######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shamela_0022877 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: القاضي أبو يعلى، محمد بن الحسين بن محمد بن خلف ابن الفراء (المتوفى: 458هـ) #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 458 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: الأحكام السلطانية للفراء #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: السياسة الشرعية والقضاء #META# 022.BookVOLS :: 1 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shamela_0022877 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shamela.ws/browse.php/book-22877 #META# 031.LibURL :: http://shamela.ws/index.php/book/22877 #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: NODATA #META# 041.EdNUMBER :: الثانية، 1421 هـ - 2000 م #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: دار الكتب العلمية - بيروت، لبنان #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: NODATA #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# ### | [خطبة المؤلف] # بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا خاتم ~~النبيين؛ وعلى آله وصحبه أجمعين، وسلم تسليما كثيرا. # قال القاضي الإمام أبو يعلى، محمد بن الحسين بن محمد بن خلف الفراء رضى ~~الله عنه: الحمد لله حق حمده، والصلاة عل نبيه وآله وصحبه وسلم. أما بعد: # فإني كنت صنفت كتاب الإمامة، وذكرته في أثناء كتب المعتمد، وشرحت فيه ~~مذاهب المتكلمين وحجاجهم، وأدلتنا، والأجوبة عما ذكروه. وقد رأيت أن أفرد ~~كتابا في الإمامة، أحذف فيه ما ذكرته هناك مع الخلاف والدلائل، وأزيد فيه ~~فصولا أخر، تتعلق بما يجوز للإمام فعله من الولايات وغيرها، أسأل الله ~~الكريم العون على ذلك، والنفع به إن شاء. ### | فصول في الإمامة # نصبة الإمام واجبة وقد قال أحمد - رضي الله عنه - _ في رواية محمد بن عوف ~~بن سفيان الحمصي -: الفتنة إذا لم تكن يقوم بأمر الناس. والوجه فيه: أن ~~الصحابة لما اختلفوا في السقيفة، فقالت الأنصار: منا أمير ومنكم أمير، ~~ودفعهم أبو بكر وعمر رضي الله عنهما، وقالوا: " إن العرب لا تدين إلا لهذا ~~الحي من قريش " ورووا في ذلك أخبارا، فلولا أن الإمامة واجبة لما ساغت تلك ~~المحاورة والمناظرة عليها، ولقال قائل: ليست بواجبة لا في قريش ولا في ~~غيرهم. وطريق وجوبها السمع لا العقل، لما ذكرناه في غير هذا الموضع، وأن ~~العقل لا يعلم به فرض شيء ولا إباحته، ولا تحليل شيء ولا تحريمه. وهي فرض ~~على الكفاية، مخاطب بها طائفتان من الناس. إحداهما: أهل الاجتهاد حتى ~~يختاروا. والثانية: من يوجد فيه شرائط الإمامة حتى ينتصب أحدهم للإمامة. ~~أما أهل الاختيار فيعتبر فيهم ثلاث شروط. أحدها: العدالة. والثاني: العلم ~~الذي يتوصل به إلى معرفة من يستحق الإمامة. # والثالث: أن يكون من أهل الرأي والتدبير المؤديين إلى اختيار من هو ~~للإمامة أصلح، وليس لمن كان في بلد مزية على غيره من أهل البلاد يتقدم بها، ~~وإنما صار من يختص ببلد الإمام متوليا لعقد الإمامة لسبق علمه بموته، ولأن ~~من يصلح ms001 للخلافة في الغالب موجودون في بلده. PageV01P019 # وأما أهل الإمامة فيعتبر فيهم أربع شروط. أحدها: أن يكون قرشيا من ~~الصميم. وهو من يكون من ولد قريش بن بدر بن النضر دليل بني كنانة، وقد قال ~~أحمد في رواية مهنا: " لا يكون من غير قريش خليفة". والثاني: أن يكون عل ~~صفة من يصلح أن يكون قاضيا: من الحرية والبلوغ والعقل، والعلم، والعدالة. ~~والثالث: أن يكون قيما بأمر الحرب والسياسة وإقامة الحدود، لا تلحقه رأفة ~~في ذلك، والذب عن الأمة. الرابع: أن يكون من أفضلهم في العلم والدين، وقد ~~روي عن الإمام أحمد رحمه الله ألفاظ تقتضي إسقاط اعتبار العدالة والعلم ~~والفضل، فقال - في رواية عبدوس بن مالك القطان - " ومن غلبهم بالسيف حتى ~~صار خليفة وسمي أمير المؤمنين لا يحل لأحد يؤمن بالله واليوم الآخر أن يبيت ~~ولا يراه إماما عليه، برا كان أو فاجرا، فهو أمير المؤمنين ". وقال أيضا في ~~رواية المروزي " فإن كان أميرا يعرف بشرب المسكر والغلول يغزو معه، إنما ~~ذاك له في نفسه، وقد روى عنه في كتاب المحسنة: أنه كان يدعو المعتصم بأمير ~~المؤمنين في غير موضع. وقد دعاه إلى القول بخلق القرآن، وضربه عليه، وكذلك ~~قد كان يدعو المتوكل بأمير المؤمنين، ولم يكن من أهل العلم، ولا كان أفضل ~~وقته وزمانه. وقد روى عنه ما يعارض هذا؛ فقال في رواية حنبل " وأي بلاء كان ~~أكبر من الذي كان أحدث عدو الله وعدو الإسلام: من إماتة السنة؟ " يعني الذي ~~كان أحدث قبل المتوكل فأحيا المتوكل السنة. وقال فيما رأيته على ظهر جزء من ~~كتب أخي رحمه الله " حدثنا أبو الفتح بن منيع قال " سمعت جدي يقول: كان ~~أحمد إذا ذكر المأمون قال: كان لا مأمون". # وقال في رواية الأثرم في امرأة لا ولي لها " السلطان" فقيل له: تقول ~~السلطان، ونحن على ما ترى اليوم؟ وذلك في وقت يمتحن فيه القضاة. فقال " أنا ~~لم أقل على ما نرى اليوم، إنما قلت السلطان". وهذا الكلام يقتضي الذم لهم ~~والطعن عليهم، ms002 ولا يكون هذا إلا وقد قدح ذلك في ولايتهم، ويمكن أن يحمل ما ~~قاله في رواية عبدوس وغيره، على أنه إذا كان هناك عارض يمنع من نصبة العدل ~~العالم الفاضل وهو أن تكون النفوس قد سكنت إليهم وكلمتهم عليه أجمع، وفي ~~العدول عنهم يكثر الهرج. وإذا وجدت هذه الصفات حالة العقد ثم عدمت بعد ~~العقد نظرت، فإن كان جرحا في عدالته وهو الفسق؛ فإنه لا يمنع من استدامة ~~الإمامة، سواء كان متعلقا بأفعال الجوارح، وهو ارتكاب المحظورات، وإقدامه ~~على المنكرات اتباعا لشهوته، أو كان متعلقا بالاعتقاد، وهو المتأول لشبهة ~~تعرض يذهب فيها إلى خلاف الحق. وهذا ظاهر كلامه في رواية المروزي في الأمير ~~يشرب المسكر ويغل، يغزي معه، وقد كان يدعو المعتصم بأمير المؤمنين، وقد ~~دعاه إلى القول بخلق القرآن. PageV01P020 # وقال حنبل في رواية الواثق: اجتمع فقهاء بغداد إلى أبي عبد الله وقالوا" ~~هذا أمر قد تفاقم وفشا - يعنون إظهار الخلق للقرآن - نشارك في أنا لسنا ~~نرضى بإمرته ولا سلطانه. فقال: وعليكم بالنكرة بقلوبكم، ولا تخلعوا يدا من ~~طاعة، ولا تشقوا عصا المسلمين" وقال في رواية المروزي وذكر الحسن بن صالح ~~فقال " كان يرى السيف، ولا نرضى بمذهبه". وإن كان الحادث على بدنه. فنظر، ~~فإن كان زوال العقل، نظرت فيه، فإن كان عارضا مرجوا زواله كالإغماء، فهذا ~~لا يمنع عقدها ولا استدامتها، لأنه مرض قليل اللبث، ولأن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم- أغمي عليه في مرضه. وإن كان لازما لا يرجى زواله، كالجنون ~~والخبل. فتنظر، فإن كان مطبقا لا يتخلله إفاقة، فهذا يمنع الابتداء ~~والاستدامة. # وإذا طرأ عليها أبطلها، لأنه يمنع المقصود الذي هو إقامة الحدود واستيفاء ~~الحقوق وحماية المسلمين. وإن كان يتخلله إفاقة يعود فيها إلى حال السلامة ~~نظرت، فإن كان أكثر زمانه الخبل فهو كما لو كان مطبقا، وإن كان أكثر زمانه ~~الإفاقة فقد قيل: يمنع من عقدها، وهل بمنع من استدامتها؟ فقيل: يمنع من ~~استدامتها كما يمنع من ابتدائها، لأن في ذلك إخلالا بالنظر المستحق فيه: ~~وقد قيل: ms003 لا يمنع من استدامتها، وإن منع من عقدها، لأنه يراعي في ابتداء ~~عقدها سلامة كاملة، وفي الخروج منها نقص كامل. وأما ذهاب البصر فيمنع من ~~عقدها واستدامتها، لأنه يبطل القضاء ويمنع من جواز الشهادة، فأولى أن يمنع ~~من صحة الإمامة. وأما عشي العين، وهو أن لا يبصر عند دخول الليل، فلا يمنع ~~من عقدها ولا استدامتها، لأنه مرض في زمانه الدعة يرجى زاله. وأما ضعف ~~البصر، فإن كان يعرف به الأشخاص إذا رآها لم يمنع الإمامة، وإن كان يدرك ~~الأشخاص ولا يعرف منع من عقدها واستدامتها. فإن كان أخشم الأنف لا يدرك به ~~شم الروائح، أو فقد الذوق الذي لا يفرق به بين الطعوم لم يؤثر ذلك في عقد ~~الإمامة، لأنهما يؤثران في اللذة دون الرأي والعمل. وأما الصمم والخرس ~~فيمنعان ابتداء عقد الإمامة، لأنهما يؤثران في التدبير والعمل كما يؤثر ~~العمى، وأما في الاستدامة فقد قيل: لا يخرج بهما من الإمامة لقيام الإشارة ~~مقامهما فراعينا في ابتدائها سلامة كاملة وفي الخروج نقصا كاملا. وأما ~~تمتمة اللسان وثقل السمع مع إدراك الصوت إذا علا فلا يمنع الابتداء ولا ~~الاستدامة، لأن موسى نبي الله عليه السلام لم يمنعه عقدة لسانه من النبوة، ~~فأولى أن لا يمنع الإمامة. # فإن كان مقطوع الذكر والأنثيين لم يمنع من الإمامة ولا من استدامتها، لأن ~~فقد ذلك مؤثر في التناسل دون الرأي والحركة، فجرى مجرى العنة، وقد وصف الله ~~تعالى يحيى بن زكريا عليهما السلام، بذلك وأثنى عليه فقال تعالى (وسيدا ~~وحصورا ونبيا من الصالحين) وقد روي عن ابن عباس رضي الله عنهما " أنه لم ~~يكن له ذكر يغشى به النساء وكان كالنواة". فلما لم يمنع ذلك من النبوة ~~فأولى أن لا يمنع من الإمامة. PageV01P021 # وكذلك قطع الأذنين لأنهما لا يؤثران في رأي ولا عمل، ولهما ستر خفي يمكن ~~أن يستر فلا يظهر. وأما ذهاب اليدين الذي يمنع العمل، وذهاب الرجلين الذي ~~يذهي البطش فيمنع من ابتداء عقدها ومن استدامتها، لعجزه عما يلزم من حقوق ~~الأمة ms004 في عمل أو نهضة. وأما ذهاب إحدى اليدين أو إحدى الرجلين فلا يصح معه ~~عقد الإمامة لعجزه عن كمال التصرف ولا يخرج به من الإمامة إذا طرأ عليها، ~~لأن المعتبر في عقدها كمال السلامة وفي الخروج كمال النقص. فإن كان أجدع ~~الأنف، أو سمل إحدى العينين لم يؤثر في ابتداء العقد ولا في استدامته، لأنه ~~غير مؤثر في الحقوق. وقد قيل: يمنع من عقدها دون الاستدامة، لأنه نقص يزري ~~فتقل به الهيبة، وبقلة الهيبة تقل الطاعة، وهذا يلزم عليه القصور. فإن حجر ~~عليه وقهره من أعوانه من يستبد بتنفيذ الأمور من غير تظاهر بمعصية ولا ~~مجاهرة بمشاقة لم يمنع ذلك من إمامته ولا قدح في ولايته. ثم تنظر في أفعال ~~من استولى على أموره، فإن كانت جارية على أحكام الدين ومقتضى العدل جاز ~~إقراره عليها تنفيذا لها وإمضاء لأحكامها، لئلا يقف من العقود الدينية ما ~~يعود بفساد على الأمة، وإن كانت أفعاله خارجة عن حكم الدين ومقتضى العدل لم ~~يجز إقراره عليها، ولزمه أن يستنصر من يقبض يده ويزيل تغلبه. فإن صار ~~مأسورا في يد عدو ثاهر لا يقدر على الخلاص منه منع ذلك من عقد الإمامة له ~~لعجزه عن النظر في أمور المسلمين، سواء كان العدو مسلما باغيا أو كافرا. # وللأمة فسحة في اختيار من عداه من ذوي القدرة. وقد أومأ أحمد إلى إبطال ~~الإمامة بذلك في رواية أبي الحرث: في الإمام يخرج عليه من يطلب الملك ~~فيفتتن الناس، فيكون مع هذا قوم ومع هذا قوم مع من تكون الجمعة؟ قال " مع ~~من غلب". وظاهر هذا أن الثاني إذا قهر الأول وغلبه زالت إمامة الأول، لأنه ~~قال " الجمعة مع من غلب" فاعتبر الغلبة. وقد وري عنه ما يدل على بقاء ~~إمامته لأنه قال في رواية المروذي، وقد قيل سئل أي شيء الحجة في أن الجمعة ~~تجب في الفتنة؟ فقال: "أمر عثمان لهم أن يصلوا؟ قيل له: فيقولون إن عثمان ~~أمر بذلك. فقال: إنما سألوه بعد أن صلوا". وظاهر هذا ms005 أنه لم يخرج عثمان من ~~الإمامة مع القهر لأنه اعتبر إذنه. فإن أسر بعد أن عقدت له الإمامة ~~استنقاذه، لما أوجبته الإمامة من نصرته، وهو على إمامته إذا كان يرجى خلاصة ~~ويؤمل فكاكه إما بقتال أو فداء، وإن وقع الإياس منه نظرت فيمن أسره، فإن ~~كان من المشركين خرج من الإمامة واستأنف أهل الاختيار بيعة غيره. فإن عهد ~~بالإمامة في حال أسره، نظرت.فإن كان بعد الإياس من خلاصة لم يصح عهده لأنه ~~لبقاء إمامته، واستقرت إمامة ولي عهده بالإياس من خلاصة لزوال إمامته، فإن ~~خلص من أسره بعد PageV01P022 # عهده، نظرت في خلاصه؛ فإن كان بعد الإياس منه لم يعد إلى إمامته لخروجه ~~منها بالإياس، واستقرت في ولي عهده، وإن خلص قبل الإياس منه فهو على إمامته ~~ويكون العهد في ولي العهد ثابتا. وإن كان مأسورا مع بغاة المسلمين، فإن كان ~~يرجى خلاصه فهو على إمامته، وإن لم يرج خلاصه نظرت في البغاة؛ فإن كانوا لم ~~ينصبوا لأنفسهم إماما فالإمام المأسور في أيديهم على إمامتهم، لأن بيعته ~~لازمة لهم، وطاعته عليهم واجبة، فصار كونه معهم مثل كونه مع أهلالعدل إذا ~~صار تحت الحجر. وعلى أهل الاختيار أن يستنيبوا عنه ناظرا يخلفه إن لم يقدر ~~على الاستنابة، وإن قدر عليها كان أحق باختيار من يستنيبه منهم. # فإن خلع المأمور نفسه أو مات لم يصر المستناب إماما، لأنها نيابة عن ~~موجود فزالت بفقده. وخلف ولي العهد، لأنها ولاية بعد مفقود لا تنعقد بوجوده ~~فافترقاه. فإن كان أهل البغي قد نصبوا إماما لأنفسهم دخلوا في بيعته ~~وانقادوا لطاعته، فالإمام المأسور في أيديهم خارج من الإمامة بالإياس من ~~خلاصه، لأنهم قد انحازوا بدار انعزل حكمها عن الجماعة وخرجوا بها عن ~~الطاعة، فلم يبق لأهل العدل بهم نصرة ولا لمأسور معهم قدرة. وعلى أهل ~~الاختيار في دار العدل أن يعقدوا الإمامة لمن ارتضوه، فإن تخلص المأسور لم ~~يعد إلى الإمامة لخروجه منها. فإن كان أفضل الجماعة فبايعوه ثم حدث من هو ~~أفضل منه لم يجز العدول ms006 عنه إلى من هو أفضل وفي الابتداء لو عدلوا عن ~~الأفضل لغير عذر لم يجز. وإن كان لعذر من كون الأفضل غائبا أو مريضا أو كان ~~المفضول أطوع في الناس جاز. والإمامة تنعقد من وجهين. أحدهما: باختيار أهل ~~الحل والعقد. والثاني: بعهد الإمام من قبل. فأما انعقادها باختيار أهل الحل ~~والعقد فلا تنعقد إلا بجمهور أهل الحل والعقد. قال أحمد في رواية إسحاق بن ~~إبراهيم: " الإمام الذي يجتمع [قول أهل الحل والعقد] عليه كلهم". يقول: هذا ~~إمام. وظاهر هذا أنها تنعقد بجماعتهم. وروي عنه ما دل على أنها تثبت بالقهر ~~والغلبة، ولا تفتقر إلى العقد. فقال في رواية عبدوس بن مالك العطار " ومن ~~غلب عليهم بالسيف حتى صار خليفة وسمي أمير المؤمنين فلا يحل لأحد يؤمن ~~بالله واليوم الآخر أن يبيت ولا يراه إماما، برا كان أو فاجرا". وقال أيضا ~~في رواية أبي الحرث - في الإمام يخرج عليه، من يطلب الملك، فيكون مع هذا ~~قوم ومع هذا قوم - " تكون الجمعة مع من غلب". واحتج بأن ابن عمر صلى بأهل ~~المدينة في زمن الحرة. وقال " نحن مع من غلب". # وجه الرواية الأولى: أنه لما اختلف المهاجرون والأنصار، فقالت الأنصار: " ~~منا PageV01P023 # أميرومنكم أمير" حاجهم عمر وقال لأبي بكر رضي الله عنهما " مد يدك أبايعك ~~" فلم يعتبر الغلبة واعتبر العقد مع وجود الاختلاف. ووجه الثانية: ما ذكره ~~أحمد عن ابن عمر، وقوله " نحن مع من غلب" ولأنها لو كانت تقف على عقد لصح ~~رفعه وفسخه بقولهم وقوله كالبيع وغيره من العقود، ولما ثبت أنه لو عزل نفسه ~~أو عزلوه لم ينعزل دل على أنه لا يفتقر إلى عقد. وإنما اعتبر فيها قول ~~جماعة أهل الحل والعقد أنه الإمام لأنه يجب الرجوع إليه، ولا يسوغ خلافه ~~والعدول عنه كالإجماع. ثم ثبت أن الإجماع يعتبر في انعقاده جميع أهل الحل ~~والعقد، كذلك عقد الإمامة. فإن توقفوا أثموا، عقد لا يتم إلا بعاقد كالقضاة ~~لا يصير قاضيا حتى يولى، ولا يصير قاضيا وإن وجدت صفته، كذلك ms007 الإمامة. وإذا ~~جمع أهل الحل والعقد على الاختيار تصفحوا أحوال أهل الإمامة الموجود فيهم ~~شروطها فقدموا للبيعة منهم أكثرهم فضلا، وأكملهم شروطا. فإذا تعين لهم من ~~بين الجماعة من أداهم الاجتهاد إلى اختياره وعرضوها عليه, فإن أجاب إليها ~~بايعوه عليها، وانعقدت له الإمامة ببيعتهم، ولزم كافة الأمة الدخول في ~~بيعته والانقياد لطاعته. وإن امتنع من الإمامة ولم يجب إليها لم يجبر عليها ~~وعدل إلى من سواه من مستحقيها فبويع عليها. فإن امتنع الجميع من الدخول ~~فيها فهل يأثمون بذلك؟ وهل يتعين عليهم. قال في رواية المروذي: " لابد ~~للمسلمين من حاكم، أتذهب حقوق الناس؟ وقال في رواية محمد بن موسى - في ~~الشاهد يأبى أن يشهد أيأثم؟ - قال." إذا كان يضر بأهل القرية ومثله يحتاج ~~إليه فلا يفعل". وظاهر كلامه: أنه جعل القضاء والشهادة من فروض الكفايات، ~~مع ما قد جاء عن النبي - صلى الله عليه وسلم- في ذم القضاء، فأولى أن تكون ~~الإمامة الكبرى كذلك، إذ ليس طلبها ولا الدخول فيها مكروها. # وقد تنازعها أهل الشورى، فما رد عنها طالب ولا منع منها راغب. ولأن ~~بالناس حاجة إلى ذلك لحماية البيضة، والذب عن الحوزة، وإقامة الحدود، ~~واستيفاء الحقوق، فجرى مجرى حاجتهم إلى غسل الموتى وحملهم، والأمر بالمعروف ~~والنهي عن المنكر. فإن تكافأ في شروط الإمامة اثنان قدم أسنهما، وإن لم يكن ~~ذلك شرطا، فإن بويع أصغرهما جاز. فإن كان أحدهما أعلم والآخر أشجع نظرت، ~~فإن كانت الحاجة إلى فضل الشجاعة أدعى لانتشار الثغور وظهور البغاة كان ~~الأشجع أحق، وإن كانت الحاجة إلى فضل العلم لسكون الدهماء وظهور أهل البدع ~~كان الأعلم أحق. فإن وقف الاختيار على واحد من اثنين فتنازعاها لم يكن ذلك ~~قدحا يمنعهما منها. لما بينا أن PageV01P024 # طلبها غير مكروه، لأنه قد تنازعها أهل الشورى. وبماذا نقطع تنازعهما مع ~~تكافؤ أحوالهما؟ فقياس قول أحمد رحمه الله: أنه يقرع بينهما فيبايع من قرع ~~منهما، لأنه قال في رواية عبد الله - في مسجد فيه رجلان تداعيا الأذان فيه ~~"يقرع بينهما" واحتج بقول ms008 سعد. ولفظ الحديث ما رواه العكبري بإسناده عن ابن ~~شبرمة " أن الناس تشاحوا في الأذان يوم القادسية، فأقرع بينهم سعد" ~~وبإسناده عن أبي هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم- قال " لو يعلم ~~الناس ما في النداء والصف الأول ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه استهموا". ~~وصفة العقد: أن يقال "بايعناك على بيعة رضى، على إقامة العدل، والإنصاف، ~~والقيام بفروض الإمامة" ولا يحتاج مع ذلك صفقة اليد. ولا يجوز عقد الإمامة ~~لإمامين في بلدين في حالة واحدة. # فإن عقدت لاثنين وجدت فيهما الشرائط نظرت، فإن كانا في عقد واحد فالعقد ~~باطل فيهما، وإن كان العقد لكل واحد منهما على الانفراد نظرت، فإن علم ~~السابق منهما بطل العقد الثاني، وإن جهل منالسابق منهما يخرج علىالروايتين، ~~إحداهما: بطلان العقد فيهما، والثانية: استعمال القرعة، بناء على ما إذا ~~زوج الوليان وجهل السابق منهما، فهو على روايتين، كذلك هاهنا. ويجوز للإمام ~~أن يعهد إلى إمام بعده، ولا يحتاج في ذلك إلى شهادة أهل الحل والعقد وذلك ~~لأن أبا بكر عهد إلى عمر رضي الله عنهما، وعمر عهد إلى ستة من الصحابة رضي ~~الله عنهم، ولم يعتبرا في حال العهد شهادة أهل الحل والعقد، ولأن عهده إلى ~~غيره ليس بعقد للإمامة، بدليل أنه لو كان عقدا لها لأفضى ذلك إلى اجتماع ~~إمامين في عصر واحد، وهذا غير جائز، وإذا لم يكن عقدا لم يعتبر حضورهم، ~~وكان معتبرا بعد موت الإمام العاقد. وإذا عهد إلى رجل كان له أن يعزله قبل ~~موته، لما بينا أن إمامة المعهود إليه غير ثابتة مادام العاهد باقيا إماما، ~~وإذا لم تكن ثابتة كان له أن يخرجه من ذلك، كما أن الموصي له أن يخرج ~~الوصي، لأن الوصية غير ثابتة مادام حيا. ويجوز أن يعهد إلى من ينتسب إليه ~~بأبوة أو بنوة، إذا كان المعهود له على صفات الأئمة، لأن الإمامة لا تنعقد ~~للمعهود إليه بنفس العهد، وإنما تنعقد بعهد المسلمين، والتهمة تنتفى عنه. ~~ويعتبر قبول المعهود إليه، ويكون ذلك ms009 بعد موت المولى، لأن إمامته في تلك ~~الحال تنعقد ويعتبر في المعهود إليه شروط الإمامة العهد إليه، واستدامتها ~~إلى ما بعد موت المولي. PageV01P025 # فإن كان صغيرا وقت العهد لم يصح، لأنها وإن كانت تلزم بعد موت العاقد فلا ~~تمنع اعتبارها وقت العقد، كما قلنا في الوصى، يعتبر فيه شرائط الموصى وقت ~~العقد، وإن كانت تلزم بالموت فإن عهد إلى غائب معلوم الحياة صح، وكان ~~موقوفا على قدومه. # فإن مات المولى وبعدت عيبته واستضر المسلمون بتأخير نظره استتاب أهل ~~الاختيار نائبا يبايعونه بالنيابة دون الخلافة فإذا قدم الغائب انعزل ~~النائب. وإذا خلع الخليفة نفسه، إما بطريان عذر، أو قلنا له أن يخلع نفسه، ~~انتقلت الولاية، إلى ولي عهده، وقام خلعه مقام موته. ولو عهد الخليفة إلى ~~اثنين فأكثر، ولم يقدم أحدهما على الآخر، واختار أهل الاختيار أحدهما بعد ~~موته جاز. والأصل فيه أهل الشورى، وليس لأهل الاختيار - إذا جعلها الإمام ~~شورى في عدد - أن يختاروا أحدهم في حياة المستخلف العاهد، إلا أن يأذن لهم، ~~لأنه بالإمامة أحق. فإن خافوا انتشار الأمر بعد موته استأذنوه، فإن صار إلى ~~حال الإياس نظرت". فإن زال عنه أمره وعزل عن رأيه فهو كحاله بعد موته في ~~جواز الاختيار. وهل يجوز للخليفة أن ينص على أهل الاختيار، كما ينص على أهل ~~العهد؟ فقد قيل: يجوز، لأنها من حقوق خلافته. وقياس مذهبنا أنه لا يجوز ~~لوجهين. أحدهما: أنها تقف على اختيار جميع أهل الحل والعقد. والثاني: أن ~~إمامة المعهود إليه تنعقد بعد موته باختيار أهل الوقت. فإن قال: قد عهدت ~~الأمر إلى فلان، فإن فلان مات قبل موتى أو تغيرت حاله فالإمام بعده فلان - ~~وذكر آخر - جاز ذلك، وكان هذا عهدا إليه بالشرط. فإن بقي الأول إلى وفاة ~~العاهد سليما كان هو الإمام دون الثاني، وإن مات قبل موت الإمام أو تغيرت ~~حاله بأحد ثلاثة أشياء كان الثاني هو الإمام المعهود إليه. وكذلك إن قال: ~~فإن مات الثاني أو تغيرت حاله فالخليفة فلان صح، وكان ذلك على ms010 الترتيب. # والأصل فيه ما رواه الدارقطني في الإفراد بإسناده قال لما وجه رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم- القوم إلى مؤتة قال: عليكم زيد بن حارثة، فإن أصيب ~~زيد فجعفر، فإن أصيب جعفر فعبد الله بن رواحة " وروى سيف بإسناده قال: " ~~لما أنفذ عمر - رضي الله عنه - بالجيش إلى نهاوند قال: قد أمرت حذيفة بن ~~اليمان حتى ينتهي إلى النعمان بن مقرن، وقد كتبت إلى النعمان: إن حدث بك ~~حدث فعلى الناس حذيفة، وإن حدث بحذيفة حدث فعلى الناس نعيم بن مقرن". وذكر ~~أيضا أن أبا عبيد عهد إلى الناس فقال " إن قتلت فعلى الناس جبر، فإن قتل ~~فعليكم PageV01P026 # فلان، فإن قتل فعليكم المرقال". وذلك في يوم الجسر. فإن عهد إلى رجل ثم ~~قال: فإن مات المعهود إليه بعد نظره وإفضاء الخلافة إليه فالإمام بعده ~~فلان، أخذ بذكره، فإن ذكره وعهد إليه أولا هو الإمام بعده، وإذا مات ~~المعهود إليه أو انعزل بحدوث معنى لم يكن للذي بعده ولاية ولا عهد. لأن ~~الأمر صار لمن جعله ولي عهده بعده فإذا صار إماما حصل التصرف والنظر إليه ~~والاختيار إليه، وكان العهد إليه فيمن يراه. ويفارق هذا الفصل الذي قبله؛ ~~لأنه جعل العهد إلى غيره عند موته وتغير صفاته في الحالة التي لم يثبت ~~للمعهود إليه إمامة، بل كاننت إمامة الأول باقية، فلهذا صح عهده إلى من ~~يراه. ولا يجب على كافة الناس معرفة الإمام بعينه واسمه، إلا من هو من أهل ~~الاختيار الذين تقوم بهم الحجة وتنعقد بهم الخلافة. ويجوز أن يسمي خليفة ~~لمن عقد له الأمر، ويسمي خليفة رسول الله - صلى الله عليه وسلم- لأنه خلف ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم- في أمته. وهل يجوز أن يقال: خليفة الله ~~تعالى؟ فقد قيل يجوز، لقيامه بحقوقه في خلقه، ولقوله تعالى (هو الذي جعلكم ~~خلائف الأرض ورفع بعضكم فوق بعض درجات) وقيل لا يجوز، لأنه إنما يستخلف من ~~يغيب أو يموت، والله تعالى لا يغيب ولا يموت. وقيل لأبي بكر: يا خليفة ~~الله. # فقال: ms011 " لست خليفة الله ولكني خليفة رسول الله - صلى الله عليه وسلم- ". ~~ويلزم الإمام من أمور الأمة عشرة أشياء: # أحدها: حفظ الدين على الأصول التي أجمع عليها سلف الأمة. فإن زاغ ذو شبهة ~~عنه بين له الحجة وأوضح له الصواب، وأخذه بما يلزمه من الحقوق والحدود، ~~ليكون الدين محروسا من خلل والأمة ممنوعة من الزلل. # الثاني: تنفيذ الأحكام بين المتشاجرين، وقطع الخصام بينهم، حتى تظهر ~~النصفة، فلا يتعدى ظالم ولا يضعف مظلوم. # الثالث: حماية البيضة والذب عن الحوزة ليتصرف الناس في المعايش وينتشروا ~~في الأسفار آمنين. # الرابع: إقامة الحدود لتصان محارم الله تعالى عن الانتهاك، وتحفظ حقوق ~~عباده من إتلاف واستهلاك. # الخامس: تحصين الثغور بالعدة المانعة والقوة الدافعة، حتى لا تظفر ~~الأعداء بغرة ينتهكون بها محرما ويسفكون فيها دما لمسلم أو معاهد. # السادس: جهاد من عاند الإسلام بعد الدعوة حتى يسلم أو يدخل في الذمة. PageV01P027 # السابع: جباية الفيء والصدقات على ما أوجبه الشرع نصا واجتهادا مع غير ~~عسف. # الثامن: تقدير العطاء وما يستحق في بيت المال من غير سرف ولا تقصير فيه، ~~ودفعه في وقت لا تقديم فيه ولا تأخير. # التاسع: استكفاء الأمناء وتقليد النصحاء فيما يفوضه إليهم من الأعمال ~~ويكله إليهم من الأموال لا تقديم فيه ولا تأخير. # العاشر: أن يباشر بنفسه مشارفة الأمور وتصفح الأحوال ليهتم بسياسة الأمة ~~وحراسة الملة، ولا يعول على التفويض تشاغلا بلذة أو عبادة، فقد يخون الأمين ~~ويغش الناصح. وقد قال الله تعالى (يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم ~~بين الناس بالحق لا تتبع الهوى) فلم يقتصر سبحانه على التفويض دون ~~المباشرة. وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم- "كلكم راع وكلكم مسئول عن ~~رعيته". وإذا قام الإمام بحقوق الأمة وجب له عليهم: الطاعة، والنصرة، مالم ~~يوجد من جهته ما يخرج به عن الإمامة، والذي يخرج به عن الإمامة شيئان. # الجرح في عدالته، والنقص في ذلك بما يقتضي صحة الإمامة، وتأولناه على أن ~~هناك عذرا يمنع من اعتبار العدالة حالة العقد، كما كان العذر مؤثرا ms012 في ~~الفاضل. ### || فصل في ولايات الإمام # وما يصدر عن الإمام من ولايات خلفائه أربعة أقسام: أحدها: من تكون ولايته ~~عامة في الأعمال العامة، وهم الوزراء لأنهم مستنابون في جميع النظرات من ~~غير تخصيص. الثاني: من تكون ولايته عامة في أعمال خاصة. وهم الأمراء ~~للأقاليم والبلدان. لأن النظر فيما خصوا به من الأعمال عام في جميع الأمور. ~~الثالث: من تكون ولايته خاصة في الأعمال العامة، وهم مثل قاضي القضاة ونقيب ~~الجيوش وحامي الثغور، ومستوفي الخراج، وجابي الصدقات، لأن كل واحد منهم ~~مقصور على نظر خاص في جميع الأعمال. الرابع: من تكون ولايته خاصة في أعمال ~~خاصة. وهم مثل قاضي بلد، أو إقليم، أو مستوفي خراجه، أو جابي صدقاته، أو ~~حامي يغره، أو نقيب جنده؛ لأن كل واحد منهم خاص النظر مخصوص العمل. ولكل ~~واحد من هؤلاء الولاة شروط تنعقد بها ولايته ويصح نظره نذكرها في مواضعها. PageV01P028 # أما تقليد الوزارة فجائز، لما حكاه الله تعالى عن نبيه موسى عليه السلام ~~(واجعل لي وزيرا من أهلي هارون أخي اشدد به أزري وأشركه في أمري) وإذا جاز ~~ذلك في النبوة كان في الإمامة أجوز، لأن ما وكل إلى الإمام من تدبير الأمة ~~لا يقدر على مباشرة جميعه إلا بالاستنابة، نيابة الوزير المشارك في التدبير ~~أصح في تنفيذ الأمور من تفرده بها ليستظهر به على نفسه، وليكون أبعد من ~~الزلل، وأمنع من الخلل. فأما اشتقاق الوزارة، فقييل أنه مأخوذ من الوزر، ~~وهو الثقل لأنه يتحمل عن الملك أثقاله، وقيل أنه مأخوذ من الوزر، وهو ~~الملجأ. ومنه قوله تعالى (كلا لا وزر) أي لا ملجأ فسمي بذلك لأن الملك يلجأ ~~إلى رأيه ومعونته. وقيل: أنه مأخوذ من الأزر، وهو الظهر، لأن الملك يقوى ~~بتوزيره كقوة البدن بالظهر. والوزارة عل ضربين: وزارة تفويض، ووزارة تنفيذ. # أما وزارة التفويض فهي أن يستوزر الإمام من يفوض إليه تدبير الأمور ~~برأيه، وإمضاءها على اجتهاده، فيعتبر في تقليد هذه الوزارة شروط الإمامة. ~~وهو أن يكون من أهل الكفاية فيما وكل إليه ms013 من أمر الحرب والخراج خبيرا بهما ~~"فإنه مباشر لهما تارة بنفسه، وتارة يستنب فيهما ولا يصل إلى استنابة ~~الكفاة، إلا أن يكون منهم، كما لايقدر على المباشرة إذا اقصر عنهم. ويفتقر ~~تقليده لفظ الخليفة، لأنها ولاية تفتقر إلى عقد، والعقود لا تصح إلا ~~بالقول، فإن وقع له بالنظر أو أذن له فيه، فقياس المذهب: أنه يصح التقليد ~~بناء على إيقاع الطلاق بالكتابة. وتشتمل الوزارة على لفظين. أحهما: عموم ~~النظر. والثاني: النيابة. فإن اقتصر به على عموم النظر دون النيابة لم ~~تنعقد به الوزارة، وإن اقتصر به على النيابة لم تنعقد أيضا. فإذا جمع ~~بينهما انعقدت. والجمع بينهما أن يقول" قلدتك ما إلي نيابة عني " فتنعقد به ~~الوزارة لأنه جمع بين عموم النظر والاستنابة، فإن قال " نب عني فيما إلي" ~~احتمل أن تنعقد الوزارة، لأنه قد جمع بين عموم النظر والاستنابة. واحتمل أن ~~لا تنعقد به الوزارة، لأنه إذن يحتاج أن يتقدمه عقد. والإذن في أحكام ~~العقود لا تصح به العقود. فإن قال: "قد استنبتك فيما إلي" انعقدت به ~~الوزارة لأنه عدل عن مجرد الإذن إلى ألفاظ العقود. فإن قال " انظر فيما ~~إلي" لم تنعقد به الوزارة، لاحتماله أن ينظر في تصفحه أو في تنفيذه أو في ~~القيام به، والعقد لا يلتزم بلفظ محتمل. # فإن قال " قد استوزرتك تعويلا على نيابتك" انعقدت الوزارة، لأنه قد جمع ~~بين عموم النظر فيما جعل إليه بقوله" استوزرتك" لأن نظر الوزارة عام، وتثبت ~~النيابة بقوله " تعويلا على نيابتك" وخرجت عن وزارة التقليد إلى وزارة ~~التفويض، فإن قال: " فوضت إليك وزارتي" ويحتمل أن لا تنعقد به ه ... ذه ~~الوزارة، لأن ذكر التفويض فيها يخرجها عن وزارة التنفيذ، ويحتمل أن لا ~~تنعقد، لأن التفويض من أحكام هذه الوزارة فافتقر إلى عقد ينفذ به، والأول ~~أشبه فعلى هذا لو قال " قد فوضنا إليك الوزارة" صح؛ لأن ولاة الأمور يكتبون ~~أنفسهم بلفظ الجمع PageV01P029 # ويعظمونها عن إضافة الشيء إليهم فيرسلونه، فيقوم قوله" فوضنا إليك" مقام ~~قوله " فوضت" وقوله " الوزارة " مقام ms014 قوله" وزارتي" فإن قال " قد قلدتك ~~وزارتي" أو قال " قد قلدتك والوزارة" لم يصر بهذا القول من وزراء التفويض ~~حتى يبيبه بما يستحق به التفويض، لأن الله تعالى يقول فيما حكاه عن موسى ~~(واجعل لي وزيرا من أهلي هارون أخي اشدد به أزري وأشركه في أمري) فلم يقتصر ~~على مجرد الوزارة حتى قرنها بشد أزره وإشراكه في أمره. وعلى الوزير وزارة ~~التفويض مطالعة الإمام بما أمضاه من تدبير وأنفذه من ولاية وتقليد، لئلا ~~يصير بالاستبداد كالإمام. وعلى الإمام أن يتصفح أفعال الوزير وتدبيره ~~الأمور ليقر منها ما وافق الصواب ويستدرك ما خالفه. لأن تدبير الأمة، وكول ~~إليه وإلى اجتهاده ويجوز لهذا الوزير أن يحكم بنفسه وأن يقلد الحكم كما ~~يجوز ذلك للإمام، لأن شروط الحكم فيه معتبرة. ويجوز أن ينظر في المظالم ~~ويستنيب في تنفيذها لأن شروط الجهاد فيه معتبرة. ويجوز أن يباشر تنفيذ ~~الأمور التي دبرها وأن يستنيب في تنفيذها لأن الرأي والتدبير فيه معتبرة. ~~وكل ما صح من الإمام صح من هذا الوزير، إلا ثلاثة أشياء: أحدها: ولاية ~~العهد. فإن للإمام أن يعهد إلى من يرى، وليس ذلك للوزير. # والثاني: أن للإمام أن يستعفي الأمة من الإمامة وليس ذلك للوزير. ~~والثالث: أن للإمام أن يعزل من قلده الوزير وليس للوزير أن يعزل من قلده ~~الإمام وما سوى هذه الثلاثة فحكم التفويض إليه يقتضي جواز فعله وصحة نفوذه ~~منه. فإن عارضه الإمام في رد ما أمضاه، فإن كان في حكم نفذ على وجهه، وفي ~~مال وضع في حقه، لم يجز نقض ما نفذ باجتهاده. وإن كان في تقليد وال، أو ~~تجهيز جيش، أو تدبير جرب جاز للإمام معارضته فيه بعذل المولى والعدول ~~بالجيش إلى حيث يرى، وتدبيره الحرب بما هو أولى لأن للإمام أن يستدرك ذلك ~~من أفعال نفسه، فأولى أن يستدركها من أفعال وزيره. وفارق هذا ما كان من حكم ~~نفذه، أو مال وضعه في حقه، لأنه لما لم يكن للإمام أن يستدرك ذلك من أفعال ~~نفسه فكذلك ms015 من أفعال وزيره. فإن قلد الإمام واليا على عمل، وقلد الوزير ~~غيره على ذلك العمل، نظر في أسبقهما بالتقليد، فإن كان الإمام أسبق تقليدا ~~من الوزير فتقليده أثبت، وإن كان تقليد الوزير أسبق فإن علم الإمام بما ~~تقدم من تقليد الوزير كان في تقليد الإمام عزل للأول واستئناف تقليد للثاني ~~فصح الثاني دون الأول، وإن لم يعلم الإمام بما تقدم من تقليد الوزير فتقليد ~~الوزير أثبت. فتصح ولاية الأول دون ولاية الثاني، لأن تقليد الثاني مع ~~الجهل بتقليد الأول لا يكون عزلا، وإنما يكون عزلا لو علم بحالة فيصير ~~بالقول معزولا، لا بتقليد غيره. فإن كان النظر مما يصح فيه الاشتراك صح ~~تقليدهما وكانا مشتركين في النظر. وإن كان مما لا يصح فيه الاشتراك كان ~~تقليدهما موقوفا على عزل أحدهما وإقرار الآخر. فإن تولى ذلك الإمام جاز أن ~~يعزل أيهما شاء ويقر الآخر وإن PageV01P030 # تولاه الوزير جاز أن يعزل من اختص بتقليده ولم يجز أن يعزل من قلده ~~الإمام. فهذا حكم وزارة التفويض. # وأما وزارة التنفيذ فحكمها أضعف، وشروطها أقل، لأن النظر فيها مقصور على ~~رأي الإمام وتدبيره، وهذا الوزير وسيط بينه وبين الرعايا والولاة، يؤدي عنه ~~ما أمر، وينفذ ما ذكر، ويمضي ما حكم، ويخبر بتقليد الولاة، وتجهيز الجيش ~~والحماة، ويعرض عليه ما ورد منهم وتجدد من حدث ملم ليعمل فيه بما يؤمر به، ~~فهو معين في تنفيذ الأمور وليس بوال عليها ولا متقلد لها. فإن شورك في ~~الرأي كان باسم الوزارة أخص، وإن لم يشترك فيه كان باسم الوساطة والسفارة ~~أشبه. ولا تفتقر هذه الوزارة إلى تقليد، وإنما يراعى فيها مجرد الإذن ومطلق ~~الاسم. ولا يعتبر في المؤهل لها الحرية ولا العلم، لأنه ليس له أن ينفرد ~~بولاية ولا تقليد فتعتبر فيه الحرية، ولا يجوز له أن يحكم فيعتبر فيه ~~العلم، وإنما هو مقصور النظر علىأمرين: أن يؤدي إلى الخليفة وأن يؤدي عنه، ~~فيراعي فيه سبعة أوصاف: أحدها: الأمانة حتى لا يخون فيما ائتمن فيه. ~~الثاني: صدق اللهجة ms016 حتى يوثف بخبره فيما يؤديه ويعمل على قوله فيما ينهيه. ~~الثالث: قلة الطمع حتى لا يرتشى فيمايل، ولا ينخدع فيتساهل. الرابع: أن ~~يسلم فيما بينه وبين الناس من عداورة وشحناء، لأن العداوة تصد عن التناصف ~~وتمنع من التعاطف. الخامس: أن يكون ذكورا لما يؤديه إلى الخليفة وعنه لأنه ~~شاهد له وعليه. السادس: الذكاء والفطنة، حتى لا تلدس عليه الأمور فتشتبه، ~~ولا تموه عليه فتلتبس فلا يصح مع اشتباهها عزم، ولايتم مع التباسها حزم. ~~السابع: أن لا يكون من أهل الأهواء، فيخرجه الهوى عن الحق إلى الباطل، ~~ويتدلس عليه المحق المبطل، فإن الهوى خادرع الألباب، وضارف عن الصواب، وقد ~~روى بعضهم عن النبي - صلى الله عليه وسلم- " حبك الشيء يعمي ويصم". فإن كان ~~هذ الوزير مشاركا في الرأي احتاج إلى وصف ثامن وهو الحنكة والتجربة التي ~~تؤديه إلى صحة الرأي وصواب التدبير. فإن في التجارب خبرة لعواقب الأمور. ~~وإن لم يشارك في الرأي لم يحتج إلى هذا الوصف. # ولا يجوز أن يقوم بذلك امرأة، وإن كان خبرها مقبولا، لما تضمنه من معاني ~~الولايات المصروفة عن النساء. وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم- " ما ~~أفلح قوم أسندوا أمرهم إلى امرأة". PageV01P031 # ولأن فيها طلب الرأي وثبات العزم وما يضعف عنه النساء، والبروز في مباشرة ~~الأمور مما هو عليهن محظور. وقد قيل: إنه يجوز أن يكون هذا الوزير من أهل ~~الذمة، وإن لم يكن وزير التفويض منهم، إلا أن يستطيلوا فيكونوا ممنوعين من ~~الاستطالة. وكان الفرق بينهما من وجوه أربعة: أحدها: أنه يجوز لوزير ~~التفويض مباشرة الحكم والنظر في المظالم، وليس ذلك لوزير التنفيذ، ولأنه لا ~~يجوز لوزير التفويض أن يستبد بتقليد الولاة وليس ذلك لوزير التنفيذ. ولأنه ~~يجوز لوزير التفويض أن ينفرد بتسيير الجيوش وتدبير الحرب وليس ذلك لوزير ~~التنفيذ. ولأنه لا يجوز لوزير التفويض أن يتصرف في أموال بيت المال بقبض ما ~~يستحق له ودفع ما يجب فيه وليس ذلك لوزير التنفيذ. فبان بهذا أنهما قد ~~افترقا في حقوق النظر من هذه الوجوه ms017 الأربعة. ويفترقان أيضا في أربعة شروط: ~~أحدها: أن الحرية معتبرة في وزارة التفويض وغير معتبرة في وزارة التنفيذ. ~~الثاني: أن الإسلام معتبر في وزارة التفويض وغير معتبر في وزارة التنفيذ. ~~الثالث: أن العلم بأحكام الشريعة معتبر في وزارة التفويض وغير معتبر في ~~وزارة التنفيذ. الرابع: المعرفة بأمر الحرب والخراج معتبرة في التفويض في ~~وزارة التفويض وغير معتبرة في وزارة التنفيذ. وقد ذكر الخرقي ما يدل على ~~أنه يجوز أن يكون وزير التنفيذ من أهل الذمة، لأنه قال " ولا يعطى من ~~الصدقة لكافر ولا عبد" إلا أن يكونوا من العاملين فيعطوا بحق ما عملوا ". ~~وروي عن أحمد ما يدل على المنع، لأنه قال في رواية أبي طالب - وقد سئل: ~~نستعمل اليهودي والنصراني في أعمال المسلمين مثل الخراج؟ فقال " لا يستعان ~~بهم في شيء". # ويكون الوجه فيه قوله تعالى (لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم إلا ~~خبالا) وقوله تعالى (لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء) وقوله عليه الصلاة ~~والسلام " لا تأمنوهم إذ خونهم الله". ويجوز للخليفة أن يقلد وزيري تنفيذ ~~نظرت، فإن فوض إلى كل واحد منهما عموم النظر لم يصح لما ذكرنا. ثم ننظر، ~~فإن كان في وقت واحد بطل تقليدهما معا. وإن سبق أحدهما الآخر صح تقليد ~~السابق وبطل تقليد المسبوق، وإن أشرك بينهما في النظر على اجتماعهما فيه ~~ولم يجعل إلى واحد منهما أن ينفرد به صح، وتكون الوزارة فيهما لا في النظر ~~منهما، ولهما تنفيذ ما اجتمعا عليه، وليس لهما تنفيذ ما اختلفا فيه، ويكون ~~موقوفا على رأي الخليفة وخارجا عن نظر هذه الوزارة، وتكون هذه الوزارة تقصر ~~عن وزارة التفويض المطلق من وجهين: PageV01P032 # أحدهما: اجتماعهما على تنفيذ ما اتفقا عليه. الثاني: زوال نظرهما عما ~~اختلفا فيه. فإن اتفقا بعد الاختلاف نظرت، فإن كان عن رأي اجتمعا على صوابه ~~بعد اختلافهما فيه دخل في نظرهما وصح تنفيذه منهما، لأن تقدم الاختلاف لا ~~يمنع من جواز الاتفاق، وإن كان عن متابعة أحدهما لصاحبه مع بقائهما على ~~الرأي المختلف فهو ms018 خروج من نظرهما، لأنه لا يصح من الوزير تنفيذ ما لا يراه ~~صوابا. فإن لم يشرك بينهما في النظر، بل أفرد كل واحد منهما بعمل يكون فيه ~~عام النظر خاص العمل، مثل أن يرد إلى أحدهما وزارة بلاد المشرق، وإلى الآخر ~~وزارة بلاد المغرب، أو يخص كل واحد منهما بنظر يكون فيه عام العمل، خاص ~~النظر، مثل أن يستوزر أحدهما على الحرب والآخر على الخراج، صح تقليدهما على ~~كلا الوجهين، غير أنهما لا يكونان وزيري تفويض، ويكونان واليين على عملين ~~مختلفين، لأن وزارة التفويض ما عمت ونفذ أمر الوزير في كل عمل وكل نظر، ~~ويكون تقليد كل واحد منهما مقصورا على ما خص به. وليس له معارضة الآخر في ~~نظره أو عمله. # ويجوز للخليفة أن يقلد وزيرين، وزير تفويض ووزير تنفيذ، فوزير التفويض ~~مطلق التصرف، ووزير التنفيذ مقصور على تنفيذ ما صدرت به أوامر الخليفة. ولا ~~يجوز لوزير التنفيذ أن يولي معزولا ولا يعزل مولى. ويجوز لوزير التفويض أن ~~يولي معزولا ويعزل مولاه، ولا يجوز له أن يعزل من ولاه الخليفة. وليس لوزير ~~التفويض أن يوقع عن نفسه ولا عن الخليفة إلا بإذنه. ويجوز لوزير التفويض أن ~~يوقع عن نفسه إلى عماله وعمال الخليفة، ويلزمهم قبول توقيعاته. ولا يجوز أن ~~يوقع عن الخليفة إلا بأمره في عموم وخصوص. وإذا عزل الخليفة وزير التنفيذ ~~لم ينعزل به أحد من الولاة. وإذا عزل وزير التفويض انعزل به عمال التنفيذ، ~~ولم ينعزل به عمال التفويض لأن عمالة التنفيذ نيابة، وعمالة التفويض ولاية. ~~ويجوز لوزير التفويض أن يستخلف نائبا عنه. ولا يجوز لوزير التنفيذ أن ~~يستخلف من ينوب عنه، لأن الاستخلاف تقليد. فصح من وزير التفويض، ولم يصح من ~~وزير التنفيذ. وإذا نهى الخليفة وزير التفويض عن الاستخلاف لم يكن له أن ~~يستخلف، لأن كل واحد من الوزيرين متصرف عن أمر الخليفة ونهيه وإن اقترف ~~حكمهما مع إطلاق التقليد. وإذا فوض الخليفة تدبير الأقاليم إلى ولاتها وكل ~~النظر فيها إلى المستولي عليها. فالذي عليه ms019 أهل زماننا جواز ذلك. وكان حكم ~~وزيره معه كحكم وزير الخليفة مع الخليفة في اعتبار الوزارتين. PageV01P033 ### || [تقليد الإمارة] # وإذا قلد الخليفة أميرا على إقليم أو بلد، ~~نظرت، فإن كانت إمارته عامة - وهو أن يفوض إليه الخليفة إمارة بلد أو ~~إقليم، ولاية على جميع أهله، ونظرا في المعهود من سائر أعماله - فيصير عام ~~النظر فيما كان محدودا من عمله. ويشمل نظره فيه على سبعة أمور: أحدها: ~~النظر في تدبير الجيش، وترتبيهم في النواحي، وتقدير أرزاقهم، إلا أن يكون ~~الخليفة قدرها. الثاني: النظر في الأحكام، وتقليد القضاة والحكام. # وقد نقل إسحاق بن إبراهيم عن أحمد في القوم يغزون مع الأمير أمر عليهم، ~~فأمر ذلك الأمير أمرا آخر، فقال: "إذا كان صاحبه أمره بذلك فلا بأس". ظاهر ~~هذا: أنه إذا لم يأمره لم يجز. وهذا محمول على إمارة خاصة، ويأتي شرحها. ~~الثالث: جباية الخراج، وقبض الصدقات، وتقليد العمال، وتفريق ما يستحق منها. ~~الرابع: حماية الحريم، والذب عن البيضة، ومراعاة الدين، من تغيير أو تبديل. ~~الخامس: إقامة الحدود في تحق الله تعالى وحقوق الآدميين. السادس: الإمامة ~~في الجمع والجماعات، حتى يقوم بها، أو يستخلف عليها. السابع: تسيير الحجيج ~~من عمله، ومن غير أهله، حتى يتوجهوا معانين عليه. فإن كان هذا الإقليم ثغرا ~~متاخما للعدو جاهد من يليه من الأعداء، وقسم غنائمهم في المقاتلة، وأخذ ~~خمسها لأهل الخمس. ويعتبر في هذه الإمارة الشروط المعتبرة في وزارة ~~التفويض. ثم ينظر في عقد هذه الإمارة، فإن كان الخليفة قد تولاه، كان لوزير ~~التفويض عليه حق المراعاة والتصفح. وإن لم يكن له عزله، ولا نقله من إقليم ~~إلى إقليم غيره. وإن كان الوزير قد تفرد بتقليده، نظرت فإن قلده عن الخليفة ~~لم يجز له عزله ولا نقله من عمل إلى غيره، إلا عن إذن الخليفة. ولو عزل ~~الوزير لم ينعزل هذا الأمير، وإن قلده عن نفسه فهو نائب عنه، فيجوز له أن ~~ينفرد بعزله والاستبدال به، بحسب ما يؤديه الاجتهاد إليه من النظر في ~~الأصلح. ولو أطلق تقليد ms020 هذا الأمير، فلم يصرح فيه بأنه عن نفسه ولا عن ~~الخليفة، كان التقليد عن نفسه، وله أن ينفرد بعزله، متى عزل الوزير انعزل ~~هذا الأمير، إلا أن يقره الخليفة PageV01P034 # على إمارته، فيكون ذلك تجديد ولاية واستئناف تقليد، غير أنه لا يحتاج في ~~ألفاظ العقد إلى ما يحتاج إليه ابتداء العقد من الشروط. ويكفي أن يقول ~~الخليفة " قد أقررتك على ولايتك". # ويحتاج في ابتداء تقليدها أن يقول " قلدتك ناحية كذا إمارة على أهلها" ~~ونظرا في جميع ما يتعلق بها، على تفصيل لا يدخله إجمال، ولا يتناوله ~~احتمال". وإذا قلد الخليفة هذه الأمور لم يكن فيها غزل للوزير عن تصفحها ~~ومراعاتها، وإذا قلد الوزارة لم يكن فيها عزل لهذا الأمير عن إمارته، لأنه ~~إذا اجتمع عموم التقليد وخصوصه في الولايات السلطانية كان عموم التقليد ~~محمولا في العرف على مراعاة الأخص وتصفحه، وكان خصوص التقليد محمولا على ~~مباشرة العمل وتنفيذه. ولا يجوز لهذا الوزير أن يستوزر وزيرا إلا عن إذن ~~الخليفة وبأمره، لأن وزير التنفيذ معين، ووزير التفويض مستبد. وإذا أراد ~~هذا الأمير أن يزيد في أرزاق الجيش لغير سبب لم يجز، لما فيه من استهلاك ~~مال في غر حق، وإن زادهم لحدوث سبب يقتضيه نظر في السبب، فإن كان مما يرجى ~~زواله. كالزيادة لغلاء سعر، أو حدوث حدث، أو نفقة في حرب، جاز للأمير أن ~~يدفع هذه الزيادة من بيت المال، ولا يلزمه استثمار الخليفة فيها، لأنها من ~~حقوق السياسة الموكولة إلى اجتهاده، وإن كان سبب الزيادة مما يقتضي ~~استقرارها على التأبيد، كالزيادة في الحرب أبلوا فيها وقاموا بالنصر حتى ~~انجلت، وقف ذلك على استثمار الخليفة، ولم يكن له التفرد بإمضائها. ويجوز له ~~أن يرزق من بلغ من أولاد الجيش ويفرض لهم العطاء بغير أمر. ولا يجوز أن ~~يفرض لجيش مبتدإ إلا بأمر. وإذا فضل من مال الخراج فاضل عن أرزاق جيشه حمله ~~إلى الخليفة، ليضعه في بيت المال العالم المعد للمصالح العامة. وإذا فضل من ~~مال الصدقات فاضل عن أهل عمله ms021 لم يلزمه حمله إلى الخليفة، وصرفه في أقرب ~~أهل الصدقات من عمله. وإذا نقص مال الخراج عن أرزاق جيشه طالب الخليفة ~~بتمامها من بيت المال، وإن نقص مال الصدقات عن أهل عمله لم يكن له مطالبة ~~الخليفة بتمامها، لأن أرزاق الجيش مقدرة بالكفاية، وحقوق أهل الصدقات ~~معتبرة بالوجود. # وإذا تقلد الأمير من قبل الخليفة، لم ينعزل بموت الخليفة، وإن كان من قبل ~~الوزير انعزل بموت الوزير، لأن تقليد الخليفة نيابة عن المسلمين، وتقليد ~~الوزير نيابة عن نفسه. PageV01P035 # وينعزل الوزير بموت الخليفة وإن لم ينعزل به الأمير، لأن الوزارة نيابة ~~عن المسلمين. فهذا حكم الإمارة العامة، وهي إمارة الاستكفاء المعقودة عن ~~اختيار وتقدم. فأما إمارة الخاصة: فهو أن يكون الأمير مقصور الإمارة على ~~تدبير الجيوش، وسياسة الرعية، حماية البيضة، والذب عن الحريم، وليس له أن ~~يتعرض للقضاء والأحكام، ولا لجباية الخراج والصدقات. فأما إقامة الحدود، ~~فما افتقر منها إلى اجتهاد لاختلاف الفقهاء، أما افتقر إلى إقامة بينة، ~~لتناكر المتنازعين فيه لم يكن له التعرض لإقامتها، لأنها من الأحكام ~~الخارجة عن خصوص إمارته. وإن لم يفتقر إلى اجتهاد ولا بينة، أو افتقر ~~إليهما فنفذ فيه اجتهاد الحاكم، أو قامت به البينة عنده، نظرت، فإن كان من ~~حقوق الآدميين - كحد القذف والقصاص في نفس أو طرف - كان ذلك معتبرا بحال ~~الطالب، فإن عدل عنه إلى الحاكم كان الحاكم أحق باستيفائه له، لدخوله في ~~جملة الحقوق التي ندب الحكام إلى استيفائها. وإن عدل الطالب باستيفاء الحد ~~أو القصاص إلى هذا الأمير كان الأمير أحق باستيفائه، لأنه ليس بحكم، وإنما ~~هو معونة على استيفاء حق، وصاحب المعونة هو الأمير أحق باستيفائه، لأنه ليس ~~يحكم، وإنما هو معونة على استيفاء حق، وصاحب المعونة هو الأمير دون الحاكم، ~~وإن كان هذا الحد من حقوق الله تعالى المحضة، كحد الزنا: جلد أو رجم، ~~فالأمير أحق باستيفائه من الحاكم، لدخوله في قوانين السياسة، وموجبات ~~الحماية، والذب عن الملة فدخل في حقوق الإمارة، ولم يخرج منها إلا بنص، ~~وخرج من ms022 حقوق القضاء، فلم يدخل فيها إلا بنص. # وأما نظره في المظالم، فإن كان مما نفذت فيه الأحكام، وأمضاه القضاة ~~والحكام جاز له النظر في استيفائه، معونة للمحق على المبطل، وانتزاعا للحق ~~من المعترف المماطل، لأنه موكول إليه المنع من التظالم والتغالب، ومندوب ~~إلى الأخذ بالتعاطف والتناصف. وإن كانت المظالم مما تستأنف فيها الأحكام ~~ويبتدأ فيها بالقضاء، منع منه هذا الأمير، لأنه من الأحكام التي لم يتضمنها ~~عقد إمارته، وردهم إلى حاكم بلده، فإن نفذ حكمه لأحدهم بحق قام باستيفائه ~~إن ضعف عنه الحاكم، فإن لم يكن في بلده حاكم عدل بهما إلى أقرب الحكام من ~~بلده، إن لم يلحقهما في المصير إليه مشقة، فإن لحقت لم يكلفهما ذلك، ~~واستأمير الخليفة فيما تنازعاه ونفذ فيه حكمه. وأما تسيير الحجيج من عمله ~~فداخل في أحكام إمارته، لأنه من جملة المعونات التي ندب إليها. PageV01P036 # وأما إمارة الصلاة في الجمع والأعياد والجنائز فالأمراء أخص بها من ~~القضاة وقد قال: أحمد في رواية ابن القاسم "إذا حضر الأمير فهو أحق على ما ~~فعل الحسين بن علي". فإن تاخمت ولاية هذا الأمير ثغرا، لم يبتدئ جهاد أهله ~~إلا بإذن الخليفة، وكان عليه دفعهم وحربهم إن هجموا عليه بغير إذن، لأن ~~دفعهم من حقوق الحماية، ومقتضى الذب عن الحريم. ويعتبر في ولاية هذه ~~الإمارة الشروط المعتبرة في وزارة التنفيذ، وزيادة شرطين، هما: الإسلام، ~~والحرية، لأجل ما تضمنتها من الولاية على الأمور الدينية التي لا تصح مع ~~الكفر والرق، ولا يعتبر فيها العمل والفقه، فإن كان فزيادة فضل. فصارت شروط ~~الإمارة العامة معتبرة بشرو وزارة التفويض، لاستوائهما في عموم النظر، وإن ~~افترقا في خصوص العمل. وشروط الإمارة الخاصة تقصر عن شروط الإمارة العامة، ~~بشرط واحد وهو العلم، لأن لمن عمت إمارته أن يحكم، وليس ذلك لمن خصت ~~إمارته. # وليس على أحد من هذين الأمرين مطالعة الخليفة بما أمضياه في عملهما على ~~مقتضى إمارتهما إلا على وجه الاحتياط، فإن حدث غير معهود وقفاه على مطالعة ~~الإمام، وعملا فيه برأيه. ms023 فإن خافا من اتساع الخرق - إن وقفاه - قاما بما ~~يدفع الخصومة، حتى يرد عليهما أمر الخليفة فيما يعملان به، لأن رأي الخليفة ~~أمضى في الحوادث النازلة لإشرافه على عموم الأمور. ### || فأما إمارة الاستيلاء التي تعقد على اضطرار # فهي أن يستولي الأمير بالقوة على بلاده يقلده الخليفة ~~إمارتها، ويفوض إليه تدبيرها وسياستها فيكون الأمير باستيلائه مستبدا ~~بالخليفة في تدبير السياسة، وتنفيذ الأحكام الدينية ليخرج عن الفساد إلى ~~الصحة، وعن الحظر إلى الإباحة. وهذا وإن خرج عن عرف التقليد المطلق، ففيه ~~من حقظ القوانين الشرعية ما لا يجوز أن يترك فاسدا، فجاز فيه مع الاستيلاء ~~والاضطرار ما امتنع في تقليد الاستكفاء والاختيار. PageV01P037 # والذي يتحفظ بقليد المستولي من قوانين الشرع سبعة: أحدها: حفظ منصب ~~الإمامة في خلافة النبوة، وتدبير أمور الملة. الثاني: ظهور الطاعة التي ~~يزول معها حكم العناد، وينتفى بها مأثم المباينة. الثالث: اجتماع الكلمة ~~على الألفة والتناصر، ليكون المسلمون يدا على من سواهم. الرابع: أن تكون ~~عقود الولايات الدينية جائزة، وأحكام القضاة نافذة فيها. الخامس: أن يكون ~~استيفاء الأموال بحق، على وجه يبرأ منه المؤدي لها. السادس: أن تكون الحدود ~~مستوفاة بحق. السابع: أن يكون حافظا للدين، يأمر بحقوق الله، ويدعو إلى ~~طاعته من عصى. فإذا كملت فيه شروط الاختيار كان تقليده حتما، استدعاء ~~لطاعته، ودفعا لمشاقته، وصار بالإذن له نافذ التصرف في حقوق الملة، وأحكام ~~الأمة، وجاز له أن يستوزر وزير تفويض ووزير تنفيذ. # فإن لم يكمل في المستولى شروط الاختيار جاز إظهار تقليده استدعاء لطاعته، ~~وحسما لمخالفته ومعاندته، وكان نفوذ تصرفه في الحقوق والأحكام موقوفا على ~~أن يستنيب لهم الخليفة فيها من قد تكاملت فيه شروطها، ليكون كمال الشروط ~~فيمن أضيف إلى نيابته جبرانا لما أعوز من شروطها في نفسه، فيصير التقليد ~~للمستولى، والتنفيذ من المستناب، لأن الضرورة تسقط ما أعوز من شروط المكنة. ~~وإذا صحت إمارة الاستيلاء كان الفرق بينها وبين إمارة الاستكفاء من أربعة ~~أوجه: أحدها: أن إمارة الاستيلاء متعينة في المستولى، وإمارة الاستكفاء ~~مقصورة على اختيار ms024 المستكفى. الثاني: أن إمارة الاستيلاء مشتملة على البلاد ~~التي غلب عليها المستولي، وإمارة الاستكفاء مقصورة على البلاد التي تضمنها ~~عهد المستكفي. الثالث: إمارة الاستيلاء تشتمل على معهود النظر ونادره، ~~وإمارة الاستكفاء مقصورة على معهود النظر دون نادره. الرابع: أن وزارة ~~التفويض تصح في إمارة الاستيلاء ولا تصح في إمارة الاستكفاء، ليقع الفرق ~~بين المستولي ووزيره في النظر، لأن نظر الوزير مقصور على المعهود، ~~وللمستولي أن ينظر في النادر والمعهود، وإمارة الاستكفاء مقصورة على النظر ~~في المعهود، فلم تصح معها وزارة تشتمل على مثلها من النظر في المعهود، ~~لاشتباه حال الوزير والمستوزر. PageV01P038 ### || [تقليد الإمارة على الجهاد] # فأما الإمارة على الجهاد فهي مختصة بقتال ~~المشركين. وهي على ضربين: أحدهما: أن تكون مقصورة على سياسة الجيش، وتدبير ~~الحرب، فيعتبر فيها شروط الإمارة الخاصة. والثاني: أن يفوض إلى الأمير فيها ~~جميع أحكامها: من قسم الغنائم، وعقد الصلح، فيعتبر فيها شروط الإمارة ~~العامة، وهي أكثر الولايات الخاصة أحكاما، وأوفرها فصولا. وحكمها إذا خصت ~~داخل في حكمها إذا عمت. # والذي يتعلق بها من الأحكام إذا عمت ستة: الأول: في تسيير الجيش، وعليه ~~في ذلك سبعة حقوق: أحدها: الرفق بهم في السير الذي يقدر عليه أضعفهم، ويحفظ ~~به قوة أقواهم، ولا يجد السير، فيهلك الضعيف. الثاني: أن يتفقد خيلهم التي ~~يجاهدون عليها، فلا يدخل في خيل الجهاد كبيرا أو صغيرا ولا أعجب هزيلا، ~~لأنه ربما كان ضعفها وهنا. وقد قال تعالى (8: 60 - وأعدوا لهم ما استطعتم ~~من قوة ومن رباط الخيل) ويمنع من حمل زائد على طاقتها. الثالث: أن يراعي من ~~معه من المقاتلة. وهم صنفان: مسترزقة، ومتطوعة. أما المسترزقة فهم أصحاب ~~الديوان، من أهل الفيء، فيفرض لهم العطاء من بيت المال بحسب الغناء ~~والحاجة. وأما المتطوعة، فهم الخارجون عن الديوان من البوادي وسكان القرى ~~والأمصار، الذين خرجوا في النفير، اتباعا لقوله تعالى (9: 41 - انفروا ~~خفافا وثقالا وجاهدوا في بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله) . وقد قيل في ~~تأويل قوله تعالى " خفافا وثقالا ". أربعة أوجه: أحدها: شبانا وشيوخا، ms025 قاله ~~الحسن وعكرمة. والثاني: أغنياء وفقراء، قاله أبو صالح. والثالث: ركبانا ~~ومشاة، قاله أبو عمرو. الرابع: ذا عيال، وغير ذي عيال، قاله الفراء. وقد ~~قيل: إن هؤلاء يعطون من الصدقات ولا يعطون من الفيء، من سهم سبيل الله ~~المذكور في آية الصدقات ولا يعطون من الفيء، لأن حقهم في الصدقات، ولا يعطى ~~أهل الفيء PageV01P039 # المسترزقة في الديوان من مال الصدقات لأن حقهم في الفيء. وظاهر كلام أحمد ~~رحمه الله يقتضي جواز صرف كل واحد من المالين إلى كل واحد من الفريقين، ~~بحسب الحاجة، فقال في رواية الأثرم " يحمل من الزكاة في السبيل". قال الله ~~تعالى (وفي سبيل الله) قال: وبلغني أن قوما يقولون: لا يحمل منها في ~~السبيل، لا أدري يعني لأي شيء يذهبون". وقال في رواية عبد الله - في الغني ~~إذا خرج في سبيل الله " يأكل من الصدقة". # فقد أجاز دفعها في سبيل الله، ولم يفرق بين أهل الديوان وبين المتطوعة، ~~واحتج بالآية، وهي عامة. الرابع: أن يعرف على الفريقين العرفاء، وينقب ~~عليهم النقباء، ليعرف من عرفائهم ونقبائهم أحوالهم، ويقربون عليه إذا ~~دعاهم. وقد فعل ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم في مغازيه. وقال تعالى ~~(49: 13 - وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا) . قيل: إن الشعوب: النسب ~~الأبعد، والقبائل: النسب الأقرب قاله مجاهد. وقيل الشعوب: عرب قحطان، ~~والقبائل: عرب عدنان. وقيل: الشعوب: بطون العجم، والقبائل: بطون العرب. ~~والخامس: أن يجعل لك طائفة شعارا يتداعون إليه ليصيروا به متميزين، ~~وبالاجتماع فيه متظاهرين، وقد روى عروة بن الزبير عن أبيه " أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم جعل شعار المهاجرين: يا بني عبد الرحمن، وشعار الخزرج: يا ~~بني عبد الله، وشعار الأوس: يا بني عبيد الله، وسمى خيله خيل الله". ~~السادس: أن يتصفح الجيش ومن فيه، فيخرج منهم من كان فيه تخذيل للمجاهدين، ~~وإرجاف بالمسلمين، أو عين عليهم للمشركين، قد رد رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم- ابن أبي بن سلول في بعض غزواته، لتخذيله المسلمين. PageV01P040 # السابع: أن لا يمالئ من ناسبه، أو وافق رأيه ms026 ومذهبه على من باينه في نسب، ~~أو خالفه في رأي ومذهب، فيظهر من أحوال المباينة ما تفترق به الكلمة ~~الجامعة، تشاغلا بالتقاطع والاختلاف. قد أغضى رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم- عن المنافقين، وهم أضداد في الدين، وأجرى عليهم حكم الظاهر، حتى قويت ~~بهم الشوكة، وكثر بهم العدد، وقد قال الله تعالى (8: 46 - ولا تنازعوا ~~فتفشلوا وتذهب ريحكم) قيل فيه: المراد بالريح الدولة، قاله أبو عبيد. وقيل: ~~المراد بها القوة. فضرب الريح بها مثلا، لأن الريح لها قوة. ومن أحكام هذه ~~الإمارة: تدبير الحرب. # والمشركون في دار الحرب على ضربين: أحدهما: من بلغتهم الدعوة، وقل أن ~~يكون اليوم قوم لم تبلغهم الدعوة، إلا أن يكون قوم من وراء الترك والروم في ~~مبادي المشرق وأقاصي المغرب، فيحرم عليه الإقدام على قتالهم غرة قبل إظهار ~~الدعوة، وإعلامهم معجزات النبوة. وقال الله تعالى (16: 125 - ادع إلى سبيل ~~ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن) يعني: ادع إلى دين ربك ~~بالحكمة، قيل: بالنبوة، وقيل: بالقرآن، وقيل: " والموعظة الحسنة": بالقرآن ~~في لين من القول، وقيل: ما فيه من الأمر والنهي " وجادلهم بالتي هي أحسن": ~~أي يبين لهم الحق، ويوضح لهم الحجة. فإن بدأ بقتالهم قبل دعائهم إلى ~~الإسلام لم يضمن ديات نفوسهم، وكانت دماؤهم هدرا. وإذا تكاملت الصفوف في ~~الحرب جاز لم قاتل من المسلمين أن يعلم بما يشتهر به في الصفوف ويتميز به ~~من جميع الجيش، وأن يركب الأبلق. وإن كانت خيول الناس دهما أو شقرا وقد قال ~~أحمد في رواية حنبل " والعصائب في الحرب تستحب. لقوله تعالى (مسومين) وذلك ~~لما روي عبيد الله بن عون عن عمير بن إسحاق: أن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم- قال يوم بدر: "تسوموا فإن الملائكة قد تسومت". PageV01P041 # ويجوز أن يجيب إلى البراز إذا دعي إليه، ويدعو إليه ابتداء، نص عليه في ~~رواية المهموني وابن مشيش: في الرجل يعرف نفسه بالجلد يدعو إلى البراز. ~~والوجه فيه ماروي" أن أبي بن خلف دعا رسول الله - صلى الله عليه وسلم- يوم ms027 ~~أحد، فبرز إليه فقتله". وأول حرب شهدها رسول الله - صلى الله عليه وسلم- ~~يوم بدر "بزر فيها من المشركين: عتبة ابن ربيعة، وابنه الوليد، وأخوه شيبة، ~~ودعوا للبراز، فبرز إليهم من الأنصار: عوف ومسعود ابنا عفراء، وعبد الله بن ~~رواحة، فقالوا: ليبرز إلينا أكفاؤنا من قومنا. فبرز إليهم ثلاثة من بني ~~هاشم: علي ابن أبي طالب إلى الوليد، فقتله، وبرز حمزة إلى شيبة، فقتله. ~~وبرز عبيدة بن الحارث إلى عتبة، فاختلفا ضربتين ". # ولأن في الدعاء إلى البراز قوة في دين الله تعالى، ونصرة رسوله. وقد ندب ~~النبي - صلى الله عليه وسلم- ظاهر يوم أحد بين درعين، وأخذ سيفا فهزه، ~~وقال: من يأخذ هذا السيف بحقه؟ فقام إليه أبو دجانة، سماك بن خرشة، فقال: ~~وما حقه يا رسول الله؟ فقال: أن تضرب به في العدو حتى ينحني، فأخذه منه، ~~وأعلم بعصابة حمراء، كان إذا أعلم بها علم الناس أنه سيقاتل ويبلي". PageV01P042 # وتجوز المبارزة بشرطين: أحدهما أن يكون ذا نجدة وشجاعة، يعلم من نفسه أن ~~لن يعجز عن مقاومة عدو، فإن كان بخلافه منع. والثاني: أن لا يكون زعيما ~~للجيش، يؤثر فقده فيهم. فإن فقد الزعيم المدبر يفضي إلى الهزيمة. ورسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم- إنما أقدم على البراز ثقة بنصر الله تعالى، ~~وإنجاز وعده وليس ذلك لغيره. ويجوز لأمير الجيش إذا حض على الجهاد أن يعرض ~~للشهادة من الراغبين فيها من يعلم أن قتله في المعركة يؤثر أمرين: إما ~~تحريض المسلمين على القتال حمية له، أو تخذيل المشركين بالجرأة عليهم في ~~نصر الدين. وقد روي محمد بن إسحاق " أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم- ~~خرج من العريش يوم بدر، فحرض الناس على الجهاد، وقال: والذي نفسي بيده، لا ~~يقاتلهم اليوم رجل، فيقتل محتسبا، مقبلا غير مدبر إلا أدخله الله الجنة". ~~ولا يجوز قتل النساء والولدان في حرب ولا غيرها، ما لم يقاتلوا، لنهي النبي ~~- صلى الله عليه وسلم- عن قتلهم. وإذا تترسوا في الحرب بنسائهم وأطفالهم، ~~ولم يوصل إلى قتالهم إلا بقتل النساء والأطفال ms028 جاز قتلهم، ولا يقصدون ~~النساء والصبيان. وكذلك إن تترسوا بأسارى المسلمين، ولم يتوصل إلى قتلهم ~~إلا بقتل الأسراء، ذكره أبو بكر في كتاب الخلاف. وقد أومأ إليه أحمد في ~~رواية بكر بن محمد: "في القوم يحاصرون فيتقون بأولاد المسلمين، ينصبونهم ~~أمامهم، فأحب إلي أن لا يعرض لهم، إلا أن يخافوا أن يخرجوا عليهم، ويكون ~~تركهم ضررا للمسلمين، فيرميهم". # ويجوز عقر خيلهم من تحتهم إذا قاتلوا عليها، وقد عقر حنظلة بن أبي عامر ~~فرس أبي سفيان بن حرب يوم أحد، واستعلى عليه ليقتله، فرآه ابن شعوب فثار ~~إلى حنظلة. وليس لأحد من المسلمين أن يعقر فرسه، لأنها قوة أمر الله تعالى ~~بإعدادها في جهاد عدوه بقوله (8: 60 - وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن ~~رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم) . وقد روي " أن جعفر بن أبي طالب ~~اقتحم يوم مؤتة عن فرس له شقراء حين التحم القتال، ثم نزل عنها ~~وعقرها".فيحتمل أن يكون فعل ذلك لئلا يتقوى به المشركون على المسلمين. PageV01P043 ### ||| ومن أحكام هذه الإمارة # ما يلزم أمير الجيش في سياستهم، والذي يلزمه فيهم ~~عشرة أشياء: أحدها: حراسته من غرة يظفر بها العدو. وذلك بأن يتتبع المكامن ~~فيحفظها عليهم ويحوط أسوارهم بحرس من يؤمنون به على أنفسهم ورحالهم، ~~ليسكنوا في وقت الدعة، ويأمنوا ما وراءهم في وقت المحاربة. الثاني: أن ~~يتخير لهم المنازل - موضع نزولهم- لمحاربة عدوهم، بأن يكون أوطأ الأرض ~~مكانا، وأكثرها مرعى وماء، وأحرسها أكنافا وأطرافا، ليكون أعون لهم على ~~المنازلة. الثالث: إعداد ما يحتاج إليه الجيش: من زاد وعلوفة، تفرق عليهم ~~في أوقات الحاجة حتى تسكن نفوسهم إلى مادة يستغنون بها عن طلبهم، ليكونوا ~~على الحرب أوفر" وعلى منازلة العدو أقدر. الرابع: أن يعرف أخبار عدوه، حتى ~~يقف عليهم، ويتصفح أحوالهم، فيأمن مكرهم، ويلتمس الغرة في الهجوم عليهم. ~~الخامس: ترتيب الجيش في مصاف الحرب، والتعويل من كل جهة على من يراه كفؤا ~~لها، ويتفقد الصفوف من خلل فيها، ويراعي كل جهة يميل العدو عليها بمدد يكون ~~عونا لها. ms029 السادس: أن يقوي نفوسهم بما يشعرهم من الظفر، ويخيل لهم من أسباب ~~النصر، ليقل العدو في أعينهم، فيكونون عليه أجرأ. قال تعالى (8: 43 - إذ ~~يريكهم الله في منامك قليلا ولو أراكهم كثيرا لفشلتم ولتنازعتم في الأمر) . # السابع: أن يعد أهل الصبر والبلاء منهم بثواب الله، إن كانوا من أهل ~~الآخرة، PageV01P044 # والجزاء والنفل من الغنيمة، إن كانوا من أهل الدنيا. قال تعالى (3: 145 - ~~ومن يرد ثواب الدنيا نؤته منها ومن يرد ثواب الآخرة نؤته منها) . الثامن: ~~أن يشاور ذوي الرأي فيما أعضل من الأمور، ويرجع إلى أهل الحزم فيما أشكل، ~~ليأمن من الخطأ ويسلم من الزلل، فيكون من الظفر أقرب. قال تعالى لنبيه - ~~صلى الله عليه وسلم- (3: 159 - وشاروهم في الأمر، فإذا عزمت فتوكل على ~~الله) فقد أمره بالمشاورة مع ما أمده من التوفيق، وأعانه من التأييد. ~~التاسع: أن يأخذ جيشه بما أوجبه الله تعالى من حقوقه، حتى لا يكون بينهم ~~تجوز في الدين. العاشر: أن لا يمكن أحدا من جيشه أن يتشاغل بتجارة أو ~~زراعة، يصرفه الاهتمام بها عن مصابرة العدو. ### ||| ومن أحكام هذه الإمارة # ما يلزم المجاهدين معه من حقوق الجهاد. وهو ضربان: أحدهما: ما يلزمهم في حق الله ~~تعالى. والثاني: ما يلزمهم في حق الأمير عليهم. أما اللازم لهم في حق الله ~~تعالى فأربعة أشياء: أحدها: مصابرة العدو عند التقاء الجمعين، وأن لا ينهزم ~~عدد من مثليه فما دون. فقد كان الله تعالى فرض في أول الإسلام على كل مسلم ~~أن يقاتل عشرة من الكفار، بقوله تعالى (8: 65 - الآن خفف الله عنكم وعلم أن ~~فيكم ضعفا، فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين، وإن يكن منكم ألفا ~~يغلبوا ألفين بإذن الله) . وحرم على كل مسلم أن ينهزم من مثليه، إلا لإحدى ~~حالتين: إما أن يتحرف لقتال، فيولي لاستراحة أو لمكيدة ويعود إلى قتالهم، ~~وإما أن تيحيز إلى فئة أخرى أو متحيزا إلى فئة قتالهم لقوله تعالى (8: 16 - ~~ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة فقد ms030 باء بغضب من ~~الله) . وسواء قربت الفئة التي تحيز إليها أو بعدت. فإن عجز عن PageV01P045 # مقاومة مثليه وأشرف على القتال، إن ثبت لم يجز أن يولي عنهم منهزما. # قال الخرقي " ولا يجوز للمسلم أن يهرب من كافرين" ومباح له أن يهرب من ~~ثلاثة فإن خشي الأسر قاتل حتى يقتل". الثاني: أن يقصد بقتاله نصرة دين الله ~~تعالى، وإبطال ما خالفه من الأديان، فيكون مطيعا لله تعالى في أوامره. ولا ~~يقصد بجهاده استفادة المغنم، فيصير من المتكسبين، لا من المجاهدين. والأصل ~~فيه: أن النبي - صلى الله عليه وسلم- لما فادى أسارى بدر بالمال عاتب الله ~~نبيه على ما فعل، فقال تعالى (8: 67 - ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى ~~يثخن في الأرض) . يعني القتل (تريدون عرض الدنيا) يعني مال الفداء (الله ~~يريد الآخرة) يعني العمل بما يوجب ثواب الآخرة. الثالث من حقوق الله: أن ~~يؤدي الأمانة فيما حازه من الغنائم، ولا يغل أحد منه شيئا حتى تقسم بين ~~جميع الغانمين ممن شهد الوقعة، وكانوا على العدو يدا واحدة. لأن لكل واحد ~~منهم فيها حقا. والرابع: من حقوق الله تعالى: أن لا يمالئ من المشركين ذا ~~قربى، ولا يحابي في نصرة الله ذا مودة. قال الله تعالى (60: 1 - يا أيها ~~الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة وقد كفروا ~~بما جاءكم من الحق) : نزلت في حاطب بن أبي بلتعة وقد كتب كتابا إلى أهل ~~مكة، يعلمهم فيه حال مسير النبي - صلى الله عليه وسلم- إليهم. فأما ما ~~يلزمهم في حق الأمير عليهم أربعة أشياء: أحدها: التزام طاعته، والدخول في ~~ولايته. قال تعالى (4: 59 - يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله والرسول وأولي ~~الأمر منكم) .