######OpenITI# #META# 000.SortField :: JK_009337 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: ابن حزم #META# 010.AuthorNAME :: أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم الأندلسي #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 456 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: طوق الحمامة في الألفة والألاف #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: الطرائف والقصص :: كتب الأدب #META# 022.BookVOLS :: 1 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: طوق الحمامة في الألفة والألاف #META# 030.LibURI :: JK_009337 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: NODATA #META# 031.LibURL :: NODATA #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: د . إحسان عباس #META# 041.EdNUMBER :: الثانية #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: المؤسسة العربية للدراسات والنشر #META# 044.EdPLACE :: بيروت / لبنان #META# 045.EdYEAR :: 1987 م #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين # | - 1 - [ صدر الرسالة وأبوابها والكلام في ماهية الحب ] # # | ( 1 ) [ صدر الرسالة ] # قال أبو محمد عفا الله عنه : أفضل ما ابتدئ به حمد الله عز وجل بما هو ~~أهله ، ثم الصلاة على محمد عبده ورسوله خاصة وعلى جميع أنبيائه عامة ، وبعد ~~- عصمنا الله وإياك من الحيرة ، ولا حملنا ما لا طاقة لنا به ، وقيض لنا من ~~جميل عونه دليلا هاديا إلى طاعته ، ووهبنا من توفيقه أدبا صارفا عن معاصيه ~~، ولا وكلنا إلى ضعف عزائمنا ، وخور قوانا ، ووهاء بنيتنا ، وتلدد آرائنا ( ~~1 ) ، وسوء اختيارنا ، وقلة تمييزنا ، وفساد أهوائنا - فإن كتابك وردني من ~~مدينة المرية ( 2 ) إلى مسكني بحضرة شاطبة ( 3 ) ، تذكر من حسن حالك ما ~~يسرني ، وحمدت الله عز وجل PageV01P084 عليه واستدمته لك ، واستزدته فيك ؛ ~~ثم لم ألبث أن اطلع ( 1 ) علي شخصك وقصدتني بنفسك ، على بعد الشقة وتنائي ~~الديار وشحط المزار وطول المسافة وغول الطريق ؛ وفي دون هذا ما سلى المشتاق ~~، ونسى الذاكر ، إلا من تمسك بحبل الوفاء مثلك ، ورعى سالف الأذمة ووكيد ~~المودات وحق النشأة ومحبة الصبا ، وكانت مودته الله تعالى . ولقد أثبت ~~بيننا من ذلك ما نحن عليه حامدون وشاكرون . وكانت معانيك ( 2 ) في كتابك ~~زائدة على ما عهدته من سائر كتبك ، ثم كشفت إلي بإقبالك غرضك ، وأطلعتني ~~على مذهبك ، سجية لم تزل عليها من مشاركتك لي في حلوك ومرك ، وسرك وجهرك ، ~~يحدوك الود الصحيح الذي أنا لك على أضعافه ، لا أبتغي جزاء غير مقابلته ~~بمثله ؛ وفي ذلك أقول مخاطبا لعبيد الله بن عبد الرحمن بن المغيرة بن أمير ~~المؤمنين الناصر ( 3 ) رحمه الله في كلمة لي طويلة وكان لي صديقا : [ من ~~الطويل ] أودك ودا ليس فيه غضاضة . . . وبعض مودات الرجال سراب وأمحضك ~~النصح الصريح وفي الحشا . . . لودك نقش ظاهر وكتاب فلو كان في روحي سواك ~~اقتلعته . . . ومزق بالكفين عنه إهاب وما لي غير الود منك إرادة . . . ولا ~~في سواه لي إليك خطاب PageV01P085 إذا حزته فالأرض جمعاء والورى . . . ( 1 ~~) هباء وسكان البلاد ذباب ms001 وكلفتني - أعزك الله - أن أصنف لك رسالة في صفة ~~الحب ومعانيه وأسبابه وأعراضه ، وما يقع فيه وله ( 2 ) على سبيل الحقيقة ، ~~لا متزايدا ولا مفننا ، لكن موردا لما يحضرني على وجهه وبحسب وقوعه ، حيث ~~انتهى حفظي وسعة باعي فيما أذكره ، فبدرت ( 3 ) إلى مرغوبك ، ولولا الإيجاب ~~لك لما تكلفته ، فهذا من العفو ، والأولى بنا مع قصر أعمارنا ألا نصرفها ~~إلا فيما نرجو به رحب المنقلب وحسن المآب غدا ، وغن كان القاضي حمام بن ~~أحمد ( 4 ) حدثني عن يحيى ابن مالك بن عائذ ( 5 ) بإسناد يرفعه إلى أبي ~~الدرداء أنه قال : أجموا النفوس بشيء من الباطل ليكون عونا لها على الحق ( ~~6 ) ؛ ومن أقوال الصالحين من السلف المرضي : من لم يحسن يتفتى لم يحسن ~~PageV01P086 يتقرأ ( 1 ) . وفي بعض الأثر : أريحوا النفوس فإنها تصدأ كما ~~يصدأ الحديد ( 2 ) . والذي كلفتني فلا بد فيه من ذكر ما شاهدته حضرتي ، ~~وأدركته عنايتي ، وحدثني به الثقات من أهل زماني ، فاغتفر لي الكناية عن ~~الأسماء فهي إما عورة لا نستجيز كشفها ، وإما نحافظ في ذلك صديقا ودودا ~~ورجلا جليلا وبحسبي أن اسمي من لا ضرر في تسميته ولا يلحقنا والمسمى عيب في ~~ذكره ، إما لاشتهار لا يغني عنه الطي وترك التبيين ، وإما لرضى من المخبر ~~عنه بظهور خبره وقلة إنكار منه لنقله . سأورد في رسالتي هذه أشعارا قلتها ~~فيما شاهدته ، فلا تنكر أنت ومن رآها - علي أني سالك فيها مسلك حاكي الحديث ~~عن نفسه ، فهذا مذهب المتحلين بقول الشعر ، وأكثر من ذلك فإن إخواني ~~يجشمونني القول فيما يعرض لهم على طرائقهم ومذاهبهم . وكفاني أني ذاكر لك ~~ما عرض لي مما يشاكل ما نحوت نحوه وناسبه إلي . والتزمت في كتابي هذا ~~الوقوف عند حدك ، والاقتصار على ما رأيت أو صح عندي بنقل الثقات ، ودعني من ~~أخبار الأعراب المتقدمين ، فسبيلهم غير سبيلنا ، وقد كثرت الأخبار عنهم ، ~~وما مذهبي أن أنضي مطية سواي ، ولا أتحلى بحلي مستعار ، والله المستغفر ~~والمستعان لا رب غيره . PageV01P087 # | ( 2 ) [ أبواب الرسالة ] # وقسمت رسالتي هذه ms002 على ثلاثين بابا : منها في أصول الحب عشرة : فأولها هذا ~~الباب ( 1 ) ؛ ثم باب في علامات الحب ، ثم باب فيه ذكر من احب في النوم ، ~~ثم باب فيه ذكر من احب بالوصف ، ثم باب فيه ذكر من احب من نظرة واحدة ، ثم ~~باب فيه ذكر من لا يصح محبته إلا مع المطاولة ، ثم باب التعريض بالقول ، ثم ~~باب الاشارة بالعين ، ثم باب المراسلة ، ثم باب السفير . ومنها في أغراض ~~الحب وصفاته المحمودة والمذمومة اثنا عشر بابا - وإن كان الحب عرضا ، ~~والعرض لا يحتمل الأعراض ( 2 ) ، وصفة ، والصفة لا توصف ، فهذا على مجاز ~~اللغة في إقامة الصفة مقام الموصوف ، وعلى معنى قولنا : وجودنا عرضا أقل في ~~الحقيقة من عرض غيره وأكثر وأحسن وأقبح ، في إدراكنا لها [ و ] علمنا انها ~~متباينة في الزيادة والنقصان ( 3 ) من ذاتها المرئية والمعلومة ، إذ لا تقع ~~فيها الكمية ولا تجزي ، لأنها لا تشغل مكانا - وهي : باب الصديق المساعد ، ~~ثم باب الوصل ، ثم باب طي السير ، ثم باب الكشف والاذاعة ، ثم باب الطاعة ، ~~ثم باب المخالفة ، ثم باب PageV01P088 من احب صفة لم يحب بعدها غيرها مما ~~يخالفها ، ثم باب القنوع ، ثم باب الوفاء ، ثم باب الغدر ، ثم باب الضنى ، ~~ثم باب الموت . ومنها في الآفات الداخلة على الحب ستة أبواب وهي : باب ~~العادل ، ثم باب الرقيب ، ثم باب الواشي ، ثم باب الهجر ، ثم باب البين ، ~~ثم باب السلو . ومن هذه الأبواب الستة بابان لكل واحد منهما ضد من الأبواب ~~المتقدمة الذكر ، وهما : باب العاذل ، وضده باب الصديق المساعد ؛ وباب ~~الهجر ، وضده باب الوصل . ومنها أربعة أبواب لا ضد لها من معاني الحب وهي : ~~باب الرقيب ، وباب الواشي ، ولا ضد لهما إلا ارتفاعهما . وحقيقة الضد ما ~~إذا وقع ارتفع الأول ، وإن كان المتكلمون قد اختلفوا في ذلك ، ولولا خوفنا ~~إطالة الكلام فيما ليس من جنس الكتاب لتقصيناه - ( 1 ) ، وباب البين وضده ~~تصاقب الديار - وليس التصاقب من معاني الحب نتكلم فيها - وباب السلو ، وضده ~~الحب بعينه ، إذ معنى السلو ms003 ارتفاع الحب وعدمه . ومنها بابان ختمنا بهما ~~الرسالة ، وهما : باب الكلام في قبح المعصية ، باب في فضل التعفف ، ليكون ~~PageV01P089 خاتمة إيرادنا وآخر كلامنا الحض على طاعة الله عز وجل ، والأمر ~~بالمعروف والنهي عن المنكر ، فذلك مفترض على كل مؤمن . لكن خالفنا في نسق ~~بعض هذه الأبواب هذه الرتبة المقسمة في درج هذا الباب الذي هو أول أبواب ~~الرسالة ، فجعلناها على مباديها إلى منتهاها واستحقاقها في التقدم والدرجات ~~والوجود ، ومن أول مراتبها إلى آخرها ، وجعلنا الضد إلى جنب ضده فاختلف ~~المساق في أبواب يسيرة والله المستعان . وهيئتها في الإيراد : أولها هذا ~~الباب الذي نحن فيه وفيه صدر الرسالة وتقسيم الأبواب والكلام في باب ماهية ~~الحب ، ثم باب علامات الحب ، ثم باب من أحب في النوم ، ثم باب من أحب ~~بالوصف ، ثم باب من أحب من نظرة واحدة ، ثم باب من لا يحب إلا مع المطاولة ~~، ثم باب من أحب صفة لم يحب بعدها غيرها مما يخالفها ، ثم باب التعريض ~~بالقول ، ثم باب الاشارة بالعين ، ثم باب المراسلة ، ثم باب السفير ، ثم ~~باب طي السر ، ثم باب إذاعته ، ثم باب الطاعة ، ثم باب المخالفة ، ثم باب ~~العاذل ، ثم باب الوصل ، ثم باب الهجر ، ثم باب الوفاء ، ثم باب الغدر ، ثم ~~باب البين ، ثم باب القنوع ، ثم باب الضنى ، ثم باب السلو ، ثم باب الموت ، ~~ثم باب قبح المعصية ، ثم بابا فضل التعفف . # | ( 3 ) [ الكلام في ماهية الحب ] # : الحب - أعزك الله - أوله هزل وآخره جد ، دقت معانيه لجلالتها عن أن ~~توصف ، فلا تدرك حقيقتها إلا بالمعاناة . وليس بمنكر في الديانة ولا بمحظور ~~في الشريعة ، إذ القلوب بيد الله عز وجل . وقد أحب من الخلفاء المهديين ~~والأئمة الراشدين كثير ، منهم PageV01P090 بأندلسنا ( 1 ) عبد الرحمن بن ~~معاوية ( 2 ) لدعجاء ، والحكم بن هشام ( 3 ) ، وعبد الرحمن بن الحكم وشغفه ~~بطروب ( 4 ) أم عبد الله ابنه أشهر من الشمس ، ومحمد بن عبد الرحمن ( 5 ) ~~وأمره مع غزلان أن بنيه عثمان والقاسم والمطرف معلوم ( 6 ) ، والحكم ~~المستنصر وافتتانه ms004 بصبح أم هشام المؤيد بالله ( 7 ) رضي الله عنه وعن ~~جميعهم وامتناعه عن التعرض للولد PageV01P091 من غيرها . ومثل هذا كثير ، ~~ولولا ان حقوقهم على المسلمين واجبة - وإنما يجب أن نذكر من أخبارهم ما فيه ~~الحزم وإحياء الدين ، وغنما هو شيء كانوا ينفردون به في قصورهم مع عيالهم ~~فلا ينبغي الإخبار به عنهم - لأوردت من أخبارهم في هذا الشأن غير قليل . ~~وأما كبار رجالهم ودعائهم دولتهم فأكثر من أن يحصوا ، واحدث ذلك ما شاهدناه ~~بالأمس من كلف المظفر عبد الملك بن أبي عامر ( 1 ) بواجد ، بنت رجل من ~~الجنانين ( 2 ) حتى حمله حبها أن يتزوجها ، وهي التي خلف عليها بعد فناء ~~العامريين الوزير عبد الله بن مسلمة ( 3 ) ، ثم تزوجها بعد قتله رجل من ~~رؤساء البربر . ومما يشبه هذا أن أبا العيش بن ميمون القرشي الحسني ( 4 ) ~~أخبرني أن نزار بن معد صاحب مصر لم ير ابنه منصور بن نزار ( 5 ) الذي ولي ~~الملك بعد وادعى الإلهية إلا بعد مدة من مولده ، مساعدة PageV01P092 لجارية ~~كان يحبها حبا شديدا ، هذا ولم يكن له ذكر ولا يرث ملكه ويحيي ذكره سواه . ~~ومن الصالحين والفقهاء في الدهور الماضية والأزمان القديمة من قد استغني ~~بأشعارهم عن ذكرهم ؛ وقد ورد من خبر عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن ~~مسعود ( 1 ) وشعره ما فيه الكفاية ، وهو أحد فقهاء المدينة السبعة ( 2 ) ، ~~وقد جاء من فتيا ابن عباس رضي الله عنه ما لا يحتاج إلى غيره حين يقول ( 3 ~~) : هذا قتيل الهوى لا عقل ولا قود . وقد اختلف الناس في ماهيته وقالوا ~~وأطالوا والذي أذهب إليه ( 4 ) أنه اتصال بين أجزاء النفوس المقسومة في هذه ~~الخليقة في أصل عنصرها الرفيع ( 5 ) ، لا على ما حكاه محمد بن داود ( 6 ) ~~رحمه PageV01P093 الله عن بعض أهل الفلسفة : الأرواح أكر مقسومة ، لكن على ~~سبيل مناسبة قواها في مقر عالمها العلوي ، ومجاورتها في هيئة تركيبها ( 1 ) ~~. وقد علمنا أن سر التمازج والتباين في المخلوقات إنما هو الاتصال ~~والانفصال ، والشكل دأب ms005 ( 2 ) يستدعي شكله ، والمثل إلى مثله ساكن ، ~~وللمجانسة عمل محسوس وتأثير مشاهد ، والتنافر في الأضداد والموافقة في ~~الأنداد والنزاع فيما تشابه موجود فيما بيننا ، فكيف بالنفس وعالمها العالم ~~الصافي الخفيف ، وجوهرها الجوهر الصعاد المعتدل ، وسنخها المهيأ لقبول ~~الاتفاق والميل والتوق والانحراف والشهوة والنفار - كل ذلك معلوم بالفطرة ~~في أحوال تصرف الإنسان فيسكن إليها ( 3 ) ، والله عز وجل يقول { هو الذي ~~خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها ليسكن إليها } ( الأعراف : 189 ) فجعل ~~علة السكون أنها منه . ولو كان علة الحب حسن الصورة الجسدية لوجب ألا ~~يستحسن الأنقص في الصورة ( 4 ) ، PageV01P094 ونحن نجد كثيرا ممن يؤثر ~~الأدنى ويعلم فضل غيره ولا يجد محيدا لقلبه عنه ( 1 ) . ولو كان للموافقة ~~في الأخلاق لما أحب المرء من لا يساعده ولا يوافقه ، فعلمنا انه شيء في ذات ~~النفس . وربما كانت المحبة لسبب من الأسباب ، وتلك تفنى بفناء سببها ، فمن ~~ودك لأمر ولي مع انقضائه ، وفي ذلك أقول : [ من الطويل ] ودادي لك الباقي ~~على حسب كونه . . . تناهى فلم ينقص بشيء ولم يزد وليست له غير الإرادة ( 2 ~~) علة . . . ولا سبب حاشاه يعلمه أحد إذا ما وجدنا الشيء علة نفسه . . . ~~فذاك وجود ليس يفنى على الأبد وإما وجدناه لشيء خلافه . . . شطر ~~ثانيفإعدامه في عدمنا ما له وجد ومما يؤكد هذا القول أننا علمنا أن المحبة ~~ضروب ( 3 ) ، فأفضلها : محبة المتحابين في الله عز وجل ، إما لاجتهاد في ~~العمل ، وإما لاتفاق في أصل النحلة والمذهب ( 4 ) ، وإما لفضل علم بمنحه ~~الإنسان ؛ ومحبة القرابة ، ومحبة الألفة في الاشتراك في المطالب ، ومحبة ~~التصاحب والمعرفة ، ومحبة البر ( 5 ) يضعه المرء عند أخيه ، ومحبة الطمع ( ~~6 ) في جاه المحبوب ، ومحبة المتحابين لسر يجتمعان _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ ( 1 ~~) قارن بقول ابن الجوزي : وإذا كان سبب العشق اتفاقا في الطباع بطل قول من ~~قال ان العشق لا يكون إلا للأشياء المستحسنة وإنما يكون العشق لنوع مناسبة ~~وملاءمة ثم قد يكون الشيء حسنا عند شخص ، غير حسن ms006 عند آخر ( ذم الهوى : 300 ~~) . ( 2 ) تعبير ' الارادة ' هنا لا أضنه يعني ' الارادة الإنسانية ' وإنما ~~التقدير الإلهي ، أي ان ذلك شيء مرتب في طبيعة النفس ، حسب التوفيق الإلهي ~~، ولهذا عبر عن هذا الموقف بقوله : ' الشيء علة نفسه ' . ( 3 ) هنا يوسع ~~ابن حزم في مفهوم ' الحب ' ، حتى يصبح معنى الاتصال بين أجزاء النفوس ليس ~~اتصالا بين ذكر وانثى ، وإنما هو اتصال بين الأجزاء المتشابهة في كل صعيد ، ~~وعلى هذا الفهم ، سيمضي في كل رسالته ؛ فجهة العشق التي علتها اتصال النفوس ~~ليست إلا وجها واحدا من وجوه المحبة ، وقارن بما ورد في رسالة في مداواة ~~النفوس ( رسائل : 138 ) . ( 4 ) روضة المحبين : في أصل المذهب . ( 5 ) روضة ~~المحبين : ومحبة البر . ( 6 ) روضة المحبين : ومحبة لطمع . PageV01P095 ~~عليه يلزمهما ستره ، ومحبة بلوغ ( 1 ) اللذة وقضاء الوطر ، ومحبة العشق ~~التي لا علة لها إلا ما ذكرنا من اتصال النفوس . فكل هذه الأجناس منقضية ( ~~2 ) مع انقضاء عللها ، وزائدة بزيادتها ، وناقصة بنقصانها ، متأكدة بدنوها ~~فاترة ببعدها ، حاشا محبة العشق الصحيح المتمكن من النفس فهي التي لا فناء ~~لها إلا بالموت . وإنك لتجد الإنسان السالي بزعمه ، وذا السن المتناهية ، ~~إذا ذكرته تذكر وارتاح وصبا واعتاده الطرب واهتاج له الحنين . ولا يعرض في ~~شيء من هذه الأجناس المذكورة ، من شغل البال والخبل والوسواس وتبدل ~~الغرائزالمركبة ، واستحالة السجايا المطبوعة ، والنحول والزفير وسائر دلائل ~~الشجا ، ما يعرض في العشق ، فصح بذلك أنه استحسان روحاني وامتزاج نفساني . ~~فإن قال قائل : لو كان هذا كذلك لكانت المحبة بينهما مستوية ، إذ الجزءان ~~مشتركان في الاتصال وحظهما واحد ، فالجواب عن ذلك أن نقول : هذه لعمري ~~معارضة صحيحة ، ولكن نفس ( 3 ) الذي لا يحب من يحبه مكتنفة الجهات ببعض ~~الأعراض الساترة والحجب المحيطة بها من الطبائع الأرضية فلم تحس بالجزء ~~الذي كان متصلا بها قبل حلولها حيث هي ، ولو تخلصت لاستويا في الاتصال ~~والمحبة . ونفس المحب متخلصة عالمة بمكان ما كان يشركها في المجاورة ، ~~طالبة له ، قاصدة إليه ، باحثة عنه ، مشتهية لملاقاته ، جاذبة له لو أمكنها ms007 ~~كالمغنيطس والحديد . فقوة جوهر المغنيطس المتصلة بقوة جوهر الحديد لم تبلغ ~~من PageV01P096 تحكمها ولا من تصفيتها أن تقصد إلى الحديد على انه من شكلها ~~وعنصرها ، كما أن قوة الحديد لشدتها قصدت إلى شكلها وانجذبت نحوه ، إذ ~~الحركة أبدا إنما تكون من الأقوى ، وقوة الحديد متروكة الذات غير ممنوعة ~~بحابس ، تطلب ما يشبهها وتنقطع إليه وتنهض نحوه بالطبع والضرورة وليس ~~بالاختيار والتعمد . وأنت متى أمسكت الحديد بيدك لم ينجذب ، إذ لم يبلغ من ~~قوته أيضا مغالبة الممسك له مما هو أقوى منه . ومتى كثرت أجزاء الحديد ~~اشتغل بعضها ببعض واكتفت بأشكالها عن طلب اليسير من قواها النازحة عنها ، ~~فمتى عظم جرم المغنيطس ووازت قواه جميع قوى جرم الحديد عادت إلى طبعها ~~المعهود . وكالنار في الحجر ( 1 ) لا تبرز على قوة النار في الاتصال ~~والاستدعاء لأجزائها حيث كانت إلا بعد القدح ومجاورة الجرمين بضغطهما ~~واصطكاكهما ، وإلا فهي كامنة في حجرها لا تبدو ولا تظهر . ومن الدليل على ~~هذا أيضا أنك لا تجد اثنين يتحابان إلا وبينهما مشاكلة واتفاق [ في ] ~~الصفات الطبيعية ، لابد في هذا وإن قل ، وكلما كثرت الأشباه زادت المجانسة ~~وتأكدت المودة ، فانظر هذا تره عيانا ، وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يؤكده : ' الأرواح جنود مجندة ما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف ' ~~( 2 ) ، وقول مروي عن أحد الصالحين : PageV01P097 ' أرواح المؤمنين تتعارف ~~' . ولذلك ما اغتم بقراط حين وصف له رجل من أهل النقصان يحبه ، فقيل له في ~~ذلك فقال : ما أحبني إلا وقد وافقته في بعض أخلاقه ( 1 ) . وذكر أفلاطون أن ~~بعض الملوك سجنه ظلما ، فلم يزل يحتج عن نفسه حتى أظهر براءته ، وعلم الملك ~~أنه له ظالم ، فقال له وزيره الذي كان يتولى إيصال كلامه إليه : أيها الملك ~~، قد استبان لك أنه بريء فما لك وله فقال الملك : لعمري ما لي إليه سبيل ~~غير أني أجد لنفسي استثقالا لا أدري ما هو . فأدي ذلك إلى افلاطون . قال : ~~فاحتجت أن أفتش في نفسي وأخلاقي شيئا أقابل به نفسه وأخلاقه ms008 مما يشبهها ، ~~فنظرت في أخلاقه فإذا هو محب للعدل كاره للظلم ، فميزت هذا الطبع في ، فما ~~هو إلا أن حركت هذه الموافقة وقابلت نفسه بهذا الطبع الذي بنفسي فأمر ~~بإطلاقي وقال لوزيره : قد انحل كل ما أجد في نفسي له . وأما العلة التي ~~توقع الحب أبدا في أكثر الأمر على الصورة الحسنة ، فالظاهر أن النفس تولع ~~بكل شيء حسن وتميل إلى التصاوير المتقنة ، فهي إذا رأت بعضها تثبتت فيه ( 2 ~~) ، فإن ميزت وراءها شيئا من PageV01P098 أشكالها اتصلت وصحت المحبة ~~الحقيقية ، وإن لم تميز وراءها شيئا من أشكالها لم يتجاوز حبها الصورة ، ~~وذلك هو الشهوة ؛ وإن للصور لتوصيلا عجيبا بين أجزاء النفوس النائية . ~~وقرأت في السفر الأول من التوراة ( 1 ) أن النبي يعقوب عليه السلام أيام ~~رعيه غنما للابان خاله مهرا لابنته شارطه على المشاركة في إنسالها ، فكل ~~بهيم ليعقوب وكل أغر للابان ، فكان يعقوب عليه السلام يعمد إلى قضبان الشجر ~~يسلخ نصفا ويترك نصفا بحاله ، ثم يلقي الجميع في الماء الذي ترده الغنم ، ~~ويتعمد إرسال الطروقة في ذلك الوقت فلا تلد إلا نصفين ، نصفا بهما ونصفا ~~غرا . وذكر عن بعض القافة أنه أتي بابن أسود لأبيضين ، فنظر إلى أعلامه ~~فرآه لهما عير شك ، فرغب ان يوقف على الموضع الذي اجتمعا عليه ، فأدخل ~~البيت الذي كان فيه مضجعهما ، فرأى فيما يوازي نظر المرأة صورة أسود في ~~الحائط ، فقال لأبيه : من قبل هذه الصورة أتيت في ابنك . وكثيرا ما يصرف ~~شعراء أهل الكلام هذا المعنى في اشعارهم ، فيخاطبون المرئي في الظاهر خطاب ~~المعقول الباطن ، وهو المستفيض في شعر النظام إبراهيم بن سيار ( 2 ) وغيره ~~من المتكلمين ، وفي ذلك أقول شعرا منه : [ من البسيط ] : PageV01P099 ما ~~علة النصر في الأعداء نعرفها . . . وعلة الفر منهم إذ يفرونا إلا نزاع نفوس ~~الناس قاطبة . . . إليك يا لؤلؤا في الناس مكنونا ومن كنت قدامه لا ينثني ~~أبدا . . . فهم إلى نورك الصعاد يعشونا ومن تكن خلفه فالنفس تصرفه . . . ~~إليك طوعا فهم دأبا يكرونا ومن ذلك أقول : [ من الطويل ] | أمن ms009 عالم ~~الأملاك ( 1 ) أنت أم آنسي . . . أبن لي فقد أزرى بتمييزي العي أرى هيئة ~~إنسية غير أنه . . . إذا أعمل التفكير فالجرم علوي تبارك من سوى مذاهب خلقه ~~. . . على انك النور الأنيق الطبيعي ولا شك عندي أنك الروح ساقه . . . ~~إلينا مثال في النفوس اتصالي عدمنا دليلا في حدوثك شاهدا . . . نقيس عليه ~~أنك مرئي ولولا وقوع العين في الكون لم نقل . . . سوى أنك العقل الرفيع ~~الحقيقي وكان بعض أصحابنا يسمي قصيدة لي ' الإدراك المتوهم ' منها : [ من ~~المتقارب ] . ترى كل ضد به قائما . . . فكيف تحد اختلاف المعاني فيا أيها ~~الجسم لا ذا جهات . . . ويا عرضا ثابتا غير فان نقضت علينا وجوه الكلام . . ~~. فما هو مذ لحت بالمستبان وهذا بعينه موجود في البغضة ، ترى الشخصين ~~يتباغضان لا لمعنى ولا علة ، ويستثقل بعضهما بعضا بلا سبب . والحب - أعزك ~~الله - داء عياء وفيه الدواء منه على قدر PageV01P100 المعاناة ( 1 ) ، ~~وسقام مستلذ وعلة مشتهاة لا يود سليهما البرء ولا يتمنى عليلها الإفاقة ؛ ~~يزين للمرء ما كان يأنف منه ، ويسهل عليه ما كان يصعب عنده حتى يحيل ~~الطبائع المركبة والجبلة المخلوقة ، وسيأتي كل ذلك مخلصا في بابه إن شاء ~~الله . خبر : ولقد علمت فتى من بعض معارفي قد وحل في الحب وتورط في حبائله ~~، وأضر به الوجد ، وأنصبه ( 2 ) الدنف ، وما كانت نفسه تطيب دعاؤه إلا ~~بالوصل والتمكن ممن يحب ، على عظيم بلائه وطويل همه ، فما الظن بسقيم لا ~~يريد فقد سقمه ! ولقد جالسته يوما فرأيت من إكبابه وسوء حاله وإطراقه ما ~~ساءني ، فقلت له في بعض قولي : ' فرج الله عنك ' فلقد رأيت أثر الكراهية في ~~وجهه ؛ وفي مثله أقول من كلمة طويلة : [ من البسيط ] وأستلذ بلائي فيك يا ~~أملي . . . ولست عنك مدى الأيام انصرف إن قيل لي تتسلى عن مودته . . . فما ~~جوابي إلا اللام والألف خبر : وهذه الصفات مخالفة لما أخبرني به عن نفسه ~~أبو بكر محمد بن قاسم بن محمد القرشي المعروف بالشبانسي ( 3 ) ، من ولد ~~الإمام هشام _ _ _ _ _ _ _ _ ms010 _ _ ( 1 ) في طبعة بتروف وغيرها : المعاملة ؛ ~~وما أثبته هو قراءة برشيه . ( 2 ) هذه هي قراءة برشيه ؛ وفي مختلف الطبعات ~~: ' وأنضحه الدنف ' وليس في معاني لفظ ' أنضح ' ما يمكن توجيهه نحو هذا ~~المعنى . ( 3 ) محمد بن قاسم بن محمد بن اسماعيل بن هشام بن محمد بن هشام ~~بن الوليد بن هشام الرضى بن عبد الرحمن بن معاوية القرشي المرواني المعروف ~~بالشبانسي ، كان عالما بالآداب متقدما في البلاغة والكتابة ، استقر بعد ~~الفتنة بطليطلة كاتبا للرسائل بها ، وتوفي سنة 447 ( التكملة 1 : 389 ) ~~ولأبيه القاسم بن محمد الشبانسي ترجمة في الجذوة : 310 ) والبغية رقم : ~~1296 وكان الأب أيضا أديبا شاعرا ، سجن في أيام المنصور فكتب إليه بقصيدة ~~يستعطفه فيها فرق له وأطلقه ؛ ولأخيه عبد الرحمن ترجمة في التكملة رقم : ~~1549 ؛ وقد تصحفت كلمة ' الشبانسي ' في طبعات الطوق وتنبه لها غرسيه غومس ( ~~انظر ترجمته للطوق : 103 الحاشية رقم : 2 ) . PageV01P101 ابن عبد الرحمن ~~بن معاوية أنه لم يحب أحدا قط ، ولا أسف على إلف بان منه ، ولا تجاوز حد ~~الصحبة والألفة إلى حد الحب والعشق منذ خلق . PageV01P102 # | - 2 - باب علامات الحب # وللحب علامات يقفوها الفطن ( 1 ) ، ويهتدي إليها الذكي . فأولها إدمان ~~النظر ؛ والعين باب النفس الشارع ، وهي المنقبة عن سرائرها ، والمعبرة ~~لضمائرها ، والمعربة عن بواطنها . فترى الناظر لا يطرف ، ينتقل بتنقل ~~المحبوب وينزوي بانزوائه ، ويميل حيث مال ، كالحرباء مع الشمس ، وفي ذلك ~~أقول شعرا منه : [ من الطويل ] فليس لعيني عند غيرك موقف . . . كأنك ما ~~يحكون من حجر البهت ( 2 ) PageV01P103 أصرفها حيث انصرفت وكيفما . . . ~~تقلبت كالمنعوت في النحو والنعت ومنها الإقبال بالحديث ، فما يكاد ( 1 ) ~~يقبل على سوى محبوبه ولو تعمد ذلك ، وإن التكلف ليستبين لمن يرمقه فيه ؛ ~~والإنصات لحديثه إذا حدث ، واستغراب كل ما يأتي به ولو انه عين المحال وخرق ~~العادات ؛ وتصديقه وإن كذب ؛ وموافقته وإن ظلم ؛ والشهادة له وإن جار ، ~~واتباعه كيف سلك وأي وجه من وجوه القول تناول ؛ ومنها الإسراع بالسير نحو ~~المكان الذي يكون فيه ؛ والتعمد للقعود بقربه والدنو ms011 منه ؛ واطراح الأشغال ~~الموجبة للزوال عنه ، والاستهانة بكل خطب جليل داع إلى مفارقته ؛ والتباطؤ ~~في المشي ( 2 ) عند القيام عنه ؛ وفي ذلك أقول شعرا : [ من الخفيف ] وإذا ~~قمت عنك لم أمش إلا . . . مشي عان يقاد نحو الفناء في مجيئي إليك أحتث ~~كالبد . . . ر إذا كان قاطعا للسماء وقيامي إن قمت كالأنجم العا . . . لية ~~الثابتات في الإبطاء ومنها بهت يقع وروعة تبدو على المحب عند رؤية من يحب ~~فجأة وطلوعه بغتة ؛ ومنها اضطراب يبدو على المحب عند رؤية من يشبه محبوبه ~~أو عند سماع اسمه فجأة . وفي ذلك أقول قطعة منها : [ من الطويل ] ~~PageV01P104 إذا ما رأت عيناي لابس حمرة . . . تقطع قلبي حسرة وتفطرا غدا ~~لدماء الناس باللحظ سافكا . . . وضرج منها ثوبه فتعصفرا ومنها أن يجود ~~المرء يبذل كل ما كان يقدر عليه مما كان يمتنع ( 1 ) به قبل ذلك ، كأنه هو ~~الموهوب له والمسعي في حظه ، كل ذلك ليبدي محاسنه ويرغب في نفسه ؛ فكم بخيل ~~جاد ، وقطوب تطلق ، وجبان تشجع ، وغليظ الطبع تظرف ، وجاهل تأدب ، وتفل ( 2 ~~) تزين ، وفقير تجمل ، وذي سن تفتى ، وناسك تفتك ، ومصون تهتك . وهذه ~~العلامات تكون قبل استعار نار الحب وتأجج حريقه ، وتوقد شعله واستطارة لهبه ~~. فأما إذا تمكن وأخذ مأخذ فحينئذ ترى الحديث سرارا ، والإعراض عن كل من ~~حضر إلا عن المحبوب جهارا . ولي أبيات جمعت فيها كثيرا من هذه العلامات ، ~~منها : [ من البسيط ] أهوى الحديث إذا ما كان يذكر لي . . . فيه ويعبق لي ~~عن عنبر أرج عن قال لم أستمع ممن يجالسني . . . إلى سوى لفظه المستظرف ~~الغنج ولو يكون أمير المؤمنين معي . . . ما كنت من أجله عنه بمنعرج فإن أقم ~~عنه مضطرا فإني لا . . . ( 3 ) أزال ملتفتا والمشي مشي وجي عيناي فيه وجسمي ~~عنه مرتحل . . . مثل ارتقاب الغريق البر في اللجج أغض بالماء إن أذكر ~~تباعده . . . ( 4 ) كمن تثاءب وسط النقع والرهج وأن تقل ممكن قصد السماء ~~أقل . . . نعم وإني لأدري موضع الدرج PageV01P105 ومن علاماته وشواهده ~~الظاهرة لكل بصر : الانبساط الكثير الزائد [ في المكان الضيق ms012 ] ( 1 ) ~~والتضايق في المكان الواسع ، والمجاذبة على الشيء يأخذه أحدهما ، وكثرة ~~الغمز الخفي ، والميل بالأتكاء ، والتعمد لمس اليد عند المحادثة ، ولمس ما ~~أمكن من الأعضاء الظاهرة ، وشرب فضلة ما أبقى المحبوب في الإناء ، وتحري ~~المكان الذي يقابله فيه . ومنها علامات متضادة ، وهي على قدر الدواعي ~~والعوارض الباعثة والأسباب المحركة والخواطر المهيجة . والأضداد أنداد ، ~~والأشياء إذا أفرطت في غايات تضادها ، ووقفت في انتهاء حدود اختلافها ~~تشابهت ، قدرة من الله عز وجل تضل فيها الأوهام . فهذا الثلج إذا أدمن حبسه ~~في اليد فعل فعل النار ، ونجد الفرح إذا أفرط قتل ، والغم إذا أفرط قتل ، ~~والضحك إذا كثر واشتد أسال الدمع من العينين . وهذا في العالم كثير ، فنجد ~~المحبين إذا تكافيا في المحبة وتأكدت بينهما تأكدا شديدا كثر تهاجرهما ( 2 ~~) بغير معنى ، وتضادهما في القول تعمدا ، وخروج بعضهما على بعض في كل يسير ~~من الأمور ، وتتبع كل منهما لفظة تقع من صاحبه وتأولها على غير معناها ، كل ~~هذه تجربة ليبدو ما يعتقده كل واحد منهما في صاحبه . والفرق بين هذا وبين ~~حقيقة الهجرة والمضادة المتولدة عن الشحناء ومحاربة ( 3 ) التشاجر سرعة ~~الرضى ، فإنك بينما ترى المحبين PageV01P106 قد بلغا الغاية من الاختلاف ~~الذي لا تقدره يصلح عند الساكن النفس السالم من الأحقاد في الزمن الطويل ، ~~ولا ينجبر عند الحقود أبدا ، فلا تلبث أن تراهما قد عادا إلى أجمل الصحبة ، ~~وأهدرت المعاتبة ، وسقط الخلاف ، وانصرفا في ذلك الحين بعينه إلى المضاحكة ~~والمداعبة ، هكذا في الوقت الواحد مرارا . وإذا رأيت هذا من اثنين فلا ~~يخالجك شك ولا يدخلنك ريب ألبتة ولا تتمار في أن بينهما سرا من الحب دفينا ~~، واقطع فيه قطع من لا يصرفه عنه صارف . ودونكها تجربة صحيحة وخبرة صادقة . ~~هذا لا يكون إلا عن تكاف ( 1 ) في المودة وائتلاف صحيح ، وقد رأيته كثيرا . ~~ومن أعلامه أنك تجد المحب يستدعي ( 2 ) سماع اسم من يحب ، ويستلذ الكلام في ~~أخباره ويجعلها هجيراه ، ولا يرتاح لشيء ارتياحه لها ، ولا ينهنهه عن ذلك ~~تخوف ان يفطن السامع ms013 ويفهم الحاضر ، وحبك الشيء يعمي ويصم ( 3 ) . فلو أمكن ~~المحب ألا يكون حديث في مكان فيه إلا ذكر من يحبه لما تعداه . ويعرض للصادق ~~المودة ان يبتدئ في الطعام وهو له مشته فما هو إلا وقت ما يهتاج له ذكر من ~~يحب صار الطعام غصة في الحلق وشجى في المرئ ، وهكذا في الماء ، وفي الحديث ~~، فإنه يفاتحكه مبتهجا ، فتعرض له خطرة من خطرات الفكر فيمن يحب ، فتستبين ~~PageV01P107 الحوالة ( 1 ) في منطقه ، والتقصير في حديثه ، وآية ذلك الوجوم ~~والإطراق وشدة الانغلاق ، فبينما هو طلق الوجه خفيف الحركات صار منطبقا ~~متثاقلا حائر النفس جامد الحركة يبرم من الكلمة ويضجر من السؤال . ومن ~~علاماته حب الوحدة ، والأنس بالانفراد ، ونحول الجسم دون حر ( 2 ) يكون فيه ~~، ولا وجع مانع من التقلب والحركة والمشي ؛ دليل لا يكذب ، ومخبر لا يخون ~~عن علة ( 3 ) في النفس كامنة . والسهر من أعراض المحبين ، وقد أكثر الشعراء ~~في وصفه وحكوا انهم رعاة الكواكب وواصفو طول الليل ؛ وفي ذلك أقول وأذكر ~~كتمان السر وأنه يتوسم بالعلامات : [ من الوافر ] تعلمت السحائب من شؤوني . ~~. . فعمت بالحيا السكب الهتون وهذا الليل فيك غدا رفيقي . . . بذلك على ~~سهري معيني فإن لم ينقض الإظلام إلا . . . [ إذا ] ما أطبقت نوما جفوني ~~فليس إلى النهار لنا سبيل . . . وسهد زائد في كل حين كأن نجومه والغيم يخفي ~~. . . سناها عن ملاحظة العيون ضمير في ودادك يا منايا . . . فليس يبين إلا ~~بالظنون PageV01P108 وفي مثل ذلك قطعة منها : [ من الكامل ] أرعى النجوم ~~كأنني كلفت أن . . . أرعى جميع ثبوتها والخنس فكأنها والليل نيران الجوى . ~~. . قد أضرمت في فكري من حندس وكأنني أمسيت حارس روضة . . . خضراء وشح ~~نبتها بالنرجس لو عاش بطليموس أيقن أنني . . . أقوى الورى في رصد جري الكنس ~~والشيء قد يذكر لما يوجبه : وقع لي في هذه الأبيات تشبيه شيئين بشيئين في ~~بيت واحد ، وهو البيت الذي أوله ' فكأنها والليل ' في بيت واحد ، وتشبيه ~~أربعة أشياء في بيت واحد ، وكلاهما في هذه القطعة أوردها وهي : [ من الطويل ~~] مشوق معنى ما ينام ms014 مسهد . . . بخمر التجني ما يزال يعربد ففي ساعة يبدي ~~إليك عجائبا . . . يمر ويستحلي ويدني ويبعد كأنه النوى والعتب والهجر ~~والرضى . . . ( 1 ) قران وأنداد ونحس وأسعد رثى لغرامي بعد طول تمنع . . . ~~وأصبحت محسودا وقد كنت أحسد نعمنا على نور من الروض زاهر . . . سقته ~~الغوادي فهو يثني ويحمد كأن الحيا والمزن والروض عاطرا . . . دموع وأجفان ~~وخد مورد ولا ينكر علي منكر قولي ' قران ' فأهل المعرفة بالكواكب يسمون ~~التقاء كوكبين في درجة واحدة قرانا . ولي أيضا ما هو أتم من هذا ، وهو ~~تشبيه خمسة أشياء في بيت واحد في هذه القطعة وهي : [ من الطويل ] خلوت بها ~~والراح ثالثة لنا . . . وجنح ظلام الليل مذ مد ما انبلج PageV01P109 فتاة ~~عدمت العيش إلا بقربها . . . فهل في ابتغاء العيش ويحك من حرج كأني وهي ~~والكاس والخمر والدجى . . . ثرى وحيا والدر والتبر والسبح فهذا أمر لا مزيد ~~فيه ولا يقدر أحد على اكثر منه ، إذ لا يحتمل العروض ولا بنية الأسماء أكثر ~~من ذلك . ويعرض للمحب القلق عند أحد أمرين : أحدهما عند رجائه لقاء من يحب ~~فيعرض عند ذلك حائل . خبر : وإني لأعلم بعض من كان محبوبه يعده الزيارة ، ~~فما كنت أراه إلا جائيا وذاهبا لا يقر به القرار ولا يثبت في مكان واحد ، ~~مقبلا مدبرا قد استخفه السرور بعد ركانة ، وأشاطه بعد رزانة ؛ ولي في معنى ~~انتظار الزيارة : [ من الطويل ] أقمت إلى أن جاءني الليل راجيا . . . لقاءك ~~يا سؤلي ويا غاية الأمل فأيأسني الإظلام عنك ولم أكن . . . لأيأس يوما إن ~~بدا الليل يتصل وعندي دليل ليس يكذب خبره . . . بأمثاله في مشكل الأمر ~~يستدل لأنك لو رمت الزيارة لم يكن . . . ( 1 ) ظلام ودام النور فينا ولم ~~يزل والثاني عند حادث يحدث بينهما من عتاب لا تدرى حقيقته إلا بالوصف . ~~فعند ذلك يشتد القلق حتى يوقف على الجلية ( 2 ) ، فإما أن PageV01P110 يذهب ~~تحامله إن رجا العفو ، وإما أن يصير القلق حزنا وأسفا إن تخوف الهجر . ~~ويعرض للمحب الاستكانة لجفاء المحبوب عليه ، وسيأتي مفسرا في بابه إن شاء ~~الله تعالى ms015 . ومن أعراضه الجزع الشديد والحيرة ( 1 ) المفظعة تغلب عندما ~~يرى من إعراض محبوبه عنه ونفاره منه ، وآية ذلك الزفير وقلة الحركة والتأوه ~~وتنفس الصعداء . وفي ذلك أقول شعرا منه : جميل الصبر مسجون و : . . . ( 2 ) ~~دموع العين سارحة ومن علاماته أنك ترى المحب يحب أهل محبوبه وقرابته وخاصته ~~حتى يكونوا أحظى لديه من أهله ونفسه ومن جميع خاصته . والبكاء من علامات ~~المحب ولكن يتفاضلون فيه ، فمنهم غزير الدمع هامل الشؤون تجيبه عينه وتحضره ~~عبرته إذا شاء ، ومنهم جمود العين عديم الدمع ، وأنا منهم . وكان الأصل في ~~ذلك إدماني أكل الكندر ( 3 ) لخفقان القلب ، وكان عرض لي في الصبا ، فإني ~~لأصاب بالمصيبة الفادحة فأجد قلبي يتفطر ويتقطع ، وأحس في قلبي غصة أمر من ~~العلقم تحول بيني وبين توفية الكلام حق مخارجه ، وتكاد تشرقني PageV01P111 ~~بالنفس ( 1 ) أحيانا ولا تجيب عيني البتة إلا في الندرة بالشيء اليسير من ~~الدمع . خبر : ولقد أذكرني هذا الفصل يوما ودعت أنا وأبو بكر محمد بن إسحاق ~~( 2 ) صاحبي أبا عامر محمد بن [ أبي ] عامر ( 3 ) صديقنا - رحمه الله - في ~~سفرته إلى المشرق ( 4 ) التي لم نره بعدها ، فجعل أبو بكر يبكي عند وداعه ~~وينشد متمثلا بهذا البيت : [ من الطويل ] ألا إن عينا لم تجد يوم واسط . . ~~. ( 5 ) عليك بباقي دمعها لجمود وهو في رثاء يزيد بن عمر بن هبيرة رحمه ~~الله ، ونحن وقوف على ساحل البحر بمالقة ( 6 ) ، وجعلت أنا أكثر التفجع ~~والأسف PageV01P112 ولا تساعدني عيني ، فقلت مجيبا لأبي بكر : [ من الطويل ~~] وإن امرءا لم يفن حسن اصطباره . . . عليك وقد فارقته لجليد وفي المذهب ~~الذي عليه الناس أول من قصيدة قلتها قبل بلوغ الحلم ، أولها : [ من الطويل ~~] دليل الأسى نار على القلب تلفح . . . ودمع على الخدين يهمي ويسفح إذا كتم ~~المشغوف سر ضلوعه . . . فإن دموع العين تبدي وتفضح إذا ما جفون العين سالت ~~شؤونها . . . ففي القلب داء للغرام مبرح ويعرض في الحب سوء الظن واتهام كل ~~كلمة من أحدهما وتوجيهها إلى غير وجهها ، وهذا أصل العتاب بين المحبين ms016 . ~~وإني لأعلم من كان أحسن الناس ظنا ، وأوسعهم نفسا ، وأكثرهم صبرا ، وأشدهم ~~احتمالا ، وأرحبهم صدرا ، ثم لا يحتمل ممن يحب شيئا ، ولا يقع له معه أيسر ~~مخالفة حتى يبدي من التعديد فنونا ، ومن سوء الظن وجوها . وفي ذلك أقول ~~شعرا منه : [ من المنسرح ] أسيء ظني بكل محتقر . . . ( 1 ) تأتي به ، ~~والحقير من حقره كي لا يرى أصل هجرة وقلى . . . فالنار في بدء أمرها شرره ~~وأصل عظم الأمور أهونها . . . ومن صغير النوى ترى شجره وترى المحب إذا لم ~~يثق بنقاء طوية محبوبه له ، كثير التحفظ مما لم يكن يتحفظ منه قبل ذلك ، ~~مثقفا لكلامه ، مزينا لحركاته ، ومرامي طرفه ، ولا سيما إن دهي بمتجن وبلي ~~بمعربد . ومن آياته مراعاة المحب لمحبوبه ، وحفظه لكل ما يقع منه ، وبحثه ~~عن أخباره حتى لا يسقط عنه دقيقه ولا جليله ، وتبعه لحركاته . ولعمري لقد ~~ترى البليد يصير في هذه الحالة ذكيا ، والغافل فطنا . PageV01P113 خبر : ~~ولقد كنت يوما بالمرية قاعدا في دكان إسماعيل بن يونس الطبيب الإسرائيلي ( ~~1 ) ، وكان بصيرا بالفراسة محسنا لها ، وكنا في لمة ، فقال له مجاهد بن ~~الحصين القيسي : ما تقول في هذا وأشار إلى رجل منتبذ عنا ناحية اسمه حاتم ~~ويكنى أبا البقاء ، فنظر إليه ساعة يسيرة ثن قال : هو رجل عاشق ، فقال له : ~~صدقت : فمن أين قلت هذا قال : لبهت مفرط ظاهر على وجهه فقط دون سائر حركاته ~~، فعلمت أنه عاشق وليس بمريب ( 2 ) . PageV01P114 # | - 3 - باب من أحب في النوم # ولابد لكل حب من سبب يكون له أصلا ، وأنا مبتدئ بأبعد ما يمكن أن يكون من ~~أسبابه ليجري الكلام على نسق ، أو أن ( 1 ) يبتدأ أبدا