######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shamela_0010518 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم الأندلسي القرطبي الظاهري (المتوفى: 456هـ) #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 456 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: طوق الحمامة في الألفة والألاف #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: الأدب والبلاغة #META# 022.BookVOLS :: 1 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shamela_0010518 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shamela.ws/browse.php/book-10518 #META# 031.LibURL :: http://shamela.ws/index.php/book/10518 #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: د. إحسان عباس #META# 041.EdNUMBER :: الثانية - 1987 م #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: المؤسسة العربية للدراسات والنشر - بيروت / لبنان #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: NODATA #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # بسم الله الرحمن الرحيم # وبه نستعين ### | - 1 -[صدر الرسالة وأبوابها والكلام في ماهية الحب] ### || [صدر الرسالة] # قال أبو محمد عفا الله عنه: أفضل ما ابتدئ به حمد الله عز وجل بما هو ~~أهله، ثم الصلاة على محمد عبده ورسوله خاصة وعلى جميع أنبيائه عامة، وبعد - ~~عصمنا الله وإياك من الحيرة، ولا حملنا ما لا طاقة لنا به، وقيض لنا من ~~جميل عونه دليلا هاديا إلى طاعته، ووهبنا من توفيقه أدبا صارفا عن معاصيه، ~~ولا وكلنا إلى ضعف عزائمنا، وخور قوانا، ووهاء بنيتنا، وتلدد آرائنا، وسوء ~~اختيارنا، وقلة تمييزنا، وفساد أهوائنا - فإن كتابك وردني من مدينة المرية ~~إلى مسكني بحضرة شاطبة، تذكر من حسن حالك ما يسرني، وحمدت الله عز وجل PageV01P084 ~~عليه واستدمته لك، واستزدته فيك؛ ثم لم ألبث أن اطلع علي شخصك وقصدتني ~~بنفسك، على بعد الشقة وتنائي الديار وشحط المزار وطول المسافة وغول الطريق؛ ~~وفي دون هذا ما سلى المشتاق، ونسى الذاكر، إلا من تمسك بحبل الوفاء مثلك، ~~ورعى سالف الأذمة ووكيد المودات وحق النشأة ومحبة الصبا، وكانت مودته الله ~~تعالى. # ولقد أثبت بيننا من ذلك ما نحن عليه حامدون وشاكرون. # وكانت معانيك في كتابك زائدة على ما عهدته من سائر كتبك، ثم كشفت إلي ~~بإقبالك غرضك، وأطلعتني على مذهبك، سجية لم تزل عليها من مشاركتك لي في ~~حلوك ومرك، وسرك وجهرك، يحدوك الود الصحيح الذي أنا لك على أضعافه، لا ~~أبتغي جزاء غير مقابلته بمثله؛ وفي ذلك أقول مخاطبا لعبيد الله بن عبد ~~الرحمن بن المغيرة بن أمير المؤمنين الناصر رحمه الله في كلمة لي طويلة ~~وكان لي صديقا: [من الطويل] # أودك ودا ليس فيه غضاضة %~% وبعض مودات الرجال ~~سراب وأمحضك النصح الصريح وفي الحشا %~% لودك نقش ظاهر وكتاب فلو كان في ~~روحي سواك اقتلعته %~% ومزق بالكفين عنه إهاب وما لي غير الود منك إرادة ~~%~% ولا في سواه لي إليك خطاب PageV01P085 ~~إذا حزته فالأرض جمعاء والورى %~% هباء وسكان البلاد ذباب # وكلفتني - أعزك الله - أن أصنف لك رسالة في ms001 صفة الحب ومعانيه وأسبابه وأعراضه، وما يقع فيه ~~وله على سبيل الحقيقة، لا متزايدا ولا مفننا، لكن موردا لما يحضرني على ~~وجهه وبحسب وقوعه، حيث انتهى حفظي وسعة باعي فيما أذكره، فبدرت إلى مرغوبك، ~~ولولا الإيجاب لك لما تكلفته، فهذا من العفو، والأولى بنا مع قصر أعمارنا ~~ألا نصرفها إلا فيما نرجو به رحب المنقلب وحسن المآب غدا، وغن كان القاضي ~~حمام بن أحمد حدثني عن يحيى ابن مالك بن عائذ بإسناد يرفعه إلى أبي الدرداء ~~أنه قال: أجموا النفوس بشيء من الباطل ليكون عونا لها على الحق؛ ومن أقوال ~~الصالحين من السلف المرضي: من لم يحسن يتفتى لم يحسن PageV01P086 ~~يتقرأ. # وفي بعض الأثر: أريحوا النفوس فإنها تصدأ كما يصدأ الحديد. # والذي كلفتني فلا بد فيه من ذكر ما شاهدته حضرتي، وأدركته عنايتي، وحدثني ~~به الثقات من أهل زماني، فاغتفر لي الكناية عن الأسماء فهي إما عورة لا ~~نستجيز كشفها، وإما نحافظ في ذلك صديقا ودودا ورجلا جليلا وبحسبي أن اسمي ~~من لا ضرر في تسميته ولا يلحقنا والمسمى عيب في ذكره، إما لاشتهار لا يغني ~~عنه الطي وترك التبيين، وإما لرضى من المخبر عنه بظهور خبره وقلة إنكار منه ~~لنقله. # سأورد في رسالتي هذه أشعارا قلتها فيما شاهدته، فلا تنكر أنت ومن رآها - ~~علي أني سالك فيها مسلك حاكي الحديث عن نفسه، فهذا مذهب المتحلين بقول ~~الشعر، وأكثر من ذلك فإن إخواني يجشمونني القول فيما يعرض لهم على طرائقهم ~~ومذاهبهم. # وكفاني أني ذاكر لك ما عرض لي مما يشاكل ما نحوت نحوه وناسبه إلي. # والتزمت في كتابي هذا الوقوف عند حدك، والاقتصار على ما رأيت أو صح عندي ~~بنقل الثقات، ودعني من أخبار الأعراب المتقدمين، فسبيلهم غير سبيلنا، وقد ~~كثرت الأخبار عنهم، وما مذهبي أن أنضي مطية سواي، ولا أتحلى بحلي مستعار، ~~والله المستغفر والمستعان لا رب غيره. PageV01P087 ### || (2) [أبواب الرسالة] # وقسمت رسالتي هذه على ثلاثين بابا: منها في أصول الحب عشرة: فأولها هذا ~~الباب؛ ثم باب في علامات الحب، ms002 ثم باب فيه ذكر من احب في النوم، ثم باب فيه ~~ذكر من احب بالوصف، ثم باب فيه ذكر من احب من نظرة واحدة، ثم باب فيه ذكر ~~من لا يصح محبته إلا مع المطاولة، ثم باب التعريض بالقول، ثم باب الاشارة ~~بالعين، ثم باب المراسلة، ثم باب السفير. # ومنها في أغراض الحب وصفاته المحمودة والمذمومة اثنا عشر بابا - وإن كان ~~الحب عرضا، والعرض لا يحتمل الأعراض، وصفة، والصفة لا توصف، فهذا على مجاز ~~اللغة في إقامة الصفة مقام الموصوف، وعلى معنى قولنا: وجودنا عرضا أقل في ~~الحقيقة من عرض غيره وأكثر وأحسن وأقبح، في إدراكنا لها [و] علمنا انها ~~متباينة في الزيادة والنقصان من ذاتها المرئية والمعلومة، إذ لا تقع فيها ~~الكمية ولا تجزي، لأنها لا تشغل مكانا - وهي: باب الصديق المساعد، ثم باب ~~الوصل، ثم باب طي السير، ثم باب الكشف والاذاعة، ثم باب الطاعة، ثم باب ~~المخالفة، ثم باب PageV01P088 ~~من احب صفة لم يحب بعدها غيرها مما يخالفها، ثم باب القنوع، ثم باب ~~الوفاء، ثم باب الغدر، ثم باب الضنى، ثم باب الموت. # ومنها في الآفات الداخلة على الحب ستة أبواب وهي: باب العادل، ثم باب ~~الرقيب، ثم باب الواشي، ثم باب الهجر، ثم باب البين، ثم باب السلو. # ومن هذه الأبواب الستة بابان لكل واحد منهما ضد من الأبواب المتقدمة ~~الذكر، وهما: باب العاذل، وضده باب الصديق المساعد؛ وباب الهجر، وضده باب ~~الوصل. # ومنها أربعة أبواب لا ضد لها من معاني الحب وهي: باب الرقيب، وباب ~~الواشي، ولا ضد لهما إلا ارتفاعهما. # وحقيقة الضد ما إذا وقع ارتفع الأول، وإن كان المتكلمون قد اختلفوا في ~~ذلك، ولولا خوفنا إطالة الكلام فيما ليس من جنس الكتاب لتقصيناه -، وباب ~~البين وضده تصاقب الديار - وليس التصاقب من معاني الحب نتكلم فيها - وباب ~~السلو، وضده الحب بعينه، إذ معنى السلو ارتفاع الحب وعدمه. # ومنها بابان ختمنا بهما الرسالة، وهما: باب الكلام في قبح المعصية، باب ~~في فضل التعفف، ليكون PageV01P089 ~~خاتمة ms003 إيرادنا وآخر كلامنا الحض على طاعة الله عز وجل، والأمر بالمعروف ~~والنهي عن المنكر، فذلك مفترض على كل مؤمن. # لكن خالفنا في نسق بعض هذه الأبواب هذه الرتبة المقسمة في درج هذا الباب ~~الذي هو أول أبواب الرسالة، فجعلناها على مباديها إلى منتهاها واستحقاقها ~~في التقدم والدرجات والوجود، ومن أول مراتبها إلى آخرها، وجعلنا الضد إلى ~~جنب ضده فاختلف المساق في أبواب يسيرة والله المستعان. # وهيئتها في الإيراد: أولها هذا الباب الذي نحن فيه وفيه صدر الرسالة ~~وتقسيم الأبواب والكلام في باب ماهية الحب، ثم باب علامات الحب، ثم باب من ~~أحب في النوم، ثم باب من أحب بالوصف، ثم باب من أحب من نظرة واحدة، ثم باب ~~من لا يحب إلا مع المطاولة، ثم باب من أحب صفة لم يحب بعدها غيرها مما ~~يخالفها، ثم باب التعريض بالقول، ثم باب الاشارة بالعين، ثم باب المراسلة، ~~ثم باب السفير، ثم باب طي السر، ثم باب إذاعته، ثم باب الطاعة، ثم باب ~~المخالفة، ثم باب العاذل، ثم باب الوصل، ثم باب الهجر، ثم باب الوفاء، ثم ~~باب الغدر، ثم باب البين، ثم باب القنوع، ثم باب الضنى، ثم باب السلو، ثم ~~باب الموت، ثم باب قبح المعصية، ثم بابا فضل التعفف. # [الكلام في ماهية الحب] # : الحب - أعزك الله - أوله هزل وآخره جد، دقت معانيه لجلالتها عن أن ~~توصف، فلا تدرك حقيقتها إلا بالمعاناة. # وليس بمنكر في الديانة ولا بمحظور في الشريعة، إذ القلوب بيد الله عز ~~وجل. # وقد أحب من الخلفاء المهديين والأئمة الراشدين كثير، منهم PageV01P090 ~~بأندلسنا عبد الرحمن بن معاوية لدعجاء، والحكم بن هشام، وعبد الرحمن بن ~~الحكم وشغفه بطروب أم عبد الله ابنه أشهر من الشمس، ومحمد بن عبد الرحمن ~~وأمره مع غزلان أن بنيه عثمان والقاسم والمطرف معلوم، والحكم المستنصر ~~وافتتانه بصبح أم هشام المؤيد بالله رضي الله عنه وعن جميعهم وامتناعه عن ~~التعرض للولد PageV01P091 ~~من غيرها. # ومثل هذا كثير، ولولا ان حقوقهم على المسلمين واجبة - وإنما يجب ms004 أن نذكر ~~من أخبارهم ما فيه الحزم وإحياء الدين، وغنما هو شيء كانوا ينفردون به في ~~قصورهم مع عيالهم فلا ينبغي الإخبار به عنهم - لأوردت من أخبارهم في هذا ~~الشأن غير قليل. # وأما كبار رجالهم ودعائهم دولتهم فأكثر من أن يحصوا، واحدث ذلك ما ~~شاهدناه بالأمس من كلف المظفر عبد الملك بن أبي عامر بواجد، بنت رجل من ~~الجنانين حتى حمله حبها أن يتزوجها، وهي التي خلف عليها بعد فناء العامريين ~~الوزير عبد الله بن مسلمة، ثم تزوجها بعد قتله رجل من رؤساء البربر. # ومما يشبه هذا أن أبا العيش بن ميمون القرشي الحسني أخبرني أن نزار بن ~~معد صاحب مصر لم ير ابنه منصور بن نزار الذي ولي الملك بعد وادعى الإلهية ~~إلا بعد مدة من مولده، مساعدة PageV01P092 ~~لجارية كان يحبها حبا شديدا، هذا ولم يكن له ذكر ولا يرث ملكه ويحيي ذكره ~~سواه. # ومن الصالحين والفقهاء في الدهور الماضية والأزمان القديمة من قد استغني ~~بأشعارهم عن ذكرهم؛ وقد ورد من خبر عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود ~~وشعره ما فيه الكفاية، وهو أحد فقهاء المدينة السبعة، وقد جاء من فتيا ابن ~~عباس رضي الله عنه ما لا يحتاج إلى غيره حين يقول: هذا قتيل الهوى لا عقل ~~ولا قود. # وقد اختلف الناس في ماهيته وقالوا وأطالوا والذي أذهب إليه أنه اتصال بين ~~أجزاء النفوس المقسومة في هذه الخليقة في أصل عنصرها الرفيع، لا على ما ~~حكاه محمد بن داود رحمه PageV01P093 ~~الله عن بعض أهل الفلسفة: الأرواح أكر مقسومة، لكن على سبيل مناسبة قواها ~~في مقر عالمها العلوي، ومجاورتها في هيئة تركيبها. # وقد علمنا أن سر التمازج والتباين في المخلوقات إنما هو الاتصال ~~والانفصال، والشكل دأب يستدعي شكله، والمثل إلى مثله ساكن، وللمجانسة عمل ~~محسوس وتأثير مشاهد، والتنافر في الأضداد والموافقة في الأنداد والنزاع ~~فيما تشابه موجود فيما بيننا، فكيف بالنفس وعالمها العالم الصافي الخفيف، ~~وجوهرها الجوهر الصعاد المعتدل، وسنخها المهيأ لقبول الاتفاق والميل والتوق ~~والانحراف ms005 والشهوة والنفار - كل ذلك معلوم بالفطرة في أحوال تصرف الإنسان ~~فيسكن إليها، والله عز وجل يقول) هو الذي خلقكم من نفس واحدة وجعل منها ~~زوجها ليسكن إليها ((الأعراف: 189) فجعل علة السكون أنها منه. # ولو كان علة الحب حسن الصورة الجسدية لوجب ألا يستحسن الأنقص في الصورة، PageV01P094 ~~ونحن نجد كثيرا ممن يؤثر الأدنى ويعلم فضل غيره ولا يجد محيدا لقلبه عنه ~~(1) . # ولو كان للموافقة في الأخلاق لما أحب المرء من لا يساعده ولا يوافقه، ~~فعلمنا انه شيء في ذات النفس. # وربما كانت المحبة لسبب من الأسباب، وتلك تفنى بفناء سببها، فمن ودك لأمر ~~ولي مع انقضائه، وفي ذلك أقول: [من الطويل] ودادي لك الباقي على حسب كونه ~~%~% تناهى فلم ينقص بشيء ولم يزد وليست له غير الإرادة (2) علة %~% ولا سبب ~~حاشاه يعلمه أحد إذا ما وجدنا الشيء علة نفسه %~% فذاك وجود ليس يفنى على ~~الأبد وإما وجدناه لشيء خلافه %~% شطر ثانيفإعدامه في عدمنا ما له وجد ومما ~~يؤكد هذا القول أننا علمنا أن المحبة ضروب (3) ، فأفضلها: محبة المتحابين ~~في الله عز وجل، إما لاجتهاد في العمل، وإما لاتفاق في أصل النحلة والمذهب ~~(4) ، وإما لفضل علم بمنحه الإنسان؛ ومحبة القرابة، ومحبة الألفة في ~~الاشتراك في المطالب، ومحبة التصاحب والمعرفة، ومحبة البر (5) يضعه المرء ~~عند أخيه، ومحبة الطمع (6) في جاه المحبوب، ومحبة المتحابين لسر يجتمعان ~~ PageV01P095 ~~عليه يلزمهما ستره، ومحبة بلوغ اللذة وقضاء الوطر، ومحبة العشق التي لا ~~علة لها إلا ما ذكرنا من اتصال النفوس. # فكل هذه الأجناس منقضية مع انقضاء عللها، وزائدة بزيادتها، وناقصة ~~بنقصانها، متأكدة بدنوها فاترة ببعدها، حاشا محبة العشق الصحيح المتمكن من ~~النفس فهي التي لا فناء لها إلا بالموت. # وإنك لتجد الإنسان السالي بزعمه، وذا السن المتناهية، إذا ذكرته تذكر ~~وارتاح وصبا واعتاده الطرب واهتاج له الحنين. # ولا يعرض في شيء من هذه الأجناس المذكورة، من شغل البال والخبل والوسواس ~~وتبدل الغرائزالمركبة، واستحالة السجايا المطبوعة، والنحول والزفير وسائر ~~دلائل الشجا، ما يعرض في العشق، فصح بذلك أنه استحسان ms006 روحاني وامتزاج ~~نفساني. # فإن قال قائل: لو كان هذا كذلك لكانت المحبة بينهما مستوية، إذ الجزءان ~~مشتركان في الاتصال وحظهما واحد، فالجواب عن ذلك أن نقول: هذه لعمري معارضة ~~صحيحة، ولكن نفس الذي لا يحب من يحبه مكتنفة الجهات ببعض الأعراض الساترة ~~والحجب المحيطة بها من الطبائع الأرضية فلم تحس بالجزء الذي كان متصلا بها ~~قبل حلولها حيث هي، ولو تخلصت لاستويا في الاتصال والمحبة. # ونفس المحب متخلصة عالمة بمكان ما كان يشركها في المجاورة، طالبة له، ~~قاصدة إليه، باحثة عنه، مشتهية لملاقاته، جاذبة له لو أمكنها كالمغنيطس ~~والحديد. # فقوة جوهر المغنيطس المتصلة بقوة جوهر الحديد لم تبلغ من PageV01P096 ~~تحكمها ولا من تصفيتها أن تقصد إلى الحديد على انه من شكلها وعنصرها، كما ~~أن قوة الحديد لشدتها قصدت إلى شكلها وانجذبت نحوه، إذ الحركة أبدا إنما ~~تكون من الأقوى، وقوة الحديد متروكة الذات غير ممنوعة بحابس، تطلب ما ~~يشبهها وتنقطع إليه وتنهض نحوه بالطبع والضرورة وليس بالاختيار والتعمد. # وأنت متى أمسكت الحديد بيدك لم ينجذب، إذ لم يبلغ من قوته أيضا مغالبة ~~الممسك له مما هو أقوى منه. # ومتى كثرت أجزاء الحديد اشتغل بعضها ببعض واكتفت بأشكالها عن طلب اليسير ~~من قواها النازحة عنها، فمتى عظم جرم المغنيطس ووازت قواه جميع قوى جرم ~~الحديد عادت إلى طبعها المعهود. # وكالنار في الحجر لا تبرز على قوة النار في الاتصال والاستدعاء لأجزائها ~~حيث كانت إلا بعد القدح ومجاورة الجرمين بضغطهما واصطكاكهما، وإلا فهي ~~كامنة في حجرها لا تبدو ولا تظهر. # ومن الدليل على هذا أيضا أنك لا تجد اثنين يتحابان إلا وبينهما مشاكلة ~~واتفاق [في] الصفات الطبيعية، لابد في هذا وإن قل، وكلما كثرت الأشباه زادت ~~المجانسة وتأكدت المودة، فانظر هذا تره عيانا، وقول رسول الله (صلى الله ~~عليه وسلم) يؤكده: " الأرواح جنود مجندة ما تعارف منها ائتلف وما تناكر ~~منها اختلف "، وقول مروي عن أحد الصالحين: PageV01P097 ~~" أرواح المؤمنين تتعارف ". # ولذلك ما اغتم بقراط حين وصف له رجل من أهل النقصان يحبه، ms007 فقيل له في ذلك ~~فقال: ما أحبني إلا وقد وافقته في بعض أخلاقه. # وذكر أفلاطون أن بعض الملوك سجنه ظلما، فلم يزل يحتج عن نفسه حتى أظهر ~~براءته، وعلم الملك أنه له ظالم، فقال له وزيره الذي كان يتولى إيصال كلامه ~~إليه: أيها الملك، قد استبان لك أنه بريء فما لك وله فقال الملك: لعمري ما ~~لي إليه سبيل غير أني أجد لنفسي استثقالا لا أدري ما هو. # فأدي ذلك إلى افلاطون. # قال: فاحتجت أن أفتش في نفسي وأخلاقي شيئا أقابل به نفسه وأخلاقه مما ~~يشبهها، فنظرت في أخلاقه فإذا هو محب للعدل كاره للظلم، فميزت هذا الطبع ~~في، فما هو إلا أن حركت هذه الموافقة وقابلت نفسه بهذا الطبع الذي بنفسي ~~فأمر بإطلاقي وقال لوزيره: قد انحل كل ما أجد في نفسي له. # وأما العلة التي توقع الحب أبدا في أكثر الأمر على الصورة الحسنة، ~~فالظاهر أن النفس تولع بكل شيء حسن وتميل إلى التصاوير المتقنة، فهي إذا ~~رأت بعضها تثبتت فيه، فإن ميزت وراءها شيئا من PageV01P098 ~~أشكالها اتصلت وصحت المحبة الحقيقية، وإن لم تميز وراءها شيئا من أشكالها ~~لم يتجاوز حبها الصورة، وذلك هو الشهوة؛ وإن للصور لتوصيلا عجيبا بين أجزاء ~~النفوس النائية. # وقرأت في السفر الأول من التوراة أن النبي يعقوب عليه السلام أيام رعيه ~~غنما للابان خاله مهرا لابنته شارطه على المشاركة في إنسالها، فكل بهيم ~~ليعقوب وكل أغر للابان، فكان يعقوب عليه السلام يعمد إلى قضبان الشجر يسلخ ~~نصفا ويترك نصفا بحاله، ثم يلقي الجميع في الماء الذي ترده الغنم، ويتعمد ~~إرسال الطروقة في ذلك الوقت فلا تلد إلا نصفين، نصفا بهما ونصفا غرا. # وذكر عن بعض القافة أنه أتي بابن أسود لأبيضين، فنظر إلى أعلامه فرآه ~~لهما عير شك، فرغب ان يوقف على الموضع الذي اجتمعا عليه، فأدخل البيت الذي ~~كان فيه مضجعهما، فرأى فيما يوازي نظر المرأة صورة أسود في الحائط، فقال ~~لأبيه: من قبل هذه الصورة أتيت في ابنك. # وكثيرا ما يصرف ms008 شعراء أهل الكلام هذا المعنى في اشعارهم، فيخاطبون المرئي ~~في الظاهر خطاب المعقول الباطن، وهو المستفيض في شعر النظام إبراهيم بن ~~سيار وغيره من المتكلمين، وفي ذلك أقول شعرا منه: [من البسيط] : PageV01P099 ~~ما علة النصر في الأعداء نعرفها %~% وعلة الفر منهم إذ يفرونا إلا نزاع ~~نفوس الناس قاطبة %~% إليك يا لؤلؤا في الناس مكنونا ومن كنت قدامه لا ~~ينثني أبدا %~% فهم إلى نورك الصعاد يعشونا ومن تكن خلفه فالنفس تصرفه %~% ~~إليك طوعا فهم دأبا يكرونا ومن ذلك أقول: [من الطويل] # أمن عالم الأملاك أنت أم آنسي %~% أبن لي فقد أزرى بتمييزي العي أرى هيئة ~~إنسية غير أنه %~% إذا أعمل التفكير فالجرم علوي تبارك من سوى مذاهب خلقه ~~%~% على انك النور الأنيق الطبيعي ولا شك عندي أنك الروح ساقه %~% إلينا ~~مثال في النفوس اتصالي عدمنا دليلا في حدوثك شاهدا %~% نقيس عليه أنك مرئي ~~ولولا وقوع العين في الكون لم نقل %~% سوى أنك العقل الرفيع الحقيقي وكان ~~بعض أصحابنا يسمي قصيدة لي " الإدراك المتوهم " منها: [من المتقارب] . # ترى كل ضد به قائما %~% فكيف تحد اختلاف المعاني فيا أيها الجسم لا ذا ~~جهات %~% ويا عرضا ثابتا غير فان نقضت علينا وجوه الكلام %~% فما هو مذ لحت ~~بالمستبان وهذا بعينه موجود في البغضة، ترى الشخصين يتباغضان لا لمعنى ولا ~~علة، ويستثقل بعضهما بعضا بلا سبب. # والحب - أعزك الله - داء عياء وفيه الدواء منه على قدر PageV01P100 ~~المعاناة (1) ، وسقام مستلذ وعلة مشتهاة لا يود سليهما البرء ولا يتمنى ~~عليلها الإفاقة؛ يزين للمرء ما كان يأنف منه، ويسهل عليه ما كان يصعب عنده ~~حتى يحيل الطبائع المركبة والجبلة المخلوقة، وسيأتي كل ذلك مخلصا في بابه ~~إن شاء الله. # خبر: ولقد علمت فتى من بعض معارفي قد وحل في الحب وتورط في حبائله، وأضر ~~به الوجد، وأنصبه (2) الدنف، وما كانت نفسه تطيب دعاؤه إلا بالوصل والتمكن ~~ممن يحب، على عظيم بلائه وطويل همه، فما الظن بسقيم لا يريد فقد سقمه ولقد ~~جالسته يوما فرأيت من إكبابه وسوء حاله ms009 وإطراقه ما ساءني، فقلت له في بعض ~~قولي: " فرج الله عنك " فلقد رأيت أثر الكراهية في وجهه؛ وفي مثله أقول من ~~كلمة طويلة: [من البسيط] وأستلذ بلائي فيك يا أملي %~% ولست عنك مدى الأيام ~~انصرف إن قيل لي تتسلى عن مودته %~% فما جوابي إلا اللام والألف خبر: وهذه ~~الصفات مخالفة لما أخبرني به عن نفسه أبو بكر محمد بن قاسم بن محمد القرشي ~~المعروف بالشبانسي (3) ، من ولد الإمام هشام PageV01P101 ~~ابن عبد الرحمن بن معاوية أنه لم يحب أحدا قط، ولا أسف على إلف بان منه، ~~ولا تجاوز حد الصحبة والألفة إلى حد الحب والعشق منذ خلق. PageV01P102 ### | - 2 - باب علامات الحب # وللحب علامات يقفوها الفطن، ويهتدي إليها الذكي. # فأولها إدمان النظر؛ والعين باب النفس الشارع، وهي المنقبة عن سرائرها، ~~والمعبرة لضمائرها، والمعربة عن بواطنها. # فترى الناظر لا يطرف، ينتقل بتنقل المحبوب وينزوي بانزوائه، ويميل حيث ~~مال، كالحرباء مع الشمس، وفي ذلك أقول شعرا منه: [من الطويل] فليس لعيني ~~عند غيرك موقف %~% كأنك ما يحكون من حجر البهت (2) PageV01P103 ~~أصرفها حيث انصرفت وكيفما %~% تقلبت كالمنعوت في النحو والنعت ومنها ~~الإقبال بالحديث، فما يكاد يقبل على سوى محبوبه ولو تعمد ذلك، وإن التكلف ~~ليستبين لمن يرمقه فيه؛ والإنصات لحديثه إذا حدث، واستغراب كل ما يأتي به ~~ولو انه عين المحال وخرق العادات؛ وتصديقه وإن كذب؛ وموافقته وإن ظلم؛ ~~والشهادة له وإن جار، واتباعه كيف سلك وأي وجه من وجوه القول تناول؛ ومنها ~~الإسراع بالسير نحو المكان الذي يكون فيه؛ والتعمد للقعود بقربه والدنو ~~منه؛ واطراح الأشغال الموجبة للزوال عنه، والاستهانة بكل خطب جليل داع إلى ~~مفارقته؛ والتباطؤ في المشي عند القيام عنه؛ وفي ذلك أقول شعرا: [من ~~الخفيف] وإذا قمت عنك لم أمش إلا %~% مشي عان يقاد نحو الفناء في مجيئي ~~إليك أحتث كالبد %~% ر إذا كان قاطعا للسماء وقيامي إن قمت كالأنجم العا ~~%~% لية الثابتات في الإبطاء ومنها بهت يقع وروعة تبدو على المحب عند رؤية ~~من يحب فجأة وطلوعه بغتة؛ ومنها اضطراب ms010 يبدو على المحب عند رؤية من يشبه ~~محبوبه أو عند سماع اسمه فجأة. # وفي ذلك أقول قطعة منها: [من الطويل] PageV01P104 ~~إذا ما رأت عيناي لابس حمرة %~% تقطع قلبي حسرة وتفطرا غدا لدماء الناس ~~باللحظ سافكا %~% وضرج منها ثوبه فتعصفرا ومنها أن يجود المرء يبذل كل ما ~~كان يقدر عليه مما كان يمتنع به قبل ذلك، كأنه هو الموهوب له والمسعي في ~~حظه، كل ذلك ليبدي محاسنه ويرغب في نفسه؛ فكم بخيل جاد، وقطوب تطلق، وجبان ~~تشجع، وغليظ الطبع تظرف، وجاهل تأدب، وتفل تزين، وفقير تجمل، وذي سن تفتى، ~~وناسك تفتك، ومصون تهتك. # وهذه العلامات تكون قبل استعار نار الحب وتأجج حريقه، وتوقد شعله ~~واستطارة لهبه. # فأما إذا تمكن وأخذ مأخذ فحينئذ ترى الحديث سرارا، والإعراض عن كل من حضر ~~إلا عن المحبوب جهارا. # ولي أبيات جمعت فيها كثيرا من هذه العلامات، منها: [من البسيط] أهوى ~~الحديث إذا ما كان يذكر لي %~% فيه ويعبق لي عن عنبر أرج عن قال لم أستمع ~~ممن يجالسني %~% إلى سوى لفظه المستظرف الغنج ولو يكون أمير المؤمنين معي ~~%~% ما كنت من أجله عنه بمنعرج فإن أقم عنه مضطرا فإني لا %~% أزال ملتفتا ~~والمشي مشي وجي عيناي فيه وجسمي عنه مرتحل %~% مثل ارتقاب الغريق البر في ~~اللجج أغض بالماء إن أذكر تباعده %~% كمن تثاءب وسط النقع والرهج وأن تقل ~~ممكن قصد السماء أقل %~% نعم وإني لأدري موضع الدرج PageV01P105 ~~ومن علاماته وشواهده الظاهرة لكل بصر: الانبساط الكثير الزائد [في المكان ~~الضيق] والتضايق في المكان الواسع، والمجاذبة على الشيء يأخذه أحدهما، ~~وكثرة الغمز الخفي، والميل بالأتكاء، والتعمد لمس اليد عند المحادثة، ولمس ~~ما أمكن من الأعضاء الظاهرة، وشرب فضلة ما أبقى المحبوب في الإناء، وتحري ~~المكان الذي يقابله فيه. # ومنها علامات متضادة، وهي على قدر الدواعي والعوارض الباعثة والأسباب ~~المحركة والخواطر المهيجة. # والأضداد أنداد، والأشياء إذا أفرطت في غايات تضادها، ووقفت في انتهاء ~~حدود اختلافها تشابهت، قدرة من الله عز وجل تضل فيها الأوهام. # فهذا الثلج إذا أدمن ms011 حبسه في اليد فعل فعل النار، ونجد الفرح إذا أفرط ~~قتل، والغم إذا أفرط قتل، والضحك إذا كثر واشتد أسال الدمع من العينين. # وهذا في العالم كثير، فنجد المحبين إذا تكافيا في المحبة وتأكدت بينهما ~~تأكدا شديدا كثر تهاجرهما بغير معنى، وتضادهما في القول تعمدا، وخروج ~~بعضهما على بعض في كل يسير من الأمور، وتتبع كل منهما لفظة تقع من صاحبه ~~وتأولها على غير معناها، كل هذه تجربة ليبدو ما يعتقده كل واحد منهما في ~~صاحبه. # والفرق بين هذا وبين حقيقة الهجرة والمضادة المتولدة عن الشحناء ومحاربة ~~التشاجر سرعة الرضى، فإنك بينما ترى المحبين PageV01P106 ~~قد بلغا الغاية من الاختلاف الذي لا تقدره يصلح عند الساكن النفس السالم ~~من الأحقاد في الزمن الطويل، ولا ينجبر عند الحقود أبدا، فلا تلبث أن ~~تراهما قد عادا إلى أجمل الصحبة، وأهدرت المعاتبة، وسقط الخلاف، وانصرفا في ~~ذلك الحين بعينه إلى المضاحكة والمداعبة، هكذا في الوقت الواحد مرارا. # وإذا رأيت هذا من اثنين فلا يخالجك شك ولا يدخلنك ريب ألبتة ولا تتمار في ~~أن بينهما سرا من الحب دفينا، واقطع فيه قطع من لا يصرفه عنه صارف. # ودونكها تجربة صحيحة وخبرة صادقة. # هذا لا يكون إلا عن تكاف في المودة وائتلاف صحيح، وقد رأيته كثيرا. # ومن أعلامه أنك تجد المحب يستدعي سماع اسم من يحب، ويستلذ الكلام في ~~أخباره ويجعلها هجيراه، ولا يرتاح لشيء ارتياحه لها، ولا ينهنهه عن ذلك ~~تخوف ان يفطن السامع ويفهم الحاضر، وحبك الشيء يعمي ويصم. # فلو أمكن المحب ألا يكون حديث في مكان فيه إلا ذكر من يحبه لما تعداه. # ويعرض للصادق المودة ان يبتدئ في الطعام وهو له مشته فما هو إلا وقت ما ~~يهتاج له ذكر من يحب صار الطعام غصة في الحلق وشجى في المرئ، وهكذا في ~~الماء، وفي الحديث، فإنه يفاتحكه مبتهجا، فتعرض له خطرة من خطرات الفكر ~~فيمن يحب، فتستبين PageV01P107 ~~الحوالة في منطقه، والتقصير في حديثه، وآية ذلك الوجوم والإطراق وشدة ~~الانغلاق، فبينما هو طلق ms012 الوجه خفيف الحركات صار منطبقا متثاقلا حائر النفس ~~جامد الحركة يبرم من الكلمة ويضجر من السؤال. # ومن علاماته حب الوحدة، والأنس بالانفراد، ونحول الجسم دون حر يكون فيه، ~~ولا وجع مانع من التقلب والحركة والمشي؛ دليل لا يكذب، ومخبر لا يخون عن ~~علة في النفس كامنة. # والسهر من أعراض المحبين، وقد أكثر الشعراء في وصفه وحكوا انهم رعاة ~~الكواكب وواصفو طول الليل؛ وفي ذلك أقول وأذكر كتمان السر وأنه يتوسم ~~بالعلامات: [من الوافر] تعلمت السحائب من شؤوني %~% فعمت بالحيا السكب ~~الهتون وهذا الليل فيك غدا رفيقي %~% بذلك على سهري معيني فإن لم ينقض ~~الإظلام إلا %~% [إذا] ما أطبقت نوما جفوني فليس إلى النهار لنا سبيل %~% ~~وسهد زائد في كل حين كأن نجومه والغيم يخفي %~% سناها عن ملاحظة العيون ~~ضمير في ودادك يا منايا %~% فليس يبين إلا بالظنون PageV01P108 ~~وفي مثل ذلك قطعة منها: [من الكامل] أرعى النجوم كأنني كلفت أن %~% أرعى ~~جميع ثبوتها والخنس فكأنها والليل نيران الجوى %~% قد أضرمت في فكري من ~~حندس وكأنني أمسيت حارس روضة %~% خضراء وشح نبتها بالنرجس لو عاش بطليموس ~~أيقن أنني %~% أقوى الورى في رصد جري الكنس والشيء قد يذكر لما يوجبه: وقع ~~لي في هذه الأبيات تشبيه شيئين بشيئين في بيت واحد، وهو البيت الذي أوله " ~~فكأنها والليل " في بيت واحد، وتشبيه أربعة أشياء في بيت واحد، وكلاهما في ~~هذه القطعة أوردها وهي: [من الطويل] مشوق معنى ما ينام مسهد %~% بخمر ~~التجني ما يزال يعربد ففي ساعة يبدي إليك عجائبا %~% يمر ويستحلي ويدني ~~ويبعد كأنه النوى والعتب والهجر والرضى %~% قران وأنداد ونحس وأسعد رثى ~~لغرامي بعد طول تمنع %~% وأصبحت محسودا وقد كنت أحسد نعمنا على نور من ~~الروض زاهر %~% سقته الغوادي فهو يثني ويحمد كأن الحيا والمزن والروض عاطرا ~~%~% دموع وأجفان وخد مورد ولا ينكر علي منكر قولي " قران " فأهل المعرفة ~~بالكواكب يسمون التقاء كوكبين في درجة واحدة قرانا. # ولي أيضا ما هو أتم من هذا، وهو تشبيه خمسة أشياء في بيت واحد في ms013 هذه ~~القطعة وهي: [من الطويل] خلوت بها والراح ثالثة لنا %~% وجنح ظلام الليل مذ ~~مد ما انبلج PageV01P109 ~~فتاة عدمت العيش إلا بقربها %~% فهل في ابتغاء العيش ويحك من حرج كأني ~~وهي والكاس والخمر والدجى %~% ثرى وحيا والدر والتبر والسبح فهذا أمر لا ~~مزيد فيه ولا يقدر أحد على اكثر منه، إذ لا يحتمل العروض ولا بنية الأسماء ~~أكثر من ذلك. # ويعرض للمحب القلق عند أحد أمرين: أحدهما عند رجائه لقاء من يحب فيعرض ~~عند ذلك حائل. # خبر: وإني لأعلم بعض من كان محبوبه يعده الزيارة، فما كنت أراه إلا جائيا ~~وذاهبا لا يقر به القرار ولا يثبت في مكان واحد، مقبلا مدبرا قد استخفه ~~السرور بعد ركانة، وأشاطه بعد رزانة؛ ولي في معنى انتظار الزيارة: [من ~~الطويل] أقمت إلى أن جاءني الليل راجيا %~% لقاءك يا سؤلي ويا غاية الأمل ~~فأيأسني الإظلام عنك ولم أكن %~% لأيأس يوما إن بدا الليل يتصل وعندي دليل ~~ليس يكذب خبره %~% بأمثاله في مشكل الأمر يستدل لأنك لو رمت الزيارة لم يكن ~~%~% ظلام ودام النور فينا ولم يزل والثاني عند حادث يحدث بينهما من عتاب لا ~~تدرى حقيقته إلا بالوصف. # فعند ذلك يشتد القلق حتى يوقف على الجلية، فإما أن PageV01P110 ~~يذهب تحامله إن رجا العفو، وإما أن يصير القلق حزنا وأسفا إن تخوف الهجر. # ويعرض للمحب الاستكانة لجفاء المحبوب عليه، وسيأتي مفسرا في بابه إن شاء ~~الله تعالى. # ومن أعراضه الجزع الشديد والحيرة المفظعة تغلب عندما يرى من إعراض محبوبه ~~عنه ونفاره منه، وآية ذلك الزفير وقلة الحركة والتأوه وتنفس الصعداء. # وفي ذلك أقول شعرا منه: جميل الصبر مسجون و: %~% دموع العين سارحة ومن ~~علاماته أنك ترى المحب يحب أهل محبوبه وقرابته وخاصته حتى يكونوا أحظى لديه ~~من أهله ونفسه ومن جميع خاصته. # والبكاء من علامات المحب ولكن يتفاضلون فيه، فمنهم غزير الدمع هامل ~~الشؤون تجيبه عينه وتحضره عبرته إذا شاء، ومنهم جمود العين عديم الدمع، ~~وأنا منهم. # وكان الأصل في ذلك إدماني أكل الكندر لخفقان ms014 القلب، وكان عرض لي في ~~الصبا، فإني لأصاب بالمصيبة الفادحة فأجد قلبي يتفطر ويتقطع، وأحس في قلبي ~~غصة أمر من العلقم تحول بيني وبين توفية الكلام حق مخارجه، وتكاد تشرقني PageV01P111 ~~بالنفس أحيانا ولا تجيب عيني البتة إلا في الندرة بالشيء اليسير من ~~الدمع. # خبر: ولقد أذكرني هذا الفصل يوما ودعت أنا وأبو بكر محمد بن إسحاق صاحبي ~~أبا عامر محمد بن [أبي] عامر صديقنا - رحمه الله - في سفرته إلى المشرق ~~التي لم نره بعدها، فجعل أبو بكر يبكي عند وداعه وينشد متمثلا بهذا البيت: ~~[من الطويل] ألا إن عينا لم تجد يوم واسط %~% عليك بباقي دمعها لجمود وهو ~~في رثاء يزيد بن عمر بن هبيرة رحمه الله، ونحن وقوف على ساحل البحر بمالقة، ~~وجعلت أنا أكثر التفجع والأسف PageV01P112 ~~ولا تساعدني عيني، فقلت مجيبا لأبي بكر: [من الطويل] وإن امرءا لم يفن ~~حسن اصطباره %~% عليك وقد فارقته لجليد وفي المذهب الذي عليه الناس أول من ~~قصيدة قلتها قبل بلوغ الحلم، أولها: [من الطويل] دليل الأسى نار على القلب ~~تلفح %~% ودمع على الخدين يهمي ويسفح إذا كتم المشغوف سر ضلوعه %~% فإن ~~دموع العين تبدي وتفضح إذا ما جفون العين سالت شؤونها %~% ففي القلب داء ~~للغرام مبرح ويعرض في الحب سوء الظن واتهام كل كلمة من أحدهما وتوجيهها إلى ~~غير وجهها، وهذا أصل العتاب بين المحبين. # وإني لأعلم من كان أحسن الناس ظنا، وأوسعهم نفسا، وأكثرهم صبرا، وأشدهم ~~احتمالا، وأرحبهم صدرا، ثم لا يحتمل ممن يحب شيئا، ولا يقع له معه أيسر ~~مخالفة حتى يبدي من التعديد فنونا، ومن سوء الظن وجوها. # وفي ذلك أقول شعرا منه: [من المنسرح] أسيء ظني بكل محتقر %~% تأتي به، ~~والحقير من حقره كي لا يرى أصل هجرة وقلى %~% فالنار في بدء أمرها شرره ~~وأصل عظم الأمور أهونها %~% ومن صغير النوى ترى شجره وترى المحب إذا لم يثق ~~بنقاء طوية محبوبه له، كثير التحفظ مما لم يكن يتحفظ منه قبل ذلك، مثقفا ~~لكلامه، مزينا لحركاته، ومرامي طرفه، ولا ms015 سيما إن دهي بمتجن وبلي بمعربد. # ومن آياته مراعاة المحب لمحبوبه، وحفظه لكل ما يقع منه، وبحثه عن أخباره ~~حتى لا يسقط عنه دقيقه ولا جليله، وتبعه لحركاته. # ولعمري لقد ترى البليد يصير في هذه الحالة ذكيا، والغافل فطنا. PageV01P113 ~~خبر: ولقد كنت يوما بالمرية قاعدا في دكان إسماعيل بن يونس الطبيب ~~الإسرائيلي، وكان بصيرا بالفراسة محسنا لها، وكنا في لمة، فقال له مجاهد بن ~~الحصين القيسي: ما تقول في هذا وأشار إلى رجل منتبذ عنا ناحية اسمه حاتم ~~ويكنى أبا البقاء، فنظر إليه ساعة يسيرة ثن قال: هو رجل عاشق، فقال له: ~~صدقت: فمن أين قلت هذا قال: لبهت مفرط ظاهر على وجهه فقط دون سائر حركاته، ~~فعلمت أنه عاشق وليس بمريب. PageV01P114 ### | - 3 - باب من أحب في النوم # ولابد لكل حب من سبب يكون له أصلا، وأنا مبتدئ بأبعد ما يمكن أن يكون من ~~أسبابه ليجري الكلام على نسق، أو أن يبتدأ أبدا بالسهل والأهون. # فمن أسبابه شيء لولا أني شاهدته لم أذكره لغرابته. # خبر: وذلك أني دخلت يوما على أبي السري عمار بن زياد صاحبنا مولى المؤيد ~~فوجدته مفكرا مهتما فسألته عما به، فتمتع ساعة ثم قال لي: أعجوبة ما سمعت ~~قط. # قلت: وما ذاك قال: رأيت في نومي الليلة جارية فاستيقظت وقد ذهب قلبي فيها ~~وهمت بها، وإني لفي أصعب حال من حبها. # ولقد بقي أياما كثيرة تزيد على الشهر مغموما لا يهنئه شيء وجدا، إلى أن ~~عذلته وقلت له: من الخطأ العظيم أن تشغل نفسك بغير حقيقة، وتعلق وهمك ~~بمعدوم لا يوجد، هل تعلم من هي قال: لا والله، قلت: إنك لفيل الرأي مصاب ~~البصيرة إذ تحب PageV01P115 ~~من لم تره قط، ولا خلق ولا هو في الدنيا، ولو عشقت صورة من صور الحمام ~~لكنت عندي أعذر؛ فما زلت به حتى سلا وما كاد. # وهذا عندي من حديث النفس وأضغائها، وداخل في باب التمني وتخيل الفكر، وفي ~~ذلك أقول شعرا منه [من البسيط] يا ليت شعري من كانت ms016 وكيف سرت %~% أطلعة ~~الشمس كانت أم هي القمر أظنه العقل أبداه تدبره %~% أو صورة الروح أبدتها ~~لي الفكر أو صورة مثلت في النفس من أملي %~% فقد تخيل في إدراكها البصر أو ~~لم تكن كل هذا فهي حادثة %~% أتى بها سببا في حتفي القدر PageV01P116 ### | - 4 - باب من أحب بالوصف # من غريب أصول العشق أن تقع المحبة بالوصف دون المعاينة، وهذا أمر يترقى ~~منه إلى جميع الحب، فتكون المراسلة والمكاتبة والهم والوجد والسهر على غير ~~الإبصار، فغن للحكايات ونعت المحاسن ورصف الأخبار تأثيرا في النفس ظاهرا؛ ~~وأن تسمع نغمتها من وراء جدار، فيكون سببا للحب واشتغال البال. # وهذا