قيل: هم الأمراء. وقيل: هم العلماء. وروى أبو هريرة - رضي ~~الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم- قال " من أطاعني فقد أطاع الله، ~~ومن أطاع أميري فقد أطاعني، ومن عصاني فقد عصى الله، ومن عصى أميري فقد ~~عصاني". PageV01P046 # الثاني: أن يفوضوا الأمر إلى رأيه، ويكلوه إلى تدبيره ms031 حتى لا تختلف ~~آراؤهم، وقد قال تعالى (4: 84 - ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم ~~لعلمه الذين يستنبطونه منهم) . # فإن ظهر لهم صواب خفي عليه بينوه لهم، وأشاروا به عليه، وقد ندب الله ~~تعالى إلى المشاورة. الثالث: أن يسارعوا إلى امتثال أمره، والوقوف عند نهيه ~~وزجره، فإن توقفوا عما أمرهم، وأقدموا على ما نهاهم عنه، كان له تأديبهم ~~على المخالفة حسب أحوالهم، ولا يغلط فينفر، وقد قال الله تعالى لنبيه (3: ~~159 - ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك) . وروى ابن المسيب عن النبي ~~- صلى الله عليه وسلم- قال: "خير دينكم أيسره". الرابع: أن لا ينارعوه في ~~الغنائم إذا قسموها بينهم، ويرضوا فيها بتعديل القسمة عليهم. ### ||| ومن أحكام هذه الإمارة # مصابرة الأمير قتال العدو وأن يطاول به، ولا يولي ~~عنهم وفيه قوة. قال الله تعالى (3: 200 - يا أيها الذين آمنوا اصبروا ~~وصابروا ورابطوا) . قيل فيه: اصبروا على طاعة الله، وصابروا أعداء الله، ~~ورابطوا في سبيل الله. وقيل: اصبروا على الجهاد، وصابروا العدو، ورابطوا ~~بملازمة الثغر. وإذا كانت مصابرة القتال من حقوق الجهاد، فهي لازمة حتى ~~يظفر بخصلة من أربع خصال: إحداهن: أن يسلموا، فيحرزوا بالإسلام دماءهم ~~وأموالهم. ويتبعهم في الإسلام صغار الأولاد. الثانية: أن يظفره الله تعالى، ~~فيسبي ذراريهم، ويغنم أموالهمن ويقتل من لم يحصل في الأسر. ويكون في الأسرى ~~مخيرا في استعمال الأصلح من أربعة أشياء: أن يقتلهم صبرا، فيضرب العنق. ~~الثاني: أن يسرقهم، ويجري عليهم أحكام الرق: من بيع، أو عتق. الثالث: أن ~~يفادي بهم على مال أو أسرى. الرابع: أن يمن عليهم، ويعفو عنهم. PageV01P047 # الخصلة الثالثة: أن يبذلوا مالا على المسألة والموادعة، فيجوز أن يقبله ~~منهم، ويوادعهم عليه، وهو على ضربين: أحدهما: أن يبذلوه لوقتهم، ولا يجعلوه ~~خراجا مستمرا، فهذا المال غنيمة، لأنه مأخوذ بإيجاف الخيل والركاب، فيقسم ~~بين الغانمين، ويكون ذلك أمانا لهم في الانكفاف به عن قتالهم في هذا ~~الجهاد، ولا يمنع من جهادهم فيما بعد. الضرب الثاني: أن يبذلوه في كل عام، ~~فيكون خراجا ms032 مستمرا، ويستقر به الأمان، والمأخوذ منهم في العام الأول ~~وغنيمة تقسم بين الغانمين، وما يؤخذ في الأعوام المستقبلة هو فيء يقسم في ~~أهل الفيء. ولا يجوز أن يعاد جهادهم ما كانوا مقيمين على بذل المال، ~~لاستقرار الموادعة بالأمان على نفسه وماله، فإن منعوا المال زالت الموادعة، ~~وارتفع الأمان، ولزم جهادهم وهم كغيرهم من أهل الحرب. فإن حمل أهل الحرب ~~هدية، ابتدأوا بها، لم يحصل لهم بالهداية عهد، وجاز حربهم بعدها، لأن العهد ~~كناية عن عقد. الخصلة الرابعة: أن يسألوا الأمان والمهادنة. # فيجوز ذلك، عند تعذر الظفر بهم، وعند أخذ المال منهم. وقد هادن رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم- قريشا عام الحديبية عشر سنين ذكره أبو بكر في كتاب ~~الخلاف. فإن هادنهم أكثر منها بطلت الهدنة فيما زاد. وإذا نقضوا العهد ~~صاروا حربا، يجاهدون من غير إيذان. قد نقضت قريش صلح الحديبية فسار إليهم ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم- عام الفتح، حتى فتح مكة عنوة. وإذا نقضوا ~~العهد لم يجز قتل من في أيدينا من رهائنهم. ذكره أبو بكر في الخلاف - في ~~أواخر أبواب السير- فقال: أخبرني أحمد بن الحسين قال: وجدت في كتاب أخي: ~~حدثني المبارك بن سليمان قال " سئل أحمد بن حنبل عن قوم من المشركين، بيننا ~~وبينهم كتاب، لا يغزونا ولا نغزوهم، ولا يقتلون لنا تاجرا، ولا نقتل لهم، ~~ويعطونا على ذلك الرهائن. ثم إنهم نكثوا وقتلوا، فما تقول في الرهائن؟ قال: ~~ليس عليهم شيء". وظاهر هذه منع قتلهم. PageV01P048 # ونقلت من مسائل أبي عبد الله النيسابوري - بطالقان - عن أحمد " أنه سئل ~~عن أهل الحرب، إذا أخذوا من المسلمين رهائن وأعطوا رهنا، ثم قتلوا رهننا، ~~هل لنا أن نقتل رهنهم كما قتلوا؟ فكأنه ذهب إلى أن نقتل رهنهم". والدلالة ~~على أنهم لا يقتلون: ما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم- أنه قال " أد ~~الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك". وروي أن الروم نقضوا عهدهم زمن ~~معاوية، وفي يده رهائن، فامتنع المسلمون جميعا من قتلهم، وخلوا سبيلهم، ~~وقالوا " وفاء ms033 بغدر خير من غدر بغدر". وإذا لم يجز قتل الرهائن لم يجب ~~إطلاقهم، ما لم نحاربهم، إذا حوربوا وجب إطلاق رهائنهم، وألحقوا بمأمنهم. ~~ويجوز أن يشترط في عقد الهدنة رد من أسلم من رجالهم، إذا أمنوا على رده، ~~فإن لم يأمنوا لم يجز رده عليهم. ولا يجوز رد من أسلم من نسائهم، فإن شرط ~~رد رهن لم يجز رد رهن. وإذا لم تدع الضرورة إلى عقد الهدنة لم تجز ~~مهادنتهم، ويجوز موادعتهم أربعة أشهر. # ويصح الأمان الخاص من الرجل والمرأة والحر والعبد. ### ||| ومن أحكام هذه الإمارة # أنه يجوز لأمير الجيش، في حصار العدو عليهم العرادات والمنجنيقات وقد نصب ~~النبي - صلى الله عليه وسلم- على أهل الطائف منجنيقا. ويجوز أن يهدم عليهم ~~منازلهم، ويضع عليهم البيات والتحريق. وإن رأى في قطع نخلهم وشجرهم صلاحا ~~يضعفهم به ليظفر بهم، أو يدخلوا في السلم PageV01P049 # فعل، وإن لم ير ذلك صلاحا لم يفعله. وقد قطع النبي - صلى الله عليه وسلم- ~~كروم أهل الطائف فكان سببا لإسلامهم. وأمر في حرب بني النضير بقطع نوع من ~~النخل يقال له الأصفر، يرى نواه من وراء اللحاء، وكانت النخلة منها أحب ~~إليهم من الوصيف. وقد نقل الجماعة عن أحمد، منهم المروزي، قال "إن فعلوا ~~بنا فعلنا بهم" وقال " لا أذهب إليه إلا إذا فعلوا بنا ذلك". وقد منع من ~~البداية وأجازه على المقابلة. ونقل الأثرم عنه قال " أكرهه، إلا أن يكون ~~ذلك يغيظهم ويبلغ منهم". وقال الميموني: سئل أبو عبد الله " أيماء أكثر: ~~يحرق في بلاد الروم، أو لا يحرق؟ قال: التحريق أكثر وأثبت". وظاهر هذا: ~~جواز ذلك، إذا كان فيه نكاية. ويجوز أن يغور عليهم المياه، ويقطعها عنهم، ~~وإن كان فيهم نساء وأطفال، لأنه أبلغ في الظفر بهم. وإذا استسقى منهم ~~عطشان، كان الأمير مخيرا بين سقيه ومنعه، كما كان مخيرا بين قتله وتركه. ~~ومن قتل منهم واراه عن الأبصار، ولم يلزمه تكفينه. قد أمر النبي - صلى الله ~~عليه وسلم- بقتلى بدر، فألقوا في القليب. ولا يجوز أن يحرق بالنار ms034 حيا أو ~~ميتا، لقوله - صلى الله عليه وسلم- " لا تعذبوا عباد الله بعذاب الله ". ~~وقد حرق أبو بكر - رضي الله عنه - قوما من أهل الردة. ومن قتل من شهداء ~~المسلمين زمل في ثيابه التي قتل فيها، ودفن بها، ولم يغسل. وفي الصلاة عليه ~~روايتان. # ولا يمنع الجيش من أكل طعامهم، وعلوفة دوابهم في ذلك الحرب، غير محتسب به ~~عليهم ولا يتعدوا القوت والعلوفة إلى ما سواها من ملبوس ومركوب، فإن دعتهم ~~ضرورة PageV01P050 # إلى ذلك كان ما لبسوه وركبوه مسترجعا منهم في المغنم، إن كان باقيا، ~~ومحتسبا عليهم من سهمهم إن كان مستهلكا. وهذا ظاهر كلام أحمد في رواية أبي ~~طالب، في (الصابون) يوجد في بلاد الروم يغسل به الرجل قال " لا"، ليس هو ~~طعام، ولا يغسل به". وقال أيضا - في رواية إسحاق بن إبراهيم - في الرجل ~~يسقطه سوطه يأخذ قضيبا من الشجر يعمل منه مقرعة، فقال "أرى أن يطرح في ~~المغنم، أو يطرح ثمنها في المغنم". ونقلت من مسائل إسحاق بن إبراهيم - في ~~الرجل يحتاج إلى الدابة من دواب السبي يركبها؟ قال: نعم، ولا يعجفها قيل ~~له: يأخذ السيف، ويلبس الثياب؟ قال: نعم، واحتج بحديث ابن مسعود "أنه أخذ ~~سيف أبي جهل فضربه به". وقد عمل به في ذلك الوقت. وسئل عن الثياب يحتاج ~~إليها، قال "يلبس ثيابهم، فإذا بلغ المغنم طرحها فيه". وظاهر هذا، أنه جعل ~~له الثياب والسلاح. ولا يجوز لأحد منهم أن يطأ جارية من السبي إلا أن ~~يعطاها بسهمه، ويطؤها بعد الاستبراء. فإن وطئها قبل القسمة عزر، ولم يحد، ~~لأن له فيها سهما، ووجب عليه مهرها، يضاف إلى الغنيمة. فإن أحبلها لحق به ~~ولدها، وصارت أم ولد لهم إن ملكها، فإن وطئ من لم يدخل في السبي حد، ولم ~~يلحق به ولدها إن علقت. وإذا عقدت هذه الإمارة على غزاة واحدة لم يكن ~~لأميرها أن يغزو غيرها سواء غنم فيها أو لم يغنم. وإذا عقدت عموما عاما بعد ~~عام، لزمه معاودة الغزو في كل وقت يقدر عليه، ms035 ولا يفتر عنه مع ارتفاع ~~الموانع إلا قدر الاستراحة. وأقل ما يجزيه: أن لا يعطل عاما من جهاد. ويلزم ~~هذا الأمير: أن ينظر في أحوال المجاهدين، ويقيم الحدود عليهم، ولا ينظر في ~~أحكام غيرهم ما كان سائرا إلى ثغره. فإن استقر في الثغر الذي تقلده جاز أن ~~ينظر في أحكام جميع أهله من مقاتلة ورعية. # وإن كانت إمارته خاصة أجرى عليه أحكام الخصوص. ### || فأما قتال أهل الردة # فإنه واجب بعد إنذارهم ثلاثة أيام، سواء كان المرتد رجلا أو امرأة. ولا يجوز ~~إقرار المرتد على ردته بجزية ولا عهد، ولا تؤكل لهم ذبيحة، ولا تنكح منهم ~~امرأة. وإذا قتل لم يغسل ولم يصل عليه، ولا يدفن في مقابر المسلمين، لخروجه ~~بالردة عنهم، PageV01P051 # ولا في مقابر المشركين، لما تقدمت له من حرمة الإسلام، ولكن يوارى ~~مقبورا، ويكون ماله فيئا في بيت مال المسلمين، مصروفا في أهل الفيء، ولا ~~يرثه عنه وارث مسلم ولا كافر. وإذا لحق المرتد بدار الحرب كان ماله في دار ~~الإسلام موقوفا عليه، فإن عاد إلى الإسلام أعيد إليه، وإن هلك على الردة ~~صار فيئا. فإن انحازوا في دار ينفردون بها عن المسلمين حتى صاروا فيها ~~ممتنعين، نحو بلد القرمطي وجب قتالهم على الردة بعد مناظرتهم على الإسلام ~~واستتابتهم، ويقاتلون قتال أهل الحرب مقبلين ومدبرين. ومن أسر منهم قتل ~~صبرا إن لم يتب. ولا يجوز أن يسترق رجالهم، وتغنم أموالهمن وتسبى ذراريهم ~~الذين حدثوا بعد الردة. وقد قال أحمد - رضي الله عنه - في رواية أبي طالب ~~في خرمية كان لهم سهم في قرية، فخرجوا يقاتلون المسلمين. هم المسلمون ~~فأرضوهم فيء للمسلمين من قاتل عليه حتى أخذ، فيؤخذ خمسة يقسم على خمسة أسهم ~~وأربعة أخماس الذين فاءوا مثل ما أخذ عمر السواد، فقد وقفه على المسلمين. ~~وقال - في رواية الفضل - في رجل ارتد في أرض الترك وتزوج فيهم وولد له " ~~يردون إلى الإسلام إلا أنهم يكونون عبيدا للمسلمين". وقال في رواية أحمد بن ~~سعيد في المحمرة الخرمية إذا خرجوا حتى ms036 ذراري المرتدين سبا الولدان. والوجه ~~في سبي الولدان والذراري والأموال: أنها دار تجري فيها أحكام أهل الحرب ~~فكانت دار حرب دليله أهل الحرب بالكفر الأصلي. والوجه في استرقاق الولد ~~الحادث بعد الردة: أنه كافر ولد من كافرين فجاز استرقاقه كسائر أولاد أهل ~~الحرب. # وما أتلفوا من الأولاد والأنفس في حال تحيزهم بالدار أخذوا بذلك. قال في ~~رواية ابن منصور - في مرتد دار الحرب فقتل أو زنى أو سرق - " يعجبني أن ~~يقام عليه حد ما أصاب هناك". وكذلك قال في رواية مهنا، في المرتد إذا قطع ~~الطريق ولحق بدار الحرب، فأخذه المسلمون: يقام عليه ويقتص منه. PageV01P052 # والوجه فيه: أنهم قد التزموا أحكام المسلمين، وليس لهم تأويل سائغ، فكان ~~عليهم الضمان. دليله المحاربون في قطع الطريق. ولا يلزم أهل دار الحرب، ~~لأنهم لم يلزموا أحكام المسلمين، ولا يلزم عليه البغاة، لأن لهم تأويلا ~~سائغا. ولا يجوز أن يهادنوا على الموادعة، بخلاف أهل دار الحرب. ولا ~~يصالحون على مال يقروا به على ردتهم، بخلاف أهل دار الحرب. ومن ادعيت عليه ~~الردة فأنكرها، كان القول قوله بغير يمين. ولو قامت البينة عليه بالردة لم ~~يصر مسلما بالإنكار، حتى يتلفظ بالشهادتين. وإذا امتنع قوم من أداء الزكاة ~~إلى الإمام العادل جاحدين لها، كانوا مرتدين يجري عليهم حكم أهل الردة. وإن ~~منعوها مع اعترافهم بها بخلا، قاتلهم الإمام، كما قاتلهم أبو بكر الصديق ~~رضي الله عنه، لما منعوا الزكاة ن حتى قال قائلهم: أطعنا رسول الله ما كان ~~بيننا فيا عجبا، ما بال ملك أبو بكر؟. فإن امتنعوا قتلهم على ملة الإسلام، ~~كما يقتل المحاربين بعد أن يستتيبهم ثلاثة أيام، وقد قال أحمد في رواية أبي ~~طالب " إذا قال: الزكاة على ولا أزكي، يقال له، مرتين أو ثلاثا زك. فإن لم ~~يزك، يستتاب ثلاثة أيام، فإن تاب وإلا ضربت عنقه". فقد نص على قتلهم. وقال ~~في رواية الميموني " إذا منعوا الزكاة، كما منعوا أبا بكر، وقاتلوا عليها، ~~لم يورثوا ولم يصل عليهم". وهذا محمول على أنهم ms037 منعوا مع عدم اعتقاد ~~الوجوب، كما منع أهل الردة، فأما مع الاعتقاد فلا يكفرون. وقد قال في رواية ~~عبدوس " من ترك الصلاة فقد كفر وليس من الأعمال شيء تركه كفر إلا الصلاة". PageV01P053 ### || وأما قتال أهل البغي # وهم الذين يخرجون على الإمام، ويخالفون الجماعة، ~~وينفردون بمذهب ابتدعوه، نظرت. فإن لم يخرجوا به عن المظاهرة بطاعة الإمام، ~~ولا تحيزوا بدار اعتزلوا فيها، وكانوا أفرادا متفرقين تنالهم القدرة، وتمتد ~~إليهم اليد، تركوا ولم يحابوا، وأجريت عليهم أحكام أهل العدل في الحقوق ~~والحدود. وقد عرض قوم من الخوارج لعلي - رضي الله عنه - بمخالفة رأيه، وقال ~~أحدهم وهو يخطب على منبره "لا حكم إلا لله تعالى". فقال علي "كلمة حق أريد ~~بها باطل، لكم علينا ثلاث: لا نمنعكم مساجد الله أن تذكروا فيها اسم الله، ~~ولا نبدؤكم بقتال، ولا نمنعكم الفيء ما دامت أيديكم معنا". فإن تظاهروا ~~باعتقادهم، وهم على اختلاطهم بأهل العدل، أوضح لهم الإمام فساد ما اعتقدوه، ~~وبطلان ما ابتدعوه، ليرجعوا عنه إلى اعتقاد الحق، وموافقة الجماعة. PageV01P054 # وجاز للإمام أن يعزر من تظاهر بالعناد، أدبا وتعزيرا، ولم يتجاوزه إلى ~~قتل ولا حد. لقول النبي - صلى الله عليه وسلم- " لا يحل دم امرئ مسلم إلا ~~بإحدى ثلاث: كفر بعد إيمان، وزنا بعد 'إحصان، وقتل نفس بغير نفس". وإن ~~اعتزلت هذه الطائفة الباغية أهل العدل، وتحيزت بدار تميزت فيها. نظرت، فإن ~~لم تمتنع من حق، ولم تخرج عن طاعة، لم يحاربوا، ما داموا مقيمين على ~~الطاعة، وتأدية الحقوق. وقد اعتزلت طائفة من الخوارج عليا - رضي الله عنه - ~~بالنهروان، فولى عليهم عاملا أقاموا على طاعته زمانا، وهولهم موادع إلى أن ~~قتلوه، فأرسل إليهم سلموا قاتله، فأبوا، وقالوا: كلنا قتله. قال: فاستسلموا ~~إذا أقتلكم. فسار إليهم فقتل أكثرهم. # فإن امتنعت هذه الطائفة الباغية من طاعة الإمام، ومنعوا ما عليهم من ~~الحقوق، وتفردوا باجتباء الأموال، وتنفيذ الأحكام. نظرت، فإن فعلوا ذلك، ~~ولم ينصبوا لأنفسهم إماما، كان ما اجتنبوه من الأموال غصبا، لا تبرأ منه ~~ذمة، وما نفذوه من الأحكام ms038 مردودا، ولا يثبت به حق، وإن نصبوا إماما اجتبوا ~~بقوله الأموال، ونفذوا بأمره الأحكام، لم يتعرض على أحكامهم بالرد، ولا على ~~ما اجتبوه بالمطالبة، وحوربوا حتى يفيئوا إلى الطاعة. قال تعالى (49: 9 - ~~وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على ~~الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله) . وإذا قلد الإمام أميرا ~~على قتال البغاة، قدم قبل القتال إنذارهم وإعزارهم، ولا يهجم عليهم غرة، ~~ويكون قصده بالقتال ردعهم، ولا يتعمد به قتلهم، بخلاف قتال المشركين ~~والمرتدين، ويقاتلهم مقبلين، ويكف عنهم مدبرين، بخلاف أهل الحرب والمرتدين. ~~ولا يقتل أسراهم، ويجوز قتل أسرى أهل الحرب والمرتدين. ويعتبر أحوال من في ~~الأسر منهم. فمن أمنت رجعته إلى القتال أطلق، ومن لم تؤمن منه الرجعة حبس ~~حتى ينجلي الحرب، ثم يطلق ولا يحبس بعدها، ولا تغنم أموالهم، ولا تسبى ~~ذراريهم، ولا يستعين على قتالهم بمشرك معاهد، ولا ذمي. وقد منع أحمد من ذلك ~~في قتال أهل الحرب، فأولى في قتال البغاة. ولا يهادنهم إلى مدة، ولا ~~يوادعهم على مال، فإن هادنهم إلى مدة لم تلزم، وإن PageV01P055 # ضعف عن قتالهم انتظر بهم القوة عليهم، وإن وادعهم على مال بطلت الموادعة، ~~ونظر في المال، فإن كان من فيئهم أو من صدقاتهم، لم يرده عليهم، وصرف ~~الصدقات في أهلها. والفيء في مستحقه. وإن كان من خالص أموالهم لم يجز أني ~~يتملكه عليهم، ووجب رده إليهم، لأنهم بذلوه على ما قد منعوه. ولا ينصب ~~عليهم العرادات، ولا يحرق عليهم المساكن، ولا يقطع الشجر، لأنها دار ~~الإسلام. وقد حكاه أبو بكر في كتاب الخلاف عن أحمد، في رواية محمد بن ~~الحكم. # ولا يرمون بالمنجنيق إذا قاتلوا المحمرة. فإن أحاطوا بأهل العدل، وخافوا ~~منهم الاصطدام، جاز أن يدفعوا عن أنفسهم بما استطاعوا، من اعتمادهم قتلهم، ~~ونصب العرادات عليهم، لأن للمسلم أن يدفع عن نفسه بقتل طالبها، إذا لم ~~يندفع إلا به. ولا يجوز أن يستمتع بدوابهم، ولا بسلاحهم في قتالهم، ولا في ~~غيره. وإذا انجلت الحرب ms039 - ومع أهل العدل أموال - ردت عليهم، وما يتلف منها ~~في غير القتال فهو مضمون على متلفه، وما أتلف عليهم في نائرة الحرب من نفس ~~ومال، فهو هدر، وما أتلفه أهل العدل في غير نائرة الحرب من نفس أو مال، فهو ~~مضمون عليهم وما أتلفوه في نائرة الحرب فلا ضمان عليهم، وهو هدر. ويصلى على ~~قتلى أهل البغي، ويغسلون. وأما قتلى أهل العلد ففي غسلهم والصلاة عليهم ~~روايتان: إحداهما: لا يغسلون ولا يصلى عليهم، لأن قتالهم للذب عن الدين فهو ~~كقتال الكفار. والثانية: يغسلون ويصلى عليهم، قد صلوا على عمر، وعثمان، ~~وعلي، وغسلوهم، وإن كان قتلهم ظلما. وإذا مر تجار أهل الذمة بعشار أهل ~~البغي، فعشر أموالهم، ثم قدر عليهم عشروا، ولم يجزهم المأخوذ منهم بخلاف ~~المأخوذ من الزكوات، لأنهم مروا بهم مجتازين، والزكاة تؤخذ من المقيمين. ~~وإاذ أتى أهل البغي قبل القدرة عليهم حدودا، أقيمت عليهم بعد القدرة عليهم. ~~ولا يرث باغ قتل عادلا، وأما العادل فإذا قتل باغيا ورثه، وكذلك كل قتل بحق PageV01P056 # كالقتل قصاصا، أو دفعا عن نفسه، أو قتل الإمام مورثه، لأنه أقر عنده ~~بقصاص، أو زنا، أو في قطع الطريق. وقد قال أحمد في رواية أبي النضر وبكر بن ~~محمد: في أربعة شهدوا على أختهم بالزنا، فرجمت ورجموا مع الناس، فهم غير ~~قتلة. يرثونها. وقال أبو بكر في كتاب الخلاف: إذا قتل العادل الباغي في ~~الحرب، فإنهما يتوارثان. والوجه فيه: أن أحكام القتل: القصاص، والمأثم، ~~والدم، والكفارة. وهذه الأحكام لا تعلق بالقتل، كذلك حرمان الميراث. ### || وأما قتال المحاربين وقطاع الطريق # فإذا اجتمعت طائفة من أهل الفساد على ~~شهر السلاح، وقطع الطريق، وأخذ الأموال، وقتل النفوس، وقتل السابلة، ~~فحدودهم مرتبة باختلاف أحوالهم، لا باختلاف صفاتهم. فمن قتل وأخذ المال: ~~قتل وصلب. ومن قتل ولم يأخذ المال: قتل ولم يصلب. ومن أخذ المال ولم يقتل: ~~قطعت يده ورجله من خلاف. ومن أظهر السلاح، ولم يأخذ المال عزر، ولم يقتل. ~~وتعزيره: نفيه من بلد إلى بلد، ومن قرية إلى ms040 قرية. PageV01P057 # فإن تابوا قبل أن يقدر عليهم الإمام: سقطت عنهم حدود الله تعالى، ولا ~~تسقط حقوق الآدميين. وقتالهم مخالف لقتال أهل البغي من خمسة أوجه: أحدها: ~~يجوز قتالهم مقبلين ومدبرين، لاستيفاء الحقوق منهم، ولا يجوز اتباع من ولى ~~من أهل البغي. وقد قال أحمد في رواية ابن منصور، والفضل، وبكر بن محمد: " ~~إذا ولي فلا تتبعاه". وهذا محمول على ما إذا ولي ولم يتعلق به حق من قصاص ~~أو مال، لأنه قال في رواية أبي طالب " إذا أخذ المال وهرب اتبعه، فإن ألقاه ~~فلا تتبعه". الثاني: أنه يجوز أن يتعمد في الحرب قتل من قتل منهم، ولا يجوز ~~أن يتعمد قتل أهل البغي. الثالث: أنهم يؤاخذون بما استهلكوه من مال، ودم في ~~الحرب وغيرها، بخلاف أهل البغي. الرابع: يجوز حبس من أسر منهم، لاستبراء ~~حاله، وإن لم يجز حبس أحد من أهل البغي. الخامس: أن ما اجتبوه من خراج، ~~وأخذوه من صدقات، فهو كالمأخوذ غصبا: لايسقط عن أهل الخراج والصدقات حقا، ~~بخلاف أهل البغي. # وإذا كان المولى على قتالهم مقصور الولاية على محاربتهم فليس له بعد ~~القدرة أن يقيم عليهم الحدود، ولا أن يستوفي منهم حقا، ولزمه حملهم إلى ~~الإمام ليأمر بإقامة الحدود عليهم واستيفاء الحقوق منهم # وإذا كانت ولايته عامة على قتالهم، واستيفاء الحدود والحقوق منهم: فلابد ~~أن يكون من أهل العلم والعدالة لينفذ حكمه فيما يقيمه من حدود، ويستوفيه من ~~حقوق. والكشف عن أحوالهم من أحد وجهين: إما بإقرارهم طوعا من غير إكراه، ~~ولا ضرب، أو بقيام البينة العادلة على من أنكر. فإذا علم من أحد هذين ~~الوجهين ما فعله كل واحد منهم من جرائم نظر. فمن كان منهم قتل وأخذ المال ~~قتله وصلبه بعد القتل. وهذا القتل محتوم لا يجوز العفو عنه، وإن عفي ولي ~~الدم كان عفوه لغوا، ويصلبه ثلاثة أيام لا يتجاوزها، ثم يحطه. ومن قتل منهم ~~ولم يأخذ المال قتله، ولم يصلبه، غسله وصلى عليه. PageV01P058 # ومن أخذ منهم المال ولم يقتل، قطعت يده ورجله ms041 من خلاف، وكان قطع يده ~~اليمنى لسرقته، وقطع رجله اليسرى لمجاهرته. ومن خرج منهم ولم يقتل، ولم ~~يأخذ المال اقتص منه بالخراج، إن كان في مثله قصاص وهو إلى خيار مستحقه يجب ~~بمطالبته، ويسقط بعفوه وليس بمحتم، وإن كان مما لاقصاص فيه وجبت ديته ~~للمجروح إن طالب بها، وتسقط إذا عفاه. ومن كان منهم ردءا أجرى عليهم أحكام ~~قطاع الطريق، وإن لم يباشروا بالفعل. وإن تابوا من جرائمهم بعد القوة ~~عليهم، سقطت عنهم المآثم، دون المظالم، فيؤخذون بما وجب عليهم من الحدود ~~والحقوق. وإن تابوا قبل القدرة عليهم، سقطت عنهم مع المآثم حدود الله ~~تعالى، ولم تسقط حقوق الآدميين. فمن كان قد قتل منهم فالخيار إلى ولي الدم ~~في القصاص أو العفو، ويسقط بالتوبة انحتام القتل، والقطع، والصلب. وتجري ~~أحكام قطاع الطريق والمحاربين في الأمصار، كما تجري عليهم في الصحاري. وقد ~~سئل أحمد رحمه الله تعالى عن المحاربين في المصر، فتوقف عن الجواب فيهم. ~~وقال الخرقي في مختصره: والمحاربون الذين يعرضون للقوم في الصحراء بالصلاح. # وإذا دعوا التوبة قبل القدرة عليهم نظرت، فإن لم تقترن بالدعوى أمارات ~~تدل على التوبة لم تقبل دعواهم لها في سقوط حدود، وإن اقترفت بدعواهم ~~أمارات تدل على التوبة قبلت، ليكون ذلك شبهة يصح بها درء الحد. وأصل هذا من ~~كلام أحمد رحمه الله ما قاله في رواية أي داود ومهنا، فقال في رواية أبي ~~داود في سرية دخلت بلاد الروم فاستقبلهم أعلاج، فأخذوهم فقالوا: جئنا ~~مستأمنين، فإن استدل عليهم بشيء قيل له: إنهم وقفوا فلم يجردوا سلاحا. فرأى ~~أن لهم الأمان. PageV01P059 # وقال في رواية مهنا في سفينة أخذت في البحر فيها روم، فقالوا: نحن جئنا ~~بأمان، فقال: " ينظر في حالهم، إن كان معهم سلاح". فقد اعتبر الظاهر في حقن ~~دمائهم، وهذا مثله هاهنا. ويتخرج فيه وجه آخر: لا يقبل قولهم في التوبة إلا ~~ببينة تشهد لهم بالتوبة قبل القدرة عليهم، لأنها حدود قد وجبت، والشبهة ما ~~اقترفت بالفعل، بل تأخرت عنه. وأصل هذا من ms042 كلام أحمد رحمه الله تعالى: ما ~~قاله في رواية يعقوب بن بختان في الرجل من المسلمين جاء برجل من العدو، ~~فقال أسرته، وقال العلج: بل أعطاني الأمان، فقال: إذا كان الرجل صالحا لم ~~يقبل قول العلج. وكذلك قال في رواية محمد بن يحيي الكحال في الأسير يخرج من ~~بلاد الروم ومعه علج، فيقول العلج: أنا خرجب به، ويقول الأسير: أنا خرجت ~~به، فقالك "أولى أن يقبل قول المسلم". فلم يقبل قوله وإن كان ذلك يعود بحقن ~~دمه. ### | فصل فأما ولاية القضاة # فلا يجوز تقليد القضاء إلا لمن كملت في سبع شرائط: الذكورية، والبلوغ، ~~والعقل، والحرية، والإسلام، والعدالة، والسلامة في السمع والبصر، والعلم. ~~أما الذكورية فلأن المرأة تنقص عن كمال الولايات، وقبول الشهادات. أما ~~البلوغ والعقل، فلأن الصبي والمجنون لا يليان على أنفسهما، فأولى أن لا ~~يليان على غيرهما، ولأن طريق الاجتهاد في الحوادث، وأعيان الشهور معدومة ~~فيهما. PageV01P060 # وأما الحرية فلأن العبد ليس من أهل الولايات، ولا كامل الشهادات. # وأما الإسلام، فلأن الفاسق المسلم لا يجوز أن يلي فأولى أن لا يلي ~~الكافر. وأما العدالة، فلأن الفاسق متهم في دينه، والقضاء طريقه الأمانات. ~~وأما السلامة في السمع والبصر، فليعرف المدعي من المنكر، ولا يتحصل هذا ~~للضرير والأطروش. وأما السلامة في بقية الأعضاء فغير معتبرة، لأنه يتأتى ~~منه الحكم. ويفارق الإمامة الكبرى بأن فقد بعض الأعضاء لأنه لا يتأتى ~~استيفاء الحقوق مع عدمها من الوجه الذي ذكرنا فيما قبل. وأما العلم فلا بد ~~أن يكون عالما بالأحكام الشرعية، ومعرفتها تقف على معرفة أصول أربعة: ~~أحدها: المعرفة من كتاب الله بما تضمنه من الأحكام ناسخا ومنسوخا، ومحكما ~~ومتشابها وعموما وخصوصا، ومجملا ومفسرا. الثاني: علمه بسنة رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم- الثابتة من أفعاله وأقواله، وطرق مجيئها في التواتر ~~والآحاد، والصحة والفساد، وما كان على سبب أو إطلاق. الثالث: علمه بأقاويل ~~السلف فيما أجمعوا عليه، واختلفوا فيه، ليتبع الإجماع، ويجتهد رأيه مع ~~الاختلاف. الرابع: علمه بالقياس الموجب لرد الفروع المسكوت عنها إلى الأصول ~~المنطوق ms043 بها والجمع عليها. PageV01P061 # فإذا عرف ذلك صار من أهل الاجتهاد، وجاز له أن يفتي ويقضي. ومن لم يعرف ~~ذلك لم يكن من أهل الاجتهاد ولم يجز له أن يفتي ولا يقضي، فإن قلد القضاء ~~كان حكمه باطلا، وإن وافق الصواب. لعدم الشرط. والعلم بأنه من أهل الاجتهاد ~~يحصل بمعرفة متقدمة، وباختباره، ومسألته. قد قلد رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم- عليا قضاء اليمن، ولم يختبره لعلمه به. ولكن صار تنبيها على وجه ~~القضاء. فقال "إذا حضر الخصمان بين يديك فلا تقض لأحدهما حتى تسمع من ~~الآخر، قال علي فما أشكلت على قضية بعد". وبعث معاذا إلى ناحية اليمن ~~فاختبره. فقال له " بم تقض؟ قال: بكتاب الله. قال: فإن لم تجد؟ قال: بسنة ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: فإن لم تجد؟ قال أجتهد رأيي". PageV01P062 # فأما نفاة القياس فهل يجوز أن يولوا القضاء؟ نظرت، فإن نفوه واتبعوا ظاهر ~~النص، وأخذوا بأقاويل سلفهم فيما لم يرد فيه نص، واطرحوا الاجتهاد، وعدولوا ~~عن الفكر والاستنباط لم يجز تقليدهم القضاء، لقصورهم عن طرق الأححام. وهذا ~~ظاهر كلام أحمد في رواية بكر ابن محمد بن الحكم في الإمام والحاكم يرد عليه ~~أمر من أمور المسلمين، فلا بد للإمام والحاكم من أن يجمع له الناس، ويقيس ~~ويشبه، لأن هذا عليه وعلى الحاكم، لما كتب عمر إلى شريح " أن قس الأمور". ~~وإن نفى القياس ولكن اجتهد في الأحكام تعلقا بمضمون الكلام، ومفهوم الخطاب، ~~كأهل الظاهر. احتمل المنع أيضا للمعنى الذي ذكرنا. وهو ظاهر كلام أحمد، ~~لأنه قال" يقيس ويشبه". ويحتمل الجواز. لأنهم يعتبرون واضح المعاني، وإن ~~عدلوا عن خفي القياس. ويجوز لمن يعقد مذهب أحمد أن يقلد القضاء من يعتقد ~~مذهب الشافعي، لأن على القاضي أن يجتهد رأيه في قضائه، ولا يلزمه أن يقلد ~~في النوازل والأحكام من اعتزى إلى مذهبه. وإذا نفذ قضاؤه بحكم وتجدد مثله ~~من بعد أعاد الاجتهاد فيه. ونص بما أداه اجتهاده إليه. وإن خالف ما تقدم من ~~حكمه، لأن عمر - رضي الله ms044 عنه - قضى في المشتركة بالتشريك في عام، وترك ~~التشريك في غيره. فقيل له: ما هكذا حكمت في العام الماضي؟ فقال: تلك على ما ~~قضينا وهذه على ما نقضي". فإن كان المولى على مذهب فشرط على من ولاه القضاء ~~أن لا يحكم إلا بمذهبه. فهذا شرط باطل. وهل تبطل الولاية؟ نظرت. فإن لم ~~يجعله شرطا فيها، لكن أخرجه مخرج الأمر والنهي، بأن قال له: قد قلدتك ~~القضاء فاحكم بمذهب أحمد على وجه الأمر، ولا تحكم بمذهب أبي حنيفة على وجه ~~النهي فالولاية صحيحة. والشرط فاسد. وإن أخرجه مخرج الشرط في عقد الولاية، ~~فقال: قد قلدتك القضاء على أن لا تحكم فيه بمذهب أحمد، فهذا عقد شرط فيه ~~شرطا فاسدا، فهل يبطل العقد؟ على روايتين بناء على البيع إذا قارنه شرط ~~فاسد. PageV01P063 # فإن كان الشرط خاصا في حكم بعينه نظرت أيضا. فإن لم يخرجه مخرج الشرط، ~~لكن أخرجه مخرج الأمر. فقال: أقد من العبد بالحر، ومن المسلم بالكافر. ~~فالشرط باطل، والعقد صحيح، وإن جعله شرطا فهل يبطل العقد؟ على الروايتين. ~~وإن كان نهيا، فإن نهاه عن الحكم في قتل المسلم بالكافر، والحر بالعبد، وأن ~~لا يقضى فيه بوجوب قود، ولا بإسقاطه، جاز لأنه اقتصر بولايته على ما عداه. ~~وإن لم ينه عن الحكم فيه، ونهاه عن القضاء بالقصاص، احتمل أن يكون صرفا عن ~~الحكم فلا يحكم فيه بإثبات قود ولا بإسقاطه. ويحتمل أن لايقضي الصرف، ويجري ~~عليه حكم الأمر به، فيبطل حكم الأمر ن ويثبت صحة النظر إذا لم يجعله شرطا ~~في التقليد، ويحكم بما يؤديه اجتهاده إليه. ### || ولاية القضاء # وتنعقد مع الحضور بالمشافهة، ومع الغيبة بالمراسلة والمكاتبة. # والألفاظ التي تنعقد بها الولاية ضربان: صريح، وكناية. # فالصريح أربعة ألفاظ " قد وليتك، وقلدتك، ~~واستخلفتك، واستنبتك". فإذا وجد أحد هذه الألفاظ انعقدت به ولاية القضاء ~~وغيرها من الولاياتن ولا يحتاج معها إلى قرينة. وأما الكتابة فقد قيل: ~~إنهها سبعة ألفاظ: " قد اعتمدت عليك، وعولت عليك، ورددت إليك، وجعلت إليك، ~~وفوضت إليك، ووكلت إليك، وأسندت ms045 إليك". فإن اقترن بها قرينة صارت في حكم ~~الصريح، نحو قوله "قانظر فيما وكلته إليك. واحكم فيها اعتمدت فيه عليك". ~~فإن كان التقليد مشافهة فقبوله على الفور لفظا، وإن كان مراسلة، أو مكاتبة: ~~جاز أن يكون على التراخي. فإن لم يوجد منه القبول لفظا، لكن وجد منه الشروع ~~في النظر، احتمل أن يجري ذلك مجرى النطق، واحتمل لا يجري لأن الشروع في ~~النظر فرع لعقد الولاية فلم ينعقد به قبولها. ويفتقر صحة الولاية إلى شروط: PageV01P064 # أحدها: معرفة المولي للمولى، وأنه على الصفة التي يجوز أن يولى معها. فإن ~~لم يعلم أنه على الصفة التي تجوز معها تلك الولاية لم يصح تقليده. # فإن عرفها بعد التقليد استأنفها، ولم يعول على ما تقدمها. الثاني: معرفة ~~المولي أن المولى على الصفة التي تستحق الولاية. الثالث: ذكر ما تضمنه ~~التقليد. من ولاية القضاء، أم إمارة البلاد، أو جباية الخراج، لينظر على أي ~~صفة انعقدت. الرابع: ذكر البلاد التي انعقدت الولاية عليها. فإن عقدت مع ~~الجهل لم يصح. ويحتاج في لزوم النظر إلى شرط زائد على شروط العقد، وهو ~~إشاعة تقليد المولى في أهل عمله، ليذعنوا بالطاعة له، وينقادوا إلى حكمه، ~~وهو شرط في لزوم الطاعة، وليس بشرط في نفوذ الحكم. وإذا صحت الولاية بما ~~ذكرنا. فقد قيل: إن نظر المولي والمولى كالوكالة، لأنهما معا استنابة، ولم ~~يلزم المقام عليها من جهة المولى، وكان للمولي عزله متى شاء، وللمولى ~~الانعزال عنها إذا شاء، غير أن الأولى بالمولي أن لا يعزله إلا بعذر. وأن ~~لا يعتزل المتولي إلا من عذر، لما في هذه الولاية من حقوق المسلمين. وقد ~~قيل: ليس للمولي عزله ما كان مقيما على الشرائط، لأنه بالولاية يصير ناظرا ~~للمسلمين على سبيل المصلحة لا عن الإمام. ويفارق الموكل، فإن له عزله ~~وكيله، لأنه ينظر في حق موكله خاصة. وقد قال أحمد في رواية يوسف بن موسى، ~~وقد سئل عن الإمام يعزل، فيصلي بالناس الجمعة؟ قال " لا بأس: قد كان الحسن ~~يأمر من يصلى بالناس ms046 في فتنة المهلب". وظاهر هذا أنه أجاز عزله. لأنه لم ~~ينكر سؤالهم عزله. والظاهر: أن المراد به عزل إمامة الخلافة.لأنه استشهد ~~بفعل الحسن في قصة المهلب. وإذا عزل أو اعتزل وجب إظهار العزل، كما وجب ~~إظهار التقليد، حتى لا يقدم على إنفاذ حكم، ولا يغتر بالترافع إليه خصم. ~~فإن حكم بعد عزله - وقد عرف العزل - لم ينفذ حكمه، وإن حكم غير عالم بعزله ~~كان في نفوذه حكمه وجهان مبنيان على الوكالة، إذا تصرف الوكيل بعد العزل ~~وقبل العلم. وإذا كانت ولاية القاضي عامة فنظره يشتمل على عشرة أحكام: ~~أحدها: فصل المنازعات، وقطع التشاجر، والخصومات. # إما صلحا عن تراض، أو إجبارا بحكم بات. الثاني: استيفاء الحقوق من ~~الممتنع منها وإيصالها إلى مستحقها بعد ثبوت استحقاقها بالإقرار، أو ~~البينة، ولا يجوز الحكم بعلمه. PageV01P065 # الثالث: ثبوت الولاية على من كان ممنوعا من التصرف لجنون أو صغر، والحجر ~~على من يرى الحجر عليه لسفه أو فلس، حفظا للأموال على مسحقيها. الرابع: ~~النظر في الأوقاف بحفظ أصولها، وتنمية فروعها، وقبض غلتها، وصرفها في ~~سبلها، فإن كان عليها مستحق للنظر راعاه، وإن لم يكن تولاه. الخامس: تنفيذ ~~الوصايا على شروط الموصي فيما أباحه الشرع، فإن كانت لمعينين نفذها ~~بالإقباض، وإن كانت لغير معينين كان تنفيذها إلى اجتهاد النظر. السادس: ~~تزويج الأيامى بالأكفاء، إذا عدم الأولياء، ودعين إلى النكاح. السابع: ~~إقامة الحدود على مستحقيها، فإن كان من حقوق الله تعالى تفرد باستيفائه من ~~غير مطالب، إذا ثبت بالإقرار أو البينة، وإن كانت من حقوق الآدميين وقفت ~~على طلب مستحقيها. الثامن: النظر في مصالح عمله، من الكف عن التعدى في ~~الطرقات والأفنية، وإخراج الأجنحة والأبنية، وله أن ينفرد بالنظر فيها، وإن ~~لم يحضر خصم. التاسع: تصفح شهوده وأمنائه، واختبار النائبين عنه من خلفائه، ~~في إقرارهم والتعويل عليهم، مع السلامة والاستقامة، وصرفهم والاستبدال بهم، ~~مع ظهور الجرح والخيانة، ومن ضعف منهم عما يعانيه كان بالخيار، بين أن ~~يستبدل به من هو أقوى منه، أو يضم إليه غيره. وقد قال ms047 أحمد، في رواية حنبل ~~" ينبغي للرجل أن يسأل عن شهوده كل قليل، لأن الرجل يتغير حاله إلى حال". ~~العاشر: التسوية في الحكم بين القوي والضعيف، والشريف والمشروف، ولا يتبع ~~هواه في الحكم. # وقد روي عن شريح أنه قال " أصاب أمير المؤمنين علي - رضي الله عنه - درعا ~~له - سقطت منه، وهو يريد صفين - مع يهودي، فقال: يا يهودي هذه الدرع سقطت ~~مني ليلا، وأنا أريد صفين، فقال: بل هي درعي وفي يدي، فقدمه إلى شريح، ~~فارتفع علي على اليهودي. ثم قال لشريح: لولا أنه ذمي لجلست معه مجلس ~~الخصوم. PageV01P066 # وليس هذا القاضي - وإن عمت ولايته - جباية الخراج، لأن مصرفه موقوف على ~~رأي ولاة الجيوش. وأما أموال الصدقات، فإن اختصت بناظر خرجت من عموم ~~ولايته، وإن لم يندب لها ناظر، فقد قيل: تدخل في عموم ولايته، لأنها من ~~حقوق الله تعالى فيمن سماه، وقيل: لا تدخل في ولايته، لأنها من حقوق ~~الأموال التي تحمل على اجتهاد الأئمة. PageV01P067 # وكذلك القول في إمامة الجمعة والأعياد. فإن كانت ولايته خاصة فيه مقصورة ~~النظر على ما تصمنته، كمن جعل له القضاء في بعض ما قدمناه من الأحكام، أو ~~في الحكم بالإقرار دون البينة، أو في الديون دون المناكح، أو في مقدار من ~~المال، فيصح التقليد، ولا يجوز أن يتعداه، لأنها ولاية فصحت عموما وخصوصا ~~كالوكالة. وقد نص أحمد على صحتها في قدر المال، فقال، في رواية أحمد بن ~~النضر: في رجل أشهد على ألف درهم، وكان الحاكم لا يحكم إلا في مائة ~~ومائتين، فقال: "لا تشهد إلا ما أشهدت عليه". وكذلك قال، في رواية الحسن بن ~~محمد، في رجل أشهد على ألف، ولا يحكم في البلاد إلا على مائة " لا تشهد إلا ~~بألف". فقد نص على جواز القضاء في قدر من المال. ووجهه: ما ذكرنا. # ومنع من تبعيض الشهادة إذا كانت بقدر يزيد على ما جعل له فيه، بل يشهد ~~بذلك، ويحكم الحاكم من ذلك بما جعل له لأنه إذا شهد بخمسمائة عند هذا ~~القاضي، وشهد ms048 بالخمس المائة الأخرى عند قاض آخر، ربما ادعى المقر أن هذه ~~الخمس المائة الثانية هي التي شهد بها أولا، فتسقط إحداهما على قول من يحمل ~~تكرار الإقرار في مجلسين بألف واحدة، وقد شهد لذلك قوله تعالى (5: 108 - ~~ذلك أدنى أن يأتوا بالشهادة على وجهها) . وإذا بعضها فلم يأت بها على ~~وجهها. ### || ويجوز أن يكون القاضي عام النظر في خصوص العمل # فيقلد النظر في جميع ~~الأحكام في محلة من البلد، فتنفذ جميع أحكامه في المحلة التي عينت له، وله ~~أن يحكم فيه بين ساكنيه والطارئين إليه، لأن الطارئ إليه كالساكن فيه، إلا ~~أن يقتصر به على النظر بين ساكنيه دون الطارئ إليه فلا يتعداهم. وقد نص ~~أحمد على صحتها في مكان مخصوص، فقال في رواية مهنا في قرية مثل قطر بل ~~والربذة والتغلبية وأشباهها من القرى - يكون فيها القاضي: يجوز فيها قضاؤه. ~~وإن استخلفه قاض آخر، ولم يستخلفه الخليفة، فقد نص أحمد على جواز القضاء في ~~قرية مفردة. والوجه فيه: ما ذكرنا من جواز تخصيصه بقدر من المال. ونص على ~~جواز استخلاف القاضي لقاض آخر، ولم يفرق بين أن يكون الخليفة أذن له في ذلك ~~أو أطلق من غير إذن ولا نهي، لأنه إذا ولاه صار ناظرا للمسلمين، لا عن من PageV01P068 # ولاه، فيكون في البلد في حكم الإمام في كل بلد، وإذا كان الإمام وجب أن ~~يولي من ينوب عنه في موضع نظره. ويفارق الوكيل، لأنه لا يوكل على ~~الروايتين، لأنه في حق موكله، بدليل أن له عزله، وليس للإمام عزله ما كان ~~على الصفات المشروطة. فإن قلد جميع البلد كان له أن يحكم في أي موضع شاء ~~منه، فإن شرط عليه في عقد الولاية موضعا مخصوصا، إما في داره أو مسجده بطلت ~~الولاية، لأن الولاية عامة، فلا يجوز الحجر عليه في موضع جلوسه. # فإن قلد الحكم بين من ورد إليه في داره أو مسجده، صح، ولم يجز له أن يحكم ~~في غير داره ولا في غير مسجده، لأنه جعل ولايته ms049 مقصورة على من ورد إلى داره ~~ومسجده، وهم لا يتعينون إلا بالورود إليها. فإن قلد قاضيين على بلد، نظرت ~~فإن رد إلى أحدهما، موضعا منه، وإلى الآخر غيره صح، ويقتصر كل واحد منهما ~~على النظر في موضعه، وكذلك إن رد إلى أحدهما نوع من الأحكام وإلى الآخر ~~غيره، كرد المداينات إلى أحدهما، والمناكح إلى الآخر، فيجوز ذلك ويقتصر كل ~~واحد منها على النظر في ذلك الحكم الخاص في البلد كله. وإن رد إلى كل واحد ~~منهما جميع البلد، فقد قيل: لا يصح، لأنه يفضي إلى التشاجر في تجاذب الخصوم ~~إليهما. وقيل: يصح لأنها استنابة فهي كالوكالة، ويكون القول عند تجاذب ~~الخصوم قول الطالب غير المطلوب، فإن تساويا اعتبر أقرب الحاكمين إليهما، ~~فإن تساويا أقرع بينهما، وقيل: يمنعان من التخاصم حتى يتفقا على أحدهما، ~~والأول أشبه بقولنا. ويجوز أن تكون ولاية القاضي مقصورة على حكومة معينة ~~بين خصمين، وتكون ولايته عليهما باقية ما كان التشاجر بينهما باقيا، فإذا ~~بت الحكم بينهما زالت ولايته، فإن تجددت بينهما مشاجرة أخرى لم ينظر بينهما ~~إلا بإذن مجدد. فإن لم يعين الخصوم، لكن جعل النظر مقصورا على الأيام، فقال ~~" قد قلدتك النظر بين الخصوم في يوم السبت خاصة" جاز نظره فيه بين جميع ~~الخصوم في جميع الدعاوى، وتزول ولايته بغروب الشمس منه. فإن قلد النظر في ~~كل يوم سبت جاز أيضا، وكان مقصورا على النظر فيه، فإذا خرج يوم السبت لم ~~تزل ولايته، لبقائها على أمثاله من الأيام. PageV01P069 # فإن قال ولم يسم أحدا - من نظر يوم السبت بين الخصوم فهو خليفتي، لم يجز، ~~للجهل بالمولى، ولأنه قد يجوز أن ينظر فيه من ليس من أهل الاجتهاد. فإن ~~قال: من نظر فيه من أهل الاجتهاد فهو خليفتي لم يجز أيضا للجهل به، ولأنه ~~يكون تمييز المجتهد، موكولا إلى رأي غيره من الخصوم. # فإن قلت: من نظر فيه من مفتي أصحاب أحمد، أو أصحاب أبي حنيفة، أو أصحاب ~~الشافعي لم يجز. وكذلك لو سمى عددا، فقال: من ms050 نظر فيه من فلان، أو فلان، ~~فهو خليفتي لم يجز، سواء قل العدد أو كثر، لأن المولي منهم مجهول. فإن قال: ~~قد وردت النظر فيه إلى فلان وفلان، فأيهم نظر فيه فهو خليفتي، جاز، سواء قل ~~العدد أو كثر، لأن جميعهم مولى. فإذا نظر فيه أحدهم تعين وزال نظر الباقين، ~~لأنه لم يجمعهم على النظر، وإنما أفرد به أحدهم، فإن جمعهم على النظر فيه، ~~لم يجز مع كثرتهم. وهل يجوز مع قلتهم على الاحتمال الذي ذكرنا في الجمع بين ~~قاضيين. ### || فأما طلب القضاء # وخطبة الولاة عليه، نظرت، فإن كان من غير أهل ~~الاجتهاد كان تعرضه لطلبه محظورا، وكان بذلك مجروحا، وإن كان من أهله وممن ~~يجوز له النظر فيه، نظرت. فإن كان القضاء في غير مستحقه، إما لنقص علمه، أو ~~لظهور جوره، فيخطب القضاء دفعا لمن لا يستحقه، ليكون فيمن هو بالقضاء أحق، ~~ففيه روايتان: إحداهما: يكره له طلب القضاء. وأصل هذا من كلام أحمد رحمه ~~الله: ما قاله في رواية ابنه عبد الله، في الرجل يكون في بلد لا يكون فيه ~~أحد أولى بالقضاء منه، لعلمه ومعرفته، فقال " لا يعجبني أن يدخل الرجل في ~~القضاء، هو أسلم له". فقد كره له الدخول فيه مع الحاجة إليه. والوجه فيه: ~~ما رواه أبو حفص بإسناده، عن أنس قال: رسول الله - صلى الله عليه وسلم- " ~~من سأل القضاء وكل إلى نفسه. ومن أجبر عليه نزل ملك يسدد". وفي لفظ آخر " ~~من ابتغى القضاء وسأل فيه الشفعاء وكل إلى نفسه، ومن أكره عليه أنزل عليه ~~ملك يسدد". PageV01P070 # وبإسناده عن عبد الرحمن بن سمرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم- قال له " ~~يا أبا عبد الرحمن لا تسأل الإمارة، فإنك إن أعطيتها من غير مسئلة أعنت ~~عليها". وذكر مسلم في صحيحه بإسناده عن أبي بردة بن أبي موسى عن أبيه أبي ~~موسى الأشعري قال " دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم، أنا ورجلان من بني ~~عمى. # فقال أحد الرجلين لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أمرنا ms051 على بعض ما ولاك ~~الله، وقال الآخر مثل ذلك، فقال: إنا والله لا نولي هذا العمل أحدا سأله. ~~فما ولى أحد". والثانية: لا يكره. وأصل هذا من كلامه: ما قاله في رواية ~~المروذي " لابد للمسلمين من حاكم، أفتذهب حقوق الناس". والوجه فيه: أن هذا ~~رفع منكر. فعلى هذه الرواية ينظر. فإن كان أكثر قصده به إزالة غير المستحق ~~كان مأجورا. وإن كان أكثره اختصاصه بالنظر فيه كان مكروها أو مباحا. وإن ~~كان القضاء في مستحقه، وهو من أهله، ويريد أن يعزله عنه إما لعداوة بينهما، ~~أو ليجر بالقضاء إلى نفسه نفعا، فهذا الطلب محظور، وهو مجروح بذلك. وإن لم ~~يكن في القضاء ناظر، نظرت. فإن كان له رغبة في إقامة الحق، وخوفه من أن ~~يتعرض له غير مستحق، تخرج على الروايتين اللتين تقدمتا. PageV01P071 # وإن قصد بطلبه المنزلة والمباهاة كره له ذلك، رواية واحدة، لأن طلب ~~المباهاة في الدنيا مكروه، قال الله تعالى (28: 83 - تلك الدار الآخرة ~~نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا والعاقبة للمتقين) . وذهب ~~قوم إلى نفي الكراهة، لأن نبي الله يوسف عليه السلام رغب إلى فرعون في ~~الولاية والخلافة، فقال (12: 55 - اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم) . ~~وهذا لا يدل على جواز الطلب من غيره، لأن يوسف عليه السلام كان نبيا معصوما ~~من الظلم والجور فيما يليه من الأعمال. وهذا المعنى غير مأمون في حق غيره. ### || فأما بذل المال على طلب القضاء # فمحظور في حق الباذل والمبذول لفه، لما روي ~~أنس عن النبي - صلى الله عليه وسلم- قال: " لعن الله الراشي والمرتشي". ~~فالراشي: باذل الرشوة، والمرتشي: قابلها. ولا يجوز لمن تقلد القضاء أن يقبل ~~هدية من أهل عمله، لم تجر عادته بمهاداته، سواء كان خصما أو غيره، لأنه قد ~~يستعديه فيما يليه. وقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم- أنه قال: " ~~هدايا الأمراء غلول". PageV01P072 # فإن قبلها وعجل المكافأة عليها ملكها. وإن لم يعجل المكافأة عليها كانت ~~لبيت المال، إن تعذر ردها على المهدي لها. وليس ms052 للقاضي تأخير الخصوم إذا ~~تنازعوا إليه إلا من عذر. ولا يجوز له أن يحتجب إلا في أوقات الاستراحة. ~~وليس له أن يحكم لأحد من والديه، ولا من مولوديه لأجل التهمة، ويحكم عليهم ~~لارتفاعها. وكذلك لا يشهد لهم، ويشهد عليهم، ولا يشهد على عدوه، ويشهد له، ~~ويحكم لعدوه، ولا يحكم عليه. وقال أبو بكر في كتاب الخلاف " يحكم عليهم ~~ولهم، لأن أسباب الحكم ظاهرة، وأسباب الشهادة خفية، فانتفت التهمة عنه ~~بالحكم، وتوجهت إليه في الشهادة". وإذا مات القاضي، فقد قيل: انعزل خلفاؤه. ~~ولو مات الإمام لم ينعزل قضاته، وقيل: لا ينعزلون لأنه ناظر للمسلمين لا ~~لمن ولاه. ولهذا لو أراد عزله لم يملك ذلك. ولو أن أهل بلد قد خلا من قاض ~~أجمعوا على أن قلدوا عليهم قاضيا، نظرت. فإن كان الإمام موجودا بطل ~~التقليد. وإن كان مفقودا صح، ونفذت أحكامه عليهم. فإن تجدد بعد نظره إمام، ~~لم يستدم النظر إلا بعد إذنه، ولم ينقض ما تقدم من حكمه. وقد نص أحمد رحمه ~~الله تعالى على أن نفسين لوحكما عليهما نفذ حكمه عليهما. ونص أيضا على ~~الرفقة إذا مات بهم ميت في موضع لا حاكم فيه وكان معه ما يخاف عليه، جاز ~~لأهل الرفقة أن يتولوا بيع ذلك سوى الجواري. ### | فصل # فأما ولاية المظالم والنظر في المظالم: هو قود المتظلمين إلى التناصف بالرهبة، وزجر المتنازعين عن التجاحد بالهيبة. ### || ومن شرط الناظر فيها # أن يكون جليل القدر، نافذ الأمر، عظيم ~~الهيبة، ظاهرا العفة، قليل الطمع كثير الورع. لأنه يحتاج في نظره إلى سطوة ~~الحماة، وتثبت القضاة. فاحتاج إلى الجمع بين صفتي الفريقين. فإن كان ممن ~~يملك الأمور العامة كالخلفاء، أو من فوض إليه الخلفاء في الأمور العالمة ~~كالوزراء والأمراء، لم يحتج النظر فيها إلى تقليد. وكان له - لعموم ولايته ~~- النظر فيها. PageV01P073 # وإن كان ممن لم يفوض إليه عموم النظر. احتاج إلى تقليد وتولية، إذا ~~اجتمعت فيه الشروط المتقدمة. وإنما يصح هذا فيمن يجوز أن يختار لولاية ~~العهد، أو لوزارة التفويض، أو لإمارة ms053 الأقاليم، إذا كان نظره في المظالم ~~عاما. فإن اقتصر به على تنفيذ ما عجز القضاء عن تنفيذه جاز أن يكون دون هذه ~~المرتبة في القدر والخطر، بعد أن لا يستخفه الطمع إلى رشوة. وقد نظر النبي ~~- صلى الله عليه وسلم- المظالم في الشرب الذي تنازعه الزبير بن العوام، ~~ورجل من الأنصار. فحضره بنفسه، وقال للزبير: " اسق أنت يا زبير. ثم ~~الأنصاري. فقال الأنصاري: أن كان ابن عمتك يا رسول الله، فغضب رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم- من قوله وقال: يا زبير أجره على بطنه حتى يبلغ الماء ~~الكعبين". وإنما "أجره على بطنه" أدبا لجرأته عليه. ولم ينتدب للمظالم من ~~الخلفاء الأربعة أحد. لأنهم في الصدر الأول، وظهور الدين عليهم بين، يقودهم ~~إلى التناصف وإلى الحق. وإنما كانت المنازعات تجري بينهم في أمور مشتبهة ~~يوضحها حكم القضاة. فإن تجور من جفاة أعرابهم متجور لناه الوعظ أن يدبر، ~~وقاده العنف أن يخشن. فاقتصر خلفاء السلف على فصل التشاجر بينهم بالحكم ~~والقضاء. واحتاج علي - رضي الله عنه - حين تأخرت إمامته، واختلط الناس ~~فيها، وتجوروا إلى فضل صرامة في السياسة. PageV01P074 # ثم انتشر الأمر من بعده حتى تجاهر الناس بالظلم، ولم تكفهم زواجر الفطنة، ~~فاحتاجوا في ردع المتغلبين إلى ناظر المظالم الذي يمتزج به قوة السلطنة. ~~فكان أول من أفرد للظلامات يوما تصفح فيه قصص المتظلمين - من غير مباشرة ~~النظر - عبد الملك بن مروان. فكان إذا وقف منها على مشكل، أو احتاج فيها ~~إلى حكم منفذ، رده إلى قاضيه أبي إدريس الأودي، فينفذ فيه أحكامه. فكان أبو ~~إدريس هو المباشر، وعبد الملك هو الآمر. # ثم زاد من جور الولاة، وظلم العتاة ما لم يكفهم عنه إلا أقوى الأيادي، ~~فكان عمر ابن عبد العزيز أول من ندب نفسه للمظالم، ورد مظالم بني أمية على ~~أهلها. ثم جلس لها خلفاء بني العباس جماعة. فكان أول من جلس لها منهم: ~~المهدي، ثم الهادي، ثم الرشيد، ثم المأمون، وآخر من جلس لها منهم، المهتدي، ~~حتى عادت الأملاك إلى مستحقيها. وقد ms054 كان ملوك الفرس يرون ذلك من قواعد ~~الملك، وقوانين العدل. PageV01P075 # وإذا نظر في المظالم من انتدب لها جعل لنظره يوما معروفا، يقصده فيه ~~المتظلمون. ليكون سواه من الأيام لما هو موكول إليه من السياسة والتدبير، ~~إلا أن يكون من عمال المظالم المتفردين بها، فيكون مندوبا للنظر في جميع ~~الأيام. وليكن سهل الحجاب، نزه الأصحاب. ويستكمل مجلس نظره بحضور خمسة ~~أصناف لا يستغني عنهم، ولا ينتظم نظره إلا بهم. أحدهم. الحماة، والأعوان، ~~لجذب القوي، وتقويم الجريء. الثاني: القضاة والحكام، لاستعلام ما يثبت ~~عندهم من الحقوق. الثالث: الفقهاء، ليرجع إليهم فيما أشكل، ويسألهم عما ~~اشتبه. الرابع: الكتاب: ليثبتوا ما جرى بين الخصوم، وما توجه لهم أو عليهم ~~من الحقوق. الخامس: الشهود، ليشهدهم على ما أوجبه من حق، وأمضاه من حكم. ~~فإذا استكمل مجلس المظالم بمن ذكرنا من الأصناف الخمسة شرع حينئذ في نظره ~~ويشتمل النظر في المظالم عن عشرة أقسام. الأول: النظر في تعدي الولاة على ~~الرعية، فيتصفح عن أحوالهم، ليقويهم إن أنصفوا، ويكفهم إن عسفوا، ويستبدل ~~بهم إن لم ينصفوا. الثاني: جور العمال فيما يحتبونه من الأموال. فيرجع فيه ~~إلى القوانين العادلة في دواوين الأئمة، فيحمل الناس عليها. وينظر فيما ~~استزادوه، فإن رفعوه إلى بيت الأموال أمر برده. وإن أخذوه لأنفسهم استرجعه ~~لأربابه. PageV01P076 # والثالث: كتاب الدواوين. لأنهم أمناء المسلمين على بيوت الأموال فيما ~~يستوفونه، ويوفونه، فيتصفح أحوالهم فيما وكل من زيادة أو نقصان. # الرابع: تظلم المسترزقة من نقص أرزاقهم، أو تأخرها عنهم، وإجحاف النظار ~~بهم فيرجع إلى ديوانه في فرض العطاء العادل، فيجريهم عليه: وينظر فيما ~~نقصوه أو منعوه من قبل: فإن أخذه ولاة أمورهم استرجعه لهم، وإن لم يأخذوه ~~قضاهم من بيت المال. الخامس: رد المغصوب , وهي ضربان. أحدهما: غصوب سلطانية ~~قد تغلب عليها ولاة الجور، كالأملاك المقبوضة عن أربابها، تعديا على أهلها. ~~فإن علم به والي المظالم عند تصفح الأمور أمر برده قبل التظلم إليه. وإن لم ~~يعلم به فهو موقوف على تظلم أربابه. ويجوز أن يرجع فيه عند ms055 تظلمهم إلى ~~ديوان السلطنة. فإذا وجد فيه ذكر قبضها عن مالكها عمل عليه، وأمر بردها ~~إليه، ويرجع فيه إلى بينة تشهد به وكان ما وجده في الديوان كافيا. PageV01P077 # الضرب الثاني من المغصوب: ما تغلب عليه ذوو الأيدي القوية، وتصرفوا فيه ~~تصرف المالكين بالقهر والغلبة، فهو موقوف على تظلم أربابه , ولا ينتزع من ~~أحدهم إلا بأحد أربعة أمور. إما باعتراف الغاصب. وإما بعلم والي المظالم، ~~فيجوز له أن يحكم عليه بعلمه، على اختلاف فيه. وإما ببينة الأخبار التي ~~ينتفي عنها التواطؤ. لأنه لما جاز للشهود أن يشهدوا في الأملاك بتظاهر ~~الأخبار كان حكم ولاة المظالم بذلك أحق. السادس: مشارفة الوقوف. وهي ضربان: ~~عامة، وخاصة. أما العامة فيبدأ بتصفحها، وإن لم يكن فيها متظلم، ليجريها ~~على سبلها، ويمضيها على شروط واقفيها، إذا عرفها من أحد ثلاثة أوجه. إما من ~~دواوين الحكام المندوبين لحراسة الأحكام. وإما من دواوين السلطنة، على ما ~~جرى فيها من معاملة، أو ثبت لها من ذكر وتسمية. وإما من كتب فيها قديمة يقع ~~في النفس صحتها، وإن لم يشهد بها، لأنه ليس يتعين الخصم فيها، فكان الحكم ~~فيها أوسع منه من الوقوف الخاصة. وأما الوقوف الخاصة، فإن نظره فيها موقوف ~~على تظلم أهلها عند التنازع فيها، لوقوفها على خصوم متعينين، فيعمل عند ~~التشاجر فيها على ما تثبت به الحقوق عند الحكام. # ولا يجوز أن يرجع فيها إلى ديوان السلطنة، ولا إلى ما يثبت من ذكرها في ~~الكتب القديمة إذا لم يشهد بها شهود معدلون. السابع: تنفيذ ما وقف من أحكام ~~القضاة، لضعفهم عن إنفاذه، وعجزهم عن المحكوم عليه لتعززه، وقوة يده، أو ~~لعلو قدره، وعظم خطره، فيكون ناظر المظالم أقوى يد، وأنفذ أمرا، فينفذ ~~الحكم على من توجه عليه، بانتزاع ما في يده، أو بإلزامه الخروج مما في ~~ذمته. الثامن: النظر فيما عجز عنه الناظرون في الحسبة، من المصالح العامة، ~~كالمجاهرة بمنكر ضعف عن دفعه، والتعدي في طريق عجز عن منعه. والتحيف في حق ~~لم يقدر على ردعه، فيأخذهم ms056 بحق الله تعالى في جميعه. ويأمر بحملهم على ~~موجبه. التاسع: مراعاة العبادات الظاهرة. كالجمع، والأعياد، والحج، ~~والجهاد، من تقصير فيها، أو إخلال بشروطها، فإن حقوق الله تعالى أولى أن ~~تستوفى، وفروضه أحق أن تؤدى. العاشر: النظر بين المتشاجرين، والحكم بين ~~المتنازعين، فلا يخرج في النظر بينهم عن PageV01P078 # موجب الحق ومقتضاه، ولا يجوز أن يحكم بينهم بما لا يحكم به الحكام ~~والقضاة. وربما اشتبه حكم المظالم على الناظرين فيها. فيجوز في أحكامهم، ~~ويخرجون إلى الحد الذي لا يسوغ منها. ### || [الفرق بين نظر القضاة ونظر ناظر المظالم] # وقد ذكر بعض أهل العلم الفرق بين نظر المظالم ونظر القضاة من عشرة ~~أوجه. أحدها: أن لناظر المظالم من فضل الهيية، وقوة اليد ما ليس للقضاة في ~~كف الخصوم عن التجاحد، ومنع الظلمة عن التغالب والتجاذب. الثاني: أن نظر ~~المظالم يخرج من ضيق الوجوب إلى سعة الجواز فيكون الناظر فيه أفسح مجالا، ~~وأوسع مقالا. الثالث: أنه يستعمل في فضل الإرهاب، وكشف الأسباب بالأمارات ~~الدالة، وشواهد الأحوال اللائحة: ما يضيق على الحكام، فيصل به إلى ظهور ~~الحق، ومعرفة المبطل من المحق. الرابع: أن يقابل من ظهر ظلمه بالتأديب، ~~ويأخذ من بان عداوته بالتقويم والتهذيب. # الخامس: أن له من التأني في ترداد الخصوم عند اشتباه أمورهم، ليمعن في ~~الكشف عن أسبابهم وأحوالهم -: ما ليس للحكام إذا سألهم أحد الخصمين فصل ~~الحكم، فلا يسوغ أن يؤخره الحاكم، ويسوغ أن يؤخره والى المظالم. السادس: أن ~~له رد الخصوم إذا أعضلوا إلى وساطة الأمناء، ليفصلوا التنازع بينهم صلحا عن ~~تراض، وليس للقاضي ذلك إلا عن رضي الخصمين بالرد. السابع: أنه يفسح في ~~ملازمة الخصمين إذا وضحت أمارات التجاحد، ويأذن في إلزام الكفالة فيما يسوغ ~~فيه التكفل، لينقاد الخصوم إلى التناصف، ويعدلوا عن التجاحد والتكاذب. ~~الثامن: أنه يسمع من شهادات المستورين ما يخرج عن عرف القضاة في شهادة ~~المعدلين. التاسع: أنه يجوز له إحلاف الشهود عند ارتيابه بهم إذا بذلوا ~~أيمانهم طوعا، ويستكثر من عددهم، ليزول عنه الشك وينتفي عنه الارتياب ms057 وليس ~~كذلك الحكام. العاشر: أنه يجوز أن يبتدئ باستدعاء الشهود، ويسألهم عما ~~عندهم في تنازع الخصوم فهذه الوجه العشرة يقع الفلق بها بين نظر المظالم ~~ونظر القضاة في التشاجر والتنازع، وسنوضح من تفصيلها ما يبين به إطلاق ما ~~بينهما من هذه الفروق. PageV01P079 ### || [فصل] # وإذا كان كذلك فلا يخلو حال الدعوى عند الترافع فيها إلى والي ~~المظالم من ثلاثة أوجه: إما أن يقترن بها من يقويها، أو ما يضعفها، أو تخلو ~~من الأمرين. فإن اقترن بها ما يقويها، فلوجوه القوة ستة أحوال، تختلف بها ~~قوة الدعوى على التدريج. أحدها: أن تظهر معها كتاب فيه شهود معدلون حضور. ~~فإذا حضر الشهود، فإن كان الناظر في المظالم ممن يجل قدره، كالخليفة أو ~~وزير التفويض، أو أمير الإقليم، راعى من أحوال المتنازعين ما تقضيه السياسة ~~في مباشرة النظر بينهما، إن جل قدرهما، أو رد ذلك إلى قاضيه بمشهد منه، إن ~~كانا متوسطين، أو على بعد منه، إن كانا خاملين. # الحالة الثانية: في قوة الدعوى: أن يقترن بها كتاب فيه من الشهود ~~المعدلين من هو غائب، فالذي يختص بنظر المظالم، في مثل هذه الدعوى أربعة ~~أشياء. إرهاب الخصم المدعى عليه. فربما يعجل من إقراره بقوة الهيبة ما يغني ~~عن سماع البينة، والتقدم بإحضار الشهود، إذا عرف مكانهم، ولم يدخل الضرر ~~الشاق عليهم. والأمر بملازمة المدعى عليه، ثلاثا، ويجتهد رأيه في الزيادة ~~عليها. وأن ينظر في الدعوى، فإن كانت مالا في الذمة، كلفه إقامة كفيل، وإن ~~كانت عينا قائمة كالعقار حجر عليه فيها حجرا لا يرتفع به حكم يده، ورد ~~استغلالها إلى أمين يحفظه على مستحقه منهما. وإن تطاولت المدة ووقع الإياس ~~من حضور الشهود جاز لوالي المظالم أن يسأل المدعى عليه عن دخول يده، مع ~~تجديد إرهابه، فإن مالك بن أنس كان يرى في مثل هذه الحال سؤال المدعى عليه ~~عن سبب دخول يده، وإن كان غيره من الفقهاء لم يره، فللناظر في المظالم ~~استعمال الحالين. فإن أجاب بما يقطع التنازع أمضاه، وإلا فصل بينهما ms058 بموجب ~~الشرع ومقتضاه. PageV01P080 # الحالة الثالثة: في قوة الدعوى: أن يكون في الكتاب المقترن بها شهود حضور ~~لكنهم عير معدلين عند الحاكم، فالذي يختص بالمظالم: أن يتقدم الناظر فيها ~~بإحضارهم وسير أحوالهم، فإنه يجدهم على أحوال ثلاث: إما أن يكونوا من ذوي ~~الهيئات، وأهل الصيانات، فالثقة بشهادتهم أقوى. وإما أن يكونوا أرذالا، فلا ~~يعول عليهم، لكن يقوى إرهاب الخصم بهم. وإما أن يكونوا أوساطا: فيجوز في ~~نظر المظالم - بعد الكشف عن أحوالهم - أن يستظهر بأخلاقهم، إن رأى قبل ~~الشهادة أو بعدها. ثم هو في شهادة هذين الصنفين بين ثلاثة أمور: إما أن ~~يسمعها بنفسه، فيحكم بها. وإما أيرد إلى القاضي سماعها ليؤديها القاضي ~~إليه، ويكون الحكم بها موقوفا عليه، لأن القاضي لا يجوز أن يحكم إلا بشهادة ~~من تثبت عنده عدالته. # وإما أن يرد سماعها إلى الشهود المعدلين، فإذا رد إليهم نقل شهادتهم إليه ~~لم يلزمهم استكشاف أحوالهم، وإن رد إليهم الشهادة عنده بما يصح عنده من ~~شهادتهم، لزمهم الكشف عما يقتضيه قبول شهادتهم، ليشهدوا بها بعد العلم ~~بصحتهان ليكون تنفيذه الحكم بحسبها. الحالة الرابعة، في قوة الدعوى: أن ~~يكون في الكتاب المقترن بها شهود موتى معدلون، والكتاب موثوق بصحته، فالذي ~~يختص بنظر المظالم فيها ثلاثة أشياء: أحدها: إرهاب المدعى عليه بما يضطره ~~إلى الصدق والاعتراف بالحق. الثاني: سؤاله عن دخول يده، لجواز أن يكون من ~~جوابه ما يتضح به الحق، ويعرف به المحق من المبطل. الثالث: أن يكشف عن ~~الحال من جيران الملك، ومن جيران المتنازعين فيه، ليتوصل بهم إلى وضوح ~~الحق، ومعرفة المحق. فإن لم يصل إليه بواحد من هذه الثلاثة، ردهما إلى ~~وساطة محتشم مطاع، له بهما معرفة، وبما تنازعاه خبرة، ليضطرهما بطول المدى ~~وكثرة التردد إلى التصادق أو التصالح، فإن أفضى الأمر بهما إلى أحدهما، ~~وإلا بت الحكم بينهما على ما يوجبه حكم القضاة. الخامسة، في قوة الدعوى: أن ~~يكون مع المدعي خط المدعى عليه بما يتضمنه الدعوى، فنظر المظالم فيه يقتضي ~~سؤال المدعى عليه عن الخط، ms059 وأن يقال له: أهذا خطك؟ فإن اعترف به، يسأل بعد ~~اعترافه عن صحته ماتضمنه، فإن اعترف بصحته صار مقرا وألزم حكم إقراره وإن ~~لم يعترف بصحته، فمن ولاة المظالم من يحكم عليه بخطه إذا اعترف به وإن لم ~~يعترف بصحته، وجعل ذلك من شواهد الحقوق، اعتبارا بالعرف. # وذهب جماعة - وهم الأكثر_ إلى أنه لا يجوز للناظر منهم، أن يحكم بمجرد ~~الخط، حتى يعترف بصحة ما فيه، لأن نظر المظالم لا يبيح من الأحكام ما حظره ~~الشرع، ونظر PageV01P081 # المظالم فيه: أن يرجع إلى ما يذكره من في خطه، فإن قال: كتبته ليقرضني ~~وما أقرضني، أو ليدفع إلي ثمن ما بعته، وما ذفع إلي، فهذا مما يفعله الناس ~~أحيانا، ونظر المظالم في مثله: أن يستعمل فيه من الإرهاب بحسب ما يشهد به ~~الحال، وتقوى به الأمارة، ثم يرد إلى الوساطة، فإن أفضت إلى الصلح، وإلا بت ~~القاضي الحكم بينهما بالتحالف. وإن أنكر الخط، فمن ولاة المظالم من يختبر ~~الخط بخطوطه التي كتبها، ويكلفه من كثرة الكتابة ما يمنع التصنع فيها، ثم ~~يجمع بين الخطين، فإذا تشابها حكم به عليه، وهذا قول من جعل اعترافه بالخط ~~موجبا للحكم به. والذي عليه المحققون منهم أنهم لا يفعلون ذلك الحكم عليه، ~~ولكن لإرهابه. وتكون الشبهة مع إنكاره للخط أضعف منها مع اعترافهخ به، ~~وترتفع الشبهة إن كان الخط منافيا لخطه، ويعود الإرهاب على المدعي، ثم ~~يردان إلى الوساطة، فإن أفضت إلى الصلح، وإلا بت الحاكم الحكم بينهما ~~بالأيمان. الحالة السادسة" في قوة الدعوى: إظهار الحساب بما تقتضيه الدعوى، ~~وهكذا يكون في المعاملات. ولا يخلو حال الحساب من أمرين: إما أن يكون حساب ~~المدعي أو حساب المدعى عليه. فإن كان حساب المدعي فالشبهة فيه أضعف، ونظر ~~المظالم يرفع في مثله إلى مراعاة نظم الحساب، فإن كان مجملا، ويظن فيه ~~الإدغال كان مطرحا، وهو يضعف الدعوى أشبه منه بقوتها وإن كان نظمه متسقا ~~ونقله صحيحا، فالثقة به أقوى، فيقتضي من الإرهاب بحسب شواهده، ثم يردان إلى ~~الوساطة، ms060 ثم إلى الحاكم البات. # وإن كان الحساب للمدعى عليه، كانت الدعوى به أقوى، ولا يخلو إما أن يكون ~~منسوبا إلى خطه أو خط كاتبه، فإن كان منسوبا إلى خطه، فنظر المظالم فيه، أن ~~يسأل عنه المدعى عليه: أهو خطك؟ فإن اعترف به قيل: أتعلم ما فيه؟ فإن أقر ~~بمعرفته، قال له: أتعلم صحته؟ فإن أقر بصحته صار بهذه الثلاثة مقرا بمقتضى ~~الحساب فيؤخذ بما فيه، وإن اعترف بأنه خطه وأنه لم يعلم ما فيه، ولم يعترف ~~بصحته، فمن حكم بالخط من ولاة المظالم حكم عليه بموجب حسابه، وإن لم يعترف ~~بصحته لم يحكم به، لأن الحساب لا يثبت فيه قبض ما لم يقبض. وذهب الأكثر إلى ~~أنه لا يحكم به، لأن الحساب بالذي لم يعترف بصحة ما فيه لكن يقتضي من فضل ~~الإرهاب به أكثر مما اقتضاه الخط المرسل، ثم يردان بعده إلى الوساطة، ثم ~~إلى بت القضاء. PageV01P082 # وإذا كان الخط منسوبا إلى كاتبه، سئل عنه المدعى عليه قبل سؤال كاتبه، ~~فإن اعترف بما فيه أخذ به، وإن لم يعترف سئل عنه كاتبه، فإن أنكر ضعفت ~~الشبهة بإنكاره. وأرهب إن كان متهوما" ولم يرهب إن كان مأمونا، فإن اعترف ~~به وبصحته، صار شاهدا به على المدعى عليه، فيحكم عليه بشهادته، إن كان ممن ~~يقضي بالشاهد وباليمين، إما مذهبا أو سياسة تقتضيها شواهد الحال، فإن ~~لشواهد الحال في المظالم تأثيرا في اختلاف الأحكام، ولكل حال منها في ~~الإرهاب حد لا يتجاوزه. تمييزا بين الأحوال بمقتضى شواهدها. فأما إن اقترن ~~بالدعوى ما يضعفها، وذلك من ستة أحوال تنافي أحوال القوة، فينتقل الإرهاب ~~بها من جنبة المدعى عليه إلى جنبة المدعي. الأولى: أن يقابل الدعوى بكتاب ~~فيه شهود حضور معدلون، يشهدون بما يوجب بطلان الدعوى، وذلك من أربعة أوجه: ~~أحدها: أن يشهدوا عليه ببيع ما ادعاه. الثاني: أن يشهدوا على إقراره أن لا ~~حق له فيما ادعاه. الثالث: أن يشهدوا على إقرار أبيه ... الذي ذكر أنه ~~انتقل الملك عنه أن لا حق له ms061 فيما ادعاه. # الرابع: أن يشهدوا للمدعى عليه بأنه مالك لما ادعاه عليه، فتبطل دعواه ~~بهذه الشهادة ويقتضي نظر المظالم تأديبه بحسب حاله. فإن ذكر أن الشهادة ~~عليه بالابتياع، كان على سبيل الرهب والإلجاء، وهذا يفعله الناس أحيانا ~~فينظر في كتاب الابتياع، فإن ذكر فيه أنه غير رهب ولا إلجاء ضعفت شبهة هذه ~~الدعوى، وإن لم يذكر ذلك فيه قويت به الشبهة للدعوى، وكان الإرهاب في ~~الجهتين بمقتضى شواهد الحالين، ورجع إلى الكشف بالمجاورين وبالخلطاء. فإن ~~بان ما يوجب العدول عن ظاهر الكتاب عمل عليه، وإن لم يبن كان إمضاء الحكم ~~بما شهد به شهود الابتياع أحق، فإن سأل إحلاف المدعى عليه بأن ابتياعه كان ~~حقا ولم يكن على سبيل الرهب ولا تلجئة، احتمل إحلافه لأن ما ادعاه ممكن، ~~واحتمل أن لايحلف، لأن متقدم إقراره يكذب متأخر دعواه، ولولي المظالم أن ~~يعمل بما تقتضيه شواهد الحالين. وكذلك لو كانت الدعوى دينا في الذمة، فأظهر ~~المدعى عليه كتاب براءة منه، فذكر المدعي أنه أشهد على نفسه قبل أن يقبض ~~ولم يقبض، كان إحلاف المدعى عليه على ما تقدم. الحالة الثانية: أن يكون ~~شهود الكتاب المقابل للدعوى عدولا غائبين، فهذا على ضربين: أحدهما: أن ~~يتضمن إنكاره اعترافا بالسبب، كقوله: لا حق له في هذه الصيغة، لأني ابتعتها ~~منه ودفعت إليه ثمنها، وهذا كتاب عهدي بالإشهاد عليه، فيصير المدعي عليه ~~مدعيا بكتاب قد غاب شهوده، فيكون على مضى، وله زيادة يد وتصرف، فتكون ~~الأمارة PageV01P083 # أقوى، وشاهد الحال أظهر، فإن لم يثبت بها ملك، فيرهبهما حسبما تقتضيه ~~شواهد أحوالهما، ويأمر بإحضار الشهود إن أمكن، ويضرب لحضورهم أجلا يردهما ~~فيه إلى الوساطة، فإن أفضت إلى صلح عن تراض استقر به الحكم، وعدل عن سماع ~~الشهادة إذا حضرت، فإن لم يتبرم بينهما صلح أمعن في الكشف من جيرانهما ~~وجيران الملك. # وكان لوالي المظالم رأيه في زمن الكشف، في خصلة من ثلاث، يفعل منها ما ~~يؤدي اجتهاده إليه، بحسب الأمارات وشواهد الأحوال. إما أن يرى انتزاع ~~الضيعة من ms062 يد المدعى عليه وتسليمها إلى المدعي إلى أن تقوم عليه بينة ~~بالبيع أالإبراء، ويسلمها إلى أمين تكون في يده، ويحفظ استغلالها على ~~مستحقه. وإما أن يقرها في يد المدعى عليه، ويحجر عليه فيها، وينصب أمينا ~~لاستغلالها. ويكون حالها على ما يراه والي المظالم في خصلة من هذه الثلاث ~~ما كان راجيا أحد أمرين: من ظهور الحق بالكشف، أو حضور الشهود للأداء، فإن ~~وقع اليأس منهما بت الحكم بينهما، فلو سأل المدعى عليه إحلاف المدعي أحلفه ~~له، وكان ذلك بناء للحكم بينهما. الضرب الثاني: أن لا تضمن إنكاره اعترافا ~~بالسبب، ويقول: هذه الضيعة لي لا حق فيها لهذا المدعي، وتكون شهادة الكتاب ~~على المعي من أحد وجهين: إما على إقراره بأن لا حق له فيها. وإما على ~~إقراره أنها ملك المدعى عليه. فالضيعة مقرة في يد المدعى عليه، ولا ينتزعها ~~منه، فأما الحجر عليه فيها وحفظ استغلالها مدة الكشف والوساطة فمعتبر ~~بشواهد أحوالهما، واجتهاد والي المظالم فيها يراه بينهما إلى أن يثبت الحكم ~~بينهما. الحالة الثالثة: أن يكون شهود الكتاب المقابل لهذه الدعوى حضورا ~~غير معدلين، فيراعي والي المظالم فيهم ما قدمناه في جنبة المدعي من أحوالهم ~~الثلاث، ويراعى حال إنكاره هل يتضمن اعترافا بالسبب أولا؟ فيعمل والي ~~المظالم في ذلك بما قدمنا، تعويلا على اجتهاد رأيه في شواهد الأحوال. ~~الحالة الرابعة: أن يكون شهود الكتاب موتى معدلين، فليس يتعلق به حكم إلا ~~في الإرهاب المجرد الذي يقتضي فضل الكشف، ثم يعمل في بت الحكم على ما تضمنه ~~الإنكار من الاعتراف بالسبب أم لا. الحالة الخامسة: أن يقابل المدعى عليه ~~بخط المدعي بما يوجب إكذابه في الدعوى، فيعمل فيه بما قدمناه في الخطوط، ~~ويكون الإرهاب معتبرا بشاهد الحال. # الحالة السادسة: أن يظهر في الدعوى حساب يقتضي بطلان الدعوى، فيعمل فيه ~~بما قدمناه في الحساب، ويكون الإرهاب والكشف والمطاولة معتبرا بشواهد ~~الأحوال، ثم بت الحكم بعد الإياس قطعا للنزاع. PageV01P084 # فأما إن تجردت الدعوى عن أسباب القوة والضعف، فلم يقترن بها ما يقويها، ms063 ~~ولا ما يضعفها، فنظر المظالم يقتضي اعتبار حال المتنازعين في غلبة الظن، ~~ولا يخلو حالهما فيه من ثلاثة أحوال: أحدها: أن تكون غلبة الظن في جنبة ~~المدعي. والثاني: أن تكون في جنبة المدعى عليه. والثالث: أن يعتدلا فيه. ~~والذي يؤثره غلبة الظن في إحدى الجهتين: هو إرهابهما، وتغليب الكشف من ~~وجهتها، وليس لفصل الحكم بينهما تأثير يعتبر فيه الظنوم الغالبة. فإن كانت ~~غلبة الظن في جنبة المدعي، وكانت الريبة متوجهة إلى المدعى عليه، فقد يكون ~~من ثلاثة أوجه: أحدها: أن يكون المدعي - مع خلوه من حجة يظهرها- ضعيف اليد، ~~مستلان الجنبة، والمدعى عليه، ذا بأس وقدرة، فإذا دعى عليه غصب دار أو ~~ضيعة، غلب في الظن أن مثله مع لينه واستضعافه لا يتجوز في دعواه على من كان ~~ذا نجدة وبأس وسطوة. الثاني: أن يكون المدعي مشهورا بالصدق والأمانة، ~~والمدعى عليه مشهورا بالكذب والخيانة، فيغلب في الظن صدق المدعى في دعواه. ~~الثالث: أن تتساوى أحوالهما، غير أنه قد عرف أن للمدعي يدا متقدمة، وليس ~~يعرف لدخول يد المدعى عليه سبب حادث. فالذي يقتضيه نظر المظالم في هذه ~~الأحوال الثلاث شيئان: أحدهما: إرهاب المدعى عليه لتوجه الريبة إليه. # والثاني: سؤاله عن سبب دخول يده، وحدوث ملكه، فإن مالكا يرى ذلك مذهبا في ~~القضاء مع الارتياب، فكان نظر المظالم به أولى، وربما أنف المدعى عليه ~~لنفسه مع علو منزلته عن مساواة خصمه في المحاكمة، فيترك ما في يده لخصمه ~~عفوا وربما تلطف والي المظالم في إيصال المتظلم إلى حقه بما يحفظ معه حشمه ~~المتظلم منه، أو مواضعة المطلوب على ما يحفظ به حشمة نفسه، أن يكون منسوبا ~~إلى تحيف ومنع من حق. PageV01P085 # فأما إن كان غلبة الظن في جنبة المدعى عليه، فقد يكون ذلك من ثلاثة أوجه: ~~أحدها: أن يكون المدعي مشهورا بالتظلم والخيانة، والمدعى عليه مشهورا ~~بالنصفة والأمانة. والثاني: أن يكون المدعي دنيئا متبذلا، والمدعى عليه ~~نزها مصونا، فيطلب إحلافه قصدا لبذلته. والثالث: أن يكون لدخول يد المدعى ~~عليه سبب معروف، وليس ms064 يعرف لدعوى المدعي سبب. فيكون غلبة الظن في هذه ~~الأحوال الثلاثة في جنبة المدعى عليه، والريبة متوجهة إلى المدعي. فمذهب ~~مالك: إن كانت دعواه في مثل هذه الأحوال لعين قائمة، لم يسمعها إلا بعد ذكر ~~السبب الموجب لها، وإن كانت في مال في الذمة، لم يسمعها إلا بعد أن يقيم ~~المدعي بينة أنه كان بينه وبين المدعى عليه معاملة، وقد روي عن أحمد نحو ~~هذا. فأما في نظر المظالم الموضوع على الأصلح، فعلى الجائز دون الواجب، ~~فيسوغ فيه مثل هذه عند ظهور الريبة وقصد العناد. ويبالغ في الكشف بالأسباب ~~المؤدية إلى ظهور الحق، ويصون المدعى عليه بما اتسع في الحكم. فإن وقع ~~الأمر على التحالف، فهو غاية الحكم البات الذي لا يجوز دفع طالب عنه في نظر ~~القضاء، ولا في نظر المظالم، إذا لم يكفه عنه إرهاب ولا وعظ. فإن فرق ~~دعاويه وأراد أن يحلف في كل مجلس منها على يعضها قصدا لإعناته وبذلته. فإنه ~~يمنع من ذلك ويؤمر بجمع دعاويه عند ظهور الإعنات منه، وإحلاف الخصم على ~~جميعها يمينا واحدة. # فأما إن اعتدلت حال المتنازعين وتقابلت بينة المتشاجرين، ولم يترجح ~~أحدهما بأمارة، أو ظنة فيساوى بينهما في العظة. وتختص ولاية المظالم - بعد ~~العظة - بالإرهاب لهما معا، ليساويهما. ثم بالكشف عن أصل الدعوى وانتقال ~~الملك، فإن ظهر بالكشف ما يعرف به المحق منهما عمل عليه. وإن لم يظهر ~~بالكشف ما يفصل تنازعهما، ردهما إلى وساطة وجوه الجيران وأكابر PageV01P086 # العشائر. فإن نجز بها ما بينهما؛ وإلا كان فصل القضاء بينهما هو غاية ~~أمرهما بحسب ما يراه من المباشرة لبت الحكم والاستنابة فيه. وربما ترافع ~~إلى ولاة المظالم في غوامض الأحكام، ومشكلات الخصومات ما يرشده إليه ~~الجلساء، ويفتحه عليه العلماء، فلا ينكر منهم الابتداء، ولا يستكبر أن يعمل ~~به الانتهاء. ### || [توقيعات الناظر في المظالم] # فأما توقيعات الناظر في المظالم في قصص ~~المتظلمين إليه بالنظر بينهم، فلا يخلو حال الموقع إليه من أحد أمرين: إما ~~أن يكون واليا على ما وقع به إليه، ms065 أو غير وال عليه. فإن كان واليا عليه، ~~كتوقيعه إلى القاضي بأن ينظر بينهما، فلا يخلو حال ما تضمنه المتوقع من أحد ~~أمرين: إما أن يكون إذنا بالحكم، أو إذنا بالكشف والوساطة، فإن كان إذنا ~~بالحكم جاز له الحكم بينهما بأصل الولاية، ويكوم التوقيع تأكيدا لا يؤثر ~~فيه قصور معانيه، وإن كان إذنا في كشف الصورة أو التوسط بين الخصمين، فإن ~~كان التوقيع بذلك نهيه عن الحكم فيه، لم يكن له أن يحكم بينهما، وكان هذا ~~النهي عزلا له عن الحكم بينهما، وهو PageV01P087 # هل عموم ولايته فيما عداها، لأنه لما جاز أن تكون الولاية نوعين: عامة، ~~أو خاصة. جاز أن يكون العزل عاما وخاصا. وإن لم ينهه في التوقيع عن الحكم ~~بينهما حين أمره بالكشف والوساطة، فقد قيل: إن نظرة على عمومه في جواز حكمه ~~بينهما، لأن أمره ببعض ما إليه لا يكون منعا من غيره. وقيل: يكون ممنوعا من ~~الحكم بينهما، مقصورا على ما تضمنه التوقيع من الكشف والوساطة، لأن فحوى ~~التوقيع دليل عليه. ثم ينظر، فإن كان التوقيع بالوساطة، لم يلزم إنهاء ~~الحال إليه بعد الوساطة، وإن كان يكشف الصورة لزمه إنهاء حالها إليه، لأنه ~~استخبار منه، فلزمه إجابته عنه. فهذا حكم توقيعه إلى من له الولاية. فأما ~~الحالة الثانية، وهو أن يوقع إلى من لا ولاية له، كتوقيعه إلى فقيه، أو ~~شاهد فلا يخلو حال توقيعه من ثلاثة أحوال: إما أن يكون بكشف الصورة، أو ~~يكون بالوساطة، أو بالحكم. # فإن كان التوقيع بكشف الصورة، فعليه أن يكشفها، وينهي منها ما يصح أن ~~يشهد به، ليجوز للموقع أن يحكم به؛ فإن أنهى ما لا يجوز أن يشهد يه، كان ~~خبرا لا يجوز أن يحكم به الموقع، ولكن يجعله في نظر المظالم من الأمارات ~~التي يغلب بها حال أحد الخصمين في الإرهاب وفضل الكشف. وإن كان التوقيع ~~بالوساطة بينهما لم يقف على ما تضمنه التوقيع من تخصيص الوساطة، لأن ~~الوساطة لا تفتقر إلى تقليد ولا ولاية، وإنما يقيد بالوساطة ms066 تعيين الوسيط ~~باختيار الموقع، وقود الخصمين إليه إجبارا. فإذا أفضت الوساطة إلى صلح ~~الخصمين لم يلزمه إنهاؤها، وكان شاهدا فيها، متى استدعوه للشهادة أداها، ~~وإن لم تفض الوساطة إلى صلحهما كان شاهدا عليهما فيما اعترفا به عنده، ~~يؤديه إلى الناظر في المظالم، إن عاد الخصمان إلى التظلم، ولا يلزمه أداؤه ~~إن لم يعودا. وإن كان التوقيع بالحكم بينهما، فهذه ولاية يراعى فيها معاني ~~التوقيع، ليكون نظره محمولا على ما يوجبه. وإذا كان كذلك فللتوقيع حالتان: ~~إحداهما: أن يحال به على إجابة الخصم إلى ملتمسه، فيعتبر حينئذ فيه ما سأل ~~الخصم في ظلامته، ويصير النظر مقصورا عليه، فإن سأل الوساطة، أو كشف ~~الصورة، كان التوقيع موجبا له، وكان النظر مقصورا عليه، سواء خرج التوقيع ~~مخرج الأمر، كقوله: أجبه إلى ما يلتمسه، أو خرج مخرج الحكاية، كقوله: رأيك ~~في إجابته إلى ملتمسه، كان موقعا، لأنه لا يقتضي ولاية يلزم حكمها، وكان ~~أمرها أخف. PageV01P088 # وإن سأل المتظلم في قصته الحكم بينهما، فلا بد من أن يكون الخصم في القصة ~~مسمى، والخصومة مذكورة، لتصح الولاية عليها، فإن لم يسم الخصم، ولم يذكر ~~الخصومة لم تصح الولاية، لأنها ليست ولاية عامة، فيحمل على عمومها، ولا ~~خاصة للجهل بها. # فإن سمى رافع القصة خصمه وذكر خصومته، نظر في التوقيع بإجابته إلى ملتمسه ~~فإن خرج مخرج الأمر فوقع " أجبه إلى ملتمسه" أو " اعمل بما التمسه" صحت ~~ولايته في الحكم بينهما بهذا التوقيع. وإن خرج مخرج الحكاية للحال، فوقع " ~~رأيك في إجابته إلى ملتمسه موفقا". فهذا التوقيع خارج في الأعمال السلطانية ~~مخرج الأمر، والعرف باستعماله فيها معتاد. فأما في الأحكام الدينية، فقد ~~أجازه طائفة من الفقهاء، اعتبارا بالعرف فيه، وصحت الولاية، ومنعت طائفة ~~أخرى من جوازه، وانعقاد الولاية، حتى يقترن به أمر تنعقد به الولاية، ~~اعتبارا بمعاني الألفاظ. فلو كان رافع القصة سأل التوقيع بالحكم بينهما ~~فوقع بإجابته إلى ملتمسه، فمن اعتبر العرف المعتاد صحح الولاية بهذا ~~التوقيع. ومن اعتبر معاني الألفاظ لم يصحح به الولاية، لأنه سأل ms067 التوقيع ~~بالحكم، ولم يسأل الحكم. الحالة الثانية من التوقيعات: أن يحال فيه على ~~إجابة الخصم إلى ما سأل، ويستأنف فيه الأمر بما تضمنه، فيصير ما تضمنه ~~التوقيع هو المعتبر في الولاية. وإذا كان كذلك فله ثلاثة أحوال: حال كمال، ~~وحال جواز، وحال تخلو عن الأمرين: أما الحال التي يكون التوقيع فيها كمالا ~~في صحة الولاية، فهو أن يتضمن شيئين: أحدهما الأمر بالنظر. والثاني: الأمر ~~بالحكم فيه، فيذكر فيه " انظر بين رافع هذه القصة وبين خصمه، واحكم بينهما ~~بالحق، وموجب الشرع". فهو أكمل التوقيعات. وإن لم يذكر في التوقيع " بالحق ~~وموجب الشرع" جاز، لأن الحكم لا يكون إلا بالحق الذي يوجبه حكم الشرع. ~~وإنما يذكر ذلك في التوقيعات، وصفا لا شرطا. فإذا كان التوقيع جامعا لهذين ~~الأمرين: من النظر، والحكم، فهو التوقيع الكامل، ويصح به التقليد والولاية. # وأما الحالة التي يكون التوقيع فيها جائزا، مع قصوره عن حال الكمال، فهو ~~أن يتضمن الأمر بالحكم دون النظر فيه، فيذكر في توقيعه " احكم بين رافع هذه ~~القصة وبين خصمه" أو يقول " اقض بينهما" فتصح الولاية بذلك، لأن الحكم ~~والقضاء لا يكون إلا بعد تقدم النظر، فصار الأمر به متضمنا للنظر، لأنه لا ~~يخلو منه. PageV01P089 # وأما الحال التي يكون التوقيع فيها خاليا من كمال وجواز، فهو ان يذكر فيه ~~" انظر بينهما" فلا تنعقد بهذا التوقيع ولاية، لأن النظر بينهما قد يحتمل ~~الوساطة الجائزة، ويحتمل الحكم اللازم، وهما في الاحتمال سواء، فلم تنعقد ~~به مع الاحتمال الولاية. فإن ذكر فيه " انظر بينهما بالحق" فقد قيل: إن ~~الولاية به منعقدة، لأن الحق ما لزم. وقيل: لا تنعقد به لأن الصلح والوساطة ~~حق وإن لم يلزم. ### | فصل في ولاية النقابة على ذوي الأنساب # وهي موضوعة على صيانة ذوي الأنساب الشريفة عن ولاية من لا يكافئهم في ~~النسب. ولا يساويهم في الشرف، ليكون عليهم أحنى، وأمره فيهم مضي. روي عن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم- أنه قال " اعرفوا أنسابكم، تصلوا أرحامكن، ~~فإنه لا قرب بالرحم إذا قطعت وإن كانت ms068 قريبة. ولا بعد بها إذا وصلت وإن ~~كانت بعيدة". وولاية هذه النقابة: تصح من إحدى ثلاث جهات: إما من جهة ~~الخليفة المستولي على كل الأمور. وإما ممن فوض الخليفة إليه تدبير الأمور، ~~كوزير التفويض، أو أمير الإقليم. وإما من نقيب عام الولاية، واستخلف نقيبا ~~جعله خاص الولاية. فإذا أراد المولى أن يولي على الطالبيين نقيبا، وعلى ~~العباسيين نقيبا، تخير منهم أجلهم بيتا، وأكثرهم فضلا، وأجزلهم رأيا وولاه ~~عليهم، ليجمع شروط الرياسة والسياسة، فيسرعوا إلى طاعته برياسته، وتستقيم ~~أمورهم بسياسته. والنقابة على ضربين: خاصة ,وعامة. فأما الخاصة: فهي أن ~~يقتصر بنظره على مجرد النقابة من غير تجاوز لها إلى حكم، وإقامة حد، فلا ~~يكون العلم معتبرا في شروطها. # ويلزمه في النقابة على أهله من حقوق النظر اثنا عشر حقا: أحدها: حفظ ~~أنسابهم من داخل فيها وليس منها، أو خارج عنها وهو منها. فيلزمه حفظ الخارج ~~منها، كما يلزمه حفظ الداخل فيها، ليكون النسب محفوظا على صحته، معزوا PageV01P090 # إلى جهته. والثاني: أن يميز بطونهم ومعرفة أنسابهم، حتى لا يخفى علهي ~~منهم بنو أب، فيذكره على تمييز أنسابهم. الثالث: معرفة من يولد من ذكورهم ~~وإناثهم فيثبته، ومعرفة من مات منهم فيذكره، حتى لا يضيع نسب المولود إن لم ~~يثبته. ولا يدعي نسب الميت غيره، إن لم يذكره. الرابع: أن يأخذهم من الآداب ~~بما يضاهي شريف أنسابهم، وكريم محتدهم، لتكون حشمتهم في النفوس موفورة، ~~وحرمة رسول الله - صلى الله عليه وسلم- فيهم محفوظة. الخامس: أن ينزههم عن ~~المكاسب الدنية، ويمنعهم من المطامع الخبيثة، حتى لا يستقل منهم متبذل، ولا ~~يستضام منهم متذلل. السادس: أن يكفهم عن ارتكاب المآثم، ويمنعهم من انتهاك ~~المحامرم، ليكونوا على الدين الذي نصروه أغير، وللمنكر الذي أزالوه أنكر، ~~فلا ينطلق بذمهم لسان. السابع: أن يمنعهم من التسلط على العامة لشرفهم، ~~والتشطط عليهم لنسبهم، فيدعوهم ذلك إلى المقت والبغض، ويبعثهم على المناكرة ~~والبعد. ويندبهم إلى استعطاف القلوب، وتألف النفوس، ليكون الميل إليهم ~~أوفى، والقلوب لهم أصفى. الثامن: أن يكون عونا لهم في ms069 استيفاء الحقوق، حتى ~~لا يضعفوا عنها، وعونا عليهم في أخذ الحقوق منهم، حتى لا يمنعوا منها، ~~ليصيروا لهم منتصفين، وبالمعونة عليهم منصفين، لأن من عدل السيرة فيهم: ~~إنصافهم وانتصافهم. التاسع: أن ينوب عنهم في المطالبة بحقوقهم العامة: من ~~سهم ذوي القربى في الفيء والغنيمة، الذي يختص به أحدهم، حتى يقسم بينهم، ~~بحسب ما أوجبه الله تعالى لهم. العاشر: أن يمنع الأيامى من نسائهم أن ~~يتزوجن بغير الأكفاء، صيانة لأنسابهن. وتعظيما لحرمتهن أن يزوجهن غير ~~الولاة، أو ينكحهن غير الكفاة. # الحادي عشر: أن يقوم ذوي الهفوات منهم فيما سوى الحدود، بما لا يبلغ به ~~حدا، ولا ينهر به دما. ويقيل ذا الهيئة منهم عثرته، ويغفر بعد الوعظ زلته. ~~الثاني عشر: مراعاة وقوفهم بحفظ أصولها، وتنمية فروعها، وإذا لم ترد إليه ~~جباتها راعى الجباة فيما أخذوه، وراعى قسمتها إذا قسموه، وميز المستحقين ~~لها إذا خصت وراعى أوصافهم فيها إذا شرطت، حتى لا يخرج منها مستحق، ولا ~~يدخل فيها غير محق. وأما النقابة العامة: فعمومها أن يرد إليه في النقابة ~~عليهم مع ما قدمناه من حقوق النظر PageV01P091 # خمسة أشياء: أحدها: الحكم بينهم فيما تنازعوه. الثاني: الولاية على ~~أيتامهم فيما ملكوه. الثالث: إقامة الحدود عليهم فيما ارتكبوه. الرابع: ~~تزويج الأيامى اللائي لا يتعين أولياؤهن، أو قد تعينوا فعضلوهن. الخامس: ~~إيقاع الحجر على من جن منهم أوسفه، وفكه إذا أفاق أو رشد. فيصير بهذه ~~الخمسة عام النقابة، فيعتبر حينئذ في صحة نقابته وعقد ولايته. أن يكون ~~عالما، من أهل الاجتهاد، ليصح حكمه، وينفذ قضاؤه. وإذا انعقدت ولايته لم ~~يخل حالها من أحد أمرين: إما أن يتضمن صرف القاضي عن النظر في أحكامهم، أو ~~لا يتضمن. فإذا كانت ولايته مطلقة العموم، لا تتضمن صرف القاضي عن النظر في ~~أحكامهم، ولم يكن تقليد النقيب للنظر في أحكامهم موجبا لصرف القاضي عنها، ~~جاز لكل واحد من النقيب والقاضي الظر في أحكامهم. أما النقيب فبخصوص ولايته ~~التي عينوا فيها. وأما القاضي فبعموم ولايته التي أوجبت دخولهم فيها. ~~فأيهما حكم ms070 بينهم في تنازعهم وتشاجرهم، وفي تزويج أياماهم نفذ حكمه، وجرى ~~أمرهما في الحكم على أهل هذا النسب مجرى قاضيين في بلد. فأيهما حكم بين ~~متنازعيه نفذ حكمه ولم يكن للآخر نقضه. فإن اختلف متنازعان منهم، فدعا ~~أحدهما إلى حكم النقيب ودعا الآخر إلى حكم القاضي. # فقد قيل: إن الداعي إلى حكم النقيب أولى لخصوص ولايته، وقيل: بل هما سواء ~~فيكونان كالمتنازعين في التحاكم إلى قاضيين في بلد، فيغلب قول الطالب على ~~المطلوب. فإن تساويا كانا على ما قدمناه، يقرع بينهما ويعمل على قول من قرع ~~منهما. فإن كان في ولاية النقيب صرف القاضي عن النظر بين أهل هذا النسب، لم ~~يجز للقاضي أن يتعرض للنظر في أحكامهم، سواء استدعى إليه منهم مستدع أو لم ~~يستدع. وخالف ذلك حال القاضيين في جانبي بلد، إذا استعدى إليه من الجانب ~~الآخر مستعد لزمه أن يعديه على خصمه، وذلك لأن ولاية كل واحد من القاضيين ~~محصورة بمكانه. فاستوى حكم الطارئ إليه والقاطن فيه، لأنهما يصيران من ~~أهله، وولاية النقابة محصورة بالنسب الذي لا يختلف حاله باختلاف الأماكن. PageV01P092 # فلو تراضى المتنازعان من أهل هذا النسب بحكم القاضي، لم يكن له النظر ~~بينهما ولا الحكم لهما أو عليهما، لأنه بالصرف منهي عنه، وكان النقيب أحق ~~بالنظر بينهما إذا كان التنازع بينهم لا يتعداهم إلى غيرهم. فإن تعداهم، ~~فتنازع طالبي وعباسي، فدعا الطالبي إلى حكم نقيبه، ودعا العباسي إلى حكم ~~نقيبه، لم يجب على واحد منهما الإجابة إلى حكم نقيبه، لخروجه من ولايته. ~~فإذا أقاما على تمانعهما من الإجابة إلى نقيب. اجتمع النقيبان وأحضر كل ~~واحد منهما صاحبه. ويشتركان في سماع الدعوى، وينفرد بالحكم بينهما نقيب ~~المطلوب دون الطالب، لأنه مندوب إلى أن يستوفي من أهله حقوق مستحقيها. فإن ~~تعلق ثبوت الحق ببينة تسمع على أحدهما، أو يمين يحلف بها أحدهما سمع البينة ~~نقيب المشهود عليه دون نقيب المشهود له، وأحلف نقيب الحالف دون نقيب ~~المستحلف ليصير الحاكم بينهما هو نقيب المطلوب دون الطالب. فإن تمانع ~~النقيبان ms071 أن يجتمعا، لم يتوجه عليهما في الوجه الأول مأثم، ويتوجه عليهما ~~المأثم في الوجه الثاني، وكان أغلظ النقيبين مأثما نقيب المطلوب منهما، ~~لاختصاصه بتنفيذ الحكم. # فلو تراضى الطالبي والعباسي بالتحاكم إلى أحد النقيبين فحكم بينهما نقيب ~~أحدهما. نظر فإن كان الحاكم بينهما نقيب المطلوب، صح حكمه، وأخذ به خصمه، ~~وإن حكم بينهما نقيب الطالب، احتمل تنفيذ حكمه، واحتمل رده. فإن أحضر ~~أحدهما بينة عند القاضي، ليسمعها على خصمه ويكتب بها إلى نقيبه، وهو مصروف ~~عن النظر بينهما لم يجز أن يسمع بينته وإن كان يرى القضاء على الغائب، لأن ~~حكمه لا ينفذ على من تقوم عليه البينة لو حضر، فأولى أن ينفذ حكمه عليه مع ~~الغيبة. فإن أراد القاضي - الذي يرى القضاء على الغالب - سماع بينة على رجل ~~في غير عمله، ليكتب بما ثبت عنده منها إلى قاضي بلده جاز. والفرق بينهما: ~~إن من كان في غير عمله لو حضر عنده، نفذ حكمه عليه، لذلك جاز سماع البينة ~~عليه. وأهل هذين النسبين لو حضر أحدهما عنده لم ينفذ حكمه عليه فلذلك لم ~~يجز أن يسمع البينة عليه. فإن كان أحد هذين أقر عند القاضي لصاحبه بحق جاز ~~أن يكون القاضي شاهدا به عليه عند نقيبه، ولم يجز أن يخبر به حكما، لأن ~~حكمه لا ينفذ عليه. PageV01P093 # وكذلك لو أقر به عند النقيبين كان شاهدا فيه عند نقيبه. ولو أقر به عند ~~نقيبه جاز وكان حاكما عليه بإقراره. ولو أقر به عند نقيب خصمه احتمل أن ~~يكون شاهدا عليه، واحتمل أن يكون حاكما فيه، لما بينا من الفرق بين نقيب ~~الطالب والمطلوب. وهكذا القول في ولايات زعماء العشائر، وولاة القبائل ~~المنفردين بالولايات على عشائرهم وقبائلهم. ### | فصل في الولايات على إمامة الصلوات # وذلك ينقسم ثلاثة أقسام: أحدها: الإمامة في الصلوات الخمس. الثاني: ~~الإمامة في صلاة الجمعة. والثالث: الإمامة في صلاة الندب. فأما الإمامة في ~~الصلوات الخمس. فنصب الأئمة فيها معتبر بحال المساجد التي تقام الصلوات ~~فيها. وهي ضربان: مساجد سلطانية، ومساجد عامية. ms072 أما المساجد السلطانية: فهي ~~الجوامع والمشاهد، وما عظم وكثر أهله، من المساجد التي يقوم السلطان ~~بمراعاتها. # فلا يجوز أن ينتدب للإمامة فيها إلا من يندبه السلطان لها، لئلا تفتات ~~الرعية عليه فيما هو موكول إليه. وقد أومأ أحمد إلى هذا في رواية مهنا، وقد ~~سأله: هل يجتمع القاضي إذا لم يخرج الوالي؟ فقال " إذا أمره، فإن لم يأمره ~~لا يخرج إلا بإذنه". فإذا قلد السلطان فيها إماما كان أحق بالإمامة فيها من ~~غيره وإن كان أفضل منه وأعلم. وهذه الولاية طريقها الأولى، لا طريق اللازم ~~والوجوب، بخلاف ولاية القضاء والنقابة، لأمرين: أحدهما: أنه لو تراضى الناس ~~بإمام وصلى بهم، أجزأهم وصحت جماعتهم. والثاني: أن الجماعة في الصلوات ~~الخمس من السنن المختارة، وليست من الفروض على قول كثير من الفقهاء، وإنما ~~أوجبها أحمد وداود. فإذا ندب السلطان لها إماما، لم يكن لغيره أن يتقدم ~~فيها مع مع حضوره، فإن غاب واستناب كان الذي استنابه فيها أحق بالإمامة، ~~فإن لم يستنب في غيبته استؤذن الإمام فيمن يقدم فيها إن أمكن، فإن تعذر ~~استئذانه تراضى أهل المسجد فيمن يؤمهم، لئلا تتعطل جماعتهم، فإذا حضرت PageV01P094 # صلاة أخرى - والإمام على غيبته - فقد قيل: إن المرتضى للصلاة الأولى ~~يتقدم في الثانية وما بعدها إلى أن يحضر الإمام المولى. وقيل: يختار للصلاة ~~الثانية: بأن يرتضى لها غير الأول، لئلا يصير هذا الاختيار تقليدا سلطانيا. ~~والأولى أن يراعى حال الجماعة في الصلاة الثانية، فإن حضرها من حضر في ~~الأولى كان المرتضى في الأول أحق بالإمامة في الصلاة الثانية، وإن حضرها ~~غيرهم كان الأول كأحدهم، واستأنفوا اختيار إمام يتقدمهم. فإذا صلى إمام هذا ~~المسجد جماعة، وحضر من لم يدرك الجماعة، لم يكن لهم أن يصلوا فيه جماعة، ~~وصلوا فرادى، لما فيه من إظهار المباينة والتهمة بالمشاقة والمخالفة. # وإذا قلد السلطان لهذا المسجد إمامين، فإن خص واحد منهما ببعض الصلوات ~~الخمس جاز، وكان كل واحد منهما مقصورا على ما خص به، كتقليد أحدهما صلاة ~~النهار، وتقليد الآخر صلاة الليل، فلا ms073 يتجاوز واحد منهما ما رده إليه. وإن ~~قلد الإمامة من غير تخصيص كل واحد منهما ببعض الصلوات، ولكن رد إلى كل ~~منهما يوما غير يوم صاحبه، كان كل واحد منهما في يوم أحق بالإمامة فيه من ~~صاحبه. فإن أطلق تقليدهما من غير تخصيص كانا في الإمامة سواء، وأيهما سبق ~~إليها كان أحق بها ولم يكن للآخر أن يؤم في تلك الصلاة بقوم آخرين، لأنه لا ~~يجوز أن يقام في المساجد السلطانية جماعتان في صلاة واحدة. واختلف في السبق ~~الذي يستحق به التقدم، فقيل: سبقه بالحضور في المسجد، وقيل: سبقه بالإمامة ~~فيه. فإن حضر الإمامان في حال واحدة، ولم يسبق أحدهما صاحبه، فإن اتفقا على ~~تقديم أحدهما كان أولى بالإمامة. PageV01P095 # وإن تنازعاها احتمل أن يقرع بينهما، ويقدم من قرع منهما، واحتمل أن يرجع ~~إلى اختيار أهل المسجد لأحدهما. ويدخل في ولاية هذا الإمام: تقليد ~~المؤذنين، ما لم يصرح له بالصرف عنه، لأن الأذان من سنن الصلاة التي ولي ~~القيام بها فصار داخلا في الولاية عليها. وله أن يأخذ المؤذنين بما يؤديه ~~اجتهاده إليه في الوقت والأذان. فإن كان حنبليا يرى تعجيل الصلوات في أول ~~الأوقات ولا يرجع الأذان، ويرى إفراد الإقامة، أخذ المؤذنين بذلك، وإن كان ~~رأيهم خلاف ذلك. وإن كان حنفيا يرى تأخير الصلوات إلى آخر الأوقات، إلا ~~المغرب، ويرى ترك الترجيع في الأذان، ويرى تثنية الإقامة، أخذهم بذلك، وإن ~~كان رأيهم بخلافه. ويعمل الإمام على رأيه واجتهاده في أحكام صلاته، فإن كان ~~حنبليا يرى ترك القنوت في الصبح وترك الجهر بالبسملة، عمل على رأيه ولم ~~يعارض فيه، وكذلك إن كان شافعيا يرى الجهر بالبسملة والقنوت في الصبح لم ~~يعرض له. # والفرق بين الصلاة والأذان: أنه يؤدي الصلاة في حق نفسه، فلم يجز أن ~~يعارض في اجتهاده والمؤذن يؤدي في حق غيره، فجاز أن يعارض على اجتهاده. ~~والصفات المعتبرة في تقليد هذا الإمام خمس: أن يكون رجلا، عدلا، قارئا، ~~فقيها، سليم اللفظ من نقص أو لثغ، فإن كان صبيا أو ms074 فاسقا أو امرأة أو خنثي، ~~أو أخرس، أو ألثغ، لم تصح إمامة الصبي في الفرض، وصحت في النفل. PageV01P096 # ولم تصح إمامة الفاسق في فرض ولا نفل لعدل ولا لفاسق. ولا تصح إمامة ~~المرأة بالرجال، وكذلك الخنثي. وإن أم أخرس أو ألثغ، يبدل الحروف بأغيارها، ~~بطلت صلاة من ائتم به، إلا أن يكون على مثل خرسه، أو لثغه. وأقل ما على هذا ~~الإمام من القراءة والفقه: أن يكون حافظا لأم القرآن، عالما بأحكام الصلاة، ~~لأنه القدر المستحق فيها، ولأن يكون حافظا لجميع القرآن، عالما بجميع ~~الأحكام أولى. وإذا اجتمع فقيه ليس بقارئ، وقارئ ليس بفقيه، كان القارئ ~~أولى من الفقيه إذا كان عالما بأحكام الصلاة لأن القراءة والإكثار منها ~~متحقق وما ينوبه من الحوادث في الصلاة غير متحقق، مع أنا قد اعتبرنا العلم ~~بأحكامها. PageV01P097 # ويجوز أن يأخذ هذا، لإمام ومؤذنوه رزقا على الإمامة والأذان من بيت ~~المال، من سهم المصالح، لأن هذا ليس بأجرة على الصلاة والأذان، وإنما هو حق ~~ثابت في بيت المال. وقد ذكر أبو عبد الله بن بطة في كتاب تعظيم حرمة ~~الصلاة، قال: وقد كان على بن عيسى الوزير نصب للجوامع - مثل جامع الرمالة ~~وغيره - أصحاب ابن مجاهد، في كل يوم رجلا يصلي بالناس الخمس الصلوات، وجعل ~~لهم الأرزاق. قال أبو جعفر: وقد كان أبو بكر الخلال في مجلس في جامع ~~الرصافة، وكان يصلي الجمعة والعصر خلف هؤلاء الذين يأخذون الأجرة، ثم خلفه ~~بعده غلامه عبد العزيز، وأبو القاسم الخرقي. وقد ذكر أبو بكر الخلال في ~~كتاب الإمامة " باب ذكر الصلاة خلف من يأخذ أجرا على الصلاة. # وروي عن أحمد في رواية المروزي، وصالح، وأبي الحارث، ومهنا، وإسحاق بن ~~إبراهيم " لايصلي خلفه" وذكر بعد أبواب أخر، فقال "باب الصلاة خلف من يأخذ ~~الأجرة من السلطان على الإمامة في المساجد، وروي عن أحمد في رواية بكر بن ~~محمد عن أبيه وقد سأله عن الرجل يصلي في مسجد الجامع غير صلاة الجمعة ~~والإمام يعطي أجر الإمامة والأذان - أحب إليك، ms075 أم يصلي في مساج القبائل؟ - ~~فقال: مازلنا نصلي ف المسجد الجامع خلف هؤلاء الذين يعطوا أجرا". وإنما ~~أراد بالأجر ههنا: الرزق، لأن السلطان يعطي رزقا. وأما المساجد العامية، ~~التي يبنيها أهل الشوارع والقبائل في شوارعهم وقبائلهم، فلا اعتراض للسلطان ~~عليهم في أئمة مساجدهم، وتكون الإمامة فيها لمن اتفقوا على الرضا بإمامته ~~وليس لهم بعد الرضا به أن يصرفوه عن الإمامة إلا أن يتغير حاله، وليس له ~~بعد رضاهم به أن يستخلف مكانه نائبا عنه، ويكون أهل المسجد أحق بالاختيار. ~~وإذا اختلف أهل المسجد في اختيار إمام أو مؤذن، قرع بين المختلف فيهما، نص ~~عليه في رواية أبي داود: في رجلين تشاحا في الأذان، وقالا: يجمع أهل ~~المسجد، فينظر من يختارون. فقال أحمد " لا، ولكن يقترعا، على ما فعل سعد". PageV01P098 # وقال في رواية حنبل " وإذا اختلفا في الإمامة يقرع بينهما، على ما فعل ~~سعد". وقد قيل: يعمل على قول الأكثر، وقد أومأ إليه أحمد في رواية صالح ~~والمروذي: في الإمام إذا كرهه قوم ورضي به قوم، فإن أكثرهم قد رضي به ~~يؤمهم. فاعتبر رضا الأكثر في الواحد اختلفوا فيه. فعلى هذه الرواية: إن ~~تكافأ المختلفون احتمل القرعة، واحتمل أن يختار السلطان لهم - قطعا ~~لتشاجرهم - من هو أدين وأسن وأقرأ فيه. وهل يكون اختياره مقصورا على العدد ~~المختلف فيهم، أو يكون عاما في أهل المسجد! يحتمل أن يكون مقصورا على ذلك ~~العدد المختلف في اختيار أحدهم، ولا يتعداهم إلى غيرهم، لاتفاقهم على ترك ~~من عداهم. # ويحتمل أن يختار من جميع أهل المسجد من يراه لإمامته، لأن السلطان لا ~~يضيق عليه الاختيار. فإن بنى رجل مسجدا لم يستحق الإمامة فيه، وكان هو ~~وغيره من جيران المسجد سواء في إمامته، وأذانه، نص عليه في رواية حرب ~~ويعقوب بن بختان. وقد سئل عن المؤذن وما رضيه أهل المسجد، أو الذي بنى ~~المسجد؟ فقال: "هو ما رضيه أهل المسجد، ليس الذي بناه". فإن حضر جماعة ~~بمنزل، رجل للصلاة فيه، كان مالك المنزل أحقهم بالإمامة فيه وإن ms076 كان دونهم ~~في الفضل. فإن حضر السلطان كان أحق من المالك، لعموم ولايته عليه، ولهذا ~~يقدم على الولي في صلاة الجنازة. ص 99 ### || وأما الإمامة في صلاة الجمعة # فقد اختلفت الرواية عن أحمد في وجوب تقليدها فروي عنه أن التقليد فيها ندب، ~~وحضور السلطان فيها ليس بشرط، وإن أقامها الناس على شروطها انعقدت وصحت. PageV01P099 # وروي عنه: أنها من الولايات الواجبات، وأن صلاة الجمعة لا تصح إلا بحضور ~~السلطان، أو من يستنيبه فيها. وهل يجوز أن يكون الإمام فيها عبدا؟ على ~~روايتين، بناء على وجوبها على العبد. فإن قلنا: لا تجب على العبد لم يجز أن ~~يؤم فيها، وإن قلنا: تجب عليه، جاز أن يكون إماما فيها. ولا تجوز إمامة ~~الصبي فيها. ولا تجوز إقامتها إلا في وطن يجمع المنازل، يسكنه من تنعقد بهم ~~الجمعة، لا يظعنون عنه شتاء ولا صيفا، إلا ظعن حاجة، سواء كان مصرا أو ~~قرية. وقد قال أحمد في رواية ابن القاسم وقد سئل: على من تجب، يعني الجمعة؟ ~~قال " أما الواجب فالذي يسمع النداء أو أهل القرية إذا كانت مجتمعة" فقد ~~اعتبر اجتماع المنازل في القرية. وقال في رواية أبي النضر العجلي " ليس على ~~أهل البادية جمعة، لأنهم ينتقلون". فقد أسقط عنهم الجمعة، وعلل بأنه غير ~~مستوطنين. PageV01P100 # وتجب الجمعة على من كان خارج المصر إذا سمعوا نداءها منه، وقد حده أحمد ~~بفرسخ، ولا تنعقد الجمعة بأقل من أربعين رجلا من أهل القرية، ليس فيهم ~~امرأة، ولا مسافر، وإن كان فيهم عبد ففيه روايتان بناء على وجوبها على ~~العبد. وهل يكون الإمام زائدا على العدد. قال في رواية عبد الله " أقل ما ~~يجزئ الإمام يوم الجمعة أن يصلي معه أربعون رجلا". فاعتبر أربعين غيره. ~~وذلك لما روي عبد الرحمن بن كعب بن مالك عن أبيه " أن أسعد بن زرارة صلى ~~بهم بالمدينة وهم يومئذ أربعون رجلا". PageV01P101 # وهذا يقتضي أن الأربعين غيره، كما لو قال: أطعمنا ونحن أربعون، ولأن ما ~~اعتبر في كان المتبوع غيره. دليله: الشهود في ms077 عقد النكاح، غير الولي، وكذلك ~~الشهود عند الحاكم بالحق هم غير الحاكم، وهذا يلزمه عليه الجماعة. ~~والثانية: يكونون أربعين مع الإمام. قال في رواية الأثرم " إذا كانوا ~~أربعين يجمعون" وكذلك قال في رواية الميموني " إذا كانوا أربعين" وكذلك قال ~~في رواية ابن القاسم " تجب الجماعة إذا كان أهل القرية أربعين رجلا". ~~فاعتبر جملة العدد أربعين. والوجه فيه: ما وري عطاء عن جابر أنه قال " مضت ~~السنة أن في كل ثلاثة إمام، وفي كل أربعين فما فوقها جمعة". فأخبر أن السنة ~~في الأربعين، وإذا كان الإمام أحدهم فقد وجد الأربعون، ولأن العدد الذي ~~يعتبر في الجماعة يكون الإمام واحدا منهم، كذلك في عدد الجمعة. PageV01P102 # وإذا كان الإمام في الجمعة، يرى أنها لا تنعقد بأقل من أربعين، وكان ~~المأمون - وهم أقل من أربعين - يرون انعقاد الجمعة بهم لم يجز أن يؤمهم، ~~ووجب عليه أن يستخلف عليهم أحدهم. ولو كان الإمام يرى أنها تنعقد بأقل من ~~أربعين، والمأمون لا يرونه - وهم أقل- لم يلزم الإمام ولا المأمومين ~~إقامتها، لأن المأمومين لا يرونها ولا الإمام يجد معه من يصليها. # وإذا أمر السلطان الإمام في الجمعة أن لا يصلي إلا بأربعين، لم يجز أن ~~يصليها بأقل من أربعين وإن كان يراه مذهبا، لأنه مقصور الولاية على ~~الأربعين، ومصروف عما دونها. ولا يجوز أن يستخلف عليهم من يصليها، لصرف ~~ولايته عنها. فإن أمره السلطان أن يصلي بأقل من أربعين وهو لا يراه، ~~فالولايه باطلة، لتعذرها من جهته. وإذا كان المصر جامعا لقرى قد اتصل ~~بنيانها حتى اتسع بكثرة أهله كبغداد، جاز إقامة الجمعة في مواضعه القديمة، ~~ولا يمنع البنيان من إقامتها في مواضعها. وقد نقل أو داود أن أحمد سئل عن ~~المسجدين اللذين يجمع فيهما ببغداد: هل فيه شيء متقدم؟ فقال: " أكثر ما ~~فيه: أمر علي - رضي الله عنه - أن يصلي بالضعفة". وإن كان المصر واحدا ~~موضوعا في الأصل على سعة وجامعه يسع جميع أهله، كمكة والمدينة لم يجز أن ~~تقام الجمعة فيه إلا في موضع واحد ms078 منه. وإن كان المصر واحدا متصل الأبنية ~~لا يسع جامعه جميع أهله لكثرتهم كالبصرة، ففيه روايتان: إحداهما: تجوز ~~إقامة الجمعة في موضعين منه للضرورة. لكثرة أهله. وقد أومأ إليه أحمد في ~~رواية المروذي. وقد سئل عن الصلاة يوم الجمعة في موضع يكون فيه مسجدان. ~~فقال " صل. أذهب إلى قول على في العيد إنه أمر رجلا يصلي بضعفة الناس". وهو ~~اختيار الخرقي؛ لأنه قال: " وإذا كان البلد كبيرا يحتاج إلى جوامع، فصلاة ~~الجمعة في جميعها جائزة". وفيه رواية أخرى: لا يجوز. فإن ضاق بهم اتسعت لهم ~~الطرقات، فلم يضطروا إلى تفريق الجمعة في مواضع منه. وقد أومأ إليه أحمد في ~~رواية الأثرم وقد سئل: " هل علمت أن أحدا جمع جمعتين في مصر واحد؟ قال: لا ~~أعلم أحدا فعله - أي من الماضين - وجمعة بعد جمعة لا أعرف". فعلى هذه ~~الرواية: إن أقيمت الجمعة في موضعين من مصر قد منع أهله من تفريق الجمعة، ~~فقد قيل: أن الجمعة لأسبقهما بإقامتها، وعلى المسبوق أن يعيد صلاته ظهرا. PageV01P103 # وقيل: الجمعة للمسجد الأعظم الذي يحضره السلطان، سابقا كان أو مسبوقا، ~~على من صلى في الأصغر إعادة صلاتهم ظهرا. وجه القائل الأول: أن الثانية ~~استفتاج جمعة بمصر بعد انعقاد غيرها فيه لغير ضرورة، فأشبه إذا لم يحضر ~~الثانية سلطان. ووجه القائل الثاني: أنا لو قلنا: إن جمعة الرعية أولى ~~لافتتنا على الإمام وفوتنا الجمعة عليه، وذلك أنه لا يشاء شاء أن يخرج على ~~الإمام إلا جمع بأربعين قبله، فيفوتها عليه. وهذا أشبه بقول أحمد لأنه قال ~~في بعض رواياته في صوم يوم الشك " إنه يتبع الإمام في ذلك". وليس لمن قلد ~~الجمعة أن يؤم في الصلوات الخمس، وكذلك من قلد الصلوات الخمس لا يستحق ~~الإمامة في صلاة الجمعة بنا على الأصل، وهو أن الجمعة فرض مبتدأ وليس بظهر ~~مقصورة. ويشهد له أيضا ما قاله في رواية مهنا - وقد سأله " هل يجمع القاضي ~~إذا لم يخرج الوالي؟ فقال: إذا أمره، فإن لم يأمره لم يجمع". ### || [الإمامة في غير ms079 الصلوات الخمس] # وأما الإمامة في صلوات الندب المنسوبة إلى الجماعة ~~فخمس: صلاة العيدين، والخسوفين، والاستسقاء. PageV01P104 # فتقليد الإمام فيها ندب لجوازها جماعة وفرادى. وليس لمن قلد إمامة ~~الصلوات الخمس أو إقامة الجمعة حتى في إقامتها إلا أن يقلد جميع الصلوات، ~~فتدخل في عمومها. ### ||| [صلاة العيد] # فأما صلاة العيد، فوقتها بين طلوع الشمس ~~وزوالها، ويختار له تعجيل الأضحى، وتأخير الفطر. ويكبر الناس في ليلتي ~~العيدين من بعد غروب الشمس إلى حين أخذهم في صلاة العيد. ويختص عيد الأضحى ~~بالتكبير له في أعقاب الصلوات المفروضات، من بعد صلاة الصبح، من يوم عرفة ~~إلى بعد صلاة العصر من آخر أيام التشريق. ويصلي العيدين قبل الخطبة والجمعة ~~بعدها اتباعا للسنة فيهما. وتختص صلاة العيدين بالتكبيرات الزوائد، وهي في ~~الأولى ست سوى تكبيرة الإحرام، وفي الثانية خمس سوى تكبيرة القيام قبل ~~القراءة فيهما. PageV01P105 # ويعمل الإمام في هذه التكبيرات الزوائد على رأيه واجتهاده، وليس لمن ولاه ~~أن يأخذه برأي نفسه، بخلاف العدد في صلاة الجمعة؛ لأنه يصير بذكر العدد في ~~صلاة الجمعة خاص الولاية ولا يصير بذكر التكبير في صلاة العيد خاص ~~بالولاية، فافترقا. ### ||| [صلاة الكسوف] # وأما صلاة الخسوفين فيصليهما من ندبه السلطان، أو من عمت ولايته فاشتملت عليها. PageV01P106 # وهي ركعتان، في كل ركعة ركوعان وقيامان، يطيل القراءة فيهما، فيقرأ في ~~القيام الأول من الركعة الأولى جهرا بعد الفاتحة سورة البقرة أو نحوها، ~~ويركع مسبحا بقدر النصف، ثم يرفع منتصبا، ويقرأ بعد الفاتحة بسورة آل عمران ~~أو نحوها، ويركع مسبحا بقدر النصف، ويسجد سجدتين كسائر الصلاة، ثم يصنع في ~~الركعة الثانية كذلك ويقرأ في قيامها، ويسبح في ركوعها على النصف مما قرأ ~~وسبح في الأولى. وهل يخطب بعدها؟ على روايتين مذكورتين في صلاة الاستسقاء. ### ||| [صلاة الاستسقاء] # وأما صلاة الاستسقاء فمندوب إليها عند انقطاع المطر، وخوف ~~الجدب. يتقدم من قلدها بصيام ثلاثة أيام قبلها يكف فيها عن المظالم ~~والتخاصم، ويصلح فيما بين المتشاحن والمتشاجر. وهي كصلاة العيد في وقتها. ~~وإذا قلد صلاة العيد في عام جاز - مع إطلاق ms080 ولايته - أن يصليها في كل عام ~~ما لم يصرف. وإذا قلد صلاة الخسوف والاستسقاء في عام ولم يكن له مع إطلاق ~~ولايته أن يصليها في غيره إلا أن يقلد، لأن صلاة العيد راتبة، وصلاة الخسوف ~~والاستسقاء عارضة. وإذا مطروا في صلاة الاستسقاء أتموها. # وهل يخطب بعدها شكرا على روايتين: PageV01P107 # ولو مطروا قبل الدخول فيها لم يصلوا، وشكروا بغير خطبة رواية واحدة. ~~وكذلك في الخسوف إذا تجلى. ولو اقتصر في الاستسقاء على الدعاء أجزأ. روي ~~أنس بن مالك " أن أعرابيا أتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم- فقال: يا ~~رسول الله، أتيناك وما لنا بعير يئط، ولا صبي يصطبح، فقام رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم- يجر رداءه حتى صعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: ~~اللهم اسقنا غيثا غدقا مغيثا سحا طبقا " وذكر الخبر. ### | فصل: في ولاية الحج # وهذه الولاية ضربان: أحدهما: أن تكون على تسيير الحجيج. والثاني: على ~~إقامة الحج. فأما تسيير الحجيج فهو ولاية سياسية، وزعامة تدبير. والشروط ~~المعتبرة في المولى أن يكون مطاعا، ذا رأي، وشجاعة وهيبة وهداية والذي عليه ~~من حقوق هذه الولاية عشرة أشياء: PageV01P108 # أحدها: جمع الناس في مسيرهم ونزولهم حتى لا يتفرقوا، فيخاف عليهم النوى ~~والتغرير. والثاني: ترتيبهم في المسير والنزول، بإعطاء كل طائفة منهم مقادا ~~حتى يعرف كل قوم منهم مقاده إذا سار، ويألف مكانه إذا نزل، فلا يتنازعون ~~فيه ولا يضلون عنه. الثالث: أن يرفق بهم في المسير حتى لا يعجز عنه ضعيفهم، ~~ولا يضل عنه منقطعهم. روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم- أنه قال " المضعف ~~أميرا لرفقه" يريد من ضعفت دابته كان على القوم أن يسيروا بسيره. الرابع: ~~أن يسلك بهم أوضح الطرق وأخصبها، ويتجنب أوعرها وأجدبها. الخامس: أن يرتاد ~~لهم المياه إذا انقطعت، والمراعي إذا قلت. السادس: أن يحرسهم إذا نزلوا، ~~ويحوطهم إذا رحلوا، حتى لا يتخطفهم داغل ولا يطمع فيهم متلصص. السابع: أن ~~يمنع عنهم من يصدهم عن المسير، ويدفع عنهم من يحصرهم عن الحج بقتال، إن قدر ~~عليه، وببذل ms081 مال إن أجاب الحجيج إليه. ولا يسعه أن يجبر أحدا على بذل ~~الخفارة إن امتنع منها حتى يكون باذلا لها عفوا، ومحيبا إليها طوعا، فإن ~~بذل المال على التمكين من الحج لا يجب. PageV01P109 # الثامن: أن يصلح بين المتشاجرين، ويتوسط بين المتنازعين، ولا يتعرض للحكم ~~بينهم إجبارا، إلا أن يفوض إليه الحكم، فيعتبر فيه أن يكون من أهله. فيجوز ~~له حينئذ أن يحكم بينهم، فإن دخلوا بلدا فيه حاكم جاز له ولحاكم البلد أن ~~يحك بينهم، فأيهما حكم نفذ حكمه، ولو كان التنازع بين أحد الحجيج وأهل ~~البلد لم يحكم بينهما إلا حاكم البلد. التاسع: أن يقوم زائغهم، ويؤدب ~~جانبهم، ولا يتجاوز التعزير إلى حد، إلا أن يؤذن له فيه فيستوفيه إذا كان ~~من أهل الاجتهاد، فإن دخل بلدا فيه من يتولى إقامة الحدود على أهله نظر، ~~فإن كان ما أتاه المحدود قبل دخول البلد، فوالي الحجيج أولى بإقامة الحد ~~عليه من والي البلد، وإن كان ما أتاه المحدود في البلد، فوالي البلد أولى ~~بإقامة الحد عليه من والي الحجيج. العاشر: أن يراعي اتساع الوقت حتى يؤمن ~~الفوات، ولا يلجئهم ضيقه إلى الحث في السير. فإذا وصل إلى الميقات أمهلهم ~~للإحرام وإقامة سننه، فإن كان الوقت متسعا عدل بهم إلى مكة ليخرجوا مع ~~أهلها إلى المواقف، وإن كان الوقت ضيقا عدل بهم عن مكة إلى عرفة خوفا من ~~فواتها فيفوت الحج بها، فإن زمان الوقوف بعرفة ما بين زوال الشمس من يوم ~~عرفة إلى طلوع الفجر من يوم النحر، فمن أدرك الوقوف بها في شيء من هذا ~~الزمان، من ليل أو نهار فقد أدرك الحج، وإن فاته الوقوف بها حتى طلع الفجر ~~من يوم النحر فقد فاته الحج ويتحلل بعمرة. وقيل: يصير إحرامه بالفوات عمرة، ~~جبرة بدم، وقضاة في العالم المقبل إن أمكن، وفيما بعد إن تعذر عليه. PageV01P110 # وإذا وصل الحجيج إلى مكة، فمن لم يكن على العود منهم فقد زال عنه ولاية ~~الوالي على الحجيج فلم يكن له عليه يد، ms082 ومن كان منه على العود فهو تحت ~~ولايته، وملتزم أحكام طاعته. وإذا قضى الناس حجهم أمهلهم الأيام التي جرت ~~بها العادة في إنجاز علائقهم، ولا يرهقهم في الخروج، فيضر بهم. # فإذا عاد بهم سار على طريق المدينة لزيارة قبر رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم-، رعاية لحرمته، وقياما بحقوق طاعته. وإن لم يكن ذلك من فروض الحج فهو ~~من مندوبات الشرع المستحبة، وعادات الحجيج المستحسنة. روى عمر أن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم- قال " من زار قبري وجبت له شفاعتي". ثم يكون في عوده ~~بهم ملتزم فيهم من الحقوق ما التزمه في صدري حتى يصل بهم البلد فتنقطع ~~ولايته عنهم بالعود إليه. وإن كان الولاية على إقامة الحج فهو فيه بمنزلة ~~الإمام في إقامة الصلاة. PageV01P111 # فمن شروط الولاية عليها، مع شروط المعتبرة في أئمة الصلوات. أن يكون ~~عالما بمناسك الحج وأحكامه، عارفا بمواقيته وأيامه. وتكون مدة ولايته مقدرة ~~بسبعة أيام. أولها: من صلاة الظهر في اليوم السابع من ذي الحجة. وآخرها: ~~يوم النفر الثاني: وهو الثالث عشر من ذي الحجة، وهو فيما قبلها وبعدها أحد ~~الرعايا، وليس من الولاة. فإذا كان مطلق الولاية على إقامة الحج، فله ~~إقامته في كل عام، ما لم يصرف عنه. وإن عقدت له خاصة على عام لم يتعداه إلى ~~غيره إلا عن ولاية. والذي يختص بولايته ويكون نظره نظره عليه مقصورا خمسة ~~أحكام متفق عليها، وسادس مختلف فيه. أحدها: إشعار الناس بوقت إحرامهم، ~~والخروج إلى مشاعرهم ليكونوا له متبعين، وبأفعاله مقتدين. الثاني: ترتيبه ~~للمناسك على ما استقر الشرع عليه، لأنه متبوع فيها فلا يقدم مؤخرا ولا يؤخر ~~مقدما، سواء كان الترتيب مستحقا أو مستحبا. الثالث: تقدر المواقيت بمقامه ~~فيها، ومسيره عنها كما تتقدم صلاة المأمومين بصلاة الإمام. الرابع: اتباعه ~~على الأذكار المشروعة فيها، والتأمين على أدعيته بها ليتبعوه في القول كما ~~اتبعوه في العمل، وليكون اجتماع أدعيتهم أفتح لأبواب الإجابة. الخامس: ~~إمامتهم في الصلوات التي شرعت خطب الحج فيها ويجتمع الحجيج عليها وهي ~~خطبتان: يوم عرفة، ms083 ويوم النفر الأول، على ما نشرحه. # ويستحب له في اليوم الثامن: أن يخرج من مكة فينزل بمنى، بخيف بني كنانة ~~حيث نزل رسول الله - صلى الله عليه وسلم- ويبيت بها، ويسير بهم من عنده، - ~~وهو اليوم التاسع - مع طلوع الشمس إلى يوم عرفة على طريق ضب، ويعود على ~~طريق المأزمين، اقتداء برسول الله - صلى الله عليه وسلم-، وليكون عائدا في ~~غير طريق التي صدر منها. فإذا أشرف على عرفة نزل ببطن عرفة وأقام بها حتى ~~نزول الشمس، ثم سار منها إلى مسجد إبراهيم عليه السلام بوادي عرفة، فخظب ~~الخطبة الأولة من خطب الحج قبل الصلاة الجمعة وجميع الخطب مشروعة بعد ~~الصلاة إلا خطبتين: خطبة الجمعة، وخطبة عرفة، فإذا خطبها ذكر الناس فيها ما ~~يلزمهم من أركان الحج ومناسكه، وما يحرم عليهم من محظوراته، ثم يصلي بهم ~~بعد الخطبة صلاة الظهر والعصر، جامعا بينهما في وقت الظهر، ويقصرها ~~المسافرون , ويتمها المقيمون. PageV01P112 # اقتداء برسول الله - صلى الله عليه وسلم- في جمعه وقصره، ثم يسير بعد ~~فراغه منها إلى عرفة. وهي الموقف المفروض. وحد عرفة ما جاوز وادي عرنة الذي ~~فيه المسجد. وليس المسجد ولا وادي عرنة من عرفة إلى الجبال المقابلة على ~~عرفة كلها. فيقف منها عند الأجبل الثلاثة: النبعه، والنبيعة، والنابت. فقد ~~وقف النبي - صلى الله عليه وسلم- عند النابت وجعل بطن ناقته إلى المحراب، ~~فهذا أحب المواقف أن يقف فيه الإمام. وأين وقف من عرفة والناس أجزأهم. ~~ووقوفه على راحلته ليقتدي به الناس أولى. ثم يسير بعد غروب الشمس إلى ~~مزدلفة، فيؤخر صلاة المغرب حتى يجمع بينها وبين العشاء الآخرة بمزدلفة، ~~ويؤم الناس فيها، ويبيت بمزدلفة وحدها من حيث يفضي من مأزمي عرفة، وليس ~~المأزمان منها إلى أن يأتي إلى قرن محسر، وليس القرن منها، ويلتقط والناس ~~منها حصى الجمار لعدد الأيام، مثل حصى الحذف، ويسير منها بعد الفجر. ولو ~~سار قبله وبعد نصف الليل أجزأ، وليس المبيت بها ركن، ويجبر بدم إن تركه. # ثم يتوجه إذا سار منها إلى المشعر الحرام، فيقف ms084 فيه بقزح داعيا، وليس ~~الوقوف به فرضا. ثم يسير إلى منى، فيبدأ برمي جمرة العقبة قبل الزوال بسبع ~~حصيات، ثم ينحر هو ومن ساق هديا من الحجيج، ثم يحلق أو يقصر، يفعل منهما ما ~~شاء، والحلق أفضل. ثم يتوجه إلى مكة، فيطوف بها طواف الإفاضة، ويسعى بعد ~~طوافه إن لم يسع قبل عرفة، ويجزيه سعيه قبل عرفة، ولا يجزيه طوافه قبلها. ~~ثم يعود إلى منى، فيصلي بالناس الظهر، وليس فيه خطبة مسنونة بعد الصلاة، ~~لأن الإمام يعلمهم في خطبة يوم عرفة ما يحتاجون إليه في يوم عرفة ما يبقى ~~عليهم من مناسكهم فلا حاجة به إلى ذلك، ويبيت بمنى ليلة ليرمي من غدها - ~~وهو يوم النفر الحادي عشر - بعد الزوال الجمار الثلاث، بإحدى وعشرين حصاة، ~~كل جمرة بسبع، ويبيت بها ليلته الثانية، ويرمي من غدها - وهو يوم النفر - ~~الجمار الثلاث، ثم يخطب بعد صلاة الظهر الخطبة الثانية، PageV01P113 # وهي آخر الخطب المشروعة في الحج. ويعلم الناس أن لهم في الحج نفرين، ~~خيرهم الله تعالى فيهما بقوله (2: 203 - فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه، ~~ومن تأخر فلا إثم عليه) ويعلمهم أن من نفر من منى قبل غروب الشمس فقط سقط ~~عنه المبيت بها ورمى الجمار من غده، ومن أقام بها حتى غربت الشمس لزمه ~~المبيت بها والرمي من غده. وليس في اليوم السابع من العشر خطبة، لأنه يوم ~~لم يشرع في نسك من مناسك الحج، فلم يشرع فيه خطبة كليلة اليوم الأخير من ~~أيام التشريق، ولا يلزمه عليه يوم عرفة ويوم النفر الأول لأنه شرع فيه ~~النسك. ولا في يوم النحر خطبة، لأن الإمام يعلمهم في خطبة يوم عرفة ما ~~يحتاجون إليه في الغد وهو النفر الثاني، لم يحتج إلى إعادة الخطبة فيه. ~~وليس لهذا الإمام يحكم ولايته أن ينفر في النفر الأول، ويقيم بمنى ليبيت ~~بها، وينفر في النفر الثاني من غده من يوم الحلاق، وهو الثالث عشر بعد رمي ~~الجمار الثلاث، لأنه متبوع، فلا ينفر إلا بعد استكمال المناسك. ms085 # فإذا استقر حكم النفر الثاني انقضت ولايته وأدى ما لزمه. فهذه الأحكام ~~الخمسة المتعلقة بولايته. ### || فأما السادس المختلف فيه # فثلاثة أشياء: أحدها: إن ~~فعل أحد الحجيج ما يقتضي تعزيره أو يوجب حدا، فينظر، فإن كان مما لا تعلق ~~له بالحج لم يكن له تعزيره ولا حده، وإن كان مما يتعلق بالحج مثل أن .... ~~ فله تعزيره زجرا وتأديبا، وأما الحد فليس له إقامته، لأنه خارج عن أفعال ~~الحج، وقد قيل له ذلك لأنه من أحكام الحج. # الثاني: أنه لا يجوز له أن يحكم ~~بين الحجيج فيما يتنازعونه من غير أحكام الحج، فأما حكمه بينهم فيما ~~يتنازعونه من أحكام الحج، كالزوجين إذا تنازعا في إيجاب الكفارة للوطء ~~ومؤنة القضاء، فعلى ما ذكرنا من الاحتمال الثالث أن يأتي أحد الحجيج بما ~~يوجب الفدية فله أن يخبره بموجبها ويأمره بإخراجها، وهل يستحق إلزامه له ~~ويصير خصما له في المطالبة؟ عل ما ذكرنا من الاحتمال في إقامة الحد. ويجوز ~~لوالي الحجيج أن يفتي من استفتاه إذا كان فقيها وإن لم يجز له أن يحكم، ~~وليس له أن ينكر عليهم ما يسوغ فعله، إلا ما يخاف أن يجعله الجاهل قدرة ~~فيه، فقد أنكر عمر على طلحة لبس المضرج في الحج، وقال " أخاف أن يقتدي بك ~~الجاهل". # وليس له أن يحمل الناس في المناسك على مذهبه. # ولو أقام للناس الحج - وهو حلال غير محرم - كره له ذلك، وصح الحج معه بخلاف الصلاة ~~التي لا يصح أن يؤمهم فيها وهو غير مصل لها. PageV01P114 # ولو قصد الناس في الحج التقدم على إمامتهم فيه أو التأخر فيه جاز وإن ~~كانت مخالفة المتبوع مكروهة، ولو قصدوا مخالفته في الصلاة فسدت عليهم، ~~لارتباط صلاة المأموم بصلاة الإمام، وانفصال حج الناس عن حج الإمام. ### | فصل: في ولايات الصدقات # الزكاة تجب في الأموال المرصدة للنماء، إما بنفسها وإما بالعمل فيها، ~~طهرة لأهلها، ومعونة لأهل السهمان. والأموال المزكاة ضربان: ظاهرة وباطنة. ~~فالظاهرة: ما لا يمكن إخفاؤه: من الزروع، والثمار، والمواشي. # والباطنة: ما أمكن إخفاؤه: من ms086 الذهب، والفضة، وعروض التجارة. وليس لوالي ~~الصدقات نظر في زكاة المال الباطني، وأربابه أحق بإخراج زكاته منه، إلا أن ~~يبذلها أرباب الأموال طوعا، فيقبلها منهم، ويكون في تفرقتها عونا لهم، ~~ونظره مخصوص بزكاة المال الظاهر، يؤمر أرباب الأموال بدفعها إليه إذا ~~طلبها، فإن لم يطلبها جاز دفعها إليه. والأفضل أن يتولى أرباب المال ~~تفرقتها بأنفسهم، نص عليه، فإن طالبهم الإمام بدفعها إليه فامتنعوا من ذلك ~~وأجابوا إلى إخراجها بأنفسهم لم يكن له قتالهم، والمنصوص عليه في قتالهم: ~~إذا منعوا إخراجها في رواية منصور، والمروذي، والميموني، والأثرم. والشروط ~~المعتبرة في هذه الولاية: أن يكون مسلما، عدلا، عالما بأحكام الزكاة ' إن ~~كان من عمال التفويض. وقد قال في رواية أبي طالب - وقد سأله: يستعمل ~~اليهودي والنصراني في أعمال المسلمين مثل الخراج؟ - فقال " لا يستعان بهم ~~في شيء". وإن كان منفذا قد عينه الإمام على قدر يأخذه، جاز أن لا يكون من ~~أهل العلم بها. ويجوز أن يتقلدها من تحرم عليه الصدقات من ذوي القربى، ~~والعبيد، ويكون رزقه منها، لأن ما يأخذه أجرة زكاة، ولهذا يتقدر بقدر عمله. ~~وقد قال الخرقي " ولا تدفع الصدقة لبني هاشم، ولا لكافر ولا لعبد، إلا أن ~~يكونوا من العاملين عليها فيعطون بحق ما عملوا ". PageV01P115 # وقال أبو حفص " ويدفع إلى العبد إذا كان من العاملين عليها". # وقد سأل المروذي أحمد: العاملون عليها قوم خاص؟ قال: لا، بل عام". وقال ~~له أبو طالب: بعض الناس يقول. للعامل الثمن، فقال " ليس كذا، إن ولي رجل ~~على البصرة يأخذ الثمن، لكن يأخذ على قدر عمالته". وقال أبو حفص " يعطي ~~منها وإن كان غنيا" وذكر الحديث بإسناده عن أبي سعيد قال: قال رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - " لا تحل الصدقة إلا الخمسة: لعامل عليها" وذكر ~~الخبر. وإذا قلده أخذها، نظرت، فإن قلد أخذها وقسمتها، فله الجمع بين ~~الأمرين. وإن قلده أخذها، ونهاه عن قسمتها، لم يجز له قسمتها. وإن أطلق ~~التقليد فلم يأمره ولم ينهه، جاز له قسمتها، وهذا ظاهر كلام ms087 أحمد رحمه ~~الله، في رواية الميموني. فقال " والذي فارقته عليه: أن المصدق إذا جاءهم ~~وأخذ صدقات أموالهم، فإن كانوا أغنياء عنها أخرجها، وردها إلى الإمام، وإن ~~كانوا فقراء أعطاهم ما يغنيهم، فإن فضل عنهم شيء أخرجه عنهم". ### || والأموال المزكاة أربعة ### ||| أحدها: المواشي # وهي الإبل، والبقر والغنم، سميت ماشية ~~لرعيها وهي ماشية. فأما الإبل فأول نصابها: خمس، وفيها شاة جذعة من الضأن، ~~أو ثنية من المعز، والجذع من الغنم: ماله ستة أشهر، وفيها، والثني منها: ما ~~استكمل ستة إلى سبعة. فإذا بلغت الإبل عشرا، ففيها شاتان، إلى أربع عشرة، ~~فإذا بلغت خمس عشرة، ففيها ثلاث شياه، إلى تسع عشرة، فإذا بلغت عشرين، ~~ففيها أربع شياه إلى أربع وعشرين. فإذا بلغت خمسا وعشرين، عدل في فرضها عن ~~الغنم، وكان فيها ابنة مخاض، وهي: ما استكملت سنة، فإن عدمها فابن لبون ذكر ~~إلى خمس وثلاثين. فإذا بلغت ستا وثلاثين، ففيها ابنة لبون، وهي ما استكملت ~~سنتين، إلى خمس وأربعين. فإذا بلغت ستا وأربعين، ففيها حقة وهي ما استكملت ~~ثلاث سنين، واستحقت الركوب وطرق الفحل إلى ستين، فإذا بلغت إحدى وستين ~~ففيها جذعة، وهي ما استكملت أربع سنين إلى خمس وسبعين، PageV01P116 # فإذا بلغت ستا وسبعين ففيها بنتا لبون إلى تسعين. # فإذا بلغت إحدى وتسعين ففيها حقتان إلى مائة وعشرين، هذا ما ورد به النص، ~~وانعقد عليه الإجماع. فإذا زادت على مائة وعشرين واحدة، كان في كل أربعين ~~ابنة لبون، وفي كل خمسين حقة، فيكون في مائة وإحدى وعشرين ثلاث بنات لبون، ~~وفي مائة وأربعين حقتان وبنت لبون، وفي مائة وخمسين ثلاث حقاق، وفي مائة ~~وستين: أربع بنات لبون، وفي مائة وسبعين حقة وثلاث بنات لبون، وفي مائة ~~وثمانين حقتان وبنتا لبون، وفي مائة وتسعين ثلاث حقاق وبنت لبون، فإذا بلغت ~~مائتين: ففيها أحد فرضين، إما أربع حقاق، وإما خمس بنات لبون، فإن لم يوجد ~~فيها إلا أحد الفرضين أخذا. وإن واجدا معا أخذ العامل أفضلهما وقيل يأخذ ~~الحقاق لأنها أكثر منفعة وأقل مؤونة، وعلى ms088 هذا القياس فيما زاد في كل ~~أربعين ابنة لبون، وفي كل خمسين حقة. وأما البقر فأول نصابها ثلاثون. وفينا ~~تبيع ذكر، وهو ما استكمل ستة أشره وقدر على اتباع أمه، فإن أعطى تبيعة أنثى ~~قبلت إلى تسعة وثلاثين. فإذا بلغت أربعين ففيها مسنة أنثى، وهي التي ~~استكملت سنة. فإن أعطى مسنا ذكرا لم يقبل منه إن كان في بقره أنثى. فإن ~~كانت كلها ذكورا، فقد قيل: يقبل المسن الذكر. وقيل: لا يقبل. فإذا زادت على ~~الأربعين من البقر فلا شيء فيها، حتى تبلغ ستين فيجب فيها تبيعان. ثم فيما ~~بعد الستين في كل ثلاثين تبيع. وفي كل أربعين مسنة. فيكون في سبعين تبيع ~~ومسنة وفي ثمانين مسنتان. وفي تسعين ثلاثة أتبعة. وفي مائة تبيعان ومسنة, ~~وفي مائة وعشرة مسنتان وتبيع. وفي مائة وعشرين أحد فرضين. كالمئتين من ~~الإبل إما أربعة أتبعة. أو ثلاث مسنات. وقيل: يأخذ العامل منها ما وجد. فإن ~~وجدهما أخذ أفضلهما. وقيل: يأخذ المسنات. ثم على هذا القياس فيما زاد، في ~~كل ثلاثين تبيع، وفي كل أربعين: مسنة. وأما الغنم، فأول نصابها أربعون. ~~وفيها جذعة أو ثنية من المعز، إلا أن تكون كلها صغارا دون الجذاع والثنايا. ~~فيؤخذ منها صغيرة دون الجذعة والثنية. # وقيل: لا يؤخذ إلا جذعة أو ثنية إلى مائة وعشرين. فإذا زادت واحدة ففيها ~~شاتان إلى مائة وتسعة وتسعين. فإذا صارت مائتي شاة. ففيها ثلاث أشياء إلى ~~أن تبلغ أربعمائة. فإذا بلغتها ففيها أربع شياه. PageV01P117 # وبضم الضأن إلى المعز، والجواميس إلى البقر، والبخاتي إلى العرب لأنهما ~~نوعان من جنس واحد. ولا تضم الإبل إلى البقر ولا البقر إلى الغنم، لاختلاف ~~الجنس. والخلطاء في الزكاة يزكون زكاة الواحد إذا اجتمعت فيهم شروط الخلطة. ~~ولا يجمع مال الإنسان من الماشية إذا تفرقت أماكنه بحيث تقصر الصلاة. فإذا ~~كان له نصاب واحد في بلدين لم تجب الزكاة، وإن كان له نصابان في بلدين وجبت ~~زكاتان. وزكاة المواشي تجب إذا بلغت نصابا، بشرطين: أحدهما: أن تكون سائمة ~~ترعى ms089 الكلأ. فتقل مؤونتها، ويتوفر درها ونسلها، فإن كانت عاملة أو معلوفة ~~لم تجب فيها الزكاة. الثاني: أن يحول عليها الحول الذي تستكمل فيه النسل. ~~والسخال فتزلى بزكاة أمهاتها إذا ولدت قبل الحول وكانت الأمهات نصابا. فإن ~~نقصت الأمهات عن النصاب استؤنف بها الحول بعد استكمال النصاب. ولا زكاة في ~~الخيل والبغال والحمير. وإذا كان والي الصدقات من عمال التفويض أخذها - مما ~~اختلف الفقهاء فيه - على رأيه واجتهاده الإمام، ولا على أرباب الأموال، ولا ~~يلزم الإمالم أن ينص له على قدر ما يأخذه. وإن كان من عمال التنفيذ عمل ~~فيما اختلف فيه على اجتهاد الإمام دون أرباب الأموال، ولم يجز لهذا العامل ~~أن يجتهد، ولزم الإمام أن ينص له على القدر المأخوذ، ويكون رسولا في القبض، ~~منفذا الاجتهاد الإمام. PageV01P118 # فعلى هذا: إن كان العامل ذميا نظرت، فإن كان في زكاة عامة لم يجز، لأن ~~فيها ولاية ولا يصح ثبوتها مع الكفر، وإن كان في زكاة خاصة نظرت. فإن كان ~~في مال قد عرف مبلغ أصله وقدر زكاته، جاز أن يكون المأمور بقبضه ذميا، لأنه ~~تجرد عن حكم الولاية، وتخصص بأحكام الرسالة. # وإن كان في مال لم يعرف مبلغه، ولا قدر زكاته لم يجز أن يكون المأمور ~~ذميا، لأنه يحتاج إلى عد مال لا يقبل فيه خبره. فإذا تأخر عامل الصدقات عن ~~أرباب الأموال بعد وجوب زكاتهم. فإن كان بعد ورود عمله وتشاغله بغيرهم ~~أنظروه لأنه لا يقدر على أخذها إلا من طائفة بعد طائفة. وإن تأخر عن جميعهم ~~وتجاوز العرف في وقت زكاتهم أخرجوها بأنفسهم، لأن الأمر بدفعها إليه معلق ~~بطلبها، وساقط مع عدم الإمكان. وجاز لمن يتولى إخراجها من أرباب الأموال أن ~~يعمل فيها على اجتهاد نفسه إن كان من أهل الاجتهاد، وإن لم يكن من أهله ~~استفتى من الفقهاء من يأخذ بقوله ولا يلزمه أن يستفتى فقيهين. فإن استفتى ~~فقيهين فأفتاه أحدهما بوجوبها وأفتاه الآخر بإسقاطها. أو أفتاه أحدهما ~~بقدر، وأفتاه الآخر بأكثر منه احتمل وجهين: أحدهما: أن يأخذ ms090 بأغلظ القولين ~~بناء على قوله: إن أرباب الأموال يقومون السلع بما فيه الحظ، ولا يعتبر ~~الثمن الذي اشتريت به. والثاني: يكون مخيرا في الأخذ بقول من شاء منهما ~~بناء على قوله فيمن سأله عن طلاق فأرشده إلى أصحاب مالك طلبا للرخصة. وقال ~~في موضع آخر " لا تحمل الناس على مذهبك". وإذا حضر العامل بعد أن عمل رب ~~المال على اجتهاد نفسه، أو اجتهاد من استفتاه وكان اجتهاد العامل مؤديا إلى ~~إيجاب ما أسقط أو الزيادة على ما أخرجه كان اجتهاد العامل أمضى، إن كان وقت ~~الإمكان باقيا، واجتهاد رب المال أنفذ، إن كان وقت الإمكان فانيا. ولو أخذ ~~العامل الزكاة باجتهاده، وعمل في وجوبها وإسقاطها على رأيه، وأدى اجتهاد رب ~~المال إلى إيجاب ما أسقطه، أو الزيادة على ما أخذه لزم رب المال فيما بينه ~~وبين الله تعالى إخراج ما أسقطه من أصل أو تركه من زيادة، لأنه معترف بوجوب ~~ما عليه لأهل السهمان. وقد قال أحمد في رواية حرب " إذا لم يأخذ السلطان ~~منه تمام العشر يخرج تمام العشر، يتصدق به". ### ||| والمال الثاني: من أموال الزكاة # ثمار النخل والكرم وما في معناها مما ~~يكال ويدخر، كاللوز، والفستق، والبندق. ولا تجب في غير ذلك في جميع الفواكه ~~والثمار زكاة. PageV01P119 # وقد نص على ثمرة النخل والكرم في غير موضع. ونص على ثمرة اللوز، وأسقطها ~~في الجوز في رواية أبي طالب. وأسقطها فيما عدا ذلك من الفواكه. وأوجبها في ~~الزيتون، في رواية المروزي، وصالح. وزكاتها تجب بشرطين: أحدهما: بدو الصلاح ~~فيها، واستطابة أكلها، وليس على من قطعها قبل بدو صلاحها زكاة إذا كان ~~لحاجة، فإن فعله فرارا من الزكاة لم تسقط. والثاني: أن يبلغ خمسة أوسق. ولا ~~زكاة فيها إن كانت أقل من خمسة أوسق. والوسق ستو صاعا. والصاع خمسة أرطال ~~وثلث بالعراق. ويجوز خرص الثمار على أصلها بقدر الزكاة، واستظهارا لأهال ~~السهمان. وقد ولى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على خرص الثمار عمالا. ~~وقال لهم " خففوا الخرص، فإن في المال ms091 الوصية والعرية، والواطئة، ~~والنائبة". فالوصية: ما يوصي بها أربابها بعد الوفاة. " والعرية": ما يعرى ~~للصلاة في الحياة. " والواطئة": ما تأكله السابلة منه. سموا واطئة لوطئهم ~~الأرض. " والنائبة": ما ينوب الثمار من الجوائح. فأما ثمار البصرة فحكمها ~~حكم غيرها في خرص النخل والكرم. ولا يجوز خرص النخل والكرم إلا بعد بدو ~~صلاحها. فيخرصان بسرا وعنبا على روايتين. إحداهما: يعتبر كونه رطبا وعنبا. ~~والثانية: تعتبر ما يرجعان إليه تمرا وزبيبا ثم يخير أربابها إذا كانوا ~~أمناء بين ضمانها بمبلغ خرصها، ليتصرفوا فيا ويضمنوا قدر زكاتها. وبين أن ~~تكون في أيديهم أمانة، يمنعون من التصرف فيها حتى تتناهى فتؤخذ زكاتها ما ~~بلغت. PageV01P120 # وقدر الزكاة: العشر إن سقيت عثريا أو سيحا. ونصف العشر إن سقيت غربا أو ~~تضحا. فإن سقيت بهما فقد قيل: يعتبر أغلبهما. وقيل: يؤخذ بقسط كل واحد ~~منهما. وإذا اختلف ربها والعامل فيما سقيت به كان القول قول ربها. # فإن رأي العامل يستحلفه استظهارا فعل، فإن نكل لم يلزمه إلا ما اعترف به. ~~وبضم أنواع النخل بعضها إلى بعض، وكذلك أنواع الكرم، لأن جميعها جنس واحد، ~~ولا يضم النخل إلى الكرم. ويضم الملك إذا كان لواحد بعضه إلى بعض من الزرع، ~~والثمار إذات كان في بلدين. نص عليه في رواية الأثرم في زروع في بلدان شتى، ~~في كل بلد ثلاثة أوسق، أيجمعها فيزكيها؟ فقال " الزرع غير الماشية، إنما ~~سمعنا في الماشية ولم نسمع في الزرع". ومعناه: أن الماشية يجمع المتفرق ~~منها، وقد نص عليه أيضا في رواية حنبل. وإذا كانت ثمار النخل والكرم تصير ~~تمرا وزبيبا لم يأخذ زكاتها إلا بعد تناهي جفافها تمرا أو زبيبا. وإن كانت ~~مما لا يؤخذ إلا رطبا أو عنبا أخذ عشرها. وقد أطلق أحمد القول في ذلك، سواء ~~قلنا: إن القسمة إفراز حق، وهو المنصوص في رواية الأثرم. أو بيع لأن بيع ~~الثمرة بعضها ببعض جائز عندنا. فإن أخرج عشر ثمنها إذا بيعت، فقد أطلق أحمد ~~القول في ذلك، فقال في رواية صالح ابن منصور ms092 " وإذا باع نخلة أو ثمرة أو ~~زرعهخ وقد بلغ في ثمنه العشر أو نصف العشر أخرجه". وكذلك قال في رواية أبي ~~طالب "إذا ابيض السنبل فباعه بألف درهم يتصدق بعشرها، بمائة". فقد أطلق ~~القول هاهنا أن العشر في الثمن. وقال في رواية أبي داود " إذا باع ثمرة ~~نخلة عشره على الذي باعه، إن شاء أخرج تمرا، وإن شاء أخرج من الثمن". فقد ~~خيره هاهنا، وإنما أخذ عشر ثمنها. ورأيت في تعاليق أبي بكر بن مشكايا عن ~~أبي حفص البرمكي قال " إذا باع الرجل الثمر فالزكاة في الثمن، وإن لم يبعها ~~فالزكاة في الثمرة". قال أبو بكر: وكان أبو إسحاق قد قال إن للأثرم كلاما ~~يجيء بخلاف هذا المعنى. قال PageV01P121 # أبو إسحاق "وقد أخرجنا هذه المسألة عن الكوسج: أن الزكاة في الثمن إذا ~~باعها، فقال يجيء على هذا روايتان. قال: لأن من أصلنا لا تؤخذ القيمة في ~~الزكاة". # والأمر على ما قال أبو إسحاق، وأنه متى ثبت جواز إخراج القيمة إ ... ذا ~~باع النصاب ثبت جوازه إذا كان باقيا، ولا فرق بينهما. وإذا هلكت الثمار بعد ~~خرصها بجائحة من أرض أو سماء قبل إمكان أداء الزكاة سقطت وإن هلكت بعد ~~إمكان أدائها أخذت. وقد قال أحمد في رواية حنبل " إذا خرص عليهم، وترك في ~~رءوس النخل فعليهم حفظه. فإن أصابته جائحة من السماء فذهبت بالثمرة لم ~~يؤخذ، وسقط عنهم الخرص ". ### ||| المال الثالث: الزرع # فتجب الزكاة في المكيل ~~المدخر: كالبر والشعير، والأرز، والذرة والباقلاء، واللوبياء، والحمص، ~~والعدس، والدهن، والجلبا،. فأما العلس فهو نوع من البر يضم إليه، وعليه ~~قشرتان لا تجب فيه الزكاة بقشرته إلا إذا بلغ عشرة أوسق. وكذلك الأرز في ~~قشره. وأما السلت فهو نوع من الشعير يضم إليه، والجاورس: نوع من الدخن يضم ~~إليه. وتجب أيضا في السمسم، وبزر الكتان، والخردل والشهدانج، والكمون، ~~والكراويا. وتجب فيما لا يؤكل، كالقطن، والكتان في إحدى الروايتين، نقلها ~~يعقوب بن يختان. ونقل أبو داود: لا زكاة في القطن. وقد قال في رواية أبي ms093 ~~طالب " يعطي من كل شيء يكال ويدخر، مثل الحنطة، والشعير، والذرة والسلت، ~~والزبيب، والتمر، والعدس، والحمص، والخردل، وأشباهه". وقال في رواية الأثرم ~~" في الباقلاء والأرز واللوبيا". وقال في رواية مهنا " في السمسم ~~والشهدانج". ولا تجب العشر في القبول والخضر، كالقثاء، والخيار، ~~والباذنجان، والبطيخ. فأما ما لم يزرعه الآدميون من نبات الأودية والجبال ~~مما يكال ويدخر، كاللوز، والفستق، والبندق، والسماق ,وحبة الخضراء ~~والغبيراء، والعناب. فقياس قوله: يجب من العشر. لأنه نص على وجوب الزكاة في ~~العسل المأخوذ من هذه المواضع. PageV01P122 # فقال في رواية صالح " والعسل إذا كان في أرض العشر أو الخراج، حيث كان. ~~ففيه العشر". وجعل نصابه عشر قرب، ذكره في رواية أبي داود. وقال: قال ~~الزهري " في كل عشرة أفراق فرق". والفرق: ستة عشر رطلا. # وزكاة الزرع تجب فيه بعد قوته واشتداده. ولا يؤخذ منه إلا بعد دياسه ~~وتصفيته، إذا بلغ الصنف منها خمسة أوسق. ولا زكاة فيما دونها. وقد قال أحمد ~~في رواية صالح " مكروه أن يبيع الثمر حتى يطيب ... وإن باع ثمرة قد طابت ~~فالزكاة على البائع". وقد اختلفت الرواية عنه في ضم الحنطة إلى الشعير ~~والقطاني، بعضها إلى بعض، كالعدس إلى الأرز، والعدس إلى الباقلاء. على ~~روايتين. إحداهما: تضم كما تضم العلس إلى الحنطة، والسلت إلى الشعير. ~~والثانية: لا تضم، كما لا يضم التمر إلى الشعير. وإذا جز المالك زرعه: بقلا ~~أو قصيلا. نظرت. فإن قصد الفرار من الزكاة لم تسقط. وإن كان لحاجة سقطت. ~~وإذا ملك الذمي أرض عشر فزرعها، أخذ منه ضعف الصدقة المأخوذة من المسلم. PageV01P123 # نص عليه الميموني، وأبي طالب، وأبي بكر بن هانئ. فإن أسلم سقطت عنها ~~مضاعفة الصدقة. وإذا زرع المسلم أرض خراج أخذ منه عشر الزرع، مع خراج ~~الأرض. وإذا استأجر أرض خراج فزرعها فالخراج على مؤجرها. العشر على ~~مستأجرها. ### ||| المال الرابع: الذهب والفضة # وهما من الأموال الباطنة. وزكاتهما: ~~ربع العشر. ونصاب الفضة: مائتا درهم بوزن الإسلام، الذي وزن كل درهم منه ~~ستة دوانيق وكل عشرة منها سبع مثاقيل. PageV01P124 # وفيها ms094 إذا بلغت مائتي درهم خمسة دراهم هي ربع عشرها. ولا زكاة فيها إن ~~نقصت عن مائتي درهم. وفيما زاد بحسابه. وأما الذهب فنصابه عشرون مثقالا ~~بمثاقيل الإسلام يجب فيه ربع عشره، وهو نصف مثقال، وفيما زاد بحسابه. ~~ويستوي فيه خالصه ومطبوعه. واختلفت الرواية في ضم الفضة إلى الذهب. فروي ~~عنه أنها لا تضم. وروي عنه أنها تضم. وفي ضمها روايتان. إحداهما. بضم الأقل ~~إلى الأكثر، ويقوم بقيمة الأكثر. وهذا ظاهر كلام أحمد في رواية أبي عبد ~~الله النيسابوري. # وقد سئل: إذا كان عنده مائة درهم، وعشرة دنانير، وأربعةى من الإبل، ~~وأوساق من طعام هل يضم بعضها إلى بعض فيزكيها؟ فقال أحمد " أما الدراهم ~~والدنانير فأحب له أن يضم بعضها إلى بعض، فيضم الأقل إلى الأكثر، فيحسبها، ~~ويزكيها". والثانية: تضم بالأجزاء إذا كان معه عشرة دنانير ومائة درهم ضم ~~بعضها إلى بعض. ولا تعتبر القيمة. وهذا ظاهر كلام أحمد في رواية الأثرم: في ~~رجل عنده مائة درهم وثمانية دنانير. فقال " هذه مسألة فيها اختلاف، وإنما ~~قال من قال فيها: الزكاة إذا كانت عشرة دنانير ومائة درهم". PageV01P125 # وظاهر هذا أنه إنما يصح الضم على هذا الوجه. وإذا اتجر بالدراهم ~~والدنانير زكاها، وربحها تبع لها إذا حال الحول. وإذا اتخذ من الذهب والفضة ~~حليا مباحا سقطت زكاته إذا كان يعار ويلبس وإن كان للكراء وجبت فيه الزكاة. # وإن اتخذ منهما ما يحظر من الحلي والأواني وجبت زكاته. PageV01P126 ### || فأما المعادن # فهي من الأموال الظاهرة: وتجب الزكاة في جميع الخارج منها. سواء كان مما يطبع: ~~الذهب، والفضة، والحديد، والرصاص، والصفر، والنحاس، أو مما لا يطبع: من ~~مائع، كالقبر، والنفظ، أو حجر: كالجواهر، والكحل، والمغرة - إذا بلغ ~~المأخوذ من الذهب والفضة بعد السبك والتصفية نصابا، أو بلغ قيمة المأخوذ من ~~غيرهما نصابا. وقدر المأخوذ: ربع العشر، كالمقتنى من الذهب، والفضة، وعروض ~~التجارة. ### || فأما الركاز # فهو كل مال وجد مدفونا من ضرب الجاهلية، في موات، أو ~~طريق سابل، يكون لواجده PageV01P127 # وعليه الخمس، يصرف مصرف الزكاة. ونقل بكر ms095 بن محمد عن أحمد أنه يصرف مصرف ~~الفيء. ويجب المأخوذ من الركاز في جميع ما كان من أموالهم: كالذهب والفضة، ~~والعروض وما وجد من الركاز مدفونا في أرض مملوكة ففيه روايتان إحداهما: هو ~~لمالك الأرض لا حق فيه لواجده، وعلى مالكه الخمس. # وقد نص على أنه لمالك الأرض دون واجده في رواية أبي الحارث: فيمن استأجر ~~حفارا يحفر له بئرا في داره، فحفر فأصاب كنزا في البئر: ركازا عاديا فهو ~~لصاحب الدار. وإن كان ضرب الإسلام عرفه" فقد نص على أنه لمالك الأرض. وأما ~~إيجاب الخمس: فقد نص على أن حق المعدن يجب على من وجده في أرضه، في رواية ~~أبي الحارث، وصالح، فالركازمثله. وفيه رواية أخرى: يكون لمن وجده دون مالك ~~الأرض، وفيه الخمس، نص عليه في رواية ابن منصور: فيمن اشترى دارا، فوجد ~~فيها دراهم فيه لقطة حتى تكون ضرب الأكاسرة، فتكون لمن وجدها. فقد نص على ~~أنه للواجد وهو المشتري، ولم يسأل من انتقلت عنه الدار، ولو كان لمالك ~~الدار لوجب السؤال له. وجه الرواية الأولة، وأنه يكون لصاحب الأرض: أن ~~الركاز مودع في الأرض، فلم يملك بالظهور. دليله: إذا وجد فيها دفن الإسلام، ~~ولا يلزم عليه المعدن، لأنه غير مودع بل هو من تربة الأرض. والدلالة على ~~إيجاب الخمس: أن ما يوجب الحق لا يختلف أن يستخرجه من أرض فلاة، أو من ~~داره، كالمعدن. وقد ثبت من أصلنا وجوب الحق فيما وجده في داره، كذلك ~~الركاز. ووجه الرواية الثانية، وأنه لمن وجده: أنه مال مخموس، فوجب أن يحصل ~~ملكه بالظهور عليه، كمن دخل دار الحرب بغير إذن الإمام وأخذ مالا، فإنه ~~يخمسه ويكون بقيته له، والحصول حصل هاهنا من واجده. فأما من وجد من ضرب ~~الإسلام مدفونا أو غير مدفون فهو لقطة يجب تعريفها حولا، فإن جاء صاحبها ~~وإلا فللواحد أن يتملكها مضمونة في ذمته لمالكها إذا ظهر. فإن وجد في داره ~~معدنا - ذهبا أو فضة - ففيه الزكاة؛ لأنه مستخرج من المعدن، فتعلق الحق ~~به.دليله: إذا ms096 كان المعدن في موات الأرض فاستخرج ولأنه غير ممتنع أن يكون ~~ملكا له، ويتعلق به كالعشر في الخضراوات. PageV01P128 ### | [فصل] وعلى عامل الصدقة # أن يدعو لأهلها عند دفعها، ترغيبا لهم في ~~المسارعة، وتمييزا لهم من أهل الذمة، وامتثالا لقوله تعالى (9: 103 خذ من ~~أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم) . وروي عبد ~~الله بن أبي أوفى وكان من أصحاب الشجرة، قال " كان رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - إذا أتاه قوم بصدقتهم قال: اللهم صل عليهم. قال: فأتاه أبي ~~بصدقته، فقال: الله صل على آل أبي أوفى". وإذا كتم رجل زكاة ماله وأخفاها ~~عن العامل مع عدله، أخذها العامل منه إذا ظهر عليها ونظر في سبب إخفائها. ~~فإن كان يتولى إخراجها بنفسه، لم يعزره. وإن أخفاها ليغلها ويمنع حق الله ~~تعالى منها، عزره. وهل يغرمه زيادة عليها؟ المنصوص عن أحمد " لا زيادة ~~عليه". قال في رواية بكر بن محمد عن أبيه " إذا منع الصدقة آخذها منه. ولا ~~آخذ غير ما وجب عليه، فقال له: كيف تصنع بهذا الحديث؟ قال: لا أدري ما ~~وجهه". PageV01P129 # وقال أبو بكر بن جعفر - من أصحابنا - يأخذ الزكاة منه الزكاة وشطر ماله. ~~لحديث بهز بن الحكم " من منعها فإنا آخذوها وشطر ماله". وإذا كان العامل ~~جائرا في أخذ الصدقات، عادلا في قسمتها، جاز كتمها، وأجزأ دفعها إليه. وإن ~~كان عادلا في أخذها جائرا في قسمتها، وجب كتمها منه. ولم يجز دفعها إليه. ~~فإن أخذها طوعا واختيارا أجزأتهم، ولا يلزمهم إعادتها. وهذا ظاهر كلام أحمد ~~في رواية المروزي؛ لأنه قال " قد قيل لابن عمر: إنهم يقلدون بها الكلاب، ~~ويشربون بها الخمر؟ فقال: ادفعوها إليهم". وقد روي عن أبي هريرة وغير واحد ~~من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: أنهم قالوا " ادفعوها إليهم" إلا عبيد ~~بن عمير قال " لا تدفعوها إليهم". فحكى قول ابن عمر، ولم ينكره، ولا خالفه. ~~وقد صرح بأخذه به في رواية إسحاق بن هانئ: إذا غلبت الخوارج على موضع قوم ~~وأخذوا ms097 زكاة أموالهم، هل يجزئ عنهم؟ فقال: "أقول لك فيه عن ابن عمر وتقول ~~لي: تذهب إليه؟ ". # وقال في رواية حنبل: وذكر حديث خيار بن سلمة قلت لابن عمر " يجيء مصدق ~~ابن الزبير فيأخذ مني صدقة مالي، ويجيئني مصدق نجدة، فيأخذ مني. فقال: ~~لأيهما أعطيت أجزأ PageV01P130 # عنك" فقال حنبل " سمعت أبا عبد الله يقول " لأيهما أعطى أجزأه إذا أداها ~~على حقها إن شاء الله". وبهذا قال مالك. وقال الشافعي: لم يجزهم، ولزمهم ~~إخراجها بأنفسهم إلى مستحقها. والدلالة عليه ما رواه أبو حفص بإسناده عن ~~سهل بن أبي صالح عن أبيه قال " اجتمع عندي مال فأحببت أن أؤدي زكاته، فلقيت ~~سعد بن أبي وقاص، فقلت: يا أبا إسحاق قد اجتمع عندي مال، وأنا أحب أن أؤدي ~~زكاته، وهؤلاء يصنعون في الزكاة ما يصنعون؟ قال: أده إليهم. قال: ثم لقيت ~~أبا سعيد الخدري، فقلت له مثل ذلك. فقال: أده إليهم. ثم لقيت أبا هريرة، ~~فقلت له مثل ذلك. فقال: أده إليهم، فلقيت ابن عمر، فقلت له مثل ذلك. فقال: ~~أده إليهم". وبإسناده عن نافع " أن الأنصار سألوا ابن عمر عن الصدقة، فقال: ~~ادفعوها إلى العمال فقالوا: إن أهل الشام يظهرون مرة، وهؤلاء يظهرون مرة، ~~فقال: ادفعوها إلى من غلب " وإذا أقر عامل الصدقات بقبضها من أهلها قبل ~~قوله وقت ولايته، سواء كان من عمال التفويض أو من عمال التنفيذ. ويقبل قوله ~~بعد عزله أيضا، بناء على أصلين، أحدهما: أن دفعها إليه مستحب، وليس بواجب، ~~الثاني: إذا عزل القاضي، وقال: قد كنت حكمت لفلان في ولايتي. يقبل قوله. ~~وإذا ادعى رب المال إخراجها قبل قوله، مع تأخر العامل عنه بعد إمكان ~~أدائها، ومع حضور العامل بناء على أصل. وهو أن دفعها إليه مستحب وليس ~~بواجب. ولا يحلف رب المال على ذلك. وظاهر كلام أحمد أنها لا تجب ولا تستحب. ~~فقال في رواية ابن منصور - وقد سأله: هل يستحلف الناس على صدقاتهم، أو ما ~~جاءوا به أخذ منهم؟ قال " ما جاءوا من شيء أخذ منهم، ms098 ولا يستحلفون". # وقال في رواية حنبل " ولا يسأل المصدق عن شيء، ولا يبحث، إنما يأخذ مما ~~وجد وكل ما أصابه مجتمعا وكان مما تجب فيه الصدقة". PageV01P131 ### || فأما قسمة الصدقات # فهي لمن ذكر الله تعالى في كتابه. وهم الأصناف ~~الثمانية (9: 69 للفقراء والمساكين والعاملين عليها، والمؤلفة قلوبهم، وفي ~~الرقاب، والغارمين، وفي سبيل الله، وابن السبيل) . ويجوز أن يصرفها في أحد ~~الأصناف الثمانية، مع وجودهم. أما الفقراء: فهم الذين لا شيء لهم. وأما ~~المساكين: فهم الذين قد أسكنهم العدم، وهم أحسن حالا من الفقراء. فيدفع إلى ~~كل منهما ما يخرج به عن اسم الفقر والمسكنة إلى أدنى مراتب الغنى، وذلك ~~معتبر بحسب حالهم. فمنهم من يصير بالدينار الواحد غنيا إذا كان من أهل ~~الأسواق، يربح فيه قدر كفايته لا يجوز أن يزاد عليه. ومنهم من لا يستغني ~~إلا بمائة دينار، فيدفع إليه قيمة ذلك عروضا أو حبوبا. فإن دفع إليه دنانير ~~دفع إليه خمسة دنانير، أو خمسين درهما وإن لم يكن قدر كفايته. للخبر المروي ~~في ذلك. ومنهم من يكون ذا جلد يكتسب بصناعته قدر كفايته، فلا يجوز أن يعطى، ~~وإن كان لا يملك شيئا. وأما العاملون عليها: فهم صنفان. أحدهما: المقيمون ~~بأخذها وجباتها. والثاني. المقيمون بقسمتها وتفريقها: من أمين، ومباشر، ~~وتابع، ومتبوع، يعطون بقدر أمثالهم. وأما المؤلفة قلوبهم. وهم أربعة أصناف: ~~صنف منهم تتألف قلوبهم لمعونة المسلمين وصنف تتألف للكف عن المسلمين، وصنف ~~ليرغبهم في الإسلام. وصنف يتألفهم ترغيبا لقومهم وعشائرهم في الإسلام. ~~فيجوز أن يعطى كل واحد من هذه الأصناف من سهم المؤلفة، مسلما كان أو مشركا. ~~وفيه رواية أخرى " يعطى المسلم منهم" فأما المشرك فيعطى من سهم المصالح من ~~الفيء والغنيمة. PageV01P132 # وأما سهم الرقاب: فهو مصروف في المكاتبين، يدفع إليهم قدر ما يعتقون به. ~~وروي عنه رواية أخرى " يجوز أن يصرف في شراء عبيد يعتقون". وأما الغارمون. # فهم صنفان: صنف منهم استدانوا في مصالح أنفسهم، فيدفع إليهم مع الفقر، ~~دون الغنى ما يقضون به ديونهم، وقد قال أحمد في ms099 رواية بكر بن محمد " ~~والغارم يكون عليه غرم وهو غني فقال: في هذا حجة عندي , يعطى وهو غني". ~~وقوله " في هذه حجة" أشار به إلى ما رواه أحمد بإسناده عن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - " لا تحل الصدقة لغني إلا لخمسه" فذكر الغارم منها. وهذا محمول ~~على أنه غني بقدر كفايته؛ لأن من أصلنا أن الغريم يترك له من ماله بقدر ~~كفايته. وصنف استدانوا في مصالح المسلمين، فيدفع إليهم - مع الفقر والغنى - ~~قدر ديونهم من غير فضل. وأما سهم سبيل الله: فهم الغزاة، يدفع إليهم قدر ~~حاجتهم في جهادهم، فإن كانوا مرابطين في الثغر دفع إليهم نفقة ذهابهم ~~وعودهم. وأما سهم ابن السبيل: فهم المسافرون لا يجدون نفقة سفرهم، يدفع إلى ~~المجتاز دون المنشئ المبتدئ بالسفر. ويفرق زكاة كل ناحية في أهلها. ولا ~~يجوز أن تنتقل زكاة بلد إلى غيره، إلا عند عدم السهمان فيه، وإن نقلها عنه ~~مع وجودهم فيه لم يجزه. واختلفت الرواية عنه في سهم سبيل الله، هل يجوز ~~نقلها إلى الناظر في الثغر؟ على روايتين. ولا يجوز دفع الزكاة إلى كافر. ~~ولا يجوز دفعها إلى ذوي القربى من بني هاشم وبني المطلب، تنزيها لهم عن ~~أوساخ الذنوب. ولا يجوز دفعها إلى من بعضه رقيق على قياس قولهم: إنه يرث ~~بقدر ما فيه من الحرية. ويدفع إليه نصف كفايته إذا كان نصفه حر، لأنه في ~~كفاسته بنفقة سيده في النصف الآخر ولا يدفعها الرجل إلى زوجته. وهل يجوز أن ~~تدفع المرأة زكاتها إلى زوجها؟ على روايتين. PageV01P133 # ولا يجوز أن يدفع أحد زكاته إلى من تجب عليه نفقته: من والد، وولد، وأخ ~~,وأخت، وعم، لغنائهم به. ولا يدفع إليهم من سهم الغارمين إذا كانوا منهم. ~~ويجوز دفعها من أقاربه إلى من لا تلزمه نفقته، كذوي الأرحام: كالخالة، ~~والعمة، والخال، وأولادهم، وصرفها فيهم أفضل من الأجانب. # وفي جيران المالك أفضل من الأباعد. وإذا أحضر رب المال أقاربه إلى العامل ~~ليخصم بزكاة ماله. فإن لم يخلط زكاته بزكاة غيره خصهم ms100 بها. وإن اختلطت ~~كانوا في المختلط أسوة غيرهم، لكن لا يخرجهم منها لأن فيها ما هم به أخص. ~~وإذا استراب رب المال بالعامل في مصرف الزكاة وسأله أن يشرف على قسمتها، لم ~~يلزمه إجابته إلى ذلك، لأنه قد برئ منها بدفعها إليه. ولو سأل العامل رب ~~المال أن يحضر قسمتها، لم يلزمه الحضور، لبراءته منها بالدفع. وإذا هلكت ~~الزكاة في يد العامل قبل قسمتها، أجزأت رب المال، ولم يضمنها العامل إلا ~~بالعدوان. وإذا تلفت الزكاة في يد رب المال قبل وصولها إلى العامل، لم تجزه ~~وأعادها. ولو تلف ماله قبل إخراج زكاته لم تسقط عن، سواء تلف قبل إمكان ~~أدائها، أو بعد الإمكان. وإذ ادعى رب المال تلف ماله قبل ضمان زكاته. كان ~~القول قوله، ولا تلزمه اليمين. ولا يجوز للعامل أن يأخذ رشوة أرباب ~~الأموال، ولا يقبل هداياهم، قال - صلى الله عليه وسلم - " هدايا الأمراء ~~غلول". والفرق بين الرشوة والهدية: أن الرشوة ما أخذت طلبا، والهدية ما ~~بذلت عفوا. وإذا ظهرت خيانة العامل كان الإمام هو المستدرك لخيانته دون ~~أرباب الأموال، ولم يتعين PageV01P134 # أهل السهمان في خصومته، إلا أن يتظلموا إلى الإمام ظلامة ذوي الحاجات، ~~ولا تقبل شهادتهم على العامل للتهمة اللاحقة بهم، فأما شهادة أرباب الأموال ~~عليه، فإن كانت في أخذ الزكاة منهم لم تسمع شهادتهم، وإن كانت في وضعه لها ~~في غير حقها سمعت. وإذا ادعى أرباب الأموال دفع الزكاة إلى العامل وأنكرها ~~العامل، فالقول قول أرباب الأموال بغير يمين، بناء على ما تقدم وأنهم لا ~~يستحلفون، وأحلف العامل على ما أنكره وبرئ، لأن كونه أمينا لا يمنع يمينه ~~كالمودع. فإن شهد بعض أرباب الأموال لبعض في الدفع إلى العامل نظرت، فإن ~~كان بعد التناكر والتخاصم لم تسمع شهادتهم، وإن كان قبلهما سمعت وحكم على ~~العامل بالغرم. # وإن ادعى بعد الشهادة أنه قسمها في أهل السهمان، لم يقبل منه لأنه قد ~~أكذب هذه الدعوى بإنكاره، فإن شهد له أهل السهمان بأخذها منه لم تسمع ~~شهادتهم، لأنه قد ms101 أكذبها بإنكار الأخذ. وإذا أقر العامل بقبض الزكاة وادعى ~~قسمتها في أهل السهمان فأنكروه كان قوله في قسمتها مقبولا لأنه مؤتمن فيها، ~~وقولهم في الإنكار مقبولا في بقاء فقرهم وحاجتهم. ومن ادعى من أهل السهمان ~~فقرا قبل منه. ومن ادعى غرما لم يقبل منه إلا ببينة. وإذا أقر رب المال عند ~~العامل بقدر زكاته ولم يخبره مبلغ ماله، جاز أن يأخذها منه على قوله، ولم ~~يجبره بإحضار ماله. وإذا أخطأ رب المال قسمة الزكاة، ووضعها في غير مستحق ~~نظرت، فإن كان مما يخفى حاله من الأغنياء فهل يضمنها؟ على روايتين، وإن كان ~~ممن لا يخفى حاله من ذوي القربى والكفار والعبيد ضمنها رواية واحدة. ولو ~~كان العامل هو الخاطئ في قسمتها، فقياس قوله أنه يضمن لرب المال فيما لا ~~يخفى، وهل يضمن فيما يخفى؟ على الروايتين لأن أحمد قال في رب المال " إذا ~~دفعها إلى غنى يضمن". جعل العلة فيه أنها للفقراء وهذا غني، وهذا المعنى ~~موجود في العامل، فقال في رواية المروزي " يعيد إنما هي للفقراء". PageV01P135 ### | فصل في قسمة الفيء والغنيمة # وأموال الفيء والغنائم: ما وصلت من المشركين، أو كانوا سبب وصولها. ~~ويختلف المالان في حكمهما , وهما مخالفان لأموال الصدقات من أربعة أوجه: ~~أحدها: أن الصدقات مأخوذة من المسلمين، تطهيرا لهم. الفيء والغنيمة مأخوذان ~~من الكفار انتقاما منهم. والثاني: أن مصرف الصدقات منصوص عليه، ليس للأئمة ~~اجتهاد فيه. وفي أموال الفيء والغنيمة ما يقف مصرفه على اجتهاد الأئمة. ~~والثالث: أن أموال الصدقات يجوز أن ينفرد أربابها بقسمتها في أهلها. ولا ~~يجوز لأهل الفيء أن ينفردوا بوضعه في مستحقه حتى يتولاه أهل الاجتهاد من ~~الولاة. والرابع: اختلاف المصرفين، على ما نذكره. والفيء والغنيمة متفقان ~~من وجهين، مختلفان من وجهين. # أما وجها افتراقهما: فأحدهما: أن كل واحد من المالين واصل بالكفر. ~~والثاني: أن مصرف خمسهما واحد. وأما وجها افتراقهما: فأحدهما: أن مال ~~الفيءمأخوذ عفوا، ومال الغنيمة مأخوذ قهرا. والثاني: أن مصرف أربعة أخماس ~~الفيء مخالف لمصرف أربعة أخماس الغنيمة على ما ms102 نذكره. فنبدأ بمال الفيء ~~فنقول: إن كل مال وصل من المشركين عفوا من غير قتال، ولا بإيجاف خيل ولا ~~ركاب: كمال الهدنة والجزية وأعشار متاجرهم، أو كان واصلا بسبب من جهتهم، ~~كمال الخراج، فظاهر كلام أحمد: أن ما أخذ بسبب من جهتهم جار مجرى ما أخذ ~~منهم، لأنه قال في رواية إسحاق ". الفيء ما صولحوا عليه، وهو جزية الرءوس. ~~وخراج الأرضين السواد، وغيرها. وهذا لكل المسلمين فيه حق". وقال في رواية ~~ابن منصور وصالح " الخراج على الأرض مثل الجزية على الرقبة". فقد نص على أن ~~الخراج من جملة الفيء وأنه للمسلمين. وإذا ثبت أن حكمه حكم الفيء، فهل يخمس ~~ذلك أم لا؟ المنصوص عنه، أنه لا يخمس، ويصرف جميعه في المصالح العامة. PageV01P136 # قال في رواية أبي طالب - في قوم حملتهم الريح فألقتهم في بعض السواحل، ~~فقالوا جئنا للتجارة " فإن لم يعرفوا بالتجارة ولا يشبهون التجار لم يصدقوا ~~ولا يخمس مالهم، إنما الخمس في الغنيمة وما قاتلوا عليه، وهذا لم يقاتلوت ~~عليه، فلا يكون غنيمة ولا فيه خمس". وذكر الخرقي أن فيه الخمس لأهل الخمس، ~~مقسوما على خمسة أسهم متساوية. سهم منها كان لرسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - في حياته، ينفق منه على نفسه وأزواجه، ويصرفه في مصالح المسلمين. ~~وأما بعد موته فالمنصوص عنه أن مصرفه إلى أهل الديوان وهم الذين نصبوا ~~أنفسهم للقتال في الثغور على قدر كفاياتهم. قال في رواية أبي طالب " سهم ~~الله والرسول واحد فلما مات رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جعله أبو بكر ~~في الكراع والسلاح فهو فيما جعله، لا يجوز صرفه لغير أهل الديوان". # وظاهر كلام الخرقي: أنه مصروف إلى مصالح المسلمين عامة، كأرزاق الجيش ن ~~وإعداد الكراع والسلاح، وبناء الحصون والقناطر، وأرزاق القضاة والأئمة، وما ~~جرى هذا المجرى من وجوه المصالح، يبدأ بالأهم فالأهم، لأنه قال" سهم الرسول ~~مصروف في الكراع والسلاح ومصالح المسلمين". السهم الثاني: سهم ذوي القربى، ~~وحقهم فيه ثابت وهم بنو هاشم، وبنو المطلب ابنا عبد مناف خاصة، ولا ms103 حق فيه ~~لمن سواهم من قريش كلها، يسوى فيه بين صغارهم وكبارهم وأغنيائهم وفقرائهم، ~~ويفضل فيه بين الرجال والنساء، للذكر مثل حظ الأنثيين، لأنهم أعطوه باسم ~~القرابة، ولا حق فيه لمواليهم ولا لأولاد بناتهم. وقد قال أحمد رواية حنبل ~~وابن منصور " إذا وصى لبني هاشم لا يكون لمواليهم شيء". وهذا من كلامه يدل ~~على أنه لا حق لهم في خمس الخمس، لأنه لما أسقط دخولهم في الوصية دل على ~~أنهم لا يدخلون في خمس الخمس. وإنما لم يتبعوا مواليهم في استحقاق الفيء، ~~لأنه مستحق بالقرابة ولا قرابة وتبعوهم في حرمان الزكاة. PageV01P137 # ومن مات منهم بعد حصول المال وقبل القسمة، كان سهمه مستحقا لورثته. السهم ~~الثالث لليتامى من ذوي الحاجات. واليتيم: موت الأب مع الصغر، يستوي فيه حكم ~~الغلام والجارية، فإذا بلغا زال اليتيم عنهما. السهم الرابع: للمساكين: وهم ~~من لا يجدون ما يكفيهم من أهل الفيء، لأن مساكين الفيء متميزون عن مساكين ~~الصدقات، لاختلاف مصرفهما. السهم الخامس. لبني السبيل: وهم المسافرون من ~~أهل الفيء، لا يجدون ما ينفقون، المجتاز منهم دون المنشئ للسفر، فهذا حكم ~~خمس الفيء في القسمة. وأما أربعة أخماسه فهو مصروف في مصالح العامة التي ~~منها أرزاق الجيش وما لا غنى بالمسلمين عنه، ولا يختص ذلك بالجيش. وقد قال ~~أحمد في رواية الحسن بن على بن الحسن الإسكافي - وقد سأله عن الفيء: ~~للمسلمين عامة أو لقوم دون قوم؟ - فقال " للمسلمين عامة". فقد جوز أن تصرف ~~الصدقة في أهل الفيء، ولا يصرف الفيء في أهل الصدقة. # وقد قال محمد بن يحيي الكحال: قلت لأبي عبد الله " يوجه من زكاته إلى ~~الثغر؟ قال: نعم". فقد أجاز صرفها إلى المرابطين من أهل الفيء، خلافا ~~لأصحاب الشافعي في قولهم: لا يجوز ذلك. وقالوا: وأهل الصدقة من لا هجرة له، ~~ولا هو من المقاتلة عن المسلين، ولا من حماة البيضة. وأهل الفيء ذوو ~~الهجرة، الذوابون عن البيضة، والمانعون عن الحريم، والمجاهدون للعدو. وكان ~~اسم الهجرة لا ينطلق إلا على من هاجر من ms104 وطنه إلى المدينة، طلبا للإسلام ثم ~~سقط حكم الهجرة بعد الفتح، وصار المسلمون مهاجرين وأعرابا، فكان أهل الصدقة ~~يسمون على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أعرابا، ويسمي أهل الفيء ~~مهاجرين. فإذا أراد الإمام أن يصل قوما لما يعود بمصالح المسلمين، كالرسل ~~والمؤلفة قلوبهم، جاز أن يصلهم من مال الفيء، كما أعطى النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - للمؤلفة يوم حنين، مثل عيينة بن حصن الفزاري، والأقرع بن حابس ~~التميمي، والعباس بن مرداس السلمي. PageV01P138 # وإن كان صلة لا تعود بمصلحة على المسلمين وكان المقصود بها نفع المعطي ~~خاصة كانت الصلة من ماله. ويجوز للإمام أن يعطي ذكور أولاده من مال الفيء، ~~لأنهم من أهله، فإن كانوا صغارا فالحكم فيهم، وفي صغار أولاد غيره، وفي ~~إناث أولاده وإناث أولاد غيره سواء. وظاهر كلام أحمد: جواز العطاء لهم. قال ~~في رواية بكر بن محمد عن أبيه " الأموال - كالفيء، والغنيمة، والصدقة - ~~فالفيء ما صولح عليه من الأرضين وجزية الرءوس، وخراج الأرضين السواد وغيره، ~~وهذا لكل المسلمين فيه حق، وهو على ما يرى - يعني الإمام أليس عمر - رضي ~~الله عنه - قد فرض لأمهات المؤمنين في الفيء، ولأبناء المهاجرين سواء؟ وكان ~~يقول: لكل أحد في هذا المال حق إلا العبد، وكان يقضي للمنفوس". فقد حكى قول ~~عمر " لكل أحد فيه حق إلا العبد" وحكى فعله، وأنه فرض لنساء النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - ولأبناء المهاجرين وللمنفوس، ولم ينكر ذلك. والظاهر أنه ~~أخذ بذلك. # وأما عبيده وعبيد غيره؛ فإن لم يكونوا مقاتلة فنفقاتهم في ماله وأموال ~~ساداتهم. وإن كانوا، فظاهر كلام أحمد: لا يفرض لهم في العطاء، ولكن تزاد ~~ساداتهم في العطاء لأجلهم. فإن عتقوا جاز أن يفرض لهم في العطاء، وهذا ظاهر ~~كلام أحمد في رواية " لكل أحد في هذا المال حق إلا العبد". PageV01P139 # ويجوز أن يفرض لنقباء أهل الفيء في عطاياهم، ولا يجوز أن يفرض لعمالهم، ~~لأن النقباء منهم والعمال يأخذون أجرا على عملهم. وقد نقل المروزي عن أحمد ~~في العاملين على الصدقة يكون ms105 الكتبة معهم قال: ما سمعت الكتبة". ويجوز أن ~~يكون عامل الفيء من ذوي القربى من بني هاشم وبني المطلب. وكذلك العامل في ~~الصدقات إذا أراد سهمه منها وقد ذكرنا فيما تقدم. ولا يجوز لعامل الفيء أن ~~يقسم ما جباه إلا بإذن. # ويجوز لعامل الصدقات أن يقسم ما جباه بغير إذن مالم ~~ينه عنه، لأن مصرف مال الفيء عن اجتهاد الإمام، ومصرف الصدقة بنص الكتاب. ### || وولاية العامل تنقسم ثلاثة أقسام # أحدها: أن يتولى تقدير أموال الفيء وتقدير ~~وضعها في الجهات المستحقة منها، كوضع الخراج والجزية. # فمن شرط هذه الولاية ~~أربعة أوصاف: أن يكون مسلما، حرا، مجتهدا في أحكام الشريعة، متضلعا في ~~الحساب والمساحة. # والقسم الثاني: أن يكون عام الولاية على الجباية ما استقر ~~من أموال الفيء، فلها ثلاثة أوصاف: الإسلام، والحرية، والاضطلاع بالحساب ~~والمساحة, ولا يعتبر أن يكون فقيها مجتهدا؛ لأنه يتولى قبض ما استقر بوضع ~~غيره. # القسم الثالث: أن يكون خاص الولاية على نوع من أموال الفيء خاص، ~~فيعتبر ما وليه منها. فإن لم يستقر فيه عن استنابة اعتبر فيه الإسلام ~~والحرية، مع اضطلاعه بشروط ما ولي من حساب أو مساحة، ولم يجز أن يكون ذميا. ~~ويجوز أن يكون عبدا على قياس العامل في الصدقات. وقد قيل: لا يجوز لأن فيها ~~ولاية. وإن استغنى عن الاستنابة جاز أن يكون عبدا، لأنه كالرسول المأمور. # فأما كونه ذميا فينظر فيما وليه من مال الفيء، فإن كانت معاملته فيه مع ~~أهل الذمة كالجزية، وأخذ العشر من أموالهم جاز أن يكون ذميا. وإن كانت ~~معاملته مع المسلمين، كالخراج الموضوع على رقاب الأرضين إذا صارت في أيدي ~~المسلمين احتمل وجهين. وإذا بطلت ولاية العامل فقبض مال الفيء مع فساد ~~ولايته برئ الدافع مما عليه إذا لم ينه عن القبض، لأن القابض مأذون له مع ~~فساد ولايته، وجرى في القبض مجرى الرسول. ويكون الفرق بين صحة ولايته ~~وفسادها أن له الإجبار على الدفع مع صحة الولاية وليس له الإجبار مع ~~فسادها. PageV01P140 # فإن نهى عن القبض مع ms106 فساد الولاية لم يكن له القبض ولا الإجبار، ولم يبرأ ~~الدافع بالدفع إليه إذا علم بنهيه. وفي براءته إن لم يعلم بالنهي وجهان: ~~بناء على عزل الوكيل إذا تصرف من غير علم بالعزل, وفيه روايتان: فهذا حكم ~~مال الفيء. ### || فأما الغنيمة # فهي أكثر أقساما وأحكاما، لأنها أصل تفرع عنه ~~الفيء. وتشتمل على أربعة أقسام: أسرى، وسبي , وأرضين، وأموال. أما الأسرى: ~~فهم الرجال المقاتلون من الكفار إذا ظفر المسلمون بأسرهم، فالإمام، أو من ~~استنابه الإمام عليهم من أمراء الجهاد، مخير فيهم - إذا أقاموا على كفرهم - ~~في فعل الأصلح: من أحد أربعة أشياء. إما القتل، وإما الاسترقاق، وإما ~~الفداء بمال أو أسرى، أو المن بغير فداء. فإن أسلموا سقط القتل عنهم، ورقوا ~~في الحال، وسقط التخيير بين الرق والمن والفداء. وهذا ظاهر كلام أحمد في ~~رواية أبي طالب: في العرب إبذا أسلموا بعتد أن أخذوا صاروا في حيز المسلمين ~~وقبضهم، يجري فيه سهام المسلمين يقسمون بين من قال الله عز وجل، وذلك أن ~~الفداء عقوبة يؤخذ لأجل الكفر فسقطت بالإسلام كالقتل. ولا يلزم عليه الرق، ~~لأنه لا تجب عقوبته، بدليل أنه يجري على النساء والصبيان وليسا من أهل ~~العقوبة. # وإذا ثبت خياره بين الأمورالأربعة تصفح أحوالهم، واجتهد رأيه فيهم فم علم ~~منه قوة بأسه، وشدة نكايته، وأيس من إسلامه، وعلم ما في قلبه من وهن قومه ~~قتله صبرا من غير مثله. PageV01P141 # ومن رآه منهم ذا جلد وقوة على العمل، وكان مأمون الخيانة والجناية ~~استرقه، فيكون عونا للمسلمين. ومن رآه منهم مرجو الإسلام، أو مطاعا في ~~قومه، ورجا بالمن عليه إما إسلامه، أو تألف قومه من عليه وأطلقه. ومن وجده ~~منه ذا مال وجدة وكان بالمسلمين خلة وحاجة فاداه على مال، وجعله عدة ~~للمسلمين وقوة للإسلام، وإن كان في أسرى عشيرته أحد م المسلمين من رجال أو ~~نساء فأداه على إطلاقهم. فيكون خياره في الأربعة على الوجه الأحظ والأصلح. ~~ويكون المال المأخوذ في الفداء غنيمة يضاف إلى الغنائم، ولا يختص به من بين ms107 ~~المسلمين. ومن أباح الإمام دمع من المشركين لعظم نكايته، وشدة بأسه وأذيته ~~ثم أسر جاز له المن عليه والعفو عنه. PageV01P142 # فأما ضعفة الكفار: كالشيخ الهرم، والزمن، أو كان ممن قد تخلى من الرهبان، ~~وأصحاب الصوامع، فينظر، فإن كانوا يمدون المقاتلة بآرائهم ويحرضونهم على ~~القتال جاز قتلهم عند الظفر بهم وكانوا في حكم المقاتلة بعد الأسر، وإن لم ~~يخالطوهم في رأي ولا تحريض لم يجز قتلهم، فهذا حكم القتل. ### || وأما السبي # فهم النساء والأطفال. فلا يجوز قتلهم، سواء كانوا من أهل الكتاب، أو كانوا من ~~قوم ليس لهم كتاب، كالدهرية، وعبدة الأوثان. ويكونون سبيا مسترقا، يقسمون ~~بين الغانمين , وهذا ظاره كلام الخرقي؛ لأنه قال " وإنما يكون له ~~استراقاقهم إذا كانوا من أهل الكتاب أو مجوس. فأما ما سوى هؤلاء من العدو ~~فلا يقبل من بالغي رجالهم إلا الإسلام أو السيف أو الفداء". وظاهر هذا أن ~~غير البالغين من الرجال والنساء لا يقتلون. وليس يمتنع أن لا يجري القتل ~~على النساء والصبيان من غير أهل الكتاب. ويجري على الرجال والبالغين، كما ~~وجب حقن دماء أهل الكتاب ولم يجب حقن دماء الرجال منهم. # ولا يفرق - ممن استرق - بين ذوي الرحم المحرم، كالوالدين، والمولودين، ~~الإخوة، والأخوات. ولا يجوز أن يفادى بالسبي على مال. ولا يفادونهم على ~~أسرى من المسلمين في أيدي قومهم. وهذا ظاهر كلام أحمد في رواية بكر بن محمد ~~عن أبيه: في الصغير يسبى، هل يفادى به، وهو مع أبويه، وهو على دينهم؟ قال " ~~لا" وإن كان على دينهم، ولا يفادي وهم صغار، يطمع أن يموت أبواهم وهم صغار، ~~فيكونون مسلمين".فقد نص على المنع في الصبيان. PageV01P143 # وحكم في النساء كذلك لاشتراكهم في المعنى، خلافا لأصحاب الشافعي في ~~قولهم: يجوز الفداء بالمال، ويكون المال مغنوم. وإن كان الفداء بالأسارى ~~عوض الغانمين من سهم المصالح. وإن أراد المن عليهم، لم يجز إلا باستطابة ~~نفوس الغانمين بالعفو عنهم أو بمال يعوضهم من سهم المصالح. ومن امتنع من ~~الغانمين عن ترك حقه، لم يجبر. وإنما لم ms108 يجز الفداء لأن حقهم ثابت في ~~السبي، فلم تجز المعاوضة عليه. دليله سائر أموالهم، وكما لو قسمها بينهم، ~~ولأنه لو جاز الفداء لجاز المن عليهم كالبالغين ولأن من أصلنا أنه لا يجوز ~~بيع السبي من أهل الذمة، فالفداء كذلك، لأنه معاوضة. وإذا كان في السبايا ~~ذوات أزواج، نظرت، فإن سبين مع أزواجهن فهن على النكاح، وإن سبين منفردات ~~بطل النكاح. وإذا أسلمت منهن ذات زوج قبل حصولها في السبي، فهي حرة، ~~ونكاحها يبطل بانقضاء العدة. PageV01P144 # وإذا قسم السبايا في الغانمين حرم وطؤهن حتى يستبرئهن بحيضة، إن كن من ~~ذوات الأقراء أو بوضع الحمل إن كن حوامل. وما غلب عليه المشركون من أموال ~~المسلمين وأحرزوه ملكوه فإن أدركه مالكه قبل القسمة كان أحق به، وإن أدركه ~~بعدها فعلى روايتين: إحداهما: هو أحق به بالثمن. والثانية: لا حق له فيه، ~~وغانمه أحق به. ويجوز شراء أولاد الحرب منهم، كما يجوز سبيهم. ويجوز شراء ~~أولاد العهد منهم، ولا يجوز سبيهم. # وما غنمه الواحد والاثنان هل يجري عليه حكم الغنيمة في أخذ خمسه؟ على ~~ثلاث روايات: إحداها: يجري، والثانية: لا يؤخذ خمسه حتى يكونوا سرية عددا ~~ممتنعا، والثالثة: لا حق للغانمين فيه، وجميعه فيء للمسلمين، عقوبة لهم ~~لخروجهم بغير إذن الإمام. وإذا أسلم أحد الأبوين كان إسلاما لصغير أولادهما ~~من ذكور وإناث ولا يكون إسلاما للبالغين منهم إلا أن يكون البالغ مجنونا، ~~وكذلك من مات من الأبوين حكم بإسلام أولاده الأصاغر. وإذا كان الصغير مميزا ~~فأسلم، صح إسلامه بنفسه، وتصح ردته، ولكن لا يقتل حتى يبلغ. PageV01P145 ### || فأما الأرضون # إذا استولى عليها المسلمون فتنقسم ثلاثة أقسام: ### ||| أحدها: # ما ملكت عليهم عنوة وقهرا، حتى فارقوها بقتل أو أسر أو جلاء، ففيها روايتان، ~~نقلهما عبد الله. إحداهما: أنها تكون غنيمة، كالأموال تقسم بين الغانمين، ~~إلا أن يطيبوا نفسا بتركها فتوقف على مصالح المسلمين. ولفظ كلام أحمد رحمه ~~الله تعالى قال: " كل أرض تؤخذ عنوة فهي لم قاتل عليها بمنزلة الأموال: ~~أربعة أسهم لمن قاتل عليها، وسهم لله ms109 وللرسول ولذي القربى واليتامى ~~والمساكين، بمنزلة الأموال " نقلها أبو بكر الخلال في الأموال. والثانية: ~~أن الإمام فيها بالخيار في قسمتها بين الغانمين، فتكون أرض عشر أو يقفها ~~على كافة المسلمين وتصير هذه الأرض دار إسلام، سواء سكنها المسلمون أو أعيد ~~إليها المشركون. ولفظ كلام أحمد في ذلك أن قال " الأرض إذا كانت عنوة هي ~~لمن قاتل عليها، إلا أن PageV01P146 # يكون وقفها من فتحها على المسلمين، كما فعل عمر رضي اله عنه بالسواد، ~~وضرب عليهم الخراج، فهي كما فعل الفاتح لها إذا كان من أئمة الهدى". وظاهر ~~هذا أنها تصير وقفا بنفس الاستيلاء عليها حتى يقفها الإمام لفظا. وقد روي ~~عنه ما دل على أنها تصير وقفا بالاستيلاء. فقال في رواية حرب " أرض الخراج ~~ما فتحها المسلمون فصارت فيئا لهم ثم دفعوها إلى أهلها وأضافوا عليها ~~وظيفة، فتلك الوظيفة جارية للمسلمين". # وكذلك نقل محمد بن أبي حرب " أرض الخراج ما فتحها المسلمون، فصارت فيئا ~~لهم". فقد أطلق القول أنها تصير فيئا، ويجب الخراج، ولم يعتبر لفظ الوقف، ~~وهو اختيار أبي بكر بن عبد العزيز في الأموال فقال " كل ما فتحه المسلمون ~~عنوة فعليه الخراج حق الرقبة". وإذا ثبت أنها تصير وقفا، إما لفظا، أو بنفس ~~الاستيلاء، فإنه لا يجوز بيعها ولا رهنها. PageV01P147 # والإمام يضرب عليها خراجا يكون أجرة لرقابها، يؤخذ ممن عومل عليها، من ~~مسلم أو معاهد ويجمع بين خراجها وأعشار زروعها وثمارها، إلا أن تكون الثمار ~~من نخل كان فيها عند الاستيلاء عليها، فيكون النخل وقفا معها لا يجب في ~~ثمرها عشر، ويضع الإمام عليها الخراج، ويكون ما استؤنف غرسه من النخل ~~معشورا، وأرضه خراجا. ### ||| والقسم الثاني فيها # ما ملك عفوا، وهو إن أجلوا عنها ~~خوفا فيكون وقفا. وقيل لا يصير وقفا حتى يقفها الإمام لفظا ويضرب عليها ~~خراجا يكون أجرة لرقابها، يؤخذ ممن عومل عليها من مسلم ومعاهد، ويجمع فيها ~~بين خراجها وأعشار زروعها وثمارها، إلا أن يكون النخل من نخل كان فيها عند ~~الاستيلاء عليها، فتكون تلك النخل ms110 وقفا معها لا يجب في ثمرها عشر، ويكون ~~الإمام فيها مخيرا بين وضع الخراج عليها، أو المساقاة على ثمرها، ويكون ما ~~ستؤنف غرسه من النخل معشورا وأرضه خراجا. وظاهر كلام أحمد أنها تكون وقفا، ~~لأنه قال في رواية أبي الحارث وصالح " كل أرض جلا عنها أهلها بغير قتال فيه ~~فيء". ومعناه وقف، كما قال في رواية حنبل " ما فتح عنوة هو فيء للمسلمين". ~~وقال في رواية حرب ومحمد بن أبي حرب " الأرض الخراج ما فتحها المسلمون ~~فصارت فيئا لهم، ثم دفعها إلى أهلها وأضافوا عليها وظيفة، فتلك الوظيفة ~~جارية للمسلمين أبدا". فقد سمى أرض الخراج العنوة فيئا. ### ||| القسم الثالث # أن يستولي عليها صلحا على أن تقر في أيديهم بخراج يؤدونه ~~عنها، فهذا على ضربين: أحدهما: أن تصالحهم على أن ملك الأرض لنا، فتصير ~~بهذا الصلح وقفا من دار الإسلام، لا يجوز بيعها ولا رهنها، ويكون الخراج ~~أجرة لا يسقط عنهم بإسلامهم، ويؤخذ خراجها إذا انتقلت إلى غيرهم من ~~المسلمين، وقد صاروا بهذا الصلح أهل عهد، فإن بذلوا الجزية عن رقابهم جاز ~~إقرارهم فيها على التأبيد، وإن منعوا الجزية لم يجبروا عليها، ولم يقروا ~~فيها سنة بغير جزية. وقد قال أحمد في رواية " ما فتح عنوة فهو فيء ~~للمسلمين، وما صولحوا عليه فهو لهم يؤدون إلى ما صولحوا عليه، ومن أسلم ~~منهم تسقط عنه الجزية، والأرض فيء للمسلمين". فقد بين أن الأرض فيء وهذا ~~محمول على أن الأرض لنا. والضرب الثاني: أن يصالحوا على أن ملك الأرضين لهم ~~ويضرب عليها خراج يؤدونه عنها، فهذا الخراج في حكم الجزية متى أسلموا سقط ~~عنهم، نص عليه في رواية ابن منصور وذكر له قول سفيان " ما كان من أرض صولح ~~عليها ثم أسلم أهلها فقد وضع الخراج عنهم". قال أحمد " جيد" قيل له: وما ~~كان من أرض أخذت عنوة ثم سلم صاحبها وضعت عنها وأقر على أرضه بالخراج؟ قال ~~أحمد "جيد". فقد نص على أن الخراج يسقط عن أرض الصلح بالإسلام. وهذا محمول ~~على ms111 ملك الأرضين لهم. ولا تصير أرضهم دار إسلام، وتكون دار عهد، ولهم بيعها ~~ورهنها. وإذا انتقلت إلى مسلم لم يؤخذ خراجها، PageV01P148 # ويقرون فيها ما أقاموا على الصلح، ولا تؤخذ جزية رقابهم، لأنهم في غير ~~دار الإسلام. فإن نقضوا الصلح بعد استقرارهم، نظرت، فإن ملكت غير فهل تكون ~~على حكمها دار عهد؟ يخرج على وجهين: ذكر الخرقي أنه ينتقض في الدار، فتحصل ~~دار حرب. وذكر أبو بكر أنه لاينتقض، فعلى هذا تكون دار عهد. وإن لم يملك ~~صارت الدار حربا وجها واحدا. PageV01P149 ### || فأما الأموال المنقولة # فإذا جمعت لم تقسم مع غنائم الحرب حتى تنجلي، ~~ليعلم بانجلائها تحقق الظفر، واستقرار الملك؛ لأن لا يتشاغل المقاتلة بها ~~فيهزموا. فإذا انجلت الحرب جاز تعجيل قسمتها في دار الحرب، وجاز تأخيرها ~~إلى دار الإسلام، بحسب ما يراه أمير الجيش من الصلاح. وإذا أراد قسمتها بدأ ~~بأسلاب القتلى، فأعطى كل قاتل سلب قتيله، سواء شرط الأمير له بذلك أو لم ~~يشرطه. وعنه رواية أخرى: إن أشرطه لهم استحقوه، وإن لم يشرطه لهم كان غنيمة ~~يشتركون فيه، ولا يخمس السلب. فإذا فرغ من إعطاء السلب، فإنه يبدأ بعد ~~السلب بإخراج الخمس من جميع الغنيمة، فيقسمه بين أهل الخمس على خمسة أسهم، ~~وهذا لا تختلف الرواية فيه، وإنما اختلفت في مال الفيء هل يخمس؟ PageV01P150 # وأهل الخمس في الغنيمة: هم أهل الخمس في الفيء على ما شرحناه هناك. وقد ~~قال أحمد في رواية أبي طالب، وقد سئل: إذا جمعوا الغنائم هل يعطيهم النفل؟ ~~قال: " لايعطيهم شيئا حتى يخمس جميع الغنيمة، فإذا خمس جميع الغنيمة أعطاهم ~~النفل". وهو مقدم أيضا على أهل الرضخ، وهم من لا سهم له من حاضري الوقعة: ~~من العبيد، والنساء، والصبيان، والمرضى، و'أهل الذمة، على الرواية التي لا ~~سهم لهم. فالخمس مقدم عليهم لا يرضخ لهم من الغنيمة بحسب غنائمهم. ولا يبلغ ~~برضخ أحد منه سهم فارس ولا راجل. فإن زال نقص أهل الرضخ بعد حضور الواقعة، ~~فعنق العبد، وبلغ الصبي، وأسلم الكافر، فإن كان ذلك ms112 قبل انقضاء الحرب أسهم ~~لهم ولم يرضخ،، وإن كان بعد انقضائها رضخ لهم ولم يسهم. ثم تقسم الغنيمة، ~~بعد إخراج الخمس والرضخ منها، بين من شهد الوقعة من أهل الجهاد، وهم الرجال ~~الأحرار المسلمون الأصحاء، يشترك فيها من قاتل ومن لم يقاتل، لأن غير ~~المقاتل عون للمقاتل وردء له عند الحاجة. وقسمة الغنيمة بينهم قسمة ~~استحقاق، لا يرجع فيها إلى اختيار القاسم، ووالي الجهاد، ولا يجوز أن يشترك ~~معهم غيرهم ممن لم يشهد الواقعة. # واختلفت الرواية عن أحمد في تفضيل بعضهم على بعض، فروي عنه جواز ذلك، ~~وروي عنه التسوية. وإذا اختص بها من شهد الوقعة وجب أن يفضل الفارس على ~~الراجل بفضل غنائه، فيعطي الفارس ثلاثة أسهم، والراجل سهم واحد. ولا يعطى ~~سهم الفارس إلا لأصحاب الخيل خاصة ويعطى لركاب البغال والحمير سهام ~~الرجالة، ويعطى ركاب الإبل والفيلة سهام الهجين. PageV01P151 # وفي سهم الهجين روايتان: إحداهما: مثل سهام عتاق الخيل. والثانية: يعطى ~~الهجين سهمان. وإذا شهد الواقعة بفرسه أسهم له وإن لمن يقاتل عليه، وإذا ~~خلفه في العسكر لم يسهم له، وإذا حضر الوقعة بأفراس أعطي سهم فرسين. ومن ~~مات فرسه بعد حضور الوقعة أسهم له، ومن مات قبلها لم يسهم له، وكذلك إن كان ~~هو الميت. وإذا جاءهم مدد قبل انجلاء الحرب شركوهم في الغنيمة وغن جاءوا ~~بعد انجلائها لم يشركوهم. ويستوي في قسمة الغنيمة بين مرتزقة والجيش وبين ~~متطوعة إذا شهد جميعهم الوقعة. وإذا غزا قوم بغير إذا الإمام كان ماغنموه ~~مخموسا والباقي لهم. وفيه رواية أخرى: لا يخمس وجميعه لهم. وفيه رواية أخرى ~~ثالثة: لا يملك كالغنيمة. وإذا دخل دار الحرب بأمان، أو كان مأسورا معهم ~~فأطلقوه وأمنوه. لم يجز أن يغتالهم في نفس ولا مال، وعليه أن يؤمنهم كما ~~أمنوه. وإذا كان في المقاتلة من هر غناؤه، وأثر بلاؤه؛ لشجاعته وإقدامه، ~~أخذ سهمه من الغنيمة أسوة غيره، وزيد من سهم المصالح لأجل غنائه، وإن رأي ~~تفضيله من سهم الغنيمة على إحدى الروايتين فله ذلك. PageV01P152 ### | فصل في ms113 وضع الخراج والجزية # والجزية والخراج حقان أوصل الله تعالى المسلمين إليهما من المشركين. ~~يجتمعان من ثلاثة أوجه؛ ويفترقان من ثلاثة أوجه. ثم تتفرع أحكامهما. فأما ~~الأوجه التي يجتمعان فيها: فأحدها: أن كل واحد منهما مأخوذ عن مشرك صغارا ~~له وذلة. والثاني: أنهما مالا فيء يصرفان في أهل الفيء. والثالث: أنهما ~~يجبان بحلول الحول، ولا يستحقان قبله. وأما الوجوه التي يفترقان فيها. # فأحدها: أن الجزية نص، والخراج اجتهاد. والثاني: أن أقل الجزية مقدر ~~بالشرع، وأكثرها مقدر بالاجتهاد. والخراج أكثره وأقله مقدر بالاجتهاد. ~~والثالث: أن الجزية تؤخذ مع بقاء الكفر، وتسقط بحدوث الإسلام، والخراج قد ~~يؤخذ مع الكفر والإسلام. فنبدأ بالجزية فنقول: هي موضوعة على الرءوس، ~~واسمها مشتق من الجزاء، إما جزاء على كفرهم لأخذها منهم صغارا، أو جزاء على ~~أماننا لهم لأخذها منهم رفقا. وتؤخذ الجزية ممن له كتاب أو شبهة كتاب. PageV01P153 # أما أهل الكتاب فهم اليهود والنصارى، وكتابهم التوراة والإنجيل؛ والعرب ~~في أخذ الجزية منهم كغيرهم. وأما من له شبهة كتاب فهم المجوس، يجرون مجرى ~~أهل الكتاب في أخذ الجزية وإن حرم أكل ذبائحهم ونكاح نسائهم. وتؤخذ من ~~الصابئين والسامرة إذا وافقوا اليهود والنصارى في أصل معتقدهم وإن خالفوهم ~~في فروعهم. ولا تؤخذ منهم إن خالفوا اليهود والنصارى في أصل معتقدهم. ولا ~~تؤخذ جزية مرتد، ولا دهري، ولا عابد وثن. ومن دخل في اليهودية والنصرانية ~~مقبل تبديلهما أقر على ما دان به منهما، ولا يقر إن دخل بعد تبديلهما. ومن ~~جهلت حالة أخذت جزيته، ولم تؤكل ذبيحته، ولم تنكح نساؤه. وفيه رواية أخرى: ~~تنكح، وتؤكل ذبيحته، نص عليها في نصارى بني تغلب. ومن انتقل من يهودية إلى ~~نصرانية لم يقر في أحد الوجهين، وأخذ بالإسلام، وإن عاد إلى دينه الذي ~~انتقل عنه. ففي إقراره روايتان. ويهود خيبر وغيرهم في الجزية سواء. ولا تجب ~~الجزية إلا على الرجال الأحرار العقلاء. ولا تجب على امرأة ولا صبي ولا ~~مجنون، ولو انفردت امرأة منهم على أن تكون تبعا لزوج أو لنسيب لم تؤخذ ms114 منها ~~جزية، لأنها تبع لرجال قومها وإن كانوا أجانب منها. ولو انفردت امرأة في ~~دار الحرب فبذلت الجزية للمقام في دار الإسلام ولم يلزمها ما بذلته وكان ~~ذلك منها كالهبة لا تؤخذ به إن امتنعت. PageV01P154 # ولا تؤخذ الجزية من خنثى مشكل. # فإن زال إشكاله وبان رجلا، أخذ بها في مستقبل أمره دون ماضيه. واختلف عن ~~أحمد في قدر الجزية على ثلاث روايات. أحدها: أنها مقدرة الأقل والأكثر. ~~فيؤخذ من الفقير المعتمل اثنا عشر درهما. ومن المتوسط أربعة وعشرون. ومن ~~الموسر ثمانية وأربعون، نقلها الجماعة. والثانية: أنها غير مقدرة الأكثر ~~والأقل، وهي إلى اجتهاد الإمام في الزيادة والنقصان، نقلها الأثرم، فقال " ~~تعاد الجزية على ما يطيقون، تزاد وتنقص. وما يرى الإمام". والثالثة: أنها ~~مقدرة الأقل، غير مقدرة الأكثر، فيجوز للإمام أن يزيد على ما قدر عمر. ولا ~~يجوز أن ينقص منه، نقلها يعقوب بن بختان فقال: " لا يجوز للإمام أن ينقص من ~~ذلك، وله أن يزيد". والأولى: اختيار الخرقي، والثالثة: اختيار أبي بكر. ~~وإذا صولحوا على مضاعفة الصدقة عليهم ضوعفت، كما فعل عمر - رضي الله عنه - ~~مع تنوخ، وبهراء، وبني تغلب بالشام. ويؤخذ من النساء والصبيان. والمنصوص ~~عنه في الصبيان في رواية ابن القاسم، وذلك لأنها جزية مأخوذة على طريق ~~الصلح فاستوى فيها النساء والصبيان. ويدل عليه: ما روي أبو عبيد بإسناده ~~قال: كتب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى معاذ " وفي الحالم والحالمة ~~دينار أو عدله من المعافر". PageV01P155 # ومعلوم أن ذلك على وجه الصلح. ولا يلزم عليه الجزية لأنها غير مأخوذة على ~~طريق الصلح، لأن الصلح ما اعتبر فيه رضى كل واحد من المتصالحين. والجزية لا ~~يعتبر فيها ذلك لأنهم لو بذلوها لزم الإمام قبولها من طريق الشرع. وقد صرح ~~أحمد أنها جزية في رواية محمد بن موسى وقد سأله عن نصارى بني تغلب، فقال: " ~~تضاغف عليهم الجزية" فقد سماه جزية. وقد علق القول في رواية ابن القاسم ~~فقال " المال والمواشي والأرض سواء الصغير والكبير، إنما هي الزكاة". ~~فسماها ms115 زكاة، ومعناه: حكمها حكم الزكاة في أنها تجب على الصغير والكبير. # وإذا صولحوا على ضيافة من يمر بهم من المسلمين قدرت عليهم، وأخذوا بها ~~ثلاثة أيام لا يزادون عليها، كما صالح عمر نصارى الشام على ضيافة من مر بهم ~~من المسلمين ثلاثة أيام مما يأكلون. لا يكلفونهم ذبح شاة ولا دجاجة، وتبن ~~دوابهم من غير شعير، وجعل ذلك على أهل السواد دون المدن. وإن لم يشترط ~~عليهم الضيافة ومضاعفة الصدقة، فلا صدقة عليهم في زرع ولا ثمر، ولا يلزمهم ~~إضافة سائل ولا سابل. وقد روي عن أحمد كلام يدل على أن الذي شرط عليهم يوم ~~وليلة. فقال حمدان بن علي: قلت لأحمد " عمر بن الخطاب جعل على أهل السواد ~~يوما وليلة؟ قال: كنا إذا تولينا عليهم قالوا: شباشبا. قلت لأحمد: ما يوم ~~وليلة؟ قال: يضيفونهم. قلت: ما قولهم: شباشبا؟ قال أحمد: هو بالفارسية ليلة ~~ليلة". وقد رواه أبو بكر الخلال بإسناده عن الأحنف بن قيس " أن عمر - رضي ~~الله عنه - اشترط PageV01P156 # على أهل الذمة ضيافة يوم وليلة، وأن يصلحوا القناطر، وإن قتل رجل من ~~المسلمين بأرضهم فعليهم ديته". وفي لفظ آخر " أن عمر اشترط على أهل الذمة ~~ضيافة يوم وليلة، فإن حبسهم مطر أو مرض فيومين. فإن مكثوا أكثر من ذلك ~~أنفقوا من أموالهم، ويكلفوا ما يطيقون". وكذلك الضيافة في حق المسلمين ~~الواجب يوم وليلة. قال في رواية حنبل " قد أمر رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - بذلك، وهو دين له: قلت: كم مقدار ما يقدر له؟ قال: ما يمونه في ~~الثلاثة الأيام التي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: واليوم والليلة هو ~~حق واجب". فقد بين أن المستحب ثلاثة أيام والواجب يوم وليلة. وقال في موضع ~~آخر من مسائل حنبل وصالح " الضيافة ثلاثة أيام، وجائزته يوم وليلة". فكانت ~~جائزته أوكد من الثلاثة. وقد روى أبو بكر الخلال ما دل على الاستحباب ~~والإيجاب. # فروى بإسناده عن أبي كريمة - المقدام بن معد يكرب - قال: قال رسول الله - ~~صلى الله عليه ms116 وسلم - " ليلة الضيف حق واجبة، فإن أصبح بفنائه فهو دين عليه ~~إن شاء اقتضى الدين وإن شاء ترك ". يعني إذا لم يضف. وبإسناده عن أبي شريح ~~الخزاعي قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " الضيافة ثلاثة أيام، ~~وجائزته يوم وليلة، ولا يحل لمسلم أن يقيم عند أخيه حتى يؤثمه. قالوا: يا ~~رسول الله، كيف يوثمه؟ قال: يقيم عنده، وليس عنده ما يقربه". فحديث أبي ~~كريمة يدل على وجوب اليوم والليلة. وحديث أبي شريح يدل على استحباب الثلاث. ~~فالضيافة في حق الكفار والمسلمين، يتفقان في قدر الوجوب والاستحباب، ~~ويختلفان في حكمين آخرين. أحدهما: أنها في حق المسلمين تجب ابتداء بالشرع، ~~وفي حق الكفار تجب بالشرط. والثاني: أنها في حق المسلمين تعم أهل القرى ~~والأمصار. وفي حق الكفار تختص بأهل القرى. PageV01P157 # قال في رواية أبي الحارث " الضيافة تجب على كل مسلم، من كان من أهل ~~الأمصار وغيرهم من المسلمين". وقال في موضع آخر " تجب الضيافة على المسلمين ~~كلهم، ومن نزل به ضيف عليه أن يضيفه. والفرق بينهما " أن عمر شرط تلك على ~~أهل القرى، والأخبار الواردة في حق المسلمين عامة لقوله - صلى الله عليه ~~وسلم - " ليلة الضيف حق واجبة". وفي لفظ آخر " الضيافة ثلاثة أيام". وتجب ~~الضيافة على المسلم للمسلمين والكفار، لعموم الخبر. وقد نص عليه أحمد في ~~رواية حنبل - وقد سأله " إن أضاف الرجل ضيفان من أهل الكفر؟ قال: قال رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - " ليلة الضيف حق واجب على كل مسلم". دل على أن ~~المسلم والمشرك مضاف. والضيافة معناها معنى الصدقة التطوع على المسلم ~~والكافر. فقد احتج بعموم الخبر، وأنه يعم المسلم والكافر. وإذا نزل به ~~الضيف فلم يضفه كان دينا له على المضاف به. نص عليه في رواية حنبل. فقال " ~~إذا نزل القوم فلم يضافوا، فإن شاء طلبه. وإن شاء ترك". # قال له " فكم مقدار ما يقدر له؟ قال " ما يمونه في الثلاثة الأيام، ~~واليوم والليلة حق واجب".قال له: " فإن لم يضيفوه ترى له أن يأخذ من ms117 ~~أموالهم بمقدار ما يضيفه؟ قال: لا يأخذ إلا بعلم أهله. وله أن يطالبهم ~~بحقه". فقد نص على أن له المطالبة بذلك. وهذا يدل على ثبوته في ذمته، لقول ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - في حديث أبي كريمة " فإن أصبح بفنائه فهو دين ~~عليه، إن شاء اقتضى، وإن شاء ترك" ومنع من أن يأخذ من مال من تجب عليه ~~الضيافة بغير إذنه، بناء على أصله، وهو " أن من كان له على رجل حق وامتنع ~~من أدائه وقدر له على حق لم يجز له أن يأخذه بغير إذنه". ### || ويلزم الذمي # ترك ما فيه ضرر على المسلمين وآحادهم: في مال، أو نفس. وهي ثمانية أشياء: ~~الاجتماع في قتال المسلمين، وأن لا يزني بمسلمة، ولا يصيبها باسم نكاح، ولا ~~يفتن مسلما عن دينه. ولا يقطع عليه الطريق ولا يؤوي للمشركين عينا، أعني ~~جاسوسا. ولا يعاون على المسلمين بدلالة، أعني لا يكاتب المشركين بأخبار ~~المسلمين. لا يقتل مسلما ولا مسلمة. وكذلك يلزم ترك ما فيه غضاضة ونقص على ~~الإسلام، وهي ثلاثة أشياء، ذكر الله تعالى، وكتابه، ودينه، ورسوله، بما لا ~~ينبغي. فهذه الأشياء يلزمهم تركها، سواء شرط ذلك الإمام عليهم أو لم يشرط. PageV01P158 # فإن فعلوا ذلك أو شيئا منه، نقض العهد في إحدى الروايتين. قال في رواية ~~أبي الحارث: في نصراني استكره مسلمة على نفسها " يقتل، ليس على هذا صولحوا، ~~وإن طاوعته يقتل، وعليها الحد". وقال في رواية حنبل " كل من ذكر شيئا يعرض ~~به بالرب عز وجل فعليه القتل، مسلما كان أو كافرا". وقال في رواية أبي ~~طالب: في يهودي شتم النبي - صلى الله عليه وسلم - " يقتل. قد نقض العهد". ~~وفيه رواية أخرى " لا ينقض العهد إلا بالامتناع من بذل الجزية وجرى أحكامنا ~~عليهم". وقال في رواية موسى بن عيسى الموصلي" في المشرك إذا قذف مسلما " ~~يضرب". # كذلك في رواية الميموني: في الرجل من أهل الكتاب يقذف العبد المسلم وينكل ~~به " يضرب ما يرى الحاكم". وظاهر هذا: أنه لم يجعله ناقضا للعهد بقذف ~~المسلم ms118 وإن كان ضرر على المسلمين. فأما ما ليس فيه ضرر على المسلمين، ولا ~~غضاضة على الإسلام، مثل إظهار منكر في دار الإسلام، بإحداث البيع والكنائس ~~في دار الإسلام، ورفع أصواتهم بكتبهم، والضرب بالنواقيس، وإطالة البنيان ~~على المسلمين، وإظهار الخمر والخنزير، وترك ما أخذ عليهم تركه من التشبه ~~بالمسلمين في ملبوسهم، ومركوبهم، وكناهم، وشعورهم، فهل ذلك واجب عليهم ~~تركه، أم هو مستحب؟. فقال في رواية أبي الحارث " ينبغي أن يؤخذ أهل الذمة ~~بالنواصي والزنانير، يذلون بذلك". PageV01P159 # وقال في رواية أبي طالب " السواد فتح عنوة، فلا يكون فيه بيعة، ولا يضرب ~~فيه بنا قوس ولا تتخذ فيه الخنازير، ولا تشرب في الخمر، ولا يرفعون أصواتهم ~~في دورهم". وقال في رواية إبراهيم بن هانئ، ويعقوب بن بختان " لا يتركون أن ~~يجتمعوا في كل أحد، ولا يظهرون خمرا ولا ناقوسا". فقد أطلق القول في ذلك. ~~فيحتمل أن يقتضي الوجوب، ويلزم بعقد الذمة، لأنها إظهار منكر في دار ~~الإسلام، فلزم تركه بعقد الذمة. دليله: ما كان فيه ضرر على الإسلام ~~والمسلمين. ويحتمل أن يكون ترك هذه الأشياء مستحب، لأنه لا ضرر على الإسلام ~~والمسلمين فيه. فعلى هذا لا يلزم حتى يشترط عليهم فيصير بالشرط ملتزما. فإن ~~ارتكبها بعد الشرط، فهل يكون نقضا لعهدهم؟. ظاهر كلام الخرقي يكون نقضا ~~لأنه قال " ومن نقض العهد بمخالفة شيء مما صولحوا عليه حل دمه وماله، لأنه ~~بالشرط قد لزمهم، ويؤخذون به إجبارا، ويؤدبون على فعله" فكان ناقضا به، ~~كالامتناع من أداء الجزية والأشياء التي في فعلها ضرر على الإسلام ~~والمسلمين. ويثبت الإمام ما استقر من عهد الصلح معهم في دواوين الأمصار ~~ليؤخذوا به إذا تركوه فإن لكل قوم صلحا ربما خالف ما سواه. # ولا تجب الجزية عليهم في السنة إلا مرة بعد انقضائها بشهور الأهلة. ومن ~~مات فيها أخذ من تركته بقدر ما مضى منها. ومن أسلم منهم كان ماله مقرا ~~عليه، وجزيته ساقطة عنه. وكذلك إن مات قبل أدائها. ومن بلغ من صغارهم أو ~~أفاق من مجانينهم استقبل ms119 به حول الجزية. وتسقط الجزية عن الفقير، وعن ~~الشيخ، وعن الزمن. وإذا تشاجروا في دينهم واختلفوا في معتقدهم، لم يعارضوا ~~فيه، ولم يكشفوا عنه. PageV01P160 # وإذا تنازعوا في حق ارتفعوا فيه إلى حاكمهم لم يمنعوا منه. وإن ترافعوا ~~فيه إلى حاكمنا حكم بينهم بما يوجبه دين الإسلام. وتقام عليهم الحدود إذا ~~أتوها. ومن نقض منهم عهده لم يبلغ به مأمنه، وكان الإمام فيه بالخيار بين ~~القتل والاسترقاق. هذا كلام أحمد في رواية أحمد بن سعيد " إذا منع الجزية ~~ضربت عنقه". وقال في رواية أبي الحارث " إذا زنى بمسلمة قتل". وذلك لأنه ~~عقد الذمة على أن يكف عنا ونكف عنه. فإذا نقض العهد عاد بمعناه الأول، ~~فكأنه وجد لص حربي في دار الإسلام. ولأهل العهد - إذا دخلوا دار الإسلام - ~~الأمان على نفوسهم وأموالهم، ولهم أن يقيموا أقل من سنة بغير جزية، ولا ~~يقيمون سنة إلا بجزية، ويلزم الكف عنهم كأهل الذمة. ولا يلزم الدفع عنهم، ~~بخلاف أهل الذمة. وإذا أمن بالغ من عقلاء المسلمين حربيا لزم أمانه كافة ~~المسلمين. والمرأة في بذل الأمان كالرجل، والعبد فيه كالحر، سواء كان ~~مأذونا له في القتال أو لم يكن. ويصح أمان الصبي، نص عليه. قال أبو بكر ~~الخلال " إذا كان له سبع سنين وعقل التخيير بين أبويه فأمانه جائز". ولا ~~يصح أمان المجنون، ومن أمنه فهو حرب، إلا أن يجهل حكم أمانه فيبلغه مأمنه. ~~ثم يكون حربا. وإذا تظاهر أهل الذمة أو العهد بقتال المسلمين كانوا حربا ~~لوقتهم تقتل مقاتلتهم. وإذا امتنع أهل الذمة من بذل الجزية كان نقضا ~~لعهدهم. ولا يجوز أن يحدثوا في دار الإسلام بيعة ولا كنيسة، فإن أحدثوها ~~هدمت عليهم. # واختلفت الرواية عن أحمد في بناء ما استهدم من بيعهم وكنائسهم القديمة. ~~فروي عنه، أنه ليس لهم ذلك. نقلها عبد الله. والثانية: لهم ذلك، والثالثة: ~~إن خرب جميعها لم يكن لهم ذلك. وإن استهدم بعضها جاز. PageV01P161 # وإذا نقض أهل الذمة عهدهم استبيح به قتلهم، وغنيمة أموالهم، وسبي ~~ذراريهم. وهذا ظاهر ما ms120 نقلناه عنه في رواية أحمد بن سعيد " إذا امتنع ~~الجزية ضربت عنقه". وفي رواية أبي الحارث " إذا زنى بمسلمة قتل". وقال ~~الخرقي في أمر الجزية " ومن نقض العهد بمخالفة شيء مما صولحوا عليه حل دمه ~~وماله " وهذا صريح من الخرقي في ذلك. فإن هرب إلى دار الحرب من ذمتنا، ~~ناقضا للعهد - وله مال في دار الإسلام - هل يكون فيئا؟ ظاهر كلام الخرقي ~~أنه يكون فيئا، لأنه قال " ومن هرب إلى دار الحرب من ذمتنا ناقضا للعهد عاد ~~حربا. وقال أبو بكر الخلال في كتاب الخلاف " إذا أودع الحربي المستأمن في ~~دار الإسلام مالا، ثم لحق بدار الحرب فأسر أو قتل: إنه يرد إلى ورثته". ~~وظاهر هذا: أنه لم ينقض أمانه في ماله. وهذا الكلام في الجزية. ### || فأما الكلام في الخراج # فهو ما وضع على رقاب الأرضين من حقوق تؤدي عنها. والأرضون كلها ~~تنقسم أربعة أقسام: أحدها: ما استأنف المسلمون إحياءه، فهو أرض عشر لا يجوز ~~أن يوضع عليها الخراج. نص عليه في رواية أبي الصقر- وقد سأله عن أرض موات ~~في الإسلام لا يعرف لها أرباب، ولا للسلطان عليها خراج، فأحياها رجل من ~~المسلمين - فقال " من أحيا أرضا مواتا في غير أرض السواد كان للسلطان عليه ~~فيها عشر، ليس له عليه غير ذلك". PageV01P162 # وقال في رواية ابن منصور " والأرضون التي يملكها ربها ليس فيها خراج، مثل ~~هذه القطائع التي أقطعها عثمان في السواد لسعد، وابن مسعود، وخباب". وظاهر ~~هذا أنه لم يوجب في قطائع السواد خراجا، وهذا محمول على أنه أقطعهم منافعها ~~وخراجها، وللإمام أن يسقط الخراج على وجه المصالحة. ### ||| القسم الثاني # ما أسلم عليه أربابه، فهو أرض عشر، لا يجوز أن يوضع عليها ~~خراج نص عليه في رواية حرب، فقال " إذا فتح المسلمون الأرض عنوة فصارت فيئا ~~لهم فهو خراج ". وقال " أرض العشر: الرجل يسلم بنفسه من غير قتال وفي يده ~~أرض، فهي عشر". وقال في موضع آخر" أرض العشر، الرجل يسلم وفي يده أرض فهي ~~عشر، مثل مكة والمدينة ms121 ". وقد علق القول في رواية حنبل، فقال " من أسلم على ~~شيء فهو له، ويؤخذ منه خراج الأرض". وهذا محمول على أنه كان في يده من أرض ~~الخراج أقره الإمام في يده، كما أقر النبي - صلى الله عليه وسلم - أهل ~~خيبر، فلا يسقط الخراج. ### ||| القسم الثالث # ما ملك عن المشركين عنوة وقهرا، ففيه ~~روايتان: إحداهما: يكون غنيمة تقسم بين الغانمين، وتكون أرض عشر، لا يجوز ~~أن يوضع عليها خراج، وفيه رواية أخرى: الإمام بالخيار بين أن يقسمها بين ~~الغانمين، فلا يكون فيها خراج، وبين أن يقفها على جماعة المسلمين، فتصير ~~وقفا على مصالح المسلمين ويضرب عليها خراجا يكون أجرة يقر على الأبد، وإن ~~لم يتقدر بمدة، لما فيها من عموم المصلحة. ولا يجوز بيع رقابها، اعتبارا ~~بحكم الوقف، وهي الأرض المختصة بوضع الخراج عليها. ### ||| القسم الرابع # ما صولح عليه المشركون من أرضهم فهي على ضربين: أحدهما: ما جلا عنه أهله حتى خصلت ~~للمسلمين بغير قتال فيكون وقفا على مصالح المسلمين PageV01P163 # ويضرب عليها خراج يكون أجرة يقر على الأبد وإن لم يتقدر بمدة، لما فيها ~~من عموم المصلحة، فلا يتغير بإسلام ولا ذمة، ولا يجوز بيع رقابها، اعتبارا ~~بحكم الوقف. وقد قال أحمد في رواية أبي الحارث وصالح " كل أرض جلا عنها ~~أهلها بغير قتال فهي فيء". ومعناه: أنها وقف، وقد بينا ذلك من كلامه فيما ~~قبل. # الضرب الثاني: ما أقام فيه أهله، وصالحونا على إقراره في أيديهم بخراج ~~يضرب عليهم فهذا على ضربين: أحدهما: أن ينزلوا عن ملكها لنا عند صلحنا، ~~فتصير هذه الأرض وقفا على المسلمين كالذي انجلى عنه أهله، ويكون الخراج ~~المضروب عليها أجرة، ولا تسقط بإسلامه، ولا يجوز لهم بيع رقابها، ويكونون ~~أحق بها ما أقاموا على صلحهم، لا تنقل من أيديهم سواء أقاموا على شركهم أو ~~أسلموا، كما لا تنزع الأرض المستأجرة من مستأجرها، ولا تسقط عنهم بهذا ~~الخراج جزية رقابهم إن صاروا أهل ذمة مستوطنين. وإن لم يستوطنوا ولم ~~ينتقلوا إلى الذمة، وأقاموا على العهد، لم ms122 يجز أن يقروا فيها سنة بغير ~~جزية. وقد قال أحمد في رواية حنبل " ما فتح عنوة فهو فيء للمسلمين، وما ~~صولحوا عليه فهو لهم، يؤدون إلى المسلمين ما صولحوا عليه، ومن أسلم منهم ~~تسقط عنه الجزية والأرض للمسلمين". فقد بين أن الأرض فيء، وهذا على أن ~~الأرض لنا، فتكون فيئا: يعني وقفا. الضرب الثاني: أن يستبقوها على أملاكهم ~~ولا ينزلوا عن رقابها، ويصالحونا عنها بخراج يوضع عليها. فهذا الخراج جزية، ~~يؤخذ منهم ما أقاموا على شركهم، ويسقط عنهم بإسلامهم ويجوز لهم بيع هذه ~~الأرض على من شاءوا منهم، أو من أهل الذمة، أو من المسلمين فإن تبايعوها ~~بينهم كانت على حكمها في الخراج، وإن بيعت على مسلم سقط عنه خراجها وإن ~~بيعت على ذمي احتمل أن لا يسقط عنه خراجها لبقاء كفره واحتمل أن يسقط ~~لخروجه بالذمة من عقد من صولح عليها. وقد قال أحمد في رواية ابن منصور، ~~وذكر له قول سفيان " ما كان من أرض صولح عليها ثم أسلم أخلخا بعد وضع ~~الخراج عنها، قال أحمد " جيد" قال " وما كان من أرض أخذت عنوة، ثم أسلم ~~صاحبها، ووضعت عنه الجزية وأقر على أرضه بالخراج قال أحمد " جيد". PageV01P164 # فقد نص على أن الخراج يسقط عن أرض الصلح بالإسلام، وهذا محمول على أن تلك ~~الأرضين لهم، ولم يسقط عن أرض العنوة، لأنها لجماعة المسلمين هي أجرة عنها. ### || فأما قدر الخراج المضروب # فمعتبر بما تحتمله الأرض. نص عليه أحمد في رواية ~~محمد بن داود - وقد سئل عن حديث عمر " وضع على جريب الكرم كذا وعلى جريب ~~كذا كذا " هو شيء موصوف على الناس لا يزاد عليهم، أو إن رأى الإمام غير هذا ~~زاد ونقص؟ - قال " بل هو على رأي الإمام، إن شاء زاد عليهم، وإن شاء نقص - ~~وقال- هو بين في حديث عمر " إن زدت عليهم كذا لا يجهدهم؟ " إنما نظر عمر ~~إلى ما تطيق الأرض". فقد نص على أن ذلك موقوف على اجتهاد الإمام، وليس ~~بموقوف على تقدير عمر، بل تعتبر ms123 الطاقة في الزيادة والنقصان. واحتج بقول ~~عمر " إن زدت عليهم لا تجهدهم". ونقل العباس بن محمد بن موسى الخلال عن ~~أحمد: أنه قال " الخراج يقر في أيديهم مقاسمة على النصف، وأقل إذا رضي بذلك ~~الأكرة، يحملهم بقدر ما يطيقون " وقال بعد " ليس للإمام أن يغيرها على ما ~~أقرها عليه عمر". وقال في رواية يعقوب بن بختان " لا يجوز للإمام أن ينقص، ~~وله أن يزيد". وقال في رواية ابن منصور " ووضع - يعني عمر - عليها - يعني ~~السواد- الخراج: على كل جريب درهم وقفيز من الحنطة والشعير. وما سوى ذلك من ~~القصب والزيتون والنخل PageV01P165 # أشياء موظفة يؤدونها". وقال " خراج السواد على حديث الحكم عن عمرو بن ~~ميمون قفيز ودرهم". قال أبو بكر الخلال: أبو عبد الله يقول " إن للإمام ~~النظر في ذلك، فيزيد عليهم وينقص على قدر ما يطيقون". وقد ذكر ذلك عنه غير ~~واحد، وما قاله عباس الخلال عن أبي بكر فهو قول أول لأبي عبد الله. وقد ~~اختلفت الرواية عن عمر في قدر الخراج: فروي أبو عبيد بإسناده عن عمرو بن ~~ميمون قال " شهدت عمر بن الخطاب - وأتاه ابن حنيف - فجعل يكلمه، فسمعناه ~~يقول له: آلله، لئن وضعت على كل جريب من الأرض درهما وقفيزا من طعام لا يشق ~~ذلك عليهم، ولا يجهدهم؟ ". وبإسناده عن محمد بن عبد الله اليقفي قال " وضع ~~عمر على أهل السواد على كل جريب عامر أو غامر درهما وقفيزا، وعلى جريب ~~الرطبة خمسة دراهم". # وروي أيضا بإسناده عن الشعبي " أن عمر بعث ابن حنيف إلى السواد، فطرز ~~الخراج فوضع على جريب الشعير درهمين، وعلى جريب الحنطة أربعة دراهم وعلى ~~جريب القصب ستة دراهم، وعلى جريب النخل ثمانية دراهم، وعلى جريب الكرم عشرة ~~". وروي أبو زيد عمر بن شبة النميري بإسناده عن عمرو بن ميمون " أنه وضع ~~على كل جريب - وذكر الخبر إلى أن قال -: وعلى النخل: على الفارسية درهما، ~~وعلى الدقلتين درهما ". وفي لفظ آخر عن عثمان بن حنيف حين بعثه عمر " فأخذ ~~من الرطبة - وذكر الخبر ms124 إلى أن قال: وكان لا يعد النخل". وقد أخذ أحمد من ~~هذه الأخبار بحديث عمرو بن ميمون في رواية على بن سعيد اللحياني وجعفر بن ~~محمد، فقال " أعلى وأصح حديث في أرض السواد: حديث عمرو بن ميمون في الدرهم ~~والقفيز". ويشهد لهذا: ما روي أبو هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - " إذا منعت العراق درهمها وقفيزها. ومنعت الشأم دينارها ~~ومديها، ومنعت مصر دينارها وإردبها، وعدتم كما بدأتم فقد أثبت الجمع بين ~~الدرهم والقفيز. PageV01P166 # وهذا الاختلاف عن عمر يدل على اعتبار الطاقة، كذلك يجب أن يكون وضع ~~الخراج مراعى في كل أرض تحتمله. فإنها تختلف من ثلاثة أوجه، يؤثر كل واحد ~~منها في زيادة الخراج ونقصانه: أحدها: ما يختص بالأرض من جودة يزكو بها ~~زرعهم، أو رداءة يقل به ريعها. الثاني: ما يختص بالزرع من اختلاف أنواعه. ~~فإن الحبوب والثمار ما يكثر ثمنه، ومنها ما لا يقل ثمنه، فيكون الخراج ~~بحسبه. الثالث: ما يختص بالسقي والشرب، لأن ما التزمت المؤنة في سقيه ~~بالدوالي والنواضح لا يحتمل من الخراج ما يحتمله ما سقي بالسيوح والأمطار. ~~وشرب الزروع والأشجار ينقسم أربعة أقسام: أحدها: ما سقاه الآدميون بغير ~~آلة، كالسبةح من العيون والأنهار تساق إليها، فتسيح عليها عند الحاجة، ~~وتمنع عنها عند الاستغناء، وهذا أوفر المياه منفعة وأقلها كلفة. # القسم الثاني: ما سقاه الآدميون من نواضح أو دوالي، أو دواليب، وهذا أكثر ~~المياه مؤنة وأشقها عملا. القسم الثالث: ما سقته السماء مطرا، أو ثلجا، أو ~~طلا، ويسمى العذي. القسم الرابع: ما سقته الأرض بندواتها، وما أسكن من ~~الماء قرارها، فشرب زرعها وشجرها بعروقه، ويسمى البعل. فأما الغيل: فهو ما ~~شرب بالقناة، فإن ساح فهو من القسم الأول، وإن لم يسح فهو من القسم الثاني. ~~وأما الكظائم: فهو ما شرب من الآبار، فإن نضح منها بالغروب فهو من القسم ~~الثاني وإن استخرج من القنى، فهو غيل يلحق بالقسم الأول. وإذا ثبت هذا ~~فلابد لواضع الخراج من اعتبار ما وصفنا من الأوجه الثلاثة ms125 من اختلاف ~~الأرضين، واختلاف الزروع، واختلاف الشرب ليعلم قدر ما تحمله الأرض من ~~خراجها. فيقصد العدل فيما بين أهلها وأهل الفيء، من غير زيادة تجحف بأهل ~~الخراج، ولا نقصان يضر بأهل الفيء. PageV01P167 # ولا يستقصي في وضع الخراج غاية ما تحتمله، ليجعل فيه لأرباب الأرض بقية ~~يجبرون بها النوائب والجوائح. ويعتبر واضع الخراج أصلح الأمور من ثلاثة ~~أحوال: أحدها: أن يضعه على مسائح الأرض. الثاني: أن يضعه على مسائح الزرع. ~~الثالث: أن يجعله مقاسمة. فإن وضعه على مسائح الأرض كان معتبرا بالسنة ~~الهلالية. وإن وضعه على مسائح الزرع، فقد قيل: يكون معتبرا بالسنة الشمسية. ~~وإن جعله مقاسمة كان معتبرا بكمال الزرع وتصفيته. فإذا استقر على أحدها ~~مقدار بشروطه المعتبرة فيه صار ذلك مؤبدا لا يجوز أن يزاد فيه ولا ينقص ~~منه، ما كانت الأرضون على أحوالها، في شروبها ومصالحها. فإن تغيرت شروبها ~~ومصالحها إلى زيادة أو نقصان فذلك ضربان: أحدهما: أن يكون حدوث الزيادة ~~والنقصان بسبب من جهتهم، كزيادة حدثت بشق أنهار، واستنباط مياه، أو نقصان ~~حدث لتقصير في عمارة، أو لعدول عن مصلحة. فيكون الخراج عليهم بحاله، لا ~~يزاد عليهم فيه لزيادة عمارتهم، ولا ينقص منه لنقصانها. # ويؤخذون بالعمارة نظرا لهم، ولأهل الفيء، لئلا يستديم خرابه فيتعطل. ~~الضرب الثاني: أن يكون حدوث ذلك من غير جهتهم، فيكون النقصان بشق انفجر أو ~~نهر تعطل. فإن كان سده وعمله ممكنا وجب على الإمام أن يعمله من بيت المال ~~من سهم المصالح والخراج ساقط عنهم ما لم يعمل. وإن لم يمكن عمله فخراج تلك ~~الأرض ساقط عن أهلها إذا عدم الانتفاع بها، فإن أمكن الانتفاع بها في غير ~~الزراعة: لمصائد، أو مراع، جاز أن يستأنف وضع الخراج بحسب ما يحتمله الصيد ~~والمراعي , وليست كأرض الموات التي لا يجوز أن يوضع على مصائدها ومراعيها ~~خراج؛ لأن هذه الأرض مملوكة، وأرض الموات مباحة. وقد نقل خضر بن إسحاق: أن ~~صيادا سأل أحمد عن الصيد في أجمة - يعني قطر بل - وأنهم يمنعون أن نصيد ~~فيها حتى ms126 نعطيهم شيئا؟ فقال: " احرص أن لا تعطيهم فإن شارطتهم فلا تخنهم". PageV01P168 # وقوله " احرص أن لا تعطيهم " محمول على أنها من أرض الموات، وقوله " فإن ~~شارطتهم فلا تخنهم" محمول على قول من قال: ليس في أرض السواد موات. فأحب ~~الخروج من الخلاف. وقد اختلفت الرواية عنه، هل في السواد موات يملك ~~بالأحياء؟. فقال في رواية العباس بن محمد بن موسى الخلال - وقد سأله عما ~~أحيى من أرض السواد: أيكون لمن أحياه-؟ فقال: " مثل التلول والرمال فيما ~~بينك وبين الأنبار، فهو لمن أحياه". وقال في رواية ابنه عبد الله - وقد ~~سأله: أيكون موات في أرض السواد؟ قال: " لا أعلمه يكون مواتا". وأما ~~الزيادة التي أحدثها الله تعالى، كعين انفجر ينبوعها غالبا فساح ماؤها، أو ~~أرض حفرها السيل حتى انخفضت وصارت سائحة بعد أن كانت تسقى بآلة، فإن كان ~~هذا عارضا ضالا يوثق بدوامه لم يجز أن يزاد في خراج تلك الأرض، وإن وثق ~~بدوامه راعى الإمام فيه المصلحة لأرباب الضياع وأهل الفيء، وعمل في الزيادة ~~أو المشاركة بما يكون عدلا بين الفريقين. وخراج الأرض إذا أمكن زرعها مأخوذ ~~وإن لم تزرع. # نص عليه في رواية الأثرم، ومحمد بن أبي حرب، وقد سئل عن رجل يده أرض من ~~أراضي الخراج ولم يزرعها، يكون عليه خراجها؟ قال: " نعم، العامر والغامر". ~~وإذا كان خراج ما أخل بزرعه يختلف باختلاف الزروع أخذ منه فيما أخل بزرعه ~~خراج أقل ما يزرع فيها لأنه لو اقتصر على زرعه لم يعارض فيه. وإذا كانت أرض ~~الخراج لا يمكن زرعها في كل عام حتى تراح في عم وتزرع في الآخر. روعي حالها ~~في ابتداء وضع الخراج عليها، واعتبر أصلح الأمور لأرباب الضياع، وأهل الفيء ~~في خصلة من ثلاث: - إما أن يجعل خراجها على الشطر من خراج ما يزرع في كل ~~عام، فيؤخذ من المزروع والمتروك، وإما أن يمسح كل جريبين منها بجريب، ليكون ~~أحدهما للمزروع والآخر للمتروك. وإما أن يضعه بكماله على مساحة المتروك ~~ويستوفي على أربابه الشطر من رزاعة ms127 أرضهم. وإذا كان خراج الزروع والثمار ~~مختلفا باختلاف الأنواع، فزرع أو غرس ما لم ينص عليه، اعتبر خراجه بأقرب ~~المنصوصات به شبها أو نفعا. وإذا زرعت أرض الخراج ما يوجب العشر لم يسقط ~~عشر الأرض خراج الأرض وجمع فيها بين الحقين. PageV01P169 # ولا يجوز أن ينقل أرض الخراج إلى العشر، ولا أرض العشر إلى الخراج. وقد ~~سئل أحمد في رواية إسحاق عن دار البطيخ بطرسوس: كانت بيروما كان عليها فهو ~~لها على الأرمني إلى خارج الخندق. ووضع عليها الخراج فقال: الحمالون لا ~~يحمل فيها لم يكن عليها خراج، وقد وضع عليها الآن خراج فلا يغير. فقال " قد ~~أحسنوا فقد أنكر وضع الخراج على أرض لم يكن عليها". وإذا استقى بماء الخراج ~~أرض عشر كان المأخوذ منها عشرا. وإذا سقي بماء العشر أرض خراج كان المأخوذ ~~منها خراجا، اعتبارا بالأرض دون الماء. وعند أبي حنيفة يعتبر حكم الماء. # فيؤخذ بماء الخراج من أرض العشر الخراج، ويؤخذ بماء العشر من أرض الخراج ~~العشر، اعتبارا بالماء دون الأرض، واعتبار الأرض أولى من اعتبار الماء، لأن ~~الخراج مأخوذ عن الأرض، والعشر مأخوذ من الزرع، وليس على الماء خراج ولا ~~عشر، فلم يعتبر واحد منهما. وعلى هذا الاختلاف منع أبو حنيفة صاحب الخراج ~~أن يسقي بماء العشر، ومنع صاحب العشر أن يسقي بماء الخراج، ولم يمنع أحمد ~~واحدا منهما أن يسقي بأي الماءين شاء. وقد قال أحمد في رواية صالح " الخراج ~~على الرقبة". وقال في رواية ابن منصور " إنما هو جزية رقبة الأرض". فقد بين ~~في رواية ابن منصور أنه عن رقبتها. وفي رواية صالح أنه على الأرض مثل ~~الجزية على الرقبة، فاقتضى أنه عن رقبتها، وإذا كان عن رقبة الأرض كان ~~الاعتبار بها، لا بالماء الذي يسقى به. وإذا بني في أرض الخراج أبنية دورا ~~وحوانيتا، كان خراج الأرض مستحقا، لأن لرب الأرض أن ينتفع بها كيف شاء. PageV01P170 # وهذا ظاهر كلام أحمد، وأن الخراج لا يقف على الزرع أو الغراس. قال في ~~رواية يعقوب بن ms128 بختان - وقد سأله: ترى أن يخرج الرجل عما في يده من دار أو ~~ضيعة على ما وصف عمر على كل جريب فيتصدق به؟ - قال: " ما أجود هذا " قال ~~له: فإنه بلغني عنك أنك تعطي عن دارك الخراج، تتصدق به؟ قال: " نعم". وقد ~~قيل: إن مالا يستغني في زراعتها عن بنائه في مقامه في أرض الخراج لزراعها ~~عفو يسقط عنه خراجه، لأنه لا يسقر في زراعتها إلا بمسكن يستوطنه، وما جاز ~~قدر حاجته مأخوذ بخراجه. وإذا أوجرت أرض الخراج، أو أعيرت، فخراجها على ~~المالك دون المستأجر والمستعير. وقد قال أحمد في رواية أبي الصقر - في أرض ~~السواد تقبلها الرجل " يؤدي وظيفة عرم ويؤدي العشر بعد وظيفة عمر". وظاهر ~~هذا: أن الخراج على المستأجر، لأن المتقبل مستأجر. وكذلك قال في رواية محمد ~~بن أبي حرب " أرض السواد من استأجر منها شيئا ممن هي في يده فهو جائز، ~~ويكون فيها مثله". # فقد جعل المستأجر بمنزلة الموجر. وقد صرح به أبو حفص في الجزء الثاني من ~~الإجارة، فقال: " باب الدليل على أن من استأجر أرضا فزرعها كان الخراج ~~والعشر جميعا عليه، دون صاحب الأرض - وساق فيه رواية أبي صقر". وعندي أن ~~كلام أحمد لا يقتضي ما قال، لأنه إنما نص على رجل تقبل أرضا من السلطان ~~فدفعها إليه بالخراج، وجعل ذلك أجرتها، لأنها لم تكن في يد السلطان بأجرة، ~~بل كانت لجماعة المسلمين، والمسألة التي ذكرناها إذا كانت في يد رجل من ~~المسلمين بالخراج المضروب فأجرها فإن الثاني لا يجب عليه الخراج، بل يجب ~~على الأول، لأنها في يده بأجرة، هي الخراج. وإذا اختلف العامل ورب الأرض في ~~حكمها، فادعى العامل أنها أرض خراج، وادعى ربها أنها أرض عشر - وقولهما ~~ممكن - فالقول قول المالك دون العامل، فإن اتهم استحلف. ويجوز أن يعمل في ~~مثل هذا الاختلاف على شواهد الدواوين السلطانية إذا علم صحتها، ووثق ~~بكتابها. وإذا ادعى رب الأرض دفع الخراج لم يقبل قوله. ويجوز أن يعمل في ~~دفع الخراج على البروزات السلطانية إذا ms129 عرف صحتها، اعتبارا بالعرف المعتاد ~~فيها. PageV01P171 # ومن أعسر بخراجه أنظر به إلى يساره، ولم يسقط بالإعسار. وإذا مطل بالخراج ~~مع يساره حبس، إلا أن يوجد له مال فيباع عليه في خراجه، كالديون، فإن لم ~~يوجد له غير أرض الخراج؛ فإن كان السلطان يرى جواز بيعها باع منها بقدر ~~خراجه. وإن كان لا يراه أجرها عليه واستوفى الخراج من مستأجرها فإن زادت ~~الأجرة كان له زيادتها , وإن نقصت كان عليه نقصانها. وإذا عجز رب الأرض عن ~~عمارتها، قيل له: إما أن تؤجرها أو ترفع يدك عنها، لتدفع إلى من يقوم ~~بعمارتها ولم تترك على خرابها، وإن دفع خراجها لئلا تصير بالخراب مواتا، ~~أومأ إليه في رواية حنبل. فقال " من أسلم على شيء فهو له. ويؤخذ منه خراج ~~الأرض، فإن ترك أرضه فلم يعمرها، فذلك إلى الإمام يدفعها إلى من يعمرها، لا ~~تخرب، تصير فيئا للمسلمين". # فقد منع من ترك عمارة أرض الخراج على وجه الخراب. وقال في رواية حرب " في ~~رجل أحيا أرض الموات، فحفر فيها بئرا، أو ساق إليها الماء من موضع أو أحاط ~~عليها حائطا ثم تركها فهي له، قيل له: فهل في ذلك وقت إذا تركها؟ قال: لا ~~". وكذلك قال في رواية أبي الصقر " إذا أحيا أرضا ميتة وزرعها ثم تركها حتى ~~عادت خرابا فهي له، وليس لآخر أن يأخذها منه، وإنما جاز له لأن بإحيائها قد ~~صارت ملكا PageV01P172 # له، فهو مخير في الانتفاع بها أو تركه، ويفارق هذا أرض الخراج لأنها ليست ~~بملك له، وإنما هي لجماعة المسلمين، ولهذا فرقنا بينهما. وعامل الخراج، ~~يعتبر في صحة ولايته: الحرية، والأمانة، ثم ينظر. فإن ولي وضع الخراج اعتبر ~~فيه أن يكون فقيها من أهل الاجتهاد، وإن ولي جبابة الخراج صحت ولايته وإن ~~لم يكن فقيها مجتهدا. ورزق عامل الخراج من مال الخراج، كما أن رزق عامل ~~الصدقة من مال الصدقة، من سهم العاملين، وكذلك أجرة المساح. فأما أجرة ~~القسام في العشر والخراج فهي من الحق الذي استوفاه السلطان منهما. ms130 ### || والخراج حق معلوم على مساحة معلومة # فاعتبر في العلم بها ثلاثة مقادير: أحدها: مقدار ~~الجريب بالذراع الممسوح بها. والثاني: مقدار الدرهم المأخوذ به. والثالث: ~~مقدار الكيل المستوفى به. أما الجريب فهو عشر قصبات في عشر قصبات. والقفيز: ~~عشر قصبات في قصبة. والعشير: قصبة في قصبة، والقصبة: ستة أذرع. فيكون ~~الجريب ثلاثة آلاف وستمائة ذراع مكسرة، والقفيز: ثلاثمائة وستين ذراعا ~~مكسرة، وهو عشر الجريب، والعشير: ستة وثلاثين ذراعا، وهو عشر القفيز. ### || والأذرع سبعة # أقصرها القاضية، ثم اليوسفية، ثم السوداء، ثم الهاشمية ~~الصغرى، وهي البلالية، ثم الهاشمية الكبرى، وهي الزياديةن ثم العمرية، ثم ~~الميزانية. PageV01P173 # فأما القاضية - وهي تسمى ذراع الدور - فهي أقل من ذراع السوداء بأصبع ~~وثلثي أصبع، وأول من ضعها ابن أبي ليلى القاضي، وبها يتعامل أهل كلواذى. # وأما اليوسفية: فهي التي يذرع بها القضاة الدور بمدينة السلام، وهي أقل ~~من الذراع السوداء بثلثي أصبع، وأول من وضعها أبو يوسف القاضي. وأما الذراع ~~السوداء: فهي أطول من ذراع الدور بأصبع وثلثي أصبع، وأول من وضعها الرشيد، ~~قدرها بذراع خادم أسود كان على رأسه، وهي التي يتعامل بها الناس في ذرع ~~البز والتجارة والأبنية وقياس نيل مصر. وأما الذراع الهاشمية الصغرى: فهي ~~أطول من الذراع السوداء بأصبعين وثلثي أصبع. وأول من أحدثها بلال بن أبي ~~بردة، وذكر أنه ذراع جده موسى الأشعري، وهي أنقص من الزيادية بثلاثة أرباع ~~عشر، وبها يتعامل الناس بالبصرة والكوفة. وأما الهاشمية الكبرى فهي ذراع ~~الملك، وأول من نقلها إلى الهاشمية المنصور، وهي أطول من ذراع السوداء بخمس ~~أصابع وثلثي إصبع، يكون ذراعا وثمنا وعشرا بالسوداء وتنقص عنها بالهاشمية ~~الصغرى ثلاثة أرباع عشرها، وسميت زيادية لأن زيادا مسح بها أرص السواد، وهي ~~التي يذرع بها أهل الأهواز. وأما الذراع العمرية فهي ذراع عمر بن الخطاب - ~~رضي الله عنه - التي مسح بها أرض السواد قال موسى بن طلحة: رأيت ذراع عمر ~~التي مسح بها أرض السواد، وهي ذراع وقبضة وإبهام قائمة". قال الحكم بن ~~عتيبة " إن عمر - رضي الله ms131 عنه - عمد إلى أطولها ذراعا وأقصرها، فجمع منها ~~ثلاثة وأخذ الثلث منها، وزاد عليها قبضة وإبهاما قائمة، ثم ختم في طرفيه ~~بالرصاص، وبعث بذلك إلى حذيفة وعثمان بن حنيف حتى مسحا بها السواد، وكان ~~أول من مسح بها عمر بن هبيرة". وأما الذراع المأمونية: فتكون بالذراع ~~السوداء ذراعين وثلثي ذراع وثلاث أصابع، وأول من وضعها المأمون، وهي التي ~~يتعامل الناس بها في ذرع البرندات، والسكور، وكري الأنهار، والحفائر وقد ~~اعتبر أصحابنا الذراع الهاشمي في مساحة الفراسخ التي تقصر فيها الصلاة. ### || وأما الدرهم # فيحتاج فيه إلى معرفة وزنه ونقده. # فأما وزنه فقد استقر في الإسلام على أن وزن الدرهم ستة دوانيق، وزن كل ~~عشرة منها سبعة مثاقيل. وقد نص على هذا في الزكاة في رواية الميموني - وقد ~~سأله عمن عنده شيء وزنه درهم أسود، وشيء وزنه دانقين، وهي تخرج في مواضع: ~~ذا مع نقصانه على الوزن سواء؟ فقال " يجمعها ثم يخرجها على وزن سبعة". PageV01P174 # وقال في رواية بكر بن محمد عن أبيه - وقد سأله عن الدراهم السود؟ فقال: " ~~إذا حلت الزكاة في مئتين من درهمنا هذه أوجبت فيها الزكاة " فأخذ بالاحتياط ~~" فأما الدية فأخاف عليه". وأعجبه في الزكاة أن يؤدي من مئتين من هذه ~~الدراهم، وإن كان على رجل دية أن يعطي السود الوافية، وقال " هذا كلام لا ~~يحتمله العامة". وظاهر هذا: أنه إنما اعتبر وزن سبعة في الزكاة، والخراج ~~محمول عليها، واعتبر في الدية أوفى من ذلك. وقال في رواية المروذي - وذكر ~~دراهم باليمن صغارا، في الدرهم منها دانقين ونصف - فقال: ترد إلى المثاقيل، ~~كيف تزكى هذه؟. فقد نص على اعتبار كل عشرة منها سبع مثاقيل. واختلف في سبب ~~استقرارها على هذا الوزن. فذكر قوم: أن الدراهم كانت في أيام الفرس مضروبة ~~على ثلاثة أوزان: منها درهم على وزن المثقال عشرون قيراطا، ودرهم وزنه عشرة ~~قراريط، ودرهم وزنه اثنا عشر قيراطا، فلما احتيج في الإسلام إلى تقديره في ~~الزكاة أخذ الوسط من جميع الأوزان الثلاثة، وهو اثنان وأربعون قيراطا، فكان ms132 ~~أربعة عشر قيراطا من قراريط المثقال، فلما ضربت الدراهم الإسلامية على ~~الوسط من هذا الوزن الأوسط من الأوزان الثلاثة قيل في عشرتها: وزن سبعة ~~مثاقيل لأنها كذلك. PageV01P175 # وذكر آخرون أن السبب في ذلك: أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، لما رأى ~~اختلاف الدراهم، وأن منها البغلي وهو ثمانية دوانيق، ومنها الطبري، وهو ~~أربعة دوانيق، ومنها اليمني هو دانق، قال: انظروا إلى أغلب ما يتعامل الناس ~~به من أعلاها وأدناها، فكان الدرهم البغلي والدرهم الطبري فجمع بينهما، ~~فكانا اثني عشر دانقا، فأخذ نصفهما فكان ستة دوانيق، فجعل الدرهم الإسلامي ~~في ستة دوانيق، ومتى زدت عليه ثلاثة أسباعه كان مثقالا، ومتى نقصت من ~~المثقال ثلاثة أعشاره كان درهما، فكل عشرة دراهم سبعة مثاقيل، وكل عشرة ~~مثاقيل أربعة عشر درهما وسبعان. PageV01P178 ### || وأما النقد # فمن خالص الفضة، وليس لمغشوشه مدخل في حكمه. # وقد كان الفرس عند فساد أمورهم فسدت نقودهم، فجاء الإسلام ونقودهم من العين والورق غير ~~خالصة، إلا أنها كانت تقوم في المعاملات مقام الخالصة، وكان غشها عفوا لعدم ~~تأثيره بينهم إلى أن ضربت الدراهم الإسلامية فتميز المغشوش من الخالص. وقد ~~قال أحمد في رواية حنبل: " ولو أن رجلا له على رجل ألف درهم أعطاه من هذه ~~الدراهم كان قد قضاه، لأنها ليست على ما يعرف الناس من صحة السكة بينهم ~~ونقاء الفضة ثم أرأيت لو اختلفا؟ فقال هذا: لم يقضني، وقال هذا: قد قضيتك، ~~فرجعا إلى اليمن أكان يحلف أنه قد أوفاه، لأنها ليست بوافية إلا بالفضة ~~التي يتعامل بها المسلمون بينهم؟ ". ### || فأما إنفاق المغشوشة # فينظر، فإن كان غشها يخفى لم يجز إنفاقها رواية واحدة، وإن كان عيبا ظاهرا فعلى روايتين: ~~إحداهما: المنع أيضا، قال في رواية محمد بن إبراهيم) وقد سأله عن المزيفة ~~فقال " لا يحل، قيل له: إنه يراها ويدري أي شيء هي؟ قال: الغش حرام وإن ~~بين". وكذلك قال في رواية جعفر بن محمد " لا تنفق المكحلة حتى يغسلها. ولا ~~المزيفة والزيوف حتى يسبقها". # والرواية الثانية الجواز، قال ms133 في رواية الأثرم، وإيراهيم بن الحارث - في ~~الرجل يبيع الدراهم فيها رديئة بدينار؟ قال " ما ينبغي له، لأنه يغر بها ~~المسلمين " فقال له الأثرم: ولا تقول إنها حرام؟ فقال: لا أقول إنها حرام، ~~وإنما كرهته لأنه يغر بها مسلما". وقال أيضا في رواية صالح: في دراهم ~~ببخارى يقال لها المسيبية، عامتها نحاس إلا شيئا يسيرا منها فضة، فقال " إن ~~كان شيئا قد اصطلحوا عليه فيما بينهم، مثل الفلوس التي قد اصطلح الناس ~~عليها، أرجو أن لا يكون به بأس". PageV01P179 # فوجه المنع: ما رواه أحد أن ابن مسعود باع نفاية بيت المال، فنهاه عمر، ~~فسبكها. ووجه الإباحة: مارواه أبو بكر بإسناده عن عمر قال " من زافت عليه ~~دراهم فليدخل السوق فيشتر بها سحق ثوب". وقد أجاب أحمد عن هذا الحديث في ~~رواية حنبل فقال " قول عمر: من زافت عليه دراهم يعني نفيت " ولم يكن عمر ~~يأمر بإنفاق الرديئة، وهذا لم يكن في عهد عمر، وإنما حدث بعده. وقد اختلف ~~في أول من ضربها في الإسلام. فحكى سعيد بن المسيب: إن أول من ضرب المنقوشة، ~~عبد الملك بن مروان وكانت الدنانير ترد رومية، والدراهم كسروية. قال أبو ~~الزناد: فأمر عبد الملك الحجاج أن يضرب الدراهم فضربها سنة أربع وسبعين ~~وقال المدائني: بل ضربها الحجاج في آخر سنة خمس وسبعين، ثم أمر بضربها في ~~النواحي سنة ست وسبعين. وقيل: إن الحجاج خلصها تخليصا، لم يستقصها، وكتب ~~عليها " الله أحد الله الصمد" فسميت المكروهة. واختلف في تسميتها بذلك. ~~فقال قوم: لأن الفقهاء كرهوها، لما عليها من القرآن، وقد يحملها الجنب ~~والمحدث. وقد اختلفت الرواية عن أحمد في حمل المحدث لها. فقال في رواية ~~المروزي " لا يمس الدراهم إلا طاهرا، كما لو كان مكتوبا في ورقة". وقال في ~~رواية أبي طالب وابن منصور " يجوز، لأن الحاجة تدعو إلى ذلك، والبلوى تعم ~~فعفي عنه". PageV01P180 # وقال آخرون: لأن الأعاجم كرهوا نقصها، فسميت مكروهة. # ثم تولى بعد الحجاج عمر بن هبيرة في أيام يزيد بن عبد الملك فضربها ms134 أجود ~~مما كانت. ثم تولى بعده خالد بن عبد الله القسري فشدد في تجويدها. وضرب ~~بعده يوسف بن عمر، فأفرط في التشديد فيها والتجويد، وكانت الهبيرية ~~والخالدية واليوسفية أجود نقود بني أمية. وكان المنصور لا يأخذ في الخراج ~~من الدراهم غيرها. وحكي يحيى بن النعمان عن أبيه: أن أول من ضرب الدراهم ~~مصعب بن الزبير عن أمر عبد الله بن الزبير سنة سبعين، على ضرب الأكاسرة، ~~وعليها " بركة" من جانب و "الله" من جانب. ثم غيرها بعد سنة وكتب عليها " ~~بسم الله" في جانب و " الحجاج " في جانب وقد قال أحمد في رواية محمد بن عبد ~~الله المنادي " ليس لأهل الإسلام أن يضربوا إلا جيدا". وذاك أنه كان أصحاب ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يتعاملون بدراهم العجم، فكان إذا زافت ~~عليهم أتوا بها السوق. فقالوا: من يبيعنا بهذه. وذاك أنه لم يضرب النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - ولا أبو بكر، ولا عمر، ولا عثمان، ولا علي، ولا ~~معاوية. وإذا خلص العين والورق من غش كان هو المعتبر في النقود المستحقة. ~~والمطبوع منها بالسكة السلطانية الموثوق بسلامة طبعها، المأمون من تبديلها ~~وتلبيسها هي المستحقة، دون نقار الفضة وسبائك الذهب، لأنه لا يوثق بهما إلا ~~بالسبك والتصفية. والمطبوع موثوق به. ولذلك كان هو الثابت في الذمم فيما ~~يطلق من أثمان المبيعات، وقيم المتلفات. ولو كانت المطبوعات مختلفة القيم ~~مع اتفاقها في الجودة فطالب عامل الخراج بأعلاها قيمة نظر، فإن كانت من ضرب ~~سلطان الوقت أجيب إليها، لأن في العدول عن ضربه مباينة له في الطاعة. وإن ~~كانت من ضرب غيره نظر، فإن كانت هي المأخوذة في خراج من تقدمه. أجيب إليها ~~استصحابا لما تقدم. وإن لم تكن مأخوذه فيما كانت المطالبة بها عبثا وحيفا. # وقد قال أحمد، في رواية جعفر بن محمد " لا يصلح ضرب الدراهم إلا في دار ~~الضرب بإذن السلطان، لأن الناس إن رخص لهم ركبوا العظائم". فقد منع من ~~الضرب بغير إذن سلطان لما فيه من الافتيات عليه. ms135 PageV01P181 ### || فأما مكسور الدراهم والدنانير # فلا يلزم أخذه في الخراج؛ لالباسه، وجواز ~~اختلاطه، ولذلك نقصت قيمتها عن المضروب الصحيح. وقد قال أحمد، في رواية ابن ~~منصور - وذكر له قول سفيان: إذا شهد رجل على رجل بألف درهم، أو مائة دينار ~~فله دراهم ذلك البلد ودنانير ذلك البلد - قال أحمد " جيد": فقد اعتبر نقد ~~البلد ولم يتعرض لذكر الصحاح. وقد كره أحمد كسره على الإطلاق، لحاجة ولغير ~~حاجة. فقال في رواية جعفر بن محمد - وقد سئل عن كسر الدراهم - فقال " هو ~~عندي من الفساد في الأرض". وقال في رواية المروزي - وقد سئل عن كسر الدراهم ~~الرديئة - فكرهه كراهة شديدة. وقد قال في رواية حرب - وقد سئل عن كسر ~~الدراهم - فكرهه كراهة شديدة. وقال في رواية أبي داود - وقد سئل عن رجل رأي ~~سائلا ومعه درهم صحيح، فأراد أن يعطيه قطعة، هل يكسر منه؟ - فقال " لا، كسر ~~الدراهم وقطعها مكروه". وسئل عن كسر المكسرة من الدراهم، فكرهه وقال " ~~يزيدها كسرا". وقال في رواية بكر بن محمد - وقد سأله عن الرجل يقطع الدراهم ~~والدنانير يصوغ منها - قال " لا تفعل، في هذا ضرر على الناس، ولكن يشتري ~~تبرا مكسورا بالفضة". PageV01P182 # فقد أطلق القول في رواية جعفر بن محمد والمروزي وحرب بالمنع. وصرح به في ~~رواية أبي داود وبكر بالمنع مع الحاجة، وهو الصدقة والصياغة. وقد صرح في ~~رواية أبي طالب أنها كراهة تنزيه. فقال: سألت أحمد عن الدراهم تقطع، فقال " ~~لا نهي النبي - صلى الله عليه وسلم - عن كسر سكة المسلمين " قيل له: فمن ~~كسره عليه شيء؟ قال " لا، ولكن قد فعل ما نهى عنه النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - ". وقوله " لا شيء عليه " معناه: لا مأثم عليه. # والوجه في كراهة ذلك قوله تعالى (11: 87 أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء) ~~روي عن محمد بن كعب القرظي قال " عذب قوم شعيب في قطعهم الدراهم. فقالوا: ~~يا شعيب أصلاتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا أو أن نفعل في أموالنا ما ~~نشاء؟ " وقال زيد بن ms136 أسلم " أو أ، نفعل في أموالنا نا نشاء. قال: كان مما ~~نهاهم الله عنه حذف الدراهم، أو قطع الدراهم". وما روي المروزي بإسناده عن ~~علقمة بن عبد الله عن أبيه " أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن كسر ~~سكة المسلمين الجائزة بينهم إلا من بأس ". قال أحمد في رواية المروزي، وحرب ~~" البأس إذا كانت رديئة". واحتج بأن ابن مسعود كان يكسر الزيوف وهو على بيت ~~المال. والسكة: هي الحديدة التي يطبع عليها الدراهم، فلذلك سميت الدراهم ~~المضروبة سكة، وقد كان ينكره ولاة بني أمية حتى أسرفوا. فحكي أن مروان بن ~~الحكم أخذ رجلا قطع درهما من دراهم فارس فقطع يده. وقال أحمد، في رواية أبي ~~طالب " إنما كانت دراهمهم المثاقيل، هذه الدراهم البغلية الكبار، وكان يقطع ~~الرجل من حوله وينفقه بالوافي فلذلك قطعه". وروى ابن منصور أنه قال لأحمد: ~~إن ابن الزبير قدم مكة فوجد بها رجلا يقرض الدراهم، فقطع يده، فقال " كانت ~~الدراهم تؤخذ برؤوسها بغير وزن فعده سارقا، وقال: هذا إفراط في التعزير". ~~وحكى الواقدي " أن أبان بن عثمان كان على المدينة فعاقب من قطع الدراهم ~~ثلاثين سوطا". PageV01P183 # وهذا محمول على أنه دس المقطوعة مع الثقال فيكون تدليسا، فيكون أبان ~~مصيبا في هذا القدر من التعزير، ولأن هذا إدخال النقص على المال فهو سفه ~~إذا كان لغير حاجة، وقد تكلم قوم على الخبر في النهي عن كسرها، فكان محمد ~~بن عبد الله الأنصاري - قاضي البصرة - يحمله على النهي عن كسره لتعود تبرا ~~لتكون على حالها مرصدة للنفقة، وحمل آخرون النهي على كسرها لتتخذ منها ~~أواني وزخزف. # وحمل آخرون النهي على من أخذ أطرافها قرضا بالمقاريض؛ لأن كانوا في صدر ~~الإسلام يتعاملون بها عددا، فصار أخذ أطرافها بخسا وتطفيفا. ### || فأما الكيل # فإن كان مقاسمة، فبأي قفيز كيل تعدلت فيه القسمة. وقد اختلف كلام الإمام أحمد ~~في المقاسمة. فقال في رواية العباس بن محمد بن موسى الخلال: فيمن كانت في ~~يده أرض من أرض السواد: هل يأكل مما أخرجت ms137 من زرع أو تمر، إذا كان الإمام ~~يأخذهم بالخراج مساحة أو صيرها في أيديهم مقاسمة على النصف أو الربع؟ فقال: ~~" يأكل، إلا أن يخاف السلطان. وظاهر هذا: أنه قد أجاز المقاسمة في الخراج. ~~وقال في رواية الحمال " السواد كله أرض خراج". وذكر المقاسمة فقال " ~~المقاسمة لم تكن، إنما هو شيء أحدث". وظاهر هذا أنه لم ير ذلك، إلا أنه لم ~~يصرح بالمنع، لكه أخبر أنه لم يكن في وقت عمر. وإن كان خراجا مقدرا بالقفيز ~~الذي كان في وقت عمر، فقد حكى القاسم: أن القفيز الذي وضعه عثمان بن حنيف ~~على أرض السواد فأمضاه عمر بن الخطاب كان مكيلا لهم يعرف بالشابرقان، قيل ~~وزنه ثمانية أرطال. وقد أومأ أحمد إلى هذا في رواية بكر بن محمد عن أبيه - ~~وقد سأل عن القفيز - فقال: ينبغي أن يكون قفيزا صغيرا " وقال: " قفيز ~~الحجاج صاع عمر ينبغي أن يكون ثمانية أرطال". PageV01P184 # فإن استؤنف وضع الخراج كيلا مقدرا على ناحية مبتدأة، روعي فيه من ~~المكاييل ما استقر مع أهلها من مشهور القفزان بتلك الناحية. وكان السواد في ~~أول أيام الفرس جاريا على المقاسمة إلى أن وضع الخراج عليه قباذ ابن فيروز. ~~فارتفع مائة وخمسين ألف ألف درهم بوزن المثقال. وكان الفرس على هذا في بقية ~~أيامهم. وجاء الإسلام فأقره عمر على المساحة والخراج، فبلغ خراجه في أيام ~~مائة ألف ألف وعشرين ألف ألف درهم. وجباه زياد مائة ألف ألف وخمسة وعشرين ~~ألف ألف. وجباه عبيد الله بن زياد مائة ألف ألف وخمسة وثلاثين ألف ألف. ~~وجباه الحجاج ثمانية عشر ألف ألف، بغشمة وإخراجه. # وجباه عمر بن عبد العزيز مائة وعشرين ألف ألف بعدله وعمارته. وكان ابن ~~هبيرة يجبيه مائة ألف ألف، سوى طعام الجند وأرزاق الفعلة. وكان يوسف بن عمر ~~يحمل منه في كل سنة من ستين ألف ألف إل سبعين ألف ألف، يحتسب بعطاء من قبله ~~من أهل الشام ستة عشر ألف ألف. ونفقة البريد أربعة آلاف ألف. وفي الطراز ~~ألفي ألف، وفي ms138 بيوت الأحداث والعوانق عشرة آلاف ألف. وقال عبد الرحمن بن ~~جعفر بن سليم: ارتفاع هذا الإقليم الحقير ألف ألف ألف ثلاث مرات فما نقص من ~~مال السلطان زاد في مال الرعية. ولم يزل السواد على المساحة والخراج إلى أن ~~عدل بهم المنصور في الدولة العباسية عن الخراج إلى القسمة، لأن السعر رخص ~~فلم تقف الغلات بخراجها. وضرب السواد فجعله مقاسمة. وأشار أبو عبيد علي ~~المهدي أن يجعل أرض الخراج مقاسمة بالنصف إن سقى سيحا، وفي الدوالي على ~~الثلث، وفي الداليب على الربع لا شيء عليهم سواه، وأن يعمل في النخل والكرم ~~والشجر مساحة خراج، يقرر بحسب قربه من الأسواق، والفرض وإذا بلغ حاصل الغلة ~~ما بقي بخراجين ألزم خراجا كاملا، وإذا نقص ترك. PageV01P185 # فهذا ما جرى في أرض السواد. والذي يوجبه الحكم: أن خراجها هو المضروب ~~عليها أولا، وتغييره إلى المقاسمة إذا كان سبب حادث اقتضاه اجتهاد الأئمة ~~أمضي مع بقاء سببه. وأعيد إلى حاله الأول عند زوال سببه، إذ ليس للإمام أن ~~ينقض اجتهاده من تقدمه. ### || فأما تضمين العمال # لأموال الخراج والعشر فباطل لا يتعلق به في الشرع حكم، لأن العامل مؤتمن ليستوفي ما وجب ويؤدي ما حصل، فهو ~~كالوكيل الذي إذا أدى الأمانة لم يضمن نقصانا ولم يملك زيادة، وضمان ~~الأموال بمقدار معلوم يقتضي الاقتصاد عليه في تملك ما زاد، وغرم ما نقص ~~وهذا مناف لموضوع العمالة وحكم الأمانة فبطل. وقد نبه أحمد رحمه الله على ~~معنى هذا في رواية أبي طالب: في الذي يتقبل الآجام لا يدري ما فيها، ~~والطسوج يتقبله لا يدري ما فيه من الطعام فهو أشر ما يكون. # وكذلك قال في رواية حرب - وقد سئل عن تفسير حديث ابن عمر " القبالات ~~ربا". قال: هو أن يتقبل بالقربة وفيها العلوج والنخل. ولفظ الحديث رواه ~~سفيان عن الأعمش عن عبد الرحمن بن أبي الزناد عن ابن عمر " القبالة ربا " ~~فسماه ربا. ومعناه: حكمه حكم الربا في البطلان وفساد العقد. وعن ابن عباس ~~قال " إياكم والربا. وإياكم ms139 أيجعل الغل الذي جعل الله في أعناقهم في ~~أعناقكم. ألا وهي القبالات، وهي الذل والصغار". PageV01P186 # وقد وصى عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - العمال بالرفق والعدل. فروى أبو ~~بكر بإسناده عن القاسم أن عمر بن الخطاب كان إذا بعث عماله قال " إنما ~~أبعثكم أئمة , لا تضربوا المسلمين فتذلوهم، ولا تحرموهم فتظلموهم. وأدروا ~~اللقحة للمسلمين يعني عطاياهم". وبإسناده عن إبراهيم " أن عمر بن الخطاب ~~كان إذا بلغه عن عامله أنه لا يعود المريض، ولا يدخل عليه الضعيف عزله". ~~وبإسناده عن أبي مجلز لا حق بن حميد " أن عمر بن الخطاب بعث عمار بن ياسر ~~أميرا على الكوفة على جيوشهم وعلى صلاتهم، وبعث عبد الله بن مسعود على ~~قضائهم وبيت مالهم، وبعث عثمان بن حنيف على مساحة الأرض، وجعل لهم كل يوم ~~شاة شطرها وسواقطها لعمار بن ياسروبقيتها لعبد الله بن مسعود، وعثمان ين ~~حنيف، ثم قال عمر: ما أرى قرية يخرج منها كل يوم شاة لعمالها إلا سريعا ~~خرابها .... . ### | فصل فيها تختلف أحكامه من البلاد # وبلاد الإسلام تنقسم ثلاثة أقسام: حرم، وحجاز، وما عداهما. فأما مكة فقد ~~ذكرها الله تعالى باسمين في كتابه " مكة، وبكة ". فقال تعال (3: 96 إن أول ~~بيت وضع الناس للذي ببكة مباركا وهدى للعالمين". وقال تعالى (48: 24 وهو ~~الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ببطن مكة من بعد أن أظفركم عليهم وكان ~~الله بما تعملون بصيرا) . وقد اختلف الرواية عن أحمد في دخول النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - مكة عام الفتح هل دخلها عنوة أو صلحا؟ على الروايتين. # إحداهما: أنه دخلها، ولم يغنم بها مالا، ولم يسب فيها ذرية، لأن الأمان ~~حصل من النبي - صلى الله عليه وسلم - قبل تقضي الحرب، لأنه روي في الخبر " ~~أن قائلا قال: لا قريش بعد اليوم". فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - " ~~الأحمر والأسود آمن" فالحال لم يتصرم حتى حصل الأمان. وقال في رواية ~~الميموني - وقد سئل عن مكة، هل فتحت صلحا؟ فالتفت إلي وقال " أليس إنما ~~أخذت بالسيف؟ ". وقال في ms140 رواية أبي داود - وقد سئل عن مكة: عنوة هي؟ قال " ~~قد أقرت البلاد PageV01P187 # في أيديهم، قيل له: بصلح؟ قال: ولكن أقرها رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - في أيدي أهلها بقوله " من دخل داره فهو آمن". وقال في رواية حنبل " ~~مكة إنما كره إجارة بيوتها لأنها عنوة، دخلها النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~بالسيف، فكره من كره ذلك من أجل العنوة، فلما كانت عنوة كان المسلمون فيها ~~شرعا واحدا، وقال عمر: لا تمنعوا نازلا بليل أو نهار، لأنه لم يجعل لهم ~~ملكا دون الناس". وفيه رواية أخرى: دخلها صلحا عقده مع أبي سفيان، وكان ~~المشروط فيه " أن من أغلق بابه فهو آمن، ومن تعلق بأستار الكعبة فهو آمن، ~~ومن دخل دار أبي سفيان فهو آمن إلا ستة نفر استثنى قتلهم " ولأجل عقد الصلح ~~لم يغنم ولم يسب". قال في رواية حرب بن إسماعيل " أرض العشر: الرجل يسلم ~~نفسه من غير قتال، وفي يده الأرض فهي عشر، مثل المدينة ومكة". وقال في ~~رواية سعيد بن محمد الرفا - وقد سئل عن مكة قال " دخلت صلحا " واستدل بقوله ~~- صلى الله عليه وسلم - " وهل ترك لنا عقيل من رباع؟ ". وقال في رواية أبي ~~طالب " إذا كانت أرض حرة: مثل مكة وخراسان، فإنما عليهم الصدقة، لأنهم ~~يملكون رقبتها". قال أبو إسحاق: المسألة على روايتين. PageV01P188 # قال أبو بكر الخلال، في كتاب الأموال " مكة افتتحت بالسيف وأقرهم رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - بعد أن فتحها بالسيف في منازلهم ". # فأما بيع دور مكة وإجارتها فذلك مبني على الروايتين، إن قلنا إنها فتحت ~~عنوة لم يجز بيعها ولا إجارتها". PageV01P189 # قال في رواية صالح - وقد سأله: ما تري في شراء المنازل بمكة؟ قال " لا ~~يعجبني، فيه نهي كثير، وبعض الناس يتأول (سواء العاكف فيه والباد) ". وقال ~~في رواية أبي طالب " لا تكرى بيوت مكة إلا أن يعطى لحفظ متاعه، فقيل: أليس ~~اشترى عمر دارا للسجن؟ قال: اشتراها للمسلمين يحبس فيه الفساق، فقيل له: ~~فإن سكن الرجل لا يعطيهم كراء؟ ms141 قال: لا يخرج حتى يعطيهم، أنا أكره كراء ~~الحجام ولكن أعطيه أجرته، ولا ينبغي لهم أن يأخذوه". وقال في موضع آخر، من ~~مسائل أبي طالب - وقد سأله عن كراء دور مكة؟ فقال " إنما كره في الأفنية ~~والدور الكبار". ففي أول كلامه المنع من إجارتها للسكنى على الإطلاق، وأجاز ~~إعطاء الكراء لحفظ المتاع، لأن الأجرة تحصل في مقابلة الحفظ ثم قال " فإن ~~سكن أعطاهم ولا ينبغي لهم الأخذ " لأنه يعتقد أنه لا يجوز كراؤها، وقوله في ~~آخر كلامه " إنما كره ذلك في الأفنية والدور والكبار". لا يقتضي أنه لا ~~يكره ساكنوها بالسكنى فيها لحاجتهم إليها فلا يكرونها، وإنما يكرون الكبار، ~~فصرف الكلام إلى ذلك لهذا المعنى. وقال في رواية جعفر بن محمد " شراء دورها ~~مكروه، ويحتجون بأن عمر اشترى دار السجن، وفيه مرفق للمسلمين". وقال في ~~رواية ابن منصور - وقد سأله، هل تكره أجور بيوت مكة وشراؤها والبناء بمنى-؟ ~~فقال " أبوا الكراء، وأما الشراء فقد اشترى عمر دارا للسجن، وأما البناء ~~فأكرهه". فظاهر هذا أنه كره الكراء وأجاز الشراء، وليس هذا على ظاهره، لأنه ~~قد قال في رواية ابنه صالح - وقد سأله: ما ترى في شراء المنازل بمكة، فقال ~~" لا يعجبني". وكذلك قال في رواية جعفر بن محمد " شراء دورها وبيعها ~~مكروه". فسوى بين الشراءة والبيع في المنع. وقوله في رواية ابن منصور " أما ~~الشراء فقد اشترى عمر " معناه: دارا للسجن. # وقد بين ذلك في رواية أبي طالب، وقال " اشتراه للمسلمين " ولم يرد بذلك ~~جواز شرائها على الإطلاق. ويحتمل أن يكون عمر اشترى بنيان دار للسجن فسمى ~~ذلك دارا، كما يقال فلان باع داره إذا باع الإطلاق. وقال في موضع آخر من ~~مسائل ابن منصور: في الرجل يسكن مكة بأجرة " إن قدر أن لا يعطيهم فليفعل " ~~لأن عنده أنه لا يجوز إجارتها. وقوله " فإن أعطاهم لم يأثم" لأنه مختلف في ~~جوازه. وقال في رواية الأثرم وإبراهيم بن الحارث " لايعجبني أجور بيوت مكة ~~" وذكر له عن سفيان أنه كان يكتري ويخرج ولا ms142 يعطيهم، فأنكر ذلك وقال " ~~سبحان الله، كيف يجئ هذا؟ " PageV01P190 # وإنما أنكر هذا من فعل سفيان لأنه إذا اكترى فقد عقد عقدا مختلفا في ~~صحته، فكره مخالفته لأجل اختلاف الناس، لأنه يقع الخبر بخلاف مخبره، لأنه ~~بالعقد ملتزم. وإذا ثبت أنه لا يجوز بيعها ولا إجارتها، فمن سبق إلى شيء ~~منها بقدر حاجته ليست لهم، والنبي - صلى الله عليه وسلم - يقول يوم فتح مكة ~~" من دخل دار أبي سفيان فهو آمن " ومن أغلق بابه فهو آمن " فكيف سماها ~~داره، ودورهم، وليست لهم؟ وعمر اشترى من صفوان دارا للسجن كيف لا تكون لهم؟ ~~ثم قال: يدخل على الرجل في منزله ومعه حرمته؟ ". وقال أيضا في رواية الأثرم ~~وإبراهيم بن الحارث " أما ما يقول بعض الناس ينزلون معهم، فإنما يكون هذا ~~إذا كان عنده فضل كثير، وكانت دارا عظيمة فيها دور، مثل دار صفوان ابن أمية ~~وما أشبهها، فأما رجل له منزل فيه حرمته فلا ينبغي لأحد أن ينزل عليه وهو ~~كاره". واستعظم ذلك ممن قاله. فأما ما طاف بمكة من نصب حرمها فحكمه في ~~تحريم البيع والإجارة حكمها. قال في رواية مثنى الأنباري وقد سأله: هل ~~يشتري من المضارب - يعني التي بمنى؟ - قال " لا يعجبني أن يشتري ولا يباع، ~~وكذلك الحرم كله". فقد بين أن جميع الحرم حكمه حكم مكة. # وقال في رواية أبي طالب " لم يكن لهم أن يتخذوا بمنى شيئا، فإذا اتخذوا ~~فلا يدخله أحد إلا بإذنه، قد كان سفيان اتخذ بها حائطا وبنى فيه بيتين، ~~وربما قال لأصحاب الحديث بقوها فلا يدخل رجل مضرب رجل إلا بإذنه". وظاهر ~~هذا: أنه قد أجاز البناء بمنى على وجه ينفرد به. وقال في رواية ابن منصور " ~~أما البناء بمنى فإني أكرهه". فظاهر هذا: المنع. فهذا كله إذا قلنا إنها ~~فتحت عنوة. فأما إذا قلنا إنها فتحت عنوة صلحا فإنه يجوز بيعها وإجارتها. ~~وقد قال أحمد في رواية أبي طالب فيما تقدم " إذا كان أرضا حرة مثل مكة ~~وخراسان فعليهم الصدقة لأنهم يملكون ms143 رقبتها". فقد نص على ملك رقبة مكة ~~وشبهها بخراسان، ومعلوم أن أرض خراسان يجوز بيعها. ### || فأما الحرم # فهو ما طاف بمكة من جوانبها. # وحده من المدينة دون التنعيم، عند بيوت بني غفار، على ~~ثلاثة أميال، ومن طريق العراق، على ثنية جبل بالمنقطع على سبعة أميال، ومن ~~طريق الجعرانة: في شعب أبي عبد الله PageV01P191 # ابن خلدون على تسعة أميال، ومن طريق الطائف على عرفة من بطن نمرة، على ~~سبعة أميال، ومن طريق جدة، منقطع العشائر، على عشرة أميال. فهذا ما جعله ~~الله حراما لما اختص به من التحريم، وباين بحكمه سائر البلاد، قال الله ~~تعالى (2: 126 وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا بلدا أمنا وارزق أهله من ~~الثمرات) يعنى مكة وحرمها. وقد اختلف في مكة وما حولها، هل صارت حراما ~~بسؤال إبراهيم، أو كانت قبله كذلك؟ فمن الناس من قال: لم تزل حرما آمنا من ~~الجبابرة المسلطين، ومن الخسوف والزلازل، وإنما سأل إبراهيم ربه أن يجعله ~~آمنا من الجدب والقحط، وأن يرزق أهله من كل الثمرات. وهذا ظاهر كلام أحمد ~~في رواية الأثرم، وقد سئل عن قول النبي - صلى الله عليه وسلم - " مكة أحلت ~~لي ساعة من نهار ولم تحل لأحد قبلي " ما وجهه؟ قال: " وجهه أنها كانت حراما ~~ولم تزل". فقد نص على أنها لم تزل حراما. # والوجه فيه ما روى سعيد بن أبي سعيد - يعني المقبري - قال: سمعت أبا شريح ~~الخزاعي يقول: " إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما افتتح مكة قام ~~خطيبا، فقال: يا أيها الناس، إن الله حرم مكة يوم خلق السماوات والأرض، فهي ~~حرام إلى يوم القيامة، لا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك بها ~~دما، أو يعضد بها شجرا، ألا وإنها لا تحل لأحد بعدي ولم تحل لي إلا هذه ~~الساعة غضبا على أهلها، ألا وهي قد رجعت على حالها بالأمس، ألا ليبلغ ~~الشاهد الغائب، فمن قال إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قاتل بها، ~~فقولوا إن الله قد أحلها لرسوله، ms144 ولم يحلها لك". ومن الناس من قال: أن مكة ~~كانت حلالا قبل دعوة إبراهيم كسائر البلاد، وأنها صارت بدعوته حرما آمنا، ~~حين حرمها، كما صارت المدينة بتحريم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حرما ~~بعد أن كانت حلالا، لما روى أبو هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - " إن إبراهيم كان عبد الله وخليله، وإني عبد الله ~~ورسوله، وإن إبراهيم حرم مكة، وإني حرمت المدينة، ما بين لابتيها: عضاهها ~~وصيدها، لا يحمل فيها السلاح لقتال، ولا يقطع فيها شجر إلا لعلف بغير". ~~والذي يختص به الحرم م الأحكام التي تباين سائر البلاد خمسة أحكام: PageV01P192 ### ||| أحدها: # أن لا يدخله محل قدم إليه حتى يحرم لدخوله إما بحج أو بعمرة يتحلل ~~بها من إحرامه: إلا أن يكون ممن يكثر الدخول إليها لمنافع أهلها، ~~كالحطابين، والسقايين الذين يخرجون منها غدوة ويعودون إليها عشاء، فيجوز ~~لهم دخولها محلين، لدخول المشقة عليهم في الإحرام كلما دخلوا. فإن دخل ~~القادم إليها حلالا فقد أثم ولزمه إحرام على وجه القضاء. فإن أدى به حجة ~~الإسلام في سنته سقط عنه، وإن أخره إلى السنة الثانية لم يجز عن حجة ~~الإسلام، ولزمه حجة أوعمرة. # قال في رواية حرب: فيمن قدم من بلد بعيد تاجرا فدخل مكة بغير إحرام " ~~يرجع إلى الميقات فيهل بعمرة إن كان في غير أيام الحج، وإن كان في أيام ~~الحج أهل بحجة". والوجه فيه: أنه إذا أراد دخولها لزمه أن يحرم، فإذا لم ~~يحرم فقد ترك إحراما قد لزمه، فعليه أن يأتي به، كما لو قال " لله علي ~~إحرام" وتركه يلزمه الإتيان به. فإن قيل: إذا خرج للقضاء كان إحرامه الذي ~~يستأنفه مختصا بدخوله الثاني، فلم يصح أن يكون قضاء عن دخوله الأول، فيتعذر ~~القضاء. قيل: إذا خرج للقضاء وحصل في الميقات لزمه أن يتجاوز إلى مكة ~~محرما، فإذا فعل ذلك لم يلزمه معنى آخر. ومثل هذا ما نقوله جميعا لو أحرم ~~بحجة الإسلام أو المنذورة صح، ولا نقول: قد ms145 لزمه بالدخول إحرام، وحجة ~~الإسلام لازمة بالشرع، فيؤدي إلى تعذر الواجب. ولا دم عليه على ظاهر ما ~~نقله جرب عنه، لأنه قد أتى بالواجب. ### ||| الحكم الثاني # أن لا يحارب أهلها، لتحريم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قتالهم " لا يحل لامرئ مسلم يؤمن ~~بالله واليوم الآخر أن يسفك بها دما". فإن بغوا على أهل العدل قاتلهم على ~~بغيهم إذا لم يمكن ردهم عن البغي إلا بالقتال PageV01P193 # لأن قتال أهل البغي من حقوق الله التي لا تجوز أن تضاع، وكونها محفوظة في ~~حرمه أولى من أن تكون مضاعة فيه. فأما إقامة الحدود في الحرم فينظر، فإن ~~أتاها في الحرم أقيمت عليه فيه. وإن أتاها في الحل ثم لجأ إلى الحرم لم يقم ~~عليه فيه وألجئ إلى الخروج منه بترك مبايعته ومشاراته. فإذا خرج أقيمت ~~عليه. ### ||| الحكم الثالث # تحريم صيده9 على المحرمين والمحلين من أهل الحرم ومن ~~طرأ عليه. فمن أصاب من صيده وجب عليه في الحل ضمنه، لأنه قاتل في الحرم، ~~ونقل ابن مسور عنه لا يضمنه، وهكذا لو رمى من الحل صيدا في الحرم ضمنه لأنه ~~مقتول في الحرم. ولو صيد في الحل قتل ما كان مؤذيا من السباع وحشرات الأرض. # فإن وقف طائر على غصن شجرة أصلها في الحرم والغصن في الحل فقتله محل في ~~الحل، ففي ضمانه روايتان نقلهما ابن منصور. ### ||| الحكم الرابع # تحريم قطع الشجر ~~الذي أنبته الله تعالى فيه، ولا يحرم قطع ما غرسه الآدميون، كما لا يحرم ~~فيه ذبح الأنيس من الحيوان. ولا يجوز أن يرعى حشيش الحرم. قال في رواية ~~الفضل " لا يجتش من حشيش الحرم". ويضمن الشجرة الكبيرة ببقرة، والصغيرة ~~بشاة، والغصن من كل واحدة منهما بسقط من ضمان أصلها، ولا يكون ما استخلف من ~~قطع الأصل مسقطا لضمان الأصل. PageV01P194 ### ||| الحكم الخامس # أن يمنع من خالف دين الإسلام من ذمي أو معاهد أن يدخل ~~الحرم، لا مقيما ولا مارا به، قال في رواية ابن منصور " ليس لليهودي ~~والنصراني أن يدخل الحرم " فقد منع ms146 منه. فإن دخل مشرك عزر إذا دخله بغير ~~إذن ولم يستبح به قتله، فإن دخله بإذن لم يعزر وأنكر على الآذن له ولم ~~يستبح به قتله، وعزر إن اقتضت حاله التعزير، وأخرج منه المشرك آمنا. وإن ~~أراد مشرك دخول ليسلم فيه منع منه حتى يسلم قبل دخوله. وإذا مات مشرك في ~~الحرم حرم دفنه فيه، ودفن في الحل، فإن دفن في الحرم نقل إلى الحل، إلا أن ~~يكون قد بلي فيترك كما ترك فيه أموات الجاهلية. قال أحمد في رواية أبي ~~طالب: " فضلت مكة بغير شيء: يصلي فيها أي ساعة شاء من ليل أو نهار، ولا ~~يقطع الصلاة فيها شيء، تمر المرأة بين يدي الرجل، ومن دخل كان آمنا، ~~والصيد". فأما سائر المساجد فهل يجوز أن يؤذن لهم في دخولها؟ على روايتين ~~إحداهما: جواز ذلك، ما لم يقصدوا بالدخول استبذالها بأكل ونوم، فإن قصدوا ~~ذلك منعوا. والثانية: لا يجوز أن يؤذن لهم بحال. ### || فأما الحجاز # فقال الأصمعي: ~~سمي حجازا لأنه حجز بين تهامة ونجد، فما سوى الحرم منه مخصوص من سائر ~~البلاد بأربعة أحكام: أحدها: أن لا يستوطنه مشرك من ذمي ولا معاهد. # قال أحمد في رواية بكر بن محمد - وقد سأله عن قول النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - PageV01P195 # " أخرجوا المشركين من بلاد العرب" قال: " إنما الجزيرة موضع العرب، وأما ~~الموضع الذي يكون فيه أهل السواد والفرس فليس هي جزيرة العرب". وقال أيضا ~~في رواية عبد الله في حديث النبي - صلى الله عليه وسلم - " لا يبقى دينان ~~بجزيرة العرب " وتفسيره: ما لم يكن في يد فارس والروم". وقال في رواية ~~حنبل" قال: عمر: جزيرة العرب - يعني المدينة وما والاها، لأن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - أوصى بإجلاء اليهود منها، فليس لهم أن يقيموا بها". PageV01P196 # وقد روى عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود عن عائشة رضي الله عنها ~~قالت " كان آخر ما عهد به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: لا ~~يجتمع في جزيرة العرب دينان". ms147 وأجلى عمر أهل الذمة عن الحجاز وضرب لمن قدم ~~منهم: تاجرا، أوصانعا مقام ثلاثة أيام يخرجون بعد انقضائها. فجرى به العمل ~~واستقر عليه الحكم. فيمنع أهل الذمة من استيطان الحجاز، ويمكنون من دخوله، ~~ولا يقيم الواحد منهم في موضع منه أكثر من ثلاثة أيام، فإذا انقضت صرف عن ~~موضعه، وجاز أن يقيم في غيره ثلاثة أيام ثم يصرف إلى غيره فإن أقام بموضع ~~منه أكثر من ثلاثة أيام عزر، ولم يكن معذورا. ### ||| الحكم الثاني # أن لا يدفن فيه ~~أمواتهم وينقلون - إن دفنوا فيه - إلى غيره، لأن دفنهم فيه مستدام فصار ~~كالاستيطان إلا أن تبعد مسافة إخراجهم منه، ويتغيروا إن أخرجوا، فيجوز لأجل ~~الضرورة أن يدفنوا فيه. ### ||| الحكم الثالث # أن لمدينة الرسول - صلى الله عليه ~~وسلم - حرما محظورا بين لابتيها، يمنع من تنفير صيده، وعضد شجره، كحرمة ~~مكة. ### ||| الحكم الرابع # أرض الحجاز اختص رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~بفتحها، وهي تنقسم قسمين. أحدها: صدقات رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~التي أخذها بحقيه. فإن حقيه: خمس الخمس من الفيء والغنائم. # وأما أربعة أخماس الفيء مما لم يوجف المسلمون عليه بخيل ولا ركاب، فهل ~~كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وحقا له؟ على وجهين: أحدهما: كان حقا ~~له، ذكره أبو بكر في كتاب التفسير في سورة الحشر فقال: " جعل الله ما لم ~~يوجف عليه المسلمون بخيل ولا ركاب لرسوله خاصة دون غيره , ولم يجعل فيه ~~لأحد نصيبها". PageV01P197 # واحتج بحديث عمر " كانت أموال بني النضير مما أفاء الله على رسوله - صلى ~~الله عليه وسلم - مما لم يوجف عليه بخيل ولا ركاب، فكانت لرسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - خالصا دون المسلمين". والوجه الثاني: لم يكن له بل كان ~~لجماعة المسلمين، لأن أحمد قال في رواية أبي النضر وبكر بن محمد " والفيء ~~ما صولح عليه من الأرضين، وجزية الرؤوس وخراج الأرضين. فهذا لكل المسلمين ~~فيه حق الغني والفقير على ما يرى الإمام". واحتج بأن عمر فرض لأمهات ~~المؤمنين في الفيء ولأبناء المهاجرين ms148 سوى العطاء. وكان يقول " لكل أحد في ~~المال حق إلا العبد". فلو كان النبي - صلى الله عليه وسلم - خالصا لجعله ~~بعد موته لأهل الديوان، كما جعل سهمه من خمس الغنيمة لأهل الديوان. فقال في ~~رواية أبي طالب " سهم الله والرسول واحد، فلما مات رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - جعله أبو بكر في الكراع والسلاح، فهو كما جعله لا يجوز صرف ~~لغير أهل الديوان". وكذلك قال في رواية صالح " يعزل الخمس، يعطاه أهل ~~الديوان: المقاتلة دون غيرهم ". والوجه لهذا القائل قول النبي - صلى الله ~~عليه وسلم -: " ما لي مما أفاء الله عليكم إلا الخمس، والخمس مردود عليكم". ~~وهذا ينبغي أن يكون له أربعة أخماسه. فما صار إليه من أحد هذين الحقين فقد ~~رضخ منه لبعض أصحابه وترك باقيه لنفقته وصلاته ومصالح المسلمين، وحكمه حين ~~مات عنه: أنها صدقات محرمة الرقاب مخصوصة المنافع، مصروفة الارتفاع في وجوه ~~المصالح العامة. # وما سوى صدقاته فإنها أرض عشر لا خراج عليها لأنها ما بين مغنوم، ملك على ~~أهله، أو متروك أسلم عليه أهله، وكلا الأرضين معشور لا خراج عليه. PageV01P198 # فأما الصدقات رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فمحصورة، لأنه قيض عنها ~~فتعينت. هي ثمانية: أحدها: - وهي أول أرض ملكها رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - من وصية مخيريق اليهودي من أموال بني النضير. حكى الواقدي: أن ~~مخيريق اليهودي كان حبرا، من علماء بني النضير، آمن برسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - يوم أحد. وكانت له سبعة حوائط. وهي: المثبت، والصافية، والدلال ~~وحسنى، وبرقة، والأعواف، والمشربة، فوصى بها لرسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - حين أسلم، وقاتل معه بأحد حتى قتل. والصدقة الثانية: أرضه من أموال ~~بني النضير بالمدينة، وهي أول أرض أفاءها الله على رسوله فأجلاهم عنها وكف ~~عن دمائهم، وجعل لهم ما حملته الإبل من أموالهم إلا الحلقة - وهي السلاح - ~~فخرجوا بما استقلت إبلهم إلى الشام وخيبر، وحصلت أرضهم لرسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - إلا ما كان ليامين بن عمير، وأبي سعد ms149 بن وهب فإنهما أسلما ~~قبل المظفر، فأحرز لهما إسلامهما جميع أموالهما، ثم قسم رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - ما سوى الأرضين من أموالهم. PageV01P199 # على المهاجرين الأولين، دون الأنصار، إلا سهل بن حنيف، وأبا دجانة سماك ~~بن خرشة، فإنهما ذكرا فقرا، فأعطاهما رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~وحبس الأرض على نفسه، فكانت من صدقاته، يضعها حيث شاء، وينفق منها على ~~أزواجه ثم سلمها عمر إلى العباس وعلي رضوان الله عليهما ليقوما بمصرفها. ~~الصدقة الثالثة، والرابعة، والخامسة: ثلاث حصون من خيبر، وكانت خيبر ثمانية ~~حصون: ناعم، والقموص، وشق، والنطاة، والكتيبة، والوطيح، والسلالم، وحصن ~~الصعب ابن معاذ، وكان أول حصن فتحه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - منها: ~~ناعم، ثم القموص، ثم حصن الصعب بن معاذ. # وكان أعظم حصون خيبر، وأكثرها مالا وطعاما وحيوانا، ثم شق، والنطاة ~~والكتيبة، فهذه الحصون الستة فتحها عنوة، ثم افتتح الوطيح والسلالم، وهو ~~آخر فتوح خيبر صلحا بعد أن حاصرهم، وملك من هذه الحصون الثمانية: ثلاثة ~~حصون: الكتيبة، والوطيح، والسلالم. أما الكتيبة: فأخذها بخمس الغنيمة. وأما ~~الوطيح، والسلالم: فهما مما أفاء الله عليه؛ PageV01P200 # لأنه فتحهما صلحا. فصارت هذه الحصون الثلاثة - بالفيء والخمس - خالصة ~~لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - فتصدق بها، وكانت من صدقاته. وقسم ~~الخمسة الباقية بين الغانمين. الصدقة السادسة: النصف من فدك. كان رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - لما فتح خيبر خافه أهل فدك فصالحوه، بسفارة محيصة ~~بن مسعود، على أن له نصف أرضهم ونخيلهم. يعاملهم عليه، ولهم النصف الآخر، ~~فصار النصف منها من صدقاته معاملة مع أهلها بالنصف من ثمرها، والنصف خالص ~~لهم إلى أن أجلاهم عمر فيمن أجلاه من أهل الذمة عن الحجاز. فقوم فدك، ودفع ~~إليهم نصف القيمة فبلغ ذلك ستين ألف درهم، وكان الذي قومها مالك ابن ~~التيهان، وسهل بن أبي حثمة، وزيد بن ثابت، فصار نصفها من صدقات رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، ونصفها لكافة المسلمين. ومصرف النصفين الآن سواء. ~~الصدقة السابعة: الثلث من وادي القرى، لأن ms150 ثلثها كان لبني عذرة وثلثاها ~~لليهود. فصالحهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على نصفه، فصارت أثلاثا: ~~ثلثها لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - هو صدقاته - وثلثها لبني عذرة إلى ~~أن أجلاهم عمر عنها، وقوم حقهم منها، فبلغت قيمته تسعين ألف دينار، فدفعها ~~عمر إليهم وقال لبني عذرة، " إن شئتم أديتم نصف ما أعطيت ونعطيكم النصف" ~~فأعطوا خمسة وأربعين ألف دينار، فصار نصف الوادي لبني عذرة، والنصف الآخر: ~~الثلث منه في صدقات رسول الله صلى الله عليه وسلم، والسدس منه لكافة ~~المسلمين، ومصرف جميع النصف سواء. # الصدقة الثامنة: موضع بسوق بالمدينة يقال له مهزور، استقطعها مروان من ~~عثمان. فتقم بها الناس عليه. فاحتمل أن يكون إقطاع تصمين لا تمليك، ليكون ~~له في الجواز وجه. فأما ما سوى هذه الصدقات الثمانية من أمواله، فذكر ~~الواقدي: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ورث من أبيه عبد الله أم ~~أيمن الحبشية، واسمها بركة خمسة أجمال، وقطعة من غنم، ومولاه شقران وابنه ~~صالحا، وقد شهد بدرا. وورث من أمه آمنة بنت وهب دارها التي ولد فيه بمكة في ~~شعب بني علي. وورث من زوجته خديجة بنت خويلد دارها بمكة بين الصفا والمروة ~~خلف سوق العطارين، وأموالا. وكان حكيم بن حزام اشترى لخديجة زيد بن حارثة ~~من سوق عكاظ بأربعمائة درهم، فاستوهبه منها رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- وأعتقه، وزوجه أم أيمن، فولدت منه أسامة بعد النبوة. PageV01P201 # فأما الداران، فإن عقيل بن أبي طالب باعهما بد هجرة النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - فلما قدم مكة في حجة الوداع قيل له " في أي دورك تنزل؟ فقال: ~~وهل ترك لنا عقيل من رباع؟ ". فلم يرجع فيما باعه عقيل لأنه غلب عليه، ومكة ~~دار حرب يومئذ، فأجرى عليه حكم المستهلك، فخرجت هاتان الداران من صدقاته. ~~وأما دور أزواج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالمدينة، فكان قد أعطى ~~كل واحدة منهن الدار التي تسكنها، ووصى بذلك لهن. فإن كان ذلك منه عطية ~~تمليك فهي خارجة من ms151 صدقاته، وإن كان عطية سكنى وإرفاق فهي من جملة صدقاته، ~~وقد دخلت اليوم في مسجده، ولا أحسب منها ما هو خارج عنه. وأما رحل رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - فقد روى هشام الكلبي عن عوانة بن الحكم: أن ~~أبا بكر دفع إلى علي آلة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ورايته وحذاءه، ~~وقال " ما سوى ذلك صدقة". وروى الأسود عن عائشة رضي الله عنها قالت " توفي ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ودرعه مرهونة عند يهودي بثلاثين صاعا من ~~شعير". # فإن كانت درعه المعروفة بالبتراء، فقد حكي أنها كانت على الحسين بن علي ~~يوم قتل فأخذها عبيد الله بن زياد، فلما قتل المختار عبيد الله صار الدرع ~~إلى عباد بن الحصين الحنظلي ثم إن خالد بن عبد الله بن خالد بن أسيد - وكان ~~أمير البصرة - سأل عبادا عنها فجحده إياها فضربه مائة سوط، فكتب إليه عبد ~~الملك بن مروان " مثل عباد لا يضرب، إنما كان ينبغي أن تقتله، أو تعفو عنه" ~~ثم لم يعرف للدرع خبر بعد ذلك. وأما البردة فقد حكى أبان بن تغلب: أن رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - كان وهبها لكعب بن زهير فاشتراها منه معاوية، ~~فهي التي تلبسها الخلفاء. وحكى ضمرة بن ربيعة: أن هذه البردة كان رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - أعطاها أهل أيلة فأخذها منهم عبد الله بن خالد بن ~~أبي أوفى وكان عاملا عليهم من قبل مروان ابن محمد وبعث بها إليه، وكانت في ~~خزانته حتى أخذت بعد قتله. وقيل: اشتراها أبو العباس السفاح بثلاثمائة ~~دينار. وأما القضيب فهو من تركة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - التي هي ~~صدقة، وقد صار مع البردة من شعار الخلفاء. PageV01P202 # وأما الخاتم فلبسه بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أبو بكر، ثم ~~عمر، ثم عثمان، حتى سقط من يد عثمان في بئر فلم يجده. فهذا شرح ما قبض عنه ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من صدقته وتركته، والله أعلم. ### || فأما ما ms152 عدا الحرم والحجاز من سائر البلاد # فقد تقدم ذكر انقسامه إلى أربعة أقسام: قسم ~~أسلم عليه أهله، فيكون أرض عشر. وقسم أحياه المسلمون فيكون ما أحيوه ~~معشورا. وقسم ملكه الغانمون عنوة ولم يقفه الإمام فيكون معشورا. وقسم صولح ~~عليه أهله فيكون فيئا يوضع عليه الخراج. وهذا القسم ينقسم قسمين: أحدهما: ~~ما صولحوا على زوال ملكهم عنه فلا يجوز بيعه، ويكون الخراج أجرة لا تسقط ~~بإسلام أهله، ويؤخذ من المسلم والذمي. # والثاني: ما صولحوا على بقاء ملكهم عليه فيجوز بيعه، ويكون الخراج أجرة ~~يسقط بإسلامهم، ويؤخذ من أهل الذمة، ولا يؤخذ من المسلمين. ### || فأما أرض السواد # فإنها أصل، حكم الفقهاء فيها يعتبر به نظائرها. وهذا السواد مشاربه إلى ~~سواد كسرى الذي فتحه المسلمون على عهد عمر من أرض العراق، سمي سوادا، ~~لسواده بالزروع والأشجار؛ لأنه حين تاخم جزيرة العرب التي لا زرع فيها ولا ~~شجركانوا إذا خرجوا من أرضهم إليه ظهرت لهم خضرة الزروع والأشجار. وهم ~~يجمعون بين الخضرة والسواد في الاسم. فسموا خضرة العراق سوادا. وسمي عراقا ~~لاستواء أرضه حين خلت من جبال تعلو وأودية تنخفض. والعراق في كلام العرب: ~~هو الاستواء. وحد السواد طولا: من حديثة الموصل إلى عبادان، وعرضا: من عذيب ~~القادسية إلى حلوان. يكون طوله مائة وستين فرسخا، وعرضه ثمانين فرسخا، إلا ~~قريات قد سماها أحمد، وذكرها أبو عبيد: الحيرة، وبانقيا، وأرض بني صلوبا، ~~وقرية أخرى كانوا صلحا. وروى أبو بكر بإسناده عن عمر أنه كتب: " إن الله عز ~~وجل قد فتح ما بين العذيب إلى حلوان". PageV01P203 # وأما العراق: فهو في العرض مستوعب لعرض السواد عرفا، ويقصر عن طوله في ~~العرض، لأن أوله في شرقي دجلة: العلث. وعن غربيها حربي، ثم يمتد إلى آخر ~~أعمال البصرة من جزيرة عبادان، فيكون طوله مائة وخمسة وعشرين فرسخا، يقصر ~~عن طول السواد بخمسة وثلاثين فرسخا، وعرضه: ثمانون فرسخا كالسواد. قال ~~قدامة بن جعفر: يكون ذلك مكسرا عشرة آلاف فرسخ. # وطول الفرسخ: اثنا عشر ألف ذراع بالذراع المرسلة، ويكون بذراع المساحة ms153 – ~~وهي الذراع الهاشمية – تسعة آلاف ذراع فيكون ذلك إذا ضرب في مثله، وهو ~~تكسير فرسخ في فرسخ: اثنين وعشرين ألف جريب وخمسمائة جريب، فإذا ضرب ذلك في ~~عدد الفراسخ، وهي عشرة آلاف فرسخ: بلغ مائتي ألف ألف وخمسة وعشرين ألف ألف ~~جريب، يسقط منها بالتخمين مواضع التلال والآكام، والسباخ، والآجام ومدارس ~~الطرق والمحاج، ومجاري الانهار، وعراص المدن والقرى، ومواضع الأرحاء، ~~والبريدات والقناطر، والشاذروانات، والبيادر، ومطارح القصب وأتانين الآجر ~~وغير ذلك، وهو خمسة وسبعون ألف ألف جريب يصير الباقي من مساحة العراق: مائة ~~ألف ألف جريب، وخمسين وسبعون ألف ألف جريب يراح منها النصف، ويكون النصف ~~مزروعا مع ما في الجميع من المخل والكرم والأشجار. وإذا أضاف إلى ما ذكره ~~قدامة في مساحة العراق ما زاد عليها من بقية السواد وهو خمسة وثلاثون فرسخا ~~كانت الزيادة على تلك المساحة السواد قدر ربعها، فيصير ذلك مساحة جميع ما ~~يصلح للزرع والغرس من أرض السواد. وقد يتعطل منه بالعوارض والحوادث ما لا ~~ينحصر. وقد قيل: إنه كانت بلغت مساحة السواد أيام كسرى مائة ألف ألف وخمسين ~~ألف ألف جريب، وكان مبلغ ارتفاعه مائتي ألف ألف وسبعة وثمانين ألف درهم، ~~بوزن سبعة، لأنه كان يأخذ عن كل جريب درهما وقفيزا، وأن مساحة ما كان يزرع ~~على عهد عمر رضي الله عنه، من اثنين وثلاثين ألف ألف جريب إلى ستة وثلاثين ~~ألف ألف جريب. وإذا ثبت بما ذكرنا حدود السواد ومساحة مزارعه فالكلام في ~~فتحه وفي حكمه. # فمذهب أحمد أنه فتح عنوة، ولم يقسمه عمر بين الغانمين، بل وقفه على كافة ~~المسلمين وأقره في يد أربابه بخراج ضربه على رقاب الأرضين، يكون أجرة لها، ~~يؤدي في كل عام وإن لم PageV01P204 # يتقدر مدتها، لعموم المصلحة فيها؛ فصارت بوقفه لها في حكم ما أفاء الله ~~على رسوله من خيبر والعوالي وأموال بني النضير، ويكون المأخوذ من خراجها ~~مصروفا في المصالح، ولا يكون فيئا مخموسا لأنه قد خمس. ويكون مقصورا على ~~الجيش لأنه وقف على جميع المسلمين. فصار ms154 مصرفه في عموم مصالحهم التي منها ~~أرزاق الجيش، وتحصين الثغور، وبناء القناطر والجوامع، وكرى الأنهار، وأرزاق ~~من تعم بهم المصلحة: من القضاة، والفقهاء، والقراء، والأئمة، والمؤذنين، ~~فإن فضل بعد ذلك كان لجميع المسلمين ممن تعم بهم المصلحة ومن لا مصلحة فيه ~~الغني والفقير. وقد نص أحمد على أن عمر لم يقسمه بين الغانمين، بل وقفه. ~~فقال في رواية حنبل " أوقفه عمر ولم يقسمه. أشار علي عليه بذلك". وقال في ~~رواية المروزي " إنما أذهب إلى أن السواد وقف وعمر ترك السواد ولم يقسمه". ~~وقال في رواية الميموني " السواد إنما أوقف على من يجئ من المسلمين". وقال ~~في رواية الأثرم، وذكر قوله تعالى (والذين جاءوا من بعدهم) " تأول عمر في ~~ذلك أن الأرض موقوفة لمن يجئ من بعدهم". فقد نص على أنها وقف، وأن عمر لم ~~يقسمها. فعلى هذا لا يجوز بيع رقابها، رواية واحدة. وهل يجوز شراؤها، مع ~~منعه لبيعها؟ على روايتين: إحداهما لا يجوز نقل ذلك الجماعة فقال: في رواية ~~المروزي - وقد سئل عن الرجل يريد الخروج إلى العراق، ترى له أن يبيع داره؟ ~~فلم ير له، وقال " لا يفعل". وقال في رواية إسحاق - وقد سئل عن الرجل يكون ~~له الضيعة في السواد، وعليه دين، هل يبيع ويقضي دينه؟ قال " لا ". وقال ~~أيضا في رواية محمد بن أبي حرب مثل ذلك. وقال في رواية حنبل" السواد وقف، ~~ولا أرى بيع أرضه، ولا شراءه". فقد نقل الجماعة عنه المنع على الإطلاق. # والوجه فيه: أنها وقف عمر على جماعة المسلمين، فجرى مجرى سائر الوقوف وقد ~~روى عن عمر منع الشراء. PageV01P205 # فروى أبو بكر بإسناده عن الشعبي قال " جاء عتبة بن فرقد إلى عمر فقال: ~~إني اشتريت أرضا من أرض السواد، قال: من أهلها؟ قال: نعم. قال: فإن أهل ~~الكوفة هم أهلها". وبإسناده عن ابن عباس " أنه كره شراء أرض الحيرة. وقال ~~في رواية يعقوب بن بختان - وقد سأله عن سكنى بغداد وشراء دورها - فقال " ~~اشتر منه ولا تسكنه أو غلة بقيمة ولا ms155 يعجبني بيعه". وقال أيضا في رواية أبي ~~طالب " يشتري ما يفوته ويقوت عياله، فما كان أكثر من القوت فلا". وقد أجاز ~~شراء ما تدعو الحاجة إليه منها، وقد أطلق القول في رواية مهنا، وقد سأله عن ~~بيع أرض السواد وشراءهان فرخص في الشراء ولم يعجبه البيع. فقد أطلق جواز ~~الشراء. وهذا محمول على قدر الحاجة، لأن للحاجة تأثيرا في جواز البيع، ~~بدليل بيع العرايا، وهو بيع رطب بتمر خرصا يجوز للحاجة إلى شراء الرطب، وإن ~~كان ممنوعا منه في غير العرايا وكذلك قرض الخبز والعجين يجوز للحاجة وإن ~~كان ممنوعا منه في غير القرض ويكون الشراء في الحقيقة استنقاذا وفداء وغير ~~ممتنع أن يقع العقد على وجه الاستنقاذ فيكون جائزا في حق الباذل للعوض. وهو ~~ممنوع منه في حق الأخذ، بدليل فك الأسير من أيدي المشركين بعوض بذله لهم، ~~فهو استنقاذ وفداء مباح من جهة الباذل، ومحرم من جهة الأخذ، وهما سواء، لأن ~~ذلك العقد مع مشرك، وكذلك هاهنا سبب عقد الخراج مع المشركين. وكذلك إذا شهد ~~شاهد على رجل أنه أعتق عبده أو طلق زوجتهن ورد الحاكم شهادته ثم إنه ابتاع ~~العبد من سيده وخالع المرأة من زوجها بعوض بذله له، فإن ذلك جائزا في حق ~~الباذل؛ لأنه استنقاذ للعبد من الرق، وللزوجة من وطء الحرام، وهو عوض محرم ~~من جهة السيدة والزوج لأنه يأخذه بغير حق، كذلك البائع للسواد. # وقد قال أحمد في رواية المروزي " والحجة في شراء السواد ولا يباع فعل ~~أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، رخصوا في شراء المصاحف، وكرهوا ~~بيعها". وهو استحسان، وليس هو القياس. وقد قيل: إن المعارضة عليها ~~بالابتياع على طريق الإجارة. فتكون إجارة بلفظ البيع. وهذا لا يخرج عن قول ~~أحمد؛ لأنه أجاز الشراء وكره البيع، ولأنه خص ذلك بالحاجة ولو كان على وجه ~~الإجارة لم يمنع البائع منه، ولم يخصه بالحاجة. فأما المعاوضة على ما أحدث ~~فيها من بناء وغراس، فالمنصوص عنه المنع في رواية يعقوب بن بختان، في ms156 الرجل ~~يقول: أبيعك النقض ولا أبيعك رقبة الأرض " هذا خداع ". وكذلك قال في رواية ~~المروزي إنه قالف " أبيعك النقض ولا أبيعك رقبة الأرض هذا خداع". فقد منع ~~من ذلك، وقد قيل فيه: إنه إنما منع من ذلك لأن البناء في العادة يكون من ~~تراب الأرض الوقف فلم يصح بيعه لأنه من جملته. PageV01P206 # وتعليل أحمد خلاف هذا، لأنه قال " هذا خداع". ومعناه أنه يجعل بيع البناء ~~طريقا إلى أخذ العوض عن الأرض، والذرائع معتبرة في الأصول. ونقل بكر بن ~~محمد عن أبيه عن أحمد جواز بيع ذلك، فقال في رجل يري أن يوصي بثلث داره " ~~أكره أن يبتاع الدار من أرض السواد، إلا أن يباع البناء فإذا كان لرجل مال ~~وله دار نظر إلى بناء الدار والمال، فيكون قد أخرج ثلثه من المال والبناء". ~~وهذه الرواية أصح؛ لأن البناء ملكه لم يدخل في الوقت فجاز له بيعه. فإن مات ~~وعليه دين، وفي يده من أرض السواد، فهل فهل يتعلق قضاء دينه من إجازة ذلك؟ ~~ظاهر كلام أحمد معلوم. قال المروزي وفوزان: مات أبو عبد الله وعليه خمسة ~~وأربعون دينارا دين، فأوصى أن يعطي من الغلة واللفظ لفوزان. ولفظ المروزي " ~~أن يعطي من الغلة حتى يستوفي حقه". والوجه فيه: أنها في يده بعقد الإجارة، ~~والإجارة لا تبطل بموت المستأجر، فكانت باقية على حكم ملكه. # فإن كان عليه صداق أوجبه أو دين في ذمته، فسلم الأرض لمن له عليه الدين، ~~جاز نص عليه في رواية محمد بن حرب في رجل لامرأته عليه صداق، ولهي ضيعة ~~بالسواد فقال " امرأته وغيرها سواء، يسلمها إليها". ومعناه: أنه يسلم حقه ~~في منافعها، ولم يرد تسليم رقبتها. قال في رواية المروزي " أنت تعلم أن هذه ~~لا تقيمنا، وإنما آخذها على الاضطرار " يعني غلة السواد. وقال " التجارة ~~أحب إلي من غلة بغداد، إنما أختار التجارة على غلة بغداد، لأن الأصل فيه ~~أنها وقف، وقد تداولتها أيدي السلاطين وغيرهم بالبيع والإقطاع، ورفع أيدي ~~القوم الذين أقرهم عمر فيها، والخراج الذي ms157 هو أجرة، فجعلها في حكم ~~المغصوبة. ومن أصله: الزرع في الأرض المغصوبة لصاحب الأرض، ولهذا اختار ~~النقل منها لأنها مال ضرورة، والضرورة قد تؤثر في الإباحة. قال في رواية ~~المروزي - وقد سئل: هل ترى أن يرث الرجل من أرض السواد؟ فقال: " وهل يجري ~~فيه ميراث؟ ". وإنما منع من الميراث لأنه يقتضي نقل الملك في الرقبة، ولا ~~يجوز ذلك. وقال في رواية حنبل " السواد وقفة عمر على المسلمين، فمثله كمثل ~~رجل أوقف دارا على رجل وعلى ولده لاتباع، وهي للذي أوقف عليه، فإذا مات ~~الموقوف عليه كان لولده بالوقف الذي أوقف الأب لا يباع، وكذلك السواد لا ~~يباع، ويكون الذي بعده يملك منه مثل الذي ملك قبله على ذلك، وقفا أبدا ~~للمسلمين". فقد بين أنه يكون في يد الوارث على ما كان في يده. PageV01P207 # فأما إجارة أرض السواد فيجوز نص عليه في رواية محمد بن أبي حرب والأثرم " ~~إذا استأجر أرضا من أرض السواد ممن هي في يده بأجرة معلومة فجائز، ويكون ~~فيها مثلهم " وذلك لأنها في يده بحكم الإجارة، لأن الخراج أجرة عنها، فجاز ~~أن يؤجر ما استأجره كسائر الأشياء. ونقل الجماعة عنه في بيوت مكة " لا ~~تكري". # قال في رواية حنبل " مكة إنما كره إجارة بيوتها لأنها عنوة، دخلها رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - بالسيف، فلما كانت عنوة كان المسلمون فيها ~~شرعا واحدا، وعمر إنما ترك السواد لذلك". وقال في رواية أبي طالب والأثرم ~~وابن منصور " لا تكرى بيوت مكة". فقد منع من إجارة بيوت مكة مع كونها عنوة. ~~والفرق بينها وبين أرض السواد: أن الفاتح لأرض السواد - وهو عمر - أذن في ~~إجارتها، وهو أن ضرب الخراج على من انتفع بها وهو أجرة عنها والفاتح لمكة - ~~وهو النبي - صلى الله عليه وسلم - أذن في الانتفاع بها من غير أجرة فقال " ~~مكة مناخ لا تباع رباعها ولا تؤجر بيوتها". فإن قيل: فإذا كان الخراج أجرة ~~فلم سماه أحمد صغارا؟. وقد قال في رواية حنبل، وقد سئل عن شراء الضياع ms158 ~~والمساكن بالسواد فقال " مالك يؤدي الخراج، وهو الصغار " قيل: لما روى أبو ~~بكر بإسناده عن أبي عياض أن عمر ابن الخطاب قال " لا تشتروا من رقيق أهل ~~الذمة شيئا، فإنهم أهل خرج، ولا من أراضيهم، ولا يقر أحدكم بالصغار في عنقه ~~وقد نجاه الله منه". فسماه صغارا. وبإسناده عن عمر قال: " إنكم على شريعة ~~حسنة من دينكم، ما لم تشاركوا الكفار في صغارهم وقد نجاكم الله من ذلك". ~~وبإسناده عن رجل من جهينة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " من ~~أقر بالطسق بعد إذ أنقذه الله منه فعليه لعنة الله والملائكة والناس ~~أجمعين". وبإسناده عن عبد الله بن عمرو قال " سأخبركم من المرتد على عقبيه: ~~رجل أسلم فحسن إسلامه، ثم هاجر فحسنت هجرته ثم جاهد فحسن جهاده، ثم عمد إلى ~~نبطي بيده أرض فأخذها غرسها وورقها، ثم أقبل عليها يعمرها وترك جهاده، فذلك ~~المرتد على عقبيه". ولأنه قد أخذ شبها من الجزية، وهو أنه لا يبتدأ به ~~المسلم، وإنما يبتدأ به الكفار ولأنه يلحق بمال الفيء. قال في رواية إسحاق، ~~وقد سئل عن الرجل يستأجر أرضا من أرض السواد فقال: " يزارع رجلا أحب إلى من ~~أن استأجر أرضا". # إنما اختار أحمد المزارعة على الإجارة لأن الإجارة أخذ عوض عن المنفعة، ~~وقد منع من المعاوضة عليها، والمزارعة هي بذل عوض منفعة العامل، فلهذا ~~اختاره على الإجارة. PageV01P208 ### | فصل في إحياء الموات، واستخراج المياه # ومن أحيى مواتا ملكه بإذن الإمام وغير إذنه. # والموات: ما لم يكن عامرا، ولا حريما لعامر وإن كان متصلا بعامر. وقد قال ~~على بن سعيد: قلت لأحمد " يجعل للأرض حد من القرية حد من القربة في القرب ~~والبعد؟ فقال: قد روى عن الليث بن سعد غلوة ونحوه، ولا أدري ما هذا؟. فقد ~~أنكر قول الليث في اعتباره بعد الموات من العمارة بهذه المسافة. ويستوي في ~~إحياء الموات بعده من العامر هذه المسافة وغيرها. وقد قال أحمد، في رواية ~~أبي الصقر - وقد سئل عن رجل أحيى أرضا ميتة، ms159 وأحيى آخر إلى جنب أرضه قطعة ~~أرض، وبقيت بين القطعتين رقعة، فجاء رجل، فدخل بينهما على الرقعة هل لهما ~~أن يمنعاه؟ فقال " ليس لهما أن يمنعاه، إلا أن يكونا أحيوها". وقال أيضا في ~~رواية على بن سعيد " إذا كانت أرض بجنب المدينة أو القرية، فإذا لم يكن في ~~أخذها ضرر على أحد فهي لمن أحياها". وقال رواية يوسف بن موسى " الميتة التي ~~لم يملكها أحد تكون في البرية، وإن كانت بين القرى فلا ". وهذا محمول على ~~أنها حريم لعامر، أو متعلق بمصلحته. وصفة الإحياء فيما يراد للسكنى - ~~حيازتها ببناء حائط، ولا يشترط فيه تسقيف البناء. PageV01P209 # وفيما يراد للزرع والغرس أحد شيئين: إما حيازتها بحائط، أو سوق الماء ~~إليها إن كانت يبسا، أو حبسه عنها إن كانت بطائح، لأن إحياء اليبس بسوق ~~الماء إليه، وإحياء البطائح بحبس الماء عنها حتى يمكن زرعها وغرسها. ولا ~~يقوم جمع التراب المحيط بها حتى يصير حاجزا بينها وبين غيرها مقام الحائط. ~~ولا يشترط فيه حرثها، وهو يجمع إثارة المعتدل، وكسح المستعلي، وطم المنخفض. # وقد قال أحمد في رواية على بن سعيد، " الإحياء لا يكون إلا بأن يحوط ~~عليها، فإن كرب حولها لم يستحق بذلك حتى يحوط" وقال " الإحياء من احتاط ~~حائطا أو احتفر بئرا ومن احتاط يمنع الناس والدواب فهي له، زرع فيها أو لم ~~يزرع، ومن حفر بئرا فحريمه خمسة وعشرون ذراعا، فلم يجعل جمع التراب بالكوب ~~إحياء، واشترط الحائط أو حصول مائها. وكذلك قال في رواية عبد الله " ~~والإحجار ليس بشيء إلا أن يرفعه بحائط" وكذلك قال في رواية أحمد بن أبي ~~عبيدة في أرض سبخة لا رب ضرب عليها الناس، فقال: " هل بني عليها حائط؟.فقيل ~~له: فقال: لا، إلا أن يبني عليها حائطا". وقال في رواية إسحاق " والأرض ~~الموات إنما يكون إحياؤها بأن يعمل فيها أو يحفر، ويبني فيكون بهذا أحياها، ~~ولا يكون بالزرع أحياها". وقد روى أبو بكر بإسناده عن جابر بن عبد الله عن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - " من ms160 احتاط حائطا على أرض فهي له". فظاهر ~~هذا: أنه يملكها بالحائط ولم يعتبر التسقيف في ذلك ولا الحرث، كما قال " من ~~قتل قتيلا فله سلبه" ولأن الموات هو الذي لا منفعة فيه. وإذا أحاط عليها ~~حائطا انتفع بها بجبر وطيج وجمع الماشية فخرج بذلك عن حكم الموات. فإن أقام ~~عليها بعد الإحياء من قام بزرعها وحراثتها كان المحيي مالكا للأرض، والمثير ~~مالكا للعمارة، فإن أراد مالك الأرض بيعها جاز، وإن أراد مالك العمارة ~~بيعها فقياس المذهب أنه يجوز له بيع العمارة التي هي الإثارة، سواء كان ~~فيها أعيان قائمة: كشجر أو زرع أو لم يكن. ويكون الأكار شريكا في الأرض ~~بعمارته لأنه قد قال في الغاصب " إذا كانت له آثار في العين كان شريكا بها ~~". PageV01P210 # ونقل ابن المنصور عنه كلاما يدل على أنه لا يجوز بيع ذلك، فقال" قلت ~~لأحمد: الأكار يريد أن يخرج من الأرض فيبيع الزرع؟ قال: لا يجوز بيعه حتى ~~يبدو صلاحه. قلت: فيبيع عمل يديه وما عمل في الأرض وليس فيها زرع؟ قال: لم ~~يجب له بعد شيء، إنما يجب بعد التمام". # وإذا تحجر على موات كان أحق بإحيائه من غيره. فإن تغلب عليه من أحياه كان ~~المحيي أحق به من المتحجر. فلو أراد المتحجر على الأرض بيعها قبل إحيائها ~~لم يجز على ظاهر كلام أحمد، لأنه قال في رواية على بن سعيد " فإن كرب حولها ~~لم يستحق بذلك حتى يحوط". وقوله " لم يستحق بذلك" يعني لم يستحق الملك، ~~وإذا لم يملك لم يصح البيع. فإن تحجر وساق الماء ولم يحرث فقد ملك الماء ~~وما يحري فيه من الموات وحريمه، ولم يملك ما سواه من المحجور. وما أحياه من ~~الموات معشور لم يجز أن يضرب عليه الخراج، سواء سقي بماء الخراج أو بماء ~~العشر. PageV01P211 # وقد قال أحمد في رواية أبي الصقر في أرض موات في دار الإسلام لا يعرف لها ~~أرباب ولا للسلطان عليها خراج، أحياها رجل من المسلمين فقال " من أحيا أرضا ~~في غير أرض ms161 السواد فإن للسلطان عليه فيها العشر، ليس له غير ذلك". فأما ~~حريم ما أحياه من الموات لسكنى أو زرع فهو معتبر بما لا تستغني عنه تلك ~~الأرض من طريقها وفنائها ومجرى مائها شربا ومغيضا. وقد قال في رواية يوسف ~~بن موسى " الميتة التي لا يملكها أحد تكون في البرية في الصحراء وإن كانت ~~بين القرى فلا ". وقال في رواية على بن سعيد) وقد سأله عن مروج قرب ~~المدينة: هي مرعى للدواب، ويقبر فيها الموتى ولا يعرف لها مالك؟ قال: " لا ~~أرى أن يتعرض لها إذا كانت بهذه الحال قريبة من القرية". وقال بعد ذلك، إذا ~~لم يكن في أخذها ضرر على أحد فهي لمن أحياها". وإذا انحسر نهر عظيم " ~~كدجلة، والفرات، النيل، عن موضع لم يجز لأحد أن يجيبه. نص عليه في رواية ~~ابن إبراهيم في دجلة يصير في وسطها جزيرة فيها طرق فحازها قوم، فقال: " كيف ~~يحوزونها وهي شيء لا يملكه أحد؟ ". وقال في رواية يوسف بن موسى " إذا نضب ~~الماء عن جزيرة إلى فناء رجل، هل يبني فيها؟ قال: لا، فيه ضرر على غيره، ~~لأن الماء يرجع". # وقد مصرت الصحابة البصرة على عهد عمر، وجعلوها خططا لقبائل أهلها، فجعلوا ~~عرض PageV01P212 # شارعها الأعظم - وهو مربدها - ستين ذراعا، وجعلوا عرض ما سواه من الشوارع ~~عشرين ذراعا، وجعلوا عرض كل زقاق سبعة أذرع، وجعلوا وسط كل خطة رحبة فسيحة ~~لمربط خيلهم وقبور موتاهم، وتلاصقوا في المنازل، ولم يفعلوا ذلك إلا عن رأي ~~اتفقوا عليه أو نص لا يجوز خلافه. وقد روى بشير بن كعب عن أبي هريرة أن ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: " إذا تدارأ القوم في طريق فلنجعل ~~سبعة أذرع". وروى أبو حفص العكبري بإسناده عن ابن عباس عن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - قال: " إذا اختلفتم في الطريق فاجعلوها سبعة أذرع". وفي لفظ ~~آخر" إن اختصمتم في سكة فاجعلوها سبعة أذرع ثم ابنوا". وبإسناده عن عبادة ~~بن الصامت قال: " إن من قضاء رسول الله - صلى الله عليه ms162 وسلم - أنه قضى في ~~الرحبة تكون بين الناس ثم يريد أهلها البناء فيها قضى أن يترك الطريق منها ~~سبعة أذرع، قال: وكانت تلك الطريق تسمى الميتاء". قال أحمد في رواية ~~المروزي وقد سئل عن حديث النبي - صلى الله عليه وسلم - " إذا اختلف في ~~الطريق جعل سبعة أذرع" فقال " هذا قبل أن تقع الحدود، فإذا وقعت لم يحرك ~~منها شيء". وقال في رواية ابن القاسم " إذا كان الطريق واسعا كبيرا مثل هذه ~~الشوارع؟ قال " نعم وهو أشد ممن أخذ حدا بينه وبين شريكه، لأن هذا يأخذ من ~~واحد، وهذا لجماعة المسلمين ". وقال أبو عبد الله بن بطة " إنما قال ذلك ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأرباب الأموال المشتركة إذا احتاجوا إلى ~~قسمتها واختلفوا في مبلغ حاجاتهم، ومقدار مسالكهم، فقال " اجعلوها سبع ~~أذرع" وذلك كله قبل إخراج الطريق، فأما إذا طرقت الطرق وعرفت المعالم فقد ~~حرم الله على واضع أن يضع فيها شيئا إلا باتفاق الأئمة". ### || فأما المياه المستخرجة # فتنقسم ثلاثة أقسام: مياه أنهار، ومياه آبار، ~~ومياه عيون فأما الأنهار فتنقسم ثلاثة أقسام: PageV01P213 ### ||| أحدها: # ما أجراه الله تعالى من كبار الأنهار التي لم يحفرها الآدميةن، ~~كدجلة والفرات فماؤها يتسع للزرع والشاربة، وليس يتصور فيه قصور عن كفاية، ~~ولا ضرورة تدعو فيه إلى تنازع او مشاحة، فيجوز لمن شاء من الناس أن يأخذ ~~منها لضيعته شربا، ويجعل من ضيعته إليها مغيضا، لا يمنع من أخذ شربا، ولا ~~من جعل لضيعته إليها مغيضا. والقسم الثاني: ما أجراه الله من صغار الأنهار، ~~فهو على ضربين: أحدهما: أن يعلو ماؤها وإن لم يحبس، ويكفي جميع أهله منغير ~~تقصير، فيجوز لكل ذي أرض من أهله أن يأخذ من شراب أرضه في وقت حاجته، لا ~~يعارض بعضهم بعضا، فإن أراد قوم أن يستخرجوا منه نهرا يساق إلى أرض أخرى أو ~~يجعلوا إليه مغيض نهر آخر، نظر. فإن كان ذلك مضرا بأهل هذا النهر منع منه، ~~وإن لم يضر لم يمنع. ### ||| والضرب الثاني: # أن يستقل ماء هذا النهر ms163 ولا يعلو للشرب ~~إلا بحبسه، فللأول من أهل هذا النهر أن يبتدئ يسقي أرضه حتى ي يكتفي منه ~~ويرتوي ثم يحبسه من يليه حتى يكون آخرهم أرضا آخرهم حبسا. وقدر ما يحبسه من ~~الماء في أرضه إلى الكعبين، فإذا بلغ الكعبين أرسل إلى الآخر، نص عليه أحمد ~~في رواية أبي طالب، فقال: " والماء الجاري فإنه يحبس على أهل العوالي بقدر ~~الكعب " وذكر الحديث. ولفظ الحديث ما رواه أبو بكر بإسناده عن ثعلبة بن أبي ~~مالك القرظي قال: " قضى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في مهزور، وادي ~~بني قريظة، أن الماء إلى الكعبين، بحبس الأعلى على الأسفل. وبإسناده عن ~~عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " قضى في ~~سيل مهزور أن يمسك حتى يبلغ الكعبين، ثم يرسل الأعلى على الأسفل". PageV01P214 # وقد قيل: إن هذا القضاء ليس على العموم في الأزمان والبلدان وإنما هو ~~مقدر بالحاجة وقد تختلف من خمسة أوجه: أحدها: باختلاف الأرضين: فمنها ما ~~يرتوي باليسير، ومنها ما لا يرتوي إلا بالكثير. والثاني: باختلاف ما فيها ~~فإن للزروع من الشرب قدرا، وللنخيل والأشجار قدرا. والثالث: باختلاف الصيف ~~والشتاء، فإن لكل واحد من الزمانين قدرا. والرابع: باختلافهما في وقت الزرع ~~وقبله، فإن لكل واحد من الوقتين قدرا. والخامس: باختلاف حال الماء في بقائه ~~وانقطاعه، فإن المنقطع يؤخذ منه ما يدخر والدائم يؤخذ منه ما يستعمل. ~~فلاختلافه من هذه الأوجه الخمسة لا يمكن تحديده بما قضاه رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - في أحدها، فكان معتبرا بالعرف والعادة المعهودة عند ~~الحاجة إليه. فإن سقى رجل أرضه أو فجرها فسال من مائها إلى أرض جاره فغرقها ~~لم يضمن، لأنه تصرف في ملكه بمباح. وقد نص أحمد على نظير هذا في رواية ~~البرزاطي " إذا أحرق حقلا له فتعدت النار إلى زرع غيره فأحرقه لا ضمان ~~عليه". فإن اجتمع في ذلك الماء سمك كان الثاني أحق بصيده من الأول، لأنه في ~~ملكه. وقد أومأ أحمد إلى هذا ms164 في رواية موسى بن أبي موسى " في رجل اشترى ~~قطعة باقلي أو شيء ونضب الماء عنها فصار فيها سمك فالسمك لصاحب الأرض" فحكم ~~به لصاحب الأرض دون مشتري الباقلي. ### ||| القسم الثالث من الأنهار ما احتفر # الآدميون من الأرضين، فيكون النهر بينهم ملكا مشتركا، كالرزق المشترك بين ~~أهله لا يختص أحدهم بملكه. فإن كان النهر بالبصرة يدخله ماء المد فهو يعم ~~جميع أهله لا يتشاحون فيه لاتساع مائه. # ولا يحتاجون إلى حبسه لعلوه بالمد إلى الحد الذي يرتوي منه جميع الأرضين، ~~ثم يغيض بعد الارتواء في الجزائر، وإن كان بغير البصرة من البلاد التي لا ~~مد فيها ولا يجوز، فالنهر مملوك لم احتفره من أرباب الأرضين، لا حق لغيره ~~في شرب منه ولا مغيض، ولا يجوز PageV01P215 # لواحد من أهله أن ينفرد بنصب عبارة عليه، ولا يرفع ماءه لإدارة رحى فيه ~~إلا عن مرضاة جميع أهله لاشتراكهم فيما هو ممنوع من التفرد به، كما لا يجوز ~~في الزقاق المشترك أن يفتح إليه بابا، ولا أن يخرج إليه جناحا، ولا يمد ~~عليه ساباطا إلا بمراضاة جميعهم. وقد أومأ أحمد إلى هذا في رواية صالح: في ~~نهر ماؤه عيون يخرج من فوق بقدر، والماء لأقوام معروفين لهم أرضون فوق ~~المدينة وتحتها، والذين لهم ضياع فوق يحتاجون أن يأخذوا الماء لأرضهم من ~~فوق المدينة، وفيه ضرر على أخل المدينة فقال " إن كان هذا النهر لهؤلاء ~~القوم احتفروه وأنفقوا عليه، فليس لأحد أن يمنعهم وإن كان هذا شيئا لم يزل ~~هكذا فللقوم أن يمنعوهم حتى يستوي الناس في شربهم على ما كانوا ". فقد نص ~~على أنه إن كان ملكهم كان على ما اتفقوا عليه، وليس لأحدهم أن ينفرد بشيء ~~منه. ثم لا يخلو حال شربهم من ثلاثة أقسام: أحدها: أن يتناوبوا عليه ~~بالأيام إن قلوا، وبالساعات إن كثروا، أو يقترعوا إن تنازعوا في الترتيب، ~~حتى يستقر لهم ترتيب الأول ومن يليه، ويختص كل واحد منهم بنوبته لا يشاركه ~~غيره فيها، ثم هم من بعده على ما ms165 ترتبوا. القسم الثاني: أن يقتسموا فم ~~النهر عرضا بخشبة تأخذ جانبي النهر، ويقسم فيها حفور مقدرة بحقوقهم من ~~الماء يدخل في كل حفرة منها قدر ما استحقه صاحبها من خمس أو عشر، يأخذه إلى ~~أرضه على الأدوار. # القسم الثالث: أن يحتفر كل واحد منهم في وجه أرضه شربا مقدرا لهم ~~باتفاقهم، أو على مساحة أملاكهم، ليأخذ من ماء النهر قدر حقه ما يساوي فيه ~~جميع شركائه، ثم ليس له أن يزيد فيه، ولا لهم أن ينقصوا منه، ولا لواحد ~~منهم أن يؤخر شربا مقدما، كما ليس لواحد من أهل الزقاق المشترك أن يؤخر ~~بابا مقدما، وليس له أن يقدم شربا مؤخرا وإن جاز أن يقدم بابا مؤخرا، لأن ~~في تقديم الباب المؤخر اقتصارا على بعض الحق، وفي تقديم الشرب المؤخر زيادة ~~على الحق. ### || فأما حريم # هذا النهر المحفور في الموات فقد قيل: إنه يعتبر بعرف ~~الناس في مثله، وكذلك القناة، لأن القناة نهر باطن، وقيل: حريم النهر ملقى ~~طينه، وقيل: حريم القناة ما لم يسح على وجه الأرض وكان جامعا للماء، وقد ~~قلنا في حريم ما أحياه لسكنى أو زرع: إنه معتبر بما لا تستغني عنه تلك ~~الأرض في طريقها وفنائها. PageV01P216 ### || فأما الآبار # فلحافرها ثلاثة أحوال: أحدها: أن يحفرها للسابلة فيكون ماؤها ~~مشتركا، وحافرها فيه كأحدهم. قد وقف عثمان - رضي الله عنه - بئر رومة، وكان ~~يضرب بدلوه مع الناس، ويشترك في مائها. إذا اتسع شرب وسقي الزروع. فإن ضاق ~~عنهما كان شرب الحيوان أولى به من الزرع، ويشترك فيها الآدميون والبهائم. ~~فإن ضاق عنهما كان الآدميون بمائها أحق من البهائم. الحالة الثانية: أن ~~يحتفرها لارتفاقه بمائها، كالبادية إذا انتجعوا أرضا وحفروا فيها بئرا ~~لشربهم وشرب مواشيهم كانوا أحق بمائها ما أقاموا عليها في نجعهم، وعليهم ~~بذل الفضل من مائها للشاربين دون غيرهم، فإذا ارتحلوا عنها صارت البئر ~~سابلة، فتكون خاصة الابتداء عامة الانتهاء، فإن عادوا إليها بعد الارتحال ~~عنها كانوا وغيرهم فيها سواء، ويكون السابق إليها أحق بها. وقد قال ms166 أحمد في ~~رواية حرب: في رجل سبق إلى أفواه قني عتيبة، فذهب رجل فسبق إلى بعض أفواه ~~القني من فوق أو من أسفل. فقال الأول: ليس لك ذلك لأني سبقت إلى أصل ~~القناة. # فقال أحمد: " إذا لم يكن ملكا لأحد فلكل إنسان ما سبق إليه". الحالة ~~الثالثة: أن يحتفرها لنفسه ملكا، فما لم يبلغ بالحفر إلى استنباط مائها لم ~~يستقر ملكه عليها. وقد قال أحمد في رواية حرب " وإذا حفر بئرا ولم يبلغ ~~الماء لا يكون إحياء". فقد نص على أنه لا يملكها بذلك. وإذا استنبط ماءها ~~استقر ملكه عليها لكمال الإحياء إلا أن يحتاج إلى طي فيكون طيها من كمال ~~الإحياء واستقرار الملك. ثم يصير مالكها لها ولحريمها وهو خمسة وعشرون ~~ذراعا سواء كانت بئر الناضح أو بئر العطن، وهي التي تحفر لشرب الماشية. وإن ~~سبق إلى بئر قد حفرها الكفار صارت ملكا له بالسبق إليها بحريمها، وهو خمسون ~~ذراعا. وقد نص على هذا التقدير في رواية حرب فقال " من حفر بئرا فله خمسة ~~وعشرون ذراعا حاليها حريمها، والعادية خمسون ذراعا وهي التي لم تزل ". قيل ~~له: فبئر الزرع؟ قال: " ما أدري كيف هذا؟ قد روى ثلاثمائة واختلفوا". PageV01P217 # ويمكن أن يحمل هذا التقدير على قدر حاجته، وهو ممر الناضح، فأما إن كان ~~دون حاجته فيكون له قدر الحاجة، والعدد المذكور. والوجه في هذا التقدير: ما ~~روى أبو بكر الخلال في كتاب المزارعات والشرب قال: حدثنا الحسن - يعني ابن ~~علي بن عفان - قال أخبرنا يحيى - يعني ابن آدم - قال أبنأنا أبو حماد عن ~~سفيان بن سعيد عن إسماعيل بن أمية عن الزهري عن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - قال: " حريم البئر العادي خمسون ذراعا، وحريم البئر الهدئ خمسة ~~وعشرون ذراعا". قال: وقال سعيد بن المسيب " حريم قليب الزرع ثلاثمائة ~~ذراع". قال: وقال الزهري " للعين وما حولها ثلاثمائة ذراع". ورواه أبو ~~الحسن الدارقطني في سننه بإسناده عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة قال: قال ~~رسول الله - صلى الله عليه ms167 وسلم - " حريم البئر البدئ خمسة وعشرون ذراعا، ~~وحريم البئر العادي خمسون ذراعا، وحريم العين السائحة ثلاثمائة ذراع، وحريم ~~الزرع ستمائة ذراع". # فقد رواه متصلا بهذه الزيادة. وإذا استقر ملكه على البئر وحريمها فهو أحق ~~بمائها، ولا تصير ملكا له قبل استقائه وحيازته، وإنما يملكه بعد الحيازة، ~~وله أن يمنع من التصرف بالاستيفاء، فإن عاليه واستقى لم يسترجع فيه. وقد نص ~~على هذا في رواية أبي طالب، فقال: " لا يبيع نقع ماء البئر لأحد، فإن ~~استقاه وحمله فما باع يكون لعمله". وقال أيضا في رواية حرب في رجل له ماء ~~في قناة أو شرب في قناة، وليست له أرض " فلا يبيع ذلك الماء، نهى النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - عن بيع الماء، ولا نعلم أحدا رخص في بيع الماء إلا ~~الحسن". PageV01P218 # وقال أيضا في رواية أبي طالب - وقد سئل عن الرجل يكون له الماء فيشارك ~~صاحب الأرض كرهه، وقال " نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن بيع ~~الماء". فقد منع من المشاركة بالماء لصاحب الأرض، كما منع من بيعه لأنه في ~~التحقيق معاوضة عن الماء. ونقل يعقوب بن بختان عن أحمد " أنه سئل عن رجل له ~~أرض والآخر ماء، فقال صاحب الأرض لصاحب الماء: سق ماءك إلى أرضي والزرع ~~بيننا قال: لا بأس به". فقد أجاز الشركة في الماء. وهذا يدل على أنه ملك له ~~قبل استقائه وحيازته، وأنه يحدث على ملكه في قراره قبل حيازته كما إذا ملك ~~معدنا ملك ما فيه قبل أخذه، وعلى هذا يجوز قبل استقائه، ومن استقاه بغير ~~إذنه استرجع منه، لأنه لما جاز الشركة فيه دل على أنه قد ملكه، وإذا لا يصح ~~أن يشارك فيما لا يملك. واختار أبو بكر رواية يعقوب، وقال " الشركة ليست ~~بيعا، وإنما نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن بيع الماء". وفي هذا بعد، ~~لأن الشركة معاوضة بالماء لما يحصل له من الزرع، وهذا يختص البيع. وإذا ثبت ~~اختصاصه بها فله أن يسقي مواشيه وزرعه ونخله وأشجاره، فإن ms168 لم يفضل عن ~~كفايته فضل لم يلزمه بذل شيء منه إلا لمضطر على نفس. وقد نقل ابن منصور عن ~~أحمد أنه سئل عن رجل جاء إلى أهل أبيات فاستسقاهم فلم يسقوه حتى مات ~~فأغرمهم عمر الدية. # قيل لأحمد: تقول به؟ قال: " أي شيء أقول؟ بقوله عمر، قيل له: تقول به ~~أنت؟ قال: إي والله". ونقل الفضل بن زياد عنه - وقد سئل يوقف الماء؟ فقال " ~~إن كان شيئا قد استجازوه بينهم جاز ذلك". وهذا محمول على وقف المكان الذي ~~فيه الماء الدائم، لأن الماء لا ينتفع به إلا بإتلافه، فلا يصح وقفه. فإن ~~فضل منه بعد كفايته فضل لزمه بذله للشاربة من أرباب المواشي والحيوان. وهل ~~يلزم بذله للزرع؟ على روايتين: إحداهما: لا يلزمه نص عليه في رواية حرب في ~~رجل في داره بستان صغير، وفي البستان قناة تجري في الأرض التراب يستقى من ~~تلك القناة دلي، ويستقي بستانه، قال: " لا، إلا أن يكون له شرب من القناة، ~~أو هو شريك، لايسقي إلا بإذن أهله". فقد منعه من ذلك، وهذا يدل على أنه لا ~~يلزم صاحب الماء بذل الفضلة. والثانية: يلزمه، قال في رواية إسحق بن ~~إبراهيم: في القوم يكون لهم نهر يشربون فيه، فيجئ رجل فيغرس على جنب النهر ~~بستانا، فقال " إذا كان يفضل عن شرب القوم ولا يضر بغير فلا بأس أن يستقي ~~البستان". PageV01P219 # فقد أجاز له أن يستقي بستانه من نهر مملوك بغير إذنهم، وهذا يدل على أنه ~~يلزمه بذله للزرع. وقال في رواية البرزاطي: في الرجل يكون له الأرض وليس له ~~فيها بئر ولجاره بئر في أرضه، فليس له أن يمنع جاره أن يسقي أرضه من بئره. ~~والأولى أصح وأنه يلزمه بذله للحيوان دون الزروع. وقد روى أبو هريرة أن ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: " من منع فضل الماء ليمنع به فضل ~~الكلأ منعه الله رحمته يوم القيامة". وبذل هذا الفضل معتبر بأربعة شروط: ~~أحدها: أن يكون في قرار البئر، فإن استقاه لم يلزمه بذله ms169 وجاز بيعه. ~~والثاني: أن يكون متصلا بكلأ يرعى، فإن لم يقرب من الكلأ لم يلزمه بذله. ~~والثالث: أن لا تجد المواشي غيره من. # فإن وجدت غيره مباحا لم يلزمه بذله، وعدلت المواشي إلى الماء المباح، فإن ~~كان غيره من الموجود مملوكا لزم كل واحد من مالكي الماءين أن يبذل فضل مائه ~~لمن ورد إليه، فإذا اكتفت المواشي بفضل أحد الماءين سقط الفرض عن الآخر. ~~والرابع: أن لا يكون عليه في ورود المواشي إلى مائه ضرر يلحقه في زرع ولا ~~ماشية. فإن لحقه بورودها ضرر منعت، وجاز للرعاة استقاء فضل الماء لها. فإذا ~~كملت هذا الشروط الأربعة لزمه بذل الفضل وحرم عليه أن يأخذ له ثمنا، ويجوز ~~الإخلال بهذا الشروط أن يأخذ ثمنه إذا باعه مقدرا بكيل أو وزن، ولا يجوز ~~بيعه جزافا ولا مقدرا بري ماشية أو زرع. وقد قال أحمد في رواية أبي طالب " ~~فإن كان له بئر في داره فيؤديه بالدخول عليه فلا بأس أن يمنع أو يكون له ~~مكان يجعل فيه ماء السماء فلا يمنعه إذا خاف العطش". فقد أسقط عنه بذل ~~الفضل إذا كان يتأذى ببذله. وقال في رواية صالح " ليس له أن يمنع الفضل لمن ~~دعا إذا لم يجدوا ما يسقون، يكون قد منعهم شيئا مباحا". فقد اعتبر أن لا ~~يجدوا غير ذلك في الماء وإذا احتفر بئر فملكها وحريمها، ثم احتفر بئرا فنصب ~~ماء الأولة إليها وغار فيها، أو احتفرها لطهور فتغير بها ماء الأولة، فهل ~~تطم عليه أم لا؟ فيه روايتان: إحداهما: تقر عليه ولا يمنع منها نص عليه في ~~رواية أبي على الحسن بن ثواب: في رجل حفر في داره بئرا فجاء آخر فحفر في ~~داره بئرا إلى جنب الحائط الذي بينه وبينه فجرت هذه البئر ماء تلك البئر ~~فقال " لا تسد هذه من أجل تلك، هذه في ملك صاحبها". PageV01P220 # فقيل له: إن أبا يوسف كان يقول: تسد هذه، فإن رجع ماء تلك البئر لم تفتح، ~~وإن لم يرجع الماء فتحت فلم ms170 ير ذلك. وكذلك قال في رواية محمد بن يحيى ~~المتطبب: في الرجل يحفر إلى جنب قناة الرجل فقال: " ليس له أن يمنعه إذا ~~جاوز حريمه، أضر به ن أو لم يضر". والثانية: لا يقر عليها وتطم عليه. # قال في رواية ابن منصور " لا يحفر بئرا إلى جنب بئره أو كنيفا إلى جنب ~~حائطه وإن كان في حده، قيل له: فيقدر أن يمنعه؟ قال: نعم". وإذا كان له ~~منعه اقتضى أن له طمها. وقد صرح به في رواية الميموني: فقال عن الشعبي: إنه ~~حدث في قاض قضى بين رجلين، لكل واحد منهما بستان إلى جنب صاحبه، فاحتفر ~~أحدهما في بستانه بئرا فساق ماء بئر جاره، فقضى أن تسد بئر هذا، فإن رجع ~~ماؤه فذاك، وإن لم يرجع كلف أن يخرج ما ألقى في بئر جاره، فقال الشعبي: ~~أصاب القضاء وأعجب أحمد قضاؤه، وهو اختيار أبي بكر ذكره أبو إسحاق في ~~تعاليقه، فقال: " إن كان الخلاء عمل قبل البئر كان صاحب البئر مفرطا في عمل ~~البئر، وإن كانت البئر قد عملت قبل الخلاء فأفسد الخلاء، ماء البئر وجب على ~~صاحب الخلاء إزالته". قال: ويعتبر البئر بأن يجعل في الخلاء نقط، ثم يعتبر ~~ماء البئر، فإن خرج ريح النفط في الماء علم أن فساد البئر من قبل الخلاء. ### || وأما العيون # فتنقسم ثلاثة أقسام: # أحدها: أن يكون مما أنبع الله تعالى ماءها ~~ولم يستنبطه الآدميون، فحكمها حكم ما أجراه الله تعالى من الأنهار، ولمن ~~أحيا أرضا بمائها أن يأخذ منه قدر كفايته، فإن تشاحوا فيه لضيقه روعي ما ~~أحيي بمائها من الموات، فإذا تقدم به بعضهم على بعض كان لأسبقهم إحياء أن ~~يستوفي منها شرب أرضه ثم لمن يليه، فإن قصر الشرب عن بعضهم كان نقصانه PageV01P221 # في حق الأخير، وإن اشتركوا في الإحياء على سواء ولم يسبق به بعضهم بعضا، ~~تحاصوا فيه: إما بقسمة الماء وإما بالمهايأة عليه. القسم الثاني: أن ~~يستنبطها الآدميون فتكون ملكا لمن استنبطها، ويملك معها حريمها وهو خمسمائة ~~ذراع" كأنه ms171 ذهب إليه. وكذلك في رواية إبراهيم بن هانئ في الرجل يحفر العين ~~إلى جنب عين الرجل قال: " يروى عن الزهري أنه قال: حريم العين خمسمائة ذراع ~~" كأنه ذهب إليه ليس له منعه. # وقد ذكرنا فيما تقدم حديث أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال ~~" حريم العي السائحة ثلاثمائة ذراع، وحريم الزرع ستمائة ذراع". ولمستنبط ~~هذه العين سوق مائها إلى حيث شاء، وكان ما جرى فيه ماؤه ملكا له وحريما ~~لها. القسم الثالث: أن يستنبطها الرجل في ملكه فيكون أحق بمائها كشرب أرضه، ~~فإن كان قدر كفايتها فلا حق له عليه فيها إلا لشارب مضطر، وإن فضل عن ~~كفايته وأراد أن يحيي بفضله أرضا مواتا فهو أحق به لشرب ما أحياه، وإن لم ~~يرده لموات أحياه لزمه بذله لأرباب المواشي دون الزروع كفضل ماء البئر، فإن ~~اعتاض عليه من أرباب الزروع جاز، وإن اعتاض عليه من أرباب المواشي لم يجز، ~~ولا يجوز لمن احتفر في البادية بئرا فملكها أو عينا استنبطها أن يبيعها. ~~وهذا على كلام أحمد في رواية أبي طالب " لا يبيع نقع ماء البئر لأحد، ولم ~~يفرق بين أن يحفرها في البادية أو في ملكه لنفسه وقد قيل: يجوز بيعها". ### | فصل في الحمي والإرفاق # وحمى الموات: هو المنع من إحيائه إملاكا، ليكون مستبقى الإباحة لنبت الكلأ، ورعي ~~المواشي، وقد حمى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالمدينة جبلا بالنقيع. ~~وقال " هذا حماي " وأشار بيده إلى القاع، وهو قدر ميل في ستة أميال، حماه ~~لخيل المسلمين من الأنصار والمهاجرين. وأما حمي الأئمة بعده: فإن عموا به ~~جميع الموات أو أكثره لم يجز، وإن حموا أقله لخاص من الناس، أو لأغنيائهم ~~لم يجز، وإن حموا لكافة المسلمين أو للفقراء والمساكين. PageV01P222 # فإنه لا يجوز حمي الأئمة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال في رواية ~~أبي الحارث " ويحمى الكلأ لإبل الصدقة، لأنه لله عز وجل ولرسوله صلى الله ~~عليه وسلم". وقال أيضا في رواية عبد الله " ليس لرجل أن ms172 يحمي أرضا لا ~~يملكها إلا ما كان لله عز وجل ولرسوله". # قال: ومعنى ما كان لله ولرسوله: فالإبل يحمل عليها في سبيل الله، أمر ~~رسول الله قال: ومعنى ما كان لله ولرسوله: فالإبل يحمل عليها في سبيل الله، ~~أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يحمي لما ينوبه، فأما ما سوى ذلك ~~فلا يحمى إلا من ملك أرضا لله أن يحميها". فقد منع أن يحمي الإنسان الموات ~~لحاجته، وأجاز ذلك للمسلمين، وبين أن ذلك لله ولرسوله، فيكون تقدير قول ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - " لا حمى إلا لله ولرسوله". فمعناه: لا حمى ~~إلا على مثل ما حماه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لمصالح كافة ~~المسلمين لا على مثل ما كانوا عليه في الجاهلية من تفرد العزيز منهم بالحمى ~~لنفسه. PageV01P223 # فإذا جرى على الأرض حكم الحمى استبقاء لمواتها، نظرت فيه. فإن كان لكافة ~~الناس تساوى فيه جميعهم من غني وفقير، ومسلم وذمي، في رعي كلئه لخيله ~~وماشيته. وإن خص به المسلمون اشترك فيه أغنياؤهم وفقراؤهم، ومنع منه أهل ~~الذمة. وإن خص به فقراء المسلمين منع منه الأغنياء وأهل الذمة. ولا يجوز أن ~~يخص به الأغنياء دون الفقراء، ولا أهل الذمة دون المسلمين. وإن خص به نعم ~~الصدقة أو خيل المجاهدين، لم يشركهم فيه غيرهم. ثم يكون الحمى جاريا على ما ~~استقر عليه من عموم وخصوص، فلو اتسع الحمى المخصوص لعموم الناس جاز أن ~~يشتركوا فيه لارتفاع الضرر على من خص به، ولو ضاق الحمى العام عن جميع ~~الناس، لم يجز أن يختص به أغنياؤهم. وفي جواز اختصاص فقرائهم احتمال. واذا ~~استقر حكم الحمي على أرض فأقدم عليها من أحياها ونقض حماها، نظرت. فإن كان ~~مما حماه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان الحمى ثابتا، والإحياء ~~باطلا. # وإن كان مما حمي الأئمة بعده احتمل وجهين: أحدهما: لا يقر، ويجري عليه ~~حكم الحمى، كالذي حماه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ويحتمل أن يقر ~~الإحياء ويكون حكمه أثبت من الحمى، ms173 لعموم قول النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~" من أحيا أرضا مواتا فهي له ". ولا يجوز لأحد من الولاة أن يأخذ من أرباب ~~المواشي عوضا عن مراعي موات أو حمى، لقوله - صلى الله عليه وسلم - " الناس ~~شركاء في ثلاث: الماء، والنار، والكلأ". ### || وأما الإرفاق # فهو من ارتفاق الناس ~~بمقاعد الأسواق وأفنية الشوارع، وحريم الأمصار، ومنازل الأسفار. فتنقسم ~~ثلاثة أقسام: قسم يختص الارتفاق فيه بالصحارى والفلوات. وقسم يختص الارتفاق ~~فيه بأفنية الأملاك. وقسم يختص بالشوارع والطرقات. أما القسم الأول: وهو ما ~~اختص بالصحارى والفلوات، كمنازل الأسفار وحلول المياه فذلك ضربان: أحدهما: ~~أن يكون لاجتياز السابلة واستراحة المسافرين فيه، فلا نظر للسلطان فيه ~~لبعده PageV01P224 # عنه وضرورة السابلة إليه. ويكون السابق إلى المنزل أحق بحلوله فيه من ~~المسبوق، حتى يرتحل إليه، لقوله - صلى الله عليه وسلم - " منى مناخ من سبق ~~إليها". فإن وردوه على سواء وتنازعوا فيه نظر في التعديل بينهم بما يزيل ~~تنازعهم، وكذلك البادية إذا انتجعوا أرضا طلبا لكلأ، وارتفاقا بالمرعى، ~~وانتقالا من أرض إلى أرض كانوا فيما تركوه، وارتحلوا عنه كالسابلة لا ~~اعتراض عليهم في تنقلهم ورعيهم. الضرب الثاني: أن يقصدوا بنزولهم بها ~~الإقامة بها والاستيطان لها؛ فللسلطان في نزولهم بها نظر يراعى فيه الأصلح، ~~فإن كان مضرا بالسابلة منعوا منها قبل النزول وبعده، وإن لم يضر بالسابلة ~~راعى الأصلح في نزولهم فيها أو منعهم منها ونقل غيرهم إليها، كما فعل عمر ~~حين مصر البصرة والكوفة نقل إلى كل واحدة من المصرين من رأى المصلحة فيه، ~~لئلا يجتمع فيه المسافرون، فيكون سببا لانتشار الفتنة وسفك الدماء، كما ~~يفعل في إقطاع الموات وما يرى. # فإن لم يستأذنوه حتى نزلوا فيه لم يمنعهم منه، كما لا يمنع من أحيى مواتا ~~بغير إذنه، ودبرهم بما يراه صلاحا لهم، ونهاهم عن إحداث زيادة من بعد إلا ~~عن إذنه. روى كثير بن عبد الله عن أبيه عن جده قال: " قدمنا مع عمر بن ~~الخطاب في عمرته سنة سبع عشرة، فكلمه أهل المياه في الطريق أن يبنوا ms174 منازل ~~فيما بين مكة والمدينة لم تكن قبل ذلك، فأذن لهم، واشترط أن ابن السبيل أحق ~~بالماء والظل". ### || القسم الثاني # وهو ما يختص بأفنية الدور والأملاك. نظرت، فإن ~~كان مضرا بأربابها منع المرتفق منها إلا أن يأذن بدخول الضرر عليهم ~~فيمكنوا، وإن كان غير مضر بهم، فهل يعتبر إذنهم؟ يحتمل أن يعتبر، لأن ~~الحريم مرفق، ولا حاجة بهم إليه، وكانوا وغيرهم سواء. وقد قال أحمد في ~~رواية إبراهيم بن هانئ: في الرجل يحفر العين حيث عين الرجل فقال " روي عن ~~الزهري أنه قال: حريم العيون خمسمائة ذراع" وكأنه ذهب إليه. قيل له: فإن ~~حفر على أكثر له التصرف فيما جاوز فناء غيره، ولم يعتبر إذنه. وقال في ~~رواية الحسن بن ثواب: فيمن حفر بئرا في فنائه فعطب رجل، يعني بها " لزمه". PageV01P225 # وهذا يدل على أنه ليس له التصرف فيما جاوز فناءه. وأما حريم المساجد ~~والجوامع، فينظر، فإن كان الارتفاق بها مضرا بأهل الجوامع والمساج منعوا ~~منه، ولم يجز للسلطان أن يأذن فيه، لأن المصلين بها أحق، وإن لم يكن مضرا ~~جاز ارتفاقهم بحريمها. وهل يعتبر فيه إذن السلطان؟ يخرج على الوجهين في ~~حريم الأملاك. وقد قال أحمد في رواية المروزي: في الرجل يحفر في فناء ~~المسجد، وفي وسط المسجد بئر لماء " ما يعجبني أن يحفر، وإن حفر تطم". ### || وأما القسم الثالث # وهو ما اختص بأفنية الشوارع والطرقات، نظرت، فإن كان مضرا ~~بالمجتازين لضيق الطريق منعوا منه، ولم يجز للسلطان أن يأذن فيه، وإن لم ~~يكن مضرا لسعة الطريق، فعلى روايتين: إحداهما: المنع. # قال في رواية إسحاق بن إبراهيم - وقد سئل عن الرجل يبيع على الطريق ~~الواسع: هل يشتري منه، إذا لم يجد حاجته عند غيره؟ فقال " ومن يسلم من هذا؟ ~~البيع على الطريق مكروه". وقال في موضع آخر " لا ينبغي أن يبيع على طريق ~~المسلمين شيئا " وكرهه جدا. والثانية: الجواز. قال في رواية حرب - وقد سئل ~~عن الرجل يسبق إلى دكاكين السوق، فقال " إذا لم يكن لأحد فمن سبق إليه ms175 غدوة ~~فهو له إلى الليل. قال: وكان هذا في سوق المدينة فيما مضى". وهل يفتقر ذلك ~~إلى السلطان؟ يخرج على الوجهين. وظاهر كلامه في رواية حرب أنه لم يعتبر ~~إذنه، وإذا اعتبرنا إذنه فهو موضع اجتهاد وهو كفهم عن التعدي، والاصلاح ~~بينهم عند التشاجر، وإجلاس من يجلسه، ومنع من يمنعه وتقديم من يقدم، كما ~~يجتهد في أموال بيت المال، وإقطاع الموات ولا يجعل السابق أحق على هذا ~~الوجه، وليس له أن يأخذ على الجلوس أجرا، وإذا تركهم على التراضي كان ~~السابق إلى المكان أحق من المسبوق، وإذا انصرف عنه كان هو وغيره فيه من ~~الغد سواء يراعي السابق فيه على ظاهر كلامه في رواية حرب، لأنه لو كان أحق ~~به أبدا خرج عن حكم الإباحة إلى حد الملك. وأما جلوس العلماء والفقهاء في ~~الجوامع والمساجد والتصدي للتدريس والفتيا، فعلى كل واحد منهم زاجر من نفسه ~~أن لا يتصدى لما ليس له بأهل، فيضل به المستهدي، ويزل به المسترشد، وقد جاء ~~الأثر " أجرؤكم على الفتيا أجرؤكم على جراثيم جهنم". وقد قال أحمد في رواية ~~صالح " ينبغي للرجل إذا حمل نفسه على الفتيا أن يكون عالما بوجود القرآن، ~~عالما بالأسانيد الصحيحة، عالما بالسنن". PageV01P226 # وقال في رواية حنبل " ينبغي لمن أفتى أن يكون عالما بقول من تقدم وإلا ~~فلا يفتى" وللسلطان فيهم من النظر ما يوجبه الاحتياط من إنكار وإقرار. # وإذا أراد من هو لذلك أهل أن يترتب في أحد المساجد لتدريس أو فتيا، نظر ~~في حال المسجد، فإن كان من مساجد المحال التي لا يترتب الأئمة فيها من قبل ~~السلطان لم يلزم من يترتب فيها لذلك استئذان السلطان في جلوسه، كما لا يلزم ~~أن يستأذنه فيها من يترتب للإمامة. وإن كان من الجوامع وكبار المساجد التي ~~يترتب للإمامة فيها بتقليد السلطان روعي في ذلك عرف البلد وعادته في جلوس ~~أمثاله فإن كان للسلطان في جلوس مثله نظر لم يكن له أن يترتب للجلوس في إلا ~~عن إذنه، كما لا يترتب للإمامة فيه ms176 إلا عن إذنه لأنه لا يفتات عليه في ~~ولايته، وإن لم يكن للسلطان في مثله نظر معهود لم يلزم استئذانه في ذلك ~~وكان كغيره من المساجد. وإذا ارتسم بموضع من جامع أو مسجد ثم قام عنه زال ~~حقه منه وكان السابق إليه أحق، لقوله تعالى (سواء العاكف فيه والباد) . ~~ويمنع الناس في الجوامع والمساجد من استطراق حلق الفقهاء والقراء، صيانة ~~لحرمتها وقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال " لا حمى إلا في ~~ثلاثة: ثلة البئر، وطول الفرس، وحلقة القوم ". فأما ثلة البئر فهو منتهى ~~حريمها، وأما طول الفرس فهو ما دار فيه بمقوده إذا كان مربوطا، وأما حلقة ~~القوم فهو استدارتهم في الجلوس للتشاور والحديث. وإذا تنازع أهل المذاهب ~~المختلفة فيما يسوغ فيه الاجتهاد، لم يعترض عليهم فيه، إلا أن يحدث بينهم ~~تنافر فيكفوا عنه. وإن حدث منازع ارتكب ما لا يسوغ في الاجتهاد كف عنه ومنع ~~منه. فإن أقام عليه وتظاهر باستواء من يدعو إليه لزم السلطان أن يحسمه ~~بزواجر السلطنة ليبين ظهور بدعته، ويوضح بدلائل الشرع فساد مقالته، فإن لكل ~~بدعة مستمعا، ولكل مستغو متبعا. ### | فصل في أحكام القطائع # قد نص أحمد على جواز القطائع التي أقطعها الصحابة، وتوقف عن قطائع غيرهم ~~من الأئمة. وإنما توقف في ذلك لأن منهم من أقطع ما لا يجوز إقطاعه. # فقال المروزي: سألت أبا عبد الله عن قطائع البصرة والكوفة؟ فقال: تجعل ~~قطائع أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مثل قطائع هؤلاء؟ ". PageV01P227 # وقال في رواية يعقوب بن بختان " ما أقطع هؤلاء فلا يعجبي". والقطائع ~~ضربان: إقطاع تمليك، فتنقسم فيه الأرض المقطعة ثلاثة أقسام: موات، وعامر، ~~ومعادن. ### || فأما الموات فعلى ضربين ### ||| أحدهما: # ما لم يزل مواتا على الدهر، لم يجز ~~فيه عمارة، ولا يثبت عليه ملك، وهذا الذي يجوز للسلطان أن يقطعه من يحييه ~~ويعمره، ويكون المقطع أحق الناس بإحيائه روى أبو بكر بإسناده عن ابن عمر " ~~أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أقطع الزبير حضر فرسه فأجرى فرسه ms177 حتى قام، ~~ثم رمى بسوطه، فقال: أعطوه من حيث بلغ السوط. ### ||| الضرب الثاني من الموات # ما كان عامرا فخرب وصار مواتا عاطلا، فذلك ضربان: أحدهما: ما كان جاهليا، كأرض ~~عاد وثمود، فهو كالموات الذي لم يثبت فيه عمارة، ويجوز إقطاعه، وقد قال ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " عادى الأرض لله ولرسوله، ثم هل لكم مني ~~". يعني أرض عاد. الضرب الثاني: ما كان إسلاميا حرى عليه ملك المسلمين ثم ~~خرب حتى صار مواتا عاطلا ففيه روايتان: إحداهما: لا يملك بالإحياء سواء عرف ~~أربابه أو لم يعرفوا. والثانية: إن عرف أربابه لم يملك بالإحياء، وإن لم ~~يعرف ملك بالإحياء. فإن قلنا بالرواية الأولى، وأنه لا يملك بالإحياء، فهل ~~يجوز إقطاعه؟ نظرت. فإن عرف PageV01P228 # أربابه لم يجز إقطاعه، وكانوا أحق ببيعه وإحيائه، وإن لم يعرفوا جاز ~~إقطاعه وكان الإقطاع شرطا في جواز إحيائه، ولا يستقر ملكه عليه قبل ~~الإحياء. فإن شرع في الإحياء صار بكمال الإحياء مالكا له، وإن أمسك عن ~~إحيائه لعذر ظاهر لم يعترض عليه فيه وأقر في يده إلى زوال عذره. وإن كان ~~غير معذور ومضى، زمان يقدر على إحيائه، قيل له: إما أن تحييه فيقر في يدك، ~~وإما أن ترفع يدك عنه ليعود إلى حاله قبل إقطاعه. # فإن تغلب على هذا الموات المستقطع متغلب فأحياه كان محييه أحق به من ~~مستقطعه. ### || وأما العامر فضربان ### ||| أحدهما: # ما تعين مالكوه، فلا نظر للسلطان فيه ~~إلا ما يتعلق بتلك الأرض من حقوق بيت المال إذا كانت في دار الإسلام، سواء ~~كانت لمسلم أو لذمي، فإن كان في دار الحرب التي لم يثبت للمسلمين عليها يد ~~فأراد الإمام أن يقطعها ليملكها المقطع عند الظفر بها جاز. وقد سأل تميم ~~الداري رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يقطعه عيون البلد الذي كان فيه ~~بالشام قبل فتحه ففعل. وسأله أبو ثعلبة الخشني أن يقطعه أرضا كانت بيد ~~الروم فأعجبه ذلك، وقال " ألا تسمعون ما يقول؟ فقال: والذي بعثك بالحق ~~لتفتحن عليك. فكتب له ms178 بذلك كتابا، وكذلك لو استوهب أحد من من سببها ~~وذراريها ليكون أحق به إذا فتحها جاز وصحت العطية منه مع الجهالة بها ~~لتعقلها بالأمور العامة. وقد روى الشعبي أن خريم بن أوس بن حارثة الطائي ~~قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن فتح الله عليك الحيرة فأعطني بنت ~~بقيلة. فلما أراد خالد صلح أهل الحيرة قال له خريم: أن رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - جعل لي بنت بقيلة، فلا تدخلها PageV01P229 # في صلحك، وشهد له بشير بن سعد ومحمد بن مسلمة فاستثناها من الصلح ودفعها ~~إلى خريم، فاشتريت منه بألف درهم، وكانت عجوزا". وإذا صح الإقطاع والتمليك ~~على هذا الوجه نظر حال الفتح، فإن كان صلحا حصلت الأرض لمقطعها وكانت خارجة ~~عن حكم الصلح بالإقطاع السابق. وإن كان الفتح عنوة كان المقطع والمستوهب ~~أحق بما استقطعه واستوهبه من الغانمين. وانظر في الغانمين، فإن علموا ~~بالإقطاع والهبة قبل الفتح فليس لهم المطالبة بعوض ما استقطع ووهب، وإن لم ~~يعلموا حتى فتحوا عاوضهم الإمام بما يستطيب به نفوسهم، كما يستطيب نفوسهم ~~عن غير ذلك من الغنائم. وقد قيل: لا يلزمه استطابة نفوسهم عنه ولا عن غيره ~~من الغنائم إذا رأى المصلحة في أخذه. ### ||| الضرب الثاني من العامر # ما لم يتعين مالكوه، ولم يتميز مستحقوه، فهو على ~~ثلاثة أقسام: أحدها: ما اصطفاه الأئمة لبيت المال من فتوح البلاد، إما بحق ~~الخمس فيأخذه باستحقاق في أهله له، وإما بأن يصطفيه باستطابة نفوس الغانمين ~~عنه، فقد اصطفى عمر من أرض السواد أموال كسرى وأهل بيته، وما هرب عنه ~~أربابه أو هلكوا، فكان مبلغ غلته تسعة آلاف ألف درهم، كان يصرفها في مصالح ~~المسلمين، ولم يقطع شيئا منها، ثم إن عثمان أقطعها لأنه رأى إقطاعها أوفر ~~لغلتها من تعطيلها، وشرط على من أقطعها إياه أن يأخذ منه حق الفيء، فكان ~~ذلك منه إقطاع إجارة لا إقطاع تمليك فتوفرت غلتها حتى بلغت على PageV01P230 # ما قبل خمسين ألف ألف درهم، فكان منها صلاته وعطاياه، ثم تناقلها الخلفاء ms179 ~~بعده فلما كان عام الجماجم سنة اثنين وثمانين في فتنة ابن الأشعث أحرق ~~الديوان، وأخذ كل قوم ما يليهم. فهذا النوع من العامر لا يجوز إقطاع رقبته، ~~لأنه قد صار باصطفائه لبيت المال الموضوع في حقوقه، والسلطان فيه بالخيار ~~على وجه النظر في الأصلح بين أن يستغله لبيت المال كما فعل عمر، وبين أن ~~يتخير له من ذوي القدرة والمكنة والعمل من يقوم بعمارة رقبته بخراج يوضع ~~عليه مقدرا، ويكون الخراج أجرة يصرف في وجوه المصالح إلا أن يكون مأخوذا ~~بالخمس فيصرف في أهل الخمس., فإن كان ما وضعه من الخراج مقاسمة على الشطر ~~من الثمار والزروع جاز في النخل. كما ساقى رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- أهل خيبر على النصف من ثمار النخل. وجوازه في الزروع معتبر باختلاف ~~الفقهاء في جواز المخابرة /، أجازها أجاز الخراج بها، ومن منع منها منع من ~~الخراج بها. وقيل بل يجوز الخراج بها وإن منع من المخابرة عليها، لما يتعلق ~~بها من عموم المصالح التي يتسع حكمها عن أحكام العقود الخاصة، ويكون العشر ~~واجبا في الزروع دون الثمرة، لأن الزرع ملك لزراعه، والثمرة ملك لكافة ~~المسلمين مصروفة في مصالحهم. ### || القسم الثاني من العامر # أرض الخراج، فلا يجوز إقطاع رقابها تمليكا، لأنها ~~تنقسم على ضربين. ضرب تكون رقابها وقفا وخراجها أجرة، وتمليك الوقف لا يصح ~~بإقطاع ولا بيع ولا هبة. وضرب تكون رقابها ملكا وخراجها جزية، فلا يصح ~~إقطاع مملوك لغير مالكه. فأما إقطاع خراجها فسنذكره من بعد إقطاع ~~الاستغلال. وقد قال أحمد في رواية الأثرم ومحمد بن حرب - وقد ذكر له أن ~~عثمان أقطع عبد الله وخبابا، فقال: " هذا يقوي أن أرض السواد ليست بملك من ~~هي في يده، فلو كان عمر ملكها من هي في يديه لم يقطع عثمان". فقد نص على ~~أنه لا يجوز إقطاع رقبة مملوكة. ### || القسم الثالث # ما مات عنه أربابه ولم يستحقه ~~وارث بفرض ولا تعصيب، فينتقل إلى بيت المال مصروفا في مصالح المسلمين، لا ~~على طريق الميراث. ms180 وقد قال أحمد في رواية المروزي " في الأرض الميتة إذا ~~كانت لم تملك، فإن ملكت فهي فيء للمسلمين، مثل من مات وترك مالا لا يعرف له ~~وارث". PageV01P231 # فقد بين أن الأرض التي مات أربابها ولا وارث لها هي فيء للمسلمين. فأما ~~ما انتقل إلى بيت المال في رقاب الأموال، فهل يصير وقفا بنفس الانتقال ~~إليه؟ على وجهين: أحدهما: قد صار وقفا بعموم مصرفه الذي لا يتخصص بجهة، ~~فعلى هذا لا يجوز بيعها. وهذا ظاهر كلام أحمد في أرض السواد " أنها صارت ~~وقفا بنفس الفتح". وكذلك قال في رواية حرب " أرض الخراج ما فتحها المسلمون ~~فصارت فيئا لهم وأضافوا عليها وظيفة فتلك جارية". والثاني: لا تصير وقفا ~~حتى يقفها الإمام، فعلى هذا يجوز له بيعها إذا رأى بيعها أصلح لبيت مال ~~المسلمين، ويكون ثمنها مصروفا في عموم المصالح، وفي ذوي الحاجات من أهل ~~الفيء وأهل الصدقات. وقد قال أحمد في رواية عبد الله " الأرض إذا كانت عنوة ~~هي لمن قاتل عليها، إلا أن يكون وقفها من فتحها على المسلمين كما فعل عمر ~~بالسواد". فاعتبر إيقافه. # فأما إقطاعها على هذا الوجه فقد قيل بجوازه، لأنه لما جاز بيعها وصرف ~~ثمنها إلى من يراه من ذوي الحاجات وأرباب المصالح جاز إقطاعها له، ويكون ~~تمليك رقبتها كتمليك ثمنها. وقيل: لا يجوز إقطاعها وإن جاز بيعها لأن البيع ~~معاوضة، وهذا الإقطاع صلة وفيه ضعف فهذا الكلام في التمليك. ### || فأما إقطاع الاستغلال # فعلى ضربين : عشر و خراج . # أما العشر فإقطاعه لا يجوز لأنها زكاة الأصناف يعتبر وصف استحقاقهم عند دفعها إليهم. # و قد لا يكون من أهلها وقت استحقاقهم عند دفعها إليهم لأنها تجب بشروط يجوز أن لا تو ~~ فلا تجب فان وجبت و كان مقطعها وقت الدفع مستحقا كانت حوالة بعشر قد وجب علي ~~ربه لمن هو من أهله فصح و يجوز دفعه اليه. ولا يصير دينا مستحقا حتي يقبضه ~~ لأن الزكاة لا تملك إلا بالقبض فان منع من العشر لم يكن ~~ خصما فيه و ms181 كان عامل العشر بالمطالبة أحق. ### || وأما الخراج # فيختلف حكم إقطاعه باختلاف حال مقطعه، وله ثلاث أحوال: ### ||| أحدها: # أن يكون من ~~أهل الصدقة فيجوز، لأنه صرف الفيء في أهل الصدقة. PageV01P232 # وقد ذكرنا ذلك، وقال قوم: لا يجوز صرف الفيء إلى أهل الصدقة، كما لا ~~يستحق الصدقة أهل الفيء. الحالة الثانية: أن يكونوا من أهل المصالح ممن ليس ~~له رزق مفروض. فلا يصح أن يقطعوه على الإطلاق وإن جاز أن يقطعوه من مال ~~الخراج، لأن ما يعطونه إنما هو من صلات المصالح. فإن جعل لهم من مال الخراج ~~شيء أجرى عليه حكم الحوالة والتسبب، لا حكم الإقطاع، فيعتبر في جوازه ~~شرطان. أحدهما: أن يكون بمال مقدر وقد وجد سبب استباحته. والثاني: أن يكون ~~مال الخراج قد حل ووجب ليصح بالتسبب عليه والحوالة به، فيخرج بهذين الشرطين ~~عن حكم الإقطاع. والحالة الثالثة: أن يكونوا من أهل فرض أهل الديوان وهم ~~الجيش، فهم أحق الناس بجواز الإقطاع، لأن لهم أرزاقا مقدرة تصرف إليهم مصرف ~~الاستحقاق، لأنها أعواض عما أرصدوا نفوسهم له من حماية البيضة، والذب عن ~~الحريم. وإذا صح أن يكونوا من أهل الإقطاع روعي حينئذ مال الخراج. فإن له ~~حالتين: حال يكون جزية، وحال يكون أجرة فأما ما كان منه جزية فهو غير مستقر ~~على التأبيد، لأنه مأخوذ مع بقاء الكفر، وزائل مع حدوث الإسلام، فلا يجوز ~~إقطاعه أكثر من سنة، لأنه غير موثوق باستحقاقه بعدها. فإن أقطعه سنة بعد ~~حلوله واستحقاقه صح، وإن أقطعه في السنة قبل استحقاقه لم يجز لأنه مضروب ~~للوجوب. وأما ما كان من الخراج أجرة، فهو مستقر الوجوب على التأبيد، فيصح ~~إقطاعه سنين. # ولايلزم الاقتصار على سنة واحدة، بخلاف الجزية التي لا تستقر. وإذا كان ~~كذلك لم يخل حال إقطاعه من ثلاثة أقسام: أحدها: أن يكون مقدرا سنين معلومة، ~~كإقطاعه عشر سنين، فيصح إذا روعي فيه شرطان: أحدهما: أن يكون رزق المقطع ~~معلوم القدر عند باذل الإقطاع، فإن كان مجهولا عنده لم يصح. والثاني: أن ~~يكون قدر الخراج ms182 معلوما عند المقطع وعند باذل الإقطاع. فإن كان مجهولا ~~عندهما أو عند أحدهما لم يصح. وإذا كان كذلك لم يخل حال الخراج من أحد ~~أمرين: PageV01P233 # إما أن يكون مقاسمة أو مساحة، فإن كان مقاسمة، فمن جوز من الفقهاء وضع ~~الخراج على المقاسمة جعله من المعلوم الذي يجوز إقطاعه. ومن منع من وضع ~~الخراج على المقاسمة جعله منالمجهو الذي لا يجوز إقطاعه. وإن كان الخراج ~~مساحة فهو على ضربين: أحدهما: أن لا يختلف باختلاف الزروع فهذا معلوم يصح ~~إقطاعه. والثاني: أن يختلف باختلاف الزروع، فينظر رزق مقطعه. فإن كان في ~~مقابلة أعلى الخراجين صح إقطاعه، لأنه بنقص إن دخل عليه، وإن كان في مقابلة ~~أقل الخراجين لم يصح إقطاعه، لأنه يوجد فيه زيادة لا يستحقها. ثم يراعي بعد ~~صحة الإقطاع في هذا القسم حال المقطع في مدة الإقطاع، فإنها لا تخلو من ~~ثلاثة أحوال: أحدها: أن يبقى إلى انقضائها على السلامة، فهو على استحقاق ~~الإقطاع إلى انقضاء المدة. الحالة الثانية: أن يموت قبل انقضاء المدة، ~~فيبطل الإقطاع في المدة الباقية بعد موته ويعود إلى بيت المال، فإن كانت له ~~ذرية دخلوا في إعطاء الذراري لا في أرزاق الأجناد وكان ما يعطونه تسبيبا لا ~~إقطاعا. الحالة الثالثة: أن يحدث به زمانة، فيكون باقي الحياة مفقود الصحة، ~~ففي بقاء إقطاعه بد زمانته احتمالان: أحدهما: أنه باق عليه إلى انقضاء مدته ~~إذا قيل إن رزقه بالزمانة لا يسقط. والثاني: يرتجع منه إذا قيل إذا إن رزقه ~~بالزمانة قد سقط. فهذا حكم القسم الأول إذا قدر الإقطاع فيه بمدة معلومة. ### ||| القسم الثاني من أقسامه # أن يستقطعه مدة حياته ثم لورثته وعقبه بعد موته، ~~فهذا الإقطاع باطل، لأنه خرج بهذا الإقطاع عن حقوق بيت المال إلى الأملاك ~~الموروثة، فإذا أبطل كان ما اجتباه منه مأذونا فيه عن عقد فاسد، فبرئ أهل ~~الخراج بقبضه وحسب به من جملة رزقه، فإن كان أكثر رد الزيادة، وإن كان أقل ~~بالباقي، وأظهر السلطان فساد الإقطاع حتى يمتنع ن القبض ويمتنع ms183 أهل الخراج ~~من الدفع، فإن دفعوه بعد إظهار ذلك لم يبرءوا منه. ### ||| القسم الثالث # أن يستقطعه ~~مدة حياته، ففي صحة الإقطاع احتمالان: أحدهما: أنه صحيح إذا قيل إن حدوث ~~زمانته لا يقتضي سقوط رزقه. والثاني: أنه باطل إذا قيل إن حدوث زمانته موجب ~~لسقوط رزقه. PageV01P234 # وإذا صح الإقطاع فأراد السلطان استرجاعه من مقطعه جاز ذلك فيما بعد السنة ~~التي هي فيها، ويعود رزقه إلى ديوان العطايا، فأما في السنة التي هو فيها ~~فينظر، فإن حل رزقه فيها قبل حلول خراجها لم يسترجع منه في سننه لاستحقاق ~~خراجها في رزقه، وإن حل خراجها قبل حلول رزقه جاز استرجاعه منه، لأن تعجيل ~~المؤجل وإن كان جائزا فليس بلازم. فأما أرزاق من عدا الجيش إذا أقطعوا بها ~~مال الخراج فتنقسم ثلاثة أقسام: أحدها: من يرزق على عمل غير مستديم: كعمال ~~المصالح، وجباة الخراج، فالإقطاع بأرزاقهم لا يصح، ويكون ما حصل لهم من مال ~~الخراج تسبيبا وحوالة بعد استحقاق الرزق وحلول الخراج. القسم الثاني: من ~~يرزق على عمل مستديم يجري رزقه مجرى الجعالة وهم الناظرون في أعمال البر ~~التي يصح التطوع بها إذا تزقوا عليها كالمؤذنين والأئمة، فيكون ما جعل لهم ~~في أرزاقهم تسبيبا وحوالة عليه ولا يكون إقطاعا. القسم الثالث: من يرتزق ~~على عمل مستديم ويجري رزقه مجرى الإجارة، وهو من لا يصح نظره إلا بولاية ~~وتقليد: مثل القضاة، والحكام وكتاب الدواوين، فيجوز أن يقطعوا بأرزاقهم ~~خراج سنة واحدة، ويحتمل جواز إقطاعهم أكثر من سنة وجهين: أحدهما: يجوز ~~كالجيش. # والثاني: لا يجوز، لما يتوجه إليهم من العزل والاستبدال. ### || وأما إقطاع المعادن # وهي البقاع التي أودعها الله تعالى الجواهر في الأرض، فهي ضربان: ~~ظاهرة، وباطنة. أما الظاهرة فما كان جوهرها المستودع فيها بارزا كمعادن ~~الكحل، والملح، والنفظ. فهو كالماء الذي لا يجوز إقطاعه، والناس فيه شرع ~~يأخذه من ورد إليه. وقد نص عليه في رواية حرب وقد سئل عن حديث النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - " أنه أقطع رجلا معدن الملح الذي بمأرب فقيل له: ms184 إنه ~~بمنزلة الماء العد، فرد النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: " معدن ملح ~~ينتابه الناس في الصحراء يأخذون الملح ليس هو بملك أحد، أخذه السلطان ~~فأقطعه رجلا فمنع الناس منه، فكرهه وقال: هذا للمسلمين". PageV01P235 # فإن أقطعت هذا المعادن الظاهرة لم يكن لإقطاعها حكم، وكان المنقطع وغيره ~~فيها سواء، وجميع من ورد أسوة يشتركون فيها، فإن منعهم المقطع منها كان ~~بالمنع متعديا، وكان لما أخذه مالكا، لأنه متعد بالمنع لا بالأخذ، وكف عن ~~المنع وصرف عن مداومة العمل لئلا يثبته إقطاعا بالصحة، أو يصير معه في حكم ~~الأملاك المستقرة. ### || وأما المعادن الباطنة # فهي ما كان جوهرها مستكنا فيها لا ~~يوصل إلا بالعمل، كمعادن الذهب والفضة والصفر والحديد، فهذه وما أشبهها ~~معادن باطنة، سواء احتاج المأخوذ منها إلى سبك وتصفية وتخليص أو لم يحتج، ~~فلا يجوز إقطاعها كالمعادن الظاهرة، وكل الناس فيها شرع. فإن أحيى مواتا ~~بإقطاع او غير فهذه وما أشبهها معادن باطنة، سواء احتاج المأخوذ منها إلى ~~سبك وتصفية وتخليص أو لم يحتج، فلا يجوز إقطاعها كالمعادن الظاهرة، وكل ~~الناس فيها شرع. فإن أحيى مواتا بإقطاع أو غير إقطاع فظهر فيه، بالإحياء ~~معدن ظاهر أو باطن، ملكه المحيي على التأبيد كما يملك ما استنبطه من العيون ~~واحتفره من الآبار. ### | فصل في وضع الديوان، وذكر أحكامه # والديوان موضوع لحفظ ما يتعلق بحقوق السلطنة، من الأعمال والأموال، ومن ~~يقوم بها من الجيوش والعمال. PageV01P236 # والديوان بالفارسية: اسم للشياطين، فسمي الكتاب باسمهم لحذقهم بالأمور ~~ووقوفهم منها على الجلي والخفي وجمعهم لما شذ وتفرق، ثم سمي مكان جلوسهم ~~باسمهم، فقيل ديوان. وأول من وضع الديوان في الإسلام عمر بن الخطاب. فأما ~~سبب وضعه فروى أن عمر استشار الناس في تدوين الدواوين، فقال علي بن أبي ~~طالب " تقسم كل سنة ما اجتمع إليك من المال ولا تمسك منه شيئا " وقال عثمان ~~بن عفان " أرى مالا كثيرا يسع الناس، وإن لم يحصوا حتى يعرف من أخذ ممن لم ~~يأخذ حشيت أن ينتشر الأمر فقال خالد بن الوليد ms185 " قد كنت بالشام فرأيت ~~ملوكها دونوا ديوانا وجندوا جنودا فدون ديوانا وجند جنودا" فأخذ بقوله. ~~ودعا عقيل بن أبي طالب، ومخرمة بن نوفل، وجبير بن مطعم، وكانوا من نبهاء ~~قريش وأعلمهم بأنسابهم فقال " اكتبوا الناس على منازلهم " فبدءوا ببني هاشم ~~فكتبوهم ثم أتبعوهم أبا بكر وقومه ثم عمر وقومه، وكتبوا القبائل ووضعوها ~~على الخلافة، ثم دفعوه إلى عمر، فلما نظر فيه قال: " لا، وددت أنه كان ~~هكذا، ولكن ابدءوا بقرابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الأقرب ثم ~~الأقرب، حتى تضعوا عمر حيث وضعه الله تعالى، فشكره العباس على ذلك وقال " ~~وصلتك رحم". # فروى زيد بن أسلم عن أبيه " أن بني عدي جاءوا إلى عمر فقالوا: إنك خليفة ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وخليفة أبي بكر، وأبو بكر خليفة رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - فلو جعلت نفسك حيث جعلك هؤلاء القوم الذين ~~كتبوا؟ فقال: بخ بخ يا بني عدي، أردتم الأكل على ظهري وأن أهب حسناتي لكم، ~~لا والله حتى تأتيكم الدعوة وإن انطبق عليكم الدفتر، يعني لو أن تكتبوا آخر ~~الناس- إن لي صاحبين سلكا طريقا، فإن خالفتهما خولف بي، والله ما أدركنا ~~الفضل في الدنيا، ولانرجو الثواب في الآخرة على عملنا إلا بمحمد - صلى الله ~~عليه وسلم - فهو شرفنا، وقومه أشرف العرب، ثم الأقرب بالأقرب، ووالله لئن ~~جاءت الأعاجم بعمل وجئنا بغير عمل لهم أولى برسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - منا يوم القيامة، فإن من قصر به عمله لم يسرع به نسبه". PageV01P237 # وروى عامر الشعبي " أن عمر " حين أراد وضع الديوان قال: بمن أبدأ؟ فقال ~~له عبد الرحمن ابن عوف: ابدأ بنفسك، فقال عمر: أذكرتني، حضرت رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - وهو يبدأ ببني هاشم وبني المطلب، فبدأ بهم عمر، ثم ~~بمن يليهم من قبائل قريش بطنا بعد بطن، حتى استوفى جميع قريش، ثم انتهى إلى ~~الأنصار، فقال عمر: ابدءوا برهط سعد بن معاذ من الأوس، ثم الأقرب فالأقرب ~~لسعد". فلما استقر ترتيب الناس في ms186 الديوان على تعدد النسب المتصل برسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - فضل بينهم في العطاء على قدر السابقة في ~~الإسلام والقربى من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وكان أبو بكر يرى ~~التسوية بينهم في العطاء ولا يرى التفضيل بالسابقة، وكذلك كان رأي على ابن ~~أبي طالب في خلافته، وبه أخذ الشافعي ومالك، وكان رأي عمر التفضيل بالسابقة ~~في الدين، وكذلك كان رأي عثمان بعده، وبه أخذ أحمد وأبو حنيفة وفقهاء ~~العراق. # وقد ناظر عمر أبا بكر حين سوى بين الناس، فقال " أتسوي بين من هاجر ~~الهجرتين وصلى القبلتين، ومن أسلم عام الفتح خوف السيف؟ " فقال له أبو بكر ~~" إنما عملوا لله وأجورهم على الله، وإنما الدنيا دار بلاغ " فقال عمر: " ~~لا أجعل من قاتل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كمن قاتل معه " فلما وضع ~~الديوان فضل بالسابقة. ففرض لكل واحد شهد بدرا من المهاجرين الأولين خمسة ~~آلاف درهم في كل سنة، منهم علي بن أبي طالب، وعثمان بن عفان، وطلحة بن عبيد ~~الله، والزبير بن العوام، وعبد الرحمن بن عوف، وفرض لنفسه معهم خمسة آلاف ~~درهم، وألحق به العباس بن عبد المطلب والحسن والحسين، لمكانهم من رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم -. وقيل: بل فضل العباس وفرض له سبعة آلاف درهم، إلا ~~عائشة فإنه فرض لها اثني عشر ألف درهم، وألحق بهم جويرية بنت الحارث، وصفية ~~بنت حيي، وقيل بل فرض لكل واحدة منهما ستة آلاف درهم، وفرض لمن هاجر قبل ~~الفتح ثلاثة آلاف درهم لكل رجل، ولمن أسلم بعد الفتح ألفي درهم لكل رجل، ~~وفرض لغلمان أحداث من أولاد المهاجرين والأنصار كفرائض مسلمة الفتح. وفرض ~~لعمر بن أبي سلمة المخزومي أربعة آلاف درهم، لأن أمه أم سلمة زوج النبي - ~~صلى الله عليه وسلم -، فقال له محمد بن عبد الله بن جحش " لم تفضل عمر ~~علينا وقد هاجر آباؤنا، وشهدوا بدرا؟ فقال عمر: أفضله لمكانه من رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - فليأت الذي يستعتب بأم مثل أم ms187 سلمة". وفرض لأسامة ~~بن زيد أربعة آلاف درهم، وفرض لعبد الله بن عمر ثلاثة آلاف درهم، فقال عبد ~~الله بن عمر " فرضت لأسامة في أربعة آلاف درهم، وفرضت لي في ثلاثة آلاف، ~~وقد شهدت ما لم يشهد أسامة. فقال عمر: زدته لأنه كان أحب إلى رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - منك، وكان أبوه أحب إلى رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - من أبيك". PageV01P238 # ثم فرض للناس على منازلهم وقراءتهم القرآن وجهادهم في سبيل الله. # وفرض لأهل اليمن وقيس بالشام والعراق، لكل رجل من ألفين إلى ألف وخمسمائة ~~إلى ثلثمائة، ولم ينقص أحدا منها وقال " لئن كثر الناس المال لأفرضين لكل ~~رجل أربعة آلاف درهم: ألفا لفرسه، وألفا لسلاحه، وألفا لسفره، وألفا يخلفها ~~في أهله". وفرض للمنفوس مائة درهم، فإذا ترعرع بلغ به مائتي درهم، فإذا بلغ ~~زاده. وكان لا يفرض لمولود شيئا حتى يفطم، إلى أن سمع ذات ليلة امرأة تكره ~~ولدها على الفطام وهو يبكي، فسألها عنه، فقالت: إن عمر لا يفرض للمولود حتى ~~يفطم وأنا أكرهه على الفطام حتى يفرض له، فقال " يا ويل عمر، كم احتمل من ~~وزر وهو لا يعلم "، ثم أمر فنادى " لا تعجلوا أولادكم بالفطام، فإنه يفرض ~~لكل مولود في الإسلام". ثم كتب إلى أهل العوالي - وكان يجري عليهم القوت - ~~فأمر بجريب من الطعام فطحن، ثم خبز، ثم ثرد بزيت، ثم دعا بثلاثين رجلا ~~فأكلوا منه غداءهم حتى أصدرهم، ثم فعل في العشاء مثل ذلك، فقال " يكفي ~~الرجل جريبان كل شهر". وكان يرزق الرجل والمرأة والمملوك جريبين جريبين في ~~كل شهر. وكان إذا أراد الرجل أن يدعو على صاحبه قال له: رفع الله عنك ~~جريبك. فكان الديوان موضوعا على دعوة العرب. وترتيب الناس فيه معتبرا ~~بالنسب، وتفضيل العطاء معتبر بالسابقة في الإسلام، وحسن الأثر في الدين، ثم ~~روعي في التفضيل عند انقراض أهل السوابق: التقدم في الشجاعة، والبلاء في ~~الجهاد. فهذا حكم ديوان الجيش في ابتداء وضعه على الدعوة العربية والترتيب ~~الشرعي. PageV01P239 # وقد ms188 حكى أحمد اختلاف الصحابة، وأخذ بقول من فضل. فقال في رواية المروزي " ~~أما أبو بكر فلم يفضل أحدا على أحد، وعمر قد أعطى أزواج النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - وفضلهن، وأعطى عبد الرحمن بن عوف وفضله، وأعطي المهاجرين ~~الأولين وفضلهم على من سواهم، وأنا عثمان فأعطى وفضل، وأما علي فلم يفضل. ~~وكذلك عمر فضل، فلما كان عثمان مضى ست سنين على الأمر، ثم فضل قوما " فهذا ~~حكايته عنهم الاختلاف. # وأما اختياره التفضيل فقال في رواية الحسن بن علي بن الحسن الاسكافي " ~~الفيء للمسلمين عامة، إلا أن الإمام يفضل قوما على قوم". وقال في رواية بكر ~~بن محمد عن أبيه: " لكل المسلمين فيه حق وهو على ما يرى الإمام، أليس عمر ~~قد فرض لأمهات المؤمنين في ألفين ولأبناء المهاجرين سوى العطاء؟ فإذا كان ~~الإمام عادلا أعطى منه على ما يرى فيه، يجتهد". ### || فأما الذي يشتمل عليه ديوان ~~السلطنة فينقسم أربعة أقسام: أحدها: ما يختص بالجيش من إثبات وعطاء. ~~والثاني: ما يختص بالأعمال من رسوم وحقوق. والثالث: ما يختص بالعمال من ~~تقليد وعزل. والرابع: ما يختص ببيت المال من دخل وخرج. ### ||| أما القسم الأول ~~فيما يختص بالجيش من إثبات وعطاء: فإثباتهم في الديوان معتبر بثلاثة شروط: ~~أحدها: الوصف الذي يجوز به إثباتهم. والثاني: النسب الذي يستحقون به ~~ترتيبهم. والثالث: الحال الذي يتقدم به عطاؤهم. PageV01P240 ### |||| فأما شرط جواز # إثباتهم في الديوان فيراعى فيه خمسة أوصاف: أحدها: البلوغ، ~~فإن الصبب من جملة الذراري. والثاني: الحرية، وأصله: أنه لا يجوز إفراد ~~العبيد بالعطاء في ديوان المقاتلة، وهو قول عمر، وهو طاهر كلام أحمد في ~~رواية المروزي، وذكر حديث عمر قال " ما أحد من المسلمين إلا وله فيه نصيب، ~~إلا العبيد، فليس لهم فيه شيء". وبه قال الشافعي. وحكى عن بعض العراقيين ~~إفراد العبيد بالعطاء في ديوان المقاتلة، وهو قول أبي بكر. والثالث: ~~الإسلام، ليدفع عن الملة باعتقاده، ويوثق بنصحه واجتهاده، فإن أثبت فيهم ~~ذمي لم يجز، وإن ارتد منهم مسلم سقط. وهذا قياس قول أحمد، ms189 لأنه منع أن ~~يستعان بالكفار في الجهاد. الرابع: السلامة من الآفات المانعة من القتال، ~~فلا يجوز أن يكون زمنا، ولا أعمى، ولا أقطع، ويجوز أن يكون أخرس وأصم، فأما ~~الأعرج، فإن كان فارسا أثبت، وإن كان راجلا أسقط. # الخامس: أن يكون منه إقدام على الحروب، ومعرفة بالقتال، فإن ضعفت منته عن ~~الإقدام، أو قلت معرفته بالقتال لم يجز إثباته، لأنه مرصد لما هو عاجز عنه. ~~فإذا تكاملت فيه هذه الأوصاف كان إثباته في ديوان الجيش موقوفا على الطلب ~~والإيجاب، فيكون منه الطلب إذا تجرد عن كل عمل، ويكون من ولي الأمر ~~الإجابة، إذا دعت إليه الحاجة، فإن كان مشهور الاسم نبيه القدر لم يحسن إذا ~~أثبت في الديوان أن يحلى فيه أو ينعت وإن كان من المغمورين في الناس حلي ~~ونعت، فذكر سنه، وقدره، ولونه، وحلي وجهه، ووصف بما يتميز عن غيره، لئلا ~~تتفق الأسماء أة يدعي وقت العطاء، وضم إلى نقيب عليه أو عريف له يكون ~~مأخوذا بدركه. ### |||| وأما ترتيبهم في الديوان # إذا أثبتوا فيه فمعتبر من وجهين: ~~أحدهما عام، والأخر خاص. فأما العام: فهو ترتيب القبائل والأجناس، حتى ~~يتميز كل قبيلة عن غيرها، وكل جنس عمن يخالفه، فلا يجمع فيه بين المختلفين، ~~لا يفرق بين المؤتلفين، لتكون دعوة الديوان على نسق معروف السبب يزول معه ~~التنازع والتجاذب. وإذا كان هكذا لم يخل حالهم من أن يكونوا عربا أو عجما. ~~فإن كانوا عربا تجمعهم أنساب وتفرق بينهم أنساب، ترتبت قبائلها بالقربى من ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كما فعل عمر حين دونهم فيبدأ بالترتيب في ~~أصل النسب، ثم مما تفرع عنه. PageV01P241 # والعرب: عدنان وقحطان، فيقدم عدنان على قحطان، لأن النبوة فيهم، وعدنان ~~يجمع ربيعة ومضر، فيقدم مضر على ربيعة لأن النبوة فيهم، ومضر يجمع قريشا ~~وغير قريش، فيقدم قريشا لأن النبوة فيهم، وقريش تجمع بني هاشم وغيرهم، ~~فيقدم بني هاشم لأن النبوة فيهم. فيكون بنو هاشم قطب الترتيب، ثم من يليهم ~~من أقرب الأنساب إليهم، حتى يستوعب قريشا، ms190 ثم من يليهم في النسب حتى يستوعب ~~جميع مضر، ثم من يليهم حتى يستوعب جميع عدنان. وإن كانوا عجما لا يجتمعون ~~على نسب، فالذي يجمعهم عند فقد النسب أحد أمرين: إما أجناس، وإما بلاد. # فالمتميزون بالأجناس، كالترك، والهند، ثم يتميز الترك أجناسا، والهند ~~أجناسا، والمتميزون بالبلاد، كالديلم، والجبل، ثم يتميز الديلم بلدانا، ~~والجيل بلدانا. فإذا تميزوا بالأجناس أو البلدان، فإن كانت لهم سابقة قدم ~~في الإسلام ترتبوا عليها في الديوان، وإن لم يكن لهم سابقة ترتبوا بالقرب ~~من ولي الأمر، وإن تساووا فالسبق إلى طاعته. وأما الترتيب الخاص، فهو ترتيب ~~الواحد بعد الواحد، فيرتب بالسابقة في الإسلام، فإن تكافئوا في السابقة ~~ترتبوا بالدين، فإن تقاربوا فيه ترتبوا بالسن، فإن تقاربوا في السن ترتبوا ~~بالشجاعة، فإن تقاربوا فيها فولي الأمر بالخيار بين أن يرتبهم بالقرعة، أو ~~يرتبهم على رأيه واجتهاده. ### |||| وأما تقدير العطاء # فعتبر بالكفاية حتى يستغنى ~~بها عن التماس مادة تقطعه عن حماية البيضة. والكفاية معتبرة من ثلاثة أوجه: ~~أحدها: عدة من يعوله من الذراري والمماليك. والثاني: عدد ما يرتبطه من ~~الخيل والظهر. والثالث: الموضع الذي يحله في الغلاء والرخص، فيقدر كفايته ~~في نفقته وكسوته لعامه كله، فيكون هذا المقدر في عطائه، ثم يعرض حاله في كل ~~عام، فإن زادت رواتبه الماسة زيد وإن نقصت نقص. PageV01P242 # وإذا تقدر رزقه بالكفاية، هل يجوز أن يزاد عليها إذا اتسع المال؟ ظاهر ~~كلام أحمد: أنه يجوز زيادته على الكفاية إذا اتسع المال لها، لأنه قال في ~~رواية أبي النضر العجلي: " والفيء بين الغني والفقير". فقد جعل للغني فيها ~~حقا، والغني إنما يكون فيما فضل عن حاجته، وهو قول أبي حنيفة، خلافا ~~للشافعي في قوله: لا يجوز ذلك. ويكون وقت العطاء معلوما يتوقعه الجيش عند ~~الاستحقاق. وهو معتبر بالوقت الذي يستوفي فيه حقوق بيت المال. فإن كانت ~~تستوفى في وقت واحد من السنة جعل العطاء في رأس كل سنة، وإن كانت تستوفى في ~~وقتين جعل العطاء في كل سنة مرتين. # وإن كانت تستوفي كل ms191 شهر جعل العطاء في رأس كل شهر، ليكون المال مصروفا ~~إليهم عند حصوله فلا يحبس عنهم إذا اجتمع، ولا يطالبون به إذا تأخر. وإذا ~~تأخر العطاء عنهم عند استحقاقه، وكان حاصلا في بيت المال، كان لهم المطالبة ~~به كالديون المستحقة. وإن أعوز بيت المال - لعوارض - أبطلت حقوقه، أو ~~أخرتها كانت أرزاقهم دينا على بيت المال: وليس لهم مطالبة ولي الأمر به، ~~كما ليس لصاحب الدين مطالبة من أعسر بدينه. وإذا أراد ولي الأمر إسقاط بعض ~~الجيش بسبب أوجبه أو لعذر اقتضاه جاز، وإن كان لغير سبب لم يجز، لأنهم جيش ~~المسلمين في الذب عنهم. وإذا أراد بعض الجيش إخراج نفسه من الديوان جاز مع ~~الاستغناء عنه، ولم يجز مع الحاجة إليه إلا أن يكون معذورا. وإذا جرد الجيش ~~للقتال، فامتنعوا - وهم أكفاء من جاربهم - سقطت أرزاقهم. وإن ضعفوا عنه لم ~~تسقط. وإذا نفقت دابة أحدهم في حرب عوض عنها، وإن نفقت في غير حرب لم يعوض. ~~وإذا استهلك سلاحه فيها عوض عنه إن لم يدخل في تقدير عطائه، ولم يعوض إن ~~دخل فيه. وإذا جرد لسفر أعطي نفقة سفره، وإن لم يدخل في تقدير عطائه، ولم ~~يعط إن دخل فيه. وإذا مات أحدهم أو قتل وكان ما استحقه من عطائه موروثا عنه ~~على فرائض الله تعالى، وهو دين لورثته في بيت المال. فأما استيفاء نفقات ~~ذريته من عطائه في ديوان الجيش فيحتمل أن تسقط نفقتهم من ديوان الجيش لذهاب ~~مستحقه. ويحالون على مال الغنيمة والصدقة من سهم الفقراء والمساكين. ويحتمل ~~أن يستبقي من عطائه نفقات ذريته، ترغيبا له في المقام، وبعثا له على ~~الإقدام. فإن حدث به زمانة، فهل يسقط عطاؤه؟ يحتمل أن يسقط لأنه في مقابلة ~~عمل قد عدم، ويحتمل أنه باق في العطاء ترغيبا في التجنيد والارتزاق. PageV01P243 ### ||| وأما القسم الثاني # فيما يختص بالأعمال من رسوم وحقوق فتشتمل على ستة فصول: ### |||| أحدها # تحديد العمل بما يتميز به عن غيره، وتفصيل نواحيه التي تختلف ~~أحكامها، فيجعل لكل بلد حدا لا ms192 يشارك غيره فيه. # وتفصيل نواحي كل بلد إذا اختلفت أحكام نواحيه. وإن اختلفت أحكام الضياع ~~في كل ناحية فصلت ضياعه. كتفصيل نواحيه. وإن لم تختلف اقتصر على تفصيل ~~النواحي دون الضياع. ### |||| الفصل الثاني # أن يذكر حال البلد، هل فتحت عنوة أو صلحا؟ وما استقر عليه ~~حكم أرضه: من عشر أو خراج، وهل اختلفت أحكام نواحيه أو تساوت؟ فإنه لا يخلو ~~من ثلاثة أحوال: إما أن يكون جميعه أرض عشر، أو يكون جميعه أرض خراج، أو ~~يكون بعضه عشرا وبعضه خراجا. فإن كان جميعه أرض عشر لم يلزم إثبات مسائحه، ~~لأن العشر على الزرع دون المساحة. ويكون ما استؤنف زرعه مرفوعا إلى ديوان ~~العشر، لا مستخرجا منه. ويلزم تسمية أربابه عند رفعه إلى الديوان، لأن وجوب ~~العشر فيه معتبر بأربابه دون رقاب الأرضين. وإذا رفع الزرع بأسماء أربابه ~~ذكر مبلغ كيله وحال سقيه بسيح أو عمل، لاختلاف حكمه، ويستوفي على موجبه. ~~وإن كان جميعه أرض خراج لزم إثبات مسائحه، لأن الخراج على المساحة وإن كان ~~الخراج في حكم الأجرة لم يلزم أرباب تسمية أرباب الأرضين، لأنه لا يختلف ~~بإسلام ولا كفر. وإن كان الخراج في حكم الجزية لزم تسمية أربابه ووصفهم ~~بإسلام أو كفر لاختلاف حكمه باختلاف أهله. وإن كان بعضه عشرا وبعضه خراجا ~~فصل في ديوان العشر ما كان منه عشرا. وفي ديوان الخراج ما كان خراجا، ~~لاختلاف الحكم فيهما، وأجري على كل واحد منهما ما يختص بحكمه. ### |||| الفصل الثالث # أحكام خراجه وما استقر على مسائحه. هل هو مقاسمة على زرعه، ~~أو هو ورق مقدر على جريانه؟ فإن كان مقاسمة لزم إذا خرجت مسائح أرضين من ~~ديوان الخراج أن يذكر معها مبلغ المقاسمة: من ربع أو ثلث، أو نصف، ويرفع ~~إلى الديوان مقادير الكيول، لتستوفى المقاسمة على موجبها. PageV01P244 # وإن كان الخراج ورقا لم يخل من أن يكون متساويا مع اختلاف الزروع، أو ~~مختلفا فإن تساوى مع اختلاف الزروع أخرجت المسائح من ديوان الخراج ليستوفي ~~خراجها. ولا يلزم أن يرفع إليه ms193 إلا ما قبض منها. # وإن كان الخراج مختلفا باختلاف الزروع لزم إخراج المسائح من ديوان ~~الخراج. وإن لم يرفع إليه أجناس الزروع استوفى خراج المساحة على ما يوجبه ~~حكم الزرع. ### |||| الفصل الرابع # ذكر من في كل ناحية من أخل الذمة، وما استقر عليهم في عقد ~~الجزية، فإن كانت مختلفة باليسار والإعسار سموا الديوان مع ذكر عددهم، ~~ليختبر حال يسارهم وإعسارهم. وإن لم تختلف في اليسار والإعسار جاز الاقتصاد ~~على ذكر عددهم، ووجب مراعاتهم في كل عام، ليثبت من بلغ، ويسقط مات أو أسلم، ~~ليحصر بذلك ما يستحق من جزيتهم. ### |||| الفصل الخامس # إن كان من بلدان المعادن: أن يذكر أجناس معادنه، وعدد كل ~~جنس، ليستوفي حق المعدن منها. وهذا مما لا ينضبط بمساحة، ولا ينحصر بتقدير ~~لاختلافه، وإنما ينضبط المأخوذ منه إذا أعطى وأنال. ولا يلزم في أحكام ~~المعادن أن يوصف في الديوان أحكام فتوحها، وهل هي أرض عشر أو أرض خراج؟ لأن ~~الديوان فيها موضوع لاستيفاء الحق من نيلها، وحقها لا يختلف باختلاف فتوحها ~~وأحكام أرضها. وإنما يختلف ذلك باختلاف العاملين فيها والآخذين لها، فلزم ~~تسميتهم ووصفهم. وقد تقدم القول في أجناس ما يؤخذ حق المعدن منها وفي قدر ~~المأخوذ منها. فإن لم يكن قد سبق للأئمة فيها حكم اجتهد والي الوقت رأيه في ~~الجنس الذي يجب فيه، وفي القدر المأخوذ منه، وعمل عليه في الأمرين جميعا ~~إذا كان من أهل الاجتهاد، وإن كان من سبق من الأئمة والولاة قد اجتهد رأيه ~~في الجنس الذي يجب فيه، وقي القدر المأخوذ منه وحكم به فيهما حكما أيده ~~وأمضاه استقر حكمه في الأجناس التي يجب فيها حق المعدن، ولم يستقر حكمه في ~~القدر المأخوذ من المعدن، لأن حكمه في الجنس معتبر بالمعدن الموجود، وحكمه ~~في القدر معتبر بالمعدن المفقود. ### |||| الفصل السادس # إن كان البلد ثغرا يتاخم دار الحرب، وكانت أموالهم إذا دخلت ~~دار الإسلام معشورة عن صلح استقر معهم، أثبت في الديوان عقد صلحهم، وقدر ~~المأخوذ منهم: من عشر، أو خمس، أو ms194 زيادة عليه، أو نقصان منه. PageV01P245 # وإن كان يختلف باختلاف الأمتعة والأموال فصلت فيه، وكان الديوان موضوعا ~~لإخراج رسومه ولاستيفاء ما يرفع إليه من مقادير الأمتعة المحمولة إليه. ### |||| فأما أعشار الأموال # المنتقلة في دار الإسلام من بلد إلى بلد فمحرمة لا ~~يبيحها شرع، ولا يسوغها اجتهاد ولا هي من سياسات العدل، وقلما تكون إلا في ~~البلاد الجائرة، ولذلك قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " لا يدخل ~~الجنة صاحب مكس " وفي لفظ آخر " إن صاحب المكس في النار " يعني العاشر. وفي ~~لفظ آخر" إذا لقيتم عاشرا فاقتلوه". وروي أبو عبيدة هذه الأخبار في كتاب ~~الأموال. فإذا غيرت الولاة أحكام البلاد ومقادير الحقوق فيها، اعتبر ما ~~فعلوه. فإن كان مسوغا في الاجتهاد لأمر اقتضاه لا يمنع الشرع منه، لحدوث ~~سبب سوغ الشرع لأجله الزيادة أو النقصان. جاز، وصار الثاني هو الحق ~~المستوفى دون الأول. فإذا استخرجت حال العمل من الديوان، جاز أن يقتصر على ~~إخراج الحالة الثانية دون الأولة، والأحوط أن يخرج الحالين، لجواز أن يزول ~~السبب الحادث، فيعود الحكم الأول. وإن كان ما أحدثه الولاة من تغيير الحقوق ~~غير مسوغ في الشرع، ولا له وجه في الاجتهاد كانت الحقوق على الحكم الأول، ~~وكان الثاني حيفا مردودا، سواء غيروه إلى الزيادة أو نقصان، لأن الزيادة ~~ظلم في حقوق الرعية، والنقصان ظلم في حقوق بيت المال. فإذا استخرجت حال ~~العمل من الديوان وجب على رافعها من كتاب الدواوين إخراج الحالين، إن كان ~~المستدعي لإخراجها من الولاة لا يعلم حالها فيما تقدم، وإن كان عالما بها ~~لم يلزم إخراج الحالة الأولة إليه، لأن علمه بها قد سبق وجاز الاقتصار على ~~إخراج الحالة الثانية مع وصفها بأنها مستحدثة. PageV01P246 ### ||| وأما القسم الثالث # فيما اختص بالعمال من تقليد وعزل، فيشتمل على ستة ~~فصول: ### |||| أحدها # ذكر من يصح منه تقليد العمالة، وهو معتبر بنفوذ الأمر، وجواز ~~النظر، وكل من جاز نظره في عمل نفذت فيه أوامره، وصح منه تقليد العمال ~~عليه. وهذا يكون من أحد ثلاثة: إما من ms195 السلطان المستولي على كل الأمور ن ~~وإما من وزير التفويض، وإما من عامل عام العمالة، كعامل إقليم، أو مصر ~~عظيم، يقلد في خصوص الأعمال عملا. فأما وزير التنفيذ فلا يصح منه تقليد ~~عامل إلا بعد المطالعة والاستثمار. ### |||| الفصل الثاني # من يصح أن يتقلد العمالة، وهو من استقل بكفايته، ووثق ~~بأمانته. فإن كانت عمالة تفويض تفتقر إلى اجتهاد، روعي فيها الحرية، ~~والإسلام. وإن كانت عمالة تنفيذ لا اجتهاد للعامل فيها، لم تفتقر إلى ~~الحرية ولا الإسلام. ### |||| الفصل الثالث # ذكر العمل الذي يتقلده، وهذا يعتبر فيه ثلاثة شروط: أحدها: ~~تحديد الناحية بما تتميز به عن غيرها. والثاني: تعيين العمل الذي يختص ~~بنظره فيها: من جباية، أو خراج، أو عشر. الثالث: العلم برسوم العمل وحقوقه ~~على تفصيل ينتفي عنه الجهالة. فإذا استكملت هذه الشروط الثلاثة في عمل علم ~~بها المولي والمولى صح التقليد ونفذ. ### |||| الفصل الرابع # في النظر، ولا يخلو من ثلاثة أحوال: أحدها: أن يقدر بمدة ~~محصورة الشهور أو السنين. فيكون تقديرها بهذه المدة مجوزا النظر فيها، ~~ومانعا من النظر بعد تقضيها. فلا يكون النظر في المدة المقدرة لازما من جهة ~~المولي، وله صرفه والاستبدال به إذا رأى ذلك صلاحا. فأما لزومه من جهة ~~العامل المولى فمعتبر بحال جارية عليها، فإن كان الجاري معلوما بما تصح به ~~الأجور لزمه العمل في المدة إلى انقضائها؛ لأن العمالة فيها تصير من ~~الإجارات المحضة، ويؤخذ العامل فيها بالعمل إلى انقضائها إجبارا. PageV01P247 # والفرق بينهما في تخيير المولي والإجبار المولى أنها في جنبة المولي من ~~العقود العامة لنيابته فيها عن الكافة فروعي فيها حكم الأصلح في التخيير، ~~وهي في جنبة المولى من العقود الخاصة لعقده لها في حق نفسه، فيجرى عليها ~~حكم اللزوم في الإجبار. وإن لم تقدر جاريه بما يصح في الأجور لم تلزمه ~~المدة، وجاز له الخروج من العمل إذا شاء بد أن ينتهي إلى موليه حال تركه، ~~حتى لا يخلو عمله من ناظر فيه. الحالة الثانية: أن يقدر بالعمل. فيقول ~~المولي: قلدتك خراج ناحية ms196 كذا في هذا السنة، أو قلدتك صدقات بلد كذا في هذا ~~العام، فتكون مدة نظه مقدرة بفراغه من عمله، فإذا فرغ منه انعزل، وه8وقبل ~~فراغه منه على ما ذكرنا، يجوز أن يعزله المولي، وعزله لنفسه معتبر بصحة ~~جارية وفساده. الحالة الثالثة: أن يكون التقليد مطلقا، فلا يقدر بمدة ولا ~~عمل، فيقول: قد قلدتك خراج الكوفة، أو أعشار البصرة، أو حماية بغداد، فهذا ~~تقليد صحيح وإن جهلت مدته لأن المقصود منه الإذن بجواز النظر، وليس المقصود ~~منه اللزوم المعتبر في عقود الإجارات. وإذا صح التقليد وجاز النظر لم يخل ~~حاله من أحد أمرين: إما أن يكون مستديما أو منقطعا، فإن كان مستديما، ~~كالنظر في الجباية والقضاء، وحقوق المعادن، صح نظره فيها عاما بعد عام، ما ~~لم يعزل. وإن كان منقطعا فهو على ضربين: أحدهما: أن لا يكون معهود العود في ~~كل عام كالمولي على قسمة غنيمة فيعزل بعد فراعه منها وليس له النظر في قسمة ~~غيرها من الغنائم. الضرب الثاني: أن يكون عائدا في كل عام، كالخراج الذي ~~إذا استخراج في عام عاد فيما يليه، فهل يكون تقليده مقصورا على نظر عامه، ~~أو محمولا على كل عام ما لم يعزل؟. يحتمل أن يكون مقصور النظر على العام ~~الذي هو فيه. فإذا استوفى خراجه، أو أخذ أعشاره انعزل، ولم يكن له أن ينظر ~~في العام الثاني إلا بتقليد مستجد اقتصارا على التعيين. # ويحتمل أن يحمل على حوالة النظر في كل عام ما لم ينعزل، اعتبارا بالعرف. ### |||| الفصل الخامس # في جاري العامل على عمله، ولا يخلو من ثلاثة أحوال: أحدها: ~~أن يسمي معلوما. والثاني: أن يسمي مجهولا. والثالث: أن لا يسمي بمعلوم ولا ~~مجهول. فإن سمى معلوما استحق المسمى إذا وفى العمالة حقها، فإن قصر فيها ~~روعي تقصيره. فإن كان لترك بعض العمل لم يستحق جاري ما قابله، وإن كان ~~لخيانة منه مع استيفاء العمل، استكمل جاريه وارتجع ما خان فيه. PageV01P248 # وإن زاد في العمل روعيت الزيادة، فإن لم تدخل في حكم عمله ms197 كان نظره فيها ~~مردودا لا ينفذ. وإن كانت داخله في حكم نظره لم يخل من أحد أمرين: إما أن ~~يكون قد أخذها بحق أو ظلم. فإن أخذها بحق كان متبرعا بها لا يستحق لها ~~زيادة على المسمى في جاريه. وإن كانت ظلما وجب ردها على من ظلم بها، وكان ~~عدوانا من العامل يؤخذ بجريرته. وإن سمى جارية مجهولا استحق جاري مثله في ~~مثل عمله فإن كان جاري العمل مقررا في الديوان وعمل به جماعة من العمال صار ~~ذلك القدر هو جاري المثل، وإن لم يعمل إلا واحد لم يصر ذلك مألوفا في جاري ~~المثل. وإن لم يسم جاريه بمعلوم ولا مجهول، فهل يستحق الأجرة على عمله قياس ~~المذهب أنه إن كان مشهورا بأخذ الجاري على عمله فله جاري مثله، وإن لم ~~يشتهر بأخذ الجاري عليه فلا جاري له. وإذا كان في عمله مال يجتبي فجاريه ~~يستحق فيه وإن لم يكن فيه مال فجاريه في بيت المال يستحق في أسهم المصالح. ### |||| الفصل السادس # فيما يصح به التقليد نظرت فإن كان نطقا تلفظ به المولي صح ~~التقليد، كما يصح في سائر العقود، وإن كان عن توقيع المولي بتقليده خطا لا ~~لفظا صح التقليد وانعقدت به الولايات السلطانية إذا اقترنت به شواهد الحال، ~~وإن لم تصح به العقود الخاصة اعتبارا بالعرف الجاري فيه مع أن في العقود ~~نظرا. هذا إذا كان التقليد مقصورا عليه ما يتعداه إلى استنابة غيره فيه ولا ~~يصح إن كان عاما متعديا. # فإذا صح التقليد بالشروط المعتبرة فيه، وكان العمل قبله خاليا من ناظر ~~تفرد هذا المولي بالنظر واستحق جاريه من أول وقت نظره فيه، وإن كان في ~~العمل ناظر قبل تقليده للعمل PageV01P249 # نظر في العمل، فإن كان مما لا يصح فيه الاشتراك كان تقليده الثاني عزلا ~~للأول، وإن كان مما يصح فيه الاشتراك روعي العرف الجاري فيه، فإن لم يجز ~~بالاشتراك فيه كان تقليده الثاني عزلا للأول. وإن جرى العرف بالاشتراك فيه ~~لم يكن تقليد الثاني عزلا للأول ms198 وكانا عاملين عليه وناظرين فيه. فإن قلد ~~عليه مشرف كان العامل مباشرا للعمل وكان المشرف مستوفيا له، يمنع من زيادة ~~عليه أو نقصان فيه، أو تفرد به. وحكم المشرف مخالف لحكم صاحب البريد من ~~ثلاثة أوجه: أحدها: أنه ليس للعامل أن ينفرد بالعمل دون المشرف وله أن ~~ينفرد به دون صاحب البريد. والثاني: أن للمشرف منع العامل مما أفسد فيه، ~~وليس ذلك لصاحب البريد. والثالث: أن المشرف لا يلزمه الإخبار بما فعله ~~العامل من صحيح وفاسد إذا انتهى عنه، ويلزم صاحب البريد أن يخبر بما فعله ~~من صحيح وفاسد، لأن خبر المشرف استعداء وخبر صاحب البريد إنهاء. والفرق بين ~~خبر الإنهاء وخبر الاستعداء من وجهين: أحدهما: أن خبر الإنهاء يشتمل على ~~الفاسد والصحيح، وخبر الاستعداء يختص بالفاسد دون الصحيح. والثاني: أن خبر ~~الإنهاء فيما رجع عنه العامل وفيما لم يرجع عنه، وخبر الاستعداء يختص بما ~~لم يرجع عنه، دون ما رجع عنه. وإذا أنكر العامل استعداء المشرف أو إنهاء ~~صاحب البريد، لم يكن قول واحد منهما مقبولا عليه حتى يبرهن عليه. فإن ~~اجتمعا على الاستعداء والإنهاء صارا شاهدين فيقبل قولهما عليه إذا كانا ~~مأمونين لم يظهر بينهم عداوة أو خصام. وإذا طولب العامل برفع الحساب فيما ~~تولاه، لزمه رفعه في عمالة الخراج، ولم يلزمه رفعه في عمالة العشر، لأن ~~مصرف الخراج إلى بيت المال ومصرف العشر إلى أهل الصدقات. # وعند أبي حنيفة: رفع الحساب في المالين لاشتراك مصرفهما عنده. وإذا ادعى ~~عامل العشر صرف العشر في مستحقه قبل قوله فيه. ولو ادعى عامل الخراج دفع ~~الخراج إلى مستحقه لم يقبل قوله إلا بتصديق أو ببينة. وإذا أراد العامل أن ~~يستخلف على عمله فذلك على ضربين: أحدهما: أن يستخلف عليه من ينفرد بالنظر ~~فيه دونه، فهذا غير جائز، لأنه يجري مجرى الاستبدال وليس له أن يستبدل غيره ~~بنفسه، وإن جاز له عزل نفسه. والثاني: أن يستخلف عليه معينا له فيراعى مخرج ~~التقليد، فلا يخلو من ثلاثة أحوال: PageV01P250 # أحدها: أن يتضمن إذنا ms199 بالاستخلاف، فيجوز له أن يستخلفه، ويكون من استخلفه ~~نائبا عنه ينعزل بعزله، وإن لم يكن مسمى في الإذن، فإن سمى له من يستخلفه ~~فهل ينعزل بعزله؟ قد قيل: ينعزل، وقيل: لا ينعزل. والحالة الثانية: أن ~~يتضمن التقليد نهيا عن الاستخلاف، فلا يجوز له أن يستخلف وعليه أن ينفرد ~~بالنظر فيه إن قدر عليه، فإن عجز عنه كان التقليد فاسدا، فإن نظر مع فساد ~~التقليد صح نظره فيما اختص بالإذن من أمر أو نهي، ولم يصح منه ما اختص ~~بالولاية من عقد وحل. والحالة الثالثة: أن يكون التقليد مطلقا لا يتضمن ~~إذنا ولا نهيا، فيعتبر حال العمل فإن قدر على النظر فيه لم يجز أن يستخلف ~~عليه، وإن لم يقدر على التفرد بالنظر فيه كان له أن يستخلف فيما عجز عنه ~~ولم يجز أن يستخلف فيما قدر عليه. ### ||| وأما القسم الرابع # فيما اختص ببيت المال ~~من دخل وخرج. فهو: أن كل مال استحقه المسلمون ولم يتعين مالكه منهم فهو من ~~حقوق بيت المال، فإذا قبض صار بالقبض مضافا إلى حقوق بيت المال، سواء أدخل ~~إلى حرزه أو لم يدخل لأن بيت المال عبارة عن الجهة لا عن المكان. # وكل حق وجب صرفه في مصالح المسلمين فهو حق على بيت المال، فإذا صرف في ~~وجه صار مضافا إلى الخراج من بيت المال، سواء أخرج من حرزه أو لم يخرج، لأن ~~ما صار إلى عمال المسلمين أو خرج من أيديهم فحكم بيت المال جار عليه في ~~دخله إليه وخرجه عنه. وإذا كان كذلك في الأموال التي يستحقها المسلمون ~~تنقسم ثلاثة أقسام: فيء، وغنيمة، وصدقة. فأما الفيء ففي حقوق بيت المال، ~~لأن مصرفه موقوف على رأي الإمام. ### |||| وأما الغنيمة # فليست من حقوق بيت المال ~~لأنها مستحقة للغانمين الذين تعينوا بحضور الوقعة لا يختلف مصرفها برأي ~~الإمام ولا اجتهاده في منعهم، فلم تصر من حقوق بيت المال إلا في الأرضين. ~~فقد حكينا فيها روايتين: إحداهما: أنه لا رأي له فيها كغيرها من الأموال. ~~والثانية: له ms200 فيها رأي في وقفها وفيء قسمتها. ### |||| فأما خمس الفيء والغنيمة ~~فينقسم ثلاثة أقسام قسم منه يكون من حقوق بيت المال، وهو سهم الرسول ~~المصروف في المصالح العامة، الموقوف مصرفه على رأي الإمام واجتهاده. PageV01P251 # وقسم منه لا يكون لا يكون من حقوق بيت المال وهو سهم ذوي القربى؛ لأنه ~~مستحق لجماعتهم فتعين مالكوه، وخرج عن حقوق بيت المال بخروجه عن اجتهاد ~~الإمام. وقسم منه يكون بيت المال فيه حافظا له على أهله وهو سهم اليتامى ~~والمساكين وابن السبيل إن وجدوا دفع إليهم، وإن فقدوا أحرز لهم. ### |||| وأما الصدقة فضربان ### ||||| أحدهما: # صدقة مال باطن: فلا يكون من حقوق بيت المال لجواز أن ~~ينفرد أربابه بإخراج زكاته في أهله. والضرب الثاني: صدقة مال ظاهر، كأعشار ~~الزروع والثمار، وصدقات المواشي. فذهب أحمد إلى أنه ليس من حقوق بيت المال ~~أيضا، لأنه لجهات معينة لا يجوز مصرفه في غير جهاته، ولا هو محل لإحرازه ~~عند تعذر جهاته، لأنه لا يجب دفعه إلى الإمام وإن جاز أن يدفع إليه. وقد ~~نقل جعفر بن محمد قال: سمعت أبا عبد الله قيل له " يشتري الصدقات والعشر من ~~السلطان؟ قال: لا بأس، إذا كان على وجهه". # وقال في موضع آخر " لا تعد في صدقتك. قيل له: فإن كانت صدقة غيرى؟ قال: ~~لا بأس، إذا كان على وجهه". فظاهر هذا أنه [من حقوق بيت المال] . وأما ~~المستحق على بيت المال فضربان أحدهما: ما كان بيت المال فيه حرزا، ~~فاستحقاقه معتبر بالوجود، فإن كان المال موجودا فيه كان مصرفه في جهاته ~~مستحقا وعدمه مسقط لاستحقاقه. الضرب الثاني: أن يكون بيت المال له مستحقا، ~~فهو على ضربين: أحدهما: أن يكون مصرفه مستحقا على وجه البدل، كأرزاق الجند، ~~وأثمان الكراع والسلاح، فاستحقاقه غير معتبر بالوجود، وهو من الحقوق ~~اللازمة مع الوجود والعدم. فإن كان موجودا عجل دفعه كالديوان مع اليسار، ~~وإن كان معدوما وجب فيه الإنظار كالديوان مع الإعسار. PageV01P252 ### ||||| والضرب الثاني # أن يكون مصرفه مستحقا على وجه المصلحة والأرفاق دون البدل، ~~فاستحقاقه معتبر ms201 بالوجود دون العدم، فإن كان موجودا في بيت المال وجب فيه ~~وسقط فرضه على المسلمين، وإن كان معدوما سقط وجوبه عن بيت المال. وكان - ~~وإن عم ضرره - من فروض الكفاية على كافة المسلمين حتى يقوم به منهم من فيه ~~كفاية كالجهاد. وإن كان مما لا يعم ضرره كوعورة طريق قريب يجد الناس غيره ~~طريقا بعيدا، أو انقطاع شرب يجد الناس غيره شربا فإذا سقط وجوبه عن بيت ~~المال بالعدم سقط وجوبه عن الكافة لوجود البدل. فلو اجتمع على بيت المال ~~حقان، ضاق عنهما واتسع لأحدهما صرف فيما يصير منهما دينا فيه. ولو ضاق عن ~~كل واحد منهما كان لولي الأمر إذا خاف الضرر والفساد أن يقترض على بيت ~~المال ما يصرفه في الديون دون الأرفاق، وكان من حدث بعده من الولاة مأخوذا ~~بقضائه إذا اتسع له بيت المال. وإذا فضلت حقوق بيت المال عن مصرفها فقد ~~قيل: إنها تدخر في بيت المال لما ينوب المسلمين من حادث، وقيل: إنها تفرق ~~على من يعم به صلاح المسلمين ولا تدخر، لأن النوائب يتعين فرضها عليهم إذا ~~حدثت. فهذه الأقسام الأربعة التي وضعت عليها قواعد الديوان. ### || فأما كاتب الديوان # وهو صاحب زمامه # فالمعتبر في صحة ولايته شرطان: العدالة، والكفاية. # أما العدالة، فلأنه مؤتمن على حق بيت المال والرعية، ~~فاقتضى أن يكون في العدالة والأمانة على صفات المؤتمنين. وقد قال في كاتب ~~القاضي " يكون عدلا". وأما الكفاية فلأنه مباشر لعمل يقتضي أن يكون في ~~القيام به، مستقلا بكفاية المباشرين. فإذا صح التقليد فالذي ندب له ستة ~~أشياء: حفظ القوانين، واستيفاء الحقوق، وإثبات الرقوع، ومحاسبات العمال، ~~وإخراج الأموال، وتصفح الظلامات. ### ||| فأما الأول منها # وهو حفظ القوانين على ~~الرسوم العادلة من غير زيادة تتحيف يها الرعية، أو نقصان يثلم به PageV01P253 # حق بيت المال. فإن قررت في أيامه ببلاد استؤنف فتحها أو لموات ابتدئ ~~بإحيائه أثبتها في ديوان الناحية وديوان الناحية وديوان بيت المال الجامع ~~على الحكم المستقر فيهما. وإن تقدمته القوانين المقررة فيها رجع فيها إلى ms202 ~~ما أثبته أمناء الكتاب إذا وثق بخطوطهم، وتسلمه من أمنائهم تحت ختومهم، ~~وكانت الخطوط الخارجة على هذه الشروط مقنعة في جواز الأخذ بها والعمل عليها ~~في الرسوم الديوانية، والحقوق السلطانية، وإن لم يقنع بها في أحكام القضاء ~~والشهادات، عتبارا بالعرف المعهود فيها، كما يجوز للمحدث أن يروي ما وجده ~~من سماعه بالخط الذي يثق به، ولأن القضاء والشهادة من الحقوق الخاصة التي ~~يكثر المباشرة لها والقيام بها فلم يضق عليه الحفظ لها بالقلب، فلذلك لم ~~يجز أن يعول فيها على مجر الخط، وأن القوانين الديوانية من الحقوق العامة ~~التي يقل المباشر لها مع كثرة انتشارها فضاق حفظها بالقلب، فلذلك جاز ~~التعويل فيها على مجرد الخط، وكذلك رواية الحديث، مع أن الرواية مختلفة عن ~~أحمد في الشاهد إذا عرف خطه، والحاكم إذا وجد في ديوانه حكما جاز الحكم ~~والشهادة. ### ||| وأما الثاني # وهو استيفاء الحقوق، فهو على ضربين: أحدهما: ~~استيفاؤها ممن وجبت عليه من العاملين. # والثاني: استيفاؤها من القابضين لها من العمال. فأما استيفاؤها من ~~العاملين فيعمل فيه على إقرار العمال بقبضها. فأما العمل فيها على خطوط ~~العمال بقبضها، فالذي عليه كتاب الدواوين: أنه إذا عرف الخط كان حجة ~~بالقبض، سواء اعترف العامل أنه خطه أو أنكره إذا قيس بخطه المعروف. والذي ~~عليه الفقهاء: أنه إن لم يعترف العامل أنه خطه أو أنكره لم يلزمه، ولم يكن ~~حجة في القبض، ولا يجوز أن يقاس بخطه في الإلزام إجبارا، وإنما يقاس بخطه ~~إرهابا ليعترف به طوعا، وإن اعترف بالخط وأنكر القبض فإنه يكون في الحقوق ~~السلطانية خاصة حجة للعاملين بالدفع وحجة على العمال بالقبض، اعتبارا ~~بالعرف. PageV01P254 # وأما استيفاؤها من العمال، فإن كانت خراجا إلى بيت المال لم يحتج فيها ~~إلى توقيع ولي الأمر وكان اعتراف صاحب بيت المال بقبضها حجة في براءة ~~العمال منها. والكلام في خطه إذا تجرد عن إقراره على ما قدمناه في خطوط ~~العمال أنه يكون حجة. وإن كانت خراجا من حقوق بيت المال ولم تكن خراجا إليه ~~لم يمض ms203 للعمال إلا بتوقيع ولي الأمر، وكان التوقيع إذا عرفت صحته حجة مقنعة ~~في جواز الدفع. فأما في الاحتساب به، فيحتمل أن يكون الاحتساب به موقوفا ~~على اعتراف صاحب الحق الموقع له بقبض ما تضمنه، لأن التوقيع حجة بالدفع ~~إليه وليس بحجة في القبض منه. ويحتمل: أن يحتسب به للعامل في حقوق بيت ~~المال. فإن أنكر صاحب التوقيع القبض حاكم العامل فيه، وأخذ العامل بإقامة ~~الحجة عليه، فإن عدمها أحلف صاحب التوقيع وأخذ العامل بالغرم. وهذا الوجه ~~أخص بعرف الديوان، والأول أشبه بتحقيق الفقه. فإن استراب صاحب الديوان ~~بالتوقيع لم يحتسب به للعامل على الاحتمالين معا حتى يعرضه على الموقع فإن ~~اعترف به صح ن وكان في الاحتساب على ما تقدم، وإن أنكره لم يحتسب به ~~للعامل. # ونظر في وجه الخراج، فإن كان في حاضر موجود رجع به العامل عليه، وإن كان ~~في جهات لا يمكن الرجوع فيها سأل إحلاف الموقع على إنكاره، فإن لم يعرف صحة ~~الخراج لم يكن للعامل إحلاف الموقع، لا في عرف السلطنة ولا في حكم القضاء، ~~وإن علم صحة الخراج فهو في عرف السلطنة ممنوع عن إحلاف الموقع، وفي حكم ~~القضاء يجاب إليه. ### ||| وأما الثالث # وهو إثبات الرقوع. فينقسم ثلاثة أقسام: رقوع ~~مساحة، ورقوع قبض واستيفاء: ورقوع خرج ونفقة فأما رقوع المساحة والعمل، فإن ~~كانت أصولها مقدرة في الديوان، اعتبر صحة الدفع بمقابلة الأصل وأثبت في ~~الديوان إن وافقها، وإن لم يكن لها في الديوان أصول عمل في إثباتها على قول ~~رافعها. وأما رقوع القبض والاستيفاء، فيعمل في إثباتها على مجرد قول ~~رافعها، لأنه مقر على نفسه به لا لها. وأما رقوع الخراج والنفقة، فرافعها ~~مدع لها فلا تقبل دعواه إلا بالحجج البالغة، فإن احتج بتوقيعات ولاة الأمر ~~استعرضها، وكان الحكم فيها على ما قدمناه من أحكام التوقيعات PageV01P255 ### ||| وأما الرابع # وهو محاسبة العمال، فيختلف حكمها باختلاف ما تقلدوه، وقد ~~قدمنا القول فيه. فإن كانوا من عمال الخراج لزمهم رفع الحساب، ووجب على ~~كاتب الديوان محاسبتهم على ms204 صحة ما رفعوه. وإن كانوا من عمال العشر لم يلزم ~~على مذهب الشافعي رفع الحساب، ولم يجب على كاتب الديوان محاسبتهم عليه، لأن ~~العشر عند صدقة لا يقف مصرفها على اجتهاد الولاة. ولو انفرد أهلها بمصرفها ~~أجزأت، ويلزمهم على مذهب أبي حنيفة رفع الحساب. ويجب على كاتب الديوان ~~محاسبتهم عليه: لأن عنده أن مصرف العشر والخراج مشترك. فإذا حوسب من وجبت ~~محاسبته من العمال نظر. فإن لم يقع بين العامل وكاتب الديوان خلف كان كاتب ~~الديوان مصدقا في بقايا الحساب. فإن استراب به ولي الأمر كلفه إحضار ~~شواهده، فإن زالت الريبة عنه سقطت اليمين فيه. # وإن لم تزل الريبة أراد ولي الأمر الإحلاف عليه أحلف العامل دون كاتب ~~الديوان لأن المطالبة متوجهة على العامل دون الكاتب. وإن اختلفا في الحساب ~~نظر. فإن كان اختلافهما في دخل، فالقول فيه قول العامل لأنه منكر، وإن كان ~~اختلافهما في خرج فالقول فيه قول الكاتب لأنه منكر، وإن كان اختلافهما في ~~مساحة يمكن إعادتها أعيدت بعد الاختلاف وعمل فيها بما يخرج به صحيح ~~الاعتبار، وإن لم يمكن إعادتها أحلف عليها رب المال دون الماسح. ### ||| وأما الخامس # وهو إخراج الأموال، فهو استشهاد صاحب الديوان على ما ثبت فيه من ~~قوانين وحقوق، فصار كالشهادة فاعتبر فيه شرطان: أحدهما: أن لا يخرج من ~~الأموال إلا ما علم صحته، كما لا يشهد حتى يستشهد، والمستدعي لإخراج ~~الأموال من نفذت توقيعاته، كما أن المشهود عنده من نفذت أحكامه. فإذا أخرج ~~حالا ما لزم الموقع بإخراجها الأخذ بها والعمل عليها، كما يلزم الحاكم ~~تنفيذ الحكم بما شهد به الشهود عنده. فإن استراب الموقع بإخراج الحال جاز ~~أن يسأله من أين أخرجها ويطالبه بإحضار شواهد الديوان بها، وإن لم يجز ~~للحاكم أن يسأل الشاهد عن سبب شهادته. PageV01P256 # فإن أحضرها ووقع في النفس صحتها زالت عنه الريبة، وإن عدمها وذكر أنه ~~أخرجها من حفظه، لتقدم علمه بها، صار معلوما القول، والموقع مخير في قبول ~~ذلك منه أو رده عليه وليس له استخلافه. ms205 ### ||| وأما السادس # وهو تصفح الظلامات، فهو ~~مختلف بحسب اختلاف المتظلم وليس يخلو من أن يكون المتظلم من الرعية أو من ~~العمال. فإن كان المتظلم من الرعية تظلم من عامل تحيفه في معاملة، كان صاحب ~~الديوان فيها حاكما بينهما، وجاز له أن يتصفح الظلامة ويزيل التحيف، سواء ~~وقع الناظر إليه بذلك أو لم يوقع، لأنه مندوب لحفظ القوانين واستيفاء ~~الحقوق، فصار بعقد الولاية مستحقا لتصفح الظلامات، فإن منع منها امتنع وصار ~~عزلا عن بعض ما كان إليه. # وإن كان المتظلم عاملا جوزف في حسابه، أو غولط في معاملته فصار صاحب ~~الديوان فيها خصما، فكان المتصفح لها ولي الأمر. ### | فصل في أحكام الجرائم # الجرائم: محظورات بالشرع، زجر الله تعالى عنها بحد أو تعزير. وقد قيل: إن ~~حالها عند التهمة بها، وقيل: ثبوتها وصحتها معتبرة بحال الناظر فيها. فإن ~~كان حاكما رفع إليه من قد اتهم بسرقة، أو زنا، لم يكن للتهمة بها تأثيرا ~~عنده، ولم يجز حبسه لكشف ولا لإستبراء ولا أخذه بأسباب الإقرار إجبارا. ولا ~~تسمع الدعوى عليه في السرقة إلا من خصم مستحق لما قرف بسرقته، ويعتبر بعد ~~ذلك إقرار المتهوم أو إنكاره. وإن اتهم بالزنا لم تسمع الدعوى عليه إلا بعد ~~أن يذكر المرأة التي زنى بها ويصف الفعل الموجب للحد، فإن أقر أخذه بموجبه، ~~وإن أنكر سمع إنكاره واستحلفه فيما كان حقا لآدمي دون حق الله تعالى. وإن ~~كان الناظر الذي رفع إليه هذا المتهوم أميرا، أو من ولاة الأحداث كان له مع ~~هذا المتهوم من أسباب الكشف والاستبراء ما ليس للقضاة والحكام، وذلك من ~~تسعة أوجه: PageV01P257 # أحدها: أنه يجوز للأمير أن يسمع قرف المتهوم من أعوان الإمارة من غير ~~تحقيق للدعوى المفسرة. ويرجع إلى قولهم في الإخبار عن حال المتهوم، وهل هو ~~من أهل الريب؟ وهل هو معروف بمثل ما قرف به أم لا؟ فإن برأوه من مثل ذلك ~~خفت التهمة وضعفت وعجل إطلاقه ولم يغلظ عليه. وإن قرفوه بأمثاله غلظت ~~التهمة، واستعمل فيها من حال الكشف ms206 ما سنذكره، وليس هذا للقضاة. # الثاني: أن للأمير أن يراعي شواهد الحال، وأوصاف المتهوم في قوة التهمة ~~وضعفها فإن كانت التهمة بزنا، وكان المتهوم متصنعا للنساء، ذا فكاهة وخلابة ~~قويت التهمة، وإن كان بضده ضعفت. وإن كانت التهمة بسرقة وكان المتهوم بها ~~ذا عيارة، أو في بدنه آثار ضرب، أو كان معه حين أخذ منقب قويت التهمة، وإن ~~كان بضده ضعفت وليس هذا للقضاء أيضا. # الثالث: أن للأمير تعجيل حبس المتهوم للكشف والاستبراء. # واختلف في مدة حبسه فقيل: حبسه للاستبراء والكشف مقدر بشهر واحد لا ~~يتجاوزه. وقيل: بل ليس بمقدر، وهو موقوف على رأي الإمام واجتهاده. وظاهر ~~كلام أحمد رحمه الله ورضي عنه: أن للقضاة الحبس في التهمة. فقال في رواية ~~حنبل" إذا قامت عليه البينة أو الاعتراف أقيم عليه الحد، ولا يحبس بعد ~~إقامة الحد، وقد حبس النبي - صلى الله عليه وسلم - في تهمة وذلك حتى يتبين ~~للحاكم أمره. ثم يخليه بعد إقامة الحد". ولفظ الحديث: ما روى أبو بكر ~~الخلال في أول كتاب الشهادات بإسناده عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده، " أن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - حبس في تهمة". وبإسناده عن أبي هريرة " أن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - حبس في تهمة يوما وليلة استظهارا واحتياطا". ~~ويشهد لذلك قوله تعالى (24: 8 ويدرأ عنها العذاب أن تشهد أربع شهادات ~~بالله) . وحملنا العذاب على الحبس لقوة التهمة في حقها بامتناعها من ~~اللعان. PageV01P258 # الرابع: أنه يجوز للأمير، مع قوة التهمة، أن يضرب ضرب تعزير لا ضرب حد ~~ليأخذه بالصدق عن حاله الذي قرف به واتهم، فإن أقر وهو مضروب اعتبرت حاله ~~فيما ضرب عليه. فإن ضرب ليقر لم يصح الإقرار، وإن ضرب ليصدق عن حاله فأقر ~~تحت الضرب قطع ضربه واستعيد إقراره، فإذا أعاده كان مأخوذا بالإقرار الثاني ~~دون الأول فإن اقتصر على الإقرار الأول ولم يستعده , لم تضيق عليه أن يعمل ~~بإقراره الأول وإن كرهناه. # الخامس: أنه يجوز للأمير - فيمن تكررت منه الجرائم، ولم ينزجر عنها ~~بالحدود ms207 - أن يستديم حبسه إذا استضر الناس بجرائمه، حتى يموت بعد أن يقوم ~~بقوته وكسوته من بيت المال، ليدفع ضرره عن الناس وإن لم يكن ذل للقضاة. # السادس: أنه يجوز للأمير إحلاف المتهوم، استبراء لحاله، وتغليظا عليه في ~~الكشف عن أمره في التهمة بحقوق الله تعالى وحقوق الآدميين ولا نضيق عليه أن ~~يحلفه بالطلاق والعتاق والصدقة، كالإيمان في البيعة السلطانية. # وليس للقضاء إحلاف أحد على غير حق، ولا أن يتجاوز الإيمان بالله تعالى ~~إلى طلاق أو عتق. PageV01P259 # السابع: أن للأمير أن يأخذ أهل الجرائم بالتوبة إجبارا، ويظهر عليهم من ~~الوعيد ما يقودهم إليها طوعا ولا نضيق عليه الوعيد بالقتل فيما لا يجب فيه ~~القتل لأنه وعيد إرهاب يخرج عن حد الكذب إلى حيز التعزير". # الثامن: أنه يجوز للأمير أن يسمع شهادات أهل المهن ومن لا يجوز أن يسمع ~~منه القضاة إذا كثر عددهم. # التاسع: أن للأمير النظر في المواثبات، وإن لم توجب غرما ولا حدا، فإن لم ~~يكن بواحد منهما أثر سمع قول من سبق بالدعوى، وإن كان بأحدهما أثر، فقد ~~قيل: يبدأ بسماع دعوى من به الأثر ولا يراعي السبق. والذي عليه أكثر ~~الفقهاء: أنه يسمع قول أسبقهما بالدعوى، ويكون المبتدئ بالمواثبة أعظمهما ~~جرما، وأغلظهما تأديبا. # ويجوز أن يخالف بينهما في التأديب من وجهين: أحدهما: بحسب اختلافهما في ~~الاقتراف. والثاني: بحسب اختلافهما في الهيئة والتصاون. وإذا رأى من الصلاح ~~في ردع السفلة أن يشهرهم وينادي عليهم بجرائمهم، ساغ له ذلك. فقد وقع الفرق ~~بين الأمراء والقضاة في حال الاستبراء وقبول ثبوت الحق، لاختصاص الأمراء ~~بالسياسة، واختصاص القضاة بالأحكام. فأما بعد ثبوت جرائمهم، فيستوي في ~~إقامة الحدود عليهم أحوال الأمراء والقضاة. وثبوتها عليهم من وجهين: إقرار، ~~وبينة. ### || فأما الحدود فضربان # أحدهما: ما كان من حقوق الله تعالى. والثاني: ما ~~كان من حقوق الآدميين. فأما المختصة بحقوق الله تعالى فضربان: أحدهما: ما ~~وجب في ترك مفروض. والثاني: ما وجب بارتكاب محظور. PageV01P260 # أما ما وجب في ترك مفروض فكتارك الصلاة حتى يخرج وقتها ms208 يسئل عن تركه لها. ~~فإن قال: لنسيان أمر بها قضاء في وقت ذكرها، ولم ينتظر بها مثل وقتها قال - ~~صلى الله عليه وسلم - " من نام عن صلاة أو نسيها، فليصلها إذا ذكرها فذلك ~~وقتها لا كفارة لهم غيره". وإن تركها لمرض صلاها بحسب طاقته: من جلوس، أو ~~اضطجاع. # وإن تركها جاحدا لوجوبها كان كافرا حكمه حكم المرتد يقتل بالردة، إن لم ~~يتب وإن تركها استثقالا لفعلها، مع اعترافه بوجوبها، ففيه روايتان. ~~إحداهما: يصير بتركها كافرا يقتل بالردة. والثانية: لا يكفر بتركها ويقتل ~~حدا، ولا يصير مرتدا ولا يقتل إلا بعد استتابة، فإن تاب وأجاب إلى فعلها ~~ترك وأمر بها. فإن قال: أصليها في منزلي وكلت إلى أمانته ولم يجبر على ~~فعلها بمشهد من الناس. فإن امتنع من التوبة ولم يجب إلى فعل الصلاة لم يقتل ~~إلا بعد ثلاثة أيام. ويقتل بوحي السيف نص على ضرب عنقه في رواية الجماعة: ~~صالح، وحنبل وأبي الحارث. وأما الصلوات الفوائت إذا امتنع من قضائها، فإنه ~~يقتل بها كالمواقيت. ### || وأما تارك الصيام # فقال في رواية الميموني " من قال: ~~أعلم أن الصوم فرض ولا أصوم، يستتاب، فإن تاب ,إلا ضربت عنقه، فقد نص على ~~أنه يقتل بترك الصوم، كالصلاة. وقال في رواية أبي طالب: إذا قال: الصوم فرض ~~ولا أصوم، ليس الصوم مثل الصلاة والزكاة لم يجئ فيه شيء، فلم يجعله مثل ~~الصلاة والزكاة. PageV01P261 # وقال أيضا في رواية الأثرم: وقد سئل عن تارك صوم رمضان مثل تارك الصلاة؟ ~~فقال، الصلاة آكد، إنما جاء في الصلاة، وليست كغيرها". وظاهر هذا: أنه فرق ~~بين الصلاة وبين الصوم، بأنه لا يقتل ويترك إلى أمانته. ### || وأما تارك الزكاة ~~فيأخذها الإمام منه قهرا، فإن تعذر أخذها منه لامتناعه حورب عليها، وإن ~~أفضى الحرب إلى قتله حتى تؤخذ منه كما حارب أبو بكر - رضي الله عنه - مانعي ~~الزكاة، وإن قتل في حال قتله، فهل يقتل كافرا مرتدا؟ فقال في رواية ~~الميموني: فيمن منع الزكاة: " يقاتل، قيل له: فيورث، ويصلى عليه قال: إذا ms209 ~~منعوا الزكاة كما منعوا أبا بكر وقاتلوا عليها: لم يورث ولم يصلى عليه، وإن ~~منع الزكاة، يعني من بخل أو تهاون، لم يقاتل ولم يحارب على المنع، بل يقاتل ~~عليها ويورث ويصلى عليه". # فقد نص على أنه إن منعها وقاتل عليها قوتل، وإن قتل كافرا، لا يصلى عليه ~~ولا يورث، وإن لم يقاتل عليها لكن منعها شحا وبخلا، لم يحكم بكفره. فإن ~~تعذر أخذها منه لعدم الوصول إلى ماله، ولم يوجد منه قتال عليها استتيب ~~ثلاثا فإن تاب وإلا قتل، ولم يحكم بكفره. نص عليه في رواية أبي طالب في رجل ~~قال: الزكاة على، ولا أزكي، " يقال له مرتين أو ثلاثا: زك، فإن لم يزك ~~يستتاب ثلاثة أيام، فإن تاب وإلا ضربت عنقه". وروى أبو حفص العكبري في هذه ~~الرواية زيادة قلت: فلان روى عنك أنك قلت في الزكاة: يضرب عنقه على المكان، ~~ولا يستتاب، قال: لم يحفظ". ### || واما الحج # ففرض عند أحمد على الفور، فيتصور ~~تأخيره عن وقته. وقد قال أحمد في رواية الجماعة: منهم عبد الله، وإسحاق، ~~وإبراهيم، وأبو الحارث " ومن كان موسرا وليس به أمر يحبسه فلم يحج لا تجوز ~~شهادته". وهذا مبالغة في الفور، لأنه قد أسقط عدالته في الموضع الذي يسوغ ~~فيه الاجتهاد. وهل يقتل بتأخيره؟ قال أبو بكر في مسائل البغاة من كتاب ~~الخلاف " الحج والزكاة والصيام، والصلاة سواء، يستتاب، فإن تاب وإلا قتل". ~~ويشهد لهذا ما حكيناه عن أحمد " أنه لا تقبل شهادته". وظاهر هذا أنه لا ~~يسوغ الاجتهاد في تأخيره، ويحتمل أن لا يقتل لأنه بفعله بعد الوقت يكون ~~أداء لا قضاء. PageV01P262 # فإن مات قبل أدائه حج عنه من رأس ماله. ### || وأما الممتنع من حقوق الآدميين # من ديون، وغيرها، فتؤخذ جبرا إذا أمكنت، ويحبس بها إذا تعذرت، إلا أن يكون بها ~~معسرا فينظر إلى ميسرته. ### || فأما ما وجب بارتكاب المحظورات فضربان # أحدهما: ما ~~كان من حقوق الله تعالى وهي أربعة: حد الزنا، وحد الخمر، وقطع السرقة، وحد ~~المحاربين. والضرب الثاني: ما كان ms210 من حقوق الآدميين وهو شيئان: أحدهما: حد ~~القذف بالزنا. والثاني: القود في الجنايات. ### || أما حد الزنا # فيجب بغيبوبة حشفة ~~ذكر البالغ العاقل في أحد الفرجين: من قبل أو دبر، ممن لا عصمة بينهما لا ~~شبهة. # ويستوي في حكم الزنا حكم الزاني والزانية. ولكل واحد منهما حالتان: بكر، ~~ومحصن. أما البكر فهو الذي لم يطأ زوجته بنكاح، فيحد إن كان حرا، مائة سوط ~~تفرق في جميع بدنه إلا الوجه والمقاتل، ليأخذ كل عضو حقه، بسوط لا جديد ~~فيقتل، ولا خلق فلا يؤلم. ويغربا عاما عن بلدهما إلى مسافة تقصر فيها ~~الصلاة وحد المسلم والكافر سواء في الجلد، والتغريب، فأما العبد ومن جرى ~~عليه حكم الرق من المدبر، والمكاتب، وأم الولد، فحدهم في الزنا خمسون جلدة ~~على النصف من حد الحر، ولا يغرب. وأما المحصن الذي أصاب زوجته بعقد نكاح، ~~فحده الرجم بالأحجار وما قام مقامها، حتى يموت، ولا يلزم توقي مقاتله، ~~بخلاف الجلد، لأن المقصود بالرجم القتل. PageV01P263 # واختلفت الرواية عن أحمد: هل يجلد مع الرجم فروي عنه " لا يجلد" وروي " ~~يجلد مائة". وليس الإسلام شرطا في الحصانة ويرجم الكافر كالمسلم. فأما ~~الحرية فهي من شروط الحصانة. فإذا زنا العبد لم يرجم، وإن كان ذا زوجة جلد ~~خمسين جلدة. واللواط وإتيان البهائم زنا، يوجب جلد البكر، ورجم المحصن. ~~وروي عن أحمد " يوجب الفعل في حق البكر والثيب". وروى عن أحمد رواية في ~~إتيان البهائم " لا حد، وفيه تعزير". وإذا زنى البكر بمحصنة، أو زنى المحصن ~~ببكر، جلد البكر منهما ورجم المحصن. وإذا عاود الزنا بعد الحد حد: وإذا زنا ~~مرارا قبل الحد حد للجميع حدا واحدا. والزنا يثبت بأحد أمرين: إما بإقرار، ~~أو بينة: أما الإقرار البالغ العاقل مختارا أربع دفعات وجب عليه الحد: وإذا ~~وجب الحد عليه بإقراره ثم رجع عنه قبل الحد سقط عنه الحد. وأما البينة: فهي ~~أن يشهد عليه بفعل الزنا أربعة رجال عدول، يذكرون أنهم شاهدوا دخول ذكره في ~~الفرج، كدخول المرود في المكحلة: فإن لم يشاهدوا ms211 ذلك على هذه الصفة لم تكن ~~شهادة. ومن شرط الشهادة: اجتماع الشهود في الأداء: فإن تفرقوا كانوا قذفة. ~~وإذا شهدوا بالزنا بعد حين قبلت شهادتهم. # وإذا لم يكمل شهود الزنا أربعة فهم قذفة، يحدون: نص عليه. PageV01P264 # وإن شهدوا بالزنا أربعة فساق أو عبيد، أو عميان ففيه روايتان: إحداهما: ~~أنهم قذفة يحدون. والثانية: لا حد عليهم، لأن لكمال العدد تأثيرا في إسقاط ~~الحد عن الشهود مع الحكم برد شهادتهم. وإذا شهد أربعة بالزنا، وشهد نساء ~~ثقات بأنها بكر، لم يجب الحد على المرأة، ولا على الشهود، ولو نقص عددهم ~~وجب الحد، ولأن العدد قد كمل، وهم من أهل الشهادة في الجملة، لأن العبيد ~~والعميان عند أحمد رحمه الله من أهلها في الجملة، وأما الفسق فطريقه ~~الاجتهاد، فقد يرد شهادتهم حاكم ويقبلها آخر، فهو غير مقطوع عليه، ونقصان ~~العدد مقطوع عليه. والثالثة: أنهم إن كانوا عميانا وجب عليهم الحد، وإن ~~كانوا عبيدا أو أحدهم عبدا لم يحدوا لأنا على كذب العميان، لأن الزنا طريقة ~~المشاهدة: والعبيد لا يمكن القطع على كذبهم، نقلها سندي بن عبد الله ~~الجوهري. وإذا شهدت البينة على إقراره بالزنا، لم يجز الاقتصار على شاهدين، ~~ولا يجوز أقل من أربعة. وإذا رجم الزاني لم يحفر له بئر عند رجمه ويحفر ~~للمرأة. وإذا رجم الزاني فهرب: نظرت. فإن رجم بالبينة اتبع حتى الموت ~~بالرجم، وإن رجم بإقراره لم يتبع. وإذا ثبت الرجم بشهادة لم يجب علىالشهود ~~حضور الرجم والبداءة به: وكذلك إن ثبت بإقراره، لم يجب على الإمام حضور ~~الرجم والبداءة به ذكره أبو بكر. ولا تحد الحامل حتى تضع: ولا بعد الوضع ~~حتى يوجد لولدها من يرضعه. وإذا ادعى في الزنا شبهة محتملة: من نكاح فاسد، ~~أو اشتبهت عليه بزوجته، أو جهل تحريم الزنا، وهو حديث عهد بالإسلام، درء ~~بها سنة الحد. PageV01P265 # وإذا أصاب ذات محرم بنكاح حد، ولا يكون العقد مع تحريمها بالنص شبهة في ~~درء الحد. وإذا تاب الزاني بعد القدرة عليه، لم يسقط عنه الحد، ولو ms212 تاب قبل ~~القدرة سقط عنه الحد، وكذلك السارق والمحارب. # والمنصوص عنه في السارق في رواية أبي الحارث، وحنبل " إذا تاب قبل أن ~~يقدر عليه ولم يقطع". وقد نقل الميموني عنه لفظين في الزاني، فقال: " إذا ~~أقر أربع مرات ثم تاب قبل أن يقام عليه الحد، تقبل توبته، ولا يقام عليه ~~الحد ". وقال: أي الميموني وناظرته في مجلس آخر فقال: " إذا رجع عما أقر به ~~لم يرجم، فإن تاب فمن توبته أن يطهر بالرجم". فاللفظ الأول يقتضي قبول ~~توبته بعد القدرة عليه، لأن إقراره إنما يكون عند الحاكم، واللفظ الثاني لا ~~تقبل توبته بعد القدرة عليه، لأنه قال " من توبته أن يطهر بالرجم" ويحتمل ~~أن يكون هذا بعد القدرة عليه. ولا يحل لأحد أن يشفع في إسقاط الحد عن زان ~~ولا غيره، ولا يحل للمشفوع إليه أن يشفع فيه. ### || فأما قطع السرقة # فكل مال بلغت ~~قيمته نصابا إذاسرقه بالغ عاقل، لا شبهة له في المال، ولا في حرزه، قطعت ~~يده اليمنى، من مفصل الكوع، فإن سرق ثانية بعد قطعه، قطعت رجله اليسرى من ~~مفصل الكعب، فإن سرق ثالثة، ففيه روايتان: إحداهما: لا يقطع فيهما. ~~والثانية: تقطع في الثالثة يده اليسرى، وتقطع في الرابعة رجله اليمنى، فإن ~~سرق الخامسة عزر ولم يقتل. وإذا سرق مرارا قبل القطع فليس عليه إلا قطع ~~واحد. والنصاب الذي يقطع فيه مقدر بأحد شيئين: ربع دينار فصاعدا من غالب ~~الدنانير الجيدةن أو ثلاثة دراهم من غالب الدراهم الجيدة، أو قيمة ثلاثة ~~دراهم من جميع الأشياء. والمال الذي تقطع فيه اليد: كل ما يتمول في العادة، ~~وإن كان أصله مباحا: كالصيد والحشيش والحطب، وكذلك في الطعام الرطب لايقطع ~~سارقه ويقطع بسرقته أستار PageV01P266 # الكعبة وقناديل المساجد، والمنصوص عنه ستارة الكعبة. وإذا سرق عبدا صغيرا ~~لا يعقل، أو أعجميا لا يفهم، قطع. ولو سرق حرا لم يقطع: نص عليه. ونقل صالح ~~عنه إذا سرق صبيا صغيرا عليه قطع. # والحرز معتبر في وجوب القطع، ويختلف بحسب اختلاف الأموال، اعتبارا بالعرف ~~فيخفف ms213 الحرز فيما قلت قيمته من الخشب والحطب، ويغلظ فيما كثرت قيمته من ~~الفضة والذهب: فلا يجعل حرز الخشب كحرز الذهب، فيقطع سارق الخشب منه. ولا ~~يقطع سارق الفضة والذهب منه. ويقطع نباش القبور إذا سرق أكفان الموتى. ~~ويقطع جاحد العارية. وإذا شد رجل متاعه على بهيمة سائرة - كما جرت بمثلة ~~العادة - فسرق سارق من المتاع ما بلغت قيمته ربع دينار: قطع، ولو سرق ~~البهيمة وما عليها: لم يقطع لأنه سرق الحرز والمحرز. وقد قال أحمد في رواية ~~جعفر بن محمد: في الصناديق التي في السوق " هي حرز، فإن حمله كما هو أو ~~أدخل يده فيه فهو سارق، عليه القطع". ولو سرق إناء من فضة أو ذهب قطع، وإن ~~كان استعماله محظورا، لأنه مختلف في اتخاذها. PageV01P267 # ويفارق هذا آلة اللهو أنه لا يقطع بسرقتها، لأنه متفق على تحريم اتخاذها، ~~ومتفق على أنه لا قيمة للتالف منها، ومختلف في ضمان الصنعة في الأواني. ~~وإذا اشترك جماعة في نقب ودخلوا الحرز وأخرج بعضهم نصابا، ولم يخرج الآخر. ~~فالقطع على جماعتهم. وإذا اشترك اثنان في نقب، ودخل أحدهما فأخرج المسروق، ~~وناوله الآخر خارج الحرز، فالقطع على الداخل دون الخارج، وهكذا إذا رمى به ~~إليه فأخذه. فإن اشترك اثنان في النقب، فدخل أحدهما وترك المتاع بقرب ~~النقب، وأدخل الآخر يده فأخذه، قطعا جميعا. فإن اشترك اثنان، فنقب أحدهما ~~ولم يأخذ، وأخذ الآخر، ولم ينقب لم يقطع واحد منهما. وإذا هتك الحرز ودخله ~~واستهلك المال فيه، أغرم ولم يقطع. وإذا قطع السارق والمال باق رد على ~~مالكه، فإن عاد السارق بعد قطعه فسرقه ثانية بعد إحرازه، قطع. فإن استهلك ~~السارق ما سرقه قطع وأغرم، وإذا وهبت له السرقة لم يسقط عنه القطع وإذا عفا ~~رب المال عن القطع، لم يسقط. ويستوي في قطع السرقة الرجل والمرأة، والحر ~~والعبد، والمسلم والكافر. ولا يقطع صبي ولا مجنون. # ويقطع السكران إذا سرق في سكره ولا يقطع المغمى عليه إذا سرق في إغمائه. ~~ولا يقطع عبد سرق من مال سيده، ms214 ولا أب سرق من مال ولده. ويقطع الأقارب ~~بسرقة بعضهم من بعض، سوى الوالدين والمولودين. ### || وأما حد الخمر # فكل ما أسكر ~~كثيره من خمر أو نبيذ، حد شاربه، سواء سكر منه أو لم يسكر. PageV01P268 # وفي قدر الحد روايتان: إحداهما: ثمانون، والثانية: أربعون بالسوط، كسائر ~~الحد. وقيل: بالأيدي وأطراف الثياب. ويبكت بالقول الممض، والكلام الرادع. ~~ولو حد ثمانون، أو أربعون - على اختلاف الروايتين - فإن حد زيادة على ذلك ~~فمات، ضمنت نفسه. وفي قدر ما يضمن وجهان، خرجهما أبو بكر. أحدهما: جميع ~~ديته، لأن نصف حده نص، ونصف حده مزيد، والأول أشبه بكلام أحمد، لأنه قد نص ~~في الإجارة " إذا أخذ أجرة حمل أرطال معلومة، فزاد عليها: ضمن القيمة، ولم ~~يسقط الضمان". ولو شربها لعطش، حد، لأنها لا تروي، وكذلك لو شربها لدواء ~~لأنه ممنوع من شربها للدواء، لما روى أحمد بإسناده عن طارق بن سويد " أنه ~~سأل النبي - صلى الله عليه وسلم - عن الخمر، وقال: إنما أصنعها للدواء؟ ~~فقال: إنها ليست بدواء، ولكن داء". وإذا اعتقد إباحة النبيذ حد، وإن كان ~~على عدالته. ولا يحد السكران حتى يقر بشرب المسكر، أو يشهد عليه شاهدان أنه ~~شرب مختارا، وهو يعلم أنه مسكر. PageV01P269 # وحكم السكران: في جريان الأحكام عليه كالصاحي، إذا كان عاصيا بسكره، فإن ~~خرج عن حكم المعصية، بأن شرب ما لا يعلم أنه مسكر، أو أكره على شربه على ~~إحدى الروايتين لم يجر عليه قلم، كالمغمى عليه. # فأما حد السكران الذي يمنع صحة العبادات ويوجب الفسق على شارب النبيذ، ~~فهو الذي يجمع بين اضطراب الكلام فهما وإفهاما، وبين اضطراب الحركة مشيا ~~وقياما، فيتكلم بلسان منكسر، ومعنى غير منتظم، ويتصرف بحركة مختبط، ومشي ~~متمايل، أومأ إليه أحمد في رواية حنبل، فقال: " السكران الذي إذا وضع ثيابه ~~في ثياب لم يعرفها، وإذا وضع نعله بين تعال لم يعرفها، وإذا هذي فأكثر ~~كلامه، وكان معروفا بغير ذلك". وحكى عن أبي حنيفة حده مازال معه العقل، حتى ~~لا يفرق بين الأرض والسماء، ولا يعرف أمه ms215 من زوجته. ### || وأما حد القذف واللعان ~~فحد القذف بالزنا ثمانون جلدة وهي حق لآدمي يستحق بالطلب ويسقط بالعفو. ~~فإذا اجتمعت بالمقذوف بالزنا خمسة شروط، وفي قاذفه ثلاثة شروط وجب الحد ~~فيه. أما الشروط الخمسة التي في المقذوف، فيهي أن يكون بالغا، عاقلا، حرا، ~~مسلما، عفيفا، فإن كان صبيا، أو مجنونا، أو عبدا، أو كافرا، أو ساقط العفة ~~بزنا حد فيه، فلا حد على قاذفه لكن يغزر لأجل الأذى ولتبرئة اللسان. وقد ~~قال الخرقي " ومن قذف عبدا أو مشركا، أو مسلما له دون العشر سنين، أو مسلمة ~~لها دون التسع سنين، أدب ولم يحد". وظاهر هذا: أنه إذا كان له عشر سنين، أو ~~تسع سنين حد القاذف، وإن لم يبلغ يحد قاذفه. وأما الشروط الثلاثة في ~~القاذف: فهي أن يكون بالغا، عاقلا، حرا، فإن كان صغيرا أو مجنونا لم يحد ~~ولم يعزر، وإن كان عبدا حد أربعين، نصف حد الحر لنقصه بالرقز ويحد الكافر ~~كالمسلم، والمرأة كالرجل. ويفسق القاذف ولا تقبل شهادته، فإن تاب زال فسقه ~~وقبلت شهادته قبل الحد وبعده. والقذف باللواط وإتيان البهائم كالقذف بالزنا ~~في وجوب الحد. ولا يحد القاذف بالكفر والسرقة، ويعزر لأجل الأذى. والقذف ~~بالزنا ما كان صريحا، كقوله: يا زاني، أو قد زنيت ن أو رأيتك تزني، فإن قال ~~ثا فاجر، أو يا فاسق، أو يا لوطي، كان كناية لاحتماله، فلا يجب به الحد، ~~إلا أن يريد القذف. PageV01P270 # فإن قال: يا عاهر. # احتمل أن يكون كناية أيضا، واحتمل أن يكون صريحا، لقول النبي - صلى الله ~~عليه وسلم -: " وللعاهر الحجر". واختلفت الرواية عن أحمد في التعريض: هل ~~يوجب الحد كالصريح؟ على روايتين: # إحداهما: يجب به الحد كالصريح. والثانية: لا يجب به الحد، حتى يقر أنه ~~أراد به القذف. والتعريض: أن يقول في حال الغضب جوابا لمن سابه: يا حلال ~~ابن الحلال، خلقت من نطفة حلال، ما أنت بزان، ولا أمك بزانية، ولا يعرفك ~~الناس بالزنا، ونحو قوله لزوجته، فضحتيني، وغطيت رأسي، وصيرت لي قرونا ~~وتعلقين على ms216 الأولاد من غيري وقد نكست رأسي ونحو ذلك. وإذا قال: يا ابن ~~الزانيين كان قاذفا لأبويه، فيحد لهما إذا طالبا به. وإذا مات المقذوف سقط ~~الحد عن القاذف، إذا لم يطالب، فإن كان طالب لم يسقط. فإن قذف ميتا، فهل ~~يثبت لوارثه المطالبة بحد القذف، اختلف أصحاب أحمد. فقال أبو بكر في كتاب ~~الخلاف " لا يملك الوارث المطالبة، كما لو قذف حيا ومات قبل المطالبة ". ~~وقال الخرقي " ولو قذف أمه – وهي ميتة – مسلمة، كانت أو كافرة، حرة أو أمة ~~حد القاذف إذا طالب الابن وكان حرا مسلما". فقد أثبت المطالبة بحد القذف، ~~لأن الحق هماك ثبت للوارث ابتداء: ولهذا اعتبرنا حصانة الوارث دون الموروث، ~~لأن هذا القذف يعود بالقدح في نسبه. ولو أراد المقذوف أن يصالح عن حد القذف ~~بمال، لم يجز. وإذا لم يحد القاذف حتى زنى المقذوف لم يسقط القذف. وإذا قذف ~~الرجل زوجته بالزنا حد لها إلا أن يلاعن منها. ### ||| واللعان # أن يقول في الجامع ~~على المنبر أو عنده، بمحضر من الحاكم وشهود أقلهم أربعة: " أشهد بالله إنني ~~لمن الصادقين فيما رميت به زوجتي هذه من الزنا بفلان، وأن هذا الولد من ~~زنى، ماهو مني". إن أراد أن ينفي ولدا، ويكرر ذلك أربعا، ثم يقول في ~~الخامسة " وعلى لعنة الله إن كنت من الكاذبين فيما رميتها به من الزنى ~~بفلان". # إن كان ذكر الزاني بها " وأن هذا الولد من زنا ما هو مني" فإذا قال هذا ~~فقد أكمل لعانه وسقط به حد القذف عنه. PageV01P271 # وتلاعن هي فتقول " أشهد بالله أن زوجي هذا لمن الكاذبين فيما رماني به من ~~الزنى بفلان. وأن هذا الولد منه ما هو من زنى، تكرر ذلك أربعا، ثم تقول في ~~الخامسة " وعلي غضب الله إن كان زوجي هذا من الصادقين فيما رماني به من ~~الزنى بفلان" فإذا قالت ذلك فلا حد عليها وانتفى الولد عن الزوج، ولم تقع ~~الفرقة حتى يفرق الحاكم بينهما. فإن التعن الزوج ولم تلتعن هي فلا حد ~~عليها: وهل ms217 تحبس حتى تلاعن أو تقر؟ على روايتين. إحداهما: تحبس. والثانية: ~~لا تحبس. وإذا قذفت المرأة زوجها. حدت ولم تلتعن. وإذا أكذب الزوج نفسه بعد ~~لعانه لحق به الولد، وحد القذف، ولم تحل له الزوجة في إحدى الروايتين، ~~والأخرى تحل له. ### || وأما قود الجنايات وعقلها # فالجنايات على النفوس ثلاث: ~~عمد، وخطأ، وشبه الخطإ. فأما العمد المحض. فهو أن يتعمد قتل النفس بما يقطع ~~بحده، كالحديد، أو بما يمور في اللحم مور الحديد أو يقتل غالبا بثقله، ~~كالحجارة، والخشب، فهو قتل عمد يوجب القود. وحكم العمد: أن يكون ولي ~~المقتول فيه مخيرا، مع تكافؤ الدمين، بين القود أو الدية، وولي الدم هو ~~وارث المال، من ذكر أو أنثى، بفرض أو تعصيب. ولا قود لهم إلا أن يجتمعوا ~~على استيفائه. فإن عفا أحدهم سقط القود ووجبت الدية. وإذا كان فيهم صغير أو ~~مجنون لم يكن للبالغ أو العاقل أن ينفرد حتى يبلغ الصبي، ويفيق المجنون. ~~وتكافؤ الدمين: أن لا يفضل القاتل على المقتول بحرية ولا إسلام. فإن فضل ~~القاتل عليه بأحدهما، فقتل حر عبدا أو مسلم كافرا، فلا قود. PageV01P272 # ويقتل العبد بالعبد وإن فضلت قيمة القاتل على المقتول. وإذا اختلفت أديان ~~الكفار أقيد بعضهم ببعض. ويقاد الرجل بالمرأة، والمرأة بالرجل، والكبير ~~بالصغير، والعاقل بالمجنون. # ولا قود على صبي ولا مجنون، ولا يقاد والد بولده ويقاد الولد بوالده ~~والأخ بأخته. ### || وأما الخطأ المحض # فهو أن ينتسب إليه القتل من غير قصد لإيقاع ~~الفعل بالمقتول كرجل رمى هدفا فأصاب إنسانا، أو حفر بئرا فوقع فيها إنسان، ~~أو أشرع جناحا فوقع على إنسان، أو ركب دابة فرمحت إنسانا، أو وضع حجرا في ~~طريق فتعثر به إنسان، فهذا وما أشبهه إذا حدثت عنه الموت: قتل خطأ محض، ~~يوجب الدية دون القود، وتكون على عاقلة الجاني، لا في ماله مؤجلة في ثلاث ~~سنين من حين يموت القتيل. والعاقلة: من عدا الآباء والأبناء من العصبات، ~~فلا يتحمل الأب وإن علا، ولا الابن وإن سفل في إحدى الروايتين، والأخرى: ~~الآباء ms218 والأبناء من العاقلة. ولا يتحمل القاتل مع العاقلة شيئا من الدية. ~~والذي يتحمله الموسر منهم في كل سنة نصف دينار، أو بقدره من الإبل، ويتحمل ~~المتوسط ربع دينار أو بقدره من الإبل، ولا يتحمل الفقير شيئا منها، ومن ~~أيسر بعد فقر تحمل ومن افتقر بعد يسار لم يتحمل. وهذا الذي ذكرنا من ~~التقدير اختيار أبي بكر، وذكره في مختصره التنبيه. وظاهر كلام أحمد: أن ما ~~يوضع على كل واحد من العاقلة غير مقدر، وإنما هو على حسب الاجتهاد فيما ~~يمكن ويسهل، ولا يضر به. وفي رواية الميموني " على قدر ما يحتمل القوم". PageV01P273 # ودية الحر المسلم، إن قدرت ذهبا: ألف دينار من غالب الدنانير الجيدة، وإن ~~قدرت ورقا: اثنا عشر ألف درهم. وإن كانت إبلا فهي مائة بعير أخماسا: عشرون ~~ابن مخاض، وعشروة ابنة مخاض، وعشرون بنت لبون، وعشرون حقة، وعشرون جذعة. ~~وإن قدرت بالبقر فمائتي بقرة أسنان الزكاة. وإن قدرت غنما ألفا شاة أسنان ~~الزكاة. وللدية أصول خمس: إبل، وبقر، وغنم وذهب، وفضة. واختلف الرواية عن ~~أحمد في الحلل، فروى عنه مائتا حلة من حلل اليمن، قيمتها ستون درهما، وروي ~~عنه ليست بأصل. # ودية المرأة على النصف من دية الرجل في النفس، وأما في الأطراف فتساوي ~~دية الرجل إلى ثلث الدية، فإذا زادت على الثلث فعلى النصف من دية الرجل. ~~واختلف الرواية عن أحمد في دية اليهودي والنصراني، فروي عنه نصف دية ~~المسلم. وروي عنه ثلث دية المسلم. فأما المجوسي فديته ثلثا عشر دية المسلم، ~~ثمانمائة درهم، وهذا في قتله الخطأ. فأم قتله عمدا، فدية اليهودي والنصراني ~~مثل دية المسلم، ودية المجوسي: الضعف من ديته ألف وستمائة. ودية العبد: ~~قيمته ما بلغت، وإن زادت على دية الحر أضعافا. ### || وأما العمد شبه الخطإ # فهو أن يكون عامدا في الفعل غير قاصد للقتل، كرجل ضرب رجلا بخشبة أو رماه بحجر ~~يجوز أن يسلم من مثلها وأن يتلف، فأفضى إلى تلفه فلا قود في هذا، وفيه ~~الدية على العاقلة مغلظة. وتغليظها في الذهب ms219 والورق: أن يزاد عليها ثلثها، ~~وفي الإبل: أن يكون أرباعا: خمس وعشرون بنات مخاض، وخمس وعشرون بنات لبون، ~~وخمس وعشرون حقة ,وخمس وعشرون جذعة. PageV01P274 # وفي رواية أخرى: أنها أثلاثا: ثلاثون حقة، وثلاثون جذعة، وأربعون خلفة في ~~بطونها أولادها. ودية الخطأ المحض، في الجرم، وفي الأشهر الحرم، والإحرام، ~~وعلى ذي الرحم مغلظة. ودية العمد المحض إذا عفا فيه عن القود: مغلظة، تستحق ~~في مال القاتل حالة وقد ذكرنا صفة التغليظ. وإذا اشترك الجماعة في قتل ~~الواحد، وجب القود على جميعهم، وإن كثروا، ولولي الدم أن يعفو عمن شاء ~~منهم، ويقتل باقيهم، فإن عفا عن جميعهم فعليهم دية واحدة تقسط بينهم على ~~أعداد رؤوسهم. فإن كان بعضهم جارحا وبعضهم ذابحا أو موجئا فالقود في النقس ~~على الذابح والموجئ والجارح مأخوذ بالجراحة دون النفس. وفيه رواية أخرى: ~~على كل واحد منهم دية كاملة، نقلها الفضل بن زياد واختارها أبو بكر في جملة ~~مسائل أفردها. فإن قتل الواحد جماعة، فحضر أولياء الجميع، فطلبوا القصاص، ~~قتل بجماعتهم، ولا دية عليه. # وإن طلب بعضهم القود، وبعضهم الدية، قتل لمن طلب القصاص، ووجبت الدية لمن ~~طلب الدية، سواء كان المطالب للدية ولي المقتول أولا أو ثانيا. أما إذا طلب ~~جيمعهم القصاص فإنما سقط حقهم من الدية، لأن القصاص قد ثبت لولي كل واحد ~~منهم على الانفراد، بدليل أنه لو عفا ولي المقتول الأول وجب القصاص لولي ~~الثاني ولو سبق الثاني بقتل القاتل كان آخذا بحقه، فإذا رضيا جميعا بالقصاص ~~فقد رضي كل واحد منهما بنصف حقه بعد ثبوته وأسقط الباقي، فيجب أن يسقط، كما ~~قلنا في أشل قطع يده صغيرة فالمجني عليه بالخيار بين أخذ الدية - وهو بدل ~~يده - وبين القصاص من الشلاء، ولا شيء له. وإذا طلب بعضهم القود وبعضهم ~~الدية، كان لكل واحد منهم ما طلب، أنها جنايات لو كانت خطأ لم تتداخل، فإذا ~~كانت عمدا لم تتداخل كما لو قطع يمنى رجلين: أنه يقطع لأحدهما ويغرم للآخر. ~~وإذا أمر المطاع رجلا بالقتل، فالقود على ms220 الآمر والمأمور معا، ولو كان ~~الآمر غير مطاع، كان القود على المأمور، دون الآمر. وكذلك لو أكره رجل على ~~القتل، وجب القود على المكره والمكره. PageV01P275 ### || وأما القود في الأطراف # فكل طرف قطع من مفصل ففيه القود، فتقاد اليد ~~باليد، والرجل بالرجل، والأصبع بالأصبع، والإبهام بالإبها، والسن بمثلها، ~~ولا تقاد يمنى بيسرى، ولا عليا بسفلى، ولا ضرس بسن، لا ثنية برباعية، ولا ~~يؤخذ بسن من قد ثغر سن لم يثغر. ولا تؤخذ يد سليمة بيد شلاء، ولا لسان ناطق ~~بأخرس، وتؤخذ اليد الكاتبة والصانعة بيد من ليس بكاتب ولا صانع، ولا تؤخذ ~~العين القائمة واليد الشلاء إلا بمثها. ويقاد أنف الذي يشم بأنف الأخشم، ~~وأذن السميع بأذن الأصم. ويقاد من العربي بالعجمي، ومن الشريف بالدنيء. # فإن عفي عن القود في هذه الأطراف إلى الدية، ففي اليدين، الدية كاملة، ~~وفي إحداهما نصف الدية، وفي كل أصبع: عشر الدية، وهو عشر من الإبل، وفي كل ~~واحدة من أنامل الأصابع: ثلاثة أبعرة وثلث، وإلا أنملة الإبهام، ففيها خمس ~~من الإبل. ودية الرجلين كاليدين إلا في أناملهما فيكون في كل أنملة خمس من ~~الإبل. وفي العينين: الدية. وفي الجفون الأربع: جميع الدية، وفي كل عضو ~~منها: ربع الدية وفي الأنف: الدية، وفي الأذنين: الدية، وفي إحداهما: نصف ~~الدية، وفي اللسان: الدية وفي الشفتين: الدية، وفي إحداهما نصف الدية، وفي ~~كل سن: خمس من الإبل، ولا فضل لضرس على سن، ولا لثنية على ناجذ. وفي ذهاب ~~السمع: الدية، وفي ذهاب الشم، الدية، فإن قطع أذنه فأذهب سمعه فعليه ديتان، ~~وكذا لو قطع أنفه فذهب شمه، فعليه ديتان. وفي ذهاب الكلام: الدية، فإن قطع ~~لسانه فأذهب كلامه، فعليه دية واحدة، وفي ذهاب العقل: الدية، وفي الذكر: ~~الدية. وفي ذكر الخنثي والعنين حكومة مقدرة بثلث الدية. وفي الأنثيين: ~~الدية، وفي إحداهما: نصف الدية، وفي الإليتين: الدية، وفي إحداهما نصف ~~الدية. وفي ثديي المرأة: ديتها، وفي أحدهما: نصف الدية، وفي ثديي الرجل: ~~الدية. PageV01P276 ### || وأما شجاج الرأس # فأولهما: الحارصة: وهي ms221 التي أخذت في الجلد، ولا قود ~~فيها، وفيها حكومة. ثم الدامية: وهي التي قد أخذت في الجلد، وأدمت، وفيها ~~حكومة. ثم الدامعة: وهي التي قد خرج دمها من قطع الجلد كالدمعة، وفيها ~~حكومة. ثم المتلاحمة: وهي التي قطعت الجلد وأخذت في اللحم، وفيها حكومة. ثم ~~الباضعة: وهي التي قطعت اللحم بعد الجلد، حتى ظهر، وفيها حكومة. ثم ~~السمحاق: وهي التي قطعت جميع اللحم بعد الجلد وأبقت على عظم الرأس غشاوة ~~رقيقة، وفيها حكومة. وحكومات هذه الشجاج: تزيد على حسب ترتيبها. ثم ~~الموضحة، وهي التي قطعت الجلد واللحم والغشاوة وأوضحت عن العظم، وفيها ~~القود، فإن عفا عنها ففيها خمس من الإبل. # ثم الهاشمة، وهي التي أوضحت عن العظم حتى ظهر وشهمت عظم الرأس حتى تكسر ~~وفيها عشر من الإبل، فإن أراد القود من الهشم لم يكن له، وإن أراد من ~~الموضحة أقيد له منها، وأعطي في زيادة الهشم خمسا من الإبل، هذا قياس قول ~~أحمد، وأنه يجمع بين القصاص فيما يصح القصاص فيه، والأرض فيما لم يقتض منه. ~~لأنه قال في رواية ابن منصور: في صحيح فقأ عين أعور عمدا " فإن أحب أن ~~يستقيد من إحدى عينيه فله نصف الدية، وإن أحب أخذ الدية كاملة". وقياس قول ~~أبي بكر: إن اختار القصاص لم يكن له أرش، لأنه قال: " فيمن قطع يدا تامة ~~الأصابع ويده ناقصة أصبع، فاختار القصاص وأخذ دية إصبع قال" ليس له دية ~~الأصبع" وحكم المسألتين سواء. PageV01P277 # ثم المنقلةك وهي التي قد أوضحت وهشمت حتى شظي العظم وزال عن موضعه فاحتاج ~~إلى نقله وإعادته، وفيها خمس عشرة من الإبل، فإن استقاد من الموشحة أعطى في ~~الهشم والتنقيل عشر من الإبل. ثم المأمومة، وتسمى الدامغة، وهي الواصلة إلى ~~أم الدماغ وفيها ثلث الدية. ### || فأما جراح الجسد # فلا يتقدر دية شيء منها إلا ~~الجائفة، وهي الواصلة إلى الجوف، وفيها ثلث الدية. ولا قود في جراح الجسد ~~إلا في الموضحة عن عظم، وفيها حكومة. وإذا قطع أطرافه واندملت وجب عليه ~~دياتها، وإن ms222 كانت أضعاف دية النفس، ولو مات منها قبل اندمالها كانت عليه ~~دية النفس، وسقطت ديات الأطراف، ولو مات بعد اندمال بعضها وجب عليه دية ~~النفس وفيها لم يندمل مع دية الأطراف فيما اندمل. وفي لسان الأخرس، ويد ~~الأشل، والأصبع الزائدة، والعين القائمة، حكومة وهي مقدرة بثلث دية اللسان، ~~واليد، والأصبع والعين. والشجاج التي دون الموضحة فيها حكومة غير مقدرة. ~~والحكومة في جميع ذلك، أن يقوم الحاكم المجني عليه لو كان عبدا لم يجن ~~عليه، ثم يفوم لو كان عبدا بع الجناية عليه، ويعتبر ما بين القيمتين من ~~ديته، فيكون قدر الحكومة في جنايته. # وإذا ضرب بطن امرأة، فألقت من الضرب جنينا ميتا، ففيه - إذا كان حرا - ~~غرة: عبد، وأمة يستوي فيه الذكر والأنثى. وعلى كل قاتل نفس ضمن ديتها: ~~الكفارة عامدا كان أو خاطئا، وفيها رواية أخرى، لا كفارة في قتل العمد. ~~والكفارة: عتق رقبة مؤمنة، سليمة من العيوب المضرة بالعمل، فإن أعسر بها ~~صام شهين متتابعين، فإن عجز عنهما فهل ينتقل إلى الإطعام؟ على وجهين: ~~أحدهما: يطعم ستين مسكينا، والثاني: لا شيء عليه. # وإذا ادعى قوم قتلا على قوم ومع الدعوى لوث (3) . -وهو العداوة الظاهرة- ~~فيكون القول قول المدعى. فيحاف خمسين يمينا. ويحكم له بالدية فى الدعوى ~~الخطأ. وفى العمد القود. ولو نكل المدعى عن الأيمان او بعضها, حلف المدعى ~~عليه خمسين يمينا. وبرئ. PageV01P278 # وإذا وجب القود في نفس أو طرف لم يكن لوليه أن ينفرد باستيفائه إلا بإذن ~~السلطان فإن كان في طرف لم يمكنه السلطان من استيفائه حتى يتولاه غيره. ~~وأجرة إلي يتولاه في مال المقتص منه. ذكره أبو بكر. فإن كان القصاص في نفس ~~جاز أن يأذن له السلطان في استيفائه بنفسه، إن كان ثابت النفس عند ~~استيفائه، وإلا استوفاه السلطان بأوحى سيف وأمضاه. فإذا انفرد ولي القود ~~باستيفائه، من نفس أو طرف، ولم يتعد، عزره السلطان، لاقتنائهئن وقد صار إلى ~~حقه بالقود، فلا شيء عليه. ### || واما التعزير # فهو تأديب على ذنوب لم تشرح فيها ~~الحدود. ويختلف ms223 حكمه باختلاف حاله وأحواله فاعله. فيوافق الحدود من وجه، ~~وهو أنه تأديب استصلاح وزجر، ويختلف بحسب اختلاف الذنب، ويخالف الحدود من ~~وجهين. ### ||| أحدهما: # أن تأديب ذي الهيئة من أهل الصيانة أخف من تأديب أهل البذاء ~~والسفاهة لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - " أقيلوا ذوي الهيئات ~~عثراتهم". فإن تساووا في الحدود المقدرة، فيكون تعزير من جل قدره، بالإعراض ~~عنه. وتعزير من دونه: بزاجر الكلام، وغاية الاستخفاف الذي لا قذف فيه ولا ~~سب، ثم يعد بمن دون ذلك إلى الحبس، الذي ينزلون فيه على حسب رتبهم، وبحسب ~~هفواتهم، فمنهم من يحبس يوما، ومنهم من يحبس أكثر منه إلى غير غاية مقدرة، ~~ثم يعدل بمن دون ذلك إلى النفي والإبعاد، إذا تعدت ذنوبه إلى اجتلاب غيره ~~إليها، واستضراره بها. # وقد قال أحمد رحمه الله، ورضي عنه: في المخنث في رواية المروزي " حكمه أن ~~ينفي" وقال في رواية إسحاق - وقد سئل عن التعزير في الخمر- قال: " لا، إلا ~~في الزنا والمخنث". وعامة نفيه مقدر بما دون الحول، ولو بيوم، لئلا يصير ~~مساويا لتغريب الحول في الزنا. PageV01P279 # ثم يعدل بمن دون ذلك إلى الضرب، ينزلون على حسب الهفوة، في مقدار الضرب ~~وبحسب الرتبة في الامتهان والصيانة، وأكثر ما ينتهي إليه الضرب في التعزير، ~~معتبر بالجرم. فإن كان الذنب في التعريض بالزنا روعي ما كان منه، فإن أصاب ~~منها بوطء دون الفرج ضرب تسعة وتسعين سوطا، إن كان حرا، وإن كان عبدا تسعة ~~وأربعين سوطا لينقص عن أكثر الحدود، وفي معناه وطء الشريك في الفرج للأمة ~~المشتركة، ووطء الأب جارية ابنه، ووطء جارية نفسه بعد أن زوجها، أو وطء ~~جارية امرأته بعد أن أذنت له في وطئها، وقد نص على هذا في رواية أبي ~~الحارث، وأبي طالب، والميموني في الرجل يطأ جارية بينة وبين شريكه" يجلد ~~إلا سوطا" كذا قال سعيد بن المسيب. وقال في رواية، ابن نختان في رجل فجر ~~بامرئ فيما دون الفرج يضرب مائة، لأن عليا أتى برجل وجد مع امرأة في ~~لحافها، فضربه ms224 مائة. وقال في رواية إسحاق بن إبراهيم، وصالح، "إذا وطئ ~~جارية امرأته وقد أحلتها له، يرجم". وإن وجدوهما في إزار ولا حائل بينهما ~~متباشرين غير متعاطيين للجماع، أو وجدوهما غير مباشرين، أو وجدوهما في بيت ~~متبذلين عريانين غير مباشرين، أو وجدوهما يشير إليها وتشير إليه بغير ~~الكلام، أو وجدوه يتبعها ولم يقفوا على ذلك، فضربه مبني على أدنى الحدود، ~~فإن قلنا: أدناهما ثمانون في تحد الشرب، ضرب تسعة وتسعين، إن كان حرا وتسعة ~~وثلاثين إن كان عبدا، لينقص عن أدنى الحد". قال في رواية ابن منصور: في رجل ~~وجد مع امرأة في لحافها، قال علي " يجلد مائة" وعلى مذهبنا لا يجلد وعليه ~~تعزير والتعزير دون عشر جلدات. # وكذلك قال، في رواية أحمد بن سعيد بن عبد الخالق في اللوطي " إذا أولج ~~وخالط، فالجم أحصن أو لم يحصن، فإذا وجد على ظهره، أو معه، يؤدب كما يصنع ~~به إذا وجد مع امرأة ". وقال في رواية أبي الصقر " إذا قال الرجل، يا ~~مرابي، يا شارب الخمر، يا عدو الله، يا خائن، يا ظالم، يا كاذب،: عليه في ~~هذا كله أدب، والأدب من ثلاثة إلى عشرة". وكذلك قال في رواية صالح " أذهب ~~إلى حديث علي: أنه ضرب النجاشي عشرين لإفطار في رمضان بعد ضربه ثمانين". PageV01P280 # وقال الخرقي " ولا يبلغ بالتعزير الحد، وأدنى الحدود أربعون. إذا قلنا: ~~حد شارب الخمر ثمانون، وإن قلنا: أربعون، فأدناها عشرون في حق العبد". فإن ~~سرق من حرز مثله أقل من نصاب، أو سرق نصابا من غير حرز غرم مثليه وقد نص ~~على ذلك في سرقة الثمار المعلقة. وقا لأيضا في رواية ابن منصور، في الضالة ~~المكتومة، " إذا أزلت عنه القطع، فعليه غرامة مثلها". وإن جمع المتاع في ~~الحرز واسترجع منه قبل إخراجه، أو نقب الحرز ودخل ولم يأخذ، أو نقب الحرز ~~ولم يدخل، ولم يأخذ، أو تعرض للنقب، أو ليفتح بابا ولم يفعل، غزر أدنى ~~الحدود ولم يبلغ به. وقد قال أحمد في رواية أبي طالب: " إذا جمعه ms225 في البيت ~~وكوره ولم يخرجه، يؤدب ولا يقطع، فإن أخذ الثوب وشقه يقطع ويضرب". وما عدا ~~هذين الذنبين - أعني الزنا والسرقة - فلا يبلغ في تعزيره أدنى الحدود، وقد ~~حكينا كلامه فيمن افترى على غيره بالكلام فقال: يا ظالم، يا مرابي، يا كذاب ~~يؤدب من ثلاثة إلى عشرة. فهذا الكلام في أحد الوجوه التي يختلف فيه التعزير ~~والحدود. ### ||| والوجه الثاني # أن الحد لا يجوز العفو عنه، ولا تسوغ الشفاعة فيه، ~~فهل يجوز في التعزير العفو وتسوغ الشفاعة فيه؟. نظرت، فإن تعلق بحق آدمي ~~وعفا عن حقه جاز عفوه. قال في رواية الأثر: في رجل قذف رجلا، فقدمه إلى ~~السلطان: هل له أن يعفو بعد ما رفعه إلى السلطان؟ فقال " إذا كان في نفسه ~~فهو حق له، وإذا قذف أبه فهو شيء يطلبه لغيره". # فقد أجاز العفو بد الترافع فيما كان حقا لآدمي، وأبطله إذا عفا عما كان ~~حقا لأبيه. ونقل ابن منصور عنه " إذا افترى على أبيه - وقد هلك - فعفا ابنه ~~قال: عفوه جائز". فقد أجاز ههنا عفوه فيما كان لأبيه. وهذا محمول على أن ~~الافتراء على الأب كان بعد موته، فيتعلق الحق بالابن، ولهذا قلنا، إذا قذف ~~أمه وهي ميتة كانت المطالبة للابن. PageV01P281 # فأما في حق السلطنة، فهل يسقط بعفو صاحبه إذا كان السلطان يرى أن المصلحة ~~في استيفائه؟ ظاهر كلام أحمد رحمه الله تعالى، أنه يسقط، لأنه لم يفرق، ~~ويحتمل أن لا يسقط، للتهذيب والتقويم. وإن تعلق بحق الله تعالى، فهل يجوز ~~للسلطان إسقاطه؟. قال في رواية ابن منصور، في الرجل يضرب رقيقه، قال: إي ~~والله، يؤدبه على ترك الصلاة، وعلى المعصية، ويعفو عنه فيما بينه وبينه". ~~وظاهر هذا عدم جواز العفو فيما تعلق بحق الله تعالى، وهو ترك الصلاة. وكذلك ~~قال في رواية حنبل في شاهد الزور" ذاك إلى السلطان، إن شاء عاقبه " فقد ~~خيره في ترك تعزيره. وذكر في رسالة الأصطخري " ومن طعن على أحد من الصحابة ~~وجب على السلطان تأديبه وليس له أن يعفو عنه". وظاهر ms226 هذا أنه لا يجوز العفو ~~عنه. ولو تشاتم وتواثب والده مع ولده، سقط تعزير الوالد في حق والده، ولم ~~يسقط تعزير الولد في حق والده، كما لا يسقط في حد القذف، ويكون تعزيره ~~مختصا بحق السلطنة. وهل يجوز لولي الأمر أن يعفو عنه؟ يخرج على الروايتين. ~~ولا يجوز له العفو مع مطالبة الوالد، لأنه حق له. والتعزير لا يوجب ضمان ما ~~حدث عنه من التلف وكذلك المعلم إذا ضرب صبيا أدبا معهودا في العرف، فأفضى ~~إلى تلفه، وكذلك الزوج إذا ضرب عند النشوز وتلفت فلا ضمان عليه. وقد نص على ~~ذلك في رواية أبي طالب وقد سئل: هل بين المرأة وزوجها قصاص؟ فقال: " إذا ~~كان في أدب بضربها فلا". وكذلك نقل بكر بن محمد " في الرجل يضرب امرأته، ~~فيكسر يدها أو رجلها، أو يعقرها على وجه الأدب، فلا قصاص عليه". # وذكر أبو بكر الخلاف في كتاب الأدب فقال " إذا ضرب المعلم الصبيان ضربا ~~غير مبرح وكان ذلك ثلاث فليس بضامن " وعلى قياس هذا الأب إذا أدب ابنه. PageV01P282 ### ||| فأما صفة الضرب في التعزير # فيجوز بالعصا وبالسوط الذي كسرت ثمرته كالحد، ~~ولا يجوز بسوط لم تكسر ثمرته. وقد قال أحمد في رواية إبراهيم بن هانئ: ~~والزني أشد ضربا من القاذف، قيل له: يقطع الثمرة؟ قال: نعم سوطا بين ~~سوطين". ويعطى كل عضو حقه، ولا يجوز أن يبلغ بتعزيره إنهار دمه. وضرب الحد ~~يجب أن يفرق في البدن كله إلا المقاتل. ولا يجوز أن يجمع على موضع واحد من ~~الجسد، والتعزير في ذلك كالحد. ويجوز أن يصلب في التعزير حيا. ولا يمنع إذا ~~صلب من طعام وشراب، ولا يمنع من الوضوء للصلاة، ويصلي موميا. ولا يعيد، ولا ~~يتجاوز بصلبه ثلاثة أيام. وهل يجرد في نكال التعزير من ثيابه إلا قدر ما ~~يستر عورته؟ فقد اختلف الرواية عنه في الجلد، فروى الميموني أنه قال في ~~الزنا " يجرد ويعطى كل عضو حقه". ونقل أبو الحارق" يجلد مائة وعليه ثيابه". ~~ونقل ابن منصور " يضرب على قميص، ms227 لو ترك عليه ثياب الشتاء ما بالي بالضرب". ~~ويجوز أن ينادى عليه بذنبه إذا تكرر منه، ولم يقلع عنه. ولايجوز أن يحلق ~~شعره، ولا يجوز أن تحلق لحيته. وهل يسود وجهه؟ فقيل: يجوز، وقيل: لا يجوز. ~~وقد قال أحمد في رواية عبد الله بن إبراهيم: في شاهد الزور " يطاف به في ~~حيه، ويشهر أمره، ويؤدب". وقال أيضا في رواية مهنا في شاهد الزور، " يبعث ~~به في محلته يقولون: هذا فلان يشهد الزور، اعرفوه، وقيل له: ثم يضرب؟ قال: ~~نعم، قيل له: نصف الحد؟ قالك لا، أقل، قيل له: يسود وجهه؟ قال قد روي عن ~~عمر - رضي الله عنه - أنه سود وجه شاهد الزور، قيل له: فترى أنت أن تسود ~~وجهه؟ قال: لا أدري " وكأنه كره تسويد الوجه. فقد نص على أنه ينادى بذنبه، ~~ويطاف به، ويضرب مع ذلك، وتوقف عن تسويد وجهه. # وقد روى أبو بكر الخلال بإسناده عن مكحول قال: قال عمر بن الخطاب " شاهد ~~الزور يجلد أربعين، ويسخم وجهه، ويطال حبسه". PageV01P283 # وروي أن عمر " كان يطوف ذات ليلة في سكة من سكك المدينة إذ سمع امرأة، ~~وهي تهتف " وتقول: هل من سبيل إلى خمر فأشربها أم هل سبيل إلى نصر بن حجاج؟ ~~فلما أصبح أتى بنصر، فإذا أحسن الناس وجها وأحسنهم شعرا، فقال له، عزمة من ~~أمير المؤمنين لتأخذن من شعرك، فأخذ من شعره". ### | فصل في أحكام الحسبة # والحسبة، هي أمر بالمعروف، إذا ظهر تركه، ونهي عن المنكر إذا ظهر فعله. ~~وهذا، وإن صح من كل مسلم، فالفرق بين المحتسب والمتطوع من تسعة أوجه. # أحدها: أن فرضه متعين على المحتسب بحكم الولاية، وفرضه على غيره داخل في ~~فرض الكفاية. # الثاني: أن قيام المحتسب به من حقوق تصرفه الذي لا يجوز أن يتشاغل عنه ~~بغيره. وقيام المتطوع به من النوافل الذي يجوز التشاغل عنه لغيره. # الثالث: أنه منصوب للاستعداء إليه فيم يجب، وليس المتطوع منصوبا ~~للاستعداء. # الرابع: أن على المحتسب إجابة من استعدى به، وليس على المتطوع إجابته. # الخامس: ms228 أن عليه أن يبحث عن المنكرات الظاهرة، ليصل إلى إنكارها ,ويفحص ~~عما ترك من المعروف الظاهر، ليأمر بإقامته، وليس على غيره من المتطوعة بحق ~~ولا فحص. # السادس: أن له أن يتخذ على الإنكار أعوانا، لأنه عمل هو له منصوب، وإليه ~~مندوب، ليكون له أقهر، وعليه أقدر، وليس لمتطوع أن يندب لذلك أعوانا. # السابع: له أن يعزر على المنكرات الظاهرة، ولا يتجاوزها إلى الحدود، وليس ~~للمتطوع أن يعزر على منكر. PageV01P284 # الثامن: أن له أن يرتزق من بيت المال، على حسبه، ولا يجوز لمتطوع أن ~~يرتزق على إنكاره. # التاسع: أن له اجتهاد رأيه فيما تعلق بالعرف دون الشرع، كالمقاعد في ~~الأسواق، وإخراج الأجنحة، فيقر وينكر من ذلك ما أداه اجتهاده إليه، وليس ~~هذا للمتطوع. # فيكون الفرق بين والي الحسبة، وإن كانت أمرا بالمعروف، ونهيا عن المنكر، ~~وبين غيره من المتطوعة، وإن جاز أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، من هذه ~~الوجوه التسعة. ### || ومن شروط والي الحسبة # أن يكون خبيرا عدلا، ذا رأي وصرامة ~~وخشونة في الدين، وعلم بالمنكرات الظاهرة. وهل يفتقر إلى أن يكون عالما من ~~أهل الاجتهاد في أحكام الدين ليجتهد رأيه؟ يحتم أن يكون من أهله، ويحتمل أن ~~لا يكون ذلك شرطا إذا كان عارفا بالمنكرات المتفق عليها. واعلم أن الحسبة ~~واسطة بين أحكام القضاء وأحكام المظالم. فأما ما بينها وبين القضاء: فهي ~~موافقة لأحكام القضاء من وجهين، ومقصرة عنه من وجهين وزائدة عليه من وجهين. ### ||| فأما الوجهان في موافقتها لأحكام القضاء # فأحدهما: جواز الاستعداء على ~~المستعدى عليه في حقوق الآدميين، وليس هذا على عموم الدعاوى، وإنما يختص ~~بثلاثة أنواع من الدعوى. أحدها: أن يكون فيما يتعلق ببخس أو تطفيف في كيل ~~أو وزن. والثاني: فيما تعلق بغش، أو تدليس في مبيع أو ثمن. والثالث: ما ~~تعلق بمبطل وتأخير لدين مستحق مع المكنة. وإنما جاز نظره في هذه الأنواع ~~الثلاثة من الدعاوى، دون ما عداها من سائر الدعاوى، لتعلقها بمنكر ظاهر، هو ~~منصوب لإزالته، واختصاصها بمعروف بين، هو مندوب إلى ms229 إقامته، لأن موضوع ~~الحسبة إلزام الحقوق والمعونة على استيفائها وليس للناظر فيها أن يتجاوز ~~ذلك إلى الحكم الناجز. PageV01P285 # فهذا أحد وجهي الموافقة. والثاني: أن له إلزام المدعى عليه الخروج من ~~الحق الذي عليه، وليس هذا على العموم في كل حق، وإنما هو خاص في الحقوق ~~التي جاز له سماع الدعوى فيها إذا وجبت باعتراف مع القدرة، لأن في تأخيره ~~لها منكرا هو منصوب لإزالته. ### ||| وأما الوجهان في قصورها عن أحكام القضاء # فأحدهما: قصورها عن سماع عموم ~~الدعاوى الخارجة عن ظواهر المنكرات: من الدعاوى في العقود والمعاملات، ~~وسائر الحقوق والمطالبات، فلا يجوز أن ينتدب لسماع الدعاوى لها، ولا أن ~~يتعرض للحكم فيها، لا في كثير الحقوق ولا في قليلها، من درهم فما دونه، إلا ~~أن يرد ذلك إليه بنص صريح يزيد على إطلاقه الحسبة، فيجوز ويصير بهذه ~~الزيادة جامعا بين قضاء وحسبة، فيراعى فيه أن يكون من أهل الاجتهاد، وإن ~~اقتصر به على مطلق الحسبة فالقضاة والحكام بالنظر في قليل ذلك وكثير أحق، ~~فهذا وجه. والوجه الثاني: أنها مقصورة على الحقوق المعترف بها، فأما ما ~~يدخله التجاحد والتناكر، فلا يجوز له النظر فيها، لأن الحاكم فيها يقف على ~~سماع بينة وإحلاف يمين. ولا يجوز للمتحسب أن يسمع بينة على إثبات حق، ولا ~~أن يحلف يمينا على نفي حق، والحكام والقضاة بسماع البينات وإحلاف الخصوم ~~أحق. ### ||| وما الوجهان في زيادتها على أحكام القضاء # فأحدهما: أنه يجوز للناظر ~~فيها أن يتعرض لتصفح ما يأمر به من المعروف، وينهى عنه من المنكر، وإن لم ~~يحضره خصم يستعدي، وليس للقاضي أن يتعرض لذلك إلا بحضور خصم يجوز له سماع ~~الدعوى منه، فإن تعرض القاضي لذلك خرج عن منصب ولايته وصار متجوزا في قاعدة ~~نظره. والثاني: أن للناظر في الحسبة من سلاطة السلطنة واستطالة الحماة فيما ~~يتعلق بالمنكرات ما ليس للقضاة، لأن الحسبة موضوعة على الرهبة، فلا يكون ~~خروج المحتسب إليها بالسلاطة والغلظة تجوزا فيها ولا خرقا، والقضاء موضوع ~~للمناصفة، فهو بالأناة والوقار أخص. ### || وأما ما ms230 بين الحسبة والمظالم # فبينهما شبه مؤتلف، وفرق مختلف أما الشبه الجامع بينهما فمن وجهين. أحدهما: أن ~~موضوعهما مستقر على الرهبة المختصة بسلاطة السلطنة وقوة الصراحة. PageV01P286 # والثاني: جواز التعرض فيهما لأسباب المصالح، والتطلع إلى إنكار العدوان ~~الظاهر. وأما الفرق بينهما فمن وجهين. # أحدهما: أن النظر في المظالم موضوع لما عجز عنه القضاة، والنظر في الحسبة ~~موضوع لما رفه عنه القضاة، ولذلك كانت رتبة المظالم أعلى، ورتبة الحسبة ~~أخص، وجاز لوالي المظالم أن يوقع إلى القضاة والمحتسبة، ولم يجز للقاضي أن ~~يوقع إلى والي المظالم، وجاز له أن يوقع إلى المحتسب، ولم يجز للمحتسب أن ~~يوقع إلى واحد منهما. فهذا فرق والثاني: أنه يجوز لوالي المظالم أن يحكم، ~~ولا يجوز لوالي الحسبة أن يحكم. إذا قرر هذا فالحسبة تشتمل على أمر بمعروف ~~ونهي عن منكر. ### || أما الأمر بالمعروف فينقسم ثلاثة أقسام # أحدها: ما تعلق بحدود ~~الله تعالى. الثاني: ما تعلق بحقوق الآدميين. الثالث: ما كان مشتركا ~~بينهما. أما المتعلق بحقوق الله تعالى فضربان: أحدهما: ما يلزم الأمر به في ~~الجماعة دون الانفراد، كترك الجمعة في وطن مسكون فإن كانوا عددا قد اتفق ~~على انعقاد الجمعة بهم كالأربعين فما زاد، فواجب أن يأخذهم بإقامتها. ويؤدب ~~على الإخلال بها، وإن كانوا عددا قد اختلف في انعقاد الجمعة بهم، فله ولهم ~~أربعة أحوال. أحدها: أن يتفق رأيه ورأي القوم على انعقاد الجمعة بذلك ~~العدد، فواجب عليه أن يأمرهم بإقامتها، وعليهم أن يسارعوا إلى أمره بها، ~~ويكون في تأديبهم في تركها ألين من تأديبهم على تركه ما انعقد الإجماع ~~عليه. والحال الثانية: أن يتفق رأيه ورأي القوم أن الجمعة لا تنعقد بهم، ~~فلا يجوز أن يأمرهم بإقامتها، وهو بالنهي عنها لو أقيمت أحق. والحال ~~الثالثة: أن يرى القوم انعقاد الجمعة بهم، لا يراه المحتسب فلا يجوز له أن ~~يعارضهم فيها ولا يأمرهم بإقامتها لأنه لا يراه، ولا يجوز أن ينهاهم عنها، ~~ويمنعهم مما يرونه فرضا عليهم. # والحال الرابعة: أن يرى المحتسب انعقاد الجمعة بهم ولا يراه ms231 القوم بهذا ~~مما في استمرار تركه تعطيل الجمعة مع تطاول الزمان وبعده، وكثرة العدد ~~وزيادته فهل للمحتسب أن يأمرهم بإقامتها، اعتبارا بهذا المعنى؟ ظاهر كلام ~~أحمد رحمه الله: أنه لا يجوز له أن يأمرهم بإقامتها PageV01P287 # اعتبارا بالمصلحة، لئلا ينشأ الصغير على تركها، فيظن أنها تسقط مع زيادة ~~العدد، كما تسقط بنقصانه. ولهذا المعنى قال أحمد يحضر الجمعة خلف البر ~~والفاجر مع اعتباره عدالة الإمام في الصلاة. ويحتمل أن لا يتعرض لأمرهم ~~بها، لأنه ليس له حمل الناس على اعتقاده، ولا يأخذهم في الدين برأيه مع ~~تسويغ الاجتهاد فيه. وقد قال أحمد في رواية المروزي " لا تحمل الناس على ~~مذهبك". فاما أمرهم بصلاة العيد فله أن يأمرهم بها، وأمره بها من الحقوق ~~اللازمة لأنها من فروض الكفاية". وأما صلاة الجماعة في المساجد، وإقامة ~~الأذان فيها للصلوات الخمس فمن شعائر الإسلام، وعلاماته التي فرق رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - بين دار الإسلام ودار الحرب. فإذا اجتمع أهل محلة ~~أو بلد على تعطيل الجماعات في مساجدهم، وترك الأذان في أوقات صلاتهم، كان ~~المحتسب مأمورا بأمرهم بالأذان والجماعة في الصلوات، على طريق الوجوب عليهم ~~والإثم بتركه، بناء على أن الجماعة واجبة. فأما من ترك صلاة الجماعة من ~~آحاد الناس فقياس المذهب: أن يعترض عليه لأنها من فرائض الأعيان، فهي كترك ~~الجمعة، وقد قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " لقد هممت أن آمر ~~أصحابي أن يجمعوا حطبا، وآمر بالصلاة فيؤذن لها وتقام، ثم أخالف إلى منازل ~~قوم لا يحضرون الصلاة فأحرقها عليهم". ويكون الحكم في ترك الجماعة من آحاد ~~الناس: بتأخيرهم الصلاة حتى يخرج وقتها، فيذكر بها ويؤمر بفعلها، ويراعى ~~جوابه عنها، فإن قال: تركها لتوان وتهاون أدبه زجرا. وأخذه بفعلها جبرا. ~~ولا اعتراض على من أخرها والوقت باق، لاختلاف الفقهاء في فضل التأخير. # فإن كانت الجماعة في بلد قد اتفق أهله على تأخير صلاتهم إلى آخر أوقاتها، ~~والمحتسب يرى فضل تعجيلها، فهل يأمرهم بالتعجيل؟ يحتمل أن يأمرهم، لأن ~~اجتماعهم على تأخيرها يفضي ms232 بالصغير الناشيء إلى أن هذا هو الوقت دون ما ~~تقدمه. فأما الأذان والقنوت في الصلاة إذا خالف فيه رأي المحتسب فلا رأي له ~~فيه بأمر ولا نهي وإن كان يرى خلافه. PageV01P288 # وكذلك الطهارة إذا فعلها على وجه سائغ يخالف رأي المحتسب من إزالة ~~النجاسة بالمائعات، والوضوء بماء تغير بالأشياء الطاهرات، والعفو عن قدر ~~الدرهم من النجاسات، لا اعتراض له في شيء منه، وهل له الاعتراض في الوضوء ~~بالنبيذ؟ يحتمل وجهين. أحدهما: أن له ذلك، لأنه ربما يئول إلى استباحته عند ~~عدم الماء مع وجوده، وربما أفضى إلى جواز السكر منه، ويحتمل أن ليس له ذلك ~~لما فيه من تسويغ الاجتهاد، فهذا الأمر بالمعروف في حقوق الله تعالى. ### || وأما في حقوق الآدميين # فضربان: عام، وخاص أما العام فكالبلد إبذا تعطل شربه، أو ~~استهدم سوره، أو كان يطرقه بنو السبيل من ذوي الحاجات فيكفوا عن معاونتهم. ~~فإن كان في بيت المال مال لم يتوجه عليهم فيه أمر بإصلاح شربهم وبناء ~~سورهم، ولا بمعاونة بني السبيل في الاجتياز بهم، لأنها حقوق تلزم بيت المال ~~دونهم وكذلك لو استهدمت مساجدهم وجوامعهم. فأما إذا أعوز بيت المال، كان ~~الأمر ببناء سورهم، وإصلاح شربهم، وعمارة مساجدهم وجوامعهم ومراعاة بني ~~السبيل متوجها إلى كافة ذوي المكنة منهم، فإن شرع ذوو المكنة في عمله وفي ~~مراعاة بني السبيل سقط عن المحتسب حق الأمر به، ولم يلزمهم الاستئذان في ~~ذلك، ولكن لو أرادوا هدم ما يعيدون بناءه من المتهدم، لم يكن لهم الإقدام ~~على هدمه فيما عم أهل البلد من سوره وجامعه إلا باستئذان ولي الأمر دون ~~المحتسب، ليأذن لهم في هدم بعد تضمينهم القيام بعمارته. ويجوز فيما خص من ~~المساجد في العشائر والقبائل أن لا يستأذنوه. # وعلى المحتسب أن يأخذهم ببناء ما هدموه، وليس له أن يأخذهم بإتمام ما ~~استأنفوه. وقد قال أحمد في رواية أبي داود: - في مسجد يريدون أن يرفعوه ن ~~الأرض ويجعل تحته سقاية، ومنعهم من ذلك المشايخ، وقالوا: لا نقدر نصعد - ~~"يصار إلى قول ms233 أكثرهم " يعني أهل المسجد. فأما إذا كانت ذو المكنة عن بناء ~~ما استهدم، وعمارة ما استرم، فإن كان المقام بالبلد ممكنا وكان الشرب - وإن ~~فسد - مقنعا تركهم وإياه، وإن تعذر المقام فيه لتعطيل شربه واندحاض سوره ~~نظرت. فإن كان البلد ثغرا يضر بالإسلام تعطيله، لم يجز لولي الأمر أن يفسح ~~في الانتقال عنه وكان حكمه حكم النوازل إذا حدثت في قيام كافة ذوي المكنة ~~به، وكان تأثير المحتسب في مثل هذا إعلان للسلطان به، وترغيب أهل المكنة في ~~عمله. PageV01P289 # وإن لم يكن هذا البلد ثغرا مضرا بدار الإسلام كان أمره أيسر، وحكمه أخف، ~~ولم يكن للمحتسب أخذ أهله بعمارته جبرا، لكن يقول لهم: أنتم مخيرون بين ~~الانتقال عنه أو التزام ما يصرف في مصالحه التي يمكن معها دوام استيطانه. ~~فإن أجابوا إلى التزام ذلك كلف جماعتهم ما تسمح به نفوسهم، ولم يجز أن يأخذ ~~كل واحد منهم في عينه بالتزام ما لا تسمح به نفسه من قليل ولا كثير، ويقول: ~~ليخرج كل واحد منكم ما سهل عليه وطاب نفسا به. ومن أعوزه المال أعان ~~بالعمل، حتى إذا اجتمعت كفاية المصلحة أو يلوح اجتماعها بضمان كل واحد من ~~أهل المكنة قدرا طاب به نفسا أسرع حينئذ في عمل المصلحة، وأخذ كل ضامن من ~~الجماعة بالتزام ما ضمنه، وإن كان مثل هذا الضمان لا يلزم في المعاملات ~~الخاصة، لأن حكم ما عم من المصالح موسع، فكان حكم الضمان فيه أوسع. وإذا ~~عمت هذه المصلحة لم يكن للمحتسب أن يتقدم بالقيام بها حتى يستأذن السلطان ~~فيها، لئلا يصير بالتفرد مفتاتا عليه. فإن شق استئذان السلطان فيها أو خيف ~~زيادة الضرر لبعد استئذانه جاز شروعه فيها من غير استئذان. # وقد قال أحمد: لا تخرجوا لقتال العدو إلا بإذن الأمير، إلا أن يفجأهم عدو ~~ويخافون كلبه". ### || وأما الخاص # كالحقوق إذا مطلت والديون إذا أخذت، فللمحتسب أن ~~يأمر بالخروج منها مع المكنة إذا استعداه أصحاب الحقوق، وليس له أن يحبس ~~بها لأن الحبس حكم، وليس له ms234 أن يلازم عليها. PageV01P290 # وليس له الأخذ بنفقات الأقارب، لافتقار ذلك إلى اجتهاد شرعي إلا أن يكون ~~الحاكم قد فرضها فيجوز أن يأخذ بأدائها. وكذلك كفالة من تجب كفالته من ~~الصغار لا اعتراض له فيها حتى يحكم بها الحاكم، فيجوز له أن يأمر بالقيام ~~بها على الشروط المستحقة منها. فأما قبول الوصايا والودائع، فليس له أن ~~يأمر بها أعيان الناس وآحادهم، ويجوز أن يأمر بها على العموم، حثا على ~~التعاون بالبر والتقوى، وقبول الودائع الوصايا. وأما الأمر بالمعروف فيما ~~كان مشتركا بين حقوق الله تعالى وحقوق الآدميين، كأخذ الأولياء بإنكاح ~~الأيامى من أكفائهم إذا طلبن، وإلزام النساء أحكام العدد، إذا فارقن ~~أزواجهن. وله تأديب من خالف في العدة من النساء، وليس له تأديب من امتنع من ~~الأولياء. ومن نفى ولدا قد ثبت فراش أمه ولحوق نسبه أخذه بأحكام الآباء، ~~وعزره على النفي أدبا. ويأخذ السادة بحقوق العبيد والإماء، وأن لا يكلفوهم ~~من الأعمال ما لا يطيقون. وكذلك أرباب البهائم بأخذهم بعلوفتها إذا قصروا، ~~وأن لا يستعملوها فيما لا تطيق. ومن أخذ لقيطا وقصر في كفالته أمره أن يقوم ~~بحقوق التقاطه من التزام الكفالة أو تسليمه إلى من يلتزمها ويقوم بها. ~~وكذلك أخذ الضوال إذا قصر فيها أخذه بمثل ذلك من القيام بها أو تسليمها إلى ~~من يقوم بها، ويكون ضامنا للضالة بالتقصير، ولا يكون ضامنا للقيط. وإذا سلم ~~الضالة إلى غيره ضمتها. ### || وأما النهي عن المنكر # فمنقسم ثلاثة أقسام: أحدها: ~~ما كان من حقوق الله تعالى. والثاني: ما كان من حقوق الآدميين. والثالث: ما ~~كان مشتركا بين الحقين. PageV01P291 ### || أما المنهي عنها في حقوق الله تعالى فعلى ثلاثة أقسام # أحدها: ما يتعلق ~~بالعبادات. والثاني: ما يتعلق بالمحظورات. والثالث: ما يتعلق بالمعاملات. ~~أما المتعلق بالعبادات فكالقاصد مخالفة هيئاتها المشروعة، مثل أن يقصد ~~الجهر في صلاة الإسرار والإسرار في صلاة الجهر، أو يزيد في الصلاةن أو يزيد ~~في الأذان أذكارا غير مسنونة فللمحتسب إنكارها، وتأديب المعاند فيها، وكذلك ~~إذا أدخل بتطهير جسده أو ثوبه. ms235 أو موضع صلاته، أنكر عليه إذا تحقق ذلك منه، ~~ولا يؤاخذ ذلك منه، ولا يؤاخذه بالتهم والظنون، وكذلك لو ظن برجل أنه يترك ~~الغسل من الجنابة، أو يترك الصلاة والصيام لا يؤاخذه بالتهم، ولكن يجوز له ~~بالتهمة أن يعظه ويحذره من عذاب الله تعال على إسقاط حقوقه والإخلال ~~بمفترضاته. فإن رآه يأكل في شهر رمضان لم يقدم على تأديبه إلا بعد سؤاله عن ~~سبب أكله، لأنه ربما كان مريضا أو مسافرا، ويلزمه السؤال إذا ظهرت منه ~~أمارات الريب، فإن ذكر من الأعذار ما يحتمله حاله كف عن زجره، وأمره بإخفاء ~~أكله لئلا يعرض نفسه للتهمة، ولا يلزم إحلافه عند الاسترابة به، لأنه موكول ~~إلى أمانته، وإن لم يذكر عذرا أنكر عليه وأدبه عليه تأديب زجر، وكذلك لو ~~علم عذره في الأكل أنكر عليه المجاهرة بتعريض نفسه للتهمة، ولئلا يقتدي به ~~من ذوي الجهالة من لا يميز حال عذره من غيره. وأما الممتنع عن إخراج زكاته، ~~فإن كان من الأموال الظاهرة أخذها العامل منه قهرا وعزره على الغلول إذا لم ~~يكن له عذر، وإن كان من الأموال الباطنة احتمل أن يكون المحتسب أخص ~~بالإنكار عليه من عامل الصدقة، لأنه لا اعتراض للعامل في الأموال الباطنة، ~~واحتمل أن يكون العامل بالإنكار عليه أخص لأنه لو دفعها إليه أجزأه، ويكون ~~تأديبه معتبرا بشواهد الحال في الامتناع من إخراج زكاته، فإن ذكر أنه ~~مخرجها سرا وكل إلى أمانته. # فإن رأى رجلا يتعرض لمسألة الناس وطلب الصدقة وعلم أنه غني عنها إما بمال ~~أو عمل أنكر عليه وأدبه، وكان المحتسب بإنكاره أخص بذلك من عامل الصدقة. ~~ولو رأي آثار الغنى وهو يسأل الناس أعلمه تحريمها على المستغني عنها، ولم ~~ينكر عليه لجواز أن يكون في الباطن فقيرا. وإذا تعرض للمسألة ذو جلد وقوة ~~على العمل زجره وأمره أن يتعرض للاحتراف بعمل، فإن أقام على المسألة عزره ~~حتى يقلع عنها. PageV01P292 # وإن وجد فيمن يتصدى لعلم الشرع من ليس من أهله، من فقيه أو واعظ، ولم ~~يأمن ms236 اعترار الناس به في سوء تأويل، أو تحريف جواب، أنكر عليه التصدي لما ~~ليس من أهله، وأظهر أمره، لئلا يغتر به. ومن أشكل عليه أمره لم يقدم عليه ~~بالإنكار بعد الاختبار. وكذلك لو ابتدع بعض المنتسبين إلى العلم قولا خرق ~~به الإجماع وخالف فيه النص ورد قوله علماء عصره أنكره عليه وزجره عنه، فإن ~~أقلع وتاب وإلا فالسلطان بتهذيب الدين أحق. وإذا انفرد بعض المفسرين لكتاب ~~الله تعالى بتأويل عدل فيه عن ظاهر التنزيل إلى باطن بدعة، متكلف له غمض ~~معانيه أو تفرد بعض الرواة بأحاديث مناكير تنفر منها النفوس أو يفسد بها ~~التأويل كان على المحتسب إنكار ذلك. وهذا إنما يصح منه إنكاره إذا تميز ~~عنده الصحيح من الفاسد والحق من الباطل، وذلك من أحد وجهين: إما بأن يكون ~~بقوته في العلم واجتهاده فيه، وإما بأن يتفق علماء الوقت على إنكاره ~~وابتداعه فيعول في الإنكار على أقاويلهم، وفي المنع منه على اتفاقهم. ### || وأما ما تعلق بالمحظورات # فهو أن يمنع الناس من مواقف الريب ومظان التهمة ويقدم ~~الإنكار ,ولا يعجل بالتأديب قبل الإنذار. وإذا رأى وقوف رجل وامرأة في طريق ~~سابل لم تظهر منهما أمارات الريب لم يعترض عليهما بزجر ولا إنكار، فما يجد ~~الناس بدا من هذا. وإن كان الوقوف في طريق خالية فخلو المكان ريبة فينكرها، ~~ولا يعجل في التأديب. PageV01P293 # عليهما حذرا من أن تكون ذات محرم، وليقل: إن كانت ذات محرم فصنها عن ~~مواقف التهمة وإن كانت أجنبية فاحذر من خلوة تؤديك إلى معصية الله تعالى. ~~وليكن زجره بحسب الأمارات. فإذا رأى المحتسب من هذه الحال ما ينكرها تأنى ~~وفحص ورعى شواهد الحال، ولم يعجل بالإنكار قبل الاستخبار. وقد سئل أحمد في ~~رواية محمد بن يحيى المتطبب في الرجل السوء يرى مع المرأة؟ قال " صح به". ~~وإذا جاهر رجل بإظهار الخمر، فإن كان مسلما أراقها وأدبه، وإن كان ذميا أدب ~~على إظهارا وتراق عليه لأنها غير مضمونة. وأما المجاهر بإظهار النبيذ فهو ~~كالخمر وليس في إراقته غرم، ms237 فيعتبر والي الحسبة شواهد الحال فيه، فينهى فيه ~~عن المجاهرة، ويزجر عليه إن كان يعاقره، ولا يريقه إلى أن يأمره بإراقته ~~حاكم من أهل الاجتهاد لئلا يتوجه عليه غرم إن حكم فيه. فأما السكران إذا ~~تظاهر بسكره وسخف بهجره أدبه على السكر والهجر تعزيرا. وأما المجاهرة ~~بإظهار الملاهي المحرمة فعلى المحتسب كسرها، ولا يتشاغل بتفصيلها سواء كان ~~خشبها يصلح لغير الملاهي أو لا يصلح. وأما اللعب فليس يقصد به المعاصي، ~~وإنما يقصد بها إلف البنات لتربية الأولاد، ففيها وجه من وجوه التدبير ~~تقارنه معصية بتصوير ذوات الأرواح ومشابهة الأصنام، فللتمكين منها وجه، ~~وللمنع منها وجه، وبحسب ما تقتضيه شواهد الأحوال يكون إنكاره وإقراره. ~~وظاهر كلام أحمد رحمه الله المنع عنها وإنكارها، وإذا كانت على صورة ذوات ~~الأرواح. قال في رواية المروزي: وقد سئل عن الوصي يشتري للصبية لعبة إذا ~~طلبت فقال " إن كانت صورة فلا". وقال في رواية أبو بكر بن محمد: وقد سأله ~~عن حديث عائشة " كنت ألعب بالبنات" فقال " لا بأس بلعب اللعب، إذا لم يكن ~~فيها صورة فإذا كانت صورة فلا". وظاهر هذا أنه منع من اللعب بها إذا كانت ~~صورة. # وقد روي أحمد بإسناده عن محمد بن إبراهيم بن الحرث التميمي " أن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - دخل على عائشة وهي تلعب بالبنات ومعها جوار، فقال: " ~~ما هذا يا عائشة؟ قالت: PageV01P294 # هذا خيل سليمان، فجعل يضحك من قولها - صلى الله عليه وسلم - قال أحمد " ~~هو غريب، لم أسمعه من غير هشيم عن يحيى بن سعيد". وقد حكى أن أبا سعيد ~~الإصطخري من أصحاب الشافعي قلد حسبة بغداد في أيام المقتدر، فأزال سوق ~~الداذي ومنع منها وقال: لا تصلح إلا للنبيذ المحرم، وأقر سوق اللعب ولم ~~يمنع منها. وقال: قد كانت عائشة رضي الله عنها تلعب بالبنات بمشهد من رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - فلا ينكره عليها، وذلك أن الداذي الأغلب من ~~حاله أنه لا يستعمل إلا في النبيذ، وقد يجوز أن يستعمل نادرا في الدواء، ms238 ~~وهو بعيد. وليس يمنع إنكار المجاهرة ببعض المباحات كما ينكر المجاهرة ~~بالمباح من مباشرة الأزواج والإماء. وقد قال أحمد في رواية أبي طالب في قوم ~~يبيعون الداذي للمسكر: فكره ذلك وقال لا يباع ". وقال أيضا في رواية بكر بن ~~محمد عن أبيه: في بيع التمر والزبيب ممن يعمله نبيذا وهو ممن يتدين به ويرى ~~شرب المسكر، فقال " لا أبيعه ولا أعبيه عليه، وهو بمنزلة رجل يرى النكاح ~~بغير ولي جائز، لا أشهد له، ولا أعيبه عليه، وإن تدين به". وقال في رواية ~~أحمد بن الحسين: في بيع الحرير من النساء " لا بأس به، وإن باع للرجال لا ~~يعجبني". ### ||| فأما ما لم يظهر من المحظورات # فليس للمحتسب أن يتجسس عنها، ولا أن ~~يهتك الأستار حذرا من الاستسرار بها، قال النبي - صلى الله عليه وسلم - " ~~من أتى من هذه القاذورات شيئا فليستتر بستر الله تعالى، فإنه من يبد لنا ~~صفحته نقم عليه". PageV01P295 # فإن غلب على الظن استسرار قوم بها لأمارة دلت وآثار ظهرت فذلك ضربان: ~~أحدهما: أن يكون في تركه انتهاك حرمة يفوت استدراكها، مثل أن يخبره من يثق ~~بصدقه أن رجلا خلا برجل ليقلته، أو بامرأة ليزني بها، فيجوز له في مثل هذه ~~الحال أن يتجسس ويقدم على الكشف والبحث، حذرا من فوات ما لا يستدرك من ~~انتهاك المحارم، وارتكاب المحظورات وهكذا لو عرف ذلك قوم من المتطوعة، جاز ~~لهم الإقدام على الكشف والإنكار، كالذي كان من شأن المغيرة بن شعبة. وذلك ~~أنه كانت تختلف إليه بالبصرة امرأة من بني هلال يقال لها أم جميل بنت محجن ~~بن الأفقم، وكان لها زوج من ثقيف يقال له الحجاج بن عبيد، فلبغ ذلك أبا ~~بكرة بن مسروح وسهل بن معبد ونافعا بن الحرث وزياد بن عبيد، فرصدوه حتى إذا ~~دخلت عليه هجموا عليهما. وكان من أمرهم في الشهادة عليه عند عمر ما هو ~~مشهور. فلم ينكر عليهم عمر هجومهم، وإن كان حدهم للقذف عند قصور الشهادة. ~~والضرب الثاني: ما كان دون ذلك في ms239 الريبة، فلا يجوز التجسس عليه، ولا كشف ~~الأستار عنه. وقد حكى " أن عمر دخل على قوم يتعاقرون على شراب، ويوقدون في ~~أخصاص، فقال: نهيتكم عن المعاقرة فعاقرتم، ونهيتكم عن الإيقاد في الأخصاص ~~فأوقدتم، فقالوا: يا أمير المؤمنين، قد نهى الله عن التجسس فتجسست، وعن ~~الدخول بغير إذن فدخلت، فقال: هاتين بهاتين، وانصرف، ولم يعرض لهم". وقد ~~اختلفت الرواية عن أحمد فيما ستر من المنكر من العلم به، هل ينكر؟. فروى ~~ابن منصور وعبد الله في المنكر يكون مغطي، مثل طنبور ومسكر وأشباهه. فقال: ~~" إذا كان مغطى فلا يكسره، وقد كشف ذلك في رواية يوصف بن موسى وأحمد بن ~~الحسين في الطنبور والمسرك وما أشبهه إذا كان من وراء ثوب وهو يصفه أو ~~يبينه، فقال " إذا كان مغطى فلا أري له". PageV01P296 # ونقل عنه أنه يكسره فقال في رواية ابن منصور في الرجل يرى الطنبور والطبل ~~مغطى والقنينة فقال " إذا كان يشتبه أنه طنبور أو طبل أو فيها مسكر كسره". # وكذلك نقل محمد بن أبي حرب: في رجل لقى رجلا معه عود أو طنبور أو طبل ~~مغطى يكسره. فإن سمع أصوات ملاهي منكرة من دار تظاهر أهلها بأصواتها، أنكره ~~خارج الدار. ولم يهجم بالدخول عليهم، وليس عليه أن يكشف عما سواه من ~~الباطن. وقد نقل مهنا الأنباري عن أحمد أنه سمع صوت طبل في جواره فقام ~~إليهم من مجلسه فأرسل إليهم ونهاهم. وقال في رواية محمد بن أبي حرب في ~~الرجل يسمع المنكر في دار بعض جيرانه. قال: يأمره، فإن لم يقبل يجمع عليه ~~الجيران ويهول عليه". ### || فأما المعاملات المنكرة # كالشراء والبيوع الفاسدة، ~~وما منع الشرع منه مت تراضي المتعاقدين به، فإذا كان متفقا على حظره فعلى ~~والي الحسبة إنكاره والمنع منه والزجر عليه، وأمره في التأديب مختلف بحسب ~~الأحوال وشدة الحظر. ### || وأما ما اختلف الفقهاء في حظره وإباحته # فلا مدخل له في ~~إنكاره، إلا أن يكون مما ضعف فيه الخلاف، وكان ذريعة إلى محظور متفق عليه ~~كربا النقد فالخلاف فيه ضعيف، ms240 وهو ذريعة إلى ربا النساء المتفق على تحريمه. ~~وكنكاح المتعة، ربما صار ذريعة إلى استباحة الزنا، فيدخل في إنكاره كحكم ~~ولايته. وقد قال أبو إسحاق في كتاب المتعة، إن قيل: إذا كنت قد فرقت بينهما ~~وبين النكاح فهلا جعلت حكمها حكم السفاح؟ قيل: الأئمة المرضيون من الصحابة ~~والتابعين جعلوها في حكم السفاح لا في حكم النكاح. وقال في تعاليقه على ~~كتاب العلل " أولاد الرافضة أولاد زنى من أربعة أوجه: أحدها المتعة عندهم ~~حلال وهي الزنى صراحا". وذكر ابن بطة في كتاب النكاح " لا يفسخ نكاح حكم به ~~قاض إذا كان تأول فيه PageV01P297 # تأويلا، إلا أن يكون قضى لرجل بعقد متعة، أو طلق ثلاثا في لفظ واحد وحكم ~~بالمراجعة من غير زوج، فحكمه مردود وعلى فاعله العقوبة والنكال. ### || ومما يتعلق بالمعاملات # غش المبيعات وتدليس الأثمان، فينكره ويمنع منه، ويؤدب عليه بحسب ~~الحال فيه. # فإن كان هذا الغش بتدليس على المشتري ويخفى عليه فهو أغلظ الغشوش تحريما ~~والإنكار عليه أغلظ، والتأديب فيه أشد. وإن كان لا يخفى على المشتري كان ~~أخف مأثما، وألين إنكارا، وينظر في مشتريه، فإن اشتراه ليبيعه على غيره ~~توجه الإنكار على البائع بغشه وعلى المشتري بابتياعه، لأنه قد يبيعه على من ~~لا يعلم بغشه، وإن كان يشتريه ليستعمله خرج المشتري من جملة الإنكار وتفرد ~~البائع وحده. وكذلك القول في تدليس الأثمان. وقد قال أحمد في رواية جعفر بن ~~محمد: فيمن اشترى ألف درهم بدنانير بعضها جياد وبعضها مزيفة، وبعضها مكحلة ~~" اشترى ما لا يحل، وباع ما لا يحل". PageV01P298 # وكذلك قال في رواية حنبل: في الدراهم المحمول عليها، فقال " كل ما وقع ~~عليه اسم الغش فالشراء به والبيع حرام". وقال في رواية مهنا " إذا جاء ~~بالدينار إلى رجل يبصر الدينار فاشتراه على أنه رديء لا بأس ". ويمنع من ~~تصرية المواشي وتحفيل ضروعها عند البيع للنهي عنه، فإنه نوع من التدليس. ~~ومما يتأكد على المحتسب: المنع من التطفيف والبخس في المكاييل والموازين ~~والصنجات وليكن الأدب عليه أظهر وأكثر. ويجوز له ms241 إذا استراب بموازين السوقة ~~ومكاييلهم أن يختبرها ويعايرها. ولو كان له على ما يراه منها طابع معروف ~~بين العامةلا يتعاملون إلا به، كان أحوط وأسلم فإن فعل ذلك وتعامل قوم بغير ~~ما طبع بطابعه توجه الإنكار عليهم، إن كان مبخوسا من وجهين: أحدهما: ~~مخالفته في العدول عن مطبوعه، وإنكاره من الحقوق السلطانية. والثاني: البخس ~~والتطفيف في الحقوق، وإنكاره من الحقوق الشرعية. وإن كان ما تعاملوا به من ~~غير المطبوع سليما من بخس ونقص توجه الإنكار بحق السلطنة وحدها لأجل ~~المخالفة. وقد قال أحمد في رواية جعفر بن محمد: في ضرب الدراهم قال: " لا ~~تصلح إلا في دار الضرب بإذن السلطان". # وإن زور قوم على طابعه كان المزور فيه كالبهرج على طابع الدراهم ~~والدنانير، فإن قرن التزوير بغش كان الإنكار والتأديب مستحقا من وجهين: ~~أحدهما: في حق السلطنة من جهة التزوير. والثاني: من جهة الشرع في الغش، وهو ~~أغلظ المنكرين. وإن سلم التزوير من غش تفرد بالإنكار السلطاني منهما. وإذا ~~اتسع البلد حتى احتاج أهله إلى كيالين، ووزانين ونقاد، تخيرهم المحتسب، ~~ومنع أن ينتدب لذلك إلا من ارتضاه من الأمناء الثقات، وكانت أجورهم من بيت ~~المال إن اتسع لها، فإن ضاق عنها قدرها لهم حتى لا يجرى فيها استزاده أو ~~نقصان، فيكون ذلك ذريعة إلى الممايلة والتحيف في مكيل أو موزون. فإن ظهر من ~~أحد هؤلاء المختارين للكيل والوزن تحيف في تطفيف أو ممايلة في زيادة أدب ~~وأخرج من جملة المختارين، ومنع أن يتعرض للوساطة بين الناس. وكذلك القول في ~~اختيار الدلالين يقر منهم الأمناء ويمنع الخونة وهذا مما يتولاه ولاة ~~الحسبة PageV01P299 # فأما اختيار القسام والزراع فالقضاة أخص باختيارهم من ولاة الحسبة؛ لأنهم ~~قد يستنابون في أموال الأيتام والغيب. وأما اختيار الحراس في القبائل ~~والأسواق فإلى الحماة وأصحاب المعونة. وإذا وقع في التطفيف تخاصم جاز أن ~~ينظر فيه المحتسب إن لم يكن مع التخاصم فيه تجاحد وتناكر، فإن أفضى إلى ~~التجاحد والتناكر كان القضاة أحق بالنظر فيه من ولاة الحسبة. لأنهم ms242 ~~بالأحكام أحق، وكان التأديب فيه إلى المحتسب، فإن تولاه الحاكم جاز لاتصاله ~~بحكمه. ومما ينكره المحتسب في العموم ولا ينكره في الخصوص والآحاد التبايع ~~بما لم يألف أهل البلد من المكاييل والأوزان التي لا تعرف فيه وإن كانت ~~معروفة في غيره، فإن تراضى بها اثنان لم يعترض عليهما بالإنكار والمنع، ~~ويمنع أن يرتسم بها قوم في العموم، لأنه قد يعاملهم فيها من لا يعرفها ~~فيصير مغرورا. ### || وأما ما ينكره في حقوق الآدميين المحضة. # مثل أن يتعدى رجل في حد لجاره، أو في حريم لداره، أو في وضع بنيان على ~~جداره، فلا اعتراض للمحتسب فيه، ما لم يستعده الجار عليه، لأنه حق يخصه يصح ~~منه العفو عنه والمطالبة به. فإن خاصمه فيه إلى المحتسب نظر فيه إن لم يكن ~~بينهما تنازع وتناكر، وأخذ المتعدي بإزالة تعديه، وكان تأديبه عليه بحسب ~~شواهد الحال، وإن تنازعا كان الحاكم بالنظر فيه أحق. ولو أن الجار أقر جاره ~~على تعديه وعفا عن مطالبته بهدم ما تعدى فيه ثم عاد مطالبا بذلك، كان له ~~ذلك وأخذ المتعدي بعد العفو عنه بهدم ما بناه. ولو كان قد ابتدأ البناء، ~~ووضع الأجذاع بإذن الجار، ثم رجع الجار في إذنه لم يأخذ الباني بهدمه. ولو ~~انتشرت أغصان شجرة إلى دار جاره كان للجار أن يستعدي المحتسب حتى يعديه على ~~صاحب الشجرة ليأخذه بإزالة ما انتشر من أغصانها في داره، ولا تأديب عليه، ~~لأن انتشارها ليس من فعله. ولو انتشرت عروق الشجرة تحت الأرض حتى دخلت في ~~قرار أرض الجار لم يؤخذ بقلعها ولايمنع الجار من التصرف في قرار أرضه وإن ~~قطعها. وقد قال أحمد في رواية ابن منصور: " في رجل في حائط جاره شجرة ~~وأغصانها في حائطه له أن يمنعه ويأمره بقطعها". وكذلك نقل إسحاق بن هانئ " ~~في شجرة أصلوها في ملك صاحبها، وأغصانها مطلة على بستان جاره، لجاره أن ~~يدفع ذلك عنه". وكذلك نقل الحسن بن محمد بن الحرث " في نخلة أصولها في ~~داره، ورأسها في داري: يقطعها ms243 حتى لا تؤذيه، فقيل له: يقطع له؟ قال: يأمر ~~صاحبه حتى يقطع". PageV01P300 # فقد نص على أن له أخذه بإزالة ما انتشر منها وأنه يأمر صاحبه ولا يتولى ~~هو ذلك بنفسه، لأن الحق توجه على المالك، وكان هو المطالب بإبقائه، كما ~~يطلب الراهن ببيع الرهن. وقال في رواية إسحاق بن هانئ " في رجل في داره ~~شجرة فنبتت من عروقها شجرة في دار رجل آخر: لمن الشجرة؟ فقال: ما أدري ما ~~هذا؟ ربما كان ضررا على صاحب الأرض". # وظاهر هذا أنه إذا لم يكن فيها ضرر، وهو أن تكون عروقها تحت الأرضن لا ~~يؤخذ بقلعها لأنه اعتبر الضرر، والضرر إنما يكون بظهورها على وجه الأرض. ~~وقد روى أبو حفص العكبري عن أبي بكر عبد العزيز عن أبي بكر الخلال عن حرب ~~عن عمرو بن عثمان عن بقية بن الوليد عن سلمة القرشي عن العلاء بن الحرث عن ~~مكحول قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " من أظلت شجرة داره فهو ~~بالخيار بين أكل ثمرها أو قطع ما أظل عليه منها". وهذا محمول على أن صاحب ~~الشجرة يأكل الثمرة. وروى أبو حفص أيضا بإسناده عن محمد بن علي قال" كان ~~لسمرة بن جندب نخل في حائط رجل من الأنصار، وكان يدخل عليه وأهله فيؤذيه، ~~فشكا ذلك الأنصاري إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال له: بعه، ~~فأبى، قال: فاقلعه، فأبى: قال: هبه ولك مثلها في الجنة، فأبى: فقال رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - أنت مضار، اذهب فاقلع نخله". فقد أمره بقلعه. ~~فإن نصب المالك تنورا في داره، فتأذى الجار بدخانه، أو نصب في داره رحا، أو ~~وضع فيها حدادين أو قصارين، فهل يمنع من ذلك؟. PageV01P301 # قد روى عن أحمد ألفاظ تقتضي المنع. فقال في رواية عبد الله: في رجل بنى ~~في داره حماما أوحشا يضر بجاره أكرهه، قال النبي - صلى الله عليه وسلم - لا ~~ضرر ولا ضرار". وكذلك قال في رواية ابن منصور " لا يضر بجاره، يحفر إلى جنب ~~بئره ms244 كنيفا أو بئرا إلى جنب حائطه وإن كان في حده". وكذلك قال في رواية أبي ~~طالب " لا يجعل في داره حماما يؤذي جاره، ولا يحفر بئرا إلى بئره". والخلاف ~~في هذه المسألة وفيما قبلها سواء وقد اختلفت الرواية عنه فيمن احتفر بئرا ~~إلى جنب جاره فنضب ماء الأولة وغار هل يطم عليه؟ على روايتين: نقل الحسن بن ~~ثواب عنه " لا تطم" وعلل بأن هذه في ملك صاحبها. ونقل الميموني " تطم" ~~فيخرج في هذه الرواية روايتان. # وإذا تعدى مستأجر على أجير في نقصان أجر أو استزادة علم كفه عن تعديه ~~وكان الإنكار عليه معتبرا بشواهد حاله. ولو قصر الأجير في حق المستأجر ~~فنقصه عن العمل، أو استزاده في الأجرة منعه منه وأنكره عليه إذا تخاصموا ~~إليه. فإن اختلفوا أو تناكروا وكان الحاكم بالنظر بينهما أحق. ### || ومما يؤخذ ولاة الحسبة بمراعاته من أهل الصنائع # في الأسواق ثلاثة أصناف منهم من يراعي ~~عمله في الوفاء والتقصير. ومنهم من يراعي حاله في الأمانة والخيانة. ومنهم ~~من يراعي عمله في الجودة والرداءة. ### ||| فأما من يراعي عمله في الوفور والتقصير ~~فكالطبيب والمعلمين، لأن الطب إقدام على النفوس، يفضي التقصير فيه إلى تلف ~~أوسقم. وللمعلمين الطرائق التي ينشأ الصغار عليها، ليكون نقلهم عنه بعد ~~الكبر عسيرا، فيقر منهم من توفر علمه، وحسنت طريقته، ويمنع، من قصر أو أساء ~~من التصدي لما يفسد به النفوس، وتخبث به الآداب. وقد قال أحمد في رواية ~~حرب: في الطبيب والبيطار " إذا علم أنه طبيب فلا يضمن " فإن لم يكن طبيبا ~~فكأنه رأى عليه الضمان. PageV01P302 # وقد روى أبو حفص بإسناده عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - قال: " من تطبب ولم يعلم منه طب قبل ذلك فهو ضامن". ### ||| وأما من يراعي حالة في الأمانة والخيانة # فمثل الصاغة، والحاكة والقصارين، ~~والصباغين؛ لأنهم ربما هربوا بأموال الناس، فيراعي أهل الثقة والأمانة ~~منهم، فيقرهم ويبعد من ظهرت خيانته ويشهر أمره، لئلا يغتر به من لا يعرفه. ~~وقد ms245 قيل: إن الحماة وولاة المعونة أخص بالنظر في أحوال هؤلاء من ولاة ~~الحسبة، لأن الخيانة تابعة للسرقة. ### ||| وأما ما يراعي عمله في الجودة والرداءة # فهو مما ينفرد بالنظر فيه ولاة ~~الحسبة، ولهم أن ينكروا عليهم في العموم فساد العمل ورداءته وإن لم يكن فيه ~~مستعد. فأما في عمل مخصوص اعتاد الصانع فيه الفساد والتدليس، فإذا استعداه ~~الخصم قابل عليه بالإنكار والزجر، فإن تعلق بذلك غرم، روعي حال الغرم، فإن ~~افتقر إلى تقدير أو تقويم لم يكن للمحتسب أن ينظر فيه، لافتقاره إلى اجتهاد ~~حكمي، وكان القاضي بالنظر فيه أحق أن ينظر فيه بإلزام الغرم والتأديب؛ لأنه ~~أخذ بالتناصف، وزجر عن التعدي. ولا يجوز أن يسعر على الناس الأقوات ولا ~~غيرها في رخص ولا غلاء. ### || وأما ما ينكره من الحقوق المشتركة بين حقوق الله تعالى وحقوق الآدميين # فكالمنع من الإشراف على منازل الناس، ويكره من علا ~~بناؤه أن يستر سطحه. قال في رواية ابن منصور في الرجل يشرف على جاره ~~"فالسترة على الذي أشرف". PageV01P303 # وكذلك قال في رواية محمد بن يحيى الكحال في الذي يكون أعلا من جاره " ~~يستر على نفسه". فإن قيل: كان يجب أن يقال: يلزمه أن لايشرف على غيره، ولا ~~يلزمه أن يستر سطحه. قيل: لا يمكنه في العادة أن لايشرف على غيره إلا ببناء ~~ستره، لأنه قد يسهو أو يغفل عن ترك الإشراف لظهوره عليه. ويمنع أهل الذمة ~~من تعلية أبنيتهم على أبنية المسلمين، فإن ملكوا أبنية عالية احتمل أن ~~يقروا عليها، ويلزموا أن يستروا سطوحهم. ويأخذ أهل الذمة بما شرط في ذمتهم، ~~من لبس الغيار، والمخالفة في الهيئة، وترك المجاهرة بقولهم في عزيز ابن ~~الله، والمسيح ابن الله. ويمنع عنهم من تعرض لهم من المسلمين بسب أو أذى، ~~ويؤدب عليه من خالف فيه. وإذا كان في أئمة المساجد السابلة والجوامع ~~الحافلة من يطيل الصلاة حتى يعجز عنها الضعفاء وينقطع بها ذوو الحاجات أنكر ~~ذلك عليه كما أنكر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على معاذ حين ms246 أطال ~~الصلاة بقومه، وقال: " أفتان أنت يا معاذ؟ ". PageV01P304 # فإن أقام الإمام على الإطالة، ولم يمتنع منها، لم يجز أن يؤدبه عليها، ~~ولكن يستبدل به من يخففها. وإذا كان في القضاة يحجب الخصوم إذا قصدوه، ~~ويمتنع من النظر بينهم إذا تحاكموا إليه حتى تقف الأحكام، وتستضر الخصوم، ~~فللمحتسب أن يأخذ - مع ارتفاع الأعذار- بما ندب له من النظر بين المتحاكمين ~~وفصل القضايا بين المتشاجرين، ولا تمنع علو رتبته من إنكار ما قصر فيه. ~~وإذا كان في سادة العبيد من يستعملهم فيما لا يطيقون الدوام عليه كان منعهم ~~والإنكار عليهم موقوفا على استعداء العبيد، إلا على وجه الإنكار والغلظة، ~~وإذا استعدوه منع حينئذ وزجر. وإذا كان في أرباب المواشي من يستعملها فيما ~~لا تطيق الدوام عليه أنكره المحتسب عليه. ومنعه منه، وإن لم يكن فيه مستعد ~~إليه، فإن ادعى المالك احتمال الدابة لما يستعملها فيه، جاز للمحتسب أن ~~ينكر فيه؛ لأنه وإن افتقر 'إلى اجتهاد فهو عرفي يرجع فيه إلى عرف الناس ~~وعادتهم وليس باجتهاد شرعي. وإذا استعداه العبد في امتناع سيده من كسوته ~~ونفقته جاز أن يأمره بها ويأخذه بالتزامها. PageV01P305 # ولو استعداه من تقصير سيده فيها، لم يكن له في ذلك نظر ولا إلزام لأنه ~~يحتاجح في التقدير إلى اجتهاد شرعي، لأن التقدير منصوص عليه ولزمه غير ~~منصوص عليه. وقد قال أحمد في رواية عبد الله " حق المملوك يشبعه ويكسوه". ~~ولا يكلفه ما لا يطيق. وإذا بلغ المملوك زوجه، فإن أبى تركه". وقال في ~~رواية حرب: وقد سئل " هل يستعمل المملوك بالليل؟ قال: لا يسهره ولا يشق ~~عليه ويخفف عنه". وللمحتسب أن يمنع أرباب السفن من حمل ما لا تسعه، ويخاف ~~منه غرقها، وكذلك يمنعهم من المسير عند اشتداد الريح، وإذا حمل فيها الرجال ~~والنساء يحجز بينهم بحائل، وإذا اتسعت السفن نصب النساء مخارج للبراز لئلا ~~يتبرجن عند الحاجة. # وإذا كان في أهل الأسواق من يختص بمعاملة النساء راعى المحتسب سيرته ~~وأمانته، فإذا تحققها منه أقره على معاملتهن، وإن ظهرت منه الريبة ms247 وبان ~~عليه الفجور، منعه من معاملتهن وأد به على التعرض لهن. وقد قيل: إن الحماة ~~وولاة المعونة أخص بإنكار ذلك، لأنه من موانع الزنا. وينظر والي الحسبة في ~~مقاعد الأسواق، فيقر فيها ما لا ضرر على المارة فيه، ويمنع ما استضر به ~~المارة، ولا يقف منعه على الاستعداء إليه. وقد قال أحمد في رواية حرب " في ~~الرجل يسبق إلى دكاكين السوق، فمن سبق غدوة فهو له إلى الليل". وهذا يقتضي ~~جواز مقاعد الأسواق. وقال في رواية إسحاق بن إبراهيم " البيع على الطريق ~~مكروه". فقد منع من ذلك. وإذا بنى قوم في طريق سابل منع منه، وإن اتسع له ~~الطريق، ويأخذهم بهدم ما بنوه، وإن كان المبني مسجدا، لأن مرافق الطرق ~~للسلوك لا للأبنية. وقد قال أحمد في رواية المروزي " هذه المساجد التي بنيت ~~في الطرقات حكمها أن تهدم". وقال في موضع آخر " هذه المساجد أعظم جرما، ~~يخرجون المسجد، ثم يخرجون على أمره". وإذا وضع الناس الأمتعة وآلا ت ~~الأبنية في مسالك الشوارع والأسواق ارتفاقا لينقلوه حالا بعد حال، مكنوا ~~منه، وإن لم يستضر به المارة، ومنعوا منه إن استضروا به. ويمنعهم من إخراج ~~الأجنحة والساباطات، ومجاري المياه، وآبار الحشوش سواء أضر أو لم يضر، كما ~~يمنع البناء في الطريق. PageV01P306 # وقد قال أحمد في رواية المروزي" في الرجل يحفر في فنائه البئر أو المخرج ~~المعلق: لا، هذا طريق المسلمين" قيل له: " إنما هي بئر تحفر ويسد رأسها؟ ~~قال: أليس هي في الطريق؟ ". ولوالي الحسبة أن يمنع من نقل الموتى من قبورهم ~~إذا دفنوا في مالك أو مباح، إلا من أرض مغصوبة، فيكون لمالكها أن يأخذ من ~~دفنه فيها بنقله منها، أو يكون أرضا لحقها سيل أو ندى فيجوز. قال في رواية ~~أبي طالب: في الميت يخرج من قبره إلى غيره " إذا كان من شيء يؤذيه قد حول ~~طلحة". # وقال في رواية المروزي " في قو دفنوا في بساتين ومواضع رديئة، فقال " قد ~~نبش معاذ امرأته، وكانت قد كفنت في خلقان فكفنها، ولم ms248 ير بأسا أن يحولها". ~~ويمنع من خصاء الآدميين والبهائم، ويؤدب عليه. وقد قال أحمد في رواية حرب - ~~وقد سئل عن خصاء الدواب والغنم للسمن وغير ذلك - فكرهه، إلا أن يخاف عضاضه. ~~قال في رواية البرتي القاضي - وقد سئل عن خصاء الخيل والدواب فكرهه، إلا من ~~عضاض. ويمنع من خضاب الشيب بالسواد في الجهاد وغيره. قال في رواية إسحاق بن ~~منصور: قلت لأحمد: " يكره الخضاب بالسواد؟ قال: إي والله مكروه". ولا يمنع ~~من الخضاب بالحناء والكتم قال في رواية حنبل: " أحب إلى من الخضاب الحناء ~~والكتم " وقال: " ما أحب لأحد أن يغير الشيب ولا يتشبه بأهل الكتاب". ويمنع ~~من التكسب بالكهانة واللهو، ويؤدب عليه الآخذ والمعطي. PageV01P307 # وقد قال أحمد في رواية الفرج بن علي الصباح البرزاطي: في الرجل يزعم أنه ~~يعالج المجنون من الصرع بالرقى والعزائم، ويزعم أنه يخاطب الجن ويكلمهم، ~~ومنهم من يخدمه ويحدثه " ما أحب لأحد أن يفعله، وتركه أحب أحب إلي". وقد ~~روى أبو حفص في كتاب الإجارات بإسناده " أن أبا بكر شرب لبنا. فقيل له: إنه ~~من كهانة تكهنها النعيمان في الأهلية: فقام فاستقاء". قال أبو بكر المرزوي: ~~سألت أبا عبد الله عن شيء من أمر الروع؛ فاحتج بحديث أبي بكر الصديق - رضي ~~الله عنه - في الفيء. وهذا فصل يطول أن يبسط، لأن المنكرات لا ينحصر عددها ~~فيستوفي، وفيما ذكرناه دليل على ما أغفلناه. وأنا أسأل الله تعالى حسن ~~التوفيق لما ذكرتن وعونا على ما شرحت، وأرغب إليه في التوفيق لما يرضيه، ~~وأعوذ به من سخطه وكل معاصيه بمنه وكرمه، وهو حسبي ونعم الوكيل. ms249