بالسهل والأهون . ~~فمن أسبابه شيء لولا أني شاهدته لم أذكره لغرابته . خبر : وذلك أني دخلت ~~يوما على أبي السري عمار بن زياد صاحبنا مولى المؤيد ( 2 ) فوجدته مفكرا ~~مهتما فسألته عما به ، فتمتع ساعة ثم قال لي : أعجوبة ما سمعت قط . قلت : ~~وما ذاك قال : رأيت في نومي الليلة جارية فاستيقظت وقد ذهب قلبي فيها وهمت ms017 ~~بها ، وإني لفي أصعب حال من حبها . ولقد بقي أياما كثيرة تزيد على الشهر ~~مغموما لا يهنئه شيء وجدا ، إلى أن عذلته وقلت له : من الخطأ العظيم أن ~~تشغل نفسك بغير حقيقة ، وتعلق وهمك بمعدوم لا يوجد ، هل تعلم من هي قال : ~~لا والله ، قلت : إنك لفيل ( 3 ) الرأي مصاب البصيرة إذ تحب PageV01P115 من ~~لم تره قط ، ولا خلق ولا هو في الدنيا ، ولو عشقت صورة من صور الحمام ( 1 ) ~~لكنت عندي أعذر ؛ فما زلت به حتى سلا وما كاد . وهذا عندي من حديث النفس ~~وأضغائها ، وداخل في باب التمني وتخيل الفكر ، وفي ذلك أقول شعرا منه ( 2 ) ~~[ من البسيط ] يا ليت شعري من كانت وكيف سرت . . . أطلعة الشمس كانت أم هي ~~القمر أظنه العقل أبداه تدبره . . . أو صورة الروح أبدتها لي الفكر أو صورة ~~مثلت في النفس من أملي . . . فقد تخيل ( 3 ) في إدراكها البصر أو لم تكن كل ~~هذا فهي حادثة . . . أتى بها سببا في حتفي القدر PageV01P116 # | - 4 - باب من أحب بالوصف # من غريب أصول العشق أن تقع المحبة بالوصف دون المعاينة ، وهذا أمر يترقى ~~منه إلى جميع الحب ، فتكون المراسلة والمكاتبة والهم والوجد والسهر على غير ~~الإبصار ، فغن للحكايات ونعت المحاسن ورصف الأخبار تأثيرا في النفس ظاهرا ؛ ~~وأن تسمع نغمتها من وراء جدار ، فيكون سببا للحب واشتغال البال . وهذا كله ~~قد وقع لغير ما واحد ، ولكنه عندي بنيان هار على غير أس ، وذلك أن الذي ~~أفرغ ذهنه في هوى من لم ير لابد له إذ يخلو بفكره أن يمثل لنفسه صورة ~~يتوهمها وعينا يقيمها نصب ضميره ، لا يتمثل في هاجسه غيرها ، قد مال بوهمه ~~نحوها ، فإن وقعت المعاينة يوما ما فحينئذ يتأكد الأمر أو يبطل بالكلية ، ~~وكلا الوجهين قد عرض وعرف ، وأكثر ما يقع هذا في ربات الخدور ( 1 ) ~~المحجوبات من أهل البيوتات مع أقاربهن من الرجال ، وحب النساء في هذا أثبت ~~من حب الرجال لضعفهن وسرعة إجابة طبائعهن إلى هذا الشأن ، وتمكنه منهن ؛ ~~وفي ذلك أقول ms018 شعرا ( 2 ) منه : [ من الهزج ] . PageV01P117 ويا من لامني في ~~حب من لم يره طرفي . . . لقد أفرطت في وصفك لي في الحب بالضعف . . . فقل هل ~~تعرف الجنة يوما بسوى الوصف . . . وأقول شعرا في استحسان النغمة دون وقوع ~~العين على العيان منه : [ من مخلع البسيط ] قد حل جيش الغرام ( 1 ) سمعي . ~~. . وهو على مقلتي يبدو وأقول أيضا في مخالفة الحقيقة لظن المحبوب عند وقوع ~~الرؤية : [ من الكامل ] وصفوك لي حتى إذا أبصرت ما . . . وصفوا علمت بأنه ~~هذيان فالطبل جلد فارغ وطنينه . . . يرتاع منه ويفرق الإنسان وفي ضد هذا ~~أقول : لقد وصفوك لي حتى التقينا . . . فصار الظن حقا في العيان فأوصاف ~~الجنان مقصرات . . . على التحقيق عن قدر الجنان وإن هذه الأحوال لتحدث بين ~~الأصدقاء والإخوان ، وعني أحدث ، خبر : أنه كان بيني وبين رجل من الأشراف ~~ود وكيد وخطاب كثير ، وما تراءينا قط ، ثم منح الله لي لقاءه ، فما مرت إلا ~~أيام قلائل حتى وقعت لنا منافرة عظيمة ووحشة شديدة متصلة إلى الآن ، فقلت ~~في ذلك قطعة منها : [ من البسيط ] PageV01P118 أبدلت أشخاصنا ( 1 ) كرها ~~وفرط قلى . . . كما الصحائف قد يبدلن بالنسخ ووقع لي ضد هذا مع أبي عامر بن ~~أبي عامر رحمة الله عليه ، فإني كنت له على كراهة صحيحة وهو لي كذلك ، ولم ~~يرني ولا رأيته ، وكان أصل ذلك تنقيلا يحمل إليه عني وإلي عنه ، ويؤكده ~~انحراف بين أبوينا لتنافسهما فيما كانا فيه أود الناس وصرت له كذلك ، إلى ~~ان حال الموت بيننا ؛ وفي ذلك أقول قطعة منها : [ من المتقارب ] أخ لي ~~كسبنيه اللقاء . . . وأوجدني فيه علقا شريفا وقد كنت أكره منه الجوار . . . ~~وما كنت أرغبه لي أليفا وكان البغيض فصار الحبيب . . . وكان الثقيل فصار ~~الخفيفا وقد كنت أدمن عنه الوجيف . . . فصرت أديم إليه الوجيفا وأما أبو ~~شاكر عبد الواحد بن محمد القبري ( 2 ) فكان لي صديقا مدة على غير رؤية ، ثم ~~التقينا فتأكدت المودة واتصلت وتمادت إلى الآن . PageV01P119 # | - 5 - باب من أحب من نظرة واحدة # وكثيرا ما يكون لصوق الحب بالقلب من ms019 نظرة واحدة ، وهو ينقسم قسمين ، ~~فانقسم الواحد مخالف للذي قبل هذا ، وهو أن يعشق المرء صورة لا يعلم من هي ~~ولا يدري لها اسما ولا مستقرا ، وقد عرض هذا لغير واحد ؛ خبر : حدثني ~~صاحبنا أبو بكر محمد بن أحمد بن إسحاق عن ثقة أخبره سقط عني اسمه ، وأظنه ~~القاضي ابن الحذاء ( 1 ) ، أن يوسف بن هارون الشاعر ( 2 ) المعروف بالرمادي ~~كان مجتازا عند باب العطارين PageV01P120 بقرطبة ( 1 ) ، وهذا الموضع كان ~~مجتمع النساء ، فرأى جارية أخذت بمجامع قلبه وتخلل حبها جميع اعضائه ، ~~فانصرف عن طريق الجامع وجعل يتبعها وهي ناهضة نحو القنطرة ( 2 ) ، فجازتها ~~إلى الموضع المعروف بالربض . فلما صارت بين رياض بني مروان - رحمهم الله - ~~المبنية على قبورهم في مقبرة الربض خلف النهر نظرت منه منفردا عن الناس لا ~~همة له غيرها ، فانصرفت إليه فقالت له : مالك تمشي ورائي فأخبرها بعظيم ~~بليته بها . فقالت له : دع عنك هذا ولا تطلب فضيحتي فلا مطمع لك في البتة ~~ولا إلى ما ترغبه سبيل ، فقال : إني أقنع بالنظر ، فقالت : ذلك مباح لك ، ~~فقال لها : يا سيدتي ، أحرة أم مملوكة قالت : مملوكة ، فقال لها : ما اسمك ~~. قالت : خلوة ، قال : ولمن أنت فقالت له : علمك والله بما في السماء ~~السابعة أقرب إليك مما سألت عنه ، فدع المحال ، فقال لها : يا سيدتي ، وأين ~~أراك بعد هذا قالت : حيث رأيتني اليوم في مثل تلك الساعة من كل جمعة . . ~~فقالت له : إما تنهض أنت أو انهض أنا ( 3 ) ، فقال لها : انهضي في ~~PageV01P121 حفظ الله . فنهضت نحو القنطرة ولم يمكنه اتباعها لأنها كانت ~~تلتفت نحوه لترى أيسايرها أم لا . فلما تجاوزت باب القنطرة أتى يقفوها فلم ~~يقع لها على مسألة . قال أبو عمر - وهو يوسف بن هارون - : فو الله لقد ~~لازمت باب العطارين والربض من ذلك الوقت إلى الآن فما وقعت لها على خبر ولا ~~أدري أسماء لحستها أرض بلعتها ، وإن في قلبي منها لأحر من الجمر ، وهي خلوة ~~التي يتغزل بها في أشعاره . ثم وقع بعد ذلك على ms020 خبرها بعد رحيله في سببها ~~إلى سرقسطة ( 1 ) في قصة . ومثل ذلك كثير ، وفي لك أقول قطعة منها : [ من ~~البسيط ] عيني جنت في فؤادي لوعة الفكر . . . فأرسل الدمع مقتصا من البصر ~~فكيف تبصر الدمع منتصفا . . . ( 2 ) منها بإغراقها في دمعها الدرر لم ألقها ~~قبل إبصاري فأعرفها . . . وآخر العهد منها ساعة النظر PageV01P122 والقسم ~~الثاني مخالف للباب الذي بعد هذا الباب إن شاء الله ، وهو أن يعلق المرء من ~~نظرة واحدة جارية معروفة الاسم والمكان والمنشأ ، ولكن التفاضل يقع في هذا ~~في سرعة الفناء وإبطائه ، فمن أحب من نظرة واحدة وأسرع العلاقة من لمحة ~~خاطرة فهو دليل على قلة الصبر ، ومخبر بسرعة السلو ، وشاهد الطرافة ( 1 ) ~~والملل . وهكذا في جميع الأشياء : أسرعها نموا أسرعها فناء ، وأبطؤها حدوثا ~~أبطؤها نفادا . خبر : إني لأعلم فتى من أبناء الكتاب ورأته امرأة سرية ~~النشأة ، عالية المنصف ، غليظة الحجاب ، وهو مجتاز ، ورأته في موضع تطلع ~~منه كان في منزلها ، فعلقته وعلقها ، وتهاديا المراسلة زمانا على أدق من حد ~~السيف ، ولولا أني لم أقصد في رسالتي هذه كشف الحيل وذكر المكايد لأوردت ~~مما صح عندي أشياء تحير اللبيب وتدهش العاقل ، أسبل الله علينا ستره وعلى ~~جميع المسلمين بمنه ، وكفانا . PageV01P123 # | - 6 - باب من لا يحب إلا مع المطاولة # ومن الناس من لا تصح محبته إلا بعد طول المخافتة ( 1 ) وكثير المشاهدة ~~وتمادى الأنس ، وهذا الذي يوشك أن يدوم ويثبت ولا يحيك فيه مر الليالي ، ~~فما دخل عسيرا لم يخرج يسيرا ، وهذا مذهبي . وقد جاء في الأثر أن الله عز ~~وجل قال للروح حين أمره أن يدخل جسد آدم ، وهو فخار ، فهاب وجزع : ادخل ~~كرها واخرج كرها . حدثناه عن شيوخنا . ولقد رأيت من أهل هذه الصفة من إن ~~أحس من نفسه بابتداء هوى أو توجس من استحسانه ميلا إلى بعض الصور استعمل ~~الهجر وترك الإلمام ، لئلا يزيد ما يجد فيخرج الأمر عن يديه ، ويحال بين ~~العير والنزوان ( 2 ) . وهذا يدل على لصوق الحب بأكباد أهل هذه الصفة ، ~~وأنه إذا تمكن ms021 منهم لم يحل أبدا . وفي ذلك أقول قطعة منها : [ من الوافر ] ~~PageV01P124 سأبعد عن دواعي الحب إني . . . رأيت الحزم من صفة الرشيد رأيت ~~الحب أوله التصدي . . . بعينك في أزاهير الخدود فبينا أنت مغتبط مخلى . . . ~~إذا قد صرت في حلق القيود كمغتر بضحضاح قريب . . . فزل فغاب في غمر المدود ~~وإني لأطيل العجب من كل من يدعي أنه يحب من نظرة واحدة ، ولا أكاد أصدقه ، ~~ولا أجعل حبه إلا ضربا من الشهوة ، وأما أن يكون في ظني متمكنا من صميم ~~الفؤاد نافذا في حجاب القلب فما أقدر ذلك ، وما لصق بأحشائي حب قط إلا مع ~~الزمن الطويل وبعد ملازمة الشخص لي دهرا وأخذي معه في كل جد وهزل ، وكذلك ~~أنا في السلو والتوقي ، فما نسيت ودا لي قط ، وإن حنيني إلى كل عهد تقدم لي ~~ليغصني بالطعام ويشرقني بالماء ، وقد استراح من لم تكن هذه صفته . وما مللت ~~شيئا قط بعد معرفتي به ، ولا أسرعت إلى الأنس مذ كنت ، لا أقول الألاف ~~والإخوان وحدهم ، لكن في كل ما يستعمل الإنسان من ملبوس ومركوب ومطعوم وغير ~~ذلك ، وما انتفعت بعيش ولا فارقني الإطراق والانغلاق ( 1 ) مذ ذقت طعم فراق ~~الأحبة ، وإنه لشجى يعتادني وولوع هم ما ينفعك يطرقني ، ولقد نغص تذكري ما ~~مضى كل عيش استأنفه ، وإني لقتيل الهموم في عداد الأحياء ، ودفين الأسى بين ~~أهل الدنيا . والله المحمود على كل حال لا إله إلا هو ؛ وفي ذلك أقول شعرا ~~منه : [ من الطويل ] محبة صدق لم تكن بنت ساعة . . . ولا وريت حين ارتفاد ( ~~2 ) زنادها ولكن على مهل سرت وتولدت . . . بطول امتزاج فاستقر عمادها ~~PageV01P125 فلم يدن منها عزمها وانتفاضها ( 1 ) . . . ولم ينأ عنها مكثها ~~وازديادها يؤكد ذا أنا نرى كل نشأة . . . ( 2 ) تتم سريعا عن قريب نفادها ~~ولكني أرض عزاز صليبة . . . منيع إلى كل الغروس انقيادها فما نفذت منها ~~لديها عروقها . . . فليست تبالي أن تجود عهادها ولا يظن ظان ولا يتوهم ~~متوهم أن كل هذا مخالف لقولي المسطر صدر الرسالة : إن الحب اتصال بين ms022 ~~النفوس في أصل عالمها العلوي ( 3 ) ، بل هو مؤكد له . فقد علمنا أن النفس ~~في هذا العالم الأدنى قد غمرتها الحجب ، ولحقتها الأعراض ، وأحاطت بها ~~الطبائع الأرضية الكونية ( 4 ) ، فسترت كثيرا من صفاتها وإن كانت لم تحله ، ~~لكن حالت دونه ، فلا يرجى الاتصال على الحقيقة إلا بعد التهيؤ من النفس ~~والاستعداد له ، وبعد إيصال المعرفة إليها بما يشاكلها ويوافقها ، ومقابلة ~~الطبائع التي خفيت بما يشابهها من طبائع المحبوب ، فحينئذ يتصل اتصلا صحيحا ~~بلا مانع . وأما ما يقع من أول وهلة ببعض أعراض الاستحسان الجسدي ، ~~واستطراف البصر الذي لا يجاوز الألوان ، فهذا سر الشهوة ( 5 ) ومعناها على ~~الحقيقة ، فإذا فضلت ( 6 ) الشهوة وتجاوزت هذا الحد ووافق الفضل اتصال ~~نفساني تشترك فيه الطبائع مع النفس تسمى PageV01P126 عشقا . ومن هذا ( 1 ) ~~دخل الغلط على من يزعم انه يحب اثنين ويعشق شخصين متغايرين ، فإنما هذا من ~~جهة الشهوة التي ذكرناها آنفا ، وهي على المجاز تسمى محبة لا على التحقيق ، ~~وأما نفس المحب فما في الميل به فضل يصرفه في أسباب دينه ودنياه فكيف ~~بالاشتغال بحب ثان ! وفي ذلك أقول ( 2 ) : [ من الخفيف ] كذب المدعي هوى ~~اثنين حتما . . . مثل ما في الأصول أكذب ماني ( 3 ) ليس في القلب موضع ~~لحبيبي . . . ( 4 ) ن ولا أحدث الأمور بثاني فكما العقل واحد ليس يدري . . ~~. خالقا غير واحد رحمان فكذا القلب واحد ليس يهوى . . . غير فرد مباعد أو ~~مدان هو في شرعة المودة ذو شر . . . ك ( 5 ) بعيد من صحة الإيمان وكذا ~~الدين واحد مستقيم . . . وكفور من عقدة ( 6 ) دينان وإني لأعرف فتى من أهل ~~الجدة ( 7 ) والحسب والأدب كان يبتاع الجارية وهي سالمة الصدر من حبه ، ~~وأكثر من ذلك كارهة له لقلة حلاوة شمائل كانت فيه ، وقطوب دائم كان لا ~~يفارقه ولا سيما مع النساء ، فكان لا يلبث إلا يسيرا ريثما يصل إليها ~~بالجماع ويعود ذلك الكره حبا مفرطا وكلفا زائدا واستهتارا مكشوفا ، ويتحول ~~الضجر PageV01P127 لصحبته ضجرا لفراقه . صحبه هذا الأمر في عدة منهن ، فقال ~~بعض إخواني ، فسألته ms023 عن ذلك فتبسم نحوي وقال : إذا والله أخبرك ، أنا أبطأ ~~الناس إنزالا ، تقضي المرأة شهوتها وربما ثنت وإنزالي وشهوتي لم ينقضيا بعد ~~، وما فترات بعدها ( 1 ) قط ، وإني لأبقى بمنتي ( 2 ) بعد انقضائها الحين ~~الصالح ، وما لاقى صدري صدر امرأة قط عند الخلوة إلا عند تعمدي المعانقة ، ~~وبحسب ارتفاع صدري نزول مؤخري . فمثل هذا وشبهه إذا وقع ( 3 ) وافق أخلاق ~~النفس وولد المحبة ، إذ الأعضاء الحساسة مسالك إلى النفوس ومؤديات نحوها . ~~PageV01P128 # | - 7 - باب من أحب صفة لم يستحسن بعدها غيرها مما يخالفها # واعلم أعزك الله إن للحب حكما على النفوس ( 1 ) ، ماضيا ، وسلطانا قاضيا ~~( 2 ) ، وأمرا لا يخالف ، وحدا لا يعصى ، وملكا لا يتعدى ، وطاعة لا تصرف ، ~~ونفاذا لا يرد ، وأنه ينقض المرر ، ويحل المبرم ، ويحلل الجامد ، ويخل ( 3 ~~) الثابت ، ويحل الشغاف ، ويحل الممنوع . ولقد شاهدت كثيرا من الناس لا ~~يهتمون في تمييزهم ، ولا يخاف عليهم سقوط في معرفتهم ، ولا اختلال بحسن ~~اختيارهم ، ولا تقصير في حدسهم ، قد وصفوا أحبابا لهم في بعض صفاتهم بما ~~ليس بمستحسن عند الناس ولا يرضى في الجمال ، فصارت هجيراهم ، وعرضة ~~لأهوائهم ، ومنتهى استحسانهم ، ثم مضى أولئك إما بسلو أو بين أو هجر أو بعض ~~عوارض الحب ، وما فارقهم استحسان تلك الصفات ولا بان عنهم تفضيلها على ما ~~هو أفضل منها في الخليقة ( 4 ) ، ولا مالوا إلى سواها ؛ بل صارت تلك الصفات ~~المستجادة عند الناس مهجورة عندهم وساقطة لديهم إلى أن فارقوا الدنيا ~~وانقضت PageV01P129 اعمارهم ، حنينا منهم إلى من فقدوه ، وألفه لمن صحبوه . ~~وما أقول إن ذلك كان تصنعا لكن طبعا حقيقيا واختيارا لا يدخل ( 1 ) فيه ، ~~ولا يرون سواه ، ولا يقولون في طي عقدهم بغيره . وإني لأعرف من كان في جيد ~~حبيبه بعض الوقص ( 2 ) فما استحسن أغيد ولا غيداء بعد ذلك ؛ وأعرف من كان ~~أول علاقته بجارية مائلة إلى القصر فما أحب طويلة بعد هذا ؛ وأعرف أيضا من ~~هوي جارية في فمها فوه ( 3 ) لطيف فلقد كان يتقذر كل فم صغير ويذمه ويكرهه ms024 ~~الكراهية الصحيحة . وما أصف عن منقوصي الحظوظ في العلم والأدب لكن عن أوفر ~~الناس قسطا في الادراك ، وأحقهم باسم الفهم والدراية . وعني أخبرك أني ~~أحببت في صباي جارية لي شقراء الشعر فما استحسن من ذلك الوقت سوداء الشعر ، ~~ولو أنه على الشمس أو على صورة الحسن نفسه ، وإني لأجد هذا في أصل تركيبي ~~من ذلك الوقت ، لا تواتيني نفسي على سواه ولا تحب غيره البتة ، وهذا العارض ~~بعينه عرض لأبي رضي الله عنه وعلى ذلك جرى إلى أن وافاه أجله . وأما جماعة ~~خلفاء بني مروان - رحمهم الله - ولا سيما ولد الناصر ( 4 ) منهم ، فكلهم ~~مجبولون على تفضيل الشقرة ، لا يختلف في ذلك منهم مختلف ، وقد رأيناهم ~~ورأينا من رآهم من لدن ( 5 ) دولة PageV01P130 الناصر إلى الآن فما منهم ~~إلا أشقر ، نزاعا إلى أمهاتهم ، حتى قد صار ذلك فيهم خلقة ، حاشا سليمان ~~الظافر ( 1 ) رحمه الله ، فإني رأيته أسود اللمة واللحية . وأما الناصر ~~والحكم المستنصر رضي الله عنهما فحدثني الوزير أبي رحمه الله ( 2 ) وغيره ~~انهما كانا أشقرين أشهلين ، وكذلك هشام المؤيد ومحمد المهدي ( 3 ) وعبد ~~الرحمن المرتضى ( 4 ) رحمهم الله ، فإني قد رأيتهم مرارا ودخلت عليهم ~~فرأيتهم شقرا شهلا ، وهكذا أولادهم وإخوتهم وجميع أقاربهم ، فلا أدري أذلك ~~استحسان مركب في جميعهم أم لرواية كانت عند أسلافهم في ذلك فجروا عليها . ~~وهذا ظاهر في شعر عبد الملك بن مروان بن عبد الرحمن بن مروان بن أمير ~~المؤمنين الناصر وهو المعروف بالطليق ( 5 ) ، وكان أشعر أهل الأندلس في ~~زمانهم وأكثر تغزله بالشقر ، وقد رأيته وجالسته . PageV01P131 وليس من ~~العجب فيمن أحب قبيحا ثم لم يصحبه ذلك في سواه فقد وقع من ذلك ، ولا في من ~~طبع مذ كان على تفضيل الأدنى ، ولكن في من كان ينظر بعين الحقيقة ثم غلب ~~عليه هوى عارض بعد طول بقائه في الجمام فأحاله عما عهدته نفسه حوالة صارت ~~له طبعا ، وذهب طبعه الأول وهو يعرف فضل ما كان عليه أولا ، فإذا رجع إلى ~~نفسه وجدها تأبى إلا ms025 الأدنى ، فأعجب لهذا التغلب الشديد والتسلط العظيم . ~~وهو أصدق في المحبة حقا ممن ( 1 ) يتحلى بشيم قوم ليس منهم ، ويدعي غريزة ~~لا تقبله ( 2 ) ، فيزعم أنه يتخير من يحب . أما لو شغل المحب بصيرته ، ~~وأطاح ( 3 ) فكرته ، وأجحف بتمييزه ، لحال بينه وبين التخير ( 4 ) ~~والارتياد . وفي ذلك أقول شعرا منه : [ من البسيط ] منهم فتى كان في محبوبه ~~وقص . . . كأنما الغيد في عينيه جنان وكان منبسطا في فضل خبرته . . . بحجة ~~حقها ( 5 ) في القول تبيان إن المها وبها الأمثال سائرة . . . لا ينكر ~~الحسن فيها الدهر إنسان وقص فليس بها عنقاء واحدة . . . وهل تزان بطول ~~الجيد بعران وآخر كان في محبوبه فوه . . . يقول حسبي في الأفواه غزلان ~~وثالث كان في محبوبه قصر . . . يقول إن ذوات الطول غيلان وأقول أيضا : [ من ~~الطويل ] يعيبونها عندي بشقرة شعرها . . . فقلت لهم هذا الذي زانها عندي ~~يعيبون لون النور والتبر ضلة . . . لرأي جهول في الغواية ممتد وهل عاب لون ~~النرجس الغض عائب . . . ولون النجوم الزاهرات على البعد وأبعد خلق الله من ~~كل حكمة . . . مفضل جرم فاحم اللون مسود PageV01P132 به وصفت ألوان أهل ~~جهنم . . . ولبسة باك مثكل الأهل محتد ومذ لاحت الرابات سودا تيقنت . . . ~~نفوس الورى أن لا سبيل إلى الرشد PageV01P133 # | - 8 - باب التعريض بالقول # ولابد لكل مطلوب من مدخل إليه ، وسبب يتوصل به نحوه ، فلم ينفرد ~~بالاختراع دون واسطة إلا العليم الأول جل ثناؤه ( 1 ) . فأول ما يستعمل ~~طلاب الوصل وأهل المحبة في كشف ما يجدونه إلى أحبتهم التعريض بالقول ، إما ~~بإنشاد شعر ، أو بإرسال مثل ، أو تعمية بيت ، أو طرح لغز ، أو تسليط كلام . ~~والناس يختلفون في ذلك على قدر إدراكهم ، وعلى حسب ما يرونه من أحبتهم من ~~نفار أو أنس أو فطنة أو بلادة . وإني لأعرف من ابتدأ كشف محبته إلى من كان ~~يحب بأبيات قلتها . فهذا وشبهه يبتدئ به الطالب للمودة ، فإن رأى أنسا ~~وتسهيلا زاد ، وإن يعاين شيئا من هذه الأمور في حين إنشاده لشيء مما ذكرنا ~~، أو إيراده لبعض المعاني التي حددنا ms026 ، فانتظاره الجواب ، إما بلفظ أو ~~بهيئة الوجه والحركات ، لموقف بين الرجاء واليأس هائل ، وإن كان حينا قصيرا ~~، لكنه إشراف على بلوغ الأمل أو انقطاعه . ومن التعريض بالقول جنس ثان ، ~~ولا يكون إلا بعد الاتفاق ومعرفة المحبة من المحبوب ، فحينئذ يقع التشكي ~~وعقد المواعيد PageV01P134 بالتغرير ( 1 ) ، وإحكام المودات بالتعريض ، ~~وبكلام يظهر لسامعه منه معنى غير ما يذهبان إليه ، فيجيب السامع عنه بجواب ~~غير ما يتأدى إلى المقصود بالكلام ، على حسب ما يتأدى إلى سمعه ويسبق إلى ~~وهمه ، وقد فهم كل منهما عن صاحبه وأجابه بما لا يفهمه غيرهما ، إلا من أيد ~~بحس نافذ ، وأعين بذكاء ، وأمد بتجربة ، ولا سيما إن أحس من معانيهما بشيء ~~قلما يغيب عن المتوسم المجيد ، فهنالك لا خفاء عليه فيما يريدان . وأنا ~~اعرف فتى وجارية كانا يتحابان ، فأرادها في بعض وصلها على بعض ما لا يجمل ، ~~فقالت : والله لأشكونك في الملأ علانية ولأفضحنك فضيحة مستورة . فلما كان ~~بعد أيام حضرت الجارية مجلس بعض أكابر الملوك وأركان الدولة وأجل رجال ~~الخلافة ، وفيه ممن يتوقى أمره من النساء والخدم عدد كثير ، وفي جملة ~~الحاضرين ذلك الفتى ، لأنه كان بسبب من الرئيس ، وفي المجلس مغنيات غيرها ، ~~فلما انتهى الغناء إليها سوت عودها واندفعت تغني بأبيات قديمة وهي ( 2 ) : ~~[ من الوافر ] غزال قد حكى بدر التمام . . . كشمس قد تجلت من غمام سبى قلبي ~~بألحاظ مراض . . . وقد الغصن في حسن القوام خضعت خضوع صب مستكين . . . له ~~وذللت ذلة مستهام فصلني يا فديتك في خللا . . . فما أهوى وصالا في حرام ~~وعلمت أنا هذا الأمر فقلت : [ من الوافر ] عتاب واقع وشكاة ظلم . . . أتت ~~من ظالم حكم وخصم تشكت ما بها لم يدر خلق . . . سوى المشكو ما كانت تسمي ~~PageV01P135 # | - 9 - باب الاشارة بالعين # ثم يتلو التعريض بالقول إذا وقع القبول والموافقة : الإشارة بلحظ العين ، ~~وإنه ليقوم في هذا المعنى المقام المحمود ، ويبلغ المبلغ العجيب ، ويقطع به ~~ويتواصل ، ويوعد ويهدد ، ويقبض ويبسط ، ويؤمر وينهى ، وتضرب به الوعود ( 1 ~~) ، وينبه على الرقيب ، ويضحك ويحزن ، ويسأل ويجاب ، ويمنع ms027 ويعطى . ولكل ~~واحد من هذه المعاني ضرب من هيئة اللحظ لا يوقف على تحديده إلا بالرؤية ، ~~ولا يمكن تصويره ولا وصفه إلا بالأقل منه . وأنا واصف ما تيسر من هذه ~~المعاني : فالإشارة بمؤخر العين الواحدة نهي عن الأمر ، وتفتيرها إعلام ~~بالقبول ، وإدامة نظرها دليل على التوجع والأسف ، وكسر نظرها آية الفرح ، ~~والإشارة إلى إطباقها دليل على التهديد ، وقلب الحدقة إلى جهة ما ثم صرفها ~~بسرعة تنبيه على مشار إليه ، والإشارة الخفية بمؤخر العينين كلتهما ( 2 ) ~~سؤال ، وقلب الحدقة من وسط العين إلى الموق PageV01P136 بسرعة شاهد المنع ، ~~وترعيد الحدقتين من وسط العينين نهي عام ، وسائر ذلك لا يدرك إلا بالمشاهدة ~~. واعلم أن العين تنوب عن الرسل ، ويدرك بها المراد ، والحواس الأربع أبواب ~~إلى القلب ومنافذ نحو النفس ، والعين أبلغها وأصحها دلالة وأوعارها ( 1 ) ~~عملا . وهي رائد النفس الصادق ، ودليلها الهادي ، ومرآتها المجلوة التي بها ~~تقف على الحقائق وتميز الصفات وتفهم المحسوسات . وقد قيل : ليس المخبر ~~كالمعاين ، وقد ذكر ذلك افليمون ( 2 ) صاحب الفراسة وجعلها معتمدة في الحكم ~~. وبحسبك من قوة إدراك العين أنها إذا لاقى شعاعها شيئا ما ( 3 ) مجلوا ~~صافيا ، إما حديدا مصقولا ( 4 ) أو زجاجا أو ماء أو بعض الحجارة الصافية أو ~~سائر الأشياء المجلوة البراقة ذوات الرفيف والبصيص واللمعان يتصل أقصى ~~حدوده بجسم كثيف ساتر مناع كدر ، انعكس شعاعها فأدرك الناظر نفسه ومازها ~~عيانا . وهو الذي ترى في المرآة ، فأنت حينئذ كالناظر إليك بعين غيرك . ~~ودليل عيان على هذا انك تأخذ مرآتين كبيرتين فتمسك إحداهما بيمينك خلف رأسك ~~والثانية بيسارك قبالة وجهك ثم تزويها قليلا حتى يلتقيا بالمقابلة ، فإنك ~~ترى قفاك وكل ما وراءك ، وذلك لانعكاس ضوء العين إلى ضوء المرآة التي خلفك ~~، إذ لم تجد منفذا في التي بين يديك ، ولما لم يجد وراء PageV01P137 هذه ~~الثانية منفذا انصرف إلى ما قابله من الجسم ، وإن كان صالح غلام أبي إسحاق ~~النظام ( 1 ) خالف في الإدراك فهو قول ساقط لم يوافقه عليه أحد . ولو لم ~~يكن من فضل العين ms028 إلا أن جوهرها ارفع الجواهر وأعلاها مكانا ، لأنها نورية ~~لا تدرك الألوان بسواها ، ولا شيء أبعد مرمى ولا أنأى غاية منها ، لأنها ~~تدرك بها أجرام الكواكب التي في الأفلاك البعيدة ، وترى بها السماء على شدة ~~ارتفاعها وبعدها ، وليس ذلك إلا لاتصالها في طبع خلقتها بهذه المرآة ، فهي ~~تدركها وتصل إليها بالطفر ( 2 ) ، لا على قطع الأماكن والحلول في المواضع ~~وتنقل الحركات ، وليس هذا لشيء من الحواس مثل الذوق واللمس ، لا يدركان إلا ~~بالمجاورة ، والسمع والشم ، لا يدركان إلا من قريب . ودليل على ما ذكرناه ~~من الطفر أنك ترى المصوت قبل سماع الصوت ، وإن تعمدت إدراكهما معا ، ولو ~~كان إدراكهما واحدا لما تقدمت العين السمع . PageV01P138 # | - 10 - باب المراسلة # ثم يتلو ذلك إذا امتزجا : المراسلة بالكتب . وللكتب آفات ( 1 ) ، ولقد ~~رأيت أهل هذا الشان يبادرون لقطع الكتب ولحلها في الماء وبمحو ( 2 ) أثرها ~~، فرب فضيحة كانت بسبب كتاب ، وفي ذلك أقول : [ من الطويل ] عزيز علي اليوم ~~قطع كتابكم . . . ولكنه لم يلف للود قاطع فآثرت أن يبقى وداد ويمتحي . . . ~~مداد فإن الفرع للأصل تابع فكم من كتاب فيه ميتة ربه . . . ولم يدره إذ ~~نمقته الأصابع وينبغي أن يكون شكل الكتاب ألطف الأشكال ، وجنسه أملح ~~الأجناس ؛ ولعمري إن الكتاب للسان في بعض الأحايين ، إما لحصر في الإنسان ~~وإما لحياء وإما لهيبة . نعم ، حتى إن لوصول الكتاب إلى المحبوب وعلم المحب ~~أنه قد وقع بيده ورآه للذة يجدها المحب عجيبة تقوم مقام الرؤية ، وإن لرد ~~الجواب والنظر إليه سرورا يعدل اللقاء ، ولهذا ما ترى العاشق يضع الكتاب ~~على يمينه وقلبه ويعانقه . ولعهدي ببعض أهل المحبة ، ممن كان يتحرى ( 3 ) ~~ما يقول PageV01P139 ويحسن الوصف ويعبر عما في ضميره بلسانه عبارة جيدة ~~ويجيد النظر ويدقق في الحقائق ، لا يدع المراسلة وهو ممكن الوصل قريب الدار ~~داني المزار ، ويحكي أنها من وجوه اللذة . ولقد أخبرت عن بعض السقاط ~~الوضعاء أنه كان يضع كتاب محبوبه على إحليله ، وإن هذا النوع من الاغتلام ~~قبيح وضرب من الشق فاحش . وأما سقي ms029 الحبر بالدمع فأعرف من كان يفعل ذلك ~~ويقارضه محبوبه يسقي الحبر بالريق ، وفي ذلك أقول : [ من الطويل ] . جواب ~~أتاني عن كتاب بعثته . . . فسكن مهتاجا وهيج ساكنا سقيت بدمع العين لما ~~كتبته . . . فعال محب ليس في الود خائنا فما زال ماء العين يمحو سطوره . . ~~. فيا ماء عيني قد محوت المحاسنا غدا بدموعي أول الخط بينا . . . وأضحى ~~بدمعي آخر الخط بائنا خبر : ولقد رأيت كتاب المحب إلى محبوبه ، وقد قطع في ~~يده بسكين له فسال الدم واستمد منه وكتب به الكتاب أجمع . ولقد رأيت الكتاب ~~بعد جفوفه فما شككت انه بصبغ اللك ( 1 ) . PageV01P140 # | - 11 - باب السفير # ويقع في الحب بعد هذا - بعد حلول الثقة وتمام الاستئناس : إرسال السفير . ~~ويجب تخيره وارتياده واستجادته واستفراهه ، فهو دليل عقل المرء ، وبيده ~~حياته وموته ، وستره وفضيحته ، بعد الله تعالى ، فينبغي ان يكون الرسول ذا ~~هيئة ، حاذقا يكتفي بالإشارة ، ويقرطس ( 1 ) عن الغئب ، ويحسن من ذات نفسه ~~، ويضع من عقله ما أغفله باعثه ، ويؤدي إلى الذي أرسله كل ما يشاهد على ~~وجهه ، كاتما للأسرار ، حافظا للعهد ، قنوعا ناصحا . ومن تعدى ( 2 ) هذه ~~الصفات كان ضرره على باعثه بمقدار ما نقصه منها . وفي ذلك أقول شعرا منه : ~~[ من الطويل ] رسولك سيف في يمينك فاستجد . . . حساما ولا تضرب به قبل صقله ~~فمن يك ذا سيف كهام فضره . . . يعود على المعني منه بجهله وأكثر ما يستعمل ~~المحبون في إرسالهم إلى من يحبونه ، إما خاملا لا يؤبه له ولا يهتدى للتحفظ ~~منه ، لصباه أو لهيئة رثة أو بذاذة في طلعته ؛ وإما جليلا لا تلحقه الظنن ~~لنسك يظهره أو لسن عالية قد بلغها . وما اكثر هذا في النساء ولا سيما ذوات ~~العكاكيز والتسابيح PageV01P141 والثوبين الأحمرين ( 1 ) . وإني لأذكر ~~بقرطبة التحذير للنساء المحدثات ( 2 ) من هذه الصفات حيثما رأينها ؛ أو ~~ذوات صناعة يقرب بها من الأشخاص ، فمن النساء : كالطبيبة والحجامة والسراقة ~~( 3 ) والدلالة والماشطة والنائحة والمغنية والكاهنة والمعلمة والمستخدمة ( ~~4 ) والصناع في المغزل والنسيج ، وما أشبه ذلك ؛ أو ذا قرابة من المرسل ~~إليه ms030 لا يشح ( 5 ) بها عليه . فكم منيع سهل بهذه الأوصاف ، وعسير يسر ، ~~وبعيد قرب ، وجموح أنس ، وكم داهية دهت الحجب المصونة ، والأستار الكثيفة ، ~~والمقاصير المحروسة ، والسدد المضبوطة ، لأرباب هذه النعوت ، ولولا أن أنبه ~~عليها لذكرتها ( 6 ) ، ولكن لقطع النظر ( 7 ) فيها وقلة الثقة بكل أحد . ~~والسعيد من وعظ بغيره ( 8 ) ، وبالضد تتميز الأشياء ( 9 ) . أسبل الله ~~علينا وعلى جميع المسلمين ستره ، ولا زال على الجميع ظل العافية . ~~PageV01P142 خبر : وإني لأعرف من كانت الرسول بينهما حمامة مؤدبة ، ويعقد ~~الكتاب في جناحها ، وفي ذلك أقول منها : [ من الطويل ] تخيرها نوح فما خاب ~~ظنه . . . لديها وجاءت نحوه بالبشائر سأودعها كتبي إليك فهاكها . . . رسائل ~~تهدى في قوادم طائر PageV01P143 # | - 12 - باب طي السر # ومن بعض صفات الحب الكتمان باللسان ، وجحود المحب إن سئل ، والتصنع ~~بإظهار الصبر ، وأن يري أنه عزهاة ( 1 ) خلي . ويأبى السر الدفين ( 2 ) ، ~~ونار الكلف المتأججة في الضلوع ، إلا ظهورا في الحركات والعين ( 3 ) ، ~~ودبيبا كدبيب النار في الفحم والماء في يبيس المدر . وقد يمكن التمويه في ~~أول الأمر على غير ذي الحس اللطيف ، وأما بعد استحكامه فمحال . وربما يكون ~~السبب في الكتمان تصاون المحب عن ان يسم نفسه بهذه السمة عند الناس ، لأنها ~~بزعمه من صافت أهل البطالة ، فيفر منها ويتفادى ، وما هذا الوجه بصحيح ( 4 ~~) ، فبحسب المرء المسلم أن يعف عن محارم الله عز وجل التي يأتيها باختياره ~~ويحاسب عليها يوم القيامة ؛ وأما استحسان الحسن وتمكن الحب فطبع لا يؤثر به ~~ولا ينهى عنه ، إذ القلوب بيد مقلبها . ولا يلزمه غير المعرفة والنظر في ~~PageV01P144 فرق ما بين الخطأ والصواب وأن يعتقد الصحيح باليقين ؛ وأما ~~المحبة فخلقة ، وإنما يملك الإنسان حركات جوارحه المكتسبة ؛ وفي ذلك أقول : ~~[ من الطويل ] . يلوم رجال فيك لم يعرفوا الهوى . . . وسيان عندي فيك لاح ~~وساكت يقولون جانبت التصاون جملة . . . وأنت عليم ( 1 ) بالشريعة قانت فقلت ~~لهم هذا الرياء بعينه . . . صراحا وزيي للمرائين ماقت متى جاء تحريم الهوى ~~عن محمد . . . وهل منعه في محكم الذكر ثابت إذا لم ms031 أواقع محركا اتقي به . . ~~. مجيئي يوم البعث والوجه باهت فلست أبالي في الهوى قول لائم . . . سواء ~~لعمري جاهر أو مخافت وهل يلزم الإنسان إلا اختياره . . . وهل بخبايا اللفظ ~~يؤخذ صامت خبر : وإني لأعرف بعض من امتحن بشيء من هذا فسكن الوجد بين ~~جوانحه ، فرام جحده إلى أن غلظ الأمر ، وعرف ذلك في شمائله من تعرض للمعرفة ~~ومن لم يتعرض . وكان من عرض له بشيء نجهه ( 2 ) وقبحه ، إلى ان كان من أراد ~~الحظوة لديه من إخوانه يوهمه تصديقه في إنكاره وتكذيب من ظن به غير ذلك ، ~~فسر بهذا . ولعهدي به يوما قاعدا ومعه بعض من كان يعرض له بما في ضميره ، ~~وهو ينتفي غاية الانتفاء ، إذ اجتاز بهما الشخص الذي كان يتهم بعلاقته ، ~~فما هو إلا أن وقعت عينه على محبوبه حتى اضطرب وفارق هيئته الأولى ، واصفر ~~لونه ، وتفاوتت معاني كلامه بعد حسن تثقيف ، فقطع كلامه المتكلم معه قلقا ~~واسترعى ( 3 ) ما كان فيه من ذكره . فقيل له : ما عدا عما بدا فقال : هو ما ~~تظنون ، عذر من عذر ، وعذل من عذل ؛ ففي ذلك أقول شعرا منه : [ من البسيط ] ~~. PageV01P145 ما عاش إلا لأن الموت يرحمه . . . ( 1 ) مما يرى تباريح ~~الضنى فيه وأنا أقول : [ من الهزج ] . دموع الصب تنسفك . . . وستر الصب ~~ينهتك كان القلب إذ يبدو . . . ( 2 ) قطاة ضمها شرك فيا أصحابنا قولوا . . ~~. فغن الرأي مشترك إلى كم ذا أكاتمه . . . ومالي عنه مترك وهذا إنما يعرض ~~عند مقاومة طبع الكتمان والتصاون ، لطبع المحب وغلبته ( 3 ) ، فيكون صاحبه ~~متحيزا بين نارين محرقتين ، وربما كان سبب الكتمان إبقاء المحب على محبوبه ~~، وإن هذا لمن دلائل الوفاء وكرم الطبع ؛ وفي ذلك أقول : [ من المتقارب ] . ~~درى الناس أني فتى عاشق . . . كئيب معنى ولكن بمن إذا عاينوا حالتي أيقنوا ~~. . . وإن فتشوا رجموا ( 4 ) في الظنن كخط يرى رسمه ظاهرا . . . وإن طلبوا ~~شرحه لم يبن كصوت حمام على أيكة . . . يرجع بالصوت في كل فن تلذ ( 5 ) ~~بنجواه أسماعنا . . . ومعناه مستعجم لم يبن يقولون بالله سم الذي . . . نفى ms032 ~~حبه عنك طيب الوسن PageV01P146 وهيهات دون الذي حاولوا . . . ذهاب العقول ~~وخوض الفتن فهم أبدا في اختلاج الشكوك . . . بظن كقطع وقطع كظن وفي كتمان ~~السر أقول قطعة منها : [ من البسيط ] . للسر عندي مكان لو يحل به . . . حي ~~إذا لا اهتدى ريب المنون له أميته وحياة السر ميتته . . . كما سرور المعنى ~~في الهوى الوله وربما كان سبب الكتمان توقي المحب على نفسه من إظهار سره ، ~~لجلالة قدر المحبوب . خبر : ولقد قال بعض الشعراء بقرطبة تغزل فيه بصبح ( 1 ~~) أم المؤيد رحمه الله ، فغنت به جارية أدخلت على المنصور بن أبي عامر ~~ليبتاعها ، فأمر بقتلها . خبر : وعلى مثال هذا قتل أحمد بن مغيث ، واستئصال ~~آل مغيث ( 2 ) والتسجيل عليهم ألا يستخدم بواحد منهم أبدا حتى كان سببا ~~لهلاكهم وانقراض بيتهم فلم يبق منهم إلا الشريد الضال . وكان سبب ذلك تغزله ~~بإحدى بنات الخلفاء ، ومثل هذا كثير ( 3 ) . PageV01P147 ويحكى عن الحسن بن ~~هانئ ( 1 ) أنه كان مغرما بحب محمد بن هارون المعروف بابن زبيدة ، وأحس منه ~~ببعض ذلك فانتهزه على إدامة النظر إليه ، فذكر عنه أنه كان لا يقدر ان يديم ~~النظر إليه إلا مع غلبة السكر على محمد . وربما كان سبب الكتمان ألا ينفر ( ~~2 ) المحبوب أو ينفر به . فإني أدري من كان محبوبه له سكنا وجليسا ، لو باح ~~بأقل سبب من أنه يهواه لكان منه ' مناط الثريا قد تعلت نجومها ' ؛ وهذا ضرب ~~من السياسة . ولقد كان يبلغ من انبساط هذا المذكور مع محبوبه إلى فوق ~~الغاية وأبعد النهاية ، فما هو إلا ان أباح إليه بما يجد فصار لا يصل إلى ~~التافه اليسير مع التيه ودالة الحب وتمنع الثقة بملك الفؤاد ، وذهب ذلك ~~الانبساط ووقع التصنع والتجني ، فكان أخا فصار عبدا ، ونظيرا فعاد أسيرا ، ~~ولو زاد في بوحه شيئا إلى أن يعلم خاصة المحبوب ذلك لما رآه إلا في الطيف ، ~~ولا نقطع القليل والكثير ، ولعاد ذلك عليه بالضرر . وربما كان من أسباب ~~الكتمان الحياء الغالب على الإنسان . وربما كان من أسباب الكتمان ان ms033 يرى ~~المحب من محبوبه انحرافا وصدا ، ويكون ذا نفس أبية ، فيستتر بما يجد لئلا ~~يشمت به عدو ، أو ليريهم ومن يجب هوان ذلك عليه . PageV01P148 # | - 13 - باب الإذاعة # وقد تعرض في الحب الإذاعة ، وهو من منكر ما يحدث من أعراضه ، ولها أسباب ~~: منها أن يريد صاحب هذا الفعل ان يتزيا بزي المحبين ويدخل في عدادهم ، ~~وهذه خلابة لا ترضى ، وتجليح بغيض ( 1 ) ، ودعوى في الحب زائفة . وربما كان ~~من أسباب الكشف غلبة الحب وتسور الجهر على الحياء ، فلا يملك الإنسان حينئذ ~~لنفسه صرفا ولا عدلا . وهذا من أبعد غايات العشق وأقوى تحكمه على العقل ، ~~حتى يمثل الحسن في تمثال القبيح ، والقبيح في هيئة الحسن . وهنالك يرى ~~الخير شرا ، والشر خيرا . وكم مصون الستر مسبل القناع مسدول الغطاء قد كشف ~~الحب ستره مثلا ، وأحب شيء إليه الفضيحة فيما لو مثل له قبل اليوم لاعتراه ~~النافض ( 2 ) عند ذكره ، ولطالت استعاذته منه ، فسهل ما كان وعرا ، وهان ما ~~كان عزيزا ، ولان ما كان شديدا . ولعهدي بفتى من سروات الرجال وعلية إخواني ~~قد دهي بمحبة PageV01P149 جارية مقصورة فلم ( 1 ) بها وقطعه حبها عن كثير ~~من مصالحه ، وظهرت آيات هواه لكل ذي بصر ، إلى أن كانت هي تعذله على ما ظهر ~~منه مما يقوده إليه هواه ( 2 ) . خبر : وحدثني موسى بن عاصم بن عمرو قال : ~~كنت بين يدي أبي الفتح والدي رحمه الله وقد أمرني بكتاب أكتبه ، إذ لمحت ~~عيني جارية كنت أكلف بها ، فلم أملك نفسي ورميت الكتاب عن يدي وبادرت نحوها ~~. وبهت أبي وظن انه عرض لي عارض ؛ ثم راجعني عقلي فمسحت وجهي ثم عدت ~~واعتذرت بأنه غلبني الرعاف . واعلم أن هذا داعية نفار المحبوب وفساد في ~~التدبير ، وضعف في السياسة ؛ وما شيء من الأشياء إلا وللمأخذ فيه سنة ~~وطريقة متى تعداها الطالب أو خرق في سلوكها انعكس عمله عليه ، وكان كده ~~عناء ، وتعبه هباء ، وبحثه وباء ( 3 ) . وكلما زاد عن وجه السيرة انحرافا ~~وفي تجنبها إغراقا وفي غير الطريق إيغالا ازداد عن ms034 بلوغ مراده بعدا ؛ وفي ~~ذلك أقول قطعة منها : [ من الطويل ] . ولا تسع في الأمر الجسيم تهازؤا . . ~~. ولا تسع جهرا في اليسير تريده وقابل أفانين الزمان متى يرد . . . عليك ~~فإن الدهر جم وروده بأشكالها ( 4 ) من حسن سعيك يكفك ال . . . ( 5 ) يسير ~~يسير والشديد شديده ألم تبصر المصباح أول وقده . . . وإشعاله ، بالنفخ يطفا ~~وقوده PageV01P150 وإن يتضرم لفحه ولهيبه . . . فنفحك يذكيه وتبدو مدوده ~~خبر : وإني لأعرف من أهل قرطبة من أبناء الكتاب وجلة الخدمة من اسمه أحمد ~~بن فتح ، كنت أعهده كثير التصاون ، من بغاة العلم وطلاب الأدب ، يبذ أصحابه ~~في الانقباض ، ويفوقهم في الرعة ( 1 ) ، لا ينظر ( 2 ) إلا في حلقة فضل ، ~~ولا يرى إلا في محفل مرضي ، محمود المذاهب ، جميل الطريقة ، بائنا بنفسه ، ~~ذاهبا بها ، ثم أبعدت الأقدار داري من داره ، فأول خبر طرأ علي بعد نزولي ( ~~3 ) شاطبة أنه خلع عذاره في حب فتى من أبناء الفتانين ( 4 ) يسمى إبراهيم ~~بن أحمد ، اعرفه ، لا تستأهل صفاته محبة من ( 5 ) بيته خير وخدم ( 6 ) ~~وأموال عريضة ووفر تالد . وصح عندي أنه كسف رأسه وأبدى وجهه ورمى رسنه وحسر ~~محياه وشمر عن ذراعيه وصمد الشهوة . فصار حديثا للسمار ، متراجعا ( 7 ) بين ~~نقلة الأخبار ، وتهودي ذكره في الأقطار ، وجرت نقلته في الأرض راحلة ~~بالتعجب ، ولم يحصل من ذلك إلا على كشف الغطاء ، وإذاعة السر ، وشنعة ~~الحديث ، وقبح الأحدوثة ، وشرود محبوبه عنه جملة ، والتحظير عليه من رؤيته ~~البتة ، وكان غنيا عن ذلك وبمندوحة واسعة ومعزل رحب عنه ، ولو طوى مكنون ~~سره ، وأخفى بنيات PageV01P151 ضميره ، لاستدام لباس العافية ، ولم ينهج ~~برد الصيانة ، ولكان له في لقاء من بلي به ومحادثته ومجالسته أمل من الآمال ~~وتعلل كاف ؛ وإن حبل العذر ليقطع به ، والحجة عليه قائمة ؛ إلا أن يكون ~~مختلطا في تمييزه ، أو مصابا في عقله بجليل ما فدحه ، فربما آل ذلك لعذر ~~صحيح ، وأما إن كانت له بقية [ من عقل ] أو ثبتت مسكة فهو ظالم في تعرضه ما ~~يعلم أن محبوبه يكرهه ويتأذى به . هذا ms035 غير صفة أهل الحب ، وسيأتي هذا مفسرا ~~في باب الطاعة ، إن شاء الله تعالى . ومن أسباب الشف وجه ثالث ، وهو عند ~~أهل العقول وجه مرذول وفعل ساقط ؛ وذلك أن يرى المحب من محبوبه غدرا أو ~~مللا أو كراهة ؛ فلا يجد طريق الانتصاف منه إلا بما ضرره عليه أعود منه على ~~المقصود من الكشف والاشتهار ، وهذا أشد العار وأقبح الشنار وأقوى شواهد عدم ~~العقل ووجود السخف . وربما كان الكشف من حديث ينتشر وأقاويل تفشو ، توافق ~~قلة مبالاة من المحب بذلك ، ورضى بظهور سره ، إما لإعجاب أو لاستظهار على ~~بعض ما يؤمله ؛ وقد رأيت هذا الفعل لبعض إخواني من أبناء القواد . وقرأت في ~~بعض أخبار الأعراب أن نساءهم لا يقنعن ولا يصدقن عشق عاشق لهن حتى يشتهر ~~ويكشف حبه ويجاهر ويعلن وينوه بذكرهن ، ولا أدري ما معنى هذا ، على انه ~~يذكر عنهن العفاف ، وأي عفاف مع امرأة أقصى مناها وسرورها الشهرة في هذا ~~المعنى ؟ ! PageV01P152 # | - 14 - باب الطاعة # ومن عجيب ما يقع في الحب طاعة المحب لمحبوبه ، وصرفه طباعه قسرا إلى طباع ~~من يحبه ، وربما يكون المرء شرس الخلق ، صعب الشكيمة ، جموح القيادة ، ماضي ~~العزيمة ، حمي الأنف ، أبي الخسف ، فما هو إلا ان يتنسم نسيم الحب ، ويتورط ~~غمره ، ويعوم في بحره ، فتعود الشراسة ليانا ، والصعوبة سهالة والمضاء ~~كلالة ، والحمية استسلاما ؛ وفي ذلك أقول قطعة منها : [ من المتقارب ] فهل ~~للوصال إلينا معاد . . . وهل لتصاريف ذا الدهر حد فقد أصبح السيف عبد ~~القضيب . . . وأضحى الغزال الأسير أسد وأقول شعرا منه : [ من الطويل ] وإني ~~وإن تعتب لأهون هالك . . . كزائف نقد ذل في يدي جهبذ ( 1 ) على أن قتلي في ~~هواك لذاذة . . . فيا عجبا من هالك متلذذ ومنها : ولو أبصرت أنوار وجهك ~~فارس . . . ( 2 ) لأغناهم عن هرمزان وموبذ PageV01P153 وربما كان المحبوب ~~كارها لإظهار الشكوى متبرما بسماع الوجد ، فترى المحب حينئذ يكتم حزنه ~~ويكظم أسفه وينطوي على علته ، وإن الحبيب متجن ، فعندها يقع الاعتذار عن كل ~~ذنب والإقرار بالجريمة ، والمرء منها بريء ، تسليما لقوله وتركا لمخالفته . ~~وإني لأعرف ms036 من دهي بمثل هذا فما كان ينفك من توجيه الذنوب نحوه ولا ذنب له ~~، وإيقاع العتاب عليه والسخط وهو نقي الجلد . وأقول شعرا إلى بعض إخواني ، ~~ويقرب مما نحن فيه ، وإن لم يكن منه : [ من الطويل ] وقد كنت تلقاني بوجه ~~لقربه . . . تراض وللهجران عن قربه سخط وما تكره العتب اليسير سجيتي . . . ~~على أنه قد عيب في الشعر الوخط فقد يتعب الإنسان في الفكر نفسه . . . وقد ~~يحسن الخيلان في الوجه والنقط تزين إذا قلت ويفحش أمرها . . . إذا أفرطت ~~يوما وهل يحمد الفرط ومنه : أعنه فقد أضحى لفرط همومه . . . يبكي له ~~القرطاس والحبر والخط ولا يقولن قائل إن صبر المحب على ذلة المحبوب دناءة ~~في النفس فهذا خطأ ، وقد علمنا أن المحبوب ليس كفؤا ولا نظيرا فيقارض بأذاه ~~، وليس سبه وجفاه مما يعير به الإنسان ويبقى ذكره على الأحقاب ، ولا يقع ~~ذلك في مجالس الخلفاء ولا في مقاعد الرؤساء ، فيكون الصبر مستجرا ( 1 ) ~~للمذلة ، والضراعة قائدة للاستهانة ؛ فقد ترى الإنسان يكلف ( 2 ) بأمته ~~التي يملك رقها ، ولا يحول حائل بينه وبين التعدي عليها ، فكيف الانتصاف ~~منها . وسبل الامتعاض من السب غير هذه ، إنما ذلك بين علية الرجال الذين ~~تحصى أنفاسهم وتتبع معاني PageV01P154 كلامهم فتوجه لها الوجوه البعيدة ، ~~لأنهم لا يوقعونها سدى ولا يلقونها هملا ، وأما المحبوب فصعدة ثابتة وقضيب ~~مناد ( 1 ) ، يجفو ويرضى متى شاء لا لمعنى ؛ وفي ذلك أقول : [ من الكامل ] ~~ليس التذلل في الهوى يستنكر . . . فالحب فيه يخضع المستكبر لا تعجبوا من ~~ذلتي في حالة . . . ( 2 ) قد ذل فيها قبلي المستنصر ليس الحبيب مماثلا ~~ومكافيا . . . فيكون صبرك ذلة إذ تصبر تفاحة وقعت فآلم وقعها . . . هل ~~قطعها منك انتصارا يذكر خبر : وحدثني أبو دلف الوراق عن مسلمة بن أحمد ~~الفيلسوف المعروف بالمجريطي ( 3 ) أنه قال في المسجد الذي بشرقي مقبرة قريش ~~بقرطبة الموازي لدار الوزير أبي عمر أحمد بن محمد بن حدير ( 4 ) رحمه الله ~~: PageV01P155 في هذا المسجد كان مربض ( 1 ) مقدم الأصفر أيام حداثته لعشق ~~بعجيب فتلا الوزير أبي عمر ms037 المذكور ، وكان يترك الصلاة في مسجد مسرور وبها ~~كان ( 2 ) سكناه ، ويقصد في الليل والنهار إلى هذا المسجد بسبب عجيب ، حتى ~~أخذه الحرس غير ما مرة في الليل في حين انصرافه عن صلاة العشاء الآخرة ، ~~وكان يقعد وينظر منه إلى أن كان الفتى يغضب ويضجر ويقوم إليه فيوجعه ضربا ~~ويلطم خديه وعينيه ، فيسر بذلك ويقول : هذا والله أقصى أمنيتي قرت عيني ، ~~وكان على هذا زمانا يماشيه . قال أبو دلف : ولقد حدثنا مسلمة بهذا الحديث ~~غير مرة بحضرة عجيب عندما كان يرى ( 3 ) من وجاهة مقدم بن الأصفر وعرض جاهه ~~وعافيته ، فكانت حال مقدم بن الأصفر هذا قد جلت جدا واختص بالمظفر بن أبي ~~عامر اختصاصا شديدا واتصل والدته وأهله ، وجرى على يديه من بنيان المساجد ~~والسقايات وتسبيل ( 4 ) وجوه الخير غير قليل ، مع تصرفه في كل ما يتصرف فيه ~~أصحاب السلطان من العناية بالناس وغير ذلك . خبر : وأشنع من هذا أنه كانت ~~لسعيد بن منذر بن سعيد ( 5 ) صاحب PageV01P156 الصلاة في جامع قرطبة أيام ~~حكم المستنصر بالله رحمه الله جارية يحبها حبا شديدا ، فعرض عليها أن ~~يعتقها ويتزوجها ، فقالت له ساخرة به ؛ وكان عظيم اللحية : إن لحيتك أستبشع ~~عظمها ، فإن حذفت منها كان ما ترغبه . فأعمل الجلمين ( 1 ) فيها حتى لطفت ، ~~ثم دعا بجماعة شهود وأشهدهم على عتقها ، ثم خطبها إلى نفسه فلم ترض به ، ~~وكان في جملة من حضر أخوه حكم بن منذر فقال لمن حضر : اعرض عليها أني ~~أخطبها أنا ، ففعل فأجابت إليه ، فتزوجها في ذلك المجلس بعينه ورضي بهذا ~~العار الفادح على ورعه ونسكه واجتهاده . فأنا أدركت سعيدا هذا وقد قتله ~~البربر يوم دخولهم قرطبة عنوة وانتهابهم إياها ، وحكم المذكور أخوه هو رأس ~~المعتزلة بالأندلس وكبيرهم وأستاذهم ومتكلمهم وناسكهم ، وهو مع ذلك شاعر ~~طيب وفقيه . وكان أخوه عبد الملك بن منذر متهما بهذا المذهب أيضا ، ولي خطة ~~الرد أيام الحكم رضي الله عنه ، وهو الذي صلبه المنصور ابن أبي عامر إذ ~~اتهمه هو وجماعة من الفقهاء والقضاة ms038 بقرطبة أنهم يبايعون سرا لعبد الرحمن ~~بن عبيد الله ابن أمير المؤمنين الناصر رضي الله عنهم ، فقتل عبد الرحمن ~~وصلب عبد الملك بن منذر وبدد شمل من اتهم . وكان أبوهم قاضي القضاة منذر بن ~~سعيد متهما بمذهب الاعتزال أيضا ، وكان أخطب الناس وعلمهم بكل فن وأورعهم ~~وأكثرهم هزلا ودعابة . وحكم المذكور في الحياة في حين كتابتي إليك بهذه ~~الرسالة قد كف بصره وأسن جدا . | توفي بمدينة سالم في نحو 420 ه ( الصلة : ~~146 ) ؛ وثالث الأبناء هو عبد الملك أبو مروان ، ولي خطوة الرد ثم لحقته ~~التهمة التي يشير إليها ابن حزم فصلب على باب سدة السلطان ( وهو الباب ~~الرئيسي لقصر الخلافة بقرطبة ) سنة 368 وهو في حدود الأربعين من عمره ~~PageV01P157 خبر : ومن عجيب طاعة المحب لمحبوبه أني أعرف من كان سهر ~~الليالي الكثيرة ولقي الجهد الجاهد فقطعت قلبه ضروب الوجد ظفر بمن يحب وليس ~~به امتناع ولا عنده دفع ، فحين رأى منه بعض الكراهة لما نواه تركه وانصرف ~~عنه ، لا تعففا ولا تخوفا لكن توقفا عند موافقته رضاه ، ولم يجد من نفسه ~~معينا على إتيان ما لم ير له إليه نشاطا وهو يجد ما يجد . وإني لأعرف من ~~فعل هذا الفعل ثم تندم لعذر ( 1 ) ظهر من المحبوب ؛ فقلت في ذلك : [ من ~~الرمل ] غافص الفرصة واعلم أنها . . . كمضي البرق تمضي الفرص كم أمور أمكنت ~~( 2 ) أهملها . . . هي عندي إذ تولت غصص بادر الكنز الذي ألفيته . . . ~~وانتهز صيدا ( 3 ) كباز يقنص ولقد عرض مثل هذا بعينه لأبي المطرف ( 4 ) عبد ~~الرحمن بن أحمد بن محمود ( 5 ) صديقنا وأنشدته أبياتا لي فطار بها كل مطار ~~، وأخذها مني فكانت هجيراه . خبر : ولقد سألني يوما أبو عبد الله محمد بن ~~كليب من أهل القيروان أيام كوني بالمدينة ، وكان طويل اللسان جدا مثقفا ~~للسؤال في كل فن فقال لي ، وقد جرى بعض ذكر الحب ومعانيه ( 6 ) : إذا كره ~~من أحب لقائي وتجنب قربي فما أصنع قلت : أرى أن تسعى في إدخال الروح ~~PageV01P158 على نفسك بلقائه ms039 وإن كره . فقال : لكني لا أرى ذلك بل أوثر ~~هواه على هواي ومراده على مرادي ، وأصبر ولو كان في ذلك الحتف . فقلت له : ~~إني إنما أحببته لنفسي ولالتذاذها بصورته فأنا أتبع قياسي وأقود أصلي وأقفو ~~طريقتي في الرغبة في سرورها ، فقال لي : هذا ظلم من القياس ، أشد من الموت ~~ما تمني له الموت ، وأعز من النفس ما بذلت له النفس . فقلت له : إن بذلك ~~نفسك وإدخالك الحتف عليها . فقال لي : أنت رجل جدلي ولا جدل في الحب يلتفت ~~إليه ، فقلت له : إذا كان صاحبه مؤوفا ، فقال : وأي آفة أعظم من الحب ؟ ! . ~~PageV01P159 # | - 15 - باب المخالفة # وربما اتبع المحب شهوته وركب رأسه فبلغ شفاءه من محبوبه ، وتعمد مسرته ~~منه على كل الوجوه ، سخط أو رضي . ومن ساعده الوقت على هذا وثبت جنانه ~~وأتيحت له الأقدار استوفى لذته جميعها ، وذهب غمه ، وانقطع همه ، ورأى أمله ~~، وبلغ مرغوبه . وقد رأيت من هذه صفته ؛ وفي ذلك أقول أبياتا منها : [ من ~~السريع ] إذا أنا ( 1 ) بلغت نفسي المنى من رشأ ما زال لي ممرضا فما أبالي ~~الكره من طاعة . . . ولا أبالي سخطا من رضى إذا وجدت الماء لابد أن . . . ~~أطفي به مشعل جمر الغضا PageV01P160 # | - 16 - باب العاذل # وللحب آفات ، فأولها العاذل ، والعذل أقسام : 1 - فأولهم صديق قد أسقطت ~~مؤنة التحفظ بينك وبينه ، فعذله أفضل من كثير المساعدات ، وهو من الحض ~~والنهي ، وفي ذلك زاجر للنفس عجيب ، وتقوية لطبيعة بها حرض وغمل ، ودواء ~~تستد عليه الشهوة ( 1 ) ، ولا سيما إن كان رفيقا في قوله ، حسن التوصل إلى ~~ما يورد ( 2 ) من المعاني بلفظه ، عالما بالأوقات التي يؤكد فيها النهي ، ~~وبالأحيان التي يزيد فيها الأمر ، والساعات التي يكون فيها واقفا ( 3 ) بين ~~هذين ، على قدر ما يرى من تسهل العاشق وتوعره ، وقبوله وعصيانه . 2 - ثم ~~عاذل زاجر لا يفيق أبدا من الملامة ، وذلك خطب شديد وعبء ثقيل . ووقع لي ~~مثل هذا ، وإن لم يكن من جنس الكتاب ولكنه يشبهه ، وذلك أن أبا السري عمار ~~بن زياد صديقنا أكثر ms040 PageV01P161 من عذلي على نحو نحوته ، وأعان علي بعض من ~~لامني في ذلك الوجه أيضا ، وكنت أظن أنه سيكون معي ، مخطئا كنت أو مصيبا ، ~~لوكيد صداقتي وصحيح اخوتي به . ولقد رأيت من اشتد وجده وعظم كلفه حتى كل ~~العذل أحب شيء إليه ، ليري العاذل عصيانه ويستلذ مخالفته ، ويحصل مقاومته ~~للأئمه ( 1 ) وغلبته إياه ، كالملك الهازم لعدوه ، والمجادل الماهر الغالب ~~لخصمه ، ويسر بما يقع منه في ذلك وربما كان هو المستجلب لعذل العاذل بأشياء ~~يوردها توجب ابتداء العذل ، وفي ذلك أقول أبياتا منها : [ من البسيط ] أحب ~~شيء إلي اللوم والعذل . . . كي أسمع اسم الذي ذكراه لي أمل كأنني شارب ~~بالعذل صافية . . . ( 2 ) وباسم مولاي بعد الشرب انتقل PageV01P162 # | - 17 - باب المساعد من الاخوان # ومن الأسباب المتمناة في الحب ان يهب الله عز وجل للإنسان صديقا مخلصا ، ~~لطيف القول ، بسيط الطول ، حسن المأخذ ، دقيق المنفذ ، متمكن البيان ، مرهف ~~اللسان ، جليل الحلم ، واسع العلم ، قليل المخالفة ، عظيم المساعفة ، شديد ~~الاحتمال ، صابرا على الإدلال ، جم الموافقة ، جميل المخالفة ، مستوي ~~المطابقة ، محمود الخلائق ، مكفوف البوائق ، محتوم المساعدة ، كارها ~~للمباعدة ، نبيل المداخل ( 1 ) ، مصروف الغوائل ، غامض المعاني ، عارفا ~~بالأماني ، طيب الأخلاق ، سري الأعراق ، مكتوم السر ، كثير البر ، صحيح ~~الأمانة ، مأمون الخيانة ، كريم النفس ، صحيح الحدس ، مضمون العون ، كامل ~~الصون ، مشهور الوفاء ، ظاهر الغناء ، ثابت القريحة ، مبذول النصيحة ، ~~مستيقن الوداد ، سهل الانقياد ، حسن الإعتقاد ، صادق اللهجة ، خفيف المهجة ~~، عفيف الطباع ، رحب الذراع ، واسع الصدر ، متخلقا بالصبر ، يألف الإمحاض ، ~~ولا يعرف الإعراض ، يستريح إليه ببلابله ، ويشاركه في خلوة فكره ( 2 ) ، ~~ويفاوضه في مكتوماته ، وإن فيه للمحب لأعظم الراحات ، وأين هذا ! فغن ظفرت ~~به يداك فشدهما عليه شد الضنين ، وأمسك بهما إمساك PageV01P163 البخيل ، ~~وصنه بطارفك وتالدك ، فمعه يكمل الانس ، وتنجلي الأحزان ويقصر الزمان ، ~~وتطيب الأحوال . ولن يفقد الانسان من صاحب هذه الصفة عونا جميلا ، ورأيا ~~حسنا ، ولذلك اتخذ الملوك الوزراء والدخلاء كي يخففوا عنهم بعض ما حملوه من ~~شديد الأمور وطوقوه من باهظ الأحمال ، ولكي يستغنوا بآرائهم ، ويستمدوا ~~بكفايتهم ، وإلا فليس ms041 في قوة الطبيعة أن تقاوم كل ما يرد عليها دون استعانة ~~بما يشاكلها وهو من جنسها . ولقد كان بعض المحبين - لعدمه هذه الصفة من ~~الإخوان ، وقلة ثقته منهم لما جربه من الناس وانه لم يعدم ممن باح إليه ~~بشيء من سره أحد وجهين : إما إزراء على رأيه وإما إذاعة لسره - أقام الوحدة ~~مقام الأنس ، وكان ينفرد في المكان النازح عن الأنيس ، ويناجي الهواء ، ~~ويكلم الأرض ، ويجد في ذلك راحة كما يجد المريض في التأوه ، والمحزون في ~~الزفير ؛ فغن الهموم إذا ترادفت في القلب ضاق بها ، فإن لم ينص منها شيء ( ~~1 ) باللسان ، ولم يسترح إلى الشكوى لم يلبث ان يهلك غما ويموت أسفا . وما ~~رأيت الإسعاد ( 2 ) أكثر منه في النساء ، فعندهن من المحافظة على هذا الشان ~~والتواصي بكتمانه والتواطؤ على طيه إذا اطلعن عليه ما ليس عند الرجال ، وما ~~رأيت امرأة كشفت سر متحابين إلا وهي عند النساء ممقوتة مستثقلة مرمية عن ~~قوس واحدة . وإنه ليوجد عند العجائز في هذا الشان ما لا يوجد عند الفتيات ، ~~لان الفتيات منهن ربما كشفن ما علمن على سبيل التغير ، وهذا لا يكون إلا في ~~الندرة ، وأما العجائز فقد يئسن من أنفسهن فانصرف الإشفاق محضا إلى غيرهن . ~~PageV01P164 خبر : وإني لأعلم امرأة موسرة ذات جوار وخدم ، فشاع على إحدى ~~جواريها أنها تعشق فتى من أهلها ويعشقها ، وأن بينهما معاني مكروهة ، وقيل ~~لها : إن جاريتك فلانة تعرف ذلك وعندها جلية أمرها ، فأخذتها وكانت غليظة ~~العقوبة فأذاقتها من أنواع الضرب والإيذاء ما لا يصبر على مثله جلداء ~~الرجال ، رجاء ان تبوح لها بشيء مما ذكر لها ، فلم تفعل البتة ( 1 ) . خبر ~~: وإني لأعلم امرأة جليلة حافظة لكتاب الله عز وجل ناسكة مقبلة على الخير ، ~~وقد ظفرت بكتاب لفتى إلى جارية كان يكلف بها ، وكانت في غير ملكها ، فعرفته ~~الأمر فرام الإنكار فلم يتهيأ له ذلك ، فقال له : مالك ومن ذا عصم فلا تبال ~~بهذا ، فوالله لا أطلعت على سركما أحدا أبدا ، ولو أمكنني ان أبتاعها لك ms042 من ~~مالي ولو أحاط به كله لجعلتها لك في مكان تصل إليها فيه ولا يشعر بذلك أحد ~~. وإنك لترى المرأة الصالحة المسنة المنقطعة الرجاء من الرجال ، وأحب ~~أعمالها إليها وأرجاها للقبول عندها سعيها في تزويج يتيمة ، وإعارة ثيابها ~~وحليها لعروس مقلة . وما أعلم علة تمكن هذا الطبع من النساء إلا أنهت ~~متفرغات البال من كل شيء إلا من الجماع ودواعيه ، والغزل وأسبابه ، والتآلف ~~ووجوهه ، لا شغل لهن غيره ، ولا خلقن لسواه ؛ والرجال مقتسمون في كسب المال ~~وصحبة السلطان وطلب العلم وحياطة العيال ومكابدة الأسفار والصيد وضروب ~~الصناعات ومباشرة الحروب وملاقاة الفتن وتحمل المخاوف وعمارة الأرض ، وهذا ~~كله متحيف للفراغ ، صارف عن طريق البطل . PageV01P165 وقرأت في سير ملوك ~~السودان أن الملك منهم يوكل ثقة له بنسائه يلقي عليهن ضريبة من غزل الصوف ~~يشغلن بها أبد الدهر ، لأنهم يقولون : إن المرأة إذا بقيت بغير شغل إنما ~~تتشوف ( 1 ) إلى الرجال ، وتحن إلى النكاح . ولقد شاهدت النساء وعلمت من ~~أسرارهن ما لا يكاد يعلمه غيري ، لأني ربيت في حجورهن ، ونشأت بين أيديهن ، ~~ولم أعرف غيرهن ، ولا جالست الرجال إلا وأنا في حد الشباب وحين تبقل ( 2 ) ~~وجهي ؛ وهن علمتني القرآن وروينني كثيرا من الأشعار ودربنني في الخط ، ولم ~~يكن وكدي وإعمال ذهني مذ أول فهمي وأنا في سن الطفولة جدا إلا تعرف أسبابهن ~~، والبحث عن أخبارهن ، وتحصيل ذلك . وأنا لا أنسى شيئا مما أراه منهن ، ~~وأصل ذلك غيرة شديدة طبعت عليها ، وسوء ظن في جهتهن فطرت به ، فأشرفت من ~~أسبابهن على غير قليل ، وسيأتي ذلك مفسرا في أبوابه ، إن شاء الله تعالى . ~~PageV01P166 # | - 18 - باب الرقيب # ومن آفات الحب الرقيب ، وإنه لحمى باطنة ، وبرسام ملح ، وفكر مكب . ~~والرقباء أقسام : 1 - فأولهم مثقل بالجلوس ، غير متعمد ، في مكان اجتمع فيه ~~المرء مع محبوبه ، وعزما على إظهار شيء من سرهما والبوح بوجدهما والانفراد ~~بالحديث . ولقد يعرض للمحب من القلق بهذه الصفة ما لا يعرض له مما هو أشد ~~منها ، وهذا وإن كان يزول سريعا فهو عائق ms043 حال دون المراد وقطع متون ( 1 ) ~~الرجاء . ولقد شاهدت يوما محبين في مكان قد ظنا انهما انفردا فيه وتأهبا ~~للشكوى ، فاستحليا ما هما فيه من الخلوة ، ولم يكن الموضع حمى ، فلم يلبثا ~~أن طلع عليهما من كانا يستثقلانه ، فرآني فعدل إلي وأطال الجلوس معي ، فلو ~~رأيت الفتى المحب وقد تمازح الأسف البادي على وجهه مع الغضب لرأيت عجبا ، ~~وفي ذلك أقول قطعة منها : [ من الطويل ] . يطيل جلوسا وهو أثقل جالس . . . ~~ويبدي حديثا لست أرضي فنونه شمام ورضوى واللكام ويذبل . . . ولبنان والصمان ~~والحزن دونه 2 - ثم رقيب قد أحس من أمرهما بطرف ، وتوجس من مذهبهما شيئا ، ~~فهو يريد أن يستقري ( 2 ) حقيقة ذلك ، فيدمن الجلوس ، ويطيل القعود ، ~~ويتقفى ( 3 ) الحركات ، ويرمق الوجوه ، ويحصي ( 4 ) الأنفاس ، وهذا أعدى من ~~الجرب . وإني لأعرف من هم أن يباطش PageV01P167 رقيبا هذه صفته ؛ وفي ذلك ~~أقول قطعة منها : [ من مخلع البسيط ] مواصل لا يغب قصدا . . . اعظم بهذا ~~الوصال غما صار وصرنا لفرط ما لا . . . يزول كالإسم والمسمى 3 - ثم رقيب ~~على المحبوب ، فذلك لا حيلة فيه إلا بترضيه . وإذا أرضي فذلك غاية اللذة ، ~~وهذا الرقيب هو الذي ذكرته الشعراء في أشعارها . ولقد شاهدت من تلطف في ~~استرضاء رقيب حتى صار الرقيب عليه رقيبا له ، ومتغافلا في وقت التغافل ، ~~ودافعا عنه وساعيا له ؛ ففي ذلك أقول : [ من الطويل ] ورب رقيب أرقبوه فلم ~~يزل . . . على سيدي عمدا ليبعدني عنه فما زالت الألطاف تحكم أمره . . . إلى ~~ان غدا خوفي له أمنا منه وكان حساما سل حتى ( 1 ) يهذني . . . فعاد محبا ما ~~لنعمته كنه وأقول قطعة ، منها : [ من المنسرح ] صار حياة وكان سهم ردى . . ~~. وكان سما فصار درياقا وإني لأعرف من رقب على بعض من كان يشفق عليه رقيبا ~~وثق به عند نفسه ، فكان اعظم الآفة عليه وأصل البلاء فيه . واما إذا لم يكن ~~في الرقيب حيلة ولا وجد إلى ترضيه سبيل ، فلا طمع إلا بالإشارة بالعين همسا ~~وبالحاجب أحيانا ، والتعريض اللطيف بالقول ، وفي ذلك متعة وبلاغ إلى حين ، ~~يقنع ms044 به المشتاق ؛ وفي ذلك أقول شعرا أوله : [ من الطويل ] على سيدي مني ~~رقيب محافظ . . . وفي لمن والاه ليس بناكث ومنه : ويقطع أسباب اللبانة في ~~الهوى . . . ويفعل فيها فعل بعض الحوادث PageV01P168 كان له في قلبه ريبة ( ~~1 ) ترى . . . وفي كل عين مخبر بالأحادث ومنه : ( 2 ) على كل من حولي ~~رقيبان رقبا . . . وقد خصني ذو العرش منهم بثالث وأشنع ما يكون الرقيب إذا ~~كان ممن امتحن بالعشق قديما ودهي به وطالت مدته فيه ، ثم عري عنه بعد ~~إحكامه لمعانيه ، فكان راغبا في صيانة من رقب عليه ، فتبارك الله أي رقبة ~~تأتي منه ، وأي بلاء مصبوب يحل على أهل الهوى من جهته ؛ وفي ذلك أقول : [ ~~من الوافر ] . رقيب طالما عرف الغراما . . . وقاسى الوجد وامتنع المناما ~~ولاقى في الهوى ألما أليما . . . وكاد الحب يورده الحماما وأتقن حيلة الصب ~~المعنى . . . ولم يضع الإشارة والكلاما وأعقبه التسلي بعد هذا . . . وصار ~~يرى الهوى عارا وذاما وصير دون من أهوى رقيبا . . . ليبعد عنه صبا مستهاما ~~فأي بلية صبت علينا . . . وأي مصيبة حلت لماما ومن طريف معاني الرقباء أني ~~أعرف محبين مذهبهما واحد في حب محبوب واحد بعينه ، فلعهدي بهما كل واحد ~~منهما رقيب على صاحبه . وفي ذلك أقول : [ من السريع ] . صبان هيمانان في ~~واحد . . . كلاهما عن خدنه منحرف كالكلب في الآري لا يعتلف . . . ( 3 ) ولا ~~يخلي الغير أن يعتلف _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ ( 1 ) يريد برشيه أن يقرأها : ~~رئيا يرى ، وهذا لا يستقيم به الوزن ؛ وقد نقرأ ' ربة ترى ' والربة : ~~الجماعة الكثيرة . ( 2 ) رقبا أو رتبا ؛ لا فرق في المعنى . ( 3 ) الآري : ~~محبس الدابة من كلب وغيره ، وقوله كالكلب لا يعتلف ولا يخلي غيره يعتلف ، ~~مثل جاء في صور مختلفة عند الاندلسيين والمغاربة ، من ذلك : كلب الورد لا ~~يشم ولا يخلي أحد يشم ؛ ( انظر الزجالي ص : 261 المثل رقم : 1125 ) وقد ذكر ~~الاستاذ بنشرفيه أن المثل ما يزال مستعملا في تونس ، وله صنو في اسبانيا ، ~~وقارنه بقول ابن حزم هنا ؛ والصورة الاسبانية ms045 من المثل أوردها غومس ( هامش ~~ص : 170 ) واقتبسها مكي ( هامش ص : 82 ) . PageV01P169 # | - 19 - باب الواشي # ومن آفات الحب الواشي ، وهو على ضربين : أحدهما واش يريد القطع بين ~~المتحابين فقط ، وإن هذا لأفترهما سوءة ، على انه السم الذعاف والصاب ~~الممقر ( 1 ) والحتف القاصد والبلاء الوارد . وربما لم ينجع ترقيشه . وأكثر ~~ما يكون الواشي فإلى المحبوب ، وأما المحب فهيهات ، حال الجريض دون القريض ~~( 2 ) ، ومنع الحرب من الطرب ، شغله بما هو مانع له من استماع الواشي . وقد ~~علم الوشاة ذلك ، وإنما يقصدون إلى الخلي البال ، الصائل بحوزة الملك ، ~~المتغيب عند أقل سبب . وإن للوشاة ضروريا من التنقيل ، فمنها أن يذكر ~~للمحبوب عمن يحب أنه غير كاتم للسر ، وهذا مكان صعب المعاناة ، بطئ البرء ~~إلا أن يوافق معارضا ( 3 ) للمحب في محبته ، وهذا أمر يوجب النفار ، فلا ~~فرج للمحبوب إلا بأن تساعده الأقدار بالاطلاع على بعض أسرار من PageV01P170 ~~يحب ، بعد أن يكون المحبوب ذا عقل ، وله حظ من تمييز ، ثم يدعه والمطاولة ( ~~1 ) . فإذا تكذب عنده نقل الواشي مع ما اظهر من التحفظ والجفاء ، ولم يسمع ~~لسره إذاعة علم أنه إنما زور له الباطل ، واضمحل ما قام في نفسه . ولقد ~~شاهدت هذا بعينه لبعض المحبين مع بعض من كان يحب ، وكان المحبوب شديد ~~المراقبة عظيم الكتمان ، وكثر الوشاة بينهما وحدث في حب لم يكن ، حتى ظهرت ~~اعلام ذلك في وجهه ، وركبته وجمة ( 2 ) ، وأظلته فكرة ، ودهمته حيرة ، إلى ~~أن ضاق صدره وباح بما نقل إليه ؛ فلو شاهدت مقام المحب في اعتذاره لعلمت أن ~~الهوى سلطان مطاع ، ناء مشدود الأواخي ، وسنان نافذ ، وكان اعتذاره بين ~~الاستسلام والاعتراف والإنكار والتوبة والرمي بالمقاليد ، فبعد لأي ما صلح ~~الأمر بينهما . وربما ذكر الواشي أن ما يظهر المحب من المحبة ليس بصحيح ( 3 ~~) ، وان مذهبه في ذلك شفاء نفسه وبلوغ وطره ؛ وهذا فصل من النقل وإن كان ~~شديدا فهو أيسر معاناة مما قبله . فحالة المحب غير حالة المتلذذ . وشواهد ~~الوجد متفاوتة بينهما . وقد وقع من هذا نبذ كافية ms046 في باب الطاعة . وربما ~~نقل الواشي أن هوى العاشق مشترك ، وهذه النار المحرقة والوجع الفاشي في ~~الأعضاء . وإذا وافق الناقل لهذه المقالة ان يكون المحب فتى حسن الوجه حلو ~~الحركات ، مرغوبا فيه مائلا إلى اللذات ، دنياوي الطبع ، والمحبوب امرأة ~~جليلة القدر سرية المنصب ، فأقرب الأشياء سعيها في إهلاكه وتصديها لحتفه ، ~~وهذه كانت ميتة مروان بن أحمد بن حدير ، والد أحمد المتنسك ، وموسى وعبد ~~PageV01P171 الرحمن المعروفين بابني لبنى ( 1 ) ، من قبل قطر الندى جارته ، ~~وفي ذلك أقول محذرا لبعض إخواني قطعة منها : [ من الطويل ] وهل يأمن ~~النسوان غير مغفل . . . جهول لأسباب الردى متعرض ( 2 ) وكم وارد حوضا من ~~الموت أسودا ترشفه من طيب الطعم أبيض والثاني واش يسعى للقطع بين المحبين ~~لينفرد بالمحبوب ويستأثر به ، وهذا أشد شيء وأفظعه ( 3 ) وأجزم ( 4 ) ~~لاجتهاد الواشي واستفادته بجهده ( 5 ) . ومن الوشاة جنس ثالث ، وهو واش ~~يسعى بهما جميعا ويكشف سرهما ، وهذا لا يلتفت إليه إذا كان المحب مساعدا ؛ ~~وفي ذلك أقول : [ من الطويل ] عجبت لواش ظل يكشف أمرنا . . . وما بسوى ~~أخبارنا يتنفس وماذا عليه من عنائي ولوعتي . . . أنا آكل الرمان والولد ~~تضرس ( 6 ) ولابد أن أورد ما يشبه ما نحن فيه ، وإن كان خارجا منه ، وهو ~~شيء في بيان التنقيل والنمائم . فالكلام يدعو بعضه بعضا كما شرطنا في أول ~~الرسالة : PageV01P172 وما في جميع الناس شر من الوشاة ، وهم النمامون ، ~~وإن النميمة ( 1 ) لطبع يدل على نتن الأصل ، ورداءة الفرع ، وفساد الطبع ، ~~وخبث النشأة ، ولابد لصاحبه من الكذب ؛ والنميمة فرع من فروع الكذب ونوع من ~~أنواعه ، وكل نمام كذاب ، وما أحببت كذابا قط ، وإني لأسامح في إخاء كل ذي ~~عيب وإن كان عظيما ، واكل أمره إلى خالقه عز وجل ، وآخذ ما ظهر من أخلاقه ~~حاشا من أعلمه يكذب ، فهو عندي ماح لكل محاسنه ، وذلك لان كل ذنب فهو يتوب ~~عنه صاحبه وكل ذام فقد يمكن الاستتار به والتوبة منه ، حاشا الكذب فلا سبيل ~~إلى الرجعة عنه ولا إلى كتمانه حيث كان . وما رأيت قط ms047 ولا أخبرني من رأى ~~كذابا ترك الكذب ولم يعد إليه ، ولا بدأت قط بقطيعة ذي معرفة إلا أن أطلع ~~له على الكذب ، فحينئذ أكون أنا القاصد إلى مجانبته والمتعرض لمتاركته ، ~~وهي سمة ما رأيتها قط في أحد إلا وهو مزنون إليه بشر في نفسه ، مغموز عليه ~~لعاهة سوء في ذاته ، نعود بالله من الخذلان . وقد قال بعض الحكماء : آخ من ~~شئت واجتنب ثلاثة : الأحمق فإنه يريد أن ينفعك فيضرك ، والملوك فإنه أوثق ~~ما تكون به لطول الصحبة وتأكدها بخذلك ، والكذاب فإنه يجني عليك آمن ما كنت ~~فيه من حيث لا تشعر . وحديث عن الرسول الله صلى الله عليه وسلم : ' حسن ~~العهد من الإيمان ' ( 2 ) ؛ وعنه عليه السلام : ' لا يؤمن الرجل بالإيمان ~~كله حتى يدع الكذب في المزاح ' ( 3 ) . حدثنا PageV01P173 بهذا أبو عمر ~~أحمد بن محمد ( 1 ) عن محمد بن عيسى بن رفاعة ( 2 ) عن علي بن عبد العزيز ~~عن أبي عبيد القاسم بن سلام عن شيوخه ، والآخر منهما مسند إلى عمر بن ~~الخطاب وابنه عبد الله رضي الله عنهما . والله عز وجل يقول : { يا أيها ~~الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون . كبر مقتا عند الله ان تقولوا ما لا ~~تفعلون } ( الصف 3 - 4 ) . وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه سئل هل ~~يكون المؤمن بخيلا فقال : نعم . قيل : فهل يكون المؤمن جبانا فقال : نعم . ~~قيل : فهل يكون المؤمن كذابا فقال : لا . حدثناه أحمد بن محمد ابن أحمد عن ~~أحمد بن سعيد ( 3 ) عن عبيد الله بن يحيى عن أبيه عن مالك بن أنس عن صفوان ~~بن سليم . وبهذا الإسناد ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ' لا خير ~~في الكذب ' في حديث سئل فيه . وبهذا الإسناد عن مالك أنه بلغه عن ابن مسعود ~~أنه كان يقول : ' لا يزال العبد يكذب وينكت في قلبه نكته سوداء حتى يسود ~~القلب فيكتب عند الله من الكذابين ' وبهذا الإسناد عن ابن مسعود رضي الله ~~عنه أنه قال : ' عليكم بالصدق فإنه يهدي ms048 إلى البر والبر PageV01P174 يهدي ~~إلى الجنة ، وإياكم والكذب فإنه يهدي إلى الفجور ، والفجور يهدي إلى النار ~~' ( 1 ) . وروي أنه أتاه صلى الله عليه وسلم رجل فقال : يا رسول الله ، إني ~~أستهتر بثلاث : الخمر والزنا والكذب . فمرني أيها أترك ، قال : اترك الكذب ~~، فذهب عنه . ثم أراد الزنا ففكر فقال : آتي رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فيسألني : أزينت فإن قلت : نعم ، حدني ، وإن قلت : لا ، نقضت العهد ، فتركه ~~. ثم كذلك في الخمر . فعاد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا ~~رسول الله إني تركت الجميع . فالكذب أصل كل فاحشة ، وجامع كل سوء ، وجالب ~~لمقت الله عز وجل . وعن أبي بكر الصديق رضي الله عنه قال : كل الخلال يطبع ~~عليها المؤمن إلا الخيانة والكذب . وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال : ' ثلاث من كن فيه كان منافقا : من إذا وعد أخلف ، وإذا حدث كذب ، ~~وإذا اؤتمن خان ' ( 2 ) . وهل الكفر إلا كذب على الله عز وجل ( 3 ) ، والله ~~الحق وهو يحب الحق ، وبالحق قامت السموات والأرض . وما رأيت أخزى من كذاب ، ~~وما هلكت الدول ، ولا هلكت الممالك ، ولا سفكت الدماء ظلما ، ولا ~~PageV01P175 ظلما الأستار بغير النمائم والكذب ، ولا أكدت البغضاء والإحن ~~المردية إلا بنمائم لا يحظى صاحبها إلا بالمقت والخزي والذل ، وأن ينظر منه ~~الذي ينقل إليه فضلا عن غيره بالعين التي ينظر بها من الكلب . والله عز وجل ~~يقول : { ويل لكل همزة لمزة } ( الهمزة : 1 ) ويقول جل من قائل : { يا أيها ~~الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا } ( الحجرات : 6 ) فسمى النقل باسم ~~الفسوق ، ويقول : { ولا تطع كل حلاف مهين هماز مشاء بنميم . مناع للخير ~~معتد أثيم . عتل بعد ذلك زنيم } ( القلم : 10 - 13 ) . والرسول عليه السلام ~~يقول : ' لا يدخل الجنة قتات ' ( 1 ) ويقول : ' واياكم وقاتل الثلاثة ' ~~يعني المنقل والمنقول إليه والمنقول عنه ( 2 ) . والأحنف يقول : ' الثقة لا ~~يبلغ ( 3 ) وحق لذي الوجهين ألا يكون عند الله وجيها ؛ وهو ما يجعله من أخس ~~الطبائع وأرذلها . ولي إلى ms049 أبي اسحاق إبراهيم بن عيسى الثقفي الشاعر رحمه ~~الله ، وقد نقل إليه رجل من إخواني عني كذبا على جهة الهزل ، وكان هذا ~~الشاعر كثير الوهم فأغضبه ( 4 ) وصدقه ، وكلاهما كان لي صديقا ، _ _ _ _ _ ~~_ _ _ _ _ ( 1 ) ورد حديث ' لا يدخل الجنة قتات ' في البخاري ( أدب : 50 ) ~~ومسلم ( ايمان : 169 ، 170 ) وأبي داود ( أدب : 33 ، وبر : 79 ) ومسند أحمد ~~5 : 382 ، 389 ، 392 ، 402 ، 404 ؛ وانظر بهجة المجالس 1 : 402 والقتات هو ~~النمام . ( 2 ) جاء في بهجة المجالس 1 : 402 قال عليه السلام : اياك ومهلك ~~الثلاثة ، قيل وما مهلك الثلاثة قال : رجل سعى بأخيه المسلم فقتله فأهلك ~~نفسه وأخاه وسلطانه . ( 3 ) الأحنف : اسمه الضحاك بن قيس ، وقيل اسمه صخر ، ~~مضرب المثل في الحلم ، مختلف في عام وفاته بين 67 - 77 ، والأول أشهر ، ~~انظر ترجمته في ابن خلكان 2 : 499 وطبقات ابن سعد 7 : 93 وتهذيب ابن عساكر ~~7 : 10 وتهذيب التهذيب 1 : 191 ، وأخبار حلمه مبثوثة في كتب الأدب . وقوله ~~' الثقة لا يبلغ ' كلمة تنسب له ولغيره ؛ فقد جاء في الأذكياء لابن الجوزي ~~( ط / 1304 ) غضب رجل على رجل فقال له : ما أغضبك قال : شيء نقله إلي الثقة ~~عنك ، فقال : لو كان ثقة ما نم . ( 4 ) برشيه : فأخذ به . PageV01P176 وما ~~كان الناقل إليه من أهل هذه الصفة ولكنه كان كثير المزاح جم الدعابة ، ~~فكتبت إلى أبي إسحاق ، وكان يقول بالخبر ( 1 ) ، شعرا منه : [ من الطويل ] ~~ولا ( 2 ) تتبدل قالة قد سمعتها . . . تقال ولا تدري الصحيح بما تدري كمن ~~قد أرق الماء للآل أن بدا . . . فلاقى الردى في الأفيح المهمه القفر وكتبت ~~إلى الذي نقل عني شعرا منه : [ من الطويل ] ولا تدغمن ( 3 ) في الجد مزحا ~~كمولج . . . فساد علاج النفس طي صلاحها ومن كان نقل الزور أمضى سلاحه . . . ~~( 4 ) كمثل الحبارى تتقي بسلاحها وكان لي صديق مرة وكثر التدخيل ( 5 ) بيني ~~وبينه حتى كدح ذلك PageV01P177 فيه واستبان في وجهه وفي لحظه ، وطبعت على ~~التأني والتربص ms050 والمسالمة ما امكنت ، ووجدت بالانخفاض سبيلا إلى معاودة ~~المودة ، فكتبت إليه شعرا ، منه : [ من الطويل ] ولي في الذي أبدي مرام لو ~~أنها . . . بدت ما ادعى حسن الرماية وهرز ( 1 ) وأقول مخاطبا لعبيد الله بن ~~يحيى الجزيري الذي يحفظ لعمه الرسائل البليغة ( 2 ) ، وكان طبع الكذب قد ~~استولى عليه ، واستحوذ على عقله ، وألفه ألفة النفس الأمل ، ويؤكد نقله ~~وكذبه بالأيمان المؤكدة المغلظة مجاهرا بها ، أكذب من السراب ، مستهترا ~~بالكذب مشغوفا به ، لا يزال يحدث من قد صح عنده أنه لا يصدقه ، فلا يزجره ~~ذلك عن أن يحدث بالكذب : [ من الطويل ] بدا كل ما كتمته بين مخبر . . . ~~وحال أرتني قبح عقدك بينا وكم حالة صارت بيانا بحالة . . . كما تثبت ~~الأحكام بالحبل الزنا وفيه أقول قطعة منها : [ من الطويل ] أنم من المرآة ~~في كل ما درى . . . وأقطع بين الناس من قضب الهند أظن المنايا والزمان ~~تعلما . . . تحيله بالقطع بين ذوي الود وفيه أيضا أقول من قصيدة طويلة : [ ~~من الطويل ] وأكذب من حسن الظنون حديثه . . . وأقبح من دين وفقر ملازم ~~PageV01P178 أوامر رب العرش أضيع عنده . . . وأهون من شكوى إلى غير راحم ~~تجمع فيه كل خزي وفضحة . . . فلم يبق شتما في المقال لشاتم وأثقل من عذل ~~على غير قابل . . . ( 1 ) وأبرد بردا من مدينة سالم وأبغض من بين وهجر ~~ورقبة . . . جمعن على حران حيران هائم وليس من نبه غافلا ، أو نصح صديقا ، ~~أو حفظ مسلما ، أو حكى عن فاسق أو حدث عن عدو - ما لم يكن يكذب ولا يكذب ، ~~ولا تعمد الضغائن - منقلا ( 2 ) . وهل هلك الضعفاء وسقط من لا عقل له إلا ~~في قلة المعرفة بالناصح من النمام ، وهما صفتان متقاربتان في الظاهر ~~متفاوتتان في الباطن ، إحداهما داء والأخرى دواء . والثاقب القريحة لا يخفى ~~عليه أمرهما ، لكن الناقل من كان تنقيله غير مرضي في الديانة ، ونوى به ~~التشتيت بين الأولياء ، والتضريب بين الإخوان ، والتحريش والتوبيش ( 3 ) ~~والرقيش . فمن خاف إن سلك طريق النصيحة ان يقع في طريق النميمة ، ولم يثق ~~لنفاذ تمييزه ومضاء تقديره ms051 فيما يرده من أمور دنياه ومعاملة أهل زمانه ، ~~فليجعل دينه دليلا وسراجا يستضيء به ، فحيثما سلك به سلك وحيثما أوقفه وقف ~~، وكفيلا له بالنظر وزعيما بالإصابة وضمانا للفلج والخلاص ( 4 ) . فشارع ~~الشريعة وباعث الرسول عليه السلام ومرتب الأوامر والنواهي أعلم بطريق الحق ~~وأدرى بعواقب السلامة ومغبات النجاة من كل ناظر لنفسه بزعمه ، وباحث بقياسه ~~في ظنه . PageV01P179 # | - 20 - باب الوصل # ومن وجوه العشق الوصل ، وهو حظ رفيع ، ومرتبة سرية ، ودرجة عالية ، وسعد ~~طالع ، بل هو الحياة المجددة ، والعيش السني ، والسرور الدائم ، ورحمة من ~~الله عظيمة . ولولا أن الدنيا ممر ومحنة وكدر ، والجنة دار جزاء وأمان من ~~المكاره ، لقلنا إن وصل المحبوب هو الصفاء الذي لا كدر فيهن والفرح الذي لا ~~شائبة ولا حزن معه ، وكمال الأماني ، ومنتهى الأراجي . ولقد جربت اللذات ~~على تصرفها ، وأدركت الحظوظ على اختلافها ، فما للدنو من السلطان ، ولا ~~للمال المستفاد ، ولا الوجود بعد العدم ، ولا الأوبة بعد طول الغيبة ، ولا ~~الأمن من بعد الخوف ، ولا التروح على المال ، ( 1 ) من الموقع في النفس ما ~~للوصل ، ولا سيما بعد طول الامتناع ، وحلول الهجر ( 2 ) ، حتى يتأجج عليه ~~الجوى ، ويتوقد لهيب الشوق ، وتتضرم نار الرجاء . وما إصناف ( 3 ) النبات ~~بعد غب القطر ، ولا إشراق الأزاهير بعد إقلاع PageV01P180 السحاب الساريات ~~في الزمان السجسج ، ولا خرير المياه المتخللة لأفانين النوار ، ولا تأنق ~~القصور البيض قد أحدقت بها الرياض ( 1 ) الخضر ، بأحسن من وصل حبيب قد رضيت ~~أخلاقه ، وحمدت غرائزه ، وتقابلت في الحسن أوصافه ، وأنه لمعجز ألسنة ~~البلغاء ، ومقصر فيه بيان الفصحاء ، وعنده تطيش الألباب ، وتعزب الأفهام ؛ ~~وفي ذلك أقول : [ من البسيط ] . وسائل لي عما لي من العمر . . . وقد رأى ~~الشيب في الفو دين والعذر أجبته ساعة لا شيء أحسبه . . . عمرا سواها بحكم ~~العقل والنظر فقال لي : كيف ذا بينة لي فلقد . . . أخبرتني أشنع الأنباء ~~والخبر فقلت إن التي قلبي بها علق . . . قبلتها قبلة يوما على خطر فما أعد ~~ولو طالت سني سوى . . . تلك السويعة بالتحقيق من عمري ومن لذيذ معاني الوصل ms052 ~~المواعيد ، وإن للوعد المنتظر مكانا لطيفا من شغاف القلب ؛ وهو ينقسم قسمين ~~: أحدهما الوعد بزيارة المحب لمحبوبه ، وفيه أقول قطعة منها : [ من البسيط ~~] . أسامير البدر لما أبطأت وأرى . . . في نوره من سنا إشراقها عرضا ( 2 ) ~~فبت مشترطا والود مختلطا . . . والوصل منبسطا والجهر منقبضا والثاني : ~~انتظار الوعد من المحب أن يزور محبوبه . وإن لمبادئ الوصل وأوائل الإسعاف ~~لتولجا ( 3 ) على الفؤاد ليس لشيء من الأشياء . وإني لأعرف من كان ممتحنا ~~بهوى في بعض المنازل المصاقبة فكان PageV01P181 يصل متى شاء بلا مانع ، ولا ~~سبيل إلى غير النظر والمحادثة زمانا طويلا ، ليلا متى أحب ونهارا ، إلى أن ~~ساعدته الأقدار بإجابة ، ومكنته بإسعاد ، بعد يأسه ، لطول المدة ، ولعهدي ~~به قد كاد أن يختلط عقله فرحا ، وما كاد يتلاحق كلامه سرورا ، فقلت في ذلك ~~: [ من البسيط ] . برغبة ( 1 ) لو إلى ربي دعوت بها . . . لكان ذنبي عند ~~الله مغفورا ولو دعوت بها أسد الفلا لغدا . . . إضرارها عن جميع الناس ~~مقصورا فجاد باللثم لي من بعد منعته . . . فاهتاج من لوعتي ما كان مغمورا ~~كشارب الماء كي يطفي الغليل به . . . فغص فانصاع في الأجداث مقبورا وقلت : ~~[ من المتقارب ] . جرى الحب مني مجرى النفس . . . وأعطيت عيني عنان الفرس ~~ولي سيد لم يزل نافرا . . . وربتما جاد لي في الخلس فقبلته طالبا راحة . . ~~. فزاد أليلا بقلبي اليبس وكان فؤادي كنبت هشيم . . . يبيس رمى فيه رام قبس ~~ومنها : ويا جوهر الصين سحقا فقد . . . ( 2 ) غنيت بياقوتة الأندلس خبر : ~~وإني لأعرف جارية اشتد وجدها بفتى من أبناء الرؤساء ، وهو PageV01P182 لا ~~اعلم عنده ، وكثر غمها به ( 1 ) وطال أسفها إلى أن ضنيت بحيه ، وهو بغرارة ~~الصبا لا يشعر ؛ ويمنعها من إبداء أمرها إليه الحياء منه لأنها كانت بكرا ~~بخاتمها ، مع الإجلال له عن الهجوم عليه بما لا تدري لعله لا يوافقه ، فلما ~~تمادى الأمر - وكانا إلفين ( 2 ) في النشأة - شكت ذلك إلى امراة جزلة الرأي ~~كانت تثق بها لتوليها تربيتها ، فقالت لها : عرضي له بالشعر ، ففعلت المرة ~~بعد المرة وهو لا يأبه في كل ms053 هذا . ولقد كان لقنا ذكيا ولكنه لم يظن ذلك ~~فيميل إلى تفتيش الكلام بوهمه ، إلى ان عيل صبرها وضاق صدرها ولم تمسك ~~نفسها في قعدة كانت لها معه في بعض الليالي منفردين ، ولقد كان - يعلم الله ~~- عفيفا متصاونا بعيدا عن المعاصي ، فلما حان قيامها عنه بدرت إليه فقبلته ~~في فمه ثم ولت في ذلك الحين ولم تكلمه بكلمة ، وهي تتهادى في مشيها ، كما ~~أقول في أبيات لي : [ من البسيط ] . كأنها حين تخطو في تأودها . . . قضيب ~~نرجسة في الروض مياس كأنما ( 3 ) خطوها في قلب عاشقها . . . ففيه من وقعها ~~خطر ووسواس كأنما مشيها مشي الحمامة لا . . . كد يعاب ولا بطء به باس فبهت ~~وسقط في يده وفت في عضده ووجد في كبده وعلته وجمة ، فما هو إلا أن غابت عن ~~عينه ووقع في شرك الردى ، واشتعلت في قلبه النار ، وتصعدت أنفاسه ، وتردفت ~~أوجاله ، وكثر قلقه ، وطال أرقه ، فما غمض تلك الليلة عينا ، وكان هذا بدء ~~الحب بينهما دهرا ، إلى أن جذت جملتها ( 4 ) يد النوى ؛ وإن هذا لمن مصايد ~~إبليس ودواعي الهوى التي لا يقف لها أحد إلا من عصمه الله عز وجل . ~~PageV01P183 ومن الناس من يقول : إن دوام الوصل يودي بالحب ، وهذا هجين من ~~القول ، إنما ذلك لأهل الملل ، بل كلما زاد وصلا زاد اتصالا . وعني أخبرك ~~أني ما رويت قط من ماء الوصل ولا زادني إلا ظلما ، وهذا حكم من تداوى بدائه ~~وإن رفه عنه شيئا ما ( 1 ) . ولقد بلغت من التمكن بمن أحب أبعد الغايات ~~التي لا يجد الإنسان وراءها مرمى فما وجدتني إلا مستزيدا ، ولقد طال بي ذلك ~~فما أحسست بسآمة ولا رهقتني فترة . وقد ضمني مجلس مع بعض من كنت أحب فلم ~~أجل خاطري في فن من فنون الوصل إلا وجدته مقصرا عن مرادي ، وغير شاف وجدي ~~ولا قاض أقل لبانة من لباناتي ، ووجدتني كلما ازددت دنوا ازددت ولوعا ، ~~وقدحت زناد الشوق نار الوجد بين ضلوعي ، فقلت في ذلك المجلس : [ من الطويل ~~] . وددت بان القلب شق ms054 بمدية . . . وأدخلت فيه ثم أطبق في صدري فأصبحت فيه ~~لا تحلين غيره . . . إلى مقتضى يوم القيامة والحشر تعيسين فيه ما حييت فإن ~~أمت . . . سكنت شغاف القلب في ظلم القبر وما في الدنيا حالة تعدل محبين إذا ~~عدما الرقباء وأمنا الوشاة ، وسلما من البين ورغبا عن الهجر ، وبعدا عن ~~الملل وفقدا العذال ، وتوافقا في الأخلاق ، وتكافيا في المحبة ، وأتاح الله ~~لهما رزقا دارا ، وعيشا قارا ، وزمانا هاديا ، وكان اجتماعهما على ما يرضي ~~الرب من الحلال ( 2 ) ، وطالت صحبتهما واتصلت إلى وقت حلول الحمام الذي ~~PageV01P184 لا مرد له ولا بد منه ، هذا عطاء لم يحصل عليه أحدا ، وحاجة لم ~~تقض لكل طالب . ولولا أن مع هذه الحال الإشفاق من بغتات المقادير المحكمة ~~في غيب الله عز وجل ، من حلول فراق لم يكتسب ، واخترام منية في حال الشباب ~~، أو ما أشبه ذلك ، لقلت إنها حال بعيدة من كل آفة ، وسليمة من كل داخلة . ~~ولقد رأيت من اجتمع له هذا كله ، إلا أنه كان دهي في من كان بحبه بشراسة ~~أخلاق ، ودالة على المحبة ، فكانا لا يتهنيان العيش ولا تطلع الشمس في يوم ~~إلا وكان بينهما خلاف فيه ، وكلاهما كان مطبوعا بهذا الخلق ، لثقة كل واحد ~~منهما بمحبة صاحبه ، إلى أن دبت النوى بينهما فتفرقا بالموت المرتب لهذا ~~العالم ، وفي ذلك أقول : [ من المنسرح ] . كيف أذم النوى واظلمها . . . وكل ~~أخلاق من احب نوى قد كان يكفي هوى أضيق به . . . فكيف إذ حل بي نوى وهوى ~~وروي عن زياد بن أبي سفيان رحمه الله انه قال لجلسائه : من انعم الناس عيشة ~~قالوا : أمير المؤمنين . فقال : وأين ما يلقى من قريش قيل : فأنت . قال أين ~~ما ألقى من الخوارج والثغور قيل : فمن أيها الأمير قال : رجل مسلم له زوجة ~~مسلمة لهما كفاف من العيش ، قد رضيت به ورضي بها ، لا يعرفنا ولا نعرفه ( 1 ~~) . وهل فيما وافق إعجاب المخلوقين ، وجلا القلوب ، واستمال الحواس ، ~~واستهوى النفوس ، واستولى على الأهواء ، واقتطع الألباب ، PageV01P185 ~~وأختلس العقول ، مستحسن يعدل إشفاق محب ms055 على محبوب . ولقد شاهدت من هذا ~~المعنى كثيرا ، وإنه لمن المناظر العجيبة الباعثة على الرقة الرائقة المعنى ~~، لا سيما إن كان هوى يكتتم به . فلو رأيت المحبوب حين يعرض بالسؤال عن سبب ~~تغضب بمحبة ، وخجلته في الخروج مما وقع فيه بالاعتذار ، وتوجيهه إلى غير ~~وجهه ، وتحيله في استنباط معنى يقيمه عند جلسائه ، لرأيت عجبا ولذة مخفية ~~لا تقاومها لذة . وما رأيت أجلب للقلوب ولا أغوص على حباتها ( 1 ) ولا أنفذ ~~للمقاتل من هذا الفعل . وإن للمحبين في الوصل من الاعتذار ما اعجز أهل ~~الأذهان الذكية والأفكار القية ؛ ولقد رأيت في بعض المرات هذا فقلت : [ من ~~السريع ] . إذا مزجت الحق بالباطل . . . جوزت ما شئت على الغافل وفيهما فرق ~~صحيح له . . . علامة تبدو إلى العقل كالتبر إن تمزح به فضة . . . جازت على ~~كل فتى جاهل وإن تصادف صائغا ماهرا . . . ( 2 ) ميز بين المحض والخائل وإني ~~لأعلم فتى وجارية : كان يكلف كل واحد منهما بصاحبه ، فكانا يضطجعان إذا ~~حضرهما أحد وبينهما المسند العظيم من المساند الموضوعة عند ظهور الرؤساء ~~على الفرش ، ويلتقي رأساهما وراء المسند ويقبل كل واحد منهما صاحبه ولا ~~يريان ، وكأنهما إنما يتمددان من الكلل ؛ ولقد كانا بلغا ( 3 ) من تكافيهما ~~في المودة أمرا عظيما ، إلى أن كان الفتى المحب ربما استطال عليها ؛ وفي ~~ذلك أقول : [ من السريع ] . PageV01P186 ومن أعاجيب الزمان التي . . . طمت ~~على السامع والقائل رغبة مركوب إلى راكب . . . وذلة المسؤول للسائل وطول ~~مأسور إلى آسر . . . وصولة المقتول للقاتل ما إن سمعنا في الورى قبلها . . ~~. خضوع مأمول إلى آمل هل ها هنا وجه تراه سوى . . . تواضع المفعول للفاعل ~~ولقد حدثني امرأة أثق بها أنها شاهدت فتى وجارية كان يجد كل واحد منهما ~~بصاحبه فضل وجد ، قد اجتمعا في مكان على طرب ، وفي يد الفتى سكين يقطع بها ~~بعض الفواكه ، فجرها جرا زائدا فقطع إبهامه قطعا لطيفا ظهر فيه دم ، وكان ~~على الجارية غلالة قصب خزائنية لها قيمة ، فصرفت ( 1 ) يدها وخرقتها وأخرجت ~~منها فضلة شد بها إبهامه . وأما هذا الفعل ms056 للمحب فقليل في ما يجب عليه ، ~~وفرض لازم وشريعة مؤداة ، وكيف لا وقد بذل نفسه ووهب روحه ، فما يمنع ~~بعدهما . خبر : وأنا أدركت بنت زكريا بن يحيى التميمي المعروف بابن برطال ( ~~2 ) ، وعمها كان قاضي الجماعة بقرطبة محمد بن يحيى PageV01P187 وأخوها ( 1 ~~) الوزير القائد الذي كان قتله غالب وقائدين له في الوقعة المشهورة بالثغور ~~، وهما مروان بن أحمد بن شهيد ويوسف بن سعيد العكي ( 2 ) ، وكانت متزوجة ~~بيحيى بن محمد بن الوزير يحيى بن إسحاق ( 3 ) ، فعاجلته المنية وهما في أغض ~~عيشهما وأنضر سرورهما ، فبلغ من أسفها عليه أن باتت معه في دثار واحد ليلة ~~مات ، وجعلته آخر العهد به وبوصله ، ثم لم يفارقها الأسف بعده إلى حين ~~موتها . وإن للوصل المختلس الذي يخاتل به الرقباء ويتحفظ به من الحضر ، مثل ~~الضحك المستور والنحنحة وجولان الأيدي والضغط بالأجناب والقرص باليد والرجل ~~، لموقعا من النفس شهيا ؛ وفي ذلك الوقت أقول : [ من المديد ] . إن للوصل ~~الخفي محلا . . . ليس للوصل المكين الجلي لذة تمزجها بارتقاب . . . كمسير ~~في خلال النقي خبر : ولقد حدثني ثقة من إخواني جليل من أهل البيوتات أنه ~~كان علق في صباه جارية كانت في بعض دور آله ، وكان ممنوعا منها ، فهام عقله ~~PageV01P188 بها ؛ قال لي : فتنزهنا يوما إلى بعض ضياعنا بالسهلة غربي ~~قرطبة مع بعض أعمامي ، فتمشينا في البساتين وأبعدنا عن المنازل وانبسطنا ~~على الأنهار ، إلى أن غيمت السماء وأقبل الغيث ، فلم يكن بالحضرة من الغطاء ~~ما يكفي الجميع ؛ قال : فأمر عمي ببعض الأغطية فألقي علي وأمرها بالاكتنان ~~معي ، فظن بما شئت من التمكن على أعين الملأ وهم لا يشعرون ، ويا لك من جمع ~~كخلاء ، واحتفال كانفراد ، قال لي : فوالله لا نسيت ذلك اليوم أبدا . ~~ولعهدي به وهو يحدثني بهذا الحديث وأعضاؤه كلها تضحك وهو يهتز فرحا على بعد ~~العهد وامتداد الزمان ؛ ففي ذلك أقول شعرا منه : [ من الخفيف ] . يضحك ~~الروض والسحائب تبكي . . . كحبيب رآه صب معنى خبر : ومن بديع الوصل ما ~~حدثني به بعض إخواني أنه كان في بعض ms057 المنازل المصاقبة له هوى ، وكان في ~~المنزلين موضع مطلع من أحدهما على الآخر ، فكانت تقف له في ذلك الموضع ، ~~وكان فيه بعض البعد ( 1 ) ، فتسلم عليه ويدها ملفوفة في قميصها . فخاطبها ~~مستخبرا لها عن ذلك فأجابته : إنه ربما أحس من أمرنا شيء فوقف لك غيري فسلم ~~عليك فرددت عليه فصح الظن ، فهذه علامة بيني وبينك ، فإذا رأيت يدا مكشوفة ~~تشير نحوك بالسلام فليست يدي ، فلا تجاوب . وربما استحلي الوصال واتفقت ~~القلوب حتى يقع التجليح ( 2 ) في الوصال ، فلا يلفت إلى لائم ولا يستتر من ~~حافظ ولا يبالي بناقل ، بل العذل حينئذ يغري ؛ وفي صفة الوصل أقول شعرا منه ~~: [ من السريع ] . PageV01P189 كم درت حول الحب حتى لقد . . . حصلت فيه ~~كحصول الفراش ومنه : تعشو إلى الوصل دواعي الهوى . . . كما سرى سنا النار ~~عاش ومنه : عللني بالوصل من سيدي . . . كمثل تعليل الظماء العطاش ومنه : لا ~~توقف العين على غاية . . . فالحسن فيه مستزيد وفاش ( 1 ) وأقول من قصيدة لي ~~: [ من السريع ] . هل لقتيل الحب من ( 2 ) وادي . . . أم هل لعاني الحب من ~~فادي أم هل لدهري عودة نحوها . . . كمثل يوم مر في الوادي ظللت فيه سابحا ~~صاديا . . . يا عجبا للسابح الصادي ضنيت يا مولاي وجدا فما . . . تبصرني ~~ألحاظ عوادي كيف اهتدى الوجد إلى غائب . . . عن أعين الحاضر والبادي مل ~~مداواتي طبيبي فقد . . . يرحمني للسقم حسادي PageV01P190 # | - 21 - باب الهجر # ومن آفات الحب أيضا الهجر ، وهو على ضروب : 1 - فأولها ؛ هجر يوجبه تحفظ ~~من رقيب حاضر ؛ وإنه لأحلى من كل وصل . ولولا أن ظاهر اللفظ وحكم التسمية ~~يوجب إدخاله في هذا الباب لرجعت ( 1 ) به عنه ولأجللته عن تسطيره فيه . ~~فحينئذ ترى الحبيب منحرفا عن محبه ، مقبلا بالحديث على غيره ، معرضا بمعرض ~~لئلا تلحق ظنته أو تسبق استرابته ؛ وترى المحب أيضا كذلك ، ولكن طبعه له ~~جاذب ، ونفسه له صارفة بالرغم ، فتراه حينئذ منحرفا كمقبل ، وساكتا كناطق ، ~~وناظرا إلى جهة نفسه في غيرها ؛ والحاذق الفطن إذا كشف بوهمه عن باطن ~~حديثهما علم أن الخافي غير البادي ، وما ms058 جهر به غير نفس الخبر ، وإنه لمن ~~المشاهد الجالبة للفتن ، والمناظر المحركة للسواكن ، الباعثة للخواطر ، ~~المهيجة للضمائر ، الجاذبة للفتوة . ولي أبيات في شيء من هذا أوردتها ، وإن ~~كان فيها غير هذا المعنى على ما شرطنا ، منها : [ من الطويل ] يلوم أبو ~~العباس جهلا بطبعه . . . كما عير الحوت النعامة بالصدى PageV01P191 ومنها : ~~وكم صاحب أكرمته غير طائع . . . ولا مكره إلا لأمر تعمدا وما كان ذاك البر ~~إلا لغيره . . . كما نصبوا للطير بالحب مصيدا وأقول من قصيدة محتوية على ~~ضروب من الحكم وفنون من الآداب الطبيعية : [ من الطويل ] وسراء أحشائي لمن ~~أنا مؤثر . . . وسراء أنبائي لمن أتحبب فقد يشرب الصاب الكريه لعلة . . . ~~ويترك صفو الشهد وهو محبب وأعذل في إجهاد نفسي في الذي . . . أريد وأني فيه ~~أشقى وأتعب هل اللؤلؤ المكنون والدر كله . . . رأيت بغير الغوص في البحر ~~يطلب وأصرف نفسي عن وجوه طباعها . . . إذا في سواها صح ما أنا أرغب كما نسخ ~~الله الشرائع قبلنا . . . بما هو أدنى للصلاح وأقرب كما صار لون الماء لون ~~إنائه . . . وفي الأصل لون الماء أبيض معجب ومنها : أقمت ذوي ودي مقام ~~طبائعي . . . حياتي بها والموت منهن يرهب ومنها : وما أنا ممن تطبيه بشاشة ~~. . . ولا يقتضي ما في ضميري التجنب أزيد نفارا عند ذلك باطنا . . . وفي ~~ظاهري أهل وسهل ومرحب فإني رأيت الحرب يعلو اشتعالها . . . ومبدؤها في أول ~~الأمر ملعب وللحية الرقشاء وشي ولونها . . . عجيب وتحت الوشي سم مركب وإن ~~فرند السيف اعجب منظرا . . . وفيه إذا هز الحمام المذرب وأجعل ذل النفس عزة ~~أهلها . . . ( 1 ) إذا هي نالت ما لها فيه مرغب فقد يضع الإنسان في الترب ~~وجهه . . . ليأتي غدا وهو المصون المقرب فذل يسوق العز أجود للفتى . . . من ~~العز يتلوه من الذل مركب PageV01P192 وكم مأكل أربت عواقب ( 1 ) غبه . . . ~~ورب طوى بالخصب آت ومعقب وما ذاق عز النفس من لا يذلها . . . ولا التذ طعم ~~الروح من ليس ينصب ورودك ( 2 ) نغب الماء من بعد ظمأة . . . ألذ من العل ~~المكين وأعذب ومنها : وفي كل مخلوق تراه تفاضل . . . فرد ms059 طيبا إن لم يتح لك ~~أطيب ولا ترض ورد الرنق إلا ضرورة . . . إذا لم يكن في الأرض حاشاه مشرب ~~ولا تقربن ملح المياه فإنها . . . شجى والصدا بالحر أولى وأوجب ومنها : فخذ ~~من جداها ( 3 ) ما تيسر واقتنع . . . ( 4 ) ولا تك مشغولا بمن هو يغلب فما ~~لك شرط عندها لا ولا يد . . . ولا هي إن حصلت أم ولا أب ومنها : ولا تيأسن ~~مما ينال بحيلة . . . وإن بعدت فالأمر ينأى ويصعب ولا تأمن الإظلام فالفجر ~~طالع . . . ولا تلتبس بالضوء فالشمس تغرب ومنها : ألح فإن الماء يكدح في ~~الصفا . . . إذا طال ما يأتي عليه ويذهب وكثر ولا تفشل وقلل كثير ما . . . ~~فعلت فماء المزن ( 5 ) جم وينضب فلو يتغذى المرء بالسم قاته . . . وقام له ~~منه غذاء مجرب 2 - ثم هجر يوجبه التدلل وهو ألذ من كثير الوصال ، ولذلك لا ~~يكون إلا عن ثقة كل واحد من المتحابين بصاحبه ، واستحكام PageV01P193 ~~البصيرة في صحة عقده ، فحينئذ يظهر المحبوب هجرانا ليرى صبر محبه ، وذلك ~~لئلا يصفو الدهر البتة ، وليأسف المحب إن كان مفرط العشق عند ذلك لا لما حل ~~، لكن مخافة أن يترقى إلى ما هو أجل فيكون ذلك الهجر سببا إلى غيره ، أو ~~خوفا من آفة حادث ملل . ولقد عرض لي في الصبا هجر مع بعض من كنت آلف ، على ~~هذه الصفة ، وهو لا يلبث أن يضمحل ثم يعود ؛ فلما كثر ذلك قلت على سبيل ~~المزاح شعرا بديهيا ختمت كل بيت منه بقسيم ( 1 ) من أول قصيدة طرفة بن ~~العبد المعلقة ، وهي التي قرأناها مشروحة على أبي سعيد الفتى الجعفري عن ~~أبي بكر المقرئ عن أبي جعفر النحاس ( 2 ) ، رحمهم الله ، في المسجد الجامع ~~بقرطبة ، وهي : [ من الطويل ] تذكرت ودا للحبيب كأنه . . . ' لخولة أطلال ~~ببرقة ثهمد ' وعهدي بعهد كان لي منه ثابت . . . ' يلوح كباقي الوشم في ظاهر ~~اليد ' وقفت به لا موقنا برجوعه . . . ' ولا آيسا أبكي وأبكي إلى الغد ' ~~إلى أن أطال الناس عذلي وأكثروا . . . ' يقولون لا تهلك أسى وتجلد ' ~~PageV01P194 كان فنون السخط ممن أحبه ms060 . . . ' خلايا سفين بالنواصف من دد ' ~~كأن انقلاب الهجر والوصل مركب . . . ' يجور به الملاح طورا ويهتدي ' فوقت ~~رضى يتلوه وقت تسخط . . . ' كما قسم الترب المفايل باليد ' ويبسم نحوي وهو ~~غضبان معرض . . . ' مظاهر سمطي لؤلؤ وزبرجد ' 3 - ثم هجر يوجبه العتاب لذنب ~~يقع من المحب ، وهذا فيه بعض الشدة ، لكن فرحة الرجعة وسرور الرضى يعدل ما ~~مضى ، فإن لرضى المحبوب بعد سخطه لذة في القلب لا تعدلها لذة ، وموقعا ( 1 ~~) من الروح لا يفوقه شيء من أسباب الدنيا . وهل شاهد مشاهد أو رأت عين أو ~~قام في فكر ألذ وأشهى من مقام قد قام عنه كل رقيب ، وبعد عنه كل بغيض ، ~~وغاب عنه كل واش ، واجتمع فيه محبان قد تصارما لذنب وقع من المحب منهما ، ~~وطال ذلك قليلا ، وبدأ بعض الهجر ، ولم يكن ثم مانع من الإطالة للحديث ، ~~فابتدأ المحب في الاعتذار والخضوع والتذلل والادلاء ( 2 ) بحجته الواضحة ( ~~3 ) من الإدلال والإذلال والتذمم بما سلف ، فطورا يدل ببراءته ، وطورا يرد ~~بالعفو ( 4 ) ويستدعي المغفرة ويقر بالذنب ولا ذنب له ، والمحبوب في كل ذلك ~~ناظر إلى الأرض يسارقه اللحظ الخفي ، وربما أدامه فيه ، ثم يبسم مخفيا ~~لتبسمه ، وذلك علامة الرضى ، ثم ينجلي مجلسهما عن قبول العذر ، وتقبل القول ~~، وامتحت ذنوب النقل ، وذهبت آثار السخط ، ووقع الجواب بنعم وذنبك مغفور ، ~~لو كان ، فكيف ولا ذنب ؛ وختما أمرهما بالوصل الممكن وسقوط العتاب والإسعاد ~~، وتفرقا على هذا - هذا مكان تتقاصر دونه الصفات وتتلكن بتحديده الألسنة . ~~PageV01P195 ولقد وطئت بساط الخلفاء وشاهدت محاضر الملوك ، فما رأيت هيبة ~~تعدل هيبة محب لمحبوبه ؛ ورأيت تمكن المتغلبين على الرؤساء وتحكم الوزراء ، ~~وانبساط مدبري الدول ، فما رأيت أشد تبجحا ولا اعظم سرورا بما هو فيه من ~~محب أيقن أن قلب محبوبه عنده ووثق بميله إليه وصحة مودته له ؛ وحضرت مقام ~~المعتذرين بين أيدي السلاطين ، ومواقف المهتمين بعظيم الذنوب مع المتمردين ~~الطاغين ، فما رأيت أذل من موقف محب هيمان بين يدي محبوب غضبان قد غمره ~~السخط وغلب عليه الجفاء . ولقد امتحنت الأمرين وكنت ms061 في الحالة الأولى أشد ~~من الحديد وانفذ من السيف ، لا أجيب إلى المدينة ولا أساعد على الخضوع ، ~~وفي الثانية أذل من الرداء ، وألين من القطن ، أبادر إلى أقصى غايات التذلل ~~، وأغتنم فرصة الخضوع لو نجع ، وأتحلل بلساني ، وأغوص على دقائق المعاني ~~ببياني ، وأفتن القول فنونا ، وأتصدى لكل ما يوجب الترضي . والتجني بعض ~~عوارض الهجران ، وهو يقع في أول الحب وآخره ، فهو في أوله علامة لصحة ~~المحبة ، وفي آخره علامة لفتورها وباب للسلو . خبر : وأذكر في مثل هذا أني ~~كنت مجتازا في بعض الأيام بقرطبة من مقبرة باب عامر في لمة من الطلاب ~~وأصحاب الحديث ، ونحن نريد مجلس الشيخ أبي القاسم عبد الرحمن بن أبي يزيد ~~المصري ( 1 ) بالرصافة ( 2 ) أستاذي رضي الله عنه ، ومعنا أبو بكر عبد ~~الرحمن PageV01P196 ابن سليمان البلوي ( 1 ) من أهل سبتة ، وكان شاعرا ~~مفلقا . وهو ينشد لنفسه في صفة متجن معهود أبياتا له ، منها : [ من الطويل ~~] سريع إلى ظهر الطريق وإنه . . . إلى نقض أسباب المودة أسرع يطول علينا أن ~~نرقع وده . . . إذا كان في ترقيعه يتقطع فوافق إنشاد البيت الأول من هذين ~~البيتين خطور أبي [ علي ] الحسين بن علي الفاسي ( 2 ) رحمه الله تعالى وهو ~~يؤم أيضا مجلس ابن أبي يزيد ، فسمعه فتبسم رحمه الله نحونا وطوانا ماشيا ~~وهو يقول : بل إلى عقد المودة إن شاء الله ، هذا على جد أبي [ علي ] الحسين ~~رحمه الله وفضله وتقربه وبراءته ونسكه وزهده وعلمه ، فقلت في ذلك : [ من ~~الكامل ] دع عنك نقض مودتي متعمدا . . . واعقد حبال وصالنا يا ظالم ولترجعن ~~أردته أو لم ترد . . . كرها لما قال الفقيه العالم ويقع فيه الهجر والعتاب ~~؛ ولعمري إن فيه إذا كان قليلا للذة ، وأما إذا تفاقم فهو فأل غير محمود ، ~~وأمارة وبيئة المصدر ، وعلامة سوء ، وهي بجملة الأمر مطية الهجران ، ورائد ~~الصريمة ، ونتيجة التجني ، وعنوان الثقل ، ورسول الانفصال ، وداعية القلى ، ~~ومقدمة الصد ، وإنما يستحسن إذا لطف وكان أصله الإشفاق ؛ وفي ذلك أقول : [ ~~من الوافر ] لعلك بعد عتبك أن تجودا . . . بما منه عتبت ms062 وأن تزيدا ~~PageV01P197 فكم يوم رأينا فيه صحوا . . . وأسمعنا بآخره الرعودا وعاد ~~الصحو بعد كما علمنا . . . وأنت كذاك نرجو أن تعودا وكان سبب قولي هذه ~~الأبيات عتاب وقع في يوم هذه صفته من أيام الربيع فقلتها في ذلك الوقت . ~~وكان لي في بعض الزمن صديقان وكانا أخوين فغابا في سفر ثم قدما ، وقد ~~أصابني رمدا فتأخرا عن عيادتي ، فكتبت إليهما ، والمخاطبة للأكبر منهما ، ~~شعرا منه : [ من المتقارب ] وكنت اعدد أيضا على . . . أخيك بمؤلمة السامع ~~ولكن إذا الدجن غطى ذكاء . . . فما الظن بالقمر الطالع 4 - ثم هجر يوجبه ~~الوشاة ، وقد تقدم القول فيهم وفيما يتولد من دبيب عقاربهم ، وربما كان ~~سببا للمقاطعة البتة . 5 - ثم هجر الملل ، والملل من الأخلاق المطبوعة في ~~الإنسان ، وأحرى لمن دهي به ألا يصفو له صديق ، ولا يصح له إخاء ، ولا يثبت ~~على عهد ، ولا يصبر على إلف ولا تطول مساعدته لمحب ، ولا يعتقد منه ود ولا ~~بغضة . وأولى الأمور بالناس ألا يقربوه منهم وإن يفروا عن صحبته ولقائه ، ~~فلن يحلو ( 1 ) منه بطائل ، ولذلك أبعدنا هذه الصفة عن المحبين وجعلناها في ~~المحبوبين ، فهم بالجملة أهل التجني والتظني والتعرض للمقاطعة ؛ وأما من ~~تزيا باسم الحب وهو ملول فليس منهم ، وحقه ألا يتجرع مذاقه ( 2 ) ، وينفى ~~عن أهل هذه الصفة ولا يدخل في جملتهم . وما رأيت قط هذه الصفة أشد تغلبا ~~منها على أبي عامر PageV01P198 محمد بن [ أبي ] عامر رحمه الله ، فلو وصف ~~لي واصف بعض ما علمته منه لما صدقته . وأهل هذا الطبع أسرع الخلق محبة ، ~~وأقلهم صبرا على المحبوب وعلى المكروه ، وبالضد ؛ وانقلابهم عن الود علي ~~قدر تسرعهم إليه ؛ فلا تثق بملول ولا تشغل به نفسك ، ولا تعنها ( 1 ) ~~بالرجاء في وفائه . فغن دفعت إلى محبته ضرورة بعده ابن ساعته ، واستأنفه كل ~~حين من أحيانه بحسب ما تراه من تلونه ، وقابله بما يشاكله . ولقد كان أبو ~~عامر المحدث عنه يرى الجارية فلا يصبر عنها ، ويحيق به من الاغتمام والهم ~~ما يكاد أن يأتي عليه حتى يملكها ms063 ، ولو حال دون ذلك شوك القتاد ، فإذا أيقن ~~بتصيرها إليه عادت المحبة نفارا ، وذلك الأنس شرودا والقلق إليها قلقا منها ~~، ونزاعه نحوها نزاعا عنها ، فيبيعها بأوكس الأثمان . هذا كان دأبه حتى ~~أتلف فيما ذكرنا عشرات ألوف الدنانير عددا عظيما . وكان رحمه الله مع هذا ~~من أهل الأدب والحذق والذكاء والنبل والحلاوة والتوقد ، مع الشرف العظيم ~~والمنصب الفخم والجاه العريض ؛ وأما حسن وجهه وكمال صورته فشيء تقف الحدود ~~عنه وتكل الأوهام عن وصف أقله ولا يتعاطى أحد وصفه . ولقد كانت الشوارع ~~تخلو من السيارة ويتعمدون الخطور على باب داره في الشاعر الآخذ من النهر ~~الصغير على باب دارنا في الجانب الشرقي بقرطبة إلى الدرب المتصل بقصر ~~الزاهرة ، وفي هذا الدرب كانت داره رحمه الله ملاصقة لنا ، لا لشيء إلا ~~للنظر منه . ولقد مات من محبته جواركن علقن أوهامهن به ، ووفي ( 2 ) له ~~فخانهن مما أملنه منه ، فصرن رهائن البلى وقتلهن الوحدة . وأنا اعرف جارية ~~منهن كانت تسمى عفراء ، عهدي بها لا تتستر بمحبته حيثما جلست ، PageV01P199 ~~ولا تجف دموعها ، وكانت قد تصيرت من داره إلى البركات الخيال صاحب الفتيان ~~( 1 ) . ولقد كان رحمه الله يخبرني عن نفسه انه يمل اسمه فضلا عن غير ذلك . ~~وأما إخوانه فإنه تبدل بهم في عمره على قصره مرارا ، وكان لا يثبت على زي ~~واحد كأبي براقش ( 2 ) ، حينا يكون في ملابس الملوك وحينا في ملابس الفتاك ~~. فيجب على من امتحن بمخالطة من هذه صفته على أي وجه كان ألا يستفرغ عامة ~~جهده في محبته ، وأن يقيم اليأس من دوامه حصنا ( 3 ) لنفسه ، فإذا لاحت له ~~مخايل الملل قاطعه أياما حتى ينشط باله ، ويبعد به عنه ، ثم يعاوده ، فربما ~~دامت المودة مع هذا ؛ وفي ذلك أقول : [ من المجتث ] لا ترجون ملولا . . . ~~ليس الملول بعده ود الملول فدعه . . . عارية مسترده 6 - ومن الهجر ضرب يكون ~~متوليه المحب ، وذلك عندما يرى من جفاء محبوبه والميل عنه إلى غيره ، أو ~~لثقيل يلازمه ؛ فيرى الموت وتجرع غصص الأسى ، والعض على نقيف ms064 الحنظل أهون ~~من رؤية ما يكره ، فينقطع وكبده تتقطع ؛ وفي ذلك أقول : [ من السريع ] ~~PageV01P200 هجرت من أهواه لا عن قلى . . . يا عجبا للعاشق الهاجر لكن عيني ~~لم تطق نظرة . . . إلى محيا الرشأ الغادر فالموت أحلى مطعما ( 1 ) من هوى . ~~. . يباح للوارد والصادر وفي الفؤاد النار مذكية . . . فاعجب لصب جزع صابر ~~وقد أباح الله في دينه . . . تقية المأسور للآسر وقد احل الكفر خوف الردى . ~~. . حتى ترى المؤمن كالكافر خبر : ومن عجيب ما يكون فيها وشنيعه أني أعرف ~~من هام قلبه بمنتاء عنه نافر منه ، فقاسى الوج زمنا طويلا ، ثم سنحت له ~~الأيام بسانحة عجيبة من الوصل أشرف منها على بلوغ أمله ، فحين لم يكن بينه ~~وبين غاية رجائه إلا ك ' لا ' و ' لا ' ( 2 ) عاد الهجر والبعد إلى أكثر ~~مما كان قبل ، فقلت في ذلك : [ من السريع ] . كانت إلى دهري لي حاجة . . . ~~مقرونة في البعد بالمشتري فساقها باللطف حتى إذا . . . كانت من القرب على ~~محجري ( 3 ) أبعدها عني فعادت كان . . . لم تبد للعين ولم تظهر وقلت : [ من ~~الطويل ] دنا أملي حتى مددت لأخذه . . . يدا فانثنى نحو المجرة راحلا ~~فأصبحت لا أرجو وقد كنت موقنا . . . وأضحى مع الشعرى وقد كان حاصلا وقد كنت ~~محسودا فأصبحت حاسدا . . . وقد كنت مأمولا فأصبحت آملا كذا الدهر في كراته ~~وانتقاله . . . فلا يأمنن الدهر من كان عاقلا PageV01P201 7 - ثم هجر القلى ~~، وهنا ضلت الأساطين ( 1 ) ونفدت الحيل وعظم البلاء ، وهو الذي خلى العقول ~~ذواهل ، فمن دهي بهذه الداهية فليتصد لمحبوب محبوبه ، وليتعمد ما يعرف أنه ~~يستحسنه . ويجب أن يجتنب ما يدري أنه يكرهه ، فربما عطفه ذلك عليه إن كان ~~المحبوب ممن يدري قدر الموافقة والرغبة فيه ، وأما من لم يعلم قدر هذا فلا ~~طمع في استصرافه ، بل حسناتك عنده ذنوب . فغن لم يقدر المرء على استصرافه ~~فليتعمد السلوان وليحاسب نفسه بما هو فيه من البلاء والحرمان ، وليسع في ~~نيل رغبته على أي وجه أمكنه . ولقد رأيت من هذه صفته ، وفي ذلك أقول قطعة ~~أولها : [ من الطويل ] دهيت ms065 بمن لو أدفع الموت دونه . . . لقال إذا يا ~~ليتني في المقابر ومنها : ولا ذنب لي إذ صرت أحدو ركائبي . . . إلى الورد ~~والدنيا تسيء مصادري وماذا على الشمس المنيرة بالضحى . . . إذا قصرت عنها ~~ضعاف البصائر وأقول : [ من مخلع البسيط ] ما أقبح الهجر بعد وصل . . . ~~وأحسن الوصل بعد هجر كالوفر تحويه بعد فقر . . . والفقر يأتيك بعد وفر ~~وأقول : [ من السريع ] معهود أخلاقك قسمان . . . والدهر فيك اليوم صنفان ~~PageV01P202 فإنك النعمان فيما مضى . . . وكان للنعمان يومان يوم نعيم فيه ~~سعد الورى . . . ويوم بأساء وعدوان فيوم نعماك لغيري ويو . . . مي منك ذو ~~بؤس وهجران أليس حبي لك مستأهلا . . . لأن تجازيه بإحسان وأقول قطعة منها : ~~[ من الكامل ] يا من جميع الحسن منتظم . . . فيه كنظم الدر في العقد ما بال ~~حتفي منك يطرقني . . . قصدا ووجهك ( 1 ) طالع السعد وأقول قصيدة أولها : [ ~~من الطويل ] أساعة ( 2 ) توديعك أم ساعة الحشر . . . وليلة بيني منك أم ~~ليلة النشر وهجرك تعذيب الموحد ينقضي . . . ويرجو ( 3 ) التلاقي أم عذاب ~~ذوي الكفر ومنها : سقى الله أياما مضت ولياليا . . . تحاكي لنا النيلوفر ~~الغض في النشر فأوراقه الأيام حسنا وبهجة . . . وأوسطه الليل المقصر للعمر ~~لهونا بها في غمرة وتآلف . . . تمر فلا ندري وتأتي فلا ندري فأعقبنا منه ~~زمان كأنه . . . ولا شك حسن العقد أعقب بالغدر ومنها : فلا تيأسي يا نفس عل ~~زماننا . . . ( 4 ) يعود بوجه مقبل غير مزور كما صرف الرحمن ملك أمية . . . ~~إليهم ، ولوذي بالتجمل والصبر PageV01P203 وفي هذه القصيدة أمدح أبا بكر ~~هشام بن محمد ( 1 ) أخا أمير المؤمنين عبد الرحمن المرتضى ( 2 ) رحمه الله ~~، فأقول : أليس يحيط الروح فينا بكل ما . . . دنا وتناءى وهو في حجب الصدر ~~كذا الدهر جسم وهو في الدهر روحه . . . محيط بما فيه وإن شئت فاستقر ومنها ~~: إتاوتهم ( 3 ) تهدى إليه ، ومنة . . . تقبلها منهم تقاوم بالشكر كذا كل ~~نهر في البلاد وإن طمت . . . غزارته ينصب في لجج البحر PageV01P204 # | - 22 - باب الوفاء # ومن حميد الغرائز وكريم الشيم وفاضل الأخلاق في الحب وغيره الوفاء ؛ وإنه ~~لمن أقوى الدلائل وأوضح البراهين على ms066 طيب الأصل وشرف العنصر ، وهو يتفاضل ~~بالتفاضل اللازم للمخلوقات . وفي ذلك أقول قطعة منها : وهو [ من البسيط ] . ~~أفعال كل امرئ تنبي بعنصره . . . والعين تغنيك عن أن تطلب الأثرا ومنها : ~~وهل ترى قط دفلى أنبتت عنبا . . . أو تذخر النحل في أوكارها الصبرا 1 - ~~وأول مراتب الوفاء أن يفي الإنسان لمن يفي له ، وهذا فرض لازم وحق واجب على ~~المحب والمحبوب ، لا يحول عنه إلا خبيث المحتد لا خلاق له ولا خير عنده . ~~ولولا أن رسالتنا هذه لم نقصد بها الكلام في أخلاق الإنسان ( 1 ) وصفاته ~~المطبوعة والمتطبع بها ، وما يزيد من المطبوع بالتطبع وما يضمحل من التطبع ~~بعدم الطبع ، لزدت في هذا المكان ما يجب أن يوضع في مثله ، ولكنا إنما ~~قصدنا التكلم فيما رغبته من أمر الحب فقط ، وهذا أمر كان يطول جدا إذ ~~الكلام فيه يتفنن كثيرا . PageV01P205 خبر : ومن أرفع ( 1 ) ما شاهدته من ~~الوفاء في هذا المعنى وأهوله شأنا قصة رأيتها عيانا ، وهو أني أعرف من رضي ~~بقطيعة محبوبه وأعز الناس عليه ، ومن كان الموت عنده أحلى من هجر ساعة في ~~جنب طيه لسر أودعه ، والتزم محبوبه يمينا غليظة ألا يكلمه أبدا ولا يكون ~~بينهما خبر أو يفضح إليه ذلك السر ؛ على ان صاحب ذلك السر كان غائبا فأبى ~~من ذلك وتمادى هو على كتمانه والثاني على هجرانه إلى أن فرقت بينهما الأيام ~~. 2 - ثم مرتبة ثانية وهو الوفاء لمن غدر ، وهي للمحب دون المحبوب ، وليس ~~للمحبوب ها هنا طريق ولا يلزمه ذلك ، وهي خطة لا يطيقها إلا جلد قوي واسع ~~الصدر حر النفس عظيم الحلم جليل الصبر حصيف العقدة ( 2 ) ماجد الخلق سالم ~~النية . ومن قابل الغدر بمثله فليس بمستأهل للملامة ، ولكن الحال التي ~~قدمنا تفوقها جدا وتفوتها بعدا . وغاية الوفاء في هذه الحال ترك مكافأة ~~الأذى بمثله ، والكف عن سيء المعارضة بالفعل والقول ، والتأني في جذ ( 3 ) ~~حبل الصحبة ما أمكن ورجيت الألفة وطمع في الرجعة ولاحت للعودة أدنى مخيلة ~~وشيمت منها أقل بارقة ، أو توجس ms067 منها أيسر علامة . فإذا وقع اليأس واستحكم ~~الغيظ فحينئذ [ لذ ] بالسلامة ممن غرك ، والأمن ممن ضرك ، والنجاة ممن آذاك ~~( 4 ) ، وأن يكون ذكر ما سلف مانعا من شفاء الغيظ فيما وقع ، فرعي الأذمة ( ~~5 ) حق وكيد على أهل العقول ، والحنين PageV01P206 إلى ما مضى وألا ينسى ما ~~قد فرغ منه وفنيت مدته أثبت الدلائل على صحة الوفاء . وهذه الصفة حسنة جدا ~~وواجب استعمالها في كل وجه من وجوه معاملات الناس فيما بينهم على أي حال ~~كانت . خبر : ولعهدي برجل من صفوة إخواني قد علق بجارية فتأكد الود بينهما ~~، ثم غدرت بعهده ونقضت وده وشاع خبرهما ، فوجد لذلك وجدا شديدا . خبر : ~~وكان لي مرة صديق ففسدت نيته بعد وكيد مودة لا يكفر ( 1 ) بمثلها ، وكان ~~علم كل واحد منا سر صاحبه وسقطت المؤنة ، فلما تغير علي أفشى كل ما اطلع لي ~~عليه مما كنت اطلعت منه على أضعافه ، ثم اتصل به أن قوله في قد بلغني ، ~~فجزع لذلك وخشي أن أقارضه على قبيح فعلته ؛ وبلغني ذلك فكتبت إليه شعرا ~~أونسه فيه وأعلمه أني لا أقارضه . خبر : ومما يدخل في هذا الدرج ، وإن كان ~~ليس منه ، ولا هذا الفصل المتقدم من جنس الرسالة والباب ، ولكنه شبيه له ~~على ما قد ذكرنا وشرطنا ، وذلك أن محمد بن وليد بن مكسير الكاتب كان متصلا ~~بي ومنقطعا إلي أيام وزارة أبي رحمة الله عليه ، فلما وقع بقرطبة ما وقع ~~وتغيرت الأحوال خرج إلى بعض النواحي فاتصل بصاحبها فعرض جاهه وحدثت له ~~وجاهة وحال حسنة . فحللت أنا تلك الناحية في بعض رحلتي فلم يوفني حقي بل ~~ثقل عليه مكاني وأساء معاملتي وصحبتي ، وكلفته في خلال ذلك حاجة لم يقم ~~فيها ولا قعد ، واشتغل PageV01P207 عنها بما ليس في مثله شغل ، فكتبت إليه ~~شعرا أعاتبه فيه ، فجاوبني مستعتبا على ذلك ، فما كلفته حاجة بعدها . ومما ~~لي في هذا المعنى وليس من جنس الباب ولكنه يشبهه أبيات قلتها ، منها : [ من ~~البسيط ] . وليس يحمد كتمان لمكتتم . . . لكن كتمك ما أفشاه مفشيه ms068 كالجود ~~بالوفر أسنى ما يكون إذا . . . قل الوجود له أو ضن معطيه 3 - ثم مرتبة ~~ثالثة وهي الوفاء مع اليأس البات وبعد حلول المنايا وفجاءات المنون ، وإن ~~الوفاء في هذه الحالة لأجل وأحسن منه في الحياة ومع رجاء اللقاء . خبر : ~~ولقد حدثتني امرأة أثق بها أنها رأت في دار محمد بن وهب المعروف بابن ~~الركيزة ( 1 ) من ولد بدر ( 2 ) ، الداخل مع الإمام عبد الرحمن بن معاوية ~~رضي الله عنه ، جارية رائعة جميلة كان لها مولى فجاءته المنية فبيعت في ~~تركته ، فأبت أن ترضى بالرجال بعده ، وما جعلها رجل إلى أن لقيت الله عز ~~وجل ؛ وكانت تحسن الغناء فأنكرت علمها به ، ورضيت بالخدمة والخروج عن جملة ~~المتخذات للنسل واللذة والحال الحسنة وفاء منها لمن دثر ووارته الأرض ~~والتأمت عليه الصفائح ، ولقد رامها سيدها المذكور أن يضمها إلى فراشه مع ~~سائر جواريه ويخرجها مما هي فيه فأبت ، فضربها غير مرة وأوقع بها الادب ، ~~فصبرت على ذلك كله ، فأقامت على امتناعها ؛ وإن هذا من الوفاء غريب جدا . ~~واعلم أن الوفاء على المحب أوجب منه على المحبوب وشرطه له PageV01P208 ألزم ~~، لان المحب هو البادي باللصوق والتعرض لعقد الأذمة ، والقاصد لتأكيد ~~المودة والمستدعي صحة العشرة ، والأول في عداد طالبي الأصفياء ( 1 ) ، ~~والسابق في ابتغاء اللذة باكتساب الخلة ، والمقيد نفسه بزمام المحبة - قد ~~عقلها بأوثق عقال وخطمها بأشد خطام ، فمن قمبره على هذا كله إن لم يرد ~~إتمامه ومن أجبره على استجلاب المقة إن لم ينو ختمها بالوفاء لمن أراده ~~عليها والمحبوب إنما هو مجلوب إليه ومقصود نحوه ومخير في القبول أو الترك ، ~~فإن قبل فغاية الرجاء ، وإن أبى فغير مستحق للذم . وليس التعرض للوصل ~~والإلحاح فيه والتأتي لكل ما يسجلب به من الموافقة وتصفية الحضرة والمغيب ، ~~من الوفاء في شيء ، فحظ نفسه أراد الطالب ، وفي سروره سعى وله احتطب ، ~~والحب يدعوه ويحدوه على ذلك شاء أو أبى ، وإنما يحمد الوفاء ممن يقدر على ~~تركه . وللوفاء شروط على المحبين لازمة : فأولها أن يحفظ عهد محبوبه ms069 ويرعى ~~غيبته ، وتستوي ( 2 ) علانيته وسريرته ، ويطوي شره وينشر خيره ، ويغطي على ~~عيوبه ويحسن أفعاله ، ويتغافل عما يقع منه على سبيل الهفوة ويرضى بما حمله ~~ولا يكثر عليه بما ينفر منه ، وألا يكون طلعة دبوبا ولا ملة طرفا ( 3 ) . ~~وعلى المحبوب إن ساواه في المحبة مثل ذلك ، وإن كان دونه فيها فليس للمحب ~~أن يكلفه الصعود إلى مرتبته ولا له الاستشاطة عليه بان يسومه الاستواء معه ~~في درجته . وبحسبه منه حينئذ كتمان خبره وألا يقابله بما يكره ولا يخيفه ~~PageV01P209 به ، وإن كانت الثالثة - وهي السلامة مما يلقى بالجملة - ~~فليقنع بما وجد ، وليأخذ من الأمر ما استدف ( 1 ) ولا يطلب شرطا ولا يقترح ~~عقدا ( 2 ) ، وإنما له ما سنح بجده أو ما حان بكده . واعلم أنه لا يستبين ~~قبح الفعل لأهله ، ولذلك يتضاعف قبحه عند من ليس من ذويه ، ولا أقول قولى ~~هذا ممتدحا ولكن آخذا بأدب الله عز وجل { وأما بنعمة ربك فحدث } ( الضحى : ~~11 ) : لقد منحني الله عز وجل من الوفاء لكل من يمت إلى بلقية واحدة ، ~~ووهبني من المحافظة لمن يتذمم مني ولو بمحادثته ساعة حظا أنا له شاكر وحامد ~~، ومنه مستمد ومستزيد ، وما شيء أثقل علي من الغدر ؛ ولعمري ما سمحت نفسي ~~قط في الفكرة في إضرار من بيني وبينه أقل ذمام ، وإن عظمت جريريته وكثرت ~~إلي ذنوبه ، ولقد دهمني من هذا غير قليل فما جزيت على السوءى إلا بالحسنى ، ~~والحمد لله على ذلك كثيرا . وبالوفاء أفتخر في كلمة طويلة ذكرت فيها ما ~~مضنا من النكبات ، ودهمنا من الحل والترحال والتجول في الآفاق ، أولها ( 3 ~~) : [ من البسيط ] . ولي فولى جميل الصبر يتبعه . . . وصرح الدمع ما تخفيه ~~أضلعه جسم ملول وقلب آلف فإذا . . . حل الفراق عليه فهو موجعه لم يستقر به ~~دار ولا وطن . . . ولا تدفأ منه قط مضجعه PageV01P210 كأنما صيغ من رهو ~~السحاب فما . . . تزال ريح إلى الآفاق تدفعه كأنما هو توحيد تضيق به . . . ~~نفس الكفور فتأبى حين تودعه أو كوكب قاطع في الأفق منتقل . . . فالسير ~~يغربه ms070 حينا ويطلعه أظنه لو جزته أو تساعده . . . ( 1 ) ألقت عليه انهمال ~~الدمع يتبعه وبالوفاء أيضا أفتخر في قصيدة لي طويلة أوردتها ، وإن كان ~~أكثرها ليس من جنس الكتاب ، فكان سبب قولي لي أن قوما من مخالفي شرقوا بي ~~فأساءوا العتب في وجهي وقذفوني بأني أعضد الباطل بحجتي ، عجزا منهم عن ~~مقاومة ما أوردته من نصر الحق وأهله ، وحسدا لي ، فقلت وخاطبت بقصيدتي بعض ~~إخواني وكان ذا فهم ، منها : [ من الطويل ] . وخذني عصا موسى وهات جميعهم . ~~. . ولو أنهم حيات ضال نضانض ومنها : يذيعون في عيبي عجائب جمة . . . وقد ~~يتمنى ( 2 ) الليث والليث رابض ومنها : ويرجون ما لا يبلغون كمثل ما . . . ~~يرجى محالا في الإمام الروافض ومنها : ولو جلدي في كل قلب ومهجة . . . لما ~~أثرت فيها العيون المرائض أبت عن دني الوصف ضربة لازب . . . كما أبت الفعل ~~الحروف الخوافض PageV01P211 ومنها : ورأيي له في كل ما غاب مسلك . . . كما ~~تسلك الجسم العروق النوابض يبين مدب النمل في غير مشكل . . . ( 1 ) ويستر ~~عنهم للفيول المرابض PageV01P212 # | - 23 - باب الغدر # وكما أن الوفاء من سري النعوت ونبيل الصفات ، فكذلك الغدر من ذميمها ~~ومكروهها ، وإنما يسمى غدرا من البادئ به ، وأما المقارض بالغدر على مثله - ~~وإن استوى معه في حقيقة الفعل - فلييس بغدر ولا هو معيبا بذلك ، والله عز ~~وجل يقول : { وجزاء سيئة سيئة مثلها } ( الشورى : 40 ) وقد علمنا أن ~~الثانية ليست بسيئة ، ولكن لما جانست الأولى في الشبه أوقع عليها مثل اسمها ~~، وسيأتي هذا مفسرا في باب السلو إن شاء الله . ولكثرة وجود الغدر في ~~المحبوب استغرب الوفاء منه ، فصار قليله الواقع منهم يقاوم الكثير الموجود ~~في سواهم . وفي ذلك أقول : [ من الوافر ] . قليل وفاء من يهوى يجل . . . ~~وعظم وفاء من يهوى يقل فنادرة الجبان أجل مما . . . يجيء به الشجاع المستقل ~~ومن قبيح الغدر أن يكون للمحب سفير إلى محبوبه يستريح إليه بأسراره فيسعى ~~حتى يقلبه إلى نفسه ويستأثر به دونه ؛ وفيه أقول : [ من الطويل ] . أقمت ~~سفيرا قاصدا في مطالبي . . . وثقت به جهلا فضرب بيننا وحل ms071 عرى ودي وأثبت ~~وده . . . وأبعد عني كل ما كان ممكنا PageV01P213 فصرت شهيدا بعدما كنت ~~مشهدا . . . وأصبح ( 1 ) ضيفا بعدما كان ضيفنا خبر : ولقد حدثني القاضي ~~يونس بن عبد الله ( 2 ) قال : أذكر في الصبا جارية في بعض السدد يهواها فتى ~~من أهل الأدب من أبناء الملوك وتهواه ويتراسلان ، وكان السفير بينهما ~~والرسول بكتبهما فتى من أترابه كان يصل إليها ، فلما عرضت الجارية للبيع ~~أراد الذي كان يحبها ابتياعها ، فبدر الذي كان رسولا فاشتراها . فدخل عليها ~~يوما فوجدها قد فتحت درجا لها تطلب فيه بعض حوائجها ، فأتى إليها وجعل يفتش ~~الدرج ، فخرج إليه كتاب من ذلك الفتى الذي كان يهواها مضمخا بالغالية مصونا ~~مكرما ، فغضب وقال : من أين هذا يا فاسقه قالت : أنت سقته إلي ، فقال : ~~لعله محدث بعد ذلك الحين ، فقالت : ما هو إلا من قديم تلك التي تعرف ؛ قال ~~: فكأنما ألقمته حجرا ، فسقط في يده وسكت . PageV01P214 # | - 24 - باب البين # وقد علمنا أنه لابد لكل مجتمع من افتراق ، ولكل دان من تناء ، وتلك عادة ~~الله في العباد والبلاد حتى يرث الله الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين . ~~وما شيء من دواهي الدنيا يعدل الافتراق ، ولو سالت الأرواح به فضلا عن ~~الدموع كان قليلا . وسمع بعض الحكماء قائلا يقول : الفراق أخو الموت ، فقال ~~: بل الموت أخو الفراق ( 1 ) . والبين ينقسم أقساما : 1 - فأولها مدة يوقن ~~بانصرامها وبالعودة عن قريب ، وإنه لشجى في القلب ، وغصة في الحلق لا تبرأ ~~إلا بالرجعة . وأنا أعلم من كان يغيب من يحب عن بصره يوما واحدا فيعتريه من ~~الهلع والجزع وشغل البال وترادف الكرب ما يكاد يأتي عليه . 