كله قد وقع لغير ما واحد، ولكنه عندي بنيان هار على غير أس، وذلك أن ~~الذي أفرغ ذهنه في هوى من لم ير لابد له إذ يخلو بفكره أن يمثل لنفسه صورة ~~يتوهمها وعينا يقيمها نصب ضميره، لا يتمثل في هاجسه غيرها، قد مال بوهمه ~~نحوها، فإن وقعت المعاينة يوما ما فحينئذ يتأكد الأمر أو يبطل بالكلية، ~~وكلا الوجهين قد عرض وعرف، وأكثر ما يقع هذا في ربات الخدور المحجوبات من ~~أهل البيوتات مع أقاربهن من الرجال، وحب النساء في هذا أثبت من حب الرجال ~~لضعفهن وسرعة إجابة طبائعهن إلى هذا الشأن، وتمكنه منهن؛ وفي ذلك أقول شعرا ~~منه: [من الهزج] . PageV01P117 ~~ويا من لامني في حب من لم يره طرفي %~% لقد أفرطت في وصفك لي في الحب ~~بالضعف %~% فقل هل تعرف الجنة يوما بسوى الوصف %~% وأقول شعرا في استحسان ~~النغمة دون وقوع العين على العيان منه: [من مخلع البسيط] قد حل جيش الغرام ~~سمعي %~% وهو على مقلتي يبدو وأقول أيضا في مخالفة الحقيقة لظن المحبوب عند ~~وقوع الرؤية: [من الكامل] وصفوك لي حتى إذا أبصرت ما %~% وصفوا علمت بأنه ~~هذيان فالطبل جلد فارغ وطنينه %~% يرتاع منه ويفرق الإنسان وفي ضد هذا ~~أقول: لقد وصفوك لي حتى التقينا %~% فصار الظن حقا في العيان فأوصاف الجنان ~~مقصرات %~% على التحقيق عن قدر الجنان وإن هذه الأحوال لتحدث ms017 بين الأصدقاء ~~والإخوان، وعني أحدث، خبر: أنه كان بيني وبين رجل من الأشراف ود وكيد وخطاب ~~كثير، وما تراءينا قط، ثم منح الله لي لقاءه، فما مرت إلا أيام قلائل حتى ~~وقعت لنا منافرة عظيمة ووحشة شديدة متصلة إلى الآن، فقلت في ذلك قطعة منها: ~~[من البسيط] PageV01P118 ~~أبدلت أشخاصنا كرها وفرط قلى %~% كما الصحائف قد يبدلن بالنسخ ووقع لي ضد ~~هذا مع أبي عامر بن أبي عامر رحمة الله عليه، فإني كنت له على كراهة صحيحة ~~وهو لي كذلك، ولم يرني ولا رأيته، وكان أصل ذلك تنقيلا يحمل إليه عني وإلي ~~عنه، ويؤكده انحراف بين أبوينا لتنافسهما فيما كانا فيه أود الناس وصرت له ~~كذلك، إلى ان حال الموت بيننا؛ وفي ذلك أقول قطعة منها: [من المتقارب] أخ ~~لي كسبنيه اللقاء %~% وأوجدني فيه علقا شريفا وقد كنت أكره منه الجوار %~% ~~وما كنت أرغبه لي أليفا وكان البغيض فصار الحبيب %~% وكان الثقيل فصار ~~الخفيفا وقد كنت أدمن عنه الوجيف %~% فصرت أديم إليه الوجيفا وأما أبو شاكر ~~عبد الواحد بن محمد القبري فكان لي صديقا مدة على غير رؤية، ثم التقينا ~~فتأكدت المودة واتصلت وتمادت إلى الآن. PageV01P119 ### | - 5 - باب من أحب من نظرة واحدة # وكثيرا ما يكون لصوق الحب بالقلب من نظرة واحدة، وهو ينقسم قسمين، فانقسم ~~الواحد مخالف للذي قبل هذا، وهو أن يعشق المرء صورة لا يعلم من هي ولا يدري ~~لها اسما ولا مستقرا، وقد عرض هذا لغير واحد؛ خبر: حدثني صاحبنا أبو بكر ~~محمد بن أحمد بن إسحاق عن ثقة أخبره سقط عني اسمه، وأظنه القاضي ابن ~~الحذاء، أن يوسف بن هارون الشاعر المعروف بالرمادي كان مجتازا عند باب ~~العطارين PageV01P120 ~~بقرطبة، وهذا الموضع كان مجتمع النساء، فرأى جارية أخذت بمجامع قلبه ~~وتخلل حبها جميع اعضائه، فانصرف عن طريق الجامع وجعل يتبعها وهي ناهضة نحو ~~القنطرة، فجازتها إلى الموضع المعروف بالربض. # فلما صارت بين رياض بني مروان - رحمهم الله - المبنية على قبورهم في ~~مقبرة الربض خلف النهر نظرت منه ms018 منفردا عن الناس لا همة له غيرها، فانصرفت ~~إليه فقالت له: مالك تمشي ورائي فأخبرها بعظيم بليته بها. # فقالت له: دع عنك هذا ولا تطلب فضيحتي فلا مطمع لك في البتة ولا إلى ما ~~ترغبه سبيل، فقال: إني أقنع بالنظر، فقالت: ذلك مباح لك، فقال لها: يا ~~سيدتي، أحرة أم مملوكة قالت: مملوكة، فقال لها: ما اسمك. # قالت: خلوة، قال: ولمن أنت فقالت له: علمك والله بما في السماء السابعة ~~أقرب إليك مما سألت عنه، فدع المحال، فقال لها: يا سيدتي، وأين أراك بعد ~~هذا قالت: حيث رأيتني اليوم في مثل تلك الساعة من كل جمعة.. # فقالت له: إما تنهض أنت أو انهض أنا، فقال لها: انهضي في PageV01P121 ~~حفظ الله. # فنهضت نحو القنطرة ولم يمكنه اتباعها لأنها كانت تلتفت نحوه لترى ~~أيسايرها أم لا. # فلما تجاوزت باب القنطرة أتى يقفوها فلم يقع لها على مسألة. # قال أبو عمر - وهو يوسف بن هارون -: فو الله لقد لازمت باب العطارين ~~والربض من ذلك الوقت إلى الآن فما وقعت لها على خبر ولا أدري أسماء لحستها ~~أرض بلعتها، وإن في قلبي منها لأحر من الجمر، وهي خلوة التي يتغزل بها في ~~أشعاره. # ثم وقع بعد ذلك على خبرها بعد رحيله في سببها إلى سرقسطة في قصة. # ومثل ذلك كثير، وفي لك أقول قطعة منها: [من البسيط] عيني جنت في فؤادي ~~لوعة الفكر %~% فأرسل الدمع مقتصا من البصر فكيف تبصر الدمع منتصفا %~% ~~منها بإغراقها في دمعها الدرر لم ألقها قبل إبصاري فأعرفها %~% وآخر العهد ~~منها ساعة النظر PageV01P122 ~~والقسم الثاني مخالف للباب الذي بعد هذا الباب إن شاء الله، وهو أن يعلق ~~المرء من نظرة واحدة جارية معروفة الاسم والمكان والمنشأ، ولكن التفاضل يقع ~~في هذا في سرعة الفناء وإبطائه، فمن أحب من نظرة واحدة وأسرع العلاقة من ~~لمحة خاطرة فهو دليل على قلة الصبر، ومخبر بسرعة السلو، وشاهد الطرافة ~~والملل. # وهكذا في جميع الأشياء: أسرعها نموا أسرعها فناء، وأبطؤها حدوثا أبطؤها ~~نفادا. # خبر: إني ms019 لأعلم فتى من أبناء الكتاب ورأته امرأة سرية النشأة، عالية ~~المنصف، غليظة الحجاب، وهو مجتاز، ورأته في موضع تطلع منه كان في منزلها، ~~فعلقته وعلقها، وتهاديا المراسلة زمانا على أدق من حد السيف، ولولا أني لم ~~أقصد في رسالتي هذه كشف الحيل وذكر المكايد لأوردت مما صح عندي أشياء تحير ~~اللبيب وتدهش العاقل، أسبل الله علينا ستره وعلى جميع المسلمين بمنه، ~~وكفانا. PageV01P123 ### | - 6 - باب من لا يحب إلا مع المطاولة # ومن الناس من لا تصح محبته إلا بعد طول المخافتة وكثير المشاهدة وتمادى ~~الأنس، وهذا الذي يوشك أن يدوم ويثبت ولا يحيك فيه مر الليالي، فما دخل ~~عسيرا لم يخرج يسيرا، وهذا مذهبي. # وقد جاء في الأثر أن الله عز وجل قال للروح حين أمره أن يدخل جسد آدم، ~~وهو فخار، فهاب وجزع: ادخل كرها واخرج كرها. # حدثناه عن شيوخنا. # ولقد رأيت من أهل هذه الصفة من إن أحس من نفسه بابتداء هوى أو توجس من ~~استحسانه ميلا إلى بعض الصور استعمل الهجر وترك الإلمام، لئلا يزيد ما يجد ~~فيخرج الأمر عن يديه، ويحال بين العير والنزوان. # وهذا يدل على لصوق الحب بأكباد أهل هذه الصفة، وأنه إذا تمكن منهم لم يحل ~~أبدا. # وفي ذلك أقول قطعة منها: [من الوافر] PageV01P124 ~~سأبعد عن دواعي الحب إني %~% رأيت الحزم من صفة الرشيد رأيت الحب أوله ~~التصدي %~% بعينك في أزاهير الخدود فبينا أنت مغتبط مخلى %~% إذا قد صرت في ~~حلق القيود كمغتر بضحضاح قريب %~% فزل فغاب في غمر المدود وإني لأطيل العجب ~~من كل من يدعي أنه يحب من نظرة واحدة، ولا أكاد أصدقه، ولا أجعل حبه إلا ~~ضربا من الشهوة، وأما أن يكون في ظني متمكنا من صميم الفؤاد نافذا في حجاب ~~القلب فما أقدر ذلك، وما لصق بأحشائي حب قط إلا مع الزمن الطويل وبعد ~~ملازمة الشخص لي دهرا وأخذي معه في كل جد وهزل، وكذلك أنا في السلو ~~والتوقي، فما نسيت ودا لي قط، وإن حنيني إلى كل عهد تقدم ms020 لي ليغصني بالطعام ~~ويشرقني بالماء، وقد استراح من لم تكن هذه صفته. # وما مللت شيئا قط بعد معرفتي به، ولا أسرعت إلى الأنس مذ كنت، لا أقول ~~الألاف والإخوان وحدهم، لكن في كل ما يستعمل الإنسان من ملبوس ومركوب ~~ومطعوم وغير ذلك، وما انتفعت بعيش ولا فارقني الإطراق والانغلاق مذ ذقت طعم ~~فراق الأحبة، وإنه لشجى يعتادني وولوع هم ما ينفعك يطرقني، ولقد نغص تذكري ~~ما مضى كل عيش استأنفه، وإني لقتيل الهموم في عداد الأحياء، ودفين الأسى ~~بين أهل الدنيا. # والله المحمود على كل حال لا إله إلا هو؛ وفي ذلك أقول شعرا منه: [من ~~الطويل] محبة صدق لم تكن بنت ساعة %~% ولا وريت حين ارتفاد زنادها ولكن على ~~مهل سرت وتولدت %~% بطول امتزاج فاستقر عمادها PageV01P125 ~~فلم يدن منها عزمها وانتفاضها %~% ولم ينأ عنها مكثها وازديادها يؤكد ذا ~~أنا نرى كل نشأة %~% تتم سريعا عن قريب نفادها ولكني أرض عزاز صليبة %~% ~~منيع إلى كل الغروس انقيادها فما نفذت منها لديها عروقها %~% فليست تبالي ~~أن تجود عهادها ولا يظن ظان ولا يتوهم متوهم أن كل هذا مخالف لقولي المسطر ~~صدر الرسالة: إن الحب اتصال بين النفوس في أصل عالمها العلوي، بل هو مؤكد ~~له. # فقد علمنا أن النفس في هذا العالم الأدنى قد غمرتها الحجب، ولحقتها ~~الأعراض، وأحاطت بها الطبائع الأرضية الكونية، فسترت كثيرا من صفاتها وإن ~~كانت لم تحله، لكن حالت دونه، فلا يرجى الاتصال على الحقيقة إلا بعد التهيؤ ~~من النفس والاستعداد له، وبعد إيصال المعرفة إليها بما يشاكلها ويوافقها، ~~ومقابلة الطبائع التي خفيت بما يشابهها من طبائع المحبوب، فحينئذ يتصل ~~اتصلا صحيحا بلا مانع. # وأما ما يقع من أول وهلة ببعض أعراض الاستحسان الجسدي، واستطراف البصر ~~الذي لا يجاوز الألوان، فهذا سر الشهوة ومعناها على الحقيقة، فإذا فضلت ~~الشهوة وتجاوزت هذا الحد ووافق الفضل اتصال نفساني تشترك فيه الطبائع مع ~~النفس تسمى PageV01P126 ~~عشقا. # ومن هذا دخل الغلط على من يزعم انه يحب اثنين ويعشق شخصين متغايرين، ~~فإنما ms021 هذا من جهة الشهوة التي ذكرناها آنفا، وهي على المجاز تسمى محبة لا ~~على التحقيق، وأما نفس المحب فما في الميل به فضل يصرفه في أسباب دينه ~~ودنياه فكيف بالاشتغال بحب ثان وفي ذلك أقول: [من الخفيف] كذب المدعي هوى ~~اثنين حتما %~% مثل ما في الأصول أكذب ماني ليس في القلب موضع لحبيبي %~% ن ~~ولا أحدث الأمور بثاني فكما العقل واحد ليس يدري %~% خالقا غير واحد رحمان ~~فكذا القلب واحد ليس يهوى %~% غير فرد مباعد أو مدان هو في شرعة المودة ذو ~~شر %~% ك بعيد من صحة الإيمان وكذا الدين واحد مستقيم %~% وكفور من عقدة ~~دينان وإني لأعرف فتى من أهل الجدة والحسب والأدب كان يبتاع الجارية وهي ~~سالمة الصدر من حبه، وأكثر من ذلك كارهة له لقلة حلاوة شمائل كانت فيه، ~~وقطوب دائم كان لا يفارقه ولا سيما مع النساء، فكان لا يلبث إلا يسيرا ~~ريثما يصل إليها بالجماع ويعود ذلك الكره حبا مفرطا وكلفا زائدا واستهتارا ~~مكشوفا، ويتحول الضجر PageV01P127 ~~لصحبته ضجرا لفراقه. # صحبه هذا الأمر في عدة منهن، فقال بعض إخواني، فسألته عن ذلك فتبسم نحوي ~~وقال: إذا والله أخبرك، أنا أبطأ الناس إنزالا، تقضي المرأة شهوتها وربما ~~ثنت وإنزالي وشهوتي لم ينقضيا بعد، وما فترات بعدها قط، وإني لأبقى بمنتي ~~بعد انقضائها الحين الصالح، وما لاقى صدري صدر امرأة قط عند الخلوة إلا عند ~~تعمدي المعانقة، وبحسب ارتفاع صدري نزول مؤخري. # فمثل هذا وشبهه إذا وقع وافق أخلاق النفس وولد المحبة، إذ الأعضاء ~~الحساسة مسالك إلى النفوس ومؤديات نحوها. PageV01P128 ### | - 7 - باب من أحب صفة لم يستحسن بعدها غيرها مما يخالفها # واعلم أعزك الله إن للحب حكما على النفوس، ماضيا، وسلطانا قاضيا، وأمرا ~~لا يخالف، وحدا لا يعصى، وملكا لا يتعدى، وطاعة لا تصرف، ونفاذا لا يرد، ~~وأنه ينقض المرر، ويحل المبرم، ويحلل الجامد، ويخل الثابت، ويحل الشغاف، ~~ويحل الممنوع. # ولقد شاهدت كثيرا من الناس لا يهتمون في تمييزهم، ولا يخاف عليهم سقوط في ~~معرفتهم، ولا اختلال بحسن ms022 اختيارهم، ولا تقصير في حدسهم، قد وصفوا أحبابا ~~لهم في بعض صفاتهم بما ليس بمستحسن عند الناس ولا يرضى في الجمال، فصارت ~~هجيراهم، وعرضة لأهوائهم، ومنتهى استحسانهم، ثم مضى أولئك إما بسلو أو بين ~~أو هجر أو بعض عوارض الحب، وما فارقهم استحسان تلك الصفات ولا بان عنهم ~~تفضيلها على ما هو أفضل منها في الخليقة، ولا مالوا إلى سواها؛ بل صارت تلك ~~الصفات المستجادة عند الناس مهجورة عندهم وساقطة لديهم إلى أن فارقوا ~~الدنيا وانقضت PageV01P129 ~~اعمارهم، حنينا منهم إلى من فقدوه، وألفه لمن صحبوه. # وما أقول إن ذلك كان تصنعا لكن طبعا حقيقيا واختيارا لا يدخل فيه، ولا ~~يرون سواه، ولا يقولون في طي عقدهم بغيره. # وإني لأعرف من كان في جيد حبيبه بعض الوقص فما استحسن أغيد ولا غيداء بعد ~~ذلك؛ وأعرف من كان أول علاقته بجارية مائلة إلى القصر فما أحب طويلة بعد ~~هذا؛ وأعرف أيضا من هوي جارية في فمها فوه لطيف فلقد كان يتقذر كل فم صغير ~~ويذمه ويكرهه الكراهية الصحيحة. # وما أصف عن منقوصي الحظوظ في العلم والأدب لكن عن أوفر الناس قسطا في ~~الادراك، وأحقهم باسم الفهم والدراية. # وعني أخبرك أني أحببت في صباي جارية لي شقراء الشعر فما استحسن من ذلك ~~الوقت سوداء الشعر، ولو أنه على الشمس أو على صورة الحسن نفسه، وإني لأجد ~~هذا في أصل تركيبي من ذلك الوقت، لا تواتيني نفسي على سواه ولا تحب غيره ~~البتة، وهذا العارض بعينه عرض لأبي رضي الله عنه وعلى ذلك جرى إلى أن وافاه ~~أجله. # وأما جماعة خلفاء بني مروان - رحمهم الله - ولا سيما ولد الناصر منهم، ~~فكلهم مجبولون على تفضيل الشقرة، لا يختلف في ذلك منهم مختلف، وقد رأيناهم ~~ورأينا من رآهم من لدن دولة PageV01P130 ~~الناصر إلى الآن فما منهم إلا أشقر، نزاعا إلى أمهاتهم، حتى قد صار ذلك ~~فيهم خلقة، حاشا سليمان الظافر رحمه الله، فإني رأيته أسود اللمة واللحية. # وأما الناصر والحكم المستنصر رضي الله عنهما فحدثني الوزير ms023 أبي رحمه الله ~~وغيره انهما كانا أشقرين أشهلين، وكذلك هشام المؤيد ومحمد المهدي وعبد ~~الرحمن المرتضى رحمهم الله، فإني قد رأيتهم مرارا ودخلت عليهم فرأيتهم شقرا ~~شهلا، وهكذا أولادهم وإخوتهم وجميع أقاربهم، فلا أدري أذلك استحسان مركب في ~~جميعهم أم لرواية كانت عند أسلافهم في ذلك فجروا عليها. # وهذا ظاهر في شعر عبد الملك بن مروان بن عبد الرحمن بن مروان بن أمير ~~المؤمنين الناصر وهو المعروف بالطليق، وكان أشعر أهل الأندلس في زمانهم ~~وأكثر تغزله بالشقر، وقد رأيته وجالسته. PageV01P131 ~~وليس من العجب فيمن أحب قبيحا ثم لم يصحبه ذلك في سواه فقد وقع من ذلك، ~~ولا في من طبع مذ كان على تفضيل الأدنى، ولكن في من كان ينظر بعين الحقيقة ~~ثم غلب عليه هوى عارض بعد طول بقائه في الجمام فأحاله عما عهدته نفسه حوالة ~~صارت له طبعا، وذهب طبعه الأول وهو يعرف فضل ما كان عليه أولا، فإذا رجع ~~إلى نفسه وجدها تأبى إلا الأدنى، فأعجب لهذا التغلب الشديد والتسلط العظيم. # وهو أصدق في المحبة حقا ممن يتحلى بشيم قوم ليس منهم، ويدعي غريزة لا ~~تقبله، فيزعم أنه يتخير من يحب. # أما لو شغل المحب بصيرته، وأطاح فكرته، وأجحف بتمييزه، لحال بينه وبين ~~التخير والارتياد. # وفي ذلك أقول شعرا منه: [من البسيط] منهم فتى كان في محبوبه وقص %~% ~~كأنما الغيد في عينيه جنان وكان منبسطا في فضل خبرته %~% بحجة حقها في ~~القول تبيان إن المها وبها الأمثال سائرة %~% لا ينكر الحسن فيها الدهر ~~إنسان وقص فليس بها عنقاء واحدة %~% وهل تزان بطول الجيد بعران وآخر كان في ~~محبوبه فوه %~% يقول حسبي في الأفواه غزلان وثالث كان في محبوبه قصر %~% ~~يقول إن ذوات الطول غيلان وأقول أيضا: [من الطويل] يعيبونها عندي بشقرة ~~شعرها %~% فقلت لهم هذا الذي زانها عندي يعيبون لون النور والتبر ضلة %~% ~~لرأي جهول في الغواية ممتد وهل عاب لون النرجس الغض عائب %~% ولون النجوم ~~الزاهرات على البعد وأبعد خلق الله من كل حكمة %~% مفضل جرم ms024 فاحم اللون ~~مسود PageV01P132 ~~به وصفت ألوان أهل جهنم %~% ولبسة باك مثكل الأهل محتد ومذ لاحت الرابات ~~سودا تيقنت %~% نفوس الورى أن لا سبيل إلى الرشد PageV01P133 ### | - 8 - باب التعريض بالقول # ولابد لكل مطلوب من مدخل إليه، وسبب يتوصل به نحوه، فلم ينفرد بالاختراع ~~دون واسطة إلا العليم الأول جل ثناؤه. # فأول ما يستعمل طلاب الوصل وأهل المحبة في كشف ما يجدونه إلى أحبتهم ~~التعريض بالقول، إما بإنشاد شعر، أو بإرسال مثل، أو تعمية بيت، أو طرح لغز، ~~أو تسليط كلام. # والناس يختلفون في ذلك على قدر إدراكهم، وعلى حسب ما يرونه من أحبتهم من ~~نفار أو أنس أو فطنة أو بلادة. # وإني لأعرف من ابتدأ كشف محبته إلى من كان يحب بأبيات قلتها. # فهذا وشبهه يبتدئ به الطالب للمودة، فإن رأى أنسا وتسهيلا زاد، وإن يعاين ~~شيئا من هذه الأمور في حين إنشاده لشيء مما ذكرنا، أو إيراده لبعض المعاني ~~التي حددنا، فانتظاره الجواب، إما بلفظ أو بهيئة الوجه والحركات، لموقف بين ~~الرجاء واليأس هائل، وإن كان حينا قصيرا، لكنه إشراف على بلوغ الأمل أو ~~انقطاعه. # ومن التعريض بالقول جنس ثان، ولا يكون إلا بعد الاتفاق ومعرفة المحبة من ~~المحبوب، فحينئذ يقع التشكي وعقد المواعيد PageV01P134 ~~بالتغرير، وإحكام المودات بالتعريض، وبكلام يظهر لسامعه منه معنى غير ما ~~يذهبان إليه، فيجيب السامع عنه بجواب غير ما يتأدى إلى المقصود بالكلام، ~~على حسب ما يتأدى إلى سمعه ويسبق إلى وهمه، وقد فهم كل منهما عن صاحبه ~~وأجابه بما لا يفهمه غيرهما، إلا من أيد بحس نافذ، وأعين بذكاء، وأمد ~~بتجربة، ولا سيما إن أحس من معانيهما بشيء قلما يغيب عن المتوسم المجيد، ~~فهنالك لا خفاء عليه فيما يريدان. # وأنا اعرف فتى وجارية كانا يتحابان، فأرادها في بعض وصلها على بعض ما لا ~~يجمل، فقالت: والله لأشكونك في الملأ علانية ولأفضحنك فضيحة مستورة. # فلما كان بعد أيام حضرت الجارية مجلس بعض أكابر الملوك وأركان الدولة ~~وأجل رجال الخلافة، وفيه ممن يتوقى أمره من النساء والخدم ms025 عدد كثير، وفي ~~جملة الحاضرين ذلك الفتى، لأنه كان بسبب من الرئيس، وفي المجلس مغنيات ~~غيرها، فلما انتهى الغناء إليها سوت عودها واندفعت تغني بأبيات قديمة وهي: ~~[من الوافر] غزال قد حكى بدر التمام %~% كشمس قد تجلت من غمام سبى قلبي ~~بألحاظ مراض %~% وقد الغصن في حسن القوام خضعت خضوع صب مستكين %~% له وذللت ~~ذلة مستهام فصلني يا فديتك في خللا %~% فما أهوى وصالا في حرام وعلمت أنا ~~هذا الأمر فقلت: [من الوافر] عتاب واقع وشكاة ظلم %~% أتت من ظالم حكم وخصم ~~تشكت ما بها لم يدر خلق %~% سوى المشكو ما كانت تسمي PageV01P135 ### | - 9 - باب الاشارة بالعين # ثم يتلو التعريض بالقول إذا وقع القبول والموافقة: الإشارة بلحظ العين، ~~وإنه ليقوم في هذا المعنى المقام المحمود، ويبلغ المبلغ العجيب، ويقطع به ~~ويتواصل، ويوعد ويهدد، ويقبض ويبسط، ويؤمر وينهى، وتضرب به الوعود، وينبه ~~على الرقيب، ويضحك ويحزن، ويسأل ويجاب، ويمنع ويعطى. # ولكل واحد من هذه المعاني ضرب من هيئة اللحظ لا يوقف على تحديده إلا ~~بالرؤية، ولا يمكن تصويره ولا وصفه إلا بالأقل منه. # وأنا واصف ما تيسر من هذه المعاني: فالإشارة بمؤخر العين الواحدة نهي عن ~~الأمر، وتفتيرها إعلام بالقبول، وإدامة نظرها دليل على التوجع والأسف، وكسر ~~نظرها آية الفرح، والإشارة إلى إطباقها دليل على التهديد، وقلب الحدقة إلى ~~جهة ما ثم صرفها بسرعة تنبيه على مشار إليه، والإشارة الخفية بمؤخر العينين ~~كلتهما سؤال، وقلب الحدقة من وسط العين إلى الموق PageV01P136 ~~بسرعة شاهد المنع، وترعيد الحدقتين من وسط العينين نهي عام، وسائر ذلك لا ~~يدرك إلا بالمشاهدة. # واعلم أن العين تنوب عن الرسل، ويدرك بها المراد، والحواس الأربع أبواب ~~إلى القلب ومنافذ نحو النفس، والعين أبلغها وأصحها دلالة وأوعارها عملا. # وهي رائد النفس الصادق، ودليلها الهادي، ومرآتها المجلوة التي بها تقف ~~على الحقائق وتميز الصفات وتفهم المحسوسات. # وقد قيل: ليس المخبر كالمعاين، وقد ذكر ذلك افليمون صاحب الفراسة وجعلها ~~معتمدة في الحكم. # وبحسبك من قوة إدراك العين أنها إذا لاقى شعاعها ms026 شيئا ما مجلوا صافيا، ~~إما حديدا مصقولا أو زجاجا أو ماء أو بعض الحجارة الصافية أو سائر الأشياء ~~المجلوة البراقة ذوات الرفيف والبصيص واللمعان يتصل أقصى حدوده بجسم كثيف ~~ساتر مناع كدر، انعكس شعاعها فأدرك الناظر نفسه ومازها عيانا. # وهو الذي ترى في المرآة، فأنت حينئذ كالناظر إليك بعين غيرك. # ودليل عيان على هذا انك تأخذ مرآتين كبيرتين فتمسك إحداهما بيمينك خلف ~~رأسك والثانية بيسارك قبالة وجهك ثم تزويها قليلا حتى يلتقيا بالمقابلة، ~~فإنك ترى قفاك وكل ما وراءك، وذلك لانعكاس ضوء العين إلى ضوء المرآة التي ~~خلفك، إذ لم تجد منفذا في التي بين يديك، ولما لم يجد وراء PageV01P137 ~~هذه الثانية منفذا انصرف إلى ما قابله من الجسم، وإن كان صالح غلام أبي ~~إسحاق النظام خالف في الإدراك فهو قول ساقط لم يوافقه عليه أحد. # ولو لم يكن من فضل العين إلا أن جوهرها ارفع الجواهر وأعلاها مكانا، ~~لأنها نورية لا تدرك الألوان بسواها، ولا شيء أبعد مرمى ولا أنأى غاية ~~منها، لأنها تدرك بها أجرام الكواكب التي في الأفلاك البعيدة، وترى بها ~~السماء على شدة ارتفاعها وبعدها، وليس ذلك إلا لاتصالها في طبع خلقتها بهذه ~~المرآة، فهي تدركها وتصل إليها بالطفر، لا على قطع الأماكن والحلول في ~~المواضع وتنقل الحركات، وليس هذا لشيء من الحواس مثل الذوق واللمس، لا ~~يدركان إلا بالمجاورة، والسمع والشم، لا يدركان إلا من قريب. # ودليل على ما ذكرناه من الطفر أنك ترى المصوت قبل سماع الصوت، وإن تعمدت ~~إدراكهما معا، ولو كان إدراكهما واحدا لما تقدمت العين السمع. PageV01P138 ### | - 10 - باب المراسلة # ثم يتلو ذلك إذا امتزجا: المراسلة بالكتب. # وللكتب آفات، ولقد رأيت أهل هذا الشان يبادرون لقطع الكتب ولحلها في ~~الماء وبمحو أثرها، فرب فضيحة كانت بسبب كتاب، وفي ذلك أقول: [من الطويل] ~~عزيز علي اليوم قطع كتابكم %~% ولكنه لم يلف للود قاطع فآثرت أن يبقى وداد ~~ويمتحي %~% مداد فإن الفرع للأصل تابع فكم من كتاب فيه ميتة ربه %~% ولم ~~يدره إذ نمقته ms027 الأصابع وينبغي أن يكون شكل الكتاب ألطف الأشكال، وجنسه أملح ~~الأجناس؛ ولعمري إن الكتاب للسان في بعض الأحايين، إما لحصر في الإنسان ~~وإما لحياء وإما لهيبة. # نعم، حتى إن لوصول الكتاب إلى المحبوب وعلم المحب أنه قد وقع بيده ورآه ~~للذة يجدها المحب عجيبة تقوم مقام الرؤية، وإن لرد الجواب والنظر إليه ~~سرورا يعدل اللقاء، ولهذا ما ترى العاشق يضع الكتاب على يمينه وقلبه ~~ويعانقه. # ولعهدي ببعض أهل المحبة، ممن كان يتحرى ما يقول PageV01P139 ~~ويحسن الوصف ويعبر عما في ضميره بلسانه عبارة جيدة ويجيد النظر ويدقق في ~~الحقائق، لا يدع المراسلة وهو ممكن الوصل قريب الدار داني المزار، ويحكي ~~أنها من وجوه اللذة. # ولقد أخبرت عن بعض السقاط الوضعاء أنه كان يضع كتاب محبوبه على إحليله، ~~وإن هذا النوع من الاغتلام قبيح وضرب من الشق فاحش. # وأما سقي الحبر بالدمع فأعرف من كان يفعل ذلك ويقارضه محبوبه يسقي الحبر ~~بالريق، وفي ذلك أقول: [من الطويل] . # جواب أتاني عن كتاب بعثته %~% فسكن مهتاجا وهيج ساكنا سقيت بدمع العين ~~لما كتبته %~% فعال محب ليس في الود خائنا فما زال ماء العين يمحو سطوره ~~%~% فيا ماء عيني قد محوت المحاسنا غدا بدموعي أول الخط بينا %~% وأضحى ~~بدمعي آخر الخط بائنا خبر: ولقد رأيت كتاب المحب إلى محبوبه، وقد قطع في ~~يده بسكين له فسال الدم واستمد منه وكتب به الكتاب أجمع. # ولقد رأيت الكتاب بعد جفوفه فما شككت انه بصبغ اللك. PageV01P140 ### | - 11 - باب السفير # ويقع في الحب بعد هذا - بعد حلول الثقة وتمام الاستئناس: إرسال السفير. # ويجب تخيره وارتياده واستجادته واستفراهه، فهو دليل عقل المرء، وبيده ~~حياته وموته، وستره وفضيحته، بعد الله تعالى، فينبغي ان يكون الرسول ذا ~~هيئة، حاذقا يكتفي بالإشارة، ويقرطس عن الغئب، ويحسن من ذات نفسه، ويضع من ~~عقله ما أغفله باعثه، ويؤدي إلى الذي أرسله كل ما يشاهد على وجهه، كاتما ~~للأسرار، حافظا للعهد، قنوعا ناصحا. # ومن تعدى هذه الصفات كان ضرره على باعثه بمقدار ما نقصه منها. # وفي ms028 ذلك أقول شعرا منه: [من الطويل] رسولك سيف في يمينك فاستجد %~% حساما ~~ولا تضرب به قبل صقله فمن يك ذا سيف كهام فضره %~% يعود على المعني منه ~~بجهله وأكثر ما يستعمل المحبون في إرسالهم إلى من يحبونه، إما خاملا لا ~~يؤبه له ولا يهتدى للتحفظ منه، لصباه أو لهيئة رثة أو بذاذة في طلعته؛ وإما ~~جليلا لا تلحقه الظنن لنسك يظهره أو لسن عالية قد بلغها. # وما اكثر هذا في النساء ولا سيما ذوات العكاكيز والتسابيح PageV01P141 ~~والثوبين الأحمرين. # وإني لأذكر بقرطبة التحذير للنساء المحدثات من هذه الصفات حيثما رأينها؛ ~~أو ذوات صناعة يقرب بها من الأشخاص، فمن النساء: كالطبيبة والحجامة ~~والسراقة والدلالة والماشطة والنائحة والمغنية والكاهنة والمعلمة ~~والمستخدمة والصناع في المغزل والنسيج، وما أشبه ذلك؛ أو ذا قرابة من ~~المرسل إليه لا يشح بها عليه. # فكم منيع سهل بهذه الأوصاف، وعسير يسر، وبعيد قرب، وجموح أنس، وكم داهية ~~دهت الحجب المصونة، والأستار الكثيفة، والمقاصير المحروسة، والسدد ~~المضبوطة، لأرباب هذه النعوت، ولولا أن أنبه عليها لذكرتها، ولكن لقطع ~~النظر فيها وقلة الثقة بكل أحد. # والسعيد من وعظ بغيره، وبالضد تتميز الأشياء. # أسبل الله علينا وعلى جميع المسلمين ستره، ولا زال على الجميع ظل ~~العافية. PageV01P142 ~~خبر: وإني لأعرف من كانت الرسول بينهما حمامة مؤدبة، ويعقد الكتاب في ~~جناحها، وفي ذلك أقول منها: [من الطويل] تخيرها نوح فما خاب ظنه %~% لديها ~~وجاءت نحوه بالبشائر سأودعها كتبي إليك فهاكها %~% رسائل تهدى في قوادم ~~طائر PageV01P143 ### | - 12 - باب طي السر # ومن بعض صفات الحب الكتمان باللسان، وجحود المحب إن سئل، والتصنع بإظهار ~~الصبر، وأن يري أنه عزهاة خلي. # ويأبى السر الدفين، ونار الكلف المتأججة في الضلوع، إلا ظهورا في الحركات ~~والعين، ودبيبا كدبيب النار في الفحم والماء في يبيس المدر. # وقد يمكن التمويه في أول الأمر على غير ذي الحس اللطيف، وأما بعد ~~استحكامه فمحال. # وربما يكون السبب في الكتمان تصاون المحب عن ان يسم نفسه بهذه السمة عند ~~الناس، لأنها بزعمه من صافت أهل البطالة، ms029 فيفر منها ويتفادى، وما هذا الوجه ~~بصحيح، فبحسب المرء المسلم أن يعف عن محارم الله عز وجل التي يأتيها ~~باختياره ويحاسب عليها يوم القيامة؛ وأما استحسان الحسن وتمكن الحب فطبع لا ~~يؤثر به ولا ينهى عنه، إذ القلوب بيد مقلبها. # ولا يلزمه غير المعرفة والنظر في PageV01P144 ~~فرق ما بين الخطأ والصواب وأن يعتقد الصحيح باليقين؛ وأما المحبة فخلقة، ~~وإنما يملك الإنسان حركات جوارحه المكتسبة؛ وفي ذلك أقول: [من الطويل] . # يلوم رجال فيك لم يعرفوا الهوى %~% وسيان عندي فيك لاح وساكت يقولون ~~جانبت التصاون جملة %~% وأنت عليم بالشريعة قانت فقلت لهم هذا الرياء بعينه ~~%~% صراحا وزيي للمرائين ماقت متى جاء تحريم الهوى عن محمد %~% وهل منعه في ~~محكم الذكر ثابت إذا لم أواقع محركا اتقي به %~% مجيئي يوم البعث والوجه ~~باهت فلست أبالي في الهوى قول لائم %~% سواء لعمري جاهر أو مخافت وهل يلزم ~~الإنسان إلا اختياره %~% وهل بخبايا اللفظ يؤخذ صامت خبر: وإني لأعرف بعض ~~من امتحن بشيء من هذا فسكن الوجد بين جوانحه، فرام جحده إلى أن غلظ الأمر، ~~وعرف ذلك في شمائله من تعرض للمعرفة ومن لم يتعرض. # وكان من عرض له بشيء نجهه وقبحه، إلى ان كان من أراد الحظوة لديه من ~~إخوانه يوهمه تصديقه في إنكاره وتكذيب من ظن به غير ذلك، فسر بهذا. # ولعهدي به يوما قاعدا ومعه بعض من كان يعرض له بما في ضميره، وهو ينتفي ~~غاية الانتفاء، إذ اجتاز بهما الشخص الذي كان يتهم بعلاقته، فما هو إلا أن ~~وقعت عينه على محبوبه حتى اضطرب وفارق هيئته الأولى، واصفر لونه، وتفاوتت ~~معاني كلامه بعد حسن تثقيف، فقطع كلامه المتكلم معه قلقا واسترعى ما كان ~~فيه من ذكره. # فقيل له: ما عدا عما بدا فقال: هو ما تظنون، عذر من عذر، وعذل من عذل؛ ~~ففي ذلك أقول شعرا منه: [من البسيط] . PageV01P145 ~~ما عاش إلا لأن الموت يرحمه %~% مما يرى تباريح الضنى فيه وأنا أقول: [من ~~الهزج] . # دموع الصب تنسفك %~% وستر الصب ينهتك كان ms030 القلب إذ يبدو %~% قطاة ضمها ~~شرك فيا أصحابنا قولوا %~% فغن الرأي مشترك إلى كم ذا أكاتمه %~% ومالي عنه ~~مترك وهذا إنما يعرض عند مقاومة طبع الكتمان والتصاون، لطبع المحب وغلبته، ~~فيكون صاحبه متحيزا بين نارين محرقتين، وربما كان سبب الكتمان إبقاء المحب ~~على محبوبه، وإن هذا لمن دلائل الوفاء وكرم الطبع؛ وفي ذلك أقول: [من ~~المتقارب] . # درى الناس أني فتى عاشق %~% كئيب معنى ولكن بمن إذا عاينوا حالتي أيقنوا ~~%~% وإن فتشوا رجموا في الظنن كخط يرى رسمه ظاهرا %~% وإن طلبوا شرحه لم ~~يبن كصوت حمام على أيكة %~% يرجع بالصوت في كل فن تلذ بنجواه أسماعنا %~% ~~ومعناه مستعجم لم يبن يقولون بالله سم الذي %~% نفى حبه عنك طيب الوسن PageV01P146 ~~وهيهات دون الذي حاولوا %~% ذهاب العقول وخوض الفتن فهم أبدا في اختلاج ~~الشكوك %~% بظن كقطع وقطع كظن وفي كتمان السر أقول قطعة منها: [من البسيط] ~~. # للسر عندي مكان لو يحل به %~% حي إذا لا اهتدى ريب المنون له أميته وحياة ~~السر ميتته %~% كما سرور المعنى في الهوى الوله وربما كان سبب الكتمان توقي ~~المحب على نفسه من إظهار سره، لجلالة قدر المحبوب. # خبر: ولقد قال بعض الشعراء بقرطبة تغزل فيه بصبح أم المؤيد رحمه الله، ~~فغنت به جارية أدخلت على المنصور بن أبي عامر ليبتاعها، فأمر بقتلها. # خبر: وعلى مثال هذا قتل أحمد بن مغيث، واستئصال آل مغيث والتسجيل عليهم ~~ألا يستخدم بواحد منهم أبدا حتى كان سببا لهلاكهم وانقراض بيتهم فلم يبق ~~منهم إلا الشريد الضال. # وكان سبب ذلك تغزله بإحدى بنات الخلفاء، ومثل هذا كثير. PageV01P147 ~~ويحكى عن الحسن بن هانئ أنه كان مغرما بحب محمد بن هارون المعروف بابن ~~زبيدة، وأحس منه ببعض ذلك فانتهزه على إدامة النظر إليه، فذكر عنه أنه كان ~~لا يقدر ان يديم النظر إليه إلا مع غلبة السكر على محمد. # وربما كان سبب الكتمان ألا ينفر المحبوب أو ينفر به. # فإني أدري من كان محبوبه له سكنا وجليسا، لو باح بأقل سبب من أنه يهواه ms031 ~~لكان منه " مناط الثريا قد تعلت نجومها "؛ وهذا ضرب من السياسة. # ولقد كان يبلغ من انبساط هذا المذكور مع محبوبه إلى فوق الغاية وأبعد ~~النهاية، فما هو إلا ان أباح إليه بما يجد فصار لا يصل إلى التافه اليسير ~~مع التيه ودالة الحب وتمنع الثقة بملك الفؤاد، وذهب ذلك الانبساط ووقع ~~التصنع والتجني، فكان أخا فصار عبدا، ونظيرا فعاد أسيرا، ولو زاد في بوحه ~~شيئا إلى أن يعلم خاصة المحبوب ذلك لما رآه إلا في الطيف، ولا نقطع القليل ~~والكثير، ولعاد ذلك عليه بالضرر. # وربما كان من أسباب الكتمان الحياء الغالب على الإنسان. # وربما كان من أسباب الكتمان ان يرى المحب من محبوبه انحرافا وصدا، ويكون ~~ذا نفس أبية، فيستتر بما يجد لئلا يشمت به عدو، أو ليريهم ومن يجب هوان ذلك ~~عليه. PageV01P148 ### | - 13 - باب الإذاعة # وقد تعرض في الحب الإذاعة، وهو من منكر ما يحدث من أعراضه، ولها أسباب: ~~منها أن يريد صاحب هذا الفعل ان يتزيا بزي المحبين ويدخل في عدادهم، وهذه ~~خلابة لا ترضى، وتجليح بغيض، ودعوى في الحب زائفة. # وربما كان من أسباب الكشف غلبة الحب وتسور الجهر على الحياء، فلا يملك ~~الإنسان حينئذ لنفسه صرفا ولا عدلا. # وهذا من أبعد غايات العشق وأقوى تحكمه على العقل، حتى يمثل الحسن في ~~تمثال القبيح، والقبيح في هيئة الحسن. # وهنالك يرى الخير شرا، والشر خيرا. # وكم مصون الستر مسبل القناع مسدول الغطاء قد كشف الحب ستره مثلا، وأحب ~~شيء إليه الفضيحة فيما لو مثل له قبل اليوم لاعتراه النافض عند ذكره، ~~ولطالت استعاذته منه، فسهل ما كان وعرا، وهان ما كان عزيزا، ولان ما كان ~~شديدا. # ولعهدي بفتى من سروات الرجال وعلية إخواني قد دهي بمحبة PageV01P149 ~~جارية مقصورة فلم بها وقطعه حبها عن كثير من مصالحه، وظهرت آيات هواه لكل ~~ذي بصر، إلى أن كانت هي تعذله على ما ظهر منه مما يقوده إليه هواه. # خبر: وحدثني موسى بن عاصم بن عمرو قال: كنت بين يدي أبي الفتح ms032 والدي رحمه ~~الله وقد أمرني بكتاب أكتبه، إذ لمحت عيني جارية كنت أكلف بها، فلم أملك ~~نفسي ورميت الكتاب عن يدي وبادرت نحوها. # وبهت أبي وظن انه عرض لي عارض؛ ثم راجعني عقلي فمسحت وجهي ثم عدت واعتذرت ~~بأنه غلبني الرعاف. # واعلم أن هذا داعية نفار المحبوب وفساد في التدبير، وضعف في السياسة؛ وما ~~شيء من الأشياء إلا وللمأخذ فيه سنة وطريقة متى تعداها الطالب أو خرق في ~~سلوكها انعكس عمله عليه، وكان كده عناء، وتعبه هباء، وبحثه وباء. # وكلما زاد عن وجه السيرة انحرافا وفي تجنبها إغراقا وفي غير الطريق ~~إيغالا ازداد عن بلوغ مراده بعدا؛ وفي ذلك أقول قطعة منها: [من الطويل] . # ولا تسع في الأمر الجسيم تهازؤا %~% ولا تسع جهرا في اليسير تريده وقابل ~~أفانين الزمان متى يرد %~% عليك فإن الدهر جم وروده بأشكالها من حسن سعيك ~~يكفك ال %~% يسير يسير والشديد شديده ألم تبصر المصباح أول وقده %~% ~~وإشعاله، بالنفخ يطفا وقوده PageV01P150 ~~وإن يتضرم لفحه ولهيبه %~% فنفحك يذكيه وتبدو مدوده خبر: وإني لأعرف من ~~أهل قرطبة من أبناء الكتاب وجلة الخدمة من اسمه أحمد بن فتح، كنت أعهده ~~كثير التصاون، من بغاة العلم وطلاب الأدب، يبذ أصحابه في الانقباض، ويفوقهم ~~في الرعة، لا ينظر إلا في حلقة فضل، ولا يرى إلا في محفل مرضي، محمود ~~المذاهب، جميل الطريقة، بائنا بنفسه، ذاهبا بها، ثم أبعدت الأقدار داري من ~~داره، فأول خبر طرأ علي بعد نزولي شاطبة أنه خلع عذاره في حب فتى من أبناء ~~الفتانين يسمى إبراهيم بن أحمد، اعرفه، لا تستأهل صفاته محبة من بيته خير ~~وخدم وأموال عريضة ووفر تالد. # وصح عندي أنه كسف رأسه وأبدى وجهه ورمى رسنه وحسر محياه وشمر عن ذراعيه ~~وصمد الشهوة. # فصار حديثا للسمار، متراجعا بين نقلة الأخبار، وتهودي ذكره في الأقطار، ~~وجرت نقلته في الأرض راحلة بالتعجب، ولم يحصل من ذلك إلا على كشف الغطاء، ~~وإذاعة السر، وشنعة الحديث، وقبح الأحدوثة، وشرود محبوبه عنه جملة، ~~والتحظير عليه من رؤيته البتة، ms033 وكان غنيا عن ذلك وبمندوحة واسعة ومعزل رحب ~~عنه، ولو طوى مكنون سره، وأخفى بنيات PageV01P151 ~~ضميره، لاستدام لباس العافية، ولم ينهج برد الصيانة، ولكان له في لقاء من ~~بلي به ومحادثته ومجالسته أمل من الآمال وتعلل كاف؛ وإن حبل العذر ليقطع ~~به، والحجة عليه قائمة؛ إلا أن يكون مختلطا في تمييزه، أو مصابا في عقله ~~بجليل ما فدحه، فربما آل ذلك لعذر صحيح، وأما إن كانت له بقية [من عقل] أو ~~ثبتت مسكة فهو ظالم في تعرضه ما يعلم أن محبوبه يكرهه ويتأذى به. # هذا غير صفة أهل الحب، وسيأتي هذا مفسرا في باب الطاعة، إن شاء الله ~~تعالى. # ومن أسباب الشف وجه ثالث، وهو عند أهل العقول وجه مرذول وفعل ساقط؛ وذلك ~~أن يرى المحب من محبوبه غدرا أو مللا أو كراهة؛ فلا يجد طريق الانتصاف منه ~~إلا بما ضرره عليه أعود منه على المقصود من الكشف والاشتهار، وهذا أشد ~~العار وأقبح الشنار وأقوى شواهد عدم العقل ووجود السخف. # وربما كان الكشف من حديث ينتشر وأقاويل تفشو، توافق قلة مبالاة من المحب ~~بذلك، ورضى بظهور سره، إما لإعجاب أو لاستظهار على بعض ما يؤمله؛ وقد رأيت ~~هذا الفعل لبعض إخواني من أبناء القواد. # وقرأت في بعض أخبار الأعراب أن نساءهم لا يقنعن ولا يصدقن عشق عاشق لهن ~~حتى يشتهر ويكشف حبه ويجاهر ويعلن وينوه بذكرهن، ولا أدري ما معنى هذا، على ~~انه يذكر عنهن العفاف، وأي عفاف مع امرأة أقصى مناها وسرورها الشهرة في هذا ~~المعنى؟ PageV01P152 ### | - 14 - باب الطاعة # ومن عجيب ما يقع في الحب طاعة المحب لمحبوبه، وصرفه طباعه قسرا إلى طباع ~~من يحبه، وربما يكون المرء شرس الخلق، صعب الشكيمة، جموح القيادة، ماضي ~~العزيمة، حمي الأنف، أبي الخسف، فما هو إلا ان يتنسم نسيم الحب، ويتورط ~~غمره، ويعوم في بحره، فتعود الشراسة ليانا، والصعوبة سهالة والمضاء كلالة، ~~والحمية استسلاما؛ وفي ذلك أقول قطعة منها: [من المتقارب] فهل للوصال إلينا ~~معاد %~% وهل لتصاريف ذا الدهر حد فقد أصبح ms034 السيف عبد القضيب %~% وأضحى ~~الغزال الأسير أسد وأقول شعرا منه: [من الطويل] وإني وإن تعتب لأهون هالك ~~%~% كزائف نقد ذل في يدي جهبذ على أن قتلي في هواك لذاذة %~% فيا عجبا من ~~هالك متلذذ ومنها: ولو أبصرت أنوار وجهك فارس %~% لأغناهم عن هرمزان وموبذ PageV01P153 ~~وربما كان المحبوب كارها لإظهار الشكوى متبرما بسماع الوجد، فترى المحب ~~حينئذ يكتم حزنه ويكظم أسفه وينطوي على علته، وإن الحبيب متجن، فعندها يقع ~~الاعتذار عن كل ذنب والإقرار بالجريمة، والمرء منها بريء، تسليما لقوله ~~وتركا لمخالفته. # وإني لأعرف من دهي بمثل هذا فما كان ينفك من توجيه الذنوب نحوه ولا ذنب ~~له، وإيقاع العتاب عليه والسخط وهو نقي الجلد. # وأقول شعرا إلى بعض إخواني، ويقرب مما نحن فيه، وإن لم يكن منه: [من ~~الطويل] وقد كنت تلقاني بوجه لقربه %~% تراض وللهجران عن قربه سخط وما تكره ~~العتب اليسير سجيتي %~% على أنه قد عيب في الشعر الوخط فقد يتعب الإنسان في ~~الفكر نفسه %~% وقد يحسن الخيلان في الوجه والنقط تزين إذا قلت ويفحش أمرها ~~%~% إذا أفرطت يوما وهل يحمد الفرط ومنه: أعنه فقد أضحى لفرط همومه %~% ~~يبكي له القرطاس والحبر والخط ولا يقولن قائل إن صبر المحب على ذلة المحبوب ~~دناءة في النفس فهذا خطأ، وقد علمنا أن المحبوب ليس كفؤا ولا نظيرا فيقارض ~~بأذاه، وليس سبه وجفاه مما يعير به الإنسان ويبقى ذكره على الأحقاب، ولا ~~يقع ذلك في مجالس الخلفاء ولا في مقاعد الرؤساء، فيكون الصبر مستجرا ~~للمذلة، والضراعة قائدة للاستهانة؛ فقد ترى الإنسان يكلف بأمته التي يملك ~~رقها، ولا يحول حائل بينه وبين التعدي عليها، فكيف الانتصاف منها. # وسبل الامتعاض من السب غير هذه، إنما ذلك بين علية الرجال الذين تحصى ~~أنفاسهم وتتبع معاني PageV01P154 ~~كلامهم فتوجه لها الوجوه البعيدة، لأنهم لا يوقعونها سدى ولا يلقونها ~~هملا، وأما المحبوب فصعدة ثابتة وقضيب مناد، يجفو ويرضى متى شاء لا لمعنى؛ ~~وفي ذلك أقول: [من الكامل] ليس التذلل في الهوى يستنكر %~% فالحب فيه يخضع ~~المستكبر لا ms035 تعجبوا من ذلتي في حالة %~% قد ذل فيها قبلي المستنصر ليس ~~الحبيب مماثلا ومكافيا %~% فيكون صبرك ذلة إذ تصبر تفاحة وقعت فآلم وقعها ~~%~% هل قطعها منك انتصارا يذكر خبر: وحدثني أبو دلف الوراق عن مسلمة بن ~~أحمد الفيلسوف المعروف بالمجريطي أنه قال في المسجد الذي بشرقي مقبرة قريش ~~بقرطبة الموازي لدار الوزير أبي عمر أحمد بن محمد بن حدير رحمه الله: PageV01P155 ~~في هذا المسجد كان مربض مقدم الأصفر أيام حداثته لعشق بعجيب فتلا الوزير ~~أبي عمر المذكور، وكان يترك الصلاة في مسجد مسرور وبها كان سكناه، ويقصد في ~~الليل والنهار إلى هذا المسجد بسبب عجيب، حتى أخذه الحرس غير ما مرة في ~~الليل في حين انصرافه عن صلاة العشاء الآخرة، وكان يقعد وينظر منه إلى أن ~~كان الفتى يغضب ويضجر ويقوم إليه فيوجعه ضربا ويلطم خديه وعينيه، فيسر بذلك ~~ويقول: هذا والله أقصى أمنيتي قرت عيني، وكان على هذا زمانا يماشيه. # قال أبو دلف: ولقد حدثنا مسلمة بهذا الحديث غير مرة بحضرة عجيب عندما كان ~~يرى من وجاهة مقدم بن الأصفر وعرض جاهه وعافيته، فكانت حال مقدم بن الأصفر ~~هذا قد جلت جدا واختص بالمظفر بن أبي عامر اختصاصا شديدا واتصل والدته ~~وأهله، وجرى على يديه من بنيان المساجد والسقايات وتسبيل وجوه الخير غير ~~قليل، مع تصرفه في كل ما يتصرف فيه أصحاب السلطان من العناية بالناس وغير ~~ذلك. # خبر: وأشنع من هذا أنه كانت لسعيد بن منذر بن سعيد صاحب PageV01P156 ~~الصلاة في جامع قرطبة أيام حكم المستنصر بالله رحمه الله جارية يحبها حبا ~~شديدا، فعرض عليها أن يعتقها ويتزوجها، فقالت له ساخرة به؛ وكان عظيم ~~اللحية: إن لحيتك أستبشع عظمها، فإن حذفت منها كان ما ترغبه. # فأعمل الجلمين فيها حتى لطفت، ثم دعا بجماعة شهود وأشهدهم على عتقها، ثم ~~خطبها إلى نفسه فلم ترض به، وكان في جملة من حضر أخوه حكم بن منذر فقال لمن ~~حضر: اعرض عليها أني أخطبها أنا، ففعل فأجابت إليه، فتزوجها في ذلك المجلس ms036 ~~بعينه ورضي بهذا العار الفادح على ورعه ونسكه واجتهاده. # فأنا أدركت سعيدا هذا وقد قتله البربر يوم دخولهم قرطبة عنوة وانتهابهم ~~إياها، وحكم المذكور أخوه هو رأس المعتزلة بالأندلس وكبيرهم وأستاذهم ~~ومتكلمهم وناسكهم، وهو مع ذلك شاعر طيب وفقيه. # وكان أخوه عبد الملك بن منذر متهما بهذا المذهب أيضا، ولي خطة الرد أيام ~~الحكم رضي الله عنه، وهو الذي صلبه المنصور ابن أبي عامر إذ اتهمه هو ~~وجماعة من الفقهاء والقضاة بقرطبة أنهم يبايعون سرا لعبد الرحمن بن عبيد ~~الله ابن أمير المؤمنين الناصر رضي الله عنهم، فقتل عبد الرحمن وصلب عبد ~~الملك بن منذر وبدد شمل من اتهم. # وكان أبوهم قاضي القضاة منذر بن سعيد متهما بمذهب الاعتزال أيضا، وكان ~~أخطب الناس وعلمهم بكل فن وأورعهم وأكثرهم هزلا ودعابة. # وحكم المذكور في الحياة في حين كتابتي إليك بهذه الرسالة قد كف بصره وأسن ~~جدا. # توفي بمدينة سالم في نحو 420 ه (الصلة: 146) ؛ وثالث الأبناء هو عبد ~~الملك أبو مروان، ولي خطوة الرد ثم لحقته التهمة التي يشير إليها ابن حزم ~~فصلب على باب سدة السلطان (وهو الباب الرئيسي لقصر الخلافة بقرطبة) سنة 368 ~~وهو في حدود الأربعين من عمره PageV01P157 ~~خبر: ومن عجيب طاعة المحب لمحبوبه أني أعرف من كان سهر الليالي الكثيرة ~~ولقي الجهد الجاهد فقطعت قلبه ضروب الوجد ظفر بمن يحب وليس به امتناع ولا ~~عنده دفع، فحين رأى منه بعض الكراهة لما نواه تركه وانصرف عنه، لا تعففا ~~ولا تخوفا لكن توقفا عند موافقته رضاه، ولم يجد من نفسه معينا على إتيان ما ~~لم ير له إليه نشاطا وهو يجد ما يجد. # وإني لأعرف من فعل هذا الفعل ثم تندم لعذر ظهر من المحبوب؛ فقلت في ذلك: ~~[من الرمل] غافص الفرصة واعلم أنها %~% كمضي البرق تمضي الفرص كم أمور ~~أمكنت أهملها %~% هي عندي إذ تولت غصص بادر الكنز الذي ألفيته %~% وانتهز ~~صيدا كباز يقنص ولقد عرض مثل هذا بعينه لأبي المطرف عبد الرحمن بن أحمد بن ~~محمود ms037 صديقنا وأنشدته أبياتا لي فطار بها كل مطار، وأخذها مني فكانت ~~هجيراه. # خبر: ولقد سألني يوما أبو عبد الله محمد بن كليب من أهل القيروان أيام ~~كوني بالمدينة، وكان طويل اللسان جدا مثقفا للسؤال في كل فن فقال لي، وقد ~~جرى بعض ذكر الحب ومعانيه: إذا كره من أحب لقائي وتجنب قربي فما أصنع قلت: ~~أرى أن تسعى في إدخال الروح PageV01P158 ~~على نفسك بلقائه وإن كره. # فقال: لكني لا أرى ذلك بل أوثر هواه على هواي ومراده على مرادي، وأصبر ~~ولو كان في ذلك الحتف. # فقلت له: إني إنما أحببته لنفسي ولالتذاذها بصورته فأنا أتبع قياسي وأقود ~~أصلي وأقفو طريقتي في الرغبة في سرورها، فقال لي: هذا ظلم من القياس، أشد ~~من الموت ما تمني له الموت، وأعز من النفس ما بذلت له النفس. # فقلت له: إن بذلك نفسك وإدخالك الحتف عليها. # فقال لي: أنت رجل جدلي ولا جدل في الحب يلتفت إليه، فقلت له: إذا كان ~~صاحبه مؤوفا، فقال: وأي آفة أعظم من الحب؟ . PageV01P159 ### | - 15 - باب المخالفة # وربما اتبع المحب شهوته وركب رأسه فبلغ شفاءه من محبوبه، وتعمد مسرته منه ~~على كل الوجوه، سخط أو رضي. # ومن ساعده الوقت على هذا وثبت جنانه وأتيحت له الأقدار استوفى لذته ~~جميعها، وذهب غمه، وانقطع همه، ورأى أمله، وبلغ مرغوبه. # وقد رأيت من هذه صفته؛ وفي ذلك أقول أبياتا منها: [من السريع] إذا أنا ~~بلغت نفسي المنى من رشأ ما زال لي ممرضا فما أبالي الكره من طاعة %~% ولا ~~أبالي سخطا من رضى إذا وجدت الماء لابد أن %~% أطفي به مشعل جمر الغضا PageV01P160 ### | - 16 - باب العاذل # وللحب آفات، فأولها العاذل، والعذل أقسام: # 1 - فأولهم صديق قد أسقطت مؤنة ~~التحفظ بينك وبينه، فعذله أفضل من كثير المساعدات، وهو من الحض والنهي، وفي ~~ذلك زاجر للنفس عجيب، وتقوية لطبيعة بها حرض وغمل، ودواء تستد عليه الشهوة، ~~ولا سيما إن كان رفيقا في قوله، حسن التوصل إلى ما يورد من المعاني بلفظه، ~~عالما بالأوقات التي ms038 يؤكد فيها النهي، وبالأحيان التي يزيد فيها الأمر، ~~والساعات التي يكون فيها واقفا بين هذين، على قدر ما يرى من تسهل العاشق ~~وتوعره، وقبوله وعصيانه. # 2 - ثم عاذل زاجر لا يفيق أبدا من الملامة، وذلك خطب شديد وعبء ثقيل. # ووقع لي مثل هذا، وإن لم يكن من جنس الكتاب ولكنه يشبهه، وذلك أن أبا ~~السري عمار بن زياد صديقنا أكثر PageV01P161 ~~من عذلي على نحو نحوته، وأعان علي بعض من لامني في ذلك الوجه أيضا، وكنت ~~أظن أنه سيكون معي، مخطئا كنت أو مصيبا، لوكيد صداقتي وصحيح اخوتي به. # ولقد رأيت من اشتد وجده وعظم كلفه حتى كل العذل أحب شيء إليه، ليري ~~العاذل عصيانه ويستلذ مخالفته، ويحصل مقاومته للأئمه وغلبته إياه، كالملك ~~الهازم لعدوه، والمجادل الماهر الغالب لخصمه، ويسر بما يقع منه في ذلك ~~وربما كان هو المستجلب لعذل العاذل بأشياء يوردها توجب ابتداء العذل، وفي ~~ذلك أقول أبياتا منها: [من البسيط] أحب شيء إلي اللوم والعذل %~% كي أسمع ~~اسم الذي ذكراه لي أمل كأنني شارب بالعذل صافية %~% وباسم مولاي بعد الشرب ~~انتقل PageV01P162 ### | - 17 - باب المساعد من الاخوان # ومن الأسباب المتمناة في الحب ان يهب الله عز وجل للإنسان صديقا مخلصا، ~~لطيف القول، بسيط الطول، حسن المأخذ، دقيق المنفذ، متمكن البيان، مرهف ~~اللسان، جليل الحلم، واسع العلم، قليل المخالفة، عظيم المساعفة، شديد ~~الاحتمال، صابرا على الإدلال، جم الموافقة، جميل المخالفة، مستوي المطابقة، ~~محمود الخلائق، مكفوف البوائق، محتوم المساعدة، كارها للمباعدة، نبيل ~~المداخل، مصروف الغوائل، غامض المعاني، عارفا بالأماني، طيب الأخلاق، سري ~~الأعراق، مكتوم السر، كثير البر، صحيح الأمانة، مأمون الخيانة، كريم النفس، ~~صحيح الحدس، مضمون العون، كامل الصون، مشهور الوفاء، ظاهر الغناء، ثابت ~~القريحة، مبذول النصيحة، مستيقن الوداد، سهل الانقياد، حسن الإعتقاد، صادق ~~اللهجة، خفيف المهجة، عفيف الطباع، رحب الذراع، واسع الصدر، متخلقا بالصبر، ~~يألف الإمحاض، ولا يعرف الإعراض، يستريح إليه ببلابله، ويشاركه في خلوة ~~فكره، ويفاوضه في مكتوماته، وإن فيه للمحب لأعظم الراحات، وأين هذا فغن ~~ظفرت به يداك ms039 فشدهما عليه شد الضنين، وأمسك بهما إمساك PageV01P163 ~~البخيل، وصنه بطارفك وتالدك، فمعه يكمل الانس، وتنجلي الأحزان ويقصر ~~الزمان، وتطيب الأحوال. # ولن يفقد الانسان من صاحب هذه الصفة عونا جميلا، ورأيا حسنا، ولذلك اتخذ ~~الملوك الوزراء والدخلاء كي يخففوا عنهم بعض ما حملوه من شديد الأمور ~~وطوقوه من باهظ الأحمال، ولكي يستغنوا بآرائهم، ويستمدوا بكفايتهم، وإلا ~~فليس في قوة الطبيعة أن تقاوم كل ما يرد عليها دون استعانة بما يشاكلها وهو ~~من جنسها. # ولقد كان بعض المحبين - لعدمه هذه الصفة من الإخوان، وقلة ثقته منهم لما ~~جربه من الناس وانه لم يعدم ممن باح إليه بشيء من سره أحد وجهين: إما إزراء ~~على رأيه وإما إذاعة لسره - أقام الوحدة مقام الأنس، وكان ينفرد في المكان ~~النازح عن الأنيس، ويناجي الهواء، ويكلم الأرض، ويجد في ذلك راحة كما يجد ~~المريض في التأوه، والمحزون في الزفير؛ فغن الهموم إذا ترادفت في القلب ضاق ~~بها، فإن لم ينص منها شيء باللسان، ولم يسترح إلى الشكوى لم يلبث ان يهلك ~~غما ويموت أسفا. # وما رأيت الإسعاد أكثر منه في النساء، فعندهن من المحافظة على هذا الشان ~~والتواصي بكتمانه والتواطؤ على طيه إذا اطلعن عليه ما ليس عند الرجال، وما ~~رأيت امرأة كشفت سر متحابين إلا وهي عند النساء ممقوتة مستثقلة مرمية عن ~~قوس واحدة. # وإنه ليوجد عند العجائز في هذا الشان ما لا يوجد عند الفتيات، لان ~~الفتيات منهن ربما كشفن ما علمن على سبيل التغير، وهذا لا يكون إلا في ~~الندرة، وأما العجائز فقد يئسن من أنفسهن فانصرف الإشفاق محضا إلى غيرهن. PageV01P164 ~~خبر: وإني لأعلم امرأة موسرة ذات جوار وخدم، فشاع على إحدى جواريها أنها ~~تعشق فتى من أهلها ويعشقها، وأن بينهما معاني مكروهة، وقيل لها: إن جاريتك ~~فلانة تعرف ذلك وعندها جلية أمرها، فأخذتها وكانت غليظة العقوبة فأذاقتها ~~من أنواع الضرب والإيذاء ما لا يصبر على مثله جلداء الرجال، رجاء ان تبوح ~~لها بشيء مما ذكر لها، فلم تفعل البتة. # خبر: وإني لأعلم ms040 امرأة جليلة حافظة لكتاب الله عز وجل ناسكة مقبلة على ~~الخير، وقد ظفرت بكتاب لفتى إلى جارية كان يكلف بها، وكانت في غير ملكها، ~~فعرفته الأمر فرام الإنكار فلم يتهيأ له ذلك، فقال له: مالك ومن ذا عصم فلا ~~تبال بهذا، فوالله لا أطلعت على سركما أحدا أبدا، ولو أمكنني ان أبتاعها لك ~~من مالي ولو أحاط به كله لجعلتها لك في مكان تصل إليها فيه ولا يشعر بذلك ~~أحد. # وإنك لترى المرأة الصالحة المسنة المنقطعة الرجاء من الرجال، وأحب ~~أعمالها إليها وأرجاها للقبول عندها سعيها في تزويج يتيمة، وإعارة ثيابها ~~وحليها لعروس مقلة. # وما أعلم علة تمكن هذا الطبع من النساء إلا أنهت متفرغات البال من كل شيء ~~إلا من الجماع ودواعيه، والغزل وأسبابه، والتآلف ووجوهه، لا شغل لهن غيره، ~~ولا خلقن لسواه؛ والرجال مقتسمون في كسب المال وصحبة السلطان وطلب العلم ~~وحياطة العيال ومكابدة الأسفار والصيد وضروب الصناعات ومباشرة الحروب ~~وملاقاة الفتن وتحمل المخاوف وعمارة الأرض، وهذا كله متحيف للفراغ، صارف عن ~~طريق البطل. PageV01P165 ~~وقرأت في سير ملوك السودان أن الملك منهم يوكل ثقة له بنسائه يلقي عليهن ~~ضريبة من غزل الصوف يشغلن بها أبد الدهر، لأنهم يقولون: إن المرأة إذا بقيت ~~بغير شغل إنما تتشوف إلى الرجال، وتحن إلى النكاح. # ولقد شاهدت النساء وعلمت من أسرارهن ما لا يكاد يعلمه غيري، لأني ربيت في ~~حجورهن، ونشأت بين أيديهن، ولم أعرف غيرهن، ولا جالست الرجال إلا وأنا في ~~حد الشباب وحين تبقل وجهي؛ وهن علمتني القرآن وروينني كثيرا من الأشعار ~~ودربنني في الخط، ولم يكن وكدي وإعمال ذهني مذ أول فهمي وأنا في سن الطفولة ~~جدا إلا تعرف أسبابهن، والبحث عن أخبارهن، وتحصيل ذلك. # وأنا لا أنسى شيئا مما أراه منهن، وأصل ذلك غيرة شديدة طبعت عليها، وسوء ~~ظن في جهتهن فطرت به، فأشرفت من أسبابهن على غير قليل، وسيأتي ذلك مفسرا في ~~أبوابه، إن شاء الله تعالى. PageV01P166 ### | - 18 - باب الرقيب # ومن آفات الحب الرقيب، وإنه لحمى باطنة، ms041 وبرسام ملح، وفكر مكب. # والرقباء أقسام: 1 - فأولهم مثقل بالجلوس، غير متعمد، في مكان اجتمع فيه ~~المرء مع محبوبه، وعزما على إظهار شيء من سرهما والبوح بوجدهما والانفراد ~~بالحديث. # ولقد يعرض للمحب من القلق بهذه الصفة ما لا يعرض له مما هو أشد منها، ~~وهذا وإن كان يزول سريعا فهو عائق حال دون المراد وقطع متون الرجاء. # ولقد شاهدت يوما محبين في مكان قد ظنا انهما انفردا فيه وتأهبا للشكوى، ~~فاستحليا ما هما فيه من الخلوة، ولم يكن الموضع حمى، فلم يلبثا أن طلع ~~عليهما من كانا يستثقلانه، فرآني فعدل إلي وأطال الجلوس معي، فلو رأيت ~~الفتى المحب وقد تمازح الأسف البادي على وجهه مع الغضب لرأيت عجبا، وفي ذلك ~~أقول قطعة منها: [من الطويل] . # يطيل جلوسا وهو أثقل جالس %~% ويبدي حديثا لست أرضي فنونه شمام ورضوى ~~واللكام ويذبل %~% ولبنان والصمان والحزن دونه 2 - ثم رقيب قد أحس من ~~أمرهما بطرف، وتوجس من مذهبهما شيئا، فهو يريد أن يستقري حقيقة ذلك، فيدمن ~~الجلوس، ويطيل القعود، ويتقفى الحركات، ويرمق الوجوه، ويحصي الأنفاس، وهذا ~~أعدى من الجرب. # وإني لأعرف من هم أن يباطش PageV01P167 ~~رقيبا هذه صفته؛ وفي ذلك أقول قطعة منها: [من مخلع البسيط] مواصل لا يغب ~~قصدا %~% اعظم بهذا الوصال غما صار وصرنا لفرط ما لا %~% يزول كالإسم ~~والمسمى 3 - ثم رقيب على المحبوب، فذلك لا حيلة فيه إلا بترضيه. # وإذا أرضي فذلك غاية اللذة، وهذا الرقيب هو الذي ذكرته الشعراء في ~~أشعارها. # ولقد شاهدت من تلطف في استرضاء رقيب حتى صار الرقيب عليه رقيبا له، ~~ومتغافلا في وقت التغافل، ودافعا عنه وساعيا له؛ ففي ذلك أقول: [من الطويل] ~~ورب رقيب أرقبوه فلم يزل %~% على سيدي عمدا ليبعدني عنه فما زالت الألطاف ~~تحكم أمره %~% إلى ان غدا خوفي له أمنا منه وكان حساما سل حتى يهذني %~% ~~فعاد محبا ما لنعمته كنه وأقول قطعة، منها: [من المنسرح] صار حياة وكان سهم ~~ردى %~% وكان سما فصار درياقا وإني لأعرف من رقب على بعض ms042 من كان يشفق عليه ~~رقيبا وثق به عند نفسه، فكان اعظم الآفة عليه وأصل البلاء فيه. # واما إذا لم يكن في الرقيب حيلة ولا وجد إلى ترضيه سبيل، فلا طمع إلا ~~بالإشارة بالعين همسا وبالحاجب أحيانا، والتعريض اللطيف بالقول، وفي ذلك ~~متعة وبلاغ إلى حين، يقنع به المشتاق؛ وفي ذلك أقول شعرا أوله: [من الطويل] ~~على سيدي مني رقيب محافظ %~% وفي لمن والاه ليس بناكث ومنه: ويقطع أسباب ~~اللبانة في الهوى %~% ويفعل فيها فعل بعض الحوادث PageV01P168 ~~كان له في قلبه ريبة (1) ترى %~% وفي كل عين مخبر بالأحادث ومنه: (2) على ~~كل من حولي رقيبان رقبا %~% وقد خصني ذو العرش منهم بثالث وأشنع ما يكون ~~الرقيب إذا كان ممن امتحن بالعشق قديما ودهي به وطالت مدته فيه، ثم عري عنه ~~بعد إحكامه لمعانيه، فكان راغبا في صيانة من رقب عليه، فتبارك الله أي رقبة ~~تأتي منه، وأي بلاء مصبوب يحل على أهل الهوى من جهته؛ وفي ذلك أقول: [من ~~الوافر] . # رقيب طالما عرف الغراما %~% وقاسى الوجد وامتنع المناما ولاقى في الهوى ~~ألما أليما %~% وكاد الحب يورده الحماما وأتقن حيلة الصب المعنى %~% ولم ~~يضع الإشارة والكلاما وأعقبه التسلي بعد هذا %~% وصار يرى الهوى عارا وذاما ~~وصير دون من أهوى رقيبا %~% ليبعد عنه صبا مستهاما فأي بلية صبت علينا %~% ~~وأي مصيبة حلت لماما ومن طريف معاني الرقباء أني أعرف محبين مذهبهما واحد ~~في حب محبوب واحد بعينه، فلعهدي بهما كل واحد منهما رقيب على صاحبه. # وفي ذلك أقول: [من السريع] . # صبان هيمانان في واحد %~% كلاهما عن خدنه منحرف كالكلب في الآري لا يعتلف ~~%~% (3) ولا يخلي الغير أن يعتلف PageV01P169 ### | - 19 - باب الواشي # ومن آفات الحب الواشي، وهو على ضربين: أحدهما واش يريد القطع بين ~~المتحابين فقط، وإن هذا لأفترهما سوءة، على انه السم الذعاف والصاب الممقر ~~والحتف القاصد والبلاء الوارد. # وربما لم ينجع ترقيشه. # وأكثر ما يكون الواشي فإلى المحبوب، وأما المحب فهيهات، حال الجريض دون ~~القريض، ومنع الحرب من الطرب، شغله بما هو مانع ms043 له من استماع الواشي. # وقد علم الوشاة ذلك، وإنما يقصدون إلى الخلي البال، الصائل بحوزة الملك، ~~المتغيب عند أقل سبب. # وإن للوشاة ضروريا من التنقيل، فمنها أن يذكر للمحبوب عمن يحب أنه غير ~~كاتم للسر، وهذا مكان صعب المعاناة، بطئ البرء إلا أن يوافق معارضا للمحب ~~في محبته، وهذا أمر يوجب النفار، فلا فرج للمحبوب إلا بأن تساعده الأقدار ~~بالاطلاع على بعض أسرار من PageV01P170 ~~يحب، بعد أن يكون المحبوب ذا عقل، وله حظ من تمييز، ثم يدعه والمطاولة. # فإذا تكذب عنده نقل الواشي مع ما اظهر من التحفظ والجفاء، ولم يسمع لسره ~~إذاعة علم أنه إنما زور له الباطل، واضمحل ما قام في نفسه. # ولقد شاهدت هذا بعينه لبعض المحبين مع بعض من كان يحب، وكان المحبوب شديد ~~المراقبة عظيم الكتمان، وكثر الوشاة بينهما وحدث في حب لم يكن، حتى ظهرت ~~اعلام ذلك في وجهه، وركبته وجمة، وأظلته فكرة، ودهمته حيرة، إلى أن ضاق ~~صدره وباح بما نقل إليه؛ فلو شاهدت مقام المحب في اعتذاره لعلمت أن الهوى ~~سلطان مطاع، ناء مشدود الأواخي، وسنان نافذ، وكان اعتذاره بين الاستسلام ~~والاعتراف والإنكار والتوبة والرمي بالمقاليد، فبعد لأي ما صلح الأمر ~~بينهما. # وربما ذكر الواشي أن ما يظهر المحب من المحبة ليس بصحيح، وان مذهبه في ~~ذلك شفاء نفسه وبلوغ وطره؛ وهذا فصل من النقل وإن كان شديدا فهو أيسر ~~معاناة مما قبله. # فحالة المحب غير حالة المتلذذ. # وشواهد الوجد متفاوتة بينهما. # وقد وقع من هذا نبذ كافية في باب الطاعة. # وربما نقل الواشي أن هوى العاشق مشترك، وهذه النار المحرقة والوجع الفاشي ~~في الأعضاء. # وإذا وافق الناقل لهذه المقالة ان يكون المحب فتى حسن الوجه حلو الحركات، ~~مرغوبا فيه مائلا إلى اللذات، دنياوي الطبع، والمحبوب امرأة جليلة القدر ~~سرية المنصب، فأقرب الأشياء سعيها في إهلاكه وتصديها لحتفه، وهذه كانت ميتة ~~مروان بن أحمد بن حدير، والد أحمد المتنسك، وموسى وعبد PageV01P171 ~~الرحمن المعروفين بابني لبنى، من قبل قطر الندى جارته، وفي ذلك ms044 أقول ~~محذرا لبعض إخواني قطعة منها: [من الطويل] وهل يأمن النسوان غير مغفل %~% ~~جهول لأسباب الردى متعرض وكم وارد حوضا من الموت أسودا ترشفه من طيب الطعم ~~أبيض والثاني واش يسعى للقطع بين المحبين لينفرد بالمحبوب ويستأثر به، وهذا ~~أشد شيء وأفظعه وأجزم لاجتهاد الواشي واستفادته بجهده. # ومن الوشاة جنس ثالث، وهو واش يسعى بهما جميعا ويكشف سرهما، وهذا لا ~~يلتفت إليه إذا كان المحب مساعدا؛ وفي ذلك أقول: [من الطويل] عجبت لواش ظل ~~يكشف أمرنا %~% وما بسوى أخبارنا يتنفس وماذا عليه من عنائي ولوعتي %~% أنا ~~آكل الرمان والولد تضرس ولابد أن أورد ما يشبه ما نحن فيه، وإن كان خارجا ~~منه، وهو شيء في بيان التنقيل والنمائم. # فالكلام يدعو بعضه بعضا كما شرطنا في أول الرسالة: PageV01P172 ~~وما في جميع الناس شر من الوشاة، وهم النمامون، وإن النميمة لطبع يدل على ~~نتن الأصل، ورداءة الفرع، وفساد الطبع، وخبث النشأة، ولابد لصاحبه من ~~الكذب؛ والنميمة فرع من فروع الكذب ونوع من أنواعه، وكل نمام كذاب، وما ~~أحببت كذابا قط، وإني لأسامح في إخاء كل ذي عيب وإن كان عظيما، واكل أمره ~~إلى خالقه عز وجل، وآخذ ما ظهر من أخلاقه حاشا من أعلمه يكذب، فهو عندي ماح ~~لكل محاسنه، وذلك لان كل ذنب فهو يتوب عنه صاحبه وكل ذام فقد يمكن الاستتار ~~به والتوبة منه، حاشا الكذب فلا سبيل إلى الرجعة عنه ولا إلى كتمانه حيث ~~كان. # وما رأيت قط ولا أخبرني من رأى كذابا ترك الكذب ولم يعد إليه، ولا بدأت ~~قط بقطيعة ذي معرفة إلا أن أطلع له على الكذب، فحينئذ أكون أنا القاصد إلى ~~مجانبته والمتعرض لمتاركته، وهي سمة ما رأيتها قط في أحد إلا وهو مزنون ~~إليه بشر في نفسه، مغموز عليه لعاهة سوء في ذاته، نعود بالله من الخذلان. # وقد قال بعض الحكماء: آخ من شئت واجتنب ثلاثة: الأحمق فإنه يريد أن ينفعك ~~فيضرك، والملوك فإنه أوثق ما تكون به لطول الصحبة وتأكدها بخذلك، والكذاب ~~فإنه ms045 يجني عليك آمن ما كنت فيه من حيث لا تشعر. # وحديث عن الرسول الله (صلى الله عليه وسلم) : " حسن العهد من الإيمان "؛ ~~وعنه عليه السلام: " لا يؤمن الرجل بالإيمان كله حتى يدع الكذب في المزاح ~~". # حدثنا PageV01P173 ~~بهذا أبو عمر أحمد بن محمد عن محمد بن عيسى بن رفاعة عن علي بن عبد ~~العزيز عن أبي عبيد القاسم بن سلام عن شيوخه، والآخر منهما مسند إلى عمر بن ~~الخطاب وابنه عبد الله رضي الله عنهما. # والله عز وجل يقول:) يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون. # كبر مقتا عند الله ان تقولوا ما لا تفعلون ((الصف 3 - 4) . # وعن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أنه سئل هل يكون المؤمن بخيلا فقال: ~~نعم. # قيل: فهل يكون المؤمن جبانا فقال: نعم. # قيل: فهل يكون المؤمن كذابا فقال: لا. # حدثناه أحمد بن محمد ابن أحمد عن أحمد بن سعيد عن عبيد الله بن يحيى عن ~~أبيه عن مالك بن أنس عن صفوان بن سليم. # وبهذا الإسناد، أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال: " لا خير في ~~الكذب " في حديث سئل فيه. # وبهذا الإسناد عن مالك أنه بلغه عن ابن مسعود أنه كان يقول: " لا يزال ~~العبد يكذب وينكت في قلبه نكته سوداء حتى يسود القلب فيكتب عند الله من ~~الكذابين " وبهذا الإسناد عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال: " عليكم ~~بالصدق فإنه يهدي إلى البر والبر PageV01P174 ~~يهدي إلى الجنة، وإياكم والكذب فإنه يهدي إلى الفجور، والفجور يهدي إلى ~~النار ". # وروي أنه أتاه (صلى الله عليه وسلم) رجل فقال: يا رسول الله، إني أستهتر ~~بثلاث: الخمر والزنا والكذب. # فمرني أيها أترك، قال: اترك الكذب، فذهب عنه. # ثم أراد الزنا ففكر فقال: آتي رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فيسألني: ~~أزينت فإن قلت: نعم، حدني، وإن قلت: لا، نقضت العهد، فتركه. # ثم كذلك في الخمر. # فعاد إلى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فقال: يا رسول الله إني تركت ~~الجميع. # فالكذب أصل ms046 كل فاحشة، وجامع كل سوء، وجالب لمقت الله عز وجل. # وعن أبي بكر الصديق رضي الله عنه قال: كل الخلال يطبع عليها المؤمن إلا ~~الخيانة والكذب. # وعن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أنه قال: " ثلاث من كن فيه كان ~~منافقا: من إذا وعد أخلف، وإذا حدث كذب، وإذا اؤتمن خان ". # وهل الكفر إلا كذب على الله عز وجل، والله الحق وهو يحب الحق، وبالحق ~~قامت السموات والأرض. # وما رأيت أخزى من كذاب، وما هلكت الدول، ولا هلكت الممالك، ولا سفكت ~~الدماء ظلما، ولا PageV01P175 ~~ظلما الأستار بغير النمائم والكذب، ولا أكدت البغضاء والإحن المردية إلا ~~بنمائم لا يحظى صاحبها إلا بالمقت والخزي والذل، وأن ينظر منه الذي ينقل ~~إليه فضلا عن غيره بالعين التي ينظر بها من الكلب. # والله عز وجل يقول:) ويل لكل همزة لمزة ((الهمزة: 1) ويقول جل من قائل:) ~~يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا ((الحجرات: 6) فسمى النقل ~~باسم الفسوق، ويقول:) ولا تطع كل حلاف مهين هماز مشاء بنميم. # مناع للخير معتد أثيم. # عتل بعد ذلك زنيم ((القلم: 10 - 13) . # والرسول عليه السلام يقول: " لا يدخل الجنة قتات " (1) ويقول: " واياكم ~~وقاتل الثلاثة " يعني المنقل والمنقول إليه والمنقول عنه (2) . # والأحنف يقول: " الثقة لا يبلغ (3) وحق لذي الوجهين ألا يكون عند الله ~~وجيها؛ وهو ما يجعله من أخس الطبائع وأرذلها. # ولي إلى أبي اسحاق إبراهيم بن عيسى الثقفي الشاعر رحمه الله، وقد نقل ~~إليه رجل من إخواني عني كذبا على جهة الهزل، وكان هذا الشاعر كثير الوهم ~~فأغضبه (4) وصدقه، وكلاهما كان لي صديقا، PageV01P176 ~~وما كان الناقل إليه من أهل هذه الصفة ولكنه كان كثير المزاح جم الدعابة، ~~فكتبت إلى أبي إسحاق، وكان يقول بالخبر، شعرا منه: [من الطويل] ولا تتبدل ~~قالة قد سمعتها %~% تقال ولا تدري الصحيح بما تدري كمن قد أرق الماء للآل ~~أن بدا %~% فلاقى الردى في الأفيح المهمه القفر وكتبت إلى الذي نقل عني ~~شعرا منه: [من الطويل] ولا تدغمن في الجد مزحا كمولج %~% فساد ms047 علاج النفس ~~طي صلاحها ومن كان نقل الزور أمضى سلاحه %~% كمثل الحبارى تتقي بسلاحها ~~وكان لي صديق مرة وكثر التدخيل بيني وبينه حتى كدح ذلك PageV01P177 ~~فيه واستبان في وجهه وفي لحظه، وطبعت على التأني والتربص والمسالمة ما ~~امكنت، ووجدت بالانخفاض سبيلا إلى معاودة المودة، فكتبت إليه شعرا، منه: ~~[من الطويل] ولي في الذي أبدي مرام لو أنها %~% بدت ما ادعى حسن الرماية ~~وهرز وأقول مخاطبا لعبيد الله بن يحيى الجزيري الذي يحفظ لعمه الرسائل ~~البليغة، وكان طبع الكذب قد استولى عليه، واستحوذ على عقله، وألفه ألفة ~~النفس الأمل، ويؤكد نقله وكذبه بالأيمان المؤكدة المغلظة مجاهرا بها، أكذب ~~من السراب، مستهترا بالكذب مشغوفا به، لا يزال يحدث من قد صح عنده أنه لا ~~يصدقه، فلا يزجره ذلك عن أن يحدث بالكذب: [من الطويل] بدا كل ما كتمته بين ~~مخبر %~% وحال أرتني قبح عقدك بينا وكم حالة صارت بيانا بحالة %~% كما تثبت ~~الأحكام بالحبل الزنا وفيه أقول قطعة منها: [من الطويل] أنم من المرآة في ~~كل ما درى %~% وأقطع بين الناس من قضب الهند أظن المنايا والزمان تعلما %~% ~~تحيله بالقطع بين ذوي الود وفيه أيضا أقول من قصيدة طويلة: [من الطويل] ~~وأكذب من حسن الظنون حديثه %~% وأقبح من دين وفقر ملازم PageV01P178 ~~أوامر رب العرش أضيع عنده %~% وأهون من شكوى إلى غير راحم تجمع فيه كل ~~خزي وفضحة %~% فلم يبق شتما في المقال لشاتم وأثقل من عذل على غير قابل %~% ~~وأبرد بردا من مدينة سالم وأبغض من بين وهجر ورقبة %~% جمعن على حران حيران ~~هائم وليس من نبه غافلا، أو نصح صديقا، أو حفظ مسلما، أو حكى عن فاسق أو ~~حدث عن عدو - ما لم يكن يكذب ولا يكذب، ولا تعمد الضغائن - منقلا. # وهل هلك الضعفاء وسقط من لا عقل له إلا في قلة المعرفة بالناصح من ~~النمام، وهما صفتان متقاربتان في الظاهر متفاوتتان في الباطن، إحداهما داء ~~والأخرى دواء. # والثاقب القريحة لا يخفى عليه أمرهما، لكن الناقل من كان تنقيله غير مرضي ms048 ~~في الديانة، ونوى به التشتيت بين الأولياء، والتضريب بين الإخوان، والتحريش ~~والتوبيش والرقيش. # فمن خاف إن سلك طريق النصيحة ان يقع في طريق النميمة، ولم يثق لنفاذ ~~تمييزه ومضاء تقديره فيما يرده من أمور دنياه ومعاملة أهل زمانه، فليجعل ~~دينه دليلا وسراجا يستضيء به، فحيثما سلك به سلك وحيثما أوقفه وقف، وكفيلا ~~له بالنظر وزعيما بالإصابة وضمانا للفلج والخلاص. # فشارع الشريعة وباعث الرسول عليه السلام ومرتب الأوامر والنواهي أعلم ~~بطريق الحق وأدرى بعواقب السلامة ومغبات النجاة من كل ناظر لنفسه بزعمه، ~~وباحث بقياسه في ظنه. PageV01P179 ### | - 20 - باب الوصل # ومن وجوه العشق الوصل، وهو حظ رفيع، ومرتبة سرية، ودرجة عالية، وسعد ~~طالع، بل هو الحياة المجددة، والعيش السني، والسرور الدائم، ورحمة من الله ~~عظيمة. # ولولا أن الدنيا ممر ومحنة وكدر، والجنة دار جزاء وأمان من المكاره، ~~لقلنا إن وصل المحبوب هو الصفاء الذي لا كدر فيهن والفرح الذي لا شائبة ولا ~~حزن معه، وكمال الأماني، ومنتهى الأراجي. # ولقد جربت اللذات على تصرفها، وأدركت الحظوظ على اختلافها، فما للدنو من ~~السلطان، ولا للمال المستفاد، ولا الوجود بعد العدم، ولا الأوبة بعد طول ~~الغيبة، ولا الأمن من بعد الخوف، ولا التروح على المال، من الموقع في النفس ~~ما للوصل، ولا سيما بعد طول الامتناع، وحلول الهجر، حتى يتأجج عليه الجوى، ~~ويتوقد لهيب الشوق، وتتضرم نار الرجاء. # وما إصناف النبات بعد غب القطر، ولا إشراق الأزاهير بعد إقلاع PageV01P180 ~~السحاب الساريات في الزمان السجسج، ولا خرير المياه المتخللة لأفانين ~~النوار، ولا تأنق القصور البيض قد أحدقت بها الرياض الخضر، بأحسن من وصل ~~حبيب قد رضيت أخلاقه، وحمدت غرائزه، وتقابلت في الحسن أوصافه، وأنه لمعجز ~~ألسنة البلغاء، ومقصر فيه بيان الفصحاء، وعنده تطيش الألباب، وتعزب ~~الأفهام؛ وفي ذلك أقول: [من البسيط] . # وسائل لي عما لي من العمر %~% وقد رأى الشيب في الفو دين والعذر أجبته ~~ساعة لا شيء أحسبه %~% عمرا سواها بحكم العقل والنظر فقال لي: كيف ذا بينة ~~لي فلقد %~% أخبرتني أشنع الأنباء والخبر فقلت ms049 إن التي قلبي بها علق %~% ~~قبلتها قبلة يوما على خطر فما أعد ولو طالت سني سوى %~% تلك السويعة ~~بالتحقيق من عمري ومن لذيذ معاني الوصل المواعيد، وإن للوعد المنتظر مكانا ~~لطيفا من شغاف القلب؛ وهو ينقسم قسمين: أحدهما الوعد بزيارة المحب لمحبوبه، ~~وفيه أقول قطعة منها: [من البسيط] . # أسامير البدر لما أبطأت وأرى %~% في نوره من سنا إشراقها عرضا فبت مشترطا ~~والود مختلطا %~% والوصل منبسطا والجهر منقبضا والثاني: انتظار الوعد من ~~المحب أن يزور محبوبه. # وإن لمبادئ الوصل وأوائل الإسعاف لتولجا على الفؤاد ليس لشيء من الأشياء. # وإني لأعرف من كان ممتحنا بهوى في بعض المنازل المصاقبة فكان PageV01P181 ~~يصل متى شاء بلا مانع، ولا سبيل إلى غير النظر والمحادثة زمانا طويلا، ~~ليلا متى أحب ونهارا، إلى أن ساعدته الأقدار بإجابة، ومكنته بإسعاد، بعد ~~يأسه، لطول المدة، ولعهدي به قد كاد أن يختلط عقله فرحا، وما كاد يتلاحق ~~كلامه سرورا، فقلت في ذلك: [من البسيط] . # برغبة لو إلى ربي دعوت بها %~% لكان ذنبي عند الله مغفورا ولو دعوت بها ~~أسد الفلا لغدا %~% إضرارها عن جميع الناس مقصورا فجاد باللثم لي من بعد ~~منعته %~% فاهتاج من لوعتي ما كان مغمورا كشارب الماء كي يطفي الغليل به ~~%~% فغص فانصاع في الأجداث مقبورا وقلت: [من المتقارب] . # جرى الحب مني مجرى النفس %~% وأعطيت عيني عنان الفرس ولي سيد لم يزل ~~نافرا %~% وربتما جاد لي في الخلس فقبلته طالبا راحة %~% فزاد أليلا بقلبي ~~اليبس وكان فؤادي كنبت هشيم %~% يبيس رمى فيه رام قبس ومنها: ويا جوهر ~~الصين سحقا فقد %~% غنيت بياقوتة الأندلس خبر: وإني لأعرف جارية اشتد وجدها ~~بفتى من أبناء الرؤساء، وهو PageV01P182 ~~لا اعلم عنده، وكثر غمها به وطال أسفها إلى أن ضنيت بحيه، وهو بغرارة ~~الصبا لا يشعر؛ ويمنعها من إبداء أمرها إليه الحياء منه لأنها كانت بكرا ~~بخاتمها، مع الإجلال له عن الهجوم عليه بما لا تدري لعله لا يوافقه، فلما ~~تمادى الأمر - وكانا إلفين في النشأة - شكت ذلك إلى امراة جزلة الرأي ms050 كانت ~~تثق بها لتوليها تربيتها، فقالت لها: عرضي له بالشعر، ففعلت المرة بعد ~~المرة وهو لا يأبه في كل هذا. # ولقد كان لقنا ذكيا ولكنه لم يظن ذلك فيميل إلى تفتيش الكلام بوهمه، إلى ~~ان عيل صبرها وضاق صدرها