق النفس به بل هو في مكان دون ~~مكان لأنك تقول : فلان ميت فيقول خصمك : فلان يكتب أو فلان حي فهذا معنى ~~صحيح في نفي الموت ولكن لا تثق بهذا ؛ فانك إذا قلت : فلان متكئ فيقول خصمك ~~: فلان جالس فقد تكونان معا كاذبين بان يكون المخبر عنه قائما ، وحقيقة ~~النفي هو ما صدق احدهما وكذب الآخر ، فان اردت حقيقة النفي ورفع الاشكال ~~فلا بد من أحد حروف النفي التي قدمنا ذكرنا فتأمن من الغلط ، ولهذا قال ~~المتقدمون : ان لكل موجبة سالبة واحدة ، ولكل سالبة موجبة واحدة ، أي ان ~~ذلك لا يكون الا بادخال حرف النفي فقط . # | 6 - باب اقسام القضايا الصدق والكذب # واذا قد ذكرنا أن عناصر الاخبار ثلاثة أي انقسلمها ثلاثة وهي : واجب أو ~~ممكن أو ممتنع فلنذكر ان شاء الله عز وجل بتوفيقه لنا وجوه أقسام القضايا ~~الموجبات والنوافي للصدق والكذب في هذه الاقسام فنقول ms090 ، وبالله تعالى ~~نستعين : ان النفي العام والايجاب العام ينقسمان إلى الصدق والكذب ضرورة في ~~عنصر الوجوب ، والموجبة صادقة حق ، والنافية أبدا كاذبة باطل ، مثل قولك : ~~كل إنسان حي ، فهذا حق ونفيه كذب ، إذا قلت : ولا واحد من الناس حبي فهذا ~~امر لا يخونك ابدا ، فاضبطه . وكذلك أيضا في عنصر الامكان . فان قولك : كل ~~إنسان كاتب ، إذا عنيت بالقوة ، وأما إذا عنيت بالفعل فالقضيتان العامتان ~~الموجبة والنافية كاذبتان فيه ابدا ، كقولك : كل إنسان كاتب أي محسن ~~للكتابة أو قولك ولا واحد من الناس PageV01P091 كاتب ، فكلتاهما كذب . وأما ~~في عنصر الامتناع فالنافية ابدا صادقة ، والموجبة ابدا كاذبة ، كقولك : كل ~~إنسان نهاق فهذا كذب ، واذا قلت ليس أحد من الناس نهاقا فهذا صدق . ثم ~~لنتكلم على النفي الخاص والايجاب الخاص ان شاء تعالى ، فتقول وبالله نتأيد ~~بان قضيتي النفي الخاص والايجاب الخاص في عنصر الوجوب يقتسمان الصدق والكذب ~~ضرورة لأنك تقول : بعض الناس حي فذلك حق ونفيه لا بعض الناس حي كذب . واما ~~في عنصر الامتناع فنهما أيضا يقسمان الصدق والكذب في ان قولك بعض الناس حجر ~~كذب ونفيه بعض الناس لا حجر صدق فتصدق النافية ابدا في هذا ، القسم وتكذب ~~الموجبة فيه . واما في عنصر الامكان فكلاهما صادقة ضرورة وذلك قولك : بعض ~~الناس كاتب ؟ تريد بالفعل - حق ، ونفيه بعض الناس لا كاتب ؟ تريد بالفعل - ~~حق . ثم لنتكلم على الايجاب العام والنفي الخاص ، فنقول وبالله تعالى نتأيد ~~: إن قضيتي الايجاب العام والنفي الخاص في عصر لايجاب يقتسمان الصدق والكذب ~~ضرورة ، فان قولك : كل الناس حي صدق ، ونفيه : لا كل الناس حي ولا بعض ~~الناس حي كذب ، فتصدق الموجبة أبدا وتكذب النافية . واما في عنصر الامكان ~~فانهما أيضا يقسمان الصدق والكذب ، فان قولك كل الناس كاتب ، تريد بالفعل ، ~~كذب ، ونفيه لا كل الناس كاتب أو لا بعض الناس كاتب ، تريد بالفعل ، صدق ، ~~فتكذب الموجبة وتصدق النافية . واما في عنصر الامتناع فانهما أيضا يقسمان ~~الصدق والكذب ضرورة ، كقولك : كل إنسان نهاق كذب ، ونفيه لا كل ms091 الناس نهاق ~~أو لا بعض الناس نهاق صدق فتكذب الموجبة وتصدق النافية . ثم لنتكلم على ~~الايجاب الخاص والنفي العام ، وبالله تعالى نتأيد : إن قضيتي الايجاب الخاص ~~والنفي العام في عنصر الوجوب يقتسمان الصدق والكذب ضرور . فان قولك بعض ~~الناس حي حق ، ونفيه : ليس واحد من الناس حيا كذب ، فتصدق الموجبة وتكذب ~~النافية . واما في عنصر الامكان فكذلك أيضا ، لأن قولك : بعض الناس كاتب حق ~~، ونفيه لا واحد من الناس كاتب كذب ، فتصدق الموجبة وتكذب النافية . واما ~~في عنصر الامتناع فكذلك أيضا ، لان قولك : بعض الناس حجر كذب ، ونفيه لا ~~واحد من الناس حجر صدق ، فتصدق النافية وتكذب الموجبة ، فتدبر هذه القسمة ~~فانك ترى رتبة حسنة لا تخونك ابدا فاضبط : PageV01P092 اننا عنينا بقولنا ؟ ~~فيما تقدم لنا - ' عام ' انه الذي تسميه الاوائل ' كليا ' والذي قلنا فيه ' ~~خاص ' فهو الذي تسميه الاوائل ' جزئيا ' . واعلم ان العموم في النفي ~~والايجاب في عنصر الامكان صادقان ابدا . واعلم ان الموجبة العامة في عنصر ~~الوجوب صادقة ابدا ! واعلم ان النافية العامة في عنصر الوجوب كاذبة ابدا . ~~واعلم ان الموجبة الخاصة في عنصر الوجوب صادقة ابدا ، واعلم ان النافية ~~الخاصة في عنصر الوجوب كاذبة ابدا . واعلم ان الموجبة العامة في عنصر ~~الامكان كاذبة ابدا . واعلم ان النافية العامة في عنصر الامكان كاذبة ابدا ~~. واعلم ان الموجبة الخاصة في عنصر الامكان صادقة ابدا . واعلم ان الموجبة ~~العامة في عنصر الامتناع كاذبة ابدا . واعلم ان النافية العامة في عنصر ~~الامتناع صادقة ابدا . واعلم ان الموجبة الخاصة في عنصر الامتناع كاذبة ~~ابدا . واعلم ان النافية الخاصة في عنصر الامتناع صادقة ابدا . واندرج لنا ~~فيما ذكرنا آنفا أمر غلط فيه جماعة من الناس فعظم فيه خطاهم وفحش جدا . ~~وذلك أنهم قدروا أن القائل : ليس بعض الناس نهاقا ، انه قد أوجب لسائرهم ~~النهيق ، فظنوها قضية كاذبة ، وهذا كذب منهم وظن فاسد رديء باطل ينتج لهم ~~نتائج عظيمة الفحش ، لأنه لم يخبر عن سائرهم بخبر أصلا بانهم ينهقون ، ولا ~~بانهم لا ينهقون ، ولا ندري ms092 لو اخبر لكان يخبر بكذب أو بصدق حتى يخبر ، ~~فندي حينئذ صفة خبره ، لكنه الآن قد صدق في نفيه النهيق عن بعضهم صدقا ~~صحيحا متيقنا ، وسكت عن سائرهم ، وليس يلزم من أخبر عن بعض النوع بخير يعمه ~~ويعم سائر نوعه أن يخبر ولا بد عن سائر النوع إلا ان شاء ان يخبر ، والسكوت ~~ليس كلاما ؛ ومن سكت لم يتكلم ؛ ولا تقض على أحد بسكوته انه قضاءا لا يعلم ~~الا بالكلام الا حيث أمضت الشريعة القضاء به فيما صار خارجا بالامر عن ~~المعهود المعلوم فقط ، وليس ذلك الا في موضعين فقط لا ثالث لهما ، احدهما ~~اقرار الرسول عليه الصلاة والسلام على ما رأى . والثاني صمات البكر ، ومن ~~تكلم فلم يسكت ، الا ترى ان من قال نفس زيد حية ناطقة ميتة فهو صادق ، فلو ~~كان رأى هذا الظان الذي ابطلنا غلطه حقا لكان القائل نفس زيد حية ناطقة ~~ميتة كذبا ، لا نه على حكم هؤلاء PageV01P093 الجهال كان يكون موجبا لسائر ~~أنفس الناس على ما اخبر به عن نفس زيد ، وهذا ما لا يظنه ذو عقل ؛ ولو كان ~~هذا لكانت القضايا المخصوصة كلها كواذب ، أي ان كل خبر عن شخص كان يكون ~~كاذبا ، إذ ينطوي فيه عندهم ان سائر نوع بخلاف ذلك ، فما كان هذا مكبرة ~~للحس صح ما قلنا اولا من ان المخبربان بعض الناس ليس حمارا صادق ، يكن ~~النفي لما هو منفي أولى بالصدق فيه من الا يجب لما هو موجب ولم يلزمه ان ~~يظن به انه اوجب الحمارية لسائر من سكت عنه من باقي النوع ، لكن سائر النوع ~~موقوف على ما هو عليه أي له من الحكم ما قد وجب بعد له بغير هذه القضية ~~التي قضيت على بعضه ، وهذا الذي غلط فيه كثير ممن تكلم في علم الشريعة ' ~~بدليل الخطاب ' وقضوا به القضايا الفاسدة ؛ وكذلك من أخبر بممكن فقال : بعض ~~الناس كاتب أو ليس زيد كاتبا فليس فيه ان سائر الناس لا كتاب ولا ان من عدا ~~زيدا كاتب ms093 ، ولا يوجب قوله ما ذكرنا شيئا مما سكت عنه أصلا ، وإنما يؤخذ ~~حكم سائرهم من دلائل أخر وقضايا غير هذه ، ولو كان ما ظنه هؤلاء المغفلون ~~لوجب ضرورة ان قوا القائل : زيد كاتب كذب ، إذ ذلك يوجب على حكم هؤلاء ان ~~جميع الناس حاشاه كتاب . فلما كان كلا الامرين باطلا بطل الحكم لجميع ما ~~ذكروه ، ولما صدق القائل : ليس زيد كاتبا ، والقائل : عمرو كاتب ، والقائل ~~: خالد حي والقائل : ليس عبد الله حجرا ، ولم يوجب كل ذلك حكما على غير من ~~ذكر لا بموافقة ولا بمخالفة ، صح ما قلنا من ان القضية إنما تعطيك مفهومها ~~خاصة وان ما عداها موقوف على دليله ، وبطل قول من قال : ان عداها خارج عن ~~حكماء ، وبطل أيضا قول من قال : إن عداها داخل في حكمها ، وبالله تعالى ~~التوفيق . ولا يظن ظان ان هذا نقض لما قلنا في كتبنا في احكام الدين ان ~~الحكم الذي حكم به الواحد الأول تعالى على لسان الذي ابتعثه رسولا الينا في ~~شخص من نوع انه لازم لجميع النوع الا ان يبين انه خص به ذلك الشخص ، وقلنا ~~أيضا انه غير لازم لغير ذلك النوع أيضا أصلا الا ببيان وارد بانه فيما سواه ~~من الانواع ، فمن ظن في كلامنا هذا الظن فقد غاب عن فهم قولنا . وبيان ذلك ~~ان عدد الاشخاص غير متناه عندنا ، على ما قدمنا في اول هذا الديوان ، فلا ~~سبيل إلى عموم كل شخص منها بخطاب يخصه إذ هم حادثون جيلا بعد جيل ، والرسول ~~عليه السلام مبتعث ليحكم في كل شخص وعلى كل شخص يحدث أبدا إلى انقضاء عالم ~~الاختبار ، فإذا حكم ، صلى الله عليه وسلم ، في شخص بحكم ولم يعلمنا انه خص ~~به ولا انفرد به ذلك الشخص بكلام يخصه به كان كحكمه على البعض الذي في عصره ~~وكان ذلك جاريا بالمقدمات المقبولة على كل حادث من PageV01P094 الاشخاص ~~ابدا . ويكفي من بطلان هذا الاعتراض انه لا شيء من كلامه ، عليه السلام ، ~~أتى مفردا الا وقد جاء معه ms094 بيان واضح عام لمن سوى ذلك الشخص ولما سواه ابدا ~~. وليس هذا مكان الكلام في ذلك ، وإنما نبهنا عليه لئلا يتحير فيه من صدم ~~به ممن يقول بقولنا ، وبالله تعالى التوفيق . واعلم ان قولك : كل الناس حي ~~وقول الذي يناظرك : بع الناس حي ليس خلافا لقولك ؛ وكذلك لو قال : زيد حي ، ~~لكن هذا تتال في الايجاب لأنه تلاك فصوب بعض قولك ولم يخالفك في سائره ولا ~~وافقك لكنه امسك عنه ؛ وكذلك إذا قلت : كل الناس لا حجر ، فقال هو : بعض ~~الناس لا حجر ، فلم يخالفك لكنه تتال في النفي أي تتابع . وإنما يكون خلافا ~~إذا قلت : كل الناس احياء ، وقال هو ولا واحد من الناس حي ، وقال : ليس بعض ~~الناس حيا فهذا خلاف احدهما نفي عام والثاني نفي خاص . واما القضايا ~~المخصوصة وهي التي يخبر بها عن شخص واحد فانها تقتسم الصدق والكذب ابدا في ~~الواجب والممكن والممتنع ؛ اما في الواجب فتصدق الموجبة ابدا وتكذب النافية ~~، كقولك ، زيد حي لا حي . واما ف الممتنع فتكذب الموجبة ابدا وتصدق النافية ~~كقولك : زيد حجر لا حجر . واما في الممكن فكيف ما ولفق حقيقة الخبر في صفة ~~الشخص المخبر عنه مثل قولك : زيد طبيب زيد ليس طبيب ، فان التي توافق صفته ~~تصدق اما الموجبة واما النافية والتي تخالف صفته تكذب ، إما الموجبة واما ~~النافية . # | 7 - باب ذكر موضع حروف النفي # واعلم أنه واجب أن تراعي إذا أردت أن تنفي صفة ما أين تضع حرف النفي ، ~~فأصل الحكم فيه إذا اردت البيان ورفع الاشكال ان تضع حرف النفي قبل الخبر ~~لا قبل المخبر عنه ، فيقول خصمك : زيد حي فتقول : زيد لا حي . واعلم ان ~~الاوائل إذا وضعوا حرف النفي قبل الموضوع الذي هو المخبر عنه ، كان معه ~~خبرا أو لم يكن معه خبر ، فحينئذ يسمونه ' غير محصل ' [ و ] إذا وضعوه قبل ~~الموضوع ، وضعوه ثانية أيضا قبل المحمول الذي هو الخبر سموه ' غير محصل ~~ومتغيرا ' ولو وضعوه قبل المحمول فقد سمي ' متغيرا ' فقط . وذكروا انه ms095 قد ~~يقع في PageV01P095 المهمل الذي لا سور عليه ، وفي المخصوص وهو الاخبار عن ~~شخص واحد وفي ذوات الاسوار . واذا وضعوه قبل المحمول في القضية ذات السور ~~سموه : ' مسلوبا ' ، واذا وضعوه قبل السور سموه ' نقيضا ' ، واذا وضعوه في ~~كل موضع من هذه المواضع جمعوا له الاسماء الثلاثة المذكورة . وكل قضية لم ~~يكن حرف النفي قبل موضوعها الذي هو المخبر فهي تسمى ' بسيطة ' نافية كانت ~~أو موجبة ذات سور كانت أو غير ذات سور ، وانت إذا قلت : لا إنسان حجر فانك ~~لم تحصل شيئا تخبر عنه . وتأمل عظيم الغلط الواقع في تسويتك وضع حرف النفي ~~قبل السور ووضعه قبل المحمول فانك إذا قلت : لا كل إنسان كاتب صدقت ، وكنت ~~إنما نفيت بذلك الكتابة عن بعض الناس على الحقيقة ، لا علم عن كلهم ؟ على ~~ما قدمنا من ان النافية الجزئية تظهر بقول كلي وبجزئي أيضا - . وتأمل ذلك ~~في قولك : ليس كل إنسان كاتبا فان هذا أبين في اللغة العربية وأوضح في أنه ~~نفي بجزئي وكذلك لو اضمرت اسم ليس فقلت : ليس كل إنسان كاتب أي ليس الحكم ~~كل إنسان كاتب ، فهذه كلها نوافي جزئيات فاضبط ذلك جدا . وانت إذا قلت : كل ~~إنسان لا كاتب فانك نفيت الكتابة عن الجميع واحدا فتحفظ من مثل هذا ، فأيسر ~~ما في ذلك ان يكون خبرك كذبا وان كنت لم تقصده فتضل بذلك من حسن ظنه بك ، ~~وهذه خطة خسف لا يرضى بها فاضل . واعلم انك إنما تنفي ما تلصق به حرف النفي ~~، فان لصقته بالمحمول الذي هو الخبر عن المخبر عنه نفيت المحمول كله ، وإن ~~ألصقته بالسور فإنما تنفي بعض القضية أو جميعها على حسب صيغة لفظك في اللغة ~~، ألا ترى انك تقول : ممكن ان يكون زيدا اميرا فهذا ' نقيض ' لأنك نفيت ~~النوع وهو العنصر ، يعني انك نفيت امكان القضية كلها ، فإذا جعلت حرف النفي ~~عد ممكن وقبل ذكر يكون الذي هو الزمان فقلت ممكن ان لا يكون زيد اميرا فهذا ~~' تغيير ' لان الامكان لم تنفه بل ms096 اثبته ، لكن أدخلت فيه نفي ما أدخل خصمك ~~فيه الامكان ، وتغيرت المقدمة عن حالها ، وهي : كون زيد اميرا ؛ فان جعلت ~~حرف النفي بعد العنصر والزمان أي بعد لفظ الجواز وهو الامكان وبعد لفظ ~~الكون وقبل الموضوع الذي هو المخبر عنه فقلت : ممكن ان يكون غير زيد اميرا ~~فلم تنف عن زيد شيئا وهذا الذي يسمى ' غير محصل ' ، ويسمى أيضا ' متغيرا ' ~~، إذ كانت [ غير ] بمعنى ليس لم تنف عن شخص بعينه شيئا ولا PageV01P096 ~~نفيت أيضا ما اوجب خصمك ولا أوجبت أيضا لشخص بعينه شيئا لكن اخبرت عن غير ~~زيد ، وغير زد ر يتحصل من هو ولا ما هو ، وابقيت الامكان والكون بحسبهما ~~مثبتين لا منفيين . وكذلك المقدمة التي اثبت خصمك لم تنفها انت ولا اثبتها ~~أيضا بل سكت عنها جملة فلم تناقضه ولا خالفته . وان جعلت حرف النفي بعد ~~النوع وبعد الزمان وبعد الموضوع وبعد المحمول فقلت : ممكن ان يكون زيد لا ~~اميرا فهذا سلب ، ويسمى أيضا ' انتقالا ' ، لأنك اثبت النوع الذي هو ~~الامكان والزمان الذي هو الكون والموضوع الذي هو المخبر عنه ونفيت عنها ~~الحمل الذي اثبت خصمك فقط ، فهذه قضية نافية . وهكذا القول في القضايا ~~المهملة وفي القضايا المحمولة ولا فرق في نفي ما تنفي وايجاب ما توجب . ~~فافهم اختلاف هذه الرتب فمنفعتها في ايراد الحقائق وتثقيف ورفع الاشكال ~~منفعة [ كبيرة ] جدا وبالله تعالى التوفيق . واعلم انك إذا أوجبت المخبر ~~عنه بلفظ ' ذي ' شيئا ما ، مثل قولك : ذو مال أو ذو صفة كذا ، فانك إذا ~~اردت نفي ذلك عنه لم يكن لك بد من ابقاء لفظة ذي في نفيك ذلك عن من لوجبته ~~له فتقول : ليس ذا مال . # | 8 - بقية الكلام في اقسام القضايا الصدق والكذب # واعلم ان من القضايا ما تصدق مفردة وتصدق مجموعة ومنها ما تصدق مفردة ~~وتكذب مجموعة ومنها ما تكذب مفردة وتصدق مجموعة ومنها ما تكذب مفردة وتكذب ~~مجموعة . فالتي تصدق مفردة ومجموعة مثل قولك الإنسان حي الإنسان ناطق ، ~~الإنسان ميت ، الإنسان ضحاك ، فكل ذلك ms097 حق صدق ، فان قلت : الإنسان حي ناطق ~~ميت ضحاك ، فكل ذلك حق صدق ؛ واما التي تصدق مفردة وتكذب مجموعة فكعبد ~~مجتهد لنفسه لا لسده ، فقولك فيه : انه عبد حق ، وقولك فيه : مجتهد حق ، ~~فان قلت : هذا عبد مجتهد كذبت حتى تبين وجه اجتهاده ؛ وإنما هذا في الصفتين ~~المحمولتين إذا كانتا مضافتين إلى شيئين مختلفين فأليست باسقاط ما هي مضافة ~~إليه وأوهمت ان كلا الصفتين مضافة إلى شيء واحد . واما التي تصدق مجموعة ~~وتكذب مفترقة فكرجل قوي النفس ضعيف الجسم ، فانك إن قلت : فلان ضعيف كذبت ، ~~وان قلت فلان قوي كذبت . حتى تجمع فتقول : فلان قوي النفس ، ضعيف الجسم ، ~~وإنما هذا فيما لا تقال فيه الصفة على الاطلاق لكن باضافة . وأما التي تكذب ~~مجموعة PageV01P097 ومفردة فكقولك : الإنسان صهال ، الإنسان مهاق ، الإنسان ~~شجاع فهذا كذب ؛ فان جمعته فقلت الإنسان صهال نهاق شجاع ، فهو كذب أيضا . ~~فاضبط جميع هذا إن اردت تحقيق المعارف وتصحيح القضايا وبالله تعالى التوفيق ~~. # | 9 - باب الكلام في الملائمات # هذه لفظة عبر بها الأوائل عن قضايا مختلفة الألفاظ متفقة المعاني وان كان ~~ظاهر لفظ بعضها وحقيقة معناها النفي ، وظاهر بعضها وحقيقة معناها الايجاب ، ~~وهي مع ذلك متفقة المعاني اتفاقا صحيحا لا اختلاف بينها . فاعلم انه قد ترد ~~اخبار وقضايا بالفاظ شتى ومعناها واحد ، فيظن الجاهل انها مختلفة المعاني ~~بسبب ما يرى من اختلاف الفاظها فيغلط كثيرا ، وهذا مما ينبغي لطلاب الحقائق ~~ان يضبطوه ويقفوا على مراتبه ولا يمرون عنها معرضين ، مثل ذلك من امثال ~~الشريعة قولك : وطء الرجل كل ما عدا الزوجة المباحة له أو أمته المباحة له ~~حرام ، وقولك : ليس شيء مما عدا زوجة الرجل المباحة له أو أمته المباحة له ~~حلالا معنيان متفقان متطابقان ، والالفاظ مختلفة ، ظاهر احدى القضيتين ~~إباحة ، وظاهر الاخرى تحريم . وكذلك إذا قلت : كل ما ليس لحم خنزير حلالا ، ~~وقولك : بعض ما ليس لحم خنزير ليس حلالا ، فهذان لفظان مختلفان ومعينان ~~متفقان ، وهكذا ينبغي ان تتأمل الألفاظ الواردات وتتأمل معانيها لئلا ~~تتجاذب أنت وخصمك ms098 فنون الاختلاف والتشاجر وانتما متفقان غير مختلفين . ~~واعلم ان قولك إذا قلت ان يكون ، وقلت ممكن ان لا يكون ، وقلت غير ممتنع ان ~~يكون ، وغير ممتنع ان لايكون ، وقلت غير واجب ان لا يكون ، فكلها متلائمات ~~أي متفقات المعاني . واعلم ان قولك واجب ان لا يكون ، ممتنع ان يكون ، غير ~~ممكن ان يكون متفقات المعاني . واعلم قولك غير واجب ان يكون ، غير واجبان ~~لا يكون متفقان . واعلم ان قولك غير ممتنع ان يكون وقولك غير ممتنع ان لا ~~يكون متفقان . واعلم ان قولك ممكن ان لا يكون وممكن ان لا يكون متفقان . ~~واعلم ان هذه الستة كلها متفقة . واعلم ان قولك ممكن ان يكون ليس نفيه ممكن ~~ان لا يكون ، لكن نفيه ان تقول : لا ممكن ان يكون ، ونقيض قولك واجب ان ~~يكون قولك لا واجب ان يكون ، PageV01P098 وضده واجب ان لا يكون ، ونقيض ~~ممتنع أن يكون لا ممتنع ان يكون ، وضده ممتنع ان لا يكون . وهذا الذي ~~سميناه نحن فيما خلا نفيا عاما ونفيا خاصا . واعلم ان قولك كل مؤلف لا ازلي ~~، وقولك ليس واحد من المؤلفات ازليا متفقان ، وقولك ليس كل مرضعة حراما ~~وقولك بعض المرضعات حلال متفقان ، وقولك بعض المؤلفات غير مركب ، وقولك ليس ~~كل مؤلف مركبا متفقان . واعلم ان قولك ليس واحد من المؤلفات غير محدث وقولك ~~كل مؤلف محدث متفقان ومما يدخل في هذا النوع كل عدد استثني منه عدد كقولك ~~مائة غير واحد ملائم لقولك تسعة وتسعين ، وقولك مائة غير تسعة وتسعين ملائم ~~لقولك واحد . وكذلك كل عدد أضفت إليه عددا آخر يلائم العدد المساوي كقولك ~~ثلاثة وسبعة فذلك ملائم لقولك عشرة فاعلمه . والجامع لهذا الباب هو أنك إذا ~~اثبت معنى بلفظ ايجاب لشيء ما ثم نفيت عن ذلك الشيء نفي الصفة التي اوجبت ~~له ، فقد أوجبت له تلك الصفة . وكل كلام اعطي معنى كاعطاء كلام آخر ~~فالكلامان مختلفان والمعنى واحد ، فاحفظ هذا ، واضبطه . وانت إذا سلبت شيئا ~~ما معنى ما أي نفيته عنه ms099 بلفظ النفي ثم اوجبت لذلك الشيء نفي ذلك المعنى ~~الذي نفيته عنه في القضية الاخرى ، فاللفظان مختلفان والمعنى واحد . مثال ~~ذلك أن نقول : زيد صالح ، فإذا سلبت الصلاح فقلت زيد غير صالح ، فإذا نفيت ~~النفي فقلت زيد ليس غير صالح فقد اوجبت له الصلاح ، فاحتفظ هذا تسترح من ~~شغب كثير وتخليط كثير ولا تعد هذه الرتبة ان شاء الله . واعلم ان الكلي من ~~الاخبار التي تسمى قضايا ومقدمات يقتضي الجزئي منها ، أي أن الجزئي بعض ~~الكلي إذا كان كلاهما موجبا أو كلاهما نافيا ، وهو معنى من معاني التتالي ~~الذي ذكرنا قبل . ألا ترى انك تقول : كل حساس حي ، فهذه قضية كلية ، ثم ~~يقول خصمك أو انت : كل إنسان حي ، فليست هذه الحزئية معارضة لتلك الكلية ~~أصلا ولا منافية لها بل هي بعضها وداخلة تحتها ، ومثل هذا في الشريعة قول ~~الله عز وجل : { السارق والسارقة فاقطعوا ايديهما } . ( 38 المائدة : 5 ) ~~ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ' القطع في ربع دينار ' . فهذه ~~الجزئية بعض تلك الكلية وتفسير لجزء من اجزائها وليست دافعة لها ولا لشيء ~~منها PageV01P099 أصلا ، ولا مانعة من القطع في اقل من ربع دينار الا ~~بادخال حرف النفي فينتفي حينئذ ما نفاه اللفظ الجزئي ويكون ذلك كقول القائل ~~: الحساس ناطق ثم يقول : بعد ذلك لا ناطق إلا الإنسان والملك والجني ، ~~فتكون هذه الجزئية مبينة لمراد القائل : الحساس ناطق أي أنه اراد بعض ~~الحساس لا كلهم ، وليس ذلك كذبا لان الحساس لا كلهم ، وليس ذلك كذبا لان ~~الحساس يقع على الإنسان أي يوصف به كما يقع على كل حي . وهذا القول في ~~الكليات من النوافي والجزئيات منها ولا فرق وبالله تعالى التوفيق : فقد ~~أتينا على كل حال ما بطالب الحقائق والاشراف على صحيح معاني الكلام إليه ~~فاقة وضرورة من أحكام الاخبار هي الاسماء المركبة ، وبقيت اشياء تقع ، ان ~~شاء الله عز وجل ، في الكتاب الذي يتلو هذا ، وهو كتاب صناعة البرهان . ولم ~~أترك الا أشخاص تقاسيم من موجبات وسوالب ms100 ، من الوسائط والمتيرات والمحصورة ~~والمهملة ومن المخصوصة ومن الاثنينية والثلاثية والرباعية لا يحتاج إليها ، ~~وإنما هي تمرن وتمهر لمن تحقق بهذا العلم تحققا يريد ضبط جميع وجوهه ، ~~وإنما هذه المسائل التي تركنا كالنوازل الموضوعة في الفقه كقول القائل : ~~رجل مات وترك عشرين جدة متحاديات وعشرين من عمات البنين وبنى البنين بعضهم ~~اسفل من بعض في درج مختلفة ، فمثل هذا لا نحتاج إليه لأنه لا يمر في الزمان ~~ولكنه تمهر وتفتيق للذهن ، وكنحو المسائل الطوال التي ادخلها أبو العباس ~~المبرد في صدر كتابه ' المقتضب ' في النحو فأنها لا ترد على أحد أبدا لا في ~~كتاب ولا في كلام ، وكنحو كلام كثير من وحشى اللغة كالعفنجج والعجالط ~~والقذعمل ، ولسنا نذم من طلب هذا كله بل نصوب رأيه ، لكنا نقول : ينبغي ~~لطالب كل علم أن يبدأ بأصوله التي هي جوامع له ومقدمات ، ثم بما لا بد منه ~~من تفسير تلك الجمل ، فإذا تمهر في ذلك واراد لا يغال والإغراق فليفعل ، ~~فانه من تدرب بالوعر زاد ذلك في خفة تناوله السهل ، فقد بلغنا عن بعض ~~الانجاد أنه كان إذا أراد حربا أدمن لباس درعين قبل ذلك بمدة ، فإذا حارب ~~خلع إحداهما لتخف عليه الواحدة ، والنفس هكذا ، وبالله التوفيق وله الأمر ~~من قبل ومن بعد . ثم كتاب باري ارمينياس والحمد لله على ذلك كثيرا كما هو ~~أهله وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آل محمد وسلم تسليما مؤيدا PageV01P100 # | 3 - 4 - 5 - 6 كتاب البرهان # # | 1 - [ نظرة عامة في القضايا وانعكاسها ] # قال أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم رضي الله عنه : هذا الجزء من ~~ديواننا هذا جمعنا فيه ما في الكتاب الثالث من كتب ارسطاطاليس في المنطق ~~وهو المسمى باليونانية ' انولوطيقيا ' وفي الكتاب الرابع من كتبه في المنطق ~~وهو المسمى باليونانية ' افوذ قطيقا ' ليناسب معنى الكتابين إذ الغرض قيهما ~~البيان عن صور البرهان وشروطه على نفس ما بعد هذا ان شاء الله . واضفنا ~~إليه أيضا ما ذكره في كتابه الخامس من كتبه في ms101 المنطق وهو المسمى ' طوبيقا ~~' وهو الموضوع في الجدل ، وزدنا في هذا اشياء من مراتب الجدال وشروطه مما ~~لا غنى بالمتناظرين الطالبين للحقائق عنها ، إذ ما ذكر في هذا الكتاب هو من ~~شرط قيام البرهان وتوابعه اللاحقة له ، وأضفنا إليه أيضا ما ذكره في كتابه ~~السادس في المنطق وهو المسمى باليونانية ' سوفسطيا ' وهو صفة اهل الشغب ~~المنكبين عن الحقائق إلى نصر الجهل والشعوذة ، إذ لا غنى بطالب الحقائق عن ~~معرفة اهل هذه الصفة والتأهب لهم . فلما كان كل ما ذكرنا متشبثا بالبرهان ~~جمعناه إليه وبلغنا الغاية في التقصي والبسط والشرح والايجاز كما وعدنا ، ~~ولله الحمد ، فنقول وبالخالق الأول نستعين : قد مضى لنا في الكتب المتقدمة ~~من هذا الديوان أمور يجب ضبطها وذكرها وحضورها في الفهم والحفظ والإيراد ~~لها عند الحاجة إليها من التبين لك من غيرك والتبين منك لغيرك ، يحول ~~الواحد الأول وقوته الموهبة منه لنا عز وجل ، ونحن الآن آخذون في ثمرة هذا ~~الديوان وغرضه الذي إياه قصدنا بكل ما تقدم لنا في الاجزاء المتقدمة لهذا ~~الجزء ، وغرضنا بيان إقامة البرهان وكيفية تصحيح الاستدلال في جمل الاختلاف ~~الواقع بين المختلفين في أي شيء اختلفوا فيه ، فنقول ، وبالواحد الأول ~~نتأيد : PageV01P101 اننا قد قلنا ان القضية لا تعطيك اكثر من نفسها ، فان ~~اتفق الخصمان عليها عليها وصححاها والتزما حكمها واختلفا في فرع من فروع ~~ذلك المعنى وجب عليهما ان يأتيا بقضية اخرة يتفقان على صحتها أيضا ، فان ~~كانت القضيتان المذكورتان صحيحتين في طبعهما وتركيبهما فالانقياد لهما ~~حينئذ لازم لكل واحد ، واعلم ان القضيتين المذكورتين إذا اجتمعتا سمتهما ~~الاوائل ' القرينة ' . واعلم ان باجتماعهما ؟ كما ذكرنا - يحدث ابدا عنهما ~~قضية ثالثة صادقة ابدا لازمة ضرورة لا محيد عنها ، وتسمى هذه القضية ~~الحادثة عن اجتماع القضيتين ' نتيجة ' والاوائل يسمون القضيتين والنتيجة ~~معا في اللغة اليونانية ' السلجسموس ' وتسمى الثلاثة كلها في اللغة العربية ~~: ' الجامعة ' ، مثال ذلك ان تقول : كل إنسان حي فهذه قضية تسمى على ~~انفرادها : ' مقدمة ' ثم تقول : وكل حي جوهر ، أيضا قضية تسمى على ms102 انفرادها ~~' ' مقدمة ' فإذا جمعتهما معا فاسمها قرينة لاقترانهما وذلك إذا قلت : كل ~~إنسان حي ، وكل حي جوهر فيحدث من هذا الاجتماع قضية ثالثة وهي ان كل إنسان ~~جوهر فهذه قضية تسمى على انفرادها نتيجة ، فإذا جمعتها لثلاثتها سميت كلها ~~جامعة ، والجامعة السلجسمون . وقد قدمنا في الجزء الذي قبل هذا ذكر القضايا ~~وانها بسائط ومتغيرات وقلنا ان المتغيرات في الموضوع هي غير المحصلات وهي ~~التي تقع [ فيها ] حروف النفي قبل الشيء الموصوف وهو المخبر عنه ، وهو الذي ~~تسميه الاوائل الموضوع فاعلم ان هذه التي تسمى متغيرات لا تنتج ، أي انه لا ~~يوثق به بأنها تنتج على كل حال انتاجا صحيحا أبدا لا تخون البتة ، وان كانت ~~قد تنتج في بعض الاحوال فقد تنتج أيضا كذبا . وما كان بهذه الصفة مما يصدق ~~مرة ويكذب اخرى ، فلا ينبغي ان يوثق بمقدماته ولا بنتائجها الحادثة عنها ، ~~ولا يجب ان يلتزم في اخذ البرهان ، وإنما ينبغي ان يوثق بما قد تيقن انه لا ~~يخون ابدا . ثم قد قلنا ان البسائط وهي التي حققت مع المخبر عنه ثم اوجبت ~~له صفة أو نفت عنه صفة ، منها محصورات ومهملات ؛ وبينا ان المحصور هو ما ~~وقع قبله لفظ يبين ان المراد به العموم وهو المسمى كليا ، أو لفظ يبين ان ~~المراد به الخصوص ، وهو المسمى جزئيا ؛ وذلك مثل قولك : كل الناس ناطق ، ~~بعض الناس ناطق أو كاتب ان شئت ، ليس أحد من الناس نهاقا ، ليس بعض [ الناس ~~] نهاقا أو كاتبا ان شئت ، وما اشبه ذلك . PageV01P102 وذكر الاوائل ان ~~المهملات لا تنتج كما ذكرنا في المتغيرات سواء سواء وهذا في اللغة العربية ~~لا يصح ، وإنما حكى القوم عن لغتهم ، لكنها نقول ان المهملة ما لم يبين ~~الناطق بها أنه يريد بها بعض ما يعطي اسمها أو لم يمنع من الغموم بها مانع ~~ضرورة فانها كالمحصورة الكلية ولا فرق . وسيأتي بيان هذا فيما نستأنف ان ~~شاء الله عز وجل ؛ فعلى هذا الحكم يلزم ان المهمل ينتج كانتاج المحصور ~~الكلي . ثم ms103 نرجع فنقول ان الجزئيات من المحصورات والمهمل الذي يوقن انه ~~جزئي لا ينتج بمعنى انه لا ينتج انتاجا صحيحا ضروريا أبدا ، وإنما قلنا هذا ~~إذا كانت المقدمتان معا جزئيتين ، نافيتين كانتا أو موجبتين . واما إذا ~~كانت احداهما كلية والاخرى جزئية فذلك ينتج على ما نبين بهد هذا ، ان شاء ~~الله تعالى . واعلم ان القضية المخصوصة وهي التي تخص شخصا واحدا بعينه ~~فحكمه في كل ما قلنا حكم الجزئية ولا فرق في ذلك نحو قولك : زيد منطلق وما ~~اشبهه . ثم قلنا ان المحصور ينقسم قسمين : موجب وناف ، واعلم ان القضايا ~~النافيات أيضا لا تنتج ، كليتين كانتا أو جزئيتين ، أي انها لا تنتج انتاجا ~~موثوقا به في كل حال ، وإنما ذلك إذا كانتا معا نافيتين ، واما إذا كانت ~~احداهما نافية والأخرى موجبة فذلك ينتج ، على ما نبين بعد هذا ان شاء الله ~~تعالى . فصح الآن ان المقدمات التي ينبغي ان يوثق بها هي المحصورات والمهمل ~~الذي في معنى المحصور ، وهي كل قرينة كانت قبلها مقدمة كلية ومقدمة موجبة ، ~~اما ان تكون احدى المقدمتين قد جمعت الامرين معا : العموم والايجاب ، واما ~~ان تكون المقدمتان اقتسمتا الامرين فكانت الواحدة كلية والثانية موجبة . ~~واعلم أنا قدمنا ان اقل القضايا قضية من كلمتين موضوع ومحمول ، بمعنى مخبر ~~عنه وخبر ، فإذا اردت ان تجمع قضيتين يقوم منهما برهان ، فلا بد من ان يكون ~~في كلتا القضيتين لفظة موجودة في كل واحدة منهما أي تتكرر تلك اللفظة في كل ~~واحدة من المقدمتين . ولا بد في ان يكون في كل واحدة منهما لفظة تنفرد بها ~~ولا تتكرر في الاخرى ، إذ لو اتفقنا في المخبر عنه والخبر لكانت القضيتان ~~قضية واحدة ضرورة ، كقولك : كل إنسان حي ، وكل حي جوهر فهاتان قضيتان قد ~~تكرر ذكر الحي في كل واحدة منهما ، وهذه اللفظة المتكررة كما ذكرنا تسميها ~~الاوائل ' لحد المشترك ' من اجل اشتراك القضيتين فيه ، وقد انفردت كل واحدة ~~منهما بلفظة فانفردت الاولى بالإنسان لأنه ذكر فيها ولم يذكر في الثانية ، ~~ولو ms104 ذكر لكانت الثانية هي الاولى نفغسها ، PageV01P103 وانفردت الثانية ~~بالجوهر ولم يذكر في الاولى ولو ذكرت لكانت واحدة ، فافهم هذا واضبطه ان ~~شاء الله عز وجل . واعلم ان القضايا البسيطة المحصورة تنقسم قسمين : قسما ~~ينعكس وقسما لا ينعكس ، والانعكاس هو ان تجعل الخبر مخبرا عنه موصوفا ، ~~وتجعل المخبر عنه خبرا موصوفا به ، من غير أن يتغير المعنى في ذلك أصلا ، ~~بل إن كانت القضية موجبة قبل العكس فهي بعد العكس موجبة ، وان كانت نافية ~~قبل العكس فهي بعد العكس نافية ، وان كانت صادقة قبل العكس فهي بعد العكس ~~صادقة ، وان كانت كاذبة قبل العكس فهي بعد العكس كاذبة ، الا انه في بعض ~~المواضع تكون القضية كلية قبل العكس ، جزئية بعد العكس لا تختلف في العكس ~~بغير هذا البتة ، وإنما نعني بهذا العكس ما لا يستحيل أبدا فيما ذكرنا قبل ~~. وأما التي قد تنعكس كما ذكرنا في بعض المواضع وربما أيضا تتبدل إذا عكست ~~اما من صدق إلى كذب واما من كذب إلى صدق واما من نفي إلى ايجاب واما من ~~ايجاب إلى نفي ، فهذه هي القسم الذي قلنا فيه انه لا ينعكس ، وليس هذا ~~القسم مما نعنى به في اقامة البرهان لأنه قد يخون وليس بمستمر الصدق ابدا . ~~والعكس الذي ذكرنا إنما هو تبدل مواضع الألفاظ في القضية فقط . وقد قدمنا ~~وجوه اقسام الصفات في الموصوفين قبل وانها ستة : فوصف الشيء بما هو واجب له ~~ينقسم قسمين : إما اعم منه كالحياة للإنسان فانها تعمه وتعم معه انواعا ~~كثيرة سواه ، واما مساو كالضحك للإنسان ، فانه لكل إنسان وليس لغير الناس ~~أصلا ، ولا يجوز أن يكون أخص البتة . ووصف الشيء بما هو ممكن له ينقسم ~~قسمين : إما أعم كالسواد فانه في بعض الناس وفي أشياء من غير الناس ، واما ~~أخص كالطب فانه في بعض الناس دون بعض وليس لغير الناس ولا يجوز ان يكون ~~مساويا أصلا ، لأنه لو كان مساويا لكان واجبا ، والواجب غير الممكن . ووصف ~~الشيء بامتناعه بما هو ممتنع فيه فيكون ms105 اعم كوصف الإنسان بانه ليس حجرا ، ~~فان هذا الوصف يعمه ويعم كل حيوان ، وقد يمكن ان يوجد مساويا كنفي الجمادية ~~عن الحيوان . ثم نرجع إلى بيان العكس فنقول وبالخالق الواحد نتأيد : إن ~~النافية الكلية تنعكس نافية كلية فنقول : لا واحد من الناس حجر ، فإذا عكسه ~~قلت : لا واحد من الحجارة إنسان . واعلم ان كل ما انعكس كليا فانه ينعكس ~~جزئيا إذ كل ما اوجبته للكل فهو PageV01P104 موجب لكل جزء من اجزائه التي ~~تسمى باسمه ، وكل ما نفيته عن الكل فهو منفى عن كل جزء من اجزائه التي تسمى ~~باسمه ، نريد بالاجزاء هنا اشخاص النوع التي كل شخص منها يسمى باسم النوع ~~فان كل آدمي يسمى في ذاته إنسانا ، والنوع أيضا كله يسمى إنسانا ولم نرد ~~أجزاء الجسم التي لا يقع على الجزء منها اسم الكل كيد الإنسان ورجله ؛ ألا ~~ترى انك لو قلت أيضا ولا بعض الحجارة إنسان أو قلت لا بعض الناس حجر لصدقت ~~، فهذا الذي ذكرنا عكس صحيح صادق ابدا . والموجبة الكلية تنعكس موجبة جزئية ~~فتقول كل إنسان حي ، فإذا عكست قلت : وبعض الاحياء إنسان ، وهذا صادق ابدا ~~. واعلم ان ما كان من هذا الباب والذي بعده مما قلنا فيه انه ينعكس جزئيا ~~فانه لا ينعكس كليا أصلا لأنه كل ما وجب للجزء وجب للكل . ألا ترى انك لو ~~قلت : وكل حي إنسان لكذبت لان الملك حي وليس إنسانا ، والفيل حي وليس ~~إنسانا . ولا تغتر بما تجد من هذا الباب ينعكس كليا صادقا نحو قولك كل حي ~~حساس وكل حساس حي ، ولو قلت أيضا وبعض الحساس حي لصدقت وهذا إنما يصدق في ~~المساوي فقط . فان هذا العكس ان صدق في مكان كذب في آخر كما قدمنا . وإنما ~~يكذب ذلك إذا كان الوصف اعم من الموصوف أو اخص منه كما قدمنا ؛ فأما الأعم ~~فنحو قولك : كل إنسان حي وأما الاخص فكقولنا : كل طبيب إنسان ، فإذا عكست ~~وقلت : وبعض الناس اطباء صدقت ولو قلت : وكل الناس اطباء كذبت ، فلهذا ~~قصدنا ms106 إلى عكسها جزئية لأنها تصدق في كل ذلك ابدا على كل حال من عام أو خاص ~~أو مساو فتحفظ من هذا الباب ولا تغلط فيه ، وانت إذا سلكت الطريق التي ~~نهجنا لك امنت الغلط البتة ولم يكن إلى كلامك سبيل . والموجبة الجزئية ~~تنعكس موجبة فتقول : ان كان بعض الناس نحويين فبعض النحويين ناس ، ولا ~~تنعكس كلية لأنك وان كنت تصدق في بعض المواضع فانك طنت تكذب في مواضع أخر ~~أيضا . وانها تصدق في الحمل الاخص والمساوي وتكذب في الحمل الأعم ، وانت ~~عكستها جزئية صدقت ابدا على كل حال . ألا ترى انك تقول : إذا كان بعض ~~النحويين ناسا فكل الناس نحويون كذبت . واعلم ان هذه القضايا كلها التي ~~ذكرنا انها تنعكس أي انها تصدق إذا عكست ابدا فانها تصدق في ايجابك الواجب ~~، وفي كل اخبارك عن الممكن بما هو حق من صفاته وفي نفيك الممتنع . ~~PageV01P105 واعلم ان النافية الجزئية لا تنعكس أي انها ليس لها رتبة تصدق ~~فيها ابدا لانها وان صدقت في نفي الممتنع إذا قلت : ليس بعض الناس حجرا ~~فعكست فقلت : ولا بعض الحجارة فصدقت ، فانك ان نفيت الممكن حق نفيه فقلت : ~~ليس كل إنسان طبيبا فانك صادق ، فان عكست فقلت : ولا كل طبيب إنسان أو قلت ~~ولا بعض الاطباء ناس كنت كاذبا ، فلهذا لم نشتغل بعكس النوافي في الجزئيات ~~لأنها في بعض المواضع تكذب في العكس . فافهم ذلك كله ، فبكل طالب علم حقيقة ~~إليه حاجة . ونمثل ذلك بمثال شرعي فنقول : انك تقول في النافية الكلية إذا ~~صح أنه ليس شيء من المسكرات حلالا فليس شيء من الحلال مسكر أو لو عكستها ~~جزئية لصدقت أيضا ، ولكن الكلي أتم وأعم المطلوبات ، فاكتفينا به إذا ~~وجدناه واستغنينا به عن نذكر ما ينطوي فيه من جزيئيات ، الا ان الاخبار عن ~~الكل اخبار عن كل جزء من اجزائه . ونقول في الموجبة الكلية . إذا كان كل ~~والد واجب البر فبعض الواجب برهم الوالد ، ولو عكستها كلية لكذبت لأنه يجب ~~بر الأم والخليفة والعالم والفاضل ms107 والجار وليس واحد من هؤلاء والدا . وتقول ~~في عكس الموجبة الجزئية : إذا كان بعض الكفار مباح الدم فبعض المباح دماؤهم ~~كفار ولو عكستها كلية فقلت : وكل مباح دمه كافر لكذبت ، لان الزاني المحصن ~~مباح دمه وليس كافرا ، فافهم هذا كله وثق به فانه لا يخونك ابدا . وبرهان ~~صحة ما ذكرنا اولا إذا قلنا لا واحد من الناس حجر وانه ينعكس كليا فنقول : ~~ولا واحد من الحجارة إنسان انه ان خالفنا في صحة هذا العكس مخالف قلنا ان ~~كان عكسنا هذا ليس حقا فنقيضه حق على ما قدمنا من أقسام قضيتي النفي ~~والايجاب للصدق والكذب . ونقيض قولنا لا واحد من الحجارة إنسانا ، بعض ~~الحجارة إنسان ، فنضم قولنا : بعض الحجارة إنسان إلى مقدمتنا التي صححنا ~~فنقول : لا واحد من الناس حجر وبعض الحجارة إنسان ، واذا كان بعض الحجارة ~~إنسانا فبعض الناس حجارة ، وقد قدمنا انه ليس واحد من الناس حجرا وهذا ~~تناقض ومحال هذا الذي ذكرناه في عنصر الوجوب وهو لزوم الصفة للموصوف . وأما ~~في عنصر الامكان فلا فرق بين قضايا في الموجبات الجزئيات وبين ما ذكرنا من ~~قضايا عنصر الوجوب ، فتقول في الحمل الأعم : ان كان بعض الناس اسود فبعض ~~السودان ناس ، ونقول في الحمل الأخص : ان كان بعض الناس طبيبا فبعض الاطباء ~~ناس ، وليس في الامكان حمل مساو لان المساوي لازم لجميع النوع بالفعل . ~~PageV01P106 واما قضايا الامكان الكليات فانها في الموجبات كواذب ، نقول : ~~ممكن ان يكون كل إنسان اسود أو طبيبا ، فهذا كذب ، وعكس الحمل الأخص فصادق ~~، نقول : ان يكون كل طبيب إنسانا . واما قضايا الامكان النوافي فالكلية ~~كاذبة ابدا وعكسها ، نقول : ان كان ممكن ان لا يكون واحد من الناس اسود أو ~~طبيبا فممكن ان لا يكون واحد من السودان أو الاطباء إنسانا . وأما النافية ~~الجزئية في عنصر الامكان فانها تنعكس نافية جزئية . نقول : ممكن ان لا يكون ~~بعض الناس اسود ، وعكسها : ممكن ان لا يكون بعض السودان إنسانا وهذا في ~~الحمل الاعم ، وتكذب في الحمل الأخص لأنك إذا ms108 قلت ممكن ان لا يكون بعض ~~الناس طبيبا فتصدق ، فإذا عكست وقلت : ممكن ان لا يكون بعض الاطباء إنسانا ~~، كذبت . وأما في عنصر الامتناع فان الموجبة الجزئية تنعكس موجبة جزئية . ~~نقول : ممتنع ان لا يكون بعض الناس حجرا ، وممتنع ان لا يكون بعض الحجارة ~~إنسانا ، وتنعكس أيضا موجبة كلية صادقة فنقول : ممتنع أن يكون كل واحد من ~~الحجارة إنسانا . وأما الموجبة الكلية فتنعكس أيضا كلية وجزئية صادقتين ~~ابدا ، نقول : ممتنع ان يكون كل واحد من الناس حجرا ، وممتنع ان يكون كل ~~واحد من الحجارة إنسانا ، وممتنع ان يكون بعض الحجارة إنسانا . فاما ~~النافية الكلية في عنصر الامتناع فتنعكس جزئية ، فتقول : ان كان ممتنع ان ~~لا يكون كل واحد من الناس حيا ، فممتنع ان لا يكون بعض الاحياء إنسانا ، ~~وهذا تصدق في منع نفي الضحك المساوي للنوع . وفي الحمل الاخص كالطب وما ~~اشبهه نقول : ان كان ممتنع ان لا يكون واحد من الاطباء إنسانا فممتنع لن لا ~~يكون بعض الناس طبيبا . وأما النافية الجزئية في عنصر الامتناع فانها تنعكس ~~نافية جزئية كقولك ممتنع ان لا يكون بعض الاحياء ناسا وهذا ينعكس في الحمل ~~المساوي والاخص ابدا . ومنفعتنا بمعرفة عكس القضايا من وجهتين . احدهما ما ~~نستأنف من رد بعض البراهين التي فيها صعوبة إلى البيان اللائح منها وهو ~~الذي يأتي ان شاء الله عز وجل في رد انحاء الشكل الثاني والثالث إلى الشكل ~~الأول مفسرا في موضعه . والوجه الثاني في تصحيح المقدمات التي يريد طلاب ~~بطلان الحقائق تقديمها ليجعلوها PageV01P107 اصولا لينتجوا منها ما يشهد ~~للصحيح من الاقوال . واذ قد قدمنا ان القضية تكون من موضوع ومحمول أي من ~~مخبر عنه وخبر وان القرينة تكون من مقدمتين في كل واحدة منها لفظة تشترك ~~فيها المقدمتان معا ، فاعلم ان كل لفظة من الفاظ المقدمتين فان الاوائل ~~يسمونها حدا ويسمون اللفظة المشتركة : الحد المشترك . واعلم ان اشكال ~~البرهان لا تكون الا ثلاثة نغني باشكاله صور القرائن التي يكون منها ~~البرهان لأنه لا بد من ان ms109 يكون الحد المشترك محمولا في المقدمة الواحدة ~~وموضوعا في الثانية ، أو يكون محمولا في كل واحدة منهما أو يكون موضوعا ~~فيهما ؛ ولا سبيل رتبة العقل إلى قسمة رابعة بوجه من الوجوه البتة . واعلم ~~انه أيضا لا فرق بين قولك : الحياة في كل إنسان وبين قولك : كل إنسان حي ، ~~تريد في المعنى ، وهذا تسميه الاوائل ' تقديم الحمل ' أي أن تجعل الصفة ~~مخبرا عنها والموصوف مردودا إلى الصفة أي كأنه خبر عنها فلا تبال باختلاف ~~هذه العبارات . واعلم ان الاوائل يسمون المقدمة التي فيها اللفظ الأعم ' ~~مقدمة كبرى ' مثل قولك : كل إنسان حي ، وكل حي جوهر فالتي فيها ذكر الجوهر ~~اعم من اللفة التي في المقدمة الاخرى وذلك ان الجوهر اعم من الحي ومن ~~الإنسان والاخرى يسمونها الصغرى . واعلم انه لا تنتج نافيتان جزئيتان ولا ~~مخصوصتان وهي التي يخبر بها عن شخص واحد بعينه . واعلم ان الحد المشترك لا ~~يذكر في النتيجة أصلا ولو ذكر فيها لكانت النتيجة احدى المقدمتين وإنما ~~يذكر في النتيجة اللفظة التي تنفرد بها المقدمة الواحدة ، واللفة الاخرى ~~التي تنفرد بها المقدمة الثانية . واعلم انه لا يخرج في النتيجة الا اقل ما ~~في المقدمتين وابعده من اليقين والقطع ، لان النتيجة من طبعها يجري الصدق ~~فيها ، فلذلك لا يخرج فيها الا الاقل الذي لا شك فيه ، وان كانت احدى ~~المقدمتين مهملة والاخرى ذات سور فالنتيجة مهملة ، وان كانت احدى المقدمتين ~~جزئية خرجت النتيجة جزئية ، وان كانت احدى المقدمتين مخصوصة خرجت النتيجة ~~مخصوصة ، وان كانت احدى المقدمتين نافية خرجت النتيجة نافية ، وان كانت ~~احدى المقدمتين جزئية أو مخصوصة والأخرى نافية خرجت النتيجة جزئية نافية أو ~~مخصوصة نافية . نقول : لا واحد من الناس حجر وزيد من الناس فزيد لا حجر ، ~~وإنما PageV01P108 هذه الرتبة فيما يصدق أبدا وموثوق بانتاجه . وكذلك ان ~~كانت احدى المقدمتين ضرورية والثانية ممكنة فانه لا تخرج في النتيجة الا ~~الممكنة ، وأما إذا استوت المقدمتان ، فالنتيجة مثلهما ، فان كانتا موجبتين ~~فالنتيجة موجبة ، وان كانتا ضروريتين فالنتيجة ضرورية ، وان كانتا ms110 ممكنتين ~~فالنتيجة ممكنة ؛ وان كانتا مهملتين فالنتيجة مهملة ، الا انهما ان كانتا ~~كليتين فالنتيجة كلية وربما كانت جزئية ولا تبال عن هذا ، فالجزئي منطو في ~~الكلي وليس الكلى بمنطو في الجزئي ، ونذكر على ما قلنا لك أن أشكال البرهان ~~ثلاثة : فللشكل الأول اربعة انحاء وللثاني [ اربعة انحاء ] وللشكل ستة ~~انحاء ، وإنما نعني بذلك الانحاء الصادقة في الانتاج ابدا على كل حال ، ~~فالشكل للبرهان كالجنس ، والنحو له كالنوع ، ثم المقدمات المأخوذة كالأشخاص ~~، وهي غير محصاة بعدد لانها تنصرف في كل علم في كل مسألة . واعلم انه إنما ~~سمي لشكل الأول لان الشكلين الآخرين يرجعان عند الحقيقة إليه على ما نبين ~~بعد هذا ان شاء الله . واعلم انه [ قد ] تقدم لك مقدمتان نافيتان فينتجان ~~لك انتاجا صادقا صحيحا فلا تثق بذلك لانها طريق خوانه غير موثوق بصدقها ~~ابدا ، بل قد نقدمهما صحيحتين فتنتجان لك نتيجة كاذبة ؛ فالخداعة من هذا ~~الباب هو نحو ما أقول لك : ليس كل إنسان حجرا ، ولا كل حجر حمار ، النتيجة ~~: فليس كل إنسان حمارا ، وهذا حق . والفاضح لكل ما ذكرنا هو نحو ما أقول لك ~~: تقول ليس كل إنسان اسود ولا كل اسود حي فهذان صادقتان ، النتيجة فليس كل ~~إنسان حي ، وكذلك أيضا لو قلت : ليس بعض الناس حيا فكلتاهما كذب ، فاياك ~~والاغترار بمقدمتين نافيتين أصلا صدقت القرينة الاولى من قبل حسن نظم ~~المقدمتين لأنك نظمتهما نظما جعلت التي نفيت عن الحجر ما ينفى عن الإنسان ~~جملة . وانا اريك الآن زيادة بيان في صدق هذا الحكم ، فاعمل لك مقدمتين ~~احداهما كذب بحث فتنتج لك انتاجا حقا وهو ان نقول : كل إنسان حجر وكل حجر ~~جوهر ، النتيجة فكل إنسان جوهر . وتقول . وتقول : ليس كل إنسان كلبا وليس ~~كل كلب فرسا ، النتيجة ليس كل إنسان فرسا وذلك حق ، فالاولى مقدمة كذب ~~انتجت حقا بحسن PageV01P109 نظمها ، وهو انك وصفت الحجر بصفة نعمه وتعم ~~الإنسان ، والأخرى في النفي كذلك ، نعني في حسن النظم فقط . فاعلم الآن انه ~~لا بد من صدق كل ms111 واحدة من المقدمتين ولا بد مع الصدق فيهما من احسان ~~رتبتهما على الطريق التي وصفت لك ، والا تحيرت وتخبلت عليك الامور ، واختلط ~~الحق في ذهنك بالباطل . وكذلك في المقدمتين الجزئيتين ، وقد قدمنا ان حكم ~~المخصوص حكم الجزئي ولا فرق فنقول : زيد ناطق وبعض الناطق ميت فزيد ميت ، ~~هذه نتيجة حق ، ولكن لا تثق بمقدمتين جزئيتين البتة ولا مخصوصتين ولا ~~مخصوصة وجزئية . واعلم ان هذه إنما صدقت من قبل صدق الخبر عن طبائع المخبر ~~عنهما وعموم الصفة للمخبر عنهما ، وانا أريك خيانة هذه الطريق وذلك ان تقول ~~: زيد ابيض وبعض البيض حجر صادقتان ، النتيجة فزيد حجر وهذا كذب . وان شئت ~~قلت زيد ناطق وبعض الناطقين كاتب ؛ هاتان مقدمتان حق ، النتيجة : فزيد كاتب ~~، هذه نتيجة لممكن ان يكون حقا وممكن ان يكون كذبا . فتدبر مثل هذا ولا ~~تنسه تفق من شغب عظيم وتعلم ان الجزئيتين والمخصوصتين والجزئية لا تنتج ~~انتاجا صادقا مطردا مطرودا لا يخون . وها نحن بحول الله خالقنا الواحد ~~تعالى وعونه لنا شارعون في تشخيص الاشكال الثلاثة المذكورة آنفا من مثال ~~شريعي ليكون اسهل للطالب وأجلى للشك . ولقد رأيت طوائف من الخاسرين شاهدتهم ~~ايام عنفوان طلبنا وقبل تمكن قوانا في المعارف واول مداخلتنا صنوفا من ذوي ~~الآراء المختلفة كانوا يقطعون بظنونهم الفاسدة من غير يقين انتجه بحث موثوق ~~به على ان الفلسفة وحدود المنطق منافية للشريعة ، فعمدة غرضنا وعلمنا إنارة ~~هذه الظلمة بقوة خالقنا الواحد عز وجل لا قوة لنا [ إلا ] به وحده لا شريك ~~له . واعلم ان الكلام الذي نتأهب لايراده دأبا وننبهك على الاصاخة إليه هو ~~الغرض المقصود من هذا الديوان وهو الذي به نقيس جميع ما اختلف فيه من أي ~~علم كان ، فتذوقه ذوقا لا يخونك ابدا وتدبره منعما وتحفظ جدا فهو الذي ~~وعرته الأوائل وعبرت عنه بحروف الهجاء ضنانة به واحتسبنا الأجر في ابدائه ~~وتسهيله وتقريبه على كل من نظر فيه للاسباب التي ذكرنا في اول ديواننا هذا ~~، ولم نقنع الا بان جعلنا جميع الانحاء من ms112 لفظ واحد في الايجاب ولفظ واحد ~~في النفي ، ليلوح PageV01P110 رجوع بعضها إلى بعض ومناسبة بعضها بعضا ووجود ~~العمل في اخذ البرهان بها ، فقربنا من ذلك بعيدا وبينا مشكلا واوضجنا عويضا ~~وسهلنا وعرا وذللنا صعبا ما نعلم احدا سمح بذلك ولا اتعب دهنه فيه قبلنا ~~ولله الحمد أولا وآخرا . وبوقوفك على هذا الفصل تدفع عنك غيمة الجهل ~~والنفار الذي يولده الهلع من سوء الظن بهذا العلم وشدة الهم بمخرقة كثير ~~ممن يدعيه ممن ليس من أهله ، وفقنا الله واياك وسائر اهل نوعنا عامة واهل ~~ملتنا خاصة لما يرضيه ، آمين . فاعلم ان الشكل الأول كبراه أبدا كلية إما ~~موجبة وإما نافية ، وصغراه ابدا موجبة إما جزئية واما كلية . واعلم ان ~~الشكل الثاني والثالث راجعان إلى الشكل الأول ابدا ، اما قرينة من قرائنه ، ~~واما نتيجة من نتائجه ، إما في اللفظ ، وإما في الرتبة على ما نبين في كل ~~نحو منها ان شاء الله عز وجل . واعلم ان الصغرى من المقدمتين مقدمة ابدا ~~لتخرج اللفظة التي انفردت بها موضوعة في النتيجة أي مخبرا عنها ، والكبرى ~~مؤخرة أبدا لتخرج اللفظة التي انفردت بها محمولة في النتيجة أي خبرا . ~~واعلم انه ان وقعت صفة تحت النوع في زمان في احدى المقدمتين وجب ضرورة ان ~~تكون الاخرى كلية ، وقد ذكرنا قبل ان بعض الاوائل وصفوا ان المقدمة الكبرى ~~يقع فيها لفظة اعم من اللفظتين الاخيرتين المشتركة والتي انفردت بها ~~المقدمة الاخرى ، وهذا امر غير صحيح على الاطلاق بل قد أجاز من عليه ~~المعتمد في هذا ، وهو ارسطاطاليس ، مرتب هذه الصناعة ، المساواة في ~~المقدمات وهو الصحيح . وقد وجدنا خمسة انحاء منها الاربعة متساوية ~~المقدمتين وهو النحو الثاني من الشكل الأول والنحو الأول والثاني من الشكل ~~والنحو الثاني من الشكل الثالث . والنحو الخامس من الشكل الثالث وصغراه ~~كلية وكبراه جزئية ، فاللفظة العامة في ذلك النحو خاصة في المقدمة الصغرى ~~لا في الكبرى . وقد نبهنا على كل نحو منها في مكانه ان شاء الله عز وجل ، ~~وما توفيقنا الا بالله ms113 تعالى ، وهذا حين نأخذ في تشخيص الانحاء المذكورة : # | الشكل الأول # الحد المشترك فيه موضوع في احدى المقدمتين محمول في الاخرى أي ان اللفظة ~~المذكورة في كلتا المقدمتين هي في احداهما مخبر عنه وموصوف ، وهي في الاخرى ~~خبر وصفة ، مثال ذلك الشكل الأول : الحد المشترك فيه مخبر عنه في احدى ~~المقدمتين وخبر في الاخرى . PageV01P111 النحو الأول من الشكل الأول : كل ~~إنسان حي وكل جوهر ، النتيجة كل إنسان جوهر . النحو الثاني في الشكل الأول ~~: كل إنسان حي ولا واحد حي حجر ، النتيجة : لا واحد إنسان حجر ، وان شئت لا ~~أحد من الناس حجر ، وهذا النحو متساوي المقدمتين ، ليست احداهما اعم من ~~الاخرى . النحو الثالث من الشكل الأول : بعض الناس حي وكل حي جوهر ، ~~النتيجة : بعض الناس جوهر . النحو الرابع من الشكل الأول : بعض الناس حي ~~ولا واحد من الاحياء حجر ، النتيجة بعض الناس ليس حجرا . # | الشكل الثاني # الحد المشترك فيه محمول في كلتا المقدمتين أي انه فيهما معا . النحو ~~الأول من الشكل الثاني : كل إنسان حي ، ولا واحد من الحجارة حي ، النتيجة : ~~فلا واحد من الناس حجر ، ليس بين هذا النحو الأول من الشكل الثاني وبين ~~النحو الثاني من الأول [ فرق ] الا ان المحمول هو الخبر الذي في المقدمة ~~الكبرى من هذا النحو الأول من الشكل الثاني على حسب ما أتينا به هناك وهنا ~~فقط . برهان صحة هذه النتيجة نعكس المقدمة النافية فنقول : ان كان لا واحد ~~من الحجارة حي ولا واحد من الناس حجر ، وقد قلنا كل إنسان حي فنضيف اللفظ ~~الذي حصل لنا في العكس إلى هذه التي لم تعكس فنقول : كل إنسان حي ، ولا ~~واحد من الاحياء حجر ، وهذا هو النحو الثاني من الشكل الأول بعينه ، خرج في ~~العكس المخبر عنه خبرا والخبر مخبرا عنه على ما قدمنا إذ وصفنا رتب العكس ~~فتذكره ، وإنما لم تعكس الموجبة لاننا لو عكسناها لأتانا النحو الثالث من ~~الشكل وسيأتي بعد هذا ان شاء الله تعالى . النحو الثاني من الشكل الثاني : ~~ولا واحد ms114 من الحجارة حي وكل إنسان حي ، النتيجة : لا واحد من الحجارة إنسان ~~. ليس هذا النحو وبين الذي قبله أصلا الا ان كبرى ذلك هي صغرى هذا ، أخرت ~~هنالك وقدمت هنا ، وصغرى ذلك هي كبرى هذا قدمت هنالك وأخرى هنا ، وإنما كان ~~ذلك لانا نخرج موضوع نتيجة الذي PageV01P112 قبل هذا النحو بعكستين عكسة ~~للمقدمة الثانية وعكسة أخرى للنتيجة التي ذكرنا ، فنقول ان كان لا واح من ~~الحجارة حي ، فلا واحد من الأحياء حجر ، وقد قلنا ان كل إنسان حي فنقول لا ~~واحد من الاحياء حجر وكل إنسان حي فلا واحد من الحجارة إنسان . ثم نعكس هذه ~~النتيجة فنقول : إذا كان لا واحد من الحجارة إنسان فلا واحد من الناس حجر ، ~~وهذه هي نتيجة الشكل الثاني من النحو الأول بعينها ، واعلم ان مقدمتي هذا ~~النحو والذي قبله متساويتان ليس في احداهما لفظة اعم من اللفظة الأخرى . ~~واعلم انه لا فرق في شيء من الانحاء كلها بين قولك : لا واحد من الناس حجر ~~، وقولك : لا شيء من الناس حجر ، وقولك : لا واحد إنسان حجر ، كل ذلك سواء ~~قل كيف شئت . والاولى ان تقول الذي هو ابين في اللغة التي عبارتك بها ، ~~وهكذا حكم كل ما نفيت . النحو الثالث من الشكل الثاني : بعض الناس حي واحد ~~من الحجارة حي ، النتيجة : بعض الناس لا حجر ؛ ليس بين هذا النحو وبين ~~النحو الرابع من الشكل الأول فرق الا ان محمول المقدمة الكبرى من ذلك النحو ~~هو موضوع المقدمة الكبرى من ذلك النحو هو محمول المقدمة الكبرى من هذا ~~النحو . برهانه بعكس المقدمة النافية فتقول : إذا كان واحد من الحجارة حي ~~فلا واحد من الاحياء حجر ، ونضيف إلى ذلك المقدمة التي لم تعكس فنقول : بعض ~~الناس حي ولا واحد من الاحياء حجر وهذا النحو الرابع من الشكل الأول بعينه ~~. النحو الرابع من الشكل الثاني : بعض الحجارة ليس حيا ، وكل إنسان حي ، ~~النتيجة : فبعض الحجارة ليس إنسان وان شئت قلت : فليس كل حجر إنسانا لانا ~~قد قلنا قبل ms115 ان النافية الجزئية تظهر بلفظ كلي وجزئي ان شئت ، ثم تعكس هذه ~~النتيجة فتقول : إذا كان بعض الحجار ليس إنسانا فبعض الناس ليس حجرا وهذا ~~هو نتيجة النحو الرابع من الشكل الأول بعينها ، وهذا النحو لا تعكس مقدمته ~~لأنك لو عكست الموجبة الكلية لانعكست جزئية ومعها جزئية نافية ، وجزئيتان ~~لا تنتج ، والنافية الجزئية لا تنعكس على ما قدمنا . لكن برهانه يرفع ~~الاحالة [ عن ] الكلام ، وذلك ان نقول : ان انكر منكر ان هذه النتيجة حق ~~وهي قولنا فبعض الحجارة ليس إنسانا ، فنقيضها حق وهي كل الحجارة إنسان ~~فتقول : كل الحجارة إنسان ، وكل إنسان حي على ما أثبتنا في PageV01P113 ~~المقدمة الكبرى فينتج لنا ذلك كل حجر حي ، وقد صححنا في المقدمة الصغرى : ~~بعض الحجارة لا حي ، وهذا ضد ما انتج لنا ما قدمنا آخرا وهذا محال . الشكل ~~الثالث الحد المشترك فيه موضوع كلتا المقدمتين أي مخبر عنه ونتائجه كلها ~~جزئيات . النحو الأول من الشكل الثالث : كل إنسان حي ، وكل إنسان جوهر ، ~~النتيجة : فبعض الاحياء جوهر ؛ برهانه بعكس المقدمة الصغرى ، فنقول : إذا ~~كان كل إنسان حيا فبعض الاحياء إنسان ، وكل إنسان جوهر فبعض الاحياء جوهر ، ~~وهذه رتبة النحو الثالث من الشكل الأول . النحو الثاني من الشكل الثالث : ~~كل إنسان حي ، ولا واحد من الناس حجر ، برهانه بعكس المقدمة الصغرى نقول : ~~ان كان كل إنسان حيا ، فبعض الاحياء إنسان ، ولا أحد إنسان حجر ، فبعض ~~الاحياء ليس حجرا ، وهذه رتبة النحو الرابع من الشكل الأول بعينها ، وهذا ~~النحو متساوي المقدمتين ليس في احداهما لفظ أعم مما في الاخرى . النحو ~~الثالث من الشكل الثالث : بعض الاحياء ناس ، وكل الاحياء جوهر ، النتيجة : ~~بعض الناس جوهر . برهانه بعكس المقدمة الجزئية مقول : ان كان بعض الاحياء ~~ناسا فبعض الناس حي ، ثم نضيف ذلك إلى المقدمة الكلية فنقول : بعض الناس حي ~~، وكل حي جوهر ، وهذا هو النحو الثالث من الشكل الأول بعينه . النحو الرابع ~~من الشكل الثالث : كل إنسان حي ، وبعض الناس جوهر ، النتيجة : بعض الحي ~~جوهر ، هذا النحو مخالف ms116 لرتبة الذي قبله في تقديم الجزئية وتأخيرها ، فكبرى ~~ذلك صغرى هذا ، وصغرى ذلك كبرى هذا ، الا انه يخرج موضوع نتيجة الذي قبل ~~هذا محمولا في نتيجة هذا في الرتبة ، ومحمول نتيجة ذلك موضوعا في نتيجة هذا ~~، إذ الحد الذي في المقدمة الكبرى هو الذي يخرج محمولا في النتيجة ، ~~وبرهانه بعكس المقدمة الجزئية ، نقول : ان كان بعض الناس جوهرا فبعض الجوهر ~~ناس ، ثم نضيف إلى المقدمة الكلية فنقول : بعض الجوهر ناس ، وكل الناس حي ، ~~النتيجة : بعض الجوهر حي ، وهذه رتبة النحو الثالث من الشكل الأول بعينها . ~~النحو الخامس من الشكل الثالث : كل إنسان حي ، وبعض الناس لا حجر ، ~~PageV01P114 النتيجة : فبعض الحي ليس حجرا ؛ لا عكس في هذا ، لأنك لو عكست ~~الكلية لانعكست جزئية ، وجمعنا إليها جزئية اخرى ، وجزئيتان لا تنتج ، ~~والجزئية النافية لا تنعكس ، لكن برهانه يرفع الكلام إلى الاحالة فنقول : ~~ان كانت النتيجة المذكورة باطلا فنقيضها حق ، وهو كل حي حجر ، ثم نقول : كل ~~إنسان حي وكل حي حجر ، النتيجة : فكل الناس حجر ، وقد اتفقنا في المقدمة ~~على ان بعض الناس لا حجر ، وهذا محال ، ونتيجة هذا النحو نتيجة النحو ~~الثاني من الشكل الثالث ، ويرجع هذا النحو إلى النحو الرابع من الشكل الأول ~~بان تأخذ النتيجة فتضيفها إلى المقدمة الصغرى ، فتقول : كل إنسان حي ، وبعض ~~الحي لا حجر ، النتيجة : فبعض الناس لا حجر ، وهذه نتيجة النحو الرابع من ~~الشكل الأول ، وهذا النحو ليس في كبراه لفظة أعم من التي في صغراه . النحو ~~السادس من الشكل الثالث : بعض الحي إنسان ، ولا واحد من الأحياء حجر ، ~~النتيجة : بعض الحي لا حجر ، وبرهانه بعكسه واحدة ، نقول : ان كان بعض الحي ~~إنسانا فبعض الناس حي ، ثم نضيف ذلك إلى الكلية السالبة فنقول : بعض الناس ~~حي واحد من الأحياء حجر ، وهذا هو النحو الرابع من الشكل الأول . وإنما لم ~~نعكس ما لم يعكس من المقدمات في الشكل الثاني والثالث لأنه إنما كانت تخرج ~~جزئيتين أو تخرج إلى ما قد خرج قبلها أو بعدها من الانحاء ms117 ، أو لأنه كان ~~يكون اطول في العمل فقصدنا الأخصر والأكثر فائدة فهذه الانحاء التي لا تنتج ~~سواها انتاجا مطرودا ، وسنبين ان شاء الله تعالى اعتراضات المشغبون في هذه ~~الاشكال ، وحل ذلك بحول الله وقوته ، وها نحن آخذون في تمثيل هذه الانحاء ~~بمثال الاهي ومثال شريعي بحول الله واهب الفضائل لمن شاء من عباده ليظهر ~~فضل هذه الصناعة في كل علم . # | الشكل الأول # النحو الأول من الشكل الأول : كل ما خرج إلى الفعل من العالم فمعدود وكل ~~معدود فمتناه فكل ما خرج إلى الفعل من العالم فمتناه . مثال شريعي : كل ~~مسكر خمر وكل خمر حرام فكل مسكر حرام . النحو الثاني منه : كل ما خرج إلى ~~الفعل من العالم معدود ولا واحد من المعدودات أزلي ، فليس شيء مما خرج إلى ~~الفعل من العالم ازليا . مثال شريعي : كل مسكر خمر ليست حلالا فكل مسكر ليس ~~حلالا . النحو الثالث منه : بعض العالم مركب وكل مركب مؤلف من شيء ، فبعض ~~PageV01P115 العالم مؤلف من شيء . مثال شريعي : بعض المملوكات حرام وطئها ، ~~وكل حرام لم يفرض اجتنابه فبعض المملوكات فرض اجتنابها . النحو الرابع منه ~~: بعض العالم مركب وليس كل شيء من المركبات ازليا فبعض العالم ليس ازليا . ~~مثال شريعي : بعض البيوع ربا وليس شيء من الربا حلالا ، فبعض البيوع ليس ~~حلالا . # | الشكل الثاني # النحو الأول : كل جمل العالم مؤلفات من اجزائها وليس شيء من المؤلفات ~~ازليا فليس شيء من العالم ازليا . مثال شريعي : كل ذبح لما تملكه فقد نهيت ~~عنه وليس شيء حلالا مما نهيت عنه ، فليس ذبحك لشيء لم تملكه حلالا . النحو ~~الثاني منه : ليس شيء ازلي مؤلفا وكل جمل العالم المؤلفات من أجزاء بها ، ~~فلا شيء في جمل العالم أزلي . مثال شريعي : ليس شيء حلالا مما نهيت عنه ، ~~وكل ذبح لما لم تملكه فقد نهيت عنه ، فليس حلالا ذبحك لما لم تملكه . النحو ~~الثالث منه : بعض العالم مركب ، وليس شيء ازليا مركبا ، فبعض العالم ليس ~~ازليا . مثال شريعي : بعض الآباء كافر وليس كل أحد تجب ms118 طاعته كافرا . فبعض ~~الآباء لا تجب طاعته . النحو الرابع منه : بعض العالم ليس خالقا ، والأزلي ~~خالق ، فبعض العالم ليس ازليا . مثال شريعي : بعض الفروج من الممتلكات لا ~~يحل وطئه ، وكل فرج زوجه أو أمة مباحين يحل وطئه ، فبعض الفروج من ~~الممتلكات ، ليس فج زوجة أو أمة ، ليس مباحا . # | الشكل الثالث # النحو الأول منه : كل مركب متناه ، وكل مركب مؤلف ، فبعض المتناهيات مؤلف ~~. مثال شريعي ، كل قاذف محصنة فاسق ، وكل قاذف محصنة يحد ، فبعض الفاسقين ~~يحد . النحو الثاني منه : كل جسم مركب من اجزائه وليس واحد من الاجسام ~~ازليا ، فبعض المركب من اجزائه ليس ازليا . مثال شريعي : كل المحرمين منهي ~~عن الصيد ، وليس أحد من لمحرمين مباحا له النساء ، فليس بعض المنهيين عن ~~الصيد مباحا لهم النساء . النحو الثالث منه : بعض الاعراض عدد ، وكل ~~الاعراض محمول ، فبعض العدد محمول . مثال شريعي : بعض المصلين مقبول الصلاة ~~، وكل مصل فمأمور باستقبال الكعبة ان قدر ، فبعض المقبول صلاتهم مأمور ~~باستقبال الكعبة ان قدر . PageV01P116 النحو الرابع منه : كل جسم معدود ~~وبعض الجسم مركب ، فبعض المركب معدود . مثال شريعي : كل مرضعة خمس رضعات ~~حرام ، وبعض المرضعات خمس رضعات أم ، فبعض الامهات حرام . النحو الخامس منه ~~: بعض الاجسام ليس عرضا وكل جسم فشاغل مكانا ، فبعض الاعراض ليس شاغلا ~~مكانا . مثال شريعي : ليس بعض القاتلين بغير حق يقاد منه ، وكل قاتل بغير ~~حق فاسق ، فبعض من لا يقاد منه فاسق . النحو السادس منه : بعض الاجسام ذو ~~الاجسام ذو جهات ست ، وليس شيء من الاجسام عرضا ، فبعض ما هو ذو جهات ليس ~~عرضا . مثال شريعي : بعض الشروط مفسد للعقد ، وليس شيء من الشروط متقدما ~~للعقد ، فبعض المفسد للعقد . فإذا قد اتممنا بحول الله تعالى وعونه لنا ما ~~كنا له وعدنا به من ذكر انحاء اشكال البرهان ، فلنقل ان كل نتيجة ظهرت فيما ~~قدمنا من القرائن فانها ان كانت موجبة كلية فانه قد يصح بصحتها عكسها وهو ~~موجبة جزئية . وان كانت موجبة جزئية فانه قد يصح عكسها وهو موجبة جزئية ms119 . ~~وان كانت سالبة كلية فانه قد يصح بصحتها عكسها وهو نافية كلية . واذا صحت ~~الكلية فقد صحت جزئياتها وليس إذا صحت الجزئية صحت كليتها ، فتأمل هذا تجده ~~، وقد قدمنا لك من ذلك امثلة بينة فأغنى عن تكرارها . فتدبر في هذا المكان ~~عظيم منفعة العكس لأنه يصح لك بصحة النتيجة ما انطوى فيها مما ذكرنا الآن . ~~واما النافية الجزئية فقد قدمنا انها لا تنعكس ، وإذا كان ما قلنا ، فذلك ~~انتاج من النتيجة صادق ابدا ، فالنتائج كما ذكرنا اربعة عشر ، تنعكس منها ~~ثمان ، ثلاث في الشكل الأول ، واثنتان في الثاني نافيتان ، وثلاث في الثالث ~~موجبات ، فذلك اثنتان وعشرون نتيجة صادقة . تذكر ما قلنا قبل ان القضايا ، ~~وهي الاخبار ، تنقسم قسمين : قاطعة وشرطية فهذه القاطعة قد ذكرنا اقسامها ، ~~والحمد لله واهب التمييز والعلم والبيان والقوة وهو الذي لا نستمد المزيد ~~في كل ذلك ومن خير إلا منه ، لا إله إلا هو ، فاذ قد اتممنا ذلك فلنشرع ذكر ~~القسم الثاني وهو الشرطية ، إن شاء الله عز وجل ولا حول ولا قوة إلا بالله ~~تعالى ذكره . تم السفر الأول من كتاب التقريب لحد المنطق والمدخل إليه ~~بالالفاظ العامية والامثلة الفقهية تأليف أبي محمد علي بن أحمد بن سعيد بن ~~حزم بن غالب الاندلسي رحمة الله عليه والحمد لله على ذلك كثيرا ، كما هو ~~أهله ، وصلى الله على النبي محمد وسلم . PageV01P117 # | وهذا بدء السفر الثاني بسم الله الرحمن الرحيم اللهم صل على سيدنا محمد ~~وعلى آل محمد # # | 2 - باب ذكر القضايا الشرطية # نقول وبالله تعالى نستعين بأن الشرطية هي ما لم يقطع في وصف الموصوف فيها ~~شيء لازم ، فالشرطية هذه تنقسم قسمين : إما معلقة بشيء آخر واما مقسمة . ~~فالمعلقة تنقسم قسمين ، المعلقة بالجملة وتسمى المتصلة وهي التي علق الحكم ~~فيها بحكم آخر تصح بصحته أو تبطل ببطلانه . مثال ذلك : ان كان من زنى وهو ~~محصن بالغ عاقل لكنه ثيب فانه يجلد ويرجم ؛ فهذه قضية شرطية مركبة من حكمين ~~: احدهما صفة الزاني والثاني صفة ما يصنع به ms120 ان زنى وهو الجلد والرجم . ~~فالحكم الأول يسمى المقدمة وهو قولك ان كان زنى وهو محصن بالغ عاقل ثيب ~~والحكم الثاني يسمى الثاني وهو قولك فانه يجلد ويرجم ، فاثبت على هذه ~~التسمية أيضا فتكرر عليك ، ان شاء الله عز وجل . واحد قسمي المعلقة التي ~~ذكرنا آنفا انها تنقسم عليهما ان تستثني المقدمة ومعنى قولنا تستثني هو ان ~~تشترط ان كون الامر المذكور اولا موجب لكون الأمر المذكور آخرا . فان لم ~~يكن الأول لم يكن الآخر والقسم الثاني هو ما استثنيت فيه التالي أي انك ~~تشترط ان كون الشيء الذي يذكر آخرا موجب لكون الامر المذكور اولا . فان لم ~~يكن المذكور آخرا لم يكن المذكور اولا ، فالقسم الأول مقدمة تتركب ن موضوع ~~ومحمول الا أن احدهما قرن به حرف شرط فان اردت انتاجها اضفت إليها اخرى ~~فقلت : ان كان الزاني المحصن البالغ العاقل يجلد ويرجم فهذه مقدمة من مخبر ~~عنه وخبر قرنت بأحدهما حرف شرط . ثم تقول : وهذا زان بالغ عاقل فهذه مقدمة ~~ثانية إليها فتمت قرينة النتيجة فهذا بجلد ويرجم . والقول في كل ما صحبه ~~حرف الشرط واحد ، وهي إن واذ ما ومتى ما ومهما وما أشبه ذلك . وان شئت أن ~~تقدم في اللفظ المعلقة على التي علقت بها فلك ذلك . والمعلقة هي المسببة ~~والمعلقة بها هي السبب كالزنا مع الاحصان هو سبب الرجم وكطلوع الشمس هو سبب ~~النهار وكدخول الأرض بين الشمس والقمر هو سبب PageV01P118 كسوف القمر ؛ ~~فهذه الأسباب هي المعلق بها الحكم ، والكسوف والشمس والنهار هي المسببات ~~وهي المعلقات . فنقول في تقديم المعلقة ان كان نهارا فالشمس قد طلعت وان ~~كان محصنا عاقلا اسم الثيب يقع على الزاني ان كان بالغا فانه يجلد ويرجم ~~وهذا مثل تقديمك المحمول على الموضوع في القضايا القاطعة التي ليس فيها شرط ~~. فنقول : الحياة في كل إنسان والجوهرية في كل حي فالجوهرية في كل إنسان . ~~وقد تكون المقدمتان في الشرطية نافيتين وقد تكون موجبتين وقد تكون موجبة ~~ونافية كقولك : ان لم تغرب الشمس ms121 لم يأت الليل وان لم يكن في الجوبوق لم ~~يكن صعق وان لم يقر بما جاء به الرسول ، صلى الله عليه وسلم ، لم يكن مسلما ~~فالمقدمة الأولى هي قولك : ان لم تغرب الشمس وان لم يكن في الجو برق وان لم ~~يقر بما جاء به محمد ، صلى الله عليه وسلم . والثانية هي قولك : لم يكن ليل ~~، لم يكن صعق ، لم يكن مسلما . وأما الموجبتان فكالتي قدمنا قبل . وأما ~~الموجبة والنافية فقولك : الماء راسب بالطبع ما لم يفسد أو يستحيل ، والنار ~~صاعدة بالطبع ما لم تفسد أو تستحيل ، والبيعان بالخيار ما لم يتفرقا ، ~~فكأنك قلت : ان تركت الماء بطبعه فهو راسب ، وان تركت النار بطبعها فهي ~~صاعدة وان كان المتبايعان مجتمعين فالخيار لهما . وقد تكون المقدمات كثيرة ~~في هذا الباب مثل قولك : ان كان العالم محدثا وكان المحدث يقتضي محدثا وكان ~~لا شيء غير المحدث والمحدث وكان لامحدث غير المحدث والمحدث وكان لا محدث ~~غير المحدث للعالم وكانت إحداث مخالفة الطبيعة ظاهرة من إنسان محدث ~~باختياره وكان يأتي بها شواهد على دعواه ومدثها له محدث العالم وان كان ~~محدثها طلبها من محدث العالم فمحدث العالم شاهد له بصحة ما يدعى واذا كان ~~محدث العالم شاهد اله ومحدث العالم لا يشهد لمدعي باطل فهذا ليس مدعي باطل ~~. واذا كان غير مدعي باطل فهو مدعي حق . واذا كان مدعي حق وجب تصديقه . ~~فالمقدم من هذا الاستدلال الشرطي كما ترى مقدمات كثيرة والتالي واحد وهو : ~~فإذا كان مدعي حق وجب تصديقه . فهذا هو القسم الأول الذي ذكرنا أنه يستثنى ~~فيه المقدم . أي أن المقدمة الأولى هي التي نقطع على أنها حق بعد أن يشترط ~~أنها ان صحت الأولى صحت التي PageV01P119 علقت صحتها بصحتها . وان بطلت ~~بطلت التي علقت صحتها بصحتها . وهذا واجب بأول العقل ضرورة ، إذ كل شيء لا ~~يجوز أن يصح حتى يصح شيء آخر ، ثم إذا لم يصح ذلك الشيء الآخر فواجب ضرورة ~~ن لا يصح الذي لا صحة له الا بوجود ms122 صحة توجد . ومن هذا الأصل الضروري ~~البرهاني أبطلنا في الشرائع كل عقد ارتبط بشرط فاسد لا يصح في النكاح ~~والطلاق والبيوع والعتق وسائر العقود كلها . وكذلك ان كان التالي لا يوجد ~~ضرورة الا بوجود الأول والتالي غير موجود ضرورة الا بوجود الأول ، فالتالي ~~غير موجود . فان وجدت المقدمة الاولى جزئية فقلت : ان كان زيد طبيبا فهو ~~ناطق ، لكن زيد طبيب فهو ناطق فلو استثنيت نقيض الأول الذي صححت نفيه فقلت ~~: لكن زيد ليس طبيبا لم يصح لك أنه ليس ناطقا وهكذا كل ما كان فيه الوصف في ~~المقدمة جزئيا للذي في التالي . واما ان كان مساويا له أو أعم فانك إذا ~~نفيت الأول انتفى الثاني كقولك : ان كان الإنسان حساسا أو قلت ضحاكا فهو حي ~~لكنه ليس حساسا أو ليس ضحاكا فليس حيا . ولا يجوز أن يكون التالي جزئيا ~~للمقدم البتة لأنه مرتبط به موجود بوجوده فهو أبدا اما مساو واما أعم فاحفظ ~~كل هذا واضبطه . فلو استثنيت نفي التالي [ أي ] صححته فانه ينتج لك نفي ~~الأول ضرورة على كل حال جزئيا كان الأول أو مساويا . ألا ترى أنك لو قلت : ~~ان كان زيد طبيبا فهو عالم لكنه ليس عالما أصلا فليس طبيبا ؛ وكذلك المساوي ~~ألا ترى أنك لو قلت : ان كان الجرم إنسانا فهو ضحاك لكنه ليس ضحاكا فليس ~~إنسانا وهو من الجزئي لرخص أيضا أن نقول : ان كان الجرم إنسانا فهو ناطق ~~لكنه ليس ناطقا فليس إنسانا . وان استثنيت التالي أي صححته لم يصح لك الأول ~~في المساوي وحده ، وأما الاعم فلا لأنك لو قلت ان كان الجرم إنسانا فهو حي ~~فلا يصح لك بذلك أنه إنسان . فالوجه ان تصحح اما الأول فينتج لك صحة التالي ~~واما أن تصحح نفي التالي فيصح لك نفي الأول . وأما ان صححت التالي أو صححت ~~نفي الأول فانه لا يصح لك بتصحيح التالي تصحيح الأول . ولا يصح لك بتصحيح ~~نفي الأول نفي التالي الا في المساوي فقط . الا أنك تحتاج إذا أردت ms123 نفي ~~التالي بنفي الأول في المساوي إلى عمل يمتد في انتاج ذلك إذ PageV01P120 ~~ليس ذلك بينا بسرعة كبيان انتفاء التالي بانتفاء الأول ؛ الا ترى انك إذا ~~قلت ان كان العمر طويلا لهرم موجود لكن العمر ليس طويلا ، النتيجة فالهرم ~~ليس موجودا [ وهذا ] بين . فلو قلت والقرينة بحسبها لكون الهرم غير موجود ~~فانك تحتاج في الانتاج من ذلك ان طول العمر ليس موجودا إلى عمل ، وهو ان ~~تقول : ان كان الهرم يوجد طول العمر فليس يمكن أن يعدم الهرم ويوجد طول ~~العمر . إذ لو كان العمر موجودا حينئذ بوجود فليس الهرم اذن موجودا طول ~~العمر ؛ وقد قدمنا أن الهرم يوجد بوجود طول العمر وهذا تناقض . وإنما كانت ~~تكون بينة لو قدمت فقلت : إذا كان ضعف الكبر غير موجود فطول العمر غير ~~موجود ، وهذا بين . وقد قلنا إن القسم الذي يستثني منه ضد المقدمة التالية ~~أي تصححه فانه ينتج لك نفي الأول ضرورة مثل أن تقول : ان كان العالم غير ~~محدث فهو غير مؤلف ولا متناهي الجرم ، لكن العالم مؤلف متناهي الجرم ، ~~فالعالم محدث . وقد تكون المقدمات التوالي في هذا النوع متنافية كقولك : ان ~~كان يوجد زمان لغير جرم ذي زمان ، والزمان إنما هو مدة يعد بها سكون أو ~~حركة ، فليس يوجد اذن زمان لغير جرم ذي زمان . فهذه اقسام الشرطي المتصل ~~وهي اما ان تصحح المقدم واما تصحح نفيه واما تصحح التالي واما أن تصحح نفيه ~~، فاعلم . وأما الشرطي المنقسم فهو أن تقسم الشيء الذي تريد معرفة صحة حكمه ~~على جميع أقسامه الذي يعطيه العقل إياها قسما أصلا ، ولا تكون تلك الأقسام ~~الا متغايرة أو متباينة مختلفة كل واحد منها مخالف لسائرها ، وجائز أن تكون ~~الأقسام اثنين فصاعدا ولكن لا بد من الاختلاف المذكور . فالذي ينقسم نحو ~~قولك : العالم اما محدث واما أزلي ، وهذا الشيء اما PageV01P121 حرام واما ~~غير حرام ، وهذا الشيء واجب أو غير واجب . ونحو قولك : هذان الاسمين اما ~~واقعان على معنى واحد واما على أكثر من معنى واحد ms124 . وأما الذي سنقسم أقساما ~~أكثر من اثنين ان تقول : لا يخلو العالم ان كان محدثا من أن يكون أحدث نفسه ~~أو أحدثه غيره أو حدث لأمر محدث . ونحو قوله : هذا الشيء اما واجب واما ~~مباح متساو واما مباح مستحب واما مباح مكروه وما حرام وهذه الاقسام كما ترى ~~تامة المعاني أي كل قسم منها مخالف لسائرها وقسمته تامة مستوفاة . وأما إذا ~~كان التقسيم ناقصا هو ان يكون أخللت بشيء من أقسامه إما جهلا واما نسيانا ~~وأما عمدا فليست أقسامه حينئذ تامة المغايرة وذلك نحو قولك : لا يخلو محدث ~~العالم أن يكون أحدثه لجوده أو كرمه أو لاجترار منفعة أو لدفع مضرة أو لعلة ~~غير ما ذكرنا . فهذا تقسيم ناقص لأنك أسقطت منه القسم الصحيح وهو أن يكون ~~أحدثه لا لعلة أصلا . وقد يعرض من هذا الباب أن يكون التقسيم لا يكون الا ~~على قسمين فقط فيحذف المقسم أحد القسمين ويذكر الآخر فيجعله كليا في الحكم ~~وهو في الحقيقة جزئي كقول القائل : الزمان حركة بعد فأخرج ذلك مخرج صفة ~~كلية للزمان وإنما الزمان معنى لازمنا أي لا أن لا أن الزمان معنى لازمنا ~~أي لا أن الزمان حركة بعد أو سكون بعد ؛ ومن ذلك أيضا ان تقول : المدبر ~~المعتق بالموت موصى به فهو من الثلث . وإنما الصواب ان تقول المدبر المعتق ~~بالموت اما موصى بعتقه أو معتق بصفة فتوفي القسمة حقها ، فتحفظ من مثل هذا ~~كل التحفظ ، فان دخول الأغاليط كثيرا ما تدخل في هذا الباب فأقل ما في هذا ~~الباب أن تعمى عليك الحقائق ان كنت باحثا فتعتقد الباطل وتضل غيرك ممن يحسن ~~الظن بك أو تتحير ان ظهر ما فسد من الأقسام اليك أو تجيب جوابا فاسدا ان ~~كنت مسؤولا أو تغالط خصمك ان كنت سائلا وكل هذه أحوال غير محمودة . بل هي ~~مذمومة عند أهل العقول جدا . فان كنت جاهلا بالتقسيم فتعلم وابحث وان كنت ~~ناسيا ففتش وتدبر وان كنت عامدا فتلك أقبح فأعرض عنها . ومن ذلك أيضا ms125 ان ~~تقول : اما زيد جالس واما متكئ وليس هذا تقسيما صحيحا إذ لعله ماش أو واقف ~~فاعلم الآن ان التقسيم إذا وقع على قسمين فقط واستوفيا حقيقة الطبع في ~~التقسيم التام الذي لا يشذ عنه فانك إذا صححت أحد القسمين وأثبته وأخرجته ~~من الشك فانه ينتج لك أن يصح هذا القسم الآخر ضرورة لا بد من ذلك ~~PageV01P122 كقولك : العالم اما أزلي واما محدث لكن العالم محدث فصح لأنه ~~ليس أزليا فإذا صححت نفي أحد القسمين وأثبته أنتج ضرورة صحة التقسيم الآخر ~~كقولك : العالم اما أزلي واما محدث لكنه ليس أزليا فصح انه محدث وهكذا إذا ~~كانت الأقسام اكثر من اثنين فانك إذا صححت أحدها فقد صح انه مخالف لسائرها ~~لابد من ذلك . وكذلك ان صححت نفي جميع تلك الأقسام حاشا واحدا صح أن حكمه ~~هو ذلك الواحد الذي بقى ضرورة فان صححت ان حكمه مخالف لبعض تلك الأقسام ~~وبقي منها أكثر من واحد سقطت الأقسام التي صح انه مخالف لها ولم يصح ان حكم ~~الشيء الذي يتعرف صحة حكمه في أحد ما بقي دون سائر ما بقي ولا تبال أي ~~الأقسام قدمت في اللفظ ولا أيها أخرت في هذه الوجوه كلها . ونحن نمثل ~~الوجوه الثلاثة التي ذكرنا فتقول ، وبالله تعالى نتأيد : إذا قلت هذا الطعم ~~اما تفه واما زعاق واما حلو واما مر واما حامض واما ملح واما حريف واما عفص ~~لكنه مر فقد نفيت عنه جميع الطعوم الباقية كلها يقينا بلا شك . وكذلك إذا ~~قلت : هذا العدد اما مساو لهذا العدد واما أقل منه واما اكثر منه فقد نفيت ~~القسمين الباقيين بلا شك وهو حينئذ لا مساو ولا أقل يقينا فان أبطلت جميع ~~الأقسام حاشا واحدا فقلت في المسألة الأولى : لكنه ليس نفها ولا زعاقا ولا ~~حلو ولا مرا ولا حامضا ولا ملحا ولا حريفا فقد صح شك أنه عفص . وكذلك لو ~~قلت في الثانية لكنه ليس اكثر منه ولا مساويا له فقد صح أنه أقل منه يقينا ~~فان ms126 أبطلت بعض الأقسام وسكت عن أكثر من واحد منها سقطت الاقسام التي صححت ~~أنها مخالفة له فقط ولم تثبت له واحدا بعينه من الذي نفيت وبقي الاستدلال ~~والنظر واجبا فيها كقولك في المسألة الاولى لكنه ليس مرا ولا حلوا فقد سقطت ~~عنه المرارة والحلاوة وبقي الطعم مشكوكا فيه على باقي الاقسام ، كلما أسقطت ~~قسما بقي موقوفا على الباقي حتى لا يبقى إلا واحد فيصح حينئذ أن ذلك الواحد ~~هو حكمه ، وهذا في جميع المسائل ؛ وإنما أخرجت لك الوجوه كلها من مسألة ~~واحدة لترى نسبة الوجوه بعضها من بعض بأمكن وأسهل منها لو كانت من مسائل ~~شتى . ولو أنك من الأقسام الكثيرة اثنين فصاعدا بحرف الشك مثل ان تقول : ~~لكنه اما حلو واما حامض واما مر فقد بطلت سائرها وبقي الحكم موقوفا على ~~الذي قصرتها عليه . واعلم أن هذا الفصل لا يكون صحيحا الا بعد ذكرك جميع ما ~~وتوجبه الطبيعة من الأقسام ، فلو ابتدأت بذكر بعض الأقسام مقتصرا عليها في ~~القسمة فقد اسأت العمل ، PageV01P123 فالصواب انه ممنوع الا من جهة واحدة ~~ولا ينبغي لك ان تنكل عنها ، وهو ان يتفق لك صحة أحد الأقسام التي ذكرت على ~~الشيء الذي تطلب معرفة صحة حكمه ، فانك حينئذ إذا صححت ذلك القسم الموافق ~~خاصة صادفت الحق غير محسن في اصابته لكن كإنسان أوقعه البحث على كنز ، وذلك ~~نحو قولك : هذا الشيء اما حار واما بارد لكنه حار فان كنت قد أصبت في وصفه ~~بالحر حقيقة طبعه فقد انتج لك ذلك بطلان كل قسم ذكرته أو لم تذكره ، وان ~~نفيت في هذا العمل أحد القسمين الذين ذكرت فانه لم يصح لك شيء بعد ، وذلك ~~نحو قولك : هذا الشيء اما حار واما يارد لكنه ليس بحار فاعلم أنك لم تصب ~~بعد حقيقة طبعه ولا أثبت له البرد لأنك أسقطت القسم الثالث وهو المعتدل ~~فلعله معتدل إذ ليس حارا فلا يكون أيضا داخلا في القسم الثاني الذي ذكرت ~~وهو البارد . ولو كان تقسيمك موعبا لارتفع الاشكال ؟ على ms127 ما قدمنا قبل - ~~وأنت إذا قطعت في القسمة الناقصة على انه لابد من أحد الاقسام التي ذكرت ~~فالكذب حصتك من هذا الخبر والفضيحة صفتك فيه وهاتان صنعتا سوء ما والأمر لك ~~من قبل ومن بعد فاحفظ هذه المعاني وميزها إذا مرت بك في جميع مطالبك وفتش ~~عنها في كل ما يرد عليك فانك تستضيء في العلم ضياءا تاما وتشرف على عجائب ~~تفرج عنك هموما عظيمة ان كنت ممن يهتم بالحقائق . واعلم ان ايرادك في ~~التقسيم لفظة إما أو لفظة أو أو انه لا يخلو من كذا وكذا أو لابد ن كذا ~~وكذا أو هذا ينقسم كذا وكذا ، قسما منها كذا ومنها كذا ، أو لا سبيل إلى ~~غير كذا وكذا أو ما أعطى المعنى فكل ذلك ممن يهتم بالحقائق . واعلم ان ~~ايرادك في التقسيم لفظة اما أو لفظة أو أو لا يخلو من كذا وكذا وأنه لا بد ~~من كذا وكذا وهذا ينقسم كذا وكذا قسما منها كذا وكذا ومنها كذا أو لا سبيل ~~إلى غير كذا وكذا ما أعطى المعنى فكل ذلك سواء لا يختل شيء من ذلك معنى ~~أصلا . # | 3 - باب من انواع البرهان تتضاعف الصفات فيه # واعلم انه قد تقع مقدمات بنسبة أعداد في الكثرة أو في القلة أو المساواة ~~أو تفاضل كيفيات في الشدة لو الضعف أو تماثلها ، فمنها ما هو تقديم صحيح ~~فينتج انتاجا صحيحا راجعا إلى الشكل الأول ، كقولك : النرجس أشد صفرة من ~~التفاح والتفاح أشد صفرة من الاترج . النتيجة : فالنرجس أشد صفرة من الاترج ~~. فالحد الأوسط وهو اللفظة المشتركة في كلتا المقدمتين ، التي طالما بينتها ~~عليك زمان وصفي لك انحاء الاشكال الثلاثة ، وهو قولنا : التفاح ، وقولنا ~~أشد صفرة هو الغرض المقصود والرابط ما بين PageV01P124 الحدين ، فلا بد من ~~خروجه في النتيجة كخروج لفظ كل أو بعض في الاشكال المتقدمة والحدان ~~المقتسمان وهما اللفظان اللذان انفردت كل مقدمة منهما بواحد وهو النرجس أو ~~الاترج . وربما جاءا بلفظ بنظير صحيح فتقول : نسبة الخمسة إلى العشرة كنسبة ms128 ~~الاثنين من الاربعة ، النتيجة : فالخمسة نصف العشرة ، وهكذا ان شبهت كيفية ~~بكيفية ما ، ثم شبهت تلك الكيفية الثانية بكيفية أخرى ، فقد أنتج لك ذلك ~~شبه الكيفية الاولى بالكيفية الثانية ضرورة وذلك مثل قولك : بياض زيد كبياض ~~عمرو وبياض عمرو كبياض خالد . النتيجة : فبياض زيد كبياض خالد . فهذه ~~القرينة اعطت الخمسة أنها نصف العشرة واعطتها أيضا ان لها نسبة من عدد يشبه ~~نسبة عدد آخر . وكذلك أعطته الاخرى أن بياض زيد يشبه بياض عمرو ويشبه بياض ~~خالد . وهذا مكان ينبغي ان تتحفظ به فربما غالط فيه بعض النوكى كما فعل ~~الناشئ المكني بأبي العباس إذ قال : إذا كانت عشرة في عشرة مائة فالخمسة في ~~الخمسة خمسون ، وذلك لأن الخمسين نصف المائة والخمسة نصف العشرة ونسبة ~~العشرة من المائة كنسبة الخمسون من الخمسين ونسبة الخمسة من العشرة كنسبة ~~الخمسين من المائة وإنما وقع هذا الايهام الساقط لان المتكلم أتى بلفظ غير ~~واضح في المقدمة وكان الصواب أن يقول إذا كانت عشرة ومكررة عشر مرات مائة ~~فخمسة مكررة خمسة مرات خمسة وعشرون . لكن اهل صناعة الحساب اختصروا التطويل ~~بلفظ اتفقوا على وضعه للتفاهم بينهم وليس عليهم أكثر من ذلك البيان للجاهل ~~فقط . وتحفظ أيضا من أن تأتي بجمل مختلفة ومعنى ذلك أن تكون الصفة التي تصف ~~بها لمخبر عنه في هذا النوع من البرهان مختلفة فيتولد عليك من ذلك غلط مثل ~~أن تقول : الورد أطيب رائحة من الخزامى والخزامى أضعف رائحة من المسك فهذا ~~تركيب فاسد لأن حق هذه القرائن أن تكون الصفة من نوع واحد الا في درج ؟ فقط ~~لانها هي الحد المشترك فلا يجوز الا أن تكون بلفظ واحد في معنى واحد . ~~والحد المشترك في هاتين القضيتين مختلف أحدهما أطيب رائحة والثاني أضعف ~~رائحة فليس هذا مشتركا كلاهما مختلفان لم يتم فيهما حد الاقتران فلذلك خرجت ~~النتيجة في بعض المواضع فاسدة وربما صدقت ولكنها غير موثوق بها على ما ~~قدمنا . وقد تصدق مرة وتكذب أخرى : ألا ترى انك لو قلت : الورد ms129 اطيب رائحة ~~من الخزامى والخزامى اضعف رائحة من البنفسج ، النتيجة : فالورد PageV01P125 ~~أطيب من البنفسج صادقة ، واذا قلت الورد أطيب رائحة من الخزامى والخزامى ~~أضعف رائحة من البنفسج ، النتيجة : فالورد أطيب رائحة من البنفسج ، صادقة ، ~~. واذا قلت الورد أطيب رائحة من الخزامى والخزامى اضعف رائحة من المسك ، ~~النتيجة : فالورد أطيب من المسك كاذبة ، وأنت إذا التزمت ما حددته لك صدقت ~~أبدا بلا شك وذلك أن تقول : الورد اطيب رائحة من الخزامى والخزامى أطيب ~~رائحة من الضيمران فالورد أطيب رائحة من الضيمران فهذا الترتيب لا يخونك ~~أبدا . ونمثل ذلك بمثال شريعي فنقول : ان موه مموه فقال علي أكثر فضائل ~~العباس والعباس أقل فضائل من أبي بكر فأراد أن ينتج من ذلك : فعلي أكثر ~~فضائل من أبي بكر وقال : ان مقدمتي كلتاهما صادقة لم يسوغ له ذلك وقيل له ~~اجعل مكان أبي بكر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأنها أيضا تأتيك ~~مقدمتان صادقتان ثم انظر ماذا ينتج فتقول : علي أكثر فضائل من العباس ~~والعباس أقل فضائل من رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، فهاتان صادقتان ~~فعلي أكثر فضائل من رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، وهذا كذب وكفر . ولا ~~يترك يأخذ في نتيجة قرينة واحدة ما وصف به المخبر عنه في المقدمة الأولى ~~وفي نتيجة قرينة أخرى ما وصف به المخبر عنه في المقدمة الثانية مثل أن يأخذ ~~في الواحدة ذكر الأكثر وفي الثانية ذكر الأقل ولكن يعكس عليه ما يريد من ~~ذلك فيلوح تمويهه من قريب ، حتى إذا جعلت حكم الحد المشترك واحدا في اللفظ ~~أصبت وذلك مثل أن تقول : علي اكثر فضائل من أبي هريرة وابو هريرة أكثر ~~فضائل من معاوية النتيجة فعلي أفضل من معاوية ، فهذا الترتيب لا يخونك أبدا ~~وصح لك في هذا النوع من البرهان صفتان للمخبر عنه احدهما فضله على من نسبته ~~منه والثانية فضله على من نسبت إليه الذي نسبت منه أولا . فلذلك ترجمناه ~~أولا بأنه تتضاعف فيه الصفات ، وبالله تعالى التوفيق . # | 4 - باب من ms130 انواع البرهان تختلف مقدماته في الظاهر الا ان الغرض في ~~نفيها وايجابها واحد # هذا نوع من إقامة البرهان يصدق أبدا إذا رتب رتبة حسنة كقولك : بعض ~~الموجودات شيء لم يزل ، ولا موجود الا الخالق والجوهر والعرض ، والذي لم ~~يزل ليس هو الجوهر ولا العرض . النتيجة : فهو الخالق عز وجل . فالمقدمة ~~الاولى من هذه المقدمات الثلاث هي من النوع الذي ذكرنا قبل هذا متصلا آخره ~~بأول هذا الباب وهو الذي يعطي المخبر عنه أكثر من صفة واحدة . ألا ترى أنك ~~إذا أوجبت للمخبر عنه أنه لم يزل وأنه موجود وبأنه خالق لا إله الا هو . ~~والمقدمة الثالثة هي من القضايا المقسمة وقد صححت فيها نفي أنه الجوهر أو ~~العرض فوجب أن القسم الثالث ضرورة هو الخالق عز PageV01P126 وجل . والمقدمة ~~الثانية المتوسطة هي من النوعين المذكورين فأخذت من النوع الذي يعطي المخبر ~~عنه اكثر من صفة واحدة كقولك فيها إنه لم يزل وإنه ليس الجوهر وليس العرض ~~وأخذت من المقسمة قولك ليس الجوهر وليس العرض ووصفت أيضا فيها الموجود أنه ~~اكثر من واحد فقد أنتجت هذه المقدمات الثلاث نتيجة واحدة . وهذا النوع كثير ~~التكرر في تضاعيف المناظرة كثير المرور في أثناء البحث عن الحقائق ~~المطلوبات لأنك توقن وجوب شيء ما فتريد تحقيق صفاته فتأخذ كل قسم ممكن ان ~~يكون الموصوف يوصف به ثم تنفي عنه ما صح نفيه بالدلائل الصحاح حتى تنتفي ~~كلها حاشا واحدا منها . فذلك الذي يبقى هو صفة الشيء الذي تريد معرفة حقيقة ~~حكمه . ومن ذلك ان نقول : واحد من [ الناس ] قتل زيدا ، ولم يكن في البيت ~~الا يزيد وخالد ومحمد فمحمد كان نائما ويزيد مغشيا عليه من علة به ، ~~النتيجة : فخالد قتله ، وقد تكثر المقدمات هنا جدا وتكون من جميع أنواع ~~البرهان وتنتج انتاجا صحيحا على حسب ما ذكرنا من رتبة كل نوع من انواع ~~البرهان في بابه . ومن هذا الباب يفهم أن للأب الثلثين من قول اله تعالى : ~~{ وورثه أبواه فأمه الثلث } ( 11 النساء : 4 ) وذلك أن ms131 المال ثلث وثلثان ~~والمال للابوين وللام منه الثلث . النتيجة : فالثلثان للاب . وبالله تعالى ~~التوفيق . # | 5 - باب من انواع البرهان تكثر مقدماته وتوجب كل مقدمة منها المقدمة ~~التي بعدها # مثال ذلك أن تقول إذا أفرط الأكل وجبت التخمة ، واذا وجبت التخمة ضعفت ~~المعدة ، واذا ضعفت المعدة وجب سوء الهضم ، واذا وجب سوء الهضم وجب المرض . ~~النتيجة : فوجود افراط الأكل يوجب افراط المرض . وهذا برهان صحيح لأن فساد ~~الهضم لا يوجد الا ومعه مرض المعدة لا يوجد الا وسوء الهضم معه والتخمة الا ~~وفساد المعدة معها والزيادة فوق القدر الموافق لقدرة الطبيعة لا يوجد الا ~~وتخمة معها وما لا يوجد الا ووجد شيء آخر معه بوجوده والثاني أيضا إذا وجد ~~أوجب ثالثا فلا يوجد الثالث الا بوجود الأول . وهذا أيضا مما ينبغي أن ~~تتحفظ في وضع مقدماته من أن يدخل فيها مقدمة كاذبة . فان قائلا لو قال : ~~إذا وجدت قلة المال وجد الفقر واذا وجد الفقر فالحاجة موجودة وأراد أن ينتج ~~من ذلك إذا وجدت قلة المال فالحاجة موجودة فهذا كذب لأن قلة المال ليست ~~فقرا وقد يكون المرء صانعا وذا كفاف لا يحتاج إلى أحد ولا PageV01P127 يفضل ~~عنه ؛ لكن لو قلت : إذا وجدت حال التقصير عن الكفاف وجد الفقر واذا وجد ~~الفقر وجدت الحاجة لأنتج ذلك انتاجا صحيحا وهو إذا وجدت حال التقصير عن ~~الكفاف وجدت الحاجة . فينبغي أن تتحفظ من مثل هذا من الاسماء المشتركة ~~العامة لمعان فتحقق معانيها بألفاظ مختصة بها وأن تتحفظ من الصفات الكليات ~~فلا توقعها بعمومتها على بعض ما تحتها دون بعض . وقد موه بعض المخالفين ~~فقال ليفسد هذا البرهان : إذا عدمت النار عدم الحر واذا عدم الحر لم نحتج ~~إلى التبرد فأراد أن ينتج إذا عدمت النار لم نحتج إلى التبرد وهذا كذب لأن ~~المحموم والصائف يحتاجان إلى التبرد ولا نار ظاهرة عندهما وإنما هذا لأن ~~المقدمة الأولى كذب وإنما الصواب أن يقول : إذا عدمت النار عدم الحر ~~المتولد عنها . وهذا مثال شريعي : كل وطء ms132 صح علم الواطئ بباطنه وظاهره ~~وحكمه فهو اما فراش واما عهر وكل مباحة العين للواطئ فراش وكل ما ليس فراشا ~~عهر ، والأمة المشتركة عهر ، وكل ذي عهر عاهر ، فكل واطيء أمة مشتركة عاهر ~~وكل عاهر فله الحجر فكل واطيء أمة مشتركة فله الحجر . فهذه المقدمات كلها ~~أنتجت أن كل واطئ أمة مشتركة فله الحجر . # | 6 - باب البرهان شرطي اللفظ قاطع المعنى # مثاله : ان وصف شيء بالاسكار وصف بالتحريم ، ونبيذ التين إذا غلي وصف ~~بالاسكار . فالتحريم واجب لنبيذ التين إذا غلي . فهذا كما ترى ظاهره أن ~~الوصف بالتحريم إنما هو معلق بالاسكار فإذا اردت ان تجعله قاطعا في لفظه ~~قلت : التحريم حكم كل مسكر ، وبعض المسكرات نبيذ التين إذا غلي ، فالتحريم ~~حكم نبيذ التين إذا غلي . وقد غالط في هذا الباب قوم من المشغبين فقالوا : ~~قد قطعتم بأن نافيتين لا تنتج انتاجا موثوقا به وأنتم في بعض هذه الابواب ~~التي خبت تنتجون انتاجا مطرودا من نافيتين وفي هذا الباب أيضا كقولكم من لم ~~يكن ضحاكا لم يكن إنسانا والفرس ليس ضحاكا فالفرس ليس إنسانا وتقولون كل من ~~لم يؤمن فليس مقبولا من الله عز وجل والوثني ليس مؤمنا فليس مقبولا من الله ~~عز وجل . فالجواب ، وبالله تعالى التوفيق : ان النفي الذي أبعدنا اقامة ~~البرهان المطرد منه كل نفي مجرد وهو كل نفي [ غير ] موجب للمخبر عنه صفة ~~أصلا فسواء إذا كان النفي بهذه الصفة أي بلفظ النفي أو بلفظ الايجاب فلا ~~ينتج ابدا شيئا ، وسنذكر شيئا من هذا في باب مفرد في هذا الديوان في ~~PageV01P128 ذكر مخلطات رامها بعض المغالطين في الأشكال ، ان شاء الله عز ~~وجل . وأما ما كان نفيا في اللفظ وهو يوجب معنى وصفة ما للمخبر عنه ليس ~~نفيا ولكنه ايجاب صحيح وإنما يراعى المعنى الذي يعطيه اللفظ لا صيغة اللفظ ~~وحده . ومن ها هنا لم يلزمنا تشبيه الباري عز وجل في نفينا عنه اشياء هي ~~أيضا منفية عن كثير في خلقه الا أن ذلك لم يوجب تشبيهه ms133 تعالى كقولنا : إن ~~الباري تعالى ليس جسما والعرض ليس جسما والباري تعالى ليس عرضا والجسم ليس ~~عرضا لأنا في هذا الحكم لم نثبت للباري حالا يشترك فيها مع العرض إذ نفينا ~~عنه الجسمية ولا مع الجسم إذ نفينا عنه العرضية ، وهذا هو النفي المجرد ~~المحض . وأما في القضايا التي ذكرنا آنفا فاننا أوجبنا فيها الضحك لمن كان ~~إنسانا وأوبنا للفرس نفي الإنسانية وأوجبنا له مع كل شبها مع كل من ليس ~~ضحاكا في أنهم ليسوا ناسا . وكذلك أوجبنا لمن لم يؤمن ضد القبول وهو التبرؤ ~~وأوجبنا لمن لم يؤمن ضد القبول وهو التبرؤ وأوجبنا ضد الايمان وهو الكفر ~~للوثني . وقد قدمنا أن المعنى إذا انحصر إلى شيئين فنفيت أحدهما فقد أوجبت ~~الآخر ضرورة ؟ فاحفظ هذا - واذا نفيتهما فلم توجب شيئا أصلا ، واذا نفيت ~~فقد أوجبت ضرورة واذا أوجبت النفي فقد نفيت بلا شك . فثقف هذا كله ينتج ~~يقينك بصحة علمك . # | 7 - باب من البرهان يؤخذ من نتيجة كذب بأن يصدق نفيها # اعلم أنه إذا كانت احدى المقدمتين كذبا والاخرى صدقا فانتجت نتيجة كاذبة ~~ظاهرة الكذب وكانت المقدمة الكاذبة مما رضيها خصمك سامحته في ذلك لتريه فحش ~~انتاجه ؛ فان الشيء إذا كذب فنفيه حق لا شك فإذا كذبت نتيجة ما فنفيها حق . ~~فقد يصح أخذ البرهان على هذا الوجه صحة مطردة موثوقا بها أبدا . مثال ذلك : ~~إنسان خالفك فقال : العالم أزلي ، فقلت له أنا أسامحك في نقد هذه المقدمة ~~فأقول : العالم أزلي وأضيف إليها صحيحة أخرى وهي الأزلي ليس مؤلفا فالنتيجة ~~: العالم ليس مؤلفا ، وهذا كذب ظاهر واذا كان هذا كذبا فنقيضه حق ، وهو ~~العالم مؤلف واذا كان هذا حقا وقد قدمنا أن الأزلي ليس مؤلفا فقد صح أن ~~العالم ليس أزليا إذ هو مؤلف وظهر كذب مقدمته ، إذ قال : العالم أزلي . ~~فهذا استدلال صحيح لا يخون أبدا إذ أخذ يخالف النتيجة وترد النتيجة إلى ~~الأحالة . وتذكر هنا ما كتبت لك في أنحاء من الأشكال الثلاثة التي يصح ~~البرهان فيها بردها ms134 إلى الإحالة . ومن ذلك أيضا أن تقول النصارى : الفاعل ~~الأول ثلاثة فنقول : فربنا الفاعل ثلاثة ثم نضيف إلى هذه المقدمة مقدمة ~~صحيحة متيقنة وهي والثلاثة عدد والعدد PageV01P129 مركب من أجزائه المساوية ~~لكله ، فالثلاثة مركبة من أجزائها المساوية لجميعها ، وقد قلتم الأول ثلاثة ~~فالأول مركب من أجزائه المساوية لجميعه وكله وقد تيقنتم أنتم ونحن أن الأول ~~غير مركب وغير ذي أجزاء فالاول مركب ذو أجزاء لا مركب ولا ذو أجزاء وهذا ~~محال وإذ هذا محال وصح أنه مرطب فقد صح أنه ليس عددا وإذ صح أنه ليس ثلاثة ~~، وظهر كذب مقدمتكم الفاسدة ، وبالله تعالى التوفيق . # | 8 - باب من البرهان مركب من نتائج كثيرة مأخوذة من مقدمات شتى # مثال ذلك أن نقول : كل معدود فذو طرفين وكل ذي طرفين فمتناه فكل معدود ~~متناه ثم نأخذ نتيجة هذا البرهان الأول فنقول : كل معدود متناه وكل متناه ~~فذو أجزاء فالنتيجة : كل معدود فذو أجزاء ثم نأخذ نتيجة هذا البرهان الثاني ~~فنقول : كل معدود فذو أجزاء وكل ذي أجزاء مؤلف ، النتيجة : فكل معدود مؤلف ~~وكل مؤلف فمقارن للتأليف ، النتيجة : كل معدود مقارن للتأليف ، ثم نأخذ هذا ~~البرهان الرابع فتقول : كل معدود مقارن للتأليف وكل مقارن للتأليف ، ~~النتيجة : فكل معدود لم يسبق التأليف ، ثم نأخذ نتيجة هذا البرهان الخامس ~~فنقول : كل معدود لم يسبق التأليف ثم نأخذ هذا البرهان السادس فتقول : ~~العالم لم يسبق المحدث وما لم يسبق المحدث فمحدث مثله : النتيجة فالعالم ~~محدث . وقد يأتيك في هذا الباب مقدمات قاطعة شرطية ومتصلة ومقسمة واستدلال ~~بضد ما يخرج في النتيجة وبالجملة فانه يتصرف لك في جميع أنواع البرهان وكل ~~ذلك إذا أخذته على الشروط التي قدمنا فهو موثوق بإنتاجه ، والحمد لله رب ~~العالمين . # | 9 - باب من احكام القضايا # اعلم أن من القضايا ينطوي في ذكرك اياها قضايا أخر وان كنت لم تلفظ بها ~~وهذا المعنى يؤخذ من المتلائمات ومن عكس القضايا وقد ذكرناها . وهذا نحو ~~قولك : لا يجوز أن يكون الأزلي مؤلفا ، فقد انطوى لنا في ms135 هذا الكلام أنه لا ~~يجوز أن يكون المؤلف أزليا ضرورة لا بد من ذلك ، وانطوى فيها أيضا أن ~~المؤلف محدث . وكذلك إذا قلت : كل مسكر حرام فقد انطوى فيه أن المسكر ليس ~~حلالا وان ليس مسكرا ، وانطوى فيه أيضا أن نبيذ التمر إذا أسكر حرام وأن ~~السوكران إذا أسكر حرام وأن نبيذ التفاح إذا أسكر حرام وغير ذلك . كما إذا ~~قلت : زيد يمشي فقد انطوى لك فيه أنه يتحرك وأنه ذو رجل سالمة وانه حي ~~وأشياء كثيرة . PageV01P130 ولذلك ظن قوم ذوو شغب وجهل اننا مخطئون في ~~قولنا ان القضية الواحدة تنتج ، وأبوا ما ذكرنا وليس ظنهم صحيحا لأن كل ما ~~ذكرنا ليس انتاجا إذ شرط معنى الإنتاج أن نستفيد من اجتماع كلتا القضيتين ~~معنى ليس مطويا في احداهما أصلا فأنت إذا قلت : كل مسكر حرام فليس فيه ~~إيجاب أن نبيذ التمر يسكر ولا بد أصلا لكن حتى تلفظ به وتصحح له أنه قد ~~يسكر ، فإذا جعلت له هذه الصفة فحينئذ تقطع له بالتحريم دون شرط والا فإنما ~~في قولك كل مسكر حرام بالإمكان ان اسكر لا بالوجوب ؛ إذ في العالم أشياء ~~كثيرة لا تسكر فلعله منها فتدبر هذا ودع المسامحة وحقق . وهذا الذي ذكرنا ~~في هذا الباب من قضايا تفهم من قضايا لم يلفظ بها إنما هو الانطواء فقط ~~فيها ، ومعنى الانطواء أننا إلى معان كثيرة فعبرنا عنها بلفظ واحد طلبا ~~للاختصار . وبالجملة فجزئياتها يدخل الاخبار عنها في الاخبار بكليتها ~~كقولهم : الإنسان حي فانك قد أخبرت أن زيدا وعمرا أحياء وهند حية وبالجملة ~~فكل رجل وامرأة لانهم أجزاء الإنسان فافهم هذا . وكذلك أيضا ينطوي في كل ~~قضية إبطال ضدها كقول الله تعالى { إن إبراهيم لأواه حليم } ( التوبة : 114 ~~) فقد انطوى فيه نفي ضد الحلم وهو السفه ، فقد انطوى فيه أن إبراهيم ليس ~~سفيها . وأما الإنتاج فخلاف ذلك وهو ما قد بيناه ولله الحمد . واعلم أيضا ~~أنه ليس في كل وقت يردك الكلام الذي تريد أن تجعله مقدمة على الترتيب الذي ms136 ~~قدمنا لك في اخذ البرهان لكن تردك الأقوال المخالفة لتلك الرتب على ثلاثة ~~أوجه : فوجه مخالف لكل ما ذكرنا في الرتبة والمعنى فلا تلتفت إليه وحقق ~~الرتبة والصدق على الشروط التي قدمنا لك ، فليس يقوم لك من غير ما قلنا ~~برهان البتة . ووجه آخر فيه ألفاظ زائدة لا تصلح المعنى ولا تفسده ولو سكت ~~عنها لم تحتج إليها تبال بها ، وعان أخذ البرهان من سائر الكلام الصحيح ، ~~وتلك الألفاظ الزائدة إنما تعطي معنى ليس في شيء ومن هذا المكان تثبت لنا ~~إقامة الحد بشهادة شاهدين اتفقا على ما يوجب الحد ثم اختلفنا في صفات لا ~~معنى لها في الشهادة ، والشهادة تامة دونها ، كشاهدين شهدا على زيد أنه سرق ~~بقرة فقال أحدهما ، صفراء وقال الآخر : سوداء فانه ليس كونها صفراء أو ~~سوداء مما يغاير سرقته لها ولا ينفيها نعني سرقته لها والكلام تام دون ذكر ~~شيء من ذلك . ومن هذا الباب نفسه ومن هذا الباب نفسه ومن ضده أبطلنا إقرار ~~من أقر بمحال كمن قال : فلان قتلته بسحري لعلمنا أن السحر لا يقتل ، ~~فالزيادة التي زاد مفسدة للمعنى فهي مقدمة فاسدة ولو PageV01P131 أقر مرة ~~فقال : قتلته بسيف وقال مرة أخرى : قتلته برمح لكان إقرارا صحيحا لأنه ليس ~~شيء من هذه الزيادات مغايرة للقتل فسكوته عنها وذكره لها سواء إذ ليس في ~~ذكرها ما يفسد المقدمة . ونحو هذا ما يذكره أهل الملل المخالفة لنا من أن ~~للدنيا مذ حدثت سبعة آلاف سنة . وقال آخرون خمسة آلاف سنة . وقال آخرون ستة ~~آلاف سنة . وقال آخرون أربعمائة ألف سنة وقلنا نحن لا حد عندنا في ذلك وقد ~~يمكن ان تكون أضعاف أضعاف هذه الأعداد كلها وقد يمكن أن يكون أقل من ذلك ~~فكل هذه الأقوال ليس بقادح في اتفاقنا على أن للعالم أولا ومبدءا . وهذه ~~كلها ألفاظ لسنا نقول إنها لا تفسد المبدأ والحدث فقط ، لكنا لا نقتصر على ~~كل ذلك حتى نقول : بل انها كلها على اختلافها موجبة للحدث والمبدأ فلينا ~~نستضر باختلاف ms137 مثل هذه الألفاظ ولا بزيادتها ولا بنقصانها إذا أعطت صحة ~~المعنى المطلوب ولم تفسده . والوجه الثالث أن يأتي بلفظ قد قام البرهان على ~~وجوب الانقياد إليه فيحتاج إلى أخذه في المقدمات بيننا وبين من خالفنا في ~~بعض الآراء ممن يقر معنا بذلك اللفظ وينقاد له وفي ذلك اللفظ حذف بين ولفظ ~~قد ترك ذكره ولا يقدر خصمنا على انكار ذلك ولا يضير ذلك الحذف شيئا وهو كما ~~لو ذكر ولا فرق ، إذا تيقن كونه قائما في المعنى ، وذلك نحو مقدمة نأخذها ~~من قول الله عز وجل { وان كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط ~~أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا } [ النساء : 43 ] فلا ~~شك عند السامع لهذه الآية ان كان له أدنى فهم للسان العربي وأقل معرفة ~~بالملة الإسلامية أن هنا معنى بنا إليه ضرورة قد حذف من اللفظ امتفاء بأنه ~~لا يخفى ذلك أصلا وهي ' فأحدثتم ' ومكان معنى هذه اللفظة بين ' سفر ' وبين ~~' أو جاء ' وكذلك ان احتجنا إلى مقدمة أخرى من قوله تعالى { ذلك كفارة ~~أيمانهم إذا حلفتم } [ المائدة : 89 ] فلا شك عند من له لسان من أهل الملة ~~الإسلامية واللغة العربية أن المعنى ' فحنثتم ' . وقد يكون الحذف على رتبة ~~أخرى وهو أن يوجب اللفظ في بنية اللغة ارتباطا PageV01P132 بمعنى لم يذكر ~~ولا بد من تصحيحه كقول القائل : فلان تأب فلا يختل على سامع أنه أذنب وفلان ~~ارتد فلا يختل على سامع أنه قد كان مسلما ، وهذا المال موزون فلا يختل على ~~سامع أنه بميزان ، ومثل هذا كثير فمثل هذا الحذف لا يضر الكلام شيئا ، ~~والكلام صحيح ، وأخذ المقدمات منه للبرهان واجب واثبات المعنى للمحذوف منها ~~لازم ولا يتعلل في مثل هذا الحذف الا جاهل غبي أو مكابر سخيف أو منقطع ~~متسلل وكذلك إذا قلت ضرب زيد بالسيف عمرا فأبان رأسه أنتجت أن زيدا قتل ~~عمرا وهذا إنتاج صادق صحيح وتقديم صحيح ولا يضرك ان حذفت من المقدمة : وكل ~~من أبين ms138 رأسه مقتول ، وكل من أبان رأس غيره فقد قتله قتل فلانا . وكذلك ~~قوله عز وجل { فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم تلك عشرة } ( ~~البقرة : 196 ) فهذا انتاج صحيح مكتفى به عن أن نقول سبعة وثلاثة مساوية ~~لعشرة ، فتلك عشرة ، لصحة العلم بذلك . فافهم الآن من هذا الباب أن خلاف ~~الرتب التي قدمت لا يكون إلا على ثلاثة أوجه : فساد الرتبة ولمعنى فاطرحه ، ~~وزيادة اللفظ فان كان يفسد المعنى فاطرحه وان كان لا يفسد فلا تبال به فلن ~~يضرك ، وحذف من اللفظ فان كان يفسد المعنى فاطرحه وان كان لا يفسد المعنى ~~فلا تبال به فلن يضرك وثقف هذا كله فالمنفعة به عظيمة جدا . واعلم أن الخصم ~~إذا اقر لك بالمقدمتين اللتين على الشروط التي قدمنا من الصحة وأنكر ~~النتيجة فقد تناقض وسقط وبطل قوله . وكذلك ان كانت النتيجة كاذبة على ما ~~قدمنا فوجب عليه تصديق ضدها على ما قدمنا من البرهان الذي يؤخذ من النتيجة ~~الكاذبة التي تسامح الخصم في احدى المقدمات فان صدق ذلك الضد فقد راجع الحق ~~ولزمه ولن يكذب مقدمته الفاسدة وان صدق النتيجة ولم يرجع عن تكذيب مقدمته ~~الفاسدة فقد صدق الشيء وضده أو أنكرهما جميعا فقد سخف وسقط الكلام معه وبان ~~بطلان قوله وبالله تعالى التوفيق وله الأمر من قبل ومن بعد لا إله إلا هو . ~~ولا تغلط فتقدر أن من وافقك في قولك فقد لزمه ما لزمك فهذا جهل ممن أراد ~~إلزام ذلك خصمه ، أو شغب . واعلم أن موقفة الخصم للخصم تنقسم قسمين : ~~أحدهما موافقة في النتيجة فقط PageV01P133 دون موافقة له في المقدمات ~~المنتجة للنتيجة فهذا هو الذي قلنا لك لا تعبير به إذ إنما وافقك على ذلك ~~لتقديمه مقدمات أخر أنتجت تلك النتيجة اما هي فاسدة واما مقدماتك فاسدة ، ~~فان هذا وان أدخلته مقدماته في موافقتك الآن فهي مخرجة له عما قليل إلى ~~مخالفتك . والوجه الثاني أن يوافقك على مقدماتك فهذا الوفاق اللازم الذي ~~تقدم به الحجة ان كانت صحاحا بالجملة ms139 أو تقوم به على الخصمين معا الحجة فقط ~~على كل حال صحاحا كانت أو غير صحاح بالتزامهما إياها . فان قال قائل : كيف ~~تختلف المقدمات وتنتج واحدة لا سيما وأحد العملين في بعض المقدمات حق ~~والعمل الثاني باطل فقد صار الحق والباطل ينتجان إنتاجا واحدا فليذكر على ~~ما ذكرنا قبل ان نبدأ بذكر أنحاء الاشكال من أنه قد يكون مقدمات فاسدة تنتج ~~إنتاجا صحيحا وبيناها هنالك وما نذكره اثر هذا الباب فمذكور هنالك تقديم ~~مقدمتين نافيتين فنقول لك : ليس كل إنسان حجرا ولا كل حجر جمادا النتيجة : ~~ليس كل إنسان جمادا . وقلنا هنالك أن هذا تقديم غرار خوان لأنك إذا وثقت به ~~واستسلمت إليه قدم اليك مثلها فقال ليس كل إنسان أسود وليس كل أسود حيا ~~النتيجة ليس كل أسود حيا فهذا تقديم فاسد . وقد ينتج إنتاجا يوافق الإنتاج ~~الصحيح في بعض المواضع الا انك ان تبعته فكما أدخلك في الحقيقة في مكان ~~فكذلك يخرجك منها في الآخر . وقد بينا هذا هنالك وفي الباب الذي يتلو هذا ~~الباب ولم ندع للاشكال لك إليك سبيلا . وكثيرا ما يحتج علينا اليهود بأننا ~~قد وافقناهم على أن دينهم قد كان حقا ونبيهم حق ويريدون من ها هنا إلزامنا ~~الإقرار به حتى الآن فاضبط هذا المكان واعلم أنا أنما وافقناهم على ~~مقدماتهم ، وهي مقدمات أنتجت لنا موافقتهم فيما ذكروا ، فاضربوا عن تلك ~~المقدمات واتباعها فيما أنتجت وتعلقوا بالموافقة بالنتيجة فقط فلا تغتر في ~~النتيجة أصلا حتى تصح المقدمات وإنما صححنا نحن وهم ان من ثبت أنه أتى ~~بمعجزات انه نبي ، وموسى ، عليه السلام ، اتى بمعجزات فموسى نبي ، وهذه ~~المقدمة نفسها تنتج نبوة محمد ، صلى الله عليه وسلم ، فنقول : كل من أتى ~~بمعجزة فهو نبي ومحمد صلى الله عليه وسلم أتى بمعجزات فهو نبي ، فاضبط هذا ~~جدا . وقد وافقنا اصحاب القياس في نتائج كثيرة الا أن مقدماتهم غير ~~مقدماتنا فليس إلزامنا إياهم ولا إلزامهم إيانا رافعا الشغب بتلك النتائج ~~واجبا لكن حتى نتفق على المقدمات الموجبة ms140 لها . فان شغب مشغب فقال قد أبنا ~~لكم مقدمات يختلف إنتاجها ، وذكر استدلال الخارجي والمرجئ بقول الله عز وجل ~~{ لا يصلاها إلا الأشقى الذي كذب وتولى } ( الليل : 16 ) فان PageV01P134 ~~الخارجي قال : قد صحت آثار وآيات بأن القائل يصلاها الا الأشقى الذي كذب ~~وتولى ، فالقاتل هو الأشقى الذي كذب وتولى . وقال المرجئ : قد صحت آثار ~~وآيات بأن المقر بالتوحيد والايمان يدخل الجنة ، والنار لا يصلاها الا ~~الأشقى الذي كذب وتولى ، فالزاني لم يكذب ولا تولى فالزاني لا يصلاها . ~~فاعلم ان هذا من البرهان الذي نبهك عليه فتذكر عليه ، إذا اخبرتك ان من ~~المقدمات المقبولة كلاما فيه حذف والحذف في هذه المقدمات التي قدر الجاهل ~~أنها أنتجت انتاجا مختلفا هو شيء قد دل عليه البرهان ، وهو المراد لا ~~يصلاها وانها بعينها من جملة نار جهنم لا يصلى تلك النار الا أهل هذه الصفة ~~وليس غي هذا أن كل نار في جهنم لا يصلاها إلا اهل هذه الصفة . وهذا أيضا ~~مما ينبغي ان تتحفظ منه بأن تستوعب كل ما هو متصل بالمقدمات والا فهي مقدمة ~~ناقصة وليست في هذه الآية وحدها مقبولة عندنا لكن آيات كثيرة وأخبار كثيرة ~~فنضمها كلها إلى بعضها ولا نأخذ بعض الكلام دون بعض فتفسد المعاني . وأحذرك ~~من شغب قوم إذا ناظروا واضبطوا على أنه آية واحدة أو حديث واحد ، وهذا سقوط ~~شديد وجهل مفرط إذ ليس ما ضبطوا عليه أولى بأن يتخذ مقدمة يرجع إلى انتاجها ~~من آيات اخر وأحاديث أخر وهذا تحكم وسفسطة فاحذروه أيضا جدا . # | 10 - باب أغاليط اوردناها خوفا من تشغيب مشغب بها في البرهان # وينبغي ان تتحفظ من أغاليط وشغب بها مشغبون في عكس المقدمات وفي الأشكال ~~وقد ذكرنا في بعض الأبواب الخالية نبذا فمن ذلك أنا قد قلنا ان النافية ~~الكلية تنعكس نافية كلية فان قال لك قائل : لا فارسي الا اعجمي هذا حق ~~وعكسها لا أعجمي الا فارسي كذب فتنبه لموضع المغالطة ، واعلم ان هذه القضية ~~موجبة لا نافية وان كان ظاهرها ms141 النفي ، وتذكر ما قلنا لك في هذا الباب ~~المترجم فإنه PageV01P135 باب من البرهان شرطي اللفظ قاطع المعنى في ~~الإنتاج من مقدمتين ظاهرهما أنهما نافيتان فان ذلك يبين لك هذا المكان . ~~ونزيد هاهنا بيانا فنقول : ألا ترى أنك قد أوجبت العجمة لكل فارسي فهذه ~~موجبة كلية وليست نافية البتة ، واذ هي كذلك فعكسها موجبة جزئية وهي قولك : ~~وبعض الأعجمين فارسي وكذلك قولك : ليس شيء من الجواهر محمولا في عرض فهذه ~~صادقة فإذا عكست فقلت : ولا شيء من الاعراض محمولا في الجوهر فهذا كذب ~~فتفهم موضع المغالطة من هذا الباب ، وهو ان العكس الذي ذكرنا حكمه في ~~النوافي وصححناه إنما نفي اشتباه الذاتين أو في نفي اشتباه جزئيهما ولم نرد ~~نفي اشتباه غيرهما . وهاهنا إنما نفيت اشتباه موضع الجوهر موضع العرض ، ~~وموضعهما غيرهما ، وموضع كل شيء فهو غير الشيء الذي في الموضع بلا شك . ~~وتحفظ أيضا من المغالطة الواقعة في عكس الموجبة الكلية ان يقال لك : أليس ~~كل ماض من الزمن قد كان مستقبلا فلا بد من نعم فيقال لك : فبعض المستقبل قد ~~كان ماضيا وهذا كذب فتحفظ من موضع المغالطة ها هنا وهو انه إنما دخل الكلام ~~الغلط من النسوية بين زمانين هما غير الصفتين اللتين هما المضي والاستقبال ~~، للمضي خبر عن شيء كان موجودا حال للمستقبل ، لأن المستقبل عدم ولا حال ~~للعدم . ويقتضي لفظ المخبر عنهما اختلافهما لا التسوية بينهما وتصحيح ذلك ~~ان تقول : بعض المستقبل يصير ماضيا وهذا صحيح . وتحفظ أيضا من غلط يقع في ~~عكس الموجبة الجزئية . مثاله : بعض الخمر قد كان عصيرا ، فان قلت : بعض ~~العصير قد كان خمرا كذبت . والغلط هنا من قبل تسوية بين زماني المخبر عنهما ~~، وزمانهما غيرهما ، وإنما يصح العكس في الصفات الملازمة للمخبر عنهما لا ~~في الصفات اللازمة لغيرهما . وتصحيح ذلك ان تقول : وبعض العصير صار خمرا أو ~~يصير خمرا ؛ فاحفظ الآن ان العكس إنما هو في الذوات أو الصفات الملازمة ~~للذوات . وقد غالط قوم أيضا [ من ] بعض النوكى ممن مذهبه لإفساد ms142 الحقائق ~~والجري إلى غير غاية وطلب ما لا يدري هو فكيف غيره فقال : ان الشكل الأول ~~قد يكذب فيقول : الفرس وحده صهال والصهال حي فالفرس وحده حي . فإنما أتى ~~الغلط ها هنا من زيارة زيدت تفسد المعنى وهي ' وحده ' ، فتذكر مل قلت لك في ~~الباب الذي قبل هذا الباب من حكم اللفظ الزائد في المقدمات فاسدات اللفظ ~~والرتبة ؛ فتأمل الألفاظ PageV01P136 الزائدة كما حددت لك ، واعلم ان ~~الموصوف في النتيجة ليس مقتضيا لان تلك الصفة لا تكون الا له ولا بد ، بل ~~قد نعمه وتعم غيره . ونزيدك بيانا ليقوى تحفظك من تخليط كل من لا يتقى الله ~~عز وجل في السعي في إفساد الحقائق من المدلسين الذين هم أحق بالنكال من ~~المدلسين في النقرد والبيوع وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ، : ' من ~~غشنا فليس منا ' ولا غش أعظم من غش في إبطال الحقائق فنقول ، وبالله تعالى ~~التوفيق : تأمل ضعف هذا المدلس فانه إذا قطع بأن الفرس وحده صهال فقد صح ~~بلا شك ان الصهال وحده فرس ، لان الصهيل صفة مساوية للفرس ليست أعم منه ؟ ~~وقد نبهناك على هذا في باب عكس القضايا - فلما أتى هذا المدلس بقضية توجب ~~ان الصهال وحده فرس قال : والصهال حي بعد ان الشرط انفراد الصهال بالفرسية ~~، وأدرج في قوله الصهال حي انه الصهال المراد بالذكر في المقدمة الأولى ~~فأوجب برتبة لفظه ان وصف الصهال بالحياة وصف مساو لأنه وصف أعم ، فصار ~~قائلا الصهال وحده حي ، فهذه المقدمة الثانية مموهة كما ترى ، وهي كاذبة ~~لانها وضعت موضع كذب وشبهت بالحقائق ، فلكذب المقدمة كذبت النتيجة . وقد ~~بينت لك ان كذب المقدمة الثانية إنما كان لأنه بناها كلية اللفظ على موصوف ~~جزئي ، فتفهم هذا وتحفظ من أهل الرقاعة جدا . وإنما كان الصواب ان يقول في ~~النتيجة فالفرس حي ، ولا يذكر ' وحده ' لأن ' وحده ' في الحقيقة مع ' صهال ~~' خبر عن الفرس وليس لفظة ' وحده ' تابعا للفرس فيذكر في النتيجة لكنه تابع ~~للصهال ؟ وهو الحد المشترك - ولو ذكره في ms143 المقدمة الثانية مع الصهال فقال ~~الفرس وحده صهال ، وهو وحده صهال حي ، فالفرس حي لأصاب . PageV01P137 ومن ~~ذلك أيضا لو قال قائل وهو يشير إلى رجل بعينه : الإنسان طبيب ، لكان هذا ~~اللفظ عاما وباطنه الخصوص ، فلو حمل عليه وصفا يجب ان لا يقع الا على معنى ~~عام لكان كاذبا . وقد سأل بعض المغالطين طبيبا فقال له : الحر يحلل البرد ~~فقال نعم ، فقال له : والبرد يحلل الحر فقال نعم ، فقال له ، فقال : فالحر ~~هو البرد والبرد هو الحر ؛ فقال له الطبيب : إن وجهي تحليلها مختلف وليس من ~~أجل اتفاقهما في صفة ما وجب أن يكون واحد منهما هو الآخر ، فلج المشغب وأبى ~~، فلما رأى الطبيب جنونه وترقعه قال له : أنت حي قال نعم قال : والكلب حي ~~قال نعم قال : فأنت الكلب والكلب أنت . واعلم ان هاتين الشغيبتين من الشكل ~~الثاني ، وقد أساء في ترتيبهما لأن الشرط في الشكل الثاني ان يكون إحدى ~~مقدمتيه نافية ولا بد ، فافهم هذا واضبطه فانه لا يخونك أبدا . ولا تلتفت ~~إلى أهل الشغب فان مثل هؤلاء إنما يجرون مجرى المضحكين لسخفاء الملوك ~~والملهين لضعفاء المطاعين وليسوا من أهل الحقائق أصلا فلا تعبأ بهم شيئا . ~~وقالوا أيضا : قد وجدنا موجبتين لا تنتج وهو : ممتنع ان يكون الإنسان حجرا ~~وممتنع ان يكون الحجر حيا فهاتان PageV01P138 صادقتان ، النتيجة : ممتنع ان ~~يكون الإنسان حيا وهذا كذب فافهم أيضا موضع المغالطة ها هنا هي : ان هاتين ~~المقدمتين نافيتان نفيا مجردا ليس فيه شيء من الإيجاب أصلا وقد قلنا ان ~~النافيتين لا تنتج ، وقد ذكرنا لك قبل ان المراعى إنما هو حقيقة المعنى ~~المفهوم من اللفظ لا صيغة اللفظ وحدها ، وهاتان المقدمتان وان كانتا بلفظ ~~الإيجاب فمعناهما النفي المحض لأنهما نفتا عن الإنسان الحجرية وعن الحجر ~~الحياة ولم توجبا لحجر ولا للإنسان معنى أصلا غير ما أوجبه لهما أسماؤهما ~~فقط . وقد غالطوا أيضا فقالوا : كل نهاق حي ، ولا واحد من الناس نهاق حي ، ~~فهاتان صادقتين النتيجة : فلا واحد من الناس حي وهو كذب ms144 وإنما أتت المغالطة ~~من أجل الصفة التي وصف بها النهاق وتعم أيضا معه الشيء الذي نفي عنه النهاق ~~فهذا أسوأ نظم . وإنما ينبغي له ان تشركه بما لا يشركه فيه الذي نفى عنه ~~مشاركته جملة في المقدمة الثانية . ومن هذا الباب ان نقول : ليس كل آخذ مال ~~بغير حقه سارقا ، وكل آخذ مال بغير حقه وهو عالم فاسق فهاتان صادقتان ، ~~النتيجة : فليس كل آخذ مال بغير حقه وهو عالم به فاسق ، وهذا كذب ، وإنما ~~أتت المغالطة لأنك وصفت أخذ المال بغير حق في المقدمة الموجبة بصفة تعمه ~~وتعم كل سارق معه ، وإنما كان ينبغي ان تصفه بما لا يشترك معه من نفيت عنه ~~في الاخرى مشاركته اياه . وقد غالطوا أيضا من قبل إسقاط شيء من الموصوف ~~فقالوا الشعر غير شيء موجود في شيء من العظام ، والعظام موجودة في كل إنسان ~~فهاتان صادقتان ، النتيجة : فالشعر غير شيء موجود في شيء من الإنسان وهذا ~~كذب ، وهذه مغالطة قبيحة ، لأن الموضوع وهو المخبر عنه المقصود بالوصف في ~~المقدمة الاولى إنما هي العظام ، لأنه عنها نفى الشعر ثن أثبت ذكر العظام ~~في المقدمة الثانية في ان وصف مكانها فقط ، وقد قدمنا ان النسبة بالإيجاب ~~لا تكون الا في ذاتي المخبر عنهما وفي الصفات الملازمة لهما لا في مواضعهما ~~؛ الا انك لو صححت لقلت : فالشعر ليس في شيء من عظام الإنسان . وأيضا فان ~~قوة هاتين المقدمتين قوة جزئية لان العظام بعض من أبعاض الإنسان لا في كله ~~، فتذكر على ما قلنا لك قبل من ان الحد المشترك لا بد من ان يكون مخبرا عنه ~~في احدى المقدمتين وخبرا في الاخرى أو مخبرا عنه في كلتيهما أو خبرا في ~~كلتيهما . فان كان مخبرا عنه في الواحدة وخبرا في الثانية فانظر ، فان ~~كانتا موجبتين فلا بد من ان يكون الوصف به لما وصف به ذاتيا عاما له كله ، ~~ويكون أيضا المخبر عنه معموما في المقدمة الأخرى بما صار وصفا له فيها ، ~~فان كانت احداهما نافية فليكن النفي ms145 الذي وصفت به المنفي عنه في إحدى ~~المقدمتين منتفيا في الحقيقة عنه وعن الأخرى بذلك الموصوف في هذه لان الشيء ~~الموصوف في احدى المقدمتين هو صفة في الأخرى ، فان كان موصوفا به في كلتما ~~المقدمتين فلا بد من ان تكون احدى المقدمتين نافية فيكن حينئذ الذي نفيت في ~~الواحدة عاما لما نفيته عنه ومنتفيا عن الموصوف في الثانية ، على حسب ما ~~ينصه فيها . فان كان موصوفا في كلتيهما فافعل PageV01P139 في الموجبتين ما ~~قلنا في الشكل الأول وافعل في التي احداهما نافية ما قلنا لك في الشكل ~~الثاني . # | 11 - باب من أحكام البرهان في الشرائع على الرتب التي قدمنا # الألفاظ الواردة في الشرائع اللازم الانقياد لها بعد ثبوتها التي إليها ~~يرجع فيما اختلفت فيه منها إما قول عام كلي ذو سور أو ما يجري مجرى ذي ~~السور من المهمل الذي قوته في اللغة قوة ذي السور ، ومن الخبر الذي يفهم ~~منه ما يفهم من الأمر ، والأمر أيضا هو على عموم المعنى ، الا حيث يتبين ~~بعد هذا ان شاء الله عز وجل . وذلك نحو قوله ، عليه السلام ، ' كل مسكر ~~حرام ' فهذا كلي ذو سور أو كقوله عز وجل : { إنما الخمر والميسر والأنصاب ~~والازلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه } ( المائدة : 90 ) فهذا امر عام ~~ومثله قوله عز وجل : { ان الله يأمركم ان تؤدوا الامانات إلى اهلها } ( ~~النساء : 58 ) . ثم هذه الوجوه الثلاثة ينقسم كل واحد منها أربعة أقسام : ~~أحدها كلي اللفظ كلي المعنى ، والثاني جزئي اللفظ جزئي المعنى وهو ما حكم ~~به في بعض النوع دون بعض . وهذا النوع أيضا ؟ فتنبه لما أقول لك - هو أيضا ~~عموم لما اقتضاه لفظه ، وهذا النوع والذي قبله معلومان بأنفسهما جاريان على ~~حسب موضوعهما في اللغة لا يحتاجان إلى دليل على أنهما يقتضيان ما يفهم ~~عنهما ولو احتاجا إلى دليل لما كان ذلك الدليل إلا لفظا يعبر عن معناه ، ~~فما كان يكون المدلول عليه بأفقر إلى دليل من الذي هو عليه دليل ، وهذا ~~يقتضي ألا يثبت شيء ms146 أبدا ، وفي هذا بطلان الحقائق كلها ، ووجود أدلة ~~موجودات لا لأوائل لها وهذا محال فاسد ، والمعلوم بأول العقل أن اللفظ [ ~~يفهم ] منه معناه لا بعض معناه ولا شيء من معناه . ولذلك وضعت اللغات ليفهم ~~من الألفاظ معناها . والقسم الثالث جزئي اللفظ كلي المعنى وهو ما جاء اللفظ ~~به في بعض النوع دون بعضه الا أن ذلك الحكم شامل لسائر ذلك النوع ، وهذا لا ~~يعلم من ذلك اللفظ الجزئي لكن من لفظ آخر وارد لنقل حكم هذا الجزئي إلى ~~سائر النوع . والقسم الرابع كلي اللفظ جزئي المعنى وهو ما جاء بلفظ عام ~~والمراد به بعض ما اقتضاه ذلك اللفظ ، الا ان هذا القسم والذي لا يفهم ~~معناهما من ألفاظهما أصلا PageV01P140 لكن ببرهان من لفظ آخر أو بديهة عقل ~~أو حس تبين كل ذلك أنه إنما اريد به بعض ما يقتضيه ذلك اللفظ . ولولا ~~البرهان الذي ذكرنا لما جاز أصلا أن ينقل عن موضعه في اللغة ولا أن يخص به ~~بعض ما هو مسمى به دون سائر كل ما هو مسمى بذلك اللفظ . فأما النوع الذي هو ~~كلي اللفظ جزئي المعنى فهو كقول الناس في معهود خطابهم ' فسد الناس ' وإنما ~~المراد بعضهم ، وهذا ببديهة العقل ، لان الناس لا يفسدون كلهم الا بذهاب ~~الفضائل جملة ، والفضائل أجناس وأنواع مرتبة في بنية العالم ، ولا سبيل إلى ~~عدم نوع بأسره جملة حتى لا يوجد في العالم أصلا . وكقول القائل ' الماء ~~للعطشان حياة ' وإنما يريد بعض المياه ، وهذا يعلم بالحس لأن ماء البحور ~~والمياه المرة ليست حياة للعطشان . ومن هذا النحو قول الله عز وجل { الذين ~~قال لهم الناس ان الناس قد جمعوا لكم } ( آل عمران : 137 ) وهذا معلوم ~~بالعقل أنه تعالى إنما عنى بعض الناس لأنه ممتنع لقاء جميع الناس لهم ~~مخبرين ؛ ومن ذلك قول الله عز وجل : { إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم ~~} ( المائدة : 6 ) وإنما المراد من ذلك بعض أحوال القيام إلى الصلاة دون ~~بعض وهو حال كون المرء محدثا ، وهذا إنما علم ms147 ببيان آخر . واعلم ان المراد ~~بهذه اللفظة ما ذكرنا ، وهذا مستعمل كبيرا في الكلام ، الا أنه لا بد من ~~برهان يعدله عما وضع عبارة عنه في اللغة ، والا فهو تحكم من مدعيه وافساد ~~للبيان الذي يقع به التفاهم . وليت شعري إذا لم يكن اللفظ عبارة عن المعنى ~~ولك يكن لكل معنى عبارة معلومة اه فكيف يريد أن يصنع من هذه الألفاظ التي ر ~~يحملها على أنها كلية مهمتها ، أو يقول بالتوقف حتى يلوح له المراد ، وبأي ~~شيء يريد يفرق بين المعاني بزعمه ؟ هل يجد شيئا غير لفظ آخر وهل ذلك اللفظ ~~الآخر في احتمال التشكيك في المراد به وفي معناه الا كهذا اللفظ الأول ولا ~~فرق ، وهكذا أبدا . ولو صح هذا لبطلت فضيلتهما على البهائم ، إذ لم يقع لنا ~~التفاهم بالأسماء الواقعة على المسميات ، وينبغي للعاقل أن لا يرضى لنفسه ~~بكل كلام أداه إلى ابطال التفاهم ، فان ذلك خروج عن ثقاف العقل وهزء بنعم ~~الأول الواحد المتفضل علينا بهذه القوى العظيمة التي بها استحققنا ان ~~يخاطبنا . ومما خرج بالأدلة الصحاح عن بعض ما يقتضيه ظاهر لفظه قوله تعالى ~~في آية التحريم { وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة } ( النساء ~~: 23 ) وقوله تعالى : { الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة } ~~( النور : 2 ) { والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما } ( المائدة : 38 ) ~~وكثير من مثل هذا ، فلولا براهين مقبولة من ألفاظ أخر بينت لنا أن المراد ~~بالتحريم بعض المرضعات والمرضعات وبعض الزواني والزناة دون PageV01P141 بعض ~~وبعض السراق دون بعض لوجب حمل هذه الألفاظ على كل ما هو مسمى بها وان كان ~~البعض أيضا من هذه المعاني يقع عليه الذي يقع على الكل . وأما اللفظ الجزئي ~~الذي يدخل فيه معنى كلي فقوله تعالى : { يا أيها الذين آمنوا } ( النساء : ~~19 ) في أول سورة النساء ، ثم اتصل الخطاب إلى قوله تعالى { حرمت عليكم ~~أمهاتكم } ( النساء : 23 ) الآية وكل ما ذكر فيه فمحرم على غير الذين آمنوا ~~ولكن ليس بهذا اللفظ لكن بدلائل أخر من ألفاظ أخر أوقعت أيضا ms148 هذا الحكم على ~~غير من [ هو ] مسمى في هذا المكان ولولا تلك الألفاظ الأخر لما دخل في هذا ~~الحكم من ليس مسمى باسم من خوطب به أصلا . وإنما ذكرنا هذا القسم لأن لا ~~يظن جاهل أن هذا الحكم إنما انتقل من هذا اللفظ إلى غير من يقتضيه . فإذا ~~أردت أن تقدم مقدمات من الأنواع التي ذكرنا في اول هذا الباب وقد قلنا إن ~~إليها يرجع في ما اختلف فيه قلت : كل مسكر خمر ، وكل خمر حرام ، النتيجة : ~~فكل مسكر حرام ؛ فهذه قرينة من النحو الأول من الشكل الأول . وان شئت قلت : ~~كل سارق مل سوى أقل من ربع دينار فعليه قطع يده وزيد سرق شيئا ليس أقل من ~~ربع دينار ، فزيد عليه قطع يده . وهكذا يفعل في جميع الأوامر وهو أن يخرج ~~الأمر بلفظ خبر كلي يعم ما اقتضاه اللفظ الذي يجب الائتمار له . واعلم ان ~~اللفظ ان كان من الألفاظ المشتركة كان جاريا على جميع الأنواع التي اقتضاها ~~ذلك اللفظ ، ان قدر على ذلك ، حيث ما وجدت مجتمعات أو أفرادا . وليس لأحد ~~ان يقول : لا أجري الحكم الا على اجتماع جميع المعاني التي يقتضيها الاسم ، ~~لأنه يصير حينئذ مخالفا لحكم الاسم من حيث قدر أنه موافق له ، لأن كل بعض ~~منه يقع عليه ذلك الاسم ، فإذا لم يجره على ذلك البعض إذا وجده منفردا فقد ~~منع من اجراء الاسم على عمومه وما يقتضيه ، وهذا إبطال موضوع الاسم ، فان ~~كان ذلك ممتنعا في الطبيعة أو كان لفظا عاما الا أنه لا يقوم منه بيان يفهم ~~أو كان لفظا يقع على نوع واحد أو صفة واحدة إلا أن عمومها ممتنع في الطبع ~~لا سبيل إليه ولا إلى اخراج شيء محدود منه ، أو كان الاثبات بكل الوجوه ~~التي يقتضيها ذلك الاسم غير واجب بحكم الشرع بيقين ، لم يلزم منه الا أقل ~~ما يقتضيه ذلك اللفظ ، لأن ما عدا هذا المقدار لا يقدر على استيفائه ، ~~والعجز علة مانعة ، وغاية في البيان بأن ذلك ms149 اللفظ لم يقصد به العموم الذي ~~لا يطاق أصلا ؛ وذلك كقول قائل : ادع لي الناس أطعمهم ولا سبيل إلى عموم ~~الناس كلهم فإنما هذا على جماعة يقع عليهم اسم ناس . وكذلك حيث PageV01P142 ~~ذكر الله عز وجل المساكين أو الفقراء إذ لا يطاق غير هذا أصلا ، ومن كلف ~~غيره الممتنع فقد خرج عن حد من يكلم . فمن القسم الذي قلنا انه يكون لفظا ~~يعم ذوي صفات شتى قوله عز وجل حيث ذكر المحصنات ، فانه لا يجوز ان يخص بذلك ~~بعض من يقع عليه هذا الاسم دون بعض ، ولا يجوز أيضا أن نمتنع من إجراء ~~الحكم حتى تجتمع جميع الصفات التي كل صفة منها ليس إحصانا . لكن إذا وجدت ~~منها صفة واحدة فأكثر وجب لها المعبر عنها واسم يقع على العفائف والحرائر ~~والمتزوجات والمسلمات ، إلا أن يأتي لفظ مانع من عموم كل ما ذكرنا فيوقف ~~عنده على ما قدمنا . وكذلك قوله تعالى : { ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم كم ~~النساء } ( النساء : 22 ) والنكاح يقع على العقد الصحيح وعلى الوطء صحيحا ~~كان أو فاسدا ، فكل من وطئها الأب بزنا أو غيره حرام على الابن ، فتقول في ~~مقدمة من هذا الباب : كل ما نكح الأب من النساء على الابن حرام ، وهند ~~نكحها أبو زيد ، فهند على زيد حرام ؛ فالحد المشترك ههنا النكاح والأب ، ~~والحدان المقسمان : أما في المقدمة الكبرى فالنساء والابن والحرام ، وأما ~~في الصغرى فزيد وهند وهما الخارجان في النتيجة . واعلم أن ما قلت لك أن ~~اللفظ الواقع على أنواع شتى هو على عمومه لكل ما تحته من الأنواع ، لأنه لا ~~جنس لها ، كاللفظ الواقع على النوع الواحد في عمومه من الأشخاص ولا فرق الا ~~أن يقوم برهان كما قدمنا على أن المراد بعض تلك الأنواع لا كلها ، وبعض تلك ~~الأشخاص لا كلها ، فيؤخذ به في ذلك المكان خاصة لا حيث وجد ذلك اللفظ في ~~مكان آخر فهو محمول على عمومه لكل ما تحته أبدا لأن ذلك البرهان الذي نقله ~~عن عمومه في المكان ms150 الأول لم يدخل على انه نقل عن موضعه في اللغة قطعا ، ~~لكنه دل على أن المراد به في هذا المكان خاصة بعض ما يقتضيه موضعه في اللغة ~~فقط . وأما قول القائل : فلان لا يظلم في حبة خردل ، فلا يفهم من ذلك عند ~~التحقيق وترك المسامحة الا ما اقتضاه اللفظ خاصة من انه لا يظلم في الخردل ~~خاصة ، وهذا الذي وضع له اللفظ في اللغة ، ولا يفهم من ذلك انه لا يظلم في ~~الآطام والضياع والدور ، لأن الضياع والدور لا تسمى خردلا أصلا . لكن ان ~~قال قائل : لا يظلم الناس شيئا أو قال لا يظلم في شيء فحينئذ يعم بالنفي كل ~~ما وقع عليه اسم ظلم . فان لم يكن هذا فلأن معنى علقته في الأسماء على ~~المسميات وثبت في العقول أنه لا بيان PageV01P143 إلا بالألفاظ المعبر عن ~~المعاني التي أوقعت عليها في اللغة ، هذا ما لا يعلم أحد سواه الا مغالط ~~لنفسه مكابر لحسه ، مسامح حيث لا تنبغي المسامحة . وكذلك قوله تعالى : { ~~فلا تقل لهما أف } ( الاسراء : 23 ) فانه لا يفهم من الفظ الا منع أف فقط ، ~~وأما القتل والضرب وغير ذلك فلا منع منه في هذا اللفظ أصلا ، لأن كل ذلك لا ~~يسمى ' أف ' ولا يعبر عنه بأف ، ولو أن إنسانا قتل لآخر وأخبر عنه مخبر ~~وشهد شاهد أنه قال له أف لكان كاذبا وشاهد زور وآتيا كبيرة من الكبائر ، ~~بحكم المختار للوسائط بيننا وبين الواحد الأول ، صلى الله عليه وسلم ، عز ~~باعثه وجل ، إذ قضى أن شهادة الزور من الكبائر فمن لم يردعه قبح الخروج عن ~~العقول فليردعه خوف النكال الشديد يوم الجزاء ، نعوذ بالله من ذلك . واو أن ~~حالفا حلف على القاتل أنه قال للمقتول ' أف ' لكانت يمينه غموسا فكيف ~~استجاز من يصف نفسه بالفهم ان يقضي قضاء يقر به على نفسه انه كاذب إذا حقق ~~الحكم ؟ ولعمري ان كثيرا منهم لأفاضل فهماء صالحون معظمون باستحقاقهم ، ~~ولكن النقص لم يعر منه بشر الا المعصومين بالقوى الالهية من الأنبياء ms151 عليهم ~~السلام خاصة ، وزلة العالم مؤذية جدا ولو لم تعده إلى غيره لقل ضررها ، لكن ~~لما قال الله عز وجل { وبالو الدين احسانا } اقتضت هذه اللفظة اتيان كل ما ~~يسمى إحسانا ، ودفع كل ما يسمى إساءة ، لأن الإساءة ضد الإحسان ، والاحسان ~~واجب فالإساءة ممنوعة ، لان قولك احسن إلى فلان يقوم مقام قولك لا تسئ إليه ~~، وذلك معنى مقتضاه فقط . واما قولك لا تسئ إليه فليس فيه الإحسان إليه ، ~~وكذلك إذا قلت لا تحسن إليه فليس فيه ان تسيء إليه أصلا ، لان هذا من ~~الاضداد التي بينهما وسائط ، والوسيطة ها هنا هي التي بين الاساءة والاحسان ~~: المتاركة . واما إذا قلت أسئ إلى فلان ففيه رفع الاحسان عنه لان الضد ~~يدفع الضد ، إذا وقع احدهما بطل الآخر . فتدبر هذه المعاني تستضئ في جميع ~~مطلوباتك بالنور الذي منحك خالقك تعالى وقرب به شبهك من الملائكة وأبانك عن ~~البهائم ، والا كنت كخابط عشواء حيران لا تدري ما تقدم عليه بالحقيقة ولا ~~تترك باليقين لكن بالحس والهجمة اللذين لعلهما يوردانك المتألف ويقذفانك في ~~المهالك ، هدانا الله واياك بمنه . واذا وصلت إلى هذا الفصل فقف عنده وارم ~~تفكرك إلى ما تكلمنا لك فيه آنفا من المتلائمات التي عبرنا عنها بعبارات ~~لعل [ بعض ] أهل الغفلة الذين يرغب من صلاحهم PageV01P144 أكثر ما يرغبون ~~من صلاح أنفسهم يقول عند نظرة فيها : لقد تعنى هذا المؤلف في شيء يساويه في ~~المعرفة به كل أحد ، فليعلم اننا إنما ننظر المعاني بألفاظ متفق عليها ~~لتكون قاضية على ما يغمض فهمه مما ليس من نوعها ، فها هنا يلوح لك فضل ~~كلامنا آنفا في المتلائمات وترتاح لفهمه جدا . واذا قد قدمنا في أول كتابنا ~~انه لا سبيل إلى معرفة حقائق الاشياء الا بتوسط اللفظ فلا سبيل إلى نقل ~~موجب العقل من موضعه من كون الاشياء على مراتبها التي رتبها عليها بارئها ~~جل وعز ، ولا سبيل إلى نقل مقتضى اللفظ عن موضعه الذي رتب لعبارة عنه ، ~~والا رطبت الباطل وتركت الحق وجميع الدلائل تبطل نقل ms152 اللفظ عن موضعه في ~~اللغة ولا دليل يصححه أصلا . فان قال قائل : قد وجدنا لفظا منقولا قيل له : ~~ذلك الذي وجدت قد تبين لنا انه هو موضوعه في ذلك المكان ولم نجد ذلك فيما ~~نريد الحاقه به بلا دليل ، وليس كل مسمى وجدته منقولا عن رتبته بدليل موجبا ~~ان تنقله انت إلى غيره برأيك بلا دليل ، فان كان حكمك في ايجاب ما لم تجد ~~دليلا ينقله لأنك قد وجدت لفظا آخر منقولا حكما صحيحا ، فقد وجدت أيضا في ~~الاوامر منسوخا كثيرا بدليل صحيح ، فاحكم على كل امر بأنه منسوخ لأنك قد ~~وجدت امورا كثيرة منسوخة ، وقد وجدت أيضا في كلام الناس كذبا كثيرا وهذا هو ~~ابطال الحقائق فارغب عنه كما ينبغي ، وبالله تعالى التوفيق . # | 12 - باب اقسام المعارف وهي العلوم # اعلم ان معرفة كل معرفة منا بما يعرفه وهو علمه بما يعلم ينقسم قسمين : ~~احدهما اول والثاني تال . فالاول ينقسم قسمين احدهما ما عرفه الإنسان ~~بفطرته وموجب خلقته المفضلة بالنطق الذي هو التمييز والتصرف والفرق بين ~~المشاهدات فعرف هذا الباب بأول عقله ، مثل معرفة ان الكل اكثر من الجزء وان ~~من لم يولد قبلك فليس اكبر منك ومن لم يتقدمه فليس قبله وان نصفي العدد ~~مساويان لجميعه وان كون الجسم الواحد في مكانين مختلفين في وقت واحد محال ~~وان كل شيء صدق في نفيه فاثباته كذب في نفيه فاثباته حق وان الحق لا يكون ~~في الشيء وضده وان كل اقسام اخرجها العقل بكليتها تامة اخراجا صحيحا ولم ~~يكن بد من احدها فكذبت كلها حاشا واحدا ان ذلك الواحد حق ضرورة . فالقسم ~~الثاني من هذا القسم الأول هو ما عرفه الإنسان بحسه المؤدي إلى التيقن ~~PageV01P145 بتوسط العقل لمعرفة ان النار حارة وان الثلج بارد والصبر مر ~~والتمر حلو والثلج الجديد ابيض والقار لسود وان جلد القنفذ خشن والحرير لين ~~وان صوت الرعد اشد من صوت الدجاجة وما اشبه ذلك . وهذا فلا يدري أحد كيف ~~وقعت له صحة معرفة بذلك ولا كان ms153 بين اول اوقات فهمه متمييزه وعود نفسه إلى ~~ابتداء ذكرها وبين معرفته بصحة ما ذكرنا زمان أصلا ، لا طويا ولا قصير ولا ~~قليل ولا كثير ولا مهلة ، وإنما هو فعل الله عز وجل في النفس ، وهي مضطرة ~~إلى فعل ذلك ضرورة ولا تجد عنها محيدا البتة ، وليس ذلك في بعض النفوس دون ~~بعض بل في نفس كل ذي تمييز لم تصبه آفة وكل نفس تعلم ان سائر النفوس تعلم ~~ضرورة . فلو ان إنسانا رام ان يوهم إنسانا خلاف ما ذكرنا لما قدر فان قدر ~~على ذلك يوما ما فيعلم ان بعقله شديدة لا يجوز غير ذلك . وفي القسم الثاني ~~من هذين القسمين تدخل صحة المعرفة بما صححه النقل عند المخبر تحقيق ضرورة ~~كعلمنا ان الفيل موجود ولم نره وان مصر ومكة في الدنيا وانه قد كان موسى ~~وعيسى ومحمد عليهم السلام وقد كان ارسطاطاليس وجالينوس موجودين وكوقعة صفين ~~والجمل وككون اهل القسطنطينية مملكين لملك الروم والنصارى وان النصرانية ~~دينهم الغالب عندهم وكالاخبار تتظاهر عندنا كل يوم مما لا يجد المرء للشك ~~فيه مساغا أصلا وكذلك [ أن ] في رأس الإنسان دماغا وفي بطنه مصرانا وفي ~~جوفه قلبا وفي عروقه دما وإنما يرجع في ذلك إلى قول المشرحين وقول من رأى ~~رؤوس القتلى مشدوخة وأجوافهم مخرجة فصح ذلك أيضا صحة ضرورية ، وهذان ~~القسمان لا يجوز أن يطلب على صحتهما دليل ولا يكلف ذلك غيره الا عديم عقل ~~ووافر جهل أو مشتبه بهما ، فهم أقل عددا ، بل من هذين القسمين تقوم الدلائل ~~كلها ترجع جميع البراهين وان بعد طرفها على ما قدمنا لك من نتائج مأخوذة من ~~مقدمات وهكذا أبدا وان كثرت القرائن والنتائج واختلفت انواعها حتى تقف ~~راجعا عند هذين العلمين الموهوبين عن الأول الواحد وبطوله وافاضة فضله ~~علينا دون استحقاق منا لذلك ، إذ لم يتقدم منا فعل يوجب أن يعطينا هذه ~~العطية العظيمة التي أوجدنا بها السبيل إلى النسبة بالملائكة الذين هم أفضل ~~خلق خلق والذين أفاض إفاضة تامة نزههم عن ms154 كل نقص أو خلل . وبهذه السبل التي ~~ذكرنا عرفنا ان لنا خالقنا واحدا أولا خالقا حقا لم يزل وأن ما عداه محدث ~~كثير مخلوق لم يكن ثم كان ، وبها عرفنا صدق المرسلين الداعين إليه تعالى ~~بعث محمد صلى الله عليه وسلم وعلى جميع الأنبياء والمرسلين والملائكة . ~~ولولا العقل PageV01P146 والبراهين المذكورة ما عرفنا صحة شيء من كل ما ~~ذكرنا كما لا يعرفه المجنون . فمن كذب بشهادة العقل والتمييز فقد كذب كل ما ~~أوجبت ، وأنتج له ذلك تكذيب الربوبية والتوحيد والنبوة والشرائع . فاما ~~يدخل في ذلك واما يتناقص تناقص المجنون بلسانه نعوذ بالله من الخذلان . ~~وبقدر هذه النتائج من هذه المعارف الأوائل يسهل بيانها وبقدر بعدها يبعد ~~ثباتها ، الا أن كل ما صح من هذه الطرائق من قريب أو من بعيد فمستو في انه ~~حق استواء وان كان بعضه أغمض . ولا يجوز ان يكون حق احق من حق آخر ولا باطل ~~أبطل من باطل آخر إذ ووجد فقد ثبت ووجد وما بطل وما خرج عن يقين الوجود ~~والثبوت ولم يدخل في يقين البطلان فهو مشكوك فيه عند الشاك ، وهو في ذاته ~~بعد إما حق واما باطل لا يجوز غير ذلك ولا يبطله تن كان حقا جهل من جهله أو ~~تشكك من تشكك فيه كما يحق الباطل غلط من توهمه أو تشكك فيه فهذا جملة ~~الكلام في القسم الأول . وأما الثاني فهو الذي ذكرت لك آنفا انه يعرف ~~بالمقدمات المنتجة على الصفات التي حددنا من انها راجعة إلى العقل والحس ~~اما من قرب واما من بعد وفي هذا القسم تدخل صفة العلم بالتوحيد والربوبية ~~والازلية والاختراع والنبوة وما اتت به الشرائع والاحكام والعبادات على ما ~~قدمنا في سائر كتبنا لأنه إذا صح التوحيد وصحت النبوة وصح وجوب الائتمار ~~لها وصحت الاوامر والنواهي عن النبي صلى الله عليه وسلم وجب اعتقاد صحتها ~~والائتمار لها في هذا القسم أيضا يدخل الكلام في الطبيعيات وفي قوانين الطب ~~ووجوه المعاناة والمزاج واكثر مراتب العدد والهندسة . واعلم انه ms155 لا يعلم ~~شيء أصلا بوجه من الوجوه من غير هذين الطريقين فمن لم يصل منهما فهو مدع ~~علما وليس عالما ، وان ولفق اعتقاده الحق ، لكنه ها هنا مبخوت ، وسلامة ~~الغرر قد وجدنا اهل الحزم لا يحمدونها ، وانتظار وجود اللقطة وترك الطلب ~~خلق ذميم مرذول ساقط جدا ، وفي هذا المقلد مشابهة قوية ومناسبة صحيحة لمن ~~هذه صنعته ، بل المقلد أسوأ حالا لان تضييعه اقبح واوخم عاقبة الا ان توجب ~~الشريعة ان يسمى عالما وان يعلم ذلك ببرهان فيوقف عند ما اوجبته الشريعة في ~~ذلك . الا ان ها هنا وجها ينبغي لك استعماله في المناظرة خاصة على سبيل كف ~~شغب الخصم الجاهل وليس مما يصح به قول ولا يلزم في الحقيقة أحدا ولا يثبت ~~به PageV01P147 برهان وهو ان قوما قد اعتادوا عادة سوء فسدت فضيلة التمييز ~~فيهم بالجملة ، وذلك انهم لا يلتفتون إلى البرهان وان اقروا انه برهان وقد ~~ألفوا الإقناع والشغب الفاسد من الهم ينقدعون إذا عورضوا به ، فهؤلاء ان ~~عارضتهم لم ينجع فيم وربما آذوك بألسنتهم وان عارضتهم بإقناع ذلوا ذلة ~~اليتيم وكفوك شرهم واشتد خزيهم وغيظهم وربما اثر ذلك في بعضهم ؛ فاذكروني ~~امر هذه الطائفة على كثرتهم في الناس ما قاله بعض قدماء الأطباء : ان ذا ~~الطبع الشديد الذي لا تخدره الأدوية القوية فان قرص بنفسج يخدره . ومثال ~~ذلك أقوام تراهم إذا نصرت عندهم القول الصحيح بالمقدمات الصحاح التي هي ~~منصوصة في القرآن والحديث الذي يقرون بصحته لم يؤثر ذلك فيهم أصلا وكذلك لو ~~وقفتهم عليه حسا وعقلا حتى إذا فلت لهم فلان يقول هذا القول وذكرت لهم رجلا ~~من عرض الناس موسوما بخير انقادوا له وتوقفوا جدا وسهل جانبهم ، ولا سيما ~~ان ذكرت لهم جماعة يقولون بذلك فقد كفيت التعب معهم ، فهؤلاء ينبغي ان ~~يردعوا بما يؤثر فيهم فالطبيب الحاذق لا يعطي الدواء الا على قدر احتمال ~~بنيه المتداوي ، ومداواة النفوس أولى بالتلطف لاصلاحها من مداواة الاجسام . ~~وأما طلب تقديم المقدمات فاما ان يطلب على وجهه الذي وضعه ms156 فيكون الطالب على ~~يقين وثلج واما ان يتفق هو وخصمه على مقدمات لم يثبت بالعمل الذي قدمنا لكن ~~بتراض منهما ؛ وهذا ينقسم قسمين : أحدهما ان توقف المقدمات [ على ] حق ~~فيدخلان في القسم الذي قدمنا ببختهما لا ببحثهما وبجدهما لا بجدهما وبحظهما ~~لا بتفتيشهما ؛ والثاني ان يتفقا على مقدمة فاسدة أو مقدمتين فذلك وهذا ~~ينقسم قسمين : أحدهما ان يتراضيا على ذلك معا فيما ظالمان لانفسهما ، وما ~~أنتجت تلك البلايا التي التطخا فيها فلازم لهما في قوانين المناظرة لا في ~~الحقيقة ، والحقيقة باقية بحسبها لا يضرها تراضي الجهال بالباطل وذلك كثير ~~جدا في الملل والآراء الطبيعية والنحل كاتفاق المنانية على قدم الاصلين ~~والنصارى على التثليث وقوم من المعتزلة على ان أشياء في العالم محدثة غير ~~مخلوقة وهذا نسميه نحن ' عكس الخطأ على الخطأ ' ومما حضرنا من ذلك على ~~كثرته رد اخواننا الحكم في جنين الأمة على خطائهم في تقويم الغرة في جنين ~~الحرة . والقسم الثاني ان يوافق الخصم العالم المحقق خصمه على مقدمة فاسدة ~~بقدمها لا راض بها ولكن ليريه فساد انتاجها وأنها تؤديه إلى محال فساد أصيل ~~. واعلم ان هذا الحكم ينبغي ان يلزم الراضي به ان التزمه وليس يلزم ~~المتسامح فيها بشرط تبين PageV01P148 فسادها مالذي ألزم أدرباذ بن مارا ~~كسنفد الموبذ ماني بن حماني في نفس قوله قبله وهو ضد ما حقق ماني اولا . ~~وكثيرا ما نلزم نحن في الشرائع اهل القياس المتحكمين اشياء من مقدماتهم ~~تعود إلى التناقض لو إلى ما يلزمونه فيلوح بذلك فساد مقالتهم وكالذي قدمه ~~عظيم [ من ] أسلافنا نحبه لفضله ولكن الحق أحب الينا منه وافضل فانه قال : ~~من بلغ الحلم من رجل أو امرأة ولم يعلم الله في اول بلوغه بجميع صفاته علم ~~استدلال ونظر وبحث فهو كافر حلال دمه ، ونحن نقسم الله خالقنا قسما لا ~~نستثني فيه أن الرئيس قد انتج حكمه هذا عليه ان يكون كافرا حلال الدم ~~والمال ؛ ونعيد القسم بالله تعالى ثانية انه ما دخل قبره الا جاهلا بتمام ~~صحة ما ms157 ضيق غب علمه هذا التضييق ، على انه قد تجاوز في عمره خمسة وثمانين ~~عاما يرحمنا الله واياه ويغفر لنا وله ولولا ان مقدمته هذه فاسدة لوجب عليه ~~ما وجب على من هو محدود بحده ومرسوم برسمه ولكنها ولله الحمد قضية باطل فلا ~~يجب ما انتجت عليه ولا على غيره ، وقد غيره ، وقد ذكرنا هذا الباب في النوع ~~الخامس من البرهان . واعلم ان من وافقنا في هذه الاوائل ثم كذب موجباتها لو ~~خالفنا في الاوائل فلم يثبتها تركناه وكنا إن كلمناه كمن كلم السكران الا ~~في حالتين : احدهما ان يضطر [ نا ] إلى الكلام معه خوف إذا ما إن تركنا ~~الكلام معه . والثانية الرجاء في أوبته وأوبة غيره من حاضر أو غائب يبلغه ~~كلامنا أو تثبت حاضر أو غائب يبلغه كلامنا ، فأي ذلك كان فواجب علينا ~~الكلام حينئذ بما نرجو له المنفعة اما لأنفسنا وأما لمن يلزمنا تبصيره من ~~أهل نوعنا فقد قال الأول الواحد الخالق خالق الصدق والآمر به في عهوده ~~الينا : { كونوا PageV01P149 قوامين بالقسط شهداء لله } ( النساء : 135 } ~~وقال تعالى : { ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي ~~أحسن } ( النمل : 125 ) وقال لنا رسوله المتوسط بيننا وبينه تعالى ، صلى ~~الله عليه وسلم ، في وصاياه لنا ' لان يهدي الله بهداك رجلا واحدا أحب اليك ~~من حمر النعم ' . حتى إذا ارتفع خوفنا أو رجاؤنا لزمنا حينئذ ان نفعل ما ~~أمرنا به الواحد الأول عز وجل في عهوده الينا { عليكم أنفسكم لا يضركم من ~~ضل إذا اهتديتم } ( المائدة : 105 ) فنقول لمن لزمنا ان نقول له من هذه ~~الطائفة ولعمري انهم لكثير كما وصف الواحد الأول تعالى إذ يقول مخبرا لنا ~~عمن تاه في الاباطيل : { قل هل أنبئكم بالاخسرين أعمالا الذين ضل سعيهم في ~~الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا } ( الكهف 104 ) وقال تعالى { ~~أم لهم أعين يبصرون بها أم لهم آذان يسمعون بها } ( الاعراف : 159 ) فنقول ~~لمن هذه صفته : ان كنتم تنكرون الحقائق وما شهده الحس والعقل وأدياه إلى ~~النفس ms158 فلا تستحيون من قبيح هذه الصفة فدعوا التعب في أكل الطعام والسعي فيه ~~وانتظروا كما أنتم واخرجوا افرادا إلى مضارب العدو من أطراف الثغور ~~والشعاري الموحشة رافلين في ثيابكم وابقوا هناك مطمئنين ظاهرين حتى تروا ~~صحة ما نحدثكم به تستبين النفس انه يحل بكم ، واقذفوا بأنفسكم على امهات ~~رؤوسكم من أعلى المنار وارموا السكاكين والحجارة على لحومكم ثم جذوا بها ~~فان امتنعوا من كل هذا فقد حققوا الاوائل الدالة على عواقب الامور وان ~~تمادوا اعرضنا عنهم إلى ما هو اجدى علينا واولى بنا مما نرجو به التقرب من ~~خالقنا يوم جمعنا للقضاء في عالم الجزاء ، نسأله ضارعين ان يمن علينا وان ~~يثبتنا في عداد العقلاء الابرار في هذه الدار وان يدخلنا في عداد الفائزين ~~هنالك ، ونعوذ به من ضد ما سألناه آمين . وأتم من هؤلاء الذين ذكرنا رقاعة ~~وأوقح وجوها المدعون للالهام وما يعجز صفيق الوجه ان يدعي انه ألهم بطلان ~~قولهم بلا دليل ومثل هؤلاء يرحمون لذهابهم عن الحق ، وبالله تعالى نستعين . ~~وقد شغب قوم فقالوا : بأي شيء ثبتت عندكم هذه الامور التي صحت بالعقل ~~وبماذا علمتم صحة العقل وهذا فساد في العقل وقد قلنا ان صحة ذلك ثابتة ~~ضرورة في النفس بلا دليل على صحة ذلك أصلا . وكفانا ما عارضناهم به ان ~~انصفوا انفسهم والا فلا كلام لنا مع من أقر انه لا يصح وأنه لا عقل له . ~~PageV01P150 # | 13 - ذكر أشياء تلتبس على قوم في طريق البرهان # واعلم ان قوما قدروا ان البرهان يقوم مما ذكرنا في باب الاضافة من كون ~~أحد الشيئين يقتضي الآخر فلم يفرقوا بين الواجب من ذلك وغيره ، ونحن نفرق ~~ان شاء الله عز وجل بين الصحيح من ذلك والفاسد فنقول وبالله تعالى التوفيق ~~وبه نتأيد : ان هذا الشيء يسميه المتقدمون ' برهان الدور ' مثال ذلك : ان ~~يقول القائل : الدليل على ان كون القصد في الامور موجود ان الافراط موجود . ~~فيقال له : وما الدليل على ان الافراط موجود ؟ فيقول : لما كان القصد ~~موجودا وجب ان ms159 الافراط موجود فقام من هذا الكلام : لما كان الافراط موجودا ~~كان الافراط موجودا ، وهذا باطل فاسد في الرتبة وهو ان يستشهد على الشيء ~~بنفسه وإنما الصواب ان يستشهد على مجهول بمتيقن فإذا كان الشيء مجهولا فليس ~~متيقنا عند الذي هو عنده مجهول وأنت تروم ان يبين ها هنا بنفسه التي هي ذلك ~~المجهول بعينه . واذا كان الشيء متيقنا فالمتيقن لا يحتاج فيه إلى برهان ~~فهذا استدلال فاسد كما ترى . وكل شيء فأما معلوم واما مجهول فالمعلوم يصحح ~~غيره من المجهولات والمجهول يصحح بغيره من المعلومات ، وكون كل واحد من ~~المضافين مقتضيا وجود صاحبه امر معلوم بأول العقل فطلب الاستدلال عليه خطأ ~~. واما الخطأ في بيان المجهول فكنحو إنسان قال له إنسان : ما صفة الفيل ؟ ~~فيقول له : صفة الخنزير ، والسائل لا يعرف صفة الخنزير فيقول له : وما صفة ~~الخنزير ؟ فيقول له : صفة الفيل . فهذا فساد شديد وهو راجع إلى ان صفة ~~الفيل صفة الفيل . ويدخل في هذا الحبال من رام ان يثبت القياس بالقياس أو ~~الخبر بالخبر وما اشبه ذلك . وأما كون الشيء مستدلا به على بطلانه فلا يجوز ~~ذلك أيضا الا من وجه واحد ، وهو ان يكون مؤديا إلى فساد أو تناقض ابطله ~~حينئذ فليس هو ابطل نفسه ولو صحح إبطاله لنفسه لكان صحيحا ، ولو كان صحيحا ~~لم يكن باطلا ، وقد قدمنا ان صحة موجب العقل لم يعلم لها سبب اكثر من ~~ثباتها في النفس ضرورة ولا محيد عنها ، ولم يثبت العقل بالعقل لكن بالضرورة ~~التي لاقت التمييز الذي [ لا ] يتقدمها البتة . وقد يدخل أيضا في الاستدلال ~~شيء يسمى ' بالاستدلال بالمعلوم على العلة ' كمن اراد ان يقيم البرهان على ~~وجود النار بالدخان الذي هو متولد عن النار وعن فعلها ، والعلة اظهر في ~~العقول من المعلول ، الا انه إذا كان السائل جاهلا بكون العلى علة ، وكان ~~عالما بأن PageV01P151 المعلول متولد عن العلة فواجب حينئذ ان يحقق عنده ~~بأن هذا الشيء علة لهذا الآخر باستنباط المعلول بها وكونه موجودا بوجودها . ~~ولو أن ms160 امرءا رأى دخانا على بعد فقال : في ذلك المكان نار ولا بد لأني ارى ~~هنالك دخانا قد سطع لكان مستدلا بحقيقة الاستدلال . وهذا لم يستدل على أن ~~كلية النار موجودة من اجل الدخان لكن علم ان المعلول لا يوجد الا وعلته ~~موجودة ، فلما رأى الدخان وهو المعلول علم أن العلة هناك وهي النار ، ~~وبالله تعالى التوفيق . # | 14 - ذكر اشياء عدها قوم براهين وهي فاسدة وبيان خطأ من عدها برهانا # فمن ذلك شيء سماه الاوائل ' الاستقراء ' وسماه اهل ملتنا ' القياس ' ~~فنقول وبالله تعالى التوفيق : إن معنى هذا اللفظ هو ان تتبع بفكرك اشياء ~~موجودات يجمعها نوع واحد وجنس واحد ويحكم فيها بحكم واحد فتجد في كل شيء من ~~اشخاص ذلك النوع أو في كل نوع من انواع ذلك الجنس صفة قد لازمت كل شخص مما ~~تحت النوع أو في كل نوع تحت الجنس أو في كل واحد من المحكوم فيهم ، الا انه ~~ليس وجود تلك الصفة مما يقتضي العقل وجودها في كل ما وجدت فيه ، ولا تقتضيه ~~طبيعة ان تكون تلك الصفة فيه ولا بد ، بل قد يتوهم وجود شيء من ذلك النوع ~~خاليا من تلك الصفة . وكذلك أيضا لم يأت لفظ في PageV01P152 الحكم بأنه ~~ملازم لكل شيء مما فيه تلك الصفة فيقطع قوم من اجل ما ذكرنا على ان كل ~~اشخاص ذلك النوع ، وان غابت عنهم ، ففيها تلك الصفة وان كل ما فيه تلك ~~الصفة من الاشياء فمحكوما فيه بذلك الحكم . ولعمري لو قدرنا على تقصي تلك ~~الاشخاص أولها عن آخرها حتى نحيط علما بأنه لم يشذ عنا منها واحدة فوجدنا ~~هذه الصفة عامة لجميعها لوجب أن نقتضي بعمومها لها ، وكذلك لو وجدنا ~~الاحكام منصوصة على كل شيء فيه تلك الصفة لقطعنا به أنها لازمة لكل ما فيه ~~تلك الصفة ، واما ونحن لا نقدر على استيعاب ذلك ولا نجده أيضا في الحكم ~~منصوصا على كل ما فيه تلك الصفة فهذا تكهن من المتحكم به وتخرص وتسهل في ~~الكذب وقضاء بغير ms161 علم وغرور للناس ولنفسه أولا التي نصيحتها عليه اوجب . ~~ونمثل لذلك مثالا عيانيا فنقول وبالله التوفيق : وصف الموصوف بالصفة ينقسم ~~قسمين : احدهما صفة لا بد للموصوف منها ضرورة كعلمنا يقينا ان كل ذي روح ~~فمتنفس وكل متنفس فذوا آلة يتنفس بها اما بقبض الهواء أو يدفعه واما يقبض ~~بها فيدفعه ان كان من سكان الماء فهذا قسم قائم في العقل معلوم ضرورة ولا ~~محيد عنه ولو عدمت النفس الآلة لفارقت الجسد . والقسم الثاني قد توجد ~~ملازمة للموصوف بها ولو عدمت لم تضره كالمرارة فانك ان بقرت اكثر اصناف ~~الحيوان وجدتها فيها الا الجمل فانه لا مرارة له ، وقد ذكر قوم أن الفرس لا ~~طحال له . وكالعلم الفاشي بين الناس اننا لم نشاهد بغلة ولا بغلا يولد ، ~~وككوننا لم نجد قط كبشا من الضأن ذا لحية . وقد اخبرني مخبر في مجلس بعض ~~الرؤساء أنه شاهد بغلة ولدت في بلد وشهد له صحة ذلك قوم كانوا في تلك ~~الناحية . واخبرني من اثق به أنه رأى كباشا بلحى وتيوسا بلا لحى وأنا رأيت ~~سنينيرا صغيرا ولد جسدين متميزين منحازين تامين لا ينقص منهما عضو أصلا ، ~~في كل جسد ذنب ويدان ورجلان يجمعهما رأس واحد ليس فيه عينان وأذنان وفم ~~واحد ، ورأيت أيضا فروجا وفرخ اوزة تفقست البيضتان عنهما ولكل واحد منهما ~~أربعة أرجل وأريت الفروج جماعة كانوا معي . فالقطع على أن هذا لا يكون هو ~~التحكم المذموم الذي قد يخون . وقد غلط في هذا الباب جماعة من أهل مللنا ~~وطوائف من أهل نحلتنا فاما المخالفون لنا في النحلة وهم موافقون لنا في ~~الملة فانهم تتبعوا الفاعلين فلم يجدوا فاعلا البتة مختارا ، الا جسما ، ~~فقطعوا على ان الفاعل الأول عز وجل جسم لانهم لم PageV01P153 يشاهدوا فاعلا ~~الا جسما . فتحفظ من مثل هذا الشغب عظم فيه غلط كثيرة من الناس . وقد أريتك ~~الطريق التي أغروا بها فاجتنبها ، وهو القول مع قيام البرهان على بطلانه ~~ومع انه دعوى مجردة فعلى كل ذلك قد نوقضوا فيه وذلك ms162 أنهم [ إن ] يغالطوا ~~أنفسهم ويغروها وتتبعوا ما وجدوا تتبعا صحيحا لم يجدوا فاعلا مختارا غير ~~محدث وغير مركب إما من ولادة واما من رطوبات مستحيلة ، تعالى الله عما يقول ~~الظالمون علوا كبيرا فقد ناقضوا وأبطلوا دليلهم . وليعلموا انهم في بلية ~~شنعاء وهم يقرون بلا خلاف منهم أن اعتقد هذا فمفارق للملة مباح دمه متبرئ ~~من خالقه فلازم لهم إذا كان حكمهم صحيحا إذ لم يشاهدوا قط فاعلا مختارا الا ~~مركبا من ولادة أو من رطوبات مستحيلة ان يقطعوا في الواحد الأول تعالى أنه ~~محدث مركب والا فقد ناقضوا ؛ أفلا يستحيي من له أدنى فهم وعقل من أن يشهد ~~على نفسه بأنه ثابت على شيء باطل ؟ وأما الذي غلط فيه الموافقين لنا في ~~النحلة من اصحابنا الاخباريين فاهم تتبعوا كل موصوف في العالم فرأوه إنما ~~استحق ذلك الاسم بصفة فيه اشتق له منها ذلك الاسم فقطعوا من اجل ذلك على أن ~~الواحد الأول عز وجل ذو سمع وبصر وحياة وارادة وأنه متكلم لا يسكت ، بأنه ~~تعالى موصوف بأنه سميع بصير حي مريد له كلام ، ولو انهم انصفوا انفسهم ولم ~~يقتحموا فيما يعيرون به خصومهم لكانوا إذا فتشوا هذا التفتيش قد وجدوا ~~يقينا انهم لا يرون أبدا ولا يشاهدون موصوفا بشيء الا وتلك الصفة عرض في ~~الموصوف محمول وأن الصفة لا يحملها الا جوهر ، على أن هذا الذي نذكر لا ~~يتوهم متوهم في العالم رتبة سواها ؛ فلازم لهم إذ لم يشاهدوا قط موصوفا ~~بصفة الا وهو جوهر يحمل عرضا في ذاته ان يقولوا : ان الأول الذي ايس كمثله ~~شيء جوهر يحمل الاعراض ولم يفارقها قط ، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا . ~~لكنهم قد حجلوا عن هذا الخطأ وشردوا عنه ، ولم يختلفوا في أن قائل ذلك ~~معتقدا له جاحد للخالق تعالى مباح دمه ، لخروجه من الملة . والعجب واقع على ~~هؤلاء كوقوعه على المذكورين قبل ولا فرق . فينبغي لكل طالب حقيقة أن يقر ~~بما اوجبه العقل ، ويقر بما شاهد واحس وبما قام عليه برهان ms163 راجع إلى الناس ~~المذكورين ، وأن لا يسكن إلى الاستقرار أصلا الا ان يحيط علما بجميع ~~الجزئيات التي تحت الكل الذي يحكم فيه . فان لم يقدر فلا يقطع في الحكم على ~~ما لم يشاهد ولا يحكم الا على مت أدركه دون ما لم يدرك . وهذا إذا تدبرته ~~في الاحكام الشرعية نفعك جدا ومنعك من القياس الذي غر كثيرا من الناس ومن ~~الأئمة PageV01P154 الفضلاء الذين غلط بغلطهم ألوف ألوف من الناس ، وانت ~~إذا فعلت ذلك كنت على يقين من الصواب لأنك لم تقطع بتحلل ولا تحريم ولا ~~ايجاب الا على ما أتاك عن الله تعالى الحكم عليه وأما ما لم تجد فيه نصا ~~فامسك عنه ولا تقطع عليه فانه [ غير ] داخل في حكم ما وجدت فيه نصا فأمسك ~~عنه . واعلم ان قوما غلطوا في هذا النوع غلطا لم يخرجوا به من هذا المنتسب ~~الا أنهم بسوء النظر ظنوا أنفسهم خارجين منه فسموا فعلهم في هذا الباب باسم ~~آخر ، وهو أن سموه ' الاستدلال بالشاهد على الغائب ' وبالحقيقة لو حصلوا ~~البحث لعلموا أن الغائب عن الحواس من الاشياء المعلومة ليس بغائب عن العقل ~~بل هو شاهد فيه كشهود ما أدرك بالحواس ولا فرق . واذا ايقن المرء ان الحواس ~~موصلات إلى النفس وان النفس إنما [ 75 و يصح حكمها بالمحسوسات ، إذا صح ~~عقلها من الآفات ، وبان تتفرغ من كل ما يشغل عقلها ، وانفردت بان تستبين به ~~وتفكر فيما دلها عليه لم يجد المرء حينئذ لما يشاهد بحواسه فضلا على ما ~~شاهده بعقله دون حواسه ، فلا غائب من المعلومات أصلا إذا ما غاب عن العقل ~~لم يجز ان يعلم البتة ، ونحن نجد الاعمى الذي ولد أكمه موقفا بان الالوان ~~موجودة ، كايقان المبصر ها ولا فرق ؛ وكذلك تيقنا بوجود الفيل وان كنا لم ~~نره قط كيقين من رآه ولا فرق . وإنما افترق الاعمى والبصير في كيفية ~~الالوان فقط ، واما في ان اللون صحيح موجود فلا فرق بينهما في يقين العلم ~~بذلك . وكذلك نحن إنما يفضلنا من رأى ms164 الفيل بالكيفية فقط ، وإنما صحة وجوده ~~فلا فضل له علينا في المعرفة بانه حق . ونحن وان كنا لم نشاهد ؟ ولا اخبرنا ~~من شاهد - ولا بلغنا ان في الناس اليوم إنسانا يرفع من الأرض ستمائة رطل ، ~~فلسنا ننكر وجوده ، ان وجد ، كانكارنا وجود إنسان يرفع ستة آلاف رطل ، ~~وكلاهما لم نشاهده ولم نشاهد مثله . فليس وجودنا اشياء كثيرة مشتركة في بعض ~~صفاتها اشتراكا صحيحا ، ثم وجودنا بعض تلك الاشياء ، ينفرد بحكم ما نتيقنه ~~منها بموجب ان نحكم على سائر تلك الاشياء باستوائها في هذا الحكم الثاني من ~~قبيل استوائها في الحكم الأول . وهذه الدعوى سمجة وتحكم فاحش ، وإنما يلزم ~~هذا إذا اقتضت طبيعة ما يوجد شيء فيما هو فيه وعلمنا وجوب ذلك بعقولنا ، ~~فإذا كان ذلك ، حكمنا ضرورة على ما لم نشاهد من أجزاء ذلك الشيء بحكمنا على ~~ما شاهدناه منها ، كاقتضاء طبيعة ذرع كل جسم متحرك PageV01P155 ان يكون ~~متناهي الاقطار ، وهذا معلوم باولية العقل وموجب حكم الكمية . وكاقتضاء ~~طبيعة بني الإنسان ان لا يتولد منه بغل ولا يحمل ، ولكن جسم بشكل ما ، فيه ~~نفس ناطقة تقبل التعليم والتصرف والصناعة . فليست معرفتنا بان اجسامنا ~~متناهية لأن طبيعة العقل توجب ذلك بأقوى من معرفتنا بان جسم الفلك متناه ~~إنما صد عندنا لأن اجسامنا متناهية ، لكن الوجه الذي صح ان اجسامنا متناهية ~~، به صح ان جسم الفلك متناه . وكذلك أيضا علمنا بان كل شيء رخو لاقى شيئا ~~صلبا ملاقاة شديدة صدم ، فان الصلب يؤثر في الرخو ضرورة ، إما بتفريق ~~اجزائه واما باحالته عن شكله ، ليس من اجل انا شاهدناه ذلك في اجسام معدودة ~~لكن طبيعة العقل تقتضي ذلك [ 75 ظ ] ومثل هذا كثير . وأما ما لا تقتضيه ~~طبيعة العقل ولا تنفيه ، فانا إن وجدناه صدقناه ، وإن لم نجده لم نمنع منه ~~. فانا قد شاهدناه في الناس من لا يأكل اللبن أصلا ، ولو أكله لقذف قذفا ~~شديدا ، وآخر لا يأكل الشحم أصلا ، فليس من أصل وجودنا ذلك يجب أن نقطع ~~قطعا على أن الناس ms165 أيضا من لا يأكل التمر أصلا ، ولا يجب أن نمنع من وجود ~~ذلك أصلا . وكذلك إذا وجدنا حجرا يجذب الحديد فليس يجب أن نقطع على أنه ~~يوجد ، ولا بد ، حجر يجذب الناس ، ولا أن نقطع أيضا أنه لا يوجد . ومثل ذلك ~~كثير . وأشد من هذا كله التحكم على الخالق الأول بأنه قد حرم هذا وحلل هذا ~~، بلا حكم وارد منه عنه تعالى بذلك ، لكن بشهوات النفوس ، لأنه قد حرم شيئا ~~آخر يشبه هذا الذي تحرم أنت في بعض صفاته . بلى ، ولقد لعن الله تعالى ~~أناسا عصاة معتدين ، لأفتراه يلعن كل إنسان لأنهم مثل أولئك الملعونين في ~~انهم ناس وأنهم عصاة معتدون ؟ وأحرق قوما لانهم خانوا المكيال ، وأحرق معهم ~~أطفالهم ونساءهم أفترى كل خائن للمكيال والميزان يحرق هو وولده وامرأته ؟ ~~إن هذا لهو الضلال البعيد . ومن بديع ما يقع للمغرورين بهذا النوع الفاسد ~~أنهم إذا أحبوا أن يبدوا لهم في هذا الحكم الذي حكموا به لم يصعب عليهم ~~تركه ، فيخرجون اشياء من المشتبهات عن حكم وجد في بعضها ويقولون : هذا خرج ~~عن أصله وشذ ، والشاذ لا يقاس عليه . ونحن نقول : لو كان هذا الحكم المشذوذ ~~أصلا للشاذ لما شذ عنه ما شذ ، ولا يجوز أن ينبعث فرع من غير أصله . ولو ~~كان ذلك ، لما كان الأصل أصلا للمتأصل به ، ولا كان المتأصل متأصلا منه . ~~ولا تظن أن من خالف صورة نوعه الجامعة له أنه شاذ نوعه وأصله فتخطئ . لأنك ~~إذا علمت أنه لا يشذ عن أصله البتة ، وان تلك PageV01P156 الزوائد إنما هي ~~من زيادة في مادة العنصر على مقدار ما يقوم منه الشخص التام فكذلك النقص ~~أيضا ، هو نقص من مادة العنصر . فهكذا تكون الأصول الصحاح . ومثل هذا ما ~~يستعمله النحويون في عللهم فانها كلها فاسدة لا يرجع منها شيء إلى الحقيقة ~~ألبتة . وإنما الحق من ذلك ان هذا سمع من أهل اللغة الذين يرجع اليهم في ~~ضبطها ونقلها ، وما عدا هذا فهو ، مع انه تحكم فاسد متناقص ، فهو أيضا كذب ms166 ~~، لان قولهم كان الاصل كذا ، فاستثقل فنقل إلى كذا ، شيء يعلم كل ذي حس أنه ~~كذب لم يكن قط ، ولا كانت العرب عليه مدة ، ثم انتقلت إلى ما سمع منها بعد ~~ذلك . وقد قال الخالق الأول قولا كفى كل ذي تعب إذ يقول تعالى : { قل هاتوا ~~برهانكم ان كنتم صادقين } ( البقرة : 111 ) ثم زاد بيانا فقال تعالى : { ~~فان شهدوا فلا تشهد معهم } ( الانعام : 150 ) ثم زاد بيانا فقال تعالى : { ~~لا يسأل عما يفعل وهم يسألون } ( الانبياء 23 ) فالذي قلنا من تمييز العقل ~~والحواس هو فعل الله عز وجل فلا يسأل لم كان ذلك ، وما عداه ففعل لنا ، لا ~~بد فيه من السؤال . بلم ، فان صح به برهان قبل والا رفض . وقد سمى بعضهم ~~هذا الباب : ' إجراء العلة في المعلول ' ولعمري لو صح ان ذلك علة ككون ~~القتل علة للموت ، والجوع علة لارادة الغذاء ، والعطش علة لارادة الماء ~~العذب ، إن ذلك لواجب اجراؤها في معلولاتها وحتى لا سبيل إلى ان يوجد أبدا ~~قط في الدهر علة إلا ومعلولها موجود . واما ان لم يكن هكذا فاعلم انها ليست ~~علة . وأما ما ادعى متحكم انها علة دون برهان فغير واجب اجراؤها مما ليس ~~معلولا بها . وبالجملة فليس في الشرائع علة أصلا بوجه من الوجوه ولا شيء ~~يوجبها الا الاوامر الواردة من الله عز وجل فقط ، إذ ليس في العقل ما يوجب ~~تحريم شيء مما في العالم وتحليل آخر ، ولا ايجاب عمل وترك ايجاب آخر . ~~فالاوامر أسباب موجبة PageV01P157 لما وردت به . فإذا لم ترد فلا سبب يوجب ~~شيئا أصلا ولا يمنعه . واذا لم تكن العلة الا التي لم توجد قط الا وموجبها ~~معها فليس ذلك الا في الطبيعات فقط ؛ واذا كان ذلك فلا يجوز ان يرفع اسم ~~علة على غير هذا المعنى فيقع التلبيس بايقاع اسم واحد على معنيين مختلفين ؛ ~~وهذا أقوى سبيل لاهل المخرقة . واعلم وتنبه بما انا موروده عليك ، إن شاء ~~الله عز وجل : ان هذا الشيء الذي سموه استدلالا بالشاهد على ms167 الغائب واجراء ~~العلة في المعلول إنما يصح به إبطال المتساوي في الحكم لا إثباته ، لأنك ~~متى وجدت أشياء مستوية في صفات ما وهي مختلفة الاحكام فلا تشك في اختلافها ~~، بل معرفتنا باختلافها علم ضروري . ولذلك نكون حينئذ غير قاطعين على ان ما ~~غاب عن حواسنا من تلك الاشياء الغائبة التي تساوي هذه الحاضرة وفي الصفة ~~التي استوت هذه الحاضرة كلها فيها على انه موافق لحكم هذه الحاضرة ولا انه ~~مخالف . وذا مما لا يخالفنا فيه خصومنا لأنه ضروري . فثبت أن المنفعة عظيمة ~~صحيحة باختلاف المشاهدات في ابطال القطع بتساوي الغائبات عن الحواس معها ، ~~واننا لا ننتفع ياستواء المشاهدات في إبطال القطع بتساوي الغائبات عن ~~الحواس معها ، واننا لا ننتفع باستواء المشاهدات فيما لم توجبه طبيعة العقل ~~لها في مفرفته حكم الغائبات . ألا ترى أننا إذا لم نجد حمارا يجتر لا تنطع ~~على انه لا يوجد ، بل ان وجد لم ننكره ولقد اخبرني [ مخبر ] انه عنده وجود ~~فرس يجتر ، ولم يوجد قط ذو قرن الا وهو مشقوق الحافز حاشا الحمار الوحشي ~~فهو ذو قرن غير مشقوق الحافر ؛ ومثل هذه الامور التي لا توجبها الطبيعة فهي ~~في حد الممكن الا انها على قدر قلة وجودها وكثرته تدخل في الممكن البعيد أو ~~المتساوي القريب . ونجد مضيئة حمراء حارة ، فمن قال ان الضياء علة الاحراق ~~أريناه اشياء مضيئة كالمرايا وغيرها وهي غير محرقة ، ومن قال الحمرة علة ~~الاحراق أريناه الدم غير محرق ، ومن قال الحرارة علة الاحراق اريناه اشياء ~~تحر الجسم ولا تحرق . فوجب ضرورة ان لا يكون شيء مما ذكرناه علة وهي صفات ~~مطردة كما ترى ؛ لكن كل عنصر بسيط حار يابس صعاد مضيء مصعد للرطوبات يسفل ~~بالقهر ويستحيل هواء فهو محرق بلا شك ، لان طبيعة العقل تقتضي ذلك . ومن ~~سلك الطريق التي نهينا عنها لم يسلم من حيرة أو تناقض أو تحكم بلا دليل . ~~ومما قاد إليه أيضا هذا الاستدلال الفاسد قوما أن قالوا : لما كنا احياء ~~ناطقين وكانت الكواكب اعلى منا ms168 وفي اصفى مكان كان تأثيرها ظاهرا فينا وكانت ~~اولى بالحياة والنطق منا فهي احياء ناطقة عاقلة . فيلزمهم على هذا البرهان ~~الفاسد انهم لما PageV01P158 وجدوا كل عاقل مميز ناطق حي فيما بيننا إنما ~~هو لحم ودم وذو دماغ وقلب لا يجوز غير ذلك ولا شاهدوا قط حيا الا هكذا الا ~~أن يقطعوا ان الكواكب والملائكة مركبون من لحم ودم وذوو أدمغة وقلوب لأنها ~~أحياء ناطقة . وكل هذا خطأ لأنه ليس من اجل شرفنا على الحجارة وأننا نؤثر ~~فيها وجب لنا النطق والحياة ، ولا من اجل اننا ناطقون احياء وجب ان نكون ~~لحما ودما . ولكنا لما كنا مميزين متعرفين حساسين وجب لنا اسم النطق ~~والحياة عبارة عن حالنا تلك وتسمية لها . وموه أيضا بعضهم فقال مثبتا لسكنى ~~النفس في الدماغ ان الملك ابدا إنما يسكن في القصاب العالية ، والنفس ملك ~~البدن ، والدماغ أعلى البدن ، فالنفس فيه . وكم رأينا ملكا لا يسكن الا ~~الحضيض من عمله ويدع القصاب . فعارضه محير مثله فقال مثبتا لأنها في القلب ~~: ان الملك ابدا إنما يسكن وسط عمله ، والقلب وسط البدن ، [ لذا ] وجب ان ~~تكون النفس فيه . وكم ملك سكن طرف عمله أو قرب عمله وترك الوسط . وهذا كله ~~تحكم ضعيف . وكمن قال : وجدت الكلب طويل الذنب فيصلح أيضا لحراسة الغنم ، . ~~والسبع طويل الذنب فيصلح أيضا لحراسة الماشية . وهذا يكثر جدا وفيما ذكرنا ~~كفاية . ومثل هذا قد استعمله خلق كثير فحرموا به وأحلوا وتحكموا في دين ~~الله تعالى . وذلك مثل حكمهم بأن الكيل علة التحريم في الربا ، وتحكم آخرين ~~بأن الادخار علة التحريم في الربا ، وقال آخرون : الاكل هو علة التحريم في ~~الربا ؛ فهل هذا [ إلا ] كالذي ذكرنا قبل سواء . وكذلك ان وجدنا صفة في ~~موصوف ولذلك الموصوف حكم ما ، فإذا ارتفعت تلك الصفة ارتفع ذلك الحكم فانه ~~ليس واجبا من اجل هذا فقط أن يكون ذلك الموصوف متى وجدت له تلك الصفة وجدله ~~ذلك بل لعله قد توجد له تلك الصفة ولا يوجد له ذلك الحكم . مثال ms169 ذلك : إن ~~الحياة إذا لم تكن موجودة قط في جسم ما فواجب ضرورة أن ذلك الجسم ليس ~~لنسانا بلا شك ؛ فان اراد امرؤ ان يجري على الطريق الذي ذممته لزمه ان يقول ~~: فالحياة إذا وجدت في جسم ما وجب ان يكون إنسانا وهذا كذب بحث . ومثال ذلك ~~في الشريعة : ان ملكك إذا ارتفع عن شيء فقد صار ملكه إلى غيرك ، أو صح انه ~~لا ملك لمخلوق عليه ، فهو أحق ؛ فإذا ارتفع ملك غيرك عنه لم يلزم ان يصح ~~ملكه لك أو انه لا ملك لمخلوق عليه ، بل لعله يملكه ثالث غيركما . وأعلم ان ~~المساحة في طلب الحقائق لا تجوز البتة ، وإنما هو حق أو باطل لا يجوز ان ~~يكون الشيء حقا باطلا ، ولا باطلا حقا ، ولا باطلا لا حقا . فإذا بطل هذان ~~القسمان ببديهة العقل ضرورة ثبت القسم الثالث إذ لم يبق قسم سواه وهو اما ~~حق واما PageV01P159 باطل . ولذلك قال لنا الأول الواحد عز وجل في عهوده ~~الينا : ( فماذا بعد الحق الا الضلال ) ( يونس : 32 ) . ولعل جاهلا يعترض ~~علينا في شيئين فيقول : أنتم تقولون باباحة اشياء كالغناء وغير ذلك فحق هي ~~أم باطل ؟ فالجواب وبالله تعالى التوفيق : ان كل ما أنجناه إذا فعله الفاعل ~~ترويحا لنفسه وعونا على الصحة والنشاط ليقوى على انفاذ اوامر خالقه عز وجل ~~فهذا كله حق ؛ واذا فعله عبئا وأشرا فكل ذلك ضلال . الا ان من الضلال ما هو ~~لغو غير معدود علينا رفقا بنا ، ومنه ما هو معدود علينا عدلا فينا . وقد ~~قال لنا الخيرة المرسل من قبل الواحد الأول ، صلى الله عليه وسلم : ' إنما ~~الاعمال بالنيات ولكل امريء ما نوى ' . والشيء الثاني ان يقول الناقد . ~~قلتم لا شيء الا حق أو باطل ، فالحق برهاني : اما اول واما منتج عن اول ~~واما بقرب واما ببعد ، وما عدا هذين الطريقين فباطل . وأنتم بخبر الواحد في ~~الاحكام وبشهادة الشاهدين ، وتقرون ان حكمكم ذلك لعله باطل . فالجواب ~~وبالله تعالى التوفيق : ان الحكم بخبر الواحد في الاحكام وبشهادة ms170 الشاهدين ~~حق برهاني ضروري نقطع على غيبه ؛ واما الجزئيات من ذلك ، يعني من الشهادة ، ~~فلا ندري أموافقة هي التي تيقنا انه حق أولا وهذا من تقصيرنا عن علم الغيب ~~. الا اننا محققون بلا شك كل قضية منها فاما حق واما باطل في ذاتها لا بد ~~من ذلك ، ولم ندع على كل حق وعلى باطل ، بل كثير من الامور يخفى علينا ~~الحكم فيها وهي في ذواتها اما حق واما باطل . ومن بديع ما غلط فيه اخواننا ~~الموافقون لنا في الخلة والملة المخالفون لنا في الفتى ان حكمين وردا في ~~الشعير والتمر فنقلوا احدهما إلى الزيتون والتين ، ومنعوا من نقل الآخر إلى ~~الزيتون والتين : وهو ان التحريم جاء في الشعير بالشعير والتمر بالتمر ~~PageV01P160 في البيع الا مثلا بمثل كيلا بكيلا يدا بيد ، وأمرنا باخراج ~~الشعير أو التمر في زكاة الفطر . فقالوا قول من تحكم : اما التحريم في ~~البيع الا مثلا بمثل ويد بيد فمنقول إلى الزيتون والتين ، اما الاعطاء في ~~الزكاة فغير منقول إلى الزيتون والتين . ولهم من مثل هذا واشنع آلاف قضايا ~~مما نبينه في كتبنا في احكام الديانة ، ان شاء الله . والتحكم باللسان لا ~~يعجز عنه من رضيه لنفسه والباطل كثير . واما الذي نحمد الواهب المنعم عز ~~وجل عليه اهله ، فالحق ، والذي يجب ان يفرح له الحاصل فما اوجبه البرهان . ~~واعلم أنه لا فرق فيما تصح به الأحكام الشرعية وبين ما تصح به القضايا ~~الطبيعية في مراتب البرهان الذي قدمنا ؛ بل الخطأ في الشرائع أضر وأشد ~~فسادا في الدنيا ، وأرادأ عاقبة في الأخرى ، وأحق بالنظر فيه والاحتيال ~~بتصحيحه ، وأولى بترك المسامحة وأحظى بتحري الصواب ، وأن لا يقدم فيها الا ~~على ما أوجبته مقدمات موجودة عن مثلها إلى أن تبلغ أوائل العقل والحس ، ~~وبالله تعالى التوفيق ، وله الحمد ومنه الاستزادة من جميل مواهبه . والخطأ ~~في ذلك يشمله الباطل وتنفرد هذه الجملة بالنكال في الدار الآخرة لمن عاند ~~وترك البحث وهو قادر عليه . واعلم أن المتقدمين سموا المقدمات ' قياسا ' . ~~فتحيل اخواننا القياسون ms171 حيلة ضعيفة سوفسطانية أوقعوا اسم القياس على التحكم ~~والسفسطة ، فسموا تحكمهم بالاستقرار المذموم قياسا ، وسموا حكمهم فيما لم ~~يرد فيه نص بحكم شيء آخر مما ورد فيه نص لاشتباههما في بعض أوصافهما قياسا ~~واستدلالا واجراء للعلة في المعلول . فأرادوا تصحيح بأن الباطل بأن سموه ~~باسم أوقعه غيرهم على الحق الواضح كالذي بلغنا عن بعض جهال البربر أنه أراد ~~استحلال أكل خنوس صاده بأن سماه باسم ولد الأيل . وقد جاء عن الرسول ، عليه ~~السلام ، أنه أنذر بقوم يستحلون الخمر يسمونها بغير اسمها . وهذه حيلة ~~مموهة لا تثبت على التخليص . وقد قلنا قبل انه ليس في العالم شيئان الا ~~وبينهما شبه وافتراق ما ضرورة لا بد من ذلك . فان كان الشبه يوجب استواء ~~الحكم فلنحكم لكل ما في العالم بحكم واحد في كل حال من أجل اشتباهه في صفة ~~ما ولم كان الاجتماع في الشبه يوجب استواء الحكم ولم يكن الافتراق في الشبه ~~يوجب اختلاف الحكم ؟ فيجب على هذا أن لا نحكم لشيئين أصلا بحكم واحد لأجل ~~اختلافهما في صفة ما . وكل هذا خطأ وحيرة ومؤد إلى التناقض والضلال ، ونعوذ ~~بالله من ذلك كله ، ولا حول ولا قوة الا بالله . PageV01P161 # | 15 - باب زيادة الكلام في بيان السفسطة # وسمت الأوائل ما أخذ من مقدمات فاسدة ' سفسطة ' . ونحن نبين منها وجوها ~~كافية بحول الله الواهب للعلم وقوته ، لا إله الا هو . واعلم أن المشغب ~~الناصر للباطل أعظم سلاحه التلبيس وذلك يكون اما بايجاب مالا يجب ، واما ~~باسقاط قسم من الأقسام أو لأكثر من قسم ، واما زيادة قسم فاسد ، أو بأن ~~يأتي بأقسام كلها فاسدة ، واما أن يتعلق بلفظ مشترك متفق على صحته يعطي ~~أشياء كثيرة مختلفة الأحكام والصفات ومتفقة أيضا في أشياء كثيرة مختلفة ~~الأحكام والصفات ومتفقة أيضا في أشياء ؛ فيريد أن يخص ما اتفقت فيه بعض ما ~~يعطي دون جميعها ، ويريد أن يعم جميع ما يقع عليه ذلك الاسم مما يخص بعض ما ~~يقع عليه ذلك الاسم ، أو يأتي به وهو ابتداء . فايجاب ms172 ما لا يجب هو أن يقول ~~: لو كان الباري تعالى غير جسم لكان عرضا فلما ثبت أن الباري تعالى ليس ~~عرضا صح أنه جسم . فهذا علق أنه تعالى غير جسم بكونه عرضا وهذا لا يجب ، ~~ولو علق ذلك بما يوجب قضيته لكان صادقا وذلك لو قال : لو كان الباري تعالى ~~محدثا وكان غير جسم لكان عرضا . فهذا تقديم صحيح ، لكن الباري تعالى ليس ~~محدثا فليس جسما ولا عرضا . وإنما نحن الآن في بيان صحة عمل القرائن لا في ~~بيان الجزئيات ، ولذلك مكانه . س وأما اسقاط قسم فكقول القائل : لا يخلو ~~هذا اللون من ان يكون أحمر أو أخضر أو أصفر أو اسود بعد اسقاط الابيض ~~واللازوردي وغير ذلك . وأما زيادة قسم فاسد فكقول القائل : لا يخلو هذا ~~الشيء من أن يكون هو هذا PageV01P162 الشيء أو هو غيره أو لا هو ولا غيره . ~~فهذا قسم فاسد زائد . وأما المجيء بأقسام كلها فاسدة فكقول القائل : لا ~~يخلو الباري تعالى من أن يكون فعل الاشياء لدفع مضرة أو الاجتلاب منفعة أو ~~لطبيعة أو لآفة أو لجوده وكرمه . فهذه كلها اقسام فاسدة . والصحيح انه ~~فعلها لا لعلة ولا لسبب أصلا . فمن ادعى على خصمه أنه أتاه بشيء من هذه ~~الوجوه فعليه أن يبين ذلك . واما الغلط الواقع في اشتباه الاسماء فيكون من ~~جاهل ومن عامد فأما الجاهل فمعذور واما العامد فمذموم . فالجاهل غلطه في ~~ذلك نحو عدي بن حاتم إذ سمع الآية : { فكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط ~~الابيض من الخيط الاسود } ( البقرة : 187 ) فظنها من الخيوط المعهودة . ~~واما العامد فنحو الذين قيل لهم ' راعنا ' من المراعاة فقالوا راعنا من ~~الرعونة ؛ ومثل ما قاله بعض الاكابر وقد سئل عن اللفظ بالقرآن فقال : هذا ~~السؤال محال واللفظ بالقرآن لا يجوز لأنه لا يلفظ ، فأضرب عن اللفظ الذي هو ~~القول والكلام وتعدى إلى الذي هو القذف كلفظ الرجل لقمة من فيه . فهذا ~~ونحوه شعاوذ مضمحلة . وكذلك ينبغي لك أن تتحفظ من اشتباه الخط ولا سيما في ms173 ~~العربي فان ذلك فيه فاش لان أكثر حروفه لا يفرق بينها في الصور الا بالنقط ~~كزبد وزيد وزند ورند وما أشبه ذلك . وقد كتب بعض الخلفاء إلى عامله : احص ~~المؤنثين قبلك ، يريد احصاء العدد ، فقرأها الكاتب ' اخص ' فخصى كل من كان ~~قبله منهم . ولهذا صار طالب الحقائق مضطرا الي النحو . ألا ترى ان قارئا لو ~~قرأ : إنما يخشى الله من عباده العلماء ، فرفع الهاء من الله ونصب الهمزة ~~من العلماء قاصدا إلى ذلك وهو عالم لكان ذلك خروجا عن الملة ؟ وكذلك لو قرأ ~~: ان الله بريء من المشركين ورسوله بكسر اللام من رسوله . فتحفظ من مثل هذا ~~تحفظا شديدا على ما نصف لك بعد هذا ، ان شاء الله عز وجل . ومن ذلك اشياء ~~تقع في المعطوف محيرة كنحو ما غلط فيه جماعة من العلماء في قول الله عز وجل ~~: { وما يعلم تأويله الا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ~~ربنا } ( آل عمران : 7 ) فظنوا ان ' الراسخون في العلم ' معطوفون على الله ~~عز وجل ، وليس كذلك وإنما هو ابتداء كلام وقضية وعطف جملة على جملة لبرهان ~~ضروري قد ذكرناه في موضعه . ومن السفسطة أيضا تصحيح شيء آخر وبطلانه ببطلان ~~شيء آخر PageV01P163 بلا برهان يوجب اضافتهما فذلك فاسد جدا ، كقول من قال ~~: لو جاز ان يكون الباري عز وجل مرئيا [ لكانت ] رؤية غير المعهود ؛ وكقول ~~القائل : لما صح التحريم في البر بالبر متفاضلا صح التحريم في الارز بالأرز ~~متفاضلا . وهذا كله تحكم ودعوى . وليس يعجز أحد عن ربط شيء بشيء لا رباط ~~بينهما بلسانه إذا استجاز القطع بما اشتهى . وكقول من قال من العميان : لو ~~كان اللون مرئيا لكان العقل مرئيا ، فلما كان العقل غير مرئي وجب ان اللون ~~غير مرئي ، فتأمل هذا تجده بهتانا وجهلا ودالة على غير موضعها كدالة ~~الصبيان على آبائهم ولا فرق . فلذلك قد اتينا على ما تحتاج إليه من بيان ~~البرهان الصحيح وذكر جمل الجدليات الفاسدة والشغبيات الساقطة وبيان كثير ~~منها بمقدار ما ms174 يميزها به الطالب إذا رآها ؛ وقلنا ان ما عدا البرهان على ~~غير الطريق التي قدمنا فواجب اجتنابه . ولعمري لقد اكثرنا من البيان وكررنا ~~لأن خطأ اصحابنا كثر في ذلك وفحش جدا فاحتجنا إلى المبالغة في البيان ، ~~فلنقتصر على ذلك ، ولنأخذ في الزيادة في فضل ما ادراكنا بالعقل . وبالله ~~تعالى نعتصم ونتأيد لا إله الا هو . # | 16 - الكلام في فضل قوة ادراك العقل على ادراك الحواس # . واعلم أن الحواس السليمة قد تقصر عن كثير من مدركاتها وقد تضعف عنها ~~وقد تخطئ ثم لا يلبث أن يستبين للنفس غلطها وتقصيرها وما خفي عنها وتدركه ~~ادراكا تاما على حقيقته . وادراك العقل في كل ذلك ادراك واحد وبالجملة ~~فالعقل قوة أفرد الباري تعالى به النفس ولم يجعل فيه شركة لشيء من الجسد . ~~وادراك النفس من قبل الحواس فيه للجسد شركة ، والجسد كدر ثقيل فادراكها ~~بالعقل إذا نظرت به ولم تغلب عليه الشهوات الجسدية أو سائر أخلاقها ~~المذمومة إدراك صاف تام غير مشوب . ومن أقرب ما نمثل لك به كدر النفس ~~بمشاركتها الجسد وصفائها بانفرادها عنه وخفة الجسد بمشاركة النفس وثقله ~~بانفراده عنها مترى من حال النائم فان جسده حينئذ أثقل وزنا ويعلم ذلك من ~~اكتري من الحمالين فانهم يكثرون نهيه عن النوم حتى إذا استيقظ خف وزنه ~~واستقل . وترى النفس في حال النوم قد تشاهد جزءا من النبوة بالرؤيا الصحيحة ~~مما لا سبيل إلى مشاهدته في حال اليقظة . وهكذا كلما انفردت وتخلت عن الجسد ~~أدركت غوامض الأشياء وصحيح العواقب في الآراء حتى إن المرء في تلك الحال لا ~~يسمع كلام من معه ولا يرى كثيرا مما يحضره . ثم نعود إلى ما بدأنا به فنقول ~~، وبالله تعالى التوفيق : انك ترى الإنسان من بعيد PageV01P164 صغير الجرم ~~جدا كأنه صبي ، وانت لا تشك بعقلك انه اكبر مما تراه ، ثم لا تلبث ان يقرب ~~منك فتراه على قدره الذي هو عليه الذي لم يشك العقل قط في انه عليه . وكذلك ~~يعرض لك في الصوت . وايضا فأن الشيء إذا ms175 بعد عن الحاسة جدا بطل ادراكها ~~جملة ، فان الإنسان إذا كان منك على خمسة اميال أو نحوها نظرت شبحه ولم ~~تستبين عينه وسمعت عينه وسمعت صوته أصلا ، حتى إذا قرب استبنت كل ذلك وميزت ~~عينه وسمعت كلامه . وكهدم رأيته من بعيد ولم تسمع صوته لم يشك العقل ان له ~~صوتا مرعبا لو قربت منه . فالعقل في كل ما ذكرنا لا يخون . وأما في حس ~~الجسم فكخردلة تزداد في حمل الإنسان فلا يحس بها البتة ، حتى إذا كثر صب ~~الخردل لم يلبث ان يعجز عن الاستقلال به ولو صب على ظهر فيل أو سفينة بحرية ~~. والعقل يعلمك أن تلك الخردلة المصبوبة لها نصيب من الثقل ضرورة ، إلا ان ~~الحس قصر عن ادراكه لتأخر ادراك الحس عن ادراك العقل وأنه لا يدرك الا ما ~~ظهر ظهورا قويا وقد يخفى عليه كثير من الحقائق كما ترى . والعقل يدرك ، كما ~~بينت لك ، حصة الخردل من الثقل ادراكا لا فرق بينه وبين ادراك ما ظهر إلى ~~الحس من ثقل القناطير المجتمعة . وهكذا الشم فان مقدار فلس من حليت يكون ~~معك في لبيت فلا تشمه أصلا حتى إذا كثرت أجزاء الحلتيت لم يلبث الشم أن ~~يجده ويضجر منه ؛ والعقل موقن أن لذلك الفلس جزءا من النتن ، وهكذا القول ~~في المسك . والعقل يعلمك أن قوة الرائحة في القليل والكثير واحدة ولكن ~~الكثير إذا كثر افترق ما يتحلل منه في الهواء فشغل مكانا واسعا . وكذلك ~~السماء ، لا تراها متحركة والعقل يوقن أنها متحركة مما ترى من اختلاف حركتي ~~الاجرام التي فيها من شرق إلى غرب بحركة السماء لها من غرب إلى شرق ~~وبانتقالها في الدرج وحركتها بذاتها . وكذلك العين لا تستبين حركة الشمس ~~أصلا حتى إذا بقيت مدة لاحت لها حركتها يقينا بأن تراها في كبد السماء بعد ~~تراها في افق المشرق . وكنماء الأجسام من الحيوان والنبات فانك لا تستبين ~~نموه على انه بين يديك ونصب عينيك حتى إذا مضت مدة رأيت النماء بعينيك ~~ظاهرا وعلمت نسبة زيادته ms176 على ما كان ، والعقل يشهد أن لكل ساعة حظا من نمو ~~ذلك الشجر لم تتبينه ببصرك . وهذا إذا تدبرته كثير جدا . وقد بينا في باب ~~الكلام في الكيفية من هذا الديوان مشاركة العقل للحواس في جميع مدركاتها ~~وانفراده دونها باشياء كثيرة ؛ فلولا العقل ما عرفنا الغائبة عن الحواس ولا ~~عرفنا الله عز وجل . ومن كذب عقله فقد كذب شهادة الذي لولاه لم يعرف ربه ، ~~PageV01P165 وحصل في حال المجنون ، ولم يحصل على حقيقة . وبالفكر والذكر ~~تؤخذ المقدمات أخذا صحيحا بان تنظر النفس في ضم طباع الاشياء بعضها إلى بعض ~~حتى يقوم مرادها فيما تريد علمه وهذا الذكر مثبوت في الحيوان . والحيوان قد ~~يتفاضل فيه : فمن الحيوان ما يميز ربه ويذكر عليه وان غاب عنه ، ويهش إليه ~~إذا قدم عليه ؛ واقواها في ذلك الفيل والكلب والقرد والدب ثم السنور ؛ ومن ~~الحيوان ما يذكر ذكرا دون كالفرس والبعير ؛ ومن الحيوان سائر ما ذكرنا ى ~~يذكر شيئا من ذلك كالديك وغيره . واعلم ان الحس والعقل والظن والتخيل قوى ~~من قوى النفس . واما الفكر فهو حكم النفس فيما ادته إليها هذه القوى فتجد ~~النفس إذا افتقدت بالنسيان شيئا مما اختزنته تطلبه وتفتش في مذكراتها ~~بالفكر كما يفتش رب المتاع متاعه إذا اتلفه واختلط له بين شتى فيبحث عنه في ~~وجه ومكان مكان حتى يجده فيؤوب إليه ، أو لا يجده أصلا . وهكذا سواء سواء ~~سبحان المدبر لذلك ومخترعه لا إله الا هو . وليس في القرى التي ذكرنا شيء ~~يوثق به ابدا على كل حال غير العقل ففيه تمييز مدركات الحواس السليمة ~~والمخذولة بالمرض وشبهه كوجود المريض العسل مرا كالعلقم والعقل يشهد ~~بالشهادة الصحيحة الصادقة انه حلو وكما يرى الشيء في الماء بخلاف شكله الذي ~~يشهد العقل انه شكله على الحقيقة . واما الظن فأكذب دليل لأنه يصور لك ~~الرجل الضخم المتسلح شجاعا ولعله في غاية الجبن ، ويصور لك المتفاوت الطلعة ~~بليدا ولعله غاية في الذكاء . وقد نبه الله تعالى على هذا فقال : { انها لا ~~تعمى الابصار ولكن ms177 تعمى القلوب التي في الصدور } ( الحج : 46 ) . فأخبر عز ~~وجل ان الحواس تبع للعقل ، وان ذا العقل الذي يغلب هواه عليه لا ينتفع بما ~~ادركت حواسه ؛ وقال تعالى : { ان بعض الظن إثم } ( الحجرات : 12 ) ؛ وروي ~~عن رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، انه قال : ' الظن اكذب الحديث ' . ~~وأما التخيل فقد يسمعك صوتا حيث لا صوت ، ويريك شخصا ولا شخص قال تعالى : { ~~يخيل اليهم من سحرهم أنها تسعى } ( طه : 66 ) فأخبر تعالى بكذب التخيل . ~~والعقل صادق ابدا ، قال تعالى مصدقا لاعتراض من رفض شواهد عقله بالخطأ : { ~~وقالوا لو كنا PageV01P166 نسمع أو نبصر أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير . ~~فاعترفوا فسحقا لاصحاب السعير } ( الملك : 10 - 11 ) . وقال تعالى ذاما لمن ~~أعرض عن استعمال عقله : { وكأين من آية في السماوات والأرض يمرون عليها وهم ~~عنها معرضون } ( يوسف : 105 ) . وقال تعالى لكل ما لم يقم عليه برهان : { ~~قل هاتوا برهانكم ان كنتم صادقين } ( البقرة : 111 ) وقال ذاما لمن تكلم ~~بغير علم : { ها أنتم هؤلاء حاججتم فيما لكم به علم ، فلم تحاجون فيما ليس ~~لكم به علم } ( آل عمران : 66 ) . وقال تعالى في مثل ذلك : { بل كذبوا بما ~~لم يحيطوا بعلمه ولما يأتهم تأويله } ( يونس : 39 ) فهذه وصايا الواحد ~~الأول التي أتانا بها رسوله ، صلى الله عليه وسلم ، وهذه موجبات العقول ~~فأين المذهب عن الخالق تعالى وعن العقل المؤدي إلى معرفته إلا إلى الشيطان ~~الرجيم والجنون المودي والضلال المبين ، نسأل الممتن بالنعمة أن يزيدنا من ~~المعرفة الفاضلة ، وأن لا يسلبنا ما منحنا من العقل ومحبة استعماله وتصديق ~~شهاداته ؛ وإلى العقل نرجع في صحة الديانة وصحة العمل الموصلين إلى فوز ~~الآخرة والسلامة الأبدية ، وبه نعرف حقيقة العلم ، ونخرج من ظلمة الجهل ، ~~ونصلح تدبير المعاش والعالم والجسد . ومن الناس من يستشهد بالعقل على تصحيح ~~شيء ليس في العقل الا إبطاله ، كمتطلب في العقل عللا موجبة لجزئيات الشرائع ~~فانه ليس في العقل الا وجوب الائتمار للأول الخالق فقط في أي شيء أمر به ، ~~ولو بأنواع قتل أنفسنا ms178 فمن دونها السل ؛ أو علة موجبة لتحريم لحم الخنزير ~~واباحة لحم التيس ، أو لايجاب الصلاة بعد زوال الشمس والمنع منها حين ~~طلوعها ، أو لم تكون صلاة أربع ركعات وأخرى ثلاثا ، أو صيام رمضان دون ذي ~~الحجة ، أو الحج إلى مكة في ذي الحجة إلى غيرها في أشهر أخر ، وقتل من زنا ~~وهو محصن عفا عنه زوج المزني بها أو أبوها أو لم يعفوا ، أو تحريم قتل من ~~قتل النفس المحرمة إذا عفا عنه الولي . ولا تحريم المشقوق البطن أو المجنون ~~وتحليل المذبوح أو المنحور ، فليس ابتداء هذا كله في العقل أصلا . وهكذا ~~الشرائع ، وهكذا ، جميع أفعال الخالق تعالى فانه خلق الحمار خلقا مهينا ~~للسخرة ، وخلق الفرس للركوب ، وحبا صورة الإنسان بالعقل ، وسلط الكلب على ~~الظني ، وأباح ذبح الحيوان دون بعض للأكل ، وخلق بعض الحيوان طيارا وبعضه ~~مائيا وبعضه طعاما لبعض ناطقا وبعضه جاهلا وبعضه ذا رجلين وبعضه ذا أرجل ~~أربع وبعضه ذا ست أرجل وبعضه ذا أكثر من ذلك وبعضه بلا رجل أيضا ، وخلق ~~الاسد شجاعا جريئا والقرد جبانا هلوعا ، وخلق أشياء حادة الأبصار وخلق ~~الخلد أعمى ، وخلق ذوات السموم المؤذية للحيوان . وهكذا رتب الخالق الكريم ~~PageV01P167 الأشياء كلها . ويلزم من فر من هذا إلى أن النفس فعلت ذلك [ ؟ ~~. ] في ايجاب العجز أو المسامحة في العبث على أصله للباري ، تعالى عن ذلك . ~~وقد بينا ذلك في ' الفصل ' بيانا شافيا . وإنما العقل قوة تميز بها النفس ~~جميع الموجودات على مراتبها أو تشاهد بها ما مر عليه من صفاتها الحقيقية ~~لها فقط وتنفي بها عنها ما ليس فيها . فهذه حقيقة حد العقل ويتلوه في ذلك ~~الحواس سواء سواء وهذا التمييز هو إدراك العقل الذي لا ادراك غيره . وأما ~~حد منفعة العقل في استعمال الطاعات والفضائل ، فهذا الحد ينطوي فيه اجتناب ~~المعاصي والرذائل ، والكلام في هذا وغيره مما هو متصل [ به ] مستوعب ، ان ~~شاء الله تعالى ، في كتابنا ' في أخلاق النفس ' . وأعلم أن الاكثر من الناس ~~جدا فالغالب عليهم الحمق وضعف العقول والعاقل الفاضل ms179 نادر وقليل البتة ، ~~وهذا يؤخذ حسا . وقد ورد النص بذلك من الخالق الأول وعن خيرته المبتعث ~~الينا صلى الله عليه وسلم ، قال تعالى : { وإن تطع اكثر من في الأرض يضلوك ~~عن سبيل الله } ( الانعام : 116 ) . وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ' ~~الناس كأبل مائة لا تجد فيها راحلة ' . وأما [ ما ] يظنه أهل ضعف العقول من ~~أنه عقل وليس عقلا ولا مدخل للعقل فيه فقد غلطوا في ذلك كثيرا فانهم يظنون ~~العقل إنما هو م حيطت به السلامة في الدنيا ووصل به إلى الوجاهة والمال ؛ ~~وهذا إذا كان بطرق محمودة مما لا معصية فيه ولا زيادة فهو عاقل ، وأما إذا ~~كان بما أمكن بما أمكن من كذب ونافقة وتضييع فرض وظلم إنسان ومساعدة على ~~باطل فهو ضد العقل بعد نهي الله تعالى الوارد علينا بذم هذه الحال ذما ~~صحيحا . فكيف يكون عقلا ما يذمه العقل ويفسده وينهى عنه ؟ ولم يوجد العقل ~~ذاما لهذه الرذائل ولا ورد الامر من الله عز وجل قط الا بذمها . وكذلك ما ~~ظنه آخرون من أن العقل المحمود الذي لا ينبغي خلافه التزام أزياء معهودة لا ~~معنى له ا فليس إذا حصلته الا سخفا وجهلا وليس هذا من العقل في شيء . وبيان ~~هذا مذكور في كتابنا في ' أخلاق النفس والسيرة الفاضلة ' وفي كتابنا في ' ~~السياسة ' ان شاء الله عز وجل ، والله تعالى الموفق لكل فضيلة . ~~PageV01P168 واعلم انه لا يدرك الاشياء على حقائقها الا من جرد نفسه عن ~~الاهواء كلها ونظر في الآراء كلها نظرا واحدا مستويا لا يميل إلى شيء منها ~~، وفتش أخلاق نفسه بعقله تفتيشا لا يترك فيها من الهوى والتقليد شيئا ألبتة ~~، ثم سلك بعقله الطريق التي وصفنا في هذا الديوان واجتنب ما عداها مما قد ~~رأينا اعلام كل ذلك ، فانه من فعل ما قلنا فضمان له ادراك الحقائق على ~~وجوهها في كل مطلوب وقد نبه الله عز وجل على ذلك في عهود الينا فقال : { ان ~~يتبعون الا الظن وما تهوى الانفس ولقد جاءهم ms180 من ربهم الهدى } ( النجم : 23 ~~) وقال تعالى : { ان يتبعون الا الظن وان الظن لا ينبغي من الحق شيئا } . ( ~~النجم : 28 ) وقال تعالى : { فبشر عبادي الذين يستمعون القول فيتبعون احسنه ~~اولئك الذين هداهم الله واولئك هم اولو الالباب } ( الزمر : 18 ) . واعلم ~~ان الناس الا من عصم الله تعالى ، وقليل ما هم ، يقبحون فعل من حكم بالهوى ~~ويضللون من قلد ويبطلون التقليد وهم لا ينطقون بكلمة بعد هذا الا وهي راجعة ~~إلى أحد هذين الوجهين الخبيثين اللذين قد شهدوا بقبحهما وخطأ من اتبعهما ؛ ~~فتأمل هذا تجده كثيرا وكفى بذم الله تعالى هؤلاء إذ يقول : { لم تقولون ما ~~لا تفعلون كبر مقتا عند الله ان تقولوا ما لا تفعلون } ( الصف : 2 - 3 ) ~~نعوذ بالله من مقته . الا انا نقول من احسن من وجه واساء من آخر افضل ممن ~~اساء من كل وجه فهؤلاء ممقوتون لفعلهم خلاف قولهم فلو انهم مع اساءتهم من ~~فعلهم يذمون الحقائق لتضاعف مقتهم لتضاعف اساءتهم ، نعوذ بالله من الخذلان ~~. واذ قد اتينا من هذا الغرض بجملة كافية ؟ على ان الكلام في ذلك يطول جدا ~~ويتسع - فلنقطع ، على مذهبنا في هذا الديوان في الاختصار والبيان ان شاء ~~الله عز وجل ، ولنأخذ بحول خالقنا في كيفية المناظرة ووجوهها المحمودة ~~والمذمومة ومراتبها فهي متعلقة بما تقدم ا شاء الله تعالى . # | 17 - باب اقسام السؤال عما تريد معرفة حقيقته مما يرتقى إليه بالدلائل ~~الراجعة إلى الاوائل التي قدمنا # اعلم انه لا يوصل إلى معرفة حقيقة بالاستدلال الا بالبحث والبحث يكون عن ~~فكر الواحد ويكون عن تذكر من اثنين اما من معلم إلى متعلم واما من متناظرين ~~مختلفين متباحثين وهذا الوجه هو آخر ما نتوصل به إلى بيان الحقائق بكثرة ~~التقصي فيه وانه لا يبقى توفيته حقه بقية أصلا . فنقول وبالله تعالى ~~التوفيق وبه نتأيد : اعلم انه لا بد اول السؤال عن كل مسئول عنه مما يترقى ~~إليه بالدلائل الراجعة PageV01P169 إلى الاوائل التي قدمنا سؤالات اربع ~~ولكل منها من الجواب : فاولها السؤال ' بهل ' فنقول ms181 : هل هذا الشيء موجودا ~~اولا وهل امر كذا حق أم لا فلا بد للمسئول حينئذ من جواب ضرورة بلا أو نعم ~~؛ فان قال لا أو قال لا ادري سقط السؤال عنه ، على كل حال ، لان الشيء ~~المسئول عنه لا يخلو من ان يكون مما يدرك بالعقل وبالحواس أو مما يدرك ~~بالتوالي من المقدمات التي وصفنا ، فان كان مما يدرك بالحواس أو العقل ~~فالكلام مع منكر ذلك عناء وكذلك مع من شك فيه . وان كان مما يدرك بالتوالي ~~فالسؤال أيضا عنه ساقط لا لأنه مغلوب ولكن [ لأنه ] لم يثبت شيئا فيتمادى ~~معه في البحث عنه ولانه قد صدق عن نفسه إذ قال لا ادري ؛ ولا سبيل إلى ان ~~يقال لأحد فيما ليس مدركا باول العقل والحواس لم لم تدر هذا لكن حتى يثبت ~~عنده بالدلائل ثم حينئذ يلزمه الاقرار بموجبها ؛ فعلى من اراد الزامه ~~الاقرار بأمر ما تبينه له وتثبيته لديه ، فإذا الواجب ان لا يصدق أحد بشيء ~~لم يقم عليه دليل وان يصدق به إذا قام عليه الدليل . واما إبطال المرء ~~بالبراهين ما اثبته مثبت بلا برهان فهو تبرع منه وقوة وذلك غير لازم له إذ ~~المثبت للشيء بلا برهان مدع والدعوى ساقطة إذا لم يؤيدها دليل . والاصل في ~~البنية ان المرء ولد وهو لا يعلم شيئا ثم سمع الاقوال ، وكل أحد يحسن عنده ~~رأيه فلا سبيل إلى الزامه الاقرار بشيء منها أصلا إلا بان يوجب برهان صحة ~~شيء منها فيلزمه حينئذ والا فليس بعضها اولى بالتصديق من بعض ، ولا سبيل ~~إلى ان تكون كلها حق فتصدق بجميعها . ونفيها كلها والشك فيها ممكن حتى يقوم ~~البرهان على صحة الصحيح منها . فان اجاب بنعم وصحح ما سئل عنه سئل حينئذ ~~بالمرتبة الثانية وهو السؤال ' بما ' وهو تال للسؤال بهل فيقال له إذا حققه ~~فما هو أي اخبرنا بجوهره أو حده أو رسمه لو ما يمكن ان تخبرنا به عنه من ~~صفات ذاته الملازمة له . فإذا اخبر بما اخبر به من ذلك ms182 سئل بالمرتبة ~~الثالثة وهو السؤال ' بكيف ' أي هذا الذي حققه حاله أي شيء وكيف هيئته وكيف ~~وجود ما اثبت له فيه . فإذا اخبرنا بما اخبر به سئل بالمرتبة الرابعة وهي ' ~~لم ' فيقال له لم كان ما اتيت كما وصفت وما برهانك على صحة ما ادعيت مما ~~ذكرت ؟ ولا سؤال عليه فيما لم يذكر اخل أو [ لم ] يخل الا بان يدعي عليه ~~تناقضا أو نقضا . فعلى من اثبت عليه ذلك ان يقيم البرهان على نسب إليه من ~~صحة مناقضة أو نقض . وفي هذه الرابعة يقع PageV01P170 الاعتراض وطلب ~~الدلائل أو إبانتها ؛ ومثال ذلك ان تقول : هل يوجد كسوف قمري أم لا فيقول ~~المجيب : نعم هو موجود ، فلو قال لا قيل ه : فهذا السواد الذي يعرض في ليلة ~~النصف من الشهر ما هو ؟ فان انكر العيان صار في نصاب من لا يكلم ، وان أقر ~~به قيل له هو الذي نريد بقولنا ' كسوف ' فإذا حققت المعنى لم تنازعك في ~~الاسم وسألناك بعبارة ترضاها وهي ان نقول لك : هل يوجد سواد في القمر ليلة ~~النصف من الشهر أم لا ؟ فإذا حقق قيل له لما هو ؟ فيقول : هو ذهاب النور عن ~~القمر لدخول الأرض بينه وبين الشمس التي منها يقبل النور ؛ فيقول السائل : ~~كيف تدخل الأرض بين الشمس والقمر ؟ فيقول المجيب : بان تكون الشمس في درجة ~~مقابلة للدرجة التي فيها القمر مع تقاطع فلكيهما فيقول السائل : لم كان ذلك ~~؟ فيقول المجيب حينئذ : هيئة الفلك وانتقال الشمس وقطعها وانتقال القمر ~~ومدة قطعه وما يتم من هذا المعنى وهذا القول في كل مسئول عنه من كل علم . ~~واعلم انه لا يجوز ان يقدم مؤخر من هذه المراتب الأربع على مارتبنا قبله ~~لأنه كلام على غير معهود . واعلم ان المسئول بما وبكيف وبلم في الجواب يجيب ~~بما امكنه مما لا يخرج به عن مقتضى السائل الا ان اللازم في السؤال [ بما ] ~~ان يخبر السائل بحد الشيء المسئول عنه أو رسمه واذا بكيف : هو ان يجيب ~~باحوال الشيء العامة ولغيره ms183 أو الخاصة الشائعة أو ما يخصه به من غيره ان ~~كان المسئول عنه شخطا . وان كان سئل بلم ان يجيب بالعلة الموجبة لكون ما ~~أخبر بكونه ويرسم العلة برسمها الذي لا يشاركها فيه غيرها . وينبغي ان تكون ~~العلة لازمة لما يستدل بها عليه كالقتل فانه علة الموت القتلي إذ لا يجوز ~~ان يكون قتل ولا يكون موت والموت معلول للقتل ولكن ليس كل موت معلولا للقتل ~~إذ يكون موت بلا قتل وكذلك أيضا ليس الموت علة للقتل . والحد مأخوذ من صفة ~~الشيء الذي هو صفة عنصره ومأخوذ من تمامه أيضا كقولك إذا سئلت عن حد الطب ~~ان تقول : صناعة ، فهذا عنصر الطب ، ثم تقول : مبرثة لأبد ان الناس وبهذا ~~يتم [ حد ] الطب ويكون طبا . واذا سئلت عن المرض ان تقول : ضعف يكون في ~~الجسم بتعادي اخلاطه وخروجها عن الاعتدال فالضعف عنصر المرض وتعادي الاخلاط ~~تمامه وبه يسمى مرضا . وكذلك قولك في حد المتنفس : انه حيوان يجذب الهواء ~~والماء بآلة طبيعية ويخرجه بها . وينبغي ان يكون الحد والرسم في كل ما ~~ذكرنا وفي كل ما يسأل عنه فتجيب بما يدل على PageV01P171 محدوده ومرسومه ~~كقولك : كل خط اما مستقيم واما معوج وكل ما هو اما مستقيم واما معوج خط ، ~~وكل جسم طويل عريض عميق وكل طويل عريض عميق جسم فهذا واجب لكل ما وصفته في ~~كل زمان وكل مكان وعلى كل حال . فإذا اردت ان تحقق فليكن ذلك بلفظ الايجاب ~~ومعناه فانك إذا قلت حار أو قلت بارد فقد أثبت معنى واجبا ، واذا اردت ان ~~تنفي فليكن ذلك لفظ النفي ومعناه فانك إذا قلت لا حار فلم تثبت معنى أصلا ~~بوجه من الوجوه وكذلك إذا قلت لا جسم لا عرض وقد يكون غير الحار باردا وقد ~~يكون معتدلا وقد يكون طبيعة علوية لا يدخل فيها شيء من هذه الصفات . واذا ~~اردت ان تقسم فينبغي لك [ 83 ظ ] التحفظ من مثل هذا بان لا تدع قسما الا ~~حققته إما بحرف النفي فتكفى المؤونة ms184 أو بتفتيش الاقسام كلها قسما قسما ~~والنظر هل فيها فاسد أو زائد أو نفي محتمل ، ومن ما ذكرنا في شروط وضع حرف ~~النفي في موضعه ، واهتم بالاسماء للمسميات والكلية والجزئية وبالموصوف ~~والصفة والكيفية والكمية والزمان وسائر الشروط فانك ان نظرت نظرا صحيحا أم ~~تخف عليك الحقائق ولا تجاوزت عليك المخارق ، وملاك ذلك عون الله عز وجل ~~اياك وتوفيقه لك . وكمال العلم ليس الا لخالق العلم والعلوم ، لا إله إلا ~~هو . # | 18 - باب الكلام في رتبة الجدال وكيفية المناظرة الموجبتين إلى معرفة ~~الحقائق # من حكم الجدال ان لا يكون الاثنان طالبي حقيقة ومريدي بيان اما ان يكون ~~احدهما على يقين من امره ببرهان قاطع لا بايهام نفسه ولا بأمر اقنعها به ~~ويكون الآخر متوهما انه على حق مثبتا لنفسه ما لم يحصل له وكالعامه في ~~الظلمة خادعا لنفسه مغالطا لعقله أو مغرورا كالحلم لا يدري انه نائم حتى ~~ينتبه . فهذا الذي انه على يقين من أمره ببرهان قاطع يريد ان يوصل إلى ~~مناظره من الحقيقة مثل ما عنده منها ويحاول ان يحل شك هذا الغالط المخالف ~~له أو المغالط ويفصح بسره في المغالطة ويدفع شره . أو يكون احدهما موقنا ~~كما قدمناه ، والثاني لم يقف على بيان الحقيقة فهو بيان الحقيقة فهو يطلب ~~الحقيقة والوقوف عليها . فإذا اتفق ان يكون المتناظران هكذا فتلك مناظرة ~~فاضلة حميدة العاقبة يوشك ان تنحل عن خير مضمون أو آخر موفور وهي التي امر ~~الله تعالى بها إذ يقول : { وجادلهم بالتي هي احسن } ( النحل : 125 ) واذ ~~يقول تعالى { ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة } ( النحل : 125 ) ~~واذ يقول تعالى : { قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين } ( البقرة : 111 ، ~~النمل : 64 ) ولم يذم قط هذه المناظرة الا سخيف جاهل مذموم PageV01P172 ~~الطبع مفسد على الناس قد جعل هذا النفار ستارة دون جهله فلم يقنع بان حرم ~~نفسه الخير حتى سعى في ان يحرمه سواه . وأما إذا كان المتناظران معا غالطين ~~أو كان احدهما جاهلا طالبا والثاني غالطا أو مغالطا ms185 فتلك مناظرة يكثر فيها ~~الشغب ويعظم النصب ويكثر الصخب ويشتد الغضب ويوشك ان تشتد مضرتها واما ~~المنفعة فلا منفعة ؛ وربما كان الجاهل فيها مسارعا إلى قبول ما قرع سمعه ~~دون برهان صحيح فيهلك باعتقاد الباطل وقبوله . واما ان كان عاقلا موقنا ~~فالمضمون له انتقاض البنية بالأسف والغيظ الا انه محمود في نصرة الحق مأجور ~~بذلك ولعله ان ينفع سامعا منه . وملاك ذلك ان لا ينطق بينهما ثالث بكلمة ~~الا ان يرى حيفا ظاهرا فيشهد به والا يقطع احدهما كلام صاحبه حتى يتمه وان ~~لا يطول الكلام منهما لا فائدة فيه وان يفضيا إلى الاختصار الذي لا يقصر عن ~~البيان الموعب . فان اخطأ احدهما واراد الاقالة فذلك له وواجب على الآخر أن ~~يقيله لان المرء ليس قوله جزءا منه لكنه واجب عليه ترك الخطأ إذا عرف انه ~~خطأ فالمانع من الاقالة ظالم مشغب جاهل . وكذلك ان رأى حجته فاسدة فاراد ~~تركها واخذ غيرها فذلك له وهو محسن في ذلك وليس في ذلك انقطاع في القول ~~المناظر عنه ؛ والمانع من ذلك جاهل ضيق الباع ن العلم متغفل لخصمه وذلك ~~قبيح جدا . فان تنازعا الكلام أو تنازعا التكلم مثل ان يقول كل واحد منهما ~~: انا اسأل أو يقول كل واحد منهما للآخر : انت السائل فهذا عجز من كليهما ~~وقلة ثقة ، اما بالقوة على نصر القول الذي يريد بيانه واما بصحة القول ~~بنفسه ؛ فان كان من قلة ثقة بقوة نصره فليتسع في العلم ولا يتعرض للمناظرة ~~حتى يقوى وهو كالجبان لا يحضر القتال فيوهن طائفته ؛ فان كان من قلة ثقته ~~بصحة القول فهذا ملوم جدا في الاقامة على قول لا يثق بصحته وواجب عليهما ~~بالجملة الاتفاق على أمر يفتتحان به الكلام . واما نحن فطريقنا في ذلك ~~تخيير الخصم ان يكون سائلا أو مسئولا فايهما تخير اجبناه ، فان رد الخيار ~~الينا اخترنا بأن يكون هو السائل لان هذا العمل هو اكثر قصد الضعفاء وعمدة ~~مرغوبهم وهم يضعفون إذا سئلوا ، فنختار حسم أعذارهم وتوفيتهم اقصى مطالبهم ms186 ~~التي يظنون انهم فيها اقوى ليكون ذلك اقوى في قطع معالقهم . ثم انه ان بدا ~~له في ذلك واختار ان يسأل أجبناه إلى ذلك أيضا ، إلا اننا لا نقضى بذلك على ~~غيرنا لأنه ليس واجبا فمن تخير ان يكون سائلا واذن له خصمه من ذلك فله ان ~~يسأل وليس ان يتحكم فيترك ذلك وينتقل إلى ان يكون مسؤولا ؛ فان فعل فهذا ~~عجز وخرق في حكم المناظرة ونحن نختار للفاضل ان لا يضايق في ذلك رغبة منا ~~في اظهار الحق ، وقلة PageV01P173 سرور بالغلبة . وهكذا يجب لكل من اتبع ~~طريقنا . ومن اذن لخصمه في ان يكون السائل فواجب عليه في حكم المناظرة ان ~~يجيب فان لم يفعل فعن ظلم أو جهل الا ان يكون هناك امير مخوف يمنع من البوح ~~بالجواب فلسنا نتكلم مع المخاوف ، وإنما المناظرة مع الامن ، الا من بذل ~~نفسه لله تعالى وعرف ما يطلب وما يبذل من ذلك فله الفوز ان اراد نصر ~~الاسلام أو الحق فيما اختلف فيه المسلمون فقط . ولا ارى ان ينزل المسلم ~~العاقل عن نفسه ، فلا شيء موجود في وقته من الخالق اعز عليه منها ولا أوجب ~~حرمة الا فيما فيه فوزها الابدي فقط ، فالعاقل لا يرى لنفسه ثمنا الا الجنة ~~. ومن سأل فأجابه خصمه فسكت عن المعرضة فهذا مكان قد انقطعت فيه المناظرة ~~التي ابتدآها الا ان تستأنف أخرى ، اللهم الامن خوف كما قدمنا ، الا ان ~~يكون المجيب يأتي بما لا يعقل أو بقحة أو مباهتة أو بما هو من غير ما سئل ~~عنه ، جهلا أو مكابرة ، فمن هذه صفته فسكوت الخصم عن معارضته جواب ، الا ~~باخبار بأن الذي اتى به ليس مما هما فيه ويبين الدليل على ذلك فقط ، إلا ما ~~كان من ذلك لا يحتاج إلى دليل لوضوحه واستواء السامعين في علمه . والفلج في ~~المناظرة هو ظهور البرهان الحقيقي فقط وليس انقطاع الخصم فلجا ، فقد ينقطع ~~جهلا أو خوفا أو لشغل بال طرقه ، وكل ذلك ليس قطعا للحق ان كان بيده ms187 . ~~وليست شهادة الحاضرين بالغلبة لاحدهما شيئا إذ قد يكونون موافقين في رأيهم ~~لرأيه الذي شهدوا له فسبيلهم وسبيله واحد ، والانصاف في الناس قليل . وقد ~~يكونون غير محصلين ما يقولون ولا فهماء بما يسمعون وهذا كثير جدا . واما من ~~انقطع عن معارضة خصمه عجزا عن الجواب لا لخوف مانع فهو المغلوب لا قوله ، ~~وان كان ذلك عن حقيقة برهان فهو مغلوب وقوله معا ، ولا يضر ماصح من البرهان ~~عجز معتقده عن نصره ، ولا يقوى ما لم يصح ببرهان لتمويه من مموه في نصره ~~بالسفطة . والبرهان لا يتعارض أبدا فما صح ببرهان فلا يبطله برهان آخر ابدا ~~الا ان يكون مما يستحيل ، كبرهان صح بحياة زيد امس ثم صح اخر بموته اليوم . ~~وهكذا كل ما يمكن تنقله لا ينتقل بشيء مما ذكرنا مما صح ببرهان الا برهان ~~آخر ، والا فحكم البرهان الأول باق . ولا ينتقل الشيء عن الامكان ~~PageV01P174 إلى الوجوب الا ببرهان ، ولا ينتقل بعد الوجوب إلى الامكان الا ~~ببرهان ، والمعاندة والمكابرة عار واثم وسخف . واعلم ان السائل إذا قال ~~لخصمه : ما قولك في كذا ؟ فالجواب مفوض إلى المسئول يجيب بما يشاء . واما ~~إذا قال له : امر كذا احق هو ؟ فلا بد بان يجيب اما بنعم أو لا ، كسائل سأل ~~فقال : ما تقول في الأرض كريه أم لا فلا بد له من نعم أو لا . ما تقول في ~~الخمر أحلال أم لا فكذلك أيضا أو قال له هل الخلاء موجود أو لا فلا بد من ~~نعم أو لا . وكذلك إذا سأل السائل بتقسيم فقال : ما قولك في كذا وكذا : ~~أكذا أو كذا ، مثل قوله : ما تقول في الورد أبارد أم حار أم معتدل ؟ وما ~~تقول في كسب الحجام امستحب أم حرام أم مكروه ؟ فان كانت الاقسام مستوفاة ~~فلا بد للمسئول من التزام أحد تلك الاقسام فان لم يفعل فهو منقطع بالحقيقة ~~، وان كانت غير مستوفاة فالسائل جاهل أو معاند ، فان ظهر انقطاع الخصم ~~فالمتقدمون : ليس على السائل بيان الحقيقة ، واما نحن فنقول ms188 : إن ذلك عليه ~~ومن أبطل حكما ما فعليه أن يبين قوله ، فاما ان يدخل في مثل ما أبطل واما ~~أن يجلى الحيرة . وبيان الحقائق فرض وقد اخذ الله تعالى ميثاق العلماء ان ~~يبنوا ما علموه ولا يكتمونه . واذا استوفى الخصم الاقسام وزاد فيها قسما ~~فاسدا فليس للآخر ان يدع ما هما فيه ويأخذ في الاحتجاج في بيان القسم ~~الزائد الذي زاد لكن يقول له : زدت قسما فاسدا وهو كذا ، وإنما ذكرته لك ~~لئلا تور علي فيكون سكوتي عنه عند من لا ينصف مثل اقراري به ولكني استضر ~~بذلك والتزم الاقسام التي ذكرت قسما كذا ، وهو الصحيح . واعلم ان ترك ما هو ~~فيه مع خصمه من المناظرة وخرج إلى مسألة اخرى فجاهل مشغب مقنع ( 1 ) كمثل ~~ما شاهدناه كثيرا ممن ترك ما هما بسبيله وجعل يتبع لحن صاحبه في كلامه ، ~~ولسنا نقول هذا نصرا للحن وتركا للاشغال بغير ما شرعا فيه وليس للخصم اكثر ~~من ان يعبر عن مراده بما يفهم به خصمه ولا مزيد باي لفظ كان وبأي لغة كان ~~الا اننا نختار الاختصار ولكن نصرا للحق الجامع لكثير المعان من قليل ~~الألفاظ وسبطها وسهلها وفضيحها لمن قدر على ذلك ، والا لا لوم عليه الا في ~~مكان واحد ، وهو ان يسأله السائل والمسئول يدري ان السائل يقول بقول يعود ~~به إلى التزام الخصم أو إلى التناقض فجوابه ها هنا بان يقول له : ما تقول ~~انت في كذا أي فاني اقول بقولك فان قال له الذي عورض بهذا : لست اقول ما ~~تظن ولا اقول شيئا PageV01P175 ولا أنصر طامعا جوابا وإنما انا طالب برهان ~~ولا عليك من خطأي أنا فانصر قولك أو اقر بالخطأ ، فواجب حينئذ ان لا يعارضه ~~بسؤال أصلا لكن ببرهان يبين به صحة قوله فقط . وقد يكون الخصم يسامح خصمه ~~في ان يريه الاقرار بفساد قوله ثم يقول له : فدع قولي وهات قولك وبين وجه ~~الصواب . وهذا الفعل خطأ من وجهين : احدهما ان يكون صادقا في اقراره ببطلان ~~قوله ms189 ورجوعه عنه وطلبه معرفة الحق فهذا فضل عظيم وفاعله محمودا جدا . ~~والثاني ان يكون قد علم ان خصمه يأتي بمثل ذلك فيريد ان يلزمه مثل ما ألزمه ~~هو ليكف من نفسه شغبه وهذا انصاف . ومثال ذلك ان يقول أحد الخصمين : الجدال ~~مكروه فيقول الآخر : فإذا هو مكروه فبأي شيء يوصل عندك إلى معرفة الحق مما ~~اختلف فيه من هو عندك رضا من اهل ملتك ؟ هات [ ما ] عندك ودع الجدال الآن ~~جانبا . وهذا برجع إلى ما قلناه قبل من وجوه اقسام تبطل كلها الا واحدا ~~فيصح ذلك الواحد فان الخصم حينئذ لا بد له من ان يذكر التقليد أو الايهام ~~أو ترك طلب الحق . وكل هذه الوجوه باطل فاسد فإذا بطلت صح الجدال . فهذا ~~الذي قلنا حصر للخصم إلى هذا الوجه من وجوه البرهان فيراجع الحق أو ينقطع ~~اما بسكوت أو بهتان يأتي به . وقد ذكرنا في باب اقسام المعارف ما يعارض به ~~الخصم الجاهل من اشياء يعدها الجهال حجة وليس حجة أصلا فواجب ان يكف ضرر ~~جهلهم بها على كل حال . واعلم ان من الخطأ معارضة الخطأ بالخطأ في المناظرة ~~مثل ان يقول السائل للمسئول . انت تقول كذا لأولم تقول كذا فيقول المجيب : ~~وانت تقول أيضا كذا أو لأنك انت أيضا تقول كذا ، فيأتيه بمثل ما أنكر هو ~~عليه أو أشنع ، فهذا كله خطأ فاحش وعار عظيم واقتداء بالخطأ اللهم الا في ~~مكانين : احدهما ان يكون القول الذي اعترض به المجيب قولا صحيحا ينتج ما ~~يقول هو فهذا وجه فاضل وقطع للسائل . وذلك كمعتزلي قال الآخر : لم قلت ان ~~الله تعالى خالق الشر ؟ فقال لأنك تقول معي ان تعالى خلق جميع العالم من ~~جواهره وأعراضه ، والشر عرض ، فالله تعالى خالق الشر . فهذه معارضة صحيحة ~~الا ان ظاهر لفظها غير محكم لأنه في الظاهر إنما جعل علة قوله ما يقول قول ~~خصمه بما يقول ، فلزمه انه لولا قول خصمه بذلك لم يقل هو بما قال . وهذا ~~خطأ وإنما الصواب ان يقول ms190 : لقيام البرهان على ان الله تعالى خالق الجوهر ~~والعرض ثم يمضي في مسألته . والوجه الثاني هو ان يكون السائل مشغبا ~~PageV01P176 يقصد التشنيع والاغراء والتوبيخ ولا يقصد طلب حقيقة فهذا واجب ~~ان يكسر فربه ويردع عيبه بمثل هذا فقط ولا يناظر باكثر من ذلك إذ الغرض كف ~~فقط ولا يكف ضرره بمناظرة صحيحة أصلا فلا شيء أكف لضرره مما ذكرنا . واعلم ~~انه لا يجوز ان يصحح الشيء بنفسه البتة وجائز ان يبطل بنفسه ، ولا تظن ان ~~الاوائل التي منها يؤخذ البرهان صححت بأنفسها فتخطئ بل تلك اشياء قد ذكرنا ~~ان الخلقة صححتها وانه لم يخل ذو الفهم قط من معرفة صحتها . ولا تظن أيضا ~~ان إبطال الشيء بنفسه تصحيح له فتخطئ ولم يبطل بنفسه من اجل انه صحح ابطاله ~~به فكان حينئذ يكون مصححا مبطلا وذلك محال ، لكن لما ابطل بنفسه أيقنا انه ~~باطل لأن الحق الصحيح لا يبطل أصلا ولأنه نقض حكمه فكل ما انتقض فباطل . ~~وليس قول من قال مبطلا للنظر : ان النظر لا يصح الا بالنظر ، قولا صحيحا ، ~~لأن النظر الذي به تصح الاشياء هو ردها إلى المقدمات الأوائل التي قضى ~~الطبع بصحتها فما رجعت إليها فشهدت له فهو صحيح وما لم يرجع إليها فهو فاسد ~~، فهذا هو النظر الذي به تصح الاشياء لأن النظر إنما يصح بنظر آخر . واذا ~~انقطع الحكم فقد انقطعت المناظرة فلهما حينئذ ان يبتدئا سؤالا ثانيا . ~~وللمنقطع حينئذ ان يقول : انا اسألك سؤالا يتصل بمسألتنا والزمك انك قائل ~~كقولي الذي انكرت علي . وليس للآخر أن يمتنع من ذلك فان امتنع فهذا متسلل ~~ضعيف فان وفى الآخر بشرط فكلاهما ملوم ان لم يرجعا إلى الحق إذا عجز ~~المسئول عن التفريق بين القولين ، وكما نلوم من ظهر إليه برهان فتمادى على ~~الباطل ولم يرجع إلى موجب البرهان ، فكذلك نلوم من سارع إلى القبول لما سمع ~~بلا برهان ، وكما نحمد من رجع إلى موجب البرهان فكذلك نحمد من ثبت على ~~موجبه ولم يرجع لاقناع سمعه أو ms191 سفسطة ؛ فان عجز عن كسرهما فحصل لمتناظرين ~~هذه المقدمات حمد من لم يعتقد الا ما اوجبه البرهان فقط . والتكثير من ~~الادلة قوة وليس عجزا الا جاهل منقطع . وحقق كل ما تسمعه من خصمك ولا تغفله ~~وأقله ان أخطأ ولا تدع مشكلا الا وقفته عليه فإذا استقر سليما من النقص ~~والاشكال فأجب حينئذ . وكل ما تطالب خصمك بذلك فالتزم له مثله سواء سواء . ~~وبين سؤالك سليما عن النقص والاشكال . واياك وادخال ما ليس من المناظرة ~~فهذا من فعل اهل الجنون أو من يريد ان يطيل الكلام حتى ينسي آخره اوله ~~لينسى غلطه وسقطه . وتأمل مقدماته ومقدماتك وعكسك وعكسه ونتائجه ونتائجك ~~فلا ترض لنفسك من خصمك الا بالحق الواضح . PageV01P177 واعلم انه ليس على ~~المرء اكثر من نصر الحق وتبيينه ثم ليس عليه ان يصور للحواس أو في النفوس ~~مالا سبيل إلى تصويره ولا مالا صورة له أصلا كمن اثبت ان الواحد الأول لا ~~جوهر ولا عرض ولا جسم ولا في زمان ولا في مكان ولا حاملا ولا محمولا فاراد ~~الخصم منه ان يشكل له ذلك فهذا لا يلزم ؛ وهذا كأعمى كلف بصيرا ان يصور له ~~الالوان فهذا ما لا سبيل إليه ، وهذا تكليف فاسد لا تنقص في العجز عنه على ~~التكليف . واما ما دام ذلك ممكنا فواجب على المكلف بيانه بأقصى ما يقدر ~~عليه . ولقد اخبرني مؤدبي أحمد بن محمد بن عبد الوارث رحمه الله أن أباه ~~صور لمولود كان له أعمى ولد أكمه حروف الهجاء أجراما من قير ثم ألمسه اياها ~~حتى وقف على صورها بعقلة وحسه ، ثم ألمسه تراكبها وقيام الاشياء منها حتى ~~تشكل الخط وكيف يستبان الكتاب ويقرأ في نفسه ورفع بذلك عنه غصة عظيمة . ~~واما الالوان فلا سبيل إلى ذلك فيها وليس الا بما قام به البرهان وان لم ~~يتشكل في النفس أصلا . ولقد امتحنت مرة ببعض اصدقائنا فانه سامنا ان نريه ~~العرض منخولا عن الجوهر قائما بنفسه ، وقال لي ان لم ترني ذلك فاني لا اصدق ~~بالعرض ms192 . فلست احصي كم مثلث له تربيع ثم تدويره وذهاب التربيع وبقاء الطين ~~بحسبه ، وحركات المرء من قيامه وقعوده وحمرة الثوب بعد بياضه ، فأبى كل ذلك ~~إلا ان أريه العرض مزالا عن الجوهر باقيا بحسبه يراه في غير جوهر ، فلا ~~أحصي كم قلت له : إن العرض لو قام بنفسه وكان كما تريد مني لم يكن عرضا ~~وإنما هو عرض لأنه بخلاف ما تريد ، فلج فعدت إلى ان قلت له مهازلا : لو ~~امكنك اخراجي عن كرة العالم فربما كان يمكن حينئذ لو امكن انخزال العرض عن ~~الجوهر ولا سبيل إلى كل ذلك أن تراه في غير جوهر ؛ فأما العالم كله كرة ~~مصمتة وجوهرة متصلة متجاوزة الاجزاء لا تخلخل فيها ولا خلل ، فحتى لو انفصل ~~العرض من جوهر ما وجاز ان يبقى بعد انفصاله عنه لما صار الا في جوهر آخر . ~~فما ردعه هذا الهزء عما هجس في نفسه وفارقته آبيا فما ادري أوفق بعدي لرفض ~~هذا المراد الهائج أم لا . فليس مثل هذا التكليف الفاسد وكون المرء لا تشكل ~~له الحقائق بقادح في البرهان ولا بملتفت إليه . وكفى من ذلك وحسبنا قيام ~~صحة ذلك في النفس بدلالة العقل على أنه حق فقط ولو جاز لكل من لا يتشكل في ~~نفسه شيء ان ينكره لجاز للاخشم أن ينكر الروائح والذي ولد أعمى أن ينكر ~~الألوان ولنا ان ننكر الفيل والزرافة وكل هذا باطل . وإنما يجب على العاقل ~~أن يثبت ما أثبت البرهان ويبطل ما أبطل PageV01P178 البرهان ويقف فيما لم ~~يثبته ولا أبطله برهان حتى يلوح له الحق . وكذلك ليس علينا قسر الالسنة إلى ~~الاقرار بالحق لكن علينا قسر النفوس إلى الاقرار به وقطع الالسنة عن ~~المعارضة الصحيحة لعدم وجودها ، إذ لا يتعارض البرهان واذا أقمناه فقد أمنا ~~أن يقيمه خصمنا وكذلك أيضا ان قصر مقصر عن اقامة البرهان على حق يعتقده ~~فذلك لا يضر الحق شيئا . ولا يفرح بهذا من خصمه الا الذي يفرح بالاماني وهو ~~الاحمق المضروب به المثل . ولا تقنع بغفلة ms193 خصمك في كل ما يمكن ان يصح قوله ~~فان وجدت حقا ببرهان فارجع إليه ولا تتردد ولا ترض لنفسك ببقاء ساعة آبيا ~~من قبول الحق . وأن وجدت تمويها فبينه ولا تغتر بذهاب خصمك عنه فلعل غيره ~~من أهل مقالته يتفطن لما غاب عنه . هذا ولا تقنع الا بحقيقة الظفر ولا تبال ~~أن قيل عنك انك مبطل فلك فيمن نسب إليه ذلك من المحققين أكرم اسوة من ~~الانبياء عليهم السلام ومن دونهم . نعم حتى إن كثيرا منهم قتل دفعا [ 87 ظ ~~] لحقه ونسبا للباطل إليه . ولا تستوحش مع الحق إلى أحد فمن كان معه الحق ~~فالخالق تعالى معه . ولا تبال بكثرة خصومك ولا بقدم أزمانهم ولا بتعظيم ~~الناس إياهم ولا بعدتهم فالحق اكثر منهم واقدم واعز عند كل أحد واولى ~~بالتعظيم . واذا شئت ان تتيقن فساد مراعاة ما ذكرنا فتأمل اهل كل ملة وكل ~~أمة فانك تجحدهم مطبقين على أسلافهم وصفتهم بكل فضيلة وبكل خير وذم أسلاف ~~من خالفهم . وتأمل كل قول يقال فقد كان القائلون به في أول أمره قليلا ، ~~واكثر ذلك يرجع إلى واحد ثم كثر أتباعه . وفتش كل قول قديم تجده قد كان ابن ~~ساعة بعد أن لم يكن ، ثم مرت عليه الايام والشهور والسنون والدهور . واعلم ~~ان مراعاة هذه الأمور من ضعف العقل أو قلة العلم ولا تبال أيضا وان كانوا ~~فضلاء على الحقيقة فقد يخطئ الفاضل ما لم يكن معصوما . ولو ان ذلك الفاضل ~~لاح له ما لاح لك لرجع اليك ولو لم يفعل لكان غير فاضل . واخبرك بحكاية ~~لولا رجاؤها في ان يسهل بها الانصاف عن من لعله ينافر ما ذكرناها وهي أني ~~ناظرت رجلا من اصحابنا في مسألة فعلوته فيها لبكوء كان في لسانه وانتفض ~~المجلس على اني ظاهر ، فلما اتيت منزلي حاك في نفسي منها شيء فتطلبتها بعض ~~الكتب فوجدت برهانا صحيحا يبين بطلان قولي وصحة قول خصمي ، وكان معي أحد ~~اصحابنا ممن شهد ذلك المجلس فعرفته بذلك ثم اني قد علمت على ms194 المكان من ~~الكتاب فقال لي ما تريد ؟ حمل هذا الكتاب وعرضه على فلان واعلامه بأنه ~~المحقق واني المبطل وأني راجع إلى قوله . فهجم عليه من ذلك أمر مبهت وقال ~~PageV01P179 لي : وتسمح نفسك بهذا ؟ ! فقلت له نعم ، ولو أمكنني ذلك في ~~وقتي هذا ما أخرته إلى غد . واعلم أن هذا الفعل يكسبك اجمل الذكر مع تحليك ~~بالانصاف الذي لا شيء يعدله . ولا يكن غرضك ان توهم نفسك أنك غالب أو توهم ~~من حضرك ممن يغتر بك ويثق بحكمك انك غالب وانت بالحقيقة مغلوب ، فتكون ، ~~فتكون خسيسا وضيعا جدا وسخيفا البتة وساقط الهمة بمنزلة من يوهم نفسه انه ~~ملك مطاع وهو شقي منحوس ، أو في نصاب من يقال له انك ابيض مليح وهو أسود ~~مشوه فيحصل مسخرة ومهزأة عند اهل العقول الذين قضاؤهم هو الحق . واعلم ان ~~من رضي بهذا فهو مغرور سبيله سبيل صاحب الأماني وإنها بضائع النوكى ؛ ~~والمغرى بها يلتذ فيها حتى إذا ثاب إليه عقله ونظر في حاله علم انه في ~~أضاليل وانه ليس في يده شيء . واياك والالتفات إلى من يتبجح بقدرته في ~~الجدل فيبلغ به الجهل إلى ان يقول : إني قادر على ان اجعل الحق باطلا ~~والباطل حقا فلا تصدق مثل هؤلاء الكذابين فانهم سفلة أرذال أهل كذب وشر ~~ومخرقة . واعلم انه سبيل إلى ذلك لأحد ولا هو في قوة مخلوق أصلا والتمويهات ~~كلها قد بينتها لك وهي مضمحلة إذا حصلت وفتشت لم توجد الا دعاو وحماقات . ~~ومن فاحش ما يعرض في هذه السبيل يلوح البرهان للمرء فيحدوه الالف بما قد ~~ألفه من المذاهب إلى أن يقول : لا بد ها هنا حجة برهان تعارض هذا البرهان ~~وان خفيت عني . واعلم ان هذا مغرور شقي جدا لأنه غلب ظنه على يقينه وصدق ما ~~لم يصح عنده وكذب ما صح عنده واثبت ما لعله ان لا يكون وترك حاصلا قد كان ؛ ~~وهذا غاية الخذلان ومثله من ترك برهانا قد صح عنده لتمويه لم يتدبره فحمله ~~التهور على اعتقاده . وبالجملة ms195 فالجهل لا خير فيه والعلم إذا لم يستعمله ~~صاحبه فهو اسوأ من الجاهل ، وعلمه حجة زائدة عليه . واياك وتقليد الآباء ~~فقد ذم الله عز وجل ذلك ولو كان محمودا لعذر من وجد آباءه زناة أو سراقا أو ~~على بعض الخلال التي هي اخبث مما ذكرنا ان يقتدي بهم . واياك والاغترار ~~بكثرة صواب الواحد فتقبل له قولة واحدة بلا برهان ، فقد نخطر في خلال صوابه ~~بما هو أبين واوضح من كثير مما اصاب فيه . واقنع من خصمك بالجد على أن ينصر ~~قوله ولا تطالبه بالاقرار بالغلبة فليس ذلك من PageV01P180 فعال أهل القوة ~~. وهذا باب لا ينتج الا العداوة وان يوصف بلؤم الظفر ولتكن رغبتك في ان ~~تكون محقا عالما في الحقيقة ، وان سميت مبطلا جاهلا أحمق مغلوبا ، اكثر من ~~رغبتك في ان تسمى محقا عالما عاقلا غالبا وانت في الحقيقة مبطل جاهل مغلوب ~~؛ بل لا ترغب في هذا أصلا واكرهه جدا ولك فيمن وصفه الجهال بذلك قبلك من ~~المرسلين عليهم السلام والأفاضل المتقدمون افضل اسوة واكرم قدوة ، وكذلك أن ~~توصف بالفستق وانت فاضل خير من ان توصف بالفضل وانت فاسق . وتحفظ من الخروج ~~من مسألة إلى مسألة قبل تمام الاولى وبيانها فهذا من فعال اهل الجهل . ~~واحذر مكالمة من ليس مذهبه الا المضادة والمخالفة أو الصياح والمغالبة ، ~~فلا تتعن به ولو أمكنك صرفه عن ضلالة بالوعظ لكان حسنا ، فان لم يكن ~~فبالزجر والقدع فان كان ممتنع الجانب فليجنب كما يجتنب المجنون فأذاه اكثر ~~من أذى المجانين . وتحفظ من الكلام بحيث يتعصب عليك ظلما وتحفظ من أن تجيب ~~نفسك عن خصمك مثل ان تقول له : إن قلت كذا ألزمك كذا فلعله لا يقول ذلك ~~فتخزى ، إلا أن يكون مؤلفا ، فلا بد لك من إنصاف خصمك وتقصى حججه والا كنت ~~ظالما . وتحفظ ان تقول خصمك ما لم يقل فتكذب . وتحفظ من ان تجيب من لم ~~يسألك فتحصل على الخزي ؛ واقل ذلك ان يعرض عنك فكيف إن قال لك : لم اسألك . ~~ولا تتكلم على ms196 لسان مناظر غيرك حق يدع الكلام ويبيح لك مناظره ان تكلمه ، ~~فأقل ما في هذا يقول لك : انا غني عن نصرك ، ويقول له خصمه : انا اقويك به ~~مباركا لك فيه فتخزى جدا . واياك والكلام في علم من العلوم حتى تتبحر فيه ~~إلا على سبيل الاستفهام والتزيد الا ما احسنت منه فقط . واعترف لمن هو أعلم ~~منك فهذا زين لك ولا تبخسه حقه فان تنقصك اياه ( 3 ) [ ليس نقصا له ] بل هو ~~نقص فيك . واياك والامتداح بما تحسن واترك ذلك فهو من غيرك فيك أحسن . ولا ~~تحقر احدا حتى تعرف ما عنده فربما فجأك منه ما لم احتسب ، وليس ذلك الامن ~~فعل اهل النوك الذين لا يحصلون . واحذر كل من لا ينصف وكل من لا يفهم ، ولا ~~تكلم الا من ترجو انصافه وفهمه ، وانفق الزمان الذي يمضي ضياعا في مكالمة ~~من لا يفهم ولا ينصف فيما هو أعود عليك تعش غانما سالما من المغالط وهذان ~~حظان جليلان جدا . واجعل بدل كلامك حمد الله عز وجل على السلامة من مثل ~~حاله ولا تتكلم الا في ابانة حق واستبانته . PageV01P181 واعلم انه انه لا ~~يقدر أحد على هذه الشروط الا بخصلة واحدة وهي ان يروض نفسه على قلة ~~المبالاة بمدح الناس له أو ذمهم إياه ولكن يجعل وكده طلب الحق لنفسه فقط . ~~وقد ذكرت الاوائل في صفة المنقطع وجوها نذكرها وهي : منها أن يقصد إبطال ~~الحق أو التشكك فيه ومن هذا النوع ان يحيل في جواب ما يسأل عنه على انه ~~ممتنع غير ممكن . والثاني ان يستعمل البهت والرقاعة والمجاهرة بالباطل ولا ~~يبالي بتناقض قوله ولا بفساد ما ذهب إليه ومن ذلك ان يحكم بحكم ثم ينقضه . ~~والثالث الانتقال من قول وسؤال إلى سؤال على سبيل التخليط لا على سبيل ~~الترك والابانة . والرابع ان يستعمل كلاما مستغلقا يظن العاقل انه مملوء ~~حكمة وهو مملوء هذرا . ومن أقرب ما حضرني ذكره حين كتابي هذا الشأن من كتب ~~الناس فكتاب أبي الفرج القاضي المسمى ' باللمع ' فانه ms197 مملوء كلاما معقدا ~~مغلقا لا معنى له الا التناقض والبناء والهدم لما بنى . وفي زماننا من سلك ~~هذه الطريق في كلامه فلعمري لقد أوهم خلقا كثيرا انه ينطق بالحكمة واعمري ~~ان اكثر كلامه ما يفهمه هو فكيف غيره . والخامس ان يحرج خصمه ويلجئه إلى ~~تكرار بلا زيادة فائدة لأنه يرجع إلى الموضوع الذي طرد عنه ويلوذ حواليه ~~ولا تقوى ولا مزيدا اكثر من وصف قوله بلا حجة . والسادس الايهام بالتضاحك ~~والصياح والمحاكاة والتطييب والاستجهال والجفاء وربما بالسب والتكفير ~~واللعن والسفه والقذف بالامهات والآباء وبالحري إن لم يكن لطام وركاض . ~~واكثر هذه المعاني ليست تكاد تجد في اكثر اهل زماننا غيرها . والله ~~المستعان . والناس في كلامهم الذين فضلوا به على البهائم والذي لولاه كانوا ~~من اشباه الحمير والبقر ، على ثلاثة أصناف : فصنف لا يبالي فيما صرف كلامه ~~مبادرا إلى الانكار أو التصديق أو المكابرة أو المكابرة دون تحقيق فان ~~سألته إثر انقضاء كلامه عن القول الذي نصر دون تحقيق لم يدر ولا عرف من نصر ~~ولا قوله ، وهذا هو الأغلب في الناس ، وتجد من هذه صفته يضن على أخيه وجاره ~~بزبل منتن عند رجل حماره يبذله لمن ينتفع به وهو أسمح الناس بالنطق الذي ~~بان به عن التيوس والكلاب في غير اجر ولا بر لكن في الباطل والوزر والافساد ~~وان لم يحصل من ذلك ظاهرا الا على تحسن انابيب صدره وتصديع رأسه واحتدام ~~طبعه وان سفه وسفه عليه . وصنف آخر PageV01P182 ينصر ما عقد عليه بنيته ~~واعتقده بغير برهان فلا يبالي بما نصره من حق أو باطل أو محال أو مكابرة أو ~~أذى ، وكذلك لا تجده اعتقد ما اعتقد إلا إلفا أو تقليدا أو شهوة ، دون تحري ~~حق ولا مجانبة باطل ، وهؤلاء كثير وهم دون الأولين . وصنف ثالث لا يقصدون ~~الا إلى نصر الحق وقمع الباطل وهؤلاء قليل جدا ولا أعلم في الموجودات شيئا ~~أقل منه البتة ، نسأل الله تعالى ان يثبتنا في عددهم ولا يخلينا عن هذه ~~الصفة الكريمة بمنه آمين ms198 ، فان العاقل ينبغي له أن يبغض نفقة حياته ونطقه ~~اللذين بهما أبانه خالقه عن الجمادات وسائر الحيوانات في غير ما ينتفع بع ~~لمعاده أثر مما يبغض انفاق ماله الذي هو غاد عنه ورائع . واعلم ان ماذكرنا ~~من الوقوف على الحقائق لا يكون الا بشدة البحث ، وشدة البحث لا تكون الا ~~بكثرة المطالعة لجميع الآراء والاقوال والنظر في طبائع الاشياء وسماع حجة ~~كل محتج والنظر فيها والتفتيش ، والاشراف على الديانات والنحل والمذاهب ~~والاختيارات واختلاف الناس وقراءة كتبهم ، فمن ذم من الجهال ما ذكرنا خالف ~~ربه تعالى ، فقد أعلمنا عز وجل في كتابه المنزل أقوال المختلفين من اهل ~~الجحد القائلين بأن العالم لم يزل ، ومن اهل الثنوية ، ومن اهل التثليث ~~والملحدين في صفة كل ذلك ليرينا تعالى تناقضهم وفسادهم أقوالهم . ثم نرجع ~~فنقول : ولا بد لطالب الحقائق من الاطلاع على القرآن ومعانيه ورواية الفاظه ~~وأحكامه وحديث النبي صلى الله عليه وسلم وسيره الجامعة لجميع الفضائل ~~المحمودة في الدنيا والموصلة إلى الآخرة . ولا بد مع ذلك من مطالعة الاخبار ~~القديمة والحديثة والاشراف على قسم البلاد ومعرفة الهيئة والوقوف على اللغة ~~التي تقرأ الكتب المترجمة بها والتحري في وجوده المستعمل منها ولا بد له من ~~مطالعة النحو ويكفيه منه ما يصل به إلى اختلاف المعاني بما يقف عليه من ~~اختلاف الحركات في الألفاظ ومواضع الاعراب منها ، وهذا مجموع في كتاب ' ~~الجمل ' لأبي القاسم عبد الرحمن بن [ اسحاق ] الزجاجي الدمشقي . واما كل ما ~~تقدم فليستكثر منه ما امكنه ولذلك حدان : حد هو الغاية وحد هو الذي لا ~~ينبغي ان يقتصر على اقل منه . فالحد الاكبر هو الاتخلو من النظر في العلوم ~~التي قدمنا الا في أوقات اداء الفرائض PageV01P183 والنظر فيما لا بدلك منه ~~من المعاش وترك كل ما يمكن ان تستغني عنه من أمور الدنيا . واعلم ان نظرك ~~في العلوم على نية ادراك الحقائق في انكار الباطل ونصر الحق وتعليمه للناس ~~وهدي الجاهل ومعرفة ما تدين به خالقك عز وجل لئلا تعبده على جهل فتخطئ ms199 اكثر ~~مما تصيب من ملة الله تعالى ونحلة الحق والمذهب المصيب في اداء ما تعبدك به ~~تعالى ونفعك الناس في اديانهم وابدانهم وتدبير امورهم وانقاذ احكامهم ~~وسياستهم ، وتبصير من يتولى شيئا من ذلك وتعديل طبعه ونصيحته في ذلك بالحق ~~وتفهيمه وتقبيح القبيح لديه ، افضل عند الله من كل ما يتقرب به إلى الله عز ~~وجل واعظم أجرا واعود عليك من كل ما تكسبه بعد ما لا قوام لجسمك وعينك الا ~~به مما لعلك تتركه لمن لو شاهدت فعله فيه بعدك لغاظك ، ومن كل جاه لعله لا ~~يكسبك الا الاثم والخوف والتعب والغيظ ، واعلم ان ذلك اعظم ثوابا وافضل ~~عاقبة واكثر منفعة من صلتك الناس بالدنانير والدراهم ؛ وضرر الجهل والخطأ ~~أشد واعظم من ضرر الفقر والخمول . واعلم انك لا تورث العلو الا من يكسبك ~~الحسنات وانت ميت ، والذكر الطيب وانت رميم ، ولا يذكرك الا بكل جميل . ولا ~~تورثه بعدك ولا تصحب في حياتك في طريقه الا كل فاضل ، وليست تصحب في طلب ~~المال والجاه الا اشباه الثعالب والذئاب . واحدثك في ذلك بما نرجو ان ينتفع ~~بع قارئه ان شاء الله تعالى ، ذلك اني كنت معتقلا في يد الملقب بالمستكفي ~~محمد بن عبد الرحمن بن عبيد الله بن الناصر في مطبق وكنت لا أومن قتله لأنه ~~كان سلطانا جائرا ظالما عاديا قليل الدين كثير الجهل غبر مأمون ولا متثبت ، ~~وكان ذنبنا عنده صحبتنا للمستظهر رضي الله عنه وكان العيارون قد انتزوا ~~بهذا الخاسر على المستظهر فقتله ، واستولى على الامر واعتقلنا حيث ذكرنا . ~~وكنت مفكرا في مسألة عويصة من كليات الجمل التي تقع تحتها معان عظيمة كثر ~~فيها الشغب قديما وحديثا في احكام الديانة وهي متصرفة الفروع في جميع ابواب ~~الفقه ، فطالت فكرتي فيها أياما وليالي إلى ان لاح PageV01P184 لي وجه ~~البيان فيها وصح لي وحق يقينا في حكمها وانبلج ، وانا في الحال الذي وصفت ~~فبالله الذي لا اله الا هو الخالق مدبر الامور كلها اقسم ، الذي لا يجوز ~~القسم بسواه ، لقد كان ms200 سروري يومئذ وانا في تلك الحال بظفري بالحق فيما كنت ~~مشغول البال به واشراق الصواب لي اشد من سروري باطلاقي مما كنت فيه ، وما ~~الفنا كتابنا هذا وكثيرا مما ألفنا الا ونحن مغربون مبعدون عن الوطن والاهل ~~والولد ، مخافون مع ذلك في انفسنا ظلما وعدوانا ، لا نستر هذا بل نعلنه ، ~~ولا نمكن الطالب إبطال قولنا في ذلك ، إلى الله نشكو ، واياه نستحكم لا ~~سواه ، لا اله الا هو . واما الحد الاصغر الذي ينبغي للعاقل ان [ لا ] يقصر ~~دونه فلينظر الوقت الذي ينفرد به للفضول من الحديث الذي لا يجزي مع جيرانه ~~أو القعود متبطلا بلا شغل لا من عمل اخرى ولا من عمل دنيا ، أو حين مشيه في ~~الأرض مرحا ، وقد نهاه خالقه عن ذلك ، فليجعل هذه الاوقات للتعلم والنظر في ~~العلوم التي قدمنا ورياضة طبعه على العدل الذي هو رأس كل فضيلة ، فان العدل ~~يقتضى ان لا يميل لقول على قول الا ببرهان واضح ، ويقتضى له أيضا ان لا ~~يشتغل بالادنى ويترك الافضل ، فانه ان فعل هكذا اوشك ان يظفر بما فيه الفوز ~~في الدارين . واما الاوقات التي يشتغل فيها اهل الجهل اما بالذات بالمعاصي ~~واما بظلم الناس في اموالهم واليعي بالفساد في سياستهم والنيل من اعراضهم ~~والجور عليهم ، فان اشتغالهم بالامراض المؤلمة لانفسهم المؤذية لابدانهم ~~أعود عليهم من ذلك وافضل فكيف الاشتغال بالعلوم المؤدية إلى خير الدنيا ~~وفوز الآخرة ؟ وقد قال الواحد الأول : { إنما يخشى الله من عباده العلماء } ~~( فاطر : 28 ) وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ' من يرد الله به خيرا ~~يفقه في الدين ' ولا فقه الا بمعرفة ما ذكرنا والاشراف عليه . فمن حرم ما ~~ذكرت فما أخوفنا عليه ان يكون الله عز وجل لم يرد به خيرا ، نعوذ بالله من ~~ذلك لأنفسنا ولابنائنا ولاخواننا واهل الخير والفضل ، وما توفيقنا إلا ~~بالله عز وجل . واعلم ان من فضل العلم والاكباب على طلبه والعمل بموجبه انك ~~تحصل على طرد الهم الذي هو الغرض الجامع لجميع المقاصد من ms201 كل قاصد اولها عن ~~آخرها وبالله تعالى التوفيق وهو حسبنا ونعم الوكيل لا اله الا هو . ~~PageV01P185 19 - باب كيفية اخذ المقدمات من العلوم الظاهرة عند الناس ~~بايجاز العلوم الدائرة بين الناس اليوم المقصودة اثنا عشر علما ، وينتج ~~علمان زائدان ، وهذه الرتبة هي غير الرتبة التي كانت عند المتقدمين ، ولكن ~~إنما نتكلم على ما ينفع به الناس في كل زمان مما يتصلون به إلى مطلوبهم من ~~ادراك العلوم بحول الله تعالى وقوته . فالعلوم التي ذكرنا : علم القرآن . ~~وعلم الحديث . وعلم المذاهب . وعلم الفتيا . وعلم المنطق . وعلم النحو . ~~وعلم اللغة . وعلم الشعر . وعلم الخبر . وعلم الطب . وعلم العدد . وعلم ~~الهندسة . وعلم النجوم . وينتج من هذه علوم العبارة وعلم البلاغة . فاما ~~علم القرآن فينقسم أقساما وهي علم قراءاته واعرابه وغريبه وتفسيره واحكامه ~~؛ فالرجوع إليه من علم قراءات القرآن ومقدمات مقبولة راجعة إلى قراء مرضيين ~~معلومين ، راجعة إلى النبي صلى الله عليه وسلم الذي قامت البراهين على صحة ~~نقلها عنه وعلى صحة ثبوته . واما اعرابه فهو مقدمة صحيحة فيه إذا اخذ اللفظ ~~فيه على حركات ما وهيئة ما فهو أصل مرجوع إليه . واما لغته فالمعهود منها ~~في اللغة العربية . واما احكامه فالى مفهوم ألفاظها والى بيان النبي صلى ~~الله عليه وسلم لها . واما الحديث فينقسم قسمين : علم رواته وعلم احكامه . ~~فاما رواته فالمرجع إليه فيهم مقدمات منقولة عن ثقات شهدوا عليهم بالعدالة ~~والحجة والشهادة مأخوذة من القرآن الذي ذكرنا صحته . وأما احكامه فالى ~~مفهوم ألفاظها والى [ دلالة ] بعضها على بعض ، على ما قد شرحنا في غير هذا ~~المكان . وأما علم المذهب فما كان منها خارجا عن الملة الإسلامية فالى ~~مقدمات راجعة إلى أوائل العقل والحس ماذكرنا في كتاب ' الفصل ' . ~~PageV01P186 وأما علم المنطق فقد بيناه في هذا الديوان وهو العبارة على كل ~~علم . وأما علم الفتيا فالى مقدمات مأخوذة من القرآن والحديث اللذين صحا ~~بالبراهين ، والى اجماع العلماء الأفاضل الذي صح بالقرآن على ما بينا في ~~سائر كتبنا . س واما علم النحو فإلى مقدمات محفوظة ms202 عن العرب الذين تزيد ~~معرفة تفهمهم للمعاني يبلغتهم ؛ واما العلل فيه ففاسدة جدا . واما علم ~~اللغة فالى ما سمع أيضا من العرب بنقل الثقات المقبولين لن هذه لغتهم . ~~واما علم الشعر فالى ما سمع أيضا من استعمالهم في الأوزان خاصة دون كل وزن ~~يستعمل عند غيرهم ، إذ إنما يسمى الناس شعرا ما ضمنته الاعاريض فقط التي ~~ذكر النديم في كتابه . واما في مستحسنه ومستقبحه فالى أشياء اصطلح عليها ~~اهل الاكثار من روايته والاكباب على تفتيش معانيه من لفظ عذب سهل ومعنى ~~جامع للحسن واصابة تشبيه وكناية مليحة ونظم بديع . واما علم الخبر فالى ~~مقدمات قد اضطر تواتر النقل إلى الاقرار بصحتها من كون البلاد المشهورة ~~والملوك المعلومين ووقائعهم وسائر اخبارهم مما لا شك فيه . واما علم الطب ~~فالى مقدمات صححتها التجربة اوما بدا وظهر من قوى الامراض وما يولدها عن ~~اضطراب المزاج ومقابلة ذلك بقوى الادوية وذلك كله راجع إلى اوائل العقل ~~والحس . PageV01P187 | واما علم العدد والهندسة فمقدماته من أوائل العقل ~~كلها . واما علم النجوم فينقسم قسمين : أحدهما هيئة الأفلاك وقطع الكواكب ~~والشمس والقمر والسماوات وأقسام الفلك ومراكزها . فهذا القسم مقدماته راجعة ~~إلى العدد والهندسة وأوائل العقل والحس . والقسم الثاني القضايا الكائنة ~~بنصب انتقال الكوكب والشمس والقمر في البروج ومقابلة بعضها بعضا ، فان صححت ~~التجربة شيئا من ذلك صدق ، والا فليس هناك الا أقوال عن قوم متقدمين فقط . ~~واما علم البلاغة فعلى ما نذكره في بابها ان شاء الله عز وجل . واما علم ~~العبارة فالى اشياء رويت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن افاضل اهل ~~هذا العلم . وملاك هذين العلمين التوسع في جميع العلوم مع الطبع والموافقة ~~في اصل الخلقة . وقد انتهينا إلى ما أردنا من احكام القول في البرهان ~~وتوابعه وما تشبه به مما ليس ببرهان . والحمد لله رب العالمين كثيرا لا ~~شريك له وحسبنا الله ونعم الوكيل PageV01P188 # | 7 - كتاب البلاغة # قد تكلم ارسطاطاليس في هذا الباب وتكلم الناس فيه كثيرا ، وقد احكم فيه ~~قدامة بن جعفر ms203 الكاتب كتابا حسنا وبلغنا حين تأليفنا هذا ان صديقنا أحمد بن ~~عبد الملك بن شهيد ألف في ذلك كتابا ، وهو من المتمكنين من علم البلاغة ~~الأقوياء فيه جدا ، وقد كتب ، إلينا يخبرنا بذلك الا اننا لم نر الكتاب بعد ~~فغنينا بالكتب التي ذكرنا عن الايغال في الكلام في هذا الشأن ، ولكنا نتكلم ~~فيه بإيجاز جامع ، ونحيل على ما قد بينه غيرنا ممن سمينا وممن نسمي ، ان ~~شاء الله عز وجل فنقول وبالله تعالى نتأيد : البلاغة قد تختلف في اللغات ~~على قدر ما يستحسن اهل كل لغة من مواقع ألفاظها على المعاني التي تتفق في ~~كل لغة . وقد تكون معدودة في البلاغة ألفاظ مستغربة فإذا كثر استعمالهم لها ~~لم تعد في البلاغة ولا استحسنت . ونقول : البلاغة ما فهمه العامي كفهم ~~الخاصي وكان بلفظ يتنبه له العامي لأنه لا عهد له بمثل نظمه ومعناه واستوعب ~~المراد كله ولم يزد فيه ما ليس منه ولا حذف مما يحتاج من ذلك المطلوب شيئا ~~، وقرب على المخاطب به فهمه ، لوضوحه وتقريبه ما بعد ، وكثر من المعاني ~~وسهل عليه حفظه لقصره وسهولة الفاظه . وملاك ذلك الاختصار لمن يفهم ، ~~والشرح لمن لا يفهم ، وترك التكرار لمن قيل له ولم يعقل وادمان التكرار لمن ~~لم يقبل أو غفل . PageV01P189 وهذا الذي ذكرنا ينقسم قسمين : احدهما مائل ~~إلى الألفاظ المعهودة عند العامة كبلاغة عمرو بن بحر الجاحظ ، وقسم مائل ~~إلى الألفاظ غير المعهودة كبلاغة الحسن البصري وسهل بن هرون . ثم يحدث ~~بينهما قسم ثالث اخذ من كلا الوجهين كبلاغة صاحب ترجمة كليلة ودمنة ، ابن ~~المقفع كان أو غيره . ثم بلاغة الناس تحت هذه الطرائق التي ذكرنا . واما ~~نظم القرآن فان منزله تعالى منع من القدرة على مثله وحال بين البلغاء وبين ~~المجيء بما يشبهه . وقد كان احدث ابن دراج عندنا نوعا من البلاغة ما بين ~~الخطب والرسائل . وأما المتأخرون فانا نقول : انهم مبعدون عن البلاغة ~~ومقربون من الصلف والزيد ، حاشا الحاتمي وبديع الزمان فهما مائلان إلى ~~طريقة سهل بن هرون ms204 . فهذه حقيقة البلاغة ومعناها قد جمعناه والحمد لله رب ~~العالمين . ولا بد لمن اراد علم البلاغة من ان يضرب في جميع العلوم التي ~~قدمنا قبل هذا بنصيب ، واكثر هذا القرآن والحديث والاخبار وكتب عمرو بن بحر ~~ويكون مع ذلك مطبوعا فيه والا لم يكن بليغا ؛ والطبع لا ينفع مع عدم التوسع ~~في العلوم . تم كتاب البلاغة والحمد لله رب العالمين PageV01P190 # | 8 - كتاب الشعر # هذه صناعة قال فيها بعض الحكماء : كل شيء يزينه الصدق الا الساعي والشاعر ~~، فان الصدق يشينهما فحسبك بما تسمع . وقال المتقدمون : الشعر كذب ولهذا ~~منعه الله نبيه صلى الله عليه وسلم فقال تعالى : { وما علمناه الشعر وما ~~ينبغي له } ( يس : 69 ) واخبر تعالى انهم يقولون انهم يقولون مالا يفعلون . ~~ونهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الاكثار منه وإنما ذلك لأنه كذب الا ما ~~خرج عن حد الشعر فجاء مجيء الحكم والمواعظ ومدح النبي صلى الله عليه وسلم . ~~واما ما عدا ذلك فان قائله إن تحرى الصدق فقال : الليل ليل والنهار نهار . ~~. . والبغل بغل والحمار حمار والديك ديك والحمامة مثله . . . وكلاهما طير ~~له منقار صار في نصاب من يهزأ به ويسخر منه ويدخل في المضاحك ، حتى إذا كذب ~~واغرق فقال : ألف السقم جسمه والانين . . . وبراه الهوى فما يستبين لا تراه ~~الظنون الا ظنونا . . . وهو أخفى من أن تراه الظنون قد سمعنا انينه من قريب ~~. . . فاطلبوا الشخص حيث كان الانين لم يعش انه جليد ولكن . . . ذاب سقما ~~فلم تجده المنون حمق وملح ، ولكنا نتكلم فيه [ على ] مقدار ما نحسن فنقول : ~~الشعر ينقسم ثلاثة أقسام : صناعة وطبع وبراعة : فالصناعة هي التأليف الجامع ~~للاستعارة بالأشياء والتحليق على المعاني والكناية عنها ، ورب هذا الباب من ~~المتقدمين زهير بن أبي سلمى ومن المحدثين حبيب بن اوس . PageV01P191 والطبع ~~هو مالم يقع فيه تكلف وكان لفظه عاميا لا فضل فيه عن معناه حتى لو أردت ~~التعبير عن ذلك المعنى بمنثور لم تأت بأسهل منه ولا أوجز من ذلك اللفظ ، ~~ورب هذا الباب سمن المتقدمين ms205 جريد ومن المحدثين الحسن . والبراعة هي التصرف ~~في دقيق المعاني وبعيدها والإكثار فيما لا عهد للناس بالقول فيه واصابة ~~التشبيه وتحسين المعنى اللطيف ، ورب هذا الباب من المتقدمين لمرؤ القيس ومن ~~المتأخرين على بن عباس الرومي . واشعار سائر الناس راجعة إلى الأقسام التي ~~ذكرنا ومركبة منها . واما من أراد التمهر في اقسام الشعر ومختاره وافانين ~~التصرف في محاسنه فلينظر في كتاب قدامة بن جعفر في نقد الشعر وفي كتاب أبي ~~علي الحاتمي ففيها كفاية الكفاية والايعاب لهذا المهنى . وكون المرء شاعرا ~~ليس مكتسبا لكنها حيلة ، الا أننا نقوي صاحبها بالتوسع في الأشعار وتدبرها ~~. وإذ قد تكلمنا في الشعر بكلام جامع لأقسامه وانقضى أربنا فنقول : هذا هو ~~حد المنطق الذي نحذر منه الظنون وترك اليقين قد ، كشفنا غامضه وسهلنا مطلبه ~~وكفينا صاحبه تشنيع الجاهلين وشعوذة الممخرقين وحيرة المتوهمين ، ولله ~~الشكر خالق الاولين والآخرين فلنختم كتابنا بما بدأنا به فنقول : الحمد لله ~~رب العالمين وصلى الله على محمد خاتم أنبيائه ورسله وسلم تسليما كثيرا . تم ~~كتاب التقريب لحد المنطق تأليف الإمام الأوحد البارع أبي محمد علي بن أحمد ~~بن سعيد ابن حزم بن غالب بن صالح ابن خلف بن معدان بن زيد رضوان الله عليه ~~| . . . . . . | PageV01P192 ms206