2 - ثم بين منع ~~من اللقاء وتحظير على المحبوب من أن يراه محبه ، فهذا - ولو كان من تحبه ~~معك في دار واحدة - فهو بين ، لأنه PageV01P215 بائن عنك ، وإن هذا ليولد ~~من الحزن والأسف غير قليل ، ولقد جربناه فكان مرا ، وفي ذلك أقول : [ من ~~الطويل ] . أرى دارها في كل حين وساعة . . . ولكن من في الدار عني مغيب وهل ~~نافعي ms072 قرب الديار وأهلها . . . على وصلهم مني رقيب مرقب فيا لك جار الجنب ~~أسمع حسه . . . وأعلم أن الصين أدنى وأقرب كصاد يرى ماء الطوي بعينه . . . ~~وليس إليه من سبيل يسبب كذلك من في اللحد عنك مغيب . . . وما دونه إلا ~~الصفيح المنصب وأقول من قصيدة مطولة : [ من الطويل ] . متى تشتفي نفس أضر ~~بها الوجد . . . وتصقب دار قد طوى أهلها البعد وعهدي بهند وهي جارة بيتنا . ~~. . وأقرب من هند لطالبها الهند بلى إن في قرب الديار لراحة . . . كما يمسك ~~( 1 ) الظمآن أن يدنو الورد 3 - ثم بين يتعمده المحب بعدا عن قول الوشاة ، ~~وخوفا أن يكون بقاؤه سببا إلى منع اللقاء ، وذريعة إلى أن يفشو الكلام فيقع ~~الحجاب الغليظ . 4 - ثم بين يولده المحب لبعض ما يدعوه إلى ذلك من آفات ~~الزمان ، وعذره مقبول أو مطرخ على قدر الحافز له إلى الرحيل . خبر : ولعهدي ~~بصديق لي داره المرية ، فعنت له حوائج إلى شاطبة فقصدها ، وكان نازلا بها ~~في منزلي مدة إقامته بها ، وكان له بالمرية علاقة هي أكبر همه وأدهى غمه ، ~~وكان يؤمل تبتيته وفراغ أسبابه وأن يوشك الرجعة ويسرع الأوبة ، فلم يكن إلا ~~حين لطيف بعد احتلاله PageV01P216 عندي حتى جيش الموفق أبو الجيش مجاهد ~~صاحب الجزائر ( 1 ) الجيوش وقرب العساكر ونابذ خيران صاحب المرية ( 2 ) ~~وعزم على استئصاله ، فانقطعت الطرق بسبب هذه الحرب ، وتحوميت السبل واحترس ~~البحر بالأساطيل ، فتضاعف كربه إذ لم يجد إلى الانصراف سبيلا البتة ، وكاد ~~يطفأ أسفا ، وصار لا يأنس بغير الوحدة ، ولا يلجأ إلا إلى الزفير والوجوم ، ~~ولعمري لقد كان ممن لم أقدر قط فيه أن قلبه يذعن للود ، ولا شراسة طبعه ~~تحبب إلى الهوى . وأذكر أني دخلت قرطبة بعد رحيلي عنها ثم خرجت منصرفا عنها ~~فضمني الطريق مع رجل من الكتاب قد رحل لأمر مهم وتخلف سكن له ( 3 ) ، فكان ~~يرتمض لذلك . وإني لأعلم من علق بهوى له وكان في حال شظف ، وكانت له في ~~الأرض مذاهب واسعة ومناديح رحبة ووجوه متصرف كثيرة ، فهان عليه ذلك وآثر ms073 ~~الإقامة مع من يحب ؛ وفي ذلك أقول شعرا منه : [ من الكامل ] . لك في البلاد ~~منادح معلومة . . . والسيف غفل أو يبين قرابه PageV01P217 5 - ثم بين رحيل ~~وتباعد ديار ، ولا يكون من الأوبة فيه على يقين خبر ، ولا يحدث تلاق ، وهو ~~الخطب الموجع ، والعم المفظع ، والحادث الأشنع ، والدواء الدوي . وأكثر ما ~~يكون الهلع فيه إذا كان النائي هو المحبوب ؛ وهو الذي قالت فيه الشعراء ~~كثيرا ؛ وفي ذلك أقول قصيدة منها ( 1 ) : [ من الطويل ] . وبي ( 2 ) علة ~~أعيا الطبيب علاجها . . . ستوردني لا شك منهل مصرعي رضيت بان أضحى قتيل ~~وداده . . . كجارع سم في رحيق مشعشع فما لليالي ما أقل حياءها . . . ~~وأولعها بالنفس من كل مولع كأن زماني عبشمي يخالني . . . أعنت على عثمان ~~أهل التشيع وأقول من قصيدة : [ من الطويل ] . أظنك تمثال الجنان أباحه . . ~~. لمجتهد النساك من أوليائه وأقول من قصيدة : [ من الطويل ] . لأبرد ~~باللقيا غليلا من الهوى . . . توقد ( 3 ) نيران الغضا هيمانه وأقول شعرا ~~منه : [ من الطويل ] . خفيت عن الأبصار والوجد ظاهر . . . فاعجب بأعراض ~~تبين ولا شخص غدا الفلك الدوار حلقة خاتم . . . محيط بما فيه وأنت له فص ~~وأقول من قصيدة : [ من الطويل ] . غنيت عن التشبيه حسنا وبهجة . . . كما ~~غنيت شمس السماء عن الحلي PageV01P218 عجبت لنفسي بعده كيف لم تمت . . . ~~وهجرانه دفني وفقدانه نعيي وللجسد الغض المنعم كيف لم . . . تذبه يد خشناء ~~[ تقوى على ] البري وغن للأوبة من البين الذي تشفق منه النفس لطول مسافته ~~وتكاد تيأس من العودة فيه ، لروعة تبلغ ما لا حد وراءه ، وربما قتلت ؛ وفي ~~ذلك أقول : [ من الخفيف ] . للتلاقي بعد الفراق سرور كسرور المفيق حانت ~~وفاته فرحة تبهج النفوس وتحيي . . . من دنا منه بالفراق مماته ربما قد تكون ~~داهية المو . . . ت وتودي بأهله هجماته كم رأينا من عب في الماء عطشا . . . ~~ن فزار الحمام وهو حياته وإني لأعلم من نأت دار محبوبه زمنا ثم تيسرت له ~~اوبة ، فلم يكن إلا بقدر التسليم واستيفائه حتى دعته نوى ثانية ، فكاد ان ~~يهلك ؛ وفي ذلك أقول : [ من الطويل ] . أطلت زمان البعد ms074 حتى إذا انقضى . . ~~. زمان النوى بالقرب عدت إلى البعد فلم يك إلا كرة الطرف قربكم . . . ~~وعاودكم بعدي وعاودني وجدي كذا حائر في الليل ضاقت وجوهه . . . رأى البرق ~~في داج من الليل مسود فأخلفه منه رجاء دوامه . . . وبعض الأراجي لا تفيد ~~ولا تجدي وفي الأوبة بعد الفراق أقول قطعة منها : [ من الطويل ] . لقد قرت ~~العينان بالقرب منكم . . . كما سخنت أيام يطويكم البعد فلله فيما مضى الصبر ~~والرضى . . . ولله فيما قد قضى الشكر والحمد خبر : ولقد نعي إلي بعض من كنت ~~احب من بلدة نازحة ، فقمت فارا بنفسي نحو المقابر ، وجعلت امشي بينها وأقول ~~: [ من الوافر ] . PageV01P219 وددت بان ظهر الأرض بطن . . . وأن البطن ~~منها صار ظهرا وأني مت قبل ورد خطب . . . أتى فأثار في الأكباد جمرا وأن ~~دمي لمن قد بان غسل . . . وان ضلوع صدري كن قبرا ثم اتصل بعد حين تكذيب ذلك ~~الخبر فقلت : [ من السريع ] . بشرى أتت واليأس مستحكم . . . والقلب في سبع ~~طباق شداد كنت فؤادي خضرة بعدما . . . كان فؤادي لابسا للحداد جلى سواد ~~الغم عني كما . . . يجلى بلون الشمس لون السواد هذا وما آمل وصلا سوى . . . ~~صدق وفاء بقديم الوداد فالمزن قد يطلب لا للحيا . . . لكن لظل بارد ذي ~~امتداد ويقع في هذين الصنفين من البين الوداع ، أعني رحيل المحب أو رحيل ~~المحبوب . وإنه لمن المناطر الهائلة والمواقف الصعبة التي تفتضح فيها عزيمة ~~كل ماضي العزائم ، وتذهب قوة كل ذي بصيرة ، وتسكب كل عين جمود ، ويظهر ~~مكنون الجوى . وهو فصل من فصول البين يجب التكلم فيه ، كالعتاب في باب ~~الهجر . ولعمري لو أن ظريفا يموت في ساعة الوداع لكان معذورا إذا تفكر فيما ~~يحل به بعد ساعة من انقطاع الآمال ، وحلول الأوجال ، وتبدل السرور بالحزن . ~~وإنها ساعة ترق القلوب القاسية ، وتلين الأفئدة الغلاظ . وإن حركة الرأس ~~وإدمان النظر والزفرة بعد الوداع لهاتكة حجاب القلب ، وموصلة إليه من الجزع ~~بمقدار ما تفعل حركة الوجه في ضد هذا والإشارة بالعين والتبسم في مواطن ~~الموافقة . PageV01P220 والوداع ينقسم قسمين ، أحدهما لا يتمكن فيه ms075 إلا ~~بالنظر والإشارة والثاني يتمكن فيه بالعناق والملازمة ، وربما لعله كان لا ~~يمكن قبل ذلك البتة مع تجاوز المحال وإمكان التلاقي ، ولهذا تمنى بعض ~~الشعراء البين ومدحوا يوم النوى ، وما ذاك بحسن ولا بصواب ولا بالأصيل من ~~الرأي ، فما يفي سرور ساعة بحزن ساعات ، فكيف إذا كان البين أياما وشهورا ~~وربما أعواما وهذا سوء من النظر ومعوج من القياس ، وإنما أثنيت على النوى ~~في شعري تمنيا لرجوع يومعا ، فيكون في كل يوم لقاء ووداع ، على أن تحتمل ~~مضض هذا الاسم الكريه ، وذلك عندما يمضي من الأيام التي لا التقاء فيها ~~فحينئذ يرغب المحب من يوم الفراق لو أمكنه في كل يوم ؛ وفي الصنف الأول من ~~الوداع أقول شعرا منه : [ من البسيط ] . تنوب عن بهجة الأنوار بهجته . . . ~~كما تنوب عن النيران أنفاسي وفي الصنف الثاني من الوداع أقول شعرا منه : [ ~~من البسيط ] . وجه تخر له الأنوار ساجدة . . . والوجه تم فلم ينقص ولم يزد ~~دفء وشمس الضحى بالجدي نازلة . . . وبارد ناعم والشمس في الأسد ومنه : يوم ~~الفراق لعمري لست أكرهه . . . أصلا وإن شت شمل الروح عن جسدي ففيه عانقت من ~~أهوى بلا جزع . . . وكان من قبله إن سيل لم يجد أليس من عجب دمعي ( 1 ) ~~وعبرتها . . . يوم الوصال ليوم البين ذو حسد PageV01P221 وهل هجس في ~~الأفكار أو قام في الظنون أشنع وأوجع من هجر عتاب وقع بين محبين ، ثم ~~فجأتهما النوى قبل حلول الصلح وانحلال عقدة الهجران ، فقاما إلى الوداع وقد ~~نسي العتاب ، وجاء ما طم عن ( 1 ) القوى وأطار الكرى ؛ وفيه أقول شعرا منه ~~: [ من الطويل ] . وقد سقط العتب المقدم وامحى . . . وجاءت جيوش البين تجري ~~وتسرع وقد ذعر البين الصدود فراعه . . . فولى فما يدرى له اليوم موضع كذئب ~~خلا بالصيد حتى أظله . . . هزبر له من جانب الغيل مطلع لئن سرني في طرده ~~الهجر إنني . . . لإبعاده عني الحبيب لموجع ولابد عند الموت من بعض راحة . ~~. . وفي غبها ( 2 ) الموت الوحي المصرع وأعرف من أتى ليودع محبوبه يوم ~~الفراق فوجده قد فات ، فوقف ms076 على آثاره ساعة وتردد في الموضع الذي كان فيه ~~ثم انصرف كئيبا متغير اللون كاسف البال ، فما كان بعد أيام قلائل حتى اعتل ~~ومات ، رحمه الله . وإن للبين في إظهار السرائر المطوية عملا عجبا : ولقد ~~رأيت من كان حبه مكتوما وبما يجد فيه مستترا حتى وقع حادث الفراق فباح ~~المكنون وظهر الخفي . وفي ذلك أقول قطعة منها : [ من المتقارب ] . بذلت من ~~الود ما كنت قبل . . . منعت وأعطيتنيه جزافا وما لي به حاجة عند ذاك . . . ~~ولو جدت قبل بلغت الشغافا وما ينفع الطب عند الحمام . . . وينفع قبل الردى ~~من تلافى وأقول : [ من الكامل ] . الآن إذ حل الفراق وجدت لي . . . بخفي حب ~~كنت تبدي بخله PageV01P222 قد زدتني في حسرتي أضعافها . . . ويحي فهلا كان ~~هذا قبله ولقد أذكرني هذا أني خطبت ( 1 ) في بعض الأزمان مودة رجل من وزراء ~~السلطان أيام جاهه فأظهر بعض الامتساك ، فتركته حتى ذهبت أيامه وانقضت ~~دولته ، فأبدى لي من المودة والاخوة غير قليل ، فقلت : [ من الطويل ] . ~~بذلت لي الأعراض والدهر مقبل . . . وتبذل لي الإقبال والدهر معرض وتبسطني ~~إذ ليس ينفع بسطكم . . . فهلا أبحث البسط إذ كنت تقبض 6 - ثم بين الموت وهو ~~الفوت ، وهو الذي لا يرجى له إياب ، وهو المصيبة الحالة ، وهو قاصمة الظهر ~~وداهية الدهر ، وهو الويل ( 2 ) ، وهو المغطي على ظلمة الليل ، وهو قاطع كل ~~رجاء وماحي كل طمع والمؤيس من اللقاء . وهنا حارت الألسن ، وانجذم حبل ~~العلاج ، فلا حيلة إلا الصبر طوعا أو كرها . وهو أجل ما يبتلى به المحبون ، ~~فما لمن دهي به إلا النوح والبكاء إلى أن يتلف أو يمل ؛ فهو القرحة التي لا ~~تنكا ، والوجع الذي لا يفنى ، وهو الغم الذي يتجدد على قدر بلاء من اغتمدته ~~في الثرى وفيه أقول : [ من مشطور المديد ] كل بين واقع . . . فمرجى لم يفت ~~لا تعجل قنطا . . . لم يفت من لم يمت والذي قد مات فال . . . يأس عنه قد ~~ثبت وقد رأينا من عرض له هذا كثيرا . وعني أخبرك أني أحد من دهي بهذه ~~الفادحة ms077 وتعجلت له هذه المصيبة ، وذلك أني كنت أشد الناس كلفا وأعظمهم حبا ~~بجارية لي ، PageV01P223 كانت فيما خلا اسمها نعم . وكانت أمنية المتمني ~~وغاية الحسن خلقا وخلقا وموافقة لي ، وكنت أبا عذرها ، وكنا قد تكافأنا ~~المودة ، ففجعتني بها الأقدار ، واخترمتها الليالي ومر النهار ، وصارت ~~ثالثة التراب والاحجار ، وسني حين وفاتها دون العشرين سنة ، وكانت هي دوني ~~في السن ، فلقد أقمت بعدها سبعة أشهر لا أتجرد عن ثيابي ولا تفتر لي دمعة ~~على جمود عيني وقلة إسعادها ؛ وعلى ذلك فو الله ما سلوت حتى الآن ، ولو قبل ~~فداء لفديتها بكل ما أملك من تالد وطارف ، وببعض أعضاء جسمي العزيزة علي ~~مسارعا طائعا ، وما طاب لي عيش بعدها ، ولا نسيت ذكرها ، ولا أنست بسواها ، ~~ولقد عفى حبي لها على كل ما قبله ، وحرم ما كان بعده ؛ ومما قلت فيها : [ ~~من الطويل ] . مهذبة بيضاء كالشمس إن بدت . . . وسائر ربات الحجال نجوم ~~أطار هواها القلب عن مستقره . . . فبعد وقوع ظل وهو يحوم ومن مراثي فيها ~~قصيدة منها : [ من الطويل ] . كأني لم آنس بألفاظك التي . . . على عقد ~~الألباب هن نوافث ولم أتحكم في الأماني كأنني . . . لإفراط ما حكمت فيهن ~~عابث ومنها : ويبدي إعراضا وهن أوالف . . . ويقسمن في هجري وهن حوانث وأقول ~~أيضا في قصيدة أخاطب فيها ابن عمي أبا المغيرة عبد الوهاب بن أحمد بن عبد ~~الرحمن بن حزم بن غالب ( 1 ) ، وأقرضه فأقول : [ من الطويل ] . PageV01P224 ~~قفا فاسألا الأطلال أين قطينها . . . أمرت عليها بالبلى الملون على دارسات ~~مقفرات عواطل . . . كأن المغاني في الخفاء معاني واختلف الناس في أي ~~الأمرين أشد : البين أم الهجر وكلاهما مرتقى صعب وموت أحمر وبلية سوداء ~~وسنة شهباء ، وكل يستبشع من هذين ما ضاد طبعه : فأما ذو النفس الأبية ~~الأنوف ، الحنانة الألوف ( 1 ) الثابتة على العهد ، فلا شيء يعدل عنده ~~مصيبة البين ، لأنه أتى قصدا ، وتعمدته النوائب عمدا ، فلا يجد شيئا يسلي ~~نفسه ؛ ولا يصرف فكرته في معنى من المعاني إلا وجد باعثا على صبابته ومحركا ~~لأشجانه ، وعلة لألمه ( 2 ) ، وحجة لوجده ms078 وحاضا على البكاء على إلفه . وأما ~~الهجر فهو داعية السلو ورائد الإقلاع . وأما ذو النفس التواقة الكثيرة ~~النزوع والتطلع القلوق العزوف فالهجر داؤه وجالب حتفه ، والبين له مسلاة ~~ومنساة . وأما أنا فالموت عندي أسهل من الفراق ، وما الهجر إلا جالب للكمد ~~فقط ، ويوشك إن دام أن يحدث إيغارا ( 3 ) ، وفي ذلك أقول : [ من المتقارب ] ~~. وقالوا ارتحل فلعل السلو . . . يكون وترغب أن ترغبه فقلت الردى لي قبل ~~السلو . . . ومن يشرب السم عن تجربه ! وأقول [ المتقارب ] سبى مهجتي هواه . ~~. . وأودت بها نواه كأن الغرام ضيف . . . وروحي غدا قراه PageV01P225 ولقد ~~رأيت من يستعجل ( 1 ) هجر محبوبه ويتعمده خوفا من مرارة يوم البين وما يحدث ~~به من لوعة الأسف عند التفرق ، وهذا وإن لم يكن عندي من المذاهب المرضية ، ~~فهو حجة قاطعة على ان البين أصعب من الهجر ، وكيف لا وفي الناس من يلوذ ~~بالهجر خوفا من البين . ولم أجد أحدا في الدنيا يلوذ بالبين خوفا من الهجر ~~، إنما يأخذ الناس أبدا الأسهل ويتكلفون الأهون . وإنما قلنا إنه ليس من ~~المذاهب المحمودة لان أصحابه قد استعجلوا البلاء قبل نزوله ، وتجرعوا غصة ~~الصبر قبل وقتها ، ولعل ما تخوفوه لا يكون ، وليس من يتعجل المكروه - وهو ~~على غير يقين مما يتعجل - بحكيم ، وفيه أقول شعرا منه : [ من الخفيف ] . ~~لبس الصب للصبابة بينا . . . ليس من جانب الأحبة منا كغني يعيش عيش فقير . ~~. . خوف فقر وفقره قد أبنا وأذكر لابن عمي أبي المغيرة في هذا المعنى - من ~~ان البين أصعب من الصد - أبياتا من قصيدة خاطبني بها وهو ابن سبعة عشر عاما ~~أو نحوها ، وهي : [ من الكامل المجزوء ] . أجزعت أن أزف الرحيل . . . وولهت ~~ان نص الذميل كلا : مصابك فادح . . . وأجل : فراقهم جليل كذب الألى زعموا ~~بان . . . الصد مرتعه وبيل لم يعرفوا كنه الغلي . . . ل وقد تحملت الحمول ~~أما الفراق فإنه . . . للموت إن أهوى دليل ولي في هذا المعنى قصيدة مطولة ~~أولها : [ من الكامل ] . PageV01P226 لا مثل يومك ضحوة التنعيم . . . ( 1 ) ~~في منظر حسن وفي تنعيم قد كان ذاك اليوم ms079 ندرة عاقر . . . وصواب خاطئة وولد ~~عقيم أيام برق الوصل ليس بخلب . . . عندي ولا روض الهوى بهشيم من كل غانية ~~تقول ثديها . . . سيرى أمامك والإزار أقيمي ما بي تلك العيون وليس في . . . ~~برئي سواها في الورى بزعيم مثل الأفاعي ليس في شيء سوى . . . أجسادها إبراء ~~لدغ سليم والبين أبكى الشعراء على المعاهد فأدروا على الرسوم الدموع ، ~~وسقوا الديار ماء الشوق ، وتذكروا ما قد سلف لهم فيها فأعولوا وانتحبوا ، ~~وأحيت الآثار دفين شوقهم فناحوا وبكوا . ولقد أخبرني ( 2 ) بعض الوراد من ~~قرطبة - وقد استخبرته عنها - انه رأى دورنا ببلاط مغيث في الجانب الغربي ~~منها وقد امحت رسومها ، وطمست أعلامها ، وخفيت معاهدها ، وغيرها البلى ~~وصارت صحارى مجدبة بعد العمران ، وفيافي موحشة بعد الأنس ، وخرائب منقطعة ( ~~3 ) بعد الحسن ، وشعابا مفزعة بعد الأمن ، ومأوى للذاب ، ومعازف للغيلان ، ~~وملاعب للجان ، ومكامن للوحوش ، بعد رجال كاليوث ( 4 ) ، وخرائد كالدمى ، ~~تفيض لديهم النعم الفاشي - تبدد شملهم فصاروا في البلاد أيادي سبا ، فكأن ~~تلك المحاريب المنمقة ، والمقاصير المزينة ، التي كانت تشرق إشراق الشمس ، ~~ويجلو الهموم PageV01P227 حسن منظرها ، حين شملها الخراب ، وعمها الهدم ، ~~كأفواه السباع فاغرة ، تؤذن بفناء الدنيا ، وتريك عواقب اهلها ، وتخبرك عما ~~يصير إليه كل من تراه قائما فيها ، وتزهد في طلبها بعد أن طالما زهدت في ~~تركها ، وتذكرت أيامي بها ولذاتي ( 1 ) وشهور صباي لديها ، مع كواعب إلى ~~مثلهن صبا الحليم ، ومثلت لنفسي كونهن تحت الثرى وفي الآفاق ( 2 ) النائية ~~والنواحي البعيدة ، وقد فرقتهن يد الجلاء ، ومزقتهن أكف النوى ، وخيل إلى ~~بصري فناء ( 3 ) تلك النصبة بعدما علمته من حسنها وغضارتها والمراتب ~~المحكمة التي نشأت فيها ( 4 ) لديها ، وخلاء تلك الأفنية بعد تضايقها ~~باهلها ، وأوهمت ( 5 ) سمعي صوت الصدى والهام عليها ، بعد حركة تلك ~~الجماعات التي ربيت بينهم فيها ، وكان ليلها تبعا لنهارها في انتشار ساكنها ~~والتقاء عمارها ، فعاد نهارها تبعا لليلها في الهدوء والاستيحاش ، فأبكى ~~عيني ( 6 ) وأوجع قلبي وقرع صفاة كبدي وزاد في بلاء لبي ، فقلت شعرا منه ( ~~7 ) : [ من الطويل ] . لئن كان أظمانا ms080 فقد طالما سقى . . . وإن ساءنا فيها ~~فقد طالما سرا والبين يولد الحنين والاهتياج والتذكر ، وفي ذلك أقول : [ من ~~البسيط ] . PageV01P228 ليت الغراب يعيد اليوم لي فعسى . . . يبين بينهم ~~عني فقد وقفا أقول والليل قد أرخى أجلته . . . وقد تألى بألا ينقضي فوفى ~~والنجم قد حار في أفق السماء فما . . . يمضي ولا هو للتغوير منصرفا تخاله ~~مخطئا أو خائفا وجلا . . . أو راقبا موعدا أو عاشقا دنفا PageV01P229 # | - 25 - باب القنوع # ولابد للمحب ، إذا حرم الوصل ، من القنوع بما يجد ، وغن في ذلك لمتعللا ~~للنفس ، وشغلا للرجاء ، وتجديدا للمنى ، وبعض الراحة . وهو مراتب على قدر ~~الإصابة والتمكن 1 - فأولها الزيارة ، وإنها لأمل من الآمال ومن سري ما ~~يسنح في الدهر ، مع ما تبدي من الخفر والحياء ، لما يعلمه كل واحد منهما ~~مما في نفس صاحبه ؛ وهي على وجهين : أحدهما أن يزور المحب محبوبه . وهذا ~~الوجه واسع ؛ والوجه الثاني ان يزور المحبوب محبه ، ولكن لا سبيل إلى غير ~~النظر والحديث الظاهر ؛ وفي ذلك أقول : [ من الطويل ] فإن تنا بالوصال ~~فإنني . . . سأرضى بلحظ العين إن لم يكن وصل فحسبي أن ألقاك في اليوم مرة . ~~. . وما كنت أرضى ضعف ذا منك لي قبل كذا همة الوالي تكون رفيعة . . . ويرضى ~~خلاص النفس إن وقع العزل وأما رجع السلام والمخاطبة فأمل من الآمال : وإن ~~كنت أنا أقول PageV01P230 في قصيدة لي : [ من الطويل ] . فها أنا ذا أخفي ~~وأقنع راضيا . . . برجع سلام إن تيسر في الحين فإنما هذا لمن ينتقل من ~~مرتبة إلى ما هو أدنى منها . وإنما تتفاضل المخلوقات في جميع الأوصاف على ~~قدر إضافتها إلى ما هو فوقها أو دونها . وأني لأعلم من كان يقول لمحبوبه : ~~عدني واكذب ، قنوعا بان يسلي نفسه في وعده وغن كان غير صادق ؛ فقلت في ذلك ~~: [ من الكامل ] . | إن كان وصلك ليس فيه مطمع . . . والقرب ممنوع فعدني ~~واكذب فعسى التعلل بالتقائك ممسك . . . لحياة قلب بالصدود معذب فلقد يسلي ~~المجدبين إذا رأوا . . . في الأفق يلمع صوء برق خلب ومما يدخل في هذا الباب ~~شيء رأيته ورآه ms081 غيري معي : أن رجلا من إخواني جرحه من كان يحبه بمدية ، ~~فلقد رأيته وهو يقبل مكان الجرح ويندبه مرة بعد مرة ، فقلت في ذلك : [ من ~~المتقارب ] . يقولون شجك من همت فيه . . . فقلت لعمري ما شجني ولكن أحس دمي ~~قربه . . . فطار إليه ولم ينثن فيا قاتلي ظالما محسنا . . . فديتك من ظالم ~~محسن 2 - ومن القنوع ان يسر الإنسان ويرضى ببعض آلات محبوبه ، وإن له من ~~النفس لموقعا حسنا وإن لم يكن فيه إلا ما نص الله تعالى علينا ، من ارتداد ~~يعقوب بصيرا حين شم قميص يوسف عليهما السلام . وفي ذلك أقول : [ من السريع ~~] . لما منعت القرب من سيدي . . . ولج في هجري ولم ينصف صرت بإبصاري أثوابه ~~. . . أو بعض ما قد مسه أكتفي PageV01P231 كذاك يعقوب نبي الهدى . . . إذ ~~شفه الحزن على يوسف شم قميصا جاء من عنده . . . وكان مكفوفا فمنه شفي وما ~~رأيت قط متعاشقين إلا وهما يتهاديان خصل الشعر مبخرة بالعنبر مرشوشة بماء ~~الورد وقد جمعت في أصلها بالمصطكي وبالشمع الأبيض المصفى ، ولفت في تطاريف ~~الوشي والخز وما أشبه ذلك ، لتكون تذكرة عند البين . وأما تهادي المساويك ~~بعد مضغها ، والمصطكي إثر استعمالها ، فكثير بين كل متحابين قد حظر عليهما ~~اللقاء ( 1 ) ؛ وفي ذلك أقول قطعة منها : [ من الطويل ] . أرى ريقها ماء ~~الحياة تيقنا . . . على أنها لم تبق لي في الهوى حشا خبر : وأخبرني بعض ~~إخواني عن سليمان بن أحمد الشاعر أنه رأى ابن سهل الحاجب بجزيرة صقلية ، ~~وذكر أنه كان غاية في الجمال ، فشاهده يوما في بعض المتنزهات ماشيا وامرأة ~~خلفه تنظر إليه ، فلما بعد أتت إلى المكان الذي قد أثر فيه مشيه فجعلت ~~تقبله وتلثم الأرض التي فيها أثر رجله ؛ وفي ذلك أقول قطعة أولها : [ من ~~الطويل ] . يلومنني في موطئ خفه ( 2 ) خطا . . . ولو علموا عاد الذي لام ~~يحسد فيا أهل أرض لا يجود سحابها . . . خذوا بوصاتي تستقلوا ( 3 ) وتحمدوا ~~خذوا من تراب فيه موضع وطئه . . . وأضمن ان المحل عنكم يبعد فكل تراب واقع ~~فيه رجله . . . فذاك صعيد ليس يجحد ms082 PageV01P232 كذلك فعل السامري وقد بدا . ~~. . لعينيه من جبريل إثر ممجد فصير جوف العجل من ذلك الثرى . . . فقام له ~~منه خوار ممدد وأقول : [ من الطويل ] . لقد بوركت ارض بها أنت قاطن . . . ~~وبورك من فيها وحل بها السعد فأحجارها در وسعدانها ورد . . . وأمواهها شهد ~~وتربتها ند 3 - ومن القنوع الرضى بمزار اللطيف وتسليم الخيال ، وهذا إنما ~~يحدث عن ذكر لا يفارق ، وعهد لا يحول ، وفكر لا ينقضي ، فإذا نامت العيون ~~وهدأت الحركات سرى الطيف ؛ وفي ذلك أقول : [ من البسيط ] . زار الخيال فتى ~~طالت صبابته . . . على احتفاظ من الحراس والحفظه فبت في ليلتي جذلان مبتهجا ~~. . . ولذة الطيف تنسي لذة اليقظه وأقول : [ من الطويل ] . أتى طيف نعم ~~مضجعي بعد هدأة . . . ولليل سلطان وظل ممدد وعهدي بها تحت التراب مقيمة . . ~~. وجاءت كما قد كنت من قبل اعهد فعدنا كما كنا وعاد زماننا . . . كما قد ~~عهدنا قبل والعود أحمد وللشعراء في علة مزار الطيف أقاويل بديعة بعيدة ~~المرمى مخترعة ، كل سبق إلى معنى من المعاني ، فأبو إسحاق ابن سيار النظام ~~راس المعتزلة جعل علة مزار الطيف خوف الأرواح من الرقيب المرقب على لقاء ( ~~1 ) الأبدان ، وأبو تمام حبيب بن أوس الطائي جعل علته أن PageV01P233 نكاح ~~الطيف لا يفسد الحب ونكاح الحقيقة يفسده ( 1 ) والبحتري جعل علة إقباله ~~استضاءته بنار وجده ، وعلة زواله خوف الغرق في دموعه ( 2 ) . وأنا أقول من ~~غير أن أمثل شعري بأشعارهم - فلهم فضل التقدم والسابقة ، إنما نحن لاقطون ~~وهم الحاصدون ، ولكن اقتداء بهم ، وجريا في ميدانهم ، وتتبعا لطريقتهم التي ~~نهجوا وأوضحوا - أبياتا بينت فيها مزار الطيف مقطعة : [ من الوافر ] . أغار ~~عليك من إدراك طرفي . . . وأشفق أن يذيبك لمس كفي فأمتنع اللقاء حذار هذا . ~~. . واعتمد التلاقي حين أغفي فروحي إن لنم ، بك ذو انفراد . . . من الأعضاء ~~مستتر ومخفي ووصل الروح ألطف فيك وقعا . . . من الجسم المواصل ألف ضعف وحال ~~المزور في المنام ينقسم أقساما أربعة : 1 - أحدها محب مهجور قد تطاول غمه ، ~~ثم رأى في هجعته ان حبيبه وصله فسر بذلك وابتهج ، ثم ms083 استيقظ فأسف وتلهف ، ~~حيث علم أن ما كان فيه أماني النفس وحديثها ؛ وفي ذلك أقول : [ من الخفيف ] ~~. أنت في مشرق النهار بخيل . . . وإذا الليل جن كنت كريما تجعل الشمس منك ~~لي عوضا . . . هيهات ما ذا الفعال منك قويما زارني طيفك البعيد فيأتي . . . ~~واصلا لي وعائدا ونديما PageV01P234 غير أني منعتني من تمام ال . . . عيش ~~لكن أبحث لي التشميما فكأني من أهل الأعراف لا الفر . . . دوس داري ولا ~~أخاف الجحيما 2 - والثاني محب مواصل مشفق من تغير يقع ، قد رأى في وسنه أن ~~حبيبه يهجره فاهتم لذلك هما شديدا ، ثم هب من نومه فعلم أن ذلك باطل وبعض ~~وساوس الإشفاق . 3 - والثالث محب داني الديار يرى أن التنائي قد فدحه ، ~~فيكترث ويوجل ثم ينتبه فيذهب ما به ويعود فرحا ؛ وفي ذلك أقول قطعة منها : ~~[ من الطويل ] . رأيتك في نومي كأنك راحل . . . وقمنا إلى التوديع والدمع ~~هامل وزال الكرى عني وأنت معانقي . . . وغمي إذا عاينت ذلك زائل فجددت ~~تعنيقا وضما كأنني . . . عليك من البين المفرق واجل 4 - والرابع محب نائي ~~المزار ، يرى أن المزار قد دنا ، والمنازل قد تصاقبت ، فيرتاح ويأنس إلى ~~فقد الأسى ، ثم يقوم من سنته فيرى أن ذلك غير صحيح ، فيعود إلى أشد ما كان ~~فيه من الغم . وقد جعلت في بعض قولي علة النوم الطمع في طيف الخيال ، فقلت ~~: [ من البسيط ] . طاف الخيال على مستهتر كلف . . . لولا ارتقاب مزار الطيف ~~لم ينم لا تعجبوا إذ سرى والليل معتكر . . . فنوره مذهب ( 1 ) في الأرض ~~للظلم 4 - ومن القنوع ان يقنع المحب بالنظر إلى الجدران ورؤية الحيطان التي ~~تحتوي على من يحب ، وقد رأينا من هذه صفته . ولقد PageV01P235 حدثني أبو ~~الوليد أحمد بن محمد بن اسحاق الخازن ( 1 ) رحمه الله من رجل جليل ، أنه ~~حدث عن نفسه بمثل هذا : 5 - ومن القنوع أن يرتاع المحب ، إلى أن يرى من رأى ~~محبوبه ويأنس به ومن أتى من بلاده ، وهذا كثير ؛ وفي ذلك أقول : [ من ~~الطويل ] . توحش من سكانه فكأنهم . . . مساكن عاد أعقبته ms084 ثمود ومما يدخل في ~~هذا الباب أبيات لي ، موجبها أني تنزهت أنا وجماعة من إخواني من أهل الأدب ~~والشرف إلى بستان لرجل من أصحابنا ، فجلنا ساعة ثم أفضى بنا القعود إلى ~~مكان دونه يتمى ، فتمددنا في رياض أريضة ، وأرض عريضة ، للبصر فيها منفسح ، ~~وللنفس لديها منسرح ، بين جداول تطرد كأباريق اللجين ، وأطيار تغرد بألحان ~~تزري بما أبدعه معبد والغريض ( 2 ) ، وثمار مهدلة قد ذللت للأيدي ودنت ( 3 ~~) للمتناول ، وظلال مظلة تلاحظنا الشمس من بينها فتتصور بين أيدينا كرقاع ~~الشطرنج والثياب المدبجة ، وماء عذب يوجدك حقيقة طعم الحياة ، وانهار ~~متدفقة تنساب كبطون الحيات لها خرير يقوم ويهدأ ، ونواوير مؤنقة مختلفة ~~الألوان تصفقها الرياح الطيبة النسيم ، وهواء سجسج ، وأخلاق جلاس تفوق كل ~~هذا ، في يوم ربيعي ذي شمس ظليلة ، تارة يغطيها الغيم الرقيق والمزن اللطيف ~~، وتارة تتجلى فهي كالعذراء الخفرة الخجلة تتراءى لعاشقها من بين الأستار ~~ثم تغيب فيها حذر عين مراقبة . وكان بعضنا مطرقا كأنه يحادث الثرى ( 4 ) ، ~~وذلك لسر PageV01P236 كان له ، فعرض لي بذلك ، وتداعبنا حينا فكلفت أن أقول ~~على لسانه شيئا في ذلك ، فقلت بديهة ، وما كتبوها إلا من تذكرها بعد ~~انصرافنا ، وعي : [ من الطويل ] . ولما تروحنا بأكناف روضة . . . مهدلة ~~الأفنان في تربها الندي وقد ضحكت أنوارها وتضوعت . . . أساورها ( 1 ) في ظل ~~فيء ممدد وأبدت لنا الأطيار حسن صريفها . . . فمن بين شاك شجوه ومغرد ~~وللماء فيما بيننا متصرف . . . وللعين مرتاد هناك ولليد وما شئت من اخلقا ~~أروع ماجد . . . كريم السجايا للفخار مشيد تنغص عندي كل ما قد وصفته . . . ~~ولم يهنني إذ غاب عني سيدي فيا ليتني في السجن وهو معانقي . . . ( 2 ) ~~وأنتم معا في قصر دار المجدد فمن رام منا أن يبدل حاله . . . بحال أخيه أو ~~بملك مخلد فلا عاش إلا في شقاء ونكبة . . . ولا زال في بؤسى وخزي مردد فقال ~~هو ومن حضر : آمين آمين . وهذه الوجوه التي عددت وأوردت في حقائق القناعة ~~هي الموجودة في أهل المودة ، بلا تزيد ولا إعياء . 6 - وللشعراء فن من ~~القنوع أرادوا ms085 فيه إظهار غرضهم وإبانة اقتدارهم على المعاني الغامضة ~~والمرامي البعيدة ، وكل قال على قدر قوة طبعه ، إلا أنه تحكم باللسان وتشدق ~~في الكلام واستطالة بالبيان ، وهو غير صحيح في الأصل : فمنهم من قنع بأن ~~السماء تظله هو 464 ) . PageV01P237 ومحبوبه والأرض تقلهما ، ومنهم من قنع ~~باستوائهما في إحاطة الليل والنهار بهما ، وأشباه هذا ( 1 ) ، وكل مبادر ~~إلى احتواء الغاية في الاستقصاء ، وإحراز قصب السبق في التدقيق ، ولي في ~~هذا المعنى قول لا يمكن لمتعقب أن يجد بعده متناولا ، ولا وراءه مكانا ، مع ~~تبيني علة قرب المسافة البعيدة ، وهو : [ من الطويل ] . قالوا بعيد قلت ~~حسبي بأنه . . . معي في زمان لا يطيق محيدا تمر علي الشمس مثل مرورها . . . ~~به كل يوم يستنير جديدا فمن ليس بيني في المسير وبينه . . . سوى قطع يوم هل ~~يكون بعيدا وعلم إله الخلق يجمعنا معا . . . كفى ذا التداني ما أريد مزيدا ~~فبينت كما ترى أني قانع بالاجتماع مع من احب في علم الله الذي السموات ~~والأفلاك والعوالم كلها وجميع الموجودات ( 2 ) بسبب منه ولا تجزؤ فيه ولا ~~يشذ عنه شيء ، ثم اقتصرت من علم الله تعالى على انه في زمان ؛ وهذا اعلم ~~مما قاله غيري في إحاطة الليل والنهار ، وإن كان الظاهر واحدا في البادئ ~~إلى السامع ، لان كل المخلوقات واقعة PageV01P238 تحت الزمان ، وإنما ~~الزمان اسم موضوع لمرور الساعات وقطع الفلك وحركاته وأجرامه ، والليل ~~والنهار متوالدان عن طلوع الشمس وغروبها ، وهما متناهيان في بعض العالم ~~الأعلى ، وليس هكذا الزمان ، فإنهما بعض الزمان . وإن كان لبعض الفلاسفة ~~قول : إن الظل متماد ، فهذا يخطئه العيان ، وعلل الرد عليه بينة ليس هذا ~~موضعها ، ثم بينت انه وإن كان في أقصى المعمور من الشرق وأنا في أقصى ~~المعمور من الغرب ، وهذا طوال السكنى ، فليس بيني إلا مسافة يوم ؛ إذ الشمس ~~تبدو في أول النهار في أول المشارق وتغرب في آخر النهار في آخر المغارب . 