ولم تمسك نفسها في قعدة كانت لها معه في بعض ~~الليالي منفردين، ولقد كان - يعلم الله - عفيفا متصاونا بعيدا عن المعاصي، ~~فلما حان قيامها عنه بدرت إليه فقبلته في فمه ثم ولت في ذلك الحين ولم ~~تكلمه بكلمة، وهي تتهادى في مشيها، كما أقول في أبيات لي: [من البسيط] . # كأنها حين تخطو في تأودها %~% قضيب نرجسة في الروض مياس كأنما خطوها في ~~قلب عاشقها %~% ففيه من وقعها خطر ووسواس كأنما مشيها مشي الحمامة لا %~% ~~كد يعاب ولا بطء به باس فبهت وسقط في يده وفت في عضده ووجد في كبده وعلته ~~وجمة، فما هو إلا أن غابت عن عينه ووقع في شرك الردى، واشتعلت في قلبه ~~النار، وتصعدت أنفاسه، وتردفت أوجاله، وكثر قلقه، وطال أرقه، فما غمض تلك ~~الليلة عينا، وكان هذا بدء الحب بينهما دهرا، إلى أن جذت جملتها يد النوى؛ ~~وإن هذا لمن مصايد إبليس ودواعي الهوى التي لا يقف لها أحد إلا من عصمه ~~الله عز وجل. PageV01P183 ~~ومن الناس من يقول: إن دوام الوصل يودي بالحب، وهذا هجين من القول، إنما ~~ذلك لأهل الملل، بل كلما زاد وصلا زاد اتصالا. # وعني أخبرك أني ما رويت قط من ماء الوصل ولا زادني إلا ظلما، وهذا حكم من ~~تداوى بدائه وإن رفه عنه شيئا ما. # ولقد بلغت من التمكن بمن أحب أبعد الغايات التي لا يجد الإنسان وراءها ~~مرمى فما وجدتني إلا مستزيدا، ولقد طال بي ذلك فما أحسست بسآمة ولا رهقتني ~~فترة. # وقد ضمني مجلس مع بعض من كنت أحب فلم أجل خاطري في فن من فنون الوصل إلا ~~وجدته مقصرا عن مرادي، وغير شاف وجدي ولا قاض أقل لبانة من لباناتي، ~~ووجدتني كلما ازددت دنوا ازددت ولوعا، وقدحت ms051 زناد الشوق نار الوجد بين ~~ضلوعي، فقلت في ذلك المجلس: [من الطويل] . # وددت بان القلب شق بمدية %~% وأدخلت فيه ثم أطبق في صدري فأصبحت فيه لا ~~تحلين غيره %~% إلى مقتضى يوم القيامة والحشر تعيسين فيه ما حييت فإن أمت ~~%~% سكنت شغاف القلب في ظلم القبر وما في الدنيا حالة تعدل محبين إذا عدما ~~الرقباء وأمنا الوشاة، وسلما من البين ورغبا عن الهجر، وبعدا عن الملل ~~وفقدا العذال، وتوافقا في الأخلاق، وتكافيا في المحبة، وأتاح الله لهما ~~رزقا دارا، وعيشا قارا، وزمانا هاديا، وكان اجتماعهما على ما يرضي الرب من ~~الحلال، وطالت صحبتهما واتصلت إلى وقت حلول الحمام الذي PageV01P184 ~~لا مرد له ولا بد منه، هذا عطاء لم يحصل عليه أحدا، وحاجة لم تقض لكل ~~طالب. # ولولا أن مع هذه الحال الإشفاق من بغتات المقادير المحكمة في غيب الله عز ~~وجل، من حلول فراق لم يكتسب، واخترام منية في حال الشباب، أو ما أشبه ذلك، ~~لقلت إنها حال بعيدة من كل آفة، وسليمة من كل داخلة. # ولقد رأيت من اجتمع له هذا كله، إلا أنه كان دهي في من كان بحبه بشراسة ~~أخلاق، ودالة على المحبة، فكانا لا يتهنيان العيش ولا تطلع الشمس في يوم ~~إلا وكان بينهما خلاف فيه، وكلاهما كان مطبوعا بهذا الخلق، لثقة كل واحد ~~منهما بمحبة صاحبه، إلى أن دبت النوى بينهما فتفرقا بالموت المرتب لهذا ~~العالم، وفي ذلك أقول: [من المنسرح] . # كيف أذم النوى واظلمها %~% وكل أخلاق من احب نوى قد كان يكفي هوى أضيق به ~~%~% فكيف إذ حل بي نوى وهوى وروي عن زياد بن أبي سفيان رحمه الله انه قال ~~لجلسائه: من انعم الناس عيشة قالوا: أمير المؤمنين. # فقال: وأين ما يلقى من قريش قيل: فأنت. # قال أين ما ألقى من الخوارج والثغور قيل: فمن أيها الأمير قال: رجل مسلم ~~له زوجة مسلمة لهما كفاف من العيش، قد رضيت به ورضي بها، لا يعرفنا ولا ~~نعرفه. # وهل فيما وافق إعجاب المخلوقين، وجلا القلوب، واستمال ms052 الحواس، واستهوى ~~النفوس، واستولى على الأهواء، واقتطع الألباب، PageV01P185 ~~وأختلس العقول، مستحسن يعدل إشفاق محب على محبوب. # ولقد شاهدت من هذا المعنى كثيرا، وإنه لمن المناظر العجيبة الباعثة على ~~الرقة الرائقة المعنى، لا سيما إن كان هوى يكتتم به. # فلو رأيت المحبوب حين يعرض بالسؤال عن سبب تغضب بمحبة، وخجلته في الخروج ~~مما وقع فيه بالاعتذار، وتوجيهه إلى غير وجهه، وتحيله في استنباط معنى ~~يقيمه عند جلسائه، لرأيت عجبا ولذة مخفية لا تقاومها لذة. # وما رأيت أجلب للقلوب ولا أغوص على حباتها ولا أنفذ للمقاتل من هذا ~~الفعل. # وإن للمحبين في الوصل من الاعتذار ما اعجز أهل الأذهان الذكية والأفكار ~~القية؛ ولقد رأيت في بعض المرات هذا فقلت: [من السريع] . # إذا مزجت الحق بالباطل %~% جوزت ما شئت على الغافل وفيهما فرق صحيح له ~~%~% علامة تبدو إلى العقل كالتبر إن تمزح به فضة %~% جازت على كل فتى جاهل ~~وإن تصادف صائغا ماهرا %~% ميز بين المحض والخائل وإني لأعلم فتى وجارية: ~~كان يكلف كل واحد منهما بصاحبه، فكانا يضطجعان إذا حضرهما أحد وبينهما ~~المسند العظيم من المساند الموضوعة عند ظهور الرؤساء على الفرش، ويلتقي ~~رأساهما وراء المسند ويقبل كل واحد منهما صاحبه ولا يريان، وكأنهما إنما ~~يتمددان من الكلل؛ ولقد كانا بلغا من تكافيهما في المودة أمرا عظيما، إلى ~~أن كان الفتى المحب ربما استطال عليها؛ وفي ذلك أقول: [من السريع] . PageV01P186 ~~ومن أعاجيب الزمان التي %~% طمت على السامع والقائل رغبة مركوب إلى راكب ~~%~% وذلة المسؤول للسائل وطول مأسور إلى آسر %~% وصولة المقتول للقاتل ما ~~إن سمعنا في الورى قبلها %~% خضوع مأمول إلى آمل هل ها هنا وجه تراه سوى ~~%~% تواضع المفعول للفاعل ولقد حدثني امرأة أثق بها أنها شاهدت فتى وجارية ~~كان يجد كل واحد منهما بصاحبه فضل وجد، قد اجتمعا في مكان على طرب، وفي يد ~~الفتى سكين يقطع بها بعض الفواكه، فجرها جرا زائدا فقطع إبهامه قطعا لطيفا ~~ظهر فيه دم، وكان على الجارية غلالة قصب خزائنية لها قيمة، فصرفت يدها ms053 ~~وخرقتها وأخرجت منها فضلة شد بها إبهامه. # وأما هذا الفعل للمحب فقليل في ما يجب عليه، وفرض لازم وشريعة مؤداة، ~~وكيف لا وقد بذل نفسه ووهب روحه، فما يمنع بعدهما. # خبر: وأنا أدركت بنت زكريا بن يحيى التميمي المعروف بابن برطال، وعمها ~~كان قاضي الجماعة بقرطبة محمد بن يحيى PageV01P187 ~~وأخوها الوزير القائد الذي كان قتله غالب وقائدين له في الوقعة المشهورة ~~بالثغور، وهما مروان بن أحمد بن شهيد ويوسف بن سعيد العكي، وكانت متزوجة ~~بيحيى بن محمد بن الوزير يحيى بن إسحاق، فعاجلته المنية وهما في أغض عيشهما ~~وأنضر سرورهما، فبلغ من أسفها عليه أن باتت معه في دثار واحد ليلة مات، ~~وجعلته آخر العهد به وبوصله، ثم لم يفارقها الأسف بعده إلى حين موتها. # وإن للوصل المختلس الذي يخاتل به الرقباء ويتحفظ به من الحضر، مثل الضحك ~~المستور والنحنحة وجولان الأيدي والضغط بالأجناب والقرص باليد والرجل، ~~لموقعا من النفس شهيا؛ وفي ذلك الوقت أقول: [من المديد] . # إن للوصل الخفي محلا %~% ليس للوصل المكين الجلي لذة تمزجها بارتقاب %~% ~~كمسير في خلال النقي خبر: ولقد حدثني ثقة من إخواني جليل من أهل البيوتات ~~أنه كان علق في صباه جارية كانت في بعض دور آله، وكان ممنوعا منها، فهام ~~عقله PageV01P188 ~~بها؛ قال لي: فتنزهنا يوما إلى بعض ضياعنا بالسهلة غربي قرطبة مع بعض ~~أعمامي، فتمشينا في البساتين وأبعدنا عن المنازل وانبسطنا على الأنهار، إلى ~~أن غيمت السماء وأقبل الغيث، فلم يكن بالحضرة من الغطاء ما يكفي الجميع؛ ~~قال: فأمر عمي ببعض الأغطية فألقي علي وأمرها بالاكتنان معي، فظن بما شئت ~~من التمكن على أعين الملأ وهم لا يشعرون، ويا لك من جمع كخلاء، واحتفال ~~كانفراد، قال لي: فوالله لا نسيت ذلك اليوم أبدا. # ولعهدي به وهو يحدثني بهذا الحديث وأعضاؤه كلها تضحك وهو يهتز فرحا على ~~بعد العهد وامتداد الزمان؛ ففي ذلك أقول شعرا منه: [من الخفيف] . # يضحك الروض والسحائب تبكي %~% كحبيب رآه صب معنى خبر: ومن بديع الوصل ما ~~حدثني به ms054 بعض إخواني أنه كان في بعض المنازل المصاقبة له هوى، وكان في ~~المنزلين موضع مطلع من أحدهما على الآخر، فكانت تقف له في ذلك الموضع، وكان ~~فيه بعض البعد، فتسلم عليه ويدها ملفوفة في قميصها. # فخاطبها مستخبرا لها عن ذلك فأجابته: إنه ربما أحس من أمرنا شيء فوقف لك ~~غيري فسلم عليك فرددت عليه فصح الظن، فهذه علامة بيني وبينك، فإذا رأيت يدا ~~مكشوفة تشير نحوك بالسلام فليست يدي، فلا تجاوب. # وربما استحلي الوصال واتفقت القلوب حتى يقع التجليح في الوصال، فلا يلفت ~~إلى لائم ولا يستتر من حافظ ولا يبالي بناقل، بل العذل حينئذ يغري؛ وفي صفة ~~الوصل أقول شعرا منه: [من السريع] . PageV01P189 ~~كم درت حول الحب حتى لقد %~% حصلت فيه كحصول الفراش ومنه: تعشو إلى الوصل ~~دواعي الهوى %~% كما سرى سنا النار عاش ومنه: عللني بالوصل من سيدي %~% ~~كمثل تعليل الظماء العطاش ومنه: لا توقف العين على غاية %~% فالحسن فيه ~~مستزيد وفاش وأقول من قصيدة لي: [من السريع] . # هل لقتيل الحب من وادي %~% أم هل لعاني الحب من فادي أم هل لدهري عودة ~~نحوها %~% كمثل يوم مر في الوادي ظللت فيه سابحا صاديا %~% يا عجبا للسابح ~~الصادي ضنيت يا مولاي وجدا فما %~% تبصرني ألحاظ عوادي كيف اهتدى الوجد إلى ~~غائب %~% عن أعين الحاضر والبادي مل مداواتي طبيبي فقد %~% يرحمني للسقم ~~حسادي PageV01P190 ### | - 21 - باب الهجر # ومن آفات الحب أيضا الهجر، وهو على ضروب: # 1 - فأولها؛ هجر يوجبه تحفظ من ~~رقيب حاضر؛ وإنه لأحلى من كل وصل. # ولولا أن ظاهر اللفظ وحكم التسمية يوجب إدخاله في هذا الباب لرجعت به عنه ~~ولأجللته عن تسطيره فيه. # فحينئذ ترى الحبيب منحرفا عن محبه، مقبلا بالحديث على غيره، معرضا بمعرض ~~لئلا تلحق ظنته أو تسبق استرابته؛ وترى المحب أيضا كذلك، ولكن طبعه له ~~جاذب، ونفسه له صارفة بالرغم، فتراه حينئذ منحرفا كمقبل، وساكتا كناطق، ~~وناظرا إلى جهة نفسه في غيرها؛ والحاذق الفطن إذا كشف بوهمه عن باطن ~~حديثهما علم أن الخافي غير البادي، ms055 وما جهر به غير نفس الخبر، وإنه لمن ~~المشاهد الجالبة للفتن، والمناظر المحركة للسواكن، الباعثة للخواطر، ~~المهيجة للضمائر، الجاذبة للفتوة. # ولي أبيات في شيء من هذا أوردتها، وإن كان فيها غير هذا المعنى على ما ~~شرطنا، منها: [من الطويل] يلوم أبو العباس جهلا بطبعه %~% كما عير الحوت ~~النعامة بالصدى PageV01P191 ~~ومنها: وكم صاحب أكرمته غير طائع %~% ولا مكره إلا لأمر تعمدا وما كان ~~ذاك البر إلا لغيره %~% كما نصبوا للطير بالحب مصيدا وأقول من قصيدة محتوية ~~على ضروب من الحكم وفنون من الآداب الطبيعية: [من الطويل] وسراء أحشائي لمن ~~أنا مؤثر %~% وسراء أنبائي لمن أتحبب فقد يشرب الصاب الكريه لعلة %~% ويترك ~~صفو الشهد وهو محبب وأعذل في إجهاد نفسي في الذي %~% أريد وأني فيه أشقى ~~وأتعب هل اللؤلؤ المكنون والدر كله %~% رأيت بغير الغوص في البحر يطلب ~~وأصرف نفسي عن وجوه طباعها %~% إذا في سواها صح ما أنا أرغب كما نسخ الله ~~الشرائع قبلنا %~% بما هو أدنى للصلاح وأقرب كما صار لون الماء لون إنائه ~~%~% وفي الأصل لون الماء أبيض معجب ومنها: أقمت ذوي ودي مقام طبائعي %~% ~~حياتي بها والموت منهن يرهب ومنها: وما أنا ممن تطبيه بشاشة %~% ولا يقتضي ~~ما في ضميري التجنب أزيد نفارا عند ذلك باطنا %~% وفي ظاهري أهل وسهل ومرحب ~~فإني رأيت الحرب يعلو اشتعالها %~% ومبدؤها في أول الأمر ملعب وللحية ~~الرقشاء وشي ولونها %~% عجيب وتحت الوشي سم مركب وإن فرند السيف اعجب منظرا ~~%~% وفيه إذا هز الحمام المذرب وأجعل ذل النفس عزة أهلها %~% إذا هي نالت ~~ما لها فيه مرغب فقد يضع الإنسان في الترب وجهه %~% ليأتي غدا وهو المصون ~~المقرب فذل يسوق العز أجود للفتى %~% من العز يتلوه من الذل مركب PageV01P192 ~~وكم مأكل أربت عواقب غبه %~% ورب طوى بالخصب آت ومعقب وما ذاق عز النفس ~~من لا يذلها %~% ولا التذ طعم الروح من ليس ينصب ورودك نغب الماء من بعد ~~ظمأة %~% ألذ من العل المكين وأعذب ومنها: وفي كل مخلوق تراه تفاضل %~% فرد ~~طيبا إن ms056 لم يتح لك أطيب ولا ترض ورد الرنق إلا ضرورة %~% إذا لم يكن في ~~الأرض حاشاه مشرب ولا تقربن ملح المياه فإنها %~% شجى والصدا بالحر أولى ~~وأوجب ومنها: فخذ من جداها ما تيسر واقتنع %~% ولا تك مشغولا بمن هو يغلب ~~فما لك شرط عندها لا ولا يد %~% ولا هي إن حصلت أم ولا أب ومنها: ولا تيأسن ~~مما ينال بحيلة %~% وإن بعدت فالأمر ينأى ويصعب ولا تأمن الإظلام فالفجر ~~طالع %~% ولا تلتبس بالضوء فالشمس تغرب ومنها: ألح فإن الماء يكدح في الصفا ~~%~% إذا طال ما يأتي عليه ويذهب وكثر ولا تفشل وقلل كثير ما %~% فعلت فماء ~~المزن جم وينضب فلو يتغذى المرء بالسم قاته %~% وقام له منه غذاء مجرب # 2 - ثم هجر يوجبه التدلل وهو ألذ من كثير الوصال، ولذلك لا يكون إلا عن ثقة كل ~~واحد من المتحابين بصاحبه، واستحكام PageV01P193 ~~البصيرة في صحة عقده، فحينئذ يظهر المحبوب هجرانا ليرى صبر محبه، وذلك ~~لئلا يصفو الدهر البتة، وليأسف المحب إن كان مفرط العشق عند ذلك لا لما حل، ~~لكن مخافة أن يترقى إلى ما هو أجل فيكون ذلك الهجر سببا إلى غيره، أو خوفا ~~من آفة حادث ملل. # ولقد عرض لي في الصبا هجر مع بعض من كنت آلف، على هذه الصفة، وهو لا يلبث ~~أن يضمحل ثم يعود؛ فلما كثر ذلك قلت على سبيل المزاح شعرا بديهيا ختمت كل ~~بيت منه بقسيم من أول قصيدة طرفة بن العبد المعلقة، وهي التي قرأناها ~~مشروحة على أبي سعيد الفتى الجعفري عن أبي بكر المقرئ عن أبي جعفر النحاس، ~~رحمهم الله، في المسجد الجامع بقرطبة، وهي: [من الطويل] تذكرت ودا للحبيب ~~كأنه %~% " لخولة أطلال ببرقة ثهمد " وعهدي بعهد كان لي منه ثابت %~% " ~~يلوح كباقي الوشم في ظاهر اليد " وقفت به لا موقنا برجوعه %~% " ولا آيسا ~~أبكي وأبكي إلى الغد " إلى أن أطال الناس عذلي وأكثروا %~% " يقولون لا ~~تهلك أسى وتجلد " PageV01P194 ~~كان فنون السخط ممن أحبه %~% " خلايا سفين بالنواصف من دد " كأن انقلاب ms057 ~~الهجر والوصل مركب %~% " يجور به الملاح طورا ويهتدي " فوقت رضى يتلوه وقت ~~تسخط %~% " كما قسم الترب المفايل باليد " ويبسم نحوي وهو غضبان معرض %~% " ~~مظاهر سمطي لؤلؤ وزبرجد " # 3 - ثم هجر يوجبه العتاب لذنب يقع من المحب، وهذا ~~فيه بعض الشدة، لكن فرحة الرجعة وسرور الرضى يعدل ما مضى، فإن لرضى المحبوب ~~بعد سخطه لذة في القلب لا تعدلها لذة، وموقعا من الروح لا يفوقه شيء من ~~أسباب الدنيا. # وهل شاهد مشاهد أو رأت عين أو قام في فكر ألذ وأشهى من مقام قد قام عنه ~~كل رقيب، وبعد عنه كل بغيض، وغاب عنه كل واش، واجتمع فيه محبان قد تصارما ~~لذنب وقع من المحب منهما، وطال ذلك قليلا، وبدأ بعض الهجر، ولم يكن ثم مانع ~~من الإطالة للحديث، فابتدأ المحب في الاعتذار والخضوع والتذلل والادلاء ~~بحجته الواضحة من الإدلال والإذلال والتذمم بما سلف، فطورا يدل ببراءته، ~~وطورا يرد بالعفو ويستدعي المغفرة ويقر بالذنب ولا ذنب له، والمحبوب في كل ~~ذلك ناظر إلى الأرض يسارقه اللحظ الخفي، وربما أدامه فيه، ثم يبسم مخفيا ~~لتبسمه، وذلك علامة الرضى، ثم ينجلي مجلسهما عن قبول العذر، وتقبل القول، ~~وامتحت ذنوب النقل، وذهبت آثار السخط، ووقع الجواب بنعم وذنبك مغفور، لو ~~كان، فكيف ولا ذنب؛ وختما أمرهما بالوصل الممكن وسقوط العتاب والإسعاد، ~~وتفرقا على هذا - هذا مكان تتقاصر دونه الصفات وتتلكن بتحديده الألسنة. PageV01P195 ~~ولقد وطئت بساط الخلفاء وشاهدت محاضر الملوك، فما رأيت هيبة تعدل هيبة ~~محب لمحبوبه؛ ورأيت تمكن المتغلبين على الرؤساء وتحكم الوزراء، وانبساط ~~مدبري الدول، فما رأيت أشد تبجحا ولا اعظم سرورا بما هو فيه من محب أيقن أن ~~قلب محبوبه عنده ووثق بميله إليه وصحة مودته له؛ وحضرت مقام المعتذرين بين ~~أيدي السلاطين، ومواقف المهتمين بعظيم الذنوب مع المتمردين الطاغين، فما ~~رأيت أذل من موقف محب هيمان بين يدي محبوب غضبان قد غمره السخط وغلب عليه ~~الجفاء. # ولقد امتحنت الأمرين وكنت في الحالة الأولى أشد من الحديد وانفذ من ~~السيف، لا أجيب ms058 إلى المدينة ولا أساعد على الخضوع، وفي الثانية أذل من ~~الرداء، وألين من القطن، أبادر إلى أقصى غايات التذلل، وأغتنم فرصة الخضوع ~~لو نجع، وأتحلل بلساني، وأغوص على دقائق المعاني ببياني، وأفتن القول ~~فنونا، وأتصدى لكل ما يوجب الترضي. # والتجني بعض عوارض الهجران، وهو يقع في أول الحب وآخره، فهو في أوله ~~علامة لصحة المحبة، وفي آخره علامة لفتورها وباب للسلو. # خبر: وأذكر في مثل هذا أني كنت مجتازا في بعض الأيام بقرطبة من مقبرة باب ~~عامر في لمة من الطلاب وأصحاب الحديث، ونحن نريد مجلس الشيخ أبي القاسم عبد ~~الرحمن بن أبي يزيد المصري بالرصافة أستاذي رضي الله عنه، ومعنا أبو بكر ~~عبد الرحمن PageV01P196 ~~ابن سليمان البلوي من أهل سبتة، وكان شاعرا مفلقا. # وهو ينشد لنفسه في صفة متجن معهود أبياتا له، منها: [من الطويل] سريع إلى ~~ظهر الطريق وإنه %~% إلى نقض أسباب المودة أسرع يطول علينا أن نرقع وده %~% ~~إذا كان في ترقيعه يتقطع فوافق إنشاد البيت الأول من هذين البيتين خطور أبي ~~[علي] الحسين بن علي الفاسي رحمه الله تعالى وهو يؤم أيضا مجلس ابن أبي ~~يزيد، فسمعه فتبسم رحمه الله نحونا وطوانا ماشيا وهو يقول: بل إلى عقد ~~المودة إن شاء الله، هذا على جد أبي [علي] الحسين رحمه الله وفضله وتقربه ~~وبراءته ونسكه وزهده وعلمه، فقلت في ذلك: [من الكامل] دع عنك نقض مودتي ~~متعمدا %~% واعقد حبال وصالنا يا ظالم ولترجعن أردته أو لم ترد %~% كرها ~~لما قال الفقيه العالم ويقع فيه الهجر والعتاب؛ ولعمري إن فيه إذا كان ~~قليلا للذة، وأما إذا تفاقم فهو فأل غير محمود، وأمارة وبيئة المصدر، ~~وعلامة سوء، وهي بجملة الأمر مطية الهجران، ورائد الصريمة، ونتيجة التجني، ~~وعنوان الثقل، ورسول الانفصال، وداعية القلى، ومقدمة الصد، وإنما يستحسن ~~إذا لطف وكان أصله الإشفاق؛ وفي ذلك أقول: [من الوافر] لعلك بعد عتبك أن ~~تجودا %~% بما منه عتبت وأن تزيدا PageV01P197 ~~فكم يوم رأينا فيه صحوا %~% وأسمعنا بآخره الرعودا وعاد الصحو بعد كما ~~علمنا ms059 %~% وأنت كذاك نرجو أن تعودا وكان سبب قولي هذه الأبيات عتاب وقع في ~~يوم هذه صفته من أيام الربيع فقلتها في ذلك الوقت. # وكان لي في بعض الزمن صديقان وكانا أخوين فغابا في سفر ثم قدما، وقد ~~أصابني رمدا فتأخرا عن عيادتي، فكتبت إليهما، والمخاطبة للأكبر منهما، شعرا ~~منه: [من المتقارب] وكنت اعدد أيضا على %~% أخيك بمؤلمة السامع ولكن إذا ~~الدجن غطى ذكاء %~% فما الظن بالقمر الطالع # 4 - ثم هجر يوجبه الوشاة، وقد ~~تقدم القول فيهم وفيما يتولد من دبيب عقاربهم، وربما كان سببا للمقاطعة ~~البتة. # 5 - ثم هجر الملل، والملل من الأخلاق المطبوعة في الإنسان، وأحرى لمن دهي به ~~ألا يصفو له صديق، ولا يصح له إخاء، ولا يثبت على عهد، ولا يصبر على إلف ~~ولا تطول مساعدته لمحب، ولا يعتقد منه ود ولا بغضة. # وأولى الأمور بالناس ألا يقربوه منهم وإن يفروا عن صحبته ولقائه، فلن ~~يحلو منه بطائل، ولذلك أبعدنا هذه الصفة عن المحبين وجعلناها في المحبوبين، ~~فهم بالجملة أهل التجني والتظني والتعرض للمقاطعة؛ وأما من تزيا باسم الحب ~~وهو ملول فليس منهم، وحقه ألا يتجرع مذاقه، وينفى عن أهل هذه الصفة ولا ~~يدخل في جملتهم. # وما رأيت قط هذه الصفة أشد تغلبا منها على أبي عامر PageV01P198 ~~محمد بن [أبي] عامر رحمه الله، فلو وصف لي واصف بعض ما علمته منه لما ~~صدقته. # وأهل هذا الطبع أسرع الخلق محبة، وأقلهم صبرا على المحبوب وعلى المكروه، ~~وبالضد؛ وانقلابهم عن الود علي قدر تسرعهم إليه؛ فلا تثق بملول ولا تشغل به ~~نفسك، ولا تعنها بالرجاء في وفائه. # فغن دفعت إلى محبته ضرورة بعده ابن ساعته، واستأنفه كل حين من أحيانه ~~بحسب ما تراه من تلونه، وقابله بما يشاكله. # ولقد كان أبو عامر المحدث عنه يرى الجارية فلا يصبر عنها، ويحيق به من ~~الاغتمام والهم ما يكاد أن يأتي عليه حتى يملكها، ولو حال دون ذلك شوك ~~القتاد، فإذا أيقن بتصيرها إليه عادت المحبة نفارا، وذلك الأنس شرودا ~~والقلق إليها ms060 قلقا منها، ونزاعه نحوها نزاعا عنها، فيبيعها بأوكس الأثمان. # هذا كان دأبه حتى أتلف فيما ذكرنا عشرات ألوف الدنانير عددا عظيما. # وكان رحمه الله مع هذا من أهل الأدب والحذق والذكاء والنبل والحلاوة ~~والتوقد، مع الشرف العظيم والمنصب الفخم والجاه العريض؛ وأما حسن وجهه ~~وكمال صورته فشيء تقف الحدود عنه وتكل الأوهام عن وصف أقله ولا يتعاطى أحد ~~وصفه. # ولقد كانت الشوارع تخلو من السيارة ويتعمدون الخطور على باب داره في ~~الشاعر الآخذ من النهر الصغير على باب دارنا في الجانب الشرقي بقرطبة إلى ~~الدرب المتصل بقصر الزاهرة، وفي هذا الدرب كانت داره رحمه الله ملاصقة لنا، ~~لا لشيء إلا للنظر منه. # ولقد مات من محبته جواركن علقن أوهامهن به، ووفي له فخانهن مما أملنه ~~منه، فصرن رهائن البلى وقتلهن الوحدة. # وأنا اعرف جارية منهن كانت تسمى عفراء، عهدي بها لا تتستر بمحبته حيثما ~~جلست، PageV01P199 ~~ولا تجف دموعها، وكانت قد تصيرت من داره إلى البركات الخيال صاحب ~~الفتيان. # ولقد كان رحمه الله يخبرني عن نفسه انه يمل اسمه فضلا عن غير ذلك. # وأما إخوانه فإنه تبدل بهم في عمره على قصره مرارا، وكان لا يثبت على زي ~~واحد كأبي براقش، حينا يكون في ملابس الملوك وحينا في ملابس الفتاك. # فيجب على من امتحن بمخالطة من هذه صفته على أي وجه كان ألا يستفرغ عامة ~~جهده في محبته، وأن يقيم اليأس من دوامه حصنا لنفسه، فإذا لاحت له مخايل ~~الملل قاطعه أياما حتى ينشط باله، ويبعد به عنه، ثم يعاوده، فربما دامت ~~المودة مع هذا؛ وفي ذلك أقول: [من المجتث] لا ترجون ملولا %~% ليس الملول ~~بعده ود الملول فدعه %~% عارية مسترده # 6 - ومن الهجر ضرب يكون متوليه ~~المحب، وذلك عندما يرى من جفاء محبوبه والميل عنه إلى غيره، أو لثقيل ~~يلازمه؛ فيرى الموت وتجرع غصص الأسى، والعض على نقيف الحنظل أهون من رؤية ~~ما يكره، فينقطع وكبده تتقطع؛ وفي ذلك أقول: [من السريع] PageV01P200 ~~هجرت من أهواه لا عن قلى %~% يا عجبا ms061 للعاشق الهاجر لكن عيني لم تطق نظرة ~~%~% إلى محيا الرشأ الغادر فالموت أحلى مطعما من هوى %~% يباح للوارد ~~والصادر وفي الفؤاد النار مذكية %~% فاعجب لصب جزع صابر وقد أباح الله في ~~دينه %~% تقية المأسور للآسر وقد احل الكفر خوف الردى %~% حتى ترى المؤمن ~~كالكافر خبر: ومن عجيب ما يكون فيها وشنيعه أني أعرف من هام قلبه بمنتاء ~~عنه نافر منه، فقاسى الوج زمنا طويلا، ثم سنحت له الأيام بسانحة عجيبة من ~~الوصل أشرف منها على بلوغ أمله، فحين لم يكن بينه وبين غاية رجائه إلا ك " ~~لا " و " لا " عاد الهجر والبعد إلى أكثر مما كان قبل، فقلت في ذلك: [من ~~السريع] . # كانت إلى دهري لي حاجة %~% مقرونة في البعد بالمشتري فساقها باللطف حتى ~~إذا %~% كانت من القرب على محجري أبعدها عني فعادت كان %~% لم تبد للعين ~~ولم تظهر وقلت: [من الطويل] دنا أملي حتى مددت لأخذه %~% يدا فانثنى نحو ~~المجرة راحلا فأصبحت لا أرجو وقد كنت موقنا %~% وأضحى مع الشعرى وقد كان ~~حاصلا وقد كنت محسودا فأصبحت حاسدا %~% وقد كنت مأمولا فأصبحت آملا كذا ~~الدهر في كراته وانتقاله %~% فلا يأمنن الدهر من كان عاقلا PageV01P201 # 7 - ثم هجر القلى، وهنا ضلت الأساطين ونفدت الحيل وعظم البلاء، وهو الذي خلى ~~العقول ذواهل، فمن دهي بهذه الداهية فليتصد لمحبوب محبوبه، وليتعمد ما يعرف ~~أنه يستحسنه. # ويجب أن يجتنب ما يدري أنه يكرهه، فربما عطفه ذلك عليه إن كان المحبوب ~~ممن يدري قدر الموافقة والرغبة فيه، وأما من لم يعلم قدر هذا فلا طمع في ~~استصرافه، بل حسناتك عنده ذنوب. # فغن لم يقدر المرء على استصرافه فليتعمد السلوان وليحاسب نفسه بما هو فيه ~~من البلاء والحرمان، وليسع في نيل رغبته على أي وجه أمكنه. # ولقد رأيت من هذه صفته، وفي ذلك أقول قطعة أولها: [من الطويل] دهيت بمن ~~لو أدفع الموت دونه %~% لقال إذا يا ليتني في المقابر ومنها: ولا ذنب لي إذ ~~صرت أحدو ركائبي %~% إلى الورد والدنيا تسيء مصادري وماذا على ms062 الشمس ~~المنيرة بالضحى %~% إذا قصرت عنها ضعاف البصائر وأقول: [من مخلع البسيط] ما ~~أقبح الهجر بعد وصل %~% وأحسن الوصل بعد هجر كالوفر تحويه بعد فقر %~% ~~والفقر يأتيك بعد وفر وأقول: [من السريع] معهود أخلاقك قسمان %~% والدهر ~~فيك اليوم صنفان PageV01P202 ~~فإنك النعمان فيما مضى %~% وكان للنعمان يومان يوم نعيم فيه سعد الورى ~~%~% ويوم بأساء وعدوان فيوم نعماك لغيري ويو %~% مي منك ذو بؤس وهجران أليس ~~حبي لك مستأهلا %~% لأن تجازيه بإحسان وأقول قطعة منها: [من الكامل] يا من ~~جميع الحسن منتظم %~% فيه كنظم الدر في العقد ما بال حتفي منك يطرقني %~% ~~قصدا ووجهك طالع السعد وأقول قصيدة أولها: [من الطويل] أساعة توديعك أم ~~ساعة الحشر %~% وليلة بيني منك أم ليلة النشر وهجرك تعذيب الموحد ينقضي %~% ~~ويرجو التلاقي أم عذاب ذوي الكفر ومنها: سقى الله أياما مضت ولياليا %~% ~~تحاكي لنا النيلوفر الغض في النشر فأوراقه الأيام حسنا وبهجة %~% وأوسطه ~~الليل المقصر للعمر لهونا بها في غمرة وتآلف %~% تمر فلا ندري وتأتي فلا ~~ندري فأعقبنا منه زمان كأنه %~% ولا شك حسن العقد أعقب بالغدر ومنها: فلا ~~تيأسي يا نفس عل زماننا %~% يعود بوجه مقبل غير مزور كما صرف الرحمن ملك ~~أمية %~% إليهم، ولوذي بالتجمل والصبر PageV01P203 ~~وفي هذه القصيدة أمدح أبا بكر هشام بن محمد أخا أمير المؤمنين عبد الرحمن ~~المرتضى رحمه الله، فأقول: أليس يحيط الروح فينا بكل ما %~% دنا وتناءى وهو ~~في حجب الصدر كذا الدهر جسم وهو في الدهر روحه %~% محيط بما فيه وإن شئت ~~فاستقر ومنها: إتاوتهم تهدى إليه، ومنة %~% تقبلها منهم تقاوم بالشكر كذا ~~كل نهر في البلاد وإن طمت %~% غزارته ينصب في لجج البحر PageV01P204 ### | - 22 - باب الوفاء # ومن حميد الغرائز وكريم الشيم وفاضل الأخلاق في الحب وغيره الوفاء؛ وإنه ~~لمن أقوى الدلائل وأوضح البراهين على طيب الأصل وشرف العنصر، وهو يتفاضل ~~بالتفاضل اللازم للمخلوقات. # وفي ذلك أقول قطعة منها: وهو [من البسيط] . # أفعال كل امرئ تنبي بعنصره %~% والعين تغنيك عن أن تطلب الأثرا ومنها: ~~وهل ترى قط دفلى ms063 أنبتت عنبا %~% أو تذخر النحل في أوكارها الصبرا # 1 - وأول مراتب الوفاء أن يفي الإنسان لمن يفي له، وهذا فرض لازم وحق واجب على المحب ~~والمحبوب، لا يحول عنه إلا خبيث المحتد لا خلاق له ولا خير عنده. # ولولا أن رسالتنا هذه لم نقصد بها الكلام في أخلاق الإنسان وصفاته ~~المطبوعة والمتطبع بها، وما يزيد من المطبوع بالتطبع وما يضمحل من التطبع ~~بعدم الطبع، لزدت في هذا المكان ما يجب أن يوضع في مثله، ولكنا إنما قصدنا ~~التكلم فيما رغبته من أمر الحب فقط، وهذا أمر كان يطول جدا إذ الكلام فيه ~~يتفنن كثيرا. PageV01P205 ~~خبر: ومن أرفع ما شاهدته من الوفاء في هذا المعنى وأهوله شأنا قصة رأيتها ~~عيانا، وهو أني أعرف من رضي بقطيعة محبوبه وأعز الناس عليه، ومن كان الموت ~~عنده أحلى من هجر ساعة في جنب طيه لسر أودعه، والتزم محبوبه يمينا غليظة ~~ألا يكلمه أبدا ولا يكون بينهما خبر أو يفضح إليه ذلك السر؛ على ان صاحب ~~ذلك السر كان غائبا فأبى من ذلك وتمادى هو على كتمانه والثاني على هجرانه ~~إلى أن فرقت بينهما الأيام. # 2 - ثم مرتبة ثانية وهو الوفاء لمن غدر، وهي للمحب دون المحبوب، وليس للمحبوب ~~ها هنا طريق ولا يلزمه ذلك، وهي خطة لا يطيقها إلا جلد قوي واسع الصدر حر ~~النفس عظيم الحلم جليل الصبر حصيف العقدة ماجد الخلق سالم النية. # ومن قابل الغدر بمثله فليس بمستأهل للملامة، ولكن الحال التي قدمنا ~~تفوقها جدا وتفوتها بعدا. # وغاية الوفاء في هذه الحال ترك مكافأة الأذى بمثله، والكف عن سيء ~~المعارضة بالفعل والقول، والتأني في جذ حبل الصحبة ما أمكن ورجيت الألفة ~~وطمع في الرجعة ولاحت للعودة أدنى مخيلة وشيمت منها أقل بارقة، أو توجس ~~منها أيسر علامة. # فإذا وقع اليأس واستحكم الغيظ فحينئذ [لذ] بالسلامة ممن غرك، والأمن ممن ~~ضرك، والنجاة ممن آذاك، وأن يكون ذكر ما سلف مانعا من شفاء الغيظ فيما وقع، ~~فرعي الأذمة حق وكيد على أهل العقول، ms064 والحنين PageV01P206 ~~إلى ما مضى وألا ينسى ما قد فرغ منه وفنيت مدته أثبت الدلائل على صحة ~~الوفاء. # وهذه الصفة حسنة جدا وواجب استعمالها في كل وجه من وجوه معاملات الناس ~~فيما بينهم على أي حال كانت. # خبر: ولعهدي برجل من صفوة إخواني قد علق بجارية فتأكد الود بينهما، ثم ~~غدرت بعهده ونقضت وده وشاع خبرهما، فوجد لذلك وجدا شديدا. # خبر: وكان لي مرة صديق ففسدت نيته بعد وكيد مودة لا يكفر بمثلها، وكان ~~علم كل واحد منا سر صاحبه وسقطت المؤنة، فلما تغير علي أفشى كل ما اطلع لي ~~عليه مما كنت اطلعت منه على أضعافه، ثم اتصل به أن قوله في قد بلغني، فجزع ~~لذلك وخشي أن أقارضه على قبيح فعلته؛ وبلغني ذلك فكتبت إليه شعرا أونسه فيه ~~وأعلمه أني لا أقارضه. # خبر: ومما يدخل في هذا الدرج، وإن كان ليس منه، ولا هذا الفصل المتقدم من ~~جنس الرسالة والباب، ولكنه شبيه له على ما قد ذكرنا وشرطنا، وذلك أن محمد ~~بن وليد بن مكسير الكاتب كان متصلا بي ومنقطعا إلي أيام وزارة أبي رحمة ~~الله عليه، فلما وقع بقرطبة ما وقع وتغيرت الأحوال خرج إلى بعض النواحي ~~فاتصل بصاحبها فعرض جاهه وحدثت له وجاهة وحال حسنة. # فحللت أنا تلك الناحية في بعض رحلتي فلم يوفني حقي بل ثقل عليه مكاني ~~وأساء معاملتي وصحبتي، وكلفته في خلال ذلك حاجة لم يقم فيها ولا قعد، ~~واشتغل PageV01P207 ~~عنها بما ليس في مثله شغل، فكتبت إليه شعرا أعاتبه فيه، فجاوبني مستعتبا ~~على ذلك، فما كلفته حاجة بعدها. # ومما لي في هذا المعنى وليس من جنس الباب ولكنه يشبهه أبيات قلتها، منها: ~~[من البسيط] . # وليس يحمد كتمان لمكتتم %~% لكن كتمك ما أفشاه مفشيه كالجود بالوفر أسنى ~~ما يكون إذا %~% قل الوجود له أو ضن معطيه 3 - ثم مرتبة ثالثة وهي الوفاء ~~مع اليأس البات وبعد حلول المنايا وفجاءات المنون، وإن الوفاء في هذه ~~الحالة لأجل وأحسن منه في الحياة ومع رجاء اللقاء. # خبر: ms065 ولقد حدثتني امرأة أثق بها أنها رأت في دار محمد بن وهب المعروف ~~بابن الركيزة من ولد بدر، الداخل مع الإمام عبد الرحمن بن معاوية رضي الله ~~عنه، جارية رائعة جميلة كان لها مولى فجاءته المنية فبيعت في تركته، فأبت ~~أن ترضى بالرجال بعده، وما جعلها رجل إلى أن لقيت الله عز وجل؛ وكانت تحسن ~~الغناء فأنكرت علمها به، ورضيت بالخدمة والخروج عن جملة المتخذات للنسل ~~واللذة والحال الحسنة وفاء منها لمن دثر ووارته الأرض والتأمت عليه ~~الصفائح، ولقد رامها سيدها المذكور أن يضمها إلى فراشه مع سائر جواريه ~~ويخرجها مما هي فيه فأبت، فضربها غير مرة وأوقع بها الادب، فصبرت على ذلك ~~كله، فأقامت على امتناعها؛ وإن هذا من الوفاء غريب جدا. # واعلم أن الوفاء على المحب أوجب منه على المحبوب وشرطه له PageV01P208 ~~ألزم، لان المحب هو البادي باللصوق والتعرض لعقد الأذمة، والقاصد لتأكيد ~~المودة والمستدعي صحة العشرة، والأول في عداد طالبي الأصفياء، والسابق في ~~ابتغاء اللذة باكتساب الخلة، والمقيد نفسه بزمام المحبة - قد عقلها بأوثق ~~عقال وخطمها بأشد خطام، فمن قمبره على هذا كله إن لم يرد إتمامه ومن أجبره ~~على استجلاب المقة إن لم ينو ختمها بالوفاء لمن أراده عليها والمحبوب إنما ~~هو مجلوب إليه ومقصود نحوه ومخير في القبول أو الترك، فإن قبل فغاية ~~الرجاء، وإن أبى فغير مستحق للذم. # وليس التعرض للوصل والإلحاح فيه والتأتي لكل ما يسجلب به من الموافقة ~~وتصفية الحضرة والمغيب، من الوفاء في شيء، فحظ نفسه أراد الطالب، وفي سروره ~~سعى وله احتطب، والحب يدعوه ويحدوه على ذلك شاء أو أبى، وإنما يحمد الوفاء ~~ممن يقدر على تركه. # وللوفاء شروط على المحبين لازمة: فأولها أن يحفظ عهد محبوبه ويرعى غيبته، ~~وتستوي علانيته وسريرته، ويطوي شره وينشر خيره، ويغطي على عيوبه ويحسن ~~أفعاله، ويتغافل عما يقع منه على سبيل الهفوة ويرضى بما حمله ولا يكثر عليه ~~بما ينفر منه، وألا يكون طلعة دبوبا ولا ملة طرفا. # وعلى المحبوب إن ساواه في المحبة ms066 مثل ذلك، وإن كان دونه فيها فليس للمحب ~~أن يكلفه الصعود إلى مرتبته ولا له الاستشاطة عليه بان يسومه الاستواء معه ~~في درجته. # وبحسبه منه حينئذ كتمان خبره وألا يقابله بما يكره ولا يخيفه PageV01P209 ~~به، وإن كانت الثالثة - وهي السلامة مما يلقى بالجملة - فليقنع بما وجد، ~~وليأخذ من الأمر ما استدف ولا يطلب شرطا ولا يقترح عقدا، وإنما له ما سنح ~~بجده أو ما حان بكده. # واعلم أنه لا يستبين قبح الفعل لأهله، ولذلك يتضاعف قبحه عند من ليس من ~~ذويه، ولا أقول قولى هذا ممتدحا ولكن آخذا بأدب الله عز وجل) وأما بنعمة ~~ربك فحدث ((الضحى: 11) : لقد منحني الله عز وجل من الوفاء لكل من يمت إلى ~~بلقية واحدة، ووهبني من المحافظة لمن يتذمم مني ولو بمحادثته ساعة حظا أنا ~~له شاكر وحامد، ومنه مستمد ومستزيد، وما شيء أثقل علي من الغدر؛ ولعمري ما ~~سمحت نفسي قط في الفكرة في إضرار من بيني وبينه أقل ذمام، وإن عظمت جريريته ~~وكثرت إلي ذنوبه، ولقد دهمني من هذا غير قليل فما جزيت على السوءى إلا ~~بالحسنى، والحمد لله على ذلك كثيرا. # وبالوفاء أفتخر في كلمة طويلة ذكرت فيها ما مضنا من النكبات، ودهمنا من ~~الحل والترحال والتجول في الآفاق، أولها: [من البسيط] . # ولي فولى جميل الصبر يتبعه %~% وصرح الدمع ما تخفيه أضلعه جسم ملول وقلب ~~آلف فإذا %~% حل الفراق عليه فهو موجعه لم يستقر به دار ولا وطن %~% ولا ~~تدفأ منه قط مضجعه PageV01P210 ~~كأنما صيغ من رهو السحاب فما %~% تزال ريح إلى الآفاق تدفعه كأنما هو ~~توحيد تضيق به %~% نفس الكفور فتأبى حين تودعه أو كوكب قاطع في الأفق منتقل ~~%~% فالسير يغربه حينا ويطلعه أظنه لو جزته أو تساعده %~% ألقت عليه انهمال ~~الدمع يتبعه وبالوفاء أيضا أفتخر في قصيدة لي طويلة أوردتها، وإن كان ~~أكثرها ليس من جنس الكتاب، فكان سبب قولي لي أن قوما من مخالفي شرقوا بي ~~فأساءوا العتب في وجهي وقذفوني بأني أعضد الباطل بحجتي، عجزا منهم عن ms067 ~~مقاومة ما أوردته من نصر الحق وأهله، وحسدا لي، فقلت وخاطبت بقصيدتي بعض ~~إخواني وكان ذا فهم، منها: [من الطويل] . # وخذني عصا موسى وهات جميعهم %~% ولو أنهم حيات ضال نضانض ومنها: يذيعون ~~في عيبي عجائب جمة %~% وقد يتمنى الليث والليث رابض ومنها: ويرجون ما لا ~~يبلغون كمثل ما %~% يرجى محالا في الإمام الروافض ومنها: ولو جلدي في كل ~~قلب ومهجة %~% لما أثرت فيها العيون المرائض أبت عن دني الوصف ضربة لازب ~~%~% كما أبت الفعل الحروف الخوافض PageV01P211 ~~ومنها: ورأيي له في كل ما غاب مسلك %~% كما تسلك الجسم العروق النوابض ~~يبين مدب النمل في غير مشكل %~% ويستر عنهم للفيول المرابض PageV01P212 ### | - 23 - باب الغدر # وكما أن الوفاء من سري النعوت ونبيل الصفات، فكذلك الغدر من ذميمها ~~ومكروهها، وإنما يسمى غدرا من البادئ به، وأما المقارض بالغدر على مثله - ~~وإن استوى معه في حقيقة الفعل - فلييس بغدر ولا هو معيبا بذلك، والله عز ~~وجل يقول:) وجزاء سيئة سيئة مثلها ((الشورى: 40) وقد علمنا أن الثانية ليست ~~بسيئة، ولكن لما جانست الأولى في الشبه أوقع عليها مثل اسمها، وسيأتي هذا ~~مفسرا في باب السلو إن شاء الله. # ولكثرة وجود الغدر في المحبوب استغرب الوفاء منه، فصار قليله الواقع منهم ~~يقاوم الكثير الموجود في سواهم. # وفي ذلك أقول: [من الوافر] . # قليل وفاء من يهوى يجل %~% وعظم وفاء من يهوى يقل فنادرة الجبان أجل مما ~~%~% يجيء به الشجاع المستقل ومن قبيح الغدر أن يكون للمحب سفير إلى محبوبه ~~يستريح إليه بأسراره فيسعى حتى يقلبه إلى نفسه ويستأثر به دونه؛ وفيه أقول: ~~[من الطويل] . # أقمت سفيرا قاصدا في مطالبي %~% وثقت به جهلا فضرب بيننا وحل عرى ودي ~~وأثبت وده %~% وأبعد عني كل ما كان ممكنا PageV01P213 ~~فصرت شهيدا بعدما كنت مشهدا %~% وأصبح ضيفا بعدما كان ضيفنا خبر: ولقد ~~حدثني القاضي يونس بن عبد الله قال: أذكر في الصبا جارية في بعض السدد ~~يهواها فتى من أهل الأدب من أبناء الملوك وتهواه ويتراسلان، وكان السفير ~~بينهما والرسول بكتبهما فتى من ms068 أترابه كان يصل إليها، فلما عرضت الجارية ~~للبيع أراد الذي كان يحبها ابتياعها، فبدر الذي كان رسولا فاشتراها. # فدخل عليها يوما فوجدها قد فتحت درجا لها تطلب فيه بعض حوائجها، فأتى ~~إليها وجعل يفتش الدرج، فخرج إليه كتاب من ذلك الفتى الذي كان يهواها مضمخا ~~بالغالية مصونا مكرما، فغضب وقال: من أين هذا يا فاسقه قالت: أنت سقته إلي، ~~فقال: لعله محدث بعد ذلك الحين، فقالت: ما هو إلا من قديم تلك التي تعرف؛ ~~قال: فكأنما ألقمته حجرا، فسقط في يده وسكت. PageV01P214 ### | - 24 - باب البين # وقد علمنا أنه لابد لكل مجتمع من افتراق، ولكل دان من تناء، وتلك عادة ~~الله في العباد والبلاد حتى يرث الله الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين. # وما شيء من دواهي الدنيا يعدل الافتراق، ولو سالت الأرواح به فضلا عن ~~الدموع كان قليلا. # وسمع بعض الحكماء قائلا يقول: الفراق أخو الموت، فقال: بل الموت أخو ~~الفراق. # والبين ينقسم أقساما: # 1 - فأولها مدة يوقن بانصرامها وبالعودة عن قريب، ~~وإنه لشجى في القلب، وغصة في الحلق لا تبرأ إلا بالرجعة. # وأنا أعلم من كان يغيب من يحب عن بصره يوما واحدا فيعتريه من الهلع ~~والجزع وشغل البال وترادف الكرب ما يكاد يأتي عليه. # 2 - ثم بين منع من اللقاء وتحظير على المحبوب من أن يراه محبه، فهذا - ولو ~~كان من تحبه معك في دار واحدة - فهو بين، لأنه PageV01P215 ~~بائن عنك، وإن هذا ليولد من الحزن والأسف غير قليل، ولقد جربناه فكان ~~مرا، وفي ذلك أقول: [من الطويل] . # أرى دارها في كل حين وساعة %~% ولكن من في الدار عني مغيب وهل نافعي قرب ~~الديار وأهلها %~% على وصلهم مني رقيب مرقب فيا لك جار الجنب أسمع حسه %~% ~~وأعلم أن الصين أدنى وأقرب كصاد يرى ماء الطوي بعينه %~% وليس إليه من سبيل ~~يسبب كذلك من في اللحد عنك مغيب %~% وما دونه إلا الصفيح المنصب وأقول من ~~قصيدة مطولة: [من الطويل] . # متى تشتفي نفس أضر بها الوجد %~% وتصقب دار قد طوى ms069 أهلها البعد وعهدي ~~بهند وهي جارة بيتنا %~% وأقرب من هند لطالبها الهند بلى إن في قرب الديار ~~لراحة %~% كما يمسك الظمآن أن يدنو الورد # 3 - ثم بين يتعمده المحب بعدا عن ~~قول الوشاة، وخوفا أن يكون بقاؤه سببا إلى منع اللقاء، وذريعة إلى أن يفشو ~~الكلام فيقع الحجاب الغليظ. # 4 - ثم بين يولده المحب لبعض ما يدعوه إلى ذلك من آفات الزمان، وعذره مقبول ~~أو مطرخ على قدر الحافز له إلى الرحيل. # خبر: ولعهدي بصديق لي داره المرية، فعنت له حوائج إلى شاطبة فقصدها، وكان ~~نازلا بها في منزلي مدة إقامته بها، وكان له بالمرية علاقة هي أكبر همه ~~وأدهى غمه، وكان يؤمل تبتيته وفراغ أسبابه وأن يوشك الرجعة ويسرع الأوبة، ~~فلم يكن إلا حين لطيف بعد احتلاله PageV01P216 ~~عندي حتى جيش الموفق أبو الجيش مجاهد صاحب الجزائر الجيوش وقرب العساكر ~~ونابذ خيران صاحب المرية وعزم على استئصاله، فانقطعت الطرق بسبب هذه الحرب، ~~وتحوميت السبل واحترس البحر بالأساطيل، فتضاعف كربه إذ لم يجد إلى الانصراف ~~سبيلا البتة، وكاد يطفأ أسفا، وصار لا يأنس بغير الوحدة، ولا يلجأ إلا إلى ~~الزفير والوجوم، ولعمري لقد كان ممن لم أقدر قط فيه أن قلبه يذعن للود، ولا ~~شراسة طبعه تحبب إلى الهوى. # وأذكر أني دخلت قرطبة بعد رحيلي عنها ثم خرجت منصرفا عنها فضمني الطريق ~~مع رجل من الكتاب قد رحل لأمر مهم وتخلف سكن له، فكان يرتمض لذلك. # وإني لأعلم من علق بهوى له وكان في حال شظف، وكانت له في الأرض مذاهب ~~واسعة ومناديح رحبة ووجوه متصرف كثيرة، فهان عليه ذلك وآثر الإقامة مع من ~~يحب؛ وفي ذلك أقول شعرا منه: [من الكامل] . # لك في البلاد منادح معلومة %~% والسيف غفل أو يبين قرابه PageV01P217 # 5 - ثم بين رحيل وتباعد ديار، ولا يكون من الأوبة فيه على يقين خبر، ولا يحدث ~~تلاق، وهو الخطب الموجع، والعم المفظع، والحادث الأشنع، والدواء الدوي. # وأكثر ما يكون الهلع فيه إذا كان النائي هو المحبوب؛ وهو الذي قالت ms070 فيه ~~الشعراء كثيرا؛ وفي ذلك أقول قصيدة منها: [من الطويل] . # وبي علة أعيا الطبيب علاجها %~% ستوردني لا شك منهل مصرعي رضيت بان أضحى ~~قتيل وداده %~% كجارع سم في رحيق مشعشع فما لليالي ما أقل حياءها %~% ~~وأولعها بالنفس من كل مولع كأن زماني عبشمي يخالني %~% أعنت على عثمان أهل ~~التشيع وأقول من قصيدة: [من الطويل] . # أظنك تمثال الجنان أباحه %~% لمجتهد النساك من أوليائه وأقول من قصيدة: ~~[من الطويل] . # لأبرد باللقيا غليلا من الهوى %~% توقد نيران الغضا هيمانه وأقول شعرا ~~منه: [من الطويل] . # خفيت عن الأبصار والوجد ظاهر %~% فاعجب بأعراض تبين ولا شخص غدا الفلك ~~الدوار حلقة خاتم %~% محيط بما فيه وأنت له فص وأقول من قصيدة: [من الطويل] ~~. # غنيت عن التشبيه حسنا وبهجة %~% كما غنيت شمس السماء عن الحلي PageV01P218 ~~عجبت لنفسي بعده كيف لم تمت %~% وهجرانه دفني وفقدانه نعيي وللجسد الغض ~~المنعم كيف لم %~% تذبه يد خشناء [تقوى على] البري وغن للأوبة من البين ~~الذي تشفق منه النفس لطول مسافته وتكاد تيأس من العودة فيه، لروعة تبلغ ما ~~لا حد وراءه، وربما قتلت؛ وفي ذلك أقول: [من الخفيف] . # للتلاقي بعد الفراق سرور كسرور المفيق حانت وفاته فرحة تبهج النفوس وتحيي ~~%~% من دنا منه بالفراق مماته ربما قد تكون داهية المو %~% ت وتودي بأهله ~~هجماته كم رأينا من عب في الماء عطشا %~% ن فزار الحمام وهو حياته وإني ~~لأعلم من نأت دار محبوبه زمنا ثم تيسرت له اوبة، فلم يكن إلا بقدر التسليم ~~واستيفائه حتى دعته نوى ثانية، فكاد ان يهلك؛ وفي ذلك أقول: [من الطويل] . # أطلت زمان البعد حتى إذا انقضى %~% زمان النوى بالقرب عدت إلى البعد فلم ~~يك إلا كرة الطرف قربكم %~% وعاودكم بعدي وعاودني وجدي كذا حائر في الليل ~~ضاقت وجوهه %~% رأى البرق في داج من الليل مسود فأخلفه منه رجاء دوامه %~% ~~وبعض الأراجي لا تفيد ولا تجدي وفي الأوبة بعد الفراق أقول قطعة منها: [من ~~الطويل] . # لقد قرت العينان بالقرب منكم %~% كما سخنت أيام يطويكم البعد فلله فيما ms071 ~~مضى الصبر والرضى %~% ولله فيما قد قضى الشكر والحمد خبر: ولقد نعي إلي بعض ~~من كنت احب من بلدة نازحة، فقمت فارا بنفسي نحو المقابر، وجعلت امشي بينها ~~وأقول: [من الوافر] . PageV01P219 ~~وددت بان ظهر الأرض بطن %~% وأن البطن منها صار ظهرا وأني مت قبل ورد خطب ~~%~% أتى فأثار في الأكباد جمرا وأن دمي لمن قد بان غسل %~% وان ضلوع صدري ~~كن قبرا ثم اتصل بعد حين تكذيب ذلك الخبر فقلت: [من السريع] . # بشرى أتت واليأس مستحكم %~% والقلب في سبع طباق شداد كنت فؤادي خضرة ~~بعدما %~% كان فؤادي لابسا للحداد جلى سواد الغم عني كما %~% يجلى بلون ~~الشمس لون السواد هذا وما آمل وصلا سوى %~% صدق وفاء بقديم الوداد فالمزن ~~قد يطلب لا للحيا %~% لكن لظل بارد ذي امتداد ويقع في هذين الصنفين من ~~البين الوداع، أعني رحيل المحب أو رحيل المحبوب. # وإنه لمن المناطر الهائلة والمواقف الصعبة التي تفتضح فيها عزيمة كل ماضي ~~العزائم، وتذهب قوة كل ذي بصيرة، وتسكب كل عين جمود، ويظهر مكنون الجوى. # وهو فصل من فصول البين يجب التكلم فيه، كالعتاب في باب الهجر. # ولعمري لو أن ظريفا يموت في ساعة الوداع لكان معذورا إذا تفكر فيما يحل ~~به بعد ساعة من انقطاع الآمال، وحلول الأوجال، وتبدل السرور بالحزن. # وإنها ساعة ترق القلوب القاسية، وتلين الأفئدة الغلاظ. # وإن حركة الرأس وإدمان النظر والزفرة بعد الوداع لهاتكة حجاب القلب، ~~وموصلة إليه من الجزع بمقدار ما تفعل حركة الوجه في ضد هذا والإشارة بالعين ~~والتبسم في مواطن الموافقة. PageV01P220 ~~والوداع ينقسم قسمين، أحدهما لا يتمكن فيه إلا بالنظر والإشارة والثاني ~~يتمكن فيه بالعناق والملازمة، وربما لعله كان لا يمكن قبل ذلك البتة مع ~~تجاوز المحال وإمكان التلاقي، ولهذا تمنى بعض الشعراء البين ومدحوا يوم ~~النوى، وما ذاك بحسن ولا بصواب ولا بالأصيل من الرأي، فما يفي سرور ساعة ~~بحزن ساعات، فكيف إذا كان البين أياما وشهورا وربما أعواما وهذا سوء من ~~النظر ومعوج من القياس، وإنما أثنيت على النوى ms072 في شعري تمنيا لرجوع يومعا، ~~فيكون في كل يوم لقاء ووداع، على أن تحتمل مضض هذا الاسم الكريه، وذلك ~~عندما يمضي من الأيام التي لا التقاء فيها فحينئذ يرغب المحب من يوم الفراق ~~لو أمكنه في كل يوم؛ وفي الصنف الأول من الوداع أقول شعرا منه: [من البسيط] ~~. # تنوب عن بهجة الأنوار بهجته %~% كما تنوب عن النيران أنفاسي وفي الصنف ~~الثاني من الوداع أقول شعرا منه: [من البسيط] . # وجه تخر له الأنوار ساجدة %~% والوجه تم فلم ينقص ولم يزد دفء وشمس الضحى ~~بالجدي نازلة %~% وبارد ناعم والشمس في الأسد ومنه: يوم الفراق لعمري لست ~~أكرهه %~% أصلا وإن شت شمل الروح عن جسدي ففيه عانقت من أهوى بلا جزع %~% ~~وكان من قبله إن سيل لم يجد أليس من عجب دمعي وعبرتها %~% يوم الوصال ليوم ~~البين ذو حسد PageV01P221 ~~وهل هجس في الأفكار أو قام في الظنون أشنع وأوجع من هجر عتاب وقع بين ~~محبين، ثم فجأتهما النوى قبل حلول الصلح وانحلال عقدة الهجران، فقاما إلى ~~الوداع وقد نسي العتاب، وجاء ما طم عن القوى وأطار الكرى؛ وفيه أقول شعرا ~~منه: [من الطويل] . # وقد سقط العتب المقدم وامحى %~% وجاءت جيوش البين تجري وتسرع وقد ذعر ~~البين الصدود فراعه %~% فولى فما يدرى له اليوم موضع كذئب خلا بالصيد حتى ~~أظله %~% هزبر له من جانب الغيل مطلع لئن سرني في طرده الهجر إنني %~% ~~لإبعاده عني الحبيب لموجع ولابد عند الموت من بعض راحة %~% وفي غبها الموت ~~الوحي المصرع وأعرف من أتى ليودع محبوبه يوم الفراق فوجده قد فات، فوقف على ~~آثاره ساعة وتردد في الموضع الذي كان فيه ثم انصرف كئيبا متغير اللون كاسف ~~البال، فما كان بعد أيام قلائل حتى اعتل ومات، رحمه الله. # وإن للبين في إظهار السرائر المطوية عملا عجبا: ولقد رأيت من كان حبه ~~مكتوما وبما يجد فيه مستترا حتى وقع حادث الفراق فباح المكنون وظهر الخفي. # وفي ذلك أقول قطعة منها: [من المتقارب] . # بذلت من الود ما كنت قبل %~% منعت ms073 وأعطيتنيه جزافا وما لي به حاجة عند ~~ذاك %~% ولو جدت قبل بلغت الشغافا وما ينفع الطب عند الحمام %~% وينفع قبل ~~الردى من تلافى وأقول: [من الكامل] . # الآن إذ حل الفراق وجدت لي %~% بخفي حب كنت تبدي بخله PageV01P222 ~~قد زدتني في حسرتي أضعافها %~% ويحي فهلا كان هذا قبله ولقد أذكرني هذا ~~أني خطبت في بعض الأزمان مودة رجل من وزراء السلطان أيام جاهه فأظهر بعض ~~الامتساك، فتركته حتى ذهبت أيامه وانقضت دولته، فأبدى لي من المودة والاخوة ~~غير قليل، فقلت: [من الطويل] . # بذلت لي الأعراض والدهر مقبل %~% وتبذل لي الإقبال والدهر معرض وتبسطني ~~إذ ليس ينفع بسطكم %~% فهلا أبحث البسط إذ كنت تقبض # 6 - ثم بين الموت وهو ~~الفوت، وهو الذي لا يرجى له إياب، وهو المصيبة الحالة، وهو قاصمة الظهر ~~وداهية الدهر، وهو الويل، وهو المغطي على ظلمة الليل، وهو قاطع كل رجاء ~~وماحي كل طمع والمؤيس من اللقاء. # وهنا حارت الألسن، وانجذم حبل العلاج، فلا حيلة إلا الصبر طوعا أو كرها. # وهو أجل ما يبتلى به المحبون، فما لمن دهي به إلا النوح والبكاء إلى أن ~~يتلف أو يمل؛ فهو القرحة التي لا تنكا، والوجع الذي لا يفنى، وهو الغم الذي ~~يتجدد على قدر بلاء من اغتمدته في الثرى وفيه أقول: [من مشطور المديد] كل ~~بين واقع %~% فمرجى لم يفت لا تعجل قنطا %~% لم يفت من لم يمت والذي قد مات ~~فال %~% يأس عنه قد ثبت وقد رأينا من عرض له هذا كثيرا. # وعني أخبرك أني أحد من دهي بهذه الفادحة وتعجلت له هذه المصيبة، وذلك أني ~~كنت أشد الناس كلفا وأعظمهم حبا بجارية لي، PageV01P223 ~~كانت فيما خلا اسمها نعم. # وكانت أمنية المتمني وغاية الحسن خلقا وخلقا وموافقة لي، وكنت أبا عذرها، ~~وكنا قد تكافأنا المودة، ففجعتني بها الأقدار، واخترمتها الليالي ومر ~~النهار، وصارت ثالثة التراب والاحجار، وسني حين وفاتها دون العشرين سنة، ~~وكانت هي دوني في السن، فلقد أقمت بعدها سبعة أشهر لا أتجرد عن ثيابي ولا ~~تفتر ms074 لي دمعة على جمود عيني وقلة إسعادها؛ وعلى ذلك فو الله ما سلوت حتى ~~الآن، ولو قبل فداء لفديتها بكل ما أملك من تالد وطارف، وببعض أعضاء جسمي ~~العزيزة علي مسارعا طائعا، وما طاب لي عيش بعدها، ولا نسيت ذكرها، ولا أنست ~~بسواها، ولقد عفى حبي لها على كل ما قبله، وحرم ما كان بعده؛ ومما قلت ~~فيها: [من الطويل] . # مهذبة بيضاء كالشمس إن بدت %~% وسائر ربات الحجال نجوم أطار هواها القلب ~~عن مستقره %~% فبعد وقوع ظل وهو يحوم ومن مراثي فيها قصيدة منها: [من ~~الطويل] . # كأني لم آنس بألفاظك التي %~% على عقد الألباب هن نوافث ولم أتحكم في ~~الأماني كأنني %~% لإفراط ما حكمت فيهن عابث ومنها: ويبدي إعراضا وهن أوالف ~~%~% ويقسمن في هجري وهن حوانث وأقول أيضا في قصيدة أخاطب فيها ابن عمي أبا ~~المغيرة عبد الوهاب بن أحمد بن عبد الرحمن بن حزم بن غالب، وأقرضه فأقول: ~~[من الطويل] . PageV01P224 ~~قفا فاسألا الأطلال أين قطينها %~% أمرت عليها بالبلى الملون على دارسات ~~مقفرات عواطل %~% كأن المغاني في الخفاء معاني واختلف الناس في أي الأمرين ~~أشد: البين أم الهجر وكلاهما مرتقى صعب وموت أحمر وبلية سوداء وسنة شهباء، ~~وكل يستبشع من هذين ما ضاد طبعه: فأما ذو النفس الأبية الأنوف، الحنانة ~~الألوف الثابتة على العهد، فلا شيء يعدل عنده مصيبة البين، لأنه أتى قصدا، ~~وتعمدته النوائب عمدا، فلا يجد شيئا يسلي نفسه؛ ولا يصرف فكرته في معنى من ~~المعاني إلا وجد باعثا على صبابته ومحركا لأشجانه، وعلة لألمه، وحجة لوجده ~~وحاضا على البكاء على إلفه. # وأما الهجر فهو داعية السلو ورائد الإقلاع. # وأما ذو النفس التواقة الكثيرة النزوع والتطلع القلوق العزوف فالهجر داؤه ~~وجالب حتفه، والبين له مسلاة ومنساة. # وأما أنا فالموت عندي أسهل من الفراق، وما الهجر إلا جالب للكمد فقط، ~~ويوشك إن دام أن يحدث إيغارا، وفي ذلك أقول: [من المتقارب] . # وقالوا ارتحل فلعل السلو %~% يكون وترغب أن ترغبه فقلت الردى لي قبل ~~السلو %~% ومن يشرب السم عن تجربه ms075 وأقول [المتقارب] سبى مهجتي هواه %~% ~~وأودت بها نواه كأن الغرام ضيف %~% وروحي غدا قراه PageV01P225 ~~ولقد رأيت من يستعجل هجر محبوبه ويتعمده خوفا من مرارة يوم البين وما ~~يحدث به من لوعة الأسف عند التفرق، وهذا وإن لم يكن عندي من المذاهب ~~المرضية، فهو حجة قاطعة على ان البين أصعب من الهجر، وكيف لا وفي الناس من ~~يلوذ بالهجر خوفا من البين. # ولم أجد أحدا في الدنيا يلوذ بالبين خوفا من الهجر، إنما يأخذ الناس أبدا ~~الأسهل ويتكلفون الأهون. # وإنما قلنا إنه ليس من المذاهب المحمودة لان أصحابه قد استعجلوا البلاء ~~قبل نزوله، وتجرعوا غصة الصبر قبل وقتها، ولعل ما تخوفوه لا يكون، وليس من ~~يتعجل المكروه - وهو على غير يقين مما يتعجل - بحكيم، وفيه أقول شعرا منه: ~~[من الخفيف] . # لبس الصب للصبابة بينا %~% ليس من جانب الأحبة منا كغني يعيش عيش فقير ~~%~% خوف فقر وفقره قد أبنا وأذكر لابن عمي أبي المغيرة في هذا المعنى - من ~~ان البين أصعب من الصد - أبياتا من قصيدة خاطبني بها وهو ابن سبعة عشر عاما ~~أو نحوها، وهي: [من الكامل المجزوء] . # أجزعت أن أزف الرحيل %~% وولهت ان نص الذميل كلا: مصابك فادح %~% وأجل: ~~فراقهم جليل كذب الألى زعموا بان %~% الصد مرتعه وبيل لم يعرفوا كنه الغلي ~~%~% ل وقد تحملت الحمول أما الفراق فإنه %~% للموت إن أهوى دليل ولي في هذا ~~المعنى قصيدة مطولة أولها: [من الكامل] . PageV01P226 ~~لا مثل يومك ضحوة التنعيم %~% في منظر حسن وفي تنعيم قد كان ذاك اليوم ~~ندرة عاقر %~% وصواب خاطئة وولد عقيم أيام برق الوصل ليس بخلب %~% عندي ولا ~~روض الهوى بهشيم من كل غانية تقول ثديها %~% سيرى أمامك والإزار أقيمي ما ~~بي تلك العيون وليس في %~% برئي سواها في الورى بزعيم مثل الأفاعي ليس في ~~شيء سوى %~% أجسادها إبراء لدغ سليم والبين أبكى الشعراء على المعاهد ~~فأدروا على الرسوم الدموع، وسقوا الديار ماء الشوق، وتذكروا ما قد سلف لهم ~~فيها فأعولوا وانتحبوا، وأحيت الآثار دفين شوقهم فناحوا وبكوا. # ولقد ms076 أخبرني بعض الوراد من قرطبة - وقد استخبرته عنها - انه رأى دورنا ~~ببلاط مغيث في الجانب الغربي منها وقد امحت رسومها، وطمست أعلامها، وخفيت ~~معاهدها، وغيرها البلى وصارت صحارى مجدبة بعد العمران، وفيافي موحشة بعد ~~الأنس، وخرائب منقطعة بعد الحسن، وشعابا مفزعة بعد الأمن، ومأوى للذاب، ~~ومعازف للغيلان، وملاعب للجان، ومكامن للوحوش، بعد رجال كاليوث، وخرائد ~~كالدمى، تفيض لديهم النعم الفاشي - تبدد شملهم فصاروا في البلاد أيادي سبا، ~~فكأن تلك المحاريب المنمقة، والمقاصير المزينة، التي كانت تشرق إشراق ~~الشمس، ويجلو الهموم PageV01P227 ~~حسن منظرها، حين شملها الخراب، وعمها الهدم، كأفواه السباع فاغرة، تؤذن ~~بفناء الدنيا، وتريك عواقب اهلها، وتخبرك عما يصير إليه كل من تراه قائما ~~فيها، وتزهد في طلبها بعد أن طالما زهدت في تركها، وتذكرت أيامي بها ولذاتي ~~وشهور صباي لديها، مع كواعب إلى مثلهن صبا الحليم، ومثلت لنفسي كونهن تحت ~~الثرى وفي الآفاق النائية والنواحي البعيدة، وقد فرقتهن يد الجلاء، ومزقتهن ~~أكف النوى، وخيل إلى بصري فناء تلك النصبة بعدما علمته من حسنها وغضارتها ~~والمراتب المحكمة التي نشأت فيها لديها، وخلاء تلك الأفنية بعد تضايقها ~~باهلها، وأوهمت سمعي صوت الصدى والهام عليها، بعد حركة تلك الجماعات التي ~~ربيت بينهم فيها، وكان ليلها تبعا لنهارها في انتشار ساكنها والتقاء ~~عمارها، فعاد نهارها تبعا لليلها في الهدوء والاستيحاش، فأبكى عيني وأوجع ~~قلبي وقرع صفاة كبدي وزاد في بلاء لبي، فقلت شعرا منه: [من الطويل] . # لئن كان أظمانا فقد طالما سقى %~% وإن ساءنا فيها فقد طالما سرا والبين ~~يولد الحنين والاهتياج والتذكر، وفي ذلك أقول: [من البسيط] . PageV01P228 ~~ليت الغراب يعيد اليوم لي فعسى %~% يبين بينهم عني فقد وقفا أقول والليل ~~قد أرخى أجلته %~% وقد تألى بألا ينقضي فوفى والنجم قد حار في أفق السماء ~~فما %~% يمضي ولا هو للتغوير منصرفا تخاله مخطئا أو خائفا وجلا %~% أو ~~راقبا موعدا أو عاشقا دنفا PageV01P229 ### | - 25 - باب القنوع # ولابد للمحب، إذا حرم الوصل، من القنوع بما يجد، وغن في ذلك لمتعللا ~~للنفس، وشغلا للرجاء، وتجديدا للمنى، ms077 وبعض الراحة. # وهو مراتب على قدر الإصابة والتمكن # 1 - فأولها الزيارة، وإنها لأمل من ~~الآمال ومن سري ما يسنح في الدهر، مع ما تبدي من الخفر والحياء، لما يعلمه ~~كل واحد منهما مما في نفس صاحبه؛ وهي على وجهين: أحدهما أن يزور المحب ~~محبوبه. # وهذا الوجه واسع؛ والوجه الثاني ان يزور المحبوب محبه، ولكن لا سبيل إلى ~~غير النظر والحديث الظاهر؛ وفي ذلك أقول: [من الطويل] فإن تنا بالوصال ~~فإنني %~% سأرضى بلحظ العين إن لم يكن وصل فحسبي أن ألقاك في اليوم مرة %~% ~~وما كنت أرضى ضعف ذا منك لي قبل كذا همة الوالي تكون رفيعة %~% ويرضى خلاص ~~النفس إن وقع العزل وأما رجع السلام والمخاطبة فأمل من الآمال: وإن كنت أنا ~~أقول PageV01P230 ~~في قصيدة لي: [من الطويل] . # فها أنا ذا أخفي وأقنع راضيا %~% برجع سلام إن تيسر في الحين فإنما هذا ~~لمن ينتقل من مرتبة إلى ما هو أدنى منها. # وإنما تتفاضل المخلوقات في جميع الأوصاف على قدر إضافتها إلى ما هو فوقها ~~أو دونها. # وأني لأعلم من كان يقول لمحبوبه: عدني واكذب، قنوعا بان يسلي نفسه في ~~وعده وغن كان غير صادق؛ فقلت في ذلك: [من الكامل] . # إن كان وصلك ليس فيه مطمع %~% والقرب ممنوع فعدني واكذب فعسى التعلل ~~بالتقائك ممسك %~% لحياة قلب بالصدود معذب فلقد يسلي المجدبين إذا رأوا %~% ~~في الأفق يلمع صوء برق خلب ومما يدخل في هذا الباب شيء رأيته ورآه غيري ~~معي: أن رجلا من إخواني جرحه من كان يحبه بمدية، فلقد رأيته وهو يقبل مكان ~~الجرح ويندبه مرة بعد مرة، فقلت في ذلك: [من المتقارب] . # يقولون شجك من همت فيه %~% فقلت لعمري ما شجني ولكن أحس دمي قربه %~% ~~فطار إليه ولم ينثن فيا قاتلي ظالما محسنا %~% فديتك من ظالم محسن # 2 - ومن القنوع ان يسر الإنسان ويرضى ببعض آلات محبوبه، وإن له من النفس لموقعا ~~حسنا وإن لم يكن فيه إلا ما نص الله تعالى علينا، من ارتداد يعقوب بصيرا ~~حين شم قميص ms078 يوسف عليهما السلام. # وفي ذلك أقول: [من السريع] . # لما منعت القرب من سيدي %~% ولج في هجري ولم ينصف صرت بإبصاري أثوابه %~% ~~أو بعض ما قد مسه أكتفي PageV01P231 ~~كذاك يعقوب نبي الهدى %~% إذ شفه الحزن على يوسف شم قميصا جاء من عنده ~~%~% وكان مكفوفا فمنه شفي وما رأيت قط متعاشقين إلا وهما يتهاديان خصل ~~الشعر مبخرة بالعنبر مرشوشة بماء الورد وقد جمعت في أصلها بالمصطكي وبالشمع ~~الأبيض المصفى، ولفت في تطاريف الوشي والخز وما أشبه ذلك، لتكون تذكرة عند ~~البين. # وأما تهادي المساويك بعد مضغها، والمصطكي إثر استعمالها، فكثير بين كل ~~متحابين قد حظر عليهما اللقاء؛ وفي ذلك أقول قطعة منها: [من الطويل] . # أرى ريقها ماء الحياة تيقنا %~% على أنها لم تبق لي في الهوى حشا خبر: ~~وأخبرني بعض إخواني عن سليمان بن أحمد الشاعر أنه رأى ابن سهل الحاجب ~~بجزيرة صقلية، وذكر أنه كان غاية في الجمال، فشاهده يوما في بعض المتنزهات ~~ماشيا وامرأة خلفه تنظر إليه، فلما بعد أتت إلى المكان الذي قد أثر فيه ~~مشيه فجعلت تقبله وتلثم الأرض التي فيها أثر رجله؛ وفي ذلك أقول قطعة ~~أولها: [من الطويل] . # يلومنني في موطئ خفه خطا %~% ولو علموا عاد الذي لام يحسد فيا أهل أرض لا ~~يجود سحابها %~% خذوا بوصاتي تستقلوا وتحمدوا خذوا من تراب فيه موضع وطئه ~~%~% وأضمن ان المحل عنكم يبعد فكل تراب واقع فيه رجله %~% فذاك صعيد ليس ~~يجحد PageV01P232 ~~كذلك فعل السامري وقد بدا %~% لعينيه من جبريل إثر ممجد فصير جوف العجل ~~من ذلك الثرى %~% فقام له منه خوار ممدد وأقول: [من الطويل] . # لقد بوركت ارض بها أنت قاطن %~% وبورك من فيها وحل بها السعد فأحجارها در ~~وسعدانها ورد %~% وأمواهها شهد وتربتها ند # 3 - ومن القنوع الرضى بمزار ~~اللطيف وتسليم الخيال، وهذا إنما يحدث عن ذكر لا يفارق، وعهد لا يحول، وفكر ~~لا ينقضي، فإذا نامت العيون وهدأت الحركات سرى الطيف؛ وفي ذلك أقول: [من ~~البسيط] . # زار الخيال فتى طالت صبابته %~% على احتفاظ من الحراس والحفظه ms079 فبت في ~~ليلتي جذلان مبتهجا %~% ولذة الطيف تنسي لذة اليقظه وأقول: [من الطويل] . # أتى طيف نعم مضجعي بعد هدأة %~% ولليل سلطان وظل ممدد وعهدي بها تحت ~~التراب مقيمة %~% وجاءت كما قد كنت من قبل اعهد فعدنا كما كنا وعاد زماننا ~~%~% كما قد عهدنا قبل والعود أحمد وللشعراء في علة مزار الطيف أقاويل بديعة ~~بعيدة المرمى مخترعة، كل سبق إلى معنى من المعاني، فأبو إسحاق ابن سيار ~~النظام راس المعتزلة جعل علة مزار الطيف خوف الأرواح من الرقيب المرقب على ~~لقاء الأبدان، وأبو تمام حبيب بن أوس الطائي جعل علته أن PageV01P233 ~~نكاح الطيف لا يفسد الحب ونكاح الحقيقة يفسده والبحتري جعل علة إقباله ~~استضاءته بنار وجده، وعلة زواله خوف الغرق في دموعه. # وأنا أقول من غير أن أمثل شعري بأشعارهم - فلهم فضل التقدم والسابقة، ~~إنما نحن لاقطون وهم الحاصدون، ولكن اقتداء بهم، وجريا في ميدانهم، وتتبعا ~~لطريقتهم التي نهجوا وأوضحوا - أبياتا بينت فيها مزار الطيف مقطعة: [من ~~الوافر] . # أغار عليك من إدراك طرفي %~% وأشفق أن يذيبك لمس كفي فأمتنع اللقاء حذار ~~هذا %~% واعتمد التلاقي حين أغفي فروحي إن لنم، بك ذو انفراد %~% من ~~الأعضاء مستتر ومخفي ووصل الروح ألطف فيك وقعا %~% من الجسم المواصل ألف ~~ضعف وحال المزور في المنام ينقسم أقساما أربعة: # 1 - أحدها محب مهجور قد ~~تطاول غمه، ثم رأى في هجعته ان حبيبه وصله فسر بذلك وابتهج، ثم استيقظ فأسف ~~وتلهف، حيث علم أن ما كان فيه أماني النفس وحديثها؛ وفي ذلك أقول: [من ~~الخفيف] . # أنت في مشرق النهار بخيل %~% وإذا الليل جن كنت كريما تجعل الشمس منك لي ~~عوضا %~% هيهات ماذا الفعال منك قويما زارني طيفك البعيد فيأتي %~% واصلا ~~لي وعائدا ونديما PageV01P234 ~~غير أني منعتني من تمام ال %~% عيش لكن أبحث لي التشميما # فكأني من أهل الأعراف لا الفر %~% دوس داري ولا أخاف الجحيما # 2 - والثاني محب مواصل مشفق من تغير يقع، قد رأى في وسنه أن حبيبه يهجره ~~فاهتم لذلك هما شديدا، ثم هب من نومه ms080 فعلم أن ذلك باطل وبعض وساوس الإشفاق. # 3 - والثالث محب داني الديار يرى أن التنائي قد فدحه، فيكترث ويوجل ثم ينتبه ~~فيذهب ما به ويعود فرحا؛ وفي ذلك أقول قطعة منها: [من الطويل] . # رأيتك في نومي كأنك راحل %~% وقمنا إلى التوديع والدمع هامل وزال الكرى ~~عني وأنت معانقي %~% وغمي إذا عاينت ذلك زائل فجددت تعنيقا وضما كأنني %~% ~~عليك من البين المفرق واجل # 4 - والرابع محب نائي المزار، يرى أن المزار قد ~~دنا، والمنازل قد تصاقبت، فيرتاح ويأنس إلى فقد الأسى، ثم يقوم من سنته ~~فيرى أن ذلك غير صحيح، فيعود إلى أشد ما كان فيه من الغم. # وقد جعلت في بعض قولي علة النوم الطمع في طيف الخيال، فقلت: [من البسيط] ~~. # طاف الخيال على مستهتر كلف %~% لولا ارتقاب مزار الطيف لم ينم # لا تعجبوا إذ سرى والليل معتكر %~% فنوره مذهب في الأرض للظلم # 4 - ومن القنوع ان يقنع المحب بالنظر إلى الجدران ورؤية الحيطان التي تحتوي ~~على من يحب، وقد رأينا من هذه صفته. # ولقد PageV01P235 ~~حدثني أبو الوليد أحمد بن محمد بن اسحاق الخازن رحمه الله من رجل جليل، ~~أنه حدث عن نفسه بمثل هذا: # 5 - ومن القنوع أن يرتاع المحب، إلى أن يرى من رأى محبوبه ويأنس به ومن أتى ~~من بلاده، وهذا كثير؛ وفي ذلك أقول: [من الطويل] . # توحش من سكانه فكأنهم %~% مساكن عاد أعقبته ثمود # ومما يدخل في هذا الباب أبيات لي، موجبها أني تنزهت أنا وجماعة من إخواني ~~من أهل الأدب والشرف إلى بستان لرجل من أصحابنا، فجلنا ساعة ثم أفضى بنا ~~القعود إلى مكان دونه يتمى، فتمددنا في رياض أريضة، وأرض عريضة، للبصر فيها ~~منفسح، وللنفس لديها منسرح، بين جداول تطرد كأباريق اللجين، وأطيار تغرد ~~بألحان تزري بما أبدعه معبد والغريض، وثمار مهدلة قد ذللت للأيدي ودنت ~~للمتناول، وظلال مظلة تلاحظنا الشمس من بينها فتتصور بين أيدينا كرقاع ~~الشطرنج والثياب المدبجة، وماء عذب يوجدك حقيقة طعم الحياة، وانهار متدفقة ~~تنساب كبطون الحيات لها خرير يقوم ms081 ويهدأ، ونواوير مؤنقة مختلفة الألوان ~~تصفقها الرياح الطيبة النسيم، وهواء سجسج، وأخلاق جلاس تفوق كل هذا، في يوم ~~ربيعي ذي شمس ظليلة، تارة يغطيها الغيم الرقيق والمزن اللطيف، وتارة تتجلى ~~فهي كالعذراء الخفرة الخجلة تتراءى لعاشقها من بين الأستار ثم تغيب فيها ~~حذر عين مراقبة. # وكان بعضنا مطرقا كأنه يحادث الثرى، وذلك لسر PageV01P236 ~~كان له، فعرض لي بذلك، وتداعبنا حينا فكلفت أن أقول على لسانه شيئا في ~~ذلك، فقلت بديهة، وما كتبوها إلا من تذكرها بعد انصرافنا، وعي: [من الطويل] ~~. # ولما تروحنا بأكناف روضة %~% مهدلة الأفنان في تربها الندي # وقد ضحكت أنوارها وتضوعت %~% أساورها في ظل فيء ممدد # وأبدت لنا الأطيار حسن صريفها %~% فمن بين شاك شجوه ومغرد # وللماء فيما بيننا متصرف %~% وللعين مرتاد هناك ولليد # وما شئت من اخلقا أروع ماجد %~% كريم السجايا للفخار مشيد # تنغص عندي كل ما قد وصفته %~% ولم يهنني إذ غاب عني سيدي # فيا ليتني في السجن وهو معانقي %~% وأنتم معا في قصر دار المجدد # فمن رام منا أن يبدل حاله %~% بحال أخيه أو بملك مخلد # فلا عاش إلا في شقاء ونكبة %~% ولا زال في بؤسى وخزي مردد # فقال هو ومن حضر: آمين آمين. # وهذه الوجوه التي عددت وأوردت في حقائق القناعة هي الموجودة في أهل ~~المودة، بلا تزيد ولا إعياء. # 6 - وللشعراء فن من القنوع أرادوا فيه إظهار غرضهم وإبانة اقتدارهم على ~~المعاني الغامضة والمرامي البعيدة، وكل قال على قدر قوة طبعه، إلا أنه تحكم ~~باللسان وتشدق في الكلام واستطالة بالبيان، وهو غير صحيح في الأصل: فمنهم ~~من قنع بأن السماء تظله هو 464) . PageV01P237 ~~ومحبوبه والأرض تقلهما، ومنهم من قنع باستوائهما في إحاطة الليل والنهار ~~بهما، وأشباه هذا، وكل مبادر إلى احتواء الغاية في الاستقصاء، وإحراز قصب ~~السبق في التدقيق، ولي في هذا المعنى قول لا يمكن لمتعقب أن يجد بعده ~~متناولا، ولا وراءه مكانا، مع تبيني علة قرب المسافة البعيدة، وهو: [من ~~الطويل] . # قالوا بعيد قلت حسبي بأنه %~% معي في زمان لا يطيق محيدا ms082 # تمر علي الشمس مثل مرورها %~% به كل يوم يستنير جديدا # فمن ليس بيني في المسير وبينه %~% سوى قطع يوم هل يكون بعيدا # وعلم إله الخلق يجمعنا معا %~% كفى ذا التداني ما أريد مزيدا # فبينت كما ترى أني قانع بالاجتماع مع من احب في علم الله الذي السموات ~~والأفلاك والعوالم كلها وجميع الموجودات بسبب منه ولا تجزؤ فيه ولا يشذ عنه ~~شيء، ثم اقتصرت من علم الله تعالى على انه في زمان؛ وهذا اعلم مما قاله ~~غيري في إحاطة الليل والنهار، وإن كان الظاهر واحدا في البادئ إلى السامع، ~~لان كل المخلوقات واقعة PageV01P238 ~~تحت الزمان، وإنما الزمان اسم موضوع لمرور الساعات وقطع الفلك وحركاته ~~وأجرامه، والليل والنهار متوالدان عن طلوع الشمس وغروبها، وهما متناهيان في ~~بعض العالم الأعلى، وليس هكذا الزمان، فإنهما بعض الزمان. # وإن كان لبعض الفلاسفة قول: إن الظل متماد، فهذا يخطئه العيان، وعلل الرد ~~عليه بينة ليس هذا موضعها، ثم بينت انه وإن كان في أقصى المعمور من الشرق ~~وأنا في أقصى المعمور من الغرب، وهذا طوال السكنى، فليس بيني إلا مسافة ~~يوم؛ إذ الشمس تبدو في أول النهار في أول المشارق وتغرب في آخر النهار في ~~آخر المغارب. # 7 - ومن القنوع فصل أورده وأستعيذ بالله منه ومن أهله، وأحمده على ما عرف ~~نفوسنا من منافرته، وهو ان يضل العقل جملة، وتفسد القريحة، ويتلف التمييز ~~ويهون الصعب، وتذهب الغيرة، وتعدم الانفة، فيرضى الإنسان بالمشاركة فيمن ~~يحب، وقد عرض هذا لقوم، أعاذنا الله من البلاء. # وهذا لا يصح إلا مع كلبية في الطبع، وسقوط من العقل - الذي هو عيار على ~~ما تحته - وضعف حس. # ويؤيد هذا كله حب شديد معم. # فإذا اجتمعت هذه الأشياء وتلاحقت بمزاج الطبائع ودخول بعضها في بعض نتج ~~بينهما هذا الطبع الخسيس، وتولدت هذه الصفة الرذلة، وقام منها هذا الفعل ~~المقذور القبيح. # وأما رجل معه أقل همة وأيسر مروءة فهذا منه أبعد من الثريا، ولو مات وجدا ~~وتقطع حبا، وفي ذلك أقول زاريا على بعض ms083 المسامحين في هذا الفصل: [من ~~الطويل] . # رأيتك رحب الصدر ترضى بما أتى %~% وأفضل شيء ان تلين وتسمحا فحظك من بعض ~~السواني مفضل %~% على أن يحوز الملك من أصلها الرحى وعضو بعير في الوزن ضعف ~~ما %~% تقدره في الجدي فاعص الذي لحا ولعب الذي تهوى بسيفين معجب %~% فكن ~~ناحيا في نحوه كيفما نحا PageV01P239 ### | - 26 - باب الضنى # ولابد لكل محب صادق المودة ممنوع الوصل - إما ببين وإما بهجر وإما بكتمان ~~واقع لمعنى - من أن يؤول إلى حد السقام والضنى والنحول، وربما أضجعه ذلك؛ ~~وهذا الأمر كثير جدا موجود أبدا. # والأعراض الواقعة من المحبة غير الأعراض الواقعة من هجمات العلل، ويميزها ~~الطبيب الحاذق والمتفرس الناقد؛ وفي ذلك أقول: [من الوافر] يقول لي الطبيب ~~بغير علم %~% تداو فأنت يا هذا عليل ودائي ليس يدريه سوائي %~% ورب قادر ~~ملك جليل أأكتمه ويكشفه شهيق %~% يلازمني وإطراق طويل ووجه شاهدات الحزن ~~فيه %~% وجسم كالخيال ضن نحيل وأثبت ما يكون الأمر يوما %~% بلا شك إذا صح ~~الدليل فقلت له: أبن عني قليلا %~% فلا والله تعرف ما تقول فقال: أرى نحولا ~~زاد جدا %~% وعلتك التي تشكو ذبول فقلت له: الذبول تعل منه ال %~% جوارح ~~وهي حمى تستحيل وما أشكو لعمر والله حمى %~% وإن الحر في جسمي قليل فقال: ~~أرى التفاتأ وارتقابا %~% وأفكارا وصمتا لا يزول PageV01P240 ~~وأحسب أنها السوداء فانظر %~% لنفسك إنها عرض ثقيل فقلت له: كلامك ذا ~~محال %~% فما للدمع من عيني يسيل فأطرق باهتا مما رآه %~% ألا في مثل ذا ~~بهت النبيل فقلت له: دوائي منه دائي %~% ألا في مثل ذا ضلت عقول وشاهد ما ~~أقول يرى عيانا %~% فروع النبت إن عكست أصول وترياق الأفاعي ليس شيء %~% ~~سواه ببرء ما لدغت كفيل وحدثني أبو بكر محمد بن بقي الحجري، وكان حكيم ~~الطبع عاقلا فهيما، عن رجل من شيوخنا لا يمكن ذكره، انه كان ببغداد في خان ~~من خاناتها فرأى ابنة لوكيله الخان فأحبها وتزوجها، فلما خلا بها نظرت إليه ~~وكانت بكرا، وهو قد تكشف لبعض حاجته، فراعها كبر ms084 إحليله، ففرت إلى أمها ~~وتفادت منه، فرام بها كل من حواليها أن ترد إليه، فأبت وكادت ان تموت، ~~ففارقها ثم ندم، ورام ان يراجعها فلم يمكنه، واستعان بالأبهري وغيره، فلم ~~يقدر أحد منهم على حيلة في أمره، فاختلط عقله وأقام في المارستان يعاني مدة ~~طويلة حتى نقة وسلا وما كاد، ولقد كان إذا ذكرها يتنفس الصعداء. # وقد