7 ~~- ومن القنوع فصل أورده وأستعيذ بالله منه ومن أهله ، وأحمده على ما عرف ~~نفوسنا من منافرته ، وهو ms086 ان يضل العقل جملة ، وتفسد القريحة ، ويتلف ~~التمييز ويهون الصعب ، وتذهب الغيرة ، وتعدم الانفة ، فيرضى الإنسان ~~بالمشاركة فيمن يحب ، وقد عرض هذا لقوم ، أعاذنا الله من البلاء . وهذا لا ~~يصح إلا مع كلبية في الطبع ، وسقوط من العقل - الذي هو عيار على ما تحته - ~~وضعف حس . ويؤيد هذا كله حب شديد معم . فإذا اجتمعت هذه الأشياء وتلاحقت ~~بمزاج الطبائع ودخول بعضها في بعض نتج بينهما هذا الطبع الخسيس ، وتولدت ~~هذه الصفة الرذلة ، وقام منها هذا الفعل المقذور القبيح . وأما رجل معه أقل ~~همة وأيسر مروءة فهذا منه أبعد من الثريا ، ولو مات وجدا وتقطع حبا ، وفي ~~ذلك أقول زاريا على بعض المسامحين في هذا الفصل : [ من الطويل ] . رأيتك ~~رحب الصدر ترضى بما أتى . . . وأفضل شيء ان تلين وتسمحا فحظك من بعض ~~السواني مفضل . . . على أن يحوز الملك من أصلها الرحى وعضو بعير في الوزن ~~ضعف ما . . . تقدره في الجدي فاعص الذي لحا ولعب الذي تهوى بسيفين معجب . . ~~. فكن ناحيا في نحوه كيفما نحا PageV01P239 # | - 26 - باب الضنى # ولابد لكل محب صادق المودة ممنوع الوصل - إما ببين وإما بهجر وإما بكتمان ~~واقع لمعنى - من أن يؤول إلى حد السقام والضنى والنحول ، وربما أضجعه ذلك ؛ ~~وهذا الأمر كثير جدا موجود أبدا . والأعراض الواقعة من المحبة غير الأعراض ~~( 1 ) الواقعة من هجمات العلل ، ويميزها الطبيب الحاذق والمتفرس الناقد ؛ ~~وفي ذلك أقول : [ من الوافر ] يقول لي الطبيب بغير علم . . . تداو فأنت يا ~~هذا عليل ودائي ليس يدريه سوائي . . . ورب قادر ملك جليل أأكتمه ويكشفه ~~شهيق . . . يلازمني وإطراق طويل ووجه شاهدات الحزن فيه . . . وجسم كالخيال ~~ضن نحيل وأثبت ما يكون الأمر يوما . . . بلا شك إذا صح الدليل فقلت له : ~~أبن عني قليلا . . . فلا والله تعرف ما تقول فقال : أرى نحولا زاد جدا . . ~~. وعلتك التي تشكو ذبول فقلت له : الذبول تعل منه ال . . . جوارح وهي حمى ~~تستحيل وما أشكو لعمر والله حمى . . . وإن الحر في جسمي قليل فقال : أرى ~~التفاتأ وارتقابا . . . وأفكارا وصمتا لا يزول PageV01P240 وأحسب أنها ms087 ~~السوداء فانظر . . . لنفسك إنها عرض ثقيل فقلت له : كلامك ذا محال . . . ~~فما للدمع من عيني يسيل فأطرق باهتا مما رآه . . . ألا في مثل ذا بهت ~~النبيل فقلت له : دوائي منه دائي . . . ألا في مثل ذا ضلت عقول وشاهد ما ~~أقول يرى عيانا . . . فروع النبت إن عكست أصول وترياق الأفاعي ليس شيء . . ~~. سواه ببرء ما لدغت كفيل وحدثني أبو بكر محمد بن بقي الحجري ، وكان حكيم ~~الطبع عاقلا فهيما ، عن رجل من شيوخنا لا يمكن ذكره ، انه كان ببغداد في ~~خان من خاناتها فرأى ابنة لوكيله الخان فأحبها وتزوجها ، فلما خلا بها نظرت ~~إليه وكانت بكرا ، وهو قد تكشف لبعض حاجته ، فراعها كبر إحليله ، ففرت إلى ~~أمها وتفادت منه ، فرام بها كل من حواليها أن ترد إليه ، فأبت وكادت ان ~~تموت ، ففارقها ثم ندم ، ورام ان يراجعها فلم يمكنه ، واستعان بالأبهري ( 1 ~~) وغيره ، فلم يقدر أحد منهم على حيلة في أمره ، فاختلط عقله وأقام في ~~المارستان يعاني مدة طويلة حتى نقة وسلا وما كاد ، ولقد كان إذا ذكرها ~~يتنفس الصعداء . وقد تقدم في أشعاري المذكورة في هذه الرسالة : من صفة ~~النحول مفرقا ما استغنيت به عن أن أذكر هنا من سواها شيئا خوف الإطالة ، ~~والله المعين والمستعان . PageV01P241 وربما ترقت إلى أن يغلب المرء على ~~عقله ويحال بينه وبين ذهنه فيوسوس ؛ خبر : وإني لأعرف جارية من ذوات ~~المناصب والجمال والشرف من بنات القواد ، وقد بلغ بها حب فتى من إخواني من ~~أبناء الكتاب مبلغ هيجان المرار الأسود ، وكادت تختلط ، واشتهر الأمر وشاع ~~جدا ( 1 ) حتى علمه الأباعد ، إلى ان تدوركت بالعلاج . وهذا إنما يتولد عن ~~إدمان الفكر ، فإذا غلبت الفكرة وتمكن الخلط وترك التداوي خرج الأمر عن حد ~~الحب إلى حد الوله والجنون ، وإذا أغفل التداوي في أوائل المعاناة قوي جدا ~~ولم يوجد له دواء سوى الوصال ، ومن بعض ما كتبت إليه قطعة منها : [ من ~~الخفيف ] قد سلبت الفؤاد منها اختلاسا . . . أي خلق يعيش دون فؤاد فأغثها ~~بالوصل تحي شريفا . . . وتفز بالثواب ms088 يوم المعاد وأراها تعتاض إن دام هذا . ~~. . ( 2 ) من خلاخيلها حلى الأقياد أنت حقا متيم الشمس حتى . . . عشقها بين ~~ذا الورى لك بادي خبر : وحدثني مولى أحمد بن محمد بن حدير ، المعروف ~~بالبليني ( 3 ) : أن سبب اختلاط مروان بن يحيى بن أحمد بن حدير PageV01P242 ~~وذهاب عقله اعتلاقه بجارية لأخيه ، فمنعها وباعها لغيره ، وما كان في إخوته ~~مثله ولا أتم أدبا منه . وأخبرني أبو العافية مولى محمد بن عباس بن أبي ~~عبدة ( 1 ) ، أن سبب جنون يحيى بن محمد بن عباس بن أبي عبدة بيع جارية له ~~كان يجد بها وجدا شديدا ، كانت أمه أباعتها وذهبت إلى إنكاحه من بعض ~~العامريات . فهذان رجلان جليلان مشهوران فقدا عقولهما واختلطا وصارا في ~~القيود والأغلال ، فأما مروان فأصابته ضربة مخطئة يوم دخول البربر قرطبة ~~وانتهابهم لها ( 2 ) ، فتوفي رحمه الله . وأما يحيى بن محمد فهو حي على ~~حالته المذكورة في حين كتابتي لرسالتي هذه ، وقد رأيته أنا مرارا وجالسته ~~في القصر قبل أن يمتحن بهذه المحنة ، وكان أستاذي وأستاذه الفقيه أبو ~~الخيار اللغوي ( 3 ) ، وكان يحيى لعمري حلوا من الفتيان نبيلا . وأما من ~~دون هذه الطبقة فقد رأينا منهم كثيرا ، ولكن لم نسمهم لخفائهم ، وهذه درجة ~~إذا بلغ المشغوف إليها فقد انبت الرجاء وانصرم الطمع ، فلا دواء له بالوصل ~~ولا بغيره ، إذ قد استحكم الفساد في الدماغ ، وتلفت المعرفة وتغلبت الآفة ، ~~أعاذنا الله من البلاء بطوله ، وكفانا النقم بمنه . PageV01P243 # | - 27 - باب السلو # وقد علمنا أن كل ما له أول فلا بد له من آخر ، حاشا نعيم الله عز وجل ~~بالجنة لأوليائه وعذابه بالنار لأعدائه ؛ وأما أراض الدنيا فنافذة فانية ~~وزائلة مضمحلة ، وعاقبة كل حب إلى أحد أمرين : إما اخترام منية ، وإما سلو ~~حادث . وقد نجد النفس تغلب عليها بعض القوى المصرفة معها في الجسد ، فكما ~~نجد نفسا ترفض الراحات والملاذ للعمل في طاعة الله تعالى وللرياء في الدنيا ~~، حتى تشتهر بالزهد ، فكذلك نجد نفسا تنصرف عن الرغبة في لقاء شكلها للأنفة ~~المستحكمة المنافرة للغدر ms089 ، أو استمرار سوء المكافأة في الضمير ، وهذا أصح ~~السلو . وما كان من غير هذين الشيئين فليس إلا مذموما . والسلو المتولد من ~~الهجر وطوله إنما هو كاليأس يدخل على النفس من بلوغها إلى أملها ، فيفتر ~~نزاعها ولا تقوى رغبتها ؛ ولي في ذم السلو قصيدة منها : من الطويل ] . إذا ~~ما رنت فالحي ميت بلحظها . . . وإن نطقت قلت السلام ( 1 ) رطاب كأن الهوى ~~ضيف ألم بمهجتي . . . فلحمي طعام والنجيع شراب . ومنها : صبور على الأزم ( ~~2 ) الذي العز خلفه . . . ولو أمطرته بالحريق سحاب PageV01P244 جزوع من ~~الراحات إن أنتجت له . . . خمولا وفي بعض النعيم عذاب والسلو في التجزئة ~~الجملية ينقسم قسمين : 1 - سلو طبيعي وهو المسمى بالنسيان ، يخلو به القلب ~~ويفرغ به البال ، ويكون الإنسان كأنه لم يحب قط ؛ وهذا القسم ربما لحق ~~صاحبه الذم لأنه نسيان حادث عن أخلاق مذمومة ، وعن أسباب غير موجبة استحقاق ~~النسيان ، وستأتي مبينة إن شاء الله تعالى ، وربما لم تلحقه اللائمة لعذر ~~صحيح . 2 - والثاني سلو تطبعي ، قهر النفس ، وهو المسمى بالتصبر ، فترى ~~المرء يظهر التجلد وفي قلبه أشد لدغا من وخز الإشفى ( 1 ) ، ولكنه يرى بعض ~~الشر أهون من بعض ( 2 ) ، أو يحاسب نفسه بحجة لا تصرف ولا تكسر ؛ وهذا قسم ~~لا يذم آتيه ، ولا يلام فاعله لأنه لا يحدث إلا عن عظيمة ، ولا يقع إلا عن ~~فادحة ، إما لسبب لا يصبر على مثله الأحرار ، وإما لخطب لا مرد له تجري به ~~الأقدار ، وكفاك من الموصوف به أنه ليس بناس لكنه ذاكر ، وذو حنين واقف على ~~العهد ، ومتجرع مرارات الصبر . والفرق العامي بين المتصبر والناسي ، أنك ~~ترى المتصبر وإن أبدى غاية الجلد وأظهر سب محبوبه والتحمل عليه ، لا يحتمل ~~ذلك من غيره ؛ وفي ذلك أقول قطعة منها : [ من الطويل ] دعوني وسبي للحبيب ~~فإنني . . . وإن كنت أبدي الهجر لست معاديا ولكن سبي للحبيب كقولهم . . . ( ~~3 ) أجاد فلقاه الإله الدواهيا PageV01P245 والناسي ضد هذا . وكل هذا فعلى ~~قدر طبيعة الإنسان وإجابتها وامتناعها وقوة تمكن الحب من القلب أو ضعفه ، ~~وفي ذلك ms090 أقول وسميت السالي فيه المتصبر - قطعة منها : [ من الكامل ] ناسي ~~الأحبة غير من يسلوهم . . . حكم المقصر غير حكم المقصر ما قاهر للنفس ( 1 ) ~~عدل مجيبها . . . ما الصابر المطبوع كالمتصبر والأسباب الموجبة للسلو ~~المنقسم هذين القسمين كثيرة ، وعلى حسبها وبمقدار الواقع منها يعذر السالي ~~ويذم : 1 - فمنها الملل - وقد قدمنا الكلام عليه - وإن من كان سلوه عن ملل ~~فليس حبه حقيقة ، والمتوسم به صاحب دعوى زائفة ، وإنما هو طلب لذة ومبادر ~~شهوة ، والسالي من هذا الوجه ناس مذموم . 2 - ومنها الاستبدال ، وهو وإن ~~كان يشبه الملل ففيه معنى زائد ، وهو بذلك المعنى أقبح من الأول ، وصاحبه ~~أحق بالذم . 3 - ومنها حياء مركب يكون في المحب يحول بينه وبين التعريض بما ~~يجد ، فيتطاول الأمر وتتراخى المدة ، ويبلى جديد المودة ويحدث السلو ؛ وهذا ~~وجه إن كان السالي عنه ناسيا فليس بمنصف ، إذ منه جاء سبب الحرمان ، وإن ~~كان متصبرا فليس بملوم ، إذ آثر الحياء على لذة نفسه . وقد ورد رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم أنه قال : ' الحياء من الإيمان والبذاء من النفاق ( 2 ) ~~. . وحدثنا أحمد بن محمد ( 3 ) عن أحمد PageV01P246 بن مطرف ( 1 ) عن عبيد ~~الله بن يحيى ( 2 ) عن أبيه عن مالك عن سلمة ابن صفوان الزرقي عن زيد بن ~~طلحة بن ركانة يرفعه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : ' لكل دين ~~خلق وخلق الإسلام الحياء ( 3 ) . فهذه الأسباب الثلاثة أصلها من المحب ~~وابتداؤنا من قبلة ، والذم لاصق به في نسيانه لمن يحب . 4 - فمنها : الهجر ~~، وقد مر تفسير وجوهه ؛ ولابد لنا أن نورد منه شيئا في هذا الباب يوافقه . ~~والهجر إذا تطاول وكثر العتاب واتصلت المفارقة يكون بابا إلى السلو . وليس ~~من وصلك ثم قطعك لغيرك من باب الهجر في شيء لأنه الغدر الصحيح ، ولا من مال ~~إلى غيرك - دون أن تتقدم لك معه صلة - من الهجر أيضا في شيء ، إنما ذاك هو ~~النفار - وسيقع الكلام في هذين الفصلين بعد هذا إن شاء الله تعالى - لكن ~~الهجر ms091 ممن وصلك ثم قطعك لتنقيل واش أو لذنب واقع أو لشيء قام في النفس ، ~~ولم يمل إلى سواك ولا أقام أحدا غيرك مقامك ؛ والناسي في هذا الفصل من ~~المحبين ملوم دون سائر الأسباب الواقعة من المحبوب : لأنه لا تقع حالة تقيم ~~العذر في نسيانه ، وإنما هو راغب PageV01P247 عن وصلك ، وهو شيء لا يلزمه . ~~وقد تقدم من أذمة الوصال وحق أيامه ، ما يلزم التذكر ويوجب عهد الألفة ، ~~ولكن السالي على وجهة التصبر والتجلد هاهنا معذور إذا رأى الهجر متماديا ~~ولم ير للوصال علامة ولا للمراجعة دلالة ؛ وقد استجاز كثير من الناس أن ~~يسموا هذا المعنى غدرا إذ ظاهرهما واحد ، ولكن علتيهما مختلفتان ، فلذلك ~~فرقنا بينهما في الحقيقة ؛ وأقول في ذلك شعرا منه : [ من الطويل ] فكونوا ~~كمن لم أدر قط فإنني . . . كآخر لم تدروا ولم تصلوه أنا كالصدى ما قال كل ~~أجيبه . . . فما شئتموه اليوم فاعتمدوه وأقول أيضا قطعة ، ثلاثة أبيات ~~قلتها وأنا نائم واستيقظت فأضفت إليها البيت الربع : [ من الوافر ] ألا لله ~~دهر كنت فيه . . . أعز علي من روحي وأهلي فما برحت يد الهجران حتى . . . ~~طواك بنانها طي السجل سقاني الصبر هجركم كما قد . . . سقاني الحب وصلكم ~~بسجل وجدت الوصل أصل الوجد حقا . . . وطول الهجر أصلا للتسلي وأقول أيضا ~~قطعة : [ من الكامل المجزوء ] لو قيل لي من قبل ذا . . . أن سوف تسلو من ~~تود لحلفت ألف ( 1 ) قسامة . . . لا كان ذا أبد الأبد وإذا طويل الهجر ما . ~~. . معه من السلوان بد لله هجرك إنه . . . ساع لبرئي مجتهد فالآن أعجب للسل ~~. . . و وكنت أعجب للجلد وأرى هواك كجمرة . . . تحت الرماد لها مدد ~~PageV01P248 وأقول : [ من الكامل ] كانت جهنم في الحشا من حبكم . . . فلقد ~~أراها نار إبراهيما ثم الأسباب الثلاث الباقية التي هي من قبل المحبوب ، ~~فالمنتصر من الناس فيها غير مذموم ، لما سنورده إن شاء الله في كل فصل عنها ~~: 5 - فمنها نفار يكون في المحبوب وانزواء قاطع للأطماع ؛ خبر : وإني لأخبر ~~عني أني ألفت في أيام صباي ألفة المحبة جارية نشأت في ms092 دارنا وكانت في ذلك ~~الوقت بنت ستة عشر عاما ؛ وكانت غاية في حسن وجهها وعقلها وعفافها وطهارتها ~~وخفرها ودماثتها ، عديمة الهزل ، منيعة البذل ، بديعة البشر ، مسبلة الستر ~~، فقيدة الذام ، قليلة الكلام ، مغضوضة البصر ، شديدة الحذر ، نقية من ~~العيوب ، دائمة القطوب ، كثيرة الوقار ، مستلذة النفار ، لا توجه الأراجي ~~نحوها ، ولا تقف المطامع عليها ، ولا معرس للأمل لديها ، فوجهها جالب كل ~~القلوب ، وحالها طارد من أمها . تزدان في المنع والبخل ، ما لا يزدان غيرها ~~بالسماحة والبذل ، موقوفة على الجد في أمرها غير راغبة في اللهو ، على أنها ~~كانت تحسن العود إحسانا جيدا ، فجنحت إليها وأحببتها حبا مفرطا شديدا ، ~~فسعيت عامين أو نحوهما أن تجيبني بكلمة وأسمع من فيها لفظة ، غير ما يقع في ~~الحديث الظاهر إلى كل سامع ، بأبلغ السعي فما وصلت من ذلك إلى شيء البتة . ~~فلعهدي بمصطنع ( 1 ) كان في دارنا لبعض ما يصطنع له في دور الرؤساء تجمعت ~~فيه دخلتنا ودخلة أخي ، رحمه الله ، من النساء ونساء فتياننا ومن لاث بنا ~~من خدمنا ، ممن يخف موضعه ويلطف محله ، PageV01P249 فلبثن صدرا من النهار ~~ثم تنقلن إلى قصبة كانت في دارنا مشرفة على بستان الدار ويطلع منها على ~~جميع قرطبة وفحوصها ، مفتحة الأبواب ؛ فصرن ينظرن من خلال الشراجيب ( 1 ) ~~وأنا بينهن ، فإني لأذكر أني كنت أقصد نحو الباب الذي هي فيه أنسا بقربها ~~متعرضا للدنو منها ، فما هو إلا أن تراني في جوارها فتترك ذلك الباب وتقصد ~~غيره في لطف الحركة ، فأتعمد أنا القصد إلى الباب الذي صارت إليه فتعود إلى ~~مثل ذلك الفعل من الزوال إلى غيره ؛ وكانت قد علمت كلفي بها ولم يشعر سائر ~~النسوان بما نحن فيه ، لأنهن كن عددا كثيرا ، وإذا كلهن ينتقلن من باب إلى ~~باب لسبب الاطلاع من بعض الأبواب على جهات لا يطلع من غيرها عليها ، واعلم ~~أن قيافة النساء فيمن يميل إليهن أنفذ من قيافة مدلج ( 2 ) في الآثار ، ثم ~~نزلن إلى البستان فرغب عجائزنا وكرائمنا إلى سيدتها في سماع غنائها ، ~~فأمرتها فأخذت ms093 العود وسوته بخفر وخجل لا عهد لي بمثله ، وإن الشيء يتضاعف ~~حسنه في عين مستحسنه ، ثم اندفعت تغني بأبيات العباس بن الأحنف ، حيث يقول ~~( 3 ) : [ من البسيط ] إني طربت إلى شمس إذا غربت . . . كانت مغاربها ( 4 ) ~~جوف المقاصير شمس ممثلة في خلق جارية . . . كأن أعطافها ( 5 ) طي الطوامير ~~ليست من الإنس إلا في مناسبة . . . ولا من الجن إلا في التصاوير ~~PageV01P250 فالوجه جوهرة ، والجسم عبهرة . . . ( 1 ) والريح عنبرة ، والكل ~~من نور كأنها حين تخطو في مجاسدها . . . تخطو على البيض أو حد ( 2 ) ~~القوارير فلعمري لكأن المضراب إنما يقع على قلبي ، وما نسيت ذلك اليوم ولا ~~أنساه إلى يوم مفارقتي الدنيا ، وهذا أكثر ما وصلت إليه من التمكن من ~~رؤيتها وسماع كلامها ؛ وفي ذلك أقول : [ من الحفيف ] لا تلمها على النفار ~~ومنع ال . . . وصل ما ذاكم لها بنكير هل يكون الهلال غير بعيد . . . أو ~~يكون الغزال غير نفور وأقول : [ من الوافر ] منعت جمال وجهك مقلتيا . . . ~~ولفظك قد ضننت به عليا أراك نذرت للرحمن صوما . . . فلست تكلمين اليوم حيا ~~وقد غنيت للعباس شعرا . . . هنيئا ذا لعباس هنيا فلو يلقاك عباس لأضحى . . ~~. لفوز قاليا وبكم شجيا ثم انتقل أبي رحمه الله من دورنا المحدثة بالجانب ~~الشرقي من قرطبة في ربض الزاهرة إلى دورنا القديمة في الجانب الغربي من ~~قرطبة ببلاط مغيث في اليوم الثالث من قيام أمير المؤمنين محمد المهدي ~~بالخلافة . وانتقلت أنا بانتقاله ، وذلك في جمادى الآخرة سنة تسع وتسعين ~~وثلثمائة ، ولم تنتقل هي بانتقالنا لأمور أوجبت ذلك . ثم شغلنا بعد قيام ~~أمير المؤمنين هشام المؤيد بالنكبات وباعتداء أرباب دولته ، وامتحنا ~~بالاعتقال والترقيب والإغرام الفادح والاستتار ، وأرزمت الفتنة وألقت باعها ~~وعمت الناس وخصتنا ، إلى أن توفي أبي الوزير PageV01P251 رحمه الله ونحن في ~~هذه الأحوال بعد العصر يوم السبت لليلتين بقيتا من ذي القعدة عام اثنتين ~~وأربعمائة ، واتصلت بنا تلك الحال بعده إلى أن كانت عندنا جنازة لبعض أهلنا ~~فرأيتها - وقد ارتفعت الواعية ( 1 ) - قائمة في المأتم وسط النساء في جملة ~~البواكي والنوادب ، فلقد ms094 أثارت وجدا دفينا وحركت ساكنا ، وذكرتني عهدا ~~قديما ، وحبا تليدا ، ودهرا ماضيا ، وزمنا عافيا ، وشهورا خوالي ، وأخبارا ~~توالي ، ودهورا فواني ، وأياما قد ذهبت ، وآثارا قد دثرت ، وجددت أحزاني ، ~~وهيجت بلابلي ، على أني كنت في ذلك النهار مرزءا مصابا من وجوه ، وما كنت ~~نسيت ، ولكن زاد الشجى وتوقدت اللوعة وتأكد الحزن وتضاعف الأسف ، واستجلب ~~الوجد ما كان منه كامنا فلباه مجيبا ، فقلت قطعة منها : [ من الطويل ] يبكي ~~لميت مات وهو مكرم . . . وللحي أولى بالدموع الذوارف فيا عجبا من آسف لامرئ ~~ثوى . . . وما هو للمقتول ظلما بآسف ثم ضرب الدهر ضربانه وأجلينا عن ~~منازلنا ، وتغلب علينا جند البربر ، فخرجت عن قرطبة أول المحرم سنة أربع ~~وأربعمائة ، وغابت عن بصري بعد تلك الرؤية الواحدة ستة أعوام وأكثر ، ثم ~~دخلت قرطبة في شوال سنة تسع وأربعمائة ، فنزلت على بعض نسائنا فرأيتها ~~هنالك ، وما كدت أن أميزها حتى قيل لي هذه فلانة - وقد تغير أكثر محاسنها ~~وذهبت نضارتها ، وفنيت تلك البهجة وغاض ذلك الماء الذي كان يرى كالسيف ~~الصقيل والمرآة الهندية ، وذبل ذلك النوار الذي كان البصر يقصد نحوه منبهرا ~~ويرتاد فيه متخيرا وينصرف عنه متحيرا ، فلم يبق إلا البعض المنبئ عن الكل ، ~~والخبر المخبر عن الجميع ، وذلك لقلة اهتبالها بنفسها وعدمها الصيانة التي ~~كانت غذيت بها أيام دولتنا وامتداد ظلنا ولتبذلها في الخروج فيما لابد لها ~~منه مما كانت تصان PageV01P252 وترفع عنه قبل ذلك ؛ وإنما النساء رياحين ~~متى لم تتعاهد نقصت ، وبنية متى لم يهتبل بها استهدمت ؛ ولذلك قال من قال : ~~إن حسن الرجال أصدق صدقا وأثبت أصلا وأعتق جودة لصبره على ما لو لقي بعضه ~~وجوه النساء لتغيرت أشد التغيير ، مثل الهجير والسموم والرياح واختلاف ~~الهواء وعدم الكن - وإني لو نلت منها أقل وصل وأنست لي بعض الأنس لخولطت ~~طربا أو لمت فرحا ، ولكن هذا النفار الذي صبرني وأسلاني . وهذا الوجه من ~~أسباب السلو صاحبه في كلا الوجهين معذور وغير ملوم ؛ إذ لم يقع تثبت يوجب ~~الوفاء ، ولا عهد يقتضي المحافظة ، ولا سلف ms095 ذمام ، ولا فرط تصادق يلام على ~~تضييعه ونسيانه . 6 - ومنها جفاء يكون من المحبوب ، فإذا أفرط فيه وأسرف ~~وصادف من المحب نفسا لها بعض الألفة والعزة تسلى ، وإذا كان الجفاء يسيرا ~~منقطعا أو دائما أو كبيرا منقطعا احتمل وأغضي عليه ، حتى إذا كثر ودام فلا ~~وفاء عليه ( 1 ) ، ولا يلام الناسي لمن يحب في مثل هذا . 7 - ومنها الغدر ، ~~وهو الذي لا يحتمله أحد ولا يغضي عليه كريم ( 2 ) ، وهو المسلاة حقا ولا ~~يلام السالي عنه على أي وجه كان ، ناسيا أو متصبرا ، بل اللائمة لاحقة لمن ~~صبر عليه . ولولا ان القلوب بيد مقلبها لا إله إلا هو ولا يكلف المرء صرف ~~قلبه ولا إحالة استحسناه - لولا ذاك - لقلت ان المتصبر في سلوه مع الغدر ~~يكاد ان يستحق الملامة والتعنيف ؛ ولا أدعى إلى السلو عند الحر النفس وذي ~~PageV01P253 الحفيظة والسري السجايا ، من الغدر ، فما يصبر عليه إلا دنئ ~~المروءة خسيس الهمة ساقط الأنفة ، وفي ذلك أقول قطعة منها : [ من الوافر ] ~~. هواك فلست أقربه غرور . . . وأنت لكل من يأتي سرير وما إن تصبرين على ~~حبيب . . . فحولك منهم عدد كثير فلو كنت الأمير لما تعاطى . . . لقاءك خوف ~~جمعهم الأمير رأيتك كالأماني ما على من . . . يلم بها ولو كثروا غرور ولا ~~عنها لمن يأتي دفاع . . . ولو حشد الأنام لهم ( 1 ) نفير 8 - ثم سبب ثامن : ~~وهو لا من المحب ولا من المحبوب ولكنه من الله تعالى وهو اليأس ، وفروعه ~~ثلاثة ، إما موت وإما بين لا يرجى معه أوبة ، وإما عارض يدخل على المتحابين ~~بعلة الحب التي من أجلها وثق المحبوب فيغيرها ؛ وكل هذه الوجوه من أسباب ~~السلو والتصبر . وعلى المحب الناسي في هذا الوجه المنقسم إلى هذه الأقسام ~~الثلاثة من الغضاضة والذم واستحقاق اسم اللوم والغدر غير قليل ، وإن لليأس ~~لعملا في النفوس عجيبا ، وثلجا لحر الأكباد كبيرا ؛ وكل هذه الوجوه ~~المذكورة أولا وآخرا فالتأني فيها واجب ، والتربص على أهلها حسن ، فيما ~~يمكن فيه التأني ويصح لديه التربص ، فإذا انقطعت الأطماع وانحسمت الآمال ms096 ~~فحينئذ يقوم العذر . وللشعراء فن من الشعر يذمون فيه الباكي على الدمن ، ~~ويثنون على المثابر على اللذات ، وهذا يدخل في باب السلو ؛ ولقد أكثر الحسن ~~بن هانئ في هذا الباب وافتخر به ، وهو كثيرا ما يصف نفسه بالغدر الصريح في ~~أشعاره ، تحكما بلسانه واقتدارا على القول ، وفي مثل هذا أقول شعرا منه : [ ~~من الخفيف ] PageV01P254 خل هذا وبادر الدهر وارحل . . . في رياض الربى مطي ~~العقار واحدها بالبديع من نغمات ال . . . عود كيما تحث بالمزمار إن خيرا من ~~الوقوف على الدا . . . ر وقوف البنان بالأوتار وبدا النرجس البديع كصب . . ~~. حائر الطرف مائلا كالمدار لونه لون عاشق مستهام . . . وهو لا شك هائم ~~بالبهار ومعاذ الله أن يكون نسيان ما درس لنا طبعا ، ومعصية الله بشرب ~~الراح لنا خلقا ، وكساد الهمة لنا صفة ، ولكن حسبنا قول الله تعالى ، ومن ~~أصدق من الله قيلا في الشعراء : { ألم تر أنهم في كل واد يهيمون . وانهم ~~يقولون ما لا يفعلون } . ( الشعراء : 224 ) . فهذه شهادة الله العزيز ~~الجبار لهم ، ولكن شذوذ القائل للشعر عن مرتبة الشعر خطأ . وكان سبب هذه ~~الأبيات أن ' ضنى ' العامريه ، إحدى كرائم المظفر عبد الملك ابن أبي عامر ، ~~كلفتني صنعتها فأجبتها ، وكنت أجلها ؛ ولها فيها صنعة في طريقة النشيد ~~والبسيط ( 1 ) رائقة جدا ، ولقد أنشدتها بعض إخواني من أهل الأدب فقال ~~سرورا بها : يجب أن توضع هذه في جملة عجائب الدنيا . فجميع فصول هذا الباب ~~كما ترى ثمانية : منها ثلاثة هي من المحب ، اثنان منها يذم إلسالي فيهما ~~على كل وجه ، وهما الملل والاستبدال ، وواحد منها يذم السالي فيه ولا يذم ~~المتصبر ، وهو الحياء كما قدمنا . وأربعة من المحبوب ، منها واحد يذم ~~الناسي فيه ولا يذم المتصبر ، وهو الهجر الدائم ، وثلاثة لا يذم السالي ~~فيها على أي وجه كان ناسيا أو متصبرا ، وهي النفار والجفاء والغدر ، ووجه ~~ثامن وهو من PageV01P255 قبل الله عز وجل ، وهو اليأس إما بموت أو بين أو ~~آفة تزمن ، والمتصبر في هذه معذور . وعني أخبرك أني جبلت على طبيعتين لا ms097 ~~يهنأني معهما عيش أبدا ، وغني لأبرم بحياتي باجتماعهما وأود التغيب ( 1 ) ~~من نفسي أحيانا لأفقد ما أنا بسببه من النكد من أجلهما وهما : وفاء لا ~~يشوبه تلون قد استوت فيه الحضرة والمغيب ، والباطن والظاهر ، تولده الألفة ~~التي لم تعزف ( 2 ) بها نفسي عما دربته ، ولا تتطلع إلى عدم من صحبته ، ~~وعزة نفس لا تقر على الضيم ، مهتمة لأقل ما يرد عليها من تغير المعارف ، ~~مؤثرة للموت عليه ؛ فكل واحدة من هاتين السجيتين تدعو إلى نفسها وإني لأجفى ~~فأحتمل ، واستعمل الأناة الطويلة ، والتلوم الذي لا يكاد يطيقه أحد ، فإذا ~~أفرط الأمر وحميت نفسي تصبرت ، وفي القلب ما فيه ، وفي ذلك أقول قطعة منها ~~: [ من البسيط ] لي خلتان أذاقاني الأسى جرعا . . . ونغصا عيشتي واستهلكا ~~جلدي كلتاهما تطبيني نحو جبلتها . . . كالصيد ينشب بين الذئب والأسد وفاء ~~صدق فما فارقت ذا مقة . . . فزال حزني عليه آخر الأبد وعزة لا يحل الضيم ~~ساحتها . . . صرافة ( 3 ) فيه بالأموال والولد ومما يشبه ما نحن فيه ، وإن ~~كان ليس منه ، ان رجلا من إخواني كنت أحللته من نفسي محلها ، وأسقطت ~~المؤونة بيني وبينه ، وأعددته ذخرا وكنزا ، وكان كثير السمع من كل قائل ، ~~فدب ذوو النميمة بيني وبينه ، فحاكوا له وأنجح سعيهم عنده ، فانقبض عما كنت ~~أعهده . فتربصت عليه مدة في مثلها أوب الغائب ورضى العاتب ، فلم يزدد إلا ~~انقباضا فتركته وحاله . PageV01P256 # | - 28 - باب الموت # ربما تزايد الأمر ورق الطبع وعظم الإشفاق فكان سببا للموت ومفارقة الدنيا ~~، وقد جاء في الآثار : ' من عشق فعف فمات فهو شهيد ' ( 1 ) . وفي ذلك أقول ~~قطعة منها : [ من الوافر ] فإن أهلك هوى اهلك شهيدا . . . ( 2 ) وإن تمنن ~~بقيت قرير عين روى هذا لنا قوم ثقات . . . نأوا بالصدق عن جرح ومين ولقد ~~حدثن أبو السري عمار بن زياد صاحبنا عمن يثق به : أن الكاتب ابن قزمان ( 3 ~~) امتحن بمحبة أسلم [ بن أحمد بن سعيد بن قاضي PageV01P257 الجماعة أسلم ] ~~بن عبد العزيز ( 1 ) أخي الحاجب هاشم بن عبد العزيز ( 2 ) . وكان أسلم غاية ~~في الجمال ms098 ، حتى أضجره لما به وأوقعه في أسباب المنية . وكان أسلم كثير ~~الإلمام به والزيارة له ولا علم له بأنه أصل دائه إلى أن توفي أسفا ودنفا ( ~~3 ) . قال المخبر : فأخبرت أسلم بعد وفاته بسبب علته وموته فتأسف وقال : ~~هلا أعلمتني فقلت : ولم قال : كنت والله أزيد في صلته وما أكاد أفارقه ، ~~فما علي في ذلك ضرر . وكان أسلم هذا من أهل الأدب البارع والتفنن ، مع حظ ~~من الفقه وافر ، وذا بصارة في الشعر ، وله شعر جيد ، وله معرفة بالأغاني ~~وتصرفها ، وهو صاحب تأليف في طرائق غناء زرياب وأخباره ، PageV01P258 وهو ~~ديوان عجيب جدا ، وكان أحسن الناس خلقا وخلقا ، وهو والد أبي الجعد الذي ~~كان ساكنا بالجانب الغربي من قرطبة . وأنا اعلم جارية كانت لبعض الرؤساء ~~فعزف عنها لشيء بلغه في جهتها لم يكن يوجب السخط ، فباعها ، فجزعت لذلك ~~جزعا شديدا وما فارقها النحول والأسف ، ولا بان عن عينها الدمع إلى ان سلت ~~، وكان ذلك سبب موتها ؛ ولم تعش بعد خروجها عنه إلا أشهرا ليست بالكثيرة . ~~ولقد أخبرتني عنها امرأة أثق بها أنها لقيتها وهي قد صارت كالخيال نحولا ~~ورقة فقالت لها : أحسب هذا الذي بك من محبتك لفلان ، فتنفست الصعداء وقالت ~~: والله لا نسيته أبدا ، وإن كان جفاني بلا سبب . وما عاشت بعد هذا القول ~~إلا يسيرا . وأنا أخبرك عن أبي بكر أخي رحمه الله ، وكان متزوجا بعاتكة بنت ~~قند ( 1 ) ، صاحب الثغر الأعلى أيام المنصور أبي عامر محمد ابن عامر ، ~~وكانت التي لا مرمى وراءها في جمالها وكريم خلالها ، ولا تأتي الدنيا ~~بمثلها في فضائلها ، وكانا في حد الصبا وتمكن سلطانه تغضب كل واحد منهما ~~الكلمة التي لا قدر لها ، فكانا لم يزالا في تغاضب وتعاتب مدة ثمانية أعوام ~~، وكانت قد شفها حبه وأضناها الوجد فيه وأنحلها شدة كلفها به ، حتى صارت ~~كالخيال المتوهم ( 2 ) دنفا ، لا يلهيها من الدنيا شيء ، ولا تسر من ~~أموالها - على عرضها وتكاثرها - بقليل ولا كثير إذ فاتها اتفاقه معها ~~وسلامته لها ، إلى ان توفي ms099 أخي رحمه الله في الطاعون الواقع بقرطبة في شهر ~~ذي القعدة سنة إحدى وأربعمائة ، وهو ابن اثنين وعشرين سنة ، فما انفكت منذ ~~PageV01P259 بان عنها من السقم الدخيل والمرض والذبول إلى أن ماتت بعده ~~بعام في اليوم الذي أكمل هو فيه تحت الأرض عاما ؛ ولقد أخبرتني عنها أمها ~~وجميع جواريها أنها كانت تقول بعده : ما يقوي صبري ويمسك رمقي في الدنيا ~~ساعة واحدة بعد وفاته إلا سروري وتيقني أنه لا يضمه وامرأة مضجع أبدا ، فقد ~~أمنت هذا الذي ما كنت أتخوف غيره ، وأعظم آمالي اليوم اللحاق به . ولم يكن ~~قبلها ولا معها امرأة غيرها ، وهي كذلك لم يكن لها غيره ، فكان كما قدرت ، ~~غفر الله لها ورضي عنها . وأما خبر صاحبنا أبي عبد الله محمد بن يحيى [ بن ~~محمد ] ابن الحسين التميمي ، المعروف بابن الطبني ( 1 ) : فإنه كان رحمه ~~الله كأنه قد خلق الحسن على مثاله أو خلق من نفس كل من رآه ، لم أشهد له ~~مثلا حسنا وجمالا وخلقا وعفة وتصاونا وأدبا وفهما وحلما ووفاء وسؤددا ~~وطهارة وكرما ودماثة وحلاوة ولباقة وصبرا وإغضاء وعقلا ومروءة ودينا ودراية ~~وحفظا للقرآن والحديث والنحو واللغة ، و [ كان ] شاعرا مفلقا حسن الخط ~~وبليغا مفننا ، مع حظ صالح من الكلام والجدل ، وكان من غلمان أبي القاسم ~~عبد الرحمن بن أبي يزيد الأزدي ( 2 ) أستاذي في هذا الشأن ، وكان بينه وبين ~~أبيه اثنا عشر عاما في السن ، وكنت أنا وهو متقاربين في الأسنان ، وكنا ~~أليفين لا نفترق ، وخدنين لا يجري الماء بيننا إلا صفاء ، إلى أن ألقت ~~الفتنة جرانها وأرخت عزاليها ، ووقع انتهاب جند البربر منازلنا في الجانب ~~الغربي PageV01P260 بقرطبة ونزولهم فيها ، وكان مسكن أبي عبد الله في ~~الجانب الشرقي ببلاط مغيث ، وتقلبت بي الأمور إلى الخروج عن قرطبة وسكنى ~~مدينة المرية ، فكنا نتهادى النظم والنثر كثيرا ، وآخر ما خاطبني به رسالة ~~في درجها هذه الأبيات ( 1 ) : [ من الخفيف ] ليت شعري عن حبل ودك هل يم . . ~~. سي جديدا لدي غير رثيث وأراني أرى محياك يوما . . . وأناجيك ms100 في بلاط مغيث ~~فلو آن الديار ينهضها الشو . . . ( 2 ) ق أتاك البلاط كالمستغيث ولو آن ~~القلوب تستطيع سيرا . . . سار قلبي إليك سير الحثيث كن كما شئت لي فإني محب ~~. . . ليس لي غير ذكركم من حديث لك عندي وإن تناسيت عهد . . . في صميم ~~الفؤاد غير نكيث فكنا على ذلك إلى ان انقطعت دولة بني مروان وقتل سليمان ~~الظافر أمير المؤمنين ، وطهرت دولة الطالبية ( 3 ) وبويع علي بن حمود ~~الحسني المسمى بالناصر ( 4 ) بالخلافة ، وتغلب على قرطبة وتملكها واستمد في ~~قتاله إياها بجيوش المتغلبين والثوار في أقطار الأندلس . وفي إثر ذلك نكبي ~~خيران صاحب المرية ، إذ نقل إليه من لم يتق الله عز وجل من الباغين ، وقد ~~انتقم الله منهم ، عني وعن محمد ابن إسحاق صاحبي أنا نسعى في القيام بدعوة ~~الدولة الأموية ، فاعتقلنا عند نفسه أشهرا ثم أخرجنا على جهة التغريب فصرنا ~~إلى حصن القصر ( 5 ) ، ولقينا صاحبه أبو القاسم عبد الله بن هذيل التجيبي ، ~~PageV01P261 المعروف بان المقفل ، فأقمنا عنده شهورا في خير دار إقامة ، ~~وبين خير أهل وجيران ، وعند أجل الناس همة وأكملهم معروفا وأتمهم سيادة . ~~ثم ركبنا البحر قاصدين بلنسية عند ظهور أمير المؤمنين المرتضى عبد الرحمن ~~بن محمد ، وساكناه بها ، فوجدت ببلنسية أبا شاكر عبد الواحد بن محمد بن ~~موهب القبري ( 1 ) صديقنا ، فنعى إلى أبا عبد الله بن الطبني وأخبرني بموته ~~رحمه الله ، ثم أخبرني بعد ذلك بمديدة القاضي أبو الوليد يونس بن عبد الله ~~المرادي ( 2 ) وأبو عمرو أحمد لن محرز أن أبا بكر المصعب بن عبد الله ~~الأزدي المعروف بابن الفرضي ( 3 ) حدثهما - وكان والد المصعب هذا قاضي ~~بلنسية أيام أمير المؤمنين المهدي ( 4 ) وكان المصعب لنا صديقا وأخا وأليفا ~~أيام طلبنا الحديث على والده وسائر شيوخ المحدثين بقرطبة - قالا ، قال لنا ~~المصعب : سألت أبا عبد الله بن الطبني عن سبب علته ، وهو قد نحل وخفيت ~~محاسن وجهه بالضنى فلم يبق إلا عين جوهرها المخبر عن صفاتها السالفة ، وصار ~~يكاد أن يطيره النفس ، وقرب من ms101 الانحناء ، والشجا باد على وجهه ، ونحن ~~منفردان . فقال لي : نعم ، أخبرك أني كنت في باب داري بغدير ابن الشماس ( 5 ~~) في حين دخول علي بن PageV01P262 حمود قرطبة ( 1 ) ، والجيوش واردة عليها ~~في الجهات تتسارب ، فرأيت في جملتهم فتى لم أقدر أن للحسن صورة قائمة حتى ~~رأيته ، فغلب علي عقلي وهام به لبي ، فسألت عنه فقيل لي : هذا فلان ابن ~~فلان ، من سكان جهة كذا ، ناحية قاصية عن قرطبة بعيدة المأخذ ، فيئست من ~~رؤيته بعد ذلك . ولعمري يا أبا بكر لا فارقني حبه أو يوردني رمسي ، فكان ~~ذلك . وأنا اعرف ذلك الفتى وأدريه ، وقد رأيته لكني أضربت عن اسمه لأنه قد ~~مات ، والتقى كلاهما عند الله عز وجل ، عفا الله عن الجميع . هذا على أن ~~عبد الله ، أكرم الله نزله ، ممن لم يكن له وله قط ، ولا فارق الطريقة ~~المثلى ، ولا وطئ حراما قط ، ولا قارف منكرا ، ولا أتى منهيا عنه يخل بدينه ~~ومروءته ؛ ولا قارض من جفا عليه ، وما كان في طبقتنا مثله . ثم دخلت أنا ~~قرطبة في خلافة القاسم بن محمود المأمون ( 2 ) فلم أقدم شيئا على قصد أبي ~~عمر القاسم بن يحيى التميمي أخي [ أبي ] عبد الله رحمه الله ، فسألته عن ~~حاله وعزيته عن أخيه ، وما كان أولى بالتعزية عنه مني ، ثم سألته عن أشعاره ~~ورسائله إذ كان الذي عندي منه قد ذهب بالنهب في السبب الذي ذكرته في صدر ~~هذه الحكاية ، فأخبرني عنه أنه لما قربت وفاته وأيقن بحضور المنية ولم يشك ~~في الموت دعا بجميع شعره وبكتبي التي كنت خاطبته أنا بها ، فقطعها كلها ثم ~~أمر بدفنها . قال أبو عمر ، فقلت له : يا أخي دعها تبقى . PageV01P263 فقال ~~: إني أقطعها وأنا أدري أني أقطع فيها أدبا كثيرا ، ولكن لو كان أبو محمد - ~~يعنيني - حاضرا لدفعتها إليه تكون عنده تذكرة لمودتي ، ولكني لا أعلم أي ~~البلاد اضمرته ولا أحي هو أم ميت ؛ وكانت نكبتي اتصلت به ولم يعلم مستقري ~~ولا إلى ما آل إليه أمري ؛ فمن مراثي له ms102 قصيدة منها : [ من المتقارب ] . ~~لئن سترتك بطون اللحود . . . فوجدي بعدك لا يستتر قصدت ديارك قصد المشوق . ~~. . وللدهر فينا كرور ومر فألفيتها منك قفرا خلاء . . . فأسكبت عيني عليك ~~العبر وحدثني أبو القاسم الهمذاني ( 1 ) رحمه الله قال : كان معنا ببغداد ~~أخ لعبد الله بن يحيى بن أحمد بن دحون الفقيه ( 2 ) ، الذي عليه مدار ~~الفتيا بقرطبة ، وكان أعلم من أخيه وأجل مقدارا ، ما كان في أصحابنا ببغداد ~~مثله ، وأنه اجتاز يوما بدرب قطنة ( 3 ) ، في زقاق لا ينفذ ، فدخل فيه فرأى ~~في أقصاه جارية واقفة مكشوفة الوجه ، فقالت له : يا هذا إن الدرب لا ينفذ ، ~~قال : فنظر إليها فهام بها . قال : وانصرف إلينا فتزايد PageV01P264 عليه ~~أمرها ، وخشي الفتنة فخرج إلى البصرة فمات عشقا رحمه الله ، وكان فيما ذكر ~~من الصالحين . حكاية لم أزل أسمعها عن بعض ملوك البرابر : أن رجلا أندلسيا ~~باع جارية كان يجد بها وجدا شديدا ، لفاقة أصابته ، من رجل من أهل ذلك ~~البلد ، ولم يظن بائعها أن نفسه تتبعها ذلك التتبع ؛ فلما حصلت عند المشتري ~~كادت نفس الأندلسي تخرج ، فأتى إلى الذي ابتاعها منه وحكمه في ماله أجم وفي ~~نفسه ، فأبى عليه ، فتحمل عليه بأهل البلد فلم يسعف منهم أحد ، فكاد عقله ~~ان يذهب ، ورأى أن يتصدى إلى الملك ، فتعرض له وصاح ، فسمعه فأمر بإدخاله ، ~~والملك قاعد في علية له مشرفة عالية ، فوصل إليه ، فلما مثل بين يديه أخبره ~~بقصته واسترحمه وتضرع إليه ، فرق له الملك ، فأمر بإحضار الرجل المبتاع ~~فحضر ، فقال له : هذا رجل غريب وهو كما تراه ، وأنا شغفه إليك ، فأبى ~~المبتاع وقال : أنا أشد حبا لها منه ، وأخشى إن صرفتها إليه أن أستغيث بك ~~غدا وأنا في أسوأ من حالته ، فأذم ( 1 ) له الملك ومن حواليه من أموالهم ، ~~فأبى ولج واعتذر بمحبته لها ، فلما طال المجلس ولم يروا منه البتة جنوحا ~~إلى الاسعاف قال للأندلسي : يا هذا ، مالك بيدي أكثر مما ترى ، وقد جهدت لك ~~بأبلغ سعي ، وهو [ ذا ] تراه يعتذر بأنه فيها أحب منك ms103 وأنه يخشى على نفسه ~~شرا أنت فيه ، فاصبر لما قضى الله عليك . فقال الأندلسي : فما لي بيدك حيلة ~~قال له : وهل هاهنا غير الرغبة والبذل ما أستطيع لك أكثر . فلما يئس ~~الأندلسي منها جمع يديه ورجليه وانصب من أعلى العلية إلى الأرض ، فارتاع ~~الملك وصرخ ، فابتدر الغلمان من أسفل ، فقضي انه لم يتأذ في ذلك الوقوع ~~كبير أذى ، فصعد به إلى الملك ، فقال : ماذا أردت بهذا فقال : أيها الملك ، ~~لا سبيل إلى الحياة بعدها ، ثم هم أن يرمي نفسه ثانية ، PageV01P265 فمنع ، ~~فقال الملك : الله أكبر ، قد ظهر وجه الحكم في هذه المسألة ، ثم التفت إلى ~~المشتري فقال : يا هذا ، إنك ذكرت أنك أود لها منه وتخاف أن تصير في مثل ~~حاله ، فقال : نعم ، قال : فإن صاحبك هذا أبدى عنوان محبته وقذف بنفسه يريد ~~الموت لولا ان الله عز وجل وقاه ، فأنت قم فصحح حبك ، وترام من أعلى هذه ~~القصبة كما فعل صاحبك ، فإن مت فبأجلك وإن عشت كنت أولى بالجارية ، إذ هي ~~في يدك ويمضي صاحبك عنك وإن أبيت نزعت الجارية منك رغما ودفعتها إليه ، ~~فتمنع ثم قال : أتراني ، فلما قرب من الباب ونظر إلى الهوى تحته رجع ~~القهقري ، فقال له الملك : هو والله ما قلت ، فهم ثم نكل ، فلما لم يقدم ~~قال له الملك : لا تتلاعب بنا ، يا غلمان ، خذوا بيديه وارموا به إلى الأرض ~~، فلما رأى العزيمة قال : أيها الملك ، قد طابت نفسي بالجارية ، فقال له : ~~جزاك الله خيرا ؛ فاشتراها منه ودفعها إلى بائعها ، وانصرفا . PageV01P266 # | - 29 - باب قبح المعصية # قال المصنف رحمه الله تعالى : وكثير من الناس يطيعون أنفسهم ويعصون ~~عقولهم ، ويتبعون أهواءهم ، ويرفضون اديانهم ، ويتجنبون ما حض الله تعالى ~~عليه ورتبه في الألباب السليمة من العفة وترك المعاصي ومقارعة ( 1 ) الهوى ~~، ويخالفون الله ربهم ويوافقون إبليس فيما يحبه من الشهوة المعطبة ، ~~فيواقعون المعصية في حبهم . وقد علمنا ان الله عز وجل ركب في الإنسان ~~طبيعتين متضادتين : إحداهما لا تشير إلا بخير ولا تحض إلا على حسن ، ولا ms104 ~~يتصور فيها إلا كل أمر مرضي ، وهي العقل ، وقائده العدل ؛ والثانية ضد لها ~~، لا تشير إلا إلى الشهوات ، ولا تقود إلا إلى الردى ، وهي النفس ، وقائدها ~~الشهوة ، والله تعالى يقول : { إن النفس لأمارة بالسوء } ( يوسف : 53 ) ~~وكنى بالقلب عن العقل فقال : { إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى ~~السمع وهو شهيد } ( ق : 37 ) . وقال تعالى : { وحبب إليكم الإيمان وزينه في ~~قلوبكم } ( الحجرات : 7 ) . وخاطب أولي الألباب . فهاتان الطبيعتان قطبان ~~في الإنسان ، وهما قوتان من قوى الجسد الفعال بهما ، ومطرحان من مطارح ~~شعاعات هذين الجوهرين العجيبين PageV01P267 الرفيعين العلويين ( 1 ) ، ففي ~~كل جسد منهما حظه على قدر مقابلته لهما في تقدير الواحد الصمد ، تقدست ~~أسماؤه ، حين خلقه وهيأه ؛ فهما يتقابلان أبدا ويتنازعان دأبا ، فإذا غلب ~~العقل النفس ارتدع الانسان وقمع عوارضه المدخولة واستضاء بنور الله وابتع ~~العدل ، وإذا غلبت النفس العقل عميت البصيرة ، ولم يضح الفرق بين الحسن ~~والقبيح ، وعظم الالتباس وتردى في هوة الردى ومهواة الهلكة ، وبهذا حسن ~~الأمر والنهي ، ووجب الامتثال ( 2 ) ، وصح الثواب والعقاب ، واستحق الجزاء ~~. والروح واصل بين هاتين الطبيعتين ، وموصل ما بينهما ، ومحل ( 3 ) ~~الالتقاء بهما ، وإن الوقوف عند حد الطاعة لمعدوم إلا بطول الرياضة وصحة ~~المعرفة ونفاذ التمييز ، ومع ذلك اجتناب التعرض للفتن ومداخلة الناس جملة ~~والجلوس في البيوت ، وبالحرى أن تقع السلامة المضمونة أو يكون الرجل حصورا ~~لا أرب له في النساء ولا جارحة له تعينه عليهن . وقديما ورد : ' من وقي شر ~~لقلقه وقبقبه وذبذبه فقد وقي شر الدنيا بحذافيرها ' ( 4 ) ؛ واللقلق : ~~السان ، والقبقب : البطن ، والذبذب : الفرج . ولقد أخبرني أبو حفص الكاتب ( ~~5 ) ، وهو من ولد روح بن زنباع الجذامي ( 6 ) ، انه سمع بعض المتسمين باسم ~~الفقه من أهل الرواية المشاهير ، وقد سئل عن هذا الحديث فقال : القبقب : ~~البطيخ . PageV01P268 وحدثنا أحمد بن محمد بن أحمد ( 1 ) ثنا وهب بن مسرة ( ~~2 ) ومحمد ابن أبي دليم ( 3 ) عن محمد بن وضاح ( 4 ) عن يحيى بن يحيى ( 5 ) ~~عن مالك ابن أنس عن زيد ms105 بن أسلم عن عطاء بن يسار ، أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال في حديث طويل : ' من وقاه الله شر اثنتين دخل الجنة ' فسئل ~~عن ذلك فقال : ' ما بين لحييه وما بين رجليه ' ( 6 ) . وإني لأسمع كثيرا ~~ممن يقول : الوفاء في قمع الشهوات في الرجال دون النساء ، فأطيل العجب من ~~ذلك ، وإن لي قولا لا احول عنه : الرجال والنساء في الجنوح إلى هذين ~~الشيئين سواء ، وما رجل عرضت له امرأة جميلة بالحب وطال ذلك ، ولم يكن ثم ~~من مانع ، إلا وقع في شرك الشيطان ، واستهوته المعاصي ، واستفزه الحرص ~~وتغوله الطمع ، وما امرأة دعاها رجل بمثل هذه الحالة إلا وأمكنته ، حتما ~~مقضيا وحكما نافذا لا محيد عنه البتة ( 7 ) . PageV01P269 ولقد أخبرني ثقة ~~صدق من إخواني من أهل التمام في الفقه والكلام والمعرفة وذو صلابة في دينه ~~، أنه احب جارية نبيلة أديبة ذات جمال بارع ، قال : فعرضت لها فنفرت ، ثم ~~عرضت فأبت ، فلم يزل الأمر يطول وحبها يزيد ، وهي لا تطيع البتة ، إلى ان ~~حملني فرط حبي لها مع عمى الصبا على أن نذرت أني متى نلت منها مرادي أتوب ~~إلى الله توبة صادقة ؛ قال : فما مرت الأيام والليالي حتى أذعنت بعد شماس ~~ونفار ؛ فقلت له : أبا فلان ، وفيت بعهدك فقال : أي والله ، فضحكت . وذكرت ~~بهذه الفعلة ما لم يزل يتداول في أسماعنا من ان في بلاد البربر التي تجاوز ~~أندلسنا يتعهد ( 1 ) الفاسق على انه إذا قضى وطره ممن أراد أن يتوب إلى ~~الله ، فلا يمنع من ذلك ، وينكرون على من تعرض له بكلمة ويقولون له : أتحرم ~~رجلا مسلما التوبة . قال : ولعهدي بها تبكي وتقول : والله لقد بلغتني مبلغا ~~ما خطر قط لي ببال ، ولا قدرت ان أجيب إليه أحدا . ولست أبعد أن يكون ~~الصلاح في الرجال والنساء موجودا ، وأعوذ بالله أن أظن غير هذا ، وإني رأيت ~~الناس يغلطون في معنى هذه الكلمة ، أعني ' الصلاح ' غلطا بعيدا . والصحيح ~~في حقيقة تفسيرها أن الصالحة من النساء هي التي إذا ضبطت انضبطت ms106 ، وإذا ~~قطعت عنها الذرائع أمسكت ، والفاسدة هي التي إذا ضبطت لم تنضبط ، وإذا حيل ~~بينها وبين الأسباب التي تسهل الفواحش تحيلت في أن تتوصل إليها بضروب من ~~الحيل ؛ والصالح من الرجال من لا يداخل أهل الفسوق ولا يتعرض إلى المناظر ~~الجالبة للأهواء ، ولا يرفع طرفه إلى الصور البديعة التركيب ؛ والفاسق من ~~يعاشر أهل النقص وينشر بصره إلى PageV01P270 الوجوه البديعة الصنعة ، ~~ويتصدى للمشاهد المؤذية ، ويحب الخلوات المهلكات ( 1 ) ؛ والصالحان من ~~الرجال والنساء كالنار الكامنة في الرماد لا تحرق من جاورها إلا بأن تحرك ، ~~والفاسقان كالنار المشتعلة تحرق كل شيء . وأما امرأة مهملة ورجل متعرض فقد ~~هلكا وتلفا ؛ ولهذا حرم على المسلم الالتذاذ بسماع نغمة امرأة أجنبية ، وقد ~~جعلت النظرة الأولى لك والأخرى عليك ، وقد قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم : ' من تأمل امرأة وهو صائم حتى يرى حجم عظامها فقد أفطر ' ( 2 ) . ~~وإن فيما ورد من النهي عن الهوى بنص التنزيل لشيئا مقنعا ؛ وفي إيقاع هذه ~~الكلمة ، أعني ' الهوى ' اسما على معان ، وفي اشتقاقها عند العرب دليل على ~~ميل النفوس وهويها إلى هذه المقامات . وإن المتمسك عنها مقارع لنفسه محارب ~~لها . وشيء أصفه لك تراه عيانا : وهو أني ما رأيت قط امرأة في مكان تحس أن ~~رجلا يراها أو يسمع حسها إلا وأحدثت حركة فاضلة كانت بمعزل ، واتت بكلام ~~زائد كانت عنه في غنية ، مخالفين لكلامها وحركتها قبل ذلك ؛ ورأيت التهمم ~~لمخارج لفظها وهيئة تقلبها لائحا فيها ظاهرا عليها لا خفاء به ؛ والرجال ~~كذلك إذا أحسوا بالنساء . وأما إظهار الزينة وترتيب المشي وإيقاع المزح عند ~~خطور المرأة بالرجل واجتياز الرجل بالمرأة فهذا أشهر من الشمس في كل مكان . ~~والله عز وجل يقول : { قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم } وقال ~~تقدست أسماؤه : { ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن } ( النور : ~~30 - 31 ) . فلولا علم الله عز وجل بدقة ( 3 ) إغماضهن في PageV01P271 ~~السعي لإيصال حبهن إلى القلوب ، ولطف كيدهن في التحيل لاستجلاب الهوى ، لما ~~كشف الله عن هذا المعنى البعيد ms107 الغامض الذي ليس وراءه مرمى ، وهذا حد ~~التعرض فكيف بما دونه . ولقد اطلعت من سر معتقد الرجال والنساء في هذا على ~~أمر عظيم ، وأصل ذلك أني لم أحسن قط بأحد ظنا في هذا الشأن ، مع غيرة شديدة ~~ركبت في . وحدثنا أبو عمر أحمد بن محمد بن أحمد ، ثنا أحمد ، ثنا محمد ابن ~~عيسى بن رفاعة ، حدثنا على بن عبد العزيز ، حدثنا أبو عبيد القاسم ابن سلام ~~عن شيوخه : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ' الغيرة من الإيمان ' ( ~~1 ) فلم أزل باحثا عن أخبارهن كاشفا عن أسرارهن ، وكن قد أنسن مني بكتمان ، ~~فكن يطلعنني على غوامض أمورهن . ولولا أن أكون منبها على عوارت يستعاذ ~~بالله منها لأوردت من تنبههن في الشر ومكرهن فيه عجائب تذهل الألباب . وإني ~~لأعرف هذا وأتيقنه ، ومع هذا يعلم الله - وكفى به عليما - أني بريء الساحة ~~، سليم الأديم ، صحيح البشرة ، نقي الحجزة ، وإني أقسم بالله أجل الأقسام ~~أني ما حللت مئزري على فرج حرام قط ، ولا يحاسبني ربي بكبيرة الزنا مذ عقلت ~~إلى يومي هذا ، والله المحمود على ذلك ، والمشكور فيما مضى ، والمستعصم ~~فيما بقي . حدثنا القاضي أبو عبد الرحمن عبد الله بن عبد الرحمن ابن جحاف ~~المعافري ( 2 ) - وإنه لأفضل قاض رايته - عن محمد PageV01P272 ابن إبراهيم ~~الطليطلي ( 1 ) ، عن القاضي بمصر بكر بن العلاء ( 2 ) ، في قول الله عز وجل ~~: { وأما بنعمة ربك فحدث } ( الضحى : 11 ) أن لبعض المتقدمين فيه قولا ، ~~وهو أن المسلم يكون مخبرا عن نفسه بما أنعم الله تعالى به عليه من طاعة ربه ~~التي هي من أعظم النعم ، ولاسيما في المفترض على المسلمين اجتنابه واتباعه ~~. وكان السبب فيما ذكرته أني كنت وقت تأجج نار الصبا وشرة الحداثة وتمكن ~~غرارة الفتوة مقصورا محظرا علي بين رقباء ورقائب ؛ فلما ملكت نفسي وعقلت ~~صحبت أبا علي الحسين بن علي الفاسي في مجلس أبي القاسم عبد الرحمن بن أبي ~~يزيد الأزدي ( 3 ) شيخنا وأستاذي رضي الله عنه ، وكان أبو علي المذكور ~~عاقلا عاملا ، ممن ms108 تقدم في الصلاح والنسك الصحيح وفي الزهد في الدنيا ~~والاجتهاد للآخرة ، وأحسبه كان حصورا لأنه لم تكن له امرأة قط ، وما رأيت ~~مثله جملة علما وعملا ودينا وورعا ، فنفعني الله به كثيرا وعلمت موقع ~~الإساءة وقبح المعاصي . ومات أبو علي رحمه الله في طريق الحج . ولقد ضمني ~~المبيت ليلة في بعض الأزمان عند امرأة من بعض معارفي مشهورة بالصلاح والخير ~~والحزم ، ومعها جارية من بعض قراباتها من اللاتي قد ضمتها معي النشأة في ~~الصبا ، ثم غبت عنها أعواما كثيرة ، وكنت تركتها حين أعصرت ووجدتها قد جرى ~~على وجهها ماء الشباب ففاض وانساب ، وتفجرت عليها ينابيع الملاحة فترددت ~~وتحيرت ، وطلعت في سماء وجهها نجوم الحسن فأشرقت PageV01P273 وتوقدت ، ~~وانبعث في خديها أزاهير الجمال فتمت واعتمت ، فأتت كما أقول : [ من البسيط ~~] خريدة صاغها الرحمن من نور . . . جلت ملاحتها عن كل تقدير لو جاءني عملي ~~في حسن صورتها . . . يوم الحساب ويوم النفخ في الصور لكنت أحظى عباد الله ~~كلهم . . . بالجنتين وقرب الخرد الحور وكانت من أهل بيت صباحة ، وقد ظهرت ~~منها ( 1 ) صورة تعجز الوصاف ، وقد طبق وصف شبابها قرطبة ، فبت عندها ثلاث ~~ليال متوالية ، ولم تحجب عني على جاري العادة في التربية ؛ فلعمري لقد كاد ~~قلبي أن يصبو ويثوب إليه مرفوض الهوى ، ويعاوده منسي الغزل . ولقد امتنعت ~~بعد ذلك من دخول تلك الدار خوفا على لبي أن يزدهيه الاستحسان ؛ ولقد كانت ~~هي وجميع أهلها ممن لا تتعدى الأطماع إليهن ، ولكن الشيطان غير مأمون ~~الغوائل ، وفي ذلك أقول : [ من الكامل المجزوء ] لا تتبع النفس الهوى . . . ~~ودع التعرض للمحن إبليس حي لم يمت . . . والعين باب للفتن وأقول : [ من ~~المجتث ] وقائل لي : هذا . . . ظن يزيدك غيا فقلت : دع عنك لومي . . . أليس ~~إبليس حيا وما أورد الله تعالى علينا من قصة يوسف بن يعقوب وداود بن يشي ( ~~2 ) رسل الله عليهم السلام إلا ليعلمنا نقصاننا وفاقتنا إلى PageV01P274 ~~عصمته ، وان بنيتنا مدخولة ضعيفة ، فإذا كانا صلى الله عليهما وهما نبيان ~~رسولان ابنا أنبياء رسل ومن أهل بيت نبوة ms109 ورسالة ، مكرمين ( 1 ) في الحفظ ، ~~مغموسين في الولاية ، محفوفين بالكلاءة ، مؤيدين بالعصمة ، لا يجعل للشيطان ~~عليهما سبيل ، ولا فتح لوسواسه نحوهما طريق ، وبلغا حيث نص الله عز وجل ~~علينا في قرآنه المنزل بالجملة المؤصلة ، والطبع البشري والخلقة الأصيلة ، ~~لا بتعمد الخطيئة ولا القصد إليها - إذ النبيون مبرؤون من كل ما خالف طاعة ~~الله عز وجل ، لكنه استحسان طبيعي في النفس للصور - فمن ذا الذي يصف نفسه ~~بملكها ويتعاطى ضبطها إلا بحول الله وقوته ! وأول دم سفك في الأرض فدم أحد ~~ابني آدم على سبب المنافسة في النساء ( 2 ) ؛ ورسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يقول : ' باعدوا بين أنفاس الرجال والنساء ' ( 3 ) وهذه امرأة من ~~العرب تقول ، وقد حبلت من ذي قرابة لها ، حين سئلت : ما ببطنك يا هند فقالت ~~: قرب الوساد وطول السواد ( 4 ) ؛ وفي ذلك أقول شعرا منه : [ من الرمل ] لا ~~تلم من عرض النفس لما . . . ليس يرضي غيره عند المحن لا تقرب عرفجا من لهب ~~. . . ومتى قربته قامت دخن لا تصرف ثقة في أحد . . . فسد الناس جميعا ~~والزمن خلق النسوان للفحل كما . . . خلق الفحل بلا شك لهن كل شكل يتشهى ~~شكله . . . لا تكن عن أحد تنفي الظنن PageV01P275 صفة الصالح من إن صنته . ~~. . عن قبيح أظهر الطوع الحسن وسواه من ذا ثقفته . . . أعمل الحيلة في خلع ~~الرسن وإني لأعلم فتى من أهل الصيانة قد أولع بهوى له ، فاجتاز بعض إخوانه ~~فوجده قاعدا مع من كان يحب ، فاستجلبه إلى منزله ، فأجابه إلى منزله ~~بامتثال المسير بعده ، فمضى داعيه إلى منزله وانتظره حتى طال عليه التربص ~~فلم يأته ، فلما كان بعد ذلك اجتمع به داعيه فعدد عليه وأطال لومه على ~~إخلافه موعده ، فاعتذر وورى ، فقلت أنا للذي دعاه : أنا أكشف عذره صحيحا من ~~كتاب الله عز وجل إذ يقول : { ما أخلفنا موعدك بملكنا ولكنا حملنا أوزارا ~~من زينة القوم } ( طه : 87 ) فضحك من حضر ، وكلفت أن أقول في ذلك شيئا فقلت ~~: [ من الطويل ] . وجرحك لي جرح جبار فلا تلم . . . ولكن جرح ms110 الحب غير جبار ~~وقد صارت الخيلان وسط بياضه . . . كنيلوفر حفته روض بهار وكم قال لي من مت ~~وجدا بحبه . . . مقالة محلول المقالة زاري وقد كثرت مني إليه مطالب . . . ~~ألح عليه تارة وأداري : أما في التداني ما يبرد غلة . . . ويذهب شوقا في ~~ضلوعك ساري فقلت له : لو كان ذلك لم تكن . . . عداوة جار في الأنام لجار ~~وقد يتراءى العسكران لدى الوغى . . . وبينهما للموت سبل بوار ولي كلمتان ~~قلتهما معرضا - بل مصرحا - برجل من أصحابنا كنا نعرفه من أهل الطلب ~~والعناية والورع وقيام الليل واقتفاء آثار النساك وسلوك مذاهب المتصوفين ~~القدماء ، باحثا مجتهدا ، وقد كنا نتجنب المزاح بحضرته ، فلم يمض الزمن حتى ~~مكن الشيطان من نفسه ، وفتك بعد لباس النساك ، وملك إبليس من خطامه فسول له ~~الغرور ، وزين له الويل والثبور ، وأجره رسنه بعد إباء ، وأعطاه ناصيته بعد ~~PageV01P276 شماس ، فخب في طاعته وأوضع ، واشتهر بعد ما ذكرته في بعض ~~المعاصي القبيحة الوضرة . ولقد أطلت ملامة وتشددت في عذله إذ أعلن بالمعصية ~~بعد استتار ، إلى ان أفسد ذلك ضميره علي ، وخبثت نيته لي ، وتربص بي دوائر ~~السوء ، وكان بعض أصحابنا يساعده بالكلام استجرارا إليه ، فيأنس به ويظهر ~~له عداوتي ، إلى أن أظهر لله سريرته ، فعلمها البادي والحاضر ، وسقط من ~~عيون الناس كلهم بعد أن كان مقصدا للعلماء ومنتابا للفضلاء ، ورذل عند ~~إخوانه جملة ، أعاذنا الله من البلاء ، وسترنا في كفايته ، ولا سبلنا ما ~~بنا من نعمته . فيا سوءتاه لمن بدأ بالاستقامة ولم يعلم أن الخذلان يحل به ~~، وأن العصمة ستفارقه ! ! لا إله إلا الله ، ما أشنع هذا وأفظعه ! ! لقد ~~دهمته إحدى بنات الحرس ، وألقت عصاها به أم طبق ( 1 ) من كان الله أولا ثم ~~صار للشيطان آخرا ، ومن إحدى الكلمتين : [ من البسيط ] . أما الغلام فقد ~~حانت فضيحته . . . وانه كان مستورا وقد هتكا ما زال يضحك من أهل الهوى عجبا ~~. . . فالآن كل جهول منه قد ضحكا إليك لا تلح صبا هائما كلفا . . . يرى ~~التهتك في دين الهوى نسكا قد كان دهرا يعاني النسك مجتهدا ms111 . . . ( 3 ) يعد ~~( 2 ) في نسكه كل امرئ مسكا ذو محبر وكتاب لا يفارقه . . . نحو المحدث يسعى ~~حيث ما سلكا فاعتاض من سمر أقلام بنان فتى . . . كأنه من لجين صيغ أو سبكا ~~يا لائمي سفها في ذاك قل فلم . . . تشهد حبيبين يوم الملتقى اشتبكا دعني ~~ووردي في الآبار اطلبه . . . ( 4 ) إليك عني كذا لا أبتغي البركا ~~PageV01P277 إذا تعففت عف الحب عنك وغن . . . تركت يوما فإن الحب قد تركا ~~ولا تحل من الهجران منعقدا . . . إلا اذا ما حللت الأزر والتككا ولا تصحح ~~للسلطان مملكة . . . أو تدخل البرد عن إنفاذه السككا ولا بغير كثير المسح ~~يذهب ما . . . يعلو الحديد من الأصداء ان سبكا وكان هذا المذكور من أصحابنا ~~قد احكم القراءات إحكاما جيدا ، واختصر كتاب الأنباري في الوقف والابتداء ( ~~1 ) اختصارا حسنا أعجب به من رآه من المقرئين ، وكان دائبا على طلب الحديث ~~وتقييده ، والمتولي لقراءة ما يسمعه على الشيوخ المحدثين ، مثابرا على ~~النسخ مجتهدا به ، فلما امتحن بهذه البلية مع بعض الغلمان رفض ما كان ~~معتنيا به وباع أكثر كتبه واستحال كلية ، نعوذ بالله من الخذلان . وقلت فيه ~~كلمة وهي التالية للكلمة التي ذكرت منها في أول خبره ثم تركتها . وقد ذكر ~~أبو الحسين أحمد بن يحيى بن إسحاق الراوندي ( 2 ) في كتاب ' اللفظ والإصلاح ~~' أن إبراهيم بن سيار النظام رأس المعتزلة ، مع علو طبقته في الكلام وتمكنه ~~وتحكمه في المعرفة ، تسبب إلى ما حرم الله عليه من فتى نصراني عشقه بان وضع ~~له كتابا في تفضيل PageV01P278 التثليث على التوحيد ؛ فيا غوثاه ! ! ! ~~عياذك يا رب من تولج الشيطان ووقوع الخذلان . وقد يعظم البلاء وتكلب الشهوة ~~، ويهون القبيح ، ويرق الدين حتى يرضى الإنسان في جنب وصوله إلى مراده ~~بالقبائح والفضائح ، كمثل ما دهم عبيد الله بن يحيى الأزدي المعروف بابن ~~الجزيري ( 1 ) ، فإنه رضي بإهمال داره وإباحة حريمه والتعريض بأهله طمعا في ~~الحصول على بغيته من فتى كان علقه - نعوذ بالله من الضلال ونسأله الحياطة ~~وتحسين آثارنا وإطابة أخبارنا - حتى لقد صار المسكين ms112 حديثا تعمر به المحافل ~~، وتصاغ فيه الأشعار ، وهو الذي تسميه العرب الديوث - وهو مشتق من التدييث ~~، وهو التسهيل ، وما بعد تسهيل من تسمح نفسه بهذا الشأن تسهيل ، ومنه بعير ~~مديث ، أي مذلل . ولعمري إن الغيرة لتوجد في الحيوان بالخلقة ( 2 ) ، فكيف ~~وقد أكدتها عندنا الشريعة ، وما بعد هذا مصاب . ولقد كنت اعرف هذا المذكور ~~مستورا إلى أن استهواه الشيطان ، ونعوذ بالله من الخذلان ، وفيه يقول عيسى ~~بن محمد بن مجمل ( 3 ) الخولاني : [ من الكامل ] يا جاعلا إخراج حر نسائه . ~~. . شركا لصيد جآذر الغزلان إني أرى شركا يمزق ثم لا . . . تحظى بغير مذلة ~~الحرمان PageV01P279 وأقول أنا أيضا : [ من الطويل ] . أباح أبو مروان حر ~~نسائه . . . ليبلغ ما يهوى من الرشأ الفرد فعاتبته الديوث في قبح فعله . . ~~. ( 1 ) فأنشدني إنشاد مستبصر جلد ' لقد كنت أدركت المنى غير أنني . . . ( ~~2 ) يعيرني قومي بإدراكها وحدي ' وأقول أيضا : [ من المتقارب ] . رأيت ~~الجزيري فيما يعاني . . . قليل الرشاد كثير السفاه يبيع ويبتاع عرضا بعرض . ~~. . أمور وجدك ذات اشتباه ويأخذ ميما بإعطاء ( 3 ) هاء . . . ألا هكذا ~~فليكن ذو النواهي ويبدل أرضا تغذي النبات . . . بأرض تحف بشوك العضاه لقد ~~خاب في تجره ذو ابتياع . . . مهب الرياح بمجرى المياه ولقد سمعته في المسجد ~~يستعيذ بالله من العصمة كما يستعاذ به من الخذلان . ومما يشبه هذا أني أذكر ~~أني كنت في مجلس فيه إخوان لنا عند بعض مياسير أهل بلدنا ، فرأيت بين بعض ~~من حضر وبين من كان بالحضرة أيضا من أهل صاحب المجلس أمرا أنكرته وغمزا ~~استبشعته ، وخلوات الحين بعد الحين ، وصاحب المجلس كالغائب أو النائم ، ~~فنبهته بالتعويض فلم ينتبه ، وحركته بالتصريح فلم يتحرك ، فجعلت أكرر عليه ~~بيتين قديمين لعله يفطن ، وهما هذان : [ من الخفيف ] . إن إخوانه المقيمين ~~بالأم . . . س أتوا للزناء لا للغناء قطعوا أمرهم وأنت حمار . . . موقر من ~~بلادة وغباء PageV01P280 وأكثرت من إنشادهما حتى قال لي صاحب المجلس : قد ~~أمللتنا من سماعهما فتفضل بتركهما أو إنشاد غيرهما ، فأمسكت وأنا لا أدري ~~أغافل هو أم متغافل ؛ وما أذكر أني عدت ms113 إلى ذلك المجلس بعدها ، فقلت فيه ~~قطعة منها : [ من الخفيف ] . أنت لا شك أحسن الناس ظنا . . . ( 1 ) ويقينا ~~ونية وضميرا فانتبه إن بعض من كان بالأم . . . س جليسا لنا يعاني كبيرا ليس ~~كل الركوع فاعلم صلاة . . . لا ولا كل ذي لحاظ بصيرا وحدثني ثعلب بن موسى ~~الكلاذاني ( 2 ) قال ، حدثني سليمان بن أحمد الشاعر قال ، حدثتني امرأة ~~اسمها هند كنت رأيتها في المشرق ، وكانت قد حجت خمس حجات ، وهي من ~~المتعبدات المجتهدات ، قال سليمان : فقالت لي : يا ابن أخي ، لا تحسن الظن ~~بامرأة قط فإني أخبرك عن نفسي بما يعلمه الله عز وجل : ركبت البحر منصرفة ~~من الحج وقد رفضت الدنيا وأنا خامسة خمس نسوة ، كلهن قد حججن من الحج وقد ~~رفضت الدنيا وأنا خامسة خمس نسوة ، كلهن قد حججن ، وصرنا في مركب في بحر ~~القلزم ( 3 ) ، وفي بعض ملاحي السفينة رجل مضمر الخلق مديد القامة واسع ~~الأكتاف حسن التركيب ، فرأيته أول ليلة قد أتى إلى إحدى صواحبي فوضع إحليله ~~في يدها ، وكان ضخما جدا ، فأمكنته في الوقت من نفسها ، ثم مر عليهن كلهن ~~في ليال متواليات ، فلم يبق له غيرها ، تعني نفسها ، قال : فقلت في نفسي : ~~لأنتقمن منك ؛ فأخذت موسى وأمسكتها بيدي ، فأتى في الليل على جاري عادته ، ~~فلما فعل كفعله في سائر الليالي سقطت الموسى عليه فارتاع وقام لينهض ، قال ~~: فأشفقت عليه وقلت له وقد أمسكته : PageV01P281 لا زلت أو آخذ نصيبي منك ، ~~قالت العجوز : فقضى وطره وأستغفر الله . وإن للشعراء من لطف التعريض عن ~~الكتابة لعجبا ؛ ومن بعض ذلك قولي حيث أقول : [ من الطويل ] . أتاني وماء ~~المزن في الجو يسفك . . . كمحض لجين إذ يمد ويسبك هلال الدياجي انحط من جو ~~أفقه . . . فقل في محب نال ما ليس يدرك وكان الذي إن كنت لي عنه سائلا . . ~~. فمالي جواب غير أني أضحك لفرط سروري خلتني عنه نائما . . . فيا عجبا من ~~موقن يتشكك وأقول أيضا قطعة منها : [ من البسيط ] . أتيتني وهلال الجو مطلع ~~. . . قبيل قرع النصارى للنواقيس كحاجب الشيخ عم الشيب ms114 أكثره . . . واخمص ~~الرجل في لطف وتقويس ولاح في الأفق قوس الله مكتسيا . . . ( 1 ) من كل لون ~~كأذناب الطواويس وإن فيما يبدو إلينا من تعادي المتواصلين في غير ذات الله ~~تعالى بعد الألفة ، وتدابرهم بعد الوصال ، وتقاطعهم بعد المودة ، وتباغضهم ~~بعد المحبة ، واستحكام الضغائن ، وتأكد ( 2 ) السخائم في صدورهم ، لكاشفا ~~ناهيا لو صادف عقولا سليمة ، وآراء نافذة وعزائم صحيحة . فكيف بما أعد الله ~~لمن عصاه من النكال الشديد يوم الحساب وفي دار الجزاء ، ومن الكشف على رؤوس ~~الخلائق { يوم تذهل كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس ~~سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد } ( الحج : 2 ) جعلنا الله ممن ~~يفوز برضاه ويستحق رحمته . ولقد رأيت امرأة كانت مودتها في غير ذات الله عز ~~وجل ، PageV01P282 فعهدتها أصفى من الماء ( 1 ) ، وألطف من الهواء ( 2 ) ، ~~وأثبت من الجبال ، وأقوى من الحديد ( 3 ) وأشد امتزاجا من اللون في الملون ~~، وأنفذ استحكاما من الأعراض في الأجسام ، وأضوأ من الشمس ، وأصح من العيان ~~، وأثقب من النجم ، وأصدق من كدر القطا ( 4 ) ، واعجب من الدهر ، واحسن من ~~البر ، وأجمل من وجه أبي عامر ، وألذ من العافية ، وأحلى من المنى ، وأدنى ~~من النفس ، وأقرب من النسب ، وأرسخ من النقش في الحجر ، ثم لم ألبث أن رأيت ~~تلك المودة قد استحالت عداوة أفظع من الموت ، وأنفذ من السهم ( 5 ) ، وأمر ~~من السقم ، وأوحش من زوال النعم ، وأقبح من حلول النقم ، وأمضى من عقم ~~الرياح ( 6 ) ، وأضر من الحمق ، وأدهى من غلبة العدو ، وأشد من الأسر ، ~~وأقسى من الصخر ( 7 ) ، وأبغض من كشف الأستار ، وانأى من الجوزاء ( 8 ) ، ~~وأصعب من معاناة السماء ، وأكبر من رؤية المصاب ، وأشنع من خرق العادات ، ~~وأقطع من فجأ البلاء ، وأبشع من السم الزعاف ( 9 ) ، وما لا يتولد مثله عن ~~الذحول والتراث وقتل الآباء وسبي الأمهات . وتلك عادة الله في أهل الفسق ~~القاصدين سواه ، الآمين غيره ؛ وذلك قوله عز وجل { يا ليتني لم أتخذ فلانا ~~خليلا لقد أضلني عن الذكر بعد ms115 إذ PageV01P283 جاءني } ( الفرقان : 28 ) . ~~فيجب على اللبيب الاستجارة بالله مما يورط فيه الهوى : فهذا خلف مولى يوسف ~~بن قمقام القائد المشهور كان أحد القائمين مع هشام بن سليمان بن الناصر ( 1 ~~) ، فلما أسر هشام وقتل وهرب الذين وازروه ، فر خلف في جملتهم ونجا ، فلما ~~أتى القسطلات ( 2 ) لم يطق الصبر عن جارية كانت له بقرطبة فكر راجعا ، فظفر ~~به أمير المؤمنين المهدي ، فأمر بصلبه ، فلعهدي به مصلوبا في المرح على ~~النهر الأعظم وكأنه القنفذ من النبل . ولقد اخبرني أبو بكر محمد بن الوزير ~~عبد الرحمن بن الليث رحمه الله أن سبب هروبه إلى محلة البرابر أيام تحولهم ~~مع سليمان الظافر إنما كان لجارية يكلف بها تصيرت عند بعض من كان في تلك ~~الناحية ، ولقد كاد أن يتلف في تلك السفرة . وهذان الفصلان وإن لم يكونا من ~~جنس الباب فإنهما شاهدان على ما يقود إليه الهوى من الهلاك الحاضر الظاهر ، ~~الذي يستوي في فهمه العالم والجاهل ، فكيف من العصمة التي لا يفهمها من ~~ضعفت بصيرته . ولا يقولن امرؤ : خلوت ، فهو وغن انفرد فبمرأى ومسمع من علام ~~الغيوب . { الذي يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور } ، ( غافر : 19 ) { ~~ويعلم السر وأخفى } ( طه : 7 ) و { ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ~~ولا خمسة إلا وهو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم أينما ~~PageV01P284 كانوا } ( المجادلة : 7 ) / و { هو عليم بذات الصدور } وهو { ~~عالم الغيب والشهادة } و { ويستخفون من الناس ولا يستخفون من الله وهو معهم ~~} ( النساء : 108 ) وقال : { لقد خلقنا الآنسان ونعلم ما توسوس به نفسه ~~ونحن أقرب إليه من حبل الوريد . إذ يتلقى الملتقيان عن اليمين وعن الشمال ~~قعيد . ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد } ( ق : 16 - 18 ) . وليعلم ~~المستخف بالمعاصي ، المتكل على التسويف ، المعرض عن طاعة ربه ان إبليس كان ~~في الجنة مع الملائكة المقربين فلمعصية واحدة وقعت منه استحق لعنة الأبد ~~وعذاب الخلد ، وصير شيطانا رجيما ، وأبعد عن رفيع المقام ، وهذا آدم صلى ~~الله ms116 عليه وسلم بذنب واحد أخرج من الجنة إلى شقاء الدنيا ونكدها ؛ ولولا ~~انه تلقى من ربه كلمات وتاب عليه لكان من الهالكين ( 1 ) . افترى هذا ~~المغتر بالله ربه وبإملائه ليزداد إثما يظن أنه أكرم على خالقه من أبيه آدم ~~الذي خلقه ونفخ فيه من روحه وأسجد له ملائكته ( 2 ) الذين هم أفضل خلقه ~~عنده أو عقابه اعز عليه من عقوبته إياه كلا ، ولكن استعذاب التمني ، ~~واستيطاء مركب العجز ، وسخف الرأي ، قائدة أصحابها إلى الوبال والخزي . ولو ~~لم يكن عند ركوب المعصية زاجر من نهي الله تعالى ولا حام من غليظ عقابه ~~لكان في قبيح الأحدوثة عن صاحبه وعظيم الظلم الواقع في نفس فاعله اعظم مانع ~~وأشد رادع لمن نظر بعين الحقيقة ، واتبع سبيل الرشد ، فكيف والله عز وجل ~~يقول : { ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك ~~يلق أثاما ، يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهانا } ( الفرقان : 68 ~~- 69 ) . PageV01P285 حدثنا الهمذاني ( 1 ) في مسجد العمري ( 2 ) بالجانب ~~الغربي من قرطبة سنة إحدى وأربعمائة ، حدثنا ابن شبويه وأبو إسحاق البلخي ~~بخراسان سنة خمس وسبعين وثلاثمائة ، قالا ثنا محمد بن يوسف ثنا محمد بن ~~إسماعيل ( 3 ) ثنا قتيبة بن سعيد ثنا جرير عن الأعمش عن أبي وائل عن عمرو ~~بن شرحبيل قال : قال عبد الله وهو ابن مسعود ، قال رجل : يا رسول الله ، أي ~~الذنب أكبر عند الله قال : ان تدعو لله ندا وهو خلقك ، قال : ثم أي قال : ~~أن تقتل ولدك أن يطعم معك . قال : ثم أي قال : أن تزاني حليلة جارك . فانزل ~~الله تصديقها : { والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي ~~حرم الله إلا بالحق ولا يزنون } ( الفرقان : 68 ) ( 4 ) وقال عز وجل : { ~~الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة ، ولا تأخذكم بهما رأفة ~~في دين الله إن كنتم تؤمنون بالله } ( النور : 2 ) . حدثنا الهمذاني عن أبي ~~إسحاق البلخي وابن شبويه عن محمد ابن يوسف عن محمد بن اسماعيل ms117 عن الليث عن ~~عقيل عن ابن شهاب الزهري عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام وسعيد ~~بن PageV01P286 المسيب المخزوميين وأبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف الزهري ~~أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ' لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ~~' ( 1 ) . وبالسند المذكور إلى محمد بن إسماعيل عن يحيى بن بكير عن الليث ~~عن عقيل عن ابن شهاب عن أبي سلمة وسعيد بن المسيب عن أبي هريرة قال : ' أتى ~~رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في المسجد فقال يا رسول الله ، ~~إني زنيت ، فأعرض عنه ، ثم رد عليه أربع مرات ، فلما شهد على نفسه أربع ~~شهادات دعاه النبي صلى الله عليه وسلم فقال : أبك جنون قال : لا ، قال : ~~فهل أحصنت قال : نعم ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم اذهبوا به فارجموه ' ~~( 2 ) . قال ابن شهاب : فاخبرني من سمع جابر بن عبد الله قال : كنت فيمن ~~رجمه ، فرجمناه بالمصلى ، فلما أذلقته الحجارة هرب فأدركناه بالحرة فرجمناه ~~. حدثنا أبو سعيد مولى الحاجب جعفر في المسجد الجامع عن أبي بكر المقرئ عن ~~أبي جعفر بن النحاس عن سعيد بن بشر عن عمرو بن رافع عن منصور عن الحسن عن ~~حطان بن عبد الله الرقاشي عن عبادة بن الصامت عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال : ' خذوا عني ، خذوا عني ، قد جعل الله لهن سبيلا : البكر ~~بالبكر جلد وتغريب سنة ، والثيب بالثيب جلد مائة والرجم ' ( 3 ) . فيا ~~لشنعة ذنب أنزل الله وحيه مبينا بالتشهير بصاحبه ، والعنف بفاعله ، ~~والتشديد لمقترفه ، وتشدد في عقوبة رجمه الا يرجم إلا بحضرة أوليائه . وقد ~~أجمع المسلمون إجماعا لا ينقضه إلا ملحد أن الزاني المحصن عليه الرجم حتى ~~يموت . فيا لها قتلة PageV01P287 ما أهولها ، وعقوبة ما أفظعها ، وأشد ~~عذابها وأبعدها من الإراحة وسرعة الموت . وطوائف من أهل العلم منهم الحسن ~~بن أبي الحسن وابن راهويه وداود ( 1 ) وأصحابه يرون عليه مع الرجم جلد مائة ~~، ويحتجون عليه بنص القرآن وثابت السنة ms118 عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وفعل علي رضي الله عنه بأنه رجم امرأة محصنة في الزنا بعد أن جلدها مائة . ~~وقال : جلدتها بكتاب الله ورجمتها بسنة رسول الله ( 2 ) ؛ والقول بذلك لازم ~~لأصحاب الشافعي ، لأن زيادة العدل في الحديث مقبولة . وقد صح في إجماع ~~الأمة المنقول بالكافة الذي يصحبه العمل عند كل فرقة وفي أهل كل نحلة من ~~نحل أهل القبلة - حاشا طائفة يسيرة من الخوارج لا يعتد به - أنه لا يحل دم ~~امرئ مسلم إلا بكفر بعد إيمان ، أو نفس بنفس ، أو بمحاربة لله ورسوله يشهر ~~فيها سيفه ويسعى في الأرض فسادا مقبلا غير مدبر ، وبالزنا بعد الإحصان ( 3 ~~) فإن حد ما جعل الله مع الكفر بالله عز وجل ومحاربته وقطع حجته في الأرض ~~ومنابذته دينه لجرم كبير ومعصية شنعاء . والله تعالى يقول : { إن تجتنبوا ~~كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم } ( النساء : 31 ) { والذين يجتنبون ~~كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم . إن ربك واسع المغفرة } ( النجم : 32 ) ~~وإن كان أهل العلم اختلفوا في تسميتها فكلهم مجمع - مهما اختلفوا فيه منها ~~- أن الزنا يقدم فيها ، لا اختلاف بينهم في ذلك ، ولم يوعد الله عز وجل في ~~كتابه بالنار بعد PageV01P288 الشرك الا في سبع ذنوب ، وهي الكبائر : الزنا ~~أحدها ، وقذف المحصنات أيضا منها ، منصوصا ذلك كله في كتاب الله عز وجل . ~~وقد ذكرنا أنه لا يحب القتل على أحد من ولد آدم إلا في الذنوب الأربعة التي ~~تقدم ذكرها : فأما الكفر منها فإن عاد صاحبه إلى الاسلام أو بالذمة إن لم ~~يكن مرتدا قبل منه ودرى عنه الموت ، وأما القتل فان قبل الولي الدية في قول ~~بعض الفقهاء أو عفا في قول جميعهم سقط عن القاتل القتل بالقصاص ، وأما ~~الفساد في الأرض فإن ناب صاحبه قبل أن يقدر عليه هدر عنه القتل ، ولا سبيل ~~في قول أحد مؤالف أو مخالف في ترك رجم المحصن ولا وجه لرفع الموت عنه البتة ~~. ومما يدل على شنعة الزنا ما حدثنا القاضي أبو ms119 عبد الرحمن ( 1 ) : ثنا ~~القاضي أبو عيسى ( 2 ) عن عبيد الله بن يحيى عن أبيه يحيى بن يحيى عن الليث ~~عن الزهري عن القاسم بن محمد بن أبي بكر عن عبيد بن عمير : ان عمر بن ~~الخطاب رضي الله عنه أصاب في زمانه ناسا من هذيل ، فخرجت جارية منهم ~~فاتبعها رجل يريدها عن نفسها فرمته بحجر فقضت كبده . فقال عمر : هذا قتيل ~~الله والله لا يودى أبدا . وما جعل الله عز وجل فيه أربعة شهود ، وفي كل ~~حكم شاهدين ، إلا حياطة منه ألا تشيع الفاحشة في عباده ، لعظمها وشنعتها ~~PageV01P289 وقبحها ، وكيف لا تكون شنيعة ومن قذف بها أخاه المسلم أو أخته ~~المسلمة دون صحبة علم أو تيقن معرفة فقد أتى كبيرة من الكبائر استحق عليها ~~النار غدا ، ووجب عليه بنص التنزيل ان تضرب بشرته ثمانين سوطا . ومالك رضي ~~الله عنه يرى ألا يؤخذ في شيء من الأشياء حد بالتعريض دون التصريح إلا في ~~قذف ( 1 ) . وبالسند المذكور عن الليث بن سعد عن يحيى بن سعيد عن محمد بن ~~عبد الرحمن عن أمه عمرة بنت عبد الرحمن عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه انه ~~أمر أن يجلد رجل قال لآخر : ما أبي بزان ولا أمي بزانية ( 2 ) . في حديث ~~طويل . وبإجماع من الأمة كلها دون خلاف من أحد نعلمه انه إذا قال رجل لآخر ~~: يا كافر ، أو يا قاتل النفس التي حرم الله ، لما وجب عليه حد احتياطا من ~~الله عز وجل ألا تثبت هذه العظيمة في مسلم ولا مسلمة . ومن قول مالك رحمه ~~الله أيضا أنه لا حد في الإسلام إلا والقتل يغني عنه وينسخه إلا حد القذف ، ~~فإنه إن وجب على من قد وجب عليه القتل حد ثم قتل ( 3 ) . قال الله تعالى : ~~{ والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ~~ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا وأولئك هم الفاسقون . إلا الذين تابوا } ( النور ~~: 4 ، 5 ) . وقال تعالى : { عن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات ~~لعنوا في ms120 الدنيا والاخرة ولهم عذاب عظيم } ( النور : 23 ) . وروي عن رسول ~~الله PageV01P290 صلى الله عليه وسلم انه قال في الغضب واللعنة المذكورين ~~في اللعان : إنهما موجبتان ( 1 ) . حدثنا الهمذاني عن أبي إسحاق عن محمد بن ~~يوسف عن محمد بن إسماعيل عن عبد العزيز بن عبد الله ، قال : ثنا سليمان عن ~~ثور بن يزيد عن أبي الغيث عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال : اجتنبوا السبع الموبقات ، قالوا : وما هن يا رسول الله قال : الشرك ~~بالله ، والسحر ، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق ، وأكل الربا ، وأكل ~~مال اليتيم ، والتولي يوم الزحف ، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات ' ( 2 ) ~~. وإن في الزنا من إباحة الحريم ، وإفساد النسل ، والتفريق بين الأزواج ~~الذي عظم الله أمره ، ما لا يهون على ذي عقل أو من له أقل خلاق . ولولا ~~مكان هذا العنصر من الإنسان وانه غير مأمون الغلبة لما خفف الله عن البكرين ~~وشدد على المحصنين . وهذا عندنا وفي جميع الشرائع القديمة النازلة من عند ~~الله عز وجل حكما باقيا لم ينسخ ولا أزيل ، فتبارك الناظر لعباده الذي لم ~~يشغله عظيم ما في خلقه ولا يحيف قدرته كبير ما في عوالمه عن النظر لحقير ما ~~فيها ، فهو كما قال عز وجل : { الحي القيوم لا تأخذه سنة ولا نوم } ( ~~البقرة : 255 ) وقال : { يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها وما ينزل من ~~السماء وما يعرج فيها } ( سبأ : 2 ) وقال : { عالم الغيب لا يعزب عنه مثقال ~~ذرة في السموات ولا في الأرض } ( سبأ : ( 3 ) ) . PageV01P291 وإن اعظم ما ~~يأتي به العبد هتك ستر الله عز وجل في عباده ؛ وقد جاء في حكم أبي بكر ~~الصديق رضي الله عنه في ضربه الرجل الذي ضم صبيا حتى أمنى ضربا كان سببا ~~للمنية . وفي إعجاب مالك رحمه الله باجتهاد الأمير الذي ضرب صبيا مكن رجلا ~~من تقبيله حتى أمنى الرجل ، ضربه إلى أن مات ، ما ينسي شدة دواعي هذا الشأن ~~وأسبابه . والتزيد في الاجتهاد ، وإن كنا لا نراه ms121 ، فهو قول كثير من ~~العلماء يتبعه على ذلك عالم من ( 1 ) الناس . وأما الذي نذهب اليه فالذي ~~حدثناه الهمذاني عن البلخي عن الفربري عن البخاري قال ثنا يحيى بن سليمان ~~ثنا ابن وهب قال : أخبرني عمرو أن بكيرا حدثه عن سليمان بن يسار بن عبد ~~الرحمن بن جابر عن أبيه عن أبي بردة الأنصاري قال : سمعت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يقول : ' لا يجلد فوق عشرة أسواط إلا في حد من حدود الله عز ~~وجل ' ( 2 ) . وبه يقول أبو جعفر محمد بن علي النسائي الشافعي رحمه الله . ~~وأما فعل قوم لوط فشنيع بشيع قال الله تعالى : { أتأتون الفاحشة ما سبقكم ~~بها من أحد من العالمين } ( الأعراف : 80 ) . وقد قذف الله فاعليه بحجارة ~~من طين مسمومة . ومالك رحمه الله يرى على الفاعل والمفعول به الرجم ، أحصنا ~~أم لم يحصنا ، واحتج بعض المالكيين في ذلك بان الله عز وجل يقول في رجمه ~~فاعليه بالحجارة { وما هي من الظالمين ببعيد } ( هود : 83 ) فوجب بهذا انه ~~من ظلم الآن بمثل فعلهم قربت منه . والخلاف في هذه المسالة ليس هذا موضعه . ~~وقد ذكر أبو إسحاق PageV01P292 إبراهيم بن السري ( 1 ) أن أبا بكر رضي الله ~~عنه أحرق فيه بالنار ( 2 ) ، وذكر أبو عبيدة معمر بن المثنى اسم المحرق ~~فقال : هو شجاع ابن ورقاء الأسدي ( 3 ) ، أحرقه بالنار أبو بكر الصديق لأنه ~~يؤتى في دبره كما تؤتى المرأة . وإن عن المعاصي لمذاهب للعاقل واسعة ، فما ~~حرم الله شيئا إلا وقد عوض عباده من الحلال ما هو أحسن من المحرم وأفضل ، ~~لا إله إلا هو ؛ وأقول في النهي عن اتباع الهوى على سبيل الوعظ : [ من ~~الطويل ] . أقول لنفسي ما مبين كحالك . . . ( 4 ) ' وما الناس إلا هالك ~~وابن هالك ' صن النفس عما عابها