تقدم في أشعاري المذكورة في هذه الرسالة: من صفة النحول مفرقا ما ~~استغنيت به عن أن أذكر هنا من سواها شيئا خوف الإطالة، والله المعين ~~والمستعان. PageV01P241 ~~وربما ترقت إلى أن يغلب المرء على عقله ويحال بينه وبين ذهنه فيوسوس؛ ~~خبر: وإني لأعرف جارية من ذوات المناصب والجمال والشرف من بنات القواد، وقد ~~بلغ بها حب فتى من إخواني من أبناء الكتاب مبلغ هيجان المرار الأسود، وكادت ~~تختلط، واشتهر الأمر وشاع جدا حتى علمه الأباعد، إلى ان تدوركت بالعلاج. # وهذا إنما يتولد عن إدمان الفكر، فإذا غلبت الفكرة وتمكن الخلط وترك ~~التداوي خرج الأمر عن حد الحب إلى حد الوله والجنون، وإذا أغفل التداوي في ~~أوائل المعاناة قوي جدا ولم يوجد له دواء سوى الوصال، ومن بعض ما كتبت إليه ~~قطعة منها: [من الخفيف] قد سلبت الفؤاد منها اختلاسا %~% أي خلق يعيش دون ~~فؤاد فأغثها بالوصل تحي شريفا %~% وتفز بالثواب يوم المعاد وأراها تعتاض إن ~~دام هذا %~% من خلاخيلها حلى الأقياد أنت حقا متيم الشمس حتى %~% عشقها بين ~~ذا الورى لك بادي خبر: وحدثني مولى أحمد بن محمد بن حدير، المعروف ~~بالبليني: أن سبب اختلاط مروان بن يحيى بن أحمد بن حدير PageV01P242 ~~وذهاب عقله اعتلاقه بجارية لأخيه، فمنعها وباعها لغيره، وما كان في إخوته ~~مثله ولا أتم أدبا منه. # وأخبرني أبو العافية مولى محمد بن عباس بن أبي عبدة، أن سبب جنون يحيى بن ~~محمد بن عباس بن أبي عبدة بيع جارية له كان يجد بها وجدا شديدا، كانت أمه ~~أباعتها وذهبت إلى إنكاحه من بعض العامريات. # فهذان رجلان جليلان مشهوران فقدا عقولهما واختلطا ms085 وصارا في القيود ~~والأغلال، فأما مروان فأصابته ضربة مخطئة يوم دخول البربر قرطبة وانتهابهم ~~لها، فتوفي رحمه الله. # وأما يحيى بن محمد فهو حي على حالته المذكورة في حين كتابتي لرسالتي هذه، ~~وقد رأيته أنا مرارا وجالسته في القصر قبل أن يمتحن بهذه المحنة، وكان ~~أستاذي وأستاذه الفقيه أبو الخيار اللغوي، وكان يحيى لعمري حلوا من الفتيان ~~نبيلا. # وأما من دون هذه الطبقة فقد رأينا منهم كثيرا، ولكن لم نسمهم لخفائهم، ~~وهذه درجة إذا بلغ المشغوف إليها فقد انبت الرجاء وانصرم الطمع، فلا دواء ~~له بالوصل ولا بغيره، إذ قد استحكم الفساد في الدماغ، وتلفت المعرفة وتغلبت ~~الآفة، أعاذنا الله من البلاء بطوله، وكفانا النقم بمنه. PageV01P243 ### | - 27 - باب السلو # وقد علمنا أن كل ما له أول فلا بد له من آخر، حاشا نعيم الله عز وجل ~~بالجنة لأوليائه وعذابه بالنار لأعدائه؛ وأما أراض الدنيا فنافذة فانية ~~وزائلة مضمحلة، وعاقبة كل حب إلى أحد أمرين: إما اخترام منية، وإما سلو ~~حادث. # وقد نجد النفس تغلب عليها بعض القوى المصرفة معها في الجسد، فكما نجد ~~نفسا ترفض الراحات والملاذ للعمل في طاعة الله تعالى وللرياء في الدنيا، ~~حتى تشتهر بالزهد، فكذلك نجد نفسا تنصرف عن الرغبة في لقاء شكلها للأنفة ~~المستحكمة المنافرة للغدر، أو استمرار سوء المكافأة في الضمير، وهذا أصح ~~السلو. # وما كان من غير هذين الشيئين فليس إلا مذموما. # والسلو المتولد من الهجر وطوله إنما هو كاليأس يدخل على النفس من بلوغها ~~إلى أملها، فيفتر نزاعها ولا تقوى رغبتها؛ ولي في ذم السلو قصيدة منها: من ~~الطويل] . # إذا ما رنت فالحي ميت بلحظها %~% وإن نطقت قلت السلام رطاب كأن الهوى ضيف ~~ألم بمهجتي %~% فلحمي طعام والنجيع شراب. # ومنها: صبور على الأزم الذي العز خلفه %~% ولو أمطرته بالحريق سحاب PageV01P244 ~~جزوع من الراحات إن أنتجت له %~% خمولا وفي بعض النعيم عذاب والسلو في ~~التجزئة الجملية ينقسم قسمين: # 1 - سلو طبيعي وهو المسمى بالنسيان، يخلو به ~~القلب ويفرغ به البال، ويكون الإنسان كأنه ms086 لم يحب قط؛ وهذا القسم ربما لحق ~~صاحبه الذم لأنه نسيان حادث عن أخلاق مذمومة، وعن أسباب غير موجبة استحقاق ~~النسيان، وستأتي مبينة إن شاء الله تعالى، وربما لم تلحقه اللائمة لعذر ~~صحيح. # 2 - والثاني سلو تطبعي، قهر النفس، وهو المسمى بالتصبر، فترى المرء يظهر ~~التجلد وفي قلبه أشد لدغا من وخز الإشفى، ولكنه يرى بعض الشر أهون من بعض، ~~أو يحاسب نفسه بحجة لا تصرف ولا تكسر؛ وهذا قسم لا يذم آتيه، ولا يلام ~~فاعله لأنه لا يحدث إلا عن عظيمة، ولا يقع إلا عن فادحة، إما لسبب لا يصبر ~~على مثله الأحرار، وإما لخطب لا مرد له تجري به الأقدار، وكفاك من الموصوف ~~به أنه ليس بناس لكنه ذاكر، وذو حنين واقف على العهد، ومتجرع مرارات الصبر. # والفرق العامي بين المتصبر والناسي، أنك ترى المتصبر وإن أبدى غاية الجلد ~~وأظهر سب محبوبه والتحمل عليه، لا يحتمل ذلك من غيره؛ وفي ذلك أقول قطعة ~~منها: [من الطويل] دعوني وسبي للحبيب فإنني %~% وإن كنت أبدي الهجر لست ~~معاديا ولكن سبي للحبيب كقولهم %~% أجاد فلقاه الإله الدواهيا PageV01P245 ~~والناسي ضد هذا. # وكل هذا فعلى قدر طبيعة الإنسان وإجابتها وامتناعها وقوة تمكن الحب من ~~القلب أو ضعفه، وفي ذلك أقول وسميت السالي فيه المتصبر - قطعة منها: [من ~~الكامل] ناسي الأحبة غير من يسلوهم %~% حكم المقصر غير حكم المقصر ما قاهر ~~للنفس عدل مجيبها %~% ما الصابر المطبوع كالمتصبر والأسباب الموجبة للسلو ~~المنقسم هذين القسمين كثيرة، وعلى حسبها وبمقدار الواقع منها يعذر السالي ~~ويذم: # 1 - فمنها الملل - وقد قدمنا الكلام عليه - وإن من كان سلوه عن ملل ~~فليس حبه حقيقة، والمتوسم به صاحب دعوى زائفة، وإنما هو طلب لذة ومبادر ~~شهوة، والسالي من هذا الوجه ناس مذموم. # 2 - ومنها الاستبدال، وهو وإن كان يشبه الملل ففيه معنى زائد، وهو بذلك ~~المعنى أقبح من الأول، وصاحبه أحق بالذم. # 3 - ومنها حياء مركب يكون في المحب يحول بينه وبين التعريض بما يجد، فيتطاول ~~الأمر وتتراخى المدة، ويبلى ms087 جديد المودة ويحدث السلو؛ وهذا وجه إن كان ~~السالي عنه ناسيا فليس بمنصف، إذ منه جاء سبب الحرمان، وإن كان متصبرا فليس ~~بملوم، إذ آثر الحياء على لذة نفسه. # وقد ورد رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أنه قال: " الحياء من الإيمان ~~والبذاء من النفاق.. # وحدثنا أحمد بن محمد عن أحمد PageV01P246 ~~بن مطرف عن عبيد الله بن يحيى عن أبيه عن مالك عن سلمة ابن صفوان الزرقي ~~عن زيد بن طلحة بن ركانة يرفعه إلى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أنه ~~قال: " لكل دين خلق وخلق الإسلام الحياء. # فهذه الأسباب الثلاثة أصلها من المحب وابتداؤنا من قبلة، والذم لاصق به ~~في نسيانه لمن يحب. # 4 - فمنها: الهجر، وقد مر تفسير وجوهه؛ ولابد لنا أن نورد منه شيئا في هذا ~~الباب يوافقه. # والهجر إذا تطاول وكثر العتاب واتصلت المفارقة يكون بابا إلى السلو. # وليس من وصلك ثم قطعك لغيرك من باب الهجر في شيء لأنه الغدر الصحيح، ولا ~~من مال إلى غيرك - دون أن تتقدم لك معه صلة - من الهجر أيضا في شيء، إنما ~~ذاك هو النفار - وسيقع الكلام في هذين الفصلين بعد هذا إن شاء الله تعالى - ~~لكن الهجر ممن وصلك ثم قطعك لتنقيل واش أو لذنب واقع أو لشيء قام في النفس، ~~ولم يمل إلى سواك ولا أقام أحدا غيرك مقامك؛ والناسي في هذا الفصل من ~~المحبين ملوم دون سائر الأسباب الواقعة من المحبوب: لأنه لا تقع حالة تقيم ~~العذر في نسيانه، وإنما هو راغب PageV01P247 ~~عن وصلك، وهو شيء لا يلزمه. # وقد تقدم من أذمة الوصال وحق أيامه، ما يلزم التذكر ويوجب عهد الألفة، ~~ولكن السالي على وجهة التصبر والتجلد هاهنا معذور إذا رأى الهجر متماديا ~~ولم ير للوصال علامة ولا للمراجعة دلالة؛ وقد استجاز كثير من الناس أن ~~يسموا هذا المعنى غدرا إذ ظاهرهما واحد، ولكن علتيهما مختلفتان، فلذلك ~~فرقنا بينهما في الحقيقة؛ وأقول في ذلك شعرا منه: [من الطويل] فكونوا كمن ~~لم أدر قط فإنني %~% كآخر ms088 لم تدروا ولم تصلوه أنا كالصدى ما قال كل أجيبه ~~%~% فما شئتموه اليوم فاعتمدوه وأقول أيضا قطعة، ثلاثة أبيات قلتها وأنا ~~نائم واستيقظت فأضفت إليها البيت الربع: [من الوافر] ألا لله دهر كنت فيه ~~%~% أعز علي من روحي وأهلي فما برحت يد الهجران حتى %~% طواك بنانها طي ~~السجل سقاني الصبر هجركم كما قد %~% سقاني الحب وصلكم بسجل وجدت الوصل أصل ~~الوجد حقا %~% وطول الهجر أصلا للتسلي وأقول أيضا قطعة: [من الكامل ~~المجزوء] لو قيل لي من قبل ذا %~% أن سوف تسلو من تود لحلفت ألف قسامة %~% ~~لا كان ذا أبد الأبد وإذا طويل الهجر ما %~% معه من السلوان بد لله هجرك ~~إنه %~% ساع لبرئي مجتهد فالآن أعجب للسل %~% ووكنت أعجب للجلد وأرى هواك ~~كجمرة %~% تحت الرماد لها مدد PageV01P248 ~~وأقول: [من الكامل] كانت جهنم في الحشا من حبكم %~% فلقد أراها نار ~~إبراهيما ثم الأسباب الثلاث الباقية التي هي من قبل المحبوب، فالمنتصر من ~~الناس فيها غير مذموم، لما سنورده إن شاء الله في كل فصل عنها: # 5 - فمنها نفار يكون في المحبوب وانزواء قاطع للأطماع؛ خبر: وإني لأخبر عني أني ألفت ~~في أيام صباي ألفة المحبة جارية نشأت في دارنا وكانت في ذلك الوقت بنت ستة ~~عشر عاما؛ وكانت غاية في حسن وجهها وعقلها وعفافها وطهارتها وخفرها ~~ودماثتها، عديمة الهزل، منيعة البذل، بديعة البشر، مسبلة الستر، فقيدة ~~الذام، قليلة الكلام، مغضوضة البصر، شديدة الحذر، نقية من العيوب، دائمة ~~القطوب، كثيرة الوقار، مستلذة النفار، لا توجه الأراجي نحوها، ولا تقف ~~المطامع عليها، ولا معرس للأمل لديها، فوجهها جالب كل القلوب، وحالها طارد ~~من أمها. # تزدان في المنع والبخل، ما لا يزدان غيرها بالسماحة والبذل، موقوفة على ~~الجد في أمرها غير راغبة في اللهو، على أنها كانت تحسن العود إحسانا جيدا، ~~فجنحت إليها وأحببتها حبا مفرطا شديدا، فسعيت عامين أو نحوهما أن تجيبني ~~بكلمة وأسمع من فيها لفظة، غير ما يقع في الحديث الظاهر إلى كل سامع، بأبلغ ~~السعي فما وصلت من ذلك ms089 إلى شيء البتة. # فلعهدي بمصطنع كان في دارنا لبعض ما يصطنع له في دور الرؤساء تجمعت فيه ~~دخلتنا ودخلة أخي، رحمه الله، من النساء ونساء فتياننا ومن لاث بنا من ~~خدمنا، ممن يخف موضعه ويلطف محله، PageV01P249 ~~فلبثن صدرا من النهار ثم تنقلن إلى قصبة كانت في دارنا مشرفة على بستان ~~الدار ويطلع منها على جميع قرطبة وفحوصها، مفتحة الأبواب؛ فصرن ينظرن من ~~خلال الشراجيب وأنا بينهن، فإني لأذكر أني كنت أقصد نحو الباب الذي هي فيه ~~أنسا بقربها متعرضا للدنو منها، فما هو إلا أن تراني في جوارها فتترك ذلك ~~الباب وتقصد غيره في لطف الحركة، فأتعمد أنا القصد إلى الباب الذي صارت ~~إليه فتعود إلى مثل ذلك الفعل من الزوال إلى غيره؛ وكانت قد علمت كلفي بها ~~ولم يشعر سائر النسوان بما نحن فيه، لأنهن كن عددا كثيرا، وإذا كلهن ينتقلن ~~من باب إلى باب لسبب الاطلاع من بعض الأبواب على جهات لا يطلع من غيرها ~~عليها، واعلم أن قيافة النساء فيمن يميل إليهن أنفذ من قيافة مدلج في ~~الآثار، ثم نزلن إلى البستان فرغب عجائزنا وكرائمنا إلى سيدتها في سماع ~~غنائها، فأمرتها فأخذت العود وسوته بخفر وخجل لا عهد لي بمثله، وإن الشيء ~~يتضاعف حسنه في عين مستحسنه، ثم اندفعت تغني بأبيات العباس بن الأحنف، حيث ~~يقول: [من البسيط] إني طربت إلى شمس إذا غربت %~% كانت مغاربها جوف ~~المقاصير شمس ممثلة في خلق جارية %~% كأن أعطافها طي الطوامير ليست من ~~الإنس إلا في مناسبة %~% ولا من الجن إلا في التصاوير PageV01P250 ~~فالوجه جوهرة، والجسم عبهرة %~% والريح عنبرة، والكل من نور كأنها حين ~~تخطو في مجاسدها %~% تخطو على البيض أو حد القوارير فلعمري لكأن المضراب ~~إنما يقع على قلبي، وما نسيت ذلك اليوم ولا أنساه إلى يوم مفارقتي الدنيا، ~~وهذا أكثر ما وصلت إليه من التمكن من رؤيتها وسماع كلامها؛ وفي ذلك أقول: ~~[من الحفيف] لا تلمها على النفار ومنع ال %~% وصل ما ذاكم لها بنكير هل ~~يكون الهلال غير ms090 بعيد %~% أو يكون الغزال غير نفور وأقول: [من الوافر] منعت ~~جمال وجهك مقلتيا %~% ولفظك قد ضننت به عليا أراك نذرت للرحمن صوما %~% ~~فلست تكلمين اليوم حيا وقد غنيت للعباس شعرا %~% هنيئا ذا لعباس هنيا فلو ~~يلقاك عباس لأضحى %~% لفوز قاليا وبكم شجيا ثم انتقل أبي رحمه الله من ~~دورنا المحدثة بالجانب الشرقي من قرطبة في ربض الزاهرة إلى دورنا القديمة ~~في الجانب الغربي من قرطبة ببلاط مغيث في اليوم الثالث من قيام أمير ~~المؤمنين محمد المهدي بالخلافة. # وانتقلت أنا بانتقاله، وذلك في جمادى الآخرة سنة تسع وتسعين وثلثمائة، ~~ولم تنتقل هي بانتقالنا لأمور أوجبت ذلك. # ثم شغلنا بعد قيام أمير المؤمنين هشام المؤيد بالنكبات وباعتداء أرباب ~~دولته، وامتحنا بالاعتقال والترقيب والإغرام الفادح والاستتار، وأرزمت ~~الفتنة وألقت باعها وعمت الناس وخصتنا، إلى أن توفي أبي الوزير PageV01P251 ~~رحمه الله ونحن في هذه الأحوال بعد العصر يوم السبت لليلتين بقيتا من ذي ~~القعدة عام اثنتين وأربعمائة، واتصلت بنا تلك الحال بعده إلى أن كانت عندنا ~~جنازة لبعض أهلنا فرأيتها - وقد ارتفعت الواعية - قائمة في المأتم وسط ~~النساء في جملة البواكي والنوادب، فلقد أثارت وجدا دفينا وحركت ساكنا، ~~وذكرتني عهدا قديما، وحبا تليدا، ودهرا ماضيا، وزمنا عافيا، وشهورا خوالي، ~~وأخبارا توالي، ودهورا فواني، وأياما قد ذهبت، وآثارا قد دثرت، وجددت ~~أحزاني، وهيجت بلابلي، على أني كنت في ذلك النهار مرزءا مصابا من وجوه، وما ~~كنت نسيت، ولكن زاد الشجى وتوقدت اللوعة وتأكد الحزن وتضاعف الأسف، واستجلب ~~الوجد ما كان منه كامنا فلباه مجيبا، فقلت قطعة منها: [من الطويل] يبكي ~~لميت مات وهو مكرم %~% وللحي أولى بالدموع الذوارف فيا عجبا من آسف لامرئ ~~ثوى %~% وما هو للمقتول ظلما بآسف ثم ضرب الدهر ضربانه وأجلينا عن منازلنا، ~~وتغلب علينا جند البربر، فخرجت عن قرطبة أول المحرم سنة أربع وأربعمائة، ~~وغابت عن بصري بعد تلك الرؤية الواحدة ستة أعوام وأكثر، ثم دخلت قرطبة في ~~شوال سنة تسع وأربعمائة، فنزلت على بعض نسائنا فرأيتها هنالك، وما كدت أن ms091 ~~أميزها حتى قيل لي هذه فلانة - وقد تغير أكثر محاسنها وذهبت نضارتها، وفنيت ~~تلك البهجة وغاض ذلك الماء الذي كان يرى كالسيف الصقيل والمرآة الهندية، ~~وذبل ذلك النوار الذي كان البصر يقصد نحوه منبهرا ويرتاد فيه متخيرا وينصرف ~~عنه متحيرا، فلم يبق إلا البعض المنبئ عن الكل، والخبر المخبر عن الجميع، ~~وذلك لقلة اهتبالها بنفسها وعدمها الصيانة التي كانت غذيت بها أيام دولتنا ~~وامتداد ظلنا ولتبذلها في الخروج فيما لابد لها منه مما كانت تصان PageV01P252 ~~وترفع عنه قبل ذلك؛ وإنما النساء رياحين متى لم تتعاهد نقصت، وبنية متى ~~لم يهتبل بها استهدمت؛ ولذلك قال من قال: إن حسن الرجال أصدق صدقا وأثبت ~~أصلا وأعتق جودة لصبره على ما لو لقي بعضه وجوه النساء لتغيرت أشد التغيير، ~~مثل الهجير والسموم والرياح واختلاف الهواء وعدم الكن - وإني لو نلت منها ~~أقل وصل وأنست لي بعض الأنس لخولطت طربا أو لمت فرحا، ولكن هذا النفار الذي ~~صبرني وأسلاني. # وهذا الوجه من أسباب السلو صاحبه في كلا الوجهين معذور وغير ملوم؛ إذ لم ~~يقع تثبت يوجب الوفاء، ولا عهد يقتضي المحافظة، ولا سلف ذمام، ولا فرط ~~تصادق يلام على تضييعه ونسيانه. # 6 - ومنها جفاء يكون من المحبوب، فإذا أفرط فيه وأسرف وصادف من المحب نفسا ~~لها بعض الألفة والعزة تسلى، وإذا كان الجفاء يسيرا منقطعا أو دائما أو ~~كبيرا منقطعا احتمل وأغضي عليه، حتى إذا كثر ودام فلا وفاء عليه، ولا يلام ~~الناسي لمن يحب في مثل هذا. # 7 - ومنها الغدر، وهو الذي لا يحتمله أحد ولا يغضي عليه كريم، وهو المسلاة ~~حقا ولا يلام السالي عنه على أي وجه كان، ناسيا أو متصبرا، بل اللائمة ~~لاحقة لمن صبر عليه. # ولولا ان القلوب بيد مقلبها لا إله إلا هو ولا يكلف المرء صرف قلبه ولا ~~إحالة استحسناه - لولا ذاك - لقلت ان المتصبر في سلوه مع الغدر يكاد ان ~~يستحق الملامة والتعنيف؛ ولا أدعى إلى السلو عند الحر النفس وذي PageV01P253 ~~الحفيظة والسري السجايا، من الغدر، ms092 فما يصبر عليه إلا دنئ المروءة خسيس ~~الهمة ساقط الأنفة، وفي ذلك أقول قطعة منها: [من الوافر] . # هواك فلست أقربه غرور %~% وأنت لكل من يأتي سرير وما إن تصبرين على حبيب ~~%~% فحولك منهم عدد كثير فلو كنت الأمير لما تعاطى %~% لقاءك خوف جمعهم ~~الأمير رأيتك كالأماني ما على من %~% يلم بها ولو كثروا غرور ولا عنها لمن ~~يأتي دفاع %~% ولو حشد الأنام لهم نفير # 8 - ثم سبب ثامن: وهو لا من المحب ولا من المحبوب ولكنه من الله تعالى وهو اليأس، وفروعه ثلاثة، إما موت وإما ~~بين لا يرجى معه أوبة، وإما عارض يدخل على المتحابين بعلة الحب التي من ~~أجلها وثق المحبوب فيغيرها؛ وكل هذه الوجوه من أسباب السلو والتصبر. # وعلى المحب الناسي في هذا الوجه المنقسم إلى هذه الأقسام الثلاثة من ~~الغضاضة والذم واستحقاق اسم اللوم والغدر غير قليل، وإن لليأس لعملا في ~~النفوس عجيبا، وثلجا لحر الأكباد كبيرا؛ وكل هذه الوجوه المذكورة أولا ~~وآخرا فالتأني فيها واجب، والتربص على أهلها حسن، فيما يمكن فيه التأني ~~ويصح لديه التربص، فإذا انقطعت الأطماع وانحسمت الآمال فحينئذ يقوم العذر. # وللشعراء فن من الشعر يذمون فيه الباكي على الدمن، ويثنون على المثابر ~~على اللذات، وهذا يدخل في باب السلو؛ ولقد أكثر الحسن بن هانئ في هذا الباب ~~وافتخر به، وهو كثيرا ما يصف نفسه بالغدر الصريح في أشعاره، تحكما بلسانه ~~واقتدارا على القول، وفي مثل هذا أقول شعرا منه: [من الخفيف] PageV01P254 ~~خل هذا وبادر الدهر وارحل %~% في رياض الربى مطي العقار واحدها بالبديع ~~من نغمات ال %~% عود كيما تحث بالمزمار إن خيرا من الوقوف على الدا %~% ر ~~وقوف البنان بالأوتار وبدا النرجس البديع كصب %~% حائر الطرف مائلا كالمدار ~~لونه لون عاشق مستهام %~% وهو لا شك هائم بالبهار ومعاذ الله أن يكون نسيان ~~ما درس لنا طبعا، ومعصية الله بشرب الراح لنا خلقا، وكساد الهمة لنا صفة، ~~ولكن حسبنا قول الله تعالى، ومن أصدق من الله قيلا في الشعراء:) ألم تر ~~أنهم ms093 في كل واد يهيمون. # وانهم يقولون ما لا يفعلون (. # (الشعراء: 224) . # فهذه شهادة الله العزيز الجبار لهم، ولكن شذوذ القائل للشعر عن مرتبة ~~الشعر خطأ. # وكان سبب هذه الأبيات أن " ضنى " العامريه، إحدى كرائم المظفر عبد الملك ~~ابن أبي عامر، كلفتني صنعتها فأجبتها، وكنت أجلها؛ ولها فيها صنعة في طريقة ~~النشيد والبسيط رائقة جدا، ولقد أنشدتها بعض إخواني من أهل الأدب فقال ~~سرورا بها: يجب أن توضع هذه في جملة عجائب الدنيا. # فجميع فصول هذا الباب كما ترى ثمانية: منها ثلاثة هي من المحب، اثنان ~~منها يذم إلسالي فيهما على كل وجه، وهما الملل والاستبدال، وواحد منها يذم ~~السالي فيه ولا يذم المتصبر، وهو الحياء كما قدمنا. # وأربعة من المحبوب، منها واحد يذم الناسي فيه ولا يذم المتصبر، وهو الهجر ~~الدائم، وثلاثة لا يذم السالي فيها على أي وجه كان ناسيا أو متصبرا، وهي ~~النفار والجفاء والغدر، ووجه ثامن وهو من PageV01P255 ~~قبل الله عز وجل، وهو اليأس إما بموت أو بين أو آفة تزمن، والمتصبر في ~~هذه معذور. # وعني أخبرك أني جبلت على طبيعتين لا يهنأني معهما عيش أبدا، وغني لأبرم ~~بحياتي باجتماعهما وأود التغيب من نفسي أحيانا لأفقد ما أنا بسببه من النكد ~~من أجلهما وهما: وفاء لا يشوبه تلون قد استوت فيه الحضرة والمغيب، والباطن ~~والظاهر، تولده الألفة التي لم تعزف بها نفسي عما دربته، ولا تتطلع إلى عدم ~~من صحبته، وعزة نفس لا تقر على الضيم، مهتمة لأقل ما يرد عليها من تغير ~~المعارف، مؤثرة للموت عليه؛ فكل واحدة من هاتين السجيتين تدعو إلى نفسها ~~وإني لأجفى فأحتمل، واستعمل الأناة الطويلة، والتلوم الذي لا يكاد يطيقه ~~أحد، فإذا أفرط الأمر وحميت نفسي تصبرت، وفي القلب ما فيه، وفي ذلك أقول ~~قطعة منها: [من البسيط] لي خلتان أذاقاني الأسى جرعا %~% ونغصا عيشتي ~~واستهلكا جلدي كلتاهما تطبيني نحو جبلتها %~% كالصيد ينشب بين الذئب والأسد ~~وفاء صدق فما فارقت ذا مقة %~% فزال حزني عليه آخر الأبد وعزة لا يحل الضيم ~~ساحتها ms094 %~% صرافة فيه بالأموال والولد ومما يشبه ما نحن فيه، وإن كان ليس ~~منه، ان رجلا من إخواني كنت أحللته من نفسي محلها، وأسقطت المؤونة بيني ~~وبينه، وأعددته ذخرا وكنزا، وكان كثير السمع من كل قائل، فدب ذوو النميمة ~~بيني وبينه، فحاكوا له وأنجح سعيهم عنده، فانقبض عما كنت أعهده. # فتربصت عليه مدة في مثلها أوب الغائب ورضى العاتب، فلم يزدد إلا انقباضا ~~فتركته وحاله. PageV01P256 ### | - 28 - باب الموت # ربما تزايد الأمر ورق الطبع وعظم الإشفاق فكان سببا للموت ومفارقة ~~الدنيا، وقد جاء في الآثار: " من عشق فعف فمات فهو شهيد ". # وفي ذلك أقول قطعة منها: [من الوافر] فإن أهلك هوى اهلك شهيدا %~% وإن ~~تمنن بقيت قرير عين روى هذا لنا قوم ثقات %~% نأوا بالصدق عن جرح ومين ولقد ~~حدثن أبو السري عمار بن زياد صاحبنا عمن يثق به: أن الكاتب ابن قزمان امتحن ~~بمحبة أسلم [بن أحمد بن سعيد بن قاضي PageV01P257 ~~الجماعة أسلم] بن عبد العزيز أخي الحاجب هاشم بن عبد العزيز. # وكان أسلم غاية في الجمال، حتى أضجره لما به وأوقعه في أسباب المنية. # وكان أسلم كثير الإلمام به والزيارة له ولا علم له بأنه أصل دائه إلى أن ~~توفي أسفا ودنفا. # قال المخبر: فأخبرت أسلم بعد وفاته بسبب علته وموته فتأسف وقال: هلا ~~أعلمتني فقلت: ولم قال: كنت والله أزيد في صلته وما أكاد أفارقه، فما علي ~~في ذلك ضرر. # وكان أسلم هذا من أهل الأدب البارع والتفنن، مع حظ من الفقه وافر، وذا ~~بصارة في الشعر، وله شعر جيد، وله معرفة بالأغاني وتصرفها، وهو صاحب تأليف ~~في طرائق غناء زرياب وأخباره، PageV01P258 ~~وهو ديوان عجيب جدا، وكان أحسن الناس خلقا وخلقا، وهو والد أبي الجعد ~~الذي كان ساكنا بالجانب الغربي من قرطبة. # وأنا اعلم جارية كانت لبعض الرؤساء فعزف عنها لشيء بلغه في جهتها لم يكن ~~يوجب السخط، فباعها، فجزعت لذلك جزعا شديدا وما فارقها النحول والأسف، ولا ~~بان عن عينها الدمع إلى ان سلت، وكان ذلك سبب موتها؛ ms095 ولم تعش بعد خروجها ~~عنه إلا أشهرا ليست بالكثيرة. # ولقد أخبرتني عنها امرأة أثق بها أنها لقيتها وهي قد صارت كالخيال نحولا ~~ورقة فقالت لها: أحسب هذا الذي بك من محبتك لفلان، فتنفست الصعداء وقالت: ~~والله لا نسيته أبدا، وإن كان جفاني بلا سبب. # وما عاشت بعد هذا القول إلا يسيرا. # وأنا أخبرك عن أبي بكر أخي رحمه الله، وكان متزوجا بعاتكة بنت قند، صاحب ~~الثغر الأعلى أيام المنصور أبي عامر محمد ابن عامر، وكانت التي لا مرمى ~~وراءها في جمالها وكريم خلالها، ولا تأتي الدنيا بمثلها في فضائلها، وكانا ~~في حد الصبا وتمكن سلطانه تغضب كل واحد منهما الكلمة التي لا قدر لها، ~~فكانا لم يزالا في تغاضب وتعاتب مدة ثمانية أعوام، وكانت قد شفها حبه ~~وأضناها الوجد فيه وأنحلها شدة كلفها به، حتى صارت كالخيال المتوهم دنفا، ~~لا يلهيها من الدنيا شيء، ولا تسر من أموالها - على عرضها وتكاثرها - بقليل ~~ولا كثير إذ فاتها اتفاقه معها وسلامته لها، إلى ان توفي أخي رحمه الله في ~~الطاعون الواقع بقرطبة في شهر ذي القعدة سنة إحدى وأربعمائة، وهو ابن اثنين ~~وعشرين سنة، فما انفكت منذ PageV01P259 ~~بان عنها من السقم الدخيل والمرض والذبول إلى أن ماتت بعده بعام في اليوم ~~الذي أكمل هو فيه تحت الأرض عاما؛ ولقد أخبرتني عنها أمها وجميع جواريها ~~أنها كانت تقول بعده: ما يقوي صبري ويمسك رمقي في الدنيا ساعة واحدة بعد ~~وفاته إلا سروري وتيقني أنه لا يضمه وامرأة مضجع أبدا، فقد أمنت هذا الذي ~~ما كنت أتخوف غيره، وأعظم آمالي اليوم اللحاق به. # ولم يكن قبلها ولا معها امرأة غيرها، وهي كذلك لم يكن لها غيره، فكان كما ~~قدرت، غفر الله لها ورضي عنها. # وأما خبر صاحبنا أبي عبد الله محمد بن يحيى [بن محمد] ابن الحسين ~~التميمي، المعروف بابن الطبني: فإنه كان رحمه الله كأنه قد خلق الحسن على ~~مثاله أو خلق من نفس كل من رآه، لم أشهد له مثلا حسنا وجمالا ms096 وخلقا وعفة ~~وتصاونا وأدبا وفهما وحلما ووفاء وسؤددا وطهارة وكرما ودماثة وحلاوة ولباقة ~~وصبرا وإغضاء وعقلا ومروءة ودينا ودراية وحفظا للقرآن والحديث والنحو ~~واللغة، و [كان] شاعرا مفلقا حسن الخط وبليغا مفننا، مع حظ صالح من الكلام ~~والجدل، وكان من غلمان أبي القاسم عبد الرحمن بن أبي يزيد الأزدي أستاذي في ~~هذا الشأن، وكان بينه وبين أبيه اثنا عشر عاما في السن، وكنت أنا وهو ~~متقاربين في الأسنان، وكنا أليفين لا نفترق، وخدنين لا يجري الماء بيننا ~~إلا صفاء، إلى أن ألقت الفتنة جرانها وأرخت عزاليها، ووقع انتهاب جند ~~البربر منازلنا في الجانب الغربي PageV01P260 ~~بقرطبة ونزولهم فيها، وكان مسكن أبي عبد الله في الجانب الشرقي ببلاط ~~مغيث، وتقلبت بي الأمور إلى الخروج عن قرطبة وسكنى مدينة المرية، فكنا ~~نتهادى النظم والنثر كثيرا، وآخر ما خاطبني به رسالة في درجها هذه الأبيات: ~~[من الخفيف] ليت شعري عن حبل ودك هل يم %~% سي جديدا لدي غير رثيث وأراني ~~أرى محياك يوما %~% وأناجيك في بلاط مغيث فلو آن الديار ينهضها الشو %~% ق ~~أتاك البلاط كالمستغيث ولو آن القلوب تستطيع سيرا %~% سار قلبي إليك سير ~~الحثيث كن كما شئت لي فإني محب %~% ليس لي غير ذكركم من حديث لك عندي وإن ~~تناسيت عهد %~% في صميم الفؤاد غير نكيث فكنا على ذلك إلى ان انقطعت دولة ~~بني مروان وقتل سليمان الظافر أمير المؤمنين، وطهرت دولة الطالبية وبويع ~~علي بن حمود الحسني المسمى بالناصر بالخلافة، وتغلب على قرطبة وتملكها ~~واستمد في قتاله إياها بجيوش المتغلبين والثوار في أقطار الأندلس. # وفي إثر ذلك نكبي خيران صاحب المرية، إذ نقل إليه من لم يتق الله عز وجل ~~من الباغين، وقد انتقم الله منهم، عني وعن محمد ابن إسحاق صاحبي أنا نسعى ~~في القيام بدعوة الدولة الأموية، فاعتقلنا عند نفسه أشهرا ثم أخرجنا على ~~جهة التغريب فصرنا إلى حصن القصر، ولقينا صاحبه أبو القاسم عبد الله بن ~~هذيل التجيبي، PageV01P261 ~~المعروف بان المقفل، فأقمنا عنده شهورا في خير دار إقامة، ms097 وبين خير أهل ~~وجيران، وعند أجل الناس همة وأكملهم معروفا وأتمهم سيادة. # ثم ركبنا البحر قاصدين بلنسية عند ظهور أمير المؤمنين المرتضى عبد الرحمن ~~بن محمد، وساكناه بها، فوجدت ببلنسية أبا شاكر عبد الواحد بن محمد بن موهب ~~القبري صديقنا، فنعى إلى أبا عبد الله بن الطبني وأخبرني بموته رحمه الله، ~~ثم أخبرني بعد ذلك بمديدة القاضي أبو الوليد يونس بن عبد الله المرادي وأبو ~~عمرو أحمد لن محرز أن أبا بكر المصعب بن عبد الله الأزدي المعروف بابن ~~الفرضي حدثهما - وكان والد المصعب هذا قاضي بلنسية أيام أمير المؤمنين ~~المهدي وكان المصعب لنا صديقا وأخا وأليفا أيام طلبنا الحديث على والده ~~وسائر شيوخ المحدثين بقرطبة - قالا، قال لنا المصعب: سألت أبا عبد الله بن ~~الطبني عن سبب علته، وهو قد نحل وخفيت محاسن وجهه بالضنى فلم يبق إلا عين ~~جوهرها المخبر عن صفاتها السالفة، وصار يكاد أن يطيره النفس، وقرب من ~~الانحناء، والشجا باد على وجهه، ونحن منفردان. # فقال لي: نعم، أخبرك أني كنت في باب داري بغدير ابن الشماس في حين دخول ~~علي بن PageV01P262 ~~حمود قرطبة، والجيوش واردة عليها في الجهات تتسارب، فرأيت في جملتهم فتى ~~لم أقدر أن للحسن صورة قائمة حتى رأيته، فغلب علي عقلي وهام به لبي، فسألت ~~عنه فقيل لي: هذا فلان ابن فلان، من سكان جهة كذا، ناحية قاصية عن قرطبة ~~بعيدة المأخذ، فيئست من رؤيته بعد ذلك. # ولعمري يا أبا بكر لا فارقني حبه أو يوردني رمسي، فكان ذلك. # وأنا اعرف ذلك الفتى وأدريه، وقد رأيته لكني أضربت عن اسمه لأنه قد مات، ~~والتقى كلاهما عند الله عز وجل، عفا الله عن الجميع. # هذا على أن عبد الله، أكرم الله نزله، ممن لم يكن له وله قط، ولا فارق ~~الطريقة المثلى، ولا وطئ حراما قط، ولا قارف منكرا، ولا أتى منهيا عنه يخل ~~بدينه ومروءته؛ ولا قارض من جفا عليه، وما كان في طبقتنا مثله. # ثم دخلت أنا قرطبة في خلافة القاسم ms098 بن محمود المأمون فلم أقدم شيئا على ~~قصد أبي عمر القاسم بن يحيى التميمي أخي [أبي] عبد الله رحمه الله، فسألته ~~عن حاله وعزيته عن أخيه، وما كان أولى بالتعزية عنه مني، ثم سألته عن ~~أشعاره ورسائله إذ كان الذي عندي منه قد ذهب بالنهب في السبب الذي ذكرته في ~~صدر هذه الحكاية، فأخبرني عنه أنه لما قربت وفاته وأيقن بحضور المنية ولم ~~يشك في الموت دعا بجميع شعره وبكتبي التي كنت خاطبته أنا بها، فقطعها كلها ~~ثم أمر بدفنها. # قال أبو عمر، فقلت له: يا أخي دعها تبقى. PageV01P263 ~~فقال: إني أقطعها وأنا أدري أني أقطع فيها أدبا كثيرا، ولكن لو كان أبو ~~محمد - يعنيني - حاضرا لدفعتها إليه تكون عنده تذكرة لمودتي، ولكني لا أعلم ~~أي البلاد اضمرته ولا أحي هو أم ميت؛ وكانت نكبتي اتصلت به ولم يعلم مستقري ~~ولا إلى ما آل إليه أمري؛ فمن مراثي له قصيدة منها: [من المتقارب] . # لئن سترتك بطون اللحود %~% فوجدي بعدك لا يستتر قصدت ديارك قصد المشوق ~~%~% وللدهر فينا كرور ومر فألفيتها منك قفرا خلاء %~% فأسكبت عيني عليك ~~العبر وحدثني أبو القاسم الهمذاني رحمه الله قال: كان معنا ببغداد أخ لعبد ~~الله بن يحيى بن أحمد بن دحون الفقيه، الذي عليه مدار الفتيا بقرطبة، وكان ~~أعلم من أخيه وأجل مقدارا، ما كان في أصحابنا ببغداد مثله، وأنه اجتاز يوما ~~بدرب قطنة، في زقاق لا ينفذ، فدخل فيه فرأى في أقصاه جارية واقفة مكشوفة ~~الوجه، فقالت له: يا هذا إن الدرب لا ينفذ، قال: فنظر إليها فهام بها. # قال: وانصرف إلينا فتزايد PageV01P264 ~~عليه أمرها، وخشي الفتنة فخرج إلى البصرة فمات عشقا رحمه الله، وكان فيما ~~ذكر من الصالحين. # حكاية لم أزل أسمعها عن بعض ملوك البرابر: أن رجلا أندلسيا باع جارية كان ~~يجد بها وجدا شديدا، لفاقة أصابته، من رجل من أهل ذلك البلد، ولم يظن ~~بائعها أن نفسه تتبعها ذلك التتبع؛ فلما حصلت عند المشتري كادت نفس ~~الأندلسي تخرج، فأتى إلى الذي ms099 ابتاعها منه وحكمه في ماله أجم وفي نفسه، ~~فأبى عليه، فتحمل عليه بأهل البلد فلم يسعف منهم أحد، فكاد عقله ان يذهب، ~~ورأى أن يتصدى إلى الملك، فتعرض له وصاح، فسمعه فأمر بإدخاله، والملك قاعد ~~في علية له مشرفة عالية، فوصل إليه، فلما مثل بين يديه أخبره بقصته ~~واسترحمه وتضرع إليه، فرق له الملك، فأمر بإحضار الرجل المبتاع فحضر، فقال ~~له: هذا رجل غريب وهو كما تراه، وأنا شغفه إليك، فأبى المبتاع وقال: أنا ~~أشد حبا لها منه، وأخشى إن صرفتها إليه أن أستغيث بك غدا وأنا في أسوأ من ~~حالته، فأذم له الملك ومن حواليه من أموالهم، فأبى ولج واعتذر بمحبته لها، ~~فلما طال المجلس ولم يروا منه البتة جنوحا إلى الاسعاف قال للأندلسي: يا ~~هذا، مالك بيدي أكثر مما ترى، وقد جهدت لك بأبلغ سعي، وهو [ذا] تراه يعتذر ~~بأنه فيها أحب منك وأنه يخشى على نفسه شرا أنت فيه، فاصبر لما قضى الله ~~عليك. # فقال الأندلسي: فما لي بيدك حيلة قال له: وهل هاهنا غير الرغبة والبذل ما ~~أستطيع لك أكثر. # فلما يئس الأندلسي منها جمع يديه ورجليه وانصب من أعلى العلية إلى الأرض، ~~فارتاع الملك وصرخ، فابتدر الغلمان من أسفل، فقضي انه لم يتأذ في ذلك ~~الوقوع كبير أذى، فصعد به إلى الملك، فقال: ماذا أردت بهذا فقال: أيها ~~الملك، لا سبيل إلى الحياة بعدها، ثم هم أن يرمي نفسه ثانية، PageV01P265 ~~فمنع، فقال الملك: الله أكبر، قد ظهر وجه الحكم في هذه المسألة، ثم التفت ~~إلى المشتري فقال: يا هذا، إنك ذكرت أنك أود لها منه وتخاف أن تصير في مثل ~~حاله، فقال: نعم، قال: فإن صاحبك هذا أبدى عنوان محبته وقذف بنفسه يريد ~~الموت لولا ان الله عز وجل وقاه، فأنت قم فصحح حبك، وترام من أعلى هذه ~~القصبة كما فعل صاحبك، فإن مت فبأجلك وإن عشت كنت أولى بالجارية، إذ هي في ~~يدك ويمضي صاحبك عنك وإن أبيت نزعت الجارية منك رغما ودفعتها إليه، ms100 فتمنع ~~ثم قال: أتراني، فلما قرب من الباب ونظر إلى الهوى تحته رجع القهقري، فقال ~~له الملك: هو والله ما قلت، فهم ثم نكل، فلما لم يقدم قال له الملك: لا ~~تتلاعب بنا، يا غلمان، خذوا بيديه وارموا به إلى الأرض، فلما رأى العزيمة ~~قال: أيها الملك، قد طابت نفسي بالجارية، فقال له: جزاك الله خيرا؛ ~~فاشتراها منه ودفعها إلى بائعها، وانصرفا. PageV01P266 ### | - 29 - باب قبح المعصية # قال المصنف رحمه الله تعالى: وكثير من الناس يطيعون أنفسهم ويعصون ~~عقولهم، ويتبعون أهواءهم، ويرفضون اديانهم، ويتجنبون ما حض الله تعالى عليه ~~ورتبه في الألباب السليمة من العفة وترك المعاصي ومقارعة الهوى، ويخالفون ~~الله ربهم ويوافقون إبليس فيما يحبه من الشهوة المعطبة، فيواقعون المعصية ~~في حبهم. # وقد علمنا ان الله عز وجل ركب في الإنسان طبيعتين متضادتين: إحداهما لا ~~تشير إلا بخير ولا تحض إلا على حسن، ولا يتصور فيها إلا كل أمر مرضي، وهي ~~العقل، وقائده العدل؛ والثانية ضد لها، لا تشير إلا إلى الشهوات، ولا تقود ~~إلا إلى الردى، وهي النفس، وقائدها الشهوة، والله تعالى يقول:) إن النفس ~~لأمارة بالسوء ((يوسف: 53) وكنى بالقلب عن العقل فقال:) إن في ذلك لذكرى ~~لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد ((ق: 37) . # وقال تعالى:) وحبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم ((الحجرات: 7) . # وخاطب أولي الألباب. # فهاتان الطبيعتان قطبان في الإنسان، وهما قوتان من قوى الجسد الفعال ~~بهما، ومطرحان من مطارح شعاعات هذين الجوهرين العجيبين PageV01P267 ~~الرفيعين العلويين، ففي كل جسد منهما حظه على قدر مقابلته لهما في تقدير ~~الواحد الصمد، تقدست أسماؤه، حين خلقه وهيأه؛ فهما يتقابلان أبدا ويتنازعان ~~دأبا، فإذا غلب العقل النفس ارتدع الانسان وقمع عوارضه المدخولة واستضاء ~~بنور الله وابتع العدل، وإذا غلبت النفس العقل عميت البصيرة، ولم يضح الفرق ~~بين الحسن والقبيح، وعظم الالتباس وتردى في هوة الردى ومهواة الهلكة، وبهذا ~~حسن الأمر والنهي، ووجب الامتثال، وصح الثواب والعقاب، واستحق الجزاء. # والروح واصل بين هاتين الطبيعتين، وموصل ما بينهما، ومحل الالتقاء بهما، ms101 ~~وإن الوقوف عند حد الطاعة لمعدوم إلا بطول الرياضة وصحة المعرفة ونفاذ ~~التمييز، ومع ذلك اجتناب التعرض للفتن ومداخلة الناس جملة والجلوس في ~~البيوت، وبالحرى أن تقع السلامة المضمونة أو يكون الرجل حصورا لا أرب له في ~~النساء ولا جارحة له تعينه عليهن. # وقديما ورد: " من وقي شر لقلقه وقبقبه وذبذبه فقد وقي شر الدنيا ~~بحذافيرها "؛ واللقلق: السان، والقبقب: البطن، والذبذب: الفرج. # ولقد أخبرني أبو حفص الكاتب، وهو من ولد روح بن زنباع الجذامي، انه سمع ~~بعض المتسمين باسم الفقه من أهل الرواية المشاهير، وقد سئل عن هذا الحديث ~~فقال: القبقب: البطيخ. PageV01P268 ~~وحدثنا أحمد بن محمد بن أحمد ثنا وهب بن مسرة ومحمد ابن أبي دليم عن محمد ~~بن وضاح عن يحيى بن يحيى عن مالك ابن أنس عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار، ~~أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال في حديث طويل: " من وقاه الله شر ~~اثنتين دخل الجنة " فسئل عن ذلك فقال: " ما بين لحييه وما بين رجليه ". # وإني لأسمع كثيرا ممن يقول: الوفاء في قمع الشهوات في الرجال دون النساء، ~~فأطيل العجب من ذلك، وإن لي قولا لا احول عنه: الرجال والنساء في الجنوح ~~إلى هذين الشيئين سواء، وما رجل عرضت له امرأة جميلة بالحب وطال ذلك، ولم ~~يكن ثم من مانع، إلا وقع في شرك الشيطان، واستهوته المعاصي، واستفزه الحرص ~~وتغوله الطمع، وما امرأة دعاها رجل بمثل هذه الحالة إلا وأمكنته، حتما ~~مقضيا وحكما نافذا لا محيد عنه البتة. PageV01P269 ~~ولقد أخبرني ثقة صدق من إخواني من أهل التمام في الفقه والكلام والمعرفة ~~وذو صلابة في دينه، أنه احب جارية نبيلة أديبة ذات جمال بارع، قال: فعرضت ~~لها فنفرت، ثم عرضت فأبت، فلم يزل الأمر يطول وحبها يزيد، وهي لا تطيع ~~البتة، إلى ان حملني فرط حبي لها مع عمى الصبا على أن نذرت أني متى نلت ~~منها مرادي أتوب إلى الله توبة صادقة؛ قال: فما مرت الأيام والليالي حتى ~~أذعنت بعد شماس ms102 ونفار؛ فقلت له: أبا فلان، وفيت بعهدك فقال: أي والله، ~~فضحكت. # وذكرت بهذه الفعلة ما لم يزل يتداول في أسماعنا من ان في بلاد البربر ~~التي تجاوز أندلسنا يتعهد الفاسق على انه إذا قضى وطره ممن أراد أن يتوب ~~إلى الله، فلا يمنع من ذلك، وينكرون على من تعرض له بكلمة ويقولون له: ~~أتحرم رجلا مسلما التوبة. # قال: ولعهدي بها تبكي وتقول: والله لقد بلغتني مبلغا ما خطر قط لي ببال، ~~ولا قدرت ان أجيب إليه أحدا. # ولست أبعد أن يكون الصلاح في الرجال والنساء موجودا، وأعوذ بالله أن أظن ~~غير هذا، وإني رأيت الناس يغلطون في معنى هذه الكلمة، أعني " الصلاح " غلطا ~~بعيدا. # والصحيح في حقيقة تفسيرها أن الصالحة من النساء هي التي إذا ضبطت انضبطت، ~~وإذا قطعت عنها الذرائع أمسكت، والفاسدة هي التي إذا ضبطت لم تنضبط، وإذا ~~حيل بينها وبين الأسباب التي تسهل الفواحش تحيلت في أن تتوصل إليها بضروب ~~من الحيل؛ والصالح من الرجال من لا يداخل أهل الفسوق ولا يتعرض إلى المناظر ~~الجالبة للأهواء، ولا يرفع طرفه إلى الصور البديعة التركيب؛ والفاسق من ~~يعاشر أهل النقص وينشر بصره إلى PageV01P270 ~~الوجوه البديعة الصنعة، ويتصدى للمشاهد المؤذية، ويحب الخلوات المهلكات؛ ~~والصالحان من الرجال والنساء كالنار الكامنة في الرماد لا تحرق من جاورها ~~إلا بأن تحرك، والفاسقان كالنار المشتعلة تحرق كل شيء. # وأما امرأة مهملة ورجل متعرض فقد هلكا وتلفا؛ ولهذا حرم على المسلم ~~الالتذاذ بسماع نغمة امرأة أجنبية، وقد جعلت النظرة الأولى لك والأخرى ~~عليك، وقد قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) : " من تأمل امرأة وهو صائم ~~حتى يرى حجم عظامها فقد أفطر ". # وإن فيما ورد من النهي عن الهوى بنص التنزيل لشيئا مقنعا؛ وفي إيقاع هذه ~~الكلمة، أعني " الهوى " اسما على معان، وفي اشتقاقها عند العرب دليل على ~~ميل النفوس وهويها إلى هذه المقامات. # وإن المتمسك عنها مقارع لنفسه محارب لها. # وشيء أصفه لك تراه عيانا: وهو أني ما رأيت قط امرأة في مكان تحس ms103 أن رجلا ~~يراها أو يسمع حسها إلا وأحدثت حركة فاضلة كانت بمعزل، واتت بكلام زائد ~~كانت عنه في غنية، مخالفين لكلامها وحركتها قبل ذلك؛ ورأيت التهمم لمخارج ~~لفظها وهيئة تقلبها لائحا فيها ظاهرا عليها لا خفاء به؛ والرجال كذلك إذا ~~أحسوا بالنساء. # وأما إظهار الزينة وترتيب المشي وإيقاع المزح عند خطور المرأة بالرجل ~~واجتياز الرجل بالمرأة فهذا أشهر من الشمس في كل مكان. # والله عز وجل يقول:) قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم (وقال ~~تقدست أسماؤه:) ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن ((النور: 30 - ~~31) . # فلولا علم الله عز وجل بدقة إغماضهن في PageV01P271 ~~السعي لإيصال حبهن إلى القلوب، ولطف كيدهن في التحيل لاستجلاب الهوى، لما ~~كشف الله عن هذا المعنى البعيد الغامض الذي ليس وراءه مرمى، وهذا حد التعرض ~~فكيف بما دونه. # ولقد اطلعت من سر معتقد الرجال والنساء في هذا على أمر عظيم، وأصل ذلك ~~أني لم أحسن قط بأحد ظنا في هذا الشأن، مع غيرة شديدة ركبت في. # وحدثنا أبو عمر أحمد بن محمد بن أحمد، ثنا أحمد، ثنا محمد ابن عيسى بن ~~رفاعة، حدثنا على بن عبد العزيز، حدثنا أبو عبيد القاسم ابن سلام عن شيوخه: ~~أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال: " الغيرة من الإيمان " فلم أزل ~~باحثا عن أخبارهن كاشفا عن أسرارهن، وكن قد أنسن مني بكتمان، فكن يطلعنني ~~على غوامض أمورهن. # ولولا أن أكون منبها على عوارت يستعاذ بالله منها لأوردت من تنبههن في ~~الشر ومكرهن فيه عجائب تذهل الألباب. # وإني لأعرف هذا وأتيقنه، ومع هذا يعلم الله - وكفى به عليما - أني بريء ~~الساحة، سليم الأديم، صحيح البشرة، نقي الحجزة، وإني أقسم بالله أجل ~~الأقسام أني ما حللت مئزري على فرج حرام قط، ولا يحاسبني ربي بكبيرة الزنا ~~مذ عقلت إلى يومي هذا، والله المحمود على ذلك، والمشكور فيما مضى، ~~والمستعصم فيما بقي. # حدثنا القاضي أبو عبد الرحمن عبد الله بن عبد الرحمن ابن جحاف المعافري - ~~وإنه لأفضل قاض رايته - عن ms104 محمد PageV01P272 ~~ابن إبراهيم الطليطلي، عن القاضي بمصر بكر بن العلاء، في قول الله عز ~~وجل:) وأما بنعمة ربك فحدث ((الضحى: 11) أن لبعض المتقدمين فيه قولا، وهو ~~أن المسلم يكون مخبرا عن نفسه بما أنعم الله تعالى به عليه من طاعة ربه ~~التي هي من أعظم النعم، ولاسيما في المفترض على المسلمين اجتنابه واتباعه. # وكان السبب فيما ذكرته أني كنت وقت تأجج نار الصبا وشرة الحداثة وتمكن ~~غرارة الفتوة مقصورا محظرا علي بين رقباء ورقائب؛ فلما ملكت نفسي وعقلت ~~صحبت أبا علي الحسين بن علي الفاسي في مجلس أبي القاسم عبد الرحمن بن أبي ~~يزيد الأزدي شيخنا وأستاذي رضي الله عنه، وكان أبو علي المذكور عاقلا ~~عاملا، ممن تقدم في الصلاح والنسك الصحيح وفي الزهد في الدنيا والاجتهاد ~~للآخرة، وأحسبه كان حصورا لأنه لم تكن له امرأة قط، وما رأيت مثله جملة ~~علما وعملا ودينا وورعا، فنفعني الله به كثيرا وعلمت موقع الإساءة وقبح ~~المعاصي. # ومات أبو علي رحمه الله في طريق الحج. # ولقد ضمني المبيت ليلة في بعض الأزمان عند امرأة من بعض معارفي مشهورة ~~بالصلاح والخير والحزم، ومعها جارية من بعض قراباتها من اللاتي قد ضمتها ~~معي النشأة في الصبا، ثم غبت عنها أعواما كثيرة، وكنت تركتها حين أعصرت ~~ووجدتها قد جرى على وجهها ماء الشباب ففاض وانساب، وتفجرت عليها ينابيع ~~الملاحة فترددت وتحيرت، وطلعت في سماء وجهها نجوم الحسن فأشرقت PageV01P273 ~~وتوقدت، وانبعث في خديها أزاهير الجمال فتمت واعتمت، فأتت كما أقول: [من ~~البسيط] خريدة صاغها الرحمن من نور %~% جلت ملاحتها عن كل تقدير لو جاءني ~~عملي في حسن صورتها %~% يوم الحساب ويوم النفخ في الصور لكنت أحظى عباد ~~الله كلهم %~% بالجنتين وقرب الخرد الحور وكانت من أهل بيت صباحة، وقد ظهرت ~~منها صورة تعجز الوصاف، وقد طبق وصف شبابها قرطبة، فبت عندها ثلاث ليال ~~متوالية، ولم تحجب عني على جاري العادة في التربية؛ فلعمري لقد كاد قلبي أن ~~يصبو ويثوب إليه مرفوض الهوى، ويعاوده منسي الغزل. # ولقد امتنعت ms105 بعد ذلك من دخول تلك الدار خوفا على لبي أن يزدهيه ~~الاستحسان؛ ولقد كانت هي وجميع أهلها ممن لا تتعدى الأطماع إليهن، ولكن ~~الشيطان غير مأمون الغوائل، وفي ذلك أقول: [من الكامل المجزوء] لا تتبع ~~النفس الهوى %~% ودع التعرض للمحن إبليس حي لم يمت %~% والعين باب للفتن ~~وأقول: [من المجتث] وقائل لي: هذا %~% ظن يزيدك غيا فقلت: دع عنك لومي %~% ~~أليس إبليس حيا وما أورد الله تعالى علينا من قصة يوسف بن يعقوب وداود بن ~~يشي رسل الله عليهم السلام إلا ليعلمنا نقصاننا وفاقتنا إلى PageV01P274 ~~عصمته، وان بنيتنا مدخولة ضعيفة، فإذا كانا صلى الله عليهما وهما نبيان ~~رسولان ابنا أنبياء رسل ومن أهل بيت نبوة ورسالة، مكرمين في الحفظ، مغموسين ~~في الولاية، محفوفين بالكلاءة، مؤيدين بالعصمة، لا يجعل للشيطان عليهما ~~سبيل، ولا فتح لوسواسه نحوهما طريق، وبلغا حيث نص الله عز وجل علينا في ~~قرآنه المنزل بالجملة المؤصلة، والطبع البشري والخلقة الأصيلة، لا بتعمد ~~الخطيئة ولا القصد إليها - إذ النبيون مبرؤون من كل ما خالف طاعة الله عز ~~وجل، لكنه استحسان طبيعي في النفس للصور - فمن ذا الذي يصف نفسه بملكها ~~ويتعاطى ضبطها إلا بحول الله وقوته وأول دم سفك في الأرض فدم أحد ابني آدم ~~على سبب المنافسة في النساء؛ ورسول الله (صلى الله عليه وسلم) يقول: " ~~باعدوا بين أنفاس الرجال والنساء " وهذه امرأة من العرب تقول، وقد حبلت من ~~ذي قرابة لها، حين سئلت: ما ببطنك يا هند فقالت: قرب الوساد وطول السواد؛ ~~وفي ذلك أقول شعرا منه: [من الرمل] لا تلم من عرض النفس لما %~% ليس يرضي ~~غيره عند المحن لا تقرب عرفجا من لهب %~% ومتى قربته قامت دخن لا تصرف ثقة ~~في أحد %~% فسد الناس جميعا والزمن خلق النسوان للفحل كما %~% خلق الفحل ~~بلا شك لهن كل شكل يتشهى شكله %~% لا تكن عن أحد تنفي الظنن PageV01P275 ~~صفة الصالح من إن صنته %~% عن قبيح أظهر الطوع الحسن وسواه من ذا ثقفته ~~%~% أعمل الحيلة في خلع الرسن وإني ms106 لأعلم فتى من أهل الصيانة قد أولع بهوى ~~له، فاجتاز بعض إخوانه فوجده قاعدا مع من كان يحب، فاستجلبه إلى منزله، ~~فأجابه إلى منزله بامتثال المسير بعده، فمضى داعيه إلى منزله وانتظره حتى ~~طال عليه التربص فلم يأته، فلما كان بعد ذلك اجتمع به داعيه فعدد عليه ~~وأطال لومه على إخلافه موعده، فاعتذر وورى، فقلت أنا للذي دعاه: أنا أكشف ~~عذره صحيحا من كتاب الله عز وجل إذ يقول:) ما أخلفنا موعدك بملكنا ولكنا ~~حملنا أوزارا من زينة القوم ((طه: 87) فضحك من حضر، وكلفت أن أقول في ذلك ~~شيئا فقلت: [من الطويل] . # وجرحك لي جرح جبار فلا تلم %~% ولكن جرح الحب غير جبار وقد صارت الخيلان ~~وسط بياضه %~% كنيلوفر حفته روض بهار وكم قال لي من مت وجدا بحبه %~% مقالة ~~محلول المقالة زاري وقد كثرت مني إليه مطالب %~% ألح عليه تارة وأداري: أما ~~في التداني ما يبرد غلة %~% ويذهب شوقا في ضلوعك ساري فقلت له: لو كان ذلك ~~لم تكن %~% عداوة جار في الأنام لجار وقد يتراءى العسكران لدى الوغى %~% ~~وبينهما للموت سبل بوار ولي كلمتان قلتهما معرضا - بل مصرحا - برجل من ~~أصحابنا كنا نعرفه من أهل الطلب والعناية والورع وقيام الليل واقتفاء آثار ~~النساك وسلوك مذاهب المتصوفين القدماء، باحثا مجتهدا، وقد كنا نتجنب المزاح ~~بحضرته، فلم يمض الزمن حتى مكن الشيطان من نفسه، وفتك بعد لباس النساك، ~~وملك إبليس من خطامه فسول له الغرور، وزين له الويل والثبور، وأجره رسنه ~~بعد إباء، وأعطاه ناصيته بعد PageV01P276 ~~شماس، فخب في طاعته وأوضع، واشتهر بعد ما ذكرته في بعض المعاصي القبيحة ~~الوضرة. # ولقد أطلت ملامة وتشددت في عذله إذ أعلن بالمعصية بعد استتار، إلى ان ~~أفسد ذلك ضميره علي، وخبثت نيته لي، وتربص بي دوائر السوء، وكان بعض ~~أصحابنا يساعده بالكلام استجرارا إليه، فيأنس به ويظهر له عداوتي، إلى أن ~~أظهر لله سريرته، فعلمها البادي والحاضر، وسقط من عيون الناس كلهم بعد أن ~~كان مقصدا للعلماء ومنتابا للفضلاء، ورذل عند إخوانه جملة، ms107 أعاذنا الله من ~~البلاء، وسترنا في كفايته، ولا سبلنا ما بنا من نعمته. # فيا سوءتاه لمن بدأ بالاستقامة ولم يعلم أن الخذلان يحل به، وأن العصمة ~~ستفارقه لا إله إلا الله، ما أشنع هذا وأفظعه لقد دهمته إحدى بنات الحرس، ~~وألقت عصاها به أم طبق من كان الله أولا ثم صار للشيطان آخرا، ومن إحدى ~~الكلمتين: [من البسيط] . # أما الغلام فقد حانت فضيحته %~% وانه كان مستورا وقد هتكا ما زال يضحك من ~~أهل الهوى عجبا %~% فالآن كل جهول منه قد ضحكا إليك لا تلح صبا هائما كلفا ~~%~% يرى التهتك في دين الهوى نسكا قد كان دهرا يعاني النسك مجتهدا %~% يعد ~~في نسكه كل امرئ مسكا ذو محبر وكتاب لا يفارقه %~% نحو المحدث يسعى حيث ما ~~سلكا فاعتاض من سمر أقلام بنان فتى %~% كأنه من لجين صيغ أو سبكا يا لائمي ~~سفها في ذاك قل فلم %~% تشهد حبيبين يوم الملتقى اشتبكا دعني ووردي في ~~الآبار اطلبه %~% إليك عني كذا لا أبتغي البركا PageV01P277 ~~إذا تعففت عف الحب عنك وغن %~% تركت يوما فإن الحب قد تركا ولا تحل من ~~الهجران منعقدا %~% إلا اذا ما حللت الأزر والتككا ولا تصحح للسلطان مملكة ~~%~% أو تدخل البرد عن إنفاذه السككا ولا بغير كثير المسح يذهب ما %~% يعلو ~~الحديد من الأصداء ان سبكا وكان هذا المذكور من أصحابنا قد احكم القراءات ~~إحكاما جيدا، واختصر كتاب الأنباري في الوقف والابتداء اختصارا حسنا أعجب ~~به من رآه من المقرئين، وكان دائبا على طلب الحديث وتقييده، والمتولي ~~لقراءة ما يسمعه على الشيوخ المحدثين، مثابرا على النسخ مجتهدا به، فلما ~~امتحن بهذه البلية مع بعض الغلمان رفض ما كان معتنيا به وباع أكثر كتبه ~~واستحال كلية، نعوذ بالله من الخذلان. # وقلت فيه كلمة وهي التالية للكلمة التي ذكرت منها في أول خبره ثم تركتها. # وقد ذكر أبو الحسين أحمد بن يحيى بن إسحاق الراوندي في كتاب " اللفظ ~~والإصلاح " أن إبراهيم بن سيار النظام رأس المعتزلة، مع علو طبقته في ~~الكلام وتمكنه ms108 وتحكمه في المعرفة، تسبب إلى ما حرم الله عليه من فتى نصراني ~~عشقه بان وضع له كتابا في تفضيل PageV01P278 ~~التثليث على التوحيد؛ فيا غوثاه عياذك يا رب من تولج الشيطان ووقوع ~~الخذلان. # وقد يعظم البلاء وتكلب الشهوة، ويهون القبيح، ويرق الدين حتى يرضى ~~الإنسان في جنب وصوله إلى مراده بالقبائح والفضائح، كمثل ما دهم عبيد الله ~~بن يحيى الأزدي المعروف بابن الجزيري، فإنه رضي بإهمال داره وإباحة حريمه ~~والتعريض بأهله طمعا في الحصول على بغيته من فتى كان علقه - نعوذ بالله من ~~الضلال ونسأله الحياطة وتحسين آثارنا وإطابة أخبارنا - حتى لقد صار المسكين ~~حديثا تعمر به المحافل، وتصاغ فيه الأشعار، وهو الذي تسميه العرب الديوث - ~~وهو مشتق من التدييث، وهو التسهيل، وما بعد تسهيل من تسمح نفسه بهذا الشأن ~~تسهيل، ومنه بعير مديث، أي مذلل. # ولعمري إن الغيرة لتوجد في الحيوان بالخلقة، فكيف وقد أكدتها عندنا ~~الشريعة، وما بعد هذا مصاب. # ولقد كنت اعرف هذا المذكور مستورا إلى أن استهواه الشيطان، ونعوذ بالله ~~من الخذلان، وفيه يقول عيسى بن محمد بن مجمل الخولاني: [من الكامل] يا ~~جاعلا إخراج حر نسائه %~% شركا لصيد جآذر الغزلان إني أرى شركا يمزق ثم لا ~~%~% تحظى بغير مذلة الحرمان PageV01P279 ~~وأقول أنا أيضا: [من الطويل] . # أباح أبو مروان حر نسائه %~% ليبلغ ما يهوى من الرشأ الفرد فعاتبته ~~الديوث في قبح فعله %~% فأنشدني إنشاد مستبصر جلد " لقد كنت أدركت المنى ~~غير أنني %~% يعيرني قومي بإدراكها وحدي " وأقول أيضا: [من المتقارب] . # رأيت الجزيري فيما يعاني %~% قليل الرشاد كثير السفاه يبيع ويبتاع عرضا ~~بعرض %~% أمور وجدك ذات اشتباه ويأخذ ميما بإعطاء هاء %~% ألا هكذا فليكن ~~ذو النواهي ويبدل أرضا تغذي النبات %~% بأرض تحف بشوك العضاه لقد خاب في ~~تجره ذو ابتياع %~% مهب الرياح بمجرى المياه ولقد سمعته في المسجد يستعيذ ~~بالله من العصمة كما يستعاذ به من الخذلان. # ومما يشبه هذا أني أذكر أني كنت في مجلس فيه إخوان لنا عند بعض مياسير ~~أهل بلدنا، فرأيت بين بعض من ms109 حضر وبين من كان بالحضرة أيضا من أهل صاحب ~~المجلس أمرا أنكرته وغمزا استبشعته، وخلوات الحين بعد الحين، وصاحب المجلس ~~كالغائب أو النائم، فنبهته بالتعويض فلم ينتبه، وحركته بالتصريح فلم يتحرك، ~~فجعلت أكرر عليه بيتين قديمين لعله يفطن، وهما هذان: [من الخفيف] . # إن إخوانه المقيمين بالأم %~% س أتوا للزناء لا للغناء قطعوا أمرهم وأنت ~~حمار %~% موقر من بلادة وغباء PageV01P280 ~~وأكثرت من إنشادهما حتى قال لي صاحب المجلس: قد أمللتنا من سماعهما فتفضل ~~بتركهما أو إنشاد غيرهما، فأمسكت وأنا لا أدري أغافل هو أم متغافل؛ وما ~~أذكر أني عدت إلى ذلك المجلس بعدها، فقلت فيه قطعة منها: [من الخفيف] . # أنت لا شك أحسن الناس ظنا %~% ويقينا ونية وضميرا فانتبه إن بعض من كان ~~بالأم %~% س جليسا لنا يعاني كبيرا ليس كل الركوع فاعلم صلاة %~% لا ولا كل ~~ذي لحاظ بصيرا وحدثني ثعلب بن موسى الكلاذاني قال، حدثني سليمان بن أحمد ~~الشاعر قال، حدثتني امرأة اسمها هند كنت رأيتها في المشرق، وكانت قد حجت ~~خمس حجات، وهي من المتعبدات المجتهدات، قال سليمان: فقالت لي: يا ابن أخي، ~~لا تحسن الظن بامرأة قط فإني أخبرك عن نفسي بما يعلمه الله عز وجل: ركبت ~~البحر منصرفة من الحج وقد رفضت الدنيا وأنا خامسة خمس نسوة، كلهن قد حججن ~~من الحج وقد رفضت الدنيا وأنا خامسة خمس نسوة، كلهن قد حججن، وصرنا في مركب ~~في بحر القلزم، وفي بعض ملاحي السفينة رجل مضمر الخلق مديد القامة واسع ~~الأكتاف حسن التركيب، فرأيته أول ليلة قد أتى إلى إحدى صواحبي فوضع إحليله ~~في يدها، وكان ضخما جدا، فأمكنته في الوقت من نفسها، ثم مر عليهن كلهن في ~~ليال متواليات، فلم يبق له غيرها، تعني نفسها، قال: فقلت في نفسي: لأنتقمن ~~منك؛ فأخذت موسى وأمسكتها بيدي، فأتى في الليل على جاري عادته، فلما فعل ~~كفعله في سائر الليالي سقطت الموسى عليه فارتاع وقام لينهض، قال: فأشفقت ~~عليه وقلت له وقد أمسكته: PageV01P281 ~~لا زلت أو آخذ نصيبي منك، قالت ms110 العجوز: فقضى وطره وأستغفر الله. # وإن للشعراء من لطف التعريض عن الكتابة لعجبا؛ ومن بعض ذلك قولي حيث ~~أقول: [من الطويل] . # أتاني وماء المزن في الجو يسفك %~% كمحض لجين إذ يمد ويسبك هلال الدياجي ~~انحط من جو أفقه %~% فقل في محب نال ما ليس يدرك وكان الذي إن كنت لي عنه ~~سائلا %~% فمالي جواب غير أني أضحك لفرط سروري خلتني عنه نائما %~% فيا ~~عجبا من موقن يتشكك وأقول أيضا قطعة منها: [من البسيط] . # أتيتني وهلال الجو مطلع %~% قبيل قرع النصارى للنواقيس كحاجب الشيخ عم ~~الشيب أكثره %~% واخمص الرجل في لطف وتقويس ولاح في الأفق قوس الله مكتسيا ~~%~% من كل لون كأذناب الطواويس وإن فيما يبدو إلينا من تعادي المتواصلين في ~~غير ذات الله تعالى بعد الألفة، وتدابرهم بعد الوصال، وتقاطعهم بعد المودة، ~~وتباغضهم بعد المحبة، واستحكام الضغائن، وتأكد السخائم في صدورهم، لكاشفا ~~ناهيا لو صادف عقولا سليمة، وآراء نافذة وعزائم صحيحة. # فكيف بما أعد الله لمن عصاه من النكال الشديد يوم الحساب وفي دار الجزاء، ~~ومن الكشف على رؤوس الخلائق) يوم تذهل كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل ~~حملها وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد ((الحج: 2) ~~جعلنا الله ممن يفوز برضاه ويستحق رحمته. # ولقد رأيت امرأة كانت مودتها في غير ذات الله عز وجل، PageV01P282 ~~فعهدتها أصفى من الماء، وألطف من الهواء، وأثبت من الجبال، وأقوى من ~~الحديد وأشد امتزاجا من اللون في الملون، وأنفذ استحكاما من الأعراض في ~~الأجسام، وأضوأ من الشمس، وأصح من العيان، وأثقب من النجم، وأصدق من كدر ~~القطا، واعجب من الدهر، واحسن من البر، وأجمل من وجه أبي عامر، وألذ من ~~العافية، وأحلى من المنى، وأدنى من النفس، وأقرب من النسب، وأرسخ من النقش ~~في الحجر، ثم لم ألبث أن رأيت تلك المودة قد استحالت عداوة أفظع من الموت، ~~وأنفذ من السهم، وأمر من السقم، وأوحش من زوال النعم، وأقبح من حلول النقم، ~~وأمضى من عقم الرياح، وأضر من الحمق، ms111 وأدهى من غلبة العدو، وأشد من الأسر، ~~وأقسى من الصخر، وأبغض من كشف الأستار، وانأى من الجوزاء، وأصعب من معاناة ~~السماء، وأكبر من رؤية المصاب، وأشنع من خرق العادات، وأقطع من فجأ البلاء، ~~وأبشع من السم الزعاف، وما لا يتولد مثله عن الذحول والتراث وقتل الآباء ~~وسبي الأمهات. # وتلك عادة الله في أهل الفسق القاصدين سواه، الآمين غيره؛ وذلك قوله عز ~~وجل) يا ليتني لم أتخذ فلانا خليلا لقد أضلني عن الذكر بعد إذ PageV01P283 ~~جاءني ((الفرقان: 28) . # فيجب على اللبيب الاستجارة بالله مما يورط فيه الهوى: فهذا خلف مولى يوسف ~~بن قمقام القائد المشهور كان أحد القائمين مع هشام بن سليمان بن الناصر، ~~فلما أسر هشام وقتل وهرب الذين وازروه، فر خلف في جملتهم ونجا، فلما أتى ~~القسطلات لم يطق الصبر عن جارية كانت له بقرطبة فكر راجعا، فظفر به أمير ~~المؤمنين المهدي، فأمر بصلبه، فلعهدي به مصلوبا في المرح على النهر الأعظم ~~وكأنه القنفذ من النبل. # ولقد اخبرني أبو بكر محمد بن الوزير عبد الرحمن بن الليث رحمه الله أن ~~سبب هروبه إلى محلة البرابر أيام تحولهم مع سليمان الظافر إنما كان لجارية ~~يكلف بها تصيرت عند بعض من كان في تلك الناحية، ولقد كاد أن يتلف في تلك ~~السفرة. # وهذان الفصلان وإن لم يكونا من جنس الباب فإنهما شاهدان على ما يقود إليه ~~الهوى من الهلاك الحاضر الظاهر، الذي يستوي في فهمه العالم والجاهل، فكيف ~~من العصمة التي لا يفهمها من ضعفت بصيرته. # ولا يقولن امرؤ: خلوت، فهو وغن انفرد فبمرأى ومسمع من علام الغيوب. # ) الذي يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور (، (غافر: 19)) ويعلم السر ~~وأخفى ((طه: 7) و) ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا وهو ~~سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم أينما PageV01P284 ~~كانوا ((المجادلة: 7) / و) هو عليم بذات الصدور (وهو) عالم الغيب ~~والشهادة (و) ويستخفون من الناس ولا يستخفون من الله وهو معهم ((النساء: ~~108) وقال:) لقد خلقنا الآنسان ونعلم ما ms112 توسوس به نفسه ونحن أقرب إليه من ~~حبل الوريد. # إذ يتلقى الملتقيان عن اليمين وعن الشمال قعيد. # ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد ((ق: 16 - 18) . # وليعلم المستخف بالمعاصي، المتكل على التسويف، المعرض عن طاعة ربه ان ~~إبليس كان في الجنة مع الملائكة المقربين فلمعصية واحدة وقعت منه استحق ~~لعنة الأبد وعذاب الخلد، وصير شيطانا رجيما، وأبعد عن رفيع المقام، وهذا ~~آدم (صلى الله عليه وسلم) بذنب واحد أخرج من الجنة إلى شقاء الدنيا ونكدها؛ ~~ولولا انه تلقى من ربه كلمات وتاب عليه لكان من الهالكين. # افترى هذا المغتر بالله ربه وبإملائه ليزداد إثما يظن أنه أكرم على خالقه ~~من أبيه آدم الذي خلقه ونفخ فيه من روحه وأسجد له ملائكته الذين هم أفضل ~~خلقه عنده أو عقابه اعز عليه من عقوبته إياه كلا، ولكن استعذاب التمني، ~~واستيطاء مركب العجز، وسخف الرأي، قائدة أصحابها إلى الوبال والخزي. # ولو لم يكن عند ركوب المعصية زاجر من نهي الله تعالى ولا حام من غليظ ~~عقابه لكان في قبيح الأحدوثة عن صاحبه وعظيم الظلم الواقع في نفس فاعله ~~اعظم مانع وأشد رادع لمن نظر بعين الحقيقة، واتبع سبيل الرشد، فكيف والله ~~عز وجل يقول:) ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن ~~يفعل ذلك يلق أثاما، يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهانا ~~((الفرقان: 68 - 69) . PageV01P285 ~~حدثنا الهمذاني في مسجد العمري بالجانب الغربي من قرطبة سنة إحدى ~~وأربعمائة، حدثنا ابن شبويه وأبو إسحاق البلخي بخراسان سنة خمس وسبعين ~~وثلاثمائة، قالا ثنا محمد بن يوسف ثنا محمد بن إسماعيل ثنا قتيبة بن سعيد ~~ثنا جرير عن الأعمش عن أبي وائل عن عمرو بن شرحبيل قال: قال عبد الله وهو ~~ابن مسعود، قال رجل: يا رسول الله، أي الذنب أكبر عند الله قال: ان تدعو ~~لله ندا وهو خلقك، قال: ثم أي قال: أن تقتل ولدك أن يطعم معك. # قال: ثم أي قال: أن تزاني حليلة جارك. # فانزل الله تصديقها:) والذين ms113 لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس ~~التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ((الفرقان: 68) وقال عز وجل:) الزانية ~~والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة، ولا تأخذكم بهما رأفة في دين ~~الله إن كنتم تؤمنون بالله ((النور: 2) . # حدثنا الهمذاني عن أبي إسحاق البلخي وابن شبويه عن محمد ابن يوسف عن محمد ~~بن اسماعيل عن الليث عن عقيل عن ابن شهاب الزهري عن أبي بكر بن عبد الرحمن ~~بن الحارث بن هشام وسعيد بن PageV01P286 ~~المسيب المخزوميين وأبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف الزهري أن رسول الله ~~(صلى الله عليه وسلم) قال: " لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ". # وبالسند المذكور إلى محمد بن إسماعيل عن يحيى بن بكير عن الليث عن عقيل ~~عن ابن شهاب عن أبي سلمة وسعيد بن المسيب عن أبي هريرة قال: " أتى رجل إلى ~~رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وهو في المسجد فقال يا رسول الله، إني ~~زنيت، فأعرض عنه، ثم رد عليه أربع مرات، فلما شهد على نفسه أربع شهادات ~~دعاه النبي (صلى الله عليه وسلم) فقال: أبك جنون قال: لا، قال: فهل أحصنت ~~قال: نعم، فقال النبي (صلى الله عليه وسلم) اذهبوا به فارجموه ". # قال ابن شهاب: فاخبرني من سمع جابر بن عبد الله قال: كنت فيمن رجمه، ~~فرجمناه بالمصلى، فلما أذلقته الحجارة هرب فأدركناه بالحرة فرجمناه. # حدثنا أبو سعيد مولى الحاجب جعفر في المسجد الجامع عن أبي بكر المقرئ عن ~~أبي جعفر بن النحاس عن سعيد بن بشر عن عمرو بن رافع عن منصور عن الحسن عن ~~حطان بن عبد الله الرقاشي عن عبادة بن الصامت عن رسول الله (صلى الله عليه ~~وسلم) أنه قال: " خذوا عني، خذوا عني، قد جعل الله لهن سبيلا: البكر بالبكر ~~جلد وتغريب سنة، والثيب بالثيب جلد مائة والرجم ". # فيا لشنعة ذنب أنزل الله وحيه مبينا بالتشهير بصاحبه، والعنف بفاعله، ~~والتشديد لمقترفه، وتشدد في عقوبة رجمه الا يرجم إلا بحضرة أوليائه. # وقد أجمع المسلمون ms114 إجماعا لا ينقضه إلا ملحد أن الزاني المحصن عليه الرجم ~~حتى يموت. # فيا لها قتلة PageV01P287 ~~ما أهولها، وعقوبة ما أفظعها، وأشد عذابها وأبعدها من الإراحة وسرعة ~~الموت. # وطوائف من أهل العلم منهم الحسن بن أبي الحسن وابن راهويه وداود وأصحابه ~~يرون عليه مع الرجم جلد مائة، ويحتجون عليه بنص القرآن وثابت السنة عن رسول ~~الله (صلى الله عليه وسلم) وفعل علي رضي الله عنه بأنه رجم امرأة محصنة في ~~الزنا بعد أن جلدها مائة. # وقال: جلدتها بكتاب الله ورجمتها بسنة رسول الله؛ والقول بذلك لازم ~~لأصحاب الشافعي، لأن زيادة العدل في الحديث مقبولة. # وقد صح في إجماع الأمة المنقول بالكافة الذي يصحبه العمل عند كل فرقة وفي ~~أهل كل نحلة من نحل أهل القبلة - حاشا طائفة يسيرة من الخوارج لا يعتد به - ~~أنه لا يحل دم امرئ مسلم إلا بكفر بعد إيمان، أو نفس بنفس، أو بمحاربة لله ~~ورسوله يشهر فيها سيفه ويسعى في الأرض فسادا مقبلا غير مدبر، وبالزنا بعد ~~الإحصان فإن حد ما جعل الله مع الكفر بالله عز وجل ومحاربته وقطع حجته في ~~الأرض ومنابذته دينه لجرم كبير ومعصية شنعاء. # والله تعالى يقول:) إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم ~~((النساء: 31)) والذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم. # إن ربك واسع المغفرة ((النجم: 32) وإن كان أهل العلم اختلفوا في تسميتها ~~فكلهم مجمع - مهما اختلفوا فيه منها - أن الزنا يقدم فيها، لا اختلاف بينهم ~~في ذلك، ولم يوعد الله عز وجل في كتابه بالنار بعد PageV01P288 ~~الشرك الا في سبع ذنوب، وهي الكبائر: الزنا أحدها، وقذف المحصنات أيضا ~~منها، منصوصا ذلك كله في كتاب الله عز وجل. # وقد ذكرنا أنه لا يحب القتل على أحد من ولد آدم إلا في الذنوب الأربعة ~~التي تقدم ذكرها: فأما الكفر منها فإن عاد صاحبه إلى الاسلام أو بالذمة إن ~~لم يكن مرتدا قبل منه ودرى عنه الموت، وأما القتل فان قبل الولي الدية في ~~قول بعض الفقهاء أو عفا في ms115 قول جميعهم سقط عن القاتل القتل بالقصاص، وأما ~~الفساد في الأرض فإن ناب صاحبه قبل أن يقدر عليه هدر عنه القتل، ولا سبيل ~~في قول أحد مؤالف أو مخالف في ترك رجم المحصن ولا وجه لرفع الموت عنه ~~البتة. # ومما يدل على شنعة الزنا ما حدثنا القاضي أبو عبد الرحمن: ثنا القاضي أبو ~~عيسى عن عبيد الله بن يحيى عن أبيه يحيى بن يحيى عن الليث عن الزهري عن ~~القاسم بن محمد بن أبي بكر عن عبيد بن عمير: ان عمر بن الخطاب رضي الله عنه ~~أصاب في زمانه ناسا من هذيل، فخرجت جارية منهم فاتبعها رجل يريدها عن نفسها ~~فرمته بحجر فقضت كبده. # فقال عمر: هذا قتيل الله والله لا يودى أبدا. # وما جعل الله عز وجل فيه أربعة شهود، وفي كل حكم شاهدين، إلا حياطة منه ~~ألا تشيع الفاحشة في عباده، لعظمها وشنعتها PageV01P289 ~~وقبحها، وكيف لا تكون شنيعة ومن قذف بها أخاه المسلم أو أخته المسلمة دون ~~صحبة علم أو تيقن معرفة فقد أتى كبيرة من الكبائر استحق عليها النار غدا، ~~ووجب عليه بنص التنزيل ان تضرب بشرته ثمانين سوطا. # ومالك رضي الله عنه يرى ألا يؤخذ في شيء من الأشياء حد بالتعريض دون ~~التصريح إلا في قذف. # وبالسند المذكور عن الليث بن سعد عن يحيى بن سعيد عن محمد بن عبد الرحمن ~~عن أمه عمرة بنت عبد الرحمن عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه انه أمر أن يجلد ~~رجل قال لآخر: ما أبي بزان ولا أمي بزانية. # في حديث طويل. # وبإجماع من الأمة كلها دون خلاف من أحد نعلمه انه إذا قال رجل لآخر: يا ~~كافر، أو يا قاتل النفس التي حرم الله، لما وجب عليه حد احتياطا من الله عز ~~وجل ألا تثبت هذه العظيمة في مسلم ولا مسلمة. # ومن قول مالك رحمه الله أيضا أنه لا حد في الإسلام إلا والقتل يغني عنه ~~وينسخه إلا حد القذف، فإنه إن وجب على من قد وجب ms116 عليه القتل حد ثم قتل. # قال الله تعالى:) والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء ~~فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا وأولئك هم الفاسقون. # إلا الذين تابوا ((النور: 4، 5) . # وقال تعالى:) عن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات لعنوا في الدنيا ~~والاخرة ولهم عذاب عظيم ((النور: 23) . # وروي عن رسول الله PageV01P290 ~~(صلى الله عليه وسلم) انه قال في الغضب واللعنة المذكورين في اللعان: ~~إنهما موجبتان. # حدثنا الهمذاني عن أبي إسحاق عن محمد بن يوسف عن محمد بن إسماعيل عن عبد ~~العزيز بن عبد الله، قال: ثنا سليمان عن ثور بن يزيد عن أبي الغيث عن أبي ~~هريرة عن النبي (صلى الله عليه وسلم) أنه قال: اجتنبوا السبع الموبقات، ~~قالوا: وما هن يا رسول الله قال: الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم ~~الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف ~~المحصنات الغافلات المؤمنات ". # وإن في الزنا من إباحة الحريم، وإفساد النسل، والتفريق بين الأزواج الذي ~~عظم الله أمره، ما لا يهون على ذي عقل أو من له أقل خلاق. # ولولا مكان هذا العنصر من الإنسان وانه غير مأمون الغلبة لما خفف الله عن ~~البكرين وشدد على المحصنين. # وهذا عندنا وفي جميع الشرائع القديمة النازلة من عند الله عز وجل حكما ~~باقيا لم ينسخ ولا أزيل، فتبارك الناظر لعباده الذي لم يشغله عظيم ما في ~~خلقه ولا يحيف قدرته كبير ما في عوالمه عن النظر لحقير ما فيها، فهو كما ~~قال عز وجل:) الحي القيوم لا تأخذه سنة ولا نوم ((البقرة: 255) وقال:) يعلم ~~ما يلج في الأرض وما يخرج منها وما ينزل من السماء وما يعرج فيها ((سبأ: 2) ~~وقال:) عالم الغيب لا يعزب عنه مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض ((سبأ:) ~~. PageV01P291 ~~وإن اعظم ما يأتي به العبد هتك ستر الله عز وجل في عباده؛ وقد جاء في حكم ~~أبي بكر الصديق رضي الله عنه في ضربه الرجل الذي ضم صبيا حتى أمنى ضربا كان ~~سببا للمنية. ms117 # وفي إعجاب مالك رحمه الله باجتهاد الأمير الذي ضرب صبيا مكن رجلا من ~~تقبيله حتى أمنى الرجل، ضربه إلى أن مات، ما ينسي شدة دواعي هذا الشأن ~~وأسبابه. # والتزيد في الاجتهاد، وإن كنا لا نراه، فهو قول كثير من العلماء يتبعه ~~على ذلك عالم من الناس. # وأما الذي نذهب اليه فالذي حدثناه الهمذاني عن البلخي عن الفربري عن ~~البخاري قال ثنا يحيى بن سليمان ثنا ابن وهب قال: أخبرني عمرو أن بكيرا ~~حدثه عن سليمان بن يسار بن عبد الرحمن بن جابر عن أبيه عن أبي بردة ~~الأنصاري قال: سمعت رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يقول: " لا يجلد فوق ~~عشرة أسواط إلا في حد من حدود الله عز وجل ". # وبه يقول أبو جعفر محمد بن علي النسائي الشافعي رحمه الله. # وأما فعل قوم لوط فشنيع بشيع قال الله تعالى:) أتأتون الفاحشة ما سبقكم ~~بها من أحد من العالمين ((الأعراف: 80) . # وقد قذف الله فاعليه بحجارة من طين مسمومة. # ومالك رحمه الله يرى على الفاعل والمفعول به الرجم، أحصنا أم لم يحصنا، ~~واحتج بعض المالكيين في ذلك بان الله عز وجل يقول في رجمه فاعليه بالحجارة) ~~وما هي من الظالمين ببعيد ((هود: 83) فوجب بهذا انه من ظلم الآن بمثل فعلهم ~~قربت منه. # والخلاف في هذه المسالة ليس هذا موضعه. # وقد ذكر أبو إسحاق PageV01P292 ~~إبراهيم بن السري أن أبا بكر رضي الله عنه أحرق فيه بالنار، وذكر أبو ~~عبيدة معمر بن المثنى اسم المحرق فقال: هو شجاع ابن ورقاء الأسدي، أحرقه ~~بالنار أبو بكر الصديق لأنه يؤتى في دبره كما تؤتى المرأة. # وإن عن المعاصي لمذاهب للعاقل واسعة، فما حرم الله شيئا إلا وقد عوض ~~عباده من الحلال ما هو أحسن من المحرم وأفضل، لا إله إلا هو؛ وأقول في ~~النهي عن اتباع الهوى على سبيل الوعظ: [من الطويل] . # أقول لنفسي ما مبين كحالك %~% " وما الناس إلا هالك وابن هالك " صن النفس ~~عما عابها وارفض الهوى %~% فإن الهوى مفتاح باب المهالك رأيت ms118 الهوى سهل ~~المبادي لذيذها %~% وعقباه مر الطعم ضنك المسالك فما لذة الإنسان والموت ~~بعدها %~% ولو عاش ضعفي عمر نوح بن لامك فلا تتبع دارا قليلا لباثها %~% ~~فقد أنذرتنا بالفناء المواشك وما تركها إلا إذا هي أمكنت %~% وكم تارك ~~إضماره غير تارك فما تارك الآمال عجيا جآذرا %~% كتاركها ذات الضروع ~~الحواشك PageV01P293 ~~ومن قابل الأمر الذي كان راغبا %~% بشهوة مشتاق وعقل متارك لأحرى عباد ~~الله بالفوز عنده %~% لدى جنة الفردوس فوق الأرائك ومن عرف الأمر الذي هو ~~طالب %~% رأى سفها ما في يدي كل مالك ومن عرف الرحمن لم يعص أمره %~% ولو ~~انه يعطى جميع الممالك سبيل التقى والنسك خير المسالك %~% وسالكها مستبصرا ~~خير سالك فما فقد التنغيص من عاج دونها %~% ولا طاب عيش لامرئ غير ناسك ~~وطوبى لأقوام يؤمون نحوها %~% بخفة أرواح ولين عرائك لقد فقدوا غل النفوس ~~وفضلوا %~% بعز سلاطين وأمن صعالك فعاشوا كما شاءوا وماتوا كما اشتهوا %~% ~~وفازوا بدار الخلد رحب المبارك عصوا طاعة الأجساد في كل لذة %~% بنور مجل ~~ظلمة الغي هاتك فلولا اغتذاء الجسم أيقنت انهم %~% يعيشون عيشا مثل عيش ~~الملائك فيا رب قدمهم وزد في صلاحهم %~% وصل عليهم حيث حلوا وبارك ويا نفس ~~جدي لا تملي وشمري %~% لنيل سرور الدهر فيما هنالك وأنت متى دمرت سعيك في ~~الهوى %~% علمت بأن الحق ليس كذلك فقد بين الله الشريعة للورى %~% بابين من ~~زهر النجوم الشوابك فيا نفس جدي في خلاصك وانفذي %~% نفاذ السيوف المرهفات ~~البواتك فلو أعمل الناس التفكر في الذي %~% له خلقوا ما كان حي بضاحك PageV01P294 ### | - 30 - باب فصل التعفف # ومن أفضل ما يأتيه الإنسان في حبه التعفف، وترك ركوب المعصية والفاحشة، ~~وألا يرغب عن مجازاة خالقه له بالنعيم في دار المقامة، وألا يعصي مولاه ~~المتفضل عليه الذي جعله مكانا وأهلا لأمره ونهيه، وأرسل إليه رسله، وجعل ~~كلامه ثابتا لديه، عناية منه بنا وإحسانا إلينا. # وإن من هام قلبه، وشغل باله، واشتد شوقه، وعظم وجده، ثم ظفر فرام هواه ان ~~يغلب عقله، وشهوته ان تقهر دينه، ثم ms119 أقام العدل لنفسه حصنا، وعلم أنها ~~النفس الأمارة بالسوء، وذكرها بعقاب الله تعالى وفكر في اجترائه على خالقه ~~وهو يراه، وحذرها من يوم المعاد والوقوف بين يدي الملك العزيز الشديد ~~العقاب الرحمن الرحيم الذي لا يحتاج إلى بينة، ونظر بعين ضميره إلى انفراده ~~عن كل مدافع بحضرة علام الغيوب) يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله ~~بقلب سليم ((الشعراء: 88، 89)) يوم تبدل الأرض غير الأرض والسموات ((الحجر: ~~48)) يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا وما عملت من سوء تود لو ان بينها ~~وبينه أمدا بعيدا ((آل عمران: 30) يوم) وعنت الوجوه للحي القيوم وقد خاب من ~~حمل ظلما ((طه: 111) يوم) ووجدوا ما عملوا حاضرا ولا يظلم ربك أحدا ( PageV01P295 ~~(الكهف: 49)) يوم الطامة الكبرى (،) يوم يتذكر الإنسان ما سعى، وبرزت ~~الجحيم لمن يرى فأما من طغى وآثر الحياة الدنيا فإن الجحيم هي المأوى. # وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هي المأوى ~~((النازعات: 35 - 41) واليوم الذي قال الله تعالى فيه:) وكل إنسان ألزمناه ~~طائره في عنقه ونخرج له يوم القيامة كتابا يلقاه منشورا. # اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا ((الإسراء: 13، 14) عندها يقول ~~العاصي:) يا ويلتنا ما لهذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها ~~((الكهف: 49) فكيف بمن طوي قلبه على أحر من جمر الغضا، وطوي كشحه على أحد ~~من السيف، وتجرح غصصا أمر من الحنظل، وشرف نفسه كرها عما طمعت فيه وتيقنت ~~ببلوغه وتهيأت له ولم يحل دونها حائل - لحري أن يسر غدا يوم البعث، ويكون ~~من المقربين في دار الجزاء وعالم الخلود، وأن يأمن روعات القيامة وهول ~~المطلع، وان يعوضه الله من هذه القرحة الأمن يوم الحشر. # حدثني أبو موسى هارون بن موسى الطبيب قال: رأيت شابا حسن الوجه من أهل ~~قرطبة قد تعبد ورفض الدنيا، وكان له أخ في الله قد سقطت بينهما مؤنة ~~التحفظ، فزاره ذات ليلة وعزم على المبيت عنده، فعرضت لصاحب المنزل حاجة إلى ~~بعض معارفه بالبعد عن ms120 منزله، فنهض لها على أن ينصرف مسرعا، ونزل الشاب في ~~داره مع امرأته، وكانت غاية في الحسن وتربا للضيف في الصبا، فأطال رب ~~المنزل المقام إلى أن مشى العسس ولم يمكنه الانصراف إلى منزله، فلما علمت ~~المرأة بفوات الوقت وأن زوجها لا يمكنه المجيء تلك الليلة تاقت نفسها إلى ~~ذلك الفتى فبرزت إليه ودعته إلى نفسها، ولا ثالث لهما إلا الله عز وجل، فهم ~~بها ثم ثاب إليه عقله. # وفكر في الله عز وجل فوضع إصبعه على السراج فتفقع ثم قال: يا نفس، ذوقي PageV01P296 ~~هذا وأين هذا من نار جهنم. # فهال المرأة ما رأت ثم عاودته، فعاودته الشهوة المركبة في الإنسان فعاد ~~إلى الفعلة الأولى، فانبلج الصباح وسبابته قد اصطلمتها النار. # أفتظن بلغ هذا من نفسه هذا المبلغ إلا لفرط شهوة قد كلبت عليه أو ترى أن ~~الله تعالى يضيع له هذا المقام كلا إنه لأكرم من ذلك وأعلم. # ولقد حدثتني امرأة أثق بها أنها علقها فتى مثلها في الحسن وعلقته وشاع ~~القول عليهما، فاجتمعا يوما خاليين فقال: هلمي نحقق ما يقال فينا. # فقالت: لا والله لا كان هذا أبدا، وأنا أقرأ قول الله:) الأخلاء يومئذ ~~بعضهم لبعض عدو إلا المتقين ((الزخرف: 67) قالت: فما مضى قليل حتى اجتمعا ~~في حلال. # ولقد حدثني ثقة من إخواني أنه خلا يوما بجارية كانت له مفاركة في الصبا، ~~فتعرضت لبعض تلك المعاني، فقال لها: لا، إن من شكر نعمة الله فيما منحني من ~~وصالك الذي أقصى آمالي أن أجتنب هواي لأمره، ولعمري إن هذا لغريب فيما خلا ~~من الأزمان، فكيف في مثل هذا الزمان الذي قد ذهب خيره وأتى شره. # وما أقدر في هذه الأخبار - وهي صحيحة - إلا أحد وجهين لا شك فيهما: إما ~~طبع قد مال إلى غير هذا الشأن واستحكمت معرفته بفضل سواه عليه فهو لا يجيب ~~دواعي الغزل في كلمة ولا كلمتين ولا PageV01P297 ~~في يوم ولا يومين، ولو طال على هؤلاء الممتحنين ما امتحنوا به لحلت ~~طباعهم وأجابوا هاتف الفتنة، لكن ms121 الله عصمهم بانقطاع السبب المحرك نظرا لهم ~~وعلما بما في ضمائرهم من الاستعاذة به من القبائح، واستدعاء الرشد، لا إله ~~إلا هو؛ وإما بصيرة حضرت في ذلك الوقت، وخاطر تجرد انقمعت به طوالع الشهوة ~~في ذلك الحين، لخير أراد الله عز وجل لصاحبه، جعلنا الله ممن يخافه ويرجوه، ~~آمين. # وحدثني أبو عبد الله محمد بن عمر بن مضا عن رجال من بني مروان ثقات ~~يسندون الحديث إلى أبي العباس الوليد بن غانم أنه ذكر أن الإمام عبد الرحمن ~~بن الحكم غاب في بعض غزواته شهورا وثقف القصر بابنه محمد الذي ولي الخلافة ~~بعده ورتبه في السطح، وجعل مبيته ليلا وقعوده نهارا فيه، ولم يأذن له في ~~الخروج البتة، ورتب معه في كل ليلة وزيرا وفتى من أكابر الفتيان يبيتان معه ~~في السطح؛ قال أبو العباس: فأقام على ذلك مدة طويلة وبعد عهده بأهله، وهو ~~في سن العشرين أو نحوها إلى أن وافق مبيتي في ليلتي نوبة فتى من أكابر ~~الفتيان، وكان صغيرا في سنه وغاية في حسن وجهه. # قال أبو العباس: فقلت في نفسي: إني أخشى الليلة على محمد بن عبد الرحمن ~~الهلاك بمواقعة المعصية وتزيين إبليس وأتباعه PageV01P298 ~~له، قال: ثم أخذت مضجعي في السطح الخارج ومحمد في السطح الداخل المطل على ~~حرم أمير المؤمنين، والفتى في الطرف الثاني القريب من المطلع فظللت أرقبه ~~ولا أغفل وهو يظن أني قد نمت ولا يشعر باطلاعي عليه، قال: فلما مضى هزيع من ~~الليل رأيته قد قام واستوى قاعدا ساعة لطيفة، ثم تعوذ من الشيطان ورجع إلى ~~منامه، ثم قام الثالثة ولبس قميصه ودلى رجليه من السرير، وبقي كذلك ساعة ثم ~~نادى الفتى باسمه فأجابه، فقال له: انزل عن السطح وابق في الفصيل الذي ~~تحته، فقام الفتى مؤتمرا له. # فلما نزل قام محمد وأغلق الباب من داخله وعاد إلى سريره، قال أبو العباس: ~~فعلمت من ذلك الوقت ان لله فيه مراد خير. # حدثنا أحمد بن محمد بن الجسور عن أحمد بن مطرف عن ms122 عبيد الله بن يحيى عن ~~أبيه عن مالك عن حبيب بن عبد الرحمن الأنصاري عن حفص بن عاصم عن أبي هريرة ~~عن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أنه قال: " سبعة يظلهم الله في ظله يوم ~~لا ظل إلا ظله: إمام عادل، وشاب نشأ في عبادة الله عز وجل، ورجل قلبه معلق ~~بالمسجد إذا خرج منه حتى يعود إليه، ورجلان تحابا في الله اجتمعا على ذلك ~~وتفرقا، ورجل ذكر الله خاليا ففاضت عيناه، ورجل دعته امرأة ذات حسب وجمال، ~~فقال إني أخاف الله، ورجل تصدق صدقة فأخفى حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه ~~". # وإني أذكر أني دعيت إلى مجلس فيه بعض من تستحسن الأبصار صورته، وتألف ~~القلوب أخلاقه، للحديث والمجالسة دون منكر PageV01P299 ~~ولا مكروه، فسارعت إليه وكان هذا سحرا، فبعد أن صليت الصبح وأخذت زيي ~~طرقني فكر فسنحت لي أبيات، ومعي رجل من إخواني فقال لي: ما هذا الإطراق فلم ~~أجبه حتى أكملتها، ثم كتبتها ودفعتها إليه، وأمسكت عن المسير حيث كنت نويت، ~~ومن الأبيات: [من الطويل] . # أراقك حسن غيبه لك تأريق %~% وتبريد وصل سره فيك تحريق وقرب مزار يقتضي ~~لك فرقة %~% وشكا ولولا القرب لم يك تفريق ولذة طعم معقب لك علقما %~% ~~وصابا وفسح في تضاعيفه ضيق ولو لم يكن جزاء ولا عقاب ولا ثواب لوجب علينا ~~إفناء الأعمار، وإتعاب الأبدان، وإجهاد الطاقة، واستنفاد الوسع، واستفراغ ~~بالعقل الذي ابتدأنا بالنعم قبل استئهالها، وامتن علينا بالعقل الذي به ~~عرفناه، ووهبنا الحواس والعلم والمعرفة ودقائق الصناعات، وصرف لنا السموات ~~جارية بمنافعها، ودبرنا التدبير الذي لو ملكنا خلقنا لم نهتد إليه، ولا ~~نظرنا لأنفسنا نظره لنا، وفضلنا على أكثر المخلوقات، وجعلنا مستودع كلامه ~~ومستقر دينه، وخلق لنا الجنة دون أن نستحقها، ثم لم يرض لعباده ان يدخلوها ~~إلا بأعمالهم لتكون واجبة لهم، قال الله تعالى:) جزاء بما كانوا يعملون ~~((السجدة: 17) ورشدنا إلى سبيلها، وبصرنا وجه ظلها، وجعل غاية إحسانه إلينا ~~وامتنانه علينا حقا من حقوقنا قبله، ودينا لازما له، وشكرنا على ms123 ما أعطانا ~~من الطاعة التي رزقنا قواها، وأثابنا بفضله على تفضله - هذا كرم لا تهتدي ~~إليه العقول، ولا يمكن أن تكيفه الألباب. # ومن عرف ربه ومقدار رضاه وسخطه هانت عنده اللذات الذاهبة والحطام الفاني، ~~فكيف وقد أتى من وعيده ما تقشعر لسماعه الأجساد، وتذوب له النفوس، وأورد ~~علينا من عذابه ما لم ينته إليه أمل؛ فأين المذهب عن PageV01P300 ~~طاعة هذا الملك الكريم، وما الرغبة في لذة ذاهبة لا تذهب الندامة عنها، ~~ولا تفنى التباعة منها، ولا يزول الخزي عن راكبها، وإلى كم هذا التمادي وقد ~~أسمعنا المنادي، وكأن قد حدا بنا الحادي إلى دار القرار، فإما إلى جنة وإما ~~إلى النار. # ألا إن التثبط في هذا المكان لهو الضلال المبين، وفي ذلك أقوال: [من ~~المنسرح] . # أقصر عن لهوه وعن طربه %~% وعف في حبه وفي غربه فليس شرب المدام همته %~% ~~ولا اقتناص الظباء من أربه قد آن للقلب أن يفيق وأن %~% يزيل ما قد علاه من ~~حجبه ألهاه عما عهدت يعجبه %~% خيفة يوم تبلى السرائر به يا نفس جدي وشمري ~~ودعي %~% عنك اتباع الهوى على لغبه وسارعي في النجاة واجتهدي %~% ساعية في ~~الخلاص من كربه علي أحظى بالفوز فيه وأن %~% أنجو من ضيقه ومن لهبه يا أيها ~~اللاعب المجد به ال %~% دهر أما تتقي شبا نكبه كفاك من كل ما وعظت به %~% ~~ما قد أراك الزمان من عجبه دع عنك دارا تفنى غضارتها %~% ومكسبا لاعبا ~~بمكتسبه لم يضطرب في محلها أحد %~% إلا نبا حدها بمضطربه من عرف الله حق ~~معرفة %~% لوى وحل الفؤاد في رهبه ما منقضي الملك مثل خالده %~% ولا صحيح ~~التقى كمؤتشبه ولا تقي الورى كفاسقهم %~% وليس صدق الكلام من كذبه فلو أمنا ~~من العقاب ولم %~% نخش من الله متقى غضبه ولم نخف ناره التي خلقت %~% لكل ~~جاني الكلام محتقبه لكان فرضا لزوم طاعته %~% ورد وفد الهوى على عقبه PageV01P301 ~~وصحة الزهد في البقاء وأن %~% يلحق تفنيدنا بمرتقبه فقد رأينا فعل الزمان ~~بأه %~% ليه كفعل الشواظ في حطبه كم متعب ms124 في الإله مهجته %~% راحته في ~~الكريم من تعبه وطالب باجتهاده زهر ال %~% دنيا عداه المنون عن طلبه ومدرك ~~ما ابتغاه ذي جذل %~% حل به ما يخاف من سببه وباحث جاهد لبغيته %~% فإنما ~~بحثه على عطبه بينا ترى المرء ساميا ملكا %~% صار إلى السفل من ذرى رتبه ~~كالزرع للرجل فوقه عمل %~% ان ينم حسن النمو في قصبه كم قاطع نفسه أسى وشجا ~~%~% في إثر جد يجد في هربه أليس من ذاك زاجر عجب %~% يزيد ذا اللب في حلى ~~أدبه فكيف والنار للمسيء إذا %~% عاج عن المستقيم من عقبه ويوم عرض الحساب ~~يفضحه ال %~% له ويبدي الخفي من ريبه ثاني من قد حباه الإله رحمته %~% ~~موصولة بالمزيد من نشبه فصار من جهله يصرفها %~% فيما نهى الله عنه في كتبه ~~أليس هذا أحرى العباد غدا %~% بالوقع في ويله وفي حربه شكرا لرب لطيف قدرته ~~%~% فينا كحبل الوريد في كثبه رازق أهل الزمان اجمعهم %~% من كان من عجمه ~~ومن عربه والحمد لله في تفضله %~% وقمعه للزمان في نوبه أخدمنا الأرض ~~والسماء ومن %~% في الجو من مائه ومن شهبه فاسمع ودع من عصاه ناحية %~% لا ~~يحمل الحمل غير محتطبه وأقول أيضا: [من الطويل] . # أعارتك دنيا مسترد معارها %~% غضارة عيش سوف يذوي اخضرارها وهل يتمنى ~~المحكم الرأي عيشة %~% وقد حان من دهم المنايا مزارها PageV01P302 ~~وكيف تلذ العين هجعة ساعة %~% وقد طال فيما عاينته اعتبارها وكيف تقر ~~النفس في دار نقلة %~% قد استيقنت أن ليس فيها قرارها وأنى لها في الأرض ~~خاطر فكرة %~% ولم تدر بعد الموت أين محارها أليس لها في السعي للفوز شاغل ~~%~% أما في توقيها العذاب ازدجارها فخابت نفوس قادها لهو ساعة %~% إلى حر ~~نار ليس يطفى أوارها لها سائق حاد حثيث مبادر %~% إلى غير ما أضحى إليه ~~مدارها تراد لأمر وهي تطلب غيره %~% وتقصد وجها في سواه سفارها أمسرعة فيما ~~يسوء قيامها %~% وقد أيقنت أن العذاب قصارها تعطل مفروضا وتغنى بفضلة %~% ~~لقد شفها طغيانها واغترارها إلى ما لها منه البلاء سكونها %~% وعما لها ms125 منه ~~النجاح نفارها وتعرض عن رب دعاها لرشدها %~% وتتبع دنيا جد عنها فرارها فيا ~~أيها المغرور بادر برجعة %~% فلله دار ليس تخمد نارها ولا تتخير فانيا دون ~~خالد %~% دليل على محض العقول اختيارها أتعلم أن الحق فيما تركته %~% وتسلك ~~سبلا ليس يخفى عوارها وتترك بيضاء المناهج ضلة %~% لبهماء يؤذي الرجل فيها ~~عثارها تسر بلهو معقب بندامة %~% إذا ما انقضى لا ينقضي مستثارها وتفنى ~~الليالي والمسرات كلها %~% وتبقى تباعات الذنوب وعارها فهل أنت يا مغبون ~~مستيقظ فقد %~% تبين من سر الخطوب استتارها فعجل إلى رضوان ربك واجتنب %~% ~~نواهيه إذ قد تجلى منارها يجد مرور الدهر عنك بلاعب %~% وتغرى بدنيا ساء ~~فيك سرارها فكم أمة قد غرها الدهر قبلنا %~% وهاتيك منها مقفرات ديارها ~~تذكر على ما قد مضى واعتبر به %~% فإن المذكي للعقول اعتبارها تحامى ذراها ~~كل باغ وطالب %~% وكان ضمانا في الأعادي انتصارها توافت ببطن الأرض وانشت ~~شملها %~% وعاد إلى ذي ملكه مستعارها وكم راقد في غفلة عن منية %~% مشمرة ~~في القصد وهو شعارها ومظلمة قد نالها متسلط %~% مدل بأيد عند ذي العرش ~~ثارها PageV01P303 ~~أراك إذا حاولت دنياك ساعيا %~% على أنها باد إليك ازورارها وفي طاعة ~~الرحمن يقعدك الونى %~% وتبدي أناة لا يصح اعتذارها تحاذر أحزانا ستفنى ~~وتنقضي %~% وتنسى التي فرض عليك حذارها كأني أرى منك التبرم ظاهرا %~% ~~مبينا إذا الأقدار حل اضطرارها هناك يقول المرء من لي بأعصر %~% مضت كان ~~ملكا في يدي خيارها تنبه ليوم قد أظلك ورده %~% عصيب يوافي النفس فيه ~~احتضارها تبرأ فيه منك كل مخالط %~% وآن من الآمال فيه انهيارها فأودعت في ~~ظلماء ضنك مقرها %~% يلوح عليها للعيون اغبرارها تنادى فلا تدري المنادي ~~مفردا %~% وقد حط عن وجه الحياة خمارها تنادى إلى يوم شديد مفزع %~% وساعة ~~حشر ليس يخفى اشتهارها إذا حشرت فيه الوحوش وجمعت %~% صحائفنا وانثال فينا ~~انتشارها وزينت الجنات فيه وأزلفت %~% واذكي من نار الجحيم استعارها وكورت ~~الشمس المنيرة بالضحى %~% وأسرع من زهر النجوم انكدارها لقد جل أمر كان منه ~~انتظامها %~% وقد حل أمر ms126 كان منه انتثارها وسيرت الأجبال والأرض بدلت %~% ~~وقد عطلت من مالكيها عشارها فإما لدار ليس يفنى نعيمها %~% وإما لدار لا ~~يفك إسارها بحضرة جبار رفيق معاقب %~% فتحصى المعاصي كبرها وصغارها ويندم ~~يوم البعث جاني صغارها %~% وتهلك أهليها هناك كبارها ستغبط أجساد وتحيا ~~نفوسها %~% إذا ما استوى إسرارها وجهارها إذا حفهم عفو الإله وفضله %~% ~~وأسكنهم دارا حلالا عقارها PageV01P304 ~~سيلحقهم أهل الفسوق إذا استوى %~% بحلبة سبق طرفها وحمارها يفر بنو ~~الدنيا بدنياهم التي %~% يظن على أهل الحظوظ اقتصارها هي الأم خير البر ~~فيها عقوقها %~% وليس بغير البذل يحمى ذمارها فما نال الحظ إلا مهينها %~% ~~وما الهلك إلا قربها واعتمارها تهافت فيها طامع بعد طامع %~% وقد بان للب ~~الذكي اختبارها تطامن لغمر الحادثات ولا تكن %~% لها ذا اعتمار يجتنبك ~~غمارها وإياك أن تغتر منها بما ترى %~% فقد صح في العقل الجلي عيارها رأيت ~~ملوك الأرض يبغون عدة %~% ولذة نفس يستطاب اجترارها وخلوا طريق القصد في ~~مبتغاهم %~% لمعقبة الصغار جم صغارها وإن التي يبغون نهج لغية %~% مكين ~~لطلاب الخلاص اختصارها هل العز إلا همة صح صونها %~% إذا صان همات الرجال ~~انكسارها وهل رابح إلا امرؤ متوكل %~% قنوع غني النفس باد وقارها ويلقى ~~ولاة الملك خوفا وفكرة %~% تضيق بها ذرعا ويفنى اصطبارها عيانا نرى هذا ~~ولكن سكرة %~% أحاطت بنا ما إن يفيق خمارها تدبر من الباني على الأرض سقفها ~~%~% وفي علمه معمورها وقفارها ومن يمسك الأجرام والأرض أمره %~% بلا عمد ~~يبنى عليه قرارها ومن قدر التدبير فيها بحكمة %~% فصح لديها ليلها ونهارها ~~ومن فتق الأمواه في صفح وجهها %~% فمنها تغذى حبها وثمارها ومن صير الألوان ~~في نور نبتها %~% فأشرق فيها وردها وبهارها فمنهن مخضر يروق بصيصه %~% ~~ومنهن ما يغشى اللحاظ احمرارها ومن حفر الأنهار دون تكلف %~% فثار من الصم ~~الصلاب انفجارها ومن رتب الشمس المنير ابيضاضها %~% غدوا ويبدو بالعشي ~~اصفرارها PageV01P305 ~~ومن خلق الأفلاك فامتد جريها %~% واحكمها حتى استقام مدارها ومن إن ألمت ~~بالعقول رزية %~% فليس إلى حي سواه افتقارها تجد كل هذا راجعا نحو خالق ms127 %~% ~~له ملكها منقادة وائتمارها أبان لنا الآيات في أنبيائه %~% فأمكن بعد العجز ~~فيها اقتدارها فأنطلق أفواها بألفاظ حكمة %~% وما حلها إثغارها واتغارها ~~وأبرز من صم الحجارة ناقة %~% وأسمعهم في الحين منها حوارها ليوقن أقوام ~~وتكفر عصبة %~% أتاها بأسباب الهلاك قدارها وشق لموسى البحر دون تكلف %~% ~~وبان من الأمواج فيه انحسارها وسلم من نار الأتون خليله %~% فلم يؤذه ~~إحراقها واحترارها ونجى من الطوفان نوحا وقد هدى %~% به أمة أبدى الفسوق ~~شرارها ومكن داودا بأيد وإبنه %~% فتعشيرها ملقى له وبذارها وذلل جبار ~~البلاد لأمره %~% وعلم من طير السماء حوارها وفضل بالقرآن أمة أحمد %~% ~~ومكن في أقصى البلاد مغارها وشق له بدر السماء وخصه %~% بآيات حق لا يحل ~~مغارها وأنقذنا من كفر أربابنا به %~% وكان على قطب الهلاك مدارها فما ~~بالنا لا نترك الجهل ويحنا %~% لنسلم من نار ترامى شرارها PageV01P306 ### | [خاتمة] # هنا أعزك الله انتهى ما تذكرته ايجابا لك، وتقمنا لمسرتك، ووقوفا عند ~~أمرك، ولم أمتنع أن أورد لك في هذه الرسالة أشياء يذكرها الشعراء ويكثرون ~~القول فيها، موفيات على وجهها، ومفردات في أبوابها، ومنغمات التفسير، مثل ~~الإفراط في صفة النحول وتشبيه الدموع بالأمطار وأنها تروي السفار، وعدم ~~النوم البتة، وانقطاع الغذاء جملة، إلا أنها أشياء لا حقيقة لها، وكذب لا ~~وجه له، ولكل شيء حد، وقد جعل الله لكل شيء قدرا. # والنحول قد يعظم ولو صار حيث يصفونه لكان في قوام الذرة أو دونها، ولخرج ~~عن حد المعقول. # والسهر قد يتصل ليالي، ولكن لو عدم الغذاء أسبوعين لهلك، وإنما قلنا ~~الصبر عن النوم أقل من الصبر عن الطعام لان النوم غذاء الروح، والطعام غذاء ~~الجسد، وإن كانا يشتركان في كليهما ولكنا حكينا على الأغلب. # وأما الماء فقد رأيت أن ميسورا البناء جارنا بقرطبة يصبر عن الماء ~~أسبوعين في حمارة القيظ ويكتفي بما في غذائه من رطوبة. # وحدثني القاضي أبو عبد الرحمن بن جحاف انه كان يعرف من كان لا يشرب الماء ~~شهرا. # وإنما اقتصرت في رسالتي على PageV01P307 ~~الحقائق المعلومة التي لا يمكن ms128 وجود سواها أصلا، وعلى أني قد أوردت من ~~هذه الوجوه المذكورة أشياء كثيرة يكتفي بها لئلا أخرج عن طريقة أهل الشعر ~~ومذهبهم. # وسيرى كثير من إخواننا أخبارا لهم في هذه الرسالة مكنيا فيها عن اسمائهم ~~على ما شرطنا في ابتدائها. # وأنا أستغفر الله تعالى مما يكتبه الملكان ويحصيه الرقيبان من هذا وشبهه، ~~استغفار من يعلم أن كلامه من عمله؛ ولكنه إن لم يكن من اللغو الذي لا يؤاخذ ~~به المرء فهو إن شاء الله من اللمم المعفو، وإلا فليس من السيئات والفواحش ~~التي يتوقع عليها العذاب، وعلى كل حال فليس من الكبائر التي ورد النص فيها. # وأنا أعلم أنه سينكر علي بعض المتعصبين علي تألفي لمثل هذا ويقول: إنه ~~خالف طريقته، وتجافى عن وجهته. # وما أحل لأحد أن يظن في غير ما قصدته، قال الله عز وجل:) يا أيها الذين ~~آمنوا اجتنبوا كثيرا من الظن إن بعض الظن إثم ((الحجرات: 12) . # وحدثني أحمد ابن محمد بن الجسور، ثنا ابن أبي دليم، ثنا ابن وضاح عن يحيى ~~بن يحيى عن مالك بن أنس عن أبي الزبير المكي عن أبي شريح الكعبي عن رسول ~~الله (صلى الله عليه وسلم) أنه قال: " إياكم والظن فإنه أكذب الكذب ". # وبه إلى مالك عن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن الأعرج عن أبي هريرة عن ~~رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أنه قال: " من كان يؤمن بالله واليوم الآخر ~~فليقل خيرا أو ليصمت. # وحدثني صاحبي أبو بكر محمد بن إسحاق ثنا عبد الله بن يوسف الأزدي ثنا ~~يحيى بن عائذ ثنا أبو عدي عبد العزيز بن PageV01P308 ~~علي بن محمد بن إسحاق بن الفرج الإمام بمصر ثنا أبو علي الحسن ابن القاسم ~~بن دحيم المصري ثنا محمد بن زكريا الغلابي ثنا أبو العباس ثنا أبو بكر عن ~~قتادة عن سعيد بن المسيب أنه قال: وضع عمر بن الخطاب رضي الله عنه للناس ~~ثماني عشرة كلمة من الحكمة منها: ضع أمر أخيك على أحسنه حتى يأتيك على ما ~~يغلبك ms129 عليه. # ولا تظن بكلمة خرجت من في امرئ مسلم شرا وأنت تجد لها في الخير محملا. # فهذا أعزك الله أدب الله وأدب رسوله (صلى الله عليه وسلم) وأدب أمير ~~المؤمنين. # وبالجملة فإني لا أقول بالمراياة ولا أنسك نسكا أعجميا. # ومن أدى الفرائض المأمور بها، واجتنب المحارم المنهي عنها، ولم ينس الفضل ~~فيما بينه وبين الناس فقد وقع عليه اسم الإحسان، ودعني مما سوى ذلك وحسبي ~~الله. # والكلام في مثل هذا إنما هو مع خلاء الذرع وفراغ القلب، وإن حفظ شيء ~~وبقاء رسم وتذكر فائت لمثل خاطري لعجب على ما مضى ودهمني؛ فأنت تعلم أن ~~ذهني متقلب وبالي مهصر بما نحن فيه من نبو الديار، والجلاء عن الأوطان، ~~وتغير الزمان، ونكبات السلطان، وتغير الإخوان، وفساد الأحوال، وتبدل ~~الأيام، وذهاب الوفر، والخروج عن الطارف والتالد، واقتطاع مكاسب الآباء ~~والأجداد، والغربة في البلاد، وذهاب المال والجاه، والفكر في صيانة الأهل ~~والولد، واليأس PageV01P309 ~~عن الرجوع إلى موضع الأهل، ومدافعة الدهر، وانتظار الأقدار، لا جعلنا ~~الله من الشاكين إلا إليه، وأعادنا إلى أفضل ما عودنا. # وإن الذي أبقى لأكثر مما أخذ، والذي ترك أعظم من الذي تحيف، ومواهبه ~~المحيطة بنا ونعمه التي غمرتنا لا تحد، ولا يؤدى شكرها، والكل منحه ~~وعطاياه، ولا حكم لنا في أنفسنا ونحن منه، وإليه منقلبنا وكل عارية فراجعة ~~إلى معيرها، وله الحمد أولا وآخرا وعودا وبدءا وأنا أقول: [من الوافر] . # جعلنا اليأس لي حصنا ودرعا %~% فلم ألبس ثياب المتضام وأكثر من جميع ~~الناس عندي %~% يسير صانني دون الأنام إذا ما صح لي ديني وعرضي %~% فلست ~~لما تولى ذا اهتمام تولى الأمس والغد لست ادري %~% أأدركه ففي ماذا اغتنامي ~~جعلنا الله وإياك من الصابرين الشاكرين الحامدين الذاكرين، آمين آمين، ~~والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما. PageV01P310 ### |PARATEXT| # الملحق (1 # (ص 227) وممن رثى قرطبة أيضا، من وجوه أهلها وأرباب النعم المؤثلة بها، ~~وأكثر التفجع على دياره منها، لما استولى الخراب عليها عند فرار البرابر ~~عنها، الفقيه ms130 الأديب أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد ابن حزم، ابن وزير آل ~~عامر الأكبر. # فإني وجدت بخطه في خبر ذكره قال: وقفت على أطلال منازلنا بحومة بلاط مغيث ~~من الأرباض الغريبة، ومنازل البرابر المستباحة عند معاودة قرطبة. # فرأيتها قد محت رسومها، وطمست أعلامها، وخفيت معاهدها، وغيرها البلى؛ ~~وآكلاما مشوهة بعد الحسن، وخرائب مفزعة بعد الأمن، ومآوي للذئاب، وملاعب ~~للجان، ومغاني للغيلان، ومكامن للوحوش، ومخابئ للصوص، بعد غنيانها برجال ~~كالسيوف، وفرسان كالليوث، تفيض لديهم النعم الفاشية، وتغص منهم بكثرة ~~القطين الحاشية، وتكنس في مقاصيرهم ظباء الإنس الفاتنة، تحت زبرج من غضارة ~~الدنيا تذكر نعيم الآخرة، حال الدهر عليهم بعد طول النضرة فبدد شملهم حتى ~~صاروا في البلاد أيادي سبا، تنطق عنهم الموعظة، فكان تلك المحاريب المنمقة، ~~والمقاصير المرشقة، التي كانت في تلك الديار كبروق السماء إشراقا وبهجة، ~~يقيد حسنها الأبصار، ويجلي منظرها الهموم، PageV01P311 ~~كان لم تغن بالأمس، ولا حلتها سادة الإنس، قد عبث بها الخراب، وعمها ~~الهذم، فأصبحت أوحش من أفواه السباع فاغرة، تؤذن بفناء الدنيا، وتريك عواقب ~~أهلها، وتخبرك عما يصير إليه كل ما قد بقي ماثلا فيها، وتزهدك فيها. # وكررت النظر، ورددت البصر، وكدت استطار حزنا عليها، وتذكرت أيام نشأتي ~~فيها، وصبابة لداتي بها؛ مع كواعب غيد، إلى مثلهن يصبو الحليم؛ ومثلت لنفسي ~~انطواءهن بالفناء، وكونهن تحت الثرى إثر تقطع جمعنا بالتفرق والجلاء في ~~الآفاق النائية، والنواحي البعيدة، وصدقت نفسي عن فناء تلك النصبة، وانصداع ~~تلك البيضة، بعد ما عهدته من حسنها ونضارتها وزبرجها وغضارتها، ونضوته ~~بفراقها من الحال الحسنة، والمرتبة الرفيعة، التي رفلت في حللها ناشئا ~~فيها، وأرعيت سمعي صوت الصدى والبوم زاقيا بها، بعد حركات تلك الجماعة ~~المنصدعة بعرصاتها، التي كان ليلها تبعا لنهارها، في انتشارها بسكانها، ~~والتقاء عمارها، فعاد نهارها تبعا لليلها في الهدو والاستيحاش، والخفوت ~~والإخفاش. # فأبكى ذلك عيني على جمودها، وقرع كبدي على صلابتها، وهاج بلابلي على ~~تكاثرها، وحركني للقول على نبو طبعي؛ فقلت: [من الطويل] سلام على دار رحلنا ~~وغودرت %~% خلاء من ms131 الأهلين موحشة قفرا تراها كان لم تغن بالأمس بلقعا %~% ~~ولا عمرت من أهلها قبلنا دهرا فيا دار لم يقفرك منا اختيارنا %~% ولو أننا ~~نستطيع كنت لنا قبرا ولكن أقدارا من الله أنفذت %~% تدمرنا طوعا لما حل أو ~~قهرا ويا خير دار قد تركت حميدة %~% سقتك الغوادي ما اجل وما أسرى ويا ~~مجتلى تلك البساتين حفها %~% رياض قوارير غدت بعدنا غبرا ويا دهر بلغ ~~ساكنها تحيتي %~% ولو سكنوا المروين أو جاوزوا النهرا PageV01P312 ~~فصبرا لسطو الدهر فيهم وحكمه %~% وإن كان طعم الصبر مستثقلا مرا لئن كان ~~أظمانا فقد طال ما سقى %~% وإن ساءنا فيها فقد طال ما سرا وأيتها الدار ~~الحبيبة لا يرم %~% ربوعك جون المزن يهمي بها القطرا كأنك لم يسكنك غيد ~~أوانس %~% وصيد رجال أشبهوا الأنجم الزهرا تفانوا وبادوا واستمرت نواهم %~% ~~لمثلهم أسكبت مقلتي العبرى سنصبر بعد اليسر للعسر طاعة %~% لعل جميل الصبر ~~يعقبنا يسرا وإني ولو عادت وعدنا لعهدها %~% فكيف من أهلها سكن القبرا ويا ~~دهرنا فيها متى أنت عائد %~% فنحمد منك العود إن عدت والكرا فيا رب يوم في ~~ذراها وليلة %~% وصلنا هناك الشمس باللهو والبدرا فوا جسمي المضنى وواقلبي ~~المغرى %~% ووانفسي الثكلى وواكبدي الحرى ويا هم ما أعدى، ويا شجو ما أبرا ~~%~% ويا وجد ما أشجى، ويا بين ما أفرا ويا دهر لا تبعد، ويا عهد لا تحل %~% ~~ويا دمع لا تجمد، ويا سقم لا تبرا سأندب ذاك العهد ما قامت الخضرا %~% على ~~الناس سقفا واستقلت بنا الغبرا PageV01P313 ~~صفحة فارغة PageV01P314 ~~| ### |PARATEXT| # الملحق (2 # (ص 257) أحمد بن كليب النحوى، أديب شاعر مشهور الشعر، ولا سيما شعره في ~~أسلم وكان قد أفرط في حبه حتى أداه ذلك إلى موته، وخبره في [62 ب] ذلك ~~طريف. # حدثني أبو محمد علي بن أحمد، قال: حدثني أبو عبد الله محمد بن الحسن ~~المذحجي، قال: كنت أختلف في النحو إلى أبي عبد الله محمد بن خطاب النحوي في ~~جماعة، وكان معنا عنده أبو الحسن أسلم بن أحمد بن سعيد بن قاضي الجماعة ~~أسلم ms132 ابن عبد العزيز، صاحب المزني والربيع، قال محمد بن الحسن: وكان من ~~اجمل من رأته العيون، وكان يجيء معنا إلى محمد بن خطاب، أحمد بن كليب، وكان ~~من أهل الأدب البارع، والشعر الرائق، فاشتد كلفه بأسلم، وفارق صبره، وصرف ~~فيه القول متسترا بذلك إلى أن فشت أشعاره فيه وجرت على الألسنة، وتنوشدت في ~~المحافل؛ فلعهدي PageV01P315 ~~بعرس في بعض الشوارع بقربطة، والنكوري الزامر قاعد في وسط الحفل، وفي ~~رأسه قلنسوة وشي وعليه ثوب خز عبيدي، وفرسه بالحلية المحلاة يمسكه غلامه، ~~وكان فيما مضى يزمر لعبد الرحمن الناصر، وهو يرمز في البوق بقول أحمد بن ~~كليب في أسلم: [من المتقارب] أسلمني في هوا %~% ه أسلم هذا الرشا غزال له ~~مقلة %~% يصيب بها من يشا وشى بيننا حاسد %~% سيسأل عما وشى ولو شاء أن ~~يرتشي %~% على الوصل روحي ارتشى ومغن محسن يسايره فيها؛ قال: فلما بلغ هذا ~~المبلغ انقطع أسلم عن جميع مجالس الطلب، ولزم بيته والجلوس على بابه، فكان ~~أحمد بن كليب لا شغل له إلا المرور على باب دار أسلم سائرا، ومقبلا نهاره ~~كله، فانقطع أسلم عن الجلوس على باب داره نهارا، فإذا صلى المغرب واختلط ~~الظلام خرج مستروحا وجلس داره نهارا، فإذا صلى صبر أحمد بن كليب، فتحيل في ~~بعض الليالي ولبس جبة من جباب أهل البادية، واعتم بمثل عمائمهم، وأخذ بإحدى ~~يديه دجاجا، وبالأخرى قفصا فيه بيض، وتحين جلوس أسلم عند اختلاط الظلام على ~~بابه، فتقدم إليه وقبل يده، وقال يأمر مولاي بأخذ هذا، فقال له أسلم: ومن ~~انت فقال: صاحبك في الضيعة الفلانية، وقد كان تعرف أسماء ضياعه وأصحابه ~~فيها، فأمر أسلم بأخذ ذلك منه، ثم جعل أسلم يسأله عن الضيعة، فلما جاوبه ~~أنكر الكلام وتأمله فعرفه، فقال له: يا أخي وهنا بلغت بنفسك، وإلى هاهنا ~~تبعتني، أما كفاك انقطاعي عن مجالس الطلب، وعن الخروج جملة، وعن القعود على ~~بابي نهارا، حتى قطعت علي جميع ما لي فيه راحة، فقد صرت من سجنك. # والله، لا فارقت بعد هذه ms133 الليلة قعر منزلي، ولا قعدت ليلا PageV01P316 ~~ولا نهارا على بابي. # ثم قام وانصرف أحمد بن كليب كئيبا حزينا. # قال محمد بن الحسن: واتصل ذلك بنا، فقلنا لأحمد بن كليب، وخسرت دجاجك ~~وبيضك فقال: هات كل ليلة قبلة يده وأخسر أضعاف ذلك. # قال: فلما يئس من رؤيته ألبتة نهكته العلة، وأضجعه المرض. # قال محمد بن الحسن: فاخبرني أبو عبد الله محمد بن خطاب شيخنا، قال: فعدته ~~فوجدته بأسوأ حال، فقلت له: ولم لا تتداوى فقال: دوائي معروف، وأما الأطباء ~~فلا حيلة لهم في ألبتة، فقلت له: وما دواؤك فقال: نظرة من أسلم، فلو سعيت ~~في أن يزورني لأعظم الله أجرك بذلك، وكان هو والله أيضا يؤجر، قال: فرحمته ~~وتقطعت نفسي له، ونهضت إلى أسلم فاستأذنت عليه، فأذن لي وتلقاني بما يجب، ~~فقلت له: لي حاجة، قال: وما هي قلت: قد علمت ما جمعك مع أحمد بن كليب من ~~ذمام الطلب عندي، فقال: نعم، ولكن قد تعلم انه برح بي، وشهر اسمي وآذاني، ~~فقلت له: كل ذلك يغتفر في مثل الحال التي هو فيها، والرجل يموت، فتفضل ~~بعيادته، فقال والله ما أقدر على ذلك، فلا تكلفني هذا، فقلت له: لابد، فليس ~~عليك في ذلك شيء، وإنما هي عيادة مريض، قال: ولم أزل به حتى أجاب، ولا خلف، ~~قال: نعم. # فانصرفت إلى أحمد بن كليب، وأخبرته بموعده بعد تأبيه، فسر بذلك وارتاحت ~~نفسه. # قال: فلما كان الغد بكرت إلى أسلم وقلت له: الوعد، قال: فوجم وقال: والله ~~لقد تحملني على خطة صعبة علي، وما أدري كيف أطيق ذلك. # قال: فلما أتينا منزل أحمد بن كليب، وكان يسكن في آخر درب طويل، وتوسط ~~الدرب، وقف واحمر وخجل، وقال لي: الساعة والله أموت، وما أستطيع أن أنقل ~~قدمي، ولا أن أعرض هذا على نفسي، فقلت: لا تفعل، بعد أن بلغت المنزل تنصرف ~~قال: لا سبيل والله إلى ذلك ألبتة، قال: ورجع مسرعا فاتبعته، وأخذت بردائه PageV01P317 ~~فتمادى وتمزق الرداء، وبقيت قطعة منه في يدي لسرعته وإمساكي ms134 له، ومضى ولم ~~أدركه، فرجعت ودخلت إلى أحمد بن كليب، وقد كان غلامه دخل عليه إذ رآنا من ~~أول الدرب مبشرا، فلما رآني تغير وقال: وأين أبو الحسن فأخبرته بالقصة، ~~فاستحال من وقته واختلط، وجعل يتكلم بكلام لا يعقل منه أكثر من الترجع، ~~فاستشنعت الحال، وجعلت أترجع وقمت، فثاب إليه ذهنه وقال لي: أبا عبد الله ~~قلت: نعم. # قال: اسمع مني واحفظ عني، ثم أنشأ يقول: [مخلع البسيط] أسلم يا راحة ~~العليل %~% رفقا على الهائم النحيل وصلك أشهى إلى فؤادي %~% من رحمة الخالق ~~الجلي قال: فقلت له: اتق الله ما هذا العظيمة فقال لي: قد كان؛ قال: فخرجت ~~عنه، فوالله ما توسطت الدرب حتى سمعت الصراخ عليه، وقد فارق الدنيا. # قال لنا أبو محمد علي بن أحمد: وهذه قصة مشهورة عندنا، ومحمد بن الحسن ~~ثقة ومحمد بن خطاب ثقة. # وأسلم هذا من بيت جليل، وهو صاحب الكتاب المشهور في أغاني زرياب، وكان ~~شاعرا أديبا، وقد رأيت ابنه أبا الجعد. # قال أبو محمد: لقد ذكرت هذه الحكاية لأبي عبد الله محمد ابن سعيد ~~الخولاني الكاتب فعرفها، وقال لي: لقد أخبرني الثقة أنه رأى أسلم هذا في ~~يوم شديد المطر، لا يكاد أحد يمشي في طريق، وهو قاعد على قبر أحمد بن كليب ~~زائرا له، وقد تحين غفلة الناس في مثل ذلك الوقت. # وقال لنا أبو محمد: وحدثني أبو محمد قاسم بن محمد القرشي، قال: كتب ابن ~~كليب إلى محمد بن خطاب شعرا يتغزل فيه بأسلم فعرضه ابن خطاب على أسلم، ~~فقال: هذا ملحون، وكان PageV01P318 ~~ابن كليب قد أسقط التنوين في لفظة في بيت من الشعر، قال: فكتب ابن خطاب ~~بذلك إلى ابن كليب فكتب إليه ابن كليب مسرعا: [من السريع] ألحق لي التنوين ~~في مطمع %~% فإنني أنسيت إلحاقه لا سيما إذ كان في وصل من %~% كدر لي في ~~الحب أخلاقه وأنشدني أبو محمد علي بن أحمد، قال: أنشدني محمد بن عبد الرحمن ~~بن أحمد التجيبي، لأحمد بن كليب، وقد أهدى إلى ms135 أسلم في أوائل أمره كتاب " ~~الفصيح " لثعلب: [من المجتث] هذا كتاب الفصيح %~% بكل لفظ مليح وهبته لك ~~طوعا %~% كما وهبتك روحي PageV01P319 ms136