وارفض الهوى . . . فإن الهوى مفتاح باب ~~المهالك رأيت الهوى سهل المبادي لذيذها . . . وعقباه مر الطعم ضنك المسالك ~~فما لذة الإنسان والموت بعدها . . . ولو عاش ضعفي عمر نوح بن لامك فلا تتبع ~~دارا قليلا لباثها . . . فقد ms122 أنذرتنا بالفناء المواشك وما تركها إلا إذا هي ~~أمكنت . . . وكم تارك إضماره غير تارك فما تارك الآمال ( 5 ) عجيا جآذرا . ~~. . ( 6 ) كتاركها ذات الضروع الحواشك PageV01P293 ومن قابل الأمر الذي كان ~~راغبا . . . بشهوة مشتاق وعقل متارك لأحرى ( 1 ) عباد الله بالفوز عنده . . ~~. لدى جنة الفردوس فوق الأرائك ومن عرف الأمر الذي هو طالب . . . رأى سفها ~~( 2 ) ما في يدي كل مالك ومن عرف الرحمن لم يعص أمره . . . ولو انه يعطى ~~جميع الممالك سبيل التقى والنسك خير المسالك . . . وسالكها مستبصرا خير ~~سالك فما فقد التنغيص من عاج دونها . . . ( 3 ) ولا طاب عيش لامرئ غير ناسك ~~وطوبى لأقوام يؤمون ( 4 ) نحوها . . . بخفة أرواح ولين عرائك لقد فقدوا غل ~~النفوس وفضلوا . . . بعز سلاطين وأمن صعالك فعاشوا كما شاءوا وماتوا كما ~~اشتهوا . . . وفازوا بدار الخلد رحب المبارك عصوا طاعة الأجساد في كل لذة . ~~. . بنور مجل ظلمة الغي هاتك فلولا ( 5 ) اغتذاء الجسم أيقنت انهم . . . ~~يعيشون عيشا مثل عيش الملائك فيا رب قدمهم وزد في صلاحهم . . . وصل عليهم ~~حيث حلوا وبارك ويا نفس جدي لا تملي وشمري . . . لنيل سرور الدهر فيما ~~هنالك وأنت متى دمرت سعيك في الهوى . . . علمت بأن الحق ليس كذلك فقد بين ~~الله الشريعة للورى . . . بابين من زهر النجوم الشوابك فيا نفس جدي في ~~خلاصك وانفذي . . . نفاذ السيوف المرهفات البواتك فلو أعمل الناس التفكر في ~~الذي . . . له خلقوا ما كان حي بضاحك PageV01P294 # | - 30 - باب فصل التعفف # ومن أفضل ما يأتيه الإنسان في حبه التعفف ، وترك ركوب المعصية والفاحشة ، ~~وألا يرغب عن مجازاة خالقه له بالنعيم في دار المقامة ، وألا يعصي مولاه ~~المتفضل عليه الذي جعله مكانا وأهلا لأمره ونهيه ، وأرسل إليه رسله ، وجعل ~~كلامه ثابتا لديه ، عناية منه بنا وإحسانا إلينا . وإن من هام قلبه ، وشغل ~~باله ، واشتد شوقه ، وعظم وجده ، ثم ظفر فرام هواه ان يغلب عقله ، وشهوته ~~ان تقهر دينه ، ثم أقام العدل لنفسه حصنا ، وعلم أنها النفس الأمارة بالسوء ~~، وذكرها بعقاب الله تعالى وفكر في اجترائه على خالقه وهو يراه ms123 ، وحذرها من ~~يوم المعاد والوقوف بين يدي الملك العزيز الشديد العقاب الرحمن الرحيم الذي ~~لا يحتاج إلى بينة ، ونظر بعين ضميره إلى انفراده عن كل مدافع بحضرة علام ~~الغيوب { يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم } ( الشعراء ~~: 88 ، 89 ) { يوم تبدل الأرض غير الأرض والسموات } ( الحجر : 48 ) { يوم ~~تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا وما عملت من سوء تود لو ان بينها وبينه ~~أمدا بعيدا } ( آل عمران : 30 ) يوم { وعنت الوجوه للحي القيوم وقد خاب من ~~حمل ظلما } ( طه : 111 ) يوم { ووجدوا ما عملوا حاضرا ولا يظلم ربك أحدا } ~~PageV01P295 ( الكهف : 49 ) { يوم الطامة الكبرى } ، { يوم يتذكر الإنسان ~~ما سعى ، وبرزت الجحيم لمن يرى فأما من طغى وآثر الحياة الدنيا فإن الجحيم ~~هي المأوى . وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هي المأوى ~~} ( النازعات : 35 - 41 ) واليوم الذي قال الله تعالى فيه : { وكل إنسان ~~ألزمناه طائره في عنقه ونخرج له يوم القيامة كتابا يلقاه منشورا . اقرأ ~~كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا } ( الإسراء : 13 ، 14 ) عندها يقول ~~العاصي : { يا ويلتنا ما لهذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها ~~} ( الكهف : 49 ) فكيف بمن طوي قلبه على أحر من جمر الغضا ، وطوي كشحه على ~~أحد من السيف ، وتجرح غصصا أمر من الحنظل ، وشرف نفسه كرها عما طمعت فيه ~~وتيقنت ببلوغه وتهيأت له ولم يحل دونها حائل - لحري ( 1 ) أن يسر غدا يوم ~~البعث ، ويكون من المقربين في دار الجزاء وعالم الخلود ، وأن يأمن روعات ~~القيامة وهول المطلع ، وان يعوضه الله من هذه القرحة الأمن يوم الحشر . ~~حدثني أبو موسى هارون بن موسى الطبيب قال : رأيت شابا حسن الوجه من أهل ~~قرطبة قد تعبد ورفض الدنيا ، وكان له أخ في الله قد سقطت بينهما مؤنة ~~التحفظ ، فزاره ذات ليلة وعزم على المبيت عنده ، فعرضت لصاحب المنزل حاجة ~~إلى بعض معارفه بالبعد عن منزله ، فنهض لها على أن ينصرف مسرعا ، ونزل ~~الشاب ms124 في داره مع امرأته ، وكانت غاية في الحسن وتربا للضيف في الصبا ، ~~فأطال رب المنزل المقام إلى أن مشى العسس ولم يمكنه الانصراف إلى منزله ، ~~فلما علمت المرأة بفوات الوقت وأن زوجها لا يمكنه المجيء تلك الليلة تاقت ~~نفسها إلى ذلك الفتى فبرزت إليه ودعته إلى نفسها ، ولا ثالث لهما إلا الله ~~عز وجل ، فهم بها ثم ثاب إليه عقله . وفكر في الله عز وجل فوضع إصبعه على ~~السراج فتفقع ثم قال : يا نفس ، ذوقي PageV01P296 هذا وأين هذا من نار جهنم ~~. فهال المرأة ما رأت ثم عاودته ، فعاودته الشهوة المركبة في الإنسان فعاد ~~إلى الفعلة الأولى ، فانبلج الصباح وسبابته قد اصطلمتها النار ( 1 ) . ~~أفتظن بلغ هذا من نفسه هذا المبلغ إلا لفرط شهوة قد كلبت عليه أو ترى أن ~~الله تعالى يضيع له هذا المقام كلا إنه لأكرم من ذلك وأعلم . ولقد حدثتني ~~امرأة أثق بها أنها علقها فتى مثلها في الحسن وعلقته وشاع القول عليهما ، ~~فاجتمعا يوما خاليين فقال : هلمي نحقق ما يقال فينا . فقالت : لا والله لا ~~كان هذا أبدا ، وأنا أقرأ قول الله : { الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا ~~المتقين } ( الزخرف : 67 ) قالت : فما مضى قليل حتى اجتمعا في حلال ( 2 ) . ~~ولقد حدثني ثقة من إخواني أنه خلا يوما بجارية كانت له مفاركة ( 3 ) في ~~الصبا ، فتعرضت لبعض تلك المعاني ، فقال لها : لا ، إن من شكر نعمة الله ~~فيما منحني من وصالك الذي أقصى آمالي أن أجتنب هواي لأمره ، ولعمري إن هذا ~~لغريب فيما خلا من الأزمان ، فكيف في مثل هذا الزمان الذي قد ذهب خيره وأتى ~~شره . وما أقدر في هذه الأخبار - وهي صحيحة - إلا أحد وجهين لا شك فيهما : ~~إما طبع قد مال إلى غير هذا الشأن واستحكمت معرفته بفضل سواه عليه فهو لا ~~يجيب دواعي الغزل في كلمة ولا كلمتين ولا PageV01P297 في يوم ولا يومين ، ~~ولو طال على هؤلاء الممتحنين ما امتحنوا به لحلت ( 1 ) طباعهم وأجابوا هاتف ~~الفتنة ، لكن الله عصمهم بانقطاع السبب ms125 المحرك نظرا لهم وعلما بما في ~~ضمائرهم من الاستعاذة به من القبائح ، واستدعاء الرشد ، لا إله إلا هو ؛ ~~وإما بصيرة حضرت في ذلك الوقت ، وخاطر تجرد انقمعت به طوالع الشهوة في ذلك ~~الحين ، لخير أراد الله عز وجل لصاحبه ، جعلنا الله ممن يخافه ويرجوه ، ~~آمين . وحدثني أبو عبد الله محمد بن عمر بن مضا ( 2 ) عن رجال من بني مروان ~~ثقات يسندون الحديث إلى أبي العباس الوليد بن غانم ( 3 ) أنه ذكر أن الإمام ~~عبد الرحمن بن الحكم غاب في بعض غزواته شهورا وثقف القصر بابنه محمد ( 4 ) ~~الذي ولي الخلافة بعده ورتبه في السطح ، وجعل مبيته ليلا وقعوده نهارا فيه ~~، ولم يأذن له في الخروج البتة ، ورتب معه في كل ليلة وزيرا وفتى من أكابر ~~الفتيان يبيتان معه في السطح ؛ قال أبو العباس : فأقام على ذلك مدة طويلة ~~وبعد عهده بأهله ، وهو في سن العشرين أو نحوها إلى أن وافق مبيتي في ليلتي ~~نوبة فتى من أكابر الفتيان ، وكان صغيرا في سنه وغاية في حسن وجهه . قال ~~أبو العباس : فقلت في نفسي : إني أخشى الليلة على محمد بن عبد الرحمن ~~الهلاك بمواقعة المعصية وتزيين إبليس وأتباعه PageV01P298 له ، قال : ثم ~~أخذت مضجعي في السطح الخارج ومحمد في السطح الداخل المطل على حرم أمير ~~المؤمنين ، والفتى في الطرف الثاني القريب من المطلع فظللت أرقبه ولا أغفل ~~وهو يظن أني قد نمت ولا يشعر باطلاعي عليه ، قال : فلما مضى هزيع من الليل ~~رأيته قد قام واستوى قاعدا ساعة لطيفة ، ثم تعوذ من الشيطان ورجع إلى منامه ~~، ثم قام الثالثة ولبس قميصه ودلى رجليه من السرير ، وبقي كذلك ساعة ثم ~~نادى الفتى باسمه فأجابه ، فقال له : انزل عن السطح وابق في الفصيل ( 1 ) ~~الذي تحته ، فقام الفتى مؤتمرا له . فلما نزل قام محمد وأغلق الباب من ~~داخله وعاد إلى سريره ، قال أبو العباس : فعلمت من ذلك الوقت ان لله فيه ~~مراد خير . حدثنا أحمد بن محمد بن الجسور عن أحمد بن مطرف عن ms126 عبيد الله بن ~~يحيى ( 2 ) عن أبيه عن مالك عن حبيب بن عبد الرحمن الأنصاري عن حفص بن عاصم ~~عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : ' سبعة يظلهم الله ~~في ظله يوم لا ظل إلا ظله : إمام عادل ، وشاب نشأ في عبادة الله عز وجل ، ~~ورجل قلبه معلق بالمسجد إذا خرج منه حتى يعود إليه ، ورجلان تحابا في الله ~~اجتمعا على ذلك وتفرقا ، ورجل ذكر الله خاليا ففاضت عيناه ، ورجل دعته ~~امرأة ذات حسب وجمال ، فقال إني أخاف الله ، ورجل تصدق صدقة فأخفى حتى لا ~~تعلم شماله ما تنفق يمينه ' ( 3 ) . وإني أذكر أني دعيت إلى مجلس فيه بعض ~~من تستحسن الأبصار صورته ، وتألف القلوب أخلاقه ، للحديث والمجالسة دون ~~منكر PageV01P299 ولا مكروه ، فسارعت إليه وكان هذا سحرا ، فبعد أن صليت ~~الصبح وأخذت زيي طرقني فكر فسنحت لي أبيات ، ومعي رجل من إخواني فقال لي : ~~ما هذا الإطراق فلم أجبه حتى أكملتها ، ثم كتبتها ودفعتها إليه ، وأمسكت عن ~~المسير حيث كنت نويت ، ومن الأبيات : [ من الطويل ] . أراقك حسن غيبه لك ~~تأريق . . . وتبريد وصل سره فيك تحريق وقرب مزار يقتضي لك فرقة . . . وشكا ~~ولولا القرب لم يك تفريق ولذة طعم معقب لك علقما . . . وصابا وفسح في ~~تضاعيفه ضيق ولو لم يكن جزاء ولا عقاب ولا ثواب لوجب علينا إفناء الأعمار ، ~~وإتعاب الأبدان ، وإجهاد الطاقة ، واستنفاد الوسع ، واستفراغ بالعقل الذي ~~ابتدأنا بالنعم قبل استئهالها ، وامتن علينا بالعقل الذي به عرفناه ، ~~ووهبنا الحواس والعلم والمعرفة ودقائق الصناعات ، وصرف لنا السموات جارية ~~بمنافعها ، ودبرنا التدبير الذي لو ملكنا خلقنا لم نهتد إليه ، ولا نظرنا ~~لأنفسنا نظره لنا ، وفضلنا على أكثر المخلوقات ، وجعلنا مستودع كلامه ~~ومستقر دينه ، وخلق لنا الجنة دون أن نستحقها ، ثم لم يرض لعباده ان ~~يدخلوها إلا بأعمالهم لتكون واجبة لهم ، قال الله تعالى : { جزاء بما كانوا ~~يعملون } ( السجدة : 17 ) ورشدنا إلى سبيلها ، وبصرنا وجه ظلها ( 1 ) ، ~~وجعل غاية إحسانه إلينا وامتنانه علينا حقا من حقوقنا قبله ، ودينا ms127 لازما ~~له ، وشكرنا على ما أعطانا من الطاعة التي رزقنا قواها ، وأثابنا بفضله على ~~تفضله - هذا كرم لا تهتدي إليه العقول ، ولا يمكن أن تكيفه ( 2 ) الألباب . ~~ومن عرف ربه ومقدار رضاه وسخطه هانت عنده اللذات الذاهبة والحطام الفاني ، ~~فكيف وقد أتى من وعيده ما تقشعر لسماعه الأجساد ، وتذوب له النفوس ، وأورد ~~علينا من عذابه ما لم ينته إليه أمل ؛ فأين المذهب عن PageV01P300 طاعة هذا ~~الملك الكريم ، وما الرغبة في لذة ذاهبة لا تذهب الندامة عنها ، ولا تفنى ~~التباعة منها ، ولا يزول الخزي عن راكبها ، وإلى كم هذا التمادي وقد أسمعنا ~~المنادي ، وكأن قد حدا بنا الحادي إلى دار القرار ، فإما إلى جنة وإما إلى ~~النار . ألا إن التثبط في هذا المكان لهو الضلال المبين ، وفي ذلك أقوال ( ~~1 ) : [ من المنسرح ] . أقصر عن لهوه وعن طربه . . . وعف في حبه وفي غربه ~~فليس شرب المدام همته . . . ولا اقتناص الظباء من أربه قد آن للقلب أن يفيق ~~وأن . . . يزيل ما قد علاه من حجبه ألهاه عما عهدت يعجبه . . . ( 2 ) خيفة ~~يوم تبلى السرائر به يا نفس جدي وشمري ودعي . . . عنك اتباع الهوى على لغبه ~~وسارعي في النجاة واجتهدي . . . ساعية في الخلاص من كربه علي أحظى بالفوز ~~فيه وأن . . . أنجو من ضيقه ومن لهبه يا أيها اللاعب المجد به ال . . . دهر ~~أما تتقي شبا نكبه كفاك من كل ما وعظت به . . . ما قد أراك الزمان من عجبه ~~دع عنك دارا تفنى غضارتها . . . ومكسبا لاعبا بمكتسبه لم يضطرب في محلها ~~أحد . . . إلا نبا حدها بمضطربه من عرف الله حق معرفة . . . لوى وحل الفؤاد ~~في رهبه ما منقضي الملك مثل خالده . . . ( 3 ) ولا صحيح التقى كمؤتشبه ولا ~~تقي الورى كفاسقهم . . . وليس صدق الكلام من كذبه فلو أمنا من العقاب ولم . ~~. . نخش من الله متقى غضبه ولم نخف ناره التي خلقت . . . لكل جاني الكلام ~~محتقبه لكان فرضا لزوم طاعته . . . ورد وفد الهوى على عقبه PageV01P301 ~~وصحة الزهد في البقاء وأن . . . يلحق تفنيدنا بمرتقبه فقد رأينا فعل الزمان ms128 ~~بأه . . . ليه كفعل الشواظ في حطبه كم متعب في ( 1 ) الإله مهجته . . . ~~راحته في الكريم ( 2 ) من تعبه وطالب باجتهاده زهر ال . . . دنيا عداه ~~المنون عن طلبه ومدرك ما ابتغاه ذي جذل . . . حل به ما يخاف من سببه وباحث ~~جاهد لبغيته . . . فإنما بحثه على عطبه بينا ترى المرء ساميا ملكا . . . ~~صار إلى السفل من ذرى رتبه كالزرع للرجل فوقه عمل . . . ان ينم حسن النمو ~~في قصبه كم قاطع نفسه أسى وشجا . . . في إثر جد يجد في هربه أليس من ذاك ~~زاجر عجب . . . يزيد ذا اللب في حلى أدبه فكيف والنار للمسيء إذا . . . عاج ~~عن المستقيم من عقبه ويوم عرض الحساب يفضحه ال . . . له ويبدي الخفي من ~~ريبه ثاني من قد حباه الإله رحمته . . . موصولة بالمزيد من نشبه فصار من ~~جهله يصرفها . . . فيما نهى الله عنه في كتبه أليس هذا أحرى العباد غدا . . ~~. بالوقع في ويله وفي حربه شكرا لرب لطيف قدرته . . . فينا كحبل الوريد في ~~كثبه رازق أهل الزمان اجمعهم . . . من كان من عجمه ومن عربه والحمد لله في ~~تفضله . . . وقمعه للزمان في نوبه أخدمنا الأرض والسماء ومن . . . في الجو ~~من مائه ومن شهبه فاسمع ودع من عصاه ناحية . . . لا يحمل الحمل غير محتطبه ~~وأقول أيضا : [ من الطويل ] . أعارتك دنيا مسترد معارها . . . غضارة عيش ~~سوف يذوي اخضرارها وهل يتمنى المحكم الرأي عيشة . . . وقد حان من دهم ~~المنايا مزارها PageV01P302 وكيف تلذ العين هجعة ساعة . . . وقد طال فيما ~~عاينته اعتبارها وكيف تقر النفس في دار نقلة . . . قد استيقنت أن ليس فيها ~~قرارها وأنى لها في الأرض خاطر فكرة . . . ولم تدر بعد الموت أين محارها ~~أليس لها في السعي للفوز شاغل . . . أما في توقيها العذاب ازدجارها فخابت ~~نفوس قادها لهو ساعة . . . إلى حر نار ليس يطفى أوارها لها سائق حاد حثيث ~~مبادر . . . إلى غير ما أضحى إليه مدارها تراد لأمر وهي تطلب غيره . . . ~~وتقصد وجها في سواه سفارها أمسرعة فيما يسوء قيامها . . . وقد أيقنت أن ~~العذاب قصارها تعطل مفروضا وتغنى بفضلة . . . لقد شفها ms129 طغيانها واغترارها ~~إلى ما لها منه البلاء سكونها . . . وعما لها منه النجاح نفارها وتعرض عن ~~رب دعاها لرشدها . . . وتتبع دنيا جد عنها فرارها فيا أيها المغرور بادر ~~برجعة . . . فلله دار ليس تخمد نارها ولا تتخير فانيا دون خالد . . . دليل ~~على محض العقول اختيارها أتعلم أن الحق فيما تركته . . . وتسلك سبلا ليس ~~يخفى عوارها وتترك بيضاء المناهج ضلة . . . لبهماء يؤذي الرجل فيها عثارها ~~تسر بلهو معقب بندامة . . . إذا ما انقضى لا ينقضي مستثارها وتفنى الليالي ~~والمسرات كلها . . . وتبقى تباعات الذنوب وعارها فهل أنت يا مغبون مستيقظ ~~فقد . . . تبين من سر الخطوب استتارها فعجل إلى رضوان ربك واجتنب . . . ~~نواهيه إذ قد تجلى منارها يجد مرور الدهر عنك بلاعب . . . وتغرى بدنيا ساء ~~فيك سرارها فكم أمة قد غرها الدهر قبلنا . . . وهاتيك منها مقفرات ديارها ~~تذكر على ما قد مضى واعتبر به . . . فإن المذكي للعقول اعتبارها تحامى ~~ذراها كل باغ وطالب . . . وكان ضمانا في الأعادي انتصارها توافت ببطن الأرض ~~وانشت شملها . . . وعاد إلى ذي ملكه مستعارها وكم راقد في غفلة عن منية . . ~~. مشمرة في القصد وهو شعارها ومظلمة قد نالها متسلط . . . مدل بأيد عند ذي ~~العرش ثارها PageV01P303 أراك إذا حاولت دنياك ساعيا . . . على أنها باد ~~إليك ازورارها وفي طاعة الرحمن يقعدك الونى . . . وتبدي أناة لا يصح ~~اعتذارها تحاذر أحزانا ستفنى وتنقضي . . . وتنسى التي فرض عليك حذارها كأني ~~أرى منك التبرم ظاهرا . . . مبينا إذا الأقدار حل اضطرارها هناك يقول المرء ~~من لي بأعصر . . . مضت كان ملكا في يدي خيارها تنبه ليوم قد أظلك ورده . . ~~. عصيب يوافي النفس فيه احتضارها تبرأ فيه منك كل مخالط . . . وآن من ~~الآمال فيه انهيارها فأودعت في ظلماء ضنك مقرها . . . يلوح عليها للعيون ~~اغبرارها تنادى فلا تدري المنادي مفردا . . . وقد حط عن وجه الحياة خمارها ~~تنادى إلى يوم شديد مفزع . . . وساعة حشر ليس يخفى اشتهارها إذا حشرت فيه ~~الوحوش وجمعت . . . ( 1 ) صحائفنا وانثال فينا انتشارها ( 2 ) وزينت الجنات ~~فيه وأزلفت . . . واذكي من نار الجحيم استعارها وكورت الشمس المنيرة ( 3 ) ~~بالضحى . . . ( 4 ms130 ) وأسرع من زهر النجوم انكدارها لقد جل أمر كان منه ~~انتظامها . . . وقد حل أمر كان منه انتثارها وسيرت الأجبال والأرض ( 5 ) ~~بدلت . . . ( 6 ) وقد عطلت من مالكيها عشارها فإما لدار ليس يفنى نعيمها . ~~. . وإما لدار لا يفك إسارها بحضرة جبار رفيق معاقب . . . فتحصى المعاصي ~~كبرها وصغارها ويندم يوم البعث جاني صغارها . . . وتهلك أهليها هناك كبارها ~~ستغبط أجساد وتحيا نفوسها . . . إذا ما استوى إسرارها وجهارها إذا حفهم عفو ~~الإله وفضله . . . وأسكنهم دارا حلالا عقارها PageV01P304 سيلحقهم أهل ~~الفسوق إذا استوى . . . ( 1 ) بحلبة سبق طرفها وحمارها يفر بنو الدنيا ~~بدنياهم التي . . . يظن على أهل الحظوظ اقتصارها هي الأم خير البر فيها ~~عقوقها . . . وليس بغير البذل يحمى ذمارها فما نال الحظ إلا مهينها . . . ~~وما الهلك إلا قربها واعتمارها تهافت فيها طامع بعد طامع . . . وقد بان للب ~~الذكي اختبارها تطامن لغمر الحادثات ولا تكن . . . لها ذا اعتمار يجتنبك ( ~~2 ) غمارها وإياك أن تغتر منها بما ترى . . . فقد صح في العقل الجلي عيارها ~~رأيت ملوك الأرض يبغون عدة . . . ولذة نفس يستطاب اجترارها وخلوا طريق ~~القصد في مبتغاهم . . . لمعقبة الصغار جم صغارها وإن التي يبغون نهج لغية . ~~. . مكين لطلاب الخلاص اختصارها هل العز إلا همة صح صونها . . . إذا صان ~~همات الرجال انكسارها وهل رابح إلا امرؤ متوكل . . . قنوع غني النفس باد ~~وقارها ويلقى ولاة الملك خوفا وفكرة . . . تضيق بها ذرعا ويفنى اصطبارها ~~عيانا نرى هذا ولكن سكرة . . . أحاطت بنا ما إن يفيق خمارها تدبر من الباني ~~على الأرض سقفها . . . ( 3 ) وفي علمه معمورها وقفارها ومن يمسك الأجرام ~~والأرض أمره . . . بلا عمد يبنى عليه قرارها ومن قدر التدبير فيها بحكمة . ~~. . فصح لديها ليلها ونهارها ومن فتق الأمواه في صفح وجهها . . . فمنها ~~تغذى حبها وثمارها ومن صير الألوان في نور نبتها . . . فأشرق فيها وردها ~~وبهارها فمنهن مخضر يروق بصيصه . . . ومنهن ما يغشى اللحاظ احمرارها ومن ~~حفر الأنهار دون تكلف . . . فثار من الصم الصلاب انفجارها ومن رتب الشمس ~~المنير ابيضاضها . . . غدوا ويبدو بالعشي اصفرارها PageV01P305 ومن خلق ~~الأفلاك فامتد جريها . . . واحكمها ms131 حتى استقام مدارها ومن إن ألمت بالعقول ~~رزية . . . فليس إلى حي سواه افتقارها تجد كل هذا راجعا نحو خالق . . . له ~~ملكها منقادة وائتمارها أبان لنا الآيات في أنبيائه . . . فأمكن بعد العجز ~~فيها اقتدارها فأنطلق أفواها بألفاظ حكمة . . . ( 1 ) وما حلها إثغارها ~~واتغارها وأبرز من صم الحجارة ناقة . . . وأسمعهم في الحين منها حوارها ~~ليوقن أقوام وتكفر عصبة . . . ( 2 ) أتاها بأسباب الهلاك قدارها وشق لموسى ~~البحر دون تكلف . . . وبان من الأمواج فيه انحسارها وسلم من نار الأتون ~~خليله . . . ( 3 ) فلم يؤذه إحراقها واحترارها ونجى من الطوفان نوحا وقد ~~هدى . . . به أمة أبدى الفسوق شرارها ومكن داودا بأيد وإبنه . . . ( 4 ) ~~فتعشيرها ملقى له وبذارها وذلل جبار البلاد لأمره . . . وعلم من طير السماء ~~حوارها وفضل بالقرآن أمة أحمد . . . ومكن في أقصى البلاد مغارها وشق له بدر ~~السماء وخصه . . . ( 5 ) بآيات حق لا يحل مغارها وأنقذنا من كفر أربابنا به ~~. . . ( 6 ) وكان على قطب الهلاك مدارها فما بالنا لا نترك الجهل ويحنا . . ~~. لنسلم من نار ترامى شرارها PageV01P306 # | [ خاتمة ] # هنا أعزك الله انتهى ما تذكرته ايجابا لك ، وتقمنا ( 1 ) لمسرتك ، ووقوفا ~~عند أمرك ، ولم أمتنع أن أورد لك في هذه الرسالة أشياء يذكرها الشعراء ~~ويكثرون القول فيها ، موفيات على وجهها ، ومفردات في أبوابها ، ومنغمات ~~التفسير ، مثل الإفراط في صفة النحول وتشبيه الدموع بالأمطار وأنها تروي ~~السفار ، وعدم النوم البتة ، وانقطاع الغذاء جملة ، إلا أنها أشياء لا ~~حقيقة لها ( 2 ) ، وكذب لا وجه له ، ولكل شيء حد ، وقد جعل الله لكل شيء ~~قدرا . والنحول قد يعظم ولو صار حيث يصفونه لكان في قوام الذرة أو دونها ، ~~ولخرج عن حد المعقول . والسهر قد يتصل ليالي ، ولكن لو عدم الغذاء أسبوعين ~~لهلك ، وإنما قلنا الصبر عن النوم أقل من الصبر عن الطعام لان النوم غذاء ~~الروح ، والطعام غذاء الجسد ، وإن كانا يشتركان في كليهما ولكنا حكينا على ~~الأغلب . وأما الماء فقد رأيت أن ميسورا البناء جارنا بقرطبة يصبر عن الماء ~~أسبوعين في حمارة القيظ ويكتفي بما في غذائه من ms132 رطوبة . وحدثني القاضي أبو ~~عبد الرحمن بن جحاف ( 3 ) انه كان يعرف من كان لا يشرب الماء شهرا . وإنما ~~اقتصرت في رسالتي على PageV01P307 الحقائق المعلومة التي لا يمكن وجود ~~سواها أصلا ، وعلى أني قد أوردت من هذه الوجوه المذكورة أشياء كثيرة يكتفي ~~بها لئلا أخرج عن طريقة أهل الشعر ومذهبهم . وسيرى كثير من إخواننا أخبارا ~~لهم في هذه الرسالة مكنيا فيها عن اسمائهم على ما شرطنا في ابتدائها . وأنا ~~أستغفر الله تعالى مما يكتبه الملكان ويحصيه الرقيبان من هذا وشبهه ، ~~استغفار من يعلم أن كلامه من عمله ؛ ولكنه إن لم يكن من اللغو الذي لا ~~يؤاخذ به المرء فهو إن شاء الله من اللمم المعفو ، وإلا فليس من السيئات ~~والفواحش التي يتوقع عليها العذاب ، وعلى كل حال فليس من الكبائر التي ورد ~~النص فيها . وأنا أعلم أنه سينكر علي بعض المتعصبين علي تألفي لمثل هذا ~~ويقول : إنه خالف طريقته ، وتجافى عن وجهته . وما أحل لأحد أن يظن في غير ~~ما قصدته ، قال الله عز وجل : { يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا من الظن ~~إن بعض الظن إثم } ( الحجرات : 12 ) . وحدثني أحمد ابن محمد بن الجسور ، ~~ثنا ابن أبي دليم ، ثنا ابن وضاح عن يحيى بن يحيى عن مالك بن أنس عن أبي ~~الزبير المكي عن أبي شريح الكعبي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال ~~: ' إياكم والظن فإنه أكذب الكذب ' . ( 1 ) وبه إلى مالك عن سعيد بن أبي ~~سعيد المقبري عن الأعرج عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال : ' من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت ( 2 ) . ~~وحدثني صاحبي أبو بكر محمد بن إسحاق ثنا عبد الله بن يوسف الأزدي ثنا يحيى ~~بن عائذ ثنا أبو عدي عبد العزيز بن PageV01P308 علي بن محمد بن إسحاق بن ~~الفرج الإمام بمصر ثنا أبو علي الحسن ابن القاسم بن دحيم المصري ثنا محمد ~~بن زكريا الغلابي ثنا أبو العباس ثنا أبو بكر عن ms133 قتادة عن سعيد بن المسيب ~~أنه قال : وضع عمر بن الخطاب رضي الله عنه للناس ثماني عشرة كلمة من الحكمة ~~منها : ضع أمر أخيك على أحسنه حتى يأتيك على ما يغلبك عليه . ولا تظن بكلمة ~~خرجت من في امرئ مسلم شرا وأنت تجد لها في الخير محملا ( 1 ) . فهذا أعزك ~~الله أدب الله وأدب رسوله صلى الله عليه وسلم وأدب أمير المؤمنين . ~~وبالجملة فإني لا أقول بالمراياة ولا أنسك نسكا أعجميا ( 2 ) . ومن أدى ~~الفرائض المأمور بها ، واجتنب المحارم المنهي عنها ، ولم ينس الفضل فيما ~~بينه وبين الناس فقد وقع عليه اسم الإحسان ، ودعني مما سوى ذلك وحسبي الله ~~. والكلام في مثل هذا إنما هو مع خلاء الذرع وفراغ القلب ، وإن حفظ شيء ~~وبقاء رسم وتذكر فائت لمثل خاطري لعجب على ما مضى ودهمني ؛ فأنت تعلم أن ~~ذهني متقلب وبالي مهصر بما نحن فيه من نبو الديار ، والجلاء عن الأوطان ، ~~وتغير الزمان ، ونكبات السلطان ، وتغير الإخوان ، وفساد الأحوال ، وتبدل ~~الأيام ، وذهاب الوفر ، والخروج عن الطارف والتالد ، واقتطاع مكاسب الآباء ~~والأجداد ، والغربة في البلاد ، وذهاب المال والجاه ، والفكر في صيانة ~~الأهل والولد ، واليأس PageV01P309 عن الرجوع إلى موضع الأهل ، ومدافعة ~~الدهر ، وانتظار الأقدار ، لا جعلنا الله من الشاكين إلا إليه ، وأعادنا ~~إلى أفضل ما عودنا . وإن الذي أبقى لأكثر مما أخذ ، والذي ترك أعظم من الذي ~~تحيف ، ومواهبه المحيطة بنا ونعمه التي غمرتنا لا تحد ، ولا يؤدى شكرها ، ~~والكل منحه وعطاياه ، ولا حكم لنا في أنفسنا ونحن منه ، وإليه منقلبنا وكل ~~عارية فراجعة إلى معيرها ، وله الحمد أولا وآخرا وعودا وبدءا وأنا أقول : [ ~~من الوافر ] . جعلنا اليأس لي حصنا ودرعا . . . فلم ألبس ثياب المتضام ~~وأكثر من جميع الناس عندي . . . يسير صانني دون الأنام إذا ما صح لي ديني ~~وعرضي . . . فلست لما تولى ذا اهتمام تولى الأمس والغد لست ادري . . . ~~أأدركه ففي ماذا اغتنامي جعلنا الله وإياك من الصابرين الشاكرين الحامدين ~~الذاكرين ، آمين آمين ، والحمد لله رب العالمين ، وصلى الله على سيدنا محمد ms134 ~~وآله وصحبه وسلم تسليما . PageV01P310 # | الملحق ( 1 ) # ( ص 227 ) وممن رثى قرطبة أيضا ( 1 ) ، من وجوه أهلها وأرباب النعم ~~المؤثلة بها ، وأكثر التفجع على دياره منها ، لما استولى الخراب عليها عند ~~فرار البرابر عنها ، الفقيه الأديب أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد ابن حزم ، ~~ابن وزير آل عامر الأكبر . فإني وجدت بخطه في خبر ذكره قال : وقفت على ~~أطلال منازلنا بحومة بلاط مغيث من الأرباض الغريبة ، ومنازل البرابر ~~المستباحة عند معاودة قرطبة . فرأيتها قد محت رسومها ، وطمست أعلامها ، ~~وخفيت معاهدها ، وغيرها البلى ؛ وآكلاما مشوهة بعد الحسن ، وخرائب مفزعة ~~بعد الأمن ، ومآوي للذئاب ، وملاعب للجان ، ومغاني للغيلان ، ومكامن للوحوش ~~، ومخابئ للصوص ، بعد غنيانها برجال كالسيوف ، وفرسان كالليوث ، تفيض لديهم ~~النعم الفاشية ، وتغص منهم بكثرة القطين الحاشية ، وتكنس في مقاصيرهم ظباء ~~الإنس الفاتنة ، تحت زبرج من غضارة الدنيا تذكر نعيم الآخرة ، حال الدهر ~~عليهم بعد طول النضرة فبدد شملهم حتى صاروا في البلاد أيادي سبا ، تنطق ~~عنهم الموعظة ، فكان تلك المحاريب المنمقة ، والمقاصير المرشقة ، التي كانت ~~في تلك الديار كبروق السماء إشراقا وبهجة ، يقيد حسنها الأبصار ، ويجلي ~~منظرها الهموم ، PageV01P311 كان لم تغن بالأمس ، ولا حلتها سادة الإنس ، ~~قد عبث بها الخراب ، وعمها الهذم ، فأصبحت أوحش من أفواه السباع فاغرة ، ~~تؤذن بفناء الدنيا ، وتريك عواقب أهلها ، وتخبرك عما يصير إليه كل ما قد ~~بقي ماثلا فيها ، وتزهدك فيها . وكررت النظر ، ورددت البصر ، وكدت استطار ~~حزنا عليها ، وتذكرت أيام نشأتي فيها ، وصبابة لداتي بها ؛ مع كواعب غيد ، ~~إلى مثلهن يصبو الحليم ؛ ومثلت لنفسي انطواءهن بالفناء ، وكونهن تحت الثرى ~~إثر تقطع جمعنا بالتفرق والجلاء في الآفاق النائية ، والنواحي البعيدة ، ~~وصدقت نفسي عن فناء تلك النصبة ، وانصداع تلك البيضة ، بعد ما عهدته من ~~حسنها ونضارتها وزبرجها وغضارتها ، ونضوته بفراقها من الحال الحسنة ، ~~والمرتبة الرفيعة ، التي رفلت في حللها ناشئا فيها ، وأرعيت سمعي صوت الصدى ~~والبوم زاقيا بها ، بعد حركات تلك الجماعة المنصدعة بعرصاتها ، التي كان ~~ليلها تبعا لنهارها ، في انتشارها بسكانها ، والتقاء عمارها ، فعاد نهارها ~~تبعا ms135 لليلها في الهدو والاستيحاش ، والخفوت والإخفاش . فأبكى ذلك عيني على ~~جمودها ، وقرع كبدي على صلابتها ، وهاج بلابلي على تكاثرها ، وحركني للقول ~~على نبو طبعي ؛ فقلت : [ من الطويل ] سلام على دار رحلنا وغودرت . . . خلاء ~~من الأهلين موحشة قفرا تراها كان لم تغن بالأمس بلقعا . . . ولا عمرت من ~~أهلها قبلنا دهرا فيا دار لم يقفرك منا اختيارنا . . . ولو أننا نستطيع كنت ~~لنا قبرا ولكن أقدارا من الله أنفذت . . . تدمرنا طوعا لما حل أو قهرا ويا ~~خير دار قد تركت حميدة . . . سقتك الغوادي ما اجل وما أسرى ويا مجتلى تلك ~~البساتين حفها . . . رياض قوارير غدت بعدنا غبرا ويا دهر بلغ ساكنها تحيتي ~~. . . ولو سكنوا المروين ( 1 ) أو جاوزوا النهرا PageV01P312 فصبرا لسطو ~~الدهر فيهم وحكمه . . . وإن كان طعم الصبر مستثقلا مرا لئن كان أظمانا فقد ~~طال ما سقى . . . وإن ساءنا فيها فقد طال ما سرا وأيتها الدار الحبيبة لا ~~يرم . . . ربوعك جون المزن يهمي بها القطرا كأنك لم يسكنك غيد أوانس . . . ~~وصيد رجال أشبهوا الأنجم الزهرا تفانوا وبادوا واستمرت نواهم . . . لمثلهم ~~أسكبت مقلتي العبرى سنصبر بعد اليسر للعسر طاعة . . . لعل جميل الصبر ~~يعقبنا يسرا وإني ولو عادت وعدنا لعهدها . . . فكيف من أهلها سكن القبرا ~~ويا دهرنا فيها متى أنت عائد . . . فنحمد منك العود إن عدت والكرا فيا رب ~~يوم في ذراها وليلة . . . وصلنا هناك الشمس باللهو والبدرا فوا جسمي المضنى ~~وواقلبي المغرى . . . ووانفسي الثكلى وواكبدي الحرى ويا هم ما أعدى ، ويا ~~شجو ما أبرا . . . ويا وجد ما أشجى ، ويا بين ما أفرا ويا دهر لا تبعد ، ~~ويا عهد لا تحل . . . ويا دمع لا تجمد ، ويا سقم لا تبرا سأندب ذاك العهد ~~ما قامت ( 1 ) الخضرا . . . على الناس سقفا واستقلت بنا الغبرا PageV01P313 ~~صفحة فارغة PageV01P314 # | الملحق ( 2 ) # ( ص 257 ) أحمد بن كليب النحوى ( 1 ) ، أديب شاعر مشهور الشعر ، ولا سيما ~~شعره في أسلم وكان قد أفرط في حبه حتى أداه ذلك إلى موته ، وخبره في [ 62 ب ~~] ذلك طريف . حدثني أبو محمد علي بن أحمد ، قال ms136 : حدثني أبو عبد الله محمد ~~بن الحسن المذحجي ( 2 ) ، قال : كنت أختلف في النحو إلى أبي عبد الله محمد ~~بن خطاب النحوي ( 3 ) في جماعة ، وكان معنا عنده أبو الحسن أسلم بن أحمد بن ~~سعيد بن قاضي الجماعة أسلم ابن عبد العزيز ( 4 ) ، صاحب المزني والربيع ( 5 ~~) ، قال محمد بن الحسن : وكان من اجمل من رأته العيون ، وكان يجيء معنا إلى ~~محمد بن خطاب ، أحمد بن كليب ، وكان من أهل الأدب البارع ، والشعر الرائق ، ~~فاشتد كلفه بأسلم ، وفارق صبره ، وصرف فيه القول متسترا بذلك إلى أن فشت ~~أشعاره فيه وجرت على الألسنة ، وتنوشدت في المحافل ؛ فلعهدي PageV01P315 ~~بعرس في بعض الشوارع بقربطة ، والنكوري الزامر قاعد في وسط الحفل ، وفي ~~رأسه قلنسوة وشي وعليه ثوب خز عبيدي ، وفرسه بالحلية المحلاة يمسكه غلامه ، ~~وكان فيما مضى يزمر لعبد الرحمن الناصر ، وهو يرمز في البوق بقول أحمد بن ~~كليب في أسلم : [ من المتقارب ] أسلمني في هوا . . . ه أسلم هذا الرشا غزال ~~له مقلة . . . يصيب بها من يشا وشى بيننا حاسد . . . سيسأل عما وشى ولو شاء ~~أن يرتشي . . . على الوصل روحي ارتشى ومغن محسن يسايره فيها ؛ قال : فلما ~~بلغ هذا المبلغ انقطع أسلم عن جميع مجالس الطلب ، ولزم بيته والجلوس على ~~بابه ، فكان أحمد بن كليب لا شغل له إلا المرور على باب دار أسلم سائرا ، ~~ومقبلا نهاره كله ، فانقطع أسلم عن الجلوس على باب داره نهارا ، فإذا صلى ~~المغرب واختلط الظلام خرج مستروحا وجلس داره نهارا ، فإذا صلى صبر أحمد بن ~~كليب ، فتحيل في بعض الليالي ولبس جبة من جباب أهل البادية ، واعتم بمثل ~~عمائمهم ، وأخذ بإحدى يديه دجاجا ، وبالأخرى قفصا فيه بيض ، وتحين جلوس ~~أسلم عند اختلاط الظلام على بابه ، فتقدم إليه وقبل يده ، وقال يأمر مولاي ~~بأخذ هذا ، فقال له أسلم : ومن انت فقال : صاحبك في الضيعة الفلانية ، وقد ~~كان تعرف أسماء ضياعه وأصحابه فيها ، فأمر أسلم بأخذ ذلك منه ، ثم جعل أسلم ~~يسأله عن الضيعة ، فلما جاوبه أنكر الكلام وتأمله فعرفه ms137 ، فقال له : يا أخي ~~! وهنا بلغت بنفسك ، وإلى هاهنا تبعتني ، أما كفاك انقطاعي عن مجالس الطلب ~~، وعن الخروج جملة ، وعن القعود على بابي نهارا ، حتى قطعت علي جميع ما لي ~~فيه راحة ، فقد صرت من سجنك ( 1 ) . والله ، لا فارقت بعد هذه الليلة قعر ~~منزلي ، ولا قعدت ليلا PageV01P316 ولا نهارا على بابي . ثم قام وانصرف ~~أحمد بن كليب كئيبا حزينا . قال محمد بن الحسن : واتصل ذلك بنا ، فقلنا ~~لأحمد بن كليب ، وخسرت دجاجك وبيضك فقال : هات كل ليلة قبلة يده وأخسر ~~أضعاف ذلك . قال : فلما يئس من رؤيته ألبتة نهكته العلة ، وأضجعه المرض . ~~قال محمد بن الحسن : فاخبرني أبو عبد الله محمد بن خطاب شيخنا ، قال : ~~فعدته فوجدته بأسوأ حال ، فقلت له : ولم لا تتداوى فقال : دوائي معروف ، ~~وأما الأطباء فلا حيلة لهم في ألبتة ، فقلت له : وما دواؤك فقال : نظرة من ~~أسلم ، فلو سعيت في أن يزورني لأعظم الله أجرك بذلك ، وكان هو والله أيضا ~~يؤجر ، قال : فرحمته وتقطعت نفسي له ، ونهضت إلى أسلم فاستأذنت عليه ، فأذن ~~لي وتلقاني بما يجب ، فقلت له : لي حاجة ، قال : وما هي قلت : قد علمت ما ~~جمعك مع أحمد بن كليب من ذمام الطلب عندي ، فقال : نعم ، ولكن قد تعلم انه ~~برح بي ، وشهر اسمي وآذاني ، فقلت له : كل ذلك يغتفر في مثل الحال التي هو ~~فيها ، والرجل يموت ، فتفضل بعيادته ، فقال والله ما أقدر على ذلك ، فلا ~~تكلفني هذا ، فقلت له : لابد ، فليس عليك في ذلك شيء ، وإنما هي عيادة مريض ~~، قال : ولم أزل به حتى أجاب ، ولا خلف ، قال : نعم . فانصرفت إلى أحمد بن ~~كليب ، وأخبرته بموعده بعد تأبيه ، فسر بذلك وارتاحت نفسه . قال : فلما كان ~~الغد بكرت إلى أسلم وقلت له : الوعد ، قال : فوجم وقال : والله لقد تحملني ~~على خطة صعبة علي ، وما أدري كيف أطيق ذلك . قال : فلما أتينا منزل أحمد بن ~~كليب ، وكان يسكن في آخر درب طويل ، وتوسط الدرب ، وقف واحمر وخجل ، وقال ~~لي : الساعة والله أموت ms138 ، وما أستطيع أن أنقل قدمي ، ولا أن أعرض هذا على ~~نفسي ، فقلت : لا تفعل ، بعد أن بلغت المنزل تنصرف قال : لا سبيل والله إلى ~~ذلك ألبتة ، قال : ورجع مسرعا فاتبعته ، وأخذت بردائه PageV01P317 فتمادى ~~وتمزق الرداء ، وبقيت قطعة منه في يدي لسرعته وإمساكي له ، ومضى ولم أدركه ~~، فرجعت ودخلت إلى أحمد بن كليب ، وقد كان غلامه دخل عليه إذ رآنا من أول ~~الدرب مبشرا ، فلما رآني تغير وقال : وأين أبو الحسن فأخبرته بالقصة ، ~~فاستحال من وقته واختلط ، وجعل يتكلم بكلام لا يعقل منه أكثر من الترجع ، ~~فاستشنعت الحال ، وجعلت أترجع وقمت ، فثاب إليه ذهنه وقال لي : أبا عبد ~~الله ! قلت : نعم . قال : اسمع مني واحفظ عني ، ثم أنشأ يقول : [ مخلع ~~البسيط ] أسلم يا راحة العليل . . . رفقا على الهائم النحيل وصلك أشهى إلى ~~فؤادي . . . من رحمة الخالق الجلي قال : فقلت له : اتق الله ! ما هذا ~~العظيمة فقال لي : قد كان ؛ قال : فخرجت عنه ، فوالله ما توسطت الدرب حتى ~~سمعت الصراخ عليه ، وقد فارق الدنيا . قال لنا أبو محمد علي بن أحمد : وهذه ~~قصة مشهورة عندنا ، ومحمد بن الحسن ثقة ومحمد بن خطاب ثقة . وأسلم هذا من ~~بيت جليل ، وهو صاحب الكتاب المشهور في أغاني زرياب ، وكان شاعرا أديبا ، ~~وقد رأيت ابنه أبا الجعد . قال أبو محمد : لقد ذكرت هذه الحكاية لأبي عبد ~~الله محمد ابن سعيد الخولاني الكاتب فعرفها ، وقال لي : لقد أخبرني الثقة ~~أنه رأى أسلم هذا في يوم شديد المطر ، لا يكاد أحد يمشي في طريق ، وهو قاعد ~~على قبر أحمد بن كليب زائرا له ، وقد تحين غفلة الناس في مثل ذلك الوقت . ~~وقال لنا أبو محمد : وحدثني أبو محمد قاسم بن محمد القرشي ، قال : كتب ابن ~~كليب إلى محمد بن خطاب شعرا يتغزل فيه بأسلم فعرضه ابن خطاب على أسلم ، ~~فقال : هذا ملحون ، وكان PageV01P318 ابن كليب قد أسقط التنوين في لفظة في ~~بيت من الشعر ، قال : فكتب ابن خطاب بذلك إلى ابن كليب فكتب إليه ابن كليب ~~مسرعا : [ من ms139 السريع ] ألحق لي التنوين في مطمع . . . فإنني أنسيت إلحاقه ~~لا سيما إذ كان في وصل من . . . كدر لي في الحب أخلاقه وأنشدني أبو محمد ~~علي بن أحمد ، قال : أنشدني محمد بن عبد الرحمن بن أحمد التجيبي ، لأحمد بن ~~كليب ، وقد أهدى إلى أسلم في أوائل أمره كتاب ' الفصيح ' لثعلب : [ من ~~المجتث ] هذا كتاب الفصيح . . . بكل لفظ مليح وهبته لك طوعا . . . كما ~~وهبتك روحي PageV01P319 ms140